تحميل رواية «ليتني لم احبك» PDF
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بمدينة الأسكندرية عروس البحر المتوسط تمشي بثقة بذلك الممر المؤدي لغرفة مدير الجريدة. وقفت أمام الباب وقبل أن تطرق تنهدت بعمق، فهي ما أن تدخل من ذلك الباب ستبدأ الشجار معه كما اعتادت يومياً. سمح لها بالدخول وما أن دخلت قال بغضب جملته المعتادة والتي أصبحت تحفظها على ظهر قلب، فاليوم سيكون ناقصًا إن لم تحدث تلك المشاجرة وتسمع تلك الكلمات: "أهلاً باللي ربنا بعتها ليا عشان تكفر عن ذنوبي." كتمت ضحكتها وقالت بمشاكسة: "صباح النور يا أستاذ مدحت." مدحت بغضب: "صباح زفت ومنيا على دماغك ودماغ اللي شغلك عنده."...
رواية ليتني لم احبك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شهد الشوري
بهدوء شديد كان يفتح باب المنزل ويشير لها بالدخول وهو خلفها، بعدها أغلق الباب لينظر لها ليجد الدموع تنزل على وجنتها بغزارة، تبكي بصمت.
"بتعيطي ليه؟"
ردت عليه بحزن وصدق: "زعلانه على تيا وعشان الفرح باظ."
اختفى هدوئه بتلك اللحظة ليقول بسخرية صدمتها: "وفري دموعك هتحتاجيها في حاجة أهم."
سألته بعدم فهم وقد طمأن أن أذنها استمعت لما قال خطأ: "نعم؟"
ردد ما قال بسخرية مرة أخرى: "بقولك وفري دموعك هتحتاجيها في حاجة أهم."
نظرت له بقلق بدأ يتسرب لقلبها وتدعو بداخلها أن ما تظنه الآن بتلك اللحظة يخيب: "سمير، انت تقصد إيه؟"
جذبها من يدها يضغط عليها بقوة، ألمتها بشدة وعيناه تنظر لها بشر وغضب كفيل بأن يحرقها. بالأيام الماضية هو كما يطاقون عليه، كان هدوءه هو ذلك الذي يسبق العاصفة.
ردت عليه بعيون دامعة وحزن تحاول أبعاد يدها عنه: "آه... بتوجع."
يرد عليها بغضب وقسوة وهو يشدد من ضغطه على يدها: "ما هو ده اللي أنا عاوزه. أوجعك زي ما وجعتيني. بقى أنا حتت بت زبالة زيك كانت هتستغفلني وتدبسني فيه؟"
ردت عليه بخوف وبكاء: "إن... انت مش قلت إنك سامحتني و..."
شملها بنظراته الساحرة قائلاً: "كدبت.... هه. قال أسامحك قال. زعلتي إني كدبت عليكي في دي وجرحتك مش كده؟ طب ما انتي كمان كدبتي."
ردت عليه بكلمة واحدة فقط وهي تبكي بقوة وجسدها ينتفض: "طلقني."
دفعها بعيدًا عنه قائلاً بغضب وسخرية: "دخول الحمام مش زي خروجه. ورحمة أمي وأبويا هتشوفي اللي عمرك ما شوفتيه، والبيت ده هيبقى سجنك من هنا ورايح. رجلك مش هتخطي براه."
لم تجب وبقت تبكي بقوة وتصبح صوت شهقاتها عالٍ، ليقول بغضب وحدة ولم يعد يحتمل بكاءها كم يكره نفسه عندما يحزن لحزنها برغم ما كانت تنوي أن تفعله به: "بطلي زفت عياط."
زفر بضيق ثم قال بحدة وسخرية: "غوري من وشي، عندك كذا أوضة اتخمدي في واحدة فيهم، وحسك عينك المحك داخلة أوضتي. أصلي بتقرف أنام جنب الزبالة أو أقرب منها. غير كده مش بحب أستعمل حاجة غيري إستعمله."
ردت عليه بقهر وبكاء ومازال جسدها ينتفض من البكاء: "انت مش فاهم حاجة."
رد عليها باشمئزاز وسخرية: "مش عايز أفهم أكتر من اللي فهمته، وهو إنك رخيصة وبس."
قالها ثم تركها وغادر لغرفته دون أن يهتم لها، بينما هي جلست على الأرض تضم قدمها بصدرها وتبكي بحزن شديد وألم وهي تردد بداخلها: "ياااارب."
صرخة مذعورة خائفة خرجت من بين شفتيها عندما رأت فريد يضغط بقوة على يدها وملامح وجهه متألمة. بكت بخوف عندما رأت جواد والدماء تغرق وجهه ويتنفس بصعوبة، يصوب السلاح تجاه جسد فريد الذي اخترقته تلك الرصاصة.
أنحنى على ركبتيه بألم وهو يشعر بألم بشع. أنحنت إليه تنطق بخوف وبكاء: "فريييد."
ابتسم لها بشحوب قائلاً بخفوت وألم: "امشي من هنا بسرعة... وخذي الكاميرا من جوه، الحيوان كان بيصور."
نفضت برأسها ببكاء شديد وهي تمسك وجهه بين يديها قائلة بخوف: "انت هتخرج معايا... مش كده؟ مش هتسيبني أمشي لوحدي يا فريد؟"
نظر لها بألم وهو يمسك يدها بقوة قائلاً وهو على وشك فقدان الوعي: "أنا بحبك."
بدون وعي لما تقول وكانت عاطفتها وخوفها الشديد من خسارته هو المسيطر عليها الآن: "مش هتسبني."
نطق بلسان ثقيل ونظرات زائغة: "مـ..مسمح...يا."
أومأت له سريعًا وقالت ببكاء شديد وخوف: "مش هسامحك لو سبتني لوحدي... خليك جنبي."
ابتسم لها بحب قبل أن يستسلم لتلك الغيمة السوداء التي تسحبه إليها. بكت بقوة وهي تحاول إفاقته. بحثت عن هاتفها لم تجده. مدت يدها لجيب سترته تخرج هاتفه تتصل برقم والدها التي تحفظه جيدًا. وما إن أتاها صوت والدها ردت عليه بدموع وخوف شديد: "بابا الحقني!!!!"
بعد وقت.
كان الجميع وهم العائلتان الزيني والنويري عدا سمير وهايدي الذي قرر الجميع عدم إخبارهم بشيء، يركضون خلف الترولي. أحدهم يحمل فريد الذي ينزف بغزارة والمسعفين يفعلون اللازم، والآخر يحمل جيانا الفاقد للوعي، والآخر لجواد الذي ينزف بغزارة من جرح رأسه والكدمات التي تملأ وجهه.
فما إن اتصلت بوالدها وأخبرته باختصار ما حدث كان يذهب لها سريعًا برفقة عز وآسر وقاموا بكسر الباب. ليصدم ما إن رأى ابنته الفاقد للوعي بجانب جسد فريد الغارق في الدماء وجواد فاقد للوعي هو الآخر. بدون تفكير كان آسر يشمل بعيناه الوضع، وبعيناه والشقة بأكملها ليرى الكاميرا أمام الفراش. بدون تفكير أخذها معه وطلب الشرطة والإسعاف.
أمام غرفة العمليات كان الجميع يقف. دولت التي صرخت على أكمل قائلة بغل وغضب: "لو ابني جراله حاجة مش هرحمك يا أكمل، لا انت ولا عيالك. ورحمة أبويا لهحسرك على عيالك واحد واحد لو ابني جراله حاجة."
أكمل بغضب: "اتكلمي على قدك يا دولت. أكمل بتاع زمان انسيه، لأن اللي قدامك هيحرقك ويدفنك حيا لو شعرة اتأذت من شعر بناته. سمعاني؟ ورحمة أمي وأبويا لهتشوفي الويل."
صلاح بغضب: "أظن لا ده وقت ولا مكان مناسب للخناق. يفوقوا ونبقى نفهم منهم اللي حصل."
صمت الجميع وخيم الصمت على المكان، بينما إيهم كان يأخذ الممر ذهابًا وإيابًا والخوف ينهش قلبه على ابن عمه وشقيقه، وبنفس الوقت حزين على بكاء تيا خوفًا على شقيقتها الذي يمزقه من الداخل.
بعد وقت خرجت الطبيبة من غرفة جيانا قائلة بهدوء وعملية: "الآنسة اللي جوه كويسة، بس محتاجة تبعد عن أي ضغط نفسي الفترة الجاية."
حنان بقلق: "طب هي فاقت؟"
نفضت الطبيبة برأسها قائلة: "لا."
وبعد عدت أسئلة للاطمئنان على صحتها غادرت الطبيبة، ولازال فريد بالداخل. أما عن جواد فخرج الطبيب وأخبرهم أنه بخير و قام بخياطة جرحه، لكنه لديه بعض الارتجاج بالمخ.
كان الممرضات يحاولون أن يجعلوها تهدأ فقد أفاقت من دقائق. وما إن تذكرت ما حدث تحاول أن تخرج من الغرفة، لكن الجميع يقنعها بضرورة راحتها. لكنها لم تهتم أبدًا سوا أن تذهب وترى وتطمئن عيناها وقلبها عليهما. إن خرجت من الغرفة وخلفها الجميع كان الطبيب قد خرج بنفس الوقت. ولم يكن سوى طارق ابن خالتها: "إحنا عملنا اللي علينا يا جماعة، ادعوله، لأن لحد دلوقتي متعداش مرحلة الخطر."
نزلت دموع جيانا بغزارة تحتضن والدها قائلة بحزن وخوف من فقدانه تحمل نفسها ذنب ما حدث: "أنا السبب يا بابا، أنا السبب."
دولت بغضب من أجل ابنها وهي تحاول الوصول لجيانا لكي تضربها، لكن دون فائدة، فكان يحول بينهم محمد الذي كل مرة يحدث شيء يجعله يشعر بالاشمئزاز أكثر وأكثر تجاهها. صرخ عليها قائلاً بحدة: "اسكتي بقى! لا ده وقته ولا مكانه. انتي في إيه ولا في إيه؟ اسكتي بقى يا شيخة وارحميني."
توقفت عن الحركة تنظر لأكمل بكره وغِل كبير، لكنه لم يكن يهتم أو ليهتم، فكل اهتمامه الآن مع ما قالت ابنته. ما حدث كان بسببها. أما عن آسر فكان يعلم كل شيء خاصة بعد أن رأى ما بالكاميرا.
جاء مدير المستشفى على صوتهم العالي وشجارهم قائلاً بحدة وصرامة: "ده مستشفى مش شارع، لو مش واخدين بالكم المرضى لازمهم راحة."
اعتذر منه آسر بلباقة ليتقبل المدير اعتذاره ثم قال بجدية: "وجودكم كلكم ملهوش أي لازمة، اتنين بس اللي يفضلوا مع المريض والباقي يتفضلوا وتقدروا تيجوا الصبح."
نظرت جيانا لوالدها الذي كان يعرف طلبها مسبقًا قائلة برجاء وهي ترى نظرات الرفض بعيناه: "عشان خاطري يا بابا خليني جنبه النهاردة."
نفى برأسه لتظل تتوسله ليرد بصرامة: "قولت لا يعني لا يا جيانا."
نظرت لجدها برجاء أن يقنع والدها قائلة: "يا جدو."
رد عليها بهدوء: "مقدرش أقنعه بحاجة أنا نفسي مش مقتنع بيها."
تدخل إيهم في الحديث قائلاً: "طب حضرتك ممكن تخليها وأنا موجود."
رد عليه أكمل بغضب منه وسخرية: "انت كده طمنتني. يعني ده انت؟"
زفرت تيا بخفوت على رد والدها ليسألها إيهم وهو ينظر لها بهيام وحب: "عجبتك؟"
أشاحت وجهها بعيدًا بخجل ليقول أكمل بحدة وهو يجذب رأسها بيده لينظر تجاهه هو: "بتبص فين يا حيوان؟"
إيهم بضيق مصطنع: "الله! إيه؟ يا حمايا ليه الغلط ده؟ ده أنا حتى جوز بنتك المستقبلي من غير مقاطعة بإذن الله."
أكمل بغضب شديد وغيره: "جوز جزم على دماغك يا حيوان."
رد عليه إيهم باستفزاز: "مش هرد عليك. عارف ليه؟"
نظر له أكمل بحاجب مرفوع ليجيب الآخر على نفسه قائلاً بهيام وهو ينظر لتيا: "عشان خاطر القمر اللي واقف جنبك."
أكمل بغضب وغيره لو كان بمكان غير هذا لكن أبرحه ضربًا بدون رحمة: "عينك لأخزقها يا زفت. أوعى تكون فاكر إن اللي حصل النهارده هيعدي بالساهل. أفوّقلك بس."
حنان بضيق وتعب: "مش وقته يا أكمل."
نظرت جيانا لوالدها برجاء ولم يقدر قلبه على رفض ما تطلبه ولا رؤية حزنها. لم يحتمل ليقول لعز بضيق: "سليمان فين يا عمي؟"
أومأ له ثم أخرج هاتفه يتصل به يخبره بعض الأشياء وبعدها نظر بعيدًا عنها قائلاً بضيق: "سليمان هيفضل معاكي وكم راجل من الرجالة. وبكرة الصبح تيجي ع البيت."
رد طارق الذي لا يستوعب حتى الآن ما عرفه من آسر، فهو كان خارج البلاد ولم يعد إلا أمس فقط: "أنا هنا كمان يا جوز خالتي متخافش."
أومأ له أكمل ليغادر الجميع. لكن قبل أن يخطو أكمل خطوة واحدة، أمسكت جيانا يده تحتضنها قائلة بحب ونظرات شكر: "أنا بحبك أوي... شكراً."
أومأ لها بابتسامة و بداخله خوف من أن تقع ابنته بنفس خطأ الماضي، خوف من أن تتعذب ابنته وتتراجع عن رأيها الصواب وتوافق على العودة له. لكن إن حدث ذلك سيكون أول المعارضين بقوة. لن يعرض ابنته للألم مرة أخرى.
"يلا خلينا نمشي."
إيهم لمحمد بجدية: "عمي روحوا كلكم وأنا هنا معاها."
رد عليه بجدية: "ملوش لزوم قعدتكم. روحوا انتوا وأنا هفضل جنبها."
بحقد وغِل كانت دولت تغادر وهي تنوي على كل شر وسوء.
اقترب إيهم من جيانا التي تقف تشاهد فريد من خلف الزجاج الشفاف قائلاً بهدوء وهو ينظر لفريد الموصل بعدة أجهزة: "حاولي تسامحيه، لأنه بجد يستاهل يتحب. فريد كويس من جواه بس محتاج اللي ياخد بأيده، محتاجك جنبه عشان يكمل في طريقه اللي مشي فيه. هو كل اللي محتاجه انتي وبس يا جيانا، لأن انتي كل حاجة ليها."
استمعت له ولم تتحدث واكتفت بالصمت. مضى الوقت إلى أن جاء الصباح، كم ودت أن تدخل له وتظل بجانبه، لكن رفض طارق والممرضات رفضًا شديدًا.
أخبرها سليمان: "يا هانم، أكمل باشا طلب مني آخدك ع البيت دلوقتي."
زفرت بضيق ولازال القلق ينهش بقلبها، خائفة من خسارته. تود أن تبقى فقط من أجل أن يطمئن قلبها عليه. لتقترب من طارق الذي كان قد جاء ليفحص حالته ويطمئن عليه قائلة: "أنا عايزة أدخله."
رد عليها بجدية: "مش هينفع يا جيانا."
نظرت له قائلة برجاء: "عشان خاطري."
بالنهاية استسلم بعد إلحاحها الشديد ليقول: "روحي مع الممرضة خليها تجهزك."
ابتسمت بسعادة ثم شكرته وذهبت مع الممرضة و تجهزت، وها هي الآن تجلس على المقعد بجانب فراشه تنظر له بحزن ودموع تغرق وجهها.
مسكت يده قائلة بحزن: "عاوز تسيبني تاني؟ زمان سبتني سنين، ودلوقتي ناوي تسيبني علطول؟"
أخذت نفس عميق ثم تابعت بدموع: "أنا عارفة إني بقولك على طول امشي ومش عاوزة أشوفك ومش بحبك وكذا وكذا، بس عقلي عاوز كده وقلبي بيرد ويقول لأ. انت يا فريد الحاجة الوحيدة اللي مقدرتش ولا هقدر أنساها. كأنك سكنت قلبي وحلفت إن محدش غيرك يسكنه. لو سبتني ومشيت تاني عمري ما هسامحك أبداً."
قالتها وبعدها أخفضت وجهها تستند بجبينها على يده بدموع، لتسمع فجأة ما جعل عيناها تتوسع بصدمة وفرح، ولم يكن سوى صوته الخافت المتألم: "لو أعرف إن لو هضرب بالرصاص قلبك هيحن عليا، والله لكنت عملتها من زمان."
سألته بفرح ودموع: "ا... أنت فوقت؟"
ابتسم بتعب قائلاً: "إيه؟ مكنتيش عايزاني أفوق عشان ماتسامحينيش؟"
ابتسمت بتوسع وهي تجعل شعرها خلف أذنها ليسألها بحب: "انتي كويسة؟"
ردت عليه بابتسامة ودموع: "دلوقتي بس."
رد عليها بسعادة ظاهرة رغم شحوب وجهه والإرهاق الظاهر عليه: "محدش كويس ومبسوط قدي اللحظة دي بالذات يا جيانا."
خجلت من حديثه وكادت أن تغادر ليمسك يدها بوهن قائلاً بتعب ورجاء: "خليكي شوية بس، خلي قلبي يطمن إنك بخير وعيوني يشبعوا منك."
بكت مرة أخرى عندما تذكرت ما حدث. ليسألها بقلق: "بتعيطي ليه؟"
ردت عليه بدموع وهي تخفض وجهها أرضًا: "بسببي."
لم تستطع أن تكمل ليقول هو بابتسامة متعبة: "بقيت كويس، وحتى لو مت عمري كله فداكي يا جيانا."
نظرت داخل عيناه وهو فعل ذلك أيضًا لتتلاقى الأعين وتتحدث بما لا يبوح به اللسان. سألها بتعب وابتسامة ونظرات راجية: "سامحتيني؟"
أفاقت من حالتها تلك وابتعدت عنه بتوتر، ليسألها بقلق: "لا."
خرجت من الغرفة تنادي للطبيب وتتهرب منه، ليزفر هو بضيق وحزن. فحصه الطبيب وتم أخذ أقواله ليعرف أكمل ما حدث لابنته ليتوعد للآخر بكل شر.
تم إصدار أمر بالقبض على جواد، لكنه اختفى فجأة ولم يعرف أحد أين ذهب.
مضى عشرة أيام. تحسنت حالة فريد كثيرًا عن ذي قبل. أما عن جيانا فقد منعها والدها من زيارته، وكانت تطمئن عليه من طارق ابن خالتها وعلمت أنه تحسن، ولكن غادر المستشفى منذ خمسة أيام. لم تعرف عنه شيئًا. أما عنه بداخله أكل كبير أن تسامحه خاصة بعد ما حدث بالمستشفى. أما عن إيهم كان يذهب كل يوم لأكمل يطلب يد ابنته، والذي كان كل مرة يرفضه، إما يطرده من مكتبه. أما عن هايدي كانت تقضي أغلب أوقاتها بغرفتها بالمنزل بعدما سافر سمير لمهمة خارج البلاد وبقت هي بالمنزل. لم تحاول الخروج ولم تكن تريد، فقط نفذت ما قال ولم تهتم بالأساس. أما عن أكمل لم يتوقف عن البحث على جواد الذي لا يزال مختفٍ.
بعد توسلات كثيرة من والدها وافق على ذهابها لعملها، وبناءً على طلب من آسر جعلها تذهب دون حراس، فقط لينفذ شيئًا ما لا يعلمه سواه.
كانت تخرج من بنايتها غافلة عن جوز من الأعين يراقبها من بعيد بابتسامة مشاكسة وتصميم. ما إن فتحت باب السيارة شعرت بيد تسحب يدها وتكبلها بالأصفاد (كلبش). نظرت بصدمة له وهي تراه أمام عينيها يناظرها بعبث لتقول مصدومة وهي ترفع يدها المكبلة مع يده: "إيه ده؟"
رد عليها بهدوء وبساطة: "زي ما انتي شايفة. كلبش."
ردت عليه بضيق: "فك البتاع ده يا فريد."
بشرط. نظرت له ليتابع هو بابتسامة: "تقولي إنك مسامحاني... ولسه بتحبيني؟"
نظرت له بصدمة ليتابع هو: "لو مكنتش حاسس إن قلبك لسه بيحبني، لو مكنتش حاسس إن فيه أمل، عمري ما كنت طلبت منك كده يا جيانا."
أشاحت وجهها بعيدًا عنه قائلة بتهرب: "أنا عندي شغل ومش فاضية للعب العيال ده."
نظر لها قائلاً: "فين لعب العيال ده؟ اللي بعمله إني عاوز نخرج أنا وانتِ من المتاهة والحزن ده. مش كفاية سنين بعد يا جيانا، العمر فاضل فيه كام؟ سبع سنين عشان نقضيهم برضه فراق وحزن؟"
ردت عليه بعيون لامعة من الدموع: "مش انت السبب."
أومأت لها قائلاً: "أنا السبب أيوه، بس تبت واتعذبت سنين من فراقك اللي كنت أنا سبب فيه. ربنا وحده اللي يعرف إني بعدت عن القرف ده ومش ناوي أرجعله تاني. اتغيرت عشان أنا كاره كده أولاً وزهقت من القرف ده وقرفت من نفسي واتغيرت عشان خسارتك كانت أكبر حاجة فقتني."
تنهد ثم قال بابتسامة وحنين لتلك الأيام: "فاكرة لما قولتيلي زمان "لو هتتغير يبقى عشان نفسك، لو اتغيرت عشاني معنى كده إنك هتتغير لفترة مؤقتة وهي لحد ما توصل. الواحد بيتغير عشان هو بيبقى عاوز كده مش عشان حد"؟"
نظرت له بعيون دامعة ليتابع هو بابتسامة: "انتي صح. ده اللي أنا بعمله دلوقتي. بتغير عشان نفسي يا جيانا، عشان مش حابب أبقى كده. أنا لأول مرة في حياتي أحس إني مرتاح وعملت الصح. وعمر راحتي ما هتهتم طول ما انتي بعيدة عني، ولا راحتك هتكون وأنا بعيد عنك. اعترفي بده."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه ولم تتحدث رغم تأثيرها بكل كلمة قالها، ليمد يده ويجعلها تنظر لعينيه قائلاً بكل صدق وعشق وبعض المرح: "بحبك يا اللي معرفتش يعني إيه حب ومرمطة بجد غير على إيديك."
ضحكت بخفوت على ما قال ليبتسم هو بحب وسعادة لضحكتها. نظرت بعيدًا عن وجهها قائلة: "على فكرة أنا اتأخرت ع الشغل وإحنا واقفين في الشارع. أنا عايزة أمشي."
تمتم بغيظ لكنها سمعت ما قال: "أقسم بالله بت فصيلة."
نظرت له قائلة بحدة مصطنعة: "بتقول حاجة؟"
نظر لها قائلاً بابتسامة واسعة: "بقول يلا هوصلك."
رفعت يدها له قائلة: "طب فك البتاع ده."
نظر لها قائلاً باستفزاز: "تؤ."
نظرت له بتحذير وغضب ليلاعب حاجبيها بمشاكسة، لتحاول أن تداري ابتسامتها لكنها لقطها بالطبع. فتح باب السيارة ودخل هو أولاً يسحبها خلفه، لتزفر بضيق. ليتولى هو قيادة سيارتها ذات السقف المكشوف.
طوال الطريق يصفر بسعادة مما يجعلها تغتاظ بسبب عدم فك قيد يده.
بعد وقت كانت تدخل للجريدة وهو بجانبها غير مباليًا بأي شيء ولا بنظرات الجميع نحوهما. أما عنها كانت تشعر بالحرج الشديد.
تقابلت في طريقها مع هند التي كعادتها ألقتها بنظراتها المغلولة لتمتم جيانا بخفوت وضيق: "كانت ناقصاكي انتي كمان."
هند بنظرات فضول وسخرية: "إيه يا جيانا؟ كل ده قعاد في البيت؟ ولا يعني عشان جوز خالتك يبقى صاحب الجريدة من حقك تغيبي عن الشغل براحتك."
جيانا بجدية تحت نظرات فريد غير المرتاحة لتلك الفتاة وقد لاحظ نظرات الغل المصوبة تجاه جيانا: "زي ما قولتي كده يا هند. واسطة. وطلعينا من دماغك عشان لو حطيتك أنا في دماغي والله ما هتلاقي جريدة تقبل تشغلك، وانتِ عارفة. لما يعمل حاجة بقولها."
ثم غادرت وفي طريقها دفعتها بكتفها لتكز الأخرى على أسنانها بغيظ. ليقول فريد: "باين عليها مش بتحبك."
ردت عليه بسخرية وغيظ: "تصدق جبت التايهة. كل اللي هنا عارفين إني وهي مش بنطيق بعض، وخصوصًا هي. من أيام الجامعة."
ضحك بخفوت قائلاً بغزل جعلها تخجل: "ليها حق تغير العين. طول عمرها ما تحبش الأحلى والأحسن منه."
دخلت لمكتبها وهو خلفها لتقول بضيق: "فك البتاع ده بقى. عندي شغل مهم وكفاية هزار لحد كده."
رد عليها باستفزاز: "تؤ."
ثم سحب مقعدًا من أمام مكتبها ووضعه بجانب مقعدها الموجود خلف مكتبها قائلاً: "اقعدي. مش هطلع صوت خالص."
زفرت بضيق ثم ذهبت لتجلس بعد أن ضربت الأرض بقدمها مثل الأطفال من الغيظ، ليضحك هو بخفوت عليها.
كانت تكتب على حاسوبها الآلي بتركيز شديد، أما عنه لم يتوقف عن تأمل كل حركة تقوم بها بهيام وحب. تابع جديتها بالعمل وكيف تتحدث بجدية مع أي شخص يدخل مكتبها، يتحدث بشؤون العمل ويرى مهارتها وكيف تتحدث، وما وصلت له بفخر وسعادة لتحقيق حلمها الذي كانت دومًا تحدثه عنه.
دخلت نادين للمكتب وكعادتها لم تطرق الباب قائلة: "جيجي ال..." لكنها صدمت عندما رأت الوضع لتقول بصدمة وهي تنظر لفريد: "انت بتعمل إيه هنا؟"
رفع يده المكبلة بالأصفاد مع يد جيانا قائلاً: "زي ما انتي شايفة يا نادين."
نظرت لجيانا بصدمة قائلة بغضب وضيق: "أوعي تكوني سامحتيه بعد اللي عمله؟"
فريد بغيظ وضيق: "ما تخليكي محضر خير."
ردت عليه بغيظ: "ما كنت زمان محضر خير يا خويا، وكنت مفكراك موسى طلعت فرعون."
نظر لها بغيظ واستمرت المناوبات بينه وبين نادين التي جعلته يغتاظ بشدة. لتصرخ جيانا عليهم وجعلت نادين تخرج من الغرفة، لتنظر له بغيظ.
ليجلس على مقعده مرة أخرى ببرود. جلست هي الأخرى تتابع عملها. وبعد وقت ليس بقصير أخذت أغراضها لتغادر، ليقول لها بتساؤل: "خلصتي شغلك كده؟"
أومأت له قائلة: "أيوه."
مسك يدها الموجودة بجانب يدها يسحبها خلفه رغم محاولتها لإفلاتها. تشعر بالحرج والوضع الذي هي به.
خرجوا للخارج كانت يقود هو السيارة وكان الوضع كما هو، الصمت يعم المكان ولم يجد أيًا منهم ما يقوله. مد يده يشغل الإذاعة لتشتغل على أغنية:
تعالي هنا بقولك إيه
قلبي إزاي كده ريحتي
عارفة بحس معاكي بيه؟ بحياة
طمنتيني على عمري
هديتي على طول صبري
كفاية اسمي صوتك حلاه
وفيكي سيبيني شوية
أحب أنا فيكي
عمر واحد مش هيكفيكي
أحبك فيه
بحبك وليالي
عارفة أما بشوفك كده جيالي
أول حاجة بتيجي فبالي
بقولك إيه
بحبك
"يجب أن يترك يدها الآن ليغير السرعة." قبل أن يفعل ذلك قرب يدها من فمه يقبلها بحب وهدوء، ليقشعر جسدها من حركته تلك وشعرت بالخجل لكنها لم تظهر ذلك.
لكن فجأة وبدون مقدمات مشت سيارة بجانبها، لكن يبدو من هيئتها أن تحاول اعتراض طريقهم. نظر لها بقلق بتقول هي: "إيه ده؟"
شعر بالقلق عليها خاصة عندما بدأت السيارة تحاول الاصطدام بسياراتهم، وكانوا يحملون سلاحًا. كانوا رجلين ذوي جسد ضخم. سألها بقلق: "العربية فيها سقف ممكن يتقفل مش كده؟"
أومأت له وضغطت على الزر وأغلقت سقف السيارة، ليعطيها مفتاح قائلاً: "فكي الكلبش بسرعة وانزلي لتحت."
كادت أن تعترض ليصرخ عليها قائلاً: "اسمعي اللي بقول عليه."
نفذت ما قال ونزلت للأسفل مثلما قال، ليحاول هو تفادي الأذى خوفًا عليها وليس على نفسه بالطبع. لو كان وحده لكان لقنهم درسًا لا ينسى.
اعترضت السيارة طريقهم، لا يتوقف هو ثم نزل من السيارة وجعلها تغلق الباب عليها من الداخل بعدما هدر عليها بحدة حتى لا تعترض.
بخوف كانت تراقب ما يحدث بالخارج لأجد أنه دخل باشتباك معهم واستطاع أن يأخذ السلاح من أحدهم مطلقًا الرصاص على قدمه وعلى قدم الآخر وأخذ منه السلاح.
نزلت من السيارة سريعًا لتجده يصوب السلاح على رأس أحدهم يسألهم بغضب وتهديد، فمن حركاتهم يبدو أنهم أتوا عن عمد: "مين اللي باعكم؟"
لم يرد أحدهم ليطلق النيران على قدم الآخر مرة أخرى ليصرخ من الألم قائلاً: "منعرفش. الأوامر جيالنا من بعيد لبعيد إننا نخلص عليه."
نظر لها بقلق لتقطب هي جبينها تسألهم: "حامد اللي باعكم؟"
رد عليها الآخر بألم بشع في ساقه: "منعرفش والله ما نعرف."
نظر لها يبدو أنه لا يعرف الكثير عنها، وشعور الخوف والقلق تسرب لقلبه، شعور الخوف من الفقدان مرة أخرى. اتصل بأحد رجاله ليأتي ليأخذهم إلى المخزن الخاص به وهو سيعرف منهم كل شيء.
بعد وقت جاء رجاله وأخذوهم لتبقى هي تنظر له بشرود وهي تتذكر دفاعه عنها ومشاعر لم تستطع تخبئتها أكثر من ذلك، لينطق لسانها على الفور بما يشعر به قلبها وبتلك اللحظة خصيصًا: "أنا كمان بحبك."
كان يقف بجانبها يضع هاتفه بجيب بنطاله. كلماتها زلزلته. ببطء التفت رأسه ينظر لها مصدومًا مما استمعت له أذنه!!! 🙈...........
قفلت على حته أنا 😂😉
توقعتوا إيه يا عسليات ♥️
مستنية رأيكم. الواحد فاقد الشغف أصلاً فكلمة وتفاعل يشجع كده.... مستنية رأيكم 😊♥️♥️
آسفة ع التأخير غصب عني والله 🥺
متنسوش التفااااعل ♥️
رواية ليتني لم احبك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شهد الشوري
نظر لها، يبدو أنه لا يعرف الكثير عنها. شعور الخوف والقلق تسرب لقلبه، شعور الخوف من الفقدان مرة أخرى. اتصل بأحد رجاله ليأتي ليأخذهم إلى المخزن الخاص به، وهو سيعرف منهم كل شيء.
بعد وقت، جاء رجاله وأخذوهم. لتبقى هي تنظر له بشرود، وهي تتذكر دفاعه عنها ومشاعر لم تستطع تخبئتها أكثر من ذلك. لينطق لسانها على الفور بما يشعر به قلبها، وفي تلك اللحظة خصيصًا:
"أنا كمان بحبك."
كان يقف بجانبها، يضع هاتفه في جيب بنطاله. كلماتها زلزلته. ببطء، التفتت برأسه، ينظر لها مصدومًا مما استمعت له أذنه.
نظر له، مصدومًا، غير مصدق ما قالت. ليسألها مرة أخرى بصدمة، ظنًا منه أن العيب بأذنه:
"قولتي إيه؟"
ارتبكت وشعرت بالخجل، ولم تجب. ليسألها مرة أخرى برجاء، وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
"قولتي إيه يا جيانا؟"
أخذت تفرك يديها بتوتر وخجل. ليسألها وهو يحاوط وجهها بين يديه، قائلاً برجاء:
"قوليها تاني."
ابتعدت عنه قائلة بخجل:
"بحبك."
كادت أن تغادر لتركب السيارة، ليجذبها من يدها لتصطدم بصدره. وباللحظة الثانية، يحاوط خصرها، يجذبها لأحضانها في عناق طويل قوي. يقسم أن ضربات قلبه العالية تستمع لها. ليهمس في أذنها بحب وعدم تصديق:
"أخيرًا.... مش بقولك مرمطاني؟ يعني بعد الأكشن ده كله تقوليها."
ضحكت بخفوت. لتلف يدها حول خصره، تحتضنه بقوة. هي الأخرى تشعر بسلام افتقدته منذ سنوات، وها هي قد وجدته بين أحضانه.
بقى الاثنان هكذا لوقت غير معلوم. لا يعرفون كم مر دقائق، ساعات. كل ما يعرفوه أن كلاً منهما أخيرًا وجد ضالته وسلامه.
ابتعدت عنه بهدوء، لكنه لم يتركها، أبقاها بين ذراعيه. ينظر لداخل عينيها، وهي تفعل المثل. لم يتحدث أحدهما، واكتفوا بالصمت. فالأعين الآن تتحدث بأجمل ما يقوله أي لسان.
أما عنه، فيقسم أنه سيصاب بجلطة من شدة ضربات قلبه، ومن شدة سعادته بتلك اللحظة. سألها:
"سامحتيني؟"
ردت عليه بخجل وقليل من الحزن:
"لسه جوايا جزء صغير لسه منسيش، ولسه مش مسامح. بس قلبي بيحبك.... هتقدر تخلي الجزء ده يسامحك؟"
رد عليها فورًا قائلاً:
"ده أنا أقدر ونص أخليه يسامحني، وأخلي أبوه كمان."
ضحكت بخفوت. ليقول هو بهيام:
"وحشتيني، ووحشتني ضحكتك."
كان الطريق خاليًا من الناس. جلست أرضًا تستند على السيارة بجسدها. ليفعل هو المثل. نظرت للأسفل قائلة بحزن:
"وأنت كمان.... أنت كمان وحشتني."
نزلت دمعة من عينيها، لتتابع بحزن وعتاب:
"ليه عملت كده وسافرت ومسألتش عني؟ ولا بصيت وراك حتى؟ مسألتش نفسك أنا عيشت السنين دي إزاي؟"
مسك وجهها بين يديه قائلاً بحزن مماثل، وهو يمسح دمعتها:
"أقسم لك إني كنت بموت كل يوم من غيرك. بعدت عشان كنت شايف إن بعدي عنك هو الأحسن ليكي، وكنت عارف إني مهما عملت عمرك ما هتسامحيني، وإني قربي منك ضرر ليكي، وبس. خطبت رونزي بسبب إصرار من جدي على جوازي. كنت فاكر إني هقدر أنساكي بيها، بس أول ما رجعت وشوفتك عرفت إني مهما أعمل ومهما ألف وأدور قلبي مش هيحب غيرك، ولا هيقدر ينساكي يا جيانا."
استند بجبينه على جبينها قائلاً بحب:
"أنا كل حاجة في حياتي كانت غلط، ما عدا انتي. الحاجة الصح الوحيدة اللي مش عاوز أخسرها. متبعديش عني، أنا محتاجك."
نزلت دموعها مرة أخرى، ويبدو أن المصارحة بين الاثنين قد حان وقتها ليتعاتبوا ويتصافوا. قائلة:
"مش هتعمل كده تاني."
أومأ لها سريعًا، قائلاً بصدق ووعد صادق:
"أقسم لك إنها ما هتتعاد ولا هتتكرر. وده وعد من فريد جديد. مش عاوز حاجة من دنيته غيرك، وبس. هتفضل في قلبي وفي عيوني لحد ما أموت، وبعد ما أموت يا جيانا. ولو عملت غير كده، وده لا يمكن يحصل، اقتليني ولا هسألك ولا هزعل حتى."
تبادلوا النظرات بحب. وهنا، بتلك اللحظة، تغيب العقل. نسوا أنفسهم، ونسوا المكان، وماذا يفعلون. بدون أن يشعر، اقترب منها ببطء. وعندما لمست شفتاه شفتيها، تعالى رنين هاتفها. ابتعدت عنه سريعًا خجلة. ليشد هو خصلات شعره.
أخرجت هاتفها لترى من يتصل. سألها:
"مين اللي بيتصل؟"
ردت عليه قبل أن تجيب:
"ده باب."
تمتم بغيظ:
"كان لازم أعرف إنه هو من غير ما تقولي."
ينظر لها، يتابع حديثها مع والدها، وهي تجيب عليه:
"- مفيش، خلصت شغل واتمشيت شوية بالعربية.
- خلاص، راجعة البيت أهوا."
أغلقت الهاتف بتوتر وخجل. وقف هو يمد يده لها. وضعتها بيدها، ليسحبها. وبعدها ركب الاثنان السيارة.
يقودها هو، ومن حين لآخر ينظر لها بسعادة وحب.
مسك يدها مقربًا إياها من فمه، يقبلها بحب. لتبتسم بخجل، غير مصدقة ما حدث حتى الآن. وكذلك الحال معه أيضًا، لكن لا يعرفون كم سيواجهون من متاعب، وبالأخص هو، ليحصل عليها!!!
...............
بدأت الامتحانات، وها هي الآن انتهت من أول امتحان لها. كانت تخرج من الجامعة لتتفاجأ بمي تركض خلفها قائلة ببكاء هستيري:
"تيا، الحقيني! أيهم....."
ثم بدأ تقص لها كل ما فعله بها. وهي تستمع لها بصدمة، وكذلك رغدة، التي لم تتوقف عن إلقاء نظرات الاشمئزاز نحو مي.
**Flash Back**
بعد أن أخذها رجاله من بين الجميع دون أن يلاحظ أحد، ذهبوا بها لأحد المخازن المهجورة التابعة لشركاتهم. كانت ملقية أرضًا، ويداها وقدماها مكبلين بالأحبال. ظلت هكذا حتى فجر نفس اليوم. وبعدها سمعت صوت الباب وهو يفتح، يصدر صوتًا مزعجًا جعلها ترتجف من الرعب والخوف.
بعدها وجدته يقف أمامها بملامح غاضبة، تنم عن شر كبير وتوعد. ويبدو أنه حقًا لن يرحمها.
انحنى تجاهها، يجذبها من خصلات شعرها بقسوة، قائلاً بصوت ونبرة آتية من الجحيم:
"بقى حتت بت زبالة ورخيصة زيك مفكرة إنها هتتحدى أيهم الزيني وهو هيسكت له؟"
برعب، صرخت عليه:
"ابعد عني!"
يضحك بسخرية عليها، قائلاً بتوعد:
"أنا ما برفعش إيدي على ستات، ومش هعملها. متخافيش، ولا هخلي حد من رجالتي يوسخ إيده ويعملها، خصوصًا لو اللي هيضربوها زبالة ورخيصة زيك توسخيهم أكتر."
نظرت له برعب، ليدفعها أرضًا، مناديًا بصوت عالٍ أرعبها. مناديًا على أحد رجاله ليأتي على الفور، ليأمره بصوت غاضب متوعد:
"دخل الستات اللي بره."
نفذ ما قال. ثوانٍ وكان عدة نساء يرتدون جلباب أسود واسع، يظهر على وجوههم الإجرام. أمرهم وهو ينظر لها بقسوة وغضب، متجاهلاً ضميره الذي يؤنبه على ما سيفعله بها، لكن يعود وينبه ذاته بأنها تستحق ذلك. وكلما تذكر دموعها وكلمات الناس عليها وبكائها، يزداد رغبة في الانتقام منها:
"نفذوا."
ثم خرج من الغرفة ليترك النساء يتصرفون معها. ابتعدت واحدة تشغل الكاميرا، تصور بما سيحدث، مثلما علمها أحد الرجال بالخارج. أما الباقيات، فاقتربوا منها، وقاموا بحل الحبال عن قدميها ويديها، وبعدها قاموا بنزع ثيابها عنها تحت صراخها وزعرها الشديد. صفعها أحد النساء بقسوة لتقع أرضًا، فاقدة الوعي بعد أن اصطدمت رأسها بالأرض بقوة.
نزعوا ثيابها لتبقى فقط بملابسها الداخلية. التقطت إحدى النساء الصور لها بهيئتها تلك، وهي شبه عارية، وبعدها ألبسوها ثيابها مرة أخرى وخرجوا متوجهين لأيهم، يعطوه الهاتف. أخذه منهم قائلاً وهو ينفث دخان من سيجارته:
"نفذتوا اللي قولته عليه؟"
"أيوه يا باشا، التلفون أهوه."
أخذه منها دون أن يتفحصه، ووضعه بجيب سترته، قائلاً ببرود:
"كملوا اللي اتفقنا عليه، وبعدين خدوا حسابكم من الرجالة وامشوا."
أومأوا له بفرحة وجشع، ثم دخلوا مرة أخرى لها بعد أن غادر.
مسك أحد الرجال دلوًا من الماء، يقذفوه بوجهها لتفيق وهي تشهق بقوة. لينقض عليها النساء، يبرحوها ضربًا قاسيًا، وبعدها ابتعدوا عنها بعد أن فقدت وعيها. وأخذوا أموالهم وغادروا سريعًا. ليقوم الرجال بإفاقة مي، وبعدها أوصلوها أمام باب منزلها، وهي شبه واعية لما يحدث.
فزع والديها عندما رأوا حالتها، وظلت تتعالج بالمستشفى عدة أيام. وبعد أن أفاقت، تفاجأت برقم أيهم يبعث لها عدة صور لها وهي فاقدة للوعي، شبه عارية. لتفزع، وذهبت له مكتبه فورًا. وما إن رآها، سألها بسخرية:
"إيه رأيك في الصور؟ حلوة مش كده؟ يعني اللي هيشوفها، من هيصدق إنها اتاخدت وإنتِ مغمى عليكي؟ زي ما محدش كان هيصدق إن أنا بست تيا غصب عنها. فضيحة قصاد فضيحة، والبادي أظلم."
صرخت عليه بفزع وخوف:
"انت مش هتعمل كده! ده اقتلك وأشرب من دمك، سامع؟ والله اقتلك."
اتصل بالأمن ليحضروا فورًا، ليشير لهم بأصابعه وبطريقة معينة لها. قال:
"ارموا الزبالة دي بره."
جذبها موظفي الأمن عنوة، فهي لن تخرج معهم بالذوق. ليضطروا أن يفعلوا ذلك، لتصرخ قائلة بصوت عالٍ وتهديد:
"والله لتشوف يا أيهم، أما ندمتك ما تبقاش مي، والله لتندم."
لم تعرف كيف ستتصرف. لتجد أن تيا هي الحل، هي من تستطيع أن تسيطر عليه وتجعله يعطيها الصور الخاصة بها دون أن يفضحها.
**Back**
رغدة بحدة:
"وهي مالها؟ ما تولعي! مش كفاية الفضيحة اللي عملتيها له؟"
مي بدموع وتوسل:
"أنا آسفة يا تيا، أبوس إيدك روحي له وهو هيسمع كلامك، أنا اتفضحت."
تيا بحدة وحزن:
"أنا كنت عارفة إنك أنانية ومش بتحبي غير نفسك، لكن توصل بيكي إنك تفضحيني وإنتي عارفة إني معملتش كده. صدمتيني. إنتي يا مي عار على كلمة صحاب. إنتي متنفعيش تكوني صاحبة من الأساس."
تنهدت، ثم رمقتها بخيبة أمل:
"أنا هعمل بأصلي وباللي اتربيت عليه، وهفتكر إن كان بينا عيش وملح، لأن زي ما بيقولوا العشرة ما تهونش غير على ولاد الحرام، وأنا مش كده."
كادت أن تشكرها، لتغادر تيا سريعًا، وخلفها رغدة التي ألقتها بنظرات احتقار قبل أن تغادر.
لتزفر مي براحة، ولكنها لم ولن تنسى أن تنتقم من أيهم، فهي ليست ممن يتركون حقهم. فقط لينتظر، وسوف يرى ما تستطيع أن تفعل!!!
. . .
بعد وقت، وصلت للشركة، ومن ثم توجهت لمكتبه. لكنها تفاجأت عندما دخلت للمكتب بوجود سكرتير رجل، وليست امرأة. ألقت عليه السلام بهدوء قائلة:
"السلام عليكم."
رد عليها السلام، لتقول:
"لو سمحت، عاوزة أقابل الأستاذ أيهم."
سألها بجدية:
"في ميعاد سابق؟"
نفت قائلة:
"لا، بس تقدر تقوله تيا النويري بره وعاوزة تشوفك."
أومأ لها واتصل بمكتب أيهم، والذي ما إن سمع أنها بالخارج، قفز من مكانه، يخرج لها ينظر لها بابتسامة وصدمة. ثم التفت للسكرتير قائلاً بحدة:
"بعد كده لما تيجي الآنسة، تدخل على طول، مفهوم؟"
أومأ له السكرتير بسرعة، ليتنحى أيهم جانبًا، سامحًا لها بالدخول. ثم دخل خلفها، وأغلق الباب. لتجلس هي على المقعد أمام مكتبه. ليجلس هو على المقعد الذي أمامها، قائلاً بابتسامة واسعة:
"مش مصدق إنك هنا بجد."
زفرت بضيق، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا عنه. ليقول بحرج:
"احم.... آسف، تشربي إيه؟"
ردت عليه بحدة:
"أنا مش جاية أضياف.... أنا جاية عشان مي، إيه اللي أنت عملته فيها؟ إزاي جالك قلب تعمل كده؟"
رد عليها بحدة:
"زي ما هي جالك قلب تعمل فيكي كده. وإنتي عارفة إنك مظلومة. إنتي عارفة صاحبتك اللي بتدافعي عنها دي، كانت بتساومني عليها من قبل الحفلة بفترة، وكان عاوز إيه مقابل الصور اللي معاه؟"
نظرت له بتساؤل. ليتابع هو:
"كان عاوزاني أتجوزها مقابل إنها متفضحكيش. عايزة تلوي دراعي، ولما قولتلها هتفضح صحبتك؟ قالتلي مش مهم، المهم مصلحتي. دي مينفعش تصعب عليكي، هي تستاهل اللي هيجرالها وأكتر. ولو هي بعتاكي وقدرت تأثر عليكي، فأنا لا، ومش هتتنازل أبداً. لو كانت غلطت معايا كنت عديتها، لكن غلطت معاكي إنتِ، وكانت سبب في نزول دموعك. ممكن أسامح في أي حاجة غير إني أي حد يأذيكي."
أخجلها بحديثه، وبأنها مهمة لتلك الدرجة. لكن يبدو أنه لن يتراجع. هي لا تريد أن تكون سبب في فضيحة أحد، وخصوصًا لو كانت رفيقتها من قبل. لتقول له بخجل:
"ليا خاطر عندك."
رد عليها بابتسامة وحب:
"ليكي خاطر، وليكي روحي اللي فداكي، وليكي قلبي اللي عمره ما حب ولا هيحب غيرك."
خجلت بشدة، لتقول:
"رجعلها صورها. أنا هقطع علاقتي بيها، بلاش تكون سبب في فضيحة حد. ومتعاملش حد بمعاملته، إنت كده فرقت عنها إيه؟ إنت فضحت، وهي فضحت. لو ليا خاطر عندك، نفذلي طلبي يا أيهم."
وكأنه لم يستمع لكل ما قالت، ليقول بهيام:
"قولتي إيه؟"
نظرت له بتعجب. ليعيد مرة أخرى:
"قولي أيهم تاني كده."
نطقت اسمه بحدة وغضب:
"أيــــــهــــــم."
رد عليها بغمزة من عينيه، قائلاً بهيام:
"يا حلاوة أيهم وهي طالعة من بين شفايفك."
نظرت له بوجه أحمر من الغضب والخجل، ثم أخذت حقيبتها وهمت أن تغادر. ليمسك يدها، مانعًا إياها، قائلاً بضحك:
"بهزر، خلاص هقعد محترم."
دفعت يده وجلست مرة أخرى. ليتابع هو بابتسامة:
"عشان غلاوتك وخاطرك إنتي، هيحصل اللي إنتي عاوزاه. بس لو حاولت تأذيكي مرة تانية، مش هرحمها."
ابتسمت قائلة:
"شكرًا."
بقى ينظر لها بهيام. لتقول هي بعد أن وقفت لتغادر:
"أنا اتأخرت ولازم أمشي."
أوقفها قائلاً:
"استني، هوصلك."
ردت عليه بهدوء وابتسامة:
"مفيش داعي، السواق معايا. شكرًا."
أومأ لها. لكن قبل أن تخرج من الباب، أوقفها صوته قائلاً بحزن:
"مفيش أمل خالص يا تيا إنك توافقي علي."
تنهدت قائلة دون أن تلتفت له:
"معملتش لسه اللي يخليني آمن على نفسي معاك. اثبتلي إنك اتغيرت يا أيهم."
ثم غادرت. ليبتسم هو بسعادة وحب، ليبقى يفكر كيف يكسب ثقتها ويجعلها توافق عليه.
..................
بعد وقت، كانت تدخل منزلها والابتسامة لا تفارق شفتيها، مما أثار تعجب الجميع، وبالأخص والدها، الذي يلاحظ سعادة تلمع بعينيها. شعر بالقلق من أن يكون ما بباله حدث.
صعدت لغرفتها، ترمي بجسدها على الفراش، تنظر لسقف غرفتها بسعادة وخوف من ما هو قادم.
أما عنه، دخل لغرفته بالاوتيل، يبتسم بسعادة وعدم تصديق حتى الآن ما حدث.........
عاد بعد عشرة أيام من العمل، وهو يشعر بإرهاق شديد واشتياق لها. ما إن دخل المنزل بعد منتصف الليل، تفاجأ بها تنام على الأريكة الموجودة بصالة المنزل.
اقترب منها بهدوء وحرص على عدم إصدار أي صوت حتى لا تستيقظ وترى شوقه لها بعينيه، وخاصة الآن.
انحنى على ركبتيه أمامها، يتأمل ملامح وجهها بهيام وحب. امتدت يده يزيل خصلات شعرها الشديد النعومة التي تمردت ونزلت على وجهها.
ثم بهدوء ورقة، اقترب، مقبلاً جبينها بحب. بعدها ابتعد، يتأمل وجهها بحزن. ليتها لم تفعل ذلك به، لو تعلم كم يحبها وكم من نيران تشتعل بصدره من غيرته كلما تذكر أنها كانت لغيره، وأنها بكل ذلك السوء. صدمته بها كانت كبيرة.
ابتعد عنها، يخفي حزنه الشديد خلف قناع البرود الذي يكون معها فقط به.
ثم وكزها بذراعه بهدوء. لتفتح عينيها ببطء، وما إن رأته أمامها، وقفت سريعًا قائلة بتوتر:
"انت رجعت..... حمد الله على السلامة."
لم يهتم لما قالت، وسألها ببرود:
"إيه اللي منيمك هنا؟"
ردت عليه بتوتر:
"راحت عليا نومه."
رد عليها ببرود:
"جهزي الأكل."
فركت يديها بتوتر وخوف من غضبه، ثم قالت:
"ما... ماهو أنا مش بعرف أطبخ."
راق له منظرها وهي هكذا. سألها:
"أومال كنت بتاكلي أيام اللي فاتت دي إزاي؟"
فضت وجهها قائلة بحزن:
"مكنتش ببقى ليا نفس، بس ساعات كنت بطلب أكل من بره."
تنهد بحزن، وكم يكره نفسه لتعامله معها بتلك الطريقة، ويكره نظرات الخوف منه بعينيها. دخل لغرفته وصفع الباب خلفه بغضب. لتنفض من مكانها بخوف.
أشفقت عليه، ولم تعرف ماذا تفعل. فهو بالتأكيد يشعر بالجوع الشديد من بعد عودته من العمل.
دخلت المطبخ، تنظر لكل شيء موجود به بحيرة كبيرة، فهي لم تدخله بحياتها.
بتردد، التقطت هاتفها تتصل بتيا، التي لم تتركها الأيام الماضية، وكانت تزورها باستمرار. وبالطبع حنان، التي بدأت تظن أنها فتاة جيدة وليست مثل ما اعتقدت عنها أول مرة.
ما إن أجابت تيا، ردت عليها باعتذار:
"أنا آسفة لو بكلمك في وقت متأخر كده."
رد عليها تيا بهدوء:
"ولا يهمك يا حبيبتي، أنا أصلاً كنت صاحية."
هايدي بتوتر وخجل:
"سمير رجع من شوية، وأنا مش عارفة أعمل أكل إيه، يعني أنا مش بعرف أطبخ."
ردت عليها تيا بابتسامة هادئة:
"هتعملي عشا. بصي يا ستي، افتحي التلاجة وطلعي...."
أملت عليها ما يجب أن تفعله. ما إن انتهت، قالت هايدي بابتسامة:
"شكرًا جدًا، وأسفة لو أزعجتك."
تيا بهدوء:
"مفيش بينا شكر. إنتي دلوقتي أختنا. لو احتاجتي أي حاجة، اتصلي في أي وقت، ولا يهمك."
ابتسمت تيا بسعادة، واستمرت المكالمة لحظات. بعدها نفذت ما قالت، وبدأت بصنع الساندوتشات كما قالت، ومعهم كوب من عصير البرتقال.
وقفت أمام باب غرفته مترددة. ثم طرقت الباب بهدوء، لكن لا يوجد رد. فتحت الباب بهدوء، وجدت الغرفة فارغة. لكن لحظة، وكان يخرج من الحمام، ولا يرتدي سوى تلك المنشفة التي تحاوط خصره، وأخرى بيده يجفف بها خصلات شعره.
شهقت، وسرعان ما أغمضت عينيها. سألها بحدة، رغم هيئتها وما فعلته، راق له وأعجبه:
"إيه اللي دخلك هنا؟"
ردت عليه بتوتر، وهي لازالت تغمض عينيها:
"عملت ساندوتشات عشان تتعشى، وخبطت الباب بس مردتش، فدخلت."
اقترب منها، يأخذ الصينية منها، وقد قرر أن يجعلها تبقى معه لأطول وقت، حتى يرى خجلها وتوترها المحبب لقلبه. ذهب باتجاه الفراش، وبيده يحمل الطعام، والأخرى يجذب بها يدها. فتحت عينيها، وخجلت من مظهره، لتخفض وجهها أرضًا.
جلس وجعلها تجلس، ليقول دون النظر إليها:
"كلي."
ردت عليه بتوتر:
"مش جعانة."
زفر بضيق، ثم قال ببعض الحدة:
"اسمعي الكلام بقى."
توترت، ومدت يدها تلتقط أحد الساندوتشات، تتناول بهدوء، ومازالت تخفض وجهها أرضًا. أما عنه، فبقى يتأمل بها وهو يتناول طعامه.
مدت يدها لتحمل الصينية بعد أن أنهوا طعامهم، بنفس الوقت كان هو يفعل المثل. ليمسك يدها دون قصد، لتسري كهرباء بجسد كليهما. حملتها سريعًا، وكادت أن تغادر الغرفة، لتجده خلفها تمامًا. أخذ منها الصينية ووضعها على الطاولة الموجودة بجانب باب الغرفة.
أصبح يقف خلفها مباشرة. تغيب عقله بتلك اللحظة. نسي ما فعلته به، نسي كل شيء. وبتلك اللحظة، تذكر فقط حبه وعشقه الكبير لها.
امتدت يدها، يضعها على خصرها برقة، ودفن وجهها بعنقها من الخلف، يستنشق رائحة الياسمين التي تتفوح من خصلات شعره.
تعالى صدرها وانخفض بتوتر وخجل. جعلها تلتف له، لينظر الاثنان لبعض مطولاً. بعدها انحنى بوجهه، وعيناه مثبتة على شفتيها، ليلتقفهما بهدوء شديد ورقة. وبعدها لم يشعر بنفسه، سوى وهو يحملها بين ذراعيه برقة، متوجهًا ناحية فراشه، يضعها عليه وهو فوقها، ولازال يقبلها بهدوء. وبدأت يداه تعبث بجسده.
ليذهب الاثنان لعالم آخر، لا يعرفه سوا العشاق، متناسين أي شيء وكل شيء، فقط عشقهم المتبادل ما يتذكرونه.
...............
كانت تجلس على أحد المقاعد الخشبية بذلك الوقت المتأخر، تبكي بقوة. كلما تذكرت ما رأته منذ قليل، وكانت بمثابة صدمة كبيرة بالنسبة لها.
لم تكن تعرف ماذا ستفعل، ولا أين ستذهب. لتجد نفسها تتصل به بدون تفكير، تخبره بأنها تحتاجه. ليمر وقت قصير جدًا، وها هو ينزل من سيارته متوجهًا نحوها، قائلاً بقلق:
"روز، إيه اللي مقعدك هنا في الوقت ده؟ ومالك بتعيطي ليه؟"
رمت بأحضانة، قائلة بقهر وحزن، وصوت شهقاتها العالي يمزق قلبه. أخذ يربت على شعرها بحنان، يهدهدها كطفل صغير.
أخذت تقص عليه ما رأت دون أن تبتعد عن أحضانه، قائلة بحزن وخذلان:
"شفتُه، شفتُه مع الخدامة."
سألها بصدمة:
"هو مين؟"
ردت عليه بحزن:
"بابا.... خرجت أنا وماما ورحنا حفلة، واخدة من صحابتها، وأنا رجعت لوحدي لأني صدعت. لما روحت، روحت عشان أشوفه، لقيتُه في الأوضة وعلى سرير ماما ومع الخدامة."
دخلت في نوبة بكاء وهي تردد:
"هو ليه كده؟ وهي ليه كده؟ أنا بحس إني مليش قيمة للدرجة دي. أنا وحشة ومش كويسة، وبيكرهوني عشان يتجاهلوني كده، كأني مش بنتهم. أنا مش بعمل حاجة وحشة، أنا طول الوقت بسمع كلامهم. اللي شفتُه النهارده صدمني و..."
قاطعها قائلاً بحنان وهو يحاوط وجهها بين يديه:
"إنتي أحسن وأجمل بنوتة في الدنيا. مين الغبي اللي يفكر يقول كده؟ إنتي مفيش منك يا روز."
سألته بحزن ودموعها نزلت مرة أخرى على يديه:
"طب هما ليه بيكرهوني؟"
رد عليها كاذبًا، فليس هناك مبرر لمعاملة والديها وإهمالهم، سوى أنهم بلا قلب:
"بيحبوكي، بس يمكن بيعبروا عن حبهم بطريقة غلط. هو في حد ما يحبش القمر يعني؟"
اخفضت وجهها، ليجذبها لأحضانة مرة أخرى، لتتشبث هي به أكثر. تنعم بدفء وأمان لم تجدهما مع أي شخص سواه. لم يتركها أبدًا منذ أن غادرت منزل النويري، بل كان معها يومًا بيوم، ليجعلها تدمن وجوده بقربه.
نطق لسانها بما يشعر به قلبها، ضاربة بكل شيء عرض الحائط. هي تشعر بحبه، فما الفارق إن قالتها هي أو هو:
"بحبك يا آسر."
شعرت بتيبس جسده من الصدمة. ابتعدت عنه تنظر لوجهه بحذر، تتساءل بما يشعر الآن. لتتفاجأ به يستند بجبينه على جبينها، قائلاً بابتسامة مشاكسة:
"على حسب علمي، المفروض أنا اللي أقوله."
ردت عليه بخجل وحزن:
"يعني إنت مش بتحبني؟"
جعلها تنظر لداخل عينيه، قائلاً بحب صادق:
"قولي بموت فيكي، بعشقك اللي جوايا ليكي، مش حب أبدًا ده عشق."
ضحكت بسعادة، ليحتضنها هو بحب، وتبادله هي الاحتضان، سعيدة.
مسك يدها قائلاً بابتسامة:
"وجودنا في الشارع ده وفي الوقت ده غلط. خلينا نروح."
نفت قائلة بحزن:
"أنا مش راجعة الفيلا تاني."
أومأت لها قائلة بابتسامة:
"هتيجي معايا، وهتعدي في بيت عم."
سألته بتردد:
"بس الوقت متأخر."
رد عليها بابتسامة:
"متخافيش، تيا بتفضل صاحية لحد دلوقتي. هكلمها تفتح الباب."
أومأت له، وأوصلها للمنزل، وفتحت لهم تيا الباب. ليودعها هو قبل أن تغادر، بقبلة رقيقة على وجنتها. لتبتسم بخجل وسعادة. ولكنها لم ولن تنسى أبدًا ما رأته اليوم، والذي كان بمثابة صدمة كبيرة لن تنساها بحياتها.
..................
صباح اليوم التالي.
كان الجميع يجلسون بصالة المنزل بانتظار الإفطار. يرحبون برونزي، وكان الجميع سعيد بعودتها للعيش معهم من جديد.
أما بمنزل سمير، استيقظ في الصباح ليجدها تنام على صدره العاري، تحاوط خصره بيدها، مثلما يفعل هو. بالرغم من سعادته بما حدث ليلة أمس، إلا أنه نادم وغاضب من نفسه وبشدة، لأنه أظهر عاطفته واشتياقه لها بلحظة ضعف.
أبعد عنها ببعض العنف، لتستيقظ هي على أثرها، تنظر تستر جسدها بشرشف الفراش خجلة. لتسأله بتردد وخجل:
"سمير.... هو إنت سامحتني؟"
يضحك بسخرية قائلاً:
"تؤ. مين اللي ضحك عليكي وقال لك كده؟"
سألته بحزن ودموع:
"طب واللي حصل بينا كان إيه؟"
رد عليها بكلمات قاسية ومهينة:
"كنت بجرب، زي ما اللي قبلي جرب. ده المفروض تبقي مبسوطة، امبارح كانت أول علاقة تعمليها حلال."
ارتفع صدرها وهبط بانفعال، وهي تبكي بقوة. جاهد نفسه حتى لا يذهب إليها ويأخذها بين أحضانه، يخبرها أن ليلة أمس أجمل ليلة بحياتها، وأنها من عشقها قلبه ولن يعشق غيره.
لذا خرج من الغرفة سريعًا، لتبقى هي تبكي بقوة، تضرب قدمها بقهر. وبلحظة، تغيب عقلها، لتكسر كوبًا من الزجاج، ليتناثر الزجاج أرضًا. لتمسك قطعة منه تقربها من يدها. لقد سئمت من تلك الحياة، من تجاهله وقسوته، ومن تجاهل عائلتها لها. لم يكلف أي منهم نفسه ليتصل بها ويطمئن عليها، أو حتى يزورها.
أغمضت عينيها وقررت أن تتخلص من تلك الحياة!!!
...................
البارت خلص ♥️
البارت الجاي فريد وأيهم هياخدوا على دماغهم يا جماعة. أول مشهد بين أبو البنات مع أيهم وفريد 😂😂 مين مستنيه؟
رواية ليتني لم احبك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شهد الشوري
ارتفع صدرها وهبط بانفعال وهي تبكي بقوة. جاهد نفسه حتى لا يذهب إليها ويأخذها بين أحضانه، يخبرها أن ليلة أمس أجمل ليلة بحياتها وأنها من عشق قلبه ولن يعشق غيره.
لذا خرج من الغرفة سريعًا لتبقى هي تبكي بقوة، تضرب قدمها بقهر. وفي لحظة، غاب عقلها لتكسر كوبًا من الزجاج، ليتناثر الزجاج أرضًا.
أمسكت قطعة منه، قربتها من يدها. لقد سئمت من تلك الحياة، من تجاهله وقسوته، ومن تجاهل عائلتها لها. لم يكلف أي منهم نفسه ليتصل بها ويطمئن عليها أو حتى يزورها. أغمضت عينيها وقررت أن تتخلص من تلك الحياة.
بنفس اللحظة، دخل سمير الغرفة سريعًا بعدما استمع لصوت تكسير الزجاج. لتقع عيناه عليها وهي تضع قطعة الزجاج على يدها، تحاول قطع شريانها.
أسرع تجاهها، يدفع قطعة الزجاج من يدها، يمسكها من كتفها، يهزها بقوة قائلًا بصراخ وغضب نابع من خوفه:
"إنتي بتهببي إيه؟ عاوزة تموتي نفسك؟"
صرخت عليه بدموع وألم، تدفعه بقبضة يدها بصدره العاري:
"إبعد عني... مش جربت اللي غيرك جربه؟ سيبني أموت، ولا أولع بجاز. أهمك في إيه؟"
صرخ عليها يبوح بكل ما بصدره:
"يهمني إني بحبك. قلبي مش قادر غير يحبك. يهمني إني مهما عملتي مقدرش غير إني أحبك وأخاف عليكي. أنا بكره قلبي لأنه لسه بيحبك رغم كل حاجة. ليه ظهرتي في حياتي؟ كنت كويس من غيرك."
انهارت على ركبتيها باكية قائلة برهن ودموع:
"كل اللي سمعته مش زي ما فهمت. أنا مظلومة."
انحنى إليها، راميًا بكل شيء عرض الحائط، يجذبها في عناق وقد تمزق قلبه لرؤيتها هكذا. حاولت دفعه بوهن وهي تقول بلحن ودموع:
"هو السبب. هو وهي عملوا فيا كده. هو اللي اغتصبني."
وقعت الكلمة على أذنيه وجعلت جسده يتيبس من الصدمة. حتى ذلك الشهيق الذي أخذه منذ لحظات، ظل عالقًا بداخله ولم يخرجه. انحبست أنفاسه من الصدمة.
لتتابع هي بدموع وجسدها ينتفض بين يديه:
"أنا مليش ذنب. هما السبب. أنا بقيت كده بسببهم."
أبعدها عنه، ينظر لداخل عينيها. لتسرد هي عليها كل شيء بدموع تغرق وجهها. وهو يتابعها بأعين دامعة، مصدوم، حزين، يشعر بنيران تشتعل بقلبه. ليس منها، بل منه ومن ذلك الحقير الذي فعل بها هذا. غاضب من نفسه لأنه لم يستمع لها.
ما انتهت، قالت بشهقات مرتفعة ونحيب:
"أنا مليش ذنب."
جذبها لأحضانه، يطوقها بذراعيه بقوة لتبكي هي أكثر وتدفن وجهها بصدره. نزلت دموعه بصمت. لم لم يكن ذلك الحقير وشقيقته أموات لكان أحرقهم أحياء ولن يرحمهم أبدًا.
غفت بين ذراعيه وهي تهمهم بكلمات لم يفهمها. لكن أذنيه التقطت تلك الكلمة الظاهرة بوضوح، ونزلت على قلبه شقته لنصفين:
"بكرهك."
حملها بين ذراعيه، ثم وضعها على الفراش برفق. انحنى، يقبل جبينها، يتمتم بكلمات اعتذار ودموعه تنزل على وجهه بحزن وغضب من نفسه.
تركها، ثم غادر الغرفة، بل المنزل بأكمله. يقود سيارته، يمشي بالشوارع دون هدى، حزين، غاضب، مهموم.
***
"خير."
قالها أكمل وهو ينظر للأوراق الموجودة بيده، متجاهلاً النظر لأيهم وفريد، الذي تفاجأ بهم جاءوا لمنزله ليتحدثوا معه بأمر هام.
زفر أيهم بغيظ من طريقته بالحديث معهم. بينما فريد قال بكل هدوء:
"أنا جاي أطلب بنتك. جايين للجواز."
أيهم بجدية هو الآخر:
"وأنا تيا."
أكمل ببرود دون النظر لهم مرة أخرى:
"آه. وإيه كمان؟"
اغتاظ أيهم بشدة. ليحذره فريد بنظراته من التفوه بأي كلمة خاطئة.
فريد بجدية:
"مفيش حاجة تاني. حضرتك هتاخد رأيهم وترد علينا."
أكمل بسخرية:
"يعني انتوا عاوزين الرد؟"
أومأ الاثنان له، ليقول هو بابتسامة مستفزة ولا تلائم الوضع وما سيقوله:
"طلبكم مرفوض."
أيهم بابتسامة صفراء:
"ورد حضرتك بناءًا على إيه يعني؟ سألتهم وافقوا أو رفضوا؟"
أكمل بسخرية وابتسامة صفراء:
"آه."
أيهم بتحدي:
"مش يمكن رفضهم القديم اتغير؟ أصل مفيش حاجة بتفضل على حالها. ويمكن جد في الأمور شئ؟"
أكمل بسخرية:
"عندك حق. دي نظرتي ليكوا انتوا الاتنين برضه. حبكم وحالكم ده مش هيفضل زي ما هو، هيتغير ويختفي مع الوقت."
زفر أيهم بضيق. بينما رد فريد بكل هدوء:
"هو فعلاً حالنا مش هيفضل على حاله. مش هيفضل حب بس، ده هيتحول لعشق. ده إذا مكنش بقى عشق أصلاً."
زفر أكمل قائلاً بضيق:
"قصر الكلام. طلبكم مرفوض. ويلا بقى مع السلامة. عندي شغل."
أيهم بغيظ ويداه. وهكذا فعل فريد، الذي نفذ صبره قائلاً بسخرية:
"مش يمكن نظرة حضرتك لينا غلط، زي ما نظرتك لجواد كانت غلط برضه؟"
نظر له أكمل بسخرية، رغم غضبه من الداخل. ليتابع أيهم بجدية:
"إحنا قاعدين هنا. حضرتك هتطلع بس تاخد رأيهم وينزلوا يقولوه لينا. بس كده. الموضوع مش متعب ولا حاجة."
فريد بمكر:
"ولا حضرتك خايف تطلع تاخد رأيهم يقوموا يوافقوا؟"
زفر أكمل بحدة قائلاً بغضب:
"اترزعوا هنا لحد ما أنزل."
ثم غادر. وما إن غادر، قال أيهم بحدة وغيظ:
"أقسم بالله لولا إني بحبها وعاوز أتجوزها كنت..."
فريد بحدة:
"كنت إيه؟ اتلم يا زفت وحاسب على كلامك ده. يبقى خليك."
كان أكمل لم يغادر، واستمع لجملة أيهم. كاد أن يدخل مرة أخرى. ليتفاجأ برد فريد الذي أعجبه. ليصعد لابنتيه ليسألهم عن رأيهم. وبداخله يتسائل: لما دونًا عن باقي الرجال يأتي هذان الاثنان ويسرقون قلب بناته؟
كانت تيا تجلس بغرفة جيانا متوترة، وخاصة جيانا التي لا تعرف كيف ستصارح والدها بأنها سامحت فريد. أما عن تيا، فمتوترة بشدة منذ أن جاءتها رسالة قبل أن يأتي فريد وأيهم بدقائق. كان مكتوب بها: "بعد شوية هكون عند باباكي بطلب إيدك للجواز عشان أثبتلك إن نيتي مش وحشة ولا واخد الموضوع لعب عيال وهزار. وافقي وصدقيني، ووعد مني هكسب ثقتك وهمحي أي خوف جواكي."
تشعر بالحيرة والتردد، ولكن لا تنكر أنه يحبها وتريده زوجًا لها مثلما يريد هو. لكنها تخشى حياتها القادمة معه أن تكون أسوأ، أن تتعذب. ولا تنكر أيضًا أن شعورها ذلك قد قل منذ أن رأت دفاعه عنها أمام الناس ورفضه الزواج منها لذلك السبب وبهذه الطريقة. قد أعجبها كل ذلك ومحى من خوفها تجاهه ولو قليلاً. رغم أنه السبب بذلك، لكنه لم يخف من تشوه سمعته وسيرته بين الناس. بل قال أمام الجميع وأمام الصحافة أنها بريئة وأنه المذنب.
انتبه الاثنان على طرق باب الغرفة، وبعدها دخل أكمل. ولم يتفاجأ عندما رأى تيا، فهو مر على غرفتها أولاً ولم يجدها، فخمن أنها هنا.
جلس على الفراش قائلاً بجدية لم تخلو من نبرة الحنان بصوته:
"تعالوا جنبي. عاوزكم في موضوع."
بالفعل ذهبا له. لتجلس جيانا على يمينه وتيا على يساره. ليسألهم:
"الزفت أيهم وفريد تحت. وأيهم عاوز يتجوز تيا وفريد انتي يا جيانا. ردكم إيه؟"
نظرت تيا وجيانا لبعضهم بتوتر من رد فعل والدهم إذا وافقوا. ليلاحظ هو خوفهم، فقال بحنان:
"من غير خوف. كل واحدة تقول رأيها وأنا هسمعه. إحنا مش هنتخانق يعني."
أومأت جيانا برأسها ثم أخفضت وجهها. ليقول ويسألها أكمل:
"إنتي سامحتيه وموافقة عليه؟"
ردت عليه بخفوت بعد أن تنهدت بعمق:
"هو فيه جزء صغير جوايا لسه مش مسامحه ولسه خايفة من الغدر. بس أنا تعبت يا بابا. تعبت وعاوزة أرتاح. هو عنده حق، العمر فيه كام سبع سنين عشان نقضيهم في حزن وفراق."
دمعت عيناها لتتابع قائلة:
"هو بيحبني، أنا متأكدة من ده. بس قلبي المرة دي بيقولي إنه صادق وإنه هيوفي الوعد. ضحى بحياته عشاني وكان هيموت بسببي وعمل اللي يخليني أصدقه. بس كون واثق إني مش هوافق غير لما حضرتك توافق."
أومأ لها. بينما نظر لتيا التي تستمع لحديث أختها بحزن. يسألها:
"وإنتي يا تيا؟"
أخذت تفرك يديها بتوتر قائلة:
"أنا..."
يعلم أن ابنته خجولة، ولكن تعترف بما في قلبها بسهولة. ليسألها:
"بتحبيها؟"
أومأت برأسها بخجل. ليسألها مرة أخرى:
"موافقة عليه؟"
ردت عليه بعد أن تنهدت بعمق:
"الصراحة كنت الأول خايفة منه وكنت بخاف يعمل زي فريد ويكون نسخة منه. بس الخوف ده... قل شوية بعد اللي حصل في فرح سمير. هو آه كان بسببه، بس على في نظري لما ما أنكرش اللي عمله. لا، هو اعترف إنه كان السبب وبنّي قدام الناس ورفض الزواج منها عشان يداري على فضيحة. هو آه كان السبب فيها، بس ما أنكرش ده واعترف بغلطه قدام الكل. بحس إن كل كلمة بيقولها بيبقى صادق. بس في نفس الوقت بيبقى جوايا خوف منه."
تنهد أكمل، يحرك رأسه بسخرية. ينظر لابنتيه. تنهد ثم قال بجدية:
"يعني انتوا موافقين؟"
أومأ الاثنان بنعم. زفر بضيق قائلاً:
"موافقتكم دي بينا إحنا الاتنين."
نظر الاثنتان له باستغراب. ليتابع هو بمكر:
"أما خليتهم يقولوا حقي برقبتي، مبقاش أكمل النويري. هنزل دلوقتي أقولهم إنكم محتاجين وقت، وأنا هخليهم يسفوا التراب قبل ما نوافق عليهم، وهعلمهم الأدب والتربية."
ضحك الاثنتان بمرح وحماس، يحتضنوا والدهم بحب. ليقول هو بحنان وهو يشدد من احتضانهم:
"قلب أبوكم انتوا. انتوا غالين، خليكم عارفين كده. اللي ياخدكم لازم يكون عارف قيمتكم ومقدركم، وإلا ميستهلكوش أبدًا."
أومأ الاثنان له بابتسامة وحب لوالدهم الذي كان نعم الأب الحنون لهم.
***
"عايزين وقت يفكروا."
قالها أكمل وهو يجلس خلف مكتبه، يضع قدمًا فوق أخرى، ينظر للأوراق بيده، متجاهلاً النظر لهم.
ليسأله أيهم بغيظ من بروده معهم:
"وقت قد إيه يعني؟"
أكمل ببرود واستفزاز لهم:
"من أسبوع لشهر على الأقل. والاتنين كان ردهم واضح، لو أنا مش موافق هما مش هيوافقوا. يعني مهمتكم دلوقتي تثبتوا ليا إنكم تستاهلوهم."
بعد أن شعر أيهم بوجود أمل، تبدد بعد أن قال أكمل جملته الأخيرة. ليشعر بالحنق والغيظ من ذلك الرجل، وكذلك فريد، لكنه لم يبدِ ذلك.
زاد حنقهم أكثر عندما قال أكمل ببرود دون النظر لهم:
"عارفين طريق الباب، ولا أخلي حد يجي يوصلكم ليه؟"
نظر الاثنان لبعضهم بغيظ ثم غادروا بغضب. ليبتسم أكمل بمكر بعد أن غادروا، وهو يتخيل هيئتهم بعد ما سيفعله بهم بدءًا من الغد.
***
بعد وقت ليس بقصير، عاد للمنزل وتوجه مباشرة نحو الغرفة حيث تنام هي. لا يجدها. ليتوجه لغرفتها التي كانت تمكث بها قبل أمس. ليتفاجأ بها ارتدت ثيابها وتغلق سحاب حقيبتها، واستعدت للمغادرة.
اقترب منها يسألها بقلق:
"إنتي رايحة فين؟"
ردت عليه ولكنها لم تنظر له:
"ماشية. وورقة طلاقي توصلني."
رد عليها بصدمة:
"هايدي؟ إنتي بتقولي إيه؟ أنا..."
قاطعته قائلة بحدة ودموع:
"إنت مسمعتنيش زي ما هما عملوا بردو؟ إنت حكمت زيهم ومسألوش؟ محدش سأل هايدي مالها ولا بقت كده إزاي؟ محدش سأل عني، حتى من يوم ما اتجوزتك وكأنهم ما صدقوا خلصوا مني. محدش فيكم فاهمني ولا حاسس بيا."
اقترب منها، يضع جبينه على جبينها قائلاً بحزن:
"أنا غبي وما بفهمش. سامحيني واديني فرصة."
نفت برأسها قائلة بدموع:
"حتى لو اديتك فرصة، إنت تستاهل الأحسن مني."
هزها من كتفها برفق قائلاً بحب وندم على غبائه:
"أنا أستاهلك إنتي بس... أنا بحبك."
ابتعدت عنه، تجلس على طرف الفراش، تضع يدها على وجهها، تبكي بقوة وتنتحب. ليذهب إليها منحنيًا على ركبتيه أمامها، قائلاً بحزن:
"طب قوليلي إيه اللي يريحك ويسعدك، هعمله. إلا إنك تطلبي الطلاق أو تسيبيني."
صمتت ولم تتكلم. ثم قالت بدموع بعد لحظات:
"عاوزة أبعد وأكون لوحدي. هروح..."
قاطعها قائلاً من إكمال حديثها قائلاً:
"حاضر. أنا اللي هبعد وهامشي من البيت ده. بيتك إنتي، خليكي فيه. متسيبيهوش."
كادت أن تعترض، ليضع يده على شفتيها قائلاً بتعب وحزن:
"أرجوكي من غير مناهدة ولا اعتراض. وافقي وأنا مش هضايقك أبدًا وهسيبلك البيت وأنزل أقعد مع آسر صاحبي في شقتها."
أومأت له بدموع، ليقبل رأسها مغادرًا الغرفة. ليعد أغراضه، والندم والحزن ينهش قلبه من الداخل، بلعن غبائه الذي أوصله معها لهذه النقطة. ليته استمع لها منذ البداية. ليته.
***
بمنزل أكمل النويري، بغرفة رونزي. كانت تجلس على فراشها شاردة بما رأته أمس. ليتعالى رنين هاتفها ولم يكن المتصل سوا آسر. ما إن أجابت، قال بحب:
"وحشتيني."
ابتسمت بخجل ولم تجب. ليقول هو بهيام:
"كان نفسي أكون قدامك دلوقتي."
سألته باستغراب:
"إشمعنى؟"
رد عليها بغزل:
"عشان أشوف الخدود الحمر دول دلوقتي."
زجرته قائلة برقة:
"بس بقى."
ضاحكًا قائلاً:
"حاضر. البسي وانزلي. هنقضي اليوم سوا."
ردت عليه بحماس:
"بجد؟"
ردت عليه بحب:
"إممم. بجد. يلا بقى بسرعة، أحسن أرجع في كلامي."
ردت عليه بسرعة:
"أنا نزلت أصلاً."
ضحك بقوة عليها، ثم أغلق الهاتف. وتجهزت هي، ثم نزلت للأسفل، لتقضي يومًا سعيدًا برفقته. وهو أيضًا كذلك، لأول مرة كأحباء وليس كأصدقاء، ويمكن أن يكون الأول والأخير.
***
بذلك القصر الموجود بمكان يشبه الصحراء، لا يوجد به أحد سوا الحراس الذين يحرسونه وشخصان لا يعرفان المكان ولا يحضر إليه سواهما.
كان يتعالى صياحهم بالمكان بغضب:
"مش ده اللي متفقين عليه يا دولت؟ خلفتي بوعدك زي ما أبوكي عمل زمان."
دولت بضيق:
"فريد مش عاوزها. حاولت معاه وما فيش فايدة. وبعدين جوازهم هيفرق إيه؟ شغلنا ماشي زي ما هو، مش مستاهلة الغضب ده كله. جوازهم مش هو اللي هيمشي الشغل يا مجدي."
مجدي بحدة وغضب:
"نفس كلام أبوكي زمان لابويا. كان المفروض أنا وإنتي اللي نتجوز. وفي الآخر فضلتِ ابن الزيني عليا."
دفعت بيدها في الهواء قائلة بضيق:
"يوووه بقى يا مجدي. مش قصة هيا. خلينا في شغلنا وبلاش كلام فاضي."
مجدي بحدة:
"ده مش كلام فاضي. ده كان اتفاق بينا وكان لازم يتنفذ. وإنتي خليتي بيه زي زمان، إنتي وأبوكي."
دولت بغضب وذات مغزى:
"ما اتجوزناش، بس خدت اللي عاوزة وخلصنا من الموضوع ده زمان. في إيه بقى؟ إنت عمرك ما كنت دايب في هوايا يعني عشان تبقى محروق كده. إنت كل اللي غايظك إنك محطتش إيدك على فلوسي زمان زي ما كنت ناوي إنت وأبوك."
ضحك بسخرية قائلاً:
"أول مرة يجي على بالي السؤال ده. فريد يبقى ابن محمد ولا ابني؟ مش إحنا كنا سوا بردو قبل ما تكوني حامل في ابنك فريد؟"
ردت عليه بحدة:
"فريد يبقى ابن محمد الزيني."
رد عليها بسخرية:
"إيه اللي يخليكي متأكدة يعني؟"
ردت عليه بحدة:
"إيه يا مجدي؟ حد قالك إني هبلة مثلاً ومش عارفة إنك مش بتخلف؟ وملهاش لازمة حمقتك على رونزي أوي وهي أصلاً مش بنتك."
رد عليها بحدة:
"رونزي بنتي؟ إيه الكلام الأهبل ده؟"
ضحكت بسخرية قائلة بنبرة ذات مغزى:
"عايز تقنعني إن رونزي بنتك مش بنت نادر الفيومي صاحبك اللي غدرت بيه وقتلته في الحادثة اللي مات فيها هو ومراته؟ وما حدث نجي منها غير ابنه سمير؟"
رواية ليتني لم احبك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شهد الشوري
كان آسر يجلس بمنزله وعلى شفتيه ابتسامة جميلة وهو يتذكر أمس وكيف كان اليوم برفقتها. لا ينسى شعوره برفقتها بسعادة لم يشعر بها من قبل.
أفاق من شروده على رسالة نصية قصيرة من رقم بدون اسم، لكنه يعرف صاحبه. كانت تحتوي على: "ننتقابل يوم بعد يومين. صاحبك هيحضر كمان."
تنهد بعمق. معنى ذلك أن العملية ستتم بعد يومين من الآن، وأن الشريك الخفي لمجدي القاسم سوف يكون موجودًا.
تنهد بعمق. بداخله خوف وقلق يلازمه منذ أيام، وكأنه سيفقد شيئًا مهمًا في حياته، لكنه لا يعرف سبب كل ذلك.
تعالى رنين جرس المنزل، فقام ليفتح الباب. سمير ليس بالمنزل، وكم يشفق عليه وعلى رؤيته حزينًا هكذا.
ما إن فتح الباب، وجدها أمامه. تأملها بابتسامة ونظرات محبة. بفستانها الأبيض الطويل الصيفي ذي الحمالات العريضة والمطعم بورود زرقاء صغيرة، بينما خصلات شعرها الحريرية تجمعها على كتف واحد وترتدي حقيبة كروس زهرية. تلك الفتاة، كلما وقعت عيناه عليها، يقع بحبها أكثر وأكثر.
قالت بابتسامة جميلة أسرت قلبه للمرة التي لا يعرف عددها:
"مساء الخير."
رد عليها بابتسامة وحب:
"مساء الفل والياسمين."
ابتسمت بخجل قائلة:
"أنا... يعني كنت بقول لو طلع نتغدى بره."
أمسكها بإصبعين وحنتها بخفة قائلاً:
"طب تعالي أدوقك الأكل من إيدي."
سألته بانبهار:
"بتعرف تطبخ؟"
أومأ لها قائلاً وهو يجذبها للداخل:
"أومال عايش لوحدي إزاي؟"
أومأت له بابتسامة لتجلس على الأريكة، ويذهب هو للمطبخ، والذي كان على الطراز الأمريكي، منفتح على الصالون.
سألها من هناك بابتسامة:
"تحبي تاكلي إيه يا ست الكل؟"
ردت عليه بابتسامة وحماس:
"عايزة مكرونة بشاميل. بحبها أوي وطنط حنان بتعملها حلو، بس عاوزة أدوقها من إيدك."
رد عليها بحب:
"من عنيا."
ردت بخفوت وخجل:
"شكرًا."
بدأ في الطهو، لتبدأ هي تنظر حولها للمنزل. قد أعجبها الديكور والألوان كثيرًا. وقفت متوجهة نحو الشرفة لتجدها لا تقل جمالًا عن جمال المنزل. كانت بها العديد من الزهور، وخاصة عباد الشمس. كمان يفضلها هو، وبها طاولة ومقعدان.
خرجت منها، وبتردد، كانت تريد أن ترى غرفته، والتي نُقش على بابها اسمه بالإنجليزية لتعرف أنها غرفته على الفور. لذا بفضول، دخلت لغرفته لترى كيف تكون. وما إن دخلت، تفاجأت بذوقه في الألوان. الغرفة بأكملها باللون الأبيض مع اللون البني الفاتح. تعجبت من ألوانها، فهي تعرف أن الرجال يعشقون اللون الأسود، اعتقدت أن غرفته ستكون هكذا، لكنه خالف ظنونها. الغرفة كبيرة تحتوي على مرحاض وغرفة ملابس، ويوجد بالغرفة فراش كبير باللون الأبيض ومكتب بأحد زوايا الغرفة.
دخلت لغرفة الملابس لتجد كل شيء مرتب بعناية. يبدو أنه منظم جدًا. رأت ثيابه التي كان أغلبها كاجوال. تذكرت عندما أخبرها ذات مرة أنه يكره الملابس الرسمية والبدل، وأنه يفضل هذا النوع من الملابس.
لمست زجاجة عطره، تقربها من أنفها تشمها بحب.
خرجت من الغرفة وتوجهت لذلك المكتب المرتب. وجدت إطارًا صغيرًا يحتوي على صورة له برفقة والديه، وكان الثلاثة يضحكون بسعادة.
كادت أن تغادر، لكن توقفت عندما لمحت بعينيها ذلك الملف الذي كُتب عليه من الخارج اسم "مجدي القاسم". قطبت جبينها. لماذا كتب اسم والدها على ذلك الملف؟
أمسكته بيدها، تفتحه. وما إن فتحته وعرفت محتواه، توسعت عيناها بشدة.
ثم رددت بنفي وسيل من الدموع ينزل من عينيها، مصدومة، مجروحة:
"ليه؟"
بصعوبة شديدة، وقفت على قدميها وخرجت للخارج، وهي تخفي ذلك الملف خلف ظهرها. وتوجهت لذلك الذي يقف بالمطبخ يعد الطعام لها وله.
قال بابتسامة عندما شعر بخطواتها خلفه:
"حبيبتي، هاتِ الملح من عندي."
ردت بسخرية مريرة ودموعها تغرق وجهها:
"أنا حبيبتك بجد؟"
قطب جبينه والتفت لها وقال:
"ليه بتقولي كده؟"
تفاجأ بسيل الدموع الذي ينزل من عينيها. اقترب منها وقال بقلق:
"روز، بتعيطي ليه؟"
ابتعدت خطوة للخلف وقالت بصوت باكي حزين:
"ليه تعمل فيا كده؟ أنا مغلطش معاك في حاجة. لا عمري آذيتك بكلمة أو بفعل. ليه تاخدني كوبري عشان توقع بابا؟ مجدي القاسم؟"
ابتلع ريقه ولم يعرف بماذا يجيب. لتكمل هي بعد أن رفعت الملف أمام عينيه وقالت بوجع وهي تبكي بقهر:
"ليه يا آسر؟"
آسر بجمود تحلى به سريعًا:
"أبوكي اللي بدأ الأول، والبادي أظلم."
صرخت عليه بكل قهر وحزن:
"وأنا ذنبي إيه؟ عشان تثبت إن أبويا تاجر مخدرات، تلعب على بنته لعبة زبالة زي دي وتوقعها في حبك عشان تاخد منها المعلومات اللي أنت عاوزها؟"
قال هو بغضب شديد، والغضب سيطر على كل خلية بجسده:
"تبقي غبية لو مفكرة إني بعمل كده عشان أثبت إن أبوك تاجر مخدرات. بس لأ، ده سبب من الأسباب. أبوك هيفضل عدوي لآخر يوم في عمري. بيني وبينه تار ولازم أخده."
رونزي بصدمة:
"تار إيه؟ وبابا عملك إيه عشان تتكلم عليه كده؟"
ليرد بغضب شديد وصوت عالٍ:
"أبوك هو اللي قتل أبويا وأمي."
صدمة ألجمتها. هل حقًا والدها قاتل؟ هي تعرف والدها قاسي القلب، ولكن ليس لتلك الدرجة. يقتل؟ ويتاجر بالممنوعات؟ لا، لا يمكن أن تصدق.
لترد عليه بكل غضب دفاعًا عن والدها:
"انت كداب."
آسر بغضب وهو يرمي تلك المزهرية بالأرض لتنكسر وتصدر صوتًا عاليًا:
"أنا مش كداب. أبويا يبقى اللوا إبراهيم النويري اللي كان ماسك قضية مخدرات كبيرة من تلت سنين. ولما أبويا اكتشف إن رجل الأعمال الكبير مجدي القاسم ليه يد في الو... دي كلها وجمع معلومات ومستندات توقعه. أبوك هدده أكتر من مرة. واليوم اللي أبويا كان هيسلم الورق اللي معاه عشان يتم القبض عليه. في نفس اليوم الصبح، أبويا وأمي وهما راكبين العربية انفجرت بيهم ومعاهم الورق. والقضية اتقفلت ضد مجهول. أبوك قاتل ونهايته هتكون على إيدي."
رجعت خطوة للخلف لتستند بيدها على المنضدة الصغيرة التي خلفها، وهي تهز رأسها بنفي ودموع تغرق وجهها بأكمله.
لتقول بقهر ووجع وهي غير مصدقة ما تسمعه أذنها:
"كل حاجة كانت تمثيل في تمثيل. كل حاجة كانت كدب. ليه عملت فيا كده؟"
اقتربت منه سريعًا تضربه بقبضة يدها بصدره وهي تصيح بقهر:
"ليه... ليه... تعمل فيا كده؟ أنا ذنبي إيه؟"
دفعها بعيدًا عنه بغضب أعمى:
"ذنبك إنك بنته. بنته ولازم تدوقي شوية من نار انتقامي اللي هتحرق أبوكي."
صرخت عليه بقهر وهي تلقي تلك المزهرية أرضًا لتتهشم لآلاف من القطع:
"عشان تنتقم تدخل بنت في انتقامك؟ في راجل يعمل كده؟"
رفع يده يصفعها بقوة، لكنه تراجع بآخر لحظة ليمسكها من مرفقها قائلاً بغضب شديد:
"أنا راجل غصب عنك وعن عين أبوك."
أخذ يهزها بقوة وهو يصيح عليها بغضب:
"أنا عشان راجل مرضتش أكمل باقي انتقامي. واتراجعت عن حاجات كانت هتخليكي بدل ما تبكي دموع قدامي دلوقتي تبكي دم يا بنت مجدي القاسم."
دفعته بعيدًا عنها وهي تصيح بكل حزن وقهر:
"بكرهه وبكرهك كلكم كدابين. محدش فيكم صادق. مش مسمحاك يا آسر. مش مسمحاك. وهدعي من قلبي كل لحظة إن الوجع اللي سببته ليا تدوقه أضعاف."
غادرت المنزل سريعًا وهي تبكي بقوة وتشهق بصوت عالٍ. لم تعرف إلى أين تذهب، هي وحيدة.
فتحت حقيبة يدها وحمدت ربها أن أوراقها معها. جوا السفر الخاص بها وأوراقها الشخصية وبطاقتها الائتمانية أيضًا بحوزتها. أوقفت سيارة أجرة وأخبرته أن يذهب بها للمطار لتسافر، لكن بدون عودة.
أما عنه، ما إن غادرت، أخذ يشد على خصلات شعره بغضب من نفسه. غضبه أعماه عن ما يقول. لقد نسي بالفعل انتقامه الأحمق. وعندما قال لها "أحبك" كانت من كل قلبه، بدون زيف أو خداع وتخطيط. ومن لحظتها قد آخر الانتقام من تفكيره. لكن ما إن ذكرت اسم والدها، لم يعرف بماذا يتفوه، ليجد نفسه يرد عليها بكل ذلك الكره والغضب. لقد أخطأ فيما قال، ويبدو أنه سيدفع الثمن غاليًا.
بتردد كان يقف أمام باب المنزل، لا يعرف يدخل مباشرة أم يطرق الباب. يخشى أن يزعجها. لذلك حسم أمره ودق جرس الباب. دقيقة وكانت تفتح له الباب بعد أن رأته بالعين السحرية.
ليقول بابتسامة:
"عاملة إيه؟"
ردت عليه بخفوت وهي تتحاشى النظر له:
"كويسة."
سألها باهتمام وقلق وهو يرى وجهها الشاحب وهي على وشك الإغماء:
"انتي كويسة؟"
لم ترد، بل استندت على الباب بعدما داهمها الإغماء. فمنذ الصباح وهي تشعر بتعب بجميع أنحاء جسدها. ليقترب منها سريعًا يحملها بين يديه برفق. ثم دخل وأغلق الباب، يضعها على الفراش برفق، وأسرع يتصل بالطبيبة جارتهم لتأتي وتفحصه.
بعد وقت، كانت الطبيبة غادرت بعد أن أخبرته أنها تعاني من ضعف وأنيميا حادة. قامت بتركيب محلول لها ودونت لها بعض الأدوية والفيتامينات، وأوصته بأن يهتم بطعامها. ثم غادرت.
ليدخل سمير ينظر لها وهي نائمة بعمق، نادمًا لما أوصلها إليه. ذهب للمطبخ بحيرة، فهو أبدًا لا يجيد الطهو، وكان دائمًا يلجأ للطعام الجاهز. ولم يشأ أن يتعب حنان معه، لكن ليس أمامه حل آخر. لذا اتصل بها، وما إن علمت منه ما حدث، صعدت على الفور لتعنى بها وتحضر لها أشهى الطعام.
بعد وقت، استعادت هايدي وعيها وكانت تتناول الطعام من يد حنان التي اهتمت بها أكثر من والدتها التي لم تسأل عنها للآن، وكأنها مثلما يقولون "هم". وانتزع من على قلبها. كم تحتاجها الآن، تحتاج بأن أن تترتمي بأحضانها تشكو لها ما عانته قبلًا والآن.
غادرت حنان المنزل في منتصف الليل، ليبقى سمير جالسًا بالخارج. ولم يشأ أن يدخل للغرفة حتى لا يزعجها ويجعلها تشعر بحزن أو بغضب.
ببطء وبدون أن يصدر أي صوت، كان يفتح الباب ويقترب من فراشها ليجدها في ثبات عميق. انحنى على ركبتيه يتأمل وجهها الذي يظهر عليه الإعياء الشديد.
فتحت عيناها بعدما شعرت بأنفاس أحدًا بالغرفة، لتتفاجأ به أمامها. اعتدلت سريعًا جالسة.
ليسألها بقلق:
"كويسة دلوقتي؟"
أومأت له وهي ترجع خصلات شعرها خلف أذنها. ليبقَ الاثنان في صمت هكذا، كلاهما يتحاشى النظر للآخر. هو ندم وخجل من بعد كل ما فعله أن ينظر لعينيها. أما عنها، حرج من ما عرفه عنها وقصتها.
تنهد بعمق، يجلس على طرف الفراش ممسكًا يدها بيديه قائلاً بحزن:
"أنا عارف إني كنت غبي وحمار إني صدقت اللي اتقال واتصرفت معاكي بالأسلوب ده، بس غصب عني. أي تصرف كان بيطلع مني كانت نتيجة غيرتي عليكي. أنا يا هايدي عمري ما حبيت في حياتي غيرك. سامحيني واديني فرصة واحدة."
ردت عليه بلوم وعتاب:
"أديك فرصة وأعيش معاك وبعد كده تقعد تعايرني؟"
يرد عليها فورًا وبلهفة:
"يتقطع لساني قبل ما ينطق كلمة تعايرك بحاجة انتي مالكيش ذنب فيها. أقسملك إن أب... ده لو عايش لكنت وريته الويل والعذاب لحد ما يتمنى الموت."
قال الأخيرة بعيون تشتعل غيرة وغضب. أخفضت وجهها لفك. قد سأمت هي الأخرى. لما لا تحيا معه بسلام؟ هو لم يكن يعرف ما حدث لها. إذا، فلتعطيه وتعطي نفسها تلك الفرصة. قلبها تعب من كثرة الحزن والألم. إذا، فل تسامح وتفتح أبواب السعادة له وله.
ردت عليه ببعض الخجل:
"مسمحاك."
ابتسم بتوسع، يقترب منها مقبلاً جبينها بحب، ثم احتضنها بسعادة وحب، لتبادله العناق. ويظل الاثنان هكذا طوال الليل. هو ينام على الفراش وهي في أحضانه، ليذهب الاثنان في ثبات عميق بعد أن بقى كلاهما يتحدثون بدون ملل أو كلل.
في صباح اليوم التالي، كان آسر يأخذ الغرفة ذهابًا وإيابًا، ولم يزر النوم جفونه منذ أمس. الندم ينهش قلبه على كل كلمة قالها لها من شدة غضبه عندما ذكرت اسم والدها أمامه. وأنها لا تصدق أي كلمة عليه. لقد تغيب عقله ليقول ما لم يكن يقصده أو يشعر به. لا يمتلك القوة ليذهب لها ويقول لها أنه لم يكن يقصد ما قال ويعتذر منها. لقد جرحها، بل والأدهى أنه كاد أن يصفعها. لقد ارتكب خطأ كبير.
قبل أن يتردد، كان يصعد لمنزل عمه ليسأل عنها. لكن ما إن دخل للمنزل وقبل أن يسأل، سمع ما جعله يتجمد من مكانه من الصدمة:
"رونزي سافرت امبارح يا ماما. كلمتني من شوية بتقولي إنها وصلت ألمانيا."
الجميع يتساءل عن سبب سفرها المفاجئ، قلقين بشدة، خاصة أنها تغلق هاتفها. أما عنه، كان يعرف السبب، وهو أنه خذلها. لقد ألقى عليها كلمات نزلت على قلبها كرصاص.
توجه لمنزله حزينًا، غاضبًا من نفسه، ليبدأ بتكسير كل ما وقعت عيناه عليه. وياليت النيران المشتعلة بداخله تهدأ، بل تزداد أكثر وأكثر.
كان يستعد للذهاب لعمله وقلبه متلهفًا لرؤية حبيبته، فقد اشتاق لها ولا يستطيع التواصل معها. بالتأكيد وراء ذلك خاله، أو لنقول حماه المستقبلي. أكثر ما يجعله سعيدًا أنها من عائلته، وأنه ينتمي لتلك العائلة التي تمنى من حديثها عنهم في السابق أن يكون جزءًا منها، وها هو حقًا جزءًا منها دون أن يعرف. يشعر بالانتماء لهم أكثر من عائلته، وكم يحب الدفء والحنان الموجود بينهم.
كاد أن يغادر الغرفة، لكن ما إن فتح الباب، تفاجأ بوالده أمامه. والده الذي كلما تحدث معه يشعر لأنه يتحدث لرجل غريب عنه، لا يعرف عنه سوى ما يعرفه الناس، وليس ما لا يعرفه الناس. أبيه لا يعرف أي سر من أسراره. لم يكن أبًا وصديقًا له، بل كان فقط شخصًا اسمه مذكور قبل اسمه.
محمد بابتسامة:
"مش هتسمح لي أدخل؟"
"اتفضل."
قالها وهو يفسح المجال له بالدخول.
بعد وقت، كان الاثنان يجلسان أمام بعضهما. أخذ فريد دون المستمع، وترك والده يتحدث بحزن ظهر في عينيه قبل صوته:
"مشوفتكش من ساعة ما سيبت المستشفى. حتى القصر مردتش تيجي عليه."
لم يجيب، واكتفى بالصمت. ليتابع محمد بحزن:
"أنا عارف إني كنت أب أناني ومستهتر ومقدرتش أكون أب كويس ليك ولـ ديما. كانت الدنيا سرقاني، اتلهيت فيها. حتى اللي حبيتها ضيعتها من إيدي. أنا مكنتش لا زوج ولا حبيب ولا أب كويس. أنا كل اللي عملته في حياتي كان سيء وأسوأ."
أخفض وجهه قائلاً بحزن وقلب يتأكله الندم. ليقول فريد بثبات:
"حضرتك عايز مني إيه دلوقتي؟"
محمد بحزن:
"عايزك تسامحني يا بني."
يضحك فريد بخفوت، يبوح بما بقلبه:
"سبب تعاستي كان حاجة واحدة. انت ودولت هانم. أنا بحس معاكم إني غريب، بس ده مش مجرد إحساس، ده حقيقة. أنا غريب بينكم وعليكم. إحنا بنشوف بعض صدفة. علاقتنا مفيهاش ود أو حب. وده بسببكم انتوا مش أنا. انتوا اللي اخترتوا تكونوا بُعاد كده. أنا حتى لما حبيت كان سبب كبير من فشل علاقتي مع جيانا زمان. انتوا. انتوا ما اكتفيتوش بأنكم تهمشوني من حياتكم بس لأ، ده انتوا كمان عقدتوني من الجواز. انتوا سبب حاجات وحشة كتير في حياتي."
تنهد، ثم قال بسخرية:
"انتوا كنتوا بُعاد أوي لدرجة خلتوني أتعود على عدم وجودكم في حياتي. أنا لما ببعد عنكم مش بحس بفرق، لأنكم موجودين كأنكم مش موجودين. أنا اتعودت على البرود اللي بينا ده سنين عمري كلها. اتعودت على جفا وخناق وحاجات كتير بينكم. استحملت كتير وجاي تقولي سامحني؟"
أخفض محمد وجهه، قلبه يؤلمه والندم ينهش به على ما وصل إليه وأوصل أبناءه إليه. ليتابع فريد قائلاً بابتسامة ليست بمحلها:
"مسامحك، بس متجيش تطلب مني ود... حب وأنا اتعودت منك على كل جفا. متطلبش مني أديك عكس اللي اتعودت عليه منك، لأن هيكون صعب. أنا مش قادر أشوفك غير شخص غريب عني."
يتألم محمد كثيرًا من كلام ابنه، ليلاحظ فريد ذلك قائلاً:
"انت اتوجعت من كلام، بس ما بالك أنا اتعودت على فعل وكلام وجفا وحاجات كتير كانت بتوجعني منكم. يمكن لو قولتها ليك هتحسها صغيرة وتافهة، بس كانت بتفرق معايا أنا كتير أوي وكانت بتوجعني."
أومأ محمد برأسه مغادرًا الغرفة دون أن يتفوه بأي كلمة. لم يجد ما يقول. ابنه محق بكل شيء. أما عن فريد، تنهد بحزن وألم منهم. لم يشفَ حتى الآن، رغم أنه ذاق مرارة طلب المسامحة. لكن الأمر يختلف. هو عانى الكثير والكثير بسببهم.
بدولة ألمانيا، كانت تجلس بشرفة منزلها التي كانت تعيش به وحدها، بعيدًا عن قصر والدها الموجود بألمانيا لكرهها الشديد له. تنظر للسماء بشرود، تتألم كثيرًا من صدمتها به. لقد أحبته بصدق ووثقت به كثيرًا. انتظرت منه أن يعوضها عن حنان لم تعيشه يومًا.
ليتها لم تحبه لتلك الدرجة. ليتها عملت من البداية أن لا تثق بأحد كثيرًا، ولا تحب أحد كثيرًا، ولا تنتظر من أحد الكثير، لأن الكثير يؤلمك كثيرًا.
تعالى رنين هاتفها المنزلي، ذهبت لتجيب. ليأتيها صوت والدها الغاضب:
"انتي سافرتي ألمانيا امتى؟ ومقولتيش ليه؟"
تنهدت ثم أجابته بصوت ليس فيه حياة، غير مكترثة بأي شيء:
"سافرت امبارح. ومقولتش عشان عارفة إن حضرتك مش هتهتم، فأنا كمان ما اهتمتش أقولك."
كاد أن يعنفها. لتجيب عليه قبل أن تغلق الهاتف:
"أنا مضطرة أقفل. سيب حضرتك زمانك مشغول ومش فاضي. الخدامة زمانها مستنياك على سرير شيري هانم."
قالتها ثم أغلقت الهاتف. ليتملك الغضب الآخر، يلقي الهاتف أرضًا ليتحطم. كم يكره تلك الفتاة مثلما يكره والدها الذي أخذ منه ما أراده وتمناه دومًا. كلما نظر لها يتذكر والدتها صاحبة الجمال الفاتن. ولولا أنه يحتاجها لكان قضى تلك الليلة التي تمنى أن يقضيها بأحضان والدتها منذ سنوات. لكن صبرًا، فلينتظر وسي حصل على كل ما يريد.
نظر لتلك الورقة الموجودة بيده، ثم أعطاها للقناص الخاص به والذي يتولى تنفيذ مهامه الخاصة، قائلاً ببرود وكأن شيئًا عاديًا:
"الورقة دي فيها كام اسم. عاوزك تخلص عليه."
أخذ الآخر الورقة منه يقرأ ما بها بصوت مرتفع نوعًا ما. ليقول من بين الأسماء: "أكمل النويري".
بعد أن انتهى، قال مجدي ببرود:
"بعد ما العملية اللي بعد بكرة تتم، عاوزك تخلص على حامد وتختفي. واتأكد إن أكمل النويري مات."
أومأ له مغادرًا بهدوء. بينما الآخر يبتسم بشر متوعدًا للجميع. ولنضع على رأس تلك القائمة دولت.
بينما بأحد أقسام الشرطة، كان فادي يقف مقيد اليدين. فقد تم العثور عليه بأحد المنازل المشبوهة. ما إن علم صلاح، استخدم نفوذه ليخرجه من تلك القضية قبل أن ينتشر الخبر.
ما إن عاد للقصر، كان نصيبه صفعة قاسية على صدغه جعلت وجهه يلتف للجهة الأخرى. لتشتعل عيناه غضبًا وحقدًا. ليصرخ عليه صلاح قائلاً بحدة وعصبية:
"تطلع بره القصر وما أشوفش وشك تاني. أنا مقعد تعبان في بيتي تعبان. أول ما جيه يقرص ويأذي، أول حد فكر فيه هو جده وأهل بيته."
توسعت أعين الجميع بصدمة، عدا أيهم. ليتابع صلاح بحدة:
"إيه، مفكر إني مش عارف إنك انت اللي كنت سبب الحادثة اللي حصلت لي؟ كنت عايز تموت جدك يا حيوان؟"
لتنال وجنته صفعة أخرى قاسية، لتشتعل عيناه غضبًا أكثر، بينما صدره يرتفع ويهبط بغضب وانفعال. ليضربه صلاح بعكازه ويدفعه به خارج القصر قائلاً بغضب:
"اطلع بره يا كلب، غور من وشي."
كل ذلك تحت نظرات علياء المتحسرة على ابنها. بينما هناك أنثى أخرى خبيثة قررت أن تستغل كل ما يحدث لصالحها.
بمنتصف الليل، كان أيهم وفريد يقفان أسفل منزل أكمل النويري. لتكون تلك الفكرة من تخطيط أيهم. كانت عبارة عن ورقة باللون الأحمر من الكرتون مكتوب عليها بخط مزخرف "بحبك يا جيانا" من فريد. بينما الأخرى من أيهم باختلاف الاسم فقط. وكانت الورقة معلقة بعدة بالونات من الهيليوم باللون الأحمر. كانت جميلة وبسيطة.
فتح كلاهما هاتفه يبعث رسالة لمعشوقته أن تخرج للشرفة، متأملين أن ينفذوا ما أرسلوه. ليبتسم كلاهما بتوسع عندما رأوا كلاهما تخرج لشرفة غرفتها المتجاوران. ليترك كلاهما البالونات من يده باتجاه شرفتها. لتلتقط جيانا خاصتنا، تنظر لما كتب بها بابتسامة وعيون تلمع من السعادة. وكذلك تيا التي كانت خجلة بشدة عندما قرأت ما في خاصتها. نظرت له بالأسفل، ليغمز لها بعينيه باعثًا قبلة لها في الهواء.
نظر أيهم لفريد، يبتسم بتوسع. ليصدم الآخر كفه بالآخر. لكن لحظة، وكان دلو من المياه يُسكب فوق رؤوسهم. لتكون صدمة الاثنان. رفعا رأسهم ببطء لأعلى ليروا ما جعلهم يشعرون بالصدمة والغيظ بنفس الوقت.
رواية ليتني لم احبك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شهد الشوري
نظر أيهم لفريد يبتسم بتوسّع ليصدم الآخر كفه بالآخر.
لكن لحظة، وكان دلو من المياه يُسكب فوق رؤوسهم لتكون صدمة الاثنين.
رفعوا رأسهم ببطء لأعلى ليروا ما جعلهم يشعرون بالصدمة والغيظ بنفس الوقت!!!!!
ما كان الفاعل سوى أكمل الذي رآهم منذ البداية عندما خرج للشرفة بالصدفة.
لذهب مباشرة لغرفة تيا وكانت الأقرب له، وبيده دلو مياه كبير.
ولحسن حظه كان الاثنان يقفان بجانب بعضهم ليسكبه فوق رأسهم بدون تردّد.
ثم خطف الكارت الموجود بيد ابنته يمزّقه ثم يلقيه عليهم.
وكذلك فعل مع جيانا بعدما مدّ يده إلى شرفَتها يأخذ الكارت منها.
نظر الاثنان لأعلى لتشتعل عيناهما غيظًا وغضبًا من ذلك الرجل.
بينما تيا وجيانا لم يتمكّنوا من كتمان ضحكاتهم على هيئتهم.
لينظر أكمل بهم بتشفّي مردّدًا بصوت عالٍ نسبيًا:
- عشان تبقى تعملي فيها رميو إنتِ وهو.
ثم أشار لابنتيه الغارقتين بنوبة ضحك بالدخول، وكذلك فعل هو.
ليقول أيهم بغيظ:
- الراجل ده وجوده في حياتي تكفير ذنوب، أقسم بالله.
بينما فريد كان يشعر بغضب مماثل له ليسمع الاثنان صوت صفير يأتي من أسفل شرفَتِهم بطابقين.
ولم يكن سوى من سمير الذي يقف بالشرفة برفقة هايدي التي لم تستطع النوم.
ليقرّر الاثنان الجلوس بالشرفة والتمتّع بالنظر للقمر.
فريد بغضب وهو يرى هايدي تضحك بقوّة وسمير يضع يده حول كتفها يضحك مثلها بل وأكثر:
- امشي يا أخويا، اتفضحنا.
أيهم بغضب وهو يذهب باتجاه السيارة والاثنان حالتهم مزرية، المياه تغرقهم وتغرق ملابسهم:
- آه ياما نفسي أطبق في زمارة رقبته الراجل ده بقى إيه، هم الزيني يتعمل فيه كده.
غادر الاثنان بينما نامت كلًّا من تيا وجيانا بابتسامة جميلة مرتسمة على شفتيهما..............
في صباح يوم جديد بذلك المنزل البعيد عن الأعين بأحد الأحياء الهادئة لذوي الطبقات المتوسّطة.
كان يجلس على الأريكة يحرّك قدمه بعصبيّة ونفاذ صبر وهو يتحدّث بالهاتف قائلًا بغضب:
- أنا هفضل في المخروبة دي لحد إمتى؟ أنا زهقتلي.
آتيه ردّ من الطرف الآخر:
- البوليس بيدر عليك في كل مكان، وأكمل مش ساكت خالص وناوي على كل شر بعد اللي عملته في بنته.
ردّ عليها بحدّة وغضب:
- مش ده كان بسببك، وده اللي كنتِ عوزاه يا دولت، مش إنتِ اللي طلبتِ مني أتقدّم لبنته وأعمل كل التمثيليّة دي عشان تفضحيها وتفضحيه.
دولت بغضب:
- ده على أساس إنك عمانلي كل ده ببلاش؟ فلوس وخدت فلوس وشركة وتعاقد مع شركة مكنتش تحلم تتعاقد معاها يا...... يا جواد بيه.
جواد بغضب وحدّة:
- مكنش في اتّفقنا إن أتحبَس الكبسة دي، وبسبب ابنك اللي طبّ عليّا زي القضاء المستعجل، مليش فيه اتصرْفي، أنا عاوز أخرج من هنا.
ردت عليه بغضب ونفاذ صبر:
- عايز تخرج اخرج، مش أنا اللي هتسجّنْ.
جواد بتهديد وشرّ:
- ميغركيش سكوتي لحد دلوقتي يا دولت، هانم أنا لو خرجت واتقبَض عليّا هبلّغ عنك، ده احنا دفنينَه سوا.
ردّت عليه بسخرية وتحدّي:
- أعلى ما في خيلك اركبَه، اثْبِت إن أنا اللي حرّضتك.
ضحك بقوّة قائلًا بسخرية:
- عيب عليكِ والله تستخفّي بقدراتي..... أنا عارف من الأول إنك ملكيش أمان وتبيعي أبوكِ عشان مصلحتك، فخدت احتياطي أنا كمان، اتّفاقنا سوا متسجّل صوت وصورة، ومش بس كده، ده كل مكالماتك معايا خلال الفترة اللي كنت خاطب فيها جيانا متسجّلة لحد وقتنا هذا.
ضغطت بشفتيها على أسنانها بغلّ وغضب قائلة:
- بتلعب مع الشخص الغلط يا جواد، صدّقني.
جواد بتهديد:
- غلط صح، مش فارقة، قدامك حلّين يا تخلّصيني من المصيبة دي يا هدخلك معايا فيها.
أغلقت الهاتف بوجهه تَزْفِر بضيق وهي تتوعّده، فلم يخلَق للآن من يتجرّأ ويقف أمامها، ومن يفعل تجعله يتمنّى الموت.
إذًا فليتحمَل ما سيحدث له ليبدأ عقلها الخبيث مثلها ومثل قلبها بالتفكير كيف تتخلّص منه.
لتلمَع تلك الفكرة الخبيثة بعقلها بتقرّر التنفيذ وبأسرع وقت ممكن.
ضحكت بانتصار وهي تتخيّل ما سيحدث حينها، الشيطان يقسم إنّه يتعلم الخبث والمكر منها!!!!!
.................
كانت تيا انتهت من امتحانها الأخير بالجامعة، وبالطبع لم يفارقها رجال الحرس لحظة غافلة عن أعين تراقبها بخبث.
ولم تكن سوى مي وبجانبها فتاة لا يستر جسدها المكشوف للجميع سوى عدّة قماشات تكشف أكثر ما تستر.
قالت مي وهي لا زالت تنظر لتيا:
- نفّذي واعملي زي ما اتّفقنا.
مضغَت الفتاة العلْكَة التي بفمها بطريقة تجعل الناظر يشمَئَزّ منها.
مُتَوَجِّهَة بخطوات متمايلة لتُبْرِز مفاتن جسدها لتيا قبل أن تركب سيارتها.
تقف أمامها لتقول الأخرى بحدّة وفظاظة:
- إنتِ اللي ما تتسمّي، اللي اسمك تيا.
قَطَبَتْ تيا جبينَها بتعجُّب من لهجتها وطريقتها في الكلام تسألها بهدوء:
- حضرتك تعرفيني؟
ردّت عليها الأخرى بسخرية:
- محسوبَتْك زيزي.
قَطَبَتْ تيا جبينَها تحاول أن تتذكّرَها، لكن لم تَسْبِقْ أن تراها أو تعاملت معاها لتسألها بهدوء:
- حضرتك عاوزة مني حاجة يعني؟
ردّت عليها الأخرى بفظاظة ووقاحة:
- أنا يا حلوة أبقى من آخر الستات اللي يعرفهم أيهم لحد امبارح، بس عشان كده يا حلوة ابعدي عنه وسيبيه في حاله أحسنلك.
أصله بيحب اللي من نوعي كده مش القطط المغمْضَة اللي زيك، والدّليل إنّه كان في حضني امبارح.
ردّت عليها تيا بأنفاس انْحَبَسَتْ بداخلها وعدم تصديق:
- إنتِ كدّابة.
لَوَتْ الأخرى شفتَيْها قائلة وهي تخرج هاتفَها من حقيبتِها قائلة بوقاحة:
- آدي يا حلوة صور ليلة امبارح اللي قضيناها سوا، كانت ليلة إنْما إيه.
لَمَعَتْ أعين تيا بالدموع وهي تستمع لتلك المرأة تحدّثها عن ما حدث أمس.
أخذت تقلب في الصور لتجد صورًا مخْلَةً له برفقتِها، لم ترِدْ أن تكمُلْ بعد أن شاهدتْ أول صورتين.
لتلقي لها الهاتف وتركب السيارة سريعًا تنفجر في بكاء مرير.
لَتَبْتَسِمْ المرأة بخبث تَغْمِزْ لمي بعينَيْها لتقترب منها تأخذ ظرفًا مليئًا بالأموال وتغادر.
لْتَرُدِّدْ مي بسعادة:
- إنتِ لسّه شوفتِ حاجة يا بنت الزيني، الأيّام جايّة كتير هتشوفي مني أكتر............
ما إنْ عادت تيا من الخارج صعدتْ لمنزلِها مباشرة بأعين حمراء من البكاء.
ليتفاجأ الجميع بهيئتِها تلك.
لْتَسْأَلْها حنان بقلق:
- مالك يا تيا؟ إيه اللي حصل؟ حلّيتِ وش بعيد الشّر يعني، مالك يا بنتي؟
أخْفَضَتْ وجهَها للحظة ثم رفعَتْهُ قائلةً لوالدها:
- بابا، حضرتك ردّيتْ على طلب أيهم عشان يتجوزني؟
نَفَى برأسِه لتقول هي بصرامة لم تخْفِ نبرتَها الحزينة:
- قولَه إنّه طلَبَه مرفوضْ.
قالتْها وتركتْ الجميع بصدمة وصعدتْ لغرفتِها تغلق الباب عليها من الداخل.
لتبدأ بوصْلَة بكاء أخرى، أمّا أكمل فخَمَنَ أنّ أيهم فعل شيئًا ما بأبنَتِه.
لذلك أخذ مفاتيح سيارتِه مُتَوَجِّهًا لشركة الزيني بعدما هاتَفَه وعَلِمْ منه إنّه هناك.
غافِلًا عن ما سيحدث له!!!!!
.................
بعد وقت كان أكمل يقتَحِمْ مكتب أيهم بدون استئذان.
ليتفاجأ أيهم بِهُ، وكذلك فريد الذي كان يتناقش معَهُ بأمر من أمور العمل.
مَسَكْ أكمل أيهم من مُقَدِّمَة ملابِسِه قائلًا بغضب:
- عملتْلَها إيه؟
- هي مين؟
قالَها أيهم وفريد بنفس الوقت غير مستوعبين ما يحدث وما يفعلَهُ.
أكمل بحدّة:
- تيا.
قَطَبَ أيهم جبينَه بتعجُّب قائلًا بقلق:
- مالَها تيا؟ إيه اللي حصل؟
أكمل بغضب:
- إنتَ هتستعبِطْ؟ يلا عايز تفهّمني إنّها خرجتْ ورجعتْ تقول مش موافقة تتجوزَك إلا إذا كنتْ عملتْلَها حاجة.
أيهم بصدمة وعدم تصديق:
- والله معملتش حاجة، أنا مطلعتش من الشركة من الصبح ومعرفش بتتكلّم عن إيه.
دَفَعَهُ أكمل للخلف ليقول فريد:
- هو فعلًا مطلعش من الشركة ومن امبارح معايا، أكيد في حاجة تانيّة حصلتْ.
أيهم بحدّة ورَدَّها بالرَّفْض أغضَبَهُ وبشدّة:
- أنا عايز أتكلّم معاها.
فريد بلهفة هو الأخْر:
- أنا كمان عاوز أشوف جيانا.... عشان أعرف رَدَّها.
رَدَّ عليهم أكمل بغضب:
- الظّاهر إن جَرْدَلْ المايّة بتاع امبارح مكنش كفاية، كان لازم أبدِّلَهُ بمايّة نار.
زَفَرَ الاثنان بضيق وغيظ ليغادر أكمل قائلًا بحدّة:
- لو شوفتْ كلب فيكم مهوب من العمارة أو من البيت هقطَعْ رجلَهُ.
ما إنْ غادرَ قال أيهم بتصميم:
- أنا لازم أتكلّم معاها وأشوفْها حتّى لو........
لَمَعَتْ بعينَيْهِ تلك الفِكْرَةُ الخبيثة والتي رغم خطورتِها لكنه سيفعلَها لأجْلِها.
قَصَّ عليه أيهم ما يريد فعلَهُ ليَتَرَدَّدْ الأخير ولكنه وافق بالنّهاية متمسِّكًا بأيّ أمَلْ يجعله يراها، فقد اشْتَاقْ لها وبشدّة..................
في منتصف اللَّيْل كان فريد وأيهم يصْعَدَانِ درجات البنايَة على أقدامهم بعدما استغلُّوا ذهاب حارس البنايَة للذَّهاب لدورَة المياه.
صَعِدُوا حتّى وصَلُوا لسَطْحِ البنايَة ليقول فريد وهو يُدَقِّقُ النَّظر:
- المَسَافَة مش كبيرة.
أَوْمَأَ له أيهم ليبدأ الاثنان بربط ذلك الحبل السميك بأحد الأعمدة.
وبحذر شديد كان الاثنان يتمسَّكان بذلك الحبل وينزلان بحذر حتّى وصَلُوا أمام شرفَة الفتيات.
ولحسن حظِّهم إنَّ غرفَة تيا وجيانا بها شرفَة وليست مجرّد شباك فقط.
ليقفِزْ كلًّا منهُمْ بشرفَة حبيبتِه................
بغرفَة جيانا كانت تجلس على فراشِها تمسك لوحَها الإلِكْتروني تشاهد تلك الصُّوَرَ التي احتفظتْ بها منذ سنوات له ولهَا.
صورَة كانت السَّعادَةُ ظاهرَة بوضوح عليهِمْ لتشعر فجأة بصوت يأتي من ناحية الشَّرْفَة.
لذا وقفتْ سريعًا تقترب من الشَّرْفَة بحذر وبيدها صَاعِقٌ كَهَرَبَائِيٌّ تستخدمَهُ في الحالات الطَّارِئَة.
واختَبَأَتْ خَلْفَ باب الشَّرْفَة عندما سمَعَتْ صوت شخص يحاول فَتْحَ الباب.
وما إنْ دَخَلْ أخَذْ ينْظُرْ للغُرْفَة يلتفتْ حَوْلَهُ يَبْحَثْ عنها.
وما إنْ التَفَتْ للخَلْفِ وقبل أن يقْتَرِبَ الصَّاعِقُ من جَسْدِهِ كان يَمْسِكْ يَدَهَا قائلًا بسرعَة:
- يا بنت المجنونة، عايزة تكْهَرْبِيني؟
كانت تنظر له بصدمة واشتِيَاقْ وكذلك هو.
جَذَبَهَا لأَحْضَانِهِ قائلًا بخَفْوَتْ واشتِيَاقْ:
- وَحَشْتِينِي.
أَبْعَدَتْهُ عنها سريعًا قائلَةْ بصدمَة:
- إنتَ بتعمل إيه هنا وطلَعْتْ هنا إزّاي؟
أَجَابَهَا بابتِسَامَةْ ولازَالَتْ عينَاهُ تَنَاظَرْهَا باشْتِيَاقْ وحُبٍّ لم يَشْعُرْ بِهِ سِوَاهَا:
- نَطَيْتْ في البلْكُونَةْ من عَ السُّطُوحْ، وإيه اللي بعمْلَهْ هنا؟ اللي بحبُّها وبمُوتْ فيها، وَحَشْتْنِي.
خَجِلَتْ من حَدِيثِهِ لِتَقُولْ بحدّة اسْتَخْدَمَتْهَا لِتُدَارِيْ بِهَا خَجْلَهَا:
- امْشِيْ مِنْ هُنَا، بَابَا لَوْ شَافَكْ.......
اقْتَرَبَ مِنْهَا لِتَرْجِعْ هِيَ لِلْخَلْفِ وظَلَّ يَفْعَلْ هَكَذَا يَخْطُوْ خَطْوَةْ وَتَرْجِعْ هِيَ مِثْلَهَا قَائِلًا بِمَكْرْ:
- أَنَا عَايِزْهْ يَشُوفْنِيْ، وَيَا سَلَامْ بَقَى لَوْ يَقْفَشْنَا بِفِعْلْ فَاضِحْ يَقُومْ يَقُولْ التَّارْ وَالْعَارْ وَيُجَوْزْنَا وَيَسْتُرْ عَلَيْنَا.
ضَحِكَتْ عَلَيْهِ قَائِلَةْ:
- عَلَى فِكْرَةْ إِنْتَ قَلِيلْ الْأَدَبْ.
اقْتَرَبَ مِنْهَا خَطْوَةْ قَائِلًا بِغْمْزَةْ وَإِعْجَابْ وَاشْتِيَاقْ لِضَحْكَتْهَا:
- قَلِيلْ أَدَبْ إِيه..... دَهْ أَنَا سَافِلْ.
ابْتَعَدَتْ لِلْخَلْفِ وَلَمْ تَنْتَبِهْ إِنَّ الْفِرَاشْ خَلْفْهَا لِتَسْقُطْ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَمَا حَاوَلْ هُوَ أَنْ يَجْذِبْهَا حَتَّى لَا تَقَعْ سَقَطْ فَوْقْهَا لِتَتَقَابَلْ الْأَعِينْ كُلًّا مِنْهُمْ يَنْظُرْ لِأَعِينْ الْآخَرْ بِحُبٍّ وَعِشْقْ.
تَغِيبُ الْعَقْلْ وَنَسُوا كُلَّ شَيْءْ لِيَقْتَرِبْ مِنْ شَفَتَيْهَا بِبُطْءْ وَكَادْ أَنْ يُقَبِّلْهَا.
لِيَسْمَعْ صَوْتْ طَرْقْ عَلَى الْبَابْ لِتَنْتَفِضْ هِيَ مِنْ مَكَانْهَا تَدْفَعْهُ بَعِيدًا عَنْهَا.
وَقَبْلَ أَنْ تَسْأَلْ مَنْ الطَّارِقْ كَانَ الْبَابْ يَفْتَحْ وَيَدْخُلْ مِنْهُ..................
عَلَى النَّاحِيَةْ الْآخْرَى بِغُرْفَةْ تِيَا كَانَتْ تَجْلِسْ عَلَى فِرَاشْهَا تَضُمْ رُكْبَتْهَا إِلَى صَدْرْهَا وَتَدْفِنْ وَجْهْهَا بِهِمْ تَبْكِيْ بِقُوَّةْ وَبِحُزْنْ.
حَتَّى إِنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ صَوْتْ قَفْزَتْهُ لِلشَّرْفَةْ.
دَخَلْ مِنْ الشَّرْفَةْ وَالَّتِي كَانَتْ قَدْ تَرَكَتْ بَابْهَا مَفْتُوحْ يَرَاهَا بِقَلْبْ حَزِينْ لِبُكَائْهَا لِيَسْأَلْهَا بِحُزْنْ:
- بِتْعِيطِيْ لِيهْ؟
انْتَفَضَتْ مِنْ مَكَانْهَا تَنْظُرْ لَهْ بِصَدْمَةْ غَيْرْ مُصَدِّقَةْ إِنَّهُ هُوَ.
بِالْبِدَايَةْ ظَنَّتْ إِنَّهَا تَتَخَيَّلْ لِيَسْأَلْهَا هُوَ بِحُزْنْ:
- مِشْ مُوَافِقَةْ لِيهْ يَا تِيَا وَلِيهْ بِتْعِيطِيْ؟
وَضَعَتْ يَدْهَا عَلَى شَعْرْهَا لِتَدْفَعْهُ لِتَرْكُضْ تَلْتَقِطْ أَسْدَالْهَا تَرْتَدِيهِ سَرِيعًا.
لِيَبْعِدْ هُوَ عَيْنَيْهِ عَنْهَا حَتَّى لَا يُسَبِّبْ لَهَا الْخَجْلْ أَوِ الْإِحْرَاجْ.
مَا إِنْ انْتَهَتْ ذَهَبَتْ لَهْ قَائِلَةْ بِغَضَبْ:
- اطْلَعْ بَرْهْ بَدَلْ مَا أُنَادِيْ عَلَى بَابَا وَهُوَ يَتْصَرَّفْ مَعَاكْ.
اشْتَطَّ غَضَبًا لِيَجْذِبْهَا مِنْ يَدْهَا قَائِلًا بِحَدَّةْ وَتَصْمِيمْ:
- صُوتِيْ وَنَادِيْ زِيْ مَا إِنْتِ عَاوِزَةْ، أَنَا مِشْ بِتْهَدَّدْ أَنَا مِشْ مَاشِيْ وَلَا طَالِعْ مِنْ هُنَا غَيْرْ لَمَّا أَعْرِفْ سَبَبْ رَفْضِكْ إِيهْ وَإِيهْ الْلِيْ حَصَلْ بِالظَّبْطْ.
اشْتَعَلَتْ عَيْنَاهَا غَضَبًا وَحُزْنْ لِتَقُولْ وَهِيَ تَضْرِبْهُ بِصَدْرِهِ بِقَبْضَةْ يَدْهَا الصَّغِيرَةْ قَائِلَةْ:
- فِيهْ إِنْكْ خَايِنْ وَمَلْكِشْ أَمَانْ وَإِنَا غَلْطَانَةْ إِنِّيْ صَدَّقْتْ وَاخَدْ زِيكْ، وَكُنْتْ هُوَافِقْ أَنَا غَلْطَانَةْ إِنِّيْ حَبَّيْتْكْ.
رَدَّدْ بِصَدْمَةْ:
- خَايِنْ !!!
ردت عليه بشراسة وحدة:
– بقول الحقيقة.
رد عليها بغضب وصرامة:
– احكيلي اللي حصل.
كادت أن تعترض لكنها خشيت منه وبدأت تسرد له كل شيء.
وما أن انتهت رد عليها بكل صدق:
– أنا معرفش اللي بتتكلمي عليها دي، وأمبارح أنا كنت بايت في الأوتيل مع فريد، ومكنش معانا حد، وتقدري تتأكدي من الفندق والكاميرات.
ثم اقترب من الطاولة الموجودة بجانب الفراش ليأخذ المصحف من عليها قائلاً بصدق:
– أقسم بالله، من يوم ما حبيتك ما بصيت لوحدة، ولا عيني جت عليها، ولا حتى قربت من أي ست خالص، وأني توبت وبعدت عن الطريق ده... الست دي بتكدب.
رأت الصدق بعيناه، ولكن الشكوك لا زالت بداخلها.
ليقول لها بحزن:
– ثقي فيا يا تيا، أنا عمري ما أقدر أفكر حتى أضرك، لأن محدش بيأذي روحه... شيلي الخوف من قلبك، خليكي متأكدة أني بحبك ولا يمكن أبص لغيرك.
نظرت له وقالت والحزن يخيم على ملامح وجهها:
– مش عايزني أخاف ليه... ما أنت كل ما هتشوف واحدة حلوة ممكن تسيبني عشانها.
ابتسم بحنان ووقف أمامها وقال بعشق خالص خلق بقلبه من أجل تلك الفتاة فقط:
– أنتي بالنسبة لي الأجمل بين كل البنات، أنتي اللي اختارتها من بينهم كلهما.
اقترب منها ليستند بجبينه على جبينها وهو يردد بحب ويداه تحاوط خصرها بحب:
– أنتي اللي سيبتهم كلهم عشانها... قلبي أنا اتخلق عشان يحبك وبس، وعمره ما دق ولا هيدق غير ليكي.
كم خجلت من كلماته التي أرضت كبريائها كأنثى، لكنها لم تظهر ذلك بل دفعته بعيداً عنها قائلة بحدة:
– طب هي هتكدب ليه؟
رد عليها بنفاذ صبر:
– معرفش.
سألها بجدية:
– لو أثبتلك إني بريء توافقي تتجوزيني؟
لم تجب واكتفت بالصمت.
ليسألها مرة أخرى:
– توافقي يا تيا؟
ثم تابع بمكر:
– خايفة تجاوبي عشان واثقة إني هطلع بريء، مش كده؟
نفت برأسها قائلة:
– موافقة لو طلعت بريء، هوافق أتجوزك.
أومأ برأسه قائلاً بتحدي:
– اتفقنا.
ما أن قال هذا ردت عليه بحدة:
– اتفضل اطلع بره بقى، ومرة تانية متدخلش من الشباك زي الحرامية.
ردد بهمس لم تسمعه:
– منه لله بقى، أبوكي هو السبب، على آخر الزمن أيهم يدخل للبيوت زي الحرامية ومن الشباك.
سألته بتعجب:
– بتقول حاجة؟
رد عليها بابتسامة صفراء:
– ما بقولش.
أومأت قائلة:
– طب اتفضل يلا بالسلامة.
رد عليها وهو يجلس على الفراش بأريحية شديدة:
– لما فريد يتصل بيا الأول بعد ما يخلص مع أختك.
سألته بصدمة:
– هو فريد عند جيانا؟
رد عليها بغيظ:
– أه يا ختي، ابن المحظوظة، زمانه عمال يحب فيها وتحب فيه، وأنا قاعد عنها بعاني من قسوتك يا قاسية.
زفرت بضيق قائلة:
– امشي بره.
سألها بمكر:
– عوزاني أمشي؟
– ياريت.
رد عليها بمكر:
– خلاص، تديني بوسة بريئة على خدودي الحلوين دول، يا أما أفضل مستني فريد.
ردت عليه بحدة:
– باستك عقربة.
رد عليها بحزن زائف:
– وأهون عليكي ده، أنا حتى طيب ومؤدب ودمي زي العسل، وعليا عيون تدوخ أي بنت.
ردت عليه بغيظ:
– أنت مستفز.
بعث لها قبلة بالهواء قائلاً بابتسامة:
– ميرسي يا بيبي.
ركلت الأرض بقدمها قائلة بغيظ:
– مش هتمشي يعني؟
فرَد جسده على الفراش قائلاً:
– قولتلك شرطي.
بغضب كانت تغادر الغرفة متوجهة لغرفة جيانا وطرقت طرقة واحدة، بعدها دخلت لتقول لفريد مباشرة بغضب:
– روح خد ابن عمك من هنا، مش عاوزة أشوف وشه، أنا مش طيقاه، ده بني آدم مستفز ووقح وقليل الأدب وما اترباش.
جاء صوت أيهم من خلفها بعدما تأكد من عدم وجود أحد بالخارج ليذهب سريعاً للغرفة التي ذهبت لها مغلقاً الباب خلفه:
– ميرسي يا بيبي، بس كنتي خليه بينا، مش لازم تمدحي فيا قدام الناس يعني.
ردت عليه بغيظ وغضب:
– اطلع بره.
فريد بحدة وغيظ من مجيئهم بذلك الوقت:
– يا أوقاتك أنتي وهو يا أختي.
وكزته جيانا بذراعه ليزفر بضيق قائلاً بحدة:
– أيهم اتلم.
زفر أيهم بضيق قائلاً:
– أيهم ندم إنه جيه هنا، خلينا نتزفت نمشي.
حزنت تيا مما قال ولشعوره بالندم، وقبل أن يتكلم أحد كان يوجد طرق على الباب يليه صوت أكمل قائلاً:
– إيه الصوت اللي عندك ده يا جيانا؟!
انتفض الجميع عندما استمعوا لصوت أكمل، وخاصة فريد وأيهم الذين ركضوا مباشرة للشرفة يغلقون الباب خلفهم بإحكام.
لتكتم جيانا وكذلك تيا ضحكاتها عليهم لتقول جيانا بتوتر بعد أن فتحت باب الغرفة:
– نعم يا بابا.
سألها بشك:
– صوت إيه اللي طالع من عندك ده؟
توترت لكنها حاولت الثبات قائلة:
– مفيش، أنا وتيا كنا سهرانين سوا ونشوف فيلم.
دخل للغرفة ينظر بانحائها قائلاً بعدم تصديق:
– فيلم؟
أومأت له تيا قائلة بتوتر:
– أه يا بابا.
كاد أن يمر الأمر ويذهب، لكن وقعت عيناه على هاتف ملقي على الفراش لا يخص ابنته، وخطوات حذاء رجالي تركت بصماتها على الأرض.
جز على أسنانه سائلاً جيانا وتيا وهو يتوعد بالويل لهم إذا صدق ظنه:
– هما؟
ابتلعت تيا ريقها بخوف، وكذلك جيانا التي تهربت من النظر لوالدها الذي من صمت ابنتيه وتوترهم علم أنهم هنا حقاً...
التمعت عيناه بالشر قائلاً:
– روحي مع تيا يا جيانا أوضتها واقفلوا الباب عليكم.
توجست كلاً منهما مما سيفعله والدهما الذي نظر لهم بصرامة لينفذوا ما قال على الفور.
ليبتسم أكمل بشر ممسكاً بهاتفه بعد أن خرج من الغرفة للحظات يتحدث بالهاتف قائلاً بجدية:
– عايز أعمل بلاغ، فيه اتنين حرامية اتهجموا على بيتي؟!
بعد وقت كان فريد وأيهم ينتظرون مجيء جيانا وتيا حتى يستطيعون الخروج من المنزل عن طريق الباب، لكن لم يأتِ أحد ليذهب الاثنان ناحية الشرفة محاولين التمسك بالحبل للصعود، لكن دون جدوى، سيكون الأمر في غاية الخطورة، لذا قرر الاثنان الانتظار.
مضى خمس دقائق واستمع الاثنان لعدة أقدام بالغرفة، وبعدها بلحظة كان باب الشرفة يفتح ويظهر من خلفه ضابط يرتدي زيه الرسمي ومعه عدة رجال من الشرطة.
ليقول أكمل وهو ينظر للاثنين بشر قائلاً:
– أنا فضلت متحفظ عليهم لحد ما تيجوا، هما استخدموا حبال ونطوا ع البلكونة، وكمان تقدروا تتأكدوا من كاميرات العمارة اللي قصادنا.
انفتحت أعين الاثنين بصدمة من الموقف، ينظرون لأكمل بغيظ وغضب.
ليقول الضابط بحدة:
– اتفضلوا معايا من غير شوشرة.
أيهم بتبرير:
– لحظة بس، فيه سوء تفاهم.
الضابط بجدية وصرامة:
– نبقى نعرف كل حاجة في القسم، اتفضلوا معانا.
قبل أن يعترض أي من الاثنين كان العسكري يضع الأصفاد بيديهم تحت نظرات الشماتة من أكمل هامساً لهم قبل أن يغادروا:
– هبقى أعدي عليكم بكرة في الحبس بعيش وحلاوة يا رميو أنت وهو.
جز الاثنان على أسنانهم بغضب وغيظ ويغادران المنزل مع عناصر الشرطة تحت نظرات الصدمة من جيانا وتيا من فعلة والدهم، وكذلك حنان ورامي.
حنان بحدة لأكمل بعد أن غادر عناصر الشرطة:
– أنت إيه اللي عملته ده يا أكمل؟
أكمل ببرود:
– اللي كان لازم يتعمل، اتنين دخلوا بيتي حرامية، معروفة الحرامي مكانه إيه.
تيا بحزن:
– بس يا بابا حرام كده.
جيانا بحزن مماثل:
– يعني مكنش فيه داعي ندخل البوليس بينا.
رامي بجدية وتأييد لما فعل والده:
– بس هما غلطوا لما دخلوا البيت بالطريقة دي، وكمان دخلوا أوضكم من ورا وفي عز الليل، أياً كان اللي بابا عمله فهما يستاهلوا.
أكمل بحدة وصرامة:
– مش عاوز أسمع كلمة، متخافوش عليهم أوي، يتأدبوا بس وهطلعهم، والتربية اللي متربوهاش أنا هربيها ليهم من أول وجديد، ولو أنتوا مفكرين إني هديهم بناتي من غير ما يشوفوا الويل تبقوا غلطانين، اللي بياخد الحاجة سهلة بيتخلى عنها بالساهل، الواحد لما بيتعب في حاجة بيحافظ عليها بأيده وسنانه.
نظر لبناته متابعاً بصرامة:
– أنتوا مش سهلين، أنتوا بنات أكمل النويري، اللي ياخدكم يعرف قيمتكم كويس عشان يقدركم سواء فريد أو أيهم أو حد غيرهم، كنت هعمل نفس الشيء... اقفلوا الموضوع ده ومتفتحوهوش تاني، أنا لما أشوف إنهم يستحقوكم هسلمكم ليهم بأيدي، إنما أنا لحد دلوقتي معنديش ثقة فيهم، واللي عملوه انهاردة مش هيعدي بالساهل أبداً.
قالها ثم صعد لغرفته غاضباً يشعر بالغيرة على ابنتيه، هو بالأساس يكره فكرة ابتعادهم عنه، يكرهها للغاية... يغار من ابنتيه، سعادتهم مرتبطة برجل آخر غيره، وهو الذي ظل سنوات معهم خطوة بخطوة يفعل كل ما بوسعه ليسعدهم، وجزء كبير من ما يفعله بأيهم وفريد سببه غيرته منهما.
حنان عن تيا نظرت لجيانا بحزن وكذلك هي الأخرى لتغادر كلاً منهما لغرفتها حزينة، بينما رامي صعد لغرفته لينام، لتبقى حنان التي تهاتف والدها الذي يقيم بضعة أيام مع شقيقتها ليأتي حتى يجعل أكمل يتراجع عن قراره...
بقسم الشرطة لم يجد ما يقوله فريد وأيهم، فإذا تحدث الاثنان معنى ذلك أن أسماء تيا وجيانا يمكن أن تدهور إذا علم أحد أنهم كانوا في غرفة الفتيات وبذلك الوقت، وحينها ستسوء سمعتهم، لذا فضل الاثنان الصمت بينما شعور الغيظ مسيطر عليهم، وخاصة أيهم الذي نظرات الشر والشماتة بأعين أكمل اجعلته يغتاظ أكثر وأكثر.
كان الاثنان يمشون برفقة العسكري يأخذهم للحجز، ما أن دخلوا وجدوا عدة رجال يظهر الإجرام بوضوح على وجوههم، نظراتهم مصوبة تجاههم بخبث ومكر، لكن أيهم وفريد لم يبالوا وجلسوا بأحد الأركان الفارغة.
أيهم لفريد بغيظ:
– بقى أيهم اللي مدوخ البنات ويستنوا إشارة منه، يوم ما يقع يقع الوقعة دي، حما إنما إيه لو طايل يدبحنا هيعملها، والشعور متبادل، والله أنا بس لولا عاوز أتجوز البت وبحبها.
فريد بغيظ مماثل وغضب:
– متسخنيش أكتر، أنا على آخرى أقسم بالله بقى آخرتها نترمي في السجن بسبب شورتك المهبّبة.
أيهم بغضب ورفعة حاجب:
– شورتي دي أول ما سمعتها وافقت، محدش ضربك على أيدك يا بن عمي.
اقترب رجل الإجرام يظهر على وجهه المليء بالندوب ملوحاً بماديته (مطوة) بوجههم قائلاً ببلطجة:
– طلع اللي في جيبك أنتي وهو يا ض.
فريد بغضب:
– اخفي من وشي يلا، أنا مش فايقلك.
الرجل بسخرية:
– مش فايقلي ليه يا حيلتها ده، أنت لو مش فايق تفوق، ده أنا المعلم ع...
قبل أن يكمل كلامه كانت قبضة فريد تعرف طريقها لوجهه بغضب ليقع الرجل أرضاً، ليقف أيهم وفريد ينين عليه بالضرب واللكمات والرجل يصرخ باستغاثة، لكن لم ينجده أحد، خاصة بعد أن تدخل أحدهم وأخذته الشجاعة ليكون مصيره بجانب الرجل يذوق ما طالهما.
عن أيهم وفريد قد وجدوا ما يفرغون فيه غيظهم وغضبهم.
ليقف أيهم قائلاً بحدة:
– حيلتها دي تبقى أمك يلا سااامع.
فريد بحدة وغضب هو الأخر:
– مسمعش أي جزمة منكم والا هيبقى مصيره زي حيلتها ده، ميغركوش المنظر ده، أنا صايع أوي يا حيلتها منك ليه.
جذب أيهم الرجل من ملابسه بينما يدفع الآخر بقدمه، بينما بيده الأخرى التقط مادية الرجل بيده قائلاً وهو يدفعه لأحد زوايا الحجز:
– اتلقح في أي حتة يا حيلتها، مسمعش حسك.
بينما تابع للرجل الذي يدفعه بقدمه:
– أنت كمان يا روح أمك، الكلام ليك.
فريد بحدة وهو يجلس بجانب أيهم:
– اسمع صوت بقى.
ما الجميع بعدما رأوا وجه الاثنين المليء بالدماء والكدمات لم يجرؤ أحد منهم على التدخل...
بألمانيا حيث تقيم تلك التي خيم الحزن على حياتها من جديد ولا يزور النوم جفونها.
كانت تقف أسفل مضخة المياه تفكر كم عانت من افتقاد حنان والديها، والآن تعاني من ألم الحبيب الذي كان يلقي عليها كلمات الحب كذباً ليحصل على ما يريد.
الجميع يأخذها وسيلة ليحصل على ما يريد، والدها أرادها وسيلة ليناسب عائلة عريقة ذو طبقة راقية مرموقة مثل عائلة الزيني وليضمن شراكتهم سوياً للأبد، أما عن الآخر استغلها ليصل لوالدها القاتل الذي علمت الآن أنه ليس بغريب على رجل مثله خائن... يتاجر بالممنوعات... يقتل، أن يعامل ابنته بكل تلك القسوة فمن يفعل تلك الأشياء المخالفة للإنسانية لا يمتلك قلب بالأصل ليحب به ويشعر بحنان.
انهارت أرضاً أسفل المياه تنفجر بنوبة بكاء مريرة، نعم تبكي وما بوسعها أن تفعل غير ذلك، تتمنى لو كانت تمتلك أب مثل أكمل يدافع عنها ويحافظ على كرامتها، وليس كوالدها الذي لا يهتم لسوى ما يريد وما يحب، غاضب منها لأنها ابتعدت عن فريد الذي لا يحبها ويحب أخرى.
بينما أكمل لا يريد لابنته أن تكون لشخص أهان كرامتها وفعل بها كل ذلك، تمنت أخاً وأماً كحنان، تمنت عائلة وحبيباً، ولم تتمنى بحياتها سوى ذلك.
بعد وقت كانت تقف أمام المرآة تمسح بيدها البخار من عليها وهي تحاوط جسدها بمنشفة كبيرة.
تحدثت نفسها بصوت عالي:
– أنتي اللي وصلتيهم لكده... ضعفك قدامهم خلاهم يعملوا فيكي كده، وكل واحد يستغلك شوية، وهما كل واحد مكمل حياته وأنتي قاعدة هنا هربانة وبتبكي ع اللي ميستاهلش.
مسحت دموعها قائلة بقوة وتصميم:
– مفيش دموع من انهاردة، وزي ما اتوجعت هوجع هما، اللي ابتدوا والبادي أظلم.
قالتها وهي لا تنوي على خير أبداً، فليتحمل من سبب لها الأذى ما سيحدث... لن يكون هين أبداً...
بذلك القصر الذي يجتمع به الاثنان كانت تجلس بجانبه على الأريكة والاثنان يحتسيان الخمر.
ليقول هو بحدة:
– أنا مش فاهم، شوية عاوزة تقتلي أكمل، ودلوقتي عاوزاني أخلي القناص يلغي اللي كنت عوزاه، فهميني ناوية على إيه بالظبط؟
دولت بشر:
– موت أكمل مش هيشفي غليلي منه، وممكن يكون فيه سين وجيم، فاحنا نعمل إيه بقى؟
نظر لها بتساؤل لتكمل هي:
– جواد مش هيسكت وهيفضحنا، فالحل إيه؟ نقتل جواد وأكمل يشيل الليلة ويبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد.
مجدي بسخرية:
– نلبسها في أكمل إزاي يعني، وأكمل ميعرفش هو فين ولازم يكون فيه أدلة.
دولت بسخرية:
– إيه يا مجدي، ما تفتح مخك شوية، الموضوع بسيط يعني، ولا دماغك السم راحت عليها خلاص؟
مجدي بسخرية:
– دماغي سم أه، بس ما تجيش حاجة جنبك، ده أنتي شيطان يا دولت، الشيطان يتعلم الوساخة منك.
ضحكت بسخرية ثم قالت بنبرة ذات مغذى:
– طب كويس إنك عارف دولت تقدر تعمل إيه، عشان أنا مش بسامح في الغدر يا مجدي.
توتر داخلياً لكنه أخفى ذلك ببراعة، هو يفكر في التخلص منها والحصول على أموالها التي لا يعرف أحد عنها شيء أو أين تخبئها سواها، بينما عرف هو بالصدمة مكانها السري، أما عنها تفكر بنفس الشيء، لكن كلاهما ينتظر مرور تلك العملية التي ستتم غداً على خير وبعدها يحدث ما يخططون له.
تابعت حديثها عن أكمل قائلة حتى تغير مجرى الحديث تخبره ما سيفعلونه بعد أن تتم تلك العملية وينتهوا منها سينفذون تلك الخطة وبأسرع وقت، وما أن انتهت من سرد ما ستفعله قالت بشر:
– موت أكمل مش هيفيدني بحاجة، بس لما أشوفه مرمي في السجن سنين ولا يعدموه ويموت وسيرته على كل لسان وسمعته تتوسخ، ساعتها هتبسط أكتر، وبعدها أفضي لولاده ومراته وأي حد يخص عيلة النويري يموت، واسم العيلة دي هيتمحي وبأيدي.
لا ينكر أنه يخشاها كثيراً ويخشى غدرها، ويعلم أنها لا يمكن الوثوق بها، لذلك قد حرص على أن يحتفظ بكل الأوراق التي تثبت مشاركتها لكل جرائمه، فهي دائماً تكون في الخفاء وهو بالعلن، وعندما يقع سيتحمل هو العقوبة وحده وهي ستغدر به.
الاثنان يخططان ويظنان أنهم يمتلكون قدر كبير من الذكاء والمكر، ولكن دائماً الذكي يوجد الأذكى منه، ولا أحد يعرف ما سيحدث بالغد، ربما ينقلب السحر على الساحر...
بعد وقت كانت تدخل من باب القصر وقد كان الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كانت تترنح بمشيتها ورائحة الخمور تفوح من فمها.
ما أن دخلت غرفتها وأشعلت الأنوار تفاجأت بمحمد الذي ظنت أنه لن يعود من سفره غداً وليس بنفس اليوم.
سألته بخوف وتوتر أخفته:
– أنت مش قولت هتيجي بكرة؟
وقف أمامها، ولم يكن رده على كلامها سوى صفعة هوت على صدغها بقسوة، وبعدها جذبها من خصلات شعرها قائلاً بغضب وقرف منها:
– إيه، مكنتيش عاوزاني أجي عشان أشوف منظرك وأنتي سكرانة وجاية بعد نص الليل، مكنتيش عاوزاني أعرف إنك مستغفلاني وبتدوري على حل شعرك.
دفعها بعيداً عنه باشمئزاز قائلاً بغضب:
– أنا غلطت زمان لما فضلتك عليها يا بنت الحسب والنسب، فضلتك ع الخدامة، ودي أسوأ غلطة عملتها، هي ضفرها برقبتك متربية وبنت أصول مش زيك، وقفت جنب ابني وعلمته الصح مش زيك، كنت دايماً معاه في كل حاجة غلط وأنا كنت شريكك بسكوتي، أنتي غلطة في حياتي ولازم أصلحها.
نظرت له بحقد وغل لأنه يهينها بل وتجرأ وصفعها ليتابع هو بقوة:
– أنتي طالق... طالق بالتلاتة يا بنت الناجي.
قالها وغادر لتتوسع عيناها بصدمة، لقد طلقها وألقاها خارج حياته بعد كل تلك السنوات، لقد أفسد ما كانت تخطط له، جلست على الفراش تتوعد له بكل شر، لبست هي من يحدث معها ذلك فليتحمل ما سيحدث له ولعائلته...
جاء اليوم المنشود والذي سيتم كشف به حقائق كثيرة صادمة للجميع، كان منذ الصباح يستعد لتلك المهمة التي انتظرها منذ سنوات، ثأر والديه سيأخذه اليوم، لكن عقله وقلبه كان مع تلك التي اشتاق لسماع صوتها ورؤيتها، لقد عاقبته أسوأ عقاب، ليتها تعلم أنه لم يكن يقصد أن يقول تلك الكلمات وأنه خرجت من شفتيه بسبب غضبه الأعمى، لو تعلم كم يحبها ويعشقها لو تعلم.
بعد وقت كان يغادر المنزل برفقة سمير الذي ودّع هايدي التي تشعر وكأنها ستفقده ولا تعرف لما يلازمه ذلك الشعور منذ أمس، أخذت تردد الآيات وتدعو له بأن يعود لها سالمًا...
أما عن فادي كان يفكر بكلام زوجة خاله السام منذ أن غادر القصر وهي تهاتفه كل يوم تبث سمومها بداخله، وهو لم يكن ينقصه فهو بداخله حقد كبير، لو تعلم أن ما تبثه بداخله سيطول ابنها أيضاً.
نظر لذلك السلاح الموجود بيده بينما صدره يعلو ويهبط بانفعال وحقد، كلمات تذكر صفعة جده له أمام الجميع وإهانته له، ليس هو من يعامل بتلك الطريقة، ليس هو أبداً، لكن يبقى سؤال يجعله متحيراً: كيف علم جده بأنه من قام بالتحريض على قتله؟
يقسم إنه سيعذبه حتى الموت.
الجميع يخطط،
الجميع يظن إنه سيحصل على مبتغاه أخيرًا
و لا أحد يعرف ما سيحدث.
ربما ما يخطط له سينقلب ضده.
فاليوم سيكون غير باقي الأيام.
اليوم سيكون بداية نهاية الشر.....................
رواية ليتني لم احبك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شهد الشوري
كانت تجلس على الأريكة تمسك بيدها كأسًا من النبيذ تحتسيه، وعيناها تنظر للفراغ بشرود، تفكر فيما ستفعله بعد أن يمر هذا اليوم بسلام. التخلص من جواد، وكيف ستنتقم من محمد على إهانته، وبعدها عليها التخلص من مجدي الذي يفخر في نفس الشيء مثلها تمامًا.
سألته بجدية:
"اللي اتفقنا عليه يتنفذ قبل ما نطلع من هنا يكونوا موجودين."
سألها بمكر:
"ناوية على إيه؟"
ردت بشر:
"على كل شر طبعًا.... ناوي أقلبها جحيم على أكمل من كل ناحية. بكرة الرجالة يخلصوا على جواد، وأكمل يلبسها، وفي نفس اليوم بناته هيرجعوا له، بس ساعتها هخليه يكون متحسر عليهم وعينه مكسورة مش قادر يرفعها في حد. وهو يا عيني مش هيبقى قادر يعملهم حاجة، أصله هيكون مشغول، هيكون في القسم بتهمة قال جواد ده غير لسه ابنه ومراته."
ضحكت بسخرية، قائلًا:
"دماغك سم."
ابتسمت بغرور، ليتابع هو:
"هتحضري ساعة التسليم معايا انهاردة."
سألته برفعة حاجب وتساؤل:
"ليه؟ إيه اللي جد؟ ما أنت علطول بتحضر بدالي."
رد عليها بسخرية:
"زمان كان مينفعش، وكنت بتتحججي بمحمد وبأنه ممكن يشك فيكي. أدي محمد طلقك أه، إيه حجتك؟"
ارتشف من كأسه ثم تابع:
"تعالي، أهو بالمرة تتابعي شغلك وتاخدي نصيبك من الفلوس."
بعد تصميمه وإصراره الشديد، وافقت على مضض. اتفق الاثنان على كل شيء، لكن لا أحد يعرف ما سيحدث بالمساء.
***
جاء المساء، وقد صعدت هايدي لتبقى بمنزل أكمل النويري كما طلب منها سمير حتى يعود. أما عن أكمل، فعلى مضض وافق على التنازل عن المحضر بعد إلحاح كبير من عز وحنان.
بمنزل أكمل النويري:
كانت الفتيات يجلسون سويًا، هايدي، تيا، جيانا. قد بدأت علاقة جيانا وهايدي تتحسن ولو قليلًا.
قالت هايدي بمكر وهي تنظر للاثنتين:
"كان شكل فريد وأيهم يضحك أوي، وأونكل أكمل بيكب عليهم الماية."
ضحكت تيا وجيانا بقوة عندما تذكروا هيئتهم، لتقول هايدي متابعة بمكر وهمزة:
"اممم، بس كانت حركة so romantic من فريد وأيهم."
خجلت تيا، بينما ابتسمت جيانا بحنين لتلك الأيام التي قضتها معه قديمًا، وليتها لم تنتهِ، ويا ليت ما حدث لم يحدث.
قالت هايدي بمكر:
"هما لسه في الحبس بردوا؟"
قالت تيا بخجل:
"لا، بابا في القسم راح يخرجهم بعد ما جدو فضل يتحايل عليه كتير. ده كان ناوي يسيبهم أسبوع ولا حاجة في السجن."
أومأت لها هايدي قائلة بضحك وإعجاب:
"أونكل أكمل ده عسل خالص والله، يا بخت مامتك بيه. أنا لو مش مرتبطة وبحب سمير كنت اتجوزته وخطفته منها."
قالت جيانا بضحك:
"وطي صوتك لماما تسمعك، وحياتك ما هتدخل البيت تاني."
ضحك الثلاثة، ليتعالى رنين جرس باب المنزل، لتقول تيا بلهفة وهي تلتقط أسألها لترتديه:
"هروح أشوف مين، زمان بابا رجع من القسم."
لكن ما إن فتحت باب المنزل، وجدت رجالًا ضخام الجسد. قبل أن تسأل أو تتكلم، كان أحدهم يرفع البخاخ بوجهها، ينثر رزاز المخدر، لتسقط فاقدة للوعي في الحال. حملها أحدهم ونزل لأسفل على السلم.
تعجبت جيانا من تأخر تيا، ذهبت لترى من، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، كان الرجال يدخلون عليهم. وبسرعة، وقبل أن يصرخوا، كمم الرجال فم جيانا وهايدي، وكان نصيبهم مثل تيا، فقدوا الوعي من أثر المخدر. وأخذوا جيانا لأسفل، وتركوا هايدي ملقية أرضًا فاقدة للوعي.
***
بنفس الوقت:
كان أكمل يخرج من قسم الشرطة، وخلفه فريد وأيهم، الذي يحز على أسنانه من الغل والغيظ، وكذلك فريد. ليقول أكمل بغضب دون النظر لهما:
"اللي حصل مش هيخلص لحد هنا."
قال أيهم بنفاذ صبر:
"طب ما توافق على الجوازة بقى ونخلص، بدل دور القط والفار اللي احنا عايشين فيه ده."
قال أكمل بحدة وصرامة:
"لو كان فيه أمل واحد في المية أوافق ع الجوازة دي، فبعد اللي عملتوه امبارح انسوا إني أوافق."
قال فريد بتسويف:
"إحنا غلطانين وإسفين جدًا ع اللي حصل، بس..."
أكمل أكمل مقاطعًا إياه بحدة وغضب:
"مفيش بس. أنتوا الاتنين متربتوش، وأنا هعيد تربيتكم من أول وجديد. لأنكم متعرفوش يعني إيه شرف وسمعة بنت. بتعملوا اللي عاوزينه وخلاص من غير تفكير في غيركم."
تنهد بغضب، مكملًا حديثه قائلًا بحدة وتوبيخ:
"لو حد من الجيران شافكم، كان هيقول إيه عليهم..."
قاطعه رنين هاتفه، ولم يكن المتصل سوى حنان، التي قالت ببكاء وخوف:
"الحقني يا أكمل، تيا وجيانا اتخطفوا!"
يركض أكمل بسرعة، وخلفه أيهم وفريد، وكلاهما القلق والخوف ينهش قلبه. ليتفاجأ الثلاثة بوجود الشرطة، فقد كان حارس البناية ملقى أرضًا ورأسه ينزف دماءً غزيرة بعد أن ضربه أحد الرجال بغصن غليظ. بينما الرجال المكلفون بالحراسة كانوا ملقين أرضًا بعد أن تلقوا العديد من الرصاصات، والتي لم يسمعها أحد لأن السلاح حينها كان كاتم للصوت.
بخطوات سريعة خائفة، كان يصعد أكمل للمنزل، ومعه أيهم وفريد. ما إن دخل، وجد هايدي تجلس على الأريكة، يبدو عليها الإرهاق. لنبدأ تقص بتعب عليهم كل شيء. ما إن سألها ما حدث:
"الجرس رن، وتيا راحت تفتح، فكرت إن حضرتك اللي جيت، بس لقيناها اتأخرت. لسه هنقوم نشوف فيه إيه، لقينا تلت رجالة مغطين وشهم، دخلوا علينا، وقبل ما نتكلم كانوا خدرونا، وبعدها معرفش إيه اللي حصل."
قال فريد بقلق:
"مين ممكن يكون عمل كده؟"
نفى أكمل برأسه قائلًا بقلق وخوف على بناته:
"مستحيل يكون حامد، مستحيل."
قالت حنان بدموع وهي تبكي بقوة بأحضان والدها، وهيئتها تمزق القلب:
"أنا عايزة بناتي يا أكمل، رجعلي بناتي. أنا عايز بناتي يا بابا، رجعولي بناتي."
قال عز بقلق:
"آسر وسمير تليفونهم مقفول، نعمل إيه؟"
قال أكمل وهو يغادر المنزل:
"هروح ليهم، وحضرتك يا عمي خليك هنا معاهم، يمكن يحصل حاجة."
أومأ له عز، وغادر أكمل، وخلفه أيهم وفريد، متوجهين للقسم حيث آسر وسمير. وأكمل يدعو الله أن يلحق بهم.
بعد وقت:
كانت دولت تنظر بشر لجيانا وتيا الملقيتان أرضًا فاقدتين للوعي، قائلة لمجدي، الذي لم يحيد بعيناه عن تيا وجيانا، مصوبًا نظراته الشهوانية تجاههم:
"نفسي أشوف شكل أكمل لما يعرف إن بناته مخطوفين، ونفسي أشوف وشه أكتر لما يرجعوله بعد اللي هعمله فيهم."
ابتسم مجدي بسخرية، فهي كل مرة تثبت له مدى شرها وخبثها، وهو لا يقل شيئًا عنها، لكن مكرها هذا يجعله يخشاها وبشدة، لذا يجب عليه التخلص منها قبل أن تفعل هي ذلك، لكن صبرًا.
دقائق، وكانوا يخرجون من القصر متوجهين لحيث مكان التسليم، ترى ما سيحدث.
***
بقسم الشرطة:
كان الجميع يستعد، وبداخل كل منهم خوف، لكن خوفهم يختلف عن خوف آسر، الذي يخشى أن يفشل في أخذ ثأر والديه. لو سيموت، بعدها يموت، لكن ليأخذ ثأر والديه، حتى عندما يقابلهم بالحياة الأخرى، يكون أوفى بالوعد.
قال سمير بطمئنة:
"هتنجح إن شاء الله، وهتاخد حقهم. ربنا معانا يا صاحبي."
قال آسر بغضب:
"لو قبضنا على مجدي لوحده، إيه فايدته؟ لو مكنتش دولت معاه؟"
قال سمير بتفكير وعملية:
"نحسبها بالعقل كده. مجدي مش غبي عشان يشيل الليلة لوحده ويسيب دولت كده. أكيد معاه اللي يضمن حقه، ويضمن إنه مش هيشيل الليلة لوحده. مجدي مش سهل، وأكيد مأمن نفسه."
قال آسر بحدة:
"الاتنين دول في وراهم بلاوي غير السلاح والمخدرات. تجارة الأعضاء وراهم بلاوي تانية محدش يعرفها، سواء دلوقتي أو زمان، ومحدش يعرف عنها حاجة."
أومأ له سمير قائلًا:
"لولا حامد، كان هيبقى من الصعب نعرف إن الشريك التاني يبقى دولت."
أومأ له آسر، وبقى الجميع ينتظر إشارة من حامد للتحرك. وها هي قد حانت اللحظة الحاسمة. جاءت رسالة من حامد، تزامنًا مع بداية تحرك جهاز التتبع الذي كان موجود بساعة اليد الخاصة بحامد.
بعد وقت:
كانت سيارات خاصة بمجدي تقف، منتظرين وصول الطرف الآخر. وكانت دولت تجلس بجانبه في السيارة، تغطي وجهها بوشاح أسود.
بينما حامد يقف خارج السيارة مع الرجال، ينتظر وصول الآخرين.
بهدوء وحذر، كانت عناصر الشرطة تحيط بالمكان، بدون إصدار صوت، حتى لا تتيح لأحدهم الفرصة للهرب. بعد دقائق، وصل الآخرون. لينزل مجدي من السيارة برفقة دولت، التي تمسك الوشاح على رأسها بإحكام، وقد حرصت على عدم إظهار وجهها لأي أحد.
اقترب الطرف الآخر منهم، وكان رجل في منتصف الثلاثين يدعى ياسر. ما إن رأى دولت وهي تقف بجانب مجدي، قال بسخرية:
"لا، متقولش. أخيرًا الشريك الخفي قرر يحضر مرة."
ضحك مجدي بسخرية، قائلًا:
"خلينا في شغلنا، مفيش وقت."
اقترب ياسر منهم، ثم على غفلة، كان يجذب الوشاح بعيدًا عن وجه دولت، قائلًا بمكر:
"مش قبل ما أتعرف على شريكي يا مج..."
قاطعه صدمته مما رأى، قائلًا بتفاجؤ:
"أوووه... حرام محمد الزيني بنفسه! طول السنين دي بنتقابل ونشوف بعض، وأنا معرفش إن دولت هانم تبقى الشريك الخفي. اممم، مفاجأة مش متوقعة الصراحة."
قالت دولت بحدة وهي تخطف الوشاح من يده:
"إيه اللي عملته ده يا بني آدم؟"
ضحك ياسر بسخرية، ولم يجيب. أما عن حامد، فلم تكن صدمته قوية، فهو بنسبة تسعين بالمئة كان متأكد أنها دولت، خاصة بعدما أشارت كل الأدلة بأنها الشريك الخفي.
قال مجدي بنفاذ صبر، فهو لا يهتم إذا تعرف عليها أحد أو لا، فهذا لا يعنيه، كل ما يهمه هو مصلحته فقط:
"مش وقت كلام فاضي، مفيش وقت. قولتلك خلينا ننجز ونمشي."
أومأ له ياسر، بينما عيناه لازالت مثبتة على دولت بسخرية أغاظتها بشدة. قام رجال ياسر بنقل البضائع من عند مجدي إليهم. وعند تسليم ياسر الأموال لهم، تعالى صوت سمير بالميكروفون، قائلًا بحدة:
"محدش يتحرك من مكانه. المكان كله محاصر."
أخرج الجميع أسلحتهم برعب، بينما آسر عندما لاحظ ركوض مجدي ودولت ناحية السيارة، صوب السلاح على إطار السيارة، مطلقًا الرصاص.
ليقول سمير مرة أخرى في الميكروفون:
"مفيش داعي للمقاومة، المكان كله محاصر. الكل يسلم نفسه."
قالت دولت برعب لمجدي:
"هنعمل إيه؟"
بدأ رجال ياسر بإطلاق الرصاص على رجال الشرطة، ليتبادل الجميع الطلق الناري. أما عن مجدي ودولت، فانحنوا بجسدهم للأسفل، يزحفون للسيارة الأخرى. ليلاحظهم آسر وحامد، الذي انشغل بما حدث وتبادل الرصاص. لكن قبل أن يصل إليهم آسر أو مجدي، انطلقت سيارة مجدي مسرعة، وخلفها سيارات الشرطة. أما عن ياسر، فقد تم القبض عليه عندما حاول الهرب.
كان مجدي يقود بسرعة عالية، وخلفه سيارة شرطة يقودها آسر، وبجانبه سمير. عندما وصل مجدي لتلك المنطقة الشعبية التي بها عدة شوارع جانبية، أخذ يمر من بينهم محاولًا تشتيت سيارة الشرطة، خاصة أن الشوارع بتلك المنطقة متشابهة وتجعلك تتخبط.
قالت دولت بزعر وخوف عندما حاول سمير إطلاق النار على إطار السيارة لكن هدفه لم يصيب:
"خلي بالك، زود السرعة."
قال مجدي بغضب وحدّة حتى يستطيع التركيز:
"اخرسي، سيبني أركز."
دخل مجدي لأحد الشوارع الجانبية مستغلًا انشغال آسر عندما اصطدمت سيارته بأحد عربات بائعين الذرة، مطفئًا مصابيح السيارة، ثم نزل منها جاذبًا دولت خلفه، متوجهًا لتلك البناية المتهالكة.
بينما آسر ضرب المقود بغضب جحيمي، عندما أخذ يدور بالشوارع يبحث عنهم. لكنه للأسف لم يجد أثرًا لهم. ليقول سمير بصوت خفيض، بما جعل الأمل يزحف لقلبه:
"عربيتهم راكنة هناك."
نزل آسر من سيارته بحذر، وخلفه سمير، كلاهما يمسك بسلاحه. لكن تبدد الأمل بداخله عندما وجد السيارة فارغة، لا يوجد بها أحد.
قال سمير وهو ينظر للبناية التي تصطف أمامها السيارة:
"خلينا ندخل."
أومأ له آسر، وبالفعل صعدوا لكل طابق من البناية يبحثون عنهم، بعد أن أبلغ الباقي من عناصر الشرطة بتتبع الأماكن المحيطة بهم. بعد بحث كامل بالبناية، لم يجدوا أثرًا لهم، ليعاود الاثنان قيادة السيارة ليبحثوا عنهم بالمناطق المجاورة، لكن لا أثر لهم. ليبقى آسر يسب ويلعن ذاته. لكن فجأة، جاءت رسالة لهاتفه جعلته يتجمد مكانه، وكذلك سمير، ولم يكن نصها سوى أن ابنتي عمه تم اختطافهما.
لكن بعد أن ذهب آسر وسمير، بوقت بتلك الغرفة الموجودة أسفل سلم تلك البناية، المغطاة بقماش باهت، خرجت دولت ومجدي بحذر وبسرعة. كانوا يركبان السيارة هاربين من المكان.
وصل الاثنان للقصر بعد معاناة، وقد كان مجدي يراقب الطريق، وكان حذرًا من أن يراهم أحد.
قالت دولت بحدة وغل وهي تجلس على الأريكة ببهو القصر، وكذلك مجدي بأنفاس لاهثة:
"كان لازم يموت مع أبوه وأمه زمان. بسببه كل حاجة باظت انهاردة."
قال مجدي بشرود وهو لا يزال يأخذ أنفاسه، يتذكر سمير الذي عرفه على الفور، وكيف لا؟ وهو عندما رآه كأنه رأى والده الراحل تمامًا، كان شبيه أبيه بحق:
"ابن نادر كمان، كان لازم يموت. اللي نادر كان بيحاول يعمله زمان، ابنه عمله انهاردة. حتى آسر."
قالت دولت بغل:
"ورحمة أبويا ما هرحمهم."
قال مجدي بغضب:
"في خاين بينا، هو اللي بلغ عن ميعاد التسليم. أعرفه بس، وشرف أمي هخليه يشوف العذاب ألوان."
قالت دولت بغل:
"غير اللي هيشوفه على إيدي."
سمر وقت ليس بطويل، استعاد فيه الاثنان أنفاسهما. لتقف دولت بغل متوجهة حيث الغرفة الموجودة أسفل القصر، الموجود بها تيا وجيانا، وخلفها مجدي يحتسي كأس النبيذ، وعقله يدور بعدة مدارات، يفكر من ذلك الخائن الموجود بينهم.
***
أسفل القصر، ذلك المكان الذي لا يعرفه سوا هذان الخبيثان. كانت تيا فاقدة للوعي بجانب جيانا، التي بدأت تستعيد وعيها. كانت يداهما مقيدتين من الخلف. المكان مظلم، إلا من نور خفيف يأتي من ذلك المصباح الموجود أمام باب الغرفة. انتفضت جيانا خائفة، توكز تيا في كتفها برفق لتفيق. لتبدأ تيا باستعادة وعيها، لتنفض بهلع وفزع ما إن تذكرت ما حدث لهم قبل أن تفقد وعيها.
كادت أن تصرخ، لتمنعها جيانا قائلة بتحذير:
"هش... وطّي صوتك، مش عايزين حد يعرف إننا فُقنا. خلينا ندور على حاجة نفك بيها الحبال دي."
بالفعل، بدأ الاثنان بالبحث عن قطعة زجاج أو أي شيء حاد، لكنهم لم يجدوا سوا قطعة زجاج صغيرة جدًا، يمكن أن لا تفي بالغرض.
أمسكتها جيانا بيدها، تحاول قطع الحبال. ولحسن حظهم، أن الذي قيدهم لم يقيد قدمهم. قالت تيا بخوف وصوت منخفض هامس:
"خلي بالك يا جيانا."
أومأت لها جيانا، وسريعًا كانت تحرك الزجاجة على الحبال بسرعة، غير عابئة بجرح يدها، وقد انجرحت بالفعل وبدأت تنزف الدماء منها، لكنها لم تهتم وتحملت حتى يخرجوا من ذلك المكان.
كانت قد شارفت أخيرًا على قطعة. ليجد الاثنان الباب يُفتح بقوة، وبعدها دخل مجدي برفقة دولت، التي كانت عيناها مليئة بالحقد والغل، وهي تناظر تيا وجيانا، التي زحفت حتى تجلس بجانب شقيقتها خائفة عليهما.
قالت دولت بسخرية وحقد:
"أهلاً... يا بنات أخويا."
قالت جيانا بحدة وهي مصدومة مما رأت، فهي تعرف والد رونزي من الصور فقط، لكنها لم تشعر بالصدمة من رؤية دولت، فهي تتوقع منها أي شيء، خاصة بعد ما علمت من والدها ماضيها المشرف:
"عايزة إيه مننا؟"
قالت دولت ببرود وسخرية:
"حاجة بسيطة خالص، روحكم. اقتلكم وأقهر قلب أكمل عليكم، مش طالبة كتير يعني."
قالت جيانا بقرف:
"انتي طلعتي زبالة أوي."
غضبت دولت، ورفعت يدها لتصفعها، لكن قبل أن تمس وجنتها، صاحت عليها جيانا بغضب وقوة:
"قسمًا بالله لو إيدك اتمدت، لقطعهالك."
توقفت يد دولت، وبقت تحدق بعيون جيانا، قائلة بحقد وغل:
"طالعة لأبوكي، نفس عيونه، عيونه اللي عمري ما شوفت فيها خوف."
قالت جيانا بسخرية وغضب:
"حد قالك إني يوم ما هخاف، ممكن أخاف منك انتي؟ ده يبقى عبيط أوي اللي ضحك عليكي وفهمك كدا."
اشتعلت غاضبة منها ومن عجرفتها وغرورها، لتقول بخبث وشر:
"أما كسرة غرورك اللي طالعة بيه لفوق ده، انتي وأبوكي، ما أبقاش دولت."
قالت جيانا بسخرية وتحدي:
"أعلى ما في خيلك اركبيه. أنا وأختي هنخرج من هنا سليم."
ابتسمت دولت بسخرية، لتنتبه جيانا أن ذلك الحقير يقف خلفها، ويناظر أختها بنظرات شهوانية قذرة. زحفت، وجعلت أختها تختبأ خلفها، قائلة بحدة:
"عينك يا حيوان، لا أخزقها لك."
اللمعت تلك الفكرة بعقل دولت الخبيث، قائلة بمكر لمجدي:
"عاجبك؟"
رد عليها وهو يلعق شفتيه بطريقة قذرة وبرغبة:
"أوي. جامدة بنت الـ..."
ارتعش جسد تيا بخوف، ونزلت دموعها بخوف، وكذلك جيانا، التي شعرت بخوف لم تشأ أن تظهره لهم، وخاصة عندما قالت دولت بمكر وهي تنظر بداخل عيون جيانا:
"بقت ليك؟ عايزك تقضي معاها ليلة تحلف بيها العمر كله، ومتنساهاش."
قالت جيانا بغضب وحدّة:
"أقسم بالله اللي هيقرب من أختي، هقتله."
ابتسمت دولت بمكر، وقد عرفت أنها فعلت الصواب، لتكسر أعينها. أشارت لمجدي، قائلة بمكر:
"أنا رايحة أستريح شوية، خد راحتك ع الآخر، بس عايزة الصوت يوصلي، وياريت لو يحصل قدام عين القمورة."
قالتها وهي تربت على وجنة جيانا ببعض الحدة، لتشيح الأخرى وجهها بعد أن بصقت بوجه دولت باشمئزاز، قائلة:
"مشوفتش أوطى منك، انتي واحدة مريضة."
كان رد دولت على فعلته صفعة قوية على وجنتها، لتشتعل الأخرى قائلة قبل أن تغادر الغرفة:
"خد راحتك يا مجدي."
ابتسم مجدي بمكر وشهوة، وهو يطالع جسد تيا بعينيه، كأنه يجردها من ثيابها. لتبكي الأخرى بخوف من نظراته وما ينوي فعله بها، لتنظر لأختها، التي طمأنتها بعينيها.
ألقى مجدي ذلك الكأس الذي كان موجود بيده بعدما ارتشف الكحول الموجودة به دفعة واحدة، يقترب من تيا، يفك وثاق يدها بتلك المادية (المطواة) التي كان يحتفظ بها بجيب سترته، ولم يكن لديه صبر حتى يبقى يحرر ذلك الحبل السميك، ليحصل على تلك الفتاة التي أعجبته وبشدة، قائلًا بعدما غمزها بعينيه التي تناظرها بوقاحة ورغبة:
"بشرفي لأعيشك ليلة تحلفي بيها عمرك كله."
قالت جيانا بحدة وغضب، ولم تخلو نظراتها من الاشمئزاز:
"شرفك هو واحد وسخ زيك عنده شرف؟ ده انت العيل الصغير عنده رجولة عنك."
ضحك بسخرية رغم غضبه، قائلًا بوقاحة:
"نشوف أختك القمر دي بس، وهي تبقى تقولك راجل ولا لأ، ويمكن أجرب معاكي عملي عشان تصدقي، هعجبك متقلقيش، ده أنا جامد أوي."
نظرت له بأشمئزاز، بينما هي تحاول قطع الجزء المتبقي من الحبل، لكنه كان سميك جدًا، وكلما زاد صراخ تيا، التي ما إن فك وثاقها، تمسكت بجيانا أكثر، ليسحبها الآخر عنوة، وقد راقته شراستها وهي تبعد يده عنها بقوة، ليصبح الوضع له تحديًا.
جذبها من يدها على بقوة وعنف، يلقيها على ذلك الفراش الوحيد المتهالك بتلك الغرفة الموجودة أسفل القصر، وجثى فوقها يقيد يديها، محاولًا تقبيلها عنوة، ولكن الأخرى لم تستسلم وتدافع عن حرمة جسدها بشراسة.
أما عن جيانا، بكل قوة تمتلكها، كانت تحاول قطع الحبل، ونجحت بعد أن جرحت يداها، وأصبحت الدماء تنزف منها بغزارة، وبدون تردد، كانت تمسك بتلك المادية الملقاة بجانب الفراش بعدما سقطت منه، تغرسها بظهره بكل قوة وبدون تردد، ليصرخ الآخر متألمًا، وجهه متشنج، يتنفس بصعوبة، وبعدها سقط أرضًا على ركبته يئن بألم، وعيناه متوسعة بشدة، وبعدها سقط أرضًا فاقدًا للوعي أو ميتًا.
لترتجف تيا بخوف، تقف بجانب أختها تمسك بيدها خائفة. أما عن جيانا، لم تهتز. نظرت له باشمئزاز، ثم بصقت عليه قائلة بقرف:
"في داهية تاخده، يارب يكون راح للي خلقه ويريح الدنيا من قذرته."
قالت تيا بخوف:
"هنعمل إيه يا جيانا؟ أنا خايفة أوي."
قالت جيانا بثبات، رغم خوفها هي الأخرى، ولكن يجب أن تظل قوية ثابتة من أجل شقيقتها، ومن أجل أن يخرجوا من ذلك المكان بسلام:
"أكيد الزبالة ده معاه تليفون، خلينا نتصل ببابا."
بعد دقيقتين من التفتيش بجيوبه، لم يجدوا أي شيء، لتبكي تيا بخوف. أما عن جيانا، لم تعرف ماذا تفعل. مسكت يد أختها، متجهة ناحية الباب، تحاول أن ترى ما بالخارج من ذلك الشق الصغير بالباب، لتجد أن الممر خالي، لا يوجد به أي أحد. فتحت الباب بحذر وببطء، وتيا خلفها، وأخذت تمشي بذلك الممر الطويل، تتمسك بيد أختها، وباليد الأخرى تمسك بتلك المادية، الوسيلة الوحيدة التي تمتلكها للدفاع عن نفسها وعن شقيقتها.
استمعت لصوت خطوات تقترب منهم، لتفتح الباب سريعًا، تدخل لتلك الغرفة الجانبية بدون تفكير، وخلفها تيا، مغلقة الباب خلفها. لكن ما إن دخلا، ووجدا ما بالغرفة، وضعت كلتاهما يدها على فمها من الذهول. نظرات قهر وحسرة كانت ينظرون بها لتلك الأعضاء المحاطة بواجهة زجاجية بداخل ذلك السائل لحفظها. كانت الغرفة مليئة بالكثير من تلك. بكت تيا بحزن، أما عن جيانا، لم تكن تعلم أن دولت حقيرة بكل ذلك القدر والشر، وشعرت بالشفقة على رونزي، التي تمتلك أب مثل هذا، وكذلك شعورها بالحزن والشفقة مماثل ناحية فريد.
قالت جيانا بخفوت وصوت خفيض:
"خلينا نطلع، الصوت بعيد."
أومأت لها تيا، وخرج الاثنان من الغرفة بحذر، دون إصدار أي صوت. كلاهما تلتف يمينًا ويسارًا. خرجوا من ذلك الممر، الذي يصل بهم إلى سلم جانبي. راقبت جيانا الوضع، لتجد رجلان يقفان بالأسفل. لتسألها تيا بصوت خفيض جدًا:
"هنعمل إيه؟"
قبل أن تجيب الأخرى، سمع الاثنان صوت أحد الرجال العالي يطلب الاستغاثة، بعد أن رأى مجدي مطعونًا وملقى أرضًا. لتجذب جيانا تيا من يدها، تدفعها لداخل لتلك الخزانة الموجودة بأحد الأركان، والتي بصعوبة ستأخذ جسد الاثنان للاختباء. أغلقت جيانا الباب، وهي تقف بجانب تيا من الداخل، كلامهما تضع يدها على وجهها، تكتفي أنفاسها. بينما الرجال الذي بالطابق الأسفل صعدوا جميعًا على أثر صراخ الرجل، حتى دولت هرعت إلى تلك الغرفة راكضة.
ما إن اختفى صوت الأقدام، حتى جذبت جيانا تيا من يدها. ما إن خرجوا، وجدوا ما جعل تيا تشهق بقوة وخوف!
رواية ليتني لم احبك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شهد الشوري
ما إن اختفى صوت الأقدام حتى جذبت جيانا تيا من يدها.
ما إن خرجوا وجدوا ما جعل تيا تشهق بقوة وخوف عندما رأت أحد الرجال يقف أمامهم بيده سلاح.
قال لها سريعًا وهو يلتفت يمينًا ويسارًا خوفًا من أن يراه أو يسمعه أحد:
ادخلوا الدولاب وفضلوا جواه. نص ساعة والبوليس هييجي. الدور ده مفيش فيه كاميرات، متخافوش. أنا هنا بساعدكم.
بدون كلمة كانت جيانا تدفع تيا لتدخل الدولاب وهي خلفها. لكن قبل أن يغلق الرجل الباب عليهم أعطاهم سلاحًا قائلاً بسرعة وصوت خفيض:
خلي السلاح معاكم.
أومأت له سريعًا ليغلق هو الباب بعد أن دخلت ثم ذهب سريعًا.
ما إن سأله أحد الرجال عنهم قال:
أنا دورت كويس في الدور ده، ملقتش حد. ممكن يكونوا في اللي تحت.
بينما على الناحية الأخرى كانت سيارات الشرطة تتحرك ومعهم آسر وسمير وأكمل وبالطبع فريد وأيهم وحامد. الذي لولا أن أحد رجال مجدي المسئولين عن حراسة ذلك القصر من رجاله، لم يكن ليعرفوا مكانهم.
بعد وقت وعلى بعد ليس ببعيد كانت عناصر الشرطة تتوزع بالمكان محاوطين القصر.
ليقول حامد لآسر بعدما علم من ذلك الرجل الذي يعمل لصالحه:
فيه باب خلفي عليه اتنين حراس.
أخرج أيهم وفريد سلاحهم الخاص مستعدين حتى يتوجهوا للباب الخلفي.
ليوقفهم آسر قائلاً:
انتوا رايحين فين؟ انتوا هتفضلوا هنا ومش هتتحركوا.
فريد بحدة وصرامة:
أنا داخل معاكم ودي مفيهاش اعتراض.
أيده أيهم قائلاً بحدة:
إحنا داخلين واللي يحصل يحصل.
تدخل سمير قائلاً:
مينفعش، حياتكم ممكن تبقى في خطر.
قاطعه فريد قائلاً بحدة وصرامة:
أنا حياتي كلها جوه المكان ده، مش هفضل قاعد هنا مستني وحاطط إيدي على خدي.
أكمل بصرامة وخوف على ابنتيه:
مش وقت كلام، خلونا ندخل.
كاد أن يعترض آسر، لكن بنظرة من أكمل صمت على مضض. ليبدأ الجميع بالتسلل للداخل بعد أن قام بعض رجال الشرطة بالقبض على الحارسين بهدوء. كان الباب الخلفي يوصلهم للدور الأرضي من القصر الذي لم يكن به سوى عشر حراس. أما الباقين فهم على الباب الأمامي للقصر. صوب آسر سلاحه وكذلك سمير. وكان كات للصوت باتجاه الرجال. وما إن سقط الرجل انتفض الباقين مخرجين سلاحهم فقد كان مجتمعين يبحثون عن تيا وجيان.
ليبدأ تبادل إطلاق النار. بعد دقائق كانوا الرجال ملقين أرضًا بعد إصابتهم بالطلق الناري. ليصعد فريد سريعًا وخلفه أيهم والباقين الطابق العلوي حيث تختبئ جيانا وتيا كما أخبرهم الرجل. ليفتح فريد باب الدولاب سريعًا بخوف ولهفة. ليجد جيانا ترفع السلاح بوجهه وقد ظنت أنه تم كشف مكانهم.
ما إن رأته ورأت والدها خلفه، ارتمت بأحضان والدها هي وتيا التي انفجرت باكية بأحضان والدها تقص عليه كل ما كان سيفعله بها ذلك الحقير. بينما جيانا اكتفت بالكون داخل أحضان والدها تستمد منه الأمان التي افتقدته باللحظات السابقة. كل ذلك تحت نظرات فريد الحزينة وأعين أيهم التي أصبح حمراء كالجمر. ما إن استمع لكل ما قالته. بينما فريد كل كلمة كانت تنزل على قلبه كخناجر تمزق قلبه لألف قطعة. والدته السبب وفعلت كل ذلك.
أيهم بنبرة آتية من الجحيم:
متلقح في انهي أوضة؟
أشارت جيانا بيدها بغرفة بأخر الممر ليركض صوبها غير عابئ بأي شيء. وخلفه الجميع. بينما باقي عناصر الشرطة تولت أمر الرجال الذين يحرسوا الباب الإمامي للقصر. ما إن دخلوا للغرفة وجدوا مجدي ملقي أرضًا وحوله بركة من الدماء. قام سمير بقياس نبضه ليقول:
فيه نبض. لسه عايش.
آسر وهو يبحث بالمكان:
دولت فين؟
جاء ذلك الرجل الذي ساعدهم على الوصول للمكان:
على سطح القصر. في طيارة هتيجي تأخذها من فوق.
بسرعة كان الجميع يصعد للأعلى. لكن ما إن صعد وجدوا دولت صعدت للسطح قبلهم بدقيقة فقط. كانت تلهث بقوة. كان خلفها رجلين ذو جسد ضخم. أطلق عليهم آسر وسمير الرصاص عندما صوبوا السلاح تجاههم. لترفع دولت سلاحها قائلة بحدة وتهديد وهي تتراجع للخلف:
محدش يقرب.
فريد بحزن:
ماما.
صرخت عليه قائلة بغضب:
متقولش ماما. انت واقف في صفهم. جاي عايز تسلم أمك للبوليس؟ بس ده مش هيحصل أبداً. على جثتي. الموت عندي أهون.
آسر بحدة:
سلمي نفسك بهدوء أحسن. مش هتستفادي حاجة من اللي بتعمليه. الرجالة بتوعك كلهم ماتوا. واللي اتقبض عليه حتى مجدي.
نفت دولت برأسها قائلة بحدة وغضب:
مش هيحصل. الموت أهون من إن آخرتي وآخرة كل اللي بنيته فيه سنين يبقى السجن.
هز أكمل رأسه بخيبة أمل قائلاً بحزن ظهر بصوته بوضوح وهو ينظر لها:
قضت عمرها كله مقهورة على بعدك. كانت معانا بس عقلها وقلبها كانوا دايماً بيفكروا فيكي. الحمد لله إنها ماتت قبل ما تشوف اللي قضت عمرها كله مقهورة عليها وهي ماتستاهلش.
صاحت دولت بغل:
انتوا السبب. انت وإبراهيم وأبوكم السبب. أبوكم هو اللي ضحك عليها وخلاها يوم ما تختار تختاره هو وبنتها. لأ، هي باعتني عشانكم. كنتوا أحسن مني في إيه ها؟ كنتوا أحسن مني في إيه عشان تختاركوا وأنا لأ؟ أنا بكرهك وبكره إبراهيم وبكره أبوك لأنه السبب.
أكمل بحدة وغضب:
أبويا وأنا وإبراهيم مكنش لينا ذنب ولا عملنا حاجة. أبوكي هو السبب والغلطان. هو اللي طلقها وخدك منها. أبوكي هو اللي ملا دماغك بكل الغل والحقد ده. مفيش أم تتحط في اختيار بين ولادها وتختار واحد بينهم. كان غصب عنها. دي كانت بتحبك أكتر واحدة فينا. وكانت كل لحظة تتكلم عنك. متلوميش حد غير نفسك يا أما. أبوكي اللي ملا قلبك وعقلك بالغل ده.
تنهد ثم تابع وهو ينظر لها بسخرية:
لو كنت عرفتي إحنا فضلنا سنين قد إيه نستنى عشان نشوفك، عمرك ما كنتي فكرتي في أذيتنا. إحنا حبناكي من غير ما نشوفك للحظة واحدة من كلامها عنك. بس انتي صدمتينا وقدرتي تحولي حبنا ليكي كره وبس. خلقتي بينا عداوة. لا أنا ولا إبراهيم فكرنا في يوم إنها ممكن تكون بيننا.
دولت بغضب وقد أعماها الحقد والغل من أن ترى تلك الحقيقة:
انت كداب واللي بتقوله عمره ما هيقلل من كرهي ليك وليهم. انتوا السبب.
أكمل بسخرية وحدّة:
أنا مش بقول كده عشان أُقلل كرهك. أنا بقولك عشان أوريك قد إيه انتي غبية. كرهك أو حبك ما يفرقوش معايا. لأني شعوري ناحيتك عمري ما هيبقى غير كره. بس لأني لا عمري هنسى إنك سبب موت أبويا وأخويا يا دولت.
صاحت بغضب شديد:
أنا مش غبية. أنا أذكى واحدة فيكم. سامعني؟ أنا أذكى واحدة فيكم.
آسر بمكر حتى يدفعها لتقول كل ما تعرف والذي سيكون صدمة للجميع بلا استثناء:
بأمارة إيه بقى إنك ذكية؟
ردت عليه بفخر بما فعلت وكأنه عمل صالح:
بأمارة إن قدر ادمر جزء من حياة كل واحد فيكم. أمم نبدأ بمين؟
تابعت وهي تنظر لآسر بشماتة:
إبراهيم. أدخل في اللي ملوش فيه، وكان هيدمر كل اللي بنيته في سنين. بعد ما وقع في إيده ورق يودي مجدي في داهية. وطبعاً مجدي لو وقع كنت أنا هتكشف وأقع وراه. فكان الحل إيه بقى؟ نخلص منه. بس حظه إنه مراته كانت معاه فماتوا الاتنين. بعد ما حد من رجالة مجدي لعبوا في الفرامل بتاعة العربية وماتوا.
اصطنعت التفكير قائلة وهي تنظر لأيهم بالأخير:
أمـم نبدأ بمين تاني؟ نبدأ بإيه؟
نظر أيهم لها بصدمة وعدم فهم. لترد عليه هي قائلة بفخر وحقد ظهر بوضوح بصوتها:
بتبصلي كده ليه؟ أنا آذيتك؟ أيوه. ومش بس انت، ده أبوك كمان اللي عملي فيها روميو. مش موضوعنا. طبعاً الكل مفكر نور ماتت قضاء وقدر. أكيد لا. ودي حاجة تفوتني؟ أسيبها تموت قضاء وقدر من غير ما يكون ليا يد؟
ضحكت بسخرية وقالت بضحك ونظرات شامتة:
ده أنا حتى بحبها. ومن كتر حبي فيها مرضتش أموتها زي الباقين. ده هي حباية كل يوم في العصير. موصية عليها من بره. خليت موتها يبان طبيعي.
كلماتها صدمته. لقد قتلت والدته الحبيبة بكل برود. كاد أن ينقض عليها لولا يد سمير الذي منعته من التهور:
آه يا بـ...
تراجعت خطوتان للخلف قائلة بشماتة وغل:
كانت تستاهل تموت. تفرق إيه هي عني عشان يبقى عندها زوج يحبها وأنا لأ. تفرق إيه عني عشان جدتك وجدك يحبوها ويفضلوا يمدحوا فيها وأنا لأ. تفرق إيه عني عشان الكل يحترمها وأنا لأ. من يوم ما دخلت قصر الزيني وسرقت مني مكانيتي فيه، كانت مفكرة نفسها أحسن مني. لكن أنا مفيش أحسن مني. أنا دولت هانم اللي لسه متخلقش اللي يفكر يتحداها أو يحط راسه براسها. ده أنا أنسفه من على وش الأرض.
"هقتلك." صاح بها أيهم وهو يحارب يد سمير وآسر الذي منعاه من الذهاب لها والفتك بها. تلك الحقيرة قتلت والدتها أغلى ما يملك.
ردت عليه بسخرية وتقليل منه:
اتكلم على قدك يا حبيبي. كان غيرك أشطر.
تنهدت قائلة بضيق مصطنع:
أوف بضيع وقت. انت خلينا نروح للباقي.
تصنعت التفكير مرة أخرى قائلة وهي تنظر لأكمل الذي يحتضن بناته ولازالت توجه السلاح تجاه الجميع:
أمـم نروح لمين؟ أه نرجع تاني ليك يا أكمل ولبناتك. أمـم جواد كان شخص حقير أوي. يبيع أبوه عشان الفلوس. مع ذلك سمعته كانت كويسة أوي في وسط رجال الأعمال. عملت إيه أنا بقى؟ اتفقت معاه إنه يخطب بنتك. واتفقت معاه برضه إنه يخطفها ويخدرها ويصورها معاه. بس بنتك الحظ كان من نصيبها عشان ابني أنا يروح ينقذها. وكان هيموت بسببها.
تعرف جواد قبل إنه يعمل كل التمثيلية دي مقابل عقد تعاقد مع شركة عالمية. لولا أن الحظ محالفك كان البوليس بكرة بيخبط على باب بيتك بتهمة قتل جواد.
تابعت لغل وهي تنظر لتيا وجيان وأكمل:
أما خطف بناتك النهاردة تم بأمر مني. كان لازم أكسر عينك وعينهم. كنت ناوية أرميهم لرجالتي يتسلوا بيهم بعد ما مجدي يخلص منهم ويبعتهم ليكم.
منع نفسه بصعوبة من أن يذهب ويخرج بروحها تلك الحقيرة. يقسم أن الشيطان يتعلم منها.
تابعت دولت وهي تنظر لحامد الذي يناظرها بغضب شديد:
حامد. حامد الخاين.
رد عليها بشراسة:
أنا عمري ما كنت خاين. الخيانة دي من طبعك انتي مش أنا.
ضحكت بسخرية قائلة:
بسبب غبائك وعنادك زمان ابنك مات. فيها إيه لو كنت سمعت الكلام من الأول كان زمانه عايش. بس هنقول إيه بقى؟ ناس مش بتيجي غير بالسكة.
نظرت له بسخرية متابعة بعد أن التقطت أنفاسها:
لو كنت سمعت الكلام وخدت الفلوس وقفلت بوقك مكنش حصل اللي حصل لابنك. واضطريت أقتله أنا ومجدي. قرصة ودن ليك. وأديك خسرت ابنك والفلوس والورق اللي كنت ناوي تقدمه للبوليس جالي من تاني. شوفت أد إيه انت غبي وأنا ذكية. انت خسرت التلاتة وأنا كسبت.
نظرت له متابعة بفخر وغرور:
بس اعترف إن لولا اللي عملناه فيك وفي ابنك مكنتش وصلت للي وصلته دلوقتي.
رد عليها بشراسة مقتربًا منها لتتراجع هي للخلف خطوتان:
نهايتك هتبقى على إيدي.
ما إن أمسكه سمير مانعًا إياه من التحرك.
تابعت هي بسخرية:
اتكلم على قدك انت. أضعف من إنك تعمل كده.
تظاهرت بضيق مصطنع قائلة بفخر:
سيبني أكمل بقى. خليهم يتعلموا ويشوفوا الذكاء. أمـم نروح لمين؟ أه خلينا في زينب الخدامة وبنتها.
ابتسمت بغل قائلة:
كان لازم قرصة ودن ليها عشان تبقى تفكر قبل ما تحط راسها براسي. الخدامة دي. صحيح محمد اختارني. بس ده مكنش كفاية ليها. بالتوكيل اللي محمد كان عمله ليا لمدة كام يوم بس. بعت البيت اللي كان مقعدهم فيه ورميتهم في الشارع. بس الظاهر ده مكنش كفاية. كان لازم أخلص منها ومن بنتها وأرتاح منهم.
نظرت لسمير متابعة بسخرية وخبث:
أمـم نيجي لسمير. هو الصراحة مش أنا اللي عملت ده.
نظر لها مجدي بصدمة وعدم فهم. لتتابع هي بسخرية:
إيه بتبصلي كده ليه؟ هو انت مفكر إن انت الوحيد اللي مفيش حاجة طالتك؟ تبقى غلطان. ده انت أكبر مغفل فيهم. تخيل تبقى...
آه! خرجت من شفتيها يليه صراخها الذي شق سكون الليل بعد أن تراجعت خطوة للخلف دون أن تنتبه أنها تقف على حافة سور القصر القصير. ساقطة أرضاً يحاوطها بركة من الدماء.
تحركت عناصر الشرطة للأسفل حتى يلحقوا بها بعد أن حضر عدد كبير من سيارات الإسعاف. بينما الجميع مازالوا يقفون بالأعلى مصدومين من كل ما قالت ومن كم الشر والحقد الموجود بتلك السيدة.
نظرت جيانا لفريد بشفقة وحزن عندما وجدته يقف مكانه بجسد متخشب وعيناه تناظر أثر والدته بصدمة وحسرة كبيرة وألم. رأتهم بعينيه بوضوح. ابتعدت عن حضن والدها ولم تهتم بأي شيء. فهيئته تلك تؤلم قلبها وبشدة. مسكت يده بدعم كأنها تخبره أنا بجانبك.
نظر لها بأعين تلتمع بالدموع التي تأبى النزول. لتبادل نفس النظرات. بينما برغم نيران الغضب المشتعلة بقلب الجميع والرغبة في الانتقام من دولت وقتلها، إلا أن شعور الشفقة لازمهم أيضاً عندما ينظروا لفريد الذي لم ينطق بأي كلمة. فقط جسده متخشب مصدوم لا يتحدث أبداً.
بعد وقت وصل الجميع للمستشفى حتى يطمئنوا على صحة جيانا وتيا. ويعرفوا ما هي حالة دولت ومجدي. بينما فريد لا يزال على صدمته يمسك يدها بيديه حتى الآن. رغم غضب أكمل مما يحدث إلا أنه يشفق عليه وبشدة. فما حدث لا يقدر أي أحد على تحمله.
بعد وقت اطمئن الجميع على حالة جيانا وتيا. وبعدها خرج الطبيب يخبره بحالة مجدي ودولت قائلاً:
الأستاذ مجدي قدرنا نلحقه. أسبوع أو اتنين بالكتير وحالته تتحسن. هو دلوقتي موجود في العناية المركزة.
تنهد متابعاً بأسف:
أما بخصوص مدام دولت. أنا آسف بس حالتها كانت خطيرة جداً. الواقعة قصرت على العمود الفقري وسببت ليها... شلل!
عاد الجميع لمنازلهم بعد يوم حافل بالأحداث. من الحزين ومنهم الذي سعد بتحقيق مبتغاه بعد سنين من الصبر. أما عن سمير لم يتوقف عن التفكير بما كانت ستقوله تلك الحقيرة قبل أن تسقط من على سطح البناية. عقله يعمل بعدة اتجاهات يحاول تفسير كلماتها.
بينما كان أول من غادر حامد متوجهاً سريعاً وبدون صبر لمنزل زوجته السابقة وحبيبة قلبه الوحيدة ومن عشقها بكل جوارحه.
على صوت طرق على الباب استيقظت نعمة وارتدت أسدالها متوجهة لتفتح الباب وهي متعجبة من الذي يزورها بذلك الوقت. ما إن فتحت الباب رددت بصدمة:
حامد!
أجابها بابتسامة وحب:
أيوة حامد يا نعمة.
سألته بدموع تلمعت بعينيها:
جاي عايز إيه؟
دفع الباب برفق ليدخل للداخل قائلاً بحب صادق:
جاي أقولك حق عليا. جاي أقولك إني عارف إني ببُعدي عنك وجعتك بس غصب عني. مكنتش هقدر أعيش وأكمل حياتي من غير ما آخد حق ابني.
سألته بسخرية مريرة:
وخدته؟
قص عليها كل شيء حدث منذ أن تركها للآن. وما انتهى قال بحزن:
لو كنت كملت في انتقامي وأنتي معايا كان ممكن يجرالك حاجة. مقدرتش أجازف بيكي وبعدت عنك عشان كنت خايف أخسرك زي ما خسرت حسن ابني زمان.
سألته بدموع أغرقت وجهها بالكامل:
ودلوقتي جاي ليه؟
أجابها بابتسامة وعيناه تناظر كل إنش بوجهها باشتياق وحنين:
جاي عشانك. حتى عشان نرجع لبعض.
ابتسمت بسخرية مريرة قائلة:
انت قدرت تعيش من غيري السنين دي كلها؟ هتقدر تعيش من غيري سنين تانية؟ انت مبقتش محتاجني زي زمان.
مسك كتفها وجعلها تقف أمامه وقال بصدق وهو ينظر لداخل عينيها:
مين قال إن مبقتش محتاجك؟ أنا محتاجك أكتر من الأول بكتير. أنا عمري ما في لحظة عدت عليا إلا وكنت بفكر فيكي. أنا عمري ما أقدر أعيش من غيرك يا نعمة.
نفت برأسها قائلة بدموع تغرق وجهها:
كداب. والدليل سنين البعد دي كلها من غير ما تسأل عني أو تفكر تشوفني. انت نسيتني وأنا كمان نسيتك ومش عاوزاك. وما بقتش أحبك.
رد عليها بحزن وألم:
كدابة. أنا أكتر واحد يعرفك. قلبك لسه بيحبني زي ما قلبي لسه بيحبك. والدليل عينيكي اللي بتهرب مني. كفاية بقى يا نعمة. أنا مش حمل وجع فراقك تاني. مش عايز أخسرك زي ما خسرت حسن زمان. خليكي جنبي ومعايا. أنا مقدرش أعيش من غيرك. أنا بحبك.
ساحته بدموع وحزن:
ومراتك.
تنهد قبل أن يجيبها قائلاً:
اتجوزتها بس عشان أثبت ليهم إني ناوي أجمع فلوس بأي طريقة وإني نسيت الفقر ومش ناوي أرجعه. هي وأنا هنطلق. هي أصلاً طالبة الطلاق من حوالي أسبوعين.
لم تجيب واكتفت بدموعها التي تنزل بصمت على خديها. رفع يده يحاوط وجهها يمسحهم بحنان وعيناه مصوبة على شفتيها باشتياق. كان ينوي تقبيلها لكنها دفعته بعيداً عنها قائلة بحدة وتوبيخ:
انت بتعمل إيه؟ أنا مش مراتك.
رد عليها بابتسامة وحماس:
بسيطة. اتجوزك تاني. ودلوقتي حالاً.
رفعت حاجبها قائلة:
والله؟
رد عليها ببراءة:
أيوة والله. ادخلي البسي بس.
شملها بنظرات قائلاً على ما ترتدي:
ولا أقولك ملوش لازمة. خليكي كده زي القمر برضه.
ثم جذبها من يدها سريعاً حتى يخرج من المنزل لتوقفه قائلة:
يا مجنون رايح فين؟ الناس نايمة دلوقتي.
رد عليها بلهفة وتصميم:
هجيب مأذون من تحت. تقاطق الأرض. أنا هبقى مجنون بجد لو ضيعت لحظة واحدة بعيد عنك بعد كده. أنا وانت تعبنا كتير في حياتنا يا نعمة. خلينا نعيش بقى وننسى اللي فات.
نظرت له مطولاً بعدها أومأت برأسها قائلة بخجل:
بحبك.
أطلق تنهيدة حارة قائلاً:
صبرني يا رب.
ثم غادر معها سريعاً حيث ذلك المأذون الذي وجد صعوبة ليعثر عليه بذلك الوقت ليجده أخيراً بأحد المساجد يؤدي صلاة الفجر. وجاء باثنين من الشهود من نفس المسجد شاهدين على عقد القران. بعدها أخذها متوجهاً لمنزلها ومنزله سابقاً بذلك الحي الذي قضى طفولته وكل حياته قبل أن يحدث ما يحدث. واكتفى بأن تنام بأحضانه فقط لينام الاثنان بسلام وهدوء افتقده الاثنان منذ سنوات طوال.
في الصباح استيقظ الجميع على ذلك الخبر. وعلموا ما حدث لمجدي ودولت. كان ما حدث صدمة للجميع ولقصر الزيني بالأخص بعدما علموا ما فعلته من أيهم. لينهار جمال من الصدمة لما حدث لحبيبة قلبه. لم يشفق عليها أحد أبداً بل وتمنوا موتها. أما عن فريد منذ ليلة أمس وهو مختفي. لو يستطيع أحد الوصول له.
بمنزل أكمل النويري. استيقظ الجميع وأولهم جيانا التي ارتدت ملابسها سريعاً لتخرج من المنزل. لكن قبل أن تخرج أوقفها والدها قائلاً:
رايحة فين يا جيانا ع الصبح كده؟
ردت عليه قائلة بتوتر:
مفيش بس كنت هروح.
قاطعها قائلاً بجدية:
كنت هتروحي لفريد؟
اخفضت وجهها بحرج وخجل قائلة بحزن:
اللي حصل مش سهل ابداً. كنت عايزة أطمن عليه. هو دلوقتي أكيد محتاج حد جنبه.
نظراته الحادة تجاهها أربكتها لتقول بتوتر:
مش هتأخر والله. هطمن عليه بس.
زفر بضيق. قهو أيضاً يشفق عليه قائلاً بضيق:
خدي معاكي سليمان. ومتتأخريش.
ثم تابع بنبرة جادة لم تخلو من القلق:
ابقى طمنيني عليه.
وأت له سريعاً قبل أن تغادر. لم تعرف أين تجده بعد أن وجدت هاتفه مغلق. لذا اتصلت بأيهم الذي ما إن سألته عنه قال بقلق:
مش موجود في الشركة ومرجعش الأوتيل. أنا بحاول أتصل بيه بس تليفونه مقفول. بدور عليه في كل حتة مش موجود خالص. أنا قلقان عليه.
أغلقت معه الهاتف تفكر إلى أين يمكن أن يذهب. لم يأت ببالها سوى ذلك المكان. لذا توجهت له على الفور. تدعو الله أن يكون هنا بالفعل.
بعد وقت كانت تدخل لوحدها من تلك البوابة الإلكترونية. بينما انتظرها سليمان بالخارج. أخذت تبحث بعينيها عنه بكل مكان قبل أن تدخل للكوخ لتزفر براحة عندما وجدته يجلس على الرمال بأهمال عاري الصدر وقميصه ملقي بجانبه أرضاً. اقتربت منه وبدون حديث جلست بجانبه على الرمال. ليلتفت ينظر لها لحظة بوجه حزين. بعدها أدار وجهه مرة أخرى ينظر الشاطئ أمامه. ليبقيا الاثنان لوقت غير معلوم في صمت. قاطعته هي عندما مدت يدها تمسك بيده قائلة بحزن:
أنا مش عارفة في مواقف زي دي بيقولوا إيه ولا المفروض أواسيك إزاي. بس أنا جنبك ومعاك.
صمت مرة أخرى قاطعه هو كأنه يحدث نفسه:
ليه كل ده؟ مكنتش أتمنى إن أمي تكون كده ولا تكون بالشر ده كله. أمي آذت كل اللي حواليا. اللي عملته كسرني.
تنهد قبل أن يتابع قائلاً بوجع وحزن:
كنت عارف إنها ممكن تؤذي أيوه، بس مش لدرجة توصل بيها الأذية لكده. آذيتها طالت الكل وابنها أولهم. كفاية عيشتي معاها سنين وعمر ما في لحظة فيهم كانت معايا إلا وكانت بتملى قلبي حقد وغِل. ديما وأمها ولا أبويا حتى. انتي كانت هتضيعك من إيدي وتأذيكي.
نزلت دموعه قائلاً بحزن:
رغم كل اللي عملته بس بحبها وزعلان ع اللي حصل ليها ده. في الأول والآخر أمي.
نزلت دموعها تغرق وجهها ليتابع هو بدموع هو الآخر لم يخجل أن يظهرها أمامها:
أنا مش وحش ومستاهلش يكون ليا أب وأم كده. ساعات كتير بقعد أسأل نفسي ليه أعيش كده من غير أب وأم يحبوني؟ هو أنا وحش؟ لما كنت صغير كنت بفرح لما ألاقيهم يقعدوا معايا. بس كانوا بيكسروا فرحتي لما ألاقيهم يبدأوا خناق زي عادتهم. أنا كنت ساعات بغير من أيهم لما كنت بشوف الحب اللي بين عمي ومرات عمي. وكنت بشوف قد إيه أيهم بيكون مبسوط معاهم. كنت بتمنى أكون مكانه. أنا مش وحش.
قاطعته قائلة بدموع وهي تضع يدها على شفتيه تمنعه من الإكمال قائلة وهي تنظر لداخل عينيه:
انت مش وحش.
رفع يده ينزع يدها من على شفتيه وظل متمسكاً بها قائلاً بحزن ووجع شق قلبيها لنصفين:
اللي عملته كسرني. أنا تعبان يا جيانا.
دموعها المت قلبها لم تشعر بنفسها سوى وهي تحتضنه كطفل صغير. ليقوم هو بدوره بالتشديد من عناقها باكيًا بقوة. لتبقى هي تربت على شعره بحنان ودموعها لم تتوقف للحظة واحدة. مضى وقت ولا يزال الاثنان يحتضنان بعضهم في صمت. ليبتعد هو قليلاً قائلاً ووجهه مقابل وجهها بحزن ورجاء:
انتي مش هتسبيني صح؟ مش هتبطلي تحبيني ولا هتبعدي عني؟ مش هتعملي زيهم؟ مش كدة؟
أومأت له قائلة بحزن لحزنه:
أنا معاك. مش هسيبك.
بخجل رفعت يدها الاثنان تحاوط وجنتيه تمسح دموعه قائلة بحنان:
انت لسه بهدوم امبارح. تعالى يلا روح غير هدومك وارتاح شوية.
أومأ لها بتعب وحزن. لتلتقط هي قميصه من على الأرض تنفض عنه الرمال. ثم ساعدته على ارتدائه. بعدها نهض الاثنان ليغادروا المكان. لكن قبل أن يركب سيارته كما أراد أوقفه سليمان قائلاً بجدية:
آنسة جيانا. أكمل باشا بلغني إن أجيبكم انتوا الاتنين ع البيت عنده.
قطبت جبينها بينما زفر فريد بضيق وقد ظن بأنه أراد رؤيته ليتشاجر معه لأن جيانا برفقته الآن. لكنه لم يكن لديه طاقة للجدال أو الاعتراض ليركب السيارة برفقتها متوجهين لمنزلها.
بعد وقت كان فريد يقف على باب المنزل برفقة جيانا. تستقبله والدتها بابتسامة حنونة وجميلة قائلة:
اتفضل يابني ادخل.
أومأ لها بابتسامة صغيرة. ما إن دخل وجد أكمل يخرج من غرفة مكتبه. وقف أمامه وبقى لحظات في صمت. بعدها قال بنبرة هادئة عكس ما توقع فريد:
تعالى معايا ع المكتب لحد ما يجهزوا الغداء.
تعجب من طلبه لكنه وافق ودخل المكتب برفقته. بينما صعدت هايدي مع سمير بناءً على طلب حنان ليتناولوا الغداء سوياً. حتى آسر صعد بعد إلحاح منها.
بداخل المكتب.
كان أكمل على المقعد الموجود أمام المكتب والكرسي المقابل له يجلس فريد.
ليقول أكمل بهدوء:
طبعاً انت فاكر إني جايبك عشان أسمعك أسطوانة ومحاضرات وأهزق فيك مش كده؟
ابتسم فريد بسخرية قائلاً:
ده المتوقع دايماً. ما افتكرش إن فيه موقف عابر بينا اتكلمنا فيه من غير تهزيق عشان أفكر في عكس كده.
أكمل بابتسامة:
بكرة لما تبقى أب هتقدر موقفي ساعتها يمكن تعمل زيي وأكتر. لكن أنا قاعد قصادك دلوقتي بصفتي خالك. مش بأي صفة تانية.
نظر له فريد مطولاً. وقد دار بعقله أن فعل ذلك فقط لأنه يشعر بالشفقة تجاهه. ليفهم أكمل ما يفكر به ليقول بعد تنهيدة عميقة:
أنا مش بقول كده شفقة أو لأنك صعبان عليا. لأ. أنا بقول كده لأن دي الحقيقة اللي أنت وأمك متقدرش ننكرها. أنا أبقى خالك.
أشاح فريد بوجهه بعيداً. هو أبداً لم ينكر صلة القرابة تلك. بل كان فخوراً بها وسعيداً. لكنه كان يحزن لأن العلاقة بينهم متوترة هكذا. ليقول أكمل بجدية:
بصلي هنا.
نظر له فريد ليتابع أكمل قائلاً:
اللي حصل مش نهاية الدنيا. خليك قوي ومتسمحش لحاجة تكسرك. الدنيا كده عمرها ما بتدي الحلو.
تنهد فريد قائلاً بصدق:
الحاجة الوحيدة اللي مصبراني على حياتي والدنيا دي وكل اللي بيحصل هي بنتك. هي الحاجة الوحيدة الحلوة اللي حصلتلي في حياتي.
اخفض وجهه بعدها أطلق تنهيدة عميقة قائلاً برجاء بعدها وهو ينظر بداخل أعين أكمل الذي شعر بالغضب مما قال:
بلاش تحرمني منها وخليها جنبي على طول. أنا والله بحبها ومش ناوي أوجعها. اللي حصل زمان أنا دفعت تمنه سنين بُعد عنها واتعلمت من اللي حصل.
أكمل بغضب حاول التحكم به واستطاع ليقول بهدوء:
لما أشوف إنك تستاهلها ساعتها هسلمها ليك بإيدي.
تنهد فريد بضيق قبل أن يدخل رامي يخبرهم بأن الغداء جاهز. وقد انضم إليهم أيهم بعد أن هاتف جيانا ليعرف إن كانت عثرت على فريد أم لا. لتخبره أنه معهم بالمنزل ليأتيه على الفور ليطمئن عليه وعلى حبيبته. كان الجميع يتناولون الطعام بصمت إلا من بضع كلمات. فالجميع عقله مشغول بشيء ما يريد إجابة له. بينما جيانا كانت عيناه مصوبة على فريد الذي يبدو عليها الإرهاق والحزن بوضوح.
استيقظت رونزي أيضاً على هذا الخبر الذي انتشر بكل مكان وهو القبض على والدها وإصابته وهو الآن بالمستشفى تحت حراسة مشددة من الشرطة. لذا سريعاً كانت قد جمعت أغراضها متوجهة للمطار لتصعد أول طائرة لمصر. لكن تلك المرة بأخرى مختلفة لا تنوي على خير أبداً.
رواية ليتني لم احبك الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شهد الشوري
كان الجميع يجلس بصالون المنزل. جاءت حنان بعد أن أعدت الشاي والقهوة لهم. مالت جيانا على فريد تسأله بقلق:
"انت كويس؟"
ابتسم قائلاً بمرح وغزل محاولاً عدم إظهار حزنه أمامها حتى لا تظل على خوفها هذا:
"يعني هو معقول أشوفك أول حد الصبح وما أبقاش كويس؟ ده أنا أبقى ما بفهمش ولا بحس."
تنهدت، وحركت رأسها بيأس. تذكرت غزله المفاجئ لها بالسابق أيضًا، قائلة:
"لسه زي ما أنت."
نفى برأسه قائلاً بصدق وحب:
"فريد بتاع زمان كله اتغير، ما عدا حاجة واحدة ما اتغيرتش فيه ولا هتعمرها، وهي حبه ليكي اللي عمره ما نسيه ولا هينساه."
جاء صوت أكمل الساخر من الخلف، وكان يجري مكالمة هامة تخص عمله:
"آه، وإيه كمان؟"
تنهد فريد متمتمًا بصوت خفيض حانق:
"يالله... أنا بقول برضه يومي كان ناقصه إيه."
أكمل برفعة حاجب:
"بتقول حاجة؟"
ابتسم ابتسامة صفراء قائلاً:
"بقول مساء الفل يا خالي."
أكمل بسخرية:
"بحسب."
زفر فريد بضيق عندما جذب أكمل جيانا من يدها لكي تجلس بجانبه على الأريكة، بعد أن كانت تجلس على مقعد مجاور لمقعد فريد.
على الناحية الأخرى، كان الوضع مشابه. يجلس أيهم على مقعد مجاور لتيا يسألها:
"انتي كويسة؟"
ردت عليه بخفوت:
"الحمد لله."
ثم تابعت وهي تسأله بقلق، بعد ما عرفه أمس بما يخص والدته:
"انت كويس؟"
زفر بضيق قائلاً بما يجيش في صدره:
"نار قايدة جوايا. كل ما أفتكر هي قتلت أمي إزاي ببقى عاوز أدنها حية. ولولا فريد أنا كنت قتلتها فعلاً من غير تردد. كفاية اللي عملته فيكي كمان هي وابن الـ..."
خجل من لفظه ليقول معتذرًا:
"احم... آسف."
تنهد قبل أن يقول برجاء:
"تيا... أنا عارف إن مش وقته، بس حابب أسمعها منك. انتي موافقة على طلب جوازي من والدك؟"
ردت عليه بخجل وهي تنظر لأسفل:
"لو هو وافق، أنا موافقة."
زفر بضيق قائلاً برجاء:
"السؤال ليكي والرد منك يا تيا. انتي عاوزاني ولا لأ؟ ريحي قلبي بإجابتك لو ليا خاطر عندك."
- "قوليها آه موافقة."
بعد صمت، ردت عليه بخجل شديد وهي تنخفض وجهها أرضًا:
"موافقة يا أيهم."
رد عليها بسعادة وهيام:
"يا حلاوة أيهم وهي طالعة من بين شفايفك."
نظرت له بحدة قائلة وهي تنهض:
"تصدق بأيه؟ أنا غلطانة إني بتكلم معاك."
أوقفها قائلاً بضحك:
"استني بس، متبقيش قفوشة."
جلست مرة أخرى ليقول هو بمرح:
"بصي يا ستي، شكل الموضوع بتاع أبوكي مطول على ما يوافق علينا. فإحنا نستغل الوقت الضايع ده ونحدد كل حاجة للفرح عشان هو يقول موافق من هنا، نقوم إحنا نتجوز في ساعتها من هنا."
ضحكت بخفوت ليسألها وعيناه تلمع بإعجاب، متأملاً ضحكتها الجميلة التي خطفت قلبه مثل صاحبتها تمامًا:
"بتضحكي على إيه؟"
ردت عليه بابتسامة:
"إحنا في إيه ولا في إيه؟"
رد عليها بابتسامة بعد أن ضحك مثلها:
"ما قولتليش بقى، حابة نعيش في بيت لوحدينا ولا نقعد في قصر العيلة؟"
شاركته الحديث بخجل:
"بص، هو يعني أنا مش بحب القصر ده. يعني أنا دخلته مرات قليلة آه، بس جواه مكنتش بحس براحة."
سألها باهتمام:
"يعني تحبي يكون لينا بيت منفصل؟"
قاطع حديثهم كالعادة أكمل، الذي ما إن لاحظ اندماجهم في الحديث، وقف متوجهًا له. استمع لآخر حديثه ليقول بسخرية:
"يا ترى قررتوا هتسموا العيال إيه ولا لسه؟"
أيهم بسخرية:
"حمايا حبيب قلبي يا راجل. وأنا أقول القاعدة كان ناقصها إيه يعني؟ معقول أقعد معاها دقيقتي على بعض؟ أنا برضه استغربت."
نظر لتيا قائلاً:
"روحي اقعدي جنب أختك."
زفر أيهم قائلاً بضيق وحنق:
"بقولك إيه يا حمايا، ما توفق راسين في الحلال وتجوزنا بقى. حرام عليك، ده أنا بتجوز على نفسي."
زجره أكمل قائلاً بغضب:
"اتلم يا سافل."
أيهم بغيظ جعل الجميع يضحك على ما قال:
"أقسم بالله شكلك كنت مقضيها أنت في شبابك، واللي بتعمله معانا ده شكل حماك كان بيعمله فيك. ما تقولي لنا أنت يا حنون، كان شقي ولا إيه النظام؟"
أكمل بتحذير ونظرات غاضبة:
"أقسم بالله كلمة كمان وهتطلع بره."
مد أيهم يده يمسك وجنة أكمل بإصبعين اثنين قائلاً بمرح:
"قفوش أنت أوي يا حمايا."
ضحك الجميع بقوة عندما هرع أيهم يجلس بجانب أيهم بعدما وجد أكمل يناظرها بعيناه الغاضبة بشدة. بعد وقت، كان الاثنان يناظران أكمل بحقد، وهي يجلس وابنته حوله، ممنوع عليهم الاقتراب منهن. وكلما حاول أحدهم التحدث معهم، كان نصيبه نظرات نارية محذرة من أكمل.
***
بمنتصف ذلك اليوم الذي قضاه الجميع برفقة بعضهم بمنزل أكمل النويري، كان حامد يزورهم بمنتصف اليوم. فهو يعرف أن هناك بعض النقاط مجهولة للبعض، ليوضح الأمر لهم. كان يجلس على المقعد بالصالون، بينما جيانا تجلس على الأريكة مقابل لها برفقة الجميع. ولم تتوقف عن إلقاء النظرات الحانقة له، فهي لم تنسى أبدًا ما فعله.
ليبتسم هو قائلاً:
"بلاش نظرات الغضب دي، أنا عارف إنك مش طيقاني."
زفرت قائلة:
"هو آه، بس مش بنفس درجة الكره بتاعة أول امبارح."
ضحك قائلاً بتوضيح وشرح لسبب فعلته:
"كان لازم أعمل كده، لأن لو حسين كان حس إني بعاملك بحساب أو خايف إني آذيكي، كان هيبلغ مجدي. وساعتها هيشكوا فيا، فكانوا هما هيتصرفوا ويقتلوك."
سألته بفضول يمتلكه معظم الصحفيين إن لم يكن جميعهم:
"أنا عايز أعرف كل حاجة بالتفصيل."
أومأ لها، ثم بدأ يسرد لها كل ما حدث بالماضي بنبرة حزينة على فراق طفله:
"الحكاية بدأت يا ستي من خمس سنين. ساعتها كنت بشتغل في شركة رجل أعمال كبير. أيامها بس الشركة أعلنت إفلاسها، وما لقيتش شغل. فاضطريت أشتغل عامل في بنزينة مؤقتًا لحد ما ألاقي شغل. وكنت متجوز وعندي ولد اسمه حسن، كان عنده 10 سنين. بعد ما استلمت الشغل بأسبوع... في مرة وأنا راجع من الشغل بليل..."
**Flash Back**
كان يمشي بتلك الشوارع المظلمة بذلك الوقت المتأخر من الليل. لكن فجأة وبدون مقدمات، لمح ذلك الرجل الذي يركض بقوة ولكن بخطوات مترنحة تجاهه، وخلفه حوالي أربع رجال ذوو جسد ضخم. اختبأ الرجل بأحد مداخل البنايات، بينما الرجال أخذوا يلتفون حوله للبحث عنه. ليتفرقوا جميعًا، كل منهم يبحث بمكان. ولم يروا حامد الذي اختبأ خلف إحدى الأشجار. وما إن وجد أنهم ذهبوا لمكان آخر غير تلك البناية، ذهب لمكان اختباء الرجل بحذر وهو يلتفت حوله. وما إن دخل لمدخل البناية، وجد الرجل ملقى بأحد زواياه يلهث بعنف، وقميصه الأبيض غارق بالدماء. هرع إليه يتفحصه قائلاً بقلق بعدما وجد أنه أصيب بطلق ناري بصدره:
"انت كويس؟ فيك حاجة؟ خليني أوديك المستشفى."
رد عليه الرجل بسرعة ولا يزال يحاول التقاط أنفاسه وهو يعطيه تلك الحقيبة:
"الشنطة دي أمانة عندك... شكلك كويس وابن حلال. سلمها... سلمها لراجل هديك رقمه اسمه إبراهيم النويري. ده ظابط."
أخرج هاتفه يعطيه لحامد يملي عليه الرقم السري للهاتف. وألم بشع يشعر به في صدره حامد بقلق:
"هعمل اللي انت عاوزه حاضر، بس قوم معايا نروح مستشفى أو حتى نطلب البوليس والإسعاف."
نفى الرجل برأسه قائلاً بتعب وهو يشعر أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:
"م... مفيش وقت... امشي من هنا... بسرعة."
قالها ثم استشهد قبل أن يسقط متوفيًا على الفور. وضع جامد يده على رقبته يرى إن كان لازال به النبض ليجد أنه توفى. بحذر كان يأخذ الحقيبة والهاتف مغادرًا مدخل البناية، غافلاً عن تلك الكاميرات التي رصدت دخوله البناية وخروجه منها يحمل تلك الحقيبة!!!
ما إن دخل لمنزله، أسرعت إليه زوجته نعمة قائلة بعتاب:
"اتأخرت أوي يا حامد، بخاف عليك لما تمشي في الليل كده."
لم يجيب عليها، بل جلس على الأريكة بصمت ينظر للفراغ بشرود. سألته متعجبة من حالته:
"مالك يا حامد؟ فيك إيه؟"
لم يجيب عليها مرة أخرى وفتح الحقيبة ليجد بها عدة أوراق، منها باللغة الإنجليزية والعربية. وما استطاع أن يفهمه من الأوراق ذات اللغة العربية أنها عبارة عن تعاقدات لصفقات سلاح كبيرة وغيرها من الممنوعات. يبدو أنها ستشكل خطر عليه ويجب تسليمها لذلك الشخص الذي أخبره الرجل عنه في الصباح الباكر.
كل ذلك تحت نظرات متعجبة من نعمة التي لا تفهم ما يحدث. سألته بقلق:
"في إيه يا حامد؟ أنت فيك إيه؟"
تنهد ثم بدأ يسرد عليها كل شيء حدث لتقول بخوف:
"أنت لازم تسلم الشنطة للراجل ده في أسرع وقت. إحنا مش قد الناس دي يا حامد، ممكن يأذونا."
أومأ لها قائلاً:
"مظبوط، نسلمها للظابط بكرة وربنا يستر."
أومأت له ثم مضت تلك الليلة ولم يزور النوم جفونهم من كثرة التفكير. في الصباح، كان جامد يتصل برقم إبراهيم النويري، لكن لا يوجد رد. ظل هكذا طوال اليوم يحاول الوصول له، لكنه لا يجيب.
في اليوم التالي، صعد حامد لسطح البناية وأخذ معه تلك الحقيبة التي خشي من أن يتركها بمنزله. يخرج الأوراق من الحقيبة ثم وضعها بحقيبة بلاستيكية سوداء، ثم انحنى أرضًا يرفع أحد مربعات "البلاط" الصغيرة أرضًا التي تبدو كأنها جزء من الأرض وغير قابلة للرفع. حفر بيده في الرمال يدس الأوراق فيها، بعدها أعاد كل شيء لمكانه، ممسكًا بهاتف الرجل يتصل بذلك المدعو إبراهيم، لكن دون جدوى، مغلق.
بنفس اليوم مساءً، كان جاءه اتصال على هاتف الرجل باسم إبراهيم النويري ليجيب على الفور ليأتيه صوت إبراهيم المرهق قائلاً:
"السلام عليكم... إزيك يا حسام؟ معلش أنا لسه فاتح التليفون دلوقتي."
ليأتيه صوت غريب يقول:
"أنا مش حسام."
سأله بتعجب:
"مين معايا؟"
"صاحب التليفون اتوفى امبارح وسا..."
أخذ يسرد له كل شيء حدث ليقول إبراهيم بسرعة، بينما قلبه يتألم على صديقه الذي قتل:
"أنا حاليًا في المستشفى، كنت بعمل عملية ومش هقدر أخرج. ممكن تجيب الورق وتيجي ع العنوان ده وأنا هخلي حد يستناك ع باب المستشفى ويجيبك عندي."
وافق حامد، المهم أن يتخلص من ذلك الورق الذي يسرق النوم من جفونه من الخوف، ليس على ذاته بالطبع، فهو يخشى أن تتأذى عائلته من ذلك الأمر.
**Back**
تنهد متابعًا بحزن وباختصار شديد، لا يريد الدخول بتلك التفاصيل التي تمزق قلبه من الألم:
"بعدها بيوم رجعت من الشغل لقيتهم خطفوا ابني وادوني مهلة يومين أرجع الورق، يا أما يقتلوا ابني. حاولت أتصل بعمك مكنش بيرد، ولما روحت المديرية قالولي إنه واخد إجازة ومسافر وهيرجع بعد كام يوم. عدى اليومين وأنت بتحاول أوصل لعمك أو ليهم عشان أزود المهلة."
اخفض وجهه متابعًا بحزن وألم:
"رفضوا، خصوصًا بعد ما شافوني وأنا رايح المديرية عشان أسأله على عمك، أصلهم كانوا بيراقبوني. بعد يومين رجعولي ابني بس كان جثة."
تجاوز الحديث عن تلك النقطة قائلاً:
"أقسمت إني لازم أدفعهم واحد واحد التمن. عمك عرف اللي حصل بعدها بيوم وفضل يلوم نفسه وساعدني كتير. اتفقنا إنه يسلم الورق للنيابة، وقبلها كنت اتعرفت على خالك يا سمير. لكن حصل اللي غير كل حاجة، وهو موت إبراهيم ومراته في حادثة، والورق اللي معاه وكان المفروض يسلمه اختفى ومكنش موجود. اتفقت أنا وخال سمير إنه يزرعني في وسطهم. بعد تدريب كتير خدنا الخطوة دي. بدأت من أصغر واحد في رجالتهم اتصاحبت معاه لحد ما اقترح عليهم إني أشتغل معاهم، وفضلوا يحطوني تحت تدريب أكتر من مرة عشان يتأكدوا إني مش خاين. عملت ليهم كتير عشان أثبت لهم إني عايز فلوس وبس وإني كرهت الفقر. والباقي بقى معروف. وصلت للي وصلت ليه، وكل خطوة كنت متابع مع خالك. أنا متقابلتش مع مجدي غير من حوالي سنة أو أقل، بعد ما اطمن ليا وإني مش هغدر."
كان الجميع ينظر له بشفقة وحزن، بينما فريد كان صامت يستمع لما حدث وبداخله يتمزق من الداخل. بعد وقت قصير، غادر حامد بعد أن اعتذر من جيانا على تلك الحادثة القديمة، وقبلت اعتذاره وغادر. وبعدها غادر الجميع الواحد تلو الآخر، كل منهم غارق في أفكاره وتساؤلاته.
***
في صباح اليوم التالي، كانت تخرج من المطار بخطوات سريعة، تستقل سيارة أجرة متوجهة للمستشفى مباشرة، حيث والدها، بعد أن أجرت عدة اتصالات لتعرف بأي مستشفى هو. أما عن والدتها، هاتفها مغلق ولا تعرف أين هي.
ما إن وصلت للمستشفى، توجهت مباشرة حيث غرفة والدها، لكن أثناء سيرها توقفت للحظة عندما وجدته أمامها. نظرت له بسخرية ثم تابعت سيرها متجاهلة إياه، حتى عندما مد يده ليمسكها. قبل أن تغادر، دفعتها بعيدًا عنها باشمئزاز دون أن تلتفت له.
ليذهب خلفها قائلاً:
"روز، استني... اسمعيني بس."
لم تتوقف، بل تابعت سيرها لتقف أمام الزجاج الشفاف تتابع جسد والدها الموصل بعدة أجهزة على الفراش بنظرات جافة. لا تشعر بالحزن عليه، هو من أوصلها لذلك. ربما شفقة على حالته، لكن حزن لا يغتفر، وهو يقف بجانبها قائلاً بحزن:
"لو كنت استنيتي يومها، كنت قلتلك..."
ردت عليه بسخرية دون أن تنظر له:
"كنت قلتلي إيه؟"
مطت شفتيها للأمام متابعة بسخرية أكبر:
"كنت هتقول إيه؟ كنت هتقول قد إيه أنت بتكرهني؟ كنت هتقول إزاي كنت بتخطط تنتقم من أبويا بالتفصيل؟"
طالعته بعيناها من أعلى لأسفل قائلة بسخرية:
"أنت مسيبتش حاجة مقولتهاش. الكلام خلص بينا يوميها، مفيش حاجة ما اتقالتش يا حضرة الظابط."
نطق اسمها برجاء من أن تتوقف عن إلقاء تلك الكلمات التي تعذبه وتحطم قلبه كلما تذكر أنها خرجت من بين شفتيه هو:
"رونزي."
ردت عليه بتحذير وهي ترفع إصبعها بوجهه:
"دكتورة رونزي... ماتشيلش الألقاب بينا."
أخذ يبرر لها قائلاً بحزن:
"مكنتش قصدي اللي قولته يومها، كنت متعصب ومش واعي أنا بقول إيه."
تصنعت أنها تفهم عليه قائلة:
"آه آه، ما أنا عارفة. مصدقاك. كمل وإيه كمان؟"
زفر بضيق من طريقتها قائلاً:
"بلاش طريقتك دي."
طالعته بغرور قائلة:
"ده اللي عندي، وإذا كان مش عاجبك، امشي. أنا مش ماسكة فيك، وبقولك اتكلم."
نظرت له بسخرية وإهانة:
"ده سبحان مين مصبرني ع وقفتي معاك. أصل بعيد عنك بقرف."
حاول قدر الإمكان التحكم بأعصابه قائلاً:
"أنا مقدر اللي بتقوليه وعارف وفاهم إن اللي قولته صعب ويوجع."
قاطعته قائلة بقوة:
"الكلام يوجع لو كان من حد يستاهل أو بنحبه. يبقى هتوجع ليه من كلامك؟ تبقى مين أنت عشان أتوجع منك؟"
رد عليها وهو يخفض وجهها أرضًا يشعر بالحزن لما وصلت إليه الأمور بينهم:
"أنا بحبك وأنتي بتحبيني."
ردت عليه بغضب وقوة:
"كنت، وحط تحتها خط."
قال محاولًا تهدئتها:
"طب ممكن تهدي وأنا هقعد معاكي وهفهمك كل حاجة."
ردت عليه بغرور:
"مش فاضية."
آسر برجاء:
"طب منين لما تفضي نتكلم؟"
ردت عليه ساخرة وهي تتخطاه ذاهبة لغرفة الطبيب المعالج لوالدها:
"لما بقى."
تنهد هو بصبر، فليتحمل. فهي مهما فعلت، يعطيها كل الحق. سيصبر حتى ينال على غفرانها وحبها مرة أخرى.
***
بعد أن انتهت من زيارة والدها ومحاولتها للاتصال بوالدتها لتجد هاتفها مغلق كالعادة، وحاولت جاهدة أن توصل لها لكن دون فائدة. ذهبت لذلك المنزل الذي استأجرته لتبقى فيه لحين عودتها لبلدتها مرة أخرى. قبل أن تذهب، مرت بطريقها على منزل أكمل النويري لتأخذ حقائبها وتقدم اعتذار لما فعله والدها بهم، وكم تشعر بالخجل من لقائهم.
ما إن دقت جرس المنزل وفتحت الباب جيانا، تفاجأت بها قائلة بصدمة:
"رونزي!"
تنهدت قبل أن تقول بتوتر وبابتسامة لم تصل لعيناها:
"ممكن أدخل ولا وجودي غير مرحب بيه؟"
جاء صوت حنان المعاتب لها من خلفها وقد جاءت لترى من:
"إيه اللي بتقوليه ده يا بنتي، ده بيتك. ادخلي. أنا رجعت من ألمانيا الصبح وكنت عاوزة أسلم عليكم."
ابتلعت ريقها قائلة وهي تخفض وجهها أرضًا:
"أنا عارفة إن اللي عمله بابا يخليكم تكرهوني."
أكمل بجدية:
"مين قالك إن حد فينا بيكرهك؟ ده أنتِ عيشتي معانا وكنتي زي تيا وجيانا بالظبط. اللوم بيكون ع الغلطان بس، والذنب ذنب والدك مش ذنبك."
ابتسمت قائلة بامتنان وعيناها مصوبة على آسر، كأنها توجه الكلام له، وقد تفاجأت من وجوده عندما دخلت:
"اللي عندهم أصل وأخلاق هما اللي بيفكروا كده بس، وانتوا كنتم ونعم الأخلاق. شكراً لكرم أخلاقكم."
حنان بابتسامتها الدافئة والحنونة:
"بيتنا هيفضل مفتوح ليكي في أي وقت يا بنتي، ومرحباً بيكي في أي وقت. بلاش كلامك ده عشان ما نزعلش منك بجد."
أومأت لها قائلة بامتنان:
"حاضر."
جيانا بابتسامة وسعادة لعودتها:
"اطلعي أوضتك يلا ارتاحي. هدومك وحاجتك زي ما هما من آخر مرة سبتيه."
رونزي بابتسامة صغيرة وأسف:
"معلش اعذروني، أنا جاية آخد حاجتي. أنا أجرت بيت قريب من هنا وهقعد فيه فترة لحد ما أسافر تاني."
جيانا بحزن:
"هتسافري تاني؟"
ردت عليها بابتسامة حزينة:
"مبقاش ليا حاجة عنا. حياتي كلها في ألمانيا من صغري، شغلي كمان هناك. أكيد هاجي زيارات أشوفكم."
كل ذلك تحت نظرات آسر الذي يردد بداخله: "أحلامك فقط يمكن أن تسافري مرة أخرى."
أكمل بعتاب:
"مش عيب تأجري بيت تعيشي فيه وإحنا موجودين؟"
تنهدت قبل أن تجيب عليه بابتسامة صغيرة:
"حقك عليا يا أونكل، بس صدقني أنا هكون مرتاحة كده. خليني ع راحتي، وبعدين البيت مش بعيد عن هنا، دي مسافة بسيطة."
خفف حنان وهي تربت على ذراعها وكم تشفق عليها:
"زي ما تحبي يا بنتي."
أومأت لها بامتنان قائلة:
"شكراً يا طنط. أنا هطلع ألم حاجتي وأمشي."
حنان باعتراض:
"جيانا وتيا هيساعدوكي لحد ما أنا أجهز الغدا ونتغدى سوا قبل ما تمشي."
كادت أن تعترض لتقاطعها حنان قائلة بصرامة:
"بلاش اعتراض عشان مالهوش لازمة. أنا قررت خلاص."
أومأت لها قبل أن تصعد لغرفتها السابقة برفقة جيانا، أما تيا فبقيت تساعد والدتها في إعداد الطعام.
***
بعد وقت، كانت تغلق سحاب حقيبتها لتقول جيانا بتساؤل:
"فيه إيه يا رونزي؟ أنتِ مخبية حاجة؟ يعني سفرك المفاجئ وتليفونك المقفول على طول من ساعة ما سافرتي مش طبيعي أبداً."
لم تجيب رونزي، وكلمات آسر لها بذلك اليوم تتودد بأذنها. لتسألها جيانا مرة أخرى:
"إيه اللي حصل؟"
نفت قائلة وهي تتهرب من عينيها تتصنع الانشغال بالحقيبة:
"مفيش."
كادت أن تسألها جيانا سؤال آخر لتقاطعها رونزي قائلة برجاء من أن تتوقف عن أسئلتها تلك:
"قبل ما تسألي، أنا عايزة أحتفظ بالسبب لنفسي. متزعليش مني، بس أنا بجد مش حابة أتكلم في الموضوع."
تنهدت جيانا قائلة بحنان:
"زي ما تحبي، بس أنا موجودة في أي وقت."
أومأت لها رونزي بامتنان وتناولت الغداء معهم. بعدها غادرت لمنزلها تفكر بأولى خطواتها للانتقام من آسر!!!
***
في صباح اليوم التالي، استيقظ الجميع على خبر مفزع وهو هروب دولت من المستشفى!!! لكن لا أحد يعرف كيف هذا.
كان أول من ذهب للمستشفى آسر وسمير، اللذين شاهدا سجل الكاميرات وصدموا عندما وجدوا...؟
***
في صباح اليوم التالي، استيقظ الجميع على خبر مفزع وهو هروب دولت من المستشفى!!! لكن لا أحد يعرف كيف هذا.
كان أول من ذهب للمستشفى آسر وسمير، اللذين شاهدا سجل الكاميرات وصدموا عندما وجدوا شخصًا يدخل غرفة دولت بعد منتصف الليل، بعد غرز حقنة مخدرة بجسد العسكري الذي يحرس باب غرفتها. بعدها بدقائق، كان يخرج من الغرفة يجر ذلك الكرسي المتحرك التي تستقله دولت. لكن يبدو أنهم لم يلاحظوا تلك الكاميرات. لتخرج ممرضة من الغرفة بعد أن غادروا تحمل بيدها نقودًا كثيرة، أخذتها من ذلك الملثم التي لم تستطيع أن تتعرف على وجهه، لكن لا يهم.
بنفس اللحظة، دخل أكمل وفريد وأيهم الغرفة ليقص سمير عليهم بشكل سريع ما حدث. ليطلب آسر من رجل الأمن أن يأتي بسجل الكاميرا الموجودة أمام باب المستشفى. بنفس هذا الوقت، كان الجميع يروا الرجل وهو يضع دولت بسيارته، وأدخل الكرسي المتحرك بالسيارة من الخلف. لكن يبدو أنه ليس ذكيًا أبدًا من خطط لكل ذلك.
دقق فريد وأيهم بالسيارة ليبدأ الشك يتملك من قلبهم، ليقول أيهم بجدية:
"قرب نمرة العربية."
نفذ ما قال ليقول فريد وأيهم معًا:
"دي عربية فادي!!!"
تبادلوا النظرات ليبدأ آسر وسمير بإرسال إشارات لجميع اللجان المرورية بأن من يرى بالمواصفات وتلك النمرة يتحفظ عليها فورًا.
كان المستشفى مقلوبة رأسًا على عقب، حتى أن ذلك الشيطان استغل تلك الفوضى ليهرب. بعدما عرف من ذلك الممرض أن دولت هربت، طلب منه أن يزيد دخول الحمام ليساعده الآخر بدوره. وما إن دخل الاثنان للمرحاض سويًا، تحامل مجدي على الألم وجذب الممرض من رأسه يصدمها بالحائط بقوة عدة مرات، ليقع الآخر أرضًا فاقدًا للوعي. بعدها ارتدى ثيابه وتسلل بين الجميع يخرج من المستشفى مستغلاً انشغال العسكري بالحديث مع الممرضة، حتى خرج من المستشفى. بعدها توجه مباشرة حيث ذلك المكان الذي عرف به مؤخرًا، وهو متوقع أن تذهب دولت لهناك بعد هروبها، ولكن هو للآن لا يعرف أنها مصابة بالعجز.
***
بينما على الناحية الأخرى، كان فادي يتوقف بسيارته أمام تلك الغرفة الصغيرة الموجودة بتلك المنطقة الخالية من الناس. نزل من سيارته مساعدًا دولت على الجلوس على المقعد المتحرك، ودخل للداخل معها بعد أن أرشدته على مكان مفتاح تلك الغرفة المدفون بالرمل بجانب الباب.
كانت الغرفة صغيرة جدًا، لا يوجد بها أي شيء. ليجد دولت تتجه بكرسيها نحو ذلك العمود الوحيد بالغرفة والمصنوع من الخشب، ثم قامت بإزالة قطعة من الخشب بوسط العمود، تخرج من داخلها صندوق.
لمعت عيناه بطمع وجشع ما إن رأى تلك الأكوام من المال وسبائك الذهب. ليسيل لعابه وهو يتخيل كيف ستكون حياته إذا امتلك ذلك القدر الكبير من المال. بالطبع سيكون ذا سلطة، ذلك المال سيجعله يحيا بنعيم طوال حياته، وإذا بقى يصرف منهم حتى مماته لن ينفذ.
اتجهت عيناه ناحية دولت التي تقوم بتعبئة المال بحقيبة كبيرة تضعها على قدمها وهي جالسة على المقعد المتحرك.
بعد أن انتهت من جمعهم بالحقيبة، أخذت بعض من سبائك الذهب وأموال كثيرة. مدت يدها لفادي بهم قائلة بضيق: فلولا حاجتها له، خاصة بعد أن أصيبت بالعجز، لما كانت طلبت منه المساعدة ولا أعطته ذلك المال الذي ظلت تجني فيه سنوات مع والدها، ولا يعرف أحد بالمكان سوا هي ووالدها، والآن ذلك الفادي، أو ربما هي تظن ذلك!!!
فادي بمكر و بداخله ينوي على الشر:
"هو في حد يعرف المكان ده غيري أنا وأنتِ؟"
ردت عليه بنفاذ صبر:
"لا... خد الفلوس اللي اتفقنا عليهم أهم، وشوفلي بيت كدا يقدر يوصله، أقعد فيه لحد ما أشوف طريقة أخرج بيها من البلد."
ضحك بشر قائلاً:
"بصراحة يا مرات عمي، الاتفاق أنا هعدل فيه بند."
دولت بصدمة وتوجس:
"أنت بتقول إيه؟"
ضحك فادي بسخرية وهو ينظر لقدمها:
"يعني أنا عارف إن الواحد لما يعيش وهو مشلول بيتمنى الموت ألف مرة. فأنا بقى ناوي أريحك."
صرخت دولت عليه بغضب وقد بدأت تشعر بالخوف من لهجته:
"أنت بتخرف؟ بتقول إيه؟ إحنا ما اتفقناش على كده. هزود لك الفلوس."
فادي وهو يخرج السلاح من خلف ملابسه، شادًا الأجزاء وهو يوجهه باتجاهها:
"التخريف فعلًا يا مرات عمي. لو سبتك عايشة وماخدتش الفلوس واستمتعت بيها كلها، أو ممكن أسيبك هنا في المكان المقطوع ده وآخد الفلوس وأمشي. في الحالتين، سبتك عايشة أو قتلتك، مش هيفرق حاجة عشان مش هتعرفي تحوشي."
لكن جاء صوت من خلفهم يقول بتهكم وهو يصوب سلاحه تجاههم:
"آخر حاجة كان ممكن أتوقعها يا دولت إني أشوفك كده عاجزة ومش عارفة حتى تدافعي عن نفسِك."
انتفض فادي يلتف للخلف رافعًا سلاحه باتجاه مجدي قائلاً بحدة:
"ارمي السلاح من إيدك."
مجدي بتهكم، وبرغم الألم الذي يشعر به من آثار تلك الطعنة التي لم يشفى منها حتى الآن، لكن أظهر قوته فقط قائلاً:
"نزل السلاح يا شاطر وامشي من هنا. الفلوس دي أنا هاخدها. فاقصر الشر وامشي من سكات."
ابتسم فادي بسخرية مماثلة قائلاً بتحدي:
"ده مش هيحصل أبدًا. الفلوس دي خلاص بقت بتاعتي."
أما عن دولت، كم شعرت بالحسرة والقهر بتلك اللحظة بسبب عجزها. أصبح الاثنان كلاهما ينصب أموالها إليه، وهي قعيدة ذلك الكرسي لا حول لها ولا قوة، ليس معها حتى أي شيء تتدافع به عن نفسها.
اقترب فادي من الحقيبة محاولاً جذب حقيبة الأموال من يد دولت التي كانت تتمسك بها بكل قوتها. لكن بنفس اللحظة التي التف فادي بها ليأخذ الحقيبة، ولم تكن سوى لحظة، كانت رصاصة تخرج من سلاح مجدي مصيبة كتف الآخر من الخلف لينحني على ركبتيه بألم.
بعدها صوب مجدي سلاحه تجاه رأس دولت التي صرخت قبل أن تصيب رأسها رصاصة من سلاح مجدي لتفقد حياتها على الفور.
بنفس اللحظة، خرجت رصاصتين من سلاح فادي الذي تحمل ألم كتفه الذي لا يحتمل، لتصيب جسد مجدي ليسقط أرضًا قتيلاً على الفور.
أما عن فادي، أخذ حقيبة الأموال يخرج من المكان بأكمله، يقود سيارته بسرعة شديدة متحملاً ألم ذراعه الذي ينزف دمًا كثيرًا. لكن بلحظة، ظهرت أمامه شاحنة كبيرة، بيحاول تفاديها بكل قوته، لكن نفذ الأمر واصطدمت سيارته بالشاحنة التي حطمتها بمعنى الكلمة، ليفقد حياته على الفور وتصعد روحه إلى خالقها.
***
بعد وقت، كانت سيارات الإسعاف والشرطة تملأ المكان بعد أن أبلغ سائق الشاحنة الذي لم يصب سوى ببعض الكدمات والخدوش. وما إن علمت الشرطة هوية من بالسيارة، أسرعوا بالاتصال بآسر، الذي أتى على الفور مع الجميع، أكمل وسمير، فريد وأيهم، لتكون صدمة لهم عندما رأوا السيارة وهي مطبقة على جسد فادي.
بقت الشرطة لساعات تبحث بالمناطق القريبة من الحادث، لعلهم يعثروا على دولت. ليجدوا بالفعل تلك الغرفة الصغيرة. كسر سمير الباب بقدمه وهو يمسك بسلاحه، لكن كانت صدمة للجميع عندما رأوا دولت برفقة مجدي غارقين في دمائهم، دولت فاقدة للحياة، بينما تفحص آسر نبض مجدي ليجد أن الآخر قد فارق الحياة.
بقت عين فريد، وكذلك أكمل، على جسد دولت. لم يبكِ الاثنان رغم الحزن الذي يشعرون به تلك اللحظة. ربت أيهم على كتف صديقه بدعم، ولا يعرف أيحزن لحزنه أم يفرح أن من قتلت والدته قد قتلت أيضًا وماتت، والآن قد صدق حقًا تلك المقولة: "من قَتل يُقتل".
***
عاد الجميع إلى منازلهم والحزن يخيم عليهم. منهم الذي لا يعرف إن كان يشعر بالحزن أم بالفرح.
صرخة خرجت من عليا بعدما علمت بموت فلذة كبدها. نعم، ذو صفات سيئة وفعل الكثير، لكنه يبقى طفلها أخيرًا.
صرخات تمزق القلب، صرخات أم حزينة على ابنها الذي مات بعد أن فعل كل تلك الذنوب بحياته. ظلت تصرخ وتبكي حتى فقدت وعيها. أشفق الجميع عليها.
بينما هايدي، ما إن علمت بالخبر، ظلت تبكي هي الأخرى على أخيها، تبكي مشفقة عليه، حزينة على موته بتلك الطريقة.
أما عن فريد، بقى فقط حبيس غرفته بالفندق الذي يقيم فيه، محدقًا بسقف الغرفة طوال الليل، حزينًا، قلبه يتألم بشدة على رحيل والدته وبتلك الطريقة.
***
في اليوم التالي، حضر مراسم دفن والدته وابن عمته بثبات ووجه جامد يعكس ما يدور بداخله. حتى أن تفاجأ أكمل يحضر العزاء، محتضنًا إياه بقوة وكأنه يدعمه بذلك العناق بمعنى: ابقَ قويًا.
بينما رونزي حضرت مراسم دفن والدها، وبداخلها لم تشعر بأي شعور بالحزن، معللة ذلك بأنها لم تشعر به يومًا بحياتها، ولا حتى هو لم يعطيها أي شيء بحياته سوا اسمه فقط. لقد كان أباها بالاسم، لم يعطيها ما يعطي الآباء لأبنائهم، لم يعطيها حنانًا، حبًا، لم يعطيها أي شيء. حضرت والدتها العزاء أيضًا، لكن ملامح وجهها لم تظهر تأثرًا أو حزنًا أبدًا.
***
بعد أن عاد أكمل من العزاء ومراسم الدفن، صعد لغرفته مباشرة يجلس على فراشه يضع رأسه بين يديه حزينًا. لا ينكر أبدًا حزنه على شقيقته.
دخلت حنان خلفه الغرفة قائلة بحزن وهي تشعر به حتى لو لم يتحدث، لكنها تفهم عليه:
"أكمل..."
تحدث مخرجًا كل ما في قلبه وبما يشعر:
"ما كنتش أتمنى يحصلها كده. عارف إنها عملت كتير وقتلت وأذت أقرب الناس ليا، بس دي أختي في الأول والآخر. ما كنتش أتمنى تكون علاقتنا كده وأنها تموت بالطريقة دي."
ربتت على يده قائلة بمواساة:
"استهدى بالله يا أكمل وادعيلها بالرحمة."
أومأ لها بحزن لتتابع هي بحزن:
"أكمل، خليك جنب فريد. الولد بجد محتاجلك. اللي حصله مش سهل. هو هيكون محتاج لحد جنبه اليومين دول. الولد كويس، هو بس محتاج اللي شده للصح. بلاش حركاتك دي معاها."
أومأ لها قائلاً:
"أكيد مش هسيبه. أنا عارف إنه كويس وإنه يجي منه. ولو أنا بعمل كده معاه عشان أعلمه إن اللي بيجي بالساهل بيروح بالساهل، اللي بعمله فيه ده عشان أسلم بنتي للي يستاهلها وعشان أعلمه درس بردوا."
أومأت له قائلة بحنان:
"غير هدومك يلا وانزل عقبال ما أنا أحضر الغدا ونتغدى سوا."
غادرت الغرفة، بينما هو نفذ ما قالت. بينما جاء بباله ذلك السؤال وهو يضع شقيقته بقبرها برفقة فريد: هل الأموال وكل تلك الأمور السيئة تستحق حتى يفقد الإنسان آخرته؟ لا والله ما تستحق، فكل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. كل شيء زائل ولا يدوم، لا شيء يستحق أن يفقد الإنسان آخرته لأجله.
***
بعد يومين، كانت تجلس بمنزلها تضم قدميها لصدرها تنظر للفراغ بشرود، حتى أنها لم تنتبه لرنين جرس المنزل، ولم تنتبه لذلك الذي دخل بعد أن فتحت له الخادمة الباب. يتابعها بابتسامة وهيام. اقترب منها قائلاً:
"رونزي."
انتفضت واقفة تنظر لمصدر الصوت الذي علمت صاحبه على الفور قائلة بحدة:
"إيه اللي دخلك هنا؟"
رد عليها بهدوء:
"جيت أطمن عليكي."
ردت عليه ساخرة:
"لا فيك الخير."
آسر بهدوء:
"ممكن نتكلم شوية من غير خناق."
ردت عليه بحدة وغضب:
"لأ."
"انطق اسمها برجاء: رونزي."
صرخت عليه بحدة:
"متنطقش اسمي على لسانك."
رد عليها بهدوء:
"سوء التفاهم بينا لازم يتحل. اقعدي نتكلم بهدوء."
ردت عليه بحدة وغضب:
"مفيش سوء تفاهم بينا. اطلع بره، أنا مش طايقة أشوفك. إيه معندكش دم؟"
آسر بحدة وغضب من إهانته:
"رونزي، بلاش طولة لسان."
ردت عليه بتحدي:
"ده اللي عندي، طولة لسان وبس، ومش هتعرف تسكتني."
نظر لها بمكر قائلاً:
"لا، هعرف."
نظرت له ساخرة، ليضع يده على خصرها بدون مقدمات يجذبها له قائلاً بمكر ومشاكسة:
"تحبي تجربي وتعرفي هسكتك إزاي؟"
حاولت دفعه قائلة بحدة:
"ابعد عني يا حيوان."
لكن بلحظة، كان يقبلها بقوة وهو يقرب جسدها له، وغابت عقله ما إن شعر بملمس شفتيها. ليبقى يقبلها بشغف وعشق، وهي تحاول دفعه إلى أن استطاعت أن تبعده عنها. ثم هوت على صدغه بصفعة قاسية قائلة بحدة وغضب وهي تمسح بيدها شفتيها قائلة باشمئزاز:
"اطلع بره."
كانت صدمته لا مثيل لها عندما صفعته، بل والأدهى أنها تمحو أثر شفتيه من على شفتيها باشمئزاز. أومأ لها قائلاً بهدوء لا يشبه ما يشعر به بداخلة الآن من نيران الغضب:
"طالع، بس راجع يا رونزي، ومش هحاسبك ع القلم ده ولا طولة لسانك دلوقتي."
غادر، لتبقى هي تتنفس بغضب ونيران غضب وانتقام اشتعلت بداخلها. نظرت لأعلى حيث تلك الكاميرا، كان تخطط لتستخدمها فيما بعد. حمدت ربها أنها قامت بتركيبها ما إن استأجرت المنزل، وها هو حقق مبتغاها سريعًا.
اتصلت بذلك الرجل الذي قام بتركيب الكاميرا لها، ثم طلبت منه أن يقص ذلك المقطع من الفيديو ويوضعه على فلاشة صغيرة. بعدها توجهت مباشرة للقسم وهي تنوي على الانتقام فقط.
***
بنفس اليوم، كان آسر يدخل لمكتب اللواء الذي استدعاه لأمر طارئ. وما إن سأله عن السبب، قال:
"أنت موقوف عن العمل يا حضرة الظابط."
قالها رئيسه بالعمل بجدية ولم تخلو نبرته من الغضب الشديد.
ليسأله آسر بغضب وصدمة:
"و اتوقف عن العمل ليه إن شاء الله؟ إيه السبب؟"
يرد عليه الآخر بحدة:
"متقدم فيك بلاغ تحرش وتعدي على بنت."
- "أفندم؟"
قالها آسر بصدمة وعدم استيعاب.
يرد عليه الآخر بحدة وغضب:
"والواقعة متسجلة فيديو كمان، وفيه شهود، واللي رافعة عليك القضية جنسيتها ألمانية."
سأله آسر بشك وغضب:
"اسمها إيه؟"
يرد عليه الآخر بحدة وغضب:
"رونزي... رونزي مجدي القاسمي."
توسعت عيناه بصدمة ثم قال:
"فين الفيديو ده؟"
ألقى له الآخر الهاتف على المكتب بحدة، ليلتقطه آسر ينظر للفيديو بغضب. تلك الماكرة استغلت ما حدث لصالحها، أو لنقول أنها خططت لذلك من البداية.
كور يده بغضب والشر يتطاير من عيناه، ثم ألقى الهاتف من يده قائلاً:
"بنت الـ..."
بغضب كان يغادر المكتب سريعًا متوجهًا حيث منزلها. ما إن وصل وفتحت الخادمة له، دخل للمنزل بغضب يبحث عنها إلى أن وجدها تجلس على الأريكة بالصالون تتابع التلفاز، تضع قدمًا فوق الأخرى. وقبل أن ينطق بكلمة، قالت بسخرية:
"كنت مستنياك تيجي."
اقترب منها يجذبها من يدها قائلاً بغضب وشدة:
"عملتي كده ليه؟"
دفعت يده قائلة بسخرية وتحدي:
"أوعى تكون فاكر إن اللي قدامك هتقعد تبكي من اللي عملته فيها، أو هتكون ساذجة هتضحك عليها بكلمتين مرة تانية ومفكر إنها سامحتك. تؤ، أنا كل اللي كنت بعمله اليومين اللي فاته عشان أوصل للي عايزاه ووصلت، زي ما أنت عملت بالظبط. العين بالعين، والبادي أظلم. اللي حصل ده جزء من اللي لسه هيحصل، دي بس البداية يا ابن النويري."
نظر لداخل عينيها بصدمة من تحولها الملحوظ. أين رونزي التي يعرفها وأحبها؟ تلك التي أمامه مختلفة، فتاة لا يعرفها، وكان هو السبب. ضحكت بسخرية وقد فهمت ما يدور برأسه قائلة:
"البركة فيك بقى عشان أبقى كده. شغلك غالي عندك قوي، وبسببه ضحكت عليا وعملت الفيلم ده كله. عشان كده حلفت إني هخليك تخسره وتتقهر زي ما قهرتني ووجعتني."
نظر لها مطولاً بعينين مشتعلتين من شدة الغضب، ليبقى الاثنان يتبادلون النظرات بتحدي وغضب. لا يغادر هو المكان سريعًا بعد أن ركل بقدمه تلك الطاولة الزجاجية، فإذا بقى سيحدث ما قد يجعل الأمر للأسوأ، خاصة وأنه يعلم نفسه وقت الغضب.
***
بعد مرور أسبوع من ذلك اليوم، وقد حدث به الكثير. أغلقت القضية، وقد تم ترقية آسر وسمير. بينما اليوم هو موعد تقسيم التركة بين رونزي ووالدتها بعد وفاة مجدي. لكن لوالدتها رأي آخر. فقبل أن يقول المحامي أي شيء، نطقت شيري ببرود:
"أظن الورثة بس اللي ليهم حق في الفلوس دي."
المحامي بجدية:
"مظبوط يا هانم."
شيري ببرود:
"يبقى رونزي بتعمل إيه هنا؟"
صدمت رونزي من حديثها، ليرد المحامي قائلاً:
"رونزي هانم هما بصفتها بنت حضرتك والأستاذ مجدي."
شيري ببرود وكأن ما تقوله شيء عادي:
"أولاً، أنا عمري ما خلفت ولا كان ليا أولاد. ثانيًا، مجدي عنده مشكلة في الخلفة ومش بيخلف."
- "إيه؟!!!"
خرجت من شفتي رونزي بصدمة كبيرة.
شيري ببرود:
"اللي سمعتيه يا بنت نادر، وروحيه."
***
البارت ده آخر بارت في النكد 😂♥️
الفرفشة والضحك هتبدأ من البارت الجاي إن شاء الله ♥️♥️
متنسوش التفااااعل ♥️
رواية ليتني لم احبك الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شهد الشوري
انتي بتهزري مش كده؟
قالتها رونزي بعد استيعاب لما قالته الأخرى.
شيري ببرود وعدم اكتراث:
اكيد مش ههزر في موضوع زي ده. دي الحقيقة، انتي مش بنتي ولا بنت مجدي.
تنحنح المحامي وقد استأذن منهم وخرج، وقد رأى أن الأمر عائلي لا يجب حضوره. لتتابع شيري بعد، وقد وضعت قدم فوق الأخرى:
أبوكي يبقى نادر الفيومي، مجدي خطفك بعد ولادتك على طول، وبدلك ببنت تانية ميتة.
لحظات مرت أم دقائق، لا تعرف. كل ما تعرفه أن تلك التي تجلس أمامها، وقد ظنتها بيوم من الأيام والدتها، لا تكذب كلمة واحدة خرجت من بين شفتيها. قبل أن تبدأ الأخرى بسرد كل ما حدث بالماضي عليها:
ليه؟
شيري ببرود وهي تشعل سيكارتها، تضعها بين شفتيها:
عشان ينتقم من والدتك اللي رفضته زمان وراحت لصاحبه، فحب يعمل كده عشان ينتقم من الاثنين.
تابعت بغرور:
مش عشان بيحبها بس. مجدي كانت عينه زايغة، شاف روحية والدتك عجبته، أتقدم لها لأنه عارف إن ملهاش في السكة الشمال. رفضته، وده لأنها كانت بتحب نادر اللي هو أبوكي، وكان ساكن في الشقة اللي قصاد شقتها. وبما إن مجدي صاحب نادر، فشافها صدفة وهو بيزور نادر.
بس مجدي كان مفكرني غبية، مش عارفة كل ده. كان فاكر إني عشان كنت الفترة دي عند بابا في ألمانيا مش هعرف اللي بيعمله في مصر.
لا، أنا عرفت إنه كان عاوز يتجوز لواحدة تانية غيري. بس اللي سكتني وخلاني ما اتكلمش معاه في الموضوع ده إنها رفضته، وكمان هتتجوز.
واتجوزت من نادر، وأنا ومجدي سافرنا على ألمانيا عشان شغله، وفضلنا عايشين هناك خمس سنين. بعدها رجعنا مصر زيارة، وقابلنا نادر وروحية. صدفة كانت حامل ومعاها ولد صغير اسمه سمير.
ضحكت بسخرية قائلة:
مجدي كان مفكرني غبية ومش واخدة بالي من اللي كان بيحاول يعمله مع والدتك. حاول يغريها كتير بأنها تسيب نادر وتبقى ليه، بس رفضت واعترفت لنادر بمحاولاته معاها. ونادر جه الفيلا عندنا واتخانق خناقة كبيرة مع مجدي وضربُه. ساعتها مجدي حلف إنه هيندمه. بعدها بأسبوع روحية ولدتك. ساعتها مجدي قرر إن يخطفك ويبدلك ببنت لسه مولودة ميتة عشان يقهر قلب نادر وروحية. وخطفك، وكان ناوي يرميكي في ملجأ أو يقتلك.
كل ده وهو مفكر إني غبية ومش عارفة اللي بيدور حواليا. بس أنا كنت عارفة كل حاجة وعاملة نفسي غبية. بس اللي حصل واتفاجأت بيه إنه دخل عليا بيكي وقالي إنه اتبناكِ. جاريته في الموضوع وسكت. حتى شغله مع دولت كنت عارفة بيه وسكت، لأنه كده أو كده مش هيضرني في حاجة. فلوس وبصرف زي ما أنا عاوزة من غير حساب. كل طلباتي مجابة، وقبلت بيكي. وطبعًا اتكتبتي باسمي أنا وهو.
لكن من كام سنة نادر أبوكي مسك قضية كبيرة. طبعًا مجدي كان جزء منها وكان هيضرر جامد، فحب ينهي الموضوع كله ودبر حادثة ليه هو ومراته، وقال يخلص منهم وينتقم ع اللي عملوه زمان كمان. بس طبعًا القضية ماخلصتش على كده. مسكها بعدها واحد تاني اسمه إبراهيم النويري، وبردو كان نصيبه زي نصيب إبراهيم، واتقتل. وبس كده. أظن عرفتي انتي تبقي مين وبنت مين.
تنظر لها بصدمة، تحاول استيعاب ما تقوله تلك المرأة. تحكي لها ما حدث بكل برود، وكأن ما تقوله شيئ بسيط. أخرجت ذلك النفس الذي كتمته بداخلها قائلة بعيون دامعة غير مصدقة:
بتتكلمي عادي كأن اللي عملتوه سهل. إزاي بتقدروا تعملوا كل ده وتتكلموا عنه بسهولة كأنه شيئ عادي؟ إزاي قادرين تعيشوا بالقسوة؟ فين ضميركم؟ مخفتوش من ربنا؟
شيري ببرم ونفاذ صبر:
ملوش لزوم درس الأخلاق ده. أظن عرفتي دلوقتي انتي مين وأصلك إيه، وإنك متستحقيش مليم واحد من الثروة دي.
رونزي باشمئزاز:
تفتكري لو كنت استحق كنت هاخد مليم واحد منها؟ كنت هقبل على نفسي أصرف من فلوس عارفة مصدرها إيه، وإنها فلوس حرام.
نظرت لها شيري بسخرية وهي تطفئ سيكارتها لتتابع رونزي:
متتخيليش فرحي دلوقتي وأنتي بتنكري نسبك ونسب الراجل دي. بعيد عني دي بحد ذاته شرف إنكم مطلعتوش أهلي. أهلي طلعوا أنضف منكم بكتير. ودلوقتي فهمتيني سبب سؤال كان في بالي سنين ودايمًا كنت بحمد ربنا عليه. أنا إزاي وسط شياطين زيكم طلعت كده. وده يرجع لأصلي ونسبي اللي أفتخر بيه.
كادت أن توبخها شيري، لكن رونزي صاحت بصوت عالي تنادي على المحامي. لتقول شيري مسرعة:
كل فلوس مجدي وكل أملاكه هتبقى ليا بصفتي وريثته الوحيدة.
ليرد المحامي عليها:
بس الانس...
رونزي بسخرية وهي تنظر لشيري:
أنا مش بنته يا أستاذ مؤنس. تقدر تنقل ملكية كل حاجة لشيري هانم. ولو في أي ورق محتاج امضتي، انت عارف عنواني. إن شاء الله في أقرب وقت اسمي هيتحط بعديه اسم أبويا الحقيقي اللي يشرف بجد.
نظرت لها شيري باستهزاء لتغادر الأخرى المكتب. مصدومة. هذا هو حالها. لقد حرمها الاثنان من حنان والديها، ولم يعوضها أي منهما عنه. لكن قبل كل شيء، لديها من تبقى من عائلتها، شقيقها الذي لم تتخيل بيوم من الأيام أن تربطها به أي صلة قرابة.
قادتها قدماها نحوه، تريد أن تتأكد وتتمنى أن تكون ما سمعته من شيري حقيقة. كم ستكون سعيدة إن كان حقًا هو شقيقها. ربما يعوضها عن حنان افتقدته طوال حياتها.
بعد وقت، كانت تقف أمام باب منزله بتوتر. لا تعرف كيف ستقص له ما عرفته. هل سيصدقها؟ دقت الجرس. لتمر دقيقة وكانت تفتح لها هايدي الباب قائلة ما إن رأتها:
رونزي، عاملة إيه. اتفضلي.
ابتسمت لها رونزي بتوتر قائلة:
هو سمير موجود؟
تعجبت هايدي من سؤالها قائلة:
آه، جوه. تعالي ادخلي.
ما إن دخلت، خرج سمير من غرفته قائلاً وهو يفرك وجهه بنعاس:
مين يا هايدي؟
ما إن رأى رونزي قال بابتسامة:
رونزي!!! إزيك؟ أخبارك إيه؟
أومأت له قائلة بتوتر:
كويسة الحمد لله.
صمتت للحظات ثم قالت بتوتر لاحظه هايدي وسمير بوضوح:
عايزة أتكلم معاك ضروري.
آه طبعًا اتفضلي.
ابتلعت ريقها قائلة:
أنا النهاردة كنت عند المحامي أنا وشيري هانم مرات مجدي. بس... بس...
سمير بتساؤل:
بس إيه؟
رونزي بعد صمت دام لدقائق:
قالتلي إني... إني مش من ورثة مجدي.
سمير بتعجب:
إزاي؟ أنتي مش بنته. أكيد ليكي في الورث.
صمتت مرة أخرى تفرك يدها بتوتر قائلة:
شيري قالتلي إني... إني مش بنته ولا بنتها. لأن مجدي مش بيخلف ولا هي عمرها خلفت.
كلمة خرجت من شفتي سمير وهايدي بصدمة:
نعم!!
أومأت له رونزي برأسها قائلة بتوتر:
قالتلي إن والدتي اسمها روحية، وأبويا الحقيقي اسمه... نادر... نادر الفيومي.
سكن عم المكان بعد ما قالته رونزي. بينما هايدي نظرت لسمير بصدمة، فهي تعرف اسم سمير بالكامل. سمير بضحكة غير مستوعبة ما قالته رونزي:
أكيد ده تشابه أسماء مش اسم والدين.
نفضت رونزي برأسها قائلة بتوتر:
لا مش تشابه أسماء. أنا أبقى... أختك. لو كان تشابه أسماء، مظنش هيكون تشابه أسماء في اسم الأم كمان، ولا إيه؟
سمير بصدمة وعدم استيعاب:
طب إزاي؟
قصت عليه كل ما قالته شيري لها، لتكون الصدمة حليفته هو الآخر. ما يحدث تشبه بحلم أو فيلم.
هايدي بتوتر:
كلامها مش ثقة. ممكن نكون بنعمل كده عشان تاخد هي الورث كله.
نظر سمير لرونزي، ولأول مرة يدقق بملامح وجهها. تشبه والدته لحد كبير. لتقول هايدي بجدية:
المفروض تعملوا تحليل DNA.
لحظات صمت يليها وقوف سمير قائلاً وهو يدخل لغرفته:
أنا هغير هدومي بسرعة وجاية.
لحقت به هايدي وأبدلت ثيابها التي أصبحت أكثر احتشامًا عن ذي قبل، خاصة بحجابها الذي يزين وجهها ليزيدها جمالاً عن جمالها.
بالفعل ذهب الاثنان لأحد أكبر المستشفيات الكبرى، ثم أجروا التحاليل. وقد دفع سمير مبلغ كبير حتى تظهر النتيجة بنفس اليوم. وبالفعل قد ظهرت النتيجة بتطابق جيناتهم. ما إن عرف سمير هذا، جذب شقيقته في عناق طويل لتبادله هي إياه ببكاء شديد. سعادة تملكت من الاثنين. هو أنه أصبح لديه أحد من عائلته ولن يكون وحيدًا، وهي كذلك. لكن الفرق أنها وجدت أخًا يحنو عليها، يعوضها عن ما افتقدته من حنان برفقة الاثنان التي انعدمت الإنسانية والرحمة من قلوبهم.
بالأيام الماضية، كان رافضًا تمامًا لرؤية أحد. فقد انعزل عن الجميع ليستعيد نفسه بعد كل ما حدث. صدمته بوالدته كانت ليست هينة أبدًا. حطمته من الداخل. الجميع يشعر بالقلق الشديد عليه بعد أن اختفى مرة واحدة دون أن يعطي خبر. ترك الفندق الذي يقيم فيه واشترى منزلًا يقيم فيه الآن. لا يعرف عنه أحد أي شيء.
حتى هاتفه أغلقه. اختلى بنفسه مع حزنه وألمه. يريد أن يخرج من ذلك الباب متجاوزًا تلك المحنة. الشيء الوحيد الذي اشتاق له بهذه الأيام هي جيانا، حبيبة قلبه وأول ما أحب وعشق.
أما الآن، فهو مستعد للخروج من تلك العزلة التي استمرت عشرة أيام. حاول تجميع فيها شتات نفسه، فما حدث مهما مر من وقت لن يتجاوزه أو ينساه. ليجد قدمه تقوده نحوها، ليراها بعدما علم من أحد رجاله أنها الآن بعملها.
ما إن طرق الباب، سمع صوتها تسمح له بالدخول. ما إن دخل، وجدها تتفحص بعض الأوراق الموجودة بيدها دون النظر للطارق. لترفع وجهها لترى من. ما إن طال صمت الذي دخل، لتتفاجأ بوجوده. تجاهلته وأعادت النظر للأوراق بيدها. نعم، مشتاقة له وبشدة، وكان القلق ينهش قلبها، لكنه لم يقدر ذلك وغادر دون حديث. لم يخبره أو يطمئنها لو دقيقة واحدة، يخبرها أنه بخير. غادر دون أن يخبرها سببًا يمنع تلك الشكوك التي داعبت قلبها وعقلها الأيام الماضية.
أغلق الباب واقترب منها. سألها بعد تنهيدة عميقة، وقد استشعر حزنها وغضبها منها:
عاملة إيه؟
رد عليها بعد صمت دام للحظات:
كويسة.
فقط هذا كل ما خرج من شفتيها. لم تسأله أين كان، لماذا اختفى، كيف حاله. لم يحزن لأنه يعرف أنه مخطئ. ليقول ببعض المرح:
مش هتسأليني أنا كويس ولا لأ؟
رد بارد مرة أخرى دون النظر إليه، لكنه استشف سخريتها بالحديث:
هسألك سؤال. أنت مهتمتش ترد بيه على حد بقالك أيام. لو كنت عاوز تجاوب وتقول، كنت هتقول من نفسك.
جيانا.
قالها بعد تنهيدة عميقة. نظرت له ليتابع هو بحزن:
أنا كنت محتاج أبقى لوحدي، ومكنتش قادر أتكلم مع حد خالص ولا أشوف حد. اللي حصل مكنش سهل عليا أبدًا.
هنا ردت عليه بسخرية:
أنا حد.
تنهد بعمق ثم أجاب بصدق وحزن ظهر بوضوح بصوته:
أنتي مش أي حد في حياتي يا جيانا. أنتي كل حياتي. بس الموضوع ده بالذات الكلام فيه هيكون حساس بالنسبة ليا ولكي. دي أمي وأذتك وأذت كتير في عيلتك، واللي عملته فيكي عارف إنه مش هتقدري تسامحي عليه بسهولة، ولا هتقدري تواسيني كمان.
محق فيما قال. هي لن تقدر على مسامحة تلك المرأة على ما فعلته بها وبعائلتها. لتجيب:
كنت على الأقل هكون جنبك. كنت هحس إني مش غريبة. أنت يا فريد، لما عرفتني زمان، كنت عارف كل حاجة عني.
تنهدت بحزن ثم أجابت:
أما أنا، لحد وقتنا هذا بعرف حاجات كان المفروض أعرفها من زمان. أنت كنت ومازلت شايفني غريبة، مش حبيبة ولا كأني هبقى زوجة ليك حتى.
ابتسم بحزن قائلاً:
من وأنا صغير اتعودت على كده. يعني موضوع عيلتي وأي حاجة بتضايقني، عمري ما اتكلمت فيها. حتى مع إيهم، واللي المفروض أقرب صاحب لي.
نظر بداخل عينيها قائلاً بأسف على أنها قد أوصل لها ذلك الإحساس دون قصد:
مش قصدي أوصلك الإحساس ده، بس هي تعود. أنا آسف. ومن النهاردة أوعدك مش هخبي عنك أي حاجة، وكل اللي عاوزه تعرفيه هجاوبك عليه وبصراحة. لو ده هيثبتلك إنك مش أي حد في حياتي.
قال الأخيرة بحب. لتسأله هي:
كنت فين الأيام دي؟
كنت قاعد في شقة اشتريتها من فترة عشان أقعد فيها بدل الفندق، ومكنتش قولت لحد بسبب اللخبطة اللي حصلت.
عاتبته بنظراتها قائلة:
ماتعملش كده تاني.
ابتسم لها قائلاً بحب:
حاضر. جيانا، كوني على ثقة دايمًا إنك رقم واحد في حياتي، وإن مهما حصل مش هيبقى فيه أهم منك، ولا هيكون فيه حد أقرب لي منك. أنتِ حبيبتي وحياتي والوحيدة اللي مخليني استحمل الحياة دي بكل المر اللي شوفته فيها.
خجلت من حديثه لتتورّد وجنتيها بحمرة قانية محببة لقلبه. ليقول مشاكسًا لها:
يلهوي على الخدود القمر دي لما تحمر.
زجرته قائلة بحدة مزيفة تداري بها خجلها:
اتلم.
زفر قائلاً بضيق طفولي جعلها تضحك عليه:
أنا اللي بعمله حاليًا إني بحاول أتلم لحد ما أبوكي يتكرم ويجوزنا.
ضحكت. لينظر لها قائلاً بغيظ مزيف وقد أسرت قلبه للمرة التي لا يعرف عددها بضحكتها الجميلة التي تنزل على أذنيه تطربها من شدة جمالها:
بتضحكي؟
أومأت له قائلة:
تستاهل اللي بيعمله فيك.
ضحك بخفوت ثم قال:
ليه بقى إن شاء الله؟ مش كفاية اللي بنته عملته فيا وعذبتني لحد ما رضيت عني؟
نظرت له بغرور محبب لقلبه قائلة:
بنته لسه مارضيتش عنك. متبقاش واثق أوي يعني.
نظر لداخل عينيها قائلاً بحب:
وماله، أفضل وراها لحد ما ترضى عني. هو أنا هعوز حاجة من الدنيا دي غير رضاها.
خجلت مما قال لتبدأ تتابع عملها مرة أخرى على حاسوبها الإلكتروني لتخفي توترها وخجلها مما قال:
على فكرة أنا ورايا شغل وأنت أكيد وراك شغلك. يلا أمشي.
ضحك بخفوت عندما فهم أنها تخجل منه:
عايزاني أمشي؟
أومأت له وهي تتظاهر بالعمل. ليقول هو وعيناه تلمع بمكر وقد قرر أن يرى تورّد وجنتها بحمرة الخجل المحببة لقلبه قبل أن يذهب:
بس أنا بقى مش عاوز أمشي.
انحنى بوجهه تجاه وجنتها قائلاً بخفوت:
غير لما...
التفتت تنظر له قائلة بتوتر عندما شاهدته يقترب:
لما إيه؟
قبل وجنتها برقة شديدة وحب بعد أن قال بخفوت:
لما أعمل كده.
ارتعش جسدها وتوّترت لتهب واقفة من مقعدها قائلة وهي تعطيه ظهرها لتداري خجلها وتورد وجنتيها:
إنت قليل الأدب.
ضحك بخفوت ثم ذهب ليقف أمامها قائلاً وهو يدير وجهها له:
عارفة إني ساعات كتير بقول وأعمل اللي يخليكي تتكسفي عشان أشوف خدودك وهما لونهم أحمر. بتبقى جميلة أوي ومش ببقى عايز أبعد عيني عنك أبدا.
ابتسمت بخجل. هو الوحيد القادر على أن يجعلها تشعر به، وقادر على جعلها تعشقه وتحبه أكثر وأكثر. تبادل الاثنان نظرات محبة عاشقة. بعدها قبل جبينها وغادر بعدما أعطاها ابتسامة جميلة.
علم الجميع ما حدث، وإن رونزي شقيقة سمير. كانت الصدمة من نصيبهم أيضًا. أصر سمير أن تقيم شقيقته معه، لكنها رفضت. فهي لا تريد أن تبقى بمكان يوجد به آسر. أقنعته أن منزلها قريب من هنا جدًا. كان يريد أن يتحدث معها بموضوع آسر، لكنه قام بتأجيل الموضوع فيما بعد.
مر يوم آخر بعده، كانت أكمل يأتيه مكالمة من أيهم مساءًا يخبره:
أنا وفريد كنا عايزين ناخد ميعاد ونيجي نطلب إيد تيا وجيانا من حضرتك ونجيب أهلنا كمان.
أكمل بجدية:
كلامي هيكون معاكم انتوا الأول، وبعدها تبقى القاعدة رسمي مع عيلتكم. لأن لسه ليا شروط، لو ما اتنفذتش مفيش جواز.
أيهم بتعجب:
شروط إيه؟
أكمل بجدية قبل أن يغلق الهاتف:
هستناكم في مكتبي بكرة بعد الضهر.
بعد أن أنهى المكالمة، سألته حنان بشك:
أكمل، أنت بجد وافقت كده بسهولة؟ وإيه الشروط اللي هتطلبها؟
نظر لها بعيون تلتمع بها المكر. لتقول هي بتحذير وقد فهمت أنه لا ينوي على خير:
أكمل!
أكمل بضحك:
هو أنا لحد دلوقتي مشبعتش من بهدلتهم ولا ربيتهم كويس.
حنان بضيق:
انت مش ناوي تجيبها لبر بقى؟
زفرت بضيق متابعة:
حرام يا أكمل اللي بتعمله في العيال ده. ريحهم وريح بناتك وخليهم يتجوزوا بقى.
أكمل بابتسامة ولا يزال عقله يفكر فيما سيفعله بهم غدًا:
أنا بعمل كده عشان أريح بناتي وأريح التانيين فيما بعد. لازمهم تربية عشان يعرفوا يحافظوا ع اللي في إيديهم.
نظرت له بضيق، ليتابع هو بعد أن قبل وجنتها بحب:
أنا عارف أنا بعمل إيه كويس يا حنان، اطمنّي.
حنان بضيق:
مش هطمن طول ما أنا عارفة اللي جواك. أنت غيران على بناتك يا أكمل وغيرتك دي هي اللي مخلياك مؤجل جواز العيال لحد دلوقتي.
ضحك أكمل بعدها قال:
هو أنا ما أنكرش غيرتي، بس هي سبب من أسباب تأجيل الجواز.
طب أنت ناوي على إيه طيب؟
أكمل بمكر وقد خطرت بباله فكرة ستجعل الاثنان يشتعلان غيظًا غدًا:
كل خير.
لن يقول، لكنها فهمت أن ما يفكر به لن يكون هينًا أو خيرًا أبدًا.
حركت رأسها بيأس قائلة:
مفيش فايدة فيك.
ضحك قائلاً بغمزة من عينيه:
لا يا روحي، مفيش فايدة. تعالي هنا قوليلي، أنتِ هتفضلي تحلوي كده لحد امتى؟
نظر له ثم ضحكت قائلة:
أنت في إيه ولا في إيه؟ هو ده وقته؟
غمزها بعينه بمشاكسة قبل أن يغلق أنوار الغرفة:
ده هو ده وقته.
عمو أكمل ده مش هيجيبها لبر. مش عايزة أحرق لكم بس أيهم وفريد هيتمرمطوا البارت الجاي. حتى آسر هيتحرق دمه وهيطق من اللي رونزي هتعمله فيه. دعواتكم ليهم يا جماعة.
الرواية خلاص يا جماعة على وشك إنها تخلص. شكراً لكل اللي سأل عليا ودخل كلمني خالص لما كنت تعبانة الأيام اللي فاتت. أنا الحمد لله بقيت كويسة وبخير. أشكركم يا بناااات.
دمتم سالمين يا قمرااااااااتي.
رواية ليتني لم احبك الفصل الثلاثون 30 - بقلم شهد الشوري
قالها أيهم بابتسامة صفراء وهو يقف أمام مكتب أكمل برفقة فريد.
أكمل ببرود دون النظر إليهم: اقعد يا زفت انت وهو.
جز الاثنان على أسنانهم من شدة الغيظ ليتمتم أيهم بضيق وبصوت خفيض للغاية: ليه قلة القيمة دي.
أكمل بسخرية وقد سمع ما قال: لا وحياة أهلك قلة القيمة كلها لسه جاية.
فريد بجدية، منهيًا أي مشادة قد تحدث بين الاثنين، خاصة بعد رؤية الغضب بأعين أيهم الذي يعرفه تمام المعرفة، متهور ويفقد أعصابه سريعًا: حضرتك قولتلنا نيجي النهاردة عشان...
قاطع كلامه دخول السكرتير الخاص بأكمل بقلق: أكمل باشا. النقاشين خلصوا شغل في الدور اللي فوق، بس الناس اللي اتفقنا معاهم ينضفوا ويحطوا المكاتب في الأماكن المطلوبة مجوش وقالوا إنهم مش فاضيين يومين بحالهم، والمفروض المحامين الجداد يستلموا شغلهم بكرة.
ابتسم أكمل بمكر ثم نظر للاثنين.
ليردد كلاهما في وقت واحد بتوجس من نظراته الماكرة: نعم.
فريد بداخله: مش مستريح للنظرة والابتسامة دي، ربنا يستر.
أكمل لسكرتيره: طب روح انت يا صابر.
ما أن غادر، سألهم أكمل: وراكم شغل أو حاجة؟
أيهم بتلقائية: لا طبعًا، إحنا مفضين نفسنا لبقية اليوم وجينا مقابل حضرتك عشان نتفق على كل حاجة.
أكمل بمكر: امم، قولتلين.
لينظر لهم متابعًا بابتسامة ماكرة: طب بما إنكم فاضيين وأنا عندي اجتماع كمان عشر دقايق مع محامين... تقدروا تطلعوا الدور اللي فوق تعلموا شغل الناس اللي مجوش، وأهو تسلوا نفسكم لحد ما أخلص الاجتماع.
نعم!
خرجت من شفتي الاثنين في وقت واحد غير مستوعبين ما قال.
ليقول الآخر بسخرية وبرود: إيه كلامي مش عاجبكم في حاجة؟
أيهم بغيظ وهو يجز على أسنانه: ده مش شغلنا، وبعدين إحنا مش فاضيين، وفي ناس تعمل الشغل ده.
أكمل برفعة حاجب وهو يعيد عليه ما قاله منذ دقيقة: الله، انت مش قولت مفضي نفسك بقية اليوم؟ اشغل نفسك بحاجة لحد ما أخلص الاجتماع.
فريد بابتسامة صفراء وبداخله يشعر بالغيظ الشديد من ذلك الرجل: في ظرف ساعة هيكون عند حضرتك عمال يخلصوا كل اللي عايزه.
أكمل بابتسامة صفراء: بس أنا عاوزكم انتوا... خلصوا الشغل فوق لحد ما أخلص اللي ورايا، ونحدد ميعاد رسمي، يا إما تروحوا وتيجوا يوم تاني أكون فيه فاضي، اللي هو بعد أسبوع إن شاء الله!!!
أيهم بحدة بعد أن غادر أكمل المكتب متوجهًا لغرفة الاجتماعات: أنا مستحيل أعمل كده!!!
...
بعد وقت.
تمتم بغيظ وهو يقوم بمسح وكنس الأتربة من الأرض وهو بحالة مزرية، فقد كان يطوي أقدام بنطاله لأعلى وخلع سترته، وتبقت فقط بقميصه الذي طوى أكمامه: أقطع دراعي أما كان الراجل ده هو اللي خلا العمال مايجوش عشان يخلينا إحنا نشيل الليلة ويطلع عينا ويغيظنا.
فريد بغيظ مماثل وهو يقوم بإزالة الأكياس البلاستيكية من على المقاعد الجديدة والمقاعد، وكان لا يختلف عن حالة الآخر سوى أنه قام بخلع قميصه ليبقي عاري الصدر: طب طالما انت عارف إنه بيعمل كده عشان بيغيظك، بتبين غيظك منه ليه كده؟ بتخليه يحس إنه انتصر وحقق اللي عاوزه.
أيهم بسخرية: يعني انت مكنتش متغاظ؟
فريد بغيظ وهو يكور قبضة يده: مين قالك كده؟ ده أنا هفرقع من الغيظ، بس محبتش أبين عشان محسسوش إنه غاظني وحرق دمي.
أيهم بحسرة وسخرية من وضعه الآن: على آخر الزمن أيهم الزيني بيمسح ويكنس. الله يرحمك يا برستيجي... الحمد لله إن البت ما شافتنيش وأنا كده.
فريد بسخرية وهو يقوم بدفع المكاتب ليضعها في مكانها: نضف يا أخويا خلينا نخلص.
كل ذلك تحت نظرات أكمل المبتسم بشماتة وتسلي وهو يشاهدهم ينظفون من الكاميرا التي قام بتركيبها بأحد الزوايا دون أن يراها الاثنان.
...
بعد وقت.
انتهى الاثنان من عملهما يلهثان بقوة بعدما قاموا بفرش المكاتب بالسجاد ووضع المكاتب والمسح والكنس وإزالة الأتربة. ارتدوا ملابسهم وعدلوا من هيئتهم ثم نزلوا للأسفل حيث مكتب أكمل. وما أن سألوا عنه، أخبرهم سكرتيره: أكمل باشا راح، وبيقول لحضراتكم أجلوا الميعاد ليوم تاني، هو هيحددوا ويكلمكم.
نظر الاثنان لبعضهم بغيظ وأعين تكاد تخرج نيران من كثرة الغضب الذي بداخلهم، ثم غادروا المكان وكلاهما يصبر نفسه بأن في نهاية المطاف سيحصل كلاهما على حبيبته.
...
كانت تجلس بالكافيه تتناول قهوتها بشرود لتجد من يجلس أمامها ولم يكن سوى آسر قائلاً: رونزي.
فرت بضيق قائلة: خير.
آسر بحزن: هنفضل كده لحد امتى؟ انتي مش مديني فرصة أتكلم معاكي وأشرحلك خالصة.
رونزي ببرود وهي ترتشف من فنجان القهوة الخاص بها وعيناها مثبتة على شاشة هاتفها متجاهلة النظر له: قولتلك قبل كده مفيش حاجة تتشرح أو تتقال.
آسر بضيق من طريقتها قائلاً: رونزي، بلاش عناد، انتي عارفة... إني بحبك.
نظرت له قائلة بسخرية: أنا اللي أعرفه حاجة واحدة، هي إنك كداب وما يتوثقش فيك، واللي متأكدة منه إنك بتحاول معايا دلوقتي عشان مصلحتك.
مصلحتي هتكون إيه!!!
ضحكت بسخرية استفهادته وبشدة قائلة: إنك تأثر عليا عشان أتنازل عن الشكوى اللي قدمتها فيك، زي قبل كده برضه كان ليك مصلحة وهي إنك توصل لمجد.
رد عليها بحدة: لأ مش صح، وإلا ما كنتش هجري وراكي عشان تسامحيني قبل ما تقدمي الشكوى دي.
ردت عليه ببرود وعدم تصديق لأي شيء يقوله: أكيد كان ليك مصلحة تانية ساعتها، بس إيه هي الله أعلم بقى.
مسك يدها قائلاً برجاء: رونزي، صدقيني والله ما فيه في نيتي أي حاجة وحشة، والكلام اللي قولته ليكي طلع وقت غضب مش أكتر ومش قصدي أي حاجة منه... أنا بحبك، صدقيني.
نظرات سخرية وعدم تصديق كانت ردًا على ما قال.
ليزفر بضيق قائلاً وعندما جاء ليتحدث، جاء صوت رجل من خلفهم يقول بلهفة: يا آنسة.
نظرت له رونزي قائلة بجدية: افندم.
مد يده ليصافحها معرفًا عن نفسه: أنا نديم، صاحب شركة مكياج اسمها... أكيد تعرفيها.
قبل أن تصافحه، امتدت يد آسر مصافحًا إياه قائلاً بابتسامة صفراء: الآنسة مش بتسلم.
تنحنح الآخر بحرج لتوجه رونزي حديثها له قائلة بجدية: أيوه أعرفها، بس أنا دخلي إيه؟
نديم بتوضيح: أنا كنت بدور على مودل تكون وجه إعلاني جديد للشركة، أنا شوفتك ولقيت فيكي المواصفات، ممكن نقعد في مكان هادي وأشرحلك التفاصيل.
آسر بحدة قاطعًا استرسال الآخر في الحديث: عرضك مرفوض، ويلا بقى ورينا عرض أكتافك.
رونزي بجدية متجاهلة آسر تمامًا: أستاذ نديم، أنا موافقة نقعد ونتكلم وتشرحلي التفاصيل.
آسر بحدة وغضب: موافقة على إيه؟ انتي كمان مفيش الكلام ده.
رونزي بحدة: انت تبقى مين؟
نظرت له برفعة حاجب قائلاً بغضب: أنا آسر.
رونزي بحدة: حضرتك مش ولي أمري ولا تقربلي عشان تقرر عني، ياريت متتخطاش حدودك طالما أنا مسمحتش بده، مفهوم.
ثم تابعت وهي تنظر لنديم متجاهلة ذلك الذي يشتعل غيظًا: اتفضل يا أستاذ نديم لو معاك عربية، سوق انت وأنا همشي وراك.
نديم بلهفة: آه طبعًا معايا. اتفضلي.
ذهب نديم سريعًا، بينما آسر مسك يدها يمنعها من الذهاب قائلاً بغضب: مش هتروحي في حتة.
رونزي بتحدي وهي تنزع يدها من يده بقوة: لا هروح، وإياك مرة تانية تتجرأ وتلمسني، وأظن انت جربت أنا عملت فيك إيه المرة اللي فاتت قعدتك من شغلك، بلاش تخليني أعمل حاجة تاني تخليك تندم.
اعملي تاني لو ده هيشفي غليلك مني، اعمليه.
ابتسمت بسخرية قائلة: متستعجلش، هعمل تاني، وبعدين مين قالك إني مستنية موافقتك.
غادرت وتركته يقف يشتعل من الغضب، بينما هي كان ردها على عرض الآخر للعمل بأنها ستأخذ وقت لتفكر وترد عليه.
...
بعد وقت.
اقتحم آسر مكتب سمير بدون سابق إنذار قائلاً بغيظ شديد: هي عايزة توصل لإيه؟ مش عايزة تسمعني، مش كفاية مستحمل اللي بتعمله وكلامها وشغلي اللي هخسره بسببها، تقوم تعمل كده؟
سمير بعدم فهم: في إيه بس؟
آسر بغيظ وهو يلكم الحائط بقبضة يده: الهانم بتفرسني، أما أوريها والله لأخليها تيجي وتقولي اتجوزني بنفسها.
سمير بحدة وقد فهم أنه يتحدث عن شقيقته: احترم نفسك.
آسر بحدة: وانت مالك أصلًا؟
سمير بغضب: دي أختي يا بني آدم، وبعدين مين دي اللي تيجي تقولك اتجوزني؟ مش لو أنا وافقت أصلًا.
قال الأخيرة بغرور ليصيح الآخر بغضب وهو يمسك تلك المزهرية الصغيرة الموجودة على مكتبه يلقيها بالحائط: نعم يا روح أمك.
سمير بحدة: احترم نفسك.
آسر بحدة: ما تشوف الأول كلامك هو إيه، لو وافقت طب إيه رأيك بقى أنا هتجوزها غصب عنك وعنها.
سمير بتحذير: آسر اهدى واعقل اللي بتقوله.
آسر بحدة: ما تعقل أختك الأول.
يزفر بضيق قائلاً بغيرة من فكرة أنها ترتدي الملابس وتضع مساحيق التجميل ويراها النساء والرجال: الهانم عايزة تشتغل مودل وتعرض.
قاطعه سمير قائلاً: انت بتقول إيه؟
آسر بحدة: اللي سمعته، في واحد قابلنا. وقص عليه كل ما حدث ليرد الآخر بهدوء: ما هي ممكن ترفض.
آسر بغيظ وهو يأخذ الغرفة ذهابًا وإيابًا: لا أختك نظرتها كانت بتقول إنها هتقبل عشان تقهرني وتضايقني.
كور قبضة يده قائلاً بغيظ وغيره: ده أنا أصور قتيل لو عملت كده. الهانم عايزة تلبس وتتزوق والكل يشوف صورها و.
سمير بحدة وتحذير: آسررر. حاسب على كلامك. بقولك دي أختي، ولو حد هيحاسبها أو يتكلم معاها يبقى أنا مش أنت. ولو هي رافضالك ده قرارها، أنت مش هتجبرها ولا أنا هجبرها، وطول ما هي متقربش ليك بأي صفة يبقى مش من حقك تدخل في أي حاجة تخصها.
آسر بحدة: بقى كده.
سمير بجدية: أيوه.
نظر له آسر بشر ثم اقترب منه قائلاً بتحدي: أختك تخصني وبحبها من قبل ما تعرف إنها أختك، وحكاية أتدخل في أي حاجة تخصها دي أحب أقولك إني هفضل أتدخل وأكون موجود في كل دقيقة في حياتها لأنها تخصني، أما أنت احتفظ برأيك لنفسك.
سمير بسخرية وتحدي: انت عارفني كويس يا آسر، بلاش ناخدها قصاد بعض تحدي.
ابتسم الآخر بسخرية ثم غادر ليغادر الآخر خلفه بعد دقائق بعد هاتف شقيقته وعلم أنها بمنزلها.
...
بعد وقت.
كان يجلس أمام شقيقته قائلاً: ممكن أعرف بقى إيه اللي حصل النهاردة؟
آسر: دقيقة وكان هي، لهدايا، بسببك من غيظ.
رونزي ببرود: يستاهل، هو لسه شاف حاجة.
سألها بدون مقدمات: رونزي، انتي لسه بتحبي آسر؟
نظرت له مطولاً وقد خشيت من أن تبوح له على ما بقلبها حتى لا يفصح عنه لآسر لكونه صديقه المقرب، ليقول هو بعدما فهم ما تفكر به: متخافيش، كل اللي هتقوليه هيفضل بيناتنا.
تنهدت بحزن قائلة: مجروحة منه. أنا كان واخدني وسيلة عشان يوصل للي عايزة، كان بيمثل عليا وما فرقش معاه أنا هيكون شعوري إيه وهتعذب قد إيه لما أعرف إن كل ده تمثيل. كان هيرفع إيده عليا وقالي كلام يوجع. الحب مش بيتنسي بسهولة كده، أكيد لسه بحبه، بس مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحه وأرجع أثق فيه من تاني ولا لأ.
نظرت للفراغ بشرود تبوح بكل ما بقلبها والآخر يستمع لها بصمت: عمل التمثيلية دي كلها عشان خاطر يوصل لحاجة في شغله، يعني أذاني للسبب ده. كان لازم أنتقم منه في شغله أكتر حاجة بيحبها عشان يتوجع زيي.
سمير بهدوء: بس آسر بيحبك بجد، اقعدي معاه اسمعيه، يمكن لو سمعتيه تقدري تسامحي.
نظرت له قائلة بغضب: لو عملت زي ما بتقول، فمش هيكون قبل ما آخد حقي منه الأول، مش هيحصل قبل ما أنتقم لوجع قلبي بسببه.
طب والشغل اللي اتعرض عليكي هتوافقي ولا لأ؟
نظرات للفراغ قائلة بتحدي وكأنها تراه أمامها الآن: هوافق. هعمل أي حاجة تخليني أشوفه متغاظ ومتضايق، حتى لو مش حباها.
سمير بضيق: هو مفيش أي حاجة تغيظيه بيها غير دي؟ أنا الصراحة مش موافق على الشغل ده طالما مش حباها وخدها عناد.
ابتسم معقبًا بمرح: انتي دكتورة بهايم قد الدنيا، تقدري تفتحي عيادة من بكرة الصبح.
نظرت له بغيظ قائلة: دكتورة بهايم؟ طب وماله ده، حتى حلو، افتح عيادة عشان أبقى أعالجك.
رد عليها بحدة مزيفة: بت، احترميني، ده أنا أخوكي الكبير.
حركت يدها بالهواء قائلة: يا شيخ اتلهي، ده آسر مرمطك ومخلي برستيجك في الأرض، روح اتشطر عليه.
رد عليها بغرور مزيف: بمزاجي، أنا لو عاوز آخد حقي هاخده.
نظرت له برفعة حاجب قائلة: لا والله.
أومأ لها قائلاً بطريقة مضحكة: أومال يعني هخاف من إيده التقيلة.
ضحكت بقوة وشاركها هو الضحك. وبعد حديث قصير نظر إليها قائلاً: بابا الله يرحمه سايب ورث كبير لينا، نقعد مع المحامي بكرة وينقل نص الفلوس والأملاك باسمك.
قاطعته قائلة بتساؤل: النص؟ ليه مش المفروض أنت تاخد ضعف نصيبي؟
ابتسم قائلاً: يا ستي أنا عاوز كده، كل حاجة هتتقسم بينا.
ابتسمت قائلة: على العموم أنا مش محتاجة فلوس، أنا كنت بشتغل في ألمانيا وليا عيادة كبيرة هناك، ممكن أبيعها وأفتح بيها عيادة هنا، وكمان معايا فلوس في البنك من دخلها.
اعترض قائلاً بصرامة: ده حقك في ورث أبونا ومن نصيبك هتاخديه، يعني هتاخديه، ولعي فيه لو حبيتي، حقك وبتاعك.
ابتسمت قائلة بسعادة: تعرف إني انبسطت أوي إني ليا أخ وإني مش بنت مجدي وشيري، كنت بحس دايمًا إني غريبة بينهم، كنت بستغرب إزاي فيه أب وأم قاسين كده، بس كان لازم أعرف من معاملتهم إنهم مش أهلي، لأن مفيش أب قاسي ولا أم قاسية كده.
رد عليها بسعادة مماثلة وحنان وهو يربت على شعرها: صدقيني محدش مبسوط زيي، أنا عشت في وحدة بعد موت بابا وماما، وفرحت أوي لما عرفت إنك أختي، كنت بشوف جيانا مع أخواتها وعمي أكمل وعمي إبراهيم كانوا أخوات وفي ضهر بعض، كنت بتمنى يكون ليا أخ أو أخت لأنها حاجة حلوة أوي وشعور مفيش زيه.
ابتسمت له بحب ثم ارتمت بأحضانه ليبادلها العناق بحنان وهو في حيرة من أمره، حزين على صديق عمره وعلى شقيقته، لا يريد الحزن لكلاهما.
...
مر عشرة أيام قضاه أيهم وفريد في غضب وغيظ شديد من أكمل الذي كلما اتفق معهم على موعد يقوم بإلغاءه بآخر لحظة، حتى كلاهما لم يستطيع رؤ حبيبته أو مهاتفتها بعد أن وظف أكمل حراسة حتى تمنعهم من رؤيتهم إن خرجت إحداهن من المنزل. ليشتعل الاثنان غيظًا. من المقرر أن اليوم مقابلته بمنزله كما قال، ليذهب الاثنان، كلاهما على وشك الانفجار من الغيظ ويتمالكان أنفسهما بصعوبة.
...
بمنزل أكمل النويري.
كان الاثنان يجلسان بجانب بعضهما بالأسفل، كلاً منهك يحرك قدمه بعصبية وغضب. لقد مر أكثر من نصف ساعة وذلك الرجل لم يتكرم ويأتي ليستقبلهم.
أيهم بغضب: كده كتير، ده زودها أوي.
يزفر فريد بضيق وهو يلعن حظه الذي أوقعه مع حماه، هذا الرجل.
...
بالأعلى كانت حنان توقظ أكمل قائلة بضيق: يا أكمل قوم بقى، عيب كده. بقالهم ساعة قاعدين وأنت سايبهم، انزلهم.
يزفر بضيق وهو يقول بنعاس: قوليلهم ييجوا بكرة، مش فاضلهم.
حنان بغيظ: يعني إيه؟ دي كده قلة ذوق، انزل قابلهم يلا بلاش لعب عيال.
نظر لها بغيظ قائلاً: عايزاني أنزلهم؟ حاضر، هنزلهم.
وقف من على فراشه وارتدى خفه المنزلي.
لتوقفه قائلة بعدم تصديق: مش هتغير هدومك طيب؟ هتنزل بالبيجامة والشبشب؟
نظر لها بغيظ قائلاً: أقسم بالله أرجع أنام تاني وأسيبهم يولعوا.
فرت بضيق لينزل هو للأسفل، وما أن نزل الدرج وجدهم يجلسون بجانب بعضهم والغضب مرتسم على وجههما، ليشتعل غضبهم أكثر عندما رأوا هيئته.
وقف الاثنان مرغمان يبتسمون له ابتسامة مصطنعة.
القوا عليه السلام.
ليمُد فريد يده ليصافحه، لكنه لم يبالي وجلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى دون أن يرد السلام.
لتكور فريد يده مغتاظًا، بينما أيهم يتمالك نفسه بصعوبة حتى لا يثور على ذلك الرجل الذي دائمًا ما يثير أعصابهم واستفزازهم بسهولة.
جلس الاثنان ليقول هو برفعة حاجب: أنا سمحتلكم تقعدوا.
نظر الاثنان لبعضهم ليأخذوا نفسًا عميقًا، ثم وقفوا قرابة الثلاث دقائق وهو ينظر لهم بتسلية وبأعين ناعسة، ثم قال وهو يتناول جهاز التحكم الخاص بالتلفاز قائلاً دون النظر إليهم: اقعدوا.
يزفر الاثنان بغيظ وكلاهما مانعًا نفسه بصعوبة من الانقضاض على ذلك الرجل المستفز لحد كبير. أما عن أكمل، تجاهلهم مرة أخرى يشاهد أحد مباريات كرة القدم.
ليقول فريد بجدية وهدوء مفتعل: طبعًا حضرتك عارف إحنا جايين ليه.
لم يجبه أكمل.
أيهم قائلاً بابتسامة صفراء: طبعًا، إحنا يشرفنا نطلب إيد الآنسة جيانا.
يسألهم أكمل فجأة وكأنه لم يستمع لأي شيء مما قالوه: انتوا أهلي ولا زمالك؟
لم يصله الجواب سوا نظرات كلها غضب وغيظ كبير.
ليبتسم بداخله بسعادة.
نظر لهم برفعة حاجب قائلاً بتحذير: مش سامع إجابة.
يزفر الاثنان بغيظ ليقول أيهم بابتسامة صفراء: أهلي حضرتك. إحنا الاتنين.
جاءت حنان تحمل بيدها المشروبات للمرة الثالثة لهم، لتصدم بما يفعله زوجها لتقول بحدة خفيفة: إيه يا أكمل؟ هو ده وقت تلفزيون؟
أكمل ببراءة مزيفة: ما أتفرجش على الماتش يعني؟
حنان بابتسامة مزيفة وهي تحذر زوجها بعينيها: وده وقته يعني؟
أكمل بابتسامة واسعة: عندك حق، مش وقته.
ثم التفت لهم قائلاً ببرود: اتفضلوا امشوا، ونبقى نحدد ميعاد تاني لأني الماتش مهم وأنا لازم أتابعه. شرفتونا.
إلى هنا وكفى، صاح أيهم بغضب: هو إيه اللي ميعاد تاني؟ حضرتك عارف ده الميعاد الكام اللي نيجي فيه ونمشي ونأجله؟ كده كتير أوي.
أكمل بحدة وتحذير: خلاص، بلاش منها جوازة. ده اللي عندي، عاجب أهلاً وسهلاً، مش عاجب بالسلامة.
حنان بضيق: أكمل، عيب كده.
التفت ينظر لها قائلاً: من أولها مش موافقين على تأجيل الميعاد وبيعتترضوا، أومال على الشروط هيعملوا إيه؟
جلس ع المقعد يتناول كأس العصير الذي جاءت به زوجته، يضع قدم فوق الأخرى يتابع التلفاز قائلاً لهم ببرود أثار حنقهم وغضبهم بشدة: بالسلامة، بكرة هيوصلكم الميعاد اللي تيجوا فيه.
نظرت حنان لزوجها بغضب يشعر به الاثنان أضعافًا مضاعفة. كاد أن ينقض عليه أيهم ليمنعه فريد بقوة مثبتًا إياه بجانبه، ثم غادروا المنزل سريعًا بغضب لم يسبق أن شعروا به. ذلك الرجل يملك القدرة على إغضابهم بسهولة.
...
بعد أن غادر الاثنان، قالت حنان بغضب: أكمل، كفاية لحد كده. بكرة تتكلم معاهم وتخلص كل حاجة. حرام اللي بتعمله فيهم ده، كفاية شغل القط والفار.
أكمل ببرود: لسه مليش مزاج أعمل كده، خليهم شوية كمان.
حنان بغيظ: والله يا أكمل لو ما نفذتش بكرة اللي قولته هروح أقعد مع بابا لحد ما تنفذ.
أكمل بحدة: انتي بتحلفي على مين يا حنان؟ وعشان مين؟
حنان بتحدي: عليك يا أكمل، عشان كده كتير بجد والله، والله لأنفذ اللي بقوله وأسيبلك البيت لو مبطلتش حركاتك معاهم دي.
يزفر بضيق قائلاً بابتسامة صفراء: حاضر، بس كده من عنيا، بس يارب هما يوافقوا على شرطين.
نظرت له بغيظ وهي تعرف أنه لن يتنازل، لكنها ستصمم على ما قالت لسعادة ابنتيها ولشعوره بالشفقة على أيهم وفريد.
نظرت له بتحدي وهو كذلك، ثم صعدت لأعلى وتركته يردد بداخله بتسلية: هنفذ اللي هي عايزاه وهخلي الكورة في ملعبهم، اللي يا إما يوافقوا يا لأ.
...
على الناحية الأخرى.
عاد من الخارج وما أن دخل للبناية تفاجأ بها تقف أمام المصعد تنتظره ليهبط برفقة رجل على درجة عالية من الوسامة، تمسك يده، بل والأدهى ما كانت ترتديه، فقد كانت ترتدي فستان أسود يلتصق على جسدها ويصل لقبل ركبتها وبدون حمالات، لتشتعل عيناه غضبًا وشعور الغيرة تملك منه.
ليذهب لها قائلاً بحدة وغيرة: إيه اللي انتي لبساه ده؟
رونزي بحدة: انت مالك؟
رد الآخر بتساؤل وهو يبعد يد آسر عنها: مين حضرتك؟
نظر لها قائلاً بحدة: مين ده؟
ردت عليه بحدة وغضب: مالكش فيه.
يزفر بضيق صارخًا عليها بنفاذ صبر وغيرة: انطقي بدل ما أصور قتيل هنا.
تدخل الآخر قائلاً بحدة: أنا حسام عبد الشكور، حبيبها.
نعم يا روح أمك، ده انت ليلة أهلك سودة.
قالها آسر بغضب وهو يجعل رونزي تقف خلفه. كاد أن يعنفه الآخر، لكن قبضة آسر كانت تعرف طريقها لوجه الآخر.