تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ندى محمود توفيق
مر أكثر من نصف ساعة منذ شجارهم وحتى الآن لا يسمع لها أي صوت وكأنه بمفرده داخل المنزل. رغم نفورها منه في ذلك الوقت وعدم رغبته برؤية وجهها حتى إلا أنه لم يستطع كبح مشاعر القلق التي تغلغلت في ثناياه. ودفعه فضوله لمعرفة مالذي تفعله أن ينهض ويغادر الغرفة متجهًا نحو الصالة متصنعًا أنه سيكمل حديثه المستأنف معها أو ربما شجارهم!.
لكنه تصلب بأرضه عندما رآها فوق الأرض فاقدة وعيها. وبثواني معدودة كان يسرع نحوها ويجلس بوضعية الاندفاع بجانب رأسها ثم يرفع رأسها عن الأرض ويضرب فوق وجنتها برفق هاتفًا:
_آسيا.. آسيا
عندما لم يجد استجابة منها اعتدل في جلسته واستقام منحنيًا ثم حملها فوق ذراعيه واتجه بها لغرفة نومهم بالداخل ليضعها فوق الفراش بحرص شديد. ويعود يبدأ محاولاته مرة أخرى في إفاقتها. تقريبًا قام بتجربة كل الطرق الممكنة وجميعهم لم يجدوا بنفع معها فتسارعت نبضات قلبه والخوف هيمن عليه. فالتقط هاتفه بسرعة وكان سيهم بالاتصال بالطبيب لكن توقف وانزل الهاتف ببطء من فوق أذنه عندما وجدها تفتح عيناها وتأن بألم وهي ترفع يدها لرأسها ممسكة بها وتهمس:
_آاه ياراسي
استقرت نظراته الجافة لها وهو يرد عليها بلهجة رجولية غليظة:
_شوية والوچع يروح. أكيد حاسة بألم عشان وقعتي عليها
انتفضت على أثر صوته فلم تكن مدركة لوجوده. وعندما سمعته اعتدلت في نومتها ونظرت له بقلق وخوف دون أن تتحدث. تدرس تعابير وجهه هل كما هي أم هدأت قليلًا. لم تختلف نظراته المخيفة لها لكن مظهره يبدو أقل هدوءًا مما كان عليه منذ قليل. ودت أن تتحدث لكنها ترتعد كلما تتذكر العواقب الوخيمة التي واجهتها عندما ردت عليه وكيف تحول لوحش كاسر يدمر كل شيء.
دام ذلك الصمت القاتل بينهم وهي تحاول عدم التركيز على عيناه المرعبة وهو يستمر في التحديق بها في كل غضب وغلظة. خشيت أن ينهض ويفتك بها في لحظة مباغتة من شدة حدة نظراته لها.
كانت تتصارع مع عقلها الذي يلح عليها في التحدث وطرح سؤال بسيط فقط. لكنها كانت تلبي الطبيعة التي فطرتها الشعور بالخوف. لكن مع الإلحاح الشديد من ذلك الصوت المزعج تحدثت بصوت بالكاد يسمع:
_أنت هديت شوية؟
طال تحديقه المريب فيها والذي كان يزيد من شعورها بالندم أنها تحدثت. ثم سمعته يجيب أخيرًا بكل هدوء لكنه يضمر في ثناياه غليان دماءه:
_على حسب.. يعني لو قفلتي خشمك ده ومقولتيش حاچة تعفرتني هفضل هادي إكده أو متمالك أعصابي بمعنى أصح
هزت رأسها بالموافقة وهي تضم سبابتها وابهامها وتسير بهم على طول شفتيها المغلقة تريه أنها لن تفتح فمها أبدًا. فسيطر الصمت عليهم مجددًا وهذه المرة هي كانت لا تنظر له أو تتحاشى النظر إليه بالمعنى الأدق. حتى سمعته يقول بصوته الرجولي:
_بما أننا مكملناش كلامنا.. فأنا سامعك دلوك يلا قولي ال*** ده قالك إيه؟
التفتت له وتمعنته للحظة قبل أن تسأل ببلاهة:
_اتكلم وارد عادي ولا ممنوع؟
ارتفع حاجبه اليسار بنظرة مريبة فتنحنحت هي بتوتر وقالت له في خوف:
_ما بلاش النهاردة خليها بكرا نكمل كلامنا.. أصل أنا تعبانة وأنت كمان أكيد مرهق فنتكلم بكرا ودلوك ننام.. أنا بقول ده رأى حلو قوي يلا عاد تصبح على خير
أنهت عبارتها واعتدلت في الفراش تهم بالتمدد عليه وتوليه ظهرها حتى تنام أو تهرب منه في المعنى الأصح. لكنها ارتجفت قبل أن تكمل اعتدالها حتى في الفراش على أثر صيحته بها:
_آســيــا
عادت لوضعها الأول مجددًا وهي ترسم ابتسامة خوف على ثغرها وترد عليه بخفوت محاولة إقناعه بوجهة نظرها التي في صالحها قبل صالحه:
_ما هو أنا لو اتكلمت دلوك وحكيت هتتعصب تاني وأنا هتعب وهيچلي هبوط تاني وأنت هتخرب الدنيا كيف ماعملت من شوية
عمران بانزعاج حقيقي وغيظ:
_آسيا مستنفذيش صبري أنا قولت اتكلمي يبقى اتكلمي من غير لت وعچن كتير
ازدردت ريقها بتوتر واستغرقت برهة من الوقت محاولة التفكير في طريقة مناسبة لتبدأ بها الحوار حتى لا يستيقظ ذلك الوحش مجددًا. فقالت في خفوت:
_قبل كل حاچة أنا مكنتش اعرف أن ده هيحصل وأنها إكده ولو كنت أعرف مكنتش أبدًا غلطت الغلطة دي بس للأسف وثقت فيها ودي أول مرة أعملها وآخر مرة أثق في حد
رفع يده يمسح على وجهه ولحيته وهو يتأفف بنفاذ صبر ويهتف في حدة:
_هو مش موضوع تعبير وبتبدأيه بمقدمة اخلصي اتكلمي أنا سألتك قالك إيه؟
تحلت بالشجاعة المزيفة وقالت بصوت منخفض دون أن تنظر لوجهه خوفًا من ردة فعله:
_أنا حكيت لسندس اللي حصل معايا وكيف اتچوزنا وهي قالتله وهو چه وكان فاكرني لساتني مچبورة على الچواز منك وعايزة أطلق وكان بيعرض عليا يساعدني بس أنا مسحت بكرامته الأرض وطردته
صمت مميت هيمن عليه. وعندما رفعت رأسها له رأت ملامح وجهه عادت لذلك المنظر المرعب مجددًا. فحاولت الثبات وتابعت في محاولة فاشلة لامتصاص جموحه:
_أنا مكنتش اتوقع أنها تقوله ياعمران
صر على أسنانه بغيظ واغلق عينيه للحظة يتخيل أن ذلك الوغد كان يعرف كل تلك التفاصيل عن حياتهم وعلاقته بزوجته وكيف تزوجها. ففقد صموده المزيف وفتح عينيه مجددًا يصرخ بها بصوت جهوري:
_وأنتي كيف تحكي لحد الكلام ده وتقولي لها أسرارنا
انتفضت مكانها رعبًا لكنها التزمت الصمت ولم ترد خشية من أن تسوء الأوضاع أكثر بينهم. أما هو فهب واقفًا وهو يغلي من الغضب ويغلق على قبضته بعنف ويتمتم وهو يمسك بدفنه ويشد على لحيته:
_وال***** عرف أننا اتچوزنا عشان نداري على فضيحة فافتكرك كيف ***** اللي يعرفهم.. يا**** يارتني فرغت السلاح في نافوخك وخلصت عليك واصل وطفيت ناري. لا وأنتي فتحتيله الباب ودخلتيه
ردت بصوت خافت محاولة الدفاع عن نفسها:
_مكنتش أعرف أن قذر للدرچة دي
اندفع نحوها وانحنى عليها يصرخ بأنفاس ملتهبة ووجه مرعب:
_تعرفي ولا متعرفيش أنتي اتخبلتي في نافوخك عشان تدخلي راچل البيت وأنا مش موچود. ومش أي حد ده كان مدمن وراچل **** كل ليلة مع حرمة شكل يعني كان ممكن يعملك إي حاچة
اتسعت عيناها بصدمة بعدما اكتشفت حقيقته. بينما هو فرفع قبضته المغلقة وهو يصر على أسنانه من فرط غيظه وجموحه ثم ضرب بقبضته على الحائط وهو يصرخ بها:
_قوليلي أنا دلوك اعمل فيكي إيه عشان ارتاح
انكمشت على نفسها في الفراش ودون أن تشعر وجدت دموعها تسيل على وجهها غزيرة وهي ترد عليه بصوت مرتجف ومبحوح:
_بزيادة ياعمران هو انا كنت اعرف أن كل ده هيحصل ولا أنه إكده وكنت قاصدة اعمل كل ده يعني. أنا بس لما لقيته بيقول الموضوع مهم ويخصك ويخصني الفضول هو اللي خلاني ادخله واتكلم معاه
هدأت نبرة صوته لكن بحته ومظهره المرعب لم يختفي:
_وهو أنتي أي راچل هيخبط عليكي ويقولك عاوز اتكلم معاكي في موضوع مهم وأنا مش قاعد هتدخليه؟
استمرت في البكاء الذي تحول لنحيب مرتفع دون أن تجيب عليه أو حتى تنظر لوجهه. وراحت تحني وجهها وتدفنه بين ثنايا كفيها تخفيه عن أنظاره القاتلة تمامًا دون إن تتوقف عن البكاء. فتمعنها بعيناه القاسية والغاضبة دون أن يحرك ساكنًا. ثم هتف بلهجة صارمة لا تقبل النقاش أبدًا:
_من إهنه ورايح البت دي تنسيها وتقطعي علاقتك بيها على الآخر ومشوفكيش بتتحدتي معاها واصل وإلا أنتي المسئولة عن ردة فعلي. أنا مندمتش على چوازي منك قد ما ندمت إني چبتك معايا القاهرة. يومين ونرچع البلد تاني
كانت منغمسة في نوبة بكائها. فكرر أوامره عليها مرة أخرى حتى يتأكد من أنها استوعبت:
_سمعتي قولتلك إيه! مش عاوز اسمعك بتچيبي سيرة البت دي تاني ولا ترمي السلام عليها حتى فاهمة ولا لا
هزت رأسها له بالموافقة امتثالًا لأوامره دون أن ترفع وجهها عن كفيها. بينما هو فاعتدل في وقفته واستدار ثم غادر الغرفة ليتركها بمفردها تقضي الليلة كله وحيدة بعد أن قرر النوم بغرفة عمله الخاصة على الأريكة.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل ابراهيم الصاوي......
كان الجميع ملتف حول طاولة الطعام ويتناول وجبة الإفطار. وكان بلال جالس الجهة المقابلة لأمه ووالده وزوجة أبيه. وكانت نظراته الثاقبة مستقرة على والده يتابعه وهو يتحدث مع أمه بكل طبيعية وهي تبادله الحديث في كل لطف وابتسامة عذبة. على عكس إخلاص التي كانت لا تنظر لابراهيم أبدًا كأنها لا تطبق النظر في وجهه وقمساتها عالية ومنزعجة. فضيق بلال عينيه مستغربًا. وللحظة ظن أنها تعرف بزواج والده لكن سرعان ما استبعد ذلك الاحتمال. فمن المستحيل أن تظل بهذا الهدوء إذا عرفت. ربما تكون منزعجة بسبب آخر مجهول.
لاحظت عفاف نظراته المريبة لهم وأنه لا يأكل بل يستمر في مراقبتهم والتحديق في والده بغضب. فسألته بحيرة:
_بلال مالك ياولدي في حاچة مضايقاك ولا إيه؟
انتبه لتصرفاته المريبة ونفر برأسه وهو يزفر بخنق. ثم راح يجيب على أمه بحنو مبتسمًا:
_لا ياما مفيش حاچة أنا سرحت شوية بس
استقرت نظرات ابراهيم الساخطة على ابنه بعدما فهم سبب حالاته الغريبة هذه. فترك الطعام الذي بيده وهب واقفًا فجأة وهو يوجه حديث الصارم لبلال:
_تعالى ورايا
تنفس الصعداء بضيق ثم استقام واقفًا هو الآخر ولحق بوالده وسط نظرات الجميع المستفهمة وفضول عفاف الذي سيقتلها لمعرفة ما الذى يحدث بينهم.
بينما في الداخل فور انعزالهم عن أنظار ومسمع الجميع هتف ابراهيم ساخطًا:
_أنت عاوز تعمل مشاكل وخلاص ولا أيه!
اقترب بلال من المقعد وجلس فوقه وهو يجيب على أبيه بغضب مماثل:
_أنا مش عايز حاچة يابوي بس كمان مش قادر افضل ساكت إكده وأنا شايفك مخبي علي أمي. أظن كفاية قوي ست سنين وچه الوقت عاد أن عيالك وحريمك يعرفوا
هتف ابراهيم ساخرًا في انزعاج:
_أنت بتهددني يعني يابلال أني لو مقولتش لأمك أنت اللي هتروح تقولها
هز رأسه بالرفض التام مجيبًا على والده:
_لا يابوي أنا مقولتش إكده ومتقلقش أنا مش هقولها حاچة. أنا عاوزها تسمع منك أنت مش مني. أنت اتچوزت وده حقك أظن من حقنا وحقها كمان أننا نعرف
لوى ابراهيم فمه بخنق قبل أن يجيب على ابنه مغلوبًا في نبرة هادئة:
_الكل هيعرف يابلال اهدى ياولدي..
أنت مش هتعاديني وتقف قصادي عشان اتچوزت على أمك.
طالت نظرة بلال المقتضبة لوالده قبل أن يستقيم واقفًا ويقول بلهجة مهذبة وهادئة متجاهلًا ما قاله للتو:
_ عن أذنك يابوي أنا همشي عشان ورايا مشوار ضروري.
أنهى عبارته واندفع لخارج الغرفة فوجد أمه في وجهه وهي تسأله بقلق:
_ في إيه يابلال مالك أنت وأبوك؟
تنهد في وجه فاتر ورد بإيجاز:
_ مفيش ياما موضوع تبع الشغل.
ولم يترك لأمه مجالًا لطرح المزيد من الأسئلة حيث ابتعد عنها وسار لخارج المنزل بأكمله. وبينما كان في طريقه للسيارة ارتفع صوت رنين هاتفه فرفعه لمستوى نظره وحدق في الشاشة لاسم المتصل الذي جعله يغضن جبهته باستغراب، لكن الفرحة تغلغت في قلبه وبسرعة دون تفكير أجاب على الهاتف في وجه مشرق:
_ الو.
وصله صوتها المرتعش والخائف وهي تهتف:
_ ايوة يابابا تعالالي بسرعة.
اختفت بسمة ثغره وتقوست ملامحه للقلق والجدية وهو يقول يجيبها:
_ أنا بلال ياحور.. مال صوتك إكده أنتي كويسة؟
أنزلت الهاتف عن أذنها تنظر في الشاشة تتأكد من الاسم الذي قامت الاتصال به فوجدته بلال بالفعل، لقد كان اسمه يتبع اسم والدها بضبط في قائمة الاتصالات بسبب تشابه أول حرف في الأبجدية وبسبب تلهفها ضغطت على اسمه دون وعي. رفعت كفها ومسحت على وجهها بغيظ ثم عادت بالهاتف لأذنها مجددًا تجيبه باعتذار:
_ أنا آسفة يابلال اتصلت بيك بالغلط كنت عايزة اتصل بـ بابا.
لم يبالي بما قالته للتو وأعاد سؤاله للمرة الثانية في اهتمام:
_ قوليلي الأول أنتي كويسة.. في حاچة حصلت معاكي؟
أجابت بالرفض المزيف حتى لا تزعجه بمشاكلها رغم أن صوتها المرتعد لا يلائم كلماتها أبدًا:
_ لا يا بلال مفيش حاچة أنا كويسة.. معلش ازعجتك.
خرج صوته الحاد وهو يسألها للمرة الثالثة:
_ حور مالك اتكلمي.. أنتي فين طيب؟
تنهدت في الأخير بقلة حيلة وردت عليه تصف له مكانها فأخبرها أن سيأتي لها حالًا وانهى الاتصال معها واسرع نحو سيارته لكي يستقل بها وينطلق نحو موقعها.
***
بمدينة العين السخنة داخل منزل خاص بجلال......
كانت فريال تقف في شرفة غرفة نومهم تتأمل في مياه البحر أمامها وهي مبتسمة ونسمات الهواء الباردة تلفح صفحة وجهها. كانت الشقة في الطابق السادس ورغم خوفها من المرتفعات إلا جمال المنظر الذي أمامها كان لا يقاوم. أغلقت عيناها ببطء تترك الهواء يرسم لوحته الرقيقة على صفحة وجهها المبتسم.
رعشة جميلة اجتاحت جسدها عندما أحست بقبلته الدافئة من الخلف على رأسها وهو يهمس:
_ هتبردي وتتعبي يافريال.
هزت رأسها بالنفي وهي مازال متحفظة بابتسامتها:
_ مش بردانة.. والمنظر ده وحشني قوي لينا سنين مچيناش إهنه.
تحرك ووقف بچوارها وهمس بحب وهو يتأمل مباح البحر أمامه:
_ آخر مرة چينا كنتي حامل في عمار برضوا واختارنا هنسميه إيه هنا.
هزت رأسها بالإيجاب وهي تضحك وتكمل وسط ضحكها بمرح:
_ أنت كنت عاوز تسميه حمزة على اسم جدك وأنا كنت عاوزة عمار وأنا اتخانقت معاك ولغاية ما ولدت واحنا كنا بنتخانق وأنت بعدين عشان ترضيني كتبته عمار وعملتها مفاجأة ليا.
مال ثغره ببسمة دافئة وعاشقة ثم التفت لها ورمقها مطولًا بعبوس متمتمًا:
_ وقتها كان في بينا مشاكل كيف دلوك ولما چينا إهنه وانتي ولدتي نسينا كل الزعل ورچعنا كيف ما كنا. وقتها أنا مندمتش إني سميته عمار لأن كان ليه نصيب من اسمه وهو اللي چمعنا من تاني.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وراحت تتأمل منظر المياه مجددًا مجيبة عليه بحزن:
_ مكنتش مشاكل كيف المشاكل اللي احنا فيها دلوك ياچلال.
جلال ببسمة دافئة كلها عاطفة:
_ كيف ما عدينا اللي فات نعدى ده كمان طول ما احنا چار بعض.
رمقته مطولًا بأسى وعينان دامعة ثم تنهدت في قلة حيلة واستدارت تدخل للغرفة وتتجه نحو الأريكة تجلس عليها بوجه عابس. بينما هو فأكمل مراقبته لأمواج البحر الهائجة مثل روحه.
قطع تلك الأجواء الكئيبة بينهم دخول عمار ومعاذ ليهتف معاذ بضيق:
_ مش هننزل البحر عاد ولا إيه يابوي!
رد عمار مازحًا متعمدًا إضحكاهم:
_ أيوة أنا حران قوي وعاوز انزل اعوم.
رفعت فريال كفها تضعه على وجهها وهي تضحك مغلوبة. وكذلك جلال الذي دخل من الشرفة وهو يجيب على ابنه الصغير ضاحكًا:
_ روح املى البانيو چوا وعوم فيه براحتك.
قهقهوا بقوة باستثناء عمار الذي تصنع الضيق والغيظ من سخرية أبيه عليه. بينما معاذ فأسرع نحو أمه يجلس بجوارها ويحتضن كفها يهتف متوسلًا:
_ قوللي لأبوي ياما خليه ياخدنا وننزل عشان خاطري.
رد جلال بلطف ونبرة تحمل الجدية:
_ احنا لسا چايين من سفر طويل وتعبانين وأمكم كمان تعبت نريح النهاردة وبكرا ننزل ونروح المكان اللي تحبوه.
زموا شفتيهم بعبوس وظهر اليأس على محياهم فلم تتمكن من مقاومة الحزن الذي في عيناهم وابتسمت لهم بحنو أمومي وهتفت لجلال برقة:
_ خلاص ياچلال بعد الغدا خدهم خليهم يلعبوا شوية وأنا هقعد استناكم إهنه.
قفزوا فرحًا صارخين وارتموا على فريال يعانقوها بقوة وكل منهم يلثم وجنة من وجنتيها بقبلات متتالية وسط ضحكها القوي وهي تحاول إبعادهم عنها وتهتف:
_ طب خلاص كفاية.
لم ينقذها من هجموهم اللطيف عليها سوى صوت رنين هاتف جلال فأشارت لهم بحزم أن يلتزموا الصمت حتى يتمكن والدهم من التحدث فابتعدوا عنها ببطء وهم يضحكون في هدوء ثم غادروا الغرفة.
***
تقف في المطبخ منذ ساعة تقريبًا تقوم بتحضير الفطار. فليلة الأمس كانت مرعبة وانتهت بأنه تركها بمفردها في الغرفة لكن النوم لم يمر على عيناها حتى لثانية واحدة وظلت الليل كله مستيقظة حتى ظهر ضوء النهار وارتفعت الشمس في السماء وأشعتها ملأت كل مكان فهنضت من فراشها مبكرًا ووقفت في المطبخ تحاول الهاء نفسها عن الحزن والتفكير بتحضير الطعام.
كان السبب الحقيقي وراء عدم قدرتها على النوم هو تفكيرها المستمر وحالة العتاب والتعنيف لنفسها على أفعالها بداية بتصرفها الأهوج مع صديقتها عندما سردت لها حياتها الخاصة نهاية بسماحها لسليم أن يدخل المنزل ثم عنادها وردودها المستفزة على زوجها. رغم أنها تشعر ببعض الضيق من الذي فعله وحالة الهياج المخيفة الذي استحوذت عليه لكنها تعطيه الحق بالأخص بعدما أخبرها بحقيقة سليم المريضة. ويبدو أن الأمر لن يتوقف عند الليلة الماضية فقط بل سيكون له آثار أكثر سلبية ومهمتها هي الآن إصلاح ما أفسدته.
سمعت صوت باب الحمام ينفتح فعرفت أنه انتهى للتو من حمامه الصباحي وكانت ستتجه له لكن توترها منه منعها وظلت مكانها في المطبخ تكمل تحضيرها الطعام في عبوس. انتظرته أن يخرج هو من الغرفة لكنها لم يخرج فضيقت عيناها باستغراب فقذت بذهنها احتمال وبسرعة تركت ما بيدها وتحركت للغرفة في خطوات سريعة قدر الإمكان وعندما دخلت ورأته كان شكها صحيح حيث وجدته ارتدي ملابسه ويستعد للرحيل. فوقفت خلفه وهتفت بهدوء:
_ أنا چهزت الفطار مش هتاكل؟
رد بنبرة خالية من المشاعر:
_ لا.
لوت فمها بأسى ثم تقدمت إليه ووقفت أمامه مباشرة تهتف بندم وحزن:
_ أنا آسفة.
رمقها بطرف عينيه في جمود ثم ازاح نظره عنها وتجاهل آسفها دون أن يرد عليه حتى. لكنها لم تيأس وتابعت تقول بصدق:
_ حقك عليا واوعدك أول وآخر مرة بعد إكده مش هتصرف من دماغي أبدًا غير لما آخد أذنك الأول. ومش هعمل إكده تاني أبدًا غير لو كان بعلمك.
خانها التعبير في آخر عبارة لها. وكأنها تخبره أنها ستكرر فعلتها لكنها ستخبره أولًا حتى لا يكون الأمر تم خفية دون علمه. اضطربت بشدة عندما رأت نظرته الحادة لها واسرعت تقول في توتر تنقذ الموقف وتصحح السذاجة التي تفوهت بها:
_ لا مقصدش والله.. قصدي يعني مش هعمل أي حاچة تضايقك تاني واللي تقوله هيتنفذ من غير ولا كلمة.
لانت نظراته مجددًا لكن تعبيرات وجهه الجافة كما هي وحتى الآن لا يرد عليها يستمع فقط لمحاولاتها في الاعتذار ونيل رضاه بصمت. ابتعد عنها والتقط عباءته لكي يرتديها وبينما كان سيهم بارتدائها بنفسه وجدها تتولى هي عن المهمة وهي تهمس ببسمة رقيقة:
_ أنا هلبسهالك.
التفت لها بوجهه ورمقها بانزعاج وهو يهتف:
_ بعدي يدك.
انزلت يدها ببطء ووجه مقتطب وتركته هو يرتديها بنفسه كما أمرها للتو إن تبتعد عنه. ورغم هذا لم تتوقف بل تابعت وهي تسأله بوجه يلمع بالأمل وبسمة واسعة:
_ طيب أنا عملت الكنافة اللي بتحبها مش عاوز تاكل منها قبل ما تطلع؟
لم تحصل على رد منه فقد تجاهلها مجددًا. هذه المرة تحول حزنها لغيظ وعناد في الوصول لمبتاغها. فظلت محافظة على بسمتها وعندما التفت لها بجسدها وكان يهم الانصراف اعترت طريقه وقالت بغطرسة:
_ هتاكلها وتاكل صوابعك وراها.. أنا محدش كان بيقدر يقاوم الكنافة بتاعتي.. چربها بس قبل ما تطلع ومش هتندم.
رد عليها بلهجة حازمة وصوته الرجولي:
_ بعدي من طريقي يا آسيا.
تجاهلت تحذيره وأكملت مبتسمة بحماسة غريبة:
_ اجيبلك قطعة ومعاها كوباية الشاي هتظبط مزاجك طوالي.
تأفف في نفاذ صبر ثم هتف بلهجة صارمة ومنزعجة:
_ قولتلك بعدي يا آسيا متخلنيش اتعصب.
زمت شفتيها بيأس واردفت في خنق:
_ يعني مش عاوز كنافة؟!!
ازاحها عن طريقه بيده في لطف وابتعد وتركها وهو يستغفر ربه محاولًا تمالك أعصابه بينما هي فاستدارت خلفها تحدق في الباب على أثر رحيله وتهتف في ضيق:
_ أنت الخسران على فكرة.
ثم اقتربت من الفراش تجلس فوقه بانزعاج وتهتف في يأس:
_ اصالحه كيف أنا دلوك يعني!
وبينما كانت عيناها تتحول بالغرفة سقطت على الخزانة أمامها. فتجمدت ملامح وجه آسيا وقذف بذهنها شيء تذكرته جعلها تهب واقفة بسرعة وتتجه نحو الخزانة لتفتح الباب وأول شيء يلتقطه نظرها كان ذلك القميص الأسود المعلق فاستدعى عقلها مشدهم الأخير قبل الشجار.
_ معرفش بس ممكن لو لبستي حاچة قصيرة ومريحة هتبقى حلوة عليكي اكتر.
عقدت ذراعيها أسفل صدرها بعدما فهمت محاولاته الماكرة في الوصول لهدف معين لا تعرفه. وراحت تسأله بسخرية مبتسمة:
_ حاچة كيف إيه يعني.
غمز لها بعيناه في وقاحة وقال:
_ كيف القميص الأسود مثلًا.. فكراه؟
عادت للواقع وهي تبتسم بشيطانية ولؤم ثم مدت يدها لداخل الخزانة تلتقط القميص وهي تقول له ضاحكة:
_ ورانا طلعة الليلة!
توقف بلال بسيارته في المكان الذي وصفته له حور ونزل من السيارة متلهفاً وهو يتلفت برأسه يميناً ويساراً باحثاً عنها حتى وجدها تقف بمفردها بجانب الرصيف وهي أيضاً تراقب السيارات تنتظره.
أسرع نحوها وهو يهتف:
_ حور إيه اللي حصل؟
أشرق وجهها وابتسمت في تلقائية فور رؤيتها له حتى شعور الرعب الذي كان يتملكها لم يعد له وجود، لكن بعد سؤاله ظهر الخوف البسيط مجدداً على محياها وهي تسرد له ما حدث معها:
_ حرامية حاولوا يسرقوا الشنطة بتاعتي ولما حاولت أقومهم طلعوا سكينة ولولا أني سبتلهم الشنطة كانوا ممكن يأذوني بالسكينة دي.. والحمدلله أن موبايلي كان في إيدي وعشان كده كنت بتصل بـ بابا عشان ييجي ياخدني لأني فلوسي كلها كانت في الشنطة ومش هعرف أرجع لوحدي من غير فلوس.
سألها باهتمام وقلق شديد:
_ طيب المهم انتي كويسة؟
هزت رأسها بالإيجاب مبتسمة:
_ أيوه الحمدلله كويسة متقلقش.
تنهد بلال بضيق وهتف في لهجة جادة:
_ هي الشنطة كان فيها حاجة مهمة يعني؟
هزت رأسها بالنفي وهي تزم شفتيها بفتور متمتمة:
_ لا لا هي الفلوس والكتب بس يعني أنا مكنتش واخدة معايا حاجة النهاردة ولا حاطة حاجة في الشنطة.
التفت حوار يتفحص تلك المنطقة الهادئة والمريبة ثم سألها في انزعاج بسيط:
_ انتي إيه اللي جايبك المكان ده أصلاً يا حور؟
تنهدت الصعداء وردت بخفوت:
_ واحدة صحبتي بيتها هنا وهي تعبانة وجيت أزورها.
هز رأسه بالتفهم بعدما زفر أنفاسه الحارة في انزعاج ثم تمتم في هدوء:
_ طيب يلا عشان نمشي وأوصلك البيت.
استقلت بالمقعد المجاور له داخل السيارة بينما هو فتأملها للحظات في صمت ثم قال ضاحكاً بخبث:
_ بس عموماً أنا فرحت بالاتصال اللي بالغلط ده.
التفتت له وطالعته بعدم فهم للحظات لكن سرعان ما احتلت مشاعر الاندهاش ملامحها بعدما فهمت تلميحه الخبيث وقالت بسرعة تثبت له خطأ معتقداته:
_ أنت فاكرني كنت قاصدة.. والله بجد كنت بتصل بـ بابا وبعدين أعملك إيه إذا كنت أنت حرف الباء وهو برضه اسمه كده وفي التليفون موجودين تحت بعض.
قهقه بخفة وأجابها بمرح:
_ طب أنتي متعصبة ليه أنا مش زعلان والله وبالعكس مبسوط سواء كان قصدك أو من غير قصد مش هتفرق بالنسبة ليا.
هدأت حدة ملامحها واعتدلت في جلستها بشموخ وهي تردد عليه دون أن تنظر لوجهه:
_ بس هتفرق معايا.. وعموماً مش معنى إني اتصلت بيك وسمحتلك توصلني البيت أبقى أنا خلاص نسيت الكلام اللي قولته ليك في الكلية.
رفع حاجبه مستنكراً التحول الرهيب الذي يماثل سرعة البرق، ثم مال ثغره للجانب في مكر وسألها بذكاء وهو يزم شفتيه:
_ أنهي كلام بالظبط لما اتخانقنا في الأول خالص وعنادتي ومركبتيش معايا ولا لما هددتيني إنك هترفضيني لو اتكلمت مع أي بنت وبالأخص اللي شوفتيني قاعد معاها وعشان كده كنتي متعصبة مني ومش عايزة تكلميني بسبب إنك غيرانة؟
اتسعت عيناها بصدمة وتسارعت نبضات قلبها توتراً وخجلاً عندما ضربها بحقيقة غيرتها عليه، فدام سكونها الغريب لبرهة من الوقت تحاول فيها تجميع أفكارها وإيجاد رد مناسب عليه فوجدته يسألها ضاحكاً بنظراته الساحرة:
_ إيه مالك مصدومة كده ليه؟
فشلت في العثور على رد تنفي به حقيقة مشاعرها أو ربما التوتر والخجل أوقفوا عقلها عن التفكير وقيدوا لسانها فلم يكن هناك رد منها سوى الصمت وهي تشيح بوجهه عنه وتثبته على الطريق أمامهم في سكون وملامح وجه مثيرة للضحك جعلته ينفجر ضاحكاً عليها ثم يبدأ بتشغيل محرك السيارة وينطلق بها وهو بين كل لحظة وأخرى يلتفت لها مبتسماً بحب فيجدها كما هي على وضعها تراقب الطريق بصمت دون أن تميل بنظرها نحوه سنتي واحد.
***
وقفت فريال بالشرفة تشاهد أولادها وهم يلعبون ويسبحون في المياه وجلال كان يجلس على الشاطيء يتابعهم بنظراته وهو يبتسم وكان مرتدياً سروال جينز قصير ويعلوه قميص بنصف كم، هي لا تراه يرتدي تلك الملابس الرجالية المثيرة إلا عندما يأتون لقضاء رحلة قصيرة هنا، كانت تراقبهم وهي تضحك على مزاحهم معهم وخصوصاً عندما انضم لهم والدهم ليسبح معهم، كانت تلك اللوحة الدافئة بين الأب وأولاده تثير عواطفها الأمومية وتأثرت على أثرها حتى أن عيناها تلألأت بالعبرات وهي تشاهدهم، لكن تلاشت ابتسامتها تدريجياً واختفى ذلك التأثر الأمومي والمشاعر الجياشة عندما لمحت فتاة متحررة تجلس على أحد المقاعد أمام الشاطيء بالقرب من زوجها وأولادها وعندما دققت النظر معها وراقبتها جيداً لاحظت أنها لا تزيح نظراتها المعجبة عن زوجها، فاشتعلت نيران الغيرة في صدر فريال وظلت تراقب تلك الفتاة في نظراتها الوقحة حتى خرج جلال من المياه وترك الأولاد يكملون لعب وسباحة مع بعضهم واتجه هو لمقعده مرة أخرى.
رأت فريال بعينيها المتسعة تلك الفتاة وهي تهب واقفة وتسير بخطواتها المتمايلة نحو جلال، فغلت الدماء في عروق فريال وأصبح وجهها ككتلة من الدماء الحمراء من فرط غيظها، فوجدت نفسها دون وهي تندفع للداخل وتلتقط هاتفها تنوي الاتصال به لكي يعود للمنزل هو والأولاد لكنها توقفت بعدما التقطت الهاتف وتذكرت أنه لم يأخذ هاتفه معه، فأصدرت زفيراً حاراً وألقت بالهاتف على الفراش ساخطة.
بالأسفل أمام الشاطيء.....
لاحظ جلال فتاة ترتدي تنورة طويلة تبدأ بفتحة من فوق الركبة حتى الآخر من الجانب تحديداً فوق قدمها اليسار وفوق التنورة بلوزة دون أكمام وبفتحة مثلثية في المنتصف وتترك شعرها الناعم ينسدل فوق كتفيها، كانت تقترب منه وهي تبتسم بثقة وعندما وصلت له ازدادت ابتسامتها اتساعاً وهي تسأله برقة تليق بفتاة جميلة مثلها:
_ معلش كنت حابة أسألك هو أنت من المدينة هنا؟
رفع حاجبه بدهاء رجولي بعدما فهم محاولاتها في إجراء حوار معه، ورد عليها ببرود:
_ لا.
ردت عليه مبتسمة وهي تبدأ بتعريف نفسها وتمد يدها لتصافحه:
_ أنا شروق.
نقل جلال نظره بين وجهها وبين يدها الممتدة بنظرات ساخرة ثم رد عليها بابتسامة متكلفة دون أن يصافحها:
_ أهلاً وسهلاً يا آنسة شروق.
اتسعت عيناها بدهشة بعدما لاحظت لهجته الصعيدية المميزة وقالت بإعجاب شديد:
_ إيه ده هو أنت صعيدي؟
بدأت تزعجه حقاً لكنه لا يريد إحراجها برده القاسي واكتفى بإيماءة رأسه لها بالإيجاب دون أن ينظر لها متعمدًا التركيز مع أولاده وهم في المياه فتابعت هي بنفس نبرتها الناعمة:
_ أصل أنا حاسة نفسي شفتك قبل كده بس مش فاكرة فين!
ردت عليها فريال مبتسمة بقرف ولهجة استهزاء:
_ في الأحلام يا حبيبتي.. دي أحلام من الشياطين ابقي اتوضى قبل ما تنامي واتغطي زين.
التفتت الفتاة خلفها تنظر لفريال باستغراب وتسألها في نظرة متعجرفة:
_ إيه ده مين أنتي أصلاً؟
فغرت فريال عيناها بصدمة متصنعة وردت عليها بنفس التعبيرات السابقة:
_ متعرفنيش؟.. أنا شوفتيني في نفس المكان اللي شوفتيه فيه افتكري وهتعرفي.
خرج عمار من المياه وركض باتجاه فريال وهو يصرخ فرحاً:
_ أما!
فهمت الفتاة أنها زوجته بعدما رأت أولاده ينادونها بـ " ماما " فلوت فمها بقرف واستدارت ثم سارت مبتعدة عنها بينما فريال فصاحت عليها بسخرية:
_ ابقي استري نفسك بدل ما يلفحك الهوا وترقدي على السرير وتحرمينا من طلتك.
كان جلال يتابع تلك الحرب الباردة وهو يضحك بصمت وبعد عبارة زوجته الأخيرة انفجر ضاحكاً بقوة وهو يهتف:
_ تعالي اقعدي يافريال أنتي إيه اللي نزلك؟
اندفعت نحوه ثائرة بعد سؤاله وجلست بجواره تهتف ساخطة:
_ أنت مكنتش عايزني أنزل يعني.. ولا عجبتك البت وكنت بتسايرها في الكلام!
تنهد مغلوباً وهو يضحك ويميل على رأسها يلثم رأسها بحنو متمتماً:
_ مفيش ست واخدة عقلي وقلبي غيرك والله يافريالي.
تأثرت للحظة ولانت لكن فوراً استعادت غضبها وابتعدت عنه تقول مغتاظة:
_ ما هو لازم البنات تتلزق فيك وأنت نازل بالشورت كده.
غضن حاجبيه بتعجب ثم مال ثغره للجانب في بسمة حائرة وهو بجيبها:
_ وهو أنا هلبس الجلابية يعني وأنا نازل البحر يافريال؟
عقدت ذراعيها أسفل صدرها واشاحت بوجهها أصبح في مواجهة البحر وهي ترد عليه بضيق وصوت مبحوح:
_ لا أنا اتخنقت وعايزة أرجع البلد من تاني.. رجعني مش عايزة أقعد هنا.
لوى جلال فمه بنفاذ صبر وهو يتمتم:
_ امممم بدأنا عاد في الهرمونات.
اقترب منها واحاطها من كتفيها يهمس لها في لطف وحنو:
_ طيب صلي على النبي كده ياحبيبتي وتعالي يلا نطلع البيت فوق نرتاح وكفاية العيال لعبوا كتير النهاردة.
دفعت يديه بعيداً عن كتفيها بوجه عابس ومستاء:
_ بعد عني أنت بتقربلي ليه.. أنا مسامحتكش.
أنهت عبارتا واستقامت واقفة وهي تعود مجدداً باتجاه المنزل بينما هو فمسح على وجهه متأففاً بنفاذ صبر ومستغفراً ربه ثم توقف وأشار لأولاده أن يخرجوا ويلحقوا بهم على المنزل.
***
اتجهت آسيا نحو الباب بعدما سمعت صوت الرنين وهي تسير مستعينة بعكازها في بطء حتى وصلت للباب وفتحت فوجدت عمران أمامها افسحت له الطريق وابتسمت وهي ترد عليه بمزاح لطيف:
_ إيه رجعت تاني عشان تاكل الكنافة ولا إيه!
رمقها بطرف عيناه رافعاً حاجبه ثم دخل وأغلق الباب ورغم عنه تحرك ثغره للجانب مغلوباً منها، رأيته يتجه مباشرة نحو غرفة عمله الخاصة فأدركت أنه نسي شيء وعاد ليأخذه وكانت ستهم باللحاق به لكنها توقفت على أثر صوت رنين الباب مجدداً فصغرت عيناها باستغراب وعادت للباب لكي تفتح وقد كان عمران في تلك اللحظة خرج على أثر صوت رنين الباب ووجدها تفتح وكان الطارق صديقتها سندس وشقيقة سليم.
سقطت عين سندس على عمران ورأت نظراته المنزعجة والمخيفة فتنحنحت باحراج ونظرت لآسيا في حزن تهمس:
_ كنت جاية أتكلم معاكي في حاجة صغيرة يا آسيا لآخر مرة لو مفيش مانع أو مشكلة.
طالت نظرات آسيا الممتعضة لها ثم التفتت برأسها للخلف تنظر لعمران وتسأله بنظراتها هل يوافق أم لا، فتنهد بخنق وهز رأسه لها بالموافقة فعادت تنظر لسندس مرة أخرى وتجيبها بهدوء وهي تفسح لها الطريق للدخول:
_ اتفضلي.
أشارت لها بيدها على غرفة بجانب الباب مباشرة فدخلت سندس ثم لحقت بها آسيا وأغلقت الباب، تقدمت إليها وجلست على المقعد المقابل لها وهي تستمر في إرسال إشارات الخزي والغضب لها بينما سندس فتحدثت بأسف وندم حقيقي:
_ أنا آسفة يا آسيا صدقيني والله أنا مكنش في نيتي أبداً إني أذيكي أنتي معزتك عندي غالية أوي.
آسيا منفعلة بعصبية:
_ ده جزاتي أني حكيتلك واتكلمت معاكي على أسراري تروحي تحكيها لأخوكي القذر ده..
امتلأت عيون سندس بالدموع وردت عليها بخجل دون أن تقوى على النظر لها:
_ مكنتش أقصد والله، وأنا كنت فاكرة إن سليم اتغير وبقى شخص كويس واتعلم من أخطائه، بس حتى أنا كنت غلطانة في أخويا وهو خد جزاه ويستحق اللي حصله، يمكن يتعظ وربنا يهديه.. بس لما سألني عنك أنا كنت فكراه بيسأل وعايزة يعرف فضول مش أكتر، وأنا بسذاجتي حكيتله، ورغم إني نبهت عليه ميجبش سيرة لحد أبداً، بس دي غلطتي أنا فعلاً يا آسيا.
أنهت عباراتها الأخيرة وهي تنهار في البكاء الشديد بحرقة وألم، فتأففت آسيا بضيق بعدما هدأ غضبها منها ولان قلبها، لكنها ردت بجفاء:
_ خلاص يا سندس، اللي حصل حصل، ومن النهاردة ورايح معدش في بينا أي كلام، وتنسي إننا كنا صحاب واصل.
توقفت عن البكاء وهي تهتف بصوت مرتجف:
_ أنا أساساً ابن عمي جاي ياخدني شوية كدا وهروح أعيش في بيت العيلة مع جدو وجدتي في المنصورة، يعني مش هتشوفيني تاني، وحبيت بس أجي أعتذر منك قبل ما أمشي، لأن اللي حصلك ده كان بسببي.
لوت آسيا فمها باقتطاب ثم تمتمت في خنق:
_ جزء صغير منه كان بسببك، وهو الأخير، لكن الباقي كله كان بسبب أخوكي.. عموماً، خلاص يا سندس، أنا هنسى اللي حصل، وانتي كمان انسى، وروحي عيشي مع أهلك مرتاحة بعيد عن أخوكي ده.
هزت رأسها لها بالموافقة ثم استقامت واقفة وهي ترفع أناملها تمسح دموعها وتبتسم لآسيا بعذوبة وصفاء هامسة:
_ شكراً يا آسيا إنك سمعتيني وسمحتيلي أعتذر منك.
هزت رأسها آسيا في بسمة خافتة دون أن تجيب، بينما سندس فاستدارت وغادرت الغرفة، ثم فتحت باب المنزل وانصرفت.
فظلت آسيا مكانها تحدق على أثرها في الباب صامتة، ولوهلة أشفت عليها، أنه كان من نصيبها شقيق فاسق كهذا.
استدارت وعادت للداخل تحديداً إلى الصالة، فوجدت عمران يجلس على الأريكة ينتظرها، وفور رؤيتها لها سألها بحزم:
_ قالتلك إيه؟
تقدمت نحوه وجلست بجواره تقول في صوت رزين:
_ ولا حاجة، جايه تعتذر مني.
هز رأسه بتفهم رغم أن ملامحه كانت توحي بالسخرية والاشمئزاز، لكن آسيا تجاهلت كل شيء وراحت تستغل الفرصة وتبتسم له برقة وهي تقول:
_ اديني خلاص قطعت علاقتي بيها واصل كيف ما قولت، وشوفتني كيف بتسأذنيني الأول قبل ما أدخلها و....
قاطعها عمران بلهجة صارمة وملامح وجه مريبة تثير الرهبة:
_ إنك تستأذنيني في كل حاجة بتعمليها ده مش اختيار، لا ده إجباري، يعني أنتي معملتيش حاجة غريبة.
ازدردت ريقها بتوتر وعادت برأسها للخلف وهي تهمس لها بخوف مبتسمة:
_ أنت هتتحول تاني ولا إيه؟
ثم تابعت بنعومة جميلة وهي تهز رأسها بالإيجاب:
_ طبعاً هاخد إذنك في كل حاجة يا معلم، مقدرش أصلاً.. بس خلاص مش هتسامحني عاد.
حدقها بنظرة متفحصة وطويلة قبل أن يستقيم واقفاً ويتجاهل محاولاتها في نيل رضاه مجدداً، ثم يجيب عليها بحدة:
_ أنا طالع، ومتفتحيش الباب لحد واصل، فاهمة ولا لا!
تأففت بخنق أن كل محاولاتها تنتهي بالفشل معه، وهو يتجاهلها في كل مرة ولا ينظر لوجهها حتى، لكن لم تستطع تجاهل تعليماته وهزت رأسها بالموافقة وهي تبتسم بتكلف.
لحظات قصيرة وكان يغادر المنزل ويتركها وحيدة مرة أخرى، وهذه المرة ضيقت عيناها بعناد وغيظ وهي تقول:
_ هنشوف بليل يا معلم، هتفضل كده بتتجاهلني برضه ولا لأ.
***
بتمام الساعة العاشرة مساءً داخل منزل جلال بمدينة العين السخنة......
خرج من الحمام بعدما انتهى من حمامه الدافئ، ثم قاد خطواته لخارج الغرفة لكي يبحث عن فريال، فوجدها تجلس في الصالة أمام التلفاز على الأريكة تشاهد فيلماً يبدو رومانسي، ويتبادل فيه الأبطال العناق الحميمي، لم يكن ذلك هو الغريب، بل الغريب في الأمر أنها كانت تشاهدهم وتبكي!
وقف يراقبها وهو يبتسم في دهشة، ثم تحرك ببطء نحوها وجلس بجوارها في هدوء شديد هامساً بنبرة حاول إخراجها طبيعية دون ضحك:
_ أنتي بتبكي ليه؟
ردت عليه بصوت مبحوح وهي ترفع أناملها لوجهها تمسح دموعها:
_ المشهد جميل ومؤثر قوي يا جلال.
كبح ضحكته بصعوبة وتمتم في خفوت ونبرة حانية:
_ أيوه مختلفناش إنه هو جميل.. بس بصي كده هما كيف مبسوطين وفرحانين، أنتي زعلانة ليه عاد، المفروض تضحكي معاهم.
انهمرت دموعها مجدداً وهي تجيب بحزن شديد وسط بكائها:
_ معرفش، بس أنا حسيت نفسي عايزة أبكي.
لم يتمكن من كبح ضحكته أكثر من ذلك، لكن تمالكها قدر الإمكان وخرجت صامتة، ثم فرد ذراعه وضمها لصدره متمتماً في حب:
_ ابكي يا حبيبتي براحتك، ابكي.
رفعت فريال نظرها للتلفاز مجدداً تنظر لوجوه الأبطال العاشقة ومشهد النهاية السعيد، وهي تقول بحسرة وشجن:
_ حبهم لبعض حلو قوي.. أنا مفيش حد بيحبني كده، ده هو عمل كل حاجة عشانها من كتر حبه ليها.
تقوست ملامحه وتحولت من الضحك للصدمة الممتزجة بالغيظ والانزعاج من سخافة كلماتها، ثم أبعدها عنه وقال ساخراً:
_ وهو أنا بعملك رز بلبن بس يعني ولا إيه؟
ابتسمت له لكن سرعان ما قالت ضاحكة في نفس مشتهية:
_ الله تصدق، نفسي في رز بلبن صح يا جلال.. إيه رأيك أقوم أعمله!
عض على شفتيه السفلية محاولاً تمالك أعصابه، لكنه فقد قدرته في البقاء صامداً أمامها وهتف بلهجة مرتفعة قليلاً وساخطة:
_ قومي اعملي يا فريال وابقي هاتيلي طبق معاكي، ولو لقيتي في سم فران في المطبخ ابقي حطيلي منه كمان عشان آكله وأموت قبل ما تجلطيني تاني.
طالعته بقرف وانزعاج من عصبيته الغريبة عليها، ثم هبت واقفة واتجهت للمطبخ لكي تقوم بتحضيره، وقفت في المطبخ وابتسمت بخبث ونظرات شيطانية وسط ضحكتها الصامتة عليه...
***
فتح عمران باب المنزل ودخل، ثم نزع حذائه بجانب الباب ووضعه بمكانه، وتحرك نحو غرفته بالداخل، لكنه تسمر بمنتصف الطريق عندما وجدها تجلس فوق الأريكة بالصالة، وهي مرتدية ذلك الثوب الأسود القصير وتترك شعرها الأسود الطويل ينسدل على ظهرها وكتفيها بحرية، أما وجهها فكانت تزينه ببعض مساحيق الجمال الهادئة التي تزيد من جمالها، كان منظرها الأنثوي المثير يحبس الأنفاس ويسلب العقول.....
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ندى محمود توفيق
ظلت تراقب نظراته المندهشة وتسمره مكانه دون حركة، فقط يستمر في تمعنها صامتًا، لم تتحدث والتزمت السكوت لبرهة من الوقت تنتظره أن يعود لطبيعته لكنه كما هو، فابتسمت رغمًا عنها ورفعت حاجبها بلؤم تسأله:
مالك واقف إكده ليه؟
على أثر عبارته بدأت تعابير وجهه تتغير ونظراته تصبح تفحصية أكثر من أنها معجبة، بينما هي فكانت تستمر في التحديق به في خبث وثقة.
رأى في عيناها التحدي، ترتدي الثوب الذي يحبه عنادًا وتحديًا وكأنها تخبره بكل وضوح قاومني أن استطعت، فمال بوجهه للجانب بعيدًا عنها وابتسم رغمًا عنه لكن بظرف لحظة كان يستعيد جفاء ملامحه ويتصرف ببرود مزيف رغم أن داخله يشتعل بنيران الرغبة، رمقها بطرف عيناه في عدم مبالاة ثم اتجه لغرفته بالداخل لتتحول هي لجمرة مشتعلة بعدما شهدت على تجاهله لها رغم ما تفعله.
كانت تصر على أسنانها بغيظ ووجهها كله تلون بالأحمر القاتم من فرط استياءها، لكن العناد جعلها تتعهد لنفسها بأنها لن تتذوق مرار الهزيمة مجددًا والليلة ستنهي ذلك الخصام، مهما تطلب الأمر لفعله ستفعل بلا تردد.
هبت واقفة وتحركت ببطء نحو الغرفة وفور دخولها وجدته يبدل ملابسه فاقتربت منه ووقفت خلفه مباشرة تسأله في دلال أنثوي:
احضرلك العشاء؟
رد عليها بجمود دون أن يلتفت لها:
لا اكلت برا
اشتعلت غيظًا أكثر وبسرعة أسرعت وتحركت لتصبح أمام وجهه وهي تسأله بعين تطلق شرارات الشر:
اكلت وين.. أنت متچوز عليا ياعمران؟
كان يوليها ظهرها متعمدًا حتى لا ينظر لها ويفقد صموده المزيف، وعندما وقفت أمامه بمنظرها المثير ذلك، غرق داخل جمالها مجددًا ودون وعي كان يتأمل ملابسها بإعجاب شديد غير عابئ بما تتهمه به الآن، بينما هي فكررت سؤالها له منفعلة وقد نسيت هدفها تمامًا وأنها بدأت تصيب منتصفه بالفعل:
كلت وين ياعمران؟
اشاح بوجهه عنها وهو يزفر بخنق محاولًا كبح ذلك الصوت المزعج في عقله الذي يصرخ عليه أن الفرصة وصلت له على طبق من الذهب، سيكون من الأفضل له أن يتوقف عن ذلك الغضب السخيف ويستغل الفرصة حتى لا يجتاحه الندم لاحقًا.
سمعت آسيا همسه المختنق متحاشيًا النظر لها:
بعدي من قصاد وشي
رفعت حاجبها بتعجب لكن سرعان ما عادت لطبيعتها وابتسمت بغرور وسعادة بعدما أدركت تأثيرها عليه، فتحركت عمدًا ووقفت أمام وجهها مرة أخرى هامسة ببراءة مزيفة:
ليه ابعد؟
رفع يده يمسح على وجهه متأففًا في انزعاج حقيقي ثم نظر لها بقوة وهتف:
من غير ليه وغيري اللي لابساه ده مش هتأثري عليا بيه عشان تصالحيني
اتسعت ابتسامتها المتلذذة حتى ملأت وجهها كله، وكانت عينيها تخلع بوميض الانتصار والعاطفة حتى وجدها تقترب منه أكثر وترفع كفيها تحتضن بهم وجهه من وجنتيه وتهمس في غنج مفعم بالأنوثة سلب ما كان متبقي له من عقله ويحاول الحفاظ عليه:
طب ما أنا أثرت فيك يامعلم صح ولا أنت مش شايف روحك!
نبرتها ونظراتها ولمساتها الناعمة، الثلاثة كانوا أكثر من اللازم عليه، حيث سكن تمامًا وغاص داخل سحر عينيها، أما هي فرأته هادئًا وقد تحول الغضب لهيام وشعرت به يذوب تمامًا بين يديها، فاستغلت فرصة غيابه عن الوعي وابعدت كفيها عن وجنتيه ثم لفتهم حول رقبته ومالت عليه تعانقه وهي تدفن رقبتها بين ثنايا رقبته تطلق أنفاسها الدافئة لتضرب بشرته الخشنة فتزيد من ذوبانه وانهياره التام أمام جمالها الصارخ ورغبته وأعجابه بها، ثم همست في أذنه بصوت منخفض ورقيق:
مش كفاية عاد ولا إيه يامعلم، ميبقاش قلبك قاسي قوي إكده
اغمض عينيها بقوة يتمالك سيل مشاعره الجارف، لكنه فشل وانهزم أمامه للحظة حيث رفع ذراعه يلفه حول خصرها ويضمها إليه أكثر بإحكام حتى يتأكد من عدم ابتعادها مجددًا، ويهمس لها بلوعة وصوت ذائب:
أنتي بتعملي إيه!!!
ابتسمت بحب وابعدت رأسها عن رقبته لتنظر لوجهه وهي تجيبه بملاطفة جميلة:
بصالحك!
خرج صوته المنصهر ونظراته الهائمة:
قصدك بتسحريلي!
قهقهت بدلال ثم زمت شفتيها للأمام وردت بثقة:
وإيه المشكلة.. طالما النتيچة هتكون واحدة فمفيهاش حاچة لما اسحرك بچمالي
نظراته الرجولية الثاقبة كانت الأكثر خطورة من محاولاتها في نيل رضاه، وكانت تخشى من نفسها أن تسقط بين ذراعيه مستسلمة وهي تستمر في أغراقه بعبارات العشق والهيام، كلاهما يلعبان على نقاط الضعف وهاهو بدأ يشن هجومه المفضل حيث رفع يده وبأناملها بداية من شعرها يمر بلمساته الخطرة على طول وجهها حتى وصل لذقنها فأغلقت عيناها وللحظة ظنت أن الثانية في طريقها، لكنه انحنى وطبع قبلة دافئة على وجنتها وهمس في أذنها بحنو ونبرة لا تبدو غاضبة:
مش هنكر واقول أنك مش بتسحريني ياغزال.. أنتي بتسرقي عقلي مني كيف ما عملتي دلوك وبتخليني مش على بعضي كيف المراهقين، بس اللي أنتي عملتيه مكنش غلط عادي واللي قولتيه ضايقني أكتر، اعتبري غضبي دلوك معدش موچود بس لساتني مضايق منك
ظهر العبوس واليأس على ملامحها وهي تسأله في ضيق:
شوفت أنك طلعت قاسي اكتر مني ومش قادر تسامحني رغم أني ندمت وعرفت غلطي وبحاول اعتذر منك بكل الطرق
ابتسم في دفء لكن سرعان ما لمعت عيناه بوميض جريء وراح يضغط بذراعه على خصرها أكثر ويهمس في أذنها مجددًا ضاحكًا:
صدقيني أنتي لو فضلتي قصادي بالبتاع اللي لابساه ده ثانية كمان هتقولي ياريتني ما صالحتك
اتسعت عيناها بصدمة وابتعدت عنه بسرعة في خجل وهي تبتسم وتقول بخفوت واستسلام:
لا وعلى إيه يعني احنا هنهرب من بعض وين مسيرك هتنسى ومش هيبقى في ضيق ولا زعل بينا أن شاء الله
اتسعت بسمة ثغره أكثر وانحنى عليها يلثم جبهتها متمتمًا في خبث:
بظبط هنهرب من بعض وين يعني!
انهى عبارته وسار مبتعدًا تجاه الحمام وهو يهتف بجدية:
بكرا معزوم على فرح واحد صاحبي لو حابة تروحي معايا ابقي چهزي نفسك
ضيقت عيناها باستغراب لكن سرعان ارتفعت بسمة النصر والفرحة لوجهها فور اختفائه داخل الحمام، وتحركت باتجاه المرآة تتأمل مظهرها الأنثوي في ثقة وتقول ضاحكة بمرح:
طلعتي مش ساهلة صح يابت يا آسيا!
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي.....
فتحت عفاف عيناها من النوم على صوت رنين الهاتف الصاخب، التفتت حولها تبحث بنظرها عن مكان الهاتف فالتقطه نظرها على المنضدة المجاورة لفراشهم وقد كان هاتف ابراهيم فمدت يدها وجذبته تنوي إغلاقه لكنها رأت اسم المتصل بحرفين فقط، رفعت أناملها تفرك عيناها تزيح الخمول المسيطر عليها وهي تغضن حاجبيها في حيرة، عندما التفتت بجوارها في الفراش لم تجد ابراهيم، بدلًا من أن تغلق الهاتف أجابت على المتصل إرضاء لفضولها وهي تهتف:
الو
التزمت داليا الصمت ولم تكن تعرف هل هي زوجته الأولى أم الثانية، كانت تستمع لها وهب تستمر في تكرار كلمة " الو " وتطلب من المتصل التحدث لكن الصمت كان الرد الوحيد، لكن فجأة سمعت عفاف الرد من داليا وهي ترد عليها بقوة:
ابراهيم فين؟
اتسعت عيني عفاف واشتعلت بنيران الغضب عندما اتضح لها أنها امرأة وتسأل عن زوجها بكل ثقة، فصاحت به في سخط:
مين أنتي وبتسألي على چوزي ليه؟
كان الغضب قد تملك داليا أيضًا ولذلك تعمدت الرد على زوجته عنادًا به فهي لن تستمر في المعاناة وحدها هي وابنتها وهو يستمر في الكذب واخفائهم عن عائلته.
ردت على عفاف بلهجة حادة:
شكله مش فاضي لما يفضى خليه يرجع يكلمني ضروري وابقي أسأليه أنا مين وهو هيرد عليكي
كانت ستصرخ عفاف منفعلة بها لكن صوت ابراهيم من خلفها وهو يسألها بحزم:
بتكلمي مين ياعفاف
انزلت الهاتف من على أذنها والتفتت له تصرخ بعصبية وعينان ملتهبة:
أنت اللي المفروض تقولي.. مين البحراوية دي اللي متصلة بيك في نصاص الليالي وبتسأل عليك
احتقن وجه ابراهيم غيظًا عندما فهم أن زوجته على الهاتف ويبدو أنها تعمدت إثارة الجدل والشك بمكالمتها لعفاف، فاندفع نحو عفاف وجذب الهاتف من يدها بعنف ثم أغلق الاتصال ونظر لها بغضب يهتف:
وطي حسك ياولية چرا نسيتي روحك ولا إيه!
هبت عفاف واقفة وهي تصيح به منفعلة:
آه نسيتها يا ابراهيم وهاخد روحك بيدي لو طلعت بتخوني صح
صرخ بها بصوتها الرجولي الغليظ منفعلًا:
أخونك إيه أنتي اتخبلتي في نافوخك ولا إيه.. اوزني كلامك الأول قبل ما تقوليه
عقدت ذراعيها أسفل صدرها وهتفت بنبرة مرتفعة وهي تغلي من فرط الغيظ:
لما مش بتخوني تبقى مين دي و ليه بتسأل عنك وبتتصل في الوقت ده!!
هدأت حدة ملامح ابراهيم وظهر الهدوء المريب عليه وهو يفكر في رد مناسب دون أن يخبرها بالحقيقة ثم قال بعد برهة من الوقت في ثبات انفعال تام وغريب:
دي بت عمي اللي في القاهرة وحكيتلك عنها إني بساعدها في علاج ولدها العيان
ضحكت عفاف بسخرية وقالت في عدم اقتناع وعصبية أشد:
هو أنت شايفني غبية يا ابراهيم ولا إيه عشان تضحك عليا بالكلمتين دول
وجدته يحدثها بسكون تام وهدوء أعصاب جعلها تستغربه فقد بدا لها وكأنه واثق من نفسه تمامًا وأنه على حق ولا يفعل شيء خطأ.
لم تصدقه لكنها تابعت بعصبية شديد ونبرة صوت منفخضة قليلًا عن السابق:
وهي بت عمك دي تتصل في الليالي إكده عليك وتقولي اسأليه أنا مين
ابتعد ابراهيم عن نظر عفاف وسار لخطواته تجاه الحمام وهو يقول ببرود مريبة ومستفز:
تلاقيها خافت من صوتك وزعيقك فيها
عفاف بانفعال هادر ونظرات تضمر السر في ثناياه:
ابراهيم أنا مش مصدقاك ولا مصدقة الحكاية الفارغة اللي بتقولها دي
توقف عند باب الحمام والتفت لها يرمقها في غضب ويقول بلهجة صارمة كلها ثقة:
عنك ما صدقتي أنا قولتلك الحقيقة ومين دي..
عاوزة تصدقي صدقي مش عاوزة عنك ما صدقتي. أنا مش هخاف من الحريم عشان أكذب، لو بخونك هقولك طوالي واخبطي راسك في اتخن حيطة.
أنهى عبارته القاسية وهو يفتح الباب ويدخل الحمام ثم يغلق الباب خلفه، ويترك عفاف تحدق في أثره بصدمة واستياء شديد وسط همسها المتوعد له:
"ماشي يا ابراهيم، أنا هعرف إذا كنت بتخوني صح ولا لا، ولو طلع شكي في محله يبقى اترحم على نفسك."
بينما على الجانب الآخر، كانت داليا تجلس على فراشها وتحدق في شاشة هاتفها بغضب حقيقي، ويزداد سخطها كلما تتذكر أنه أنهى الاتصال دون اكتراث بها، وربما الآن يكون يهدأ زوجته ويغمرها بحبه وحنانه ويختلق المزيد من الأكاذيب عليها حتى لا يكشف حقيقة زواجه عليها. فاحترق صدرها من الغيرة والحقد وتوعدت له هذه المرة بأنها تلتزم الصمت أكثر من ذلك.
بمدينة العين السخنة...
منذ أكثر من ساعتين حتى الآن منذ خروجه من المنزل ولم يعد. كان غاضب ومنزعج عندما غادر بعد حديثهم الأخير. تحاول الاتصال به لكن دون رد، فانقبض قلبها رعبًا وقلقًا عليه من أن يكون قد صابه مكروه بالخارج أو مرض مجددًا بسبب غضبه الشديد. ظلت تلوم نفسها وتحملها ذنب ما حدث وما يحدث الآن، فإن صابه شيء مرة أخرى ستكون هي السبب هذه المرة.
كانت تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا وبيدها الهاتف تتفقد الساعة كل لحظة وتحاول الاتصال به لكن النتيجة تكون كما هي بعدم الرد. امتلأت عيناها بالدموع خوفًا وانهمرت عبراتها غزيرة فوق وجنتيها دون أن تتوقف عن تعنيف نفسها. لكن فجأة انتفض جسدها وانتبهت جميع حواسها على أثر صوت الباب. فاندفعت للخارج شبه ركضًا لكي تراه ووجدته دخل المنزل وبدأ في نزع حذائه عنه. عندما رفع نظره ورآها تقف على مسافة بعيدة نسبيًا منه وتتمعنه بعتاب ووجه غارق بالدموع. غضن حاجبيه وجبهته متعجبًا واتجه نحوها بسرعة يسألها في فزع:
"مالك يافريال؟ في حاجة حصلت وأنا مش قاعد ولا إيه؟"
أجابته بسؤال ليس له علاقة بسؤاله:
"أنت كنت فين؟"
ضيق عينيه بحيرة ثم رد بهدوء:
"كنت مخنوق ونزلت اتمشى شوية."
انهمرت دموعها فوق وجنتيها مجددًا وهي تسأله بغضب بسيط:
"ومش بترد على تلفونك ليه؟!"
فهم أن بكائها سببه قلقها وخوفها عليه فقط ولا يوجد سبب آخر. فابتسم بحب وفرحة داخلية ثم فرد ذراعيه ولفهما حولها لكي يضمها لصدرها ويتمتم في خفوت جميل:
"كان صامت ومسمعتهوش.. أنا كويس متبكيش.. أنتي قلقتي عليا للدرجة دي."
استنشقت رائحته الرجولية بهيام شديد وأردفت في صوت يغلبه البكاء:
"أنت طلعت من غير ما تقولي وكمان لما سبتك كنت متعصب فخوفت تكون تعبت وأنت برا ولما فضلت ارن عليك ومرديتش خوفت اكتر."
زادت ابتسامته اتساعًا وانحنى على رأسها يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية هامسًا:
"أنا مفيش حاجة تعباني غيرك يافريالي، لو رضيتي عني أنا هرجع كيف الحصان تاني والله."
ابتعدت من بين ذراعيه وطالعته بنظرة دافئة لا تحمل الكره والنفور الذي اعتاد أن يراه داخل عينيها. مما جعل قلبه يتراقص فرحًا وأملًا فقط من مجرد نظرة، رغم أن لم تتحدث ولم تجيبه، لكن اللمعة التي ظهرت في عينيه كانت تتحدث شعوره في تلك اللحظة. وقال لها مبتسمًا في لهجة مازحة حتى يخرجها من أجواء القلق والحزن:
"عملتي الرز بلبن؟"
ضحكت رغمًا عنها وهزت رأسها له بالإيجاب ثم تمتمت تشاركه المزاح:
"امممم تحب أجيب لك تاكل منه.. طعمه حلو قوي."
ابتسم باتساع ثم همس لها بخبث:
"ناكل وماله، بس تعالي الأولى هوريكي حاجة هتعجبك قوي."
ضيقت عيناها باستغراب لكنها سارت معه في بطء باتجاه غرفتهم حتى دخلت ولحق هو بها ثم أغلق الباب وتقدم منها بحب ثم أخرج لها من جيبه صدفة بحر صغيرة. تمعنت النظر بها مندهشة وسرعان ما جذبتها من يده وهي تضحك بسعادة وعينان لامعة. ودون تفكير رفعتها بأذنها تستمع لأصوات البحر الهادئة التي تصدر منها وهي تبتسم له بحب.
يعرف عشقها الشديد لصدف البحر ولذلك حرص على إهدائها واحدة. وبينما كانت هي منشغلة بالاستماع للصدفة التف حولها ووقف خلفها مباشرة ثم أخرج من جيبه الثاني عقدًا من الذهب الأبيض مرصع بفصوص بيضاء لامعة. ورفع يديه ثم لف العقد حول رقبتها بكل رقة وأغلقه من الخلف ثم انحنى عليه ولثم كتفها ورقبتها بحب هاتفًا:
"شوفته بالصدفة وأنا بتمشى وعجبني قوي وكان لازم أشوفه عليكي وهو حوالين رقبتك."
تجمدت فريال بأرضها لوقت طويل نسبيًا تشعر بأنفاسه الدافئة خلفها وذلك العقد حول رقبتها. فرفعت أناملها تتحسسه بنعومة وبعينيها تتأمله مبتسمة بإعجاب. لكن اختفت ابتسامتها والتفتت برأسها له تسأله في دهشة:
"ده دهب يا جلال؟"
هز رأسه تأكيدًا على سؤالها فاتسعت عيناها بصدمة والتفتت له بجسدها كاملًا تهتف في جدية:
"ده شكله غالي قوي!!"
غمز لها في مداعبة وعين تلمع بوميض العشق يقول:
"الغالي ما يلبس إلا الغالي يافريالي."
ضحكت له في صمت بخجل ورقة ثم ردت:
"شكرًا يا جلال."
لوى فمه بضيق و قال في لؤم مبتسمًا:
"حاف كده.. مفيش ياحبيبي أو حتى بوسة بريئة؟ ارفقي بحالي شوية يعني."
رفعت حاجبها ورمقته بتعجرف من طرف عينيها متمتمة بتمنع يشمل دلالها الأنثوي:
"متتعشمش قوي كده."
أنهت عبارتها وتركته لتتجه نحو المرآة تتفحص ذلك العقد الجميل وهو حول رقبتها يلمع بشكل مبهر. بينما هو فتأفف بقلة حيلة والتفت بجسدها له يقول وهو يقترب منها مجددًا:
"آه يعني عاوزة تقولي تخطينا مرحلة السماح والفرصة التانية ودخلنا في الدلع."
تطلعت لانعكاسه في المرآة وهي تبتسم بثقة وخبث ثم ترد عليه في غطرسة رغم أنها لا تليق بها لكنها تزيدها رقة وجمالًا:
"لا متخطناش، أنا بس هديك فرصة تانية عشان عيالنا. واللي أنا بعمله ده مش دلع ده اسمه زعل، يعني لسه ما سامحتكش وأنت مهمتك عارفها."
رمقها بغيظ وقال منزعجًا:
"يعني هتديني فرصة تانية عشان عيالنا بس؟!"
التفتت برأسها له وتفحصت ملامحه الغاضبة فابتسمت بحب وقالت في مكر وهي تتصنع البرود والتفكير:
"لا وعشان ااا.... يعني مش عارفة أكرهك للأسف."
ضيق عينيه باستنكار ثم رد في خبث:
"قصدك عشان لسه بتحبيني."
هزت رأسها بالنفي مبتسمة باتساع وتهتف عنادًا به:
"لا قولت مش عارفة أكرهك، مقولتش بحبك."
تنهد الصعداء بنفاذ صبر وهو يهتف مستسلمًا لها:
"آآآخ.. طيب يافريال مش هنختلف في ده دلوقتي، كفاية أننا هنرجع كيف ما كنا."
أومأت له مؤيدة لرأيه بينما هو فانحنى عليها ولثمها بقبلة طويلة من جانب فمها هامسًا:
"وأنا كمان بحبك قوي على فكرة."
لكمته في كتفه برفق هاتفة في غيظ مزيف وهي تحاول كبح ابتسامتها:
"جلال احترم نفسك."
رفع حاجبه باستهزاء من عبارتها السخيفة بينما هي فاندفعت بعيدًا عنه وغادرت متجهة للحمام تتركه يقول في ضحكة مغلوبة ومغتاظة:
"ده شكله هيبقى مرار طافح صح.. قال احترم نفسي!!!"
اتجه للخزانة يخرج ملابسه ليبدأ في تبديل ملابسه وبسمته السعيدة لا تفارق ثغره بأنه أخيرًا بدأ يرى النور يسطع في سماء عشقهم من جديد...
بصباح اليوم التالي داخل منزل عمران...
اتجهت آسيا نحو الباب عندما سمعت صوت الرنين. وقفت أمامها ومدت يدها تمسك بالمقبض وتديره ثم تجذب الباب عليها تفتحه بهدوء، لكنها فغرت عيناها بصدمة عندما رأت داليا أمامها وهي تقف بشموخ وقوة وتقول:
"ازيك يا آسيا؟"
ظلت آسيا متسمرة مكانها تحدق في داليا بعدم استيعاب وترمش بعينيها مندهشة قبل أن تهتف بجدية:
"أنتي عرفتي عنوان البيت كيف؟!"
تنهدت داليا الصعداء وقالت بصوت صلب:
"هقولك، المهم عمران موجود؟"
هزت آسيا رأسها بالنفي وهي تراقب تعبيرات وجه داليا في شدة وعدم فهم حتى سمعتها تكمل بهدوء وبهجة مهذبة:
"طيب ممكن نتكلم شوية."
طال تحديق آسيا المريب في داليا وهي تفكر مليًا قبل أن تفسح لها الطريق للدخول وهي تشير لها للداخل. فابتسمت لها داليا بامتنان وشكر ودخلت ثم تحركت باتجاه الصالة وهي تقول في رقة أنثوية:
"ابراهيم كان قايلي أنه ليه شقة هنا وكان أحيانًا بيجي يقعد فيها وكان قالي على عنوانها وكمان قالي أن من فترة طويلة عمران هو اللي بقى دائمًا بيجي هنا فتوقعت أن أكيد أنتي وهو قاعدين فيها دلوقتي فجيت."
كانت تسير آسيا خلفها وهي تستمع لسردها عن كيف عرفت عنوان منزلهم. حتى رأته تجلس فوق الأريكة وهي تبتسم له بعذوبة. فاقتربت آسيا وجلست على المقعد المقابل لها وهي تحدقها بتدقيق قبل أن تسألها بحزم:
"و جيتي ليه عاد؟!"
أخذت داليا نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ في التحدث بنظرة قوية:
"أنا مش هسألك أنتي ليه مكنتيش عايزاني أقول لعمران لأن أكيد ليكي أسبابك الخاصة وأنا معرفهاش، بس أنا عارفة ومتأكدة أوي أنك مش بتحبي حماكي ولا مراته ومتسألنيش إزاي عرفت لأن لو أنتي مش سهلة زي ما وضحتلي في المستشفى فأنا كمان مش زي ما أبين من برا إني كيوت وهبلة."
مال ثغر آسيا في ابتسامة عريضة ونظرة ثاقبة ليست عادية أبدًا قبل أن تهمس لداليا في صوت مريب كنظراتها:
"طب ما أنا عارفة أنك مش هبلة.. مفيش واحدة ست هبلة هتقدر توقع راجل متجوز مرتين وتخليه يتعلق بيها ويتجوزها وتخلف منه كمان، دي لازم تكون واحدة قادرة.. بس أنتي بردك مجاوبتيش على سؤالي أنتي جيالي ليه؟"
ابتسمت لها داليا بعد عباراتها ثم لمعت عيناها بخبث وغضب وهي تقول في ثبات:
"عايزاكي تساعديني ونحط ايدينا في ايد بعض.. أنا آخد حقي وحق بنتي وأنتي ترتاحي وتطفي نارك."
انطلقت ضحكة آسيا العالية بعدما سمعت عرضها وقالت لها بسخرية:
"أنا أساعدك وأحط إيدي في إيدك!"
ابتسمت داليا بثقة لكن بلحظة اختفت ابتسامتها وردت عليها في ثقة ونظرة مخيفة بعض الشيء:
"ابراهيم حكالي عنك لما اتجوزتي عمران يعني أنا أعرف عنك حاجات كتير عنك.. وعارفة كمان سبب كرهك لابراهيم وأنا عرفت ده من قريب سمعته بيتكلم مع إخلاص بيهددها متقولش لحد أنه هو اللي قتل بابكي."
اتسعت عيني آسيا بصدمة وأظلمت ليلتهب وجهها كله غضبًا وهي تقول لها:
"هي إخلاص كمان عارفة."
داليا مبتسمة بخزي:
"عفاف عارفة برضو مش كدا."
هزت رأسها بالإيجاب فتنهدت داليا وقالت في عبوس ومرارة:
"أنا قابلت ابراهيم من سبع سنين كان في بينه وبين بابا شغل وهو كان بيشوفني هناك في مكان شغل بابا لاني كنت بروحله أنا كنت متجوزة واطلقت.. بدأت ألاحظ أن نظراته معجبة بيا وبعدين عرفت أنه اتقدم لي وطلب إيدي من بابا."
رغم أنه موضوع جوازه كان مضايقني، بس منكرش إن حتى انجذبت ليه ووافقت. وبعدين حبيته بجد ومخليني عايشة في شقة بعيدة عنكم خالص لوحدي أنا وبنتي. وبيجي لي ممكن مرة في الأسبوع أو مرتين، ويقعد كام ساعة ويمشي. بيصبرني فيا ليه سنين إنه هيقولهم، عشان حتى أقدر أشوفه طبيعي وييجي ياخد يوم أو يومين معانا. لأننا كمان لينا حق فيه، أنا مراته ودي بنته، مش يجيلنا في السر كأننا بنعمل حاجة حرام. لكن مقالش حاجة لحد فيهم. وأنا الصراحة تعبت ومبقتش قادرة أستحمل الوضع ده أكتر من كده. وحسيت نفسي مبقتش طايقاه ولا عايزاه بعد ما عرفت إنه ليه إيد في قتل باباكِ. وفهمت وأدركت إنه مش ملاك ولا حاجة زي ما كنت شايفاه ومتخيلّاه. ودلوقتي مبقاش يفرق معايا، أنا بس عايزة آخد حق بنتي وأضمن حقها. وهي ليها الحق تعرف إخواتها وتقرب منهم وتعيش وسطهم.
كانت آسيا تستمع لسردها عن علاقتها بإبراهيم وكيف بدأت. ولم يكن يزعجها ويثير جنونها بقدر معرفتها أن والدة زوجها تعرف كل شيء وتسكت مثل عفاف. فغلى الدم في عروقها أكثر. هي كانت تشعر بالشفقة تجاهها، ولذلك رأفت بحالها ولم ترغب في كشف حقيقة زوجها لها أنه تزوج عليها المرة الثانية. لكنها كانت مخطئة.
رفعت آسيا نظراتها المرعبة في وجه داليا وسألتها بحدة:
"وأنتي عاوزة تاخدي حقك كيف؟"
استقرت نظرة داليا الشيطانية على وجه آسيا وقالت لها بحرقة:
"لما ترجعي البلد وأنا كمان أرجع، تقولي لي عنوان البيت فين. لأنه مش عايز يقول لي أو خايف بمعنى أصح. وتساعديني أدخل هناك كمان. وياسلام لو في اليوم ده تجمعي العيلة كلها. وبعد كده أنا عارفة هعمل إيه كويس. يعني دورك هيكون خلص هنا."
طالت نظرة آسيا الجامدة لها وهي صامتة دون رد، لكن كان صمتها دليلًا على موافقتها، فابتسمت داليا بثقة.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي...
وصل بشار للطابق الثالث ووقف أمام باب غرفة الجلوس الصغيرة الخاصة بعمران، ثم دخل. وكان بلال هو الجالس بالداخل يشرب كأس الشاي الصباحي الخاص به. فابتسم له بشار ودخل وهو يقول ضاحكًا بمزح:
"إيه يا عريس شايل الهم من دلوقتي ولا إيه؟"
التفت له بلال وابتسم بخفة وهو يرد عليه متنهدًا:
"مكنتش حابب أروح أتقدم من غير عمران يا بشار والله."
اقترب وجلس بجواره على الأريكة يهتف في مرح:
"إذا كان عمران بنفسه قالك روح ومتستننيش، وعقبال ما ييجي معاد الخطوبة هيكون جه هو وآسيا. أنت هتقعد تستناه عاد."
ضحك بلال وقال بتلهف:
"بيني وبينك يا ولد عمي، أنا مش قادر أصبر أكتر من كده. وأستناه تاني. هو مبسوط ومرتاح مع مرته هناك ومقضيها، وأنا إهنه بتعذب."
قهقه بشار بقوة ثم لكمه في كتفه بخفة غامزًا في نبرة رجولية:
"ده أنت شكلك واقع قوي، انشف ياد إكده متبقاش مدلوق. أحسن تركب وتدلدل دي بحراوية والبحروايين مش ساهلين."
ضحك بلال رغمًا عنه، لكن سرعان ما رسم الحدة والنظرة الثاقبة وهو يقول بثقة وصوت رجولي غليظ:
"واحنا رجالة صعايدة. وهي عارفاني زين، يعني متقلقش."
تبدلت ملامحه في لحظة وهو يقول ضاحكًا وبلهفة:
"نتجوز بس وأنا هستناها وأخليها تشوف الحب صح على أصوله."
هز بشار رأسه في عدم حيلة وهو يضحك ثم قال له وهو يربت على كتفه:
"طب اوعي الهوى ياخدك وينسيك بليل إننا رايحين نطلب يد ست الحسن عشان تحب فيها كيف ما أنت عاوز بعد الجواز يا حنين."
اتسعت بسمة بلال وهو يراقبه وهو يتجه للباب ينوي المغادرة ويقول له متوعدًا:
"اتريق براحتك. مسيرك يجيلك يوم يا ولد عمي."
***
بتمام الساعة السابعة مساءً.....
كانت تقف أمام المرآة تتمعن مظهرها في ذلك الثوب الطويل الذي من اللون الأزرق الهادئ وترتدي فوقه حجاب أبيض اللون. وكانت بالفعل قد انتهت من كل شيء وفقط تنتظره حتى يذهبوا لحفل الزفاف.
خرجت من غرفتها وهي تتجه للصالة لكي تخبره بأنها انتهت وتقول بعفوية:
"عمران أنا خلصت."
لكنها تصلبت بأرضها وكأن صاعقة برق أصابتها عندما رأته يقف أمامها مرتديًا بنطال أسود يعلوه قميصه من نفس اللون وفوقهم جاكت طويل باللون الأسود أيضًا وحول رقبته شال بني. ازدردت ريقها بعدم استيعاب وللحظة ظنت نفسها داخل حلم وليس حقيقة. كانت تتأمله وهي فاغرة شفتيها بإعجاب شديد فقد شعرت بذوبانها وهي تراه في ذلك المظهر المختلف. لطالما كانت تعتقد أنه سيكون وسيمًا في مثل تلك الملابس، لكن ليس لهذه الدرجة من الوسامة والرجولة الطاغية.
قهقه بخفة على منظرها المضحك وتقدم نحوها وهو يسألها بمكر:
"إيه مالك.. هو مش أنتي اللي كنتي حاطة الهدوم دي في الشنطة عشان تخليني ألبسها؟"
تحركت خطوة أخرى إليه حتى أصبحت شبه ملتصقة به ورفعت أناملها تعبث في جاكته بنظراته كلها إعجاب وصبابة وتقول متغزلة به:
"مكنتش متوقعة إنك هتطلع فيها كده."
غمز لها وهو يستدرجها في الكلام ضاحكًا:
"كده كيف يعني؟"
ابتسمت ورمقته متيمة وهي تقول:
"يعني مثير وكاريزما ورجولة كده. أنا متعودة عليك بالجلاليب، بس لو أعرف إنك بالحلاوة دي في البنطلونات كنت أقمت عليك الحد من زمان."
رفع حاجبه متعجبًا من جرأتها وتغزلها الصريح به فانحنى عليه وهمس مبتسمًا بمزاح جميل:
"بعد النظرات دي أنا أخاف على روحي منك أحسن تغتصبيني ولا حاجة."
تلونت وجنتيها بالاحمر وظهر الحجل عليه ثم ضربته في صدره برقة هاتفة وهي تبتسم بخجل:
"الله عيب بلاش قلة أدب يعني. ده جزاتي إني بديك طاقة إيجابية."
ضحك بصمت ويقترب منها أكثر وهو يبتسم بلؤم، فاوقفته بكفها وهي تضعه فوق صدره وتميل بوجهها للجهة الأخرى تخفي عيناها بكف يدها وتهتف بمرح ضاحكًا:
"متقربش مني أحسن بذوب ومش بستحمل."
ثم أبعدت كفها قليلًا ورمقته بطرف عيناها في لوعة ضاحكة وبسرعة عادت تغطي عيناها وهي تقول مازحة:
"استغفر الله العظيم. وبعدين عاد في الفتنة دي."
سمعته ينفجر ضاحكًا بصوته الرجولي ثم أجابها من بين ضحكه بحنو:
"طب يلا عشان منتأخرش. ولما نرجع نبقى نكمل كلامنا على رواق يا غزال."
اعتدلت في وقفتها وتحركت لتصبح بجوارها وتشبك ذراعها في ذراعه متشبثة به وتعمس بدلال يسلب العقل:
"يلا يا معلم."
سارت معه لخارج المنزل وهي تتكأ عليه حتى لا تضغط على قدميها كثيرًا، وكلما تسنح لها الفرصة كانت تختلس نظرات الإعجاب إليه.
***
داخل منزل جلال بالعين السخنة....
كانت فريال بطريقها للشرفة حيث يجلس هو وتحمل فوق يديها صينية فوقها كأس من الشاي المفضل لديه، لكنها وقفت خلفه عندما سمعته يتحدث في الهاتف ويقول:
"تمام خلي معاك المفتاح يا علي وحاسبه على باقي حساب الشقة. وأنا لما أرجع هبقى آخد منك المفتاح عشان أبدأ تشطيبات فيها."
ظلت واقفة خلفه حتى انتهى من حديثه في الهاتف وفور انتهائه اقتربت ووضعت الشاي أمامه وهي تسأله باستغراب:
"شقة إيه دي اللي هتشطبها؟"
طالعها جلال صامتًا للحظات يفكر ثم تنهد بعدم حيلة وابتسم لها متمتمًا:
"اقعدي ياحبيبتي."
جلست على المقعد المجاور له وولته كامل انتباهها حتى تسمع حديثه فوجدته يضحك بخفة ويقول في حب:
"أنا كنت ناوي أعملها لك مفاجأة بس ملهاش نصيب. الشقة دي شقتنا."
اتسعت عيني فريال بذهول وراحت تسأله في عدم استيعاب:
"شقتنا كيف يعني؟!"
رد عليها بحنو وهو يشرح لها بتوضيح أكثر:
"أنا اشتريت شقة لينا يافريال. أصلًا كنت ناوي على الخطوة دي من زمان بس كنت متردد. دلوقتي ده أنسب وقت وبقيت متأكد إنه ده أفضل قرار. كيف ما أنتي مش مرتاحة في بيت أبوي، أنا معدتش مرتاح ولا واخد راحتي مع عيالي ومرتي ومحتاج أكون في بيتي بعيد عن المشاكل وأريح دماغي وأنتي كمان تاخدي راحتك. عشان كده اشتريت الشقة دي والعفش والتشطيب كله هيكون على ذوقك أنتي. يعني هسيبك أنتي تختاري وتنقي كل حاجة فيها كيف ما أنتي عاوزة من البلاطة للبلاطة والبيت ده هيكون بدايتنا الجديدة صح."
لمعت عيني فريال وامتلأت بدموع الفرحة، ثم وجدها ترتمي عليه وتعانقه بقوة هاتفة وسط صوتها الباكي والسعيد:
"متتخيلش أنا فرحانة كيف يا جلال. ربنا ما يحرمنا منك واصل."
أحاطها بذراعيه في تملك وغرام وهو يلثم شعرها ورقبتها ويتمتم:
"ولا يحرمني منكم ياحبيبتي. أنتي استحملتي كتير قوي عشاني وده حقك عليا."
ظلت بين ذراعيه وهي متشبثة به ودموعها تنهمر في صمت على وجنتيها حتى سمعته يقول هامسًا بنبرة لعوب مبتسمًا:
"عشان تاخدي راحتك عاد في اللبس من هنا ورايح وأشوفك وأنتي بتتحركي قصادي بالقمصان والبيچامات. ومكلش غير من يدك أنتي وبس. وياسلام كمان لو في يوم كده نودي العيال ياخدوا يومين في بيت أبويا ونقضي أنا وأنتي يومين لوحدينا ونفتكر الليالي الخوالي."
ابتعدت عنه وهي تضحك برقة وتقول ساخرة:
"أنت رسمت سيناريوهات كمان في دماغك ومجهز كل حاجة."
جلال بتأكيد ودفء:
"طبعًا امال."
ضحكت مغلوبة واشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهي تتنفس الصعداء في راحة وفرحة حتى وجدته ينحنى عليه ويلثم وجنتها بقبلة دافئة ثم يهمس لها بصوت مغرم:
"اتوحشتك قوي يافريال."
ابتسمت بحب لكن سرعان ما رسمت الجدية وهي تلتف له وتقول بدلال:
"قولتلك لسه ما سامحتكش."
ثم استقامت واقفة وابتعدت عنه متجهة للمطبخ، بينما هو فقال مغتاظًا:
"مسامحتنيش إيه؟ ما أنتي كنتي في حضني دلوقتي وبتقوليلي ربنا ما يحرمني منك!! ولا هو انتي بتسامحيني في حاجات وحاجات لا على مزاجك."
رفع يده يمسح على وجهه متأففًا وهو يقول في يأس:
"ماشي يافريال. أما أشوف آخر دلعك ده هيفضل لغاية ميتا كده."
انحنى أمامه على المنضدة يلتقط كأس الشاي ويرتشف منه في غيظ، فقد احتار معها ولا يعرف ماذا يفعل مجددًا!
***
بالقاهرة داخل قاعة الزفاف كانت آسيا تسير بجوار عمران وهي تتشبث بذراعه وكأنها تريد القفز داخل عين كل فتاة هنا لتريهم أن من ستحاول النظر لزوجها فقط ستقتلع عينيها من مكانهم.
انحنى عليها عمران وهمس لها متعجبًا:
"ماسكة فيا كده ليه يا آسيا؟ هو أنا ههرب منك!"
ردت عليه بخفوت ونبرة جادة وسط ابتسامته:
_لا بس بسند عليك عشان مش قادرة أدوس جامد على رجلي.
تنهد ومسح فوق كفها الذي فوق ذراعه بحنو وهم يسيرون في طريقهم للقاعة. وفور دخولهم اتجهوا ليجلسوا على طاولة صغيرة. وظل عمران بجوارها لخمس دقائق تقريبًا، ثم تركها وابتعد عنها لكي ينضم للرجال ويهنئ العريس على زفافه.
وكانت هي تتابعه بنظراته الدافئة حتى جذب انتباهها جلوس امرأة مسنة في السن بجوارها ومعها ابنتها الشابة. عندما دققت النظر في الفتاة بعد دقائق، لاحظت أنها تنظر لزوجها ولا تبعد نظرها عنه. فاشتعل لهيب نيران آسيا. ولوهلة كانت ستقفز عليها وتخنقها، لكنها تمالكت نفسها بصعوبة.
حتى سمعت صوت السيدة وهي تسألها بنظرات إعجاب:
_أنتي تبع العريس ولا العروسة ياحبيبتي؟
رمقتها آسيا بطرف عينيها بخنق بسبب ابنتها الوقحة. وودت لو ترد عليها وتخبرها بأنها ليست من جهة العريس ولا العروس حتى، لكنها هتفت بابتسامة متكلفة في نبرة مهذبة احترامًا لسن السيدة الذي يقارب لعمر والدتها:
_العريس.
ردت عليها السيدة مبتسمة وهي تسألها:
_يبقالك إيه العريس؟
أشاحت آسيا بوجهها للجهة الأخرى تستغفر ربها، ثم تعود للسيدة وتقول بإيجاز:
_ابن خالتي.
اتسعت بسمة السيدة وراحت تتفحص آسيا بنظراتها الجريئة وهي تردد معجبة:
_ما شاء الله.. الله أكبر.
رمقتها آسيا بتعجب من نظراتها المريبة، لكنها لم تكترث كثيرًا حتى وجدتها تكمل وتقول وهي تعرف لها ابنتها ثم تشير لها على ابنها الواقف بين الرجال:
_دي بنتي مرام وده ابني سيف، شغال موظف في البنك. كان متبهدل طول عمره ياحبة عيني لحد ما ربنا كرمه بالوظيفة دي. وهو عشان طيب وابن حلال ربنا كرمه وعوضه. وعقبال ما يرزقه بالزوجة الصالحة كمان.
طالعتها آسيا بقلق وقد فهمت مبتغاها، فابتسمت لها بتصنع ثم همت بالنهوض. فقبضت السيدة على ذراعها تمعنها وهي تقول ضاحكة:
_رايحة فين أنتي اتكسفتي ولا إيه.. استنى أنا هنده عليه واخليكي تشوفيه من قريب.
همت السيدة برفع يدها والإشارة لابنها حتى ينضم إليهم. فصاحت آسيا بسرعة وانزلت يدها في خوف تقول:
_لا تندهي عليه إيه ده لو عمران شافه هتحصل مجزرة.
سألتها باستغراب:
_مين عمران ده.. أخوكي؟
ضحكت آسيا وقالت لها مبتسمة:
_لا جوزي.
رأت الصدمة تحتل ملامح وجه السيدة بعدما كشفت لها أنها ليست عزباء كما كانت تظن. فراحت آسيا تشير على عمران وهي تقول لها:
_أهو عمران جوزي شيفاه.
دققت السيدة في عمران وهي تلوى فمها بعدم إعجاب وضيق وكأنها تريد أن تقول لها أن ابنها أجمل منه. عادت بنظرها لآسيا وقالت بخنق:
_وأنتي مقولتيش ليه من الأول أنك متجوزة؟ كنتي هتخليني أنده ابني.
تعجبت آسيا من أسلوبها ونظراتها المتقرفة لزوجها. وللحظة كانت ستنفعل عليها، لكنها ردت بهدوء مزيف:
_وهو أنتي ادتيني فرصة أتكلم.. على العموم حصل خير.
قالت السيدة في وجه مليء بالحقد وهي تنظر لعمران:
_يلا ربنا يسعدكم ويخليكم لبعض.
طالعتها آسيا بقرف ثم استقامت واقفة واتجهت نحو عمران في خطوات بطيئة متمتمة:
_يارب متحصلش خناقة بينا بس الليلة بسبب عينك.
اقترب منها عندما وجدها تتجه نحوه وهو يسألها:
_قومتي من مكانك ليه؟
التفتت آسيا برأسها للخلف فوجدت نفس الفتاة مازالت تنظر. اعتاظت أكثر وراحت تتعلق بذراعه مجددًا تقول له في لهجة مغتاظة:
_خليك جاري متبعدش عني.
_ليه إيه اللي حصل؟
قررت أن تسرد له ما حدث لكي تجعله يصر هو بنفسه على عدم تركها حتى عودتهم للمنزل. حيث قالت وهي مازالت تنظر الفتاة شزرًا:
_أصل في عرسان بتجيلي.
تقوست ملامح ورد عليها بحدة:
_نعم!!!
أكملت مبتسمة في مزاح:
_واحدة قعدت جاري وعجبتها وكانت بتحاول تلبسني لولدها فكراني مش متجوزة.
التهبت نظراتها وظهر الغضب المخيف عليه وهو يسألها:
_كيف يعني وولدها ده فين؟
هتفت آسيا تحاول تهدئته:
_مش قاعد أصلًا متقلقش ده كان كلام حريم عادي. ولما قولتلها إني متجوزة قفلت الموضوع. يلا عاد تعالى اقعد جاري.
قال عمران بخنق وانزعاج:
_لا بزيادة هنرّجع البيت يلا.
فغرت عيناها بدهشة وراحت تتوسله برقة:
_عشان خاطري نقعد شوية أنا مطلعتش أصلًا من بدري.. أنا قولتلك عشان تفضل جاري مش عشان تقولي نروح البيت.
تأفف بنفاذ صبر في قلة حيلة وسار معها باتجاه طاولة فارغة وجلسوا حولها. وهي بين كل لحظة والأخرى تنظر لها وتبتسم. حتى وجدته يمد يده أسفل الطاولة ويمسك بكفها في تملك ثم ينحني على أذنها ويهتف:
_لما نروح البيت هخلي العرسان تجيلك زين بعد كده.
رمقته بارتياد وقلق وهي تهمس له مبتسمة:
_إيه هتدفني حية ولا إيه؟ على فكرة مش لايق عليك وأنت بالحلاوة والشياكة دي تهدد واحدة غلبانة وضعيفة زي. يعني خليك جنتل مان شوية.
طالت نظراته المغتاظة لها، فهمست له في نعومة تستخدم كلمة السر:
_الله يا معلم متبقاش عصبي عاد.. والله ما قادرة أضايق منك وأنت بالحلاوة دي وشيفاك لطيف مهما تتعصب.
ابتسم رغمًا عنه ثم رد عليها بحزم بسيط:
_وأنا بقول نروح البيت أحسن بزيادة على كده.
ردت عليه مازحة بخوف مزيف:
_لا مش عاوزة أروح أنت شكلك ناويلي على نية سودة وأنا خايفة.
استقام واقفًا ومد يده لها يقول بحدة متصنعة:
_قومي يلا هو أنا هاكلك.
أمسكت بيده وهبت واقفة وقالت وهي تسير معه للخارج:
_عادي ممكن تعملها ما أنا مضمنكش أنت بتتحول لمستذئب لما بتتعصب.
ضحك بقوة ثم أمسك بذراعها وعلقه بذراعها الأيسر معًا باتجاه السيارة دون حديث.
***
فور وصولهم للمنزل ودخولهم قادت هي خطواتها للداخل حيث غرفتها. لكنه أوقفها وجذبها من ذراعها لتلتفت له باستغراب وبسرعة هتفت في قلق:
_إيه أنت هتتحول ولا إيه.. على فكرة أنا كنت بهزر معاك مفيش عرسان ولا حاجة ده أنا بس حبيت أثير شعور الغيرة شوية فيك.
رأته يبتسم بعشق ونظرات غريبة ثم يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها إليه لتصبح أمامه مباشرة ثم وتغوص داخل عينيه الرجولية ونظراته التي تذيب قلبها.
وجدته ينحني عليها ويسلم جبهتها ثم وجنتيها ليبتعد قليلًا ويهمس بنبرة تحمل بحة رجولية مميزة تسلب العقل:
_بحبك يا غزالي.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ندى محمود توفيق
حالة من الذهول والصمت المريب استحوذت عليها بالكامل وهي تستمر في التحديق به وترمش بعينيها المتسعة. كانت تنتظر ذلك الاعتراف على أحر الجمر لكنها لم تكن تتوقع أن حالها سيكون هكذا عندما تسمعه مباشرة يتفوه به وبصوت يملأه المشاعر الجياشة والعاشقة مع نظراته الساحرة. وجدت نفسها بالنهاية عاجزة عن الرد ومتسمرة أمامه لا تملك القدرة على الحركة ولا حتى الكلام. فقط ترمقه مندهشة وبعينان مبتسمة.
فرأته يبتسم باتساع على منظرها ويقول بهمس رجولي يذيب القلب:
"ساكتة إكده ليه.. مش هتقولي حاچة؟"
تهربت بعينيها من خاصته خجلاً وهو تبتسم وتتمتم في خفوت جميل:
"اقول إيه؟"
رفع حاجبه باستنكار ثم قال في نبرة جادة:
"هو أنا اللي هقولك تردي تقولي إيه!"
ضحكت بصمت ثم مالت بوجهها للجانب في استحياء أنثوي بينما هو فانحنى عليها وطبع قبلة دافئة فوق وجنتها وراح يهمس في أذنها بنبرة جعلت القشعريرة تسري في جسدها كله:
"أنا قولتلك بحبك واللي أعرفه أن المفروض تردي وتقوليلي أنا كمان بحبك وياسلام لو اسمع يامعلم معاها."
أغلقت عيناها وهي تبتسم بحياء وبنفس الوقت تحاول التحكم بنبضات قلبها. لكن عقلها أعطى الأوامر بإفراز هرمون الإدرينالين ولا إراديًا كانت أنفاسها تتسارع وجسدها كله تجتاحه البرودة وكأن دلو من المياه المثلج سكب فوق رأسها. أما معدتها فقد شعرت كما لو أن هناك فراشات داخل بطنها وتتطاير محلقة دون توقف.
ابتعد عنها يراقب تعبيرات وجهها وتأثير عباراته وقبلته عليها وكما توقع تمامًا كانت في حالة يرثى لها. كانت ملامحها تتحدث بدلاً عن لسانها ولكنه لا يكتفي بهذا القدر بل يريد سماعها بأذنيه أيضًا وليس الاحساس بها فقط. بلحظة شعر كأنه يقف أمام امرأة مختلفة لا يعرفها عن زوجته التي تزوج بها مجبرًا ومنسحقًا أسفل الظروف القاسية. تلك المرأة الناعمة والرقيقة ليست نفس المرأة التي حاولت قتله لمرتين. ماذا حدث لها وأين ذهبت لا يعرف. من أعماق الألم والجحيم ظهر النعيم. وبنهاية الحرب ارتفعت راية العشق تعلن عن انتصارها.
كان يتمعنها بعشق منتظرًا الرد لكن صمتها وخجلها كان هو سيد الموقف. فتنهد الصعداء بنفاذ صبر وقال:
"انا سامعك يلا.. كنتي عاوزة تقولي إيه؟"
رمقته مطولاً وهي تبتسم باتساع دون رد لكنها تجرأت واقتربت منه أكثر ثم رفعت جسدها تقف على أطراف أصابعها لكي تصل لمستوى طوله وطبعت قبلة ناعمة فوق وجنته ولحيته الكثيفة. ثم انزلت قدمها وتطلعت في وجهه لتراه يبتسم بعاطفة مغلقًا عيناه ثم فتحها ببطء بعدما ابتعدت عنه ودون أن تمهله اللحظة للرد كانت تستدير وتهم الفرار منه. لكنه قبض على ذراعها واوقفها هاتفًا بنظرة قوية:
"خدي إهنه رايحة وين؟!"
ردت عليه مبتسمة بخفوت:
"رايحة الأوضة هغير هدومي."
رفع حاجبه بنظرة استهزاء ثم أجابها ضاحكًا بخبث:
"أنتي بتثبتيني يعني ولا إيه باللي عملتيه ده؟!"
اتسعت عيناها بدهشة وبسرعة هزت رأسها له بالنفي وهي تضحك في صمت لكن في ظرف لحظة وجدت نفسها فوق كتفه وهو يحملها متجهًا بها نحو الغرفة ويقول بغيظ:
"أنا صبرت عليكي كتير قوي وده مش عادتي."
صرخت ضاحكة بخوف وخجل:
"نزلني ياعمران بتعمل إيه.. طيب خليك رومانسي شوية!"
لوى فمه ساخرًا وهو يجيب عليها بغيظ أشد:
"ما أنا كنت رومانسي وچنتل مان كيف ما بتقولي بس شكلك مش بتنفع معاكي الرومانسية."
كانت تحاول التملص من بين قبضته والنزول لكن ذلك كان مستحيلاً فاستمرت بالضحك مغلوبة حتى سمعته يكمل متوعدًا لها:
"طالما مش عاوزة تتكلمي برضاكي يبقى هتتكلمي على طريقتي."
ضربت على ظهره برفق وهي معلقة فوق كتفه تتوسله ضاحكة:
"طب خلاص نزلني وهتكلم والله."
رد عليها مبتسمًا بنظرات لعوب:
"بعد إيه عاد اتأخرتي خلاص ياغزال."
كان عند باب الغرفة عندما تفوه بتلك العبارة فردت هي عليه مبتسمة بدلال:
"نزلني عشان خاطري يامعلم."
أجابها ضاحكًا وهو يدخل للغرفة ويغلق الباب بطرف قدمه:
"توقيت غلط خالص يعني مش وقتها أبدًا دلوك."
***
كانت تجلس على المقعد المجاور له وهي تبتسم في حياء دون أن تنظر له. فقد كانت تتعمد النظر في كل شيء حولها باستثناء وجهه. مازالت لا تصدق أنه للتو تقدم لزواجها وتم الاتفاق على كل شيء حتى أنهم قرأوا الفاتحة مقدمًا والخطبة ستكون بعد أسبوعين من الآن. كأنها داخل حلم جميل وغريب لم تكن تتخيله حتى!
انتبهت على صوته وهو يقول ضاحكًا بمرح:
"هتفضلي ساكتة إكده كتير ولا إيه ياحور لاحظي أننا اخدنا اذن بربع ساعة نتكلم فيها شوية مع بعض يعني ممكن تلاقيهم دلوك دخلوا وأبوكي بيقولي كفاية عليك قوي إكده."
ضحكت بصمت ثم رفعت نظرها له وتمتمت في خجل:
"مش عارفة اقول إيه.. اتكلم أنت!"
رفع حاجبه بابتسامة ماكرة ثم رد عليها غامزًا متعمدًا إضافة البهارات على جلستهم الهادئة:
"مش عارفة كيف يعني.. اللي يشوفك دلوك ميشوفكيش وأنتي من كام يوم بتهدديني عشان متكلمش مع أي بنت. ولا أنتي بتقوليلي أنت ملكش حق تسألني على أي حاچة."
بالفعل كما توقع رأى ملامح وجهها تتبدل وتتحول للحزم وهي ترمقه وهتف مغتاظة:
"أيوة يابلال بهددك.. أنت أصلًا كنت بتعمل إيه معاها وبتتكلموا في إيه؟"
قهقه بخفة ثم رد عليها مبتسمًا في نظرة مغرمة:
"إيوة إكده كان لازم يعني اعصبك عشان تتكلمي.. عمومًا كنت بنتكلم في أمور عادية يعني مثلًا هي كانت بتحكيلي أنها معجبة بيا."
اتسعت عيني حور بصدمة واشتعلت نظراتها له فهتفت بسرعة مستاءة:
"بــلال."
ازداد ضحكه أكثر فرد عليها بلطف وحنو من بين ضحكه:
"خلاص أنا كنت بناكف فيكي بس مش اكتر."
عقدت ذراعيها أسفل صدرها واشاحت بوجهها عنه للجهة الأخرى وهي تلوي فمها بخنق وتضرب بباطن قدمها الأرض بشكل متتالي من فرط الغيظ. فابتسم لها في حب وهمس معتذرًا:
"طيب حقك عليا متزعليش مكنش قصدي اضايقك صح والله."
رمقته بطرف نظرها في امتعاض بينما هو فقابل نظراتها القاسية بأخرى عاشقة وهمس لها بإعجاب حقيقي:
"شكلك حلو قوي النهاردة على فكرة."
فغرت عيناها بدهشة وسرعان ما ارتفعت الحمرة لوجنتيها ثم وجدت ثغرها يميل للجانب لا إراديًا مبتسمة وهي ترد عليه بتعجرف مزيف:
"شكرًا."
طالعها وهو غاضن حاجبيه مبتسمًا ثم اعتدل في جلسته ونظر لها بجدية تامة وقال في نظرة ثاقبة:
"عارفة أنا بفكر في إيه دلوك؟"
ضيقت عيناها بتعجب بعدما رأت تحول ملامحه فجأة وسألته بفضول:
"إيه؟"
تابع بنفس التعبيرات السابقة لكنه زين ثغره ببسمته الجذابة:
"بفكر اعرض على الحج نخلي خطوبة شهر ولا اتنين وبعدين كتب كتاب علطول لغاية الفرح.. أنا مبحبش الخطوبة والكلام ده."
رمقته مطولًا بذهول وهي فاغرة عينيها وشفتيها ثم هتفت في عدم استيعاب:
"أنت بتتكلم جد؟"
بلال بكل بساطة وهب يبتسم بثقة:
"طبعًا جد هو ده شكل واحد بيهزر!"
ضحكت مغلوبة في عدم تصديق لتجيبه بجدية:
"هو الموضوع بالسهولة دي في قايمة وفي جهاز وحجات وتجهيزات كتير تاني."
طالعها برجولية طاغية وهتف في لهجة قوية:
"ملكيش صالح أنتي عاد بالحچات دي أنا هظبطها متقلقيش."
ضحكت بصوت منخفض وهي ترد مندهشة:
"لا أنا لازم أقلق يابلال أنت مش طبيعي."
ابتسم على ضحكها بنظرة مغرمة ليجيب في حنو:
"فرحان ومش قادر اصبر لليوم اللي تكوني فيه مرتي ابقى إكده مش طبيعي!"
طال تحديقها المندهش له بعد كلماته المفعمة بالحماس والعشق. ودون أن تشعر كان وجهها يتلون للأحمر مجددًا ولسانها ينعقد عن الرد خجلًا وتوترًا. فمالت بوجهها بسرعة للجهة الأخرى تفر من نظراته حتى لا يسوء وضعها أكثر.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل عمران بالقاهرة.....
فتحت عيناها ببطء منزعجة على أثر أشعة الشمس الذهبية المتسللة من النافذة. رفعت أناملها تفرك عينيها بخمول وهي تبتسم لا إراديًا لكن اختفت الابتسامة في لمح البصر والتفتت بوجهها له ورأته نائم وهي بين ذراعيه. اتسعت عيناها مندهشة وهي تتذكر ليلة الأمس ثم تدفقت الدماء لوجنتيها وعادت بسمتها الخجلة في الارتفاع مجددًا على ثغرها.
ابتعدت عن ذراعيه ببطء شديد حتى لا تزعجه في نومه. واستقامت واقفة من الفراش تقود خطواتها الهادئة باتجاه الحمام وهي مرتدية ثوب وردي قصير. فور دخولها أغلقت الباب واستندت بظهرها عليه وهي تضحك بصمت في خجل. لم يعد زواجهم مجرد صفقة أو اتفاق بل أصبحت زوجته فعليًا. استمرت في ضحكها وهي تتذكر محاولاته البائسة في نيل اعترافها الصريح ولكنها تدللت عليه ولم تمنحه. كانت ليلة لا تُنسى يغمرها الرومانسية والضحك والعشق ولن تكون الأخيرة.
انتفضت مفزوعة عندما وجدت الباب طرق على الباب خلفها مصاحبًا بصوته:
"إيه ياغزال مطولة چوا ولا إيه؟"
تسارعت نبضات قلبها وأجابته مرتبكة:
"أنت صحيت؟!"
ابتسم مغلوبًا ليجيبها ساخرًا:
"لا لساتني نايم وبكلمك من الحلم."
ضحكت رغمًا عنها ثم تمتمت في سذاجة من فرط خجلها:
"طيب عاوز إيه؟"
رفع حاجبه مستنكرًا ردها السخيف فأجابها في لهجة قوية:
"واقف على باب الحمام وبخبط هكون عاوز إيه يعني!!"
تنهدت الصعداء في قلة حيلة. لا مجال للهرب من مواجهته وحتمًا ستقع أثيرة بين براثينه كالأمس. رغم أنه يروق لها لكن خجلها دافع أقوى ليجعلها تحاول الهرب منه. استدارت وفتحت الباب ثم خرجت وافسحت له الطريق للدخول مشيرة له بيدها لكنه رمقها مبتسمًا بنظرة لعوب وبحركة مباغتة كان يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها إليه ثم يلثم وجنتها بحب متمتمًا:
"صباح الخير.. ولا نقول صباحية مباركة!"
اتسعت عيناها بصدمة وبلحظة كان وجهها يتحول لكتلة من الدماء الحمراء. فانزوت نظرها عنه وهي تبتسم بخجل ثم قالت بسرعة محاولة إنقاذ نفسها من ذلك الوضع المحرج:
"أنت مش داخل الحمام؟!"
حرك حاجبيها بمعنى لا وهو يبتسم في لؤم فبادلته الابتسامة لكن بأخرى مرتبكة وبسرعة طرحت سؤالًا آخر:
"أنت معاك شغل النهاردة؟"
ضحك بخفة بعدما فهم محاولاتها في كسر حاجز خجلها ولكي تجعله يتوقف عن جرأته في الكلام. فرد عليها مبتسمًا بنظرة زادت من ارتباكها:
"معايا بس لغيته."
للمرة الثالثة تسأل وهي تحاول فتح أي موضوع:
"ليه؟"
هنا رأته يضحك بقوة وهو يجيبها غامزًا بخبث:
"حابب اقعد مع مرتي ومش عاوز اسيبها.. إيه هو أنتي عاوزاني اطلع؟!"
هزت رأسها بسرعة نافية خشية من أن يظن أنها لا تريده حقًا، وهتفت بابتسامة دافئة ومتوترة:
_لا طبعًا عاوزاك تفضل.
جري و... بص أنت ادخل خد دش وأنا هروح أحضر الفطار.
أنهت عبارتها وهمت بالفرار من قبضته والفرار، لكنه أحكم الإمساك بها جيدًا وهو يطالعها بنظرات جريئة ويهمس:
_رايحة وين؟ لساتني مخلصتش كلامي!
استسلمت له أخيرًا وظلت تتطالعه مغلوبة وتترك نفسها تسعد بقربه بدلًا من الخجل، حتى سمعته يكمل بمكر:
_أنتي امبارح كنت بتقوليلي حاجة بس أنا مسمعتكيش.. قوليها تاني إكده!
فهمت تلميحه وأنه يقصد اعترافها، فابتسمت وتنهدت الصعداء وهي تطالعه بتحدي ودلال. رفع حاجبه الأيسر بطريقة مثيرة بعدما رأى تلك النظرات وقابلها بابتسامة وقحة وهو ينحني عليها بالقرب من أذنها يهمس لها ببعض الكلمات التي جعلت من عينيها تتسع بصدمة وتتورّد وجنتاها خجلًا. ابتعد عنها وهو يبتسم ويراقب تأثير كلماته على وجهها متمتمًا:
_هااا قولتي إيه؟
طال تحديقها الصامت به، التوتر والخجل يظهر بوضوح عليه وهي تفكر، لكن طال تفكيرها أكثر من اللازم فوجدته يقول بلؤم وهو يهم بحملها:
_براحتك.
انتفضت مبتعدة وهي تصرخ به ضاحكة بخجل:
_لا لا خلاص هقول.
انتصب في وقفته وهو يبتسم بثقة ويطالعها منتظرًا سماعها، فأخذت هي نفسًا عميقًا ورمقته بتوتر ثم تجرأت أخيرًا وهمست بصوت منخفض:
_بحبك.
منع ابتسامته بصعوبة ليجيبها بوجه جاد وهو يهز رأسه:
_مش سامع!
لوت فمها مبتسمة بخجل ثم كررتها ثانية بنبرة أعلى قليلًا:
_بــحبـك.
زم شفتيه وهو يعيد الكرة مجددًا ويهز رأسه مجيبًا بوجه منزعج:
_برضوا مش سامع!
تأففت بصوت مسموع وهي تضحك في نفاذ صبر وسكتت للحظة تحدقه مطولًا وقررت أن تصوب الهدف هذه المرة حتى ترضيه تمامًا.
تمتمت بصوت أنثوي مفعم بالرقة ومشاعر العشق وهي تكرر للمرة الثالثة:
_بحبك يامعلم.
وختمت عبراتها بقبلتها الناعمة على وجنته فرأت البسمة العريضة أخيرًا تشق طريقها لثغره معبرة عن رضاه وهو يرد بحب:
_إكده سمعت.
وجدته سيهم بالتجرؤ ثانيًا وربما ستسقط هذه المرة أثيرة ولن تستطيع الهرب، بسرعة كانت تسحب جسدها من بين يديه وتسرع باتجاه الباب رغم أن قدماها مازالت لم تتعافَ مليًا لكن القوة هيمنت عليها فجأة. ظل هو واقفًا مكانه رغم غيظه لكنه ابتسم مغلوبًا متوعدًا لها بعد انتهائه من حمامه الصباحي...
كان منصور يجلس على مقعد خشبي أمام ذلك الشاب المكبل بالحبال وجالسًا على الأرض، يستمر منصور في النظر إليه بنارية والشاب يحيد بنظره عنه خوفًا. وعلى الجانب الآخر كان يجلس علي يتابع والده وذلك الوغد الملقي على الأرض.
طال الصمت المزعج، فهب "علي" ثائرًا واندفع نحو ذلك الشاب يلكمه في وجهه بعنف صارخًا:
_ما تنطق يا***، احنا هنقعد قصادك إكده كتير.. مين اللي وزك؟
ابتسم منصور بثقة وقال في خبث وعين يتطاير منها الشر:
_سيبه يا علي، هو عارف زين أن أنا عارف مين اللي قتل أخوي بس مستني اسمع الأكيد منه وسواء قال أو مقالش أنا يعتبر عارف وهاخد حق أخوي، لكن هو اللي مش هيطلع سليم من إهنه.
تطلع الشاب مطولًا في منصور بخوف، يفكر مترددًا هل يتحدث أم لا، لا يهمه ماذا سيحدث بعدما يكشف تلك الحقيقة فبالتأكيد لن يكون القادم خيرًا أبدًا، لكن يكفيه أن يخرج سالمًا من بين هذه الحرب الذي لن تنتهي بنتائج مرضية أبدًا.
باغته منصور بصرخة مرعبة نفضته في أرضه:
_هتنطق ولا لا؟
ازدرد ريقه باضطراب ثم تحدث أخيرًا يعطيه المعلومة التي يريدها:
_إبراهيم الصاوي.
ابتسم منصور بثقة وعينان تلمع بوميض الشر والانتقام، بينما "علي" فرغم أن المعلومة لم تدهشه كثيرًا، لكن هتف بغضب ولهجة محذرة:
_متأكد؟
هز رأسه لهم بالإيجاب وهو ينقل نظره بينهم في خوف، فوجد منصور يهب واقفًا وهو يتجه للخارج، لكن "علي" لحق به ركضًا واوقفه هاتفًا بحزم:
_أبوي اهدى رايح وين.. احنا مش هناخد حق عمي إكده، خلينا نروح البيت ونتكلم مع چدي ونقول لچلال ونشوف هنعملوا إيه.
توقف منصور مجبرًا بعدما سمع ابنه وأدرك أنه قد يكون على حق، فلن يصل لنتيجة إذا تصرف بتهور دون تفكير وتخطيط ليثأر لأخيه...
داخل منزل جلال بالعين السخنة......
خرج من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة الصغيرة، فسقط نظره على الفراش ليجدها مازالت نائمة بعمق، ضيق عيناه متعجبًا ثم ألقى بالمنشفة على الأريكة في إهمال واتجه نحوها وهو يبتسم بعبث ليجلس على طرف الفراش بجوارها وينحني عليها يلثم شعرها هاتفًا بخفوت:
_فريال اصحي الضهر أذن وأنتي لسا نايمة!!
همهمت دون كلام كدليل على انزعاجها منه، بينما هو لم يهتم وتابع ضاحكًا، وهذه المرة يتجرأ أكثر حيث ينتقل بقبلاته على وجهها كله متمتمًا:
_يلا عاد قومي كفاية نوم.
أبعدته عنها ومالت على الجانب توليه ظهرها وهي تهتف بخنق وضيق:
_اوووف هملني أنام ياچلال.
عانقها من الخلف وهو يهتف في أذنها بخبث:
_لا مش ههملك.. احسن أنا مش مسئول على اللي هعمله.
أبعدت ذراعه من حول خصرها وهي تقول بابتسامة خافتة:
_بعد عني.
لم يكترث لها وعاد يعانقه مرة أخرى فانتفضت بعيدًا عنه وهي تهتف بغيظ تحاول إخفاء ابتسامتها:
_يوووه وبعدين عاد ياچلال.
ابتسم لها وقال في هيام ونفاذ صبر:
_وبعدين معاكي أنتي ياچبارة.
مال ثغرها للجانب في بسمة عجرفة ودلال ثم ولته ظهرها وهمت بالنزول من الفراش لكنها تجمدت مكانها وظهر الارتعاش عليها عندما رأته يضع يده على يساره ويتألم في صمت مغلقًا عيناه من شدة الألم، فأسرعت تمسك بيده وتهتف برعب:
_چلال مالك؟
لم يجيبها وتألمه زاد أكثر حتى بدأ يظهر تأوهًا مسموعًا موجوعًا، فرت الدماء من وجهها وتحول الشحوب من فرط خوفها عليه حتى صوتها بدأ يخرج مرتجفًا:
_چلال رد عليكي متقلقنيش أبوس يدك.. أنا هتصل بالأسعاف.
رآها تلتفت حولها بزعر تبحث بنظرها عن الهاتف فابتسم بخبث وتمتم أخيرًا بصوت ضعيف:
_مش عارف حسيت بألم فجأة بس أكيد هيروح لو....
غمز لها بعينه وهو يشير على ثغره فاتسعت عيناها بدهشة امتزجت بالغضب فراحت تضربه في كتفه بخفة هاتفة:
_إيه الهزار الماسخ ده.. حرام عليك والله أنا مش حاسة برچليا من الخوف.
ضحك باتساع وغرام وبلحظة عاد يضع يده على يساره مجددًا وهو يتألم يزيف ويرمقها بطرف نظره مبتسمًا ويتأوه:
_آاااه أنا بقول اتصلي بالأسعاف احسن قبل ما تحصلي حاچة.
رمقته بعتاب وحب متمتمة:
_بعد الشر عليك متقولش إكده.
لمعت عيناه بفرحة وعشق لكن لم يتوقف واستمر في تصنع الألم المزيف لكي يحصل على مبتغاه فضحكت وهي تهز رأسها بقلة حيلة ثم تنهدت الصعداء مطولًا وانحنت عليه تقبله من وجنته برقة متمتمة:
_أهو حلو إكده!
ظهر وميض ماكر في عيناه وهو يهز رأسه بالرفض دليلًا أنه لم يكتفِ وبينما كان على وشك أن ينقض عليها سمعوا طرق الباب المصحوب بصوت عمار وهو يقول:
_أبوي يلا عشان نفطر وبعدين ننزل نتفسح كيف ما وعدتنا.
مسح على وجهه متأففًا ليجيب على ابنه بالموافقة:
_طيب ياعمار طالعين أنا وأمك استنونا برا.
ابتسمت له فريال باستمتاع ثم ابتعدت عنه ونزلت من الفراش تتجه نحو الحمام وهي تضحك عليه....
بتمام الساعة الثانية ظهرًا في القاهرة.....
وقف عمران أمام المصعد الكهربائي وعندما انفتح الباب دخل وضغط على زر الطابق الثاني. بعد لحظات معدودة توقف المصعد وانفتح الباب ثانية فخرج وقاد خطواته الثابتة باتجاه الغرفة التي بآخر الطرقة.
وقف أمام مكتب السكرتيرة يسألها بلهجة رجولية قوية:
_عدنان الشافعي موجود؟
رفعت ليلى نظرها له ترمق ملامحه الحازمة ونظراته الثاقبة مطولًا ثم تمتمت بنبرة رقيقة:
_حضرتك أستاذ عمران؟
هز رأسه لها بالإيجاب فابتسمت بنعومة وأشارت له بيدها نحو الباب هاتفة:
_اتفضل مستر عدنان منتظرك.
تحرك عمران باتجاه الباب وكانت ليلى تسبقه حيث طرقت على الباب وفتحته وهي تبتسم لعدنان الذي استقام واقفًا فور رؤيته لعمران وهتف مرحبًا به بحرارة:
_أهلًا وسهلًا يامعلم نورت الشركة كلها والله.
ثم نظر لليلى وقال بجدية:
_خلاص روحي انتي ياليلى واطلبي لينا فنجانين قهوة.
هزت رأسها له بالموافقة وغادرت لتتركهم على انفراد، اقترب عمران من عدنان وعانقه بحرارة ليسمع الآخر يهتف:
_فينك كدا محدش بيشوفك ليه.
ابتعد عمران عنه واقترب من الأريكة يجلس عليها وهو يقول مبتسمًا:
_ما أنت عارف مش باجي القاهرة غير نادرًا.
اتجه عدنان وجذب مقعد يجلس عليه أمام يقول ضاحكًا:
_نشكر الجواز بقى اللي خلانا نشوفك.. بس أن شاء الله نشوفك كتير من هنا ورايح.
ضيق عينيه باستغراب وقال له مبتسمًا بعدم فهم:
_هو موضوع إيه الضروري ده اللي طبتني على ملا وشه عشانه.
رتب على كتفه مبتسمًا بحماس:
_خير يامعلم خير.. المهم قولي أنت اخبارك إيه والمدام؟
تنهد عمران بضيق وقال في انزعاج ملحوظ:
_كويسة الحمدلله.. من وقت ما چيت إهنه والمصايب مبتخلصش ياعدنان.
أجابته بجدية ونبرة حازمة:
_الحمدلله انكم بخير وكفاية إنك خلصت من الأشكال الـ****.
تنهد الصعداء بخنق وقبل أن يجيب انفتح الباب ودخلت ليلى وهي تحمل القهوة ثم اقتربت ووضعتها أمامهم وهي تبتسم بعذوبة ثم اعتدلت في وقفتها واستدارت وغادرت مجددًا ليهتف عدنان بجدية:
_أنا قولتلك قبل كدا أني بفكر افتح مشروع جديد وكويس جدا.
التقط عمران فنجان القهوة يرتشف منه وهو يهز رأسه بالإيجاب ويستمع لعدنان باهتمام حتى وجده يقول مبتسمًا:
_المشروع هيكون سلسلة مطاعم مختلفة في أماكن مختلفة وبما إنك ليك خبرة في الأسماك وكدا فكنت حابب اعرض عليك الفكرة ولو عجبتك ننفذها مع بعض.. إيه رأيك؟
ابتسم عمران وانزل الفنجان يضعه مكانه على المنضدة وهو يجيبه:
_ده أنت عاوز تخليني إهنه صُح عاد.
قهقه بخفة وهو يجيبه مازحًا:
_وماله هو أنا أكره يعني.
تنهد عمران مبتسمًا ثم تمتم بجدية:
_طيب اشرحلي المشروع ده باستفاضة اكتر عشان افهم الدنيا هتمشي كيف.
داخل البناية التي يوجد بها منزل عمران..
بالطابق الذي فوق منزله، كانت جلنار داخل منزل المريبة الخاصة بها، السيدة انتصار. اشتاقت لها بعد وفاتها كثيراً، ولم تجد طريقة لتطفئ بها نيران شوقها سوى زيارة منزلها وقضاء الوقت به، علها تشعر بوجودها حولها.
خرجت من الغرفة الداخلية وهي تصيح منادية على ابنتها:
_ هنا
لم يكن بالمنزل أي أثر لها أو صوت، حتى فضيقت عيناها باستغراب وبسرعة اندفعت تبحث عنها بأرجاء المنزل كله في فزع، وسط صراخها عليها، لكن بحثها كان دون فائدة. وتسمرت بأرضها مندهشة عندما رأت باب المنزل مفتوحاً، فشعرت بقلبها يقفز من مكانه من فرط الرعب. وبسرعة ركضت باتجاه الباب وهي مستمرة بالصياح عليها، حتى أنها نزلت الدرج مسرعة وهي تنده عليها مفزوعة. وصلت حتى الطابق الأرضي ولم تجدها بأي جزء من أجزاء البناية، وسألت الحارس عنها لكنه لم يرها.
بدأت دموعها في الانهمار على وجنتيها، وراحت تجوب الشارع والمنطقة المحيطة بها بحثاً عنها، وأيضاً لم تجدها. شعرت لوهلة بأن قدماها لم تعد تتحملها وأنها ستفقد وعيها، وهي تقف عاجزة بمنتصف الشارع تبحث عن ابنتها ولا أثر لها. لكنها حاولت الصمود وواصلت البحث عنها. وعندما لم تجد فائدة منه، عادت مجدداً للبناية متأملة أنها قد تكون عادت للمنزل. وعندما صعدت ووصلت للمنزل مجدداً، لم يكن لها وجود. فخرجت ونزلت الدرج حتى الطابق الأسفل، فوجدت نفسها لا إرادياً تسقط جالسة وهي تدفن وجهها بين كفيها وتبكي بقوة وحركة.
في تلك اللحظات، بالصدفة، سمعت آسيا صوت بكائها الشديد بالخارج، ففتحت الباب بتعجب حتى ترى من تلك التي تبكي بهذا الشكل. رأتها تخرج هاتفها تتصل بأحدهم، وبعد ثوانٍ كانت تهتف بصوت مذعور ومرتجف وهي تبكي بشدة:
_ عدنان الحقني
ضيق عدنان عيناه باستغراب وبسرعة هتف مفزوعاً:
_ في إيه يا جلنار مالك؟
كان عمران يجلس أمامه وقد ظهر عليه التعجب أيضاً بعدما رأى تبدل ملامحه فجأة. على الجانب الآخر، ردت جلنار بصوت مبحوح:
_ هنا مش لاقية هنا، دورت عليها في كل مكان مش لاقياها.
هب واقفاً وهتف يجيبها بزعر وصوت صارم:
_ مش لاقياها إزاي يعني؟ أنتي فين أصلاً؟
أجابته بصوت ضعيف وباكي:
_ أنا روحت عند بيت دادة انتصار واخدتها معايا، بعدين ملقيتهاش ولقيت باب البيت مفتوح.
صاح منفعلًا بغضب فقد فعلتها مجدداً وخرجت دون أن تخبره:
_ وأنتي إيه اللي يوديكي هناك أساساً ومن غير ما تقوليلي؟
هتفت بانهيار وبكاء شديد متوسلة إياه:
_ مش وقته دلوقتي، تعالي بسرعة وشوفيها راحت فين، أنا خايفة أوي عليها.
أغلق الاتصال وهو يصر على أسنانه مغتاظاً، محاولاً تمالك انفعالاته. هتف عمران يسأله بقلق:
_ في إيه؟
عدنان بوجه يظهر عليه الزعر والرعب الحقيقي، وهو يجذب مفاتيحه وهاتفه:
_ هنا كانت مع مامتها وتاهت منها، مش لاقياها.
***
عودة لآسيا التي أشفقت بشدة على حال جلنار وهي تراها تبكي بانهيار شديد هكذا، فاقتربت منها بهدوء وهتفت بنبرة دافئة:
_ متقلقيش، إن شاء الله هتلاقيها. أنتي سألتي البواب طيب ودورتي عليها كويس؟
هزت رأسها بالإيجاب مجيبة آسيا بوجه غارق بالدموع:
_ أيوه، دورت عليها في كل مكان، ملهاش أثر.
تقدمت منها آسيا أكثر ورتبت على كتفها بحنو محاولة تهدئتها وهي تقول:
_ طيب اهدي وتعالي ادخلي، لو حابة استني جوزك جوا لغاية ما ييجي بدل ما تقعدي على السلم كده، وإن شاء الله هيلاقيها، متخافيش.
لم تكن تشعر بقدميها ولا حتى يديها التي ترتجف، فاستقامت واقفة واتجهت مع آسيا للداخل، حتى وجدت نفسها داخل الصالة وجلست على الأريكة وهي منخرطة في نوبة بكائها العنيفة. ذهبت آسيا تجاه المطبخ وملأت كأساً من الماء لها، وعادت لتجلس بجوارها وتمد يدها بالكأس لها متمتمة:
_ خدي اشربي.
التقطت منها كأس المياه وارتشفته كله دفعة واحدة، لكن فجأة صك سمعها صوت ابنتها وهي تصيح عليها:
_ مامي أنتي فين؟
وثبت جلنار واقفة وهرولت راكضة باتجاه الباب، وعندما فتحت الباب سمعتها من الأعلى أمام منزلهم تصيح منادية عليها، فردت عليها بوجه مشرق:
_ أنا هنا ياحبيبتي.
نزلت الصغيرة الدرج بسرعة عندما سمعت صوت والدتها. التقطتها جلنار وهي تضمها لصدرها بقوة وتهتف معاتبة إياها وسط بكائها:
_ كنتي فين ياهنا؟ كدا ياحبيبتي تقلقيني عليكي.
هتفت الصغيرة بقلق من بكاء أمها الشديد:
_ العروسة بتاعتي وقعت في الشارع يامامي ونزلت أجيبها، وبعدين شوفت بنت عمو البواب، عجبتها العروسة بتاعتي ولعبنا أنا وهي شوية، وبعدين طلعنا.
ابتسمت آسيا بحب وهي تستمع لتلك الطفلة البريئة، بينما جلنار فرمقت ابنتها بحدة وقالت:
_ وهو ينفع برضو تنزلي ما غير ما تقوليلي وتلعبي كمان مع حد منعرفهوش؟
زمت هنا شفتيها بعبوس وقالت في أسف:
_ آسفة يامامي مش هعمل كدا تاني. ممكن متقوليش لبابي؟
جلنار بنظرة صارمة ومستاءة:
_ أنا اتصلت ببابي عشان ييجي يدور عليكي لما ملقتكيش، يعني زمانه جاي دلوقتي ومتعصب أوي.
رغم الخوف الذي استحوذ على هنا، إلا أنها قالت بثقة وغرور:
_ لا بابي بيحبني ومش هيقدر يزعل مني.
أخفت جلنار بسمتها وهي تهز رأسها بقلة حيلة من صغيرها، ثم استقامت واقفة والتفتت لآسيا تبتسم لها بصفاء وتردف:
_ متشكرة جداً.
آسيا بلطف وهي تنظر لهنا بدفء:
_ العفو على إيه، المهم أنها بخير الحمد لله.
جلنار بتنهيدة طويلة:
_ الحمد لله. أنتي مش من القاهرة صح؟
هزت آسيا رأسها بالنفي وهي تجيبها بخفوت تام:
_ لا، من الصعيد وجاية زيارة بس مع جوزي، يعني أول مرة آجي هنا.
ابتسمت جلنار باتساع وقالت في لطف:
_ لهجتك عجبتني أوي. آه، أنا جلنار.
همت آسيا بأن تمد يدها لتصافحها، لكنها تجمدت عندما رأت رجلاً يصعد الدرج ويقول بتلهف:
_ هنا.
ورأت خلفه عمران، فصيقت عيناها بصدمة. وفور وصوله لها، مالت عليه وسألته بعدم فهم:
_ إيه اللي بيحصل ده؟ أنت تعرفهم ولا إيه؟
رفع يده ومسح على ظهرها بحنو وهمس في أذنها:
_ بعدين هقولك.
لأول مرة، هنا لم تركض على أبيها خشية من غضبه، لكنه هو ضمها لصدره وهو يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية في خوف ويهتف:
_ كنتي فين ياحبيبة بابي؟
ردت هنا بقلق وأسف حقيقي:
_ آسفة يا بابي، أنا مقصدش والله أخرج من غير ما أقول لمامي، بس عروستي وقعت في الشارع ونزلت أجيبها.
أبعدها عنه ببطء وعاد يلثم شعرها وجبتها مجدداً في حنو وهو يقول وسط نظراته الساخطة لزوجته:
_ أنتي متقصديش ياحبيبتي، بس مامي تقصد. المهم أنتي كويسة؟
أومأت له بالإيجاب وهي تبتسم بحب له وسعادة أنه لم يغضب، بينما هو فاستقام واقفاً والتفت لعمران الذي رتب على كتفه وهو يقول:
_ حمد لله على سلامتها، الحمد لله أنها بخير.
هتف عدنان في عذوبة وجدية تمتزج ببسمته:
_ الحمد لله. أنا همشي بقى ونبقى على تواصل إن شاء الله.
قبض عمران على ذراعه بحزم وهو يقول:
_ رايح فين؟ تعالى ادخل، تبقى واقف قصاد البيت ومتدخلش؟ ادخل ونكمل كلامنا جوا.
أجابه عدنان ضاحكاً بخفة، رغم أن ملامحه كان يظهر عليها الانزعاج الحقيقي:
_ خليها مرة تاني ياعمران، الجايات كتير إن شاء الله.
لم يرد أن يضغط عليه أكثر، بالأخص بعدما أدرك أن علاقته بزوجته توترت ويبدو أنه غاضب منها بشدة، فتركه على راحته وودعه بحرارة.
***
داخل منزل عدنان الشافعي.
دخلت جلنار الغرفة أولاً، ولحق بها عدنان، ثم أغلق الباب واندفع نحوها يهتف بغضب:
_ وبعدين يا جلنار.. وبعدين؟
زمت شفتيها بضيق واقتربت منه تمسك بلياقة قميصه هاتفة في رقة تليق بها:
_ والله كنت هتصل بيك وأقولك ومعرفش إزاي نسيت، بس كنت مخنوقة وزعلانة جداً وحسيت أنها وحشتني أوي، عشان كدا روحت هناك.
أبعد يدها عن ملابسه بعصبية يصيح بها:
_ أنا مليش دعوة بالكلام ده كله، أنا اللي يهمني أنك طالعة من غير إذني، والحمد لله أنه محصلش حاجة لهنا ورجعت.
رددت بخفوت وحزن:
_ الحمد لله.
ثم عادت تلف ذراعيها حول رقبته وتقترب منه أكثر لتعانقه وهي تتمتم في نعومة:
_ أنا آسفة، أوعدك آخر مرة ياحبيبي مش هتتكرر تاني.
نجحت في امتصاص غضبه بعناقها الناعم ونبرتها الساحرة، فهدأت حدة انفعالاته وسكن بين يديها، بالأخص عندما شعر بها تقبله من وجنته وتهمس له بدلال:
_ تهون عليك رمانتي؟ خلاص بقى اضحك.
ابتسم رغم عنها وهو يزفر مغلوباً ويقول لها بلهجة حازمة:
_ ماشي يا جلنار، هعديها عشان بس النهاردة عيد جوازنا ومش عايز يكون فيه خناق.
ابتسمت بسعادة غامرة وعادت تقبله من وجنتيه مجدداً وهي تهمس بغرام:
_ بحبك أوي.
مال عليها يلثم رأسها بعشق:
_ وأنا كمان يارمانتي.
طال تمعنها المغرم به، وكان على وشك أن يقترب أكثر منها لينغمسا معاً في عشقهما وحبهما الخاص، لكن الدخيل المعتاد لأفساد لحظاتهم وصل، حيث دخلت هنا وهي تصرخ بسعادة طفولية:
_ بابي لقيت اللعبة اللي أنت جبتها لي وضاعت.
كانت جلنار تنظر لزوجها بأشفاق وهي تضحك، لتجده يقول بنفاذ صبر وهو يمسح على وجهه متأففاً:
_ متبصيش كده ياحبيبتي، أنا اتعودت خلاص. دي لو ضرتك مش هتبقى كده.
اقترب من ابنته وهو يبتسم باتساع ويقبل رأسها بحنو مجيباً عليها:
_ بجد؟ طب كويس يابابي، تعالي يلا نطلع نتفرج على التلفزيون، كدا كدا مفيش فايدة.
رغم أن الصغيرة لم تفهم والدها، لكنها سارت معه مبتسمة بسعادة، وكانت جلنار تقف مكانها تتابعهم وهي تضحك بقوة.
***
بتمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل، داخل منزل جلال.
كانت فريال تجلس فوق الفراش بغرفتها وبيدها الهاتف تشاهد أحد البرامج على الإنترنت. وبينما كانت منشغلة بالمشاهدة ومندمجة، انتفضت عندما شعرت به يضع رأسه فوق حجرها وهو يبتسم لها بحنو. فضيقت عيناها بتعجب تسأله:
_ بتعمل إيه؟
جلال بصوت مرهق ونظرات متيمة:
_ حاسس بصداع ومحتاج أحس بيدك وأنتي بتعمليلي مساج كيف ما متعود.
ابتسمت له بدفء، ثم تركت الهاتف ورفعت يدها برأسه تدلكها بكل لطف ورقة، وهو يغلق عيناه بتلذذ، الراحة تظهر بوضوح على صفحة وجهه. استمرت يدها في أداء مهمتها لوقت ليس قصير، والصمت هو سيد الموقف بينهم، حتى خرج صوتها أخيراً وهي تسأله بصوت محتقن:
_ أنت قولتلي أني سبتك من غير ما أفهم واتخليت عنك ومديتكش فرصة تدافع عن نفسك قصادي. تعرف أن أنا كنت مستنية مكالمة تليفون منك بس تقولي فيها ارجعي لبيتي وكنت هرجع طوالي، حتى لو مبررتش موقفك ليا كنت هرجع عشان بحبك. بس أنا لقيتك اتجوزت عليا بدل منلاقي حل ونصلح مشكلتنا، أنت اخترت الطريق الأسهل. ليه يا جلال؟ إيه اللي خلاك تعمل كده؟
تنهد الصعداء بخنق، ثم ابتعد عنها وهب جالساً وهو يطيل النظر إليها بأسى، ليجدها تكمل في قهر:
_ حابة أعرف إيه تفكيرك كان وقتها لما قررت تتجوز.
متقلقش، أنا المرة دي عاوزة أتكلم معاك وأفهم أنت عملت كده ليه، وأفهمك أنا كمان سبب تصرفي عشان ما يبقاش فيه سوء فهم بينا.
اقترب منها وضمها لصدره وهو يمسح على شعرها وظهرها برفق، متمتمًا في وجع:
ليه مصممة تضايقي روحك وتفتكري كل ده يا فريال؟ صدقيني أنا ندمان، ولو رجع بيا الزمن عمري ما كنت هاخد القرار ده أبدًا.
ابتعدت عنه وهي ترمقه بضيق، ونظرات متوسلة أن يتحدث ويلبي رغبتها، فأخذ نفسًا عميقًا وأطلقه زفيرًا حارًا، قبل أن يردف بانزعاج واضح:
معرفش كان تفكيري فين وقتها، بس غضبي كان عاميني. ولما أبوكي قالي إنك عاوزة تتطلقي ومصممة على الطلاق، لقيت نفسي من غير ما أحس بقول لأمي إني موافق أتزوج. حسيت إنك مش عاوزاني ومش فارق معاكي، وأنا كنت بتعذب في بعدك، فكنت عاوز أثبت لنفسي إني عادي هقدر أعيش من غيرك. بس طلعت غلطان، وارتبكت أكبر غلطة في حياتي لما اتزوجتها، وندمت قوي. وبعدين بقيت كل ما أكون عاوز أطلقها، ألاقي حاجة بتمنعني أو حاجة تحصل وتأجل الموضوع، لحد ما الموضوع وصل بينا لكده.
كانت تستمع له ودموعها مستمرة في الإنهمار بغزارة حتى ملأت وجهها كله، فانفطر قلبه عليها. رفع أنامله يمسح عبراتها بحنو، متمتمًا:
حقك عليا، أنا آسف. أنا غلطت ومعترف بغلطي. إن مهما كان غلطك، بس ما يتقارنش باللي عملته فيكي. بس أقسم بالله يا حبيبتي ما في ست قدرت تدخل قلبي غيرك ولا تاخد مكانك. سامحيني يا فريال، وأوعدك إني هعوضك عن كل اللي عشناه.
طالعته بعينيها الغارقة ووجهها الذي يميل للاحمرار من فرط البكاء، وهي تسأله بنبرة ضعيفة وموجوعة:
أنت لسه بتحبني صح؟ كيف الأول؟
رأت الاندهاش يرتفع على صفحة وجهه، ثم تبعه ابتسامته المغلوبة، وهو يعود ويضمها لصدره مجددًا ويقول ساخرًا:
بعد كل اللي قولته ده واللي بعمله عشانك، لسه بتسألي السؤال ده كيف؟
تلاشت ابتسامته تدريجيًا وهو يكمل بمرارة وشجن حقيقي:
بعدين المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده مش أنتي، لأنك عارفة زين أنا بحبك كيف. لكن أنا اللي معدتش متأكد هل أنتي لسه بتحبيني ولا لأ يا فريال.
ابتعدت عنه ببطء، ثم ثبتت نظرتها العاشقة على عيناه بعمق. ظلت تتأمله للحظات وهي صامتة، حتى قررت أن يكون ردها عليها ليس بالقول بل بالفعل. ربما يظن أن وحده هو الذي اشتاق لها، لكنها تعاني أكثر منه وقلبها يصرخ شوقًا وتلهفًا لمعشوقه. وحتى هي لم يعد لديها طاقة أكثر لتتحمل ذلك الهجر والبعد. وربما قد حان الوقت لوضع النقاط للأزمة لهذا الوضع المؤلم.
لم تتحدث، ولكنها فعلت. حيث اقترب منه وغاصت معه داخل بحور عشقهم التي لا نهاية لها. يعيدوا لحظاتهم الخاصة التي حرمتهم منها الظروف القاسية. معلنة عن بداية جديدة.
***
في القاهرة.......
استيقظ عمران من النوم على أثر صوت الرسائل المتتالية لهاتفه. ففتح عيناه منزعجًا وهو يتأفف بخنق. ثم نزل بنظره لزوجته النائمة بين ذراعيه ورأسها فوق صدره، ليتنهد بحرارة ويلتقط الهاتف يتفحصه لكي يرى تلك الرسائل المزعجة ومن الذي أرسلها.
عندما فتح الرسائل، ظهر أمامه رقم مجهول دون اسم. فضغط عليه لتظهر أمامه الرسائل ويقرأها بصمت: "محبتش أسيبك على عماك كده، وكان لازم أقولك إن أبوك متزوج لتالت مرة على أمك ومعاه بنت صغيرة، وكمان مراتك عارفة."
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ندى محمود توفيق
بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل...
فتحت آسيا عيناها مستيقظة من النوم عندما وضعت يدها بجانبها على الفراش وشعرت بالفراغ. رفعت رأسها عن الوسادة وتلفتت حولها تبحث عنه باستغراب. انتفضت مفزوعة عندما رأته يجلس في الظلام على الأريكة المقابلة للفراش ويراقبها بنظرات مخيفة. باللحظة الأولى ظنته شبح، لكن عندما دققت النظر به تنفست الصعداء براحة واعتدلت في نومها وهي تمد يدها لزر الكهرباء تشعل الضوء وهي تهتف له برقة:
_ إيه ياعمران قاعد إكده ليه وقفت قلبي من الخضة!
لم يجيبها واستمر في تحديقه المريب لها، مما جعلها تغضن حاجبيها بحيرة وقلق. واستمرت هذه اللحظات المرعبة لوقت حتى سمعته أخيرًا يهتف بغضب:
_ كنتي عارفة من امتى؟
ضيقت عيناها بتعجب وراحت تسأله بعدم فهم:
_ عارفة إيه؟
عمران بنظرة مميتة:
_ إن أبويا متچوز يا آسيا وأنتي مخبية عني.
ازدردت ريقها بتوتر بسيط ثم سألته باستغراب:
_ أنت مين قالك؟
أظلمت عيناه وبدأت بشائر غضبه المرعب تظهر حيث صرخ بها منفعلًا:
_ أنا سألتك سؤال ومستني إجابة مش بتردي عليا بسؤال.
أطرقت رأسها أيضًا وهي تتنهد بقلة حيلة وتجيبه في خفوت:
_ من فترة قريبة جدًا لما كنا بنروح للمستشفى للدكتور عرفت هناك.
استقام واقفًا واندفع نحوها يسألها بسخط شديد:
_ ولما عرفتي حاجة زي دي متقوليش كيف ولا كان في دماغك حاجة عاوزة تعمليها وعشان كده خبيتي عني؟
أخذت نفسًا عميقًا محاولة الصمود أمام انفعالاته المرعبة وأجابته بهدوء مزيف:
_ أيوه كان عندي أسبابي وعشان كده مقولتلكش.
ضحك ساخرًا في غضب هادر ثم صاح بعصبية:
_ وهي إيه أسبابك؟ أنتي مصممة تهدي كل حاجة بينا.. رغم كل اللي عملتيه وبتعمليه ولساتني بسامحك وبعديلك لكن أنتي مبتتعلميش من غلطك. لما حاجة زي دي متقوليش عليها يبقى إيه تاني.
هبت واقفة من الفراش وصرخت به بانفعال مثله:
_ وهتفرق بإيه حتى لو قولتلك.. ما أنا ياما قولتلك أن أبوك هو اللي قتل أبوي وأنت مصدقتنيش.. دلوك لما تعرف أنه اتچوز على أمك للمرة التالتة هتصدقني؟ ولا أنت بتصدق اللي على مزاجك ياعمران.
صر على أسنانه مغتاظًا وهو يرد عليها بلهجة حادة:
_ وطّي حسك وأنتي بتكلميني.
هتفت بعناد وقوة تليق بها دون أن تمتثل لأوامره بإخفاض نبرتها المرتفعة:
_ مش معنى أنك چوزي وبحبك هبقى هنسى حق أبوي ولا هتنازل عنه.. أبوك قاتل وهياخد جزائه في الدنيا والآخرة.
قبض على ذراعها بقوة لكي يمنعها من استرسال حديثها:
_ الكلام ده تقوليه لما يكون معاكي دليل لكن أنا مش هروح اتهم أبوي عشان خاطر كلام فارغ كيف اللي بتقوليه ده.
ابتسمت له بسخرية ثم دفعت يده بعيدًا عنها بقوة وهي تحدق في عيناه بثقة وتهتف:
_ ولو قولتلك أني سمعته بودني وهو بيتكلم مع عفاف وبيقول أن هو اللي قتله ومرته الجديدة سمعته كمان.. ده مش دليل بنسبالك.
ارتخت عضلات وجهه المتشنجة وهو يغضن حاجبيه بتعجب امتزج بدهشته وهو يسألها:
_ سمعتيه كيف وكان بيقول إيه؟
عقدت آسيا ذراعيها أسفل صدرها وتطلعت في وجهه بحدة تقول:
_ كان بيتكلم مع عفاف اللي هي أصلًا اللي وزته على قتل أبوي وكانوا بيحاولوا يلاقوا حل مع بعض عشان محدش يعرف باللي عمله.. ورغم كده أنا لما سمعته قولت يمكن أنا أكون فاهمة غلط واستنيت عشان اتأكد ودلوقتي اتأكدت لما مرته الجديدة قالتلي أنها سمعته وكان بيتكلم مع أمك وبيهددها أنها متقولش لحد يعني حتى أمك عارفة.
رأت السكون الغريب يستحوذ عليه وهو يطالعها في دهشة تمتزج بنظرات الاستياء في عيناه، فتابعت هي بقهر وغضب:
_ أبوك شيطان ومتمثل في صورة ملاك.. أنا بحبك ياعمران بس لما يكون الموضوع حق أبوي سامحني أنا مش هكون في صفك.
أنهت عباراتها وابتعدت عنه تتجه لخارج الغرفة وتتركه بمفرده يفكر فيما قالته. مازال لم يستوعب حقيقة زواج أبيه للمرة الثالثة حتى اصطدم بجدار صلب عن حقيقة قتله "لخليل صفوان"، والآن يجد نفسه عالقًا بالمنتصف. هل يصدق زوجته أم يرفض رؤية والده على حقيقته ويستمر في الإنكار؟
بعد مرور ساعة تقريبًا عادت آسيا للغرفة مجددًا، لكنه لم يكن موجودًا. فضيقت عيناها باستغراب وقبل أن تستدير وتغادر الغرفة بحثًا عنه سقط نظرها على هاتفه وهو فوق الفراش. تجمدت مكانها لبرهة من الوقت تفكر بشجارهم معًا منذ قليل محاولة تخمين هوية الشخص الذي أخبره. ولم يقذف لعقلها سوى شخص واحد فاندفعت بسرعة دون تفكير تلتقط هاتفه تفتش في قائمة الاتصالات فوجدت آخر مكالمة كانت لبشار. هزت رأسها بالنفي فمن المستحيل أن يكون بشار هو من أخبره. راحت تكمل بحث في الهاتف محاولة العثور على أي شيء يساعدها في معرفة هوية الشخص الذي يحاول التفريق بينهم. بمحض الصدفة ضغطت دون وعي على الرسائل وبينما كانت على وشك الخروج منها توقفت مندهشة عندما رأت الرسالة الأولى ثم قامت بفتحها وبدأت تقرأها بنظرات مشتعلة.
تركت هاتفه وجذبت هاتفها بسرعة ثم فتحت قائمة الاتصالات وأخرجت رقم داليا وراحت تقارنه بالرقم الذي أرسل الرسالة لزوجها فوجدته نفس الرقم. أظلمت عيناها وهي تجز على أسنانها مغتاظة وتتوعد لها بعقاب عسير.
أعادت هاتف عمران لمكانه وتركت هاتفها أيضًا ثم خرجت من الغرفة وتحركت باتجاه غرفة مكتبه الخاصة. فتحت الباب ببطء شديد وأدخلت رأسها أولًا تلقي نظرة عليه. قرأته جالسًا فوق الأريكة ساكنًا تمامًا ويحدق في الفراغ أمامه بأعين غاضبة. كان ثباته الخارجي يعكس ثورانه الداخلي رغم أنها لا تراه لكن تشعر به جيدًا.
تنهدت الصعداء بعبوس وندم ثم تحركت ودخلت لتقترب منه وتجلس بجواره. لم يلتفت لها أبدًا كأنه لا يراها بينما هي فمدت يدها الناعمة تمسك بكفه تهمس في أسف حقيقي:
_ حقك عليا ياعمران يمكن أنت عندك حق وأنا مكنش ينفع أخبي عنك.
خرج صوته الرجولي الغليظ وهو يجيبها ساخرًا:
_ يمكن!!!
انزوت نظرها أرضًا وهي تزفر بضيق ثم رفعت رأسها له مجددًا وابتسمت بحب لتقترب منها وتطبع قبلة دافئة فوق وجنته وتتعلق بذراعه تضع رأسها فوق كتفه متمتمة:
_ أنا آسفة.
رمقها بطرف عيناه وهي واضعة رأسها فوق كتفه ومتشبثة به كأنه طوق نجاتها ليتأفف بخنق وقلة حيلة ويسألها بنبرة هدأت حدتها:
_ عرفتي كيف وشوفتيها وين مراته؟
أجابته بخفوت دون أن تبتعد عنه:
_ في المستشفى البنت الصغيرة اللي كانت قاعدة معايا وكانت تايهة من أمها بنتها.
رفعت رأسها قليلًا عن كتفه تنظر لتعبيرات وجهه فرأت الدهشة واستطاعت قراءة أفكاره متوقعة أنه يقول الآن كانت تلك الفتاة الصغيرة أخته وهي رغم ذلك لم تخبره، فهتفت بسرعة تصحح له خطأ أفكاره:
_ بس وقتها أنا مكنتش أعرف كنت شاكة بس ولما روحنا المستشفى تاني بعدين وشوفت مرات أبوك اتأكدت لما سمعتها بتكلمه في التليفون.
وجدته يرفع يده لوجهه يمسح عليه بقوة وهو يتأفف في غضب شديد ملحوظ عليه. ثم استقام واقفًا وراح يتجه نحو النافذة يقف أمامها وهو مازال يمسح على لحيته ويشدها بعنف محاولًا تمالك انفعالاته قدر الإمكان لكنه لم يستطع حيث صاح منفعلًا:
_ ناقصه إيه عشان يتچوز تالت مش مكفيه اتنين!.. مبقتش عارف أشيل هم چوازه ده ولا أفكر في أنه ممكن صح يكون قتل خليل صفوان.
هبت آسيا واقفة واقتربت منه لتقف خلفه مباشرة وترفع كفيها تضعهم فوق كتفيه في دفء متمتمة:
_ العصبية والتفكير مش هيفيدك بحاجة.. اقف قصاده وواجهه وشوفه هيقول إيه!
التفت لها بجسده وتطلع في عيناها اللامعة بالدموع ثم وجدها تكمل بقهر وصوت مبحوح:
_ خناقة ومشكلة هل كانت تستدعي أنه يقتل صاحبه.. أبويا كانت بيعتبره أخوه وبيحبه أكتر من منصور.. هو ده جزاء الإحسان يقتله بدم بارد.. مكنش يستحق ده والله ياعمران.
أشاح بوجهه للجهة الأخرى وهو يمسح على شعره ويتأفف بسخط شديد. ثم عاد بوجهه لها وضمها لصدره بحنو فتشبثت به بقوة وتركت العنان لدموعها في الانهمار بصمت فوق صدره حتى سمعته يقول بلهجة صارمة:
_ جهزي نفسك هنرچع بكرا البلد.
هزت رأسها بالموافقة له فابعدها عنه برفق واتجه للأريكة مجددًا يجلس عليها. لحظات معدودة وانضمت هي أيضًا له تجلس بجواره صامتة لكن دموعها لم تتوقف عن الانهمار. فتنهد وهو يرمقها بطرف عيناه ثم عاد يفرد ذراعه مجددًا ويلفه حول كتفيها ليضمها لحضنه مقبلًا رأسها بحنو. سكنت بين ذراعيه وأغلقت عينيها تترك نفسها تنعم بدفء حضنه وحنانه الجميل. بينما هو فكان عقله شارد بوالده يفكر في ما الذي يفعله بعد معرفته لكل تلك الحقائق.
بصباح اليوم التالي داخل منزل جلال بالعين السخنة...
فتح عيناه بخمول عندما شعر بالألم في ذراعه فانخفض بنظره وجودها نائمة بين أحضانه ورأسها فوق ذراعه فابتسم بحب وهو يضحك صامتًا ثم انحنى عليها ولثم جبهتها برقة هامسًا لها في صوت مغرم:
_ فريال.
همهمت مجيبة عليه وسط نومها دون أن تبتعد عنه أو تفتح عينيها فازدادت بسمته اتساعًا وهو يهتف بخبث:
_ لما أنا واحشك للدرجة دي كنتي بتعذبيني وتعذبي روحك ليه.
فتحت عيناها دفعة واحدة ورمقته مندهشة لتجيبه في خجل ملحوظ:
_ قصدك إيه؟
لمعت عيناه بوقاحة وغمز لها ضاحكًا:
_ أنتي فاهمة قصدي ياحبيبتي.
توردت وجنتيها بحمرة شديدة ثم لكمته في كتفه بخفة هاتفة ببسمة تحاول إخفائها:
_ بلاش قلة أدب.
ثم رفعت رأسها عن ذراعه تهم بالنهوض فوجدته يصدر تأوهًا خفيفًا وهو يحاول تحريك ذراعه من مكانه، فسألته بقلق:
_ مالك؟
أجابها ضاحكًا وهو يحرك ذراعه ببطء:
_ مش حاسس بدراعي يافريال حرام عليكي.
ضيقت عيناها بتعجب وهي تهتف:
_ هو أنا أول مرة أنام في حضنك يعني!
اختلس النظر إليها في مكر واجابها بجدية مزيفة متعمدًا إثارة جنونها:
_ معرفش شكل الوزن زاد بسبب الحمل.
اتسعت عينيها بصدمة وظهر الغضب الممتزج بالحزن وهي ترد:
_ أنا تخنت ياچلال!!.. من دلوقتي مش متحملني وشايفني مبقتش حلوة.
فغر شفتيه وعينه مندهشًا، فأمسك بها بسرعة عندما وجدها تهم بالنهوض والمغادرة يقول لها ضاحكًا بحب:
_ أنا قولت مش حلوة!!!.. أنتي فسرتي كلامي وجبتيه لده كيف؟!.. بعدين طبيعي وزنك يزيد وأنتي عارف يافريال يعني هو أول حمل ليكي وأنتي في كل الحالات قمر ياروحي.
طالعته بطرف عيناها عابسة بعدما لانت ونجح في امتصاص غضبها. وعندما همت بالنهوض مجددًا منعها ثانية وهو يجذبها إليه متمتمًا في خبث ورغبة:
_ رايحة فين.. ده أنا ليا شهور محروم منك.
ضحكت بخفة ثم رفعت كفها تملس فوق وجنته بلطف متمتمة:
_ وهو أنا هروح منك فين يعني ما أنا قاعدة جارك كل يوم.. بس دلوقتي عاوزة أقوم أحضر الفطار عشان العيال.
رفع حاجبه بالرفض القاطع وبذراعيه حاوطها بأحكام هاتفًا:
_ العيال لسه نايمين.
تنهدت مغلوبة وهي تبتسم بخجل وتحاول الفرار من بين براثينه متمتمة في دلال:
_ چـلال...
وبعدين عاد
رأت عيناه تلمع بعاطفة جياشة وثغره يميل في بسمة مختلفة ثم ينحني عليها ويلثم وجنتها بعدة قبلات متتالية وهو يهمس في صوت متيم بالعشق:
_متوحشك قوي
زين وجهها بسمتها الرقيقة معبرة عن سعادتها بتلك المشاعر التي تعود بينهم من جديد، فلفت ذراعيها حول رقبته وعانقته بحرارة متمتمة:
_وأنت كمان يا جلالي
ذاب بين يديها بعدما سمع اسمه المميز من بين شفتيها وأبعدها عنه في لحظة ينحني عليها ينوي إعادة ليلة أمس، لكن صوت الهاتف أفسد اللحظة فتوقف جلال بالمنتصف قبل أن يلمسها وهو يغلق على عيناه مغتاظاً ويشتم بذلك المتصل.
ابتعد عن حبيبته مجبراً وهو يلتقط الهاتف ينظر لشاشته فيرى اسم جده ينير الشاشة.. غضن حاجبيه باستغراب وأجاب بسرعة في جدية:
_أيوة يا جدي
وصله صوت حمزة الصارم:
_خد مرتك وعيالك يا جلال وارجع البيت
التفت جلال لفريال ثم هب واقفاً من الفراش وابتعد عنها قليلاً يهتف بصوت خشن وقلق:
_خير يا جدي.. في حد حصله حاجة ولا إيه؟
هتف حمزة بنبرة ممتلئة بالشر والغضب:
_لغاية دلوقتي لا يا ولدي بس هيحصل
تقوست ملامح جلال للجدية وهو يسأل مجدداً بعدم فهم:
_في إيه يا جدي؟
أجابه حمزة دون مراوغة ومباشرة:
_ابراهيم الصاوي هو اللي قتل أبوك
لم تصبه الصدمة الحقيقية لكن الغضب ونيران الثأر والوعيد التهبت في ثناياه واستحوذت عليه، سمع جده يكمل باستياء:
_تعالى النهاردة عشان نقعد نفكر ونشوف هنعملوا إيه
لم يجيب جلال على حمزة فقط أنهى الاتصال دون كلام محدقاً أمامه بنظرات نارية وعينان مظلمة، فاستقامت فريال واقتربت منه بخطواتها الهادئة حتى وقفت خلفه وسألته بتعجب:
_إيه اللي حصل يا جلال؟
سمعت صوته المتحشرج والمريب وهو يلقي عليها تعليمات صارمة:
_لمي الشنط يلا دلوقتي عشان راجعين البيت
تحركت حتى أصبحت أمامه وتطلعت في قسمات وجهه المخيفة متمتمة بعدم فهم:
_ليه راجعين؟.. هو احنا لحقنا نقعد عشان نرجع؟.. إيه اللي حصل قولي حتى؟
صرخ بها منفعلًا دون وعي يأمرها في لهجة غير قابلة للنقاش:
_من غير ليه أنا قولت لمي الشنط وجهزي نفسك أنتي والعيال عشان راجعين دلوقتي
انتفضت فزعاً على أثر صراخه بها، وأخذت تتابعه بقلق وخوف وهي تراه يندفع للخارج ثائراً، يبدو أن كارثة حدثت فلا تصدق تحوله السريع بلحظة هكذا إلا بسبب شيء خطير...
***
عودة للقاهرة تحديداً أمام المستشفى....
قادت آسيا خطواتها السريعة والثائرة للداخل وهي عبارة عن جمرة من النيران المشتعلة، تسير بكل قوة وشموخ يليق بها ونظراتها الشريرة ثابتة على هدفها أثناء سيرها في طريقها، هي نزعت رداء الشر والقسوة وأظهرت جانبها الجيد لفترة قصيرة فظنوا أنها ضعيفة لكن الآن حان الوقت لعودة الساحرة الشريرة مرة أخرى وهذه المرة لن تشفق على أحد.
توقفت أخيراً بالطابق الثاني الذي كانت تقصده ورأت داليا وهي تقف مع الطبيب تتحدث معه عن وضع والدتها الصحي، فابتسمت بعين مرعبة لا تبشر سوى بالجحيم القادم، تقدمت نحوها ووقفت خلفها تتطلعها بشر منتظرة اللحظة التي ستلتفت فيها وتراها، وماهي إلا لحظات معدودة حتى التفتت داليا بتلقائية وشهقت مفزوعة برعب عندما رأت وجه آسيا بتلك النظرات وبسمتها المريبة وهي تسألها بخفوت غريب:
_أخبار الست الوالدة إيه يارب تكون بخير؟
توترت داليا للحظة لكنها أبت أظهاره فوقفت بثبات أمام آسيا تجيبها:
_الحمدلله كويسة.. أنتي جاية هنا ليه؟
لمعت عيني آسيا بوميض مخيف ثم قبضت على ذراع داليا بقوة وهي تبتسم لها وتهمس بفحيح أشبه بفحيح الأفعى السامة:
_كل خير.. جاية في الخير، تعالى معايا
جرتها خلفها بقسوة رغم محاولات داليا لإفلات ذراعها من بين قبضتها وانزعاجها وصياحها عليها لكنها لم تعيرها اهتمام حتى وصلا أخيراً للحمام، تركت آسيا ذراعها وتصنعت الطبيعية عندما رأت أن الحمام به بعض السيدات يقفون أمام المرآة، فابتسمت لهم بلطف حتى رأتهم يتجهون للخارج وفور رحيلهم التفتت لداليا تطالعها شزراً وبحركة مباغتة كانت تدفعها فاصطدمت بالحائط وقبضت على رقبتها تهتف في عينان ملتهبة:
_المرة اللي فاتت كنا هنا وكنا بنتفق ولو فاكرة إني حذرتك متلعبيش بالنار معايا أنتي لساتك متعرفنيش بس شكلك كده افتكرتيني برمي كلام واهدد والسلام
احتقن وجه داليا من الدماء بسبب خنقها لها وكانت تحاول التقاط أنفاسها ودفع يد آسيا بعيداً عنها لكن دون فائدة ولم تتركها إلا بعد وقت وهي تبتسم بعدم رحمة مكملة:
_أنا آسفة بس أنتي اثبتيلي إنك مبتفهميش بالكلام ولازم الفعل عشان يخليكي تدركي أنك وقفتي قصاد الشخص الغلط
صاحت بها داليا منفعلة بارتعاد وسط سعالها القوي:
_انتي مجنونة عايزة تقتليني.. أنا هنده أمن المستشفى واتصل بالبوليس واسجنك
ضحكت آسيا ساخرة وقبل أن تحاول داليا الهرب جذبتها من ذراعها بعنف وهي تهتف بسخط:
_جيتي لغاية بيتي تطلبي مساعدتي وأنا افتكرت أنك صح مظلومة وعاوزة تاخدي حقك وكنت ناوية اساعدك.. بس اتضح أن هدفك مكنش بتك ولا حاجة أنتي عاوزة الفلوس وعاوزة تخربي على الكل وتوقعي الكل في بعضه، ومن غبائك أنك بدأتي بيا
صاحت داليا بقلق ملحوظ وهي تدفع يد آسيا بعيداً عنها:
_أنا معملتش حاجة
ابتسمت لها ساخرة وهي تجيبها بثقة:
_معملتيش حاجة بس بعتي رسالة لچوزي هدفك فيها أنك تعملي مشكلة بينا
سكنت داليا ولم تجيب بينما آسيا فاقتربت منها أكثر حتى أصبحت في مواجهة وجهها مباشرة ورمقتها بنظرات مرعبة وصوتها الأنثوي الرقيق تحول ليصبح آخر كله شر ووعيد:
_مكنش في مصلحتك خالص إنك تعاديني، ودلوقتي السحر انقلب على الساحر واللي حضر الجن يعرف يصرفه وإن معرفش يتحمل أذاه
ألقت عليها نظرة أخيرة قذفت الرعب في قلب داليا ثم تركتها وغادرت وبينما كانت في طريقها لخارج المستشفى سمعت صوت رنين هاتفها، فديت يدها يحقيبتها واخرجته تجيب على زوجها بنبرة طبيعية:
_أيوة ياعمران
عمران بصوت رجولي جاد:
_حضرتي الشنط ولميتي كل حاجة
ابتسمت له بدفء وقالت بإيجاب:
_أيوة ومستنياك كمان أنت وين دلوقتي
_معايا مشوار سريع هخلصه وهاجي عشان نتحرك علطول
ردت عليه بالموافقة ثم ودعته وأنهت الاتصال لتضع هاتفها في حقيبتها مجدداً وتسرع في خطاها لكي تغادر وتصل للمنزل قبل عودته حتى لا يعرف أنها خرجت دون أذنه...
***
بتمام الساعة العاشرة مساءً داخل منزل خليل صفوان.......
كان رجال العائلة مجتمعين بغرفة الجلوس الكبيرة يتحدثون، بعكس جلال الذي كان يتابع حديث جده وعمه وهو ساكن بطريقة غريبة.. نظراته كلها غل وشر فصاح بعد برهة من الوقت منفعلًا:
_لا أنا مش هقدر اتحمل اقدر من كده واسمع حديثكم ده
وثب جلال واقفاً وهم بالاندفاع للخارج ثائراً لكن منصور لحق به وامسكه قبل أن ينصرف وهو يهتف بعصبية:
_اهدى وفكر زين الأول بلاش تهور تارنا وحق ولدنا هناخده بس مش كده
صرخ جلال بعمه في عينان مظلمة من فرط الغضب:
_هملني ياعمي أنا مش هرتاح غير لما آخد روحه بيدي
هب حمزة واقفاً وصرخ بجلال منفعلًا:
_إيه يا جلال هو كلامي معدش له لزمة ولا إيه قولت اقعد واهدى اللي خلانا نصبر كل ده على حق ولدي يخلينا نصبر كام يوم كمان لغاية ما نشوف هنتصرف كيف
التفت جلال يتطلع لجده بأعين ساخطة بينما منصور فربت على كتفه وهو يهدأه بنظراته الحازمة، فالتزم جلال الصمت مضطراً وعاد ليجلس مكانه احتراماً لجده ولكي يكمل سماع حديثه...
بالخارج داخل المطبخ كانت جليلة وفريال معاً وكل منهم ترمق الأخرى بخنق حتى خرج صوت جليلة ساخرة:
_ولدي مبيحبكيش هو رجعلك بس عشان عياله، لو كان بيحبك مكنش اتجوز عليكي
حدقتها فريال بغيظ ملحوظ ثم ردت عليها ببرود مزيف:
_ولو متقوليش أن شيطان لعب في دماغه لغاية ما خلاه يتجوز عليا.. جلال غلط بس أنا عارفة ومتأكدة أن جوزي بيحبني
جليلة بقسوة وكره شديد:
_كان بيحبك متوهميش نفسك بالكلام الفارغ ده يابت ابراهيم
انفعلت فريال بشدة ولم تتمكن من البقاء صامدة أكثر من ذلك أمامها حيث صرخت بها مستاءة:
_أنتي عاوزة إيه بالظبط مش ناوية تسيبي ولدك يتهنى مع عياله ويعيش مرتاح.. كان هيروح فيها بسببك انتي والعقربة اللي جوزتهاله ولغاية دلوقتي لساته معرض للتعب تاني، لكن أنتي مصممة في اللي بتعمليه ومش هامك ولدك ولا بتفكري فيه
رمقتها جليلة بنظرة شيطانية ثم قالت بكل تجبر وغطرسة:
_أنا عشان هاممني ولدي بعمل كده، مش هسيبك تاخديه مني كيف ما اخدتوا جوزي وبتي
أغلقت فريال كف يدها وضغطت عليه بغيظ شديد ثم قالت لها مبتسمة بخبث متعمدة إشعال النيران في صدرها:
_اعتبريني اخدته منك خلاص.. قريب قوي هننقل على بيتنا جلال اشتري لينا بيت وهو بنفسه اللي مش عاوز يعيش معاكي بسبب اللي بتعمليه معدش متحملك
ألقت قنبلتها وغادرت لتترك خلفها ضحايا وآثار مدمرة على أثر عباراتها، كانت جليلة تشتعل والدماء تغلي في عروقها حقداً وغضباً...
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديداً داخل غرفة الجلوس الخاصة بابراهيم....
كان يجلس على الأريكة وأمامه عمران على الأريكة المقابلة له يطالعه بأعين ملتهبة، مما بعث القلق في نفس ابراهيم وراح يسأله باستغراب:
_إيه يا ولدي مالك؟.. موضوع إيه اللي عاوز تتكلم فيه معايا ومينفعش يصبر للصبح ده حتى تكون ريحت جسمك من السفر شوية
استقرت نظرات عمران المميتة على والده وهو يجيبه:
_أنت اللي هتقولي يابوي في إيه!
طالعه ابراهيم غاضن حاجبيه بعدم فهم، هو حتى لم يفهم عبارته ليجيب عليه بينما عمران فتابع بعدما جلس على مقعده بإريحية أكثر:
_لساتني فاكر لغاية دلوقتي لما اتجوزت عفاف.. مكنتش عيل وكنت واعي وفاهم زين، كنت أنا اللي بواسي أمي كل ليلة وهي بتنام دمعتها على خدها، فريال دي أنا اللي ربيتها وأنت مكنتش فاضيلنا ما بين سفرك للقاهرة وعيشتك هناك ومعاك مرتك الجديدة، ومع الوقت أمي نسيت واتعودت وعاشت مع ضرتها تحت سقف واحد كمان.. بس أنت مشبعتش ومكنش مكفيك اتنين عشان كده اتجوزت التالتة دلوقتي
الآن وضحت الرؤية كاملة أمام الذي تنهد الصعداء بقوة وأجاب على عمران بحزم:
_أنت مش هتقولي الصح من الغلط ياعمران
وثب عمران واقفاً وصرخ منفعلًا بصوت جهوري مخيف:
_أنت معملتش حاجة صح أصلاً يابوي.. ودلوقتي مكفكش قهرة أمي عاوزة تقهرها للمرة التانية وتقهر مرتك التانية.. ولادك رجالة وممكن قريب تشيل ولدي وأنت لساتك كيف ما أنت مبتتغيرش
هب ابراهيم واقفاً وصاح بابنه في غضب حقيقي:
_عــمـران متنساش روحك قصادي أنا أبوك
ضحك باستهزاء ثم لمعت عيناها بوميض ملتهب وهو يهتف:
_أبوي اللي قتل خليل..
وكان السبب في تأخيره سنين، استغفلتنا كلنا ومفكرتش في عيالك قبل ما تقتله حتى. بلال كان هيروح فيها في اليوم ده وأنا وجلال كنا هنقتل بعض. وأنت حتى مهنش عليك تقولي وترسيني على عملتك وكنت سايبني على عمايا فاكر أنك مظلوم ومالكش يد.
استحوذ الذهول على إبراهيم بعدما ضربه ابنه بحقيقته البشعة. انعقد لسانه والتزم الصمت لبرهة من الوقت قبل أن يهتف مدافعًا عن نفسه:
"أنا فعلًا مالكش يد يا ولدي، كان بالغلط ومكنش في نيتي أذيه."
هز عمران رأسه بعدم اقتناع وهو يقول بغضب:
"لا كنت قاصد يابوي، من كتر غلك وحقدك قتلته وفتحت طاقة جهنم فوق راسنا وأنت عارف زين أن مفيش حاجة هتقفلها."
اقترب إبراهيم من عمران ورفع يده يمسك بكتفه في قوة هاتفًا:
"يا ولدي أنا كنت خايف عليك عشان كده خبيت عليك وفهمت الكل أني مليش صالح. كنت خايف يأذوك ولا يعملولك حاجة."
دفع عمران يده عن كتفه بنفور وهو يصيح:
"وهما لما يعرفوا دلوقتي هيسكتوا يعني؟ الحرب هتقوم من تاني والدم هرجع يسيل ويا عالم الدور المرة دي هيكون على مين."
هز إبراهيم رأسه بالنفي وهو يقول بنظرة أبوية وحب:
"مش هيعرفوا يا ولدي، هيفضل الموضوع ده بينا بس وهما مش هيعرفوا."
مسح عمران على وجهه وهو يتأفف محاولًا تمالك انفعالاته حتى لا يفقد التحكم بنفسه، ثم هتف لأبيه بغضب وبهجة رجولية صارمة:
"بس أنا مش هسكت يابوي، أنت غلطت ولازم تتحمل غلطك. وافضل حل هو أنك تسلم نفسك للحكومة قبل ما حد يعرف وتقوم حرب محدش هيعرف ينهيها المرة دي."
طالعه إبراهيم مندهشًا ثم صاح بسخط شديد:
"وإنت عاوز تسلم أبوك يا عمران؟ وأنا اللي كنت فاكر أنك أول واحد هتقف في ضهري يا ولدي."
عمران بلهجة صارمة ومستاءة:
"أنا دايمًا في ضهرك يابوي، بس اللي عملته ده مش حاجة سهلة. أنت قتلت روح بريئة ملهاش ذنب. ولو أنت ضميرك مرتاح فأنا مقدرش أتحمل الذنب ده معاك. ورغم كده لسه في ضهرك وبحاول أحميك وأحمينا، وعشان كده بقولك سلم نفسك لأن ده أفضل حل ليك وللكل."
هز رأسه إبراهيم بالرفض القاطع وهو يقول بعصبية:
"في مليون حل غير ده يا عمران. أنا مش هروح أسلم نفسي على حاجة حصلت من غير قصد ومكنتش ناوي عليها."
ألقى عليه عمران نظرة قاسية وهو يقول برجولية:
"لو مسلمتش نفسك أنا هبلغ عنك يابوي. بنسبالك السجن ولا الموت أرحم."
لم يحصل على رد من إبراهيم بعد عبارته الأخيرة، فتابع عمران بضيق وخزي:
"أنا خايف من اللي جاي يابوي. ورغم كل اللي عملته لسه خايف عليك عشان كده بقولك سلم نفسك. والحق هرجع والكل ناره هتهدى."
أنهى عباراته ثم استدار واندفع لخارج الغرفة، يترك إبراهيم بمفرده يفكر في كلمات عمران، لكن نفسه السيئة مازالت تمنعه من تحقيق العدالة كما طلب منه ابنه للتو.
***
فتح عمران باب غرفته ودخل ثم أوصد الباب خلفه وتحرك نحو الفراش، لكن آسيا دخلت من الشرفة وهي تقول بنظرة لامعة:
"عمران."
التفت لها ثم قال بخنق وانزعاج ملحوظ:
"أنا تعبان وعاوز أنام وارتاح يا آسيا."
تقدمت نحوه بخطواتها الناعمة حتى وقفت أمامها ومدت يديها تمسك بكفيه وهي تنظر في وجهه مبتسمة وتقول:
"مش هسألك قولت إيه لأبوك لأني عارفة أنك لا يمكن تسكت على اللي عمله. عارفة زين أنك مش زيه وعشان كده أنا حبيتك."
ابتسم لها بحب ثم سحب كفه من بين قبضتها ورفع أنامله لوجهها يمررها بحنو على وجنتها، ثم ينحني عليها ويطبع قبلة مطولة بجانب ثغرها هامسًا بصوت محمل بالعشق:
"وأنا بحبك يا غزالتي."
ارتمت بين ذراعيه تضع رأسها فوق صدره وهي تبتسم بحب، حتى سمعته يقول وهو يلثم شعرها:
"ربنا يعدي الأيام الجاية على خير يا آسيا."
تنهدت بقوة وقد تبدلت ملامح وجهها للضيق، بينما هو فقال بخفوت:
"يلا عشان ننام."
أومأت له في ابتسامة دافئة وانتظرته حتى دخل في الفراش ثم انضمت له ووضعت رأسها فوق صدره تنام بين ذراعيه، لتسمعه يقول بضيق مبتسمًا:
"ملحقناش نتهنى بكام يوم حلوين، بعد ليلتنا."
ابتسمت آسيا بخجل وأجابته برقة:
"الأيام الجاية كلها لينا يا معلم."
مال ثغره ببسمة ساحرة ثم انحنى عليها وقبلها بحنو متمتمًا:
"عندك حق يا غزال. عشان معدتش صابر أكتر من كده وكمان قريب عاوز ولي العهد يشرف."
انزوت نظرها عنه خجلًا ثم قالت في حب ورغبة حقيقية تدعو بها ربها:
"يارب يا عمران."
ضمها لصدره أكثر وهو يتنهد مبتسمًا بعشق، بينما هي فأغلقت عيناها تنوي النوم، فغدًا لديها يوم حافل لن ينتهي إلا عندما تكون راضية.
***
داخل غرفة جلال وفريال......
كانت جالسة فوق فراشها وتتحسس بيدها فوق بطنها وهي تبتسم باتساع وتتحدث مع ابنتها بكل عفوية، كما كانت تفعل مع أخوتها أثناء حملها بهم. تفعل معها، كانت دومًا تتحدث معهم وربما تسرد لهم عن يومها تنقل لهم جميع عواطفها سواء حزن أو سعادة وتشاركهم كل لحظة تعيشيها، تفعل الآن المثل مع شقيقتهم.
كان جلال يقف بجوار الباب منذ وقت طويل قليلًا يراقبها ويستمع لحديثها مع ابنتهم وهو يبتسم، رغم الأجواء المشحونة بالطاقة السلبية والشجار والتي لا تبشر سوى بقدوم طوفان مدمر إلا أنها نجحت في رسم البسمة على ثغره وانتشاله من قوقعة الغضب والوعيد بالثأر لوالده. يشعر نفسه محاصر بالمنتصف بين النيران ولا يجد مخرج منها، من جهة والده ومن جهة قاتله هو جد أولاده ووالد زوجته. هو يعرف جيدًا أنه لن يتنازل هذه المرة وكل مذنب سينال عقابه، لكنه يخشى على أولاده وحبيبته. هو خسر الكثير ولا يريد خسارتهم أيضًا.
تحرك بخطوات بطيئة نحو الفراش حتى جلس بجوارها ومد يده يضعها فوق بطنها أيضًا وهو يبتسم ويتمتم:
"كبرت وبدأت تظهر."
فهم أن يقصد أن بطنها بدأت في الظهور وأن ابنته هاهي تكبر وتنمو داخل رحم أمها، فابتسمت وهزت رأسها بالإيجاب له حتى وجدته ينحني على بطنها بوجهه ويقبلها عدة قبلات متتالية هامسًا:
"كل ما تمر الشهور وبطنك تكبر كل ما شوقي وحبي لولدي اللي جوا بيزيد وببقى مش قادر أصبر لليوم اللي يطلع فيه للدنيا وأشوفه وأشيله بين يدي وأشم ريحته."
ملست بكفها الناعم فوق شعره وهي تجربه مبتسمة بمرح وغرام:
"يعني بطني لما بتكبر مش بيبقى شكلي عفش."
ضحك بخفة ثم رفع رأسه عن بطنها ونظر لها يقول غامزًا:
"بالعكس بتبقي أحلى ومثيرة."
رفعت كفها واخفت به وجهها عن نظراته وهي تضحك في خجل شديد، فاقترب هو منها وضمها لصدره يقول بصوت حزين:
"الفترة دي أنا محتاجك قوي يا فريال."
ابتعدت عنه وهي تضيق عيناها باستغراب ثم سألته بقلق:
"إنت كويس يا جلال؟ أنا من ساعة ما رجعنا مشوفتكش ومقولتليش حتى ليه رجعنا بسرعة كده وجدك قالك إيه."
أخذ نفسًا عميقًا مغلوبًا وهو يقول بنظرات قوية:
"هتعرفي يا فريال وهقولك بس مش دلوقتي. المهم دلوقتي أنك أنتي وعيالي جارك ومعايا أنا مش عايز أكتر من كده."
طالعته بعين دافئة يغمرها الهوى ثم ضمته هي لصدرها هذه المرة، فهو يعشق هذه الحركة منها عندما تأخذه بين ذراعيها وتتركه ينعم بعشقها وحنان صدرها، وهتفت له بحب:
"إحنا دايمًا جارك يا جلال أنت سندنا وضهرنا ومن غيرك مالناش وجود ولا نعرف نعيش أساسًا."
اتسعت بسمة ثغره المغرم وراح يمسك بكفها يرفعه لشفتيه يلثم باطنه بعدة قبلات طويلة وحميمية أثارت رعشة جميلة في جسدها وجعلتها تبتسم له بعشق.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل إبراهيم الصاوي....
قادت آسيا خطواتها الثابتة وهي تبتسم بخبث تجاه غرفة الجلوس حيث يجلس إبراهيم، وكانت تحمل فوق يديها كأس الشاي الصباحي الخاص به كما طلب وأصر على أن تجلبه له زوجة ابنه موضحًا أن يريد التحدث معها حول أمر مهم.
وقفت آسيا أمام باب الغرفة ثم رفعت يدها تطرق عليه بخفة، وانتظرت سماع صوته حتى فتحت الباب ودخلت لتتقدم نحوه وتنحني على المنضدة المجاورة لمقعده تضع فوقها كأس الشاي، ثم تنتصب في وقفتها وترمقه بابتسامة واثقة متمتمة:
"خير يا حج إبراهيم كنت عاوز تتكلم معايا في إيه؟"
طالعها إبراهيم مطولًا بغيظ قبل أن يهتف وهو يسألها غاضبًا:
"إنتي اللي قولتي لعمران وحطيتي في دماغه موضوع قتل أبوكي ده صح؟"
اتسعت بسمتها لكنها تحولت لتصبح أكثر شيطانية بالأخص وهي تتذكر أن داليا قد عادت من القاهرة هذا الصباح وهي الآن بمنزلها. تصرفت بكل برود أعصاب وهي تهز رأسها بالنفي مجيبة:
"لا مش أنا."
حدقها إبراهيم ساخرًا وهو يقول بعصبية:
"امال مين هيكون محدش يعرف بالموضوع ده واصل."
آسيا وهي مازالت محتفظة ببسمتها المستفزة:
"بس اللي أعرفه أن عفاف وإخلاص عارفين."
اتسعت عيني إبراهيم بصدمة أنها تعرف كل هذه المعلومات وبسرعة سألها بانفعال:
"يبقى أكيد إخلاص هي اللي قالتله مع أني حذرتها وهددتها متجيبش سيرة لعمران."
لمعت عيني آسيا بوميض شراني مخيف ثم أردفت ببسمة مريبة:
"لا مش إخلاص. داليا مراتك الجديدة هي اللي قالتله وكمان هي اللي قالتله أنك متزوج، وللأسف جات عندي في القاهرة وطلبت مني المساعدة أني أعرفها عنوان البيت عشان تيجي وتفضحك قصاد العيلة كلها وتاخد حقها وكل حاجة منك."
رأت الذهول يعتلي ملامحه وتدريجيًا بدأ يتحول لبركان حممه البركانية تغلي وعلى وشك الانفجار، فابتسمت وقالت له بخبث:
"عن إذنك أصل سامعة صوت تليفوني بيرن."
استدارت وسارت باتجاه الباب وهي تبتسم بلؤم وفور مغادرتها أسرعت واختبأت عند الدرج خلف الغرفة منتظرة اللحظة المنتظرة. ولم يدم انتظارها طويلًا حتى رأته يندفع من الغرفة ويتجه نحو باب المنزل ثائرًا، فابتسمت ثم استدارت وأكملت طريقها للطابق الثاني تتجه للنقطة الثانية في خطتها.
وقفت أمام باب غرفة عفاف وطرقت بهدوء حتى سمعت صوتها وهي تسمح للطارق بالدخول، ففتحت آسيا الباب ودخلت فوجدت عفاف تجلس فوق فراشها وتقوم بحياكة ملابس جديدة لها.
التفتت عفاف نحو الباب وعندما رأت آسيا هتفت بتعجب:
"خير يا آسيا؟!"
اقتربت آسيا منها وهي تبتسم ببراءة مزيفة بعد أن أغلقت الباب، ثم جلست على طرف الفراش بجوارها وهي تهمس لها بعبوس:
"خير إن شاء الله يا عفاف. بيني وبينك أنا مقدرتش أسكت عن اللي عرفته ده وأسيبك كده على عماكي يعني مهما كان فيه إيه بينا بس دي حاجة صعبة على أي ست."
ضيقت عيناها بعدم فهم، ولا تعرف لماذا شعرت بالقلق والخوف من أنها تقصد إبراهيم وستقول شيء يخصه، فهتفت بسرعة تسألها في حزم:
"فيه إيه يا آسيا ما تنطقي وتقولي."
تنهدت آسيا الصعداء بأسى وإشفاق مزيف ثم قالت:
"أصل أنا عرفت أن الحاج إبراهيم متزوج ومعاه بنت صغيرة. وكنت بفكر ليا فترة أقولك ولا لا وكنت خايفة على مشاعرك بس مقدرتش أسكت أكتر من كده الصراحة خصوصًا لما سمعته دلوقتي وهو بيكلمها ورايح عندها."
تحولت عفاف بلحظة وأصبحت كالوحش المفترس وهي تهتف بغضب وعينان نارية:
"رايح عندها كيف يعني ومين دي اللي متزوجها عليا؟"
رفعت آسيا كتفيها بجهل وهي مازالت ترسم الحزن المزيف، بينما عفاف فهبت من الفراش واقفة وهي تضرب على فخذيها وتجوب الغرفة إيابًا وذهابًا هاتفة بانفعال وغضب هادر:
"أنا كنت حاسة أنك بتخوني يا إبراهيم. ولما سألتك كذبت عليا."
آه ماشي يا إبراهيم. لو ماخدتش روحك بيدي أنت وال**** دي، مبقاش أنا عفاف.
لمعت عين آسيا بتشفي وخبث، ثم استقامت واقفة واقتربت من عفاف وهي تمد يدها لها بورقة صغيرة متمتمة:
_الورقة دي فيها عنوان بيتها. روحي والحقي جوزك، لسه في فرصة ترجعيه ليكي من تاني.
أنزلت عفاف نظرها للورقة التي بيد آسيا، وتمعنتها مطولاً بتفكير. ثم جذبتها من يدها بعنف في نظرات تنضج بالشر والوعيد المخيف. فلمعت عين الأخرى في خبث وابتعدت عن عفاف لتتجه خارج الغرفة وتغلق الباب خلفها بكل هدوء. وقادت خطواتها أخيراً إلى غرفتها، ثم للشرفة تقف فيها تراقب الشارع، أو بالمعنى الأدق، تنتظر شيئاً بعينه. وقد ظهر ذلك الشيء أخيراً بعد وقت قصير، حيث رأت عفاف وهي تندفع للخارج تقصد الشارع العام لكي تستقل سيارة أجرة وتذهب خلف زوجها.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ندى محمود توفيق
خرجت داليا من غرفتها مفزوعة على أثر سماعها لصوت إبراهيم المفاجئ وهو يصرخ عليها بعد وصوله للمنزل. أسرعت نحوه وهي تسأله باستغراب:
_ مالك يا إبراهيم بتزعق كدا ليه؟
اندفع نحوها ثائرًا كالثور وقبض على ذراعها بعنف يصرخ بها منفعلًا:
_ أنتي قولتي إيه لعمران؟
ازدردت داليا ريقها بتوتر ملحوظ فور ذكره لاسم عمران. فحاولت التملص من قبضته تحدقه بثبات مزيف محاولة تكذيب الحقيقة والتهرب منها:
_ مقولتش حاجة ليه.. هقوله إيه أصلًا وهو أنا بشوفه فين عشان أتكلم معاه!!
التهبت نظرات إبراهيم وزاد هيجان ثورته أكثر حيث رفع يده في الهواء وهوى بها فوق وجنة داليا صارخًا بها بصوت مرعب:
_ أنتي عاوزة تلبسيني العمة وتضحكي عليا.. ده أنا أقطع حسك وأصل يا***.. رغم إني حذرتك لكن برضوا روحتي وقولتي لعمران على جوازي منك لا وكمان بتتبلي عليا وتقوليلوا إني قتلت خليل ده أنا هقتلك بين إيدي النهاردة يا داليا.
تقهقرت داليا للخلف وهي ترمقه بارتعب حقيقي ورغم ذلك أبت ضعفها حيث صرخت به مدافعة عن نفسها:
_ أنا مقولتش لعمران حاجة والله وبعدين أنا مش بتبلى عليك أنت صح قتلت خليل وسمعتك بودني وأنت بتكلم مراتك.
ضحك إبراهيم بعين تلمع بالشر والغل ثم تقدم نحوها وهو يتمتم بنبرة لا تبشر بخير أبدًا:
_ آه ولما سمعتيني جريتي على ولدي تقوليله عشان توقعي بينا كلنا ويروقلك أنتي الجو صح؟
هزت رأسها له بالنفي وقد بدأت عيناها تذرف الدموع خوفًا منه بينما هو فلم يكن بنظراته أي شفقة. فقط كانت ترى الغضب والرغبة في الانتقام منها. لكن صوت طرق الباب القوي أنقذها من بين براثنه كما كانت تظن.
التفت إبراهيم برأسه للخلف نحو الباب للحظات يفكر بتعجب من الطارق الذي يضرب الباب بهذه الهمجية. ثم استدار بجسده كاملًا وتوجه نحو الباب يمسك بالمقبض ثم يديره ويجذب الباب عليه لينصدم برؤية عفاف أمامه وهي عبارة عن جمرة من النيران الملتهبة. وفور سقوط نظرها عليها رآها تفتح عيناها باتساع أكثر وقد بدأ الصدمة تحتل ملامحها أكثر. فقد كانت تتمنى أن يكون ما قالته آسيا مجرد ادعاء سخيف لكنه حقيقة.
رأى وجهها كله يتحول للون الأحمر الغريب وعيناها أصبحت مظلمة بشكل مخيف وبسرعة اندفعت للداخل وهي تدفعه من صدره ليفسح الطريق وتدخل وهي تصرخ هستيريًا:
_ هي وين خطافة الرجالة دي.. وينها الـ****
وقعت نظر عفاف على داليا التي تقف بأحد الزوايا منكمشة بخوف من زوجها والآن أصبحوا اثنين وربما لن تخرج سالمة من بينهم للحظة حمدت ربها أنها ابنتها ليست بالبيت.
غارت عفاف عليها وهي تجذبها من شعرها وتصرخ بها بكل غل ونقم:
_ ده أنا هقتلك بيدي يا***
ارتفع صراخ داليا وهي تحاول الفرار من بين براثن عفاف لكن الأخرى كانت تضربها بكل عنف وهي تستمر في تلقينها بأبشع الألفاظ. فاندفع إبراهيم نحوهم وحاول فصل عفاف عن داليا وهو يصرخ بها:
_ عفاف بتعملي إيه اهدى.
رمقته شزرًا وصاحت به بوعيد حقيقي:
_ اهدى!!.. ده أنا هقتلكم انتوا الاتنين بعد كل اللي عملته عشانك ده وتتـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*
_ ده أنا هقتلكم انتوا الاتنين بعد كل اللي عملته عشانك ده وتتـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ
_ اهدى!!.. ده أنا هقتلكم انتوا الاتنين بعد كل اللي عملته عشانك ده وتتـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*
_ اهدى!!.. ده أنا هقتلكم انتوا الاتنين بعد كل اللي عملته عشانك ده وتتـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ
_ اهدى!!.. ده أنا هقتلكم انتوا الاتنين بعد كل اللي عملته عشانك ده وتتـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ
_ اهدى!!.. ده أنا هقتلكم انتوا الاتنين بعد كل اللي عملته عشانك ده وتتـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*
_ اهدى!!.. ده أنا هقتلكم انتوا الاتنين بعد كل اللي عملته عشانك ده وتتـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ
أنا قلبي محروق عليه وبيتقطع كل ما افتكره ووحشني قوي ولا يمكن أنسى أن الناس دي هي اللي قتلته بدم بارد قصاد عينينا. بس أنا خسرت أبوك وخسرت أختك، خايفة أخسرك أنت كمان ومعاوزاش تبعد عني. يعني معدتش متحملة فراق تاني. لو قتلته أنا هخسرك أنت كمان وهتظلم عيالك وهما ملهمش ذنب تحرمهم منك.
رفع حاجبه مندهشًا أن والدته هي من تقول هذا وتحاول إقناعه بالعدول عن قراره، رغم أنه يتفق معها في آخر عبارة لكن غضبه كان أقوى حيث قال مستاءً:
"يعني عاوزاني أسيب حقه يا أما!! أنتي قولتيها بنفسك اتقتل بدم بارد قصاد عينينا، فكرك هسيب حقه يروح هدر كده."
اعتدلت جليلة في جلستها وبسرعة هتفت بالنفي في جدية:
"لا طبعًا متسيبش حقه، بس في حل تاني غير القتل. أنا خايفة من الدم يا ولدي لو رجع تاني مش هيخلص والله أعلم هنخسر مين تاني وأنا خايفة عليك. عشان كده الأفضل إنك تخليه يعترف وتسلمه للحكومة ونبقى كده خدنا حق أبوك وكمان محدش تاني اتأذى."
ابتسم جلال مصدومًا في نظرات ساخرة ثم هب واقفًا وهو ينظر لأمه بانزعاج شديد ويهتف:
"أنتي اللي بتقولي كده!! لا يا أما مش هيحصل الكلام ده، أنا حتى لو مقتلتهوش لكن مش هسيبه غير لما أخليه يتمنى الموت على إيدي."
استقامت جليلة هي الأخرى واقفة لتقترب منه وتمسك بيديه هاتفة في رجاء وخوف حقيقي:
"أنا اتنازلت عن فكرة القتل والدم عشان خاطرك يا ولدي. طب بلاش أنا لو مش فارقة معاك، لكن حتى عيالك مش فارقين معاك؟ فكر فيهم الأول يا جلال. أنا لأول مرة دلوقتي بفكر صح وفي مصلحتنا عشان معدتش متحملة دم تاني وخايفة من الفراق وأنا عارفة زين إن الدم مش هيخلص غير لما يخلص على الكل."
استحوذ على جلال السكون الغريب مفكرًا بكلامها خصوصًا بعدما ذكرته بأولاده، وأنه لن يكون هناك ضحية لذلك الثأر والغضب سواهم. هو يعلم أنه إذا فعلها سيخسر كل شيء وإذا لم يفعل سيعيش بعذاب الضمير ونيران صدره لن تنطفئ لأنه لم يثأر لوالده. والآن يعاني من بين صراعه بين قوتين ستنهي عليه هو بينهم.
انفتح الباب بتلك اللحظة ودخلت فريال وهي تحمل بيدها كوب الشاي الخاص بجلال. فاستدارت جليلة بسرعة ورفعت أناملها تمسح دموعها، بينما جلال فقد استقر نظره على فريال يتطلعها مطولًا بشرود وحزن. فقد أتت بوقت لا يعرف هل مناسب أم لا. بينما كانت أمه تحاول تذكيره بما سيخسره وأنه سيفقد الجميع بما في مقدمتهم عائلته، وبالأخص زوجته بعدما تكتشف أنه قتل أباها.
توقفت فريال وهي تنقل نظرها بينهم باستغراب من ملامحهم الغريبة، بينما جليلة فقد التفتت بوجهها لفريال ورمقتها بخنق ونقم كعادتها، مما أثار غيظ فريال أكثر منها. فعاد بها لكي تشعل نيرانها أكثر. رسمت بسمة عريضة على ثغرها وهي تنظر لزوجها بحنو ثم تقدمت نحوه وهي تهمس بحب:
"جبتلك الشاي يا سيد الرجال."
كان وجه جلال جامد خالي من التعابير. فقد كان عقله شاردًا بمكان آخر يحاول التفكير فيما سيفعله. أما فريال فقد توقفت بجواره وانحنت على الطاولة الصغيرة تضع كأس الشاي فوقها ثم تستقيم واقفة وتمسك بيده وترفع أناملها لوجهه تتحسس وجنته هاتفية بقلق:
"مالك يا حبيبي أنت ساكت كده ليه؟"
رمقتها جليلة بقرف لتجيب عليها بانزعاج:
"أنتي إيه اللي جابك دلوقتي."
طالعتها فريال رافعة حاجبها باستنكار وهي تهتف بقوة:
"جيت أشوف جوزي هو في حاجة غلط ولا إيه يا مرات عمي."
انفعلت جليلة ووجهها كله أصبح أحمر كلون الدم وهي تصرخ لفريال غاضبة وموجوعة:
"الغلط هو وجودك هنا جار ولدي. مكفكمش قتلكم لجوزي ودلوقتي كمان هتخلوني أخسر ولدي. إحنا مشوفناش من وراكي أنتي وأبوكي وأخوكي غير المصايب. عاوزين إيه مني تاني، حسبي الله ونعم الوكيل."
هتف جلال وهو يمسك بأمه ويرمقها بحزم هاتفًا في غضب:
"يا أمي متنسيش أنا واقف. بعدين قولتلك مليون مرة وأنتي عارفة زين إن فريال ملهاش ذنب في حاجة."
صاحت جليلة بعصبية وغل شديد:
"ذنبها إنه أبوها."
هتفت فريال بغضب تدافع عن والدها الذي لن يقتل أحد كما تعتقد هي:
"وأنا أبوي مقتلش حد وملوش ذنب كمان في حاجة."
بتلك اللحظة التفت جلال لها برأسه ورمقها بنظرة مميتة عندما صاحت بأن والدها بريء ولم يفعل شيء. ليهتف بلهجة حادة يأمرها:
"فـريــال."
التزمت الصمت خنقًا وإجبارًا بسبب خوفها من نظراته المحذرة. أما هو فعاد لأمه وهمس لها بحنو:
"يا أمي أبوس إيدك بلاش مشاكل أنتي عارفة اللي أنا فيه بزيادة. وافهمي إنها ملهاش ذنب زي عيالي كيف ما كنتي بتقولي دلوقتي. يعني هي وعيالي الضحية."
ابتسمت جليلة بمرارة ثم هزت رأسها بعدم اقتناع وابتعدت عن ابنها لتستدير وتتجه لباب الغرفة حتى تغادر وتتركهم بمفردهم. وسط نظرات فريال المستفهمة والمندهشة من كلماته الأخيرة.
تحركت ووقفت أمامه مباشرة تسأله بفضول وعدم فهم:
"هو في إيه يا جلال وإيه اللي بتقوله لأمك ده.. قصدك إيه؟!"
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا ثم حاوطها بذراعيه وانحنى عليها يقبلها من رأسها بحنو متمتمًا:
"مفيش حاجة يا فريال متشغليش بالك. أنا قصدي أقولها إنها متحملكش ذنب أبوكي أكتر."
فريال بثقة تامة وضيق:
"بس أنا أبوي معملش حاجة أصلًا يا جلال عشان أشيل ذنبه."
رغم انزعاجه البسيط لكنه ابتسم لها بسخرية ثم انحنى على الطاولة يلتقط كأس الشاي ويبتعد عنها ليجلس فوق الأريكة دون عليها. مما جعلها تضيق عيناها باستغراب أكثر وتقترب منه تجلس بجوارها هاتفة:
"أنت ساكت ليه؟"
جلال بلهجة رجولية منزعجة:
"عشان حتى لو رديت وقولتلك الحقيقة مش هتقتنعي يا فريال."
هتفت بعدم فهم وفضول:
"حقيقة إيه؟"
طالعها جلال بنظرة ثاقبة وقال بقوة:
"إن إبراهيم الصاوي هو اللي قتل أبوي."
اتسعت عيناها وتجمدت مكانها للحظات تحاول استيعاب ما قاله. هي دومًا تسمع منه اتهامه لوالدها بالقتل لكن هذه المرة كانت مختلفة. فقد رأت الثقة والغضب الحقيقي في عيناه مما جعلها تهز رأسها بالنفي بسرعة رافضة التصديق:
"لا أبوي معملش كده ومقتلش أبوك."
مسح جلال على وجهه وهو يتأفف بنفاذ صبر ثم صاح منفعلًا رغمًا عنه:
"قتل يا فريال واحنا اتأكدنا. هو اللي قتل أبوي وعمل كل ده."
امتلأت عيناها بالدموع بعد لحظات طويلة من التحديق بجلال مصدومة. لكن عقلها أو ربما عواطفها مازالت ترفض تصديق تلك الفكرة ودفعتها للوقوف بسرعة وهي تهتف بغضب ورفض تام:
"لا مستحيل يعمل كده. أكيد اللي قالك كده بيكذب عليك أو أنت بتكذب ومش عاوز تقتنع غير باللي شايفه. أبوي مقتلش حد يا جلال."
أنهت عباراتها المنفعلة واندفعت للخارج ترحل وتتركه بمفرده يحدق في أثرها بحيرة وألم. لم يعد يعرف كيف سيتحمل كل هذا.
***
في الجامعة.....
ابتسمت حور بفرحة وحب عندما رأته يقف مع أحد أصدقائه ويتحدث معه بجدية. رغم انزعاجها منه لم يتحدث معها منذ يومين وفقط كان يطمئن عليها بالرسائل لكن فور رؤيتها له لم تتمكن من التحكم بعاطفتها تجاهه. وكانت تنتظره حتى ينتهي من حديثه مع صديقه لكي تذهب له.
بعد خمس دقائق تقريبًا كان ينهي حديثه ويصافح صديقه مودعًا إياه. وبينما كانت على وشك الوقوف والذهاب له وجدته هو يلتفت لها وابتسم بحنو عندما سقط نظره عليها. فظلت بمكانها دون حركة وانتظرته أن يأتي لها. بالفعل تحرك وبدأ يتقدم نحوها ومازالت بسمته على ثغره حتى وصل لها وجلس على المقعد المقابل لها وهو يهتف بحب:
"تعرفي إني اتوحشتك قوي والله."
لا تعرف كيف امتص غضبها بهذا الدهاء الرجولي. كانت تنوي الانفجار به كالبركان مغتاظة لكنه غير كل الموازين بعبارته الذكية وجعل الخجل يستحوذ عليها بدلًا من الانزعاج. حيث ابتسمت بتلقائية وهي تطرق رأسها أيضًا ثم رفعت رأسها له وقالت بعبوس معاتبة إياه:
"مهو واضح الصراحة."
تنهد بضيق وعينان دافئة وممتلئة بمشاعر الحب الصادق والأسف وهو يقول:
"حقك عليا والله غصب عني بس صدقيني في مشاكل كبيرة قوي ومعشان كده مكنتش بعرف أكلمك ولا بلاقي وقت. وأنا كنت مضايق أكتر منك إني مش عارف أسمع صوتك ولا أتكلم معاكي بس مكنش في يدي حاجة."
تغاضت عن كل شيء وبسرعة راحت تسأله باهتمام وقلق:
"مشاكل إيه دي.. أنت كويس يا بلال؟!"
تأفف بقلة حيلة وهو يهز رأسه بالإيجاب لها مجيبًا:
"كويس الحمد لله متقلقيش.. هي شوية مشاكل في البيت وفي الشغل ومع الجامعة كل حاجة فوق بعض ومضغوط قوي بس ادعي الأيام الجاية تعدي على خير."
ضيقت عيناها باستغراب وقد زاد شعور القلق والخوف داخلها أكثر حيث اعتدلت في جلستها وهتفت بنظرة حانية تترجاه من خلالها:
"بلال أنا بدأت أقلق بجد.. في إيه احكيلي وطمني؟"
تأملها للحظات مبتسمًا بحب وللحظة دفعته مشاعره وكان سيمد يده فوق الطاولة ليمسك بكفها لكن عقله بسرعة منعه وأدرك الوضع وأنه لا يحق له فعلها ولا يجوز. فـتراجع وهو مازال محتفظًا ببسمته ويجيبها في هدوء تام:
"متخافيش قولتلك أنا بخير وان شاء الله كل حاجة تتحل قريب."
ثواني معدودة وتابع بضحكة ماكرة امتزجت بنظرته الحانقة:
"سيبك أنتي من ده كله.. المهم أنتي مقولتيش رأيك في موضوع كتب الكتاب ده ليه؟ أنا الصراحة مش هقدر أتحمل الخطوبة دي كتير كده لغاية الفرح."
اتسعت عيناها بصدمة وتلونت وجنتيها باللون الوردي الجميل معبرة عن خجلها الشديد لتهتف بجدية وحياء شديد يمتزج ببسمتها الخفية:
"إيه يا بلال وبعدين بقى.. أنا هقوم على فكرة."
هبت واقفة وهي تضحك خفية خجلًا تهم بالانصراف لكنه بتلقائية شديدة اعتدل بسرعة وأمسك برسغها يوقفها ويمنعها من الرحيل. ثواني قصيرة وأدرك يده الممسكة بها فتركها وهو يتنهد وهو يقول مبتسمًا:
"اقعدي رايحة فين!!"
كانت لا تقوى على النظر لوجهه من فرط خجلها وامتثلت لأوامره الأخيرة حيث عادت لمقعدها وجلست فوق مجددًا وهي تتفادى النظر إليه. بينما هو فتمعنها بحب مطولًا قبل أن يقول بجدية تامة:
"يعدوا اليومين دول بس والمشاكل دي تتحل إن شاء الله وهكلم أبوكي على موضوع كتب الكتاب ده."
رمقته بنظرة خاطفة مندهشة وسرعان ما أشاحت بنظرها بعيدًا عنه ثانية وهي تضحك في صمت مغلوبة والخجل يستحوذ عليها كليًا.
***
داخل المستشفى.........
وصل عمران أخيرًا وكان يقود خطواته السريعة نحو الطابق الثالث. حيث توجد غرفة والده وعندما توقف بالطابق الثالث ورأى رقم الغرفة اتجه نحوها لكنه تسمر بأرضه فور رؤيته لزوجة والده الثالثة وهي تجلس على مقعد حديدي أمام الغرفة وتبكي بصمت وهي تنظر للغرفة عاجزة. فتقدم نحوها منزعجًا ووقف أمامها يسألها بحدة:
"بتعملي إيه هنا؟"
هبت داليا واقفة بسرعة عندما رأت عمران وتطلعت في وجهه بضعف هاتفة بحزن:
"رجعت امبارح من القاهرة."
بس أكيد طبعاً مراتك هي اللي عملت كل ده وقالت لعفاف على جواز إبراهيم مني.
غضن حاجبيها بعدم فهم، وأصبحت نظراته أكثر حدة بعد ذكرها لزوجته واتهامها لها بشيء لا يفهمه حتى، فقال لها:
_ هو إيه اللي جرى أصلاً وابويا حصله إيه؟
تحدثت داليا وهي تسرد له ما حدث بالضبط:
_ إبراهيم جه عندي وهو متعصب وبيقولي إن أنا اللي قولتلك على جوازته التالتة وعلى قتله لخليل. وكان بيتخانق معايا، وبعدها على طول معرفش ازاي عفاف عرفت عنوان بيتي وجات وراه، وحصلت مشكلة كبيرة وكانت بتهددني بالقتل. وبالفعل مسكت جزازة وكانت هتضربني بيها على راسي، بس للأسف جات في إبراهيم. ومفيش غير آسيا وإبراهيم اللي يعرفوا إني جيت امبارح، وأكيد مفيش غير آسيا اللي هتكون قالت لعفاف. وكمان قالت لإبراهيم إن أنا اللي فضحتُه قدامك وقولتلك على كل حاجة.
هتف عمران بصرامة ولهجة حازمة تحمل الغضب الحقيقي والتحذير:
_ اسمعيني زين واعتبريه أول تحذير.. ملكيش صالح بآسيا واصل وتبعدي عنها، عشان صدقيني هنسى إنك مرات أبويا لو قربتي منها. وكيف ما كنتي بعيدة عنينا تفضلي قاعدة بعيدة ومتقربيش بذات من مرتي.. مفهوم!
تجمدت داليا مكانها مندهشة وهي تستمع لكلماته وتهديده لها بعدم الاقتراب من زوجته. هي ظنته سيغضب وسيثور فور معرفته أن زوجته هي السبب في كل هذا، لكنه لم يفعل وكان العكس تماماً.
استدار عمران وتركها متجهًا نحو غرفة والده، وعندما دخل رأى عفاف تجلس على مقعد بعيد عن الفراش وتنظر لزوجها بغضب وغيظ. وهو كان ساكنًا تمامًا يستمر في التحديق بها بصمت، لكنه التفت نحو الباب عندما دخل وهتف:
_ تعالى يا عمران.
تقدم عمران بخطواته للداخل، ثم جذب مقعد وجلس بالقرب من فراش والده، وهو يرمق عفاف بغضب ونظرات مخيفة، فكانت هي تتفادى النظر إليه عمدًا خوفًا منه.
عاد برأسه نحو والده وسأله باهتمام:
_ كيفك دلوقتي يا أبويا؟
إبراهيم بهدوء تام وصوت خافت:
_ زين الحمدلله يا ولدي.. ربنا نجاني من بين يدهم.
تحدثت هنا عفاف بغضب وقهر:
_ وأنت اتجوزت عليا بعد كل اللي عملته معاك، وفي الآخر تخوني.
التفت عمران لها ورمقها شزرًا وهو يقول ساخرًا:
_ اللي عملتيه إنك اتسترتي على قتله لخليل صفوان ووزتيه يعمل كده، صح ولا لأ يا مرات أبويا!
ارتبكت عفاف وظهر القلق الحقيقي على ملامحها وهي ترد على عمران بتلعثم:
_ أنا معملتش حاجة.
هتف عمران وهو مازال محافظًا على نفس نظراته المميتة لها:
_ إيه والنهاردة برضه معملتيش حاجة!
ازدردت ريقها بتوتر، ولللحظة شعرت بأنه حوصر ولا تجد مخرجًا من اتهاماته لها، فقرت الهرب من ذنبها وإلقاء اللوم على شخص آخر، حيث صاحت بعصبية:
_ بدل ما تلومني أنا، لوم أبوك اللي عمل كل ده وقتل واتجوز على أمك وعليا، أو شوف مراتك الحرباية اللي ولعت البيت كله في بعضه وهي اللي جت وقالتلي على جوازه وادتني عنوان بيت مرته الجديدة.
التزم عمران الصمت، والغضب الحقيقي ظهر بوضوح فوق معالم وجهه بعد عباراتها الأخيرة وهي تتحدث عن زوجته وأفعالها الشيطانية. فتدخل وهتف إبراهيم بغضب يوجه حديثه لزوجته:
_ عفاف بزيادة، مش عاوز أسمع كلمة تاني.. مش مكفيكي اللي عملتيه ولا إيه.
رمقته بقرف وهي تلوي فمها، ثم هبت واقفة بغضب وهي تتجه لخارج الغرفة لتترك الابن والأب بمفردهما.
بتمام الساعة التاسعة مساءً داخل منزل إبراهيم الصاوي.
دخل إبراهيم من باب المنزل ومعه عمران يسير بجواره، وكانت خلفهم عفاف التي فور دخولهم ابتعدت عنهم واتجهت لتجلس فوق أحد المقاعد وهي لا تتوقف عن نظرات النقم لإبراهيم بسبب خيانته لها. ربنا، في البداية ندمت على ما فعلته به، لكنها الآن تقول إن لو عاد بها الزمن لفعلتها ثانية به.
أسرعت إخلاص نحوه عندما رأته بهذا الحالة ورأسه ملتفة بشاش أبيض وهو يسير ببطء بسبب تعبه. وقفت أمامه ووضعت يدها فوق وجنته تسأله بخوف:
_ إبراهيم إيه اللي حصل؟
رفع يده ومسح فوق ذراعها بحنو وهو يبتسم لها بهدوء متمتمًا:
_ مفيش حاجة، خبطة بسيطة بس في راسي وعدت على خير الحمدلله.
نظرت إخلاص لعمران بعدم فهم وخوف، فهو رأسه لها بهدوء وقسمات مرتاحة ليطمئنها. بينما إبراهيم فأمسك بيد إخلاص وهتف بتعب بسيط:
_ يلا تعالي معايا فوق يا إخلاص. تعبان ومحتاج أرتاح شوية.
لأول مرة منذ سنوات يطلب منها المساعدة أو مرافقتها له ويظهر رغبته في البقاء معها أثناء تعبه. فدومًا ما يكون مع عفاف بتلك المواقف. التفتت برأسها نحو عفاف المشتعلة بنيران الغيرة وابتسمت في سعادة وتشفي، ثم اقتربت منه وعلقت ذراعها بذراعه لتأخذ بيده وتساعده على السير معها وهي تهتف مبتسمة:
_ يلا يا حج.
وسط كل هذا كانت آسيا تقف بأحد الزوايا وتتابع ما يحدث وتنقل نظرها بين إبراهيم وعفاف وهي ترى الحالة الذي عاد بها للمنزل بعدما غادر بالصباح سالمًا. كان ثغرها يميل للجانب في بسمة متشفية وكلها كره وخبث. لكن تلك البسمة اختفت بلحظة عندما رأت نظرات عمران المرعبة لها. هي تعرف هذه النظرات جيدًا مما جعلها تتصلب مكانها خوفًا منه. ووسط تساؤلاتها عن سبب نظراته. ولم يدم تفكيرها طويلاً حتى وجدته يتحرك ويمر من جانبها متجهًا الدرج يقصد غرفتهم بالأعلى ويهمس لها بلهجة رجولية صارمة:
_ ورايا طوالي.
ازدردت ريقها بتوتر ثم مصمصت شفتيها بخوف وتحركت ببطء خلفه. تقدم خطوة وتأخر الثانية حتى وصلت أخيرًا لغرفتهم وكان هو قد وصل قبلها وينتظرها بالداخل. فدخلت للغرفة وتوقفت عندما سمعته ينظر للباب ويقول بلهجة حازمة:
_ اقفلي الباب.
تلك العبارة زادت من توترها أكثر. فاستدارت وأغلقت الباب ببطء ثم التفتت له وتقدمت بضع خطوات له حتى وقفت على بعد مسافة قصيرة منه. وظلت تتطلع لوجهه ومعالمه المخيفة وهو يحدقها بكل غضب وحدة حتى تحدثت وسألته بصوت خافت:
_ عمران أنت بتبصلي كده ليه!
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ندى محمود توفيق
ظلت متسمرة بأرضها وهي تطالعه بتوتر، ترى نظراته القاتلة التي في عيناه، فيزداد اضطرابها أكثر.
والصمت المرعب كان سيد الموقف بينهم، حتى توقف هو أخيرًا وتقدم نحوها بخطواته الثاقبة ووقف أمامها مباشرة ليحدق في عيناه بحدة ويهتف بنبرته الرجولية المريبة:
"أنتي قولتي لأبوي وعفاف إيه؟"
طالعته بصمت تام طويل دون رد. كانت لا تجد الشجاعة الكافية للإجابة على سؤاله، تخشى طوفانه المدمر ووجدت أن السكوت هو أفضل حل، لكنه صاح بها منفعلًا:
"ما تنطقي!"
رغم خوفها إلا أنها ظلت ثابتة ونظراتها كلها ثقة، لتجيبه في النهاية بهدوء تام:
"قولتلهم الحقيقة اللي مكنوش شايفينها."
عمران بنبرة تحمل السخرية الممتزجة بغضبه الشديد:
"عشان توقعي الكل في بعضه."
هزت رأسها بالنفي وهي مازالت محتفظة بثباتها الانفعالي التام وتجيب:
"لا، لو كنت عاوزة اوقع الكل في بعضه كنت خليت الكل يعرف الحقيقة، لكن أنا كان هدفي محدد."
رفع حاجبه مستنكرًا جرأتها في التعبير واشتدت حدة نظراته المخيفة. حتى الآن هو متحكم بانفعالاته وثورانه ويتحدث بهدوء غريب لا يبشر بالخير أبدًا.
أجابها بوجه تملأه تعبيرات مريبة وصوت خافت يحمل بحة رجولية مهيبة:
"وأنتي متأدركتيش أن بسبب حقدك وتهورك وتصرفك من غير أذني أن أبوي كان ممكن تحصله حاچة وميطلعش منها وأنها الحمدلله چات على قد إكده."
بتلك اللحظة تحول توترها وخوفها منه لقوة وشراسة تليق بها وبشخصيتها المتجبرة، حيث انتصبت في وقفتها بشموخ وتقدمت خطوة أكثر نحوه حتى أصبحت لا يفصلها عنه شيء، ونظرت في عيناه بشجاعة وحرقة وهي تهتف:
"طب ما أنا برضوا أبوي مات وهو مكنش له ذنب في حاچة واتقتل غدر.. مفيهاش حاچة لما كل واحد ياخد چزائه والعدل يسير."
نجحت في إيقاظ الوحش النائم وافقدته قدرته على الثبات أمامها لآخر لحظة، حيث انفجر بها صارخًا بعصبية:
"وهو أنتي اللي هتمشي العدل ولا إيه!!.. ولا يمكن هتروحي أنتي بنفسك تقتلي أبوي وتاخدي حق أبوكي كيف ما عملتي معايا."
عبارته الأخيرة وهو يذكرها بما فعلته معه ليثبت لها أنه لم ينسى وربما لن ينسى وسيظل يضربها بالماضي في كل فرصة. أصابت قلبها وجعلت عيناها تلمع بالعبرات، لكنها تصنعت الصمود وهي تجيبه بصوت خافت ومبحوح:
"مكنتش هقتله بس كنت هعمل حچات كتير قوي تاني، ويمكن اللي مانعني من أني اعملها أنه أبوك للأسف."
تقهقرت للخلف عندما وجدته يلتصق بها أكثر وهو يصيح منفعلًا بصوته الرجولي المرعب:
"هتعملي إيه أكتر من اللي عملتيه."
امتلأت عيناها بالدموع وهذه المرة فشلت في عدم إظهارهم، حيث أجابته بصوت موجوع وقوي:
"أنا قولتلك ياعمران لو هتقف في صف أبوك فأنا مش معاك، وأنا مش قادرة اعيش في البيت ده معاه اكتر من إكده.. كل ما بشوفه بفتكر منظر أبوي وهو غرقان في دمه."
سكتت للحظة ثم تابعت بانهيار رغم أنها مازالت تتصنع الصمود المزيف:
"لو هتختاره هو وتتغاضى عن جريمته يبقى الأفضل من دلوك أن كل واحد فينا يروح لحاله ونتطلق."
التزمت الصمت لبرهة من الوقت تلاحظ تعابير وجهه المندهشة والساخطة بنفس الوقت من كلمتها الأخيرة بالتحديد. فتابعت وقد انهمرت دموعها على وجنتيها أخيرًا:
"يمكن دلوك أول مرة احس بالندم أني حبيتك، لأن احنا چوازنا وعلاقتنا مستحيلة وكنت عارفة زين من البداية أن هياچي يوم والتار والدم هيفرق الكل كيف ما عمل من سابق. لا أنت هتقبل أبوك يتقتل ولا أنا هسيب حق أبوي. عشان إكده الفراق من دلوك هو احسن حل."
أجفلت نظرها عنه وعن عيناه الغاضبة والمنصدمة لتبتعد بخطواتها وتتجه نحو الحمام تتركه وحده متسمر بأرضه كما هو عقله لا يسعه استيعاب ما تفوهت به للتو!!
***
بمنزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة جلال وفريال......
فتح جلال الباب ببطء ودخل ثم توقف بعد دخوله وثبت نظره عليها عندما رآها ساكنة فوق الأريكة وتحدق في الفراغ بشرود. تنهد الصعداء مطولًا ومد يده خلفه ليغلق الباب ويتقدم نحوها. جلس بجوارها على الأريكة وطال النظر إليها متمعنًا بحب وحزن. لا يريد أن يبقى بالمنتصف ويتحتم عليه الاختيار من بين الاثنين، إما أبيه أو زوجته وأولاده. لم يمر على عودة علاقتهم كسابقها سوى عدة أيام وها هي تتجه نحو الهاوية مجددًا.
رفع يده ومد أنامله لشعرها يمسح عليه بلطف ويغلغل أصابعه بين خصلاته بحنو، حتى وجدها تلتفت له بوجهها وتتطلعه بضياع متمتمة:
"لساتك مصمم أن أبوي هو اللي قتل!"
حدقها بأسى قبل أن يجيب بجدية محاولًا إقناعها:
"أنا مش مصمم يافريال دي الحقيقة ياحبيبتي. أنتي اللي مش عاوزة تقتنعي."
هزت رأسها بالرفض التام وراحت تدفن رأسها بين راحتي كفيها تجيبه بغضب وسط بكائها:
"ومش هقتنع عشان مش مصدقة. أبوي لا يمكن يعمل إكده هو كان بيحب عمي خليل قوي وكانوا كيف الأخوات. دلوك عاوز تقنعني أن هو اللي قتله كيف!!"
لانت ملامحه أكثر ولمعت عيناه بالإشفاق والحزن عليها، فاقترب والتصق بها لكي يضمها لصدره مربتًا على ظهرها وذراعها بحنو هامسًا:
"اهدى يافريال.. اهدى."
سكنت بين ذراعيه لدقائق معدودة وتوقف بكائها تدريجيًا حتى أنفاسها انتظمت. لكنها سحبت جسدها من بين ذراعيه ببطء لتبتعد عنه وترفع رأسها تنظر في وجهه وعيناه تسأله بوجع وخوف:
"يعني أنت دلوك هتاخد حق أبوك من أبوي وتقتله؟"
ضيق عيناه برجاء وقد ظهر الشجن على قسماته. هو كان يخشى من هذا السؤال. يعرف جيدًا أن رغبته في الثأر لوالده قد تفقده كل شيء جميل في حياته، وهو الآن على مشارف خسارة أولهم.
ظلت تنظر إليه منتظرة الرد لكنها كانت تحصل على الصمت فقط ونظرات الأسف. مما جعلها تفغر شفتيها وعيناها بصدمة وبسرعة تهب واقفة من جانبه وهي تسأله بحدة:
"ما ترد عليا ياچلال.. أنت ناوي تعمل إكده صح؟!"
للمرة التانية يجيب على سؤالها بالصمت وهو مكانه لا يتحرك. ونظراته أصبحت تحمل القوة وكأنها تجيب بدلًا من لسانه الذي لا يستطيع التحدث. فانهمرت دموعها غزيرة فوق وجنتيها وهي ترمقه مندهشة بعدم استيعاب ثم صرخت به منفعلة بقهر:
"هو حتى لو أبوي صح قتل.. أنت تعمل زيه وتقتل؟ هو قتل النفس ده حاچة هينة وساهلة قوي بنسبالكم إكده!!!"
مسح على وجهه وهو يزفر بخنق ثم استقام واقفًا ليطالعها بحدة ويهتف:
"أنا مش قادر اسيب حق أبوي وفي نفس الوقت مش عاوز اخسرك واللي كان مانعني كل ده هو أنتي عشان بس هو أبوكي للأسف."
ضحكت بمرارة وبوجه باهت انطفأ منه الضوء أجابته في غضب:
"لا وتفكر فيا ليه عاد. ما أنت خلاص خدت قرارك ومخطط تنفذه. ومش فارق معاك حد لا أنا ولا عيالك ولا حتى العيل اللي في بطني اللي بعد كام شهر هياچي على الدنيا والله اعلم لما ياچي هيلاقي أبوه عايش ولا ميت ولو كان عايش فأكيد هيكون في السچن."
أشاح بوجهه للجهة الأخرى يتنفس بقوة محاولًا تمالك انفعالاته بعدما قذفت الحقيقة المرة في وجهه والتي يحاول التغاضي عنها طول الوقت. لكنها الآن ذكرته بمسئولياته تجاه أولاده وتجاهها. فعاد بوجهه لها مجددًا وصرخ بها منفعلًا بصوته الرجولي المرعب:
"عاوزاني اعمل إيه يعني اسيبه عايش متهني وانسى حق أبوي عشان بس هو أبوكي."
صرخت هي الأخرى بعصبية وصوت به بحة عنيفة من فرط البكاء والانهيار:
"وهو مين اللي فهمك وفهمكم أن اخد الحقوق مهمتكم أنتوا. في ربنا موچود وفي قانون. لكن أنت مبتفكرش غير في نفسك ومش هامك لا أنا ولا عيالك."
أنهت عباراتها وحدقته بخزي قبل أن تهم بالانصراف وتركه، لكنه قبض على ذراعها وجذبها ليعيدها إليه مجددًا وهو ينظر في عيناها ويهتف ساخرًا بألم:
"أنا بردك اللي مبفكرش غير في نفسي ولا أنتي!!"
رغم الانهيار والحالة المزرية التي كانت فيها إلا أنها وقفت بثبات أمامه ولم تجيب. فتابع هو بنفس النبرة لكنها كانت محملة بالإزدراء:
"أنتي مش حاطة روحك مكاني ولا حاسة باللي حاسس بيه رغم أن مفيش حد عارف أنا عشت إيه ومريت بإيه غيرك. لكن رغم كل ده بتفكري في أبوكي وبس ومش عايزة تخسريه حتى بعد ما عرفتي أن هو سبب كل النصايب دي. مش بتفكري أنا حالي كيف دلوك ولا مهتمة تعرفي حتى."
دفعت يده بعيدًا عن ذراعها وصاحت به بحرقة:
"بعني أنت عاوز تقولي أنك هتقتل أبوي وأنا احس بيك وأوافقك مثلًا ولا إيه!!"
ابتسم بمرارة ليسألها بحزم ووجع ظاهر في نظراته:
"يعني لو مكنش أبوكي اللي قتل كنت هتسبيني اقتل عادي."
غضنت حاجبيها بصدمة وعدم تصديق لما تسمعه أذناها. ولاحت في عيناها نظرات العتاب والاستياء الشديد الذي جعلها تنفجر به وهي تصرخ بهستريا وتضربه فوق صدره منفعلة:
"انت ليه عاوز دايمًا تحسسني أني مبحبكش وأنك مش فارق معايا واهم حاچة عندي نفسي وبس. كيف ماهو أبوي حتى لو غلط فغصب عني مش هبقى عاوزة افارقه وأنت كمان چوزي وأبو عيالي ومش عاوزة اخسرك ولا ابعدك عني. أنت عاوزاني اختار بينكم وده مستحيل ياچلال."
أنا مش هقدر اختار و.....
انهارت قواها وضعفت فتوقفت عن الكلام وتراجعت للخلف وهي تبكي بحرقة وصوت مرتفع ملأ الغرفة بأكملها، جلست فوق الفراش وهي منخرطة في نوبة بكائها العنيفة وجسدها كله ينتفض، فاقترب هو منها وجلس بجوارها وكان سيهم بضمها لكنها صرخت به غاضبة وهي تبعده عنها وترچع للخلف:
_بعد عني واطلع برا هملني لحالي
لم يهتم لما تقوله وحاول للمرة الثانية فعادت تصرخ بحدة وهستيريا أكثر:
_قولتلك بعد
وللمرة الثالثة كان يتجاهل رغبتها ومحاولاتها البائسة في إظهار نفورها منه وكرهها، حيث احاطها بذراعيه عنوة وجذبها لصدره رغمًا عنها وبيديه يحكم القبض عليها حتى لا تخرج من بين قفصه، رغم مقاومتها ومحاولاتها للفرار لكنها باتت بالفشل واستسلمت في النهاية لتبدأ في البكاء الشديد من جديد فوق صدره تاركة نفسها غارقة بين ذراعيه وبحر غرامه وحنانه الذي تعشقه.
***
بغرفة ابراهيم وإخلاص داخل منزل ابراهيم الصاوي......
دخلت إخلاص من باب الغرفة وهي حاملة فوق ذراعيها صينية فوقها أنواع مختلفة من الأطعمة، نظرت لابراهيم مبتسمة بدفء ثم اقتربت منه بعدما أغلقت الباب ووضعت الطعام أمامه على الفراش هاتفة:
_حضرتلك العشا عشان تاكل وترم عضمك إكده
نقل نظره بينها وبين الطعام وعلى ثغره ابتسامة دافئة قبل أن يعتدل في موته وهي جالسًا ليجيبها بحب:
_تسلم يدك ياغالية يا أم الغالي
بادلته الابتسامة بينما هو فبدأ في تناول الطعام بنهم وفي وسط الأكل نظر لها عندما وجدها لا تأكل وقال:
_مبتاكليش ليه مدي يدك وكُلي
هزت رأسها بالرفض وهي تبتسم له بحنو متمتمة:
_لا أنا مش جعانة كمل وكلك أنت بالهنا والشفا
اكمل طعامه غير منتبهًا لنظراتها الدقيقة له حتى سألته باهتمام:
_مقولتليش إيه اللي حُصل يا ابراهيم وكيف راسك اتفتحت إكده؟!
تنهد الصعداء ثم أجابها بهدوء مختلقًا كذبة حتى لا يخبرها بالحقيقة:
_تعبت ودوخت في الوكالة ولما وقعت اتخبطت في سن الكنبة اللي في المكتب
شهقت بصدمة وخوف ثم هتفت بعتاب وانزعاج:
_وه دوخت كيف يا ابراهيم.. تلاقيك مخدتش علاچك عشان إكده تعبت
_معرفش عاد يا إخلاص اهو اللي حُصل، الحمدلله أنها چات سلامات
مسحت على ذراعه بحنو ونظرات محبة وهي تردد:
_الحمدلله من إهنه ورايح تاخد بالك من علاچك وصحتك زين
رفع رأسه وترك الطعام ليتمعنها مبتسمًا بدفء قبل أن يشير لها على الفراش بجواره:
_تعالي چاري إهنه
ضيقت عيناها باستغراب لكنها امتثلت لطلبه واستقامت وتحركت لتجلس بجواره فتجده يلف ذراعه حول كتفيها متمتمًا بعينان دافئة كنبرته التي تحمل لمسة التعجب:
_هو أنتي مزعلناش مني على اللي عملته معاكي من كام يوم لما عرفتي بالسر اللي كنتي مخبيه يا إخلاص
حدقته مطولًا بعبوس بسيط قبل أن تجفل نظرها عنه للحظة وتعود إليه مجددًا وهي ترد بابتسامة عاشقة:
_زعلت وغضبت قوي منك ويمكن مازالت زعلانة شوية.. بس مقدراش أبعد عنك ولا اشيل منك رغم كل اللي عملته فيا لساتني بحبك يا ابراهيم وأنت چوزي وأبو عيالي
لمعت عيناها بوميض الحب والدفء وهو يبتسم لها فانحنى عليها ولثم شعرها وجبهتها هامسًا:
_أنتي مكانك في قلبي مختلف عن أي حد تاني وحبي ليكي غير عشان إكده دايمًا لما الدنيا بتضيق عليا قوي برچعلك أنتي يا إخلاص عشان عارف زين أن مفيش حد هيفهمني ولا ياخد بيدي غيرك ياغالية
ابتسمت له بغرام وراحت ترتمي بين ذراعيه فوق صدره وهي مغلقة عيناها بسعادة بينما هو فهتف لها بخفوت ونبرة ماكرة:
_تعرفي أني اتوحشتك قوي
ابتعدت عنه وعندما نظرت في وجهها وتعبيراته الوقحة ضحكت وهي تلكمه بلطف في كتفه متمتمة:
_ ياراچل حتى وأنت تعبان اختشي
ضحك بنظرات لعوب وهو يمد يده على الصينية ويحملها ليزيلها من فوق الفراش متمتمًا:
_أنا كيف الحصان.. نشيل الوكيل ده بس الأول عشان ناخد راحتنا
كانت تراقبه وهي ينهض من الفراش ويضع الطعام على المنضدة بعيدًا عنهم وهي تضحك عليه باستمتاع وحب، حتى وجدته يعود لها مجددًا وينقض عليها......
***
بصباح اليوم التالي....
كانت آسيا في طريق عودتها للمنزل بعدما انتهت من شراء بعض مستلزماتها الشخصية، وكانت مارة في طريقها من أمام معرض الأجهزة الخاصة بأبيها وأخيها فتسمرت مندهشة عندما رأت منيرة تقف أمامه وتحدق في الباب مترددة.
اشتعلت نيران الغيظ والنقم في صدرها وبالأخص عندما تذكرت ما سردته لها فريال وكيف انتهى بها المطاف ولماذا طلقها شقيقها، لكنها نجحت كعادتها في التحكم بانفعالاتها ولم تسمح لمشاعر الغضب بأن تسيرها على هواها، حيث حكمت عقلها ومشاعرها بنفس الوقت وتصرفت بذكاء، فاقتربت منها بتريث تام وهي تبتسم ببرود غريب حتى وقفت خلفها وهتفت بقوة:
_إيه محتاچة حاچة ولا إيه يامنيرة؟
انتفضت منيرة مفزوعة والتفتت بجسدها بسرعة للخلف لكي ترى وجه تلك التي تحدثها، فاتسعت عيناها بذهول عندما رأت آسيا لتبتسم بلؤم وتجيب عليها بوقاحة:
_چاية اشوف چوزي عندك مانع ولا إيه يا آسيا
ضحكت آسيا بطريقة غريبة تثير القلق ثم ردت عليها بنظرة مميتة:
_لا معنديش مشكلة أنك تشوفيه.. بس عندي مشكلة صغيرة في كلمة چوزك دي يعني على حسب ما عرفت أنه طلقك ورماكي كيف الزبالة برا بيته
ابتسمت منيرة بثقة وقالت بشر وغل:
_ده شيطان ودخل بينا وهو لو سمعني هيسامحني ويردني تاني
طالت نظرات آسيا المريبة لها وهي محتفظة ببسمتها الساخرة حتى قالت لها بخبث:
_هو في شياطين تاني في بيت أبوي اصل أنا اللي اعرفه أن كان في خلود ومعدتش قاعدة وبعديها كان في شيطان وواقف قصادي أهو
اشتعلت نظرات منيرة بالغيظ والحقد فقالت لآسيا بتحذير شيطاني وتهديد:
_خليكي بعيدة عني يا آسيا عشان كيف ما قولتي أنا شيطان يعني خافي على روحك احسن احرقك
اختفت بسمة آسيا تدريجيًا حتى تلاشت تمامًا وتحولت تعبيراتها من الهدوء للشراسة حتى نظراتها أظلمت وأصبحت كروح شريرة خرجت للتو من أعماق الجحيم، فانتصبت في وقفتها بجبروت وتقدمت من منيرة حتى وقفت أمامها مباشرة وأصبح لا يفصل بينهم سوى سنتي مترات قليلة، ورأت منيرة الشر الحقيقي المتطاير من عيني آسيا وملامحها المرعبة جعلتها ترتبك ثم سمعتها ترد عليها بصوت يشبه فحيح الأفعى كله إنذار وتحذير:
_أنا مش فريال اللي هتهدديني وأخاف منك، أنت تاچي عندي وتقفي عشان لو حاولتي تلعبي معايا هتشوفي النار اللي حق، متنسيش روحك قصادي واعرفي زين أنتي بتتحدتي مع مين، لو فريال مقدرتش عليكي ولا عرفت تبعدك عن چوزها فأنا عارفة زين هوقفك عند حدك كيف، ودي آخر مرة اشوفك بتحومي حوالين اخويا تاني ولو خايفة على روحك تحطي كلامي حلق في ودنك ومتطلعهوش
بتلك اللحظة كان جلال في طريقه لخارج المعرض فرأى زوجته السابقة وشقيقته، اتسعت عيناها بصدمة وسرعان ما ظهر الغضب الشديد على ملامحها ليندفع نحوهم مسرعًا وهو يوجه حديثه الصارم نحو منيرة هاتفًا:
_أنتي بتعملي إيه إهنه.. بجاحتك وصلتك أنك تقفي قصادي وتاچي لغاية عندي من تاني
نظرت لها آسيا مبتسمة وقد تحولت بلحظة وهي تتمتم بهدوء مزيف على عكس نظراتها المنذرة:
_هي خدت اللي فيه النصيب وفهمتني زين قوي، يعني مش هتقرب من إهنه تاني صُح يامنيرة
نظرت منيرة بغل ووعيد لآسيا ثم نقلت نظرها لجلال لترمقه بحزن وأسف لكنها لم تتحدث وقررت الانصراف والرحيل هذه المرة فتلك الساحرة الشريرة أفسدت عليها خطتها.
فور رحيلها التفت جلال بنظره المندهش لشقيقته يسألها بابتسامة دافئة:
_أنتي كنتي چاية عندي يا آسيا؟!
ردت عليها بجدية وضيق بسيط يثبت أنها مازالت لم تصفى له كليًا:
_لا كنت معدية بالصدفة ولما شوفت منيرة وقفت وحذرتها عشان تبعد عنك أنت وفريال
ابتسم لها بحب أخوي صادق، رغم أنها قد تكون سامحتهم لكنها مازالت تكابر وترفض الاستسلام بسهولة فقال لها بضحكة عريضة وحنو:
_طيب تعالي ادخلي چوا عاوز اتكلم معاكي
هتفت بالرفض والحدة المتصنعة:
_لا أنا مستعچلة وكمان عمران ميعرفش فمش عاوز أتأخر
رفع جلال حاجبه مبتسمًا بتعجب ودهشة ملحوظة عندما أوضحت له أنها تخشى غضب زوجها وأنها لم تخبره فردد ضاحكًا:
_عمران امممم.. طيب تحبي اوصلك للبيت
آسيا برفض قاطع وقوة:
_لا شكرًا
أنهت عباراتها وسارت مبتعدة عنه تتركه وكأنها تهرب منه بينما هو فظل مكانه واقفًا يتابعها وهو يضحك بحنو وفرحة أن شقيقته قد تعود بينهم أخيرًا.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي....
جلست آسيا على الفراش بعد عودتها للمنزل ودخولها لغرفتها وهي تفكر فيما حدث للتو، رغم غضبها منهم إلا أنها شعرت بالسعادة أنها تحدث مع أخيها، مهما حاولت المقاومة مشاعرها تغلبها ولا تستطيع إنكار حقيقة أنها حتى هي اشتاقت لهم وبالأخص لأمها وأخيها.
انفتح الباب ودخل عمران فاشاحت آسيا بوجهها للجهة الأخرى رافضة النظر إليه بينما هو فرمقها بغيظ رافعًا حاجبه ثم تحرك نحو الخزانة وفتحها لكي يخرج ملابس أخرى بدل التي يرتديها وبين كل لحظة وأخرى كان يرمقها بطرف عيناه سريعًا، وكلماتها بالأمس وهي تخبره بكل صراحة أنها تريد الانفصال عنه تشعل صدره كلما يتذكرها وتجعله يود الانفجار بها وتلقينها درسًا حقيقيًا على تلك السخافة التي تفوهت بها.
لم يكن حالها مختلقًا عنه ورغم أن عيناهم لم تلتقي معًا ولم تجمعهم الصدفة في تلك اللحظات ألا أنها حتى هي كانت تختلس النظر إليه في فضول وحزن وكأنها تحاول اختراق علقه ومعرفة ما الذي يفكر به ويشعر به الآن تجاهها.
استقامت واقفة وكانت ستهم بالرحيل ومغادرة الغرفة كلها لكن أوقفها صوته الأجشَّ:
_رايحة وين؟
هتفت بهدوء تام دون أن تنظر له:
_هنزل اقعد تحت
ظنها لا تريد البقاء معه بنفس المكان من شدة نفورها منه في حين أنها كانت تحاول الهروب منه حتى لا تضعف أمام مشاعرها، فألقى بملابسه في عنف على الفراش مستاءًا واندفع نحوها ثائرًا ليجذبها من ذراعها هاتفًا بعصبية:
_إيه مش طايقة تقعدي معايا في نفس الأوضة خلاص ولا إيه!
شعرت بالألم البسيط في ذراعها من قبضته القوية فقالت له بضيق:
_سيب يدي وهملني ياعمران
اشتعلت نظراته وتأججت نيران صدره أكثر، فرغم أنها لن تكن تقصد لكنها بعباراتها أثبتت له ظنونه حول نفورها منه، فوجدته يترك يدها ويلف ذراعه حول خصرها ليجذبها إليه بعنف فاصطدمت بصدره بقوة وللحظة شعرت نفسها محبوسة داخل قفص صغير وضيق جدًا ولا تستطيع حتى الحركة، فطالعته بصدمة وهتفت بعدم فهم وانزعاج بسيط:
_إيه اللي بتعمله ده!!
رأت يحدقها شزرًا بغيظ وغضب شديد دون أن يلين قبضته حولها ولو قليلًا حتى ويسألها بحدة في نظرة تحدي:
_قوليلي إكده تاني أنتي كنتي بتقولي إيه امبارح بليل
فهمت ما يلمح إليه فنظرت في عيناه القاسية بتحدي وكررت بشجاعة:
_كنت بقولك نطلق..
معدتش شايفة إن هينفع نكمل أكتر من كده مع بعض.
صر على أسنانه وهو يحاول التحكم بزمام انفعالاته ويرد عليها بنفس تعبيراته السابقة:
_ وفي حاجة كمان تاني قولتيها.
سكتت للحظة تتذكر حديثهم، كيف كان. وفور تذكرها اشتدت حدة ملامحها لتجيبه بثبات وجفاء متصنع:
_ قولت إني ندمانة إني حبيتـ...
بترت عبارتها بمنتصفها ولم يدعها تكملها، موضحًا لها بفعلته أنها تزعجه بشدة ولا يقبل أن يسمعها منها، حتى مهما حدث بينهم فلن يسمح لها بأن تفسد حبهم بكلماتها السخيفة تلك.
لحظات طويلة دامت حتى فاقت هي من سحر تأثيره وابتعدت عنه بسرعة مندهشة، لتجده يهتف بغضب:
_ هو الطلاق بنسبالك لعب عيال عشان في أي مشكلة تحصل بينا تقولي طلقني.
آسيا بسخط وقهر:
_ أنت عارف زين إنها مش مشكلة عادية يا عمران، وعشان كده الطـ...
صاح بها منفعلًا يمنعها من استرسال حديثها:
_ مفيش طلاق وانسى الموضوع ده نهائي، فاهمة ولا لأ.
هزت رأسها بعدم اقتناع وهي تبتسم بقلة حيلة وتجيبه:
_ أنت مش مدرك الوضع اللي إحنا فيه يعني.. شايف إننا هنعرف نكمل بالشكل ده.
هدأت نبرة صوتها حتى قبضته على خصرها لانت قليلًا وهو يهتف بحزم:
_ مدرك وشايف كويس قوي، بس ده مش معناه إني أطلقك وأسيبك. إحنا كنا جيران وكملنا رغم كل الظروف اللي مرينا بيها، بداية من جوازنا، فمش هنيجي في آخر محطة ونقف. الثأر اللي بينا مش ذنبك ولا ذنبي.
حدقته مطولًا بعينان دامعة قبل أن تبتعد عنه وتهتف في ألم:
_ صح مش ذنبنا، بس كمان إحنا ناسنا في النص ومفيش حد هيتخلى عن ناسه.
أجابها بحزم ونظرات كلها احتواء وحب:
_ وأنتي ناسك كمان ومش هتخلى عنك. انسى الطلاق يا آسيا.
أنهى عباراته وابتعد عنها ليغادر الغرفة بأكملها ويتركها مكانها متسمرة ودموعها تنهمر بصمت فوق وجنتيها، وبعد لحظات ابتسمت مغلوبة بحب وهي تتذكر كلماتها الغاضبة ورفضه التام في التخلي عنها وقبلته العاشقة لها.
***
خرجت فريال من غرفة أولادها بعدما انتهت من ترتيبها وكانوا هم بالمدرسة. تحركت باتجاه غرفة نومها، وبينما كانت في طريقها قابلت جلال الذي كان هو كذلك متجهًا للغرفة بعد عودته من العمل للتو. تعمدت تجاهله وعدم النظر إليه وأكملت طريقها كما هي، بينما هو فتأفف بخنق وسار خلفها ودخل بعدها ثم أغلق الباب.
وجدها اتجهت فورًا نحو الحمام دون كلمة. فاقترب من الفرش وجلس على حالته ساكنًا ينتظر خروجها. وبعد دقائق طويلة نسبيًا خرجت ولكنها كانت على نفس الحالة، لا تنظر له ولا تتحدث. فتأفف بنفاذ صبر وهب واقفًا ليقترب منها بتريث ويقف خلفها وهي أمام الخزانة:
_ هتفضلي لغاية امتى كده مبتبصيش في وشي؟ ده أنا ما صدقت إنك رضيتي عني يا فريال وملحقتش أفرح ولا أتهنى برجوعك ليا.. ودلوقتي بقينا كيف الأول من تاني.
أخذت نفسًا عميقًا والتفتت له بجسدها تقول في جدية وضيق:
_ لا مرجعناش كيف الأول يا جلال. بس أنا لازم أعمل كده عشان تعرف وتفهم إن اللي عاوز تعمله غلط، حتى لو مكنش أبوي لكن المبدأ نفسه غلط. أنا معنديش مشكلة في إن أبوي يتعاقب على غلطه ولازم ياخد جزاءه، بس مشكلتي في القتل.
ابتسم بسخرية وغضب بسيط وهو يرد:
_ امال أنتِ عاوزاه ياخد جزاءه كيف؟
هتفت بقوة واستياء:
_ في مليون طريقة يتعاقب بيها مش بس القتل والدم والتار اللي دمرنا وعاوزة دلوقتي تقضي علينا واصل. فكر فينا وفي اختك وأنها للأسف خلاص حبت عمران وهو حبها. انتوا لو في فرصة إن الدنيا تتصلح والمشاكل تخلص باللي هتعملوه هتنهوا على كل حاجة وهتفرقوا الكل.
جلال بنظرة قاسية وممتلئة بالشر والغل:
_ طول ما أبوكي موجود مفيش حاجة هترجع كيف ما كانت ولا المشاكل هتخلص يا فريال. هو سبب كل حاجة وللأسف الحكاية هتنتهي بالدم كيف ما بدأت.
أسرعت تحاول إقناعه بوجهة نظرها ومحو فكرة الثأر من عقله، حيث أمسكت بكف يده واحتضنته بقوة تنظر في عينيه بقهر وتوسل متمتمة:
_ لا أنت اللي بيدك تنهي الدم والتار ده أو تخليه مستمر وملازمنا وملازم حتى عيالك. محدش له ذنب فينا في اللي حصل يا جلال وعيالك ملهمش ذنب. عاوزاهم هما كمان يشيلوا الحمل ده فوق رؤوسهم وحياتهم تدمر أو يبقوا معادين خالهم وواقفين ضده، مع إن عمران ملوش ذنب كيفنا كلنا. معقول هترضي تضيع عيالك وأنت شايف أهو بسبب أبوي عياله بقوا كيف وحياتهم اتدمرت. عاوز عيالنا يبقوا كده برضه؟ أو حتى أنا مش بتفكر فيا وأني بحبك كيف ومقدرش على بعدك. عاوز تحرمني منك يا جلال؟ صدقني مش هقدر أعيش من غيرك.
رأت الإصرار والغضب الذي على ملامحه بدأ يتلاشى تدريجيًا، وكأنها نجحت في إقناعه والتأثير به بكلماتها وهي تذكره بأولاده وبهم. فهتف يجيبها بخنق ويأس:
_ غصب عني يا فريال، مش قادر أسيب حق أبوي.
ردت عليه بسرعة وهي مستمرة في محاولاتها لإقناعه:
_ أبوي غلط ولازم هيتعاقب، بس فكر في أي حل تاني تعوزه ويرضيك غير القتل، وصدقني إني بنفسي هقف في صفك وهقنع عمران وهخلي أبوي ينفذه. بس أبوس إيدك بلاش القتل وبلاش دم تاني.
وجدته ساكنًا يحدثها بصمت دون رد، يفكر فيما تطلبه منه رغم أنها على حق في كل كلمة، لكن مشاعره تمنعه من الانصياع لصوت عقله المنطقي. وبالنهاية هتف مغلوبًا شبه مستسلمًا:
_ ماشي يافريال.
لمعت عيناها بوميض مشرق وبسرعة ضحكت بفرحة وهي تسأله:
_ ماشي إيه؟ موافق يعني؟
جلال بحدة وبهجة رجولية حازمة:
_ لا طبعًا مش موافق، بس هفكر. ولو هدي لنفسي فرصة التفكير من تاني، فده عشان عيالي كيف ما قولتي.
اتسعت بسمتها أكثر وقالت بحب ونظرة دافئة:
_ عشان عيالك بس يعني!
جلال متنهدًا بقلة حيلة:
_ وعشانك يا فريال كمان، لأن حتى أنا مش عاوز أخسرك ولا أبعد عنك.
ارتمت عليه وعانقته بقوة وهي تلف ذراعيها حول رقبته وتقول بعينان دامعة من فرط مشاعرها الجياشة:
_ أنا عارفة إنك حنين وبتحبنا وقلبك مش هيطاوعك تعمل فيا وفي ولادك كده وتحرمنا منك. ومتأكدة إنك هتغير رأيك وهتلاقي حل وسط والحق يرجع بس من غير دم.
ضمها لحضنه أكثر وهو يزفر مغلوبًا، ثم دفن رأسه بين ثنايا رقبتها يشم رائحتها الجميلة ويقبلها بحب، بينما هي فهَدأت بين ذراعيه وأغلقت عيناها براحة.
***
داخل منزل داليا...
كانت جالسة فوق الأريكة بالصالة وشاردة الذهن تفكر بزوجها، والقلق يستحوذ عليها منذ أمس، لكنها لا تجرؤ على الاتصال به وربما تخشى ردة فعله. قطع وصلة شرودها وتفكيرها صوت ابنتها الصغيرة وهي تهتف:
_ مامي هو بابا فين؟ مش هيجي النهاردة؟
ردت على ابنتها بكل عفوية وعبوس:
_ لا يا ريم بابا تعبان ومش هيقدر يجي.
اتسعت عيني الصغيرة بصدمة وقالت لأمها تسألها بحزن:
_ تعبان ليه؟
سكتت داليا ولم تجب على سؤالها، بينما الصغيرة فتابعت بلهفة وحنو:
_ طيب اتصلي بيه أنا عايزة أكلمه.
طالعتها داليا مطولة بيأس وتفكير، لكن سرعان ما ابتسمت بحماس عندما فكرت أنها يمكنها استخدام ابنتها الصغيرة لامتصاص شحنة غضبه وتلطيف الأجواء القاسية بينهم. فجذبت هاتفها بسرعة وأجرت اتصالًا به ثم أعطت الهاتف لابنتها لكي تتحدث هي معه أولًا.
كان إبراهيم جالسًا فوق مقعده داخل غرفة خاصة بالوكالة، وعندما صدح صوت رنين هاتفه التقطه ونظر لشاشته يقرأ اسم المتصل، وبسرعة أجاب بغضب ينوي الانفجار في زوجته صارخًا، لكن كتم صوته بسرعة فور سماعه لصوت ابنته الصغيرة:
_ الو يا بابا.
ابتسم إبراهيم بحنو وأجابها بكل دفء:
_ أيوة يا ريم، عاملة إيه يا بابا؟
بتلك اللحظة كان بلال قد فتح باب الغرفة ودخل على والده، فتقدم نحو الأريكة الصغيرة المقابلة لمقعد والده وجلس عليها ليراقبه وهو يجري حديثه مع أخته الصغيرة كالآتي:
_ لا يا حبيبتي أنا مش هقدر آجي دلوقتي. بكرة إن شاء الله أول ما ترجعي من المدرسة هتلاقيني مستنيكي في البيت.
ردت عليه الصغيرة بفرحة وحماس شديد:
_ وعد؟
قهقه بخفة ثم أجابها مبتسمًا:
_ وعد إن شاء الله. يلا عاد سلام أنا هقفل عشان ورايا شغل.
وعدته الصغيرة وأغلقت الاتصال، ثم أخبرت أمها بما قاله لها والدها. رغم ارتياحها بأنه سيأتي غدًا، إلا أن قلقها زاد أكثر.
بينما على الجانب الآخر هتف بلال بغضب:
_ وتستنى ليه لغاية بكرة يا بوي؟ روح من دلوقتي.
تأفف إبراهيم بخنق ورد على ابنه بحزم:
_ خير يا بلال.
طالت نظرة بلال الغاضبة والمخزية لوالده قبل أن يقول بحدة:
_ عمران حكالي على كل حاجة، وأنك أنت اللي قتلت خليل.
ابتسم إبراهيم باستنكار وهو يجيب على ابنه بضيق:
_ إيه؟ وأنت جاي تقولي سلم نفسك كيف ما أخوك قالي؟
بلال بغضب وبهجة رجولية حازمة:
_ أيوة عشان هو ده الصح يا بوي. لمصلحتك ولمصلحتنا كلنا وعشان محدش يأذيك ولا الثأر يرجع من تاني بينا.
وقف إبراهيم وهو يصيح منفعلًا:
_ وأنا قولت لا يا بلال مش هسلم روحي وأنا معملتش حاجة، ومفيش مخلوق يقدر يأذيني من أساسه.
أنهى عباراته واندفع لخارج الغرفة ثائرًا، بينما بلال فاستقام وهتف مناديًا عليه يحاول إيقافه:
_ يا بوي استنى.
***
بتمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل مساءً، داخل غرفة عمران وآسيا...
كانت آسيا تقف أمام المرآة وهي تسرح شعرها ومرتدية ثوب وردي ناعم وقصير يصل فوق ركبتيها وبحمالات عريضة. لم تكن منتبهة لنظراته الثابتة عليها وهو يتمعنها بجرأة ويتفحص كل جزء. رغم أن لم يكن على ثغره أي ابتسامة وكان وجهه بلا تعابير، لكن عيناه كانت تحمل كل المشاعر المتضاربة ما بين الانزعاج والرغبة والحب. يتأمل في جسدها الممشوق وشعرها الغزير والطويل الذي يغطي ظهرها كله وذلك الثوب المثير الذي يزيدها جمالًا. لولا علاقتهم المضطربة والحزن الذي بينهم لكان الآن انقض عليها.
عندما انتهت والتفتت بجسدها ثم تحركت باتجاه الفراش ودخلت تحت الغطاء تنوي النوم. تصنمت مكانها فور ملاحظتها لنظراته الجريئة والثابتة عليها فتسأله بقوة:
_ مالك بتبص كده ليه؟
دار بنظره على جسدها وهو يرد عليها بسؤال آخر يحمل لهجة الاستنكار:
_ إيه اللي لبساه ده؟
سكتت للحظة تستوعب سؤاله والسبب وراءه، ثم نزلت بنظرها على جسدها تتفحص ثوبها وهتفت بعدم فهم:
_ ماله اللي أنا لبساه؟!!
مال ثغره للجانب في بسمة ساخرة وعينان تلمع بوميض وقح وخبيث قبل أن يجيبها:
_ مش لبس واحدة كانت امبارح والصبح بتطلب الطلاق أبدًا.
رغمًا عنها ابتسمت وهي تشيح بوجهها عنه مغلوبة، ثم ردت بنبرة ساخرة:
_ امال لبس إيه؟
اقترب منه وهو يبتسم بلؤم ويتمتم:
_واحدة هي وجوزها كيف السمنة على العسل ومفيش بينهم أي حاجة وهي متجهزةاله عشان يقضوا ليلتهم الصباحي.
توردت وجنتيها بحمرة الخجل وبسرعة هتفت في ارتباك واستياء شديد وهي تحاول الهرب منه:
_لا مفيش الكلام ده أنا لبساه عادي.
ظهرت أسنانه من وسط بسمته وهتف بمكر:
_بس أنا مش شايفة عادي!
توترت أكثر وخجلها ازداد ضعفاً فقالت وهي تعود برأسها للخلف هاتفاً بجدية بسيطة رغم رغبتها به لكنها تقاوم:
_عمران متنساش كلامنا الصبح واللي قولته ليك.
اختفت ابتسامته وظهر محلها الخنق والغضب وهو يرد منزعجاً:
_مش فاكر يا آسيا ومش عاوز أفتكر.
أخذت نفساً عميقاً باستسلام في أن يقبل رغبتها فهتفت بخفوت وهي تهم بجذب الغطاء عليها:
_تصبح على خير.
وجدته يجذبها من ذراعها وهو يهتف باستهزاء من تصرفها:
_بتعملي إيه؟
آسيا بتعجب:
_هنام!
عمران بحزم وعينان مشتعلة بلهيب الرغبة:
_مفيش نوم.. كان لازم تفكري زين قبل ما تلبسي لبسك العادي ده.
حجبت ضحكتها بصعوبة وقالت له برجاء محاولة الفرار من بين براثينه:
_طب حقك عليا خليني أنام عاد ياعمران عشان خاطري واوعدك مش هكررها تاني.
ابتسم بسخرية ورد بخبث:
_ومين قالك أني مش عاوزك تكرريها أصلاً!!
شعرت بجسدها كله تجتاحته برودة غريبة من فرط الخجل والتوتر بينما هو فانحنى عليها وهمس أمام وجهها مباشرة بصوت تغمره مشاعر العشق والرغبة:
_بحبك ياغزالي.
ابتسمت في استحياء وحب ظاهر في نظراتها له، لتجد لسانها يتحدث دون وعي وهي ترد عليه بهيام:
_وأنا كمان يامعلم.
كانت تلك الإشارة الخضراء بالنسبة له لكي ينطلق بها بين طرق العشق والغرام، تاركين خلفهم كل شيء قد يفسد متعة حبهم وحياتهم الهادئة.
***
داخل غرفة فريال وجلال بمنزل خليل صفوان.
اتجه جلال لغرفة أولاده ليطمئن عليهم بعد عودته من العمل وعندما فتح الباب وجد فريال نائمة بالمنتصف بينهم، فابتسم لها بدفء واقترب منهم لينحنى على رأس أولاده الاثنين يلثم كل منهم بقبلة حانية وعندما وصل لفريال طبع قبلته فوق وجنتيها بجانب ثغرها ثم مد ذراع أسفل ظهرها والذراع الآخر بمنتصف قدميها ليحملها بين ذراعيه ويتجه بها للخارج نحو غرفتهم.
دفع الباب بقدمه عندما وصل وبعد دخوله فعل المثل مع الباب بقدمه لكي يغلقه، تحرك بها نحو الفراش ووضعها فوقه بكل رفق، اعتدل في وقفته وهم بالابتعاد عنها لكنها قبضت على يده توقفه وهي تهتف بصوت ناعس:
_رايح فين؟
التفت لها غاضاً حاجبيه باستغراب ثم رد عليها مبتسماً:
_أنتي صاحية!!
خرج صوتها الخافت والناعس متمتمة برقة:
_تعالى خليك جاري.
رمقها بغرام وعاطفة مطولاً ثم أبعد يدها عن رسغه واقترب من الفراش مجدداً لكي يدخل معها تحت الغطاء ويضمها لصدره متمتماً بمزح جميل:
_متناميش عاد في أوضة العيال تاني عشان مش هقدر أشيلك تاني أنتي تخنتي قوي يافريال.
فتحت جزء من عيناها وهي بين ذراعيه بعدما صك سمعها عبارته المستفزة بالنسبة لها وهتفت بغضب بسيط وسط خمولها وهي تضربه على صدره بخفة:
_لو قولت إكده تاني مش هكلمك ولا هنام جمبك واصل تاني.
جلال ضاحكاً بصمت:
_امال هتنامي فين؟
فريال بصوتها الخافت:
_جار عيالي وهسيبك إهنه وحدك عشان تقول عليا تخينة تاني كويس.
انحنى على رأسها يلثم شعرها بحب وهو يهمس ضاحكاً بهيام:
_أنا بحبك في كل حالاتك يافريالي.. وبعدين أنتي أول ما تولدي وزنك هيرجع ينزل تاني.
ابتسمت بسعادة وغرام وهي مغلقة عيناها ثم ردت عليه بصوت متهدج:
_وأنا كمان بحبك.
انحنى عليها ثانية وهذه المرة كانت شفتيه تلثم أي جزء في وجهها تطوله وسط ابتسامة ثغره الرقيقة مثلها دون أن تفتح عيناها، متلذذة بملمس شفتيه الغليظة وهي تتجول على وجهها كله.
***
عودة لمنزل ابراهيم وتحديداً داخل غرفته هو وإخلاص، فتح ابراهيم عيناه عندما سمع صوت طرق وكان حجر يضرب زجاج نافذة الغرفة، استقام واقفاً من الفراش واتجه نحو النافذة ليفتح الزجاج ويقف يلقي نظرة بالأسفل في الشارع ليرى من سبب تلك الإزعاج، فوجد دراجة نارية تقف أمام منزله وتحديداً أمام نافذة غرفته وفوقها شابين ملثمين، فضيق عيناه باستغراب، ثم وجد أحد الشابين رفع رأسه له وأخرج من جيبه سلاح ناري وصوبه باتجاهه ليطلق نيرانه ويصيبه برصاصتين واحدة استقرت بيساره والأخرى برقبته.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم ندى محمود توفيق
فتحت آسيا عيناها مفزوعة على أثر صوت الصراخ المرتفع.
وبسرعة هبت جالسة وهي تتلفت حولها بزعر.
فرأت عمران نائم بثبات عميق ولا يشعر بشيء.
مدت يدها وهزته بقوة من كتفه هاتفة:
عمران قوم إيه صوت الصراخ ده.
فتح عمران عيناه ببطء وخمول.
لكن فور التقاط أذنه صوت الصراخ انتفض جالسًا وهو يسألها:
في إيه؟
آسيا بأنفاس متسارعة:
معرفش اطلع شوف.
نهض من الفراش بسرعة وقد استطاع تميز الصوت وأنها أمه.
مما زاد من زعره أكثر.
هبت آسيا هي أيضًا واقفة واسرعت نحو الخزانة تخرج عبائة مناسبة وفضاضة ترتديها فوق قميصها وارتدت أيضًا حجابها.
واسـرعت تلحق بعمران الذي كان يركض مفزوعًا باتجاه غرفة أمه.
فتح الباب على مصراعيه.
وقبل أن يخطو خطوة أخرى للداخل تجمد بأرضه وهو يرى أبيه غارق بدمائه فوق الأرض وأمه بجواره ممسكة برأسه وتضمها لصدرها تبكي وتصرخ.
وصلت آسيا وهي ترتجف من الزعر.
فصوت الصراخ أكثر ما يرعبها بعد وفاة والدها.
وعندما رأت ذلك المشهد أمامها شهقت بصوت مرتفع ورفعت يدها لفمها تكتم صوت شهقاتها المصدومة.
فاق عمران من صدمته بعد لحظات واندفع نحو والده يجثي على الأرض أمامه.
لا إراديًا كانت يده ترتجف وهو يمد أنامله لرقبته الغارقة بالدماء ومصابة برصاص.
يحاول استشعار نبضه لكنه لم يحصل على إي إشارة تدل على بقائه على قيد الحياة.
وقد انقطع النفس وتوقف النبض.
وصل بقية من في المنزل على صوت الصراخ بعدما استيقظوا من النوم.
فارتفع صوت صراخ عفاف الهستيري فور رؤيتها لزوجها هكذا.
وكان بلال يركض نحو والده ليجثي بجوار أخيه في محاولات بائسة رغم أنه يعرف أنها لن تجدي بنفع.
لكنه كان يحاول إنقاذه.
تجمع جميع عائلته حوله بما فيهم أخيه باستثناء آسيا التي كانت تقف مكانها عند الباب وتراقبهم بسكون رغم انهيارها الداخلي.
وهي تتذكر ذلك المشهد من أبيها عندما كان بنفس المنظر.
وصلت سيارة الإسعاف بوقت قياسي بعدما قام بشار بالاتصال بها.
وبسرعة المسعفين نقلوه على السيارة.
لكنهم كانوا يخرجونه من منزله وهو مفارق الحياة.
وصراخ النساء يرتفع أكثر الذي امتزج بعويلهم ونواحهم الهستيري.
استقل جميع الرجال بسيارة عمرات ليلحقوا بالإسعاف.
لكن تولي مهمة القيادة بشار بسبب الانهيار والحالة المزرية التي كانت تستحوذ على عمران وبلال.
استمرت إخلاص بالصراخ العنيف وهي تولول وتنوح بصوت مرتفع وسط محاولات الجيران السيدات لتهدأتها.
بعض منهم كان يهدأ من عفاف والآخر من إخلاص.
الجميع كان في حالة صعبة ويبكي باستثناء آسيا كانت تتابعهم بثبات تام.
وفور سقوط نظر عفاف على آسيا أصبحت كالجمرة المشتعلة وغارت عليها تنوي الانقضاض عليها.
لولا النساء أمسكوا بها واخذت تصرخ بها بغل:
انتي قاعدة إهنه بتعملي إيه بعد ما قتلتوا چوزي أنتي وناسك.
التزمت آسيا الصمت ولم تجيب على عفاف.
بينما هي فاستمرت في صراخها وبكائها المرتفع.
وعلى الجهة الأخرى كانت إخلاص من فرط انهيارها فقدت وعيها.
وانشغل الجميع بمحاولات إفاقتها.
على الجانب الآخر كانت فريال قد انتهت من ارتداء ملابسها وهي تبكي بعنف وترتجف بعدما وصل لها خبر قتل أبيها.
وبسرعة كانت تندفع خارج غرفتها وتركض على الدرج غير مبالية بحملها.
حتى وصلت لباب المنزل ومن ثم قادت خطواتها الشبه ركضًا نحو منزل والدها بالشارع المجاور وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع.
لم يتمكن جلال من منعها لكنه اوقف أولاده من اللحاق بأمهم مفسرًا أنه ليس وقت مناسب لذهابهم.
ثم اندفع نحو جده بغرفة الجلوس الخاصة به وفتح الباب دون طرق وطلب الأذن أولًا.
فور دخوله رأى جده يجلس على مقعده وممسكًا بعصاه وهو يبتسم ويقول لجلال براحة وسعادة:
مبرووك ياچلال حق أبوك وولدي رچع أخيرًا.
تقدم جلال من جده وجلس على المقعد المقابل له وهو يسأله بعدم فهم:
مين اللي قتله؟
حمزة ببسمة نصر وتشفي:
منصور.
اتسعت عيني جلال بدهشة ثم تحولت نظراته للغضب وهو يهتف:
وأنا معنديش علم بالكلام ده ليه ياچدي.
اختفت بسمة حمزة ورد على حفيده بجدية واهتمام:
هو ده الصح ياولدي أنا من البداية مكنتش موافق أنك تدخل في التار ده وتقتل.
أنت لساتك صغير ومعاك عيالك صغيرين ومحتچاينك چارهم.
لا أنا ولا عمك كنا هنسمح أننا نيتمهم بدري إكده ونحرمهم من أبوهم.
هب جلال واقفًا منفعلًا ليقول بسخط شديد وحدة:
ده أبوي يا چدي وأنا اقرر إذا كنت أنا اللي هاخد حقه ولا حد تاني.
لكن أنت وعمي اتفقتوا وخططتوا من غير علمي كأني مش موجود.
وصلت جليلة بتلك اللحظة وقد سمعت آخر عبارات ابنتها.
فاقتربت منه وهي تبتسم بسعادة ولمعة مميزة تظهر في عيناها لأول مرة منذ وفاة أبيها لتقول:
چدك عنده حق ياولدي وأنا قولتلك الكلام ده بس أنتي مسمعتش كلامي.
مش مهم دلوك مين اللي حد تار أبوك أنت وعمك واحد وكفاية أن أبوك حقه رچع وارتاح في تربته.
مسح جلال على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وقد هدأ ثورانه قليلًا.
فوجه حديثه لجده يسأله بقلق:
عمي وين دلوك.
أجاب حمزة بغلظة:
خده علي وهربه هيقعد في بيت البلد القديم الحكومة هتبدأ تدور عليه دلوك بعد ما تعرف.
ضيق جلال عيناه باستغراب:
وأنت متأكد أن محدش هيعرف مكانه هناك ولا يوصله.
هز حمزة رأسه بالإيجاب.
بينما جلال فعاد يجلس على مقعده مجددًا وهو يزفر بقوة.
حتى سمع صوت حمزة وهو يسأله بهدوء مريب:
مرتك راحت لبيت أبوها طبعًا؟
أكتفي جلال بنظرته القوية التي تؤكد سؤال جده.
أما جليلة فقد هتفت مبتسمة بحقد:
ان شاء الله تكون الأخيرة ومترچعش تاني.
رأت ابنها يرمقها شزرًا بغضب بعد كلماتها.
فلوت فمها بخنق والتزمت الصمت مجبرة حتى لا تتلقي منه التوبيخ وتشهد على سخطه الحقيقي.
***
أمام المشرحة....
تم نقل ابراهيم مباشرة للمشرحة بعدما تأكدوا من وفاته.
وكانوا ينتظروا أمام الباب ينتظرون التقرير الطبي حتى يتمكنوا من استلام جثمان ابراهيم ويبدأوا في إجراءات الدفن.
كان عمران جالسًا فوق أحد المقاعد ويحدق بيده الغارقة بدماء والده.
وعقله لا يفارقه مشهده وهو على الأرض غارق بالدماء والرصاص بجسده.
ليته سمع منه وامتثل لطلبه عندما أخبره بضرورة تسليم نفسه للشرطة.
الآن هو فارق الحياة وتركه بين نيران الدماء حائر لا يعرف ماذا يفعل.
على الجهة المقابلة كان بلال يجلس ورغمًا عنه كلما يتذكر مشهد والده عيناه كانت تلمع بالعبرات.
لكنه كان يشد على محباسهم ويمنعهم من السقوط.
حتى صدح صوت عبد العزيز الغاضب والمتوعد يهتف:
أكيد چلال اللي عمل إكده.
قتلوا أخوي في نص بيته وفي اوضته بس أنا مش هسكت عن حقه.
لم يكن عمران وبلال بحال تسمح لهم بالرد على عمهم.
حيث التزموا الصمت وانغرقوا في صدمتهم وحزنهم على الفراق.
لكن بشار اقترب من والده وهتف له بصوت رجولي حازم:
اهدى يابوي مش وقته الكلام ده دلوك خلينا الأول ندفن عمي وبعدين نشوف هنعملوا إيه.
ثم اقترب بشار من عمران الشارد وانحنى عليها يربت فوق كتفه ويهتف له بصوت خافت:
قوم ياعمران وحد ربنا إكده واغسل يدك من الدم ده.
خرج صوته أخيرًا وهو يجيب على ابن عمه بمرارة:
لا إله إلا الله.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم استقام واقفًا وسار باتجاه الحمام لكي يغسل يديه ووجهه.
وفعل بشار المثل مع بلال وهو يحسه على الوقوف والعودة لرشده.
***
بتمام الساعة السادس صباحًا....
عاد الرجال للمنزل أخيرًا بعدما انتهوا من دفن ابراهيم.
وكان جميع الرجال متجمعة خارج المنزل بالشارع ليقدموا واجب العزاء.
وسيارات الشرطة تجمعت وامتلأت حول منزل خليل وإبراهيم بحثًا عن القاتل ومنعًا لأي قتالات قد تنشب بين العائلتين قد ترهق أرواح أخرى فيها.
داخل منزل ابراهيم بينما كان جميع النساء بملابس سوداء.
وكانت فريال تجلس بجوار أمها وهي متشبثة بذراعها وتبكي معها بحرقة وألم.
فجأة هبت إخلاص واقفة بنظرات غريبة جعلت الكل بغضن حاجبيه بتعجب.
ثم وجدوها اندفعت للدرج مسرعة تقصد الطابق الثاني فلحقت بها بعض النساء.
وظلت فريال مكانها ساكنة تبكي بصمت حزنًا وقهرًا على والدها.
فتحت إخلاص باب غرفة ابنها على مصراعيه واندفعت للداخل.
وقد كانت آسيا تجلس فوق اريكتها بهدوء وترتدي ملابسها الطبيعية الألوان.
لكنها استقامت واقفة باستغراب وهي ترى اقتحام إخلاص الغرفة ومعها بعض النساء يحاولون ردعها وتهدأتها.
لكنها دفعتهم بعيدًا عنها واتجهت نحو آسيا ثائرة لتجذبها من ذراعها وهي تصرخ بها بغل ونقم:
معدش ليكي مكان في البيت ده ومش عاوزة اشوف وشك في بيتي تاني واصل.
دفعت آسيا ذراع إخلاص عنها بعنف لتقول بابتسامة ساخرة:
ده على اساس أني عاوزة اقعد في البيت ده قوي يعني.
اللي چابرني بس اني استحمل العيشة إهنه هو چوزي.
صرخت بها إخلاص بهستيريا محاولة التحكم بانغعالاتها حتى لا تضربها:
متنطقيش چوزي تاني واصل.
ولدي هيطلقك فكرك هيسيبك على زمته بعد ما أخوكي قتل أبوه.
اشتعلت نظرة آسيا وتحولت للشراسة وأصبحت مرعبة وهي تهتف بكل ثقة وجبروت:
أخوي راچل ولد راچل وخد بحق أبوه.
من چوزك اللي قتله وأنتي كنتي عارفة واسترتي عليه.
رفعت إخلاص يدها في الهواء بلحظة غضب وهوت بكفها فوق وجنة آسيا.
التي رمقتها شزرًا وبعينان ملتهبة كلها وعيد وغل.
وباللحظة التالية فورًا كانت إخلاص تقبض على ذراع بسيل وتجذبها معها للخارج وهي تصرخ:
مش هتقعدي في بيتي ولا دقيقة تانية يا**** ورچلك من إهنه ورايح مش هتخطي عتبة البيت ده وولدي تنسيه واصل.
رغم الإهانة التي تعرضت لها وليس من شيم آسيا السكوت.
لكنها استسلمت مؤقتًا أمام إخلاص وصارت معها للخارج وهي تجرها باتجاه الدرج ومن الدرج لباب المنزل تطردها من المنزل كليًا.
كان داخلها يغلي من فرط الغضب وتوعدت لإخلاص على تجرأها عليها بهذا الشكل المهين أمام الجميع.
لكنه ليس الوقت المناسب الآن لتشن سيفها في وجهها وإلا ستقلب الطاولة عليها هي وتصبح المذنبة وهي لا تريد ذلك.
أمام أنظار الجميع وحتى فريال التي لم تحرك ساكنًا كانت إخلاص تصل لآسيا لباب للمنزل وتدفعها للخارج وهي تصرخ بها بتحذير:
رجلك متعتبش البيت ده تاني يابت خليل فاهمة ولا لا.
وقفت آسيا خارج المنزل وهي تتطلع بإخلاص في برود مخيف وعينان مظلمة لا تبشر بالخير أبدًا.
ولحسن الحظ أن لم يلاحظها أحد من الرجال وكانوا في جانب بعيد عنهم نسبيًا.
فتحركت آسيا وابتعدت عن المنزل ولم يكن أمامها طريق سوى طريق منزل والدها وهي تنوي أخيرًا العودة له ودخوله مجددًا.
ربما لكي تحتفل معهم برچوع حق والدها أخيرًا وانتهاء عذابهم.
وقفت أمام المنزل وهي ترفع رأسها للأعلى تتأمل منزلها بعين دامعة.
سقط نظرها على شرفة غرفتها وامتلأت عيناها بالعبرات أكثر.
وانهمرت عباراتها وهي تتذكر مشهد ابراهيم بالأمس ومشهد أبيها منذ سنتين.
كانت متصنمة بأرضها تبكي بصمت وهي لا تستوعب كيف حدث كل هذا خلال سنتين فقط.
تبدلت حياتهم وانقلبت رأسًا على عقب وكل منهم الآن بوادي مختلف عن الآخر.
رفعت أناملها لوجهها بعد برهة من الوقت ومسحت دموعها ثم تقدمت نحو باب المنزل وطرقت عدة طرقات عليه وظلت بالانتظار.
حتى انفتح الباب وظهرت من خلفه جليلة التي شهقت مندهشة فور رؤيتها لابنتها وعيناها لمعت بوميض جديد.
أما آسيا فطالت النظر لوجه أمها وكلاهما تلاقت اعيننهم وهم يبتسمون بفرحة وعينان دامعة.
فارتمت بين ذراعين أمها وهي تبكي وتقول براحة:
حق أبوي رچع أخيرًا ياما.
احتارت جليلة على أيهما تسعد أكثر.
هل بأخذ ثأر زوجها أم عودة ابنتها لحضنها مرة أخرى.
فوجدت نفسها تنفجر باكية بسعادة غامرة وهي تضم آسيا لصدرها أكثر مقبلة رأسها بعدة قبلات متتالية وتهمس:
أنا مفيش حد في فرحتي الليلة چوزي حقه رچع وبتي في حضني.
ابتعدت آسيا عن أمها وهي تسألها بقلق واهتمام:
چلال وين.
چلال هو اللي قتله صُح؟
هزت جليلة رأسها بالنفي مصححة شكوكها:
لا عمك وهرب عشان الحكومة.
تلفتت آسيا برأسها حولها وهي تسأل للمرة الثانية:
وچدي وين؟
طلع هو وچلال من الصبح بدري مش قاعدين.
تقريبا راحوا لعمك.
جذبتها جليلة من يدها وهي تجرها معها تجاه الأريكة وتهتف بلهفة وحنان:
تعالي اقعدي واحكيلي إيه اللي چرا معاكي.
جلست آسيا بجوار أمها وهي تبتسم بحب.
ربما لم تنسى ما فعلوه لكنها قررت الغفران فهمها فعلت لن تستطيع الافتراق عنهم طوال حياتها.
ليحيا غفران جديد من رحم الحرب.
***
بتمام الساعة التاسعة مساءًا.....
خرجت فريال من منزل والدها وهي تقود خطواتها الثائرة باتجاه منزل زوجها.
رغم الانهيار الذي تعاني منه لكنها كانت تظهر الثبات والقوة باحترافية.
وهذه ليست فريال أبدًا الرقيقة.
ماتت القديمة وجاءت للحياة أخرى ستقف بوجه جميع العواصف المدمرة.
وصلت لمنزلها وطرقت الباب.
ففتحت لها الباب إنصاف التي ضيقت عيناها باستغراب بعدما رأت وجهها المريب.
فدفعتها فريال من أمامها واندفعت مسرعة نحو الدرج تقصد الطابق الثاني حيث غرفتها وهي تعرف جيدًا أنه موجود الآن.
فتحت الباب ودخلت فوجدته يجلس على الأريكة ويحدق في الفراغ بشرود.
ابتسمت له بخزي وغضب ثم ثارت عليه وهي تصرخ بانفعال:
أنت اللي قتلته ياچلال صُح؟
استقام جلال واقفًا بفزع على أثر صراخها وهو يغضن حاجبيه بتعجب ليحيبها بعد لحظات بهدوء:
للأسف مش أنا يافريال.
فغرت عيناها بدهشة وعبارته زادت من اشتعال النيران في صدرها أكثر.
فهـرولت إليها حتى أصبحت أمامه وراحت تضربه في صدره بعنف صارخة به في عينان غارقة بالدموع:
للأسف!!
يعني أنت كنت ناوي تعملها رغم كل اللي قولتهولك ومفكرتش في حد غير في نفسك.
قبض على كفيها يمنعها من ضربه أكثر وهو مازال محتفظ بثباته الانفعالي ويجيبها بهدوء:
مكنتش هعملها بس كنت أحب أنا اللي آخد حق أبوي بيدي حتى لو كان بطريقة تاني غير القتل.
انتشلت يدها من قبضته وهي تضحك بسخرية وتهتف بسخط:
وهو مش أنت قتلته دلوك بالفعل!
جلال بنظرة حادة وقد بدأ الاستياء يظهر معالمه على وجهه الرجولي:
قولتلك مش أنا يافريال!
صرخت بعدم اقتناع وتصديق له:
كذاب ياچلال.
أظلمت عيناه ولعل اللحظة فقد ثباته المزيف وظهر جانبه السيء والمخيف بعدما وصفته بالكاذب.
فراح يصرخ بها بصوت جهوري نفسها بأرضها:
أنا مش خايف منك ولا من حد عشان أكذب.
لو قتلته كنت هعملها بيدي وقصاد ناسه كلهم مش هأجر شويه صيع يعملوها في نصاص الليالي والخلق نايمة.
تقهقهرت فريال للخلف بذهول يملأ تعبيرات وجهها كلها بعدما سمعت تحوله المرعب وكأنه شخص آخر وليس زوجها.
لتقول له بوجه غارق بالدموع وصوت مبحوح:
أنت لا يمكن تكون چلال اللي أنا اعرفه.
ابتسم لها بمرارة ثم هتف بخشونة:
أنا متغيرتش ولساتني كيف ما كنت لكن أنتي اللي اتغيرتي يافريال.
ومبقتش عارفك ولا عارف مين اللي قصادي وفي كل مرة بتثبتيلي عدم ثقتك وحبك ليا.
فريال بغضب وقهر:
إيه علاقة حبي ليك باللي أنت عملته.
أنت بس عشان تاخد حق أبوك مفكرتش في حد غير نفسك وانتقامك لا في عيالك ولا فيا ولا في حد واصل ودلوك بتقلب الطرابيزة عليا كيف كل مرة وتقولي مبحبكش.
طال تمعنه بها في خزي ومرارة قبل أن يهتف بجفاء ونبرة تحمل الحزم والمشاعر الحقيقية:
أنت عاوزة إيه يافريال رغم أني قولتلك اللي حصل ولساتك مصممة أني أنا اللي قتلت أبوكي.
طيب أنا هسمعك اللي عاوزة تسمعيه بس صدقيني لو طلعتي من الأوضة ورچعتي بيت أبوكي وأنتي لساتك مصممة على اللي في دماغك وفكراني كذاب ومش مصدقاني اعتبري روحك خسرتيني صُح المرة ديه.
هدأت نبرتها وسألته بصوتها المبحوح ونظراتها المندهشة:
قصدك إيه؟
جلال بغضب وحدة:
أيوة أنا اللي قتلت أبوكي مش هو ده اللي عاوزة تسمعيه عشان تأكدي على اللي في راسك واديني بقولك أهو.
بتلك اللحظة وصلت آسيا على أثر صياحهم المرتفع ولأن الباب كان مفتوح دخلت واقتربت من فريال تهتف لها بخفوت:
فريال اهدي وارچعي لأمك وبعدين ابقوا اتكلموا أنتي مش دارية باللي بتقوليه ولا بتعمليه دلوك.
التفتت فريال تجاه آسيا ولأول مرة ترمقها شزرًا بحقد وهو تصيح بها:
ملكيش صالح يا آسيا ومتدخليش بينا.
رفعت آسيا حاجبها بدهشة ونظرة كلها استنكار من التحول الجديد في شخصيتها الرقيقة.
فردت علي فريال هذه المرة بقسوة وقد نزعت عنها رداء اللطف والحنو:
مليش صالح كيف.
هو مش اللي بتتهميه في قتل أبوكي القاتل ده يبقى أخوي ورغم أنه معملش حاچة لكن أنتي مش عاوزة تصدقي غير روحك.
وقفت فريال بمواجهة آسيا مباشرة وتطلعت في عيناها بشراسة وهي تهتف:
أنتي آخر واحدة تتكلمي قصادي يا آسيا.
وتحمدي ربك أن عمران سامحك رغم أنك حاولتي تقتليه والحمدلله أنه طلع منها سليم.
ودلوك رغم كل الحب اللي كنتي بتقولي عليه سبتيه في الوضع اللي هو فيه ورچعتي لناسك اللي رموكي ومحدش فيهم صدقكك وكانوا عاوزين يقتلوكي.
أخوي اللي سيباه ده هو اللي نقذك منهم.
اتسعت عيني جلال بصدمة مما تتفوه به زوجته أمامه.
ولا يصدق أن تلك الكلمات تخرج من فمها هي.
فصاح منفعلًا بغضب ليسكتها:
فـريال اقفلي خشمك ده.
ردت آسيا مبتسمة بثقة وثبات تامة تقول لأخيها وهي مثبتة نظرها على زوجته:
سيبها ياچلال خليها تكمل.
جايز تكون صح مش دارية بروحها وموت أبوها لحس نافوخها بس خليها تفضي كل اللي في عبها.
أصل اللي حُصل ده هيخلي الكل يظهر على حقيقته، كملي يافريال أنتي عاوزة تقولي يعني أني لولاكم كان زماني ميتة دلوك وأن ليكم فضل عليا.
فريال بابتسامة جافة ومريرة:
بقول أنك ملكيش عزيز يا آسيا وغدارة وحتى الحب مبتعرفيش تحبي وأول ما حق أبوكي رچع هملتي عمران.
انفعلت آسيا وتحولت لثور هائج وهي تصرخ بها:
أنتي اتخبلتي في نافوخك ما قصاد عينك شوفتي أمك وهي بتطردني من البيت.
بعدين حاسبي على حديتك معايا زين يافريال ومتنسيش أنا مين.
أنا مقدرة وضعك وعشان إكده ساكتة ومستحملة كلامك بس متزودهاش اكتر من إكده لمصلحتك.
رمقتها فريال بتحدي وهي تقول بغيظ:
هتعملي إيه يعني لو مسكتش.
تدخل جلال وفارق بينهم بذراعه وهو يصرخ بصوته الرجولي الهادر:
بزيادة هو احنا في إيه ولا إيه مش عاوزة نفس واحدة فيكم فاهمين ولا لا.
التفتت فريال تجاه جلال ورمقته بغضب قبل أن تبتعد عنهم وتقول:
أنا راچعة بيت أبوي.
وبينما كانت في طريقها لخارج الغرفة توقفت على أثر صوته وهو يذكرها بنظرة جادة:
مستنيش اللي قولته ليكي يافريال.
التفتت له برأسها بعدما فهمت مقصده جيدًا وطالعته للحظات بمرارة قبل أن توليه ظهرها وتكمل طريقها.
بينما آسيا فقد تطلعت بشقيقها ورتبت فوق كتفه بحنو متمتمة:
مسيرها تعرف أنها غلطانة ياچلال.
اعذرها هي مش في وعيها دلوك ومش عارفة بتعمل إيه.
حدث في آسيا بحزن وهو يقول مبتسمًا:
ولما تعرف غلطها هيكون فات الآوان يا آسيا.
ثم ابتعد عنه شقيقته وقاد خطواته باتجاه الحمام ليتركها واقفة مكانها وهي تفكر بكلمات فريال لها.
رغم أنه لم تكن تنوي ترك زوجها في ذلك الوضع لكن ما فعلته إخلاص أفقدها آخر ذرة من تحملها على البقاء بذلك المنزل.
وهي الآن لا تستطيع التوقف عن التفكير به وتتساءل هل أدرك غيابها أم مازال لم يلاحظه.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي بعد رحيل جميع الناس كانوا الرجال يجلسون مع بعضهم في غرفة الجلوس ويتحدثون.
قصدك صوت بشار وهو يتساءل:
الحكومة لسا ممسكتش العيال اللي عملت إكده؟
خرج صوت عمران المريب مجيبًا:
مسكوهم واللي قتل منصور مش چلال.
هتف عبد العزيز بدهشة وغضب:
ومنصور وينه؟
عمران بلهجة تحمل الوعيد الحقيقي:
هربان بس هيفضل هربان إكده لغاية ميتا هجيبه وهيوقع تحت يدي.
بشار بصوت غليظ:
أكيد چلال وحمزة صفوان عارفين مكانه وين.
رفع عمران نظره لبشار وطالعه مطولًا بتفكير قبل أن يهب واقفًا ويتجه لغرفته بالأعلى.
وفور دخوله اندفع نحو الخزانة.
لكنه توقف بمنتصف الغرفة عندما انتبه لعدم وجود زوجته.
فضيق عيناه باستغراب ثم صاح مناديًا عليها وهو يقترب من الحمام ويفتح الباب فلم يكن لها أثر أيضًا.
اندفع لخارج غرفته ثائرًا وبغضب ونزل للطابق الأرضي بسرعة فوجد شقيقته وأمه يجلسون على المقاعد والسكون يستحوذ عليهم.
رغم بكاء إخلاص الصامت إلا أنها كانت تحاول الثبات.
والتفتوا على أثر صوته الساخط:
آسيا وين؟
رفعت فريال نظرها لشقيقها واجابته بجدية وبرود تام:
في بيت ناسها رچعتلهم.
تقوست ملامح وجه عمران وأصبحت مخيفة وهو يردد عبارة شقيقته بصدمة:
رچعت كيف يعني.
ومين سمحلها تطلع وتروح!
التزموا الصمت ولم يجيبوه وبالأخص إخلاص تصنعت البراءة وكأنها لم تفعل شيء ولم تنظر لابنها عمدًا حتى لا يكشف أمرها.
بينما هو فسكوتهم زاد من اشتعال لهيبه أكثر وأثبت له أن زوجته خرجت من تلقاء نفسها وعادت لأهلها تحديدًا بهذا الوقت عنادًا به وبالجميع.
اندفع لخارج المنزل ثائرًا يقود خطواته الواثقة باتجاه منزل خليل صفوان.
وفور وصوله رأى جلال كان يجلس بالخارج أمام المنزل شاردًا الذهن.
فاستقام واقفًا عندما رأى عمران وطالعه بثقة تامة هاتفًا في سخرية:
إيه چاي تاخد بتار أبوك ولا إيه!
تقدم عمران نحوه بخطوات متريثة حتى وقف في مواجهته مباشرة وتطلع في عيناه بنظرة قاتلة وهو يقول:
لا أنا مبلطخش يدي بالدم وعمك هجيبه لو نازل تحت سابع أرض وانصحك متفضلش مداري على مكانه كتير عشان متتأذيش كيفه.
جلال بعين مظلمة ونبرة مريبة:
أنا مبتهددش.
واحمد ربك أننا سبنا ابراهيم الصاوي يموت براحة إكده بعد اللي عمله في أبوي وفينا يعني الموت كان قليل عليه.
نقض عمران على جلال وراح يقبض على رقبته يخنقه وهو يهتف بغضب وتهديد حقيقي:
أنا لو عاوز حق أبوي بالدم مش هخلي حد فيكم واصل وهتبقي مچزرة.
دفع جلال يده عنه وراح يوجه له لكمة عنيفة ومبرحة اختل توازنه وكاد أن يسقط على أثرها وهو يهتف له بسخط واستهزاء:
وأنت أول واحد هتقع في المچزرة دي على يديك.
كانت آسيا بتلك اللحظة في طريقها للخارج وهي تحمل بيدها كأس الشاي الخاص بشقيقها.
لكن سقط الكأس من يدها على الأرض بصدمة عندما رأتهم وهم يتقاتلون وهرولت نحوهم وهي تبعدهم صارخة بزوجها:
عمران بتعمل إيه!!
رقمها شزرًا وراح يجذبها من ذراعها نحوه لتقف بجواره وهو يهتف لها متوعدًا:
أنتي خليكي إهنه ومتتحركيش هترچعي مكانك اللي سيباه من غير أذني وكأني مش موچود.
رأت آسيا نظرات الاشتعال في وجه جلال وكان على وشك الانقضاض على عمران مجددًا.
فأسرعت بسرعة تمسك بيد جلال وتختفي له برجاء:
جلال بزيادة أبوس يدك.
أنا همشي ومتقلقش عليا أنت عارف أختك زين.
رفع عمران حاجبه مستنكرًا ردها وهي تخبره بصراحة أنها ليست ضعيفة لكي تتركه يتمكن منها.
وعلاقتها التي عادت قوية مع شقيقها مجددًا فجأة.
التفتت آسيا باتجاه عمران وهي تحدقه بشراسة وقوة تليق بها.
لكن جلال لم يستمع لها وهتف بعصبية وهو يحاول جذبها من قبضة عمران:
هو أنت هتخليها ترچع معاك غصب.
كان عمران سيهم بالرد منفعلًا.
فتداركت آسيا الموقف بسرعة حتى لا ينشب قتال آخر بينهم واقتربت من أخيها بسرعة تهمس لها بنظرات دافئة متوسلة إياه:
چلال عشان خاطري بلاش مشاكل بزيادة اللي حُصل.
متقلقش عليا وعمران عمره ما هيأذيني.
رفع جلال نظره لعمران الذي يقف ويرمقه بغضب ويحاول التحكم بزمام انفعالاته قدر الإمكان.
وعندما عاد بنظره لأخته رأى التوسل في عيناها.
فتنهد الصعداء ولانا حدة نظراته ومعالمها.
فابتسمت آسيا براحة عندما رأت استسلامه والتفتت لعمران ترمقه بضيق قبل أن تتحرك متجهة لمنزلها معه وهو لحق بها.
***
فور وصول عمران وآسيا للمنزل ودخولهم هبت إخلاص واقفة بغضب وهي ترمق آسيا شزرًا مغتاظة.
التفت عمران بنظره نحو زوجته وهتف بلهجة آمرة ونظرة مخيفة:
اسبقيني على فوق واستنيني.
ألقت آسيا نظرة متشفية ومتوعدة على إخلاص ثم تحركت واتجهت نحو الدرج.
لكنها توقفت بمنتصف الطريق على أثر اعتراضها وهي تقول بحدة:
اقفي عندك رايحة وين.
سبق وقولتلك معدش ليكي مكان في بيتي إهنه.
هتف عمران بتعجب ونبرة حازمة:
چرا إيه ياما!
التفتت آسيا بجسدها نحو عمران وقالت له بلهجة ساخرة وسط نظراتها المشتعلة لإخلاص:
أصل أمك الصبح مدت يدها عليها وطردتني برا البيت قصاد الخلق والحريم كلها عشان إكده أنا روحت بيت أبوي.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ندى محمود توفيق
اتسعت عيني إخلاص وراحت تحدق في آسيا شزرًا من فرط غيظها ونقمها لها. لم تتمكن من التحكم بانفعالاتها فاندفعت نحوها تصرخ بها بعصبية:
"إيه بتشكيني لولدي كمان، مهو ده اللي ناقص ياعقربة!"
ارتفع صوت عمران الغاضب هاتفًا:
"أما أنتي عملتي إكده صُح؟"
التفتت إخلاص نحو ابنها وصاحت بوجهه في شجاعة:
"أيوة عملت وهعمل تاني، معاوزاش الحية دي تفضل في بيتي تاني بعد ما أخوها وناسها قتلوا چوزي."
رفع حاجبه بنظرة ثاقبة لأمه بعد عباراتها المهينة لزوجته. فتقدم نحوها وهو يقول بصوت رجولي غليظ:
"الحية دي مرتي وليها في البيت ده كيف ما ليا، مش إكده ولا إيه ياما؟"
نظرت إخلاص في عين ابنها بشراسة وصاحت منفعلة وبغل:
"لا ملهاش حاچة وأنت هتطلقها ياعمران."
اشتدت حدة نظراته وتقوس وجهه بشكل مخيف حتى خرج عن طور ثباته المزيف وصاح بعصبية في نبرته الرجولية:
"أنا اللي اقرر الكلام ده مش انتوا، ومفيش حد بيمشي كلمته عليا ياما. واللي أنتي عملتيه قصاد الخلق هنتيني وقللتي مني أنا مش منها. أنتي حتى في عز الحزن والموت واللي احنا فيه مش عاوزة تريحيني من المشاكل وبتزودي الهم عليا."
سكتت إخلاص باستسلام أمام جموحه المخيف وعيناها امتلأت بالدموع قهرًا وحزنًا على حالهم وفراق زوجها لها. بينما عمران فاستدار وتركهم مندفعًا نحو الدرج يقصد غرفته بالأعلى. وظلت آسيا مكانها تراقب تعبيرات إخلاص المنهارة بابتسامة متشفية. حتى سمعت صيحته الجهورية والمرعبة من الأعلى يقول:
"آســيــا!"
انتفضت مفزوعة ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تستدير وتلحق به في خطواتها البطيئة والمتوترة قليلًا. أما فريال فقد اقتربت من أمها وضمتها لصدرها وهي تهمس لها بصوت مبحوح:
"متزعليش من عمران ياما، هو كمان مضغوط وحالته صعبة. كتر خيره."
أجابت إخلاص وسط بكائها الشديد:
"أخوكي مبقيش شايف غير مرته الحرباية دي ومعوزش حد يقرب منها كأنها ملاك ومهتعرفش تاخد حقها. لا وبيتعصب عليا عشانها ومعملش حساب للي أنا فيه من امبارح."
تنهدت فريال الصعداء وهي تحاول الصمود حتى لا تنهار مع والدتها وهي تتذكر والدها لتجيبها برزانة:
"مهو الصراحة أنتي غلطانة ياما، مكنش ينفع تعملي إكده معاها على الأقل عشان عمران."
ابتعدت إخلاص عنها ونظرت لها ساخطة وهي تهتف:
"وأنتي هتدافعي عنها كمان قصاد...!"
فريال بهدوء تام وهي تمسح فوق ذراع أمها لتهدأها:
"أنا مش بدافع ياما، أنا بقول الحق."
ابتسمت إخلاص ساخرة وهي تشيح بوجهها بعيدًا عن ابنتها غير مقتنعة بما تقوله. ثم التفتت لها مجددًا بعينان نارية وهي تسألها:
"اوعاكي تقوليلي كمان أنك ناوية ترچعي لچوزك ده تاني بعد ما قتل أبوكي؟"
اطرقت فريال رأسها أرضًا في أسى فور ذكرها لزوجها. ففسرت إخلاص صمتها كردًا بالإيجاب على سؤالها مما جعلها تثور عليها وتصرخ:
"معدش ليكي رچوع تاني يافريال، وعيالك هياچوا يعيشوا إهنه في بيت چدهم وهتطلقي منه."
مالت فريال برأسها للجهة الأخرى بعيدًا عن أنظار أمها وقد امتلأت عيناها بالعبرات الحارقة حتى انهمروا فوق وجنتيها بغزارة حزنًا على والدها وعلى زوجها. باتت في حيرة من أمرها ولا تعرف على أيهما تتألم. بدلًا من أن يكون الآن بجوارها ويواسيها في محنتها ويخفف عنها الوجع تجلس هي بمفردها تعاني عذاب الفراق على كل شيء.
***
دخلت آسيا الغرفة خلفه وأغلقت الباب ببطء. ولم تلبث حتى تستدير له فانتفضت على أثر صرخته المرعبة بها:
"لما كل ده حُصل مقولتيش من الصبح ليه!"
التفتت له ببطء في ارتباك بسيط وطالعته باستغراب لتجيب بصوت خافت:
"هقولك كيف يعني ياعمران وأنت كنت وسط الرچالة في العزا."
كانت عيناه ملتهبة وحمراء بشكل مخيف مما جعلها تغضن حاجبها بحيرة من أمره. رغم أنها أخبرته بأنها لما تخرج من تلقاء نفسها وكان السبب أمه إلا أن غضبه لم يزول. رأته يتقدم نحوها مكملًا بلهجة رجولية مريبة:
"وإيه اللي رچعك بيت أبوكي ولا مرة واحدة إكده نسيتي اللي عملوه فيكي وسامحتيهم لما حققوا اللي كنتي بتسعيله وبتتمنيه؟"
اختفى التوتر من على ملامحها ووقفت أمامه بكل ثبات وهي تقول بقوة تليق بها دون أن يرف لها جفن أمام رجولته الطاغية:
"إيوة ياعمران، كانت بتمنى حق أبوي يرچع كيف ما أنت دلوك عاوز تاخد حق أبوك من عمي سواء بالقتل أو بالسچن. التار ده مكنش هيخلص غير بالدم كيف ما بدأ، وأنت أبوك عمل حچات كتير وأذى الكل حتى حريمه مسلموش منه."
أظلمت عيناه وهو يبتسم لها بقسمات وجه مرعبة ويجيبها بنبرة تثير الرهبة:
"آه يعني هو كان حلال فيه القتل والموت؟"
آسيا بكل ثبات انفعالي وصلابة:
"أبوك خد جزاء أفعاله."
رغم الهياج والثوران الذي يهدم كل شيء داخله بالأخص بعد عباراتها الأخيرة وهو يتذكر مشهد والده وهو غارق بالدماء إلا أنه كان شامخًا أمامها كالجبال ومازالت تعابير وجه مفعمة بالشدة.
تقدم خطوة أخرى منها حتى أصبح أمامها مباشرة ونظر في وجهها بقسوة غريبة وأعين لا تحمل الشفقة متمتمًا:
"الكل هيدفع تمن أفعاله متقلقيش. وأنتي متفكريش أنك عشان خلاص سامحتي ناسك تبقي هترچعيلهم من تاني ولا هطلقك. أنتي مفيش مهرب ليكي مني وحتى لو بنسبالك العيشة إهنه چحيم هتعيشي فيها غصب عنك."
صمتت وربما الاستسلام في مثل هذه المواقف ليس مألوفًا عليها لكنها على العكس تمامًا كانت هادئة تمامًا وهي تستمع لتهديداته القاسية ولم تبدي أي ردة فعل مغايرة. بل سكنت وتابعته وهو يبتعد عنها لينزع عنه العباءة البنية ويتجه نحو الأريكة ليجلس فوقها ويرچع بظهره للخلف رافعًا كفه لرأسه يفرك جبينه ويمسح على وجهه متأففًا والهم يحتل مقعده فوق تعابيره. فرمقته بأشفاق وسط بسمة ثغرها الساخرة.
تحركت بخطواتها الناعمة تجاهه حتى جلست بجواره على الأريكة والتصقت به. ثم رفعت يدها ومسحت فوق كتفه وذراعه بحنو وهي تتطلعه بمحبة متمتمة في صوت خافت:
"حتى لو سامحتهم عمري ما أرچعلهم واهملك. مقدرش ابعد عنك وبنسبالي الچحيم چنة طول ما أنت چاريك."
كان يستمع لها بهدوء دون أن يلتفت بوجهه لها فتابعت هي بنفس نبرتها السابقة:
"صحيح أنا يمكن أكون چبارة وقاسية شوية بس مش ناكرة للچميل عشان اهملك واسيبك في الحالة دي وحدك حتى لو كان اللي ميت ده أبوك اللي هو قتل أبوي. أنت فضلت ماسك يدي ومسبتنيش في أصعب الأوقات وحتى لما كنت بكون غلطانة كنت بلاقيك چاري وفي ضهري فلو هملتك واديتك ضهري دلوك ابقى مش أصيلة ومستحقش حبك ليا."
سكتت وهي تأخذ نفسًا عميقًا ثم انحنت عليه واستندت بذقنها فوق كتفه وهي تحدقه من الجانب بنظرات مغرمة هامسة بآخر عباراتها التي كانت نقطة النهاية لجدالهم كله منذ البداية:
"احنا اللي چمعنا مع بعض الموت، يعني الدم والتار عمره ما هيقدر يفرقنا."
مال عمران برأسه للجانب نحوها وقد لمع وميض الهوى في عيناه بعدما كانت ممتلئة بالقسوة، مترددًا كلمتها ببسمة بسيطة خرجت بصعوبة منه بسبب الحزن المستحوذ عليه:
"الموت؟!!"
هزت رأسها بالإيجاب هاتفة بدفيء وهي تشرح له مقصظها بوضوح أكثر:
"كان هيبقى دم تاني وكانوا هيقتلوني وحتى أنت كنت هتتأذي واللي نقذنا كان چوازنا، يعني يمكن لو مكنش في موت مكناش اتچمعنا. وأنا حبيتك رغم أني عارفة من البداية أن أبوك هو اللي قتل وأنت حبيتني رغم أني حاولت اقتلك. وكل ده حُصل وفضلنا مع بعض فمش هياچي التار دلوك وهو اللي يفرقنا.. أنا مش هسمح، ألا لو أنت عاد كان ليك كلام تاني!"
وجهه أصبح يشع بحرارة العشق والحنان ونظراته كلها احتواء ودفء فحرك ذراعه بلطف وابعدت هي ذقنها عن كتفه لوحده بذراعه يضمها لصدره هامسًا:
"معدش عندي حاچة اقولها بعد اللي قولتيه ياغزال. كلامك غالي عندي قوي وعمري ما هنساه. ولو هقولك حاچة دلوك فهي أني بحبك قوي."
ابتسمت بحب وسعادة داخلية وهي تتمتم مجيبة عليها بمشاعر جيَّاشة:
"وأنا كمان بحبك ياعمران."
انحنى على رأسها يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية ثم يتنهد الصعداء بقوة ويعود برأسه للخلف يسندها على ظهر الأريكة مغلقًا عيناه ليغرق في همومه مرة أخرى وهو يتذكر والده. حتى لو لم يكن يظهر ضعفه لكنه في الحقيقة منهار.
فتحت آسيا عيناها المغلقة عندما شعرت بسكونه المفاجيء والغريب ثم ابتعدت عن صدره وطالعته بحزن عندما رأته انغمس في الكآبة مجددًا وبتلقائية تامة اقتربت منه وضمته هي هذه المرة لصدرها تمسح فوق شعره بحنو تحاول التخفيف عنه. سقطت دمعة حارقة رغمًا عنه من عينيه فوق صدرها، خانته دموعه بالنهاية وفضحت انهياره الداخلي. لم تتحدث آسيا رغم شعورها بدموعه وظلت تمسح على شعره وظهره وهي تقبّل رأسه بحنو. وبعد دقائق طويلة نسبيًا عندما شعر بالراحة قليلًا ابتعد عنه واستقامة واقفًا ليتجه نحو الحمام ويتركها تتابعه بنظرات مشفقة. لا تحزن على شيء سوى على حالته فقط فهي تراه هكذا لأول مرة ولا يتحمل قلبها منظره المزري.
***
داخل منزل خليل صفوان.
كان جلال يجلس على الأريكة بالصالون شاردًا الذهن يفكر في زوجته وحالهم. قلبه يسحق تحت الألم والأسى من فراقهم. وبات لا يفهم لماذا علاقتهم لا تسير بشكل جيد كما كانت. وكلما يخطو خطوة تجاه بعضهم تدفعهم الظروف بعواصفها العنيفة للخلف مجددًا. يشتاق للراحة والسعادة التي كانت تغمر حياتهم ورغم كل شيء كانوا متمسكين ببعضهم. لكن الآن كل منهم أصبح في وادي آخر. يؤسفه القول بأنه لم يعد لديه أمل بأن علاقتهم قد تعود كالسابق وأصبح يعتقد أن زواجهم ربما ينتهي قريبًا حتى لو يكن يريد ذلك لكن استمرارهم على هذا الوضع لا يحتمل ولن يستطيعوا الاستمرار وهم كالقطبين المتنافرين هكذا. سئم المحاولة وحده في حين أنها لا تحاول من أجله كما يفعل. الآن هو يريد أن يشعر بمحاولاتها هي من أجله.
انتشله من عمق أفكاره الكئيبة صوت ابنه الأكبر بعدما جلس بجواره هاتفًا:
"أبوي."
التفت جلال بنظره نحوه يعيره اهتمامه فأكمل معاذ بنظرة متعجبة:
"هي أما مش هتاچي النهاردة البيت بردك؟"
تنهد جلال ثم مد يده يمسح على شعر ابنه وربت فوق ظهره بلطف متمتمًا:
"لا أمك هتقعد في بيت چدك شوية مع چدتك. بكرا بعد المدرسة روح أنت وأخوك واقعدوا معاها."
قال معاذ في نبرة جادة:
"نبيت هناك في بيت چدي؟"
جلال بصوت هاديء تمامًا:
"براحتك ياولدي، عاوزين تقعدوا چار أنكم اقعدوا."
وارد معاذ بصوت عابس ووجه حزين:
"أمي زعلانة قوي على چدي وأحنا كمان زعلانين هيوحشنا قوي."
طالع جلال ابنه بطرف عيناه في وجه خالي من التعابير ثم أخذ نفسًا عميقًا ومسح على ظهره بلطف هاتفًا في نبرة جادة:
"طيب يلا قوم نام مع أخوك الوقت أتاخر."
هز رأسه بالموافقة لوالده ثم استقام واقفًا واتجه نحو الدرج يقصد غرفته بالأعلى. وبينما كان في طريقه على الدرج قابل چدته وهي تنزل فابتسمت له بحنو ومسحت على شعره ليكمل هو صعوده وتنزل هي لابنها بالأسفل.
اقتربت جليلة من جلال بخطوات بطيئة حتى جلست بجواره وهتفت بنبرة منزعجة:
"هملت أختك تمشي مع عمران ليه!"
أردف جلال بحزم دون أن يلتفت لأمه:
"چوزها ياما وهي بنفسها اللي عاوزة ترچع معاه. هغصبها تتطلق منه وتقعد چارنا يعني وهو معملهاش حاچة ولا أذاها."
قالت جليلة بعصبية وحقد:
"أيوة تغصبها بعد قتل ابراهيم احنا إيه عرفنا يعمل معاها إيه هو وناسه. أنا مطمنش على بتي وهي وسطيهم."
التفت لها جلال ورمقها بنفاذ صبر وهو يقول ساخطًا:
"لو كان عاوز يعمل فيها حاچة كان عمل من أول ما اتچوزها ياما. اطمني آسيا زينة ومحدش يقدر يقربلها. أنتي دلوك احمدي ربك بس أنها سامحتنا ورچعت لينا من تاني. هي بتحب عمران ولو حاولتي تفرقيها عنه هتخسريها تاني."
ضيقت جليلة نظرها باستغراب من انفعاله الشديد وقالت له غاضبة:
"وه وأنت محموق قوي ومتعصب إكده عليا ليه.. ولا ده بسبب ست الحسن مرتك؟"
حدقها جلال بنظرة نارية تحمل الإنذار والخنق ثم هتف:
"أما ملكيش صالح بفريال.. أنتي آسيا رچعلتك بس هتخسريني أنا لو كملتي في اللي بتعمليه ده. فريال مرتي وأم عيالي وأنتي سواء شأتي أم أبيتي هتتقلبيها وترضي بالأمر الواقع. لو صح هامك مصلحتي وعاوزة سعادتي بدل ما أنتي بتعملي كل حاچة عشان تحرضيني على مرتي وتفرقينا هتحاولي تصلحي بينا وتچمعينا تاني عشاني وعشان عيال ولدك. ولو مش هتعرفي تعملي إكده يبقى تخليكي بعيدة واصل ياما."
تجمدت جليلة بمقعدها وهي تستمع لكلمات ابنها القاسية وتهديده الصريح لها بأنها ستفقده إذا استمرت في محاولاتها لتفريقهم. ولم يترك لها الفرصة للرد والاعتراض عليه حيث انهي حديثه واستقام واقفًا يتجه لغرفته بالأعلى يتركها شاردة فيما قاله تفكر بوجه عابس.
***
بصباح اليوم التالي.
داخل غرفة الجلوس الكبيرة منزل ابراهيم كانوا مجتمعين ويتحدثون عن ما الذي سيفعلونه مع منصور وكيف سيثأرون لابراهيم منه.
بينما عمران فكان جالسًا فوق أحد المقاعد يتابع حديثهم بصمت تام. وجهه خالي من التعابير لكن نظراته ثاقبة ومريبة. هو لم يذق النوم ليلة أمس أبدًا وظل مستيقظًا الليل كله يفكر بعقله لا بعواطفه حتى حسم قراره الأخير. والآن هو يستمع لقراراتهم التي لا تعجبه وسمع عمه وهو يقول بغل:
"حق أخوي مش هسيبه."
هنا خرج عن إطار صمته وهتف عمران بكلمات جعلت الجميع في حالة ذهول:
"الحق هناخده بالقانون ياعمي بزيادة دم لغاية إكده."
قال عبد العزيز بصدمة امتزجت بسخطه:
"إيه اللي بتقوله ده.. أنت هتسيب حق أبوك ياعمران!"
عمران بهدوء غريب لكنه لا يبشر بالخير:
"أنا مقولتش هسيب حقه قولت هناخده بس بالقانون.. هنفضل لغاية ميتا نقتل في بعض إكده وأبوي من البداية هو اللي فتح طاقة چنهم دي وقتل..."
بدأ على بلال وكأنه ليس موافق على رأي أخيه الكبير فهتف بلهجة رجولية خشنة:
"عـمـراناختفي السكون المزيف وانفجر بهم صائحًا بغضب:
"الحكومة برا في كل مكان ومش هتمشي غير لما تلاقي منصور. أنا معاوزش اشوف منظر كيف منظر أبوي تاني وهو غرقان في دمه لو كملنا في التار ده هيخلص علينا كلنا. وكمان معاوزاش عيالي اللي هياچوا يبقوا شايلين كفنهم على يدهم بسببي وبسبب چدودهم."
هتف عبد العزيز بسخرية وغيظ:
"قول عاد أن أنت خايف ياعمران ومقدرش تاخد حقه."
أظلمت عيني عمران وأصبحت تعابير وجهه مخيفة وهو ينحني للأمام في جلسته لينظر لعمه بنارية متمتمًا:
"أنت عارف زين أني مبخفش من حد ولو عايز اچيب منصور الليلة قبل بكرا هچيبه واقتله قصاد الكل.. لكن أنا بفكر في بعدين وبفكر بالمنطق.. ومتنساش أن أبوي هو اللي بدأ التار ده لما قتل خليل فلو قتلنا منصور دلوك مسمناش بناخد تار اسمنا بنقتل في بعض من غير سبب.. يعني التار خلص ياعمي ومنصور الحكومة هتچيبه."
كانت فريال خارج الغرفة تقف خلف الباب تستمع لحديثهم وعندما سمعت اسم منصور اتسعت عيناها بدهشة وعدم استيعاب. وبسرعة ابتعدت عن الباب لتتجه نحو أمها الجالسة على الأريكة بسكون تام تحدق في الفراغ بنظرات تائهة. جلست بجوارها وسألتها:
"أما هو منصور اللي قتل أبوي صُح؟!"
امتلأت عيني إخلاص بالدموع فور ذكر ابنتها لقتل والدها واكتفت بهز رأسها لها بالإيجاب. ودموعها تنهتر فوق وجنتيها بغزارة. بينما فريال فتمتمت بصوت منخفض ومندهش:
"يعني مش چلال."
***
بتمام الساعة الثانية ظهرًا.
وصلت فريال لمنزل زوجها وقادت خطواتها البطيئة باتجاه الدرج تقصد غرفة أولادها لكي تأخذ لهم ملابس تكفيهم خلال اليومين الذي سيقضونه معها في منزل جدهم. لحسن الحظ أن جليلة لم تكن موجودة فهي ليست في مزاج للنقاش معها أبدًا.
دخلت الغرفة وبدأت في إخراج ملابسهم من الخزانة ووضعها في حقيبة صغيرة. دقائق طويلة نسبيًا حتى انتهت وانحنت على الحقيبة تغلقها ثم تحملها بيدها وتسير بها للخارج. وقبل أن تغادر التفتت برأسها نحو غرفتها وتذكرت ما سمعته صباح اليوم من رجال عائلتها ثم ما قالته لزوجها وهي تتهمه بالكذب وأنه قاتل والدها. ظهر العبوس على ملامحها واطرقت رأسها أرضًا في خزي.
بعد لحظات تحركت واقتربت بخطواتها من الغرفة لكن توقفت أمام الباب مترددة. تفكر ماذا ستقول له وكيف ستنظر في وجهه. هو أخبرها صراحة أنه لن يسامحها. ازداد شعور النفور من نفسها ولم تجد الجرأة لمواجهته فقررت الانصراف. وعندما استدارت قبل أن ترفع قدمها لتبتعد انفتح الباب وكان يتحدث في الهاتف بجدية متمتمًا:
"أيوة جهز البضاعة وافرزها وأنا چايلك في الطريق."
تسمر مكانه عندما رأى زوجته أمامه فانهى اتصاله وانزل الهاتف من فوق أذنه ببطء ليصعه بجيب جلبابه. بينما فريال فكانت لا تقوي على النظر في عيناه مباشرة من خجلها. لكن حاولت التحدث معه بلطف وسألته:
"دي بضاعة تبع المعرض ولا إيه؟"
حدقها مطولًا بصمت دون رد وكانت نظراته جافة كتعابير وجهه بالضبط حتى قال في عدم مبالاة:
"خير يافريال!"
رمقته بأسى ووجه عابس ثم ردت عليه في خفوت تام:
"چيت آخد شوية هدوم للعيال عشان ملهمش هدوم في بيت أبوي."
جلال بثبات وبرود غريب:
"ليه هما هيقعدوا قد إيه معاكي؟!"
أجابته بنبرة رقيقة:
"يعني يومين."
حدقها لثواني بجمود قبل أن يستدير ويهم بالانصراف. لكنها أوقفته بصوتها الحزين:
"مش هتسألني أنا هقعد لغاية ميتا ولا هتقولي أرجع امتى؟!"
التفت لها برأسه وأجاب بقسوة مزقت قلبها:
"اقعدي زي ما تحبي يافريال براحتك.. مش فارق معايا أصلًا."
اتسعت عيناها بدهشة بعد عبارته الأخيرة وبسرعة اقتربت منه لتديره بجسده نحوها وهي تسأله في عينان دامعة:
"مش فارق معاك كيف يعني!"
نظر في عيناها الدامعة بثبات دون أن يرف له جفن وقال بسخرية مريرة:
"كيف ما أنتي مش فارق معاكي."
صعقها برده القاسي وبتلك اللحظة فقط أدركت جدية الأمر وأنه حقًا لن يسامحها. بينما هو فـ للمرة الثانية يستدير وكان سيذهب ويتركها. لكنها قبضت على ذراعه وتمتمت بصوت مبحوح:
"لو مكنتش فارق معايا مكنتش رچعتلك ووقفت قصادك اكلمك."
مسح على وجهه وهو يزفر بخنق ثم نظر لها بغضب أخيرًا هاتفًا:
"هتكلميني في إيه يا فريال ما أنتي قولتي اللي عاوزاه وزيادة امبارح، وراچعة ليه مش أنا اللي قتلت أبوكي."
أطرقت رأسها أرضًا وبدأت عيناها تذرف الدموع في غزارة وهي تجيبه بصوت منخفض ويحمل بحة تضعف القلوب:
"لا مش أنت.. عمك."
رغم أن منظرها اضعفه لكنه أبي الخنوع وإظهار ذلك حيث تابع بنفس قسوته وهو يبتسم ساخرًا يجيبها:
"وراچعة دلوك طبعًا بعد ما عرفتي أني مش أنا اللي قتلت، عشان تصلحي اللي عملتيه وتعتذري."
سالت عبراتها بقوة أكثر وبدأ صوت بكائها يرتفع فتابع هو بصلابة مزيفة، فهو يحارب حبه ومشاعره التي تلح عليه بأن يسامحها وينسى ما قالته أو حتى يلتمس لها العذر. لكنه رفض الاستماع لذلك الصوت فهو التمس العذر لها في كل شيء وسامحها وهي لم تفعل لمرة واحدة حتى، حان دورها الآن لتبذل القليل من الجهد لأجله:
"أنا قولتلك يافريال إنك لما ترچعي هيكون فات الآوان وخسرتيني، فمتنتظريش مني غفران."
رفعت رأسها عن الأرض ونظرت لها بوجهها الغارق بدموعها لتقبض على كف يده تحتضنه وهي تهتف بأسف وقهر:
"لا مخسرتكش.. أنا آسفة ياچلال سامحني أنا مكنتش حاسة بروحي وكان موت أبوي حارق قلبي وواچعني قوي، متهملنيش وتديني ضهرك في اكتر وقت محتچاك فيه."
جارت توسلها و قلة حيلتها و عجزها وهي تتعلق به معبرة عن احتياجها له دمر حصون قلبه القاسية. مهما يحدث بينهم هو ضعيف أمامها ولا يستطيع رؤيتها بهذه الحالة. ومهما حاول إظهار القسوة مثلها يفشل فروحه العاشقة والمعلقة بها لا تتحمل.
للحظة أخرى وكان سينهي كل شيء لكنه صمد حتى لو داخله غفر عنها ونظراته تحتضنها بدلًا من ذراعيه. لكن استحوذ عليه الانزعاج منها فجعله يظهر برود المشاعر وهو يجيبها بصوت غريب يثبت صراعاته الداخلية:
"أنا معايا شغل يافريال."
سكنت تمامًا وتوقفت عيناها عن ذرف الدموع مندهشة من رده الغير متكرث بأمرها رغم توسلها له بأن يظل معها ولا يتركها. أخذت تحدق في الفراغ أمامها بضياع ووجهها كله ممتليء بدموعها وجسدها ارتخى حتى قدرتها على البكاء فقدتها. ووجدت قدماها تقودها دون وعي نحو الغرفة للداخل وأكملت طريقها حتى الفراش ثم تسطحت بجسدها فوقه وهي تحدق في ضوء الشمس المتسلل من النافذة بسكون مريب وعيناها تذرف الدموع مجددًا لكن دون أن يصدر منها أي صوت فقد كانت كالجثة الهامدة التي بلا روح.
***
خرجت حور من بوابة الجامعة وكانت بطريقها لموقف السيارات حتى تستقل بسيارة أجرة تأخذها حتى منزلها. لكنها لمحت سيارة بلال تقف بجانب الرصيف. ضيقت عيناها بدهشة وهي تتساءل ما الذي جاء به للجامعة ووالده لم يمر على وفاته ثلاث أيام حتى. هي ظنت أنها ربما لن تراه لفترة طويلة وستكتفي فقط بمحادثته الهاتفية والاطمئنان عليه كل يوم.
أسرعت نحوه بخطواتها المتلهفة وفتحت باب السيارة واستقلت بجواره. رمقته مطولًا بصمت عندما رأت حالته الساكنة والغريبة حتى ملامح وجهه تبدلت خلال اليومين وأصبح الهم والحزن يعتلي وجهه. وعيناه ذابلة ومرهقة مما يثبت أنه لا ينام.
ظلت تتأمله بإشفاق وحزن شديد حتى سألته برقة واهتمام:
"بلال أنت كويس؟"
كانت عيناها ثابتة على الطريق أمامه لا ينظر لها وعندما سمع سؤالها هز رأسه بالنفي وبعد ثواني التفت لها يطالعها بضياع هامسًا:
"چيت عشانك وكنت مستنيكي إهنه لغاية ما تطلعي. أول مرة في حياتي احس الأحساس ده.. احساس الاحتياچ وكنت محتچاك أنتي ياحور فچيت اشوفك يمكن شوفتك تخفف عني شوية."
لمعت عيناها بالعبرات حبًا وحزنًا عليه. ليتها تستطيع الآن أن تضمه وتعانقه حتى تحمل عنه بعض همومه. لكنها لا يسعها فعل شيء سوى البقاء بجواره محاولة التخفيف عنه بكلماتها المحبة له حتى لو أنها تدرك جيدًا أن ذلك لن يجدي نفع معه ومهما تقول لن يخفف عن ألمه.
حور بصوت يحمل بحة مميزة:
"أنا جمبك دايمًا يا بلال.. ادعيله ربنا يرحمه ويغفرله."
أجابها بنبرة غريبة تثبت انهياره:
"منظره وهو بين يدي وغرقان في دمه بعد ما روحه طلعت مش عاوز يطلع من نافوخي ياحور."
سالت دمعة وجع من عيناها ليس على والده ولكن قهرًا على حاله هو وسألته بجدية:
"البوليس مسك اللي عمل كدا ولا لسا؟"
هز رأسه بالنفي وهتف بحقد وغضب:
"لسا بس احنا عاوزين ناخد حقه وعمران رافض."
اتسعت عيني حور بصدمة وبسرعة راحت تستفسر أكثر بخوف:
"حقه ازاي يعني.. قصدك بالقتل والتار زي ما بيحصل في الصعيد هنا؟"
لم يجيبها وكان صمته ردًا بالإيجاب على سؤالها فانتفض قلبها رعبًا وهتفت بحدة وصوت مرتعد:
"لا يا بلال عشان خاطري اوعى تفكر في كدا.. البوليس هياخد حق باباك واللي عمل كدا هياخد جزائه ويتسجن لكن القتل ده هيدمر الكل وأولهم أنت.. أخوك أكيد عنده حق وهو صح في قراره."
التفت لها ورأت في عيناه العبرات متجمعة وهو يهتف بألم وغضب:
"ماهي المشكلة أني عارف أنه على حق وصح وأن أبوي هو اللي بدأ كل ده من البداية بس مش قادر انسى منظره قولتلك."
اعتدلت في جلستها وقالت وهي تحاول إقناعه برزانة رغم أن دموعها تسيل فوق وجنتيها من فرط الخوف:
"لا هتقدر.. أنت بس متفكرش في الحل ده في مليون حل تاني وأولهم السجن، فكر في نفسك وفيا.. أنت أول حاجة هتخسرها هي أنا واحنا حتى لسا ملحقناش نتنهي ببعض ولا نتجوز ونفرح وأنا مش هقدر اخسرك.. طلع الأفكار دي من دماغك عشان خاطري يابلال."
عندما وجدته صامت لا يجيب ويستمع لها بجمود هتفت برجاء وهي تنظر في عيناه بعاطفة:
"اوعدني أنك مش هتعمل حاجة وهتسيب القانون هو اللي يتصرف زي ما عمران هيعمل."
شاح بوجهه بعيدًا عنها وقال بصوت غليظ:
"مقدرش اوعدك بحاچة زي دي ياحور."
ظهرت الصرامة والقوة على معالمها وهي تقول بقهر:
"يبقى اعتبر نفسك خسرتني من دلوقتي يا بلال أنا مش هسيبك تدمر نفسك ولو مصمم على كدا فأنا كمان مش مضطرة اكمل معاك وأنت مش بتفكر لا في نفسك ولا فيا، مش مضطرة اكمل مع واحد ممكن في أي لحظة يجيلي خبر أنه اتسجن أو حصله حاجة."
أنهت عباراتها وفتحت باب السيارة لتنزل وتقود خطواتها الغاضبة باتجاه موقف السيارات وهي تحاول عدم البكاء في الشارع. بينما هو فظل يتابعها من داخل السيارة بنظرات تائهة وعينان دامعة. تركته بمفترق الطرق حيث يجب عليه اختيار طريق واحد ليسلكه أما هي أو والده.
***
في تمام الساعة التاسعة مساءًا داخل منزل ابراهيم تحديدا بغرفة عمران.
اعتدلت في جلستها بسرعة عندما وجدت الباب ينفتح. علقت نظرها تنتظر دخوله وفور رؤيتها له ابتسمت بحب ثم استقامت واقفة من الفراش. بينما هو فكان على حاله ساكن ووجهه خالي من التعابير. أغلق الباب واتجه نحو الخزانة ليقف أمامها ويرفع يديه يهم بنزع عبائته عنه لكن سبقته هي بيديها الناعمة وهي ترفعها لكتفيه من الخلف تنزع عنه العباءة بكل رقة. فالتفت لها وحدقها بدفء ليتركها تتولى مهمة نزع ملابسه عنه كما تريد. بعدما نزعت عنه العباءة التفتت بجسدها حتى وقفت أمامه مباشرة وسألته بوجه مشرق:
"اتعشيت؟"
عمران بصوت خافت وملامح وجه عابسة:
"لا مليش نفس."
انطفأ ضوء وجهها وراحت تقول بضيق حقيقي:
"مينفعش إكده ياعمران أنت ليك يومين مبتاكلش زين، أنا هنزل احضر الوكل وأجيبه عشان نتعشى أنا وأنت."
تنهد الصعداء بقوة ثم أصدر زفيرًا حارًا وهو يجيبها بخنق:
"قولتلك مش جعان يا آسيا ومليش نفس للوكل."
رسمت تعابيرها الاستعطافية باحتراف وهي تترجاه بدلال أنثوي ونعومة جميلة:
"عشان خاطري كُل لقمتين بس حتى.. أنت لو مكلتش أنا كمان مش هاكل يرضيك أنام من غير عشا وچعانة."
رفع حاجبه اليسار مندهشًا من تحولها المريب وكأن المرأة التي أمامه غريبة عنه وليست زوجته. لا إراديًا منه كان ثغره يميل للجانب في شبه ابتسامته وهو يتمتم:
"مالك يا آسيا أنتي فيكي حاچة ولا إيه اصلك مش طبيعية."
ابتسمت له بدلال وقالت وهي تنظر في عيناه بحب:
"اقولك مالي ولا تزعلش!!"
مازال ثغره محتفظ ببسمته وهو يراقب تعبيرات وجهها الجديدة. تلك المرأة ستفقده عقله مع الوقت فهي لا تتوقف عن ابهاره كل يوم بشيء مختلف. بالأمس أثارت دهشته بكلماتها العميقة والرزينة والآن تصبح أنثى رقيقة وناعمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أليس لها حد معين لتتوقف عنده؟
تابعت آسيا بعدما حصلت على الرد منه بالصمت وقالت عابسة:
"مش هاين عليا اشوفك إكده ومش متعودة عليك في الحالة دي يامعلم.. بنسبالي خناقنا احسن من حالتك دي.. يعني دلوقتي لو أنت مسكت في خناقي أنا هتبسط."
اتسعت بسمته الساخرة وهو يسألها بجدية:
"إيه يعني ده تصريح منك عشان نتخاق.. متخنقناش امبارح هنمسك في بعض الليلة."
قالت مسرعة بالنفي:
"لا طبعًا ده تعبير مجازي أنا قصدي أني مش حابة اشوفك في الحالة دي وأني بزعل يمكن اكتر منك."
أخذ نفسًا عميقًا وهو بجيبها بصوت مهموم وعابس:
"مهما حُصل ومهما عمل هيفضل أبوي يا آسيا والفراق صعب، وغير ده في مليون حاچة تاني فوق راسي يعني مش عارف الأحق على إيه ولا الاقيها من وين."
لمعت عيناها بوميض الأسى والحزن عليه. ثم اقتربت منه أكثر ولفت ذراعيها حول خصره لتميل برأسها على صدره تحتضنه بحميمية وهي تهمس في صوت يغمره الحنو والغرام:
"متكتمش چواك وتشيل كل ده لوحدك.. ارمي همومك عليا وخفف عن حمولك.. احكيلي ياعمران وخليني اشاركك في حملك وهمك."
ابتسم لها بحب ثم انحنى على رأسها يقبل شعرها بعدة قبلات متتالية وهو يهمس ببحة رجولية تذيب القلب:
"كغاية أنك چاري وفي حضني إكده ياغزال.. ده وحده بيخفف عني ومتقلقيش أنا لو في حاجة وكنت حاسس أني محتاچ اتكلم أول حد هيكون أنت."
رفعت رأسها عن صدره وهي تحدقه بهيام وتقول بعد تنهيدة طويلة:
"طيب اروح احضرلك العشا أظن هتاكل خلاص صُح؟"
ضحك بصمت رغمًا عنه واكتفى بهز رأسه لها بالإيجاب. فمالت علبه بسرعة تلثم وجنته في سعادة وابتعدت لتتحرك نحو باب الغرفة وتغادر متجهة للمطبخ.
***
داخل منزل خليل صفوان.
وصل جلال للمنزل وفور دخوله من باب المنزل رأى أولاده وهم يجلسون يشاهدون التلفاز على أحد برامج الكرتون للأطفال. فضيق عيناه وهو يقول لهم باستغراب:
"أنتوا مرحتوش عند أمكم ليه؟"
أجاب عمار بهدوء تام:
"أما قاعدة فوق أصلًا لسا مراحتش بيت چده."
هتف جلال مندهشًا بعدم فهم:
"قاعدة فوق كيف يعني!.. وليه مراحتش."
أكمل عمار وهو يزم شفتيه بجهل:
"معرفش إحنا فضلنا نخبط عليها وقالتلنا نهملها لوحدها ولما طلعنا تاني فضلنا نخبط على الباب مردتش علينا."
تسلل الشك لصدر جلال والقلق استحوذ عليه أن يكون صابها مكروه من فرط الحزن وهي حامل فاندفع مسرعًا نحو الدرج يصعده شبه ركضًا حتى وصل للطابق الثاني أمام غرفته. فتح الباب ودخل فوجدها فوق الفراش ونائمة بالعرض. لم تكن في وضع طبيعي للنوم وليس من عادتها مما جعله يتأكد أن شيء ما صابها فأسرع نحوها متلهفًا وجلس بجوارها وهو يهزها من كتفها هاتفًا بصوت مزعور:
"فريال.. فريال ردي عليا."
لم تجيبه فعاد يكرر نفس المحاولة مجددًا وهذه المرة يهزها بقوة أكثر حتى فتحت عيناها أخيرًا. وفور رؤيته لها تفتح عيناها أطلق زفيرًا حارًا براحة وهو يشكر ربه. بينما هي فاعتدلت في نومتها وكانت ستهم بالنهوض لكنها تألمت قليلًا وشعرت بوخزة بسيطة في بطنها التي بدأ حجمها يظهر وترتفع. دون تفكير وضع كفه فوق بطنها وذراعه الآخر على ظهرها ليساعدها على الجلوس. وعندما جلست رفعت كفها تمسك رأسها وهي تتأوه بألم:
"آه صداع في راسي."
طالت نظرته لها ولم تكن دافئة مثلما كانت عليه منذ قليل بل عادت لسابقها قاسية ومتبلدة المشاعر وهو يسألها:
"ممشتيش ليه على بيت أبوكي؟"
رغم أن عبارته انغرزت كسكين حاد في قلبها، فبعدما كان هو يترجاها لتبقى معه الآن يسألها لماذا لم تذهب. حاولت الثبات أمامه وعدم التخلي عن رغبتها فنظرت في عينيه الثاقبة وقالت بإصرار حقيقي:
"مش همشي غير لما تسامحني ياچلال."
نهاية الفصل
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم ندى محمود توفيق
التزمت الصمت بعد عباراتها وأخذت تحدق به منتظرة الرد منه على ما قالته. عيناها تلمع برجاء أن يقبل اعتذارها ويسامحها.
لكنه كان جامدًا وهو يتمعنها. حتى رأته يرفع حاجبه ببسمة خفيفة ولهجة جادة:
"ريحي النهاردة إهنه يافريال وبكرا روحي لأمك متسبيهاش لحالها اليومين دول."
أنهى كلماته الغريبة واستقام واقفًا، ليتركها مكانها تحدق في الفراغ مندهشة من تصرفاته المثيرة للجنون. لكنها وثبت واقفة ولحقت به بسرعة تجذبه من ذراعه بقوة وتهتف:
"طيب ردك على كلامي وصلني وهو إنك مش هتسامحني لكن كمان مش عاوزاني خالص."
ابتسم بهدوء وهو يجيبها بكل بساطة:
"هو أنا قولتلك إكده.. ده بيتك يافريال."
صاحت به منفعلة بعينان دامعة:
"أنت مقولتش بس تصرفاتك ونظراتك ليا بتقول إنك معدتش عايزاني ولا بتحبني."
تقوست ملامح وجهه للحدة ونظراته تحولت من الهدوء للغضب وهو يجيبها:
"أنتي عارفة زين أنا بحبك كيف ورغم كل اللي بتعمليه مقدرش اكرهك.. يعني لو في حد المفروض يقول الكلام ده فهو أنا لأن كل تصرفاتك بثبت أن أنتي اللي معدش في حب في قلبك ليا.. لو أنا كسرتك مرة يافريال فـ أنتي بتكسريني مليون مرة وبسامحك بس معدتش متحمل عدم ثقتك فيا وأنك في كل موقف بترمي اللوم عليا وتديني ضهرك وتمشي وأنا أفضل وراكي وأحاول انول رضاكي."
سالت دموعها الغزيرة فوق وجنتيها لتهتف بصوت مبحوح:
"وأنا مأنكرتش غلطي وبعتذر منك أهو، بس أنت كمان راعي اللي أنا فيه وحط نفسك مكاني."
جلال بعصبية:
"أنا مش هحط نفسي مكانك يافريال عشان أنا مستحيل أعمل كيف ما بتعملي."
أطرقت رأسها أرضًا وانهارت في البكاء بشدة وهي تخرج الكلمات بصعوبة من بين شفتيها المرتجفة:
"على الأقل حس بيا وأن أبويا ميت وغصب عني فكرت إكده وقولتلك الكلام ده.. أنا محتچاك چاري تخدني في حضنك وتطبطب عليا لو مش عشاني عشان ابنك اللي في بطني حتى.. كنت منتظرة تقف چاري في محنتي وتعذرني لكن هملتني لحالي وبدل ما تخفف عني بتزود على وچعي."
ابتسم بمرارة وهو يجيبها:
"إيه يعني بقيت أنا العفش والغلطان دلوك؟!"
رمقته بيأس وقالت في صوت عاجز:
"لا أنا العفشة ياچلال حقك عليا."
أنهت عباراتها واستدارت تهم بمغادرة الغرفة بأكملها لكنها توقفت بمنتصف الطريق وظهر الألم الشديد على وجهها ثم رفعت كفها تضعه فوق بطنها تصدر تأوهًا عاليًا بألم مميت.
أسرع نحوها بفزع فور سماعه لصراخها وراح يلف يحتضنها من الجانب، ذراع فوق بطنها والآخر خلف ظهرها وينظر في وجهها هاتفًا بهلع:
"مالك يافريال؟"
لم تجيب عليه واستمرت فقط بالتأوه المرتفع. للحظة شعرت نفسها ستفقد طفلها من فرط الألم فتحركت بمساعدته نحو الأريكة تجلس فوقها وهي مازالت تتألم بشدة فقال لها بخوف:
"يلا بينا نروح للدكتور."
ردت عليه بصوت متألم وهي تهز رأسها بالنفي:
"مش قادرة اقف ياچلال والبس."
لم ينتظر ثانية وهي واقفًا يتجه نحو الخزانة يجذب ملابسها بسرعة ويعود لها لكي يساعدها في ارتدائها بينما هي فقالت بصوت ضعيف وبكاء شديد:
"ولدي هيچراله حاچة ياچلال أنا خايفة قوي."
تجمدت يده الممسكة بملابسها وكان سيشرع في مساعدتها على ارتدائها. بعد عباراتها تسارعت أنفاسه رعبًا ونبضات قلبه أصبحت عنيفة فترك الملابس من يده بسرعة وراح يحتضن بطنها المرتفعة بيده وهو ينحنى عليها يلثم جبهتها متمتمًا:
"متقوليش إكده أن شاء الله مفيش حاچة ساعديني بس والبسي يلا عشان نلحق الدكتور بسرعة."
أغلقت عيناها ووضعت يدها فوق يده وعبراتها تستمر في الأنهمار بصمت وثواني قصيرة حتى بدأت تشعر بالألم يزول تدريجيًا بينما هو فهتف لها بصوت مرتعد:
"يلا ياحبيبتي البسي."
ردت عليه بصوت خافت ومتعب:
"الألم خف شوية ياچلال الحمدلله."
تنهد الصعداء براحة مرددًا خلفها " الحمدلله " ثم تابع بقلق:
"خلينا برضوا نروح للدكتور ونطمن."
أمسكت بقبضته التي فوق بطنها وقالت بالنفي وهي مغلقة عيناها بضعف:
"أنا بقيت كويسة الحمدلله.. خليها الصبح اروح أنا دلوك عاوزة ارتاح."
طالت نظرته المتفحصة لها يتأكد بعيناه أنها حقًا بخير ولا تحتاج لطبيب الآن. ثم لف ذراعه حولها وجذبها لصدرها وهو يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية ويهتف بصوت مختلف عن طبيعته فقد كان مرتعدًا:
"مفيش روحة لبيت أبوكي يافريال، أكيد اللي حُصل ده بسبب عدم اهتمامك بنفسك وكنتي بتتعبي روحك هناك، ولو عاوزة تروحي لأمك هتروحي تاخدي كام ساعة وترچعي."
لم تسمع ما قاله بسبب اهتمامها بالتركيز على دقات قلبه العنيفة أسفل رأسها لتبتسم وهي تهمس برقة:
"قلبك بيدق جامد!"
أجفل نظره الأسفل إليها ليردف مبتسمًا بجدية:
"طبيعي ما أنتي شيبتي شعر راسي منظرك خلاني أقول خلاص هتسقطي العيل.. حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده."
رفعت رأسها عن صدره وطالعته بحب متمتمة وهي تمسك بيده وتضعها مجددًا فوق بطنها لتتمتم:
"هي شكلها متمسكة بالدنيا وبينا كيف ما أمها متمسكة بأبوها."
رفع حاجبه معجبًا بذكاء ردها لقلب الوضع لصالحها وهو يبتسم ليجيب:
"أنا مش شايف تمسك أمها بيا واصل هو فين ده!!"
فغرت شفتيها بصدمة وقالت بعبوس:
"كل ده ومش متمسكة بيك.. لو مكنتش بحبك كنا اتطلقنا من زمان قوي وأنا دلوك بعتذر منك على غلطي.. أنا آسفة ياچلال."
رأت البسمة تشق طريقها نحو ثغره بعد نطقها لاسمه في النهاية بهذه الطريقة المثيرة. فلمعت عيناها وبسرعة قالت في حماس تسأله:
"خلاص سامحتني صُح؟"
اخفى بسمته مجددًا وقال بجفاء مزيف وهو يهز رأسه بالنفي:
"لا.. في فرق بين خوفي عليكي أنتي وبتي وحبي ليكم وبين مسامحتي ليكي."
زمن شفتيها في حزن وقالت بيأس:
"حتى بعد ما شوفتني تعبت كيف من كتر الزعل والضغط.. مش خايف اتعب تاني!"
رمقها بطرف عيناه وهو يحاول إخفاء بسمته. ثم استقام واقفًا والتف لها لينحني ويحملها بين ذراعيه ويتجه بها نحو الفراش متمتمًا:
"لا مش هتتعبي تاني أن شاء الله ياحبيبتي، أنتي بس متضايقيش روحك."
كانت تشيح بوجهها للجانب الآخر بعيدًا عنه من فرط غيظها بينما هو فوضعها فوق الفراش برفق شديد وجذب الغطاء فوقها يدثرها جيدًا وهو ينحنى على رأسها يقبلها بحنو متمتمًا:
"أنا اتعلمت الصبر على يدك ودلوك جه دورك تتعلميه شوية مع أن أنا مش قاسي قوي كيفك ومش هقدر اقسى عليكي كتير بس استحملي شوية يافريالي.. يلا تصبحي على خير."
تابعه بدهشة وهو يتجه لخارج الغرفة فقالت له بضيق:
"رايح وين.. هتهملني لحالي ممكن اتعب تاني!"
التفت لها برأسه وقال في خفوت جميل:
"لا مش ههملك متقلقيش رايح المكتب تحت اعمل كام حاچة وراچعلك."
تنهدت الصعداء بعبوس بعدما انصرف واغلق الباب معه ثم تمددت بجسدها كاملًا فوق الفراش تضع رأسها فوق الوسادة وهي تشرد بعقلها الحزين تتذكر والدها الذي فارقهم.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران....
تململت في الفراش بخمول، وفتحت عيناها في النهاية بخنق على أثر صوت زوجها وهو يتحدث في الهاتف. التفتت حولها بحثًا عنه قراته يقف في الشرفة ويتحدث. رفعت كفها لوجهها تمسح فوقه وهي تأفف بنعاس، لكنها حاربت خمولها الغريب واستقامت واقفة من الفراش لتتجه نحوه وتقف خلفه تنتظر انهائه حديثه. وبعد لحظات طويلة نسبيًا انهى الاتصال أخيرًا والتفت لها بجسده ليبتسم بدفء ويتمتم:
"صباح الخير ياغزال."
بادلته الابتسامة المغرمة وردت:
"صباح النور.. ليه مصحتنيش؟"
عمران بنبرة رجولية مميزة:
"لقيتك نايمة بعمق ومش حاسة بحاچة مهنش عليا اصحيكي."
ظهرت أسنانها من بسمتها العاشقة ثم اقتربت منه وامسكت بياقة جلبابه تهمس:
"أنت طالع؟"
هز رأسه بالإيجاب ثم قال بلهجة حازمة وقوية:
"آه بشار بيقولي أنه عرف حاچة عن منصور هروح اشوفه."
انقض قلبها فور سماعها لاسم عمها.. ليس خوفًا عليه ولكن على زوجها فأمسكت بيده بسرعة وقالت في ارتيعاد ملحوظ:
"هتعمل إيه؟!"
أخذت نفسًا عميقًا واطلقه زفيرًا حارًا قبل أن يمسح فوق يدها الممسكة بخاصته ويطبطب عليها بلطف هاتفًا:
"متخافيش محدش فينا مستحمل دم تاني.. وأنا مش هلطخ يدي بالدم.. يعني لو ليا حق هاخده بس من غير دم متخافيش."
لمعت وميض عيناها المتيمة به وثغرها انفغر معلنًا عن ابتسامتها العريضة وهي تنحني عليها وترفع جسدها قليلًا على اطرف أصابعها لتصل لقامته الطويلة وتقبل وجنته بنعومة هامسة:
"ربنا يحفظك ليا دايمًا يامعلم.. وميحرمنيش منك واصل."
مال ثغره للجانب في بسمة رجولية ساحرة مع شاربه ولحيته الكثيفة ليقترب برأسه منه ويلثم جبهتها ووجنتها بقبلة حميمية وطويلة. تسللت لأنفها رائحته ورائحة العطر الرجولية النفاذة فابتعدت عنه بسرعة وهي تسد أنفها بيدها وتقول باشمئزاز وضيق:
"إيه الريحة دي ياعمران!"
رفع حاجبه باستغراب من نفورها منه لأول مرة وقال بجدية:
"مالها ريحتي؟!"
آسيا بملامح وجه نافرة ومنزعجة:
"مش متحملة ريحتك ولا ريحة البرفان ده قلب معدتي."
تضيق عيناه بعدم فهم وهو يسألها بخنق من اشمئزازها منه :
"وده من إيه أن شاء الله؟!"
سكنت للحظة في صمت تام بعد عبارته وقذف بعقلها فكرة أن دورتها الشهرية تأخرت عن معادها هذا الشهر وبالتالي استنتج عقلها السبب، فحدقت بعمران بذهول الذي كان يطالعها بجهل لتضحك بصمت وعدم استيعاب أنها قد تكون بالفعل تحمل طفلهم الآن.
عمران بتعجب:
"بتضحكي علي إيه؟"
اقتربت منه وهي تبتسم باتساع وتنظر في عيناه بعمق تهمس:
"الشهر ده مچاتش."
"_هي إيه دي؟!!_"
لم تجيب واكتفت بضحكها ونظراتها الثاقبة عليه ليدرك هو بعد تفكير ما تقصده وبعد ثواني أخرى من الفهم لمعت عيناه بنفس اللمعة التي في عيناها ليقول بصدمة:
"يعني حامل."
زمت شفتيها بجهل وهي مازالت محافظة على بسمتها وتجيبه:
"معرفش بس بنسبة كبيرة أيوة."
رأت وميض مختلف في عينيه والسعادة الحقيقية تظهر فوق محياه أخيرًا بعد أيام من الحزن بسبب وفاة والده وبحركة مفاجأة كان يضمها لصدرها وهو يضحك معبرًا عن احتفاله وفرحته لكنها ابتعدت عنه وهي تضحك بخفة وتقول:
"استنى لسا متأكدناش."
عمران ببساطة وفرحة جميلة:
"لا هو أن شاء الله حمل.. ويلا البسي عشان نروح للدكتور ونتأكد."
قالت وهي مازالت تضحك بحب على فرحته المميزة:
"طيب اعمل الاختبار الأول نشوف نتيچته وبعدين نروح للدكتور."
بسبب لهفته وسعادته قال بعفوية وحماس شديد:
"اختبار إيه ده وبيتچاب منين؟!"
آسيا بدهشة بسيطة وسط ضحكها:
"اختبار الحمل ياعمران.. بيتچاب من الصيدلية هيكون منين يعني!"
هز رأسه بالموافقة وقال وهو يجذب هاتفه ومفاتيح سيارته هاتفًا:
"طيب أنا هروح أچيبه وآچي."
قبضت على ذراعه توقفه هاتفة برزانة وابتسامة دافئة:
"روح لشغلك ومشاوريك وخليها بليل أنت وراچع چيبه معاك."
"وبكرا الصبح ابقى اعمله."
رمقها بحدة وقال في لهفة تظهر في صوته الرجولية المميز:
"ليه هو أنا لسا هصبر لبكرا.. خير البر عاچله استنيني إهنه متتحركيش من الأوضة لغاية ما ارجع."
ضحكت بقوة عليه ولم تستطيع الجدال معه أكثر فتركته يفعل ما يريده وتابعته بنظراتها المغرمة وهو يندفع لخارج الغرفة ويغلق الباب خلفه.
تحركت ودخلت الشرفة تنظر للأسفل تنتظر خروجه من المنزل وفور رؤيتها له وهو يتجه نحو السيارة ابتسمت باتساع وزادت اتساعًا عندما رأته يرفع رأسه للأعلى قبل أن يستقل بالسيارة وينظر لها غامزًا بنظرة أذابتها...
***
توقف بلال أمام غرفة والدته وطرق عدة طرقات خفيفة حتى سمع صوتها تسمح للطارق بالدخول ففتح الباب ببطء ليلقي بنظره عليها أولًا قبل الدخول فيجدها فوق المقعد ساكنة تمامًا وتحدق في الفراغ بوجه عابس.
دخل وأغلق الباب خلفه ثم تقدم نحوها ليجذب المقعد الثاني ويجلس أمامها متمتمًا بحنو:
"كيفك ياما دلوك."
عفاف بصوت مبحوح:
"زينة ياولدي الحمدلله."
اقترب منها أكثر ورفع يده يمسح فوق شعرها بدفء وهو يسألها:
"طيب فطرتي؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تجيبه بملامح وجه ذابلة:
"لا مليش نفس للوكل."
أصدر بلال تأففًا قويًا امتزج بضيقه وحزنه على حال والدته ليقول لها بحزم وعبوس:
"ياما مينفعش اللي بتعمليه في روحك ده أنتي إكده بتضري صحتك.. أبوي مش هيرچع لما تبطلي تاكلي."
فور ذكره لسيرة والده انهارت في البكاء الشديد وارتفع صوت نحيبها وسط كلماتها الموجوعة وهي تقول:
"اتوشته قوي يا بلال أبوك.. راح وهو زعلان مني.. صدقني حتى لو غلط في حقي واتچوز عليا بس لساتني بحبه ومقدرش اشوف فيه حاچة وحشة بس هو خلاص راح ومعدش وسطينا.. أنا السبب أنا السبب."
لا بلال ذراعيه حولها وضمها لحضنه وهو يقبل رأسها بحب متمتمًا:
"ادعيله ياما ربنا يرحمه بعدين محدش السبب في اللي حُصل أبوي غلط لما قتل خليل من البداية وبدأ التار ده."
هزت رأسها بالرفض بيت ذراعين ابنها وهي تقول بانهيار شديد وبكاء عنيف:
"لا أنا السبب أنا اللي وزيته وخليته يعمل إكده.. يمكن لو مكنتش عملت إكده كان زمانه وسطينا دلوك."
غضن بلال حاجبيه بعدم فهم ثم أبعدها عنه ببطء لينظر لها في وجهها بحدة ويسألها:
"أنتي اللي وزتيه كيف يعني ياما؟!"
ردت بعدم وعي وسط حالتها المزرية ونحيبها القوي:
"أنا اللي وزيته على قتل خليل ولعبت في دماغه."
ظهر الذهول على قسمات بلال وهو يطالع أمه بعد استيعاب لما سمع للتو منها. جزء منه يكذب أذنيه والجزء الآخر يصدق تعابير وجهها التي تثبت صحة ما تقوله. دام الصمت القاتل بينهم للحظات حتى سمعت صيحة ابنها المنفعلة بها:
"إيه اللي بتقوليه ده.. أنتي اللي خلتيه يقتل!"
أدركت فداحة ما تفوهت به للتو وأنها فتحت بابًا من أبواب جهنم على نفسها دون أن تدري وربما ستخسر ابنها إن لم تحاول تدارك الموقف فأسرعت تقول لها وسط بكائها:
"غلطت ياولدي ومكنتش عارفة أنا كنت بعمل إيه وأبوك ما صدق سمع مني ونفذ أنا كنت بقوله كلام وخلاص ومكنتش متخيلة أنه هيعمل إكده صُح وبعدين ندمت قوي والله."
وثب بلال واقفًا وهو يصرخ بها بصوت جهوري وعصبية:
"ندمتي إيه بعد ما خلتيه يقتل الراچل.. قتل روح بريئة ملهاش ذنب بسببك وأهو نهايته كانت القتل برضوا زيه، انا ملحقتش افوق من صدمة موت أبوي ولا أن هو اللي قتله تقوليلي أن أنتي اللي خلتيه يقتله و......"
استقامت واقفة بفزع من صراخه وخوف من خسارته فقالت بلهفة وصوت مرتجف:
"والله يابلال ندمانة ولو رچع بيا الزمن عمري ما كنت هعمل إكده واصل."
ضحك بسخرية وهو يقول بقسوة وغضب:
"رچع بيكي إيه عاد.. ما أنتي خلاص مات اتنين بسببك، أنا مكسوف أنك أمي، ربنا يسامحك دمرتي الكل بسبب شيطانك ده."
أنهى عباراته واندفع لخارج الغرفة فأسرعت خلفه تمسك بذراعه لتوقفه وهو تتوسله باكية:
"استنى ياولدي أبوس يدك متهملنيش."
رمقها باشمئزاز وخزي ثم نفر يدها عن ذراعه بعنف وأكمل طريق للخارج ليرحل ويتركها وسط نوبة حزنها وندمها الشديد....
***
داخل منزل خليل صفوان.......
كانت فريال تقف بالمطبخ تقوم بتحضير وجبة الإفطار لها ولزوجها بعد انتهائها من تجهيز شطائر أولادها ليذهبوا للدوام المدرسي بها ويتناولوها أثناء فترة الاستراحة. دخلت جليلة المطبخ وحين رأت فريال قالت باستغراب:
"بتعملي إيه؟"
التفتت لها فريال وقالت بنبرة طبيعية تمامًا دون تذمر:
"بعمل الفطار ليا ولچوزي."
رفعت جليلة حاجبها بسخرية لتقول في خنق:
"وليه متفطروش مع الخلق على السفرة."
هنا التفتت لها فريال ورمقتها بقوة تقول ببرود:
"عشان حابة افطر على انفراد مع چوزي في مانع يامرت عمي."
وت جليلة فمها بغيظ وهي تتذكر كلمات ابنها لها وأنها ستخسره إذا حاولت تعكير سعادته مع زوجته فردت على فريال مقتضبة:
"احمدي ربك على چوزك يارب تعرفي قيمته بس.. لو هسكتلك دلوك فعشان سعادة ولدي وبس وعشان مخسرهوش."
ابتسمت فريال بثقة وحملت الصينية فوق يديها وتحركت بجانب جليلة متجهة نحو الباب وهو تقول بجدية:
"زين أنك بدأتي تفكري في راحة ولدك وسعادته هو وعياله."
رافقتها جليلة بنظراتها مغتاظة حتى اختفت عن انظارها وغادرت المطبخ بأكمله، صعدت فريال الدرج ببطء وهي تحمل الطعام فوق يديها وعندما وصلت للطابق الثاني أخيرًا، توقفت وهي تلتقط أنفاسها فقد أصبح صعود السلالم أمر مرهق جسديًا لها مع تقدم الحمل وكبر بطنها.
تحركت نحو غرفتهم ودفعت الباب بقدمها فقد تركته مواربًا عندما خرجت، وجدته مازال نائمًا في الفراش بعمق فابتسمت له بحب وتقدمت إليه ثم انحنت ووضعت الطعام على الفراش بجواره وصعدت إليه لتقترب منه وتهمس في أذنه بصوت أنثوي يذهب العقل:
"بابا يلا قوم."
لم تحصل على ردة فعل منه فعادت تهمس بأنوثة أكثر وهي تبتسم:
"بــابــا."
فتح عيناه أخيرًا بخمول وهو يضيق عيناه بتعجب من ذلك الصوت الأنثوي الذي يهمس في أذنه بـ " بابا " لوهلة ظن نفسه يحلم وابنته التي لم تولد بعد هي من تنده عليه هكذا. عندما التفت برأسه للجانب رأى زوجته وهي تبتسم له برقة وتهمس:
"صباح الخير ياچلالي."
سألها بنظرات تائهة وعدم فهم:
"أنتي اللي كنتي بتقولي بابا؟!!"
ضحكت بخفة وردت وهي تشير لبطنها:
"لا هي كانت بتنده عليك عايزاك تقوم عشان نفطر سوا."
انحرف نظره وسقط فوق صينية الطعام الموضوعة بجواره على الفراش فعاد بعيناه لها رافعًا حاجبه بدهشة ليجدها تقول في حنان جميل:
"يلا قوم عاد عشان ناكل أنا وبتك چعانينا."
ازدادت دهشته أكثر ثم اعتدل في نومته وهب جالسًا ليرفع كفه ويتحسس حرارة جسدها ووجهها متمتمًا بحيرة:
"فريال أنتي تعبتي تاني ولا إيه؟!"
التزمت الصمت ولم تجيبه فقد اكتفت ببسمة ثغرها الساحرة فقط حتى وجدته يكمل بتعجب:
"فطار جاهز وچاي لغاية عندي على السرير وبتصحيني بكل رومانسية وحب.. ده إيه الدلع ده.. ده أنا آخر مرة دلعتيني فيها إكده كانت قبل چواز آسيا."
انحنت عليه وقبلته من وجنته بعشق هامسة:
"وكل يوم هدلعك إكده كمان ووعد هنرچع كيف الأول وهرچع فريال حبيبتك كيف ما كنت وهتغير ومش هخرج عن طوعك واصل تاني ومش هزعلك مني تاني كمان."
رأت الذهول يحتل ملامحه وهو يطالعها بعدم استيعاب حتى قال مبتسمًا بعد برهة من الوقت والتحديق الطويل بها:
"فريال أنتي متأكدة أنك كويسة؟!!!!"
ضحكت هي رغمًا عنها وقالت بعد أن القت بجسدها عليه تعانقه وتدفن وجهها بين رقبته متمتمة:
"اتوحشتك قوي واتوحشت أيامنا مع بعض.. معدتش متحملة مشاكل تاني ياچلال ولا زعل بينا.. كفاية حزني على أبوي مش عاوزة نكون أنا وأنت كمان بعاد عن بعض.. أنا سامحتك وأنت كمان سامحني واوعدك أني هتغير وارچع كيف الأول تاني."
أنفاسها الساخنة التي تلفح بشرته الغليظة ونبرتها الأنثوية الدافئة أذابت ثلوج قلبه. كان ينوي أن يعذبها قليلًا في بعده عنها لكنها هي من تفعل ولا يستطيع الصمود أمامها أكثر، فقلبه العاشق لا يعرف القسوة على حبيبته، وسيرفع راية استسلامه بكل سهولة أمام معذبته.
همس لها ببحة رجولية تذيب القلب:
"اتوحشتيني قوي يعني!"
هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم باتساع فقال بعبث ومكر:
"طب ما توريني يلا."
فهمت ما يلمح إليه فضحكت بدلال وانحنت عليه وهي تلثم كل جزء تطوله شفتيها من وجهه ورقبته ثم تقول في النهاية بعدما انتهت:
"هااا إيه رأيك؟"
حدثنا بنظرة لعوب تنبض بالرغبة وهي يعتدل في جلسته ويهم بالانقضاض عليها:
"تعالي أقولك رأي وأقولك كمان أنا اتوحشتك قد إيه."
وضعت يدها فوق صدره توقفه وهي تضحك برقة وتهتف بفرحة:
"استني بس المهم قولي أنت سامحتني خلاص صُح؟"
تنهد الصعداء بقلة حيلة وهو يقول مبتسمًا:
"للأسف مش عارف اعمل إيه في قلبي الطيب ده اللي مبيتحملش زعلك ولا فراقك من كتر حبه فيكي.. لكنه أنتي چبارة."
ابتسمت له بغنج وهي تهمس بغرام:
"ما أنا وعدتك أني هتغير عاد.. بحبك قوي."
انحنى ليلثم وجهها بعدة قبلات متفرقة وهو يتمتم بسعادة وحب:
"وأنا كمان بحبك ياروح قلبي."
تركت العنان لنفسها لكي تنعم بتلك اللحظات العاطفية التي حرمت منها لشهور، تركت نفسها بين ذراعيه لكي تنسي كل أحزانها والآمها وتعيش فقط السعادة مع زوجها وحبيبها....
***
داخل غرفة عمران وآسيا بمنزل ابراهيم.....
كان يقف عمران أمام باب الحمام بانتظارها حتى تنتهي من إجراء الاختبار، لهفته وفرحته دفعته للوقوف بجوار الباب من فرط عدم صبره، كان يستند بذراعه على الحائط وعيناه عالقة على باب الحمام ينتظر خروجها بفارغ الصبر، وعندما طال انتظاره راح يطرق فوق الباب وهو يهتف:
"آسيا!!"
ردت عليه متنهظة بقلة حيلة وهي تضحك:
"لحظة ياعمران استنى."
أصدر زفيرًا حارًا في نفاذ صبر وظل مكانه كما هو يكمل انتظاره لها وبعد لحظات قصيرة أخيرًا انفتح الباب وخرجت وهي ممسكة بالاختبار بيدها فاسرعت نحوه وهو يسألها بتلهف:
"هااا طلعت النتيچة؟"
رمقته بوجه جامد خالي من التعابير ومدت يدها له بالاختبار تناوله له.. للحظة ظن أن النتيجة سلبية وتسلل اليأس والحزن لقلبه وعندما نظر في الشريط ورأى خطين من اللون الأحمر رفع رأسه لها يسألها بعدم فهم:
"إيه معناهم الخطين دول؟"
طال صمتها وهي تطالعه بنفس تعابيرها الجامدة حتى انفرجت شفتيها عن ابتسامة عريضة ولمعت عيناها بوميض الفرحة والحماس وراحت تلقي بجسدها عليه وتتعلق في رقبته ضاحكة وهي تهتف:
"يعني حامل ياعمران هتبقى بابا قريب."
طال السكون الغريب على عمران ثم أبعدها عنه ببطء وراح ينقل نظره بين الشريط الذي بيده وبينها حتى اتسعت أخيرًا بسمته الرجولية وانحنى عليها يوزع قبلاته على وجهها وبالنهاية يلتقي معها في نقطة الاتصال الغرامية معبرًا عن مشاعره الجيَّاشة وسعادته بطفله الأول الذي سيشرف بعد شهور.
عندما فاقت من سيل مشاعره وجدته جالس فوق الفراش وهي تجلس فوق قدميه بحضنه وهو يهمس لها بأحساسيس تشهده منه لأول مرة:
"نستيني كل همومي وحزني بالخبر ده ياغزالي، مهما اعبرلك عن فرحتي مش هعرف أوصف، وأخيرًا ولي العهد هيشرف قريب."
ابتسمت وتمتمت بدلال:
"هيطلع شبهك أن شاء الله في كل حاچة يامعلم."
اقترب منها ليلثم وجنتيها بدفء متمتمًا:
"أن شاء الله ياروح المعلم.. المهم احجزي عند دكتور على بليل عشان نروح وتتابعي من الأول وترتاحي ومتعمليش أي حاچة أنا عاوزك تبقي كيف الملوك تفضلي في سريرك مكانك وأنا هوصي أمي تريحك ومتخلكيش تعملي حاچة."
ضحكت بسخرية عند ذكر أمه وقالت برزانة:
"لا بلاش أمك ياعمران أنت عارف أنا وهي كيف مع بعض أصلًا وأنا تعبانة ومش حمل مشاكل."
هتف بلهجة رجولية حازمة:
"مفيش حاچة اسمها بتحبك ولا مبتحبكيش دلوك أنتي حامل في ولدي يعني اللي فات حاچة واللي احنا فيه دلوك حاچة تانيا."
احتضنت وجهه بين كفيها وهي تضحك برقة وتهمس:
"أنا كويسة والله دلوك ولما احس نفسي تعبانة هروح اقعد كام يوم في بيت أبوي مع أمي.. يعني بلاش نعمل توتر من مفيش وكمان أمك كتر خيرها أنت عارف وضعها كيف لسا أبوك مكملش أسبوع حتى يعني كفاية نفرحهم بس بالخبر."
عادت بسمته لثغره مجددًا وهو يهمس لها بنظرات عاشقة:
"ماشي ياغزال اللي تحبيه.. من إهنه ورايح كل طلباتك أوامر."
رمقته بحب وهي تبتسم باتساع وسعادة باهتمامه وغرامه الشديد لها ودون تفكير كانت تنحني عليه مجددًا لكي تنغمس معه في لحظاتهم الخاصة والعاشقة...
***
بالأسفل ارتفع صوت رنين الباب فتوجهت عفاف نحوه لكي تفتح وكانت إخلاص تجلس على الأريكة تحدق في الفراغ أمامها شاردًا.. بينما عفاف جذبها للباب اصطدمت بداليا التي كانت تقف بملابس سوداء ومعها ابنتها الصغيرة وعيناها منتفخة من فرط البكاء. حدقتها عفاف بصدمة وسرعان ما تحولت نظراتها للشراسة وهي تصرخ بها:
"أنتي إيه اللي چايبك إهنه؟!"
ردت داليا بصوت مبحوح وضعيف:
"جاية بيت جوزي ياعفاف وبنتي ليها الحق تشوف اخواتها وتكون وسطهم بعد موت أبوها.........."
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الخمسون 50 - بقلم ندى محمود توفيق
استقامت إخلاص واقفة بذهول بعد عبارة داليا وأخذت تتطلع إليها بعدم استيعاب لما تتفوه به.
بخطوات بطيئة تقدمت نحوها هي وعفاف ووقفت أمام الباب مباشرة تنظر لداليا بعين مشتعلة قبل أن تسألها بخفوت مريب:
_ هو مين ده اللي چوزك!
نظرت داليا لإخلاص بثقة وقالت وهي تنظر في عيناها:
_ إبراهيم الله يرحمه چوزي هو انتي متعرفيش ولا إيه!
طال سكون إخلاص المريب وهي مستمرة في التحديق بداليا مندهشة حتى التفتت برأسها لعفاف التي تقف بثبات رغم نظرات الحقد في عيناها لداليا.
وعندما عادت إخلاص برأسها مجددًا هبطت بنظرها لتلك الطفلة الصغيرة التي من نفس سن أحفادها. وظلت تتمعنها بذهول لا يستوعب عقلها أن تلك الفتاة هي ابنة زوجها. هل تزوج عليها للمرة الثانية وخانها والآن زوجته الجديدة تقف أمامها وتطالب بحقها هي وابنتها الصغيرة.
طال صمت إخلاص فوق الطبيعي مما أثار جنون عفاف وجعلها تنفجر بداليا وهي تصرخ بها بغل:
_ ملكيش مكان إهنه لا أنتي ولا بتك وهترجعي من مطرح ما چيتي فاهمة ولا لا!
هزت داليا رأسها بالرفض وهي تجيب على عفاف بقوة وتخطو أولى خطواتها للداخل:
_ ده بيت چوزي وأبو بنتي وليا حق هنا زي ما انتوا ليكم بظبط. أنتي مش هتمنعيني ياعفاف!
أظلمت عيني عفاف وبلحظة غضب انقضت على داليا تقبض على ذراعها بعنف وهي تصرخ بها:
_ أنا دلوك معدش عندي حاجة أخاف عليها وأنتي شوفتي كنتي هعمل فيكي إيه. بلاش تقفي قصادي وتمشي من إهنه أنتي وبتك من غير مشاكل!
خرجت إخلاص عن طورها وسكوتها الغريب أخيرًا حيث صاحت بهم هم الاثنين بعصبية هستيرية:
_ انتوا بتتكلموا في إيه إهنه! أنا ست البيت. أنتي لو لساتك قاعدة إهنه في البيت ده ياعفاف بعد اللي عملتيه فعشان خاطر ولدك بس يعني لولا بلال مكنتش خليتك تفضلي دقيقة واحدة تاني. أما أنتي فمين أصلًا عشان تاچي لغاية إهنه وتقولي بيتي وحقي كيف ما اتجوزت في السر من غير ما حد فينا يعرف وكبرتي بتك للسن ده يبقى تكملي حياتك بنفس الطريقة. جوزك مات خلاص ومعدش ليكي حد ولا في ليكي حاجة يعني تطلعي من بيتي ومترجعيش تاني!
على أثر صوت صراخهم المرتفع وشجارهم مع بعضهم خرج عمران من غرفته وقاد خطواته الأسفل حيث الطابق الأرضي. لكن فور رؤيته لزوجة والده وابنتها الصغيرة معها تسمر بأرضه للحظات يحدق بهم مندهشًا. وسرعان ما أسرع نحوهم عندما وجدهم سيبدأون حرب حقيقية فيما بينهم.
امسك بأمه وأبعدها عن داليا هاتفًا:
_ أما اهدي إيه الفضايح دي!
التفتت إخلاص نحو ابنها وقالت بصوت مبحوح يحمل المرارة:
_ فضايح!! وهو اللي أبوك عمله وجوازه عليا للمرة التانية مش فضايح! لا وكمان جايب منها بت صغيرة قد ولاد بته. للدرجة دي مكنش طايقني عشان يتجوز عليا مرتين!
ضم عمران أمه لصدره وأخذ يمسح فوق ظهرها بحنو وانحنى عليها يلثم رأسها هامسًا:
_ اهدي ياما أبوس يدك. معدش الكلام ده له فائدة دلوك اللي حصل حصل خلاص وأبوي معدش موجود وسطنا.
تمت بين ذراعيه بقهر وانهيار شديد:
_ ماهو ده اللي واجعني ياولدي أنه معدش موجود يعني حتى مش هقدر أقف قصاده وأعاتبه على اللي عمله فيا.
على آخر السلم كانت تقف آسيا تتابع ما يحدث بصمت ونظراتها ثابتة على داليا التي كانت تنظر لإخلاص وعفاف بجحود وقسوة. بينما عمران فعيناه سقطت على شقيقته الصغيرة التي تقف ملتصقة بأمها وتحتمي بها خوفًا منهم. ليتنهد الصعداء بضيق ويبعد أمه عنه ببطء ثم يوجه حديثه لزوجة والده بجدية:
_ تعالي معايا هنتكلم شوية.
ثم التفت برأسه نحو زوجته وأشار لها بعيناه على الصغيرة أن تأخذها معها لغرفتهم للأعلى حتى ينتهي من حديثه مع أمها. فهزت آسيا رأسها له بالموافقة فورًا دون نقاش. وفور ابتعاد عمران وداليا واتجاههم نحو غرفة الجلوس الكبيرة اقتربت آسيا من الصغيرة واقنعتها بالذهاب معها للأعلى وسط نظرات إخلاص وعفاف النارية. ورغم الحقد والنقم الذي في صدورهم لم يتمكنوا من الاعتراض والوقوف أمام عمران أو عصيان أوامره.
***
داخل غرفة الجلوس....
كانت تجلس داليا على الأريكة وعلى المقعد المقابل لها عمران يجلس ويحدقها بعيناه الثاقبة. رغم ارتباكها البسيط منه إلا أنها حاولت البقاء صامدة أمامه حتى لا تظهر خوفها منه. أما هو فقد اخترق فقاعة الصمت أخيرًا وسألها باهتمام:
_ البيت اللي كنتي قاعدة فيه كان بيت أبوي ملك يعني ولا إيجار؟
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيبه بخفوت وصوت يغلبه الحزن:
_ بيته. اشتراه لما اتجوزنا.
هز رأسه بتفهم ثم رفع كفه يمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يتأفف بقلة حيلة ليهتف في النهاية بلهجة رجولية حازمة:
_ زين قوي. بصي لو أنتي جاية النهاردة عشان ناوية تعيشي إهنه...
قاطعته داليا بسرعة في انزعاج بعدما استنتجت كلماته الباقية وقالت:
_ لا أنا جاية عـ....
أوقفها عمران هذه المرة لكن بلهجة وأسلوب لطيف وهو يقول بهدوء جميل:
_ اسمعيني للآخر أنا لساتني مخلصتش كلامي. لو عليا أنا معنديش مشكلة تعيشي إهنه ده في الأول والآخر بيت چوزك وبتك ليها حق تعيش إهنه بس ده عشان مصلحتك أنتي وهي وعشان نتجنب المشاكل. يعني أمي ومرت أبوي مش هيسبوكي تعيشي في راحة وأنا للأسف مش هقدر أحميكي منهم. يعني مينفعش تقعدي إهنه أفضل مكان ليكي هو بيتك اللي اشتراه أبوي عشانك.
طالعته داليا بخنق وقالت في قهر ومرارة تظهر بوضوح في نبرتها المبحوحة وعيناها الدامعة:
_ أنت بنفسك قولت ليا الحق يا عمران وبنتي ليها حق تعيش في بيت أبوها ووسط اخواتها ومتبقاش محرومة من حاجة. مش كفاية إبراهيم كان حرامها من كل ده بسبب خوفه من عفاف وإخلاص ليعرفوا أنه متجوز.
أجاب بكل ثبات انفعالي ونبرة دافئة:
_ وأنا محرمتكيش لا أنتي ولا هيا لو عاوزة تقعدي. براحتك لكن أنا قولتلك لمصلحتكم عشان متوچعيش راسك بالمشاكل اللي ملهاش لزمة طالما انتي عندك بيتك الخاص بيكي ليه تتعبي نفسك بالمشاكل دي. وبنتك الصغيرة بيت أبوها مفتوح ليها في أي وقت ولو حابة تقعد بالأيام إهنه معانا محدش يقدر يمنعها وهتكون معايا أنا يعني مفيش مخلوق هيقدر يضايقها.
سكون تام استحوذ على داليا بعدما سمعت عبارات عمران وبدت وكأنها تفكر فيما قاله وتحاول اتخاذ قرارها. بينما هو فتابع برجولية صارمة تحمل الرفق والحنو:
_ متخافيش حقكم محفوظ يعني لو ليكم حق هتاخدوه بشرع ربنا. وكمان أنا بنفسي هتهم بيتك هي مهما كانت اختي يعني لو عوزتي أي حاجة كلميني مصاريفها واحتياجاتها كلها عندي. أبوها مات بس اخواتها موجودين. يعني اطمني محدش هياكل حقكم ووقت ما بتك تحب تاچي بيت أبوها في أي وقت تچبيها.
مازال الصمت هو رد داليا على ما يقوله عمران. وعقلها يحاول التفكير واتخاذ القرار الصحيح لها ولابنتها. وبالنهاية حدقته به بنظرات مطولة تحمل بعض القلق وعدم الثقة. لكنها قررت الوثوق به كما وثقت بوالده سابقًا. ستوافق مؤقتًا حتى تتأكد هل هو جدير بالثقة وسينفذ وعوده لها أم لا.
بعدما أخبرته بموافقتها واقتناعها برأيه استقامت واقفة وكانت بطريقها للخارج لكنها توقفت عندما انفتح الباب ودخلت ابنتها الصغيرة وكانت خلفها آسيا التي نقلت نظرها بين زوجها وبين داليا باستفهام. فأشار لها عمران بعينها بمعني أنه سيخبرها لاحقًا.
أسرعت ريم نحو أمها وسألتها بصوت منخفض دون أن تنظر لأخيها الكبير بسبب خوفها منه وعدم اعتيادها عليه:
_ ماما هو احنا هنمشي بيتنا تاني؟
هزت داليا رأسها لها بالإيجاب. بينما الصغيرة فعبس وجهها وقالت بحزن وهي تتوسل أمها برقتها المعهودة:
_ طيب ممكن اقعد النهاردة بس مع طنط آسيا وبكرا ارجع البيت.
اتسعت عيني آسيا للحظة مندهشة لكن سرعان ما ضحكت بصمت وحب على تلك الصغيرة. وبينما كانت داليا على وشك رفض طلب ابنتها خرج صوت عمران وهو يقول بهدوء:
_ لو حابة تقعد النهاردة إهنه خليها. متخافيش عليها وأنا بكرا الصبح هرجعها البيت.
تلفتت داليا بنظرها بين آسيا التي كانت تنظر لابنتها وبين وجه عمران الحاد فقالت بقلق أمومي طبيعي ورفض بسيط:
_ لا الأفضل ترجع معايا مش هبقى مطمنة عليها وهي مش جمبي.
تعلقت الصغيرة بقدم أمها وأخذت تترجاها بعينان دامعة تستعطفها من خلالهم وهي تهمس:
_ عشان خاطري ياماما ارجوكي وافقي النهاردة بس.
خرج صوت آسيا وهي تنظر لداليا بثقة ونظرات ترسل من خلالهم إشارات فهمتها داليا جيدًا:
_ خلاص يا داليا خليها متخافيش عليها عمران قالك هيجيبها ليكي بكرا. وبعدين هي هتبقى معايا وأظن أنتي عارفة أن مفيش حاجة هتحصل إن شاء الله طول ما هيا معايا.
نقلت نظرها بينهم مترددة للحظات طويلة قبل أن تطلق تنهيدة حارة بنفاذ صبر مغلوبة أمام إلحاح ابنتها وتنحني عليها تقبلها من شعرها وتهمس لها في أذنها بحزم:
_ متتشاقيش ياريم وتسمعي الكلام لغاية بكرا وملكيش دعوة بإخلاص وعفاف خالص فاهمة.
هزت الصغيرة رأسها لأمها بالموافقة وهي تضحك بفرحة وحماس. ثم استقامت داليا في وقفتها وابتعدت عن ابنتها تنوي الرحيل. وأثناء مرورها من جانب آسيا همست لها بنبرة أمومية حقيقية لا تحمل أي من الضغينة أو الحقد الذي كان بينهم سابقًا:
_ خلي بالك عليها يا آسيا.
رمقتها آسيا بطرف عيناها وهي تبتسم باستنكار لتنحني عليها وتهمس بخبث:
_ الحساب اللي بينا اتقفل لما أنا أخذت حقي منك. فمتقلقيش أكيد مش هدخل بتك في مشاكلنا يعني متخافيش عليها.
تنهدت داليا الصعداء بضيق وهي تحدق آسيا بامتنان قبل أن تلقي نظرة أخيرة على ابنتها وتلوح لها بيدها مودعة إياها قبل أن تغادر وتتركهم.
***
خرجت حور من منزلها وقادت خطواتها نحو الدرج تنوي الذهاب للجامعة. وبعد وصولها للطابق الأرضي وتحركت باتجاه باب البناية. لكن فور مغادرتها للبناية تسمرت بأرضها مندهشة عندما رأت سيارته تقف على الاتجاه المقابل لها من الطريق وهو يقف مستندًا عليها بظهره عاقدًا ذراعيه أمام صدره ويحدقها بثبات وعمق.
ظلت مكانها للحظات طويلة تتمعنه بوجه خالي من التعابير. وصراع عنيف نشب داخلها بتلك اللحظة بين تجاهلها له والاستمرار في طريقها وبين الذهاب له. كانت تستمع لذلك الصوت القاسي وتتركه لكن نظراته البائسة والمهمومة لها جعلت من قلبها يذوب عشقًا ورفقًا به. فتأففت مغلوبة وعبرت الشارع وهي تسير نحوه في ملامح قوية هذه المرة. وعندما وقفت أمامها لم تتحدث بينما هو قال بغضب وعتاب ملحوظ في نبرته:
_ هي وصلت للدرجة دي خلاص ليا يومين برن عليكي ومش بتردي عليا.
لوت فمها واشاحت بوجهها للجهة الأخرى بعيدًا عنه مردفة:
_ مكنتش حابة أتكلم ومليش نفس.
اتسعت عيناه بدهشة ممتزجة بغيظه الشديد وهو يجيبها:
_ مش حابة تتكلمي معايا!!!
عادت بوجهها له وقالت منفعلة بضيق حقيقي:
_ أيوه يابلال مش حابة أكلمك عشان مش عايزة أسمع مبرراتك وقرارك وأنت بتتكلم عن حق أبوك. مش عايزة أحس أني مش فارقة معاك ومش بتفكر فيا وبتفكر في نفسك بس.
همس لها بنبرة حازمة:
_ طيب وطي حسك إحنا في الشارع.
تعالي اركبي وهنروح مكان ونتكلم على رواق.
أجابته بالرفض القاطع والخنق:
_لا مش عايزة اتكلم ومعايا محاضرة كمان.
بلال بانزعاج شديد ونظرة مريبة:
_حور محاضرتك لسا بدري على معادها.. هنتكلم شوية وبعدين هوديكي الچامعة قبل معاد المحاضرة.
طالعته بطرف عيناها في غيظ وكانت ترغب في الرفض مجددًا، لكنها لم تتمكن من الاعتراض خشيت من انفعاله بعد تلك النظرات الصارمة، فاكتفت بأنها اندفعت باتجاه السيارة تلتف حولها لتستقل بالمقعد المجاور لمقعد القيادة دون أن تتفوه بكلمة واحدة.
بينما هو فتنهد الصعداء بضيق وفتح باب مقعده واستقل بجوارها لينطلق بالسيارة متجهًا نحو أحد الأماكن الهادئة.
وبعد دقائق طويلة نسبيًا من الصمت القاتل بينهم توقف بالسيارة أخيرًا أمام مقهي صغير يطل على نهر النيل.
فتح باب السيارة لينزل، بينما هي فظلت مكانها لم تنزل.
ليتلف إلى الجهة الأخرى وهو سلوى فمه مغلوبًا ليفتح لها الباب ويشير لها بنظراته أن تنزل.
فرمقته مطولًا بعناد طفولي حتى نزلت بالأخير وهي عابسة الوجه وسارت معه للداخل.
اتجه بلال نحو إحدى الطاولات الصغيرة المقابلة للمياه مباشرة وآشار لها بالجلوس أولًا، ففعلت وجلس بعدها على المقعد الذي يقابلها.
وقبل أن تبدأ هي بأي حرف تحدث في غلظة:
_أولًا مفيش حاچة اسمها أنك مش فارقة معايا تمام. لو مكنتش بفكر فيكي ولا فارقة معايا مكنتش چيتلك لغاية البيت واستنيتك عشان نتكلم رغم أنك مطنشاني ليكي يومين ومش بتردي عليا و...
خرجت عن طور هدوئها المزيف مجددًا وانفعلت لتقول مغتاظة تمعنه من استكمال حديثه:
_أيوة مش فارقة معاك طول ما أنت عندك استعداد تضيع نفسك يبقى مش فارق معاك حد حتى نفسك مش أنا بس. وأنا قولتلك أننا لو هنكمل مع بعض مش هسمحلك تعمل في نفسك كدا وكمــ...
قطع حديثها بمنتصفه منفعلًا وهو يهتف جازًا على أسنانه ويحاول التحكم في نبرة صوته:
_ماتهدي واقفلي خشمك ده إيه!!.. خليني اخلص كلامي الأول وبعدين ابقي افتحي الراديو اللي بلعاه ده.
تبدلت ملامحها من القوة إلى الارتباك البسيط بعد انفعاله المفاجيء ولهجته الحازمة لها، فسكتت مجبرة ولم تتحدث.
حتى وجدته يقول بجدية:
_صعب عليا انسى منظره أبوي ياحور واتصرف عادي حتى لو أنا عارف أنه غلطان من البداية. وأنا مبفكرش في حد غيرك والله ولو في حاچة ممكن تخليني اغير قراري فهي أنتي بس. أنا مش فارقة معايا.. أيوة فعلًا مش فارقة ولو على نفسي كنت عملت حاچات كتير قوي بس كيف ما أنتي خايفة تخسريني أنا كمان خايف اخسرك ومش هقدر ابعد عنك.
اختفى السخط من فوق معالمها ولمعت عيناها بوميض الحب مجددًا.
وبسرعة انحنت على سطح الطاولة وهي تستند بساعديها فوقها وتنظر له بعمق متمتمة:
_طيب خلاص طلع الموضوع ده من دماغك ومش هقولك انسى بس اتنازل عشاني حتى لو بتحبني بجد ومش عايز تخسرني.. اوعدني أنك مش هتعمل حاچة وتضر نفسك.
طال نظره لها وهو صامت لا يجيب وهي كانت تنتظر الرد منه ووعده لها بأنه لن يفعل.
لكنه للمرة الثانية يخيب ظنها.
فعادت بظهرها للخلف على المقعد ومال ثغره للجانب في بسمة مريرة قبل أن تثبت واقفة وهي ثائرة وهي تهتف:
_لا واضح جدًا أنك بتحبني الصراحة.. أنا ماشية.
اندفعت بخطواتها السريعة لخارج المقهي.
بينما هو فأسرع خلفها يحاول اللحاق بها حتى أوقفها أخيرًا بعد خروجها وهو يقول:
_استنى ياحور.
رمقته شزرًا وبغضب حقيقي وهي تهتف:
_انا ماشية يابلال قولتلك.. أساسًا اتأخرت بما فيه الكفاية.
بلال بخفوت ويأس:
_خلينا نكمل كلامنا حتى.
صاحت به منفعلة:
_كلام إيه مفيش حاجة نقولها ما أنت خلصت كل الكلام بردك في النهاية.
مسح على وجهه متأففًا بنفاذ صبر قبل أن يهتف في لهجة رجولية:
_طيب تعالي هوصلك للچامعة يلا.
حور باستياء شديد:
_مش عايزة شكرًا أنا هروح وحدي.
أجابها بحدة بسيطة وإصرار تام:
_مش هتلاقي مواصلات هنا كتير يا حور يلا قولتلك بلاش عند.
عنادت وظلت واقفة وهي تتلفت حولها تنتظر أي سيارة لتأخذها للجامعة.
لكن لم يكن بالشارع أي سيارة آجرة وهو كان يقف بجوارها يتأملها بقلة حيلة من عنادها.
حتى وجدها في النهاية ترمقه بقرف قبل أن تأفف مستسلمة وتتجه نحو سيارته لكي يأخذها هو.
ابتسم عليها بحب وسار خلفها ليستقل بمقعده المخصص للقيادة.
بينما هي فقد كانت استقلت بالمقعد الخلفي رافضة الجلوس بجواره.
داخل منزل خليل صفوان بتمام الساعة التاسعة مساءً.
كانت فريال تجلس على الأريكة بالصالة وبيدها صحن ممتليء من السلطة تأكل منها بتلذذ.
وبجوارها كان يجلس اولادها الأثنين وهم يشاهدون التلفاز على أحد برامج الاطفال.
وعلى الجانب الآخر كانت تجلس جليلة تتابع فريال بغيظ.
حتى انتشلها من تأملها لفريال صوت عمار وهو يقول بحماس:
_هي عمتي آسيا هترچع تقعد إهنه تاني معانا ياچدتي.
ابتسمت جليلة لحفيدها الصغير بحنو وردت بإيجاب:
_إيوة بس مش هتقعد علطول كيف الأول طبعًا خلاص خالك خدها منينا. يعني كل فترة هتاچي تقعد معانا شوية.
قال معاذ بسعادة ظاهرة على ملامحه:
_أنا اتوحشتك عمتي آسيا قوي من بدري قوي مشفنهاش وكمان هي مكنتش بتاچي البيت إهنه.
ردت فريال على ابنها وهي تمسح فوق شعره بحنو:
_من إهنه ورايح هتاچي كتير ياحبيبي أن شاء الله.
هتفت جليلة بنبرة تحمل بعض الحزم البسيط:
_يلا الوقت أتأخر وانتوا معاكم مدرسة الصبح.. اطلعوا ناموا.
ارتفع العبوس على محبتهم فور ذكر جدتهم النوم ونظروا لأمهم برجاء أن تسمح لها بالبقاء.
لكنها أشارت لهم بعيناها أن يستمعوا لجدتهم ويذهبوا للنوم فهي على حق والوقت تأخر.
فاستقاموا واقفين في خنق وساروا نحو الدرج بالإجبار حتى صعدوا متجهين لغرفتهم.
وفور اختفائهم عن أنظارهم التفتت جليلة نحو فريال وقالت بحقد:
_اللي يشوفك دلوك ميشوفكيش من كام يوم!
التفتت لها فريال وفهمت تلمحايتها جيدًا فقالت بثقة متعمدة إثارة غيظها:
_الحمدلله البركة في چوزي ربنا يباركلي فيه ويحفظه ليا.
ضحكت جليلة ساخرة وهي ترد عليها:
_چوزك!!.. وده من امتى الحب ده!
فريال مبتسمة ببرود وبنظرة نارية:
_من زمان قوي بس في شياطين دخلوا بينا وهما اللي فرقونا.
تبدلت معالم جليلة وبلحظة انفعال وثبت واقفة وهي تصرخ بفريال ثائرة بعدما فهمت أنها تلقي بتلمحياتها المهينة عليها:
_قصدك إيه أنتي شكلك اتخبلتي في نافوخك وچلع ولدي فيكي نساكي روحك.
بقت فريال مكانها ولم تتحرك لتكتفي بنظراتها القوية وابتسامتها المستفزة نحو جليلة التي هاجت عواصفها أكثر واندفعت نحو فريال تجذبها من شعرها فارتفع صراخ فريال وهي تحاول التملص من قبضتها.
ولسوء حظ جليلة أن جلال وصل بتلك اللحظة وفور رؤيته لذلك المنظر اتسعت عيناه بدهشة وبسرعة صاح غاضبًا وهو يهرول نحوهم:
_أمـا بتعملي إيه!
جذب فريال من بين براثن أمه وضمها لحضنه وهو يحدق بجليلة ساخطًا ويقول بصوته الرجولي الغليظ:
_لساتك مش ناوية تتغيري ياما صح.
جليلة بغضب وهي ترمق فريال شزرًا:
_مرتك هي اللي مش ناوية تچيبها لبر معايا.
كانت فريال تتشبث بملابس زوجها وهي بين ذراعيه وداخل حضنه وتحدق بجليلة في سخرية.
بينما جلال فصاح غاضبًا:
_تقومي تعملي إكده وتمدي يدك عليها وهي حامل.
لم تجد مبرر آخر لفعلتها فاشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تلوي فمها بغيظ دون رد.
بينما جلال فهو رأسها مغلوبًا وهو يتأفف بيأس ويقول لفريال بعدما انحنى عليها ولثم رأسها:
_يلا يافريال اطلعي لفوق ياحبيبتي.. اطلعي وأنا چاي وراكي.
ابتعدت عنه فريال وسارت بخطوات بطيئة للأعلى.
وظل جلال يرمق أمه بنظرات معاتبة حتى قال بحزن:
_معدتش لاقي كلام اقولهولك ياما غير ربنا يصلح حالك.. أنا طالع أنام تصبحي على خير.
ظلت كما هي لا تنظر لوجه ابنها وفور رحيله راقبته بنظراتها وهو يصعد الدرج وقد امتلأت عيناها بالعبرات الحارقة والموجوعة.
بمنزل ابراهيم الصاوي.
كانت العائلة متجمعة لأول مرة منذ وفاة ابراهيم والجميع يجلس بالصالون يتحدثون بمواضيع مختلفة.
رغم سكوت إخلاص وعفاف وحديثهم القليل جدًا إلا أن الرجال كان يتبادلون أطراف الحديث بشكل مختلف.
توقفوا عن الحديث عندما سمعوا صوت خطوات فوق الدرج متجهة نحوهم وقد كانت آسيا وهي تنزل ببطء وسط نظراتها المعتادة لهم التي تملأها القوة.
تحركت نحوهم وجلست بجوار زوجها الذي انحنى على أذنها وهمس لها بجدية:
_إيه اللي نزلك أنا مش قولتلك خليكي في الأوضة ومتنزليش وتطلعي على السلالم كتير.
نظرت لها وقالت بعبوس طفولي جميل:
_زهقت ياعمران من القعدة وحدي فوق وأنت مش قاعد چاري.
سألها مضيقًا عيناه باستغراب:
_امال ريم وين؟
_نامت من ساعة يمكن.
تنهد الصعداء بقلة حيلة ثم لف ذراعه حول خصرها بتملك وقربها منه أكثر قبل أن يرفع نظره للجميع يعطيهم البشرى السعيدة وهو يبتسم بعين تلمع بفرحة حقيقية:
_قريب أن شاء الله هيشرف ولي العهد.
ارتفع الذهول الحقيقي فوق معالم الجميع وهم يحاولون استيعاب ما قاله للتو.
وأول ما تحدث بسعادة كان بلال وهو يقول بعد أن رتب على كتف أخيه بحب:
_مبروك ياخوي ياجي بالسلامة أن شاء الله ويتربى في عزك.
توالت التهنئات من جميع رجال العائلة لعمران.
حتى عفاف في النهاية هنئت آسيا بامتعاض.
لكن إخلاص لم تتحدث وظلت تتابع آسيا بغيظ.
حتى سمعت صوت ابنها الغليظ وهو يقول بضيق:
_إيه ياما مش هتقولي حاچة ولا إيه؟
ابتسمت بتصنع بعدما اقتربت من ابنها وعانقته بحب وهي تقول في سعادة مزيفة:
_وهو أنا افديك الساعة لما اشيل عيالك بين يدي ياولدي دي ساعة المنى.. ربنا يتمم لمرتك على خير وياچي بالسلامة على الدنيا ويتربى في عزك.
كانت آسيا تنظر لإخلاص ببسمة سخرية فهي وحدها التي ترى الزيف في كلماتها وفرحتها المتصنعة.
ربما لو كان هذا الطفل من امرأة أخرى لكانت فرحت به حقًا لكن حقيقة أن أمه ستكون آسيا يكفي لجعل إخلاص لا تفرح بخبر وجوده حتى.
على عكس عمران الذي صدق فرحة أمه المزيفة وابتسم لها بحنو وهو يمسح على ظهرها بدفء مرددًا:
_آمين ياما.. آمين.
ابتعدت إخلاص عن ابنها وعادت لمقعدها مجددًا.
وقد بدأ الحديث مرة أخرى بينهم باستثاء إخلاص وآسيا لا يتحدثوا فقد كانوا منشغلين في تبادل النظرات الشيطانية بين بعضهم البعض.
بعد وقت طويل نسبيًا انتهت جلسة حديثهم الطويلة ونهض الجميع معادا آسيا وعمران وإخلاص.
فنظر عمران لأمه وقال بهدوء وجدية:
_عاوزك تاخدي بالك من آسيا ياما متخلهاش تطلع وتنزل كتير ولا تعمل حاچة.. الدكتور قالها أهم حاچة الراحة.
قالت إخلاص باستهزاء وغل وهي تنظر لآسيا:
_وهو في حد بيقدر على مرتك دي ياولدي غيرك.
عمران بلهجة رجولية قوية تحمل الرجاء:
_ معلش الفترة الجاية بس خليهم يطلعوا الأكل ليها فوق لما أكون مش قاعد في البيت عشان متتحركش كتير.
نظرت إخلاص لآسيا بغيظ وهي تصر على أسنانها ثم قالت وهي تجيب على ابنها بلطف متصنع حتى لا تشعره بحقدها على زوجته التي ستجلب له طفله الأول قريبًا:
_ حاضر يا ولدي متقلقش مش هخليها تتعب روحها واصل.
مال ثغر آسيا للجانب وهي تبتسم بخبث لإخلاص فهي تدرك جيدًا ما تضمره لها في ثناياها وتحاول إظهار العكس أمام ابنها حتى لا تخسره. لكن آسيا هل تكتفي بهذا القدر؟
رمقت إخلاص بطرف عيناها في لؤم ثم وضعت يدها فوق بطنها واصدرت تأوهًا عاليًا مزيفًا في تعمد منها لإثارة جنون إخلاص عندما ترى ردة فعل ابنها.
التفت لها عمران بوجهه وسألها بقلق:
_ مالك يا آسيا؟
ردت بصوت ضعيف وهي تتصنع الألم وتمسك ببطنها:
_ معرفش حسيت بوجع مرة واحدة في بطني.
هتف عمران بحنو شديد وهو يحتويها بذراعيه:
_ طيب قومي يلا نطلع فوق وتريحي على السرير.
هزت رأسها بالموافقة ثم استقامت واقفة معه وهو مازال يحاوطها بذراعيه من خصرها والتفت برأسه نحو أمه ليقول:
_ تصبحي على خير ياما عاوزة حاجة؟
ردت إخلاص عليه بصوت محتقن من فرط الغيظ:
_ وأنت من أهله يا ولدي عاوزة سلامتك.
نظرت آسيا لها وهي تبتسم بمكر وتقول بلطف مزيف وسط نظراتها الشرانية:
_ تصبحي على خير يا حماتي.
هزت إخلاص رأسها لها بمضض دون رد وتابعتهم وهم يتوجهوا نحو الدرج. توقف عمران قبل أن يصعدوا فقالت له آسيا باستغراب:
_ مالك وقفت ليه؟
أنحني عليها وحملها فوق ذراعيه هامسًا لها بحدة:
_ بعد كده مفيش نزول من الأوضة على السلالم غير للضرورة مفهوم؟
ضحكت بخجل وهي تنظر له بجدية وتتمتم:
_ وه إيه اللي بتعمله ده ياعمران نزلني!
لم يهتم لها وقال للمرة الثانية موجهًا حديثه لأمه دون أن ينظر لها:
_ تصبحي على خير ياما.
انهي عبارته وسار بزوجته يصعد بها الدرج لغرفتهم بينما آسيا فقد التقت عيناها بعيني إخلاص التي كانت تشتعل غيظًا. فهمست آسيا ضاحكة في أذن عمران:
_ أمك شكلها كده اضايقت يامعلم.
رد عليها غير مباليًا وهو يبتسم:
_ اعملها إيه يعني.. وبعدين إيه اللي يضايقها مرتي حامل وبدلعها ومش عاوزها تتعب.
انتفضت آسيا بين ذراعيه وهي تهتف له بخجل شديد:
_ في حد نازل ياعمران.. نزلني بسرعة نزلني.
كان قد انتهي من صعود الدرج ووصل للطابق الثاني فرد عليها بنبرته الرجولية:
_ إحنا وصلنا أوضتنا خلاص ياغزال اهدي مالك خايفة كده ليه هو أنا جايبك من الشارع.. أنتي مرتي!
دفنت وجهها بين ثنايا رقبته بخجل وهي تضحك بصمت حتى وصلا لغرفتهم ودفع الباب بقدمه ثم دخل بها واغلقه بقدمه أيضًا بنفس الطريقة.
***
وقفت عفاف أمام غرفة بلال مترددة وعيناها ممتلئة بالدموع. ثم حسمت قرارها في النهاية وفتحت الباب لتدخل فتجده جالس فوق فراشه ويمسك بهاتفه يتصفحه. أغلقت الباب وهمست له بحنو:
_ بلال.
التفت لها على أثر صوتها ونظر لها بضيق ثم عاد بوجهه مجددًا لهاتفه يتجاهل وجودها من الأساس بينما هي فاقتربت منه أكثر حتى جلست على الفراش بجواره ورفعت يدها تمسح فوق شعره بحنو متمتمة:
_ كيفك يا ولدي طمني عليك.
أطلق بلال زفيرًا قويًا بخنق وهو يبعد يد أمه عنه فانهارت دموعها فوق وجنتيها غزيرة وهي تترجاه بعجز:
_ متعملش فيا كده يا ولدي أبوس يدك أنا مليش غيرك ومقدرش أتحمل بعدك عني.
توقفت أصابعه عن التقليب فوق شاشة هاتفه ثم أطلق زفيرًا حارًا قبل أن يلتفت لها ويقول بجفاء:
_ لكن قدرتي تتحملي وزك لأبوي أنه يقتل خليل.
قالت عفاف بندم حقيقي وسط انهيارها:
_ ندمت والله يا بلال واوعدك من هنا ورايح كلامك هو اللي هيمشي يا ولدي ومش هعمل أي حاجة تضايقك مني.
سكتت للحظة تراقب تعبيرات وجهه وأثر كلماتها عليه لكنه كان قاسيًا لا يظهر أي لين فقالت له متوسلة ببكاء:
_ سامحني يا ولدي متحرمنيش منك وتديني ضهرك أنا مليش سند غيرك.
ليته يستطيع مسامحتها بسهولة هكذا. لكن خطأها ليس صغير وتافه حتى ينساه من مجرد اعتذار. فترك الهاتف من يده وقال بصوت غليظ وهي يتمدد بجسده فوق الفراش يوليها ظهره:
_ أنا تعبان وعاوز أنام تصبحي على خير.
تصلبت عفاف مكانها لبرهة من الوقت وهي تتأمل ابنها بيأس وقلب منفطر. في النهاية لملمت شتات نفسها واستقامت واقفة لتغادر وتتركه وهي تبكي بحرقة وألم.
***
داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة جلال.....
خرجت فريال من الحمام بعدما انتهت من حمامها الدافئ. وكانت ترتدي ثوب حريري قصير من اللون الأحمر المفضل لديه. فاقتربت من المرآة ووقفت أمامها تسرح شعرها وسط نظراته المتفحصة لها وهو يتأملها بحب حتى انتهت.
سمعته يقول لها بنبرة دافئة وهو يشير لها بيده على الفراش بجواره:
_ تعالي يافريالي اقعدي جاري عاوز اتكلم معاكي.
اقتربت منه بصمت وهي تبتسم بحب دون أن تقول شيء وعندما جلست بجواره وجدته ينحني عليها ليلثم كتفها بقبلة حارة مفعمة بمشاعره الساخنة ثم يتمتم لها بحب:
_ ها قوليلي عاد إيه اللي حصل خلي أمي تعمل كده معاكي؟
لوت فمها بضيق وأجابته باقتضاب:
_ ولا حاجة عادي ضايقتني بكلامها ولما أنا رديت عليها ومعجبهاش ردي عملت كده.. متشغلش روحك خلاص اللي حصل حصل.
جلال بمعالم وجه جادة رغم حنوه:
_ ما أنا عارف اللي بتقوليه ده ياحبيبتي أنا عاوز اعرف قولته إيه بالظبط عشان افهم مين الغلطان.
تحولت فريال بلحظة من الهدوء للاشتعال وهي ترنقه بانزعاج وتقول:
_ يعني عاوز تقول أن أنا اللي غلطانة وأمك عندها حق يا جلال؟
جلال مبتسمًا بلطف وهو يحاوطها بذراعيه ويجيبها:
_ أنا مقولتش كده يافريال.. أنا بسألك إيه اللي حصل بس؟
فريال بعصبية وعينان دامعة بعدما دفعت يديه بعيدًا عنها:
_ وأنا رديت عليك وقولتلك اللي حصل.. اقولك على حاجة كمان أنا اللي غلطانة تمام كده؟
مال بوجهه للجانب مستغفرًا ربه في نفاذ صبر ثم عاد بنظره مجددًا يتمتم في نبرة احتواء وحب:
_ يافريال ليه بتعملي كده أنتي عاوزة تعملي مشكلة وخناقة بينا وخلاص.. هو أنا دلوك اتهمتك بحاجة ولا اتعصبت عليكي حتى.. أنا بسألك بكل هدوء وبتكلم معاكي وأنتي قلبتيها مناحة!
هبت واقفة وهي تستدير توليه ظهرها وتقول بصوت مبحوح يغلبه البكاء:
_ أيوة أنا قلبتها مناحة عشان نكدية يا جلال.
رفع يديه ومسح على وجهه وهو يتأفف بصوت مسموع مرددًا:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
استقام هو أيضًا واقفًا واقترب منها ليعانقها من الخلف ويقبل شعرها ورقبتها بغرام وسط همسه الجميل لها والهاديء:
_ لا أنتي مش نكدية ياحبيبتي.. حقك عليا أني بسأل أصلًا اعتبرني مسألتش أنا الغلطان محدش فيكم غلطان.
لان غضبها منه عندما احتواها بذراعيه وعانقها بكل دفء وامتلاك فردت عليه بصوت خرج بصعوبة بسبب بكائها:
_ شافتني مرتاحة ومبسوطة بعد أيام من الزعل على أبوي الله يرحمه فاستكترت الفرحة عليا فأنا رديت عليها وقولتلها البركة في جوزي ربنا ميحرمنيش منه فردت بتريقة بتقولي من أمتي الحب ده فأنا اتعصبت غصب عني وقولتلها من زمان بس في شياطين دخلت بينا وفرقتنا وكان قصدي على منيرة بس افتكرتني أقصدها هي.
ابتعد جلال عنها ببطء وادراها من كتفيه إليه ليصبح وجهها في مقابلته مباشرة وينظر في عيناها بعمق يسأله وهو يبتسم بسخرية بسيطة:
_ يعني أنتي كان قصدك على منيرة بس؟
اشتعلت نظرات فريال ورمقته بغيظ تقول متحدية دون خوف في حقد وقهر:
_ وحتى لو كنت أقصدها هي ومنيرة.. مش هي بردك اللي فضلت تلعب في عقلك وراسك وهي اللي جابتلك منيرة دي ومرتحتش غير لما جوزتهالك.. مش هي السبب الأساسي في فراقنا وكانت عاوزة تخرب بيتنا وتخلي عيالنا يتبهدلوا وسطنا لما نتطلق.. أنت بنفسك عارف كويس قوي أن أمك السبب في كل ده ولو كان على اللي عملته أنا في الأول لما سبتك أنا كنت هزعل منك شوية وأنت كنت هترجع تاخدني من بين أبوي وكانت المشكلة هتخلص من زمان لكن هي اللي دخلت منيرة الشيطانة دي بينا.
لا يستطيع إنكار حقيقة ما تقوله وأن أمه من ضمن الأسباب الأساسية في تفرقتهم والفجوة العنيفة التي نشبت بينهم. ليت أمه لم تكن هكذا لكن ماذا يفعل معها فقد احتار وسئم محاولاته في إخبارها بأن تتوقف عن أفعالها السيئة معه هو وزوجته.
اخذ نفسًا عميقًا في حزن وضم زوجته لصدره وهو يقول بخفوت يذيب القلب:
_ صدقيني أنا تعبت يافريال من كتر ما بحاول معاها. لكن هي للأسف شكلها مهما نعمل مش هتتقبلك بالنسبالها أنتي بت ابراهيم اللي قتل أبوي وعشان كده بتكرهك.
رفعت فريال رأسها عن صدره ونظرت إليه بوجه ممتلئ بالدموع تقول:
_ وأنا إيه ذنبي أن أبوي غلط وعمل كده في أبوك.
احتضن وجهها بين كفيه وراح يقبل جبهتها بحنو متممًا:
_ أنتي ملكيش ذنب بس هي مش فاهمة ده.. عمومًا استحملي شوية خلاص هانت قريب قوي بيتنا هيجهز وهننقل هناك كلنا أنا وأنتي والعيال.
رغم الحزن إلا أن عيناها لمعت بوميض جميل وسعيد عند ذكره لبيتهم الجديد والخاص التي ستكون هي وحدها سيدته. فعادت ترتمي بين ذراعيه مجددًا وهي تعانقه بقوة وعشق فيضمها هو إليه أكثر ضاحكًا بسحرية.
***
عودة لغرفة عمران وآسيا مجددًا.....
كان عمران جالسًا على الأريكة يحدق في الفراغ بشرود حتى انتشلته من ذلك السكون الغريب هي عندما جلست بجواره وراحت تملي فوق كتفه وصدره بدلال متمتمة بأنوثة تذهب العقل:
_ يا معلم.
رمقها بطرف عيناه رافعًا حاجبيه وهو يبتسم ثم التفتت لها بجسدها كاملًا وقال بهيام ونظرات ذائبة:
_ أؤمري يا عيون المعلم.
ابتسمت له بغنج أنثوي أكثر وهي تتمايل بكتفيها وجسدها في رقة وذكاء لتهمس له بصوت سرق ما بقى من عقله:
_ نفسي في أناناس.
اتسعت بسمته التي كادت تتحول لضحكة وهو يجيبها مستغربًا:
_ ده وحم يعني ولا إيه.. هو مش لسا بدري على موضوع الوحم ده؟
تنحنحت برقة وهي تردف ضاحكة بساحرية:
_ هو مش وحم.. بس بردك مش لسا بدري ولا حاجة هو بيبقى في التلات شهور الأولى أساسًا.
هز رأسه بتفهم وهو يرمقها بخبث مبتسمًا ويقول في صوت خافت:
_ اممممم ولما ده مش وحم أمال ده إيه عاد؟
زادت من جرعة تدللها عليه وهي تحاول أثره بنظراته الأنثوية المثيرة وتجيبه مبتسمة:
_ بدلع عليك شوية أو تقدر تقول بستغل الفرصة.
قهقه عاليًا في ضحكة رجولية مميزة أذابتها وأثرتها حتى وجدته يقول لها مغلوبًا من بين ضحكه:
_ ماشي ياغزال ادلعي..
بكرًا إن شاء الله هجيب لك الأناناس ده.
ارتمت عليه تعانقه بقوة، ثم ابتعدت وهمست وهي تقبله من وجنته عند لحيته:
_ هو أنا لو مدلعتش عليك يا معلم هدلع على مين يعني. ربنا ما يحرمني منك واصل يا تاج راسي.
اتسعت بسمته حتى أفسح المجال لأسنانه البيضاء بالظهور، وهو يقول غامزًا بمكر:
_ وه وه، ده إيه الدلع ده كله. أكده أنا هضعف ومش هيحصل طيب.
ارتفعت ضحكتها الأنثوية وهي تستقيم واقفة وتتجه نحو الفراش لتنام، بينما هو فكان يتابعها بعينان راغبة ويحاول التحكم بنفسه، لكنه لم يستطع. فوقف هو الآخر ولحق بها ليدخل بجوارها في الفراش. وبينما كان على وشك الاقتراب منها، طرق الباب المصحوب بالصوت الطفولي الرقيق وهو يقول:
_ يا طنط آسيا!
نظرت آسيا لعمران وضيقت عيناها باستغراب وهي تقول له:
_ دي ريم.
استقامت واقفة من الفراش واتجهت للباب تفتح لها، فتجده تقف أمامها بوجه ناعس والخمول يستحوذ عليها، وهي تقول بصوت طفولي ناعم:
_ أنا بخاف أنام لوحدي ولما صحيت لقيت نفسي في الأوضة لوحدي وضلمة خوفت.
ابتسمت لها آسيا بحنو، ثم أفسحت لها الطريق وقالت:
_ طيب ادخلي يا حبيبتي نامي هنا.
دخلت الصغيرة، وفور وقوع نظرها على عمران وهو يجلس فوق الفراش، تسمرت بأرضها. فضحكت آسيا وانحنت عليها تهمس لها:
_ أنتي خايفة من عمران ليه يا ريم؟ هو بيحبك ومش هيعملك حاجة.
اختلت النظرات المرتبكة لأخيها الكبير، ثم التفتت لآسيا وهمست في أذنها ببراءة:
_ أصل هو كبير وضخم وأنا بخاف منه أحسن يزعقلي.
انفجرت آسيا ضاحكة بقوة وسط نظرات عمران المستغربة لهم، حتى وجدت آسيا تقول لريم وهي تمسح فوق شعرها برفق:
_ لأ، هو مش هيزعقلك متخافيش، ادخلي يلا.
فهم عمران وأدرك الحوار الذي دار بينهم بالهمس، فابتسم لأخته الصغيرة بحنو يقول:
_ تعالي يا ريم.
تحركت نحوه بخطوات بطيئة ومترددة حتى وصلت للفراش وصعدت لتجلس بجواره، وكانت آسيا قد جلست بجوارهم، فأصبحت ريم بالمنتصف بينهم. انحنى عمران عليها ولثم شعرها بلطف متمتمًا:
_ أنتي خايفة مني ليه يا حبيبتي؟ أنا مش باكل العيال الصغيرة، متخافيش.
لكزته آسيا في كتفه ضاحكة، بينما الصغيرة ففهمت مزحته وابتسمت برقة، ثم تجرأت وسألته بنفس البراءة:
_ يعني طنط آسيا مش بتخاف منك؟
رفع نظره لآسيا وهو يبتسم بثقة، ثم يجيب على ريم:
_ بتخاف طبعًا، والكل هنا بيخاف مني. بس أنتي دلوقتي شيفاني بخوف وأنا بتكلم معاكي.
هزت رأسها بالرفض، فأكمل مبتسمًا بدفء وهو يعود ويلثم شعرها مجددًا:
_ يبقى متخافيش مني عاد.
أومأت له بالإيجاب، فقالت لها آسيا بجدية بسيطة:
_ يلا نامي وكملي نومك عشان بكرًا الصبح بدري هتصحي وتروحي بيتكم.
أدركت الطفلة أنها بالمنتصف وأن عمران سينام بجوارهم، فالتفتت له وقالت بعفوية:
_ هو أنت هتنام جنبنا؟
رد ببساطة وهو يضيق عيناه متعجبًا:
_ أمال هنام فين يعني!
كتمت آسيا ضحكتها وهي تتخيل أن أخته الصغيرة ستجعله يغادر فراشه لينام على الأريكة أو الأرض. التفتت الصغيرة لآسيا تنظر لها برجاء حتى لا تجعله ينام بجوارهم، فضحكت آسيا وهي تهمس بين نفسها ساخرة:
_ ده إحنا لما كنا متجوزين غصب ومحدش فينا طايق التاني، مكنتش بقدر أقوله متنامش على سريرك، جاري هتقوميه إنتي دلوقتي.
فاقت من شرودها وهي تنظر لعمران الذي بدأت ملامحه تتبدل، فضحكت أكثر واقتربت منه تهمس في أذنه ضاحكة:
_ معلش يا عمران، قوم نام على الكنبة أو الأرض النهاردة. لسه مش واخدة عليك ويمكن مسكوفة منك، قوم يلا.
طالع آسيا بنفاذ صبر، فلا يكفي أن ليلته الخاصة والرومانسية انتهت قبل أن تبدأ، والآن سينام على الأرض. نظر لأخته الصغيرة وقال بغيظ يحاول إخفائه حتى لا تخاف منه مجددًا:
_ شكلنا هنتفق مع بعض قوي يا ريم. تصبحي على خير.
ردت الصغيرة عليه ببراءة مبتسمة:
_ وأنت من أهله.
بينما هو فاستقام وأخذ وسادة معه ليضعها عند مقدمة الأريكة ويفرد جسده فوقها، واضعًا رأسه فوق الوسادة. وسط نظرات آسيا له وهي تضحك، ثم انحنت على ريم وهمست لها في أذنها:
_ أنا متجرأتش أبدًا أني أقوم أخوكي من سريره، بس إنتي طلعتي أشجع مني والحمد لله أنها عدت سلامات وتقبل الأمر بصدر رحب. وعشان كده لازم نحتفل الليلة وننام على السرير براحتنا من غير ما حد يكتم فوق نفسنا.
ضحكت الصغيرة بقوة وهي ما زالت تنظر لأخيها الذي أغلق عيناه لينام، وبسرعة تمددت بجسدها الصغير على الفراش وفعلت مثلها آسيا لتنام بجوارها ويتدثروا بالغطاء معًا. دقائق قصيرة وخلدت الصغيرة للنوم، وكانت آسيا كذلك قد غلب عليها النوم وعلى وشك النوم.
بصباح اليوم التالي بمنزل خليل صفوان، فتحت جليلة الباب وانصدمت برؤيتها لثلاثة ضباط يقفون أمامها، وهتفت واحدًا منهم الذي كان بالمنتصف وأمامها مباشرة يسألها بلهجة رجولية قوية وحازمة:
_ جلال صفوان فين؟