تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندى محمود توفيق
كانت منخرطة في نوبة بكائها الصامت وأناملها مازالت تتجول فوق وجنتها، لكنها توقفت واضطربت بشدة عندما فتح عينيه على أثر لمساتها. لم يلبث ليدرك وضعها ويفوق من نعاسه حتى وجدها بسرعة تستدير وتوليه ظهرها.
لكن منظر وجهها الغارق بالدموع ولمساتها المرتجفة فوق وجهه كانوا أكثر ما يدركهم، حيث اعتدل في نومته مضيقًا عينيه بحيرة وقلق وهو يسألها:
"مالك بتبكي ليه؟"
استمرت في بكائها دون إجابة. فأعتدل هو وهب جالسًا فوق الفراش، ثم مد يده لكتفها يديرها باتجاهه في رفق هاتفًا:
"آسيا!"
رفعت أناملها لوجنتيها وجففت عبراتها ثم استقامت هي أيضًا جالسة، لكن وضعها لم يتحسن بل ازداد سوءًا. كانت تشيح بوجهها للجانب تبكي بقوة وجسدها تعتريه نفضة عنيفة، ولم تكن تتفوه بكلمة واحدة حتى لتفهمه سبب كل هذا الانهيار والبكاء العنيف.
تسلل القلق الحقيقي لصدره وأصبحت ملامحه صلبة على عكس نبرته اللينة التي حافظ عليها حتى لا يزيد من الوضع سوءًا. لف ذراعه حول كتفيها وهتف بنبرة مترقبة ومهتمة:
"آسيا إيه اللي حُصل ردي عليا؟!"
لمسته أشعرتها بالدفء رغم الوغزة البسيطة التي صابتها فور ملامسته لجسدها، إلا أنها أحبتها بشدة. فرفعت رأسها وتطلعت إليه بوجه غارق بالدموع وعينان مغلوبة. شعرت باحتياجها له ولم تتردد للحظة في تلبية رغبة قلبها، حيث مالت عليه ببطء ووضعت رأسها فوق صدره ليتحول بكائها الصامت إلى نحيب مسموع فور تذكرها لكلمات فريال.
ضمها لا إراديًا وحاوطها بذراعيه. وبعد ثوانٍ معدودة مد أنامله وأمسك بطرف ذقنها يرفع وجهها عن صدره لكي يصبح في مواجهته ويسألها هذه المرة بنظرات يظهر بها الغضب الحقيقي والانزعاج:
"في حد عملك حاچة أو ضايقك؟"
هزت رأسها له بالنفي دون أن يخرج صوتها وعادت تدفن وجهها بين ثنايا صدره من جديد. فتسمعه يقول بضيق:
"امال في إيه ردي عليا ساكتة إكده ليه؟!"
خرج صوتها الضعيف أخيرًا:
"مفيش حاچة."
رفع حاجبه بعدم فهم وحيرة من أمرها، بينما هي فهمست بنبرة رقيقة تحمل بحة البكاء:
"عمران."
تابعت بعد ذلك بندم وبكاء دون أن تتجرأ على رفع رأسها والنظر بعينيه:
"سامحني."
أجابها بنظرة مستفهمة تطرح الأسئلة:
"على إيه؟!"
تحلت بالجرأة هذه المرة ورفعت رأسها عن صدره وتطلعت بوجهه وعينيه في عمق هامسة بعينين تظهر صدق ندمها:
"على كل اللي عملته معاك.. مكنتش أعرف إنك ملكش يد في قتل أبويا. والله كان الغضب عامي عيوني ومنظر أبويا وهو غرقان في دمه هو الحاجة الوحيدة اللي كنت شيفاها وكنت عاوزة أخد حقه واريحه. أنا عمري ما كنت أقدر أذي حيوان حتى. معرفش كيف كنت عاوزة اقتل إنسان.. عارفة أن اللي عملته معاك مش هين ويمكن ملوش غفران كمان. بس لو كان جرالك حاجة مكنتش هسامح نفسي."
طالت نظرته الثاقبة إليها وهو يستمع لاعتذارها وندمها. ثم أطلق تنهيدة حارة ورفع أنامله يبعد خصلاتها المتمردة عن عينيها ويسألها باسمًا:
"لو مكنتش سامحتك وغفرتلك يا آسيا مكنتش هدخلك بيتي واخليكي على ذمتي لحظة واحدة. بس أنا اعتبرت أفعالك دي غباء وتهور من ست عواطفها بتسيرها ومش فاهمة ولا عارفة عواقب اللي بتعمله. وعشان إكده عديتلك في المرة الأولى اللي عملتيه. لكن صدقيني لو مكنتش غفرت كنتي هتقولي جحيم ناسي أهون عليا مليون مرة من راجل كيفك."
هزت رأسها بالنفي هاتفة في خفوت جميل ونظرة تحمل معاني مميزة:
"عمري ما كنت هقول إكده."
ضحك وهتف رافعًا حاجبه الأيسر بمكر يضمره خلف قسماته الجادة:
"ليه؟"
التزمت الصمت وسكنت تمامًا، فقط أخذت تتمعنه بنظراتها المضطربة وعقلها الذي يبحث عن رد أو كذبة بالمعنى الأدق دون أن تعترف له بحقيقة مشاعرها تجاهه. كانت نظراته الرجولية العميقة تركبها أكثر وتسحبها لأعماق محيط عواطفها. ولو كانت بقيت بين ذراعيه واستمرت في التحديق به للحظة أخرى كانت ستفرغ كل ما يملأ صدرها في وجهه.
فابتعدت عنه بسرعة كالتي لدغها عقرب وقالت بتلعثم وعينان زائغة:
"أنا هروح الحمام اغسل وشي."
لم يجيبها واكتفى ببسمته اللئيمة. ثم تابعها وهي تهرب منه وتتوارى خلف باب الحمام. بينما هي فوقفت واستندت بظهرها على الباب وهي تبتسم باستحياء، رغم أن كلمات فريال لا تزال عالقة بذهنها. لكنها أبت أن تفسد عليها جمال لحظتها. وفقط ما جعل وجهها يعبس مرة أخرى هو شعور الفراغ والبرودة الي يحتاجها بعدما خرجت من بين ذراعيه. فليتها تسكن به ولا تبتعد عنه أبدًا. ولكن مع الأسف كيف سيحدث إذا كان هو لا يبادلها نفس المشاعر.
***
داخل غرفة الصالون بمنزل خليل صفوان، كان جلال جالسًا فوق الأريكة وبيده سيجارة يضعها بين أسنانه ثم يخرجها وينفث معها الدخان بقوة للخارج. لقائهم معًا ونظراتها وكلماتها لا تغادر عقله. كل كلمة تفوهت به تتكرر دون توقف. لو كان يعاني من آلام قلبه في السابق فالآن تحول الألم لجرح ينزف الدماء بغزارة. نعتها له بالخائن يمزقه. نظرات الكره والنفور التي استقرت في عينيها أصابته في مقتل. ليتها طعنته بسكين حاد بدلًا من تلك النظرات القاسية.
المظلوم أصبح ظالم!
انفتح الباب وظهرت منيرة من خلفه ثم تقدمت نحوه وجلست بجواره في صمت للحظات قبل أن تمد يده وتمسك بيده هامسة:
"إيه اللي مضايقك يا جلال.. مش قادرة أتحمل أشوفك إكده."
سحب يده ببطء من أسفل يده ثم ربت فوق ظهر كفها بلطف هامسًا في بسمة متكلفة:
"مفيش حاجة يا منيرة.. مشاكل الشغل. اطلعي أنتي نامي وريحي."
زمت شفتيها بعبوس وقالت في يأس:
"وأنت مش هتاجي تنام؟"
تنهد بقوة ثم زفر أنفاسه الحارة في عدم حيلة ليجيبها بنبرة خالية من أي مشاعر:
"اطلعي وأنا چاي وراكي كمان شوية."
أومأت له بالموافقة وهي مازالت تحتفظ بملامحها العابسة والبريئة. لكن فور وقوفها وانصرافها تحولت ملامحها لأخرى كلها نقم وحقد على فريال وتقسم من داخلها أنها ستمحيها من عقله وقلبه للأبد. لكن أولًا يجب عليها التخلي عن تلك الأمور الخاصة بالخجل والحياء. فإن استمرت فيها لن تكسبه مطلقًا.
خرج جلال بعدها بدقائق وقاد خطواته للأعلى حيث غرفته. لكنه توقف بالطابق الثاني تحديدًا أمام غرفته هو وفريال واقترب منها بخطوات ثقيلة. فتح الباب ودخل ووقف يدور بنظره على كل ركن بها. فَجَرت مشاهدهم الغرامية وحبهم أمام عينيه التي تلألأت بالعبرات دون وعي منه وسقطت دموعه فوق وجنتيه. رفع كفيه وكفكف دموعه محافظًا على صلابته من جديد. حيث انصرف وأغلق الباب ثم أكمل طريقه للطابق الثالث نحو غرفته مع زوجته الجديدة. هو من أقحم نفسه بذلك الوضع وسيتحمله رغمًا عنه.
فتح الباب ودخل فوجدها متسطحة فوق الفراش شبه نائمة وترتدي ثوب وردي قصير وبحمالات فوق الكتفين ينزل بفتحة مثلثية عند الصدر يظهر داخلها بوضوح. تجاهل ما رأته عيناه تمامًا وتصرف بكل برود كأنه لم يرى شيء وبدأ في تبديل ملابسه. ثم اقترب من الفراش وتمدد على الطرف الآخر منه ينوي النوم. لكن الأخرى كانت قد عزمت على أن تتخلى عن خجلها منه. حيث اقتربت منه في الفراش ورفعت جسدها قليلًا ثم دخلت بين ذراعيه تضع رأسها فوق صدره.
أصابه الدهشة من تصرفها الجريء الذي أدرك الهدف منه جيدًا وما تسعى إليه. ليزفر بخنق وبقى ساكنًا لم يحرك يده أنشًا واحدًا ولم يحاوطها. بينما هي فقد ابتسمت بنصر وسعادة وأغلقت عيناها تنوي النوم بعدما وجدته لم يبعدها عنه.
دقائق قصيرة وقد ذهبت هي بسبات عميق وهو على وضعه بنفس السكون يتطلع في السقف بشرود فقط يفكر بحبيبته. وحين أنتبه أنها نامت تنهد الصعداء وأبعدها عنه برفق يضع رأسها فوق الوسادة ليبتعد ويصنع مسافة بينهم. ثم أغلق هو الآخر عينيه راغبًا في النوم هربًا من كثرة التفكير والهموم التي تلازمه.
***
بصباح اليوم التالي......
دخلت جليلة على غرفة أحفادها ووجدت معاذ يجلس فوق فراشه يذاكر دروسه، رغم أن اليوم إجازة من الدوام المدرسي لكن موعد الدرس الخصوصي بعد ساعات ويجب عليه حل واجبه قبل الذهاب للدرس.
جلست بجواره على الفراش وقالت مبتسمة:
"درسك ميتا يا معاذ؟"
معاذ بنبرة طبيعية:
"الساعة 12 يا ستي."
سألته جدته بترقب:
"طيب تلفونك اللي چايبهولك أبوك معاك؟"
نظر لها وهز رأسه بالإيجاب. ليسمعها تسأله مرة أخرى بنظرة ضائعة:
"معاك رقم عمتك آسيا؟"
عاد وهز رأسه لها بالإيجاب مرة أخرى دون أن يفهم سبب أسألتها. بينما جليلة فقد لمعت عيناها وظهر وميض مختلف بهم قبل أن تقول بجدية:
"طيب اتصل بيها دلوك واطمن عليها."
معاذ بكل عفوية وابتسامة جميلة:
"طيب أنا هتصلك بيها وأنتي كلميها يا ستي؟"
هزت بالرفض وقالت مسرعة في حدة:
"لا مينفعش أكلمها. أنت كلمها وأنا هقعد چارك وافتح اللي اسمه مكبر الصوت ده عشان اسمعها."
كان يحدق بجدته في استغراب وجهل لسبب رفضها التحدث مع ابنتها. لكنه نفذ ما طلبت والتقط هاتفه وراح يبحث عن رقم عمته. وفور عثوره عليه كان سيضغط على اتصال. لكن جليلة امسكت بيده وقالت تحذره بصرامة:
"بس اوعاك تقولها أن أنا چارك وسامعاها."
هز رأسه بالموافقة لجدته وهو يزم شفتيه بعدم فهم. ثم ضغط على زر الاتصال ومن بعدها ضغط على فتح مكبر الصوت. فارتفع صوت الرنين وهم ينتظرون الرد من آسيا التي أجابت بعد وقت:
"الو مين؟"
ابتسم معاذ ورد بتلقائية:
"أنا معاذ يا عمتي."
تهللت أسارير آسيا على الجانب الآخر وقالت بحنو:
"بتتصل من وين يا معاذ؟"
"ده تلفوني أبويا چبهولي عشان اكلمه لما أكون عاوز حاجة وهو مش في البيت."
ضحكت بخفة. بينما معاذ فنظر لجدته وهو يسألها بنظراته ماذا يقول. فأشارت له أن يتحدث بأي شيء. فعاد للهاتف وسأل عمته بشوق فور تذكره أمه:
"أمي عاملة إيه.. هي چارك؟"
تبدلت نبرة آسيا من المرح واللين لأخرى عابسة وهي تجيب ابن أخيها:
"أمك زينة يا حبيبي اطمن.. هي مش چاري دلوك شوية هخليها تكلمكم. أنت طمني كيفكم في البيت. مرت أبوك دي بتضايقك أنت وأخوك ولا حاجة؟"
رد على عمته بخنق وقرف:
"لا احنا أصلًا مش بنكلمها ولا بنقعد چارها في مكان واحد."
سمع عبارة آسيا القوية وهي تقول بفخر:
"چدع ياواد خليكم إكده علطول اوعاكم تضحك عليكم بكلمتين."
ثم همست بين نفسها بصوت منخفض في غيظ:
"راجل مش كيف أبوك چبان."
كانت جليلة تستمع لها وعيناها غارقة بدموع الشوق والحب. لم تهتم لتحريضها لابن أخيها على زوجة ابيه التي اختارتها هي له. هي فقط كانت تشبع قلبها من سماع صوت ابنتها التي غاب عنها لوقت طويل. وتدخل السكينة والطمأنينة له بعد الأحلام المزعجة التي كانت تراودها الأيام السابقة عن ابنتها. سمعتها بالنهاية بعد وقت من تحدثها مع ابن اخيها وهي تقول له بحنو:
"أنا هقفل عشان خالك عاوزني وأنت خد بالك من أخوك وبعدوا عن الحرباية اللي اسمها منيرة دي."
ضحك على نعت عمته لزوجة أبيه بالحرباء وودعها بكل حب. ثم أنهى الاتصال. وعندما التفت تجاه جدته وجد وجهها غارق بالدموع. فاتسعت عيناه بدهشة ولم يلبث ليسألها ماذا بها حتى وجدها تنحنى على رأسه وتلثم شعره بحنو هامسة في صوت مبحوح:
"كمل مذاكرتك يا ولدي عشان تلحق تخلص قبل درسك."
ثم استقامت واقفة وغادرت تتركه يفكر بفضول وعدم فهم. لكنه لم ينشغل بالتفكير كثيرًا وراح يكمل مذاكرته...
***
وقف عمران أمام باب غرفة فريال ورفع يده يطرق عدة طرقات خفيفة متتالية وينتظر ليسمع صوتها الذي أتاه بعد لحظات. ففتح الباب ودخل بكل هدوء. ثم اقترب منها وجلس على طرف الفراش بجوارها وراح يتمعنها بنظراته الدقيقة. كانت تمامًا كالجسد الذي بلا روح. عيناها منتفخة من فرط البكاء ونظراتها ضائعة ووجهها كالزهرة الذابلة. فتنهد الصعداء بضيق وفرد ذراعه يلفه حول كتفيها ويضمها لصدره مقبلًا شعرها بحنو هامسًا:
"ميستاهلش تعملي في روحك إكده عشانه يافريال."
هتفت بصوت يغلبه البكاء:
"عمري ما كنت أتخيل أن جلال يعملها ويتجوز عليا مهما حصل بينا. ده كان لما كنت بجيب سيرة الموت وأقوله لو موت متفضلش لحالك واتجوز أنا مسمحاك كان بيتعصب من مچرد ما يسمع كلمة جواز ولا فراق."
ابتعدت برأسها عن صدر أخيها وتطلعته بعينين تملأها العبرات:
"كيف عملها ياعمران.. كيف قدر يتجوز عليا، كسر قلبي وعمري ما هسامحه على اللي عمله فيا."
مال عمران برأسه على وجهها وقبَّل جبهتها بكل دفء هاتفًا في لهجة رجولية لا تحمل المزاح:
"أبويا كان عنده حق هو وأمي لما كانوا عاوزينك تطلقي منه. أنا كنت رافض عشان عارف أنكم بتحبوا بعض بس بعد اللي عمله هو ميستهالكيش."
أجفلت نظراتها أرضًا وردت بعجز وقهر:
"أنا دلوك مش بفكر في أي حاجة ياعمران. هملوني لحالي لغاية ما أهدى وأرجع كيف ما كنت وبعدين هقولكم أنا عاوزة إيه."
تنهد الصعداء بقوة ثم أجابها بجدية:
"طيب خدي وقتك يافريال. بس اعملي حسابك أن أنا أول واحد هيقف قصادك لو فكرتي ترجعيله. بعد الحالة اللي أنا شايفك فيها دي معدش جوازك منه ليه فايدة. اللي يزعلك ويدوسلك على طرف كأنه داسلي أنا على طرف وحسابه معايا عسير."
أنهى عبارته وعاد ينحنى عليها من جديد يلثم رأسها متمتمًا ببسمة جميلة:
"قومي يلا اغسلي وشك وطلعي روحك من الحالة دي عشان عيالك. مش عاوز آجي تاني أشوفك على نفس الوضع."
طلعت لأخيها بامتنان وحب صادق وهي تبتسم له وتوميء بالإيجاب على طلبه. بينما هو فألقى عليها نظرة أخيرة ببسمته ثم انصرف وغادر غرفتها...
***
كانت آسيا بطريقها للطابق الأرضي حيث المطبخ وأثناء مرورها من جانب غرفة منى سمعت صوتها تهتف:
"آسيا!"
توقفت آسيا وبقت مكانها دون حركة وقد تبدلت ملامحها للاشمئزاز. وبعد لحظات استدارت بجسدها نحوها وهي تتأفف عاقدة ذراعيها أسفل صدرها. بينما الأخرى فكانت تتطلعها مبتسمة بشيطانية وتقف داخل غرفتها. لوى آسيا فمها بنفاذ صبر بعدما فهمت أنها تريد التحدث معها بالغرفة بعيدًا عن مسامع وأنظار الجميع. فتقدمت نحوها ودخلت الغرفة لتقف عند عتبتها مردفة بقرف:
"خير عاوزة إيه ولا لساتك محرمتيش من حبسة الأوضة."
ضحكت منى بلؤم وسألتها بكل تبجح:
"عمران عمل إيه لما عرف إنك حبستيني؟"
طالت نظرة آسيا المميتة لها قبل أن تبتسم بثقة وتجيبها:
"باس على راسي وقالي ولا يهمك يا روح قلبي. في ناس متربتش إكده تستاهل أحيانًا."
رغم نيران الأخرى التي اشتعلت لكنها حافظت على برود أعصابها وتابعت في محاولاتها لإثارة جنون آسيا. حيث هتفت بعين تلمع بوميض المكر:
"وياترى بعد اللي هتعمليه دلوك هيسكتلك كمان ويقولك ولا يهمك ولا هياخد موقف؟"
لم تفهم تلميحاتها الشيطانية. لكنها بالفعل كما توقعت منى ثارت وهاجت عواصفها. حيث اندفعت نحوها وانقضت عليها تقبض على ذراعها بكل عنف صائحة بها:
"شكلك مش هتجبيها لبر معايا. وقولتلك ميت مرة خليكي بعيدة عن جوزي بس باينلك مش بتفهمي بالحسنة ولازم تشوفي وشي التاني."
كان الثبات الأنفعالي والهدوء يستحوذ على منى بشكل غريب. حتى أنها ضحكت بقوة ودفعت يد آسيا عنها وتقهقهرت بخطواتها البطيئة للخلف وهي تبتسم بخبث. لكن ما حدث بعد كان أكثر صدمة بالنسبة لآسيا!
رأتها تندفع نحو حافة الخزانة الخاصة بها وتضرب جبهتها بها وسط صراخها العالي:
"بعدي عني يا آسيا. يامرت خالي الحقيني. بعدي عني آااااااه. ياعمران الحقوني هتموتني."
أظلمت عيني آسيا وتحول وجهها ليصبح كالأشباح المرعبة. نظراتها كانت قاتلة لمنى وهي تتابع المسرحية التي تمثلها أمامها باحترافية. لم تتحرك أنشًا واحدًا من مكانها فقط استمرت في متابعتها عاقدة ذراعيها أسفل صدرها. تنتظر لترى نهاية ذلك المشهد التمثيلي إلى أين سينتهي وتلك الأفعى متى ستتوقف عن أذية نفسها مدعية أن آسيا ما تفعل.
سقطت منى على الأرض وهي مستمرة في صراخها وامزجته ببكائها. أما رأسها فقد تأذت بشدة والدماء أصبحت تسيل منها. وباللحظة التالية كان الباب ينفتح وتقتحم الغرفة إخلاص ومن خلفها عمران. ركضت نحو منى الساقطة فوق الأرض وهي تصيح بزعر بعدما رأت دماء رأسها:
"إيه اللي حصل يامنى؟!!"
ردت بصوت مرتجف وسط بكائها وهي تتصنع البراءة:
"آسيا دخلت عليا ولقيتها بتهب فيا وبتقولي امشي من بيتي مش عاوزاكي فيه وبعدي عن جوزي يا خطافة الرجالة وبعدين خبطتني في الدولاب."
كان الهدوء المريب يهيمن على آسيا التي تستمع وتتابع مسرحيتها الاحترافية. لم تبذل مجهود لتدافع وتكذب ما تدعيه تلك الوغدة. بينما عمران فكان هدوءه هدوء ما قبل العاصفة يتابع ما يحدث وعيناه المرعبة تنتقل من بين ثلاثتهم.
وثبت إخلاص واقفة واندفعت نحو آسيا تصرخ بها بانفعال:
"بيتك منين؟ هاا مين أنتي عشان تقولي للي في بيتي امشي وأقعد. ده بيتي وبيت ابراهيم الصاوي ومش هيكون بيتك لو اطبقت السما على الأرض. جواز ولدي منك كان غلطة وأنا بنفسي هصلحها واخليك تطلقك قريب قبل ما تعملي في حد فينا مصيبة وتقتليه."
لم تتفوه ببنت شفة ولم تجيبها فقط حافظت على برودها لتكتفي بنظراتها المميتة لمنى. فكانت قد تحولت الساحرة الشريرة تمامًا والوعيد والشر الذي يلمع في عينيها كان ينذر بالجحيم القادم.
اقترب عمران من أمه وهتف بصوت محتقن وهو يحاول تمالك أعصابه:
"شوفي منى ياما واطمني عليها وعلى الجرح اللي في راسها ده."
رمقت إخلاص ابنها بغيظ وابتعدت عن آسيا لتقترب من منى مرة أخرى وتساعدها على الوقوف حتى تجلس على الفراش. بينما هو فرمق آسيا بنظرات قذفت الرعب في بدنها. وبلحظة كان يقبض على ذراعها ويجذبها معه للخارج متجهًا نحو غرفتهم.
***
دفعها لداخل الغرفة بعنف ودخل خلفها ثم أغلق الباب واندفع نحوها كالثور الهائج صارخًا:
"إيه اللي عملتيه ده اتجننتي!!!"
رغم خوفها من ثورانه المخيف إلا أنها وقفت أمامه بكل ثبات وقالت:
"معملتش حاجة ياعمران."
عاد صوته الجهوري يصدح بأرجاء الغرفة وهو يهتف مستهزءًا منها:
"هي ضربت روحها وفتحت راسها بنفسها بقى طالما أنتي بريئة ومعملتيش حاجة."
استاءت واحتدمت نظراته وهي تجيبه بصدق وشجاعة:
"ايوة هو ده اللي حصل فعلًا. هي فتحت راسها بنفسها عشان تقول أنا اللي عملتها."
طالت نظرة النارية لها. كان يظهر بوضوح على قسمات وجهه أنه لا يصدقها وظن أنها تكذب عليها لتخفي فعلتها مما زاد من جموحه وجنونه أكثر. فراح يقبض على ذراعها بكل قوته وعنفه صارخًا:
"اوعاكي تكذبي عليا فاهمة ولا لا. صدقيني هقطعلك لسانك واصل. انتي إيه بدل ما تعترفي بغلطك وتخلي عندك دم وتروحي تعتذري منها واقفة قصادي بتقولي معملتش حاجة وحاطة عينك في عيني وبتكذبي. قسمًا بالله يا آسيا لو ما اتظبطي ومشيتي عدل لأكون موريكي النجوم في عز الضهر. قولتلك مليون مرة إهنه مش بيت أبوكي اللي هتعملي فيه اللي على هواكي ومهتلاقيش حد بيوقفك عند حدك."
كانت كلماته قاسية ورغم الألم الذي يجتاح ذراعها من قبضته العنيفة وكأنه يعتصره إلا أنها أخفت ألمها. حتى خوفها منه تبدد وحل محله الحزن من عدم تصديقه ووعيده لها بعقابه العسير. غامت عيناها وردت عليه بصوت مبحوح:
"صح. ده مش بيت أبويا ده بيت الراجل اللي قتله وعمره ما هيكون بيتي كيف ما قالت أمك. ابوك اللي عامل قصادنا الملاك الطاهر وهو شيطان في هيئة بني آدم و......"
انفجر بركانه وتحول لجمرة مشتعلة وبلحظة غضب رفع يده بالهواء وكان سيهوى بها فوق وجنتها لكنه توقف على آخر لحظة ويده معلقة في الهواء. أغلق على قبضته بقوة وهو يشتعل من فرط غضبه ولم يجد بجواره شيء سوى الحائط ليفرغ به غيظه. فضرب بقبضته فوقه وهو يصرخ بها بصوت رجولي أرعبها:
"الموضوع ده لو اتفتح قصادي تاني وسمعت الكلام ده منك قولي على روحك يارحمن يارحيم. فاهمة ولا لا."
أشاحت بوجهها للجانب بعيدًا تخفي دموعها التي انسابت فوق وجنتيها من فرط الضيق والخوف. بينما هو فاقترب ومال على أذنها يهمس بنبرة قاسية:
"متصغريش روحك قصادي وقصاد الكل بسبب غيرتك من منى. الكل عارف زين سبب جوازنا ووضعنا كيف."
تجرعت قسوته وإهانته بكل قوة رغم تمزق قلبها. لكن هيهات أن تظهره له بعد سخريته من غيرتها عليه. استدار هو وهم بالاندفاع لخارج الغرفة بعدما أنهى عبارته. لكنه توقف على أثر صوتها وهي تقول بكل شموخ وبغض:
"مش أنا اللي أغار من واحدة كيف بت عمتك العقربة دي. واحدة ناقصة متعرفش العيب ولا الغلط من الصح. ولو فاكر إني غيرانة عليك فمتتوهمش. الغيرة دي لما يكون في حب بس أنا بكرهك ومبطيقكش ياعمران ومستنية اليوم اللي أطلق فيه منك. ووقتها هبقى أقف چار أمك وهي بتجوزك من منى أصلها شبهكم."
ثار بعد عبارتها الأخيرة وكان سيفقد أعصابه مجددًا عليها. لكنه تملكها بصعوبة ورحل صافعًا الباب خلفه. يتركها تقف ثابتة للحظات قبل أن تنهار باكية بألم....
***
داخل منزل خليل صفوان.......
بحث جلال عن أمه بالمنزل ولم يجدها. وبالأخير قرر الاتجاه للمطبخ. وفور دخوله وقع نظره على منيرة وهي تقف أمام الطاولة وأمامها صحن ممتلئ بورق العنب. فتصلب مكانه وثبت عيناه على الصحن بحزن. ليجدها تقترب منه وتمسك بيده هامسة في دلال:
"أمي جليلة قالتلي إنك بتحب ورق العنب وعملتهولك بيدي النهاردة."
لم يلتفت لها ولم يعيرها اهتمام وغاص بذكرياته سابحًا في الماضي الجميل له مع زوجته وحبيبته...
فتحت فريال الباب ودخلت وهي حاملة فوق يديها صينية فوقها صحون داخلها أصناف مختلفة من الطعام. ضمنهم ورق العنب المميز الذي لا يتفوق عليها أحد فيه.
اقتربت من الفراش وجلست على طرفه ثم وضعت الصينية أمامه هاتفة بحب:
"النهاردة هنتغدى لحالنا مع بعض وعملتلك كل الوكل اللي بتحبه."
ضحك ورد غامزًا بلؤم:
"دي إيه الدلع ده.. لتكوني عاوزة حاجة يافريال؟"
لكزته في كتفه برقة وهي تزم شفتيها بضيق هاتفة:
"أخص عليك يا جلال من ميتا أنا كان اهتمامي بيك عشان مصلحة. بعدين فيها إيه لما أدلع جوزي حبيبي وراجلي وأبو عيالي."
يغمز لها بخبث وهو يضحك ثم مال عليها وهمس بنظرات وقحة:
"طب إيه رأيك أدلعك أنا كمان."
اتسعت عيناها بدهشة وهي تضحك بخجل وابتعدت عنه بسرعة قبل أن ينال منها. ليتوعد لها بنظراته ثم اخفض نظراته للطعام وراح يمد يده أولًا لصحن ورق العنب والتقط واحدة ثم ألقاها في فمه ليمضغها بكل تريث وتلذذ وهو يهتف في عاطفة ونبرة جميلة:
"امممم ورق العنب الفاخر. مفيش مخلوق بيعرف يعمله كيف ما بتعمليه يافريال. مدوقتش زيه واصل."
ضحكت واقتربت منه ثم مالت عليه وطلعت قبلة ناعمة مثلها فوق وجنته خامسة بثقة وغنج أنثوي مثير:
"ومش هتدوق. اوعاك أشوفك بتاكله من يد حد تاني وبتشكر فيه يا جلال."
ابتسم ورمقها بغرام هامسًا وهو يقترب منها بوجهه أكثر:
"وهو اللي ياكل من اليد العسل دي يعرف كيف ياكل من يد تاني من الأساس."
ابتسمت له بعشق. بينما هو فكال نظراته المشتاقة والراغبة قبل أن يقول غامزًا:
"أنا مرة واحدة حسيت روحي مش چعان خلي الوكل ناكل شوية قولتي إيه؟"
طرح سؤال ولم يمنحها فرصة الإجابة. حيث نال منها وانغمسوا معًا بلحظاتهم الخاصة والغرامية وسط ضحكها وهمساته المرحة والرومانسية التي لا تخلو من الوقاحة بالتأكيد...
فاق من شروده على صوت منيرة وهي تهتف باستغراب:
"جلال سرحت وين إكده. بقولك هناكل إهنه ولا فوق في اوضتنا؟"
سحب يده من قبضة يدها ورد ببرود وخنق:
"أنا مش جعان ورايا شغل وماشي. كُلي أنتي."
وبظرف لحظة كان يستدير ويبتعد متجهًا للخارج. لكن اصطدم بأمه التي سألته بتعجب:
"على وين إكده يا ولدي مش هتاكل ولا إيه. دي مرتك من صباحية ربنا واقفة في المطبخ بتحضرلك الوكل اللي بتحبه."
ظهر الخنق على ملامحه وهو يقول بعدم اكتراث:
"ورايا شغل ضروري. كلوا أنتوا بالهنا والشفا."
قفلت جليلة طريقة ووقفت كالسد وهي تسأله بلطف رغم حزم سؤالها:
"شغل إيه بس يا ولدي ده أنت عريس مش تاخد أجازة لأسبوع إكده تريح فيها راسك وتتبسط مع مرتك."
تنهد الصعداء بنفاذ صبر ورد عليها بحدة ونظرة مريبة:
"الشغل مبيوقفش ياما عشان حاجة. خليني أمشي عاد عشان اتأخرت."
أبعدها من طريقه بكل رفق وغادر ليترك زوجته تشتعل من فرط الغيظ بسبب تجاهله الدائم لها واستحواذ فريال على عقله طوال الوقت. أما جليلة أخذت تتابعه في نفاذ صبر وخنق وهي تقسم أنها لن تسمح لابنة ابراهيم أن تعود لابنها من جديد أبدًا.
***
كان بلال يجلس فوق إحدى المقاعد الخشبية أسفل المظلات بالجامعة وبيده هاتفه يضعه فوق أذنه يجري اتصال بأخيه وينتظر الرد منه. لم يحصل على رد منه فعاد يكرر الاتصال مجددًا وهو يتنهد بضيق. وبتلك اللحظات بينما كان يدور بنظره في الأرجاء حول بكل تلقائية سقطت عينيه على حور وهي تجلس بجوار نفس الشاب (ابن خالتها) ويتبادلون أطراف الحديث بحميمية وجدية. أنزل الهاتف من على أذنه وثبت نظره عليهم يتابعهم بتركيز في نظرات مشتعلة. لا يفهم ما الذي يحدث له لكن تتأجج النيران بصدره كلما يراها تجلس مع ذلك الرجل وتُخلق رغبة شديدة في ثناياه أن يندفع نحوهم ويجذبها من جانبه مانعًا إياها من الحديث معه أو مع أي رجل غيره حتى.
شعر بالخنق من طول متابعته لهم وتزايد غضبه فهب واقفًا وسار مبتعدًا ينوي الدخول لمبنى الكلية حتى لا يراهم أمام عينيه ويفقد أعصابه أكثر. لم يكترث لصياح صديقه الذي كان يركض خلفه محاولًا اللحاق به. قبض على ذراعه واوقفه عنوة وهو يقول بانزعاج:
"إيه ياعم بنده عليك ومطنشني في إيه؟"
بلال باستياء محاولًا عدم النظر تجاه حور:
"مش مطنشك يامؤمن بس مليش مزاج أتكلم ومتعصب."
ضيق الآخر عينيه بحيرة وسأله في اهتمام:
"متعصب.. في حاجة حصلت ولا إيه في البيت عندك؟"
انحرفت عيناه رغمًا عنه نحوها ورآها تضحك بقوة وسط حديثها معه. فتمالك انفعالاته ورد على مؤمن بغيظ مكتوم:
"أنا داخل جوا عاوز تاچي تعالي عاوزة خلاص."
رغم أن مؤمن لم يفهم ما سبب عصبيته المفرطة وتحوله المفاجيء هذا إلا أنه لحق به بسرعة ولم يتركه بمفرده.
***
بمساء ذلك اليوم في تمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل...
كان يجلس بغرفة الجلوس الصغيرة الخاصة بعمران ويلقي بنظره من النافذة شاردًا الذهن وهو جالس فوق الأريكة. يعيد الساعات القليلة التي مرت من هذه الليلة عندما ذهب مع أبيه وعائلته وعمران ليتقدموا بطلب يد الفتاة التي اقترحتها عليه إخلاص ووافق.
تذكر كيف كانت مرتبكة وخجلة عندما دخلت الغرفة عليهم وهي حاملة فوق يديها صينية فوقها كاسات العصير. لم تتجرأ على رفع نظرها إليه من فرط حيائها وقدمت له العصير بعينين تدفنهم في الأرض. بتلك اللحظة لعن نفسه ألف مرة على ما سيفعله بتلك المسكينة. فتاة جميلة مثلها تستحق رجل يحبها ويصعد معها للنجوم من فرط عشقهم لبعض. لكن هو قلبه ليس بيديه ولن يستطيع منحها الحب. ليته لم يوافق من البداية قبل أن يدخل بقدميه لطريق ليس به عودة.
انتهى الأمر وتم تحديد كل شيء بجلسة واحدة حتى أن الخطبة ستتم بعد أسبوعين من اليوم.
انفتح الباب ودخلت إخلاص. كانت تبحث عن عمران وظنته هنا. لكن عندما رأت بشار على هذه الحالة تنهدت الصعداء بحزن ودخلت لتقترب منه بخطواتها الهادئة وتجلس بجواره هامسة:
"إيه يا ولدي أنت معجبتكش عروستك ولا إيه؟"
تأفف بشار بقلة حيلة ومسح على وجهه وهو يردف بصوت مهموم:
"مش عاوز أظلمها ياما معايا ملهاش ذنب إني قلبي متعلق بواحدة تاني هبقى بخونها. أنا ندمان إني وافقت."
اشتدت قوة نظرات إخلاص التي قالت بجدية ولين:
"أنت عملت الصح يا بشار متقولش ندمان يا ولدي. إيه هتفضل عايش لحالك إكده طول عمرك لا معاك بيت ولا عيال عشان خاطر الست رحاب. بعدين إنت عرفت من وين إنك هتظلمها مش يمكن لما تخطبها وتعرفها تحبها وتنسى رحاب."
بشار بشجن:
"الموضوع مش بالسهولة دي ياما."
إخلاص بحدة وإصرار كله ثقة:
"طول ما أنت مصعبه على نفسك هيبقى صعب. سيب روحك ومتفكرش في اللي جاي وادي لنفسك ولخطيبتك فرصة وأنا متوكدة إنك هتحبها. البت كيف البلسم تتحط على الجرح يطيب وانت شوفتها كيف كانت النهاردة."
زفر بقوة وقال مغلوبًا في أسى:
"صدقيني أنا نفسي وبتمنى أن اللي بتقوليه يحصل واقدر أحبها وانسى رحاب."
ابتسمت إخلاص بحنو وقالت في أمل وسعادة:
"طالما أنت اللي بتقول إكده يبقى هيحصل أطمن. أنت دلوك متفكرش في حاجة وافرح بس وجهز لخطوبتك اللي بعد اسبوعين دي. عشان كمان لسا هننزل نشتري الشبكة للعروسة."
بشار بنبرة خافتة ومتعبة:
"أن شاء الله ياما أن شاء الله."
اتسعت ابتسامتها أكثر ورتبت فوق كتفه بحنو ثم استقامت واقفة وسارت تجاه الباب لتتركه وتغادر الغرفة.
***
داخل غرفة عمران....
فتح الباب بهدوء تام ودخل ثم أغلقه بنفس الطريقة وقاد خطواته للداخل لكنه توقف عندما وجدها تقف أمام الخزانة ترتب الملابس وهي مرتدية بنطال وبلوزة ضيقة دون أكمام. تفحصها بنظره في تلك الملابس الناعمة والجميلة بنظرات دقيقة لكنه غضن حاجبيه باستغراب عندما لاحظ ذراعها وجلدها الذي تلون بالازرق الداكن. وسرعان ما تبدلت ملامحه للحنق عندما تذكر شجارهم بالصباح وأنه كان يقبض على ذراعها بعنف والنتيجة أمامه الآن.
فاقت من شرودها وانتبهت لوجوده فانتفضت والتفتت برأسها للخلف تجاهه. وفورًا أسرعت تجذب شالًا من الخزانة تضعه فوق ذراعيها تخفي جسدها عن أنظاره وهي ترمقه بغيظ وانزعاج. فتأفف هو مغلوبًا واقترب منها ليقف أمامها مباشرة هاتفًا بلهجة حادة:
"شيلي الشال ده ووريني دراعك."
تراجعت خطوة للخلف وقالت بعناد في غضب:
"ملكش صالح بيا."
تنهد الصعداء ببرود مزيف ليجيبها في لهجة آمرة لا تقبل النقاش:
"سمعتي قولت إيه!"
صاحت به في استياء شديد:
"مسمعتش ومش عاوزة أسمع منك حاجة. بعد عني ومتتكلمش معايا واصل."
أنهت عبارتها وهمت بالابتعاد والفرار منه. لكنه منعها بذراعه الذي حاوطها من خصرها وجذبها نحوه لتصطدم بصدره. شهقت بصدمة وباللحظة التالية دون تفكير كانت تصرخ بصوتها المرتفع. فأسرع هو وكتم على فمها بيده صائحًا:
"إيه الچنان ده اكتمي!"
دفعت يده عن فمها بقوة وصاحت وهي تحاول التملص من بين يديه:
"بعد عني بدل ما أصرخ تاني والم البيت كله."
ابتسم بسخرية ورد في غلظة:
"هتقوليلهم إيه عاد.. جوزي قرب مني ولا بيتحرش بيا!"
نظرت في عينيه بقوة وقالت في ثبات وغيظ:
"أه هقولهم مش البيت كله عارف وضعنا كيف برضوا ولا إيه!"
فهم ما ترمي إليه فتجهمت ملامحه وتأفف بقوة. ثم راح يمد يده لينزع عنها الشال. لكنها صرخت وهي تحاول إبعاد ذراعه عن خصرها:
"متلمسنيش بعد ياعمران."
كانت تتلوى بين ذراعيه كالدودة مما أثار خنقه حقًا. فصرخ بها بعصبية:
"ما تثبتي في إيه متخلنيش اتنرفز عليكي."
سكنت رغمًا عنها بسبب خوفها. وعندما نزع الشال عن كتفيها ارتجفت من فرط ارتباكها وخجلها. ثم وجدت أنه يمسك ذراعها ويرفعه برفق للأعلى حتى يتمكن من رؤية الزراق الذي فوق جلدها. ليهمس في جدية:
"حطيتي عليه تلج؟"
لوت فمها بخنق واستغلت فرصة تركيزه على ذراعها لتهرب من بين يديه بسرعة صائحة به بحرقة:
"محطيتش حاجة ومتعملش روحك مهتم قوي. روح شوف بت عمتك واطمن عليها لتكون ماتت ولا جالها ارتجاج في المخ."
كانت تقول عبارتها الأخيرة باستهزاء. بينما هو فاظهر ثبات أنفعالي تام وقال في برود متعمد:
"شوفتها وكنت عندها اطمني. واعملي حسابك إنك هتروحي تعتذري منها على اللي عملتيه النهاردة ولما حبستيها."
ضحكت بقوة في سخط هادر وراحت تجيبه بكل سخرية:
"مش عاوز أحب على يدها كمان وأقعد تحت رجليها وأترجاها تسامحني."
استدارت وولته ظهرها وهي تندفع نحو الحمام. لكنها شهقت بفزع عندما شعرت بذراعه من جديد وهذه المرة حاوطها به وقربها لتلتصق بصدره. وهو يقف خلفها وينحنى بوجهه عليها من الخلف يهمس في أذنها بنبرة أربكتها بشدة:
"لما حبستيها كنتي غيرانة ومش عاوزاها تروح معايا. والنهاردة الله أعلم حصل إيه خلاكي تعملي إكده بس أكيد ليه علاقة بغيرتك اللي مش عاوزة تعترفي بيها."
ارتجفت بين يدها لكن حاولت البقاء صامدة والتفتت برأسها له لتصبح في مواجهة وجهه مباشرة وتقول مبتسمة بجفاء:
"أنا مش بغير غير على الناس اللي بحبهم ياعمران وأنت مش من ضمنهم. يعني متوهمش روحك على الفاضي."
ابتسم مستنكرًا ردها الكاذب. وكان سيثبت لها بطريقته الخاصة كذب ما تدعيه. لكن قطع اللحظة صوت رنين هاتفه. وهي بلحظة ابتعدت عنه واسرعت للحمام تلوذ به من بين براثينه. بينما هو فتابعها مبتسم بمكر ثم أخرج هاتفه وراح يجيب عليه بجدية.
***
بصباح اليوم التالي......
منذ أيام يزورها دوار قوي ورغبة شديدة في التقيؤ. ببداية الأمر أقنعت نفسها أنه ربما حمى أو تعب وإرهاق. لكن مع تكراره يوميًا بدأت تشعر بالقلق خصوصًا أنها ليست المرة الأولى التي تراودها فيها هذه الأعراض. فقد تعرضت لها مرتين من قبل والآن الثالثة!
حسمت قرارها وقررت الخروج والذهاب للصيدلية حتى تشتري اختبار الحمل وتتأكد من شكوكها. كانت بطريقها للعودة للمنزل بعد انتهائها. لكنها توقفت على أثر صياح ابنها الصغير عليها. وحين نظرت إليه رأته داخل سيارة والده. وفورًا نزل منها هو وشقيقه وركضوا نحوها يحتضونها بقوة. فضمتهم هي بحنو ولثمت رأس كل منهم في حب هامسة:
"عاملين إيه يا حبايب قلبي."
رد عمار بحماس طفولي:
"أبوي هياخدنا النادي زي كل أسبوع ياما تعالي معانا."
رفعت نظرها وتطلعت لجلال الذي كان يتمعنها بأسى. وسرعان ما اخفضت رأسها ونقلت نظرها بين أولادها مبتسمة بدفء:
"مش هينفع يا حبايب قلبي خليها مرة تاني هاخدكم ونروح مع بعض. دلوك مش هينفع."
أخذوا يلحوا عليها ويترجوها أن توافق. وهي تقف عاجزة أمامهم لا تستطيع الرد لا بالموافقة ولا الرفض. وبعد ثوانٍ كان جلال يتقدم نحوهم ويقف يهتف بهدوء:
"يلا يافريال متزعليش العيال طالما عاوزينك تاچي معاهم."
رمقته بنارية وكره. بينما الأولاد فقد وثبوا بفرحة بعد عبارة والدهم وامسكوا بيد أمهم يجروها نحو السيارة لتضحك هي مغلوبة وتردف:
"طب خلاص سيبوا يدي هركب لحالي."
تركوها أمام باب المقعد الأمامي مباشرة لتضحك هي عليهم. ثم تفتح الباب وتستقل بالمقعد ويسرعوا هما ليستقلوا بالمقعد الخلفي. كانت تتجاهل النظر في وجهه. وأن فعلت فلم يكن يرى شيء في عينيها سوى النقم والنفور مما يزيد من نزيف قلبه وألمه.
همس لها بصوت منخفض دون أن يصل لأذن أولادهم:
"على الأقل متعمليش إكده قصاد العيال يافريال أبوس يدك."
نظرت له بنارية وهتفت في اشمئزاز وغضب:
"أنت احمد ربك أصلًا لولا العيال مكنتش ركبت جارك ولا لساني خاطب لسانك واصل. كرهت وشك ومبقيتش طايقة أشوفك."
لم تفشل هذه المرة أيضًا بطعنه في أعماق قلبه بكلماتها الناقمة والقاسية. ليتطلع إليها بوجع وبعينيه توسل أن لا تقول هكذا وتطعنه بسهامها المسمومة. لكنها حتى لم تنظر له واشاحت بوجهها بعيدًا عنه. ليتنهد هو في قلة حيلة ويثبت نظره على الطريق محاولًا البقاء صامدًا.
توقفت السيارة بعد دقائق طويلة أمام النادي الاجتماعي ونزل الأولاد أولًا بكل حماس. ولحق بهم جلال وأخرهم كانت فريال التي فتحت الباب. وفور نزولها داهمها نفس الدوار العنيف وكاد أن يحتل توازنها لولا أنها أسندت يدها على باب السيارة. هرول هو نحوها مفزوعًا وحاوطها بذراعيه هاتفًا في قلق واهتمام:
"فريال مالك.. اخدك للدكتور ياحبيبتي."
دفعته بعيدًا عنها بعنف هاتفة في نبرة منخفضة حتى لا تصل لأذن الأطفال:
"اوعاك تقرب مني ولا تلمسني تاني فاهم ولا لا يا جلال. وقريب قوي هتطلقني أنا مش هكمل مع راجل خاين كيفك."
لوى فمه بأسى لكنه همس بجدية:
"فريال مش وقته الكلام ده دلوك مش قصاد العيال."
تطلعت إليه بسخرية. ثم انتبهت على صوت معاذ وهو يسألها باهتمام:
"إنتي كويسة ياما؟"
أمسكت بيده وقالت مبتسمة:
"كويسة يا حبيبي يلا عشان ندخل النادي وتلعبوا أنت وأخوك."
أمسكت يد كل واحد منهم من جهة وسارت معهم للداخل. ولحق هو بهم في وجه يظهر فوق معالمه الهم والحزن بوضوح.
جلسوا بالداخل على مقاعد مقابلة لبعضها حول طاولة متوسطة. والأولاد ذهبوا ليلعبوا. كانت هي تتابعهم دون أن تحيد بنظرها عنهم وتتجاهله بشكل كامل كأنه غير موجود. على عكسه هو الذي كان يتأملها بشوق وحب امتزج بحزنه وندمه على ما فعله. بعد دقائق قصيرة وجدها توقفت فجأة فسألها بتعجب:
"رايحة وين؟"
قالت دون أن تنظر له وهي تجذب حقيبتها معها:
"الحمام في مانع."
لم يعقب واكتفى بمتابعتها وهو يراها تسير تجاه الحمام كما قالت. بعد حوالي عشر دقائق داخل الحمام خرجت وهي تمسك بيدها اختبار الحمل الذي يعطي نتيجة إيجابية. وعلى عكس المتوقع بدل من أن تصاب بنوبة سعادة غامرة انهمرت دموعها فوق وجنتيها بغزارة في قهر وألم. وما ساعدها على البكاء براحة أكثر أنها كانت بمفردها في الحمام ولا يوجد أحد معها.
مر على بقائها بالداخل حوالي خمس عشر دقيقة وربما أكثر. وبعد أن تمالكت نفسها بصعوبة وغسلت وجهها قررت الخروج من جديد. وكان مازال بيدها الاختبار. لكن عندما فتحت الباب رأته يقف على مسافة بعيدة نسبيًا من الحمام ينتظرها.
***
خرجت آسيا لشراء بعض مستلزماتها الشخصية. وبينما كانت بطريق عودتها للمنزل توقفت عندما لمحت خلود. فابتسمت بشيطانية وانتصبت في وقفتها لتصبح أكثر شموخًا وعنجهية. ثم سارت خلفها. وعندما اقتربت منها هتفت منادية عليها:
"خـلـود"
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندى محمود توفيق
تسمرت فريال بأرضها فور رؤيتها له أمامها وبتلقائية راحت تخفي يدها خلف ظهرها حتى لا يرى الاختبار الذي بيدها، ووقفت بثبات متصنع حتى وجدته يقترب منها ويهتف في قلق:
_ إيه كل ده يافريال؟!
اضطربت وأخذت تتمعن النظر في وجهه بحيرة تفكر فيما ستفعله وكيف تتصرف. لاحظ هو احمرار عيناها فاحتضن ذراعيها بيديه دون أن يضمها وهتف:
_ كنتي بتبكي ليه في حد ضايقك؟!
كان عقلها مشغول بالتفكير بذلك الطفل الذي تحمله في احشائها ولا تكترث لما يقوله حتى لا تشعر بذراعيه فوق جسدها، ولا إراديًا سالت دموعها من جديد فوق وجنتيها مما صابه بالقلق والخوف الحقيقي. لو كان هو سبب بكائها وحزنها لكانت أبعدته عنها الآن وصرخت به كما تفعل دومًا، لكن صمتها وسكونها بين ذراعيه جعله يتيقن أن لا علاقة له بالأمر. فراح يهزها بلطف هاتفًا في جدية:
_ فريال انطقي متقلقنيش.. مالك؟
ضغطت على الاختبار الذي بيدها ومازالت تخفيه عن عينيه ثم رفعت رأسها له بوجه غارق بالدموع وتحولت نظراتها من الضياع للسخط وهي تدفعه بعيدًا عنها صارخة:
_ أنت السبب في اللي أنا فيه دلوك وعمري ما هسامحك يا جلال.
كان مالك النادي صديقًا مقربًا لجلال، وفور رؤيته لهذا الوضع الذي بينهم وحالة زوجته هرول بسرعة نحوهم ووقف بجوار جلال يهمس في أذنه بهدوء:
_ خدها واتكلموا في مكتبي على رواق يا جلال.
تنهد بضيق والتفت تجاه صديقه ثم رتب على كتفه بامتنان وأومأ له بالموافقة، بينما الآخر فابتسم وسار مبتعدًا عنهم. ليمسك جلال بيد فريال ويجذبها معه هاتفًا:
_ تعالي معايا عشان نعرف نتكلم زين.
توقفت وامتنعت عن السير معه بعدما جذبت يدها من قبضته وصاحت بغضب:
_ قولتلك متقربش مني ومفيش حاجة بينا عشان نتكلم فيها من الأساس.
رفع رأسه للسماء وهو يزفر مستغفرًا ربه ثم اخفض نظره لها فرأى الإصرار والعناد ليظهر الغيظ فوق معالم وجهه. وباللحظة التالية كان يلتفت حوله يراقب الطرقة هل يوجد أحد حولهم أم لا. وحين لم يجد أحد بظرف ثانية كان ينحني عليها ويحملها فوق ذراعيه ثم يسير بخطى سريعة تجاه غرفة مكتب صديقه التي كانت تبعد عنهم بضع خطوات قليلة. لم يكترث لها وهي تضربه فوق كتفه بغيظ هاتفة في قلق وخجل من أن يراهم أحد:
_ بتعمل إيه إنت اتجننت؟ نزلني يا جلال.
لم يكترث لها وكان أساسًا قد وصل أمام الغرفة ففتح الباب ودخل بها ثم أنزلها فوق الأرض وأغلق الباب. اندفعت هي وكانت تنوي الرحيل لكنه اعترض طريقها وسد طريق الخروج بجسده الذي وقف كالحصن المنيع أمام الباب لتصرخ به بعصبية:
_ أنت عاوز إيه مني هااا، هملني وملكش صالح بيا يا جلال.
صاح بألم وانفعال:
_ أنتي ليه مش عاوزة تشوفي حالتي بقت كيف.. ومش عاوزة تعترفي بغلطك؟ أنا صُح غلطت بس أنتي كمان كنتي غلطانة.
ضحكت بصوت مرتفع نسبيًا ثم نظرت له بدهشة وقالت في قهر:
_ عاوز تقول يعني إننا اتصافينا دلوك كيف ما أنتي وجعتيني أنا وجعتك كمان؟
استنكر طريقة تفكيرها وضيق عيناها بصدمة وسرعان ما هتف بغضب:
_ أنا مقولتش إكده أنا قصدي إن اللي احنا فيه دلوك بسبب عنادك وعنادي احنا الاتنين السبب في وضعنا ده.
ابتسمت بقسوة وهزت رأسها بالنفي هامسة:
_ لا أنت السبب، أنا مضربتكش على يدك لما سبتك عشان أخليك تروح تتجوز عليا. أنت عملت إكده عشان تنتقم مني وترد كرامتك يعني متعلقش شماعة أخطائك عليا يا جلال.
تجرع كلماتها القاسية رغمًا عنه ككل مرة وصمت بألم وحزن ثم رد عليها بالأخير يعلن تنازلًا جديدًا أمامها:
_ مش أنا اللي كنت عاوز أقتل أخوكي يافريال.
مال ثغرها للجانب في بسمة مستهزئة وردت بمرارة:
_ اتأخرت قوي.. ياريتك تنازلت عن كبريائك من زمان يمكن مكنتش خسرتني. دلوك لو فرشتلي الأرض ورد مفيش حاجة هترجع كيف ما كانت ولا أنا هسامحك ولا الزمن هينسيني خيانتك ليا.
احتقن صوته ولمعت عينيه بعبرات الوجع ليهمس لها متوسلًا:
_ أنا مخنتكيش ولا عمري هعملها يافريال أبوس يدك متقوليش إكده.. بزيادة تقطيع في قلبي عاد معدتش مستحمل والله أنا تعبان.
اغرورقت عيناها بالدموع من جديد لكنها لم تسمح لقلبها أن يسيرها ودعست عليه كما فعلت دومًا، حيث أبعدته من أمامها وهمت بالانصراف. لكنه قبض على ذراعها يوقفها وهو يسألها بصوت مبحوح ومكتوم:
_ مدارية يدك ورا ضهرك ليه.. في إيه مخبياه مش عاوزاني أشوفه؟
رمقته بحدة وهتفت بلهجة صلبة:
_ حاجة متخصكش.
احتدمت نظرته وهتف بغلظة:
_ أي حاجة تخصك وليها علاقة بيكي تخصني أنا كمان.
كانت ستهم بالرد عليه لكنها توقفت عندما سمعت صوت رنين هاتفه فنظرت إلى جيب جلبابه حيث يكمن الهاتف. بينما هو فتجاهل الرنين وظل مثبتًا نظره عليها. لكن تأفف بخنق وصوت مرتفع عندما لم يتوقف الرنين وأخرج هاتفه من جلبابه ينظر لشاشته يقرأ اسم المتصل.
رأت هي اسم منيرة ينير الشاشة فابتسمت بمرارة ونظرت له في خزي قبل أن تدفعه من أمامها بقوة وتنصرف تتركه متصلبًا بأرضه كالصنم بيده الهاتف لا يتوقف عن الرنين وعيناه عالقة عليها وهي تبتعد عنه بخطواتها. انهارت قواه وبلحظة ألقى بالهاتف فوق المقعد وراح يجلس فوق الأريكة وقدميه تهتز بعنف. وحين سقط نظره على كوب الماء الذي بجواره دون وعي التقطه والقى به بعرض الحائط يفرغ شحنة غيظه. لم تكن سوى لحظات معدودة حتى دفن رأسه بين راحتي يديه وترك العنان لدموعه يبكي كالطفل الصغير الذي فارق أمه.
تطلعت في الهاتف بضيق بعدما انتهى الرنين. وكان الصمت هو ردها الوحيد، لكن جليلة سألتها بتعجب:
_ إيه قالك؟
منيرة بعبوس:
_ مبيردش.. تفتكري يكون مع فريال؟
هزت جليلة رأسها بالنفي وقالت ساخرة:
_ فريال معدتش هترجع ل جلال تاني خلاص يا منيرة، وانتي ركزي بس كيف ترضي جوزك وتسعديه.
لوت الأخرى فمها بنفاذ صبر وقالت في يأس:
_ جلال مش بيبص في وشي يا خالتي.
التزمت جليلة الصمت للحظات وهي تتطلع بمنيرة في تفكير حتى قالت لها بجدية:
_ قومي دلوقت جهزي حالك والبسيلك حاجة زينة إكده قبل ما يرجع. چرا إيه يا منيرة هو أنا اللي هقولك تكسبى جوزك إزاي؟
سكنت الأخرى وعقلها شارد بما تقوله حماتها تفكر بطريقة لكي تسلب عقل زوجها ولا تدعه يفكر بزوجته الأخرى. بعد دقيقة بالضبط ابتسمت جليلة وقالت بلؤم:
_ عندك حق.. أنا هقوم أشوف اللي ورايا عاوزة حاجة مني؟
جليلة بخنق:
_ هعوز إيه يعني روحي شوفي حالك واتزيني أنتي عروسة.
لم تكترث لها منيرة كثيرًا فقد عقدت العزم الليلة أن جلال سيكون لها وليس لديها شك في نجاح خطتها. قادت خطواتها للطابق الثالث حيث غرفتهم وبقيت جليلة بمكانها صامتة. وسرعان ما انحرف تفكيرها لابنتها فلم تعد تحتمل فراقها وشوقها لها.
تلك النبرة تعرفها جيدًا ولا يمكن أن تخطئ بها، تسمرت بأرضها عندما سمعت صوتها للحظة شعرت أن ستسقط وتفقد وعيها من فرط الخوف. لكن تماسكت بصعوبة وبعد وقت طويل نسبيًا استدارت لها بجسدها في تردد. وفور رؤيتها لوجه آسيا المبتسم فرت الدماء من عروقها.
تسارعت نبضات قلبها عندما رأتها تقترب منها، ولوهلة ظنتها ستقتلها. لكن آسيا كانت بكامل ثباتها الانفعالي وهي تبتسم لها بكل ود. وللحقيقة ذلك لم يشعرها بارتياح بل زاد الأمر سوءًا بالنسبة لها. ذلك الوجه الملائكي والتصرفات الودودة واللطيفة تعرفها جيدًا، هذا هو الجانب المظلم لهؤلاء الساحرات الشبيهات بآسيا.
همست آسيا بكل لطف:
_ كيفك يابت عمي؟
خلود بثبات مزيف:
_ عاوزة إيه يا آسيا؟
ضحكت بصمت وردت عليها في هدوء مريب وملامح وجه محبة:
_ كل خير، عاوزة أتكلم معاكي شوية بس مش هينفع هنا في الشارع.. في كافيه قريب تعالي نروح نقعد ونتكلم فيه على رواق.
اضطربت خلود وشعرت أن بنهاية الطريق ستسقط بفخ فبسرعة رفضت وهي تهم بالانصراف أو الفرار بالمعنى الأدق:
_ لا أنا مش فاضية وورايا مشوار ضروري.
قبضت آسيا على ذراعها بقوة لا تتناسب مع رقة ولين ملامحها وهي تعترض على ذهابها:
_ مالك خايفة ليه متقلقيش أنا مش هقتلك يعني ولا هاخدك على حبل المشنقة.. قولتلك عاوزة أتكلم معاكي شوية بس مفيش حاجة تخوف تعالي يلا عشان أنا برضوا معنديش وقت معلومك بقيت ست متجوزة وورايا التزامات.
ازدردت خلود ريقها بارتباك وبقت تنقل نظرها بين وجه آسيا وبين يدها القابضة على ذراعها بتفكير. وبالأخير انصاعت لها مرغمة وهي توميء لها بالموافقة. فابتسمت آسيا باتساع وتركت يدها بكل رفق ثم أشارت لها بيدها أن تسير معها.
لم يكن الطريق طويلًا فقط يبعد أمتار قليلة من مكان تحركهم، لكن بالنسبة لخلود فكانت كأنها سارت أميالًا على قدميها وهي تفكر فيما تريد التحدث فيه معها بعد كل ما فعلته بها. ما سبب تلك الابتسامات الودودة التي توزعها لها وكأن الحب بينهم زاد ويفيض.
وصلا للمقهى ودخلت آسيا أولًا وكانت تتبعها خلود ثم جلسوا حول طاولة من مقعدين مقابلين لبعضهم، واستمرت آسيا في التحديق بخلود محتفظة بنفس ابتسامتها والأخرى كادت تموت من فرط قلقها وخوفها. فقالت بالأخير في توتر ملحوظ:
_ خير يا آسيا عاوزة تقولي إيه؟
كادت أن تجيبها لكن وصل النادل الخاص بالمقهى وهو يسألهم عن طلبهم فردت عليه آسيا وطلبت منه أن يحضر كوبين من القهوة. وبعد رحيله عادت تنظر لخلود من جديد وردت عليها بهدوء:
_ طبعًا أنتي فاكرة أن أنا جبتك وهنتقم منك أو هعمل فيكي حاجة، بعد اللي عملتيه معايا.
كان رد خلود بالصمت وهي تستمع لما تسرده ابنة عمها التي تابعت وهي تهز رأسها بالنفي:
_ لا متقلقيش مش هعملك حاجة، أنا صُح لغاية دلوقت مقدرتش أنسى ولا أسامح تمامًا يمكن بس بحاول أنسى وعشان كده جبتك هنا عشان نتكلم.
غضنت خلود حاجبيها بعدم فهم لما تتفوه به وما تقصده بكلماتها. بينما آسيا فأكملت بابتسامتها التي رسمتها من جديد فوق وجهها:
_ أنا جبتك هنا عشان ننهي العداوة اللي بينا يا خلود وعشان عاوزة أبدأ صفحة جديدة معاكي يا بت عمي.
اتسعت عيني الأخرى بصدمة وظلت على وضعها لبرهة من الوقت حتى انفجرت ضاحكة فجأة وهي تردف بعدم تصديق:
_ مين اللي قصادي! آسيا قولي الكلام ده واضحكي بيه على حد غيري لكن أنا عارفاكي وحافظاكي زين.. عاوزة تفهميني إنك هتنسي كل حاجة عملتها معاكي ودلوقت عاوزانا نبقى حبايب أو نمثل بمعنى أصح لأن مستحيل تكون إكده أصلًا.
رسمت آسيا لوحة العبوس فوق معالمها وقالت ببراءة وحزن:
_ آسيا اللي كنتي تعرفيها اتغيرت يا خلود وبقيت واحدة تاني دلوقت أنا مبقتش عاوزة عداوة ولا أكون وحشة مع حد. أنا عارفة إنك مش وحشة وإن اللي خلاكي تعملي إكده هي غيرتك مني وإنك كنتي شايفة إني ماخدة كل الحب والاهتمام من ناسي وإني كنت فوق الكل في الكل، بس أديكي شوفتي الحب ده كله راح فين بمجرد ما شافوا صوري كلهم رموني واتخلوا عني ومحدش منهم وقف جنبي وصدقني. يمكن تستغربي بس أنا هشكرك إنك خليتيني أشوف حقيقة حبهم ليا.
سكنت للحظة وتلألأت عينيها بالعبرات لترفع رأسها من جديد وتحدق بخلود هاتفة في مرارة:
_ أنا وأنتي مظلومين يا خلود.. ومحدش منهم كان بيحبنا لو كانوا بيحبوني مكنوش هيحسسوني بالنقص والحرمان واصل ولو أنا كانوا بيحبوني مكنوش هيصدقوا الصور.
كانت خلود تتابع تعبيرات وجهها ودموعها وما تسرده لها بصمت وقد شعرت أن هذه المرة آسيا مختلفة حقًا ليست كما اعتادت عليها وربما حقًا قررت مسامحتها والتخلي عن عداواتهم والبدء من جديد، فابنة عمها التي تعرفها لا تنظر بوجه أحد تكرهه أبدًا أو حتى تريد الانتقام والثأر منه ولا يمكنها أن تبتسم في وجهها الآن وتبكي وتفرغ لها ما بقلبها وهي تكن لها الشر.
كانت ستجيب لكن أوقفها وصول النادل وهو يضع أكواب القهوة أمامهم. لحظات معدودة بالضبط وكانت خلود سترفع الكوب لترتشف منه لكنها أنزلته فورًا بنفور وشعرت بتقلصات غريبة في معدتها جعلتها ترغب بالتقيؤ فوثبت واقفة وأسرعت الحمام وسط نظرات آسيا المشككة.
جففت آسيا دموعها بسرعة وبلحظة تحولت من الوجه الملائكي الودود لآخر مرعب ينبض بالشر والوعيد. وفور سقوط نظرها على حقيبة خلود التي فوق سطح الطاولة جذبتها بسرعة وفتحتها ثم راحت تفتش بها عن أي شيء يخص علاقتها بذلك الرجل الذي رأتها معه منذ أيام.
توقفت يدها عن الحركة حين وقعت بيدها ورقة كبيرة مطوية فأخرجتها وفتحتها وراحت تقرأ ما بها لتتسع عينيها بذهول وعدم استيعاب بعدما أدركت أنها ورقة زواج عرفي.دست الورقة بحقيبتها الخاصة بسرعة قبل وصولها وراحت تغلق حقيبة خلود من جديد وتعيدها لمكانها، ثم سكنت وراحت تفكر بذكاء وتربط الأمور ببعضها.. بالبداية عدم تحملها لرائحة القهوة وركضها تجاه الحمام حتى تتقيأ والآن ورقة زواجها الباطل من عشقيها.انتصبت في جلستها فور رؤيتها لها تقترب منها واعادت رسم الملامح الودودة مرة أخرى فوق معالمها وعندما جلست خلود أمامها سألتها باهتمام وقلق متصنع:_مالك أنتي تعبانة ولا إيه؟هزت خلود رأسها بالإيجاب في قسمات وجه مرتبكة:_آه ماخدة دور برد شديد في معدتي عشان إكدهاماءت لها بالتفهم في بسمة نقية تضمر خلفها الوعيد والاشمئزاز والأخرى كانت تفرك أصابعها ببعضهم وهي تتهرب من النظر بعيني آسيا.... ***كانت تجلس فوق مقعدها حول الطاولة وتتابع أولادها وهم يلعبون وعيناها غارقة بالعبرات، عقلها كان شارد به وبطفلها الذي تحمله في احشائها، تصيبها المرارة والقهر كلما تتذكر اتصال منيرة به بآخر شجارهم.. في كثير من الأحيان تتمنى لو يكون كل هذا كابوس وليس حقيقة حتى ينتهي عذابها.رفعت أناملها لوجهها وجففت دموعها بسرعة عندما رأته يتجه نحوها، ثم أشاحت بوجهها تجاه الأولاد تتجاهله عمدًا ولا تنظر إليه بينما هو فجلس على مقعده أمامها وظل يتمعنها بنظراته البائسة، كانت ملامح وجهه ضائعة وشعره مبعثر كدليل على الحالة المزرية التي كان بها بعدما تركته بالغرفة منذ قليل.دام صمتهم لوقت طويل حتى قطع هو الصمت سؤاله لها: _تحبي اطلبلك إيه أكل؟ لم تجيبه ولم تلتفت له فقط اكتفت بتجاهلها له كرد علي سؤاله بالرفض، لكنه لم يكترث برفضها وتأفف بتعب ثم أشار للنادل الذي يعمل بالنادي وفور وصوله له املى عليه طلباتهم فقد قام بطلب الطعام له ولأولاده ولها على ذوقه هو.بعد انصراف الشاب رمقته بغيظ ثم هتفت بحدة:_ياريت تسرع شوية في إچراءات الطلاق عشان أنا مش متحملة أكمل معاك يوم تاني استقرت في عينيه نظرة ثاقبة قبل أن يهتف ببرود غريب:_طلاق مش هطلق يافريال ومتحطيش الموضوع ده في دماغك استاءت فهدرت منفعلة:_هتطلقني غصب عنك ولو رفضت هرفع عليك قضية ابتسم ورد باستنكار: _إيه هتخلعيني!!! ثبتت نظرها في عينيها بقوة وقالت بتحدي:_لو أچبرتني على إكده صدقني هعملها صُح ياچلال اختفت ابتسامته ورسم الحدة والغضب بشكل مخيف وهو يجيبها:_قولت مفيش طلاق وانسيه واصل متختبريش صبري اكتر من إكده اشتعلت وأصبحت كجمرة النيران المتقدة وبلحظة كانت ستنفجر به صائحة لكن أوقفها وصول الأولاد وهم يهتفون بعبوس:_ياما احنا چعنا قويأجابتهم بصوت حاولت إظهاره طبيعيًا رغم نظراتها المشتعلة لچلال:_أبوكم طلب الوكل شوية وهيوصل.. اقعدوا واهدوا شوية لغاية ما يوصل وبعد ما تاكلوا ابقوا كملوا لعب امتلثوا لأوامر والدتهم وجلسوا على مقاعدهم بجوار والديهم.. استمروا في نقل نظرهم بين والدهم الذي ينظر لوالدتهم بضيق وهي كانت لا تعيره اهتمام وتنظر في الجانب الآخر... ***وصلت للمنزل وقادت خطواتها لغرفتها بالأعلى غير مكترثة لنظرات حماتها الحاقدة لها.. وصلت أمام باب غرفتها وفتحت الباب ودخلت وأول شيء وقعت عيناها عليه كان زوجها الجالس فوق مقعدها الخاص واضعًا قدم فوق الأخرى ويسند ساعديه براحة فوق ذراعي المقعد، لم يكن ذلك الغريب لكن ما صابها بالقلق هو نظراته المميتة لها فتصلبت بأرضها وبقت تحدق به في سكون وثبات عكس الاضطراب الذي يستخوذها من الداخل.. حتى سمعت صوته الغليظ يسألها:_كنتي وين؟ردت بكل طبيعية وهدوء:_روحت الصيدلية اشتري كام حاچة ليا استقام واقفًا وتقدم منها بخطوات متريثة زادت من سوء الوضع بالنسبة لها وبمجرد وقوفه أمامها هتف:_المفروض لما تطلعي أكون على علم وأخدتي الأذن الأول صُخ ولا إيه!! قالت بتذمر ملحوظ:_عمران أنا روحت الصيدلية يعني خطوتين مش مستاهلة كل ده! باغتها بصرخة رجولية نفضتها في أرضها:_رچلك لو عتبت برا عتبة البيت بس هكون على علم.. آخر مرة تحصل يا آسيا المرة الچاية متلوميش غير نفسك فاهمة ولا لااتسعت عينيها بدهشة من أنفعاله المرعب ورغم خوفها إلا أنها تصرفت بتمرد كعادتها وصاحت به غاضبة:_أنا مش چارية عندك إهنه.. ومش هتحبسني في السچن ده كفاية إني مستحملة العيشة فيه ومع الخلق اللي عايشين فيه دول صدح صوته الجهوري وهو يحذرها بقسمات وجه مخيفة:_حسك معيلاش عليا بدل ما اكتمك على الآخر تطلعت في سوداويته بشجاعة وقالت بقوة تليق بامرأة مثلها:_سبق وقولتلك مخيفاش منك وأنت متقدرش تعملي حاچةعنادها وتحديها له أثار جنونه أكثر وجعله كالقدر الذي يغلي فوق النيران، أغار عليها كالأسد فارتدت هي للخلف واصطدمت بالحائط رأت يده تمتد لملابسها فصرخت وراحت تأخذ وضع الدفاع تضع يديها فوق صدرها صائحة:_بعد عني لم يهتم وصياحها اغضبه أكثر فراح يدفع يديها عن صدرها بعنف ويمد يده من جديد ليعيد الكرة وهذه المرة بعدم رحمة ينوي حقًا نزع ملابسها عنها مما جعلها ترتجف أمامه من الخوف وتترجاه بصوت مبحوح:_عمران بعد أبوس يدكسحب يده ونظر في ملامحها المرتعدة ليقول بعدها بوجه أشبه بوجه شيطان وليس انسان:_اديكي عرفتي إني لو عاوز اخليكي تخافي هخليكي أنا بس اللي سايبك بمزاچي في كل بلاويكي اللي بتعمليها.. متستفزنيش تاني لمصلحتك ومش معنى إني بقيت بتعامل معاكي زين تبقى تنسي روحك كانت إخلاص بالخارج تقف أمام باب غرفتهم تستمع لحديثهم وهي تبتسم بخبث ونصر.. فخطتها نجحت تمامًا وربما أكثر مما تتخيل، حيث تذكرت حديثها مع ابنها قبل عودة آسيا.إخلاص بعصبية:_مرتك بتطلع وتدخل على هواها في الرايحة والچاية ياعمران وأنت مداريش اتسعت عينيه وقال بصوت رجولي غليظ:_بتطلع تروح وين؟! إخلاص بقرف:_أنا إيه عرفني هو في حد بيقدر يتكلم معاها ما أنت مربي الرعب للبيت كله ومحدش بيقدر يفتح بقه ولا يرفع حسه عليها.. بتطلع وتدخل وهي في يدها أكياس معرفش فيها إيه وعمري ما شوفتها في مرة رفعت سماعة التلفون واخدت أذنك قبل ما تطلعجز على أسنانه بعيظ مكتوم يحاول تمالك أعصابه.. هو أساسًا منزعج من تعطل أمور العمل ومشاكله التي لا تنتهي والآن سيفقد عقله من أفعال زوجته وأمه وعائلته بالكامل، أما إخلاص فتابعت بسخرية وغيظ حتى تزيد تحفيز بركانه:_أنت مش شايف إنها بقت حطاك كيف الخاتم في صباعها.. وبس فالح تقولي أنا هربيها وعارف أنا بعمل إيه واللي أنا شيفاه أن هي اللي بقت ممشياك وراها ياولدي ولو فضلت بتديها وش زين إكده علطول هتركب وتدلدل رچليها ومحدش هيقدر عليها ولا حتى أنت ووقتها هتقول عندك حق يامارمق والدته شزرًا بعد ما تفوهت به ورأت الدماء تحتقن في وجهه بشكل مريب ليسكتها هو بصيحة لا إرادية:_بزيادة ياما مش عاوز اسمع كلمة زيادة أنا على أخرى أساسا صاحت به منفعلة دون اكتراث لما يقوله:_ويزيادة ليه ولا الكلام تقيل وچننك.. مش قادر تسمع حقيقة أنها بقت ممشياك وراها وبقت كلمتها هي اللي تسير عليك مش أنت شوية كمان وتبقى هي الراچل رمق أمه بنظرة اقسمت أنها لم تراها في عيني أبنها مطلقًا من قبل، ونظرته ارعبتها هي شخصيًا وتلقائيًا جعلتها تلتزم الصمت ثم ألقت عليه نظرة أخيرة قبل أن تستدير وتنصرف لتترك ذلك البركان مع حممه التي تغلي بأعماقه وتنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر وتدمر كل شيء. بالداخل نظر عمران لها ولحالتها المرتعدة وعيناها الدامعة وهو يبعتد عنها ويقول بلهجة آمرة لا تقبل الجدال:_ظبطي هدومك دي وحصليني طوالي وياويلك لو فكرتي تعاندي معاياتابعته وهو يبتعد ويغادر الغرفة ليتركها كالصنم مكانها تحاول الصمود والتحكم بنبضات قلبها من فرط خوفها ودموعها التي تتصارع للسقوط، لم تكن بحال يمكنها من مواجهته ثانية وقررت الامتثال لأوامره حيث عدلت ملابسها جيدًا وقادت خطواتها خلفه للخارج بوجه شامخ رغم الدمار الذي بداخلها.توقفت مدهوشة عندما وجدت نفسها أمام غرفة منى وهو بالداخل يشير لها بعيناه التحذيرية أن تدخل ففعلت على مضض ودخلت لتلتقي نظراتها بعين تلك الأفعى التي تتصنع البراءة أمامهم وحين التفتت تجاه عمران لتفهم منه سبب مجيئها لهنا فأشار لها بنظرة فهمتها لكنها تطلعت إليه بدهشة فتجده يرسل إشارة تحذيرية أخرى مرعبة لتخفض نظرها عنه مجبرة وتتطلع في وجه منى تهمس بصوت مقتضب ونفس مقهورة لكنها لا تظهر ذلك الضعف أبدًا:_حقك عليا سامحيني ابتسمت لها منى بود متقبلة اعتذارها لكن خلف تلك الابتسامة كان المكر يسكن، أما آسيا فألقت نظرة على عمران كلها خذي وغضب امتزج بحرقتها قبل أن تندفع وتغادر تتجه لغرفتها من جديد.. فور دخولها صفعت الباب ووقفت تستند بظهرها عليه تطلق العنان لدموعها الحارة أخيرًا.. تبكي بقهر ومرارة... ***داخل منزل حور تحديدًا بغرفتها كانت تجلس فوق فراشها وبعقلها ألف شيء جميعهم يحلقون معًا بنفس الوقت في سماء ذهنها، من جهة دراستها واقتراب الامتحانات ومن جهة مرض والدتها واهتمامها بها ومن جهة أخرى ابن خالتها وأيضًا بلال وتصرفاته الغريبة معها، يتجاهلها وإذا مر من جانبها حتى لا ينظر لها ولا يلقي التحية وكأنها غير مرئية، ولا يمكنها إنكار حقيقة أن تجاهله وعدم اكتراثه بأمرها أزعجها جدًا ومزق قلبها.. ومع الأسف فوق كل هذا لا تفهم سبب تلك التصرفات الجافة.فزعت وانتصبت جالسة عندما انفتح الباب فجأة ودخلت شقيقتها التي أسرعت وجلست بجوارها تسألها في اهتمام:_مالك ياحور أنتي مش ملاحظة إنك ليكي وقت طويل في الأوضة مبتطلعيش وقاعدة دايمًا سرحانة وفي ملكوت تاني ردت بعبوس:_عادي بفكر في الامتحانات وشايلة همها بس هزت شقيقتها رأسها بعدم اقتناع وقالت:_من امتى أنتي بشيلي هم الامتحانات أنتي دايمًا بتدخلي مرتاحة ومش بتشيلي همها.. في إيه بقى قولي يلا التزمت الصمت بيأس دون أن تجيب فوجدت شقيقتها تقول مبتسمة:_ليه علاقة بابن طنط عفاف الولد اللي اسمه بلال؟! اتسعت عيني حور بصدمة وراحت بسرعة تسألها في عدم فهم:_مين قالك الكلام ده؟! ابتسمت الأخرى بخبث وقالت: _نور حكتلي.. الصراحة هو كان باين عليه أنه محترم وجنتل أوي يعني.. المهم احكيلي حصل إيه؟ هتفت حور بصوت منخفض وبلهجة تحذيرية قلقة:_وطي صوتك ممكن حد يسمعك هتجيبلي المشاكل ضمت شقيقتها ابهامها وسبابتها معًا وسارت بهم على طول شفتيها المغلقتين دون كلام فتنهدت حور بنفاذ صبر وقالت في ضيق:_معرفش كل ما يشوفني بيعمل نفسه مش شايفني ومش بيبص في وشي ولا بيقولي ازيك حتى.. ده مش بيرمي السلام كأنه ميعرفنيش_طيب هو حصل حاجة بعد ما جه عندنا وانتي قولتيله حاجة ضايقته مثلاهزت رأسها بالنفي وهي تقول في يأس:_أبدًا بالعكس هو بعدها جه وكلمني في الكلية وكان بيهزر وعادي جدًا لغاية ما وصل مازن وبعدين أنا مشيت ومن وقتها وهو كداسكنت شقيقتها وهي تفكر بتركيز تحاول ربط المواقف ببعضها علها تحصل على ذريعة لسبب تصرفاته الغريبة لكنها فشلت فقالت بالأخير في عدم حيلة:_خلاص متضايقيش نفسك وانسي وهو لو في حاجة حصلت وهو مضايق منها هتبان متقلقيشأخذت حور نفسًا عميقًا بوجه حزين وراحت تحدق في الفراغ أمامها بشرود، تقذف بعقلها أكثر من فكرة جنونية وأكثرهم جنونًا أن تذهب وتتحدث معه وتسأله عن سبب ما يفعله لكنها لا تمتلك الشجاعة ولا الجرأة لهذا الفعل.. فخجلها وتوترها أقوي من أن تقبل على موقف كهذا. ***بتمام الساعة الثامنة مساءًا من ذلك اليوم.....خرجت آسيا من غرفتها وقادت خطواتها الواثقة تجاه غرفة منى وفور وصولها لم تنتظر حتى لتطرق الباب وتأخذ الأذن بل اقتحمت الغرفة بكل عنف ودخلت ثم أغلقت الباب خلفها.انتفضت منى بفزع ووثبت واقفة لكنها هدأت قليلًا بعدما رأت آسيا وابتسمت لها بتشفي متمتمة:_إيه عمران بعتك عشان تعتذري مني تاني ولا إيه!لم تبدي آسيا أي ردة فعل سوى جمود الملامح وبعد برهة قالت بنبرة تحمل بحة شيطانية:_وماله اعتذر بس أن شاء الله اعملها وأنا فوق قبرك..
أصل أنا خايفة نفسي عنك بالعافية دلوقتي، ونفسي أمسك في زمارة رقبتك وأخنقك وأخلص عليكي. بس مش هعمل كده عشان مش هستفاد حاجة، وأنتي متستاهليش أصلًا.
اضطربت مني قليلًا، لكنها ردت بشجاعة مزيفة:
_ أمال جاية ليه؟
ألقت نظرة على جرح رأسها وضحكت بسخرية، ثم هدرت بنظرة لا تشفق:
_ مسرحية رخيصة من ست أرخص. عايزك عاد تكملي مسرحيتك دي بس في مشهد حقيقي، وأنتي بتقولي للكل اللي حصل وإنك كنتي بتنافسي روحك على جائزة الأوسكار في التمثيل.
ضحكت مني باستهزاء من كلام آسيا وراحت تتطلع إليها بقوة هاتفة:
_ ولو مقولتش هتعملي إيه؟ هتروحي تضربيني صح المرة دي!
قهقهت آسيا بقوة وهزت رأسها بالنفي متمتمة في براءة متصنعة:
_ أبدًا، أنا ضد العنف وخصوصًا العنف ضد المرأة. بس ممكن أعمل حاجات أخطر من العنف، زي مثلًا...
رفعت هاتفها وقامت بتشغيل تسجيل صوتي لها ولإخلاص عندما كانوا في الغرفة يتفقون ويضعون الخطط لكي يتمكنوا من سلب زوجها منها ونهاية زواجها بالطلاق. كانت مني تستمع للتسجيل وهي تشتعل من فرط الغيظ، بينما آسيا فكانت تبتسم بلؤم. وبعد انتهائه هتفت ضاحكة:
_ أنا محدش هيهتم يعني، مش أقولك أن اللي في البيت هنا هيزعلوا عليا عشان بتتفقوا عليا وعاوزين تطلقوني من جوزي خالص. بالعكس، مش هفرق معاهم. بس أنتي هتفرقي، يعني مثلًا منظرك إيه قصاد خوالك وولاد عمامك وأمك وأبوكي بالأخص لما يسمعوا بتهم وهي بتتفق مع مرة خالها عشان تلف على ولدها المتجوز وتخرب بيته مع مراته، حتى لو مراته دي كانت وحشة. أنتي أكيد اتخيلتي، مش محتاجة أشرحلك اللي هيحصل. عشان كده فكري زين، يا إما تنزلي بكل احترام وتعترفي بغلطك قصاد الكل، يا أما أنتي أكيد عارفة اللي هيحصل إيه!
أنهت كلامها وهي تبتسم بكل برود، ثم تابعت بخبث وهي تهم بالاستدارة لتغادر:
_ أسيبك عاد عشان تجهزي روحك وتلبسي هدومك وتنزلي ليهم، أصل الكل متجمع تحت دلوقتي وده أفضل وقت لتمثيل مسرحية والجمهور كله موجود.
رحلت وتركت مني متصلبة بمكانها تفكر في تلك المصيبة التي سقطت فيها بسبب تلك الساحرة. كيف ستعترف للجميع الآن أن هي من فعلت بنفسها؟ كيف ستخبرهم وتنظر في وجوههم؟ جلست فوق فراشها وراحت تفكر بحكمة وتركيز، فوجدت أن اعترافها بذلك الخطأ سيكون أهون بكثير من أن يسمع الجميع ذلك التسجيل، وقتها ستنتهي ووالديها لن يرحموها.
***
أسرعت منيرة للداخل بعدما رأت من الشرفة سيارة جلال توقفت أمام المنزل. ألقت نظرة سريعة على نفسها أمام المرآة، كانت تترك العنان لشعرها حتى ينساب فوق ظهرها وكتفيها وترتدي قميص نوم مثير، ثم هرولت ووقفت بمنتصف الغرفة، ثم نامت على الأرض تمثل فقدان الوعي وقد كشفت عن قدميها حتى فخذيها وأسقطت حمالة ذراعها الأيمن، وبالنهاية أغلقت عيناها.
دقائق معدودة وانفتح الباب ليدخل جلال، وعندما وقع نظره عليها ضيق عينيه وبسرعة أسرع نحوها، وجثى أمامها على الأرض يرفع رأسها واضعًا كفه أسفلها، ويده الأخرى كان يضرب فوق وجنتها بلطف هاتفًا:
_ منيرة.. منيرة!
لم يحصل على رد منها، فاستقام وحملها فوق ذراعيه ليضعها على الفراش، ثم يجلس بجوارها ويحاول مرة أخرى إفاقتها. وبعد محاولات طويلة فتحت عيناها ببطء وهي تهمس بضعف:
_ جلال.
سألها بقلق:
_ إيه اللي حصلك؟ أنتي كويسة؟
همست في صوت خافت:
_ عايزة ميه.
التفت برأسه للخلف والتقط كوب الماء الموضوع فوق المنضدة، ثم ناوله لها، فأخذته من يده وشربت المياه دفعة واحدة. ومن بعدها أدمعت عيناها وانهمرت عباراته فوق وجنتيها، ليسألها هو بجدية غاضنًا حاجبيه:
_ مالك يامنيرة؟ في حد عملك حاجة؟ بتبكي ليه؟
هزت رأسها بالنفي وقالت في بكاء وصوت مبحوح يحمل النقاء المزيف:
_ لا، بس أنا بخاف لما بقعد لوحدي كتير وأنت طول الوقت في شغلك، ولما بتيجي بليل مش بتنام جاري كمان. ومن شوية عيني غفلت وحلمت بكوابيس ولما صحيت ملقيتش حد جاري، فضلت أبكي وبعدين معرفش إيه اللي حصل، دوخت مرة واحدة وأغمى عليا.
لوى فمه بخنق وتنهد في قلة حيلة، ليمد ذراعه ويلفه حول كتفيها متمتمًا بعذوبة:
_ طيب خلاص اهدي، أنا جاري أهو.
رفعت وجهها الغارق بالدموع وتطلعته بعينان بائسة تسأله:
_ هتنام جاري الليلة دي ومش هتمشي وتهملني لحالي؟
اكتفى بهز رأسه بالإيجاب في معالم وجه خالية من المشاعر، بينما هي فابتسمت باتساع في فرحة وتجرأت هذه المرة لتقترب منه وتقبله بكل دلال من وجنته، ثم ابتعدت لسنتي واحد وتمعنت النظر في وجهه وعينيه بنظرات كلها أنوثة ونعومة، ثم همست بغنج:
_ أنا بحمد ربنا كل ليلة من جوازنا أنه كرمني براجل كيفك. ليه هيبته ومكانته بين الخلق وحنين وراجل. يعني لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي زيك يا جلال. أنت سرقت عقلي ودخلت قلبي من زمان.
كانت نظراته جامدة لها، لا يبتسم ولا يبدي أي شيء، فقط يستمع إليها كالصنم. والأخرى كانت تنتظر منه خطوة كقبلة أو عناق مثلًا، أي شيء. لكن برود المشاعر كان هو الرد الوحيد. وبالأخص عندما قذفت بذهنه عبارة فريال (أنت خاين يا جلال)، فشعر وكأنه عقرب لدغته وسمها يسير بعروقه يكاد يخنقه ويقتله تمامًا. ابتعد عن منيرة وتراجع ثم وقف وهتف وهو يمسح فوق شعرها بود متبسمًا بتكلف:
_ نامي وارتاحي يامنيرة. ومتخافيش، أنا قاعد جاري الليلة دي.
وكان دلو من المياه المثلجة سُكب فوق جسدها، فبقت متجمدة مكانها لا حركة ولا كلام، فقط ترمش بعينيها بدهشة. هذه المرة الثانية التي يرفضها ويبتعد عنها عندما تقترب منه. عندما وجدته توارى عن أنظارها داخل الحمام راحت تضرب بكفها على الحائط في غيظ وهي تصر على أسنانها.
***
اعتدلت آسيا في جلستها بتعجب فور سماعها لصوت طرق الباب. لكن رفعت نبرة صوتها وهي تسمح للطارق بالدخول. لحظات معدودة قبل أن تظهر فريال من خلف الباب وتدخل ثم تغلق الباب خلفها.
تقدمت نحو آسيا وجلست على طرف الفراش أمامها تتمعنها بصمت وندم، بينما الأخرى فكانت تبتسم بصفاء لتقول في حنو:
_ اطمني يافريال، أنا مش زعلانة منك. أنتي عندك حق ومقولتيش حاجة غلط.
تنهدت فريال بخنق وقالت بأسف:
_ أنا مكنتش دارية باللي بقوله وكنت لسا مطلعتش من صدمة جواز جلال وجرحتك قوي بكلامي. حتى لو كان عندي حق في موضوع عمران، فمكنش عندي الحق في الباقي واللي قولته بخصوص خلود. مكنتش أقصد يا آسيا، حقك عليا.
ابتسمت آسيا لها بحب وراحت تضمها لصدرها في قوة هاتفة بنبرة مميزة تحمل الدفء بقدر مرارتها:
_ لا، عندك حق. أنا قولتلك ياما وجرحتك بكلامي كتير وأنتي مكنتيش بتردي عليا بنفس الطريقة. مفيهاش حاجة لما تاخدي حقك مني في مرة. أنا اللي المفروض أتأسف منك وأقولك سامحيني، أنتي مكنش ليكي ذنب في حاجة وأنا كنت بحملك ذنب موت أبويا عشان بس أنتي بنت إبراهيم. والحقيقة أن أنا وإنتي اللي كنا الضحايا في الحكاية دي. أنا ناس ضحوا بيا وأنتي جوزك.
امتلأت عين فريال بالدموع بين ذراعين آسيا ثم هتفت بنبرة عاجزة:
_ أنا حامل يا آسيا.
أبعدتها آسيا عن صدرها بصدمة وراحت تطلعها بعدم استيعاب، وسرعان ما لمعت عيناها بسعادة لتسألها:
_ عرفتي كيف وامتى؟
صمتت فريال لثواني قبل أن تبدأ بسرد ما حدث بالصباح ولقائها بجلال وكيف انتهى وهي تخفي عنه خبر حملها. عاد العبوس لوجه آسيا وقالت بجدية:
_ فريال، أنتي عارفة زين أن دي مش حاجة هتقدري تداريها عليه. مسيره هيعرف.
هزت رأسها بتأييد على رأيها ثم قالت بثبات:
_ عارفة، بس مش هقوله دلوقتي. هو مش عاوز يطلقني من غير أي حاجة، لو عرف إني حامل هيصمم أكتر على قراره ولو أطبقت السما على الأرض مش هيطلقني، وأنتي عارفة أخوكي رأسه حجر كيف.
آسيا بانزعاج:
_ أنا معدتش أعرف حد فيهم يافريال. بس اللي أعرفه أن أنتي لازم متسيبوش يعيش متهني مع مرته الجديدة، مش تروحي تطلقي وتريحيه بعد خيانته ليكي وتفضلي تتعذبي.
لم تفهم ما تريد قوله بالضبط، فتابعت آسيا بنظرة مغتاظة:
_ عارفة إنك هتتعصبي عليا لما تسمعي كلامي ده. بس أنا شايفة إنك ترجعي بيتك كيدًا في الحرباية منيرة وفي أمه وتربيه زين وتشربيه المر على عملته الـ*** وبعد ما تخليه يطلق الحرباية دي، وقتها سيبيه واطلقي منه.
رمقتها فريال بدهشة ثم ضحكت فجأة وقالت بحزن:
_ تعرفي، مش مصدقة إنك بتتكلمي عن أخوكي وأمك كده.
تقوس وجهها بجفاء وقالت في غضب:
_ أنا معدش ليا لا أخ ولا أم ولا ناس واصل يا فريال.
زمت فريال شفتيها بأسى ثم مدت يدها واحتضنت كف آسيا بإشفاق لتقول بعدها في رفض:
_ مش هقدر أرجع يا آسيا، أنا مطيقاش أبص في وشه وعاوزة أطلق منه في أسرع وقت.
تنهدت آسيا وقالت بموافقة مبتسمة:
_ براحتك، فكري وشوفي اللي هيريحك واعمليه. لكن أنا لو مكانك مكنتش سبتها تعيش في العز على حساب وجعي وقهرتي بعد ما سرقت مني بيتي وجوزي. كنت هندمها على اليوم اللي فكرت فيه تاخد حاجة مش ليها وهو هزقيه المر. ومتنسيش إن عيالك قاعدين مع أبوهم.
سكنت فريال وحلقت بعالم آخر تفكر فيما تقوله آسيا لتهز رأسها بالأخير في رفض وتقول بغضب:
_ خليه يشبع بيها، عمره ما هيتهنى معاها ولا هيلاقي ست زي في حياته كله. وعيالي هاخدهم غصب عنه، مش هسيبهم يقعدوا في بيت واحد مع مرة أبوهم.
ابتسمت لها آسيا وراحت ترفع يدها وتملس فوق ذراعها بلطف متمتمة في نظرة خبيثة كلها دعم وقوة:
_ القرار اللي هتاخديه أنا معاكي فيه وهقف في ضهرك، ولو قررتي ترجعي سيبيني أنا منيرة هسوهالك على نار هادية.
ضحكت فريال بخفة ولمعت عيناها بود وامتنان حقيقي تجاه آسيا لتعود وتعانقها مرة أخرى بكل حب ودفء. فتبتسم الأخرى بحنو وتضمها بمشاعر متبادلة.
***
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا. داخل غرفة الصالون الكبيرة بالطابق الأرضي كان كل من إبراهيم وإخلاص وعمران معًا داخل الغرفة ويتحدثون بأمور مختلفة قبل أن تقتحم جلستهم منى التي دخلت وهي تجر خطواتها بصعوبة، فسمعت خالها وهو يقول بقوة:
_ تعالي يامنى ماشية كده ليه؟ فيكي حاجة ياحبيبة خالك؟
ابتسمت لخالها بتوتر ثم نقلت نظراتها بين عمران وإخلاص وراحت تجلس فوق مقعد بعيد نسبيًا عنهم. وعادت تدور بنظرها بينهم وهي ترى علامات الاستفهام والفضول يصعد فوق قسمات وجههم.
ازدردت ريقها بصعوبة وشعرت بالعرق يتصبب من جبهتها فتنفست الصعداء بتمهل وهي تستدعي شجاعتها وقوتها لتعترف بفعلتها. انتفضت على أثر صوت زوجة خالها:
_ مالك يامنى فيكي إيه؟ قلقتنا انطقي!
رفعت عيناها واستقرت على عمران الذي ينظر لها بحدة وكأنه يعلم أن خلف حالتها المزرية تلك في شيء تخفيه. لكنها لم تركز عليه كثيرًا وإلا كانت ستفقد كل شجاعتها التي استجمعتها وستذوب الكلمات في ذهنها.
هتفت وهي مطأطأة رأسها أرضًا:
_ آسيا معملتش فيا حاجة. أنا اللي عملت كده في روحي.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندى محمود توفيق
ظهر صوت إبراهيم الحازم وهو يسأل ابنة أخته:
_ عملتي في روحك إكده كيف يعني؟
تنفست بتوتر ملحوظ بعدما رأت الصدمة تحتل معالم إخلاص والغضب على وجه عمران، لتجيب على خالها بخفوت:
_ مكنتش قاصدة طبعًا ياخالي.. يعني أنا وآسيا شدينا مع بعض وبعدين أنا وقعت واتخبطت في الدولاب.
كان الصمت من نصيب إخلاص التي تتابع تعبيرات وجه منى بتشكيك فيما تقوله، بينما إبراهيم فتابع بحدة:
_ ولما أنتي وقعتي لوحدك قولتي ليه أن آسيا اللي عملت إكده فيكي وشعللتي البيت وعملتي مشاكل من على مفيش.
ألقت نظرة مضطربة على عمران الذي كان يحدقها بعينين مرعبة، ثم أشاحت بنظرها وردت على خالها ببراءة متصنعة:
_ كنت فاكرة أن هي اللي زقتني ياخالي والله.
تأفف إبراهيم بخنق وأردف:
_ وجاية تقولي الكلام ده دلوك ليه مقولتيش ليه من الأول.
اخترعت ذريعة مناسبة وأجابت عليه:
_ كنت تعبانة ومش قادرة أتكلم ولما قعدت مع نفسي وافتكرت اللي حُصل بينا زين افتكرت أن هي معملتش حاچة وأن أنا اللي وقعت من غير ما اقصد.
رغم أن ثلاثتهم لم يقتنعوا بأسبابها ولم يصدقوها، إلا أنهم صمتوا، باستثناء عمران الذي ثبت نظراته المميتة على منى وسألها بنبرة تحمل بحة رجولية مريبة:
_ من غير قصد يامنى ولا كنتي قاصدة عشان تعملي مشكلة بينا؟!
انحصرت في الزاوية وراحت تنظر إليه بارتباك دون أن تجيب، وبتلك اللحظة تدخلت إخلاص وهتفت في جدية:
_ خلاص ياعمران هي قالتلك مكنتش قاصدة وكانت فاكرة أن آسيا اللي عملت فيها إكده وأهي جات وقالتلنا اللي حُصل عشان المشاكل متزيدش.
دار بنظره المخيف بين والديه وبين ابنة عمته، فقد تصاعدت النيران وازدادت اشتعالًا في صدره بعد اعترافها، لكنه تمالك أنفعالاته بصعوبة أمامهم، وبالأخير ألقى نظرة على منى قذفت الرعب في قلبها ثم استدار وغادر، يترك ثلاثتهم معًا.. فلو بقى أكثر من ذلك سينسى أنها ابنة عمته وسيفقد أعصابه تمامًا عليها وعليهم جميعًا.
***
بعد مرور ساعتين بتمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل...
فتح عمران باب غرفته ودخل، ألقى بنظره أول شيء على الفراش ظنًا منه أنه سيجدها نائمة، لكن الفراش كان فارغًا، فضيق عيناه باستغراب وذهب بنظره نحو الحمام، وقبل أن يتقدم إليه ليتأكد من وجودها به، انحرفت عيناه على الشرفة فرآها تقف بسكون وتضع الحجاب على نصف شعرها لينزل بقيته على كتفيها يغطيها وهي تضمه عاقدة ذراعيها أسفل صدرها.
طالت نظرته المتمعنة لها يتذكر اعتراف منى بالأسفل وأنه لم يصدق آسيا حين أقسمت له أنها لم تفعلها وجعلها تذهب لتعتذر من ابنة عمته على ذنب لم تقترفه، ولا سيما فيما فعله بها بالصباح.. لا يفهم ما الذي يحدث له ولا كيف استحوذ جموحه عليه لهذه الدرجة المرعبة وقاده للتصرف بهذا الشكل الدنيء.
تنفس الصعداء بخنق ثم أخرج زفيرًا متمهلًا وتقدم إليها بخطوات هادئة حتى وقف خلفها من اليسار وتنهد بضيق قبل أن يلف ذراعه حول كتفيها منحنيًا عليها يلثم رأسها بقبلة دافئة هاتفًا:
_ حقك علي.
أرمقته بنظرة قاتلة كانت كفيلة لتتحدث عن كل ما بصدرها، وبلحظة كانت تدفع ذراعه بعيدًا عنه هاتفة بتحذير واشمئزاز:
_ متلمسنيش ولا تفكر تقرب مني تاني واصل.
لوى فمه بانزعاج وقال بخفوت محاولًا تهدأتها:
_ أنتي عندك حق بس أنا متوقعتش أنها تعمل إكده في روحها أبدًا وأنا الفترة دي مضغوط ومليش خلق إني أفكر في المواضيع دي.
ابتسمت ببرود وردت في كل ثبات وعدم تأثر:
_ وأديك عرفت أهو أن هي اللي عملتها.. كان لازم تسمعها منها عشان تصدق وتعرف أن آسيا مش كدابة.. الاعتذار اللي اعتذرته لمنى الصبح مكنش ليها قد ما كان ليا.. اعتذرت لنفسي عشان وثقت فيك ولما شفتها وهي بتضرب روحها متحركتش وكنت عارفة أنك مش هتصدقها وهتنصفني أنا لكن أنت اخدتني من يدي غصب وخليتني أعتذر لها.. ده كله كوم طبعًا واللي عملته الصبح كوم تاني.
ظهر الندم والامتعاض على معالمه ليردف بأسف:
_ مكنتش حاسس بروحي يا آسيا ولا داري باللي بعمله والغضب عماني.. أنتي عارفة أني مستحيل أعمل حاچة كيف إكده.
ضحكت بسخرية وقالت بقسوة:
_ اتضح أني معرفش حاجة ومعرفكش ومش عاوزة أعرف لغاية ما تطلقني عشان أرتـاح من البيت ده ومنك ومن الكل.
لاحت بشائر الاستياء على قسماته الغليظة ليقول باستنكار:
_ ولما أطلقك هتروحي وين؟!
ابتسمت بثقة وردت بقوة:
_ متقلقش أنا مش هغلب.. خليك أنت بس في نفسك وچهز روحك عشان قريب هنحقق أمنية الحجة إخلاص لما تطلقني وتجهزلك جوازتك التانية.
مال بوجهه للجانب وهو يتأفف بنفاذ صبر وانزعاج حقيقي من كلماتها، بينما هي فاستدارت توليه ظهرها بعدم اكتراث وهمت بالذهاب للحمام، لكنه قبض على رسغها يوقفها ويديرها نحوه هاتفًا بحيرة:
_ عاوزة أعملك إيه يعني عشان أرضيكي؟!
جذبت يدها من قبضته بكامل العنف وهتفت بنظرة شرسة تحمل الإنذار:
_ تبعد عني.
ألقت بعبارتها النارية في وجهه وتركته وابتعدت، ليرفع هو يده لوجهه يمسح عليه وهو يتأفف بخنق وراح ينزع عنه جلبابه الأسود ويلقيه بإهمال مكان ما تصل يده.
***
داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة خلود....
خرجت من الحمام وهي ممسكة بذلك الجهاز الأبيض الصغير (اختبار الحمل)، عيناها متسعة بصدمة ومازال عقلها يحاول استيعاب النتيجة التي أمام عينيه، تسارعت نبضات قلبها وارتخت أعصابها لدرجة أفقدتها القدرة على الوقوف، فألقت بحمل جسدها كله دون وعي على الفراش تجلس وهي تحدق أمامها بذهول، لكن ماهي إلا لحظات حتى ألقت بالاختبار وراحت تلكم فوق وجنتيها هاتفة:
_ يا مركي يا خلود هتعملي إيه دلوك في المصيبة دي.. لو حد عرف هيقتلوكي.
أخذت تلطم وتنوح بصوت منخفض وسط بكائها وارتجاف جسدها كله من فرط الخوف وتردد دول توقف:
_ أعمل إيه.. أعمل إيه؟!
لم تهدر وقتًا أكثر من ذلك وراحت تجذب هاتفها بتلهف تجري اتصالًا بعشيقها الذي أجابها بعد رنات قصيرة، فوجدها تصرخ بوجهه في صوت مرتعش:
_ الحقني ياسمير الحقني.
ضيق عينيه بعدم فهم وقال بسرعة في فزع:
_ في إيه مالك؟
همست بصوت منخفض خشية من أن يسمعها أحد:
_ أنا حامل.
سمعت صرخة منه في الهاتف كادت أن تطرشها:
_ إيـــه.. حامل كيف يعني!
خلود بأعصاب مدمرة:
_ إيه السؤال اللي بتسأله ده.. كيف إزاي يعني!
حاول تمالك أعصابه وأجابها بصوت مترقب لسماع الإجابة:
_ أنتي مش قولتي أنك بتاخدي الحبوب بتاعت منع الحمل دي.
انتظر سماع الرد منها ولكن الإجابة كانت بالصمت، مما جعله يهيج كالثور ويصرخ بها:
_ ردي عليا ياخــلـود كنتي بتاخديها ولا لا؟!!!
سالت عبراتها فوق وجنتيها بغزارة وراحت تكتم على فمها تمنع صوت شهقاتها العالية، تحاول التحكم بارتجاف يديها وجسدها كله لتجيبه بالأخير بصوت متقطع من فرط البكاء:
_ لا مخدتهاش.. متخيلتش أنه يحصل إكده وقولت أنت هتاجي تتقدملي أساسًا يعني مش معقول يحصل حاجة في الكام مرة اللي بنتقابل فيهم دي.
صدح صوت صراخه المرعب من جديد في سماعة الهاتف:
_ وأهو حصل قوليلي هتعملي إيه دلوك عاد.
لم يسمع منها رد سوى صوت بكائها الذي يخترق أذنه بقوة وأصابه بالجنون أكثر، راح يمسح على وجهه وهو يتأفف محاولًا التفكير وتمالك انفعالاته حتى يجد حل لتلك الكارثة، وبعد عشر ثوانٍ تقريبًا رد عليها بحدة يلقي بأوامره:
_ العيل اللي في بطنك ده تنزليه علطول تشوفي أي حد وتتصرفي يا خلود.
فغرت شفتيها وعينيها بدهشة لترفع أناملها تمسح دموعها وتتبدل ملامحها بلحظة للغضب تجيبه برفض قاطع:
_ أنا مش هنزله ومش هقتل عيلي ياسمير.. أنا اتصلت بيك عشان تلحقني وتاجي تطلب يدي من ناسي قبل ما حد يعرف ويقلتوني مش عشان تقولي نزليه ده ولدك مش ولدي لوحدي.
يضحك بعدم تصديق رغم الحالة المرعبة المسيطرة عليه وقال بسخرية:
_ أطلب يدك إيه أنتي مش عارفة وضعي كيف.. ولا فكرك ناسك هيوافقوا عليا.. العيل ده هينزل يعني هينزل يا خلود فاهمة ولا لأ.
لم يمهلها لحظة لتجيب عليه بل أغلق الاتصال دون توديعها حتى، وتركها تحدق بالهاتف في ذهول وسط دموعها التي عادت للانهمار من جديد....
***
بصباح اليوم التالي.......
كانت تقف فريال بسوق الخضار تقوم بشراء الخضروات والفواكه للمنزل.. فقد أصرت هي على الذهاب بدلًا من أمها موضحة أنها تشعر بالضجر في المنزل وتريد أن تشم بعض الهواء النقي وتريح عقلها قليلًا من التفكير الدائم.
كانت تقف أمام سيارة خشب مسطحة فوقها كميات كبيرة من الطماطم وبيدها كيسًا أسود تختار الطماطم الجيدة والسليمة وتضعها بالكيس، وأمامها بائع الطماطم الذي يصيح بصوته العالي موضحًا سعر الطماطم ببعض الكلمات المعتادة مثل (الطماطم طازجة ورخيصة وجيدة) كنوع من جذب الناس إليه، ومن حولها الصخب والضجة مزعجة بسبب الزحام، ومع كل هذا هي كانت بعالم آخر لا تشعر بأي شيء حتى توقفت فجأة يدها عن التقاط الطماطم بعدما سمعت صوت أنثى كان مألوفًا وعليها، وحين التفت كان هو بالفعل ولم تخطأ.
منيرة بابتسامة لطيفة:
_ اديني كيس ياحج عاوزة كيلو طماطم.
مد الرجل لها الكيس الأسود وهو يهتف باسمًا:
_ اتفضلي ياست الكل.
جذبت الكيس من يده وبدأت في التقاط الطماطم ووضعها بكيسها متصنعة أنها لا ترى فريال التي تقتلها بنظراتها الحارقة، وبعدما انتهت من شراء الطماطم التفتت تجاه فريال وهتفت بصدمة:
_ وه هو أنتي إهنه يافريال.. لا مؤاخذة مخدتش بالي يا غالية أصل من ساعة الچواز وأنا بقيت بحس معدش فيا عقل بسبب چلال اللي واخده مني.
لم تتحرك ولم تظهر لها أي تعابير سوى البرود والجمود، بينما الأخرى فابتسمت بلؤم ونظرات كلها غنج، ثم راحت تصيح على طفل صغير من جيرانهم، وفور وصوله إليها ناولته الأكياس تمثل التعب والإرهاق متمتمة:
_ خد الكياس دي يامحمد ووصلها قدامي على بيت عمك چلال ياحبيبي معلش عشان مش قادرة أشيل.
أومأ لها الصغير رأسه بالموافقة وسار مبتعدًا عنهم، بينما هي فالتفتت تجاه فريال ورفعت يدها لتلويها وتمسك بظهرها مدعية الألم في كلماتها المنحرفة ومعالم وجهها:
_ معلومك عاد لساتنا عرسان وچلال امبارح مخلنيش أنام الليل وقضينا الليل كله مع بعض.. وصاحية جسمي كله متكسر، أسيبك أنا عاد عشان معطلكيش وأروح أنا لاحسن اتأخر.
ألقت بقنبلتها ورحلت لتترك الأخرى تحترق من غيرتها وقهرها، ولو بقت مكانها للحظة أخرى كانت ستنهار باكية أمام ذلك الحشد من الناس كلها، لكنها كظمت غيظها وراحت تدفع ثمن الطماطم للبائع، ثم أخذت الكيس واندفعت لخارج السوق كسهم مشتعل وهي تشتم في تلك الوغدة وزوجها الخائن.
***
داخل غرفة عمران.......
خرج من الحمام بعدما انتهى من حمامه الصباحي مرتديًا بنطالًا فقط، تاركًا قطرات الماء تتساقط من شعره الغزير على صدره العاري.
استقر نظره عليها وهي تقف أمام خزانتها ترتبها مرتدية عباءة بيضاء ضيقة تظهر منحنياتها بدقة وتترك العنان لشعرها الأسود الغزير والطويل ينسدل فوق ظهرها ليغطيه كله، كانت عبارة عن قنبلة أنوثة وإغراء بتلك الملابس وشعرها الذي يسلب عقله كلما يراه.. فبقى لوقت طويل نسبيًا وهو يتفحصها بنظراته الجريئة على الرغم من أنها تتجاهله تمامًا وكأن لا وجود له حتى لا تنظر بوجهه، لكنه لم يكترث لشيء وترك عيناه تنعم بهبة النظر لهذا الجمال.
بعد ثلاث دقائق تقريبًا فاق من تأثير تعويذة ساحرته محاولًا السيطرة على نفسه، ثم تقدم نحو الفراش والتقط المنشفة ليجفف بها شعره، وبين كل لحظة والأخرى ينظر لها يتابع تحركاتها التي باتت تزعجه، فهي فعليًا تستنكر وجوده ولا تراه، تمر أمامه وتسير من جانبيه ولا تنظر، لولا أنه لا يريد أن يزيد الأوضاع سوءًا لكان الآن اتخذ موقفًا حاسمًا من تصرفاتها المزعجة، لكنه قرر أن يتركها تفعل ما يحلو لها حتى يهدأ غضبها وترتاح.
توقفت يدها عن ترتيب الملابس عندما سمعت صوته وهو يقول بجدية:
_ النهاردة هكلم أما عشان تخلي منى ترجع لبيتها.
التفتت له برأسها وسألته بتعجب:
_ ليه؟
استغرب سؤالها فكان يتوقع الفرحة ستغمرها فور سماعها لقراره، أجابها بغضب:
_ عشان أنا فيا اللي مكفيني ومليش خلق لخناقات الحريم اللي كل شوية دي.. يعني ترجع بيتها أحسن وتريحنا كلنا بما إنها مضايقاكي كمان وانتي عاوزاها.
ابتسمت بسخرية بعدما فهمت تلميحه وقالت في لا مبالاة:
_ مين قالك أني عاوزاها تمشي أنا مليش صالح وبالعكس كمان أنا اللي بقولك خليها تقعد هي من نفسها هتمشي بعد كده.. مهما كانت دي ضيفة والضيف واجب إكرامه يامعلم.
اتسعت عيناه بعدم استيعاب أن من تتحدث أمامه هي زوجته، ثم ابتسم بسخرية وقال في خبث:
_ أنتي اللي بتقولي إكده!!.. مش على أساس بتكرهيها وبتغيري منها راح وين كل ده.
عقدت ذراعيها أسفل صدرها وتطلعت في وجهه بقوة لتقول في قسوة دون أن تلين ملامحها حتى بمجرد ابتسامة:
_ بكرهها جايز أكون إكده صح أما بغير قولتلك مليون مرة دي أوهامك أنت ياعمران ومفيش حاجة منها حقيقة.
لوى فمه بنظرة جانبية ماكرة ليسألها هذه المرة بشكل مباشر:
_ يعني معدتيش بتغيري عليا منها؟!
رغم أن رده صدمها وأربكها بعض الشيء، لكنها ذكرت نفسها بما فعله معها بالبارحة وفورًا عادت تشتعل من جديد، لم تظهر له غيظها وتصرفت بكل برود حيث اكتفت بالضحك القوي وهي تهز رأسها بقلة حيلة واستهزاء.. بينما هو فتقدم منها حتى وقف أمامها مباشرة وحاصرها بينه وبين الخزانة يهمس بابتسامة ثغر تسلب العقول:
_ ما تردي هو القط كل لسانك ولا إيه!
أزعجها اقترابه منها فرفعت يدها بملامح وجه مكفهرة وكانت تنوي دفعه بعيدًا عنها، لكن فور ملامسة يدها لصدره العاري سحبت يدها بسرعة في خجل وصاحت به مغتاظة:
_ بعد ياعمران عني قولتلك متقربش مني ولا تتكلم معايا نهائي اعتبرني مش موجودة.
ابتسم ببرود مستفز ومتعمد لكي يثير جنونها أكثر:
_ بس أنتي موجودة اعتبرك كيف مش موجودة وأنتي قصاد عيني طول اليوم.
أغلقت عيناها بنفاذ صبر وهي تستغفر ربها، بالأخير استجمعت شجاعتها وتجرأت حيث رفعت يديها المرتعشة والخجلة مجددًا ودفعته هذه المرة من صدره لتوليه ظهرها وتعود تكمل ما كانت تفعله وهي تحاول التحكم بنبضات قلبها التي تضرب بصدرها في عنف.
ابتسم هو بنصر وخبث ثم هتف بنبرة عادية:
_ سبيي اللي في يدك ده عشان ننزل للفطور يلا.
ولم يلبث للحظة بعد إنهاء عبارته حتى نزل بنظره على طول جسدها وقال في لهجة حازمة وآمرة:
_ وطبعًا مش محتاج كل مرة أقولك وأفكرك تغيري هدومك قبل ما تنزلي وتلبسي حاجة زينة وواسعة.
لوت فمها بقرف وهي توليه ظهرها ولم تجيب، بينما هو فاتجه نحو الفراش وجذب جلبابه وارتداه ثم اقترب من المنضدة وجذب فرشاة شعره مسرحًا شعره الذي لم يستغرق سوى ثواني ومن بعدها غادر وتركها....
***
كانت فريال في طريق عودتها للمنزل وهي عبارة عن جمرة من النيران المشتعلة، كلما تتذكر ما قالته منيرة حول قضائهم ليلة مميزة بالأمس تتأجج نيران الغيرة بصدرها ويتمزق قلبها من القهر.
توقفت تلقائيًا عند مرورها من أمام معرض الأجهزة الكهربائية الخاص به ورأته وهو يقف يتحدث مع الزبائن.. صرخ صوتها في عقلها أن تندفع نحوه وتفرغ شحنتها المكتظة به، لكنها تجاهلت الصوت فلا فائدة بالنسبة لها من ذهابها أو بقائها النتيجة ستكون واحدة.
وقع عيني جلال على خارج المعرض بمحض الصدفة فرآها وهي تستدير وتبتعد، وبلحظة كان يشير لأحد العمال أن يأتي ويهتم بالزبائن بدلًا عنه، ثم أسرع للخارج شبه ركضًا يلحق بها وفور وصوله لها أوقفها من ذراعها هاتفًا:
_ فريال.
توقفت مرغمة على أثر قبضته فوق ذراعها وهي تلوي فمها بخنق، ثم استدارت له بجسدها كاملًا تحدقه بملامح وجه نارية فتسمع سؤاله الصريح:
_ أنتي كنتي جاية تشوفيني وتتكلمي معايا؟
استاءت وكانت على وشك أن تدفعه بعيدًا عنها وتصرخ به، لكنها تمالكت أعصابها بذكاء واكتفت بإيماءة وجهها كرد بالإيجاب على سؤاله، بينما هو فابتسم بحنو وداخله تراقص فرحًا بعدما ظن أنها قد تكون قررت أعطائه فرصة أو حتى العودة لمنزلها، ليتمتم بخفوت:
_ طيب تعالي نتكلم في مكتبي جوا في المعرض.
سحبت ذراعها من قبضته بهدوء غريب وسارت خلفه في خطوات واثقة حتى وصلًا لمكتبه الداخلي، سبقته هي بالدخول وكان هو خلفها بعدما أغلق الباب.. ثم تقدم إليها ووقف أمامها مباشرة وهو يبتسم ينتظر منها أن تبدأ في حديثها.
تطلعته بقسمات وجه جافة ونظرات لا تحمل من الحب شيء، ثم هدرت بثبات ولهجة جديدة عليها وكأنها فريال مختلفة:
_ جيت أسألك أمتى هتجيب المأذون وتخلص إجراءات الطلاق؟!
بظرف لحظة واحدة رأت ابتسامة الأمل التي كانت تزين وجهه تختفي ليحل محلها اليأس والغضب ويجيبها بحزم:
_ وأنا قولتلك مفيش طلاق يافريال.
لزمت شفتيها ببرود مستفز وقالت بقوة:
_ وأنا مصممة ومش هغير رأيي.
رفع يده ومسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يزفر بغيظ ثم هتف بغضب:
_ طب على الأقل فكري في العيال وعشانهم ارجعي عن اللي دماغك ده.
ابتسمت بمرارة وقالت:
_ أنا بعمل كده عشان عيالي لكن أنت اللي مفكرتش فيهم لما اتجوزت وجبتلهم مرات أب لأ وكمان عايش متهني معاها ومبسوط كأنك عريس فعلًا وتلاقيك مش بتفكر ولا بتهتم بعيالك حتى.
غضن حاجبيه بعدم فهم ودهشة ليردف بانزعاج:
_ مبسوط وعريس إيه ده!!!.. إيه الكلام اللي بتقوليه ده.
ضحكت وفقدت القدرة على البقاء صامدة أكثر من ذلك أمامه تتصنع البرود وهي تشتعل من داخلها، حيث قالت وهي تعيد تكرار كلماته بلهجة مستهزئة:
_ بقول الحقيقة.. أنا مخوّنتكيش يافريال ومحصلش حاجة بينا ومش هيحصل.
رد بكل ثقة وقوة:
_ دي الحقيقة صح مفيش حاجة حصلت ومش هتحصل.
صرخت به بعصبية:
_ متكدبش عليا.. لمرة واحدة متبقاش كداب يا جلال وقول الحقيقة في وشي.
احتقن وجهه بالدماء واستشاط هو الآخر فصاح بها منفعلًا:
_ الحقيقة سمعتيها لكن أنتي اللي عاوزة تصدقي نفسك ودماغك بس، مش بتختاري تصدقيني لو لمرة واحدة حتى وما زلتي.
قهقهت بصوت عالي ثم راحت تجيبه ساخرة:
_ أنت عندك حق أنا غلطانة كيف مثقش في جوزي وأبو عيالي اللي اتجوز عليا من ورايا.. المفروض أصدق راجل كان بيبص في عيني وبيكدب كل يوم ومفكرش في مرة يقولي أنه هيتجوّز.
أصابت الهدف بعبارتها وأسكتته تمامًا، لا يمكنه مجادلتها في حقيقة كلماتها.. مهما قالت في هذا الأمر هي محقة وهو مذنب.
بينما هي فابتسمت بعينان دامعة وهتفت:
_ اتكلم ساكت ليه ولا عشان عارف روحك غلطان وأنا عندي حق في كل كلمة.. اللي احنا فيه ده أنت سببه يا جلال أنا كنت بس مستنية منك تاجي وتاخد بيدي من بيت أبويا وتقولي يلا عشان ترجعي بيتك وتقولي مش أنا اللي عملت كده في عمران لكن أنت كرامتك كانت فوق كل حاجة.
ابتسم لها بعينان انطفأ بريقهم ثم تحرك نحو الأريكة يجلس فوقها يستند بساعديه فوق فخذيه مطأطأ رأسه للأسفل ويهمس في استنكار:
_ رغم أن احنا الاتنين غلطانين لكن أنتي مش عاوزة تعترفي بغلطك وبترمي اللوم كله عليه كأني شيطان وحرق ودمر كل حاجة بناره.. ودلوقتي اللي عملته مش مخليكي شايفة روحك عملتي إيه غلط وكله أنا السبب فيه، مش فاكرالي أي حاجة زينة عملتها معاكي واصل لا حبي ليكي ولا تمسكي بيكي رغم كل ظروفنا من وقت موت أبويا.. لو أنا خاين وكداب كيف ما بتقولي يبقى أنتي أنانية يافريال.
سالت دموعها بغزارة فوق وجنتيها وبعد عبارته الأخيرة شعرت بسكين حاد اخترق صدرها ودون أي انتظار كانت تندفع للخارج تغادر وتتركه بمفرده كما هو على وضعه لا يتحرك.
***
كان في طريقه لقاعة المحاضرة حتى يأخذ أدواته الهندسية التي تركها هناك، لكنه توقف للحظات عندما سقطت عيناه على حور وهي تقف تتحدث مع ابن خالتها.. احتقن وجهه وأظلمت عيناه ثم استدار وأكمل طريقه بخطوات سريعة.
علق نظرها عليه عندما رأته وشردت وهي تفكر بحديثها مع شقيقتها ولم ينتشلها من شرودها سوى صوت ابن خالتها وهو يقول:
_ يابنتي أنا بكلمك!
ردت عليه ببلاهة وإيجاز:
_ طيب ماشي يامازن هتصل بيها حاضر متقلقش روح أنت وأنا كمان هروح أشوف صحبتي فين.
أومأ لها بالموافقة ثم ودعها ورحل، بينما هي فخرجت بسرعة تجلس فوق أحد المقاعد تنتظر عودته، لم يمر سوى دقائق قصيرة حتى رأته يسير باتجاه الباب الخارجي ينوي الرحيل.. فاستقامت واقفة وأسرعت في خطاها خلفه التي كانت شبه ركض حتى تلحق به وفور وصولها هتفت منادية عليه:
_ بلال.
تسمر بأرضه على أثر صوتها الناعم ثم استدار بجسده لها لتتقدم هي منه وتقول ببسمة مرتبكة:
_ ازيك؟
رد بنبرة جادة بعض الشيء:
_ كويس الحمدلله وأنتي؟
شعرت بالغلظة في نبرته مما أظهر العبوس فوق ملامحها أكثر، ومع ذلك حاولت أخفائه لتقول باضطراب ملحوظ:
_ أنا شوفتك صدفة وقولت أسلم عليك يعني عشان ليا فترة مش بشوفك.
تنهد بلال الصعداء بضيق وقال في حزم غير مقصود:
_ أنا باجي دايمًا ياحور بس مش فاضي الفترة دي بسلم مشروع التخرج وورايا مشاغل كتير غيره.
لوت فمها بإحراج وأجفلت نظرها أرضًا لتجيبه بخفوت معتذرة:
_ آه، آسفة معلش لو عطلتك عن حاجة.
ابتسم لها بلطف وقال قبل أن يهم بالرحيل:
_ ولا يهمك.. عن إذنك عاوزة حاجة؟
هزت رأسها بالنفي بمعالم وجه بائسة ومريرة، بينما هو فاستدار وابتعد عنها بخطواته، كانت ستهم وتصيح منادية عليه مرة أخرى لكن تراجعت وهمست لنفسها بحزن وحيرة تسأل نفسها السؤال التي كانت تود طرحه عليه:
_ هو أنا عملت حاجة ضايقتك مني طيب؟!
***
بتمام الساعة الواحدة ظهرًا داخل منزل إبراهيم الصاوي ...
كان الجميع انتهى من تناول طعامه وبعضهم جلس يتحدث بعد الانتهاء من الغذاء والبعض الآخر اتجه لغرفه، وكانت آسيا هي أول من تركتهم وصعدت لغرفتها بالأعلى، وعمران لحق بها بعدما أوضح أنه مرهق من العمل ويريد النوم قليلًا.
مدت يدها لمقبض باب غرفتها وفتحته وكانت على وشك الدخول لولا صوت منى الذي أوقفها وهي تهتف منادية على زوجها الذي كان على بعد خطوات قليلة منها:
_ عمران.
التفتت برأسها للخلف فرأت عمران توقف والتفت لابنة عمته التي تقدمت ووقفت أمامه تهتف بإحراج وحزن:
_ ممكن أتكلم معاك في حاجة.
التفت برأسه تجاه آسيا فوجدها تقف تتابعهم، لكن فور التفاته ناحيتها رمقته بعدم مبالاة ودخلت الغرفة ثم أغلقت الباب.. تجاهلت الأمر وكأنه لا يهمها لكنها كانت تشتعل.. بينما هو فهز رأسه بالموافقة لمنى التي همست في أسف:
_ أنا مكنش قصدي أعمل مشكلة بينك أنت وآسيا.. وحقيقي وقت خناقتنا أنا مكنتش حاسة بحاجة وافتكرتها هي اللي زقتني وبعدين لما فوقت وألم راسي خف شوية حتى إني افتكرت اللي حصل يعني مكنتش بكذب.
كانت آسيا تقف خلف باب غرفتها وتضع أذنها على الباب تستمع لحديثهم وهي تغلي كالقدر.. تلك الأفعى مازالت تكذب وتحاول استعطافه حتى يلين غضبه تجاهها، فهمست لنفسها بوعيد:
_ اصبري عليا يامنى بس أخلص اللي أنا عاوزاه وهخليهم يطرديكي برا ياحرباية.
كان رد عمران على اعتذارها الصمت بعدما فضل عدم الرد عليها خصوصًا وهو يعرف أنها تكذب، لكن الأخرى تابعت بعينان دامعة وصوت نادم:
_ متزعلش مني ياعمران حقك عليا والله مش عاوز أشوفك شايل في قلبك ولا مضايق مني خالص.
رد بصوت رجولي غليظ وهو يحاول إنهاء ذلك الحوار العقيم الذي بدأ يزعجه حقًا:
_ اللي حصل حصل يامنى خلاص وأنتي قولتي مكنش في نيتك حاجة صح؟!.. يبقى خلاص اقفلي على الحوار ده ومتفتحهوش تاني ويبقى أحسن لو فضلت بعيدة عن آسيا عشان أنا مش عاوز مشاكل ومليش دماغ للكلام ده.
هزت رأسها بالموافقة وهي تلوي فمها ببؤس محاولة إظهار البراءة رغم أنها تشتعل من غيرتها بسبب تحذيره لها من أن تبتعد عن زوجته.. ثم تابعته وهو يستدير ويتجه نحو غرفته فتندفع هي الأخرى بغضب نحو غرفتها.
كانت آسيا تجلس فوق مقعدها وممسكة بهاتفها تشاهد أحد فيديوهات برامج الأخبار التي ظهرت لها على تطبيق اليوتيوب.. لم ترفع نظرها له حتى حين دخل وكأنها لا تراه ولا تكترث بما حدث منذ قليل بالخارج، بينما هو فوقف ينظر لها بترقب في انتظار أن ترفع نظرها، لكنها لم تفعل.. فضيق عيناه وزفر بخنق ثم اقترب من خزانته وأخرج ملابسه وبدأ في تبديل الملابس أمامها.. هو يعلم أنها تنزعج من ذلك التصرف وتطلب منه تبديل ملابسه في الحمام بسبب خجلها والآن يفعلها عمدًا حتى يثير غضبها ويجعلها تتحدث، لكنها خيبت ظنه ولم تتفوه بحرف واحد وبقت كما هي على وضعها تدفن نظرها في الهاتف ولا تهتم لأمره كأنه نكرة.
كانت غايته أن يثير جنونها، ولكن الحقيقة أن هي من فعلت بتجاهلها المستمر له.. أسرع في ارتداء ملابسه ثم اندفع نحوها وجذب الهاتف من يدها بعنف، فرفعت هي نظرها له أخيرًا وهزت رأسها باستغراب تسأله:
_ في إيه؟!
هتف بغضب حقيقي وانزعاج:
_ مبحبش قعدة التليفونات كتير يعني أنتي ست متجوزة ووراكي التزامات مش هتسيبي اللي وراكي وتقعدي على التليفون.
دارت بنظرها في أرجاء الغرفة المنظمة وكأنها تريه أن التزاماتها في هذا المنزل تنحصر في غرفتهم فقط، ثم أجابته بكل هدوء تضمر خلفه اللؤم:
_ مفيش حاجة أعملها لو أنت محتاج حاجة قولي وأعملها.
ألقى بالهاتف فوق الفراش في غيظ وهتف بلهجة لا تقبل النقاش:
_ لما أكون موجود مش عاوز أشوف التليفون ده في إيدك.
ابتسمت بتكلف ووقفت تجيبه بانصياع غريب:
_ تمام!
ولته ظهرها وهمت بالخروج للشرفة لكنه أوقفها بسؤاله الغير متوقع:
_ مسألتش يعني منى كانت عاوزة تتكلم معايا في إيه؟!
ابتسمت بخبث بعد سؤاله وسرعان ما رسمت الجفاء والتفتت برأسها تجاهه تردف بعدم اكتراث:
_ عشان مش مهتمة أعرف.. وحاجة متخصنيش أنت وبنت عمتك بتتكلموا مع بعض وميصحش أتدخل جايز تكون حاجة منى مش عاوزاني أعرفها.
استقرت في عيناه نظرة مريبة فهمت من خلالها أنها خطتها تنجح تدريجيًا والآن هو يشتعل مثلها من الداخل بسبب تجاهلها وتصنعها أنها لا تشعر بالغيرة عليه.
ولته ظهرها من جديد ودخلت للشرفة تقف تتابع الشارع أسفلها وهي تبتسم بمكر وتهمس في صوت منخفض يحمل الوعيد:
_ ولسة يامعلم!
***
بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل....
كانت جليلة تجلس فوق مقعد خشبي مبطن منذ وقت طويل بالصالون وتنظر من النافذة تتابع الشارع بشرود حتى غلبها النوم وغفت مكانها.
بنفس اللحظة كان الجد حمزة بطريقه لغرفته بالأعلى بعد عودته من حفل زفاف ابنة أحد أقاربهم لكنه توقف بخطواته فور سماعه لصوت همهمات غريبة ومزعجة فالتفت حوله يبحث عن مصدر الصوت ليجد جليلة تجلس فوق المقعد نائمة وتهمهم بكلمات غير مفهومة وسط نومها.. اقترب منها وهزها بلطف هاتفًا:
_ جليلة فوقي.. جليلة.
انتفضت مكانها وفتحت عيناها مفزوعة لتحدق في والد زوجها بعينان مزعورة ودامعة، فيجذب هو مقعد ويجلس أمامها يسألها بقلق:
_ مالك يابتي؟
انهمرت دموعها فوق وجنتيها فور تذكرها لزوجها الذي كان ضمن حلمها الآن.. تذكرت نظراته المعاتبة والمنزعجة منها وهو يحتضن ابنته بين ذراعيه ويرفض اقتراب أي حد منها.
حاول حمزة تهدأتها بلطف حتى تتوقف عن البكاء لكنها همست بصوت ضعيف:
_ وحشتني بتي قوي يابوي.
تبدلت ملامحه للضيق وهو يقول بجفاء:
_ بتك غلطت يا جليلة ولولا ستر ربنا كان زمانها ميتة دلوقتي أو إحنا مفضوحين والحمدلله أنها اتجوزت والموضوع عدى من غير خسائر.
هزت رأسها بالرفض وهي تدافع عن ابنتها لأول مرة:
_ لا أنا حاسة أن بتي مظلومة وهي معملتش حاجة إحنا ظالمينها يابوي ورميناها لناس إبراهيم ومسألناش فيها.. أنا معرفش كيف صدقت فيها كده.. آسيا متعملهاش.
هتف حمزة بغضب وعدم استيعاب:
_ ظالمينها كيف يعني والصور اللي شوفناها بعيونا دي إيه!
رفعت كتفيها بجهل وردت بثقة:
_ معرفش بس أنا متأكدة أن في حاجة إحنا منعرفهاش.. وإلا مكنش ربنا هيبعتلي الإشارات دي كلها.. أنا بحلم دايمًا بآسيا وخليل وكنت بحلم بيه دلوقتي كان بيبصلي بعتاب وهو متعصب وواخد آسيا في حضنه وهي بتبكي.
يرتب خليل على كتفها بحنو متمتمًا في لهجة حازمة:
_ ده بسبب عقلك المشغول ببتك بس يا جليلة لكن الأحلام دي ملهاش معنى متوهميش نفسك.. آسيا لطخت شرفنا وفضحتنا حتى أنا مكنتش مصدق كيفك وكنت بقول دي تربيتي كيف تعمل كده بس الحقيقة باينة كيف الشمس قصادنا والصور خير دليل.
هزت رأسها رافضة تصديق ما يدعيه.. ووجهها غارق بالدموع، بينما هو فتوقف وغادر ليتركها مكانها منخرطة في نوبة بكائها وشعورها بالندم.....
***
داخل غرفة فريال كان جلال متسطح فوق الفراش يتمعن في السقف بشرود وبجواره ابنه الصغير نائم....لم يكن بوضع يسمح له بتحمل منيرة أو حتى رؤيتها وكان يريد البقاء بمفرده ينعزل حتى لو لمجرد ساعات معدودة بين جدران غرفته هو وحبيبته عله يشعر بتواجدها معه وتتخلل رائحتها المسكرة لأنفه، لكن صغيره لم يسمح له وشاركه الفراش مصممًا على النوم معه الليلة فوق فراش والدته ليوافق هو مغلوبًا وسط ضحكه عليه.
اختلى بأفكاره المؤلمة مجددًا وها هي تصيبه في مقتل من جديد، كلماتها ونظراتها الناقمة لا تخرج من عقله أبدًا.. ليتها تقرر التنازل لمرة واحدة وتحاول منح زواجهم وحبهم فرصة أخرى.. هو ليس لديه شك أن قلوبهم ستخرج من قاع البحر وستطفو فوق سطح المياه مرة أخرى وتعود الحياة لمجاريها إذا فعلت وتركته يصلح خطأه، حتى لو كانت هي أيضًا مخطئة لم يعد يهتم، فهو على استعداد أن يتنازل مجددًا ويمحو الماضي كله دون اكتراث بما فعلته به.. يكفيه أن تبقى معه ولا تتركه، هو لا يطيق فراقها هي وأولاده عنه لأسبوع واحد وأصبح بتلك الحالة المزرية بسبب هجرها له منذ أسابيع فقط.. فكيف ستكون حالته إذا نفذ رغبتها في الطلاق وانفصل عنها للأبد.
رفع أنامله ومسح تلك الدمعة المتعبة التي فرت من عينيه ثم أغمض عيناه ينوي النوم هذه المرة عله يجد مخرج من طريق أفكاره المسدود، دقائق طويلة نسبيًا وانفتح الباب لتدخل منيرة رأسها تنظر له فتجده نائم وبجواره ابنه في فراش فريال.. التهبت نظراتها وكورت قبضة يدها تضغط عليها بغيظ وغيرة ثم غادرت وتركته.
***
كان عمران يقف في الشرفة يتحدث هاتفيًا مع أحد الرجال بخصوص العمل، وبعد انتهائه تحرك للداخل ووضع الهاتف فوق المقعد وهو يرفع يده يمسح فوق مؤخرة رأسه بخنق زافرًا، لكن سرعان ما تبدلت ملامح الخنق لأخرى هائمة عندما رآها تقف أمام المرآة ترتدي ثوب أحمر طويل منقط باللون الأبيض وترفع يديها لشعرها تلويه لكي تلمه بالمشبك الكبير.
قادته قدماه دون أن يشعر تجاهها ووقف خلفها مباشرة ثم مسك يدها وانزلها فانفرد شعرها الغزير على طول ظهرها كله وسمعته يهمس بنبرة مميزة:
_ سبيه مفرود.
ارتجف جسدها من لمسة يده ونبرته حتى أنها تطلعت لانعكاسه في المرآة بتوتر ملحوظ لا تجد الكلمات لتجيب عليه وفقط خرجت همسة خافتة من بين شفتيها:
_ ليه؟!!
ابتسم وتمتم بصوت رجولي يذيب القلب:
_ شكله كده عاجبني.
طالت نظرتها المندهشة إليه.. لوهلة ظنت نفسها داخل حلم وليس بواقعها المرير.. لا يمكنها تصديق أن ما تراه أمامها الآن هو عمران، وبتلقائية أفصحت عن أفكارها حيث سألته ببلاهة:
_ عمران أنت تعبان؟!
قهقه برجولية وزم شفتيه لها بجهل، رغم أنها رغبت بالضحك لكن تصرفت بجفاء تكمل خطتها الممتعة.. هي تعلم جيدًا محاولاته الذكية في نيل رضاها لكنها أذكى ولن تسامحه بسهولة.
آسيا بقسوة وهي ترفع يديها وتلم شعرها من جديد:
_ وأنا مش عاجبني وبلاش تستغل كل فرصة وتقرب مني ياعمران عشان أنا مش هنسى اللي عملته وكمان مش عاوز أتكلم معاك واصل ياريت تنسى إني موجودة معاك واصل ولو مش عارف أنا ممكن أسيبك وأروح أقعد مع فريال هيكون أسهل وأحلى.
رأت ملامح وجهه المخيفة بدأت تحتل مكانها، وبتلك اللحظة علمت أن الصمت هو أفضل حل حتى لا تقع كوارث بينهم.. وفور انتهائها من ربط شعرها اتجهت نحو الفراش وقبل أن تنام راحت تجذب الوسائد وتضعهم على طول الفراش بالمنتصف بينهم، فنظر هو لها بحيرة وهتف بنفاذ صبر:
_ بتعملي إيه؟!
ردت ببرود:
_ كيف ما أنت شايف بعمل فاصل بما أن مفيش مكان غير السرير ده وأنا مش عاوزة أنام جارك فالمخدات دي هتكفي الغرض.
لم يجيبها فقط تابعها بنظراته الشرسة حتى انتهت وتمددت بجسدها على الفراش مغلقة عيناها تستسلم للنوم.. مسح على وجهه نزولًا للحيته وهو يتأفف بتذمر ثم تسطح هو الآخر بالجزئية التي خصصتها له وبجواره تمامًا تلتصق به الوسائد وهي على الجانب الآخر.
رفع يديه واستند بهم أسفل رأسه محدقًا في السقف بصمت، وبين كل لحظة والأخرى يلقي نظرة عليها، بعد مرور نصف ساعة تقريبًا من السكون التام من كلاهما تحرك ورفع جسده قليلًا يميل عليها ليتأكد إذا كانت نائمة أم مستيقظة، وفور تأكده من نومها العميق راح يمد يده لتلك الوسائد المزعجة ويزيلها ليليقها على الأرض بإهمال، خطوته التالية كانت اقترابه منها بكل تريث حتى أصبح خلف ظهرها تمامًا وانحنى عليها يلثم شعرها بدفء.
كان على وشك أن يبتعد وينام لكنها تململت أثناء نومها واستدارت على جهته ثم دخلت بين ذراعيه، اخفض نظره لها متأملًا إياه ثم وضع رأسه فوق الوسادة وادخل ذراعه أسفل رأسها فتنغمس هي بين أحضانه دافنة وجهها بين صدره كالطفل الصغير، والغريب أن رغم كل هذا مازالت داخل سباتها العميق، قبَّل رأسها للمرة الثانية ثم أغلق هو الآخر عيناه لكي ينام...
***
بصباح اليوم التالي.....
كانت فريال تقف بغرفتها أمام النافذة شاردة الذهن تتذكر مقابلتها مع منيرة بالأمس ثم شجارها مع زوجها.. تستعيد كل شيء مر منذ بداية الأمر كيف كانت نظرات تلك الخبيثة لها بكل مرة وكأنها تحتفل بانتصارها في معركة لم تخضها سوى بالخداع.. فلو وقفت أمامها في تلك المعركة حتمًا ستخسر.
منذ أمس وحوارها مع آسيا وما قالته لها لا يغادر عقلها بأي شكل كان.. تفكر في كل كلمة تفوهت بها وها هي أخيرًا تعطيها الحق في رأيها.
دخلت إخلاص الغرفة واقتربت من فريال تهتف لها بجدية:
_ يلا يافريال عشان الفطور يابتي.
لم تجد ردًا منها فاقتربت منها أكثر وهزتها برفق في كتفها هاتفة:
_ فريال أنا بكلمك.
انتبهت لها ونظرت لأمها بنظرة جديدة كلها قوة ووعيد، لتضيق إخلاص عيناها بحيرة وتسألها:
_ مالك ياحبيبتي؟
عادت فريال تلقي بنظرها من النافذة مجددًا قبل أن تهتف بكل ثبات واصرار:
_ أنا راجعة بيتي تاني ياما.
.............. نهاية الفصل ..........
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندى محمود توفيق
كان الرد قاسي وغاضب من إخلاص بعد عبارة ابنتها الأخيرة:
_راچعة كيف يعني؟
فريال بثبات انفعالي تام:
_كيف ما سمعتي ياما هرچع بيتي ولعيالي.
صاحت بها إخلاص منفعلة ورفض قاطع:
_معدش بيتك يافريال خلاص هتطلقي منه وبعدين هترچعي تعيشي مع ضرتك في بيت واحد ولا هتقعدي مع چوزك اللي اتچوز عليكي.
التفتت تجاه أمها وحدقتها بنظرة مطولة رغم مرارتها إلا أنها كانت مفعمة بالقوة.. لتجيبها بالأخير بروح ممزقة:
_أنا مش راچعة عشانه ياما لو هرچع يبقى عشان عيالي وعشان اخليه يندم على اللي عمله فيا.. مش قاعدة إهنه واسيب مرته الحية دي تقعد مع عيالي.
اقتربت إخلاص منها وحاوطتها بذراعيها من كتفيها تقول وهي تنظر في عيناها بقوة:
_عيالك .. أخوكي وأبوكي هيرجعهملك وهياخدوهم من چلال غصب عنه.
أبعدت يد أمها عنها وزفرت بخنق وهي تتأفف لتجيبها برجاء وقهر:
_ياما أبوس يدك سبيني اعمل اللي عاوزاه متقلقيش أنا مش هرچع لچلال أبدًا ورايحة البيت عشان اخد حقي منه هو والحرباية التانية مرته وبعدين هخليه يطلقني.. صدقيني أنا معدتش فريال القديمة خلاص والمرة دي راچعة اخد حقي من الكل وأولهم من چليلة.
هزت إخلاص رأسها بالرفض وقالت محاولة تغيير قرارها:
_يابتي أنتي مش قد چليلة ولا منيرة وأنا اخاف عليكي منهم اسمعي الكلام وخلصي نفسك من وچع القلب ده واطلقي منه.
رمقتها فريال متوسلة وبعينان دامعة كلها يأس وألم فتنهدت إخلاص بقلة حيلة وزمت شفتيها ثم هدرت بحدة بعدما أعلنت خضوعها أمام رغبة ابنتها:
_طب اعتبريني وافقت فكرك أبوكي وأخوكي هيوافقوا.
فريال مبتسمة بأمل:
_سبيلي عمران أنا هقدر اقنعه بس انتي ساعديني واقنعي أبويا.
تأففت إخلاص بنفاذ صبر وراحت تهز رأسها في انزعاج بينما تلقي بنظرات جانبية كلها ضيق على ابنتها العنيدة.. ليست راضية عن قرارها أبدًا ولكن هناك جانب منها يريدها أن تأخذ حقها وتثأر من حماتها وزوجها وهذا هو ما دفعها لمجارتها والاستسلام لرغبتها.
***
كان الهدوء والسكون التام يملأ الغرفة مع ضوء الشمس الضعيف المنعكس من خلف الستائر وهم مازالوا على نفس وضعية نومهم منذ أمس.. هو نائم وهي داخل قوقعته بين ذراعيه نائمة أيضًا، لم يوقظهم سوى طرق الباب القوي بعدة طرقات متتالية.. ففتح عمران عينيه دفعة واحدة والأخرى فتحتهم مفزوعة وكان أول ما يقع نظرها عليه هو، لتجد نفسها محتجزة داخل صدره الواسع وذراعيه القوية، فغرت عيناها بصدمة وبلحظة كانت تث جالسة منتفضة بعيدًا عنه وهي تهتف:
_إيه ده أنا كيف چيت في حضنك؟
لم يكترث لها وتجاهل سؤالها فكان طرق الباب المزعج هو شاغله الأكبر الآن.. رفع يده يمسح على وجهه متأففًا ثم اعتدل جالسًا ونهض من الفراش ليتجه نحو الباب ويفتح فيجد أمه أمامه، زفر بصوت عالي وقال بضيق ملحوظ:
_خير ياما.. في حد بيخبط إكده؟
قالت إخلاص بحزم وهي تحاول إلقاء نظرة للداخل فرأت آسيا تجلس فوق الفراش وترفع يدها تعود بخصلات شعرها خلف أذنها وآثار الخمول بادية فوق قسماتها كابنها تمامًا:
_أبوك وبشار بيرنوا عليك ياولدي عاوزينك في المخزن ضروري وأنت مبتردش أعمل إيه يعني.. انا چهزتلك الفطار عشان تفطر قبل ما تطلع وصحي ست الحسن مرتك دي هو في حريم بتقعد نايمة لدلوك.
كانت آسيا تسمع ما تقوله عنها ورغم غيظها إلا أنها فضلّت تجاهلها وعدم الانشغال بتلك المرأة الآن، وحين سقط نظرها على الوسائد الملقية على الأرض رفعت حاجبها بنظرة لا تبشر بالخير ثم نظرت لزوجها الذي انهى حديثه مع أمه وأغلق الباب واستدار يعود نحو الفراش لكي يلتقط هاتفه، رمقته بغيظ وراحت تقف على ركبتيها فوق الفراش وتنظر له بقوة تسأله:
_شيلت المخدات ليه؟
لم يجيبها وانشغل بهاتفه يبحث عن رقم والده ليجري اتصال به، فاقتربت منه أكثر وهي مازالت على نفس وضعها وهتفت مغتاظة من تجاهله لها:
_عمران أنا بكلمك!!
نظر لها بعين منذرة ولهجة رجولية صارمة:
_أنتي شيفاني مش فاضي.. مش هسيب اللي في يدي والشغل وارد اقولك كنتي في حضني كيف.. مش وقته يا آسيا.
طالت نظرتها المشتعلة له وظلت تتابعه حتى وجدته يرفع الهاتف ويضعه فوق أذنه يرد على والده ثم ابتعد بخطواته عنها يخرج للشرفة ليتحدث.. قالت ببسمة ماكرة:
_مش فاضي ولا بتتهرب.. ماشي ياعمران.
نهضت من الفراش واتجهت للحمام لتأخذ حمامًا صباحي ينعش جسدها بعدما أخرجت ملابس نظيفة لها من الخزانة.
بعد مرور وقت طويل نسبيًا خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها فوجدته يشرع في ارتداء ملابسه، لم تلتفت له وكأنها لا تعيره اهتمام ثم اقتربت من المرآة ووقفت أمامها تبدأ في تسريح شعرها ورغمًا عنها بين كل لحظة والآخرى كانت تنظر لانعكاسه في المرآة خلفها بنظرات مغتاظة ومنزعجة منه، رأى ما تفعله وفهم الإشارات المنزعجة التي ترسلها بنظراتها كلما تختلس النظر له.. ودون أن يشعر ابتسم عليها رغم غضبه بسبب مشاكل العمل التي سيذهب ليحلها الآن مع أبيه وابن عمه لكنها نجحت بأبسط الطرق في امتصاص القليل من طاقته السلبية وجعلته يبادلها النظرات في انعكاس المرآة لكن بأخرى خبيثة، انتهي من ارتداء جلبابه ووضع عباءته البنية فوق ذراعيه ليتقدم منها بخطوات متريثة وأعين ثاقبة بعدما وجدها تحاول ارتداء قلادة في رقبتها وتفشل في غلقها.
وقف خلف ظهرها مباشرة وانزل يدها بلطف ليتلقط هو القلادة منها ويساعدها في ارتداءها وسط همسه الماكر وهو يلقي بحجر النرد الخاص به:
_أنتي اللي دخلتي في حضني امبارح أنا مقربتش منك.
تطلعت له في المرآة بعينان متسعة ولم تمتلك الجرأة لتكذب ما يدعيه فهي تعرف نفسها ولا تستبعد أنها تفعلها حقًا، لكن ما أثار غيظها هو تعمده بكل مرة أن يذكرها أنها هي العالقة بمداره ولا تستطيع التحكم بزمام قلبها أمامه.
حين حصل على ردها بالصمت والاضطراب زادت ابتسامته اتساعًا وراح يلف ذراعه حولها من الأمام ويرفع يده لقلادتها التي كانت منحوتة بشكل غزال يمسكها بين أنامله وينقل نظره بين القلادة وبين عيناها الواسعة التي تشبه عيني الغزال تمامًا، ثم همس بنبرة جعلت القشعريرة تسري بجسدها كله والحمرة تصعد لوجنتيها:
_حلوة السلسلة دي.. تشبه عيونك.
سحب يده ببطء تاركًا قلادتها وعيناه مازالت تنظر بنفس الطريقة المربكة، وكانت العبارة السابقة آخر ما تفوه بها قبل أن يستدير وينصرف ليتركها متصلبة بأرضها كالصنم، كل شيء تداخل مع بعضه بلحظة واحدة ولم تعد تعرف عن ماذا تتساءل هل عن حقيقة نومها بين ذراعيه بكامل إرادتها بالأمس أم عن تصرفه الغريب ونظراته أم عن عبارته الأخيرة التي لا تفهمها!.. كل هذا كان بنفس اللحظة التي هي كانت تحاول فيها لملمة بعثرة نفسها والتحكم بأعصابها وخجلها، وبالأخير أمسكت بالقلادة ترفعها تنظر لها في المرآة تستعيد اعترافه أنها تشبه عينيه وبعد تركيز دام للحظات في شكل الغزال فهمت مقصده، دققت النظر بعيناها بتشتت محاولة إيجاد الشبه كما يقول وبالنهاية صعدت البسمة الرقيقة والخجلة فوق ثغرها...
***
انتهت آسيا من ارتداء ملابسها وخرجت من غرفتها لتنزل الدرج تقصد الطابق الأرضي، فور وصولها رأت زوجها وهو يتناول فطوره.. تقدمت نحوهم وجلست على مقعد قريب منه وظلت تتابع حديثه مع أمه بصمت لكن قطع ذلك الحديث وصول منى التي اقتربت وجلست من إخلاص ثم راحت تلقي تحية الصباح على عمران ليرد هو عليه بنبرة طبيعية، بدأت تتبادل معهم أطراف الحديث بكل تبجح وكأنها لم تكذب عليهم منذ يومين متدعية أن آسيا هي من دفعتها، رغم أن عمران كان لا يطيق وجودها ولا التحدث معها لكنه سايرها بالحديث فقط ليرى ردة فعل آسيا التي كانت تمثل عدم الاكتراث باحترافية وتستمر بتجاهل ما يحدث وكأنها لا تسمع شيء ولا يعنيها من الأساس.
ربما لا تحسب عدد المرات التي أثارت فيها غضبه بتجاهله له ولكن الآن يمكنها أن تضيف رقم جديد بعد أن رأت تبدل ملامح وجهه للانزعاج.. فانهى طعامه وهب وافقًا يتجه للحمام ليغسل يديه بينما منى فتوقفت وقالت لإخلاص:
_أنا هطلع يامرت خالي هطمن على صحبتي اللي في المستشفى وراجعة علطول.
هزت إخلاص رأسها بالموافقة بينما الأخرى فاندفعت نحو باب المنزل وغادرت.. كانت آسيا تتابع الود بين حماتها ومنى بنظرات مظلمة لكن وصول عفاف قلب الحرب الباردة لأخرى مشتعلة، حيث اقتربت منهم وجلست على مقعد متوسط بينهم وراحت توجه حديثها لآسيا بنظرات لئيمة تضمر الحقد:
_كيفك يا آسيا.
لم تجيبها آسيا واكتفت بنظراتها المشمئزة إليها بينما الأخرى فلم تبالي وأكملت محاولة إشعال نيران غضبها:
_معقول كنتي قاعدة مع منى في نفس المكان بعد اللي عملته معاكي.. رغم إني الصراحة مستبعدش إنك تعملي فيها إكده صُح؟
طالت نظرة آسيا الشيطانية لها قبل أن تميل بجسدها قليلًا للأمام في جلستها وتنظر في عيناها بطريقة مرعبة وسط همسها الغريب:
_ليه شيفاني قتالة قُتلة ولا شيطان بيحرض على القتل.
كانت تلقي بتلميحات خطيرة جعلت من عفاف رغم اضطرابها تشتعل بالغضب لكنها حاولت تمالك أنفعالاتها وعدم إظهار شيء أمام إخلاص التي كانت تتابع حديثهم بشك.
هتفت عفاف مبتسمة بخبث:
_أنا لو منك مسبهاش تقعد إهنه ولا تقرب من چوزي احسن تخطفه مني.
على عكس المتوقع ابتسمت آسيا بسخرية وراحت تنظر لإخلاص التي بدأت تتحول نظراتها للغل لعفاف، فعادت بوجهها نحو عفاف وسألتها بتصنع الجهل وعدم الفهم:
_تخطفه كيف يعني.. ممكن تعمل إيه؟
ضحكت عفاف وردت بخبث وهي تهز كتفيها بجهل:
_معرفش كيف.. أنا قولت اوعيكي بس عشان شكلك مش حاسة بحاچة.
عادت آسيا تلقي نظرة على حماتها المشتعلة وتعود بنظرها لعفاف لتنظر لها مبتسمة وتقول بمكر:
_لا كيف متعرفيش.. لما أنتي متعرفيش أمال مين يعرف.. هو انتي مش خطفتي ابراهيم من مرته وعياله برضوا تبقي أكيد عارفة الطرق دي!
تجمدت الدماء في وجه عفاف وأظلمت عيناها ووجهها كله تحول للون الأحمر من فرط الغيظ بالأخص عندما انتقلت بنظرها لإخلاص ورأتها تبتسم بتشف، لم تستطع التحكم بزمام أعصابها ووثبت واقفة تندفع نحو آسيا تنوي صفعها على وجنتها.
بتلك اللحظة كان عمران بطريقه لخارج المنزل ليذهب للعمل لكن أوقفه منظر زوجة والده وهي تهم برفع يدها لتصفع زوجته، احتدمت نظرته وبلحظة كان يهتف بصوته الرجولي قبل أن تهوي يدها فوق وجنة آسيا:
_بتعملي إيه!
توقفت يد عفاف بالهواء والتفتت برأسها للخلف وفور رؤيتها لعمران أنزلت يدها ببطء مجبرة وسط نظراتها النارية لآسيا، ثم هتفت بعصبية:
_مرتك لسانها طويل ياعمران ومعدتش عارفة تلمه وبتغلط في الكل من غير حسبان.
اقترب منهم بخطواته القوية ليوجه حديثه الحازم لزوجة والده باستياء:
_لما تغلط أنا موچود واعرفها غلطها..
مش ترفعي يدك عليها.
توقفت آسيا وتحركت نحو زوجها تقف بجواره شبه ملتصقة به تحتمي به حتى لو كانت لا تحتاج للحماية، لكن وجوده يمدها بالقوة. وكانت تنظر لعفاف وثغرها يميل ببسمة شيطانية كلها تشفي ونصر.
بينما هو فتابع بلهجة تحذيرية:
_اللي هيفكر يرفع يده عليها في وجودي أو غيابي ميلومش غير روحه.
بعدين، بالعادة لم تكن لتسكت أبدًا على طريقة ابن زوجها في الحديث معها وبلهجة تحذير، لكن نظرات آسيا المتشفية وهي تتحداها أن تجيب أو تحاول الاقتراب منها مجددًا. حتى إخلاص، رغم كرهها لزوجة ابنها، إلا أنها كانت مستمتعة بما يحدث وتنظر لها بنفس النظرة المستقرة في عين آسيا، مما جعلها تفقد جرأتها في التحدث والدفاع عن نفسها والتزمت الصمت.
تطلع عمران لآسيا بنظرة منذرة تخبرها بوضوح أنه سيتصرف معها لاحقًا، ليس الآن. واكتفى فقط بصوته الرجولي الغليظ والمرعب وهو يأمرها:
_اطلعي فوق يلا ومتنزليش من أوضتك لغاية ما أرجع.
لم تكترث بأسلوبه القاسي ولا غضبه، فيكفيها ما فعله منذ قليل. ومهما فعل، لن يستطيع أن يزيل شعور السعادة والنصر الذي يستطونها الآن. ودون أن تجادله أو حتى تظهر أي تعبير رفض، تحركت تجاه الدرج تصعد متجهة لغرفتها. بينما هو فاستدار وغادر ليترك إخلاص تنظر لعفاف بكره وتقول مبتسمة باشمئزاز:
_أول مرة آسيا تقول حاجة صح وهي إنك خطافة رجالة، بس ولدي عرف يوقفك عند حدك.
ثم استدارت ورحلت لتتركها وحيدة وهي تغلي كالقدر من فرط غيظها وسخطها.
***
بتمام الساعة السابعة مساءً، كان كل من إبراهيم وإخلاص وأولاده بغرفة الصالون يتحدثون حول رغبة فريال في العودة لزوجها.
خرجت صيحة منفعلة من إبراهيم في رفض قاطع:
_مش هيحصل يا فريال، لساتك عاوزة ترجعي له بعد ما اتجوز عليكي.
حاولت فريال إقناع والدها برجاء:
_يبوي أنا مش راجعة عشانه والله ولساتني مصممة على الطلاق كمان، أنا راجعة بس عشان عيالي، هقعد هناك معاهم لغاية ما تخلص إجراءات الطلاق وبعدين هجيبهم وأرجع هنا.
إبراهيم بغضب وإصرار:
_يبقى تقعدي هنا في بيت أبوكي لغاية ما يطلقك وبعدين عيالك يجولك.
تدخلت إخلاص تحاول إقناع زوجها أيضًا:
_خليها تعمل اللي عاوزاه يا إبراهيم، متغصبهاش، هي مش صغيرة وعارفة هي بتعمل إيه زين، وقالتلك أنها راجعة عشان عيالها وهتطلق منه.
نظرت فريال لشقيقها فرأته صامت يتابعهم دون التدخل، فراحت تسأله بنظرات راجية:
_ساكت ليه يا عمران؟ اتكلم، ولا أنت كمان مش موافق كيف أبويا.
هتف بصوته الخشن في انزعاج ملحوظ وسخرية:
_واتكلم ليه؟ ما أنتي خلاص خدتي قرارك ومش مستنية موافقتنا ولا حاجة، بعد اللي عمله فيكي وعاوزة ترجعيله.
هبت فريال واقفة وأسرعت في خطاها لتجلس بجوار أخيها على الأريكة وتهتف بتوسل مبتسمة في دفء:
_أنت مش كنت بتقولي أنك هتقف في ضهري في أي قرار أخده؟ واديني دلوقت بقولك اثق فيا ومتقلقش، أنا معدتش فريال القديمة يا عمران، أنا راجعة عشان أخد حقي قبل ما أطلق.
نظر لها بغضب وقال بلهجة مخيفة:
_وقلتلك أن أنا أول واحد هيقف قصادك لو فكرتي ترجعيله بعد اللي عمله يا فريال كمان، ودلوقت بقولك مش هترجعيله.
صاحت إخلاص بعصبية وهي تلقي بأوامرها على ابنها وحتى زوجها:
_وأنا عاوزة بتي ترجع عشان تاخد حقها منه هو وأمه، هي مش عيلة صغيرة وهتقعد في بيتها لغاية ما جلال يطلقها، إيه اللي يقعدها هنا وتسيب عيالها لوحدهم هناك مع مرة أبوهم عشان تبخ السم في ودانهم ولا الله أعلم تقولهم إيه، ما يمكن تحاول تكرههم في أمهم والعيال عاوزين يقعدوا مع أبوهم ومش عاوزين يجوا هنا.
دام صمت مريب بينهم جميعهم حتى قطعته إخلاص وهي تلقي بأمرها على ابنتها:
_اطلعي يا فريال لمي هدومك عشان ترجعي الصبح بيتك.
نقلت آسيا نظرها بين والدها وأخيها تنتظر أن ترى إشارة الإذن منهم بالموافقة، لكنهم لم يجيبوا وكان صمتهم دليل على موافقتهم حتى لو كانت رغم أنفهم. فابتسمت بفرحة واستقامت، وافقا ثم غادرت. بينما إخلاص فتحدثت إلى ابنها وزوجها بقوة:
_أنا مش هسيب بتي كده حابسة روحها في الأوضة ولا بتأكل ولا بتشرب من كتر قهرتها وحزنها وهي مش قادرة تعمل حاجة، سبق وجربت الإحساس ده كمان، عشان كده لازم ترجع وتاخد حقها وتبقى جنب عيالها.
أنهت عبارتها وألقت نظرة مقهورة على زوجها قبل أن تغادر، وكان عمران يلحق بها بعد ثوانٍ ليترك والده يفكر فيما قالته وألقت على مسامعه زوجته للتو مشبهة ابنتها بها وأنها تعيش نفس قدرها، لكنها لن تسمح لها بأن تبقى عاجزة ومستسلمة كما فعلت هي.
***
كانت تجلس فوق فراشها وتمسك بهاتفها تشاهد أحد فيديوهات برامجها المفضلة. وفور سماعها لصوت الباب، أغلقت الهاتف واعتدلت في جلستها تنظر نحو الباب تنتظر دخوله. بمجرد رؤيتها له، ابتسمت بحب رغم معرفتها أنه قد يعاقبها ويحاسبها على حادث الصباح، لكنها لم تكترث وأخذت تتمعنه بنظرها وهو ينزع عنه عباءته وكذلك حذائه. وبعد وقت طويل نسبيًا، رفع عينيه لها أخيرًا ورآها وهي تنظر له بهيام. فكالت نظرته الثاقبة قبل أن يقترب ويجلس بجوارها وهو يبدأ بنزع ساعة يده عنه، هاتفه:
_سامعك يا آسيا.
رمقته بعدم فهم، فأكمل بتوضيح وحدة:
_إيه اللي حصل الصبح وقولتي إيه لمرت أبوي؟
ابتسمت وقالت وهي تتصنع البراءة كعادتها كل مرة تتسبب فيها بحادثة مختلفة:
_مقولتش، هي اللي جات ترمي الكلام عليا وتحاول تعصبني بكلامها.
_قالتلك إيه يعني؟
ردت عليه بخنق واضح:
_فضلت تقول أن أنا اللي عملت كده في منى وقال مسيبهاش في البيت عشان ممكن تاخدك مني، وأنا رديت عليها، فهي اتعصبت من ردي، يعني هي كانت قاصدة تضايقني عشان تخليني أتخانق معاها.
لوى فمه ورد يسألها للمرة الثانية بجدية أشد ونظرة ثابتة:
_قولتيلها إيه؟
رمقته مطولًا بتردد تخشى أن تجيبه بردها فينفعل عليها، بينما هو فكان بنظراته القوية ينتظر منها ردًا على سؤاله. حين شعرت أنها انحصرت بين الاعتراف وبين خوفها منه، استاءت وقالت بضيق:
_خلاص عاد يا عمران، هيفيد بإيه؟ قولت اللي قولته، هي اللي غلطانة وكانت بتغلط فيا ويتقلل مني وأنا رديت عليها.
رفع حاجبه بعدما أدرك ما يدور بذهنها وخوفها منه لذلك تتهرب من الرد عليه. كانت نظراته لها مخيفة أكثر حتى لو كان يلتزم الصمت، مما جعلها ترتبك وتهب واقفة تهم بالفرار قبل أن تقع بين براثينه، لكنه لم يسمح لها حيث توقف وقبض على ذراعها يجذبها نحوه بعد أن ابتعدت بخطوتين عنه.
شهقت بفزع بعدما وجدت نفسها تسقط بين يديه ملتصقة بصدره وهو ينظر لها بغيظ هاتفا:
_واللي أنتي بتعمليه ده هيفضل لغاية ميتى؟
تطلعت بعينيه في توتر وسألت بخفوت:
_بعمل إيه؟
قال بكل وضوح دون تردد وبنظرات ملتهبة:
_طريقتك اللي مش عجباني وتجاهلك ليا.
رغم عنها فشلت في حجب ابتسامتها التي شقت طريقها لثغرها، ووجدت نفسها تتملص من قبضته وتعقد ذراعيها أسفل صدرها تسأله بخبث وتلذذ بعد اعترافه بأنها نجحت في مبتغاها:
_وأنت اللي مضايقك أني اتغيرت معاك ولا أنك بقيت تحس أني معدتش بغير عليكي من منى ومش فارق معايا؟
رفع حاجبه ومال ثغره للجانب ببسمة يجيبها بنصر بعدما اعترفت بنفسها دون أن تشعر:
_معدتيش! معني كلامك إنك كنتي بتغيري صح؟
تلعثمت للحظة، لكن بسرعة تداركت نفسها وردت عليه بالرفض:
_طبعًا لا، أنت اللي كنت بتوهم روحك بالكلام ده.
اتسعت ابتسامتها وسألها باستمتاع وكأنه لم يسمع ردها السابق من الأساس:
_بتغيري عليا ليه يا آسيا؟
حدقت بعينيه السوداء في توتر وخجل، لكن سرعان ما شعرت بالغيظ منه وردت عليه بنفس أسلوبه تقرر هي أيضًا أن تضربه بالحقيقة:
_وأنت امبارح استنيتني أنام وشيلت المخدات ليه؟
لم تعرف كيف ومتى اخترق أذنها صوت ضحكته الرجولية المثيرة، فابتسمت بعفوية عليه وهي تتأمله، حتى وجدته يغمز لها بنظرة أذابتها:
_بحب فيكي ذكائك ومكرك ده، بس أنتي إيه اللي مخليكي متأكدة أن أنا اللي شيلتها، مش يمكن أنتي اللي شيلتيها وبعدين نمتي في حضني.
كالعادة كانت النتيجة واحد صفر بعدما صمتت بسبب خجلها ولم تتجرأ من الرد عليه، بينما هو فضحك وتركها متوجهًا للحمام لكي يأخذ حمامًا سريعًا يزيل عن جسده إرهاق اليوم بأكمله.
***
صباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.
كانت منيرة تجلس مع جليلة يتحدثون بأمور مختلفة عن المنزل والجيران، حتى قطع حديثهم صوت رنين الباب، فنهضت منيرة لتفتح الباب. وبنفس الوقت كان جلال ينزل الدرج ينوي الرحيل للعمل، لكن تسمر بأرضه عندما فتحت منيرة الباب وظهرت فريال من خلفه وهي تحمل بيدها حقيبة ملابسها.
توقفت جليلة وهي تحدق بفريال في صدمة لا تقل عن تلك التي كانت فوق وجه منيرة، بينما فريال فابتسمت بثقة ودخلت وهي تهتف برقتها المعهودة:
_كيفك يا حماتي؟
سمعت منيرة وهي تسألها بذهول وسخط:
_إيه الشنطة دي؟
التفتت لها فريال وهتفت مبتسمة بخبث وبتشفي:
_سلامة نظرك يا منيرة، مش شايفة أنها شنطة هدوم، يعني أنا رجعت بيتي خلاص.
التهبت نظرات منيرة بالغضب وظهر الخنق على ملامح حليلة، باستثناء جلال التي لمعت عيناه بسعادة وصعدت البسمة العاشقة لثغره وهو يحدق بزوجته وحبيبته.
خرج صوت جليلة المستاء تتحدث بقسوة وأسلوب فظ:
_إيه اللي رجعك وجاية ليه فـ...
أخرستها صيحة ابنها المرعبة:
_أما مش عاوز أسمع ولا كلمة.
التزمت الصمت رغم أنفها، بينما هو فنزلت بقية درجات السلم وتقدم من فريال حتى وقف أمامها ولف ذراعه حولها منحنيًا عليها يلثم رأسها بحب هامسا في صوت يظهر به فرحته الغامرة:
_نورتي بيتك يا حبيبة قلبي.
لم تبعده عنها وبقت بين ذراعيه فقط لتثير الجنون في نفس حماتها وزوجته التي بالفعل كانت كالبركان من فرط غيظها، بينما هو فتابع يهمس لها بحنو:
_اطلعي على أوضتك فوق وريحي.
لم تجبه وفقط نفذت ما قاله، وكانت ستهم بالانحناء لتلقط حقيبتها، لكنه أوقفها هاتفا:
_اطلعي، ملكيش صالح بيها، أنا هجيبها وراكي.
نقلت نظرها بين منيرة وجليلة وهي تبتسم بمكر، ثم تحركت نحو الدرج تقصد الطابق الثاني حيث غرفتها.
بعد صعود فريال، نظر جلال لأمه وقال بغضب منذرًا:
_أما ياريت تتعاملي مع فريال زين من هنا ورايح، المرة دي لو عملتي لها حاجة هتلاقيني أنا قصادك.
ثم التفت برأسه تجاه زوجته وقال بنظرة مخيفة:
_الكلام ده ليكي أنتِ كمان، مش عاوز مشاكل مفهوم.
هزت رأسها له بالموافقة على مضض وهي تشتعل من سخطها وغيظها، ثم وجدته ينحني على الأرض يلتقط حقيبتها ويعود متجهًا نحو الدرج يقصد غرفته هو وفريال.
***
وقفت بمنتصف الغرفة تتجول بنظرها على كل ركن بها.
كانت مرتبة ونظيفة، مما أكد لها أنه لم يدخلها أحد منذ ذهابها. ظلت مكانها تستعيد ذكرياتهم معًا بين جدران تلك الغرفة، وعيناها اغرورقت بالدموع رغم أنفها. لكن سرعان ما انتفضت بفزع فور سماعها صوت الباب، وراحت ترفع أناملها تجفف دموعها بسرعة قبل أن يراها.
دخل وأغلق الباب، ثم وضع الحقيبة على الأرض فور دخوله. اقترب بخطواته منها حتى توقف على بعد خطوة واحدة منها. فاستدارت هي بجسدها كاملًا إليه وتطلعت في عينيه اللامعة وبسمته السعيدة، لتقابله بجمود ملامحها. لكنه همس بتنهيدة حارة:
_ أخيرًا رجعتي يافريال.
عقدت ذراعيها أسفل صدرها، ونظرته بجفاء تجيب:
_ رجعت عشان عيالي ياچلال، مش عشانك.
تلاشت ابتسامته واختفت تمامًا، ليزفر بعبوس ويردف بإيماءة رأس:
_ عارف.. بس كفاية إنك رجعتي بيتك وهتبقي جاري.
أكملت بقسوة أشد:
_ أنا مش هكون جارك ياچلال.. ورجوعي ده مؤقت لغاية ما نتطلق بس.
رفع كفه يمسح على وجهه متأففًا بنفاد صبر، ويقول بانزعاج بسيط:
_ برضه لساتك حاطة الطلاق ده في دماغك!!
هزت رأسها بالإيجاب، وقالت بشراسة في إصرار:
_ ومش هرتاح غير لما يحصل، عشان يكون في معلومك.
استغفر ربه بصوت مسموع، ثم رد عليها بهدوء مزيف، محاولًا تمالك انفعالاته أمامها:
_ طيب يافريال، مش وقته الحديث ده دلوك.. غيري هدومك وريحي، ولو عاوزة حاجة اتصلي بيا.
لم تجبه، واكتفت بإشاحة وجهها للجهة الأخرى بعيدًا عنه، ليتنهد هو بحزن ويستدير ليغادر ويتركها. وفور رحيله، بدأت هي في تبديل ملابسها، حيث أخرجت من حقيبتها عباءة منزلية مطرزة، ثم شرعت في نزع ملابسها عنها. لفت ذراعها خلف ظهرها محاولة الوصول لسحاب ملابسها حتى تنزعها، لكن محاولاتها كلها باءت بالفشل.
انفتح الباب مرة أخرى، ودخل چلال الذي عاد ليأخذ هاتفه. وقبل أن يلتقط هاتفه، لمحها وهي تعافر مع سحاب ثوبها. فتقدم من خلفها ووقف شبه ملتصق بها، ثم مد يده هو بدلًا عنها وفتح السحاب. فأحاطت بذراعيها الثوب حتى لا يسقط من فوق جسدها، بينما هو فانحنى عليها من الخلف، طابعًا قبلة ناعمة فوق كتفها. ابتعدت عنه بسرعة والتفتت له تصيح به بغضب:
_ متقربش مني ولا تلمسني ياچلال.
زم شفتيه ورد بقلة حيلة:
_ أنا معملتلكيش حاجة ياحبيبتي، مالك؟
تقدمت واقتربت منه أكثر تهتف بعصبية:
_ مش معنى إني رجعت تبقى كل حاجة هترجع كيف ما كانت.. لا أنت چلال جوزي اللي أعرفه، ولا أنا فريال حبيبتك القديمة. أنا دلوك واحدة تاني.. اوعاك تفكر تلمسني ولا تستغل الفرصة، لأني مش هسمحلك.
حدقها بمرارة وتمتم في عين مغرمة:
_ أنا متغيرتش، لساتني كيف ما أنا يافريال.. لساتني جوزك وحبيبك.
ضحكت بسخرية، وردت عليه في وجع يظهر في نبرة صوتها:
_ جوزي اللي أعرفه عمره ما كان هيتچوز عليا ويكسرني مهما حصل بينا، لكن أنت عملتها.
چلال بأسى وندم يلمع في نظراته ويخرج في نبرة صوته المتألمة:
_ مفيش حد مبيغلطش، وأنا عارف إني جرحتك وغلطت.. إحنا الاتنين غلطنا، لكن لا أنا اتغيرت ولا أنتي، وأنا متأكد إنك لسه بتحبيني.
لمعت عيناها بوميض مقهور، وقالت في قسوة وبغض:
_ كان زمان ياچلال، دلوك أنا بكرهك ومش بطيق أشوفك حتى.
طعنته بخنجر مسموم في أعمق نقطة من يساره، فقتلت روحه وجعلته ينزف الدماء. تنفس الصعداء بقوة، وأطلق زفيرًا متهملًا في ألم، قبل أن يجيبها بنبرة مكبوتة وعينان تشتعل بالعشق:
_ وأنا بحبك، وهتفضل روحي متعلقة بيكي، وقلبي ملكك لآخر نفس فيا.
ثم استدار وابتعد بخطواته عنها ليجذب هاتفه. وقبل أن ينصرف، توقف والتفت لها برأسه يهتف في صوت رجولي حازم:
_ اعملي حسابك، مفيش طلاق.. أنا مش هتخلى عنك كيف ما أنتي عملتي وهملتيني.
أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة، يتركها متصنمة بأرضها تتمعن في أثره بصمت، حتى وجدت عيناها تذرف الدموع تلقائيًا، ثم انفجرت في البكاء بصوت مرتفع.
بتمام الساعة التاسعة مساءً...
خرجت فريال من غرفتها، وكانت تقود خطواتها للطابق الأرض حيث المطبخ، لكن أثناء طريقها اصطدمت بمنيرة التي توقفت تسد طريقها وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها. نظرت لها فريال مبتسمة بسخرية، ثم هتفت بكل برود غريب:
_ بعدي يامنيرة، أنتي واقفة في طريقي لو مش واخدة بالك.
ردت منيرة بغيظ وغضب:
_ أنتي إيه اللي رجعك؟
دامت نظرة فريال لها لخمس ثوانٍ بالضبط وهي تبتسم، قبل أن تقول بأسلوب شرس جديد عليها:
_ ده بيتي وبيت جوزي، وأرجع ليه وامشي منه وقت ما أحب، مش أنتي اللي هتقوليلي آجي ميتا وامشي ميتا.
صاحت بها منيرة في غل:
_ وجوزك أنتي هملتيه وهو اتچوز عليكي.. لو واحدة عندها دم وكرامة مترجعش واصل تاني.
أظلمت عينا فريال وتحول وجهها للون الأحمر من الغضب، وشعرت بأطرافها كلها تنتفض من فرط الغيظ بعد ما قالته تلك الأفعى المتجسدة في هيئة إنسان. فصاحت بها وهي تدفعها من أمامها:
_ بعدي من قصاد خلقتي بدل ما أرتكب فيكي جريمة.
ابتسمت منيرة بنصر وخبث بعدما نجحت في إشعال نيرانها، فراحت تكمل مبتسمة بثقة:
_ لو راجعة وفاكرة إنك هترجعي جلال ليكي، فمتتعبيش روحك.. أنتي خسرتيه، وهو عمره ما هيرجعلك، وقريب هيطلقك وهفضل أنا جاره ومرته.
كانت فريال كالبركان الذي على وشك الانفجار، وراحت تهتف بمنيرة في وعيد وغيرة حارقة:
_ اطمني، هتطلعي من البيت ده قبلي.. ده بيتي وبيت عيالي، وأنتي ملكيش مكان فيه ولا حتى في قلب چلال.
كانت الأخرى تبتسم بلؤم غير مبالية بما تقوله، سعيدة بانتصارها عليها وتحقيق رغبتها في جعلها تتألم. وللأسف، كانت فريال هكذا بالفعل، حيث بمجرد ما ولتها ظهرها ونزلت على الدرج، فرت دمعة مقهورة من عينيها.
داخل منزل إبراهيم الصاوي، تحديدًا بغرفة عمران...
كان جالسًا فوق الفراش شارد الذهن، يفكر بحلول لمشاكل العمل التي لا تنتهي، ولا يرى أو يشعر بأي شيء حوله. حتى أنه لم ينتبه لاختفاء آسيا لفترة طويلة داخل الحمام.
صك سمعه فجأة صوت صرخة عالية انبعثت من الحمام، فوثب منتفضًا بهلع على أثرها، وأسرع نحو الحمام، لكنه توقف عندما وجد الباب ينفتح وتخرج هي مذعورة قبل أن يصل حتى لها. وكانت ترتدي ثوبًا قصيرًا حريريًا قصيرًا وبحمالات رفيعة. رآها تنتفض وهي تمسح بيديها عن جسدها كله. فاقترب منها وهتف باستغراب:
_ مالك؟
لم تكن تنتبه لحالتها أو كيف خرجت أمامه شبه عارية، فالرعب والذعر المستحوذ عليها سلب عقلها. كانت ترتجف وهي تمسح على ذراعيها وجسدها بخوف، حتى أن عيناها بدأت تذرف الدموع. غضن حاجبيه بقلق حقيقي هذه المرة، واقترب منها أكثر يلف ذراعه حولها ويضمها لصدره ليهدأ من ارتجاف جسدها:
_ في إيه يا آسيا؟
همست بصوت مذعور ومبحوح:
_ برص.. كان في برص في الحمام ووقع عليا.
ضيق عيناه وسألها بعدم استيعاب:
_ برص إيه وكيف دخل ده؟
آسيا بصوت باكي وهي ترفع يدها من جديد تمسح على جسدها باشمئزاز:
_ معرفش.. أنا مش قادرة أقف ولا ألم على أعصابي.
ضحك رغمًا عنه، وراح يمسح بيده فوق ذراعها في لطف هاتفًا:
_ طب اهدي، مش مستاهل كل ده.. أنتي بتبكي؟
رفعت عيناها الدامعة له وصاحت بغضب وقرف:
_ لا مستاهل.. أنا بخاف منهم قوي وبقرف منهم.
كبح ابتسامته بصعوبة، وراح يخفض نظره لجسدها، ينظر لثوبها الأسود المثير وشعرها الذي من نفس اللون وهو ينسدل فوق كتفيها وظهرها كله. بينما هي فرفعت أناملها تجفف دموعها وهي تحاول التحكم بأعصابها والوقوف على قدميها باتزان. لكن فور انتباهها لنظراته الجريئة لها، نزلت بعيناها تتفحص نفسها، فانتفضت من بين يديه مبتعدة عنه وهي تلف ذراعيها حول نفسها محاولة إخفاء جسدها. ثم قالت بخجل وقوة:
_ ودي وشك الناحية التانية.
رفع حاجبه بنظرة مخيفة ومستنكرة دون أن يزيح عينيه عنها للحظة، فتوردت وجنتيها من الخجل والتوتر، وراحت تتقهقر للخلف ببطء دون أن تفك ذراعيها من حول جسدها، حتى وصلت الحمام ودخلت، ثم أغلقت الباب بسرعة عليها تتوارى عن أنظاره.
لحظة بالضبط حتى سمعته وهو يهتف لها من الباب بخبث وابتسامة تستطيع الشعور بها في صوته حتى لو لم تكن تراها:
_ خدي بالك، ممكن تلاقيه لسه قاعد.. لو عاوزة مساعدة اندهي عليا، أنا موجود.
أشعل خجلها وخوفها من جديد، فراحت تصيح به بغيظ من الداخل:
_ عــمــران.
ابتعد عن الباب وهو يبتسم باستمتاع، ثم عاد يجلس فوق فراشه مرة أخرى، مستندًا بظهره على ظهر الفراش ويديه أسفل رأسه من الخلف. دقائق طويلة نسبيًا، وخرجت هي مجددًا بعد أن انتهت من حمامها. وهذه المرة كانت ترتدي عباءة منزلية عادية جدًا بأكمام طويلة ومحتشمة. فنظر لها مضيقًا عيناه ورفع حاجبيه في نظرة نافرة، مشيرًا أنه لم يعجبه، وكأنه يقول بنظراته أن السابق كان أجمل. تعمد التصرف بجرأة ووقاحة حتى يخجلها. وبالفعل نجح، لكنها حاربت استحيائها ورمقته بشراسة في غيظ دون أن تتحدث. ثم أشاحت بوجهها عنه، وراحت تقترب من المرآة لتسرح شعرها. لكن البسمة الرقيقة والخجلة ارتفعت فوق ثغرها لا إراديًا. حاولت تجاهله وتجنبه قدر الإمكان هذه الليلة، علها تسلم من تصرفاته الماكرة.
بصباح اليوم التالي داخل المستشفى...
كانت آسيا تجلس فوق أحد المقاعد الحديدية أمام غرفة الطبيبة منتظرة خروجها، وهي تحدق في الفراغ أمامها بنظرات مرعبة ولا تبشر بالخير أبدًا.
هبت واقفة فورًا عندما رأت الطبيبة تخرج من الغرفة، فاقتربت منها وسألتها:
_ كيفها دلوك يارانيا؟
أجابتها الطبيبة بارتياح:
_ بقت زينة الحمدلله، وكمان شوية وتفوق.
إيماءت آسيا برأسها في تفهم، ثم تطلعت في صديقتها بنظرة قوية وسألت:
_ طيب، عملتي اللي طلبته منك؟
تنهدت الطبيبة بضيق، وردت بقلق:
_ يا آسيا، اللي أنتي عاوزاه صعب، وأنا مقدرش أعملها اختبار حمل من غير علمها.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى محمود توفيق
قبل خمس ساعات........
كانت آسيا تسير في طريق المقهى الصغير القريب من المنزل وبيدها هاتفها تجري اتصال بأحدهم. ثم رفعت الهاتف تضعه فوق أذنها تنتظر الرد حتى سمعت الرد بـ " الو ". أخذت نفسًا عميقًا تحاول إظهار نبرة صوتها ودودة:
_ أيوة ياخلود كيفك؟
ضيقت خلود عيناها باستغراب بعد سماعها لصوت آسيا لكنها ردت بخفوت:
_ زينة يا آسيا الحمدلله.. خير في حاجة ولا إيه؟
آسيا بنبرة رقيقة تحمل لمسة الاكتئاب:
_ عاوزة اتكلم معاكي في موضوع ضروري لو تقدري تاجي على نفس الكافية اللي اتكلمنا فيه المرة اللي فاتت أنا هستناكي هناك.
خلود بدهشة:
_ دلوك؟
آسيا برجاء وحزن يخرج في نبرتها بوضوح:
_ معلش ياخلود حاولي الموضوع مهم ومحتاجاكي قوي.
كانت الأخرى تغضن حاجبيها بحيرة وقلق.. حتى لو بدأت تشعر أن آسيا تغيرت للأفضل وتريد إصلاح العلاقات لكنها مازالت لا تثق بها ثقة عمياء وتخشى أن تسقطها بوحل لا عودة منه....
ردت بالأخير في استسلام:
_ طيب جاية يا آسيا.
أنهت آسيا الاتصال وهي تبتسم بشيطانية ثم تابعت طريقها بخطواتها الواثقة والقوية حتى وصولت للمقهي فاختارت إحدى الطاولات الفارغة وجلست على مقعدها تنتظر وصول الأخرى ونظراتها عالقة على طاولة أخرى مجاورة لها كانت لعائلة صغيرة مكونة من زوجين وابنة.. تأملتهم ببسمة ثغر دافئة وعينان لامعة. كان الأب يداعب ابنته الصغيرة ويضحك معها متبادلًا أطراف الحديث مع زوجته ثم لاحظته وهو ينحني متعمدًا على كف زوجته يلثم ظاهره بحنو ثم انطلقت ضحكتهم على ابنته التي اقتربت وجلست فوق أقدام والدها ودخلت بين ذراعيه تبعده عن أمها بغيرة طفولية وهي تضحك بكل براءة لأمها.
قطع تأملها لتلك اللوحة العائلية الدافئة وصول خلود التي جلست على المقعد المقابل لها وسألتها بجدية:
_ نعم يا آسيا موضوع إيه الضروري ده؟
قبل أن تتحدث وصل النادل وهو يحمل كأسين من عصير الفراولة كما طلبت آسيا منذ قليل قبل وصول خلود. استقامت آسيا وجذبت منه الكأسين ووضعت الكأس الخاص بها أمامها وعندما أخذت كأس خلود راحت تمد إليها الكأس يدها مالت بالكأس عمدًا وسكبت جزء صغير منه فوق ملابس خلود التي انتفضت فورًا مبتعدة في فزع فوضعت آسيا الكأس بسرعة فوق سطح الطاولة وقالت معتذرة بضيق:
_ يقطعني معلش ياخلود مخدتش بالي والله.
التقطت خلود ممسحة ورقية وحاولت تنظيف ملابسها لكن بلا جدوى فقالت آسيا بنبرة جادة:
_ روحي الحمام ونضفي هدومك زين.
هبت خلود واقفة وهي تتأفف بنفاذ صبر واتجهت نحو الحمام بخطوات سريعة بينما آسيا فشكرت النادل وفور انصرافه جلست مرة أخرى فوق مقعدها ومدت يدها في حقيبتها تخرج علبة بها أقراص صغيرة وأخرجت قرص منها ثم تلفتت حولها تتأكد من أنظار الناس وهل هناك أحد يلاحظها أم لا وفورًا رفعت يدها ووضعت القرص بكأس العصير الخاص بخلود.
بعد مرور خمس دقائق تقريبًا عادت وقد نجحت بصعوبة في تنظيف العصير من فوق ملابسها.. جلست على مقعدها وهي تتنهد بخنق فراحت آسيا تهتف مرة أخرى بأسف أشد:
_ معرفش كيف يدي مالت إكده ياخلود معلش مكنش قصدي.
ردت الأخرى في نبرة حاولت إظهارها طبيعية:
_ ولا يهمك حاجة بسيطة.. المهم قوليلي عاوزة تتكلمي معايا في آيه؟
تنهدت آسيا وقالت وهي تنظر لكأس العصير وتقول مبتسمة بود مزيف:
_ اشربي كملي العصير وشك لونه اتخطف من الخضة.
زفرت خلود بمضض ثم رفعت الكأس بفمها ترتشف منه وسط نظرات آسيا الحاقدة لها لكنها سيطرت على نفسها بسرعة وراحت تهتف في حزن متصنع:
_ أنتي عارفة أن محدش في البيت عاوز يشوف وشي ولا بقدر أشوفهم والصراحة أنا وحشوني قوي ومعرفش أي حاجة عنهم.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تكمل بصوت مبحوح ونظرات منكسرة:
_ كنت عاوزاكي تطمنيني عليهم وتحكيلي هما كيفهم ولو في حاجة حصلت في البيت طول الفترة اللي فاتت ولا لا وبالأخص أمي وجلال كيفهم.. محدش فيهم بيجيب سيرتي واصل.
ابتسمت خلود بسخرية وردت في قسوة:
_ هيجيبوا سيرتك كيف يا آسيا بعد اللي عملتيه!
تحولت قسمات وجهها في لحظة من الود والانكسار للشراسة، لتجيب على ابنة عمها بنظرة قذفت الرعب في قلبها:
_ بس انتي عارفة زين أني معملتتش حاجة غلط وأنا وعمران مكنش في بينا حاجة واصل قبل الجواز.
اضطربت بعض الشيء من نظرات آسيا فبدلت أسلوبها وانتبهت على ردودها أكثر وهي تجيبها:
_ أيوة بس هما ميعرفوش إكده.. وجدي مانع أن اسمك يتقال في البيت واصل ومحدش بيجيب سيرتك.. بمعنى أصح الكل اعتبرك ميتة.
شعرت بوغزة مؤلمة في يسارها مزقتها إربًا وعيناها تلألأت بعبرات القهر والوعيد. وسرعان ما مالت بوجهها للجانب تخفي الانكسار الحقيقي الذي في عينيها عن نظرات خلود. دام الصمت بينهم لدقائق طويلة نسبيًا حتى صدح صوت خلود أخيرًا وهي تطلق تأوهًا متألمة ضاغطة بيدها فوق معدتها.. فابتسمت آسيا بخبث وعادت بنظرها لها ترسم الاهتمام المزيف وهي تسألها:
_ مالك ياخلود؟
خلود بألم شديد وهي تتأوه بصوت عالي:
_ معرفش في سكاكين بتقطع في بطني.. آاااه.
هبت آسيا واقفة فورًا واقتربت منها تمسك بذراعها لتساعدها على الوقوف وهي تهتف بجدية:
_ طيب يلا هنروح المستشفى.
اعترضت خلود بسرعة في خوف وسط تأملها:
_ لا لا مش عاوزة المستشفى.. آاااه.
آسيا بحدة وغضب:
_ مش عاوزة المستشفى كيف يعني.. أنتي مش شايفة روحك كيف بتتألمي الله اعلم فيكي إيه خلينا نروح ونطمن.
لم تتمكن خلود من المقاومة أكثر من ذلك بسبب المها الشديد وخوفها على طفلها أيضًا. فاستسلمت لاقتراح آسيا وسارت معها لخارج المقهي ينون الذهاب لأقرب مستشفى....
بالوقت الحاضر.......
بعد محاولات طويلة مع صديقتها الطبيبة اقنعتها بإجراء تحليل الحمل لخلود وها هي الآن تمسك بنتيجة التحليل الإيجابية بيدها. كانت نظرات آسيا لورقة التحليل كلها اشمئزاز وغضب.
اتهمتها بالفسق والفجور زورًا ودمرت حياتها كلها بيوم وليلة. تزوجت من رجل لا تريده بسببها ودخلت زوجة ابن لعائلة تسببت في قتل والدها وفوق كل هذا فقدت أهلها. والآن هي تثبت لها وللجميع أنها هي الزانية والمذنبة.. تزوجت زورًا من رجل تعشقه ومارست معه علاقة محرمة حتى باتت تحمل طفله بأحشائها. لم تترك لها فرصة لتشفق عليها فأمثالها لا يستحقون حتى الشفقة.
هبت واقفة وطوت ورقة التحليل ووضعتها بحقيبتها بعدما رأت ابن عمها علي وهو يتقدم نحوها فقد أجرت اتصال به ليأتي ويأخذ شقيقته. توقف علي أمام آسيا مباشرة وسألها بنبرة غليظة:
_ بتعملي إيه هنا يا آسيا؟
تجاهلت سؤاله وردت عليه باقتضاب:
_ اختك جوا في الأوضة ادخلها.
همت بالانصراف لكنه أوقفها بسؤاله الثاني في حزم:
_ أنتي كنتي بتعملي إيه معاها وهي جرالها إيه؟
نظرت له بغضب ثم أردفت في شراسة:
_ اسألها وهي تجاوبك كنت بعمل إيه معاها وهي فيها إيه!
كان سيهم باللحاق بها بعدما تحركت وسارت مبتعدة عنه بخطوات سريعة.. لكنه تراجع واستدار نحو غرفة شقيقته يتحرك نحوها حتى يطمئن عليها.....
داخل منزل خليل صفوان......
كان معاذ بطريقه لغرفة المكتب الخاصة بوالده ليتحدث معه.. لكنه توقف عند الباب عندما وجده مواربًا. ألقى بنظره للداخل فرأى منيرة وهي تفتح الخزنة الصغيرة تمسك ببعض المال بدت وكأنها تسرق الأموال حيث كانت كل لحظة تلتفت نحو الباب لتتأكد أن لا يوجد أحد.. لكن معاذ فتح الباب ودخل وهو يقول بنظراته الثاقبة:
_ مرت أبوي!
انتفضت بزعر وكأن عقرب لدغتها وبسرعة وضعت المال مكانه وأغلقت الخزانة والتفتت بجسدها نحو معاذ تقول:
_ نعم يامعاذ.
سألها بكل صراحة وبضيق:
_ كنتي بتاخدي إيه من الخزنة بتاعت أبوي؟
كانت ستجيبه لكن وصول جلال نقذها حيث أسرعت نحو زوجها وقالت مبتسمة بنعومة:
_ كنت بدور عليك وينك إكده من الصبح.
جلال بنبرة عادية:
_ كان معايا شوية شغل خلصته ورجعت.
ثم اخفض نظره لابنه الكبير الذي يقف وينظر لزوجة أبيه بغضب وغل ليسأله بجدية:
_ مالك يامعاذ؟
نظر لوالده وقال بهدوء محاولًا عدم التركيز على منيرة:
_ مليش يابوي كنت بدور على عمار وافتكرته إهنه.
ولم يمهل اللحظة لأبيه ليجيب عليه حيث اندفع لخارج الغرفة وتركه وهو يتابعه بنظراته المتعجبة ثم نظر لمنيرة وسألها:
_ أنتي قولتيلوا حاجة ولا إيه؟
ردت منيرة بالنفي التام:
_ لا هو يدوب دخل وأنت جيت وأنا كنت مستنياكي.
التزم الصمت وهو يمسح على وجهه متأففًا بتعب ثم توجه نحو الأريكة وجلس فوقها وهو يستند برأسها على ظهر الأريكة مغمضًا عيناه.
ابتسمت منيرة واتجهت نحو الباب تغلقه جيدًا ثم عادت له وجلست بجواره ترفع يديها تمسح فوق شعره ووجنته ولحيته متمتمة بدلال:
_ مالك ياحبيبي إيه اللي تاعبك؟
أجابها بصوت مختنق وبألم وهو يرفع كفه يفرك جبهته بقوة:
_ الصداع هيفرتك نفوخي وجسمي كل متكسر.
استقامت واقفة ثم تحركت لخارج الغرفة وتركته بمفرده لعشر دقائق تقريبًا ثم عادت مجددًا وهي تمسك بيدها أقراص لالآم الصداع وباليد الأخرى كوب الماء. جلست بجواره ومدت يديها له وهي تقول برقة:
_ خد البرشام ده للصداع كويس قوي باخد منه دايمًا لما بيكون عندي صداع.
جذب القرص من يدها ومن ثم التقط كوب الماء وابتلع القرص أولًا ثم شرب الماء فأخذت هي من يده الكوب بعدما انتهى ووضعته بجوارها ثم اقتربت منه أكثر حتى أصبحت شبه ملتصقة به فسألها باستغراب:
_ بتعملي إيه؟
رفعت يديها لكتفيه وأخذت تدلكهم بحنو متمتمة بابتسامة خبيثة:
_ أنت مش قولت جسمك متكسر اديني بريحك شوية أهو.
لم يعترض وترك نفسه لها حتى تهدأ الآم جسده التي لا تحتمل. حتى لو لم تكن يديها تعطي نفس مفعول السحر لأنامل حبيبته وفرياله عندما تلمس جسده وتزيح عنه كل التعب لكن ربما تريحه قليلًا.
بذلك الوقت انفتح الباب ودخلت فريال لكنها تسمرت بأرضها عندما رأت ذلك المشهد أمام عيناها بينما الأخرى فابتسمت بخبث وسرعان ما تصنعت الضيق وهي تقول:
_ إيه يافريال هو انتي معرفاش إني قاعدة مع جلال إهنه ولا إيه.
اعتدل جلال في جلسته وأبعد يدي منيرة عن كتفيه. رأى نظرات فريال النارية لمنيرة وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها حتى هتفت بانزعاج ملحوظ:
"اطلعي برا عاوزة اتكلم مع جوزي!"
اتسعت عينا منيرة بصدمة وسرعان ما وثبت واقفة وردت على فريال بغضب:
"إيه بتطرديني ولا إيه؟ ولا فكرك البيت بيتك لوحدك؟ كيف ما هو جوزك يبقى جوزي أنا كمان."
تأججت نيران فريال التي اندفعت نحو الأخرى ووقفت أمامها تصرخ بها بانفعال:
"قلت لك اطلعي برا يا منيرة، متختبريش صبري."
عقدت منيرة ذراعيها أسفل صدرها وقالت مبتسمة بسخرية وإصرار:
"ولو مطلعتش هتعملي إيه عاد؟"
كان جلال بالمنتصف بينهم يجلس على الأريكة مكانه ويتابع شجارهم وصياحهم. هذه المرة الأولى الذي يشهد على شجارهم معاً ويعلم أنها ليست الأخيرة، لكنه الآن بوضع صحي لا يسمح له بتحمل أي صوت أو شخص حتى. ولذلك فقد أعصابه وهب واقفاً يصرخ بصوته الرجولي المخيف:
"ما عاوزش أسمع حس واحدة فيكم."
ردت منيرة بعصبية:
"أنت مش شايفها بتقول...."
أخرسها بصرخته المرعبة:
"منيرة اقفلي خشمك وأكتمي واصل."
التزمت الصمت على مضض، بينما هو فقبض على ذراع فريال بلطف وهو يجذبها معه قائلاً:
"تعالي على الأوضة فوق ونتكلم في اللي عاوزاه."
سارت معه عنوة بسبب جذبه لها من ذراعها. وقبل أن تغادر من الغرفة ألقت نظرة مشتعلة ومتوعدة على منيرة التي كانت تشتعل من الغيظ.
***
اعتدلت خلود في نومها بسرعة في فزع عندما رأت شقيقها وهو يدخل من باب الغرفة هاتفة:
"علي!"
اقترب من فراشها وجذب مقعداً خشبياً متوسطاً ليجلس بجوار الفراش ويحدق بها بتدقيق متمتماً في اهتمام:
"مالك يا خلود؟ إيه اللي حصل؟"
ازدردت ريقها بتوتر وسألته بتعجب:
"أنت كيف عرفت؟"
"آسيا اتصلت بيا وقالت لي."
ضيقت عيناها بدهشة وراحت تسأله للمرة الثانية بقلق:
"آسيا!! هي فين دلوقتي طيب؟"
علي بتنهيدة قوية ونظرات جادة:
"مشيت يا خلود. أنتي كنتي معاها ليه؟"
طالت نظرات خلود المرتعدة لشقيقها، لكنها أخذت نفساً عميقاً وحاولت السيطرة على توترها لتجيبه بنبرة بدت طبيعية:
"مفيش حاجة، أنا شفتها واتكلمنا شوية. هي سألتني عن اللي في البيت وعن جلال ومرت عمي."
رفع حاجبه بعدم اقتناع ثم رد على شقيقته بغلظة صوته الرجولي:
"آسيا قعدت تتكلم معاكي وتسألك عنينا بعد العداوة اللي بينكم وبعد ما فضحتها قصاد الكل؟!"
ابتسمت بارتباك وردت بخفوت:
"وأنا استغربت كيفك كده برضو في البداية، بس شكلها اتغيرت لأنها كانت بتتصرف معايا طبيعي ومفيش حاجة وكانت عاوزة تصالحني."
ظهرت الدهشة الحقيقية فوق معالم وجهه بعدما سمع اعتراف شقيقته عن حقيقة التقائها بابنة عمه. لا يصدق أبداً أن آسيا يمكنها التصرف بهذا الود مع أعدائها لو مهما حدث، لكنه تمتم بحيرة:
"غريبة."
قطع حديثهم دخول الطبيبة التي ابتسمت لخلود وعلي بعذوبة ثم اقتربت من خلود وهي تقول:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
فرت الدماء من وجه خلود عندما رأت الطبيبة. وللحظة كانت تستعد لكشف كل شيء ونهاية حياتها على يد شقيقها أن علم بزواجها السري وحملها.
انتبهت على صوت علي وهو يسأل الطبيبة:
"هي فيها إيه يا دكتورة؟ يعني جالها إيه؟"
ابتسمت الطبيبة وردت عليه بود:
"حضرتك زوجها؟"
اتسعت عينا علي باستغراب ونقل نظره بين شقيقته وبين الطبيبة بنظرة مستفهمة ثم أردف بخشونة:
"جوزها كيف يعني؟!"
تسارعت نبضات قلب خلود والبرودة انتشرت في جسدها كلها حتى أن يديها بدأت بالارتجاف، بينما الطبيبة فغضنت حاجبيها باستغراب من رد علي، ثم التفتت تجاه خلود بنظرة قوية فرأتها تنظر لها بعينان لامعة وتتوسلها من خلالهم حتى لا تفضح أمرها.
عندما حصلت خلود على الرد بالصمت من الطبيبة أسرعت محاولة إنقاذ الموقف وهي تهتف بصوت مرتبك وابتسامة متكلفة:
"أنا خلود يا دكتورة اللي جيت مع آسيا، نسيتيني ولا إيه؟!"
لوت الطبيبة فمها بضيق لكنها ردت عليها بتكلف مماثل:
"آه معلش، أصل في واحدة شبهك كانت جاية مع جوزها وواضح إني اختلط عليا الأمر بينكم."
ثم تابعت بجدية قبل أن تبدأ بفحصها:
"خليني أكشف عليكي وأطمن على وضعك."
أومأت لها بالموافقة وسكنت تماماً أمام الطبيبة التي بدأت في إجراء فحصها بملامح واضحة عليها الانزعاج. وكان علي ينقل نظره بينهما الاثنين بعينان مرعبة بات شبه متأكداً أن شقيقته تخفي سراً خطيراً عنهم. عاد يسأل الطبيبة من جديد وهذه المرة كانت بلهجة مريبة:
"مقولتليش يا دكتورة هي فيها إيه؟!"
انتهت الطبيبة من فحصها وردت عليه وهي توجه حديثها وتعليماتها الغامضة لخلود:
"حاجة بسيطة اطمني، هي شربت حاجة فيها مادة تقيلة وعملتلها ألم شديد في المعدة. ياريت تاخدي بالك من نفسك وصحتك وكمان من أكلك كويس عشان ميحصلش أي ضرر ليكي وتتعبي."
هزت رأسها خلود بالموافقة في نظرات زائغة عن شقيقها الذي بدأ يظهر الغضب فوق قسماته، ثم سألت الطبيبة:
"ينفع أطلع دلوقتي ولا إيه يا دكتورة؟"
"ينفع. خلصوا إجراءات الخروج وامشوا."
فور انصراف الطبيبة عادت بنظرها لشقيقها وابتسمت بطبيعية مزيفة هاتفة:
"مش يلا بينا عاد يا علي؟"
رد عليها بنبرة صلبة ونظرة مميتة قبل أن يستقيم واقفاً:
"جهزي روحك لغاية ما أخلص حساب المستشفى وآجي آخدك."
أومأت له بالموافقة وفور رحيله تنفست الصعداء براحة ورفعت أناملها تجفف عبراتها المتجمعة بمقلتيها.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي.
تصعد درجات السلم ببطء شديد وعقل شارد بزوجها. تفكر بطريقة وأسلوب مناسب لتخبره بما فعلته وأنها تصرفت دون علمه رغم أنه حذرها من التحرك خطوة واحدة حتى دون أن يكون على علم بما ستفعله. لكنها لو أخبرته لم يكن سيوافق وربما سيعترض. كان تصرفها القرار الصحيح، لكنها الآن لا تستطيع المتابعة دون أن تخبره بكل شيء.
وصلت للغرفة وفتحت الباب ودخلت ثم تقدمت نحو الفراش وألقت بحقيبتها عليه في إهمال وهي تتنهد بقلة حيلة وجلست فوقه. وما هي إلا دقائق قصيرة حتى سمعت صوت باب الحمام ينفتح ويخرج منه مرتديًا بنطال أبيض فقط ونصفه العلوي عاري وبيده منشفة يجفف شعره. لم تنتبه لشيء وكانت كأنها لا ترى جسده العاري فكان عقلها مشغول بالتفكير بشيء آخر.
أخذت نفساً طويلاً وأخرجته زفيراً متهملًا ثم توقفت واقتربت منه تقف أمامه مباشرة تهتف:
"عمران مش عاوز تعرف كنت فين؟"
ضيق عيناه باستغراب وهتف في حزم:
"أنتي مش قولتي رايحة السوق تشتري حاجات ليكي!"
ثم التفت برأسه حوله يبحث عن أكياس تدل على شرائها لبعض مستلزماتها الشخصية لكنه لم يجد وكان على وشك أن يسألها لكنها ردت عليه بخفوت وهي تتطلع بعينيه في قوة:
"لا ماهو أنا ما روحتش السوق."
ارتفع حاجبه وأظلمت نظراته لتصبح أكثر رعباً، فأسرعت هي تحاول التحكم بزمام الموقف قبل انفعالها هاتفة باعتذار:
"قبل ما تتعصب أنا كدبت عليك عشان كنت عارفة إنك مش هتوافق. حقك عليا."
ارتفعت نبرة صوته المخيفة قليلاً وهو يسألها:
"كنتي فين يا آسيا؟"
تنهدت بقوة ثم ردت عليه بهدوء:
"كنت مع خلود."
رأته يضيق عينيه بتعجب ودهشة فتابعت وهي تمسك بيده وتجذبه معها نحو الفراش لتجلسه فوقه متمتمة:
"هحكيلك كل حاجة."
تركته وابتعدت خطوتين لتجذب حقيبتها وتخرج منها ورقة الزواج السري وكذلك اختبار الحمل، ثم عادت له وجلست بجواره وأعطته الورقتين قبل أن تبدأ بسرد كافة التفاصيل التي حدثت وكيف تمكنت من الحصول على الورقتين وخداع ابنة عمها للسقوط بفخها.
كان ينظر للورقتين الذي بيديه باشمئزاز وفور انتهائها من الحديث نظر لها وقال بغضب شديد:
"أنا مش نبهت عليكي مش هتتحركي خطوة واحدة من غير ما أكون عارف يا آسيا."
هزت رأسها بالإيجاب له ثم قالت برقة:
"أيوة بس أنت مكنتش هتوافق وبذات اللي عملته النهاردة مكنتش هتوافق عليه."
عمران بصرامة:
"طبعاً مكنتش هوافق. أنتي إيه عرفك أن اللي حطتهولها ده ميأذيهاش؟"
آسيا بثقة:
"ما أذهاش حاجة. أنا سألت الدكتورة، يعني ده هيعملها ألم شديد بس، وهو ده اللي حصل فعلاً وهي كيف الجن دلوقتي."
رأته يعود ليتفحص الورقتين مرة أخرى وبالأخص ورقة الزواج، فابتسمت وقالت بخبث:
"دلوقتي جه معاد اللحظة الأخيرة عاد."
رفع نظره له وحدقها بعدم فهم واستفهام، فاتسعت ابتسامتها وراحت تسرد عليه خطتها الأخيرة وما تريد فعله. وبعد انتهائها تمعنت النظر في قسماته فرأت الجمود والسكون التام. عبس وجهها فوراً وهتفت برجاء:
"اوعاك تقول مش موافق. أبوس يدك يا عمران أقف جاري دي اللحظة اللي هاخد فيها حقي منها ومن الكل بعد ما طعنوا في شرفي وغلطوا فيا وفيك كمان."
مال ثغره للجانب في ابتسامة ساحرة ثم سألها بهمس رجولي يذيب القلب:
"يعني بعد ما تعملي كده هترتاحي ونارك هتهدى وتتبسطي؟"
ابتسمت لبسمته وراحت توميء برأسها عدة مرات متتالية لتجد بسمته تتحول لضحكة صامتة قبل أن يلف ذراعه حول كتفيها ويضمها لصدره متمتماً بحنو وصوت يحمل الأمان الذي تحتاجه:
"أنا جارك دايماً وطالما ده اللي هيريحك اطمني أنا ضهرك وسندك."
ابتسمت بسعادة وحب ثم أغلقت عيناها تترك روحها تتلذذ بشعور الدفء والأمان بين ذراعيه. كانت فقط تشعر به وهي بين ذراعي والدها والآن بين ذراعي زوجها أيضاً.
***
داخل غرفة جلال وفريال.
كانت هي تجلس فوق الأريكة وقدميها تهتز بعنف من فرط الغيظ. فاقترب منها وجلس بجوارها هاتفاً:
"فريال اهدي شوية."
التفتت له ورمقته شزراً لتصيح به بغضب:
"قاعد جاري ليه؟ انزل عندها خليها تكمل اللي كانت بتعمله. معلش قطعت عليكم."
مسح على وجهه ولحيته وهو يزفر بعدم حيلة وتعب ثم هتف محاولاً تهدأتها:
"طيب سيبك من الحديث ده دلوقتي. أنتي كنتي عاوزاني في إيه؟"
عادت تنظر له من جديد لكن بنارية وبلحظة هبت واقفة وصرخت منفعلة:
"مش عاوزة حاجة منك ولا عاوزة أشوف وشك. اطلع وهملني لحالي."
طالت نظرته المنزعجة لها في صمت بعد عبارتها. لم يعد يحتمل نفورها فروحه تتعذب كلما ينظر في عينيها ويرى النقم. أما هي فعادت تهتف مرة أخرى بسخط:
"قلت لك هملني لحالي يا جلال."
استقام هو الآخر واقفاً وقال بمرارة وخنق:
"بزيادة يا فريال، أنا ما عدتش متحمل بعدك والله."
لمعت عيناها بوميض الألم وتلألأت العبرات في مقلتيها لتهتف بصوت مبحوح:
"واللي أنت عملته فيا مكنش زيادة وتقيل عليا. لما قتلت حبنا ونهيت حياتنا بجوازك عليا. أنت مش متحمل كرهي ليك طيب حط نفسك مكاني لو شفتني مع راجل تاني هتعمل إيه. أنا كل ما بشوفك معاها وهي قريبة منك وبتلمسك بكرهك أكتر."
صرخ بها بصوت رجولي نفضها بأرضها:
"مفيش في قلبي غيرك، مش عاوزة تفهمي ليه."
أنا غلطت لما اتچوزت بس والله العظيم ما لمستها ولا قربت منها. اتوحشتك واتوحشت أشوف ضحكتك في وشي وحبك، ولما بتقوليلي يا چلالي. اشتقت لكل حاجة فيكي وكانت بينا يا فريال. حس بيا عاد أبوس إيدك واغفريلي.
انهمرت دموعها فوق وجنتيها وهتفت بقسوة وقلب مجروح:
_ كل اللي بتقوله ده مفيش منه فايدة وسبق وقولتلك الخيانة ملهاش غفران يا چلال.
تقدم منها أكثر وراح يضمها لصدره رغم ابتعادها عنه هامسًا بصوت يحمل بحة تمزق القلوب:
_ مخنقتيش والله ياحبيبتي.. دي أول مرة أغلط مش قادرة تغفريلي ذلتي معقول للدرچادي معدش في قلبك شوية حب ليا حتى.
سالت دموعها بغزارة وهي بين ذراعيه، ولوهلة استسلمت لنبرته ولمسته التي اشتاقت لها، لكن سرعان ما عادت لوعيها ودفعته بعيدًا عنها بكل قوتها صارخة به:
_ قولتلك متلمسنيش.
حدقها بمرارة وضيق، وهذه المرة كان سيميل عليها ويروي شوقه منها حتى يبث لها حبه وندمه، علها تشعر بصدق ما يقوله ويذوب الجليد قليلًا. لكنها انحنت للأمام وهي ممسكة ببطنها تصدر تأوهًا عاليًا بألم، فأمسك بها بسرعة يسألها في قلق:
_ مالك يافريال؟
لم تجبه واستمرت بالتأوه المرتفع. فحاوطها بذراعيه وساعدها على التحرك حتى الفراش، ثم حملها ووضعها عليه برفق. لكن ألمها لم يتوقف وصوت صراخها بدأ يزداد أكثر، فحلس بجوارها ومد يده يمسح على شعرها بحنو هاتفًا في قلق حقيقي وجدية:
_ فريال اتصل بالدكتور.
ردت عليه بصوت ضعيف وهي تحاول التحكم بتأوهاتها:
_ لا لا مش عاوزة دكتور أنا هبقى زينة.
رد عليها بحدة وغضب من عنادها:
_ مش عاوزة كيف يعني أنتي مش شايفة روحك بتتألمي كيف.. إيه اللي چرالك؟
سكتت وتحملت الألم الذي بدأ يهدأ تدريجيًا. لن تسمح بمعرفته بحملها الآن أبدًا.. إذا عرف ستتعقد الأمور أكثر ولن تتمكن من الطلاق منه.
حين رأى أنفاسها هدأت وصوت صراخها اختفى، حتى أنها أغلقت عيناها بتعب. انحني عليها يلثم شعرها وجبهتها بحب متمتمًا:
_ كيفك دلوك ياحبيبتي؟
هزت رأسها ببطء متمتمة بصوت خافت يكاد يسمع بصعوبة:
_ احسن الحمدلله.
تنهد الصعداء براحة وردد خلفها "الحمدلله" في بسمة دافئة ويده مازالت تمسح فوق شعرها بكل لطف. فرفعت كفها وازاحت أنامله عن شعرها متمتمة بقسوة:
_ امشي يا چلال عاوزة أقعد لحالي.
أنهت عبارتها واستدارت في نومها فوق الفراش توليه ظهرها، بينما هو فلم يكترث برغبتها وتمدد على الفراش بجوارها. لكنها التفتت برأسها نحوه عندما شعرت به وهتفت بغضب:
_ أنت هتنام چاري قوم امشي قولتلك مش عاوزاك تفضل إهنه.
رد ببرود متصنع ولهجة هادئة:
_ عاوز أنام شوية يا فريال أنا كمان تعبان ومحتاچ ارتاح.. نامي ياحبيبتي ومتخافيش مش هقربلك.
لم تكن بوضع يسمح لها بخوض شجار جديد معه خصوصًا بعد نوبة الألم المميتة التي داهتمها للتو. وتخشي أن تتكرر وتأذي طفلها، فاستسلمت للوضع واكتفت بأنها فقط ابتعدت عنه لآخر الفراش لتصنع بينهم فچوة كبيرة بالمنتصف. وهو كان ينظر للفراغ الذي بينهم وابتعادها عنه بنظرات تعكس العذاب الذي يعانيه من الداخل.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي بغرفة بلال.
كان يقف بشرفة غرفته شارد الذهن. تفكيره عالق بتلك الحورية التي سلبت منه عقله. تتأجج نيران الغيظ والخنق في صدره كلما يتذكر مرافقتها الدائمة لابن خالتها. لا يفهم سبب غضبه وانزعاجه الشديد لكنه لا يريد اقتراب ذلك الشاب منها. ويتوسط في ثناياه خوف من أن يغلق عيناه ويفتحها بيوم وليلة فيجد نفسه فقدها للأبد كما فقد الفتاة التي كان ينوي الارتباط بها. ويدور بعقله ألف فكرة وألف شيء والخوف هو الجزء الأكبر المهيمن عليه.
انفتح الباب ودخلت عفاف ثم أغلقت الباب خلفها وتقدمت نحو ابنها لتقف بجواره بالشرفة تسأله في حيرة:
_ إيه يابلال عاوزني في إيه ياولدي؟
رمق والدته بنظرة طويلة يفكر للحظة الأخيرة قبل أن يتخذ قراره ثم أشاح بوجهه والقى بنظره من الشرفة للشارع مجددًا هاتفًا:
_ أنتي مش كنتي عاوزاني اتچوز ياما.
اتسعت عيني عفاف بصدمة استغرقت للحظات وسرعان ما أشرق وجهها وشقت الضحكة العريضة طريقها لثغرها قبل أن تجيبه بتأكيد:
_ امال ياولدي هو أنا افديك الساعة لما أشيل عيالك وافرح بيك.. إيه هو أنت نويت وعاوزني اشوفلك عروسة؟
أخذ نفسًا عميقًا ورد عليها بخشونة:
_ هو أنتي مش عندك العروسة أساسًا وبنفسك كنتي عاوزاني اخطبها.
ضيقت عيناها بتعجب وسألته في حيرة محاولة تذكر الفتاة التي يقصدها:
_ مين هي؟
هتف بنبرته الرجولية الجادة:
_ حور.
عفاف بدهشة:
_ حور بت سمية؟!!
نظر لها بلال وقال بجدية وسط بسمته المتعجبة:
_ هو في حور غيرها ياما!!.. أيوة هي عاوز اخطبها شوفي أمها واتكلمي معاها.
التزمت عفاف الصمت بذهول وهي تتمعن في ابنها بعدم تصديق. فجديته وإصراره بدت لها غريبة وكأنه ليس ابنها الذي كان رافضًا فكرة الارتباط ولا يلتفت لمحاولاتها في إيجاد فتاة له. والآن هو بنفسه يطلب الفتاة موضحًا رغبته في الزواج منها!!
لمعت عيناها بوميض السعادة وقالت بحماس ضاحكة:
_ عيوني ياغالي متقلقش من بكرا هتصل بسمية وأقولها وأن شاء الله تكون من نصيبك وافرح بيك واشوفك مبسوط.
ابتسم لوالدته بحنو ثم انحنى عليه يقبل رأسها مردفًا:
_ يارب ياما يارب.
***
بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
وصل عمران لغرفته ودخل ثم أغلق الباب بهدوء وتحرك نحو الأريكة يلقي بجسده عليها جالسًا وهو يستند برأسه على ظهرها مغمضًا عيناه بتعب بعد ذلك اليوم الشاق منذ الصباح.
فتح عينيه دفعة واحدة عندما وصل لأذنه صوت همهمات وآهات خافتة منبعثة من آسيا النائمة في الفراش. فاستقام واقفًا واقترب منها يجلس بجوارها يهتف باسمها في صوت رخيم لكي يوقظها بعدما ظن أنها داخل حلم مزعج. لكنه لم يحصل على رد منها فمد يده لوجهها وأزاح خصلات شعرها عن عينيها لكن فور ملامسته لبشرتها انتقلت ليده حرارة جسدها المرتفعة. غضن حاجبيه بتعجب ثم راح يتحسس بظهر كفه على جبهتها ووجنتها ليجد حرارتها مرتفعة وكأنها تحترق. فهتف بسرعة وهو يمرر أنامله على شعرها ووجهها حتى تستعيد وعيها:
_ آسيا أنتي سمعاني فوقي.. آسيا.
فتحت جزء صغير من عينيها بضعف واغقلتها مجددًا دون أن تجيبه. فمد يده في جيب بنطاله وأخرج هاتفه يتفقد الساعة فوجدها تخطت الثانية هتف بقلق:
_ مفيش دكتور فاتح في الوقت ده.
ترك هاتفه فوق المنضدة الصغيرة وعاد يتفحصها بنظراته مجددًا. وجهها كله تحول للون الأحمر من فرط ارتفاع حرارتها ولا تتمكن من فتح عينيها فقط تطلق آهات خافتة متألمة. سكن مكانه لدقيقة وهو يفكر ماذا يفعل حتى توقف فجأة ونزع عنه عباءته وبقى فقط بجلبابه الأسود ثم انحنى عليها وحملها فوق ذراعيه واتجه بها نحو الحمام. انزلها على الأرض أمام صنبور الاستحمام وراح يهز وجهها بلطف حتى يجعلها تنتبه له وتفتح عيناها وهو ممسكًا بها ويضمها لصدره هاتفًا:
_ آسيا فتحي عينك.. آسيا بصيلي.
فتحت عيناها بصعوبة والقت عليها نظرة خاطفة قبل أن تغلق عيناها مجددًا وتلقي برأسها فوق صدره في تعب شديد. فمد هو يده للصنبور وفتح المياه الباردة ثم جذبها وادخلها تحت المياه فانتفضت بشدة وقالت بصوت مرتجف:
_ المايه سـ..اقعة قوي.
حاولت الخروج من أسفلها لكنه ثبتها ودخل معها وهو يضمها إليه هاتفًا:
_ معلش استحملي عشان الحرارة تنزل.
ضمت ذراعيها لصدرها والقت بجسدها بين ذراعيه وهي تنتفض أسفل المياه هاتفة:
_ باردة قوي ياعمران.
حين وجدها تنتفض بعنف بين ذراعيه مد يده للصنبور وأغلق المياه ثم جذب المنشفة ولفها بها قبل أن يتركها ويغادر الحمام ليجذب لها ملابس نظيفة ويعود. نزع عنه جلبابه المبتل ثم بدأ يجفف شعرها بالمنشفة من المياه. وعندما انتقلت يده لملابسها ينوي نزعها حتى يساعدها في ارتداء الملابس النظيفة أمسكت يده وقالت بخجل وصوت يكاد يخرج بصعوبة:
_ هتعمل إيه!
رد بكل بساطة وجدية تامة:
_ هغيرلك هدومك مش هتقعدي بيها مبلولة إكده يعني طبعًا.
هزت رأسها بالرفض وقالت بخفوت:
_ لا أنا هغير لحالي.
رد عليه بحزم ونظرة قوية:
_ هتغيري لحالك كيف يعني هو أنتي قادرة تقفي على رجلك أساسًا.
تمتمت بخفوت محاولة الظهور بثبات أمامه حتى لا يصر على رأيه:
_ أيوة هقدر اطلع وأنا هغير وآجي وراك.
طالت نظرته لها وكان سيهم بالاعتراض خشية من أن يتركها فتسقط لكنها توسلته بنظراتها الخجلة أن يخرج ليتنهد مغلوبًا ويبتعد عنها قبل أن يقول بتنبيه صارم:
_ هستناكي برا ولو عوزتي حاجة اندهي عليا فاهمة.
اماءت له بالموافقة وفور مغادرته بدأت في تبديل ملابسها. وهو بالخارج أيضًا بدل ملابسه كلها. وبعد ثلاث دقائق تقريبًا خرجت بخطوات بطيئة وكانت تنتفض من شعورها بالبرودة. فأخذ بيدها ومدد جسدها فوق الفراش ثم دثرها بالغطاء وجلس بجوارها يمسح على شعرها لكنها كانت تنتفض بعنف وهي تهتف بتعب وصوت يرتعش:
_ بـ..ردانة ياعمران.
استقام واقفًا وجذب غطاء آخر ووضعه فوقها ثم عاد يجلس بجانبها ويسأله في اهتمام وحنو:
_ لسا بردانة؟
هزت رأسها له بالإيجاب ثم سمعها تقول بتلقائية دون وعي:
_ خدني في حضنك.
اندهش من عبارتها وطلبها فبقى ساكنًا لثواني قبل أن يبتسم وينضم لها ثم يضمها لصدره يحتضنها بدفء مردفًا بضحكة ماكرة:
_ حتى أنتي وتعبانة مش قادرة تضيعي الفرصة.
سمعته وفهمت مقصده فابتسمت برقة رغم أنها حقًا كانت تشعر بالبرد وطلبت أن يحتضنها عله يبث الدفء لجسدها قليلًا. لكنها لم تكن تملك القدرة لتجيب عليه بسبب تعبها واكتفت بابتسامتها المغرمة. ثم أغلقت عيناها وانكمشت كالطفل وهي بين ذراعيه تدفن وجهها بين ثنايا صدره وبذراعها تحاوط خصره. وفور شعورها بالدفء استسلمت للنوم بسبب تعبها.
بقى مستيقظًا لوقت طويل نسبيًا وحين نزل بنظره لها ووجدها نائمة فمد أنامله لوجهها يتفقد حرارتها فوجدها هدأت وانخفضت. ابتسم براحة وانحنى بشفتيه يلثم شعرها ثم أغلق هو الآخر عينيه يستسلم للنوم حتى يريح جسده من الإرهاق.
***
فتحت آسيا عينيها بصباح اليوم التالي وقبل أن تتحرك أنشًا واحدًا شعرت بشيء ضخم يحاوطها وكأنه يحتجزها فرفعت نظرها وحين رأته نائمًا وأدركت أنها قضت ليلة الأمس نائمة على هذا الوضع ابتسمت بحب وسكنت بين ذراعيه دون حركة مستمرة في تأمله بغرام وهو نائم. كأن وسامته ازدادت الضعف أثناء النوم وملامحه الرجولية الجذابة تسحرها بكل مرة تتأمله فيها. لحيته الكثيفة وشاربه أكثر ما يزيدانه وسامة ولطالما رغبت بالأيام السابقة أن تتحسسهم وتخلل أناملها الناعمة بين لحيته لكن خجلها وتوترها منعها.
الآن هي ستفعلها وتقضي على توترها.
رفعت يدها ببطء ومدت أناملها بتردد لوجهه ثم أخذت تتحسس فوق لحيته، تارة أناملها ترتفع لشاربه، وتارة تخلل أصابعها بها بكل رقة وهي تبتسم.
لكن تجمدت يدها مكانها عندما وجدته يفتح عينيه وينظر لها رافعاً حاجبه بتعجب ليسألها:
_ بتعملي إيه!
سحبت يدها بسرعة، وانتفضت جالسة مبتعدة عنه وهي تقول بتلعثم:
_ ولا حاجة، كنت هصحيك.
قال بنظرة لعوب يقول ساخراً:
_ هتصحيني وأنتي بتلعبي في دقني!!
تلونت وجنتيها باللون الأحمر، ودون أن تجيب عليه استقامت واقفة من الفراش تسرع في خطاها نحو الحمام، تتركه يبتسم عليها بمكر.
ثم اعتدل في نومته وهب جالساً وهو يتمطع بذراعيه متثائباً ويمسح على وجهه بكفه.
دقائق طويلة نسبياً وخرجت من الحمام فوجدته يجلس فوق الفراش وعيناه عالقة على الحمام وكأنه ينتظر خروجها.
تجاهلت نظرته وكأنها لا تراه، ثم توجهت نحو المرآة ووقفت أمامها تبدأ بتسريح شعرها.
وما هي إلا لحظات معدودة حتى رأته في انعكاس المرآة خلفها.
انحبست أنفاسها وتسارعت نبضات قلبها حتى سمعته يسألها باهتمام:
_ كيفك دلوك؟
هزت رأسها له كرد على سؤاله أنها بخير، لكنه امسكها من كتفيها وأدارها إليه ليرفع يده يتفقد حرارتها متحسساً وجهها.
فوجد جسدها بارد ولا يوجد أي أثر على الحرارة المرتفعة.
ابتسم ونظر في عينيها الزائغة يقول بخبث غامزاً:
_ شكل النوم في حضني مفعوله سحري.
صعدت الحمرة الشديدة لوجنتيها وشعرت للحظة وكأن لسانها انعقد ولا تستطيع التكلم، لكنها حاربت ذلك الشعور والتفتت بجسدها نحو المرآة مجدداً توليه ظهرها تهمس بخفوت مرتبك:
_ أنت امبارح كنت قايل أنك معاك شغل كتير ومهم النهاردة، ولو فضلت واقف كده كتير هتتأخر.
ضحك بصمت عليها، ثم سقط نظره على قلادة الغزال التي فوق سطح طاولة التسريحة، فانحني والتقطها ليضعها بكفها الناعم ويهمس بأذنها مبتسماً مع غمزة عينيه التي رأتها في انعكاس المرآة وهو يتحدث:
_ البسيها ومتقلعهاش.
سرت برودة بجسدها كله وكأن دلو من المياه المثلجة سقط فوقها، وفور ابتعاده عنها واختفائه داخل الحمام رفعت القلادة وتأملتها وهي تضحك.
***
داخل منزل خليل صفوان، تحديداً بغرفة جلال وفريال.
دخل جلال الغرفة وقاد خطواته نحو الخزانة ليأخذ شيئاً يخص العمل، لكنه تسمر مكانه عندما رآها تجلس فوق المقعد وأمامها صحن ممتلئ بفاكهة العنب وتأكل منها بشراهة شديدة وتلذذ.
رفعت رأسها له وعندما رأت نظراته المندهشة والحائرة تركت العنب الذي بيدها وازدردت ريقها لتهتف بخنق:
_ مالك بتبص كده ليه؟
رفع حاجبه وأجابها باستغراب:
_ يعني أنتي مش شايفة أن في حاجة غريبة تخليني أبصلك كده!!
عادت تضع حبات العنب بفمها مرة أخرى وتردف ببرود:
_ لا أنا مش شايفة حاجة.
اقترب منها وجلس على حافة الفراش أمام مقعدها وطالعها بتدقيق متمتماً:
_ فريال أنتي مبتحبيش العنب ومبتاكلهوش، مالية الطبق وبتاكلي بالاستمتاع ده كيف!!
اضطربت للحظة لكنها تابعت الأكل ولم تتوقف محاولة عدم إظهار توترها له حتى لا يشك بها، ثم راحت تجيبه بجفاء وابتسامة صفراء:
_ حبيته يا جلال، في عندك مانع ولا إيه!
رفع حاجبه بنظرة حادة وهتف مستنكراً ردها:
_ فجأة كده حبتيه يعني!!!
نظرت لها وقالت بغضب حتى تنهي جلسة استجوابها ونظرات التعجب الذي تسبح في عينيه وأسئلة عقله الكثيرة:
_ أيوه فجأة، في إيه أنت هتقفل على الوكل كمان وتقول آكل إيه وماكلش إيه!!
حدقها مطولاً بنظرات مريبة قبل أن يتنهد ويقول بنبرة تثير القلق:
_ لا براحتك ياحبيبتي بالهنا والشفا كلي اللي تحبيه، ولو نفسك في حاجة تاني كمان قوليلي وأجبهالك.
رمقته بعين متسعة وارتباك ملحوظ بعد عبارته الأخيرة التي أثبتت شكه بها وعدم تصديقه لحججها الواهية في شراهتها بأكل فاكهة لا تحبها من الأساس.
علقت نظرها عليه وهي تراه يستقيم واقفاً ويغادر الغرفة ويتركها ليظهر القلق والخوف فوق معالمها، وراحت تضع يدها فوق بطنها تهتف محدثة طفلها:
_ شكل أبوك شك فينا، ملقيتش غير العنب يعني.
انتفضت ونزعت يدها من فوق بطنها بزعر عندما انفتح الباب مجدداً، فقد ظنته عاد، لكن الدخيل كان أولادها وركضوا نحوها يهتفون بحماس:
_ في حفلة في المدرسة بعد بكرا ياما!
ضيقت عيناها باستغراب وسألتهم ضاحكة على حماسهم:
_ حفلة إيه دي!
تجاهلوا سؤال أمهم ونظروا لصحن العنب الذي بيدها بصدمة، فنظرت هي للصحن ولوت فمها بنفاذ صبر، ثم وضعته فوق المنضدة الصغيرة بجانبها، ولم تلبث لحظة حتى سمعت صوت عمار وهو يسألها بذهول:
_ أنتي بتاكلي عنب ياما؟!!
زمت شفتيها مغلوبة وردت عليهم بطريقة كوميدية من خنقها:
_ آااه وقعت على نفوخي وصحيت تاني يوم لقيت نفسي بحب العنب فجأة، اقتنعتوا ولا لا كيف أبوكم كمان.
قهقهوا بصوت مرتفع، فابتسمت هي بحنو عليهم، ثم عادت تسألهم من جديد عن تلك الحفلة ليجيبها معاذ بفرحة:
_ المدرسة عاملة حفلة عشان آخر السنة وهتكرم الأوائل وهتديلهم هدايا، واحنا من الأوائل يعني هنتكرم وناخد هدايا.
ضحكت بسعادة وراحت تضمهم لصدرها وهي تقبلهم بحنان أمومي:
_ حبايبي ولادي الشطار، عاوزاكم ترفعوا راسي كده طول. عقبال ما أفرح بشهادة تخرجكم وفرحكم ياحبايب أمكم.
ابتعد عمار عن صدر والدته وسألها متشوقاً للإجابة:
_ هتيجي معانا الحفلة ياما صح أنتي وأبويا؟
انحنت عليه ولثمت وجنته بحب هاتفة:
_ طبعاً هنروح، أمال أسيب ولادي الشطار لوحدهم وهما بيتكروا.
اقترب معاذ من أمه وقبلها من وجنتها وفعل شقيقه الصغير المثل من وجنتها الأخرى، فابتسمت لهم وضمتهم لها تمطرهم بوابل من قبلاتها.
***
بتمام الساعة السابعة مساءً.
توقفت جليلة وقادت خطواتها تجاه الباب بعدما سمعت صوت الطرق.
أمسكت بالمقبض وأدارته ثم فتحت الباب وجذبته عليها لتتسع عيناها بصدمة فور رؤيتها لابنتها تقف أمامها بكل شموخ وقوة.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندى محمود توفيق
خرجت همسة من جليلة بعينين متسعتين:
_ آسيا!!
تطلعت لأمها بثبات وقسوة ليست معهودة عليها وقالت:
_ چاية أشوف خلود.
غضنت جليلة حاجبيها ورددت خلفها باستغراب وعدم فهم:
_ خلود!
تنفست آسيا الصعداء بقوة وتمتمت بقسمات وجه صلبة ونظرات كلها شموخ ووقار:
_ ممكن أدخل ولا لا يا حاجة جليلة؟
انعقد لسان جليلة وعيناها تلألأت بمرارة بعد رؤية حال ابنتها الغريب الذي وصلت إليه.. تتصرف كأنها لا تعرفها وتناديها بالألقاب دون أن تلفظ بكلمة أمي. سحق قلبها تحت الأسى والحزن وهي تراها أمامها بهذا الوضع حتى لو كانت قوية كالسابق وبعينيها نفس الجبروت والعزة، لكن وقوفها أمامها وهي تطلب منها الأذن لدخول منزل والدها مزق قلبها، وللحظة نقمت نفسها على ما فعلته بها فهي باتت شبه متأكدة أنها لم تفعل شيئاً وهم حكموا عليها ظلماً.
اكتفت بأنها أفسحت لها الطريق لتدخل. فقادت آسيا خطواتها السريعة الدرج تقصد الطابق الثاني حيث غرفة خلود، لكن أثناء مرورها من أمام غرفة شقيقها خرجت فريال بالصدفة ورأتها، فهتفت بصدمة:
_ آسيا بتعملي إيه هنا؟
اقتربت آسيا منها حتى أصبحت شبه ملتصقة بها وهمست لها بنظرات جافة وهي تثبت عيناها على باب الغرفة:
_ جلال جوه؟
هزت فريال رأسها بالإيجاب وهي تضيق عينيها بعدم فهم لتجد الأخرى تكمل ببسمة شرسة:
_ طيب خليه يطلع ويستنى تحت عشان ميفوتهوش العرض.
التزمت الصمت للحظات وهي تحاول فهم مقصدها، بينما آسيا فتركتها وأكملت طريقها لغرفة خلود. وفريال كانت تتابعها بنظراتها حتى وجدتها تقف أمام غرفة خلود، فاتسعت عيناها بصدمة، وباللحظة التالية فوراً كانت تبتسم بفرحة وخبث بعدما أدركت ما تعنيه.
استدارت برأسها للخلف تجاه غرفتها وعادت لها مجدداً، وفور دخولها رأت زوجها وهو يستعد للخروج وقد كان انتهى من ارتداء ملابسه، فعقدت ذراعيها أسفل صدرها ووقفت خلفه على مسافة بعيدة نسبياً وهي تبتسم بسخرية. بعد دقيقة التفت بجسده للخلف، وفور وقوع عينيه عليها هتف بتعجب:
_ واقفة كده ليه؟
ابتسمت له بغضب وتقدمت بخطواتها نحوه حتى أصبحت على بعد سنتيمترات قليلة منه، ثم قالت:
_ مستنية أشوف شكلك هيبقى كيف بعد ما تعرف الحقيقة.. كيف ما ظلمت أختك ظلمتني أنا كمان.
ضيق عيناه بعدم فهم وقال في لهجة غليظة:
_ ظلم إيه ده يا فريال وإيه اللي جاب سيرة آسيا!
رمقته باستنكار وقالت وهي تستدير وتبتعد عنه متجهة نحو الباب:
_ انزل تحت وهتعرف كل حاجة.
تصلب مكانه لثوانٍ بعد رحيلها، وفوراً كان يجذب هاتفه ويرتدي حذائه ويسرع للخارج يقصد الطابق الأرضي تحديداً كما قالت زوجته للتو.
فتحت آسيا الباب ودخلت دون انتظار الإذن من خلود، التي انتفضت واقفة بزعر فور رؤيتها لآسيا أمامها وبمنتصف غرفتها.
هدرت بذهول:
_ آسيا أنتي كيف دخلتي البيت؟
ابتسمت لها بتكلف وردت في سخرية:
_ دخلت من الباب هكون دخلت كيف يعني يا خلود!
هزت خلود رأسها بالنفي وقالت بعدم استيعاب توضح لها مقصدها:
_ قصدي هما كيف دخلوكي البيت؟
أخذت نفساً عميقاً وأخرجته زفيراً متهملاً، ثم تقدمت نحو خلود وهي تهمس بنبرة تثير القلق:
_ صحتك كيفها؟
سكتت للحظة وهي ترمقها باستغراب من سؤالها، لكنها بالأخير أجابت في هدوء:
_ زينة الحمدلله.. أنتي جيتي عشان تسألي على صحتي؟
عادت البسمة لثغر آسيا مرة أخرى ودارت بنظرها على طول جسد خلود لتهمس بالأخير وبعينين مريبة:
_ امال انتي محتاجة اهتمام ورعاية خاصة ولا عايزة عيلك يحصله حاجة؟
تجمدت الدماء في وجه خلود وأصفر لونه حتى أنها ازدردت ريقها بصعوبة من صدمتها وأخذت تحدق في آسيا بارتباك، ثم أردفت بتصنع عدم الفهم:
_ عيل إيه ده!
ضحكت آسيا بشيطانية وقالت وهي ترفع يدها وتربت فوق ذراع خلود بلؤم:
_ أنا عارفة كل حاجة يا خلود.. متقلقيش مش هفضحك، بس قصاد كده هتقولي للكل إنك افتريتي عليا وغلطتي فيا وفي شرفي وخلتيني في نظر ناسي واحدة فاجرة وزانية.
وهاهي عادت آسيا التي تعرفها، لكن التي كانت منذ أيام وهي تتحدث معها بالمقهى كانت فتاة أخرى. وللأسف هي نجحت في خداعها هذه المرة. اضطربت خلود وظهر الخوف على محياها فقالت برفض قاطع:
_ أقول كيف أنتي عارف أبويا وجدي وعلي هيعملوا فيا إيه لو عرفوا اللي عملته فيكي.
انتصبت آسيا بوقفتها وهي ترفع رأسها بشموخ وترد بكل قسوة وحدة تلقي عليها تهديداته الصريحة:
_ لو عايزة أخليهم يعرفوا إن بتهم الشريفة متجوزة عرفي وحامل كمان معنديش مشكلة.
زعرت بشدة وراحت تمسك بيد آسيا تتوسلها ببكاء ورعب:
_ لا أبوس إيدك يا آسيا ما تقوليليش حاجة.. دول يقتلوني فيها.
أخفضت نظرها لها بتشفٍ والأخرى تتوسلها ببكاء وارتعاش. كان منظرها يعيد تكرار ذكريات ذلك اليوم عندما كانت تتوسل الجميع وسط انهيارها ووجهها المتورم لكي يصدقوها، لكن الجميع اختار الطريق المعاكس لها وتخلوا عنها.
هتفت خلود باستسلام في صوت مبحوح:
_ خلاص هعمل كل اللي انتي عايزاه بس متجيبيش ليهم سيرة أبوس إيدك.
زفرت يد خلود بعيداً عنها باشمئزاز وقالت في شراسة:
_ هتنزلي دلوقتي قصاد الكل وتقولي الحقيقة وقصادي.
انتصبت خلود في وقفتها وطالعتها بصدمة تردد خلفها:
_ دلوقتي؟
انحنت آسيا بجسدها على الفراش المجاور لها وجذبت حجابها ثم ألقته بوجه خلود وهي تصيح بها:
_ البسي خلصي يلا عشان ننزل زمان الكل مستنينا تحت.
طالت نظرة خلود المرتعدة لآسيا وبقت متشكرة بأرضها لدقائق قبل أن تبدأ في ارتداء حجابها مرغمة وسط دموعها التي تنهمر فوق وجنتيها بغزارة، والأخرى كانت تتابعها بتشفٍ وقرف.
بعد مرور عشر دقائق تقريباً كانت خلود تنزل درجات السلم ببطء وخلفها آسيا حتى وقفت على الأرض ونقلت نظرها بين الجميع، كانت العائلة بأكملها متواجدة.
ألقت آسيا نظرة على فريال التي ابتسمت لها بدفء وفهمت من نظراتها أنها هي التي قامت بجمع العائلة كلها، فرمقتها آسيا بامتنان وحب نقي. لم يلبث للحظة حتى صاح منصور بغضب:
_ أنتي بتعملي إيه هنا؟
هتف حمزة بحزم يسكت ابنه عن الحديث:
_ منصور.. استنى خلينا نشوف عايزة تقول إيه!
نقلت آسيا نظرها على وجه أمها التي كانت عيناها لامعة بالدموع، وحين نظرت لشقيقها وجدته ساكناً تماماً يتابعها بنظرات غاضبة مثل جدها والبقية. وجدت البسمة الساخرة تصعد لثغرها بتلقائية وقالت تجيب على جدها دون أن تنظر له حتى:
_ مش أنا اللي هقول.. بتكم هي اللي هتقول وتتكلم.
كان الرعب والصمت يستحوذ على خلود وهي تتنقل بنظرها بين وجوه عائلتها، تحاول توقع ردة فعلهم بعدما تكشف لهم فعلتها الشنيعة. لكن حين استقرت عيناها على وجه آسيا رأت التحذير المرعب، فتنفست الصعداء بتريث وبدأت تتحدث وهي مطأطأة أرضاً لا تتجرأ على رفع عينيها بوجوههم:
_ آسيا معملتش حاجة.. يعني مكنش في حاجة بينها هي وعمران.
رفعت آسيا نظرها ورأت السكون والذهول مهيمناً على الجميع، فابتسمت بثقة وهتفت بحدة توجه حديثها لخلود:
_ كملي.
ازدردت خلود ريقها بتوتر وتابعت بصوت مرتجف:
_ أنا عدلت الصور وقولت إن هي وعمران بيحبوا بعض وفي بينهم حاجة.
كانت الصدمة تستحوذ على منصور هو وعلي وكذلك حمزة، بينما جلال فأظلمت نظراته وهي واقف يندفع نحو ابنة عمه يصرخ بها بانفعال مرعب:
_ عدلتيها كيف يعني؟
هدرت بصوت باكي دون أن ترفع نظرها لوجه جلال:
_ أنا لما شوفتها هي وعمران كانت بتتخانق معاه وبتتهمه إنه هو اللي قتل عمي خليل وأنا صورتهم وعدلت الصور عشان يبان إن في بينهم حاجة.
احتقن الدماء في وجه جلال وراح ينظر لوجه خلود بعصبية يرغب بفعل الكثير بها، لكنه لا يستطيع لمسها. رفع يده في الهواء وراح يمسح على وجهه، وحين سقطت نظراته على شقيقته رآها ترمقهم بخبث وسخرية. ولم يزيح نظره عنها إلا عندما صك سمع الجميع صوت صفعة جليلة القوية لخلود وهي تصرخ بها:
_ افتريتي على بتي ولعبتي بشرفها وخليتنا نعمل فيها كل ده.. ودلوقتي جاية تعترفي بعملتك ماهو العيب على أبوكي وأمك اللي معرفوش يربوكي.
استشاط علي واندفع نحو شقيقته يبعد زوجة عمه عنها ويوجه لها صفعته العنيفة وراح يجذبها من حجابها قابضاً على شعرها من فوق الحجاب وهو يصرخ بصوته الرجولي:
_ جبتي الفجر ده منين؟
كانت تبكي وتصرخ بين يدي شقيقها وآسيا تتابعهم مبتسمة بسخرية، تتشفي في منظرهم جميعهم وهم يسمعون الحقيقة التي لم يصدقوها عندما توسلتهم وهي تخبرهم بها. انحنت على أذن خلود وهمست لها بنبرة لا تحمل من الشفقة أو الرحمة شيء:
_ سبق وقلتلك فتحتي على روحك طاقة جهنم لما فكرتي تأذيني.. وجه وقت الحساب أنا كنت قاطعة عهد على روحي إني هخلي نهايتك أبشع من نهايتي يابت عمي.
كان علي يسمع كلمات آسيا ولا يفهم منها شيء، لكن نظراته كانت متسعة بدهشة، وباللحظة التالية كان يتابع ابنة عمه وهي تقترب من جده ووالده وتقف أمامهم ثم تضع بيد أبيها ورقتين وتهتف باشمئزاز ونقم:
_ ده عشان تعرف حقيقة بتك الشريفة.. بتكم متجوزة عرفي وحامل والدليل في يدكم أهو.
صرخت إنصاف بصوت مرتفع واتسعت عينا كل من منيرة وفريال بذهول، بينما البقية فكان صمتهم مرعب أكثر. راح منصور يتفقد الورقتين بتدقيق ومن ثم جذبها حمزة من يده، وبالأخير كان علي.
أما جليلة فلم يكن يهمها شيء وسط كل هذا سوى ابنتها. تفكر كيف ستجعلها تغفر لها وتسامحها. وجلال كان يقف مصدوماً يتلقى الصدمات دفعة واحدة لا يدري كيف يتصرف، لكنه ألقى نظرة نارية ومشمئزة على خلود وتابع بنظره عمه وهو ينقض على ابنته وينهال عليها بالصفعات والضربات القوية، وهذه المرة حتى جدها نالت من نقمه وجموحه نصيباً وسط صراخ زوجة عمه وبكائها العالي على ابنتها. لكن منصور كان لا يرى شيئاً أمامه وكأنه أصاب بالعمى يضرب ابنته بأي مكان تطوله يداه ويساعده حمزة وسط صراخهم عليها ونعتهم لها بالفاجرة والألفاظ الأخرى.
انطفأت نيران آسيا المشتعلة في صدرها بعد أن رأت ذلك المشهد أمامها، ثم استدارت وكانت تنوي الرحيل، لكنها توقفت عنوة على أثر قبضة أمها على ذراعها وهي تهتف برجاء وبكاء:
_ متمشيش يا آسيا.. حقك علينا يا بتي سامحينا.
رفعت آسيا نظرها لجلال ورأت نظرات الندم والحزن في عيناه، ثم عادت لأمها تنظر لها ولوجهها الغارق بالدموع. ولأول مرة لا تشعر تجاههم بأي شيء سوى النقم والنفور. فأبعدت يد أمها عنها وهتفت بجفاء ونظرات كلها قوة وعدم مبالاة:
_ بتكم ماتت.
استدارت وقادت خطواتها لخارج المنزل، فلحقت بها جليلة وهي تصرخ عليها ببكاء لتركض منيرة تحاول إيقافها، وكان خلفها جلال ينوي اللحاق بشقيقته ليوقفها.
لكنه تسمر بأرضه عند باب المنزل بعدما رأى عمران وهو يقف أمام سيارته يستند عليها بظهره منتظرًا زوجته.
وعندما اقتربت منه آسيا انتصب في وقفته وانحنى عليها يقبل رأسها بحنو مبتسمًا لها، ثم امسك بيدها واتجه نحو باب السيارة ليفتح الباب لها.
وقبل أن تستقل بالسيارة ألقت نظرة عليهم خالية من المشاعر وصعدت.
وبعد ثوانٍ كان عمران يستقل بجوارها وينطلق بالسيارة مبتعدًا عن المنزل وسط بكاء جليلة وهي تردد بندم:
"آسيا.. آسيا، حقك عليا يابتي سامحيني آاااه."
داخل منزل إبراهيم الصاوي...
كانوا بطريقتهم لغرفتهم، لكن عمران توقف عندما سمع صوت والده، فنظر لآسيا وهمس لها بخفوت:
"اسبقيني وأنا چاي وراكي."
كانت تتجول وتسير معه طوال الطريق كالجسد بلا روح، عيناها منطفئة ووجهها ذابل، شفتيها عابسة وملامحها تعكس الألم والقهر الذي بقلبها.
رغم أنه أخذها وتجولوا قليلًا لكي يزيح الهم عنها قليلًا، لكن دون جدوى.
هزت رأسها له بالموافقة وتابعت طريقها لغرفتها بالأعلى، وهو اتجه لوالده.
دخلت الغرفة واغلقت الباب، ثم تقدمت نحو الفراش وجلست على حافته، وأخذت تستعيد الساعات السابقة في عقلها تتذكر نظرات الجميع وتوسلات أمها وندم شقيقها.
وبنفس اللحظة كان يقذف بعقلها ذكرى اليوم المشؤوم عندما كانت تتوسلهم لكي يصدقوها ولا يتركوها طعمًا لتلك العائلة وتتزوج من رجل لا تريده وتكرهه، لكنهم لم يتلفتوا لها وصدقوا ما رأته عيناه.
بعد مرور خمسة عشر دقيقة تقريبًا وهي على نفس الوضع، وصل عمران أخيرًا.
دخل وثبت نظره عليها، لكنها كانت لا تنتبه له تنظر في الفراغ بضياع.
فتنهد الصعداء بقوة واقترب منها حتى جلس بجوارها وراح يرفع يده يمسح على رأسها بحنو متمتمًا:
"اتكلمي يا آسيا إيه اللي مضايقك؟"
رفعت نظرها الضائع له، وبلحظة تجمعت العبرات بمقلتيها فقالت بصوت مبحوح يغلفه البكاء:
"مش قادرة انسى اللي عملوه فيا ياعمران."
سكتت للحظة ثم تابعت وكانت دموعها انهمرت فوق وجنتيها وأصبح صوتها مهزوزًا:
"مش هقدر اسامحهم واصل على الظلم اللي ظلموه ليا.. رموني كأني مش بتهم وجابوني على البيت ده وجوزني منك غصبن عني ومحدش فيهم سأل فيا واعتبروني مت.. مفيش حد فكر يسأل ولا يهتم أنا عايشة كيف وسيكم وإيه بتعملوا فيا. ودلوك عاوزني اسامحهم وانسى كل حاجة كيف بعد ما هملوني لحالي وأنا مليش حد."
فرد ذراعه ولفه حول كتفيها ثم ضمها لصدره وراح يملس فوق ذراعها بكفه العريض وهو يهمس بصوت رزين وجاد:
"متغصبيش روحك على حاجة وقت ما تحسي نفسك قادرة تنسي وتسامحي وقتها ترجعي ليهم، لكن دلوك متفكريش في حاجة. وأنا جارك وجوزك يعني انتي مش لوحدك."
ابتسمت بغرام وسط دموعها ثم رفعت نظرها له دون أن تبتعد عن صدره لتهمس بعينان كلها امتنان وعاطفة:
"انت الوحيد اللي كنت جاري رغم كل اللي عملته فيك.. كنت ضهري وسندي."
صمتت للحظة ثم تابعت بعين عادت تغرق بالدموع مرة أخرى:
"تعرف ياعمران أنا بشوف فيك حنان وحب أبويا.. كل اللي عملته وكل حاجة بعملها حتى لو غلط أنا ببقى عارفة إنك في ضهري وهتحميني وببقى مرتاحة ومطمنة طول ما أنت جاري."
ابتسم لها ثم انحنى عليها ولثم جبهتها بقبلة مطولة هامسًا:
"بظبط وعشان إكده متزعليش روحك ووقت ما تبقي مستعدة تواجهي ناسك وتسامحيهم ارجعي ليهم."
التزمت الصمت لثوانٍ وهي تفكر، ثم ابتعدت عنه لتسأله بوجه عابس:
"هو أنت عاوزني ارجع لهم واطلقني؟!"
ضحك بخفة ليرد عليها بصوت الرجولي القوي:
"ترجعيلهم بمعنى تسامحيهم وترجع المايه لمجاريها من تاني يا آسيا مش إنك ترجعي وتسيبي بيت جوزك طبعًا."
عادت البسمة لثغرها من جديد، فوجدته يهب واقفًا ويهتف بجدية:
"يلا عاد قومي اغسلي وشك وجهزي روحك عشان أنا معايا شغل في القاهرة ومسافرين الفجر الليلة."
اتسعت عيناها بدهشة لتردد بتعجب:
"القاهرة والفجر؟!"
رد مبتسمًا بخبث وهو يتجه نحو الخزانة ويبدأ في تبديل ملابسه:
"اممممم هناخد أسبوعين لو مش عاوزة تاجي معايا خليكي هنا في البيت عادي."
ردت على نفسها ساخرة بقرف وفي صوت منخفض:
"وإيه اللي يقعدني في بيت العقارب ده لحالي وأنت مش قاعد."
تنهدت الصعداء ورفعت أناملها تمسح دموعها من فوق وجنتيها برقة، وعندما التفتت نحوه ورأته شبه عارٍ صرخت بفزع وسرعان ما أشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تهتف بغيظ:
"قولتلك مليون مرة ياعمران متغير قصادي كده!"
رد ببرود مبتسمًا وبلهجة صعيدية غليظة:
"امال اقلع خلجاتي وين يعني في الطرقة برا مثلًا ولا إيه؟!"
استقامت واقفة وهي مازالت تتحاشى النظر لجسده وسارت باتجاه الحمام.
أخذ يتابعها بنظراته وهو يضحك.
كانت تسير هي تنظر للجانب خشية من أن يسقط نظرها عليه دون قصد، وعندما وصلت للحمام دخلت واغلقت الباب ثم راحت تهتف من الداخل بغيظ ممزوج بخجلها:
"الناس بتغير في الحمام مش قصاد أي حد كده."
رفع حاجبه باستنكار لعبارتها المتناقضة التي لا تناسب زوجين أبدًا، لكنه اكتفى ببسمته المغلوبة عليها وتابع ارتداء ملابسه ثم التقط هاتفه وأجرى اتصالًا يخص العمل.
كان صوت صراخ إنصاف هو فقط المسموع بالمنزل بعدما رأت ابنتها فاقدة الوعي أمامها والدماء التي تسيل منها جعلت النصف السفلي من ملابسها الصفراء كله أحمر اللون.
فقد فشلت هي في انتشالها من بين براثن زوجها وجدها، لكن جلال بعد رؤيته لمنظر الدماء هرول نحو عمه ودفعه بعيدًا عن خلود يصيح به:
"متستاهلش تقتلها وتدخل روحك السجن.. بزيادة ياعمي."
كان علي يقف يحدق بشقيقته مذهولًا وهو يرى دمائها تملأ ملابسها، هذا يعني أن آسيا لم تكن تكذب فيما يخص حملها وهي بالفعل كانت حامل.
بتلك اللحظة كان منصور يصرخ بجلال وهو كالثور الهائج:
"حطت راسي في الطين وجابت لنا العار بت **** دي **** هقتلها واغسل عاري عشان ارتاح."
كانت جليلة بعالم آخر تجلس بركن بعيد عنهم وتبكي على ابنتها بندم، وكل من فريال ومنيرة يتابعون ما يحدث أمامهم بصمت دون أن يتجرأ أحد منهم على التدخل.
على عكس إنصاف التي كان صوتها المرتفع يزلزل المنزل وهي تولول وتلطم بصراخ وبكاء من خوفها على ابنتها.
فتحت خلود جزء بسيط من عينيها بضعف وهي تتأوه بألم، كانت بين الوعي واللاوعي تسمع أصواتهم لكن لا تفهم ولا تشعر بشيء.
وفجأة انقض عليها علي يقبض على فكها عندما رآها تفتح عينيها يلقنها بألفاظ نابية:
"يا فاجرة يا **** كيف ما العيل اللي في بطنك ده مات هتحصليه أنتي و **** اللي عملتي عملتك معاه ده.. وعزة جلالة الله يا خلود لأقتلكم انتوا الاتنين."
دفعه جلال عنها وصرخ به بعصبية:
"عــلــي."
ثم رفع نظره ليحدق بزوجة عمه ويقول بحزم:
"اتصلي بالإسعاف خليها تيجي بسرعة."
أسرعت إنصاف شبه ركض تجاه هاتفها وبظرف لحظة كانت تضغط على الأرقام وتجري اتصالها بالإسعاف.
بينما الجد حمزة فاقترب من مقعد خشبي مبطن وجلس فوقه وهو يضع رأسه بين راحة كفه مغلقًا عينيه بتعب من فرط الهم والتعب.
وما هي إلا لحظات حتى توقف وكان ينوي الذهاب لغرفة الجلوس حتى يرتاح، لكنه فجأة سقط على الأرض فاقدًا الوعي.
هرول الجميع نحوه يحاولون إفاقته لكن دون جدوى.
أصبحت الكارثة كارثتين الآن والمنزل أصبح يملأه الصراخ كمنزل الميت الذي يتلقى واجب العزاء من الناس.
مرت ساعات طويلة دون أن تحصل على أي خبر منهم.
كانت تحاول الاتصال بزوجها لكن لا يجيب عليها وبدأ قلقها يزداد على الجد من أن يكون قد صابه مكروه.
لم تكن تهتم بخلود ولا يهمها أمرها فهي نالت جزاء أفعالها الدنيئة.
عاد الأولاد من المدرسة للمنزل ووجهتهم الأولى كانت لغرفة والدتهم بعدما وجدوا المنزل فارغًا ولا يوجد أحد.
انفتح الباب ودخل عمار أولًا وهو يهتف بسرعة:
"أما هي جدتي وجدي حمزة والكل وينهم مفيش حد في البيت."
تنهدت الصعداء بضيق ورتبت بكفها على الفراش بجوارها تشير لهم أن يقتربوا ويجلسوا بجوارها، ففعلوا بسرعة وسألتهم هي باهتمام:
"إيه أخبار المدرسة النهاردة حليتوا زين مع الأبلة؟"
رد عمار بحماس طفولي وسعادة:
"إيوة وادتني نجمة كمان في الكراسة وخلت الفصل كله يصقفلي عشان أنا شاطر."
ابتسمت فريال بحب لابنها وانحنت عليه تلثم شعره بحنو، ثم رفعت رأسها ونظرت لابنها الأكبر فترى السكون يستحوذ عليه يحدق بأمه وكأنه يود قول شيء لكنه متردد.
تجاهلت ما رأته بتلك اللحظة وأجابتهم على فضولهم بعبوس:
"جدكم حمزة تعب شوية وهما راحوا معاه المستشفى."
رد معاذ بهذه اللحظة في خوف:
"طيب هو بقى كويس دلوقتي ولا لسا تعبان؟"
زمت شفتيها بحزن وقالت وهي تهز كتفيها بجهل:
"معرفش يا ولدي أبوك مش بيرد عليا.. إن شاء الله يكون كويس.. انتوا قوموا دلوقتي غيروا هدومكم عشان تتغدوا وبعدين راجعوا على الحفظ قبل ما تروحوا الدرس.. ولما أبوكم يرد عليا هقولكم قالي إيه."
زموا شفتيهم بعبوس طفولي واستقام عمار أولًا ممتثلًا لأوامر والدتهم وهو يتجه لخارج الغرفة.
وكان معاذ سيهم بالنهوض واللحاق به لكنها قبضت على ذراعه تثبته مكانه وتسأله بجدية:
"مالك يامعاذ ياحبيبي في حاجة عاوزة تقولها وخايف؟"
هز رأسه بالنفي ورد على أمه متنهدًا بخنق:
"لا أنا مش خايف ياما بس مش عارف أقولك ولا أقول لأبويا."
ضيقت عيناها باستغراب وعادت تسأله باهتمام وفضول:
"تقولنا إيه.. قولي عاوز تقول إيه لأبوك؟!"
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن ينظر لعينان أمه ويتمتم بغضب ملحوظ واقتضاب:
"شوفت مرت أبوي وهي كانت في مكتبه وبتفتح خزنته وكانت بتاخد فلوس ولما دخلت اتفزعت وحطت الفلوس مكانها تاني وقفلت الخزنة بسرعة.. كانت بتسرق من فلوس أبوي ياما."
اتسعت عينا فريال بصدمة وهيمن السكون عليها لبرهة من الوقت قبل أن تسأل ابنها بترقب:
"شفت الكلام ده ميتا؟"
رد بثقة تامة وثبات:
"امبارح الصبح."
التزمت فريال الصمت وانحرفت عيناها من على وجه ابنها لتحدق في اللاشيء بشرود وملامح وجه ساخطة.
وما هي إلا دقيقتين بالضبط حتى عادت بنظرها لصغيرها وأملت عليه تعليماتها الصارمة:
"طيب متجيبش سيرة لابوك واصل باللي شفته يا معاذ ولو حصل وشفت أي حاجة من مرت أبوك تاني تاجي وتقولي أنا علطول ياحبيبي تمام."
لوى فمه بعدم فهم لكن قال بانصياع لأوامر أمه:
"حاضر ياما.. بس ليه مجيبش سيرة لأبوي؟"
ابتسمت له بحنو وغمزت له بخبث ثم همست:
"لا أنا ولا أنت ولا عمار عاوزين مرت أبوك تفضل هنا في البيت معانا صح."
ابتسم لأمه وهو هز رأسه بالإيجاب، فضحكت هي على ابنها الداعم لأمه وانحنت عليه تقبل شعره هامسة بلؤم:
"عشان إكده مش هتجيب سيرة لأبوك وهتقولولي كل حاجة بتعملها مرت أبوك وتعمل اللي أقولك عليه أنت وعمار.. عشان نمشيها من بيتنا."
ضحك بخفة وراح يلقي بحمل جسده كله على أمه يعانقها بقوة وهي يقول بسعادة وحماس:
"اتفقنا."
عشان تمشي مرت أبوي ونرجع كلنا كيف ما كنا في الأول وأنتي وأبوي متتخانقوش تاني بسببها.
ابتسمت لابنها وهو بين ذراعيها وراحت تلثم رأسه بقبلات أمومية دافئة، بينما هو فسكن داخل أحضان أمه وهي يغلق عينيه براحة.
***
داخل المستشفى بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.. كان كل من منصور وعلي وجلال يجلسون بالخارج في انتظار الطبيب ليخرج من غرفة العمليات ويطلعهم على وضع الجد. ينتظرون منذ ساعات طويلة وحالتهم المزرية كانت مختلفة ما بين الغضب والهم والقلق، وبين الجمود والسكون التام، كأن صاعقة من السماء ضربت رأسهم بنفس اللحظة وحرقتهم كلهم بأرضهم.
رأوا الطبيب وهو يخرج من الغرفة أخيراً ويقترب منهم، فتوقف جلال وتقدم نحوه يسأله باهتمام:
"إيه يادكتور طمنا كيفه چدي؟"
رد الطبيب براحة وهدوء:
"اطمنوا هو بخير حالياً الحمدلله، اتدخلنا في الوقت المناسب. هي كانت بداية جلطة في المخ، لكن الحمدلله ربنا ستر."
تنهد جلال وهو يردد الحمدلله، بينما منصور فسأل الطبيب بمضض:
"وخلود؟"
أجابه الطبيب بوجه عابس:
"للأسف مدام خلود دخلت العمليات فوراً عشان عملية الإجهاض، وهي حالياً هيتم نقلها لغرفة عادية.. هو حصل معاها إيه بالظبط لأن واضح أن كان في آثار عنف على وشها!"
نعته لها بالمدام جعلت شقيقها ووالدها يستشيطون من جديد، لكن جلال تولى هو المهمة ورد على الطبيب بهدوء:
"وقعت يادكتور من فوق السلالم والواقعة كانت شديدة قوي."
هز الطبيب رأسه بتفهم رغم عدم اقتناعه، لكنه أجاب بالأخير في جدية:
"طيب ياريت لو زوجها موجود خلوه يجيلي على المكتب عشان في إجراءات مهمة لازم يخلصها تخص الطفل والمدام."
أنهى عبارته واندفع بعيداً عنهم يسير باتجاه غرفته التي بالطابق السفلي. بينما منصور فاستشاط وراح يهتف بوعيد وهو يترنح من فرط الغضب:
"يا ***** جبتيلنا العار، كان لازم اقتلك وأرتاح منك واصل.. تطلعي أنتي بس وأنا هقتلك أنتي وال**** اللي عملتي عملتك **** معاه."
ترك علي والده وعاد مرة أخرى لمقعده يجلس فوقه، وقد أخذت قدماه تهتز بعنف وهو يضع كفه فوق فكه يضغط عليه بقوة من فرط نيران غضبه الملتهبة.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي......
هتفت إخلاص باعتراض:
"هتاخدها معاك ليه عاد؟!"
رد عمران على أمه بضيق:
"هاخدها عشان مرتي ياما، أسيبها إهنه ليه؟!"
قالت إخلاص في غيظ شديد:
"أنت مش رايح تخلص شغلك.. يبقى تفضل إهنه، إيه اللي يوديها معاك."
مسح عمران على وجهه متأففاً بنفاذ صبر ونظر لأمه بخنق يقول في حدة:
"أما أنا هاخد أسبوعين في القاهرة وأنا راجل متچوز أاقعد لحالي ليه ومرتي موچودة.. مطرح ما أكون موچود تكون هي، ولا أروح أجيب حرمة غريبة تخدمني وتقعد معايا في الشقة!"
استاءت إخلاص بشدة وراحت تهز قدميه بعنف في غيظ لتقول له بقسمات وجه ملتهبة:
"وأنا خايفة تضحك عليك ياولدي وتاخدك تحت جناحتها.. دلوك أنت عاوزها تروح معاك مطرح ما تتحرك، بعدين كمان هلاقيها جايبالك الواد."
زفر حرارة أنفاسه الملتهبة من الغضب واستقام واقفاً يجيب على أمه بحدة:
"ومتجيبش ليه؟ مش مرتي ولا أنا مليش نفس أشوف عيالي!"
اتسعت عين إخلاص بصدمة من رده، لكنها هدأت من ثورانها بأنه قال هكذا فقط ليسكتها ولأنها استفزته. تابعته بنظراتها النارية وهي تراه يندفع لخارج الغرفة ليتركها ويرحل.
داخل الغرفة كانت آسيا تقوم بجمع ملابسهم في الحقائب تستعد لرحلتهم التي ستكون بعد ساعات معدودة. وبعدما انتهت من توضيب حقيبتها انتقلت لحقيبتها وبدأت في جمع ملابسه ووضعها بالحقيبة. كانت جميعها من الجلابيب البلدي ذات الطابع الصعيدي، لكن يدها توقفت بدهشة عندما سقطت يداها فوق بعض البناطيل والقمصان مختلفة الألوان. فراحت تمسك بقميص منهم وتحدق به بتعجب لا تفهم سبب وجودهم بخزانته، فهي أبداً لم تراه يرتدي بنطال وقميص!
بتلك اللحظة دخل الغرفة ومعالم وجهه كانت تنم على وجود بركان بداخله، لكن فور رؤيته لها وهي تمسك بملابسه وتتأملهم بشرود سألها بصوته الرجولي الذي نفضها في أرضها:
"بتعملي إيه؟!"
ضمت قميصه لصدره وقالت بخفوت مبتسمة:
"ولا حاجة، كنت بلم الشنط مش أنت قولتلي هنمشي الليلة في الفجر."
لانت حدة ملامحه قليلاً ليقول بجدية:
"آه، خلصي الشنط ونامي شوية عشان متتعبيش في الطريق."
اماءت له بالموافقة دون أن تصدر أي صوت، بينما هو فاستقرت عيناه على قميصه الذي بيدها وأردف:
"مسكاه ليه ده؟!"
أخفضت نظرها للقميص ثم عادت بنظرها له مجدداً تقول ببسمة ناعمة:
"عادي، أنا كنت بلم هدومك ولقيتهم وسطهم فاستغربت عشان عمري ما شفتك لابس غير الجلابيب."
دس يده في جيب جلبابه وأخرج مفاتيح سيارته وهاتفه وحافظة نقوده وهو يجيب بلهجة غريبة وصوت غليظ:
"سبيهم مكانهم، متمليش الشنطة على الفاضي بحاجات مش بلبسها كيف ماقولتي."
ضيقت عيناها بتعجب من أسلوبه الجاف، لكنها تصنعت عدم الاهتمام وبقت مكانها تقف كالصنم تتابع حركاته بنظراتها حتى وجدتها يتجه نحو الحمام ويختفي بداخله. فسقطت بنظرها للقميص الذي بيدها وهي تبتسم بمكر، وبسرعة راحت تخرج بقية القمصان وتختار منها ما يتماشى مع ذوقها وتضعها بالحقيبة، وفعلت المثل مع البناطيل. حيث بالنهاية جعلت حقيبته نصفها ملابسه المعتادة جلابيبه والنصف الثاني من القمصان والبناطيل. ثم اغلقتها بسرعة قبل أن يخرج ويراها، وأغلقت كذلك خزانته ووضعت الحقائب فوق الأرض وهي تضحك باستمتاع وخبث. لكنها انتفضت على أثر صوته وهو يسألها:
"بتضحكي علي إيه؟"
رددت بزعر وصوت منخفض:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. إيه ياعمران، فزعتني. هو الضحك حرام وأنا معرفش؟!"
لم يهتم بردها ولم يجيبها، فقد كان يجفف شعره بالمنشفة الصغيرة من قطرات المياه. تنهدت مغلوبة وتقدمت نحوه لتقف أمامه تسأله برقة:
"أنت في حاجة مضيقاك؟"
طالت نظرته الدقيقة لها ليجيبها بنبرة خشنة:
"لو قولتلك آه هتعملي إيه يعني؟"
صمتت للحظات قبل أن تبتسم بنعومة وتقول بنظرة لئيمة:
"هعملك جلسة استرخاء تريحك وتنسيك كل حاجة."
رفع حاجبه بتعجب ودهشة من ردها، ولم تمهله اللحظة ليجيب عليها حتى، حيث جذبته من يده وسارت نحو الأريكة لتجعله يجلس فوقها. ثم التفت حولها لتقف خلفه وتمسك برأسه بكل لطف لتعود بها على ظهر الأريكة. رغم حيرته من تصرفاتها، لكنه ترك نفسه لها بسبب فضوله ليعرف ما الذي ستفعله به. ولم يلبث للحظة حتى شعر بأناملها الناعمة وهي فوق جبهته ورأسه تدلكهم بكل رقة واحترافية. أغلق عينيه لا إرادياً عندما انتشرت اللذة في جسده من لمساتها المتمرسة والناعمة فوق رأسه. ضحكت هي عندما رأت منظره وانحنت عليه تهمس بصوتها الأنثوي الجميل:
"إيه رأيك؟"
حصلت على الرد منه بصوت يحمل بحة رجولية منيرة ومثيرة:
"كملي متوقفيش يدك واصل."
ضحكت بأنثوية اخترقت عقله وليس أذنه فقط، ثم استطردت:
"عيوني يامعلم."
مال ثغره للجانب في ابتسامة بالكاد تظهر وهو مازال مغمض العينين. ومع مرور الوقت بدأت تسمع صوت تأوهاته المتلذذة بحركات يدها ولمساتها، فتتسع ابتسامتها هي أكثر. وبعد تقريباً عشر دقائق توقفت يديها عندما شعرت بالتعب. ففتح عينيه بخمول من شدة الاسترخاء واللذة التي كانت تغمره للتو، ويتمتم لها مبتسماً:
"تسلم يدك."
ضحكت وقالت بدلال غير مقصود وهي تغمز:
"أي خدمة يامعلم."
ثم تابعت وهي تتحرك نحو الفراش:
"أنا هنام شوية قبل الفجر عشان أقدر أكمل اليوم بكرة."
لم يجيب واكتفى بنظراته الدقيقة لها مع ابتسامته اللعوب وهو يراها تتسطح فوق الفراش وتبدأ تستسلم لنومها.
***
داخل منزل خليل صفوان......
كانت منيرة تقف بالمطبخ تقوم بتحضير شاي لها وكانت في انتظار معرفة أي خبر سواء كان عن الجد أو خلود، لكن جلال لا يجيب على هاتفه. لكن انتبهت كل حواسها فور سماعها لصوت الباب، وبسرعة قادت خطواتها السريعة للخارج. فرأت جلال وهو يجلس فوق مقعد الأريكة ويدفن رأسه بين راحتي كفيه. فأسرعت نحوه وجلست بجواره تسأله في اهتمام:
"إيه يا جلال، الحج حمزة وخلود كيفهم؟"
رفع رأسه عن كفيه وتنهد الصعداء، ليكتفى بإيماءة رأسه كرد على سؤالها بأنهم بخير، فتنفست هي براحة. دام السكون بينهم لدقائق، كان هو يحاول ترتيب أفكاره وأخذ قسط من الراحة قبل أن يعود للمستشفى. لكن سماعه لمنيرة وهي تقول بعدم تصديق ويلمس نبرة التشفي في صوتها التي جعلت الغضب يتسحوذة مرة أخرى:
"أنا مش مصدقة أن خلود عملت إكده.. معقول تتچوز عرفي وتحمل كمان؟ كيف عملتها؟ طلعت ص**ح مش كيف ما كنت مفكراها غلبانة."
ثم ظهرت بسمة السخرية والبحث فوق ثغرها وهي تتبع:
"بس آسيا خدت حقها تالت وتالت منها، وطلع چوازها من عمران مش عشان الصلح كيف ما كلنا فاهمين.. أنت ليه مقولتليش الموضوع ده!"
تحولت نظرات جلال وأصبحت مخيفة، وكأنه وحش يستعد للانقضاض على فريسته. وبـلـحظـة كانت تجده يقبض على شعرها بعنف هاتفاً في نبرة صوت قفزت الرعب في أوصالها:
"متفتحيش خشمك تاني واصل في الموضوع ده.. أنتي النهاردة كنتي خرسة وطرشة، لا شفتي ولا سمعتي حاجة.. اقسم برب العزة لو صنف مخلوق عرف باللي ح**صل في البيت النهاردة وسمعتيه، وبذات على موضوع آسيا، لأكون أوريك النجوم في عز الضهر ومطلقك وراميكي في بيت ناسك.. فاهمة ولا لا!"
انهى عبارته الأخيرة بصرخة نفضتها مكانها، فأخذت هي توميء له عدة مرات متتالية بموافقة في خوف من جموحه المرعب الذي تشهده للوهلة الأولى. بينما هو فتركها واستقام واقفاً يتجه نحو الدرج يقصد غرفته هو وفريال بالطابق الثاني.
***
هبت فريال واقفة عندما وجدت الباب ينفتح ويظهر جلال من خلفه. فأسرعت نحوه تسأله بقلق:
"چلال طمني، چدي حمزة كيفه؟.. برن عليك من الصبح مبتردش!"
تنهد بعبوس ووجه مهموم ثم أجابها بخفوت:
"لغاية دلوك زين يافريال الحمدلله."
تنهد الراحة بفرحة، ثم تابعته وهو يتجه نحو الفراش ويجلس فوقه ماسحاً على وجهه وهو يتأفف بقلة حيلة. فراحت تجلس بجواره وتلوى فمه بخنق لتسأله على مضض:
"وخلود سقطت العيل اللي في بطنها ص**ح؟"
اماء لها بالإيجاب ثم تمتم بغضب وغيظ:
"كان نفسي أسيب عمي يقتلها وياخد روحها، معرفش إيه اللي خلاني أمنعه."
فريال بخنق واشمئزاز:
"هي خدت جزائها على اللي عملته، ولسة كمان."
دام صمته للحظات حتى خرج صوته مكتوماً وهو يسألها دون أن يرفع رأسه وينظر لوجهها:
"أنتي كنتي عارفة باللي عملته في آسيا؟"
ابتسمت فريال باستنكار وردت عليه في قسوة واستياء:
"كنت عارفة، آسيا حكتلي. وحتى لو مكنتش حكتلي أنا كنت مستحيل أصدق الصور.. أنا عارفة أن لا أخويا ولا آسيا يعملوا حاجة إكده.. لكن أنتوا كلكم صدقتوا فيها وظلموتها ورمتوها كأنها ملهاش ناس.. لما چات البيت عندنا كانت بتلبس نقاب أول كام يوم عشان تداري الورم اللي في وشها من كتر ضربك ليها أنت وعمك، وچاتلي تطلب مني مكياچ عشان تحطه لما تنزل ومحدش يلاحظ اللي في وشها."
محدش كان واقف چارها وفي ضهرها وبيحميها غير عمران اللي أنت كنت بتتهمه في قتل أبوك.
كان مازال لا يرفع رأسه لها، فقط يستمع لعبارتها وهي تسرد له معاناة شقيقته بسبب ما فعلوه بها، أو ما فعله هو بالأخص.
تلألأت العبرات في مقلتيه، وخرج صوته مبحوحًا ممتلئًا بالندم الصادق:
_ مكنتش شايف قصادي يافريال، والشيطان أتمكن مني لدرجة أني مبقيتش حاسس أن دي آسيا، ويمكن لغاية اللحظة اللي اعترفت فيها خلود وأنا كنت مش حاسس بحاجة. معرفش كيف هخليها تسامحني، وأرجعها لينا.
ابتسمت فريال بمرارة، وردت في ألم:
_ أنت خسرت أختك، كيف ما خسرتني يا جلال. متنتظرش من آسيا الغفران بعد اللي عملتوه فيها.
أنهت عبارتها وهمت بالوقوف، لكنه قبض على رسغها يمنعها من الرحيل، يتطلع إليها بعينيه الدامعة ويهتف لها بعجز وألم:
_ أنا تعبان قوي يافريال، أبوس إيدك بلاش تبقي أنتي كمان عليا. الليلة دي على الأقل حتى اقفي چاري، أنا محتاجك.
لانت نظراتها ورق قلبها له بعد توسله وحالته المزرية التي تراه فيها، فقد ذكرتها تمامًا بليلة وفاة والده، كان بنفس الضياع والتشتت أيضًا.
لوهلة كانت ستضمه لصدرها وتحاول التخفيف عنه، لكن تراجعت بقهر عندما تذكرت ما فعله بها وزواجه وخيانته لها.
جذبت يدها من قبضته ببطء، واكتفت بنظرتها الدامعة والمنكسرة له، قبل أن تتركه وتذهب للحمام.
بقي مكانه يحدق في أثرها بقلب ممزق وروح تائهة، ولا إراديًا سالت دموعه الحارقة فوق وجنتيه.
بعد مرور دقائق طويلة نسبيًا، خرجت فريال وكانت بطريقها للمطبخ بالأسفل حتى تقوم بتحضير طعام لها بسبب شعورها الشديد بالجوع، لكنها اصطدمت في طريقها بمنيرة التي وقفت وحدقت بها بغل، تهتف:
_ إيه، استويت زين ولا لأ؟
ابتسمت فريال ببرود، ثم ردت عليها بلؤم متعمد:
_ اتعودي من إهنه ورايح أن جلال أول ما يكون مضايق هيجيلي أنا. أنا الوحيدة اللي بقدر أخفف عنه همه. وصدقيني هيكون أريحلك لو تقبلتي فكرة أنه بيعشقني أنا، وأنتي مالكيش أي تلاتين لزمة.
التهبت نيران منيرة أكثر، فهي أساسًا مستاءة بالقدر الكافي منذ تهديده لها للتو وانفعاله عليها. ثم التجأ لفريال حتى تزيح عن كتفيه القليل من الهموم.
تقدمت نحو فريال بخطواتها المتربصة، بينما فريال فأخذت تتقهقر للخلف بقلق خشية أن تأذيها هي وطفلها.
هتفت منيرة بوعيد وحقد:
_ متفرحيش قوي، عشان أنا مش هخليكي تقعدي إهنه كتير، وقريب هفرح لما يطلقك وهيبقالي أنا لوحدي.
ظلت قدمي فريال في التراجع دون أن تنتبه أن خلفها الدرج، وفجأة أطلقت صرخة مدوية عندما انزلقت قدماها من فوق الدرج.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندى محمود توفيق
بعتذر على الغياب أنا النت عندي فيه مشكلة وعشان كدا مقدرتش افتح وابلغكم بدري أو أنزل اقتباس إذا كان في فصل ولا لا + الفصل قد يكون صغير شوية عن المعتاد بس ده اللي قدرت اكتبه وأنا صممت اني انزل الفصل لاني كنت وعدتكم أن في بارت يوم الثلاثاء ورغم أني معايا كلية بكرا بس قضيت اليوم كله عليه عشان اخلصه وانزله ليكم زي ما وعدت &;&;
منتظرة رأيكم وريڤيوهاتكم طبع&;ا على البارت وقراءة ممتعة&;&;&;&;🥰
(( ميثاق الحرب والغفران ))
_ الفصل السابع والعشرون_
كان جلال بطريقه لغرفته بالأعلى يصعد الدرج بخطوات هادئة لكنه تسمر عندما استقرت عيناه على ذلك المشهد&; وفور سماعه لصوت صرخة فريال وهي تنزلق قدماها اسرع وبلحظة كانت تطولها يداه تسندها قبل أن تسقط&; وبعدها اقترب منها وحاوطها جيد&;ا بذراعيه وهو يضمها من الخلف هامس&;ا لها بفزع ملحوظ:
_فريال حصلك حاچة!
كانت الذهول والرعب يستحوذ على معالم فريال التي تفغر عينيها وشفتيها مصدومة ويدها فوق بطنها تضغط عليها بقوة من فرط الهلع الذي داهمها للحظة عندما ظنت نفسها ستسقط من فوق الدرج وتفقد طفلها&; اعتدلت في وقفتها وهي تستند على زوجها ثم ألقت نظرة نارية على منيرة التي تقف تتصنع الدهشة والزعر وتقول ببراءة مزيفة أمام جلال:
_مش تاخدي بالك يافريال.. أنا غلطانة مكنش ينفع اخليكي نتكلم جمب السلم إكده بس حاولت امسكها ملحقتش.. زين إنك لحقتها ياچلال
كانت يدين جلال مازالت تحاوط خصر فريال وهو ينقل نظره المخيف بينهم&; ولسوء حظه أنه لم يرى المشهد منذ بدايته فقط وصل باللحظة الأخيرة ونقذ فريال من السقوط&; نزعت فريال يديه عن خصرها واندفعت نحو منيرة كالثور الهائج لتدفعها بيدها في دفعة عنيفة جعلتها تصطدم بالجدار خلفها وهي تصرخ بها بشراسة جديدة عليها:
_كنتي عاوزة تقتليني يامنيرة وتزقيني من فوق السلم.. بتعملي روحك بريئة قصاده ليه ما تقولي اللي كنتي بتقولهولي وأنتي بتزقيني ناحية السلم عشان اقع.. نچوم السما اقربلك ياخطافة الرچالة لو فاكرة إنك هتقدري تأذيني وتخلصي مني
تقدم جلال نحوهم وأبعد فريال عنها بهدوء متمتم&;ا في لهجة دبت الرعب في قلب منيرة من القادم:
_فريال ارچعي على اوضتك خلاص
رمقته فريال بنارية وصاحت بعصبية:
_ارچع ده إيه.. بقولك كانت عاوزة تقتلني وأنت مقولتش كلمة واحدة ليها وتقولي ارچعي اوضتك
رمق فريال بنظرة قوية وقال في لهجة صارمة لا تقبل النقاش:
_فريال سمعتي قولت إيه.. روحي وأنا چاي وراكي
ابتسمت بسخرية في وجهه وقالت بغضب:
_طبع&;ا خايف على زعل السنيورة مش قادر تقولها حاچة قصادي
كان يلوى فمه بضيق من كلماتها الفظة لكنه التزم الصمت ولن يوضح لها سبب رغبته بأن تذهب لغرفتها حتى يتثى له عقاب زوجته الثانية كما يجب.. لكن ليس بمنتصف المنزل هكذا ليرى الجميع شجارهم ويستيقظوا على أصواتهم المرتفعة.
فور انصراف فريال استقرت في عين جلال نظرة مميتة لمنيرة التي قبض على ذراعها وجذبها معه نحو غرفتهم دون أن يتفوه بكلمة واحدة.. فقط كانت قبضته القاسية ومعالمه المظلمة تتحدث عن الطوفان القادم.
دفعها لداخل الغرفة ودخل خلفها&; رأته يغلق الباب فتراجعت للخلف بخوف بسيط وقالت بتوتر:
_چلال أنا معملتهاش حاچة!
استدار بجسده نحوه ورمقها بنظرات قاتلة فزداد ارتيعادها الضعف منه.. أما هو فتقدم منها بتريث دون أن يرفع عينيه الثاقبة عنها وعندما وقف أمامها همس بنبحة رجولية غريبة:
_هو مين قالك إني هطلق فريال عشان تكيديها وتقوليلها قريب هفرح لما يطلقك
فرت دماء وجهها وتلون باللون الأصفر من الخوف بعدما أدركت أن لا مجال لها للدفاع عن نفسها أو حتى الكذب فيبدو أنه سمع بأذنيه ما قالته&; ابتلعت ريقها بتوتر وتنظر لها بنظرة زائغة لا تجرؤ على النظر بعينيه في ثقة&; واللحظة التالية كانت إطلاق سراح الأسد حيث انقض عليها يقبض على ذراعها بيد والأخرى يقبض على فكها يصرخ بها بصوت جهوري جعلها تنتفض بين يديه:
_غلطاتك كترت قوي وأنا صبري ليه حدود يامنيرة&; لولا إني لحقت فريال كان إيه هيچرالها.. فريال اوعاكي تقربي منها واصل
تلألأت العبرات في مقلتيها وهي تحدقه بضعف وألم من قبضته على فكها وذراعها ولم يكتفي بذلك بل تابع بنفس نبرته السابقة لكن بلهجة تحذيرية:
_خليكي بعيدة عنها وملكيش صالح بيها.. كيف ما هي مبتقربش منك أنتي كمان متوجهيش ليها الكلام حتى فاهمة ولا لا.. ويارب اللي حصل دلوك يح&;صل تاني وقتها أنا هبقى عداني العيب في اللي هعمله.. أول وآخر تحذير ليكي
أفلت يديه عنه وتركها ليبتعد عنها ويتركها ويرحل.. ظلت هي بأرضها تبكي بصمت ونظراتها كلها غل وغيظ وسط دموعها التي تنهمر بغزارة فوق وجنتيها....
***
كانت عيناها عالقة على الباب وفور سماعها لصوته ينفتح أشاحت بوجهها للجهة الأخرى تأبى النظر لوجهه&; بينما هو فدخل وأغلب الباب بهدوء ثم تقدم نحوها بخطواته المتريثة حتى جلس بجوارها على الفراش وهمس وهو يمد يده يهم بمسك كفها:
_فريالي
سحبت يدها بسرعة قبل أن يلمسها ورمقته بنارية تهتف منذرة إياه باستياء:
_بعد يدك عني.. حبيت على راسها وقولتلها متعمليش إكده تاني ودلوك جيتلي ولا إيه بظبط
ضيق عينيه بتعب من مقاومتها المستمرة له دون توقف&; ليتنهد بحرارة ويرد عليها بحزم:
_مفيش مخلوق يفكر يأذيكي وأنا اسكتله.. اطمني هي عرفت غلطها زين ومن إهنه ورايح لسانها مش هيخاطب لسانك واصل
ضحكت مستنكرة كلماته وكانت يدها فوق بطنها وعيناها ملتهبة من فرط الغضب والارتيعاد الذي مازال يستحوذها حتى الآن.. وباللحظة التالية كانت تقول بنبرة مرتفعة وحرقة:
_كتر خيرك والله هتريحني من صوتها ومش هسمع حسها معايا تاني.. چلال أنت واعي للي كان هيچرالي لو كنت وقعت مكنتش وحدي اللي هتأذي كنت هتخسر ااااا.....
بترت عبارتها بمنتصفها وتوقفت عن الحديث قبل أن تكمل بعدما أدركت ماهي مقبلة على الأفصاح به&; بينما هو فضيق عينيه بعدم فهم وسألها بجدية وترقب:
_كنت هخسر إيه&;!!
دام صمتها لثواني وهي ترمقه باضطراب بسيط وحيرة كيف تجيب عليه لكن بالنهاية أثرت الصمت حيث رفعت كفها ومسحت على وجهها وهي تتأفف ثم مالت بوجهها للجهة الأخرى وهي تمتم بجفاء:
_أنا تعبانة وعاوزة أنام ياچلال هملني لحالي
سمعت صوته الغليظ وهو يقول بضيق:
_بتتهربي من إيه يافريال.. أنتي من وقت ما رچعتي فيكي حاچة مش طبيعية ومعرفش هي إيه!
طالعته بقوة وقالت في غضب:
_واحدة رچعت بيتها اللي بقت تعيش فيه ضرتها معاها.. عاوزها تكون طبيعية كيف
مال بوجهه عليها وهمس أمام ثغرها ونظراته ثابتة على عيناها يتمتم بمرارة وثبات رغم دماره الداخلي:
_النهاردة أول مرة أكون في محنة ومهموم واطلب منك تفضلي چاري ومتهملنيش لحالي وأنتي ترفضي وتديني ضهرك.. للدرچادي معدش ليا خاطر حتى عندك
طالت نظرتها المشفقة له وهي ترى ضياعه وانهياره فامتلأت عينيها بالدموع وهمست له بأسى:
_لا بس معدش في بينا حاچة أصل&;ا.. أنا رچعت عشان عيالي ولولاهم مكنتش هرچع
ابتسمت بحزن وتمتم ساخر&;ا:
_كل اللي بينا مسحتيه في يوم وليلة.. أنا بقيت حاسس أني شايف واحدة معرفهاش.. تايه وبدور عليكي وأنتي قصاد عيوني.. بزيادة هجر وب&;عد أبوس يدك ياحبيبتي
سالت دموعها فوق وجنتيها لا إرادي&;ا ثم أجابته بنبرة مبحوحة:
_أنت السبب واللي خلتني إكده.. أنت لو كنت چيت واخدتني من يدي غصب من بيت أبويا ورچعتني بيتي مكنتش هعترض وهسامحك وهنسى كل اللي ح&;صل بينا حتى من غير ما أعرف إنك معملتش حاچة لأخويا حتى.. لكن أنت عملت إيه سمعت كلام أمك واتچوزت عليا عشان تنتقم مني
مد يديه وأمسك يكفيها يحتضنهم برفق وهو يهتف بتأييد ورجاء:
_أنتي عندك حق أنا غبي واستاهل عقابك ليا بس عشان خاطر العيال حتى مش هقولك عشاني.. مش طالب منك غير إنك تديني فرصة تاني أصلح غلطي ونرچع كيف ما كنا مش لازم تسامحي دلوك كفاية فرصة على الأقل
سحبت يدها من قبضته وهتفت بسخط وعصبية:
_چلال أنت بتطلب مني فرصة ومرتك قاعدة في الأوضة اللي فوقينا!!!
علت ملامح وجهه لكنه رد بحزم وبهجة رجولية جادة:
_منيرة مش هتفضل مرتي طول العمر يافريال.. أنا غلطت ومش قادر أقرب منها ولا اتقبلها ومش حق ربنا إني أسيبها إكده واظلمها.. تعدي فترة زينة بس على الچواز وهطلقها
طالت نظرتها الجامدة له دون أن تظهر أي ردة فعل على اعترافه بنوياه في الانفصال عن زوجته الثانية&; كانت ممزقة بسببه لدرجة أن حتى خبر كهذا لم يسعدها وردت عليه بقسوة وقهر:
_اللي عملته ملوش غفران ولا فرص ياچلال.. حتى لو طلقتها عمر المايه ما ترچع لمجاريها من تاني
أنهت عباراتها وتمددت فوق الفراش بجسدها وهي توليه ظهرها.. رغم عبوس وجهه ويأسه إلا أنه حاول خلق الأمل في روحه الضائعة وانحنى عليها من الخلف يلثم كتفها يبث الطمأنينة لنفسه قبلها وهو يهمس:
_هترچع صدقيني.. أنتي بس طلعي الطلاق ده من دماغك
ابتعدت عنه بسرعة ورمقته شزر&;ا في غيظ بسبب قبلته لها فلوى فمه بخنق ورفع كفيه مستسلم&;ا وهو يتراجع مبتعد&;ا عنها احترام&;ا لرغبتها&; مع العلم أنه لا يرى شيء سوى النفور الذي يمزقه لأشلاء ولكنه يحاول التماسك والصمود حتى لا ينهار تمام&;ا.. فلم يكفيه هم زوجته وزاد الهم ضعفين براءة شقيقته ومرض جده وأفعال ابنة عمه الدنيئة....
***
داخل المستشفى.....
كانت خلود ممددة فوق الفراش الأبيض الصغير ولا تتوقف عن البكاء.. عيناها تحولت للون الأحمر وتورمت وجسدها كلها يؤلمها وكأن شاحنة ضخمة صدمتها ودمرت عظامها&; وجهها متورم وبه بقع زرقاء من عنف الضرب الذي تلقته من أبيها وشقيقها وجدها قبل أن تفقد وعيها وطفلها.
التفتت حولها وكانت تبحث بنظراتها المزعورة عن أي هاتف حتى تتصل بعشقيها لكي ينقذها من بين براثن أهلها ويأخذها&; لكن بتلك اللحظة انفتح الباب وظهر والدها وشقيقها فانتفضت برعب وانكمشت في الفراش وهي تضم جسدها للحائط وكأنها تحتمي به من نظراتهم القاتلة.
تقدم نحوها منصور ووجهه مكفهر من فرط الغضب وفجأة صفعها على وجهها.. لا تدري كم عدد الصفعات التي تلقتها منهم الليلة لكن وجهها لم يعد يتحمل لمسة واحدة أخرى&; بعد الصفعة صعدت يده وقبض على شعرها بهمجية كادت أن تقلعه من جذوره فصرخت هي ببكاء مرتفع وخوف وهي تسمع صوت أبيها بنبرة وبهجة تسمعها للوهلة الأولى:
_أنتي يا***** تجيبلي العار وتحطي راسنا في الطين.. وكمان اتبليتي على بت عمك واتاريكي طلعتي أنتي الفاجرة و****.. أنا معرفتش اربيكي وعيارك فلت لغاية ما چبتيلنا العار وچيالنا حبلة كمان.. هقتلك واغسل عاري بيدي
أنهى عبارته بصفعة جديدة وكانت أقوى وأعنف صارخ&;ا بها وهو يشتمها ويلعنها على أفعالها الشنيعة&; كان علي يتابع ما يفعله أبيه ودمائه تغلي في عروقه من فرط سخطه وللحظة كان يرغب في أن يقبض على رقبتها ويخنقها.. بالأخص عندما تذكر شكه بها وتحدثها هاتفي&;ا بوقت متأخر من الليل وبكل مرة كانت تخلق حجة مختلفة له وكان يصدقها بسذاجة ولكن شكه كان بمحله.. ربنا لو تصرف منذ البداية واتخذ موقف حاسم لم يكن الوضع سيصل لهذه النقطة.
أبعد والده عنها وغار عليها يقبض على فكها وهو يصرخ بها بصوت جعلها تنتفض بقوة من الرعب:
_مين ***** اللي عملتي عملتك ***** معاه
ردت بصوت مرتجف وهي تبكي بعنف:
_اسـ..مه سـ..ميـ..ر
صرخ بصوت جهوري زاد من رعبها الضعفين:
_مطرحه ومرزوع وين وليه ناس ولا من الشارع كمان.. أنا مالي باسمه
من فرط خوفها وارتجافها وبسبب تعبها وأنها للتو فاقت من تأثير المخدر بعد العملية لم تقوي على الرد عليه وفقدت القدرة على النطق فقط استمرت في البكاء الهستيري فصرخ بها منصور:
_ما تنطقي
ارتشعت بعنف واستمرت في البكاء دون الرد فجذب علي ورقة وقلم من فوق المنضدة الصغيرة المجاورة للفراش والقاهم بوجهها وهو يهتف بغيظ:
_اكتبي العنوان يلا
مسكت القلم بيد مرتجفة وراحت تخط به فوق الورقة بخط غير متزن ومرتجف بسبب يدها التي تقبض على القلم بصعوبة وفور انتهائها جذب الورقة منها والقى عليها نظرة وضيعة كلها قرف ثم بصق في وجهها واندفع لخارج الغرفة لكن أوقفه صوت منصور وهو يقول:
_متروحش لحالك ياعلي خد چلال معاك
لم يكترث لعبارة والده وأكمل طريقه للخارج منظفع&;ا كالطوفان الذي سيدمر كل شيء يقف بطريقه بينما منصور فالقى عليها نظرة مميتة لا تحمل من الرحمة أو الشفقة شيء على ابنته وقال:
_لولا أني في المستشفى كنت قتلتك فى مطرحك دلوك
رمقت والدها برعب واستمرت في بكائها دون التحدث بكلمة واحدة.. فقط تبكي بنجيب مسموع وجسدها كله يرتجف رعب&;ا وخوف&;ا من القادم وما سيفعلوه بها.....
***
في القاهرة بصباح اليوم التالي......
التفتت برأسها نحوه عندما وجدت السيارة توقفت وسألته:
_وصلنا&;
رأته يهز رأسه بالإيجاب فألقت نظرة بعيناها من زجاج السيارة تتفقد الأبنية الضخمة والطويلة بذلك الشارع والحي الراقي&; ثم فتحت الباب ونزلت فرأته يفتح حقيبة السيارة من الخلف ويخرج حقائبهم&; لم تهتم له كثير&;ا ودارت بنظرها حولها تتفحص المكان بنظرات إعجاب وابتسامة ناعمة فوق ثغره وعندما رأته يحمل الحقائب ويعبر الشارع للجهة الأخرى حيث البناية الضخمة المكونة من عشر طوابق فلحقت به وهي تتمعن تلك البناية الكلاسيكية التي رغم مرور السنين عليها لكنها محتفظة برونقها.
توقف عمران عندما اسرع نحوه حارس البناية يرحب به بحرارة:
_يا ألف مرحب يامعلم عمران نورت العمارة كلها والله حمدالله على السلامة
ابتسم له عمران بود وهتف:
_الله يسلمك يا نجاتي
نظر الحارس لآسيا التي كانت تقف بجوار زوجها وتتفحص ذلك الرجل بنظرها.. لكنه ابتسم لها بود واكتفى بإماءة رأسه لها في ترحيب صامت وبسرعة التفت نحو عمران وانحنى عليه يحمل عنه بعض الحقائب ليخفف من الحمل عليه هاتف&;ا:
_عنك يامعلم هساعدك لغاية الشقة فوق
ناوله عمران الحقيبة وهو يتمتم بامتنان:
_تسلم يانجاتي
سبقهم الحارس في خطواته نحو المصعد الكهربائي بينما آسيا فلحقت بعمران وهمست له في تساءل:
_هي الشقة في الدور الكام ياعمران&;
رد عليها بهدوء وقسمات وجه مرهقة:
_السادس
شهقت بصدمة وقلق بسيط فهي تخشي الأدوار المرتفعة ولا تحبها لكن سارت خلفه باستسلام دون أن تتفوه ببنت شفة وعندما استقلوا بالمصعد الكهربائي وكانت هي تقف بجواره بمجرد تخطي المصعد الطابق الثالث مدت يدها وقبضت على ذراعه تحتضنه بقوة لتحتمي به من خوفها البسيط فنظر لها وابتسم وما جعله يتصرف ببرود هو وجود ذلك الحارس معهم فاكتفى بأنه ربت على كفها بحنو وتركها متشبثة به حتى توقف المصعد أخير&;ا فخرج الحارس أول&;ا وخلفه عمران ثم آسيا&; كان يوجد بالطابق شقتين وبمجرد ما أن ترك الحارس الحقائب وانصرف تشبثت هي بذراع عمران مجدد&;ا متمتمة في صوت خافت:
_دوخت من الاسانسير قوي
لف ذراعه حول كتفيها وضمها إليه وباليد الأخرى أخرج المفتاح ووضعه بالقفل ثم اداره لينفتح الباب وقبل أن يتركها همس لها بدفء يسألها:
_لساتك دايخة&;
ابتعدت عنه ببطء وهزت رأسها بالتفي بعدما شعرت بالتحسن.. فوجدته ينحني ليحمل الحقائب ويدخلها ساعدته وحملت عنه حقيبة ودخلت خلفة وعيناها راحت تتجول حولها تتفحص ذلك المنزل الكبير بإعجاب ثم التفتت له وسألته:
_أنت كنت بتاچي كتير&;
عمران بالنفي وبجدية:
_لا لما يكون في شغل بس باچي ولو أبويا ولا بشار سافر القاهرة إهنه كانوا بياچوا يقعدوا فيها
اماءت له بتفهم ثم تحركت بخطواتها للداخل وهي تبتسم باتساع وسكينة تظهر فوق صفحة وجهها بوضوح.. فابتسم هو عليها واقترب منها ببطء حتى وقف خلفها مباشرة ثم انحنى عليها بجانب أذنها وهمس:
_إيه رأيك.. عچبتك&;
التفتت له برأسها وابتسمت في رقة تجيبه بضحكة جذابة:
_قوي.. وبيني وبينك عاوزة اقعد إهنه علطول ومرچعش البلد ولا بيت العيلة تاني
ضحك بخفة ورد عليها مداعب&;ا:
_خلاص نقعد إهنه وأهمل اشغالي وكل حاچة هناك عاد
زمت شفتيها بعبوس ويأس لتجده يجيبها بحنو:
_طالما عچبتك إكده كل ما أكون فاضي هاخدك وناچي نقعد اسبوعين ولا حاچة.. كملي واتفرچي على باقيها يلا وأنا هروح أغير هدومي
اماءت له بالموافقة وهي تبتسم بحب ثم تابعته بنظراتها وهو يتجه نحو أحد الغرف ويتواري داخلها.. فتلفتت برأسها حولها تتفحص تفاصيل الصالة وفور سقوط نظرها على الشرفة قادها الفضول لكي ترى الشارع والعالم من ذلك الارتفاع فأسرعت نحوها&; فور دخولها صفعتها نسمة هواء باردة انعشت جسدها وجعلتها تبتسم بتلقائية في سعادة.. ثم تقدمت من السور واستندت عليه بيديها ثم أخرجت رأسها تنظر للأسفل لكن بسرعة عادت برأسها للخلف شاهقة بخوف عندما رأت الأرض من ذلك الارتفاع الشاهق.. وبلحظتها صابها دوار خفيف فاستدارت ودخلت ثم أغلقت الباب وهي تتنفس بيأس وضيق&; وبعد دقائق معدودة تحركت وأكملت تجولها بالمنزل وكانت وجهتها الثانية هي المطبخ.
دقائق طويلة نسبي&;ا مرت وهي تتفحص كل تفصيلة بالمنزل&; وعندما التفتت تجاه الغرفة ضيقت عيناها بقلق فهو لم يخرج منها منذ دخوله&; تقدمت نحوها وفتحت الباب ببطء وهي تهمس بخفوت خشية من أن يكون في وضع غير مناسب ومازال لم يرتدي ملابسه:
_عمران أنت خلصت&;!
انتظرت سماع رده أو صوته لكن الصمت كان هو الجواب فغضنت حاجبيها وفتحت الباب على آخره ودخلت&; وجدته متسطح فوق الفراش ونائم بعشوائية في عمق لا يشعر بأي شيء حوله من فرط الإرهاق والتعب&; فابتسمت وهي تتمعنه بحنان ثم اقتربت من الخزانة وفتحتها لتجذب منها غطاء وتعود له لتدثره به حتى منتصف جسده&; انحنت عليه تتأمل ملامحه الرجولية بغرام ثم رفعت أناملها تمسح فوق شعره الغزير نزول&;ا لوجنته ولحيته دون قلق أو اضطراب بسبب تيقنها أنه غارق بسبات عميق ولن يستيقظ بفعل لمساتها الرقيقة أبد&;ا.
ابتعدت عنه وغادرت الغرفة متجهة للحمام بعدما أخرجت ملابس منزلية لها من الحقيبة&; وتوالت بالحمام لكي تبدأ ملابسها وتأخذ حمام دافيء سريع.
***
داخل منزل خليل صفوان.....
طرق چلال الباب برفق لكنه لم يسمع صوت يسمع له بالدخول ففتح الباب ببطء وألقى نظره للداخل فوجدها قابعة بأحد الأركان فوق المقعد وتبكي بصمت&; تنهد بضيق ثم أطلق زفير&;ا قوي ودخل قبل أن يغلق الباب ويتقدم نحوها فيجلس أمام مقعدها على حرف الفراش ويمد يده يحتضن كفها بين كفه الضخم متمتم&;ا:
_بزيادة عاد ياما اللي بتعمليه في روحك ده ضغطك هيعلى وهتتعبي
تطلعت جليلة في وجهه وقالت بصوت راجي:
_عاوزة بتي ياچلال هات اختك ورچعهالنا ياولدي
ظهر العبوس والأسى فوق معالم وجهه قبل أن يجيب على أمه بندم:
_آسيا مش هترچع ياما بقت في عصمة راچل دلوك واحنا بيدنا اللي چوزناها وسلمناها ليه.. لو هنعمل حاچة دلوك فهي أننا نحاول تخليها تسامحنا
اتسعت عيني چليلة بدهشة وردت على ابنها بلهجة اعتراض:
_مش هترچع كيف يعني أنت هتسيب أختك تقعد وسطهم هناك
قال بندم ونظرة تحمل الانزعاج والخنق من نفسه:
_سبق وسبتها ياما ومصدقتهاش ولو چبرتها تاني دلوك على حاچة هي مش عاوزاها عمرها ما هتسامحنا&; سبيها على راحتها مش وقته الكلام في حديت چوازها ورچعتها ده
قالت بجدية وتلهف وهي تهم بالوقوف:
_طيب خدني عندها عاوزة أشوفها واتكلم معاها
امسك بها واعادها لمقعدها مرة أخرى هاتف&;ا بعبوس وضيق:
_اقعدي بس ياما اخدك وين هي مش في البيت أصل&;ا
ضيقت عيناها وسألته بقلق واهتمام:
_مش في البيت كيف يعني أمال وينها&;!!
مسح على وجهه وهو يزفر بخنق ويتمتم بصوته الغليظ:
_فريال قالتلي أنها سافرت مصر مع عمران امبارح الفچر وهترچع بعد اسبوعين
اتسعت عيني جليلة بدهشة وسرعان ما قالت بغضب وقهر:
_اسبوعين ده إيه وهو واخد بتي مصر ليه وهيعملوا إيه هناك
حاول تهدأتها وهو يمسح فوق ذراعها بلطف متمتم&;ا في حنو:
_كل تأخيرة وفيها خير ياما.. اصبري لغاية ما ترچع يمكن هي كمان تهدى شوية وتسمع منك وتصفالك.. متقلقيش عليها فريال بتكلمها علطول وبتقولي أخبارها
هبت جليلة واقفة وهزت رأسها بالرفض وهي تقول بغضب وإصرار:
_أنا مش هسيب بتي بعيدة عني تاني بزيادة اللي چرا فيها بسبب خلود ال**** دي واللي عملناه فيها&; مش ههملها لحالها في بيت ابراهيم ومع ولده.. الله اعلم بيعمل فيها إيه ولا بيعاملها كيف
استقام واقف&;ا وقال بانزعاج وخنق من ذلك النقاش وإصرار أمه على انتزاع شقيقته من زوجها بعدما سلموها له بكامل إرادتهم وهدده بالقتل وأجبروه على الزواج منها:
_لما ترچع أن شاء الله نبقى نشوف ونتكلم ياما المهم هدى روحك دلوك أنتي بزيادك عاد ملوش لازمة اللي بتعمليه ده اللي چرا چرا خلاص
أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة يتركها ساكنة مكانها تحدق في الفراغ بضياع وحزن امتزج بغضبها وإصرارها على استعادة ابنتها.....
***
داخل المستشفى بعد مرور ساعات طويلة نسبي&;ا......
كان چلال يجلس فوق مقعد بجوار فراش الجد حمزة المريض والصمت يهيمن على الاجواء بينهم حتى قطعه صوت حمزة المختنق:
_عملتوا إيه في الفاچرة دي&;
رد عليه باقتضاب وغضب:
_عملت العملية وسقطت العيل اللي بطنها
أطلق حمزة ألفاظ نابية وهو يشتم حفيدته بغضب وعصبية فهتف چلال بجدية وبهجة حازمة:
_اهدى ياچدي الدكتور قال العصبية دي مش كويسة
نظر له حمزة بغيظ وسأله:
_منصور وينه&;
تنهد بقوة ورد على جده بخشونة:
_معاها في الأوضة
حمزة براحة بسيطة:
_زين خليه چارها دي عاملة ويمكن تهرب بدل ما تبقى مصيبة تبقى مصيبتين.. وعلي لسا معرفش حاچة عن ال**** اللي مرمخت راسنا في الطين معاه
مسح على وجهه وهو يتأفف بغيظ ويتمتم:
_قاعد عند شقته مستنيه مرچعش ليها من امبارح
_ متسيبش ولد عمك لحاله الله اعلم ال**** ده يعمل فيه إيه!
اماءت لها بالإيجار وهو يردف بلهجة صارمة:
_اطمن أنا منبه عليه أول ما يوصل يتصل بيا وميتحركش لحاله
سكن حمزة وراح يحدق في الفراغ بشرود محاول&;ا عدم الانزعاج أكثر من ذلك حفاظ&;ا على صحته لكن وجهه عبس فجأة عندما تذكر آسيا فالتفت نحو جلال وقال بعينان تلمع بوميض الندم والحزن:
_متكملتش مع أختك لغاية دلوك&;!
هز رأسها بالنفي متمتم&;ا بقلة حيلة:
_ملحقتش ياچدي سافرت مصر مع عمران من ليلة امبارح.. مقصدناش حل غير أني استنى لما ترجع واتكلم معاها
لمعت عين حمزة وتلألأت بعبرات القهر والأسى وهو يتمتم:
_ولدي سابلي بته أمانة ومقدرتش احافظ عليها وضيعتها ورميتها لابراهيم الصاوي وولده من غير ما أسأل فيها
تمتم چلال بصوت مكتوم:
_كلنا غلطنا في حقها ياچدي مش أنت لوحدك
رفع حمزة يده التي تبدو عليها تقدم العمر والشيخوخة وجفف بأنامله دموع عينيه ثم ابعد يده وراح يضعها فوق كتف چلال يربت عليه بدفء مرسل&;ا بعيناه إشارات كلها ثقة أنها ستسامحهم....
***
في القاهرة بتمام الساعة الثامنة مساء&;ا........
كان عمران يجلس على الأريكة الكبيرة بالصالة ويشاهد شاشة التلفاز أمامه على أحد المسلسلات المصرية الكلاسيكية.. خرجت هي من غرفتها واقتربت منه لتجلس بجواره وتثب نظرها على الشاشة تشاهد بملل&; مرت دقائق طويلة نسبي&;ا حتى التفتت له وكادت أن تتحدث لكن أوقفها صوت رنين هاتفه فالتقطه هو وأجاب على المتصل بجدية يتحدث بأمور تخص العمل&; فالتزمت الصمت وعادت برأسها نحو الشاشة تشاهد مرة أخرى وهي تنتنظره حتى ينتهي من مكالمته.
فور انتهائه التفتت له وقالت مبتسمة:
_عمران
نظر لها يوليها اهتمامه منتظر&;ا أن يسمع ما تريد قوله فاقتربت هي منه أكثر في حيلة ذكية لكي تحصل على مبتغاها بالنهاية ولكن هيهات:
_الصبح وأنت نايم خبط البواب اللي اسمه نچاتي ده وكان چايب شوية طلبات قالي أنك طلبتهم منه&; وبالصدفة بعد ما مشي الشقة اللي قصادنا بابها اتفتح ولقيت واحدة صحبتي من أيام الكلية هي اللي ساكنة فيها.. فسلمت عليها واتكلمنا شوية وبعدين دخلت
ضيق عينيه بعدم فهم لكنه قال بهدوء:
_طيب زين.. أنتي بتحكيلي التفاصيل دي ليه يعني&;!
تنحنحت برقة وقالت مبتسمة بخفوت:
_كنت عاوزة أسألك وأشوف رأيك.. أنت جاي إهنه عشان الشغل وأغلب الوقت هتكون برا طبع&;ا وأنا هقعد لحالي وهزهق لاني مش متعودة على الوحدة دي
قاطعها وهو يقول بإيجاز في نفاذ صبر:
_ادخلي في الموضوع طوالي يا آسيا عاوزة إيه&;
ابتسمت له وهمست بنعومة تسأله في لطافة:
_عاوزة أخد اذنك يعني لما تكون برا مثلا وأكون أنا وحدي وزهقانة اروح اقعد معاها شوية أو هي تاچي تقعد معايا.. هي صحبتي قوي بس من وقت ما هي نقلت لمصر إهنه بعدنا عن بعض بسبب المسافة
تقوست ملامح وجهه بحدة وأجابها برفض تام دون تفكير:
_هي عاوزة تاچي تقعد معاكي إهنه أهل&;ا وسهل&;ا لكن أنتي لا
عبست وردت عليه بإلحاح محاولة إقناعه:
_لا ليه هي قاعدة لحالها في البيت معهاش غير أخوها وهو طول اليوم برا البيت كيفك يعني
تحولت ملامح وجهها وتجهمت بشكل مريب وهو يردد رافع&;ا حاجبه:
_امممم أخوها!!!
التزمت الصمت كرد بالتأكيد على ما قاله بينما هو فأشاح بوجهه عنها وثبته على شاشة التلفاز يتجاهلها حتى لا ينفعل عليها لكنها لم تسكت وسألته مجدد&;ا بترقب:
_هاا قولت إيه&;
نظر لها وهتف بنبرة مرتفعة نسبي&;ا ومنفعلة:
_قولت لا ومتفتحيش الموضوع ده تاني&; مش هعيد وازيد في كلامي
غضنت حاجبيها باستغراب من انفعاله وحدته معها فاستاءت وصاحت به بغيظ:
_أنت بتزعقلي ليه&;!
رمقها بحدة وقال بلهجة منذرة:
_حسك ميعلاش عليا.. أنتي لو بتقولي حچات تتعقل مش هتعصب عليكي
صاحت بامزعاج وخنق:
_أنا مقولتش حاچة.. أنت اللي روحك في مناخيرك ومش حامل مني كلمة
قال بلهجة جافة ونظرات مخيفة:
_طالما أنا روحي في مناخيري قومي من چاري بدل ما اتنرفز عليكي اكتر من إكده
رمقته شزر&;ا وبلحظة هبت واقفة وهي تلقي عليه نظرة متوعدة ومغتاظة ثم تركته ورحلت تدخل للغرفة وتصفع الباب خلفها بعنف بينما هو بالخارج فمسح على وجهه ثم ألقى بهاتفه الذي بيده على الأريكة بجواره متمتم&;ا بغضب:
_تقول أخوها قاعد معاها ومش عاجبها كمان لما قولت لا واتعصبت عليها.. هي سفرية باينة من أولها!
بعد مرور نصف ساعة تقريب&;ا اغلق التلفاز واستقام واقف&;ا يقود خطواته تجاه الغرفة&; توقف أمامها ومد يده للمقبض يحاول فتحه لكنه كان مقفل فضيق عيناه بتعجب وطرق على الباب بقوة يهتف:
_آسيا!!!
سمع صوتها المتمرد من الداخل وهي تقول ببرود:
_متحاولش قافلة بالمفتاح.. البيت فيه أوض كتير احنا مش في بيت ابراهيم الصاوي يعني روح نام في أي أوضة تاني الليلة طالما أنت مش طايقني چارك
اتسعت عيناه بدهشة وبلحظة تقوس وجهه بشكل مخيف وهو يصيح عليها من الخارج بعصبية:
_افتحي الباب ده بالذوق يا آسيا وخلي ليلتك تعدي على خير
اقتربت من الباب ووقفت خلفه مباشرة ثم ردت عليه بابتسامة مستفزة ونبرة خبيثة:
_مش هفتح يامعلم.. عاوزة أنام لحالي النهاردة وآخد راحتي يعني أنا اللي مش عاوزاك چاري
انتفضت بفزع عندما سمعت صرخته الجهورية من الخارج:
_ آسـيـا
حاربت توترها منه وردت عليه بعناد ولامبالاة:
_قولتلك مش هفتح
صور على أسنانه بغيظ وضم على قبضته بقوة محاول&;ا تمالك انفعالاته ثم رد عليها بنبرة مربكة:
_طيب يابت خليل الصباح رباح وحسابي معاكي الصبح
ابتسمت بنصر عندما سمعت عبارته وبعدها بلحظات سمعت صوت خطواته وهي تبتعد عن الغرفة.. فازدادت بسمتها اللئيمة اتساع&;ا ثم توجهت نحو الفراش ونزعت عنها عباءتها فبقت بقميص نوم قصير وبحمالات رفيعة ثم القت بجسدها فوق الفراش تنام بحرية وتضحك بتشفي عليه.
***
كانت فريال بالطابق الثالث بعدما خرجت من غرفة أولادها وكانت بطريقها لغرفتها بالطابق الثاني لكنها توقفت عندما لمحت باب غرفة منيرة وكان الباب موارب&;ا وعندما اخترق نظرها للداخل رأتها ترتدي قميص نوم أحمر مثير وتترك العنان لشعرها ينسدل فوق ظهرها العاري وتقوم بوضع مساحيق التجميل فوق وجهها.
تسمرت فريال بأرضها وهي تتمعنها بنظراتها الملتهبة بنيران الغيرة&; ولسوء الحظ أن منيرة عندما التفتت وانتبهت للباب كانت ستهم وتغلقه لكنها توقفت عندما رأت فريال فابتسمت بخبث واقتربت من الباب لتفتح جزء بسيط منه وتقف تنظر لفريال بخبث وتردف بغنج:
_خير يافريال في حاچة ولا إيه.. كيف ما أنتي شايفة بچهز روحي لچوزي أصله الليلة عندي.. عن أذنك عاد
انهت عبارتها وصفعت الباب في وجهها فظلت فريال مكانها تحدق بالباب وهي تشتعل من الغيظ&; نظراتها كانت حارقة بإمكانها أن تحرق أي شيء أمامها.. وبلحظة كانت تندفع نحو الدرج تنزل لغرفتها وهي تشتمها بغيظ وتتوعد لها.
توقفت قبل أن تدخل غرفتها عندما سمعت صوت خطوات تصعد الدرج فأسرعت والقت نظرة من الأعلى فوجدته زوجها.. ابتسمت بلؤم وبسرعة ابتعدت عن الدرج بضع خطوات ثم ألقت بنفسها على الأرض تتصنع فقدان الوعي&; ثواني معدودة وكان جلال وصل وينوي الصعود للطابق الثالث لكنه تصلب عندما رأها ملقية فوق الأرض هكذا&; وبظرف ثانية كان يهرول نحوها ويجثي أمامها على الأرض يحاول إفاقتها:
_فريال ردي عليا أنتي سمعاني.. فريال
لأول مرة بحياتها تتبع تلك الأساليب الخبيثة لكنها لم تجد حل سوى أن تتقمص شخصية آسيا وإلا لن تتمكن من الفوز بمعركتها مع تلك الأفعى&; رغم أنها المرة الأولى لكنها كانت تجسد المشهد التمثيلي بمهارة أمامه ولم يشك بها للحظة حيث حملها بين ذراعيه وسار بها تجاه غرفتهم ووضعها فوق الفراش ثم مد يده وجذب زجاجة العطر ونثر منها فوق كفه ثم قربه من أنفها&; انقلبت معدتها رأس&;ا على عقب فور استنشاقها لرائحة العطر القوية وبسرعة فتحت عيناها وثبت جالسة وهي تكتم فمها بيدها ثم نهضت من الفراش وركضت نحو الحمام تفرغ ما بمعدتها كله.
رمش جلال بعيناه عدة مرات غير مستوعب&;ا ما حدث للتو أمامه&; كيف وثبت هكذا بلحظة وفتحت عيناها وركضت نحو الحمام وكأنها لم تفقد الوعي للتو ولماذا تستفرغ من رائحة العطر!!...
توقف ولحق بها نحو الحمام فوجدها توقفت عن التقيؤ وكانت تغسل وجهها.. ثم التقطت المنشفة تجفف وجهها وعندما سقط نظرها عليه ورأته كيف يتطلع إليها أدركت أن حيلتها انكشفت وربما شك بأمرها أيض&;ا فيما يخص الحمل&; اضطربت وابتلعت ريقها بتوتر لكنها استمرت في حيلتها تحاول إنقاذ الموقف قدر الإمكان:
_شكلي أخدت برد في معدتي ومن شوية دوخت ومحسيتش بروحي فوقعت واغمى عليا
تجاهل نقطة استفراغها رغم أنه يشعر أنها تخفي عنه شيء وربما يكون ما يعتقده صحيح&; وانتقل لنقطة تمثيلها فقدان الوعي ومحاولاتها الفاشلة في الكذب والتصرف بمكر وشيطانية وهي لا تنجح بتلك الأمور أبد&;ا فابتسم لها باتساع دون أن يرد.
تأكدت أن لا فرصة لها بالكذب مرة أخرى فهو أدرك حيلتها الفاشلة وانتهى أمرها&; دفعته من أمامها وخرجت من الحمام وهي تتأفف بخنق بينما هو فضحك ورد بخبث مداعب&;ا إياها:
_بس أشهدلك أداءك كويس في التمثيل حتى لو لساتك مبتعرفيش تكذبي بس أنا صدقت تمثيلك
ردت عليه بضيق وهي توليه ظهرها:
_أنا مكنتش بمثل
قهقه بقوة ثم غمز لها وتمتم بفرحة داخلية تظهر في نبرته المرحة:
_مكنش له لزمة الفيلم ده يافريالي.. لو غيرانة ومش عاوزاني اطلع عندها كنتي تقوليلي وطوالي تلاقيني چارك وفي حضنك
التفتت له ورمقته بغيظ تقول بحدة ولهجة ساخرة:
_أنا غيرانة وهنام في حضنك وأقولك تاچيلي!!.. صحيح الچعان يحلم بسوق العيش
وجدته يقهقه بصوته الرجولي في قوة فلوت فمها باستنكار وولته ظهرها ثم اتجهت نحو الفراش. وتمددت بجسدها فوقه بينما هو فاقترب منه ومال على أذنها فوق الفراش يتمتم بمكر:
_بعد اللي عملتيه ده اطمني مش هضيع مجهودك على الفاضي الليلة أنا معاكي ياحبيبتي
مال ثغرها للجانب ببسمة نصر أنها نجحت ببقائه معها الليلة رغم فشل خطتها&; وكانت عيناها تلمع بوميض التشفي وهي تتخيل منيرة كيف سيكون وضعها وهي تجلس الليل كله منتظرة قدومه لها....
***
عودة للقاهرة.......
بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل&; انتفضت آسيا بفزع من نومها بعدما راودها حلم مزعج ومخيف.. فانتصبت جالسة وهي تتنفس بصعوبة ونبضات قلبها سريعة&; استمرت على تلك الحالة دقائق طويلة حتى هدأت سرعة أنفاسها فحاولت وضع رأسها على الوسادة مرة أخرى لتنام لكنها فشلت والخوف كان استحوذ عليها بالأخص وهي تنام بالغرفة بمفردها وبمنزل جديد عليها لم تدخله من قبل ولم تعتاد على الغرفة ولا الفراش حتى.
ظلت مستيقظة لنصف ساعة دون نوم رغم خمولها ورغبتها في النوم لكنها لا تستطيع من خوفها&; استقامت جالسة مجدد&;ا وهي تفكر به.. بعد ما فعلته معه منذ ساعات كيف تطلب منه أن يبقى معها الآن حتى تنام براحة ولابد من أنه نائم الآن.
ظلت لوقت طويل تفكر بحل وبالأخير قررت أن تذهب له وتنام بجواره دون أن توقظه وبالصباح تجد ذريعة تفسر بها فعلتها.. نهضت من الفراش وغادرت الفراش ونست تمام&;ا أنها ترتدي قميص النوم الأسود هذا حتى أنها خرجت من الغرفة وبحثت عنه ببقية الغرف لم تجده.. كانت وجهتها الأخير بالصالة فوجدته نائم فوق الأريكة&; زمت شفتيها بيأس واقتربت منه ثم جثت على ركبتيها أمام الأريكة على الأرض وهي تتمعن النظر به رغم الظلام الذي كان يملأ الصالة لكنها كانت تحدق به وبالأريكة في عبوس.. فقد ظنته ينام فوق الفراش بأحدى الغرف لكن فوق تلك الأريكة الضيقة التي بالكاد تتسع له كيف ستنام بجواره.
بعفوية تامة فتح عيناه أثناء نومه وكان سيهم بالنوم على الجهة الأخرى لكن عندما رآها أمامه وكان لا يرى ملامح وجهها من الظلام.. فقط يرى جسد أسود أمامه دون ملامح&; ظنها شبح وبلحظة كان ينتفض مفزوع&;ا وهو يعتدل جالس&;ا يقول:
_اعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
......... نهاية الفصل .........
&;
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندى محمود توفيق
عادت بظهرها للخلف وهي تقوس وجهها في غيظ بعدما سمعت عبارته المفزعة.
بلحظة كانت تستقيم واقفة وتمد يدها لكبس الكهرباء، تضغط عليه لتشعل الأضواء وتهتف له بغضب عاقدة ذراعيها في خصرها:
_إيه شفت عفريت قصادك!!
اعتدل في جلسته ببطء بعدما أشعلت الضوء وأتضح مظهرها المثير أمامه. طار عقله وحلق في مدار انحرافه الخاص. فبقت عيناه فقط التي كانت تتفحصها بإعجاب، لكنه حاول كبح رغبته وجعل نظراته شبه طبيعية وهو يسألها بحدة متصنعة:
_أنتي إيه اللي مصحيكي دلوك!
تلعثمت للحظة لكن حاولت إيجاد ذريعة جيدة وقالت بثبات:
_مچاليش نوم فطلعت اقعد إهنه شوية.
رد بلهجة ساخرة رافعًا حاجبه:
_چاية تقعدي فوق راسي في الضلمة يعني وتتفرچي عليا!
ظهر الاضطراب عليها أكثر فردت بخفوت محاولة الدفاع عن نفسها:
_لا أنا لقيت تلفونك واقع على الأرض وكنت بتلفاه.. عمومًا كمل نومك أنا هطلع اقعد في البلكونة شوية.
استدارت وهمت بالذهاب للشرفة، لكن بعد أول خطوة سمعت صوته الرجولي المخيف وهو يصيح:
_اقفي عندك رايحة وين!
تصلبت بأرضها والتفتت برأسها له تقول بتعجب:
_رايحة البلكونة قولتلك في إيه!
هب واقفًا واندفع نحوها يقف أمامها مباشرة ويقول بغضب وسط نظراته التي تسير على جسدها:
_شكلك مش عاوزة تعدي ليلتك على خير.. عاوزة تطلعي برا باللي لابساه ده!
ضيقت عيناها بتعجب وبكل عفوية نزلت بنظرها على جسدها تتفحص ملابسها لترى ماذا بها. فجحظت عيناها بصدمة عندما رأت ما ترتديه أمامه. وشهقت بفزع ثم أسرعت ترفع ذراعيها تحتضن نفسها لتخفي صدرها وكتفيها وضمت قدميها لبعضهم في خجل وعينان متسعة. فرأته يتابعها باستنكار ويقول:
_أنتي بتداري إيه!
تمنت في لحظتها أن تنشق الأرض وتبتلعها وهي ترى نظراته الجريئة لها، فقالت بحزم وخجل شديد:
_غمض عينك!
ضحك ورد ببرود مستفز وخبث:
_ليه هو مش أنتي اللي چيتي عندي بنفسك وقعدتي قصادي بيه وأنا نايم.. هو انا ضربتك على يدك عشان تطلعيلي بيه!
اغتاظت بشدة فصاحت في استحياء:
_عمران غمض عينك قولتلك.
لم يعيرها اهتمام وبقى هو يتفحصها بجرأة أكثر متعمدًا، فاشتعلت هي كالجمرة والحمرة الشديدة صعدت لوجنتيها. لم تجد حلًا سوى أن ترفع يدها وتدعس على قدمه بعنف حتى يبعد نظره عنها وتستغل هي الفرصة فتركض للغرفة.
كانت قوتها ودعستها ضعيفة حيث لم تسبب له ألم شديد. وفور استدارتها وابتعادها لثلاث خطوات كانت تجد يده تجذبها وتعيدها له مجددًا وهو يقول بغيظ:
_رايحة وين لساتني مخلصتش حسابي معاكي على اللي عملتيه قبل ما أنام.
أدركت أن لا مفر منه وأنها لن تستطيع مجابهته مهما فعلت، فلجأت للطريق الأسلم وتوسلته بارتباك شديد:
_طيب خليني ادخل اغير هدومي وبعدين اعمل اللي أنت عاوزه فيا.. هملني عاد أبوس يدك ياعمران.
بدأ الوضع يكون ممتعًا بالنسبة له، فكبح ابتسامته بصعوبة وتصنع الجمود وهو يرد بلامبالاة:
_تغيري هدومك ليه ماهي زينة مالها!
لم تتمكن من الحفاظ على رقتها المزيفة أكثر فتحولت للشراسة وصاحت به في غيظ وهي تحاول الفرار من قبضته:
_عمران هملني وإلا هصرخ وألم الخلق كلها وأقول أنك خاطفني.
ضحك رغمًا عنه على سذاجتها، ثم استقرت في عينيه نظرة مرعبة يتحداها أن تتجرأ وتفعلها. فلانت شراسة ملامحها وتبدلت للخوف منه وبالفعل لم تتجرأ لرفع نبرة صوتها عليه حتى فبقت ساكنة، لكن هيهات أن تستسلم له. أجفلت نظرها أرضًا ولمعت عيناها بالعبرات، ثم رفعت رأسها له ورمقته بدموعها التي تملأ مقلتيها. وكما توقعت تمامًا ارتخت عضلات وجهه وأصبحت لينة، ثم تركها ببطء متمتمًا:
_بتبكي ليه مالك!
فور تأكدها أنها تحررت من قبضته ابتسمت له بشيطانية وحركت حاجبيها بطفولية. وباللحظة التالية كانت تفر راكضة نحو غرفتها. لم يتمكن من كبح ضحكته المغلوبة التي انطلقت منه بقوة، وبعد ثواني معدودة سمع صوت صفع الباب. تلك الحمقاء تظن أنه تركها قبل أن يخلد للنوم عندما قفلت على نفسها لأنه كان مجبرًا ولم يجد حل آخر. والحقيقة أنه فعل رغبة منه.
اتجه نحو غرفة صغيرة خاصة به كانت تحتوي على مكتب متوسط وأريكة ومقاعد. فتقدم من المكتب وفتح أحد الإدراج ثم أخرج منه مفتاح احتياطي يحتفظ به وأغلق الدرج ثم غادر الغرفة. وتوجه نحو غرفتهم ليضع المفتاح بقفل الباب ويفتحه ثم يدخل.
كانت هي تجلس فوق الفراش، لكن فور رؤيتها له انتفضت واقفة تسأله بصدمة:
_دخلت كيف!
ابتسم وقال في نظرات مريبة:
_عيب تسأليني السؤال ده في بيتي!
ازدردت ريقها بتوتر وللحظة كانت ستبكي حقًا من غيظها. بينما هو فأغلق الباب بهدوء وتمتم مبتسمًا ببرود مزيف يضمر خلفه تلذذه بلعبة القط والفأر هذه:
_مقولتيش كنتي بتبكي ليه عاد ياغزال!
ردت عليه بقلة حيلة حقيقية:
_عمران أنا هبكي صح دلوك والله.
كتم ضحكته ورد بهدوء أعصاب مستفز:
_وليه كله ده بس.. خلاص متزعليش روحك أنا مش قاسي للدرجة دي هسيبك بس بشرط.
تمالكت نفسها وردت بثبات مزيف وهي تتهرب من النظر في عينيه الخبيثة والجريئة. بينما هو فاقترب منها ووقف أمامها مباشرة يسألها بلؤم:
_كنتي قاعدة قصادي وبتتفرچي عليا ليه وأنا نايم!
اضطربت وأبت أخباره بالحقيقة، لكنها سمعته يقول بحزم وكأنه قرأ أفكارها:
_الحقيقة وإلا أنا مش ضامن ردة فعلي.
تأففت بنفاذ صبر ونظرت له مغلوبة لتقول باقتضاب:
_مكنتش بتفرچ عليك أنا كنت بفكر هعمل إيه.. كنت خايفة ومش عارفة أنام لحالي وفكرتك نايم بالأوضة التانية كنت هروح أنام چارك.. ومخدتش بالي من اللي لبساه ده غير لما أنت قولتلي.
ردد عبارتها بضحكة ماكرة:
_كنتي هتاچي تنامي چاري.. امممم طيب أنا هسيبك دلوك تغيري هدومك وهرچع تاني عشان اكمل نوم وتنامي چاري كيف ما كنتي عاوزة.. عشان متخافيش طبعًا.
كانت جامدة الملامح أمامه حتى لا تستفزه ويستمر في انحرافه المتعمد أكثر، رغم أنها كانت تغلي من الغيظ وتتوعد له. تابعته بنظراتها وهو يبتعد لينصرف، لكن قبل أن يغادر توقف وقال بجدية:
_معاكي خمس دقايق بس عشان أنا معايا شغل الصبح بدري وعاوز أنام.. خمسة وثانية هدخل وأنتي المسئولة.
جزت على أسنانها مغتاظة، لكنها اماءت له بالموافقة في استسلام متصنع. وفور رحيله أخذت تشتم نفسها على حماقتها وتشتمه بغضب. ووسط كل هذا تقوم بتبديل ملابسها قبل أن يعود مرة أخرى، فبعد ما فعله الآن لا تستبعد أن يدخل في أي لحظة وينفذ تهديده.
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.
انتهى جلال من تناول طعامه وكان بطريقه للخارج حتى يتجه للمستشفى ويطمئن على جده. لكنه توقف عندما انتبه لغياب فريال. فنظر لأمه وسألها بتعجب:
_فريال وينها ياما!
ردت جليلة بصوت مقتضب:
_معرفش منزلتش من الصبح.
كانت منيرة تجلس بجوار جليلة وتحدق في زوجها بنظرات نارية كلما تتذكر ليلة أمس وكيف قضت الليل كله تنتظره بملابسها حتى فقدت الأمل في عودته. وعندما خرجت اكتشفت أنه يقضي الليلة مع فريال.
قاد جلال خطواته للدرج يقصد غرفته بالاعلى، وبقت جليلة ساكنة على عكس منيرة التي كانت تشتعل. لحظات قصيرة ووصل أمام الغرفة ففتح الباب ودخل ليجدها مازالت نائمة في الفراش. غضن حاجبيه بقلق وبسرعة اندفع نحوها يجلس بجوارها على حافة الفراش ثم يمد يده يتحسس درجة حرارة جسدها فقد ظن أنها مريضة ولهذا السبب تنام حتى الآن وهي ليست من عادتها النوم لساعات طويلة. لكن كانت درجة حرارتها طبيعية تمامًا وأنفاسها منتظمة. فضيق عينيه بحيرة ثم راح يهمس وهو يمسح فوق شعرها بلطف:
_فريال.. فريال.
سمع صوتها الخافت وهي ترد بخمول دون أن تفتح عينيها:
_اممممم.
ابتسم وهتف بحنو امتزج بجديته:
_إيه النوم ده كله الضهر على آذان.
دفعت كفه عن شعرها وردت بنعاس وضيق وهي تميل وتنام على الجانب الآخر توليه ظهرها:
_عاوزة أنام امشي أنت ملكش صالح بيا.
رفع حاجبه متعجبًا تصرفها ورغبتها الغريبة في النوم. فرد عليها بتلقائية:
_أنتي لو حامل مش هتنامي النوم ده كله!!
فتحت عيناها كلها دفعة واحدة بزعر عندما سمعت عبارته. وبلحظة كانت تهب جالسة وتنظر له بقوة هاتفة في انزعاج:
_صحيت أهو ياچلال ارتحت إكده.
تقوست معالم وجهه وظهر الغضب البسيط عليه من أسلوبها وانفعالها دون مبرر. لكنه حاول التحكم بزمام جموحه ورسم ابتسامة دافئة فوق ثغره قبل أن ينحني عليها يلثم جانب ثغرها بهمسة مغرمة:
_صباح الفل والياسمين يافريالي.. طبعًا ارتحت مش شوفت وشك قبل ما اطلع ابقى مرتاح.
ابتعدت عنه ورمقته بحدة ثم هتفت منذرة إياه بجفاء:
_أنا قولتلك مليون مرة متقربش مني.
تأفف بنفاذ صبر وهو يشيح بوجهه للجانب يزفر نيران الخنق من بين شفتيه. ثم يعود لها ويهمس بانزعاج حقيقي:
_وبعدين يافريال عاوزاني اعملك إيه تاني.
ابتسمت ساخرة وردت عليه بنبرة قاسية:
_أنت معملتش حاچة اولاني عشان تعمل تاني أساسًا.
التهبت نظراته بالسخط ولم يتمكن من كبح زمام انفعالاته اكثر. حيث هتف بعصبية:
_كل ده ومعملتش حاجة.. نسيت اللي عملتيه فيا وتنازلت عن حچات كتير عشانك مع أنك كنتي غلطانة وأنتي مش عاوزة تعترفي بغلطك. لكن أنا نسيت ورميت كل حاچة ورا ضهري عشانا وعشان عيالنا. ودلوك بحاول ارضيكي واخليكي تسامحيني على غلطة عملتها في وقت تهور مني من غير ما احس ووعدتك إني هصلح الغلط ده بس اديني وقت شوية وبعدين هطلقها.
لكن انتي مش شايفة غير غلطي ومش معترفة بذنبك؟ كل اللي بعمله عشانك ده وبتقوليلي معملتش حاجة!
استحوذ الصمت عليه فلم تجد الكلمات لتجيب عليه بعدما واجهها بالحقيقة التي تناستها. استمرت في التحديق به بعينان مليئة بالأسى والقهر، بينما هو فكان الخذلان نصيبه مرة أخرى. ألقى عليها نظرة أخيرة بعدم حيلة قبل أن يستدير ويرحل ليتركها وحيدة. أحزانها ودموعها انهمرت فوق وجنتيها بغزارة.
***
بعد مرور ساعتين تقريباً...
نزل علي من السيارة وهو كالثور الهائج فور رؤيته لسمير يدخل أخيراً البناية. هو ينتظره منذ يومين هنا، واليوم ستكون يومه الأخير. اندفع نحو البناية خلفه، وبتلك اللحظة وصل جلال فأوقف السيارة بسرعة ونزل منها يسرع في خطاه التي كانت أشبه بالركض خلف ابن عمه، يلحق به قبل أن يقحم نفسه في كارثة لا عودة منها.
قبض على ذراعه بقوة وأوقفه عنوة، صارخاً به في صرامة:
_ علي.
التفت له علي ونزع ذراعه من قبضة جلال، يهتف في نظرات مرعبة ونبرة منذرة:
_ ملكش صالح يا جلال. الدور هيكون على الـ... ده الأول، وبعدين هييجي دور الـ... اللي ملقحة في المستشفى دي.
نزل نظر جلال بمحض الصدفة على يد علي، فرأى السلاح بيده. وقف أمامه وضم كفه والسلاح بالمنتصف بينهم، ورمقه بحدة يقول في غضب هادر:
_ داري السلاح اللي في يدك ده.. اتجننت في نافوخك أنت!
رمقه علي شزراً وصرخ به وهو يحاول نزع يده من قبضته:
_ عاوز إيه يعني؟ عاوزنا نچوزها ليه؟ كيف ما عملنا مع آسيا مثلاً؟
هدأت حدة ملامحه وظهرت الرزانة وهو يقول بلهيب الغضب المشتعل في صوته:
_ إيوة.. خلود معدش فيها نفس بعد اللي عملناه فيها، وهو كمان يقطع نفسه واصل. بس من غير قتل ولا تضيع روحك عشانهم، وبعد إكده يتجوزها وياخدها ويغوروا من البلد خالص.. خلي الفضيحة تبقى بينا ومتوصلش للخلق ولسانهم اللي مبيرحمش.
ارتخت عضلات علي المتشنجة وملامح وجهه بدأت تهدأ تدريجياً وهو يفكر بما تفوه به جلال للتو. بدا وكأنه اقتنع بوجهة نظره وأنه على حق، فرمقه مطولاً بنظرة شيطانية كلها شر وانتقام. قبل أن يندفع لداخل البناية يصعد الدرج شبه ركضاً، وكان جلال خلفه. وفور وصولهم أمام شقته، راح علي يضرب بقبضته القوية فوق الباب بكل عنف.
لحظات معدودة وفتح سمير الباب باستغراب وملامح غاضبة يقول:
_ في إيه ومين أنتوا؟
ابتسم له علي بنظرة قذفت الرعب في قلبه، كان تماماً كالروح التي عادت إلى الحياة لتنتقم. وبلحظة مفاجأة كان يباغته بلكمة أبرحته أرضاً. ودخل يجثي فوقه ويستمر في لكمه بكل قوته، بينما جلال فدخل خلفهم وأغلق الباب بكل هدوء، ثم وقف عاقداً ذراعيه أسفل صدره يتابع ابن عمه وهو يبرح ذلك الوغد حتى الموت، وسط شتمه له بأبشع الألفاظ القذرة.
انتزع علي نفسه عنه بصعوبة بعدما وجده كالجثة الهامدة أسفله، لا يقوى على فتح عينيه ووجهه كله غارق بالدماء. بالكاد يستطيع التنفس.
جذبه من ياقة قميصه ليرفع رأسه عن الأرض وهو يصرخ به:
_ الورقة العرفي اللي ضربتها مع الفاچرة دي وين.. انطق، بدل ما أطلع الطبنچة وأفرغها في نافوخك.
لم يكن سمير بوضع يمكنه من الرد عليه، فاقترب جلال منهم وانحنى عليه يجذبه من ذراعه ليوقفه عنوة وهو يصرخ به:
_ چيب الورقة يلا.
تحرك سمير بخطوات ثقيلة ومتعثرة حتى وصل لغرفة نومه، وكانوا خلفه. فور دخول علي لمح شال صغير فوق الفراش وبجواره ملابس نسائية داخلية. اقترب من الشال والتقطه يدقق النظر به بتركيز، فتذكر أنه رأى شقيقته بأحد الأيام ترتدي ذلك الشال. وعندما رفع نظره يتطلع للملابس الداخلية، غلي الدم بعروقه وانفجر بركانه فقط من مجرد تخيله أن تلك الملابس لها.
بتلك اللحظة كان سمير أخرج الورقة وناولها لجلال، الذي عندما التفت ورأى ما يمسكه علي بيده وينظر له، فهم فوراً. فأسرع نحو ابن عمه يكبله، فهذه المرة لو تركه عليه لن يخرجه حيّاً من بين يديه. هتف بأذنه يحاول امتصاص جموحه المرعب:
_ علي اهدي بزيادة اللي عملته فيه دلوك، بعدين كمل اللي عاوز تعمله فيه.
كان يقبض على الشال الذي بيده بعنف، ورغم محاولته في البقاء هادئاً، لكنه فشل. فدفع جلال بعيداً عنه وغار على سمير، الذي حاول تفادي لكماته والفرار من بين يديه، لكن دون جدوى. وبصعوبة تمكن جلال من إبعاده عنه، ثم أعطاه الورقة وصرخ به بعصبية:
_ خد الورقة دي قطعها ولا احرقها، وبعدين الحقني.
جذب جلال سمير من ملابسه معه للخارج، وترك علي بمفرده ينقل نظره بين الورقة وبين الملابس، في جسد ينتفض من فرط السخط.
***
في القاهرة...
قادت آسيا خطواتها تجاه الباب بعدما سمعت صوت الطرق الخفيف. أمسكت بالمقبض وفتحته، ثم جذبت الباب عليها لتقابل صديقتها أمامها، فتبتسم باتساع وتفتح ذراعيها لتعانقها بحرارة هاتفة:
_ إيه ياسندس اتأخرتي إكده ليه؟ مستنياكي من بدري.
دخلت سندس وهي تقول بملل:
_ أعمل إيه؟ استنيت سليم لغاية ما طلع، وبعدين جيتلك حضرتله الغدا وخلصت كام حاجة ورايا.
دفعت آسيا الباب بلطف وقالت لها ضاحكة:
_ طيب ادخلي چوا.
نظرت لها سندس بنظرة قلقة وهي تسألها بنظراتها، فضحكت آسيا بقوة وقالت:
_ مش قاعد طلع من بدري. ادخلي، أنتي خايفة إكده ليه!
ضحكت وردت عليها مازحة:
_ مش عارفة الصراحة، خايفة منه جوزك ده بعد اللي حكتهولي في التلفون وأنه اتخانق معاكي عشان بس قولتيله تيجي تقعدي معايا شوية.
تنهدت آسيا بقلة حيلة وقالت في خفوت:
_ أنا هروح أجيب حاجة نشربها وأرجعلك نكمل كلامنا، أنا يعتبر مقولتش حاجة في التلفون أصلاً.
أمسكت سندس بذراعها تمنعها وهي تقول باسمة بلطف:
_ مش عايزة أشرب حاجة، تعالي بس نقعد ونتكلم. أنا جاية أقعد معاكي، لينا سنين مشوفناش بعض، مش جاية أشرب.
أومأت لها آسيا بالموافقة في بسمة عذبة، ثم سارت معها نحو الصالون ليجلسوا فوق الأريكة، يتبادلون أطراف الحديث بأمور الحياة العادية وسط مرح ومزاح سندس الذي لا يتوقف. لكن بعد وقت طويل نسبياً، تبدلت ملامحها وسألتها بحزن:
_ احكيلي بقى إيه اللي حصل وازاي اتجوزتي؟
تنهدت آسيا الصعداء بخنق، ثم بدأت تسرد الأحداث منذ بدايتها نهاية بانتقامها من ابنة عمها، وسط نظرات صديقتها المشفقة عليها والعابسة. قالت لها بعدما انتهت من الحديث:
_ طبعاً أنتي دلوقتي خلاص اتقبلتي الأمر الواقع وطلعتي موضوع الطلاق ده من دماغك.
أومأت لها آسيا بالإيجاب متمتمة في خفوت:
_ مكنش قصدي حل غيره وقتها يا سندس. كنت مجبور أتقبل الوضع وأتعايش مع عمران.. مكنش ليا حد غيره وما زلت.
ظهر الغضب والغيظ فوق الأخرى وهي تهتف:
_ أنا مش عارفة أهلك إزاي عملوا فيكي كدا وصدقوا الصور وكلام بنت عمك الحرباية دي.. معقول القسوة للدرجة دي عندكم؟
_ ده شرف والشرف مفهوش هزار واصل، وممكن عقابه يوصل للقتل كمان.
لوت فمها بسخرية وغضب كدليل على عدم تقبلها لتلك التقاليد العقيمة والعادات القاسية التي تمنعهم حتى من تنوير عقولهم والثقة ببعضهم. لكنها عادت ونظرت لها تسألها باهتمام شديد:
_ أوعي تقوليلي عمران ده كمان بيعاملك معاملة همجية وقذرة زي أهلك.
ضحكت آسيا بقوة وردت عليها بنظرات شيطانية وخبيثة:
_ لا اطمني.. بعدين إيه؟ انتي متعرفنيش ولا إيه؟ فكرك هو يقدر عليا؟
لوت فمها مستنكرة وهي تقول بخوف متصنع:
_ صحيح، عندك حق. ده أنتي حاولت تقتليه ياقادرة.. أنا مش فاهمة إزاي عدالك عمايلك دي فيه؟
سكنت للحظة ثم صرخت بحماس وهي تضحك تسألها بفرحة:
_ أوعي يكون عشان بدأ يحبك بقى وكدا فسامحك؟
زمت آسيا شفتيها بعبوس ساخرة على عبارتها، فعبست الأخرى وظهر اليأس فوق ملامحها بعدما فهمت ردها من تعبيرات وجهها. لكنها عادت تبتسم وغمزت لها بمكر:
_ مش مهم، واحدة واحدة. كفاية أن أنتي الصنارة غمزت دلوقتي، صح؟
اتسعت عيني آسيا بصدمة وراحت تسألها بقلق:
_ هو باين عليا قوي ياسندس إكده؟
هزت رأسها لها بالموافقة وهي تضحك، ثم ردت بثقة تامة:
_ أوي كمان، والصراحة أنا آسفة بس هو يبقى غبي لو مفهمش.. ده إن مكنش فاهم وبيتسعبط أساساً.
ضيقت آسيا عيناها بغيظ بعد عبارة صديقتها الأخيرة، ثم راحت تسألها بتركيز ووعيد:
_ طيب والحل إيه؟
غمزت لها الأخرى بخبث وقالت في متعة ومرح جميل:
_ جننيه وخليه يلف حوالين نفسه.. أنتي مش محتاجة للنصايح دي يا معلمة. ده إنتي يترفعلك القبعة بعد اللي حكتهولي حرباية درجة أولى.
قهقهت آسيا بقوة، لكنها صمتت بعد ثواني وراحت تفكر بلؤم فيما قالته صديقتها للتو، وهي تبتسم بنظراتها الشيطانية، والاخرى تتابعها وهي تضحك.
***
كانت فريال تجلس بالصالون، وجليلة تجلس على الأريكة المقابلة لها، لكنها صامتة وشاردة الذهن. لم تعيرها فريال اهتمام شديد وتجاهلتها تماماً، لكنها لاحظت اختفاء منيرة منذ وقت طويل نسبياً وهي ليست معهم. فضيقت عيناها بحيرة، وقذف بعقلها احتمال أنها قد تكون منخرطة وسط أحد أفعالها القذرة.
بسرعة، وثبت واقفة واندفعت تبحث عنها بالمنزل، لكن لا أثر لها. وكان آخر مكان تبحث به هو مكتب جلال الخاص. اندفعت نحوه وكانت على وشك أن تفتح الباب، لكن يدها تجمدت عندما سمعتها تتحدث في الهاتف:
_ أنا شوية بليل هاجيلك وأسلملك العربون كيف ما اتفقنا، وبعدين هديكي الباقي.
ضيقت عيناها بدهشة وراحت تتساءل بين نفسها عن هوية المرأة التي تتحدث معها وعن أي مال تتحدث ولماذا ستعطيه لها. حاولت سماع بقية محادثتها، لكن صوتها ابتعد واصبح ضعيفاً، فلم تتمكن من سماعها جيداً. واستمرت على هذا الوضع لدقائق، حتى فتحت الباب على مصراعيه ودخلت. فانتفضت منيرة بفزع، وقد كانت تقف أمام الخزنة وتأخذ منها المال. رمقتها فريال بنظرات مخيفة، ثم سألتها:
_ بتعملي إيه يامنيرة عندك؟
تصرفت بثبات انفعالي بارد وردت عليها وهي تلتفت نحوها:
_ وأنتي إيه يخصك.. هتحققي معايا ولا إيه؟
ابتسمت فريال بثقة وتقدمت منها تقول بلهجة جديدة ومختلفة كلها قوة:
_ لما أشوفك بتسرقي جوزي، يبقى يخصني ونص كمان.
ضحكت منيرة، ثم أردفت ساخرة وبشراسة:
_ أسرقه!!!.. وأنا هسرق جوزي ليه؟ الحمدلله جلال ربنا يخليه ليا مش مخليني محتاجة حاجة.
قهقهت فريال بخبث، ثم همست لها غامزة بنبرة تحمل كيد النساء القاسي:
_ أه، بإمارة ليلة امبارح لما سابك وجه نام في حضني، مع أنها كانت ليلتك وأنتي ياحسرة كنتي مجهزة روحك على سنجه عشرة، وكله راح في الهوا.
رأت فريال حمرة الغضب تملأ وجهها كله، وعيناها تطلق شرارات الغيظ والحقد، فابتسمت بتشفي ونصر، ثم تابعت بشراسة ونظرات تحمل التحذير:
_ ده بس عشان تعرفي أن جلال لو أنا عاوزاه يرميكي برا هيعملها طوالي. أنا بس اللي سايباكي تاكلي عيش بمزاجي.. وهو جوزي كان ليا ولساته ليا، وعمره ما كان ولا هيكون ليكي.
انصحك تسيبي بيتي وترجعي لبيت ناسك قبل ما أخلي نهارك وليلك كيف الجحيم.
اندفعت منيرة نحوها وهتفت بوجهها في نظرة كلها تحدي وغل:
_نجم السما أقرب لك يا فريال، لا هسيب البيت ولا جوزي وأنا اللي هخليه يطلقك ويرميكي برا.
ابتسمت لها فريال باستهزاء واضح دون أن تجيب، بينما الأخرى فاندفعت لخارج الغرفة ثائرة. وبقيت فريال تبتسم بكل برود ومكر.
***
بتمام الساعة السابعة مساءً...
فتح عمران باب المنزل ودخل، ثم قاد خطواته للداخل. وكان بطريقه لغرفته لكن توقف عندما سمع صوت موسيقى عالي نسبيًا منبعث من الغرفة الأخرى. فضيق عينيه بتعجب وتحرك بخطواته الهادئة للغرفة. فتح الباب ببطء شديد وألقى نظرة للداخل فرأى آخر شيء كان يتوقعه. آسيا ترتدي ثوبًا حريريًا ناعمًا وقصيرًا بعض الشيء وتتمايل مع ألحان الأغنية في اندماج كامل. يتحرك جسدها مع رقصها بإنسيابية شديدة ووسطها يميل لليسار واليمين بطريقة متمكنة. كانت كتلة من الأنوثة الصارخة أمامه وهي ترقص بجسدها. ابتسم بإعجاب ونظرات تصرخ بالمتعة والرضا عن ذلك العرض المغري الذي أمام عينيه. فمال بكتفه على الباب يستند عليه ويتمعنها، مدققًا نظره مع كل حركة وتفصيلة صغيرة تقوم بها، بداية من حركة يديها المتناغمة مع جسدها لقدميها التي ترتفع لتبرز عن جمالها أكثر.
وسط اندماجه بالمشاهدة واندماجها بالرقص، تفتت هي بكل عفوية نحو الباب، فتسمرت بأرضها وصرخت مفزوعة بصوت مرتفع عندما رأته. فاسكتها هو بصوته الرجولي:
_إيه! اكتمي!
جذبت بسرعة رداء ثوبها وارتدته فوقه تخفي جسدها وتصيح به بغيظ:
_بتعمل إيه عندك؟ واقف كده ليه؟
ابتسم بخبث وقال:
_كلك نظر يا غزال.
تورّدت وجنتاها من الخجل وبسرعة أسرعت نحوه تدفعه للخارج هاتفة باستياء:
_اطلع يا عمران.
رمقها بنظرة ماكرة ثم تركها وابتعد، لتغلق هي الباب بقوة وتقف تستند بظهرها عليه تتنفس الصعداء بقوة. ثوانٍ معدودة وقذف كلام سندس في عقلها، فابتسمت بخجل. رغم أنها لم تكن تقصد أن يراها وهي ترقص، لكن يبدو أنها حقًا أثارت جنونه وإعجابه. مسحت على وجهها وهي تضحك باستحياء شديد كلما تتذكر نظراته، ثم تتطلع لملابسها فتخجل أكثر.
بقت بالغرفة تفكر كيف ستخرج وتعود لغرفتها حتى تبدل ملابسها دون أن يراها. سنحت لها الفرصة عندما سمعت صوت رذاذ المياه بالحمام، فخرجت بسرعة وأسرعت نحو الغرفة ثم أغلقت الباب عليها وبدأت في تبديل ملابسها قبل أن يعود.
خرجت بعد دقائق معدودة وذهبت للمطبخ بسرعة. لحظات وخرج هو من الحمام ثم تحرك نحو الغرفة وارتدى جلبابه الأبيض وغادر ليتجه نحو الصالة ويجلس فوق الأريكة ثم يبدأ بمشاهدة التلفاز. كانت هي ستبدأ بتحضير وجبة العشاء، لكن صوته المرتفع وهو يهتف:
_آسيا تعالي، متعمليش عشا أنا أكلت مش جعان.
خرجت من المطبخ بعد دقيقتين واقتربت منه تجلس بجواره صامتة دون أن تتفوه ببنت شفة. بينما هو فنزل بنظره بجسدها يتفحص ملابسها الفضفاضة عكس ما كانت ترتديه للتو وهي ترقص. ترتدي عباءة منزلية واسعة وبأكمام طويلة لا تظهر منها شيء سوى رأسها وكفيها. تمعنها بعبوس وخنق ثم أشاح بوجهه عنها وثبته على شاشة التلفاز. بينما الأخرى فابتسمت بخبث بعدما رأت نجاح خطتها وتابعت بكل ذكاء. حتى أنها رسمت الغضب والانزعاج على ملامحها بوضوح أكثر.
سمعته يسألها بجدية:
_أنتي بتكلمي فريال؟
اكتفت بهز رأسها بالإيجاب دون أن تنظر له وهي محتفظة بمعالم وجهها المنزعجة. فتابع هو بقلق:
_بتحكيلك على أي حاجة مضيقاها من أخوكي أو بيعملها معاها عشان أنا لما بكلمها مش بتحكيلي حاجة؟
ردت عليه بكلمة واحدة بنبرة مقتضبة:
_زينة!
انزعج وتمكن منه الاستياء فهتف بحدة:
_انتي بتنقطيني بالكلام.. مالك قالبة بوزك ليه؟
نظرت له بدهشة وهتفت في غضب حقيقي وتمرد:
_انت مش واخد بالك أن من وقت ما جينا هنا وأنت مش متحمل مني كلمة وعلى كل حاجة بتزعق فيا؟
مسح على وجهه يزفر بقوة ثم تأفف بنفاذ صبر وتمتم بهدوء على عكس نبرته السابقة:
_طيب اديني هادي أهو مالك بتردي عليا من تحت لتحت كده ليه؟
أدارت النظر إليه وقالت بتمنع ودلال أنثوي امتزج بعبوسها:
_مليش أنا داخلة أنام تصبح على خير.
رفع حاجبه مستنكرًا ردها. وعيناه علقت عليها وتبتعد عنه متجهة نحو الغرفة، فجز على أسنانه بغيظ محاولًا تمالك أعصابه ليقول وهو يمسح فوق فمه ولحيته:
_يارب الصبر من عندك.. إيه النكد اللي على المسا ده!
دخلت هي للغرفة وأغلقت الباب ثم وقفت وضيقت عينيها بحيرة تهتف لنفسها بخوف وضيق:
_هياجي ولا مش هياجي.. لا لا هياجي إن شاء الله حاسة أنه مش هيطنشني ده أنا وسطى اتقطم وأنا برقص صحيح مكنش في نيتي يشوفني بس أهو شاف وخلاص يارب ميروحش على الفاضي عاد.
توجهت نحو الفراش وجلست بالمنتصف وهي تضم ركبتيها لصدرها وتضع الغطاء فوقها. ظلت لدقائق طويلة تنتظره فقالت بالأخير في يأس:
_معبرنيش.
اتسعت عيناها بصدمة فور سماعها لصوت خطواته تقترب من الغرفة، فابتسمت بفرحة وبسرعة تمددت فوق الفراش وولّت ظهرها للباب. ثوانٍ وانفتح الباب ثم شعرت به يقترب من الفراش ليجلس بجوارها على الحافة وينحني عليها هامسًا:
_آسيا.
لم يحصل على رد منها فظنها نائمة. ابتعد وقال بخفوت متعجبًا:
_لحقتي تنامي!
اغتاظت من عبارته فهو حتى لم يحاول مجددًا ليتأكد ما إذا كانت مستيقظة أم لا. هي لم ترد عليه عمدًا بسبب ضيقها المزيف وهو يقول نائمة!
اعتدلت في نومتها والتفتت له تقول ساخرة بغيظ:
_آه وباكل رز مع الملايكة كمان.. تعالي اتفضل معايا.
فغر عينيه بريبة من ردها وانفعالها فقال بغيظ مكتوم وهو يدفعها بلطف:
_اتخمدي أنا غلطان.
وجدته يستقيم واقفًا ويتجه للخارج، فعبست ملامحها ولانت حتى أنها شتمت حماقتها فقد أفسدت خطتها بنفسها. لكن أسرعت وسألته بحزن:
_رايح فين؟
عمران بنبرة بدت شبه طبيعية رغم أنه منزعج منها:
_هنام برا عشان تعرفي تاكلي رز مع الملايكة زين.
وثبت من الفراش واقفة وأسرعت نحوه تعترض طريقه تقول بخوف وعبوس متصنع:
_خليك جارى أنا بخاف أنام لحالي في الأوضة هنا.
رفع حاجبه ورد ببسمة خبيثة:
_مش كنتي دلوقتي قالبة وشك فيا ومش بتردي عليا.. إيه اللي حصل؟
اغتاظت منه ومن استغلاله لكل حركة منها فقالت دون تفكير:
_براحتك اطلع نام برا.
لم يرد فقط ابتسم بخبث وراح يهم بالرحيل وهو على ثقة تامة أنها ستوقفه. وبالفعل قبل أن يتخطى عتبة الغرفة أوقفته تقول مستسلمة:
_خلاص خلاص خليك.
رمقها بطرف عينيه وهو يبتسم ورغم ذلك كان سيكمل طريقه. لكنها عادت مرة أخرى تقف أمامه وتنظر في عينيه هامسة بدلال لا يعرف هل كان متعمد أم عفوي، لكن نبرتها ضربت إشارات الإنذار في عقله وذوبت جليد قلبه:
_يــا مــعــلــم.
تحكم بنفسه بصعوبة أمامها بعد عبارته ونبرتها الناعمة ثم رد مغلوبًا يتصنع عدم الاهتمام أو التأثر بها حتى هو فقط سيفعل بسبب إلحاحها! :
_طيب خلاص ده عشان أنا مش مستغني على روحي بس أخاف أنام برا أقطع الخلف المرة دي.
لوت فمها وتجهمت ملامحها فرمقته بكرف عينيها في غيظ ثم تركته واتجهت للفراش تتسطح فوقه وهو يضحك عليها، وبعد ثوانٍ كان ينضم لها يشاركها الفراش لينام بجوارها كما ألحت.
***
داخل منزل خليل صفوان...
فتحت فريال باب الغرفة ودخلت فوجدت جلال يجلس فوق الأريكة وأمامه بعض الأوراق يقوم بالعمل عليها. لم تقاطعه ودخلت ثم أغلقت الباب. فرأته ينظر لها مطولًا ثم يقول:
_فريال تعالي اقعدي جاري عاوزك في موضوع.
غضنت حاجبيها بحيرة ثم تقدمت منه وجلست بجواره تنظر له بفضول في انتظاره أن يبدأ. حتى وجدته يسألها بنظرات ضائعة وحزينة:
_بتكلمي آسيا؟
أومأت له بالموافقة. فعاد يسألها باهتمام وقلق:
_طيب مش بتشكيلك من حاجة يعني عمران بيعاملها كيف؟
ابتسمت له وردت بعذوبة وثقة:
_اطمني هما كيف السمنة على العسل.
رفع حاجبه ورمق زوجته بدهشة ليتمتم باستغراب وعدم فهم:
_كيف يعني؟
ردت فريال ببساطة وهي تضحك:
_يعني كيف ما سمعت يا جلال. هو أنا قلت حاجة مش مفهومة؟
تمتم بجدية وحيرة:
_هو أنا مستبعدش ده بعد ما شفتهم يوم ما كشفت خلود لما مشيت وكان مستنيها برا.. بس عمران كيف خلاها تهدي وتبقى معاه كده؟
طال صمت فريال وهي تتمعن النظر به حتى قالت برزانة وثبات تام:
_عشان هو الوحيد اللي جارها. كان جوزها وأمانها في وقت الكل اتخلى عنها فيه ومكنش فيه حد معاها ولا حتى يا جلال. عاوزها تكرهه ليه بعد كل اللي عمله معاها رغم أنها حاولت تقتله وهو غفرلها.
أطرق رأسه أرضًا بأسى وندم يلوح فوق صفحة وجهه بوضوح. للحظة أشفت عليه فقد تبدل وأصبح رجلًا آخر. خسر نصف وزنه تقريبًا ووجهه أصبح شاحبًا من كثر الهموم. شعرت بوغزة مؤلمة في يسارها وكرهت قسوتها عليه فهي أبدًا لم تكن هكذا. تنازلت وقررت التخفيف عنه هذه الليلة لتكون الأولى والأخيرة.
اقتربت منه ورفعت كفها تمسح فوق شعره الأسود وتمسك بيده هامسة:
_اللي عملتوه فيها مش قليل يا جلال وغلطتوا في حقها قوي. صعب تسامحكم بسهولة بس أنا واثقة ومتأكدة أن آسيا قلبها طيب وحنينة ومصيرها تسامحك انت وأمها وترجع لكم.
نظر لها بنظرات تائهة وعينان مهمومة تحمل من الألم ما يكفيه ويزيد. رأت في عينيه النادمة طلب الغفران. لا يكفيه أن تغفر شقيقته فقط. هو يحتاجها هي أيضًا.
مهما حدث مازالت تعشقه وقلبها لم يعد يتحمل رؤيتها له وهو بهذه الحالة المزرية وتتصنع القسوة. فلفت ذراعيها حوله واقتربت منه تعانقه بقوة فوجدته يلف ذراعيه حول وسطها ويضمها إليه أكثر ثم دفن وجهه بين ثنايا رقبتها. وثوانٍ معدودة ثم سمعت صوته. كان صوت بكائه وهو يبكي بين ذراعيها كالطفل الصغير الذي ضاع من أمه. شدته إليها أكثر وأخذت تمسح فوق شعره بحنو لتخفف عن روحه المعذبة. فسمعته يقول بصوته الرجولي المبحوح:
_اشتقتلك قوي يا فريال.
أغمضت عيناها وتركت العنان لدموعها أن تنهمر فوق وجنتيها بصمت. تبكي حزن وألم أنها تعشقه ولا تملك فرصة الغفران. تريده ولا تستطيع الاقتراب. تشفق عليه وهو السبب في عذابه.
***
بصباح اليوم التالي في القاهرة.....
بعد خروج عمران من المنزل قررت آسيا أن تخرج وتذهب للمحلات القريبة من المنزل وكانت بنفس الشارع حتى تشتري بعض مستلزمات المنزل من الطعام. فقد شعرت بالملل وقررت كسره بخروجها لشراء متطلبات المطبخ.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا عادت للبناية وكانت تحمل الأكياس بيديها الاثنين. وبينما كانت في طريقها للمصعد الكهربائي سقط كيس من يدها وتناثرت حبات الطماطم على الأرض. انحنت بسرعة لتلمهم فوجدت شاب طويل البنية ينحني يجمعهم معها. بعدما انتهوا من جمعهم استقامت واقفة وهتفت بامتنان في ابتسامة عذبة:
_شكرًا.
رد الشاب مبتسمًا:
_العفو على إيه.
عنك طيب، أساعدك لغاية الشقة فوق.
كان سيهم بحمل الأكياس عنها، وهي كانت ستوافق. فالحمل ثقيل حقًا، ويداها تألمت طوال الطريق.
لكن عادت بيدها للخلف بسرعة في خوف وقلق عندما رأت عمران.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندى محمود توفيق
عادت بيدها للخلف بسرعة في خوف وقلق عندما رأت عمران كان يقف بالضبط أمام بوابة البناية ويرمقها بنظراته المريبة.
"متشكرة بس أنا چوزي وصل أصلًا."
التفت الشاب إلى حيث تنظر فرأى عمران وهو يتقدم نحوهم. اتسعت عيناه بدهشة بسيطة، وفور وصوله لهم مد يده ليصافحه هاتِفًا بحرارة:
"عمران حمدالله على السلامه اخبارك إيه؟"
كانت ملامح وجهه مكفهرة وعضلاته متشنجة من فرط الغيظ، لكنه تصرف بهدوء مزيف وصافحه متمتمًا:
"الله يسلمك ياسليم."
صابتها الدهشة الأولى عندما رأتهم يتصافحون واتضح أنهم يعرفون بعضهم. والآن الثانية عندما سمعت اسمه وتذكرت شقيق صديقتها عندما أخبرته أن اسمه "سليم". إذاً زوجها كان يعرفه منذ البداية. لكن ما سبب رفضه القاطع حول ذهابها لمنزل صديقتها إذا كان بينه وبين شقيقها معرفة صداقة؟
كانت قسمات وجهه لا تبشر بالخير، ووحدها فقط كانت تراها وتفهمها بوضوح، مما جعلها تتجمد في أرضها بجواره دون حركة ولا صوت، وهي تنتظر طوفانه عندما ينفرد بها داخل منزلهم.
حديثهم لم يدم لأكثر من لحظات، وخلالها قام سليم بتهنئة عمران على زواجه. وبعد انتهاء حديثهم غادر سليم البناية بأكملها، ولم يتبقى سواهم.
تطلعته بنظرات زائغة وهو كان لا ينظر لها في برود مخيف. انحنى يلتقط الأكياس يحملها هو، ثم يتجه نحو المصعد الكهربائي، فتلحق به بسرعة وتستقل به معه. دقائق قصيرة وتوقف المصعد، فخرج هو أولًا واتجه نحو باب المنزل ليضع المفتاح في القفل ويفتح الباب، ثم يدخل. لحقت به وأغلقت الباب بهدوء.
عندما اقتربت من الصالة رأته يجلس فوق الأريكة بهدوء مريب. فتقدمت نحوه وجلست بجواره تهمس في خفوت تجيب على سؤاله قبل أن يطرحه عليها:
"أنا نزلت اشتري شوية طلبات للبيت وانا وراچعة قابلته وهو حب يساعدني لما شافني شايلة كياس كتير."
رمقها بطرف عيناه في نظرات بدأت تتحول من الهدوء المزيف:
"وأنتي إيه اللي ينزلك من البيت.. اتصلتي واخدتي أذني الأول.. إيه عرفك في إيه تحت ولا الطريق كيف عشان تنزلي لحالك؟"
ردت عليه بثبات متصنع تحاول تلطيف الأجواء:
"أنا مرحتش بعيد.. هو السوبر ماركت اللي في نفس الشارع بس ورجعت طوالي."
انتفضت مفزوعة على أثر صيحته المفاجئة:
"اسمها نزلتي من البيت ولا لا.. أنا مسألتكيش روحتي وين!"
أردفت باضطراب من غضبه المرعب وقالت بخفوت:
"عمران أهدى الموضوع مش مستاهل كل العصبية دي."
انتصب في جلسته وصرخ منذرًا إياها بلهجة لا تتهاون أبدًا:
"الواد ده لو حصل وشفتك واقفة معاه تاني متلوميش غير روحك على اللي هعمله."
ضيقت عيناها باستغراب، فهي لا تفهم سبب كرهه لذلك الشاب. لكنها لم تخضع لتعليماته، خصوصًا بعدما علمت أنه شقيق صديقتها، فلا تقتنع بنقمه الغريب عليه، حيث قالت له باستياء:
"كله ده عشان وقفت ثواني معاه بس وهو كان عاوز يساعدني مقالش حاچة غلط واصل وأنت چيت بعدها علطول.. متعصب إكده ليه؟!"
صرخ بها بصوته الجهوري الذي نفضها:
"من غير مقاوحة (نقاش) وكلام كتير أنا قولت كلمتي ويارب تعاندي وتعملي عكسها يا آسيا."
كانت تكظم خنقها منه بصعوبة، بينما هو انحنى بوجهه عليها وهمس أمام وجهه مباشرة بنظرات مرعبة ولهجة تحذيرية:
"أول وآخر مرة فاهمة ولا لا."
أنهى عبارته وابتعد عنها ليستقيم واقفًا ويهم بالذهاب لغرفته، لكنه توقف على أثر عبارتها القوية وهي تقول بغيظ وجرأة بعدما فسرت تعليماته بأنها مجرد تحكمات وفرض سيطرة لا أكثر:
"هو حلو ليك ووحش ليا ولا إيه!"
التفت لها برأسه يطالعها بعينان قذفت الرعب في جسدها كله على عبارتها الجريئة. ورغم ارتيعادها لكنها تابعت بنفس الغضب محاولة الثبات أمامه:
"أنت عارف زين أن بت عمتك عاوزة تخرب بيني وبينك عشان بعد إكده تفضالها الساحة وتتجوزك.. ورغم إكده أنت مبتبعدش عنها وطول الوقت قريب منها وحتى ما هان عليك تخلي أمك تمشيها من البيت بعد اللي عملته معايا.. ودلوك بتفرض تحكماتك عليا ومش عاوزني اتعامل مع جنس مخلوق غيرك."
سكتت بالنهاية عندما رأته يقترب منها بخطواته المتريثة ونظراته المميتة، فتوقف قلبها للحظة من فرط خوفها وتقتقرت خطوة واحدة للخلف. ثم وجدته يقف أمامها ويرمقها بعينان واسعة ومخيفة يسألها في ترقب ونبرة شيطانية:
"ليه هو أنتي عاوزة تعملي زي عشان يبقى حلو ليكي كمان ولا إيه؟!"
ازدردت ريقها بخوف وردت عليه دون أن تنظر في عينيه مباشرة:
"أنا مقولتش إكده."
أكمل بنفس نبرته السابقة يلقي تعليمات جديدة:
"مفيش حد له كلمة عليكي ولا يحقله يتحكم فيكي غيري.. لو ناسية روحك افكرك أنك متچوزة ومرتي وأنا لما اقول مش عاوز اشوف لسانك بيخاطب الواد ده تاني يبقى الكلام خَلَص.. وحتى لو قولتلك صنف الرجال كلهم تقولي حاضر و....."
قاطعته بسخط شديد وهي تهتف:
"وأنا مش چارية عـ......"
ابتلعت بقية عبارتها مرتعدة على أثر صوته المرعب وهو يصرخ بها:
"لساتني مخلصتش كلامي.. عدى الأيام اللي هنقضيها إهنه على خير يا آسيا بدل ما تشوفي الوش اللي بتكرهيه."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه تأبى النظر له وهي تشتعل من فرط قهرتها وعصبيتها، بينما هو تركها واتجه للغرفة. فور سماعها لصوت صفع الباب سقطت فوق وجنتيها دموعها المحبوسة في مقلتيها.
***
داخل منزل خليل صفوان.......
فتح جلال عيناه بخمول على أثر صوت رنين هاتفه الصاخب وهو يتأفف بخنق. ثم مد يده للمنضدة الصغيرة المجاورة للفراش يلتقط الهاتف ويجيب على المتصل بجدية.
داكت مكالمته حول العمل لدقيقة بالضبط، ثم أنهى الاتصال. وعندما نزل بنظره لصدره وجد ذراعه ملتف حول خصرها وهي نائمة بين ذراعيه ورأسها فوق صدره. فابتسم بغرام وسعادة فور تذكره ليلة أمس. يبدو أن جليد قلبها بدأ بالذوبان وشروق شمسهم اقتربت.
تململت بين يديه وفتحت عينيها بنعاس لتهمس دون أن تنظر له:
"الساعة كام؟"
مال بشفتيه على رأسها يلثم شعرها بحب متمتمًا:
"الساعة تسعة يافريالي صباح الورد والياسمين."
فتحت عيناها على أخرهم لتبدأ بإدراك وضعهم، فتسكن للحظات مكانها دون حركة تستوعب ما حدث. وبعدها رفعت جسدها عنه وهي ترد بخفوت وجمود ملامح غريب:
"صباح النور."
اعتدل جالسًا ليقترب من جديد، وتلك المرة يطبع قبلته الدافئة فوق وجنتها متمتمًا بعاطفة جيّاشة:
"شكرًا على ليلة امبارح وإنك فضلت چاري ومهملتنيش لحالي."
كانت تتفادى النظر إليه. لا تفهم خجلًا أم انزعاجًا أم ماذا. بالرغم من أن قسمات وجهها تقول غير ذلك، كان يبدو عليها اللين والهدوء وكأن الغضب ليس في زيارتها هذا الصباح، مما زاده إشراقًا وسعادة. ردت عليه بحزم وجدية بسيطة:
"أنا فضلت چارك أه بس ده مش معناه إني سامحتك."
ابتسم بحنو واستطرد بكل بساطة:
"أنا فاهم وعارف ده زين بس على الأقل قوليلي أن في أمل صح!"
زَمّت شفتيها للأمام في عبوس وقالت متدللة وهي تهم بالنهوض من الفراش:
"معرفش."
رمقها بطرف عينيه بابتسامة مغلوبة ثم تنهد وهو يضحك. بينما هي فتحركت نحو الحمام وهي تزفر بقلة حيلة منه، فهو لن يتوقف عن محاولاته في نيل رضاها مهما فعلت، وهي تدرك تلك المعلومة جيدًا.
استقام واقفًا بعدما توارت داخل الحمام وراح يمسك بهاتفه يجري اتصالًا آخر استغرق ثلاث دقائق. وبعد انتهائه استقرت عيناه على الحمام وهو يبتسم، ثم أشاح بوجهه عنه. وبمحض الصدفة سقط نظره على مقعد خشبي متين فوق الخزانة، فلمعت عيناه بخبث. ثم توقف وراح يقترب من الخزانة يرفع جسده ويده للأعلى يحاول التقاط ذلك المقعد. وعندما مسكه أنزله بصعوبة وراح يلقيه من أعلى الخزانة إلى الأرض بكل قوة. أحدث المقعد ضجة عنيفة وصوت مزعج بالغرفة كلها وكأنه شيء ما تهشم، وعلى أثره خرجت فريال بسرعة مفزوعة من الحمام وهي تقول:
"إيه اللي وقع ده!!!"
رأته يجلس فوق الأريكة ممسكًا بكتفه وهو يتألم ويرد عليه بصوت مكتوم من الألم:
"الكرسي وقع على دراعي."
اتسعت عيناها بدهشة وراحت تلقي نظرها على ذلك المقعد الصلب والقوى، فزاد قلقها أكثر. وبسرعة اندفعت نحوه تجلس بجواره تتحسس كتفه هاتفة بقلق:
"طيب أجبلك مرهم تحطه قبل ما تورم."
هز رأسه لها بالنفي وهو يقول:
"لا لا هو خمس دقائق والألم هيخف لوحده."
ردت عليه بحدة ممزوجة بخوفها:
"وقع عليك كيف ياچلال وأنت متاخدش بالك ليه."
راحت تمسك بوجهه تحتضنه بين كفيها وتتفحصه بنظرها لتطمئن من عدم وجود كدمات. لكنها توقفت عندما رأته يضحك، فقالت له باستغراب:
"بتضحك على إيه؟!"
رد عليها مازحًا بعينان لامعة بالحب:
"قولتلك وقع على دراعي مش وشي بتبصي على إيه!!"
تهربت من النظر إليه وقالت بجدية محاولة إخفاء اضطرابها واهتمامها المتزايد به:
"بطمن عليك يعني ده چزاتي!"
لمعت عيناه بوميض ماكر وقال وهو يقف ويهم بنزع جلبابه عنه:
"طيب كملي چميلك عاد واطمني عليا زين."
سألته باستغراب ودهشة:
"بتعمل إيه.. أنتي هتقلع خلجاتك ليه؟!"
قال بنظرة لعوب وهو يضحك:
"عشان تطمني على كتفي وتشوفي لو فيه حاچة."
تابعته وهو ينزع عنه جلبابه بإرياحية وذراعه المصاب يحركه بكل مرونة دون أي ألم. فرمقته بنظرة شك وهي ترفع حاجبها، لكنها تصنعت السذاجة. وعندما جلس بجوارها مجددًا وهو عاري الصدر، مدت يدها لكتفه وراحت تمسح عليه بلطف دون أن تنظر له، على عكسه الذي كان لا يرفع عينيه عنها ويتأملها بهيام وعشق.
استغلت هي الفرصة لتتأكد من شكوكها وراحت تضغط بقوة على كتفه. وكما توقعت لم يصدر أي صوت يدل على تألمه من ضغطتها القوية. فعادت تعيد الكرة مرة أخرى وهي تسأله بغيظ:
"حاسس بألم إكده!!"
انتبه على صوتها وفاق من شروده بها، وبسرعة راح يطلق أنينًا مزيفًا وهو يقول:
"آااه لسا في ألم.. كملي بيدك يمكن يخف شوية."
كانت تشتعل غيظًا منه بعدما أدركت حيلته الطفولية. وتعمدًا أخذت تدلك له كتفه بكل عنف وهي تضغط عليه بقوة، مما جعله يطلق تأوهًا حقيقيًا هذه المرة وهو يقول بتعجب:
"إيه يافريال براحة ياحبيبتي هتخلعيلي كتفي."
ردت عليه وهي تصر على أسنانها:
"ليه مش يدي كانت فيها الشفا بقيت بتوچعك ليه دلوك!!"
"مقصدش إكده طبعًا ياروحي أنا بقولك براحة بس شوية."
لمعت عيناها بلؤم وقالت له بكل طواعية:
"عيوني يا أبو العيال."
تعالت اساريره على أثر عبارتها، بينما هي فتابعت تداركها الذي كان أعنف من الأول. فوجدت يصرخ بالأخير وهو يبعد يدها عنه هاتفًا بانزعاج وألم:
"بزيادة يافريال كتفي خف خلاص."
أنتي بتنتقمي مني ولا إيه!!
انطلقت ضحكتها الأنثوية والمتلذذة به رغمًا عنها وهي تقول له بخبث:
_عشان بعد إكده تكذب عليا زين وتمثل قصادي الوچع والمرض
أنهت عبارتها وكانت ستهم بالنهوض من جواره لكنها وجدتها يجذبها إليه مجددًا ويقول وهو يضحك بضعف:
_أعمل إيه طيب اتوحشت اهتمامك بيا وخوفك عليا
حاولت الابتعاد عنه وهي تقول بغيظ كاتمة ابتسامتها:
_چلال بعد عني
حرك حاجبيها بالرفض وهو يبتسم بمتعة ثم شدد على خصرها أكثر يحاصرها بتحكم بينما هي تحاول الفرار من بين براثنه كالقطة الضعيفة التي سقطت داخل عرين الأسد، ولسوء حظه أن طرق الباب بتلك اللحظات جعلها تستغل الفرصة وتهرب منه بسرعة فضحك هو عليها وعينيه عالقة على الباب بغيظ يشتم في نفسه ذلك الطارق المزعج...
***
أسرعت عفاف في خطواتها تجاه الطابق الثالث حيث غرفة الجلوس الصغيرة الخاصة بعمران.. فور دخولها وجدت ابنها يجلس يتحدث في الهاتف فاقتربت منه وجلست بجوارها وهي تبتسم بأشراقة وجه غريبة جعلته يحرك حاجبيه لها باستغراب دون كلام كأنه يسألها عن سبب كل ذلك الحماس والانشكاح لكنها التزمت الصمت وانتظرته حتى ينتهي من مكالمته.
فور انتهائه قال لها بحيرة:
_خير ياما مالك؟
ابتسمت له عفاف وقالت بفرحة:
_خير خير ياولدي.. جيالك بالبشارة
غضن حاجبيه بعدم فهم ولمعت عيناه باهتمام وفضول حتى وجدها تقول ببسمة خبيثة:
_جهز روحك عشان خلاص هنروح نتقدم لعروستك
اتسعت عيناه بدهشة وبعد لحظات شبه طويلة سألها بعد تصديق:
_حور وافقت؟
أماءت له بالإيجاب فرأت بسمة وجهه ترتفع لثغره وتتسع مع وميض عينيه اللامعة بسعادة.. ثم قالت له بتذمر ملحوظ:
_بءدس أبوك مصمم أن نروح لما يرچع عمران عشان يروح معاكم
هز رأسه بتفهم مؤيدًا لرأى أبيه:
_إيوة عنده حق لما يرچع عمران وأنا مش هروح من غيره أساسًا
لوت عفاف فمها بخنق على حب ابنها الشديد لأخيه لكنها لم تعقب ورتبت على كتفه بحنو ثم استقامت واقفة وغادرت لتتركه بمفرده ساردًا في أفكاره السعيدة...
اصطدمت بإخلاص أثناء طريقها لغرفتها فتوقفت ورمقتها بقرف مما جعل إخلاص تشتعل من السخط وتصيح بها:
_ضربتك الكهرباء في نافوخك ولا إيه يا عفاف!!
ابتسمت لها الأخرى بسخرية وردت بنبرة فظة:
_شكلك أنتي اللي معدش فيكي مخ يا إخلاص
قبضت إخلاص على ذراعها بعنف وصرخت بها بغضب:
_بتقولي إيه أنتي يامخبولة
انتزعت عفاف ذراعها من قبضته بكل برود وهي تضحك وتقول بخبث:
_بقول الحقيقة أصل شيفاكي سايبة السايب في السايب لآسيا إيه مش خايفة تخطف ولدك منك ولا إيه! .. أنتي ابراهيم خسرتيه من زمان قوي أساسًا لكن ولدك مستعدة تخسريه كمان!!
وقفت إخلاص بثبات أمامها تطلعها بكل قوة ثم قالت بنظرة دقيقة تحمل الشك:
_وأنتي حاملة هم ولدي ليه وآسيا عملالك إيه عشان تكرهيها إكده ومش عاوزاها تقعد في البيت
ردت عفاف تخلق حجة غير مقنعة وهي تزم شفتيها بعدم اهتمام:
_وأنا اكرهها ليه أنا حاملة همك أنتي مش هاين عليا تخسري ولدك كمان بعد چوزك
ابتسمت إخلاص باستهزاء لتجيبها بعد اكتراث وثقة:
_اطمني ولدي في ضهري لغاية ما أموت ومحدش يقدر ياخده مني ولا يفرق بينا.. خليكي أنتي بس في هم ولدك وملكيش صالح بعمران واصل
أنهت عباراتها والقت عليها نظرة مشمئزة قبل أن تبتعد وتكمل طريقها إلى حيث كانت تنوي الذهاب بينما عفاف فتقوست ملامحها بشكل غريب من فرط الغيظ والغضب...
***
توجهت آسيا نحو غرفتها عندما سمعت صوت رنين الهاتف.. كانت مشغولة بتحضير الطعام بالمطبخ واضطرت للرد على الهاتف عندما لم يتوقف عن الرنين.
وصلت للغرفة والتقطت الهاتف من فوق الفراش تحدق في شاشته تنظر للرقم المجهول الذي يتصل بتفكير وحيرة.. أخذت تتمعن في الرقم لثواني طويلة مترددة هل تجيب أم لا وبالنهاية حسمت قرارها ورفعت الهاتف تضعه فوق أذنها هاتفية:
_الو
لم تحصل على رد من المتصل فعادت تكرر " الو " مجددًا ولا يوجد إجابة أيضًا، كادت أن تنزل الهاتف وتغلق الاتصال لكنها توقفت عندما سمعت صوت بكاء مكتوم فضيقت عينيها بدهشة وقالت بلهجة أكثر حدة:
_الو مين معايا
ظهر صوت أمها الباكي وهي تقول لها بضعف:
_كيفك يابتي؟
تجمدت ملامح وجهها فور سماعها لعبارة أمها والتزمت الصمت لبرهة من الوقت قبل أن تجيبها بنبرة ممتعضة:
_زينة
هدرت جليلة ببكاء حاد في الهاتف وقهر:
_اتوحشتك قوي يابتي ووحشني صوتك
ابتسمت آسيا بمرارة وردت عليه بصوت مختقن وعينان لامعة بالدموع:
_اتوحشتك دلوك بس بعد ما عرفتي الحقيقة، لكن قبل إكده أنا كنت مش بتكم ولا بتسألوا عليا ماتت ولا حية حتى
ازداد نحيب جليلة النادم وهي تقول لها بأسف وألم:
_من قبل ما أعرف يا آسيا وأنا كنت ناوية آجي أشوفك واطمن عليكي مقدرتش استحمل يابتي حتى لو كنت غضبانة منك بردك هتفضلي بتي ومقدرش اتخلي عنك.. سامحيني حقك عليا مصدقتكيش وموثقتش فيكي
سقطت دمعة حارقة فوق وجنتي آسيا لترد عليها بقسوة ورفض قاطع:
_الميت مبيرچعش ياحچة چليلة وأنتوا اعتبرتوني مُت واعتبروني لساتني ميتة ومش هرچعلكم تاني.. مكاني بقى چار چوزي ومعاه هو الوحيد اللي متخلاش عني مش أنتوا
مازال صوت بكاء أمها يضرب بأذنها كالبرق ولم تعد تحتمل سماعه أكثر من ذلك خشية من أن تنهار قوتها وصمودها المزيف، فأنزلت الهاتف وأنهت الاتصال بسرعة وهي تبكي بحرقة.
أثناء ذلك الوقت كان عمران بالخارج يستمع لحديثها كله مع أمها ورغم فرحته بعبارتها الأخيرة عندما تحدثت عنه وأبدت قرارها ببقائها معه وأنها لا تنوى الانفصال إلا أنه أشفق على وضعها وحالتها المزرية، ففتح الباب ودخل ليجدها تجلس فوق الفراش وتبكي، تقدم إليها وجلس بجوارها ثم فرد ذراعه ولفه حولها يضمها لصدرها وهو يملس فوق ذراعها وشعرها بحنو فسمعها تردد بعجز:
_معدتش عارفة أعمل إيه ياعمران تعبت قوي
همس لها بدفء ونبرة رزينة:
_اعملي اللي هيريحك قولتلك قبل إكده وهقولك تاني متجبريش نفسك على حاچة طالما حاسة إنك مش جاهزة دلوك
رفعت رأسها عن صدره وقالت بعينان غارقة في الدموع:
_كانت بتكلمني وهي بتبكي كيف العيل أول مرة اسمعها بتبكي إكده.. كنت حاسة لو كملت معاها اكتر هنهار في البكا معاها
رد عليها بصوته الرخيم والهاديء:
_هما غلطوا في حقك ولما عرفوا الحقيقة دلوك لازم هيحسوا بالذنب وأمك مهما كان هتفضلي بتها ومش هتقدر ترميكي
صاحت آسيا بألم وبكاء شديد:
_كان عندهم استعداد يقتلوني ياعمران لو مكنتش اتجوزتني وأنت بتقولي احساس بالذنب!!
رفع أنامله وجفف دموعها من فوق وجنتيها بلطف متمتمًا في لهجة أحتواء كلها آمان ودفء:
_متفكريش في الماضي أنتي دلوك مرتي ومعايا ومفيش مخلوق يقدر يقربلك.. ادي لنفسك فرصة لغاية ما تهدى وبعدين قرري أنتي هتقدري تسامحيهم ولا لا
أجفلت نظرها عنه بحزن حتى سمعته يقول بمداعبة تسمعها للوهلة الأولى منه:
_بزيادة بكا عاد.. الدموع مش لايقة على عيون الغزال دي
رمقته بدهشة وسرعان ما أشاحت بنظرها عنه في خجل ملحوظ دون أن تجيب، احتارت ماذا تقول فقررت تغيير مجرى الحوار تمامًا وقالت له مبتسمة بتعجب:
_هو احنا مش لساتنا كنا متخانقين من كام ساعة وكنت مش طايقني!!
علت ملامحه الجدية مرة أخرى ليقول بضيق:
_ولساتني متعصب منك ومش طايقك بس مهنتيش عليا لما شوفتك إكده
لو لم يكمل عبارته الأخيرة كانت ستنفجر به كالقنبلة الموقوتة لكن آخر ما تفوه به امتص كل غيظها منه جعلها تبتسم له بحب وخجل ثم قالت برقة معتذرة:
_أنا غلطت صحيح في الكلام اللي قولته ليك أنا آسفة بس مغلطتس في حاچة تاني أنت اللي اتعصبت عليا وفضلت تزعق
حتى عند اعتذارها واعترافها بخطأها تتصرف بكبر، لكنه لم يهتم لها كثيرًا وقال لها بخنق حقيقي فور تذكره لذلك الشاب:
_أنتي عاوزة تعيدي الخناقة بينا من تاني عاد ولا إيه.. اقفلي سيرة الموضوع المچندل ده مش ناقصة عكننة تاني
زمت شفتيها بيأس وقالت في عبوس:
_أنتي علطول قافش إكده ملحقتش اقول حاچة عشان تتعصب أصلًا!
_متقولـــيـش!
كتمت على فمها بعد أن هتفت بنفاذ صبر:
_أهو كتمت ياعمران مش هقول حاچة واصل
انحنى على رأسها وقبلها بحنو متمتمًا بنبرته المميزة:
_جدعة ياغزال
ابتسمت لا إراديًا عندما نعتها بالغزال لكن سرعان ما عبس وجهها وقال بدلال وضيق:
_بس أنا لساتني زعلانة منك ومش هكلمك غير لما تصالحني
أنهت عبارتها واستقامت واقفة وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها وتوليه ظهرها فسمعته يقول بغيظ منها:
_أولًا أنتي اللي غلطانة طلعتي من البيت من غير ماتقوليلي ولا تاخدي أذني وقصاد إكده وقفتي قصادي الند بالند وبتردي عليا وبتقوليلي حلو ليك ووحش ليا.. ورغم كل ده أنا قاعد چارك دلوك وبهديكي واطبطب عليكي وادلعك غزال ومعرفش إيه وتقولي اصالحك عاوزة إيه تاني!!!
رفعت رأسها للأعلى بغرور وردت عليه تأبى الخضوع:
_لساتني متصالحتش وزعلانة أنت مشوفتش روحك كنت بتكلمني كيف
رغم اقتناعه بأنها هي المخطئة لكنه تنازل وسألها بقلة حيلة في خنق:
_وأنتي عاوزاني اصالحك كيف عاد يا يآسيا هانم
هزت كتفيها بدلال تجيبه بعبوس:
_معرفش أكيد مش أنا اللي هقولك الحچات دي مبتتقالش
قرر أن يقلب الطاولة فوق رأسها ويستغل هو الوضع لتصبح النتيجة واحد صفر لصالحه بعد عبارتها، حيث ابتسم بخبث وسألها بوقاحة:
_مبتتقالش ليه.. هو أنتي عاوزاني اصالحك كيف؟!!
التفتت برأسها له ورمقته بدهشة من تلمحياته المنحطة والجريئة، كانت وجنتيها قد توردت باللون الأحمر ونظراتها اشتعلت بالغيظ منه، وبظرف لحظة كانت تندفع لخارج الغرفة تهرب منه خجلًا وغيظًا.. فتتركه يضحك بمتعة...
***
داخل منزل خليل صفوان......
اندفعت جليلة خارج غرفتها بعد انتهاء حديثها مع ابنتها، فقد عرفت للتو أن خلود عادت للمنزل ومحتجزة داخل غرفتها، كانت كالثور الهائج الذي لا يرى أمامه وسيدمر كل شيء.
وصلت إلى غرفة خلود وبلحظة كانت تدفع الباب وتدخل عليها مندفعة.. انتفضت خلود التي ظنتها أبيها أو أخيها وستتلقى الضرب على يدهم مرة أخرى.. لم تكن تعلم أن من دخل هو الأسوء منهم.
انقضت جليلة عليها وهي تجذبها من شعرها وتصرخ بها بقسوة:
_لساتك بتعملي إيه في بيتي وإيه اللي چابك يافاچرة و****
صرخت خلود ببكاء وهي تحاول نزع خصلات شعرها من قبضة زوجة عمها:
_بعدي يدك عني
جليلة بغل ونقم نابع من صميمها:
_ده أنا هقتلك بيدي وآخد حق بتي وحق كل اللي چرالنا وچرالها بسببك..
إذا كان أبوكي وأخوكي مقدروش يقتلوكي يبقى أنا هعملها.
كانت تصرخ بأعلى صوت لديها ولم يكن لديها أحد تستنجد به في هذا المنزل سوى أمها التي أخذت تصرخ منادية عليها حتى تنقذها من بين براثن جليلة.
تركت شعرها وصفعتها بعنف فوق وجنتها صارخة بها بحرقة وبكاء:
_ ياهاملة يا *** بتي عملتلك إيه عشان تعملي فيها إكده وتخلي شرفها في الأرض. كانوا هيقتلوها بسببك ورمنياها بيدنا في النار بسببك وأنتي لساتك قاعدة وسطينا في بيتي بعد عملتلك ال **** زيك.
وصلت إنصاف على أثر صراخ ابنتها وبسرعة ركضت نحو جليلة تدفعها بعيدًا عنها صارخة بها:
_ بتعملي إيه في بتي؟
رمقتها جليلة باشمئزاز وسخرية هاتفة:
_ البنات اللي كيف دي القتل حلال فيها. وأنا لساتك بتدافعي عنها وبتحاميها بعد اللي عملته وهي چيالك حامل في الحرام. مهو مش بعيد تكوني كيفها و ****.
بتلك اللحظة صدح صوت جلال المنفعل والرجولي وهو يهتف:
_ أماااا.
لم تتوقف جليلة عن الكلام وكانت ستهم بتكملة إهانتها لإنصاف وابنتها لولا جلال الذي قبض على ذراعها وجذبها معه للخارج بلطف. ورغم ذلك قالت قبل أن تغادر بقلب مهشم ومحروق:
_ ربنا ينتقم منكم على اللي عملتوه في بتي. ضاعت مني بسببكم وحرقتوا قلبي عليها.
دفعت يد جلال بعيدًا عنها بعد مغادرتها وقالت له بألم وصوت مبحوح:
_ هملني يا چلال وروح لشغلك.
كان سيلحق بها لكنه توقف بعد خطوة واحدة فقد رأى أنه من الأفضل تركها لوحدها حتى تهدأ ثم يتحدث معها.
دخل جلال غرفة العمل الخاصة به بعد وفاة والده فوجد فريال تجلس على الأريكة كأنها بانتظاره. غضن حاجبيه وسألها بتعجب:
_ فريال في حاجة ولا إيه؟
هزت رأسها له بالرفض بينما هو فاقترب منها وجلس بجوارها ينتظر منه أن تبدأ في حديثها فقالت هي مغلوبة:
_ العيال خلصوا امتحانات وليهم كام يوم بيزنوا عليا عشان أقولك تاخدهم وتسافر كيف كل سنة بعد الامتحانات.
سكتت للحظة دون أي تعابير وجه وكأنه يفكر بالأمر ثم ابتسم بحماس وسألها غامزًا:
_ وأنتي هتاجي معانا طبعًا؟
كانت ستهم بالرد عليه لكنها صمتت عندما رأت منيرة تقتحم عليهم الغرفة وتتجه نحوهم لتجلس بجواره من الجهة الأخرى هاتفة بألم وعينان دامعة وهي تضع كفها فوق رأسها:
_ چلال الحقني الصداع هيفترك نفوخي من الصبح ومش قادرة أتحمله.
دققت فريال النظر بها وبالبداية ظنت أنها حقًا مريضة لكن عندما تفحصت تعبيرات وجهها المزيفة تأكدت أنها تكذب وفقط تريد جذب الانتباه وأخذه منه حتى لا يبقى معها.
جلال نظر لها بقلق عفوي بعدما رأى حالتها المزرية:
_ مخدتيش برشام للصداع ليه طيب يامنيرة؟
ردت عليه ببكاء صامت:
_ أخدت ومعملش حاجة.
كانت فريال تشتعل من الغيرة وهي تراها كيف تلتصق به وتحاول إلقاء جسدها عليه وهو يحاول أن يهدأها ويفهم منها أعراضها وما تشعر به. تلك الوقحة تمارس دور الزوجة مع زوجها أمام مرأى عيناها.
هتف جلال بجدية وهو يمسك بذراعها لكي يساعدها على الوقوف:
_ طيب قومي البسي عشان أوديكي للدكتور ونشوف سبب الصداع ده إيه.
ردت عليه بدلال وسط دموعها وتألمها المزيف:
_ لا أنا مرت عمي ادتني برشام من شوية يمكن يخفف خلينا نصبر شوية. خدني انتي بس على أوضتي وخليك جاري يا چلال مش متحملة أقعد لحالي.
بعد تلك العبارات التهبت فريال واشتعلت وبركانها انفجر. لم تعد ترى أمامها ولا تدرك ما تفعله ولا تفكر به. هي فقط طفح كيلها من تلك الشيطانة ولم تعد قادرة على تحملها. وثبت واقفة واندفعت نحوها تجذبها من شعرها أمامه وهي تصرخ بها بهستريا:
_ وبعدين معاكي ياعرة الحريم أنتي. قاعدة قصاد عيني وعمالة تتلزقي في چوزي وتتمايصي عليه وفوق كله ده كذابة كمان.
هب جلال واقفًا وحاول الفصل بينهم وهو يفلت أصابع فريال من خصلات شعر الأخرى صائحًا بها:
_ فريال إيه اللي بتعمليه ده؟
لم تكترث له ولم تفلت شعرها بل استمرت في الصراخ عليه والأخرى تصرخ ألمًا:
_ أنا چبت أخرى منك ومعدتش متحملاكي. أنا سيباكي لغاية دلوك في بيتي بمزاجي وقريب هتترمي برا كيف الزبالة.
صرخ جلال بها بنبرة جمهورية:
_ فريـــال.
كانت منيرة تصرخ بألم وبكاء:
_ چلال الحقني.
تركت خصلات شعرها مجبرة بعد صرخته بها لكنها تابعت وهي ترفع سبابتها في وجهها تحذرها بلهجة مرعبة دون أي اكتراث لوجوده:
_ ابعدي عن چوزي وعيالي وغوري من بيتي بكرامتك بدل ما أخليه هو اللي يرميكي برا البيت.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندى محمود توفيق
تركت خصلات شعرها مجبرة بعد صرختها بها، لكنها تابعت وهي ترفع سبابتها في وجهها تحذرها بلهجة مرعبة، دون أي اكتراث لوجوده:
_ابعدي عن چوزي وعيالي وغوري من بيتي بكرامتك بدل ما أخليه هو اللي يرميكي برا البيت.
انهارت قوى منيرة وانفجرت في نوبة بكاء عنيفة، وفي غضون ثوانٍ كانت تندفع نحو جلال تلقي بجسدها بين ذراعيه وهي تنتفض بخوف وانهيار تام. استقرت نظرات الملتهبة على منيرة وسرعان ما شملت زوجها أيضاً، وهذه المرة لم تتحدث بل اكتفت بالنيران التي أشعلتها للتو وغادرت وهي تلقي عليهم نظرة مشمئزة.
فور رحيل فريال هتفت منيرة بين ذراعيه وهي تبكي ببراءة متصنعة:
_شوفت مرتك عملت فيا إيه يا چلال.
حاوطها بذراعيه من كتفيها وأبعدها برفق عنه يسألها في قلق بسيط:
_أنتي كويسة فيكي حاجة!
هزت رأسها بالنفي وهي مستمرة في البكاء والشكوى:
_أنا كويسة بس أوعاك تقولي هتسكتلها بعد اللي عملته ده.. دي كان ناقص تقتلني قصادك ولا هاممها حد ولا عاملة حساب ليك حتى.
هو كان يشتعل بلهيب الغيظ والغضب من فريال بالفعل، ولم يكن بحاجة لأي تحفيزات نارية أكثر، فقال لها بحدة ونظرات مريبة:
_طالما زينة ومفكيش حاجة اطلعي على أوضتك يلا وأنا هحصلك بعدين.
توقفت عيناها فجأة عن ذرف الدموع وراحت تهز رأسها له بالانصياع التام، وفور استدارتها واتجاهها لخارج الغرفة ابتسمت بخبث على عبارته بأنه سيلحق بها إلى غرفتهم بعد أن ينتهي من تلقين زوجته درساً على فعلتها الغير لائقة أمامه.
***
بالقاهرة داخل منزل عمران....
كانت آسيا متسطحة فوق الفراش وتستعد للنوم، لكن صوت رنين هاتفه المرتفع أزعجها بشدة. ظلت مكانها تنظر للهاتف من مكانها تنتظر توقف الرنين، لكن كلما يتوقف يبدأ مرة أخرى. كان المتصل ملحاً لأقصى درجة لا يتوقف عن الرنين. زفرت هي الصعداء بخنق وتأففت بعد أن ألقت نظرة على الحمام حيث كان هو بالداخل يأخذ حمامه المسائي، فهبت واقفة من الفراش واتجهت نحو الهاتف لكي تخفض صوت الرنين، لكن يدها تجمدت فوق الهاتف عندما قرأت على الشاشة اسم منى.
راحت تحدق في شاشة الهاتف بدهشة امتزجت بغيرتها القاتلة. تفكر ملياً كيف تتصرف مع تلك الشيطانة، فقد أصابتها الجرأة التي تمكنها من الاتصال على زوجها بوقت متأخر من الليل هكذا. ولماذا؟ تمنت بتلك اللحظة ليتها تكون أمامها حتى تنتف شعرها وتخنقها بيدها. من حسن حظها أن الرنين انتهى قبل أن تجيب آسيا عليها، وكانت على وشك أن تترك الهاتف وتتجاهل الأمر الآن مؤقتاً، لكن عودة اتصالها للمرة الخامسة تقريباً جعل آسيا تفقد آخر ذرة من صبرها، فجذبت الهاتف وأجابت عليها بحدة:
_الو.
وصل لأذن آسيا الرد من منى بعد ثوانٍ وهي تسألها:
_أنتي آسيا؟
ردت عليها ببرود مزيف، لكن لهجتها كانت مخيفة:
_رانة على رقم جوزي وردت عليكي ست هتكون مين غيري يعني.
ضحكت منى بلؤم وقالت متعمدة استفزازها:
_معرفش أنا حبيت أتأكد بس. عموماً أنا كنت عاوزة اكلم عمران في حاجة ادهوني لو قاعد جارك.
جزت آسيا على أسنانها من فرط الغيظ وردت عليها بنبرة صارمة:
_قاعد جاري وبيقولك مش فاضي.
لم تمهلها اللحظة لتجيب عليها، حيث تابعت تلقي عليها تحذيراتها بلهجتها المريبة:
_آخر مرة تتصلي على جوزي تاني أنا جربتيني قبل كده وجربتي لسعتي يامنى. اتقي شري أحسنلك.
سمعت ضحكة الأخرى المرتفعة ساخرة على تهديدات آسيا لها لتجيب عليها باستنكار:
_أمال لو كان بيحبك صح وماخدك برضاه كنتي هتعملي فينا إيه ياكسر البنات.
صمت مرعب استحوذ على المكالمة بعد عبارة منى. فقد تحولت آسيا من البرود لنيران متوهجة. عيناها تلونت بالأحمر واحتقن وجهها بالدماء. والتهب صدرها بالغضب والغيظ. تلك الوغدة نعتتها بلفظ لم تكن تتوقع أن تسمعه بحياتها كلها. لكنها أقسمت على أن تجعلها تتمنى عودة الزمن ولا تتفوه بذلك اللفظ.
كانت ستنهي الاتصال دون رد عليها، لكنها ألقت بقنبلة تدرك نتائجها جيداً في نفس تلك الشيطان حيث قالت:
_لما يشرف ولي العهد إن شاء الله وقتها اخلي المعلم يرد عليكي بنفسه.
ودون انتظار انتهت الاتصال وهي توعد لها بعقاب عسير على ما تفوهت به في حقها. لم تلبث لتستدير بجسدها للخلف فوجدت عمران يقف عاقداً حاجبيه ويسألها بتعجب وعدم فهم:
_ولي عهد إيه ده؟
انعقد لسانها وتصلبت مكانها دون حركة، فقط تتتمعنه بصدمة واضطراب يظهر بوضوح فوق صفحة وجهها. بلحظة نسيت كل شيء وفرت الكلمات هاربة منها، فلم تجد ما تجيب به عليه لتبرر ما تفوهت به وتصحح ما يظنه عنها الآن. خجلت وتوترت بطريقة لأول مرة يراها عليها.
رفع حاجبه بنظرة ثاقبة منه عندما قابل الرد منها بالصمت والتوتر الغريب هذا، فهتف:
_آسيا أنا بكلمك!
خرج صوتها أخيراً، لكنه كان متلعثماً وهي تقول مستنكرة ببسمة مرتبكة:
_ولي عهد إيه! .. أنا قولت ولي عهد! .. أنا مقولتش الكلام ده واصل.
تقدم نحوها خطوة فوجدها تتقهقر للخلف مما أثبت له أنها ليست طبيعية، فتلك التصرفات ليست لآسيا أبداً. تقدم خطوة أخرى غير مكترثاً بتوترها الملحوظ ووقف أمامها مباشرة يقول بلهجة ثابتة:
_أمال اللي أنا سمعته ده إيه؟
ازدردت ريقها بخجل فقط من فكرة سماعه لعبارتها وهي تصرح برغبتها بطفل منه. ليتها لم تتفوه بها. تلك الأفعى الخبيثة السبب في هذا الوضع المحرج، ولكنها ستلقنها الدرس الذي تستحقه فور عودتها للمنزل.
لا تستطيع إخفاء خجلها، لكنها ستحاول البقاء صامدة والتصرف ببرود حتى لا تثبت له ظنونه وتصبح هي الفريسة لصياد لا يرحم. رسمت الثبات المتصنع على وجهها ووقفت بشموخ أمامه تقول بنبرة خرجت باردة بعد صعوبة:
_سمعت غلط ياعمران أنا مقولتش كده.
كانت ستهُم بالانصراف من أمامه، لكن بعد أول خطوة قبض على ذراعها يوقفها وهو يسألها بنبرة غليظة يظهر بها الضيق الحقيقي من هروبها منه:
_كنتي بتكلمي مين من تلفوني؟
سكتت للحظة وفكرت ملياً ماذا تجيب، فلو أخبرته "منى" سيحاصرها بأسئلته التي لن تنتهي وربما النتيجة بالنهاية ستكون واحد صفر لصالحه. آثرت بالأخير الفرار منه بأي حجة وسرعان ما أفلتت ذراعها من قبضته تقول بتلهف:
_أنا كنت حاطة ميه على النار زمانها بتغلي من بدري هروح أشوفها.
لم تترك له فرصة ليعترض، حيث اندفعت للخارج شبه ركضاً، وبقي هو مكانه يحدق على أثرها بغيظ، وباللحظة التالية كان يجذب هاتفه ويضغط على المكالمات الأخيرة فوجد اسم "منى" آخر اسم في قائمة الاتصالات. التفت برأسه للخلف نحو الباب وهو يفكر بتدقيق يحاول تخمين ماذا قالت منى ودفعت آسيا لتجيب عليها بتلك العبارة وما سبب تصرفاتها المريبة. هو أصبح يفهمها جيداً والآن حدثه يخبره أن هناك شيء لا يعرفه.
***
داخل منزل خليل صفوان .......
فتح جلال باب غرفته هو وفريال ودخل. فور دخوله وجد فريال تنظر له ساخرة عندما رأت الغضب على ملامحه وتقول بشجاعة لا تقل عن ما كانت عليه بالأسفل:
_إيه چاي عندي ليه روح عند حبيبة القلب واسيها تلاقيها مموتة روحها من البكا.
لوى فمه بغيظ من ردها وأسلوبها الفظ، ثم أغلق الباب بهدوء وتقدم نحوها بخطوات متأنية، ومع كل خطوة كانت تنم عن اقتراب الطوفان أكثر. لكنها وقفت أمامه بكل ثبات وصرخت به بعصبية قبل أن يبدأ بصب جموحه عليها:
_اوعاك تقول ولا كلمة.. مش بعد كل ده وچاي دلوقتي تمسك في خناقي عشان العقربة دي.
جلال بصوت رجولي مخيف يحمل لهجة التحذير:
_وطي حسك.
انفعلت أكثر وراحت تصرخ بأعلى صوت لديها وهي تلقي عبارات مهينة له ولرجولته دون وعي منها:
_لا مش هوطي حسي ياچلال.. بدل ما أنت چاي تفرد رجولتك عليا عشان مش قادر غير عليا روح شوف التانية اللي بتسرقك ومقرصاك وملبساك العمة وأنت ولا داري بحاجة والله أعلم بتعمل إيه تاني من وراك كمان ياراجل البيت!
احتقن وجهه بالدماء وأظلمت عيناه بشكل مرعب، وبلحظة جموحه رفع يده بالهواء وكان سيهم بصفعها. لكنه توقف على آخر لحظة وفاق عندما رآها تتحامي بيديها وتميل بوجهها للجانب تتفادى صفعته. فانحرفت يداه بنفس اللحظة لتصطدم بالحائط يضرب عليه بقبضته بكل قوته، أما هي فرفعت رأسها ونظرت له بصدمة تقول:
_بترفع يدك عليا عشانها! .. صح أنا الغلطانة كان لازم اسمع كلام ناسي ومرجعلكش واصل.
رغم كل ما قالته وما تفعله هو يصمت فقط لأنه يعرف إذا تحدث ربما يخسرها للأبد. يكتم جموحه وسطوته في نفسه حتى لا يجرحها ويأذيها، لكن فاض كيله وثار عندما وجدها تقترب منه وتقول بقسوة:
_أنت عارف زين أني لو طلعت المرة دي من البيت مش هرجعلك تاني لو على جثتي والمرة دي هاخد عيالي معايا كمان. أنا اديتك فرصة تانية وأنت ضيعتها ياچلال.
أنهت عبارتها واتجهت نحو الخزانة تنوي إخراج حقيبة ملابسها حتى ترحل، لكنه غار عليها وجذبها من ذراعها ودفعها بعنف نحو الفراش فسقطت فوقه، وصرخ بها بصوت جهوري هز أركان الغرفة والمنزل بأكمله:
_ مش وكالة من غير بواب هي عشان كل ما تطب في دماغك تقولي أنا مهملة البيت وماشية. رجلك مش هتعتب عتبة البيت يافريال أنا سكتلك كتير وكنت بهاودك وحنين معاكي لغاية هنا وكفاية. مش عاوز اسمع كلمة ماخدة خلجاتي وماشية دي تاني فاهمة ولا لا.
بعد انتهائه استدار وغادر الغرفة ثم أغلق الباب بالمفتاح من الخارج عليها حتى لا تفكر بالهروب. وتركها متسطحة فوق الفراش تبكي بنحيب مرتفع وجسدها كله ينتفض بعنف.
***
بالطابق الثالث داخل غرفة منيرة كانت تتحدث في الهاتف مع سيدة وهي تضحك بخبث وتقول بسعادة:
_بركاتك ياشيختنا ده شكل مفعول اللي ادتهوني اشتغل أول ما حطيته معقول في يوم وليلة يشعلل الدنيا كده.
ردت السيدة ببسمة فخر:
_امال أنتي فاكرة إيه أنا مش قولتلك هتاخديه وتدعيلي. هو حصل إيه؟
قالت منيرة بلؤم ضاحكة:
_مسكوا في خناق بعض. وشكله شايط على أخره أول مرة اسمع زعيقه كده البيت بيتهز من صوتهم وشكلها هتسيب البيت وتمشي.
ضحكت الأخرى وقالت بفضول:
_زين زين. وحديهم وحديهم ولا أنتي عملتي حاجة كيف ما قولتلك.
قالت منيرة ببسمة شيطانية:
_لا أنا دلقت البنزين على النار الأول وسبت الباقي عليهم. عملت روحي تعبانة وقربت منه قصادها عشان تشيط كيف ما قولتيلي وحصل فعلاً لقيتها مرة واحدة مسكت في شعري كيف المجنونة وبعدين كملوا هما الخناقة في اوضتهم وزمانه جايلي دلوقتي عشان اهديه واطبطب أنا عليه.
من سوء حظ جلال أنه بتلك اللحظة لم يسمع سوى الجزء الأخير من كلام منيرة، ومن حسن حظها هي أنه لم يكشف سوى جزء صغير من أفعالها.
انتفضت بفزع عندما وجدته يقتحم عليها الغرفة وهو كالثور الهائج، وبلحظة كان يصفعها ويجذبها من شعرها صارخاً بها:
_يعني أنتي كنتي بتستعبطي عشان تعملي مشكلة بينا يا***.
حاولت التملص من قبضته وهي تصرخ باكية بخوف:
_لا والله ياچلال كدب أنا كنت تعبانة صح.. هي بتكدب عليك عشان تداري على اللي عملته معايا.
صرخ بها بصوت نفضها بأرضها:
_هي إيه..
أنا سامعك بودني وأنتي بتتكلمي في التلفون، كنتي بتكلمي مين دلوك؟
بكت بقوة وردت عليه بصوت مرتجف من فرط الخوف:
_ محدش والله، كنت بكلم اختي.. أبوس يدك سيب شعري يا چلال.
غضبه كان يغطى على عينيه ويجعله لا يرى أمامه، حيث راح يصفعها مرة أخرى وهو يصرخ بها محذرًا:
_ قولتلك مية مرة ملكيش صالح بيها، وأنتي برضك مصممة على الخراب.. أنا هبعت لأبوكي دلوك وأخليه يا چي ياخدك عشان اخلص منك واصل ومن وشك.
صرخت وهي تتوسله ببكاء وخوف:
_ لا أبوس يدك يا چلال ماتبعت لأبوي، حقك عليا أول وآخر مرة.. خليني چارك وأنا هبقى خدامة تحت رچليك ومش هكسر أوامرك واصل.
دخلت جليلة مسرعة وراحت تكبل ابنها وتبعده عن زوجته وهي تقول بزعر:
_ وه فيك إيه يا ولدي مالك، اهدى.
صاح وهو يوجه تعليماته الصارمة لأمه:
_ دي رجلها متعتبش برا عتبة الأوضة لو كان إيه يا ما، مفهوم ولا لا؟
مسحت جليلة على ذراع ابنها بلطف لتهدأه وتجيب عليه بانصياع تام دون أي نقاش وعلى وجهها يظهر القلق والخوف على ابنها:
_ حاضر يا ولدي، كل اللي تقوله هيتنفذ كيف ما عاوز، متقلقش.. تعالى بس معايا أنت واهدى عشان خاطري.
جذبته جليلة من ذراعه بلطف للخارج وأغلقت الباب على منيرة ثم سارت مع ابنها نحو غرفتها.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي.....
كان إبراهيم يجلس بغرفة الجلوس الكبيرة، وعلى المقعد المقابل له كانت تجلس إخلاص تتحدث معه عن أمور مختلفة، ووسط حديثهم اقتحمت عفاف الغرفة ودخلت وهي تبتسم لإبراهيم حاملة فوق يديها كأس الشاي الخاص به. جذبه من يدها مبتسمًا لها بحنو يهتف:
_ تسلم يدك يا أم بلال.
ردت عليه بدلال أنثوي وهي تجلس بجواره:
_ بالهنا والشفا يا حچ.
خرج صوت إخلاص المستاء وهو توجه حديثها لعفاف بحدة:
_ چرا إيه يا عفاف، مش شايفة إني بتكلم مع چوزي ولا إيه!
ردت الأخرى عليها ببرود مبتسمة:
_ شايفة، أنا چيت ادي للحچ الشاي بتاعه وأفكره أن الليلة هو عندي أصل أنا مستنياه.
تأففت إخلاص وردت عليها بغيظ تتصرف ببرود رغم غيرتها القاتلة:
_ تحشمي واحترمي سنك، ولدك راچل وعريس وأنتي لساتك كيف ما أنتي.
ضحكت عفاف وقالت بغنج وعدم مبالاة:
_ وه هو عشان ولدي بقى راچل ابقى مدلعش على چوزي.
خشي إبراهيم من فتيل النيران الذي على وشك الاشتعال بين زوجاته، فقال بهدوء يوجه حديثه لعفاف:
_ بزيادة كلام كتير عاد، وأنتي اطلعي يا عفاف على فوق، ولما اخلص حديتي أنا وإخلاص هحصلك.
أماءت له بالموافقة وانحنت على أذنه تهمس له بخبث ووقاحة:
_ متتأخرش يا حچ، مچهزالك الطقم اللي بتحبه.
انهت عبارتها واستقامت واقفة تتجه للخارج وتتركه يتابعها، ورغم أنف إبراهيم يبتسم بمكر، مما أشعل نيران الأخرى التي تتابع ما يحدث أمام عينيها بينهم، فرمقت إبراهيم بغيظ وسألته بجرأة:
_ إيه قالتلك إيه!
أخفى ابتسامته ورد عليها بجدية:
_ ولا حاچة، المهم احنا كنا بنقول إيه.
اغتاظت واستقامت واقفة تجيب بتمنع وضيق ملحوظ:
_ اطلع لها يا إبراهيم، أنا تعبانة وعاوزة أنام.
اعتدل في جلسته بسرعة وقبض على ذراعها يوقفها موجهًا حديثه الحازم لها:
_ فيكي إيه!!.. اقعدي چاري إهنه واتكلمي.
جلست بجواره مرغمة وقالت بخنق دون النظر لوجهه:
_ مفياش حاچة يا إبراهيم، اطلع لمرتك لتتأخر عليها.
لف ذراعه حول كتفيها وضمها لصدره ضاحكًا وهو يقول باسمًا:
_ كنتي بتتريقي عليها عشان بتدلع وأنتي لساتك بتغيري عليا.
لوت فمها بسخرية وقالت بحدة مزيفة:
_ أنا مبغيرش من حد.. بعدين أنت مالك إكده، الليلة دي حاسة روحي قاعدة چمب راچل لساته في عز شبابه.
رفع حاجبه مستنكرًا كلامها ورد بكل ثقة وغرور:
_ ما أنا لساتني شباب، ولا أنتي عندك كلام تاني!
ضحكت عليه وقالت بقلة حيلة:
_ شباب وين يا راچل، وأنت شعرك كله أبيض.
قال بمزاح مبتسمًا:
_ وأنتي مالك بالشعر، المهم الصحة يا أم عمران.
قهقهت بقوة وهي تضربه على صدره بلطف هاتفة:
_ يا راچل اختشي، ميصحش إكده.
انحني عليها ولثم رأسها بقبلة دافئة متمتمًا في اهتمام حقيقي:
_ المهم متزعليش بس.. ده أنتي الغالية.
ابتسمت له بحب رغم غضبها منه، لكنه نجح في امتصاص خنقها بذكاء. استقام واقفًا بالنهاية وهو ينحني يقبلها مرة أخرى هاتفًا:
_ عاوزة حاچة؟
هزت رأسها له بالنفي ثم تابعته وهو يغادر الغرفة ويتركها، ورغم غيظها من أنه يتجه لزوجته الثانية، لكن محاولته لنيل رضاها منذ قليل جعلتها تهدأ قليلًا.
***
بالقاهرة داخل منزل عمران......
كانت تقف بالمطبخ تفكر بما حدث منذ قليل وتحاول تخمين كيف يفكر ياترى الآن. هل فهم أنها بالفعل تريد طفل منه! ماذا سيحدث لو حاول تنفيذ رغبتها؟
اتسعت عيناها بصدمة وزعرت، لكنها فورًا استنكرت نفسها، فهي تريده أساسًا، لماذا تتنمع وتمثل الخوف والتوتر من ردة فعله تجاه ما قالته. ربما يجب عليها الأخذ بنصيحة صديقتها وتنفيذ ما قالته حتى تنجح بالحصول على قلبه في أسرع وقت. سيكون الأمر صعب بالبداية، لكنها مضطرة إذا كانت تريد عشقه لها.
انتفضت مفزوعة على صوته وهو يقف بجوارها يسكب المياه في الكأس:
_ سرحانة في إيه؟
طالعته وقالت بهدوء تام:
_ ولا حاچة.
كما توقعت، وكانت تنتظر وجدته يسألها بجدية:
_ كنتي بتقولي إيه أنتي ومنى، وليه اتصلت؟
رفعت كتفيها لأعلى وقالت بجهل في برود أعصاب غريب على عكس ما كانت عليه منذ قليل:
_ معرفش اتصلت ليه، أنا قولتلها إنك مش فاضي.. أما قولنا إيه فأكيد مش محتاجة أقولك، أنتي عارف أننا مش بنطيق بعض وطبعًا شديت معاها في التلفون.
اعتدل في وقفته حتى أصبح مواجهًا لها تمامًا، فقال بنبرة الرجولية:
_ وأنتي رديتي عليها ليه؟
اشتعلت من سؤاله وبلحظة تحولت من البرود للانفعال، فقالت بغيظ:
_ وهي ترن عليك دلوك ليه.. في إيه مهم لدرجة أنه ميستناش لما نور ربنا يطلع.
رأته صامت يحدقها بنظرة غريبة، لما يكن غاضبًا وأيضًا ليس طبيعيًا، مما جعلها ترتبك منه ومن ذلك الهدوء، فتنحنحت بخفوت وهمست له وهي تتحاشى النظر إليه وتشغل نفسها بتحضير شطيرة الجبن هاتفة:
_ اعملك معايا ساندوتش؟
ابتسمت باتساع وراحة عندما سمعته يجيب بهمس جميل:
_ اعملي يا غزالة.
لمعت عيناها بالخجل وهي تنظر له، ثم دفنت نظرها في الشطيرة مرة أخرى، بينما هو فظل يتمعنها بسكون جميل وهو جالس على المقعد الذي حول الطاولة الصغيرة التي بالمطبخ. بعد انتهائها اقتربت منه وجلست بجواره وهي تضع شطائر الجبن بالمنتصف، فالتقط واحدة وبدأ بالأكل وهي أيضًا.
اخترقت فقاعة الصمت وهي تسأله برقة باسمة:
_ عمران هو أنا ممكن انزل بكرا مع سندس، عاوزة اشتري كام حاچة وهي هتوريني الأماكن وتساعدني.
رد عليها بغلظة:
_ عاوزة تشتري إيه؟
تنحنحت بإحراج وقالت بعبوس:
_ هدوم.. أنا أعرف أن الهدوم في القاهرة هنا بتكون حلوة، وأنت عارف أنا حتى مچهزتش نفسي كيف البنات قبل الچواز، فحابة اشتري كام حاچة جديدة ليا من إهنه قبل ما نرچع البلد.
لم يبدي أي ردة فعل معارضة، بل بالعكس رد عليها مبتسمًا بحنو:
_ طيب بكرا ننزل أنا وأنتي وتشتري اللي تحبيه.
اتسعت عيناه بدهشة وبسرعة قالت معترضة في ارتباك:
_ لا أنت لا.
رفع حاجبه وتبدلت ملامح وجهه ليجيبها بلهجتها الصعيدية الحادة:
_ هو إيه اللي أنت لا ده!
ازدردت ريقها وقالت بتوتر محاولة تصحيح وجهة نظرها:
_ قصدي يعني أنا حابة انزل مع سندس، هرتاح اكتر. لكن وأنا بشتري معاك ممكن اتكسف عشان مش متعودة عليك.
استنكر عباراتها وأجابها ساخرًا بعدم اقتناع:
_ مش متعودة عليا كيف يعني.. هو احنا متچوزين امبارح. مالك يا آسيا أنتي مش على بعضك إكده ليه، فيكي حاچة غريبة!
تأففت بقلة حيلة من عناده وقالت في غيظ منه:
_ وبعدين عاد يا عمران، يعني ممكن احب اشتري حاچات خاصة هتشتريها كيف معاك!
مال ثغره للجانب رغم أنف إبراهيم في بسمة ليست بريئة، وقال بالنهاية وسط بسمته:
_ خلاص يبقى استنى لما نرچع وخدي فريال وانزلي معاها.
كانت تشتعل غيظًا من خبثه وضحكه، لكنها أصرت على رغبتها وقالت بعبوس طفولي وخنق:
_ قولتلك نفسي اشتري من القاهرة إهنه، وأنت تقولي استنى لما نرچع.. فيها إيه يعني لما انزل مع سندس!
قال برفض وهو يتناول شطيرته:
_ مفيش نزول لوحدك في القاهرة إهنه، دي مش زي البلد.. ياتنزلي معايا يا أما تستني لما نرچع.
ذلك الخبيث يفعل هذا متعمدًا. للحظة كانت ستتراجع ولن تخرج لشراء الملابس من الأساس، وكان سيكون هو الخاسر ليس هي. لكنها اعتبرت الأمر عنادًا وقابلت عناده بعناد أكثر، لكن في دهاء أنثوي، حيث قالت راحت تمسك بكف يده وتنظر في عينيه بدلال هامسة برجاء:
_ عشان خاطري يا معلم.. مش هتأخر وكل خطوة هتصل بيك اطمنك عليا.
ضحك تلقائيًا على دلالها واستخدامها لكلمة "معلم" كطريقة للحصول على ما تريد، ثم أخفض نظره ليدها الممسكة بكفه فقال غامزًا:
_ طب ما أنتي مش بتتكسفي ولا حاچة ومتعودة عليا أهو.. مش عاوزة تنزلي معايا ليه عاد؟
تركت يده فورًا بخجل وارتباك، ثم عادت بظهرها للخلف على المقعد وعقدت ذراعيها أسفل صدرها زامة شفتيها للأمام كالأطفال عابسة. ظل يتابعها وهو يضحك بصمت ومستمر في الأكل، بينما هي فعندما لم تحصل على رد منه بالموافقة هبت واقفة بحزن واتجهت لغرفتها وأغلقت الباب.
بقى لدقيقة وهو يأكل ويبتسم باتساع ليقول صائحًا عليها:
_ تعالي كملي وكلك!
سمعها تجيب عليه من الداخل بضيق:
_ موافق انزل؟
قهقه مغلوبًا ورد بالأخير في استسلام:
_ طيب انزلي خلاص.. يلا تعالى.
بظرف لحظة كانت الباب ينفتح وتخرج هي منه وتعود له مجددًا وهي تبتسم بسعادة. تمعنها مطولًا وهي تأكل، ثم قال بخبث:
_ إيه مفيش أي حاچة..
شكرًا يا معلم.
ضحكت وقالت باسمة برقة بعدما فهمت ما يريده بالضبط:
شكرًا يا معلم.
أجابها باسم ببحة رجولية مميزة أربكتها بشدة:
العفو يا غزال.
أخفضت نظرها للأكل وأكملت بصمت وهي تتفادى النظر إليه بسبب خجلها منه، بينما هو فكان يتأملها باسمًا...
***
في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
وقف جلال أمام غرفته وتنهد الصعداء مطولًا، ثم مد يده في جيب جلبابه وأخرج المفتاح ليضعه بقفل الباب ويفتح ببطء. دخل وأغلق الباب بالمفتاح أيضًا بعد دخوله، وعندما سقط نظره على الغرفة وجدها نائمة في الفراش، فزفر بخنق ووجه مهموم. ثم توجه نحو الأريكة المقابلة للفراش وجلس عليها يتابعها وهي نائمة بنظرات ضائعة يتذكر ما حدث منذ ساعات بينهم. لا يفهم كيف فقد أعصابه بهذه الطريقة وكيف وصل الأمر بينهم لهذه الدرجة. هو فقط كان ينوي معاتبتها على ما فعلته أمامه مع منيرة، لكن عندما رآها عم الظلام على عينيه وأصبح لا يرى شيئًا سوى غضبه منها. وما تفوهت به في حقه كان قاسيًا أيضًا ولا يستطيع نسيانه، كأنها كانت امرأة أخرى وليست زوجته. ما الذي حدث لهم في ساعات قليلة؟ فهو كان يقول بالصباح أن المياه بدأت تعود لمجاريها مرة أخرى وستسامحه وتصبح زوجته وحبيبته له مجددًا. لكن انقلبت الموازين بلحظة بعد هذا الشجار!
دفن رأسه بين راحتي كفيه وهو يتأفف بتعب وشجن، ولم يدرك نفسه إلى متى ظل هكذا على الأريكة إلا عندما فتح عينيه بالصباح على صوت ضجة بسيطة بالغرفة. فوجدها تقوم بترتيب الغرفة وتلقي بالأشياء على الأسطح الزجاج والخشب متعمدة إصدار إزعاج حتى توقظه من نومه.
فرك عينيه ومسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يزفر بقلة حيلة، ثم استقام واقفًا واتجه نحو الخزانة لكي يخرج ملابس نظيفة له، فوجدها تسأله بغضب:
هتفضل حابسني في الأوضة إكده لغاية ميتا؟
رد عليها بخنق ملحوظ في نبرته:
لغاية ما عقلك يرجع لراسك وتعقلي.
اندفعت نحوه تهتف بعصبية:
ليه شايفني مجنونة!
رد بحدة دون أن ينظر لها:
لا مش مجنونة بس أنتي مش طبيعية يا فريال ولا في وعيك.
ابتسمت بسخرية وهتفت بقسوة وعدم اكتراث:
مش طبيعية عشان عاوزة أهمل البيت. هو الطبيعي بنسبالك إني أقعد مع راجل اتجوز عليا وبيرفع يده عليا كمان.
التفت لها واقترب منها بخطواته حتى وقف أمامها ليقول بغضب:
اللي قولته امبارح كلام يستفز أي راجل، وغصب عني رفعت يدي عليكي. أنا مش هلومك ولا هحاسبك على اللي قولتي عشان معادش عندي طاقة ولا عاوز الفجوة اللي بينا تكبر أكتر. استغفري ربك إكده وروحي اتوضي وصلي واقري قرآن يمكن تهدي شوية.
أجابته بجفاء دون أي شفقة على حاله:
أنا معادش عاوزاك يا جلال وعاوزاك تطلقني. أنت أساسًا خسرتني من وقت ما اتجوزت، وأنا كنت هديك فرصة تانية لكن أنت ضيعتها من قبل ما تاخدها.
لم يجيبها واكتفى بصمته المرير، بينما هي فتابعت بعدم رحمة وكأنها ليس بوعيها بالفعل أو تحولت لشخص آخر:
مش بحبك بقيت بكرهك وبكره شوفتك.
طعنته بخنجر مسموم في أعمق يساره وتركته جريحًا ينزف بعد عبارتها الأخيرة، ليجيبها بصوت مبحوح وثابت رغم انهياره الداخلي:
وأنا مش هخليكي تشوفيني من إهنه ورايح غير على سفرة الأكل. لكن اعملي حسابك طلاق مش هطلق، وده عشان عيالي بس وعشان مش عاوزاهم يتربوا بعيد عن أمهم.
دخلت في صدمة بعد إقراره أمامها بأنه هو من سيهجرها. هجر أقسى وأصعب من الفراق أن يكون معها بنفس المنزل ولا تراه سوى على الطعام أو عندما تتقاطع طرقهم مع بعض داخل المنزل. لم تلبث لتفيق من صدمتها حتى استيقظت من شرودها على صوت الباب وهو ينغلق ولم تسمع صوت المفتاح هذه المرة!
***
كان عمران يقف بالشرفة ويتحدث بالهاتف في برود أعصاب تام رغم الأجواء المشحونة بالغضب بين الطرفين.
قال عمران بلهجة رجولية مخيفة:
هو مش أنت برضوا اللي من سنتين حطيت البودرة في شحنة السمك ولبستها فينا وفي عيلة خليل عشان توقع بينا ويخلالك الجو لوحدك؟ واديني بقولك أهو أنت لوحدك من إهنه ورايح معدش في شغل بينا.
رد عليه الرجل بصوت محتقن بالدماء:
يعني إيه الكلام ده وفلوس الشحنة اللي فاتت؟
ضحك عمران وهتف بكل ثقة وبرود:
هما مش بيقولوا أمك في العشة ولا طارت يا معلم، يعني استعوض ربنا فيها. ملكش فلوس عندي. اعتبرها تصفية حساب بعد اللي عملته معانا.
أجابه الرجل بغضب حقيقي ولهجة تحمل التهديد والإنذار:
أنت كدا بتلعب في الخطر يا معلم عمران. خلينا ننهي الشراكة ونفضها بالعرف من غير مشاكل وفلوسي ترجعلي أحسن.
عمران بلهجته الصعيدية الحادة:
أنا مبتهددش، أوعاك تنسى روحك معايا. ولو البحر جارك اشرب منه. فلوس ملكش عندي وشحنة السمك بتاعتك أنا مدخلتهاش المخزن من أساسه، رميتها لكلاب السكك.
رد عليه بغيظ ووعيد يظهر في نبرته:
تمام يا معلم.
أنهى الاتصال وعندما التفت خلفه وجد آسيا وتسأله بريبة:
مين ده؟
عمران بنبرة عادية:
تاجر من تجار السمك.
هزت رأسها بتفهم ثم قالت له مبتسمة:
طيب أنا نازلة مع سندس، عاوز حاجة.
ألقى نظرة متفحصة على ملابسها الفضفاضة وهتف بالأخير في حدة:
خلي تلفونك في يدك عشان أول ما اتصل تردي طوالي.
حاضر.
استدارت وهمت بالانصراف فأوقفها بصوته وهو يقول:
لما تخلصي اتصلي بيا آجي آخدك عشان هنروح مشوار.
أومأت له بالموافقة ورغم فضولها حول المكان الذي سيأخذها إليه إلا أنها فضلت عدم السؤال لكي تترك عنصر المفاجأة يدهشها.
***
بعد مرور خمس ساعات تقريبًا كانت قد انتهت أخيرًا من شراء كل مستلزماتها وما تريده، وكانت تقف على جانب أحد الشوارع القريبة من السوق تنتظر وصوله كما أخبرها. كانت بمفردها بعدما طلبت من صديقتها الرحيل.
دقائق طويلة نسبيًا ورأته وهو يقف بالسيارة وينزل منها ثم يتقدم نحوها، فيلقي نظرة على الأكياس التي بيدها ويضحك هاتفًا:
واضح فعلًا أنها حاجات خاصة.
لم تجيبه واكتفت بنظراتها المغتاظة له وهي تكتم ضحكتها بصعوبة. بينما هو فحمل ما بيدها ووضعه بالمقعد الخلفي للسيارة، وعندما انتصب في وقفته والتفت لها وجدها تسأله بفضول:
رايحين وين؟
بنفس اللحظة سقط نظرها على دراجة نارية تمر من الخلف وكان فوقها رجل يحمل بيده سلاحًا ناريًا ويوجهه نحو زوجها. دون تفكير صرخت وراحت تدفع عمران من أمامهم حتى يتفادى الطلق الناري، لكن يشاء القدر أن تصيبها هي بظهرها.