تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الأول 1 - بقلم ندى محمود توفيق
قبل سنتين من الآن .........
اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي.
أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منهم ليهتف له بحدة:
_ إيه اللي بيحصل ده في إيه؟
توقف الشاب مجبرًا ليجيبه على عجالة حتى يلحق بالبقية:
_ الدنيا والعة عند بيت خليل صفوان.
زاد اتساع عيناه والصدمة تعتلي معالم وجهه بالكامل ليصيح به بغضب:
_ وإيه الشوم والساكنين اللي في يدكم دي وطالعين بيها من البيت؟
رد عليه الشاب متعجلًا بعد أن حرر ذراعه من قبضته:
_ عم عبد العزيز وبشار وبلال هما اللي طلبوا منينا.. باينله هيبقى دم للركب.
تصلب بأرضه للحظات بعد ركض ذلك الشاب نحو الشارع الخلفي تحديدًا أمام منزل عائلة خليل صفوان. ولكن دهشته لم تدم حيث أسرع ركضًا خلفه ليرى بعينه ما الذي حدث. لكن انفرجت شفتيه بصدمة حين رأى الاشتباك العنيف بين العائلتين، عائلته وعائلة خليل صفوان. والتقطت عيناه الدماء التي تسيل من بعض الشباب نتيجة الصراع بالأسلحة والعصا وأهل المنطقة والجيران بعضهم يقف يشاهد تلك المجزرة من بعيد منذهلًا دون أن يتجرأ على التدخل والبعض الآخر يقف بنوافذ منازله من الأعلى!
لمح بعيناه أخيه الصغير وهو يتشاجر مع شاب يتدخل في الشجار لصالح عائلة صفوان وذلك الشاب يمسك بيده سلاح أبيض ويحاول طعنه به فصاح بصوته الجهوري:
_ بـــلال!
وبظرف لحظة كان يهرول ركضًا نحو أخيه ويمسك بذلك الشاب ثم يوجه له لكمه عنيفة أبرحته أرضًا نظرًا لفرق البنية والقوة التي بينهم. ثم جذب السكين من يده والتفت تجاه أخيه يهتف بعصبية وعدم فهم:
_ إيه اللي بيحصل ده يا بلال؟
بلال بنظرة نارية تنضج بالشر والغضب:
_ الحرب ابتدت ياخوي.. وياقاتل يامقتول.. ناس خليل صفوان ابتدوا الخيانة وهما اللي حطو البودرة في السمك عشان يلبسوها فينا وكلنا نروح فطيس.
وكأن الصدمات كانت من نصيبه هو بذلك اليوم حيث طالت نظراته المندهشة لأخيه. لكن سرعان ما تحولت لأخرى ملتهبة تنبض بالانتقام مثل أخيه وبقية عائلته والتفت للخلف يتابع ما يحدث أمام عيناه من قتال بين الجميع. وقبل أن يخطو خطوة للأمام حتى ينضم لعائلته ليثأر لحقهم رأى شاب يقربه بالعمر يرفع سلاحه الناري ويصوبه باتجاه خليل صفوان ويطلق النيران لتستقر الرصاصة بجسده الهزل. فيسقط الرجل على الأرض وتتعالى معه نواح النساء وصياح أبنائه ورجال عائلته وهم يركضون نحوه. أما ذلك الشاب الذي أطلق النيران فر هاربًا بلحظتها بعد أن وثب فوق دراجته النارية.
ولم تمر سوى دقائق قليلة حتى بدأت سيارات الشرطة تصطف بالشارع و.......
استفاق من شروده على صوت أمه وهي تهتف له باسمة:
_ صباح الخير ياولدي.
التفت لها وبادلها الابتسامة وهو يجيبها:
_ صباح النور ياما.
تفحصته إخلاص بنظرها وسألت بتعجب:
_ لابس خلچاتك وجاهز.. على فين إكده من صباحية ربنا؟
تنهد الصعداء ورد بصوت رجولي غليظ:
_ ما أنتي عارفة الشغل مش بيتقله لا في أي وقت.
هزت رأسها بتفهم هامسة:
_ ربنا ينورلك طريقك ياولدي.. قوم يلا عشان نفطر، الفطار چاهز وكله چوا بيفطر.
استقام واقفًا وانحنى على رأس أمه يقبلها بحنو هامسًا:
_ مليش نفس افطروا أنتوا أنا يدوب الحق اشوف الشغل اللي ورايا وقولي لبشار يحصلني على هناك.
اعترضت بضيق تجيبه في دفء أمومي:
_ هتطلع على لحم بطنك.. كُل لقمة حتى ياولدي.
تمتم بابتسامة خافتة:
_ مش جعان والله ياما.
انهى عبارته ولم ينتظر ردها بل اندفع يقود خطواته لخارج المنزل لكنها اوقفته بصوتها المرتفع:
_ عمران!
توقف واستدار لها برأسه لتبتسم له وتقول باهتمام:
_ خد بالك من نفسك.
لقد اعتاد على تلك العبارة منذ الحادثة المشهورة التي وقعت قبل سنتين ومازالت تداعياتها مستمرة حتى الآن. ابتسم لأمه بعدم حيلة ورد بصوت أجش:
_ حاضر ياما متقلقيش.
ثم استدار وأكمل طريقه لخارج المنزل بينما إخلاص فظلت تتابع ابنها ونجلها الوحيد وهو يختفي من أمام نظراتها داعية ربها أن يحفظه لها من كل شر..........
داخل منزل خليل صفوان .......
بالطابق الثاني تحديدًا داخل إحدى الغرف الواسعة التي تضم فراشًا متوسط الحجم وخزانة صغيرة ومقعدًا هزاز بأحد زوايا الغرف. أما الحوائط فكانت بيضاء تمامًا كالثلج.
تلك هي الغرفة الأفضل والأكبر بالمنزل كله ولم تتمكن أي فتاة من العائلة الحصول على غرفة مثلها. فغالبًا الغرف الكبيرة والمميزة تكون من نصيب الرجال فقط ولا سيما إذا كان متزوجًا.
توقفت أمام المرآة تلقي النظرة الأخيرة على مظهرها وهي بتلك العباءة المنزلية ذات اللون الأزرق ومطرزة بخيوط بيضاء عند الصدر وفي الأسفل بأشكال فرعونية مميزة. رفعت يديها ترفع شعرها الغزير والحريري لأعلى وتثبته بمشبك أسود ثم تلتقط حجابها من نفس لون العباءة وتلفه حول شعرها بإتقان وحرص على عدم ظهور شعرة واحدة منه.
وبينما كانت على وشك الاستدارة والرحيل سقطت عيناها على الصورة الموضوعة داخل إطار صغير فوق المنضدة الصغيرة. تجهّم وجهها بحزن وحسرة لتمد اناملها وتلتقط الإطار ثم تتحرك به وتجلس فوق الفراش وهي تتأمل الصورة بعينان دامعة وتهمس في حرقة:
_ اتوحشتك قوي يابوي. منه لله اللي كان السبب.
انهمرت عبراتها واحدة تلو الأخرى بشوق وألم لكن سرعان ما لمعت عيناها بوميض مخيف ينضج بالشر والثأر وهي تهتف:
_ حقك مش هنسيبه حتى لو كان فيها قتلهم كلهم واحد واحد.. النار اللي چوانا مش هتطفي ولا تهدي غير لما يتحرق قلبهم كيف ما حرقوا قلبنا عليك.
ثم تابعت بعينان ملتهبة كجمرة من النيران:
_ هانت يابوي هانت.. قريب قوي هناخد تارك وعزاك.
كفكفت دموعها بظهر يدها واستقامت بكل صلابة واقفة ثم اتجهت نحو طاولة مكياجها ووضعت الصورة بمكانها لتسدير بعدها وتغادر غرفتها بأكملها.
نزلت درجات الدرج بقسمات وجه جامدة وكأنها لم تكن تبكي منذ قليل وتتوعد بالانتقام لثأر أبيها!! عند وصولها لآخر درجات السلم التقت عيناها بعيني ابنة عمها "خلود" فاكتفت بإرسال بسمة متكلفة لها وعبرت من أمامها دون أن تلقي بتحية الصباح حتى عليها. مما دفع الأخرى لرمقها بنظرة متعالية ومغتاظة.
توقفت أمام غرفة الجلوس الخاصة بجدها وطرقت الباب عدة طرقات خفيفة لتسمع صوت عمها من الداخل وهو يهتف بقوة:
_ ادخل.
فتحت الباب بأدب ودخلت لتقابل وجه جدها وعمها بابتسامة عذبة ثم تتقدم أولًا من جدها وتنحنى علي يده تقبل ظاهرها باحترام هامسة:
_ صباح الخير ياجدي.. اخبار صحتك إيه دلوقتي؟
ربت حمزة على رأسها بلطف هاتفًا في حنو:
_ نحمده ونشكره يابتي.
ابتسمت له بحب ثم التفتت نحو عمها واقتربت منه لتنحني على كف يده تقبل ظاهره بالمثل هاتفة:
_ صباح الخير ياعمي.
أجابها منصور باسمًا:
_ صباح النور ياحبيبة عمك.
استدارت برأسها للجانب لترى ابن عمها "علي" يشارك أبيه وجده الجلسة الصباحية فالقت عليه التحية بالمثل في ابتسامة خافتة. ثم استدارت وقادت خطواتها لخارج الغرفة لكن قبل أن تفتح الباب وتنصرف سمعت عبارة عمها وهو يقول بغضب دفين:
_ قولت إيه يابوي في موضوع الصلح ده؟ اوعاك تقولي إنك موافق!
تصلبت بأرضها مندهشة على أثر كلمة عمها (صلح) ولم تتمكن من تمالك نفسها حيث استدارت بجسدها كليًا لهم وسألت بعينان نارية:
_ صلح إيه ده!!
خرج صوت منصور الرجولي وهو يلقي عليها أوامر بحدة:
_ ملكيش صالح بالكلام ده.. روحي على المطبخ ساعدي أمك وخلود ومرات عمك في الفطور يلا.
لم تكترث للهجة وأوامر عمها بل تحدثت بكل قوة وشجاعة:
_ أنتوا ناوين تعملوا صلح معاهم؟ طب وحق أبويا!! حق ولدك يا چدي!
خرجت صيحة مرعبة من حمزة الذي صاح بها منفعلًا:
_ هنعيدو ونزيدو في الكلام ولا إيه عمك قالك ملكيش صالح بالحديت ده.. من ميتا الحريم بتدخل في كلام الرچالة.
ابتلعت بقية عباراتها في فمها ولم تتمكن من استرسال الحديث بعد صيحة جدها بها فأجابت مجبرة وهي تشتعل من داخلها:
_ حاضر ياچدي.
ولم تلبث لحظة أخرى حيث التفتت تندفع لخارج الغرفة وهي تصفع الباب خلفها بعنف ونيران الغضب والثأر بثناياها تزداد اشتعالًا.......
بين جدران غرفة أخرى داخل منزل خليل صفوان .......
تساعد ابنها الأصغر ذو الست سنوات في ارتداء قميصه الأبيض وغلق أزراره حتى لا يتأخر على دوامه اليومي. بينما نجلها الأكبر كان يجلس على أحد المقاعد يرتدي حذائه بمفرده.
التفتت فريال بنظرها نحوه وهتفت بحنو:
_ لبست جزمتك يا معاذ؟
أجابها معاذ الذي يبلغ من العمر عشر سنوات:
_ أيوة يا ماما، خلصت.
أومأت له بالإيجاب، ثم التفتت برأسها نحو ابنها الصغير تحدثه بعدما انتهت من مساعدته في ارتداء قميصه:
_ يلا يا عمار، روح البس جزمتك انت كمان، أحسن تتأخروا على المدرسة. أخوك معاه امتحان.
هز رأسه بالموافقة وهرول نحو الكومود، يفتح بابه ويجذب حذائه الرياضي الصغير من داخله، ثم يتوجه نحو الفراش يجلس بجوار أمه ويبدأ في ارتدائه بمفرده.
توقفت هي وتقدمت نحو ابنها الأكبر تقف أمامه، ثم تمد يديها للياقة قميصه تضبطها له، هاتفة باهتمام وقلق أمومي:
_ فاكر اللي ذكرناه امبارح يا معاذ؟
أجابها بإيجاب في ثقة:
_ فاكر يا ماما، اطمني. بعدين ده امتحان شهر، يعني مش آخر السنة.
ظهر الاحتدام على محياها لتجيبه بحدة:
_ وإيه يعني امتحان شهر؟ اسمه امتحان ولا لأ!
أجاب على أمه بنفاذ صبر وخنق:
_ حاضر يا ماما، حاضر.
لانت حدة ملامحها وابتسمت له بحنو أمومي، قبل أن تميل برأسها قليلاً بسبب طول جسده حيث يصل لصدرها، ولثمت شعره بلطف هامسة:
_ ربنا ييسر لك الامتحان يا حبيبي.. خد بالك من أخوك وانتوا بتعدوا الشارع.
تنهد الصعداء بنفاذ صبر من تعليمات أمه التي لا تنتهي، وقال موجهًا حديثه لأخيه الصغير:
_ يلا يا عمار.
تابعته وهو يتحدث لأخيه ويلملم أدواته المدرسية داخل حقيبته، فابتسمت بحنو، هو تمامًا نسخة مصغرة من أبيه بكل شيء، حتى أن تصرفاته تشبهه وكأنه رجل وليس طفل.
انتهى معاذ من ارتداء حذائه واستقام واقفًا يجذب حقيبة مدرسته ويسير مع أخيه لخارج الغرفة، لكن معاذ توقف عند الباب والتفت برأسه لأمه يهتف:
_ إحنا هنعدي على جدي وجدتي وخالي عمران واحنا راجعين من المدرسة يا ماما.
هزت رأسها بالموافقة لهم متمتمة:
_ طيب.
ابتسموا لها بحب، ثم التفتوا بجسدهم وغادروا، فتنهدت هي براحة، ومدت يدها تلتقط حجاب شعرها تلفه جيدًا حوله، ثم غادرت هي أيضًا غرفتها تقصد المطبخ بالطابق الأول.
***
زاد اجتماعهم الصباحي فردًا للتو، وكان يجلس ساكنًا يتابع انفعالات عمه وهو يهتف بغضب في جده:
_ على جثتي يا أبويا أحط يدي في يدهم من تاني. حق أخويا اللي اتقتل غدر مش هسيبه.
حمزة بعصبية من محاولة ابنه لعدم تنفيذ أوامره:
_ وأنا كلامي خلص يا منصور، وقولت الصلح ده هيتم.
تحدث علي بلهجة مهذبة لكنها تحمل الضيق:
_ عاوزنا ندخلهم بيتنا كيف وننسى كل حاجة يا جدي؟
حمزة بلهجة رجولية صارمة:
_ أنا مجبتش سيرة النسيان. واوعاكم تنسوا أن خليل ده ولدي.
كان منصور يترنح في جلسته وهو يشتعل من العصبية، بينما علي فنظر لابن عمه الجالس بكل هدوء يتابعهم بنظرات جامدة، وسأله بخنق كأنه ينتظر منه الاعتراض بدوره على أوامر جدهم:
_ ساكت إكده ليه يا جلال؟ ما تقول كلمة؟
أطلق جلال زفيرًا حارًا من بين شفتيه، ثم انتصب في جلسته وتمتم بتأيد لرأي جده:
_ جدي عنده حق. الصلح أحسن حل دلوقتي.
وثب منصور واقفًا يصيح بعصبية:
_ لا انتوا معدش فيكم عقل واصل. أنا مش هحضر الصلح ده، اعتبرني موت يا أبويا مع خليل.
أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة ليسمع صيحة أبيه الجادة:
_ هتحضر يا منصور، غصبن عنك. وكلمتي مش هتنيها، سامع ولا لأ؟
كان جلال ينقل نظره بينهم بعينان مظلمة، هو ليس راضيًا عن ما يسمى بالصلح، لكنه أفضل قرار الآن حتى يتسنى له الانتقام لثأر أبيه بكل هدوء.
***
داخل المطبخ...
كانت آسيا تجلس على مقعد حول طاولة المطبخ الصغيرة، وقدماها ترتعش بعنف أسفل الطاولة من فرط غضبها. كلما تتذكر حديث عمها وجدها بالغرفة ومنعهم لها من التدخل.
كان المطبخ فارغًا ولم يتبقى به سواها بعد أن خرج الجميع ليتناول طعام الإفطار، وإذا بها ترى فريال وهي تنضم إليها بالمطبخ، فتلونت عيناها بحمرة الغضب وظلت تتابعها بنظراتها النارية، لو كان بإمكان النظرات الحرق لحرقتها بأرضها.
كانت فريال تلتفت بين آن وآخر باستغراب من نظراتها لها، ولم ترغب في أن تسألها بالبداية بسبب علاقتهم السيئة، لكن نظراتها كانت غريبة لها، فسألت دون أن تنظر لها:
_ مالك يا آسيا بتبصيلي إكده ليه؟
رمقتها بنظرة مميتة وهي تهمس بصوت مريب:
_ وإنتي مالك؟ ولا سيادتك هتقوليلي أبص كيف ومبصش كيف في بيتي؟
تنهدت فريال بخنق لتجيبها بثبات دون أن تلتفت لها:
_ زي ما هو بيتك فهو بيتي أنا كمان، ولا إيه!
ابتسمت آسيا ساخرة واستقامت واقفة كالأسد المتربص، ثم تقدمت إليها لتقف خلفها وتهتف بصوت يحمل من القوة ما يليق بها:
_ لا ده مش بيتك، ده بيت خليل صفوان وأخويا اللي هيطلقك. إنتي احمدي ربك أنه لسه مخلّيكي في بيته وعلى ذمته بعد ما أبوكي وأخوكي قتلوا أبويا.
كانت فريال تقف أمامها بكل ثبات وشجاعة دون أي خوف، رغم هيبة وقوة آسيا التي لا مثيل لها:
_ أبويا وأخويا مالهمش صالح ومقتلوش عمي خليل.
ضحكت آسيا عاليًا باستهزاء لتجيبها مازحة بنظرة ملتهبة:
_ صح!! أمال مين اللي قتله جلال؟
لوت فريال فمها بنفاذ صبر وردت عليها بخنق:
_ أنا مفضياش لحديتك الماسخ ده يا آسيا، اللي فيا مكفيني أصلًا.
لم تنطفئ نار غضبها حتى الآن، حيث تابعت بحرقة وغضب:
_ تقتلوا القتيل وعاوزين تمشوا في جنازته.. بس ورحمة أبويا ما هيتم الصلح ده، وقريب قوي قلبكم هيتكوي على أبوكم وأخوكم كيف ما كويتوا قلبنا على أبونا.
التفتت لها فريال برأسها وتابعتها بنظرها وهي تندفع لخارج المطبخ كالبركان، لتتنهد الصعداء بضيق، فقد نجحت ككل مرة في تعكير مزاجها.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي...
بتمام الساعة التاسعة مساءً داخل غرفة الصالون الواسعة، كان إبراهيم يجلس فوق الأريكة يحدق في الفراغ أمامه بشرود ينتظر وصول ابنه. ولم يلبث دقائق حتى وجد باب الغرفة ينفتح ويدخل عمران وهو يرتدي (قفطان) صعيدي أبيض، ثم يتقدم ليجلس على مقعد مقابل لأبيه ويهتف بصوت رجولي غليظ:
_ لساتك (لسه) مصمم على الصلح ده يا أبويا؟
إبراهيم بجدية تامة:
_ بزيادة مشاكل ودم يا ولدي. اللي قتل خليل صفوان هربان ومعرفينش ليه طريق جرة، وطول ما إحنا مكملين في العداوة دي إكده هنثبت إن لينا يد في قتل خليل.
التهبت نظرات عمران ليهتف بغضب ونبرة مخيفة:
_ وأنت يهمك في إيه تثبت ليهم إننا ملناش يد في قتله؟ إحنا عارفين زين إننا مقتلناش حد.
تابع إبراهيم بكل رزانة وهدوء رغم غضب ابنه:
_ وهما ناس خليل صفوان يا ولدي، هيسكتوا عن حقهم! أنا خايف عليك عشان إكده بقولك الصلح خير للكل.
ابتسم عمران بثقة وهدر بقوة:
_ متخافش عليا، أنت مخلف راجل مش عيل صغير.
سكت للحظة ثم تابع بغضب حقيقي:
_ هما اللي بدأوا الغدر من البداية لما حطولنا البودرة في السمك، ولما خليل اتقتل قالوا إحنا اللي عملناها!!
زفر إبراهيم بقوة وقال بعدم حيلة:
_ يا عمران يا ولدي، اسمع الكلام زين وافهمني.
طالت نظرات عمران الدقيقة لوالده، وكأنه يحاول التوغل لعقله وفهم ما يدور بداخله، فقست نظراته وهو يميل للأمام قليلًا يستند بساعديه على فخذيه هاتفًا:
_ إنت خايف إكده ليه يا أبويا وشاغل بالك بيهم وبالصلح ده؟ اللي اعرفه عنك إنك مبتكسرش عن حقك، وهما غلطوا في حقنا واحنا مقتلناش حد، فيك إيه عاد؟
بدأ الانزعاج يظهر على وجه إبراهيم الذي هتف بصرامة:
_ فيا إني قولتلك خايف عليك إنت وأخوك وواد عمك. هما مفهمينش إننا مقتلنهوش ومش هيرتاحوا غير لما ياخدوا حقهم، لكن الصلح هينهي كل ده.
التزم الصمت مرغمًا وهو يتأفف بصوت مرتفع في خنق، ليجد أبيه يتابع بنبرة جادة:
_ أنا كلمت حمزة صفوان وبكرا هنروح عندهم وهنعمل قعدة عرب ونفضوا العداوة دي.
استمرت نظرات عمران المستاءة إلى أبيه دون أن يتفوه ببنت كلمة على ما قاله، وكأن إبراهيم فهم وأدرك ما يدور بعقله ولا يتفوه به، فرد عليه يمنعه من مجرد التفكير:
_ عمك وبشار وبلال هييجوا معايا، وأنت كمان هتيجي يا عمران.
مازال الصمت هو سيد الموقف، وكأن بصمته يجيب على أبيه بردوده المفحمة، استقام واقفًا فجأة وهتف بصوت رجولي غليظ:
_ تصبح على خير يا أبويا.
أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة ليقابل أمه أمامه التي ابتسمت له وسألته باهتمام:
_ أحضرلك العشا يا ولدي؟
رد بإيجاز في نبرة مريبة والغضب يشتعل في عيناه:
_ مش عاوز.
تابعته إخلاص وهو يتجه للدرج يصعد للأعلى حيث غرفته بنظرات تعجب وضيق، ثم التفتت ودخلت الغرفة حيث يجلس زوجها بالداخل.
***
بين زوايا غرفة آسيا بمنزل خليل صفوان...
تجلس قبالتها أمها على الفراش وتهتف بنبرة حازمة:
_ إنتي مفكرة إني راضية عن الصلح ده يعني!
آسيا بعصبية شديدة:
_ أمال ساكتة ليه يا ماما؟ متكلمتيش مع جلال وجدي ليه؟
صاحت جليلة بقوة:
_ ده كلام رجالة وإنتي عارفة إن مفيش ست تقدر تتدخل فيه. هعمل إيه يعني!
لوت آسيا فمها بعدم تصديق وهدرت تجيب على أمها مستنكرة خضوعها وضعفها:
_ إنتي اللي بتقولي إكده يا حاجة جليلة! راحت فين جليلة اللي بكلمة واحدة منها الكل بيمشي ألف؟
لاح شبه ابتسامة مريرة على ثغر جليلة التي ردت بألم وانكسار:
_ كان زمان يا بتي قبل ما يكسروا ضهري ويقتلوا أبوكي. أنا كنت بتحامى وأفرد جناحاتي على الكل عشان عارفة إن أبوكي في ضهري.
مالت آسيا على أمها وهمست بنظرة قوية:
_ إنتي اللي علمتيني مأسيبش حقي أصلًا. اتعلمت القوة والجبروت منك وعشان إكده لازم متتنازليش عن حق أبويا. ولو خليل صفوان مات ففي اللي من لحمه ودمه، ولدك هو ضهرك وحماكي.
تنهدت جليلة بحزن وردت بعدم حيلة في عينان دامعة:
_ الدم مبيخلصش يا بتي. وأنا مش حمل فراق تاني، معدش باقيلي غير إنتي وأخوكي.
التهبت نظرات آسيا وهي تطيل النظر بأمها، ولم تشعر بتلك العبرات الحارقة التي تجمعت بعينيها تتصارع على السقوط، وإذا بها تثب واقفة تصرخ بأمها في وجع وصوت ينبع من صميمها ممزوجًا بدموعها التي تنهمر بغزارة فوق وجنتيها:
_ محدش فيكم حاسس بالنار اللي في قلبي. كلكم نسيتوا حق أبويا وعاوزين تردموا دمه اللي مبردش تحت التراب. عملهم إيه عشان يغدروا بيه ويقتلوه؟ ده كان بيقول إبراهيم الصاوي ده أخويا وعياله زي عيالي. كان بيشيل فريال من على الأرض شيل ويقول دي بنت الغالي، وعمران كان بيعتبره كيف جلال بالظبط. حتى في عز الخناقة كان بيحاول يلم الموضوع ويحجز بين عياله وعيال إبراهيم. وهما عملوا إيه!
قتلوه بدم بارد.
توقفت جليلة واقتربت من ابنتها ثم ضمتها لصدرها، تربت على شعرها بحنو، هامسة في صوت باكي:
_ ربنا ينتقم منهم يابتي.
انهارت باكية بين ذراعين أمها وهي تهتف بصوت مبحوح:
_ كان حنين على الكل ياما وعمره ما أذى حد.. ليه عملوا إكده فيه!
سالت دموع جليلة فوق وجنتيها وهي تحتضن ابنتها وتشاركها في البكاء بصمت. بقت آسيا داخل نوبة بكائها العنيفة بين ذراعين أمها حتى توقفت بعد دقائق. ابتعدت عنها بقوة ثم رفعت أناملها وكفكفت دموعها بقوة، ورمقت أمها بشراسة لتقول بعينان تحمل الوعيد:
_ لو كلكم سكتوا عن حقه أنا مش هسكت ياما.
طالعتها جليلة بنظراتها مطولاً في عدم حيلة، فمهما حاولت ردعها لن تستطيع. فهي كما قالت منذ قليل تشبهها تماماً بكل شيء.
***
خرجت فريال من الحمام مرتدية قميصاً حريرياً قصيراً، تاركة العنان لشعرها ينساب بحرية على ظهرها وكتفيها، وبيدها منشفة صغيرة تجفف بها وجهها من الماء. لكن وقعت عيناها على زوجها الذي يجلس فوق الفراش بسكون تام منذ عودته ويحدق في الفراغ بشرود. أما ملامح وجهه القاسية فتنَم عن طوفان عاتي بداخله. فضلت الصمت بالبداية وتوقعت سبب غضبه، ثم تقدمت نحو طاولة مكياجها الخاصة والتقطت فرشاة الشعر لتبدأ بتسريح شعرها في لطف.
التقطته نظراتها في انعكاس المرآة لتراه وهو يحرك كتفيه بألم بادٍ على ملامحه، لتتنهد بحنو وتلتفت له. ثم تتقدم منه وتصعد فوق الفراش وتجلس القرفصاء خلفه. وباللحظة التالية كانت ترفع يديها الناعمتين وتضعهما فوق كتفيه من الجانبين وتبدأ في تمسيده بكل رفق. صدر منه تأوهٌ متلذذٌ بملمس أناملها الساحرة، وأغمض عينيه في راحة.
مرت دقائق معدودة وهي مستمرة في تدليك رقبته وكتفيه حتى وجدته يلتقط يدها ويقربها من شفتيه، يلثم باطنها هامساً ببحة رجولية مميزة:
_ يدك كيف السحر يافريالي.
ابتسمت له بغرام ثم سألته باهتمام وقلق:
_ إنت مضايق من حاجة يا جلال؟
اعتدل في جلسته والتفت لها ليتمتم اسمها بعين تفيض حباً:
_ وعرفتي كيف إني مضايق!
فريال بنبرة رقيقة مثلها:
_ محدش يعرفك قدي يا أبو معاذ.
أمعن النظر بها مطولاً يتأمل ملامح وجهها الجميلة. شعرها الناعم الذي يتطاير بفعل نسمات الهواء الخفيفة يجعلها تبدو كالحورية. وشفتيها المنتفختين تعطيهما اللون الوردي دوماً. أما عيناها ذات اللون العسلي تسحبه داخل دوامة لا طريق للخلاص منها.
رفع أنامله وأبعد خصلات شعرها عن وجهها برقة شديدة، ثم راح يملس فوق وجنتيها هامساً بعشق دفين:
_ وهو مين يشوف العيون اللي كيف الجنة دي ويفضل في هم ملازمه.
ارتفعت بسمة مغرمة فوق ثغرها ثم أجفلت نظرها عنه بخجل. ليضحك هو ويمد أنامله يرفع ذقنها ليصبح نظرها مباشراً لعينيه ويهمس:
_ لساتك بتخجلي مني يافريال.. أنا جوزك وأبو عيالك ولينا عشر سنين متجوزين.
أجابته بدلال أنثوي ساحر:
_ أنا مش بخجل منك.. بخجل من كلامك اللي مهما حاولت مبعرفش أجاري فيه.
غمز لها بابتسامة لعوب وهو يهمس:
_ طب ما تجربى يمكن تعرفي!
قهقهت بخفة دون أن تجيبه لتجده يقترب منها ويلثم وجنتها بحنو، ثم يحاوطها بذراعيه ويضمها لصدره. استكانت بين ذراعيه تماماً تتلذذ بشعور الدفء والأمان الذي لا تشعر به سوى معه فقط.
لمعت عيناها بوميض أمل للحظة فور تذكرها شيئاً، فهمست بنعومة دون أن تبتعد عنه:
_ جلال.
خرج صوته الرجولي الدافئ:
_ اؤمري.
أخذت نفساً عميقاً قبل أن تسأله بترقب:
_ هو بكرة هيكون في قعدة عرب ويتم الصلح صح؟
امتعضت ملامح وجهه ولم تحصل على إجابة منه سوى بعد وقت، وكانت فقط إجابته مقتضبة كالآتي:
_ اممممم.
استشعرت غيظه المكتوم فحاولت أن تلين حدته من وجهة نظرها. حيث ابتعدت عنه ورمقته بحب هامسة في حزن:
_ إنت عارف إن أبويا وعمران مالهمش يد في قتل عمي خليل مش إكده؟
استقرت في عيناه نظرة مميتة أصابتها بالرعب، فازدردت ريقها بقلق بسيط ولوهلة ندمت على ما تفوهت به. حتى وجدته يجيبها بصوت مريب اختلفت نبرته كلياً عن تلك النبرة الحالمة والعاشقة التي كان يتحدث بها منذ قليل:
_ الصلح ده مش هيرجع المايه لمجاريها واصل.. يعني مش معناه إن عيلة خليل صفوان وإبراهيم الصاوي هيرجعوا حبايب من تاني. أنا منستش حق أبويا ومش هنساه.
_ جلال بـ
قاطعها بلهجة حازمة ومستاءة:
_ بزيادة عاد يافريال، حدّث في الموضوع ده.. ما إحنا كنا زي الفل.
التزمت الصمت رغم غضبه، وأشاحت بوجهها عنه للجهة الأخرى في ضيق. بينما هو فانحنى عليها ولثم شعرها بدفء قبل أن يتمدد بجسده على الفراش، ثم أغمض عينيه وهو يتنفس الصعداء بخنق محاولاً النوم بعد هذا اليوم المجهد جسدياً وفكرياً.
ظلت هي على حالها لوقت طويل والهموم تستحوذ عليها. من جهة زوجها وحبيبها ووالد أبنائها، ومن جهة عائلتها وأبيها وأخيها. تؤلمها تلك العداوة أكثر من الجميع. تدعو ربها وتتمنى لو يعود كل شيء كالسابق.
انهمرت دموعها بغزارة، ثم استدارت نحو جلال النائم وانحنت عليه تلثم جبهته بحب متمتمة:
_ إن شاء الله الصلح ده يكون هو نهاية العداوة دي وتمسكوا اللي قتل عمي خليل وتصدق إن أبويا وأخويا ملهمش صالح يا جلال.
***
صباح اليوم التالي...
كان عمران يسير بجانب والده وهم بطريقهم لمنزل خليل صفوان. مرتديًا الزي الصعيدي (جلابية سوداء ويعلوها عباءة بنية اللون يضعها فوق أكتافه) ومن خلفهم كان كل من أخيه الصغير وعمه وابن عمه.
وصلوا للمنزل ودخلوا لغرفة الصالون الكبيرة ليجدوا جميع رجال عائلة خليل صفوان مجتمعين. بينما بالخارج فكانت آسيا تشتعل من فرط الغضب والغيظ.
حاولت كثيراً أن تضبط نفسها ولا تتهور في تصرفاتها لكنها فشلت، فاستقامت واقفة واندفعت نحو الغرفة التي تضم اجتماع العائلتين ووقفت خلف الباب تستمع لصوت جدها وهو يقول بصوت غليظ:
_ اللي قتل ولدي هربان ومش هنسيبه.. ومسيره يقع تحت يدنا.. والحرب اللي بينا دي طالت واحنا لا حمل دم تاني ولا انتوا برضوا مش إكده ولا إيه يا حج إبراهيم؟
أجاب إبراهيم مؤكداً على كلمات حمزة:
_ صح يا حج حمزة.. إحنا طول عمرنا كنا حبايب والي حصل ده كان شيطان ودخل بينا وحق أخويا خليل هيرجع بإذن الله قريب قوي.
صدح صوت جلال وهو يجيب بنظر قاتلة يوجهها نحو إبراهيم:
_ هيرجع طبعاً قريب قوي.
تقابلت النظرات النارية بينه وبين عمران ولم ينقذ الموقف سوى صوت حمزة وهو يضم كفيه لبعضهم ويقول بحزم:
_ نقرأ الفاتحة بنية تمام الصلح وبنية الرحمة على خليل ولدي.
ضم الجميع كفيه ليبدأوا في قراءة سورة الفاتحة باقتضاب، لكن فجأة انفتح الباب بقوة وظهرت من خلفه آسيا وهي تقف بكل هيبة وجبروت هاتفة أمام حشد الرجال هذا من العائلتين:
_ الصلح ده مش هيتم!
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثاني 2 - بقلم ندى محمود توفيق
انفتح الباب بقوة وظهرت من خلفه آسيا وهي تقف بكل هيبة وجبروت هاتفة أمام حشد الرجال هذا من العائلتين:
_ الصلح ده مش هيتم
أظلمت العيون والتهبت النظرات من رجال عائلتها أما الدهشة فكانت من نصيب عائلة إبراهيم الذين كانوا يحدقون بآسيا في ذهول باستثناء عمران الذي كان يتأمل هيأتها القوية وعلى ثغره شبه ابتسامة مستهزئة منها.
تابعت آسيا بغضب غير مكترثة لنظراتهم لها:
_ عاوزين تقتلوا القتيل وبعدين تيچوا تمشوا في چنازته
تلونت عين حمزة وجلال بالأحمر القاتم وكأن بداخلهم بركان انفجر للتو. انتصب حمزة في جلسته وضرب بعصاه الأرض في صوت عنيف دوى في آذان الجميع ونظراته المرعبة ثابتة على حفيدته. أما جلال فقد تأهب واقفًا كالثور الهائج واندفع نحو شقيقته ثم قبض على ذراعها بعنف ليجذبها معه خارج المجلس بأكمله، يجرها خلفه بعصبية بينما هي تحاول إفلات ذراعها من قبضته العنيفة صائحة به:
_ سيب يدي يا چلال
لم تسمع رد منه وفقط كان مستمر في جرها خلفه وهو يصعد الدرج قاصدًا غرفتها بالأعلى ومع الأسف لم تسكت بعد بل تابعت بحرقة:
_ كيف وافقت على الصلح ده.. أنت مش فارق معاك حق أبوك ولا إيه
حصل أخيرًا على صرخة جهورية منه نفضتها:
_ اقفلي خشمك مسمعش حسك واصل
لم يمهلها الفرصة لتجيب عليه حيث وصل بها لباب غرفتها وفتحه ثم دفعها للداخل بعنف صارخًا بها:
_ طالعة قدام الرچالة دي كلها تتكلمي.. لتكوني فاكرة أن ده شچاعة لا ده اسمه فُجر
ردت على أخيها بغضب وقوة:
_ انا مهسكتش عن حق أبويا يا چلال
صرخ بها بصوته الرجولي المخيف:
_ حق ابوكي في رچالة عارفة زين كيف تاخده مش الحريم.. الهيبة والاحترام اللي بتاخديهم من أكبر لاصغر واحد في العيلة اوعاكي تنسيكي إنك حرمة وحسك ميطلعش في وچود الرچالة فاهمة ولا لا
اشتعلت غيظًا ولم تشعر بذلة لسانها التي تحدثت دون تفكير:
_ هي فين الرچالة دي!!.. الرچالة اللي نست حقه وحطت يدها في يد قتالين القُتلة دول
أظلمت عيني جلال ورمقه بنظرة قاتلة، لوهلة خشيته وكانت تعرف أن ما سيتبع تلك النظرة ليس خيرًا أبدًا وبالفعل وجدت كفه يرتفع ويهوى به فوق وجنتها بقوة، رفعت يدها تتحسس موضع صفعته تحدقه مندهشة ثم بحركة مفاجأة جذبها من ذراعها هاتفًا بنبرة تقذف الرعب في البدن:
_ من إهنه ورايح هيكون في معاملة تاني يا آسيا، إنتي مينفعش معاكي غير إكده
ظلت تحدقه بصدمة وقد تجمعت العبارات في عينيها البنية، لا تصدق أن من صفعها الآن هو شقيقها الحبيب.
دفعها جلال بعد أن ترك ذراعها ثم رفع سبابته في وجهها محذرًا بلهجة تحمل الوعيد:
_ على الله رچلك تعتب برا عتبة الأوضة دي
كان جليلة تتابع شجار ولديها من الخارج وتنظر لابنتها في ضيق، وفور رحيل ابنها دخلت لها تتطلعها بنظرات عتاب متمتمة:
_ اخوكي عنده حق.. مكنش ينفع تردي على أخوكي بالكلام ده متخليش غضبك يسيرك
أشاحت بوجهها للجانب الآخر بعيدًا عن أمها وردت بصوت محتقن بالدموع:
_ همليني لحالي ياما
تنهدت جليلة بخنق من ابنتها وطالعتها بنظرة قوية قبل أن تستدير وتنصرف تتركها بمفردها تتخبط في غيظها وألمها.
***
بقت ساكنة بمضجعها تحدق أمامها في الفراغ بعينان تطلقان شرارات الثأر والجحود. رغم شراسة نظراتها إلا أن تلك العينان لم تتوقف عن ذرف الدموع الحارقة في صمت، قلبها ينسحق أسفل ستار الخزي بعد الصفعة التي تلقتها على يد أخيها. لكنها تقسم بعدم ترك ثأر أبيها يضيع هباءًا حتى لو بقى الأمر عليها هي لتفعله، طالما الرجال لا يستطيعون فعلها.
ليست نادمة على ما فعلته بمجلس الرجال بالأسفل ولو توجب عليها فعله ثانية ستفعله، لكنها تعترف لنفسها بأنها أخطأت وتسرعت في التصرف، كان يجب عليها أن تتريث وتتصرف وفقًا لخطط متقنة. فالتصرف الذي صدر منها هو غباء وستتحمل عواقبه الوخيمة الآن.
لم تنتبه للوقت الذي مر وفاقت على أثر صوت باب المنزل الحديدي بالأسفل وهو ينفتح، فاستقامت واقفة وكفكفت دموعها بكل قوة ثم سارت نحو شرفتها تقف مستندة بكفيها فوق السور الحديدي للشرفة ونظراتها الحاقدة تتابع عائلة إبراهيم الصاوي وهم يغادرون منزلها، بعضهم تفرق لطرق مختلفة والبقية أكملوا طريقهم لنهاية الشارع ثم انحرفوا للشارع الخلفي حيث يقطن منزلهم.
كانت على وشك الدخول مجددًا لكن عيناها التقطت عمران وهو يقف بالأسفل يتحدث مع أخيها ومن خلال بعض الكلمات المتقطعة التي وصلت لأذنها كان عمران يطمئن على أحوال شقيقته وجلال بدوره رد عليه بكل برود ونظرات تضمر بعض الضغينة في ثناياها ولم يكن حال عمران يختلف عنه كثيرًا.
ظلت عيناها النارية ثابتة على عمران وبعقلها تدور ألف فكرة شيطانية ستشبع روحها المتضورة للثأر، رأته يبتعد عن أخيها ويسير باتجاه سيارته المصطفة على بعد عشر أمتار من منزلهم، فتح باب السيارة وقبل أن يستقل بها ارتفعت عيناه بعفوية بحتة للأعلى فاستقرت على شرفتها حيث تقف تلك بردائها الأسود وحجابها الذي صنعا منها مظهرًا اشبه بساحرة شريرة، لم ترمش عيناها لمرة واحدة وهي تحدق به بكامل الجبروت ورأسها مرفوع لأعلى بشموخ يليق بها.
لم يعيرها ادنى اهتمام حتى أنه تجاهل نظراتها الحاقدة وقابلها بابتسامة جانبية ساخرة مع نظرة مرعبة يرسل من خلالها إشارات تحذيرية لها وكأنه اخترق عقلها وفهم ما يجول به.
لم تهتز لنظرته شعرة واحدة بل زادتها تصميمًا وبقت كما هي حتى رأته يتحرك بسيارته ويغادر، دخلت إلي غرفتها ووجهها خالي تمامًا من التعابير وإذا بها تجد جدها يقتحم عليها الغرفة بغضب هادر ويصيح بها:
_ عال والله يابت خليل، هي دي التربية اللي أنا وابوكي ربنهالك
ابتلعت غصة مريرة في حلقها على أثر سماعها لاسم ابيها وطريقة جدها الجافة معها:
_ إنت وابوي علمتوني مسبش حقي يا چدي
ضرب بعصاه الغليظة الأرض محدثة صوتًا مدويًا وهتف بعصبية:
_ مفيش عندنا حريم بتتدخل في كلام الرچالة، والحديت ده ملكيش صالح بيه.. مفضلش غير الحريم كمان اللي تقول للرچالة يعملوا إيه وميعملوش إيه، ولدي مات وحقه احنا عارفين كيف هناخده
لم تقوي على رفع نظرها بجدها وبقت مطرقة أرضًا احترامًا وتقديرًا له رغم أن العبارات عادت تتجمع بعيناها مجددًا لتسمعه يكمل بلهجته المحذرة:
_ هعتبر اللي حصل ده غلطة بسبب إن قلبك محروق على ابوكي، عشان أنا عارف زين أن بتي آسيا مبيطلعش منها الغلط، لكن لو الغلط ده اتكرر تاني وقتها متلوميش غير نفسك يا آسيا
أومأت رأسها له بالموافقة هامسة بصوت يحمل بحة انثوية رقيقة ومختلفة كليًا عن حقيقتها المتجبرة التي تظهر بها أمام الجميع:
_ حاضر يا چدي.. حقك عليا أنا آسفة غلطة وما هتتكررش
تمتم حمزة بنبرة قوية بعد أن هدأت عصبيته قليلًا:
_ زين إنك عارفة غلطك
رفعت نظرها له وابتسمت بدفء ثم تقدمت نحوه بخطا ثابتة وانحنت على كف يده تقبل ظاهرها في اعتذار للمرة الثانية ينبع من صميمها، لطالما كان جدها يحتل بقلبها نفس منزلة حبها وتعلقها بأبيها:
_ متزعلش مني يا چدي.. سامحني أنا زي ما قولت قلبي محروق على ابويا ومش قادرة انسى أنه اتقتل غدر قصاد عيني
ربت على رأسها بحنو متمتمًا في لهجة رجولية قوية يطمئنها:
_ حق ولدي هيرجع وهناخد عزاه، اللي ابتدي الحرب معانا بالدم هننهيها بالدم، والغدر ملوش غفران في عرفنا يابتي
لا تنكر أن كلمات جدها أسعدتها واشعرتها بقليل من الراحة، فارتمت عليه بين ذراعيه تعانقه بحب هامسة:
_ ربنا يخليك لينا يا چدي ويباركلنا فيك، احنا معدش لينا سند ولا ضهر غيرك من بعد ابوي
ابتسم حمزة بحنو وتمتم في جدية:
_ أنتي وأخوكي وعيال عمك حتة من قلبي، وبالأخص أنتي مكانك في قلبي مختلف ياست البنات كلهم
انفرج ثغرها ببسمة اكثر اتساعًا وسعادة بحنو جدها وحبه لها، وكأن ما افسده أخيها بصفعته لها اصلحها جدها الحنون!
***
داخل جدران المطبخ تجلس كل من خلود (ابنة منصور) وأمها حول الطاولة المستديرة على المقاعد الخشبية وينّمون معًا بكل شماتة في الحادثة الأخيرة وما طال آسيا جراء فعلتها الوقحة!
مالت خلود على أمها تهمس لها في شماتة تلمع بعيناها وهي تضحك:
_ چلال ضربها بالقلم فوق ياما ولو كانت كترت معاه اكتر كان قصلها لسانها اللي فرحانة بيه ده
شهقت إنصاف بصدمة وهتفت بعدم تصديق:
_ كيف عرفتي يابت؟!
لمعت عيناه بخبث وغمزت لأمها وهي تهمس:
_ اتصنت عليهم من غير ما ياخدوا بالهم وسمعت كل حاجة وصوت القلم في الآخر رن في وداني رن، تستاهل بت چليلة الحرباية دي.. البيت كله مفيش على لسانه غير ست البنات آسيا راحت آسيا جات، اتفرجوا عاد على آسيا بتاعتكم وفضايحها
التفتت بعفوية تجاه الباب فرأت جليلة تقف تنظر لهم بشكل مخيف، صابها السعال الشديد فجأة نتيجة لدهشتها المصحوبة بخوفها، فربتت إنصاف على ظهر ابنتها برفق وناولتها كأس المياه لترتشف منه الأخرى بتوتر وهي ترى جليلة تتحرك بخطواتها الواثقة وهيبتها الطاغية، حتى وقفت أمام المبرد واخرجت زجاجة مياه باردة والتقطت كأسًا طويلًا تسكب فيه الماء بهدوء مريب.
خرج صوتها المرعب أخيرًا وهي تقول لإنصاف منذرة:
_ ربي بتك زين يا إنصاف.. أو لو مش عارفة تربيها سيبهالنا نربيها احنا بطريقتنا
استقرت نظرة نارية ومغتاظة من إنصاف على جليلة دون أن تجيب عليه بسبب عدم جرأتها، أما جليلة فقد حملت كأس المياه بين يدها الذي يبدو أنها تأخذه لأحد بالخارج وسارت بجوارهم ثم توقف أمامهم مباشرة وقالت بنظرة ترهب البدن:
_ بتي ست البنات وهتفضل ست البنات، وست البيت كله كمان واللي مش عاچبه يشرب من البحر
ابتلعتا إنصاف وخلود الإهانة وهم يشتعلون عيظًا من تلك المرأة المتجبرة كأبنتها، وظلوا يتابعوها وهي تغادر وكلاهما يتوعدان لها هي وابنتها.
***
بتمام الساعة الثامنة مساءًا....
أمام منزل إبراهيم الصاوي يجلس كل من بشار وعمران فوق مقعدين خشبين يتبادلون الأحاديث المختلفة بجدية.. ليصدح صوت بشار وهو يتساءل بحيرة:
_ لغاية دلوك وأنا مش فاهم سبب إصرار عمي إبراهيم على الصلح ده!
طال صمت عمران وهو يحدق في الفراغ أمامه حتى خرج صوته الرجولي الغليظ يقول:
_ ابوي في حاچة بتدور في دماغه.. لكن إي هي الله اعلم، ومسير المستخبي يبان
بشار بوجه عابس:
_ إن چيت للحق أنا مش مطمئن للصلح ده ياواد عمي، وحاسس أن الغدر هيكون منهم المرة دي
التهبت نظرات عمران بغضب ورد بحدة:
_ واحنا مغدرناش اولاني عشان يغدروا هما المرادي يا بشار، الغدر والخيانة كانوا منهم من البداية واحنا مقتلناش حد ورغم إكده بدأنا بالصلح، ولو حصل غدر منهم تاني المرادي وحاولوا يأّذوا حد منينا مش هتكفيني عيلتهم كلها
تنهد بشار الصعداء وقال بخنق:
_ ربنا يستر.. بعد اللي عملته آسيا في الصلح الصبح الوضع ميطمنش
اختفت الشراسة من ملامحه وراحت ضحكته الرجولية تصدح وهو يجيب على ابن عمه مستهزءًا:
_ جرالك إيه يا واد عمي، هتخاف من حرمة ولا إيه.. البت دي باين عليها عايزة تتربى زين، وأنا توقعت أن چلال هيريبها ويكسرلها رچلها عشان الفضيحة اللي عملتها قصاد الرچالة بس باينله نخ ومعرفش يعمل حاچة معاها
عقد بشار حاجبيه باستغراب وسأله:
_ وأنت عرفت كيف أنه معملهاش حاچة؟!
عمران بصوت أجشَّ وقوي دون أن ينظر لبشار:
_ كانت واقفة في البلكونة واحنا ماشين
التزم بشار الصمت بعد رده لدقائق كل منهم شارد بعقله في شيء مختلف ليستقيم بشار بالنهاية هاتفًا بصوت مرهق:
_ أنا هدخل عاد انام واريح چتتي (جسمي) شوية لأحسن أنا من صباحية ربنا واقف على رچليا في المصنع
عمران بإيجاب في صوت طبيعي:
_ تمام روح ريح يابشار
_ عايز حاجة مني قبل ما امشي؟
ابتسم له عمران بامتنان وهز رأسه بالنفي ليستدير الآخر وينصرف فيتركه حبيس أفكاره من جديد، ما بين محاولته لفهم أبيه وما يدور بعقله وبين أمور العمل المعقدة التي تقع مهمة حلها على عاتقه هو!
***
عقله يسبح في آفاق لا نهاية لها، يشعر نفسه محاصر بين شقين احدهم جهنم والآخر النعيم.. ويريد الآثنين. يريد الجحيم الذي سيداوي جروحه ومن جهة أخرى روحه المتخبطة تخشى من خسارة نعيمها في سبيل جحيم واقعه!
يعلم أنه بالنهاية سيأثر جحيمه وسيتوجب عليه الحفاظ على نعيمه، فهو لا يستطيع التغاضي عن أنين روحه المعذبة، التي لن تهدأ إلا إذا أخذ العدل مجراه.
لم ينتبه للعيون التي كانت تتابعه منذ دقائق اثناء خلوته مع نفسه في الظلام.. سمع صوت الخطوات التي تقترب منه فلم يلتفت وظنها ببادئ الأمر زوجته، لكن حين جلست بجواره والتقطت عيناه ظلام هيأتها رغم ظلام الغرفة أدرك أنها أمه، كانت تحدقه مطولًا بإشفاق على همه وحزنه الملازم له منذ وفاة والده.. فخرج صوتها المتوسل:
_ وافق ياولدي على اللي قولتلك إيه.. أنت مش شايف كيف بقيت مهموم علطول
التفت لها جلال بنظرة مستفهمة وقال:
_ أوافق على إيه ياما؟!
ابتسمت جليلة وتمتمت بنظرة ماكرة:
_ امبارح كنت عند سميرة مرات حسين الچزار.. كانت تعبانة وروحت اخد ثواب في زيارة المريض.. قدمتلي العصير بتها، البت كيف فلقة القمر ياولدي.. چمال وأدب وأخلاق انا متوكدة إنك لو شفتها هتغير رأيك
مسح على وجهه متأففًا بصوت مرتفع وقال بنبرة منزعجة:
_ لساتك مطلعيش الموضوع اللي ملوش لزمة ده من دماغك ياماجليلة
بنظرة قوية تليق بامرأة مثلها:
_ عشان عايزاك مبسوط ياولدي.. شكلها بت إبراهيم الصاوي معدتش عارفة تسعدك.. والهم اللي أنت فيه ده معايزش غير بت قمر ومدلعة إكده تدلعك وتنسيك همك
احتقن وجهه بدماء الغضب وهتف لأمه بحدة رجولية مخيفة:
_ ياحچة چليلة ده أنتي ست عارفة ربنا، اللي إنتي بتعمليه ده اسمه خراب بيوت.. أنا بحب مرتي ومبسوط معاها ومفيش ست تملي عيني ولا تدخل قلبي غيرها، بزيادكِ عاد ياما الله يهديكي بلاش تخلي غضبك على عيلة إبراهيم الصاوي يعمي عينك
لمعت عين جليلة بالدموع جراء صدمتها على ما تفوه به ابنها وقالت:
_ أنا خرابة بيوت ياچلال!
استغفر ربه بضيق وراح يوضح مقصده لها بندم:
_ مقصدش ياما والله و.....
أوقفته عن استرسال حديث بإجابتها الحزينة وهي تهب واقفة:
_ تقصد ولا متقصدش أنا فهمت زين ياولدي قصدك.. ومعدتش هفتح معاك الحديت ده تاني، أنا غلطانة إني كان قلبي عليك وعايزة سعادتك
استدارت وهمت بالانصراف فحاول هو إيقافها هاتفًا باعتذار منها:
_ ياما استني حقك عليا والله ما اقصد
لم يتمكن من إيقافها ليزفر الصعداء بخنق وعدم حيلة، ثم عاد يجلس على مقعده من جديد دافنًا وجهه بين راحتي يديه!
***
لم يزر الطعام معدتها منذ الصباح وبقت فقط تطفأ روحها المشتعلة بالمياه التي بجوارها.. لم تغادر غرفتها وظلت حبيسة بها رغم أن ذلك الضعف الظاهر للجميع ليس من شيمها أبدًا.. لكنه لم يكن بالحقيقة ضعف بل كانت ترغب في البقاء بمفردها لبعض الوقت، ترتب أفكارها جيدًا وتخطط لما ستفعله بالأيام القادمة، حتى لا ترتكب مزيدًا من الأخطاء كما فعلت بمجلس الرجال.
تمسك بيدها صورة لأبيها وتستمر في التمعن بها بين آن والآخر ودموعها تنهمر بانسيابية فوق وجنتيها.. هي منحت نفسها اليوم حريتها لبضع سعات فقط لكي تفرغ بهم كل ثقل وضيق يخنقها ويجلس على قلبها، ستبكي حتى تكتفي اليوم وسيكون هو آخر أيام عجزها، القادم لا مجال فيه للبكاء، ستصبح الساحرة الشريرة كما وصفها والتي تسحق كل من يقف بطريقها دون هوادة أو رحمة.. لن تشفق عليهم كما لم يفعلوا هم!
انتفضت على أثر صوت طرق الباب واسرعت بوضع صورة أبيها أسفل وسادتها ثم جففت دموعها بسرعة دون أن تسمح لوجود أي أثر لتلك الحالة المزرية التي كانت تنخرط بها، وخرج صوتها الثابت:
_ مين؟
انفتح الباب ببطء حتى ظهرت من خلفة فريال وهي تحمل فوق ذراعيها صينية فوقها صحون ممتلئة بانواع مختلفة من الطعام ودخلت ثم أغلقت الباب خلفها، تقدمت من آسيا وهي تهتف لها بود وإشفاق:
_ كنت بعمل أكل لنفسي وعملتلك معايا إنتي مكلتيش حاجة من الصبح
تابعتها آسيا بنظراتها الجامدة وهي تضع الصينية فوق فراشها ثم قالت باستنكار:
_ إنتي چواكي إيه بظبط يافريال، چيبالي الأكل وإنتي عارفة زين إننا مطيقينش بعض وخصوصًا أنا
فريال بهدوء جميل:
_ لا يا آسيا أنا مبكرهكيش
استقامت واقفة وهدرت بغضب وصلابة:
_ إنتي چاية عشان تشمتي عشان اللي قولتهولك في المطبخ وبعد اللي چلال عمله معايا الصبح
لوت فريال ثغرها بيأس ثم ردت:
_ لو چاية اشمت فيكي مكنتش چبتلك أكل، أنا مقدرة حزنك على عمي خليل وأن قلبك محروق وعشان إكدا مش بلومك على اللي بتعمليه معايا، إنتي كنتي طول عمرك چدعة معايا وكنا أصحاب لكن بعد اللي حصل اتغيرتي، وأنا عذراكي أنت مفكرة إن عمران وابويا هما اللي قتلوا ابوكي بس مسيرك تعرفي إنك غلطانة
لم تتمكن من حجب ضحكتها على آخر كلماتها حيث انطلقت منها بقوة وهي تجيبه:
_ لا أنا مش مفكرة يا فريال أنا متوكدة وعارفة زين إن اخوكي وابوكي قتالين قتلة وعاملين فيها ملايكة، وللأسف انتي مخدوعة فيهم بس هتعرفي حقيقتهم قريب متقلقيش أتمنى بس ميكنش فات الآوان وقتها
تنهدت فريال الصعداء مغلوبة وقالت لآسيا بنفاذ صبر:
_ الحديت الكتير ملوش لزوم معاكي يا آسيا، زي ما قولتلك مسير الزمن يثبتلك إنك غلطانة، المهم دلوك تاكلي وتريحي نفسك باين عليكي تعبانة
هزت آسيا رأسها بسخرية واشاحت بوجهها بعيدًا عن فريال في خنق، لتتنهد الأخرى مطولًا وتستدير متجهة نحو الباب لكن قبل انصرافها سمعت صوتها تهتف على مضض كأن أحد اجبرها على قول ذلك:
_ شكرًا يا فريال!
ابتسمت لها بعذوبة وهمست:
_ العفو.. تصبحي على خير
***
بصباح اليوم التالي داخل غرفة جلال وفريال.......
تسللت آشعة الشمس لعيناه من الشرفة المفتوحة، فتململ في فراشه بانزعاج محاولًا ابعاد وجهه عن الضوء لكن بلا جدوى فتأفف بغضب بسيط وفتح عيناه ينوى توبيخ زوجته بعنف، لكن غضبه كله تبدد بلحظة ولمعت عيناه بإعجاب حين سقطت على فريال التي تقف أمام الخزانة تقوم بترتيب الملابس.. مرتدية قميص من الستان لونه فيروزي يصل لما فوق ركبتيها ومن الخلف ظهرها بأكمله عاري لكن خصلات شعرها الناعمة تغطي معظمة لسوء الحظ، ولم يدم تأمله في مظهرها المثير كثيرًا حيث سمعها تهتف عليه دون أن تلتفت برأسها:
_ چلال اصحى عاد الساعة بقت 10
اغمض عيناه سريعًا يتصنع النوم بينما هي فاستدرات بجسدها للخلف تتطلع عليه بنفاذ صبر.. ثم تقدمت نحوه وانحنت عليه تهزه برقة في كتفه هامسة:
_ چلال اصحى!
لم يجيبها ولم يبدي أي ردة فعل فعادت تهزه من جديد ورفعت نبرة صوتها:
_ يلا عاد قوم!!.. إيه النوم التقيل ده
وكانت الإجابة نفسها بلا رد أو حتى حركة كأنه جثة هامدة فضيقت عيناها باستغراب، بالطبيعي هو من أقل همسة أو صوت بجانبه يستيقظ ومحاولاتها القوية في إيقاظه دون نتيجة منه صابتها بالقلق والرعب فراحت تهزه بعنف بصوت مرتعد:
_ چلال رد عليا.. چــلال
نبرتها المفزوعة والمرتشعة اضحكته رغمًا عنه ففتح عيناه وهو يضحك وبحركة مفاجأة منه رفع جسده المسطح قليلًا وحاوطها من خصرها ثم جذبها لتسقط بجواره فوق الفراش، ثم وجدته يشرف عليها بجسده القوة يحاصرها من الجهتين بذراعيه ووجهه بالكاد تفصله بضع سنتي مترات عن وجهها فتلكزه في صدره بغيظ توبخه برقة:
_ إيه الهزار ده ياچلال
ضحك بتلذذ ثم همس ببحة رجولية تذيب العقل وهو يتطلع بعيناه:
_ خوفتي أكون موت! .. لو كنت موت صُح كنتي إيه هتعملي؟
كتمت على فمه بغضب وقالت في حدة:
_ إيه الكلام الماسخ ده.. متقولش إكده تاني، أنا مقدرش أعيش من غيرك يوم واحد.. ربنا يخليك ليا ويخليك لولادك
فاضت عيناه السوداء بالعشق ولاحت لمعة السعادة بها.. ليكمل ببسمة ماكرة متعمدًا إثارة غيظها:
_ كلام ماسخ ليه.. الموت علينا حق وكلنا لينا يوم
صاحت به بضيق حقيقي وغضب:
_ چــلال بزيادة متتكلمش عن الموت قصادي
لاحظ ان عيناها تلألأت بالعبارات فغضن حاجبيه بدهشة واتسعت ابتسامته بحب وهو يدنو إليها يقبل ارنبة أنفها هامسًا:
_ خلاص حقك عليا مش هقول إكده تاني.. متزعليش عاد واضحكي أنا لساتي عايش مموتش يعني
ابتسمت له بنعومة وبنظرة مغرمة فوجدته هو يدنو منها مجددًا يلثم أجزاء متفرقة من وجهها، أغلقت عيناها تسمح لروحها العاشقة التلذذ بفيض مشاعره ورقة قبلاته.
بعد دقائق طويلة نسبيًا همست هي بوداعة:
_ چلال أنا عايزة اروح النهارده اشوف ابويا وامي واطمن عليهم
رفع وجهه قليلًا عنها وهتف:
_ عايزة تاخدي النهار عندهم يعني
هزت رأسها بالإيجاب له.. فتنهد مطولًا وأجابها بالموافقة وهو يغمز بلؤم:
_ ماشي روحي.. بس أما نخلص كلامنا الأول
ضحكت بخجل بسيط ولم تبدي أي اعتراض بل انغمست معه بسعادة يقضون لحظات خاصة تحفها مشاعر العشق الجيَّاشة.
***
في تمام الساعة الثانية ظهرًا بمنزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بالطابق الثالث والأخير من المنزل حيث يحتوى على الكثير من الغرف لكن هناك غرفة مميزة، خاصة بجلسات الشباب وبالأخص عمران الذي يقضي معظم وقته بالمنزل بها.
الغرف تحتوى على اربعة ارائك من التصميمات الكلاسيكية القديمة مصنوعة من الخشب يطلق عليها (كنب بلدي).. كل اريكة تحتل ركن من أركان الحوائط الأربعة، وبالمنتصف توجد طاولة خشبية عريضة وعالية نسبيًا.. مغطاة بمفرش أبيض طويل صنع يدوي.. وايضًا بها نافذة كبيرة تطل على الأرض الزراعية التي أمامها.
فتح بلال باب الغرفة والقى نظرة على أخيه الذي يتحدث بالهاتف في جدية.. ثم دخل بهدوء واغلق الباب ليتقدم نحوه ويجلس بجواره منتظر انهائه لمكالمته الهاتفية.. استمرت مكالمة عمران لخمس دقائق تقريبًا وبعد انتهائه، تطلع بأخيه وابتسم له بدفء هاتفًا:
_ كيفك يابلال؟
بلال بهدوء:
_ زين الحمدلله ياخوي
ردد خلفه (الحمدلله) مبتسمًا، ليتنفس بلال الصعداء مطولًا ثم يتمتم بتردد:
_ أنا في موضوع إكده كنت عايز اخد رأيك فيه
غضن عمران حاجبيه بحيرة وهتف يحثه على متابعة حديثه:
_ موضوع إيه ده؟
اخذ بلال نفسًا عميقًا وتابع بنبرة رجولية:
_ أنا في واحدة معچب بيها في الچامعة معايا.. من بدري قوي والحقيقة محبتش آخد خطوة ولا افاتح حد في الموضوع غير لما أكون متوكد من مشاعري
طال جمود وجه عمران حتى لاحت ابتسامته الحانية على ثغره وهو يجيبه بثقة:
_ وإنت طبعًا چاي تقولي الكلام ده لإنك اتوكدت خلاص من مشاعرك وعايز تتقدملها
هز بلال رأسه بالإيجاب في نظرة ثابتة.. بينما عمران فاصدر تنهيدة طويلة مبتسمًا على أخيه الصغير وقال بحكمة:
_ وأنا موافق معنديش مشكلة نسأل عنها زين ومين ناسها.. ولو عيلتها ناس محترمين ليك عليا أتكلم أنا مع أبوك واقنعه بالموضوع ونروح نطلب يدها.. بس هما هيوافقوا عليك على أساس أي يا واد ابوي؟
تجهم وجهه وأجابه بانزعاج بسيط وصلابة:
_ كيف يعني؟!
ربت عمران على فخذ أخيه بحنو ثم أكمل برزانة:
_ يعني إنت لسا مخلصتش چامعتك ولا روحت چيشك ولا حتى معاك شغل أو وظيفة ثابتة.. هيدولك بتهم ويطمنوا عليها كيف.. أنا مش بقولك إنك وحش يابلال بس ده العرف ومحدش بيرمي بته والسلام
اطرق رأسه أرضًا بيأس وعبوس يستحوذ على وجهه ليسمع صوت أخيه يهتف:
_ إيه ساكت ليه.. إنت مفكرتش في ده؟
أجاب بلال بقنوط:
_ فكرت طبعًا ياعمران وعارف ده زين.. بس أعمل إيه أنا خايف اصبر تضيع من يدي والاقيها اتخطبت
عمران بنبرة رجولية:
_ إنت في آخر سنة ومش فاضلك غير شهرين وتتخرچ.. واللي باقي بعد إكده ساهل.. ومتقلقش لو هي ليك ومن نصيبك لو قعدت عشر سنين هتلاقيها مستنياك.. بس أهم حاچة تكون إنت چاهز للچواز لأنه مش لعب عيال ده مسئولية وولاد وبيت.. ولو إنت بتحبها هتكون عايزها تعيش مبسوطة معاك ومتخلهاش لا هي ولا عيالك ناقصهم حاچة.. عشان إكده أنا بقولك اصبر لغاية ما تكون اسست نفسك زين وبعدها اتوكل على الله وروح اطلب يدها
هم بأن يجيبه لكن قطع حديثهم دخول عفاف (زوجة إبراهيم الثانية ووالدة بلال) التي هتفت محدثة ابنها بجدية:
_ بلال تعالى ياولدي عايزك في موضوع مهم
بلال بإيجاب:
_ حاضر ياما روحي وأنا جاي وراكي
التفتت نحو عمران وارسلت له بسمة متكلفة متمتمة:
_ كيفك ياعمران؟
أجابها بنبرة طبيعية رغم أنه لاحظ بسمتها المتكلفة:
_ بخير الحمدلله يا حچة
استدرات وانصرفت بعد اجابته ليتوقف بلال ويبتسم لأخيه بامتنان هاتفًا:
_ تسلم ياعمران.. ربنا ما يحرمني منك ياخوي
ربت عمران على كتف بلال بحب أخوي صادق ونقي وقبل مغادرة بلال اقتحمت فريال عليهم الغرفة وهي تبتسم برقتها المعتادة.. تقدمت نحو أخيها الصغير وعانقته بشوق ليضمها هو بدوره ويهتف مداعبًا:
_ عاش من شافك.. ده أنا قولت أنتي نستينا
لكزته في كتفه بخفة هاتفة بعتاب ناعم:
_ اخص عليك يابلولتي هو أنا اقدر
قهقه عاليًا والتفت برأسه تجاه أخيه يهتف:
_ شايف كل مرة تاجي تثبتنا بكام كلمة إكده وأنا بتثبت مع الأسف
ضحك عمران بخفة ليتمتم بلال بحنو:
_ أنا هسيبك عاد تثبتي عمران لغاية ما اشوف امي عايزاني في إيه وهرجعلك
أومأت له بالموافقة وفور رحيله تقدمت هي نحو عمران وارتمت بين ذراعيه تعانقه بحب لتسمع نبرته الدافئة وهو يهمس:
_ اتوحشتك يافريال إيه الغيبة دي كلها ياحبيبة اخوكي
ابتعدت عنه وهمست برقة تعتذر عن غيبتها عنهم:
_ انشغلت في البيت ومع مذاكرة معاذ وعمار عشان امتحاناتهم ومعرفتش آجي والله ياعمران
_ امال فينهم العيال مجوش معاكي ولا إيه؟
_ لا جم تحت بيلعبوا
هز رأسه بتفهم.. ثم طال صمته وهو يحدق بها مطولًا كأنه يطمئن عليها بنظراته ويتأكد أنه لا يوجد ما يزعجها أو يحزنها، اما هي فرمقته مستغربة من نظرته وهي تبتسم لتسمعه بعد ذلك يتمتم في اهتمام وحزم:
_ في حد بيضايقك في البيت هناك يافريال؟
تعجبت سؤاله لكنها هزت رأسها بالنفي هامسة:
_ لا چلال عمره ما ضايقني بحاچة إنت عارف زين هو بيحبني كيف
عمران بجدية ولهجة قوية:
_ أنا مقصدش چلال.. أنا بقولك في البيت عمومًا.. انا مسمحش لحد واصل أنه يضايقك ولا يزعلك
ابتسمت له بحب شديد وشعور بالآمان والسعادة هيمن عليها لتعود وتعانقه مجددًا هاتفة:
_ ربنا يخليك ليا ياخويا وميحرمنيش منك ولا من حنانك وخوفك عليا
ملس على رأسها بحنو وهو يبتسم ثم قبَّل شعرها من فوق حجابها الذي يغطيه.
***
داخل منزل خليل صفوان......
العائلة بأكملها مجتمعة حول طاولة الطعام يتناولون طعام الغذاء.. والصمت يستحوذ عليهم الجميع يأكل بصمت دون حديث، لكن خلود كانت نظراتها النارية عالقة على آسيا التي تجلس أمامها مباشرة وتأكل بكل برود وتغطرس كأنها لم تسبب فضيحة للعائلة بالأمس في مجلس الرجال.. وما أثار جنونها وغيرتها أكثر أن الجميع يعاملها بكل احترام ولا يقلل من هيبتها ووضعها رغم ما فعلته!
كانت آسيا تلاحظ النظرات الحاقدة التي تستقر عليها من عيني ابنة عمها ولكنها لم تعيرها اهتمام، لكنها فجأة سمعت صوت خلود وهي تقول بتشفي ونظرة حاقدة كلها خبث:
_ غريب يعني يا آسيا أنا قولت من هتورينا وشك لأسبوع قدام كمان بعد اللي عملتيه امبارح واللي عمله معاكي چلال وچدي
التزمت آسيا الصمت ورمقته بثبات انفعالي مريب مع نظرات تدب الرعب في القلوب لكن سرعان ما ابتسمت يثقة وقوة حين رأت عمها يجيب على ابنته بحدة:
_ خلود كلي وإنتي ساكتة الأكل ليه حرمته
اغتاظت بشدة من أبيها ولكن ردت عليه ببرود مزيف:
_ أنا مقولتش حاچة يابوي.. أنا استغربت بس أنها نزلت تاكل معانا عشان إكده اتكلمت
كان الرد هذه المرة من حمزة الذي تحدث بلهجة صارمة لا تقبل النقاش:
_ متتكلميش واصل.. واللي حصل امبارح خلاص خلص ومحدش يچيب سيرته تاني، واتكلمي مع بنت عمك الكبيرة زين يا خلود
تأججت نيران غيرتها في صدرها.. وعيناها تحولت للون الأحمر من فرط الغيظ واخذت تصر على أسنانها محاولة السيطرة على انفعالاتها بعد التوبيخ الذي نالته على لسان ابيها وجدها بسبب آسيا.. وحين التفتت برأسها نحو آسيا رأتها تبتسم باتساع في نظرات كلها تباه وجبروت متشفية بها، وكأن نظراتها ارادت أن تقول لها (لا تحاولي الدخول في حرب ضدي لأنك حتمًا ستخسرين).
توعدت لها ألف مرة خلال نظرة مشتعلة أرسلتها لها.. اقسمت بداخلها أنها ستجعل النصر من نصيبها بالنهاية وستكون تلك الساحرة هي الخاسرة، ستكون الحرب لها من بدايتها لنهايتها.
اجفلت عيناها وراحت تكمل طعامها شبه مجبرة بسبب غضبها من ما تعرضت له من إهانة للتو بسببها.. بينما آسيا فكانت بين آن وآن تطالعها مبتسمة ببرود متعمدة إثارة غيرتها أكثر!!!
***
بتمام الساعة السابعة مساءًا.........
كان عمران بطريق عودته للمنزل ولم يتبقى سوى شارعين فقط على الوصول إلي منزله وبجانبه كان يسير ابن شقيقته الصغير (عمار) بعدما رآه وهو يخرج وأصر على أن يذهب مع خاله فلم يتمكن من رفض رجائه ووافق على أخذه معه.
وبينما كان الصغير يسير بجانب خاله وبيده كيس مقرمشات يأكل منه بتلذذ، استقرت عيناه بالصدفة على آسيا التي كانت تسير في طريق المنزل وتحمل بيدها أكياسًا بها مستلزمات قامت بشرائها فتوقفت على أثر صيحة ابن أخيها بها وهو يقول بلهفة طفولية:
_ عمتي
ابتعد عن خاله وركض باتجاه عمته يعبر الشارع غير منتبهًا للسيارة التي تتجه نحوه بسرعة.. بينما آسيا فشهقت برعب حين رأت السيارة تسير تجاه ابن اخيها الصغير ولم تتمكن من التحكم بأعصابها حيث وجدت يدها تترك الاكياس لتسقط فوق الأرض.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثالث 3 - بقلم ندى محمود توفيق
بظرف لحظة واحدة ودون تفكير ركض عمران خلف الصغير وقبل أن تصل السيارة له كان هو يمسك به ويجذبه إليه بعيدًا عنها.
تركت آسيا الأكياس على الأرض غير مكترثة لها وركضت تجاه ابن أخيها ثم انحنت عليه وجذبته لصدرها تضمه برعب وهي تهتف:
_ أنت كويس ياحبيبي؟
ابتعد الصغير عن عمته وأومأ لها بالإيجاب، وهو أيضًا تعتلي ملامحه الطفولية الفزع، ثم وجدها توبخه بغضب وقلق:
_ أحنا مش نبهنا مية مرة متعديش الشارع وحدك ياعمار.
تمتم الصغير متعذرًا:
_ أنا آسف ياعمتي.
كان عمران يقف صامتًا يتابعها بصمت، في نظرات ثاقبة يتمعن تلهفها ورعبها على ابن أخيها وكأنه ابنها. لوهلة تعجب أن تلك الساحرة تمتلك قلبًا من الأساس، ولكنها لم تمهله المزيد من الوقت ليتتمعنها، حيث انتصبت في وقفتها وطالعته بشراسة وعنجهية امتزجت بالقرف، ثم أمسكت بكف ابن أخيها وقالت محدثة إياه بجدية:
_ يلا ياعمار عشان نروح البيت.
لم يبدِ الطفل أي اعتراض، فقط التفت تجاه خاله الذي ابتسم له وانحنى عليه يلثم شعره بحنو هاتفًا له:
_ خد بالك من نفسك واسمع الكلام زين ياعمار.
أومأ له الصغير بالموافقة ثم سار مع عمته في طريق عودتهم للمنزل. وخلال الطريق تطلع لعمته وسألها بعفوية:
_ عمتي أنتي ليه مش بتحبي خالي عمران وكنتي متعصبة منه؟
رمقته آسيا بقوة وقالت في حدة وغضب:
_ وأنا أحب خالك ده ليه؟ كمان بناقص مفضلش غيره اللي أحبه وأبص في وشه.
تعجب عمار من عصبية عمته بسبب سؤاله البريء كما يعتقده. بينما هي فتابعت بصوت خفيض تتوعد له:
_ أنا لو أقدر كنت قتلته بيدي هو وجدك.. بس قريب قوي هاخد حق أبويا.
***
فور وصولهم للمنزل ركض عمار لأعلى حيث غرفته هو وشقيقه. بينما آسيا فتوجهت نحو المطبخ تضع به الخضروات والطعام الذي قامت بشرائه. ثم جذبت كأس ماء فارغ وفتحت البراد وأخرجت منه زجاجة مياه باردة ثم سكبت في الكأس ورفعته لفمها تشرب بتأنٍ شديد. وإذا بها فجأة تجد يدًا تنتشل الكأس من فمها بعنف. لوهلة أصابها الفزع، لكن حين التفتت ورأت وجه ابنة عمها التهبت نظراتها بغيظ.
كانت خلود تمسك بكوب المياه في يدها وعيناها ثابتة على آسيا تتطلع إليها شرزًا في نظرة تنبض بالشر والحقد. وعلى الرغم من غضب آسيا المتمثل في نظراتها، إلا أنها قررت التصرف ببرود وعدم خلق مشكلة. حيث زفرت النيران من فمها ومدت يدها لكي تجذب كوب الماء، لكن الأخرى عادت بيدها للخلف مانعة إياها من أخذه!
انفجرت آسيا بها وهتفت بلهجة قوية:
_ اتجننتي في نفوخك ولا إيه يا خلود؟ هاتي كوباية المايه وبعدي عني واصل.
ابتسمت خلود بخبث يضمر البغض:
_ مش لما تبعدي عني أنتي الأول!
جاهدت آسيا في التحكم بزمام انفعالاتها وقالت مغتاظة:
_ لا إله إلا الله.
هدرت خلود بهمس مريب وبنظرة مشبعة بالنقم:
_ اوعاكي تكوني فاكرة نفسك حاجة ولا ليكي قيمة.. عمي الله يرحمه هو اللي عمل منك قيمة. لكن أنتي حية فضلتِ تلفي على كل رجالة البيت وتبلعي فيهم لغاية ما بقى محدش قادر عليكي ولا حد بيتنيلك كلمة. لو عرفوا حقيقتك والسواد اللي جواكي محدش هيبص في وشك.
سكون تام أشبه ببرود أعصاب مستفز كان يهيمن على آسيا التي تبتسم بعدم اكتراث لكلماتها. تظن أنها ستبعث تأثيرًا سيئًا في نفسها وتدفع بثقتها في نفسها للهاوية. لكنها لا تدرك أن من أمامها تستطيع تدميرها نفسيًا بلحظة إن أرادت.
تمتمت ببسمة ماكرة كلها ثقة وعنجهية:
_ اطمني كلهم عارفين إني حية وبرضك بيحبوني. الدور والباقي على عامل فيها الملاك الطاهر والمظلوم وهو شيطان.. اصل دايمًا بيقولوا ياما تحت السواهي دواهي مش إكده ولا إيه يا بت عمي؟ جربي إكده تشيلي السواد والحقد اللي في قلبك ده وصدقيني هترتاحي، لكن أنتي اللي مصممة تثبتي للكل أنك وحشة مع أني معملتلكيش حاجة واصل، لكن أنتي اللي غيرانة مني.
احتقن وجه خلود بالغيظ وقالت بوعيد حقيقي:
_ مسيرك تقعي ومحدش يسمي عليكي يا آسيا.
ضحكت بقوة وقالت بجبروت وغمزة خبيثة وهي تسير مبتعدة عنها:
_ اطمني لما أقع هسند نفسي واقف من تاني.. مش هستنى حبيب القلب اللي هيسندني.
بقت خلود مكانها تحدق في أثرها بتوتر ملحوظ. كانت تلقي الغاز مريبة وهي متعمدة لكي تثير شكها وتقذف الرعب في قلبها. وللأسف نجحت!
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي.
خرج بشار من غرفة الصالون الكبيرة وقاد خطواته تجاه الطابق العلوي حيث غرفته، لكن استوقفه صوت أنثوي ناعم يهتف:
_ بشار!
التفت برأسه للخلف فسقطت عيناه على ابنة عمته التي تبلغ من العمر عشرين عامًا. ترتدي عباءة سوداء وفوق شعرها حجاب من اللون السكري.
ملامح وجهها البريئة والهادئة مع بسمتها الرقيقة تبعث في نفسه الراحة. لكنه سيطر على فيض مشاعره وتصرف بطبيعية وهو يجيبها:
_ أهلًا يا رحاب كيفك؟
أجابت بوداعة:
_ زينة الحمدلله.. جيت أسلم على جدي وخالي إبراهيم وخالي عبد العزيز.
بشار بإيجاز:
_ هتلاقيهم قاعدين في أوضة الجلوس روحيلهم.
أومأت له بالموافقة ومازالت معالم وجهها الدافئة محتفظة ببسمتها. وحين وجدته سيرحل ليكمل طريقه استوقفته من جديد وهي تسرع نحوه تقطع المسافة الكبيرة التي بينهم، ثم رفعت يديها الحاملة لقِدر متوسط الحجم وهمست:
_ أمي عاملة ورق العنب ده مخصوص عشانك وبعتاني بيه.
اتسعت بسمة ثغره ينقل نظره بين القِدر وبينها وهمس مداعبًا:
_ حاسة بيا عمتي والله. ربنا يديها الصحة ويخليها لينا.
ضحكت بخفة وتمتمت:
_ بالهنا والشفا يارب.. هديها لمرات خالي وأقولها تشيله ليك عاد.
أومأ لها بالإيجاب وطالت نظرته الحزينة لها قبل أن يسألها مترددًا:
_ كيفك أنتي وخطيبك؟
لمعت عيناها وهمست باسمة ببعض الخجل:
_ الحمدلله كويسين وقريب قوي كمان هنحدد الفرح إن شاء الله.
زينت وجهه بسمة مزيفة لم تصل حتى لعيناه وتمتم باختصار لينهي ذلك الحديث الذي لا فائدة منه:
_ ربنا يسعدكم.. أنا هطلع أريح وأنام عايزة حاجة؟
_ لا عايزة سلامتك. تصبح على خير.
بشار بوجه خالٍ من المشاعر:
_ وأنتي من أهله.
قاد خطواته يصعد الدرج قاصدًا غرفته، وأثناء سيره اعترض طريقه عمران الذي حدق في معالم وجهه البائسة وسأله بتعجب:
_ مالك في حاجة حصلت ولا إيه؟
بشار بحدة وضيق:
_ مفيش ياعمران تعبان وعايز أنام فيها حاجة دي كمان وأنا معرفش!
أنهى عباراته واندفع نحو غرفته، فالتفت عمران برأسه للخلف يتابعه بعدم فهم. لكن فور سماعه لصوت رحاب بالأسفل ارتخت عضلات وجهه وتنفس الصعداء، ثم أكمل طريقه إلى حيث هو ذاهب!
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.
وقفت أمام باب غرفة الصالون الواسعة، ثم استندت برأسها على الباب تحاول التقاط أي صوت من الداخل. لكن السكون كان يملأ الغرفة مما أثبت لها أنه بمفرده بالداخل.
انتصبت في وقفتها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترفع يدها وتطرق طرقتين فوق الباب، ثم فتحته بحذر دون أن تنتظر إجابة منه. دخلت تدريجيًا وهي تبتسم بإحراج بسيط أمام نظراته الثاقبة لها. أحفضت نظرها لكوب القهوة الساخن الذي تحمله فوق يدها وتقدمت منه وهي تهمس:
_ صباح الخير يا سيد الرجالة عملتلك القهوة اللي بتحبها.
استمر الصمت هو رده الوحيد على محاولاتها التي يفهم مبتغاها جيدًا، بينما هي فبقت واقفة وهي تبتسم بلطف رغم حدة الأجواء. فخرج عن صمته أخيرًا وهو يلتقط كوب القهوة ويرتشف منه رشفتين ثم يتمتم بجفاء:
_ شكرًا.
ظلت مكانها تتابعها وهو يشرب قهوته بكل هدوء غير مكترث بوجودها. عقلها شارد وتفكر كيف ستصلح علاقتهما. كيف ستعتذر منه عن سوء تصرفها معه ومع الجميع. بالأخص أنها تدرك طبع أخيها الصارم وأن مهمتها ليست بسيطة.
تنحنحت بلطف ثم اقتربت وجلست بجواره ودام صمتها للحظات أخرى حتى هتفت أخيرًا بعزم:
_ جلال أنا آسفة يا خوي حقك عليا.
لم يجيبها بل استمر بتجاهلها، لكنه في الواقع كان ينتظر متابعتها للحديث حتى يسمع مبرراتها كاملة. وبالفعل أكملت هي بأسف:
_ أنا عارفة إني غلطت في اللي قولته ليك سامحني.. بس أنا مش غلطانة في رفضي للصلح ده. وحقي أرفضه لأن اللي مات ده أبويا زي ما هو أبوك. وإن جيت للحق أنا مش مصدقة ولا قادرة أفهم أنت كيف وافقت على الصلح ده.
التفت برأسه لها وقال في حدة:
_ وافقت عشان ده اللي المفروض يحصل.. على الأقل دلوقت.
آسيا بصلابة واعتراض تام:
_ لا يا جلال اللي المفروض يحصل أنت عارفه زين. وهو إننا ناخد حق ابونا وتارنا. إبراهيم الصاوي وولده هما اللي قتلوا أبويا أنا عارفة زي ما أنت عارف زين قوي كمان ومتفتكرش إني معرفاش. عشان كده أنا مصدقة إنك وافقت على كلام جدي وعمي ومستغربة.
رمقها جلال بنظرة نارية ثم قال بلهجته الرجولية:
_ قولتلك هو ده اللي المفروض يتعمل. بعدين أنتي جاية تعترضي على كلام الرجالة وتقولي ده صح وده وغلط ولا جاية تعتذري على عملتك السودة؟
اجفلت نظرها عنه باحترام وقالت مؤيدة كلامه:
_ عندك حق. معدش له لزمة الكلام في الموضوع ده دلوقت اللي حصل حصل مش إكده ولا إيه؟ المهم هو أنك تسامحني ومتبقاش زعلان مني. أنا مقدرش على زعلك يا غالي أنت سندي وضهري في الدنيا ده بعد أبويا يا جلال.. حقك عليا وأوعدك مش هعمل حاجة تضايقك مني بعد كده تاني واصل واللي حصل مش هيتكرر.
طالت نظراته الساكنة لها دون أن يتحدث. لم يعد غاضبًا منها لكنه يعاند. فلزكته في كتفه بمرح هامسة:
_ خلاص عاد ميبقاش قلبك أسود يا واد أبوي.
ابتسم مغلوبًا كإشارة على نجاح مهمتها، لكن سرعان ما اختفت بسمته وحل محلها الحزم وهو يلقي عليها تعليماته الصارمة:
_ بس من إهنه ورايح مهتتصرفيش من دماغك تاني سامعة ولا لا؟ وعلى الله أسمع إنك عملتي مصيبة إكده ولا إكده يا آسيا.
أجابته بثقة وسعادة:
_ متقلقش مش هعمل حاجة واصل.
تنهد جلال الصعداء بعدم حيلة ثم اقترب منها برأسه وطبع قبلة دافئة فوق شعرها هامسًا:
_ ربنا يهديكي يا بت أبوي.
روحي يلا عاد شوفي وراكي إيه عشان اخلص أنا كمان الشغل اللي ورايا.
إماءت له برأسها في إيجاب ثم استقامت واقفة وغادرت الغرفة وهي تبتسم براحة بعد أن نجحت في نيل رضا جدها وأخيها.
توقف عمران بسيارته أمام مبنى كبير مكون من طابق واحد. القى نظرة يتفحصه بتدقيق قبل أن يفتح الباب وينزل من السيارة ليقود خطواته للداخل وهو يرتدي الجلباب الصعيدي ويضع فوق أكتافه عبائته الكبيرة ذات اللون البني.
فور دخوله دار بنظره في حركة دائرية حول البرادات التي تملأ المخزن وحين لم يجد أحد صاح بصوته الجهوري:
_ عم سعيد.
خرج ذلك الرجل الذي في منتصف العمر مسرعًا من الداخل على أثر صيحته وفور رؤيته لعمران ابتسم وهتف مرحبًا:
_ أيوه معلش يا ولدي كنت في الحمام.
عمران بهدوء وهو يتقدم نحو إحدى البرادات:
_ ولا يهمك يا عم سعيد. أمال فين بقية العمال مش في شحنة سمك جايه بليل ولا إيه ومحتاجة تتنضف زين قبل ما تتحط في التلجات؟
سعيد بإيجاب:
_ روحوا عشان يريحوا شوية في بيوتهم يا ولدي وشوية بليل قبل ما توصل الشحنة هيكونوا إهنه.
لم يعقب على رده بل بدأ بتفقد البرادات واحدة تلو الأخرى وهو يفتحهم ويلقي نظرة متفحصة على الأسماك المثلجة التي بها. جميع أنواع الأسماك البحرية. لاحظ أنه متبقي فقط كميات قليلة جدًا فقال مبتسمًا:
_ ماشاء الله التلاجات فاضية يا عم سعيد.
_ الحمدلله بشار كان بيجي كل يوم الفترة اللي فاتت وفي طلبيات كتير طلعت للمطاعم والمراكب وده اللي فضل زي ما أنت شايف. يدوبك خمس كيلو جمبري على كام كيلو ماكريل وسالمون والباقي كله سمك بلطي.
ابتسم وتمتم بجدية:
_ الحمدلله. الشحنة اللي جايه بليل في طلبيات كتير حاجزاه من قبل ما توصل. وصي العمال ينضفوا كويس وبعدين السمك يتحط في التلاجات على درجة حرارة زينة عشان يفضل سليم وطازة لغاية ما يتوزع أن شاء الله.
هدر سعيد بالموافقة:
_ حاضر متقلقش يا ولدي. وابقى سلملي على الحج إبراهيم قوي.
عمران بإيجاز:
_ يوصل أن شاء الله. أنا همشي عاوز حاجة يا عم سعيد؟
_ عاوز سلامتك يا ولدي. طريق السلامة.
خرجت آسيا من غرفة الصالون بعدما انتهت من حديثها مع أخيها وكانت بطريقها لغرفتها لكن استوقفها صوت أمها وهي تتحدث مع أحدهم وتضحك. فتقدمت نحوها حيث غرفة الضيوف لتجدها جالسة مع امرأة من نفس عمرها وبجوارها ابنتها اليافعة. لوت فمها بخنق فور رؤيتها لتلك المرأة وابنتها. أدركت غرض أمها جيدًا من تلك الزيارة وتحديدًا بوجود الفتاة واختيار اليوم المناسب لأجازة أخيها. وما صابها بالضحك هو رؤيتها فريال تجلس معهم وتتبادل أطراف الحديث بكل عفوية وود وقد اندمجت كثيرًا مع تلك الفتاة. تلك الساذجة لا تعرف ما تحيكه والدة زوجها من دون علمها وأنها جلبت تلك الفتاة خصيصًا لتعرضها على زوجها محاولة إقناعه بالزواج مرة أخرى. لو علمت كل هذا بالتأكيد لن تبقى هادئة بهذا الشكل.
ربما هي لا تحب زوجة أخيها وتريده أن يطلقها لكن بالطبع لن يسرها أمر زواجه للمرة الثانية على زوجته. خصوصًا أن تلك الحمقاء تعشقه وهو كذلك. انتبهت جليلة لوجود ابنتها أخيرًا فهتفت تحثها على الانضمام لجلستهم:
_ تعالي يا آسيا سلمي على الحجة نعمة ومنيرة. واقفة عندك إكده ليه؟
تقدمت نحوهم آسيا وهي ترسم ابتسامة متكلفة فوق ثغرها وقامت بالترحيب بالسيدة. وعند انتقالها للفتاة ابتسمت لها باتساع وقالت ساخرة:
_ ماشاء الله يا منيرة كبرتي وبقيتي عروسة.
قهقهت الفتاة وردت بمرح وخبث:
_ أه ادعيلي عاد يا آسيا ربنا يكرمني بـ ابن الحلال.
رتبت على ذراعها بقوة بسيطة وهي تبتسم باستنكار:
_ يارب يا حبيبتي. يكرمك ويكرم البنات كلها.
ابتعدت عنها وسارت نحو فريال تجلس بجوارها وعيناها ثابتة على الفتاة التي تتصرف بدلال مبالغ فيه. وكأنها تحاول إثبات شيء يفهمه الجميع ما عدا فريال.
خرج صوت فريال الرقيق مثلها وهي تسأل منيرة بعذوبة:
_ خالتي قالتلي إنك بتدي دروس في البيت يا منيرة والكل بيشكر فيكي.
أجابتها منيرة بتيه ومكر دفين:
_ آه ده أنا مفيش حد إلا وجاب عياله عندي أديله دروس.
فريال بابتسامة هادئة:
_ ما شاء الله عليكي. خلاص هجيبلك معاذ وعمار عاد تديلهم درس في العربي والحساب. مطلعين عنيا فيهم ودورنا كتير قوي أنا وجلال على مدرس زين ملقيناش.
انطلقت منها ضحكة خافتة كلها عنجهية وهي تجيبها:
_ هاتيهم طبعًا هو أنا أفديكي الساعة لما ادي دروس لولاد المعلم جلال دول زي عيالي.
كانت جليلة ممنونة وسعيدة جدًا بالحوار الدائر بين زوجة ابنها الحالية وزوجته المستقبلية كما تعتقد. أما آسيا فكانت نظراتها المشتعلة ثابتة على تلك الفتاة ذات الوجهين التي تتلون كالحرباء أمامهم. لم يرتاح داخلها لها أبدًا بل وتخشى مجرد اقترابها من أخيها حتى. ولسوء حظها أنها سجلتها بقائمتها السوداء.
بنفس الوقت كان جلال مارًا من أمام الغرفة بمحض الصدفة. فلمحته جليلة وصاحت منادية عليه بسرعة:
_ جلال تعالى يا ولدي.
توقف عند سماعه لصوت أمه وقاد خطواته نحوها دون أن يدري الكمين المنتظره بالداخل. وفور دخوله نقل نظره بينهم جميعًا باستغراب لكنه تدارك الأمر بلحظة ورحب بالسيدة هاتفًا:
_ كيفك يا أم محمد والحج ياسر كيفه؟
أجابته بود وابتسامة واسعة:
_ زين يا ولدي بيسلم عليك.
عدلت منيرة من جلستها لتصبح أخرى كلها غنج ونظراتها تحولت للرقة والخجل. حتى أن ذلك المكر الذي كان يملأ عيناها لم يعد له وجود وباتت تختلس النظرات لجلال بإعجاب.
اسرعت جليلة قبل أن يغادر وأشارت بيدها على منيرة تقدمها له بإبتسامة تشق طريقها حتى أذنها دون اكتراث بردة فعله أبدًا بل تصرفت بقوة وتجبر يليق بامرأة مثلها:
_ دي منيرة بنت الحج ياسر. لساتها كانت عيلة صغيرة. دلوك كبرت ونورت وبقت عروسة كيف القمر ما شاء الله.
لم يكلف نفسه عناء الالتفات لمنيرة بل رمق أمه بنظرة نارية تحمل في ثناياها الكثير واستدار بعدها دون أن يتفوه ببنت شفة أخرى ليغادر الغرفة وهو يشتعل من فرط الغيظ. رغم تحذيره لها بعدم التدخل بينه هو وزوجته لكنها لم تنصت له ونفذت رغبتها.
لم تكن آسيا حالها أفضل من شقيقها حيث تطلعت لأمها بقوة وغضب يشابه لجبروتها تمامًا. وما أشعل غيظها أكثر رؤيتها لفريال تجلس بجوارها بكل هدوء وسذاجة فرمقتها شزرًا وانحنت عليها تهمس لها بلهجة صارمة:
_ ما تقومي ياختي روحي ورا جوزك شوفييه ليكون محتاج حاجة إكده ولا إكده بدل ما أنتي قاعدة تلكي وتعجني كيف حريم المصاطب.
اتسعت عيني فريال بدهشة من طريقة آسيا معاها وكلماتها الحادة فقالت لها بغضب:
_ في إيه يا آسيا چرالك حاجة في نفوخك بتكلميني إكده ليه؟
ضحكت وردت عليها ساخرة:
_ أنا خايفة عليكي أنتي لتچرالك حاجة بعد إكده في نفوخك وتتچني. قومي روحي ورا جوزك يافريال وشوفي عيالك.
طالعتها فريال بخنق وقرف من أسلوبها الفظ واستقامت واقفة لتغادر الغرفة قبل أن ينشب شجار بينهم من دون داعٍ بسبب سخافتها.
فتحت باب غرفتها ودخلت فوجدته يجلس فوق مقعد هزاز أمام الشرفة وقدميه تهتز بعنف من فرط الغضب. ضيقت عيناها باستغراب من تغير حالته المفاجئة. قبل قليل كان مزاجه جيد معهم بالأسفل.
اقتربت منه برقة ثم وقفت خلفه ووضعت كفيها على كتفيه وراحت تدلكهم بلطف هامسة:
_ مالك يا جلال في حاجة ضايقتك؟
التفت لها برأسه وطالعها مطولًا بنظرات غامضة لم تفهمها ثم استقام واقفًا ورفع كفه يمرر أصابعه بدفء فوق وجنتها متمتمًا بقلق:
_ أمي قالتلك حاجة ضايقتك يا فريال؟
غضنت حاجبيها بحيرة وردت بعدم فهم:
_ لا مفيش حاجة أنا زينة الحمدلله. بس حاجة زي إيه قصدك؟
تنفس الصعداء براحة وابتسم لها بحب ثم انحنى عليها يلثم جانب ثغرها برقة مردفًا:
_ متاخديش في بالك.
ابتسمت له بنعومة رغم شعورها بأن هناك شيء يخفيه عنها لكنها لم تعقب وتجاهلت ذلك الإحساس تمامًا لتقول بنبرة طبيعية:
_ صحيح بت الحج ياسر منيرة اللي كانت تحت بتدي دروس والكل بيشكر فيها وبيقول عليها شاطرة قوي. إيه رأيك نوديلها معاذ وعمار؟
انكمشت ملامح وجهه واختفت ابتسامته ليجيبها بحزم رافضًا:
_ لا يافريال قولتلك أنا هشوف مدرس زين ليهم.
قالت محاولة إقناعه:
_ تمام بس خلاص احنا لقينا مدرسة زينة يا حبيبي ليه تتعب نفسك.
جلال بغضب ونظرة قوية:
_ فريال وبعدين عاد.
التزمت الصمت وتنهدت بيأس ممتثلة لقراره بينما هو فطالعها بضيق وحزن. والدته تحيك المؤامرات من خلفها وهي لا تدري وبسبب طيبة قلبها حتى لم تلحظ شيء إلى الآن وفوق كل هذا تريد إرسال أولادهم للدروس الخصوصية عند تلك الفتاة.
التقط يدها ورفعها لفمه يلثم باطنه بمشاعر جياشة ويهتف:
_ عملت إيه في دنيتي عشان ربنا يكرمني بست كيفك يافريال. مفيش في جمالك ولا حنانك وطيبة قلبك ربنا يخليكي ليا يا روح قلبي.
لمعت عيناها بسعادة امتزجت بغرامها به لتجيبه بدلال يليق بها:
_ ويخليك ليا ولولادك يا سندي وضهري وحبيبي وجوزي.
ضمها لصدره وراح يقبل شعرها وجبينها بقبلات متتالية وسط همسته المفعمة بمشاعر العشق:
_ بحبك قوي يافريالي.
ابتسمت باتساع وزادت من حميمية عناقهم تتشبث به أكثر بحب واطمئنان وشعور يفوق حتى الراحة بل هو الأمان بحد ذاته.
داخل منزل إبراهيم الصاوي بتمام الساعة الثامنة مساءً.
قاد عمران خطواته تجاه غرفة الصالون حيث يجلس أبيه. فوجده يتحدث بالهاتف مع العم سعيد وانهى حديثه بعبارة:
_ شيل عشرة كيلو من السمك البلطي اللي وصل ياسعيد.
ضيق عمران عيناه باستغراب من طلب أبيه ليقترب ويجلس على المقعد المقابل له ينتظر إنهائه لمكالمته الهاتفية. وفور انتهائه سأله بجدية:
_ عاوز تشيل العشرة كيلو دول لمين يا بوي؟
أجاب إبراهيم بكل بساطة:
_ لناس خليل صفوان. كيف ما أنت عارف هما مبقوش يشتغلوا في السمك من وقت موت خليل وبقى شغلهم كله على معرض الأجهزة الكهربائية اللي معاهم.
رفع حاجبه مستنكرًا إجابه أبيه ليهتف بلهجة رجولية قوية:
_ اممم عارف. وأنت هتديلهم السمك ده ليه عاد؟
إبراهيم بنبرة حكيمة وهادئة:
الصلح تم يا ولدي وفضينا العداوة اللي بيناتنا خلاص. وقت عاد نرچع الود زي ما كان وترجع المايه لمجاريها من تاني.
ضحك عمران ساخرًا وقال بنظرة مريبة:
أنت عارف زين إن المايه عمرها ما هترجع لمجاريها تاني ولا الود هيرجع لا من ناحيتنا ولا من ناحيتهم كمان.
إبراهيم:
ادينا بنحاول يا ولدي!
أخذ عمران يتطلع بأبيه بشك، الأسئلة التي تدور بحلقة ذهنه ولا يجد لها إجابة تشعره بوجود أمر مريب. بينما إبراهيم عندما لاحظ نظرات ابنه له، هز رأسه بعدم فهم يحثه على التحدث وإفراغ ما بعلقه. ليخرج صوت عمران الغليظ وهو يهمس:
أمرك عجب يا بوي. لو في حاجة مخبيها عني قولي قبل ما يكون الأوان فات.
إبراهيم بثبات تام يحسد عليه:
وأنا هخبي عنك إيه يا عمران؟
أجابه بنظرات مريبة وصوت أشبه بفحيح الأفعى:
معرفش.. بس جايز مثلاً تكون عارف حاجة عن اللي قتل خليل ومخبيها عني، أو ليك يد في قتله صح مثلاً!!
انفعل إبراهيم بشدة وخرج عن طور ثباته وهدوئه ليصيح بابنه في عصبية:
إيه اللي بتقوله ده اتخبلت في نفوخك ولا إيه يا عمران؟ بتشك في أبوك وأنا اللي بقول ولدي هيقف في ضهري ويقطع لسان أي مخلوق يقول كلمة عفة على أبوه. وأنت جاي تقولي قتلت خليل. خسارة تربيتي فيك. أنا طالع أنام وأريح جسمي شوية.
استقام واقفًا من مقعده وقاد خطواته لخارج الغرفة مستاءً من ابنه. بينما عمران فبقى مكانه يعلق نظره على أثر أبوه بجمود تام وكأنه لم يقتنع بحرف واحد مما تفوه به.
***
قاد إبراهيم خطواته تجاه غرفة زوجته الثانية بعد انتهاء جلسته هو وابنه. وكان عقله مشغولاً بما قاله عمران وشكوكه حول أن كان هو المتسبب في قتل خليل أم لا. لوهلة شعر أن عقله سينفجر من فرط التفكير والخنق فقرر اللجوء لزوجته علها تخفف عن همه قليلاً. وفور دخوله الغرفة وجدها تجلس فوق الفراش وبيدها إبرة وخيط وملابس قديمة تقوم بإعادة حياكتها من جديد.
لم يعلق أو يتفوه بكلمة بل أكمل طريقه نحو الفراش وألقى بجسده فوقه متأففاً بصوت عالٍ. فالتفتت عفاف تجاهه وسألته بتعجب:
مالك يا حج تعبان ولا إيه؟
هدر بصوت مكبوت:
كنت بتكلم مع عمران تحت.
فور مرور اسم عمران من أذنيها، ولت كل اهتمامها للحديث وسألته بفضول:
حصل إيه؟
تنهد الصعداء وقال بقوة:
شاكك فيا وبيقولي أنا اللي قتلت خليل!
شهقت عفاف بصدمة وقالت بغضب:
وه ولدك باين له اتجنن يا إبراهيم.. بيشك في أبوه.
لم يجيبها وبقى صامتًا يتطلع في الفراغ بشرود حتى وجدها تكمل بحقد مضمور في نبرة صوتها الجافة:
قولتلك مليون مرة ده ولد أمه إخلاص. مهيوقفش في ضهرك ولا يسندك لكن أنت اللي مفيش على لسانك غير ولدي عمران وبلال معاوزش تدخله في حاجة واصل بحجة أنه لسه صغير وبيدرس.
حدجها شزرًا واعتدل في جلسته بسرعة يهتف بها في انفعال:
اوزني كلامك يا ولية ومتنسيش أن بلال ولدي كمان وأنا عاوزه يركز في دراسته عشان يطلع حاجة تشرف أبوه وعيلته كلها بعدين. عشان كده أنا مشيل عمران المسؤولية كلها لكن بعد ما بلال يخلص هو وأخوه هيبقوا ماسكين كل حاجة مع بعض. عمران الكبير هنا في البيت من بعدي أنا وعبد العزيز وعمره ما كره الخير لأخوه. أوعاكي يا عفاف تدخلي بيني وبين ولادي ولا تحاولي تكرهيني في ولدي. أصلًا العيب عليا أنا أني بحكيلك همي وبفضفض معاكي.
هب من الفراش واقفًا وسار باتجاه الباب وهو يتأفف بغضب. فأوقفه صوتها وهي تهتف بغيرة حارقة:
رايح لإخلاص مش كده!
رمقها بقسوة وهتف بتأكيد:
أيوه على الأقل مش هتعكر مزاجي بزيادة كيف ما عكرتيه.
بقت تتابع خطواته السريعة حتى غادر الغرفة بأكملها فقالت مستهزئة بأعين تلمع بالضغينة:
ارمح عندها أما نشوف بعدين هي وولدها الغالي هيقفوا معاك ولا هيرموك للسمك اللي في البحر عشان ياكل جتتك.
***
خرجت آسيا من باب منزلها مرتدية عباءة سوداء فوق جلابيتها المنزلية ذات اللون الأصفر ويعلوها وشاح كبير من نفس اللون تلفه فوق شعرها الأسود والغزير بإحكام.
قادت خطواتها الثابتة مبتعدة عن المنزل، تسير بكل تباه وقوة غير مبالية بأي حد. كانت نظراتها مظلمة ومخيفة تمامًا كساحرة تستعد لإلقاء تعويذتها السحرية. استمر سيرها لدقائق طويلة حتى توقفت بأحد الشوارع الجانبية الذي لا يمر منها أحد سوى نادرًا. وظلت واقفة وتتطلع يمينها ويسارها تتفقد وصول الشخص الذي تنتظره. وفور وصوله أخذت نفسًا طويلًا وانتصبت في وقفتها بكبر لتوبخه بصرامة:
أنا مش نبهت عليك آجي ألاقيك مستنيني.
أجابها الشاب معتذرًا:
حقك عليا يا ست البنات.
آسيا بحدة ونظرات مريبة:
قصره. هتعمل اللي اتفقنا عليه الليلة وبكرا تبلغني أن كل حاجة تمت وزي الفل وحسك عينك حد يسمع بالكلام اللي بيناتنا ده يا خالد وإلا قول على نفسك يا رحمن يا رحيم. أنت عارفني زين وعارف أقدر أعمل إيه.
هز الشاب رأسه بالإيجاب واسمًا بتوتر:
طبعًا وهو مين ميعرفش يا ست الكل ده أنتي الكبيرة.
آسيا:
جدع وأصيل يا خالد.
أنهت عباراتها وهمت بالانصراف لكنه أوقفها بعبارته المتهكمة:
والحلاوة يا ست آسيا ميتا هاخدها.
رمقته بحدة وقالت بنبرة مهيبة:
لما تنفذ اتفاقنا حلاوتك هتاخدها.
ألقت عباراتها واستدارت تكمل طريقها عائدة إلى منزلها وكذلك الشاب غادر المكان مسرعًا.
أثناء سيرها في طريق عودتها مرت من أمام منزل إبراهيم الصاوي فرفعت رأسها للأعلى تلقي بنظرة مشمئزة على ذلك المنزل وإذا بها تجد عمران يقف بشرفة غرفته. التقت عيناهما مع نظرة جامدة وثاقبة منه تقابلها نظرة كلها شر ووعيد منها. وباللحظة التالية فورًا أنزلت رأسها وتابعت سيرها نحو منزلها.
***
بتمام الساعة الثالثة عصرًا من اليوم التالي داخل وكالة العطارة الخاصة بعائلة إبراهيم الصاوي.
كان عمران يجلس على مكتبه الخاص يراجع الحسابات الأخيرة بالوكالة وفي تركيز شديد حتى قطع لحظات عمله رنين هاتفه الصاخب فالتقطه وأجاب على المتصل دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي أمامه:
الوو.
أتاه صوت بشار بصوت رجولي غليظ:
وينك يا عمران؟
رد باختصار شديد:
في الوكالة يا بشار.
بشار بجدية تامة:
تعالى دلوك علطول على مخزن السمك.
انتبهت جميع حواسه على أثر عباراته ولهجته المريبة فهتف:
إيه اللي حصل؟
ظهر الغضب والانفعال في صوت بشار وهو يجيبه:
شحنة السمك اللي لسه واصلة أول امبارح لقيناها كلها معفنة في الثلاجات والسمك كله بايظ.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الرابع 4 - بقلم ندى محمود توفيق
اندفع عمران مسرعًا لداخل المخزن فور وصوله، فوجد كل من بشار والعم سعيد يجلسون على مقعدين ويحدقون في البرادات بصمت. رمقهم بنظرة قوية ليرى بشار يرفع كفه ويشير تجاه البرادات أن يذهب ويتفقدها بنفسه ليرى الوضع بعينيه.
اندفع نحو البرادات يفتح واحدة تلو الأخرى، ومن بشاعة الرائحة التي تفوح من الأسماك الفاسدة لم يتمكن من تفقدهم جميعًا وأغلقهم بسرعة. ثم التفت تجاههم وصاح بصوت جهوري:
كيف ده حصل!!
أجابه بشار بهدوء مزيف على عكس النيران المشتعلة بثناياه:
في حد عملها.. التلاجات مفصولة من بليل وكيف ما أنت شايف المخزن جحيم ومن الحر السمك كله باظ.. خمسين كيلو مطلعش منهم غير خمسة بس اللي سلام.
ثم تابع بنبرة ساخرة من فرط غيظه:
ناخدهم ونتغدى بيهم الخمسة كيلو دول!
صدحت صيحة عمران المرعبة بالمكان بأكمله هاتفًا:
واللي دخل وعمل كده.. دخل كيف يا عم سعيد وأنت قافل باب المخزن زين؟
أجابه العم سعيد بتوتر بسيط من غضبه:
معرفش يا ولدي أنا قافل المخزن بإيدي وقافله بالقفل كمان.. ابن الحرام اللي عمل كده دخل كيف معرفش.
كانت قدمي بشار تهتز بعنف من فرط الغضب ليظهر صوته المتحشرج متوعدًا:
يوقع تحت يدنا اللي عمل كده بس وأنا هشرب من دمه.. بس مين اللي ليه مصلحة يعملها؟
اظلمت عيني عمران الذي تمتم بنبرة تقذف الرعب في الأبدان:
مفيش حد ليه مصلحة في أذيتنا غير ناس خليل صفوان.. وهما خانوا العهد للمرة التانية يبقوا يترحموا على اللي باقيلهم عاد.
تطلع بشار بابن عمه في خوف فنظراته لا تبشر بالخير مطلقًا.. يبدو أن ستكون هناك حرب أخرى قريبًا والغفران كان قرار مؤقت فقط!!
***
كانت آسيا تقف بالمطبخ تساعد أمها في أعمال المطبخ، لكنها سمعت صوت رنين هاتفها فتركت ما بيدها فورًا وتسللت دون أن تلاحظها والدتها وخرجت لتصعد الدرج قاصدة غرفتها بالأعلى.
دخلت الغرفة وأغلقت الباب بإحكام ثم أسرعت نحو هاتفها تجيب على المتصل:
هااا عملت إيه؟
هدر الشاب باسمًا بلؤم:
عشرة على عشرة يا ست الكل.. زمان السمك دلوقتي عفن وريحته فحفحت كمان.
لاحت فوق ثغرها بسمة نصر وتشفي ثم أجابته بتباه:
عفارم عليك يا واد يا خالد.. جهز نفسك عاد عشان تكمل اللي اتفقنا عليه بس اصبر يومين كدا وأنا هتصل بيك وأقولك نفذ متعملش حاجة دلوقتي.
أجاب بامتثال مازحًا:
أنتي تؤمري يا ست البنات.. هستنى اتصالك.
أنزلت الهاتف من فوق أذنيها وأنهت الاتصال. انفرجت شفتيها عن ابتسامتها باتساع أكثر ولمعت عيناها بوميض الثأر والتشفي لتهمس بوعيد:
ولسا يا عيلة الصاوي.. حق أبويا هاخده تالت ومتلت منكم.. أما خليتكم تعيشوا نفس الوجع وتبكوا بدل الدموع دم مبقاش أنا بنت خليل صفوان.
سقطت عيناها على صورة والدها فوق فراشها فتلاشت ابتسامتها وحل محلها الأسى والألم لتقترب من الفراش وتجلس ثم تجذب الصورة وتتمعن النظر بها في أعين دامعة متذكرة إحدى لحظاتها مع والدها.
كانت تشاركه جلسته الهادئة بغرفة الصالون وتشرب معه كوب الشاي وسط تبادلهم أطراف الكلام بمرح حتى انحرف الحديث إلى طرف عائلة الصاوي فقالت بدفء:
إيه رأيك يا بوي تسيب شغل السمك ده مع عمي إبراهيم؟
رمقها بتعجب فأجابها متعجبًا:
ليه يا بتي بتقولي كده؟!!
زمت شفتيها للأمام وردت برزانة:
أصل الشراكة بتجيب مشاكل كتير قوي.. قصدي خلينا حبايب من غير مشاكل ولا حاجة يعني.
ابتسم خليل لها بحنو ثم مد يده لشعرها يملس فوقه برفق هامسًا بوداعة:
يا بتي هو إحنا شغالين مع بعض في السمك من يومين ولا تلاتة ده إحنا من سنين واتربينا وأكلنا وشربنا مع بعض وأنا اللي مربي عمران وبلال مع إبراهيم وأنتي وأخوكي كبرتوا على يده.. ربنا ما يجيب مشاكل واصل بينا.
رمقت أبيها بحب وبسمتها الساحرة زينت وجهها الجميل وهو تلتقط كف والدها وتقربه من شفتيها تقبل ظاهره متمتمة:
يارب يا بوي.. ربنا يبعد عنا المشاكل والزعل ويخليك لينا ومنتحرمش منك واصل.
ضمها خليل لصدره مقبلًا شعرها بحنان أبوي وهدر:
ويحفظكم ويباركلي فيكم يا بتي أنتي وأخوكي.
فاقت من شرودها عندما شعرت بحرارة دموعها فوق وجنتيها وراحت تتأمل صورته التي بيدها وسط عبراتها التي تنهمر بغزارة دون توقف، وتحولت لنحيب شديد امتزج بصوت شهقاتها المرتفعة. أخذت تردد بحرقة وألم يأكل صدرها أكلًا:
فرطوا فيك يا غالي.. قتلوك بدم بارد يا بوي، اللي كنت بتقول عليه أخويا قتلك هو وولده اللي ربيته.. ياريتك سمعت كلامي يا بوي وبعدت عنهم مكنش كل ده حصل.
انهارت باكية بقوة، تحاول كتم صوت بكائها خشية من أن يصل لأذان أحدهم.. كما اعتادت تنهار بمفردها ثم تعود وتقف بشموخ وقوة من جديد دون الحاجة لأي أحد. لكنها توقفت عن البكاء حين سمعت صوت شجار مرتفع بالأسفل فهبت واقفة بسرعة وكفكفت دموعها ثم التقطت حجابها والقته فوق شعرها بعشوائية وأسرعت نحو الشرفة.
***
يتحرك جلال بخطواته الطبيعية تجاه المنزل وقبل دخوله توقف على أثر صيحة عمران به:
چــلال.
التفت بجسده كاملًا له فيجده يغلق باب سيارته ويتقدم نحوه بخطى ثابتة وأعين متقدة كلها وعيد وشر. التزم جلال السكون التام دون أي تعبيرات على وجهه فقط يتابع عمران وهو يقترب منه بقوة تليق به.
خرج صوت جلال الساخرًا:
خير يا عمران!!
لمعت عيني عمران بنظرة قاتلة وهو يهمس لجلال:
أنت ورا اللي حصل في مخزن السمك صح؟
ما زال جلال يحتفظ بهدوءه حيث أجاب بسؤال على سؤاله في كل برود:
حصل إيه في مخزن السمك؟!
صاح به عمران بصوت جهوري مخيف:
محدش له مصلحة يعمل العملة دي غيرك يا واد خليل صفوان.
بدأت بشائر خروج جلال عن طور هدوءه المزيف تلوح حيث رمق عمران بنظرة مميتة وهتف منذرًا إياه:
سيرة أبويا متجيش على لسانك أنا عندي استعداد أدفنك مكانك يا عمران.. وأنا لو عايز آخد حق أبويا مش هعمل حركات الحريم دي.. لا هاجي في نص بيتك وأقتلك.
مال ثغر عمران بابتسامة شيطانية امتزجت بالاستهزاء، ثم تقدم خطوة من جلال وقال بعين ملتهبة تذيب القلوب:
وريني كيف هتعملها وتدفني في أرضي.. إحنا اتربينا مع بعض بس باين لك لسه متعرفنيش.
لسوء الحظ أن جلال كان يحمل سلاحًا معه اليوم ودون أي تفكير وضع يده في عباءته وأخرجه يوجهه بمنتصف رأس عمران هاتفًا ببسمة ساخرة تلمع بوميض الانتقام:
يبقى أنت اللي لسه متعرفنيش.
ارتفعت صيحة آسيا بالأعلى في رعب فور رؤيتها لذلك المشهد ولولوهلة شعرت أن الماضي يعيد نفسه وستشهد على نفس الحرب لمرتين، لكنها لن تتحمل فراق آخر.
چـــلال.
كانت تلك صيحة آسيا ولم يكترث لها أي منهم. عمران كان يثبت نظره على جلال وكأنه يتحداه أن يطلق والآخر كان سيفعلها حقًا لولا خروج جده وابن عمه الذي هرول ركضًا تجاه جلال وجذب السلاح من يده، والتالي كانت صيحة حمزة وهو يصرخ بهم:
إيه اللي بيحصل ده؟!
رفع عمران سبابته وصرخ بهم بصوت جهوري المرتفع:
لو اتأكدت أن اللي حصل في المخزن ليكم يد فيه يا عيلة صفوان.. تبقوا فتحتوا على نفسكم باب الجحيم.. والصُلح اللي تم تبلوه واشربوا مايته، اللي يخون العهد عقابه قاسي قوي عندي.
جذب جلال السلاح من يد علي وأطلق رصاصة مرت من جانب عمران ولكنها لم تصبه وألقى عليه تهديده الحقيقي:
والقتل عندنا عقابه الموت.. خليك فاكر الكلام ده زين.
كانت فريال تقف بشرفة غرفتها تشاهد أخيها وزوجها واضعة كفها فوق صدرها تحديدًا عند قلبها والدموع بدأت بالتجمع في عيناها خشية من أن يتطور الشجار بينهم ويصيب أحدهم مكروه.
آسيا كانت ترمق عمران شزرًا بحقد.. ونيران صدرها متأججة من فرط الغضب وهي تقسم بأن نهايته ستكون على يدها هي.. ستنتقم منهم جميعًا أبشع انتقام. التفتت برأسها في حركة تلقائية إلى الجانب فرأت فريال تتطلع إليهم بخوف شديد فابتسمت لها بشر وقالت في عين حمراء من فرط الغضب:
انزلي وادعي أخوكي يمكن متشوفهوش تاني قريب.
فرغت فريال فمها بذهول على أثر كلماتها لكنها لم تعيرها اهتمام كثيرًا وظنت أنها تفوهت به من فرط غضبها فقط.
***
شرارات الغضب النارية تنطلق من عيناه وهو يجلس فوق الأريكة وقدميه تهتز بعنف من فرط عصبيته. يشعر بالندم لأنه لم يطلق في رأسه.. لولا ابن عمه لكان الآن عمران جثة هامدة أمام منزلهم.
كان حمزة يجلس على مقعده الخاص به ويتابع انفعالات حفيده الصامت وهو أشبه بالقدر الذي يغلي فوق النيران، حتى خرج صوته الحازم وهو يقول:
بزيادة عاد يا جلال اهدى كده يا ولدي وفهمنا اللي حصل بينك أنت وعمران.
صاح منفعلًا:
جاي يتهمني أن أنا ورا اللي حصل في مخزن السمك بتاعهم.
حمزة متسائلًا بعدم فهم:
وهو إيه اللي حصل في المخزن؟!
جلال محاولًا تمالك أعصابه:
معرفش يا جدي.. بس عمران بيلعب في عداد عمره معايا.
هدر حمزة بغضب بسيط:
وهو يتهمك أنت ليه؟.. أنت إيه ليك صالح؟
تمتم ضاحكًا بسخرية:
لا كيف ده أنا ليا ونص كمان.. مش إحنا في بينا تار يبقى مين اللي هيأذيهم غير عيلة صفوان؟
تنهد حمزة الصعداء بقوة ثم أجاب بحكمة عقل ورزانة:
طيب اهدى وبلاها العصبية دي.. أنت عارف إحنا عملنا الصلح ده معاهم ليه، متتصرفش على هواك تاني والسلاح ده تتاويه في عزالة في أوضتك ومتشلهوش في جيوبك تاني.
رفع يده وفرك جبهته بعنف متأففًا في غضب مكتوم ليرد ممتثلًا لجده:
حاضر يا جدي، اطمن كل حاجة هتمشي كيف ما اتفقنا.
انحنى عليه بجذعه ورتب على كتفه في قوة متمتمًا بود:
زين يا ولدي.. راجل من ضهر راجل.
ابتسم لجده بدفء ثم التقط كفه وقبل ظاهره بتهذيب، فيضمه حمزة لصدره معانقًا إياه بحب كأنه يحتضن ابنه الراحل وليس حفيده!
***
بعد مرور ساعتين تقريبًا وصل جلال لغرفته وفتح الباب بهدوء ثم دخل وتحرك بخطى ثابتة تجاه الفراش ونزع عنه عباءته وهو يزفر أنفاسه بخنق. لم ينتبه لزوجته التي تقف تستند بكتفها على باب الشرفة وتطالعه مطولًا بحزن وعتاب. حين التفت في تلقائية ورآها لم يعقب ورمقها بصمت في جمود لتخترق هي فقاعة الصمت وتهتف:
مش كفاية عاد يا جلال ولا إيه؟!
أشاح بنظره عنها وراح ينزع حذائه مجيبًا ببرود:
هو إيه اللي كفاية؟!
فريال بقوة وعينان غارقة بالدموع:
بزيادة مشاكل ودم.
طالعها مجددًا لكن نظرته هذه المرة كانت صارمة وهتف:
قولي لأخوكي الحديث ده مش أنا.. هو اللي جاي في نص بيتي يتهمني.
اندفعت فريال نحوه وصاحت بغضب وسط دموعها التي أخذت طريقها لوجنتيها:
تقوم ترفع عليه السلاح يا جلال.. على كده لو مكنش علي لحقك كنت هطخه وتقتله صح!
خرج صوته الجاف دون أي شفقة:
صح يا فريال يعني احمدي ربك أن علي لحقني.
اتسعت عيناها بصدمة، كأنها تتحدث مع رجل غريب ليس زوجها وحبيبها. لم تسبق لها ورأته بتلك القسوة من قبل.. لم يحادثها بهذه الطريقة أبدًا. ازداد انهمار دموعها وراحت تصيح به في ألم:
صح!!.. يعني كنت هتقتل أخويا قصاد عيني عادي.
ابتسم بنظرات مظلمة وقال مستنكرًا:
طب ما أنا أبوكي قتل أبويا قصاد عيني.
صرخت منفعلة تدافع عن أبيها باستماتة:
أبويا مقتلش عمي خليل، مش عاوز تفهم ليه!
انفعل وراح يصرخ بها بصوت رجولي نفضها بأرضها من الفزع:
عشان شوفت بعيني.. شوفت نظرات الشماتة والفرحة في عيون أبوكي لما كان أبويا على الأرض وغرقان في دمه.. كان بيبصله بحقد وعيونه بتقوله أيوة أنا اللي قتلتك، معدش في ملايكة في الزمن ده يا فريال وأبوكي هو أكبر شيطان.
أنهى عباراته واندفع من أمامها يتجه نحو الخزانة يخرج ملابس نظيفة له، بينما هي فجلست فوق الفراش منخرطة في نوبة بكاء عنيفة وسط همسها بعدم تصديق:
لا أبويا مقتلش حد.. مقتلش حد.
ثم رفعت رأسها نحو جلال مرة أخرى وقالت محذرة إياه بانهيار تام:
لو عملت حاجة في عمران مش هسامحك واصل يا جلال.
رمقها شزرًا بغيظ وألقى بالملابس التي كان يحملها بين يديها وسار لخارج الغرفة بأكملها يتركها قبل أن يفقد زمام انفعالاته عليها.
***
بتمام الساعة السابعة مساءً داخل منزل إبراهيم الصاوي.
كان إبراهيم يجوب الغرفة إيابًا وذهابًا بغضب ويصيح:
كيف يعني مفضلش غير خمسة كيلو بس اللي سلام!
عمران باستياء بسيط:
يعني كيف ما سمعت يا بوي، السمك كله عفن من الحر.
إبراهيم بعين مشتعلة:
معرفتوش مين اللي عمل كده؟!
تحدث بشار يجيب على عمه:
عمران شاكك في عيلة صفوان وفي جلال بس لسه متأكدناش.
التزم إبراهيم الصمت التام للحظات قبل يقول بهدوء غريب:
اتأكدوا الأول زين مين اللي عملها وبعدين قولولي.
استقرت في عيني عمران نظرة ثاقبة على أبيه يطالعه بقوة وعدم اطمئنان قبل أن يسأله مستنكرًا:
ولو طلع جلال صح اللي عملها، هتعمله إيه يا بوي!!!
جلس فوق مقعده بثقة تامة وقال:
هقولك بعدين لما نتوكد مين اللي عملها الأول.
نقل عمران نظره المريب بين أبيه وبشار. ثم استقام واقفًا وغادر الغرفة قبل أن يفقد أعصابه بالكامل. أما بشار فتحدث مع عمه يسأله بخنق:
هنع
مل إيه يا عمي في الخساير دي؟
إبراهيم بكل هدوء:
ولا حاجة، هرجع للناس فلوسها وكأن مفيش حاجة حصلت ونقولهم يستنوا الشحنة الجديدة.
مسح بشار على شعره نزولًا إلى وجهه وهو يتأفف بغضب. وحين سقطت عيناه على وجه عمه رأى هدوء مخيف وعينان تحمل نظرات لا تبشر بالخير أبدًا!!!
***
داخل غرفة الصالون بمنزل خليل صفوان.
كان معاذ يجلس بجوار أبيه يقوم بإنهاء واجباته المدرسية، وجلال منشغل بالعمل. وبين كل لحظة والأخرى يتطلع بأبيه يتأمله مطولًا مترددًا في طرح سؤاله الذي يجول برأسه، لكنه أخذ نفسًا عميقًا وقرر طرح سؤاله بكل قوة وثبات حيث قال:
أبويا أنت صح رفعت السلاح الصبح على خالي عمران؟
لم يجبه جلال واكتفى بهز رأسه بالإيجاب على سؤال ابنه الكبير، فتابع معاذ يسأله من جديد بترقب:
طب هو صح خالي وجدي هما اللي قتلوا جدي خليل؟
ترك جلال ما بيده وتنهد الصعداء بضيق قبل أن يلتفت تجاه ابنه ويتمتم بهدوء:
ملكش صالح بالكلام ده يا معاذ ركز في دراستك وامتحاناتك.
انزعج الصبي ورد على ابيه بتذمر:
مليش صالح ليه.. أنت مش طول عمرك بتقولي إني كبرت وبقيت راجل يا بوي.
رفع يده وملس على شعر ابنه بدفء مبتسمًا وهو يجيبه بصوت رخيم:
طبعًا بقيت راجل وكبرت.. ولما أكون مش موجود هبقى سايب راجل ورايا ياخد باله من أمه واخوه الصغير كأني موجود بالظبط.
سكت للحظة ثم تابع برزانة وحنو:
بس في حاجات مش وقتها يا ولدي.. لما يجي وقتها هتعرف كل حاجة، دلوقتي أنا عايزك تركز في دروسك أهم حاجة وملكش صالح بالمشاكل دي.
تنهد معاذ بيأس وقال ممتثلًا لكلام والده:
حاضر يا بوي.
ابتسم له جلال بحنو أبوي ثم ضمه لصدره يربت على ظهره برفق هامسًا:
يحضرلك الخير يا حبيب أبوك.. ربنا يحفظك ليا أنت وأخوك وأمك.
أجاب الصبي على أبيه في حب:
ويخليك لينا يا بوي.
انحنى جلال على شعر ابنه وقبله باسمًا براحة يحمد ربه على النعم التي انعم عليه بها مرددًا (الحمدلله).
***
كانت آسيا بطريق عودتها للمنزل بعد انتهائها من شراء أقراص دواء للصداع لها. وأثناء سيرها الهادئ بأحد الشوارع الفارغة من المارة لمحت عمران ويبدو أن هو الآخر يقصد المنزل، فتلفتت حولها تتأكد من عدم وجود أحد ثم صاحت منادية عليه:
عــمــران.
توقف على أثر ذلك الأنثوي الذي صاح باسمه والتفت بجسده كاملًا للخلف فاندهش بها تقف على بعد عدة أمتار منه وتطالعه شزرًا وسط عجرفتها المعتادة. بقى ساكنًا مكانه بتمعنها ببرود وأعين ساخرة.. تلك النظرة المستحقرة التي تراها بعينيه في كل مرة تثير جنونها. يبدو أنه يستهين بها وبتصرفاتها لكنه لا يدري شيء عن ما يمكنها فعله!
تقدمت نحوه بكل تباه وثقة دون أن تحيد بنظرها الثاقب عنه للحظة واحدة، حتى وقفت أمامه وقالت تلقي عليه تهديد صريح:
خليك بعيد عن أخويا وملكش صالح بيه واصل.
ابتسم باستهزاء واجابها ببرود مستفز متعمد منه حتى يثير غضبها أكثر:
ولو مبعدتش.
كادت أن تنفجر من الغيظ لكنها تمالكت أعصابها حتى لا تعطيه مراده وردت ببرود مماثل له:
تبقى جنيت على روحك، وبرضه مش هتفرق لأنك كده كده ميت.
قهقه عاليًا وأجابها من بين ابتسامة شفتيه بنظرة مميتة تدب الرعب في القلوب لكن ليس في قلب تلك الساحرة:
عجبني التهديد ده يا بت خليل.. أول مرة حرمة تهددني.
التهبت عيناها واظهرت عن أنيابها وهي تصيح به محذرة في انفعال:
قطع لسانك.. الحرمة دي تروح تقولها لحد غيري لكن أنا تتكلم معايا بأدب واحترام يا عمران، أنت لسه متعرفش مين آسيا ولا تقدر تعمل إيه.
ذلك الحديث العقيم تخطى حدود صبره ولم يعد بإمكانه البقاء هادئًا أمامها، حيث تقدم عليها بخطوة مفاجئة فتراجعت هي بتلقائية ووجدته يرمقها بنظرة مرعبة حقًا وصوت لا يحمل المزاح مطلقًا:
طب اسمعيني زين يا آسيا، عندي تقفي وتحطي مية خط واوعاكي تنسي نفسك، أنتي تمشي رافعة مناخيرك على الخلق كلها بس عندي أنا أكسرهالك.. خليكي فاكرة الكلام ده ومتنسهوش، واحمدي ربك أنك ست وإلا مكنتش هبقى هادي كده معاكي.
كانت صامتة تطالعه بغل دون أن تجيبه فقط توعد له في قرارة نفسها. بينما هو فتابع ساخرًا:
اللي أعرفه أن الرجالة هي اللي بتتكلم وتهدد.. ولا أنتوا معدش في عيلتكم في رجالة عشان الحريم يطلع لها حس وتتكلم وتهدد.. ملكيش صالح بمشاكل الرجالة أحسن لك يا آسيا.
أنهى عباراته وألقى عليها نظرة مستهزئة أخيرة قبل أن يستدير ويكمل طريقه على حيث كان ذاهب. بينما هي فبقت متصلبة بأرضها تتابعه بنظرات مشتعلة ودمائها تغلي في عروقها لتهتف بوعيد حقيقي:
عجلت بموتك يا عمران، هتشوف هعمل إيه وكيف هاخد حق أبويا من عيلتك كلها مش منك بس.
ثم أكملت هي الأخرى طريقها للمنزل لكنها سلكت طريقًا مغايرًا حتى لا تسير معه بنفس الطريق.
***
داخل غرفة آسيا كانت تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا من فرط الغيظ وكلماته تتردد بأذنها في عنف.. نظراته المستحقرة وعدم مبالاته تشعل النيران بصدرها أكثر. قد يكون الجميع تغاضى عن حق أبيها لكنها لن تتغاضى ولن تقبل أن تذهب دمائه هدرًا. قد تكون هي أكثر من يتألم بينهم الآن، ومشهد قتل أبيها لا يغادر عقلها.. دمائه التي كانت تحاوطه وهو ملقى على الأرض.. حتى نظرته الأخيرة لها لم تنساها. بعد كل هذا لا يمكنها البقاء مكتوفة الأيدي، ستنال ثأرها حتى تطفئ نيران قلبها!
حسمت قرارها وتوجهت نحو الفراش ثم التقطت هاتفها وأجرت اتصال بذلك الشاب الذي يدعى خالد.. فأجاب عليها بعد رنات قصيرة هاتفًا:
نعم يا ست آسيا.
آسيا بعين حمراء كلها غل وانتقام تمامًا كالساحرات الشريرات:
نفذ بكرة.
أجابها بالموافقة دون أي نقاش:
حاضر.
أنزلت الهاتف وألقت به مجددًا فوق الفراش ثم رفعت أناملها تمسح دموعها المتجمعة بعينيها. تحركت وكانت بطريقها للحمام لكن استوقفها صوت طرق الباب الرقيق فغضنت حاجبيها باستغراب وقالت:
مين؟!
صدح صوت الصغير عمار هاتفًا:
أنا يا عمتي.
ضيقت عيناها بقلق واسرعت للباب بسرعة تفتحه لتقابل ابن أخيها وتسأله باهتمام:
في إيه يا عمار أنت زين يا حبيبي؟
أومأ لها بالإيجاب وقال باسمًا برقة طفولية جميلة:
ينفع أنام جارك يا عمتي.
سكتت بحيرة من سؤاله ثم قالت بشبه بسمة:
وده ليه عاد يا عمار باشا؟!
تمتم ببراءة ورقة يستعطفها حتى لا تغضب منه:
أصل أنا فضلت صاحي بلعب ومنمتش ومعاذ نام من بدري وأنا خايف أنام لوحدي في الأوضة.
أخفت ابتسامتها بصعوبة وتصنعت الجدية قبل أن تجلس القرفصاء أمامه لتلائم قامته الصغيرة:
طب ومرحتش عند أبوك وأمك ليه تنام جارهم؟
قال بعفوية تامة:
عشان أمي هتزعقلي لو عرفت إني صاحي لغاية دلوقتي وأبويا هيقولي الراجل مبتخافش، كيف ما بيقول لمعاذ.
زمت آسيا شفتيها بتفهم ثم قالت مؤيدة كلام أخيها وهي تبتسم بمكر:
طب ما أبوك عنده حق، الراجل مبتخافش صح.
أجابها بذكاء طفولي وثقة:
أيوة بس أنا لسه عيل صغير، لما أكبر وأبقى كيفه وكيف معاذ وقتها مش هخاف.
انفجرت ضاحكة بقوة وقالت من بين ضحكها مقتنعة:
تصدق أقنعتني عندك حق، أنت لسه صغير.. ادخل يلا.
قاد خطواته لداخل الغرفة وهو يبتسم باتساع وسعادة وفورًا قفز فوق فراش عمته لكي ينام لكنها جلست بجواره وهتفت غامزة له بخبث:
بس مفيش حاجة ببلاش يا عمار باشا.. أنا خليتك تنام جاري الليلة دي وبكرا أنت هتعلمني اللعبة اللي بتلعبها أنت وأخوك.
رمقه بطرف عينه وتمتم بعجرفة:
انهو لعبة، أنا بلعب لعب كتير.
تحدثت بنفس طريقته وقالت بذكاء:
لعبة العربيات اللي على البلايستيشن بتاعكم.
ابتسم بطفولية وسألها بحماس وفرحة:
أنتي عجبتك اللعبة دي؟
زمت شفتيها بتردد متصنع ثم هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم بمكر، فصمت هو للحظة ثم قال بثقة وغرور لا يليق بطفل أبدًا:
مش هتعرفي تلعبيها.
آسيا مستنكرة رده بغرور مماثل له:
ليه شايفني ناقصة يد ولا رجل!
عمار بنظرات متعالية:
عشان دي لعبة عربيات والرجالة بس اللي بتركب عربيات وبتعرف تسوقها زين، وأنتي مش هتعرفي تلعبيها.
رفعت حاجبها مبتسمة ثم أجابته بلؤم:
طب ما أنت لسه قايل أنك عيل صغير ومكبرتش وبقيت راجل وأديك بتعرف تلعبها.. كيف عاد؟
هيمن عليه الصمت للحظات طويلة وهو يفكر برد ذكي وكيف يجيب عليها فقال بسرعة في تباه:
لا أنا كنت بكذب عليكي عشان تدخليني، أنا كبرت وبقيت راجل وعشان كده بعرف ألعبها.
انفجرت ضاحكة للمرة الثانية.. ذلك الصغير لم يفشل أبدًا في تعديل مزاجها بكل مرة وإدخال المتعة والسعادة على قلبها، ولم تكن تنتهي من ضحكها حتى وجدته يقول بنفاذ صبر متنازلًا:
خلاص بكرة هعلمك ماشي موافق.
توقفت عن الضحك بصعوبة ومدت يدها لتصافحه هاتفة بمرح:
اتفقنا.
صافحها بقوة محاولًا تقليد طريقة الرجال في السلام القوي لكن ما زالت يده صغيرة وناعمة وكانت هي تتابعه ضاحكة حتى قالت بالأخير في حزم:
ضحكنا وهزرنا كفاية عاد يلا على النوم طوالي الوقت اتأخر قوي.
لم يعترض وفورًا تمدد فوق الفراش لينام وباللحظة التالية كانت آسيا تدخل الفراش بجواره لتنام هي أيضًا بعد يوم طويل وحافل بالأحداث الشاقة.
***
بمساء اليوم التالي كان عمران يسير على قدميه بطريق المنزل بعد عودته من مخزن السمك القريب منهم. كانت الساعة تخطت الثانية عشر بعد منتصف الليل والطرق هادئة ولا يوجد أحد بالشوارع سوى عدد قليل جدًا.
كان يتحدث بالهاتف مع أحدهم وهو بطريقه لكنه توقف فجأة بفزع بسيط حين رأى أحدهم يقف ينتظره على بعد خطوات وملثم الوجه لا يرى شيئ سوى عينيه. أنزل الهاتف من على أذنه وانهى الاتصال ثم حدق بذلك الرجل بقوة وصاح به:
أنت مين.. وواقف كده ليه؟
لم يلبث للحظة ووجده يركض باتجاهه ودون أن يمهله اللحظة حتى ليتفادى الغدر كان السلاح الأبيض الصغير الذي بيده يخترق بطنه بعنف.. تشجنت عضلات وجه عمران من الألم وهو يطالع ذلك الملثم بنظرات مشتعلة وقبل أن يفر هاربًا من أمامه جذب الوشاح الذي يخفي به وجهه ليكتشف أنه الشاب المتسكع (خالد).
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الخامس 5 - بقلم ندى محمود توفيق
لم يكن بوضع يسمح له بملاحقته، فالألم الذي اجتاح بطنه موضع الطعن كان مميت.
وضع يده فوق جرحه في محاولة شبه فاشلة منه لوقف النزيف، لكن قوته بدأت بالأنهيار تدريجيًا ولم يعد قادرًا على الوقوف، فجلس على الأرض متألمًا.
وفورًا أخرج هاتفه يجري اتصالًا ببشار الذي أجابه بعد رنات قصيرة:
_ أيوة ياعمران.
خرج صوته مكتومًا من فرط الألم:
_ تعالالي يابشار على الشارع اللي في ضهر المخزن بسرعة وهات معاك العربية.
نبرة صوته الضعيفة أصابته بالزعر فهتف بقلق:
_ في إيه ياعمران أنت زين؟
أخرج الكلمات بصعوبة وهو يقول بإيجاز:
_ مش قادر أتكلم يابشار اسمع الكلام وتعالى طوالي.
رغم عدم فهمه لما يحدث، لكنه أدرك أن هناك كارثة وهو ليس بخير، فتلك النبرة المتألمة والضعيفة لم يسمعه يتحدث بها أبدًا من قبل.
أنهى الاتصال وخرج بملابس المنزل ركضًا للخارج واستقل بسيارته يشق بها الطرق قاصدًا المخزن وتحديدًا الشارع الخلفي.
حاول عمران البقاء صامدًا لآخر لحظة متحملًا الألم العنيف، لكن الدماء التي فقدها أفقدته توازنه ولم يعد يستطيع فتح عينيه.
وبالنهاية أغلقها باستسلام فاقدًا وعيه.
بتلك اللحظات وصل بشار ونزل من السيارة.
فتصلب بأرضه مذهولًا حين رأى ابن عمه فاقدًا وعيه على الأرض ودمائه تملأ ملابسه.
هرول نحوه مزعورًا وجثى على ركبتيه أمامه يصيح به:
_ عمران أنت سامعني.. عمران!
حين لم يحصل على إجابة منه، حاول أن يوقفه بصعوبة بسبب قوة جسده وبنيته الصلبة.
نجح بالأخير بصعوبة وسحبه معه للسيارة ثم أدخله بالمقعد الخلفي وأسرع يستقل بمقعده المخصص للقيادة وينطلق بها بسرعة جنونية متجهًا لأقرب مستشفى.
ساعات طويلة مرت وهو بالانتظار خارج غرف العمليات.
يجلس فوق إحدى المقاعد الحديدية ويفرك كفيه ببعضهم من فرط القلق والضيق.
ومن الطبيعي أن أول من جال بعقله أنه المتسبب في محاولة قتل ابن عمه هو عائلة صفوان وبالأخص جلال.
سينتظر فقط خروجه سالمًا من غرفة العمليات وبعدها لن يحتفظ بهدوئه أبدًا.
لمح الطبيب يخرج من الغرفة فتوقف واسرع نحوه يسأله باهتمام:
_ خير يادكتور طمني؟
أجابه الطبيب بهدوء ووجه تعلوه علامات الارتياح:
_ الحمدلله اطمن.. الجرح كان عميق وهو خسر دم كتير للأسف بس لحسن الحظ أن كان في أكياس دم احتياطي موجودة بالمستشفى والحمدلله اتخطى مرحلة الخطر وبقى كويس بس برضوا هيفضل تحت المراقبة الأربعة وعشرين ساعة الجايين عشان لو حصل أي مضاعفات نتيجة العملية.
تنهد بشار الصعداء براحة وقال باسمًا:
_ الحمدلله اللهم لك الحمد والشكر، طب امتى أقدر أدخل أشوفه يادكتور؟
تمتم بجدية بسيطة:
_ دلوقتي هننقله على غرفة خاصة زي ما حضرتك طلبت وبعدين تقدر تدخل تشوفه.. بس نراعي أنه لسا خارج من عملية يعني مفيش كلام كتير ولا توتر وعصبية عشان الجرح.
بشار بإيجاز:
_ تمام يادكتور متشكرين قوى.
ابتسم له الطبيب بود ثم تحرك مبتعدًا عنه، بينما بشار عاد إلى مقعده منتظر خروجه ونقله لغرفته الخاصة حتى يذهب له.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا كان بشار يتحرك للغرفة الخاصة بعمران.
وفتح الباب ببطء ثم دخل فوجده ممد فوق الفراش مستيقظًا يبدو أنه فاق للتو.
تقدم نحوه وجذب مقعدًا يجلس بجوار فراشه متمتمًا:
_ حمدلله على السلامة.. أنت زين ياعمران.
هز رأسه بالإيجاب دون أن يتحدث فسأله بشار بحرقة:
_ مين اللي عمل إكده؟
عمران بصوت خافتًا نتيجة لعدم قدرته على الحديث:
_ متشغلش بالك يابشار.. لما اطلع من المستشفى وأشد حيلي هبقى أفوقله زين اللي عمل إكده.
فعلًا هتف:
_ كيف يعني مشغلش بالي ياعمران!!
تمالك أعصابه وتابع بهدوء مزيف:
_ طيب المهم مش وقته الكلام ده دلوك ارتاح أنت لساتك خارج من العملية ولما تشد حيلك نبقى نكمل كلامنا.
لم يبدي أي ردة فعل بل كان جامدًا المشاعر يحدق أمامه في الفراغ بصمت.
وفور خروج بشار لخارج الغرفة حتى يجري اتصالًا، لمعت في عيناه نظرة مميتة كلها وعيد وغضب.
وما هي إلا لحظات معدودة وأغلق عيناه لينام مجددًا بسبب التعب.
على الجانب الآخر بمنزل الصاوي، أجاب بلال على هاتفه بعدما رأى اسم بشار ينير شاشة الهاتف:
_ أيوة يابشار.
أتاه صوت ابن عمه الحازم:
_ ادخل اوضة عمران وچبله شوية خلجات يابلال وتعالى على مسشتفى (....) بس اوعاك تجيب سيرة لحد.
صابه القلق وقال مفزعًا:
_ مستشفى ليه؟.. عمران چراله حاجة يابشار؟
بشار بإيجاز:
_ لم تاچي هقولك هو زين متقلقش، اعمل اللي بقولك عليه بس وتعالى.
لم تمر لحظة قبل أن ينهي الاتصال وصدح صوت إخلاص من خلفه تهتف برعب:
_ ولدي چراله حاجة يا بلال.. عمران بيعمل إيه في المستشفى؟
وضع هاتفه بجيب بنطاله وأجابها برزانة محاولًا تهدأتها:
_ مفيش حاجة اطمني يامرات أبوي هو زين أنا هروح أشوفه وهبلغك.
صاحت بصوت مرتجف من فرط الخوف:
_ رچلي على رچلك.. هروح معاك أشوف ولدي.
تنهد بعدم حيلة ولم يحاول منعها فإذا فعل لن تقبل وجميع من في المنزل سيستيقظ على صوتها.
هتف بلطف:
_ طيب روحي البسي بسرعة ومتخليش حد يحس.
أماءت له عدة مرات بالموافقة واسرعت نحو الدرج تتجه لغرفتها حتى تبدل ملابسها وسط ندبها وبكائها وهي تهمس:
_ چيب العواقب سليمة يارب.. ياحبيبي ياولدي يارب ما يكون چراله حاجة.. يارب احميه واحفظه.
دقائق معدودة بالضبط ووجدها بلال تهرول شبه ركضًا على الدرج وكان هو قد انتهى أيضًا من جمع بعض ملابس أخيه في حقيبة صغيرة.
ثم غادروا معًا المنزل واستقلوا بسيارة أجرة لتنقلهم إلى المستشفى.
كانت إخلاص تسير في ردهات المستشفى شبه ركضًا ويسبقها بخطواته بلال.
فور وصولهم لغرفة عمران كانت لها الأولوية في دخول الغرفة وركضت تجاه ابنها الممدد فوق الفراش الأبيض الصغير هاتفة بزعر وعينان غارقة بالدموع:
_ عمران چرالك إيه يانور عيني.. أنت زين ياولدي؟
التقط يد أمه وقبلها برفق متمتمًا في ابتسامة دافئة:
_ أنا زين ياما الحمدلله متقلقيش.
ثم ألقى نظرة على أخيه الصغير معاتبًا إياه أنه أخبرها، فهز بلال رأسه بعدم حيلة.
بينما هي فارتمت عليه تعانقه بقوة وتقبله بحنو أمومي وسط بكائها القوي ومحاولاته لتهدأتها التي باتت بالفشل تقريبًا.
فصدح صوتها وهي تقول بحزن وحرقة:
_ تنقطع يده اللي مدها عليك ياولدي وآذاك.. ربنا ينتقم منه.
عمران بحنو محتضنًا وجهها بين كفيه:
_ ياما أنا زين وكيف الحصان قصادك أهو.. ليه البكا ده كله.
صاحت من بين بكائها بألم:
_ كيف الحصان كيف وأنت نايم على السرير إكده.. الهي ما يشوف النور ولا يرتاح اللي عمل فيك إكده يا قلب أمك.
ضحك عمران مغلوبًا وجذبها لصدره بدفء يقبِّل رأسها باسمًا ويهتف متوعدًا لأخيه بمزح:
_ عاچبك إكده.. حسابك معايا بعدين يابلال.
اقترب منه بلال ضاحكًا ورتب على كتف أخيه بلطف هامسًا:
_ أنا مليش صالح هي سمعتني وأنا بكلم بشار وصممت تاچي معاي.. المهم حمدلله على سلامتك ياخوي.
ابتسم له عمران بحنان وتمتم:
_ الله يسلمك ياحبيب أخوك.
ابتعدت إخلاص عنه وسألته بغضب واهتمام:
_ مين اللي عمل إكده فيك ياولدي؟
عمران بهدوء تام محاولًا تغيير مجرى الحديث:
_ مش وقته دلوك ياما الحديت ده.. أبوي وعمي عرفوا ولا محدش غيرك عرف.
أجابته بقوة:
_ لا عرفوا وجايين في الطريق.. أبوك اتصل بيا وأنا في الطريق وقولتله.
تنهد عمران الصعداء وهو يبتسم مغلوبًا، فلم يكن يريد أن يعرف الجميع ويلتفوا حوله بالغرفة جميعهم.
ولكن كيف فلا يوجد شيء يخفى على عائلته وبالأخص أمه!
بصباح اليوم التالي داخل الحرم الجامعي تحديدًا أمام كلية الهندسة.
يجلس بلال فوق أحد المقاعد البعيدة عن أشعة الشمس الساخنة ويعبث بهاتفه يتفحص مواقع التواصل الاجتماعي بفتور وكأنه لا يجد وسيلة أخرى يشغل نفسه بها إلى حين بدأ محاضرته عن فن العمارة.
جذب انتباهه صوت أنثوي مرتفع فالتفت برأسه في تلقائية وسقطت عيناه على فتاة توبخ شابًا لمحاولته التعرض لها وإزعاجها.
ظل صامتًا يتابع شجارهم بصمت إلى حين رأى الشاب يتمادى ويحاول جذبها من ذراعها عنوة لكي تستقل بسيارته والفتاة تصرخ به.
استقام واقفًا من مقعده وقاد خطواته السريعة تجاههم ثم جذب يد الشاب بعيدًا عن الفتاة برفق هاتفًا في حدة:
_ إيه ياكابتن هو غصب ولا إيه ما قالتلك لا!
تراجعت الفتاة فورًا للخلف ووقفت خلف بلال تلوذ به من بطش ذلك الشاب المتسكع الذي سحب يده من قبضة بلال بعنف وهتف بغضب:
_ وأنت مالك هي من بقية اهلك.
هدر بلال بنبرة رجولية قوية:
_ أه اختي.. عندك مانع.
ثم ألقى عليه نظرة متفحصة لهيئته التي لا تليق بطالب أبدًا وقال مستحقرًا:
_ أنت في كلية إيه أصلًا هو ده شكل طالب.. مين فهمك أن دي رجولة لما ترفع يدك على بت.
رتب الشاب على كتف بلال وقال بنبرة تحذيرية:
_ ملكش دعوة أنت وابعد احسلك دي خطيبتي.
التفت بلال برأسه للفتاة وكأنه يتأكد من تلك المعلومة فهزت رأسها بالنفي وقالت مسرعة:
_ لا كذاب أنا مش خطيبته هو دايمًا بيضايقني كدا.
عاد بلال برأسه له وابتسم ساخرًا ثم قبض على ذراع الشاب يسحبه معه هاتفًا:
_ طب ما تاجي تقول الكلمتين دول في مكتب العميد إيه رأيك؟
دفع يد بلال عنه وصاح به منزعجًا:
_ يدك لتوحشك.
ضحك بسخرية ولم يعيره اهتمام ولكن الشاب بدا مصممًا في قراره حيث انحنى ومد ذراعه يقبض على رسغ الفتاة ليجذبها إليه وسط صراخها.
وكان رد الفعل التالي هو لكمة عنيفة من بلال جعلته يهتز وتلقائيًا أفلت ذراع الفتاة.
فتشتعل نيران غضبه أكثر وراح يوجه هو أيضًا لكمة له لكن بلال تفاداها وبدأ قتال بينهم تجمع على أثره جميع طلاب الحرم الجامعي.
الشباب حاولوا الفصل بينهم بما فيهم أصدقاء بلال.
وبعدما نجحوا في الفصل بينهم اخذوا الشاب إلى مكتب عميد الكلية وأصدقاء بلال اصطحبوه معهم وجلسوا أسفل إحدى المظلات واعطوا لصديقهم منديلًا حتى يمسح دماء فمه.
قال صديق له بجدية:
_ أنت مالك يا عم هتعمل لنفسك حوار دلوك والعميد هيطلبك، ليه يتتدخل!
رمق صديقه بنارية وهتف منفعلًا:
_ يعني الواد ابــ **** بيضايق البت وبيمد يده عليها واقف أتفرج عليه ولا إيه!!
قال صديق آخر بنبرة رخيمة:
_ خلاص يا شباب حصل خير هو العميد مش هيعمله حاجة أساسًا الواد الو*** هو اللي غلطان وهيتعاقب.
تأفف بلال بنفاذ صبر واستقام واقفًا:
_ أنا رايح الحمام أغسل وشي.
تحرك بخطوات سريعة تجاه مبنى الكلية يقصد الحمام.
وبينما كان بطريقه، كانت على المقابل له تسير فتاة هادئة وجميلة تصغره بسنتين وعيناها عالقة داخل الكتاب الذي بيدها ولم تنتبه له فاصطدمت بكتفه دون قصد.
شهقت بفزع وتوقفت وسط همستها العفوية:
_ أنا آسفة جدًا.
وفور ملاحظتها لهيئته وملابسه الغير مهندمة ودماء فمه قالت بريبة وقلق:
_ أنت كويس؟!
اكتفى بإماءة رأسه بالإيجاب واندفع فورًا نحو الحمام وبقت هي تتابعه باستغراب حتى اختفى عن أنظارها فاكملت هي الأخرى طريقها لقاعة محاضرتها.
بعد دقائق قصيرة خرج من الحمام وكان عائدًا للخارج حيث يجلس أصدقائه بانتظاره.
لكن سقط نظره على مشهد جعله يتسمر بأرضه مندهشًا.
الفتاة التي سرقت علقه وقلبه وكان ينوي التقدم لخطبتها تقف مع شاب تلتقط معه الصور بحميمية وبسعادة تلمع في عيناها.
وبعد دقائق ابتعد ذلك الشاب ورحل مغادرًا الجامعة بأكملها وتجمع حولها أصدقائها يهنئوها بخطبتها وكانت تلميحاتهم توضح أن ذلك الشاب كان خطيبها!
بقى متصلبًا بأرضه لا يستوعب ما رأته عينه للتو والتقطته أذنه.
أحس لوهلة بوغزة مؤلمة في قلبه وأنطفأ لون عينيه فبات كل شيء من حوله كمشهد مأساوي أصابه بمقتل.
لم يفكر بشيء في تلك اللحظة حتى محاضرته التي لم يتبقى عليها سوى عشر دقائق لم يكترث لها واندفع خارج الجامعة بأكملها.
واستقل بسيارة أجرة تنقله إلى أقرب موقع من منزله.
داخل المستشفى تحديدًا بغرفة عمران.
انفتح الباب بقوة وظهرت من خلفه فريال التي ركضت تجاه أخيها بتلهف في عينان غارقة بالدموع وارتمت عليه تعانقه برعب هاتفة:
_ عمران طمني أنت زين.. إيه اللي جرالك؟
ضمه لصدره بحنو ومرر يده بلطف فوق ظهرها هامسًا:
_ أنا بخير الحمدلله يافريال متقلقيش يا قلب أخوكي.
ابتعدت عنه واخفضت نظرها لبطنه موضع جرحه وأخذت العبرات تنهمر من عيناها بغزارة.
كتمت صوت شهقاتها بكف يدها، لكن قلبها يصرخ من الألم على أخيها وخوفها من أن يكون زوجها هو الفاعل!
ضيق عمران عيناه بحيرة من بكائها الشديد فتهجمت ملامح وجهه واعتدل في نومته بصعوبة ثم ضمها إليه مجددًا هاتفًا بجدية:
_ مالك يافريال، أنا زين قصادك أهو.. أنتي في حاجة مضيقاكي ولا إيه؟
أجابته بخوف وصوت موجوع نابع من صميمها:
_ مش جلال اللي عملها صُح؟
تجمدت معالم وجهه والتزم الصمت لثواني قبل أن يهدر بحزم:
_ لسا متوكدناش.. معرِفش إذا كان هو ولا لا.
ابتعدت عنه وقالت بوجه غارق في الدموع تحاول الدفاع عنه وجعل أخيها يصدق برائته:
_ لا جلال ميعملهاش.. هو عارف أنك ملكش صالح بقتل عمي خليل ومستحيل يأذي حد بريء.. لا ياعمران مش جلال اللي عملها.
طالت نظرة عمران المتمعنة لها ثم لاحت ابتسامة خافتة على جانب ثغره وقال لها بعين دافئة كنبرته تمامًا:
_ بتحبيه قوي للدرجة دي يافريال!
هزت رأسها بالإيجاب تقول في تأكيد وعينان عاشقة:
_ قوي ياعمران.. جلال روحي اللي مقدرش أعيش من غيرها.
ملس على وجنتها بأنامله في حنان أخوي وقال مبتسمًا:
_ يارب ميطلعش هو يافريال، بتمنى ياغالية عشانك.
أجفلت نظرها أرضًا وقالت بألم وشعور بالعجز:
_ لو طلع هو مش هقدر أسامحه.
أمال عليها ولثم جبهتها بحنو متمتمًا بوداعة:
_ خلاص عاد قفلي على السيرة دي وامسحي دموعك ووريني ضحكتك الحلوة دي.
ابتسمت بعفوية على جملة أخيها وراحت ترتمي بذراعيه من جديد تنعم بدفء وراحة صدره الواسع، فيضمها هو إليه أكثر مقبلًا رأسها.
كانت آسيا قد انتهت من تبديل ملابسها وتقف أمام المرآة تسرح شعرها الأسود.
حين سمعت صوت الباب ينفتح ولحظة بالضبط وظهرت من خلفه أمها التي تقدمت منها بتريث ووقفت خلفها تتطلع في انعكاس صورتها بالمرآة بقوة.
غضنت آسيا حاجبيها بتعجب وقالت مبتسمة:
_ خير ياما بتبصيلي إكده ليه؟
جليلة بنبرة مريبة وعين ثاقبة:
_ مش عاجبني حالك يابت بطني.
تركت الفرشاة من يدها واستدرات بجسدها كاملًا نحو أمها وحدجتها باستفهام قائلة:
_ إيه اللي مش عاجبك في حالي ياحجة جليلة.. ده أنا حتى تربيتك وبتك.
لوت جليلة فمها بقلة حيلة وقالت بحزم:
_ وهو ده اللي مخوفني إنك تربيتي وعودك طالع كيف عودي بظبط.. راسك ناشفة ومبتسمعيش لكبير وجبارة.. خايفة تغلطي نفس غلطاتي يابتي وقلقانة عليكي لأحسن عِندك ده يوقعك في مصايب.
اقتربت أكثر من أمها واحتضنت كفها هامسة بحنو:
_ متخافيش ياما أنا مش عيلة صغيرة ولا عبيطة عشان أوقع نفسي في مصايب، أنا عارفة أنا بعمل إيه زين اطمني عليا، لو كنتي أنتي جبروت قراط فأنا قراطين ومهسمحش لصنف مخلوق أنه ياجي عليا ويكسرني.
تنفست جليلة الصعداء بعدم حيلة، فمهما حاولت الشرح لها لن تفهم.
ستظل محتفظة بعنادها ولن تتنازل عنه، وهي كانت مثلها لكنهم لم يسمحوا لها حين أدركوا أنها قد تخرج عن طوعهم وعن طبيعة الأنثى التي صنعوها بمجتمع ذكوري يستخدم جميع التصريحات التي منحت له كونه رجل وهي امرأة!
قست نظرة جليلة وهي تسأل ابنتها بحدة:
_ اليومين دول رجلك خدت على الخروج.. بتطلعي تروحي وين يا آسيا؟
صمتت للحظة ثم قالت مخترعة حجة وكذبة محترفة:
_ ما أنتي عارفة ياما بطلع أجيب طلبات البيت أحيانًا.. يعني هكون بروح وين!
أجابها جليلة بعدم اقتناع ونبرة منذرة:
_ امممم يعني مفيش حاجة إكده ولا إكده مدرياها عليا؟
آسيا بنفي تام وثبات تام غريب:
_ لا مفيش طبعًا هداري عنك إيه يعني!
اكتفت جليلة بنظرتها الصارمة لابنتها ثم استدارت وغادرت غرفتها تتركها تقف تفكر بسؤال أمها وشكها بها.
هي حتى لا تفهم كيف انتابها الشعور أنها تخفي شيء عنهم!
بتمام الساعة التاسعة مساءًا داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة جلال.
كانت عيني فريال ثابتة عليه تتأمله بنظرات مريبة، كأنها تحاول اختراق عقله وقراءة قسمات وجهه لمعرفة ما أن كان هو من حاول قتل أخيها أم لا.
رغم أنها متيقنة أنه لا يفعلها، لكن وساوس الشيطان لا ترحل عنها وتظل تلح عليها أن تتأكد حتى لو اضطرت إلى سؤاله بشكل مباشر.
وكان هو هادئًا يراجع بعض أوراق الحسابات الخاصة بالوكالة لكنه حين لمح شرودها ووضعها المريب سألها بقلق واهتمام حقيقي:
_ عمران زين يافريال؟
قد يكون هذا هو السؤال الأول الذي يوجهه لها بكل طبيعي منذ شجارهم الأخير وفتور علاقتهم لأيام.
فردت عليه بجمود:
_ أيوة بخير الحمدلله.
لم يعقب ولم يسأل مرة أخرى والتزم الصمت.
أما هي فعادت في شرودها وتفكير السوء الذي يستحوذ على عقلها حتى تمكن منها الشيطان وإذا بها تجد نفسها تسأله بكل صراحة وضيق:
_ جلال أنت ملكش يد في اللي حُصل لعمران ده صُح؟
رفع نظره لها متعجبًا بل مندهشًا من سؤالها وقال بنبرة غاضبة:
_ ولو قولتلك ليا هتعملي إيه يافريال؟
قست ملامحها رغم ارتباكها من نظراتها إلا أنها قالت بجفاء:
_ أنا سبق وقولتلك لو أذيت أخويا مش هسامحك.
هب واقفًا وتحرك نحوها بخطوات مريبة وسط نظراته المخزية حتى وقف أمام الفراش، أمامها مباشرة ومال عليها يهمس بنبرة أصابت أعمق يسارها:
_ أبوكي اللي قتل أبويا وأخوكي اللي بيتستر على أبوه بقوا هما الملايكة وجلال الشيطان صُح يابت الصاوي، بقيت احس إن ممكن في يوم الاقيكي اختارتي ناسك وسبتيني أنا يافريال.
امتلأت عيناها بالدموع وأخذت تتأمله بحرقة قبل أن تجيبه بصوت مبحوح:
_ كيف ما أنا مقدرش اخسرك، كمان مقدرش اخسر حد من أهلي ياجلال، بزيادة دم وعداوة.. الدم مبيخلصش غير لما يخلص على الكل.
اكتفى بنظرته القاتلة دون أن يتفوه ببنت شفة ثم انتصب في وقفته واستدار يغادر الغرفة ويتركها بمفردها وسط حزنها وتخبطها!
مرت ساعات طويلة ولم يعد فغلبها النوم وغرقت بأحلامهما التي قد تكون مزعجة بعض الشيء.
عاد للغرفة في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل وحين دخل ووجدها نائمة تنهد مطولًا بخنق.
ثم أغلق الباب ببطء وتحرك بتريث نحو فراشهم وجلس بجوارها ينحنى عليها يقبَّل شعرها ووجنتها بحب.
قلبه يسحق تحت الأسى والحزن بسبب البعد وفتور علاقتهم، حتى شكها به وشعوره بأنها تفضل عائلتها عليه يمزق قلبه!
لو تعلم أنه التزم الصمت ولم يفعل شيء ليثأر لدماء أبيه من أبيها الذي قتله بدم بارد فقط من أجل أطفالهم ومن أجلها، لكي لا يرى حسرتها وقهرها على والدها حتى لو كان رجل ظالم، أو نظرتها المعاتبة وهي تحمله الذنب في قتله.
تنازل ومازال يقدم تضحيات وتنازلات فقط من أجلها، وبنهاية الحكاية تتهمه بمحاولة قتل أخيها وعدم مسامحتها له أن حاول مجرد المحاولة.
ليتها تعلم مقدار عشقه وارتباط روحه بها.
وصل عمران المنزل ودخل بخطوات بطيئة باستعانة بشار الذي كان يسنده ومن خلفه كان كل من إخلاص وإبراهيم.
رغم الألم البسيط الذي ما زال يصيبه بين الحين والآخر إلا أنه أصرّ على الخروج من المستشفى والعودة لمنزله حتى يستطيع الاستمتاع بقدر أكبر من الراحة بين طيات فراشه وبقوقعته الخاصة داخل غرفته.
في حين أن الجميع كان ضد قراره ورغبته إلا أنه أيضًا نفذها ولم يكترث بأحد.
هتفت إخلاص من خلفه بضيق:
_ كان فيها إيه ياولدي لو فضلت في المسشتفى لغاية ما تشد حيلك وتقدر تقف على رجلك زين.
هدر إبراهيم بعدم حيلة:
_ يعني أنتي مش عارفة ولدك وراسه الناشفة وعناده.
هتفت عمران بنفاذ صبر وبانزعاج بسيط:
_ بزيادة عادة قولتلكم أنا في بيتي وسريري هكون مرتاح أكتر.
تحدث بشار بنبرة رزينة مبتسمًا:
_ خلاص ياعمي سيبوه على راحته.
زفرت إخلاص يخنق وقالت في دفء:
_ أنا هروح أحضرلك الوكل عشان تاخد علاجك.
صعد الدرج يقصد غرفته بالطابق الثاني من المنزل وكان يساعده بشار.
بينما إبراهيم فتوجه لغرفة الصالون الخاصة به وذهبت إخلاص للمطبخ حتى تقوم بتحضير الطعام لابنها.
وجدت عفاف بالمطبخ تجلس فوق المقعد الخشبي حول الطاولة الصغيرة وتحتسي كوب شاي دافيء.
تجاهلت وجودها تمامًا وبدأت تتحرك بأرجاء المطبخ تحضر الطعام حتى سمعت صوتها تقول بنبرة تحمل بعض الشماتة:
_ حمدلله على سلامة عمران.
التفتت لها إخلاص ولمست نبرة التشفي في صوتها فاستشاطت غيظًا وقالت بخبث:
_ الحمدلله ربنا حفظه لشبابه وليا ولأخته.. ربنا يبعد عنه كل حاقد وشيطان مؤذي عاوز يأذي ولدي ومستنيه يقع.
ابتسمت عفاف بلؤم وقالت بنظرة شيطانية:
_ وميحفظهوش لأبوه ليه، ولا أكمنك عارفة أن أبوه خلاص بقى ليا ومعدش ليكي أنتي وعيالك مكان وحتى لو ليكم فقريب مش هيبقى.
التهبت عين إخلاص التي اندفعت نحوها كالوحش الثائر وهتفت بتحذير وغضب هادر:
_ مين أنتي عشان تقولي عيالي ليهم إيه وملهمش إيه، أنا ممكن أوديكي ورا الشمس يا عفاف اوعاكي تنسي روحك وتنسي مين إخلاص، ولو إخلاص مش موجودة فولدي راجل وزين الرجال كمان بصباع واحد منه يمشي البيت ده كله على العجين ميلخبطهوش وأولهم أنتي.
ضحكت عفاف وقالت بغل وسخرية:
_ ولدك اللي كانوا هيقتلوه امبارح، ويا عالم هيعملوها تاني ولا لا.. ولو مات وقتها مهيبقاش ليكي حد واصل ولا ضهر ولا سند تتحامي فيه.
أنهت عباراتها واستقامت واقفة ثم غادرت المطبخ تاركة إخلاص متسمرة بأرضها ودموعها تجمعت بعينيها خوفًا ورعبًا على ابنها الوحيد.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا فتحت باب غرفته ودخلت حاملة فوق ذراعيها صينية معدنية حديدية متوسطة الحجم وفوقها صحون الطعام.
اعتدل عمران في نومتها فور رؤيته لدخول أمه بالطعام، وتابعها وهي تضع الصينية أمامه على الفراش بوجه عابس وحزين فغضن حاجبيه وسألها بجدية:
_ مالك يا ما؟
وكأنها كانت في انتظار سؤاله حتى تنفجر باكية مما جعله يصاب بالفزع والقلق ليسألها:
_ في إيه يا ما؟
جففت دموعها بظهر كفها وأجابته بصوت مبحوح:
_ مفيش حاجة يا ولدي زعلانة عليك بس وقلقانة كمان.
تنفس الصعداء براحة بعد جملتها ثم ربت بيده في رفق على الفراش بجانبه هامسًا ببسمة حانية:
_ تعالي يا ما اقعدي.
جلست بجواره فوجدته يحتضن كفها بين كفه العريض والضخم ويرفعه لفمه يلثم ظاهره ثم انحنى عليها وقبَّل رأسها وجبينها متمتمًا بنبرة انسدلت كالحرير ناعمًا:
_ دموعك غالية قوي عندي والله يا ما، متقلقيش عليا أنتي مخلفة راجل أنا زين ومحدش يقدر ياخدني منك غير ربنا، واللي عمل إكده معايا أنا عارف هربيه زين كيف بطريقتي.
عانقت ابنها بحنو أمومي هاتفة بحب نقي وصادق:
_ ربنا يخليك ليا يا نور عيني ومايحرمني منك يا ولدي.
_ ويخليكي لينا ويباركلنا في صحتك ياست الكل.
كانت تلك عبارته وهو يقبل ظاهر كفها مرة أخرى بابتسامة ساحرية.
بتمام الساعة الثالثة عصرًا باليوم التالي، داخل مخزن السمك الخاص بعائلة إبراهيم الصاوي.
يجلس عمران على مقعد مبطن مريح وعلى مقعد آخر مجاور له كان بشار الذي قال باعتراض بسيط:
_ كان لازمة إيه الاستعبال بابن عمي بس ما كنا صبرنا لحد ما تتحسن اكتر وترجع كيف الأسد.
رمقه عمران مبتسمًا بثقة وقال في نظرة مخيفة كلها جبروت وقسوة:
_ ليه هو أنا دلوك مش أسد ولا إيه!!.. اصبر واتفرج هعمل إيه.
لم تمر دقائق طويلة بعد عبارة عمران الأخيرة حتى انفتح الباب ودخل رجل ببنية ضخمة ويسحب بيده ذلك المتسكع خالد!
هتف عمران بنظرة شيطانية وصوت يدب الرعب في الأبدان:
_ إيه كنت فاكر نفسك هتعرف تهرب مني يا****.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السادس 6 - بقلم ندى محمود توفيق
توقف عمران وتحرك بخطوات ثابتة تجاهه، وكان بشار يتابعهم بصمت دون أن يتحرك من مقعده. بينما خالد كان يرتجف رعبًا من الداخل، لكنه يتصنع الثبات ويقف بشجاعة مزيفة.
وقف عمران أمامه مباشرة وطالعه بتمعن لملامح وجهه. وحين اخترقت نظراته داخل عينيه، رأى الخوف السابح بهما رغم محاولاته لإخفائه. فضحك بسخرية وتمتم بصوت رجولي غليظ:
_ تعجبني شجاعتك وأنت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه بعد ما حاولت تقتلني.
هدر خالد بقوة متصنعة وصوت مهزوز يفضح زيفه ويظهر رعبه الحقيقي:
_ أنا مليش صالح يامعلم عمران، أنا نفذت اللي اتطلب مني.
ما زال عمران يحتفظ ببرود أعصاب غريب، حيث هتف باستهزاء ونظرة مخيفة:
_ لا أنت منفذتش اللي اتطلب منك زين، والدليل إني واقف قصادك أهو مش ميت.
ازدرد خالد ريقه باضطراب وسأل بترقب:
_ طب وأنت هتعمل فيا إيه دلوك يامعلم عمران؟
ابتسم بنظرات شيطانية وقال بنبرة قاسية لا تحمل الشفقة:
_ فكر إكده وقولي تتوقع اللي يعمل كيف اللي عملته ده هيكون عقابه إيه عندي.
استقرت نظراته على عمران حاملة كل أشكال الرعب وابتلع ريقه بصعوبة. لكن سرعان ما تبدلت ملامحه من الخوف للحيرة حين رأى الابتسامة المريبة تشق طريقها لثغر عمران وبعينيه نظرة غامضة حاول فهمها لكنه فشل، فسمعه يكمل بلهجة تحذيرية لا تحمل المزح:
_ بس لو قولتلي مين اللي وزك ساعتها الكلام هيختلف.
طالت نظرات خالد المترددة له. هو بين شقين، إما أن يفصح له بالفاعل الحقيقي أو ينال عقابه العسير منه. لعن نفسه بتلك اللحظة ألف مرة أنه توغل بين عائلتين لا تعرف الرحمة والشفقة طريقًا لقلوبهم. وبكلتا الحالتين لن يسلم منهم سواء أخبره أو لا.
أظلمت نظرات عمران وأصبح صوته مرعبًا حين صاح به:
_ هتقعد تفكر كتير إكده ولا إيه؟ انطق وقول مين اللي وزك.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن ينقل نظره بين بشار المترقب بنظراته لسماع اسم الشخص الذي حاول قتل ابن عمه، وبين عمران الذي كان يرمقه بنظرة تدب الرعب في القلوب. ولم يكن فضوليًا كحال ابن عمه مطلقًا، بل بدا كأنه يعرف الفاعل ولكنه ينتظر إجابة التأكيد. لكن خالد متيقن أن الاسم الذي سيسمعونه سيصيبهم بالذهول وسيفوق توقعاتهم بالكامل.
خرج صوت خالد بنظرات مترقبة لردة فعلهم:
_ آسيا.
ارتخت عضلات وجه عمران وظهر الذهول عليها. بينما بشار فهب واقفًا وقال بعدم استيعاب:
_ آسيا مين؟!
دار بنظره بين وجوههم المصدومة وقال:
_ بت خليل صفوان.
نظر بشار بذهول لعمران الذي كان ساكنًا تمامًا لا يبدي أي ردة فعل. ثم اندفع نحو خالد وجذبه من تلابيب قميصه يصيح به:
_ تعرف لو طلع حديدك ده كدب هتبقى جنيت على روحك.
دفع خالد يد بشار عن ملابسه وقال بخنق في صدق:
_ أنا بقول الحقيقة. الست آسيا هي اللي طلبت مني اقتل المعلم عمران وكمان هي اللي ورا حوار السمك اللي حصل في المخزن إهنه.
تبادل بشار نظراته المندهشة بينهم ليلاحظ الهدوء المزيف الذي يعتلي وجه عمران على الرغم من الإعصار المدمرة بداخله. ذلك الجمود مريب ولا يدل على الخير أبدًا.
اندفع عمران نحو باب المخزن فلحق به بشار وأمسك بذراعه يوقفه هاتفًا بحدة:
_ رايح وين؟ اهدى ومتعملش حاجة تندم عليها. دي برضك واحدة ست.
سحب عمران ذراعه بقوة بسيطة وقال بوجه محتقن بالدماء:
_ رايح أخلص حاجة مهمة وبعد كده هبقى أشوف أعمل إيه. اطمن دي زي ما قولت حرمة برضك بس أنا عارف هتصرف معاها كيف.
تنهد بشار وقال بجدية مشيرًا بعينيه على خالد:
_ وده هنعمله معاه إيه؟
عمران بعين نارية:
_ ريبه زين الأول وبعد كده سيبه يغور.
ألقى عباراته واندفع للخارج يترك بشار يتابعه بنظراته في قلق وضيق. ما زال عقله لا يستوعب أن تلك الفتاة فعلت كل هذا.
***
كان جلال يقود خطواته تجاه غرفته بعد عودته من عمله، لكنه توقف حين مر من أمام غرفة أولاده فقرر أن يلقي نظرة ويطمئن عليهم. غير وجهته نحو غرفة طفليه وحين فتح الباب وجد ابنه الصغير عمار يجلس على الأرض وبيده جهاز التحكم الخاص بألعاب البلايستيشن. يلعب أحد ألعاب كرة القدم باستمتاع وبشغف. تابعه من الخلف وهو يبتسم حتى قال باسمًا:
_ أخوك وين ياعمار؟
التفت الصغير تجاه أبيه وهز كتفيه بجهل هاتفًا:
_ معرفش. هو نزل تحت باين له قاعد مع جدي حمزة.
تنهد جلال وقال بحزم بسيط:
_ خلص الدور ده وبزيداك قوم ذاكر وخلص الواجب اللي وراك.
استقام واقفًا وهرول نحو أبيه يقول بحماس طفولي:
_ خلصته. حليته أنا وأمي الصبح بدري.
ملس على شعر ابنه بحنو وانحنى عليه يلثم رأسه هامسًا بغمزة جميلة:
_ جدع. خليك إكده علطول. ذاكر زين عشان كل ما تجيب درجات عالية في الامتحانات هجيبلك كل اللي تعوزه.
لمعت عين الصغير بسعادة وحماس ليهتف:
_ صح يابوي؟
ابتسم جلال وعاد يقبل شعر ابنه مجددًا هاتفًا بتأكيد:
_ صح الصح ياحبيب أبوك. هو أنا عندي إيه أغلى منك أنت وأخوك.
عانق الصغير والده هاتفا بحب وفرحة:
_ ربنا يخليك لينا يابوي.
قبل أن يجيب على ابنه، صك سمعه صوت صرخة منبعثة من غرفته المجاورة لغرفة أطفاله. فاندفع بسرعة مفزوعًا وعمار يلحق به بفضول طفولي وخوف بعدما أدرك أن الصرخة كانت لأمه.
فتح جلال الباب فوجد فريال جالسة على الأرض ممسكة بقدمها وتتألم بقوة وبجوارها المقعد الخشبي ساقط على الأرض. ففهم أنها سقطت من فوقه. أسرع نحوها وانحنى عليها هاتفًا بقلق:
_ إيه اللي حصل؟
قالت متألمة بعنف:
_ كنت برتب الدولاب ووقعت يا جلال. آااااه.
أصدرت ذلك التأوه وهي ممسكة بقدمها. فمد هو يده وحاول مسك قدمها رغم رفضها وخوفها من أن يزداد الألم. لكنه هدأ من روعها بأنه لن يؤلمها. وحين تفحصها بنظره، التفت نحو ابنه وقال بجدية:
_ انزل لستك ياعمار وقولها أبوي بيقولك هاتي المرهم بتاع الالتواءات.
أومأ الصغير رأسه بالموافقة وهرول للخارج يقصد جدته كما قال أبيه ليخبرها بما يحتاجه لقدم أمه.
انتصب جلال واقفًا وانحنى بجذعه للأمام ثم حمل زوجته بين ذراعيه واتجه بها نحو الفراش يضعها برفق فوقه وسط تألمها. وحين نظر لعينيها رأى العبرات متجمعة بهما. فملس على وجنتها بحنو هامسًا:
_ لما يجيب المرهم وأحطلك منه الوجع هيخف شوية.
ابتسمت له بدفء وتمعنته مطولًا. رغم جدالاتهم المستمرة وعلاقتهم المتوترة، إلا أنه لا يقصر في إظهار حبه وحنانه عليها. فبقت تطالعه بغرام حتى وصل ابنها بالمرهم وأخذه أبيه منه وبدأ بوضعه بلطف شديد فوق طبقة جلد قدمها. والتف الصغير من الجهة الأخرى للفراش ليجلس بجانب أمه ويملس على شعرها بحنان مثل أبيه. فضحكت وابتسمت له ثم ضمته لصدرها تلثم شعره ووجنتيه بحنو أمومي.
انتهى جلال واغلق أنبوبة المرهم ووضعها بالعلبة الخاصة بها ثم مدها لابنه هاتفًا:
_ رجعها لستك خد ياعمار.
التقطها الصغير من يد أبيه وذهب لجدته مجددًا حتى يعيد لها المرهم. بينما فريال فنظرت لجلال الذي كان سيهم بالنهوض حتى يذهب ويغسل يديه، وقبضت على ذراعه توقفه بنظرة ساحرة من عينيها. ثم اعتدلت بجلستها برفق واقتربت منه لتطبع بشفتيها الناعمة قبلة كشفتيها تمامًا فوق وجنته هامسة برقة أنثوية:
_ ربنا يخليك ليا ياحبيبي.
انهارت حصونه وارتفعت بسمته لشفتيه. ليرمقها بعشق وشوق ثم يدنو منها لاثمًا جانب ثغرها هامسًا ببحة رجولية تذهب العقل:
_ ويخليكي ليا ويهديكي يافريالي.
هتفت بدلال مبتسمة:
_ إيه يهديني دي؟ شايفاني مجنونة قصادك ولا إيه!
ضحك وأجابها:
_ هي الهداية للمجانين بس يعني! ربنا يهدينا جميعًا مش أنتي وحدك.
قهقهت بأنثوية طاغية وارتمت عليه تعانقه وتلثم صدغه برقة في سعادة غامرة أن علاقتهم تحسنت من جديد. رغم أنها ما زالت خائفة أن تكون شكوكها بمحلها، لكنها قررت ترك كل شيء خلف ظهرها وتصديقه هو حتى لا تدمر زواجهم وعشقهم. وهو لا يختلف عنها كثيرًا، رغم ضيقه وغضبه منها، إلا أنه لا يستطيع الصمود أمامها والابتعاد عنها.
***
بتمام الساعة السابعة مساءً خرجت آسيا من المنزل تقود خطواتها تجاه الصيدلية ولم تنتبه للخطوات التي كانت تلحق بها وتتعقبها بذكاء. لكنها لسبب ما لا تعرفه شعرت بشيء غريب فتوقفت والتفتت برأسها للخلف تتفحص المارة من حولها. وحين لم تجد شيئًا مثيرًا للاهتمام أو القلق أكملت طريقها.
خرجت خلود من خلف أحد الجدران التي اختبأت خلفها وهي تزفر براحة. للحظة كانت ستمسك بها وجميع مخططاتها تذهب هباءًا، لكنها لحسن الحظ أنقذت الأمر بذكاء ولم تفسده. أكملت طريقها خلفها بحرص أكثر فقد كانت تظن أنها ذاهبة لمقابلة ذلك الشاب مجددًا ولذلك خرجت لتعقبها ولا تعرف أنها فقط في طريقها للصيدلية!
انتهت من شراء ما تريده من الصيدلية واستدارت تقود خطواتها للخارج وعيناها عالقة داخل حقيبة يدها تبحث عن هاتفها. وبينما هي منشغلة بالبحث في حقيبتها، رفعت رأسها بعفوية تنظر للطريق فور خروجها من الصيدلية، فإذا بها تجد عمران أمامها بقامته العريضة والقوية. انتفضت بهلع وارتدت للخلف هاتفة:
_ بسم الله الرحمن الرحيم.
كانت نظراته لها مرعبة تمامًا كجسد بلا روح عاد لينتقم. وخرج فحيح صوته يحمل السخرية:
_ متخافيش. ده مش عفريتي. لسه عايش وممتش.
رغم اضطرابها البسيط من نظراته، إلا أنها لم تكتراث وأجابت باسمة بثقة وغل:
_ عارفة إنك لسه عايش. بس كلنا مسيرنا يجيلنا يوم ونموت صح ولا إيه!!
ضغط عمران على قبضة يده بقوة محاولًا تمالك أعصابه ثم هتف بنبرة منذرة ولهجة آمرة لا تقبل النقاش:
_ تعالي ورايا.
ضحكت بسخرية ورمقته بقرف قبل أن تهم بالرحيل وكأنها لم تسمع شيئًا. لكن صوته الذي لا يحمل المزاح أوقفها:
_ تعالي ورايا بالذوق يابت خليل. ده لمصلحتك لو مش عاوزة يكون موتك إنتي اللي قريب.
أنهى عبارته واستدار يسير مبتعدًا عنها. ظلت هي واقفة مكانها تتابعه بنظرها في غيظ شديد. وبالأخير اضطرت لإتباع طلبه أو بالأدق أوامره. وقبل أن تسير خلفه تتبعه، تلفتت حولها تتأكد من عدم وجود أحد يتابعهم بنظراته.
على الجانب الآخر، شهقت خلود بذهول وهي تقول بعدم تصديق:
_ وه ده عمران! بتعملي إيه معاه يابت جليلة؟ وقعتي ومحدش سمى عليكي.
ثم أسرعت تلاحقهم بحذر دون أن يلاحظها أحد. ترى عمران يسير بخطوات واسعة وآسيا تسير خلفه بكل عنجهية وثبات. وهي تلاحقهم بابتسامة شيطانية تلوح فوق ثغرها وعيناها تلمع بالحقد والترقب.
***
توقف عمران بأحد الشوارع الجانبية الخالية من المارة حتى يتمكن من الحديث معها على راحة دون أن يراهم أحد. بينما هي فكانت تسير خلفه ببرود استفزه أكثر. ولولا أنها فتاة لكان مكانها الآن بجانب ذلك المتسكع خالد وتولى هو بنفسه مهمة تلقينها الدرس الذي تستحقه. وقفت أمامه بجبروت يليق بها ثم قالت بهدوء تام يحمل الاستهزاء:
_ حمدلله على السلامة. المرة الجاية ابقى خد بالك زين. محدش عارف الضربة ممكن تجيلك من وين.
لم يجيبها واكتفى بنظراته القاتلة. كان وجهه كجمرة نيران ملتهبة ويتمالك زمام انفعالاته بصعوبة أمام تلك الساحرة التي ابتسمت وتابعت بكل جرأة:
_ كنت عارفة إنه مش هياخد في يدك غلوة ويقر ويقولك إني أنا اللي عملت إكده. هو حتى معرفش يعمل اللي طلبته منه زين وأديك واقف قصادي مفكش حاجة.
تقدم منها بخطوة وهتف بعين نارية تحمل الوعيد لها:
_ تعرفي لولا إنك حرمة كان زماني دلوقتي حابسك معاه في المخزن. وطبعًا مش محتاج أقولك هو بيحصل فيه إيه دلوقتي. وأنتي كان هيكون لكِ استثناء عشان أنا بنفسي اللي هربيكي من أول وجديد. لأنك كيف ما قولت ناقصة تربية وعاوزة تتربي من أول وجديد.
استشاطت غيظًا ورفعت سبابتها بوجهه تصيح به منفعلة:
_ اتكلم زين وباحترام معايا. اوعاك تفتكر أني هسكتلك وهخاف منك.
أظهر عن أنيابه الشرسة وبحركة مباغتة منه قبض على يدها التي ترفعها بوجهه وانزلها بعنف لدرجة أنها تألمت بشدة وقال بعين حمراء مخيفة:
_ من إهنه ورايح هتخافي مني. أنا هعتبر اللي عملتيه غباء وبسبب حريقتك على أبوكي ومش هجيب سيرة لحد وعندي استعداد أنساه كمان. بس أقسم برب العزة لو فكرتي تلعبي بالنار معايا تاني يا آسيا هحرقك بيها ومن غير ما يرف لي جفن. لو أنا عامل حساب أنك حرمة دلوقتي وهادي بعد كده مش هعمل حساب لحاجة. وانصحك متختبرنيش عشان هتندمي قوي. وهقولهالك للمرة الأخيرة خليكي برا مشاكل الرجالة واحذري.
توترت قليلًا منه ونظراتها التي كانت كلها شراسة وقوة لانت قليلًا بعدما شعرت بصدق تهديداته لها بالعقاب العسير أن حاولت العبث معه مجددًا. ولكن هيهات أن تستسلم وتظهر ضعفها أمامه حيث هتفت بوعيد امتزج بحرقة قلبها:
_ حق أبويا مش هنسيبه وأنت وأبوك مش هتفلتوا من العقاب. كيف ما حرقتوا قلبنا على أبونا وصفيتوا دمه في نص الشارع وقصاد الخلق كلها وقصاد عينينا هيتحرق قلبكم كمان. وخليك فاكر كلامي ده زين ياعمران. هياجي يوم وتشربوا من نفس الكاس.
عمران بصوت رزين لكنه ما زال محتفظًا بصرامته:
_ أنا فاهم وجعك على أبوكي وعشان كده هعدي اللي عملتيه معايا وهعتبر نفسي نسيته. بس انصحك متخلناش نقف الوقفة دي تاني قصاد بعض يا آسيا عشان صدقيني المرة الجاية مش هتعجبك واصل.
أنهى عبارته واندفع بعيدًا عنها يتركها متسمرة بأرضها تحاول الوقوف صامدة لكن دموعها خانتها وانهمرت فوق وجنتيها بحرقة وألم. لوهلة انتابها شعور بالندم على فعلتها البشعة ومحاولتها لقتله.
رغم قوة شخصيتها وجبروتها، إلا أنها كانت تشفق على الحيوانات وترأف بهم. لكنهم جعلوها تشبههم ودفعوها لآخر شيء كانت تتوقع أنها ستفعله وهي أذية إنسان. فقط من حزنها وألمها على أبيها فعلتها!
***
وصلت خلود للمنزل قبل آسيا وأسرعت للطابق الثاني حيث غرفة أمها وابتسامة وجهها تشق طريقها حتى أذنها. اقتحمت الباب ودخلت فوجدت أمها تقوم بتسريح شعرها. وحين رأتها رمقتها بتعجب وقالت:
_ في إيه يابت مالك؟
هرولت وجلست بجوار أمها تقول بحماس:
_ مش هتصدقي ياما اللي شوفته دلوقتي!
هتفت إنصاف بحيرة وفضول حقيقي:
_ شفتي إيه؟ اخلصي قولي علطول.
خلود بنظرات شيطانية:
_ آسيا كانت برا البيت ومع عمران. طلعت تقابله.
اتسعت عينا انصاف بصدمة وصاحت:
_ إيــــه.. احكيلي يابت كل حاجة. إيه اللي حصل؟
راحت تسرد لأمها كل شيء رأته وكيف كانوا يتحدثون بحميمية وهم مقتربين من بعضهم أثناء حديثهم الذي حاولت سماعه لكنها لم تتمكن. وكيف أن عمران تركها بالأخير ورحل قبلها ثم هي بعده حتى لا يثيروا الشبهة حولهم إذا رآهم أحد!
هتفت أنصاف بعدم استيعاب:
_ يا مري. بت جليلة دي طلعت فاجرة صح الصح عاد. طالعة تقابل الراجل في عز الليالي وفي الشوارع العتمة!!
ضحكت خلود ساخرة وقالت:
_ عاملة قصادنا الشريفة العفيفة. ومفلحاش غير في "مش هسيب حق أبويا" وهي اتاريها دايرة على حل شعرها مع ولد اللي قتل أبوها وماشية معاه. يا عالم حصل إيه أكتر من كده بينهم.
ابتسمت أمها باستهزاء وتشفي. بينما خلود فبادلت أمها الابتسامة وقالت متوعدة:
_ أما أخدت حقي منها هي وأمها الحرباية دي مبقاش بت منصور صفوان. اصبري ياما واتفرجي على اللي هعمله.
إنصاف بقلق بسيط:
_ هتعملي إيه ياموكوسة؟ ملكيش صالح أحسن تيجي المشاكل لنفسك.
لمعت عينا خلود بنظرة كلها حقد وتشفي:
_ المشاكل مش هتطول غير بت جليلة بعد كده في البيت ده.
***
كانت عيناه عالقة على الفراغ أمامه من النافذة وهو جالس فوق الأريكة الخشبية المتوسطة أسفل النافذة. ذلك المشهد الذي رآه بصباح الأمس ما زال عالقًا بذهنه. مهما حاول نزعه وطرده يفشل. للوهلة الأولى بحياته ينجذب لفتاة ويهواها. حتى أنه اتخذ قرارًا حاسمًا حول التقدم لخطبتها ولم يعرقله سوى ظروف سنه ودراسته. ربما لهذا السبب يتخبط الآن في زوايا الغرفة من حزنه. تعلق بها وأرادها له لكن القدر لم يكتبها من نصيبه. ليته علم بخطبتها بطريقة أخرى ولم يراها معه بعينيه!
صعد عمران الدرج للطابق الثالث قاصدًا غرفة الصالون المفضلة لديه. حتى ينزع عن عقله ضغوطه ويرتاح قليلًا بعد يوم حافل بالأحداث المثيرة للأعصاب وانتهائه أخيرًا بلقائه معها. يقسم أنه كظم جموحه عنها بصعوبة. ولو ترك العنان لروحه المتوحشة لكانت الآن ضمن الأموات. هو حتى لا يعرف كيف لم يطلق سراح عاصفته المدمرة وانتهى ذلك الحوار العقيم بكل سلام هكذا. تلك الفتاة إما معتوهة أو ساذجة وتعبث بلحظات عمرها دون وعي ظنًا منها أنها قوية ومتجبرة. تهدده ولا تدري عن قهر الرجال شيئًا.
فتح الباب ودخل فإذا به يفاجئ بأخيه الصغير ساكنًا كالروح فوق الأريكة يتطلع من النافذة بشرود. غضن حاجبيه باستغراب وتقدم نحوه هامسًا:
_ بلال!!
التفت له وطالعه بنظرة غامضة سابحة في الأسى والعجز. فجلس عمران بجواره ورمقه بحيرة متابعًا:
_ إيه اللي جرى؟
تنفس العصداء مطولًا ثم أجاب على أخيه بيأس:
_ اتخطبت.
حلقت الأسئلة في عدم فهم داخل عقله ليسأله:
_ هي مين دي؟
خرج صوت بلال خافتًا وبعين منطفئة أوضح لأخيه مقصده:
_ اللي حكيتلك عنها وقولتلك أني بحبها وعاوز أخطبها.
سكون تام استحوذ على الأجواء وسط نظرات عمران الثابتة له. يتابع بعينيه تخبط روحه المخذولة والبائسة كطفل صغير سرقوا لعبته المفضلة. خرج صوت عمران المترقب:
_ عرفت كيف؟
أجاب بمضض رافضًا حتى الحديث عن ذلك المشهد وتذكره:
_ شفتها مع خطيبها امبارح.
تنهيدة عميقة مع زفير حار خرج من بين شفتي عمران الذي رتب على كتف أخيه بحنو وتمتم في جدية ورزانة:
_ أنا إيه قولتلك يابلال؟ قولتلك لو ليك مش هتكون لغيرك بس هي مش نصيبك. أنت عجبتك واتعلقت بيها بس خلاص. هي دلوقتي مع راجل تاني وكلها كام شهر ولا حاجة وتتزوجه. يعني معدش ينفع تفضل شايلها في قلبك. انساها وكمل حياتك وصدقني هتلاقي الأحسن منها كمان. لسه صغير والعمر طويل قصادك.
ظهر العبوس واليأس على محياه ليهتف في أسى:
_ أنساها كيف!!
ابتسم عمران وهتف بثقة:
_ هتنسى. كلنا نسينا كيفك.
ضيق بلال نظراته بدهشة من رد أخيه المريب. فابتسم بلؤم وقرر الخروج من حالة حزنه لبعض الوقت واضفاء الأجواء المرحة على جلستهم الكئيبة حيث قال غامزًا:
_ كلنا كيف يعني!! إيه يامعلم عمران أنت ليك تجارب سابقة واحنا مندراش ولا إيه؟
قهقه بصوته الرجولي الجذاب ثم هتف:
_ كتير قوي كمان حتى مش فاكرهم.
ضحك بلال وقال مندهشًا بخبث:
_ وه وه ده أنت طلعت مش سهل يامعلم.
بادله عمران الضحك ورتب على كتفه متمتمًا بجدية وحكمة:
_ سيبك مني وركز على نفسك وأعمل كيف ما قولتلك.
تنهد بلال مطولًا وقال بعدم حيلة:
_ هحاول ياعمران هحاول.
ثم تابع وهو يهب واقفًا ويربت على كتف أخيه مبتسمًا:
_ أنا هروح أنام. تصبح على خير ياخوي.
هدر عمران بهدوء:
_ وأنت من أهله.
تابعه بعينيه وهو يغادر الغرفة ليتركه بمفرده حبيسًا لأفكاره وضغوطه مجددًا. لا يتمكن من إسكات عقله الذي يصرخ بأنهم على حق وأبيه هو قاتل خليل صفوان. كلما يحاول نزع تلك الشكوك من رأسه تزداد صلابة وترسيخًا. وحين ينتقل لجزء محاولة آسيا لقتله لا يستوعب من أين جاءت بالجرأة لفعلها. رغم أنه يعرفها جيدًا منذ طفولتهم لكنها لم تكن مؤذية بهذا الشكل أبدًا.
دقائق معدودة واقتحم بشار الغرفة ودخل ثم أغلق الباب خلفه جيدًا واندفع نحوه يسأله بقلق وفضول:
_ عملت إيه؟ اوعاك تقولي عملت فيها حاجة!
عمران بخنق:
_ هعملها إيه يعني؟ هقتلها يابشار مثلًا. دي بت فاجرة وناقصة تربية.
تنهد بشار ببعض الراحة وقال مستفهمًا باستغراب:
_ ومقولتش لجلال ليه عشان يربي أخته زين من أول وجديد؟
عمران بحدة وغضب:
_ أقوله كيف؟ أنت عاوز تقوم حرب تاني يابشار. لو أبوك وعمك وناسها عرفوا هتقع رقاب بسببها والتار بدل ما يبقى واحد هيبقى اتنين.
_ طب امال أنت هتعمل إيه دلوقتي؟
عمران بنبرة رجولية غليظة وحازمة:
_ ولا حاجة مش هنجيب سيرة لحد. وأنا كلمتها بالطريقة اللي تنفع معاها وحذرتها أنها لو فكرت تلعب بالنار معايا تاني مش هرحمها عشان يبقى عداني العيب. أنا مقدرتش أعملها حاجة النهاردة عشان بس هي حرمة بس بعد كده مش هيهمني.
حك بشار ذقنه بغيظ وقال محاولًا تمالك أعصابه:
_ أنا مش مصدق أنها تعمل إكده. ودمي محروق واللي حارقني أكتر إننا مقدرناش نعملها حاجة.
هتف عمران بنفاذ صبر وغضب:
_ خلاص قفل على السيرة دي يابشار ومتجيبش سيرة لحد كيف ما قولتلك. إحنا مش ناقصين مشاكل كفاية اللي إحنا فيها. أنا هطلع أنام تعبت ومن كتر العصبية الجرح شد عليا.
لم يجيب والتزم بشار الصمت يتابع ابن عمه بنظراته وهو يسير خارج الغرفة وبعد دقائق قصيرة لحق هو أيضًا به متجهًا إلى غرفته.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بالمطبخ حيث تجلس كل من جليلة وآسيا يتبادلون أطراف الحديث الذي أخذ منحنى تبغاه جليلة كثيرًا لكنه على العكس تمامًا يثير غضب الأخرى.
جليلة بابتسامة لعوب وماكرة:
_ لكن إيه رأيك في البت منيرة يا آسيا؟ بت أخلاق وقمر وهي أكتر واحدة مناسبة لأخوكي.
تأففت بغيظ مستغفرة ربها ثم قالت بحدة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله. ياما أخويا متجوز لو لسه فاكرة يعني!!
جليلة بعدم مبالاة وبقسوة تليق بامرأة مثلها:
_ فاكرة. بس على يدك كيف ما إنتي شايفة بت إبراهيم ساحرة لولدي ومراضيش يطلقها واصل. يبقى مفيش قصادي غير إني أجاوزه تاني.
آسيا مغلوبة على أمرها بانزعاج:
_ ياما جلال معاوزش يتجوز ولا يطلق مرته خلاص. هتعملي إيه؟ ملكيش صالح بيه عاد.
اشتعلت نظرات جليلة بعد كلمات ابنتها وهي تتخيل أنها ستترك ابنها فريسة لفريال حيث صاحت بعصبية:
_ كيف مليش صالح يعني؟ امال أسيب ولدي لبت قتالين القتلة دول اللي قتلوا جوزي. بعدين إنتي جرالك إيه؟ مش كنتي عاوزة أخوكي يطلقها كيف ما أنا عاوزة؟
تنفست الصعداء مطولًا وقالت بلهجة مشفقة لأول مرة:
_ عاوزة بس هو رافض هنعمله إيه يعني؟ هنخليه يطلقها غصب. وبيني وبينك ياما صعبان عليا العيال هما ملهمش ذنب في حاجة.
جليلة بصلابة وقلب متحجر:
_ ويصعبوا عليكي ليه! عيال ولدي هيفضلوا في بيت أبوهم وهيتربوا في عزه وأمهم تروح عند ناسها القتالين تعيش وسطهم.
استقامت آسيا وهي تزفر بخنق هاتفة وهي تقود خطواتها لخارج المطبخ:
_ اعملي اللي تعمليه ياما أنا مليش صالح.
اصطدمت بفريال وهي مغادرة المطبخ فرمقتها بجمود وأكملت طريقها. بينما فريال فلم تكتراث لها فتلك النظرات طبيعية منها. لكن وجود جليلة بالمطبخ جعلها تفكر بالخروج مجددًا!
تحركت للداخل والتقطت الأبريق وملأته بالمياه ثم أشعلت النيران فوق البوتاجاز ووضعته فوق العين المشتعلة. وراحت تلتقط الكأس الفارغ لكي تضع به السكر والشاي لكن أوقفها صوت جليلة وهي تهتف بقسوة:
_ هتفضلي قابضة على ولدي كيف الجرادة لغاية امتى يابت إبراهيم!
اتسعت عينا فريال بصدمة من كلمات حماتها وتشبيهها لها بالجرادة. لو تدري مدى بشاعة ما لفظت به وأثره بنفسها للعنت نفسها الآن. هل حبها لزوجها ورفضها الانفصال رغم كل ما يمرون به من ظروف عاتية أصبح وصمة عار؟ تلألأت الدموع بعينيها بحرقة لكنها شدت على محابسهم واستدارت لحماتها تهتف ببسمة متألمة:
_ ولدك جوزي وأبو عيالي يا حاجة جليلة. أنا مش واحدة من الشارع وجايبني أعيش في البيت معاكم إهنه!
ابتسمت جليلة ساخرة واستقامت واقفة تهتف باستياء:
_ مستنية إيه لما ناسك القتالين يقتلوا ولدي كمان كيف ما قتلوا جوزي. أخوكي كان واقف قصاد بيتنا وبيهدد ولدي ولولا ستر ربنا كانوا قتلوا بعض. والغريب إنك لسه قاعدة ومش عاوزة تسيبي ولدي.
انعقد لسانها ليس خوفًا ولكن ألمًا من الإهانة التي تتلقاها بعدم شفقة على لسان والدة زوجها وجدة أبنائها! لقد فاض كيلها ولم تعد تتحمل نظرات الاستحقار من أمه وشقيقته. وكأنها المذنبة وهي من قتلت والدهم. لقد أصبح عشها الدافيء جحيمًا بسببهم وأصبحت تراه ينهار أمام عينيها دون أن تقوى على إنقاذه. فقدت قواها وقدرتها على المجادلة والكفاح حتى في وسط الرياح القاسية التي تعصف بعشقها وعشها للهاوية. فبكت. بكت قهرًا وضعفًا وكأنها لا تملك خيارًا سوى البكاء أمام القسوة التي تتعرض لها.
تركت الكوب من يدها واندفعت للخارج تقصد غرفتها مسرعة محاولة إخفاء دموعها عن كل ما تقابله أمامها بالمنزل.
***
كان جلال يقود سيارته وهو بطريق عودته للمنزل وكلمات ذلك الشاب صديق خالد تتردد بأذنه وهو يخبره أنه شقيقته هي المتسببة في كل هذا. داخله بركان مرعب وينتظر وصوله لكي ينفجر بها. عيناه لا ترى شيئًا أمامها وبالكاد يستطيع التركيز على الطريق من فرط جموحه. وفور وصوله للمنزل نزل وقاد خطواته شبه ركضًا للداخل يصعد الدرج للطابق الثاني قاصدًا غرفتها. حتى أنه لم يطرق الباب كعادته بل فتح الباب على مصراعيه ودخل فوجدها تقف أمام المرآة تقوم بتسريح شعرها. وحين رأت اقتحامه للغرفة بهذه الشكل انتفضت بفزع وخوف بسيط. ثم وجدته يغلق الباب ويندفع نحوها كالثور الهائج جاذبًا إياها من خصلات شعرها صارخًا بها:
_ أنا مش نبهت عليكي ملكيش صالح بحاجة واصل تخص تار أبوكي. ولا إنتي خلاص معدش ليكي كبير ولا رجالة تشكمك.
للوهلة الأولى تشهد أخيها بهذه الحالة المرعبة فتأوهت بألم حقيقي وصاحت:
_ آااااه سيب شعري يا جلال.
كانت ردة فعله التالية صفعة عنيفة منه أسقطتها فوق الفراش وهو يصرخ بها بصوت جهوري ومرعب:
_ رايحة تتفقي مع العيال الـ**** وبتخططي لقتل عمران. إيه؟ عاوزة تجيبيلنا العار. اللي هيعرف باللي عملتيه هيقول مفيش رجالة في عيلتها. ولو ناس الصاوي عرفوا الدم هيسيل من تاني بسببك يافاجرة.
غامت عيناها بالعبارات في حرقة وصاحت محاولة الدفاع عن نفسها أمام بطش أخيها القاسي:
_ أنا قلبي محروق على أبويا وعايزة أخد حقه. مغلطتش في حاجة.
هاجت عواصفه أكثر وثار عليها يقبض على ذراعها بعنف لدرجة أنها صرخت من الألم صائحًا بصوته الرجولي المخيف:
_ جاك كسر حقك. كمان بتقولي مش غلطانة. أصل العيب مش عليكي العيب على أبويا الله يرحمه وعلينا كلنا اللي ربيناكي لغاية ما فجرتي ومعدش حد قادر يلمك.
بكت بين براثن أخيها دون أن تجيبه فقط تبكي بعنف وصوت مرتفع. أتت جليلة على صوت صياح ابنها المرتفع وحين وجدت أنه منقض على شقيقته بذلك الشكل صرخت وهرولت تبعده عنها صائحة به:
_ يا مري جرالك إيه يا جلال. إيه اللي بتعمله في أختك ده!
لم يكترث لأمه بل ثبت نظره على شقيقته وصرخ بها بنبرة نفضتها بأرضها:
_ حد عرف بالموضوع ده ولا لا!
لم ترد واحتمت بأمها تبكي بصمت. حتى أنها خشت أن تخبره أن عمران يعلم. لأول مرة تخشى أخاها هكذا. خافت من جموحه وانقضاضه المرعب عليها ولم تقو حتى على الرد عليه والهجوم كما اعتادت وامتازت بقوة شخصيتها.
حين حصل على الإجابة منها بالنفي هتف محذرًا إياها:
_ حسك عينك حد يدري باللي عملتيه ده وإلا قسمًا بالله أقطع رقبتك. سامعة ولا لا.
أومأت له بالموافقة دون أن تتطلع إليه حتى. ثم سمعته يهتف محدثًا أمها بلهجة آمرة لا تقبل النقاش:
_ رجليها متعتبش برا عتبة الأوضة ياما مش البيت بس. عقاب ليها عشان تتربى زين. أنا هربيها من أول وجديد بتك دي.
أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة بأكملها. بينما جليلة فكانت مندهشة من هيئة ابنها وتحوله المرعب. هو كان لا يستطيع حتى رفع نبرة صوته على شقيقته من فرط حبه وحنانه عليها. وماتراه الآن يثبت لها أن ابنتها ارتكبت كارثة!
***
كان جلال بطريق مغادرته للمنزل من جديد لكن أوقفه صوت جده الذي صاح مناديًا عليه من داخل غرفة الصالون الكبيرة. فأخذ نفسًا عميقًا محاولًا تمالك انفعالاته والظهور بطبيعية وكل هدوء أمامه. ثم تحرك نحو غرفة الصالون ودخل ليقترب من جده ويجلس على الأريكة بجواره هاتفًا:
_ نعم يا جدي؟
هتف حمزة بحدة وانزعاج:
_ صوتك عالي وبتزعق مع أختك ليه؟
جلال بعصبية مكتومة:
_ ولا حاجة يا جدي. أنت عارف آسيا وعنادها. شديت معاها في حاجة.
هز حمزة رأسه بتفهم ولم يهتم كثيرًا. فليس السبب الذي استدعاه بسببه هو شجاره مع أخته حيث سأله جدية:
_ طيب أنا عاوز أسألك عن حاجة مهمة.
جلال باستغراب وفضول:
_ اتفضل يا جدي.
بتلك اللحظات كانت فريال بطريقها لغرفة الصالون وهي تحمل فوق يديها كوب الشاي الخاص بالجد حمزة لكنها سمعت حديثهم الذي أثار فضولها ووقفت تسمعه بتركيز.
حمزة بنظرة ثاقبة وقوة:
_ أنت ورا اللي حصل في مخزن السمك بتاع ناس الصاوي وحاولت تقتل عمران صح ولا لا؟
انصدم من سؤال جده وانعقد لسانه ولم يعرف بماذا يجيبه. فوجده يكمل بحنو وصلابة:
_ قول يا ولدي أطمن. أنا في ضهرك إكده أو إكده. أنا بس عاوز أتأكد إذا كنت أنت ولا لا عشان أبقى عارف لو حصلت أي حاجة واقف في ضهرك.
أخذ جلال نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهللًا. ولم يمهل نفسه التفكير أكثر من ذلك حيث حسم قراره وأجاب على جده بإيجاب:
_ أيوه يا جدي أنا اللي عملت كده وكنت عاوز أقتل عمران.
سقطت الصينية من يد فريال بالخارج تزامنًا مع شهقتها المنصدمة. لتسقط فوق الأرض وينكسر كوب القهوة متناثرة أجزاؤه بكل مكان محدثة ضجة قوية.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السابع 7 - بقلم ندى محمود توفيق
استحوذ الصمت على جلال وحمزة فور سماعهما لصوت الضجة خارج باب الغرفة.
استقام جلال واقفًا واسرع للخارج يفتح الباب.
اخفض نظره ليرى الصينية على الأرض وقطع الزجاج متناثرة حولها.
تخطى الزجاج حتى لا يجرحه وابتعد يدور برأسه في الأرجاء باحثًا عن الشخص الذي سمع حديثهم.
حين استقر نظره على الدرج رأى فريال تصعده شبه راكضة.
فصاح مناديًا عليها:
_ فــريال!
لم تعره اهتمام ولم تجب، فقط استمرت في طريقها.
فاندفع خلفها لكنه توقف حين رأى خلود.
وهتف لها بجدية:
_ نضفي الأرض ياخلود وشيلي الچزاز ده.
أومأت له بالموافقة في استغراب وتابعته بعينيها وهو يصعد مهرولًا خلف زوجته.
فغضنت حاجبيها بحيرة.
ورغم فضولها الذي كان سيقتلها، إلا أنها سكنت وذهبت لتنظيف الأرض كما طلب.
وصل لغرفته ودفع الباب ليدخل ويقف عنده يتطلع لها وهي ترمقه بخزي وعينان مليئة بالدموع.
تلك النظرة مزقته وأصابت يساره.
ودار بعقله ألف سؤال، كلهم حول كيف سيبرر لها ما سمعته الآن.
لن يتمكن من إلقاء شقيقته بالدرك ولا الدفاع عن نفسه أمامها حتى.
اغلق الباب ببطء وتقدم منها بحذر:
_ فريال متبصليش إكده ابوس يدك.
انهارت قواها لتنهمر دموعها غزيرة أمامه هاتفة بعتاب:
_ سألتك ياچلال.. أنت اللي حاولت تقتل عمران وقولتلي لا.
كدبت عليا وأنا قولتلك أن أخويا ملوش صالح بحاچة ولو أذيته مش هسامحك.
تقدم منها بخطوات متريثة وهو يهتف بصوت رخيم حتى يهدأ من انفعالها:
_ أنا مكذبتش يافريال.. وأخوكي حتى لو ملوش صالح بس هو مش ملاك.
صرخت به بهستيريا:
_ ولا أنت ملاك ياچلال محدش فينا ملاك، كلنا چوانا العفش والزين.. بس ده مش معناه إننا نقتل في بعض.. أنت مهمكش حاچة وعملت اللي في دماغك برضوا رغم إنك عارف عمران بنسبالي ايه.
فغر عيناه بصدمة من عباراتها وهتف في عصبية:
_ كل ده ومهمنيش!! ليا سنتين ساكت عن حق أبويا مع إني عارف أن أبوكي هو اللي قتله.. وساكت عشانك سايبه عايش مرتاح من غير ما ياخد عقابه عشانك.. وبتقوليلي مهمنيش حاچة!
اندفعت نحوه ثائرة وصرخت ببكاء حار وشراسة:
_ أبويا مقتلش أبوك وأخويا ملوش صالح بحاجة.. اللي قتل أبوك هربان لكن أنتوا اللي مصممين أن ناسي قتالين قُتلة وهما معملوش حاچة.
احتقنت قسمات وجهه بالدماء وهو يتمعنها بغضب محاولًا تمالك أعصابه حتى لا يفقد زمامه ويتصرف تصرُف أهوج ينتج عنه ندمه فيما بعد.
فقال كاظمًا غيظه:
_ أنا هسيبك تهدي وبعد إكده نبقى نتكلم ونكمل حديتنا.
لم يمهلها الفرصة لتجيب بل استدار وانصرف لخارج الغرفة مسرعًا قبل أن ينحرف الحديث ويصبح أكثر من مجرد شجار بسيط.
بينما هي فجلست فوق فراشها تبكي بعنف.
***
داخل غرفة آسيا كانت ساكنة تمامًا فوق فراشها وعيناها تذرف الدموع بصمت.
فتأتيها صرخة أمها من فرط العصبية:
_ ما تنطقي يابت أخوكي عمل معاكي إكده ليه.. عملتي إيه!!!
آسيا بثبات مزيف رغم عيناها الغارقة بالدموع:
_ معملتش حاچة ياما.
عادت تصرخ بها من جديد منفعلة:
_ كيف يعني معملتيش حاچة امال هو اتچن يعني عشان يعمل فيكي إكده!!!
توقفت عن البكاء وتنفست الصعداء بعمق قبل أن تقول بشجاعة حقيقية هذه المرة:
_ أنا اللي حاولت اقتل عمران.
ضربت جليلة بكفها على صدرها صارخة بذهول:
_ يامري! أنتي اتخبلتي في نفوخك عشان تعملي إكده وكيف عملتيها أصلًا؟!
أكملت آسيا شرح بعدم مبالاة فلم تعد تبالي برد فعل البقية بعد ما فعله أخيها بها:
_ اتفقت مع خالد واد صالح الكداب وهو اللي عملها وضرب عمران.
لطمت جليلة بكفيها على وجهها بخفة وهي تولول مصدومة مما تسرده ابنتها:
_ يامرك ياچليلة في بتك.. رايحة تتفقي مع الرچالة ومع واد صالح الكداب ده واد صايع وبتاع مخدرات وسمعته زي الطين في المنطقة كلها.. وكمان عاوزة تقتلي!
آسيا بجدال وعدم اعتراف بخطأها:
_ أنا معملتش حاچة غلط.. كنت عاوزة آخد حق أبويا.
ثارت جليلة وكأنها بركان انفجر فرفعت يدها بالهواء وهوت بها فوق وجهها بقسوة وصرخت بأعلى صوت لديها:
_ ده فضيحة وعار.. عاوزة تحطي راسنا في الأرض وتقومي الحرب من تاني.. نعمل إيه لو الخلق عرفت باللي عملتيه، أخوكي مش هيقدر يرفع عينه في الخلق.. وناس إبراهيم الصاوي مش هيسكتوا.
جاهدت آسيا في البقاء صامدة رغم قسوة الصفعة التي تلقتها الآن وبقت ساكنة مكانها تطرق رأسها أرضًا وجليلة ثائرة من فرط الغضب وانتهى حديثها بصيحتها وجبروتها وهي تقول:
_ چلال عنده حق كان كسرلك رچليكي كمان.. من إهنه ورايح مهتطلعيش من الاوضة وحسك ميتسمعش في البيت واصل لغاية ما تتربى زين.
لم تعقب وترد على تعليمات أمها وبقت كما هي بنفس الصمت كالصنم تمامًا الذي لا حياة فيه.
ولم يكن سوى لحظات حتى وجدت أمها ترحل وتتركها ثم سمعت صوت الباب ينغلق بالمفتاح من الخارج.
تمددت فوق فراشها وعيناها عالقة على السقف بفراغ وسط عبراتها التي تسيل منهم بصمت.
***
خرج بلال من مكتب عميد الكلية منزعج.
فقد تلقى توبيخًا من العميد بسبب شجاره منذ يومين رغم أنه كان على حق.
لكن العميد وبخه أنه دخل في شجار داخل حرم الجامعة مع ذلك الشاب بدلًا من أصطحابه لمكتبه فورًا منذ البداية.
سار بخطواته تجاه إحدى المظلات وجلس أسفلها على المقاعد الخشبية البنية وهو يمسح على وجهه متأففًا بغضب.
وبالمقابل أمامه مباشرة كانت تجلس تلك الفتاة التي اصطدم بها منذ يومين يوم شجاره.
لم ينتبه لها من الأساس هو حتى ربما لا يتذكرها، على عكسها تمامًا التي جعلت تنظر له بتمعن واستغراب.
تلك المرة الثانية التي ترى فيها ذلك الشاب وبنفس حالة الغضب.
وجدته غريب الأطوار بعض الشيء وكانت تشيح بنظرها عنه لحظة والأخرى تعود وتختلس النظر بطرف عينيها بدافع فضولها.
فتراه يدفن وجهه بين ثنايا كفيه ويزفر بصوت عالي يصل لأذنيها.
اخفضت نظرها فورًا بتوتر حين رأته يرفع وجهه خشية من أن يلاحظها وهي تراقبه بنظراتها.
بقت دافنة نظرها بهاتفها تتصنع الانشغال به حتى لا تنظر له ولا ينتبه لها.
وبلال كان بعالم آخر تمامًا شارد الذهن ويحدق في الفراغ ولا يرى شيء حوله.
هو متضايق منذ ذلك اليوم الذي رأى فيه الفتاة التي يحبها وهي بصحبة خطيبها واليوم العميد عكر مزاجه أكثر.
التقطت عيناه فجأة الزهرة الناعمة وهي تسير من أمامه بصحبة أصدقائها.
فعلق نظره عليها يتأملها بحسرة وحزن حتى تورات عن انظاره.
ليتأفف بخنق وشعر بأنفاسه تضيق صدره فاستقام واقفًا يتجه للخارج ينوى مغادرة الجامعة بأكملها بعد انتهائه من محاضرته.
سارت عيناها معه وهو يسير مبتعدًا ثم اشاحت بنظرها بعفوية ليسقط فوق مقعده فترى هاتفه مكانه.
نقلت نظرها بينه وبين الهاتف بحيرة وسرعان ما هبت واقفة واتجهت لمقعده تجذب الهاتف ثم اسرعت خلفه محاولة اللحاق به لكي تعطيه هاتفه.
لكن خطواته كانت واسعة وسريعة فاضطرت لتسريع خطاها حتى تتمكن من اللحاق به وبلا فائدة للأسف فقالت باستغراب:
_ ما تهدى شوية يابني ده أنت فاضلك درجة وتطير!
تحولت خطواتها لتصبح أشبه بالركض وصاحت منادية عليه في عفوية:
_ أنت ياللي لابس تيشيرت أسود!!
الأجواء كانت صاخبة من حولهم وكانت لحظة خروج الطلاب من محاضرتهم فلم يصل صوتها الرقيق له.
وحين كانت على وشك الوصول له وجدته استقل بسيارة الأجرة وتحركت به.
فتوقفت بأرضها متأففة بخنق واخفضت نظرها لهاتفه الذي بيدها تتمعنه بحيرة.
انتشلها من شرودها وصول صديقتها التي قالت بضيق:
_ إيه يابنتي ليا ساعة بدور عليكي إيه اللي جابك عند البوابة.
رفعت الهاتف في مستوى نظرها وقالت مغلوبة:
_ في ولد نسى تلفونه وحاولت الحقه عشان ادهوله ملحقتهوش.. مش عارفة أعمل فيه إيه دلوقتي؟!
قالت صديقتها ببساطة وهي تزم شفتيها:
_ خلاص خليه معاكي وهو أكيد هيتصل عليه عشان يوصله وياخده.
تنهدت بقوة في فتور ثم سارت بصحبة صديقتها ليغادروا الجامعة أيضًا.
وفتحت حقيبتها لتضع هاتف بلال بداخلها فلا يوجد أمامها حل سوى انتظار اتصاله كما قالت صديقتها!
بينما بالسيارة بعد دقائق من تحرك السيارة دس بلال يده في جيب بنطاله لكي يخرج حق أجرة السائق ثم مد يده للذي أمامه لكي يوصلها للسائق.
ثم عاد يدس يده في جيوبه مجددًا يبحث عن هاتفه لكنه لم يجده.
غضن حاجبيه بقلق وسكن للحظة يحاول تذكر متى كان بيده آخر مرة.
فقذف بذهنه لحظة جلوسه أسفل المظلة وتذكر أنه وضع الهاتف بجواره ومن الواضح أنه نسي أن يأخذه قبل أن يرحل.
تأفف بغضب بسيط وراح يمسح على شعره نزولًا لوجهه محاولًا تمالك زمام انفعالاته بعد ذلك اليوم الحافل بالأحداث المزعجة!
***
داخل عطارة إبراهيم الصاوي...
بينما كان عمران مشغول بالتحدث مع أحدهم بالهاتف حول العمل.
خطت قدم إبراهيم العطارة ليقابل ترحيب حار من الشاب الذي يعمل عندهم وعلى آثر صوته التفت عمران للخلف برأسه يتطلع لأبيه ثم عاد يكمل حديثه بطبيعية.
فاقترب إبراهيم ليجلس فوق أحد المقاعد المجاورة لابنه ينتظر إنهاء مكالمته التي انتهت بعد دقيقتين وخرج صوت عمران وهو يقول بنبرة عادية:
_ كيفك يابوي؟
إبراهيم بابتسامة هادئة:
_ نحمده ونشكره ياولدي.. كنت رايح للحچ سلّام اعزيه في أبوه وقولت اعدي الأول على العطارة اطمن عليك وعلى الشغل.
عمران بإيجاز:
_ زين يابوي.. كل حاچة زينة الحمدلله.
ابتسم براحة وتمتم في نظرة مترقبة:
_ الحمدلله.. إيه لساتك معرفتش مين اللي كان عاوز يأذيك؟!
هدر بصلابة ونظرة ثاقبة:
_ خالد واد صالح الكداب.. كيف ما أنت عارف كان في بيناتنا مشاكل احنا وأبوه من فترة وهو حاول يأذيني كأنه يعني خد حقهم إكده!
علت ملامح إبراهيم الدهشة واردف بوعيد وغضب:
_ إكده يبقى چنى على روحه هو وعيلته كلها.
عمران بحدة وجدية تامة يصرف أي أفكار شيطانية عن ذهن أبيه:
_ ملوش لزمة يابوي ده عيل أهبل أنا ربيته زين وعرفته غلطه ومهيفكرش لا هو ولا عيلته يقربوا ناحيتنا تاني بعديه.
يهتف إبراهيم بتعجب وانزعاج:
_ كيف يعني هنسكت ونعدي اللي عمله ده.. يحاولوا يقتلوا ولدي وهنسكتلهم.
عمران بخنق بسيط وحزم:
_ يابوي قولتلك أنا عملت معاه الصُح.. ملوش لزمة المشاكل تاني كفاية مشاكل ناس خليل صفوان.
سكت إبراهيم وعيناه تتفحص ابنه بحيرة، وكأن شعر بوجود شيء يخفيه عنه.
لكنه آثر بالنهاية تصديقه والامتثال لطلبه بعدم التدخل!
***
في تمام الساعة السادسة مساءً، عاد جلال للمنزل وقاد خطواته للطابق الثاني حيث غرفته متأملًا أن يجدها قد هدأت.
فلم يعد يملك طاقة لكل تلك الأحداث القاسية.
فتح باب غرفته ودخل وإذا به يتسمر بأرضه حين رأى حقيبة السفر الكبيرة فوق الفراش وهي تتحرك بخفة بينها وبين الخزانة تفرغ كل ما بها من ملابس وتدسها بالحقيبة.
كل شيء واضح كقرص الشمس في منتصف النهار لكنه رغم ذلك لا يستوعب ويحاول تكذيب ما يجول بذهنه في تلك اللحظة فطرح سؤالًا قد يبدو سخيفًا بالنسبة لها:
_ بتعملي إيه؟!
ردت بثبات انفعالي مزيف رغم دموعها المحتجزة بعينيها:
_ بلم هدومي ورايحة بيت أبوي.
طرح سؤالًا للمرة الثانية لكن لم يكن بنفس هدوء النبرة السابقة بل أصبحت أكثر غلظة:
_ وده ليه عاد إن شاء الله!
استمرت في ملأ الحقيبة بملابسها هاتفة بجفاء متصنع:
_ عشان معدش ينفع نكمل ياچلال خلاص.. من وقت قتل عمي خليل وبداية المشاكل والتار واحنا كان چوازنا خلص بس احنا اللي كنا بنحاول في حاچة مفيش منها فايدة.
رغم ذهوله من كلماتها وألم قلبه إلا أنه بدا أمامها جامدًا وساكنًا لا يصدر عنه أي ردة فعل لتكمل هي بعجز وحزن:
_ مش هستحمل أشوف عيالي شايفين أبوهم وچدهم وخالهم بيقتلوا في بعض.. ولا أنا بقيت مستحملة معاملة أمك واختك ليا كأني أنا اللي قتلته.. مع أن لا أنا ولا أبويا ولا ناسي ليهم يد في قتل أبوك.. أنا مهقدرش على فراق أبويا وأخويا عشان إكده الفراق لينا احنا احسن.
خرج صوته مريبًا من فرط قوته:
_ وأنتي لما تسيبيني التار هيخلص إكده ومحدش هيموت!
جاهدت في منع دموعها من السقوط وقالت بحرقة:
_ بس مش هبقى بين نارين معرفاش اختار مين.. أنا قولتلك ياچلال لو عملت حاچة لأخوي مش هسامحك.. معدش ينفع نكمل خلصت ياچلال صدقني.
مسح على وجهه وهي يتأفف محاولًا السيطرة على غضبه ثم هتف بلهجة مخيفة:
_ فضي الشنطة دي واعقلي.. عشان رچلك مش هتعتب برا البيت.
قالت باصرار وشجاعة:
_ مش هفضي حاچة قولتلك همشي واروح بيت أبوي.
انفلتت منه صرخة مرعبة نفضتها بأرضها وهو يأمرها:
_ قولت مش هتطلعي يافريال و كلامي مش هتنيه ولا اعيده.
كان كلامه واضح أنه لن يسمح لها بالمغادرة.
رغم كل ما تفعله وما قالته مازال يرفض التخلي عنها، لكنها عزمت القرار للأسف وانتهى.
سقطت دمعة حارة من عينيها فور رحيله.
قلبها يتمزق اربًا على فراقهم ويعز عليها التخلي عنه لكنه القرار الأنسب لهم.
انحنت على الفراش والتقطتت هاتفها تجري اتصال بوالدها لكي يأتي ويأخذها.
***
عيناها عالقة على السماء تتأملها بسكون وعقلها يستعيد ذكرياتها مع والدها قبل وفاته.
كانت تحاول كبح دموعها من السقوط بصعوبة ونجحت في ذلك.
هي ترفض الضعف حتى لو كان بينها وبين نفسها.
اعتادت أن تظهر القوة لا الضعف.
هي ليست ضعيفة لكنها عاجزة أمام بطش أخيها وعائلتها.
سمعت صوت الباب ينفتح فالتفتت برأسها للخلف تنظر للدخيل فتجده خلود التي كانت تحمل صينية الطعام فوق يديها.
استقرت في عيني آسيا نظرة قاسية تتابعها وهي تقترب من فراشها وتضع الصينية فوقه ثم تعود للباب وتغلقه بلطف وتقف أمامه مستندة بظهرها عليه عاقدة ذراعيها أسفل ذراعيها وتتمعن آسيا بتشفي هاتفة:
_ ياترى عملتي إيه يابت عمي عشان تخليهم يحبسوكي إكده في الأوضة كيف الفروچ (الفراخ)!
آسيا بلهجة منذرة:
_ اطلعي برا ياخلود بدل ما أقوم امسك في زمارة رقبتك واطلع روحك في يدي.
ضحكت باستفزاز وأجابتها ساخرة:
_ لساتك فيكي نفس ولسان تردي وتهددي أنا قولت هاچي الاقيكي بتطلعي في الروح بعد اللي عمله چلال فيكي.
استشاطت غيظًا ووثبت آسيا واقفة تندفع نحوها هاتفة:
_ لو حابة تچربي طلوع الروح كيف بيكون معنديش مانع.. وإلا تطلعي برا بالذوق وتتقي شري.
خلود بنظرة ذات معنى وخبث:
_ چهزي حالك عشان لساتك مطولة في الأوضة إهنه.. كنتي عاملة فيها الشريفة وإنتي طلعتي فاجرة وماشية على حل شعرك.
اظلمت عيني آسيا وثارت عواصفها المميتة لتتحول لما أشبه بالوحش حيث رفعت يدها وهوت بها بعنف فوق وجنة خلود صارخة بها:
_ الفاچرة دي أنتي يا***، أنا بكلمة واحدة مني اخليهم يدفنوكي في البيت.
التهبت نظرات خلود وهي تتحسس وجنتها موضع الصفعة ثم رمقت آسيا بطرف عينيها هاتفة في وعيد ونظرة ممتلئة بالشر:
_ مش لو لحقتي يابت چليلة.
دفعتها آسيا بكامل قوتها في عنف لتصطدم بالحائط وغارت عليها تقبض على رقبتها متمتمة بنظرة مرعبة ونبرة أقرب لفحيح الأفعى:
_ بعدي عني ياخلود وملكيش صالح بيا عشان أنا كيف النار بتحرق كل حاچة بتقف في طريقها.. متخليش ناري تطولك لو خايفة على روحك.
تململت خلود بين يديها محاولة دفعها بعيدًا عنها حتى تتمكن من التقاط أنفاسها ولم تتركها آسيا إلا حين رأت وجهها تحول للون الأزرق.
أخذت تسعل بقوة وهي تلتقط أنفاسها ثم رمقت آسيا شزرًا وقالت بغضب:
_ هدفعك تمن اللي عملتيه ده غالي قوي يا آسيا.. مبقاش أنا بنت منصور أما ندمتك.
رمقتها مبتسمة في سخرية وتابعتها وهي تفتح الباب وترحل ثائرة.
لتعود بعد ذلك لمقعدها من جديد تكمل تأملها في السماء!
***
ممسكة بهاتفها تتفحص مواقع التواصل الاجتماعي وهي بغرفتها فوق فراشها.
وتضحك باستمتاع على بعض الفديوهات الكوميدية التي تظهر أمامها.
لكن فجأة صحك سمعها صوت رنين غريب لهاتف فتذكرت هاتف الشاب الذي معها وبظرف لحظة كانت تثب واقفة من الفراش وتسرع لتجذب الهاتف من حقيبتها وتنظر لاسم المتصل فوجدته رقم مجهول، أجابت دون تردد هاتفة:
_ الو.
على الطرف الآخر اصابت بلال بعض الدهشة من سماعه لصوت فتاة وقال بعدها بجدية:
_ أنتي مين؟!
تعجبت من لهجته وسؤاله فقالت بحزم:
_ أنت اللي مين؟!
بلال بصوت رجولي قوي:
_ أنا صاحب التلفون اللي معاكي ده.. أنا نسيته في الكلية الصبح.
هدأت حدة نبرتها وعادت للرقة من جديد وهي تقول:
_ آه أنا لقيته وحاولت الحقكك عشان ادهولك بس ملحقتكش.
قال بلال بإيجاز متسائلًا:
_ طب أنا أقدر اشوفك وين عشان آخده منك؟!
سكتت لحظة ثم قالت بسرعة في لطف:
_ أنا هكون موجودة في الكلية بكرا ممكن تيجي الساعة 8 ونص عند المظلة اللي نسيته عندها وأنا هكون موجودة مستنياك.
تبدلت ملامح وجهه بعد سماعه للموعد الذي حددته وقال بهدوء:
_ مفيش وقت تاني بدل 8 ونص دي!!!
قالت باحراج بالنفي:
_ للأسف لا لإني عندي محاضرات من الساعة 9.
قال بلال مغلوبًا في خنق:
_ تمام الساعة 8 ونص بكرا ان شاء الله نتقابل واخده منك.
اجابته بالموافقة ثم أنهت الاتصال وهي تقول ساخرة بغيظ:
_ ده مش عاجبه كأنه تلفوني أنا يعني.. ده بدل ما يشكرني!!
***
داخل غرفة عمران كانت إخلاص تقوم بترتيب خزانة ملابسه وهو متسطح على الفراش واضعًا كفيه أسفل رأسه ويحدق في السقف بشرود.
كانت هي تلقي عليه نظرة كل لحظة والأخرى متعجبة من سكونه المريب.
لتترك ما بيدها وتقترب منه لتجلس على الفراش بجواره هاتفة:
_ فيك إيه ياعمران؟!
التفت لأمه وقال مبتسمًا باستغراب:
_ مفياش حاچة ياما أنا زي الفل الحمدلله.
هزت رأسها بتفهم مبتسمة قبل أن تسأله باهتمام:
_ يعني مفيش حاچة مضيقاك!
ضحك بخفة على اهتمامها اللطيف وجذب كفها يقربه من شفتيه يلثم ظاهره وهو يقول:
_ لا مفيش ياما اطمني.
ابتسمت براحة على ضحكته ومدت يدها الأخرى تربت فوق كتفه بحنو أمومي ثم تقول باسمة بخبث:
_ مش ناوي عاد تفرحني بيك عشان اشيل عيالك قبل ما أموت.
انتصب في جلسته وانحنى يقبل رأسها هاتفًا:
_ بعد الشر عليكي ياست الكل متقوليش إكده.. أن شاء الله تشيلي عيالي وتفرحي بيهم وتچوزيهم كمان.
لمعت عيني إخلاص بوميض حماسي وقالت بفرحة:
_ يعني ابدأ ادورلك على عروسة خلاص.
ضحك وقال بحنو رافضًا:
_ لا مش دلوك اچلي الموضوع شوية لقدام وأنا بنفسي هاچي واقولك شوفيلي عروسة.
انفطأ بريق عيناها وقالت بيأس زامة شفتيها:
_ طيب ياعمران براحتك يا ولدي، أنا هسيبك ترتاح وتنام وهنزل اشوف اللي ورايا.
تابعه وهي تغادر ووجهه مازال محتفظ بابتسامته الدافئة.
وفور رحيلها مد يده وأطفأ الأضواء لكي ينام.
***
ارتفع صوت رنين الباب ولسوء الحظ أن جلال كان هو الأقرب حيث توجه نحو الباب وفتحه ليقابل إبراهيم أمامه.
طالعه مستغربًا بينما الآخر فقال بحدة:
_ بتي وين ياچلال!
جلال مستنكرًا سؤاله:
_ إيه!! بتك في بيت چوزها ياحچ إبراهيم خير؟!
لم يلبث ليجيبه حتى التفت جلال خلفه على صوت زوجته التي تتجه نحوهم حاملة حقيبتها وهي تقول:
_ أنا أهو يابوي.
تطلع جلال للشنطة التي بيدها ولها وهي تتجه نحو والدها، وقبل أن تصل له قبض على ذراعها هاتفًا بحدة ونظرات مرعبة:
_ أنا مش قولتلك فضي الشنطة دي ومفيش طلوع.
تقدم نحوهم إبراهيم وابعد يد جلال عن ابنته هاتفًا بحدة:
_ إيه هترفع يدك على بتي قدامي ولا إيه ياچلال.. طالما معايزاش تكمل معاك ولا تقعد يبقى بيت أبوها مفتوح لها وأنا چيت أخدها.
جميع من بالمنزل تجمع على آثر صوت إبراهيم وجلال وكان أولهم حمزة الذي قال بحدة:
_ خير ياحچ إبراهيم في إيه!!
إبراهيم بغضب وهو ينظر لجلال:
_ خير ان شاء الله بتي اتصلت بيا اچي اخدها وأنا چيت.. أنا سبت بتي عندكم رغم المشاكل عشان دي رغبتها لكن شكلي إكده غلطت وبتي مكنتش مبسوطة مع چوزها.. كيف ما دخلنا بالمعروف نخرچُ بالمعروف.. بتي معدش ليها مكان إهنه.
صمت وثبات مريب يهيمن على جلال الذي كان يثبت نظره على فريال يتطلعها للمرة الأخيرة منتظرًا ردًا منها بالرفض.
أن تخيب آماله وتختاره هو.
لكنها لم تفعل!
راح حمزة يهم بالتحدث لكن سبقه جلال الذي قال بجفاء وبنظرات كلها خزي وغضب لزوجته:
_ خد بتك طالما دي رغبتها وهي عاوزة إكده.
استشاطت جليلة غيظًا على زوجة ابنها واندفعت نحوها تصرخ بها بقرف:
_ متستاهليش ضفر ولدي ولا حبه ليكي.. وقف قصادنا كلنا عشانك وإنتي اختارتي ناسك قتالين القُتلة دول.. ياريته سمع كلامي وطلقك.
صاح جلال بعصبية وصوت جهوري:
_ أمــا.
التزمت جليلة الصمت مجبرة بعد صيحة ابنها بينما إبراهيم فقال محدثًا ابنته:
_ يلا يافريال.
قالت بهمس منخفض وهي تخشى رفع عيناها حتى لا تتقابل بعيني جلال النارية:
_ استنى معاذ وعمار نازلين يابوي.
خرج صوت جلال مختلفًا وقاسيًا وهو يقول:
_ عاوزة تمشي هتمشى وحدك.. عيالي هيفضلوا في بيت أبوهم مهيقعدوش في بيت ابراهيم الصاوي.
اتسعت عيني فريال بصدمة بينما إبراهيم فقال بغضب من عبارة جلال الأخيرة:
_ بيت إبراهيم الصاوي يبقى بيت جدهم لو ناسي ياواد خليل.
اظلمت عين جلال وقال بنظرة تملأها الثأر:
_ خليل صفوان اللي قتلته مش إكده!!
إبراهيم بثبات واستياء:
_ أنا مقتلتش خليل حاسب على كلامك معايا.
جلال بنظرة محذرة:
_ خد بتك وامشي يا إبراهيم احسن تطلع من إهنه على المدافن.
خافت فريال من تهديد زوجها لأبيها أمامها وصاحت به مستاءة بعدم تصديق:
_ إيه اللي بتقوله ده ياجلال!! وإيه عاوز تمنعني من عيالي!
أجابها بقسوة وبرود لم تعهدهم منه من قبل:
_ عيالك في بيت أبوهم وقت ما تحبي تشوفيهم تاچي إهنه.
كان منصور صامتًا منذ البداية يحاول تمالك أعصابه لكنه فشل بالنهاية واندفع نحو إبراهيم يصرخ به بصوت مرتفع:
_ العيال هيقعدوا مع أبوهم وأنت خد بتك وامشي من إهنه يا إبراهيم بدل ما تقوم حرب وأنت أول قتيل هيكون فيها.
ارتبكت فريال وخافت من تطور الوضع أكثر فأمسكت بكف والدها هاتفة باستسلام:
_ خلاص يابوي خلينا نمشي دلوك وأنا بعدين هبقى آچي أشوف عيالي وأخده.
ثم القت نظرة أخيرة حزينة ومعاتبة على جلال الذي كان يرمقها بغضب لم تراه في عيناه تجاهها من قبل ابدًا.
وغادرت هي وأبيها الذي كان يستشيط غيظًا ويتوعد لهم جميعًا.
فور مغادرتها المنزل رفعت فريال رأسها بتلقائية للأعلى فرأت آسيا تقف في شرفة غرفتها وتنظر لها بخزي وغضب.
حتى هي لم تكن تتوقع أن تتخلي عن أخيها بكل هذه السهولة.
بل شعرت بالندم أيضًا أنها وبخت أمها على محاولاتها لدفع جلال للزواج مرة أخرى.
ليتها شجعتها وجعلوه يتزوج فهي لا تستحقه!
***
بعد دقائق طويلة نسبيًا صعدت جليلة إلى غرفة ابنها حتى تطمئن عليه وحين فتحت الباب وجدته يجلس فوق الفراش وقدميه تهتز بعنف من فرط الغضب.
تقدمت نحوه وجلست بجواره تملس فوق كتفه هاتفة بحزن:
_ ولا يهمك ياولدي ده أنا اچوزك ست ستها.. واحدة تعرف قيمتك وتحبك لكن بت إبراهيم دي مكنتش تستاهلك.
تمتم جلال بصوت مكتوم:
_ همليني لحالي ياما السعادي.
جليلة بنظرة مشفقة وحزينة على ابنها:
_ حاضر ههملك لحالك.. بس ابوس يدك بلاش تعصب نفسك لتچرالك حاجة ياقلب أمك.. دي متستاهلش والله.
رمقه بجدية وانزعاج فسكتت وامتثلت لطلبها ثم وقفت وغادرت لتتركه بمفرده وسط غضبه وألمه.
مازال لا يصدق ما فعلته وكأنها كانت فريال أخرى ليست زوجته وحبيبته التي اعتاد عليها.
كان ينظر لعيناها يبحث عن أي رفض لكنه لم يجد سوى القسوة.
حكمت على عشقهم وقصتهم بالانتهاء دون وعي منها أن الندم سيطولها هي قبله.
لو تعرف كم الغضب الذي يحمله منها في ثناياه الآن لأصابها الرعب.
تخلت عنه بأمَس لحظات احتياجه لها وهو لم يكن ليفعلها أبدًا.
لكن حين استعانت بأبيها لكي يأخذها منه فقد احس بلحظتها أن كل شيء انتهي حقًا.
مزقته أربًا حين رآها تقف بصف أبيها وتختاره بدلًا منه.
ليتها طعنته بخنجر بمنتصف صدره لكان ألمه أخف من الألم الخزي والحب!
***
بالصباح الباكر من اليوم التالي.
كان الجميع حول طاولة الطعام يتناولون طعام فطورهم إلى أن وصلت خلود التي كانت قد عزمت النية منذ مساء الأمس على إنهاء آسيا اليوم.
متوعدة لها أن أيامها الأخيرة بالمنزل ستبدأ بل بالحياة كلها!
وقفت عند آخر الطاولة تطالعهم بنظرات غامضة لم يفهموها ليهتف حمزة باستغراب:
_ في إيه ياخلود واقفة إكده ليه؟!
تصنعت الحزن والضيق وهي تقول:
_ عاوزة اوريكم حاچة ياچدي.. أنا كنت ناوية اسكت ومقولش حاچة بس مقدرتش وضميري مسابنيش.
تبادلوا النظرات بينهم باستغراب ليقول أبيها بحيرة:
_ حاچة إيه دي انطقي!!
رفعت هاتفها وفتحت معرض الصور وضغطت على الصور التي التقطتها لآسيا وعمران وقد كانت قامت بتعديلهم لتجعلهم أكثر حميمية ليصبحوا بإحدى الصور كأنهم يحتضون بعضهم وبالأخرى يقبلها.
مدت يدها بالهاتف اولًا لجليلة التي فور رؤيتها لهم ضربت على صدرها بصدمة امتزجت بشهقتها العالية لتجذب من يدها إنصاف الهاتف بفضول وأصابتها الصدمة أيضًا رغم أن ابنتها حكت لها من قبل لكن رؤية الصور كان لها تأثير مختلف.
ثم أخذ الهاتف يتنقل من يد ليد على الطاولة وحال الرجال كان مرعب وكأنهم تحولوا لوحوش مفترسة ليصل أخيرًا الهاتف ويسقط بيد جلال...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق
أخذت عيني جلال تتمعن الصور وأصبعه يقلب بينهم بصدمة.
يدقق النظر بالهاتف أملًا في أن يكون ما يراه ليس حقيقيًا أو أن تلك الفتاة ليست شقيقته، ولكن ليته كان كذلك بالفعل.
غلت الدماء في عروقه وأظلمت عيناه بشكل مخيف، حتى أن وجهه تلون للأحمر القاتم وباتت هيئته كشبح مرعب تقذف الهلع في قلوب أعتى الرجال.
وثب واقفًا وصرخ بخلود هاتفا:
_ إيه ده!
رغم توترها من صرخته بها، إلا أنها استمرت في كذبتها بمهارة وهي تتصنع الأسف:
_ ده من يومين أنا طلعت اشتري كام حاجة وشوفتهم بالصدفة وهما إكده وكان كلامهم يعني مينفعش يتقال.
صرخت جليلة وهي تلطم فوق صدرها بهلع وعينان دامعة، بينما منصور فاستقام ثائرًا يصرخ بعصبية مخيفة:
_ ده آخرة الچلع جابتلنا العار وحطت راسنا في الطين.. وينها الفاچرة دي!
أشارت خلود بأصبعها للأعلى هاتفة بجدية محاولة إخفاء شعورها بالنشوة والتشفي:
_ في أوضتها يابوي فوق.
كان لجلال السبق بينهم، حيث اندفع للأعلى لها كالثور الهائج الذي لا يرى شيء أمامه سوى فعلة شقيقته الدنيئة وتلك الصور وهي بين أحضان عمران ويقبلها.
كانت آسيا قد انتهت للتو من تبديل ملابسها وتهم بجمع خصلات شعرها بمشبك، لكن صوت دفع الباب العنيف وكأنه تهشم جعلها ترتد للخلف بزعر.
وفور رؤيتها لمنظر أخيها، تجمدت بأرضها وهتفت بارتباك:
_ في إيه!
لم تكن تملك الفرصة حتى لتحاول الفرار منهم، وإذا بها وجدته ينقض عليها دون شفقة موجهًا لها الصفعات والضربات وسط صرخاتها ومحاولاتها للفرار من جموحه القاتل.
جذبها من خصلات شعرها بقوة كادت أن تقتلعه من جذوره بين يديه وهو يصرخ بصوت نفضها:
_ يافاچرة يا****.. وصل بيكي الفُجر لكدا.. هاقتلك يا آسيا.
رغم أنها لا تفهم شيء، لكنها حاولت الدفاع عن نفسها وسط بكائها وصراخها من فرط الألم:
_ أنا معملتش حاجة والله يا جلال.
عاد يوجه لها صفعاته من جديد ليبعده عمها وينظر لها بخزي. وأخذ هو أيضًا يفرغ بها شحنة غضب المكتظة وهي بين يديهم تصرخ، رافعة يديها أمام وجهها محاولة تفادي عنفهم تجاهها واتهامهم لها بشيء لم ترتكبه، فراحت تصرخ بصوت يكاد يخرج بصعوبة:
_ حرام عليكم أنا معملتش حاجة.
اقتربت منها زوجة عمها ورفعت شاشة الهاتف أمام وجهها هاتفة:
_ وإكده برضوا لسا معملتيش حاجة!
نظرت في الصور بذهول ووجه غارق في الدموع، ثم صاحت بالنفي وهي تهز رأسها بعدم استيعاب أن تلك الصور الخليعة لها:
_ لا دي مش أنا والله العظيم ما أنا.. أنا معملتش إكده.
باغتها جلال بصفعة أبرحتها أرضًا، ثم انحنى عليها وصرخ وهو يجذبها من شعرها:
_ لساتك بتكذبي. قالك إيه خلاكي تمشي وراه يا**** هااا.
ثم هتف بصوت منخفض لم يسمعه سواهم:
_ مرضيش يتچوزك بعد ما غلطتي معاه وعشان إكده حاولتِ تقتليه مش عشان تار أبوكي ولا حاجة يافاچرة.. هقتلك إنتي وهو يا آسيا.
هزت رأسها له بالنفي وهي تبكي بنحيب مسموع وتتوسله بنظراتها أن يصدقها. ولكن الغضب استحوذه بالكامل وعيناه لم تعد ترى شيء أمامه، حتى أنه نسى أنها شقيقته الغالية وغار عليها كالوحش المفترس يوجه لها الصفعات والضربات دون رحمة. وبالكاد بصعوبة أبعدته زوجة عمه عنها قبل أن يقتلها بين يديه.
كانت ملقية على الأرض منكمشة على نفسها كالجنين تبكي بألم. جسدها ينتفض نفضًا ووجهها تورم من كثر الصفعات والضرب الذي تلقته. رفعت رأسها بصعوبة وألقت نظرة عليهم لتجد النظرات المشمئزة والقاتلة تتوسط عيناهم. غضبهم ما زال لم يهدأ ويقفون يتأبهون للتكملة عليها حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة. بحثت بعيناهم عن أي حب أو رحمة كما اعتادت لم تجد، وكأنهم ليسوا عائلتها. ومع ذلك لم تستسلم وقررت المحاولة مرة أخرى والدفاع عن نفسها.
تحاملت على قدميها التي لم تعد قادرة على حملها ووقفت، ثم تقدمت نحو جدها الذي يقف صامتًا يحدقها بخزي وغضب. وحين وقفت أمامه قالت باكية:
_ چدي أنت اللي مربيني ومتصدقش إني اعمل حاجة غلط كيف إكده صُح.. قولهم إني مظلومة ومعملتش حاجة.
كانت تنتظر منه القليل من الحنان، ولكنه خيب ظنها ووجدت صفعة من يده تهوي فوق وجنتها بقوة. حتى هو لم يصدقها مثلهم والغضب سيطر على قلوبهم وأعينهم. نظرت له بضعف وحزن، ثم التفتت تجاه أمها التي تبكي مثلها وتقدمت منها تتوسلها بعينيها الغارقة بالدموع أن تنصفها هي من بينهم:
_ أما ابوس يدك صدقيني أنا معملتش حاجة.. ده أنا بتك معقول تـ...
قاطعتها جليلة صارخة بها وسط بكائها:
_ اكتمي أنا مليش بنات.. بتي ماتت.
اتسعت عيناها بدهشة من إجابة أمها وأخذت عيناها تذرف الدموع بغزارة في صمت. ودون وعي منها أخذت قدماها تعود للخلف وهي تنقل نظرها بينهم بقهر وخزي. لأول مرة بحياتها تشعر بالضعف والعجز كما هي الآن. ربما صدمتها بعائلتها كانت أقوى وأشد من الألم الذي يجتاح جسدها ووجهها الآن. توقفت قدماها حين اصطدمت بالحائط من خلفها ودموعها مستمرة في الانهمار بصمت.
جذبت إنصاف زوجها من ذراعه هاتفة بهدوء محاولة إبعادهم عنها:
_ تعالى يامنصور خلاص بزيادة اللي عملتوه فيها سيبوها.
خرج منصور مع زوجته حتى يهدأ قليلًا من انفعاله قبل أن يقتل ابنة أخيه، وتبعهم أمها ومن بعدها جدها، وبالأخير كانت خلود التي كانت تنظر لها باسمة بتشفي وغل. ليبقَ فقط جلال الذي استمر يحدق بها بنظراته المميتة في خزي وهتف بكلمات نابعة من صميمه:
_ هي دي نتيجِة حبنا ليكي.. إنك تجيبي العار لينا ولنفسك.. يمكن من رحمة ربنا أن أبوي مات ومشافش فضيحة بنته.. من إهنه ورايح تنسي إن ليكي أخ وأنا معدش ليا أخوات بنات.
ألقى عباراته القاسية واستدار ليغادر ويتركها جامدة مكانها دون حركة كجسد بلا روح. ودموعها تؤدي وظيفتها في ذرف الدموع دون أي تعابير وجه.
***
داخل الجامعة.....
كانت تجلس بنفس المكان الذي تقابلا به المرة السابقة كما اتفقا، وتتلفت برأسها حولها بكل الاتجاهات بحثًا عنه لتتأكد إذا جاء أم لم يصل بعد. تارة تتفقد ساعة يدها حتى لا تفوتها محاضرة الساعة تسعة وتارة تنظر بهاتفه الذي بيدها وتعود تبحث عنه حولها. وأخيرًا لمحته يسير تجاه موقعها من بعيد فاستقامت واقفة وهي تتنفس الصعداء بارتباك بسيط. تتابعه بعينيها وهو يقترب منها ويتنقل بنظره بين الفتيات الجالسين أسفل المظلة يحاول تخمين أي واحدة منهم. لكن فور وصوله وجدها تشير له بيدها. فرمقها للحظة بصمت ثم تقدم نحوها ليقف أمامها مباشرة هاتفا:
_ أنتي اللي رديتي عليا على التلفون؟!
أومأت له بالإيجاب وهي تبتسم بإحراج لطيف:
_ آه أنا.. أنت امبارح قمت ونسيته وأنا حاولت ألحقك عشان أدهولك بس ركبت العربية وملحقتكش.
انهت عباراتها ومدت يدها له بهاتفه هامسة بابتسامة:
_ اتفضل.
ابتسم لها بامتنان وتمتم بلطف:
_ متشكر جدًا.. تعبتك معايا معلش.
هزت رأسها بالنفي باسمة بكل رقة وقالت:
_ العفو.. مفيش تعب ولا حاجة.
لوهلة شعرت بالتوتر وقالت مبتسمة وهي تشير بأصبعها تجاه مبنى الكلية متلعثمة دون وعي لما تتفوه به:
_ طـ..ب أنا همشي عشان المحاضرة.. تشرفت بمعرفتك.
غضن حاجبيه متعجبًا على جملتها الأخيرة وقال بابتسامة عذبة:
_ أنا كمان!
لكنه لم يكن ليكمل عبارته ووجدها تفر من أمامه بسرعة. وحين التفت خلفه وجد صديقتها تقترب عليها وهي تهتف:
_ حور.. إيه ده كله يابنتي لقيتي الولد صاحب التلفون ولا لسا؟
رمقتها حور بحدة ونهت لكي تتوقف عن الحديث واسرعت لها ثم جذبتها من ذراعها معها والتفتت برأسها تجاه بلال وأرسلت له بسمة عابرة خجلة ثم أشاحت بوجهها مجددًا وسحبت صديقتها معها وهم يسيرون إلى الداخل وكان واضح عليها أنها توبخها!
بينما هو فبقي مكانه يتابعهم بنظره متعجبًا من تلك الفتاة، ولم يسعه بالنهاية سوى الضحك. ثم اخفض نظره لهاتفه ووضعه بجيب بنطاله واستدار عائدًا لبوابة الجامعة لكي يغادر.
***
منذ أن وصلت لمنزل والدها بالأمس وهي تجلس حبيسة غرفتها لم تخرج منها. غارقة بأحزانها وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع. من يراها بحالتها هذه يظن أن زوجها هو الذي هجرها وليست هي.
رغم عشقها وقلبها المتيم به، إلا أنها لم تتمكن من رؤية زوجها وعائلتها يتصارعون. تركته أملًا في أن يعدل عن الانتقام والثأر من أجلها هي وأطفالهم، لكنه طعن قلبها بسكين مسموم حين سمعته يأمر أبيها أن يأخذها ويذهب ولم يسمح لها بأخذ أولادها معها.
نظرات النقم والخزي في عيناه لن تنساها لو بعد مائة سنة. لأول مرة تشعر أنها لا تهمه ولا يريدها. لم يخبرها بذلك ولكن نظراته ألقت ذلك الشعور بقلبها ومزقتها أربًا.
تعترف ولن تنكر أبدًا أنها لا تطيق الابتعاد عنه ليوم واحد، وها هي تشتاق له وتتخبط بثنايا غرفتها من ألمها. تتمنى لو يأتي الآن ويأخذها رغمًا عنها ويعود بها لمنزلهم، ولكن هيهات فهو لن يفعلها أبدًا بعدما تركته بكامل إرادتها. النظرات التي استقرت بعيناه كانت تخبرها أنها اختارت وهو لن يردعها عن اختيارها وسيترك الأيام لكي تثبت لها خطأها وتعود له نادمة!
انفتح الباب وظهرت من خلفه إخلاص التي كانت تحمل الطعام واقتربت من ابنتها لتجلس بجوارها وتضع صينية الطعام أمامها هامسة:
_ كلي لقمة يابتي.. إنتي ملكتيش حاجة من امبارح!
هزت رأسها بالرفض وهي ترفع أناملها تجفف دموعها:
_ مليش نفس ياما.
تنهدت إخلاص بقوة وقالت مغلوبة بضيق:
_ بزيادة عاد يافريال هتفضلي إكده لغاية ميتا يابتي.. إنتي عملتي الصح قعادك في بيتهم لغاية دلوك بعد كل اللي حُصل ده كان غلط من الأساس وكان لازم تطلقي منه من بدري.
رمقت أمها بانزعاج وقالت بعينان دامعة:
_ ياما چلال چوزي وأبو عيالي وأنا بحبه كنتي عاوزاني أسيبه كيف!
قال إخلاص بغضب ساخرة:
_ جوزك وأبو عيالك!!.. اللي مرضيش يديكي عيالك امبارح وقالك هتمشي يبقى تمشي وحدك صُح ولا لا؟!!
أجفلت فريال نظرها بحزن وقالت محاولة الدفاع عنه:
_ لا هو قال إكده عشان كان متعصب.. لكن ميقدرش يبعدني عن عيالي أنا عارفة چلال وهو هيبعتهم ليا بعدين.
ابتسمت أمها وقالت مستهزئة بغضب:
_ لساتك بتدافعي عنه ومش عاوزة تصدقي أنه هو وناسه شياطين وكانوا عاوزين يقتلوا أبوكي وأخوكي وهما ملهمش ذنب في اللي حُصل لخليل.
قالت مسرعة بألم رافضة تصديق أي سوء عنه:
_ لا چلال مش وحش ياما والله.. هو بيعمل إكده عشان فاكر أن أبوي هو اللي قتل عمي خليل.. لكن مسيره يعرف الحقيقة وأنه غلطان.
هبت إخلاص واقفة وصاحت بها منفعلة:
_ خلص الكلام يافريال وكل حاجة خلصت.. أبوكي مصمم أن يطلقك منه.
اتسعت عيني فريال بصدمة وقالت مسرعة رافضة وبخوف:
_ بس أنا مش عاوزة اتطلق ياما!!
إخلاص بقسوة وغضب:
_ هو ده الصح لا أنا ولا أبوكي هنرچعوكي بيت خليل صفوان تاني خلاص.. معدتش هطمن عليكي وأنتي وسط الشياطين دول ووسط چليلة وبتها الحرباية.. هتطلقي منه يا فريال.
كانت تستمع لكلمات أمها بعينان متسعة فاغرة فمها. وأخذت دموعها تأخذ طريقها لوجنتيها بغزارة. أصابتها وغزة مؤلمة في قلبها من مجرد فكرة الانفصال عنه للأبد!
***
يقود جلال خطواته السريعة ثائرًا تجاه مخزن إبراهيم الصاوي بعدما عرف أن عمران هناك. وكان خلفه كل من عمه وجده. هم الثلاثة ينون الثأر لشرفهم الذي لطخته ابنتهم مع ابن إبراهيم.
دفع جلال باب المخزن بكل قوته ودخل ليجد عمران يجلس مع والده ويتحدثون. تلاقت نظراتهم المتعجبة مع نظرات رجال عائلة خليل النارية وبالأخص جلال الذي يثبتها على عمران. وبظرف لحظة اندفع نحوه ثائرًا ووجه له لكمة عنيفة اختل توازنه على أثرها وكاد أن يسقط لولا أنه تدارك نفسه بسرعة في الأخيرة. ليلقي نظرة مميتة على جلال الذي لم يمهله الفرصة وعاد يوجه له لكمة أخرى صارخًا:
_ كان لازم اقتلك أنت وأبوك من بدري قبل ما تضحك على اختي يا****.
صاح إبراهيم بعصبية بعدما وجد هجوم جلال على ابنه:
_ اتچنيت في عقلك ولا إيه ياچلال.
انتصب عمران في وقفته ورفع أنامله لفمه يمسح الدماء التي سالت منه، ثم ألقى عليهم نظرة قاتلة لا تبشر بالخير أبدًا، بل بدا وكأنه هدوء ما قبل العاصفة. بينما حمزة فصاح بصوته الرجولي الخشن وهو يندفع نحو إبراهيم صائحًا:
_ ودع ولدك يا إبراهيم عشان مهتشفهوش تاني.
نقل إبراهيم نظره بينهم بدهشة وقلق بسيط، لكن سرعان ما أشار بيده من الخلف للشاب الذي يعمل عندهم إشارة لم يفهمها سواه. أخرج منصور سلاحه من جيبه واندفع نحو عمران يرفع سلاحه ويصوبه تجاه رأسه مباشرة هاتفًا:
_ اتشاهد على روحك ياواد الصاوي.
رمقه عمران بنظرة مرعبة وثاقبة وبحركة مباغتة جذب السلاح من يده وصوبه تجاه رأسه هاتفًا بنظرة شيطانية:
_ وأنا عندي استعداد افرغ الطبنچة دي في نفوخك يامنصور.
استشاط جلال وأصبح كالوحش المفترس، وكان على وشك أن يندفع هو تجاه عمران لكي يأخذ روحه بيده وينتقم لولده وشرف عائلته، لكنه تصلب حين شعر بسلاح يلمس رأسه من الخلف. واستدار ليجد شابين أحدهم يوجه السلاح تجاه رأسه والآخر تجاه رأس جده! وفجأة دوى صوت طلق ناري من سلاح إبراهيم بالهواء وهو يهتف:
_ چايين ترفعوا السلاح عليا أنا وولدي!
رمقه حمزة بعين نارية وقال:
_ أنت وولدك بتلعبوا في عداد عمركم معانا وقريب قوي هنعرفوكم مين عيلة خليلة صفوان يا إبراهيم.. ولدك غلط مع بتنا وحقنا وشرفنا هناخده.
ضيق إبراهيم عيناه باستغراب، لكن عمران كان جامدًا كأنه لا يهتم للأمر من الأساس. لكن جلال ألقى عليه نظرة متوعدة واقترب منه يهمس بوعيد حقيقي:
_ موتك هيكون على يدي ياعمران قريب.. شرفنا اللي لطخته أنت وهي هتدفع تمنه غالي قوي.
ألقى حمزة نظرة على هؤلاء الشباب وعلى عمران وإبراهيم، ثم صاح بالأخير في غضب:
_ منصور.. چلال يلا.
ثم نظر لابراهيم ورفع سبابته بوجهه هاتفا بلهجة لا تحمل المزاح كلها وعيد:
_ خليك فاكر زين أن كيف ما الحرب بدأت من عندك يا ابراهيم الصاوي هتنتهي عندك.
أنهى عبارته واستدار ليغادر، ولحق به منصور الذي كانت نظراته كلها وعيد شيطاني لابراهيم، على عكس جلال الذي نظراته كانت موجهة لعمران قبل أن يستدير ويغادر هو الآخر خلف عمه وجده!
***
بعد نصف ساعة تقريبًا من رحيل رجال عائلة صفوان.....
اقتحم بلال باب المخزن واندفع نحو أخيه يهتف بجدية:
_ عــمــران!!!
قطع حديثه مع أبيه الذي كان حول ما حدث منذ نصف ساعة والتفت تجاه أخيه الذي وقف أمامه ومد يده له بالهاتف يقول بصدمة وغضب:
_ إيه ده ياخوي؟!
نقل عمران نظره بين الهاتف وبين نظرات أخيه الغاضبة. ثم جذب الهاتف من يده وتطلع بشاشته ليرى صورته مع آسيا. احتقنت نظراته بالغضب ثم راح يقلب بين بقية الصور بذهول، فقد أدرك للتو سبب هجوم جلال وعائلته وتهديدهم له بالقتل.
نقل إبراهيم نظره بين ولديه بعدم فهم، ثم جذب الهاتف من يد عمران بقوة لينظر إلى ما يتطلع إليه. فتصيبه الصدمة وهو يقلب بين الصور والتهبت نظراته ليصيح بعدها بابنه:
_ إيه ده ياعمران!
هتف بلال موضحًا بانزعاج كامل:
_ الصور دي وصلتلي من رقم غريب معرفوش ولما رنيت عليه كان مقفول.. اللي في الصور ده صُح ياعمران؟!!
صاح عمران بانفعال شديد وهو يثب واقفًا:
_ لا مش صُح طبعًا.. مفيش حاجة بيني وبينها ده في حد ابـ***** عامل الصور دي.
صاح إبراهيم بعصبية وعدم استيعاب:
_ مش صُح كيف يعني واللي شايفينه قصاد عيونا في الصور ده إيه.. واللي عملوه ناسها من شوية اتاريهم عشان إكده كانوا بيقولوا مسألة شرف.
رمق عمران أبيه بقوة وقال بصوت رجولي مخيف:
_ قولتلك يابوي معرفش حاجة أنا كِيفكم اول مرة اشوف الصور دي.. بعدين مش ولدك اللي يروح يغلط في الحرام مع واحدة ومع بت خليل صفوان كمان.
قال بلال بنظرة مشتعلة:
_ ومين له يد يعمل إكده يعني؟
سكت عمران وراح يمسح على رأسه نزولًا إلى وجهه وهو يزفر النيران من بين شفتيه. وتذكر مقابلته لها. يبدو أن أحدهم كان يتعقبهم والتقط لهم هذه الصور. لو علم هوية ذلك الشخص سيأخذ روحه بيده!
استقام إبراهيم واقفًا وهتف بلهجة حازمة لابنه:
_ عمران قول الحقيقة ياولدي.. ده مش شرف ناس خليل صفوان بس لا ده شرفنا واللي هيمسهم هيمسنا.. چلال مش هيسكت.
اظلمت عيني عمران وصرخ بصوت جهوري:
_ چرا إيه يابوي هو أنا هكدب عليك يعني.. قولتلك معرفش حاجة وأنت عارف زين إني مبخفش ولو عملتها هقول قصاد الكل.
ألقى نظرة متفحصة على ابنه، فهو كما قال لا يخشى شيء وليس من شيمه الكذب أبدًا. وإذا قال أنه لم يفعل إذًا هو لم يفعلها حقًا. لكنهم جميعًا تبادلوا النظرات بينهم بحيرة يفكرون فيما سيفعلون بتلك الكارثة!
***
أصبحت الساعة السادسة مساءًا ومازالت كما هي بأرضها منذ الصباح بنفس المكان الذي تلقت فيه عقابًا على ذنب لم تقترفه من أخيها وعمها. وجهها تتوزع فيه كدمات خفيفة من أثر الضرب وشفتيها متورمة. لكن كل هذا الألم لم يكن شيء أمام جروح قلبها بعدما رأت الجميع ضدها ولم يخرج شخص واحد من بينهم لينصفها ويقول أنا أصدقها. جميعهم كانوا جلادين وهي مجرمة وتستحق الموت. نظرات الاحتقار الذي كانت بعيناهم قتلتها ألف مرة. وغضب أخيها وتهديده لها بأنه سيقتلها ليثأر لشرفهم الذي لطخته جعلها ترغب بقتل نفسها قبلهم.
قضت النهار كله تبكي وتناجي ربها أن يخرجها من ذلك الوحل الذي سقطت فيه ظلمًا. وكلما تتذكر أبيها يزداد نحيبها، فلو كان موجودًا لما سمح لهم وكان سيقف كالسد المنيع بظهرها ليحميها من الجميع.
بينما في الخارج، تسللت خلود لغرفة آسيا خلسة بعدما نجحت في سرقة مفتاح غرفتها دون أن يلاحظها أحد. وفتحت الباب ثم دخلت لها بسرعة وأغلقت الباب خلفها. نظرت وابتسمت بتشفي حين رأتها تجلس على الأرض منكمشة وضامة قدميها لصدرها وتحتضنهم بذراعيها وهي تحدق في الفراغ بصمت كالصنم الذي لا روح فيه. ضعفها وعجزها أصابها بالانتشاء أنها أخيرًا انتقمت منها لما سببته من قهر وذل وإهانة تعرضت له من عائلتها بسببها!
لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها واختفت حين رأت آسيا ترفع رأسها وتنظر لها بنظرة سرت رعشة عنيفة على أثرها بجسدها. كانت تمامًا كالشبح الذي عاد للحياة لكي ينتقم.
وبكامل التريث استقامت واقفة على قدميها وتقدمت نحو خلود التي كانت تحاول إخفاء خوفها منها والبقاء صامدة. لكن آسيا كانت مرعبة بشكل لا يوصف وعيناها ثاقبة عليها دون أن ترمش. وفور وصولها لها وقفت أمامها وطالعتها للحظات قصيرة. قبل أن تدفعها بكامل قوتها لتسقط خلود على الأرض وتصطدم رأسها بخشب الفراش فتصرخ بألم. ولم تمهلها آسيا اللحظة لكي تتألم حتى بل غارت عليها وجذبتها من شعرها تهتف لها بفحيح مرعب ووعيد:
_ ورحمة أبويا لأدفعك تمن اللي عملتيه ده.. مبقاش بنت خليل صفوان أما خليتك تتمني الموت كيفي دلوك ألف مرة ياخلود.
صاحت بها خلود في ألم:
_ ده لو لحقتي تعملي حاجة أساسًا ومقتلوكيش بعد اللي عملتيه.
ابتسمت آسيا بشر وقالت بنظرة تسبح في الجحيم:
_ لو مُت هكون أنا العفريت اللي هيلازمك أنتي وصاحية ونايمة.
ظهر الرعب على وجه خلود بوضوح ودفعت آسيا بعيدًا عنها بعنف ثم استقامت واقفة وهرولت مغادرة غرفتها غير مكترثة لجرح رأسها والدماء التي تسيل منه!
***
فتح جلال باب غرفته ودخل ثم دفع الباب خلفه برفق لينغلق. قاد خطواته تجاه الفراش يجلس فوقه ثم انحنى مستندًا بمرفقيه فوق قدميه دافنًا وجهه بين راحتي يديه. يشعر بقلبه ينسحق تحت الألم والغضب. كل المصائب سقطت تباعًا فوق رأسه دون أن تمهله الفرصة ليتداركها. فتركته محصورًا بينهم لا يعرف للنجاة طريق. هل عليه أن ينشغل بكارثة شقيقته أم يفكر فيما سيفعله مع زوجته التي هجرته. تركته الحوادث القاسية على حافة الهاوية وأن سقط فسيكون مصيره إما الموت أو الجنون.
تلفت حوله في الغرفة الفارغة من زوجته وحبيبته فتلألأت عيناه بالعبرات. كانت ملجأه الوحيد الذي يلوذ إليه كلما ضاقت عليه الحياة لكنها تخلت عنه وفضلت شقيقها الذي لطخ شرفهم وشرف شقيقته وأبيها الذي قتل والده.
ارتفع صوت طرق الباب الهادئ المصحوب بصوت معاذ وهو يقول:
_ أبوي ندخل؟!
أسرع ورفع أنامله يمسح عيناه من الدموع ليخرج صوته قويًا على عكس داخله:
_ تعالى.
فتح الباب ودخل وكان خلفه أخيه الصغير الذي أسرع وجلس بجوار أبيه يطالعه مطولًا بحزن. وانضم له أخيه الكبير وهو يجلس على الجانب الآخر يسأل بضيق:
_ أبوي هي أمي راحت عند بيت چدي إبراهيم ليه؟
دار برأسه بين ولديه يطالعهم بحنو ثم قال في هدوء:
_ أمكم هتقعد في بيت چدكم.
سأل عمار بدهشة وحزن:
_ هتقعد لغاية ميتا؟
زم جلال شفتيه بجهل وهتف:
_ معرفش ياولدي.
معاذ بعدم فهم وشجن:
_ طب هي ليه سابت بيتنا وراحت هناك؟
تنفس الصعداء بخنق وهتف دون أن يفصح بالحقيقة لطفليه:
_ مضايقة مني عشان إكده راحت تقعد في بيت چدكم.
ظهر العبوس واليأس على وجهي الطفلين فابتسم لهم وقال بترقب يسأل ابنه الأكبر:
_ عاوز تروح تقعد مع أمك يا معاذ؟
هز رأسه بالنفي وأجاب على أبيه في ثبات:
_ لا يابوي أنا مبحبش اقعد في بيت چدي إبراهيم.. أنا هقعد في بيتنا إهنه لغاية ما أمي ترجع.
لمعت عيني جلال بدفء وسعادة من كلمات ابنه ثم انحنى عليه وقبَّل شعره هامسًا بفخر:
_ راچل من ضهر راچل يا ولدي.. الراچل الصُح ميسبش بيته ويروح يقعد في مكان تاني.
ثم ابتعد عن معاذ والتفت تجاه عمار يسأله بكامل الحنو:
_ وأنت ياعمار عاوز تروح ولا لا؟
كانت إجابته مشابهة لأخيه حيث قال رافضًا:
_ لا هقعد معاك أنت ومعاذ يابوي وبكرا هنروح لأمي وهنخليها ترجع معانا بيتنا.
ابتسم لهم بحب أبوي صادق وانحنى على ابنه يضمه ويقبله هاتفًا في صوت يحمل بحة رجولية حزينة:
_ أنتوا ضهري وسندي في الدنيا دي.. لما اقع هلاقي ولادي رچالة تسندني من تاني عشان اقفقال.
قال معاذ بلهجة لا تناسب طفل أبدًا بل كلها قوة وحب عميق لأبيه:
_ ربنا يخليك لينا يابوي.
ابتسم له وضمه هو الآخر لصدره يقبله ثم قال بنبرة جادة يوجه حديثه لكلاهما:
_ بكرا الصبح روحوا لأمكم اطمنوا عليها واقعدوا معاها شوية وشوفوها لو محتاچة حاجة.
قال معاذ موافقًا يمتثل لأوامر أبيه:
_ حاضر يابوي.
***
داخل غرفة الصالون الكبيرة بمنزل إبراهيم الصاوي....
كان عمران يجلس مع أبيه بمفرده الذي هتف في انزعاج تام:
_ والعمل دلوك ياعمران هنعملوا إيه؟
مسح على وجهه وهو يتأفف بقوة يقول بغيظ محاولًا تمالك أعصابه:
_ معرفش يا ابوي سيبني افكر شوية واشوف هنعملوا إيه.. أنا دماغي هتنفجر من وقت ما شوفت الصور دي.
صاح ابراهيم بغضب:
_ مفيش وقت للتفكير، لو الصور دي وقعت في يد حد.. الفضيحة هتطولنا احنا كمان.. وچلال مهيسكتش وممكن يحاول يقتلك صُح كيف ما هددك.
هز رأسه بالنفي غير مهتمًا بتهديدات جلال له فهو لا يخشاه. فقط يخشى أن تنتشر تلك الصور بين الناس، حيث قال بحدة:
_ مفيش حل غير إننا نعرف مين اللي عمل الصور دي.
سكت إبراهيم للحظات يفكر بذكاء فيما يجول برأسه حتى حسم قراره وقال بصرامة:
_ أو في حل تاني أسرع وأضمن عشان نضمن أن محدش من عيلة خليل صفوان يحاول يأذيك ولا فضيحة تطولنا.. بدل ما نستنى لغاية ما نعرف مين اللي عمل إكده.
ضيق عيناه بحيرة وأعطى كامل انتباهه لأبيه حيث سأله بفضول:
_ حل إيه ده؟
هتف إبراهيم بثبات ونظرة ثاقبة:
_ تتچوزها!
......... نهاية الفصل .........
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل التاسع 9 - بقلم ندى محمود توفيق
وقعت أثر كلمة أبيه الأخيرة عليه كالصاعقة، وسرعان ما تقوست ملامحه بسخط شديد وقال بنبرة رجولية مخيفة:
_ إيه اللي بتقوله ده يابوي.. أتجوزها إيه!
إبراهيم بنظرة قوية ونبرة رخيمة يحاول إقناعه:
_ مؤقتًا ياعمران تتجوزها وبعدين ابقى طلقها.. ولا أنت عاوزهم يقتلوك ياولدي.
صرخ بأبيه منفعلًا:
_ يقتلوني لو أنا غلطت مع بتهم صح ووقتها ابقى لازم اتجوزها واتستر عليها وادفع تمن غلطتي.. لكن لما أكون معملتش حاجة يبقى هما اللي يخافوا مني.
تأفف إبراهيم بنفاذ صبر وقال في غيظ:
_ افهم الكلام زين وبلاش عند.. متستهونش بيهم ياولدي هما مش ساهلين برضك وأنا خايف عليك. اسمع كلامي وخليني اكلمهم واقولهم أنك هتتجوزها وتستر عليها مفيش حاجة غير دي اللي هتخليهم يهدوا بعد الصور اللي شافوها.
التزم عمران الصمت وهو يشتعل من فرط الغيظ والغضب، فتابع أبوه وهو يترجاه بلطف:
_ مفيهاش حاجة ياولدي لما تتجوزها كام شهر وبعدين طلقها.. عشان سمعتنا وعشان قيمتك وسط الخلق. اسمع كلامي ياعمران.
مازال الصمت يستحوذ عليه وهو يفكر بما يقوله والده، وحين تأنى في التفكير لدقائق شعر أنها فكرة ليست بكل هذا السوء، فقد تكون فرصة سنحت له للانتقام منها على محاولتها لقتله. سينقذ عائلته ونفسه من العار وسينتقم.
تنهد بقوة وقال في صوت غليظ يحمل في ثناياه غموضًا مخيفًا:
_ طيب يابوي موافق خلاص.
ابتسم إبراهيم براحة وقال:
_ زين.. بكرا هروح واتكلم مع حمزة وجلال ومنصور عشان نفضوا الموضوع ده ونشوف هيتم الجواز ميتا.
ضغط على كف يده بعنف حتى لا ينفجر من فرط الغضب، بداخله يتوعد للجميع وبالمقدمة آسيا التي هي سبب كل هذه الأزمات.
***
اندفعت داخل غرفتها وهي عبارة عن جمرة مشتعلة من النيران، رغم كل ما حدث لها وما فعلوه بها مازالت تهددها. تلك ساحرة لا يؤثر بها شيء وكأنها تتغذى على المصائب بل وتجعلها أقوى. كانت تتوقع أنها حين تدخل غرفتها ستجدها ضمن عداد الموتى، لكنها كالقط بسبعة أرواح!
ستظل تنتظر بقية العقاب الذي سيطولها منهم، فهي لم تتلقى سوى الدفعة الأولى فقط من سطوة رجال العائلة. عل المرة القادمة يكسروا أضلعها كلها حتى تعجز عن الحركة تمامًا.
كانت كلها أفكار يملأها الغل والحقد تدور برأس خلود، التي تقف أمام المرآة بغرفتها وبيدها قطنة صغيرة تمسح دماء رأسها أثر اصطدامها بالفراش ولسانها لا يتوقف عن السب واللعن على آسيا. لكنها انتفضت بفزع وألقت القطنة من يدها حين رأت باب الغرفة ينفتح وتدخل أمها، التي فور رؤيتها لجرح رأسها صرخت وهرولت إليها تهتف:
_ إيه اللي عمل فيكي إكده يابت؟
تلعثمت ولم تعرف بماذا تجيب، فإن اخبرتها أنها دخلت لغرفة آسيا خلسة وسرقت المفتاح من غرفة جلال حتمًا لن تسلم من توبيخها وربما عقابها أيضًا. فلجأت بآخر الأمر إلى الكذب كأسلم حل، حيث قالت بنبرة عادية:
_ مفيش حاجة ياما ده أنا وقعت واتخبطت في راسي بس.
إنصاف بقلق وتعجب:
_ وقعتي وين وكيف؟
ابتسمت بتوتر وأشارت على الفراش هاتفة بإيجاز لكي تتهرب من أسألتها:
_ في الأوضة إهنه وقعت واتخبطت في حرف السرير.. متقلقيش أنا زينة ده جرح خفيف.
تطلعت بتمعن في رأسها فرأت أنه جرح بسيط بالفعل، فتنهدت بارتياح وقالت في فضول ولهجة ماكرة:
_ متعرفيش حاجة عن عملة آسيا ولا هيعملوا فيها إيه؟
لوت فمها بقرف وقالت بغل:
_ لا معرفش أنا زي زيك.. ياكش يقتلوها ويريحونا منها.
هتفت إنصاف باسمة:
_ أبوكي وجدك وجلال مش شايفين قصادهم من وقت ما عرفوا.. هاين عليهم يقتلوها صح كيف ما بتقولي.. ياخوفي لحد يعملها فيهم!
همست لنفسها باشمئزاز وتمني:
_ يارب يعملوها قريب.
قالت عبارتها بينها وبين نفسها، ثم اندفعت لخارج غرفتها تقصد الحمام حتى تغسل وجهها وتركت أمها بمفردها في غرفتها.
***
اعتدلت فريال في نومتها وهبت جالسة فور سماعها لصوت طرق الباب المصحوب بصوت عمران:
_ فريال أنتي صاحية؟
ردت بصوتها الرقيق مبتسمة:
_ تعالى ياعمران.
فتح الباب ببطء ودخل وهو يطالعها بابتسامة دافئة، ثم اقترب منها وجلس بجوارها على الفراش ينظر لعيناها المتورمة من فرط البكاء بضيق، ثم تمتم بجدية:
_ خير عاد إيه اللي حصل خلاكي تسبيه وتاجي إهنه؟
أجفلت نظرها عنه وتمتمت بأسى:
_ ده اللي كان المفروض يحصل من زمان ياخوي.
ابتسم لها وقال ببعض السخرية موضحًا أنه لا يصدقها:
_ وراحت وين اللي كانت في المستشفى من كام يوم بتدافع عنه قصادي وبتقولي أنها بتحبه ومتقدرش تبعد عنه!
لمعت عيناها بالعبرات وقالت في صوت مبحوح:
_ ولساتني بحبه قوي ياعمران.
عمران بعدم فهم وحزم:
_ طب أمال سبتيه ليه عاد؟
لم تقوى على الإجابة واكتفت بالصمت ودموعها التي انهمرت بغزارة فوق وجنتيها. ليتنهد عمران بقوة ويضمها لصدره في حنو متممًا:
_ طب متقوليش خلاص براحتك لما تهدي تبقى تفهميني اللي حصل.. بزيادة بكا ياحبيبتي.
هزت رأسها بالإيجاب ثم ابتعدت عنه وكفكفت دموعها مبتسمة لتقول بمرح غامزة له:
_ أمها دعيالها اللي هتكون من نصيبك ياخوي.. مهتلاقيش في حنيتك ولا حبك ليها.
سكت للحظة وجال بعقله حديثه مع والده قبل أن يأتي لها، فتجهم وجهه وأظلمت عيناه ليقول بوعيد:
_ قصدك داعية عليها.
رمقته باستغراب وعدم فهم، لكنه سرعان ما تدارك الأمر وابتسم لها وهو يملس على شعرها برفق متممًا:
_ قومي اغسلي وشك وصلي ركتين لله واقري شوية قرآن وهتهدي وبعدين نامي.
اماءت له بالموافقة وهي تبتسم، فاستقام هو واقفًا متجهًا لخارج الغرفة يتركها تتابعه بحيرة من عبارته التي تفوه بها. لوهلة شعرت بالخوف من ملامح وجهه وعيناه حين ذكرت الزواج وزوجته المستقبلية!
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا بغرفة الصالون الكبيرة كان يجلس إبراهيم مع كل من حمزة ومنصور وجلال، وهم يرمقونه بنظرات مميتة. فقد سمحوا له بالدخول لمنزلهم فقط لأنه أخبرهم أنه لديه ما سيقوله وهو مهم وأنه وجد حلًا لتلك الكارثة التي اصابتهم هما الاثنين.
قال منصور ساخرًا بنظرة قاتلة:
_ إيه يا إبراهيم جيت للموت برجليك؟
تنفس مطولًا وقال بحزم:
_ محدش فينا عاوز موت تاني يامنصور.. ومحدش عاوز يخسر أحبابه.
ثم التزم الصمت للحظة وتابع على مضض:
_ اللي صور الصور دي حد قاصد يأذيكم ويأذينا.. وأنا معاوزش دم ولا أنتو عاوزين الفضيحة.. عشان إكده أنا جاي اقولكم أن ولدي مستعد يتجوز بتكم ويصلح الغلط وكمان نبقى نفدنا احنا الاتنين من العار والفضيحة.
استشاط جلال غيظًا وصاح منفعلًا:
_ ولدك يعمل عملته ويضحك عليها وبعدين يقول هتجوزها! .. واحنا هنوافق بكل سهولة صح؟
نقل إبراهيم نظره بين حمزة ومنصور منتظرًا منهم رد، لكن الصمت كان إجابتهم، فعاد ينظره لجلال وقال في جدية:
_ ده أفضل حل ياجلال.. قتلكم لولدي مش هيفيدكم بحاجة ومش هيداري على الفضيحة لا ده هيخلي الخلق كلها تعرف.. والعار هيلبسكم.. لكن الجواز هو اللي هيحل كل ده والموضوه هيتقفل وينتهى على إكده.
انتصب منصور في جلسته وكان على وشك أن يثور عليه بعصبيته، لكن حمزة قاطعهم وهتف بصوت مختنق وقلب منفطر:
_ عنده حق ياجلال ياولدي.. الجواز هو احسن قرار في الوضع ده. لو مدريناش على الفضيحة دي مش هنقدر نرفع راسنا قدام الخلق تاني.
صرخ منصور بعدم رحمة منفعلًا:
_ يبقى نقتلهم هما الاتنين ونغسل عارنا بيدنا يابوي.
ضرب حمزة بعصاه الغليظة على الأرض صائحًا بلهجة صارمة:
_ خلص الكلام يا منصور.. وقولت الجواز هيتم.
كان جلال يجلس ودمائه تغلي في عروقه، فبرغم رفضه لتلك الزيجة إلا أنه لا يستطيع الاعتراض، فما يقوله جده صحيح. هو لن يستطيع قتل شقيقته مهما فعل، ولذلك يجب أن يوافق على زواجها منه لكي ينقذ نفسه وعائلته من العار.
تنهد إبراهيم الراحة وشعر بالسعادة الداخلية ليقول بحزم:
_ الوقت اللي تحبوا الجواز يتم فيه احنا معاكم أن شاء الله لو بكرا.
هتف حمزة بقوة بلهجة لا تقبل النقاش:
_ بكرا زين.. خلينا نخلصوا قبل ما حد يدرى بالموضوع.. بكرا تعالى وهات ولدك والمأذون عشان يكتب.
لم يتعجب إبراهيم من استعجالهم بل بالعكس، فهذا المتوقع. ليتوقف أخيرًا وهو يومئ بالموافقة هاتفًا:
_ بالأذن ياحج حمزة.
والتفت يسير تجاه الباب، لكن فور مروره من أمام جلال قبض على ذراعه بعنف وأوقفه هامسًا له بغل:
_ ولدك اتكتبله عمر جديد أحمد ربك أن قتله مش هيفيدنا بحاجة صح وإلا كان زمانك بتجهزله كفنه دلوك.
لم يجيب عليه واكتفى بنظرته المطولة والغاضبة لجلال قبل أن ينزع ذراعه من قبضته ويكمل طريقه لخارج الغرفة ومنها من المنزل بأكمله.
***
نهضت من فراشها واستقامت واقفة على قدميها حين سمعت صوت طرق الباب وقادت خطواتها ببطء تجاهه. ثم فتحته بكل هدوء وإذا بها تقابل أولادها أمامها وهم يتطلعون إليها ببسمة حانية كلها شوق. اتسعت عيناها بصدمة وسرعان ما جثت على ركبتيها أمامهم وفردت ذراعيها لتضمهم لصدرها هاتفة بصوت مبحوح يغلبه البكاء:
_ حبايب قلبي.. اتوحشتكم قوى.
هتف عمار باسمًا وهو بين ذراعين أمه:
_ وأنتي كمان ياما وحشتينا قوي.
ابتعدت فريال عنهم وأخذت تتمعن النظر في وجهيهم وأناملها تتحرك بعفوية على شعرهم، ثم همست في قلق وحب أمومي صادق:
_ طمنوني أنتوا كويسين.. بتاكلوا زين وفي حد ضايقكوا ولا لا؟
خرج صوت معاذ وهو يهز رأسه بالنفي ويقول بجدية لا تليق على طفل أبدًا:
_ احنا بخير ياما.. بس جينا عشان ناخدك ونرجع بيتنا.
ظهر العبوس على ملامحها وانطفأ بريق عيناها من جديد. فأخذت تتنقل بنظرها على معالمهم فرأت الحزن والتوسل في عين ابنها الصغير والضيق والإصرار في عين الأكبر. شعرت بغصة مريرة في حلقها وقالت بأمل:
_ أبوكم اللي بعتكم عشان تجيبوني؟
للمرة الثانية يهز معاذ رأسه بالنفي هاتفًا في صدق:
_ لا أبويا ملوش صالح احنا اللي جينا عشان ناخدك..
هو قالنا بس إنك هملتي بيتنا عشان زعلانة منه.
أطرقت رأسها أرضًا، محاولة السيطرة على دموعها التي تجمعت بمقلتيها. وبعد برهة من الوقت، رفعت رأسها لطفليها وسألتهم بشوق:
_ مقالكمش إنه هييجي ياخدني؟
هنا تحدث عمار بدلًا من أخيه الكبير، وهو يهز بالنفي لأمه ويسألها بحزن:
_ هو أنتي مش هترجعي معانا يا أمي؟
رفعت أناملها تمسح الدموع المتجمعة في عينيها، وحاوطت ابنها بذراعيه هاتفة ببسمة حانية:
_ مش هينفع يا عمار.. بس أنت وأخوك هتيجوا تقعدوا معايا صح؟
علت ملامح الصغير اليأس وقال في جزع:
_ بس إحنا مش بنحب نقعد هنا يا أمي.. تعالي معانا ونرجع بيتنا، أبوس إيدك.
ألم بسيط اخترق صدرها واستقر في قلبها، بعدما أوضح صغيرها عدم رغبتهم في البقاء بمنزل جدهم معها. ونقلت نظرها بين عمار ومعاذ بلوعة، لتهز رأسها بالتفهم بعد وقت طويل نسبيًا، رغم أن دموعها حصلت على حريتها أخيرًا لتنطلق فوق وجنتيها. وقالت في خفوت مؤلم:
_ مش هقدر أرجع يا عمار دلوقتي.. خليكم أنتوا مع أبوكم لحد ما أرجع، طالما مش عاوزين تقعدوا في بيت جدكم هنا.
انزعج معاذ وقال بخنق:
_ بس يا أمي آآآ...
اقتربت منه واحتضنت وجهه بين كفيها، متمتمة ببسمة تحمل من الحب والدفء ما يجعل أي طفل ينصاع خلف أمه:
_ اسمع الكلام يا حبيبي وبلاش عناد. أنت الكبير وأنا بقول عليك فاهم وعاقل.. إن شاء الله هرجع قريب، لكن دلوقتي أنت مهمتك تاخد بالك من أخوك وتيجوني كل يوم عشان أشوفكم، اتفقنا؟
غامت عين عمار بالدموع، وراح يرتتمي على أمه بين ثنايا صدرها يعانقها بقوة، هاتفا:
_ أنا زعلان منك يا أمي عشان هتسبينا وحدينا.
لمعت عيناها بالعبرات مجددًا، وضمت ابنها لصدرها أكثر، متمتمة بلطف:
_ أنا مش هسيبكم وحدكم يا عمار، بعدين أنتوا رجالة وميتخافش عليكم، وهتقعدوا مع أبوكم لحد ما أرجع.
قال معاذ بعين دامعة ووجه بائس:
_ يعني مش هتطولي؟
فردت ذراعها الآخر وجذبت معاذ لصدرها أيضًا، مجيبة عليه وهي تقبل شعره:
_ إن شاء الله مش هطول.
سكن الطفلان بين ذراعي أمهما، متلذذين بشعور يدها الناعمة وهي تملس فوق شعرهم بحب.. بينما هي، فعينيها كانت لا تتوقف ذرف الدموع.
***
بعد مرور ساعات قليلة، داخل منزل إبراهيم الصاوي، كانت العائلة كلها متجمعة داخل غرفة المجلس الكبيرة، بعدما طلب إبراهيم من الجميع أن يحضروا وينتظروه في الغرفة لرغبته في إخبارهم بأمر هام. وكانوا جميعهم يتبادلون أطراف الحديث باستمتاع فيما بينهم، باستثناء إخلاص وفريال، حيث كانت نظراتهم عالقة على عمران الصامت، عيناه تحدق في الفراغ بشكل مريب، وملامحه شرسة ومخيفة، كأنه يجلس مجبرًا وفقط ينتظر وصول أبيه لكي يبدأ ويخبرهم، وبعدها يغادر فورًا.
وقفت إخلاص وتحركت نحوه، ثم جلست بجواره وانحنت عليه تسأله بقلق:
_ في إيه يا عمران؟ هو أبوك عاوز يقولنا إيه، وأنت مالك متعصب كده ليه؟
رمق أمه بنظرة قوية وقال مقتضبًا:
_ لما ييجي هتعرفي يا أمي عاوز يقول إيه، الحاج.
ضيقت عيناها من أسلوبه الغريب، وراحت تلتفت برأسها تجاه ابنتها ترمقها بعدم فهم، لتهز فريال كتفيها بجهل مثلها وتشير لها بيدها أن تتركه وتعود بجوارها. ففعلت مضطرة، ونهضت لتعود إلى مقعدها من جديد، وراحت تهتف بأذن ابنتها:
_ في حاجة كبيرة حصلت يا فريال.. أخوكي مش طبيعي، وأبوكي مش هيجمعنا كده إلا لو كان الموضوع كبير صح؟
تنهدت فريال بخوف وهتفت:
_ ربنا يستر يا أمي، أدينا مستنيين أبوي لما ييجي ويقولنا في إيه!
ولم يدم انتظارهم طويلًا، حيث وصل إبراهيم بعد دقائق ودخل ليجلس على مقعده في المنتصف، وينقل نظره بينهم بدقة. يرى نظرات الغضب والشر بعين ابنه، عكس زوجاته وابنته يتملكهم الفضول القاتل. أما بلال، فكان الخنق واضحًا على ملامحه، وبشار وعبد العزيز، كانت ملامحهم جامدة، فقط ينتظرون معرفة ما يود إخبارهم به.
ليقول أخيرًا، بعد تنهيدة طويلة وبعدما ألقى نظرة ثاقبة على عمران وبلال:
_ النهاردة روحت لناس خليل صفوان، واتكلمت معاهم عشان المشاكل الأخيرة اللي حصلت، حتى بعد ما عملنا الصلح.
قاطعه عبد العزيز وقال بحدة:
_ إحنا علمنا الصلح وخلاص يا خوي، له إيه لازمة إنك تروح لهم تاني، ولوحدك كمان!
تابع إبراهيم بثبات تام وصوت غليظ:
_ مكنش له لازمة يا خوي، أخد حد منكم معايا. هو موضوع بسيط وإحنا اتفقنا ولقينا الحل لكل المشاكل دي عشان ننهيها واصل.
نقل بشار نظره بين عمه وعمران باستغراب ليسأل:
_ حل إيه ده يا عمي؟
التزم إبراهيم الصمت للحظة ليجيب على ابن أخيه بحزم:
_ هننهي الـ***** والـ**** دي بالنسب.
تبادلوا النظرات فيما بينهم بعدم فهم، ليهتف عبد العزيز بنبرة رجولية حادة:
_ نسب إيه تاني، مش بزيادة نسبنا معاهم وبتك متجوزة جلال، وهي رجعتلك تاني عشان تتطلق.. عاوز إيه تاني يا إبراهيم!
أجاب على أخيه بكل بساطة:
_ بتي متجوزة جلال من قبل ما يموت خليل بسنين ومن زمان قوي، وده ملوش صالح. لكن النسب اللي هيحصل دلوقتي هيكون لمصلحتنا كلنا، وهننهي بيه الـ**"** واصل.
خرج صوت فريال من بينهم تسأله بترقب، وقد توقعت ما ينوي فعله وتمنت أن يكون توقعها خطأ:
_ قصدك إيه يا بوي!
أدرك إبراهيم أن ابنته أدركت قراره هو وأخيه، فتنهد مطولًا وقال بصوت صلب لا يقبل الجدال:
_ يعني عمران هيتجوز بت خليل.
اتسعت العيون في صدمة، باستثناء بلال وعمران، الذي كان الجمود يستحوذهم. لكن فجأة، صدح صوت إخلاص المرتفع وهي تهب واقفة وتهتف بعصبية:
_ ولدي مهيتجوزش الحرباية دي، بت جليلة.. هي الحلول خلصت عشان تجوز ولدك للحرباية دي، ما إن شاء الله عنه ما الـ**"** خلص!
ارتفع صوت إبراهيم الغاضب وهو يصيح:
_ جرا إيه يا إخلاص، أنتي هتعترضي على كلام الرجالة ولا إيه.. الكل راضي وأولهم ولدك.
إخلاص بعدم تصديق ورفض:
_ لا، عمران عمره ما يوافق أكيد أنت أجبرته.
اشتعلت نظرة إبراهيم تجاه زوجته، وقبل أن يجيب أخيرًا، ظهر صوت عمران القوي وهو يقول:
_ محدش جبرني على حاجة يا أمي، وخلاص معدش له لازمة في الحديث ده دلوقتي.. الجواز هيتم بكرة.
شهقت بذهول وراحت تضرب بكفها على صدرها، هاتفة في عدم استيعاب:
_ يا مري! ليه يا ولدي تعمل في حالك كده وتوافق وتسمع كلام أبوك!
هنا خرجت صرخة عالية من إبراهيم بعدما فقد السيطرة على انفعالاته:
_ وبعدين عاد، هنعيدوا ونزيدوا في الحديث كتير.. اللي سمعتيه هيحصل وخلص الكلام على كده.
توقف عمران واقترب من أمه ليحاوطها بذراعيه، ثم يجذبها معه للخارج بلطف وهو يقبل رأسها هامسًا:
_ اهدى يا أمي، خلاص.
التزمت الصمت وانتظرت إلى حين مغادرتهم الغرفة، وفورًا هتفت بغضب:
_ هتتجوز الحرباية دي وبكرة كمان.. أنت اتجننت يا عمران، كيف توافق!
عمران بهدوء تام ولطف:
_ يا أمي قولتلك معدش له لازمة الكلام ده دلوقتي.. كان لازم يحصل كده، مفيش حل تاني.
إخلاص صائحة بسخط:
_ لا، في. هو معدش في حلول غير أنك تتجوزها يعني!
تأفف بعد حيلة، ورد في جدية ونظرة حازمة:
_ بزيادة يا أمي، خلاص عاد.
التزمت الصمت مجبرة، وسط نظراتها المغتاظة والمعاتبة له، بينما هو فتركها وعاد للداخل من جديد ليكمل حديثه مع عمه الذي يحاول فهم كيف وافقوا بالتنازل عن حق خليل من أجل زواج.. لكن بالأخير، أقنعه إبراهيم وأسكتـ**ـه. لكن بشار لم يقتنع، وبقى ينقل نظره بين أبناء عمه يقرأ تعابير وجههم بشك واستغراب!
***
بقى عمران وإبراهيم فقط في الغرفة بعد رحيل الجميع. وكان هو يتطلع لابنه ببعض الضيق، فقال وهو يلومه بخنق:
_ كدبت على عمك والكل عشانك.. كده مرتاح خلاص؟
نظر عمران لوالده بنظرة مهيبة وقال:
_ أيوه مرتاح.. طالما أنا قبلت باللي أنت عاوزه، يبقى أنت كمان تقبل بشروطي يا بوي.
إبراهيم بلهجة تحمل الاستنكار:
_ ويعني هما مش هيعرفوا؟
عمران بغضب وصوت رجولي صلب:
_ لا، محدش هيعرف يا بوي.. مهما كان، دي كلها كام ساعة وتبقى مرتي، وأنا ما أرضاش إن حد يشوف الصور دي ولا يعرف حاجة عن اللي حصل.
أجابه إبراهيم بموافقة وتأييد لرأيه:
_ ماشي يا ولدي، أنت عندك حق. هي هتبقى مرتك، وأي حاجة تمسها هتمسك.. خلاص، متقلقش، محدش هيعرف حاجة.
هدأت ملامح وجهه وارتخت، ليقول بعدها بهدوء:
_ زين.. أنا رايح العطارة، عاوز حاجة مني؟
رفع يده بالرفض وقال:
_ لا، ما عاوزش حاجة.. ابقى اتصل بيا لو الحاج يوسف جه.
اكتفى بإيماءة رأسه بالموافقة، واستدار ليقود خطواته لخارج الغرفة، ثم لخارج المنزل بأكمله.. ليستقل بسيارته وينطلق بها.
***
داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا بغرفة آسيا بالطابق الثاني.
كانت كامنة فوق فراشها تضم ساقيها لصدرها، وعيناها عالقة على النافذة أمامها تتأمل السماء بوجه ذابل. لم يتركوا لها شيء داخلها مهشم.. دمروا كل ما تبقى من حب ورحمة بقلبها.. طمسوا تلك النقطة البيضاء بأعماقها.. هي الآن طائر مجروح لا حول ولا قوة له، لكنه ينتظر شفائه ليعود ويحلق من جديد في سماء الشموخ، ليثأر لنفسه من كل شخص ساهم في كسره وسقوطه من أوج القوة.. ستحيا من رمادها مرة أخرى كالعنقاء.
سمعت صوت الباب وهو ينفتح لتدخل جليلة وتلقي عليها نظرة قاسية، رغم حزنها على حالتها، إلا أنها لم تسمح لعاطفتها بالتأثير عليها، حيث هتفت بلهجة مرعبة:
_ جهزي حالك، بكرة هتتجوزي اللي لطختي شرفنا وسمعتنا معاه.
اتسعت عيناها بصدمة، وفورًا التفتت برأسها لأمها تطالعها بعدم استيعاب، لتهب واقفة وتسأل ببلاهة:
_ هتجوز مين.. عمران؟
جليلة بغضب وحدة:
_ أيوه، هو في غيره ولا إيه!
استحوذتها الدهشة لبعض الوقت، ثم اقتربت من أمها تتوسلها بضعف لا يليق بها:
_ أبوس إيدك يا أمي، متخليهمش يجوزوني منه.. أنا معملتش حاجة والله العظيم.. مش هستحمل أدخل بيت إبراهيم الصاوي، ولا أتجوز ولده اللي قتل أبويا.
صفعتها جليلة على وجهها بعنف صارخة بها:
_ اكتمي، متجيبيش سيرة أبوكي.. لو كان عايش كان مات بحسرته على عملتك الـ***.. عاوزة **** معاه، وكمان متتجوزهوش.. ده أنتي طلعتي فاجرة صح.. ياكش ربنا ياخدك ويريحني منك.
تقهقرت للخلف بعينان دامعة يملأها العجز والصدمة مما تفوته به أمها، وبالأخص دعائها الأخير عليها.. بتلك اللحظة، أدركت أن كل شيء انتهى، حتى لو أدركوا ظلمهم لها وأنها لم تكذب عليهم ولم تفعل ما يلوث شرفها واسم عائلتها.. لن تسامحهم، وربما لن تفعل أبدًا!
أكملت جليلة بعدم شفقة وقلب منفطر من الألم على فعلتها الشنيعة:
_ إحنا معدش عندنا بنات هيتجوزك وياخدك وينسينا واصل.
اكتفت بالتحديق بها مبتسمة بألم، ودموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها.
وكأن لسانها انعقد ولم تعد قادرة على الحديث، فقط عبرت عن شعور الخزي والوجع الذي يستحوذها بابتسامتها المريرة. وتابعت أمها وهي تستدير وتغادر، ولم تنسى بالطبع غلق الباب بالمفتاح لتتركها حبيسة غرفتها مجددًا. بالنسبة لها لا فرق، ففي كلتا الحالتين هي حبيسة انكسارها وعجزها.
بينما جليلة، اندفعت تجاه غرفتها وهي تبكي بحرقة، فاصطدمت بإنصاف التي أوقفتها وهتفت بتعجب:
"إيه اللي حصل يا جليلة؟ ليه بتبكي؟"
كفكفت دموعها بسرعة وقالت في ثبات متصنع:
"ملكش دعوة يا إنصاف، ابعدي عن خلقتي السعادة."
أنهت عباراتها وأكملت طريقها لغرفتها، بينما الأخرى فضلت مكانها تحدق باندهاش من الإهانة التي تلقتها للتو على لسانها الفظ، لتقول في غيظ وحقد:
"صح، حلال فيكي انتي وابنك اللي حصل فيكم. الحق على اللي يسألك ولا يبص في وشك."
***
صباح اليوم المشؤوم، كما أسمته منذ أن فتحت عيناها وهي تدرك أن اليوم سيكون نهاية لكل حلم راودها وبداية لكابوس ربما لن ينتهي أبدًا. سيلقون بها إلى الجحيم دون رحمة. لم يقتلوها، لكنهم اختاروا العقاب الأقسى، وقتلوا روحها بدلًا من جسدها، ليجعلوها تتجول حولهم كالأموات، جسد بلا روح.
منذ وقت طويل نسبيًا، والمأذون بالأسفل يعقد زواجها بحضور الجميع، يصدرون مرسوم موتها، وهي تنتظر اللحظة التي سينفذ فيها الحكم.
ارتدت جلبابها الأسود ووشاح شعرها، ثم ارتدت بالأخير نقابًا من نفس اللون لا يظهر منه شيء سوى عينيها، لكي لا تجعل أحدًا يرى جروح وتورم وجهها، رغم كل ما حدث ترفض الظهور أمام الجميع بمظهر الضعف الذي يثير الشفقة.
أخيرًا ارتدت حذائها وغادرت غرفتها كما طلبوا منها لكي توقع وتنتهي مراسم الزواج. كانت تقود خطواتها بثبات رغم عدم قدرتها على السير من التعب والألم. نزلت درجات السلم ببطء، وعند آخره رأتهم كلهم مجتمعين والمأذون بالمنتصف، وبجواره عمران الذي كانت ملامحه ممتلئة بالغل والخنق، ولم يكلف نفسه عناء النظر حين أدرك وصولها.
أكملت طريقها متحاشية النظر لوجه أي فرد من عائلتها حتى لا ترى النفور والغضب في عيونهم. وحين وقفت على مقربة من المأذون، سمعت صوت جدها المخيف وهو يأمرها بغضب:
"اعملي كيف ما هيقولك الشيخ وامضي يلا."
لم ترفع نظرها لجدها ولم تجب، فقط تقدمت ووقفت بجوار المأذون تستمع لتعليماته وهو يشير لها على المناطق المطلوب منها التوقيع فيها. فأمسكت بالقلم وراحت تخط بالحبر الأزرق فوق الورق، تكتب اسمها وعيناها غارقة بالدموع، لكنها تشد على محابسهم مانعة إياهم من السقوط. وفور انتهائها من التوقيع، سقطت دمعة حارقة رغمًا عنها عندما رأت المأذون يغلق الدفتر وقد انتهى من مراسم الزواج كاملة، وأصبحت زوجة عمران الصاوي شرعًا.
تلفت المأذون حوله يتنقل بنظره على وجوههم المكفهرة، ورغم أن الأجواء يبدو أنها لا تستدعي، إلا أنه قرر التفوه بها. حيث نظر لعمران وقال بخفوت وصوت واضح عليه التردد:
"مبروك!"
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل العاشر 10 - بقلم ندى محمود توفيق
لم يجيب على عبارة المأذون واكتفى بإيماءة رأسه الخفيفة في أدب وبوجه تعتليه معالم الخنق. ليستقيم المأذون واقفًا ويقف معه إبراهيم الذي مد يده يصافحه ويشكره بود:
_ متشكرين يامولانا.
ابتسم له الرجل بتكلف وجذب حقيبته وأوراقه وغادر المنزل بأكمله. ليهب عمران من مقعده بوقار ويتنقل بنظره على وجوه جميع عائلتها الجالسين حولهم. كان الخزي والاستياء مرسوم بدقة فوق صفحة وجههم وهم يتطلعون له بسخط ولابنتهم بخزي. فتنفس الصعداء بهدوء مريب ورفع يديه لعباءته البنية يلقيها فوق كتفيه بثبات وأرسل لآسيا نظرة مرعبة وهو يهتف:
_ يلا.
ولم يتسن لسماع أي رد سواء منها أو من غيرها حيث اندفع تجاه باب المنزل ولحق به بلال الذي كان معهم. بينما إبراهيم فظل واقفًا ينتظرها أن تخرج أولًا ليتبعها. لكنها تسمرت بأرضها وألقت نظرة أخيرة كلها حسرة وعتاب على عائلتها. دارت بعينيها على وجوههم جميعًا فوجدتهم يشيحون بنظرهم عنها في نفور. فأطرقت رأسها بألم واستدارت تقود خطواتها الثقيلة تجاه باب المنزل. تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها قبل أن تخطو قدماها لخارج منزلها الذي لن تخطو إليه مجددًا. داخلها صرخة كلها قهر وعجز تود إطلاقها قبل أن تقتلها تدريجيًا.
وصلت للباب وتوقفت عندما رأت حقيبة كبيرة. كانت حقيبتها فقد قاموا بجمع جميع ملابسها وأشيائها بها حتى لا يتركوا لها حتى مجرد أثر. ابتسمت بمرارة وانحنت تهم بحملها لكنها وجدت إبراهيم ينحني ليحملها هو عنها. فرمقتها شزرًا وهتفت بحدة:
_ أنا هشيلها مش محتاجة حد.
طالعها هو ببعض الاستنكار وانتصب في وقفته يتابعها وهي تحملها بصعوبة بسبب ثقل حجمها. ثم التفتت برأسها للخلف تودع ذكريات طفولتها ورائحة أبيها التي لم تغادر المنزل منذ وفاته وانهمرت معها دموعها. لكنها لم تقف كثيرًا حيث استدارت وتابعت طريقها للخارج ولحق بها إبراهيم.
بقت جليلة عيناها عالقة على الباب وهي تذرف الدموع بغزارة فخرجت همسة موجوعة نابعة من صميمها:
_ بتي راحت مني خلاص.
وداهمها شعور بالدوار وقدماها ارتجفت ولم تعد قادرة على الوقوف. فمالت للجانب تسقط فوق جلال الذي أمسك بها بسرعة هاتفًا بقلق:
_ أما أنتي كويسة؟
راحت تبكي بنحيب مسموع وقلب منفطر:
_ عملتي في نفسك إكده ليه.. هي دي تربيتي ليكي يا آسيا.. بتي راحت.
راحت تكرر عبارتها الأخيرة وهي تبكي بعنف في عدم حيلة. فارتفع صوت منصور وهو يصيح:
_ بتبكي عليها ليه يا جليلة دي فاچرة حطت راسنا في الطين. تحمد ربها أننا مقتلنهاش وغسلنا عارنا. معدش عندينا بت اسمها آسيا خلاص ماتت.
اشتعلت عينا جلال بغضب من صياح عمه على أمه ورمقه بنظرة مخيفة منذرة هاتفًا:
_ عــمــي.. متنساش أنها أمي يعني حاسب على كلامك وخصوصًا قصادي.
هنا صدح صوت حمزة المرتفع وهو يصرخ بهم بعصبية:
_ عاوزة اسمع حس حد.. چوزناها وخلصت وكيف ما قال منصور اعتبروها ماتت. وأنت يا جلال خد أمك وطلعها اوضتها خليها ترتاح شوية.
تجاهل جلال كلمات جده وكذلك نظرات عمه الساخط. واحتضن أمه بذراعيه وسار معها تجاه الدرج يسندها لغرفتها بكل حنو وهو يقبل رأسها عدة قبلات متتالية.
***
توقفت أمام منزل إبراهيم الصاوي ورفعت نظرها لأعلى تتأمل المنزل المكون من ثلاث طوابق في قهر. هل أصبحت واحدة منهم الآن؟ ستخطو قدميها منزل الرجل الذي قتل والدها؟ كيف ستعيش معهم وتمكث بنفس الغرفة مع ذلك الرجل الذي يدعى زوجها؟ تمنت الموت في تلك اللحظة عله أهون من ذلك العذاب الذي هي مقبلة عليه.
بقت ثابتة بأرضها تتمعن النظر في باب المنزل دون أن تتقدم خطوة واحدة بقدمها للداخل لتسمع همسته الشيطانية في أذنها وهو يأمرها:
_ ادخلي ياعروسة.. أهلًا وسهلًا بيكي في الچحيم.
رمقته آسيا بقوة وقالت وهي تهز رأسها بالنفي في رفض:
_ رچلي مش هتعتب البيت ده.
ارتفع حاجبه الأيسر باستنكار ولمعت عيناه بوميض مخيف مع هدوء مريب منه. فجأة شعرت بيده العنيفة تقبض على ذراعها ويجذبها معه عنوة للداخل. ولم يمهلها الوقت لتقاومه حيث بلمح البصر وجدت نفسها أصبحت بالداخل تقف وسط تلك العائلة الشيطانية التي تتجول بنظراتها النارية عليها في وعيد. لم تظهر لهم الضعف بل على العكس شدت عضلات صدرها وانتصبت في وقفتها ترفع رأسها للأعلى بشموخ وهي تتنقل بعينيها على وجوههم في قوة. رأت إخلاص تتقدم نحوها بتريث في عين ملتهبة وحين وقفت أمامها هتفت لها بغضب محذرة إياها:
_ اوعاكي تفتكري إنك هتفضلي كتير إهنه يابت چليلة قريب قوي ولدي هيطلقك وتغوري مطرح ما چيتي على بيت ناسك.
التزمت آسيا الصمت للحظة بعدما تعرضت للهجوم والوعيد على لسان حماتها الآن. وبتلك اللحظات راحت تجول بعينيها على الجميع فرأت النظرات نفسها المستقرة في عيني إخلاص. أدركت لحظتها أنها إذا لم تعود لحقيقتها وتخلع رداء العجز والانكسار وترتدي الجبروت والقوة لتصبح الساحرة الشريرة من جديد ستكون طعم سهل لهؤلاء الوحوش. وبالفعل لم يستغرق الأمر وقتًا حيث ألقت كل شيء خلف ظهرها ودفنت حزنها وألمها في ثناياها لتعود للحياة مجددًا وبقوة.
عادت بنظرها إلى إخلاص وابتسمت ببرود مستفز لتقول بتحدي دون أي ذرة خوف:
_ هدفنا واحد ياحماتي.. متخافيش أنا مش هقعد كتير في بيت قتالين قتلة. ولو عاوزة ولدك يطلقني دلوك كمان يبقى ياريت.
اختنق وجه إخلاص من الغيظ فور سماعها لعباراتها فرفعت كفها في الهواء وهوت به فوق وجنة آسيا وهي تصيح بها بغضب:
_ شكلك ناقصة رباية.. بس ولدي هيربيكي زين من أول وچديد أنتي لسا متعرفيش عمران.
كان عمران صامتًا يحتفظ بطوفانه العاتي للجولة القادمة رغم أنها استفزته بشدة وأظلمت عيناه بشكل مرعب إلا أنه تمالك أعصابه أمام عائلته وملس على ذراع أمه بلطف هامسًا وهو يرمق آسيا بوعيد حقيقي:
_ خلاص ياما أنا عارف هتصرف معاها كيف.
كانت نظرات آسيا شرسة لإخلاص تتوعد لها على تلك الصفعة وأقسمت أن تردها الصاع صاعين للجميع. ولم تفق سوى على صوت عمران وهو يأمرها بصوت رجولي:
_ اطلعي قصادي.
لم تزح بنظرها الساخط عن إخلاص فباغتها بصرخة انتفضت على أثرها:
_ اتحركي قصادي قولت.
أجبرت على الخنوع له وسارت أمامه كما أمرها. تصعد الدرج وهو خلفها وبلحظة شعرت بيده للمرة الثانية تجذبها من ذراعها وهو يجرها معه كالبهيمة! ودت الصراخ مش فرط الألم الذي داهمها لكنها لم تفعل وجسدت الثبات بمهارة.
رغم أن مرت سنين على عدم دخولها لذلك المنزل إلا أنها تتذكر جيدًا كل تفاصيله وأجزائه. وكان هو يجرها نحو غرفته وفور وصولهم دفعها للداخل ولحق بها ثم أغلق الباب. رسخت قدمها بالأرض ولم تتحرك إنشًا واحدًا وراحت تتطلعه بتحدي يليق بها. فوجدته ينقض عليها كالأسد يقبض على فكيها ويصرخ بها بصوت جهوري سرت رجفة بسيطة بجسدها على أثره:
_ اللي حصل تحت ده لو اتكرر تاني اترحمي على روحك يا آسيا. طول ما أنتي قاعدة إهنه حسك مسمعهوش تعتبري نفسك خرسة. وياويلك لو رديتي على أمي إكده تاني.
رغم الخوف الذي داهمها للحظة إلا أنها لم تخضع حيث دفعت يده عنها بقوة وصاحت بعصبية:
_ أنا مبتهددش ياعمران ومبخافش.
كانت صرخته التالية أقوى وأعنف حيث اخرستها تمامًا:
_ حسك ميعلاش عليا. أنا مش أخوكي ولا چدك اللي بيطبطبوا عليكي. وإذا كان هما معرفوش يربوا بتهم زين فأنا عارف كيف هربيها. أنتي إهنه تقولي حاضر ونعم وبس والكلمة اللي أقولها تتنفذ ولو فكرتي تكسري كلمتي تبقي چنيتي على روحك.
انعقد لسانها وسكتت ليس خوفًا لكن صمت مدروس يحمل الوعيد والنقم عليه. حين لم يجد رد منها هدأ وهتف منذرًا إياها بنظرة حادة:
_ رچلك متعتبش برا عتبة الأوضة دي. ومحدش يعرف احنا اتچوزنا ليه حسك عينك تغلطي بلسانك مع حد في البيت إهنه وتقولي على الصور فاهمة ولا لا.
لم تجبه وعيناها كانت ثابتة عليه تطالعه بغل ولم يصر هو على سماع إجابتها فقد وصلت رسالته بالنسبة له. حيث استدار وغادر الغرفة تاركًا إياها حبيسة ذلك السجن المنفرد والجديد عليها.
***
داخل غرفة جليلة بمنزل عائلة خليل صفوان. كانت كامنة فوق فراشها وبجوارها جلال يضمها لصدره ويربت عليها بكل لطف تمامًا:
_ بزيادة ياما خلاص. بتك غلطت وأنتي عارفة إكده زين وبچوازها منه احنا رحمناها من اللي هيچرالها. كنتي عايزاها تفضحنا قصاد الخلق وتخلينا منعرفش نرفع راسنا بينهم تاني ولا إيه.
كانت دموع جليلة تسقط بسكون فوق وجنتيها. رغم الغضب يوجد جزء منها مشفق وقلق على ابنتها حيث قالت:
_ تستاهل يا ولدي أنا عارفة چابتلنا العار. أنا صعبان عليا اللي عملته في روحها وفينا. الله اعلم هيعملوا فيها إيه ناس إبراهيم الصاوي.
تطلع جلال في الفراغ ورد بقسوة رغم أن باطنه لا يختلف كثيرًا عن باطن أمه:
_ ملناش صالح يعملوا فيها اللي يعملوه. معدتش بتنا ولا نعرفها.
استمرت في البكاء الصامت وهي بين ذراعي ابنها لدقائق. لكنها توقفت فجأة وابتعدت عنه تسأله باستياء:
_ لسانك مصمم وباقي على بت إبراهيم بعد ما تخلت عنك قصاد الكل وسابتك وبعد اللي عمله أخوها مع اختك وأبوها قتل أبوك!
لأول مرة يسمع أمه دون أن ينهرها بلطف ويعاتبها على حديثها السيء تجاه زوجته. هذه المرة كانت محقة ولم يتجرأ من الدفاع عنها. هو نفسه لا يسامحها ونيران الخزي تأكله كلما يتذكر أنها تخلت عنه ولم تكلف نفسها حتى عناء الاطمئنان عليه.
رأته جليلة صامت ويتمعن في اللا شيء أمامه بنظرات مشتعلة كقلبه تمامًا. فتنفست الصعداء مطولًا ورتبت على كتفه مطولًا متمتمة بجبروت:
_ فكر تاني في اللي قولتلك عليه يا ولدي أنت مش هتفضل مربوط بيها إكده.
رمق أمه بجمود لكن عيناه كانت مريبة لم تكن تحمل الرفض ولا الموافقة. الغموض وحده استطاعت رؤيته داخلهم وقبل أن تجيب عليه اقتحم عمار الصغير الغرفة وبرفقته معاذ. اقتربوا من جدتهم وجلسوا بجوارها على الجانب الآخر من الفراش يهتفون باهتمام وحنو:
_ كيفك ياستي إنتي زينة؟
ابتسمت لهم جليلة بسعادة وراحت تضم كل منهم لصدرها لاثمة شعرهم بحب مفرط وتهتف بكل دفء:
_ زينة الحمدلله ياحبايب ستكم.
تلفت عمار برأسه بين أبيه وجدته ليسألها بدهشة طفولية:
_ هو إكده خالي عمران اتجوز عمتي آسيا صح يا جدتي؟
عبس وجه جليلة من جديد وأجابت بقهر على حفيدها:
_ أيوة ومعدتش عمتك خلاص يا عمار. انسى إن ليك عمة يا ولدي.
تجول الصغير بنظره بينهم مصدومًا من عبارة جدته وكان لمعاذ نصيب من الصدمة أيضًا.
ولم تمنحهم الكثير من الوقت للاندهاش، حيث توقفت رغم حالتها وقالت باسمة:
_ تعالوا عملالكم حاجة حلوة هتعجبكم قوي.
ابتسم الاثنان بفرح وحماس، ثم توقفا ولحقا بجدتهما للخارج، تاركين والدهما يعاني آلام روحه وصراعات عقله. لم يعد قادرًا على الاختيار، وبكلا الاختيارين التضحية هي أول مطالبه. ومن جهة أخرى، هناك صوت سخيف بالنسبة له يستمر في بث ترهات في عقله، عبارة عن أن شقيقتك بريئة وكانت صادقة. وبكل مرة يطرده بعنف من ذهنه ويختار تصديق المنطق وما رأته عيناه، منصاعًا خلف جموحه. ليته ينصاع خلف قلبه هكذا فيما يخص زوجته.
***
كان بلال يبدل ملابسه بغرفته، يستعد للخروج قبل أن تقتحم أمه الغرفة وتعلق الباب بكل هدوء، ثم تقترب منه هاتفة ببسمة عريضة:
_ على وين يا ولدي إن شاء الله؟
رد بلال على أمه بإيجاز وهو يقف أمام المرآة يقوم بتسريح شعره:
_ ورايا مشوار سريع وراجع ياما.. عايزة حاجة؟
تقدمت منه أكثر عفاف وهي تبتسم بخبث، وراحت تملس فوق كتفيه حنونة، متمتمة:
_ عاوزة سلامتك يا حبيبي.. أنا بس كنت عاوزة أتكلم معاك شوية في حاجة مهمة يعني.
غضن حاجبيها باستغراب من قسمات وجهها وطريقتها، فترك الفرشاة من يده، ثم استدار لها بجسده كاملاً وسأل بفضول حقيقي:
_ خير ياما، موضوع إيه ده؟
تنحنت عفاف بخفة وعاينته بنظرها في دهاء وسط ابتسامة شفتيها المزينة وجهها، مما جعل القلق يتسرب لنفسه أكثر من تصرفاتها المثيرة للشك. ولم تتركه لفضوله كثيرًا، حيث قالت بلهجة مدروسة:
_ مش عاوزني أشوفلك عروسة يا حبيبي وأفرح بيك عاد وأشيل عيالك؟
ضيق بلال ما بين عينيه بدهشة ورفع حاجبه باستنكار لاقتراح أمه وعدم فهم لمبتغاها الخفي من تلك الرغبة المبكرة. فقال ساخرًا بشك:
_ عروسة إيه ياما؟ أنتي بتتكلمي من عقلك صح؟
اشتدت نبرتها للحدة وقالت:
_ شايفني اتجننت يا ولد ولا إيه؟
صحح بلال عبارته بسرعة في اعتذار:
_ لا مقصدش طبعًا، حقك عليا يا ست الكل.
ابتسمت مرة أخرى باتساع، وقالت بحماس غريب، تقرر نيابة عنه دون أن تسمع رده حتى:
_ زين! أنا خالتك كلمتني وقالتلي إنها تعرف بت قمر ومتربية وبت ناس في مصر عندها هما جيرانها وشكرتلي فيهم قوي.. هقولها تبعتلي صورتها عشان تشوفها وتقولي رأيك.
اتسعت عينه بعدم استيعاب بعدما سمع مخطط أمه الكامل. هي وضعت أساس مستقبله، حتى أنها جهزت عروسته حتى لا تدع له فرصة للرفض.
ضحك بخفة وقال برقة تليق بنبرته الرجولية، وهو يملس فوق ذراع أمه بكامل الحنو:
_ لا متقولهاش حاجة ياما، أنا عاوزة أتچوز وشيلي الموضوع ده من راسك دلوقتي.
تلاشت ابتسامة عفاف حتى اختفت تمامًا، وحل محلها الغيظ وهي تصيح به منفعلة:
_ ومعاوزش تتچوز ليه؟ هو عمران أحسن منك في إيه، ولا أنت إيه ينقصك عن ولد إخلاص؟
أثارت غضبه عند ذكرها لأخيه وزواجه، فهتف بعصبية ونبرة غليظة:
_ وهو ده جواز! ده أنتي بعينيكي شوفتي اللي حصل تحت وعارفة إن عمران اتجوزها عشان الصلح والتار، وهما الاتنين مطايقينش بعض.
لوت عفاف فمها مستهزئة من سذاجة ابنها كما تظن، وقالت بلؤم وثقة وهي تشير بسبابة يمينها من بداية ذراعها اليسار لآخر، هاتفة:
_ أقطع يدي من هنا لهنا أما كان في حاجة مدارينها علينا.. حمزة صفوان وجلال ومنصور كيف يوافقوا بالسهولة دي على الجواز وينسوا التار وحق ولدهم.
بلال بغضب وحزم شديد:
_ مفيش حاجة متدارية ياما، وملكيش صالح بالحوارات دي. أبوي قالكم التار خلص وعمران اتجوز آسيا وبقت مراته، وحطي مية خط تحت مراته عشان متعمليش حاجة كده ولا كده.
هتفت بقرف واستياء:
_ وأنا هعملها إيه يعني؟ ما يولعوا في بعض، أنا مالي بيهم.
ظهرت ابتسامة متصنعة على وجه بلال، وهو يقول بجدية امتزجت ببعض اللطف:
_ حبيت أقولك عشان تاخدي بالك بس ياما، ومتوقعيش في الغلط مع مرات أبوي وعمران، وبالأخص آسيا، أنتي عارفاها زين على ما أظن يعني.
ابتعدت عفاف عن ابنها وهي ترمقه باقتضاب وتشيح بوجهها عنه كدليل على أنها لم يعجبها تحذيراته وتعليماته الحازمة. لكنه على العكس تمامًا، انحنى عليها ولثم رأسها بمحبة، مبتسمًا قبل أن يقول:
_ أنا ماشي، لو عاوزتي حاجة كلميني.
لم يأتيه ردها، وهو لم ينتظر، حيث اتجه لباب غرفته فورًا، وبقت هي تتابعه بمضض. أن اتبعت تعليماته واستمرت خارج كل الأمور، ستتلطخ في الوحل مع أبيه إذا علم الجميع أنه هو المتسبب في قتل خليل، ولن تسلم من تلك الساحرة التي تدعى آسيا.
***
منذ أن غادر وتركها بالصباح، جلست فوق المقعد الخشبي المتوسط أمام الفراش، وأخذت تتجول بنظرها في أرجاء غرفته تتفحصها بتدقيق. الحوائط مطلية باللون الأبيض والأثاث باللون البني الغامق، وبجوار الفراش من كل جانب كومود صغير فوقه لمبة مصباح تعطي إضاءة مركزة. كانت غرفة كلاسيكية بالكامل تعكس حياة رجل أعزب يقضي أوقاته وحيدًا بها.
كانت النيران تأكلها بعنف من فرط الغيظ. لا تطيق البقاء بتلك الغرفة للحظة واحدة. هي لا تنتمي لذلك المكان، ولا لتلك العائلة، ولا حتى لذلك الرجل المسمى زوجها. سيكون استسلامها وقبولها بذلك الوضع المخزي أكبر هزيمة ساحقة لها. خنوعها لرجل لا تريده ولا تحبه تحت رابط زواج تم لأسباب كاذبة وواهنة ليس من شيمها أبدًا. ستتخلص منه ومن ذلك الزواج عاجلاً أم آجلاً.
رفعت رأسها بتلقائية بحتة أعلى الفراش لتسقط على الحائط الذي أعلى الفراش، ورأت ساعة الحائط المعلقة، وكانت العقارب تقف عند الرقم السابعة والنصف. اتسعت عيناها بصدمة لا تستوعب متى مر الوقت بهذه السرعة لتصبح السابعة مساءً. فوثبت واقفة فجأة وتلفتت حولها في الغرفة كأنها تبحث عن شيء، ثم توجهت نحو خزانته وفتحتها بقوة. راحت تجذب بابًا وراء الآخر من أبواب الخزانة كلها، ولم تجد بهم شيئًا سوى ملابسه وأشيائه الخاصة. توقفت للحظة وارتخت عضلات وجهها تتطلع بالخزانة وملابسه شاردة الذهن. من المفترض أن يكون زوجها وهذا منزلها، لكنها لا تملك شيئًا واحدًا خاصًا بها. هي كالزهرة التي وضعت بغير بيئتها المناسبة. سرقوا منها سعادتها وأحلامها كأي فتاة تتمنى زواجًا سعيدًا برجل تريده وتألفه. تختار منزلها وترتدي فستان زفافها. حرمت من أبسط حقوقها كفتاة، والآن موكلة بمهمة التعايش والقبول بالأمر الواقع. تدفع الثمن لذنب لم تقترفه.
شعرت بسخونة فوق وجنتيها، ولم تكن سوى عبراتها التي انهمرت بغزارة دون أن تشعر. فأظلمت عيناها وهاجت عواصفها لتشعر بنيران صدرها على وشك حرق ما تبقى منها وأنفاسها تضيق. وفجأة دون أن تشعر، ثارت على خزانته وراحت تجذب ملابسه وتلقيها بعنف في أرجاء الغرفة دون أن تدري إلى أين تذهب يداها، هي فقط فاض الكيل بها وتريد التنفس قليلًا، ولم تجد أفضل من الصراخ وسط كلماتها المتوعدة والمقهورة:
_ مبقاش أنا آسيا أما أخدت حقي منكم كلكم.. وأولهم هتكوني انتي يا خلود ال***.
كان هو بطريقه على الدرج يقصد غرفته بالطابق الثالث. وفجأة تصلب مكانه عندما اخترق أذنه صوت صراخ قادم من الطابق الثالث. سكن تمامًا يحاول تمييز ذلك الصوت، وحين أدرك أنه قادم من غرفته وصوتها هي. اندفع مسرعًا نحو غرفته شبه ركضًا، ليس خوفًا، لكنه تعجب وقلق من أن يكون نشب شجار بينها هي وأمه.
وصل للغرفة ودفع الباب بعنف، ثم دخل. وحين وجدها تفرغ خزانته كلها وهي بحالة هستيرية. أسرع وأغلق باب الغرفة، ثم اندفع نحوها يكبلها بذراعيه القويتين صارخًا:
_ أنتي اتجننتي! إيه اللي بتعمليه ده؟
فاقت من حالة اللاوعي التي سيطرت عليها، لكنها أصبحت أشد شراسة فور شعورها بملمس ذراعيه على جسدها. وانتشلت نفسها من بين يديه بعنف وتقهقرت للخلف وهي ترمقه شزرًا. اقترب منها بعفوية وبنظرة قوية، لكنها لم تبالي بنظرته والتفتت برأسها للخلف فرأت زجاجة مياه فوق المنضدة، ولم تتردد لحظة، حيث جذبتها وصدمت قعر الزجاج بالحائط ليتهشم، ولم يتبقى سوى الجزء الحاد الذي بيدها فقط. رفعتها ووجهتها عليه تصرخ به محذرة:
_ اوعاك تقرب مني.. أنا حاولت اقتلك مرة ومستعدة أعملها تاني.
كان البرود يستحوذ عليه بالكامل، غير مبالٍ بقطع الزجاج الذي بيدها. ملامحه جامدة ونظراته ثابتة عليها بشيطانية، ليخرج صوته مهيبًا:
_ لابسة النقاب ده لغاية دلوقتي ليه.. في إيه مخبياه ومعاوزاش حد يشوفه يا بت خليل؟
رمقته بعين نارية وهتفت بشر:
_ وأنت مين من الأساس عشان أخبي عنك حاجة.. لتكون فاكر روحك جوزي صح؟ أنا هنا في سجن مؤقت وقريب هطلع منه، بس مش هطلع قبل ما آخد حقي وحق أبويا منك أنت وأبوك القاتل.
نجحت في إثارة جموحه وأخرجته عن طور هدوئه، وإذا به فجأة ينقض عليها يجذبها من ذراعها نحوه صارخًا بصوت جهوري أصابها بالرجفة:
_ قبل ما تتحدتي معايا احسبي كلامك مية مرة عشان أنا مبسامحش في الغلط. ولو خشمك اتفتح ورديتي عليا بالطريقة دي تاني، اتشاهدي على روحك. يا تتعلمي الترباية بالذوق، يا أعلمهالك أنا.
رغم رهبتها منه، إلا أنها أقسمت على طعنه بتلك الزجاجة، ولسوء حظها أنها لم تجدها بيدها. يبدو أنها سقطت منها لا إراديًا بفعل الفزع عندما جذبها إليه. فاستشاطت غيظًا محاولة التملص من قبضة يديها، لكنها فشلت ووجدته بكامل القسوة يرفع يده ويجذب تلك القماشة السوداء التي تخفي وجهها بها. ومن فرط قوة جذبه انحل حجابها معه وانزاح لمنتصف شعرها.
ارتخت عضلات يده وكذلك ملامح وجهه عادت لطبيعتها عندما رأى وجهها المتورم وشفتيها المرتفعة على أثر جرح بسيط بهما. بعد ذلك المنظر، كان سيتركها دون أي محاولات أخرى منها، لكنها أشعلت نيرانه من جديد عندما صرخت بقوة لكي يبتعد عنها. فكتم على فمها بقبضة يده الغيظة يصيح بها بنظرة مرعبة محذرة:
_ اكتمي، أحسن أكتم حسك واصل.
طالعته بغضب وقوة، ثم غرست أسنانها بباطن يده، فابتعد هو فورًا عندما اجتاحه الألم، بينما هي فأسرعت تركض بعيدًا عنه وتصرخ بتحدي:
_ طلقني يا عمران لمصلحتك، لو خايف على روحك صح.
أوقف الحرب التي بينهم صوت إخلاص من الخارج وهي تطرق الباب هاتفة بقلق:
_ عمران أنت زين يا ولدي؟
بتزعق ليه؟ صوت بت خليل عالي، البيت كله سامعها.
رمق آسيا بنظرة قذفت الخوف لقلبها، لكنها أبت إظهار خوفها وجسدت الشجاعة بمهارة.
بينما هو فرد على أمه:
"مفيش حاجة ياما، روحي أنتي. أنا بتكلم مع مرتي."
لوت أخلاص فمها بسخرية وقرف عندما سمعت نعته لها بزوجته. ثم امتثلت لطلبه مقتضبة وغادرت لتتركهم مجدداً.
رأته آسيا وهو يبتلع المسافة التي بينهم بخطواته، فارتدت للخلف تلقائياً. سمعته يهتف بنبرة مرتفعة بعض الشيء حتى لا يسمعهم أحد مجدداً، وألقى عليها تعليماته وأوامره الصارمة بنظرة اربكتها:
"قسماً عظمة لو حسك علي وأنك بتكلميني تاني، لأكون خارسك على الآخر. معنديش حريم حسها يعلى ورجالة البيت كلها تسمعها، فاهمة ولا لا؟"
احتقن وجهها من الغيظ وهي تطالعه بصمت وغضب. فباغتها بصرخة نفضتها بأرضها عندما لم يسمع ردها:
"انطقي!"
كانت ترتجف من فرط استيائها وليس خوفها. لكنها أدركت أنها إذا لم تسير وفق أوامره سينالها بطشه الجنوني. فكما ترى، هو لا يبدو كرجل يلقي كلمات في الفراغ. ستوهمه أنها خضعت حتى يتسنى لها تنفيذ مخططها. أغلقت كفها تضغط عليه بقوة، وأشاحت بوجهها عنه وهي تهز رأسها بالموافقة مجبرة وتصر على أسنانها مغتاظة.
رؤيته لها وهي خانعة تطيع أوامره هدأت من ثورانه وجعلته يبتسم في تشفٍ. ثم ابتعد عنها ونزع عنه عباءته البنية وبعدها جلبابه الأسود. وكانت هي تقف توليه ظهرها ولا تتوقف عن شتمه حتى سمعته يهتف بلهجة آمرة وهو يسير نحو الحمام الملحق بغرفته:
"جهزلي هدوم وقفطان أبيض لبين ما اخلص استحمام."
التفتت برأسها نحوه ترمقه بشراسة وقالت ساخرة:
"بناقص كمان! جيب لنفسك، أنا مش مرتك اللي هتخدمك."
رفع حاجبه الأيسر بنظرة مريعة وقال بلهجة منذرة:
"اسمها حاضر مش جيب لنفسك.. وتخدميني غصبن عنك. أنا هدخل الحمام والهدوم تيجي ورايا يا آسيا، ولمي اللي عملتيه ده."
أنهى عبارته وهو يشير بنظره على الأرض الممتلئة بملابسه وكذلك قطع الزجاج المتناثرة. ثم لم ينتظر سماع ردها الذي سيكون بالرفض واتجه نحو الحمام غير مبالٍ بتلك التي تشتعل غيظاً. وفور اختفائه عن أنظارها راحت تلتفت حولها تبحث بنظرها عن شيء تفرغ به شحنة غيظها المكتظة. ولم تجد سوى ملابسه، فالتقطتها وراحت تلقيها بعرض الحائط وهي تصرخ بصوت منخفض وعيناها غارقة بالدموع الحارقة التي توعد للجميع.
***
توقفت إخلاص أمام الباب وهي تتحدث مع الصبي الذي وكلته بمهمة توزيع عصائر على الجيران وجميع من حولهم بناء على أوامر زوجها.
سألته بجدية:
"قولتلهم إيه وأنت بتوزع؟"
رد الصبي بهدوء تام:
"اديتهم العصير وقولتلهم ده حلاوة جواز المعلم عمران هو وبت خليل صفوان."
تأففت إخلاص بخنق وردت على الصبي بامتعاض ليس منه ولكنه من زواج ابنها من تلك المشؤومة:
"طيب روح يا محمد، متشكرين يا حبيبي. ابقى سلملي على أمك وأبوك."
"حاضر يا خالتي، عن إذنك."
دخلت وأغلقت الباب واستدارت تهم بالذهاب لغرفتها، لكن أوقفها صوت إبراهيم من داخل غرفة الجلوس وهو ينده عليها. فغيرت وجهتها وذهبت له وأغلقت الباب خلفها هاتفة باقتضاب:
"خير يا إبراهيم؟"
سألها بجدية ونظرة دقيقة:
"الواد محمد خلص اللي قولتيلي عليه؟"
تقدمت وجلست بجواره تهتف بغضب:
"خلص.. أنا معرفش إيه كان لازمته يعني!"
إبراهيم بحدة ولهجة لا تقبل النقاش:
"عمران اللي طلب عشان يتم الإشهار وهو عمل الصح. لو مكنش هو قال، أنا كنت هعملها من نفسي. الجواز لازم إشهار عشان ميبقاش ناقص ولا نبقى بنغضب ربنا."
أردفت بعصبية وحرقة:
"جواز إيه؟ حرام عليك يا إبراهيم! جوزت ولدك من بت خليل وقتلت فرحته بجوازته الأولى."
هتف بنظرة قوية:
"هو أنا غصبته على الجواز؟ وبعدين عمران راجل يتجوز مرة واتنين وتلاتة لو عاوز ومفيش ست تقدر ترفضه. ده الصح اللي كان المفروض يحصل وأهو حصل، معدش له لازمة اللت والعجن الكتير ده، بقت مرته وخلاص كل حاجة خلصت."
إخلاص بغيظ وغل:
"أنت ماسمعتش صوتها وزعيقها كيف وولدي بيزعق معاها؟ أنا خايفة عليه منها، دي قادرة كيف أمها."
رمقه إبراهيم بنفاذ صبر وقال بخفوت وحكمة:
"ولدك مش عيل صغير، عمران راجل وهيعرف يربيها زين ويخليها تمشي تحت طوعه. ده ولدك وأنتي عارفاه زين يا إخلاص."
سالت دموعها فوق وجنتيها فقالت وهي تجففهم بيد مرتعشة:
"صعبان عليا يا إبراهيم، كان نفسي أفرح بولدي وأعمله ليلة تحكي الخلق عنها وتليق بيه."
لاح الحزن والدفء في عيناه قبل أن يضمها لصدره مقبلاً شعرها بحنو:
"تفرحي بولاده يا إخلاص إن شاء الله. سيبها على ربنا واقفي جمب ولدك دلوقتي ومتفكريش في حاجة تاني."
سكنت بين ذراعين زوجها تشعر بالأمان وشعور الراحة التي حرمت منها منذ زواجه عليها وابتعاده عنها بسبب زوجته الثانية التي نجحت في تدمير زواجهم معنوياً.
***
انتهت من توضيب الغرفة وأعادت ملابسه للخزانة مرة أخرى. وكذلك قطع الزجاج المتناثرة أزالتها من الأرض وسط تأففها وغيظها أنها مجبرة على إطاعة أوامر ذلك المتسلط. ستتريث لبعض الوقت حتى تنفذ خطتها بنجاح وتتخلص منه ومن الجميع.
جلست فوق المقعد الخشبي تستند برمفيها على ذراع المقعد وتعود بظهرها للخلف. أما نظراتها فكانت عالقة على الفراغ أمامها وعقلها مشغول بالتفكير. ولم يدم شرودها طويلا، فبمجرد خروج عمران من الحمام انتصبت واستدارت لتجلس بالجانب على المقعد وتوليه ظهرها. بينما هو ألقى نظرة على الغرفة التي عادت لطبيعتها مرة أخرى وابتسم بشيطانية ثم تقدم نحوها بخطوات متأنية. اضطربت هي بعض الشيء حين سمعت خطواته، لكنها حافظت على ثباتها وعدم اكتراثها المزيف. لكنه انهار كله حين سمعت همسته المرعبة بالقرب من أذنها يقول:
"طول ما أنتي بتنفذي كلامي يبقى هترتاحي. كلمة لا بتعفرتني، يعني مشي أيامك معايا على خير يا بت خليل."
ازدردت غصة مريرة بحلقها وأثار جنونها شعورها بالخوف منه وقررت التغلب عليه. فاستقامت واقفة بقوة وتطلعت في عيناه بثبات هاتفة بشجاعة وعنجهية تليق بامرأة مثلها:
"أنت فاكراني إيه؟ هعيش تحت طوعك وأقولك أنت تؤمر يا سي السيد؟ تبقى بتحلم ولسه متعرفنيش."
ابتسم بسخرية وتلفت برأسه في أرجاء الغرفة المنظمة هاتفاً بعين حمراء:
"واللي قصادي ده حلم برضك! إنك تسيري تحت طوعي ده مش اختيار، ده أمر وهتنفذيه ورجلك فوق رقبتك. النفس اللي هتتنفسيه هيبقى بإذن مني. واللي أقوله يحصل من غير حديث ملوش لازمة."
التهبت نظراتها وردت عليه منفعلة دون أي خوف:
"الحديث ده تروح تقوله لعبدة اشتريتها بالفلوس، لكن أنا مهسمحلكش تمشيني على هواك. أنا ناري حامية قوي وبتاكل أي حاجة تقف قصادها وأنت جربتها. مظنش إنك عاوز تجربها تاني صح!"
بدا جامداً تماماً على عكس اشتعاله الداخلي من تهديدها وفظاظتها في الحديث معه. لو أطلق الوحش الذي يسكنه لأخذ روحها تماماً، لكنه تريث وتمالك انفعالاته. حيث اقترب منها أكثر وقبض على فكيها بقسوة هاتفاً بتحذير ونظرات تقذف الرعب في القلوب:
"نارك دي متساويش حاجة قصاد جحيمي. أوعاكي تنسي روحك والشجاعة تاخدك معايا وحسك عينك تفكري تهدديني تاني وتكلميني كده."
دفعت يده بعيداً عنها هاتفة بوعيد رغم الخوف الذي يستحوذها:
"أنا مش ههددك تاني، أنا هنفذ علطول يا عمران."
كور قبضة يده بقوة يحاول حجب نفسه الثائرة عنها واكتفى بصيحته الهادرة:
"اتخمدي، مش عاوز أشوف خلقتك للصبح."
لم تجب وتابعته وهو يغادر الغرفة ليتركها وحيدة بذلك السجن. بقيت متسمرة بأرضها تتجول بنظرها في الأرجاء حولها وعيناها مظلمة تماماً كقلبها الذي احترق وانطفأ. ودون أن تشعر انهارت باكية حين قذف بذهنها عائلتها ونقمت عليها. ألقوا بها في الجحيم دون رحمة غير مبالين أن كان ذلك الجحيم قتلها أم مازالت تحارب بداخله للنجاة.
***
صباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان تحديداً بغرفة جلال. خرج من الحمام بعدما انتهى من حمامه الصباحي وبيده يمسك منشفة بيضاء صغيرة يجفف بها شعره من الماء. ثم تحرك نحو خزانة ملابسه لكي يرتدي ملابسه ويستعد للخروج. لكن صوت رنين هاتفه المرتفع أوقفه بمنتصف الطريق وعاد مجدداً له ليلتقطه من فوق الفراش ويتطلع باسم المتصل في شاشته فيجده "إبراهيم الصاوي". ضيق عيناه بتعجب وأجاب عليه بصوت مقتضب:
"ألو."
هتف إبراهيم بنبرة جادة:
"صباح الخير يا جلال."
أجاب جلال على مضض:
"صباح النور يا معلم إبراهيم، خير؟"
أكمل إبراهيم بصوت عالٍ وحازم:
"خير إن شاء الله. عاوز أتكلم معاك بخصوص بتي فريال."
انقبض قلبه للحظة فور ذكره اسم زوجته خوفاً من أن يكون أصابها مكروه وأجابه مسرعاً بقلق:
"مالها فريال؟ هي كويسة؟"
هتف بهدوء لكن لهجته كانت جافة:
"زينة الحمدلله. أنا بكلمك عشان أقولك أن خلاص معادش ينفع جوازكم ده يكمل يا جلال. خلصت على كده ولازم تطلقها."
انطلقت من بين شفتيه كلمة مستنكرة ومندهشة:
"إيهـه! أطلقها!!"
"أيوه تطلقها يا جلال، أنا مش هقبل أن بتي ترجع البيت ده تاني طالما هي عاوزاه ورافضة."
لم يعقب على رده والتزم الصمت للحظات وهو يصر على أسنانه من فرط الغضب وهتف بترقب يحاول تمالك أعصابه:
"وياترى بتك عارفة وموافقة على الطلاق ده ولا لا؟"
وصلت لأذنه عبارة إبراهيم وكانت القاضية عندما أخبره:
"أيوه موافقة طبعاً."