تحميل رواية «ليتني لم احبك» PDF
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بمدينة الأسكندرية عروس البحر المتوسط تمشي بثقة بذلك الممر المؤدي لغرفة مدير الجريدة. وقفت أمام الباب وقبل أن تطرق تنهدت بعمق، فهي ما أن تدخل من ذلك الباب ستبدأ الشجار معه كما اعتادت يومياً. سمح لها بالدخول وما أن دخلت قال بغضب جملته المعتادة والتي أصبحت تحفظها على ظهر قلب، فاليوم سيكون ناقصًا إن لم تحدث تلك المشاجرة وتسمع تلك الكلمات: "أهلاً باللي ربنا بعتها ليا عشان تكفر عن ذنوبي." كتمت ضحكتها وقالت بمشاكسة: "صباح النور يا أستاذ مدحت." مدحت بغضب: "صباح زفت ومنيا على دماغك ودماغ اللي شغلك عنده."...
رواية ليتني لم احبك الفصل الأول 1 - بقلم شهد الشوري
بمدينة الأسكندرية عروس البحر المتوسط
تمشي بثقة بذلك الممر المؤدي لغرفة مدير الجريدة. وقفت أمام الباب وقبل أن تطرق تنهدت بعمق، فهي ما أن تدخل من ذلك الباب ستبدأ الشجار معه كما اعتادت يومياً.
سمح لها بالدخول وما أن دخلت قال بغضب جملته المعتادة والتي أصبحت تحفظها على ظهر قلب، فاليوم سيكون ناقصًا إن لم تحدث تلك المشاجرة وتسمع تلك الكلمات:
"أهلاً باللي ربنا بعتها ليا عشان تكفر عن ذنوبي."
كتمت ضحكتها وقالت بمشاكسة:
"صباح النور يا أستاذ مدحت."
مدحت بغضب:
"صباح زفت ومنيا على دماغك ودماغ اللي شغلك عنده."
وضعت يدها على فمها لتداري ضحكتها.
ليتابع هو بغضب:
"أنتي مش هترتاحي غير لما تقفلي الجريدة دي، وقبل كل ده مش هتسكتي غير لما تنهي حياتك بإيدك."
لترد هي بكل جدية:
"سبق وقلت لحضرتك إني مش هسكت غير لما أكشف حامد صفوان للكل. أنا مش بعمل حاجة غلط، أنا بكشف حقايق للناس."
مدحت بحدة:
"أنتي بتعاملي مع الموضوع على كأنه انتقام للي حصل من حوالي كام شهر، مش على أساس إنه راجل فاسد عايزة تكشفيه وتبيني حقيقته للناس."
جيانا بغضب بدأ يتملك منها:
"مفرقتش، اللي الاتنين بيودوا لنتيجة واحدة. قولتهالك قبل كده وهقولهالك تاني، يا جوز خالتي يا أنا يا حامد صفوان. هفضل وراه ومش هسيبه غير لما آخد حقي، يا أنا يا هو."
وقالتها وغادرت المكتب بغضب متوجهة لمكتبها. كلما تتذكر ما فعله ذلك الحقير بها منذ ذلك الحادث التي تعرضت له تقسم أنها ستريه العذاب.
لكن صبرًا، فكل شيء بوقته جميل.
بأحد القصور الضخمة يجلس ذلك الرجل ويقرأ ذلك المقال الذي كُتب عنه بأحد الصحف الشهيرة، وعيناه تشع غضبًا شديدًا.
ليصرخ بغل وغضب بعد أن انتهى من قرأته:
"البت دي مش ناوية تجيبها لبر ولا إيه."
ليرد ذراعه اليمين ويدعى (حسين):
"يا حامد باشا دي من ساعة ما قرصنا ودنها من كام شهر وهي مش ساكتة وبتنخرب ورانا أكتر من الأول."
حامد بشر:
"تبقى هي السبب في اللي هيحصلها. دبور وزَن على خراب عشه."
حسين بجدية:
"تأمر بأيه يا باشا."
حامد بشر:
"عينك تفضل عليها أربع وعشرين ساعة ما تغيبش عني، وأنا هتصرف بمعرفتي."
أومأ له الرجل واستأذن منه وخرج ليردد الآخر بتوعد وشر:
"خلاصك هيبقى على إيدي يا بنت النويري."
صباحًا بأحد الدول الأوروبية وتحديداً بألمانيا.
كانت تلك تلك الجميلة صاحبة البشرة البرونزية تركض بالشوارع تمارس الرياضة كعادتها كل يوم صباحًا.
جلست على أحد المقاعد الخشبية الموجودة بالطريق تلتقط أنفاسها، ثم أخرجت هاتفها تتصل بصديقتها الوحيدة التي تعرفت عليها صدفة وكانت أجمل صدفة حقًا.
ما أن أجابت الأخرى قالت هي بابتسامة:
"جيانا أخبارك إيه."
لترد الأخرى بابتسامة وحب:
"الحمد لله، طمنيني أنتي أخبارك إيه وناوية تنزلي مصر إمتى بقى يا رونزي."
لترد الأخرى بسعادة:
"أنا يا ستي خطوبتي بعد عشر أيام وهنزل مصر بكرة عشان العريس مصري وهيستقر في مصر، فبالتالي أنا هعيش في المكان اللي هيعيش فيه جوزي."
ضحكت جيانا وقالت بصدمة:
"آه يا سوسة هتتخطبي كده مرة واحدة ومخبية عليا، إيه كنتي ناوية تقوليلي يوم الفرح."
ضحكت رونزي وقالت:
"كل حاجة جت صدفة صدقيني. هو عرض عليا الجواز من يومين واتفقنا على كل حاجة."
جيانا بابتسامة:
"اتعرفت عليه إزاي."
رونزي بابتسامة:
"كان فيه شغل بينه وبين بابا وشوفته صدفة واتقابلنا كذا مرة."
ابتسمت جيانا بسعادة من أجلها وقالت:
"اسمه إيه صحيح."
كادت أن تجيب رونزي ولكن اهتز الهاتف في يدها معلنًا عن وصول مكالمة أخرى لها.
فقالت سريعًا:
"سوري يا جيجي مضطرة أقفل، بيرن عليا."
ضحكت جيانا وقالت:
"روحي يا أختي كلميه، بس اتئلي كده."
ضحكت رونزي وأغلقت معها الهاتف لتجيب عليه سريعًا.
بينما جيانا جلست على الأريكة بكتبها تنظر أمامها بشرود. حالة رونزي والحماس الذي تشعر به الآن كانت تشعر به قديمًا مثلها تجاه شخص لا يستحق.
أوصدت عينيها وتلك الجملة تتردد بأذنها منذ سبعة أعوام:
"حبك نعمة كبيرة وغبي اللي يفرط في الحب ده ويضيعه من إيده."
ابتسمت بسخرية، لقد كان أول من أضاعها من بين يديه، كان أول من فرط بها وبحبها، بل كان أول من يلقنها درسًا بالحياة وعنوانه هو: لا تثقي في الرجال.
نفضت تلك الذكريات عن رأسها، لن تفكر به، لا يستحق حتى مجرد أن يخطر على بالها، أصبح ماضي وانتهى.
جلست خلف مكتبها تتابع عملها بتركيز شديد متجاهلة تلك الذكريات التي عصفت بعقلها الآن.
بأحد المناطق الراقية التي تدل على ثراء من يسكنها.
بتلك البناية الكبيرة والفخمة وتطل على البحر مباشرة، مكونة من طوابق عديدة وهي ملكًا للمحامي الكبير أكمل النويري.
الذي اتخذ آخر ثلاث طوابق له ولعائلته، حيث أن آخر طابقين متصلين ببعض ويمكث فيهم برفقة زوجته حنان وأبنائه جيانا وتيا ورامي.
أما الطابق الذي أسفلهم فيمكث فيه آسر ابن أخيه الراحل يحيى وزوجته والذين توفوا في حادث منذ عامين تقريبًا.
بمنزل أكمل النويري.
بالطابق الثاني بتلك الغرفة التي يطغى اللون الأبيض على كل جزء منها ويتداخل معه اللون الزهري.
مكونة من مرحاض ويتوسط الغرفة فراش كبير وخزانة ملابس كبيرة بعرض الحائط ومكتب صغير وطاولة للزينة.
وهي غرفة تيا أكمل النويري الابنة الوسطى.
استيقظت من نومها لتدخل للمرحاض وبعد وقت خرجت وأدت فرضها.
ثم ارتدت ملابسها وهي فستان طويل باللون الزهري الفاتح وحجاب باللون الأبيض وأخذت متعلقاتها.
ونزلت للأسفل حيث والدتها، فبالتأكيد ذهب والدها للعمل.
وجدت والدتها حنان تجلس على الأريكة ببهو المنزل تشاهد التلفاز.
اقتربت منها وقالت:
"ماما أنا رايحة الجامعة وهخلص محاضرات وأرجع."
حنان بابتسامة:
"ماشي يا حبيبتي بس استني افطري الأول."
تيا بابتسامة:
"هبقى أفطر في الجامعة عشان مستعجلة. مع السلامة."
غادرت لتقول هي بدعاء:
"ربنا يوفقك يا تيا يا بنتي ويهديكي يا جيانا."
انتفضت بفزع عندما شعرت بابنها يلقي نفسه على الأريكة بجانبها وهو يقول بغيظ:
"طبعًا تدعي لتيا وجيانا وأنا لأ، ما أنا ابن البطة السوداء."
نظرت له بغيظ وما أن مسكت خفها انتفض هو من مكانه وهو يقول بمرح:
"لا كله إلا الشبشب."
ألقت به بوجهه وهي تقول بغيظ:
"امشي من وشي يا حيوان."
نظر لها بغيظ وقال بغرور وهو يخرج من باب المنزل:
"همشي أنا، أصلًا خسارة في البيت ده وربنا ما أنا قاعدلكم فيه. أنا هنزل أضيع مع صحابي، سلام يا مزة."
ضربت يدها بالأخرى وهي تقول:
"عوضني عوض الصابرين يارب."
تركب التاكسي وهي تعبث بهاتفها لكن توقفت السيارة فجأة.
نظرت للسائق وقالت:
"وقفت ليه يا أسطى."
ليرد الرجل ذو الوجه البشوش وكان كبير في السن:
"معلش يا بنتي البنزين خلص، انزلي خدي تاكسي تاني معلش."
أومأت له وقالت بابتسامة:
"ولا يهمك."
ثم أخرجت النقود وأعطتها له ونزلت تقف بانتظار تاكسي آخر.
وأخيرًا وجدت واحدًا فاشارت له وقالت:
"تاكسي."
بنفس الوقت جاء شخص آخر وهو يقول:
"تاكسي."
اقتربت من التاكسي وكادت أن تركب وجدت ذلك الرجل يفتح الباب وكاد أن يركب.
لتقول له بهدوئها المعتاد:
"لو سمحت حضرتك أنا وقفته قبلك، ممكن تشوف تاكسي تاني."
ليرد عليها بضيق:
"أنا شاورتله قبلك، شوفي أنتي واحد تاني. أنا مش ناقص عطله."
تنهدت بضيق وقالت:
"أنا كمان عندي محاضرة ومتأخرة، فلو سمحت سيبني أركب وشوف تاكسي تاني."
ليرد هو بضيق:
"مليش فيه، أنا وقفته وهركب. تتصرفي أنتي. كانت ناقصاكي انتي كمان ع الصبح."
إلى هنا وفقدت هدوءها لتقول بعصبية ولكن ليس بصوت عالي:
"جرى إيه يا أستاذ، ما تتكلم باحترام وخلي عندك ذوق. إيه كانت ناقصاكي ومش ناقصاكي دي؟ بني آدم قليل الذوق."
ليهدر فيها بغضب:
"جرى إيه يا بت انتي، ما تلمي نفسك واظبطي كده. واعرفي أنتي بتكلمي مين. ده أنا أوديكي ورا الشمس."
تيا بغضب وغيظ:
"هكون بكلم مين يعني غير بني آدم قليل الذوق ومترباش عشان يمشي يكلم الناس بقلة الذوق دي ويشوف نفسه عليهم. وبلاش تهدد عشان أنا كمان ممكن أهدد زيك، بس أهلي علمني إني ما أشوفش نفسي على حد أقل مني في الأخلاق والتربية، وكله."
كاد أن يرد عليها بعجرفة ويلقنها درسًا.
ليقاطعهم صوت السائق وهو يصيح بضجر:
"ما تخلصونا بقى يا أخونا، ورانا أكل عيش مش طالبة خناق الصبح."
نظرت له بغيظ وأوقفت تاكسي آخر وأملته العنوان لتغادر تاركة ذلك المغرور يكاد ينفجر من شدة الغيظ.
في ألمانيا.
بذلك المنزل الكبير ذو الذوق الرفيع يجلس ذلك الرجل على الأريكة ببهو المنزل ويضع قدمه فوق المنضدة التي أمامه.
والظلام يعم المكان وهو ينظر للفراغ بشرود.
يفكر هل ما فعله صحيح؟ تلك الخطوة التي اتخذها بدون مقدمات خطأ أم صواب؟
ليدخل في حرب مع قلبه الذي يتعارض مع عقله فيما فعله الآن وقديمًا.
قلبه يريد وصال أخرى أضاعها من بين يديه.
أما عقله يريد تخطي تلك التجربة التي عاشها في الماضي.
وأن يبدأ من جديد، لعله يستطيع النسيان.
لينتهي ذلك النقاش بقوله تلك الجملة مثل كل مرة.
يفكر بذلك الأمر وهي أن من يريدها لا تناسبه، وكفى تفكير بها.
انتبه على رنين هاتفه فالتقطه ليجيب على ابن عمه الذي رد بمشاكسة:
"إيه يا عريس، أخيرًا قررت ترفق بينا وتنزل مصر وتستقر بدل ما أنت قاضيها سفر رايح جاي."
ابتسم فريد وقال:
"آه يا أخويا، أخيرًا."
ثم تابع بجدية:
"أخبار الشغل عندك إيه."
أيهم بجدية مماثلة:
"كويس."
ثم تابع بوقاحة:
"مجهزلك حتة سهرة إنما إيه، لا تقلي مزز ألمانيا ولا بتاع. الواد أركان كلمته امبارح وهيظبط الدنيا."
ضحك فريد وقال بيأس:
"مش ناوي تبطل عك وقلة أدب أنت وهو بقى."
أيهم بسخرية:
"شوفوا مين بيتكلم، حبيب قلب البنات. يا بني ده أنت تخطيت الرقم القياسي في العك وقلة الأدب."
أوصد فريد عينيه بسخرية، ومع ذلك يصعب عليه نسيانها. كلما اقترب من أخرى يتخيلها هي التي بين أحضانه ويردد اسمها بشغف، لكن كل مرة يستيقظ يشعر بالاشمئزاز من ذاته.
لكن يبرر لنفسه كل مرة هي السبب وهي من أوصلتهم إلى هنا.
آخر مرة رآها، ألقته بنظرة احتقار واشمئزاز، لن ولن يستطيع نسيانها أبدًا.
أفاق من شروده على صوت ابن عمه يصيح فيه:
"أنت يا بني روحت فييييين."
"بتقول حاجة."
أيهم بتساؤل:
"سرحت في إيه؟ بقالي ساعة بكلمك ومش بترد."
فريد ببرود مصطنع:
"مفيش ولا حاجة."
يريد أن يسأله على شيئًا ما، لكنه يشعر بالتردد بعدما جاء هذا السؤال بمخيلته الآن.
ترى كيف هي الآن؟ هل تزوجت؟ هل أحبت؟ كيف تعيش حياتها؟ هل ما زالت كما هي أم تغيرت...؟؟
الكثير والكثير من الأسئلة عصفت برأسه الآن.
لكنه حسم أمره، لن يسأله.
أنهى معه المكالمة سريعًا وارتدى ملابسه وذهب للشركة ليباشر عمله.
بأحد الجامعات الخاصة بكلية التجارة.
في الكافتيريا تجلس تيا مع زميلاتها الاثنان، رغد ومير.
رغد بغيظ:
"أما مش عارفة امتحان إيه ده اللي يعملوه وإحنا لسه بادئين دراسة مبقالناش شهر ونص."
مير بضيق:
"يلا هنعمل إيه. هضطر ألغي سفرية الجونة، كان نفسي أروح."
تيا بابتسامة:
"يا بنتي ارحمي نفسك بقى، أنتي حياتك كلها سفر. ركزي في دراستك دي آخر سنة."
رغد بضحك:
"سيبك منها دي، كل اللي بتفكر فيه هتسافر فين بعد ما تروح الجونة وترجع."
مير بغيظ:
"إنتوا هتمسكني تريقة إنتوا الاتنين ولا إيه. ثم تابعت بحماس: متنسوش الأسبوع الجاي عيد ميلادي، هستناكم وإنتي يا تيا ابقي خلي جيانا تيجي معاكي هي ورامي."
أومأت لها تيا وقالت برقتها المعتادة:
"حاضر."
استمر الحديث بينهم خمس دقائق ثم توجه الثلاثة للمحاضرة الثانية.
انقضى اليوم سريعًا ليحل المساء.
كانت تيا تجلس بغرفتها وتضع الحاسوب أمامه.
تبحث عن شركة لتستطيع أن تتدرب بها مثلما سيفعل الباقي من الطلاب بالجامعة.
بحثت كثيرًا ووجدت العديد من الأماكن يمكن أن تتدرب بها، ولكن الأغلبية يضعون شروط للتدريب مثل التقدير ويجب أن تكون أخذت بعض الدورات التعليمية وأن تكون تتقن لغة.
تنهدت بعمق، جميع الشروط تتوافر لديها، لكن يجب أن تختار شركة أو بنك من هؤلاء.
بحثت عن كل منهم واختارت الأفضل وعزمت على أن تذهب للتقديم غدًا.
دعت ربها أن يوفقها.
أغلقت الحاسوب ثم ذهبت لتدرس قليلاً قبل أن تغفو.
في قصر فخم وكبير يدل على الثراء الشديد لمن يسكنه.
هو قصر الزيني.
يلتف الجميع حول مائدة الطعام الكبيرة يتناولون الطعام بصمت.
قطعه كبير صلاح الزيني بقوله:
"أيهم فين."
ليرد جمال ابنه الأصغر ووالد أيمن:
"خلص شغل وخرج مع أصحابه."
صلاح بتهكم:
"هي شلة الصيع دول يتسموا أصحاب."
ثم تابع حديثه موجهًا لابنه الأكبر محمد:
"أنا سكت كتير على طيش ابنك إنت وجمال، إنما للصبر حدود. إن مكنتش عارف إنت وهو تربوا عيالكم أنا هربيهم."
لتتدخل دولت زوجة محمد:
"أنا ابني متربي يا عمي، وبعدين هو هيتجوز خلاص أهو، بعدين يعمل اللي يعمله طالما سيرة العيلة محدش لمسها."
صلاح بغضب وسخرية:
"أنا مش عارف كنت مستني إيه منه، طبعًا كان لازم أتوقع التصرفات دي طالما أنتي أمه...أمه اللي محاسبتهوش على غلطاته وماشية معاه طالما كله في الدرج."
تنهدت بغضب وقال:
"بتقوليلي متربي، آه ما أنا عارف، ما هو الشرب والسهر كل ليلة والنوم مع واحدة كل يوم من أصول التربية."
محمد باعتراض:
"بابا."
صلاح بغضب:
"إنت تخرس خالص. ده إنتوا العيشة معاكم تقصر العمر وتقرف. واحد رامي بنته ومش يعرف عنها حاجة غير اسمها، وكله عشان خاطر عيون دولت هانم. والتاني وقف حياته على موت مراته، والتانية معرفتش تربي عيالهم وطلعتهم طماعين والغل والحقد مالي قلوبهم."
قالها وغادر غرفة الطعام تحت نظرات الحزن من جمال والضيق من محمد والغل الشديد من دولت التي تكره ذلك الرجل وبشدة.
انتهى اليوم سريعًا ليبدأ يوم جديد مليء بالأحداث.
بمنزل أكمل النويري.
بغرفة جيانا ارتدت ملابسها وهي بنطال جينز أسود وتي شيرت بحمالات رفيعة باللون الأبيض وقميص أحمر به خطوط عديدة ومتداخلة وحذاء رياضي باللون الأبيض.
وأخذت الكاميرا الخاصة بها وحقيبة ظهرها البيضاء ومتعلقاتها بعد أن رفعت شعرها بعشوائية.
ثم نزلت للأسفل حيث غرفة الطعام بينما الجميع يجلس يتناول الطعام بهدوء.
سحبت مقعدها وهي تقول:
"صباح الخير."
ليرد الجميع الصباح.
لتنظر حنان لملابس ابنتها بعدم رضا.
ثم قالت بضيق:
"جيانا إيه رأيك يا حبيبتي تنزلي مع تيا انهارده أو بكرة تشتري كده كام فستان حلوين هيبقوا حلوين أوي عليكي."
جيانا بهدوء:
"حضرتك عارفة إني مش بحب الفساتين، أنا مرتاحة في هدومي دي أكتر."
حنان بحدة نفاذ صبر:
"بس أنا قولت يبقى تعملي اللي أنا قولته، إيه ملكيش كبير ومش بتسمعي كلام حد. أنا زهقت منك ومن تصرفاتك اللي لا تطاق دي، حسسيني مرة واحدة إني مخلفة بنتين مش واحدة."
ابتلعت غصة مريرة بحلقها دون أن تدري والدتها أنها بحديثها ضغطت على جرحها الغائر دون أن ترفع رأسها تجاه أي أحد.
أخذت أغراضها ثم غادرت المنزل متوجهة لعملها دون أن تقول أي كلمة، متجاهلة نداء أختها عليها وكذلك رامي.
بعد أن غادرت صعد ذهب رامي لمدرسته فهو في الصف الثاني الثانوي.
أما تيا فذهبت لموعدها.
التفت أكمل لحنان وقال:
"ليه كده يا حنان، أنا قولتلك هتكلم معاها."
حنان بحزن:
"أهو اللي حصل بقى. مش هاين عليا أفضل ساكتة وأنا شيفاها دافنة نفسها في الشغل ومش عايشة حياتها زي باقي البنات، دي بقى عندها ٢٦ سنة يعني اللي في سنها متجوزين ومخلفين بدل العيل اتنين."
تنهد أكمل بضيق وقال:
"سيبها انهارده وبكرة الصبح أنا هكلمها."
ثم تابع بتذكر:
"صحيح، قالتلي امبارح إن صحبتها جايه تقعد معانا فترة لحد فرحها، فجهزي ليها أوضتها."
أومأت له وقالت:
"حاضر."
قبل رأسها ثم غادر هو الآخر متوجهًا لعمله وعقله مشغول بابنته التي يشعر أنها تخفي شيئًا، ليس منذ فترة بل منذ زمن.
وصلت لمكان عملها ثم صعدت لمكتبها سريعًا ثم دخلت وأغلقت الباب لترتمي على أقرب مقعد لها تتنفس بقوة.
كلمات والدتها أثرت بها كثيرًا.
لا أحد يفهمها ويشعر بها، الجميع يظن أن سبب رفضها للزواج أنها تحب عملها ولا تريد الانشغال عنه، يظنون أنها قوية.
لكن لا يعلمون أن بداخل تلك الفتاة القوية فتاة حزينة تريد شخص يحبها مثل ما هي بدون شروط.
تريد شخص يتحملها بكل ما فيها، وتقسم أنها ستتغير لأجله.
لكنها لم تجد من أحبته من قلبها بكل صدق خذلها، وليس هناك أسوأ من شعور الخذلان.
ذهبت للمرحاض الموجود بمكتبها وأخذت تصفع وجهها بالماء.
ثم جففت وجهها وخرجت لتتابع عملها بتركيز.
بعدما نفضت تلك الذكريات بعيدًا عن رأسها.
جاءها اتصال من مكتب المدير لكي تذهب له.
تنهدت بعمق وذهبت له وما أن دخلت قال لها بابتسامة:
"تعالي يا ستي اقعدي، عايزك في شغل مهم."
أومأت له وقالت بعد أن جلست على المقعد الموجود أمام مكتبه:
"اتفضل حضرتكم."
مدحت بجدية:
"طبعًا أنتي أكيد عندك خبر بالمستشفى الخيرية اللي بناها رجل الأعمال أيمن الغانم."
أومأت له ليتابع هو قائلاً:
"حفلة افتتاح المستشفى هتكون بعد ٣ أيام. هتروحي أنتي ونادين وهند تغطوا الحفلة دي بدل مكرم وتعملوا لقاء صحفي مع الموجودين وتصوروا كل حاجة لأنه هيبقى بث مباشر على صفحتنا."
تنهدت بعمق وقالت:
"حاضر. حاجة تانية."
مدحت بابتسامة:
"لا يا ستي مفيش. قوليلي بقى مالك، باين عليكي متضايقة. حصل حاجة معاكي."
جيانا بابتسامة باهتة:
"مفيش، اتخانقت مع ماما كالعادة."
"طبعًا عشان نفس الموضوع."
أومأت له بنعم ثم قالت بمرح باهت:
"يلا أنا أصلًا اتعودت خلاص. لو عدى يوم الصبح من غير ما أسمع الكلمتين يومي ما يكملش."
ضحك مدحت بخفوت. فاستأذنت منه وغادرت بعد أن أخبرته أنها ستذهب باكرًا لأن لديها موعد.
رواية ليتني لم احبك الفصل الثاني 2 - بقلم شهد الشوري
أتى المساء سريعًا لتستعد جيانا للذهاب للمطار لتستقبل رفيقتها وخطيبها من السفر.
أخذت أغراضها وغادرت سريعًا لتوجه للمطار، وبعد وقت توقفت بسيارتها في الخارج ودخلت.
جلست لتنظر، لتأتِ.
أخذت تبحث بعينيها يمينًا ويسارًا لعلها تجدها، لكنها لم تراها.
شعرت بيد توضع على عينيها وصوت تعرفه جيدًا يقول بسعادة: "أنا مين؟"
"جيانا!" بمرح وضحك: "انت اللي بحبه أنا."
"رونزي!" بسعادة وهي ترمي بين أحضنها: "قلباااااي! خش في حضن أخوك يا فواز!"
ضحكت جيانا واحتضنتها باشتياق وقالت: "وحشتيني يا بت!"
ضحكت رونزي وابتعدت عنها ودارت حول نفسها وهي تقول بغرور مصطنع: "إيه رأيك فيا؟ بقيت مزة صح؟"
"جيانا!" بضحك: "طول عمرك."
"رونزي!" بضحك: "أنتي بقى ما اتغيرتيش يا بنتي، نفسي مرة أشوفك بفستان، حققي ليا أمنيتي."
ضحكت جيانا وقالت: "سيبك مني وقوليلي فين خطيبك ده؟"
"رونزي!" وهي تجلس على المقعد خلفها: "بيخلص الورق وجاي ورايا."
أومأت بها جيانا، وأخذ الاثنان يتحدثون سويًا ليمر قليل من الوقت.
لتتأفف رونزي بتعب وهي تقول: "مش عارفه اتأخر ليه ده، هكلمها وأسأله."
تحدثت معه ليخبرها أنه سيحتاج بعض الوقت، يمكنها الذهاب برفقة صديقتها وهو سينهي كل شيء ويرحل ويراها في الصباح.
"رونزي!" بتعب: "خلينا احنا نمشي بقى، هو لسه مطوّل."
أومأت لها جيانا وأخذوا الحقائب، وبعد أن وضعوها بحقيبة السيارة غادروا متوجهين لمنزل جيانا.
بعد وقت، دخلت جيانا برفقة رونزي التي دخلت المنزل ببعض الخجل.
وصافحت حنان التي رحبت بها بابتسامتها البشوشة، وبعدها أكملت.
"وتيا ورامي."
"رونزي!" بحرج: "احم... اسفه لو هسبب لكم إزعاج بوجودي."
أكمل بابتسامة: "متقوليش كده يا بنتي، ده بيتك، لا إزعاج ولا حاجة، ده أنتي زي بنتنا وجيانا وتيا ورامي زي أخواتك، ولا إيه؟"
ابتسمت رونزي بسعادة وقالت بصدق: "أكيد طبعًا أخواتي يا أونكل."
"حنان!" بابتسامة حنونة: "تعالي أوديكي أوضتك عشان ترتاحي من السفر لحد ما الأكل يجهز."
أومأت لها رونزي وذهبت برفقتها، وأخذتها حنان لغرفة الضيوف وشكرتها رونزي.
وبعد وقت تناولوا الطعام سويًا ليخلد الجميع للنوم بعد يوم شاق.
في قصر الزيني.
يقف الجميع مرحبًا به باشتياق كبير، عدا صلاح الزيني.
يقف ينظر لحفيده ثم قال بسخرية: "فرع الشركة اللي في ألمانيا حد ثقة هيسافر يديره، وانسى إنك تسافر تاني. وإن كنت فاكر إنك لو سافرت أنا مش هعرف بالنسخة اللي كنت بتعملها هناك تبقى غلطان."
ثم نظر لأيهم أيضًا وقال: "الظاهر إن انتوا متربتوش كويس وأنا هعرف أربيكم، انتوا وفادي وهايدي، ولو وصلت إن آخد منكم الفلوس اللي عاملين تصرفوها على المسخرة وقلة الأدب هعملها يا ولاد الزيني."
ثم نظر لمحمد وقال بصرامة: "من بكرة هبعت لبنتك تيجي تعيش في بيت العيلة، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل."
قالها وهو ينظر لدولت بقوة.
أما عنها اشتعل الغضب بداخلها.
ليقول فريد بغضب: "البت دي لا هي ولا أمها هيدخلوا القصر ده على جثتي، ولو حصل ودخلوا ه هيحصل اللي مش هيعجب حد فيكم أبدًا."
ابتسمت دولت بداخلها بما قاله ابنها ونظرت لصلاح بتحدي.
ومحمد يقف صامت مثل كل مرة يكون الحديث فيها عن ذلك الموضوع، وكأن من يتحدثوا عنها ليست ابنته.
ليقول صلاح بقوة: "اطلع على أوضتك دلوقتي، وكلامك ده هنتحاسب عليه بعدين يا بن محمد."
تنهد بضيق.
لتقول دولت بتساؤل: "قولي يا فريد فين البنت اللي هتتجوزها؟ كان اسمها رونزي صح؟"
أومأت لها ثم قال بهدوء: "هتقعد عند واحدة صاحبتها لحد ميعاد الفرح، بكرة الصبح هتيجي عشان أعرفكم عليها."
نظر لها صلاح بسخرية ثم صعد لغرفته وهو غاضب من كل من في هذا القصر.
صعد الجميع لغرفهم ليخلدوا للنوم.
أما عنه ما إن دخل لغرفته ارتمي على الفراش ينظر لكل زاوية بالغرفة باشتياق.
وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة صغيرة وهو يتذكر كم كان يعاني بتلك الغرفة سنوات طوال، كان السبب الرئيسي بها والده ووالدته ومشاجرتهم اليومية بسبب امرأة يكرهها من كل قلبه.
تلك الغرفة التي رأى بها حزن وفرح.
جلس على الفراش ينظر للفراغ بشرود.
هنا اعترف لنفسه أنا وقعت في هواها، أحبته بصدق وثقت به، ولكن لم يكن أهلاً بتلك الثقة، بل خذلها.
يومين كانا الفاصل، يومان غيروا حياته رأسًا على عقب.
يومان مضيا وبعدها عانى من ألم فراقها.
يتذكر آخر مرة التقى بها، ماذا حدث؟
يقف أمامها وهي أمامه والنيران تتوسطهم.
هو يناظرها بحزن، وهي تناظره بكل ثبات وقوة.
ما أدهشه حقًا أنها لم تبكي، لم تثور، فقط اكتفت بضحكة فقط، لم تتكلم، لكن عيناها كانت كفيلة لكي تقول ما لم يبوح به لسانها.
عيناها كانت كفيلة لتظهر له ما تشعر به من خذلان.
لقد خذلها ويعرف تمام المعرفة أن أكثر ما يؤلمها شيئان وقد فعلهم هو بكل برود.
يتذكر جملتها جيدًا التي تتردد بأذنه دائمًا: "الخيانة والخذلان، مفيش أسوأ من وجعهم وعلاجهم صعب قوي. الخيانة بتفقد الثقة، والثقة لو خسرناها صعب نرجعها، والخذلان كده بردوا."
أغمض عينيه يحاول طردها من تفكيره، مذكرًا نفسه بأنه عن قريب سيصبح رجل متزوج من أخرى.
لكن لم يستطع.
تنهد بعمق وأغلق عينيه ليذهب في ثبات عميق، متمنيًا لو يراها بأحلامه ولو لمرة واحدة، فهي كأنها عاقبته بأنها حرمته من رؤيتها حتى بأحلامه.
في صباح اليوم التالي بمنزل أكمل النويري.
يجلس الجميع حول طاولة الطعام.
لتقول حنان بابتسامة: "قوليلي يا حبيبتي خطوبتك هتبقى إمتى؟"
"رونزي!" بابتسامة: "بعد عشر أيام."
ابتسمت لها بحنان وقالت: "ربنا يسعدك يا بنتي ويتمملك على خير."
ابتسمت لها رونزي بحب.
لتقول حنان: "قوليلي محتاجة إيه وأنا أساعدك فيه، أنا زي أمي يا حبيبتي، لو احتاجتي حاجة أنا موجودة."
لترد عليها رونزي بحزن وتمني: "صدقيني ياريتك كنتي أمي، متقارنيش نفسك بيها، أنتي أحسن منها."
نظر الجميع لها.
لتقول حنان: "هي والدتك عايشة؟"
"رونزي!" بحزن: "هي ووالدي عايشين بس منفصلين من وأنا عندي سبع سنين، وكل واحد ملهي في شغله وتقريبًا ناسيه إن عندهم بنت."
نظرت لها حنان بشفقة وكذلك الجميع.
لتقول هي لتغير مجرى الحديث: "عارفه يا طنط بصراحة مستغربة إزاي اللي تجيب تيا الرقيقة دي تجيب جيانا."
ضحكت حنان بخفوت بينما نظرت لها جيانا بغيظ.
لتقول حنان بيأس: "نفس السؤال بسأله لنفسي يا بنتي والله."
ضحكت رونزي ورامي الذي نظر لها بهيام وقال: "هيييح! هو في قمر كده؟"
"حنان!" بحدة: "ولد اتأدب!"
"رامي!" بهيام: "اتأدب إيه بس يا حنون، ده أنا عايش مع عفاريت في البيت، يعني معذور لما أشوف العسل ده كله ع الصبح كده."
ضحكت رونزي، أما عن جيانا، وكزته بكتفه.
ثم قالت بغيظ: "اتلم يا حيوان!"
قطع حديثهم رنين هاتف جيانا وقد كان اتصال من العمل يخبروها بضرورة قدومها.
لتغادر سريعًا.
لتقول لرونزي: "سلمي على خطيبك ده لحد ما أشوفه، عندي شغل ولازم أمشي بسرعة."
أومأت لها رونزي.
بعد أن غادرت، استأذنت تيا بالمغادرة بعد أن أخبرت والدها برغبتها في التدريب بأحد الشركات ووافق.
وذهب رامي لمدرسته وأكمل لأعماله.
لتنزل رونزي الأسفل هي الأخرى لتصعد تلك السيارة التي كانت بانتظارها في الأسفل وقد أرسلها لها خطيبها.
بعد وقت، كانت تدخل لقصر الزيني بخطوات متوترة قليلاً.
ليستقبلها فريد الذي ما إن رآته قالت: "فريد أنا متوترة أوي."
ويرد عليها بهدوء: "مفيش داعي للتوتر، اهدي، الكل مستني جوا عايزين يتعرفوا عليكِ."
أومأت له ودخلت معه للصالون حيث يجلس كلاً من جده ووالديه وعمه وابنه وعمته وأبنائها.
اقتربت دولت من رونزي بخطوات ثابتة.
ليقول فريد معرفًا إياهم ببعض: "دولت هانم تبقى والدتي، ودي رونزي يا أمي."
قيمتها دولت من أعلاها لأسفلها، ولا تنكر أنها أعجبتها حقًا، رأت أنها مناسبة لابنها من جميع النواحي، من عائلة ثرية وذات هيئة جميلة ومتعلمة والعديد من الأشياء.
سألت ابنها عنها.
أفاقت من شرودها على صوتها وهي تمد يدها لها قائلة باحترام وأدب: "أهلاً بحضرتك يا طنط."
أومأت لها دولت بابتسامة وصافحتها.
ليعرفها على الجميع.
وما إن جاء الدور على هايدي، نظرت لها بغضب وغير وحقد.
لتتعجب رونزي من نظراتها لها، فمدت يدها لها لتصافحها، لترفض هايدي أن تصافحها واكتفت بقول: "أهلًا."
لتشعر الأخرى بالحرج وتخفض يدها.
وجاء الدور على فادي لتتعرف عليه، ولكن نظراته لها لم تعجبها، فكان ينظر لها بحراءة وتفحص وعيناه مليئة بالمكر.
لم تصافحه واكتفت بابتسامة صغيرة مصطنعة.
وقفت أمام صلاح لتتعرف به، والذي لم تعجبه ثيابها القصيرة، فكانت ترتدي فستان أصفر ضيق وقصير.
هو بالأساس لم يقتنع بها، خاصة وأنها عاشت بالغرب كثيرًا وبالطبع ستأخذ صفاتهم الجريئة.
لكن تفاجأ عندما مسكت يده باحترام وقبلتها وقالت بأدب: "اتشرفت بمعرفة حضرتك."
ابتسم لها وقال: "الشرف ليا يا بنتي."
قالها وهو يشعر أن تلك الفتاة ليست بسيئة، لكن الصبر فالأيام كفيلة بأن تكشف كل شيء، فقط الصبر.
جلست معهم يتحدثون بأمور عديدة.
وخرج أيهم وفريد للحديقة ليتحدثوا سويًا.
ليقول أيهم وهو يخرج سيجارة ويضعها بين شفتيها وأعطى أخرى لابن عمه: "أيمن الغانم بكرة هيفتح المستشفى الخيري ولازم نروح، ده بعت لينا مخصوص."
أومأ له فريد دون أن يتحدث.
ليتابع أيهم: "الواد أركان مجهز سهرة إنما إيه، بكرة بليل بعد حفلة أيمن."
رن هاتف أيهم ليستأذن من فريد ليبقى هو وحده ينظر للفراغ بشرود.
ليشعر بيد توضع على كتفه.
ليل تلتفت ليجدها هي، ومن سواها هايدي، تلك الفتاة التي لم تعرف الحياء والأخلاق يومًا.
دفع يدها بعيدًا عنه ثم قال بضيق: "نعم يا هايدي؟"
اقتربت منه أكثر ثم قالت بدلال: "إيه يا فريد؟ موحشتكش هايدي.... ده أنت حتى وحشتني موت."
يدفعها بعيدًا عنه بغضب وقال باشمئزاز: "احترمي نفسك يا هايدي واعملي اعتبار لأخوكي وأمك اللي جوا دول."
نظرت له بسخرية ثم قالت: "وأنت معملتش ليهم اعتبار ليه لما قربت من بنتهم من وراهم يا ابن خال؟"
ينظر لها فريد باشمئزاز وقال: "هي بنتهم؟ لو كانت محترمة كانت جت وعرضت نفسها على واحد سكران ومش في وعيه؟ كنت سلمت نفسها بسهولة كده؟ أنتي عارفه ومتأكدة إني لو كنت في وعيي مكنتش هعمل كده."
"هايدي!" بغضب: "هقول لجدو على كل حاجة، لو ما اتجوزتنيش مش هتغدر بيا بعد ما أخدت غرضك."
ابتسم بسخرية ثم قال: "بقولك إيه يا هايدي، الأحسن إنك تشيلي دمي من دماغك ومتعيشيش في الدور. أنا ما عشمتكيش بحاجة ولا قولتلك تعالي سلميلي نفسك، أنتي اللي جيتي وعرضتي نفسك على واحد سكران."
نظر لها باشمئزاز ثم تابع بسخرية: "وبعدين متعشيش في دور الشريفة ده كتير، لإن أنا وأنتي عارفين إني مش أول واحد يعنيني."
نظرت له بغضب وغيظ وقالت بحقد: "مش هتكون لغيري يا فريد، و خليك عارف إني أقدر أعمل كتير أوي، أي حد هيفكر ياخدك مني هقتله."
نظر له باشمئزاز وغضب، فدفعها بعيدًا عنه ودخل للداخل تاركًا إياها تنظر لأثره بغضب وغيظ.
بمحافظة أخرى وهي محافظة القاهرة.
بأحد المنازل البسيطة وهو منزل صغير وبسيط تسكن به تلك الفتاة الصغيرة ذات السابعة عشر من عمرها ووالدتها، تلك السيدة الطيبة جميلة الوجه وكأنها فتاة في ريعان شبابها وليست سيدة قاربت على منتصف الأربعين تدعى (زينب).
منزل مكون من طابق واحد به غرفتين صغيرتين ومرحاض ومطبخ صغير وصالون صغير أيضًا.
تجلس تلك الفتاة بغرفتها الصغيرة تذاكر دروسها بتركيز شديد، فهي الآن بسنتها الأخيرة بالثانوية لتدخل الجامعة، حلمها أن تدخل كلية الألسن وتعمل لتساعد أمها بدلاً من أن تعمل خادمة بالمنازل.
تذاكر بتركيز شديد، وعلى باب الغرفة تقف والدتها تراقبها بحنان وقهر، ففلذة كبدها لم تنعم بحنان والدها منذ أن خلقت ولم تعيش في نعيمه مثلما يعيش ابنه وزوجته الأخرى.
توجهت لغرفتها لترتاح قليلاً، فبعد ساعتين ستذهب لأحد المنازل لتقوم بتنظيفه.
نامت على فراشها وهي تنطق بقهر تلك الجملة: "بكرهك يا محمد... منك لله."
أما عند تلك الشقراء الفاتنة، رفعت وجهها عن تلك الكتب، تحرك رقبتها يمينًا ويسارًا بإرهاق شديد، فهي تدرس بمفردها ولا تأخذ أي دروس، فهي لا تريد أن تحمل أمها أعباء تكاليف تلك الدروس.
مسكت هاتفها قليلاً ترى تلك الصور التي احتفظت بها على هاتفها من مواقع التواصل الاجتماعي، صور لوالدها وابنه وزوجته، والدها وأخوها، بل عائلة والدها بأكملها، لم تهتم بأمرها يومًا.
خانها دموعها تنزل واحدة تلو الأخرى، سرعان ما مسحتها وقالت لنفسها بتشجيع: "إيه يا ديما؟ بتعيطي ليه؟ متفكريش في حد فيهم، هما نسيوكِ، انسيهم انتي كمان، فكري في دروسك ومذاكرتك وبس عشان تحققي اللي بتحلمي بيه."
ثم توجهت المرحاض بالخارج واغتسلت، ثم عادت للغرفة وأبدلت ملابسها وارتدت ذلك الفستان الطويل باللون الأخضر الفاتح مطعم بورود بيضاء صغيرة وأكمامه تصل حتى معصمها.
ذلك الفستان الذي أهدته لها صديقتها العام الماضي بعيد ميلادها، يظل هذا الفستان هو أجمل شيء بين ثيابها الباهتة.
ذهبت لوالدتها وجدتها نائمة ويبدو عليها الإرهاق، فأشفقت عليها وتركتها نائمة و تركت لها ورقة صغيرة مكتوب عليها: "أنا روحت درس الإنجليزي عند صحبتي ريهام وهرجع في ميعاد كل مرة."
ثم ذهبت باتجاه منزل صديقتها ريهام، والذي سيشرح أخيها مدرس اللغة الإنجليزية المادة لهم دون أن يأخذ مال منها، فهو يعلم بظروفها ويعتبرها مثل أخته ريهام.
في المساء.
بمكان آخر وهي فيلا فادي عبدالرحمن، الذي يمكث بها هو وأخته ووالدته بعد وفاة والده من عام ونصف تقريبًا.
يجلس بغرفته وبيده كأس الخمر يرتشف منه وهو ينظر أمامه بغضب شديد وهو يتذكر ما حدث بينه وبين جده اليوم حينما طلب منه المال ليسدد ديونه التي تراكمت عليه.
لم يكن من جده سوى أنه صاح فيه بغضب شديد: "أسلفك فلوس عشان تروح تضيعها على القمار والخمرة والستات زي ما طول عمرك بتعمل... أنا ممكن أديك الفلوس دي عادي بس لما أحس إنك راجل يعتمد عليه مش واحد ضيع فلوس أبوه اللي بدل ما يحافظ عليها عشان أمه وأخته راح ضيعها ع المسخرة وقلة الأدب."
"فادي!" بغضب وهو يلقي بالكأس الذي بيده بالحائط وهو يردد بغل وحقد: "ما أنا لو فريد ولا أيهم كان زمانك جريت دفعت الفلوس.. دايمًا أيهم وفريد رقم واحد عندك يا صلاح باشا وأنا أغور في داهية عادي."
بغرفة أخرى بالفيلا تجلس هايدي على الأرض وتمسك بيدها زجاجة نبيذ تحتس منها بشراهة، والحقد والغضب يتملكانها كلما تتذكر حديثها مع فريد صباحًا.
وأخذت توعد له وهو رونزي.
دخلت عليا والدتها للغرفة لتتفاجأ بذلك المنظر، ابنتها تجلس أرضًا وتحتسي الخمر وحالتها مزرية.
لتقول بغضب: "إيه اللي بيحصل ده؟"
لم تجب عليها هايدي ولم تنظر لها حتى، بقت تنظر للفراغ وبداخلها تردد بغل: "الأيام بينا يا فريد، وبكرة الأيام تثبتلك إنك بتاعي أنا لوحدي مش بتاع حد تاني."
"عليا!" بغضب: "أنا مش بكلمك يا حيوانة، ردي عليا، إيه اللي أنتي بتعمليه ده؟ أنتي خلاص راحت منك."
"هايدي!" بغضب: "ملكيش دعوة."
"عليا!" بحسرة: "أنا فعلاً فشلت في تربيتكم ومعرفتش أربيكم، بس أنا عارفة بقى هعمل إيه؟ هقول للي هيعيد تربيتكم من الأول وجديد!!!!"
رواية ليتني لم احبك الفصل الثالث 3 - بقلم شهد الشوري
على البار يجلس، يمسك بكأس من الكحول، عيناه تدور بالمكان لعله يجد فتاة تعجبه ليقضي معها الليلة، مثلما اعتاد أن يفعل.
التفت لذلك الذي سحب مقعدًا وجلس بجانبه، لم يكن سوى أركان التهامي، صديقه المقرب.
"هو ابن عمك فريد فين؟" سأل أيهم بتساؤل.
قال أركان ببرود: "مكنتش جاي أصلًا."
"ليه؟"
رد عليه الآخر بلامبالاة: "مليش مزاج."
ثم تابع بتساؤل: "فريد فين؟ صح مجاش ليه؟"
"معرفش... تلاقيه مع زوجته المستقبلية."
ضحك أركان وقال بسخرية: "مش داخلة دماغي الحكاية دي، فريد والجواز مش راكبين مع بعض في جملة واحدة."
قال أيهم بسخرية: "عندك حق... قول لي صحيح، جهزت لسهرة بكرة؟"
قال أركان بحماس: "طبعًا يا معلم، دي هتبقى سهرة إنما إيه، فلا."
قال أيهم ببرود: "أما نشوف."
قال أركان وهو يرتشف من كأسه: "انهاردة قابلت بت، حاسس إني شوفتها قبل كده، وقعدت أفتكرها لحد ما افتكرتها."
"هي مين؟"
قال أركان وهو يرتشف من كأسه مرة أخرى: "البت اللي فريد كان ماشي معاها قبل كده، نسيتها ولا إيه؟"
توسعت أعين أيهم بصدمة، وعاد بذاكرته للخلف لسنوات عديدة، وما حدث بتلك الليلة التي غيرت الكثير، والتي لا يعرف عنها شيئًا سوى هو وابن عمه وتلك الفتاة فقط.
أفاق من شروده على صوت أركان وهو يقول: "مالك سرحت في إيه؟"
"مفيش... هتروح ولا هتقعد ولا هتعمل إيه؟"
قال أركان بعبث: "أروح وإيدي فاضية؟ مش ممكن! تعالى ناخد اتنين ونروح الفيلا عندي."
ضحك أيهم بخفوت، والفعل دقائق وكان الاثنان يخرجون من الملهى وبيد كل واحد منهم فتاة، متوجهين لفيلا التهامي ليرتكبوا ما حرمه الله.
***
أشرقت الشمس معلنة عن بداية يوم جديد مليء بالأحداث على أبطالنا.
جلست بكتبها، تتابع عملها بتركيز، ويسيطر عليها الشعور بالتعب والإرهاق الشديد.
دخلت عليها رفيقتها نادين وهي تقول بضحك: "البت عند هتولع من ساعة ما الأستاذ مدحت قال إنك انتي اللي هتشرفي علينا لما ننزل الحفلة، هتولع وننفذ اللي هتقوليه."
ابتسمت جيانا بسخرية، فهي تعلم هند جدًا منذ أن كانوا بالجامعة سويًا، كم كانت تكرهها وتغار منها، وحتى الآن لازالت هند تحقد عليها.
قالت نادين وقد انتبهت أن جيانا متعبة: "مالك، انتي تعبانة؟"
"أنا كويسة."
قالت نادين بقلق: "كويسة إيه يا بنتي، ده انتي باين عليكي التعب خالص، روحي انتي وأنا وهند هنتصرف، انهاردة أو ممكن كمان عزت ينزل مكانك."
قالت جيانا بجدية غير قابلة للنقاش: "نادين، أنا مش تعبانة، روحي شوفي شغلك عشان هنمشي انهاردة بدري، لازم نكون قبل الموجودين."
لم تجادل معها، تعرفها تمام المعرفة، لن تغير رأيه.
توجهت لمكتبها تباشر عملها، ومن الحين والآخر تأتي لتطمئن عليها.
***
بفيلا أركان التهامي، صديق أيهم وفريد.
استيقظ من نومه على صوت رنين هاتفه، كاد أن يجيب لكن المتصل أغلق الخط، فقام بفرك عينيه لعله يطرد النعاس عنها، ثم ألقى نظرة على تلك التي تنام بجانبه عارية مثله تمامًا، لا يسترهم سوى ذلك المفرش الخفيف.
رن هاتفه مرة أخرى معلنًا عن وصول رسالة، فتحها ليتنهد بضيق.
ثم وكز تلك التي بجانبه وقال ببرود: "هدخل الحمام وأخرج تكوني مشيتي."
ثم التقط حافظته وأخرج بعض ورقات مالية وألقاها عليها، ودخل المرحاض ببرود تحت نظرات تلك التي تغلي من الغيظ، فهي كغيرها من الفتيات التي من نفس نوعها، ظنت أنها بعد قضاء ليلة معه أنا قد أعجبته وحصلت على قلبه.
ارتدت ملابسها وخرجت من المنزل بغيظ شديد.
وهو خرج بعد خمس دقائق، وارتدى ملابسه، وهي بنطال جينز أسود وقميص باللون الأبيض، وصفف شعره ونثر عطره بغزارة، فكان وسيمًا جدًا.
نظر لنفسه بالمرآة وابتسم بغرور، ثم نزل للأسف وتوجه لشركة الزيني ليتابع العمل، فهو يكره ارتداء البدل بشدة، لكن في بعض الأحيان يضطر.
***
تجلس بغرفتها بمنزل أكمل النويري، تضع طلاء الأظافر وهي تستمع للموسيقى، ليرن هاتفها.
أمسكته لترد، ولم يكن المتصل سوى فريد، الذي ما إن أجابت عليه، جاءها صوته وهو يقول: "رونزي، جهزي نفسك، بليل هنروح حفلة سوا."
"حفلة إيه؟"
أخبرها كل شيء بخصوص الحفلة لتقول هي: "تمام... هتعدي عليا ولا هتبعت لي السواق؟"
"هعدي عليكي أنا وأيهم، لأن هو كمان جاي معانا."
دقائق وانتهت المكالمة بينهم، لتقوم هي من مكانها لتستعد لحفلة المساء، وبداخلها تشعر بالغرابة.
تشعر به لا يبالي بأي مشاعر، يتعامل معها بجفاء وجدية دائمًا، وقد ظنت أنه يملك بعض الإعجاب لها.
لا تعلم، ولكنها لا تفهمه، لا تعرف عنه الكثير، وتشعر بأنها تسرعت حين وافقت على الخطبة، وتلك الزيجة بأكملها.
لا تعرف مع من تتحدث، جيانا ومشغولة بعملها كثيرًا، لا تعرف مع من تتحدث، ولكنها رأت أن أفضل حل أن تتحدث معه هو فقط.
***
تشعر بالاعياء الشديد، لكن تحاملت على نفسها وصعدت لمنزلها لتبدل ثيابها وتذهب للحفلة الخيرية للتصوير وإجراء المقابلات الصحفية.
ارتدت بنطال جينز وقميص أبيض وحذاء رياضي أبيض، وأخذت متعلقاتها ونزلت للأسفل.
بعد وقت توقفت بسيارتها على جانب الطريق ودخلت للداخل، حيث تنتظرها نادين وهند.
فقالت لهم بجدية: "هند هتبقى مسئولة عن التصوير، ونادين هتعمل الحوارات الصحفية معايا."
أومأت لها نادين، بينما هند نظرت لها بغيرة وحقد.
لطالما كانت تكره جيانا وبشدة منذ الجامعة وحتى الآن... السبب في ذلك هو الغيرة.
ذهبت لمؤسس المستشفى الخيرية، وهو أيمن الغانم، أخذت تتحدث معه وتسأله وخلفها هند تصور.
استمرت المحادثة بينهم دقائق.
ما إن ابتعدت سمعت صوتًا يأتي من خلفها يقول: "جيجي، بتعملي إيه هنا؟"
ابتسمت بعدما علمت من ذلك الشخص، وهو طارق ابن خالتها.
ردت عليه بسخرية وقالت: "والله كلك نظر، حفلة فيها صحفيين كتير، أكيد هكون من ضمنهم، سؤال غبي أوي يعني."
نظر لها بغيظ ثم قال: "وانت يا بت لسانك ده مسحوب منه، كان هيحصل إيه لو رديتي بأدب؟"
نظرت له بغيظ ثم قالت: "والبيه بيعمل إيه هنا بقى؟"
قلدها قائلاً بسخرية: "والله كلك نظر، حفلة افتتاح مستشفى خيري وفيها دكاترة وأنا أكيد منهم، سؤال غبي أوي يعني."
نظرت له بغيظ، فضحك هو بخفوت وقال: "الواد آسر وسمير لسه مرجعوش من المهمة اللي كانوا طالعينها؟"
"لأ."
"ربنا معاهم... وحشوني أوي."
أمّنت على دعائه، والإرهاق والتعب يسيطر عليها بالكامل.
لينتبه هو أنها متعبة ليقول بقلق: "جيانا، انتي كويسة؟"
أومأت له ثم قالت: "مفيش شوية إرهاق مش أكتر، كلها شوية والحفلة تخلص وأروح أرتاح."
قال طارق بقلق: "تعالي أروحك دلوقتي، باين عليكي تعبانة خالص."
قالت بمرح لا يغير مجرى الحديث، فهو سيصر على إيصالها وهي لا تريد أن تترك عملها دون أن تكمله.
لا تحب ذلك أبدًا: "يا بني أنا كويسة، متخافش... قول لي هنعمل إيه لما العيال دول يرجعوا؟"
قال هو بمرح: "عايزين نسهر كلنا مع بعضنا زي كل مرة ونحتفل برجوعهم سالمين بإذن الله."
قالت جيانا بضحك: "ياريت والله، عايزين حاجة مجنونة بقى."
قال طارق بمرح: "في دماغي فكرة حلوة."
"إيه هي؟"
قال طارق بمرح: "نسرق اليخت بتاع جوز خالتك ونطلع بيه رحلة يوم من غير ما يحس."
ضحكت جيانا ثم قالت: "ده هيعلقنا، انت عارف أبوك بيحب اليخت ده قد إيه."
"يا ستي مش هيعرف... هيبقى يوم جامد أوي."
ضحكت ثم قالت: "أما يرجعوا بالسلامة ناخد رأيهم ونشوف."
أومأ لها واستمر الحديث دقائق قليلة ليستأذن هو منها ليتحدث مع أحد الأطباء.
فابتعدت هي ووقفت من بعيد قليلًا، وأخذت تلتقط بعض الصور للحاضرين بكاميراتها الخاصة، وأثناء ما كانت تصور توقفت بعد أن شعرت بالإغماء قليلاً.
استدارت بجسدها واستندت بيدها على الطاولة، تحني رأسها لأسفل وتمسكها بيدها الأخرى.
***
على الناحية الأخرى، وصل الثلاثة للحفل.
كان يقف بجانب أيمن يهنئه بما فعل، ليرن هاتفه.
ابتعد قليلاً ليجيب على الهاتف، وكان المتصل والده.
أنهى المكالمة، وكاد أن يذهب، ليلفت نظره فتاة تقف وتعطيه ظهرها وتمسك رأسها بيدها، يبدو أنها مريضة.
اقترب منها قليلاً ليقدم لها مساعدة إن أرادت.
ما إن اقترب منها، كادت أن تسقط، ليقترب هو منها سريعًا وقال: "انتي كويسة؟"
ذلك الصوت وتلك النبرة تعرفها جيدًا، وكيف لا تعرفها؟ وقد كانت بيوم من الأيام عاشقة لها مثل صاحبها.
تمسكت بالمقعد جيدًا والتفت للخلف لتتأكد، وبداخلها تتمنى أن تخيب ظنونها.
التفتت، وما إن وقعت عينيها على صاحب الصوت، كانت الصدمة حليفتها وحليفته هو أيضًا.
هو يناظرها باشتياق لم يكن يعلم أنه يشتاق لها بكل هذا القدر، دقات قلبه عالية بشكل لا يصدق.
أما عنها، تنظر له بوجه خالٍ من التعابير، يخفي خلفه خيبة الأمل التي تشعر بها والخذلان.
لكن شعور واحد مسيطر على كليهما، وهو الصدمة.
لم يشعر بنفسه، وغاب عقله، ليقترب منها ويده امتدت لوجهها ليلمسه باشتياق، ولكن قبل أن تقترب يده من وجهها، كانت يدها ترتفع سريعًا وتمسك يده بكل قوة لديها.
لينظر لها، وثبتت عينيه على عينيها التي أخبرته بما لم تتفوه به، وكأنها تقول له: "ألم أخبرك قبلاً، من يتركني لن يصل إلي حتى بأحلامه، وليس فقط واقعه."
نفضت يده من يدها ونظرت له باشمئزاز، وكأنه عدوى وستصيبها، وكأنه!!! هو بالفعل عدوى... عدوى تصيب كل من يقترب منها، وكانت هي من هؤلاء المصابين.
"جـيـانـا..."
تمنى أن تجيب... تجيب عليه وتجعله يسمع صوتها الذي اشتاق لها بقوة، لكنها لم تفعل، فقط نظرت له بجمود، وقد علم أنها حرمت عليه سماع صوتها، مثلما حرمت عليه رؤيتها بأحلامه.
ليقطع تلك النظرات المتبادلة بينهم صوت يعرفه الاثنان جيدًا، يقول بلهفة: "جيجي، بتعملي إيه هنا؟!"
نظرت لجيانا ومن معها، ثم قالت باستغراب: "فريد!! انتوا اتعرفتوا على بعض؟"
صدمة أخرى كانت من نصيبهم.
"جيجي، ده فريد، جوزي المستقبلي."
"دي بقى يا فريد صحبتي الوحيدة جيانا، واللي حاليًا أنا مقيمة في بيتها."
عاد الدوار يهاجمها لتتمسك بالمقعد بقوة مرة أخرى، لتقول رونزي بقلق: "جيانا، مالك... انتي كويسة؟"
أومأت لها ولم تجب، لتخرج هاتفها وترسل رسالة لشخص ما.
دقيقة وكان يقف أمامها، يقول بقلق: "جيانا، مالك؟ انتي كويسة؟ إيه اللي واجعك؟"
ردت فقط بتلك الكلمة، وتتمنى أن ترحل من هذا المكان الآن وتختلي مع نفسها بغرفتها: "روحني البيت يا طارق."
أومأت لها وأسندها برفق، ويمشي باتجاه سيارته، تاركين ذلك الذي يقف مزهولًا ومصدومًا من كل ما حدث.
ورحلت خلفهم رونزي بعد أن أخبرت فريد، الذي لم يسمعها من الأساس، وهي تشعر بالقلق على جيانا، رفيقتها الوحيدة.
جاء صوت ابن عمه من خلفه يقول بتساؤل: "واقف عندك بتعمل إيه يا فريد؟"
نظر له وقال بصدمة وحزن: "جـيـانـا."
قال أيهم باستغراب: "مالها؟ وإيه اللي فكرك بيها دلوقتي؟"
وهل يسأله من يذكره بها؟ هو بالأساس لم ينساها، وكيف ينساها وهي من استوطنت روحه، وقد أضاعها قديمًا من بين يديه بسبب أشياء عديدة، الخوف... الخيانة... الكذب...
نظر له وقال بصدمة: "جيانا تبقى صاحبة رونزي اللي عايشة عندها."
صدمة كانت حليفة أيهم هو الآخر، ونظر لابن عمه ثم قال: "هتعمل إيه؟"
لم يجب هو الآخر ورحل من المكان يقود سيارته بسرعة كبيرة، ولا يعلم ماذا يفعل وأين يذهب، فقط يقود سيارته وباله مشغول بها فقط.
بالطبع، الكثير منكم يسأل إذا كان يحبها كل هذا الحد، لما سيتزوج غيرها ولما افترقوا...؟؟
***
بمنزل أكمل النويري.
ما إن دخل طارق للمنزل وهو يسند جيانا برفقة رونزي حتى لا تقع، شهقت حنان بقوة ثم قالت بقلق وخوف: "بنتي... إيه اللي حصل يا طارق؟"
قال طارق وهو يجعل جيانا تجلس برفق: "مفيش يا خالتو، هي بس داخت شوية، جبت الشنطة معايا هكشف عليها وأطمنك."
أومأت له، وعلى أثر صوتهم يأتي أكمل ورامي وتيا ليصيبهم القلق مثلها.
قال أكمل بقلق وهو يجلس بجانب ابنته: "حصل إيه يا بنتي؟"
قال طارق وهو يفحصها ويقوم بقياس الضغط لها ويقوم بعدة فحوصات: "مفيش يا جوز خالتي، بس الظاهر إن بنتك بتتعب نفسها في الشغل ومش مهتمة بأكلها، والضغط عندها واطي."
نظر أكمل لابنته بعتاب، ولكنها لم تلاحظ شيئًا، عقلها ليس معها، بل مع من رأته منذ قليل، الصدمة لم تستوعب ولم تفق من صدمتها.
وقفت وتوجهت لغرفتها مباشرة، ولم تبالي بنداء الجميع عليها.
صعدت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها، وتوجهت للفراش لترمي جسدها عليه.
تمسك رأسها بيدها، وصوت صرخات وضحكات رقيعة والعديد من الأصوات ترن بأذنها، وكأنها تسمعها الآن وليس منذ سنوات.
أغمضت عينيها تهرب من ذلك الواقع، تتمنى أن يكون كابوسًا سيئًا وينتهي، ما إن تستيقظ في الصباح وتفتح عينيها.
***
بفيلا فادي عبدالرحمن.
يقف صلاح بجانب ابنته، تقص عليه كل شيء يفعله أبناؤها، ليتملك الغضب منه تجاههم.
وما إن انتهت من حديثها، أمرها بأن تجعلهم يأتوا إليه الآن.
أومأت له، والفعل دقائق قليلة وكان الاثنان يقفان أمامه، وهو ينظر لهم بثبات.
لتمر لحظة اثنتان في صمت، ليقطعه صوت صفعتين، هوت إحداهما على صدغ فادي، والأخرى كانت من نصيب هايدي.
قال صلاح بقوة: "تغوروا انتوا الاتنين من وشي دلوقتي، وجهزوا حاجتكم من دلوقتي هتيجوا تعيشوا في قصر الزيني، وأنا هعرف أربيكم التربية اللي أبوكم وأمكم معرفوش يربوها لكم."
اشعل الحقد بقلب كلاهما، ليصيح الآخر بقوة وغضب: "غوروا من وشي يلااااا."
نفذ الاثنان ما قال.
لتقول عليا ابنته بقلق: "بابا، انت ناوي على إيه؟"
قال صلاح بغموض: "ناوي أربيهم... وهايدي بالذات، أنا عارف أنا هعمل معاها إيه، بكرة تعرف."
كادت أن تسأل، ليقاطعها بإشارة من يده بأن الحديث انتهى.
قطبت عليا جبينها بضيق، فوالدها لا يتغير أبدًا، لا يقول سوى ما يريدك أن تعرفه وحسب، مهما حاولت.
وذهبت لتجهز أغراضها.
أما عن صلاح، فقرر شيئًا ما وسينفذه في أقرب وقت ممكن، فما هو يا ترى...؟؟
رواية ليتني لم احبك الفصل الرابع 4 - بقلم شهد الشوري
توقف بسيارته ودخل القصر بعد ساعات طويلة قضاها بالخارج. منذ الأمس، الصدمة حتى الآن لا تفارقه. لقد رآها، وليس ذلك فقط، بل هي رفيقة من سيتزوجها.
صعد مباشرة لغرفته ودخل للمرحاض، يقف أسفل مضخة المياه بعد أن تخلص من ثيابه. عقله شارد معها هي فقط. أغمض عينيه يتذكر هيئتها، لم تتغير مثلما هي، بل زادت جمالاً. تخفيه أسفل ثيابها الصبيانية.
ليفتح عينيه، ولتوه تذكر أنها كانت مريضة. بل والأسوأ أنها ذهبت برفقة شاب. من هو؟ أيمكن أن يكون زوجها أو حبيبها؟ سأل نفسه هذا السؤال، والغيرة بدأت تنهش قلبه بقوة.
خرج من أسفل المياه ليحاوط خصره بمنشفة طويلة ويخرج من المرحاض. وما إن خرج، توسعت عيناه بصدمة مما رأى!!!
كانت تلك الوقحة تجلس على الفراش وتضع قدمًا فوق الأخرى بثيابها الفاضحة.
ليصيح هو بغضب:
"انتي بتهببي إيه هنا؟"
ابتسمت بإغواء وتوجهت إليه، ثم أحاطت عنقه بيدها وقالت بدلال ووقاحة:
"إيه يا بيبي وحشتني..... مش نفسك تعيد ليلة زي اللي فاتت؟ أنا جاهزة."
نظر لها باشمئزاز وهو لا يصدق أن عمته يمكن أن تنجب فتاة بهذه الأخلاق السيئة.
دفعها بعيدًا عنه ثم قال بقرف:
"غوري بره ومش أشوف رجلك تخطي الأوضة دي تاني، انتي فاهمة؟"
تجاهلت حديثه واقتربت منه واحتضنته وقالت وهي تتحسس عضلات صدره بوقاحة:
"بقولك وحشتني.... متخافيش حبيبتك مش هتعرف حاجة يا حبيبي."
"يـالـلـه!"
قالها وهو يزفر بضيق. أكانت تنقصه تلك الآن؟ يكفيه ما حدث بالأمس.
ما كان أن يرد عليها، لتقترب الأخيرة منه وتقبله بوقاحة. وما كاد أن يدفعها، فتح الباب فجأة. ليدفعها بعيدًا، ويتنهد براحة عندما وجد من دخل.
أيهم الذي قلب عينيه بسخرية ونظر لها.
ليجذبها فريد من يدها ويلقيها خارج الغرفة ويغلق الباب. لتزفر هي بغضب وهي تردد بمكر:
"اممم، عادي إن مكنش انهاردة هيبقى بكرة يا بن الزيني. المهم اللي أنا عاوزاه هو اللي هيحصل."
ضحكت بخبث وهي تنوي تنفيذ شيئًا ما خبيث مثلها تمامًا. فما هو يا ترى......؟؟
أما بالداخل، ضحك أيهم بسخرية ثم قال:
"قال وإنا اللي قولت هدخل ألاقيه متعصب وقلب الدنيا.... وفي الآخر أدخل ألاقيه مقضيها، مش بيضيع وقت."
نظر له فريد بحدة وقال:
"أخرس، مش ناقصاك. هي ع الصبح مش كفاية الزبالة التانية دي كمان."
أيهم بسخرية:
"طب ادخل استر نفسك بدل ما انت واقف كده وتعالى، عايزك."
زفر فريد بضيق، وبالفعل بدل ملابسه لبدلة رمادية اللون بقميص أسود جعل أزراره مفتوحة للمنتصف.
ثم خرج لأيهم وجلس بجانبه على الفراش.
ليسأله الآخر:
"هتعمل إيه دلوقتي بعد اللي حصل امبارح؟"
لن يجيب فريد واكتفى بالصمت، وعقله مشغول بها. كيف أصبحت الآن، ومن الذي كان معها أمس؟
ليخطر بباله رونزي. التقط هاتفه وذهب للشرفة، تاركًا أيهم يجلس على الفراش يتنهد بضيق من صمت ابن عمه.
بداخل الشرفة، يتحدث بالهاتف مع رونزي:
"فريد، معلش مشيت امبارح علطول، بس جيانا كانت تعبانة وكان لازم أكون معاها."
"ولا يهمك."
تثاءب ثم قال بتساؤل ولهجة حاول أن تبدو طبيعية، تخفي القلق الذي ينهش قلبه:
"وهي أخبارها إيه دلوقتي؟"
تنهدت رونزي وقالت بضيق:
"دكتور طارق بعد ما وصلنا امبارح كشف عليها وقال إنها بتجهد نفسها في الشغل ومش بتهتم بصحتها. دي حتى الصبح بعد ما صحينا لقيناها راحت الشغل."
فريد بغيرة شديدة حاول بقدر الإمكان أن يكبحها:
"احم..... مين طارق ده؟"
"يبقى خطيبها."
رونزي بتلقائية:
"لأ، طارق ده يبقى ابن خالتها. وبعدين خطوبة إيه دي؟ جيانا والارتباط ما يتحطوش في جملة. دي تكره الارتباط كره العمى."
تنهد بارتياح، ليتابع هي:
"مامتك كلمتني من شوية وطلبت مني أجي القصر عشان الخطوبة هتتعمل هنا وعشان أشرف معاها ع التجهيزات."
زفر بضيق ثم قال بجدية:
"هبعتلك السواق حالاً..... بس أنا عندي شغل مش هكون موجود."
"تمام."
أغلق الهاتف وتوجه لخارج القصر وهو يتحدث بالهاتف بجدية:
"هبعتلك اسم دلوقتي، كل المعلومات تكون عندي في ظرف ساعتين."
بالفعل، أرسل الاسم لأحد رجاله برسالة وتوجه للشركة برفقة ابن عمه، وعقله مشغول بها ويتساءل.
ماذا سيحدث في الأيام المقبلة......؟؟
توقفت تلك السيارة السوداء أمام تلك الشركة ذات الارتفاع الشاهق والواجهة الزجاجية. لينزل الثلاث فتيات من السيارة وهم تيا ورغد ومي، الثلاث أصدقاء، ويتوجهوا للداخل.
ليسألوا عن التدريب، فقد أعلنت الشركة أنها تستقبل عدد معين من الطلاب على وشك التخرج ليتدربوا بقسم المحاسبة. كان العرض فرصة. فمن ذلك الذي يرفض أن يتدرب بتلك الشركة المعروفة.
رغد بتوتر:
"تفتكروا هنتقبل؟"
تيا بهدوء:
"قولي إن شاء الله، وبعدين منتقبلش ليه؟ بنجيب امتياز كل سنة ومن الأوائل ومعانا كورسات ولغات. اتفائلي بالخير."
ابتسمت رغد لتيا، لتقول مي بغيظ لرغد:
"يا ستي المفروض أنا اللي أقلق مش انتوا. أنا بجيب جيد جداً يا إما جيد ومعيش لغة غير الإنجليزي مش زيكم... أنا أصلاً مش عارفة إيه اللي جابني معاكم."
رغد بضحك وهي ترفع يدها بوجه مي:
"الله أكبر، الله أكبر. انتي بتحسدينا يا بت ولا إيه؟ وبعدين متخافيش هتتقبلي إن شاء الله."
تيا بابتسامة:
"يلا خلينا ندخل."
بالفعل توجهوا للداخل، وبعدما علموا من الاستقبال أين يتوجهون، وقد أخبرتهم أن يذهبوا للأستاذ شهاب رئيس قسم الحسابات بالشركة.
بالفعل توجهوا للمصعد ليتوقف بهم عند الطابق العاشر حيث مكتبه. ليجري معهم المقابلة واحدة تلو الأخرى، وبعد أن انتهوا أخبرهم أنه سيرد عليهم في أقرب وقت.
تيا بابتسامة:
"يلا خلينا نروح الجامعة بقى نكمل باقي المحاضرات، كفاية أول محاضرتين ضاعوا علينا."
رغد بموافقة:
"فعلاً يلا بينا قبل ما نتأخر."
بالفعل توجهوا للجامعة، غافلين عن تلك السيارة التي تسير خلفهم دون أن ينتبهوا!!!
ترجل من سيارته يضع تلك النظارة السوداء على عينيه ودخل بكل ثقة لتلك الجريدة المعروفة. ليسأل ذلك الرجل في الاستقبال قائلاً بجدية:
"مكتب الآنسة جيانا النويري فين؟"
ليخبره الرجل أن مكتبها في الطابق الخامس. ليذهب للمصعد بخطوات مترددة وهو يعلم أن بعد دقائق ستكون المواجهة بينه وبينها.
دقائق قليلة وكان يقف أمام مكتبها ليطرق الباب. ليسمع صوتها الذي اشتاق لها يأذن له بالدخول.
ما إن دخل، وقعت عيناه عليها وهي تجلس على مكتبها تنظر للأوراق بتركيز شديد. تعالت دقات قلبه الذي يريد وبتلك اللحظة أن يقفز من مكانه ويذهب لها يعانقها ويروي اشتياقه الكبير لها.
ليسمع صوتها تقول وهي ترفع رأسها إليه:
"إفــ..ـنـ.."
وقفت واقفة مكانها وتوقفت الكلمات بين شفتيها وهي تراه أمامها بعد كل تلك السنوات. مصدومة..... حقًا مصدومة. كيف له أن يأتي بكل تلك الجرأة ليقف أمامها بعد كل ما فعله بها!!!
أما عنه، ينظر لها باشتياق فاق الحدود. ليصرخ قلبه قائلاً: أحبها....... ولم أعرف يومًا حبًا غير حبها.
هبت واقفة من مكانها وتوجهت لتوقف أمامه بكل ثبات وكبرياء أنثى لم تعرف الضعف يومًا.
لتقول بقوة:
"الباب اللي دخلت منه دلوقتي تخرج منه، وما أشوفش وشك تاني يا بن الزيني."
لم يسمعها من الأساس. عيناه تتابعها باشتياق وشغف كبير. ليتغيب عقله بتلك اللحظة وتنتصر العاطفة. ليقترب منها جاذبًا إياها من يدها إلى أحضانه، يحتضنها بقوة يكاد يدخلها بين ضلوعه.
توسعت عيناها بصدمة، وشعور البغض والنفور يسيطر عليها. دفعته بعيدًا عنها بقوة ثم قالت بغضب شديد:
"انت إزاي تتجرأ وتعمل كده يا حيوان؟"
ثم رفعت يدها لكي تصفعه، لكنها تتوقف في الهواء مصطدمة بيده التي منعتها وهو ينظر لعينيها.
ثم قال بثقة:
"شكلك نسيتي إن مفيش حد يقدر يرفع إيده على فريد الزيني."
نظرت له بقرف، ثم دفعت يده بعيدًا عنها وقالت:
"عندك حق، محدش يقدر يرفع إيده عليك عشان هيخاف على نفسه يتوسخ. عمرك شفت حد بيلمس الزبالة بإيده؟"
اشتعلت عيناه بغضب ليقول بتحذير:
"جياااااناااا، بلاش طولة لسان."
ابتسمت بسخرية ثم قالت:
"تعرف طول عمري بسمع عن البجاحة، بس أول مرة أشوفها بعيني دلوقتي."
يريد أن يقص لسانها السليط هذا، ولكن بالرغم من غضبه، إلا أنه يشتاق لها ولسلاطة لسانها وشراستها بشدة.... يحبها، ولكن يخاف!!
تنهد ثم قال:
"عمري ما كنت أتخيل إن بعد السنين دي كلها ممكن نتقابل..... لسه زي ما انتي متغيرتيش."
ابتسمت بسخرية وهي تنظر له من أعلاه إلى أسفله وقالت:
"ولا انت اتغيرت..... صدقني مش هسمح إنك تأذي رونزي أبدًا. هي لازم تعرف حقيقتك، لازم تعرف إن اللي هتتجوزه مش راجل محترم ولا حاجة، لأ ده واحد مش بيعمل حاجة غير إنه يلعب على كل بنت شوية."
لتصمت.... ولا تذكره بما مضى. ليتها تعلم أن قلبه لم يعرف حبًا غير حبها. ليتها تعلم ما بداخله.
كم يلوم نفسه لأنه ركض وراء رغبة قلبه برؤيتها، ولم يحسب العواقب.
ماذا ستقول عنه الآن، وكيف نسى رونزي؟ ماذا سيفعل الآن.....؟؟
ماذا سيحدث في الأيام المقبلة....؟؟
يتساءل هل برؤيتها الآن سيستطيع أن يكمل في تلك الزيجة......؟؟
هل مازالت تحبه......؟؟
أسئلة كثيرة عصفت برأسه، لا يجد لها إجابة.
ليفيق من شروده على صوتها وهي تفتح الباب وتشير بيدها له لكي يخرج، وهي تقول بغضب:
"اطلع بره."
نظر لها بحزن دفين وقال بابتسامة سخرية:
"سبع سنين بسأل نفسي ألوم مين على اللي حصل؟ ألوم نفسي ولا ألومك؟"
نظرت له ثم قال بسخرية:
"واضح إنك عايش في الدور أوي، محسسني إنك في يوم من الأيام حبتني."
حمقاء، هو لم يتوقف للحظة عن حبها، ولكن كان غبي حين أضاعها من بين يديه.
تابعت هي بسخرية:
"ع العموم هجاوبك على سؤالك، لوم نفسك لأني مغلطتش يا بن الزيني. أنا لا خنت ولا خذلت ولا وفيت بكلمة قلتها، أنا كنت قد كل كلمة بقولها."
نظر لها بحزن، لتقول هي بحدة:
"أظن رد سؤالك بقى معاك. اتفضل اطلع بره، لأني ميشرفنيش واحد زيك يكون في مكتبي."
أومأ لها وبحزن كبير أخفاه ببراعة، خرج من المكتب لتغلق هي الباب وترتمي على الأريكة تنظر للفراغ بشرود وتتساءل: لما ظهر الآن.
أغمضت عينيها تتساءل كيف يستطيع شخصًا أن يزيف مشاعره هكذا. تنهدت بضيق.
لتجد الباب يفتح سريعًا بدون أن يطرق. من دخل الباب ولم تكن سوى هند. لترفع رأسها وتقول بحدة:
"انتي إزاي تدخلي كده؟"
هند بغضب:
"انتي إزاي تخليهم يشيلوا المقال بتاعي؟ بأي حق تعملي كده؟"
جيانا بغضب مماثل:
"خليتهم يشيلوه عشان إحنا مش بنطبل لأي حد يدفع يا هند هانم."
لترد الأخرى عليها بحدة:
"قصدك إيه؟"
جيانا بغضب:
"قصدي انتي فاهمة كويس، بس يا ترى حامد صفوان بيدفع حلو عشان ترضي عنه كده وتعملي مقال كامل عن إنجازاته وإنه ملاك نازل من السما؟"
رفعت هند يدها لكي تصفعها وهي تقول:
"اخرســي!"
لكن منعتها يد جيانا التي تمسك بيدها بقوة. ثم قال بغضب:
"قسماً بالله لو كان القلم ده نزل لكنت دفعتك تمنه غالي."
ل يأتي على أثر صوتهم العالي مدحت وقد تجمع بعض الموظفين أمام المكتب. بيصرخ عليهم قائلاً:
"العرض خلص، كل واحد يروح على مكتبه."
ثم دخل للداخل حيث جيانا التي تمسك يد هند المعلقة في الهواء، وكل منها تنظر الأخرى بغضب.
ليقول بحدة:
"حالاً، أفهم إيه اللي بيحصل هنا."
تدخلت هند قائلة سريعًا:
"جيانا، خليتهم يشيلوا المقال بتاعي ولما جيت عتبت عليها بتقولي إن هي حرة تعمل اللي هي عايزاه."
نظرت جيانا لها باشمئزاز ثم قالت:
"أنا مقولتش كده."
"حضرتك..."
مدحت وهو يومأ برأسه:
"مصدقك يا جيانا."
هند بغل وغضب:
"يعني أنا كدابة؟ ولا عشان هي تبقى قريبة حضرتك تدافع عنها وهي تعمل اللي هي عايزاه؟"
مدحت بغضب:
"هنددد، الزمي حدودك ومتخلنيش أضطر آخد إجراء يزعلك..... أنا لحد دلوقتي ساكت على بلاوي بتعمليها وبقول بكرة تتعدل. جيانا استأذنتني قبل ما تحذف المقال بتاعك وأنا وافقت لأن كان معاها حق، مينفعش نهاجم الراجل امبارح ونيجي النهاردة نمجده ونطلعه ملاك."
نظرت له بغل وحقد كبير، ليقول مدحت بصرامة شديدة:
"اتفضلي على شغلك وخلي بالك، ده آخر تحذير ليكي، بعد كده الجريدة هتستغنى عنك، مفهوم؟"
أومأت له ونظرها معلق على جيانا بكل حقد، لتغادر المكتب وخلفها هو. لتبقى جيانا وحدها تشعر بصداع حاد يكاد يفتك برأسها.
تنهدت بضيق ثم غادرت العمل متوجهة لمنزلها، تلوم غباءها وتمنت لو لم تأتي للعمل اليوم.
وكانت كادت أن تدخل للبناية، رأت ما جعل عيناها تتوسع بشدة من الصدمة.... !!!!
رأت أخيها يقف مع شابين، وأحدهم يعطيه لفافة تبغ والآخر يأخذها منه يتناولها ويخرج الأدخنة من أنفه وكأنه معتاد على فعل ذلك!!!
اقتربت منهم، وما إن رآها رامي، ألقى السيجار أرضًا ليتوتر الشابين ويذهبوا سريعًا.
ليس يسيطر الغضب عليها بشدة، واقتربت منه تسحبه من معصمه وتدفعه للمصعد، ومن ثم لشقتهم. ثم دخلت لغرفته ثم أغلقت الباب وقالت بغضب:
"بتدخن من إمتى؟ ومين اللي لعب في عقلك وقال لك تعمل كده؟"
زفر الأخير بضيق وهو يلعن حظه لأنها رأته، وبالتأكيد سيعرف والده ولن يمر الأمر مرور الكرام.
اكتفى بالصمت. لتجز على أسنانها ثم قالت بغضب:
"انطق يا زفت."
"من شهرين وشوية، وبعدين مفيش داعي للعصبية دي كلها، أنا معملتش حاجة غلط، كل صحابي بيدخنها."
أومأت له ثم قالت:
"تمام.... تمام أووي، خلاص إحنا نعرف رأي بابا في الموضوع ده طالما مش بتعمل حاجة غلط، بابا مش هيزعل."
نظر لها بخوف. لتقول هي بغضب:
"خوفت ليه؟ انت مش ما بتعملش حاجة غلط. هو شرب السجاير غلط؟ السجاير اللي مع الوقت هتتحول لحاجات تانية انت في غنى عنها. السجاير اللي هتدمر صحتك وتخليك تخسر حلم عمرك بأنك تكون ظابط، وانت بتدمر نفسك من قبل ما تحط نفسك على بداية الطريق."
زفر بضيق ثم قال:
"أنا مش عيل صغير قدامك عشان تقعدي وتزعقي كده. حياتي وأنا حر فيها، ملكيش دعوة. ومش كام سنة فرق بينا هيخلوني أعمل عليكي كبيرة وأقعد أحاسبني."
غضب تملك منها لترفع يدها وتهوي بصفعة قوية على خده. ليتمكن الغضب منه والضيق، ليصرخ عليها بغضب ودون وعي وقد تمكن منه غضبه:
"بأي حق تضربيني..... ها! عمالة تديني في نصايح؟ كنتي الأولى تروحي تشوفي نفسك الأول. آه أنا بشرب سجاير، بس مش مقضي حياتي كلها شغل في شغل، مبقاش الناس يتهامسوا عليا وبيقولوا عانس ومسترجل."
نظرت لأخيها بصدمة مما قال. ثم قالت بهدوء:
"عندك حق، انت مبقتش صغير وكل واحد أدرى بمصلحته."
قالتها وغادرت المنزل بأكمله، لا تعرف وجهتها إلى أين. وكلمات أخيها تتردد بأذنيها وحزن كبير وخيبة أمل يسيطروا عليها.
حل المساء سريعاً. قد أوصل السائق رونزي للمنزل بعد ما أنهت بعض التجهيزات برفقة جيانا. لم تعد للمنزل حتى الآن، وتيا عادت للمنزل ولا تعلم ما ينتظرها غداً. ورامي حبيس غرفته يلوم نفسه بشدة على ما قاله لشقيقته.
بقصر الزيني، يجلس الجميع ببهو القصر يتساءلون لما أمر صلاح باجتماعهم وما هو ذلك الشيء الهام الذي يريدهم فيه......
لحظات وانضم إليهم. ليقول تحت نظرات الترقب من الجميع:
"طبعاً الكل مستغرب أنا طلبت تتجمعوا ليه."
تنهد ثم قال بصرامة:
"أنا قررت أن أيهم وهايدي يتجوزوا!!!"
رواية ليتني لم احبك الفصل الخامس 5 - بقلم شهد الشوري
صدمة حلت على الجميع بعدما أنهى صلاح حديثه.
ليكون أول من نطق أيهم وهو يقول بغضب:
"نـعــــم"
صلاح بصرامة:
"اللي سمعته يا بن جمال"
أيهم بغضب وهو يشير بأصبعه على هايدي:
"اتجوز مين دي..... على آخر الزمن اتجوز هايدي اللي مقضياها كل يوم مع واحد شكل"
اقترب فادي منه ولكمه بقوة وهو يقول:
"أخرس يا........."
ارتد أيهم للخلف أثر تلك اللكمة ليعتدل ويرد اللكمة لفادي بقوة أكبر.
وفريد يفصل بين الاثنين وتلك مصدومة وتفكر ماذا تفعل.
ليقول صلاح بصرامة:
"احترم نفسك أنت وهو واعملوا اعتبار للكبار الموجودين"
ليوجه كلامه لأيهم بغضب:
"لو هايدي زي ما بتقول فأنت زيها ما أنت كل يوم في حضن واحدة شكل"
زفر أيهم بغضب وفريد مصدوم وهو لا يصدق كيف يكون أيهم وهايدي معًا، فأيهم من أكثر من يبغضون هايدي منذ أن كانوا صغار.
وأيضًا كيف يتزوجها وقد كان هو أحد من سلمت جسدها إليه.
أيهم بغضب:
"وأنا مش عاوزها يا جدي وده آخر كلام عندي"
صلاح بغضب:
"أنا قولت كلمة وهتتنفذ خطوبتكم هتكون مع خطوبة فريد والفرح معاه برضه وإلا هيحصل اللي مش هيعجبك أبدًا"
أيهم بغضب:
"على جثتي يحصل الكلام ده"
جمال بتهدئة:
"طب راجع نفسك تاني يا بابا، الاتنين واضح إنهم مش عاوزين بعض وبعدين الجواز بالذات لازم يكون بالاتفاق"
صلاح بجدية:
"لو فريد مكنش هيتجوز كنت جوزتها له، وحاليًا مفيش إلا أيهم"
زفر أيهم بغضب وخرج من القصر بعدما ركل تلك التحفة المصنوعة من الزجاج من كثرة غضبه لتقع أوضة متهشمة تصدر صوتًا مزعجًا.
وخلفه فريد يلحق به وهو مصدوم حتى الآن ولكن لم يستطع اللحاق به ليتنهد بضيق ويجلس بالحديقة قليلاً.
بذلك الملهى الليلي الذي اعتاد على الذهاب إليه.
كان يجلس على البار يحتسي الخمر بشراهة والغضب يتمكن منه كلما تذكر كلمات جده.
نظر في المكان حوله مثل الصياد الذي يبحث عن فريسة لتكون وجبته تلك الليلة ليفرغ فيها غضبه.
اقتربت منه فتاة ترتدي أو بمعنى أدق لا ترتدي سوى بضع قماشات تستر بهم القليل من جسدها وهي تميل عليه وتقول بإغراء:
"منور يا أيهم باشا"
نظر لها من أعلاها إلى أسفلها وقد أعجبته تلك الفتاة.
ليرد عليها قائلاً بغرور:
"أيهم باشا ينور أي مكان يكون فيه"
ضحكت الفتاة ضحكة رقيعة عالية وقالت بأغواء وهي تتحس عضلات صدره من قميصه الأسود المفتوح أزراره للمنتصف:
"طب إيه يا باشا"
وقف وسحبها من يدها وخرج من ذلك الملهى وهي معه.
وقف لثوانٍ قليلة لحين أن يأتي له الحارس بالسيارة من الجراج ثم ركب وانطلق بها لتلك الشقة الخاصة به قد قام بشرائها من أجل أن يجلب بها فتيات الليل وممارسة ذلك الفعل الشنيع الذي اهتز له عرش الرحمن (الزنا).
في صباح اليوم التالي.
بمنزل أكمل النويري وقد عادت جيانا أمس متججة بأنها تأخرت لأنها كانت تزور زميلتها بالمستشفى.
لكن رامي يعرف أنه السبب وكلمت حاول التحدث والاعتذار منها تتركه وتذهب دون أن تعطي له مجال للحديث.
بعد أن تناول الجميع الإفطار سويًا قال أكمل:
"أنا وأمي طيارتنا هتكون النهارده الساعة ٢ هنسافر ٣ أيام الشرقية"
تيا بتساؤل:
"ليه يا بابا"
أكمل بابتسامة:
"الموضوع جه فجأة.... ابن عمي فرح ابنه بعد يومين وعزمني وأصر إني أحضر بس للأسف أنتوا مش هتقدروا تحضروا جيانا شغلها وتيا جامعتها ورامي مدرسته. إحنا هنسافر ونرجع على طول. خلوا بالكم من نفسكم أنا سايب رجالة في البيت"
رامي بمرحه المعتاد:
"متخافش يا حاج في عنيا"
أكمل بقصف جبهة:
"أنا أقصد على أخواتك مش أنت"
ضحكت روزي بقوة وقالت:
"في منتصف الجبهة"
أومأت له جيانا برأسها ثم قالت:
"أنا أخدت إجازة يومين امبارح سافروا انتوا وأنا هاخد بالي منهم وأهو بالمرة ماما تغير جو"
ابتسم لها أكمل وهو عازم النية بأن يتحدث معها ما إن يعود من السفر لأنه يلاحظ صمتها الدائم على غير عادتها ليقول بجدية:
"الحراس هيكونوا زي ما هما لو احتاجتوا حاجة قولوا له"
أومأ الجميع له ليقول لرونزي:
"الكلام ليكي أنتِ كمان تخلي بالك من نفسك ومن أخواتك دول كمان ومتتأخريش بره ولو احتاجتي حاجة الحراس بره"
ابتسمت رونزي له بسعادة وأومأت له، كم هي سعيدة لأنها رأت الاهتمام من أحد ذلك الرجل وتلك المرأة يجعلونها تشعر حقًا بأنها ابنتهما بحنانهم واهتمامهم بها.
رونزي بسعادة:
"بما إنك إجازة النهارده إيه رأيك تيجي معايا المول نختار فستان الخطوبة سوا"
ابتلعت جيانا غصة بحلقها وأومأت لها بابتسامة ثم قالت:
"طبعًا يا قمر"
تيا بابتسامة:
"خدوني معاكم أنا كمان معنديش محاضرات النهارده والشركة اللي هتدرب فيها لسه مردتش عليا مفيش حاجة أعملها"
أومأوا لها بنعم لتصفق تيا بحماس شديد.
ابتسمت جيانا وقد قررت أن تقضي اليوم برفقته وتنسى كل شيء ومن الآن فصاعدًا ستتحاهل وجوده.
ابتسمت ثم قالت بهدوء:
"تمام نوصلهم المطار ونطلع على المول"
رامي محاولاً فتح حوار مع شقيقته:
"طب هتاخديني معاكم صح"
ردت حنان بضحك:
"بنات وخارجين هتخرج تعمل معاهم إيه"
ضحكت تيا وقالت:
"هبقى آخدك معايا عيد ميلاد مي بعد حوالي أربع أيام عزمتنا كلنا"
أكمل بابتسامة:
"أنا هروح المكتب أخلص شوية حاجات وهعدي عليكي على الساعة ١٢ ونص كده يا حنان"
أومأت له بابتسامة ليغادر المنزل ومعه رامي الذي ذهب لمدرسته وحنان ذهبت لتحضر أغراضها هي وزوجها للسفر وتبقى الفتيات يخططون بحماس لما سيفعلونه اليوم.
بمحافظة القاهرة.
بمنزل ديما محمد الزيني.
دخلت لغرفة والدتها وهي مترددة بسبب ما تريد التحدث معها بشأنه لتلاحظ زينب تردد ابنتها فقالت بابتسامة وحنان:
"مالك يا حبيبتي قولي اللي عاوزة تقوليه"
ديما بتردد بعض الشيء:
"ماما أنا مبقتش صغيرة وكبرت دلوقتي ومن حقي أعرف إجابة السؤال اللي كل ما أسأله تهربي من الإجابة بحجة إني لسه صغيرة"
زينب بتوتر:
"سؤال إيه"
ديما بجدية:
"ليه إحنا عايشين بعيد وأبويا ما بيسألش عليا ولا حتى أخويا وعيلتي ليه ما بيحبونيش"
زينب بابتسامة متوترة وكذب:
"مين قالك كده بسأل عليكي وكلمني من كام يوم وسألني عليكي لو محتاجة حاجة"
ضحكت ديما بسخرية وأجابت:
"كان ممكن أصدق كلامك ده زمان لما كنت عيلة صغيرة متعرفش حاجة إنما أنا كبرت يا ماما ومن حقي أعرف الحقيقة وليه أنا بعيدة عن عيلتي"
تنهدت زينب بحزن وأجابت:
"محتاجينهم ليه أنا معاكي صدقيني يا بنتي البعد عنهم أكبر راحة وإجابة أسئلتك هتوجعك فبلاش تسمعيها"
ديما بدموع:
"نفسي أعرف ليا سابني محرومة من حنيته وعزه اللي ابنه ومراته عايشين فيه ورامينا كده أنا ساعات من كتر التفكير دماغي بتروح لحتت تانية"
زينب بحزن:
"وأنا قصرت معاكي في حاجة اللي بقدر عليه بجيبه ليكي إحنا مش محتاجينهم والله الغني عن أي قرش واحد يتصرف علينا منهم"
ديما بحزن:
"يا ماما مش قصدي أكيد آخر حاجة هفكر فيها الفلوس أنا بس مستغربة وموجوعة من اللي بيحصل"
زينب بإنهاء للنقاش:
"قصر الكلام الموضوع ده ميتفتحش تاني يا ديما"
قالتها وغادرت الغرفة دون أن تسمح لابنتها فرصة للرد أو التحدث وهي لا تريد لابنتها أن تعرف بذلك الماضي والذي بسببه يمكن أن تكرهها وتكره والده.
بكت وقالت وهي تنتحب بقوة:
"منك لله يا دولت انتي السبب في كل حاجة!!!! عيلة الزيني مجاليش من وراهم غير وجع القلب"
أما ديما فقد نوت فعل شيئًا ما وعزمت على تنفيذه بأسرع وقت ممكن فما هو يا ترى.....؟؟
في شركة حامد صفوان.
كان يجلس خلف مكتبه يتحدث مع مساعده حسين.
حامد بخبث:
"خليك وراها ومراقبها ونفذ اللي قولتلك عليه بليل لو رفضت يبقى اعمل اللي اتفقنا عليه بكرة"
حسين بخضوع:
"تحت أمرك يا حامد باشا.... بس ممكن سؤال"
حامد بتأفف:
"أنجز"
حسين:
"اشمعنا عاوزها هي تعمل كده ممكن أي حد غيرها ينفذ وتدفع أقل من الفلوس دي بكتير"
ضحك حامد وقال بسخرية:
"يا غبي..... البت دي مفيش غيرها بيهاجمنا ومخلي العيون تفتح علينا.... لما فجأة كلامها يتغير وتبدأ تشكر فينا يبقى أكيد اكتشفت إننا ناس ماشيين في السليم خصوصًا إن البت دي ملهاش في الشمال..... فاهم"
حسين بابتسامة:
"فاهم يا باشا"
تنحنح ثم تابع بتذكر:
"صحيح يا باشا في واحدة ست سألت عنك امبارح"
حامد:
"ست مين"
حسين بتذكر:
"قالت اسمها نعمة"
حامد بصدمة:
"نـعـمــة!!!!"
حسين بفضول:
"انت تعرفها يا باشا"
حامد بغضب وقد أفاق من صدمته:
"وانت مال أهلك روح شوف شغلك واعمل اللي قولتلك عليه ولو الست دي جات هنا تاني مشيها على طول"
أومأ له حسين وغادر الغرفة سريعًا ليقف حامد ويتوجه لتلك الواجهة الزجاجية التي تطل على الشارع وهو يغمض عينيه ويتنهد بحزن لتلك الذكرى التي لاحت بباله الآن.
أصوات ضحكات مليئة بالسعادة.
مسح وجهه بيده وهو يذهب ليباشر عمله من جديد محاولاً التركيز بعد أن شتت انتباهه ذلك الاسم الذي يعرف ويعرف صاحبته جيدًا "نعمة".
في قصر الزيني.
كان محمد يجلس أمام والده صلاح الذي يصيح عليه بغضب:
"بنتك عنوانها فين يا محمد"
محمد:
"مش عارف.... آخر مرة كانت زينب بعتالي عنوانها اللي أنا اديته لحضرتك"
صلاح بغضب:
"ده إيه البرود اللي أنت فيه ده الظاهر إن عيشتك مع دولت هانم بهتت عليك ببرودها وجمود قلبها يعني إيه أروح للبيت اللي قاعدين فيه ألاقيهم سابوا البيت من كام سنة أومال الفلوس اللي كانت بتتبعت لهم كل شهر بتروح لمين"
محمد بتوتر:
"كنت بخلي دولت تبعتهم"
صلاح بغضب وتعجب:
"دولت.... دولت اللي مش بتطيق زينب ولا بنتك دولت اللي زمان خيرتك بينها وبين زينب وطول عمرها بتكرهها هتهتم وتخصص دقيقة من وقتها تبعت فيها فلوس لزينب وطبعًا تلاقيها عارفة إنهم سابوا البيت وسكتت"
تنهد محمد بضيق وقال:
"بابا لو سمحت..."
صلاح بضيق:
"وبعدين أنا كنت فاكر أن حضرتك بتتابعهم كل شهر"
صلاح بغضب:
"عذر أقبح من ذنب هو إيه اللي فاكر دي بنتك افهمها بقى وخليك راجل ولو لمرة قصاد مراتك مش هتفضل هي اللي ممشياك"
غضب محمد بشدة وقال:
"بابا لو سمحت"
صلاح بغضب:
"غور من وشي ده أنت تسد النفس جتك البلا"
قالها وهو يدفع محمد وغادر متوجهًا لغرفته وهو يلوم نفسه قبل ابنه لأنه أهمل حفيدته وأهمل السؤال عنها وأمر رجاله بالبحث عنها بكل مكان.
مضى الوقت وأوصلت جيانا ورونزي وتيا أكمل وحنان للمطار وبعدها توجهوا للمول ليشتروا فستان الخطبة الخاص برونزي.
داخل متجر لبيع الأزياء وقف الثلاث فتيات أمام ذلك الفستان الذي حاز على إعجاب ثلاثتهم.
تيا بابتسامة:
"الفستان ده جميل جدًا ولونه حلو هيليق عليكي"
رونزي بإعجاب:
"فعلاً جميل جدًا وعجبني أوي"
جيانا بابتسامة:
"هيبقى تحفة عليكي"
رونزي بابتسامة:
"خلاص هاخده"
رونزي بابتسامة وحماس:
"جيجي ممكن أطلب منك طلب بس توعديني توافقي"
جيانا بتساؤل:
"طلب إيه"
رونزي بحماس:
"الفستان الأحمر ده هيجنن عليكي ممكن تحضري بيه خطوبتي وبعدين أنا ناوية النهارده أغير اللوك بتاعك"
جيانا بنفي:
"إنسي وبعدين أنا مرتاحة في لبسي"
تيا بهدوء:
"جيجي غيري شوية وبعدين في لبس كاجوال برضه بس بناتي ورقيق كده"
أكدت رونزي على كلامها وظل الاثنتان يلحون عليها كثيرًا لتقول بملل:
"خلاص موافقة بس بلاش حاجات تكون أوفر"
ضربت رونزي كفها بكف تيا بحماس وذهبوا للتسوق واشتروا أشياء عديدة ودخلوا لصالون التجميل وبعدها تبادلت جيانا ثيابها وارتدت ذلك الزي الذي اختارته جيانا لها وبعد وقت خرجت لهم لتطلق رونزي صفيرًا معبرة عن إعجابها الشديد وتيا صفقت بيدها بإعجاب شديد.
رونزي بإعجاب:
"يخرب عقلك مخبية الجمال ده كله فين"
جيانا باحراج:
"احم.... بس مبالغة وبعدين اتأخرنا خلينا نروح يلا هدخل أغير الفستان"
رونزي بسرعة:
"والله أبداً هتروحي كده بالجمال ده"
ضحكت تيا ثم قالت بهدوء وابتسامة:
"وهتبقى أحلى وأحلى لو لبست الحجاب"
ابتسمت جيانا واكتفت بالصمت فهي ليست مستعدة لتلك الخطوة وبداخلها تردد لكنها تدعو الله أن يهديها. نعم تصلي وتحاول بقدر الإمكان أن لا تخطأ لكنها ليست مستعدة لخطوة ارتداء الحجاب.
غادروا المكان متوجهين لمنزلهم وما إن وصلوا ودخلوا للداخل رأت جيانا وتيا ما جعل أعينهم تتوسع بشدة!!!!.
أما بالأسفل توقفت سيارة فريد الذي أخذ عدم رد رونزي على مكالماته الكثيرة مبررًا لكي يأتي ويرى رفيقه بعدما خرجوا من العمل.
أيهم بتأفف:
"أنجز يا عم خلينا نغور في أي داهية نتخمد أنا أصلاً مش طايقك ولا طايق نفسي"
فريد بضيق:
"اهدأ على نفسك يا أيهم"
أيهم بضيق:
"والله ما أنا فاهمك ما دام أنت هتموت عليها كده ونفسك تشوفها مكمل في أم الجوازة دي ليه ما تسيب رونزي وتتجوزها"
نظر له فريد بسخرية كيف له أن يظن بأن الموضوع بتلك البساطة لا أحد يفهمه ولا يفهم ما يشعر به.
تنهد بضيق ثم قال وهو يخرج من السيارة:
"بلاش رغي كتير يلا"
أومأت له أيهم وصعدوا الاثنان للأعلى وما إن صعدوا وجدوا باب المنزل مفتوح فدخلوا بحذر لتتوسع أعينهم بصدمة أيضًا مما رأوا...... !!!!
رواية ليتني لم احبك الفصل السادس 6 - بقلم شهد الشوري
توسعت أعين كل من جيانا وتيا، تحولت لسعادة شديدة ما إن دخلا ورأيا جدهما يجلس برفقة رامي يتحدثان سويًا.
ليذهب الاثنان إليه سريعًا، يرتمان بأحضان، ليبادلهما هو العناق باشتياق وحنان.
تيا بسعادة:
مقولتش ليه يا جدو إنك جاي؟ كنا روحنا استقبلنا حضرتك في المطار.
الجد، ويدعى عز، بابتسامة حنونة:
حبيت أعملهالكم مفاجأة.
جيانا بسعادة:
أحلى مفاجأة يا زيزو.
ضحك عز واحتضنها بسعادة وحنان، ثم قال:
والله وحشتيني أوي يا بكاشة.
تنتحنح رونزي ثم قالت بابتسامة:
أهلاً بحضرتك.
عز بمشاكسة ومرح:
مين القمر دي يا ولاد؟
رامي بمرح هو الآخر، وأبعد جيانا وتيا عن أحضانه، وقام بالاستناد على كتفه وقال بعبث وخفوت:
دي يا زوزو تبقى رونزي، صاروخ ألماني عايش معانا في البيت. تبقى صاحبة جيجي.
ضحك عز بخفوت وقال لرونزي بابتسامة:
أهلاً يا بنتي، أنا عز الدالي. دول يبقوا أحفادي، مع إني أبدو أصغر منهم.
ضحكت رونزي وقالت:
طبعًا، اللي يشوف حضرتك يقول عليك أخوهم الصغير.
عز بمرح:
شايفين الناس اللي بتفهم!
ضحكت جيانا وتيا، ليدخل فجأة من الباب الذي نسوا إغلاقه ما إن دخلوا، فريد برفقة أيهم.
لتتوسع أعين جيانا بصدمة، ونظرت لجدها الذي ما إن رأى فريد وأيهم، نظر لهما بغضب شديد.
لتقول جيانا سريعًا:
احم... فريد خطيب رونزي يا جدو.
أما عن فريد، فندم لأنه أتى لهنا ولم يحسب حساب لتلك المقابلة، وهي أن يرى جده.
أما عن أيهم، فزفر بضيق وهو يتمتم بخفوت بكلمات تعبر عن ضيقه الشديد.
أما عن عز، فصدم بشدة ونظر لحفيدته ليجدها تتهرب بنظراتها بعيدًا عنه.
ما عن رونزي، اقتربت منهم ثم قالت:
فريد، إيه اللي جابكم؟ في حاجة حصلت؟
نفى برأسه ثم قال بكذب وهو يتحاشى النظر لعز:
مفيش، اتصلت كتير بيكي ما بترديش، فقلت أطمن عليكي.
ابتسمت وقالت:
متقلقش، أنا كنت في المول مع تيا وجيانا والتليفون كان في العربية ومسمعتهوش. أنا لسه واصلة حالا.
أومأ لها.
ليقول رامي بصفير إعجاب:
إيه الجمال ده!
التفت الجميع على كلماته، ليقول هو:
يخرب عقلك، أنا لسه ملاحظ أخيرًا. شوفتك بفستان ده، أنا كنت قربت أفقد الأمل.
نظرت له جيانا بضيق، أكان ينقصه لتقول.
رونزي بضحك:
والله يا بني، أقنعتها بصعوبة. أستاهل آخد الأوسكار على الإنجاز العظيم ده.
الجميع يتكلم ويبدي إعجابه، أما عنه، كان ينظر لها بانبهار.
كانت جميلة بذلك الفستان الأبيض الذي ينزل على جسدها بانسياب، وخصلات شعرها المموجة وجمعها على كتف واحد.
لأول مرة يراها بفستان.
أفاق من شروده على يد ابن عمه التي وكزته.
ليفوق من شروده وهو يقول بخفوت:
فوق يا عم، مش وقت تسبيل ده.
نظر له فريد شرزًا.
بينما قالت رونزي معرفة إياهم بالجميع.
ليكتفي عز بإيماءة من رأسه وهو ينتظر ليعرف من حفيدته سبب تواجد هذان الاثنان هنا.
أما عن أيهم، بقى نظره معلقًا على هذه الفتاة، يحاول تذكر أين رآها من قبل.
لتتوسع عيناه وقد تذكر أين رآها.
ليشتعل الغضب بداخله.
ليقول عز بتساؤل:
اومال الواد آسر فين؟ عديت على شقته وخبطت محدش رد، لا هو ولا سمير.
جيانا بهدوء:
في مهمة تبع الشغل هو وسمير.
أومأ لها ودعا لهم بداخله أن يعودوا سالمين.
ليدق الباب الذي مازال مفتوحًا ويدخل منه شاب في منتصف الثلاثين تقريبًا، يقول بجدية:
مش ده منزل الآنسة جيانا النويري؟
وقفت وأومأت له وقالت:
أيوه، مين حضرتك؟
رد بجدية بعدما رآها وعيناه تتفحصها بجراءة، ورفع يده ليصافحها:
حسين كامل، مساعد حامد باشا صفوان. كنت عاوز حضرتك في موضوع مهم.
انتشر الغضب والغيرة بأوصاله وهو يرى نظرات ذلك الشاب لها بكل جراءة وقاحة.
جيانا ببرود دون أن تصافحه:
خير؟ ولو إن الزبالة اللي بعتك ميجيش منه الخير أبدًا.
زفر الآخر بضيق ثم قال بحرج وهو ينزل يده بجانبه:
أفضل نتكلم لوحدنا.
زفرت بضيق وقالت:
أنا معنديش وقت، اتفضل قول عاوز إيه.
جلس على المقعد دون أن ينتبه لما فعلته هي قبل أن تجلس على المقعد أمامه تحت نظرات الترقب من الجميع.
ليبدأ هو الحديث قائلاً بجدية:
حامد باشا، بيقدم الهدية دي لحضرتك ويتمنى تقبليها.
أعطاها الملف لتتفحصه، لتجد أنه عقد بيع وشراء لفيلا ذات مساحة كبيرة بمنطقة راقية.
رفعت حاجبها ثم قالت بسخرية:
يا ترى بقى الفيلا دي مقابل إيه؟
ابتسم ثم بمغزى:
أظن إنتي عارفة وإحنا عارفين المقابل. تبطلي تنبشي وراه.
ضحكت بسخرية وقالت:
رشوة يعني؟
حسين بمكر:
ليه تسميها كده؟ الباشا بيحب يهادي الناس وده عربون محبة. والباشا عنده استعداد يقدم أكتر، بس إنتي توافقي.
نظرت للورق الموجود بيدها باستهزاء.
لاحظه الآخر ليتابع ببساطة:
الموضوع بسيط جدًا، المقالات بتاعتك فتحت العيون ع الباشا. المطلوب منك حاجة بسيطة، زي ما فتحتي العيون عليها تقفليها. مقال صغير تتكلمي فيه عن كرمه وأخلاقه العالية وتتقفل الصفحة دي وتطلعي إنتي كسبانة.
تنفست بعمق ثم قال:
ها، قولتي إيه يا جيانا؟
هزت بصمت.
ابتسمت بخبث بعدما حصلت على ما تريد.
ثم نظرت للأوراق التي بيدها وشقتها لنصفين، ثم إلى قطع صغيرة وألقتها بوجهه.
ثم قالت بابتسامة أثارت غضبه:
قولت تطلع بره.
ضحك الآخر بسخرية وقال:
صدقيني، الباشا حاول يكون متعاون ونحل الموضوع ودي. بس الظاهر إن اللي زيك ما بينفع معاهم الذوق أبدًا. عندك اللي تخافي عليه يا بنت النويري؟
قالها وهو يوجه نظره لتيا ورامي اللذان يشعران بالقلق ويعلمان أن شقيقتهما سريعة الغضب ويصعب تخمين ما يمكن أن تفعله حين تغضب.
غضبت بشدة، وتملك الغضب من فريد أيضًا.
وما كاد أن يرد عليه ليلقنه درسًا، لكن سبقه عز الذي قال بقوة:
قول لحامد بلاش يشوف غضب عز الدالي. واللي يمس أحفاده بسوء يبقى هو الجاني على نفسه. قول له إن اللي حصل من كام شهر لجيانا مش هيعدي بالساهل أبدًا. اطلع بره.
نظر له حسين بغضب ثم غادر وهو يتوعد لجيانا.
دون أن ينتبه لقدم رامي الذي وضعها أمامه ليقع أرضًا على وجهه.
لنفجر الجميع ضاحكين، بينما الغضب تملك من حسين بشدة وغادر وهو يتوعد لجيانا بكل شر وهو يردد:
قسمًا بالله لتندمي، ورد على المهزلة دي هيوصلك بكرة. تحية مني ليكي ومن حامد باشا عشان الظاهر إنك متعلمتيش. كن قرصة الودن اللي فاتت، وبدل ما كنا نسيبك عايشة كنا قتلناكي وخلصنا.
غضبت بشدة وكادت أن تذهب وتبرحه ضربًا.
لكن شهقة خرجت من تيا ورونزي عندما عرفت قبضة يد فريد طريقها نحوه.
وجه الآخر ليقع أرضًا تسيل الدماء كفمه وأنفه.
كاد أن يذهب ويكمل عليه، ليجره أيهم من يده ويخرجه من المنزل ويغلق الباب قبل أن يتهور ابن عمه أكثر.
تيا بخوف:
جيانا، أنا هتصل ببابا وأقوله يرجع. ده بيهدد وشكله مش ناوي على خير. سيبك من الموضوع ده طالما جايبلك المشاكل.
جيانا بغضب:
المفروض إني خفت كده، صح؟ حقي من حامد صفوان لسه مخدتوش. وربي ليدفع الثمن غالي.
عز بصرامة:
جياناااا... تعالي ورايا على أوضتك.
قالها ثم غادر لأعلى، لتتنهد جيانا بضيق وتصعد خلفه.
لتقول تيا بإحراج لفريد وأيهم الذي يبدو وجهه مألوفًا لديها:
معلش، انشغلنا بالكلام ونسيت أسألكم تشربوا إيه.
فريد بهدوء:
متتعبيش نفسك، إحنا ماشيين.
ثم تابع وهو ينظر لرونزي:
أنا ماشي وهبعتلك بكرة السواق عشان تيجي القصر.
قالها ثم غادر برفقة أيهم الذي ألقى نظرة على تيا ثم غادر برفقة ابن عمه.
لتبقى رامي وتيا ورونزي.
ثم نظروا لبعضهم وتنهدوا وذهب كل واحد منهم لغرفته.
بينما في الأعلى بغرفة جيانا، يدور نقاش حاد بينها وبين جدها.
ليخرج من غرفتها بغضب وذهب لغرفة الضيوف لينام بها وهو غاضب من حفيدته.
***
بقصر الزيني.
بغرفة هايدي التي تجلس برفقة أخيها ويدور بينهما هذا الحديث الخبيث مثلهم تمامًا.
فادي بخبث:
فريد، أيهم، مش هتفرق. المهم الهدف واحد وهو الفلوس.
هايدي بضيق:
لا هتفرق، أنا كنت عاوزة أتزوج فريد عشان بحبه.
فادي بسخرية:
بتحبيه؟ طب يا حبيبتي، سيبي الحب ده على جنب وفكري في مصلحتنا. وبعدين إنتي وشطارتك يا توقعي فريد يا أيهم. المهم إنك متضيعيش حد منهم.
نظرت له هايدي وبداخلها مشمئزة منه ومنما يقول، ومتعجبة كيف لأخ أن يكون هكذا.
لكنها لم تهتم وركزت على هدفها وهو الإيقاع بفريد مهما كان الثمن.
***
في محافظة القاهرة.
بمنزل ديما محمد الزيني.
تقول ديما برجاء لوالدتها:
ماما، لو سمحتي، أنا مش بخرج كتير. هي رحلة صد رد تبع المدرسة عاملينها مكافأة كده للأوائل.
زينب برفض:
لأ يعني لأ يا ديما، هو إيه اللي تسافري لوحدك؟ لا أنا أخاف عليكي.
ديما بدموع بتأثر على والدتها:
يا ماما، عشان خاطري. هو يوم واحد، أنا بجد زهقانة من القعدة في البيت والمذاكرة.
تأثرت زينب بنوعها، وبعد حاجة كبيرة اضطرت للموافقة وقالت بخوف وعدم اطمئنان:
ماشي يا ديما، بس خلي بالك من نفسك وكلميني علطول ومتتأخريش. صد رد.
ابتسمت ديما بسعادة واحتضنت والدتها ودخلت لغرفتها وارتمت على فراشها وقالت بتصميم:
هانت يا ديما. بكرة هتعرفي الحقيقة كاملة!!
قالتها وهي تنوي معرفة سبب كره والدها وأخيها، بل عائلتها لها.
فما سيحدث بالغد يا ترى...؟
***
في صباح يوم جديد مليء بالأحداث.
غادر الجميع لعلمهم.
تيا التي ذهبت اليوم لجامعتها بعد أن جاءها اتصال يخبروها بقبولها هي ورفاقها بالتدريب ويجب أن تتوجه للغد للشركة.
أما عن رامي فغادر لمدرسته.
لتبقى رونزي وجيانا بالمنزل بعدما غادر عز متوجهًا لمنزل ابنته الأخرى ليطمئن عليه.
رونزي برجاء لجيانا:
بليز يا جيجي، تعالي معايا. هتقعدي لوحدك في البيت تعملي إيه؟
جيانا بضيق:
مش قادرة أنزل، روحي إنتي وبعدين هاجي معاكي. أعمل إيه؟
رونزي بحزن:
شكرًا يا جيانا، وأنا اللي كنت مفكرة إنك هتقفي جنبي في خطوبتي وتساعديني في التحضيرات مش تتهربي مني كده.
جيانا بتوتر خفي:
أنا مش بتهرب ولا حاجة.
رونزي برجاء:
خلاص، قومي البسي وتعالي معايا.
على مضض، توجهت جيانا لغرفتها لتبدل ملابسها، وكانت عبارة عن بنطال جينز أزرق وتيشرت أبيض وحذاء رياضي أبيض.
ثم ذهبت معها لقصر الزيني، وبداخلها تشعر بالغضب والضيق الشديد من ذاتها ومن رونزي ومن كل شيء.
تلوم ذاتها لأنها بيوم من الأيام أحبت شخصًا مثل فريد.
وخطأها بالماضي تدفع ثمنه الآن، ليس من الآن فقط بل من سبع سنوات.
ما إن توقفت سيارة جيانا أمام القصر مرورًا بتلك البوابة الحديدية، نظرت حولها للمكان مزين بطريقة رائعة والعمال يعملون بجد لحفلة الخطبة التي ستتم بعد حوالي ثلاثة أيام.
ابتسمت بسخرية وهي تسخر من حالها.
لطالما تمنت أن تكون مكان رونزي يومًا من الأيام، كم رسمت برفقته كل تلك الأحلام، كيف ستكون خطبتهم وكم طفل سينجبون.
لكنها كانت أحلامها مفردها، أو هكذا هي اعتقدت.
ما حدث بينهم وما رأته بعينيها جعلها تكره الرجال أجمع، وهو على رأسهم.
لقد كان أول من يلقونها درسًا في الحياة، وهو رجل يعني كذب، خيانة.
علمها أن لا تثق في رجل يقول ولا يفي بالوعود.
تنهدت بضيق وخطت للقصر من الداخل.
وجدت أشخاصًا يجلسون برفقة بعضهم ببهو القصر.
كان الجميع يجلس يتناقشون في أمور عدة.
لتعم الصمت عندما تدخل رونزي إليهم برفقة جيانا.
لتعرفهم جيانا على بعضهم، ليرحبوا بها.
أما عن فريد، كان ينظر إليها بحب وحيرة.
رجل لا يعرف ماذا يريد، رجل تائه وطائش.
يخشى من أن يخطو خطوة خطأ يندم عليها فيما بعد.
لا يريد أن يكرر خطأ والده في الماضي.
ليفوق من شروده على صوت جده يقول لجيانا:
أنا حاسس إني شوفتك قبل كده.
أومأت له ثم قالت بهدوء وقد تذكرته:
فعلاً، حضرتك اللي نقلتني ع المستشفى الحادثة اللي كانت ع الطريق من كام شهر.
صلاح بتذكر:
أيوه افتكرت. طمنيني عليكي، عاملة إيه دلوقتي؟
جيانا بابتسامة وهدوء:
بخير الحمد لله.
صلاح بابتسامة:
الحمد لله. نورتي قصر الزيني يا بنتي.
اكتفت بمنحه ابتسامة صغيرة مجاملة، بينما فريد ينظر لها بصدمة مما قالت.
حادثة وما الذي حدث معها.
نظر لأيهم الذي فهم عليه ليرفع كتفه بعدم معرفة.
أما عن جيانا، كانت تلاحظ نظرات ذلك الوقح المدعو فادي وهو يناظرها بجراءة ودون خجل، وهايدي التي تنظر لها بتفحص وتعال.
لتقول دولت بتكبر:
يا ترى بقى يا جيانا، تبقي من عيلة مين وبتشتغلي ولا مش بتشتغلي؟
استشعرت جيانا نبرة الغرور وهي تتحدث معها، لترد عليها بثقة:
اسمي جيانا أكمل النويري. بشتغل صحفية.
توترت دولت ما إن استمعت للاسم الذي تردد صداه بأذنها وهي لا تصدق أن من تقف أمامها الآن هي ابنة.
بصعوبة سيطرت على نفسها واستعادت ثباتها مرة أخرى، واكتفت بإيماءة برأسها تخفي ما بداخلها من حقد وغل كبير.
رونزي بابتسامة:
أنا هاخد جيانا أفرجها ع الديكورات اللي في الجنينة.
قالتها ثم سحبت يدها للخارج تشرح لها وتجعلها تشاهد العديد من الأشياء، وجيانا تاركة الرأي بابتسامة حزينة مشفقة.
تخشى من أخبارها الحقيقة فتحملها تتألم.
تريدها أن تفيق من ذلك الوهم التي عاشت فيه هي قبلها، واستيقظت على واقع أليم.
بعد وقت، تركتها رونزي لتذهب وتجيب ع الهاتف، وكان المتصل والدها.
كانت تنظر للحديقة بشرود.
لتسمع صوتًا يأتي من جانبها يقول:
حادثة إيه اللي حصلت معاكي؟
نظرت له بسخرية ولم تجب، وكادت أن تذهب.
ليرن هاتفها بتلك اللحظة التي اقترب فيها أيهم برفقة رونزي.
لتجد أن المتصل أختها الصغيرة، لتجيب على الهاتف وما إن أجابت جاءها صوت أختها الباكي تقول بخوف:
الحقيني يا جيانا، أنا في القسم!!!!
***
بمكان نذهب إليه أول مرة.
يخرج الاثنان من المطار برفقة بعضهم، ليقول الآخر:
هنروح المديرية نسلم الورق اللي معانا والفلاشة دي، وبعدها نروح القسم عند الواد مازن بيقول عاوزينها في حاجة مهمة أوي.
آسر بموافقة:
تمام.
ليتابع الآخر:
يارب نخلص بسرعة، إلا أنا هموت وأنام.
آسر بسخرية وعدم تصديق:
إيه يا سمير، ارحم شوية يا أخي. طول عمرك نايم، إيه ما بتشبعش نوم؟
سمير بخمول:
يا أخي، هو في حد يشبع من النوم. وبعدين أنا راجع من مهمة صعبة وعايز أكلة حلوة وأنام يجي كام يوم كده.
نظر له آسر بغيظ وركب تلك السيارة التي كانت بانتظاره أمام المطار، وعقله يفكر في الشيء الذي يريد رفيقه مازن أن يخبره به.
رواية ليتني لم احبك الفصل السابع 7 - بقلم شهد الشوري
خرجت من منزلها وهي تشعر ببعض من تأنيب الضمير لكذبها على والدتها، لكنها مرغمة. لابد أن تعرف الحقيقة بأي ثمن كان. تريد أن تعرف الحقيقة حتى لا تظلم والدها بأنه لا يحبها. تريد أن تعرف السبب في ذلك، لا تريد أن تكرهه دون أن تسمع مبررًا. لعلها تلتمس له العذر، وبداخلها تعلم أنه لا يوجد عذرًا أبدًا لرجل يترك ابنته هكذا وكأنه لم ينجبها. ولكن قلبها الذي يتلهف لرؤيته، وأن تنعم بحنانه الذي لم تراه يومًا، يختلق له أعذارًا كثيرة. قلبها الذي يخشى من القادم وما يمكن أن تعرفه.
بعد ساعة ونصف تقريبًا، توقفت الحافلة التي كانت تقلهم بمحافظة الإسكندرية. ليبدأ مشرفون الرحلة بتنظيمهم وإملاء التعليمات عليهم. لتميل ديما على صديقتها ريهام، غافلة عن تلك الأعين التي تنظر لكل حركة تقوم بها بهيام شديد.
ثم قالت بخفوت:
"ريهام، أنا هعمل زي ما اتفقنا ونفضل مع بعض على تليفون. هخلص وأرجع في أسرع وقت. غطي عليا انتي."
ريهام بقلق:
"ما بلاش يا ديما، أنا خايفة عليكي."
ديما بإصرار:
"مش هيحصل، أنا مش هرجع بيتي غير وأنا عارفة الحقيقة كاملة."
ريهام بقلق:
"طب ابقي طمنيني عليكي وخلي بالك من نفسك."
أومأت لها ديما، وبدون أن يلاحظ أحد، خرجت من بينهم وذهبت بعيدًا. غافلة عن ذلك الذي رآها وهي تهرب من بينهم هكذا، ليمشي ورائها بدون أن تشعر.
وبعد أن ابتعدت مسافة بسيطة، اقترب منها وقاطع طريقها، ثم قال بتساؤل:
"انتي رايحة فين يا ديما؟ وسيبتينا ومشيتي ليه؟"
ديما بصدمة:
"سيف! انت ماشي ورايا ليه؟"
سيف بجدية:
"جاوبي عليا الأول، مشيتي ليه من غير ما تقولي لحد."
ديما بتوتر:
"ها... مفيش، أنا بس كنت رايحة أشتري حاجة."
سيف بغضب:
"كدابة يا ديما... قولي انتي كنتي رايحة فين؟"
ديما بغضب:
"وانت مالك؟ انت بتدخل في اللي ميخصكش ليه؟"
سيف بغضب مماثل:
"أتدخل عشان خايف عليكي. ويا هتقوليلي رايحة فين، يا أما قسمًا بالله هرجع وأقولهم إنك مشيتي من غير إذن وبتهربي."
ديما بتوتر:
"سيف عشان خاطري سيبني أمشي، مفيش وقت."
يرد هو بإصرار:
"مش هسيبك تمشي غير لما أعرف رايحة فين."
ديما بضيق:
"رايحة عند بابا."
سيف بصدمة:
"باباكي!!! هو والدك عايش هنا في إسكندرية؟"
أومأت له وقالت:
"أيوه، بابا يبقى محمد الزيني."
صدمة أخرى تمكنت منه. كاد أن يسألها مرة أخرى، لتقول هي بتعجل:
"سيبني أمشي بقى، مفيش وقت."
نظر لها لثواني، ثم جذب يدها وأوقف سيارة أجرة ليركب برفقتها، بعد أن أملى العنوان الذي أخذه منها على السائق.
ليقول هو بكل جدية:
"ودلوقتي بقى فهميني كل حاجة من الأول، يمكن أقدر أساعدك. ومن غير كدب أحسنلك يا ديما."
نظرت له لثواني بحيرة، ثم قصت عليه كل شيء، ليشعر بالشفقة تجاهها عندما وجد الدموع تغرق وجهها والحزن يسيطر عليها. ليقول بتصميم:
"امسحي دموعك ومتعيطيش، أنا معاكي وهعملك اللي انتي عايزاه. رجلي على رجلك.... ما تخافيش، هاخدك من ايدك لحد بيت باباكي، وبعدين هرجعك على بيت مامتك."
أومأت له ومسحت دموعها التي ألمت قلبه. فتلك الشقراء الجميلة استحوذت على قلبه بالكامل منذ أن كانت رآها أول مرة منذ سنتين بأحد الدروس. ليزداد عشقها بقلبه يومًا بعد يوم.
بعد وقت، توقفت سيارة الأجرة أمام قصر الزيني. ليقول سيف وهو يجدها تحدق للقصر بعيون ممتلئة بالدموع.
مسك يدها ودخل للداخل بعدما جعلتهم يروا هويتها الشخصية.
مسك سيف يدها وشدد عليها بقوة ليدعمها. ما إن دخلت لداخل القصر، ذهبت الخادمة لتخبر الجميع بقدومها. وكانت دولت تدخل للداخل لتسمع الحديث الذي دار بينها. وما إن صعدت الخادمة لمكتب صلاح الجالس برفقة ولديه، حتى تخبرهما.
اقتربت دولت من ديما وقيمتها بنظرات متعالية، خاصة عندما رأت ما ترتديه، فقد كانت ترتدي بنطال جينز أزرق باهت وتيشرت أصفر حاله كحال البنطال.
أما عن ديما، فقد عرفتها على الفور. لتقول دولت:
"يا ترى بنت الخدامة بتعمل إيه في قصر الزيني؟"
ديما بتحدي وغضب من تلك التي تقلل من شأنها بنظراتها، بل وتهين والدتها:
"إيه يعني خدامة... ده حتى بيقولوا خادم القوم سيدهم. يعني أمي ستك، ده كفاية بس إنه أبويا لما فكر يتجوز اتجوز الخدامة على دولت هانم."
نظرت لها دولت بغضب وقالت:
"انتي إزاي يا حيوانة تردي على أسيادك؟"
ديما بغضب:
"الزمي حدودك واتكلمي عدل، وإلا وربي ما هيحصل طيب. لو كنتي انتي مرات محمد الزيني، فأنا بنته."
دولت بغضب:
"اطلعي بره من بيتي وبيت ابني يا بنت الخدامة."
ليأتي صوت صلاح من خلفها برفقة عليا وجمال ومحمد، يقول بقوة وصرامة:
"قصر الزيني هيفضل طول عمره ملك صلاح الزيني لحد ما يموت، ومن بعده أولاده وبعده أحفاده... وانتي اتجرأتي وبتطردي حفيدته الوحيدة من بيتها وبيت أبوها وجدها."
ابتسمت ديما، والتمع عيناها بسعادة عندما رأت جدها الذي لم تراه منذ سنوات طوال، وقد أعجبها دفاعه عنها. ولكن مهما كانت سعادتها برؤيته، ذلك لا يشفع لأحد منهم عنده.
دولت بغضب:
"قصدك إيه يا عمي؟ مش كفاية الخدامة لفت زمان على جوزي وسرقته مني خطافة الرجالة."
ديما بغضب:
"متقوليش على أمي كده، دي أحسن منك ومن ألف واحدة من عينتك."
صلاح بحنان متجاهلاً دولت:
"ديما.... حفيدتي."
ابتعدت للخلف ولم تسمح له بأن يعانقها، ثم قالت بنبرة حاولت جعلها خالية من المشاعر:
"أنا سبب مجيتي هنا للقصر ده إني عاوزة أسمع إجابة على أسئلتي، وياريت بسرعة لأني لازم أمشي."
صلاح بتساؤل:
"أسئلة إيه.... وتمشي بسرعة ليه؟ هي والدتك مش معاكي ولا إيه؟"
ديما بجدية:
"ماما متعرفش إني جيت، أنا جيت من وراها. ياريت نتكلم لوحدنا يا... يا صلاح باشا."
استعجب صلاح ومحمد مما قالت، ليقول محمد بابتسامة صغيرة:
"إزيك يا ديما؟ أخبارك إيه؟"
ديما بسخرية مريرة:
"مش ظن إن أخباري تهمك يا محمد باشا، وع العموم شكرًا ع السؤال اللي غصبت نفسك عشان تسأله."
صلاح بعد تنهيدة عميقة:
"جمال خد عليا وسيبنا لوحدنا."
أومأت له جمال وذهب بعدما اقترب من ديما وقبل جبينها، ثم قال بحنان:
"نورتي بيتك وبيت عيلتك يا بنتي."
ابتسمت له ابتسامة مجاملة، ليغادر هو برفقة شقيقته عليا، ليجلس ثلاثتهم ويبدأ محمد حديثه يسأل بتوتر وحرج:
"انتي وزينب عايشين فين وسيبتوا الشقة ليه؟"
ابتسمت بسخرية ثم قالت:
"مش موضوعنا. ليه طلقت أمي زمان؟ وطالما انت مش عايزها اتجوزتها ليه وخلفتني؟"
توتر محمد، ليقول صلاح بجدية:
"وإيه لزمته نفتح في الماضي يا بنتي؟"
قالت ديما بغضب تمكن منها، ولكن بصوت منخفض:
"الماضي اللي حضرتك مش عايز تفتح فيه ده، أنا بدفع تمنه من وأنا عيلة صغيرة. الماضي اللي فيه سبب أنا معرفهوش لكره أبويا ليا وإنه اتخلى عني. الماضي ده فيه أجوبة أسئلة أنا بسألـها لنفسي كل يوم ومش بلاقي إجابة. أنا من حقي أعرف."
محمد بهدوء:
"أنا وزينب اتجوزنا."
قالها صلاح بغضب، يمنع ولده عن إكمال حديثه، ليتابع الأخر بجدية:
"سيبنا لوحدنا يا بابا لو سمحت."
نظر له صلاح بحدة وغادر الغرفة، بعدما رأى نظرة الإصرار بعين ابنه، يضرب كفًا بآخر وهو يشعر بالقلق. عندما تعرف ديما الحقيقة، يخشى أن تكرهه أكثر عندما تعلم ما فعله في الماضي مع والدته.
ليقول محمد بهدوء لديما التي تنظر له، ليكمل حديثه:
"صدقيني أمك من كل قلبي حبيتها، بس مكنش ينفع. الحب لوحده مش كفاية عشان أي علاقة تنجح."
ديما بتساؤل:
"ليه مكنش ينفع؟ وطالما عارف إنه مكنش ينفع اتجوزتها ليه من الأول؟"
محمد بضيق وحزن:
"اتعرفت على زينب قبل ما أتـجوز دولت. كانت بتشتغل عندنا خدامة في القصر. كانت لسه جايه جديدة، كانت جميلة جدًا وهادية. ابتديت أشد لها وعجبتني، وحاولت أقرب منها أو أتعرف عليها، بس كانت بترفض دايمًا. لقيت نفسي مع الوقت مش بقدر أعدي يوم من غير ما أشوفها أو أكلمها. كنت بخترع أي سبب عشان أتكلم معاها، بس كانت دايمًا بتصدني. أعترفت بحبي ليها وهي رفضت، ومع الحاحي أعترفت هي كمان بحبها ليا، بس رفضت بسبب الفرق الاجتماعي اللي بيني وبينها. جدك وجدتك حسوا أمي ميالة ليها، ولما واجهوني أعترفتلهم إني بحبها. جدتك كانت شديدة أوي، كانت بتحب كل حاجة بنظام، وكانت أول المعارضين على حبي لأمك، لأنها كانت شايفة إن ابن الزيني مينفعش يتجوز خدامة، وطردت زينب من الشغل. وجدك خيرني بين حبي لأمك وإنه يتبرى مني ويحرمني من ثروته."
فـفـ...
ديما بسخرية:
"تخليت عن أمي مش كده؟"
محمد بضيق:
"مكنش ينفع أختارها، كنت لسه ما اتخرجتش، و مكنتش أقدر أفتح بيت ساعتها، فكان الأصح إني أسيبها."
تنهد بعمق، ثم أجاب:
"بعدها جدتك وجدك قرروا إني أتـجوز دولت بنت راجل أعمال صديق العائلة عشان يضمنوا إني مشوفهاش وأبعد عنها. وضغطوا عليا، وراحوا وحددوا ميعاد عشان أخطب دولت، وحطوني في دا الأمر الواقع. ساعتها اضطريت أوافق واتخطبت أنا ودولت، ومع الوقت اتعرفت عليها، كانت ميولنا واحدة، وفيه تشابه في أفكارنا. وجدتك فضلت تقنع فيا إنها بنت من عيلة كبيرة وتليق بيا وباسمي، ومع الوقت ابتديت أعجب بشخصية دولت، وقولت لو اتجوزتها مع الوقت هنسى زينب، لأني لو كنت بحبها مكنتش هعجب بدولت. الفكرة دي كانت مسيطرة عليا ساعتها، واتجوزت أنا ودولت بعد سنة. وجدتك قالتلها على علاقتي بزينب زمان، وقالتلها تاخد بالها مني عشان مرجعش لزينب تاني. ومن هنا ابتدت الخناقات ليل نهار. لو شردت شوية يبقى بفكر في زينب، وبعد كام شهر دولت كانت حامل وخلفت فريد. ومع الوقت إعجابي بدولت اللي كنت فاكره هيتحول لحب محصلش، بالعكس، حياتنا لا كان فيها حب ولا حتى هدوء، كانت كلها عبارة عن خناق بسبب أهمالها ليا ولي ابنها، وعلطول خروجات وحفلات. عدت السنين وأنا مستحمل عشان خاطر فريد، لأني مش عاوزاه يفضل بين أب وأم منفصلين. ولما جبت أخرى..."
تنحنح ثم قال بحرج:
"احم.... بقيت أسهر أخرج أعرف ستات. وفي مرة كنت نزلت القاهرة كام يوم أخلص شغل وأرجع تاني، ونزلت في فندق. قابلت زينب اللي كانت بتشتغل في الفندق. كانت لسه جميلة زي ما هي، بس مطفية. نظرة هي مها حزينة، مش هي البنت اللي عرفتها. أول ما شفتها حسيت مشاعري ناحيتها بتصحى من تاني، وكأني رجعت نفس الشاب اللي حبها وهو عنده ٢٥ سنة، مش واخد قرب ع الأربعين. لما جيت أكلمها اتجاهلتني، وأنا كمان عملت كده. لحد قبل ما أسافر بيوم، كنت شربت كتير وسكران، وهي شافتني وساعدتني لحد ما دخلت أوضتي. مكنتش في وعيي، وعقلي كان مغيب. لقيت نفسي بقرب منها، وقربت منها غصب. لما صحيت تاني يوم الصبح اكتشفت الكارثة اللي عملتها. مكنش في حل غير إني أتـجوزها، واتجوزنا عند مأذون من غير ما حد يعرف، وفضلت على ذمتي. وطلبت مني أن نطلق بعد كام شهر لأنها مش عايزة تبقى زوجة تانية، وكمان في السر. وافقت على طلبها، بس.... هي حملت فيكي. ساعتها كنت مصدوم، مكنش فيه حل غير إني أقول للكل على جوازنا. ولما الكل عرف اعترضوا، وجدتك اتعصبت وتعبت جامد، ودولت كمان رفضت. لقيت زينب بتقولي إنها موافقة تكون زوجة تانية عشان بس تربي بنتي."
ديما بسخرية مريرة وحزن:
"بنتها اللي جت غلطة مش كده؟ بنتها اللي الكل مكنش عايزها."
اخفض وجهه أرضًا ثم قال:
"ساعتها دولت خيرتني بينها وبين زينب. ولأول مرة فريد يقف قدامي ويقولي إن عمره ما هيسامحني لو فضل متجوز على أمي، وإن الست دي سبب المشاكل بيني وبين أمه من زمان."
ديما بتكملة وهي تشعر بالحزن ينهش قلبها:
"تخليت عن أمي للمرة التانية."
أومأت له ثم قال:
"لو كنت اخترتها كنت هخسر حب ابني. بعت ليها ورقة طلاقها، واشتريت شقة في إسكندرية تعيشوا فيها. جدتك كان عاوزاها تنزل الولد اللي في بطنها، بس والدتك رفضت. بس فجأة زينب اختفت، وما عدتش ظهرت، وسابت الشقة ومالقيتهاش. بعديها بكام شهر لقيتها رجعت وشايلاكي على دراعها، وعايزاني أسجلك باسمي. ولحد دلوقتي معرفش سبب اختفائها إيه. وبعديها بكام شهر اضطريت أسافر ألمانيا أتابع الشغل هناك، ودولت سافرت معايا هي وفريد، وفضلنا هناك كام سنة، وبعدين رجعنا. ولما رجعت...."
اا...
ديما بسخرية:
"ولما رجعت كنت نسيت إن ليك بنت واتعودت على عدم وجودها. أنت أصلًا كنت ناسيها."
ابتلع غصة مريرة بحلقه ثم تابع:
"كل مرة كنت ببقى عايز أكون مع زينب بلاقي نفسي مخير بين حاجتين، والاتنين أصعب من بعض. كنت ببقى عايز أجيلك وأخدك في حضني، بس كنت بخاف. كنت بقول بعد كل السنين دي هروح لها أقول إيه، وهبرر أقول إيه؟ مكنش عندي اللي أقوله."
ديما بسخرية مريرة:
"عندك حق، مش هيبقى عندك اللي تقوله، لأن مفيش كلام يتقال. أنت لو كنت مهتم، كانت مكالمة تليفون بس كافية إنك تطمن عليا. بس أنت ريحت دماغك، أنا مجرد بنت جت نتيجة غلطة."
أخذت نفس عميق ثم تابعت بسخرية مريرة:
"على فكرة، العيب مش على صلاح باشا ومراتك ولا فريد ولا حتى جدتي. العيب واللوم كله عليك انت."
أغمضت عيناها ثم فتحتها وتابعت بقهر:
"أمي كانت قالتلي زمان إن مرات عمي جمال كانت من عيلة بسيطة، وكان بيحبها أوي وعانى كتير عشان يقدر يتجوزها وعمل كتير. أنت لو كنت حبيت أمي بجد، كنت دافعت عنها. لو كنت اخترتها مرة واحدة وبينت للكل تمسكك بيها، مكنش حصل اللي حصل. لكن أنت كل مرة كنت بتخلي عنها لدرجة خليت الكل يعرف إنها مش فارقة معاك وإنك مش هتزعل عليها. وبلاش تقول إنك حبيتها، لأن انت وكلمة حب ميتحطوش في جملة واحدة. أنت مكنتش شجاع كفاية إنك تدافع عن اللي بتحبها يا محمد باشا."
وقفت ثم قالت بضحكة ساخرة:
"ببساطة، كنت بتختار الحلول اللي تمشي مع مصلحتك وبس. اخترت إيه اللي يناسبك وعملته. عملت كتير عشان ابنك ميكرهكش، في المقابل كنت أنا وأمي. أمي اللي تستاهل الأحسن منك ألف مرة. أمي اللي كل مرة كانت بتتحط في اختيار مع حد تاني كنت بتخذلها وعمرك ما اخترتها. اتجنبت اللي يخلي ابنك يكرهك، بس أحب أقولك إن في المقابل كسبت كره بنتك. بنتك اللي من النهارده بتقولك زمان كانت بتحط ليك مبرر، دلوقتي اعتبرتك مت ومش عايزة أشوفك تاني."
كادت أن تخرج من القصر لتجد فريد أخيها يدخل برفقة جدها وشاب وفتاة، وهو يتساءل عن هويته.
ليجيبه صلاح بهدوء:
"ديما أختك الصغيرة يا فريد."
انقلبت ملامح وجهه للوجوم الشديد ورد بغضب:
"جاي تعمل إيه هنا في قصر الزيني؟ هي وأمها ملهمش مكان هنا. كفاية اللي عملتها أمها زمان. تغور تطلع بره حالاً."
ديما بسخرية مريرة:
"مش هلومك إنك بتطردني من بيت المفروض إنه بيت أبويا زيك زيي. بس هلومك ليه إذا كان أبويا طلعني من حياته كلها مش من البيت. بس يبقى أخويا يعملها، طالما اللي أنا من صلبه اتخلى عني، هيجي أخويا ويعمل العكس."
نظرت لهم بكره ثم قالت:
"أمي كان عندها حق، البعد عنكم أكبر راحة. أنا دلوقتي مديونة لأمي باعتذار لأني مصدقتش كل الكلام اللي كانت بتقوله ليا، ومديونة لنفسي باعتذار على كل يوم وكل لحظة التمست العذر فيها ليكم."
أخذت نفس عميق ثم تابعت بوجع وعيون ممتلئة بالدموع:
"أنا كنت جاية أعرف حاجة وعرفتـها، وعهد مني على نفسي باب القصر ده ما هدخله برجليا طول ما أنا عايشة. عيشتي مع أمي في شقة أوضة وصالة أرحم بكتير من إني أعيش في وسط ناس زيكم."
نظرت لفريد ثم قالت بسخرية ونظرة جعلت ضميره يأنبه بشدة:
"مش عارفة انت كارهني ليه، مع إن المفروض العكس. محمد باشا لما جي يختار اختارك انت ووالدتك. اختارك انت واتخلى عني أنا وأمي. انت عشت في حنانه وعزه وأنا لأ. المفروض العكس يا أخويا الكبير."
نظرت لسيف الذي دخل ليخبرها بتأخرهم، واستمع لكل ما قالته لخالها وأبيها، ثم قالت بوهن وإرهاق:
"روحني ع البيت لو سمحت يا سيف."
أومأ لها واقترب منها يحمل عنها حقيبة ظهرها ويمسك يدها برفق، يحسها على المشي، وبداخلها بشعر بالحزن والشفقة عليه.
تحت نظرات الضيق من فريد وصلاح ومحمد، وهم يتساءلون عن علاقته بديما، وبنفس الوقت الحزن يسيطر عليهم.
ما أن خرجت من القصر بأكمله برفقته، سألها بقلق:
"ديما انتي كويسة؟"
هزت رأسها له بالنفي، وجلست على الرصيف ودخلت في نوبة بكاء عنيفة، وجسدها يهتز وهي تشهق بقوة.
ليقلق عليها بشدة، جلس بجانبها يحاول تهدئتها:
"اهدي متعيطيش، صدقيني دموعك غالية، محدش يستاهل ينزلها عشان خاطره. اهدي عشان خاطري."
لم تهدأ وبكت بقوة وهي كلمات والدها وأخيها تتردد بأذنها، لتدخل في نوبة بكاء مرة أخرى وبقوة. لم يجد جل أمامه سوى أن يجذبها لاحتضانه، يطوقها بذراعيه بقوة وهو يقول بحنان، وهي تتشبث به وتنتحب بقوة:
"اهدي يا ديما."
ثم تابع بخفوت لم يصل إلى مسامعها:
"اهدي يا قلب سيف اللي محبش ولا هيحب غيرك."
كانت تركض بين طرقات ذلك القسم خافئة على أختها التي هاتفتها تستنجد بها، وبصعوبة من وسط شهقاتها استطاعت أن تعرف اسم القسم المتواجدة به، لتذهب سريعًا بدون تفكير، تقود سيارتها متوجهة لها. وخلفها سيارة فريد الذي ذهب خلفها سريعًا بدون تفكير برفقة رونزي وأيهم، الذي ما استمع اسمها حتى شعر بالقلق، ليذهب معهم بدون تفكير.
تركض غير منتبهة لهؤلاء الذين يخرجون من المكتب المجاور، وملامح وجههم يظهر عليها الغضب. لتصطدم جيانا بهم، لتحاوطها يد أحدهم بسرعة، وما أن وقعت عيناها عليه حتى قالت بسرعة:
"آسر!!!"
كل ذلك تحت أعين فريد التي أصبحت حمراء بشدة، وأخذ يضغط على يده بقوة يمنع ذاته من التقدم نحوها، يجذبها من يد ذلك الغبي ويذيقه بعض من لكماته من شدة الغيرة التي تنهض بقلبه.
آسر بقلق:
"جيانا في إيه؟"
جيانا بسرعة:
"تيا كلمتني وقالتلي إنها في القسم وكانت عمالة تعيط جامد أوي."
سمير بقلق:
"إيه اللي جابها القسم أصلًا؟"
آسر بغضب:
"مش وقت أسئلة."
جيانا وهي تذهب باتجاه رغد ومي الواقفتان في آخر الممر:
"دول مي ورغدة أصحاب تيا."
ذهب خلفها آسر وسمير ليسألهم آسر بجدية:
"تيا فين وإيه اللي حصل؟"
رغدة ببكاء:
"كنا رايحين نحضر المحاضرة، فجأة سراج وشلته قاعدين يضايقونا، وبالأخص تيا. حتى سراج حاول يمسكها، راحت ضربته بالقلم. راح مكلم البوليس وقال إنها سرقت محفظته وتليفونه، وكانت بتعرض نفسها عليه، وصحابه شهدوا بكده. والبوليس جابها وجه هنا، والظابط اللي جوه طردنا بره ومخلناش نفضل معاها. ولما قالت إن هي مسرقتش حاجة، الظابط ضربها بالقلم وقعد يشتم، خصوصًا بعد ما عرف إن سراج يبقى ابن راجل أعمال كبير، والزبالة قاعد جوه حاطط رجل على رجل."
جيانا بغضب:
"ده ليلة أهله مش فايتة."
كادت أن تدخل، منعتها يد آسر الذي قال بحدة:
"اقفي مكانك ساكتة، وعلى الله يا جيانا تتكلمي أو تعملي أي حاجة وتتهوري. سامعة؟"
جيانا بغضب:
"وأقف ساكتة ليه أن شاء الله؟ ده أختي اللي جوه."
آسر بغضب وصرامة:
"وأختي أنا كمان. تقفي ساكتة ومسمعش صوتك، وإلا والله هيحصل اللي مش هيعجبك أبدًا."
زفرت بضيق والغضب تمكن منها، ليقول لسمير بحدة ونبرة غير قابلة للنقاش:
"خليك هنا معاها ومتخليهاش تدخل."
أومأت لها سمير، لتنظر جيانا له بحدة. ليدخل آسر للداخل، لتقول رونزي بطمئنة:
"اهدي يا جيانا. قريبك قال هيتصرف."
أما عن فريد وأيهم، يقف الاثنان بجانب بعضهم، وكل منهم ينظر لآثر آخر بغيظ وغيره، والآخر بحيرة مما يشعر به.
بالداخل، دخل آسر للداخل، وما أن دخل وجد ذلك المدعو سراج يجلس ويضع قدم فوق أخرى. وما أن رآه الظابط ويدعى منصور، وقف ورحب به ثم قال:
"أهلاً بسيادة المقدم آسر باشا، نورت مكتبي، اتفضل."
رفض آسر مصافحته، ثم قال بصرامة:
"تيا أكمل النويري تكون قدامي دلوقتي."
قطب منصور جبينه، ثم قال بتساؤل:
"تيا مين يا باشا؟"
آسر بسخرية:
"بقى معقول تدخل واحدة السجن وانت متعرفش اسمها إيه؟ ولا حضرة الظابط مش شايف شغله كويس؟"
تنحنح الظابط بحرج، ليتابع آسر بحدة:
"تيا النويري اللي البيه اللي قاعد مقدم بلاغ فيها."
تنحنح منصور وطلب من العسكري أن يأتي بها من الحجز، ليهب سراج واقفًا وهو يقول بغضب:
"البت دي مش هتطلع من هنا غير لما حقي يجيلي، وتعتذر مني كمان على اللي عملته."
نظر له آسر ببرود مثير للأعصاب، ثم قال بغموض:
"متخافش من ناحية هتاخد حقك، فأنت هتاخده أوي وبزيادة كمان."
اهتز سراج وشعر بالقلق من نبرته تلك، ولم يرتاح لنظرات المصوبة تجاهه.
جاء العسكري بتيا التي تبكي بقوة، ويظهر على وجهها آثار أصابع يد أثر ضرب ذلك الضابط لها. ليشتعل الغضب بداخل آسر، لكنه تحكم بذاته، وقال بهدوء مفتعل:
"التعويض اللي يطلبه الأستاذ سراج هيتدفع، ويتنازل عن المحضر."
سراج بغضب:
"تدفع التعويض وتعتذر."
ابتسم آسر بسخرية، ثم اقترب منه وهمس بجانب أذنه بسخرية:
"تمام، هتعتذر وبعدين نروح ونفتح الكاميرات الموجودة في الجامعة، وهيظهر إنك كنت بتحاول تتحرش بيها، ودي قضية تحرش طبعًا، وناخد شهادة الطلاب التانيين اللي كانوا موجودين غير أصحابك اللي أكيد عملوا كده بمساعدتك، ونعمل كشف طبي ليك، واللي أنا متأكد مية في المية إنه هتكون بتتعاطى حاجة، وتبقى قضيتين تحرش وتعاطي. إيه رأيك؟ أنا بقول نمشيها ودي أحسن، وبلاش تخليني أحطك في دماغي أكتر من كده، لأني ساعتها اللي هيحصل مش خير أبدًا."
ابتلع سراج ريقه بصعوبة، ثم قال بتوتر:
"أنا هتنازل عن المحضر."
تعجب منصور ونفذ ما قال، ليخرج الثلاثة من الداخل. وما أن رأت جيانا ذلك الشاب، كادت أن تهجم عليه تبرحه ضربًا، لكن يد سمير منعتها، وهو يقول برجاء:
"أبوس إيدك اهدي. طلعنا واحدة وهندخل واحدة السجن بدلـها، ولا إيه؟"
زفرت بضيق، ليقول آسر بهدوء:
"روحهم ع البيت يا سمير، وأنا هحصلكم بعدين."
ثم تابع بصرامة وهو ينظر لجيانا:
"بلاش تتصرفي بتهور. حق تيا أنا هاخده ومش معنى إنه طلع من هنا سليم يبقى الموضوع عدى. اهدي واتصرفي بعقل يا بنت عمي."
أومأت له على مضض، ثم أسندت أختها وخرجوا من القسم برفقة الجميع عدا آسر الذي أجرى مكالمة هامة جدًا، وبعدها خرج من القسم متوجهًا لمكان ما!!!
أما عن مي صديقة تيا، لم تكف عن النظر لأيهم طوال الوقت، تنظر له وهي تتنهد بهيام ووله، وهي تردد بداخلها:
"يخربيته قمر ابن الإيه."
أما عنه، كانت عيناه لا تحيد عنها، وكلمة رغد تتردد بأذنه: "الظابط ضربها بالقلم وقعد يشتم، خصوصًا بعد ما عرف إن سراج يبقى ابن راجل أعمال كبير."
ابتسم بشر وتوعد لهم، وهو حتى الآن لا يعرف سبب تلك النيران التي اشتعلت بداخله، ما أن علم ما فعله ذلك الشاب والضابط به.
ركبوا بسيارة جيانا، كل من جيانا وتيا التي لا تكف عن البكاء، وسمير الذي تولى القيادة. أما عن رونزي، ذهبت بعدما أخبرتها جيانا بأن تذهب وتكمل ترتيبات خطبتها برفقة أيهم وفريد، الذي ينظر لجيانا بحزن وحيرة.
ثم ذهبت مي بسيارتها برفقة رغد.
وصلوا لبنايتهم، وذهب كلاً منهم لمنزله، وساعدت جيانا تيا على الاسترخاء وتركتها لترتاح، ثم ذهبت للخارج. وما أن دخلت لغرفتها، تعالى رنين هاتفها برقم مجهول، لترد وما أن أجابت، جاءها صوت تبغضه بشدة قائلًا ما جعل الغضب يشتعل بداخلها:
"المرة دي كانت قرصة ودن، المرة الجاية مش ههزر. هنفذ علطول. عندك اللي تخافي عليه يا بنت النويري!!!!"
رواية ليتني لم احبك الفصل الثامن 8 - بقلم شهد الشوري
توقف أمام بناية منزلها بعدما وصلوا أخيرًا للقاهرة. بصعوبة استطاع أن يجعلها تتوقف عن البكاء. قبل أن تصعد، قالت له بصوت متحشرج وامتنان:
"شكرًا إنك فضلت معايا النهاردة يا سيف."
سيف بابتسامة صغيرة:
"مفيش كلمة شكر بينا يا ديما. واللي عملته كان اللي المفروض يتعمل. ارتاحي ومتفكريش في اللي حصل وركزي على مستقبلك."
أومأت له بابتسامة باهتة ثم صعدت للأعلى. ليتنهد هو بحزن ثم غادر متوجهًا لمنزله حيث يسكن بأحد الأحياء الهادئة والبسيطة برفقة والديه، فهو الابن الوحيد لوالديه.
صعدت للأعلى حيث منزلها. وما دقت الباب وفتحت لها والدتها الباب. نظرت لابنتها بقلق وخوف بالغ وهي ترى ابنتها بحالة يرثى لها، وجهها وعيناها حمراء من كثرة البكاء.
زينب بقلق:
"مالك يا ديما؟ إيه اللي حصل؟"
دخلت ديما للداخل وجلست على تلك الأريكة الموجودة بالصالة ثم قالت وهي تنظر لوالدتها:
"أنا روحت قصر الزيني."
توسعت أعين زينب ونظرت لابنتها التي قالت بدموع أغرقت وجهها:
"عرفت اللي ما كنتيش عاوزاني أعرفه. كان عندك حق يا ماما، كان عندك حق. البعد عنهم راحة. عرفت اللي حصل زمان. عرفت إن أبويا اتخلى عني عشان ما كانش عنده الجرأة ولا الشجاعة إنه يدافع عن اللي حبها ويدافع عن وجود بنته جنبه. هو السبب وجدي السبب. أخويا بيكرهني وهو طلعني من حياته وجدتي ما كنتش عاوزاني أجي الدنيا. هو استسهل واختار اللي يريح دماغه. مراته كانت بتطردني من بيت المفروض إنه بيتي زي بيت ابنها. ابنها اللي هو أخويا طردني كمان وأبويا وقف ساكت مدافعش عني، فضل ساكت."
انهارت زينب تجلس على المقعد خلفها وهي ترى انهيار ابنتها وبكاءها الشديد لتقول بحزن وألم:
"ليه عملتي كده يا ديما؟"
ديما ببكاء وشهقات عالية:
"كان لازم أبطل أديهم مبررات لبعدهم. كان لازم أعرف الحقيقة عشان أرتاح."
زينب بحزن:
"ودلوقتي ارتحتي؟"
أومأت برأسها ثم قالت وهي تمسح دموعها بظهر يدها:
"على الأقل مش هفضل أدّي مبررات لناس ميستاهلوش. ارتاحت مرتحتش مش هتفرق معايا في حاجة. عندك البعد عنهم راحة وعيشتنا هنا أرحم بكتير من العيشة في قصر مع ناس زيهم. آخر رجل خطت القصر ده مرة ومش هتتكرر تاني. من هنا ورايح إحنا مش هنحتاج لهم."
جذبت زينب ابنتها لأحضانها لتتشبث ديما بها وتنهار باكية مرة أخرى. لتأخذها والدتها لغرفتها لتنام بأحضان والدتها الحنونة و بداخلها تصميم أن تكمل حياتها دون الحاجة لتلك العائلة، يكفي وجود والدتها بحياتها ولا تريد شيئًا آخر.
***
ارتمت على فراشها تنظر لسقف الغرفة بشرود وهي تزفر بضيق مما يحدث. فالمشاكل تأتي واحدة تلو الأخرى. عقلها مشوش، تشعر بالخبرة ولا تعرف ماذا تفعل. أغمضت عيناها وهي تتذكر المشاجرة الأخيرة بينها وبين جدها.
**Flash Back**
ما دخلت للغرفة خلف جدها حتى هدر بها بحدة:
"فريد بيعمل إيه هنا يا جيانا؟"
تنهدت بعمق قبل أن تقص عليه كل ما حدث وختمت حديثها قائلة بما أوجع قلبه عليها:
"قبل ما تلوم وتعاتب زي كل مرة سيرة الموضوع ده بتتفتح، أرجوك يا جدي أنا مش متحملة. كفاية سبع سنين لوم وعتاب. هتقولي زي كل مرة أنا حذرتك، هقولك كنت ساذجة وغبية، مفيش حد بيتعلم ببلاش وأديني اتعلمت."
أغمضت عيناها ثم جلست على الفراش. خلفها سبع سنوات لوم وعتاب من جدها. سبع سنوات مهما حاولت أن تتناسى ما حدث لا تستطيع. تلك الليلة لم تبكِ، لم تلم، لم تعاتب، فقط نظرت له ثم انفجرت ضاحكة. تتذكر نظراته لها جيدًا، كان ينظر لها باندهاش كأنه كان ينتظر انهيارها، صراخها، لكنها خالفت توقعاته.
جلس بجانبها على الفراش ثم قال بهدوء:
"مين قال إنك اتعلمتي؟ ها، قوليلي اتعلمتي إيه؟ بالعكس، أنا شايف حفيدتي بتطفي يوم بعد يوم. شايف عنيكي نظرة الحزن دايمًا فيها. وقفتي حياتك على كده، ضيعتي ٧ سنين من عمرك في شغل وبس. هو هيتجوز أهو ويكمل حياته."
تنهد ثم حاوط وجنتيها بحنان وقال بهدوء:
"جيانا حبيبتي، لازم تعرفي قيمة نفسك. مش أي علاقة تنتهي تكتئبي وتضايقي. مش أي شخص يخرج من حياتك تعتبريه خسارة. في ناس ما كانتش تستاهل تدخل حياتك أصلاً وخروجهم من حياتنا بيبقى أكبر نعمة. خلي كلامي ده في بالك دايمًا. الحياة لسه قدامك طويلة وهتعيشيها وتشوفي كتير. محدش مين ما كان يستاهل تغيري من نفسك أو من شخصيتك أو تعملي أي حاجة مش حباها عشانه. حياتك هتعيشيها مرة واحدة وبس."
تنهد ثم أكمل بابتسامة حنونة:
"أنا ما كنتش بعترض على تصرفاتك ولبسك وكل ده لأني كنت عارف إنك حابة ده، حابة نفسك كده. لكن لو غيرتي من نفسك عشان نظرة الناس ليكي وعشان ترضيهم، يبقى عمرك ما هترتاحي ولا عمرك هترضي الناس. عارفة ليه؟ لأن مهما عملتي مش هترضيهم. والناس دول مش هيعيشوا حياتك، لا، إنتي اللي هتعيشيها وبس. أوعي تغيري من نفسك عشان خاطر حد. اللي هيحبك هيحبك زي ما إنتي. إنتي لو حبيتي نفسك زي ما إنتي، الكل هيحبك كده."
أومأت له ليتابع هو بهدوء:
"أنا جدك وشعري الأبيض ده مش من فراغ. أنا شفت كتير في حياتي وأعرف الكويس من الوحش. والولد ده زي ما قولتلك من الأول، لو كان بيحبك كان هيحافظ عليكي ويدخل البيت من بابه مش سرقة ومن الشباك. فهماني يا حبيبة جدو؟ اللي حصل زمان درس واتعلمي منه. صفحة واطويها وابدأي من جديد."
ارتمت بأحضانها تمنع نفسها بصعوبة من البكاء. ليته يعلم إنها لا تستطيع تجاوز الأمر هكذا، فقلبها الأحمق ما زال يحمل من مشاعر له تخلى عنها، خذلها، فعل الكثير، لكن كيف تنساه؟ هل يمكن لإنسان أن ينسى شخصًا أحبه يومًا؟
**Back**
نظرت لسقف الغرفة ثم ذهبت لشرفة غرفتها تنظر للسماء بشرود. ولاحت على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تتذكر كيف اعترف لها بحبه قبل سنوات. كيف قال بعلو صوته بحب:
"آه بتاع بنات وفيّا كل العبر، بس بحبك أعمل إيه يعني؟ أنا مقدرش أغير الماضي بتاعي، بس أقدر أبني مستقبل وحاضر معاكي أثبتلك فيه كل يوم حبي وعشقي ليكي."
ثم ركع على ركبتيه قائلاً بعشق وهو ينظر لعيناها:
"مقدرش أسيبك تمشي وأبعد عنك بعد ما لقيت حظي في الدنيا. مقدرش أسيب سعادتي تمشي من بين إيديا من غير ما أعافر لحد ما أوصلها."
استندت بيدها على سور الشرفة وهي متعجبة. كيف لشخص أن يزيف مشاعره بتلك الدرجة؟ كيف لشخص أن يكون هكذا؟ وكيف وقعت هي بذلك الفخ؟
ارتفع رنين هاتفها. أخرجته من جيبها لترد وقد كان الرقم مجهولاً لتقول بهدوء:
"الـ..."
ولكن لا رد. كررت النداء مرة أخرى ولا تسمع شيئًا. لتتوقف عيناها على تلك السيارة التي تقف على بعد ما من بنايتهم. لكن هذا لا يهم. ما يهم هو ذلك الذي يستند بجسده عليها وينظر لها والهاتف على أذنه، ينظر لخصلات شعرها التي تتطاير بفعل الهواء.
ظل الاثنان يناظران بعض هكذا لتفيق هي من شرودها وكادت أن تغلق الخط لينطق اسمها:
"جيانا."
نظرت له وأنزلت الهاتف من على أذنها. ثم أغلقت الهاتف ودخلت للداخل وأغلقت عيناها تحاول النوم والهروب من تلك الذكريات التي تهاجم رأسها الآن. هيئته وهو يجلس هكذا على إطار السيارة من الأمام ذكرتها كيف كان يقف قديمًا ينتظرها حتى تخرج للشرفة وينظر لها بهيام. كيف كانوا يتحدثون بالهاتف حتى يذهب كلاهما في النوم.
نفضت تلك الذكريات عن رأسها وهي تنهّر نفسها بشدة. ثم أغمضت عيناها وذهبت في ثبات عميق هروبًا من ذلك الواقع الأليم.
***
بأحد المخازن المهجورة التي لا يصدر منها سوى صوت صراخ يشق سكون الليل ناتج عن ركلات ولكمات قوية عنيفة. أما بالداخل نجد رجلان ملقيان على الأرض يتلوى الاثنان من الألم. ليصرخ أحدهم بغضب:
"إنت مفكر إن اللي بتعمله ده هيعدي على خير؟ إنت متعرفش أنا مين. أنا... سراج الفيومي. أبويا هيوديك في ستين داهية."
ليقترب منه الآخر وضحك بسخرية ثم قال بشر:
"طب وحياة أبوك اللي للأسف معرفش يربي له، هجيبه هنا وأرميه جنبك يا دلوعة أبوك."
غضب سراج من إهانته بتلك الطريقة ليقول بخبث مستفزًا الآخر:
"مش كنت تقول إن البنت تلزمك وعاجباك؟ كنا قسمنا مع بعض واتفقنا بدل اللي بيحصل ده."
غضب تمكن من الآخر لينقض عليه ويمطر عليه العديد من الركلات واللكمات وسابه بأفظع الشتائم.
ابتعد عنه يلهث بقوة من أثر ذلك المجهود. ثم ثق عليه باشمئزاز وقال لأحد رجاله:
"الكلبين دول يتربوا تلت أيام وارموهم. والواد ده تاخده من إيده ترميه قدام أبوه وتقوله إن عملت اللي هو فشل يعمله وربيت ابنه. ولو فتح بوقه ونطق بكلمة تجيبه هو وابنه هنا."
ثم غادر المخزن والمكان بأكمله. يمسح بيده على وجهه عدة مرات يحاول أن يهدأ من نفسه بعدما اشتعلت تلك النيران بصدره بعدما استمع لكلمات ذلك الحقير.
***
أشرقت الشمس معلنة عن بداية يوم جديد وانتهاء ذلك اليوم الطويل والشاق عليهم جميعًا. تناول الجميع الإفطار وشاركهما مي ورغدة اللذان أتيا للاطمئنان على تيا وقامت بعزيمتهما على عيد مولودها غدًا. ثم غادرا. وطلب الجد الذي يقيم معهم بالمنزل من تيا أن تصعد لغرفته ترتاح. وذهب هو لمنزل آسر وسمير بالطابق الأسفل ليطمئن عليهما.
ثم ذهبت رونزي لترد على هاتفها ليقترب رامي من جيانا قائلاً بحرج:
"جيانا، أنا آسف."
جيانا بجمود مصطنع:
"آسف على إيه؟"
رامي بحرج:
"مكنش قصدي أقول اللي قولته وأسف عشان بجحت في كلامي مع إنّي غلطان."
نظرت له ثم قالت بعتاب:
"زعّلتني منك أوي يا رامي. نظرتك ليا زي نظرة الناس، مسترجلة وعانس. طب هما غرب، لكن إنت أخويا. لما زعّقت فيك كان من خوفي عليك."
أومأت لها ثم قبل جبينها وقال بأسف:
"عارف والله. حق عليا. أنا بطلت السجاير ومعدش بشرب خالص وبعدت عن صحابي دول."
نظرت له بشك ليقول سريعًا لا بابتسامة:
"آه والله العظيم زي ما بقولك، توبة خلاص."
أومأت له بابتسامة حنونة ليحتضنها هو. نعم، يشاكسها دائمًا وربما يضايقها بكلماته دون قصد منه، لكنه يحبها كثيرًا. والدته الثانية التي دائمًا تقف بجانبه وتدعمه بحلمه بأن يلتحق بكلية الشرطة، والذي كان سيضيعه بتدمير صحته بالتدخين فقط لأنه استمع لكلمات رفاقه وجرب ذلك الشيء ومن حينها أقدم على التدخين إلى أن رأته شقيقته منذ عدة أيام.
***
بمكان نذهب إليه لأول مرة بأحد الأحياء الشعبية بتلك البناية المتهالكة بمنزل صغير ذو أثاث متهالك. يصدح صوت القرآن عبر التلفاز بينما تجلس سيدة على الأريكة في منتصف الثلاثون من عمرها، تمتلك جمال هادئ مثل شخصيتها تمامًا. تمكث بذلك المنزل بمفردها منذ سنوات. تمسك بالمسبحة بيدها وتذكر الله بصوت خفيض. لتسمع صوت طرق على الباب. ذهبت لتفتح بعدما ارتدت إسدالها. وما إن فتحت الباب ورأت الطارق قالت بهدوء:
"عاش من شافك يا حامد. ولا نقول حامد باشا بقى؟"
تنهد ثم قال، دخل للداخل دون أن يستأذن بالدخول حتى. تركت الباب مفتوحًا واقتربت منه ليقول هو:
"عايزة إيه يا نعمة؟ وجيتي سألتي عليا ليه؟"
ابتسمت بهدوء ثم قالت:
"كنت جاية أنصحك وأوعيك وأقولك إن الطريق اللي إنت ماشي فيه ده آخرته وحشة. ده إنت حتى في يوم من الأيام كنت جوزي وأبو ابني الله يرحمه."
كز على أسنانه وقال بغضب:
"طريق إيه وكلام فارغ إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنا شغلي كله سليم ومليش في الشغل الشمال ده."
ابتسمت ثم قالت:
"الكلام ده تضحك بيه على الناس مش على نعمة. نعمة اللي عارفاك وحفظاك أكتر من نفسك."
نظر لها مطولاً لتتابع هي بعتاب:
"ليه يا حامد؟ إيه اللي يخليك تمشي في الطريق ده؟ هتعمل إيه بفلوس حرام تتمتع بيها في دنيتك وتخسر بيها آخرتك؟ ذنبهم إيه الناس الغلابة اللي بيموتوا بسببك؟ ياخي افتكر حتى إن ابنك كان من ضمن الناس الغلابة دي اللي ذنب كل واحد فيهم هيبقى في رقبتك."
نظر لها ثم هدر بعنف:
"اخرسي ومتفتحيش بوقك بكلمة. وإياكي ثم إياكي تهوبي ناحية القصر أو الشركة تاني."
نظرت له مطولاً بصمت ليقول هو بغضب:
"بتبصيلي كده ليه؟"
ابتسمت بسخرية ثم قالت بحزن:
"مستغربة من اللي شايفاه وبأسأل نفسي فين حامد اللي ما كانش يقدر يأذي نملة؟ فين حامد الطيب اللي كان عمره ما يقبل يصرف قرش حرام على نفسه وبيته."
أشارت له بيدها ثم قالت:
"أنا شايفة قدامي دلوقتي واحد اتعود ع الحرام وبقى أسهل حاجة عنده الأذية. شايفة واحد غريب عني. مش إنت حامد ومستحيل تكون حامد اللي أنا عرفته وحبيته في يوم من الأيام واستأمنته على نفسي."
ابتسم بسخرية ثم هدر بغضب:
"فوقي بقى. الطيبة والأخلاق ما بتأكلش عيش. ما أنا كنت ماشي في حالي و جنب الحيط وكانت إيه النتيجة؟ ابني. ابني اللي مات قدام عيني وبيتي اتهد. الزمن ده مينفعش فيه غير كده. من أربع سنين وأنا أقسمت إني لازم أجيب فلوس بأي طريقة كانت. معاك قرش تسوى، معاكش يبقى متسواش."
نظرت له بحسرة ثم قالت:
"امشي يا حامد امشي. ومش هقولك غير اتقي ربنا. ربنا. بلاش تخسر آخرتك. توب وارجع لربنا عشان خاطر يوم ما تقابل ابنك يوم الحساب تعرف تحط عينك في عينه."
نظر لها ثم غادر المنزل بغضب شديد. وأخذت هي تدعو له باكية:
"ربنا يهديك يا حامد. ربنا يهديك."
***
بشركة الزيني للحديد والصلب. يجلس فريد خلف مكتبه يباشر عمله بتركيز شديد. يحاول إلهاء نفسه عن التفكير بها لكن دون جدوى. تذكر أمر الحادث الذي قال جده إنها تعرضت له. غادر مكتبه متوجهًا لمكتب ابن عمه أيهم. وما ذهب لهناك لم يجد السكرتيرة بمكتبها. فدخل للداخل دون أن يطرق الباب. وما إن دخل قلب عينيه بملل ما إن رأى أيهم يجلس على مقعده خلف مكتبه وعلى قدميه تجلس سكرتيرته سالي في وضع مشين وغير لائق. ما إن فتح الباب ابتعدت عنه سالي تضبط هيئتها ثم خرجت للخارج مغلقة الباب خلفها. لينظر لها فريد باشمئزاز وذهب وجلس على المقعد الموجود أمام المكتب. ثم هدر بابن عمه بغضب:
"مش هتبطل القرف ده بقى؟ وبعدين هي حبكت في المكتب؟ لا وكمان مع الزفتة سالي اللي بره."
أيهم بسخرية وهو يرجع بجسده للخلف:
"اللي بيته من إزاز يا بن عمي."
فريد بحدة:
"قصدك إيه؟"
أيهم بسخرية:
"قصدي إنك تبطل كل ما تشوفني تديني في نصايح. الأولى تقولها لنفسك. وبعدين إيه اللي مضايقك في اللي بعمله؟ ما إنت عملته زمان وسالي دي إنت مجربها قبلي من زمان وعلى كرسي مكتبك اللي بعيد عن هنا بكام متر يا حبيب قلب البنات."
نظر له فريد بغضب ليقول فريد بحدة. ليتابع الآخر بلا مبالاة:
"المهم كنت عاوزني في إيه؟"
فريد بتساؤل:
"حادثة إيه اللي حصلت مع جيانا دي؟ وجدك كان بيقول عليها..."
أيهم وهو يرفع كتفيه لأعلى:
"معرفش. كل اللي أعرفه إن جدك من كام شهر كان راجع الشركة وقالنا إنه لقى بنت واقعة جنب عربيتها اللي مخبوطة في الشجرة وكانت باين عليها إنها مضروبة ونقلها المستشفى. وكمان قالنا إنه حالتها كانت خطيرة. معرفش الباقي بقى. ولا كنت أعرف إنها جيانا."
شعر بانقباض بقلبه أثر سماعه لما يقوله وهو يتخيل كم المعاناة التي عاشتها وتمنى لو كان موجودًا حينها ليحميها ويتوعد بداخله لمن فعل بها هذا سيذيقه كافة أنواع العذاب لتكون الموت رحمة له.
نظر لابن عمه ثم قال:
"الراجل اللي اسمه حامد صفوان ده تجيبلي كل حاجة عنه المعروفة واللي مش معروفة. عايز أعرف عنه كل حاجة من يوم ما اتولد لحد دلوقتي."
أومأ له أيهم ثم قال:
"اعتبره حصل."
أومأ له فريد ليدق الباب مرة قبل أن يدخل الطارق من الباب والذي لم يكن سوى جمال الزيني. وما إن دخل وقف الاثنان مرحبين به. ليقول أيهم بتساؤل:
"بقاله فترة مجتش الشركة يعني يا بابا. إيه سر الزيارة؟"
جمال بابتسامة حزينة:
"كنت بزور قبر نور. وقولت أعدي ع الشركة أشوف الوضع."
أيهم. ومأ له بابتسامة لم تصل إلى عينيه التي امتلأت بالحزن بتلك اللحظة خصوصًا عند ذكر اسم والدته المتوفاة والتي أخذها الموت بلحظة من بينهم. ماتت دون أن يودعها، ماتت بدون سابق إنذار، ماتت دون أن يشبع من حنانها ويكتفي.
حزن فريد على حال عمه وابن عمه الذي يعرف إنه ربما لا يظهر حزنه وتأثره كثيرًا، لكنه يعرف إن بداخله ينهار حزنًا على وفاة والدته والتي كانت له كل شيء.
وحد نفسه يسأله بتلقائية:
"كنت بتحبها للدرجة دي يا عمي؟"
ابتسم جمال ثم قال بحنين وصوت عاشق يتألم من ألم الفراق الذي لا يضاهي أي ألم بالعالم:
"الحب ده أنا عديته من زمان. عارف كلام الحب والغرام كله مش ممكن يوصف مقدار حبي ليها واللي بحسه ناحيتها. بحبها لدرجة بتمنى الموت كله لحظة عشان أكون جنبها."
فريد بتساؤل وتلقائية:
"إزاي عرفت إنك بتحبها؟"
ابتسم جمال ثم شرد بعالم آخر وهو يردد بعشق:
"كانت مجنونة، عارف. كانت كتلة شقاوة وجنون ماشية على الأرض. أول مرة شفتها كنت بزور واحد صاحبي كان ساكن في منطقة شعبية. لقيتها واقفة في الشارع بتلعب كورة مع الأولاد الصغيرين. ساعتها فضلت أضحك عليها جامد وقعدت تتريق عليا واتحدتني إن ألعب وفعلاً لعبنا ومن ساعتها بقيت أروح كل يوم لصاحبي ده أراقبها من بعيد وساعات أتكلم معاها. لقيت نفسي بتشد ليها، ببقى نفسي أشوفها طول الوقت وتفضل تحت عيني طول الوقت. بحس إنها ملكي بتاعتي مش مسموح إنها تكون لحد تاني أبدًا. بتسحرني بجنانها وشقاوتها. كانت قادرة إنها تخلي عيني عليها طول الوقت من غير ما تاخد بالها. قدرت تاخد قلبي وتكون ليا النبض اللي بيخليه يدق. نور مكنتش حبيبة بس لأ، دي كانت الأم والصديقة والأخت. ببساطة كده هي كانت ليا الكون كله. مكنش ينفع ما أحبهاش ومقدرش في يوم من الأيام أتخيل نفسي مع واحدة تانية غيرها ولا أقدر أتخيلها مع غيري لأن ببساطة أنا وهي ما ينفعش نكون غير مع بعض ولبعض."
ابتسم أيهم بحب وهو يتساءل: هل بيوم من الأيام سيجد حبًا مثل حب والده؟ هل سيجد من تجعله أسير نظرة من عينيها؟ هل سيجد تلك الاستثنائية التي يعشقها من بين الفتيات؟
أما عن فريد، شرد بعقله بمكان آخر. لو أخذ يعلم مقدار ما يشعر به من خوف، لو هي تعلم كم يحبها بل يهيم بها عشقًا. خاف عليها وخاف مما سيحدث مستقبلاً. بداخله مخاوف كثيرة يريد التخلص منها. يعنف نفسه ألف مرة على إقدامه على فكرة الزواج من أخرى ظنًا بأنه سيستطيع أن ينساها، ولكن العكس وجد القدر يضعها أمامه ليغرق بعشقها أكثر وأكثر.
جمال بابتسامة:
"شكلك بتحب يا بن محمد. عارف إنك شبه أبوك في كل حاجة حتى التصرفات. كأني شايف أبوك في شبابه بحيرته وتوهانه."
نظر له فريد ليومأ له جمال قائلاً:
"بس ياريت متكونش زيه في الحب. قبل ما تقول كلمة بحبك اتأكد إنك هتوفي بكل وعود. الكلمة دي لما تقولها كون قدها. أبوك قالها زمان بس مكنش قدها."
نظر له فريد بصدمة ليتابع جمال بابتسامة:
"لو محتار تفضل مع مين، اختار اللي بتحبها. لأن صدقني حياتك كلها كوم وإنك تعيش لحظة حب جنب حبيبتك كوم تاني. الحب يا بني أكبر سعادة ممكن تعيشها واللحظة منها ما بتتعوضش أبدًا."
قالها ثم غادر المكان بأكمله ليترك كل واحدًا منهم بدوامته الخاصة.
***
في قصر الزيني. بغرفة دولت كانت تأخذ الغرفة تنهيدة وعودة وعقلها مشغول بتلك التي أتت لمنزلها بالأمس واسمه يتردد بأذنها "جيانا أكمل النويري". استهلت عيناها بحقد وغِل لم ينقص أو يقل أبدًا بمرور تلك السنوات. ماذا ستفعل الآن بتلك الورطة؟ ابن أكثر شخص تكرهه على الإطلاق. دخل منزلها بل وهي رفيقة زوجة ابنها فيما بعد. ماذا ستفعل؟
أفاقت من شرودها على صوت غلق الباب بعد دخول زوجها محمد. الذي منذ الأمس وملامح وجهه يتبين عليها الحزن الشديد أثر كلمات ابنته له والتي كانت معها حق بكل كلمة قالتها. لم يكن شجاعًا كفاية ليدافع عن سعادته بالحياة. هو لم يهتم لأنه ببساطة كان أناني جدًا. اختار الأسهل وفعله حتى يريح نفسه. فهو يعطي نفسه رتبة الأب الفاشل بجدارة. أب لاثنان لكنه لا يعرف عنهم شيئًا. لم يجلس معهم ويتناقشون. لا يعرف ما يفضلون وما يكرهون. هو ببساطة شديدة كان مجرد اسم خلف أبنائه بشهادة الميلاد.
نظرت له دولت ثم قالت:
"إنت من امبارح وانت قالب وشك كده. حصل إيه يعني لكل ده؟"
نظر لها بكره شديد واشمئزاز من نفسه قبلها لأنه بيوم من الأيام وافق على الزواج من واحدة مثلها.
هدر بها بعنف:
"ابعدي عن وشي الساعة دي يكون أفضل ليكي أحسن ما أعمل حاجة مش هتعجبك أبدًا. غوري من وشي يلا."
قالها بصراخ لتنظر له بحقد وغضب ثم خرجت من الغرفة تغلق الباب بقوة خلفها. ليزفر هو بضيق مقررًا شيئًا ما عزم على تنفيذه بأقرب وقت ممكن. فما هو يا ترى؟
على الناحية الأخرى بغرفة هايدي كانت تستعد للذهاب لشركة الزيني وبداخلها تصميم كبري ونصًا الليلة بأن تنفذ خطتها مهما كان ولن تدع تلك الزيجة تكتمل أبدًا. ففريد ملكها فقط. لكن ما كادت أن تخطو خطوة واحدة خارج القصر حتى سمعت صوت يأتي من خلفها يقول بصرامة:
"رايحة على فين؟"
التفتت للقائل ولم يكن سوى جدها صلاح. لترد عليه ببرود:
"خارجة يا جدو."
رد عليها بصرامة ولهجة لا تقبل النقاش:
"اطلعي أوضتك. مفيش خروج. وبعد كده مفيش خروج لوحدك أبدًا وخصوصًا بالمسخرة اللي إنتي لابساها دي."
نظر لجدها بغضب، سرعان ما خطرت ببالها فكرة خبيثة مثلها. ستفعلها وليحدث ما يحدث. ستفعلها مهما كانت الخسائر. اصطنعت البكاء الشديد وجلست على الأريكة تخفي وجهها بيدها. ليقول صلاح بتوجس:
"بتعيطي ليه؟"
هايدي بملامح يظهر عليها الخوف والانكسار:
"أنا واقعة في مصيبة يا جدو."
"مصيبة إيه؟ انطقي!" قالها بقلق ويشعر إن ما ستقوله ليس بهين أبدًا.
ردت عليه وهي بحزن مزيف أتقنته بجدارة:
"فريد يا جدو. ضحك عليا واستغلني وبعدها رايح يتجوز واتخلى عني ومش راضي يتجوزني ويصلح غلطته."
***
بمنزل آسر النويري. كان يجلس على الأريكة ببهو منزله يمسك بيده عدة أوراق وقلم يرسم أسماء موصلة ببعضها في دوائر وهو يردد بتوعد:
"مجدي القاسم. حامد صفوان."
عيناه تنظر لذلك الملف بيده وبداخله ينوي على الانتقام فقط مهما كان الثمن.
رواية ليتني لم احبك الفصل التاسع 9 - بقلم شهد الشوري
لا تعلقني بك، إن كنت ستخذلني وتمضي هاربًا في منتصف الطريق، لا تقترب مني إن كنت ستبتعد، فكلما أحببت بعمق، جرحت بعمق.
***
بغرفة مكتب صلاح، يجلس خلف مكتبه يضع رأسه بين يديه، يتمنى بداخله أن ما تقوله هايدي ما هو إلا كذبة لا أكثر. رفع رأسه عندما سمع صوت طرق على الباب، قبل أن يدخل فريد الغرفة ويغلق الباب خلفه، ثم قال:
"حضرتك طلبت تشوفني يا جدي؟"
وقف صلاح أمامه بمنتصف الغرفة وسأله بكل صرامة وجدية:
"إنت حصل حاجة بينك وبين هايدي؟ الكلام اللي بتقوله ده صح؟"
فريد بتبرير:
"يا جدي..."
صلاح بصرامة:
"آه أو لأ."
أومأت برأسها وبداخلها يشتعل غيظًا من تلك الفتاة، ويتوعد لها بالويلات. ما إن أومأ برأسه بنعم، اللحظة التي بعدها هوت صفعة قاسية من يد جده على وجنته، لتتوسع عينا فريد بصدمة وغضب، ليقول صلاح بغضب:
"كان لازم أعرف إن وساختك هتوصل لحد من البيت ده، ما رحمتش حتى بنت عمتك واشتغلتها يا حيوان."
فريد بغضب:
"ما كنتش في وعيي، والهام كانت عارفة ده كويس، وبعدين الهام ما قالتش لسيادتك إني مش الأول ولا إيه؟"
صلاح بغضب:
"إنت تسيب البنت اللي هتتجوزها دي وتكتب كتابك على بنت عمتك في أقرب وقت."
فريد بغضب:
"على جثتي الكلام ده يحصل، أنا مش هشيل الليلة بتاعة غيري، ومش على آخر الزمن يوم ما أتجوز أتجوز هايدي."
صلاح بغضب وصرامة:
"اللي أنا قولته هيتنفذ بالحرف يا بن محمد، سامع؟"
فريد محاولاً التحكم بغضبه:
"مع احترامي لحضرتك، بس بردو لأ، هايدي لو آخر واحدة في الدنيا، أنا لا يمكن أفكر أتجوزها."
قالها ثم غادر المكتب، بل القصر بأكمله، غافلاً عن تلك الحية التي كانت تقف وتستمع لكل كلمة بالداخل، وما إن استمعت لحديثه المهين عنها، أقسمت أن تجعله يأتي راكعًا طالبًا الزواج منها.
***
بمنزل أكمل النويري، كانت تيا تتفحص هاتفها، وجدت رسالة عبر بريدها الإلكتروني مكتوب بها أنه تم قبولها للعمل وأن تأتي غدًا لاستلام عملها. شعرت بالحماس، فهاتفت رغد ومي بمكالمة جماعية.
مي بسعادة:
"والله أنا كنت فاقدة الأمل إني أتقبل في الشغل ده، بس الحمد لله اتقبلت."
رغد بسعادة:
"الحمد لله، هنت رب في مكان واحد."
تيا بحماس:
"لازم نروح بكرة ع الميعاد بالظبط."
مي بسرعة:
"صح... بكرة هعدي عليكم نروح سوى."
رغد بحماس:
"خلصانة."
مي بحماس:
"متنسوش كمان بكرة بالليل عيد ميلادي هيكون في النادي، والعنوان هبعته ليكم في رسالة."
استمرت المكالمة دقائق قليلة، بعدها توجهت تيا تجهز ثيابها، وبداخلها حماس للغد.
***
في غرفة هايدي، مسكت هاتفها تتصل بذلك المدعو رزق، والذي كلفته بمراقبة فريد دون أن يشعر. أجاب عليها يقول:
"فريد باشا طلع شقة كده لوحده من حوالي عشر دقايق."
هايدي بلهفة:
"العنوان؟"
أملتها العنوان، لتذهب هي سريعًا وترتدي ملابسها، ثم ذهبت للعنوان الذي أعطاه لها سريعًا، وهي تنوي أن تجعله يتزوجها مهما كلفها الأمر.
بالمنزل الموجود به فريد، كان يجلس على الأريكة وجذعه العلوي عاري، ويمسك بيده زجاجة خمر يحتسي منها بشراهة، وعيناه مركزة على باب تلك الغرفة، تلك الغرفة التي شهدت أسوأ شيء فعله بحياته، تلك الغرفة خسر بها أغلى ما يملك وأجمل شيء حدث بحياته. تنهد بحزن، حديثه مع جده قبل قليل ذكره بما حدث قبلاً، ذكره بدناءته مع الوحيدة التي دق قلبه لها وعشقها بكل جوارحها.
استمع لصوت رنين جرس الباب، تنهد بضيق وذهب ليفتح الباب، وكان قد ثمل جدًا. ليجد تلك الحية أمامه بملابسها التي لا تستر شيئًا أبدًا، فستان قصير أسود يصل لقبل ركبتها بكثير وبدون أكمام، وتحاوط كتفها بفرو رمادي اللون.
ما إن فتح الباب ووجدته أمامه بتلك الهيئة، ويبدو أنه ثمل، وذلك سيسهل ما جاءت لأجله. اقتربت منه ودفعته للداخل وهي تقول بدلع:
"واحشني يا حبيبي."
ثم اقتربت منه تعانقه بجراءة ودلال، بينما هو كان يترنح بسبب تأثير الكحول عليه، لتقول هي بإغواء:
"هايدي الليلة دي ملك و بتاعتك ورهن إشارة من إيدك."
ثم ابتعدت عنه وخلعت الفرو عن كتفها، واقتربت منه تحاول تقبيله، ليدفعها بعيدًا عنه باشمئزاز، ثم دخل للغرفة بعدما أمرها بحدة:
"غوري بره."
زفرت بضيق ودخلت خلفه، وجدته يقف ينظر للفراش بشرود، وعيناه تلمعان بدموع لأول مرة تراها. تعجبت ولكنها لم تبالي، واقتربت منه تحتضنه بإغواء وهي تقول بهمس مثير وإغواء:
"إيه مش عاوز تعيد الليلة اللي فاتت؟"
كادت أن يستسلم لها، فهو ليس بحجر حتى لا يضعف أمام امرأة تعرض نفسها عليه، لكنه تذكرها. نعم، فعلها العديد والعديد من المرات خلال كل تلك السنوات، لكنه كل واشمئز من حاله، ومما يفعله، ومن ذلك المستنقع الذي يعيش به. لو كان تخلى عن مخاوفه قبلاً، لكان الآن يعيش برفقتها بسعادة.
دفعها بعيدًا عنه باشمئزاز وهو يقول:
"قولتلك اطلعي بره."
كادت أن تقترب ليقترب هو ويجذبها من يدها ويدفعها لخارج المنزل وهو يقول بحدة:
"صدقيني أنا عمري ما شفت رخص بالشكل ده، أغنيها لكِ ولا أعمل لك إيه؟ قولتلك مش عاوزك، إيه مش بتفهمي؟ لو عندك شوية كرامة محتفظة بيهم، متخلينيش أشوف خلقتك ولو حتى صدفة."
قالها ثم دخل للداخل، يجذب متعلقاتها ويلقيهم عليها، ثم أغلق الباب بوجهها، لتنظر هي للباب بصدمة وقد شعرت بالمهانة الشديدة من كلماته. أخذت أغراضها ونزلت للأسفل وركبت سيارتها، تقولها بشرود لدرجة أنها لم تنتبه لتلك الشاحنة التي أمامه. انتبهت بعدما سمعت صوت صياح سائقها، لتحاول تفاديها وتنجح في ذلك، لكن تصطدم سيارتها بالشجرة بقوة.
بعد مرور الوقت، فتحت عيناها بوهن وهي تشعر بكل شبر بجسدها يؤلمها. ما إن فتحت عيناها، أغلقتها سريعًا بسبب الضوء، لتعيد فتحها لتجد شخصًا يقترب منها يقول سريعًا:
"حضرتك كويسة دلوقتي... حاسة بأيه؟"
حاولت الاعتدال بجلستها لتتأوه بألم من يدها. ليقول هو بقلق:
"خليكي مرتاحة، متتحركيش."
هايدي بألم وتساؤل:
"أنا بعمل إيه هنا؟"
"حضرتك عملتي حادثة ع الطريق وأنا بالصدفة كنت موجود ساعة الحادثة، فنقلتك ع المستشفى."
أومأت له وصمتت، ليقول هو بقلق:
"حاسة بأي تع..."
لكن قاطعه دخول الدكتور للغرفة وهو يقول بجدية:
"أخبار حضرتك إيه؟"
ردت عليه بتعب:
"جسمي كله واجعني، أنا حصلي إيه؟"
الدكتور بجدية:
"الحادثة كانت جامدة، في شوية كدمات وكسر في إيدك الشمال، جبسناها وتقدري تفكي الجبس بعد أسبوع."
أومأت له بصمت، وعقلها يدور بمكان آخر، وفكرة واحدة مسيطرة عليها، أنها كادت أن تموت بلحظة وهي مرتكبة كل تلك المعاصي، لنبدأ تعيد نظرتها للحياة بكل تلك اللحظة. التفتت لذلك الشاب الذي أنقذها، ثم قالت:
"ممكن توصلني؟ مش هقدر أسوق."
أومأ لها سريعًا وهو يقول:
"أكيد طبعًا."
بالفعل أوصلها للقصر، وما إن دخلت ورآها الجميع، هرعوا إليها بقلق، لتقول هي لجدها بدون مقدمات:
"أنا مش عاوزك تتجوز فريد، ولا إيهم، وأول ما أخف هسافر أقعد في الأوتيل اللي في شرم."
قالتها وغادرت، وهي تنوي أن تعيد ترتيب حياتها بعدما رأت الموت بعينيها، لتدرك أنها لا شيء يستحق أن تخسر آخرتها مهما كان. بينما الجميع شعر بالصدمة مما قالت، وخاصة فادي، الذي حتى الآن لا يستوعب ما قالت.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت تيا وهي تشعر بالحماس. ارتدت ملابسها ونزلت الأسفل حيث ينتظرها كلاً من مي ورغدة. ودعت الجميع ونزلت للأسفل، وتوجهوا الثلاثة للشركة، وشعور الحماس يسيطر عليهم.
ما إن توجهوا للشركة، دخلوا للدخل وصعدوا لنفس المكتب الذي صعدوا له المرة السابقة، وهو مكتب الأستاذ شهاب المدير المالي، الذي ما إن دخلو إليه، وقف مرحبًا بهم، وعيناه لا تنزل من على تلك الفتاة التي ما إن رآها منذ عدة أيام عندما جاءت للتقديم، وهي لا تذهب عن باله نهائيًا.
ليقول مرحبًا بهم:
"أهلاً بيكم، اتفضلوا اقعدوا."
جلس الثلاثة، ليقول هو بجدية:
"حضراتكم هتتدربوا في قسم المحاسبة، اللي هيكون مسئول عن تدريبكم أستاذة منال، وهيبقى معاكم سبعة كمان، لأن طبعًا عارفين الشركة بتاخد عشرة بس يتدربوا... هتبدأوا من النهارده، تدريبكم هيكون من الساعة ٨ الصبح للساعة ٢، وهيكون ٣ أيام في الأسبوع. لو شغلكم كان تمام أول ما هتخرجوا بإذن الله هتلاقوا وظيفة في الشركة هنا جاهزة ليكم تستلموها بعد التخرج."
ظل الحديث مستمر بينهم، ليقول لهم:
"السكرتيرة هدى بره، هتوصلكم لمكتب الأستاذة منال عشان تعرفوا اللي هتعملوه وتتعرفوا على زمايلكم."
أومأ الثلاثة له، ثم شكروا، وخرجوا للخارج متوجهين برفقة السكرتيرة. كان الاثنان يمشون بجانب بعضهم البعض، لتقول رغد بإعجاب:
"بسم الله ما شاء الله، المكان جميل جدًا وشيك، يفتح النفس ع الشغل، مش زي مكتب المحاسبة اللي كان صبري عاوزنا نتدرب فيه، يسد النفس أول ما تدخلي فيه، كئيب ومعفن."
ضحكت مي ثم قالت:
"خطيب رونزي اسمه إيه يا تيا؟"
تيا بتعجب من سؤالها:
"فريد، بتسألي ليه؟"
مي بحماس:
"ما أنا عارفة إنه فريد رونزي، قالت لي إنه اسمه فريد الزيني، معنى كده إن الشركة دي بتاعت تابعة لعيلته."
تيا بصدمة:
"أنا ما كنتش أعرف اسم عيلته، وبعدين تفرق إيه؟ إحنا جايين نشتغل، هتفرق إيه تبع ولا مش تبعه؟ هو كان من بقيت عيلتنا عشان تتكلمي بالحماس ده؟ يهمك في إيه؟"
تيا بتوتر، فهي لا تريد أن تفصح لأحد عما يدور بداخلها، وهو أنها وقعت في حب ذلك الوسيم الذي رأته. أيهم، وإن سبب شعورها بالحماس هو أنها ستفعل كل ما بوسعها لتحصل عليه.
***
بمنزل أكمل النويري، خرجت رونزي من المنزل متوجهة لقصر الزيني كما طلبت منها دولت. كانت تركب المصعد عندما توقف في الطابق الأسفل، لتجد ذلك الشاب الذي رأته قبلًا، وهو من أقرباء جيانا. ركب المصعد معها، لتقول هي بابتسامة صغيرة:
"إنت قريب جيانا، مش كده؟"
أومأ لها ثم قال:
"وحضرتك تبقي صحبتها صح؟"
أومأت له، ليتابع هو بابتسامة:
"أنا آسر إبراهيم الزيني، ابن عمها."
أومأت له، ثم قالت:
"أنا روزي... رونزي مجدي القاسم."
توسعت عيناه بصدمة، واسمها يتردد بأذنه، ليقول وهو ينظر لها بصدمة أخفاها سريعًا:
"بنت مجدي القاسم؟"
أومأت له، ليقول هو بغموض يخفي خلفه الكثير والكثير من الأشياء:
"أهلاً... أهلاً بيكي."
***
في المساء، ذهب الجميع لحفل عيد ميلاد مي، وقد حضر كلاً من عز برفقة أحفاده، ومعهم آسر وسمير. وقد حضر فريد برفقة رونزي، وأيهم الذي جاء مرغمًا، أو هكذا أظهر لهم.
كانت جيانا تقف مع سمير. الديك يقول بمرح:
"تحبي أقولك نكتة؟"
جيانا بضحك:
"أكيد هتكون دمها تقيل زيك."
سمير بغيظ:
"بقى أنا دمي تقيل؟"
جيانا ببرود:
"عندك شك في كده؟"
نظر لها بغيظ ثم قال بغضب طفولي:
"إنتي بجد باردة أوي."
جيانا وهي تخرج لسانها له كالطفل وتقول:
"ماشي يا سخن."
كور يده يغيظ ثم قال:
"أنا مابرقعش إيد على ستات، أنا أصلًا غلطان إني جيت وقفت معاكي، ده إنتي يا بت مستفزة."
جيانا بابتسامة صفراء:
"من بعض ما عندكم يا سمورة."
ضحكت عليه عندما نفخ بغضب وضرب بقدمه الأرض كالطفل، غافلة عن ذلك الذي يراقبهم بعيون مشتعلة من الغضب والغيرة. ليقترب منها ويسألها بدون تفكير وبتلقائية:
"إنتي في حد في حياتك؟"
نظرت له بصدمة وتجاهلت الإجابة عليه، كادت أن ترحل، لكنه مسك يدها يمنعها من الذهاب، ثم قال:
"مش كل مرة أكلمك تسيبني وتمشي. عارف إني أستاهل اللي بتعمليه معايا، بس صدق..."
قاطعته ثم دفعت يده بعيدًا عنها وهي تقول بغضب بصوت خفيض:
"مش برد عليك، يبقى تعرف إني مش طايقة أسمع صوتك. أنا بقرف بمجرد إن عيني تشوفك، مش بس أكلمك، مش طايقاك ولا طايقة أي حاجة تخصك. حقيقي أنا مش عارفة رونزي هتتجوز واحد زيك على إيه... واحد معندوش أخلاق ولا دم، والبجاحة طبع فيه."
فريد بغضب من إهانتها له:
"جياناااا."
ابتسمت بسخرية، ليأتي صوت من خلفهم يقول بصرامة ولم يكن سوى عز:
"جيانا، سيبينا لوحدنا."
بتردد، ذهبت باتجاه آسر وسمير، وعيناها على صلاح، الذي قال بغضب وتهديد:
"من غير حلفان ولا تهديد، لأني هنفذ على طول لو شفتك قريب من حفيدتي أو فكرت بس تأذيها، صدقني اللي هيحصل مش هيكون خير أبدًا. لو كنت زمان سكت على اللي عملته، فده لأنها طلبت مني وقالت لي إنك متستاهلش حتى الأذية، فأنا بقول لك لو قربت منها أو حاولت تضايقها، لهخليك تشوف اللي عمرك ما تخيلته أبدًا، وأحمد ربنا إن أبوها ميعرفش لسه، وإلا كان دفنك حي."
قالها ثم غادر غير سامحًا له بالرد أو الحديث.
أما بالجانب الآخر، كانت رونزي تتحدث بهاتفها بغضب مع والدها:
"أنا قولت لحضرتك مش هرجع الشغل، وكفاية لحد كده، أنا زهقت وقررت أبعد، وكفاية لحد كده. خطوبتي بعد يومين، لو هتحضر أنت أو شيري هانم تنوروا، مش هتحضروا براحتكم."
قالتها وأغلقت الهاتف، متجهة حيث تقف جيانا، غافلة عن ذلك الذي استمع لكل شيء وينوي فعل المزيد.
بعد ساعات قليلة مرت، انتهى الحفل وعاد الجميع إلى منازلهم، كل منهم شارد بشيء.
***
بمنزل أكمل النويري، بغرفة عز جد جيانا، كانت تجلس معه بعد أن أتوا من حفل عيد الميلاد، وهي تسأله بحيرة كيف تتصرف.
جيانا بتردد:
"مش عارفة يا جدو أقولها إيه ولا أقولها إزاي."
عز بجدية:
"مفيش حاجة بتستخبى، حبل الكذب قصير، والحقيقة دلوقتي أو بعدين هتعرفها، فخليها تيجي منك أحسن عشان ميحصلش بينكم زعل."
جيانا بحزن:
"مش سهل عليا إني أروح أقولها إن اللي هتتجوزه يبقى أكبر فخ أنا وقعت فيه في حياتي. إزاي؟ إزاي أقولها إن اللي هتتجوزه وتكمل حياتها معاه، كنت أعرفه قبلها وحبيته."
جاء صوت من خلفها يقول بصرامة:
"حالاً ومن غير نقاش، عاوز أعرف كل حاجة، عشان لو اللي في بالي طلع صح، مش هيحصل خير أبدًا يا جيانا."
جيانا بصدمة وخوف، وهي ترى أمامها آخر شخص تتمنى رؤيته الآن:
"بابا."
رواية ليتني لم احبك الفصل العاشر 10 - بقلم شهد الشوري
عز بتهدئة:
أكمل، اهدى. جيانا هتفهمك كل حاجة براحة.
أكمل بغضب وهو ينظر لابنته التي تنظر أرضًا، ملامح وجهها حزينة وخائفة:
يكون أحسن ليها إنها تفهمني كل حاجة دلوقتي، وإلا...
قاطعته قائلة وهي مازالت تخفض وجهها أرضًا لكن نبرة صوتها حزينة نادمة:
كنت في سنة أولى لسه وشوفته في حفلة عيد ميلاد، ساعتها كنت أنت وماما مسافرين باريس في إجازة سوا.
أخذت نفس عميق ثم بدأت تقص على والدها كل شيء بداية من أول لقاء حتى الآن.
***
حفلة عيد ميلاد أحد زملائها بالجامعة، وتدعى حبيبة، ابنة رجل أعمال كبير يدعى منصور المحمدي. كانت حفلة كبيرة تضم رجال أعمال كبار. حفلة فاخرة، الموسيقى العالية تنتشر بكل مكان. كانت تقف برفقة أصدقائها، وكانت من ضمنهم نادين وجيانا يضحكون سويًا.
دخل للحفل بخطوات واثقة برفقة ابن عمه أيهم وأركان. فقد قام منصور بدعوتهم لحضور عيد ميلاد ابنته بسبب الشغل المشترك الذي سيدخلونه قريبًا.
ما إن دخلوا، وقعت أعين فريد على فتاة تضحك وتمزح مع بعض الفتيات. ألقى عليها نظرة من رأسها إلى قدمها. كانت ترتدي ملابس لا تليق بذلك الحفل. ملابس بسيطة لكنها لم تداري جمالها الفاتن. كانت ترتدي بنطال جينز أزرق وجاكيت جلد أسود أسفله تيشرت أبيض وحذاء أبيض أيضًا.
بقى يحدق بها بشرود وهي تضحك وتتحرك بعفوية. كانت جميلة بحق. ليفيق من شروده على أركان الذي قال مشيرًا بعينيه على نفس الفتاة:
جيانا بنت أكمل النويري، المحامي، موجودة هنا.
أيهم بتساؤل:
أكمل مين؟
أجابه أركان قائلاً:
أكمل اللي كان ماسك معظم شغل أبويا الله يرحمه زمان. وبعد لما اتوفى أنا سافرت، فهو ساب الشغل.
أومأ أيهم برأسه. أما عن فريد، ظل يتابع بعينيه تلك الفتاة دون ملل وتعجب من نفسه كيف لفتاة لا يعرفها أن تسرق نظره هكذا. انتهى الحفل وبقى يتابعها بعينيه.
كز أركان أيهم بيده قائلاً:
ماله مركز مع البت دي أوي من ساعة ما دخلنا الحفلة ومش شايل عينه منها.
رفع كتفه بعدم معرفة. سبقهم وخرج خلفها عندما وجدها تغادر الحفل. وجدها تقف خارج الفيلا تبحث عن سيارة أجرة لكنها لم تجد. زفرت بضيق محدثة نفسها بضيق:
تستاهلي يا جيانا، كان لازم يعني ترفضي تيجي مع السواق؟ اديكي مش لاقية تاكسي خالص.
استمعت لصوت يأتي من خلفها قائلاً:
تحبي أوصلك؟
"أفندم؟"
عاد ما قال ببرود:
تحبي أوصلك؟
أعطته ظهرها قائلة:
شكرًا، مش عاوزة.
اقترب منها وقد اغتاظ من برودها في الحديث معه هكذا عكس بقية الفتيات، لكن تمالك نفسه قائلاً بتعريف عن نفسه:
فريد الزيني.
عرفته بالطبع، ومن لا يعرف فريد الزيني رجل الأعمال المشهور بعلاقاته النسائية المتعددة. أومأت له برأسها ولم ترد عليه، مغلقة أي حديث بينهم. اندهش من عدم تأثيره عليها مثل باقي الفتيات لتغادر من أمامه راكبة التاكسي متوجهة لفيلا جدها.
أركان وهو يقف بجانب فريد مرددًا:
جامدة البت دي بس صعبة أوي. ده كان فيه مرة كنت عند أبوها في المكتب ولقيتها مسكت محامي هناك تحت التدريب ومسحت بيه الأرض عشان بس عاكسها.
فريد بغرور:
مفيش حاجة تصعب على فريد الزيني. وحياتك، بكرة تجيلي برجليها.
أركان برفعة حاجب:
ده اعتبره تحدي يعني؟
فريد بتحدي وثقة:
أكيد. وهطلع من كسبان.
أركان بحماس:
الرهان على إيه؟
فريد بابتسامة صغيرة:
مليون منك لو أنا كسبت، ومليون مني لو أنا خسرت.
أركان وهو يصدم كأسه بكأس فريد:
اتفقنا يا بن الزيني.
أيهم بملل:
أنا شايف إنكم كبرتوا الموضوع أوي. وبعدين تحدي إيه ورهان إيه؟ البت باين عليها من النوع اللي ملوش في الشمال. فككوا منها وقولوا هنسهر فين النهاردة.
فريد ببرود:
بخصوص البت دي، انسى إني أفكر فيها. دخلت دماغي وعجبتني ولازم أحط بصمتي وبعدين أبقى أبعد. وبعدين ميغركش بالمنظر والهيئة والحركات، ممكن يكون كل ده تمثيل. أما بخصوص سهرة بالليل، هتكون في الفيلا عند أركان وهخلي سها تبعتلنا تلت بنات جامدين على هناك.
أيهم وأركان بحماس:
أوكي، يلا بينا.
***
في اليوم التالي بشركة الزيني.
يجلس بمكتبه، يمسك بيده ذلك الملف الذي يحوي كل المعلومات التي تخصها. وقد طلب من أحد رجاله أن يأتي بها. ابتسامة جانبية علت ثغره وهو يقرأ بعينيه كل شيء عنها. ابنة محامي كبير، لديها أخوان، قاربت على العشرين من عمرها، بسنتها الأولى بالجامعة، تدرس الصحافة. مكتوب مواعيد خروجها والأماكن التي تتردد عليها.
رجع بظهره للخلف وهو يردد:
شكل التحدي المرة دي هيكون مسلي أوي.
مرت أيام يحاول التقرب منها، ولكنها بكل مرة تصده، رافضة كل محاولاته للتقرب منها أو إيقاعها بحبه. ليجد نفسه هو من يغرق بحبها يومًا بعد يوم. ونسي الرهان ونسي كل شيء. وكلما رآها ذاب بها أكثر. مختلفة عن كل الفتيات، جميلة، مجنونة، شرسة الطباع، بسيطة ومتواضعة رغم مكانتها الاجتماعية.
بأحد الأيام خرجت من جامعتها لتجده مثل كل يوم ينتظرها، يستند بيده على سيارته. وتقدم منها عندما وجدها تخرج، لكن ما إن رأته مشت سريعًا متجاهلة نداءه:
استنى بس اسمعيني.
التفتت للخلف فجأة ورفعت إصبعها بوجهه قائلة بشراسة:
اسمع يا جدع أنت، بطل تمشي ورايا في كل مكان وبطل اسطواناتك دي. وخليك فاهم إني مش من البنات اللي هتضحك عليهم بكلمتين، فاهم؟
ابتسم ثم قال بغزل مفاجئ:
عارف إنك مش زيهم. انتي مش زي حد أبدًا، انتي ست البنات.
حاولت قدر الإمكان أن تخفي خجلها من غزله المفاجئ بها لتقول بغضب:
احترم نفسك أحسن لك، ياما والله مش هيحصل لك طيب. وبطل الشويتين دول عشان مش هيخلوا عليا، سامعة؟
أنهت ما قالت ثم أوقفت سيارة أجرة وذهبت من أمامه، تاركة إياه ينظر لأثرها بابتسامة وهو يردد:
شكلك هتتعبيني معاكي يا جيانا.
مرت الأيام وهو يحاول التقرب منها بكل الطرق. ينتظرها أمام الجامعة، يهاتفها، لكنها لا تجيب، لا تستمع له، لا تعطي له بال. أو هكذا حاولت أن تظهر. فبحركاته تلك كان يرضي أنوثتها وكبريائها. لتبدأ تشعر أن الإعجاب الذي كانت تكنه له يتحول لشيء أكبر. هي لا تريده أن يحدث.
بأحد الأيام كانت تخرج من جامعتها برفقة صديقتها نادين وعلا، ذاهبون لأحد المطاعم ليتناولوا الغداء سويًا، غافلين عن ذلك الذي كان يتابعهم من بعيد، ينظر لكل حركة يقومون بها بشرود وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه. وقد نسى الرهان والاتفاقية. وهنا بالضبط شعر بأن السحر انقلب على الساحر. أراد أن يوقعها بغرامه ليحصل على ما يريد، ليجد نفسه ذاب في هواها، بل وأصبح يهيم بها عشقًا.
أثناء ما كانت تتحدث، وقعت عيناها عليه لتزفر بضيق وتُشيح بوجهها بعيدًا عنه. ليبتسم هو عندما رآها تنفخ بضيق طفولي. ليجدها تنهض فجأة بعد أن استأذنت مهم لتغادر تحت استغرابهم الشديد، فقد كانت فكرة الخروج فكرته.
لتخرج من المطعم تمشي بسرعة عندما لاحظت خروجه خلفها. وأثناء سيرها يلتوي كاحلها لتقع أرضًا صارخة بألم:
آه.
اقترب منها سريعًا قائلاً بقلق وهو يتفحص قدمها:
أنتي كويسة؟ بتوجعك؟
دفعت يده بعيدًا عنها وهي تقول بألم:
ابعد إيدك.
زفر بضيق ثم قال:
تستاهلي عشان تبقي تهربي مني تاني.
نظرت له بغيظ ثم صاحت بغضب:
وأهرب منك ليه؟ تطلع مين أنت؟ أعرف منين أصلًا؟
ابتسم بزاوية فمه ثم قال وهو ينظر لعيناها:
بتهربي مني عشان خايفة تحبيني أكتر. وأنا مين؟ أعرفك بنفسي؟ فريد الزيني، عاشقك يا بنت النويري. ولازم تعرفيني كويس وتتعودي على وجودي، لأن من هنا ورايح هكون جزء حياتك.
نظرت له ثم قالت بغضب مصطنع، محاولة عدم إظهار تلك الابتسامة التي ظهرت على شفتيها:
أنت شخص جريء ووقح أوي... ابعد إيدك.
عندما جاءت لتقوم تأوهت بألم:
آه.
نظر لقدمها بقلق ثم قال:
لازم نروح المستشفى.
"ملكش دعوة."
زفر بضيق ثم قال:
هو أنتي لسانك طويل كده على طول؟ متعرفيش تتكلمي بلباقة وأدب أبدًا؟
نظرت له بغيظ ثم قالت:
مع اللي زيك بس بتكلم كده.
هدر بها بغضب:
لمي لسانك أحسن لك.
بتحدي ردت عليه قائلة:
ولو ملمتهوش هتعمل إيه؟ انتي أصلاً إيه اللي موقفك معايا؟
نظر لها بغيظ ثم قال بنفاذ صبر:
أنتي رغاية ليه؟ اللي زيك أصلًا مينفعش معاهم الأدب، لازم الحاجة تكون بالعافية معاهم.
بلحظة كان يحملها بخفة بين يديه ويسير باتجاه سيارته، لتصيح عليه هي بغضب:
أنت بتعمل إيه يا بني آدم أنت؟ نزلني والله هصرخ وهقول خاطفني... نزلني يا زفت.
أدخلها للسيارة عنوة ثم قال بغضب وتحذير:
اتهدي بقى، وقسمًا بالله لو لسانك طول تاني هسكتك بطريقة مش هتعجبك، بس واثق إنها هتعجبني أوي.
قال الأخيرة وعيناه ثبتت على شفتيها التي تتحرك بسرعة أثناء حديثها وتغريه بشدة لكي يقترب منها ويشبعها تقبيلًا.
وصل إليها مغزى كلماته ورأت نظراته الوقحة، فصرخت عليه قائلة بحدة:
أنت قليل الأدب... صحيح، هستنى إيه من واحد كل يوم في حضن واحدة؟ أكيد هيكون سافل وقليل الأدب ومش متربي.
زفر بملل ثم انطلق بالسيارة وهو يردد:
يا الله... يا بت اتلمي، همد إيدي عليكِ.
ردت عليه بغضب وهي تحاول فتح الباب الذي أغلقه:
تصدق خوفت... نزلني حالًا بقولك، وافتح الزفت ده.
رد عليها باستفزاز:
تؤ... هنروح المستشفى الأول نطمن على رجليكي وبعدين هوصلك لحد بيتك.
زفرت بضيق ثم قالت:
متشكرة، مستغنية عن خدماتك... روحني ع البيت.
قاطع حديثها رنين هاتفها وكان المتصل ابن خالتها يخبرها بضرورة مجيئها لمنزلهم مساءًا لأن والده يريدها بشيء هام:
خلاص هاجي، متزنقش كتير. أنت الظاهر من كتر قعدتك مع هناء كتير بقيت رغاوي زيها.
استمرت المكالمة لثواني ثم أغلقت الهاتف لتجد ذلك الذي يجلس بجانبها يقول بنبرة حاول أن لا تبدو غاضبة:
بتكلمي مين؟
زفرت بضيق ثم قالت بابتسامة صفراء:
وأنت مالك.
التفت لها ثم قال بغضب:
ردي عليا أنا، أنا على أخري منك، أقسم بالله هتشوفي وش عمرك ما شوفتيه. اظبطي وردي واتكلمي عدل.
زفر بضيق:
أوف.
قال بغضب مرة أخرى:
انجزي، بتكلمي مين؟
لم تجيب. هدر بها بغضب:
ما تردي.
نظرت له ثم قالت بحدة وعناد:
قلت ملكش دعوة.
نظر لها بغيظ ثم قال:
تصدقي إنك بت مستفزة.
ابتسمت ببرود ثم ردت مستفزة إياه:
شكرًا... تحب تضيف حاجة تانية؟
توقف على جانب الطريق وأزال حزام الأمان، مقتربًا منها وهو يقول بمكر:
الظاهر إنك فعلاً مش بيمشي معاكي الأدب ولازم قلة الأدب.
خشيت منه، لكنها لم تظهر ذلك. هدر به غاضبة:
أنت بتعمل إيه يا حيوان؟ والله لو قربت له هكسرلك دماغك.
قرص وخدتها بيديه وهو يردد بغرور:
اتكلمي على قدك يا شطورة، واعرفي إن ابن الزيني مش بيتهدد.
نظرت له بتحدي قائلة:
واديك اتحددت أهو.
نظر لعينيها مطولاً لترتبك وتشيح بوجهها بعيدًا عنه. ليعاود هو القيادة وعيناه لا تتوقف عن مراقبتها.
بعد دقائق قليلة وصل للمستشفى ونزل من السيارة متوجهًا وفتح الباب وساعدها على النزول. كاد أن يحملها لتقول هي بغضب:
أنت هتعمل إيه يا بابا أنت؟ استحلتها ولا إيه؟ قال عاوز يشلني تاني قال.
زفر بضيق ونفاذ صبر ثم ساعدها على النزول جاعلاً إياها تستند على يده، وهو يردد بداخله:
يالله الصبر من عندك.
دخل الاثنان للداخل ثم دخلوا للطبيب. وبعد أن فحصها قال بجدية:
مفيش حاجة، التواء بسيط. كتبلها على كريمات تحط منها وإن شاء الله يومين وتخف بسرعة.
أومأ له وشكره الاثنان وخرجوا من عنده ليسألها هو بحنان واهتمام:
حاسة بوجع؟
نبرته الحنونة، عيناه التي تنظر لها باهتمام جعلتها تتخلى عن عنادها لترد بهدوء:
لا.
أحسنا، وأومأ لها وساعدها على المشي ونزلوا للأسفل حيث سيارته. وأوصلها للفيلا بعد ذلك توجهه لعمله وعقله لا يكف عن التفكير بها أبدًا. أما عنها دخلت للداخل تفكر به، تتساءل هل هو صادق أم مجرد خدعة فقط؟ مع ذلك لا تنكر دقات قلبها المتعالية عندما تتذكر قوله لها "أنا عاشقك يا بنت النويري". ابتسمت عندما تذكرت صوته وهو يقولها لها. لا تعرف ولكن يبدو أنها وقعت بحبه أو لا. هو مجرد إعجاب لا تعرف. لم تختبر تلك المشاعر من قبل، لا تعرف ماذا يجب أن تفعل. بعد تفكير طويل قررت أن تتركها للأيام وتحاول بقدر الإمكان الابتعاد عنه.
مر أسبوع ولم تخرج من المنزل، وقد أصر جدها أن تبقى حتى تتعافى كليًا، بعدها يمكنها الذهاب لجامعتها. ظاهريًا أظهرت اعتراضها، أما بداخلها ترى أن ذلك هو الحل الأنسب لكي تبتعد عنه، لعله يمل ويذهب ويتركها تتابع حياتها مثلما كانت من قبل.
أما عنه، حاول بشتى الطرق الوصول لها. لم تأت لجامعتها، لا تجيب على الهاتف. لأول مرة يشعر بتلك اللهفة والشوق لرؤية أحد.
بعد مرور أسبوع قررت أن تخرج من المنزل، وقد تعافت قدمها. ستذهب للمكتبة لتشتري بعض الروايات والكتب لها، غافلة عن تلك السيارة التي تراقبها من بعيد، ولم تكن سوى لأحد رجاله الذي كلفه بمراقبتها، وعندما تخرج من المنزل يخبروه سريعًا.
عندما خرجت من المكتبة كانت تتفحص الكتب بعينيها ولم تنتبه للدرج الذي أمامها. كادت أن تسقط لتجد يد أحاطت بخصرها سريعًا تساعدها على التوازن، لتسقط الكتب أرضًا. رفعت عيناها لترى من أمسكها لتتفاجأ به هو، من تهربت منه تلك الأيام الماضية. تقابلت الأعين بنظرات طويلة، نظرات مليئة بالحيرة والتخبط والخوف، ولكن يطغى على كل ذلك شعور الاشتياق المتبادل.
ابتعدت عنه سريعًا لينحني هو يلتقط الكتب التي وقعت بيديه ويعطيها لها. أخذتهم منه ثم شكرته ومشيت سريعًا بعيدًا عنه، ليذهب خلفها، يمسك يدها سريعًا، يلفها له ثم قال:
أظن أن احنا لازم نتكلم، والمرة دي من غير غضب أو عناد، وإلا إيه رأيك؟
كادت أن تعترض، لكن بداخلها تريد ذلك، تريد أن تسمعه، لتجد نفسها تومئ برأسها بهدوء. واللحظة التالية كانت يده تجذب برفق باتجاه سيارته، لينطلق بها. وخلف سيارته كانت سيارة أيهم ومعه أركان، الذي خرجوا خلفه سريعًا عندما وجدوه يخرج بتلك السرعة، فتتبعوه خشية عليه، ليتفاجئوا بما حدث. يتابعون ما يحدث بتعجب، ليقول أركان بصدمة:
هو الرهان اتقلب بجد ولا إيه؟ شكل ابن عمك حبها.
أيهم بضحك:
ياريت والله يكون بيحبها. البت تستاهل، باين عليها جدعة وملهاش في الشمال، وشكلها كده هتربيه من أول وجديد.
ضحك أركان وتوجه الاثنان للشركة من جديد، غير مصدقين أن فريد وقع بالحب.
توقف بسيارته على الشاطئ وظلوا بها، لتقول هي بدون تفكير:
أنت عاوز مني إيه؟
التفت لها ثم قال بابتسامة:
ما أنا قولتلك، عاشقك يا بنت النويري.
أدارت وجهها ثم قالت بسخرية غير مصدقة:
عشق مرة واحدة... هو كان قالك إنها هبلة عشان أصدق الكلام ده؟
سألها بهدوء:
ومصدقيش ليه؟
التفتت له ثم قالت بسخرية وبعض الحدة:
عشان أنا مش غبية وبسهولة أصدق إن فريد الزيني اللي سيرته زي الجنيه الدهب مرة واحدة بقى بيحبني. وفكرك يعني لو، ولو مية خط تحت لو، فعلاً بتحبني هقبل بيك؟
رفع حاجبه ثم قال بغرور:
ومتقبليش ليه؟ في كتير يتمنوا.
تنهدت بضيق ثم قالت بجدية:
أنا بقى مش من الكثير دول، لأن ببساطة أنا مش بايعه نفسي يا بن الزيني. في مثل بيقول: اللي فيه داء عمره ما بيبطله. يعني مهما كنت بتحبني زي ما أنت بتقول، طبعك واللي اتعودت عليه هيغلبك.
جاءها رده السريع:
هتغير عشانك.
نظرت له ثم قالت بهدوء:
غلط. لو هتتغير يبقى عشان نفسك. لو اتغيرت عشاني معنى كده إنك هتتغير لفترة مؤقتة، وهي لحد ما توصلي. الواحد بيتغير عشان هو بيبقى عاوز كده، مش عشان حد.
أغمض عينيه ثم فتحها قائلاً:
جيانا... أنا بحبك.
تجد رد لترد به عليه، تخشاه وتخشى القرب منه. قلبها يخبرها أن قربها منه لن يأتي لها سوى بالألم. بداخله مخاوف كثيرة منه ومن القادم، ومن قلبها الذي يبدو أن على وشك الوقوع بحبه إذا لم يكن وقع بالفعل.
تنهدت بعمق ثم قالت دون النظر له:
أنا عاوزة أروح.
"جياااانا."
ردت عليه بنبرة يغلب عليها الرجاء:
لو سمحت ابعد عني. ولو كنت حابب تتسلى، في بنات كتير ينفعوا لكده، بس أنا لأ. أنا مش منهم ومش ناوية... ابعد عني ومتخلنيش أشوفك.
ثم نزلت من السيارة وتركته بدوامة من الأفكار. تلك الحيرة والخوف الذي يقرأه بعينيها، هو نفسه يعيشها. هو يخشى من الفشل بها، أما هي تخشى أن تجرح وتتألم.
أغمض عينيه بألم، وما إن فتحها وقعت عينيه على طفل صغير يلهو برفقة والديه بسعادة. ابتسم بمرارة. ربما لو كان عاش حياة يسودها التفاهم والود بين والديه بدلاً من المشاكل والمشاحرات المستمرة، لما وصل إلى ما هو إليه الآن. لما أصبح يخشى الارتباط والزواج، لما أصبح يخشى الفشل وأن يكون نسخة من والده ويفشل أن يكون أبًا جيدًا، وأن يأتي بزوجة تفشل أن تكون أم لأبنائه مستقبلاً. لما أصبح يمضي من أحضان أنثى لأنثى ليفرغ غضبه وحزنه بهم. ليته يستطيع أن يصرح لأحد بمشاعره ومخاوفه تلك، لكنه يخشى مشاعر الشفقة من أحد. لقد عاش طفولته ومراهقته بين أب يسعى لإرضاء رغباته ويفعل ما يجعله سعيدًا فقط، وبين أم لا تبالي سوى بنفسها فقط، ليلاً ونهارًا. لا تتحدث معه سوى عن علاقات أبيه المتعددة أو عن زوجة أبيه التي أخذته منها بسبب إغوائها لهم. لم يستمع لهم سوى وهم يتشاجرون، والأغلب يكون بسبب تلك المرأة زينب زوجة والده التي أصبح يكرهها من كثرة شجارهم عليها. لم يهتموا به، لم يكونوا معه بحياته التي قضاها فقط بين شجارهم وصراخهم، ولم يرى الحنان منهم أبدًا. لقد نسوا وجوده ولم يهتموا به.
لم يكن يتوقع بمخيلاته أنه سيقع بالحب. تلك الفتاة أراد أن يوقعها بفخه ليقع هو في عشقها دون أن يشعر. تعجبه كثيرًا، لكنه يخشى الفشل ويخشى جرحها أيضًا، لكنه لا يقوى على الابتعاد. أحبها وانتهى.
انطلق بسيارته متوجهًا لعمله مرة أخرى، وعقله شاردًا بها فقط.
***
مرت ثلاثة أيام وهو يتجنبها، فقط يراقبها من بعيد عندما تخرج من جامعتها ويكلف رجاله بمراقبتها. أما عنها، حاولت إلهاء نفسها بعدم التفكير به، لكنها بكل مرة تفشل. لا تعرف لما أحبته وكيف أحبته، لكنها تذكرت تلك الجملة التي يقولها جدها دائمًا، وقد عرفت معناها للتو وتأكدت:
"الحب مش بيكون حب لما تحب حد عشان فلوس أو جمال أو مال. الحب بيجي فجأة كده، بيجي من غير سبب... الحب قدر."
ذهبت اليوم لجامعتها. كانت تخرج من المحاضرة بعدما انتهت برفقة نادين، التي قالت لها:
يا بنتي، نفسي أعرف طالما هو عجبك كده وحبيتيه، بتهربي منه ليه؟
جيانا بكذب وحدة:
إيه؟ حبيتيه وبتهرب منه؟ جبتي الكلام ده منين؟ أنا أصلاً مش بطيقه، وأنا اللي قولتله يبعد عني.
نادين برفعة حاجب:
عليا أنا بردو يا جيجي؟ ده انتي هتموتي وتشوفي، وعنيكي عمالة تدور عليه في كل مكان.
جيانا بضيق:
بلاش هبل، هو أي كلام وخلاص. ويلا بقى خلينا نروح.
نادين بيأس:
عندية ومستحيل تعترفي.
زفرت جيانا بضيق وأسرعت بخطواتها وخرجت الجامعة لتلحق بها نادين سريعًا، ليتفاجأ الاثنان بفريد يقف أمامهم، يستند على سيارته، وقد كان بانتظار خروجهما.
ما إن رأته جيانا، أسرعت بخطواتها بعيدًا عنه، لتجد يد نادين تمسكها وتشُدها سريعًا باتجاه فريد. وقبل أن تستوعب جيانا ما فعلته، وجدت نادين تصدمها أكثر بسؤالها لفريد:
أنت بجد بتحبها؟
أومأت لها فريد باستغراب من سؤالها، لتُقال هي بابتسامة ومرح:
يبقى متسبهاش تهرب منك. هي عندية ومش هتعرف بمشاعرها بسهولة. اللي هي بتعمله دلوقتي اسمه هروب. متسبهاش تهرب منك.
ثم تابعت وهي تلوح بيدها لجيانا بمرح:
يلا باي يا جيجي.
كادت أن تذهب، ليمسك يدها قائلاً بمشاكسة:
رايحة فين؟ هي مش قالت متسبهاش تهرب منك؟ عايزاني أكسر كلامها؟ أبداً والله ما يحصل.
رفعت حاجبها ونظرت له بغيظ، لتتفاجأ به يسحبها ويجعلها تركب السيارة وهو بجانبها، متوجهًا لمكان بعيد هادئ خالٍ من الناس. بعد وقت توقفت السيارة ونزل هو منها أولاً، لتنزل هي خلفه تقول بحدة:
أنا مش قولتلك مش عاوزة أشوفك؟ إيه مش بتزهق؟
ابتسم وأجابها بنفي وتصميم:
لا مش بزهق، وعمري ما هزهق. قولتلك بحبك.
صاحت عليه بغيظ:
أنت عاوز توصل لإيه باللي بتعمله ده؟ مفكر إنك لما تطاردني في كل حتة وتفضل تقولي بحبك، إنك كده هتوصل لقلبي؟
اقترب منها ثم مال على أذنها وهمس بعشق:
أنا مش عاوز أوصل لقلبك، لآني متأكد إني وصلتله خلاص. عنيكي اللي بتهرب مني دلوقتي وإنتي بتتكلمي، هروبك مني ده كله خوف من إنك تعرفي في حبي أكتر وأكتر زي ما أنا غرقِت في حبك. واللي حصل حصل... اللي عاوزة حاليًا أن تفضلي جنبي وتقولي الكلمة اللي نفسي أسمعها منك.
سألته بتلقائية:
كلمة إيه؟
ابتعد عنها وقال بحب وهو ينظر لعيناها:
بحبك... نفسي أسمعك بتقولي بحبك من قلبك زي ما قلبي من كل قلبه اعترف لنفسه ولكي إن غرق وداب في حبك.
ردت عليه بحدة نابعة من خوفها من أن تنفضح مشاعرها:
وأنا مش عاوزة كده.
أقترب منها ورفع وجهها بيدها ثم سألها بحنان:
أومال عاوزة إيه؟
أبعدت يده ثم قالت بحدة:
عايزاك تبعد عني وبس.
لانت نبرتها ثم سألته بحزن:
أنت طلعت لي منين؟
أجابها مبتسمًا بهدوء:
أنتي اللي طلعتيلي وظهرتي قدامي وكأن ربنا بعتك ليا عشان تنوري حياتي وتكوني سبب في إني أتغير.
صاحت عليه بغضب معترفة بما في قلبها:
أنا مش عاوزاك... مينفعش أحبك ومينفعش إحنا الاتنين نكون لبعض.
مسك يدها يهزها برفق مجبراً إياها على النظر لعينيه:
ليه... ليه مينفعش؟ إيه اللي مينفعش يا جيانا؟
لم تجيب، ليتابع هو بحزن:
أنا عارف إن الماضي الأسود بتاعي ده كله كافي إنه يخليكي تفكري مية مرة قبل ما تقربي مني، بس مش بإيدي صدقيني. لو كنت أعرف إنك هتظهري في حياتي وإني في يوم من الأيام هحب واحدة للدرجة دي، كنت فضلت مستنيها عشان أكون ليها هي بس من غير ما أي واحدة تشاركها فيا.
أبعدت يده قائلة بتعب وحزن:
فريد مش هينفع... افهم بقى.
ليرد عليها بحزن:
عايزاني أفهم إيه؟ إننا منفعتش لبعض؟ أنا بحبك ومتأكد إنك بتحبيني، ده مش كفاية.
أغمض عينيه ثم فتحها متابعًا بحزن وقلة حيلة:
آه أنا بتاع بنات وفيّ كل العبر، بس بحبك. أعمل إيه يعني؟ أنا مقدرش أغير الماضي بتاعي، بس أقدر أبني مستقبل وحاضر معاكي أثبتلك فيه كل يوم حبي وعشقي ليكِ.
أقترب منها محاوطاً وجهها بيديه قائلاً بحب:
مقدرش أسيبك تمشي وأبعد عنك بعد ما لقيت حظي في الدنيا. مقدرش أسيب سعادتي تمشي من بين إيديا من غير ما أعافر لحد ما أوصلها.
نظرت لعينيه لعلها تجد فيهم الكذب، لكنها لم تجد إلا كل صدق. ليقول هو مشجعاً إياها:
قوليها، ووعد مني عمري ما أخليكي تندمي في يوم عليها. قوليها يا جيانا.
طال صمتها تفكر كثيرًا، تحبه، لكن ذلك الشعور بالخوف لم يتلاشى بداخلها حتى الآن، لكنها ستقولها وستترك الباقي للأيام. دفعته بعيدًا عنها وأعطته ظهرها قائلة بخجل:
بحبك... خلاص ارتحت كده.
ابتسم بسعادة وهو يرى وجهها الذي تحول للون الأحمر القاني، ثم قال:
فوق ما تتصوري... كده يتبقى الدور عليا أنا.
وبلحظة كان يحملها من خصرها ويدور بها صارخًا بحب لم يكن يعلم أنه سيشعر به يومًا ما:
بـحـبـــــك.
ضحكت قائلة بصراخ هي الأخرى:
مجنون.
أنزلها، وضع يده على وجنتها قائلاً بعشق:
أعاهدكِ أن تكونِ وحدكِ في حياتي، وأن تكونِ ملكة على هذا القلب الذي لم يقع بغرام أحدًا سواكِ، وأن تبقى ابتسامتي مع وجودكِ فقط بحياتي.