تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى محمود توفيق
فتحت عينيها بفزع وانتفضت جالسة فوق المقعد الذي لازمته منذ أمس وغفيت عليه دون أن تشعر. تلفتت برأسها في أرجاء الغرفة ولم تجده، فتنهدت مطولًا براحة واعتدلت في جلستها، ترفع كفها لعنقها تدلكه بلطف وهي تتمايل برأسها يمينًا ويسارًا بفعل الألم الذي يعصف بعظامها. توقفت بعد لحظات وقادت خطواتها البطيئة تجاه الحمام لتغسل وجهها. وبينما كانت بطريقها، توقفت للحظة تتطلع بذلك الجلباب الأسود الذي ترتديه منذ أمس، فتأففت وعادت مجددًا لحقيبتها، تفتحها وتخرج منها عباءة منزلية مطرزة باللون الأزرق وبأكمام واسعة وطويلة. وأخرجت معها بقية ملابسها الداخلية وذهبت للحمام لكي تأخذ حمامًا دافئًا.
داخلت وأغلقت الباب بإحكام خلفها، تحسبًا لوصوله بأي لحظة، وقد قررت بأنها ستأخذ حمامًا سريعًا قبل أن يعود.
وقفت أسفل المياه ساكنة دون حركة، تترك الماء تطهرها من الأيادي التي انهالت عليها تنوي قتلها دون ذنب. تركتها تمحو الشوائب المبعثرة في نفسها المقهورة، تنظفها لتعيدها لحالتها اللامعة مرة أخرى، وتطرد عنها الأتربة التي كادت تملأها لرأسها وتخنقها.
خرجت من الحمام بعد دقائق قصيرة، ثم توجهت نحو المرآة المعلقة في باب الخزانة وأخرجت فرشاة الشعر خاصتها وبدأت في تسريح شعرها وهي تتأمل ملامحها الذابلة. لكنها مازالت تحتفظ ببأسها وقوتها رغم الحزن. استقرت عيناها على شفتيها المتورمة وأسفل عينيها الذي يميل للأزرق، فلمعت عيناها بالعبرات، لكنها أسرعت وجففتهم رافضة المزيد من الضعف. واستمرت يداها تسير بالفرشاة على شعرها بهدوء تام وملامح وجهها أصبحت جامدة، فقط تتطلع لانعكاس صورتها ببرود.
انتبهت حواسها على أثر طرقة الباب الرقيقة، ومن بعدها انفتح وظهرت من خلفه فريال التي دخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم تسمرت بأرضها تتطلع بآسيا وبوجهها في صدمة. إن كان الشك يأكلها، فالآن هي متيقنة أن الأمر لم يكن مجرد زواج من أجل إنهاء حرب بين عائلتين.
رمقتها آسيا مطولًا بثبات قبل أن تشيح بوجهها مجددًا وتكمل تسريح شعرها، وهي تهتف ببرود غريب:
_ إيه چاية تشمتي فيا يافريال.. بس عندك حق تشمتي، أنا نفسي مش فاهمة كيف في يوم وليلة كل حاجة حصلت ولقيت نفسي في الآخر في بيت أبوكي. البيت اللي رجلي حرمت تعتب عتبته من بعد ما أبويا اتقتل وكان بنسبالي محرم عليا. وأخوكي اللي كنت بتوعدله ومبطيقش ابص في وشه، اديني في اوضته دلوك.
الذهول كان يستحوذ على فريال التي لا تحيد بنظرها عن آسيا، تتمعن حالتها المزرية وتستشعر القهر في نبرة صوتها القوية رغم كل هذا. فتقدمت منها بتريث ووقفت بجوارها تسألها بترقب:
_ عملتي إيه يا آسيا؟
رمقتها بنظرة لا روح بها، كأنها شبح يستعيد أنفاسه ليعود للحياة، وقالت باسمة بشيطانية:
_ صدقيني أنا لغاية دلوقتي معملتش حاجة، كل ده كان لعب عيال.
ضيقت عيناها باستغراب وقلق من كلماتها الغامضة، فعادت تلقي عليها سؤالًا مختلفًا:
_ اتجوزتي عمران ليه وكيف جلال وافق؟ أنا عارفاه زين، مستحيل يوافق يرمي اخته عشان مصالح!
ابتسمت آسيا ساخرة وردت بشراسة:
_ ليه متروحيش تسألي أخوكي، أصله محرج عليا متنفسش بدون إذنه. ولو قولت حاجة يمكن يعلقلي حبل المشنقة.
كانت تتحدث بكل استهزاء، تخبرها بخوفها وأوامر أخيها، لكن نبرتها ونظراتها تثبت العكس وأنها لا تكترث له. فأشاحت فريال بوجهها عنها تتأفف بنفاذ صبر بعدما أدركت أنها لن تستطيع الحصول على معلومة مفيدة منها حول حقيقة زواجها هي وأخيها، فقررت تسألها لآخر مرة، لكن هذه المرة بنظرات ثاقبة:
_ وإيه اللي عمل في وشك كده؟
تقوست ملامحها بضيق وردت مقتضبة:
_ وقعت من على السلم.. أنتي جاية تحققي معايا ولا إيه يافريال؟
فريال بحزم:
_ مش بحقق يا آسيا، لكن اللي بيحصل ده مش عادي عليا، ومتأكدة أن في حاجة منعرفهاش.. اللي قصادي مش آسيا اللي أعرفها.
آسيا بنظرة مميتة وجديدة تمامًا، كلها جبروت:
_ صح، ومن هنا ورايح هتشوفوا آسيا جديدة. ملكيش صالح بيا وركزي على نفسك.
هتفت بتساؤل وجدية:
_ اركز على نفسي في إيه؟
آسيا في عين ثابتة ونبرة تضمر خلفها خبايا وأسرار:
_ يعني ارجعي لجوزك قبل ما تخسريه وتاجي تبكي وتنوحي كيف الحريم اللي عجناها اتكب. أنتِ أول واحدة هتندمي، ويمكن محدش هيندم غيرك.. جلال مش هيقعد يبكي وراكي كيف الحريم، حتى لو بيعشقك.
انقبض قلب فريال وتوغل الخوف لها، فراحت تسألها بعدم فهم واضطراب:
_ قصدك إيه يعني؟
ابتعدت آسيا عنها وردت بنظرة جانبية باردة:
_ مسيرك تفهمي قصدي لو فضلتِ في صف أبوكي القاتل.
رغم الرعب الذي استحوذ عليها من إمكانية خسارتها لزوجها، إلا أنها رفضت الاستماع لصوت قلبها مجددًا ولم تكترث لكلام آسيا، لترد عليها بغضب رافضة تصديقها:
_ شكل الحزن والضيق سيطر عليكي وبقيتي تخرفي. أنا ماشية.
أنهت عباراتها واندفعت لخارج الغرفة، تترك آسيا تتابعها ببسمة ساخرة وهي تنعتها بالحمقاء!
***
كان يجوب الغرفة إيابًا وذهابًا، ودمائه تغلي في عروقه كلما يتذكر حديثه مع إبراهيم، والذي أنهاه برده عليه كالآتي:
_ وأنا مش هطلق.
اتاه الرد الغاضب من إبراهيم:
_ كيف يعني مش هطلق!
هتف جلال برد مفحم وقاسٍ:
_ كيف ما سمعت، طلاق مش هطلق، وخلي بتك عندك طالما هي عاوزة تتطلق.
ولم يمهله اللحظة ليجيب عليه، بل أنهى الاتصال وألقى بالهاتف على الفراش وهو يزفر النيران من بين شفتيه. حتى الآن، هو لا يصدق أنها تخلت عنه بكل هذه السهولة وتريد الانفصال الأبدي. كان يقنع نفسه بالبداية أنها مجرد نوبة غضب وستمر، ثم تعود له مجددًا. ورغم سخطه ونقمه على فعلتها، إلا أنه كان على استعداد أن يسامحها أن عادت له نادمة واعتذرت عن خطأها. لكن اتضح أنها ليست مجرد نوبة غضب، بل هجر. لم تخطئ دون وعي وبلحظة ضيق، بل كانت عن عمد ومدركة تمامًا أنها تتركه بمنتصف الطريق وتهدم سور العشق والحياة التي أسسوها معًا. حنثت بكل وعودهم، ودعست على قلبه وكبريائه وعشقه لها بقدمها.
توقف، ثم رفع كفه يمسح على وجهه وهو يزفر أنفاسه الساخنة والموجوعة. اقترب من الفراش وجذب هاتفه ومفاتيحه، ثم دسهم بجيب جلبابه واندفع لخارج الغرفة بعدما حسم قراره الذي لا عودة منه.
نزل درجات السلم حتى وصل للطابق الأرضي، فوجد أمه تجلس فوق الأريكة وتنظر من النافذة شاردة في المارة بالشارع. أخذ نفسًا عميقًا وتقدم منها يجلس بجوارها، ثم ينحني ويلثم رأسها بحنو متمتمًا:
_ صباح الخير ياما.
التفتت له جليلة وابتسمت بدفء هاتفة:
_ صباح النور ياحبيبي.
احتضن جلال كف أمه وسألها باهتمام وخفوت:
_ كيفك دلوقتي؟
أجابت بهدوء مبتسمة ببعض الحزن:
_ زينة الحمدلله، اطمن يا ولدي.
هز رأسه بإيماءة بسيطة وهو يردد "الحمدلله". ثم استحوذ عليه الصمت لبرهة من الوقت وهو يفكر. مما أصابها بالريبة وسألته بتعجب وقلق:
_ في حاجة ولا إيه يا جلال؟
خرج عن صمته وتطلع لأمه بثبات يجيبها بثبات:
_ بت ياسر الجزار هي اللي كنت عاوزاني اتجوزها؟
اتسعت عينا جليلة بصدمة وراحت تتطلع في ابنها بعدم استيعاب، ولم تجبه، فقط هزت رأسها بالإيجاب بسبب دهشتها. فوجدته يكمل بنظرة كلها قسوة تحمل الوعيد والغضب:
_ وأنا موافق. كلمي أمها وشوفوا يوم عشان نروح نطلبها، بس اصبري يومين كده أظبط أموري وبعدين هقولك كلميها.
لمعت عينا جليلة بفرحة وقالت بحماس:
_ صح يا جلال موافق تتجوز؟
حين لم تجد ردًا منه سوى الصمت وجمود الملامح، فتابعت بخبث:
_ مش هتندم، صدقني البت قمر وهتنسيك كل حاجة وهتسعدك.
لم يكترث لوصفها لتلك الفتاة ولم يبدِ أي ردة فعل، حيث استقام واقفًا يهم بالرحيل، لكنها أوقفته بعبارتها المتشفية والحاقدة:
_ مكنتش تستاهلك بت إبراهيم، وقولتلك مليون مرة دي ملهاش أمان كيف أبوها وناسها. خليها تتحسر دلوقتي أنها خسرت زين الرجال، لو لفت الدنيا من شرقها لغربها مش هتلاقي راجل كيفك.
ألقى على أمه نظرة مريرة تحمل السخط على زوجته التي هجرته. ثم استدار واندفع لخارج المنزل بأكمله، يترك جليلة تبتسم بلؤم أنها نجحت في تحقيق رغبتها.
***
داخل زوايا غرفة عمران بمنزل إبراهيم الصاوي...
عيناها كانت عالقة على فراشه أمامها، تتمعنه باشمئزاز. رغم الآلام التي تعصف بجسدها بسبب جلوسها الدائم على الكرسي ونومها عليه بالأمس، إلا أنها مازالت تكابر وترفض لمس فراشه والنوم عليه. حين وجدت الألم اشتد عليها، تنازلت بعض الشيء واستقامت تتحرك نحو الفراش، ثم جذبت وسادته واستدرت تهم بالعودة لمقعدها مجددًا حتى تضع الوسادة خلف ظهرها. لكنها رفعتها لأنفها بتلقائية، فتغلغلت رائحته وضربت برأسها من شدتها. نفرت بسرعة وأبعدت الوسادة، ثم ألقت بها على الفراش مجددًا وهي تهتف بقرف:
_ استحمل الألم أحسن.. أساسًا مش هقعد هنا كتير، هو اليوم ده الأخير.
انفتح الباب فجأة، فأصابتها نفضة بسيطة وأسرت ترفع غطاء شعرها فوق رأسها وعيناها عالقة على الباب الذي ظهر هو من خلفه بقامته الطويلة وهيبته المعتادة. حين سقطت عيناه عليها وهي تقف بمنتصف الغرفة بجانب فراشه، هكذا ضيق عيناه وسألها بغلظة:
_ واقفة عندك كده ليه؟
لم تجبه واكتفت بنظرتها المشتعلة، بينما هو فاحتدمت نظرته لها عندما لم تجيب، مما دفعها للرد مجبرة:
_ إيه كمان هتتحكم في وقفتي؟ أوقف فين ولا كيف؟
رمقها بحدة ولم يجيبها، فلم يكن في مزاج للعصبية أبدًا. ثم نزع عنه عباءته واتجه نحو الحمام وهو يلقي عليها أوامره هاتفًا:
_ هطلع من الحمام وهننزل عشان الغدا تحت.
ردت برفض قاطع وغضب:
_ عاوزة آكل ولا أقعد معاكم على صينية واحدة.
توقف والتفت برأسه للخلف يحدقها بقوة، ثم استدار واقترب منها يهتف:
_ إيه ناوية تقعدي من غير أكل كتير لغاية ما تموتي؟
طالعته بصلابة وهتفت بشموخ:
_ ملكش صالح بيا.
لوى فمه بغيظ وهو يحاول تمالك أعصابه حتى لا ينفعل، وقال يعيد توجيه أوامره، لكن هذه المرة دون أن يعطيها مجالًا للرفض:
_ مش هعيد كلامي تاني. لفي طرحتك زين لبين ما اطلع من الحمام عشان ننزل. ومعاوزش اسمع لا دي يا آسيا، الكلمة تتنفذ من أول مرة.
هتفت منفعلة رغم اضطرابها منه:
_ قولتلك مش هنزل.
أظلمت عيناه ولاحت بشائر عواصفه المخيفة، فأدركت أن لا مجال لها للرفض والعناد، فقررت اللجوء للحل البديل وقالت بصوت محتقن وهي تشيح بوجهها بعيدًا:
_ مش هنزل قصاد حد بالمنظر ده ياعمران.
دقق النظر في وجهها من الجانب، فوجد أن تورم شفتيها هدأ تمامًا، ولم يتبقى سوى أثر بسيط من التورم أسفل عينيها، فقال بحزم:
_ مفيش حاجة في وشك، الورم اللي شوفته امبارح خف ومحدش هيلاحظ.
البسي واجهزي يلا.
تابعته بنظراتها النارية وهو يختفي عن أنظارها داخل الحمام.
وراحت تشتم في خالد الذي لم ينفذ مهمته كاملة.
ربما لو فعلها لم تكن لتقف أمامه وهي زوجته وتتلقى منه الأوامر ومجبرة على تنفيذها خشية منه، حتى لو لا تعترف لنفسها بأنها تخشاه، لكنها الحقيقة للأسف.
اقتربت من المرآة المعلقة على باب الخزانة ووقفت أمامها تلف حجابها فوق شعرها بإحكام.
ثم أخذت تدقق النظر في وجهها وفي التورم الذي أسفل عينيها لتهز رأسها بالنفي هاتفة:
_ لا مش هنزل قصادهم كدا.
ثم التفتت برأسها للخلف نحو الحمام تفكر فيما سيفعله حين تصمم على عدم تناول الغذاء معهم ومرافقته للأسفل.
تأففت بصوت عالي وفكرت بحل أسهل حيث اندفعت لخارج الغرفة بسرعة وأخذت تتلفت حولها في الطابق تتأكد من عدم وجود أحد.
ثم تحركت تجاه غرفة فريال بسرعة وراحت تطرق على الباب بقوة حتى فتحت لها فريال الباب والتي رمقتها بدهشة.
لكن آسيا لم تمهلها اللحظة لتندهش حيث دخلت بسرعة قبل أن يراها أحد وأغلقت الباب.
تراجعت فريال خطوة للخلف وهتفت بحدة:
_ في إيه يا آسيا مالك؟
سألتها مباشرة بجدية:
_ عندك مكياچ؟
غضنت فريال حاجبيها باستغراب دون أن تجيب.
فعادت تسألها مجدداً بخنق:
_ عندك ولا لا؟ هتفضلي تبحلقي فيا كتير!
ردت فريال بعدم فهم:
_ عندي بس عاوزاه ليه؟
طالعتها آسيا بصمت مطول دون أن تجيب وملامح وجهها مختنقة ترسل لها إشارات بعيناها لتفهم سبب رغبتها به.
ارتفع حاجبي فريال بعدما فهمت وسألتها مرة أخرى باستغراب:
_ طب وعاوزة تحطيه ليه؟ أنتي مش قاعدة في الأوضة ومحدش بيدخل عليكي أصلًا!!
تأففت بنفاذ صبر وقالت بسخط واغتياظ:
_ اخوكي چابرني انزل تحت اقعد معاكم على الغدا وأنا مهنزلش بالمنظر ده طبعاً.
لساتك هتسألي حاجة تاني كمان ولا لا.
استحوذ الذهول على فريال وهي تتمعن بها.
تلاحظ اضطراب آسيا التي لا تخشى أحد وهي تتحدث عن إجبار أخيها لها لتنفيذ أوامره وتبحث عن حلول بدلاً من رفض رغبته بكل سهولة كما تفعل مع الجميع وتفرض سيطرتها عليهم.
رغم عنها فشلت في حجب ابتسامتها التي ارتفعت لثغرها.
اشتعلت عين آسيا حين رأت ابتسامتها وهتفت بشراسة:
_ بتضحكي علي إيه!
أخفت ابتسامتها بصعوبة وقالت بنبرة عادية وهي تشير لها بعيناها على مكان أدوات التجميل:
_ ولا حاجة.
المكياچ عندك علي التسريحة أهو خدي اللي تعوزيه وحطي.
القت عليها آسيا نظرة كلها غطرسة واتجهت نحو طاولة التزيين وبدأت تأخذ بعض أدوات التجميل المناسبة وتضع منها فوق وجهها تخفي آثار الكدمات والتورم.
وفريال تقف تتابعها عاقدة ذراعيها أسفل صدرها وهي تبتسم.
لا يمكنها الإنكار أنها شعرت بالتشفي، فهي تستحق رجل كعمران حتى يعيدها لصوابها كلما خرجت عن حدودها الحمراء.
انتهت آسيا وأخفت كل الآثار عن وجهها تماماً ثم استدارت وقالت لفريال بهدوء:
_ شكرًا.
هزت رأسها لها فقط وهي تبتسم هاتفة بخبث:
_ عشنا وشوفنا اليوم اللي نشوفك فيه خايفة وبتنفذي الكلام بالحرف يا آسيا.
التهبت نظراتها وهتفت بعصبية شديدة وحدة:
_ أنا مخيفاش من حد يافريال أنا سايبة أخوكي يعمل اللي هو عاوزه بمزاجي.
خلي بالك من كلامك زين.
هزت فريال رأسها مبتسمة وهي تتصنع تصديق كلامها وتقول مستنكرة:
_ إيوة واضح من غير ماتقولي.
رمقتها آسيا شزراً واندفعت لخارج غرفتها ودمائها تغلي في عروقها من الغيظ.
وفور وصولها لغرفة عمران وفتحت الباب اصطدمت به فارتدت للخلف بفزع.
وإذا بها تشعر بيده الفولاذية تقبض على رسغها يجذبها للداخل ويغلق الباب صائحاً:
_ كنتي وين؟
انتشلت يدها من قبضته وصاحت بغضب رغم توترها منه:
_ هو أنا محبوسة ولا إيه والمفروض مطلعش من الأوضة يعني!
صر على أسنانه وهتف بنظرة تحمل الإنذار:
_ لما أسالك تچاوبي على قد السؤال من غير لف ودوران.
ردت بنبرة مقتضبة ومستاءة:
_ روحت لفريال اخدت منها مكياچ عشان اداري اللي في وشي.
دقق في وجهها فلاحظ وجود القليل من أدوات التجميل فتلونت عيناه بالأحمر القاتم وقال بلهجة تدب الرعب في القلوب:
_ وأنتي بتمشي من دماغك.
مين قالك إني كنت هوافق تحطي القرف ده وتنزلي بيه قصاد الكل.
صاحت منفعلة بتحدي وتصميم:
_ وأنا مش هنزل غير إكده.
مش هسمح اخليهم كلهم يتفرچوا عليا ويشمتوا فيا.
أنا عمري ما خليت حد يشوفني ضعيفة ولا مكسورة فمش هتاجي أنت وتچبرني اطلع قصاد ناسك اللي قتلوا أبويا وأبان قصادهم مكسورة.
رأت قسمات وجهه تقوست بشكل مخيف وخرج صوته الرجولي يقول:
_ كنت ممكن أوافق لو اتكلمتي بأدب وصوتك معليش عليا.
لكن بعد اللي عملتيه ده غصبن عنك هتخشي تغسلي وشك.
هدرت بعناد تتحداه في شجاعة:
_ مش هغسله ياعمران.
ارتفع حاجبه باستنكار وحدة من عنادها معه فقرر تأديبها بطريقته الخاصة.
حيث انحنى بجزعه للأمام وحملها فوق ظهره عنوة متجه بها نحو الحمام وسط مقاوماتها وصياحها به وهي تضربه بكفيها على ظهره حتى يتركها لكن دون جدوى.
ولم ينزلها سوى أسفل صنبور مياه الاستحمام ودون أن يمهلها اللحظة لتحاول الفرار منه فتح المياه الدافئة لتنهمر فوق جسدها كله فشهقت هي بزعر وصابتها نفضة بسيطة من اندفاع المياه عليها وبتلقائية راحت تمسح وجهها حتى تتمكن من التنفس والرؤية وتصرخ به:
_ أنت مچنون! بعد عني.
راحت تصرخ به بهستيريا وهي تضربه فوق صدره تفض كل ما بنفسها من غضب وقهر:
_ بعد بقولك اوعاك تلمسني تاني.
كانت تلهث أسفل المياه وهي تتطلع إليه بشراسة حتى وجدته ينحني عليها ويمد يده خلفها يغلق الصنبور ثم يعتدل ويقول بنبرة عنيفة:
_ دلوك تقدري متنزليش هخليهم يچبولك الأكل إهنه.
لكن ده كان أدب ليكي عشان تتعلمي تردي عليا زين بعد إكده وتبطلي قولة لا دي.
هتتعلمي غصبن عنك تقولي حاضر يا آسيا ومتحطيش راسك براسي وكلمتي تتنفذ طوالي.
احتقنت نظراتها وتجمعت العبرات في عيناها بحرقة لكنها شدت على محابسهم جيداً لتقول له بصوت مبحوح وهي تتفادى النظر إليه:
_ اطلع برا وهملني عشان اغير هدومي.
القى عليها نظرة متفحصة ثم استدار وغادر يتركها بمفردها في الحمام تبكي بصمت.
ولم تلبث سوى دقائق قصيرة حتى خرجت فلم تجده.
اتجهت نحو حقيبتها واخرجت ملابس جديدة ثم عادت للحمام لكي تبدل ملابسها المبتلة.
***
كانت حور تسير خلف صديقتها التي تجرها عنوة وتهتف لها بخنق متأففة:
_ يابنتي سبيني هستناكي تحت أنا إيه اللي يخليني احضر معاكي أنتي في رابعة وأنا تالتة.
التفتت لها صديقتها وقالت باصرار:
_ وتقعدي وحدك ليه تحت في الكافتريا احضري معايا وونسيني بدل ما اقعد وحدي.
تنفست حور الصعداء بعدم حيلة وقالت في خوف:
_ طيب والدكتور لو عرف إني مش معاكم هيزعق ويبهدلني صح.
قالت نافية في إيجاز:
_ لا مش هيزعق ومش هيعرفك أصلًا.
اخلصي بقى ياحور احسن ميدخلناش احنا الاتنين.
زفرت بقوة مغلوبة ووقفت خلف صديقتها التي طرقت باب القاعة وفتحته وبمجرد ما أشار لها الأستاذ بالدخول دخلت وكانت هي خلفها مباشرة.
ولسوء حظهم أنا القاعة كانت ممتلئة كلها ولم يجدوا سوى مقعدين في المنتصف.
دخلت حور أولاً وجلست وبجوارها صديقتها.
وجهت تركيزها مع الأستاذ رغم أنها لا تفهم شيء من دروس الهندسة المعقدة إلا أنها انتبهت خوفاً من أن يحرجها أمام الجميع إذا وجدها غير منتبهة.
وبعد دقائق طويلة نسبياً وجدت قلم سقط أسفل قدميها من صاحب المقعد المجاور لها فانحنت بتلقائية تلتقطه لكي تعيده له.
وحين رفعت رأسها ومدت يدها بالقلم صابتها الصدمة وارتبكت فسقط القلم من يدها مرة أخرى.
طالعها بلال بحيرة ولم يتمكن من حجب ضحكته التي أظهرت أسنانه البيضاء بوضوح.
يضحك عليها وعلى منظرها حين اسقطت القلم مرة أخرى.
بينما هي فلم تفق سوى على صوت الأستاذ الذي هتف بغضب:
_ اتفضل برا يا أستاذ ياللي بتضحك في النص أنت.
أدرك بلال أنه يقصده هو فلم يجادل معه وتوقف بكل هدوء وسار لخارج القاعة.
وإذا به يسمع الأستاذ يكمل:
_ وأنتي معاه مش كنتوا بتتكلموا؟ اتفضلوا كملوا كلامكم برا.
تلفتت حور حولها بدهشة وهي تشير إلي نفسها بعدم استيعاب فوجدت الرد مفحماً من الأستاذ وهو يصيح:
_ أيوة أنتي هو في حد غيرك كان جمبه اتفضلي يلا متعطلوناش.
نظرت لصديقتها التي عاتبتها بنظراتها فهزت حور كتفيها بعدم حيلة واستقامت واقفة تسير للخارج تلحق به.
كان هو يقف خارج القاعة ينتظرها وفور خروجها رمقها رافعاً حاجبيه يتصنع الضيق لأنها كانت السبب في طرده من محاضرته.
حين رأت تلك النظرة في عيناه أطرقت رأسها أرضاً بإحراج وتقدمت نحوه بخطا متوترة متمتمة:
_ آسفة مكنتش أقصد والله اخليك تتطرد بسببي.
بلال بجدية وخنق مزيف:
_ أنتي مكملتيش عشر دقايق واتطردتي وطردتيني معاكي.
زمت شفتيها بإحراج شديد وهي تجفل نظرها تخجل من النظر إليه حتى سمعته يقول مازحاً بضحك:
_ أنتي ملكيش ذنب العيب على القلم اللي وقع صح هو السبب!
رفعت نظرها وحين رأته يضحك هدأ توترها وقالت براحة:
_ الحمدلله يعني أنت مش مضايق.. لو مضايق ممكن ارجع وأقول للدكتور أنا اللي اتكلمت وأخليه يدخلك.. بجد والله مش بهزر.
قهقه بصوت عالي وهتف من بين ضحكه:
_ دي جامعة مش فصل خامسة ابتدائي عشان تدخلي تقوليله أنا اللي اتكلمت معلش دخله تاني.
ضحكت لكنها ردت بغيظ بسيط :
_ أنت بتتريق!!
بلال مبتسماً بكل لطف:
_ لا طبعاً مقصدش أنا بهزر بس.
أماءت بتفهم وقالت في رقة جميلة:
_ طيب أنا هنزل تحت وآسفة مرة تاني.
هز رأسه لها بالموافقة وتحركت خطوة بعيداً عنه ثم توقفت والتفتت له تهتف بخجل وتوتر :
_ أنت اسمك محمد صح؟
ابتسم لها بعدما فهم محاولاتها البريئة لمعرفة اسمه ليقول بلؤم:
_ لا بلال!
شعرت أنه كشف خدعتها السخيفة فقالت بتلعثم:
_ أه تشرفت يابلال.
رد بخفوت ونبرة رجولية قوية:
_ أنا اكتر ياحور!
أرسلت بسمة سريعة ثم اندفعت وسارت مبتعدة عنه من فرط خجلها وتوترها.
لكنها توقفت فجأة بعدما اختفت عن أنظاره وأدركت جملته الأخيرة عندما ودعها باسمها.
اتسعت عيناها بذهول محاولة فهم كيف عرف اسمها فهي لم تخبره! .
***
صعد بشار الدرج قاصداً الطابق الأخير من المنزل تحديداً بالسطح لكي يأخذ شيء وبيده هاتفه يضعه فوق أذنه يتحدث مع أحد الرجال بأمر يخص العمل.
وفور وصوله سقطت عيناه على ابنة عمته رحاب التي تجلس فوق الأريكة الخشبية وتبكي بصمت فغضن حاجبيه بتعجب وتمكن منه القلق فانهى اتصاله بسرعة واقترب منها هاتفاً:
_ رحاب!!
انتفضت بفزع على أثر صوته ومالت برأسها للجانب بعيداً عنه تكفكف دموعا بسرعة في توتر.
بينما هو فجذب مقعد وجلس أمامها مباشرة يسألها باهتمام:
_ بتبكي ليه؟ في حد ضايقك ولا عملك حاجة؟
هزت رأسها بالنفي دون أن تنظر له بسبب إحراجها من رؤيته لها وهي تبكي.
أما هو فتابع بجدية بسيطة وقلق:
_ طب أمال في إيه قلقتيني!
خرج صوتها ضعيف ومبحوح وهي تقول:
_ مفيش حاجة يابشار أنا شديت مع أمي شوية في البيت وجيت هنا.
هدأت حدة أنفاسه وقال لها بخفوت جميل:
_ طيب وقاعدة لحالك في السطح وبتعيطي كده ليه؟
أجابته برقة وصوت يكاد يسمع بصعوبة:
_ كنت قاعدة مع مرات خالي إخلاص تحت بس حسيت نفسي مخنوقة فطلعت هنا أقعد لحالي شوية.
حدقها مطولاً بعدم اقتناع وعيناه كانت ثابتة عليها يتمعنها بتدقيق وهي تتهرب بنظراتها منه.
ليقول لها بتشكيك:
_ يعني اتخانقتي مع أمك بس مفيش حاجة تاني؟
أومأت له بالإيجاب في صمت.
فطالت نظرته الدافئة لها، لكن سرعان ما تحولت للامتعاض حين سقطت عيناه على يدها اليمنى ورأى خاتم الخطبة.
علقت عيناه المستاءة التي تحمل المرارة على أصبعها ولم يشح بنظره إلا عندما سمع صوت رنين هاتفها.
وجدها تلتقط الهاتف وفوراً أنهت الاتصال دون أن تجيب بغضب.
لم يقرأ اسم المتصل ولكنه لمح صورته وكان خطيبها.
فلوى فمه بحنق واستقام واقفاً فوراً يهتف بهدوء على عكس الثوران الداخلي له:
_ أنا هسيبك تقعدي لحالك شوية وتهدي. عاوزة حاجة؟
هزت رأسها بالنفي وهي تبتسم بلطف.
ثم تابعته وهو يستدير ويسير بعيداً عنها ويتركها بمفردها تماماً.
فور رحيله عاد صوت رنين هاتفها يصدح بالرنين من جديد.
فتنهدت وردت على خطيبها!
نزل الدرج وهو يمسح على وجهه ويتأفف بصوت عالي من فرط الخنق والغضب.
إلى متى ستستمر مشاعره المؤلمة تلك لا يدري.
لم تعد له ومازال قلبه يرفض التخلي.
وإن أتبعه في هواه لن يرتاح وربما سيقوده للهاوية وينهيه بالكامل.
اصطدم بزوجة عمه التي كانت تصعد للسطح.
ونظرت له متعجبة تهتف:
_ بشار كنت بتعمل إيه فوق دلوقت؟
هتف بثبات متصنع وصوت خشن:
_ ولا حاجة يا مرت عمي. طلعت أجيب حاجة ولقيت رحاب فنزلت.
هزت إخلاص رأسها بتفهم وسألته باهتمام:
_ كانت زينة طيب لما شوفتها؟
رد بخنق وعدم اكتراث مزيف:
_ معرفش. اطلعي شوفيها.
ولم يلبث للحظة أخرى حيث اندفع من أمام إخلاص يقود خطواته تجاه غرفته.
بينما هي فالتفتت برأسها للخلف وتابعته مطولاً بحزن ويأس!
***
بتمام الساعة التاسعة مساءً كانت فريال بطريق عودتها للمنزل بعدما انتهت من شراء بعض مستلزماتها الشخصية.
وكانت تسير نحو الطريق العام لتستقل بسيارة أجرة تعيدها للمنزل.
لكنها مرت من أمام معرض الأجهزة الكهربائية الخاص بزوجها وعائلة خليل صفوان.
تسمرت قدمها بأرضها ووقفت أمامه ترسل نظراتها للداخل بحثاً عنه.
حاولت الرحيل لكنها فشلت أمام صراخ قلبها المشتاق لروحه البعيدة عنه.
كانت تقف فقط تأمل أن تلمحه حتى من بعيد.
فمنذ أن تركته لم تسمع صوته ولم تراه.
تطمئن على أحواله فقط من أولادهم عندما يأتون لزيارتها كل يوم.
تراقص قلبها فرحاً حين لمحته يقف مع أحد الرجال ويتبادل معه أطراف الحديث بجدية.
لمعت عيناها بوميض العشق وارتفعت بسمتها الناعمة فوق ثغرها دون أن تشعر.
بقت مكانها تتأمله بشوق وشرود لدرجة أنها لم تنتبه له عندما رآها ونظر لها بدهشة.
لم تفق سوى على صوت خطواته المتجهة نحوها.
فحبست أنفاسها للحظة وأخرجتها زفيراً متهللاً وهي تستعد لمواجهته بعد مرور أيام على فراقهم.
وجدته وقف أمامها وهتف بحزم:
_ بتعملي إيه هنا؟
اندهشت من رده الجاف فانعقد لسانها ولم تجد ما تجيبه به.
حتى وجدته يمسك بيدها ويجذبها معه للداخل.
لم تفهم إلى أين يأخذها أو حتى لماذا يتصرف معها بهذه القسوة.
كانت تتوقع أن تتعرض للتوبيخ وتقابل غضبه الشديد منها.
لكن قسوته كانت أصعب.
لم تقاومه بل سارت معه بكل طواعية واستسلام إلى حيث يأخذها.
فانتهى بها المطاف داخل غرفة مكتبه الخاصة بالمعرض.
ورأته يغلق الباب ويقترب هاتفاً بغضب:
_ كنتي فين وإيه اللي جابك هنا؟
اتسعت عيني فريال ثم قالت بخوف شديد وحزن وهي ترفع الأكياس التي بيدها لمستوى نظره:
_ روحت اشتري كام حاجة محتاجاها من السوق وأنا وراجعة عديت من قصاد المعرض بالصدفة فشفتك.
صاح جلال منفعلاً وكأنه وجد حجة ليفرغ شحنة غيظه منها:
_ وطالعة لوحدك دلوقتي الساعة تسعة كنتي ناوية تفضلي برا لغاية أمتى تاني ياست هانم؟
انكمشت ليس خوفاً بقدر ما هو مرارة من معاملته لها.
فقالت بخفوت:
_ أنا كنت راجعة أساساً البيت يا جلال وبعدين مفيش حد يطلع معايا.
رفع سبابته في وجهها يهتف بصوت رجولي مخيف يلقي عليها تعليماته:
_ مش معنى أنك قاعدة في بيت ناسك يبقى تطلعي وتدخلي على هواكي. لسه آتِ مرتي. على الله تكرريها تاني يا فريال وتطلعي في الوقت ده فاهمة؟
تلألأت العبرات في عيناها ثم ردت عليه بألم:
_ أنت بتكلمني كده ليه يا جلال!
اخفض من نبرة صوته وقال في شدة:
_ المفروض أكلمك كيف يا فريال هانم؟
انهمرت دموعها وقالت بأسى وصوت موجوع:
_ للدرجة دي متعصب مني ومش طايقني؟
رغم أن قلبه تمزق لدموع بندقيتها التي يعشقها.
وكان للحظة سيقلب كل شيء بعرض الحائط ويجذبها إليه يروي روحه المتعطشة لها ويسرق معها بعض لحظاتهم الغرامية كما كانوا يفعلون.
لكنه سيطر على مشاعره وتصرف ببرود وهو يجيبها بغضب:
_ أنتي اللي تخليتي وسبتيني يا فريال يبقى تستحملي. صدقتي نفسك ومسمعتيش لحد حتى ليا.
رغم أنك عارفة زين أنا كنت مستعد أجيبلك نجوم السما لو طلبتي وكنت هتنازل عن كل حاجة عشانك كيف ما تنازلت من قبل.
بس أنتي أثبتيلي أنك مكنتيش تستاهلي اللي ضحيت بيه عشانك.
سالت دموعها بغزارة فوق وجنتيها وراحت تهتف وسط بكائها برجاء وألم:
_ بزيادة متكملش ابوس إيدك. كلامك ده تقيل قوي يا جلال.
انحنى عليها فأصبح وجهه أمام وجهها مباشرة وأنفاسه الساخنة كانت تلفح صفحة وجه بعنف وهو يتمتم بصوت نابع من صميمه:
_ واللي عملتيه فيا كان واعر قوي وأكتر كمان. لما موافقتش أخليكي تطلعي من البيت جبتي أبوكي عشان ياخدك مني ويقف قصادي ويقولي بتي معدش ليها قعاد معاك وهي مش عاوزاك.
صغرتيني ودوستي على رجولتي قصاد ناسي كلهم اللي هما كانوا عاوزني أطلقك من وقت ما أبوكي قتل أبويا وأنا اللي رفضت وخرصت لسان الكل ومعدش حد يتجرأ يفتح الموضوع ده تاني في البيت.
عملت كده عشان بحبك ومقدرش على بعدك ومهمنيش اللي عمله أبوكي ولا مشا مشاكلنا مع ناسك.
وأنتی چيتي قصاد الكل تقوليلي مش عاوزاك وتسبيني. هاا لسه عاوزاني أكملك ولا بزيادة كده؟
أجفلت رأسها أرضاً وهي تبكي بنشيج مسموع.
وكان ذلك الصوت يقتله ويأكل في صدره من الألم.
لكنه أخَرس صوت قلبه وتعامل بجفاء لا يليق به أبداً وبالأخص مع زوجته وحبيبته.
بعد لحظات معدودة رفعت وجهها الغارق بالدموع ورمقته بعيناها المريرة تسأله بصوت معذب:
_ يعني أنت معدتش عاوزني خلاص؟
لم يجيب واكتفى بصمته القاتل يتطلعها بثبات مزيف رغم صراعاته الداخلية أمام منظرها المزري ودموعها التي تقتله.
بينما هي فكانت تتطلعه بانكسار تنتظر إجابته التي ربما ستعيد لجسدها الروح مرة أخرى بعد معاملته وكلامه القاسي.
لكنها حصلت على الإجابة منه بالصمت وفسرتها بتأكيد على سؤالها.
فانهارت جميع حصونها واندفعت من أمامه تنوي الرحيل بعد الألم الذي اجتاح قلبها جراء صمته.
لكن قبض على ذراعها يوقفها هاتفاً بغلظة:
_ رايحة فين؟
قالت بغضب وصوت متألم:
_ راجعة بيت أبويا عندك اعتراض في دي كمان ما أنت خلاص معدتش عاوزني عاد.
هتف بصوت رجولي صارم:
_ أنا هوديكي. اقعدي هنا استنيني لغاية ما أخلص شغلي وهاخدك معايا. مش هترجعي لوحدك دلوقتي.
فريال بصوت مبحوح من فرط البكاء:
_ مش عايزة أروح معاك يا جلال. هملني لحالي.
جلال بعصبية:
_ قولتلك اقعدي واستنيني. اسمعي الكلام من غير عند يا فريال.
استسلمت مجبرة أمام انفعاله وصيحته بها.
فأبعدت يده عنها وراحت تجلس فوق الأريكة وهي تجفف دموعها بظهر كفها رغم أنها لا تتوقف عن الانهمار.
اقترب هو من مكتبه وجذب علبة الممسحة الورقية واعطاها لها هاتفاً:
_ خدي امسحي دموعك. بزيادة بكا العيال قاعدين معايا هنا وممكن يدخلوا في أي وقت. متخليهم يشوفوكي كده.
راحت تسحب ممسحة ورقية تجفف بها دموعها وتمسح أنفها محاولة استعادة حالتها الطبيعية حتى لا يروها أولادها بهذه الحالة البشعة.
وبالفعل لم يكن سوى دقائق معدودة ودخلا الطفلان غرفة مكتب أبوهم.
فاندهشوا بوجود أمهم.
وكلاهما ركضوا عليها يعانقوها بفرحة.
هتف معاذ ببسمة متسعة يسأل أمه:
_ إيه اللي جابك هنا يا أمي؟
ابتسمت لابنها بدفء ونقلت نظرها بين طفليها وبين أبوهم الذي يقف يتابعهم وينتظر إجابتها.
فردت هي بمرارة تحاول إخفائها:
_ كنت بشتري حاجات وعديت عشان أشوف أبوكم وأطمن عليه.
طرح عمار سؤال آخر بحماس:
_ هترجعي معانا البيت يعني خلاص؟
عبس وجهها ونظرت لجلال بشجن عندما تذكرت صمته على سؤالها.
ثم عادت بنظرها لولديها تلثم شعر كل منهم بحنو أمومي متمتمة:
_ لا لسه يا حبايبي. هقعد شوية عند جدكم.
ظهر الضيق على وجه معاذ وقال بجدية ولهجة أشبه برجل ناضج:
_ بزيادة عاد يا أمي. احنا اتوحشناكي قوي ارجعي معانا. حتى أبوي زعلان واتوحشك صح يا أبوي؟
لم يجيب جلال على ابنه وبقى صامتاً مما أزعجها وألمها أكثر.
فردت على ابنها برباطة جأش:
_ احنا قولنا إيه يا معاذ مش اتكلمنا في الموضوع ده كذا مرة يا حبيبي.
زم معاذ شفتيه بيأس لكن ذلك لم يمنعه من اقترابه ومعانقته لأمه مرة أخرى في حب وشوق.
فابتسمت هي وادمعت عيناها رغم عنها وراحت تفرد ذراعها تضم عمار أيضاً لصدرها وسط قبلاتها لهم التي كانت توزعها على شعرهم وجبهتهم.
اضطر جلال للمغادرة عندما طلبه أحد العاملين بالمعرض ليأخذ رأيه في أمر يخص العمل.
فخرج وتركهم بمفردهم يتبادلون الحديث ويضحكون.
فقد نجحوا الأولاد في رسم البسمة على ثغر أمهم!
***
داخل غرفة عمران بمنزل إبراهيم الصاوي......
انفتح باب الغرفة ودخل فوجدها جالسة فوق نفس المقعد وتتطلع إليه بصمت وضيق.
لم يعيرها اهتمام كثير وبدأ في نزع جلبابه عنه.
وكالعادة أخرج ملابس جديدة له من الخزانة واتجه للحمام ليأخذ حمام دافئ يزيح عن جسده إرهاق العمل طوال اليوم.
وبقت هي تتابعه بعينيها في سيره نحو الحمام حتى اختفى عن أنظارها وبداخلها تتوق للحظة المناسبة حتى تحقق رغبتها وتتخلص منه.
دقائق طويلة نسبياً مرت حتى خرج من الحمام وكان يرتدي بنطال أبيض ملائم لحجم جسده وشعره الأسود الغزير مبتل تتساقط منه قطرات المياه فوق لحيته الكثيفة وشاربه مما أعطاه شكل رجولي مثير وزاد من وسامته الرجولية.
التفتت هي بتلقائية نحوه وحين استقرت عيناها عليه ورأته عاري الصدر أشاحت بوجهه بسرعة مجدداً وصاحت به بغضب:
_ في حمام بنلبس فيه الهدوم. طالع قصادي كده ليه!
رمقه بنظرة جانبية باردة ثم هتف بنبرته الرجولية الغليظة:
_ عشان أنا في أوضتي وفي بيتي يعني أعمل اللي أعوزه.
هتفت بعصبية دون أن تنظر له:
_ وأنت مش لوحدك في أوضتك يعني تعمل حسابك على كده.
هتف بهدوء أعصاب مستفز متعمد:
_ هو في حد تالت معانا في الأوضة ولا إيه!
حاربت خجلها ونظرت له تقول بقوة:
_ وأنا مش مكفياك!
قال بعين ثاقبة:
_ لأ، أنتي مرتي يعني مش حد غريب.
وكما كانت رغبته نجح في إشعال نيران غيظها على أثر عبارته وهو يذكرها بأنه زوجها. فوثبت واقفة واندفعت نحوه تقف أمامه مباشرة هاتفة بغيظ:
_ أنت كل اللي بتعمله ده بتنتقم مني عشان حاولت أقتلك صح؟
ابتسم ورد بنبرة خشنة ونظرة مميتة:
_ لأ، بربيكي من أول وجديد يا آسيا.
جزت على أسنانها بغيظ وبسبب نظرته المرعبة لم تتجرأ من الرد عليه واكتفت بالتطلع إليه بنارية، لكن بعد لحظات ردت بأنف مرتفع:
_ لو فاكر إنك كده هتكسرني تبقى غلطان.
اشتدت حدة نظراته وهدر بصوت يقذف الرعب في الأبدان:
_ ده بدل ما تشكريني إني أنقذتك من ناسك اللي كانوا هيقتلوكي.
هتفت ببأس رغم قهرها:
_ الموت كان أرحم من إني أتچوزك يا عمران وأدخل البيت ده.
ابتسم باستهزاء ليقول بعدم مبالاة وهو يبتعد عنها ليجذب جلبابه الأبيض الذي فوق السرير ويرتديه:
_ خلاص اعتبري نفسك ميتة هنا كمان وملكيش وجود.
اشتعلت غيظًا وأظهرت عن أنيابها الشرسة حتى أن عيناها أصبحت حمراء من فرط الغضب وباتت أقرب لمنظر الساحرة حقًا. فاندفعت نحوه وقالت بشجاعة ونبرة صادقة:
_ صدقني مندمتش إني حاولت أقتلك ولو جتلي الفرصة هعملها تاني والمرة دي بنفسي وهيكون أنت وأبوك عشان أخلص منكم وأريح أبويا في تربته وآخد حقه.
رأت في عيناه نظرة أقسمت أن لو كان بأمكان النظرات القتل لكانت قبضت روحها في الحال. ودون أن تشعر وجدت قدميها تتراجع بخطواتها للخلف خشية من بطشه وكأنها ندمت على ما تفوهت به.
إن كانت هي الساحرة فهو الجن الذي حضرته دون وعي منها. تراجعت ثلاث خطوات للخلف وتقدم هو نحوها كالوحش ثم انحنى ومد يده في صحن الفاكهة يلتقط منه السكين ثم بيده الأخرى جذبها من ذراعها حتى اصطدمت بصدره بعنف واحكم قبضته عليها جيدًا ووضع بيدها السكين بقوة وطالعها بنظراته التي سرت رعشة بجسدها على أثرهم ثم سمعته يصرخ بها بعدما أعطاها السكين:
_ السكين معاكي وريني يلا هتقدري تقتليني كيف!
كانت تتطلع في عيناه بخوف ملحوظ دون أن تجرأ على تحريك يدها أنشًا واحدًا. فباغتها بصرخة أخرى نفضتها:
_ يلا اقتليني!
لم تتمكن من التحكم بأعصابها وحين نظرت للسكين التي بيدها وتذكرت دماء والدها انهارت قواها وافلتت السكين من يدها بسرعة لتسقط فوق الأرض. فتجده يبتسم بسخرية وينحنى على وجهها هامسًا بصوت يقارب إلى فحيح الأفعى:
_ متقوليش كلام أنتي مش قده تاني يابت خليل. لسه إنتي متعرفينيش وكل اللي شوفتيه مني في اليومين دول ولا حاجة. يعني إنتي تنفشي ريشك على الخلق كلها وعندي أنا لو فكرتي بس هنتفهملك، فاهمة؟
شعرت أنها على وشك البكاء فدفعته بعيدًا عنها بعنف وهرولت نحو الحمام تلتقط أنفاسها وتترك العنان لدموعها فقد تدمرت فور تذكرها لمنظر أبيها وهو غارق وسط دمائه. وضعت يدها على فمها تكتم صوت بكائها حتى لا يصل إليه.
تمدد هو فوق فراشه وامسك هاتفه يتصفحه والوقت مر بسرعة حتى قارب على الخمسة عشر دقيقة ولم تخرج حتى الآن من الحمام. نظر للحمام باستغراب وظل يتابعه لدقيقة ينتظر خروجها لكنها لم تخرج أيضًا. تسلل القلق لثناياه من أن تكون أصابت نفسها بمكروه تلك المجنونة فوثب واقفًا وتوجه نحو الحمام يطرق على الباب بقوة هاتفًا:
_ آسيا.. آســـيــا.
لم يحصل على رد منها وازدادت حدة القلق بصدره فطرق بقوة أعنف منذرًا إياها:
_ آسيا لو مفتحتش الباب هدخل.
والإجابة كان نفسها وبالفعل وضع يده على مقبض الباب ينوي الدخول لكن الباب انفتح فجأة وظهرت هي من خلفه تقف بكل شموخ وقوة. أخذ نفسه براحة عندما رآها بخير لكنه صاح بعصبية:
_ كنتي بتعملي إيه ده كله جوه؟
ردت عليه ببرود مماثل له:
_ إيه حتى الحمام مينفعش أرتاح فيه براحتي شوية.
رأت القلق والذعر في عيناه رغم محاولاته للظهور باللامبالاة فابتسمت وقالت بشراسة:
_ متخافش مش أنا اللي أعمل حاجة في روحي. عمر ما حد قدر يوصلني للمرحلة دي ومحدش هيقدر. لسه قصادي مشوار طويل عشان آخد حقي من اللي كان السبب في اللي أنا فيه دلوقتي.
لم يجيبها وسكت فلا يكترث لكلامها يكفيه أنها لم تأذي نفسها فهو يتوقع من امرأة مثلها أي شيء. تركته وابتعدت عنه ثم توجهت نحو الخزانة واخرجت مفرش صغير ووضعته فوق الأرض ثم جذبت وسادة من على الفراش. وسط كل هذا كان هو يتابعها باستغراب ليقول:
_ بتعملي إيه؟
ردت دون أن تنظر له:
_ كيف ما أنت شايف هنام على الأرض. أكيد مش هنام جارك على السرير يعني.
لم يعقب وسكت يتابعها بهدوء وهي تتمدد فوق الأرض وتنام بالفعل. فتأفف بخنق وألقى بجسده على الفراش يتمتم بصوت منخفض في قرف:
_ دايب فيكي أنا عشان أقرب منك لما تنامي جاري يعني. خليكي على الأرض تريحي.
كانت تنام وتوليه ظهرها لكن عيناها بقت مستيقظة ولوقت طويل لم تنم. في الواقع هي كانت تنتظره هو لينام. بعد مرور ما يقارب النصف ساعة التفتت برأسها للخلف ورفعتها عن الأرض قليلًا تلقي عليه نظرة لتتأكد إذا نام أم لا فوجدته غط في سبات عميق. تنفست الصعداء براحة وابتسمت ثم استقامت واقفة بسرعة وأسرعت نحو حقيبتها تغلقها بكل بطء وحذر حتى لا توقظه ووقفت أمام المرآة تلف حجابها جيدًا بسرعة ثم حملت حقيبتها وسارت لخارج الغرفة على أطراف أصابعها بكل حرص. فتحت الباب ببطء شديد وخرجت ثم أغلقته بنفس البطء. تلفتت حولها وحين لم تجد أحد اندفعت بسرعة للدرج تقصد الطابق الأول لكي يتسنى لها الهروب بسرعة قبل أن يراها أحد.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى محمود توفيق
كانت تنزل الدرج وهي تتلفت حولها بقلق خشية من أن يراها أحد، لكنها وصلت بالأخير للطابق الأرضي بسلام. وقفت عند آخر السلم وتلفتت حولها بسرعة ثم اندفعت مسرعة نحو باب المنزل عندما لم تجد أحد بالأرجاء حولها. كانت بيد تحمل الحقيبة واليد الأخر مدتها لمقبض الباب لكي تفتحه وهي تشعر براحة وسعادة أنها ستتخلص من ذلك الجحيم ومن ذلك المتسلط الذي يسمى زوجها.
لكن فجأة وجدت يد تمتد وتغلق الباب مجدداً. وحين التفتت ورفعت رأسها وجدته عمران. شعرت وكأن دلو من المياه البارد سكب فوق جسدها، فهي منتهية لا محال بعدما أمسك بها وهي تحاول الهروب. ازدردت ريقها بخوف حقيقي هذه المرة من نظراته المتوعدة والقاتلة، ثم وجدته يقبض على ذراعها بعنف وينحنى يحمل الحقيبة بيده الأخرى ليجذبها معه بقسوة للأعلى حيث غرفتهم. ذلك المتجبر يخيفها حقاً وهي لم تكن تخشى أحد من قبل أبداً.
وصلا للغرفة ودفعها للداخل بعنف ثم دخل وألقى الحقيبة على الأرض بعدم اكتراث وأغلق الباب. ثم اندفع نحوها كالثور الهائج يقبض على ذراعها ويلويه خلف ظهرها صارخاً بها:
"مستنياني أنام كنتي عشان تغفليني وتهربي فكراني نايم على وداني ولا عبيط وبريالة"
صرخت بألم وصاحت به في غضب:
"آاااه سيب يدي ياعمران"
أكمل صراخه المرعب بها:
"ده أنا هكسرهالك هي ورچلك دلوك عشان تعرفي تهربي زين بعدين"
رغم الرعب المهين عليها إلا أنها صرخت به بتمرد واشمئزاز:
"معوزاكش ولا عاوزة أفضل معاك في بيت واحد"
دفعها بقسوة فسقطت فوق الفراش وأشرف عليها بجسده العريض يصرخ بها بصوت رجولي نفضها:
"مش بمزاجك أنا چوزك وغصبن عنك هتكوني في المكان اللي أكون فيه. وحطي مية خط تحت چوزك يعني أنتي شايلة اسمي لو الشيطان وزك في دماغك تعملي حركة تاني وتحطي راسي في الطين. أنا اللي هقتلك يا آسيا فاهمة ولا لا"
هزت رأسها بالموافقة دون وعي منها من فرط خوفها، ثم وجدته يبتعد عنها ويستقيم واقفاً ليعود إلى الباب ويغلقه بالمفتاح ثم يخرجه ويضعه بجيبه هاتفاً:
"من إهنه ورايح أنتي هتتحبسي ص في الأوضة ورچلك مش هتعتب برا"
انتصبت جالسة وهي تطالعه بغضب وعجز، بينما هو فحدقها بقرف واقترب نحوها مجدداً ودخل للفراش ومد يده للضوء بجواره يطفأ الأضواء، ثم صاح بها حين وجدها تجلس متسمرة دون حركة:
"اتخمدي متقعديش إكده قصادي كيف الصنم"
ابتلعت غصة مريرة في حلقها واستقامت واقفة ثم جلست على الأرض بمكانها وهي تحدق في الظلام أمامها بأسى وألم.
***
داخل منزل خليل صفوان تحديداً بغرفة خلود.
كانت تتحدث في الهاتف بصوت منخفض وهي تضحك بدلال وترد بكل ميوعة على الرجل الذي تتحدث معه أو بمعنى أدق حبيبها السري. وهو لا يتوقف عن إشباعها بكلمات العشق والغرام المزيفة التي تأخذ منحنى منحرفاً في بعض الأحيان.
هتفت مبتسمة بحماس:
"مش ناوي تاچي تتطلب يدي عاد ولا إيه؟ أنا خايفة حد يعرف عاوزة نكون مع بعض والكل عارف"
أجابها بنبرة عاطفية:
"وأنا اكتر والله ياحبيبة قلبي بس أعمل إيه أنتي عارفة ظروفي. أول ما الدنيا تتظبط معايا هاچي اطلب يدك طوالي"
خلود بيأس وضيق:
"تعالى وأنا راضية بيك بأي حاچة حتى لو شقة بأوضة واحدة"
هتف بلطف محاولاً التهرب من الأمر:
"عارف ياحبيبتي بس ناسك مش هيوافقوا لازم لما اچي اطلب يدك أكون چاهز عشان اقدرك كمان قصاد الكل"
ابتسمت بحب على أثر كلماته الرائعة وقالت في رقة:
"طيب وأنا هستناك ياحبيبي"
تنهد براحة أنه نجح في التخلص من ذلك الحوار المزعج وقال مسرعاً برغبة:
"المهم دلوك أنا اتوحشتك وعاوز أشوفك"
زمت شفتيها بحزن وقالت بعدم حيلة:
"وأنا كمان اتوحشتك بس مش هقدر اقابلك الفترة دي.. أبويا وچدي مشددين عليا في الخروچ قوي وحتى علي بقى واقف فوق راسي"
قال متوسلاً إياها بانزعاج:
"اتصرفي ياخلود أنا مقدرش اصبر اكتر من كدا ليا شهر واكتر مشوفتكيش"
تنفست الصعداء مغلوبة وقالت مبستمة بموافقة:
"طيب هحاول بس اصبر يومين إكده اظبط الدنيا في البيت وبعدين اقولك ونتقابل وأشوفك"
قبل أن يجيب عليها سمعت صوت طرق الباب المصحوب بصوت أخيها الرجولي:
"خلود"
ارتعبت وقالت بسرعة هامسة:
"علي بيخبط على الباب أنا هقفل وأكلمك بعدين"
أنهت الاتصال بسرعة مع حبيبها وتحكمت بأنفاسها المتسارعة لتستنشق نفساً عميقاً وتخرجه زفيراً متهملًا قبل أنا تقف وتتجه نحو الباب تفتح لأخيها وهي تبتسم هاتفة:
"نعم ياعلي"
هتف بصوت رجولي صارم وهو يسألها:
"بتضحكي مع مين في التلفون في الوقت ده؟!"
ارتبكت وتلعثمت لكن تداركت نفسها بسرعة وقالت مبتسمة باتساع تحاول التصرف بطبيعية حتى لا تدع له فرصة ليشك بها:
"ولا حد.. أنا كنت قاعدة على التلفون ومشغلة فيديوهات وبضحك عليها عادي ياعلي"
طالت نظرته القوية قبل أن يقول بإيجاز:
"طيب، عاوزة حاچة قبل ما اروح أنام؟"
ردت بلطف وحب:
"لا عاوزة سلامتك ياخوي. تصبح على خير"
ابتسم لها ورد بحنو:
"وأنتي من أهله"
ثم تحرك من أمامها متجهاً نحو غرفته بينما هي فأغلقت باب غرفتها بسرعة فور رحليه وهي تتنفس براحة وتلتقط أنفاسها بسرعة من فرط التوتر الذي اجتاحها في تلك الثواني القليلة.
***
تنتظر بمكتبه داخل المعرض منذ ساعة وينام ابنها الصغير على الأريكة بجوارها واضعاً رأسه فوق فخذ أمه. أما معاذ فخرج وراح يتجول ويقف مع والده. ودت أكثر من مرة أن تقف وتغادر لتعود للمنزل بمفردها لكنها تخشى جموحه فلم تعتاد منذ زواجهم أن تعصي أوامره أبداً ولذلك بقت بمكانها تنتظره أن ينتهي من عمله كما أخبرها حتى يأخذها معه أثناء طريق عودته للمنزل. كانت بين كل لحظة والأخرى تهبط بنظرها إلى ابنها الصغير وتبتسم بدفء ممررة أناملها بكامل اللطف فوق شعره الناعم.
طال انتظارها وبدأت هي الأخرى تشعر بالنعاس لكنها قاومت ذلك الشعور بقدر إمكانها حتى لا تغفو هنا وبالأخير فشلت فبرغم محاولاتها القوية إلا أن عيناها أغلقت من تلقاء نفسها وفقدت القدرة في التحكم برغبتها في النوم حيث رجعت برأسها للخلف على الأريكة تستند على ظهرها مغلقة عيناها وقد غطت في سبات جزئي.
بعد وقت طويل نسبياً انفتح الباب ودخل جلال وهو يقول:
"يلا أنا خـ......"
بتر عبارته في منتصفها حين رآها نائمة وعلى قدمها ينام ابنه الصغير. تحرك خطوة للداخل وأغلق الباب بهدوء دون أن يحيد بنظره عنهم وتوقف لبرهة من الوقت يتأملهم مبتسماً بحب. ذلك المشهد الدافيء والجميل ألقى بكل ما يعتليه من ضيق وغضب وصنع بدلاً منهم سعادة وراحة.
تقدم بخطواته المتريثة تجاههم وانحنى على ابنه أولاً يلثم شعره بحنو مبتسماً ثم انتصب في وقفته وسلط نظره عليها يتأملها بعتاب ونظرة مريرة. رغم كل هذا يشتاق لها بشدة وربما أن لم يختلس الفرصة الآن لن يحصل على أخرى. استغل نومها الهاديء وانحنى عليها ببطء يلصق شفتيه بجبهتها يقبلها بكل لطف ثم انحرف بشفتيه للاسفل قليلاً يلثم وجنتها بعمق وهو مغمضاً عيناه. كانت قبلته رقيقة وحارة بث بها كل غضبه منها وشوقه إليها. تلك الحمقاء تتعذب وتعذبه معها بسبب أفعالها السخيفة!
استيقظت وشعرت بشيء غريب يلمس بشرتها الناعمة ففتحت عيناها دفعة واحدة وانتفضت جالسة وهي تصرخ تستنجد بزوجها بعدما ظنته رجل غريب يحاول التعدي عليها:
"چــــلا"
انتفض وابتعد عنها وبحركة سريعة كان يكتم بكفه على فمها يمنع صرختها وهو يقول بنظرة مشتعلة:
"ششش ده أنا"
هدأ روعها حين رأته وارتخت عضلات جسدها لتبعد يده عن فمها وتهتف بصوت لا يزال يحمل أثر الفزع:
"كنت بتعمل إيه؟"
اعتدل ووقف بصلابة يقول في جدية ونظرة باردة عكس التي كانت تشتعل حباً وشوقاً منذ قليل:
"ولا حاجة كنت بصحيكي عشان نمشي.. يلا قومي"
سكتت رغم أنها لم تصدقه فهي متأكدة أنها شعرت بملمس شفتيه الغليظة فوق بشرتها لكن تجاهلت الأمر وامتثلت لأوامره ثم أشارت له برأسها على ابنهم الصغير النائم فاقترب وحمله فوق ذراعيه واستقامت هي واقفة تجذب حقيبتها وأكياسها وتسير خلفه وهي تسأله باهتمام وقلق:
"معاذ فين؟"
جلال بنبرة عادية وهو يسبقها بخطواته حاملًا ابنه:
"في العربية مستنينا"
سارت خلف خطاه بصمت وهي تتلفت حولها في المعرض الذي تقريباً لم يتبقى به سوى بعض العمال. وحين خرجت ووصلوا للسيارة كان ابنهم ينتظرهم بالسيارة جالسًا بالمقعد المجاور لأبيه فابتسمت له بحنو وفتحت الباب الخلفي تدخل ثم انحنى جلال ودخل بنصفه ليضع ابنه بجوارها على المقعد فضمت هي صغيرها بين ذراعيها مقبلة شعره وخرج جلال ثم أغلق الباب وأستقل بمقعده المخصص للقيادة لينطلق عائدًا نحو المنزل. كان الصمت القاتل يستحوذ عليهم طوال الطريق هي نظرها عالق عليه في المرآة تتطلع لعيناه التي بين كل آن والآخر تنظر لها بسرعة وكان معاذ يتابع الطريق باهتمام شديد غير عابئ بما يسير بين والديه من تبادل نظرات كلها عتاب وغضب.
بعد دقائق طويلة نسبياً توقفت السيارة أمام منزل إبراهيم الصاوي فقبلت فريال ابنها الصغير النائم في حضنها وابعدته عنها بحذر شديد ثم نزلت ونزل معاذ معها. ضمته هو الآخر لصدرها هامسة بحنان وحب:
"خد بالك من نفسك ومن أخوك وذاكر زين يامعاذ متلعبش وتسيب واچبك. تخلص واچبك ومذاكرتك الأول وبعدين تلعب واسمع كلام أبوك ماشي"
ابتسم لأمه وهز رأسه بالموافقة يتمتم:
"حاضر ياما"
لثمت شعره بدفء ثم رتبت فوق كتفه بلطف لكي يستقل بجوار أبيه مجدداً ليرحلوا. وبمجرد ما أن ركب استدارت هي وسارت تجاه باب منزل والدها وقبل أن تدخل التفتت فرأت جلال ينظر لها ينتظر دخولها حتى يطئن ويغادر وبالفعل فور دخولها انطلق بالسيارة يذهب للشارع الخلفي حيث منزله.
***
كانت آسيا تقف بشرفة الغرفة بتلك اللحظة التي وصلت فيها فريال ورأت أخيها داخل السيارة وهو يودع زوجته بنظراته. ظنت أنه سيرفع نظره للأعلى حيث غرفة عمران لكنه لم يفعل وانطلق بسيارته عائدًا لمنزلهم. بقت بأرضها تحدق في أثره وعيناها غارقة بالدموع. كان الألم يعصف بقلبها في عنف كلما تتخيل أنها لم يعد لها وجود بحياتهم حتى أنهم انتزعوها من بينهم والقوها كالقمامة. لهذه الدرجة لم تكن تعنيهم بشيء ولم يحبوها؟!. ظنت أنها الوحيدة التي تحصل على كل الحب من عائلتها وكانت تلك الشيطانة خلود تحسدها عليه ولكن اتضح أن مع أول خطأ اقترفته نسوا كل ذلك الحب. لم ينصفها أحد بينهم والجميع كان ضدها يتهمها ويعاقبها على ذنبها الذي لم تقترفه.
ليتهم قتلوها لكان الموت ارحم من هذا العذاب الذي تعيشه الآن.
دخلت الغرفة المظلمة وألقت نظرة على عمران النائم في فراشه بعمق، ثم تحركت تجاه فرشتها فوق الأرض وجلست مستندة بظهرها على الحائط وتضم ساقيها لصدرها تبكي بصمت. عبراتها تنهمر فوق وجنتيها ساخنة كالنيران من فرط حرقتها، وتحدق في الفراغ أمامها بنظرة لا روح بها.
انتفضت على صوت رنين هاتفه المرتفع، فاسرعت وتمددت على الأرض تضع رأسها فوق الوسادة تتصنع النوم.
فتح عمران عيناه بخمول على أثر صوت رنين هاتفه المزعج، ثم مد يده وجذبه ليجيب على المتصل. كان أحد الشباب الذين يعملون في وكالة العطارة، وكان يريد إخباره بشيء مهم يخص العمل. ورغم الغيظ الذي استحوذ عمران من اتصاله في ذلك الوقت وأنه تسبب في استيقاظه من نومه، لكن تمالك أعصابه ورد عليه بهدوء مزيف وصوت ناعس:
_ طيب خلاص لما آچي بكرا نبقى نشوف الموضوع ده.. هو ده وقت تتصل فيه عشان الشغل
رد الشاب معتذراً بأدب:
_ معلش يامعلم صحيتك من النوم أنا مكنتش عارف أتصرف كيف لغاية الصبح عشان إكده اتصلت بيك
مسح عمران على وجهه متأففاً ورد بنفاذ صبر:
_ طيب اقفل خلاص دلوك وروح بيتك نام بزيادك
_ حاضر يامعلم.. تصبح على خير
أنهى الاتصال وألقى بالهاتف على الفراش في عدم مبالاة. وقبل أن يخلد للنوم مرة أخرى، رفع رأسه قليلاً وألقى نظرة عليها فوجدها نائمة. كان سيهم بالنوم مجدداً، لكن اقتحمت أذنه صوت شهقة انفلتت منها رغم أنفها بسبب بكائها. تمعن بها للحظات في صمت وزفر بخنق حين أدرك أنها تبكي.
"تلك الساذجة تدفعني بتصرفاتها المستفزة والعشوائية لإخراج أسوأ ما بي، وهو لم يعنف ولم يعامل امرأة بقسوة كما يفعل معها بسبب تصرفاتها حتى لو كانت تستحق."
استقام جالساً فوق الفراش وأنزل قدميه على الأرض مستنداً بكفيه على حافة الفراش من جانبيه ويقول بصوت رجولي قوي:
_ لساتك صاحية لغاية دلوك ليه؟
رفعت أناملها تجفف دموعها بسرعة وترد بصلابة دون أن تنظر:
_ معاوزاش أنام
سمعت لهجته الآمرة وهو يقول بانزعاج واضح:
_ طب قومي اتعدلي وكلميني كيف ما بكلمك مش مدياني ضهرك
زفرت بنفاذ صبر ولم تكن بحال يسمح لها للعناد والشجار معه، فامتثلت لأمره واستقامت جالسة ثم استدارت له وقالت بتهكم وقرف:
_ أي أوامر تاني يامعلم عمران!
تجاهل لهجتها التهكمية حتى لا يفقد أعصابه عليها، وقال بنظرة قاتلة وهو ينحني بجذعه للأمام حتى يصبح أكثر قرباً منها:
_ كنت ناوية تروحي وين؟
أشاحت بوجهها عنه للجهة الأخرى وردت بكبر:
_ معرفش أي مكان المهم اطلع من البيت ده
استفزه ردها فقال بغضب بدأت تلوح بشائره في مقلتيه:
_ آه يعني كنتي هتطلعي من البيت وتلفي بشنطتك في نص الليالي في الشوراع صح؟
لم تجبه واكتفت بالصمت. فهي فعلاً لم تكن محددة مكان بعينه لتذهب إليه. تصرفت بتهور وكانت فقط تريد الفرار من ذلك الجحيم الذي ألقت به ولم تفكر جيداً بنتائج فعلتها.
بينما هو، فقد فشل في حجب انفعالاته أكثر من ذلك عندما قابل ردها بالصمت وانحنى عليها أكثر يصيح بها بعصبية:
_ أنتي غبية ولا بتفكري بس في الانتقام والقتل وشاغلة دماغك بيه؟ واحدة مكانك المفروض تحمد ربها أنها خرچت من المصيبة دي سليمة واتچوزت قبل ما تتفضح
استاءت بشدة وراحت هي الأخرى تصيح به:
_ ده على أساس أنك اتچوزتني عشان سواد عيوني يعني؟ ما أنت وافقت عشان الفضيحة متطلوكش كمان وعشان تنتقم مني على اللي عملته معاك
طالت نظرته الغاضبة لها قبل أن يهتف:
_ والفضيحة دي مين السبب فيها مش أنتي ومصايبك
اشتعلت وتلونت عيناها باللون الأحمر لتهب واقفة تصرخ به بجنون:
_ أنت وأبوك السبب في كل ده لما قتلتوا أبويا وقومتوا حرب أنتوا مش قدها صدقني هيچي اليوم اللي يدوق فيه إبراهيم الصاوي طعم الغدر كيف ما غدر بأبويا
تتهمه بذنب عظيم لم يقترفه ولم يكن ليقترفه أبداً، مما جعل جموحه يلتهب أكثر ويخرج عن طور هدوئه المزيف. فاستقام وانقض عليها لترتد هي بتلقائية حتى اصطدمت بالحائط ورآته يشرف عليها ويحاصرها بجسده القوي بين الحائط وبينه صائحاً:
_ مية مرة اقولك حسك ميعلاش عليا.. لمي لسانك ومتنيسيش أن ده أبويا
لم تكترث لا بصيحته ولا بتهديده وتطلعته بكل شراسة تهتف في غضب من قربه الشديد منها:
_ بعد عني
حين وجدته لا يعيرها اهتمام ويقف كما هو كالسد لا يتزعزع من مكانه، انفعلت وحاولت دفعه بيديها صائحة:
_ بعد ياعمران متقربش مني
قبض على كفيها بقوة يوقفها عن دفعه هاتفاً بنظرة مميتة منذراً:
_ اتقي شري يا آسيا وحطي عقلك في راسك متخلنيش اعمل حاچة اندم عليها بعدين
لم تتمكن من تحرير يديها من قبضتيه واستسلمت لقوته الجسدية التي تفوقها متوقفة عن المقاومة، فقط كانت تنظر له بشراسة وغيظ، تنتظر أن يحررها بنفسه. وبالفعل، عندما وجدها هادئة وتوقفت عن العناد وأنه نجح في ترويضها، ترك يديها ببطء وألقى عليها نظرة أخيرة كلها شدة قبل أن يستدير مبتعداً عنها ليعود لفراشه مرة أخرى.
بقت متسمرة مكانها تتابعه وهو يتمدد مجدداً فوق فراشه ويرمقها بقوة. فبادلته النظرة وتقدمت نحوه ثم انحنت على كبس الكهرباء وأغلقت الضوء وهي تشتمه في نفسها، تشتعل غيظاً منه لكنها لا تستطيع مجابهته ولا يمكنها فعل شيء سوى السكوت والاستسلام.
"تبا لذلك الخوف الذي يتركني أسمح له بأن يتمادى معي" قالتها بينها وبين نفسها بضعف وسخط. ثم تمددت على الأرض بمكانها نائمة على ظهرها تتطلع في السقف، وهذه المرة كانت تحاول النوم حقاً علها تهرب لبعض الوقت مع أحلامها بعيداً عن واقعها المرير.
***
خرجت جليلة من غرفتها وقادت خطواتها البطيئة تجاه الغرفة المجاورة لها حيث غرفة ابنتها. لا تدري ما الذي دفعها للذهاب لغرفتها، لكن قدماها قادتها دون إرادة منها، أو ربما قلبها الحزين والمشتاق لابنتها هو من قادها.
فتحت الباب ودخلت ثم أغلقت خلفها مجدداً ووقفت عنده تتجول بنظرها في أرجاء الغرفة بوجه عابس. لم يعد لها وجود ليس بغرفتها فقط بل بحياتهم كلها بعد فعلتها. رغم أن قلبها لا يصدق أنها ارتكبت ذلك الذنب، لكن ما رأته بعينيها كان أقوى من كل شيء ولم تجد مبرراً واحداً حتى لتدافع عنها بينها وبين نفسها. بعد زوجها، لم يتبق لها سوى أولادها وكانت تكرس حياتها للعيش من أجلهم، وها هي فقدت أحد شقي قلبها. لا يمكنها التوقف عن التفكير بابنتها. ماذا تفعل بمنزلهم وكيف يعاملونها؟ وماذا عن زوجها ماذا يفعل معها؟ رغم أن آسيا ليست بفتاة يراودك القلق عن حالها، لكن بعدما حدث لم تعد متأكدة إن كانت مازالت تحتفظ بقوتها أم انهارت وهي بين هؤلاء الوحوش وحيدة بمنزلهم لا تملك أحد ليقف بظهرها ويحميها.
يوجد تضارب بالمشاعر داخلها ما بين الغضب والحزن والإنكار، واحتارت أيهم تتبع. ذلك الغضب الذي بصدرها من فعلة ابنتها المشينة كان أقوى حتى من حزنها وإنكارها لحقيقة أنها فعلت من الأساس. فصورتها وهي بين ذراعي عمران كفيلة لإشعال نيران السخط والخزي في قلبها على ابنتها وما فعلته.
سقطت عيناها بينما كانت تدور بأنحاء الغرفة على صورة لزوجها فوق الفراش. فتقدمت ببطء نحوها ثم جلست على حافة الفراش والتقطت الصورة بين يديها تتأملها بألم وشوق. وفي لحظة انهارت باكية وهي تلفظ باسمه بين بكائها. يتمزق قلبها أرباً على فراق زوجها ورفيق دربها الذي سرق منهم بلحظة غدر وفجأة دون وداع حتى. بلحظة فارق الحياة وهو غارق بدمائه على الأرض ولم يكن لدى أحد الفرصة لمحاولة إنقاذه. لكن هيهات، فـ حتى لو حاولوا كانت محاولاتهم ستبيت بالفشل أمام ساعة القدر.
شردت بين بكائها بإحدى ذكرياتهم معاً قبل وفاته بخمسة أشهر.
دخلت غرفة الجلوس الواسعة حيث كان هو يجلس بها بمفردها. واقتربت منه حاملة كأس الشاي فوق صينية صغيرة ثم انحنت على المنضدة الصغيرة التي أمامها ووضعت الصينية هاتفة ببسمة عذبة:
_ الشاي ياحچ
جذب الكأس وارتشف منه بتريث ثم أنزله عن فمه وتطلع لزوجته يبتسم لها بود هاتفاً:
_ تسلم يدك يا أم جلال
جليلة مبتسمة بحب:
_ بالهنا والشفا
رأته يشير لها بيده أن تجلس بجواره وهو يقول بجدية:
_ تعالى اقعدي عايزك في موضوع مهم
ضيقت عيناها باستغراب لكنها امتثلت لطلبه وجلست بجوارها هاتفة بحيرة:
_ خير ياحچ قلقتني حصل حاچة ولا إيه؟
ابتسم خليل باتساع وقال وهو يملس على ذراعها بلطف:
_ خير إن شاء الله متقلقيش.. عارفة واد أشرف سيد
هزت رأسها بالإيجاب وردت باستغراب:
_ أيوة يوسف الكبير عارفاه ماله
قال خليل مبتسماً:
_ النهاردة أشرف كان عندي في المعرض واتكلمنا وفتح معايا موضوع وكان بيلمح كده أنه عاوز يجيب ولده ويتقدموا عشان آسيا
اتسعت عيني جليلة باتساع وقالت مدهوشة:
_ عشان كده مرته جات أمبارح وأصرت تقعد مع آسيا وفضلت تشكر فيها وتشكر في ولدها قصادنا أنا فهمت بس قلت يمكن بتقول كده وخلاص.. لكن اتاري الموضوع طلع جد عاد
خليل بجدية وصوت رجولي هادئ:
_ لغاية دلوقتي مفيش حاچة أكيد بس لو حصل اتكلمي مع آسيا وعقليها واقنعيها توافق.. عاوز أطمن عليها وأفرح بيها قبل ما أموت
عبس وجه جليلة ونهرته بلطف وضيق هاتفة:
_ متقولش كده ربنا يباركلنا فيك ياحچ هو احنا لينا مين غيرك
ابتسم لها بدفء وفرد ذراعه يضمها لصدره مقبلاً رأسها بحنو لتبتسم هي بود وتسكن بين ذراعيه.
فاقت من ذكرياتها وقد اشتدت حدة بكائها. من جهة قلبها موجوع على ابنتها ومن جهة يتمزق من أجل زوجها الذي فارقهم.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل إبراهيم الصاوي.
كان عمران يجلس بغرفة الجلوس الصغيرة التي بالطابق الثالث وبيده يمسك كوب قهوة يرتشف منه بكل تريث وسط نظراته الثاقبة من النافذة يحدق في الفراغ بعقل شارد. الضغوط تزداد قسوتها مع الوقت. ما بين العمل وبين زوجته وبين عائلته. ومن جهة أخرى مازال يحاول استيعاب كيف انقلبت حياته رأساً على عقب بيوم وليلة وبمجرد كلمة تفوه بها أنه موافق على الزواج. فإذا به بليلة وضحاها وجدها داخل عرينه ويجب عليه أن يتبع أسلوب خاص مع امرأة تعطشت على روحها وعبثت معه.
انفتح باب الغرفة ودخل بشار الذي قاد خطواته بكل هدوء واقترب ليجلس بجواره دون أن يتفوه ببنت شفة.
ألقى بنظره من النافذة مثله صامتًا، وكأنه هو أيضًا لديه من الهموم ما يكفيه.
لكن أحد أهم همومه لم تكن غامضة، وعمران يعلمها جيدًا.
ابتسم له وقال:
_ لساتك في الموضوع ده يا ولد عمي!
أدرك ما يرمي إليه فاستاء وقال بصيحة بسيطة:
_ عاوزني أعمل إيه يعني ياعمران!
هتف عمران بنبرة غليظة وغاضبة:
_ يعني تطلعلها من راسك يا بشار وتفوق. رحاب كلها شهرين ولا تلاتة وتتچوز، هتفضل لغاية ميتا إكده.
صاح بشار منفعلًا:
_ وأنا بحاول لكن بلاقيها طلعت قصادي كل شوية.
كان عمران يحتفظ بهدوءه منذ فترة كبيرة حتى لا ينفعل عليه ويكسره، لكن فاض الكيل.
لم يعد يتحمل رؤيته على هذه الحالة المزرية، حيث قال بنظرة قوية:
_ لازم هتطلع قصادك كل شوية، مش هي بت عمتك. مترميش اللوم على الظروف، والعيب فيك أنت. لو معرفتش تسيطر على قلبك مش هترتاح وهتچيب المشاكل ووچع الدماغ لروحك.
ثم سكت للحظة وأكمل بقسوة وهو يشير تجاه قلب بشار بأصبعه:
_ متخليش ده يچرك وراه كيف الغنم. أنت اللي تمشيه عشان متندمش بعد إكده.
رغم حدة كلماته إلا أن بشار التزم الصمت لأنه يعلم أنه على حق بكل حرف تفوه به.
الخطأ منه لأنه لا يستطيع التحكم بمشاعره التي تدفعه للهاوية تدريجيًا.
دام الصمت لبرهة من الوقت بعد جملة عمران الأخيرة.
لكنه قطع الصمت هذه المرة بشار الذي نفض عن عقله أي فكرة متعلقة بابنة عمته وقرر التركيز على شيء مختلف.
سأل عمران بجدية:
_ أنت إيه الدنيا معاك؟
اكتفى بهز رأسه بالإيجاب كإجابة على سؤاله.
فاتجه بشار بسؤاله للعمق أكثر حيث قال بترقب:
_ ناوي تعملها حاچة على اللي عملته معاك بعد ما بقت مرتك؟
استقرت في عيني عمران نظرة شرسة ومخيفة وهو يجيب على ابن عمه بحزم:
_ قولتها بلسانك بقت مرتي، يعني اللي حصل واللي هيحصل هيفضل بينا أنا وهي بس يابشار. ومش هتساهل لو كلمة اتقالت إكده ولا إكده عليها.
ضيق بشار عيناه بدهشة من تحوله المفاجيء لكنه ابتسم ورد بود مازحًا:
_ طب أهدى يامعلم خلاص مكنتش اقصد حاچة. أنت عارف أنا مقدرش أقول كلمة بقت مرت أخويا خلاص.
رتب عمران على كتفه مبتسمًا بعدما هدأت حدة نظراته واستقام واقفًا يقول بنبرة عادية:
_ أنا هنزل البس عشان اروح الوكالة وأنت خلص اللي قولتلك عليه في المخزن وتعالى ورايا عشان في كام حاچة محتاجة نظبطها سوا.
أماء له بشار بالموافقة وبقى مكانه حتى بعد رحيل عمران.
راح يفكر في كلماته حول مشاعره تجاه ابنة عمته التي استحوذت على تفكيره وقلبه.
***
وثبت واقفة حين سمعت صوت الباب ينفتح.
وقفت تنتظر دخوله وحين ظهر بهيئته القوية واستقرت نظرته الجامدة عليها هدأ جموحها تلقائيًا خوفًا منه.
فيبدو أن العناد ومحاولة فرض شخصيتها عليه لن يجدي بشيء سوى بالمتاعب لها.
تابعته بصمت وهو يدخل ويغلق الباب ثم يتجه نحو خزانته لكي يخرج ملابس له.
قالت بنبرة هادئة بدت مستسلمة لا تليق بها أبدًا:
_ هتفضل حابسني في الأوضة إكده لغاية أمتى؟
رد بصوت غليظ دون أن يلتفت لها:
_ لغاية ما تحطي عقلك في راسك وتعرفي مصلحتك زين.
اندفعت نحوه ووقفت خلفه مباشرة تهتف بغضب:
_ ومصلحتي عمرها ما هتكون معاك.
استدار بجسده كاملًا لها فلم يكن يفصل بينهم سوى سنتيمترات قليلة.
أخفض نظره لها بسبب فرق طول البنية الملحوظ وقال بنظرة فارغة كأنها فضاء وسبحت به ولم تعد تجد طريق الخروج:
_ معدش ليكي حد غيري.
أصابها من أعمق نقطة وطالت نظرتها المتسعة إليها التي سرعان ما تلألأت العبرات في عيناها.
وقال بثبات وقوة رغم هشاشة قلبها بسبب ما تشعر به الآن:
_ معدش ليا حد صح وناسي رموني بس متفتكرش إني إكده هقبل بالأمر الواقع عشان بس أنا محتچاك وأنت الوحيد اللي باقيلي كيف ما بتقول. أنا عمري ما كنت محتاچة حد ولا هحتاچ دلوك.
ابتسم بنظرات مستهزئة منها ثم قال بوجه مريب وصوت يثير الرهبة:
_ إيه رأيك نچرب ونخلي الخلق كلها تشوف صورك وبعدها نشوف هتبقى محتاجة راچل يقف في ضهرك ويحميكي ولا هتقدري تقفي قصاد الكل بطولك وحدك.
اتسعت عيناها ثم قالت بعصبية:
_ ده على أساس أن أنا وحدي اللي في الصور ما أنت معايا والفضيحة هتطولك كمان.
قال بنبرة خبيثة ونظرات شيطانية:
_ ملكيش صالح بيا أنا هعرف اطلع نفسي من الفضيحة بعد ما اطلقك طبعًا كيف ما أنتي عاوزة. لكن أنتي هتعرفي تطلعي منها وأنتي لحالك ملكيش حد؟
غلت دمائها في عروقها واحتقن وجهها من فرط الغضب.
فدفعته بكفيها وهي تصرخ به بحرقة وعينان دامعة:
_ أنت عاوز إيه مني. هملني وسيبني معاوزكش.
قبض على يديها قبل أن تهم بدفعه مرة أخرى وقال بنبرة مرتفعة قليلًا ومرعبة:
_ عاوزك تبقي واعية وتشغلي دماغك. كنت فاكرك ذكية بس طلعتي غبية.
ضحكت بسخرية وقالت بغضب بعدما سقطت دمعتها:
_ ابقى واعية وامشي تحت اوامرك وانفذ كل حرف تقوله. هو ده اللي عاوزني اكونه صح!
قال بصوت رجولي متحشرج:
_ سبق وقولتلك أنك تكوني تحت طوعي ده مش اختيار لا ده اچباري واتچبر عليكي من وقت ما رچلك دخلت البيت ده. يعني رضيتي أو رفضتي هتنفذي أوامري يا آسيا.
قالت بامتعاض وتمرد:
_ وأنا مش الچارية اللي اشتريتها.
قال بنظرة ثاقبة شعرت أنها اخترقتها واحرقتها:
_ أنتي مش چارية. أنتي مرتي وده واچب عليكي.
كادت أن تجيب عليه وتصرخ به لكن صوتها لم يخرج وشعرت بدوار شديد داهمها اختل توزانها على أثره.
ودون وعي منها تشبثت بذراعه لكي لا تسقط واطرقت رأسها أرضًا مغمضة عيناها.
غضن حاجبيه بريبة على حالتها ثم لف ذراعه الآخر حول خصرها يعيد توزانها حتى لا تسقط وهو يسألها:
_ مالك؟
لم تجيب حتى أنها لم تسمع صوته جيدًا.
وسرت برودة بجسدها جعلتها تتعرق ولوهلة شعرت بأنها ستفقد وعيها.
لكن أعادها للواقع نبرته القوية وهو يهتف:
_ آسيا مالك ردي عليا!
فتحت عيناها بصعوبة ورفعت رأسها له تتطلع لصورة وجهه المشوشة بنظرات ضائعة.
وكانت تغلق عيناها وتفتحها بصعوبة كأنها تحاول مقاومة ذلك الدوار الذي أن استسلمت له ستفقد وعيها.
لكنها فشلت حيث مالت برأسها في تعب على كتفه مغلقة عيناها.
ظنها فقدت وعيها فاتسعت عيناه بصدمة وانتابه القلق حولها.
فحملها بسرعة ووضعها فوق الفراش ثم راح يضرب فوق وجنتها بلطف هاتفًا:
_ آسيا سمعاني!
خرج صوتها الضعيف دون أن تفتح عيناها وهي تقول:
_ أيوة. أنا تعبانة وعاوزة ارتاح هملني لحالي.
سألها بحيرة وقلق:
_ تعبانة كيف يعني. إيه اللي تاعبك؟
بدأ شعور الدوار يزول تدريجيًا وأدركت أنه يجلس بجوارها ملتصق بها ورائحة عطره الرجولي تخللت لأنفها فأعادتها لوعيها.
وتذكرت أنها للتو كانت نائمة فوق كتفه بكامل رغبتها.
فتحت عيناها بسرعة وانتفضت بعيدًا عنه هاتفة:
_ أنا كويسة بعد عني.
رفع حاجبه باستنكار وقال في حدة:
_ ما أنتي لساتك قايلة إنك تعبانة!
اضطربت من نبرته وقالت بثبات مزيف:
_ أيوة كنت دايخة وفوقت. قوم امشي وروح شغلك ملكش صالح بيا.
صر على اسنانه بغيظ وهو يشيح بوجهه بعيدًا عنها متمتمًا:
_ ياصبر. سبحان من مانعني عنك.
ابتلعت ريقها وقالت بجدية غير مكترثة بغضبه:
_ قولتلك قوم امشي أنا مفياش حاچة خلاص.
رمقها بنظرة مميتة قبل أن يستقيم واقفًا ويجذب هاتفه ومفاتيحه ويندفع لخارج الغرفة يتركها قبل أن يفقد زمام أنفعالاته عليها.
بينما هي فراحت توبخ نفسها بعنف على فعلتها وهي تترنح من فرط الغيظ.
حاولت النهوض لكن تعبها منعها وبقت مكانها على الفراش ساكنة.
***
بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
قاد عمران خطواته الهادئة صاعدًا الدرج متجه لغرفته بعدما انتهى من يوم شاق في العمل.
كان يتوق للفراش أكثر من أي شيء لكي يلقى بجسده المتعب عليه وينام بعمق.
وصل أمام غرفته وفتح الباب بالمفتاح وهو يفرك رأسه بإرهاق وتعب ثم دخل واغلقه خلفه.
كانت الغرفة هادئة لا صوت بها والأضواء مغلقة.
فاقترب من كبس الكهرباء وأضاء الغرفة ثم دار بنظره بحثًا عنها لم يجدها.
اشتدت حدة نظراته وظن أنها نجحت بطريقة ما وفتحت الباب وهربت مجددًا.
فاندفع نحو باب الحمام المغلقة أولًا وطرق عليه قبل يقتحم يقول بترقب:
_ آسيا أنتي چوا؟
لم يحصل على رد منها ولم يتردد للحظة حيث فتح الباب بعنف ودخل لكنه تسمر بأرضه مدهوشًا من ذلك المشهد الذي رآه.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى محمود توفيق
كانت ملقية فوق الأرض فاقدة لوعيها والمياه تملأ أرضية الحمام كله.
التفت برأسه تجاه صنبور المياه المفتوح وأسرع يغلقه بسرعة.
ثم تقدم نحوها وانحنى يحملها فوق ذراعيه ويسير بها مغادرًا للخارج.
وضعها فوق الفراش ثم أخذ يهز رأسها بلطف هاتفًا:
آسيا.. آسيا!
لاحظ شحوب وجهها وجسدها المثلج بسبب ملابسها المبتلة وشعرها.
احتار فيما سيفعله فراح يكمل محاولاته لإيقاظها.
حتى أنه جلب عطره الرجولي ونثر منه على يده وقربها من أنفها وسط منادته لها باسمها على أمل أن تفتح عينيها لكن دون جدوى.
استحوذ عليه القلق من حالتها وأخذت الوساوس تنهش بعقله.
فانتصب في وقفته وراح يمسح على شعره نزولًا لوجهه ولحيته وهو يزفر بقلق وحيرة.
قذفت بعقله فكرة فأسرع للخارج يسرع في خطاه تجاه غرفة شقيقته.
وقف أمام غرفتها وأخذ يطرق على الباب بهدوء وهو يهتف:
فريـــال
لم يحصل على إجابة منها فراح يعيد طرقه مجددًا لكن الإجابة كانت نفسها.
حسم قراره وفتح الباب فوجدها نائمة في فراشها.
تقدم نحوها وانحنى عليها يهزها برفق شديد ويهمس:
فريال اصحي.. فريال
فتحت عيناها بنعاس وحين اتضحت صورة أخيها أمامها وثبت جالسة مفزوعة تسأله:
في إيه ياعمران.. حد چراله حاچة؟
قال بلهجة جادة وهو ينتصب واقفًا ويجذب حجابها من على طرف الفراش ثم يناوله لها هاتفًا:
البسي طرحتك وتعالي ورايا بسرعة.
سقط الرعب في قلبها من حالة شقيقها القلقة التي لم تعتاد عليها وظنت أن كارثة وقعت.
فهبت واقفة من الفراش بسرعة وألقت بحجابها بعشوائية فوق شعرها واسرعت خلفه شبه ركضًا.
وحين رأته يتجه نحو غرفته ضيقت عيناها باستغراب.
لكن فور دخولها ورؤيتها لآسيا بهذه الحالة شهقت بهلع وقالت وهي تنظر لأخيها بصدمة:
عملتلها إيه ياعمران؟
احتدمت نظراته على أثر عبارتها فهو لم يكن بحال يمكنه من تحمل كلمة واحدة بسبب قلقه.
أجاب على شقيقته بغضب:
هكون عملتلها إيه يعني هو أنا چايبك عشان تقوليلي الكلمتين دول يافريال.. غيرليلها هدومها لغاية ما اتصل بالدكتور عشان ياچي يشوفها.
تعجبت من عصبيته وطلبه فقالت بعدم فهم:
هو إيه اللي چرالها؟
عمران بإيجاز وانفعال نابع من اضطرابه:
معرفش يافريال مش وقته دلوك.. اعملي اللي بقولك عليه قبل ما ياچي الدكتور.
لم تجادل معه أكثر وامتثلت لأوامره بصمت ثم اسرعت تفتح خزانة الملابس تبحث عن ملابس لها بعدما انصرف هو ليستدعي الطبيب هاتفيًا.
راحت تبحث بالخزانة كلها ولم تعثر على أي شيء يعود لها.
فقط ملابس وأشياء أخيها بالخزانة فالتفتت حولها وعثرت على حقيبتها.
اتجهت نحوها وفتحتها ثم أخرجت جلباب منزلي باللون الأزرق وتحركت نحو الفراش ثم جلست بجوارها وراحت تحاول إفاقتها لكنها لم تجد فائدة فبدأت في تبديل ملابسها المبتلة.
دخل عمران على صوت شقيقته التي تصيح باسمه وحين دخل التفتت فريال له برأسها وقالت:
تعالى ساعدني مش عارفة اغيرلها وحدي.
استقرت نظراته الحانقة على زوجته وشقيقته.
استدعاها خصيصًا لأنه لا يريد أن يقترب منها ويبدل ملابسها وهي الآن تطلب منه المساعدة.
تأفف مغلوبًا واقترب من الفراش يجلس على الجانب الآخر وتولى هو مهمة حمل آسيا.
وكانت فريال تتولى المهمة التي تهرّب منها ومازال يتهرّب حيث كان يشيح بوجهه للجانب الآخر رافضًا النظر إليها.
لا يعرف كيف تحكم بذاته وصمد دون أن ينظر رغم فضوله وغريزته التي كانت تصرخ ليلقي نظرة واحدة فقط.
أما فريال فكانت تلقي نظرة كل لحظة على شقيقها وجهها يعتليه علامات الحيرة من تصرفه.
لكن لم يكن الوقت المناسب لمواجهته واكملت ما كانت تفعله.
وبعد انتهائها استقام هو واقفًا واتجه نحو الشرفة يتابع الطريق منتظر وصول الطبيب.
وبالداخل كانت فريال قد جلبت منشفة صغيرة وأخذت تجفف شعر آسيا المبتل جيدًا ثم لفت الوشاح فوق شعرها ودثرتها بالغطاء.
توقفت وكانت على وشك أن تتجه نحو أخيها لكنها وجدته يدخل من الشرفة ويسرع بخطاه للخارج فسألته باهتمام:
الدكتور وصل؟
هز رأسه لها بالإيجاب دون أن يجيب وهو يغادر الغرفة فبقت هي مكانها تنتظر عودته مجددًا.
وبعد دقائق معدودة دخل وهو بصحبته الطبيب الذي تقدم من الفراش واقترب من آسيا وبدأ يفحصها.
وكان هو يقف يتابع ما يفعله بتركيز وفريال بجواره.
انتصب الطبيب في وقفته بعد دقيقتين تقريبًا وقال بجدية تامة:
هي ليها قد إي مكلتش حاجة؟
كان الطبيب ينتظر الرد من عمران الذي كانت إجابته بالصمت.
فهو نفسه لا يعرف متى آخر مرة رآها تتناول الطعام فيها.
انقذت فريال الموقف حين رأت الصمت والضيق يظهر بوضوح على قسمات وجه أخيها وقالت:
ممكن تكون النهاردة مكلتش حاچة يادكتور عشان كانت مضايقة شوية.
هز الطبيب رأسه بالرفض وقال بلهجة حازمة:
مستحيل يكون النهاردة فقط.. واضح أنها ليها أيام ممتنعة عن الأكل وده سبب هبوط حاد في ضغط الدم عندها.
خرج صوت عمران أخيرًا الذي سأل بغلظة واهتمام:
يعني هي وضعها صعب ولا إيه يادكتور؟
أجابه بالرفض وبثبات:
حاليًا لا.. أنا هكتبلها على علاج تلتزم بيه وهعلق ليها محلول وهتفوق خلال المحلول مع نفسها.. بس قصاد كدا لازم يكون في اهتمام بأكلها ومتهملش في العلاج ولا الأكل لأن لو اتكرر ده تاني وقتها ممكن يشكل خطر ويكون ليه أعراض جانبية.
صمت قاتل هيمن عليهم والطبيب كان يغرز أبرة المحلول بيدها في رفق وثبتها جيدًا ثم تركها لكي يسير الدواء بجسدها.
بعدها انتصب في وقفته وكتب العلاج المناسب لحالتها الصحية وتقدم نحو عمران يناوله الورقة فجذبها منه وصافحه مبتسمًا بهدوء وهو يقول:
متشكر يادكتور تعبتك معايا.
رتب على كتفه بلطف وقال باسمًا وبلهجة صارمة:
على إيه ياعمران متقولش كدا يابني.. المهم خلي بالك منها ومن أكلها كويس.
أماء له بالموافقة ثم اصطحبه معه للخارج لكي يودعه إلى الباب وفريال أسقطت نظرها على آسيا تتمعنها مطولًا بشك.
هناك أمر خطير لا أحد يعلمه فهذه ليست شقيقة زوجها القاسية التي اعتادت عليها.
دقائق وعاد عمران مجددًا للغرفة فوقف بجوار فريال وهو يمسح على وجهه ويتأفف بخنق في صوت عالي ليسمعها تقول برقة:
أنا هروح أعلمها أكل على ما تفوق عشان تاكل وتاخد علاچها.
التفت لشقيقته وابتسم لها بحب ثم انحنى عليها ولثم رأسها بدفء وبعيناه استقرت نظرة شكر.
فبادلته الابتسامة وغادرت لتتركه يتمعن في تلك النائمة على الفراش بسكون.
ولحظات معدودة ثم تقدم نحو المقعد وجلس عليه وهو لا يحيد بنظره عنها.
بعد مرور خمس دقائق تقريبًا فتحت عيناها ببطء وسط تأوه متألمًا تخرجه من بين شفتاها فتوقف واقترب منها يجلس بجوارها هاتفًا:
إيه اللي واچعك؟
ردت بصوت ضعيف وعينان دامعة من فرط الألم:
رقبتي وضهري.. چسمي كله كأنه متكسر آااااه.
أصدرت التأوه الأخير عندما حاولت الحركة فأوقفها هو بنبرة قوية:
متتحركيش عشان الوچع ميزيدش وعشان في محلول في يدك.
نظرت ليدها ثم عادت بنظرها له وقالت باستغراب:
مين اللي حطلي المحلول ده وليه؟
باغتها بنبرته الساخطة والحادة وهو يعنفها بقسوة:
وأخرتها معاكي.. مش هتعقلي وتبطلي شغل العيال اللي بتعمليه ده.. إنتي فاكرة نفسك بتعاقبي مين بعمايلك دي.. لما تقعي وتموتي حد هيهمه أمرك ولا يزعل عليكي.. أنتي اللي خسرانة.
تقوست ملامح وجهها الهادئة وأصبحت أخرى شرسة بسبب تعنيفه لها وهي لا تفهم ما الخطأ الذي ارتكتبه لتتلقى التوبيخ والعصبية الآن:
أنتي بتكلمني إكده ليه.. أنا عملت إيه!
صاح بها بغضب ونبرة تحمل الإزدراء:
أنتي مبتعملش حاچة واصل.. أنتي ملاك نازل من السما!
لم تفهم ما يلمح إليه وسكتت بعدم فهم حتى وجدته يكمل بجفاء:
مكنتيش بتاكلي ليه.. إيه مكفكيش المصايب اللي وقعت فوق راسي بسببك وبسبب عمايلك عايزة كمان تشيّليني مصيبة تاني.
تلألأت العبرات في عيناها على أثر قسوة ما القاه على مسامعها للتو.
فاستشاطت غيظًا وصرخت به:
هي فين المصايب اللي وقعت فوق راسك دي.. أنت اللي اتطعنت في شرفك ومحدش من ناسك وقف چارك ولا صدقك وكانوا هيقتلوك.. ولا چوزوك غصب للي كان السبب في موت أبوك ولحد مطيقهوش ولقيت نفسك مرة واحدة لا ليك ضهر ولا سند.
سكتت للحظة تلتقط أنفاسها وأكملت صراخها بانفعال:
أنت مخسرتش حاچة.. آخرة ما تغلب هتطلقني وهتروح تتچوز تاني وتكمل حياتك عادي.. ولما أموت مش هتكون في مصيبة بالعكس هترتاح مني.. بس صدقني حتى شعور الراحة ده مش هناولهولك ياعمران عشان متستهالهوش.. وقريب قوي هاخد حقي منكم كلكم وخليك فاكر حديتي ده زين.
رمقها بنظرة نارية مشتعلة وهو يضغط على قبضة يده بقوة محاولًا تمالك أعصابه.
كان منظر وجهه مخيف من فرط احتقان الدماء به ولولا أنها مريضة لكانت شهدت على إحدى حالاته المرعبة التي تخشاها.
فتحت فريال الباب ودخلت وهي حاملة الطعام فوق يديها.
وقد وصلت بالوقت المناسب بالضبط لتمنع الحرب التي على وشك الإندلاع بينهم.
حيث تقدمت نحو الفراش وجلست بجوار آسيا من الجانب الآخر وهي تضع صينية الطعام بالمنتصف متمتمة بلطف:
كويس إنك فوقتي.. أول ما يخلص المحلول تاكلي عشان تاخدي العلاچ.
استقرت آسيا بنظرها على الطعام مندهشة أن فريال هي من اهتمت لأمرها وحضرت الطعام لها.
فرمقتها مطولًا بنظرة غامضة لم تفهمها الأخرى.
ثم شاحت بوجهها بعيدًا وقالت في خنق:
معاوزاش آكل يا فريال شكرًا.
سمعت نبرته الغاضبة وهو يلقى بأوامره في صوت مرعب:
هتطفحي غصبن عنك.
طالعته آسيا بعين ملتهبة وقالت بعناد دون خوف:
وأنا قولت مش هاكل ملكش صالح بيا.
جز على أسنانه بغيظ وقال بصوت محتقن محاولًا الحفاظ على هدوءه المزيف:
أنا حايش نفسي عنك بالعافية عشان تعبانة بلاش تنرفزيني.
صرخت بعدم مبالاة وشراسة تليق بها وهي تنظر في عيناه هذه المرة دون خوف:
وأنا مخيفاش منك.. بعدين إيه اللي مقعدك چاري.. قوم معاوزاكش ولا عاوزة اشوفك.
كانت فريال تنقل نظرها بينهم في صدمة.
كانت تتساءل كيف تتعايش آسيا مع أخيها وهاهي الآن تفهم كيف يتعايشون.
بعد جملتها الأخيرة شعرت أن عمران على وشك الإنفجار فاسرعت واقفة واتجهت نحو أخيها تمسك بيده هاتفة في نعومة محاولة تهدأته:
خلاص ياعمران قوم وهملنا لحالنا وأنا هخليها تاكل.. قوم ياخوي عشان خاطري.
القى على آسيا نظرة محتقنة بالدماء قبل أن يستقيم واقفًا ويغادر ليتركهم كما ترجته شقيقته للتو.
دام السكون بين آسيا وفريال التي كانت تتمعن في الأخرى بتدقيق واستغراب.
بعقلها يدور ألف سؤال ولا تجد أجوبة لهم.
لكنها متيقنة أن هناك أمر يخفونه عن الجميع وليس مجرد زواج من أجل فض النزاعات بين العائلتين.
هي تعلم زوجها جيداً وليس لديها شك في أنه لن يسمح أبداً أن يلقي بشقيقته في الجحيم ويضحى بها، لكن من الواضح أنه حدثت كارثة ولذلك الأحداث تطورت بكل هذه السرعة.
كان كل هذا يدور بعقل فريال وهي تنظر لآسيا التي تتحاشى النظر عنها وكأنها تخفي ما ستفهمه فريال إذا نظرت لعيناها. لكن بالنهاية تنفست الصعداء وقالت بجدية:
_ كلي يا آسيا.
قالت بغضب دون أن تنظر لها:
_ قولتلك مش هاكل يافريال. شيلي الوكل ده من قصادي.
انزعجت وهتفت بحدة توبخها:
_ إيه شغل العيال اللي بتعمليه ده؟ الدكتور قال إنك ليكي أيام مبتاكليش وعشان إكده چالك هبوط. ولو فضلتي على الحال ده كتير مش هتقدري تقفي على رچلك بعد إكده. كلي وبلاش عند.
فقدت زمام التحكم بدموعها وانهمرت عبراتها فوق وجنتيها أمام فريال التي زفرت بضيق وقالت بإشفاق في نبرة لينة بعدما ظنت أن حزنها وسخطها بسبب معاملة أخيها لها:
_ لو مضايقة من عمران متزعليش. هو كان قلقان عليكي ولما عرف إنك مبتكاليش يمكن عشان إكده اتعصب. لكن أنتي مشوفتهوش كيف كان منظره لما جه يصحيني عشان اشوفك واغيرلك هدومك قبل ما ياجي الدكتور.
لفت انتباهها أكثر عبارتها الأخيرة، فنظرت لها وقالت بتعجب:
_ تغيريلي هدومي!!
قالت فريال ببساطة وهي توضح لها أكثر بكل عفوية:
_ أيوة هدومك كانت كلها مايه وغيرتلك. بس ندهت عليه عشان يساعدني. مكنتش عارفة اغيرلك لحالي.
انتفضت آسيا جالسة واتسعت عيناها بذهول وهي تسألها بعدم استيعاب:
_ ندهتي على مين؟
أدركت فريال ما تفوهت به للتو، فابتسمت على أثر ردة فعلها وقالت بكل هدوء:
_ عمران يعني. هنده على مين!
لمعت عيناها بوميض مخيف واستشاطت غيظاً، فراحت تصيح بفريال في استياء:
_ وأنتي تندهي عليه ليه يافريال؟ ليه عملتي إكده!
ضحكت فريال بخفة وقالت ببرود وهي تتابع انفعالات وجه الأخرى:
_ وفيها إيه يعني؟ هو أنا قولت لحد غريب؟ ده چوزك.
انفعلت وصاحت بغضب دون وعي لما تتفوه به:
_ لا مش چوزي وقريب هطلق منه كمان عشان ميفضلش حاچة واصل تربطني بيه.
رمقتها فريال مطولاً بتركيز ونظرات تحمل الشك والحزم، بينما الأخرى فراحت تهمس بصوت منخفض لكنه مسموع:
_ طبعاً هو ما صدق ولقيها فرصة ميغيرليش ليه. ماشي ياعمران.
قالت فريال بنبرة منزعجة:
_ أنا مش لادد عليا موضوع چوازكم اللي عشان الصالح ده. ولو مكنش چلال چوزي يمكن كنت صدقت. لكن أنا أعرف أخوكي أكتر منك وباين أن حصلت حاجة كبيرة قوي عشان إكده اتچوزتي عمران. واللي في وشك ده بيثبت كلامي. وأنا عارفة إني لو سألتك دلوك مش هتچاوبيني. بس مسيره يچي يوم وتقوليلي بنفسك يا آسيا.
رمقتها آسيا بقوة وعنجهية وهي تقول:
_ وأقولك بنفسي ليه؟
فريال بنظرة كلها ذكاء:
_ عشان أنا الوحيدة اللي في البيت ده اللي هتقدري تتكلمي معاه. وأنتي عارفة زين أن محدش غيري هيقف چارك. ولا حتى عمران طول ما أنتي بتعاندي معاه وبتكسري كلمته.
حدقتها باستغراب وقالت بدهشة:
_ وأنتي إيه اللي يچبرك تقفي چاري؟
تنهدت بعمق وقالت في وداعة:
_ رغم كل اللي كنتي بتعمليه معايا معرفاش اكرهك. وأحيانًا بعذرك لأني عارفة أنتي كيف كنتي متعلقة بأبوكي. وعارفة أن چواكي صافي وأطيب من الكل رغم القسوة اللي بتظهريها لينا.
لمعت عيناها وتلألأت بهم العبرات وهي تجيب على فريال بمرارة:
_ محدش وقف چاري والكل اداني ضهره واتخلى عني. هتقفي أنتي چاري!
هزت فريال كتفيها بجهل وردت مبتسمة:
_ چربي وشوفي مش هتخسري حاجة.
أشاحت بوجهه للجهة لأخرى وهي تبكي بصمت، بينما فريال فتنهدت واستقامت واقفة وهي تربت على كتفها بلطف متمتمة:
_ أنا همشي وأنتي اسمعي الكلام وكلي عشان مصلحتك. الحزن والضعف مش لايق عليكي. متخليش حد يشمت فيكي.
أنهت عبارتها الأخيرة واستدارت تسير تجاه باب الغرفة وانصرفت تترك آسيا تنظر للباب مكان أثرها وهي تبكي بحرقة. كلما تتذكر عائلتها يتمزق قلبها أرباً من القهر والألم.
***
داخل منزل خليل صفوان تحديداً بغرفة جلال...
فنح جلال عيناه دفعة واحدة مستيقظاً من نومه بعدما كان غارق بأعماق حلم تشاركه به زوجته. نجح عقله في تصوير الواقع الذي يريده وهو عودتها له من جديد لتنير عتمة لياليه الوحيدة والبائسة دونها. لكنها هي من أرادت تلك النهاية وحكمت عليهم بالظلام بعدما كانت شمسهم لا تغرب.
التفت برأسه بجواره على جانب الفراش الفارغ. ثم أخذ يجول بنظره في أرجاء الغرفة. لا يعرف عن ماذا كان يبحث وهو يدرك حقيقة عدم وجودها، لكن عيناه تعرض أمامه شريط لطيف وجميل بواسطة عقله وهو يتذكرها عندما كانت تتحرك أمامه كالفراشة. فلمعت عيناه بوميض الشوق وارتفعت البسمة المريرة على ثغره.
استقام جالساً بعد دقائق وهو يمسح على وجهه بقوة مطلقاً زفيراً حاراً بخنق، ثم هب واقفاً ونزل من الفراش يتجه نحو الشرفة. وقف وثبت نظره على الفراغ أمامه شارد الذهن حتى قذفت بعقله إحدى ذكرياتهم معاً قبل الزواج كان هو يبلغ من العمر عشرين عاماً وهي سبعة عشر.
كان قد انتهى من ارتداء ملابسه وخرج من غرفته ثم قاد خطواته تجاه شقيقته ليسألها ان كانت انتهت أم لا. وقف أمام باب غرفة آسيا ورفع يده ينوي الطرق، لكن صوت فريال بالداخل أوقف يده بمنتصف الطريق. ورغماً عنه استمع لحديثهم وهو يبتسم حيث كانت توبخ آسيا بلطف هاتفة:
_ ليه قولتليه يوصلنا يا آسيا.
ردت شقيقته بكل هدوء ملحوظ في نبرة صوتها:
_ عشان المشوار بعيد وهناخد وقت يافريال. لكن جلال هياخدنا بعربية أبوي وهنقصر المسافة.
ردت الأخرى بصوت مرتبك:
_ خلاص أنا مش هروح معاكي.
احتدمت نبرة آسيا التي ردت عليها بغضب:
_ مش هتروحي كيف يعني وليه؟ كله ده عشان چلال هياخدنا!
هيمن الصمت على فريال للحظات قبل أن تقول بخجل وتوتر:
_ أيوة. أنتي مبتشوفيش أخوكي كيف بيبصلي يا آسيا. أنا مبرضاش اقعد معاه في مكان واحد.
ضحكت شقيقته وقالت بمكر:
_ ده على أساس إنك مبتبصيش يعني وهو بس اللي دايب فيكي. خلي الطابق مستور يافريال ولمي الدور. الشويتين دول تعمليهم على حد غيري. لكن أنا فهماكي زين أنتي وهو.
انتصب هو في وقفته وتنحنح برجولية وهو يبتسم ثم طرق الباب بلطف. وكانت فريال هي التي اسرعت للباب تفتح بكل عفوية، لكن تسمرت حين رأته أمامها وشعرت بالبرودة تصعد لإطرافها من فرط الخجل والتوتر، بينما هو فثبت نظره عليها وابتسم بساحرية وهو يقول:
_ كيفك يافريال؟
اجفلت نظرها عنه بخجل وردت بخفوت:
_ زينة الحمدلله.
طالت نظرته العاشقة لها ثم انتزع عيناها عنها بصعوبة متحكماً بسيل مشاعره الجارف. وتطلع لشقيقته التي تقف أمام المرآة وتلف حاجبها فوق شعرها، ثم سألها:
_ لسا مخلصتيش يا آسيا؟
ردت بسرعة وهي تحاول أن تسرع:
_ لا خلصت. هلبس الطرحة وهنحصلك طوالي ياچلال.
صمت ولم يتفوه ببنت شفة، ثم القى نظرة جميلة على فريال قبل أن يستدير ويغادر لينتظرهم بالأسفل.
فاق من شروده والحال أن نفس البسمة عادت تحتل صفحة وجهه مجدداً لمجرد تذكره لها فقط. تلك الظروف القاسية أصدرت مرسوم بإعدام ذلك العشق والفراق هو نهايته. لكنها مهما حاولت لن تتمكن من نزع شوقهم وغرامهم لبعضهم الذي تضمره قلوبهم. ليت كل شيء لم يحدث. ليتها الآن نائمة بين ذراعيه ليشبع قلبه طول الليل من تأملها وتخلل عبق رائحتها الجميلة لنفسه الضائعة. ليت! ....
***
مرت تقريباً ساعة منذ رحيل فريال وهو لم يعود لها إلى الآن، فبقت بمفردها تتمعن بسقف الغرفة فوقها وهي شاردة الذهن تتذكر كل شيء متعلق بعائلتها وأبيها ولحظاتهم الجميلة معاً. ثم تذكرت كيف انتهى بها الامر وحيدة دونهم وهم يبغضونها ولا يرغبون في التطلع لوجهها حتى. فقط بسبب كذبة خلقتها تلك الشيطانة ابنة عمها واتهمتها بذنب لم تقترفه دمرت حياتها كلها على أثرها.
لم تملس الطعام منذ أن جلبته فريال. كانت تضع فوق الصحون صحون أخرى تحمي بها الطعام من أي ملوثات ولكي لا يفسد. بينما آسيا فكانت عيناها عالقة على زجاجة المحلول تنتظر انتهائها لكي تنزع تلك الابرة عن يدها. رفعت رأسها للزجاجة فوجدتها انتهت. تنهدت الصعداء بقوة واعتدلت في نومتها ببطء، ثم راحت تمد يدها للأبرة لكي تنزعها، لكن توقفت على أثر صوت الباب الذي انفتح وظهر عمران من خلفه أخيراً.
رمقته بنظرة جامدة للحظة قبل أن تشيح بوجهها وتعود ليدها تحاول نزع الابرة، لكن صوته الرجولي أوقفها:
_ بتعملي إيه؟
ردت وهي تكمل محاولاتها:
_ بشيل الابرة من يدي. المحلول خلص.
تنهد بقوة ثم تقدم نحوها وجلس بجوارها على حافة الفراش، ثم أمسك بكفها وهو يقول:
_ مش هتعرفي تشليه لحالك.
انتفضت على أثر لمسته وانتشلت يدها بعنف من قبضته صائحة:
_ بعد متقربش مني ولا تلمسني.
استقرت في عيناه نظرة قوية على أثر نفورها ورفضها. لا تنكر أن تلك النظرة أخافتها قليلاً وهدأت حدة ملامحها بسبب الخوف. لتسمعه يقول بلهجة لا تقبل النقاش:
_ هاتي يدك.
حدقته مطولاً بتردد. ترفض خنوعها له وتتمنى لو تتمكن من مجابهته، ولكن هيهات. فاثرت بالنهاية الاستسلام ومدت يده مجبرة ليمسك هو بها ويبدأ في نزع الأبرة عنها بطريقة خاصة. شعرت بوغزة بسيطة لحظة نزع الأبرة من جلدها، وبعدها فوراً وجدته يضع فوق مكانها قطنة صغيرة لكي تمتص الدماء.
ضمت يدها لصدرها بسرعة فور تركه لها وهي تتطلعه بنظرات غائرة. ثم رأته ينظر للطعام ويسألها بحزم:
_ لساتك مكلتيش؟
كانت ستعترض وتعلن تمردها، لكنها خشيت من مواجهة جموحه ورؤية تلك النظرات المرعبة التي تستقر بعيناه عندما يغضب. لتقول بامتعاض وهي تتفادى النظر إليه:
_ كنت مستنية المحلول يخلص.
لانت حدة معالمه وقال بهدوء وهو يشير على الطعام:
_ طب كلي يلا عاد.
هزت رأسها بالموافقة في ضيق وبقت ساكنة تنتظر ابتعاده من جانبها، لكنه لم يتزعزع فعلمت أن يريد أن يتأكد بعينه وهو يراها تأكل. زفرت بقوة وانحنت تلتقط الصينية وتضعها فوق قدميها، ثم بدأت بتناول الطعام دون أن ترفع نظرها له. كانت تتفادى النظر إليه عمداً وكلما ترفع عيناها تجده يتابعها بنظرة ثاقبة، فقالت بخنق وتوتر:
_ قاعد چاري إكده ليه؟ قوم عشان أعرف آكل.
الحال أنه لم يكن يتمعنها هي كما ظنت، بل عيناه فقط كانت ثابتة عليها وعلقه منشغل بالتفكير بأسئلة كثيرة من ضمنهم ذلك السؤال الذي عرضه عليها للمرة الثانية:
_ مكنتيش بتاكلي ليه؟
قال بسخرية منزعجة:
_ وكنت هاكل كيف وأنت حابسني في الأوضة.
عمران بلهجة مريبة مضيقاً عيناه باستغراب:
_ يعني أمي مكنتش بتچبلك الوكل لغاية الأوضة إهنه.
ابتسمت باستهزاء ونظرت له تقول بقوة:
_ محدش كان بيچيب حاجة ياعمران.
من وقت ما جيت البيت ده، ماشوفتش حد غير فريال. ومحدش بيدخل عليا الأوضة غيرك.
لوى فمه بغيظ، وقد عادت قسمات الغضب تظهر على ملامحه من جديد، لكنه تمالك أعصابه وتصنع الهدوء المزيف ليقول لها بلهجة جادة:
"طيب يا آسيا، مش هقفل عليكي تاني. بس قسمًا عظيمًا لو شيطانك وزّك تكرري اللي عملتيه قبل كده تاني، مش هيطولك مني مجرد كام بصة ولا كام كلمة وتهديد بس لا أكتر. وأعملي حسابك من بكرة هتنزلي تاكلي معانا على السفرة، مهتقعديش وحدك تاني."
باغتته برد مطيع دون أن تبدي أي ردة فعل معارضة، حتى بمجرد نظرة:
"ماشي."
غضن حاجبيه بحيرة، وتمعنها بتدقيق في شك من ذلك التحول المريب، بينما هي فردت عليه ببرود:
"بتبص كده ليه؟ قلتلك ماشي."
كان رده عليها بالصمت، وطالت نظرته لها قبل أن يستقيم واقفًا ويتركها متجهًا للحمام لكي يأخذ حمامًا دافئًا قبل أن يخلد للنوم. وأكملت هي تناولها للطعام، وبعدما انتهت توقفت، ولفت حجابها جيدًا فوق شعرها، ثم غادرت الغرفة ببطء بسبب تعبها، وهي حاملة الصينية فوق يديها، واتجهت بها للطابق الأرضي حيث يقع المطبخ.
خرج من الحمام بعد دقائق طويلة نسبيًا، وهو يرتدي جلبابه الأبيض وشعره الأسود الغزير تتساقط منه قطرات المياه. حين وقع نظره على الفراش ولم يجدها، فتطلع نحو الباب بتلقائية، ووجده مفتوحًا. اندفع للخارج بسرعة، يقود خطواته تجاه الدرج قاصدًا الطابق الأرضي.
بتلك اللحظات، كانت هي بطريقها للغرفة مجددًا، لكن داهمها دوار عنيف، واختل توازنها على أثره، وكانت على وشك السقوط من الدرج لولا أنها استندت بكفيها وجسدها على الحائط، مغمضة عينيها بتعب شديد واضح على ملامح وجهها الذابلة. وقف هو للحظة عندما رآها بهذه الحالة، ثم اقترب منها ووقف بجوارها، يحاوطها بذراع من خصرها، وبالأخرى يمسك بيدها لكي يسندها ويساعدها على الوقوف والصعود معه لغرفتهم، وسط صوته الرجولي وهو يعنفها بلطف:
"إنتي إيه اللي نزلك أصلًا؟"
ردت بصوت يسمع بصعوبة، وهي لا تقوى على فتح عينيها حتى:
"نزلت أودي الوكل في المطبخ."
تنهد مغلوبًا وقال بهدوء في لهجة جادة:
"طيب اسندي عليا واطلعي على مهلك."
نفذت ما قاله دون وعي، فكانت ترى أمامها بصعوبة أساسًا. ألقت بحمل جسدها كله عليه، حتى أن رأسها ألقتها على صدره، مغمضة عينيها. فكانت تشعر وكأن كل شيء يدور بها في حركة دائرية، ولو تركت يده أو ابتعدت عن صدره للحظة، ستسقط من فوق الدرج بأكمله.
صعدت معه درجات السلم ببطء شديد، لكنه توقف عندما رأى أمه أمامه. وقفت تتطلع لآسيا بنقم، واغتاظت حين رأتها بين أحضان ابنها هكذا، فقالت ساخرة:
"مالها دي؟"
تطلع عمران لأمه بغضب بسيط، وقال بنظرة ذات معنى:
"تعبانة يا ماما."
رمقت آسيا بقرف، وقالت بانزعاج مستنكرة:
"وواخدها في حضنك كده ليه؟ ما تسيبها تطلع لحالها، ولا هي اتكسحت خلاص!"
كانت آسيا تستمع لكل ما تقوله، لكنها لم تكن بحالة تمكنها من المواجهة والوقوف بشموخ أمام تلك المرأة، فتجاهلت الأمر مؤقتًا، وبقت متشبثة بذراعين زوجها. أما هو، فرمق أمه بحزم، وقال في نبرة رجولية غليظة:
"تصبحي على خير يا ماما.. بكرة نبقى نتكلم على رواق."
لم يمهلها اللحظة لتجيب عليه، حيث أكمل طريقه هو وزوجته تجاه غرفته، وبقت إخلاص مكانها تتطلع في آسيا بحقد وغيظ.
دخل الغرفة، واقترب بها من الفراش، ثم تركها لتتسطح هي بجسدها عليه في رفق، مغمضًا عينيه. وبعد دقيقتين تقريبًا، سمعته يقول بنبرته المميزة:
"اشربي وخدي العلاج، قومي يلا."
فتحت عينيها ببطء، واعتدلت في نومتها بصعوبة، ثم جذبت كوب الماء من يده ومعه أقراص الدواء الخاص بها، وابتلعتهم مع الماء، ثم عادت تتمدد مجددًا على الفراش، وجذبت الغطاء تتدثر به، مغلقة عينيها بتعب. وما هي إلا لحظات قليلة حتى غطت بسبات عميق. فابتعد هو عنها، وأجرى مكالمة ضرورية بخصوص العمل، ثم عاد مجددًا الفراش، وتسطح بجسده القوي بجوارها على الجانب الآخر، وأغلق عينيه بإرهاق، تاركًا جسده وعينيه تنعمان بقليل من الراحة بعد ذلك اليوم الطويل والحافل بالأحداث.
***
بصباح اليوم التالي.....
نزل عمران الدرج، وقاد خطواته لخارج المنزل لكي يغادر ويتجه لعمله، لكنه توقف بمنتصف الطريق، والتفت براسه تجاه المطبخ، وغير وجهته ليتحرك نحوه. حين دخل، وجد أمه كما توقع، كانت تقوم ببعض الأعمال اليومية بالمطبخ، وفور رؤيتها له، ابتسمت باتساع، وقالت بوجه مشرق:
"صباح الخير يا غالي."
اقترب منها وانحنى عليها يلثم رأسها بحنو، متمتمًا في نبرة لا تبدو طبيعية بل منزعجة:
"صباح النور يا ماما."
رمقته بتعجب، وقالت في قلق وفضول:
"مالك يا ولدي؟ في حاجة مضيقاك ولا إيه؟ بت خليل عملت حاجة؟"
كان رده بالصمت لبرهة من الوقت، قبل أن يقول بنظرة غاضبة ومعاتبة:
"أنا مش قلتلك لما أكون مش موجود تطلعي الوكل ليها يا ماما في الأوضة!"
حين انحرف مجرى الحديث لتلك النقطة، تهجم وجهها، ولوت فمها بخنق، وهي تتحاشى النظر لابنها، التي استاء أكثر وهتف:
"سايباها ليها تلات أيام من غير وكل يا ماما، وأنا عشان مش قاعد مش حاسس بحاجة.. امبارح طبت واقعة وجبتلها الدكتور."
قالت إخلاص بقسوة وقرف:
"عاوزة تاكل يبقى تنزل تقعد معانا على السفرة، مش هنطلع ليها الوكل في الأوض كمان كيف بنات البشوات."
عمران بنبرة مخيفة وبشائر غضب حقيقي:
"أنا اللي كنت مانعها ما تنزل، واتكلت عليكي وقلتلك تطلعي ليها الوكل، ودي كانت النتيجة."
انفعلت إخلاص وهتفت في ابنها بقوة:
"طول ما أنت بتديها وش، هتقعد وتدلدل رجليها، ومهتعرفش تمسك عيارها البت دي. لازم تتربى زين."
هتف بسخط وحدة مرعبة:
"دي مرتي أنا، ولو حد هيربيها ولا هيشد أو يرخي، فهو أنا يا ماما، ومحدش له صالح. أنا عارف هعمل معاها إيه زين."
ضحكت باستهزاء، وقالت في غيظ وغل:
"مهو واضح بتربيها زين قوي.. بعد اللي شفته امبارح وأنت واخدها في حضنك، مبقتش عارفة مين اللي هيربي التاني."
صر على أسنانه بغيظ من عبارة أمه الأخيرة، محاولًا تمالك زمام انفعالاته، ليقول بالأخير في نبرة منذرة ونظرة تنضج بالانزعاج الحقيقي:
"ملكيك صالح يا ماما ومتدخليش."
اتسعت عيني إخلاص، وقالت بدهشة وقهر:
"بتقف قصادي وبتعاديني عشانها يا عمران.. دي مكملتش أسبوع."
استغفر ربه بخنق، ورد بنبرة لانت حدتها وأصبحت حانية بعض الشيء:
"مقدرش أقف قصادك ولا أعاديكي يا ماما، لا عشانها ولا عشان غيرها. مفيش حد يتقارن بيكي يا ست الكل، بس أنتي كنتي غلطانة، وأنا بعرفك غلطك."
ما زال الضيق والحزن يعتلي معالم وجهها، وكأنها لم تقبل اعتذاره، فضمها لصدره، ولثم رأسها، وهو يعتذر بصدق هذه المرة، وندم:
"حقك عليا متزعليش، والله ما كنت أقصد. راعي الضغط اللي أنا فيه يا ماما، ما بين الشغل وبينكم وبين آسيا، وامبارح كنت واصل لآخري، وهي زودت عليا لما لقيتها واقعة في الحمام. متزعليش مني، ده أنا ماشي برضاكي عليا ودعواتك."
لان قلبها، ولم تتمكن من الصمود أمام حنانه ودفء كلماته، فقالت مبتسمة بحب أمومي نقي:
"مش زعلانة منك يا حبيب قلبي. روح على شغلك عشان متتأخرش، ربنا ينورلك طريقك ويوقفلك ولاد الحلال."
ابتسم لها بساحرة، وقال بنظرة تفيض دفئًا:
"كده أنا أمشي وأنا مرتاح بعد الدعوتين دول. ربنا يباركلي فيكي يا ست الكل. عاوزة حاجة مني قبل ما أمشي؟"
قالت باسمة بحب:
"عاوزة سلامتك يا غالي."
قبلها من رأسها للمرة الأخيرة، قبل أن يستدير وينصرف، ليتركها متصلبة مكانها، وقد لمعت عيناها بوميض الوعيد لآسيا. ستعاقبها على ما حدث بينها هي وابنها الآن بسببها.
***
داخل حرم الجامعة، تحديدًا بالمقهى الصغير الخاص بالكلية، كانت تجلس هي بجوار صديقتها يتبادلون الأحاديث المختلفة حول الدراسة وحياتهم الخاصة أيضًا. لكنها توقفت عن الكلام فجأة حين سقطت عيناها عليه وهو يسير متجهًا للخارج. فتجمدت ملامح وجهها، واستحوذها الهيام الكامل وهي تتابعه دون وعي منها. فقد شعرت بدقات قلبها تسارعت تلقائيًا عندما رأته، كيف ولماذا لم تفهم!. رغم أنها لم تجمعها معه سوى بعض اللقاءات القصيرة والسريعة، لكنه نجح في سلب تفكيرها منها على الأقل.
التفت بلال بمحض الصدفة على الجانب، وحين لمحها، أرسل لها بسمة خافتة في عذوبة كإلقاء تحية، وليته لم يفعلها، فقد بعثر بابتسامته الجذابة ما كانت تحاول إبقائه شامخًا. وبعدما توارى عن نظرها، ارتفعت البسمة تلقائيًا لثغرها الرقيق، ولم تفق من هيامها سوى على صوت صديقتها وهي تهتف بخبث:
"مش ده الولد اللي نسي تلفونه برضو؟"
انتبهت لعبارة صديقتها، وقالت ببلاهة:
"مين ده؟!"
ضحكت صديقتها عليها، وقالت بغمزة ماكرة:
"اللي كان بيضحكلك دلوقتي وأنتي مشلتيش عينك من عليه."
تنحنحت حور بارتباك ملحوظ، وقالت بحزم:
"لأ طبعًا مكنتش ببص، أنا شوفته بالصدفة لما بصيت، أنت بيتهيألك."
قهقهت الأخرى باستمتاع، وقالت بعبث:
"اممممم صدفة.. غريبة أوي الصدف دي والله!"
استقامت واقفة، وقالت بضيق تحاول إخفاء توترها وحقيقة انجذابها له:
"أنا هروح الحمام عشان عارفة إني مش هخلص من تحقيقاتك دي."
لم تمهل صديقتها التي تضحك عليها لتجيبها، حتى بل اندفعت مسرعة للخارج نحو الحمام. وحين كانت بطريقها، رأته وهو يتحدث في الهاتف، ثم تحرك وقاد خطواته لخارج الجامعة بأكملها. فوقفت تتابعه بشرود، لكن لفت انتباهها وجود شاب غريب يسير خلفه، وحين دققت النظر به جيدًا، لمحت سكينًا بيده ويحاول إخفائها.
اتسعت عيناها بصدمة، وشهقت برعب، ثم أسرعت شبه ركضًا خلفهم، تحاول اللحاق به قبل أن يصل له ذلك الشاب ويؤذيه. كانت تسرع في خطاها بقدر ما تستطيع، لكن خطواتهم كانت أسرع منها، وكانوا تقريبًا قد أوشكوا على الوصول لبوابة الجامعة. وكان ذلك الشاب بالفعل قد وصل إليه وأصبح خلفه بالضبط. فتوقفت هي مزعورة، ولم تشعر بلسانها سوى وهو يصرخ بخوف:
"بــــــلال."
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى محمود توفيق
(( ميثاق الحرب والغفران))
_ الفصل الرابع عشر_
التفت بلال للخلف بتعجب على اثر سماعه لاسمه فاصطدم بذلك الشاب الذي كان يقف بظهره ملتصق به&; ارتد للخلف مزعور&;ا والآخر لم يتثنى للحظة بل أشهر عن سلاحه الأبيض ووجهه نحو بلال ينوي طعنه&; ولسوء الحظ أنه بلال لم يتدراك هجومه من البداية بسبب صدمته لكنه حاول تفادي الطعنة التي موجهة له قدر الإمكان ولم يستطع فقد أصابه بجرح عميق بالقرب من جانبه.
انطلقت صرخة مرعوبة من حور عندما رأت ذلك المنظر وعلى أثر صرختها التفت الجميع ولاحظوا ما يحدث بين بلال وذلك الشاب فركضوا لهم وكبلوا الشاب من يده ثم اسقطوا السكين من يده على الأرض&; وكان بلال يقف يتلوى من فرط الألم الذي يجتاح جرحه العميق واضع&;ا كفه مكان الجرح محاول&;ا وقف نزيف الدماء.
اقترب أحد أصدقائه على أثر الجلبة والصراخ وهو يحاول أن يخترق بنظره بين الحشود ليفهم ماذا يحدث وفور رؤيته لبلال بهذه الحالة ركض نحوه مسرع&;ا وأمسك به وساعده مع بقية الشباب ليقتربوا من أحد المقاعد ويجلس فوقها&; ركضت حور نحوهم وتسللت بين الجميع لتصل له ثم وقفت أمامه ونظرت لجرحه الذي ينزف فارتعدت أكثر وتسارعت دقات قلبها&; بينما هو فقد كان بدأ يفقد قوته وصموده تدريجي&;ا من فرط الألم والدماء التي تسيل منه&; نزعت عن عنقها شال&;ا صغير كانت تضعه ومدته بيد مرتعشة لصديقه الذي يجلس بجواره تقول له برعب:
_ حطه على الجرح عشان يوقف النزيف لغاية ما توصلوا المستشفى
كان بلال يغمض عيناه بتعب يسمع ما يحدث حواليه لكنه فاقد القدرة على فتح عيناه&; ففعل صديقه كما اخبرته بالضبط وقال يحدثه بقلق ونبرة قوية:
_ بلال أنت سامعنا.. بلال
رد بصوت ضعيف:
_ سامعك يا مؤمن سامعك
أمسك بيده يساعده على الوقوف هو وبعض أصدقائه وقال له بجدية:
_ طيب قوم يلا محمد جاب عربيته عشان نروح المستشفى بسرعة.. أسند علينا وقوم
وقف بصعوبة معهم وحين فتح عيناه وقعت على حور التي كانت تتطلعه بارتيعاد واهتمام حقيقي في عيناها لكن نظرته لها كانت عابرة وسريعة وأكمل سيره بمساعدة أصدقائه حتى استقل بسيارة صديقه وانطلقوا متجهين نحو أقرب مستشفى.
ظلت هي متسمرة مكانها عيناها عالقة على أثره بزعر وخوف ملحوظ على ملامحها ولم تفق سوى على صوت صديقتها التي هزتها في كتفها بخفة هاتفة في صدمة:
_إيه اللي حصل ياحور هنا&;
لم تجيب على صديقتها وبقى عقلها مشغول بالتفكير به في خوف وقلق عليه لكن الأخرى هتفت بإلحاح:
_ ما تردي عليا يابنتي إيه اللي حصل دي الكلية كلها مقلوبة.. وأنتي بتعملي إيه هنا&;
جلست فوق أحد المقاعد لتهدأ من حدة أنفاسها المتسارعة وردت على صديقتها بعقل شارد:
_ بلال
هتفت الأخرى بعدم فهم:
_ مين بلال ده
قالت حور موضحة وقد تحدثت بوعي هذه المرة:
_ الولد اللي كان تلفونه معايا هو اللي راح المستشفى
اتسعت عيني صديقتها بصدمة وقالت بفضول:
_ طيب هو كويس ولا كان تعبان جامد وحصله إيه&;
شعرت بالضغط عليها أكثر مما تشعر هي به فقالت بضيق وعين دامعة:
_ مش عارفة يانور سبيني اهدى شوية أبوس إيدك أنا مش قادرة اتلم على أعصابي أساس&;ا
تفهمت صديقتها حالتها فبالتأكيد ما رأته ليس هين وخصوص&;ا وهي تدرك أنها تكن إنجذاب له حتى لو بسيط.. فسكتت ورتبت على كتفها بلطف محاولة تهدأتها ولم يلبثوا للحظات حتى لمحوا أستاذ الجامعة ورئيسها وهو يسرعون في سيرهم نحو ذلك الشاب الذي مازال بين يدي الشباب ينتظرون وصول الشرطة حتى يسلموه لهم وبالفعل كانت قد وصلت الشرطة واعتقلوه ودار حديث بسيط بين مسوؤلين الجامعة والضباط.. من بعدها رحلت سيارة الشرطة ولحق بهم أستاذ الجامعة بسيارته.
***
داخل غرفة عمران بمنزل إبراهيم الصاوي.....
انتهت آسيا من حمامها الدافيء وكانت تقف أمام المرآة تجفف شعرها المبتل من المياه بعينان ثاقبة تتطلع لنفسها في المرآة&; حتى سمعت صوت الباب ينفتح ظنته في البداية عمران رغم أنه خرج للتو للعمل فالتفتت برأسها للخلف تنتظر ظهور الدخيل الغامض&; إذا بها ترى إخلاص أمامها وهي تقف على مسافة بعيدة نسبي&;ا منها تطالعها بغضب وغل.
التزمت آسيا الصمت وأبدت عن برود أعصابها التام وهي ترمقها بابتسامة مستفزة&; مازال حديثها بالأمس عندما رأتها وهي بين ذراعين زوجها عالق بذهنها ولم تنساه&; ربما تكون أخطأت بالقدوم إليها الآن.
تقدمت إخلاص منها بخطوات متريثة وهي تقول بسخرية:
_ وقعتي على راس ولدي من وين معرفش
كان رد آسيا بالصمت وهي ترمقها بقوة تليق بها فتوقفت إخلاص أمامها مباشرة وهتفت بغيظ:
_ على آخر الزمن ولدي سيد الرچال كلهم يتچوزك أنتي يابت جليلة.. ده أنتي متتحسبيش على الحريم ح&;رمة حتى .. وناسك كأنهم ما صدقوا خلصوا منك چوزوكي لولدي ومحدش سأل عليكي منهم من ساعة ما چيتي إهنه
اختفت ابتسامة آسيا وتبدل برودها لنيران ملتهبة على استعداد لالتهام إخلاص بعد ما تفوهت به من إهانة قاسية وجهتها لها&; لكن إخلاص لم تنتهي وأكملت بعصبية ووعيد:
_ عمران عمره ما وقف قصادي ولا حاسبني على حاچة.. وأنتي اللي لساتك مكملتيش يومين هتخربي بيني أنا وولدي&; بس وغلاوة عيالي قريب هخليه يطلقك عشان ترچعي لناسك اللي معاوزنيكش دول
رغم أن آسيا كانت تشتعل كالقدر من الداخل وتحاول البقاء هادئة قدر الإمكان لكن بعد عبارتها الأخيرة قررت أن تنثر القليل من البهارات الحارة على غضبها لتشعلها أكثر ولم تستخدم أسلوبها المعتاد والشرس في المواجهة بل اتبعت أسلوب جديد ومختلف عليها وهو البرود عندما قالت لها فقط لتثير جنونها أكثر:
_ ومين قالك أن ولدك هيطلقني.. هو أنتي مشوفتهوش امبارح كيف كان خايف عليا وبيهتم بيا وواخدني في حضنه.. لو هتستني اليوم اللي هيطلقني فيه تبقي هتستني كتير قوي ياحماتي
تعمدت لفظ كلمتها الأخيرة حتى تكون هي لحظة إنفجار البركان وبالفعل أصبحت إخلاص كجمرة من النيران وصرخت بغضب وهي ترفع يدها تهم بصفع آسيا:
_ اكتمي
قبضت آسيا على يدها في الهواء قبل أن تصل لها واستقرت في عيناها نظرة شرسة ومخيفة وهي تهتف بتحذير:
_ اوعاكي تفكري تعمليها تاني.. مش أنا اللي هتچربي ترفعي يدك عليها وهتسكتلك&; أنتي لساتك متعرفنيش يا إخلاص وصدقيني الأفضل ليكي أنك متعرفنيش
اتسعت عيني إخلاص بصدمة من تصرف آسيا الجريء.. فلم تكن تتوقع كل هذه القوة منها&; بينما الأخرى فأكملت بصوت اقرب لفحيح الأفعى ونظرة تقذب الرعب في القلوب:
_ أنا معملتش حاچة عشان أخرب بينك وبين ولدك فمتخلنيش اضطر أعملها.. أنا كيف العقرب لدغتي والقبر خليكي بعيدة عني لو محباش تچربي لدغتي
تركت آسيا يد إخلاص ببطء وقالت باسمة ببرود غريب وكأنها تحولت من حالتها المرعبة التي كانت عليها للتو لأخرى لطيفة وهي تقول:
_ معلش ياحماتي هستأذنك عاد عشان عاوزة أغير هدومي.. معلوم عمران هيرچع على الغدا يعني بعد كام ساعة ولازم اتچهز لچوزي عشان لما ياچي يلاقي مرته كيف الوردة المفتحة
أغلقت إخلاص على قبضتها بعنف وهي تضغط عليها تحاول تمالك أعصابها حتى لا ترتكب جريمة بتلك الساحرة التي تقف أمامها&; ثم استدارت واندفعت لخارج الغرفة وهي تشتعل من الغيظ&; أما آسيا فكانت تبتسم بنصر وتشفي لكن سرعان ما اختفت ابتسامتها وقالت بقرف:
_ اشبعي بيه ولدك أنا لا طيقاه ولا طايقة خلقتكم كلكم أصل&;ا.. أن شاء الله قريب أخلص منه ومنكم
***
داخل المستشفى بإحدى الغرف الخاصة.. فتح بلال عيناه ببطء وسقطت عيناه أول&;ا على صديقه الذي كان يجلس بجوار الفراش على مقعد وهتف له باسم&;ا:
_ حمدلله على السلامة
رد بلال بصوت خافت:
_ اللي يسلمك يامؤمن
سكت صديقه للحظة ثم قال بجدية:
_ عمران برا بيتكلم مع الدكتور
قال بلال بدهشة وضيق:
_ قولتله ليه يا مؤمن.. الموضوع مش مستاهل كل ده
ضحك الآخر وقال ببرود ونظرة جادة:
_طب متخليش أخوك يسمعك بتقول كدا لمصلحتك.. بعدين هعمل إيه تلفونك كان معايا لما كنت لسا موفقتش من البينج وهو اتصل رديت عليه وقولتله
زفر بلال بخنق وقال مغلوب&;ا:
_ زين ما عملت
انفتح الباب وظهر من خلفه عمران الذي تقدم نحو بلال وجلس بجواره هاتف&;ا في قلق وحنو:
_ عامل إيه يابلال دلوك&;
هز رأسه بالإيجاب لأخيه وتمتم ببسمة خافتة:
_ أنا زين ياعمران.. ده چرح بسيط
احتقنت نظرة عمران وهو يسأله بصوت رجولي قوي:
_ چرح إيه لولا ستر ربنا كان زمانك ميت دلوك&; مين اللي عمل إكده وليه&;
صمت بلال وهو يتذكر وجه ذلك الشاب فهو نفسه الذي تشاجر معه منذ أيام بسبب تعرضه للفتيات&; أخذ نفس&;ا قوي قبل أن يسرد لأخيه كل شيء من البداية وفور انتهائه كانت معالم وجه عمران مرعبة وهو يسأل بعين تلمع بالوعيد:
_ مين الواد ده ومين ناسه متعرفش حاچة عنه&;
هز راسه بالنفي فهتف مؤمن في جدية:
_ البوليس جه بعد ما مشينا وقبض عليه&; الله أعلم هيعملوله إيه وهيطلع ولا لا
لاحت نظرة شيطانية في عين عمران وهو يقول بوعيد حقيقي:
_لو عرف يطلع.. هخليه يعفن في السچون
ابتسم مؤمن بتشفي بعد سماعه لوعيد عمران بينما بلال فكان صامت&;ا وسقطت عيناه على ذلك الشال الصغير الذي فوق أحد المقاعد وملطخ بدمائه فمال ثغره للجانب ببسمة لا ت&;رى لكنه شعر بها جيد&;ا.
***
بتمام الساعة الواحدة ظهر&;ا......
فتح عمران باب المنزل ودخل وكان بلال يسير بجواره يمسك بذراع أخيه يسند عليه أثناء سيره&; انتفضت عفاف واقفة بفزع حين رأت أبنها بهذه الحالة وركضت نحوه تصيح:
_ مالك يابلال حصلك إيه ياولدي&;
رد على أمه مبتسم&;ا بطبيعية رغم الألم الذي يجتاح جرحه بسبب وقوفه:
_ مفيش حاچة ياما خناقة بسيطة كانت في الچامعة
وقفت أمامه وقال برعب وهي تتفحصه بنظرها في تدقيق:
_ خناقة إيه.. ده أنت مش قادر تقف على رچلك ياولدي
اقترب إبراهيم تجاه ابنه ووقف أمامه يسأله بجدية:
_ حصلت كيف الخناقة دي يابلال&;
هنا تدخل عمران وقال بلهجته الرجولية القوية:
_ خلاص يابوي مش وقته دلوك أنتوا مش شايفينه تعبان كيف ومحتاچ يرتاح
ثم التفت نحو زوجة أبيه وقال بهدوء:
_ طلعيه وخليه يرتاح في اوضته فوق
رغم أنها لا تفهم شيء إلا أنها فعلت فور&;ا وامسكت بذراع ابنها تساعده على السير معها وهي تتطلع له بعين دامعة ومرتعدة فابتسم لها بلال وانحنى على رأسه يقبلها بدفء هامس&;ا:
_ أنا زين ياما والله متقلقيش بس عاوز أنام وارتاح شوية
نظرت له عفاف وقالت بحدة وحزن:
_ فوق هتفهمني كل حاچة وليه مش قادر تقف على رچلك إكده سامع
ضحك مغلوب&;ا وهز رأسه لها بالموافقة متمتم&;ا:
_ حاضر بس طلعيني الأول وخليني ارتاح وبعدين هحكيلك كل حاچة
كان إبراهيم يتابع ابنه بنظرات قلقة ومهتمة وفور ابتعادهم لمسافة عنهم انحنى على عمران وسأله بغضب:
_ أخوك مالك ياعمران.. إيه اللي ح&;صل&;
تنهد عمران مطول&;ا وقال بخشونة:
_موضوع طويل يابوي.. أنا هطلع اغير خلچاتي وارتاح شوية لغاية الغدا وبعدين نبقى نتكلم على رواق
زفر إبراهيم بخنق ولم يجيب على ابنه الذي انهى عبارته واندفع للأعلى حيث غرفته.. أما هو فلحق به لكنه كان يقصد غرفة بلال.
كانت آسيا تقوم بتبديل ملابسها وانتفضت مزعورة حين سمعت صوت الباب فصرخت بقوة وهي تركض نحو الباب لتغلقه:
_ مين!!
وقف عمران مكانه وقال بلهجة ساخرة بعدما وجدها وقفت خلف الباب واغلقته:
_ افتحى الباب ده!
لوت فمها عندما سمعت صوته وقالت بنبرة مستاءة:
_ بغير هدومي متدخلش
تمالك أعصابه وقال بلهجة آمرة:
_ وأنا هقعد واقف استنى حضرتك لغاية ما تخلصي يعني ولا إيه!
قالت مبتسمة بتشفي وغيظ:
_ قولتلك بغير ياعمران لما أخلص ادخل
هتف بصوت منخفض قليل&;ا لم يسمعه سواهم لكن كان يظهر السخط والاستنكار في نبرته بوضوح:
_ ولو حد شافني أقوله مستنى مرتي لما تغير هدومها!!.. افتحي الباب ده بدل ما اكسره&; ادخلي كملي لبس في الحمام
لوت شفتيها بقرف وقالت بتحذير:
_ طيب أنا هسيب الباب وهدخل الحمام وأنت ادخل بعد شوية أوعاك تدخل علطول
لم تحصل على رد منه سوى بالصمت&; بينما هو بالخارج فقذفت بذهنه إحتمالية كذبها وأنها تفعل شيء لا تريده أن يراه ولذلك تكذب حول تبديلها لملابسها&; فالتهبت نظراته وتوعد لها بعقاب عسير أن كانت شكوكه بها صحيحة.
انتظر للحظة بضبط بعدما ابتعدت هي عن الباب وفتح الباب ودخل لكي يتأكد بعيناه من حقيقة أو كذب ما قالته&; لكنه تسمر على أثر صرختها المندهشة وهي ترفع ملابسها تضعها فوق صدرها محاولة إخفاء جسدها المكشوف بسبب ذلك القميص الوردي القصير التي ترتديه&; دامت نظرته لها لسبع ثواني بالضبط قبل أن يشيح بوجهه ويوليها ظهره دون أن يتحدث أما هي فصرخت بغضب وعينان تخرج منهم النيران المشتعلة:
_ قولتلك متدخلش
لم تنتظر أكثر خشية من أن يستدير وينظر لها مجدد&;ا فاسرعت نحو الحمام وهي تتوعد له عند انتهائها&; حين سمع صوت باب الحمام استدار وهو يهز رأسه متأفف&;ا ثم بدأ في نزع جلبابه عنه وبقى فقط بالجلباب الأبيض الداخلي&; نزع حذائه عنه واقترب من الفراش يلقي بجسده عليه مغمض&;ا عيناه بإرهاق&; ولم تمر سوى دقائق قصيرة وخرجت هي من الحمام ثائرة لتندفع نحوه وتقف أمام الفراش تحديد&;ا عند رأسه هاتفة:
_ أمك الصبح تدخل عليا من غير ما تخبط وسيادتك دخلت رغم أني قولتلك متدخلش.. هو إيه بيح&;صل بظبط شوية لقدام والاقي أبوك ولا أخوك داخلين عليا من غير ما يخبطوا كمان مهو بناقص
فتح عيناه دفعة واحدة ورمقها بنظرة مرعبة ثم استقام واقف&;ا يصيح بها بصوت رجولي مهيب:
_ اقفلي خشمك ده بدل ما اقفلهولك أنا بطريقتي&; معندناش رچالة تدخل على حريم أوض ومحدش يتچرأ يعملها&; وأنا ادخل وقت ما أعوز وأخرچ بمزاچي مش هتقوليلي ادخل واطلع ميتا فاهمة ولا لا
رغم خوفها المعتاد منه إلا أنها أبت الظهور بضعف أمامه وقالت بنظرة متحدية:
_ هعمل نفسي فاهمة المرة دي ياعمران وهسكت بس المرة الچاية متنتظرش مني نفس الهدوء ده
رأت في عيناه نظرة قذفت الرعب بقلبها ولوهلة شعرت بالندم على ما تفوهت به فتقهقهرت للخلف باضطراب عندما وجدته يتقدم منها بخطواته الواثقة&; لكن حركتها توقفت عندما اصطدمت بالحائط ورفعت نظرها لأعلى قليل&;ا بسبب فرق الطول بينهم تنظر له وهو يهمس بغيظ مكتوم:
_ أنا امبارح سكتلك وكنت هادي عشان قولت تعبانة بس دلوك شكلك خفيتي وبقيتي كيف الحصان ولسانك رچع يطول من تاني&; إيه رأيك نرجچ نقصه من جديد&;!
ارتبكت من قربه وأشاحت بوجهها عنه ليس خوف&;ا بقدر ما هو توتر&;ا لتقول بخنق:
_ بعد عني
عمران بنظرات ثاقبة عليها:
_ مش لما تچاوبي على سؤالي الأول!
زاد توترها مما جلعها تغضب من نفسها أكثر مما هي غاضبة منه وصاحت به:
_ قولتلك بعد.. أنا مش خايفة منك وأنت مهتقدرش تعملي حاچة
خرج صوته خافت&;ا لكنه مرعب وهو يقول بسخرية بعدما كررت نفس الخطأ للمرة الثانية وبنفس الوقت:
_ تاني!!!
أدركت خطأ تصرفها فتأففت بعدم حيلة وأجفلت نظرها عنه بخوف بسيط لتقول بعدها مستسلمة له:
_ أنت عاوز إيه دلوك يعني&;
لم يجيبها وكان يطالعها بثبات مريب وقوة تليق به فخرت هي خاضعة وقالت مغلوبة عندما وجدت نفسها لم تعد قادرة على التحكم بتوترها من قربه:
_ خلاص ياعمران مش هعلي حسي عليك تاني.. بعد عاد
ابتسم ساخر&;ا عليها وردها الأخير كان كافي&;ا بالنسبة له حيث ابتعد عنها واتجه للحمام لكي يأخذ حمام&;ا دافيء قبل أن ينزل لتناول طعام الغذاء&; ليتركها متصلبة بأرضها دون حركة تعلق نظرها على الحمام بصمت وسط مشاعرها المتضاربة ما بين النقم والغضب والحيرة لتوترها الذي لا تفسير له.
***
شهقت عفاف برعب وراحت تلطم على وجهها منصدمة عندما رأت جرح ابنها وانهمرت دموعها بغزارة دون توقف بينما بلال فحاول تهدأتها هاتف&;ا:
_ ياما اهدى أنا زين الحمدلله والله
قالت عفاف بين بكائها بزعر:
_ اهدى كيف ده كان عاوز يقتلك ياولدي.. ربنا ينتقم منه
كان إبراهيم صامت&;ا يتطلع بابنه في قلق وبنفس اللحظة الغضب يستحوذه بعدما سرد لهم القصة منذ بدايتها&; فقال إبراهيم يعاتب ابنه بدافع خوفه عليه:
_ وأنت إيه اللي دخلك بينهم من الأول أساس&;ا
نظر بلال لوالده وقال بسخط ونبرة رجولية:
_ كيف يعني إيه دخلني يابوي.. كنت هقف اتفرچ عليه مثل&;ا ولا إيه!!
مسح إبراهيم على وجهه وهو يتأفف بانفعال هادر ودمائه تغلي في عروقه ليهتف بنبرة تحمل الوعيد الحقيقي:
_ الواد ده هيتربى زين مبقاش أنا إبراهيم الصاوي أما ربيته هو وناسه كلهم
ابتسم بلال وقال بعين تلمع بالشر والانتقام:
_ مسيره يطلع من السچن ولما يطلع هيقع تحت يدي
صاحت عفاف مرتعدة تحذر ابنها بغضب:
_ ملكش صالح بيه الواد ده تاني يابلال أوعاك تقرب منه.. أبوك هو هياخدلك حقك منه
اشتعلت نظراته وأجاب على أمه منزعج&;ا:
_ ليه شيفاني حرمة عشان أخاف ومعرفش آخد حقي بيدي.. لو فضل في السچن ومطلعش يبقى اتكتبله عمر چديد
ابتسم إبراهيم بفخر وإعجاب بابنه ثم اقترب منه ورتب على كتفه بقوة هاتف&;ا في غلظة:
_ راچل ياولدي.. بس برضك متعملش حاچة من غير ما ترچعلي وخد بالك من نفسك
لم يجيب على أبيه وللحظة تقوست ملامح وجهه بألم ورجع برأسه للخلف متأوه&;ا بصوت منخفض فقالت عفاف بقلق:
_ مالك يابلال&;!
قال بصوت موجوع:
_ الچرح شادد عليا ياما.. سيبوني أنام وارتاح شوية معلش
استقامت واقفة وانحنت عليه تقبل شعره بحنو متمتم&;ا:
_ طيب ياحبيبي هنسيبك ترتاح ولو عوزت حاچة انده عليا وهچيلك طوالي
أماء لها بالموافقة دون أن يتحدث فاستدارت هي وغادرت الغرفة مع إبراهيم ليتركوه ينعم بالقليل من الراحة بعيد&;ا عن التوتر والإنفعال...
***
ارتدت عباءة منزلية باللون الأصفر ولفت حجابها الأبيض فوق شعرها ثم خرجت من الغرفة تتبع خطواته إلى الأسفل لكي يتناولوا طعام الغذاء&; لا تعلم كيف ستجلس مع هذه العائلة على طاولة طعام واحدة ولكنها مجبرة لتحمل ذلك الوضع طالما تزوجت من ابنهم ستتحملهم رغم&;ا عنها&; كانت تنزل درجات السلم خلفه وهي تدعي ربها أن لا يثير جنونها ويستفزها أحد بالأسفل وإلا ستحرقهم جميعهم.
وصلت للطابق الأرضي ورأت الجميع ملتف حول طاولة الطعام يتناولون طعامهم بسكون دون أي محادثات جانبية بينهم.. لكنهم توقفوا عن الأكل فور رؤيتهم لها وهي تتبع عمران في خطواته&; كانت أعينهم ثاقبة تخترقها بصمت بينما هي فكانت تتطلعهم بكل تيه وقوة حتى وصلت أمام الطاولة ورأت عمران وهو يسحب مقعده ويجلس لكنها بقت واقفة ترمقهم بنظرات تملأها النقم.
التفت برأسه باتجاه المقعد المجاور له وعندما وجد المقعد فارغ ولم تجلس حتى الآن رفع رأسه لها ورمقها بنظرة حادة تحمل إشارات إنذار لم يفهمها سواهم فأطبقت على أسنانها غيظ&;ا دون أن تظهرها ثم جلست بجواره تمتثل لأوامره التي أرسلها بمجرد نظرة وتصنعت الهدوء المزيف على عكس ثورانها الداخلي&; بينما عمران فأبعد نظره عنها عندما جلست وبدأ بتناول طعامه وكذلك الجميع أكملوا على عكسها هي التي كانت تجلس دون حركة ولا تضع لقمة بفمها فقط تتنقل بنظراتها الحاقدة عليهم وهم يأكلون.. بعضهم كان لا يطيق وجودها والبعض الآخر لا يهتم أساس&;ا بينما كان هناك ما يستمتع ويتشفى بها ويعجبه ذلك الوضع كثير&;ا ولم يكن هذا الشخص سوى عفاف.
قطع الصمت صوت عمران وهو يسأل أبيه باهتمام:
_ بلال عامل إيه دلوك&;
تنهد إبراهيم وقال بخنق:
_ نايم سيبناه يرتاح شوية
أماء رأسه بتفهم فأكمل إبراهيم بجدية وغضب:
_ بعد الوكل نبقى نتكلم في الموضوع ده ياعمران
عمران بموافقة وهدوء وهو يمضع الطعام الذي بفهمه:
_ ماشي يابوي
ابتلع الطعام ثم التفت بجواره تجاهها فوجدها ساكنة لا تمد يديها للطعام أمامها فمال عليها وهمس بالقرب من أذنها بلهجة آمرة:
_ ك&;لي!
رمقته بامتعاض وقالت هامسة:
_ مش عاوزة
استقرت في سوداويته نظرة غاضبة فزفرت هي بخنق ونظرت لصحن الطعام الذي أمامها وبدأت تأكل بعدم رغبة فقط تنفيذ لأوامره حتى لا ينالها بطشه حين يختليا بغرفتهم.
خرج صوت عفاف وهي تنظر لآسيا بمكر هاتفة:
_ ألا صحيح هي الحچة چليلة مچاتش تطمن على بتها لغاية دلوك ليه&;
رفعت آسيا نظرها وطالعت عفاف بشراسة فهذا ما كانت تخشاه وها هي تعبث بزمام هدوءها المزيف&; وكأنها لم تكتفي فتابعت باسمة:
_ ده حتى چلال محدش شافه واصل!
حاولت كبح نفسها عن الرد والصمت لكنها فشلت لتقول لها وهي تبتسم ببرود:
_ يمكن عشان محدش منهم رچله بتعتب بيت إبراهيم الصاوي مثل&;ا
اتسعت ابتسامتها وقالت بتشفي وخبث:
_ بس أنتي رچلك عتبته أهو وقاعدة وسطينا وكمان متچوزة واد إبراهيم الصاوي
احتقن وجه آسيا بالدماء وأصبحت عيناها حمراء من فرط الغضب أما إخلاص فكانت تتابع ما يحدث وهي مبتسمة بسعادة وتشفي في زوجة أبنها.. لكن عفاف لم تكتفي والقت بورقتها الرابحة الأخيرة وهي تقول بسخرية ضاحكة:
_ دول كأنهم ما صدقوا خلصوا منك ورموكي.. الله أعلم عملتي إيه يابت خليل عـ......
منعها من استرسال حديثها صوت عمران المخيف فهو كان يتابع ما يحدث منذ البداية بصمت وينتظر من زوجة أبيه أن تتوقف احترام&;ا لوجوده لكنها تابعت غير متكرثة:
_ مش بزيادة ولا إيه يامرت أبوي.. المفروض تعملي حساب لوچودي
دارت آسيا بنظراتها عليهم كلهم وهي تتوعد لهم&; كانت تشتعل من الداخل ولو بقت أكثر من ذلك ستحترق وتحرقهم معها&; فهبت واقفة من مقعدها واستدارت تتجه للدرج قاصدة غرفتها بالأعلى.
خرج صوت عمران الرجولي بغضب ولهجة محذرة يوجهها للجميع ليس لزوجة أبيه فقط:
_ مشاكلنا مع ناس خليل صفوان في كفة وچوازي من آسيا في كفة تاني.. هي دلوك مرتي واللي هيقلل منها كأنه بيقلل مني أنا وخصوص&;ا لو قصادي.. ياريت اللي ح&;صل ده ميتكررش تاني عشان المرة الچاية مش هكون هادي كيف ما أنا دلوك
انهى كلماته واستقام واقف&;ا فنظرت له إخلاص وقالت:
_ كمل وكلك ياولدي!
أجاب على أمه بنبرة خشنة:
_ شبعت
كانت آسيا تقف على الدرج بتلك اللحظة متخفية عن أنظارهم وعيناهم غارقة بدموع القهر ومسحت دمعة متمردة سقطت فوق وجنتيها بعدما سمعت ما قاله لهم وسرعان ما اسرعت تخطو فوق درجات السلم شبه راكضة عندما سمعت رده الأخير على أمه وعرفت أنه سيصعد للأعلى حيث غرفتهم.
أما بالأسفل فقد تحدث إبراهيم بغضب بعد رحيل ابنه وهو يوجه حديثه بالأخص لزوجته هذه المرة:
_ عمران عنده حق&; معدش له لزمة الحديت في الكلام ده خلاص بقت واحدة منينا والكل غصبن عنه هيحترمها كيف البقية&; سامعة ياعفاف!
لوت عفاف فمها بخنق واستهزاء ثم أكملت طعامها بصمت اما إخلاص فكانت نظراتها المغتاظة عالقة على الدرج تفكر في ابنها الذي لحق بزوجته.. أما عبد العزيز فكان صمته هو رده على ما يحدث ولم يرغب في التدخل على عكس بشار الذي كان يتطلع لزوجة عمه بانزعاج بسيط من تصرفها الغير لائق.
***
داخل منزل خليل صفوان......
كان جلال قد انتهى من تبديل ملابسه وبطريقه للخارج حيث غرفة جده ليتحدث معه في أمر مهم يخص العمل&; لكنه توقف عندما دخلت أمه عليه الغرفة واقتربت منه تهتف باسمة:
_ كيفك ياحبيبي &;
جلال بهدوء وابتسامة تكاد تكون لا تظهر من الأساس:
_زين الحمدلله ياما
وقفت جليلة أمامه مباشرة وقالت بحماس وابتسامة ماكرة:
_خلاص قريب أن شاء الله والحزن والضيق ده كله يهملك وكمان تنسى بت إبراهيم دي وتطلقها.. لما مرتك الجديدة تاخد عقلك وقلبك وتنسيك كل حاجة
ضيق عيناه باستغراب على أثر نطقها لعبارة زوجتة الجديدة فأكملت هي ببساطة تشرح له الأمر:
_ أنا اتكلمت مع أمها من يومين والنهاردة الصبح قالتلي أن العروسة موافقة وانهم موافقين وهيستنونا الليلة عشان نروح نتقدم ونطلب يدها ونتفق على كل حاچة قبل الچواز
زفر الصعداء ببطء وقال ساخر&;ا:
_ شايفك مبتضعيش فرصة ياما
قالت جليلة بحزم وسعادة:
_ واضيعها كيف ده أنا م&;نى عيني أچوزك العروسة اللي أنا اختارهالك بنفسي لكن فريال أنا مكنتش موافقة عليها ولا عچباني من البداية وسكت عشان أنت بتحبها بس أديك شوفت عملت إيه
تأفف بخنق ومرارة على أثر ذكرها لفريال وهجرها له ليقول بنبرة صلبة:
_ خلاص ياما بزيادة قفلي على الموضوع ده ومتفتحهوش قصادي تاني.. أديني هتچوز واللي أنتي عاوزاه هيتم
هزت رأسها بالموافقة بعين لامعة وقالت بحنو:
_ حاضر ياغالي&; چهز حالك أنت عاد بليل عشان هنروح بعد العشا
هز لها بالإيجاب وابتعد من أمامها يغادر الغرفة ليتركها تبتسم بسعادة لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها عندما خطرت صورة ابنتها على عقلها.. ليتها جهزت هي أيض&;ا لزواجها وأخذت بيدها هي وشقيقها ليضعوها بمنزل زوجها&; مازالت تتذكر وعودها هي وزوجها عندما كانوا يخططون لتجهيز ابنتهم من كل شيء وينون لها الزواج من رجل يليق بها وتستحقه لكنها دمرت كل شيء بفعلتها الدنيئة&; ذاقت الإنكسار مرة عندما ق&;تل زوجها والمرة الثانية بسبب ابنتها.
فشلت في التحكم بمشاعرها فمهما فعلت ستظل أم وقلبها لا يطاوعها على ابنتها.. اندفعت لخارج الغرفة واتجهت نحو غرفة أحفادها وفتحت الباب فوجدت معاذ يجلس على فراشه يذاكر دروسه&; اقتربت منه وجلست بجواره ثم انحنت عليه ولثمت شعره بحنو متمتمة:
_ چدع ياولدي بتذاكر لحالك
ابتسم لها وقال بتلقائية طفولية:
_ أيوة ياستي أساس&;ا الدرس ده ساهل ولما بيكون درس صعب بروح لأمي وأخليها تذاكرهولي أو أبوي بيساعدني
حافظت جليلة على ابتسامتها بصعوبة نتيجة لحزنها ثم سألت حفيدها بترقب:
_ أنتوا مرحتوش لأمكم النهادرة ولا إيه يامعاذ&;
_ لا روحنا أنا وعمار واحنا راچعين من المدرسة
هزت جليلة رأسها بتفهم ثم سألت باهتمام:
_ هتروحوا ليها ميتا تاني&;!
هتف الطفل بكل عفوية دون أن يدرك ما يدور بذهن جدته وراء اسألتها هذه:
_ بكرا احنا بنروح كل يوم نقعد معاها شوية وبعدين بنمشي
سألت بوضوح وعين حزينة:
_ طيب مبتشفوش عمتكم&;
أدرك أنها تقصد عمته آسيا فقال وهو يهز رأسه بالنفي في عبوس:
_ لا هي علطول قاعدة في أوضة خالي عمران مبتطلعش منها.. ومحدش بيدخل عندها
أصابها القلق عليها فقالت بهمس ونبرة منذرة:
_ طيب بكرا لما تروحوا لأمكم ابقى عدى على عمتك واطمن عليها يعني شوفها كيفها وبتعمل إيه بس أوعاك تقولها أن أنا اللي بعتاك فاهم ومتچبش سيرة لحد كمان على اللي قلتوهلك ده
رغم أنه لا يفهم سبب تحذير جدته له إلا أنه امتثل لأوامرها وقال دون نقاش بإطاعة:
_ حاضر ياستي
ابتسمت وانحنت عليه تقبل شعره مرة أخرى ثم استقامت واقفة ومسحت على كتفه بلطف هاتفة:
_ كمل مذاكرتك يلا
***
دخل الغرفة فوجدها تجلس فوق الفراش وتولى ظهرها للباب.. هادئة وساكنة بشكل مريب فقد كان يتوقع أنها ستثور فور وصوله وتفرغ كل ما تحمله نفسها من غضب وبغض لكنها لم تفعل.
تحرك نحوها والتفت حول الفراش ليصبح في مواجهتها يتطلع لوجهها الخالي من التعابير وهي تتفادى النظر إليه عمد&;ا ليتنهد بخنق ويقول بهدوء لكن نبرته قوية:
_ لما تحصل حاچة زي إكده تاني وأكون موچود مترديش
نظرت له بعين مشتعلة ثم قالت باسمة بسخرية وغيظ:
_ أنت تؤمر وعشان عيونك كمان هما يغلطوا فيا وأنا هقوم احب على راسهم واعتذر منهم كمان
أصبح صوته أكثر حدة وبدأت بشائر الغضب تلوح عليه بعد سخريتها ليقول:
_ وأنا مقولتلكيش أعملي إكده ومهخلكيش تعمليها أساس&;ا.. بس لما أكون موچود مترديش هتقللي من نفسك ومني لكن أنتي وهي بتردوا على بعض وناقص بس تقوموا تمسكوا في شعور بعض قصادي
ابتسمت وقالت بعين تلمع بوميض الشر الذي يليق بها:
_ لا وأنت الصادق أنا كنت هقوم امسك في زمارة رقبتها بيدي.. أنا مبسكتش عن حقي ولو سكت المرة دي فعشان دي أول مرة لكن اقسم بالله لو حد حاول يدوسلي على طرف تاني لأعرفه مقامه زين
صاح بها بغضب حقيقي ولهجة مهيبة:
_ محدش داسلك على طرف ومحدش يقدر يا آسيا&; أنا موچود وعارف كيف هوقف كل واحد عند حده زين&; وأنتي تسمعي الكلام ومتقاوحيش معايا
نهضت من الفراش وتوقفت على قدميها أمامه مباشرة ثم رفعت رأسها وتطلعت بعيناه السوداء في صلابة واستنكار هامسة:
_ أنت تؤمر يامعلم عمران.. لو عاوزاني متنفسش كمان قولي
صر على أسنانه بغيظ مكتوم يحاول كبحهه عنها ثم انحنى على عليها حتى أصبحت أنفاسه الملتهبة تلفح صفحة وجهها الناعمة وهو يقول:
_ لو عرفتي أنا عاوز إيه دلوك مظنش هتقفي قصادي بكل الشچاعة دي
كان لديه حضور طاغي لا تعرف هل تخاف من تحذرياته لها وجموحه أم مجرد هيئته الطاغية حين يشرف عليها ويقترب منها هي ما تخيفها وتقلقها.. فابتعدت عنه وارتدت للخلف بقلق دون أن تتفوه ببنت شفة فينتصب هو في وقفته ويقول بخنق:
_ اقفلي البلكونة والستاير دي
التفتت برأسها تجاه الشرفة ثم عادت له وقالت بعدم فهم:
_ ليه&;!
رفع حاجبه مستنكر&;ا سؤالها وقال بجدية:
_ عاوز اريح وأنام شوية قبل ما اصحى وامشي على الشغل
تبدلت ملامح وجهها للهدوء بعدما فهمت أسبابه وبالفعل استدارت وسارت نحو الشرفة تغلقها جيد&;ا وكذلك الستائر فأظلمت الغرفة ولم يصبح بها سوى ضوء ذهبي هاديء&; وعندما استدارت له وجدته يمسك بجهاز التحكم الخاص بالمكيف الكهربائي وقام بتشغيله ثم تركه على سطح الكومود الصغير المجاور له وتسطح بجسده على الفراش مغمض&;ا عيناه&; فبقت هي مكانها تتمعنه وتتمعن الأجواء الهادئة من حولها وبالأخير زفرت بسأم وجلست فوق مقعدها العريض ترفع قدميها ايض&;ا لتجلس بوضيعة اقرب لوضعية الجنين فوق المقعد وعيناها عالقة على الفراغ بشرود ولم تمر سوى دقائق قصيرة حتى انتابها النعاس بسبب الأجواء المريحة للأعصاب فأغلقت عيناها ببطء غارقة في سبات عميق.
لم يكن هو غط في سباته حتى الآن وكان يتململ في فراشه محاول&;ا النوم وحين فتح عيناه بلحظة عابرة لمحها وهي نائمة فوق المقعد كالطفل الصغير هو حتى لا يفهم كيف تحمل&;ها المقعد وشكلت جسدها لتجلس فوقه بهذه الوضيعة الطفولية.. فتأفف بقوة واستقام واقف&;ا يتقدم إليها ثم انحنى عليها بجزعة للأمام وحملها فوق ذراعيه متجه&;ا بها نحو الفراش&; بينما هي فكأنها كانت تبحث عن جسم دافيء بعد شعورها بالبرودة بسبب المكيف وحين حملها دفنت رأسها بصدره وضمت ذراعيها تدفنهم بين صدرها وبين صدره فنظر هو لها متعجب&;ا من تصرفها حتى لو كانت نائمة ولا تشعر بشيء لكن هدوءها واستسلامها بين ذراعيه وهي كالطفل الوديع أصابه ببعض الحيرة ليهمس في خنق وهو يضعها فوق الفراش:
_ ماله لو تبقي إكده دايم&;ا وتريحيني من حرقة الدم اللي كل يوم بشوفها بسببك !!
ثم انتصب في وقفته بعدما تركها وأكمل بانزعاج:
_ أنا اللي چبته لنفسي معرفش إيه اللي خلاني أوافق من الأساس
ثم جذب الغطاء ودثرها به والتقط جهاز التحكم الخاص بالمكيف ليخفض درجة البرودة قليل&;ا ويعود للفراش من جديد يتمدد فوقه على الجانب الآخر منه ويغلق عيناه محاول&;ا النوم للمرة الثانية .
***
بتمام الساعة السابعة مساء&;ا......
كانت فريال في طريق عودتها للمنزل بعدما انتهت من شراء بعض مستلزماتها الشخصية ومرت من أمام منزل زوجها بالصدفة&; كانت ستكمل طريقها بطبيعية لكنها تسمرت حين رأته يخرج من المنزل وهو يرتدي جلبابه الأسود المفضل لديها وفوقه عباءته البنية مما زاده وقار وهيبة للحظة ابتسمت بحب وشوق لكن اختفت ابتسامتها وحل محلها التعجب عندما رأت أمه تخرج خلفه ومن ثم تبعها الجد حمزة وعمه منصور وتوجهوا جميعهم نحو سيارته يستقلوا بها فتساءلت بحيرة بينها وبين نفسها "إلى أين يذهبون ياترى" وفجأة وجدته ينظر لها قبل أن يستقل هو بمقعده المخصص للقيادة لوهلة لمعت عيناها بأمل وابتسمت لكن نظرته الجافة وملامح وجهه الخالية من المشاعر التي جسدها بمهارة فقط لكي يؤلمها كما فعلت&; اطفأت بريق الأمل في عيناها وظهر العبوس واليأس فوق معالمها لتظل متسمرة مكانها تتابعه وهو يصعد بسيارته وينطلق بها.
امتلأت عيناها بالدموع فاسرعت واستدارت تسير مسرعة نحو منزل والدها وهي تخفي وجهها عن جميع المارة بالشارع حتى لا يلاحظ أحدهم دموعها.. وفور دخولها لمنزل والدها اندفعت للأعلى وهي تركض وسط بكائها لكن اوقفتها أمها التي قالت مزعورة:
_ مالك يافريال إيه حصلك
انتشلت ذراعها من قبضة أمها وقالت بصوت مبحوح:
_ مليش ياما همليني لحالي
أنهت عبارتها وصعدت الدرج شبه ركض&;ا غير مكترثة بصيحة أمها التي تقول بقلق:
_ بت يافريال
كانت تسرع في خطاها نحو غرفتها وهي تتمالك نفسها بصعوبة حتى لا تنهار بمنتصف الطريق وفور دخولها لغرفتها أغلقت الباب خلفها وألقت بجسدها فوق الفراش تخرج كل ما تحمله نفسها من مرارة وألم وشوق.. بكت بعنف كأنها آخر مرة&; كان صوت نحيبها مرتفع ولحسن حظها أنه لم يمر أحد بجانب غرفتها وإلا كان سمع صوتها المرتفع.
***
داخل غرفة عمران كانت آسيا تقف أمام الخزانة وأخير&;ا بدأت بوضع ملابسها بالخزانة فمنذ زواجها ومجيئها لذلك المنزل وهي لم تفرغ حقيبتها أمل&;ا منها أن تستطيع الهروب يوم&;ا ما وتنقذ نفسها من ذلك الجحيم&; لكن مؤخر&;ا أدركت أن لا سبيل أمامها للتخلص لا من ذلك المنزل ولا حتى من زوجها وهي مجبرة على تقبل واقعها المرير والتعايش معه رغم&;ا عنها.. ما حدث معها لم يكن سهل&;ا لتتحمله أي فتاة حتى لو كانت بقوتها لكنها صمدت بوجه جميع الظروف ومازالت تتنفس&; وعلى العكس تمام&;ا ما صابها زادها بأس&;ا وقسوة حتى لو كانت تحاول تدارك نفسها حتى الآن واستعادة تلك القوة إلا أنها ستعود بقوة لهم جميعهم وفي المقدمة ستكون ابنة عمها.
فتحت خزانة عمران بالخطأ وتطلعت للحظة بها وبملابسه وكانت على وشك أن تغلقها مجدد&;ا لكنها لمحت شيء أسود أسفل الملابس فضيقت عيناها بتعجب ومدت يدها أسفل ملابسه وإذا بها تمسك بسلاح&; أخرجته وقلبته أمام نظرها وهي تتطلع به بتدقيق فسمعت صوت شيطاني بداخلها يخبرها أن تخفيه معها علها تحتاجه بيوم&; ولم تتردد للحظة في إتباع ذلك الصوت حيث تلفتت حولها وهي تبحث بنظرها عن مكان تخفيه به وحين وقع نظرها على الفراش أسرعت ورفعت جزء من المرتبة ووضعته أسفلها لكنها انتفضت بفزع عندما سمعت صوته الغليظ من خلفها يقول:
_بتعملي إيه&;!
............. نهاية الفصل........
&;
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى محمود توفيق
انتصبت في وقفتها وسحبت يدها من أسفل الفراش بسرعة ثم استدرت له بوجه مفزوع، وحين رأته يتطلعها بنظرة ثاقبة ينتظر منها إجابة، بالأخص بعدما رأى حالتها المريبة، ازدردت هي ريقها بتوتر وقالت بثبات مزيف:
_ كنت بعدل ملاية السرير.
رغم أنه لم يقتنع بما فيه الكفاية، إلا أنه قرر تجاهل ذلك الشعور ولم يعقب عليها. ثم دخل وأغلق الباب جيدًا، ليقترب من الفراش ويضع يده في جيب جلبابه ليخرج هاتفه ومفاتيح سيارته ومحفظته الصغيرة، ثم وضعهم فوق طاولة الإدراج المجاورة للفراش. وكانت هي تتابعه بصمت تفكر فيما تريد أن تخبره به، لكن التردد يستحوذها. ورغم أنها تتوقع ردة فعله وإجابته، إلا أنها رغبت في التجربة، حيث قالت له بصوت هادئ:
_ أنا عاوزة أروح الصيدلية أجيب كام حاجة.
التفت لها برأسه ورمقها بقوة للحظات قبل أن يسأل بصلابة:
_ حجات إيه دي؟
لم تجب وبقت تحدقه بصمت دون رد. فتنهد هو وقال بحزم:
_ قولي اللي عايزاه وهجبهولك.
هزت رأسها بالرفض وهمست في صوت منخفض يغلفه الخجل دون أن تنظر له:
_ لا مش هينفع، دي حجات لازم أجيبها أنا بنفسي.
فهم ما تلمح إليه عندما رأى خجلها ونظراتها الزائغة، فمسح على وجهه متأففًا وقال مغلوبًا:
_ طيب روحي البسي يلا.
لم تكن تتوقع أن يوافق على خروجها من الأساس. وعندما سمعته يتفوه بتلك العبارة، طالعته ببعض الدهشة وهمت بالاستدارة لترتدي ملابسها وحجابها، لكنها توقفت ونظرت له تسأله بترقب:
_ أنت هتيجي معايا؟
رفع حاجبه يستنكر سؤالها ليقول بصوت غليظ:
_ أمال هتنزلي وحدك في نص الليالي دلوقت.
لوت فمها بيأس واستدارت لتتجه نحو الخزانة تخرج عباءة سوداء وفضفاضة، ثم سارت نحو الحمام وتوارت داخله لدقائق معدودة. ثم خرجت بعدما ارتدت ملابسها ووقفت أمام المرآة تلف حجابها بدقة. وعند انتهائها، تلفتت حولها بالغرفة لم تجده، لكن استقرت عيناها بالشرفة فرأته يقف بها. لتقول بنبرة مرتفعة بعض الشيء:
_ أنا خلصت.
انتبه لصوتها فتحرك وخرج من الشرفة، ثم تقدم هو قبلها للخارج وتبعته بخطواتها الهادئة وهي شاردة الذهن تفكر فيما تنوي فعله. رغم أن هناك صوتًا يحاول ردعها ويصرخ عليها "لا تفعلي ستكونين الخاسرة"، لكن شوقها وروحها المتخبطة تسعى لرؤية نعيمها حتى لو لمجرد دقائق قصيرة.
رغم أن خطواته كانت أسرع منها، لكنها كانت تحاول السير على خطاه وعيناها تتجول حولها تتمعن بكل شيء كأنها قضت سنوات دون أن ترى النور. وعند وصولهم أمام الصيدلية، توقف هو أمام الباب ودخلت هي لتشتري ما تريده. وبعد انتهائها وهي تنتظر الطبيب الصيدلي أن ينتهي من الحساب، تذكرت أنها لا تملك المال. فاتسعت عيناها بصدمة ولم تلبث للحظة أخرى لكي تفكر فيما ستفعله، فوجدته ينضم ويقف بجوارها ثم يخرج المال من جيبه ويدفع الحساب كاملًا. شعرت بالخنق، فلو كانت تذكرت أنها لا تملك المال، لكانت وجدت حجة أخرى للخروج.
حملت الكيس بيدها وسارت للخارج تتبعه في خطواته، لكنها توقفت عندما أصبحوا بالمنتصف بين الشارع الذي يؤدي لمنزل زوجها والشارع الذي سيقودها لمنزل والدها. وقالت بخفوت:
_ عمران.
توقف والتفت لها متعجبًا. فاقتربت هي ووقفت أمامه تهتف بنبرة صوت غريبة:
_ في كام حاجة نسيتهم في بيت أبويا عاوزة أروح أجيبهم.
رفع حاجبه وقال بقوة:
_ تروحي تجيبيهم كيف يعني؟
ردت بصوت مكتوم ومختلف عليها:
_ أنا معايا المفتاح ومحدش هيكون صاحي دلوقت، كلهم نايمين. هدخل أجيب حاجتي من أوضتي وهطلع طوالي.
طالت نظرته الحادة لها ليقول في الأخير بغلظة:
_ يبقى أنتي من الأول كان في نيتك تطلعي عشان تروحي مش تشتري حجات كيف ما قولتي.
التزمت الصمت كرد بالإيجاب على عبارته. وكان هو سيجيبها بالرفض، فهذا ليس الوقت المناسب لتذهب لمنزل أبيها بعدما حدث، وقد تحدث مشكلة إذا رآها أحد. لكن النظرة الضائعة التي بعينيها ومعالم وجهها الذابلة، حتى روحها المهشمة، أحس بها. أشفق عليها لأول مرة ووجد نفسه يشير لها بيده على طريق منزل والدها باستسلام. لمعت عيناها وتراقص قلبها فرحًا بموافقته، لكنها أخفت ذلك الشعور ورسمت الجمود فوق معالم وجهها. إلا أن تصرفها التلقائي عندما سبقته بخطواتها كشف حماسها وفرحتها.
وصلا أمام الباب ووقفت ترفع رأسها للأعلى تلقي نظرة مريرة على المنزل. ثم دست يدها في حقيبتها الصغيرة وأخرجت المفتاح لتضعه في قفل باب المنزل بحذر وتفتحه بكل بطء. دفعت الباب بيدها وتسمرت دون أن تتمكن من عبور عتبة الباب بقدمها، ومر من أمام عينيها شريط مأساتها الأخيرة وهي تغادر بحقيبة ملابسها دون أن يودعها أحد منهم بنظراته حتى. تلألأت العبرات في عينيها وخشت أن تنهار أمامه باكية، فأسرعت وخطت أولى خطواتها للداخل. لكن أوقفها بنبرته الحازمة وهو يأمرها بنظرة تعلم عواقبها جيدًا:
_ متتأخريش.
لم تعترض ولم تبدي أي رد فعل معاكس، بل هزت رأسها له بالموافقة في إطاعة كاملة ودخلت، ثم أغلقت الباب ليبتعد هو ويقف على مسافة بعيدة قليلًا ينتظرها.
كان الصمت المخيف يهيمن على المنزل بأكمله وبعض الأجزاء كانت مظلمة والأنوار مغلقة. فقادت هي خطواتها المتأنية نحو الدرج تصعد درجاته ببطء وعيناها غارقة بالدموع، حتى أن دموعها توالت في الانهمار قبل وصولها لغرفتها.
فتحت باب غرفتها ودخلت ثم أغلقت الباب خلفها وتصلبت مكانها عندما استقرت عيناها على بقعة صغيرة بإحدى الأركان وتذكرت كيف كانت تلوذ إليها هربًا من بطش عمها وشقيقها وهم يعاقبوها كالمذنبين. توسلت لهم وهي تصرخ بعجز، لكن صوتها لم يصل لآذانهم التي أصمها الغضب. تتذكر كل كلمة وكل فعل وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع بغزارة، حتى أن تلك العبرات تحولت لنحيب قوي وهي تبكي بصوت مرتفع بعدما جثت على الأرض وانخرطت بنوبة بكائها العنيفة التي دامت لدقائق. ثم استجمعت نفسها بصعوبة وحاولت الوقوف على قدميها من جديد لتتحرك نحو خزانتها وتفتحها، ثم تبدأ بأخذ أشياءها الخاصة ومنها ما كان يعود لوالدها وأهداهم لها كذكرى. ثم التفتت فرأت صورتها التي تجمعها مع أبيها فوق الفراش. اقتربت وجذبتها هي الأخرى، ثم غادرت الغرفة بعد انتهائها. وقبل أن تقود خطواتها للدرج لتغادر، توقفت وهي تتلفت حولها على غرفة كل من أمها وشقيقها. ترددت كثيرًا، لكنها استمعت لصوت قلبها بالأخير واقتربت من غرفة أمها أولًا تفتح الباب وتلقي نظرة من الخارج دون أن تدخل. فوجدتها نائمة في فراشها بسبات عميق. فقذفت بذهنها عباراتها الأخيرة "أنا مليش بنات.. بتي ماتت"، "ياكش ربنا ياخد ويريحني منك"، "هيتجوزك وياخدك وتنسينا واصل".
امتلأت عيناها بالعبرات في ألم ومرارة، لكنها أظهرت رباطة جأش وأغلقت الباب مجددًا. ثم غيرت وجهتها تجاه غرفة شقيقها وحين فتحت الباب لم تجده، لكنها سمعت صوت المياه بالحمام. فأغلقت الباب بسرعة خشية من أن يراها وتحركت بعدها للدرج تقصد باب المنزل لتغادر قبل أن يراها أحد. لكن بتلك اللحظات كان منصور بطريق عودته للمنزل. ولحسن الحظ أنه لم يلحظ عمران الذي كان يقف بأحد الجوانب، بينما عمران تأهب واقفًا فور رؤيته له، وعُلقت عيناه على الباب ينتظرها. فلوهلة ندم أنه سمح لها بالقدوم.
فتحت آسيا الباب وخرجت، وبعدما خطت أولى خطواتها خارج المنزل اصطدمت بعمها فتسمرت وارتدت بتلقائية للخلف في اضطراب. بينما منصور فاشتعلت نظراته وصاح بها منفعلًا:
_ بتعملي إيه هنا؟
ابتلعت غصة مريرة في حلقها وردت بثبات مزيف:
_ جيت آخد كام حاجة نسيتها وماشية.
قبض منصور على ذراعها بعنف وصرخ في ابنة أخيه بقسوة:
_ معدش ليكي حاجة هنا بعد عملتك الـ... ورجلك متعتبش هنا تاني وتنسي أن ليكي ناس، فاهمة ولا لا.
غامت عيناها بالعبرات الحارقة وسكنت أمام جموح عمها لا تملك القدرة على المقاومة، بل بدت ضعيفة ومنكسرة كما شعرت بذلك اليوم الذي انهالوا عليها بالضرب.
اندفع عمران نحوهم مسرعًا ووقف حائلًا بين منصور وزوجته ودفع يده بعيدًا عنها ليرمقه بنظرة قاتلة ويقول بصوت يدب الرعب في الأبدان:
_ اوعاك ترفع يدك عليها تاني وخصوصًا لو قصادي يامنصور.
صاب منصور بعض الدهشة على أثر ظهور عمران فجأة، لكنه ابتسم بسخرية على عبارته وقال بغضب:
_ أنا عمها واكسرلها ضلوعها كمان لو عاوز.
التهبت نظرة عمران وقال بخفوت مرعب:
_ ده لما كانت بتكم وفي بيتكم، لكن دلوقتي هي في كنفى.
لم تكن آسيا في حال يسعها للتدخل أو حتى التحدث، فقط كانت تحاول البقاء صامدة وتحدق بعمها في خزي وأسى. توقفت عن عد المرات التي مزقوا شيئًا مختلفًا بقلبها، وبهذا اللحظة عمها مزق شيئًا جديدًا. لكنها لم تجد ملاذًا لها من بطشه وجموحه سوى ظهر زوجها الذي احتمت به حتى لا يلمسها عمها. فسمعت عبارته الأخيرة وهو يقول بقرف وخنق:
_ يبقى خد مراتك من هنا ياواد الصاوي قبل ما أرتكب فيها جريمة.
رفعت آسيا نظرها للأعلى بتلقائية فرأت جلال يقف بشرفة غرفته ويتابع ما يحدث بجمود، حتى أنه يرمقها بغضب ونارية. فأرسلت له بعينيها نظرة كلها خزي وبغض، وربما تلك هي الوهلة الأولى التي يراودها شعور أنها توقفت عن شعورها بالحزن لفراقهم، وربما حتى أصبحت هي الغاضبة والناقمة عليهم.
فأنزلت نظرها لعمها وقالت بجرأة ونظرة كلها وعيد وحرقة:
_ عندك حق ياعمي، أنا معدش ليا مكان هنا ومعدش ليا ناس، عشان ناسي عمرهم ما كانوا هيصدقوا عني حاجة كيف دي. وقريب قوي هتعرفوا الحقيقة، بس وقتها هيكون فات الآوان وهتكون آسيا بتكم ماتت صح.
سكتت للحظة ثم قالت ببسمة شيطانية وعينان تلمعان يوميض مخيف كالساحرات تمامًا:
_ وابقى بلغ سلامي لخلود عشان هي غالية قوي عندي، وقولها قريب هردلها الجميل اللي عملته معايا.
رفعت رأسها مجددًا وألقت نظرة على أخيها ممتلئة بالقوة والشموخ، ثم أنزلتها وابتعدت تسير بخطواتها الثائرة مبتعدة عنهم. وعمران استقرت في عيناه نظرة مرعبة نحو منصور قبل أن يتركه ويسير مبتعد هو الآخر يلحق بآسيا.
على الجانب الآخر داخل إحدى الغرف كانت تجلس منيرة مع شقيقتها ويتحدثون حول حدث الليلة بحماس. لتقول شقيقتها بفرحة:
_ هي دي الرجالة مش اللي كنتي متجوزاه ده.
قالت منيرة بقرف وخنق:
_ قطعت سيرته..
متجبليش سيرته واصل مبطيقش اسمع اسمه حتى
قالت شقيقتها بخبث:
_ كنتي فرحانة ومش طايلاكي الفرحة من وقت ما عرفتي أن چليلة عاوزاكي لولدها وأهم النهاردة كانوا إهنه واتقدموا وكلها أسبوع وتبقى مرته
ابتسمت منيرة بخجل وسعادة وهي تستعيد لحظات من الساعات القليلة السابقة قبل رحيلهم عندما دخلت بيديها حاملة كاسات العصير وانحنت على كل فرد لكي يأخذ كأسه وعند وصولها له راحت تتمعنه بإعجاب رغم أنه كان باردًا ولم ينظر لها حتى إلا أنها فسرت تصرفه بوقار وهيبة منه وسرعان ما أشاحت بنظرها عنه حتى لا يلاحظها أحد.
همست لشقيقته بإعجاب وهي تتغزل به:
_ كله هيبة ورچولة إكده يابت أنا ممصدقاش إني خلاص كلها أيام وأتچوزه
ضحكت شقيقتها وقال بلؤم:
_لا صدقي وچهزي حالك بقى زين في الأسبوع ده.. عشان تاكلي عقله متنسيش أنه لسا مطلقش مرته يعني ممكن ترجع وتاخده منك في أي وقت لو مكنتيش ناصحة وعرفتي تكسبيه وتاخديه في حچرك وتخليه يحبك
ابتسمت منيرة وقالت بشيطانية:
_ فريال مفيش خوف منها دي هبلة ومهتقدرش تاخده مني طالما ضيعته مرة صعب تكسبه تاني.. وهخليه يطلقها كمان اصبري واتفرچي
تبادلت النظرات الماكرة مع شقيقتها وهم يضحكون ثم أكملوا محادثاتهم الليلة وهو يقهقهون بصوت عالي ويتبادلون أطراف الحديث المختلفة.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة ابراهيم وإخلاص........
كانت تجلس بجواره على الفراش فاقتربت منه أكثر وسألته باهتمام حقيقي:
_ صحيح عملت إيه ياحچ مع الواد اللي ضرب بلال؟
قال إبراهيم بهدوء وهو يزم شفتيه بخنق:
_ ناسه كانوا عاوزين يطلعوه بفدية ويدفعولنا عشان نسحب القضية.. بس عمران اتدخل وكل اللي عملوه مچابش نتيچة ويومين ولا حاچة وهيتعرض على النيابة وهنشوف هياخد قد إيه
قالت إخلاص بغضب:
_ ياكش ميطلعش واصل.. امال هو عاوز يأذي شاب كيف الورد وميخدش عقابه
هتف إبراهيم بنزرة مشتعلة:
_بس ناسه مش هيچبوها لبر باينلهم وعاوزين قرصة ودن زينة
توترت وقالت بخوف تنهيه بحزم:
_ ملوش لزمة يا إبراهيم هما لازم هيحاولوا يطلعوا ولدهم وطالما هيتعرض على النيابة خلاص هياخد چزائه مدخلش روحك أنت وعمران في مشاكل بزيادة المصايب اللي احنا فيها أبوس يدك
طالعها مطولًا عندما رأى الارتعاش على وجهها وابتسم لها بحنو ثم فرد ذراعه وضمها لصدره بحنو متمتمًا:
_ متخافيش ياغالية مفيش حاچة.. وبعدين مصايب إيه دي؟
هتفت بغيظ ونقم دون أن تبتعد عن أحضانه:
_ چواز ولدي من بت خليل ده أول مصيبة
ضحك إبراهيم بعدم حيلة وقال متعجبًا:
_ لساتك في الموضوع ده يا إخلاص.. انسى وتقبلي الوضع خلاص ده بدل ما تبقى فرحانة ومستنية تفرحي بولاده كمان
ابتعدت عن صدره هذه المرة وقالت ساخرة بعصبية:
_ افرح ده إيه.. فرحتي لما يطلقها ومعاوزاش ولدي يچيب عيال منها واصل الحرباية دي
رمقها باسمًا وقال بجدية ونظرة تحمل المكر:
_ عمران هو اللي يقول عاوز ولا مش عاوز مش أنتي يا إخلاص
هزت رأسها بالرفض وقالت بإصرار واستياء شديد:
_ ولو بردك مش هسيبلها ولدي
ضحك مغلوبًا ثم استقام واقفًا وهو يقول:
_ هطلع اروح اطمن على بلال وأشوفه بقى كيف
اماءت له بالموافقة مبتسمة ليتجه هو نحو الباب.. وعلى الجانب الآخر كانت عفاف تقف أمام باب غرفتها وعيناها عالقة على غرفة إخلاص وهي تشتعل من فرط الغيظ. لكنها انتفضت مفزوعة عندما سمعت صوت الباب واسرعت لغرفتها تغلق الباب لكن تركت جزءًا منه مفتوحًا وأرسلت منه عيناها للخارج تراقب من الذي خرج من الغرفة وعندما رأت زوجها ابتسمت بمكر واعتدلت في وقفتها ثم فتحت الباب وخرجت وهي تنظر له مبتسمة فرمقها باستغراب واقترب نحوها وهو يقول:
_ في إيه ياعفاف؟
انتظرته حتى وقف أمامها وراحت تبتسم بدلال ولفت ذراعها حول رقبته هاتفة:
_ مفيش حاچة ياحچ بس اتوحشتك
ابعد يديها عن رقبته خشية من يراهم أحد ورمقها بحدة هاتفة:
_ اتحشمي ياولية!
قهقهت بغنج أنثوي وقالت في لؤم:
_ طيب تعالى ياحچ عاوزاك في موضوع مهم
تمتم ببعض الجدية رغم أنه بدأ يلين:
_ رايح اطمن على بلال
ردت بسرعة باسمة:
_ بلال زين وبقى كيف الحصان أنا كنت لسا عنده وسبته عشان ينام
رفع حاجبه لها وابتسم بلؤم مماثل لها فضحكت وجذبته من يده للداخل وأغلقت الباب. بينما إخلاص فكانت تقف على باب غرفتها تتابع ما يحدث وهي تشتعل كجمرة من النيران وحين رأته يدخل معها ويتوارون عن أنظارها شعرت بأنها ستحترق من فرط غيظها فدخلت لغرفتها مجددًا وصفعت الباب بعنف وسط شتمها لعفاف وتعهدها له.
***
كانت آسيا تقوم خطواتها شبه ركضًا فوق الدرج وهو يصعد خلفها بهدوء على عكسها.. وعندما وصلت لغرفتهم فتحت الباب بعنف ودخلت وهي تتنفس بصعوبة ويداها ترتعش من فرط القهر والغضب. دخل عمران خلفها وأغلق الباب ثم قال بسخط ونبرة مريبة:
_ كانت أول وآخر مرة اعملي حسابك رچلك مش هتعتب بيتكم تاني
استدارت له وقالت بمرارة ورباطة جأش:
_ اطمن أنا معدتش هدخل هناك تاني خلاص مكنتش مستنية كلامك.. كنت فاكرة أني ليا مكان في قلوبهم حتى لو صغير لكن طلعت غلطانة وهما نسيوني ومسحوني من حياتهم
تقدم منها ووقف أمامها مباشرة هامسًا بخشونة:
_ أظن دلوك عرفتي أن مكانك إهنه معايا وملكيش مكان تاني
ابتسمت وقالت ساخرة في عينان مظلمة وكأنها مسلوبة الروح:
_ مش هتفرق كتير هناك نهايتي وإهنه چحيمي
انهت عبارتها وتركته لتتجه نحو الشرفة تقف بها لتستنشق بعض الهواء النقي عله يهدأ من نيران صدرها.. بقت واقفة لدقائق طويلة وحين عادت للداخل لم تجده ظنته بالحمام لكن حين اقتربت منه وجدته فارغًا. لم تعقب كثيرًا وتتساءل إلى أين ذهب بل تجاهلت الأمر وبدأت في تبديل ملابسها وعندما انتهت توجهت نحو الفراش وتمددت بجسدها عليه مغلقة عيناها علها تسبح بأحلامها بعيدًا عن واقعها المؤلم.
عاد هو بعد نصف ساعة تقريبًا فقد خرج وذهب للمحزن لكي يطمئن على الأوضاع عندما اتصل أحد العمال وأخبره بأن هناك عطل بالبرادات ويخشى أن تفسد الأسماك.
فتح الباب ودخل فوجدها نائمة بسبات فبدأ في نزع جلبابه عنه ودخل الحمام ليأخذ حمامًا دافئ قبل أن يخلد النوم. خرج بعد دقائق معدودة وهو ممسكًا بمنشفة صغيرة يجفف بها شعره من المياه. استيقظت هي على أثر خطواته وحركته بالغرفة لكنها لم تفتح عيناها بسبب شعورها بالنعاس والخمول الشديد وراحت تكمل نومها مجددًا لكنها فتحت جزء صغير من عيناها لا يرى ولمحته وهو يقترب من المنضدة المجاورة للفراش وتحديدًا لرأسها لكي يلتقط جاهز التحكم بالمكيف. ودون وعي منها مدت يدها ووضعتها فوق كفه الكبير تمنعه من التقاط الجهاز هامسة بصوت ناعس:
_ أنا بردانة
ضيق عيناه بتعجب من عبارتها ويدها الممسكة بيده ودام سكونه لثواني قليلة وهو يتمعن الموقف قبل أن يسحب يده ببطء ويترك جهاز التحكم متراجعًا عن تشغيل المكيف ثم ابتعد والتف حول الفراش من الجهة الأخرى ليتسطح بجسده العريض وقبل أن يغفو مد يده للغطاء ورفعه عليها يدثرها به...
***
بصباح اليوم التالي داخل الجامعة......
مر يومين منذ الحادث ولم تراه بالجامعة أبدًا.. ولا تعرف لماذا علقها لا يتوقف عن التفكير به والقلق عليه. باتت تبحث بوجوه الجميع بحثًا عنه أملًا في أن تراه ويكون عاد مجددًا. قلقها ينهش قلبها نهش ولا تتوقف عن طرح الأسئلة ماذا حدث له بعدما ذهب للمستشفى وماهو حاله الآن.
وسط شرودها انتشلتها صديقتها نور وهي تقول بحيرة:
_ سرحانة في إيه تاني يا حور؟
تطلعت لصديقتها بتردد ورغبت في أن تتشارك معها ما يؤرق عقلها لكنها تعلم أنها لن تسلم منها إذا شكت لمجرد الشك فقط أنها معجبة بذلك الشاب. فأثرت الصمت بالأخير ولم تجيب ولكن الأخرى كانت ذكية وماكرة حيث ابتسمت وقالت بشك:
_ أنتي من ساعة الحادث اللي حصل للولد اللي اسمه بلال ده وأنتي كدا.. مكنتيش بتحبي تقعدي في الكافتريا أصلًا وفجأة ياسبحان الله حبيتها ومش عايزة تقعدي غير فيها.. وطول ما أنتي قاعدة عينك مش ثابتة في مكان واحد وكأنك يعني بتدوري على حد كدا منعرفوش خالص هو اسمه بلال بس
لم تتمكن من حجب ضحكتها على مزحة صديقتها الأخيرة وردت مغلوبة بعدما أدركت أنها كشفت أمرها:
_ أنتي عايزة إيه بقى دلوقتي يانور
لمعت عين نور بخبث وقالت:
_ عايزاكي تكوني جريئة كدا وتقوليلي أيوة أنا قاعدة هنا عشانه
تأففت بنفاذ صبر وقالت ببسمة مستسلمة:
_ أيوة قاعدة هنا عشان مستنية أشوفه وفعلًا بدور عليه ارتحتي كدا
هزت نور رأسها بالإيجاب وهي تضحك بخفة في استمتاع ثم ألقت نظرة على شاب يجلس على مقعد بمفرده يتفحص هاتفه وحين دققت النظر به قالت لحور:
_ هو مش ده صاحبه برضوا وهو اللي راح معاه المستشفى؟
نظرت حور لذلك الشاب الذي تقصده فهزت رأسها وقالت بخفوت:
_ أه هو ليه؟
نظرت لها نور وقالت بجدية:
_ طب ما تروحي اسأليه عليه طالما أنتي مهتمة وقلقانة أوي كدا
اتسعت عين حور بصدمة وقالت برفض قاطع:
_ إيه الهبل ده لا طبعًا مستحيل أعمل كدا.. هو تلاقيه لسا تعبان ولما يخف هيرجع الكلية
قالت نور بغيظ:
_ ولغاية ما يخف احنا هنفضل نقعد في الكافتريا المملة دي بقى بنبص في اللي رايح واللي جاي مستنينه يظهر.. ما تروحي تسألي صاحبه يابنتي وخلصينا
هتفت برفض وأصرار في حدة:
_لا يانور قولتلك مش هسأل حد عايزاني اتفضح وهو يروح يقوله بعدين.. عايزة تروحي تسأليه أنتي روحي
لوحت لها بيدها وقالت في قرف ساخرة:
_ واروح أسأله أنا ليه هو أنا اللي معجبة بصاحبه وقلقانة عليه!
استاءت حور بشدة واشتعلت نظراتها لتستقيم واقفة وتقول بضيق:
_ إيه معجبة دي أنا مقولتلكيش إني معجبة بحد.. أنا بس قلقانة عليه من باب الإنسانية أنا غلطانة إني بتكلم معاكي أصلًا يانور
فغرت نور عيناها بدهشة من انفعال صديقتها التي اندفعت مبتعدة عنها وتركتها.. فهمست لنفسها متعجبة مازحة:
_ إنسانية إيه دي!.. والله ولسا فيكي إنسانية يابلد
جذبت حقيبتها واستقامت واقفة مسرعة تلحق بصديقتها وهي تهتف منادية عليها وسط ضحكها:
_ ياسفيرة الإنسانية استنى!
لم تعيرها حور اهتمام واكتفت بإلقاء نظرة نارية عليها وأكملت طريقها بينما الأخرى فكانت تلحق بها وهي منخرطة في نوبة ضحك عنيفة.
***
قادت إخلاص خطواتها تجاه غرفة الصالون حيث يجلس بشار يتابع بعض أعماله من المنزل بسبب تعبه البسيط.
كانت تحمل له مشروبًا دافئًا ليهدأ من حدة الحمى التي لديه.
وحين دخل ورآها تحمل الصينية وفوقها كوب اليانسون الدافئ وبجواره السكر والمعلقة، ابتسم واستقام واقفًا، ثم أسرع نحوها وحمل عنها الصينية متمتمًا بحب:
_ تسلمي ياما، ربنا يبارك لنا في صحتك.
ابتسمت له بحنو أمومي عندما سمعته يناديها بأمه، ورتبت على كتفه بلطف هاتفة:
_ اشرب وخد العلاج اللي قولتلك عليه يا ولدي عشان الدور ما يزيدش عليك.
أومأ لها بالإيجاب، وسط ابتسامة وجهه الجميلة، وعاد مجددًا يجلس فوق الأريكة، وتبعته هي لتجلس بجواره وتتابعه في صمت للحظات. عندما انتبه لنظراتها، قال بحيرة:
_ في حاجة عايزة تقوليها ولا إيه يا أمي؟
تنحنحت برزانة، ثم قالت في جدية ونظرات دقيقة:
_ آه، كنت عايزة أقولك إيه رأيك أشوف لك عروسة ونخطبك؟ عاوزين نفرح بيك عاد يا بشار.
تجهمت ملامح وجهه، وقال رافضًا بهدوء:
_ مش بفكر دلوقتي في الجواز يا مرت عمي.
عبس وجهها، وقالت في حزن ونظرة ذات معنى:
_ وهتفضل لغاية إمتى مبتفكرش كده يا بشار؟
لم يجيبها، واكتفى بصمته وهو يطالعها باستغراب، لا يفهم ما تلمح إليه، فقالت هي بكل وضوح وحزم:
_ ما تبصليش كده، أنا مربياك مع عمران بعد أمك الغالية الله يرحمها، وعارفة كل حاجة زين. عارفة إن عقلك وقلبك مشغولين برحاب، متحاولش تداري عليا.
أبعد وجهه عنها، يخفي مرارته وضيقه الواضح في عينيه، ليجدها تكمل بحزن ونبرة دافئة كلها حب:
_ أبوك ملوش غيرك، ونفسه يفرح بيك ويشيل عيالك. ليه تضيع روحك عشانها وهي خلاص كلها كام شهر وتتجوز؟ مينفعش تفضل شايلها في قلبك يا بشار.
عاد بوجهه لها، وهتف في خنق وانزعاج:
_ وأنا بحاول أشيلها من قلبي ياما، هعمل إيه أكتر من المحاولة؟
قالت بقوة ونبرة صارمة:
_ تعمل اللي بقولك عليه وتوافق على الجواز. مش هتنساها ولا تعرف تشيلها من قلبك غير لما تخطب وتتجوز وتدي لنفسك فرصة.
طالت نظرته الصامتة لها دون أن يجيب، فسألته هي بترقب:
_ ها، قلت إيه؟ موافق وأبدأ أدور لك على عروسة تليق بيك؟
صمته كان رده للحظات، وهو يحدق بزود عمه، يفكر فيما تقوله. محاصر بين الموافقة والرفض، لكنه بالأخير وجد لسانه يتحدث دون وعي منه ويقول:
_ ماشي، موافق.
تهللت إخلاص، وقالت براحة وهي تربت فوق كتفه بحنو:
_ زين يا ولدي، إن شاء الله قريب نفرح بعيالك كمان.
لم يبادلها الابتسامة، وبقي ساكنًا هو، حتى لا يعرف كيف نطق بالموافقة. أما إخلاص، فتوقفت وسارت لخارج الغرفة، تتركه بمفرده يتخبط بين مشاعره وأفكاره.
***
فتحت عينيها بخمول، وانفزعت حين وجدت وجهها مقابلًا لوجهه فوق الوسادة. للحظة كانت ستوبخ نفسها أنها نامت بجواره من الأساس، وكانت ستثب واقفة من فوق الفراش، لكن شيئًا ما تعلق بها وأبقاها بالفراش على نفس وضعها، وراحت تتأمله بعيون هائمة. كانت تلك هي الوهلة الأولى لها التي تدقق في تفاصيل وجهه، لحيته الكثيفة وشاربه الذي يخفي جزءًا من شفتيه الغليظة، حتى عيناه الثاقبة، تتذكر جيدًا حين يتطلع إليها ويثبتهم عليها، تشعر أنها ضائعة داخلهما، وكأنهم دوامة تسحبها لعمقها.
شردت للحظة وهي تتذكر الأمس وما قاله: "ده لما كانت بتكم وفي بيتكم، لكن هي دلوقتي في كنفى." "أظن دلوقتي عرفتي إن مكانك هنا معايا وملكيش مكان تاني." بقيت لدقائق طويلة نسبيًا وهي شاردة به، حتى عادت لوعيها فجأة، واتسعت عيناها بذهول مما تفعله. هزت رأسها بالنفي، تطرد تلك الأفكار التي علقت بها، ووثبت واقفة من الفراش وهي تهمس بغضب:
_ جرالك إيه، فوقي يا آسيا!
التفتت برأسها للخلف تجاهه، وأعادت نظرة النقم والأشمئزاز مجددًا لوجهها، وهي ترمقه، حتى لم تكن نابعة من صميمها حقًا، ولكنها كانت مصممة على نزع أفكارها المنحرفة عن علقها. وأسرعت نحو الخزانة تخرج ملابس نظيفة لها، ثم اتجهت للحمام لتأخذ حمامًا دافئًا، عل المياه تغسل وتطهر علقها من تلك السخافة الذي هو مقبل عليها.
بعد ثلاث دقائق بالضبط من دخولها الحمام، فتح هو عينيه بخمول على أثر أشعة الشمس المتسللة من الشرفة لعينيه، ثم مد يده للمنضدة المجاورة للفراش يلتقط هاتفه من فوقها وينظر للساعة. فاتسعت عيناه بدهشة حين أدرك أنها العاشرة، وتأفف بخنق، ثم استقام جالسًا فوق الفراش وهو يفرك عينيه بقوة. بقى مكانه ينتظر خروجها من الحمام بعدما سمع صوت المياه بالداخل. ولم تمر سوى عشر دقائق تقريبًا حتى خرجت. وحين رأته، ألقت عليه نظرة مغتاظة وحانقة قبل أن تكمل طريقها وتقف أمام المرآة لتبدأ في تسريح شعرها. لم يكترث هو لها، وتوقف متجهًا نحو الحمام.
دقائق قليلة وخرج هو، ثم اقترب من الخزانة لكي يخرج ملابسه. وبقيت هي تتابعه في نظرات مغتاظة. هناك بعض الكلمات العالقة بحلقها، وإن لم تخرجها ستخنقها، لتقول بالأخير في غضب:
_ أنت غايتك إيه بالظبط؟ بتعمل كده معايا ليه؟
التفت لها برأسه، وغضن حاجبيه بعدم فهم، لتكمل هي تشرح له ببساطة أكثر، وقد ارتفعت نبرة صوتها:
_ بتدافع عني قصاد ناسك، وإمبارح بتحميني من عمي، وبتعمل تصرفات غريبة، ولما كنت تعبانة عملت روحك مهتم وقلقان عليا. أنت عاوز إيه؟
احتدمت نظراته، وقال بلهجة مخيفة:
_ حسك ما يعلاش عليا.
لم تكترث له، بل تابعت بنفس نبرتها، والغضب أصبح يتملكها أكثر:
_ لتكون بتفكر إنك كده هتخليني أصدق إنك كويس ومالكش يد في قتل أبويا.
أظلمت عيناه على أثر ذكرها لذلك الأمر، فباغتها بصرخة نفضتها في أرضها، وهو يقبض على ذراعها بقوة:
_ لما أقولك حسك ما يعلاش، تبقي توطي صوتك وتتكلمي بأدب. أنا مش خايف منك عشان أثبت لك إني قتلت أبوكي ولا لا، وميهمنيش أصلًا. اللي قتل أبوكي هربان، ومحدش فينا له يد في اللي حصل.
صاحت به في صوت مبحوح، رغم خوفها من جموحه المرعب:
_ كداب ومش مصدقاك.
همس بصوت دب الرعب في قلبه، وعينان تنبض بالغضب:
_ إن شاء الله عنك ما صدقتي. لو اتكلمتي بالطريقة دي تاني، قولي على نفسك، يا رحمن يا رحيم يا آسيا. أنا ليا كام يوم هادي معاكي، بس شكلك مبتجيش غير بالعين الحمرا.
تطلعت له بخنق، وسكنت مجبرة خوفًا من بطشه، ثم حاولت نزع ذراعها من قبضته، لكنها فشلت، ولم يتركها إلا عندما هو أراد، وبعدما طالت نظراته المشتعلة لها.
فور تركه لذراعه، راحت تفرك مكان قبضته بألم، وهي ترمقه بنقم وغيظ. أما هو، فشرع في ارتداء ملابسه، وبعدما انتهى، غادر وتركها دون أن يلقي عليها نظرة واحدة حتى.
***
بتمام الساعة الثامنة من ذلك اليوم...
كانت فريال جالسة بغرفتها فوق فراشها، وتتفحص هاتفها، وتفكر بقلق، لماذا لم يأت اليوم أولادها لزيارتها كما اعتادوا كل يوم؟ ولم تكن لتلبث لحظة أخرى حتى وجدت هاتفها يصدح برنين مرتفع، وظهر اسم جلال فوق الشاشة. تهللت ولمعت عيناها بسعادة غامرة، فراحت تجيب عليه مسرعة في لهفة:
_ الو يا جلال.
أتاها صوت ابنها الكبير، وهو يقول بصوت ضعيف وخافت:
_ أيوه ياما، أنا تعبان، تعالي.
صابها الهلع، وردت على ابنها بخوف:
_ مالك يا معاذ يا حبيبي؟
رد معاذ بنفس نبرته، وهو يسعل:
_ تعبان، تعالي عاوزك تقعدي معايا.
سألته بقلق واهتمام:
_ هو محدش قاعد معاك ولا إيه؟
رد في خفوت لعدم قدرته على الحديث:
_ لا، أبويا معايا، ولسه راجعين من عند الدكتور، وستي راحت تغزي الجيران.
استقامت واقفة، وقالت بتلهف وقلب ينتفض من الخوف على ابنها:
_ حاضر، هلبس طوالي دلوقتي وأجيلك يا حبيبي.
أنهى مع أمه الاتصال، ومد يده بالهاتف لأبيه، الذي سأله باهتمام:
_ قالت لك إيه؟
رد على أبيه مبتسمًا، وفي وجهه متعب:
_ جايه دلوقتي.
تنهد جلال الصعداء، وأظهر الجمود، رغم فرحته أنه سيرىها وستعود لمنزلها، حتى لو لمجرد ساعات قليلة. نظر للطعام الذي أمام ابنه، وقال له بحزم:
_ أمك جايه أهي خلاص زي ما كنت عاوز، كل يلا عشان تاخد العلاج.
قفز الصغير عمار بسعادة، وهو يقول في طفولية:
_ هييييه، أنا هروح أستنى أمي قدام الباب.
لم يمهل نفسه اللحظة ليستمع لرد أبيه، حيث اندفع ركضًا للخارج، يقصد الطابق الأرضي، لينتظر أمه عند الباب كما قال للتو.
انتهى معاذ من طعامه، وأخذ دوائه، وبتلك اللحظات كانت فريال قد وصلت، وعانقت ابنها الصغير بحرارة، الذي كان يستقبلها في فرحة غامرة بعودتها لمنزلهم، ثم صعدت معه للأعلى، حيث غرفتهم. وحين دخلت، رأت البسمة تعلو وجه ابنها، فسرعت نحو وجلست بجواره، تضمه لصدرها، وهي تلثم شعره بقبلات متتالية، هاتفة:
_ مالك يا حبيبي؟
سمعت صوت جلال، الذي هتف بجدية:
_ دور برد شديد، والدكتور علق له محلول في العيادة، وكتب له على علاج وحقن.
انقبض قلبها، وقالت بقلق، وهي توبخ ابنها:
_ بتدخل تستحمى طبعًا يا معاذ، وتطلع تنام على المروحة عشان كده تعبت. بتعمل زي أبوك!!
تطلع لأبيه، وقال ببراءة، زام شفتيه:
_ بس أبويا مبيتعبش!
ضحك جلال بخفة، أما هي، فردت بحزم على ابنها:
_ أنت صغير ومناعتك ضعيفة، ومتستحملش، هتقارن روحك بأبوك.
رد معاذ في أسف، ووجه عابس:
_ مش هعمل كده تاني يا أمي، أنا آسف.
لانت حدة نظراتها، وابتسمت لصغيرها بحنو، ثم مالت عليه وقبلته برفق من وجنته وجبهته. بينما جلال، فتوقف عندما صدح صوت رنين هاتفه، وغادر الغرفة ليجيب على المتصل، وتركها مع أولادها، وهي تهتم بابنهم المريض.
بعد مرور خمسة عشر دقيقة تقريبًا، توقفت هي وغادرت غرفة أولادها، متجهة لغرفتها لكي تجلب مقياس الحرارة وتطمئن على حرارته. فتحت الباب ودخلت، ثم راحت تبحث بالأدراج عنه، لم تجده. بعد لحظات، وجدت باب الحمام ينفتح، ويظهر جلال، الذي انتهى للتو من حمامه الدافئ، وكان عاري الصدر. تصرفت بطبيعية، ومنعت نفسها من النظر إليه بصعوبة، لتقول في خفوت:
_ الترمومتر فين؟
أشار على الخزانة دون أن يتحدث، فاتجهت نحوها وفتحتها، ثم راحت تبحث داخلها بيدها، لم تجده. كانت على وشك أن تتحدث بأنها لا تجده، لكنها رأته بالأعلى، فرفعت ذراعها وحاولت التقاطه، لم تستطع. فتنفست بقوة في الأخير، والتفتت تجاهه، تقول في رقة غير مقصودة منها:
_ مش لاحقاه يا جلال، تعالي هاته.
طالت نظرته لها، ثم اقترب بعد لحظات، ووقف خلفها مباشرة، يمد ذراعه للأعلى لكي يلتقطه، ثم جذبه واخفض ذراعه للأسفل، وتطلع إليها. شعر بأن حصونه كلها انهارت في لحظة، عندما اقتربت منه وباتت شبه بين ذراعيه. التهبت مشاعر الشوق والحب في صدره، ولم يعد يشعر بوجود أي غضب منها في تلك اللحظة. هو فقط يريد أن ينعم معها ببعض لحظاتهم الخاصة، لكي يروي روحه المتعطشة لها. أما هي، فقالت بتوتر بسيط، وهي تتطلع بجسده:
_ البس هدومك، هتتعب كيف ولدك.
لم يجيبها، وبقى يتأملها بشوق وغرام. لا تنكر أنها اشتاقت لنظرات العشق من عينيه، وحين رأتهم الآن، شعرت بأن الثلوج التي بينهم ربما بدأت في الذوبان.
فابتسمت له بحب وهمست في خجل:
_ چلال!
همستها الناعمة باسمه أسلبته عقله ولم يعد قادرًا على التحكم برغبته العارمة بها حيث همس دون وعي:
_ فريالي!
انغمسوا معًا في لحظات خاصة فصلتهم عن العالم بأكمله ولم ينتشلهم منها سوى طرق الباب وصوت عمار وهو يقول بهلع:
_ ياما الحج معاذ بيكح جامد قوي
انتفضت وابتعدت عنه بسرعة ثم هرولت مسرعة للخارج متجهة لغرفة ابنها لكي تطمئن عليه، بينما هو فمسح على وجهه متأففًا بخنق وللحظة ظهر شبح ابتسامته على شفتيه، يشعر نفسه مغيب وكأنه ليس بوعيه وحين يعود لوعيه سيندم على ما فعله، لم يشغل نفسه بالتفكير كثيرًا وارتدى ملابسه بسرعة ثم أسرع نحو غرفة أولاده ليطمئن على ابنه.
عاد عمران للمنزل وقاد خطواته للطابق الثاني حيث غرفته.. صعد الدرج بهدوء ثم سار بالدرة الطويلة المؤدية لغرفته وحين وصل فتح الباب ودخل ثم أغلقه خلفه.. نزع عباءته البنية عنه وألقى نظرة على الغرفة الفارغة فضيق عيناه وهتف مناديًا عليها:
_ آسيا!
لم يحصل على رد منها فعاد ينده عليها مجددًا لكن بصوت أشد قوة ولم يجد إجابة أيضًا فاقترب من الحمام ووقف أمامه ثم مال بأذنه يستمع لأي صوت قادم يؤكد له أنها بالداخل لكن لم يسمع.
كانت هي قد انتهت من حمامها وتهم بارتداء ملابسها وتلف جسدها بمنشفة بيضاء عريضة وكانت شاردة الذهن للدرجة التي لم تجعلها تتمكن من سماعه وهو ينده عليها لكن فجأة انفتح الباب وحين رأته ضمت ذراعيها لصدرها وهي تصرخ بزعر.
طالعها بصمت لكنها استشاطت وصرخت به منفعلة:
_ أنت قاصد تعملها.. دي مش أول مرة
قال بصوت أجش:
_ بنده عليكي مبترديش لو كنتي رديتي مكنتش هدخل
صاحت بعصبية وهي تحاول إخفاء جسدها عن أنظاره:
_ يعني هكون روحت وين هو أنا بطلع من السجن ده.. اطلع برا ياعمران
صر على أسنانه بغيظ يحاول تمالك أعصابه بينما هي فلم تتوقف حيث صرخت بصوت مرتفع في غضب:
_ اطلع برا
اندفع نحوها كالثور الهائج وكتم على فمها بيده وهو يصرخ:
_ أنا قولت إيه الصبح
انتفضت وابعدت يده عن فمها هاتفة باستياء:
_ متقربش مني قولتلك مليون مرة
استفزته بشدة وعنادًا بها لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه بعنف هاتفًا بانزعاج ملحوظ:
_ لو أنا مبقربش منك فده بمزاجي لكن أنا لو عاوز حاجة هاخدها.. وده حقي
ارتعشت بين يديه وحاولت التملص من قبضته بقلق بعد عباراته الأخيرة لكنه أحكم قبضته وقربها أكثر وهمس بمكر وهو يرفع يده متعمدًا للمنشفة ينوي نزعها عنها لكي يثيرها جنونها:
_ إيه رأيك؟
حين شعرت بيده انتفضت ودفعته بعيدًا عنها بكل قوتها صارخة:
_ متقربش ياعمران تاني أوعاك
لم يكترث لها وعاد يقترب بخطواته مجددًا لكنها أسرعت وفرت هاربة للخارج.. وقفت بجوار طرف الفراش وتابعته وهو مازال يتقدم بنظرات متحدية وحادة.. خشيته حقًا بتلك اللحظة وصدقت أنه قد ينفذ ما كان يخبرها به بالداخل، لكنه لم يكن ليفعل هو فقط يريد الانتقام منها.
انحنت ودست يدها أسفل الفراش تمسك بالسلاح ثم أخرجته ووجهته صوبه وهي تحذره:
_ متقربش
تصلب مكانه بصدمة عندما رأى السلاح بيدها ليصيح بها بصوت مرعب:
_ جبتي السلاح ده منين؟
ردت عليه بصوت خائف ومضطرب:
_ ملكش صالح ومتقربش مني وإلا هعملها
توقف ورفع كفيه متمتمًا بهدوء مزيف ليهدأ من روعها ويجعلها تتركه من يدها:
_ طيب مش هقرب منك.. نزلي السلاح ده مش لعب عيال الخزنة مليانة رصاص
اضطربت عندما سمعته يقول أنه ممتليء بالرصاص.. رغم أنها لا تنوي قتله حقًا ولن تكن تفعلها هي فقط تهدده لكي يبتعد عنها إلا أنها توترت بشدة، بينما هو فكان يثبت نظره على عيناها حتى لا يجعلها تنتبه أنه يقترب منها ببطء.. لكن دون أن تشعر ضغطت بالخطأ على الزناد فخرجت الرصاصة واستقرت بجسده.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى محمود توفيق
انطلقت من شفتيها شهقة عالية بفزع حين أدركت أنها أطلقت النيران عليه ورأته يمسك بكتفه موضع الرصاصة وهو يتألم بعنف فأخذ جسدها كله يرتجف برعب وسقط السلاح من يدها لتهرول نحوه وتقول بهلع ملحوظ فوق صفحة وجهها:
_ عمران
رمقها بنظرة مميتة وسط تألمه وصرخ بها:
_ غوري البسي هدومك چوا قبل ما حد ياچي
طرحت سؤال سخيف بسبب توترها وهي تتطلع له بنظرة يملأها الندم والاعتذار:
_ أنت كويس؟
قال وسط تأوهاته صائحًا:
_ طختيني بالنار وهكون كويس كيف.. غوري من وشي بدل ما اخلص عليكي واصل
تقهقرت للخلف بقدم ترتجف ومعالم وجه مرتعدة وهي ترى دمائه تملأ كتفه وملابسه، لا تستوعب كيف فعلتها لكنها تقسم أنها لم تفعلها عن عمد ولم تكن تنوي أذيته.
توقفت عن الصدمة واسرعت للحمام لترتدي ملابسها بسرعة وتخرج له مجددًا بسرعة، بينما هو فجلس على الفراش محاولًا التحكم بصوت تأوهاته وتحمل الألم، لكن فجأة انفتح باب غرفته ودخلت إخلاص التي صاحت بهلع:
_ عمران حصل إيه يا ولدي إيه صوت ضرب النار ده؟
صرخت بصوت مرتفع حين رأت ذراعه غارق الدماء وهو ممسك بكتفه ويتألم فركضت نحوه وجلست بجواره تصيح في رعب:
_ ولدي مين اللي عمل فيك إكده يا حبيبي
رد على أمه بصوت متعب:
_ كنت بنضف السلاح ونسيت أن الخزنة مليانة ودست عليه بالغلط.. بشار فين عشان ياخدني للمستشفى أنا مش هقدر اسوق
كانت تهتف برعب وقد ادمعت عيناها وهي تراه بهذه الحالة:
_ سلاح إيه وأنت مالك بالسلاح يا ولدي
خرجت آسيا من الحمام ووقفت تتطلع له من مسافة وبعيناها ألف اعتذار وشعور، بالأخص بعدما سمعته يخبر أمه أنه هو من فعلها عن طريق الخطأ، هي حتى لم تتجرأ على الاقتراب منه وبقت بعيدة لكنها وجدت إخلاص تنظر لها بنارية وفجأة استقامت واقفة وغارت عليها تجذبها من ذراعها صارخة:
_ أنتي اللي عملتي في ولدي إكده.. وهو بيداري عليكي يا وش النصايب كلها
لم يكن لديه الطاقة للرد عليهم وتركها لوالدته أن قتلتها فلن يعد يهتم، تجاهلت آسيا ما قالته إخلاص وكانت ستهم بدفع يدها والاقتراب منه لكي تساعده ويغادروا ليذهبوا للمستشفى فأن بقى كثيرًا سيصبح خطرًا عليه، لكن جاء باقي المنزل على أثر صوت الطلق الناري وصياح إخلاص وكان أولهم إبراهيم الذي هرول نحوه ابنه وهتف بزعر:
_ عمران مين عمل اللي فيك إكده؟
كان بشار قد وصل وتسمر بأرضه منصدمًا حين رأى ابن عمه هكذا، لكن عمران توقف على قدميه وأجاب على إبيه بصوت ضعيف:
_ بعدين هقولك يابوي خلينا نروح المستشفى معدتش مستحمل الألم
رغم أن القلق كان ينهش قلب إبراهيم نهش على ابنه إلا أنه لم يجادله فذلك ليس الوقت المناسب وصحته أهم الآن، حيث امسك بذراعه السليم وساعده على السير ولحق بهم بشار، أما آسيا فركضت خلفهم وهي تقول باهتمام:
_ أنا هاچي معاكم
وجدته التفت برأسه للخلف نحوها ورمقها بنظرة اقسمت أنها شعرت بأن النظرة قتلتها من حدتها وشراستها فتصلبت مكانها دون حركة وتابعتهم بعد ذلك وهم يغادرون من دونها.
فور رحيلهم اندفعت إخلاص نحوها وصرخت بها مجددًا:
_ ردي عليا أنتي كنتي عاوزة تقتليه صح مش كيف ما بيقول
كانت أعصاب آسيا مدمرة دون أي مجهود وحين سمعت صراخ إخلاص بها صرخت بها بصوت اخرسها تمامًا:
_ بدل ما أنتي واقفة قصادي إكده وكل همك تمسكي عليا حاچة.. روحي ورا ولدك واطمني عليه.. حلي عن نفوخي يا إخلاص ومتچننيش أنا فيا اللي مكفيني
رفعت إخلاص سبابتها في وجهها وقالت بنظرة تحمل الوعيد كلها شراسة ونقم:
_ يرچع ولدي بالسلامة بس الأول وبعد إكده افضالك ولو طلعتي صح أنتي اللي طختيه هاخد روحك بيدي يابت خليل
لم تكترث آسيا بتهديداته السخيفة من وجهة نظرها وفور رحيلها عن غرفتها صفعت الباب خلفها بعنف ونزعت حجابها عن رأسها بعصبية ثم القته وراحت تمسح على شعرها وتشده بلطف وهي تقول بصوت نادم ومبحوح:
_ عملتي إيه يا آسيا.. أن شاء الله هيرچع زين دي رصاصة في الكتف وحاچة بسيطة يعني
منذ ساعات تنتظر بالغرفة وعيناها عالقة على ساعة الحائط تارة تخرج للشرفة وتنظر للشارع تتفقده ثم تعود للداخل مجددًا، ربما ما يدهشها أكثر ليس ما فعلته بقدر اهتمامها وقلقها عليه، حاولت قتله من قبل لكن هذه المرة مختلفة فالندم يقتلها هي الآن، ولا تستطيع التوقف عن القلق حتى لو حاولت وكانت تسكت أصواتها القاسية التي تحاول دفعها للامبالاة والتفوه بعبارات " توقفي عن الاهتمام والندم فهذا ما كنتي تريدينه وتسعين له منذ البداية.. أن تقتليه وها أنتي حققتي الخطوة الأولى"، دفعت بتلك الأفكار بعرض الحائط وراحت تراقب الساعة التي تخطت الواحدة بعد منتصف الليل، لم تتمكن من البقاء هكذا مكتوفة الأيدي وارتدت حجابها بسرعة ثم أسرعت للخارج لا تعرف ماذا تقصد لكن قالت ربما أجد أي شيء يمكنني من معرفة أخباره وبالفعل بينما كانت في طريقها للأسفل قابلت بلال الذي يبدو أنه كان بالخارج وعاد للتو اسرعت نحوه وسألته:
_ كنت مع عمران يابلال؟
ضيق عيناه باستغراب ثم تمتم في عدم فهم:
_ عمران!
رجحت أنه قد لا يعرف شيء عن ما حدث ولم يكن موجودًا فقالت بسرعة:
_ طيب اتصل بيه عشان أنا معرفش رقمه ومعيش تلفون
بلال مضيقًا عيناه:
_ وأنتي عاوزة تتصلي بيه ليه.. هو ماله؟
تأففت بنفاذ صبر وقالت:
_ تعبان وفي المستشفى يابلال
هتف بصوت خشن ومندهش:
_ مستشفى!!.. حصل له إيه؟
قالت بشبة صيحة منفعلة من فرط القلق:
_ مش وقت اسألتك اتصل شوفه واطمن عليه الأهم دلوك
رمقها بحيرة وعدم فهم لكنه أخرج هاتفه وراح يتصل بأخيه ليطمئن عليه لكن صوت رنين هاتفه جاء من غرفته فالتفتت آسيا برأسها للخلف ولم تعود بها إلا على صوت بلال وهو يقول بتعجب:
_ هو سايب تلفونه في البيت!!
قالت بإيجاز وتلهف عفوي منها:
_ أبوك وبشار معاه اتصل على أي حد فيهم
رغم حلقة الأسئلة التي تدور بذهنه الآن لكنه قرر أن يطمئن على أخيه أولًا ليفهم ماذا حدث له ومن ثم يحاصرها بأسئلته.
اجرى اتصال بأبيه ودار بينهما حوار هاتفيًا لم تسمعه لكنها كانت تتابع تعبيرات وجه بلال المنذهلة والقلقة وهو يستمع لأبيه الذي يسرد له ما حدث ويطلعه على أحوال شقيقه، انتظرته على أحر من الجمر حتى ينتهي حديثه وعندما انتهى سألته بقلق ملحوظ:
_ هااا قالك إيه؟
طالت نظرة بلال الصامتة لها.. كانت نظرة كلها شك يوشك أن يكون يقين وقال بالأخير في نبرة غليظة:
_ أنتي ليكي يد في اللي حصل ده؟
زفرت بخنق عندما سمعت سؤاله واشاحت بوجهها بعيدًا.. لا تستطيع الاعتراف بأنها هي من فعلت ولا تملك طاقة للدفاع أو حتى الكذب.
أخذ بلال يتطلع إليها بغضب ينتظر ردًا حتى لو كان كذبًا لكن صمتها أكد شكوكه فابتسم بعدم تصديق وقال في عين ملتهبة وكلها بغض:
_ كنت متوكد.. أصلًا اللي قاله أبوي محدش يصدقه، عمران مبيمسكش سلاح وملوش شغل معاه هو حتى يوم ما مات أبوكي ممسكهوش وكان شايله معاه احتياطي للآمان.. إيه اللي هيخليه يطلعه دلوك عشان ينضفه!
لم تجيبه واكتفت بالنظر إليه في إندهاش وضيق لتجده يلقي عليها نظرة مخزية ويقول بغيظ:
_ بعد كل اللي عمله معاكي ده وكنتي عاوزة تقتليه.. أنا لو ماسك نفسي وحايش روحي عنك دلوك عشان أخويا بس واحترامًا ليه مهما كان اسمك مرته للأسف
أطرقت رأسها أرضًا بحزن وخنق دون أن تتحدث.. بينما هو فتركها وتحرك مبتعدًا عنها يقود خطواته تجاه غرفته لكنها اوقفته بصوتها المبحوح ونظراتها الراجية:
_ مش هتقولي أبوك قالك إيه عليه؟
طالعها بقرف واستطرد بسخط:
_ متستحقيش تعرفي وملكيش صالح
بقت مكانها عيناها عالقة عليه وهو يبتعد ليدخل غرفته ويتواري عن أنظارها، شعرت بالعجز للحظة وأمتلأ قلبها باليأس فعادت بخطواتها الثقيلة لغرفتها مجبرة على تحمل الانتظار إلى أن يخبرها أحدهم بأي شيء عنه أو ربما يعود هو.
اقتربت من الفراش وجلست فوقه ثم راحت تحدق أمامها بفراغ ونظرات ضائعة ثم شردت للحظات قد تكون دقائق وهي تتذكر أفعاله معها، دفاعه عنها أمام عائلته فوق مائدة الطعام وإخفائه للسبب الحقيقي خلف زواجهم، اهتمامه بها عندما مرضت وحمايته لها من عمها وعائلتها وأخيرًا تحمله لخطأها ونسبه لنفسه كأنه هو من الحق الأذى بنفسه حقًا.
عندما عادت لواقعها أدركت أن عيناها امتلأت بالعبرات، فبكت بحرقة وألم.
بكاء على كل شيء أصابها ومازال يؤذيها. العجز وقلة الحيلة تستحوذها، فقد وجدت نفسها عالقة بين شقي الجحيم: من جهة والدها، ومن الجهة الأخرى زوجها الذي تظنه متسببًا في قتل أبيها. وفوق كل هذا، بدأت تفقد قدرتها على التحكم بمشاعرها. تقلق وتهتم لأمره، حتى أنها تتأثر بأفعاله. والآن يمزقها شعور الندم على ما فعلته به.
جلست على الأرض واستندت بظهرها على الفراش، ثم ضمت ساقيها لصدرها واستمرت في بكائها الموجوع. تبحث عن مخرج ومفر، لكن لا يوجد، وكأن كل الطرق تؤدي إليه!
***
داخل منزل خليل صفوان.
كانت فريال تجلس بجوار ابنها المريض وتضمه لصدره بحنو، بعدما هدأ سعاله وانفاسه بدأت تعود لطبيعتها. وكان شقيقه الصغير يجلس بجواره على الجانب الآخر من الفراش.
نظرت فريال لابنها الصغير وقالت بجدية:
_ قوم ياعمار من چنب أخوك احسن تتعدي وتتعب أنت كمان.
لم يظهر الصغير اعتراض ونهض من جوار أخيه، ثم اتجه ليجلس على فراشه. بينما فريال فاخفضت نظرها لمعاذ وتمتمت:
_ هاا بقيت احسن دلوك ياحبيبي؟
أماء لها بالإيجاب، ثم سألها بعبوس:
_ أما أنتي هتمشي؟
هزت بالنفي وأجابته بحنو باسمة:
_ لا هقعد معاكم الليلة دي يامعاذ.
ابتسم بسعادة وعانق أمه بقوة، حتى أن عمار هرول نحو أمه وعانقها وسط ضحكها على تصرفهم الطفولي والعفوي. ثم ابعدتهم عنها وقالت بلهجة دافئة رغم حزمها:
_ يلا عاد بزيادة عشان تناموا. وأنت يامعاذ مينفعش تقعد سهران إكده عشان تخف بسرعة.
لم يعترض معاذ، لكن عمار زم شفتيه بخنق. فرمقته بقوة وقالت مبتسمة:
_ يلا على السرير.
سأل عمار بحيرة:
_ هو أبوي وين؟
قالت فريال بهدوء وهي تنهض من جانب معاذ وتمسك بيد عمار تقوده لفراشه لكي ينام:
_ راح يخلص شغل وراجع.
صعد الصغير فوق فراشه وتمدد بجسده الصغير، ثم تابع أمه وهي تتجه نحو كبس الكهرباء وأغلقت الأنوار. ومن بعدها انحنت على رأس شقيقه المريض وقبلته، ثم عادت له وتمددت بجواره على الفراش تنوي النوم أيضًا مثلهم. ابتسموا لوجودها معهم ومشاركتها لهم في النوم بغرفتهم، وأغلقوا عيناهم لكي يخلدوا للنوم.
بعد مرور ساعة تقريبًا، وسط محاولاتها للخلود إلى النوم لكن دون جدوى. فقد كان عقلها مشغول بالتفكير به. وتحدق في الظلام أمامها بشرود، متذكرة لحظاتهم الدافئة قبل ساعات. وكانت البسمة تشق طريقها لشفتيها دون إرادة منها. فاقت من شرودها والتفتت حولها تلقي نظرة على أبنائها، فوجدتهم بسبات عميق لا يشعرون بأي شيء حولهم. تنهدت الصعداء ونهضت من الفراش بحذر شديد، ثم قادت خطواتها لخارج الغرفة بخطوات متريثة. فتحت الباب بكل بطء وخرجت، ثم اغلقته خلفها بنفس الطريقة.
تحركت تجاه غرفته، أو غرفتهم بالمعنى الأدق. وفتحت الباب ثم دخلت، فوجدته نائم في فراشه. ابتسمت وأغلقت الباب خلفها، ثم اقتربت منه لتجلس بجواره على حافة الفراش وراحت تتطلع إليه ببسمة عاشقة وهي تتمعنه. تذكرت كيف كانت تمر لياليهم وهي نائمة بين ذراعيه، تدفن وجهها بين ثنايا صدره وتستمع لصوت دقات قلبه. اشتقت له ولذلك الشعور. فقد انطفأت روحها وهي بعيدة عنه، تقضي لياليها وحيدة دونه.
لم تسمح للتردد بإعاقتها في رغبتها بالتمتع بتلك اللحظات مرة أخرى. حيث تمددت على الفراش بجواره وتأملته للحظة، قبل أن تمد يدها وتبعد ذراعه بلطف لتفرده، ثم انضمت له تدخل قوقعته الخاصة. تنام برأسها فوق ذراعه وتدفن وجهها بصدره، مغلقة عيناها في ابتسامة عاطفية. كانت تمامًا كالطفلة الصغيرة التي استيقظت بمنتصف الليل في الظلام واستحوذها الخوف، فذهبت لأبيها والتصقت بأحضانه لتتمكن من متابعة نومها بأمان دون خوف. فتح جزء من عيناه بخمول وانزعاج، وحين أدرك أنها هي، أغلق عيناه مجددًا ورد بصوت ناعس:
_ بتعملي إيه يافريال؟
رفعت رأسها قليلًا وتطلعت بملامحه الهادئة اثناء النوم، ثم ردت باسمة برقة:
_ هنام چارك وبحضنك الليلة دي.
سمعها ولم يجيب، بسبب شعور النعاس القوي الذي يهيمن عليه. وفقط اكتفى بأنه لف ذراعه عليها وضمها إليه أكثر بصمت. فابتسمت هي بسعادة وتركت نفسها تنعم بجمال تلك اللحظات. لكن غامت عيناها بالعبرات عندما تذكرت علاقتهم كيف أصبحت. فهمست بصوت مبحوح يغلبه البكاء:
_ اتوحشتك قوي وغصب عني سيبتك. حسيت روحي عاچزة ومش عارفة أعمل إيه ولا اختار مين!
لم تعرف هل سمعها أم لا، لكنها لم تهتم كثيرًا وسكنت بين ذراعيه، تترك لنفسها حرية الاستمتاع بشعور الدفء بين ثنايا صدره، ثم أغلقت عيناها لكي تنام هي الأخرى.
***
فتحت عيناها مفزوعة على أثر الأصوات العالية القادمة من الخارج. وحين تلفتت حولها رأت ضوء النهار وأشعة الشمس تملأ الغرفة. فتذكرت أنها بقت الليل كله على الأرض تنتظره، لكن النوم غلبها وغفيت مكانها على نفس وضعيتها.
وثبت واقفة وأسرعت تجاه باب الغرفة تضع أذنها عليه، تستمع للأحاديث التي تدور بالمنزل في الخارج، والتي كانت كالآتي بين العائلة وعمران الذي يبدو أنه عاد للتو من المستشفى.
خرج صوت إخلاص المغتاظ وهي توقف ابنها الذي يقود خطواته تجاه غرفته بالأعلى:
_ رايح وين ياعمران؟
ضيق عيناه وأجابها ببساطة:
_ طالع أوضتي هرتاح شوية ياما، في إيه!
هتفت بعصبية ورفض امتزج بقلقها:
_ لا مهتقعدش مع الحية اللي فوق دي في اوضة واحدة تاني. تروح تعملك حاچة ياولدي وأنت نايم ومش حاسس بيها.
اشتدت حدة نظراته وقال لأمه بانزعاج:
_ چرا إيه ياما، ما قولتلك أنا اللي طخيت نفسي بالغلط.
هتف إبراهيم بغضب مماثل لزوجته:
_ وأنت إيه ليك شغل مع السلاح وتمسكه ليه من الأساس!
لاحت بشائر الغضب الحقيقي على ملامح وجهه، حيث صاح منفعلًا بلهجة رجولية لا تقبل النقاش:
_ أنتوا هتحققوا معايا ولا إيه يابوي؟ أنا قولت اللي عندي والكلام خلص ومش عاوز حد يفتح الموضوع ده تاني وانسوه واصل كمان. أنا زين الحمدلله وواقف قصادكم مفياش حاچة أهو.
لحظة صمت منه وهو يمر بنظره على وجوههم جميعًا ليجد الضيق على ملامحهم، لكنه لم يكترث ورد بهدوء غريب عكس حالة الثوران التي كان بها للتو:
_ عن أذنكم هطلع اوضتي اريح وأنام.
كان إبراهيم سيهم بالتحدث في غيظ، لكن أوقفه شقيقه عبد العزيز وهو يهمس:
_ خلاص يا إبراهيم بزيادة سيبه على راحته.
تراجع عن ما كان سيقوله وصمت مجبرًا، ثم اندفع يتجه نحو غرفة الجلوس الكبيرة. والجميع تفرق باستثناء إخلاص التي بقت مكانها تتابع ابنها وهو يصعد الدرج ويضم ذراعه المصاب لصدره، بسبب تعليمات الطبيب له بعدم تحريكه، وكذلك القماش الطبي الملفوف حول كتفه كله من أسفل ملابسه. توعدت لآسيا بعقاب عسير على ما فعلته بابنها ومحاولتها لقتله بمنتصف بيته وبغرفته بين عائلته كلها.
داخل الغرفة، ارتدت آسيا للخلف عندما سمعت صوت خطواته تقترب من الغرفة. تقهقرت ليس خوفًا بقدر ما هو توترًا ورغبة قوية في رؤيته بعد حادث الأمس وتلك الساعات الطويلة التي قضتها تتلوى من الانتظار. انفتح الباب وظهر هو من خلفه بهيبته وقامته الطويلة والعريضة، ثم دخل وأغلق الباب بهدوء عكس نظراته الثائرة التي كان يثبتها عليها. رغم اضطرابها وخوفها، إلا أنها احتفظت بشجاعتها ووقفت أمامه بثبات تهمس في نبرة جديدة عليه كلها لطف:
_ حمدلله على السلامة.
لم تحصل على رد منه سوى تلك النظرات القاتلة المستقرة في مقلتيه. فزاد ارتباكها من صمته المريب. لم تعتاد عليه هاديء بلحظات الغضب، وما زاد صدمتها عندما وجدته ينزع حذائه عنه ويتحرك باتجاه الفراش ليجلس فوقه بكل حرص حتى لا يتألم إذا حرك ذراعه بقوة دون وعي منه. وكانت هي تتابعه بعدم فهم وتتساءل بخوف حقيقي عن نوع العاصفة التي ستشهدها منه هذه المرة وسط كل هذا السكون واللامبالة الغريبة. يبدو أنها أطلقت العنان لشبح مرعب وهو الآن بمرحلة التحضير.
ودت التحدث ومحاولة شرح موقفها له وأن ما حدث لم يكن مخطط له كما هو يظن بالتأكيد، لكنها لم تجد الكلمات لتبدأ بها. وكانت تخشاه ولا تمتلك الجرأة للدفاع، فهي فعلتها مرة وبالأمس كانت الثانية.
اضطربت عندما رأته ينظر لها بعين مشتعلة، وفورًا تراجعت للخلف عندما رأيته يقف ويقترب منها. اصطدمت بالحائط خلفها وكان يفصله عنها بضع خطوات. ولا تعرف كيف بخطوة واحدة أصبح أمامها، وفجأة هوى فوق وجنتها بصفعة قوية. ثم أصدرت صرخة عندما جذبها من شعرها صارخًا:
_ چبتي السلاح ده من وين؟
تألمت لكنها تطلعت بعيناه وقالت بقوة تليق بها:
_ لقيته في دولابك.
ضحك ساخرًا وهدر بنظرة شيطانية لا ترى أمامها سوى الغضب:
_ وأنتي طبعًا دستيه وقولتي مسيره ياچي يوم واقتله بيه. واللي مقدرتش أعمله في المرة الأولى هعمله في التانية. وامبارح كانت فرصتك منها تخلصي مني ومنها ملمسكيش.
تلوت بين يديه وهي تحاول إفلات خصلات شعرها من قبضته وتهتف بالنفي:
_ مكنش في نيتي اقتلك بيه.
ترك شعرها ثم قبض على فكها بعنف وهو يقرب وجهها إليه ويهتف بنظرة مشمئزة كلها نقم لم تراه ينظر به إليها أبدًا من قبل:
_ كان لازم اسيبك لناسك عشان يقتلوكي ويريحونا منك. كنت قادر موافقش ومكنش حد هيقدر يقرب مني وكان زمانك ميتة دلوك. لكن أنا تحملت غلطك وبلاويكي اللي وصلتك ووصلتني للي أنا فيه. ورغم أنك حاولتي تقتليني اتچوزتك ودرايت عليكي. لكن أنتي مفيش حاجة بتطمر فيكي وكيف القطط ناكرة للچميل عشان بعد كل ده تحاولي تقتليني تاني.
رغم أنها كانت تنظر في عيناه تتصنع القوة المزيفة، إلا أن عيناها كانت تلمع بدموع القهر. كانت تتوقع أن تقابل جموحه على ما فعلته به كما اعتادت منه. لكن ذلك الرجل الذي تراه أمامها شخص مختلف، وها هو أخيرًا يطلق جانبه المظلم وقسوته الحقيقية ليثبت لها أنه ليس كما ظنته أبدًا، وبالأخص بعدما رأيته يكمل بنظرة متوعدة ومرعبة لا تحمل الشفقة:
_ بس الوضع دلوك مختلف، أنتي مرتي. ولما حاولتي تقتليني في الأول مكنتش قادر أعملك حاجة وقررت أني هنسى عملتك. لكن أنتي كررتي غلظتك للمرة الثانية والمرة دي محدش هينچدك مني يا آسيا.
انتفضت رعبًا وحاولت إبعاد يده عن فكيها حتى تتمكن من التحدث على الأقل. فتركها، لكن أكمل باسمًا بلؤم:
_ طختيني امبارح عشان كنت هقربلك. هتعملي إيه دلوك عاد لو قولتلك أني هتمم چوازنا!
اتسعت عيناها بصدمة، وكان ستهم بالفرار من بين براثينه، لكن قبض على خصرها بتملك وعنف وجذبها إليه هاتفًا بابتسامة قاسية:
_ رايحة وين!
سقطت دموعها وقالت بصدق في صوت يغلبه البكاء:
_ مكنتش اقصد يا عمران والله ما كنت اقصد.
ابتسم لها ساخرًا بعدم تصديق وراح يتطلع إليها بتشفي. فقد استحوذه جموحه ولم يعد يرى أمامه سوى الانتقام منها. بينما هي فتوسلته لأول مرة وهي تبكي عندما شعرت بيده تتجرأ على جسدها:
_ بعد عني ياعمران ابوس يدك.
مكنش في نيتي أذيك والله، أنا كنت عاوزة أهددك وأخوفك بس عشان متقربش، ومعرفش كيف الرصاصة طلعت.
لم يستمع لها، فبكت هي بضعف، ودارت بوجهها للجهة الأخرى تقول بصوت مرتعش بسبب البكاء وهي تترجاه للمرة الثانية. كانت تمتلك خيار أن تدفعه من كتفه المصاب، وكان سيتركها فورًا، لكنها لم ترد أن تؤلمه. هي ليس لديها أدنى شك أنه ليس بوعيه وغضبه يتحكم به، وإلا لم يكن ليفعل هذا أبدًا.
"عمران، أبوس يدك بعد.. مش عاوزة أكرهك من تاني.. مكنتش أقصد والله.. مكنتش أقصد."
طالت نظرته الساخطة وهو يراها تتوسله وتبكي بعجز لأول مرة أمامه، وتقسم أنها لم تفعلها عن عمد. هدأ ثورانه، وانزاحت غمامة الغضب عن عينيه ببطء ليدرك الوضع ولوهلة، استنكر نفسه وما يفعله، ليتركها فورًا بنظرات مستاءة ويبتعد عنها، ثم يغادر الغرفة بأكملها، يقصد الطابق الثالث حيث توجد غرفته المفضلة، علها تهدأ من اشتعال صدره وتمتص شحنة الغضب المكتظة بداخله. بينما هي، فجلست فوق الفراش منخرطة في نوبة بكاء عنيفة بقلة حيلة.
***
بعد غياب لأيام منذ الحادثة، أخيرًا عاد للجامعة من جديد. استقبله أصدقاؤه بالترحيب الشديد، وقضوا وقتًا ممتعًا يضحكون ويمزحون من بعد انتهاء محاضراتهم. وبينما هو كان يستمع لهم وهم يتحدثون عن الأحداث الأخيرة بالجامعة، لمحها وهي تسير لداخل مبنى الكلية متجهة نحو ساحة الجلوس الواسعة. فظلت عيناه عالقة عليها بشرود إلى أن اختفت عن أنظاره. فتنهد بهدوء، واستقام واقفًا، ثم انحنى على صديقه مؤمن وتمتم:
"أنا هروح أشوف حاجة وراجع."
كان معه حقيبة كبيرة نسبيًا يضع بها أدواته الهندسية الكبيرة بسبب التدريب العملي، ففتح الحقيبة وأخرج كيسًا أسودًا لا يظهر داخله، وسار مبتعدًا عن أصدقائه الذين كانوا يتابعونه باستغراب ويتهامسون بين بعضهم البعض ضاحكين بلؤم.
فور ابتعاده عن أنظارهم، أخرج ما كان داخل ذلك الكيس وهو الشال الصغير الخاص بها، وامسكه بيده، ثم ألقى بالكيس داخل صندوق القمامة، وتحرك نحو ساحة الجلوس الكبيرة، ووقف بالمنتصف يبحث بين المقاعد والطلاب عنها. فسقطت عيناه عليها وهي تجلس فوق طاولة منعزلة بمفردها، وأمامها كتابها تدرس بتركيز دون أن ترفع نظرها عنه. ابتسم بساحرية وتعجب كيف تستطيع التركيز وسط كل هذا الضجيج من حولها. لكنه لم يقف كثيرًا، حيث تحرك نحوها بخطوات واثقة، وعندما وصل لطاولتها، وقف على الجهة المقابلة لها وهتف مبتسمًا:
"ممكن أعطلك شوية؟"
رفعت رأسها بسرعة في استغراب، لكن تجمدت دماء وجهها حين رأته، وللحظة شعرت بأنها توقفت عن التنفس من فرط الصدمة. فوجدته يبتسم باتساع عليها، ويجذب المقعد للخارج، ويشير بيده عليه يسألها بنظراته في لباقة إذا كانت ستسمح له بالجلوس أم لا. لكنها كانت تحلق بسماء عالم موازي، وتتطلع إليه بخجل وعدم استيعاب، حتى أنها هزت رأسها له في بلاهة على سؤاله غير المباشر، فضحك هو وسألها مرة أخرى بوضوح أكثر:
"ممكن أقعد ياحور ولا لا؟"
عادت لواقعها وأدركت ما يحدث، فتلعثمت وشتمت نفسها ألف مرة على تصرفها الأهوج، لترد عليه بإحراج وصوت خافت:
"اتفضل طبعًا."
جلس فوق المقعد أمامها مباشرة وحدق بها صامتًا. لا يمكنه الإنكار أنه يروق له تصرفاتها العفوية وخجلها اللطيف، حتى هدوءها ورقتها. نتحنحت هي وهتفت بود:
"حمد لله على السلامة."
رد عليها بهدوء جميل مبتسمًا:
"الله يسلمك."
صمت للحظة وطرح عليها سؤالًا يهمه:
"أنتي اللي ندهتي عليا صح؟"
هزت رأسها بالإيجاب ولم تنتظر حتى يسألها كيف رأته وما إلى ذلك، حيث تابعت من نفسها تشرح له بخفوت جميل:
"أه شوفتك بالصدفة، وبعدين شوفت الولد ده ماشي وراك وماسك سكينة. حاولت ألحقك قبل ما يوصلك، بس هو وصل قبلي، فندهت عليك على أمل أنك تتفادى أذيته، بس ملحقتش."
لمعت عيناه بابتسامة جذابة ليهدر وهو يزم شفتيه بلطف:
"يمكن لو مكنتيش ندهتي عليا، مكنتش هبقى قاعد قصادك دلوقت."
يلمح أنها هي من أنقذت حياته، لكنها كالعادة لم تفهم من فرط توترها وخجلها. فحاولت التغلب على اضطرابها والتصرف بطبيعية لتسأله بفضول حقيقي:
"هو مين ده وكان عايز يأذيك ليه؟"
أخذ نفسًا عميقًا وقال بوداعة جميلة:
"فاكرة لما شوفتيني أول يوم وكنت رايح الحمام وكنت بنزف من مناخيري وشفايفي مليانة دم؟"
هزت رأسها بالإيجاب في تركيز شديد لما يسرده، فأكمل هو بجدية:
"كنت متخانق معاه.. لقيته بيتعرض لبت وبيضاويها، ولما تدخلت وحاولت أبعده، فضل يقول دي خطيبتي وملكش صالح، وهي أنكرت ده، ولما لقيته مفيش فايدة فيه، حصلت خناقة بينا كبيرة، واللي اكتشفته بعدين أنه كده على طول ودي مش أول بت يتعرضلها. المهم هو خد فصل لكام شهر من الكلية واتمنع من الامتحانات، يعني هيشيل السنة كعقاب، وعشان كده الشيطان لعب في عقله الصغير وخلاه يفكر ينتقم مني، بس هو مكنش يعرف مين بلال الصاوي."
كانت تستمع لما يسرده بذهول، لتسأله بفضول وقلق:
"طيب وهو هرب ولا فين دلوقتي؟"
ابتسم وقال بنبرة رجولية:
"مرمي في السجون طبعًا ومهيشوفش النور تاني."
أجابت بغضب واشمئزاز:
"أحسن يستاهل بني آدم مريض. الواحد مش بيستوعب إزاي الناس دي عايشة وسطنا والله. ربنا يحفظنا منهم."
تأملها للحظة مبتسمًا، لكن سرعان ما تنحنح برجولية وقال في نظرة تذهب العقل:
"أنا هقوم بقى عشان معطلكيش أكتر عن مذاكرتك.. أنا كنت حابب أشكرك."
ابتسمت له بامتنان، فاستقام هو واقفًا، وكان سيهم بالمغادرة، لكنه تذكر الشال الذي بيده، فالتفت له وقال ضاحكًا:
"كنت هنسى أهم حاجة."
مد يده بالشال وقال مبتسمًا وهو يغمز بمزاح:
"شكرًا.. هو صحيح كان بيمص دمي مش بيوقفه، بس أدى الغرض لغاية المستشفى."
ضحكت رغمًا عنها على مزحته، وقالت بنعومة تليق بها وسط ضحكها:
"العفو."
ابتسم على ضحكها، وأنه نجح أخيرًا في إضحاكها. ثم استدار وسار مبتعدًا عنها، يتركها تتابعه وهي تبتسم بهيام، تارة تنظر للشال وتارة له، وهي تضحك بعينان متوهجة.
***
اندفعت إخلاص نحو غرفة ابنها بعدما رأته يتجه للطابق الثالث، وأدركت أن آسيا بمفردها الآن. فاسرعت في خطواتها تجاه غرفته، وفتحت الباب على مصراعيه، ثم دخلت وأغلقت خلفها، لتجد آسيا تجلس فوق الفراش وترمقها ببرود واستهزاء، مما أشعل نيران غضبها أكثر. فاندفعت نحوها كالثور الهائج، ودفعت آسيا بعنف بعدما وقفت لترتد وتصطدم بالفراش ساقطة فوقه. فغارت عليها إخلاص وهي تصرخ بها تشدها من خصلات شعرها:
"فاكرة روحك مين عشان تحاولي تقتلي ولدي في عز بيته وفي أوضته؟ ده أنا آكلك بسناني وبعدين آخد روحك وأخلص عليكي وأصل ياحية."
اندهشت آسيا من هجومها المفاجئ عليها، لكنها لم تشعر بالخوف ولو بمقدار ذرة. وحين شعرت بالألم بسبب جذبها من خصلات شعرها، ثارت كالوحش ودفعت إخلاص بعيدًا عنها، صارخة بها بنفاذ صبر:
"زودتيها قوي وأنا ساكتالك من وقت ما جيت عشان معنديش خلق ليكي.. بدل ما أنتي حطاني في دماغك روحي حطي جوزك كده في دماغك، يمكن تعرفي تكسبيه بدل ما ضرتك مبتخلاهوش يقضي ساعة واحدة معاكي."
اتسعت عين إخلاص بذهول لتصرخ بها في انفعال هادر بعدما ضربتها من نقطة ضعفها:
"أنتي إيه عرفك بالكلام ده!"
ابتسمت لها آسيا بشيطانية، وقالت في نظرة تليق بساحرة مثلها، فهي لم تلقب هكذا من فراغ:
"أنا عارفة كل حاجة، أمال فاكراني بقضي الليل كله أولول وأبكي.. وأعرف حاجات أنتي نفسك متعرفيهاش، عشان كده بقولك اتقي شري، بدل ما تطولك ناري اللي هتطول ضرتك قريب."
قبضت إخلاص على ذراعها وصاحت بها بعصبية شديدة:
"حاجات إيه دي اللي تعرفيها، انطقي؟"
لمعت عين آسيا بخبث وتشفي، لتهمس بنظرات أشبه بشيطان عاد لينتقم:
"حاجات كيف أنها مثلًا بتبخ السم في ودن إبراهيم كل ليلة عشان يطلقك، وهو للأسف قرب ييأس، ومتستغربيش لو عملها قريب وقالك أنتي طالق."
أظلمت عيني إخلاص وتحول وجهها للون الأحمر القاتم من فرط الغيظ، حتى أن جسدها كله أخذ ينتفض والنيران اشتعلت بصدرها، فلم تعد ترى شيء أمامها، وابتعدت عن آسيا واندفعت للخارج، لتتركها تبتسم وتضحك بتشفي وهي تهمس:
"شيطان ودخل بينهم وناره هتحرق الكل."
***
بعد مرور تقريبًا نصف ساعة من رحيل إخلاص، انفتح الباب ودخل عمران. كانت جالسة فوق مقعدها الخاص كعادتها في هدوء، وفور رؤيتها له أشاحت بوجهها للجهة الأخرى تأبى النظر إليه. أما هو، فلم يكترث لأمرها وتجاهلها، ثم تحرك نحو الفراش وجلس فوقه، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا يخص العمل، وكان يتحدث عن أمور مهمة تخص الوكالة وأيضًا شحنة الأسماك الجديدة. لم تهتم هي لما يتحدث عنه، لكنها استغلت فرصة انشغاله بالحديث وراحت تتطلع إليه بغيظ واستياء. نظراتها كانت نارية وشرسة، واستمرت لوقت وهي تنظر له بهذه الطريقة، حتى أنها لم تنتبه أنه انتهى من حديثه ولاحظها. فرفع حاجبه مستنكرًا نظراتها ليقول:
"بتبصي كده ليه؟"
عادت تلف رأسها للجهة الأخرى في خنق دون أن تجيبه بعدما سمعت سؤاله، لكنه أكمل باستهزاء وغضب بسيط:
"أنتي اللي مش عاجبك كمان بعد اللي عملته! ده أنتي تحمدي ربك أني حوشت روحي عنك."
نظرت له وقالت بتبرم وقوة:
"وأنا قولتلك مكنتش أقصد، لكن أنت كانت غايتك تشوفني ضعيفة ومكسورة."
أظلمت عيناه وهدر بسخط مكتوم:
"وأنا إيه اللي يخليني أصدق واحدة عملتها وحاولت تقتلني من قبل، يعني دي مش أول مرة."
هبت واقفة وصاحت به بعصبية وحرقة:
"عشان أنا مش هخاف منك، ولو كانت في نيتي كنت هقولك طوالي كيف ما قولتلك في الأول، أنا اللي عملتها ومكنتش خايفة لا منك ولا من غيرك."
هب هو الآخر واقفًا واندفع نحوها يهتف بنبرة مخيفة:
"ولما مكنش في نيتك دسيتي السلاح معاكي ليه!"
نظرت في عيناه بشجاعة وقالت بصلابة:
"عشان أنا مش عايشة في الجنة."
وأنت بنفسك قلتلي قبل ما أدخل البيت ده أهلًا وسهلًا بيكي في الجحيم لو فاكر. ولما لقيته دسيته أمان ليا لأني مش ضامنة حد في البيت ده.
سكتت للحظة واحدة وتابعت منفعلة:
_ وأنت بتتعمد تتقرب مني عشان تجنني وتستمتع. ولما حاولت تقربلي امبارح معرفتش أعمل إيه عشان أهرب منك وأخوفك.
ابتسم مغلوبًا في غيظ وقال في نظرة شرسة:
_ فقولتي أخوفه بالسلاح!
لمست السخرية في نبرته من تصرفها الأهوج والغبي، فأبعدت نظرها عنه كاعتراف غير مباشر بسذاجتها، لكنها دافعت عن نفسها بثبات تطلق حجة أسخف من تصرفها:
_ ملقيتش غيره قصادي.
صر على أسنانه يحاول تمالك أعصابه، ثم رفع أنامله يمسح على لحيته بغيظ لينفجر بها صائحًا:
_ وأنتي بتلعبي في حاجة مبتفهميش فيها ليه من الأساس.
انفعلت من صراخه عليها، فصاحت هي الأخرى:
_ مكنتش أعرف أنه فيه رصاص وكنت فكراه فاضي.
عاد يمسح على وجهه كله هذه المرة وهو يزأر من بين أسنانه ويستغفر ربه. للحظة خشيت أن يغضب بشدة ويعود لحالته المرعبة التي كان عليها عندما عاد من المستشفى. فتراجعت للخلف واستدارت تهم بالرحيل عن الغرفة بأكملها، لكنه قبض على ذراعها يوقفها بنظرات مخيفة هاتفًا:
_ رايحة فين!
تنفست الصعداء بنفاذ صبر وقالت:
_ رايحة لفريال عايزة أطلع من الأوضة دي شوية واشم نفسي يا عمران.
هدأت حدة نظراته وكذلك لانت قبضته على ذراعها ليقول بلهجة آمرة:
_ اللي بيغلط بيتحمل عواقب غلطه عشان يحرم بعد كده ميدخلش في اللي ملوش فيه. وأنتي كيف ما شايفة مش بقدر أحرك يدي ومش بعرف أعمل حاجة. يعني هتفضلي في الأوضة هنا تخدميني وبس.
طالت نظرتها المندهشة له وسرعان ما تحولت لغيظ، لكنها لم تتجرأ على الاعتراض أو حتى التفوه بكلمة واحدة. وسكتت كرد بالإطاعة على أوامره. ثم وجدته يترك يدها ويقول بخشونة ونظرة تحمل من الوقار والهيبة ما يليق به:
_ ودلوقتي يلا انزلي حضريلي الوكل عشان لازم آكل وآخد العلاج.
اتسعت عيناها وردت بعدم استيعاب وغضب مكتوم:
_ أنا هحضرلك الوكل!!!
رد عليها بثبات انفعالي تام ونظرات ثاقبة:
_ أيوة أنتي أمال مين غيرك. هروح أطلب من أمي ولا أختي ومرتي قاعدة.
ابتسمت بغيظ وقالت وهي تتمالك أعصابها:
_ لا إزاي ميصحش طبعًا لازم أنا اللي أعمل كل حاجة عشان أتحمل نتيجة غلطي كيف ما قلت. بس مش خايف أحطلك سم في الوكل!
ضحك بصمت وكانت تلك هي الوهلة الأولى لها تراه يضحك. ثم وجدته يجيب بقوة ومكر:
_ حاولت تقتليني مرتين واديني قصادك أهو. فكرك السم هيحوق فيا.
ابتسمت رغمًا عنها ساخرة وهي تشيح بوجهها للجانب. ثم ابتعدت عنه وسارت للخارج تقصد المطبخ لتحضر له الطعام وهمست بقلة حيلة مبتسمة:
_ عندك حق مفيش حاجة بتحوق فيك ما أنت خارق للطبيعة.
كانت جليلة بطريق غرفة أحفادها لتطمئن عليهم فوجدتهم نائمين في أفرشتهم بعمق. ابتسمت بحنو وأغلقت الباب مجددًا ثم غادرت واتجهت نحو غرفة ابنها لتوقظه من نومه حتى لا يتأخر عن عمله.
وقفت أمام باب غرفته وامسكت بالمقبض ثم فتحته ودخلت وعلى ثغرها ابتسامة دافئة، لكنها تلاشت تدريجيًا واختفت تمامًا فور رؤيتها لفريال وهي نائمة بين أحضانه وهو يضمها بذراعيه في كل حميمية.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندى محمود توفيق
فتح جلال عيناه دفعة واحدة مفزوعاً على أثر صوت صفع الباب العنيف. غضّ حاجبيه باستغراب وحيرة، يتساءل عن هوية الشخص الذي كان بالغرفة وغادر وصفع الباب خلفه بهذه الطريقة الجنونية. لكنه لم يكترث للأمر كثيراً وتجاهله، ثم رفع يده وراح يمسح على وجهه وشعره متأففاً بهدوء.
ثم أخفض نظره لزوجته النائمة بين ذراعيه. تأملها للحظات بغرام وهي نائمة بعمق، وملامحها الرقيقة ترسل لروحه الثائرة سكوناً وراحة لا يستطيع أحد أن يحققه غيرها. انحنى عليها ولثم جبهتها بلطف، ثم ابتعد بوجهه وتمعن بها من جديد. لكن ابتسامة وجهه اختفت حين تذكر ما فعلته ورغبتها بالانفصال عنه. ورغم كل هذا، تأتي بمنتصف الليل وتدخل بين ذراعيه لتقضي الليل كله نائمة بأحضانه. أصبح لا يستطيع فهمها. لكن ذلك ليس مبرراً لهجرها له، ولن يُنهي غضبه منها ولا حتى شعوره بالخذلان.
أبعد رأسها عن ذراعه برفق شديد ووضعها فوق الوسادة، ثم ابتعد هو عنها بكل بطء إلى أن غادر الفراش كله واتجه نحو الحمام ليغتسل ويزيل بقايا النعاس والخمول عن وجهه وجسده. وبعد دقائق معدودة خرج وارتدى ملابسه وغادر الغرفة وتركها نائمة.
نزل الدرج وكان بطريقه لغرفة الجلوس الكبيرة لكي يتحدث مع جده، لكن خرجت جليلة أمامه وأوقفته وهي تسأله بنظرات مشتعلة:
"بت إبراهيم بتعمل إيه إهنه يا جلال؟!"
تطلع لأمه بقوة ورفع حاجبه متعجباً من سؤالها، ثم قال:
"أنتي اللي دخلتي الأوضة علينا؟"
أجابت جليلة بشدة وغضب:
"دخلت عشان فاكرة ولدي وحده وكنت رايحة اصحيه بس لقيت ست الهانم نايمة في حضنه."
اشتدت حدة نظراته وظهر الانزعاج على قسمات وجهه وهو يهتف:
"هي مش ست الهانم دي مرتي ولا إيه ياما!"
رمقته جليلة باستهزاء وقالت مستاءة:
"ومرتك دي برضوا اللي سابتك وعاوزة تتطلق منك؟ إيه اللي چرالك ولا هي ضحكت عليك بكلمتين."
مسح على وجهه متأففاً بغضب، فحاول تمالك أعصابه حتى لا ينفعل على أمه. وهم بالانصراف من أمامها، لكنها أوقفته للمرة الثانية وهتفت بحزم:
"قولتلها أنك كلها أسبوع وتتچوز ولا لا كمان!"
جلال بعصبية ولهجة تحذيرية:
"لا مقولتلهاش ياما وأنتي مش هتقوليلها حاچة كمان."
ضحكت بسخرية وردت:
"إيه ناوي تداري عليها ومتقولهاش ولا تكونش هتتچوز في السر."
زفر بصوت مرتفع في خنق وأردف في نفاذ صبر:
"هقولها بس مش دلوك.. واطمني فريال نهت كل اللي بينا ومهما تعمل مش هعرف ارچع معاها كيف الأول."
أنهى عبارته واندفع من أمامها متجهاً نحو غرفة الجلوس ليتحدث مع حمزة. ورغم أنه تركها سعيدة ومطمئنة مما تفوه به، إلا أنها لا تأمن فريال وحيلها في نيل رضاه مجدداً.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديداً بالمطبخ، كانت تقف آسيا وحيدة بداخله وتقوم بتحضير الطعام. رغم أنها وجدت صعوبة بالبداية في إيجاد مكونات الطعام المختلفة والخضروات والبهارات، وقضت وقت طويل وهي تبحث عنهم بالمطبخ كله. وعندما وجدتهم بدأت فوراً في تحضير الطعام.
بعد مرور الوقت وهي منشغلة بالتحضير، كانت تقريباً انتهت وعلى وشك وضع الصحون فوق صينية الطعام وتأخذها وتصعد بها لغرفتها، لكن دخول شخص من أكثر الأشخاص الذي لا تطيق تحمله وتشعر أنها ستنفجر من شدة الغيظ والخنق عندما تراه، جعلها تتوقف للحظة وتتطلع إليه مطولاً بقوة. بينما الأخرى فردت بكل برود وهي تبتسم:
"كيفك يا آسيا؟"
تجاهلت سؤالها وهزت رأسها بقرف دون أن تجيب عليها، واستدارت بجسدها للصينية الصغيرة تهم بحملها، لكنها أوقفتها بنبرتها الساخرة ولم تكن طبيعية كالسابقة أبداً، بل كانت حاقدة:
"عمران عمره ما كان هيوافق يتچوز واحدة كيفك وطالما هو اتچبر فقريب قوي هيطلقك وترچعي لناسك اللي رموكي."
تحكمت آسيا في انفعالاتها بصعوبة وأظهرت البرود والثبات الأنفعالي. ثم حملت الصينية وتقدمت نحوها لتقف أمامها مباشرة وتبتسم بخبث متمتمة في لهجة شيطانية متعمدة حرق روحها كما فعلت للتو:
"وماله يطلقني أنا معنديش مشكلة بس أنتي اللي صعبانة عليا عشان لا كان ليكي فرصة قبل ما يتچوزني ولا بعد ما يطلقني هيبقالك فرصة."
احتقنت ملامح الأخرى، فابتسمت آسيا بتشفي وتابعت بقسوة أشد:
"ياريتك تبقي كيف رحاب أختك.. أختك الصغيرة على وش چواز وأنتي لساتك قاعدة عشان حاطة في دماغك أنه هيچي يوم ويبصلك فيه. نصيحة الحقي اتچوزي احسن ما تفضلي قاعدة وتلاقي العمر چري بيكي وتبقي بايرة والناس مبترحمش في زمنا ده."
ألقت عليها آسيا نظرة أخيرة كلها قوة قبل أن تبتعد وتغادر. فقابلت فور خروجها من باب المطبخ عفاف التي نظرت للطعام الذي تحمله باستغراب، وآسيا رمقتها بشر واستياء، ثم أكملت طريقها تجاه الدرج تقصد الطابق الثاني حيث غرفتها.
وصلت أمام الباب فحملت الصينية على يد واحدة للحظة وبسرعة فتحت الباب بيدها الأخرى ثم دخلت وأغلقت الباب بقدمها في هدوء. وجدته يجلس فوق الفراش ويستند عليه بظهره للخلف، ثم راح يتابعها بصمت وهي تسير نحوه حاملة الطعام. وعندما وصلت إليه انحنت ووضعت الطعام أمامه دون أن تتفوه بحرف واحد. فلاحظت نظراته الغريبة لها. لم تكن غاضبة أو عادية حتى، بل كانت محملة بعلامات الحيرة والتعجب. ففهمت ما يدور بذهنه وقررت تصحيح ظنونه على الرغم ما أنها صحيحة، لكنها هي التي تنكرها ولا تتقبلها. فقالت بعنجهية:
"أنا لو وافقت على اللي قولته قبل ما أنزل وأني هخدمك وعملتلك الوكل فده بس عشان أنا غلطانة صح ولازم اتحمل نتيچة غلطي بس مش عشان أنا خايفة منك طبعاً."
طالت نظرته الجامدة لها قبل أن يخفض رأسه تجاه الطعام ويبدأ في الأكل متمتماً ببسمة ساخرة:
"يعني أنتي مبتخافيش مني!"
عقدت ذراعيها أسفل صدرها وردت في ثقة مزيفة وتيه:
"أنت شايف إيه يعني."
نظر في عينيها بثبات وقال بهمسة تحمل بحة رجولية مربكة:
"أنا شايف الكدب في عنيكي."
اضطربت من رده وحين نظرت في عينيه الثاقبة ومقلتيه السوداء بتدقيق، توترت أكثر. فاشاحت بوجهها عنه بسرعة لا تعرف أتتهرب من نظراته أم من نفسها. لكنها أبت حتى إظهار تأثرها به وخشيت أن يلاحظ هذا. فتصرفت بطبيعية وكأنها لا تبالي به من الأساس واقتربت من الفراش تجلس على الحافة في الجهة المقابلة له. شعر هو أنها ليست طبيعية وأن هناك ما يزعجها أو يربكها، لكنه لم يكترث لها كثيراً وأكمل طعامه. لكن لحظات قصيرة وتوقف مجدداً عندما لمح السلاح على الأرض بجانب الفراش. فألقى عليه نظرة مطولة ثم نظر لها في نظرة عابرة وانحنى من فوق الفراش يمد يده إلى الأرض ليلتقطه ويمسكه بيده هاتفاً:
"ده لساته مكانه من ليلة امبارح."
نقلت عيناها بينه وبين السلاح، وعندما تذكرت أن بداخله مازال يحمل رصاص ورأته وهو يمسكه بطريقة خطرة، زعرت وخشت أن يصيب نفسه مجدداً دون قصد. فجذبته من يده بسرعة وقالت بصرامة:
"متمسكهوش لساته فيه رصاص."
رأى أنها توجهه نحوه دون وعي منها بسبب توترها الملحوظ. فمد يده لها وهو يهتف بغضب وحدة:
"بعديه من وشي إيه ناوية تجيبيها في نفوخي المرة دي.. هاتي اللي في يدك ده واوعاكي تمسكي السلاح تاني."
دهشت حين رأت نفسها توجهه صوبه بالفعل. ولوهلة لم تفهم سبب تصرفاتها الساذجة والهوجاء هذه، فهي لم تكن هكذا من قبل أبداً. لكنها لم تجادل معه بكلمة واحدة وأعطته له بكل طواعية وهدوء ليجذبه ويضعه فوق المنضدة الصغيرة المجاورة للفراش إلى حين انتهائه من طعامه.
ظلت تتمعنه بشرود وهو يأكل. وللحظة قذفت بذهنها عبارة بلال لها "بعد كل اللي عمله معاكي ده وعاوزة تقتليه". نزلت بنظرها لذراعه المصاب وتأملته بضيق. ولوهلة أصابتها عزة ندم وخوف في صدرها عندما تخيلت فكرة أذا أصابت الرصاصة مكان آخر بجسده.. وتحقق ما كانت تسعى له وقتلته. على الرغم من أنها كانت تريد فعلها وبشدة سابقاً، لكن لسبب ما تغضب من نفسها على فعلتها الآن حتى أن الراحة تغمرها لأنه لم يمت.
فاقت على صوته وهو يسألها وسط تناوله للطعام:
"أنتي فطرتي ولا إيه؟!"
اكتفت بهز رأسها بالنفي دون أن تتحدث. فأجابها هو بجدية:
"طيب أمال قاعدة بتتفرجي عليا ليه!.. كُلي."
أومأت له بالموافقة وتنهدت بعمق ثم بدأت تشاركه الطعام بعقل شارد وعينان ضائعة. وبعد دقائق قصيرة انتهوا من فطورهم فاستقامت هي واقفة وحملت صينية الطعام وقادت خطواتها للخارج لكي تذهب بها للمطبخ. وعادت له مجدداً فوجدته انتهى للتو من تناول دوائه ورجع بظهره للخلف لكي يرتاح، لكنه أمسك بذراعه فجأة متألماً عندما حركه دون قصد. فاقتربت منه وصعدت على الفراش بجواره، ثم جذبت وسادة كبيرة وقالت له بأسلوب جديد عليها:
"حاول ترفع يدك براحة."
رفعها ببطء منفذاً لما طلبته منه رغم أنه مندهش من تحولها الغريب. ثم وجدها تدس الوسادة أسفل يده هاتفة بنبرة صوت ناعمة تلقائية منها يسمعها للوهلة الأولى:
"خلي يدك إكده واسندها عليها هتريحك ومش هتحس بألم."
همس لها بنظرة ثاقبة تضمر خلفها معاني وشكوك كثيرة:
"رغم أني مش قادر استوعب بس اللي بتعمليه ده ملوش غير تفسير واحد وهو أنك ندمانة وحاسة بالذنب على اللي عملتيه."
تطلعت له ولبشرة وجهه البرونزية المميزة مع لحيته وشاربه وعينيه السوداء، فتوترت للمرة الثانية. فاستاءت وردت عليه بجفاء وخنق:
"مش أنت قولت هتخدمني وأنا أهو بنفذ أوامرك وكلامك عاوز إيه عاد."
ابتسم وتمتم بهدوء وهو يعتدل في جلسته قليلاً:
"معاوزش حاجة.. بس خليكي إكده علطول عاقلة وبتسمعي الكلام من غير عناد."
لم تجبه واكتفت بنظرتها الجامدة له قبل أن تستقيم واقفة وتتجه للحمام تاركة إياه يتساءل بحيرة حول أمرها المريب!!....
***
اندفعت جليلة تجاه غرفة ابنها تقصد فريال الموجودة بالداخل. ولم تتريث لتطرق الباب حتى بل فتحته على مصراعيه بعنف ودخلت. فوجدت فريال تلف حجابها وكانت تنوي الخروج. لكنها توقفت عندما رأت حماتها وهي تنظر لها بشراسة ونارية. ولم تلبث لتطرح عليها سؤال ماذا بها حتى وجدتها تثور عليها وتقبض على ذراعها بعنف صائحة بها:
"بتعملي إيه إهنه؟!"
فزعت فريال من هجومها المفاجيء عليها فردت عليها برقتها المعتادة وهي تنتشل ذراعها من قبضتها:
"چيت أشوف ولدي واطمن عليه.. بعدين ده لساته بيت چوزي."
صرخت بها جليلة مستاءة:
"افتكرتي دلوك أنك متچوزة.. چلال خلاص معدش ليكي ومش هيرچعلك فاهمة ولا لا يابت إبراهيم."
انفعلت فريال أخيراً وهتفت بحدة على الرغم من أنها لا تستطيع مجابهة قسوة ولا شراسة جليلة:
"لا مفهماش وملكيش صالح بينا وبعدي عني واصل."
استشاطت الأخرى واشتعلت بنيران الغيظ والغضب فراحت تصرخ بها بعصبية هستيريا:
"أنتي اتخبلتي في نفوخك هو إيه اللي مليش صالح ده ولدي.. فاكرة هسيبلك ولدي عشان تاخديه مني كمان وأنا مفضليش غيره.. أبوكي قتل چوزي وأخوكي ضحك على بتي وخلاها تسير معاه في طريق مفيوش منه رچعة وخدوتها مني هي كمان ودلوك فكرك هسيبلك چلال ده يبقى بتحلمي."
كانت تتراجع فريال للخلف بقلق من هجوم وصراخ حماتها عليها. ولم ينقذها منها سوى دخول جلال الذي ركض نحو أمه وأمسك بها هاتفاً:
"بتعملي إيه ياما؟!"
تطلعت لابنها في قوة وقالت ببأس:
"بوعي مرتك وبقولها على الحقيقة اللي نسيتها.."
ومتنساش أنت كمان أن دي هي اللي سابتك قصاد الكل وداست على كرامتك وادتك ضهرها.
كان مندهشًا من انفعال أمه الشديد وكلامها، لدرجة أنه وقف ساكنًا أمامها دون أن يتحدث. وبعد رحيلها بلحظات، كانت فريال تهم هي الأخرى بالانصراف في غضب وقهر، لكنه قبض على ذراعها يوقفها بسؤاله القوي:
_ رايحة وين؟
فريال بجفاء وثبات مزيف:
_ ماشية يا جلال.
ضيق عيناه ورد ساخرًا بسخط:
_ هتمشي تاني يعني؟
ردت عليه بصلابة وقسوة جسدتها بمهارة:
_ أنا مرجعتش عشان امشي من تاني أصلًا، أنا جيت عشان أشوف ولدي وأطمن عليه بس.
رغم كل ما فعلته وشعور الخذلان القاسي الذي سببته له، إلا أنه كان يأمل أن يسمع منها ردًا يهدأ من نيرانه ولو قليلًا. كان ينتظر أن يسمع قرار عودتها لمنزلها، وكان على استعداد أن يلغي زواجه بلحظة، غير مباليًا بأي شيء، لكنها فعلت وخذلته للمرة الثانية.
لمعت عيناه بوميض يحمل الخزي والغضب الحقيقي:
_ ولما أنتي مرجعتيش جيتي تنامي في حضني ليلة امبارح ليه؟
كانت سترد بكل عفوية وتقول بسبب شوقها له، لكنها تذكرت ما قالته أمه للتو وما تعرضت له من إهانة على لسانها، لتقول بخنق وبرود:
_ حقك عليا يا جلال، مكنتش أقصد.. غلطت يمكن، مكنش لازم آجي من الأساس.. أنا هاخد ولادي عشان يقعدوا معايا كام يوم لحد ما معاذ يخف، وبعدين هخليهم يرجعوا تاني.
وقف مصعوقًا أمام ردها واعتذارها منه، وتلك الكلمة التي تفوهت بها أنها أخطأت ولم يكن عليها التصرف هكذا، بل مجيئها لمنزلها من الأساس كان خطأ. هو حتى لم يعترض على رغبتها في أخذ أولاده لفترة قصيرة إلى حين تعافي ابنهم بسبب صدمته، وتركها تغادر وتتركه كما هو دون حركة.
***
استطاعت بصعوبة أن تهرب من تساؤلات عائلتها، وخلقت كذبة لوالدتها تبرر بها سبب خروجها. وعلى حسن حظها أن أخيها وأبيها لم يكونوا بالمنزل، وإلا لن يسمحوا لها بالخروج أبدًا إلا بعد تحقيق كامل عن أدق التفاصيل للمكان التي ستذهب إليه وما الذي ستفعله.
كانت تسير مع حبيبها بعدما اتفقوا على اللقاء، وكان هو يأخذها ولا تعرف إلى أين وجهتهم، حتى وصلوا أمام بناية مكونة من ثلاث طوابق. رغم أنها لا تفهم السبب الذي دفعه لجلبه لها لهنا، لكنها أكملت معه السير صامتة تنتظر منه توضيحًا، وصعدت درجات السلم داخل البناية حتى الطابق الثالث حيث تقتن شقته. لكنها عند هذه النقطة توقفت وسألته بتعجب وقلق:
_ هو أنت جايبني إهنه ليه يا سمير؟
التفت لها واقترب منها يمسك بيدها ويهمس مبتسمًا:
_ قلقانة ليه ياحبيبتي، هو أنا مش قولتلك مجهزلك مفاجأة؟
خلود بعدم فهم وحيرة:
_ طب وإيه علاقة المفاجأة بالشقة دي؟
اتسعت ابتسامته أكثر وقال غامزًا بنظرات لامعة:
_ الشقة دي هتكون شقتنا، عشان كده جيبتك إهنه عشان تشوفيها.
فغرت فمها بصدمة ونقلت نظرها بينه وبين باب الشقة في عدم استيعاب، وسرعان ما ارتفعت البسمة فوق ثغرها وردت:
_ بتتكلم صح يا سمير؟
أومأ لها بالإيجاب وجذبها من يدها معه، ثم وقف أمام الباب مباشرة ووضع المفتاح في القفل، ثم فتحه ودخل هو أولًا، وتبعته هي. وفور دخولها راحت تتفحص المنزل بنظرها وهي تبتسم باتساع مندهشة، بينما هو فأغلق الباب بهدوء واقترب منها، ثم لف ذراعه حول كتفيها وضمه لصدره هاتفًا:
_ إيه رأيك في الشقة عاد؟
رغم أنها كانت صغيرة نسبيًا ولم يكن بها أي أثاث سوى أريكة متوسطة بمنتصف الصالة، إلا أنها انبهرت بها. فنظرت له وقالت بسعادة:
_ جميلة قوي.
سار معها للداخل وهو يقول باسمًا:
_ تعالي هفرّجك على بقية الشقة.
تجولت معه داخل المنزل المكون من ثلاث غرف، وكانوا يخرجون من غرفة ويدخلون للأخرى، وبالأخير تفقدوا كل من المطبخ والحمام. وكانت هي في قمة سعادتها وشعورها بأنها داخل منزلها المستقبلي مع حبيبها، كان شعور لا يضاهيه شيء آخر. حتى أنها من فرط حماسها ارتمت عليه بتلقائية وعانقته وهي تهتف بفرحة:
_ البيت حلو قوي يا سمير وأنا فرحانة أنك جيبتني إهنه وخلتني أشوفه، ربنا يخليك ليا وعقبال ما نملأه مع بعض وعيالنا يرمحوا فيه.
ضمها إليه أكثر مبتسمًا بلؤم يضمره خلف قناع الغرام والعاطفة الذي يرسمهم فوق صفحة وجهه، وتمتم:
_ يارب ياروح قلبي قريب إن شاء الله.
ابتعدت عنه بسرعة وطالعته بعينان لامعة كلها دهشة وفرحة:
_ صح خلاص هتتقدملي؟
هز رأسه بالإيجاب وقال:
_ أيوة، أنا مقدرش أعيش من غيرك، بس لسه في كام حاجة معايا هظبطها وبعدين هاجي أتقدملك طوالي، يعني قربنا. بس لحد الوقت ده إيه رأيك لو نتقابل إهنه على طول؟
تلاشت ابتسامتها وقالت بخوف بسيط:
_ بس أنا أخاف أحسن حد يعرف حاجة وإني باجي إهنه معاك، دول يقتلوني فيها يا سمير والله.
حاوطها بذراعيه وقال بنبرة رجولية قوية تحمل الأمان كما تسميه هي:
_ متقلقيش محدش هيعرف حاجة، إحنا إهنه محدش هيقدر يشوفنا، لكن لما نتقابل بره وقتها ممكن حد يشوفنا صح. وحتى لو حد عرف أنا مش هسمح لحد يقربلك واصل ولا يأذيكي، متخافيش.
ابتسمت له بعشق وعينان تلمع بوميض العاطفة الجياشة، فبادلها هو الابتسامة المحبة وانحنى عليها يلثم وجنتها بعمق، ثم ضمها لصدره يستمتعان معًا بلحظات محرمة منغمسين في ملذاتهم القذرة.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي.....
كانت إخلاص تقود خطواتها الثائرة تجاه غرفة عفاف تتوعد لها، فنيران صدرها المتأججة لم تهدأ منذ مغادرتها لغرفة ابنها بعد شجارها مع آسيا، وما قالته لها عن زوجها وزوجته جعلتها تمامًا كالبركان الذي يتوق للحظة المناسبة حتى ينفجر ويطلق حممه البركانية على الجميع.
فتحت الباب على مصراعيه ودخلت وهي ثائرة، ثم اندفعت نحو عفاف التي انتفضت واقفة بفزع بعدما رأت اقتحامها المفاجئ، ولم تمهلها اللحظة لتسألها أو حتى توبخها على دخولها بهذه الطريقة، حيث صرخت بها إخلاص:
_ بقى أنتي بتحرضي جوزي عليا عشان يطلقني؟
سكنت عفاف مندهشة تفكر كيف عرفت بتلك الأمور، وهي لم تتحدث بها مع أحد سوى مع زوجها وداخل غرفتهم أيضًا. لكن إخلاص دفعتها بيدها في عنف صارخة بها بكل شراسة:
_ فاكرة روحك مين ده، أنتي خطافة رجالة.. أنتي وناسك مكنتوش لاقيين اللقمة ولفيتي على جوزي كيف الحية عشان يتجوزك.
اغتاظت عفاف بشدة واشتعلت نظراتها بلهيب الغضب، فصاحت بإخلاص في قرف:
_ جوزك اتجوز عليكي وبص بره عشان أنتي مكنتيش مالية عينه ولا مكفياه، ودلوقتي هيطلقك عشان معدش ليكي لازمة ولاقي الست اللي مريحاه.
احتقن وجه إخلاص بالدماء وأصبح لونه أحمر من فرط الغيظ، حتى أنها فشلت في التحكم بانفعالاتها، فغارت على الأخرى تجذبها من خصلات شعرها صارخة بها:
_ لما تشوفي حلمة ودنك وقتها ده ممكن يحصل.. عاوزاه يطلقني وتخليه يكره عياله عشان يكتبلك أنتي وولدك كل حاجة بعدين.. يا**** ده أنا آخد روحك بيدي وأخلص منك واصل.
حاولت نزع شعرها من قبضة إخلاص، لكنها فشلت، فصرخت بصوت مرتفع تستنجد بزوجها:
_ يا إبراهيم الحقني.. إبراهيم إخلاص عاوز تقتلني.
كان هو يجلس بالطابق الأرضي مع ابنه الصغير بلال، لكنهم انتفضوا بزعر على أثر صراختها المستنجدة، فوثبوا واقفين وأسرعوا تجاه الدرج يقصدون الطابق الثاني. كان الأقرب عمران الذي غرفته كانت بنفس الطابق، وحين سمع الصراخ هب واقفًا بهلع وأسرع للخارج شبه ركضًا، بينما آسيا فابتسمت بخبث فور سماعها لصراخ عفاف وجذبت حجابها وألقته فوق شعرها، ثم لحقت بزوجها لتقف تتمتع نظرها بذلك المشهد الجميل.
ركض عمران تجاه أمه حين وجدها قابضة على شعر زوجة أبيه بعنف تكاد تقتلعه بين أصابعها وسط صراخها بها. حاوط أمه بذراعيه وأبعدها عنوة عنها بعدما أفلت قبضتها وهو يصيح بغضب:
_ إيه اللي بتعمليه ده ياما!
لم تكترث إخلاص لشيء، وحتى وسط محاوطة ابنها لها كانت تنضح بالشراسة، حيث رفعت سبابتها بوجه عفاف تهددها:
_ صدقيني مش هسمي عليكي ياعفاف، خليكي بعيدة عني وعن عيالي أحسنلك.
وصل إبراهيم فوقف ونقل نظره بين زوجاته مصدومًا، ثم صرخ بهم:
_ إيه اللي بيحصل ده!
اقترب بلال من أمه التي كانت تبكي أمامهم بضعف مزيف وقلة حيلة، ثم ضمها لصدره متمتمًا:
_ في إيه ياما اهدي.. أنتي زينة؟
اشتعلت نظرات إبراهيم بالسخط الشديد عندما رأى حالة زوجته المزرية، فنظر لإخلاص بحدة، ثم اندفع نحوها وجذبها من بين ذراعي عمران يتجه بها نحو غرفتهم. كان بلال يرمق زوجة أبيه بخنق وغيظ، لكنه تمالك انفعالاته ولم ينطق ببنت شفة، كما هو الحال مع عمران الذي وقف مكانه مندهشًا مما يحدث أمامه وعيناه عالقة على غرفة والديه المغلقة.
على العكس تمامًا كانت السعادة والتشفي تلع بعين آسيا وهي تتطلع لعفاف. كانت هي وحدها التي تتمكن من رؤية الزيف ودموع التماسيح التي تخدع بها الجميع، وتنظر في عينيها بشيطانية في نظرات ثاقبة كلها وعيد ونقمة. وتذكرت تلك الليلة التي كانت في طريقها للمطبخ بالأسفل ومرت من جانب غرفتها، فسمعت حوارها مع إبراهيم....
كان إبراهيم يهتف بغضب:
_ اتجننتي في نفوخك ياعفاف، عاوزاني أطلق إخلاص؟
ردت الأخرى عليه بلؤم:
_ لازم تطلقها، صدقني لو إخلاص عرفت أنك أنت اللي قتلت خليل مش بعيد هي بنفسها اللي تسلمك لناس خليل صفوان.
صاح بها بعصبية:
_ بلاش تخرفي بالكلام ياعفاف واعقلي كلامك زين.. بعدين هو مين اللي وزني وفضل ينخر في راسي ويسخن في ناري أكتر وخلاني أعمل كده وأقتل خليل.. مش أنتي برضك!
فاقت من شرودها على صوت عمران وهو يقول بلهجة صارمة:
_ يلا اتحركي.
هزت رأسها له بالموافقة في صمت وأرسلت نظرة أخيرة لعفاف كانت مرعبة جعلت الأخرى ترتعد منها، وهي لا تفهم سبب تلك النظرات المريبة. أما آسيا فتحركت وعادت لغرفتها ولحق بها عمران.
***
داخل غرفة إخلاص وإبراهيم.....
صاح بها منفعلًا:
_ إيه اللي بتعمليه ده.. مش مكسوفة قصاد ولدك والعيال تعملي كده وتصغري روحك؟
اقتربت منه إخلاص وابتسمت بمرارة تقول في حرقة:
_ إيه محموق عليها قوي ليه يا إبراهيم.. ولا أنت مبتستحملش الهوا على حبيبة قلبك؟
صرخ بها في غضب هادر ليعيدها لصوابها:
_ إخلاص.
ضحكت ساخرة وتابعت بألم يظهر في نبرة صوتها، لكن حاولت البقاء صامدة أمامه:
_ من اتنين وعشرين سنة لما عرفت أنك اتجوزت عليا وجبتهالي إهنه في البيت عشان تعيش معايا أنا كنت، ومن كتر القهر والحزن سقطت، وولدك ده كان راجل وعنده 11 سنة وفريال كانت خمس سنين، واستحملت ومطلبتش الطلاق عشان عيالي وكملت معاك. عشان دلوقتي ألاقيك أنت اللي عاوز تطلقني. ياريتني أنا اللي عملتها يا إبراهيم من زمان.
أنا صغرت نفسي صح بس لما سكت عشان عيالي واستحملت جوازك عليا.
اتسعت عيناه بذهول وقال:
_ مين اللي قالك الكلام ده وطلاق إيه!
لم تجيبه وابتسمت باستهزاء وخزي.
فتابع هو بجدية وانزعاج:
_ طلعي الوساوس دي من دماغك يا إخلاص ومتسمعيش لأي حاجة. أنا مش هطلقك ومش هيحصل، أنتي ست البيت هنا وأم عيالي. بلاش تعملي الحركات دي تاني يا غالية وتقللي من نفسك قصاد الكل.
استدارت وولته ظهرها بعينان غارقة بالدموع، بينما هو فتأفف بخنق واستدار ثم انصرف وتركها تبكي بصمت.
بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل داخل غرفة عمران.
ذهب لساعات قليلة لكي يتفقد العمل وعاد مجددًا للمنزل. فتح باب غرفته ودخل ثم أغلق الباب خلفه مجددًا وتقدم نحو كبس الكهرباء ليشعل الإضاءة. وعندما امتلأت الغرفة بالنور وقعت نظراته على الفراش فوجدها نائمة بثبات عميق. تنهد بقوة ثم توجه نحو الخزانة وأخرج ملابس له وبدأ في تبديل ملابسه.
إلا أنه تألم عندما ضغط على جرحه وحرك ذراعه بعنف دون وعي منه.
انتهى أخيرًا بعد معاناة واقترب من الفراش ليتسطح بجسده فوقه بجوارها. وكان على وشك أن يضع رأسه فوق الوسادة ليخلد للنوم لكنه تسمر عندما سمع همهمات غير مفهومة منها. وكانت أصابع يدها تتحرك في حركة لا إرادية قوية أشبه بالارتجاف.
فاقترب منها وانحنى عليها يحاول فهم ما تتمتم به أثناء نومها ليسمعها تقول بنبرة صوت مرتعشة:
_ بعدوا عني أنا معملتش حاجة.
أخذت تردد تلك العبارة وعيناها تلقائيًا تذرف الدموع.
لم ينتظر أكثر من ذلك خشية من أن يسوء وضعها حيث هتف بصوت رخيم:
_ آسيا اصحى.. آسيا.
لم تستيقظ فمد يده وهزها بلطف وسط همسه باسمها وهو يقول:
_ آســيـا فوقي!
فتحت عيناها دفعة واحدة وانتفضت جالسة مفزوعة وهي تتنفس بعنف كأنها كانت غارقة بأعماق البحر. ارتدت للخلف في الفراش مبتعدة عنه وهي ترتجف بخوف وعيناها تذرف الدموع بغزارة حتى امتلأ وجهها.
فلوهلة ظنته أحد أفراد عائلتها وأنها مازالت داخل كابوسها.
لم يتحرك أنشأ واحدًا وبقى ثابتًا بمكانه حتى لا يصيبها بالزعر أكثر.
وقال في خفوت:
_ أنا عمران اهدي.
أدركت الوضع من حولها وأن ما عاشته للمرة الثانية منذ قليل كان كابوس. فأخذت عيناها تدور بحركة سريعة وضائعة في أرجاء الغرفة وعلى وجهه حتى انهارت قواها كلها. فراحت تدفن وجهها بين راحت يديها تبكي بنحيب مرتفع وجسدها كله تعتليه نفضة عنيفة كل لحظة والأخرى.
استغرق لحظة مندهش من حالتها ثم اقترب منها وملس على ذراعها بدفء غير مقصود هاتفًا:
_ ده كابوس وراح لحاله خلاص اهدي محدش هيقدر يقربلك أنا جارك.
رفعت وجهها الغارق بدموعها عن كفيها وطالعته بنظرة منكسرة وعاجزة.
بلحظة انتابها شعور الاحتياج وصرخ عليها صوت بعقلها أن تفعلها دون تردد. فوجدت نفسها منصاعة لا إراديًا خلف مشاعرها اللحظية وارتمت عليه تلف ذراعيها حول خصره وتدفن وجهها بين ثنايا صدره وهي تبكي بصمت.
لم تمهله اللحظة ليتعجب من تلك النظرات التي يراها لأول مرة بعيناها حتى وجدها تلقي بجسدها بين ذراعيه تعانقه بكامل رغبتها.
استحوذ عليه السكون التام للحظات وهو يشعر بارتجاف جسدها بين ذراعيه. فلوى شفتيه بقلة حيلة ولف ذراعه حولها وهو يمسح فوق ظهرها بلطف.
ضغطت من دون وعي منها على ذراعه المصاب فسمعت تأوهًا بسيطًا مكتومًا منه.
ابتعدت عنه بسرعة وهمست باعتذار وهي تتهرب بنظراتها منه بعدما أدركت فعلتها السخيفة:
_ آسفة مكنتش اقصد.
انحنى عليها ومد يده خلفها على المنضدة يلتقط كوب المياه ثم يعطيه لها هاتفًا:
_ خدي اشربي.
اضطربت وتسارعت نبضات قلبها للحظة عندما وجدته ينحني عليه. لكنها هدأت بعض الشيء بعدما أعطاها الماء والتقطته ثم شربت الكوب كله وهي تحاول التحكم بيدها المرتعشة.
يكفي ما فعلته منذ قليل يبدو أنها فقدت عقلها تمامًا لكي تعانقه.
سمعته يسألها بملامح وجه حازمة:
_ شافوا الصور إزاي ناسك!
تركت كوب الماء من يدها ووضعته فوق المنضدة مجددًا وهي تهمس:
_ خلود.
اتسعت عيناه بصدمة ورد في نبرة رجولية غليظة:
_ بت عمك هي اللي عملت كل ده.
هزت رأسها بالإيجاب وهي تقول بابتسامة تنضج بالشر والوعيد:
_ كانت عاوزة تأذيني بأي طريقة من كتر غيرتها مني وكرهها ليا. متعرفش أنها فتحت على روحها طاقة جهنم باللي عملته معايا.
هتف بغضب ونظرات حادة:
_ ولما أنتي عارفة أن هي اللي عملت إكده ساكتة ليه لغاية دلوك ومقولتليش.
ابتسمت وقالت ساخرة في نظرات شرسة تلمع بشرارة الانتقام:
_ هتعملها إيه يعني ياعمران لو قولتلك. كنت قادرة أقول لناسي من قبل ما اتجوزك أن خلود هي اللي عملت إكده بس إذا كان محدش منهم صدقني وأنا بحلف وبترجاهم يصدقوني أني معملتش حاجة وده كدب. هيصدقوني لما أقولهم خلود ورا الصور دي.
صاح بعصبية وعينان بها نظرات مخيفة:
_ كنت هعمل كتير دي بت **** وكانت هتوقع رقاب بسببها وهتقوم حرب من تاني بينا. كنت هخلي ناسك اللي سلموكي ليا وأنتي وشك كله ورمان ومتبهدل من كتر الضرب يربوا بتهم زين.
ابتسمت وقالت بشيطانية وبرود غريب:
_ أنت فاكرني نسيت وهسيب حقي. تبقى متعرفنيش. قبل شوية قولتلك هي فتحت طاقة جهنم على روحها وناري هتاكلها.
هتف بها بنبرة منذرة واستياء:
_ أنتي متعمليش حاجة أنا عارف هعمل معاهم إيه زين.
فغرت شفتيها بدهشة وسرعان ما التهبت نظراتها لتهتف:
_ ملكش صالح ياعمران ده حقي أنا وأنا اللي هاخده منها.
قال ساخرًا منفعلًا:
_ حقك هتاخديه كيف. هتروحي تقتليها هي كمان!
احتقن وجهها بالدماء وصابت نبرة صوتها غصة مريرة وقالت تترجاه بجدية وصوت مقهور:
_ عمران متخلنيش اندم أني قولتلك. متعملش حاجة وملكش صالح أنا هاخد حقي منها. عاوزة ارد كرامتي وشرفي قصاد الكل واطفي النار اللي في قلبي ومتخافش مش هعمل حاجة تمسك. دي هتكون حرب بيني وبينها بس.
سكن وطالت نظراته الصامتة لها وهو يفكر بتردد حتى تأفف بالأخير في نفاذ صبر وقال مستسلمًا لكن بنبرة محذرة ونظرة تعلم عواقبها جيدًا:
_ كل حاجة هتعمليها هبقى على علم بيها ولو فكرتي تداري حاجة عليا ياويلك.
تنهدت وهزت رأسها له بالموافقة مجبرة وهي تلوى فمها بضيق. ولوهلة انتابها شعور الندم أنها أخبرته الآن.
بصباح اليوم التالي داخل غرفة فريال.
دخلت إخلاص غرفة ابنتها فوجدت حفيدها الكبير معاذ يقود خطواته للخارج فانحنت عليه وقبلته من شعره. ثم انتظرته حتى غادر ودخلت وأغلقت الباب ثم اقتربت من ابنتها وجلست بجوارها فوق الفراش تهتف بغضب:
_ كنت بتعملي إيه عنده يافريال الليل كله وچيتي الصبح.
ردت على أمها بهدوء غريب وجدية:
_ ولدي كان تعبان ياما اسيبه يعني واقعد هنا. روحت اشوفه واخدت الليلة هناك عشان مسبهوش لحاله وهو عيان. بعدين أنا مكنتش مع حد غريب ده جوزي.
صاحت بها إخلاص منفعلة:
_ جوزك مسألش عليكي من وقت ما جيتي هنا حتى ما هان عليه يجي ويحاول يرجعك ومش عاوز يديكي عيالك. ومتنسيش كمان إنك هتطلقي منه.
فريال برفض تام وشراسة:
_ أنا مش هطلق ياما وقولي لأبوي الكلام ده. أنا بحب جوزي ودي مشكلة بينا وهنحلها قريب.
صاحت بابنتها في جفاء:
_ وأنا ملقيتش بتي في الشارع عشان اسيبها ترجع البيت ده تاني ومع جليلة ولا جوزك اللي مش فارقة معاه. خلاص يافريال انسي جلال واعتبريه صفحة واتقفلت.
اتسعت عيني فريال بصدمة من كلمات أمها وقسوتها في الحديث معها وكادت أن تجيب عليها لكن انفتح الباب وظهرت آسيا التي توقفت ونقلت نظرها بينهم بصمت وببعض الإحراج المزيف أنها قطعت حديثهم لكنها كانت متعمدة ولم يكن دون قصد منها.
رمقتها إخلاص بنظرة نارية وصاحت بها:
_ بتعملي إيه هنا وداخلة من غير ما تخبطي ليه.
بدت آسيا هادئة وهي تتطلع بحماتها في ثبات انفعالي مستفز وسط بسمتها الصفراء.
فردت فريال على أمها خنقها:
_ ياما خلاص اطلعي وسيبني أنا مش قادرة اكمل كلام معاكي في الحديث ده تاني.
نظرت إخلاص لابنتها بغيظ ثم استقامت واقفة واندفعت للخارج بعدما نظرت لزوجة ابنها في قرف.
فتنهدت آسيا ودخلت ثم أغلقت الباب ونظرت لفريال تقول مبتسمة:
_ مفيش شكرًا أني أنقذتك.
ضحكت فريال مغلوبة وردت مبتسمة:
_ خير يا آسيا ياترى المرة دي جاية تطلبي إيه!
فهمت ما ترمي إليه وأنها تذكرها بآخر مرة كانت بغرفتها وتطلب منها ادوات التجميل لتخفي آثار التورم في وجهها بسبب خوفها من عمران.
فزفرت آسيا باسمة وهي تهز رأسها بخنق ثم ردت بجدية:
_ جيت اطمن على معاذ.
فريال بنبرة عادية ورقيقة:
_ الحمدلله بقى احسن ولسا يدوب خرج نزل يقعد مع جده تحت وعمار في المدرسة.
هزت رأسها بتفهم وراحة تلوح بشائرها على ملامحها ثم استدارت وكانت ستهم بالانصراف مجددًا.
لكن فريال أوقفتها هاتفة:
_ تعالي اقعدي يا آسيا عاوزة اتكلم معاكي.
التفتت لها وضيقت عيناها بحيرة ثم اقتربت وجلست على حافة الفراش بجوارها وتطلعتها بصمت تنتظر منها أن تبدأ في حديثها وما تريد التحدث عنه معها.
فقالت فريال بنظرة ثاقبة وجادة:
_ أمك كانت بتقول عمران ضحك عليكي وأنتي مشيتي وراه وكلام غريب إكده. كانت تقصد إيه!
استحوذ الصمت المرير على آسيا وراحت تتطلع في وجه فريال مبتسمة بخزي لتقول:
_ هي قالتلك إكده!
امسكت فريال بيد آسيا في لطف وقالت بنبرة وديعة وصادقة:
_ قوليلي إيه اللي حصل واوعدك مش هقول حاجة يا آسيا فهميني بس إيه اللي بيحصل.
تنهدت آسيا وقالت بخفوت:
_ أخوكي هو اللي مش عاوز حد يعرف يعني لو قولتلك متجيبيش سيرة لحد واصل في البيت عشان محدش يعرف غير أبوكي وبلال.
رغم أن القلق تسرب لصدر فريال إلا أنها هزت رأسها بالموافقة عدة مرات متتالية وبنظرات قوية.
ثم أخذت تستمع لسرد آسيا وهي تخبرها بما حدث وبأمر الصور وكيف انتهي المطاف بها زوجة لأخيها.
بقت فريال في حالة صدمة بعدما انتهت آسيا من الحديث وظلت تحدق بها بعدم استيعاب حتى قالت في غضب حقيقي:
_ وهما كيف صدقوا الكلام الفارغ ده وچلال كيف صدقه!
دي حاجة متدخلش العقل من الأساس، لا عمران ولا انتي تعملوا حاجة كيف كده.
طالت نظرات آسيا الموجوعة لفريال وهي تتمعنها ببسمة مريرة وعينان دامعة حتى قالت بالأخير في قهر وهي تضحك وسط دموعها:
"انتي الوحيدة اللي تقولي الكلام ده يافريال، محدش صدقني ولا وقف جاري. كنت مستنية واحد بس منهم ينصرني ويقول لا آسيا متعملش كده، بس كلهم صدقوا."
لانت نظرات فريال واشفقت عليها عندما شعرت بألمها وحرقة قلبها الحقيقية، فاقتربت منها وضمتها لصدرها تربت على ظهرها بلطف متمتمة في خنق:
"وشك اللي كان ورمان وكله أزرق هما اللي عملوا فيك كده، صح؟"
اكتفت آسيا بهز رأسها بالإيجاب دون أن تقوى على التحدث.
فأبعدتها فريال عنها وقالت بنقم:
"خلود اللي عملتها!"
جففت آسيا دموعها وسألتها بتعجب:
"عرفتي كيف؟"
فريال بقرف:
"مفيش غيرها هي وأمها اللي يعملوا الحركة القذرة دي."
كادت أن تجيب آسيا عليها لكن قطع حديثهم صوت طرق الباب المصحوب بصوت بلال وهو يقول:
"فريال."
استقامت آسيا واقفة وهي ترمق فريال مبتسمة بامتنان. بين فريال فقالت بجدية ودفء:
"شوية وهبقى أجلك الأوضة ونكمل كلامنا."
اماءت لها بالموافقة واتجهت نحو الباب ثم فتحته. ارتد بلال للخلف يفسح لها الطريق عندما رأى زوجة أخيه تخرج من غرفة أخته وكان يغضن حاجبيه بحيرة. أما آسيا فلم تنظر له حتى ومرت من جانبه تقود خطواتها نحو غرفتها.
فتحت باب غرفتها ودخلت فوجدته يقف ويحاول ارتداء ملابسه لكي يذهب للعمل، لكن كان يجد صعوبة بسبب يده المصابة. فبقت مكانها تتابعه بصمت وألف صوت بعقلها يدور حول هل تقترب وتساعده أم لا. رغم أن جانب من قلبها يصرخ أن تفعل، لكنها أبت ورفضت استسلامها وخنوعها أمامه.
وبينما كانت منشغلة بصراعاتها الداخلية وهي شاردة انتشلها هو بصوته المنزعج وهو يقول بلهجة آمرة:
"تعالي ساعديني بدل ما انتي واقفة تتفرجي كده.. مش انتي السبب في اللي أنا فيه ده."
رغم فظاظة وقسوة كلماته وأسلوبه التي لو كانت بموقف ووقت آخر ربما كانت انزعجت منها ونشب شجار بينهم الآن، لكنها لم تكترث لأي شيء وعلى العكس تمامًا شعرت ببعض السعادة الداخلية وكأنها وجدت الحجة لتساعده وأن الأمر صدر منه هو ولن تستطيع عصيان أوامره. لن تشعر بتأنيب الضمير فهو من أجبرها وأمر!
تقدمت نحوه بهدوء ووقفت أمامه ورغم فرق الطول بينهم إلا أنها حاولت مساعدته برفق وهي تقول بعنجهية وبرود تتعمد إثارة غضبه:
"انت لو مكنتش حاولت تقربلي مكنتش هعمل كده."
أدرك حيلتها الذكية ولم يناولها مبتغاها حيث رد عليها باستهزاء وخبت:
"اللي شايفه أن انتي اللي بتقربي مني مش أنا. لما نمتي على كتفي ولما شيلتك ولقيتك بتنامي في حضني ومرتاحة ولما كنتي على السلم وسندتك وأنتي دخلتي بين إيديا وكنت في حضني وامبارح لما حضنتيني."
كان هو يرتدي ملابسه بمساعدتها أثناء حديثه وهي لا تتطلع له فقط تقوم بمهامها وهي تشتعل من الغيظ. ورغم ارتباكها وخجلها من الحقيقة التي صفعها بها بوجهه وهو أنه بدأ يلقي بتعويذته عليها والسحر انقلب على الساحر إلا أنها لم تظهرها له. وعند آخر عباراته كانت هي على وشك الانتهاء فقالت مغتاظة:
"كل دول أنا كنت تعبانة ومكنتش في وعي وانت استغليت الفرصة يامستغل."
رأته يضحك بقوة في سخرية واضحة فاشتعلت من الغيظ أكثر وراحت عن عمد وهي تساعده في ارتداء آخر ذراع من العباءة وهو ذراعه المصاب وضغطت عليه بغيظ فاصدر هو تأوهًا أشبه بزئير الأسد. ثم وجدها تتطلع بعينيها في شراسة وهي تهندم له ملابسه بلطف وتربت فوق صدره متمتمة:
"بالشفاء يامعلم."
ثم ابتعدت عنه وهمت بالاستدارة لكنه قبض على ذراعه باستياء وجذبها إليه لتصطدم بصدره. وكانت تحلق في السماء حولهم بشائر شجار تقليدي إلا أن طرق الباب جعلها تبتسم له ببرود وتنزع قبضته عن ذراعها متمتمة بكل رقة لا تناسب الأجواء المشتعلة أبدًا:
"هروح أفتح."
كان يشتعل غيظًا منها لكنه تمالك انفعالاته وتصنع الهدوء ينتظر ليرى هوية الطارق.
وقفت آسيا أمام الباب وفتحته لتقابل أمامها تلك الفتاة التي لا تطيقها وهي شقيقة رحاب أي ابنة عمته الكبيرة والتي خاضت معها بصباح الأمس حرب باردة داخل المطبخ. وحين أخفضت نظرها قليلًا سقطت عيناها على صينية الطعام التي تحملها فوق يديها وفوقها أصناف مختلفة من الطعام الشهي. فعادت آسيا بنظرها لوجهها وطالعتها بابتسامة مستنكرة لا تفهم سبب قدومها لغرفتها بهذا الطعام لتقول لها بامتعاض ونبرة تحمل السخرية وهي تحاول الابتسام:
"ليه تعبتي روحك أنا مش جعانة وكنت هنزل أفطر تحت معاكم."
ردت الأخرى عليها في لؤم وازدراء وهي تبتسم بغنج:
"لا الوكل ده مش ليكي يا آسيا.. ده لعمران أنا عملته بيدي عشانه."
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى محمود توفيق
الابتسامة المتكلفة التي رسمتها بصعوبة فوق صفحة وجهها منذ قليل تلاشت تدريجيًا بعد العبارات الأخيرة التي تفوهت بها تلك المرأة التي أمامها، وتحولت نظراتها الباردة إلى أخرى مريبة تحمل الغموض لكنها ليست طبيعية أبدًا وتثير القلق في النفوس.
التفتت برأسها على أثر صوت زوجها الذي كان يقف على مسافة بعيدة نسبيًا عن الباب وهو يقول بعذوبة:
_ كيفك يامنى؟
أشرق وجه الأخرى بابتسامة عريضة كادت تشق طريقها لأذنها وقالت في رقة:
_ بخير الحمدلله ياعمران.. حمدلله على سلامتك ربنا سترها وجات سلامات.
أنهت عبارتها بنظرتها الماكرة لآسيا التي كانت هادئة بشكل غريب تعقد ذراعيها أسفل صدرها وتكتفي بنظراتها الثاقبة لمنى، بينما الأخرى سحقت آسيا وعبرت من الباب حتى أنها دفعتها بخفة بطرف كتفها أثناء عبورها. وسارت تجاه الفراش ثم وضعت الطعام وقالت وهي تبتسم لعمران بوداعة:
_ مرت خالي كانت هتعملك الوكل وتجبهولك بس أنا قولتلها هعمله وأطلعه ليه.
كانت آسيا تقف عند الباب تتابع تلك الأفعى بنظرات نارية. هناك رغبة جامحة في ثناياها تريدها أن تهجم عليها وتمزقها لأشلاء، لكنها تتمالك نفسها حتى لا تترك له الفرصة للشك بها. تابعته وهو يجيب عليها بود:
_ ليه تعبتي نفسك يامنى؟
ردت بدلال مبتسمة:
_ متقولش كده تعبك راحة ياعمران والله.
طفح كيلها ولم تعد تتحمل أكثر، فلو صمدت للحظة أخرى وهي ترى الخبيثة تدلل عليه أمام مرأى عينيها ستخنقها بيدها. تحركت بخطواتها الهادئة على عكس الثوران الذي بصدرها وقالت وهي تبتسم بصعوبة لها محاولة إظهار اللطف لكن نظرات عينيها كانت كلها وعيد وتحذير:
_ تسلمي يامنى تعبتي روحك.. روحي شوفي مرت خالك كانت بتنده عليكي شكلها عاوزاكي في حاجة مهمة وابقي بلغيها سلامي وقوليلها متتعبش روحها هي كمان.
رغم أن عمران لم يفهم الألغاز التي كانت تتحدث بها إلا أن منى فهمتها جيدًا وهزت رأسها مبتسمة في لؤم ثم نظرت لعمران وقالت بنعومة:
_ بالهنا والشفا.
أرسل لها ابتسامة عذبة ثم استدارت وانصرفت هي للخارج، فاندفعت آسيا نحو الباب وصفعته خلفها بعنف وهي تجاهد في البقاء هادئة لتسمعه يسألها بجدية:
_ تقصدي إيه باللي قولته من شوية؟
استدارت بجسدها له وابتسمت ببرود مزيف ثم أردفت بخبث دفين:
_ هي فهمتني زين متشغلش بالك أنت.
تقدم نحوها حتى وقف أمامها مباشرة ونظر في عينيها الواسعة بتدقيق وقال بصوت غليظ:
_ فهمت إيه؟
بالعادة تتوتر وتضطرب عندما ينظر لعيناها بتلك الطريقة، لكنها الآن كانت تشتعل من الغيظ لدرجة أنها لم تبالي بشيء ونظرت هي الأخرى بعينيه في قوة وتمتمت باسمة في نبرة أنثوية رقيقة:
_ دي مواضيع حريم ياعمران. ملكش صالح بيها يعني متوجعش دماغك على الفاضي.
رفع حاجبيه ورمقها بحيرة وبعض الدهشة، لكن سرعان ما قال بلهجة حازمة ومنذرة:
_ مش عاوز مشاكل يا آسيا فاهمة ولا لا. أنتي بقيتي عارفاني زين وطالما نبهت عليكي معنى كده أن لو حصل عكس اللي قولته مش هيحصل طيب.
كانت مازالت تحتفظ بابتسامتها المزيفة واكتفت بها دون أن تجيب عليه، بينما هو فهندم من عباءته بذراعه السليم وقال لها في نبرة رجولية:
_ كلي أنتي الوكل ده.. أنا مش جوعان هبقى أكل في الوكالة.
لمعت عيناها بفرحة داخلية واتسعت ابتسامة ثغرها أكثر لتقول:
_ أيوة أنا كنت جوعانة قوي هبقى آكل منه. حرام المسكينة تعبت روحها وعملت مينفعش ننزلها الصينية كيف ما طلعتها.
رمقها بتعجب من ردة فعلها الغريبة وسعادتها حتى طريقتها المشفقة والودودة وهي تتحدث عن ابنة عمته. ألقى عليها نظرة قوية وغير مطمئنة قبل أن يتحرك من أمامها وينصرف ويتركها تقف تتطلع بنظراتها الملتهبة للطعام عاقدة ذراعيها أسفل صدرها.
***
بعد رحيل عمران بعشر دقائق تقريبًا قادت هي خطواتها تجاه المطبخ بالطابق الأرضي وتحمل صينية الطعام فوق يديها. ويعتلي ملامح وجهها ابتسامة شرسة ونظرات مخيفة. وصلت إلى المطبخ وقبل أن تدخل توقفت حين رأت منى بالداخل وكانت تتحدث في الهاتف. بقت واقفة تنتظرها أن تنتهي من مكالمتها وفور انتهائها والتفات منى لها. استقرت في عين الأخرى نظرة ماكرة لكن سرعان ما تبدلت عندما رأت الطعام كما هو فوق يدين آسيا التي ضحكت بصمت في خبث وتحركت بكل تريث وبرود تجاه سلة القمامة وسكبت الطعام بها ثم وضعت الصينية فوق رخامة المطبخ والتفتت بجسدها تجاه منى التي كانت تشتعل من الغيظ وقالت لها مبتسمة بنظرة شيطانية:
_ عمران مبيحبش ياكل من يد أي حد غير أمه ومؤخرًا أنا.. عشان كده قولتلك تعبتي روحك على الفاضي. يلا مش مهم أديكي عرفتي.
كانت قسمات وجه الأخرى المختنقة تتحدث بدلًا عن لسانها، أما آسيا فكانت تتابعها بتشفى وخبث ثم اقتربت منها ووقفت أمامها مباشرة تقول بلهجة مخيفة وتحدثت بتحذيرات ليست مباشرة لكنها وصلت لعقل منى جيدًا وأدركتها:
_ هحكيلك قصة يمكن تفيدك. كان في ست عينها من راجل والراجل ده كان متجوز وكانت هي عاوزة تلف عليه وهو مش معبرها ورغم أن مرته حذرتها بس هي متعظتش. بعد كده الناس عرفت ورغم أن الكل عارف بالمشاكل اللي بين الراجل ومرته اللي محدش بيحبها بس أول ما عرفوا اللي ست دي بتعمله وقفوا في صف مرته وقالوا على الست دي حاجة واحدة.. ست لا مؤاخذة وبعد كده هي لا لحقت بلح الشام ولا عنب اليمن وفضلت لحالها من غير جواز بسبب سمعتها.
التهبت نظرات منى وأصبح وجهها لونه أحمر كالدماء من فرط غضبها التي تحاول كتمه والظهور بكل ثبات أمام تلك الساحرة. لكن الساحرة لم تكتفي بهذا القدر وتابعت بجدية ونظرة ذات معنى كلها شر:
_ إيه رأيك فيها.. قصة واقعية وحوالينا أمثلة حية كتير قوي بنفس القصة دي.. خليها في عقلك ودايمًا افتكريها يمكن تحتاجيها في يوم من الأيام.
استشاطت منى وفقدت القدرة على التحكم بأعصابها أكثر من ذلك حيث راحت تجذب آسيا من ذراعها وتصيح بها بغضب:
_ أنتي اتخبلتي في نفوخك إيه اللي بتقوليه ده.. متنسيش روحك يا آسيا أنتي هنا كيفك كيف الكراسي اللي بنقعد عليها واوعاكي تفكري تغلطي فيا أو في أي حد عشان هتبقى نهيتي على روحك.
كانت آسيا على وشك الانقضاض عليها لتفرغ شحنة غيظها المكتظة بصدرها منذ قدومها لغرفتها بالطعام لزوجها وها هي الفرصة سنحت لها، لكن صوت عمران المخيف وهو يهتف بغضب جعل منى تنتفض وتترك ذراع آسيا بسرعة:
_ إيه اللي بيحصل ده!!
أجفلت منى نظراتها وابعدتها عن عمران بإحراج، أما آسيا فابتسمت بلؤم وقالت متصنعة البراءة:
_ أنا نزلت أحط صينية الوكل في المطبخ وكنت بشكر منى على الوكل وتعبها بس هي شكلها مضايقة مني وكيف الباقي مبتحبنيش.
نقل نظره بينهم ثم رمق آسيا بنظرة حادة مشيرًا إليها بأن تأتي معه. فعلت هي بصمت دون أي اعتراض وسارت نحوها وخرجت قبله، ثم ألقى هو نظرة مستاءة على ابنة عمته قبل أن يستدير ويلحق بزوجته.
دخلوا لغرفتهم وفور دخولهم صاح عمران بعصبية:
_ أنا لسا مكملتش ربع ساعة وقايلك مش عاوز مشاكل.
تمالكت انفعالاتها وردت بقوة وهدوء ليس من شيمها أثناء خلافهم:
_ وأنا قولتلك مليش صالح نزلت أودي الوكل واتكلمت معاها بشكرها لقيتها بتزعق معايا وبتقولي كيف ما أنت سمعت.
اقترب منها ونظر في عينيها بحدة هاتفًا:
_ متمثليش قصادي دور الملاك البريء عشان أنا فاهمك زين.
مثلت الجدية والضيق وهي ترد بثبات:
_ وأنا مش بمثل ياعمران المرة دي أنا معملتش حاجة صح ومليش صالح.. أنا إيه عرفني أنها مش طيقاني.
زفر بانزعاج تام ثم رد بخنق ولهجة مرعبة:
_ على الله المنظر اللي شوفته ده يتكرر تاني.. وتقعدي في أوضتك هنا متطلعيش منها لغاية ما أرجع فاهمة.
ابتسمت بثقة وهي توميء له بالموافقة ثم قالت في نبرة رخيمة:
_ إيه اللي رجعك؟
رد بنفاذ صبر وهو يمد يده على المنضدة التي خلفها ويجذب هاتفه:
_ نسيت التلفون.
صمتت وتابعته وهو يندفع لخارج الغرفة منزعجًا على عكسها هي التي كانت تبتسم بسعادة ونصر.
***
داخل منزل خليل صفوان.
دخلت خلود غرفة الصالون الواسعة وكان والدها وأخيها يجلسون وهم يتحدثون. اقتربت منهم ووضعت الشاي أمامهم على الطاولة الصغيرة وهمت بالاستدارة لكن صوت أخيها الحاد أوقفها وهو يسأل:
_ كنتي فين امبارح؟
ارتبكت وتلعثمت بالبداية لكن سرعان ما تداركت الموقف وردت بطبيعية:
_ روحت أزور واحدة صاحبتي ياعلي كانت تعبانة.
خرج صوت والدها هنا وهو يقول بحزم:
_ ومجيتيش واخدتي الإذن مني ليه؟
حشرت بين والدها وأخيها ولن تسلم الآن من توبيخهم وغضبهم لكنها ردت بهدوء ونبرة معتذرة:
_ مكنتش قاعد يابوي فقولت لأمي وطلعت.. حقك عليا.
بتلك اللحظة اقتحمت عليهم الغرفة إنصاف وسمعت زوجها وهو يصيح بابنته في غضب:
_ أنا مش قاعد تبقى تاخدي أذن أخوكي وأن مكنناش قاعدين متطلعيش.
تدخلت إنصاف تدافع عن ابنتها هاتفة:
_ أخدت إذني يامنصور قبل ما تطلع وأنا وافقت مفيهاش حاجة راحت تطمن على صحبتها.
صرخ بزوجته في عصبية:
_ مفيش خروج ودخول على الفاضي والمليان. ومفيش طلوع لحالك كمان من هنا ورايح.
كانت نظرات علي ثابتة على شقيقته يدقق بها وبحالتها المريبة وخوفها وتوترها وكأنها ارتكبت ذنب عظيم وهم يعاقبونها عليه وليس مجرد توبيخ بسبب خروجها دون إذن والدها.
هزت خلود رأسها بالموافقة لوالدها واندفعت للخارج مسرعة ولحقت بها والدتها، بينما علي فكانت نظراته عالقة على الباب يفكر بشك بالأخص بعدما شعر بأن هناك شيء ليس طبيعي بشقيقته وكان منصور على عكسه غاضب لكنه هدأ تدريجيًا فور رحيلها من أمامه.
***
وقفت إخلاص أمام غرفة بشار وطرقت فوق الباب عدة طرقات خفيفة لتسمع صوته الرجولي وهو يقول:
_ ادخل.
فتحت الباب ببطء ودخلت فوجدته جالس فوق فراشه وكان قد ارتدى ملابسه ومستعدًا للخروج فاقتربت منه وجلست بجواره هاتفة ببسمة دافئة:
_ كيفك ياولدي؟
بادلها الابتسامة ورد عليها بود جميل:
_ زين الحمدلله ياما.
سكتت إخلاص للحظة وهي تبتسم باتساع ثم قالت في حماس ووجه مشرق:
_ جبتلك عروسة قمر هتعجبك قوي لما تشوفها.
غضن حاجبيه بدهشة وسرعان ما ضحك بخفة متمتمًا:
_ بالسرعة دي لحقتي تلاقي عروسة.
شاركته الضحك وهي تجيب بمرح لطيف:
_ امال.
أنت فاكر مرت عمك قليلة ولا إيه؟
اكتفى بضحكه دون أن يجيبها، بينما هي فمدت يدها في جيب جلبابها وأخرجت صورة صغيرة، ثم مدتها له وهي تقول بلؤم:
_ چبتلك صورتها كمان، شوفها وقول إيه رأيك.
التقط بشار الصورة من يدها وراح يتمعن النظر في وجه تلك الفتاة، لا يستطيع إنكار حقيقة أنها كانت جميلة وحسنة الوجه حقًا، تظهر معالم البراءة والهدوء واللطف على صفحة وجهها بوضوح، وكأن وجهها كتاب مفتوح كشف عن كل شيمها.
ابتسم بمرارة فور تذكره لابنة عمته، لكن إخلاص انتشلته من تفكيره بسرعة البرق وهي تسأله بفضول:
_ هااا، إيه رأيك يا بشار؟
تنهد الصعداء مطولًا والتفت لزوجة عمه وابتسم لها ببسمة لم تصل لعيناه وهو يعطيها الصورة من جديد:
_ تمام ياما، تمام.
تهللت أساريرها وهي تعيد سؤالها بدقة أشد:
_ يعني عچبتك وموافق؟
ابتسم على سعادتها العفوية وحبها الشديد له ليقول بإيجاب في حنو:
_ أيوة موافق.
تنهدت براحة وهي تضحك وقالت:
_ مبروك مقدمًا عاد ياغالي، أن شاء الله تكون من نصيبك.
التزمت الصمت للحظة، وظهور العبوس والخنق فوق صفحة وجهها وهي تهتف:
_ عقبال ما أفرح بعمران كمان وانقله عروستي بيدي.. بعد ما يطلق الحية بت چليلة دي.
زفر بشار مطولًا وتمتم برزانة باسمها:
_ ياما متفكريش كتير، عمران مش عيل صغير وهو عارف بيعمل إيه زين، سبيه على راحته ومتضغطيش عليه، هو بنفسه وقت ما يطلق مرته كيف ما قولتي هيرجعلك عشان تشوفيله عروسة.
هدرت بعصبية وضيق حقيقي:
_ لا دي سحرت لولدي، أنت مش شايفه كيف مبيحملش حد يقول كلمة واحدة عليها ولا يضايقها.. أنا خايفة تلف على ولدي وتضحك عليه.
قهقه بشار رغمًا عنه بصوت رجولي على عبارة زوجة عمه الأخيرة وتمتم بابتسامة يائسة:
_ شايف ياغالية، شايف.. والصراحة بيني وبينك أنا حاسس أن اللي خايفين منه هيحصل.
اتسعت عيني إخلاص بصدمة على أثر عبارته، وسرعان ما احتقن وجهها بدماء الغضب وصاحت به في غيظ:
_ متقولش إكده قصادي يابشار.. أنا مش هسيب لها ولدي الحرباية دي لو حصل إيه.
لم يتوقف عن الضحك وحاول وسط هذه الحالة تهدأتها وهو يردف بلطف:
_ طب خلاص متتعصبيش، مكنتش اقصد.
استقامت واقفة وقالت بوجه منزعج وهي توجه له الأوامر الصارمة:
_ حسك عينك تاچي تقولي مرة واحدة غيرت رأيي ومعدتش موافق على الچواز، فاهم.
كتم ضحكته بصعوبة وأماء لها برأسه عدة مرات مطيعًا لأوامرها، وفور انصرافها عن غرفته انفجر ضاحكًا من جديد.
***
داخل حرم الجامعة كان بلال بطريقه لصديقه الذي ينتظره بساحة الجلوس الكبيرة الخاصة بالجامعة (الكافتيريا)، كان منشغل بالنظر في هاتفه بتركيز شديد ولم ينتبه للطريق أمامه، فاصطدم بفتاة دون قصد، ارتد للخلف بسرعة وهتف معتذرًا بأسف وإحراج:
_ آسف جدًا، مخدتش بالي.
انحنت الفتاة والتقطت مذكرتها التي سقطت فوق الأرض، ثم انتصبت في وقفتها مرة أخرى ونظرت له لترد بتفهم:
_ ولا يهمك، مفيش مشكلة.
تجمدت ملامح وجهه عندما رأى وجهها، فقد كانت نفسها الفتاة التي يكن لها مشاعر الإعجاب والتعلق، تسمر مكانه دون أن يتفوه ببنت شفة أو حتى يتحرك، بينما هي فابتعدت عنه وأكملت طريقها، وعندما سقط نظره على الأرض لمح الهاتف الخاص بها، فانحنى والتقطته، وكان على وشك أن يتجه خلفها ليعيده لها، لكنه توقف وتبدلت معالمه للحيرة والقلق عندما رأى حور وهي تسير شبه راكضة للخارج وتبكي، نظر لذلك الهاتف ولحور، ولحسن الحظ أنه وجد صديقة تلك الفتاة كانت تلحق بها، فأوقفها بنبرته المهذبة وهو يسألها:
_ أنتي صحبة الأنسة اللي هناك صح؟
نظرت إلى حيث يشير بعينيه وعادت له وهي تهز رأسها بالإيجاب في تعجب، فمد يده بالهاتف وتمتم:
_ طيب أديها التلفون ده وقع منها.
جذبت الهاتف من يده وهي توميء لها بالموافقة، بينما هو فاندفع مسرعًا يلحق بحور، وعندما كان لا يفصله عنها سوى مسافة قصيرة هتف مناديًا عليها:
_ حور!
توقفت والتفتت للخلف، وفور رؤيتها له رفعت أناملها وجففت دموعها بيد مرتشعة، وقف أمامها وهتف بريبة:
_ مالك؟ في حد ضايقك؟
هزت رأسها بالنفي وقالت في عينان غارقة بالدموع وصوت مبحوح:
_ ماما تعبانة أوي وراحت المستشفى، وبرن عليهم في البيت دلوقتي محدش بيرد عليا، وأنا مش عارفة أعمل إيه.
بلال بنبرة رجولية جادة:
_ طب تعالي اوصلك البيت وهناك هتعرفي توصلي ليهم وتتطمني عليها.
هزت رأسها بالرفض وقالت بصوت يغلبه البكاء:
_ أنا من القاهرة وقاعدة هنا أنا واختي الصغيرة، هي في الچامعة برضوا قاعدين في شقة بتاعتنا، ومش عارفة هسافر إزاي دلوقتي وكمان أختي متعرفش حاجة.
تنهد الصعداء وقال بلطف محاولًا تهدأتها:
_ طب تعالي اقعدي وحاولي رني عليهم تاني وأن شاء الله يردوا، وبعدين ارجعي البيت لأختك وقوليلها.
سارت معه تجاه أحد المقاعد وجلست، وهو جلس بجوراها لكن على مسافة بعيدة نسبيًا، أخذت تحاول الاتصال والوصول لوالدها أو أخيها لكن دون فائدة، فانهمرت دموعها بغزارة أكثر وراحت تعيد الاتصال بيد مرتجفة من فرط الخوف والحزن، وهو يحاول تهدأتها بنبرته الرخيمة.
حصلت على الرد أخيرًا من أخيها ودار بينهم حوار هاتفي لنصف دقيقة تقريبًا، وكان بلال يتابعها بنظراته في اهتمام، وفور انتهائها سألها:
_ قالك إيه؟
توقفت عن البكاء وحدة أنفاسها السريعة هدأت قليلًا لتجيبه بعدها بصوت مبحوح:
_ الحمدلله، قالي بقت كويسة وكمان شوية بليل هيركبوا ويچوا هنا عشان الدكتور اللي متابعة معاه ماما.
ابتسم ورد عليها بهدوء جميل:
_ الحمدلله، قومي يلا روحي الحمام اغسلي وشك واهدي، وبعد إكده روحي البيت وارتاحي.
بادلته الابتسامة الرقيقة، ثم استقامت واقفة وسارت متجهة نحو الحمام، وبقى هو بمكانه ينتظرها حتى تخرج، مرت تقريبًا خمس دقائق وربما أكثر، فلم يحسب الوقت بالضبط، رآها تخرج من الحمام وكانت على وشك المغادرة، لكنها حين وجدته مازال مكانه ضيقت عيناها بتعجب واقتربت منه تسأله بعدم فهم:
_ أنت لسا قاعد؟
ضحك ورد عليها مداعبًا:
_ آه، كنت مستنيكي بس أنتي باينلك كنتي هتمشي لولا إنك شوفتيني.
شعرت بالإحراج وردت عليه في رقة:
_ افتكرتك مشيت، متوقعتش إنك هتكون لسا موجود عشان كدا.
هب واقفًا وهتف بصوت رجولي يذيب القلب:
_ لا ممشيتش، مش قولتلك هوصلك.
ابتسمت وردت بخجل حقيقي رافضة عرضه بكل لطف:
_ متشكرة جدًا يابلال، بس مش عايزة اتعبك.. شكرًا.
بلال بلهجة رزينة ونظرات ساحرة:
_ مفيش تعب، مش هينفع اسيبك تروحي لحالك إكده.. بعدين اعتبريه رد جميل على اللي عملتيه معايا.
تراقص قلبها سعادة وعيناها لمعت بوميض المشاعر المعاطفية، ورغم ذلك حاولت الرفض مجددًا، لكنه قاطعها وقال مازحًا:
_ ياستي يلا، هو حد لاقي توصيلة في الزمن ده.
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تضحك بصمت، بينما هو فرد بسرعة بجدية وعذوبة:
_ بهزر، لتكوني زعلتي ولا حاجة؟
هزت رأسها بالنفي وقالت ضاحكة:
_ لا مزعلتش.
ابتسم مرة أخرى وقال وهو يهم بالتحرك:
_ طب يلا.
سارت خلفه في خطوات متعثرة وخجلة بعض الشيء، فقد أبت السير بجواره، وهو لم يفعل، فقط كان كل لحظة والأخرى يلتفت برأسه ليتابعها ويطمئن أن كانت خلفه أم لا.
***
بتمام الساعة العاشرة مساءً......
ارتدت آسيا حجابها ولفته حول شعرها بإحكام، ثم قادت خطواتها لخارج غرفتها، تحركت بثقة وغيظ يشعل صدرها بعدما رأت عمران يصعد للطابق الثالث حيث غرفة الجلوس الخاصة به وكانت منى تتبعه، لحقت بها آسيا مسرعة في خطواتها، وعند وصولهم للطابق الثالث وكانت منى على وشك فتح الباب والدخول، أوقفتها آسيا بصوتها الحاد:
_ منى!
توقفت والتفتت برأسها لها أولًا، ثم استدارت بجسدها كله ووقفت أمامها، عاقدة ذراعيها أسفل صدرها وتبتسم لآسيا ببرود، بينما الأخرى فسألتها بنظرة نارية:
_ رايحة وين؟
رفعت منى حاجبها وردت عليها بازدراء:
_ فريال بتدور على عمار وهو قاعد مع خاله چوا وداخلة اخده.
تحركت آسيا بعينيها على طول جسدها من رأسها لأخمص قدميها، ولاحظت تلك العباءة المنزلية التي ترتديها وكانت ضيقة بعض الشيء، وعندما رفعت عينيها مجددًا لوجهها انتبهت لعيناها المرسومة، فابتسمت مستهزئة رغم النيران المشتعلة بصدرها إلا أنها لم تظهر لها شيء واكتفت بهمسها لها ونظراتها القاسية:
_ البيت إهنه في تلات رجالة وأنتي بتتمشي فيه بالچلبية المحزقة دي وعيونك اللي رسماها.. في حاجة اسمها خچل وخشا عند البنات بس باينلك معندكيش منه.
ضحكت منى ببرود مستفز وردت وهي تغمز لها بلؤم:
_ سيبنالك أنتي الخچل ياست الشريفة.
أظلمت عين آسيا وأصبح منظر وجهها مخيفًا، حتى أن الأخرى ارتبكت قليلًا من تحولها المرعب، وفجأة وجدت آسيا تدفعها بيدها حتى اصطدمت بالحائط وأشرفت عليها بجسدها، ثم قبضت على فكيها بقوة وراحت تهتف بعين نارية لا تحمل المزاح وهي تلقي عليها تحذيراتها الحقيقية:
_ متلعبيش في عداد عمرك معايا وخليكي بعيدة عني وعن أي حاجة تخصني لو مش عاوزة تخلي لياليكي كيف سواد الليل.
رغم الخوف الذي استحوذها للحظة من هجوم آسيا عليها، إلا أنها تحلت بالشجاعة ودفعتها بعيدًا عنها بعنف وهي ترمقها بغضب، ثم ابتعدت عنها وسارت مغادرة، تترك آسيا تتابعها في سيرها وهي تستشيط غيظًا وتتوعد لها.
تنفست آسيا الصعداء محاولة استعادة روحها الهادئة، ثم استدارت واقتربت من باب الغرفة وفتحته ببطء شديد وراحت تنظر من جزء منه تتمعنهم مبتسمة، حيث رأت ابن شقيقها الصغير يجلس بين ذراعين خاله ممسكًا بهاتفه ويشاهد أحد برامج الأطفال الكوميدية ويضحك بقوة وعمران يبتسم بدفء على ضحكه وينحني على شعره لاثمًا إياه بحب، بقت مكانها تتابع ذلك المشهد الدافئ بصمت وهي تبتسم، حتى وجدت عمران رفع رأسه تجاه الباب وفور رؤيتها لها انتصبت في وقفتها بشموخ وأخ
التفتت نحو عمران فوجدته ساكنًا يتطلعها بريبة قبل أن يسأل:
_ إيه اللي طلعك إهنه؟
توترت للحظة واحتارت حول الحجة التي ستخترعها لتفسير سبب قدومها، غير أن غيرتها هي ما دفعت بها لهنا بعدما رأت ابنة عمته تذهب له. وبالأخير قالت بنبرة بدت طبيعية:
_ چيت أشوف عمار، كنا بندور عليه أنا وفريال ومش لاقينه.
لم يعقب والتزم الصمت على ردها، ثم راح يلقي بنظره من النافذة التي بجواره. وأخذت هي تتأمل في قسمات وجهه التي تعكس باطنه المتين وشخصيته الصارمة. شعره الأسود الغزير مع لحيته وشاربه وعيناه السوادء، حتى بشرته البرونزية تعكس عليه مظهرًا رجوليًا كله وقار ووسامة.
توقفت عن التمعن به وعبس وجهها عندما خطر على عقلها ذلك السؤال الذي يرهق تفكيرها منذ أيام، لكنها قررت إنهاء تلك الحماقة حتى ترتاح وتعرف طريقها من الآن وصاعدًا. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تهمس بنبرة أنثوية جذابة يسمعها منها للوهلة الأولى:
_ عمران.
نظر لها وضيق عيناه بريبة وفضول، لتتنهد هي مطولًا وتكمل بنبرة جادة ونظرة ثاقبة:
_ أنا عارفة زين أنك مبتكدبش، وعشان إكده هسألك سؤال وعاوزة اسمع الحقيقة منك.
قال بغلظة وتعجب:
_ سؤال إيه ده؟!
نظرت في عيناه بقوة وسألته بثبات:
_ أنت ليك يد في قتل أبويا ولا لا؟
رأت قسمات وجهه تتحول من الهدوء للخنق والانزعاج التام، وصمته دام لثوانٍ قبل أن يهتف بغضب وصوت يحمل الثبات والخشونة:
_ سبق وقولتلك لا، عاوزة تسمعي إيه تاني!
لم تشك للحظة بصدق ما قاله، وكانت متيقنة أنه يقول الحقيقة ولا يكذب. لا تعرف كيف تيقنت، لكن ربما تلك الفترة القصيرة التي قضتها معه لم تذهب عبثًا وجعلتها تفهمه بعض الشيء. تمامًا كمعرفتها أنه ليس رجل يكذب خوفًا من أحد، وخصوصًا لو كانت امرأة.
استقامت واقفة وردت ببسمة هادئة وجميلة:
_ اللي قولته دلوك كفاية.. أنا هنزل الأوضة تحت.
أنهت عبارتها واندفعت للخارج تتركه مكانه يغضن حاجبيه باستغراب منها. بينما هي، فكانت الراحة والسعادة تستحوذها بالكامل. كان الشك يتمكن منها بعدما سمعت حوار عفاف وإبراهيم وتساءلت كثيرًا بحيرة حول إذا كان مشاركًا مع أبيه في جريمته أم لا. والآن بعدما تأكدت، كأن ثقلًا يخنق ويكتم أنفاسها انزاح عن صدرها. حتى أنها ربما ستتوقف عن تأنيب نفسها حول مشاعرها حديثة الولادة نحوه وستترك العنان لنفسها تدريجيًا.
***
داخل غرفة الصالون الواسعة بمنزل خليل صفوان، كان جلال جالسًا بمفرده ويحتسي كأس الشاي الخاص به في عقل شارد ومعالم وجه عابسة. هناك معارك مميتة داخل عقله وقلبه. ما بين رفضه لفكرة زواجه من الأساس، فهو لا يحتمل امرأة سواها، وبين عناده وكبريائه الذي يريد استعادته. كان فقط بحاجة للشعور بقيمته ومكانته بقلبها. يراها تتنازل من أجله وأجل أطفالهم لمرة واحدة على الأقل كما كان يفعل هو دومًا. لكنها لم تفعل، وكأنها تثبت له أنه لا يستحق التضحية أو التنازل، وربما حتى لا تحبه بنفس القدر.
فاق من شروده على صوت فتح الباب ودخول ابن عمه علي الذي تقدم نحوه وجلس بجواره على الأريكة وسأله بجدية:
_ حليت مشكلة الحسابات اللي في المعرض؟
اكتفى بالإيماءة برأسه في إيجاب دون تحدث، فالتزم علي الصمت للحظات وهو يتمعنه بتدقيق حتى تنهد بقوة وهتف بنبرة رجولية هادئة لكنها حازمة:
_ لما أنت مش مبسوط إكده ياولد عمي هتتچوز على مرتك ليه؟
صمت قاتل لثلاث ثوانٍ قبل أن يقول جلال بخشونة:
_ مين قالك إني مش مبسوط!
ابتسم علي بسخرية ورد في انزعاج:
_ وهو ده منظر واحد مبسوط يعني. أنت كأنك مچبور واللي هتعمله ده غصب عنك، وإيه اللي چابرك مفهمش.
ضحك جلال بمرارة ولم يرد، فقط راح يحدق في الفراغ أمامه بنظرات مهمومة. فرفع علي يده ورتب فوق كتفه بلطف متمتمًا رزينة:
_ اللي بتعمله ده غلط ياچلال صدقني، إكده هتخسرها صح، ولو دلوك في حبل رفيع بينكم هيتقطع.
رمقه جلال مطولًا بنظرة ثاقبة رغم الضياع الذي بها، إلا أنه بدا شامخًا كالجبال واكتفى بنظراته له وهو يفكر. بينما علي، فهب واقفًا بعدما رتب مرة أخرى على كتفه واستدار مغادرًا ليتركه بمفرده من جديد.
***
بعد مرور ساعة تقريبًا، فتح عمران باب الغرفة ودخل ثم أغلقه خلفه بهدوء وتقدم نحو الفراش يجلس فوقه يتنفس الصعداء بقوة وكأنه يحاول إزالة شيء عن صدره. ثم هب واقفًا وبدأ في نزع جلبابه عنه، ورغم إصابة ذراعه إلا أنه نجح في تبديل ملابسه بمفرده بعد معاناة.
كان على وشك أن يتمدد على الفراش بجسده، لكنه تسمر على أثر صرخة عالية انبعثت من الحمام وكانت لها. وكان مصحوبًا بصوت صرختها صوت ارتطام عنيف، فاندفع نحو الحمام بسرعة ووقف من الخارج يهتف:
_ آسيا!!
سمع صوتها المتألم وهي تهتف وسط تأوهاتها:
_ عمران تعالى.
فتح الباب ودخل فوجدها جالسة فوق الأرض ممسكة بقدمها وهي تتأوه بقوة. لم يكن بحاجة ليسألها ماذا حدث، فالمشهد كان يتحدث عن كل شيء. اقترب منها ومد يده لها ليساعدها على الوقوف هاتفًا:
_ تعالي اقفي على مهلك واسندي عليا.
تشبثت بذراعه وحاولت الوقوف لكنها عادت تجلس مجددًا مصدرة تأوهًا عاليًا بألم ومعه أدمعت عيناها لتهتف بصوت مبحوح:
_ مش قادرة أقف عليها.
حاولت تحريكها وهي تتألم، فانحنى هو عليها ولف ذراعه حول خصرها متمتمًا:
_ أنا مش هقدر اشيلك، لفي إيديكي على رقبتي وحاولي تقفي براحة.
سرت رعشة بجسدها وتراقصت الفراشات بمعدتها على أثر لمسه لها ومحاوطته لخصرها بذراعه القوي، لكنها حاولت التصرف بطبيعية وعدم إظهار خجلها وتوترها، حيث تعلقت برقبته تعانقه محاولة الوقوف وهي متشبثة بملابسه بحميمية تلقي بحمل جسدها كله عليه وهو يحكم قبضته على خصرها يساعدها على الوقوف وموازنة اتزانها حتى لا تسقط. بعد معاناة توقفت أخيرًا وهي مازالت عالقة برقبته تعانقه ولم تبتعد عن ذراعيه. بينما هو، فابتسم وهتف بمكر:
_ خلاص يا آسيا بعدي عشان تعرفي تمشي وتطلعي برا.
ابتعدت فورًا عنه في خجل بسيط، لكن تحول لغيظ عندما رأت تلك النظرة في عيناه، كانت هي نفسها النظرة عندما كان يخبرها أنها هي التي تبحث عن فرصة للاقتراب منه وليس هو.
دفعته برفق وهي تقول ممتنعة بعناد:
_ أنا هطلع وحدي، بعد عني.
اختل توازنها للحظة عندما ضغطت على قدمها وصرخت بألم. لكن قبل أن تسقط، كان يعيدها لتوازنه بذراعه وهو يجذبها نحوه ويبتسم بلؤم هاتفًا:
_ لو كنت سبتك دلوك كنتي هتتكسري وهطلع بيكي على المستشفى.
اشتعلت من الغيظ وقالت بنظرة ملتهبة وهي تصر على أسنانها:
_ ومسبتنيش ليه؟!
رد ببرود متعمد وهو يبتسم:
_ محتاچك سليمة عشان تعرفي تخدميني زين لغاية ما دراعي يخف.
تمالكت أعصابها بصعوبة، ولولا أنها تحتاج لذراعه وله لكي يساعدها لم تكن بقيت أمامه لحظة واحدة. التزمت الصمت مجبرة وسارت معه للخارج، لكنها لم تكن تتحمل الصمت دون إفراغ الغيظ المكتظ بصدرها، حيث قالت بتمرد:
_ ماسكني إكده ليه مش ههرب منك أنا!
طالعها بقوة رافعًا حاجبيه في استنكار، وفورًا تركها وهو يقول بحزم:
_ امشي لحالك يلا طالما مش عاچبك!
جزت على أسنانها منزعجة وبالفعل لم تتنازل عن الاعتراف بحاجتها له، حيث اتبعت عنادها وتحركت أمامه، لكن بعد خطوة كانت ستسقط مجددًا وتداركت نفسها بسرعة وسط تألمها. فتوقفت مجبرة وهي تغلق عيناها بخنق حتى سمعته يقف خلفها ويقول بلهجة خبيثة:
_ محتاجة حاچة؟
أصبح وجهها يعطي اللون الأحمر من فرط انزعاجها منه. فهو يتعمد إثارة جنونه ويريدها أن تتوسله حتى يساعدها كعقاب لها على تمردها وطريقتها الفظة. بينما هو، فعندما لم يحصل على رد منها قال بنبرة عادية مزيفة تضمر خلفها المكر:
_ تمام طالما مش محتاجة حاجة أنا هروح انام، تصبحي على خير.
تحرك لخطوتين بالضبط بعيدًا عنها ينوي الاتجاه للفراش، لكنه صوتها المكتوم وهي تقول بخفوت مضطرة:
_ أنا آسفة، ممكن تساعدني.
لاحت ابتسامته الواسعة فوق ثغره والتفت لها رافعًا حاجبيه وبقى مكانه لثوانٍ قبل أن يقترب منها مجددًا ويعود يحاوطها بذراعه متمتمًا بتلذذ:
_ مش ممكن ليه.. ممكن طبعًا.
كانت نظراتها مشتعلة تتوعد له، لكن الآن سارت معه بصمت وتسطحت فوق الفراش بمساعدته لتسمعه يقول بجدية هذه المرة:
_ متتحركيش الليلة دي وبكرا الصبح هاخدك للدكتور.
لم تجب وهزت رأسها فقط بالموافقة، بينما هو، فابتعد والتف حول الفراش ليتسطح على الجانب الآخر منه ينوي النوم. بينما هي، فبقت لوقت طويل نسبيًا تحاول النوم ولم تتمكن، وبعد محاولات كثيرة غفت أخيرًا.
***
توقفت عفاف أمام غرفة ابنها وفتحت الباب ثم دخلت فوجدته جالس فوق فراشه ويتفحص هاتفه. أغلقت الباب وتقدمت نحوه لتجلس بجواره على حافة الفراش متمتمة:
_ بلال.
رفع نظره لأمه وقال بهدوء:
_ نعم ياما؟
ابتسمت له وردت بنظرة تضمر خلفها خبايا:
_ فاكر خالتك سمية مرت الحاج يوسف اللي في القاهرة؟
صمت لبرهة من الوقت محاولًا تذكر الاسم وتلك السيدة حتى قال بالأخير:
_ آه فاكرها بس مش قوي يعني.. ليه مالها؟
عفاف بحماس غريب:
_ چات من القاهرة وتعبانة وأنا رايحة أزورها وأطمن عليها بكرا. إيه رأيك تاچي معايا؟
غضن حاجبيه بتعجب ثم أدرف برفض:
_ وآچي معاكي ليه ياما، روحليها أنتي واطمني عليها.
أجابته بحنو محاولة إقناعه:
_ ياولدي بدل ما أروح لحالي عاوزاك تروح معايا، وهي كمان كانت علطول بتسألني عليك ولما تشوفك هتفرح قوي. مفيهاش حاجة، تعالى معايا، هو مشوار سريع وزيارة المريض بتكون قصيرة يعني مش هنطول.
زفر بقوة في خنق ورد بالأخير مغلوبًا:
_ طيب ياما خلاص هروح معاكي.
تهللت أسارير عفاف بشكل غريب وهبت واقفة بعد أن رتبت على كتفه بدفء متمتمة بوجه مشرق:
_ زين.. أنا هروح أنام، تصبح على خير.
بلال بحيرة من حالتها المريبة:
_ وأنتي من أهله!
***
بصباح اليوم التالي.
انتهت فريال من شراء بعض مستلزماتها الخاصة بها وبأبنائها، وبينما كانت في طريقها للخارج اصطدمت بمنيرة التي رمقتها ببسمة واسعة وكانت نظراتها غريبة كلها خبث، لكن فريال لم تكترث وظنت أنها تتهيأ وراحت ترحب بها في عذوبة:
_ ازيك يامنيرة؟
تعجبت من ترحيبها وابتسامته البشوشة في وجهها، لكنها رجحت أنها بالتأكيد لا تعرف شيء عن حقيقة زواجها من زوجها الذي سيتم بعد يومين. ردت عليها بود مزيف:
_ زينة الحمدلله يافريال، وأنتي طمنيني عليكي.
فريال برقة تليق بها:
_ الحمدلله بخير.
أنا كنت هكلمك وأسألك لو فاضية وعندك مجمو عة عشان أجيب لك عمار تديله درس.
ضحكت منيرة وردت عليها في غنج ولؤم:
_ من عيوني متقلقيش هديله دروس كتير قوي قريب.
غضنت فريال حاجبيها بعدم فهم وترسل لها بعينيها إشارات استفهام لتقول بعدها بجدية:
_ مش فاهمة.. تقصدي إيه؟
أطلقت الأخرى ضحكة مستفزة وقالت على عجالة وهي تبتسم بتشفي:
_ هتفهمي قريب متخافيش.. أنتي دلوقت متعرفيش حاجة للأسف بس قريب هتباركيلي.
أنهت عبارتها واندفعت للداخل تترك فريال متسمرة بأرضها لا تفهم شيء من تلك الألغاز التي ألقت بها دفعة واحدة في وجهها. كانت تفكر بتدقيق محاولة فهم ما تقصده لكنها فشلت.
وبتلك اللحظات كان جلال يمر بسيارته من أمام ذلك المحل وعندما لمح فريال توقف فوراً وراح يتطلع إليها من نافذة السيارة. انتظرها حتى تتحرك وترفع نظرها وبمجرد ما رأته أشار لها بيده. اندهشت بالبداية عندما رأته لكنها لم تعقب وسارت تجاهه ثم التفت حول السيارة وفتحت باب المقعد المجاور له لتستقل به في صمت. بينما هو فتطلع لها وسألها باهتمام وقلق بسيط:
_ كنتي واقفة مع مين؟
ردت عليه بنبرة عادية:
_ دي منيرة المدرسة اللي كنت عايزة أودي العيال عندها.
ظهر الاضطراب عليه أكثر وراح يسألها بترقب:
_ إيه قالتلك؟
رمقته بتعجب وأردفت ببساطة امتزجت بنظراتها القوية:
_ ولا حاجة اتكلمنا عادي.. أنت من امتى بتسأل ولا تهتم بكلام الحريم ده؟
زفر بخنق وأجابها في جدية وهو يحرك محرك السيارة لينطلق بها:
_ مش مهتم يافريال.. سألتك عادي. أنتي كنتي بتعملي إيه هنا؟
_ جيت أجيب شوية حاجات ليا وللعيال.
لم يعقب ولم يطرح أسئلة أكثر من ذلك فقط كان يقود السيارة بسكون. وكانت نظراتها ثابتة عليه تتمعنه بتركيز شديد. فطرتها شديدة الحساسية كأي أنثى كانت تشعر أن هناك شيء يخفيه عنها. داخلها يأكلها من القلق والرعب فـ على غير عادته كان يتفادى النظر إليها ليس غضب كما اعتادت ولكنه كان قلقاً كأنه يتهرب من النظر لعيناها أو الحديث معها.
وسط شرودها به لمحت يده اليسار الملفوفة بقماش طبي أبيض فاتسعت عيناها وسألته بزعر:
_ مال يدك يا جلال؟
أنهت عبارتها وهي تمد يديها الناعمة وتحتضن كفه تتركه يقود بيد واحدة. أجابها هو بحنو غير مقصود مبتسماً دون أن يحيد بنظره عن الطريق:
_ إحنا واحنا بننقل الأجهزة في المعرض مكواة وقعت على إيدي بالغلط.
استاءت وهتفت تعنفه بانزعاج نابع من خوفها:
_ وأنت تنقل حاجة ليه يا جلال مش في عمال هما اللي بينقلوا الأجهزة.
لم يعقب على ردها والتزم الصمت فراحت هي تتطلع في وجهه بنعومة وتسأله بنبرة مدللة تذهب العقل:
_ وجعاك طيب؟
ضحك وهز رأسه بالنفي ثم جذب يده من قبضتها بلطف وهو يبتسم بينما هي فظلت عيناها العاطفية عالقة عليه وبالأخير أشاحت بوجهها وراحت تتابع الطريق بنظراتها. ظل هو بين كل لحظة والأخرى يلتفت لها ويتطلعها بنظرة كلها شوق وحزن ومرارة.
كان بلال يقود خطواته مع أمه بنفس الشارع الذي أوصل حور إليه بصباح الأمس. رغم الحيرة وتعجبه إلا أنه لم يكترث للأمر كثيراً وتجاهله مفسراً إياه أنه ليس أكثر من صدفة تقليدية بحتة.
استمر في السير حتى دخلوا بناية مكونة من خمس طوابق ثم صعدوا الدرج حتى الطابق الثالث وكانت عفاف هي تسبقه وتحمل بيدها أكياس بداخلها فواكه وزجاج مياه غازية كزيارة للمريض. توقفت أمام الشقة ورفعت يدها تضرب فوق الجرس وكان هو يقف خلفها على مسافة بعيدة نسبياً يحاول التصنع بالطبيعية والبشاشة حتى لا يظهر للناس أنه جاء مجبراً بعد إلحاح والدته.
انفتح الباب وظهرت من خلفه حور وهي ترتدي عباءة منزلية خضراء وتلقي بطرحتها فوق شعرها بعشوائية وكان نصفه خارج حجابها وعلى ثغرها ابتسامة واسعة نقية ورقيقة مثلها لكن عندما نقلت نظرها من عفاف واستقرت عيناها عليه تلاشت ابتسامتها وحل محلها الذهول والسكون المريب كالأصنام!!!
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى محمود توفيق
كانت جالسة فوق الفراش بسكون تام بعدما انتهت من ارتداء ملابسها واستعدت للذهاب للطبيب. حاولت الوقوف والخروج من الغرفة لكن ألم قدمها اشتد بقوة وأصبحت لا تقوي على السير بمفردها، ظلت على وضعها ساكنة تنتظر عودته بينما عقلها انشغل بالتفكير بليلة أمس.
أخذت تتذكر لحظاتهم معها واهتمامه بها.. كيف كان يضمها بذراعه القوي محاوطًا إياها بتملك.. حين التقت عيناهم معها وعانقته.. تذكرت كيف كان شعورها بتلك اللحظة ولا يسعها قول شيء سوى الاعتراف بأن هرمون السعادة أطلق إفرازاته بجسدها عندما اقترب منها وضمها بذراعيه، وكأن الزمن توقف بتلك اللحظات باستثناء قلبها الذي يستمر في دقاته بعنف.
ارتفعت البسمة لشفتيها تلقائيًا بعدما تذكرت بسمة ثغره ولذته وهي تطلب مساعدته مضطرة حتى عقابه لها على أسلوبها الفظ معه كان لطيفًا. فاقت من شرودها على دخوله وصوته الرجولي وهو يسألها:
_خلصت؟
أماءت له برأسها في صمت وهي مازالت تحتفظ ببسمتها العفوية لتجده يكمل هو بجدية:
_طيب يلا قومي عشان نلحق معاد الدكتور.
لوت شفتيها بخنق وردت بإحباط:
_مش قادرة أمشي على رجلي لحالي.
لم يعقب ودون تفكير اقترب منها وانحنى بجزعه للأمام عليها وضم ذراعه لصدره يلوي منتصفه فمدت هي يدها وتعلقت بذراعه تتشبث به ثم استقامت واقفة وهي تستند عليه، ثم تطلعت له بعيناه الواسعة وقالت في هدوء:
_ بعد ما نروح للدكتور لرجلي نروح لدكتورك عشان تتابع وتتطمن على جرحك.
رفع حاجبه باستغراب وأردف:
_وأنت مهتمة كده ليه؟
تلعثمت قليلًا بالبداية لكن سرعان ما تداركت نفسها وردت بكل برود وطبيعية:
_ عادي يا عمران بما أننا طالعين وأنت المفروض عندك موعد استشارة فقولت نروح ونطمن.. تطمن يعني أقصد.
قالت عبارتها الأخيرة وهي تشير عليه بتوتر بسيط لكنه لاحظه فضحك بحيرة وسألها بنظرات ثاقبة:
_ياترى بيدور إيه في دماغك المرة دي كمان؟
هزت كتفيها بحركة لا إرادية بالنفي وقالت مبتسمة برقة تليق بصوتها الأنثوي:
_يمكن دي أول مرة ميبقاش في حاجة في دماغي ومش في نيتي حاجة وحشة، كيف ما قولتلك عشان تطمن على جرحك بس.
طالت نظرته الدقيقة لها لكن تبدلت معالم وجهه للحدة حين لاحظ حاجبها غير مهندم وبعض خصلات شعرها ليست مغطاة أسفله فرفع أناملها ودفع بخصلاتها أسفل الحجاب بقوة وهو يهتف في لهجة رجولية صارمة:
_اعدلي طرحتك زين بعد كده مش شعرك كله برا.
رفعت يدها ببطء لحجابها ثم لفته بإحكام أكثر دون أن تتفوه ببنت شفة وبعدما انتهت رمقته بنظراتها القوية وهمست حين رأته يتابعها ينتظر أن يرى نهاية الأمر بعيناه:
_ كده حلو؟
لم يجيب وكان صمته إجابة بالرضى والإيجاب ثم ثبت ذراعها بذراعه جيدًا وسار معها للخارج بخطوات بطيئة بسبب ألمها.
***
داخل منزل حور كانت هي بالمطبخ مع شقيقتها، تقف متسمرة دون حركة وتضع أناملها فوق فمها شاردة والتوتر يُرى بوضوح فوق صفحة وجهها، مازالت لا تستطيع تخطي لحظة صدمتها حين وجدته أمامها ورأت نفس الذهول بعيناه لكنه سرعان ما أجفل بنظره أرضًا عندما وجدها بشعرها.. تلعثمت حتى أنها لم تعرف بماذا تجيب وابتسمت لعفاف بتوتر وهي تحاول التواري خلف الباب حتى تداري شعرها وملابسها المنزلية، لم تكن تظن أن صديقة أمها سيأتي معها رجل ولذلك اتجهت لتفتح الباب بكل اريحية، ولحسن الحظ أن بتلك اللحظة أنقذها والدها الذي وصل ووقف يستقبل عفاف وبلال وأشار لابنته بنظره أن تدخل ففعلت مسرعة شبه ركضًا.
عادت لواقعها على أثر صوت شقيقتها وهي تقول:
_حور تليفوني بيرن طلعي العصير أنتي برا.
هزت رأسها بالرفض هاتفة في ضيق:
_لا طلعيه أنتي أنا مش هطلع.
هتفت شقيقتها بخنق وتوسل:
_ ياحور البنات بيرنوا عليا عشان المحاضرة بدأت أكيد ومينفعش أتأخر الدكتور هياخدني غياب، اطلعي عشان خاطري يلا.
انهت عبارتها وركضت الأخرى تجاه غرفتها دون أن تنتظر رد شقيقتها وتركتها أمام الأمر الواقع، أخذت هي تتمعن النظر في كاسات العصير بقلب مضطرب تفكر مطولًا في الطريقة التي ستتصرف بها حين تخرج، وبالأخير أثرت أنها ستعطيهم العصير وتعود لغرفتها مسرعة، هي فقط تحتاج لبعض الثبات والهدوء حتى لا تظهر توترها.
حملت الصينية وخرجت بها للخارج تقود خطواتها بثقل وخجل، وحين وصلت إليهم تعمدت عدم النظر إليه أبدًا وفقط نظرت لعفاف وابتسمت لها بطبيعية متصنعة ثم انحنت عليها تناولها العصير وثم انتقلت له مدت يدها فقط بصمت دون أن ترفع نظرها على عكسه الذي نظر بتدقيق لكن نظراته كانت غامضة لا يمكن معرفة ما يتواري خلفهم، لم يستغرق الموقف ثواني واتجهت هي لأبيها تعطيه أيضًا ولم يكن لأمها نصيب بسبب مرضها، فور انتهائها استدارت وكانت في طريقها للداخل لكن صوت عفاف أوقفها وهي تقول مبتسمة:
_ تعالي ياحور اقعدي ماشاء الله كبرتي، من زمان قوي مشوفتكيش.
أشارت أمها لها أن تجلس وهي تبتسم وردت على عفاف ضاحكة بنبرة منخفضة:
_حور بتتكسف أوي عشان كدا.
هزت عفاف رأسها بتفهم وهي تضحك وهمست لصديقتها:
_أيوة أخدت بالي، أن شاء الله تفرحي بيها قريب يا سمية.
رددت سمية خلفها مبتسمة "يارب" بينما حور فجلست بجوار والدها بكل هدوء وهي تفرك أصابعها ببعضهم كدليل على فرط خجلها وارتباكها، وحده هو كان يعلم جيدًا سبب ذلك التوتر الشديد ورغم رغبته الشديدة في الابتسامة إلا أنه تمالك نفسها بصعوبة وتابع بتلك التعبيرات الجامدة والجدية.
هتفت عفاف باهتمام ملحوظ:
_بتدرسي إيه دلوك ياحور؟
أجابتها برقة مبتسمة وهي تتفادى النظر في وجهه:
_كلية تجارة.
كانت ستهم عفاف بالرد عليها لكن صوت طرق الباب أوقف حديثهم فاستقامت حور واقفة واتجهت لتفتح، كان الطارق شابًا تقريبًا يقارب بلال بالعمر والقت هي عليه التحية ورحبت به بحرارة وهي تضحك هامسة:
_ده أنت نقذتني والله.
أجابها هامسًا بضحك وهو ينزع حذائه:
_نقذتك من إيه؟
حور بصوت منخفض وهي تلقي نظرة سريعة على بلال الذي كان يتابع ما يحدث بتركيز:
_بعدين بعدين.
دخل ذلك الشاب وانضم لهم وهي يبتسم بعد أن ألقى بالتحية على عفاف فقط بالكلام وصافح بلال وحين جلس هتفت سمية مبتسمة:
_ده ابن اختي مازن فكراه ياعفاف.
دققت النظر به وحين تذكرت القليل من ملامحه ابتسمت وقالت مسرعة ضاحكة:
_ماشاء الله آخر مرة شوفته كان لسه صغير قوي.
سمية بود وعينان حانية:
_ أيوة العيال بتكبر.
دار الحديث بينهم جميعًا في أمور مختلفة بعضه كان يثير الضحك والمرح والآخر كان جاد، باستثناء حور وذلك الشاب حيث كانوا يتبادلون أطراف الحديث بينهم بصوت منخفض، وللحظة انتابه شعور بالخنق حين رآهم لا يعرف سببه لكن الانزعاج استحوذه ولم يكن يريد شيء سوى الرحيل ومع ذلك حاول عدم التركيز عليهم وتبادل أطراف الحديث مع والدها في أمور مختلفة وكانت عفاف تتحدث مع سمية.
***
كان الصمت يهيمن على جلال وفريال داخل السيارة، هي تتطلع من زجاج النافذة بصمت وهو يتابع الطريق بخنق، التقطت عيناها من النافذة بشار كان يقف أمام سيارته ويتحدث بالهاتف فقالت مسرعة:
_ مش ده بشار؟
هدأ من سرعة السيارة حتى توقفت تمامًا والقى بنظره للخارج يدقق النظر ليقول بإيجاب:
_أيوة هو.
لوت فريال فمها بحزن وقالت في عبوس:
_أكيد راجع البيت أنا هنزل وأرجع معاه وأنت روح على شغلك عشان متتأخرش.
لم تحصل على رد منه سوى الصمت وحين التفتت برأسها وتطلعت إليه رأت نظرات مرعبة أخافتها حقًا وبعدها اتاها صوته الرجولي القوي:
_وأنتي من ميتا بقيتي قريبة من بشار للدرجة اللي تخليكي تنزلي من عربية جوزك وتركبي معاه في عربيته عشان يوديكي البيت؟
اضطربت للحظة لكنها تصنعت الثبات وقالت بهدوء:
_ في إيه يا جلال.. بشار متربي معانا وهو كيف عمران وبلال بالنسبالي وأنت عارف الكلام ده زين.
ارتفعت نبرة صوته الرجولية وأصبحت أكثر رعبًا وهو يصرخ بها:
_عمران وبلال أخواتك لكن ده يدوب واد عمك.. يعني يبقى في حدود في التعامل يا ست هانم ومتنسيش روحك يافريال مش معنى أنك سايبة البيت وقاعدة في بيت أبوكي يبقى تعملي اللي على هواكي.
رغم الخوف الذي تمكن منها لكنها أبت الخضوع واستاءت منه ومن أسلوبه القاسي فقالت بغضب وباصرار:
_وأنا مش عاوزة أرجع معاك يا جلال، أنت مش هاين عليك تبص في وشي طول الطريق ومش قادرة استحمل نفورك مني وتجاهلك ليا، عشان كده هنزل وأرجع مع واد عمي أحسن.
كانت ستهم بفتح الباب والنزول لكنه قبض على ذراعها بعنف واوقفها صارخًا:
_ رايحة وين! أنت بتكسري كلمتي.
تفادت النظر في عيناه المخيفة وهمست بهدوء مزيف:
_مكسرتش كلمتك لكن ده الأفضل ليا ولك.
باغتها بصرخة نفضتها في مقعدها:
_ أنا اللي أقول إيه الأفضل وإيه لا.. لكن اللي أنتي بتعمليه ده ملوش غير حاجة واحدة عندي وهي إنك نسيتي روحك ومعدتيش عاملة احترام للراجل اللي قصادك اللي هو جوزك، اقسم برب العزة يافريال لو شفتك قريبة من بشار أو أي راجل هتشوفي وش عمرك ما شوفتيه مني واعتبريه كيف ما تعتبريه أوامر أو تحذير أو حتى تهديد.
غامت عيناها بالعبارات في حرقة فأشاحت بوجهها عنه تخفي دموعها عن أنظاره هامسة بصوت مبحوح:
_سيب يدي يا جلال.
ترك يدها بجفاء واعتدل في جلسته ليحرك محرك السيارة وينطلق بها وسط صوته وهو يهتف بغضب هادر وغيرة تأكل صدره:
_هنزل وأرجع مع بشار.. وكيف عمران وبلال بنسبالي.. بقى أخوكي مرة واحدة وأنا معرفش ولا إيه!!
همست بخفوت وهي تبكي بصمت:
_ بزيادة يا جلال كفاية.
انفعل وهاجت عواصفه مجددًا ليصيح بها:
_ مش كفاية.. لساتك مرتي وهتفضلي ولو في دماغك أوهام تخص الطلاق انسيها لأنها مش هتحصل فاهمة ولا لا.
رمقته مطولًا باستغراب على أثر ذكره الطلاق فهي لم تسبق وتحدثت معه بأي شيء يخص الطلاق ولا تفكر به أساسًا.. من أين جاء بفكرة أنها تريد الانفصال عنه؟!!!.
***
داخل أحد المقاهي القريبة من عيادة الطبيب الخاص بعمران.
كانت آسيا تجلس فوق مقعد مبطن ومريح حول الطاولة الصغيرة التي بالكاد تتسع لشخصين. عمران نهض منذ دقائق وابتعد عنها ليتحدث بالهاتف، وحين التفتت لم تجده حولها، فلم تعقب وتوقعت أنه ذهب ليقوم بفعل شيء وسيعود لها.
بقت مكانها وهي تتجول بنظرها حولها على وجوه الناس من فرط الملل. تارة تنظر أمامها وتارة تتلفت حولها بحثًا عنه، وهي تزفر بضيق من تأخره عليها. وبينما كانت تتلفت برأسها يمينًا ويسارًا لمحت ابنة عمها خلود وكانت تجلس بجانب شاب. فدقت النظر بها بعينان متسعة تتابعهم باهتمام شديد، تراقب تصرفات ذلك الرجل وهو يتقرب منها ويضحك معها ويمسك بيدها بحميمية، حتى أن يده كانت تتجرأ لأكثر من مجرد تشابك الأيدي.
ابتسمت بشيطانية وقالت:
_ وأخيرًا حصلي الشرف واتعرفت على حبيب القلب.
لمعت عيناها بوميض مخيف وابتسامتها الشريرة كانت تزين ثغرها حيث همست بتشفي:
_ الفار وقع في المصيدة.
لكنها أسرعت بسرعة وأخفت وجهها واولتهم ظهرها حين رأتهم يهمون بالنهوض. بقت على حالتها للحظات حتى رأتهم يغادرون المقهى بأكمله وهو يلف ذراعه حول كتفيها. فضحكت وقالت بعين مظلمة:
_ وأنا اللي فاكرة آخرك كان كلام في التلفون وعلى النت. بس الموضوع طلع أكبر من إكده. وصدقيني أنا هخليه أكبر ياغالية.
انتصبت واعتدلت في جلستها حين رأت عمران يدخل من باب المقهي ويقترب نحوهها. وتلقائيًا ارتفعت البسمة الناعمة لثغرها وهي تتابعه بنظراتها حتى وصل وجلس على المقعد المقابل لها. ورأته يضع أمامها على الطاولة كيسًا وكانت تفوح من داخله رائحة طعام شهية. ثم سمعته يقول بنبرة جميلة:
_ كلي أنتي مفطرتيش عشان بعدين نمشي.
ابتسمت وردت بإشراقة وجه وهي تبدأ في إخراج الطعام ووضعه أمامهم على الطاولة:
_ هنمشي فين مش لسا هنكشف عند دكتورك؟
رد بخنق:
_ باينله مطول ولغاية دلوك الدور مچاش وأنا معايا شغل مش فاضي هبقى أچيله في يوم تاني.
ضيقت عيناها بتعجب وسرعان ما ظهر الحسم فوق معالمها وهي تقول:
_ يعني إيه في يوم تاني.. هنقعد نستنى ياعمران وتكشف وبعدين نمشي ولو معاك شغل أخره شوية مش هيچرا حاچة يعني.
رفع حاجبه مستنكرًا أسلوبها فأردف بنظرة ثاقبة ومريبة:
_ إيه أنتي هتمشي كلامك عليا ولا إيه!!
اضطربت للحظة من نظرته وقالت مصححة برقة:
_ ده عشان صحتك ومينفعش تهمل فيها.
عمران بعين دقيقة ومتعجبة:
_ وأنتي من أمتى بتهمك صحتي يعني؟
لوت فمها بخنق وردت في خفوت وعبوس ملحوظ:
_ أنا السبب ياعمران وعاوزة اتحمل مسئولية غلطي.
طالت نظرته التي تحمل ألف معنى وسؤال لتقطعها هي بصوتها وابتسامتها:
_ خلينا ناكل دلوك قبل ما الوكل يبرد.
عمران بالامبالة:
_ مش عاوز كلي أنتي.
تأففت بضيق وردت مغتاظة بعبوس:
_ أنا مش هاكل لحالي قصاد الناس إكده. كلي معايا.. أنت كمان مفطرتش.
لم يجيبها لكنها فسرت صمته بالانصياع لها. فابتسمت بنصر وبدأت في تناول الطعام وبقى هو للحظات يتابعها وهي تأكل بتلذذ وشراهة قبل أن ينضم لها ويشاركها في الأكل.
***
بتمام الساعة السابعة مساءً.....
داخل منزل خليل صفوان، كان علي بطريقه لغرفته وأثناء مروره من جانب غرفة شقيقته توقف على أثر صوت ضحكها المرتفع. فاقترب بتريث من باب غرفتها ومال بأذنه عليه يحاول التقاط أي شيء. فسمعها تتحدث وسط ضحكها:
_ لا مينفعش أقول طبعًا لو حد سمعني تحصل مشكلة.
اتسعت عيني علي والتهبت نظراته ليفتح الباب على مصراعيه بعنف ويندفع نحوها بغضب هادر. ثم جذب الهاتف من يدها ووضعه فوق أذنه صائحًا بذلك الشخص الذي على الطرف الآخر:
_ الو.
بتلك اللحظة شعرت خلود بأن نهايتها قد حانت وأنها انتهت. تسارعت ضربات قلبها وشعرت أنها ستفقد وعيها من فرط الرعب. بينما علي فكان يصرخ بالهاتف ينتظر أن يجيب عليه ذلك الذي تتحدث منه لكنه لم يجيب واغلق الاتصال. حاولت هي أنقاذ نفسها من ذلك الموقف وهتفت بضيق وثبات متصنع:
_ في إيه ياعلي بكلم صحبتي.. إيه اللي بتعمله ده!
القى بالهاتف على الفراش وصرخ بها منفعلًا بنظرات مرعبة:
_ صاحبتك برضك.. ولما هي صاحبتك قفلت ومردتش عليا ليه!
ابتلعت ريقها وهتفت بغضب وانزعاج:
_ أكيد اتخضت واتكسفت عشان إكده قفلت يعني عاوزها ترد كيف بعد الزعيق ده.
قبض على ذراعها وجذبها نحوه وهو يهتف بأسلوب تحذيري ونظرات لا تحمل المزاح ولا ترحم:
_ دي تاني مرة ياخلود صدقيني لو طلع اللي في بالي صح يابت بوي.. لاقطم رقبتك واصل.
لم يسعفها علقها بالكلمات لترد عليه حتى لسانها انقعد وكأنها فقدت القدرة على التكلم. فبقت بين يدين أخيها صامتة وهي ترتجف والرعب ملحوظ فوق معالم وجهها مما زاد من شكه بها. لكنه دفعها بعيدًا عنه تاركًا إياها قبل أن يلقى عليها نظرة نارية كلها وعيد. ثم استدار وغادر من غرفتها يتركها تقف وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة من فرط الرعب والتوتر.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة بلال.
طرقت عفاف الباب طرقتين وفتحت الباب ودخلت فلم تجده. أخذت تتجول بنظرها في كل أركان الغرفة بحثًا عنه. فسقطت عيناها عليه وهو يقف بالشرفة. ابتسمت بحنو أمومي وتقدمت إليه لتقف بجواره هامسة:
_ كيفك ياولدي؟
ابتسم ورد بصوت رخيم:
_ زين ياما الحمدلله.
التزمت الصمت للحظات ثم تطلعت له من جديد وابتسمت بخبث وراحت تسأله مباشرة دون ملاوعة:
_ إيه رأيك في بنت سمية؟
التفت لها بدهشة على أثر سؤالها وقال بعدم فهم:
_ بنتها مين؟
هتفت موضحة له أكثر وهي مازالت تحتفظ بنفس ابتسامتها الماكرة:
_ حور.
غضن حاجبيه بعدم فهم ببداية الأمر وراح يتمعن في أمه محاولًا اختراق عقلها وما يدور به. وبالضبط بعد دقيقة تبدلت معالمه من التعجب للذهول ليقول لها ضاحكًا لا يصدق أمه:
_ آه قولي إكده عاد.. أنتي اخدتيني واصريتي اروح معاكي عشان أشوفها.
ضحكت وقالت بقلة حيلة:
_ أعمل إيه لو كنت قولتلك مكنتش هتاچي معايا لو عملت إيه. بس قولي إيه رأيك المهم. البت كيف القمر أدب وأخلاق.. أنا الصراحة دخلت قلبي طوالي وأنت أكيد عچبتك صح؟
طالت نظرته الصامتة لأمه. ثم ابتعد بوجهه عنها والقى بنظره للشارع يتذكر تصرفها العفوي والجميل عندما فتحت الباب ووجدته أمامها. وعندما قدمت له العصير شعر برعشة بسيطة بيدها من فرط توترها حتى أنها لم ترفع عيناها بعينه مطلقًا ودقات قلبها العنيفة كان يشعر بها.
رأت عفاف بسمة ساحرة ترتفع لثغره وهو شارد الذهن فقالت بفرحة حماسية:
_ السكوت علامة الرضا مش إكده.
تنهد بقوة والتفت لها ضاحكًا ثم لف ذراعه حول كتفيها وضمها إليه وهو يدفعها للسير معه للخارج هامسًا بدفء:
_ تعالي ياما عشان ننزل للعشا. مش وقته الكلام في الحديت ده دلوك.
انطفأ بريق عيناها وتأففت بخنق دون أن تجيبه واكتفت بالسير معه يائسة. بينما هو فمازال عقله عالق عندها وبسمة ثغره لا تفارقه.
***
أنتهت من ارتداء ملابسها وارتدت حجابها فخرجت من غرفتها وكانت بطريقها للطابق الأرضي لكي تتناول العشاء مع العائلة بأكملها بناءً على أوامره. وأثناء مرورها من جانب غرفة إخلاص سمعت صوت منى وهي تلفظ اسمها وسط كلامها. فتسمرت بأرضها وراحت تتلفت حولها تتأكد من عدم وجود أحد بالأرجاء. ثم تحركت بخطوات حذرة ووقفت أمام الباب تستمع لحديثهم. وكانت أول عبارة تسمعها من إخلاص وهي تهتف:
_ قريب قوى ولدي هيطلقها وهخليه يتچوزك وتبقي أنتي مرته.
ردت منى ساخرة بضيق:
_ وكيف ده هيحصل يا مرت خالي.
إخلاص بنبرة صوت تحمل الخبث والشيطانية:
_ أنا اللي قولتلك تعالي واقعدي معانا كام يوم عشان تعرفي تكسبي عمران وتخليه ميشوفش غيرك وبعدين يطلق الحرباية آسيا دي. يعني دي مهمتك أنتي عاد عشان تاخدي عقله وتخليه ينتبه ليكي وتعچبيه.
هتفت الأخرى تسألها بخنق:
_ وأنتي كيف متأكدة أنه هيطلقها؟
ضحكت إخلاص وردت عليها باستهزاء:
_ أنتي هبلة يابت.. فكرك هسيب ولدي لبت چليلة بعدين عمران مش طايقها ولا عاوزها ده متچوزها غصب. فكرك هيستحملها كتير ده ولدي وأنا عارفاه.
دام صمت بينهم ولم تسمع رد من منى. لكن بعد ثواني سمعت إخلاص تتبع بلؤم:
_ شدي حيلك أنتي بس وأعملي كيف ما اتفقنا. خلينا نخلص من آسيا وبعديها افرح بيكي أنتي وولدي.
انتصبت آسيا في وقفتها وعيناها لمعت بوميض مخيف وتأججت نيران الغيرة في صدرها. فأخذت تحدق أمامها بصمت لثواني وهي تتوعد لتلك الأفعى منى. أما حماتها فكانت تتعهد لها أن رغبتها لن تتحقق طالما أنها لا تريد.
قادت خطواتها للأسفل وعندما وصلت للطابق الأرضي رأت الجميع ملتف حول مائدة الطعام. وعمتهم والدة كل من رحاب ومنى موجودة أيضًا وجميعهم يتبادلون أطراف الحديث في انتظار تجمع بقية العائلة ليبدأو في طعامهم.
اقتربت وسحبت المقعد المجاور لزوجها الذي كان منشغل بالحديث مع عمه وأبيه وجلست بجانبه صامتة وملامح وجهها تطلق شرارات الوعيد والاستياء الشديد. انتبهت لها فريال التي كانت تجلس بجوارها فانحنت عليها وسألته بتعجب:
_ مالك؟
لم تلبث لتجيبها وإذا بها سمعت صوت خطوات أقدام على الدرج. فاستدارت برأسها ورأت كل من إخلاص ومنى يسيران معًا. راحت تتابعهم بنظراتها النارية حتى وصلوا للطاولة وجلسوا. ولسوء الحظ أن منى جلست على المقعد المقابل لها بالضبط. فاستقرت في عيناها نظرة تبعث الرعب في القلوب. لكن الأخرى لم تكترث لها. وكانت تنظر لزوجها بكل وقاحة وهي تبتسم. فالتفتت نحو عمران ورمقته بشراسة بعدما رأته نظر لها وابتسم بود.
حاولت البقاء ساكنة دون أن تبدي أي ردة فعل وبدأت في تناول طعامها دون أن تحيد بنظرها عن منى التي لا تهدر الفرصة في دفع نفسها وسط الحديث الذي يدور بين الجميع لتتحدث معهم وتجري أطراف حديث معه.
الجميع كان منشغل بالحديث والمرح فيما عداها هي فقد كانت تشتعل من فرط غيظها وغيرتها ولم ينتبه لوضعها هذا سوى فريال التي لم تفهم سبب كل هذا النقم على ابنة عمها.
وبعد دقائق من ملاحظاتها صابتها الدهشة وهي لا تستوعب أن تكون آسيا تغار على شقيقها حقًا.
شعر بهزة قدمها العنيفة فنظر لها باستغراب ليجدها منشغلة بالتحديق في ابنة عمته بنارية ولا تكترث لأحد آخر.
مد يده أسفل الطاولة دون أن يلاحظه أحد ووضعها على فخذها يوقفها عن الاهتزاز وهمس لها بقوة:
_ إيه اللي بتعمليه ده؟ مالك؟
رمقته بغيظ ثم همست بنبرة محتقنة:
_ أنا طالعة اوضتي عشان لو قعدت ثانية كمان مضمناش نفسي ممكن أعمل إيه.
أبعدت يده عن فخذها وهمت بالوقوف لكنه أعادها لمقعدها من جديد بعدما شعرت بيده فوق قدمها مجددًا، لكن هذه المرة كانت قاسية وغاضبة وهو يتطلع لها منذرًا يقول:
_ كملي وكلك وشيلي عينك من على منى مش قاتلة ليكي قتيل هي.
همست معترضة على أوامره تجيبه بالرفض:
_ مش عاوزة أكل ياعمران ومش قادرة استحمل.
لم يجيبها هذه المرة لكن نظرته المرعبة كانت كافية لتجعلها تمتثل لأوامره مجبرة.
وسكنت بجواره من جديد وهي على وشك الانفجار من فرط الغيظ.
كان الجميع يتابع ما يحدث بينهم رغم أنهم لم يسمعوا شيء إلا أنهم ابتسموا بفخر عندما وجدوها تعود لمقعدها مرة أخرى من نظرة واحدة من ابنهم.
***
بعد انتهاء العشاء كانت رحاب بطريقها لشقيقتها بغرفتها بالأعلى لكنها توقفت بمنتصف الطريق عندما تذكرت خالها إبراهيم وأنها كانت تريد الحديث معه في أمر مهم.
فغيرت وجهتها وسارت نحو غرفة الصالون الكبيرة.
طرقت برقة ثم فتحت الباب ودخلت فإذا بها تقابل بشار الجالس بمفرده بالغرفة.
انتصب هو في جلسته فور دخولها وطالعها بدقة فقالت هي مبتسمة:
_ كنت جاية أتكلم مع خالي إبراهيم.
أجابها وهو يتنهد بعمق:
_ طلع اوضته من شوية عشان يريح وينام.
هزت رأسها بتفهم ثم أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته زفيرًا متمهلًا قبل أن تقول بقسمات وجه دافئة:
_ مرت خالي قالتلي أنها شافتلك عروسة وأنت وافقت.
إماء رأسه بالإيجاب وهو يجيبها بجمود:
_ فعلًا.
تقدمت خطوة للأمام نحوه وقالت مبتسمة برقة وبنقاء:
_ ورتني صورتها كمان. ما شاء الله قمر أوي.. ربنا يتمملك على خير يابشار.
رسم ابتسامة بصعوبة فوق ثغره وأجابها بلطف وخفوت:
_ يارب يا رحاب تسلمي.
قالت بنعومة وهي تهم بالاستدارة:
_ أنا همشي. عاوز حاجة مني؟
أردف بشار بالرفض مبتسمًا:
_ عاوز سلامتك يابت العم.
أولته ظهرها وانصرفت تتركه ساكن كالصنم عيناه عالقة على الباب.
وبعد دقائق راح يمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يتأفف هامسًا:
_ عاوزة مني إيه بس؟ ليه مصممة تظهري قصادي في كل مكان وأنا بهرب منك عشان أنساكي؟ أنا تعبت قوي.
***
داخل غرفة جلال بمنزل خليل صفوان......
كان يجلس فوق مقعد خشبي مبطن وثير وبيده سيجارة يضعها في فمها ثم يخرجها ويزفر الدخان بشراسة من أنفه وفمه.
هو لا يشرب السجائر من الأساس لكن منذ تركها له وقد انقلبت حياته رأسًا على عقب.
قذفت بعقله تلك الليلة التي جاءت فيها لتنام بحضنه بين ذراعيه وبصباح اليوم التالي تركته للمرة الثانية ورحلت.
كلما يحاول التماس عذر لها ومسامحتها تدمر كل شيء من جديد.
بات يشعر أنها لم تعد حبيبته وزوجته وأصبحت امرأة أخرى اكتسبت القسوة وجفاء القلب بليلة وضحاها وأول من مارست عليه تلك القسوة هو.
منذ فراقهم لم تهتم ليوم واحد أن تتصل وتطمئن عليه وكأنها انتزعت ذلك العشق الذي بقلبها والقته بعمق البحار.
لو لم تذهب بذلك اليوم بسبب ما سمعته ومحاولته لقتل شقيقها كان سيخبرها بالحقيقة ويطلعها على سره وسر شقيقته.
لكنها اختارت عدم تصديقه وأصمت أذنيها عن سماع أي تبرير وأولته ظهرها وتركته بأمس لحظات احتياجه لها.
أصبحت لياليه موحشة ووحدته بين الأربع حوائط دونها تقتله.
اشتاق لها ولحظاتهم معًا وضحكتها التي يرى لمعانها في عيناها.
اهتمامه وحبها عندما تضمه وتخفف عن همومه.
هو الآن يحمل هموم بقدر الجبال ولا يجد من يحملها ويخفف عنه قليلًا.
رغم رفضه وعدم رغبته بزواجه الذي سيتم بمساء الغد إلا أنها السبب.
هي من دفعته لذلك التصرف بعد ما دمرت كل شيء بينهم ودعست على كبريائه وكرامته بقدميها وعبرت دون اكتراث لنزيف قلبه.
بينما بالغرفة المقابلة لغرفته كانت جليلة نائمة في فراشها والعرق يتصبب منها وأناملها تتحرك بحركة لا إرادية وإذا بها فجأة تث جالسة وهي تهتف بزعر:
_ بتي.
كانت تتنفس بسرعة وراحت تمد يديها لكوب الماء الذي فوق المنضدة المجاورة لفراشها.
وارتشفته كله دفعة واحدة بيد مرتعشة وبعد انتهائها اعادته لمكانها وهي تردد بصوت مرتجف:
_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أخذت تستغفر ربها وتقرأ آيات من القرآن الكريم لتهدأ من روعها لكن قلبها كان يأكلها على ابنتها.
فقد رأتها بحلمها محاطة بأفاعي ضخمة وكانت تستنجد بهم لكي ينقذوها لكنهم لم يلبوا طلب استغاثتها وتركوها وبالنهاية التفت الأفاعي حولها ولم تعد تراها.
كان يدور بعقلها ألف سؤال وشك حول تفسير ذلك الحلم ولكن الأهم من ذلك أن فطرتها كأم كانت تنهش قلبها من فرط خوفها وقلقها على ابنتها.
***
كانت تجلس فوق مقعدها صامتة وتتذكر نظرات تلك الأفعى له.
وما سمعته عن مخططهم حول طلاقه منها وزواجه من تلك الساذجة.
ربما تشعر ببعض الاستنكار من نفسها بسبب غيرتها المفرطة فهي نفسها لا تدري متى أصبحت تغار عليه بتلك الدرجة لكنها لم تبالي يكفي فقط أن تبعد تلك الشيطانة عنه وإلا ستحرقها بنارها.
خرج عمران من الحمام وهو يجفف وجهه من المياه بمنشفة بيضاء صغيرة وبعد انتهائه علقها بمكانها ثم قاد خطواته لخارج الغرفة.
علقت هي نظرها عليه تتابع خطواته لأين تتجه وعندما أدركت وجهته وثبت واقفة واسرعت شبه راكضة تقف بينه وبين الباب حائل تسأله بفضول:
_ رايح فين؟
اتسعت عيناه بحيرة وسرعان ما احتدمت نظراته وهو يقول بحزم:
_ أنتي هتحققي معايا ولا إيه؟
ردت بكل بساطة عاقدة ذراعيها أسفل صدرها:
_ فين التحقيق في كلامي. أنا سألتك سؤال عادي عشان الوقت متأخر وأكيد معكش شغل دلوقت يعني فحابة أعرف.
زفر بخنق ورد:
_ اديكي قولتي معيش شغل يعني طالع أعمل حاجة وراجع.
سألت بكامل التلقائية والفضول القاتل:
_ حاجة إيه.. لو محتاج حاجة قولي وأنا أجبهالك.
مسح على وجهه متأففًا وهو يردد:
_ استغفر الله العظيم.. بعدي من خلقتي يا آسيا متخلنيش أتعصب عليكي.
أبت الابتعاد وبالأخير سألته برقة واهتمام:
_ طالع فوق في أوضة الجلوس بتاعتك؟
لم يجيب واكتفى بصمته الذي فسرته رد بالإيجاب على سؤالها لتقول له مبتسمة وبجدية:
_ طيب هروح أقعد معاك.
ضيق عيناه بدهشة من تصرفاتها المريبة وكأنها امرأة أخرى ليست آسيا التي اعتاد عليها.
لكنه أجابها بالأخير في نفاذ صبر وهو يدفعها من أمام الباب برفق:
_ عاوز أقعد لحالي خليكي هنا ونامي.
لوت فمها بغيظ وبقت مكانها ساكنة وهشة تشتعل بعد انصرافه.
فراحت تجلس فوق فراشها وأخذت قدميها تهتز بعنف كما كانت على طعام العشاء بالأسفل.
ظلت على تلك الحالة لخمسة عشر دقيقة تقريبًا وهي تغلي من فرط القلق والغيظ.
قفزت بعقلها فكرة احتمالية رؤية منى له وهو متجه لغرفته ثم لحقت به وهي الآن معه بمفردهم.
أظلمت عيناها ولهيب الغيرة بصدرها أحرقها فوثبت واقفة كالتي لدغها عقرب واسرعت تلتقط حجابها والقته فوق شعرها بعشوائية ثم اسرعت للخارج وهي تقود خطواتها المشتعلة والمتلهفة للطابق الثالث حيث غرفة الجلوس وفور وصولها لم تنتظر للحظة وفورًا فتحت الباب على مصراعيه ودخلت فوجدته يجلس فوق الأريكة وأمامه على الطاولة المتوسطة مجموعة أوراق تخص العمل.
كان بمفرده فتنفست الصعداء براحة وابتسمت.
بينما هو فرفع نظره لها وقال بغلظة:
_ أنا مش قولتلك خليكي تحت ونامي.
اضطربت وتنحنحت بهدوء محاولة أيجاد ذريعة ومخرج من ذلك الوضع فقالت بالنهاية بخفوت متصنعة البراءة:
_ حاولت أنام معرفتش وحلمت بكوابيس. هقعد جنبك لغاية ما تخلص شغلك وبعدين ننزل مع بعض.
لم تنتظر لتسمع رده ولم تهتم له أساسًا فسواء قبل أو أبى كانت ستبقى معه.
تقدمت نحوه وجلست بجواره على الإريكة ورمقته بنعومة وهي تبتسم لكنه كان بعالم آخر يحاول فهم ما تفعله وبالأخير تنهد مستسلمًا وأشاح بوجهه عنها وراح يكمل عمله وهي ظلت بجواره تتابعه دون أن تلفظ بحرف واحد فقط صوت أنفاسهم هو المسموع بالغرفة.
مرت دقائق طويلة نسبيًا وهي على وضعها تتأمله بهيام.
ملامحه القاسية والحازمة ولحيته التي تنمو أكثر مع الأيام حتى جسده القوي والعريض داخل ذلك الجلباب الرجالي الصعيدي يزيده رجولة ووقار.
زار النوم عيناها فوجدت نفسها تغفو لا إراديًا.
كان منشغل بالعمل ولم ينتبه لها إلا عندما انتهى من عمله نظر لها فوجدها نائمة بعمق فوق الوسادة الكبيرة المسنودة على الحائط.
تمعنها للحظات بشرود ثم مد يده وامسك بيدها يفرك فوق ظاهرها بلطف هاتفًا:
_ آسيا.. آسيا قومي.
سحبت يدها من قبضته وضمت ذراعيها لصدرها بحركة لا إرادية دون أن تستجيب لندائه بسبب نومها العميق.
فتنهد بعمق ورفع أنامله لخصلات شعرها المتمردة لخارج الحجاب ثم أدخلهم برفق واستقام وقفًا بعد أن حملها بين ذراعيه رغم أن ذراعه لم يتعاف جيدًا إلا أنه لم يهتم وحملها وسار بها للخارج وهو يقول مغلوبًا:
_ عندك اللي جايبلي وجايبلك التعب.. ياكش محدش يشوفنا بس.
قاد خطواته للطابق الأسفل حيث غرفتهم وهي كعادتها كانت تلف ذراعيه حول رقبته وتدفن رأسها بين ثنايا صدره.
وبينما كان في الطرقة المؤدية لغرفته سمعها تهتف وسط نعاسها:
_ بنت عمتك عقربة.
ضيق عيناه وسألها بتعجب:
_ بنت عمتي مين!
استغرقت لحظات حتى تجيبه من جديد بصوت ناعس فقد كانت بالمنتصف بين الوعي واللاوعي:
_ منى.
أخفضت نظره لها وابتسم بخبث وهو يسألها:
_ وليه منى عقربة؟
كان قد وصل بها لغرفتهم وفتح الباب ودخل ثم اقترب من الفراش ووضعها فوقه برفقه ليسمعه تجيب:
_ عشان.. عاوزة..
جلس على طرف الفراش بجوارها وسألها بترقب:
_ عاوزة تاخد إيه يا آسيا؟
بدأ النوم يسيطر عليها مجددًا فانقلبت على الفراش وولته ظهرها دون أن تجيب عليه. فطالت نظراته الماكرة لها ثم انحنى عليها من الخلف وهمس بأذنها في صوت يحمل فحيح الأفعى كله ذكاء:
_ عاوزة تاخدني منك صح؟
لم يحصل على رد بصوتها لكنها هزت رأسها له بالإيجاب. فابتعد عنها وهو يضحك بصمت على اعترافها بالغيرة من ابنة عمته. بعد دقيقة بالضبط سحب الغطاء ودثرها جيدًا. ثم استقام واقفًا والتف حول الجهة الأخرى من الفراش وتسطح بجوارها مغلقًا عيناه ينوي النوم هو الآخر.
بمساء اليوم التالي.
تحديدًا داخل منزل منيرة كانت الأجواء صاخبة والمنزل ممتلئ بالضيوف وأصوات الموسيقى مرتفعة وزغاريد النساء لا تتوقف. فقد انتهى المأذون الذي كان صديق العائلة للتو من مراسيم الزواج كاملة. توقف ثم اقترب من جلال يعانقه بحرارة هاتفًا بود:
_ مبروك يا ولدي ربنا يسعدكم ويهنيكم.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل العشرون 20 - بقلم ندى محمود توفيق
داخل منزل خليل صفوان.....
كان جالسًا فوق الأريكة ويتابع بعينيه الترحيب والحفاوة التي تتلقاها زوجته الجديدة من عائلته بدخولها لمنزلهم، وبالأخص أمه التي سعادتها تحملها من فوق الأرض وتحلق بها في الهواء.
على جانبيه من كل ناحية كان يجلس أولاده ويتطلعون بزوجة والدهم في خنق، حتى أن عمار الصغير ألقى بنفسه بين ذراعي والده ورفض الابتعاد عنه. ومعاذ كان يعقد ذراعيه أسفل صدره يتطلع بمنيرة في غيظ. لم يكن طفلاً كأخيه حتى لا يفهم أن تلك المرأة تأخذ مكان والدته.
تنفس جلال الصعداء بنفاذ صبر وأبعد ابنه الصغير عن ذراعيه بعد أن قبله بحنو من شعره هامسًا:
_ أنا هطلع أنام وأنت وأخوك اطلعوا على أوضتكم وناموا معاكم مدرسة الصبح.
هتف معاذ في أسلوب فظ وغير لائق بغضب:
_ أنا عاوز أمي يابوي مش عاوز الست دي تقعد معانا في البيت.
استقرت في عيني جلال نظرة حادة وقال لابنه:
_ معاذ.. أتكلم بأدب واوعاك اسمعك بتتكلم إكده قصادي تاني.
استاء أكثر بعد تعنيف والده وتوبيخه له، فاستقام واقفًا وأسرع للأعلى حيث غرفته. وبعد لحظات من متابعة عمار لشقيقه وهو يصعد الدرج توقف هو الآخر ولحق به. بينما جلال فأخذ يتطلع نحو الدرج على أثر أولاده بضيق، ثم راح يمسح على وجهه وهو يتأفف بصوت مرتفع.
هب واقفًا ونظر لزوجته التي تتحدث بسعادة مع نساء عائلته تسرد وتحكي لهم عن حياتها ومواقفها، فقال بانزعاج ملحوظ:
_ يلا يامنيرة مش بزيادة حكاوي ولا إيه؟
لم تتضايق من انزعاجه، بل فسرت سببه أنه ربما لا يطيق الانتظار حتى يختلي بها في غرفتهم، فابتسمت بخجل ورأت جليلة وهي تشير لها أن تنهض وتطيع أوامر زوجها وتذهب لغرفتهم، فهذه هي ليلتهم الأولى.
لحقت منيرة به في خطوات رقيقة على عكسه تمامًا الذي وصل للغرفة قبلها بلحظات. كانت جليلة قد أعدت وجهزت غرفة جديدة كليًا لمنيرة بعدما رفض أن تبقى بغرفته هو وفريال. فور دخوله للغرفة وجدها مجهزة ومرتبة وبها كل ما يحتاجه أي عروسين، فزفر بخنق وهو يهز رأسه وراح ينزع عنه عباءته السوداء ويلقيها فوق الفراش.
بتلك اللحظة كانت منيرة قد دخلت فوقفت عند الباب وتشابكت يديها ببعضهم وهو تتطلعه بخجل مبتسمة. لم يبدي أي ردة فعل وبدا متجمد المشاعر وهو يقول لها بجدية:
_ ادخلي واقفلي الباب واقفة إكده ليه؟
استدارت وأغلقت الباب ثم تقدمت منه ووقفت أمامه وهي تبتسم باستحياء دون أن تتطلع بعينيه. كان سيتركها ويذهب للحمام أو ربما حتى كان سيفحمها برد قاسي، لكنه اطال النظر بها واستغفر ربه متنهدًا بقلب مهموم. ما فعلته فريال معه واندفاعه لقرار الزواج حتى لو كان لا يستطيع النظر أو الأقتراب من امرأة سواها. هذا لا يعطيه الحق أن يعامل الأخرى بجفاء أو حتى يفرغ بها شحنات جموحه المكتظة بصدره من حبيبته. فهذا ليس ذنبها.
رسم ابتسامة ودودة على ملامح وجهه ورفع يده يمسح على ذراعها بلطف هاتفًا:
_ أنا هدخل الحمام آخد دش وأنتي خدي راحتك وغيري هدومك.
ردت عليه بدلال مبتسمة:
_ حاضر.
استدار بجسده كاملًا وبعد أول خطوة التفت لها مجددًا وقال بثبات ولهجة رخيمة:
_ اليوم النهاردة كان صعب قوي يامنيرة وأنا تعبان. نامي ومتستنيش.
اتسعت عيناها بصدمة بعدما فهمت المغزى الحقيقي خلف كلماته وظلت تتابعه حتى اختفى عن انظارها وتوارى خلف باب الحمام، فجلست فوق الفراش وهي تتطلع في الفراغ بغضب حقيقي وانزعاج. لكنها هدأت من أعصابها واقنعت نفسها أنها مع الوقت ستكسبه وستجعله يسقط بحبها وينسى تلك المدعوة فريال.
***
بصباح اليوم التالي داخل غرفة عمران بمنزل الصاوي......
كانت آسيا تقف أمام المرآة تقوم بتسريح شعرها وترتدي عباءة منزلية صفراء ضيقة بعض الشيء تظهر منحنيات جسدها بوضوح. في تلك الأثناء خرج هو من الحمام بعدما انتهي من حمامه الصباحي وارتدي ملابسه لكي يذهب للعمل. وقع نظره عليها فعلقت عيناه على شعرها الحريري الطويل الذي يغطي ظهرها كله. لأول مرة يراه على طبيعته دون تلك الأشياء الغريبة التي تضعها به وتلمه بهم دومًا. هل كانت تحجب عنه كل هذا الجمال ولا تسمح له برؤيته كاملًا.
نفر عن عقله تلك الأفكار وهز رأسه بالرفض وهو يتنحنح بصوت مرتفع فانتبهت لوجوده على أثر صوته والتفتت له برأسها هاتفة بعفوية:
_ أنا خلاص خلصت هلم شعري والبس الطرحة وبعدين ننزل عشان الفطور.
تنهد الصعداء بحرارة ثم جلس فوق الفراش والتقط هاتفه يجري اتصال ببشار الذي أجابه بخنق:
_ إيه ياعمران فينك ده كله؟
رد عليه بهدوء:
_ ساعة بالكتير وأكون عندك.. ظبط الدنيا في المخزن لغاية ما آجي عشان بعدين نطلع على الوكالة.
بشار بإيجاب وبجدية:
_ طيب ومتتأخرش.
رد عليه بالإيجاب وأنهى الاتصال ثم عاد ينظر لها من جديد وجدها قد بدأت في ارتداء حجابها، لكن فور سقوط نظره على ملابسها قال بحدة:
_ ادخلي وغيري اللي لابساه ده.
التفتت له ونزلت بنظرها على ملابسها وجسدها ثم عادت له من جديد وقالت بعدم فهم:
_ اغيره ليه؟!
احتدمت نظرته وقال بغلظة صوته الرجولي:
_ بصي لروحك في المرايا وأنتي تعرفي.. أنتي مش قاعدة في بيت لوحدك إهنه في رجالة غيري.
وقفت أمام المرآة ونظرت لنفسها فرأت العباءة تلتصق بجسدها وضيقة. عندما ارتدتها لم تنتبه لذلك والآن دهشت فراحت تهتف بتلقائية في عبوس:
_ مكنتش ضيقة إكده فيا.. هو أنا تخنت ولا إيه!
تنهد مستغفرًا ربه وقال بقلة حيلة:
_ احنا في إيه ولا أيه دلوك يا آسيا.. غيري يلا هدومك أنا ورايا شغل.
جلست فوق المقعد المقابل للمرآة وقالت بضيق وهي تنظر لنفسها بإحباط:
_ انزل أنت.. أنا مش نازلة مش عاوزة آكل نفسي اتسدت.
ضحك رغمًا عنه واستقام واقفًا ثم اقترب منها وملس على ذراعها بلطف هاتفًا:
_ غيري وحصليني على تحت.. مش هتعملي اضراب عن الوكل عشان تخنتي شوية.
لم تجيبه حتى أنها لم تنظر له وفور انصرافه وقفت مجددًا وراحت تدور حول نفسها أمام المرآة تتفقد جسدها ووزنها المتزايد في خنق وهي تتأفف. أخذت تهز رأسها بالرفض بعدما تذكرت عبارته الأخيرة وهو يطلب منها أن تلحق به للأسفل. وراحت تجلس فوق فراشها ممتنعة عن النزول، لكن فجأة تحولت قسمات وجهها من الإحباط للغيظ فور تذكرها لوجود تلك الأفعى المدعوة منى. أن لم تنزل الآن ستترك لها الساحة فارغة حتى تتقرب من زوجها.
هبت واقفة وقالت بوعيد وغيرة حقيقية:
_ مبقاش أنا آسيا أما خليتك ترجع من مطرح ما جيتي ياعقربة.
اتجهت نحو الخزانة وأخرجت ملابس أخرى لها ثم بدأت في ارتدائها بدل التي ترتديها ولحقت به للأسفل.
حول طاولة الطعام كان الصمت يهيمن على الجميع باستثناء عمران الذي كان يتحدث مع إبراهيم عن العمل الذي سيقوم به اليوم وكان يخبره أنه سيمر أولًا على المخزن قبل الذهاب للوكالة. ومن الغريب أن منى كانت ساكنة بمقعدها لا ترفع نظرها وتتطلع بعمران مما أطفأ نيران آسيا المشتعلة قليلًا. لكن ما هي إلا دقائق معدودة حتى انتهى عمران من طعامه واستقام واقفًا ينوي الانصراف، لكن اوقفه صوت أمه وهي تقول مبتسمة:
_ عمران بنت عمتك رايحة تشتري كام حاجة في نفس طريق المخزن بدل ما تروح لحالها خدها وصلها معاك ياولدي في طريقك.
ردت منى برقة أنثوية وهي تتصنع التمنع:
_ ملهاش لزمة يامرت خالي.. مش عاوزة اتعبه واعطله عن شغله.
خرج صوت عمران الرجولي بطبيعية:
_ مفيش تعب ولا حاجة يامنى.. خلصي وكلك وأنا هستناكي في العربية.
لم يكن منتبه لذلك البركان الذي سينفجر من فرط الغيظ والغيرة سوى إخلاص ومنى وهم يبتسمون بخبث وتشفي. وآسيا ترمقهم بوعيد مخيف فقد اطلقوا سراح الساحرة الشريرة التي سجنتها لفترة بداخلها والآن سيتحملون عواقب خطأهم.
ظلت هادئة بطريقة مريبة وهي مستمرة في تناول طعامها، وحين رأت منى تقف وتتجه للحمام حتى تغسل يديها. ابتسمت بنظرة جانبية كلها شيطانية واستقامت واقفة وكأنها انتهت من طعامها وقادت خطواتها للطابق الثالث حيث غرفة منى.
دقائق معدودة وسمعت خطواتها تقترب من غرفتها فتوارت داخل أحد الغرف حتى لا تراها، وفور دخولها خرجت وذهبت لغرفتها فرأتها تقف تضع أشياءها بحقيبتها وتولي ظهرها للباب فابتسمت بخبث واقتربت تمد يدها تلتقط هاتفها ثم جذبت مفتاح الغرفة من القفل وخرجت وأغلقت الباب ووضعت المفتاح بالقفل من الخارج وأقفلت عليها.
انتصبت منى في وقفتها باستغراب عندما سمعت صوت الباب وفورًا هرولت للباب تمسك بالمقبض وتحاول فتحه وهي تقول بصوت مرتفع في غضب:
_ مين اللي قفل الباب؟
سمعت صوت آسيا الماكر من الخارج وهي تهمس لها:
_ أنا ياغالية.. اعتبري ده تاني تحذير مني ليكي ونصيحة اوعاكي تخليني احذرك للمرة التالتة.
ضربت منى على الباب وصرخت بها:
_ افتحي الباب يا آسيا فكرك بتهديدك ده أنا هخاف منك.. لا ده أنا هتصل بعمران دلوقتي وأقوله مرتك حبساني في الأوضة وخلينا نشوف هيعمل إيه معاكي.
ضحكت آسيا بقوة وهي تنظر لهاتفها الذي بيدها وقالت من بين ضحكها بشر:
_ هتتصلي بيه من تلفونك اللي معايا!
اتسعت عين الأخرى بصدمة وسرعان ما راحت تصرخ بها بهستيريا:
_ ماشي يا آسيا صدقيني هندمك على عملتك دي.. يامرت خالي.
تحلوت نبرة آسيا من البرود لأخرة حادة ومخيفة وهي تهتف:
_ اقفلي خشمك بزيادة صراخ محدش هيسمعك كلهم تحت بيفطروا.
صدح صوت رنين هاتف منى الذي بيدها وحين تطلعت بشاشته رأت اسم عمران فابتسمت وقالت لها بنصر:
_ عمران بيتصل.. طبعًا جوزي مستنيكي تحت وأنا ميهنش عليا اسيبه يستناكي على الفاضي ويعطل شغله عشانك.
ابتعدت آسيا عن الباب حتى لا يسمع صوت صراخها وردت عليه فتسمعه يقول بجدية:
_ ألو يامنى فينك؟
ردت عليه برقة وبراءة:
_ منى تعبت فجأة ياعمران وقالتلي ارد عليك وأقولك امشي وهي لما تخف شوية هتروح لحالها.
عمران بدهشة:
_ آسيا!!.. تعبت كيف يعني واشمعني أنتي اللي قالتلك ردي عليا.
ردت بإيجاز حتى تتهرب من أسألته:
_ عشان أنا جنبها دلوقتي يا عمران وهي مكسوفة منك عشان خلتك تستناها على الفاضي.
أنا هقفل عشان هي بتنده عليا وأنت روح شغلك عشان متتأخرش.
أغلقت الاتصال معه وعادت مجددًا لمنى، ثم وضعت المفتاح في القفل وتركته به. انحنت تترك هاتفها على الأرض وهي تقول:
_ أنا هسيبك إكده محبوسة لغاية ما حد يحس بيكي ويفتحلك. واعتبري ده قرصة ودن عشان تحطي عقلك في راسك وتبعدي عن چوزي من إهنه ورايح.
لم تكترث لصياحها عليها وتهديداتها لها، بل سارت مبتعدة. نزلت للطابق الثاني حيث غرفتها، وفور دخولها اتجهت للشرفة ووقفت تتطلع له مبتسمة بنصر وهي تراه يبتعد بسيارته عن المنزل.
***
داخل الجامعة.
انتهى بلال من محاضرته وكان بطريقه لمغادرة الجامعة بأكملها، لكنه تسمر مكانه حين رآها تجلس أسفل إحدى المظلات وبيدها كتاب تقرأه باندماج. ابتسم بساحرية واتجه نحوها بخطوات واثقة حتى وصل لها وجلس أمامها هامسًا:
_ أحم.
رفعت رأسها بسرعة عن الكتاب ورمقته بدهشة هاتفة:
_ بلال!
كانت ابتسامته الجميلة تزين وجهه وهو يقول بنبرته الرجولية المميزة:
_ عاملة إيه؟
توترت لكنها تمالكت نفسها وحاولت التصرف بطبيعية أمامه حتى لا تدخل الشك لصدره، وردت بخفوت:
_ كويسة الحمدلله، وأنت؟
اكتفى بإماءة رأسه بنظرة دافئة كرد على سؤالها. بينما هي، فتسارعت نبضات قلبها أكثر بعد نظرته وراحت تدفن وجهها في الكتاب من جديد تتهرب من النظر له. لم يكن ساذجًا للدرجة التي لا تمكنه من فهم توترها وخجلها منه، وليته توقف عن الكلام، بل كان يستمتع برؤية ذلك الخجل. راح يفتح موضوعًا مختلفًا حيث قال:
_ غريبة الصدف دي الصراحة.
فهمت ما يرمي إليه فابتسمت باتساع وردت ضاحكة:
_ فعلًا أنا انصدمت لما شفتك.
ضحك ورد بنبرة تضمر خلفها المكر:
_ أيوة كان واضح.
_ واضح إيه؟
بلال ضاحكًا:
_ صدمتك ياحور!
إماءت له بتفهم وهي تبتسم، ثم سألته بفضول:
_ أنت كنت عارف أنك چاي عندنا؟
طالت نظرته الغريبة وهو يضحك، ثم قال نافيًا:
_ لا، أنا فاكر نفسي رايح لوالدتك اللي أنا أعرفها من زمان ومشوفتهاش من وقت ما كنت صغير، ومعرفش إنك بنتها. وبيني وبينك أنا كان معايا شغل ومكنتش فاضي، بس أمي صممت اروح معاها. وأتضح بعدين إن ليها هدف ورا الإصرار ده.
حور بعدم فهم وفضول أقوى:
_ هدف إيه؟
التزم الصمت واكتفى بنظرته وهو يبتسم بطريقة غريبة. في الواقع هي اضطربت ولم ترغب في أن تعيد عليه السؤال مرة أخرى وصمتت. لكنها ابتسمت بعذوبة عندما سقط نظرها على ابن خالتها وهو يقترب منها، فاستقامت واقفة وقالت لبلال برقة:
_ معلش يابلال أنا همشي بقى عشان مازن وصل.
التفت برأسه للخلف فرأى ذلك الشاب. كان نفسه الذي رآه بمنزلهم، وكان يجلس بجوارها ويتبادلان أطراف الحديث بمرح وتلقائية. تجهمت ملامح وجهه واختفت ابتسامته. وحين عاد بنظره لها، إماءة لها بالإيجاب في وجه جامد. على عكسها التي ودعته بابتسامة ناعمة وراحت تتجه نحو ابن خالتها. سارت معه وهو يتحدثون بعفوية وسط ضحكهم. كانت عيناه عالقة عليهم يراقبهم بانزعاج ملحوظ. وما هي إلا لحظات حتى وقف وسار للخارج يغادر الجامعة بأكملها بملامح وجه مكفهرة.
***
داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا بغرفة الأطفال.
كان معاذ يجلس على الأرض وبيده جهاز التحكم الخاص بشاشة الألعاب الخاصة به، ويلعب مع أخيه الصغير باستمتاع. لكن قطع متعتهم دخول منيرة عليهم وهي تحمل فوق يديها صينية الطعام وقالت بمرح:
_ چبتلكم الوكل لغاية عندكم.
تركوا ما بيدهم وتبادلوا بينهم النظرات بصمت، ثم راحوا يتطلعوا بزوجة أبيهم وهي تضع الطعام أمامهم هاتفة بود:
_ رچعتوا بدري من المدرسة النهاردة. كلوا عشان بعد إكده نذاكر مع بعض. أبوكم موصيني عليكم.
كان معاذ يرمقها بغضب والصغير بخنق. وفجأة وجدت عمار يدفع صينية الطعام من أمامهم هاتفًا بقرف:
_ مش عاوزين ناكل حاچة من يدك.
وتابعه معاذ الذي رد عليها بنظرة قوية تشبه نظرة والده:
_ ومُش عاوزينك تذاكري لينا، أمنا بتذاكرلنا زين.
صابتها الدهشة ببداية الأمر، لكن حاولت احتواء الموقف وقالت بلطف:
_ بس أمكم مش قاعدة دلوك يامعاذ ياحبيبي، ولازم حد يذاكر ليكم. بعدين أنتوا كارهيني إكده ليه؟ أنا عملت حاچة ضايقتكم مني؟
وثب معاذ واقفًا وقبض على يدها ثم جذبها للخارج، وقال قبل أن يغلق الباب بوجهها:
_ امشي، مش عاوزينك في بيتنا.
بقت متسمرة مكانها مصدومة من ردة فعل ذلك الطفل الذي طردها من غرفتهم. لكن باللحظة التالية لوت فمها بقرف وقالت:
_ صحيح عيال معندهاش مخ ولا بتفهم كيف أمهم!
بالداخل، أسرع معاذ تجاه الهاتف الذي تركه له والده حتى يتواصلوا معه إذا حدث معهم شيء. راح يقول لشقيقه بحزن:
_ أنا هتصل بأمي وأقولها عشان تاجي وتمشي الست دي.
رد عمار بتأييد لفكرة شقيقه الكبير:
_ أيوة كلمها وقولها يامعاذ.
على الجانب الآخر، كانت فريال تقوم بحياكة شال لكل من أولادها وزوجها. فقد اعتادت أن مع كل سنة قبل فصل الشتاء تقوم بتجهيز الشيلان لهم. لكنها توقفت وتركت ما بيدها عندما سمعت صوت رنين هاتفها. وفور رؤيتها لاسم المتصل، ردت بسرعة في سعادة:
_ معاذ ياحبيبي، عامل إيه أنت وأخوك؟
رد عليها بصوت غاضب:
_ أما ابويا چاب الابلة منيرة تعيش معانا في البيت، وكانت چايبة لينا الوكل من شوية وعاوزة تذاكرلنا، واحنا مشيناها. تعالي ياما أبوس يدك ومشيها، أنا وعمار مش عاوزينها تقعد معانا إهنه.
صمتت لبرهة من الوقت تحاول استيعاب ما يقوله، ثم سألته بعدم فهم:
_ منيرة إيه اللي چابها البيت يامعاذ، وليه تقعد معاكم؟
كان عمار يسمع صوت أمه، وبعد عبارتها راح يصيح باستياء:
_ عشان أبويا اتچوزها، وهي هتعيش معانا في البيت.
اختفى صوتها لوقت، فقد شعرت وكأن دلو من المياه المثلجة سقط فوق جسدها. ولوهلة ظنت نفسها تتهيأ ما سمعته من ابنها الصغير، فراحت تسأل معاذ بصوت خائف من سماع الإجابة:
_ إيه اللي قاله أخوك ده يامعاذ؟
رد عليها بتلقائية دون فهم، معتقدًا بعقله الطفولي أن أمه لم تسمع شقيقه:
_ بيقولك أبويا اتچوزها.
وكأن روحها انفصلت عن جسدها بتلك اللحظة، وأنفاسها أصبحت ثقيلة لتهتف لابنها بصوت مكتوم:
_ أتچوز كيف يعني؟ أنت متأكد يامعاذ؟
_ أيوة ياما، وامبارح كان الفرح، وكلنا كنا هناك.
ارتجفت يديها وفقدت القدرة على التحكم بأعصابها، فسقط الهاتف على الأرض وجلست بسرعة فوق الفراش بعدما شعرت بقدماها لا تحملها، وكأنها ستفقد وعيها. لكنها أخذت تهز رأسها بالرفض غير مصدقة:
_ لا، چلال ميعملش إكده. في حاجة غلط أكيد، العيال مش فاهمين. أنا هلبس وأروح أتأكد بنفسي.
تحاملت على قدميها التي ترتجف ووقفت، ثم اقتربت من خزانتها واخرجت ملابسها وبدأت في ارتدائها وهي تدعو ربها أن يكون كل هذا كابوسًا أو لا يكون كلام أولادها صحيحًا.
***
اتجهت جليلة نحو الباب بعدما سمعت صوت الطرق. لوت فمها بخنق عندما فتحت ووجدت فريال أمامها. لم تكترث فريال لها ولا لنظراتها حتى، فكان كل همها أن تتأكد من الذي أخبروها به أولادها. همت بدفعها حتى تعبر، لكن جليلة اعترضت طريقها وقالت بحدة:
_ رايحة وين؟
صرخت بها فريال بانفعال وجسد ينتفض من فرط الغضب:
_ بعدي من وشي، أنتي مش هتمنعيني أدخل بيتي وبيت عيالي.
ثم دفعتها بيدها برفق وعبرت وراحت تقود خطواتها السريعة للدرج، لكنها تصلبت عندما رأت منيرة تنزل من الدرج وهي مرتدية عباءة منزلية مطرزة باللون الأبيض تشبه العباءة التي ترتديها العروس بأول صباح لها في زواجها. رمشت بعينيها عدة مرات غير مصدقة ما تراه وتمنت لو كانت الآن ضمن كابوس بشع.
ربطت على قلبها ووقفت بثبات وشموخ، ثم اقتربت من منيرة وهتفت:
_ بتعملي إيه في بيتي؟
ضحكت منيرة وردت عليها بمكر في قوة:
_ معدش بيتك وحدك، ده بيتي أنا كمان. امبارح كان فرحنا وليلة دخلتي أنا وچلال.
لو تركت نفسها لسقطت الآن على الدرج وفقدت وعيها وربما حياتها، لكنها تماسكت وابتسمت لها بمرارة مرددة:
_ ليلة دخلتك!
تمالكت أعصابها وأغمضت عينيها للحظات تحاول البقاء صامدة أمامهم. وبعد أن فتحت عينيها، دفعت منيرة من طريقها بعنف وعبرت وأكملت طريقها للطابق الثاني حيث غرفتها، وهي تبتسم بحرقة وعيناها غارقة بالدموع وتهمس لنفسها بصوت يغلبه البكاء:
_ ياترى قضيت ليلة دخلتك معاها في اوضتي وعلى سريري كمان ولا فين؟
وصلت وفتحت الباب لكنها لم تجد أحد. كانت الغرفة مرتبة وفارغة لا يوجد بها أي أثر لوجود أحد. هي تعلم أنه لم يذهب للعمل، ولذلك خرجت من غرفتها واندفعت تبحث عنه بأرجاء المنزل. لكنها توقفت أمام باب إحدى الغرف. تلك الغرفة كانت فارغة ولا يبقى بها أحد، فقالت ربما يكون قد جهزها لهم.
اقتربت وفتحت الباب، وكما توقعت كانت الغرفة تدل على وجود حياة بها. ورأت ملابسه على طرف الفراش، فابتسمت بألم ودخلت ثم أغلقت الباب ووقفت مكانها تتجول بأرجاء الغرفة دون أن تزيل تلك الابتسامة عن شفتيها. وبعد دقائق معدودة رأته يخرج من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة. فتسمر مكانه وأخذ يتطلعها بصمت، بينما هي فضحكت وهتفت بلهجة تحمل الاستنكار:
_ صباحية مباركة ياعريس!
لمس الوجع في نبرتها فانفطر قلبه، لكنه صمت ولم يجيب عليها. لتتقدم هي نحوه مردفة بسخرية:
_ كنت ناوي تقولي أمتى لما مرتك الچديدة تحمل ولا لما تچبلك عيل!
خرج صوته الهادئ رغم ألمه عليها:
_ محصلش حاجة بينا يافريال.
قهقهت بقوة وفجأة تحولت من القهقهة للبكاء وراحت تردف بقهر:
_ كل ده عشان سبتك. أتچوزت عليا ياچلال عشان مشكلة بينا للدرچادي أنا مفرقاش معاك، وكنت مستني تحصل حاجة بينا عشان تخلص مني وتتچوز.
تقدم بخطوة إليها وقال بضيق وألم:
_ خذلتيني ودستي على كرامتي ورچولتي. سبتيني قصاد ناسي كلهم وقولتي لأبوكي إنك عاوزة تطلقي مني، وبعديها جيتي تنامي في حضني. وتاني يوم الصبح صحيتي كنت متوقع إنك خلاص هترجعي ليا ولعيالك، لقيتك بتقوليلي أنا چيت عشان عيالي مش عشانك، ومرجعتش من الأساس عشان امشي تاني، وإنك غلطتي إنك نمتي في حضني وندمانة. كل مرة كنتي بتكسري قلبي وبتخذليني بديلك العذر وبقول مسيرها ترجع، بس أنت خيبتي ظني واثبتيلي إنك مبتحبنيش ومعندكيش استعداد حتى تضحي عشاني وتفهميني. مكنش عندك فكرة أنا كنت كيف طول الفترة اللي فاتت وأنتي مهملاني لحالي وعاوزة تطلقي مني.
صرخت به وسط بكائها:
_ أنا مطلبتش الطلاق من أبويا وناسي كلهم كانوا عاوزين يطلقوني منك، بس أنا كنت برفض. ودلوك أنا ندمانة أني موافقتش.
ضيق عيناه وهتف بغضب:
_ يعني أبوكي كلمني من وراكي وأنتي متعرفيش حاجة.
انهارت قواها فراحت تجلس فوق أقرب مقعد لها وهي تبكي بقهر وألم. كانت تبكي بصوت عنيف مزق قلبه، فاقترب منها وجلس القرفصاء أمامها وفرد ذراعيه يضمها لصدره محاولًا تهدأتها وهو يهمس بحزن:
_ فريال اهدي ابوس يدك.
دفعته بعيدًا عنها بكل قوتها وهي تصرخ به بهيستريا:
_ بعد عني متلمسنيش ومش عاوزة اسمع اسمي منك واصل، أنت خاين ياچلال.
خاين والخيانة ملهاش غفران.
حتى لو كان خطأه يفوق خطأها بمراحل، لكن ذلك الوصف الذي وصفته به كان قاسي وكأنها طعنته بخنجر في ثنايا صدره.
رمقها بوجه مهموم وصامت، بينما هي فأكملت طعنه بكلماتها المسمومة وسط بكائها وقهرها:
_كلهم حذروني منك وإنك غدار وملكش حبيب وأنا كنت أقول چلال چوزي وحبيبي ولا يمكن يعمل حاچة ويكسرني وطلعوا هما صح وأنا اللي غلط.
خنتني واتچوزت عليا عشان ترضي غرورك وترد كرامتك بس.
واتچوزت مين اللي كنت عاوزة اچيبها تدي دروس لعيالي ولما قولتلك قولتلي لا.
إيه كنت ناوي من بدري تتچوزها وعشان إكده قولت أوفر ولما اتچوزها تبقى تدي دروس لعيالي.
ده أنا لسا من يومين كنت شايفها ومقولتليش حاجة وصلت بيك للدرچة دي.
فضلت ترمي بالكلام عليا وأنا مش فاهمة تقصد إيه.
اتاريها كانت بتكيد فيا عشان هتتچوز چوزي.
وأنت بعدين بتسألني كانت بتقولك إيه.
إيه كنت خايف تقولي.
عارف خفت ليه عشان چبان لو كان عندك الشچاعة كنت چيت وقولتلي في وشي أنا هتچوز لكن مش تسيبني أعرف من العيال وهما بيتصلوا بيا ويقولولي أبونا اتچوز ياما.
كانت تطلق سهام مسمومة بكلامها وتصوبها بأعمق نقطة في قلبه. ولم يتجرأ أن يرد عليها، هو يعرف أنه ارتكب خطأ لكنها هي التي دفعته لفعله. بقى صامت يستمع لسهامها المؤلمة وهي تكمل بكره يراه للوهلة الأولى بعيناها:
_لو أنا قطعت خيط بينا فأنت دمرت الرابط كله.
قدرت تخليني في لحظة اكرهك ومبقاش طايقة أبص في وشك.
خسرت حب عمرك ما هتلاقيه تاني في حياتك.
أن شاء الله تعيش مبسوط مع مرتك الچديدة.
استقامت واقفة واندفعت لخارج الغرفة وهي تبكي بصمت ويديها ترتجف من فرط القهر والحزن. بينما هو فجثى على ركبتيه أمام المقعد التي كانت تجلس عليه وأطلق العنان لدموعه المسجونة بعينيه.
***
بتمام الساعة الثامنة مساء.
وصل عمران للمنزل وكان بطريقه للطابق الثاني حيث غرفته، لكن استوقفه صوت والدته قبل أن يخطو بقدمه أولى درجات السلم. فالتفت لها بجسده كامل وقال:
_ نعم ياما.
اقتربت منه إخلاص ووقفت أمامه مباشرة تتطلعه باستياء وتقول:
_هي دي مرتك اللي قولت ملكيش صالح ياما ومحدش يتدخل وأنا هربيها زين بمعرفتي.
ضيق عيناه باستغراب وأردف بصوت رجولي حازم:
_عملت إيه؟
إخلاص بعصبية وعينان تنضج بالنقم:
_الصبح والكل على الفطار بعد ما أنت طلعت وكنت مستني بت عمتك برا، هي طلعت وراها وقفلت عليها بالمفتاح وسابتها محبوسة لحد ما أنا طلعت بالصدفة لفوق عشان أشوفها لقيت المفتاح على الباب ومنى قاعدة چوا. محدش منينا سمعها وهي بتنده علينا، هي في الدور التالت واحنا في الأرضي.
هيمن عليه الصمت وهو يتذكر محادثته معها بالهاتف في الصباح عندما أخبرته أن ابنة عمته مريضة. فلوى فمه وهو يصر على أسنانه بغيظ ثم رد على أمه بهدوء متصنع:
_طيب ياما اطمني أنا هتصرف معاها على اللي عملته ده.
ولم يتريث للحظة أخرى حتى لا يسمع أكثر من والدته، فهو ليس في مزاج يتحمل كيد ومشاكل النساء. اندفع للأعلى نحو غرفته وفور دخوله نزع عنه عباءته وبقى بالجلباب الأسود فقط. دار بنظره في أرجاء الغرفة بحثًا عنها وحين لم يجدها صاح مناديًا عليها:
_آسيا.
دخلت من الشرفة على أثر صوته وهي تضع حجابها فوق شعرها وكتفيها. ابتسمت له برقة حين رأته، لكن تلاشت ابتسامتها فور رؤيتها لملامح وجهه المنزعجة وصوته وهو يأمرها:
_تعالي إهنه.
اقتربت منه وسط نظراتها الحائرة والقلقة. وعند وقوفها أمامه بالضبط وجدته يهتف بحدة:
_منى كانت تعبانة الصبح مش إكده؟
لمست الاستنكار في نبرته ففهمت أنه علم بفعلتها. التزمت الصمت ورمقته بثبات وشموخ يليق بها، فهتف بعصبية:
_ما تنطقي ولا القط اكل لسانك.
عقدت ذراعيها أسفل صدرها ونظرت في عيناه بشجاعة ثم هتفت بوضوح تام:
_لا مكنتش تعبانة. أنا قفلت عليها بالمفتاح.
مسح على وجهه نزولًا لحيته وهو يتأفف بغيظ ثم صاح بها:
_أنا مش نبهت عليكي مليون مرة وقولت مش عاوز مشاكل. أنا في راسي مية هم هشغل نفسي كمان بحوارات الحريم دي.
لم تهتز شعرة واحدة منها على أثر صياحه وعصبيته، وعلى العكس تمامًا كانت تقف بكل ثبات وفي عيناها العنجهية تلمع لتجيبه بعدها بثبات انفعالي تام:
_مش انا اللي بعمل المشاكل. هي اللي مصممة تخليني اوريها وشي الحقيقي. حذرتها كذا مرة ومبتفهمش.
استقرت في عينيه نظرة ثاقبة وهو يسألها:
_وياترى حذرتيها من إيه؟
طالت نظرتها الصامتة له دون أن تجرأ عن الاعتراف حتى سمعته يعيد سؤاله للمرة الثانية لكن بصيغة مختلفة أكثر وضوحًا وصرامة:
_قفلتي عليها بالمفتاح ليه يا آسيا؟
اشاحت بوجهها للجانب بعيدًا عنه بعدما فقدت شجاعتها بالإجابة على سؤاله. بينما هو فبقى يتمعنها ينتظر سماع ردها رغم معرفته بأسبابها التي دفعتها للتصرف بهذا الشكل معها، لكنه يريد محاصرتها وجعلها تعترف بنفسها. حين دام صمتها لوقت طويل قال بخشونة:
_معندكيش سبب يعني. طالما إكده يبقى بكرا هتروحي تعتذري منها.
جحظت عيناها ورمقته بصدمة، وسرعان ما أصبح وجهها الهادئ يشتعل وهي تهتف بسخط:
_على آخرة الزمن اروح اعتذر من العقربة دي.
ولاها ظهره وراح ينزع عنه جلبابه بكل برود وهو يهتف بلهجة لا تقبل النقاش:
_هتعتذري يا آسيا طالما معندكيش أسباب للي عملتيه.
اقتربت منه ووقفت خلفه مباشرة شبه ملتصقة بظهره وهتفت بعناد ورفض قاطع:
_مش هعتذر ياعمران.
حين التفت بجسده لها اضطربت بشدة فقد كان لا يفصله عنها شيء، حتى أن أنفاسه الساخنة تلفح صفحة وجهها وهي ترفع نظرها للاعلى قليلاً بسبب فرق البنية والطول بينهم. سمعت صوته الذي يحمل بحة رجولية أذهبت بما تبقى من عقلها:
_طول ما أنتي معندكيش أسبابك المقنعة للي عملتيه معاها تبقي غلطانة وهتعتذري.
انعقد لسانها وفرت الكلمات من حلقها هاربة، فحضوره الطاغي واقترابه منها يبعثرها. لكن تحدت نفسها وخرج صوتها ضعيف يملأه التوتر:
_عندي أسبابي.
مال ثغره للجانب في ابتسامة ماكرة وهدر بترقب:
_وأنا مستنى اسمع الأسباب دي.
وكأنه ألقى تعويذة سحرية عليها، فلوهلة كانت ستقر وتعترف بكل شيء تحت تأثير نظراته ونبرته، لكن تداركت نفسها بسرعة وقالت بنظرات زائغة:
_أنا عاوزة اروح لفريال.
رفع حاجبه مستنكرًا ردها الذي لا علاقة له بموضوع نقاشهم من الأساس، ثم ضحك وابتعد عنها يقول بنبرة مغلوبة:
_روحي لفريال!
لم يلبث لحظة واحدة وإذا به يتلفت برأسه للخلف لم يجدها فقد فرت هاربة للخارج.
***
داخل غرفة فريال.
تجلس فوق مقعد خشبي وثير صامتة ودموعها تنهمر فوق وجنتيها دون صوت، تستمع فقط لصوت والدتها وهي تصيح بغضب:
_أخرتها يتچوز على بتي كمان.
سكتت إخلاص للحظة وعادت تصرخ من جديد توبخ أبنتها:
_هو ده اللي مكنتيش عاوزة تتطلقي منه. شوفتي عمل إيه لكن لو كنتي سمعتي كلامي أنا وأبوكي من الأول مكنش ده كله حصل.
صدح صوت إبراهيم الرجولي وهو يصيح بزوجته في عصبية:
_بزيادة اقفلي خشمك ده يا إخلاص مش شايفة حالة بتك كيف.
نظر لابنته المنهارة بسبب بكائها حتى جسدها كله ينتفض، فاقترب منها وضمها لصدره يمسح فوق خصلات شعرها بحنو هامسًا:
_خلاص يافريال كفياكي بكا عاد. ميستاهلش دموعك دي. وغلاوتك عندي ياحبيبتي لأخليه يطلقك واخدلك حقك منه تالت ومتلت.
انفجرت باكية بنحيب عنيف بين ذراعين والدها وجسدها كله يرتعش، فانفطر قلبه على ابنته وراح يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية محاولاً بث الطمأنينة والهدوء لروحها الثائرة، حتى أن إخلاص اغروقت عيناها بالعبرات واقتربت منهم وراحت تقبل ابنتها وتتولى من أبيها مهمة تهدئتها.
في الوقت التي كانت آسيا بطريقها لغرفة فريال، كان إبراهيم وإخلاص نجحوا ببث القليل من الهدوء لابنتهم المنهارة وخرجوا وتركوها حتى ترتاح. فوصلت هي للغرفة وطرقت طرقتين ووقفت تنتظر رد منها. لم تسمع فمدت يدها وامسكت بالمقبض وأدارته ببطء ثم فتحت الباب والقت نظرة بعينيها دون أن تدخل، فصابتها الدهشة حين رأت فريال تجلس فوق فراشها وتضم ركبتيها لصدرها كالاطفال وتبكي بصمت. أغلقت الباب بسرعة واسرعت تجلس بجوارها هاتفة:
_فريال مالك؟
رفعت وجهها الغارق بدموعها وتطلعتها بقهر ثم همست بمرارة:
_أخوكي اتچوز عليا.
سكون قاتل استحوذ على الأجواء بينهم، كانت فريال قد عادت مجددًا تنخرط بنوبة حزنها وآسيا كان الذهول يتملكها، فلو كانت تعرف أخيها بمقدار ذرة واحدة، مستحيل أن يفعلها فهو لا يطيق النظر بوجه امرأة غير زوجته من فرط حبه وتعلقها بها. كيف تزوج عليها؟
هتفت آسيا بعدم تصديق:
_فريال أنتي متوكدة من اللي بتقوليه ده. چلال أتچوز عليكي!
ردت عليها بتأكيد في نبرة صوت مبحوحة:
_أيوة هو چلال. روحت وشوفت بعيني واتچوز منيرة كمان.
فور سماعها لاسم منيرة أظلمت عيناها بالغيظ وقد أدركت أن ذلك الزواج تم بتحريض من أمها. لكن حين استقرت بنظرها على وضع فريال المزري أشفقت عليها وقالت لها بصوت دافئ ومهتم:
_طيب قوليلي إيه اللي حصل بينكم خلاكم توصلوا للدرجة دي ويخلي چلال يتچوز. سبتي البيت ليه يافريال؟
لم تعد تهتم بإخفاء سبب كل تلك المصائب أكثر من ذلك، فجرح قلبها أعمق وأقوى من أي شيء قد يحدث.
أجابت على آسيا بضيق:
_چلال هو اللي حاول يقتل عمران عشان إكده أنا سبت البيت ومشيت.
اتسعت عيني آسيا بصدمة وراحت تسألها بعدم استيعاب:
_چلال!!.. چبتي الكلام ده من وين؟
_ سمعته وهو بيتكلم مع چدك وبيقوله أنا اللي عملته ولما واجهته مأنكرش.
آسيا بغضب وهي توبخها:
_وأنتي سبتي بيتك وسبتيه عشان إكده!
رمقتها فريال بحدة وقالت باستياء:
_أيوة ده أخويا وحتى لو كنت بحب چوزي مش معنى إكده اسكت عن اللي عمله. لو كنتي لساتك فاكرة أن عمران ليه يد في قتل أبوكي كيف ناسك يبقى متحاوليش تدافعي عن أخوكي قصادي.
ابتسمت آسيا بمرارة وقالت:
_مش هدافع عنه يافريال أنا عارفة زين أن عمران ملوش يد وأنا اكتر واحدة كنت ظلماه والدليل أن أنا اللي حاولت اقتله مش چلال.
جحظت عيني فريال بذهول وبقت تنظر لآسيا بعدم استيعاب لبرهة من الوقت قبل أن تسألها ببلاهة:
_أنتي كيف يعني أنا سمعته بودني بيقول لچدك!
فسرت لها آسيا بوضوح أكثر:
_أنا يافريال. وچلال لما عرف ضربني وبهدلني وتلاقيه عشان يداري عليا قال لچدي أنه هو اللي عملها.
وثبت فريال من فراشها وهي تضحك بعدم تصديق وتهتف:
_إيه اللي أنا بسمعه ده. وياترى عمران عارف ولا لا كمان؟
أومأت آسيا بالإيجاب وردت بخفوت في ضيق:
_عمران عارف من قبل جلال ما يعرف أساسًا وهو كمان دارى عليا ومقالش لحد في وقتها.
ضحكت فريال بقوة وسط دموعها وراحت تصرخ بآسيا دون وعي وهي تلقي بكلماتها السامة على مسامعها:
_وصل بيكي الكره والشر للدرجة اللي تخليكي تحاولي تقتلي انسان بريء. وبعد اللي عملتيه معاه دارى على عملتك معاه واتجوزك.
قلبك الأسود ده هو السبب في أن الناس كلها بتبعد عنك ومحدش بيحبك. على قد ما خلود غلطانة في اللي عملته، لكن أنتي كنتي تستاهلي يا آسيا.
تبدلت قسمات وجه آسيا من القوة لأخرى منكسرة وموجوعة، وبلحظة تجمعت العبرات في مقلتيها لترد على فريال بألم:
_ عندك حق، أنا كنت أستاهل. ربنا أخد حق أخوكي مني، ويمكن حتى الحب ما أستاهلوش كيف ما بتقولي.
أنهت عباراتها واستقامت واقفة، ثم غادرت الغرفة مسرعة، تترك الأخرى بين أحزانها وضيقها مما تفوهت به.
فتحت آسيا باب غرفتها واندفعت للداخل وهي تبكي بصمت. أغلقت الباب ووقفت عنده، تستند بظهرها عليه، مغمضة عيناها تبكي بحرقة. حين فتحت عيناها وسقطت على الفراش، فوجدته نائم بعمق. زاد بكائها أكثر وهي تستعيد كلمات فريال في عقلها، ودون أن تشعر قادتها قدماها إليه. كانت تسير بخطى ثقيلة حتى وصلت للفراش، فتمددت بجسدها بجواره، واضعة رأسها على نفس الوسادة ووجهها مقابل لوجهه، دون أن تتوقف عينيها عن ذرف الدموع بغزارة. دون أن تشعر، رفعت يدها ومدت أناملها لوجهه تلمس وجنته ولحيته برقة، وقد تحول بكائها إلى نحيب بصوت بسيط، ويدها مازالت فوق وجنته تلمسه بكل حب وندم، وسط صراخ علقها الذي يعنفها ويجلدها بعبارة: "أنتي لا تستحقي حبه بعد كل ما فعلتيه معه".