تحميل رواية «و قبل أن تبصر عيناكِ» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الطيور تكبر لتغادر العشّ... ربما تنطبق تلك النظرية على البشر أيضًا. لكنها أبدًا لا تمت لعائلة "الجزار" بصلة، حيث أنهم كبروا جميعًا، لكنهم لا يزالون هنا ببيت العائلة. اليوم هو الجمعة.. وكحال كل جمعة دون أن يتم استدعاء نفر واحد.. من تلقاء أنفسهم يجتمعون كلهم.. رجالًا ونساءً وأطفالًا بعد أداء الصلاة حول مائدة الفطور الشعبية المعدة والعامرة بكافة أنواع المأكولات على مختلف الأذواق، فكلٌ قد أدلى بما يشتهيه لسيدة البيت الثانية والمسؤولة عن كل شيء هنا.. "هانم السويفي" ابنة النظير القاطن بمنطقة مجاورة لا...
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الأول 1 - بقلم مريم محمد
الطيور تكبر لتغادر العشّ... ربما تنطبق تلك النظرية على البشر أيضًا.
لكنها أبدًا لا تمت لعائلة "الجزار" بصلة، حيث أنهم كبروا جميعًا، لكنهم لا يزالون هنا ببيت العائلة.
اليوم هو الجمعة.. وكحال كل جمعة دون أن يتم استدعاء نفر واحد.. من تلقاء أنفسهم يجتمعون كلهم.. رجالًا ونساءً وأطفالًا بعد أداء الصلاة حول مائدة الفطور الشعبية المعدة والعامرة بكافة أنواع المأكولات على مختلف الأذواق، فكلٌ قد أدلى بما يشتهيه لسيدة البيت الثانية والمسؤولة عن كل شيء هنا.. "هانم السويفي" ابنة النظير القاطن بمنطقة مجاورة لا تبعد كثيرًا، وأيضًا الزوجة الأولى لكبير "الجزارين".. "سالم الجزار" شخصيًا.
الكل يجلس في هدوء.. ينظرون إلى الطعام باشتهاءٍ.. لكن لا أحد يجرؤ على لمس أي شيء قبل مجيء كبيرهم.
فلم يمر وقت كثير إلا وظهر أخيرًا.. في مشهد مهيب يلج "سالم" عبر بوابة مرتفعة مزدوجة.
كان قد بدل جلبابه الأبيض ليرتدي عباءته السوداء ذات النسيج الحريري اللامع.
لقد أتم الثامنة والخمسين منذ أشهر قليلة.. لكنه وللدهشة لا يبدو عليه سنه أبدًا.
لا يزال قوي البنية.. شامخًا كجبلٍ.. حتى الشيب لم يغزُ إلا لمنابت رأسه الأمامية فقط.
رغم أنه يتاجر بالسموم، والأعمال القذرة كلها كانت بالسنة له ميدانًا يلعب فيه بمفرده ويحكمه منذ زمنٍ طول.
كان الحفاظ على صحته البدنية والعقلية بالمقام الأول لديه.
ليس هو فقط... بل كان قانونًا قد سنَّه وطبقه على جميع أفراد عائلته.
أذعنوا جميعًا خاضعين لمقولته الشهيرة التي تنص بالحرف: "إحنا نسفَّر الناس كلها.. بس مانسفرش!".
تأهب الجميع للقيام له احترامًا، لكنه أبقاهم بمجالسهم بإشارة من يده.
بينما يده الأخرى تمسك بسمبحة وفمه يتحرك بالابتهالات الصامتة.
جلس بمكانه متربعًا على رأس المائدة الأرضية.
اضطر الآخرون للانتظار لحظات إضافية.
ثم أخيرًا رفع "سالم" رأسه ومرر نظراته على وجوه عائلته.
شقيقه الأوسط "إمام" وأسرته المكونة من شاب وفتاة حاضرين.
شقيقه "عبد الله" الذي يليه بالعمر حاضر هو وزوجته فقط.
إذ لعلة فيه قد حُرم من نعمة البنين، لكنهما ظلا متمسكين ببعضهما رغم ذلك، وحتى اليوم لا يراهما أحد إلا متحابين مخلصين لبعضهما بعض.
في صف مقابل.. جلست أسرة "سالم" كتفًا بكتف.
زوجته إلى جواره تمامًا، وأولادهم الأربعة متراصين أمامهما، ثلاثة ذكور وفتاة صغيرة.
وبالرغم من أنه لاحظ هذا منذ جلوسه.. لكنه انتظر حتى تأكد.
وبعد مرور الوقت الذي يسمح للأخير بالحلول أمامه... لم يحدث ذلك.
فإذا به يرفع صوته ذي النبرات الصلبة قائلًا:
- أومال فين رزق يا ولاد؟!
برز صوت "فاطمة" ابنة "إمام" مجيبة على سؤال عمها بصوت متهلل وعيناها كأنما تنبضان بقلوب الهيام:
- رزق رجع معاكم من صلاة الجمعة ويدوب غير هدومه ونزل طوالي يا عمي.
عبس "سالم" وهو ينظر ناحيتها مرددًا:
- نزل طوالي على فين يعني؟!
تداخل صوت "مصطفى" ابنه الذي يلي "رزق" قائلًا بازدراءٍ بيّن:
- عنده ماتش يا حاج.. الكابتن رزق ماسك شعار "أبطالها لحد ما نبطلها"!
تجاهل "سالم" دعابة ابنه الحاقدة، ليبدي ردة فعل حانقة:
- أنا مش قلت 100 مرة الماتشات والكلام الفاضي ده يتمنع من الحتة خالص.. إحنا فين هنا؟!
غضن "مصطفى" عينيه وهو يتمتم لنفسه بغيظٍ:
- على أساس تقدر تقول الكلمتين دول قصاد المحروس!
التفت له "سالم" مستوضحًا:
- بتقول إيه يا مصطفى؟!
قلب "مصطفى" تعبيره بلحظة هاتفًا بابتسامة:
- ولا حاجة يا حاج.. بقول يعني مافيهاش حاجة. أهي منها رياضة ومنها حاجة بتسلي رزق. إنت عارفه مالوش طقطان (صبر) على حاجة!
تكلّف "سالم" الضيق وهو يهز رأسه بيأسٍ:
- مش عارف كيفه إيه في حاجة زي كده!!!
يرد ابنه الأصغر "حمزة" بمرحٍ لا يخلو من الحماس:
- كيفه يغلب طبعًا يابويا.. أصل الواد عجينة من ساعة ماتش الشهر اللي فات مش ناسيها لرزق وكان بقاله فترة يزن عليه ينزل ماتش تاني بس مش معاه.
- أومال مع مين؟
- إمبارح جابله واحد متعب وجدع كده شكله يخوف. حطهم قصاد بعض قدام أهل الحتة على أساس يحط رزق قدام الأمر الواقع.. بس هو وافق عشان يجيب أخره المرة دي!
.. و قفز من مكانه مصفقًا بحماسة:
- والله فكرتني يا حاج أما أقوم ألحق اللقطة الأولى.. دي بتبقى بالماتش كله...
كانت هذه إشارة لسلوك أخيه الأكبر في اللعب، يراه البعض غريبًا، بينما البعض الآخر يراه مثيرًا وتكتيك لا يخطر ببال أحد.
لم يكاد الولد البالغ من العمر تسعة عشر عامًا يقوم من مكانه إلا وجمده صوت أبيه الصارم:
- اقعد ياض إنت.. أنا ما أذنتش لحد يقوم!!!
كنَّ "حمزة" في مكانه ثانيةً وهو يغمغم بتهذيب:
- آسف يا حاج!
تنفس "سالم" بعمقٍ وتمهل لحظةٍ، ثم رفع رأسه من جديد معلنًا:
- عندي كلمتين وكنت عاوز الكل يكون حاضر ويسمع.. بس هاقولهم دلوقتي ولحاضر يعلم الغايب عشان خلاص مافيش وقت.
- خير يا حاج! .. قالتها "هانم" وعلائم الريبة تطفر على وجهها متواضع الجمال.
رد "سالم" بايماءة صغيرة دون أن ينظر إليها:
- خير إن شاء الله.. أنا إمبارح بس بلغني خبر وفاة كوثر الوديدي مرات عمك ناصر الله يرحمه. الوفاة ماحصلتش إمبارح. كان بقالها شهرين وأخوها عزام الوديدي كان ساكت كل ده عشان مانطالبش ببنتها "ليلة" وتيجي تعيش وسطنا هنا.. إللي وصلني إنه كان عاوزها لإبنه الكبير وخاف نظهر في الصورة قبل ما الموضوع يتم.
.. وضحك مكملًا:
- مش عارف جاب الغشم ده منين.. مهما كانت ليلة دي لحمي وهي إللي باقيالي من ريحة أخويا. أهبل عزام ده. مايعرفش إني ببعت ناس تجيبلي أخبار بنت أخويا أول بأول.
- طيب اتصرفت معاه إزاي يا خويا؟!! .. قالها "إمام" باهتمامٍ شديد.
نظر له "سالم" وقال بحزمٍ:
- عيب تسألني سؤال زي ده يا إمام. بقولك دارى علينا موت أخته. كان عاوز يعمل كل حاجة سكاتي لأنه جبان وخايف مننا.. أنا يدوب بس رفعت سماعة التليفون وطلبته. قبل ما أقوله عايز ليلة رد وقال أجبهالك بشنطة هدومها لحد عندك يا معلم سالم. وفعلاً كمان شوية وهاتوصل إن شاء الله.
تنفس "عبد الله" الصعداء وقال ببهجةٍ حقيقية:
- ده أحلى خبر سمعناه النهارده والله يا سالم.. بس بعد إذنك طبعًا ليلة هاتقعد في شقتي. إنت عارف ماعندناش حد ولا شباب كبار. مافيش غيري أنا وعبير. هاتونسنا وفي نفس الوقت هانراعيها كويس!
ابتسم "سالم" له وقال بطيب خاطر:
- أكيد يا عبده.. ما إنت عمها. وعبير ماتتخيلش عنك. أنا متأكد إنكوا هاتخدوا بالكوا منها وهي كمان هاتحبكوا أوي.
ثم أشار بيده إلى الطعام وقال أخيرًا:
- كُلوا بقى.. كفاية كلام أحسن الأكل يبرد!
_________
استغرقت التحضيرات للماتش هذه المرة وقتًا طويلًا.
لكن بقى آخر شيء وهو إقامة الحلبة بمنتصف الحارة الفسيحة.
تم هذا بسرعة وانقسمت لطرفين.
الخصم العملاق كما وصفه "حمزة" لأبيه يقف ليدهن جسمه بالزيت يقابله في الجهة الأخرى "رزق الجزار".
كان مشغولًا بأداء تمرينات الصدر والذراعين، بعد أن خلع كنزته الخفيفة، فتعرى جزعه العلوي تمامًا وظهرت لياقته البدنية المبهرة للعيان.
جسمه أبيض في الأصل، ولكنه الآن بدا برونزيًا محمّرًا من أثر الشمس الحارقة.
خصيلات شعره الشقراء تلتصق بمقدمة جبينه، وتسيل من خلالها قطرات عرقه الساخنة، تعبر بين عينيه الزرقاوتان وأهدابه الناعمة، فتغزو أخيرًا لحيته الخفيفة وتترك ملوحة فوق شفاهه الدقيقة الوردية.
ليسارع بتناول قنينة المياه من أحد الشباب الموالين له، يتجرع منها باستفاضة حتى أنهاها.
ثم يلقي بها فارغة خارج الحلبة ويلتفت فجأة نحو خصمه.
على عكس الأخير لم يحاول أن يبدو مخيفًا، رغم مؤهلاته البدنية التي تعزز فكرة كهذه.
لكنه آثر دائمًا أن يبدو رائقًا، فلم يزيده ذلك إلا فتنة وبهاءً.
"رزق الجزار" منذ نعومة أظافره حلو الطلعة وجميل الشكل.
إنه ذكر.. بل وصار رجلًا ذا سطوة وهيمنة بعد أبيه.
حتى أنه أكبر إخوته.
لكنه من شدة وسامته كان النوعان رجالًا ونساءً لا يستطيعون إشاحة أبصارهم عنه.
وكأنه معجزة!
إشارة واحدة من يده... كان الجميع ينتظرها.. حتى تبدأ الجولة الأولى.
وتنفجر الصيحات المشجعة والهتافات باسمه هو فقط.
ثلاث ثوانٍ يتقاربا الطرفان في تأهبٍ.
ليتصادما مرة واحدة.
بينما يرخي "رزق" ذراعيه وقبضتيه تمامًا تاركًا خصمه ينال منه كما يشاء.
حتى أنه سمح له برفعه في الهواء وإلقائه أرضًا بقسوة.
تم كل هذا بإرادته، وكأنه كان يستعذب المعاناة واللكمات التي أصابت وجهه وفتحت جروحًا دامية بشفته السفلى وأنفه وأسفل حاجبه الكثيف.
لعل الشمس كانت تعمي عينيه قليلًا، إلا إن ذلك لم يمنعه من رصد وجه أبيه.
حيث كان يقف في شرفة منزلهم الكبيرة بين العائلة.
جميعهم قد أطلوا ليشاهدوا البطل بطل!
كيف يكون بطلًا وهو في هذا الوضع؟!!!
على كلٍ... لم يستمر طويلًا.
بعد أن أخذ "رزق" كفايته من الضربات المنشودة... أطلق صيحة كأنما هي زئيرًا آدميًا.
كانت بمثابة الدفعة التي مكنته بسهولة من ركل الخصم في بطنه، ليتراجع الأخير للخلف منكفئًا على ظهره.
ينتصب "رزق" الآن قائمًا بقامته الضخمة.. يمسح الدماء المنداحة من فمه بظاهر يده.
بينما ينهض الخصم مستعدًا لإنهاء الجولة الأولى لصالحه.
ولكن هيهات!
ها هو "رزق" يبتسم له بعذوبة وديعة وهو ينظر بعينيه مباشرةً.. لا يمنح تلك الابتسامة لأحد عبثًا.
قلما يبتسم أصلًا.. وكثيرًا ما يُسقط الضحايا!!!
يشعر بموجة من الأدرينالين تندفع بشرايينه.
لحظة التصادم الثاني... مارس "رزق" عليه السحب بأنواعه والرفع بأنواعه.
ولعله أثناء تسديد بعض اللكمات أفقده قسمًا من أسنانه العلوية.
وبعد مناورات وخطف ودخول من أسفل الذراع والساق... سرعان ما انتابه الملل.
فقرر أن يُنهي اللعبة الآن.
في كلتا الحالتين كان الخصم قد انتهى.. وصار يترنح كالسكارى.
ليصطدم به "رزق" مرة أخيرة.. يرفعه فوق كتفيه العريضين في وضعية القوس ويدور به في الهواء.
ثم أخيرًا يسقطه فوق الحلبة بعنفٍ قضى على بقايا وعيه.
فيصيح "رزق" بغلظةٍ وهو يرفع قبضته الحديدية لأعلى معلنًا انتهاء اللعبة والفوز لصالحه ومن الجولة الأولى.
حوله الحشد الغفير من قاطني المنطقة والمناطق المجاورة يصرخون ويللهون باسمه.
الجميع يحتفي به، حتى أن البعض صعد إلى الحلبة ليحملونه فوق أكتافهم.
لكنه لم يكن يعبأ ولا ينظر إلا صوب نقطة معينة في ذلك المكان المرتفع قبالته، حيث لا يزال والده يقف.
ازداد زهوًا وغرورًا عندما رآه يشمله بنظرات الفخر والاعتداد.
_________
- ضربة المعلم بألف!
- ما يجيبها إلا رجالها يا زوّز!
كانت تلك الكلمات الاحتفالية التي سمعها "رزق" من فم أخيه الصغير وابن عمه وصديقه المقرب "علي إمام الجزار".
تركهم بغرفته وسارع نحو الحمام ليغتسل بسرعة ويلحق بميعاد العمل الذي كلفه به أبيه.
تسرب دمه بكمية وفيرة مع المياه أسفل الدش.
لكنه خرج نظيفًا ولامعًا كعادته.
ارتدى ملابسه المؤلفة من سروال جينز غامق وقميصًا فاتح محلول الأزرار من الأعلى.
مشط شعره للخلف ونثر عطره المفضل بغزارة.
وآخر شيء ليكمل هندامه علّق قلادته الثمينة المصنوعة من الذهب الأبيض في عنقه.
وأرفق إلى معصمه الأيسر ساعته الذكية باهظة الثمن التي تتيح له قراءة ضغطه أحيانًا.
وما إذا تسارعت خفقات قلبه تطلق إنذارًا لتنبهه.
كانت هذه طبيعته.. الاهتمام بنفسه والتأنق كما تعود منذ صغره.
لكن هذا كله ظنه البعض مفتعلًا لهدف الكيد فيهم.
وعلى رأسهم كان أخيه الأصغر منه بعامين.. والذي هدف طوال عمره ليصير ندًا له.
ولو أنه لا يبالي به مطلقًا.
لم يكن "رزق" أبدًا سهل الانقياد، ولم يسمح لأحد طيلة مدة مكثه هنا بأن يجره إلى الفخاخ.
كان يقظًا وفطنًا.
فطنًا كما كان يصفه جده الباشا!
يغادر "رزق" غرفته ويهبط للطابق الأرضي.
ذلك الطابق الذي اختارته جدته المسنة كي ما تسكن فيه وتقضي به آخر أيام عمرها.
كانت عادة لديه، قبل أن يذهب لأي مكان خارج البيت.. لا بد أن يدخل عندها أولًا ويلقي نظرة عليها كنوعٍ من أنواع الاهتمام والمودة الحقيقية التي يكنها لتلك السيدة.
جزء إحسانها إليه في طفولته وصباه، فهي في وقتٍ من الأوقات حلت بمكان أمه.
عليه الإقرار بأن في وجودها كانت مرارة حِرمانه من والدته أخف وطأة عليه.
جدته الرائعة الطيبة.
- دودي القمر! .. صاح "رزق" وهو يطل برأسه عبر فتحة باب غرفتها.
- صاحية ولا نايمة يا نينة؟!!
كانت الغرفة مضاءة بنور شمس الظهيرة، وكان السرير يقع بركنٍ جانبي للغرفة.
قبل أن يتمكن من رؤيتها تمامًا وصله صوته المتحشرج:
- رزق! تعالى يا حبيبي. خش إنت محتاج إذني يابني. قولتلك إنت الوحيد اللي تدخل عليا وتخرج براحتك.
ابتسم لها "رزق" وولج ماضيًا ناحيتها وهو يقول:
- عاملة إيه يا نينة.. فطرتي وأخذتي الدوا ولا لسه؟
بادلته جدته الابتسامة.. وتدعى "دلال".
كان يطيب لها الدلال كاسمها، وكان هو بالذات يدَلّلها كما كان يعشق النظر بوجهها رقيق الملامح رغم التجاعيد.
والوبر بالذقن أعطته يدها قبل أن يطلبها هو، فحنى رأسه ليطبع قبلة حانية فوق جلدها الطري المترهل.
سمع صوتها تاليًا يجيبه:
- أنا أول واحدة بصحى في البيت ده.. فطرت يا حبيبي وخدت الدوا. تسلملي يا غالي.
ورفعت كفها لتمسح على شعره ووجهه، لعلها خربت تسريحة شعره.. لكن لا مشكلة.. لتفعل هي فقط ما تشاء.
- إنت روحت شلّفط وشك تاني يا رزق؟
ضحك "رزق" من الملاحظة التي أبدتها والطريقة نفسها، ليجلس أمامه على طرف السرير قائلًا:
- روحت فين بس وشلّفط إيه يا دودي.. ده كان ماتش ملاكمة. لسا خلصان وكنت برا قصاد البيت.
دلال بتذمرٍ:
- والله ما أنا عارفة ملاكمة إيه دي إللي غاويها.
- ملاكمة يا دودي! .. صحصح لها ضاحكًا.
أشاحت بيدها قائلة:
- أبصر زفت أنا هاحضر فيها دكتوراة.. المهم كسبت ولا لأ؟!!
لا يزال يضحك من قلبه وهو يومئ لها:
- كسبت يا دودي. كسبت.
.. وغمز لها.
- إنتي ماسمعتيش الدوشة ولا إيه؟
- ما إنت عارف سمعي بقى على قدي.
رزق لائمًا:
- قولتلك مليون مرة تعالي أوديكي للدكتور. عارفة يا نينة.. مش هاتحسي إنك اتحركتي أصلًا. هاجبلك عربية إسعاف لحد هنا.
دلال بإباءٍ شديد:
- لا لا يا خويا.. حد الله بيني وبين الإسعاف والمستشفيات. أنا لو هاموت يبقى هنا في سريري ماتبهدلش برا.
تلاشت ابتسامته تمامًا وهو يقبض على يدها قائلًا بعتابٍ:
- إيه يا نينة الكلام ده.. بعد الشر عنك. موت إيه بس.. طيب خلاص زي ما تحبي. أنا هاجبلك الدكتور لحد هنا.
لم تتسنَّ لها فرصة الرد عليه إذ سمع بوضوح أصوات شجار بالحارة، ليعتذر منها فورًا ويسرع راكضًا إلى الخارج.
°°°°°°°°°°°°
استطاع أن يميز من صوت النزاع بأن المتسبب فيه أنثى.
هناك بالوسط.. وقفت سيارة باذخة، أمامها احتشد الناس حول فتاة يبدو من شكلها ومظهرها عدم انتمائها لمنطقتهم.
بل لم يكن بها ما يشير إلى تدني المستوى من أي جانب.
لكن أسلوبها الفج الذي تعاملت به مع ذاك الشاب الهزيل ذو الملامح الإجرامية، أخبر عن إجادتها وخبرتها بالعالم الذي يحيط بها.
-- ورحمة أمي ما هاسيبك إلا في القسم يا حيوان! .. كانت تلك العبارة على لسانها لا تردد غيرها.
حتى جاء "رزق" مخترقًا الحشد.
صار هو يمسك الشاب من ياخته، وهي تمسك بالأخرى، بينما يعلو صوته الخشن:
- قسم إيه يا شاطرة.. إنت فاكرة نفسك فين هنا. اصبري ليكي روقة.
.. وصرف نظره إلى الشاب قائلًا:
- عملتلها إيه يالا؟!
اندفعت الفتاة مجيبة بانفعالٍ شديد:
- الحثالة ده عاكسني وكان عاوز يحط إيده عليا.. وإنت تطلع مين أصلًا وإزاي تكلمني باللهجة دي. إنت ماتعرفش أنا مين.. طيب ورحمة أبويا وأمي هاتكون آخرتكم النهارده إنتوا الجوز.
رفع "رزق" حاجبه وصار يتأملها أكثر الآن.
لا ينكر جاذبيتها، ولكنه لم يستطع إمساك لسانه بعد أن تجرأت عليه، فقال بسخرية محقرًا من شأنها:
- اتكلمي على قدك يا حرمة.. إنتي أصلًا كلك على بعضك مافكيش إلا آااا...
.. وصمت بطريقة إيحائية وهو يشير بعينه صراحةً إلى فتحة فستانها العلوية.
انفجر الحشد ضاحكًا من نكاية "رزق" وتسديده المضبوط، بينما ألقت الفتاة بالشال الذي وضعته فوق كتفيها، فكثر عريها، وفردت ذراعيها وهي تطلق شهقة مغناجة، ثم صاحت بلهجة سوقية متقنة:
- لاااااااا يا حبيبي. ما يغركش شكلي ولبسي. مش كل الطير يا بابا اللي يتاكل لحمه. أنا آه حرمة زي ما بتقول بس مش أي حرمة.. اسأل عليا ده أنا ممكن أقل منك ومن اللي يتشددلك ولا تعرف تعمل معايا حاجة!!!
صعقها بنظراته المحتدمة، ورفع قبضته الضخمة مكوّرًا إياها وهو يقول بغلظة مهددًا:
- شيلوا البت دي من قدامي أحسن والله أكسَّرلها وشها!
تبجحت عليه فورًا:
- بت في عينك يا سافل يا قليل الأدب. أديني واقفالك أهو.. وريني هاتكسَّرلي وشي إزاي!
لأول مرة بحياته كان سينأى عن التحضر والمبادئ التي نشأ عليها وآمن بها.
إذ بلغ منه الغضب مبلغه وقرر أن يؤدب تلك الفتاة البذيئة بأقسى طريقة كما أحطت من شأنه أمام الجميع.
ولكنه قبل أن يتخذ خطوة واحدة تجاهها جمده هتاف أبيه الحاد:
- رزق!
التفت له في الحال، فإذا بالأخير يقبل عليه مقطبًا وجهه بغضبٍ وهو يقول بصلابةٍ:
- إنت اتجننت.. هاتمد إيدك على ليلة. على بنت عمك.
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثاني 2 - بقلم مريم محمد
ما أسهل أن ينجز بنفسه كل الأعمال التي يدفعها إليه والده.. حتى الخطير منها... ما كان سواه بقادرًا على الخوض في كل شيء ليس لقوته البدنية فقط، إنما لذكاؤه و خبرته و حسن تعامله و سرعة بديهته.. إخوته منهما ولدًا في سن المراهقة، و الآخر يصغره بعامين.. أي كبيرًا مثله، لكنه أحمقكثيرًا ما تطغى عليه عصبيته في أغلب المواقف فيخرب كل شيء، لذلك يفضل "سالم" أن يكون عمله بالداخل فقط.. أما الخارج فهو إختصاص "رزق".. و أحيانًا يتطلب تواجده بالداخل أيضًا ...
كانت عملية تسليم بضائع خاصة بالأسلحة اليدوية و الذخائر، النوع الآخر من تجارة والده المتعلّق بالمواد المخدرة.. يذكر جيدًا يوم أن عرض عليه تولي هذا العمل أيضًا، لكنه رفض بصرامة و أخبره أن لو وقع الاختيار بين تولي هذا العمل و العيش في كنفه، فهو سيغادر مملكته بكل سرور و لن يفكر أبدًا في العودة إليهو بالطبع وافق "سالم" و لم يعارضه أبدًا، فكما يعلم الجميع، أولاده و عائلته كلهم بكفة.. و "رزق" وحده بكفة أخرى، و دائمًا ما تكون كفة "رزق" هي الراجحة ...
"تمام يا ريس رجب !"
قالها "رزق" بصوته القوي و هو يضع أخر رزمة من النقود في حقيبته الكبيرة أشار للفتى القادم معه بغلقها و أخذها إلى سيارته خارج الصهريج المهجور ذلك لا يزال يتطلع إلى الشريك الخمسيني الذي يرتدي الجلباب و العمامة.. ملابس فاخرة و رائجة بقرى و نجوع الصعيد كانت تطوقه حراسة مشددة، و لدهشته أن رآى "رزق" قادمًا بمفرده، ليس معه سوى فتى حضوره مثل غيابه.. كم هو شديد الثقة بنفسه ...
"مع إن أبوك ماكنش بيعد ورايا يا معلم رزج"
علّق المدعو "رجب" باسلوب ينم عن فكاهة تكلّف.
"رزق" الابتسامة و رد عليه بفتورٍ :
"كل ساقطة و ليها لاقطة بقى يا ريس.. صوابعك مش زي بعضها. و أنا مش زي أبويا. أنا ليا دماغ لوحدي.. و بعدين الأصول ماتزعلش. مش بضاعتك تمام و شكيتها بإيدك ؟"
أومأ "رجب" مؤيدًا :
"تمام.. شغل أبيض كيف كل مرة"
"رزق" بثقة أقرب إلى الغرور :
"إحنا مابنطلعش حاجة أي كلام.. الجزارين سمعتهم سبقاهم"
إبتسم "رجب" مثنيًا على سيرته هو بالأخص :
"و سمعتك إنت لوحدك كوم تاني يا زينة الرچال. بتفكرني بابوك في شبابه كان عِترة إكده كيفك"
ضحك "رزق" باقتضابٍ و قال و هو يتهيأ للرحيل :
"أبويا لسا شباب يا ريس رجب"
بادله الأخير الضحك قائلًا :
"صوح.. هذا الشبل من ذاك الأسد !"
و تضاحكا مرة أخيرة، ثم قال "رزق" و هو يوليه ظهره ملوّحًا بيده :
"يلا أشوفك على خير.. إبقى ودَّنا يا ريس"
صاح "رجب" في إثره :
"و إنت ماتنساش توصل سلامي لابوك !"
غادر "رزق" المكان منطلقًا بسيارته دون الفتى الذي اعتذر منه ليلحق بميعادٍ خاص، فسمح له "رزق" بالرحيل... و أثناء طريق العودة يفرغ ذهنه تمامًا.. فإذا بالأحداث الأخيرة تعرض عليهو ها هي صورتها تقفز أمام ناظريه مجددًا لقد كاد ينساها... ماذا كان أسمها ؟ .. "ليلة".. كيف له أن ينسى أسمها.. بما أنه هو الذي أعطاها هذا الأسم قبل عشرون عامًا !!! رباه ! إن رؤيتها أطلقت بعقله طوفانًا من الذكريات المختلفة.. لم يكن يحاول أن ينسى أيًّا منها... حتى لو أراد.. ستظل أمنية عصية على التحقيق.. الماضي كله محفورًا بدواخله.. قد خبأه جيدًا بمكانٍ قصي و تناساه أغلب الوقت لكنها هي جاءت اليوم.. ظهرت أمامه كالشبح و ذكرته بكل شيء.. تحديدًا تلك الليلة المعلومة ...
Flash Back ...
تلك الفترة العصيبة التي شهدها تفتك بأمه، منذ وطأت أقدامهم بيت العائلة هذا.. عائلة أبيه، رغم حداثة سنه و عقليته الطفولية، إلا أنه أبدى تعقلًا في التعامل مع الأزمة التي تجلّت بعلاقة والديه أمه دائمًا حزينة، مكتئبة.. في منأى عن الجميع، و خاصةً والده، مع أنه لا يزال ولدًا لكنه منحها الأعذار.. لم تكن الصدمة هيّنة عليها، إذ تكتشف فجأة بأن زوجها و الرجل الذي أحبته لسنواتٍ و ضحت من أجله بالكثير، بل و عصت والدها حتى تحيا معه كزوجة و تنجب منه طفلًا يحمل أسمهفي ثانية ترى زوجة أخرى له و أطفال أيضًا.. شعر بصدمتها، فقد أحس بنفس الصدمة بدوره، لكنه ما لبث أن أفاق منها و تخطاها حين أخذه والده و جالسه على إنفرادٍ ليلقى على مسامعه الآتي ...
"رزق.. إنت كبرت و بقيت راجل. لو إتكلمت معاك هاتفهمني صح ؟"
هز الطفل رأسه أن نعم، فاستطرد "سالم" بجدية :
"أنا عارف إنك مشوش و متلخبط بسبب الظروف الجديدة حواليك.. عارف كمان إنك مضايق عشان ماما. بس أنا عاوزك تتأكد من حاجة واحدة و تكون واثق فيها أوي.. أبوك عمره ما يقدر يفرط في حتة منه. و إنت مني يا رزق. و أمك.. أمك دي مش مراتي و بس. دي حبيبتي و أظن أنت تعرف أنا بحبها أد إيه ..."
صمت قليلًا كي ما يعطيه وقتًا ليستوعب هذا القسم من حديثه، و لو أنه فهمه جيدًا.. خاصةً الجزء المتعلق بعلاقة الحب التي جمعت أبويه، لا يستطيع أن ينكر مدى حب أبيه لأمه، حيث أنه كان شاهدًا عليه منذ وعى على الدنيا لكن للأسف... تلك القصة الغرامية العظيمة مؤخرًا صار يعتريها البرود و يشوبها الهجر !!
"في نفس الوقت أهلك إللي هنا مني بردو !"
قالها "سالم" بلهجة أكثر شدة
"جدتك دلال. تبقى أمي. عمامك يبقوا إخواتي الصغيرين. إخواتك يبقوا ولادي زيك.. أنا عشان خاطرك و عشان خاطر أمك ضحيت ب10 سنين من حياتي بعيد عنهم و فضلت معاكوا في اسكندرية. كنت ليكوا لوحدكوا و بتابع الوضع هنا من بعيد.. بس يا رزق. بعد موت جدك الباشا مابقاش في سبب يخلينا نفضل عايشين في اسكندرية. آن الأوان نرجع للمكان إللي يستحقنا أكتر. وسط أهلنا. أمك مصدومة فيا و أنا مديها العذر.. مع إنها نسيت الحب إللي بينا و كل حاجة. بس أنا مانستش.. مانستش مثلًا إنها جابتلي أغلى حاجة في حياتي.. إنت. إنت إبني الكبير و أول فرحتي يا رزق. أنا لما إتجوزت مراتي الأولانية هانم كنت صغير. يدوب 20 سنة. فضلت 5 سنين محروم من الخلفة. بس لما إتجوزت أمك. مافيش سنة و شرفت حضرتك.. حبيتها فوق الحب ألف.. عشانك. و حبيتك أكتر عشان حتة منها و كل ما أبصلك كأني بشوفها.. إنتوا الاتنين غاليين عندي أوي يا رزق !"
و قام من مكانه قاطعًا المسافة بينه و بين إبنه، دون أن ينهضه من فوق الكرسي المقابل وقف أمامه و ضم رأسه في حضنه بحنانٍ متمتمًا :
"لحظة ما شوفتك و شيلتك بين إيديا عرفت معنى الضنى أغلى من العين.. و إنت أغلى الغاليين يابني. إنت إللي هاتكون سندي و ضهري لما أكبر. أنا متأكد ..."
و فجأة تقاطعهما لحظة دفع باب المضافة، لتظهر "كوثر" زوجة الأخ الأصغر "ناصر الجزار"... كانت في حالة يرثى لها و هي تلج ممسكة بأسفل بطنها ذات التسعة أشهر و تصرخ بانهيارٍ :
"إلحق أخوك يا سااااالم. إلحق ناااااااااصر ..."
و صرخت حين داهمها ألم المخاض، بينما ينطلق "سالم" صوب الخارج ساحبًا فرد سلاحه.. تبعه "رزق" دون تفكيرٍ لم يستطع اللحاق به تمامًا و غاب عن ناظريه بين الحشد الغفير، لهث "رزق" الصغير و هو يراقب تلك المعمعة الدامية بعينان جاحظتان.. كان قلق على أبيه و إعتزم البحث عنه لكنه قبل أن يتخذ خطوة واحدة، شعر بقبضة حازمة تسحبه للخلف.. إكتشف حين صار في لمح البصر خلف واجهة الدار بأن الفاعل لم يكن سوى أمه !!!
"رايحة فين يا ماما.. إستني بقولك رايحة فين ؟؟؟"
ثبت قدماه فوق الأرض و أجبرها على الوقوف، فإلتفتت إليه و قالت محاطة وجهه بكفيها الناعمين :
"يلا يا رزق.. يلا يا حبيبي. هانهرب من هنا !"
"نهرب إيه.. لأ طبعًا. أنا مش هاسيب بابا لوحده"
"بابا إيه دلوقتي.. إنت مش شايف إللي بيحصل وراك ؟ إنت مكانك مش هنا. يلا يابني إسمع كلامي. يلا نهرب قبل ما حد يشوفنا"
رفض الصغير قائلًا بصرامة :
"قولتلك مش هامشي.. هنا بيتي و مكاني. و مكانك إنتي كمان جمب بابا و جمبي.. إرجعي يا ماما. مش هاسيبك تمشي"
هزت رأسها للجانبين و سالت دموعها بغزارة، بينما يلاحظ كفها يحط أسفل بطنها و يسمعها تقول تاليًا :
"هنا في أخ تاني أو أخت ليك.. بيكبر جوايا. أنا أهون عندي أموت نفسي. بس ماولدش هنا طفل يطلع مجرم زي الناس دول.. إنت إبني و أنا مربياك و عارفاك. إنت مش زيهم. بس أنا مش هاسمح أجيب للعيلة دي أطفال يكبروا عشان يبقوا مجرمين.. صدقني عندي إستعداد أموت نفسي يا رزق. صدقني !"
إنه مجرد ولدًا في العاشرة من عمره ... أنى له أن يفهم أو يستوعب كل ما يجري من حوله ؟! بل أنى له كل هذا التعقل و الدراية التي أهدته لإتخاذ القرار بهذه السرعة !!!
"إمشي يا ماما !"
نطق "رزق" بآلية تامة و هو يفلت يد أمه سكتت "كاميليا" عن البكاء و نظرت له بذهولٍ، لكنها سرعان ما قالت بتصميمٍ :
"مش هامشي منغيرك !!"
"و أنا مش هاسيب بابا.. إمشي إنتي. و ماترجعيش هنا تاني. سامعاني ؟ إوعي ترجعي و يشوفك !"
و كأن الكلام يخرج من فم رجلٌ ناضج، و كأنه يدرك تمامًا مفاد الرسالة التي يوجهها إلى أمه... لتذعن الأخيرة إلى كلامه بأسرع ما أمكنها بعد أن فاقت من الصدمات المتوالية رمقته بنظرة قوية أخيرة، نظرة وداع.. نظرة ألم و فراق مجللة بالدموع... ثم ولّت مدبرة بل هاربة، و قد أطلقت لساقيها الريح و ركضت بسرعة كأنما يلاحقها فكٍ مفترس ...
أما "رزق".. فركض بالاتجاه الآخر عائدًا إلى أبيه.. إلى المكان الذي أختاره... لكن الصدمة عندما عاد لم يرى سوى الدماء أمامه، دماء و كسور و جراح كثيرة تحيط به.. و في الوسط هناك رقدت جثة عمه "ناصر" مصابة بطلقاتٍ نارية متفرقة.. إحداهما تستقر برأسه من خلفه نساء العائلة قد تجمعن حول الأرملة المكلومة.. زوجة أبيه "هانم" تصرخ باستغاثة :
"حد يشوفلنا ضاكتور.. حد يجيب عربية ناخدها المستشفى بسرعة !"
غريزيًا وجد نفسه يقترب بحذر منهن، لم تكن العقول بالرؤوس لحظتها.. حتى هو لا يتذكر كيف وصلت الرضيعة إلى ذراعيه الصغيرين... كانت محاطة بلفافة بيضاء و فمها يصرخ باستمرارٍ في لحظات شعر بميلٍ غريب نحوها، و كانت والدتها لا تزال على قيد الوعي بصورة ضئيلة عندما سمعته يهمس مبهورًا :
"ليلة !"
Back ...
كان قد وصل عند بيته تقريبًا عندما إنفصلت الذكرى فجأة و كأنها شريط قطع وصولًا إلى ذاك الحد ... و من جديد عاوده شعور مضمر بالتوتر أزعجه كثيرًا، فتنفس بعمقٍ و هو يفكر بصمت.. لم يتوقع أن تمنحها أمها هذا الأسم... صحيح أنها إبنة عمه لكنه فعليًا و منذ تلك الليلة لم يرها و لم يسمع بسيرتها ... نرى لماذا عادت الآن ؟ و كيف أصبحت على صورتها التي رآها قبل ساعاتٍ قليلة ؟ أسئلة كثيرة... لكنه قطعًا لن يطرحها على أيّ حد.. لأنه و ببساطة لا يظهر للجميع قدرًا كبيرًا من اهتمامه هكذا هي شخصيته الغامضة و المثيرة في آن !
و كأنه سر قومي.. إذا إنكشف تكون نهايتها... ففي عرفهم علاقات الحب و الغرام مرفوضة حتى لو بين الأقرباء و هي لسوء حظها كانت تعجب الإبن الأوسط لكبير العائلة.. "مصطفى سالم الجزار"... أبدى رغبة في الارتباط بها بعد أن تنهى تعليمها المتوسط.. لكنها ردت بالرفض... فأبقى والدها الأمر طي الكتمان إلى حينٍ.. رغم ذلك هيأت نفسها جيدًا للمدى المنظور... لن تقبل بغيره و لو إحترقت البحار و سقطت السموات هو فقط من يملك قلبها، تحبه، و لا تترك فرصة تفوت دون أن تلمح له بذلك، و ولكنها مغرورًا.. لا يبالي ...
كان الكاسيت ذو السماعات الصادحة يملأ غرفة "فاطمة إمام الجزار" بألحانٍ سحرية لغنوة السيدة "فيروز".. و كانت بدورها تمسك بصورة على مقاس وجه حبيبها و تنشد الكلمات بصوتها العذب و هي ترنو إلى ملامحه الجميلة بنظراتٍ هائمة ...
بعدك على بالي يا قمر الحلوين يا زهرة بتشرين يا ذهبي الغالي
بعدك على بالي يا حلو يا مغرور يا حبق ومنتور على سطح العالي
بعدك على بالي يا قمر الحلوين يا زهرة بتشرين يا ذهبي الغالي
بعدك على بالي يا حلو يا مغرور يا حبق ومنتور على سطح العالي
لمحت مصادفة أثناء مرورها من أمام نافذة غرفتها سيارته و ني تقف أمام البيت ... أغلقت الكاسيت فورًا و أطلت من النافذة بينما قلبها ينتفض بقوة بين أضلاعها.. الآن عاودها الهاجس الذي إنتابها لحظة أن رأت إبنة العم الجديدة حلول أنثى شابة و جميلة في هذا البيت تعني إقامة منافسة و ليست أيّ منافسة.. فتلك التي تدعى "ليلة" ليست قليلة أبدًا، تملك كل المقوّمات الأنثوية التي تجتذب أقوى الرجال عزيمة و ترفع... و هي.. هي تخشى على حبيبها... خاصةً بعد أن سمعت عمها يأمر "رزق" بعد النزاع الذي نشب بالحارة، بأن يعود إليه على جناح السرعة كي ما يتصافا هو و إبنة عمه و أن يعتذر كلاهما للآخر سيقفان أمام بعضهما و الله وحده يعلم نتيجة هذا الموقف ...
بدون تردد استدارت "فاطمة" راكضة للخارج، كانت وحيدة بالشقة في هذه الساعة الشاغرة من النهار.. هبطت بسرعة للأسفل، فإذا بها تصطدم به ...
"إيه يا بطاطا السرعة دي حاسبي !"
قالها "رزق" بتفكه و هو يمد ساعديه ليمنع أيّ إحتكاك جسدي بينه و بين إبنة عمه الصغيرة اضطربت أنفاسها و هي ترفع وجهها المتوّرد لتحدق به، بينما يبتسم لها بجاذبيته المعهودة قائلًا :
"مين بيجري وراكي يا فاطمة. لو ماكنتش واخد بالي و خبطي فيا كان بقى إزي الحال دلوقتي.. أقله إيد أو مناخير تتكسر !"
و ضحك بخفةٍ رفرفت "فاطمة" بأجفانها و هي تشعر بقلبها يدق بصخبٍ شديد، لتقول بصوتٍ كافحت ليخرج طبيعيًا :
"يا سيدي أنا كلي فداك. و لا يهمك.. المهم إنت تكون كويس و بخير دايمًا. ماتتصوّرش بترعب إزاي لما بشوفك بتنزل الماتشات بتاعتك دي. و خصوصًا لما بتسيب نفسك في الأول. ببقى هاتجنن.. قصدي بخاف حد يئذيك !!"
ربت "رزق" على رأسها و قال بلطفٍ :
"ماتخافيش يا بطاطا.. إبن عمك شديد. و زي ما قولتي. أنا بسيب نفسي في الأول بمزاجي.. يلا بقى شوفي كنتي رايحة فين !"
و لكن و قبل أن يتجاوزها استوقفته ممسكة بذراعه، جمد محله فسرعان ما تركته مغمغمة بارتباكٍ :
"و إنت رايح فين كده ؟"
أجابها بتلقائية :
"طالع لابويا.. هو مش فوق ؟!"
أومأت له و ردت بهمسٍ :
"فوق"
"فل.. ألحقه قبل ما ينشغل بأي حاجة !"
و مضى كالريح مرتقيًا درجات السلم الرخامي، بينما تراقبه "فاطمة" بناظريها متضرعة بخفوتٍ :
"يارب يشوفها قرد كده.. ياربيتبع"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثالث 3 - بقلم مريم محمد
لم يتوقع ذلك بما أنه تلقّى الأوامر قبل مغادرته وسمع أبيه يشدد على أنه سيكون بانتظاره مع إبنة عمه حتى بصفي الخلاف الحرج الذي نشب بينهما في أول لقاء.
كانت الشقة التي يسكن بها "سالم الجزار" بمعزلٍ عن بقية العائلة، على رأس المنزل المشترك. حيث هجر الجميع إلى هذه الخلوة المريحة للأعصاب. حتى زوجته "هانم" لا يسمح لها بالدخول إلى هنا. فقط أبناؤه إذا كان الأمر عاجلًا، أو إذا طلب هو أحدهم للمثول أمامه.
وها هو "رزق" يلج بنسخة المفتاح التي حصل عليها من والده، مضى للداخل باحثًا بعينيه. رغم الهدوء لكنه استعد لرؤيتها معه بأيّ مكانٍ هنا. إنما خاب ظنّه.
عندما تناهى إلى سمعه صوت "سالم" منبعثًا من جهة المضافة الواقعة على بعد أمتار قليلة خلفه. استدار "رزق" متجهًا إلى هناك دون ترددٍ. كانت دهشته تزداد مع كل خطوة. إذ ميّز لهجة أبيه المغايرة للعادة. فهو قلما يسمعه يتحدث بكل هذا القدر من الود واللطف. ربما تأكد الآن بأنه لا يتحدث إلا لها هي.
لكنه تفاجأ كليًا حين وقف عند عتبة الباب المزدوج وأكتشف بأنه لم يكن يتحدث إلا لصغيرته. وأخته هو بنفس الوقت!
كان "سالم" يجلس فوق مقعده الوثير الأشبه بكرسي العرش، وكانت إبنته "سلمى" البالغة من العمر ثلاثة عشر عامًا تجلس فوق قدمه تبكي بحرقة بينما يهدئها ويقبل رأسها ويربت على كتفها بحنانٍ.
"خلاص بقى يا سلمى. عشان خاطر بابا كفاية عياط.. هاتشوفي هاعملك فيهم كلهم إيه!"
تمخطت الفتاة الرقيقة في منديلٍ قدمه لها والدها، لتقول ردًا على كلماته بصوتٍ كالأنين:
"محدش من إللي تحت عمل معايا حاجة. هو مصطفى بس. مصطفى مسكني من شعري جامد وزقني. وزعقلي وكان هايضربني بس أمي لحقته."
زم "سالم" شفته وهو يستعرض السبب الذي دفع إبنه الأوسط لفعل ذلك بأخته، وبما أنها لاقت التعنيف المناسب فلم يشأ أن يزيد عليها. فواصل أسلوبه السلس معها وقال بتفاهمٍ:
"طيب يا حبيبتي مش أنا قلت قبل كده اللبس ده ماينفعش تظهري بيه قصاد حد تاني؟"
وأشار إلى فستانها عاري الكتفين والقصير.
"حتى لو وسطنا هنا في البيت.. إنتي مابقتيش صغيرة يا سلمى."
"وآه هنا إنتي وسط إخواتك وعمامك. لكن ماتنسيش إن في "علي". إبن عمك.. مايصحش يشوفك كده. إنتي صغيرة أنا عارف وهو مايقدرش يبصلك بصة مش كويسة. بس لازم تتعودي على كده عشان لما تكبري أكتر و تبقي أنسة حلوة كده محدش يقدر يبص عليكي ولا يشوف حتة منك حتى."
إزدردت الصغيرة لعابها وهي تفكر بكلام والدها، ثم صاحت فجأة وكأنها تلقي عليه بحجة:
"بس إنهاردة أنا شوفت ليلة بنت عمي ناصر الله يرحمه لما جت.. كانت لابسة فستان ضيق وعريان.. كانت مغطية كتفها بس."
إنقلب تعبير وجهه في هذه اللحظة عندما تذكر الصورة التي رآى عليها إبنة أخيه. تمهل للحظاتٍ قبل أن يقول لها بحزمٍ:
"ليلة كانت عايشة في مكان مختلف عن البيئة بتاعتنا.. بس طالما جت هنا كل إللي إتعودت عليه هايتغير. و هاتشوفي بنفسك!"
ثم ابتسم باللحظة التالية بخفةٍ، وقال وهو يمسح لها بقايا دموعها:
"خلاص بقى إحنا إتفقنا إننا هانسمع الكلام ومش هاتلبسي الهدوم دي تاني. أما بالنسبة لمصطفى ف حسابه معايا. واللّيلة مش هاتعدي إلا وهو جاي يبوس على راسك ويتأسفلك يا ست البنات.. يا حبيبة أبوكي إنتي."
نجح بسهولة أن يضحكها بمداعبته الحنونة، فتلقائيًا رمت ذراعيها حول عنقه وضمته بشدة. فبدوره عانقها وهو يضحك بوقارٍ.
في جهة أخرى كان "رزق" لا يزال هناك. على مقربة منهما يراقب ما يجري في صمتٍ. وصولًا إلى ذلك الحد تنحنح بخشونةٍ، فتباعد كلًا من الأب والإبنة. نظرا معًا نحو "رزق".
ليقول "سالم" داعيًا إياه بصلابة:
"خش يا رزق.. تعالى!"
إنصاع إلى أبيه ودخل بخطواتٍ ثابتة. كان يبتسم لأخته. ما إن وصل قريبًا منها حتى انحنى ليقبلها على خدها قائلًا:
"لوما.. وحشتيني. بقالي يومين مش بشوفك!"
ردت الفتاة لأخيها الابتسامة وقالت برقةٍ:
"إنهاردة كان أخر يوم امتحانات وكنت بذاكر لوحدي في الأوضة."
"إممم. عشان كده متشيكة ولابسة فستان يعني.. بس ده فستان مايتلبسش حتى في أوضتك يا لوما. عيب يا حبيبتي. مش عاوز أشوفك بحاجة زي كده تاني. إتفقنا؟"
أومأت له بوداعة، فغمز لها تلك الغمزة المزدوجة بعينيه.
"طيب يا ست سلمى!"
قالها "سالم" متنهدًا وهو ينزل إبنته عن قدمه. أعجبته ملاحظة "رزق" المترفقة بأخته، فكر أنه لو كان فعل "مصطفى" مثله لكان أفضل. لكنه ما لبث أن تجاوز الأمر كله وتخطاه قائلًا:
"يلا بقى على تحت.. انزلي غيري فستانك ده وشوفي هاتعملي إيه. أنا كمان شوية ونازل عند تيتة دلال. إبقي تعالي أقعدي معانا يا حبيبتي."
أذعنت الفتاة لوالدها وانطلقت تعدو بتوثبٍ. ليبقَ "رزق" الآن بمفرده. وجهًا لوجه مع أبيه.
"هاه!"
لقلق "رزق" محطمًا الصمت وهو يهز كتفيه بحركة تنم عن الحيرة. حتى الآن لم يبدو على محيا الأخير سوى المعالم الجوفاء. إلى أن هب واقفًا فجأة وهو يدفع بطرف الشال الثمين الذي يغطي كتف عباءته الداكنة.
"إقلع!"
هتف "سالم" بوجومٍ دون يرتد له طرف.
"نعم! أعمل إيه؟!"
كرر "سالم" بصوتٍ أكثر حدة وصرامة:
"بقولك إقلع هدومك يالا!"
كيف له أن ينقلب هكذا بلحظة؟ رباه.. علام ينوي أبيه بالضبط!
"هو في إيه بس يابويا؟"
تساءل "رزق" باقتضابٍ.
سالم بجمودٍ مهدد:
"مش هاكرر الكلام ده تاني!"
إنه لأول مرة يأنس من والده تصرفات كهذه. حرفيًا كان هذا وجهًا يراه للمرة الأولى. لكنه مع ذلك لم يخافه. لم يكن يفقه معنى كلمة خوف أصلًا. وكله بفضل أبيه.
تنفس "رزق" بعمقٍ واتخذ وجهه تعبيرًا قاسيًا. مد يده اليسرى لينتزع الساعة أولًا، ثم رفع أنامله الصلبة وشرع يفك أزرار قميصه. خلال لحظة كان قد خلعه وألقاه أسفل قدمه، لم يحيد بناظريه عن عيني والده ثانية واحدة. وعندما جاء ليسحب طوق خصره أشار له "سالم" حتى يتوقف:
"بس.. كفاية كده!"
تصلّبت يداه فوق إبزيم الطوق وظل يحدق في أبيه بسكونٍ هكذا.
ليتقدم الأخير صوبه على مهلٍ وهو يقول:
"لحد إمتى؟!"
قطب "رزق" حاجبيه جاهلًا ما يرمي إليه والده. بينما يقف الآن أمامه مباشرةً، كان يمسك بيده عصا ثمينة يتوكأ عليها أحيانًا. رفعها فجأة ووكزه برأسها المدبب بصدره المليء بالكدمات المتفرقة.
كتم "رزق" آنة متألمة وهو يشد على فكيه بقوة، فكما اعتاد.. مهما بلغ به الألم يتحمله، بل وينشده في كثير من الأوقات.
"أنا عاوز أعرف أخرتها إيه في إللي بتعمله في نفسك ده!!!"
كان السؤال الذي طرحه "سالم" مدخرًا منذ وقتٍ طويلًا، وها هو يفصح عنه الآنه بكل فضولٍ وإلحاح.
"جاوبني يا رزق.. أنا عمري ما سألتك عن حاجة بتعملها. بس إللي بيحصل ده زاد عن حده. الخطر إللي بتركبه وبتسيب له نفسك ده.. إنت كده بتنتحر. عاوز إيه يعني؟ عاوز تموت؟!!!"
كانت إشارة صريحة لإتاحته فرص النيل منه وسط حلبة المصارعة. يعلم "رزق" أن الجميع لديه نفس التساؤلات حول تلك العادة الغريبة. لكنه نوى منذ البداية أن يحتفظ بالأسباب لنفسه.
"مش غريبة!"
قالها "رزق" مغمغمًا بسخرية، وأردف بنفس الأسلوب:
"خايف عليا وأنا بلعب على الحلبة.. ومش خايف لما بتبعتني مشاوير الشغل. في الحالتين فيها موتي يا معلم سالم."
"رزق!!!"
صاح "سالم" زاجرًا إياه بتحذيرٍ.
ليرد الأخير بعينٍ قوية:
"إيه بقول حاجة غلط.. إنت مش سامع نفسك يابويا؟ جايبني ومذنبني زي العيال الصغيرة وبتحاسبني على تفاهات. كان ممكن أسمع منك لو ماكنتش سقط في قاع أسوأ وأقذر من كده. هايحصل إيه أكتر من إللي أنا شوفته معاك وفي شغلك.. ما ترد؟!"
يصمت "سالم" في المقابل متفاجئًا بردود إبنه. لم يتخيل بيوم أن يسمع منه ذلك وأن يلقي بوجهه بكل الحقائق بهذا الشكل. حتى أنه يعجز الآن على قول كلمة واحدة. فقط بقى يرمقه بغرابةٍ هكذا.
يفرج "رزق" عن ابتسامة مريرة وهو يستطرد لما طال السكوت:
"أنا عمري ما فتحت بؤي.. عمري ما حسستك إني ناقم على الحياة دي. بالعكس. قبلتها وإختارتك من الأول.. ماتردتش لحظة وأنا بختارك."
"قول بقى إنك ندمان!"
قاطعه "سالم" بحدة.
"صحيح كنت لسا عيل صغير.. بس دلوقتي يا رزق. لو ظهرت في حياتك تاني وخيّرتك هاتختارها هي صح؟"
لم يترك له فرصة الرد عليه وتابع بتهديدٍ وذلك الألق الشيطاني يبرق بعينه:
"ولا ليه تستنى لما تظهر وجايز مايحصلش.. تحب أدوّرلك عليها؟ لو قلت آه أوعدك بكرة خبرها هايكون عندي!"
إحتقن وجه "رزق" انفعالًا، ذكّره بعنفٍ مكبوتٍ:
"إنت وعدتني.. مش هاتتعرضلها طول ما أنا جمبك!"
إنزوى فم "سالم" بابتسامة خبيثة وقال بلهجة مستخفة:
"ماتخافش. أنا عند وعدي. سالم الجزار مايقولش كلمة إلا و ينفذها لو على رقبته!"
ولفت نظره ما يتدلى من قلادة "رزق". نظر فإذا به يرى خاتم، على الفور تعرف عليه، ذلك الخاتم الذي يعود لزوجته الثانية وحب عمره، كان قد سقط من يدها في تلك الليلة المشؤومة وعثر عليه "رزق" ومن يومها يحوزه.
"لسه محتفظ بده؟!"
قالها "سالم" وهو يرفع كفه ملامسًا الخاتم. لكنه وقبل أن يمسه قبض "رزق" على معصمه بقوةٍ مغمغمًا من بين أسنانه المطبقة بشدة:
"ماتلمسش ده.. إوعى تلمسه!!!"
وتبادلا نظرة تحدي شديدة الوطأة دامت للحظاتٍ طويلة، خال أحدهما الآخر بأن المنزل كله سينفجر من حجم التوتر المتفاقم بينهما. لكن ما لبث "رزق" أن انفصل عنه فجأة يحني جزعه ليلتقط قميصه، ألقى به فوق كتفه وسحب ساعته.
رمى والده بنظرة غضبٍ يغلفه خذلان عميق، ثم قال كلمته الأخيرة:
"فلوس بضاعتك تحت في شنطة العربية.. وأنا إنهاردة Off. سلام يا كبير!"
وأولاه ظهره ماضيًا إلى الخارج.
سرعان ما تلاشى من أمام ناظريّ "سالم". مع ذلك بقى بمكانه حتى سمع باب الشقة يصفق بعنفٍ كبير. تيبست ملامحه بمسحة ألم مجهول المصدر. كل شيء إلا هو. كل شيء إلا "رزق". ماذا فعل؟ ماذا قال وكيف نطقه. بعد كل الذي مرا به.. لا يمكن أن يخسره بأيّ شكل. لا يمكن أن يخسر الإبن والرجل والصديق والعمر الذي يتمثل فيه كليًا. ما فائدة حياته دون "رزق"؟ ما من فائدة على الإطلاق!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الرابع 4 - بقلم مريم محمد
أظهرت "ليلة ناصر الجزار" بعض اللطف تجاه المرأة العجوز التي هي جدتها بالحقيقة. نالت عطفها منذ أول وهلة، إذ فور رؤيتها إياها رأت عيناها تفيض بالدمع، وما لبثت أن أخبرتها بأنه كما لو أن والدها هو الذي يمثل أمامها. وأخذتها بين أحضانها ولم تتركها حتى هذه اللحظة عند دخول "سالم" ورصده للمشهد المؤثر الذي جمع أمه بإبنة أخيه المرحوم.
إبتسم بتعاطفٍ لم يحاول مداراته، وولج رافعًا صوته بحيادية لطيفة:
- شكلي جيت في وقت مش مناسب!
إلتفتت "ليلة" نحو مصدر الصوت أولًا، ما أدى إلى إنفصالها عن جدتها بتلك الحركة الفجائية. كان "سالم" يمشي ممسكًا بمسبحته بكامل هيبته، لا يزال محتفظًا بابتسامته الهادئة، بينما تتطلع أمه الهرمة إليه هاتفة بصوت ينم عن بكاء:
- تعالى يا سالم.. تعالى يابني. شوفت ليلة بنت أخوك ناصر. شوفت كبرت و بقت عروسة إزاي؟!
هز "سالم" رأسه مؤيدًا كلمات أمه، جلس في كرسي مقابل لهما. وأطلق نظراته تجاه إبنة أخيه. الآن سمح لنفسه أن يتأملها مليًا ويرآها بوضوح. فما من أحدٌ هنا سوى أمه، وهي فقط. مركزه بين رعاياه وشخصيته المعقدة تحتم عليه ألا ينبهر بالأشياء أو الأشخاص، وألا يعطي قيمة أكثر لمن هم أدنى منه مقامًا أو عمرًا حتى لو كانوا مقربين. أما في هذه اللحظة... لا عيون تراه ولا يخشى أن تهتز صورته. فقد بقى يرنو إلى الفتاة الجميلة بوداعة يضفي عليها حنانٍ متكلّف. إنها لم ترث أيّ شيء من ملامح أبيها. لكنها بالطبع كانت تشبه والدتها إلى حدٍ كبير. تلك العينان البنيتان الواسعتان، الوجه المستدير، القسمات الصغيرة الرقيقة، لون الشعر الأسود الفاحم والبشرة الخمرية. كله كان كما لو أنها إنعكاس لصورة أمها في شبابها، ولو أنها هي أكثر جاذبية وجمالًا. لكن النظرة.. تلك النظرة الحادة العدوانية بالفطرة.. بالتأكيد هي الشيء الوحيد الذي ورثته عن أبيها.
- عروسة و زي القمر كمان! .. قالها "سالم" بعد صمت. فتلاشت النظرة الحذرة التي خصّته بها "ليلة"، وتبسمت له على استحياءٍ. ليكمل بنفس الاسلوب ولكن بنبرة أكثر حزمًا:
- بس شغل الخواجات ده ماينفعش عندنا هنا ياما.. لازم ليلة تعرف كده. حي الجزارين مش زي الكومباوند الهاي كلاس إللي كانت عايشة فيه مع خالها. خالها عزام الوديدي مش زي عمها سالم الجزار و لا عمره هايكون زيه!
ومن جديد تختفي إبتسامة الفتاة وتنظر إلى عمها بوجومٍ. ثم يخرج صوتها أخيرًا فتقول بلهجة أقرب إلى الحدة:
- مش فاهمة يا عمي.. قصدك إيه يعني بالكلام ده؟!
سالم بجدية:
- إسمعي يا ليلة. ماكنتش أحب ابدأ أول حوار ليا معاكي بالطريقة دي.. في نفس الوقت مراعي إن عمرك ما شوفتيني و لا حتى عتبتي البيت ده. و ده كله حصل لأني راجل أد كلمتي. لما وعدت أمك إنك هاتمشي معاها بعد موت أبوكي و هاتفضلي عايشة معاها عند خالك بشرط ماتتجوزش و لا تنقلك لأي مكان إلا بأذني.. سيبتك تعيشي حياتك معاها بالشكل إللي يعجبها و عمري ما حاولت أظهر في الصورة لا أنا و لا حد من اعمامك. و سيبتها تربيكي على هواها. بس خلاص.. هي راحت عند إللي خلقها. و إنتي دلوقتي رجعتيلي...
كانت تتجهم أكثر فأكثر كلما تفوّه بكلمة. حتى فرغ صار محياها ينذر بنيتها قبل حتى أن تنطق بها. لكنها رغم ذلك تمهلت وقالت بهدوء ما قبل العاصفة:
- الحقيقة أنا مش فاهمة حضرتك بجد.. و ماعرفش إنت بتقولي كل الكلام ده ليه و بالذات دلوقتي. بس إللي أنا متأكدة منه إني ماكنتش و لا هاكون أداة في إيد حد. أنا لما وافقت أجي أعيش وسطكوا هنا كان بارادتي و عشان أنا عاوزة كده. لكن ده مش معناه أبقى قابلة إن حد يتحكم فيا. لو ده إللي تقصده و بتبينه ليا من البداية.. ياريت نكون واضحين عشان أنا النظام ده مش هاينفع معايا I'm sorry!
إشتبكت ناظريهما مطوّلًا في أجواءٍ حِرجة وحدها السيدة "دلال" من خشيت تبعاتها. لكنها إبتلعت عبارة ملطفة أرادت أن تسبغها على الوضع المتوتر، عندما تكلم "سالم" بنفس اللحظة قائلًا بثباتٍ قوي دون أن يرتد له طرف:
- قولتلك ماكنتش أحب ابدأ أول حوار ليا معاكي بالطريقة دي.. بس إنتي شكل الرباية الخواجاتي إللي ربتهالك أمك زرعت فيكي صفات أنا لا يمكن أقبلها.. إوعك تكوني فاكرة إن طول السنين إللي فاتت دي أنا كنت نايم على وداني. أنا ماسبش حاجة تخصني تتوارب عن عيني لحظة.. أنا كنت زي ضلك يا بنت أخويا!
تصاعدت دماء الحنق إلى وجهها سريعًا، وبصعوبة أخمدت ثورة وشيكة الانفجار لتقول بصوتٍ غاضب:
- أنا ليه حاسة إني قاصر مثلًا أو دخلت معتقل.. إنتوا مين و حضرتك مين و فاكرني إيه أصلًا. إسمع يا عمي آ ا ...
- إسمعي إنتي يابت كوثر!!! .. صاح "سالم" وهو يهب واقفًا بلحظةٍ رفرف شال عباءته الداكن من حوله لجزء من الثانية، بينما شخصت "ليلة" بعينيها وهي تحدق فيه بقوة جاهدت ألا تبدو فيها ذرة ضعف.
- و إنت قدامي تطاطي راسك و تسمعي و بس! .. قالها "سالم" معنفًا بقساوة تبعث للبكاء في البالغ قبل الطفل. لكنها صمدت بجلّد كعهدها منذ فترة طويلة واستمعت لبقية حديثه المرعب:
- أنا ماليش في الحنية و الطبطبة.. الشغل الخايب ده ممكن تلاقيه عند ستك دلال و اعمامك الاتنين. إنما أنا و اجابة على سؤالك هاقولك أنا مين.. أنا سالم الجزار. أنا الملك هنا. أنا الحاكم. محدش يقدر يتنفس ألا بأمر مني. محدش يقدر يتجوز و لا يخلف ألا بمشورتي. حتى الموت ساعات بتحكم فيه. فاهماني؟ شوفتي وصلت لإيه؟ هي دي عيلتك. و أبوكي كان تحت ولايتي في يوم من الأيام قبل ما يموت. و إنتي عمرك ما خرجتي من تحت الولاية دي بردو.. تقدري تقولي بس كنتي في إجازة مؤقتة. بس خلاص رجعتي.. و الكلمة إللي هاتسمعيها من الحنك إللي بيكلمك ده هي إللي هاتمشي!!!
- بالراحة يا سالم مش كده يابني! .. قالتها "دلال" محاولة تهدئة إبنها ليرد "سالم" بصلابةٍ دون أن يحيد عن إبنة أخيه طرفة عين:
- أسكتي ياما بعد إذنك.. مالكيش دعوة بالموضوع ده. لازم تعرف حجمها. لازم تعرف و تفهم كويس اهلها مين و يقدروا يعملوا إيه في إللي يعصى حتى لو منهم!
رفعت "ليلة" رأسها بشموخٍ وقالت بجسارة كأنه لا يعنيها بكل تهديداته:
- و لو عصيت يعني هاتعمل فيا إيه يا عمي؟
سالم بسوداوية مطلقة:
- عذرك و إنتي بتنطقي الكلام ده إنك فعلًا لسا ماتعرفنيش. بس اسألي السؤال ده لأي حد في البيت أو براه و هو هايجاوبك عليه كويس! .. ثم جمع مسبحته في قبضة يده اليمنى و رفع صوته معلنًا:
- لما تعقلي.. ممكن نتكلم زي أي عم و بنت أخوه عادي و الدنيا هاتبقى حلوة لو سمعتي الكلام.. أما دلوقتي ف كفاية أفهمك نظامنا ماشي إزاي.. أولًا لبسك العريان ده ماينفعش هنا. حذاري تظهري كده قصاد أي مخلوق. تانيًا مافيش خروج من البيت ألا بأذني و مافيش خروج من الحي كله أصلًا مش مسموح ليكي. ف متحاوليش عشان النتيجة هاتكون قاسية أوي عليكي.. تالتًا هاتقعدي عند عمك عبد الله و مراته عبير في شقتهم ماعندعمش ولاد و محدش هايضيق عليكي. رابعًا و ده الأهم.. إعتبري نفسك من الساعة دي مقري فاتحتك على رزق إبني الكبير.. من زمان و الموضوع ده في دماغي. غير كده سلونا نجوز الكبير الأول إذا كان ولد و لا بنت. و أنا مش عارف أجوز بقية عيالي بسبب النقطة دي.. إنتي و رزق تتجوزوا. بعدين مصطفى يخطب فاطمة و يتجوزها.. خلص الكلام!
و مسك بطرف عباءته و إتجه إلى الخارج كريحٍ عتيّة. بينما بقيت "ليلة" على صدمتها، فمها يتدلى لأسفل و علائم الذهول تطبع ملامحها المصعوقة. لتمد "دلال" جسمها السقيم للأمام كي ما تتمكن من القبض على يد الأخيرة نجحت في هذا و إجتذبتها نحوها بقوة لتستقر مجددًا بين أحضانها. ضمتها إلى صدرها بحنو و تمتمت لها بلطفٍ:
- بس يا حبيبتي.. ماتخافيش. ماتحطيش في نفسك كده. ده مافيش أطيب من عمك سالم.. بس بس. ماضيقيش نفسك يا ليلة. أنا ليا كلام معاه يا حبيبتي!
على العكس. لم تكن خائفة أبدًا في هذه اللحظة، فالخوف و كل مشاعر الخنوع هذه لم تعد موجودة بقاموسها. إنها فقط هادئة هادئة لتحسن التدبير للخروج من هذا الفخ الذي وقعت فيه طواعيةً!
كالنسمة الباردة في جحيمه المظلم... الملجأ الوحيد الذي يأوى إليه في لحظات ضياعه... كانت تجيد أحتوائه جيدًا. طوال بضعة سنوات و هما معًا في الخفاء درسته، شهدت لحظات ضعفه، ثورات غضبه، يأسه، كآبته... كل ما يتعلّق بنفسه الحالكة خاضته معه، في المقابل لم يمنحها أيّ شيء، فقط في بعض مواقف ربما يعطف عليها بلمسةٍ حانية، قبلة رقيقة، عناق لطيف... لا أكثر من ذلك. لكنها كانت راضية، شريطة ألا يهجرها بعد أن وجدته. في الحقيقة هو من وجدها، هو الذي أنقذها من بين براثن الدنيا و قبح الحياة و قسوتها، و جلبها لتعيش هنا في بيئته الأكثر وحشية لكنها معصومة. لسببٍ واحد... هو.. هو الذي شملها بحمايته، فلم يجرؤ أحدٌ على المساس بها قولًا أو فعلًا بكلمة منه.
من هي؟ .. هي "نسمة".. أو "نوسا" كما تُنادى. هي المعروفة بين أهل الحي.. بأنها تلك الفتاة المسكينة التي يعطف عليها نجل الزعيم. ولكن في جانب آخر هي عشيقته، رغم أنها حافظت على جسدها بشكلٍ مستميت طوال حياتها. ولسخرية القدر هو الذي نجدها في تلك الليلة قبل ثلاث سنوات من حفل إعتداء جنسي على قارعة الطريق النائي. لم تتردد بعدها بفترةٍ قصيرة و هي تعرض عليه نفسها. ثم بعد أن نالها.. كانت تطمح في الغدو شريكة شرعية له، و لا تزال تأمل في ذلك. لا تريد أن تطالبه بشيء لا يوده لكنها لم تتوقف عن التطلع إلى هذا الحلم، و لن تفعل. فمن ذا يدري.. لعله يتحقق يومًا ما.
- إنت هاتمشي؟! .. غمغمت "نوسا" بصوتها الناعس وهي تنقلب ناحيته عندما سمعت حفيف ثيابه على جسمه. كان الضوء الخافت للغرفة كافيًا لرؤية بعضهما، فتمكنت الأخيرة من رؤيته و قد بدا أنه إغتسل قبل أن يرتدي ملابسه ثانيةً. كان يغلق أزرار قميصه حين إلتفت لها قائلًا بكياسة مهذبة:
- صحيتك.. أنا آسف!
قامت "نوسا" ساحبة روبها الخفيف لتضعه فوق كتفيها. رفست الغطاء و نزلت من فوق الفراش وهي ترد عليه بتكاسلٍ لا يخلو من التذمر:
- و إنت كمان كنت عاوز تمشي منغير ما تصحيني زي كل مرة.. إيه يا رزق. بقالك كتير مش بتبات عندي. هايجرى إيه جت من ليلة.. أقعد معايا الليلة دي عشان خاطري!!
أخذ "رزق" نفسًا عميقًا وهو يتقدم صوبها. حنى وجهه الذي يقطر ماءً ليقطف قبلة متوددة من خدها، ثم قال بصوتٍ هامس وهو يمسد الخد الآخر بحنانٍ:
- معلش يا نوسا.. عارف إني مقصر معاكي الفترة الأخيرة. بس غصب عني.. وعد هاعوضك اليومين الجايين. هقضي وقت أطول معاكي. لكن بيات صعب.. أنا مش عاوز حد ياخد باله مننا و ينبط عليكي بالكلام. لو حاجة من دي وصلت لأبويا هاتبقى مشكلة كبيرة بيني و بينه!
إنقبضا جفناها بألمٍ كما لو أنه صفعها بحقيقة وضعها معه. لكنها سرعان ما تخطت الأمر و إبتعدت خطوة للخلف لتنظر في وجهه جيدًا. ثم قالت بلهجة طبيعية:
- رزق.. أنا ماعرفش حد غيرك هنا. ماليش في الدنيا غيرك أصلًا و إنت عارف ده كويس.. ماتفوتنيش كتير لوحدي. أنا بخاف من الوحدة أوي!
علّق على عبارتها باسلوبٍ فكاهي:
- مش عيب واحدة أدك كده و تخاف تقعد لوحدها؟ و ضحك بمرحٍ. لكنها هي لم تضحك، فسكت متنهدًا بثقلٍ. مد يده و أمسك بكفها و قال قابضًا عليه بشدة:
- ماتخافيش يا نوسا.. محدش يقدر يهوب ناحيتك. كله عارف إنك تحت حمايتي و أنا إللي جايبك هنا. و إن كان عليا خلاص.. مش هاطول عليكي. أوعدك.. أضحكي بقى. مش معقول تمشيني و إنتي ضاربة بوز كده. هارجعلك إزاي أنا بقى؟
لم يتكلّف الكثير من الجهد، فقد أفرجت له عن ابتسامة رقيقة، بادلها بأخرى وهو يمد يده إلى جيب سرواله الخلفي أخرج محفظته الثمينة و سحب منها ورقتان من فئة المئتان، ثم دسهم في كفها قائلًا:
- خلي دول معاكي.. شوفي ناقصك إيه و هاتيه. و لو عوزتي حاجة كلميني في أي وقت أبعتلك حد بكل إللي تطلبيه.
أومأت له و قد بدا عليها الارتباك الشديد. فعبس متسائلًا:
- مالك في إيه؟
تخطبت مكانها وهي تجيبه باضطرابٍ:
- مش عارفة.. أنا ببقى محروجة أوي لما بتديني فلوس. بحس إنك بتديهالي عشان ...
- أنا بديهالك عشان إنتي تخصيني! .. قاطعها "رزق" بصرامة قبل أن تكملها
- إنتي ملزومة مني في كل الأحوال يا نوسا.. إللي بينا مالوش دعوة. حتى لو مش حابة شكل العلاقة دي أنا هحترم رغبتك و هابعد فورًا و بردو ده عمره ما هايغير أي حاجة.
- إيه إللي إنت بتقوله ده؟!! .. قالتها "نوسا" باستنكارٍ كبير. اقتربت منه خطوتين و أحاطت عنقه بذراعيها مستطردة:
- أنا مقدرش أعيش منغيرك أصلًا.. رزق. إنت إللي خلّيت لحياتي معنى و طعم.. مش أول مرة أقولهالك.. أنا بحبك!
إبتسم لها بهدوء و إكتفى بأن طبع قبلة أخرى فوق جبهتها، ثم فك ذراعيها من حول عنقه وهو يقول مودعًا:
- طيب أنا لازم أمشي.. الفجر قرب. و إنتي عارفة الحتة بتصحى من النجمة.. خلي بالك من نفسك!
و ربت على رأسها مرتان، ثم ولّى مغادرًا و بقيت هي محلها خالية الوفاض، ليس للنقود التي تمسكها في يدها أيّ قيمة. ليس لشيء قيمة بنظرها إذا لم يكن هو موجودًا.
في مكانٍ ما... دهاليز الحي التي لا يعرفها و لم يستكشفها سواه، تسلل "رزق" من نافذة خلفية ببيت "نوسا" أخرجته إلى منطقة مظلمة أحادية الاتجاه. إذا واصل المرء المضي عبر ذلك المضيق المنخفض الأشبه بماسورة الصرف سيغدو بالطريق الرئيسي على الطرف الآخر. لكنه لم يبغي ذلك.
كانت خطته دائمًا أن يتسلق نتوء الجدار و يقفز للجهة الأخرى، فيكون بوسط الحي تمامًا لا يفصله عن بيته سوى بضعة امتار. لكنه ما كاد يفعل أيّ شيء. جمد عندما تناهى إلى سمعه صوت تحركات عنيفة بالجوار. توارى على الفور في الظلال و راقب الاجواء من حوله عاقدًا الحاجبين. لحظات فقط.. و تفاجأ بشبحٍ أنثوي يقفز أمامه من الأعلى. كان ظهرها فقط الذي يقابل وجهه، و بدت عليها الحيرة و هي ترنو إلى المضيق يمنة و يسرة تستعرض حالته. بينما في الخلفية، يتأهب "رزق" كالنمر المستعد للإنقضاض. و في ثانية كان قد وثب عليها فعلًا و كبّلها بذراعيه القويتين. همّت تلك المجهولة بالصراخ، فقبل أن يعلو صوتها كمم فمها بكفه الضخم و إستدار بها برشاقة، لصقها بعنفٍ بالجدار الصلب فأصدرت أنينًا متألمًا، تزامنًا مع إكتشافه لهويتها حين ضرب ضوء المصباح العمومي وجهها من فوق.
- ليلة! .. تمتم "رزق" مذهولًا!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الخامس 5 - بقلم مريم محمد
كان عليها أن تسرع في ردة فعلها... بالرغم من أنها كانت خائفة جدًا.. صحيح أن الوضع كان مثيرًا للرعب... لكن لم يعجبها هذا.. أن تكون خائفة بعد أن قطعت وعدًا لنفسها بأنه مهما صار لها لن تسمح للخوف بالتمكن منها مطلقًا
وبخت نفسها داخليًا لأنها وضعت كافة الاحتمالات لمحاولة فرارها الجنونية، و افترضت رؤية أيّ شخص بطريقها حتى لو كان عمها أو الزعيم كما يلقبونه
لكن رؤيته هو كانت مفاجأة لها.. ذاك الأشقر ذي العينين الزرقاوين... كان جميلًا، و ربما جماله بقادرٍ على تشويش عقل أيّ فتاة.. لكنها لم و لن تكون أبدًا تلك الفتاة
وضعها كان شديد الحرج أمامه، إذ كان يطوّق خصرها بذراع، و الآخر كان يلفه حول عنقها و يكمم بكفه الغليظ بطريقة كادت تزهق أنفاسها.. كانت ملتصقة به بشدة و تشعر بسخونة جمسه و تماسكه ...
بينما كان يحدق في وجهها المذعور مشدوهًا، تلوّت بين ذراعيه بعصبيةٍ، و تمكنت من إطباق أسنان فكيها الأمامية على شحمة كفه بقوةٍ وحشية، تريد أن يفلتها رغمًا عنه
ظنّت أنه سوف يتأثر بذلك التصرف كما تأثر غيره من قبله... لكنه لدهشتها لم يشعر بها إلا كوخزةٍ بسيطة.. و إذ أدرك بأنها تحاول الفكاك منه أرخى وثاقه من حولها قليلًا و هو يقول هامسًا بصوتٍ خفيض :
-إهدي.. إهدي خالص و ماتخافيش مني. أنا هاشيل إيدي. بس لو صرختي إنتي الجانية على نفسك.. مش هاعملك حاجة بس هاسلّمك بإيديا لسالم الجزار !
هزت رأسها موافقة و كان وجهها لا يزال شبه ملتصقًا في خبايا صدره حيث يمسّ جلده الخشن بشرتها الناعمة مسًا خفيفًا ...
يبر "رزق" بوعده لها، و بحذر يزيل كفه الضخم عن فمها و جزءً من أنفها.. لتشهق "ليلة" و هي تملأ رئتيها بالهواء كما لو أنها طفت على سطح البحر
بقى يراقبها بدقة و تركيزٍ شديدين و كأنها ستختفي فجأة مثلًا، بينما لم تنتبه إلى أنها كانت تمسك بتلابيب قمصيه بكلتا قبضتيها.. حتى هدأت أنفاسها و إنتظمت
فرفعت عينيها إلى عينيه من جديد، و فور أن تلاقت نظراتيهما دفعته دفعة ركيكة في صدره ليبتعد عنها صائحة بعدائية شديدة :
-ده إنتوا مش بس حابسني.. كمان معينين عليا مراقبة. و سيادتك بقى الموكل ليك بالمهمة دي.. كان لازم أتوقع حاجة زي كده طبعًا !!!
حذرها "رزق" بصوتٍ حاد :
-صوتك. وطي صوتك و إنتي بتكلميني. ده أولًا ! .. و أكمل قاطبًا جبينه باستغرابٍ :
-ثانيًا حبس إيه ده بقى إللي بتتكلمي عنه و إيه علاقتي أنا بيكي أصلًا.. أنا لسا شايفك من كام ساعة و لولا لمحت حركة غريبة هنا ماكنتش هاشوفك و إنتي بتعدي و عاوزة تمشي من تحت السور الساعة دي ...
و أضاف بذهولٍ : صحيح إنتي عرفتي المكان ده إزاي ؟ أنا ذات نفسي إللي مقضي عمري كله هنا لسا مكتشفه من سنتين !!!
ضمت "ليلة" حاجبيها و هي تمعن النظر بتعابير وجهه.. إستطاعت أن تتبيّن بنظرتها الثاقبة بأنه لا يكذب... إلا إن ذلك لم يثنيها عن قرارها قيد شعرة و هي تعاود القول بصلابةٍ :
-بقولك إيه.. أيًّا كان إللي بيحصل دلوقتي. إنت هاتسيبني أمشي. بص. كأنك ماشوفتنيش
رزق باستنكار : كأني ماشوفتكيش إزاي يعني.. هو في إيه ؟!!
تأففت "ليلة" بضيقٍ مغمغمة :
-إففففف أنا بجد مش ناقصاك. إوعى كده !!
و جاءت لتدفعه مرةً أخرى في صدره ليرتد و لو خطوة عنها كي تتمكن من تجاوزه، لكنه يلتقط يدها قبل أن تلمسه و يثبتها مكانها... تسمَّرت "ليلة" تحت تأثير قوته الجبارة، فقد خيّل إليها لوهلة بأنه ليس مجرد إنسان.. إنه... وحش !
-إنتي شايفة مين قدامك يا شاطرة ؟! .. قالها "رزق" باستخفافٍ لا يخلو من التهديد
تبجّحت "ليلة" عليه فورًا :
-هاتكون مين يعني يا حيلة. ده إنت شكلك أخره يجيب نيكول كدمان حاجة نايتي كده و فـ آ اااااااه !!!
إقطعت عبارتها بذلك الصراخ الخافت المتألم حين شدد على أصابعها بقبضته الحديدية، لدرجة سمع طقطقة مفاصلها و عظامها الرقيقة ...
-قولتي إيه بقى ؟ .. تساءل "رزق" و هو يدنو برأسه تجاه رأسها
أحس بأنفاسها الساخنة تندفع بقوة من صدرها متقطعة بسبب الألم، بينما تقول بلهجة مرتعشة غضبًا و وجعًا :
-سيب إيدي.. سيبني يا حيوان. هاتكسرلي إيدي يا جبان !!!
شدد قبضته أكثر عليها، فاطبقت فمها بقوة مطلقة أنينًا صارخًا و قد طفرت الدموع من عينيها، ليقول "رزق" بقساوة :
-يعني فوق نايتي خلتيني حيوان و جبان.. بس سيبك من كل ده. أنا نايتي فعلًا ؟ إنتي شايفاني نايتي.. هااااه ؟!!
و شدد أكثر ...
-آه آه آه ! .. سالت دموعها بغزارة الآن، و قالت تستجديه أخيرًا :
-خلاص سيبني طيب.. سيب إيدي بقى حرام عليك !!!
في النهاية حازت على عطفه و حركت الشفقة بداخله، فأفلتها بلحظة دون أن يتراجع.. بينما تستند إلى الجدار بظهرها مطلقة زفرة مطوّلة و هي تدلك يدها و أصابعها التي هرسها هرسًا للتو ...
تطلعت إليه و رمقته بنظرة محتقرة، ثم قالت بحقد كبير :
-بتستعرض عضلاتك على بنت.. و زعلان لما بقول جبان !
رزق بجدية : إنتي تستاهلي أكتر من كده. فوق قلة أدبك دلوقتي نسيتي عملتي فيا إيه لما وصلتي قصاد أهل الحتة.. plus أنا مش محتاج أستعرض عضلاتي عليكي. شايفة إللي في وشي ده !
و أشار لها إلى الكدمات المتفرقة بوجهه أعلى الحاجب و أسفل الفك ...
ابتسمت قائلة بتهكمٍ :
-قصدك إنك بتتروق يعني و متعود تبقى ملطشة.. عشان كده بتعمل عنتر على الستات. لأ برافو.. خلاص فهمتك
و قهقهت بخفةٍ ...
ابتسم "رزق" مجاريًا إياها بمرحها، ثم قال بهدوءٍ :
-طيب طالما ده شيء يفرحك كده. ممكن كمان لو شوفتيني بتروق على الطبيعة تحسي إنك خدتي بتارك.. إيه رأيك. تشوفي على الطبيعة ؟
-تقصد ماتش يعني ؟! .. سألته رافعة حاجبها
أومأ لها مرةً واحدة ...
-آسفة.. مش هكون موجودة أصلًا لأني هامشي دلوقتي حالًا !
رزق بخشونة : مافيش الكلام ده. قولتلك إنتي شايفة مين قدامك ؟ أنا رزق الجزار. إنتي فكراني ممكن أسيبك تمشي بالبساطة دي.. على الأقل أعرف السبب
ليلة بعصبية : يعني لو قولتلك السبب هاتسيبني أمشي ؟؟؟
رزق بثقة : أكيد.. لو في حاجة أو حد بيئذيكي هنا أنا بنفسي هاطلعك من هنا فورًا و أقول و لا شوفتك
رمته بنظرة مشككة، لكنها أضطرت أن تبوح له الآن :
-طيب يا معلم رزق.. أبوك. و يبقى عمي. خدني من الدار للنار. على اعتبار إني كنت عايشة في نار بردو.. بس النار إللي أبوك عاوز يرميني فيها أشد بالنسبة لي و أنا عندي أموت و لا إنه يتحكم فيا بالطريقة دي
رزق بوجومٍ : أنا مش فاهم حاجة.. وضحي كلامك لو سمحتي !
-أبوك عاوزني أتجوزك !!!
بُهت "رزق" في هذه اللحظة تمامًا.. و كأن صعقة نزلت فوق رأسه ...
-قولتي إيه ؟!!! .. تمتم مصدومًا.
لوت فمها هازئة :
-إقنعني إنك ماكنتش تعرف حاجة زي دي.. أكيد كنت عارف قبل ما أجي هنا. أنا لو كنت أعرف كده ماكنتش وريت وشي لحد فيكوا أصلًا. و قال إيه كنت فاكرة إني جاية أتحامى في أهلي و ناس بيحبوني و يخافوا عليا.. طلعت غبية و آ ا ...
-إسكتي شوية !! .. قاطعها موبخًا بقسوة، ثم نظر لها قائلًا بجدية مطلقة :
-بصي.. إنتي هاترجعي معايا البيت !
فتحت فمها لتنفجر فيه مجددًا، ليرفع سبابته أمام وجهها ناطقًا بصرامة :
-إسمعيني و ماتقطعنيش.. أنا مش هاتجوزك. مش قولتي أبويا عاوز يجوزك ليا ؟ أنا بقى هارفض.. هو مايقدرش يغصب عليا في حاجة. سبيها تيجي مني أنا. أنا ممكن بسهولة أطلعك من هنا و اهربك. بس إيه إللي هايحصل.. هاتفضلي طول عمرك هربانة من أبويا و مش هايبطل يدور عليكي. و لو لاقاكي في يوم هايبقى يا ويلك.. إسمعي كلامي. أنا مش عاوزلك الأذى
عقدت حاجبيها قائلة بعدم ثقة :
-أنا إيه إللي يخليني أصدقك.. بمعنى أصح. إيه الضمان إنك صادق في كلامك ؟
رزق بحزمٍ : الضمان الوحيد إن أنا أصلًا مش عاوز أتجوز.. أنا مش بتاع جواز و لا إرتباطات. أنا عايش لنفسي !
لمحت الصدق بعينيه، لكنها لم تتكلم بعد ذلك... ليضيف هو :
-معاكي كلمتي.. مافيش أي علاقة هاتربط بيني و بينك غير صلة القرابة بس
ليلة بقلق : طيب ما إنت ليك إخوات !!
طمأنها بلهجةٍ فاترة :
-مصطفى و عينه على فاطمة بنت عمي من زمان. حمزة أخويا الصغير لسا طالع من الاعدادية ...
و شملها بنظرة فاحصة مرددًا :
-مش شايفك لابسة مريلة يعني !
رمقته عابسة... لتقول فجأة :
-إنت متعلم ؟!
نظر لها بغرابة و كأنه تفاجأ بسؤالها، لكنه أجاب :
-أيوة.. أبويا سمحلي أكمل تعليمي. أنا الوحيد في إخواتي إللي إتخرجت و معايا شهادة من الجامعة !
و لمح نيتها في التساؤل مرةً أخرى، لكنه أحبط محاولتها قائلًا :
-يلا أدان الفجر لو أدن الحتة كلها هاتصحى و هانتفضح.. يلا لازم نرجع البيت دلوقتي ...
و ركع بلحظةٍ و هو يقول أمرًا :
-إطلعي على كتفي !
أجفلت بشيء من التوتر، فكرر بحدة :
-إنجزي مافيش وقت !!!
و كأن كلماته دفعتها دفعًا، و لا تعرف كيف وضعت قدمها فوق ركبته، ثم تسلقت كتفيه متشبثة بحجارة الجدار البارزة.. بينما ينهض بحذر، ساهمت قامته الطويلة بامكانية وصول "ليلة" إلى السور العلوي
لحظات و كانت بالجانب الآخر، ليصعد "رزق" خلفها.. و تحت ستار الليل مشيا كاللصوص في الظلال، حتى وصلا إلى بوابة المنزل الخلفية
فتح "رزق" بمفتاحه، ثم أدخلها أولًا و دخل خلفها.. وقفت متسمّرة أمام باب شقة جدتها ...
-إيه واقفة كده ليه ؟! .. سألها "رزق" بخفوتٍ هو يلحق بها
نظر لها حائرًا و قال :
-إنتي قاعدة عند مين ؟ عند نينة دلال و لا حد من عمامي ؟!
ردت بلهجة متوترة :
-قاعدة عند نينة.. بس لما خرجت قفلت الباب. مش عارفة هادخل إزاي دلوقتي !!
-وسعي ! .. و أزاحها من طريقه فورًا
رفعت حاجبيها و نظرت بفضول من وراء ظهره، لتكتشف عبر الظلام بأنه يملك أيضًا نسخة من مفتاح شقة جدته.. فتح لها و دعاها للدخول مسرعًا :
-يلا خشي.. يلا بسرعة !
أذعنت له في الحال و دخلت، ليغلق ورائها بهدوءٍ... ثم يعيد سلسلة المفاتيج إلى جيبه، و ينسل نحو الدرج إلى الطابق الأخير.. حيث له غرفة بمثابة جناحٍ مستقل فوق سطح المنزل
لولا أنه متعب و مرهق بالفعل لكان مر بوالده أولًا و تحدث إليه.. لكنه لم يشأ أن يسمع أحد صوتهما في هدوة الأجواء و ينكشف كل شيء يخصه هكذا
الصغير "رزق"... الصبي "رزق" .. و الرجل "رزق"... لا يزال يفضل ألا يدري أحد بشؤونه الخاصة، حتى المقربين بالدم
لأنه يعرف أنهم مقربين... و لكن بالدم فقط !
________
ليلة كاملة لم تذق فيها للنوم طعم ...
منذ أن سمعت بالصدفة أثناء عبورها أمس أمام شقة جدتها، حوار عمها و إبنة عمها الراحل.. لا تزال كلماته ترن بأذنيها، كناقوسٍ يعذبها و ينذر بحلول لحظة إعدامها ما لو تحقق ما يخطط له !
"إعتبري نفسك من الساعة دي مقري فاتحتك على رزق إبني الكبير.. من زمان و الموضوع ده في دماغي. غير كده سلونا نجوز الكبير الأول إذا كان ولد و لا بنت. و أنا مش عارف أجوز بقية عيالي بسبب النقطة دي.. إنتي و رزق تتجوزوا. بعدين مصطفى يخطب فاطمة و يتجوزها.. خلص الكلام" !!!
لا... لا لا.. لا يمكن أن يصير الأمر بهذا الشكل.. حتى لو لم يكن "رزق" من نصيبها... مستحيل أن تقبل بأخيه
إنه لعذاب شديد، سيكون أهون لو تزوجت برجلٌ لا يمت للعائلة بصلة، يأتي و يأخذها من هنا.. يأخذها بعيدًا عن "رزق" فتتعذب قليلًا
لكن لو هي تزوجت من "مصطفى"... لو صارت زوجته و سكنت معه تحت سقفٍ واحد، بينما حبيبها كل يوم تراه أمام عينيها يغدو و يذهب.. سيكون موتًا بالبطيئ... لا سيما إن رأته يتزوج بأخرى أيضًا
تفضل أن تلبس كفنًا بدلًا من ثوب زفاف ترتديه لغير "رزق"... ترتديه لـ"مصطفى" على وجه الخصوص !!!!
كانت السماء تميل للظهيرة، عندما نهضت من فراشها بعد ليلة مؤرقة لم يتخللها حلمًا واحدًا و لا كابوسًا.. كانت الأفكار.. و فقط الأفكار و الهواجس السوداء المعذبة تملأ رأسها
إنتظرت في الشرفة لوقتٍ طويل ...
تعلم مواقيت خروج بعض أفراد عائلتها، و كان "مصطفى" من ضمنهم... كان معتاد على الخروج باكرًا في هذا النهار من كل أسبوع، يقضي عملًا داخل الحي لا يعرفه سوى هو و والده، ثم يعود نحو الظهيرة ليأكل و يبدل ثيابه و يخرج ثانيةً
قفزت "فاطمة" مكانها فورًا عندما تلمحه يأتي من بعيد، تنطلق خارج غرفتها ...
تذرعت برغبتها في رؤية جدتها أمام والديها، أقفلت باب الشقة بعنفٍ غير مقصود و طارت تجاه الدرج.. لتصطدم فورًا بـ"مصطفى" الذي كان يرتقي الدرج كالريشة ...
-الله الله حاسبي يا بطة !!! .. هتف "مصطفى" بدهشةٍ
لكنها أسكتته بسرعة :
-هششششششش.. تعالى معايا يا مصطفى !
-على فين ؟! .. قالها و هو يلتفت ناحيتها إذ رآها تستأنف هبوطها للأسفل
أدارت وجهها صوبه و هي تواصل الهبوط مغمغمة :
-تعالى بس.. تعالى عاوزاك في كلمتين !!
تبعها دون ترددٍ
فإذا بها تصطحبه أسفل الدرج في نقطة متوارية عن الأنظار ...
-إحنا بنعمل إيه هنا يا فاطمة ؟! .. تساءل "مصطفى" ببلاهةٍ
تنفست بعمقٍ، ثم قالت من دون مقدمات :
-إنت عارف إن عمي سالم قرر يخطبنا لبعض ؟
تلقائيًا ارتسمت الابتسامة على ثغره، و رد عليها بغبطةٍ :
-أيوة عارف طبعًا.. أنا بقالي سنة بزن عليه. و هو وعدني أخر السنة دي مش هاتعدي إلا و إحنا متجوزين. الكلام ده هايقوله بنفسه إنهاردة في عزومة العشا إللي عاملها في شقته احتفال برجوع ليلة بنت عمنا ناصر الله يرحمه
-ماينفعش يا مصطفى ! .. قالتها برفضٍ تام
لتختفي ابتسامته و هو يستوضحها :
-هو إيه إللي ماينفعش ؟!!
و لأول مرة يرى الدموع تغشى عينيها البريئتان كما أنها المرة الأولى أيضًا التي تمسك بيده و تلمسه مباشرةً بهذا الشكل ...
-مصطفى ! .. تمتمت "فاطمة" بلهجةٍ كسيرة و هي ترنو إليه بتضرعٍ
-أرجوك يا مصطفى.. وحياة أغلى حاجة عندك. لازم تفركش الجوازة دي.. أنا مش هقدر أتجوزك ...
إندهش "مصطفى" كثيرًا من مآل حالتها السيئة لأسوأ هكذا، فقال بهدوءٍ و هو يضع يده الأخرى فوق يدها :
-أنا مش فاهم إيه كل ده و عشان إيه بطة.. إيه إللي مخاوفك من الجواز أوي كده. و لا تكونيش خايفة مني أنا ؟!!
هزت رأسها أن لا و هي تطبق فمها بشدة تكتم نحيبًا مقهورًا... بينما يستطرد "مصطفى" محاولًا السيطرة على أعصابه الثائرة بالفطرة :
-طيب لما مش خايفة مني إيه المشكلة بقى.. إنتي تميتي 20 سنة. يعني خلاص كبرتي و مابقتيش صغيرة تقدري تتجوزي و تفتحي بيت.. إنتي عارفة أنا إستنيتك أد إيه ؟ إنتي مكتوبة على إسمي من و إنتي عيلة صغيرة. كل الخلق عارفين كده. إنتي ذات نفسك عارفة كده صح ؟ .. رددددي صح ؟؟؟
نطقت منفعلة من بين شهقاتها الباكية :
-صح.. عارفة كل ده. بس أنا مش عاوزة.. مش عاوزة أتجوزك يا مصطفى.. إفهم بقى مش عاوزة !!!
-ليـه ؟؟!!! .. صاح فيها بضراوةٍ مخيفة
لتلقيها بوجهه مرةً واحدة صارخة :
-عشان أنا بحب رزق
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السادس 6 - بقلم مريم محمد
راحت تحدق فيه مصدومة بعد اعترافها الكارثي، كانت كالخرساء طوال اللحظات التالية.
بينما كان يبادلها نفس الصمت المتوتر، لكنه بالطبع لم يكن مثلها. بل كان بداخله أكثر من صراع: الغضب والذهول، الخيبة والنكران، الضعف والإجرام.
نبض عرق في جبهته العريضة بشكل ملحوظ. عيناه الواسعتان مثبتتان بعينيها، لينعقد حاجباه الأسودان فجأة حين انكسر سكونه بلحظة وامتدت يداه نحوها.
شهقت بذعر عندما صار شديد القرب منها وكفيه تقبضان على كتفيها. وكان المصباح المعلق بسقيفة المدخل يبعد عنهما قليلاً، لكنه كفاها لتبين قسمات وجهه المشتعلة.
ثم سمعت لهجته القاسية التي لطالما جمدت الدماء بعروقها:
- بقى قولتي بتحبي رزق يا فاطمة؟ وجايباني هنا عشان تقوليلي كده. وعاوزاني كمان أفركش جوازتنا. صح؟
حاولت فاطمة ابتلاع كلماتها، لكنها انزلقت عبر شفتيها بوهن:
- يا مصطفى ونبي تفهمني. افتح لي قلبك شوية بس وحس بيا. أنا غصب عني. محدش بينقي إللي بيحبه. وأنا عنيا وقلبي مش شايفين غير رزق. أعمل إيه طيب!
- لأ ياختي، إنتي مش هاتعملي أي حاجة! قالها بغل وقد انتقلت إحدى يديه في طرفة عين لتحيط برقبتها بقوة.
جحظت عينا فاطمة وصارت تتنفس بصعوبة وهي تشعر باشتداد كفه التي تكاد تسحق عنقها، بينما يكمل مغمغمًا بغضب مستطير:
- وحياة أمي لأحسرك عليه. حبيب القلب ده. حيلة أبوه كمان. نهايته على إيدي قريب. دي اتأخرت كمان. أما إنتي. هاتجوزك غصب عنك. وهاسففك التراب يا فاطمة. وعزة جلال الله على قد ما حلمت سنين إزاي كل حاجة حلوة هانبتديها سوا. هأوريك الأيام السودا إللي بجد. سامعاني؟ شمي نفسك كويس وروقي على نفسك الكام يوم دول. عشان لحظة ما هاتقعي تحت إيدي مالكيش قومة يا بنت عمي!
وأفلتها فجأة متراجعًا عنها بسرعة، ليتأرجح جسمها للأمام وتسعل بحدة وهي تتحسس عنقها بأناملها. نظرت حولها باحثة عنه، لكنه كان كالشبح، اختفى فورًا. ولا تعلم هل صعد كما نوى أو عاد إلى الخارج. لم تكن تريد أن تعرف عنه شيء الآن، يكفي ما قاله وكل هذا الوعيد. لا يوجد أمامها خيار آخر، إذا لمست إصرارًا من الجميع على هذا الأمر، فهذا ما سيحدث.
***
كان نهارًا شديد الطول، شديد الحرارة، شديد الإزعاج. لولا أنه يحترم مهامه ويلتزم بالقواعد التي يضعها والده، لكان ذهب إليه من بكرة الصباح وتحدث معه حول ما سمعه ليلة أمس من ابنة عمه الراحل. لكنه آثر أن يذهب أولاً لينهي أعماله التي كلف بها سلفًا، ليعود لدى حلول الليل.
كان الوقت عشاءً، وعادة ما يكون أبيه متفرغًا. لكنه رغم ذلك أمل أن يجده حيث أراده وبمفرده. مكانته الاستثنائية خوّلته امتيازات عدة، من ضمنهم امتلاك نسخة احتياطية من مفاتيح شقة أبيه المستقلة. لم يكن لهذا المفتاح سوى نسختين: واحدة لسالم، وأخرى لرزق. ورزق فقط ما كان بحاجة للاستئذان في أي وقت يريد زيارة والده. كان بإمكانه المجيء إلى هنا ساعة يشاء، حتى لو لم يكن سالم بالداخل.
وكما تأمل بالضبط، وجده فور دخوله، حيث كان يجلس أمام شاشة التلفاز الكبيرة، يتابع مباراة كرة قدم مباشرة، ويدخن النرجيلة بنفس الوقت وهو يتصايح ويتفاعل مع دفاعات وهجمات اللاعبين.
يقبل رزق ناحيته بخطى متهادية، فسرعان ما لاحظه سالم بطرف عينه، فصاح مرحبًا في الحال وهو يزفر سحابة شديدة من الدخان عبر فمه وفتحتيه أنفه:
- رزق! كويس إنك جيت. تعالى أقعد. اتفرج معايا على الماتش ده. الأهلي بيلاعب فريق (.....) وماسكهم ونازل فيهم ×××××!
وضحك بفجاجة. لم يتفاجأ رزق من أسلوب أبيه ودعاباته الوقحة، كانت هذه عادته في كثير من الأحيان وأمام الجميع. اعتاد على التفوه بتلك الألفاظ، فكان أمرًا عاديًا بالنسبة له.
لم يوليه اهتمامًا، لكنه ابتسم بتكلف واضح وهو يقول بفتور:
- لأ معلش مش عاوز. انت عارف ماليش في الكورة.
رد سالم وهو يتناول حفنة من المكسرات من طبق كبير أمامه:
- جتك خيبة. أومال ليك في إيه. في البوكس والكلام الفاضي. يابني 100 مرة أقولك اللعبة دي تقل من هيبتك وسط الناس إللي حوالينا. وكمان خطر عليك. هو أنا لاقيك في الشارع بس!
زفر رزق بضيق ومضى مقتربًا من والده، حنى جزعه والتقط جهاز التحكم، ثم وبدون مقدمات ضغط زر الإغلاق فأطفأ الشاشة فورًا.
- عاوز أتكلم معاك! قالها رزق بهدوء وهو يعاود النظر إلى أبيه ثانية.
توقف سالم عن مضغ قطعة المكسرات للحظة وهو يتطلع إليه بدهشة، لكنه ما لبث أن أومأ له وقال:
- طبعًا. اتفضل جمبي هنا. أو اقعد في المكان إللي يريحك!
شد رزق مقعد أمامه وجلس مقابل سالم. مرت ثوانٍ من الصمت، حتى فتح فاهه أخيرًا وخرجت كلماته بصيغة سؤال:
- انت صحيح بتفكر في مشروع جواز بيني وبين ليلة بنت عمي ناصر؟
لم يبدو على سالم بأنه تفاجأ من سؤاله، كما لم يحاول معرفة كيف علم. بقى متماسكًا، ليقول دون أن يرتد له طرف:
- أيوة صحيح. عندك مانع ولا إيه؟
قست ملامح رزق في هذه اللحظة وهو يرد بخشونة:
- طبعًا عندي. انت إزاي أصلاً تفكر في حاجة زي دي من غير ما ترجعلي؟
سالم ببرود:
- متهيألي مش محتاج أرجع لحد لما أبقى عايز أفرح بابني البكري. انت داخل على الـ 30 يا رزق. وأنا بكبر ونفسي أشوف عيالك. انت خسران إيه. ولا البت مش عجباك؟
أطبق رزق جفونه بشدة وهو يقول من بين أسنانه:
- أنا مش عيل صغير عشان تاخد قرارات زي دي مهمة في حياتي بالنيابة عني!
برر سالم ببساطة:
- يابني هو انت فاضي تشوف حالك. إذا ماكنتش أنا أتحرك وأدورلك على بنت كويسة تناسبك وتشيل اسمك وتجيب منها عيال مين إللي يعمل كده؟ ثم قال بلهجة ذات مغزى: - ولا انت بقى إللي مش قادر تسيب الحياة السايبة إللي انت عايشها دي. عجباك الصرمحة مع النسوان ومش عايز تشيل المسؤولية صح؟
يرفع رزق عيناه إلى وجه أبيه ويرد بحذر حاد:
- تقصد إيه؟
ابتسم سالم بخبث وقال بأسلوب غامض:
- يالا انت لسا ما تعرفنيش. شوف مش أنا أبوك وانت أقرب عيالي ليا. بس لسا ماتعرفش سالم الجزار كويس. لكن أقولك. ابن الوز عوّام. وانت شبهي يا رزق. في كل حاجة. إلا الشكل يعني واخد من أمك كتير. وقهقه بتفكه.
تأفف رزق وقال بنفاذ صبر:
- بقولك إيه يا أبويا. م الأخر كده أنا مش شوخشيخة في إيدك. مش هاتمشيني على مزاجك في كل حاجة. أنا مش فرحان بقعدتي هنا ولا بشغلي معاك. قاعد بس عشان في اتفاق بينا. لكن هاتوصل إنك تدخل في حياتي و تقولي اجوز دي وأعمل كذا لأ. لأ مش هقبل بكده. عاوز تخسرني اضغط عليا في النقطة دي!
- إيه ده كله؟ تمتم سالم رافعًا حاجبيه.
- هدي نفسك يابني. هو أنا يعني هأرميك في النار. ده أنا عايز أجوزك. عايزك تفرح بشبابك وتلاقي واحدة تهون عليك قسوة الأيام وتبقى تحت رجلك. عارف يا رزق لو مزاجك تتجوز اتنين وتلاتة ولا حتى أربعة. وحياتك عندي مستعد أجوزك وأكفيك كمان. أنا ما عنديش أغلى منك وانت عارف.
رزق باقتضاب:
- شكرًا. أنا مش عاوز أتجوز أصلاً. ياريت تحترم رغبتي بقى!
تنهد سالم مطولاً وهو يهز رأسه بيأس، ثم قال مضطراً:
- طيب يابني. على راحتك. نسيب الموضوع ده شوية كمان! وأردف بصرامة: - بس مش هأسيبك كده كتير. قبل ما السنة دي تخلص هاتكون متجوز. آه. أخوك مصطفى مستعجل وأنا كل مرة بركنه عشانك. لازم انت تتجوز الأول وبعدين هو يحصلك.
وقبل أن ينطق رزق بكلمة أخرى ويناطحه، قام سالم فجأة من مكانه وهو يقول ناظرًا إلى ساعة يده:
- ياااه. ده الوقت سرقني خالص. وزمان الكل تحت مستنينيا. يلا يابني. يلا أحسن أنا كمان عصافير بطني بتزقزق!
عبس رزق متسائلاً:
- على فين؟
سالم مبتسمًا:
- امبارح لما وصلت ليلة ما عرفناش نحتفل بيها ولا نعرفها على العيلة. الليلة دي بقى كنت عامل عزومة عشا هنا في الشقة. بس حبيت ستك دلال تكون موجودة معانا على السفرة. مش هتقدر تطلع. عشان كده هاننزل إحنا عندها. يلا يابني انت كمان شكلك ما أكلتش حاجة من الصبح!
***
بيد بأنه احتفال جديًا. إذ كان الجميع هنا، كالمعتاد يتراصون جنبًا إلى جنب على مائدة العشاء العامرة. الآن تزيد عليهم ليلة التي جلست بين جدتها وعمها عبد الله اللطيف وزوجته الحنونة عبير. لم تجد أي مشكلة في الانسجام مع البقية، كانوا جميعًا يعاملونها بود واحترام. باستثناء تلك الفتاة، وتدعى فاطمة. إنها ترمقها بطريقة كما لو كانت قد قتلت لها والدها. رباه! يبدو أنها لن تنفك عن هذا طيلة الليلة، لا بأس، فلتتجاهل وجودها وحسب.
أشاحت ليلة بوجهها وتصرفت بطبيعية كما لو أن الأخيرة ليست موجودة. كان ضجيج الحديث بين أفراد العائلة والضحك يملأ شقة السيدة دلال. الطعام جاهز، لكن كعهدهم لا يجرؤون على المساس به قبل حضور كبيرهم.
وفي لحظة يظهر سالم أخيرًا برفقة ابنه الكبير والمدلل كما ينعته الجميع.
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! صاح سالم بصوته العميق ملقيًا تحيته المهيبة.
لمح تأهب عائلته للنهوض له احتراماً، ليجمدهم بإشارة من يده:
- زي ما انتوا. خليكوا. لا سلام على طعام. معلش أنا عارف إحنا أخرناكم بس جعانين زيكم والله. يلا ناكل الأول وبعدين نتعرف على بنت عمكم المرحوم ناصر.
- إحنا كنا هانستنى كل ده عشان نتعرف عليها يا سالم؟ قالتها دلال معلقة بمرح.
- خلاص كلنا عرفناها كويس وعرفتنا. مش شايف ولا إيه. دي كأنها عايشة معانا من وهي في اللفة!
سالم بحبور:
- طيب تمام أوي ياما. ناكل بقى. وفي كلمتين مهمين عايز أقولهم برضو بعد العشا.
وربت على كتف رزق ماضيًا معه نحو المائدة.
- يلا بسم الله!
***
وبعد العشاء.
شعرت دلال ببعض التعب فنقلتها ليلة بالكرسي المتحرك إلى غرفتها، وعادت لتجلس مع عائلتها من جديد. أعدت السيدة هانم زوجة الكبير طقمًا من المشروبات المختلفة، وقامت ابنتها سلمى بتوزيعه على أفراد العائلة. ثم راحت لتجلس فوق وسادة بيضاوية أسفل قدم أبيها. هكذا كانت الصورة واضحة للجميع. رزق على يمينه، وسلمى على شماله.
كان سالم يحتسي فنجان قهوته بتأنٍ، بينما يمسد على رأس ابنته الصغيرة بيده الأخرى. مضت دقائق من الصمت. حتى قرر أن يقطعه بصوته الرصين:
- إن شاء الله يوم الجمعة الجاية خطوبة مصطفى ابني على فاطمة بنتك يا إمام. إيه رأيك. موافق؟
رد الشقيق الأوسط في الحال بتعابير متهللة:
- إلا موافق. هو أنا أقدر أقول حاجة يا خويا. دي بنتك. انت اللي تجوزها وتشوف مصلحتها فين.
أومأ سالم مرة واحدة وقال:
- على بركة الله. عايز الكل بقى يفضي نفسه الجمعة الجاية. من أول اليوم لآخره محدش يطلع من البيت. محدش يفكر يسيب الحتة ثانية واحدة. آ. عايز تقول حاجة يا مصطفى؟
نطق سالم كلماته الأخيرة مستوضحًا حين انتبه لتشنج ابنه الملحوظ بمقعده. ليرد الأخير بنزق واضح:
- يابا مش قولتلي هتبقى دخلة على طول. خطوبة إيه دي مالهاش لازمة. هو أنا مش عارفها!
سالم بحزم:
- أنا محدش يحاسبني يا مصطفى. الكلمة إللي أقولها في أي وقت تتنفذ. وبعدين ما فيش داعي للاستعجال. لسا شقتك مش جاهزة وكمان بطة ليها الحق إنها تفرش بيتها وتنقي كل حاجة على مزاجها. دي أول عروسة تخرج من بيت الجزار.
وهنا لم تستطع فاطمة أن تتحمل عند هذا الحد. نهضت فجأة وفرت هاربة إلى شقة والديها بالأعلى وهي تغطي جزءً من وجهها بيدها.
رفع سالم حاجبيه وهو يقول مدهوشًا ولا يزال يحدق في أثرها:
- إيه ده في إيه. مالها فاطمة فزت وجرت على فوق بسرعة كده!
ردت أمها السيدة نجوى بتلقائية والابتسامة تملأ وجهها:
- أكيد مكسوفة يا سي سالم. انت عارف بنتنا قطة مغمضة. ده إحنا قافلين عليها زي القمقم.
وافقها سالم بلهجة مزهوة:
- ونعم التربية يا نجوى. عقبال ما نفرح بولادهم.
وساد الصمت من جديد. في هذه الأثناء، حانت التفاتة قصيرة من رزق نحو ليلة. استطاع أن يقرأ بوجهها تعابير الراحة عندما لم تسمع عمها يأتي على ذكر زيجتها المزعومة من نجله الكبير. ابتسم بتهكم، ثم أدار وجهه نحو والده وقال بصوته القوي:
- معلش يابويا أنا مش فاضي الجمعة الجاية. لو مصمم إني أحضر ممكن تأجل خطوبة ديشا جمعة كمان. ده بعد إذنه طبعًا.
والتفت ليربت على قدم أخيه بلطف.
- وراك إيه يا سي رزق؟ تساءل سالم بسأم ليجيب رزق وهو يرمقها بنظرة جانبية:
- ماتش. ورايا ماتش. في واحد جاي من شرم مخصوص عشان يلاعبني. مش هاينفع أرجعه.
لم يكاد سالم أن يعترض حتى، إلا ووقفز صوت ابنه الأوسط:
- محدش هاينزل قصادك في الماتش ده غيري! هتف مصطفى بصرامة فاجأت الجالسين وأشاعت جوًا من الارتباك والتوتر على الفور.
جثم السكون في تلك اللحظات التي بدت طويلة جدًا، ثم أدار رزق وجهه ناحية أخيه وقال مبتسمًا:
- أول مرة تطلبها يا مصطفى!
مصطفى بوجوم مريب:
- وآخر مرة!
- الكلام ده مش هايحصل! هكذا تدخل سالم بينهما وأردف بتوبيخ قاس:
- ما عنديش عيال يرفعوا إيديهم على بعض. حتى لو في لعبة. سامع يا رزق انت ومصطفى؟
ضحك رزق بمرح ظاهر وقال ببساطة:
- خايف من إيه يابويا. ده مصطفى أخويا الصغير. حتى لو لاعبته مفكر إني هاضربه يعني. أنا هأسيبه يعمل النمرة إللي نفسه فيها وخلاص. بس مش النوبة دي يا ديشا. أنا مواعد الراجل إللي جايلي مخصوص يزجره.
زجره مصطفى بنظرة ملؤها الحقد، ثم يقول وهو يقرب وجهه منه:
- ألا تكون خايف مثلاً!
علت زاوية فمه في الحال، تألق بريق الزرقة بعينيه وهو يرد عليه بثقة:
- البيضة ما تكسرش حجر يا ديشا. أنا لو هخاف فهايبقى عليك انت!
مصطفى بسخرية جلفة:
- لأ كثر خيرك. ماتبقاش تخاف عليا. وإبقى انسى إني أخوك!
وكأنه كان يعنيها لدرجة أن خيّم القلق على جميع أفراد العائلة وأولهم سالم الذي انتفض مكانه صائحًا:
- أنا قلت مافيش حاجة من دي هاتحصل. مافيش ماتشات هاتتلعب في الحتة أصلاً من هنا ورايح. لعب العيال ده ماشوفوش قدامي مرة تانية سامع يا رزق؟
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع 7 - بقلم مريم محمد
ستة أيام.. كانت تلك الأطول على الإطلاق في تاريخ علاقتهما ...
ثلاثة سنوات حتى الآن.. أحبته من أول نظرة.
ولكنها لم ترى يومًا بعينيه أمل يطمئنها بأنه يبادلها نفس الشعور.. لم تراه أبدًا ...
-و بعدين معاكي؟!
كانت "نسمة" تصب فنجانًا من الشاي، عندما سمعت صوت صديقة طفولتها المقربة و تدعى "سامية".
كانت في حالة يرثى لها من الكآبة، حتى صوتها على الهاتف لم يكن طبيعيًا بالمرة، ما دفع "سامية" للمجيئ على الفور.
لتجدها كعهدها دومًا، وحيدة، حزينة!
-إنتي مكبرة الموضوع ليه يا سامية؟
قالتها "نسمة" بلهجة مرهقة و هي تقدم لها الشاي عبر بنش المطبخ أمريكي الطراز الذي يفصل بينهما.
-أنا كويسة على فكرة.. ماكنش ليها لازمة مجيتك الساعة دي و إنتي بيتك بعيد. دلوقتي أتسبب لك في خناقة مع جوزك لما تروّحي. إشربي الشاي و قومي روّحي بقينا العشا يابنتي.
سامية بحنق: ممكن مالكيش دعوة بيا.. إنتي عارفة إني كده كده بفوت في الحديد. إنما إنتي هبلة.
لم تنزعج "نسمة" من النعت المهين، بل إبتسمت دون تعليق، لتكمل "سامية" بنفس الاسلوب:
-ثم كده كده المحروس جوزي هايجي ياخدني ياختي ماتقلقيش.. أول ما أرنله جاي. المهم دلوقتي أنا مش هاحل عنك ألا أما أعرف إيه إللي عامل فيكي كده.. و لو إن مافيش غيره!
كانت إشارة صريحة لحبيبها و محطم قلبها بلا تعمّدٍ منه!!
لم يغيب عن خاطرها لحظة أساسًا، فكان ذكر صديقتها له مجرد حافزٌ آخر دفع بدموعها لتكوين طبقة لامعة غلّفت نظراتها الصامتة إليها و المقرّة بصحة تلميحها ...
-كنت عارفة!
غمغمت "سامية" بغيظٍ، لتنفجر باللحظة التالية:
-إنتي يا بت هاتفضلي لغاية إمتى تحت رحمته.. بقالك كام سنة معاه عايشين زي المجوزين و مدلعاه و مهنهناه كل ده ببلاش كده. على إيه ياختي كل ده. ياريته حتى كان كاتب عليكي ورقة. ده حتى و لا واعدك بأي حاجة. قوليلي إيه مخليكي مستحملة عيشة زي دي. إنطقي يابت!
-بحبه!!!
صاحت بحنقٍ شديد سرعان ما تحوّل إلى نحيب مكتوم و هي تستطرد بلوعةٍ:
-بحبه و مش قادرة أخليه يفضل جمبي.. مش قادرة أطلب منه أي حاجة. و هو علطول ساكت!
ردت الأخيرة في المقابل و على الفور:
-يبقى طالما بتتنيلي تحبيه يا حبيبتي لازم تشوفيله حاجة تربطيه بيها.. الراجل دايمًا في الحالات إللي زي دي يبكون عامل حسابه يخلع. إنتي بعبطك ده هاتسمحيله يعمل معاكي كده.
صرخت بعصبيةٍ: يعني أعمل إيه؟؟؟
لتتلقى الرد الصارم في الحال:
-تشيلي منه.. لازم تحملي منه في أسرع وقت!
تجهمت "نسمة" في هذه اللحظة و تدلى فكها لأسفل و هي تردد مشدوهة:
-أحمل.. أحمل من رزق؟!!
-آه يا نانوسة قلبي تحملي من رزق.. مش هو يا بت إللي خد عرضك. مش هو بذات نفسه عارف إنه أول راجل يلمسك. صح و لا لأ؟!!
-صح!
ردت "نسمة" منفعلة، و أردفت بيأسٍ مثير للشفقة:
-بس أنا ماشرطش عليه حاجة. أنا إللي سلمته نفسي يا سامية.. من كتر ما كان حنين معايا و بيخاف عليا. لمني من الشارع و عايشني كويس و بقى بيصرف عليا و مكفيني.. كنت حاسة إنه راجلي بجد. شوية شوية مقدرتش أمنع نفسي. أنا إللي كنت محتاجاله!
سامية بتوبيخٍ: و مافكرتيش نتيجة ضعفك معاه هاتكون إيه. يا نسمة ده إنتي أكتر واحدة عارفة طينة الرجالة.. ده لو كان أجدع راجل و شبعان حريم يحلوا من على حبل المنشقة. إنما لو شاف بياعة فجل مدياله سكة هايركع تحت رجليها.. إنتي غلطي يا نسمة و لازم تصلحي الغلط ده بأي تمن. إوعي تسبيه يفلت منك بعد ده كله. مين هايرضى بيكي و إنتي في الحالة دي!!
آنت "نسمة" بلهجة معذبة:
-حتى لو سمعت كلامك و حملت منه.. حتى لو هو رضي يتجوزني. أبوه مش هاريضى. أبوه أصلًا ماوافقش يقعدني هنا إلا بعد ما جاب أصلي و فصلي و عرف إني تربية ملاجئ و هربانة منها كمان.. قوليلي يا سامية واحد زيه إزاي يوافق على جوازة زي دي لإبنه!!!
مدت "سامية" يدها على الحاجز الرخامي بينهما و قبضت على يد صديقتها قائلة بثقةٍ:
-غصب عنه هايوافق يا بت.. ده إبنه الكبير. و لما يعرف إنه هايبقى جد لأول مرة قلبه ها يحن و مش بعيد تبقي ست الستات في بيت الجزارين. إسمعي كلامي بس و إنتي تكسبي!
من أجل أن تضمن صمتها أظهرت "نسمة" موافقة مبدئية للتفكير باقتراحها ...
حتى حانت ساعة رحيلها، ودَّعتها عند الباب و أغلقت ورائها... و صارت وحيدة من جديد.
تنهدت "نسمة" بثقلٍ و هي تمشي ببطء، كأنما تجر ساقيها ناحية غرفة النوم، كانت تضع هاتفها على الشاحن، أمسكته بترددٍ.. لقد حاولت مرارًا خلال اليومين الماضيين الإتصال به، لكنها في كل مرة كانت تمنع نفسها في أخر لحظة.
لا تريد أن تتسوّل حبه أو وجوده معها أكثر، فهي لا تتحمل أن تستمع إلى أعذاره التي يلقيها على مسامعها أغلب الأوقات.. ها هو قد تغيّب عنها لأيامٍ رغم أنه وعدها بألا يطول الهجر.
القلق يتسرب بداخلها و يملأ رأسها بالهواجس، حاله لم يعد كسابق العهد خلال تلك الفترة الأخيرة، طرأ عليه ثمة تغيير، لكنها لا تنجح في تحسسه جيدًا و لا حتى معرفة سببه ...
-آااااه يا رزق!
هكذا أصدرت "نسمة" آهة حارقة من أعماقها.
و هي تلتفت إلى طاولة ضخمة حملت تحف و خزف، يتوسطهم ذلك البرواز المستطيل الذي يكنف صورته.. صورة وجهه الضاحك الجميل ...
-آه يا حبيبي!!!
سالت دموعها و هي تلتقط صورته و تضمها إلى صدرها بقوة، ثم لم يسعها بعد ذلك إلا البكاء بقهرة و الارتماء فوق السرير غارقة بأولى ذكرياتها معه ...
Flash Back
كانت ذكرى ميلادها، و قد أتمّت العشرون عامًا ...
في تلك الليلة التي قررت بها الهرب من ذاك الجحيم الذي يُطلق عليه دار رعاية... و كأنها غزالة أُطلقت بغابة ملأى بالضواري.
هربت من وحوش عديمة الرحمة، تحديدًا كبيرهم و المسؤول عن فتيات الدار.. الأمين عليهم!
و من بينهن كانت هي الوحيدة التي طار عقله بها، و أكثر من مرة حاول أن يواقعها، و خاضت معه معارك مؤذية نفسيًا و جسديًا، لكنها تمكنت الليلة من الفرار منه، خرجت من الدار سليمة، نقيّة كما خلقها ربها.
إنما لم تكن تعلم بأن الخارج لا يقل بشاعة عن الداخل ...
تحت غطاء الفجر الساتر، قطع طريقها مجموعة من الشبّان الضالة، و هنا على قارعة الطريق النائي طرحوها فوق العشب الذابل و التراب، وسط صراخها الهستيري و بكائها المرير.. و الأهم إداركها و هي بين أيدي هؤلاء السفلة بأن ما ناضلت و كافحت للحفاظ عليه طوال عمرها سيضيع للأبد، الآن و بأقسى صورة يمكن أن تتخيّلها!!!
لولا أن هبط عليها فجأة، و كأنه ملاكًا من السماء.. جاء و أطاحهم جميعًا بعيدًا عنها، أجهز عليهم بمفرده و بقوته الجبارة و مهارته القتالية، بعثر وجوههم و أنزل بهم أشد المعاناة.
حتى هربوا من أمامه كالجراء ...
بينما كانت تنظر نحوه و هي لا تزال هناك فوق العشب، تحاول ستر جسمها بباقيا ثيابها الممزقة، لا تكف عن النحيب و الخوف يفتك بها.
لكنها أطمأنت فجأة، عندما إستدار ناحيتها و شاهدت تلك النظرة العطوفة الرؤوفة بعينيه.. علمت بأنه غير الجميع، راحة مجهولة المصدر غمرتها و هي تشاهده يقبل صوبها رافعًا كفيه أمام وجهها ...
-ماتخافيش!
خرجت كلمته بلهاثٍ خفيف بسبب مجهوده المضنِ الذي بذله ليرد الاعتداء الجماعي الوشيك عنها.
-ماتخافيش أنا مش هأذيكي.. أنا شوفت إللي بيحصل من الناحية التانية ...
و أشار لها إلى البر الثاني للقناة المائية القذرة، و تابع مركزًا على النظر إلى وجهها المحتقن إنفعالًا و خوفًا:
-عديت بسرعة لما سمعتك بتصرخي.. إنتي كويسة صح؟ حد قربلك؟!
هزت رأسها سلبًا و هي تضم القطعة العلوية لتستر صدرها، بينما يقول مبتسمًا بخفةٍ:
-الحمدلله.. الحمدلله إنك بخير!
و بدون مقدمات خلع معطفه الجلدي، مده لها دون يلمسها و قال:
-حطي ده على كتفك.. الجو برد.
و بعد ترددٍ واضح، لم يمل من مد يده.. فمدت يدها بدورها و أخذت معطفه، لكنها لم تستطع ارتدائه و لا حتى التحرك قيد أنملة من مكانها.
لاحظ هو هذا، فإبتسم لها من جديد و عرض عليها بلطفٍ:
-تسميحلي أساعدك؟ .. ماتخافيش خالص. أنا مش زيهم و لا عاوز منك أي حاجة. أنا عاوز أساعدك و بس!
لم تجعله يكرر عرضه ثانيةً، عندما إمتدت يداه صوبها تركته يتعامل مع وضعها كما يشاء.. ليمسك برسغها بقبضته القوية، و يلتقط المعطف باليد الأخرى، ثم ينهضها بطرفة عين فترتمي عرضيًا فوق صدره.
جمدت و لم تحاول الابتعاد عنه، بينما يضع المعطف فوق كتفيها، ثم يحاوطها بذراعيه قائلًًا بصوتٍ هامس:
-أنا ساكن في حي قريب من هنا.. لو تحبي تيجي معايا و هابيتك في حتة أمان لحد الصبح. و ماتقلقيش.. محدش هايتعرضلك.
تطلعت إليه مأسورة فورًا ببهائه و أصالته الواضحة مثل الشمس في ملامحه و طريقة كلامه... و في كل الأحوال لم تكن الخيارات متاحة لها، فنطقت أخيرًا بالموافقة:
-خدني لأي حتة أبات فيها للصبح ونبي!
-قادرة تمشي؟
و أرخى ذراعيه من حولها قليلًا.
و فورًا خمن من ترنحها العكس، فلم يسألها مجددًا و حملها على ساعديه القويين إلى سيارته، و كان لا بد أن يعبر بها الجسر الخشبي ليصلا إلى الجانب الآخر من القناة.
وضعها بالمقعد الأمامي و أغلق حولها حزام الأمان، ثم إستقل إلى جوارها و شغل المحرك.. لكنه قبل أن ينطلق أدار وجهه لها و قال بابتسامته الجذابة:
-أنا اسمي رزق.. انتي اسمك إيه؟
صوّبت عينيها تجاهه و قالت و أسنانها تصطك من البرد بينما نصف وجهها مخبأ بمعطفه:
-نسمة.. إسمي نسمة و بيقولولي نوسا!
أعطاها تحية مخصوصة مشيرًا بسبابته و إبهامه قائلًا بمرح:
-تشرفنا يا آنسة نسمة.. يا نوسا!
و ضحك بخفة مديرًا عجلة القيادة و منطلقًا رأسًا إلى حي "الجزارين" ...
ذلك المكان الذي شهد قصة حبها أحادية المشاعر، فهي فقط التي تحبه.. أما هو... فلا تعلم!
بعد كل الذي فعله من أجلها ظنّت بأنه ربما يكن لها بعض المشاعر، لكنه قد يكون محرجًا من إظهارها أو خجلًا.
و من جهتها أرادت بشدة أن ترد له جزء من إحسانه إليها و التصرفات التي قام بها و ترجمتها كرسائل الحب... لذا لم تتردد لحظة حين دعته في ليلة مميزة كان القمر مكتملًا و النجوم ساطعة متلألئة.
أعدت له عشاءً على ضوء الشموع، و كانت تمنّي نفسها بليلة رومانسية لا تُنسى، كانت تعي جيدًا ما هي مقدمة عليه و لم تخاف... كانت ثقتها فيه بلا حدود و قد أعماها الحب، بعد قضاء ستة أشهر في كنفه و رعايته التامة.
و كالولد المهذب الذي وضعوا أمامه حلوى شهية مسيلة للعاب، كانت أمامه بردائها المغري و طلتها الجريئة.. لكنه لم يبدي أيّ ردة فعل و جلس رصينًا عاقلًا.
حتى قامت هي بالمبادرة و سقطت في حضنه مطوقة عنقه بذراعيه بقوة و كأنه طوق النجاة لها ...
لم يفوّت الفرصة الذهبية التي واتته، رغم أنه أعترف لها بعلاقاته النسائية المتعددة من قبلها.. لكنه أيضًا أعترف بأنها غير سواها، و بأنه أبدًا لن يمس امرأة أخرى ما دامت هي بحياته.
كان هذا عهد قد أخذته عليه، لكنها اكتشفت بأنه عهد غير مشروط.. يستطيع أن يخرجها من حياته أيّ وقت يريد، فيكون قادرًا على الارتباط بغيرها.
و لكن.. هذا بشع.. هذا مميت بالنسبة لها، ليس بعد كل هذا، ليس بعد أن أحبته، و صار لها الدنيا و ما فيها!!!
Back ...
إنقطع شريط الذكريات بعقل "نسمة" فجأة كما لو أنه خرب ...
لتصحو على الواقع الأليم، واقع لم يكن "رزق" فيه إلى جوارها.. فقط الصمت وحده الذي تسمعه، و السكون الذي تراه.
و صورته التي تحتضنها و تبكي.. تبكي جفاؤه و هجره و حبها معدوم الأمل له ...
يـــوم المبـــاراة .....
و هذه اللحظة المنتظرة... وقوف الأخوان فوق حلبة المصارعة وسط الحي، كلاهما ضد الآخر.
كان الخبر قد إنتشر بين الجميع منذ أيام، و الساحة الآن قبل التحضيرات مزدحمة.. يراقبها من الشرفة الرئيسية "مصطفى" الذي راح يستمع بمللٍ إلى ثرثرة شقيقه الصغير:
-مصطفى بلاش جنان.. إحنا هانقول إنك طالع مشوار شغل مفاجئ و هانلغي الماتش ده.
رمقه "مصطفى" بنظرة جانبية مرددًا باستخفاف:
-بس يا بابا.. بس بلاش لوكلوك مالوش عازة.
حمزة باستنكار: إياكش تكون فاكر هاتعرف تغلب رزق.. ده عنتر أبو جبل البلطجي بتاع المعلم بدوي مقدرش عليه و كان جتة و أعفى واحد وقف قصاده. تيجي إنت بفرمة الساحل دي عايز تغلب رزق!
ضحك "مصطفى" من أخيه و استدار صوبه رابتًا على خده و هو يقول:
-إبقى أحجز مكان حلو كده عشان تعرف تتفرج يا ميزو!
و تركه موليًا برشاقة إلى الأعلى، إذ لم يتبقى الكثير... بضعة ساعات تفصله عن المواجهة الحتمية!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثامن 8 - بقلم مريم محمد
كان بطبيعته سريع وغزير التعرّق من أقل مجهود.
والآن خاصةً في ساعة المران اليومية، هنا فوق أعلى قمة بمنزل "الجزارين"، حيث يقطن ويتعايش كما لو أنه بشقته الخاصة، رغم أن ما هي إلا غرفة بسيطة بالسطح.
لكن أبيه جعل الطابق كله ملائمًا له، وزوّده بماكينات الرياضة الحديثة، كي ما يشبع هوسه بتنمية عضلاته والاهتمام بلياقته البدنية التي تبهر الجميع، وتزرع في قلوب أعتى المجرمين مهابة منه.
يقف "سالم" على رأسه منذ الصباح حتى الظهيرة هكذا.
لا يزال يحاول إقناعه بإلغاء حدث الليلة المنتظر، ويعرف أن مجهوده من غير طائل، لكنه لا ينفك يطالبه تارة بلطف وتارة بحدة.
"رزق، أنا كلمتي لازم تتسمع. من إمتى بتعصيني؟"
كان ضغط دماؤه مرتفعًا بشدة والعرق يسيل حارًا من مسام جسمه ويقطر فوق الأرض.
كان يتمرن بانفعالٍ كبير ويحمل أثقالًا لا يتحملها أي شخص.
لكن مع ذلك رد على أبيه وأنفاسه المهتاجة تتدافع من فمه:
"ولا بعصيك دلوقتي، بس ده مش موضوع يستاهل تؤمر وتنهي فيه. إنت عارف إني بلعب Boxing كده كده ومش ناوي أبطلها. هاتفرق في إيه لاعبت مصطفى، زيه زي غيره."
أحمّر وجه "سالم" انفعالًا وهو يصيح به:
"هاتقف قصاد أخوك؟ هاترفعوا إيديكوا على بعض؟ الكلام ده مش هايحصل طول ما أنا على وش الدنيا، سامع؟!"
رفع "رزق" حاجبه وقال باستخفافٍ:
"وإنت جاي تقولي أنا الكلمتين دول؟ لو خايف على مصطفى روح أنصحه ينسحب. ده أحسنله و الله!"
وترك "رزق" الأثقال من يده، ليمضي نحو كرسي الرياضة العريض المبطن بالفايبر الثمين.
إرتمى فوقه ممسكًا بمنشفة صغيرة وطفق يجفف وجهه وعنقه من العرق.
بينما لا يزال "سالم" على وضعيته، مصدومًا في ابنه وكلماته.
إلا أنه يلتفت إليه بالأخير ويرميه بنظراتٍ غير مصدقة.
يلاحظ "رزق" هذه الانفعالات بوضوحٍ، فيضحك بخفة وهو يلقي بالمنشفة ليلتقط قارورة المياه الباردة ويقول بمرحٍ:
"ماتبصليش كده يابويا. قولتلك مصطفى أخويا الصغير، إستحالة آذيه!"
ثم فتح القارورة وشرب منها باستفاضة، وأردف بعدها بجدية:
"بس في نفس الوقت ماتعودتش أخسر، وإلا هيبتي زي ما بتقول تتهز وسط أهل الحي."
نطق "سالم" بحدة منهيًا معه الحوار:
"طيب يا رزق، أعمل إللي إنت شايفه. بس كنت فاكرك أذكى من كده!"
وأولاه ظهره عازمًا الرحيل.
ليجمده صوت "رزق" لبرهةٍ وهو يقول بلهجة ذات مغزى:
"ما أنا عشان ذكي مصمم أنزل قصاد مصطفى المرة دي. طول عمري نفسي أجيب م الأخر معاه. فاهمني يابويا؟!"
بالطبع يفهمه.
هل كان ليغرق بقلقه طوال تلك الأيام القليلة الفائتة إذا لم يكن يفهم!
يعلم جيدًا نوايا "مصطفى" ومدى الكراهية التي يضمرها لأخيه الأكبر.
لعله لا يعرف الأسباب تحديدًا، لكن ما يهمه هو "رزق" فقط.
ولده البكري طيب ورؤوف وفي نفس الوقت قاسٍ وذو بأس.
لكنه لن يؤذي أبدًا إخوته.
أما إخوته... "مصطفى" بمعنى أصح.
"سالم" لا يثق فيه البتة!!!
"أعمل إللي يعجبك!"
كانت هذه أخر كلمة يلقيها "سالم" إلى "رزق" قبل أن يرحل ويتركه.
ندت عن "رزق" تنهيدة ثقيلة وهو يشعر بجسده يبرد.
ليقفز من مكانه فورًا مستعيدًا نشاطه قبل أن يخمد كليًا.
وقبل أن يشرع بممارسة المزيد من الرياضة، يظهر "علي" فجأة عند قمة الدرج صائحًا:
"يا أخي إتهد شوية بقى. مش معقول كل ما أشوفك ألاقيك شايل. إيــــه مابتتعبش!!!"
يرمقه "رزق" بنظرة جانبية مغمغمًا:
"قل أعوذ برب الفلق. مالك يا حبيبي في إيه؟ ما تقول ما شاء الله."
أقبل "علي" صوبه وهو يحك مؤخرة رأسه قائلًا:
"أقول ما شاء الله وبعدين تيجي تدرب فيا. صحيح يا ناس. آخرة خدمة الغز علقة!"
ابتسم "رزق" بجاذبيته المعهودة وقال ناظرًا إليه:
"تعرف المثل ده كانوا المصريين مطلعينه على الأتراك. إنت قاصدها و لا إيه؟"
"يا راجل على أساس إنت مش مصري. لحد إمتى هاتفضل تتغر علينا بأصلك التركي وجدك الباشا يالا.. ده إحنا أسياد البلد دي. إنت شايل إسم الجزارين يا زوز."
"شرف عظيم!" علّق "رزق" ماطًا فمه في حركة تنم عن سخرية.
لم يعطِ فرصة للرد لابن عمه وترك ما بيده متوجهًا نحو غرفته.
خلع كنزته الخفيفة في طريقه، بينما يتبعه "علي" قائلًا:
"أنا شوفت أبوك وهو نازل من عندك. بردو ماعرفش يقنعك تلغي الماتش ده؟!"
"ولا إنت هاتقنعني!" قالها "رزق" بحزمٍ وهو يسحب خزانته ملابس جافة نظيفة.
إلتفت نحوه مضيفًا:
"ريح نفسك. كل الكلام إللي ممكن تقوله سمعته من أبويا. وبكررها للمليون. مافيش حاجة من ناحيتي لمصطفى. أنا مش حاطه في دماغي. هو إللي عاوز يوصلَّي حاجة، وأنا هاعرفها الليلة."
هز "علي" كتفيه قائلًا بصدق:
"أنا بس خايف عليك!"
رزق بتهكمٍ:
"إنت كده بتشتمني. خايف عليا من مين؟ مصطفى ده أنا لو كحيت في وشه هايقع."
قهقه "علي" بانطلاقٍ وقال رابتًا بقوة على ذراع ابن عمه المفتولة:
"ماشي يا عم الجامد. هانشوف الليلة دي مطحنة. وربنا يستر بقى!"
طمأنه "رزق":
"لا ماتقلقش. مش هاتوصل لكده."
"ياريت بجد. أحسن أبوك شكله على آخره. أنا أول مرة أشوفه كده!"
عقد "علي" حاجبيه عندما انتبه بأن الأخير لا يصغي إليه، بل وينظر في موضعٍ آخر بجواره.
صوّب نظراته حيث ينظر "رزق".
ليكشف بأنه لم يكن شاردًا إلا في ذلك الإطار الخشبي الصغير الذي أحاط بصورة أمه.
"وحشتك؟!"
تفاجأ "رزق" بسؤاله وما لبث أن أفاق من شروده.
نظر إليه بصمتٍ، ولم يحاول إخفاء مشاعره عنه باعتباره أقرب صديق له وليس ابن عمه فقط.
أومأ له برأسه أن نعم، فقال "علي" بلطفٍ:
"بس لو تسمع كلامي. قولتلك سيبلي الموضوع ده وأنا هادورلك عليها. هلاقيها يا رزق لو فين صدقني!"
قست ملامح "رزق" في هذه اللحظة وهو يهتف بصرامةٍ:
"لأ.. لأ يا علي. لا إنت ولا أنا ولا أي حد ينفع يوصل لأي معلومات عنها."
"ليه بس.. ليه فهمني؟!"
"أنا عملت كل ده عشانها. أنا لسا قاعد هنا وما مشيتش عشانها وعشان إللي خدته أو خدتها معاها. أنا لوثت إيدي وبقيت شخصية قذرة. كل ده عشانها. إستحالة أرضى ترجع وتعيش هنا تاني. مكانها مش هنا يا علي..."
تقلصت عضلاته على نحوٍ غير إرادي، فشد على قبضتيه وهو يستطرد بخشونةٍ:
"لو شافتني دلوقتي مش هاتحب الصورة إللي هاتشوفها. مش هاتصدق إني ابنها. مش هاتصدق إن دي تربيتها وتربية أبوها إللي إداني كل حاجة وعلمني. أنا خلاص. غرقت في المستنقع ده عشان أنقذها هي. مابقاش ينفع أخرج منه."
علي باستنكارٍ:
"إنت ليه مشيل نفسك فوق طاقتك يا رزق.. ليه بتعمل في نفسك كده. إنت عارف.. واحد غيرك كان خد موقف منها هي. هي ليه سابتك؟ ليه مارجعتش عشانك؟ إنت إبنها بردو مش بس إللي كانت حامـ آ ..."
قاطعه "رزق" واضعًا سبابته فوق فمه، ثم قال زاجرًا إياه:
"حذرتك 100 مرة. الكلام ده مايتنطقش. محدش لازم يعرف السر ده غيرنا. ماتخلنيش أندم إني حكيت لك!"
أجفل "علي" مرتبكًا وقال:
"أنا مش قصدي. إحنا لوحدنا يعني ومحدش سامع. يا سيدي خلاص حقك عليا. مش هانطق حرف في الموضوع تاني..."
ثم قال دافعًا إياه بكتفه على سبيل المزاح:
"ولو إنك منكد على نفسك وعلينا ومش راضي بعيشتنا. أنا عارف جدك الباشا ده طنش ولا سألش ليه على عمي قبل ما يجوزه أمك!"
ابتسم "رزق" بازدراء قائلًا:
"مات وما عرفهاش بردو. حقيقة أبويا. عادي. زيه زي غيره. هو إحنا مين يعرف حقيقتنا غير الناس إللي تحت رجلينا. إنت ناسي إن ده قانون الجزارين!"
"بالهنا والشفا يا تيتا!"
قالتها "ليلة" بعد أن نجحت دون غيرها بإعطاء جرعة الدواء كاملة إلى جدتها.
وكأنها حققت إنجازًا عظيمًا، ناولتها السيدة "عبير" كأس المياه وهي تقول ببهجة:
"والله يابنتي سرك باتع. من ساعة ما دخلتي علينا والفرح هالل. شبكة مصطفى على بطة. وكمان أما دلال بقت صحتها عال أوي. كنتي فين من زمان يا ليلة!"
قربت "ليلة" الكأس من فم جدتها وساعدتها على إنهائه وهي ترد على زوجة عمها في آن:
"أديني جيت لحد عندكوا أهو. كل شيء بأوانه و لا إيه يا طنط عبير."
"آه طبعًا يا حبيبتي. بس مش آن الأوان بقى تقبلي دعوتي أنا وعمك وتطلعي تعيشي معانا في شقتنا. والله هانشيلك فوق راسنا. أنا مش هاخليكي تشيلي الياسمينا من على الأرض!"
"ليلة مش هاتسيبني يا عبير!!"
برز صوت "دلال" المتحشرج في هذه اللحظة.
وجدتها "عبير" تحدقها بنظرة قوية وهي تستطرد بصرامة:
"سبيلي بت ابني أشبع منها شوية. مش كفاية طول عمرها بعيدة عني!!"
عبير ضاحكة:
"ياما أنا مش هاخبيها. دي هي ليلة وفراقها صبح. يدوب هاتطلع تبات عندنا. وتاني يوم من النجمة تنزلك."
دلال بعنادٍ:
"لأ.. ولا ساعة واحدة. وكمان دول كلهم كام شهر ورزق هايتجوزها وياخدها مني خالص. كلكوا بقى مستكترينها عليا شوية تونسني وتملا عليا بيت الحزن ده!"
"عوافي ياستي دلال!"
كانت هذه "نسمة"!!!
هكذا ومن العدم ظهرت عند عتبة الغرفة.
ما إن رأتها "دلال" حتى تهللت أساريرها، ودعتها فورًا مرحبة:
"أهلًا يا أهلًا بحبيبتي الغالية. تعالي يا نوسا. خشي يابت. ياااااه ده إنتي وحشتيني أوي يا مغدورة!"
لم تحيد "نسمة" عن "ليلة" طرفة عين، وقد كان تعبيرها المصدوم متجليًا للعيان.
لكنها إنصاعت لأمر "دلال" ودخلت بخطواتٍ متباطئة وهي تقول بصوت لا حياة فيه:
"أنا كنت راجعة من السوق. ومعدية بالصدفة. قلت أدخل أسلم عليكي. باب السكة كان مفتوح!"
دلال موبخة:
"جرى إيه يابت إنتي غريبة؟ المقفول يتفتح لك في أي وقت. يا هبلة."
ونظرت إلى حفيدتها مكملة:
"دي بقى نسمة يا ليلة. مجايب رزق. بس ماقولكيش. ماتتخيّرش عنك بالنسبة لي. أنا روحي في البت دي لله في لله."
عبست "ليلة" بادئ الأمر عند الإتيان على سيرة "رزق" وجمعه مع تلك الفتاة في جملة واحدة، لكنها سرعان ما تجاوزت الأمر لعدم أهميته بالنسبة إليها، ونظرت لها قائلة برقتها المعهودة:
"أهلًا وسهلًا. تشرفنا يا قمر!"
إكتفت "نسمة" بإيماءة ردًا عليها ولا يزال التجهم يملأ قسمات وجهها.
ولكن قبل أن تلاحظ "ليلة" هذا أيضًا، دق هاتفها فجأة، فاستلته من جيب سروالها الواسع.
وإنتفض قلبها رعبًا حين قرأت اسم المتصل.
جاهدت بأقصى ما عندها من ثباتٍ كي ما تلفت إليها الأنظار.
رسمت ابتسامة مقتضبة على ثغرها وقامت بسرعة وهي تقول:
"I beg your pardon يا تيتالازم أطلع أرد على المكالمة دي. مش هتأخر!"
وبدون أن تسمع رد الجدة ركضت إلى الخارج في إثرها نظرات "نسمة" كسهامٍ سامّة.
وقفت بوسط باحة المنزل الداخلية.
لحسن حظها كان الصخب بالخارج شديدًا والحماس على أشده استعدادًا لمنازلة الليلة المنتظرة.
فتحت الخط وانهمرت الكلمات الحادة من فمها على الفور:
"عاوز مني إيه تاني يا زبالة يا واطي. أنا مش قولتلك تنساني خالص وإلا هاندمك عاليوم إللي جيت فيه الدنيا دي!!!"
جاء صوت الطرف الآخر غليظًا كريهًا كما هو دائمًا:
"الله الله الله. في حد يرد على خاله بقلة الأدب دي بردو. مع ذلك وحشتيني يا لولا!"
ليلة بعصبية:
"وحشك قبر يا حقير. عاوز مني إيه. إسمع. ورحمة أمي هافضحك..."
"ده جزائي يعني إنك وحشتيني وغيابك مأثر فيا. ليه قاسية عليا كده. وأنا إللي قلت أتصل وأحاول أرجعك!"
"أرجعلك! إللي كانت مصبراني ع قرفك ووساختك ماتت خلاص. دلوقتي ماعادش في حاجة باقية عليها. لو ماسبتنيش في حالي هاقتلك يا عزام يا وديدي. ورحمة أمي وأبويا هاقتلك."
"يعني مافيش فايدة. بذمتك ماوحشتكيش طيب؟!"
إنفعلت عليه بشدة:
"إنت أوسخ بني آدم شوفته في حياتي. إنت مش بني آدم أصلًا. بص وده أخر كلامي. لو شوفتك صدفة أو سمعت صوتك تاني قسمًا بالله لافضحك هنا. هقول كل حاجة لسالم الجزار. وشوف بقى إللي هايجرالك!"
وأغلقت بوجهه وهي تسب وتلعن فيه بأحط الألفاظ.
أمسكت لسانها عندما لمحت "حمزة" يهرول من الخارج وعلى وجهه ابتسامة واسعة.
أعادت الهاتف إلى جيبها وتحكمت بسهولة بتعابير وجهها ومشاعرها الظاهرية، فصارت تبتسم مثله بارتياحٍ بينما يحل أمامها الآن وهو يقول بحماسة:
"إنتي هنا يا ليلة. ده الماتش خلاص هايبدأ!"
طلته الصبيانية المحببة أنستها المعاناة لوهلةٍ وهي تقول برقة:
"أنا نفسي أعرف إنت في إعدادي إزاي يا حمزة. ما شاء الله عليك. إنت كنت بتاكل بني آدمين وإنت صغير؟!"
وضحكت.
فابتسم قائلًا:
"أنا عندي 18 سنة. بس أبويا دخلني المدرسة متأخر. أصلًا لولا رزق طلبها منه ماكنش وافق. وهو سامحلي أكمل لحد ما أخلص ثانوية بس!"
ثم قال بتعجل وهو يسحبها من يدها معه للأعلى:
"يلا بقى تعالي. هاتتفرجي كويس معانا من فوق!"
كان يجلس بالمنتصف.
منتصف الشرفة، فوق كرسي وثير وكأنه كرسي العرش.
عباءته السوداء تناسب مزاجه تمامًا، ملامحه العابسة متماسكة كقناعٍ صلدٍ محكم.
على يمينه وشماله توزعّت العائلة.
أما بالأسفل فالجمهور الغفير يحيط بالحلبة.
وولديه بوسطها تمامًا!
كلٌ منهما بطرف يتجهز على حدة.
"رزق" عاري الجذع ويرتدي بنطالًا رياضيًا مرنًا ذي علامة تجارية شهيرة.
و"مصطفى" يرتدي كنزة ضيقة ذات حمالات عريضة وسروالًا قصير.
أغاظه بشدة أن تملأ أذنيه الهتافات الصادحة باسم أخيه.
أما هو.. فكأن لا أحد يلاحظه حتى.
باسثنائها هي.
"فاطمة".
أجل.
ها هو يراها من حيث تقف بالشرفة مع بقية العائلة.
نحفت كثيرًا وشحب لونها مؤخرًا من قلة الغذاء.
لكن لا تزال عينيها تلمعان معبرة عن شتى انفعالاتها.
وقد كان الانفعال الذي قرأه بهما الآن هو الخوف.
والخوف فقط.
ولكن على من تخاف... يا له من سؤال ساذج.
هل يوجد غيره؟
أساسًا هل أحبت هي غيره طيلة حياتها؟!!!
"ديشا!"
أدار "مصطفى" رأسه لينظر إلى "رزق".
يبتسم له الأخير وهو يرتدي الجلافز قائلًا بلطفٍ:
"دي أخر فرصة. لو تحب ننسحب إحنا الاتنين سوا. فكر بسرعة!"
كشر "مصطفى" عن أسنانه بابتسامة صفراء وقال:
"أنا مانسحبش يابن الذوات. عايز تنسحب إنت دي فيها كلام تاني!"
ضحك "رزق" منه بقوة ورد:
"تمام تمام. إللي إنت عاوزه. هاعملك إللي إنت عاوزه يا ديشا!"
وكعادته هو من يعطي الأمر بالبدء.
أشار بيده، فضرب غلامًا النحاس المدوي، لتنطلق المباراة.
فيتحفز "مصطفى" من فوره ويتحرك في سيرٍ دائري بطيء.
وكأنه فهدٍ يتصيد فريسة.
ما أضحك "رزق" متعمّدًا إثارة أخيه.
والفعل نجح.
فهجم "مصطفى" صارخًا بغلظةٍ في هذه اللحظة وأنقض على "رزق" مكيلًا له لكمة ضاعت بالهواء، إذ إنحرف "رزق" برشاقة وتفاداها.
فالتفت "مصطفى" وأعاد الكرة، ليشكل "رزق" أمام وجهه بساعديه علامة X.
فما إن لمسه أخيه حتى قام بدفعه بقوة أطاحت به حتى حافة الحلبة.
لولا وجود الحواجز لسقط لا محالة.
هدرت الصيحات من جديد، فحانت من "مصطفى" التفاتة نحو والده هذه المرة.
ليجده كما هو، وكأنه يعرف نتيجة النزال سلفًا ويجلس ليراها فقط.
أخذ صدره يهبط ويعلو بانفعالٍ جمّ.
شحذ قواه كلها بعزمٍ وانتصب واقفًا في مواجهة أخيه مرةً أخرى.
بصق فوق الأرض وهو يرمقه بنظرة محتقنة.
بينما يشير له "رزق" برأسه أن يقترب، فلبّى "مصطفى" طلبه وعاد خطوة للخلف.
ثم انطلق منقضًا عليه ثانيةً، ليسقطا معًا فوق الأرض.
كانت عضلات بطنه صلبة كالحديد، وكأنها تشكل درعًا واقيًا، فلم يتأثر بضربات "مصطفى" المتتالية.
بل كان يضحك باستفزازٍ وهو يرقد هكذا بينما أخيه يجثم فوقه بوجهه وحشي القسمات.
تملكه غيظٍ شديد عندما آلمته قبضته وفي نفس الوقت خصمه لا يتألم أبدًا.
غلت الدماء بعروقه.
فإذا به يتجرّد من قوانين اللعبة ويخلع جلافز الملاكمة، ثم يشرع من فوره بتسديد لكماتٍ مميتة إلى ضلعيّ أخيه، بكل ما أوتي من قوة وبمنتهى الغل لم يتوقف.
لتتقلص ملامح "رزق" مع ثاني لكمة أصابت ضلعه الأيسر، وازداد الوضع سوءً مع تلقيه المزيد من قبضة "مصطفى" العارية.
فعقد القرار فورًا دون ترددٍ.
زمجر بشراسة وهو يثني ساقه لتصيب ركبته بمنتصف معدة "مصطفى" تمامًا.
أطلق الأخير صرخة ألم مخنوقة، ليدفعه "رزق" في كتفيه بكلتا قبضتيه.
طار "مصطفى" للخلف، وسقط على ظهره مرتطمًا بقسوة فوق أرض الحلبة الرملية.
صدحت صيحات الجماهير باسمه فقط، وتصاعدت الصافرات المشجعة من كل حدبٍ وصوب، بينما ينهض "رزق" كماردٍ جبار وقد تخضبت بشرته البيضاء كلها بدماء الغضب اللاهبة!!!
"كفاية كده يا مصطفى!" هتف "رزق" بخشونة محذرًا.
وثب "مصطفى" قائمًا بطرفة عين رغم الألم الذي نزل به.
ابتسم له وقال يستفزه هو هذه المرة:
"خايف و لا إيه؟!"
لم يأبه لرده الآن، بل رفع ناظريه حيث والده.
كانت وضعيته في الجلوس قد تغيرت الآن، صارت أكثر تحفزًا، كما تعابير وجهه الناطقة بالقلق.
ربما كان "رزق" ليتفهم رسالته، لكن هذا قبل أن يتغلب عليه القطب الآخر من شخصيته المظلمة.
فيشيح بوجهه عن أبيه وينظر مباشرةً بعينيّ أخيه صامًا أذنيه وغاشيًا عينيه إلا عن خصمه.
وبدون مقدمات يفعل مثله ويتجرد من الجلافز، ثم يرفع قبضته المشدودة، وبيده الأخرى يشير له بالاقتراب مجددًا.
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع 9 - بقلم مريم محمد
تلك الرائحة الغالية.. العزيزة على قلبه وخاطره، لا ينساها أبدًا، في عمق ذاكرته موجودة كما توجد هي بملامحها وعبقها المميز الذي يحفظه كخطوط كفيه منذ طفولته.
النهار المعتدل الساطع بحي "سان ستيفانو".. صباح منعش بروائح مختلطة... عطر أمه.. تبغ أبيه.. ووجبة الفطور الأساسية المؤلفة من الخبز الطازج المخصوص الذي لا يخرج بمذاق أكثر روعة إلا من يدي والدته الجميلة فقط... الشاي الأخضر بالقرنفل خاصتها.. قهوة والده.. والحليب بالكاكاو.. مشروبه هو المفضل دائمًا.
كانت العادة أن يستيقظ كل يوم بين أحضان أمه حتى لو لم يغفو إلى جوارها، لم تدعه أبدًا أن يرى شيئًا في بداية يومه سوى وجهها، وأن يشم رائحتها وتحتضنه وتقبله.
كان يحب هذا بشدة، أن تحتضنه وتغرقه بالقبلات وكأنها لتأكله إن جاز ذلك، لطالما استشعر حبها الكبير له بهذه الطريقة وغيرها.
وبدوره كان يعبر لها عن حبه بأن كان طفلًا مهذبًا للغاية، مطيعًا ومتعاونًا.. فبينما يكون أبيه جالسًا بالتراث المطل على البحر مباشرة يقرأ صحيفته بانتظار الفطور.. يكون هو برفقة أمه بالمطبخ يلبي لها متطلباتها البسيطة.
- بتعمل إيه يا رزق؟!
تفاجأ بسماع صوتها من خلفه، انتفض بقوة وغمره الارتباك، إذ لم يتوقع أن تلاحظه الآن.. فلم يمر عليه منفذًا خطته السرية سوى ثلاث دقائق بالضبط.
لمح الصغير "رزق" طيف والدته يقترب من الوراء، فصاح يجمدها محلها:
- لأ يا مامي.. إوعي تبصي دلوقتي بليزززز!!!
عبست "كاميليا" وقد أذعنت لطلبه ولم تقترب أكثر، لكنها سألته باهتمام:
- طيب قولي بتعمل إيه.. لو في حاجة باظت منك وخايف إني أشوفها Don't Worry حبيبي. فداك أي حاجة...
رد الصغير بتصميم:
- مافيش حاجة باظت. خليكي بس مكانك ثواني.. ثواني!
احترمت أمه رغبته وبقيت بانتظار ما يعده سرًا.
ورغم أنه استغرق أكثر من ثوانٍ، لكنها صبرت.. إلى أن استدار ناحيتها حاملًا بيديه الصغيرتين طبقًا كبير فوقه قطعة كبيرة من الخبز الفرنساوي وقد زيّنه بحبات الكرز الأحمر مشكلًا كلمة Happy Birthday Mommy.
- surpriiiiiiise!!!
صرخ "رزق" بحماسة كبيرة وهو يمد يديه لها.
تدلى فكها من المفاجأة، وسرعان ما أطلقت ضحكة مدهوشة وهي تقترب منه أكثر قائلة:
- إيه إللي عملته ده يا رزق!!
تلاشت ابتسامة الصغير تدريجيًا وهو يقول بخيبة:
- ما عجبكيش! أنا عارف إنها مش كيك. بس أنا كنت عاوز أعملك مفاجأة قبل بابي!
رقت نظراتها كثيرًا وهي تنحني صوبه ممسدة على شعره الأشقر، وتقول بصوتها الحنون:
- حبيبي دي أحلى مفاجأة. إنت لوحدك أحلى حاجة في حياتي.. أنا قصدي أقولك يعني إنك مش محتاج تعمل أي حاجة عشان تعبرلي عن حبك. أنا عارفة إنك بتحبني.. وأنا بموت فيك يا روحي...
وأحاطت وجهه بكفيها ودنت منه قليلًا لتقبله على خديه، ثم قالت بنصف عين تشاكسه:
- إنت بقى قولتلي عملت كده قبل بابي.. يعني إنت عارف إن عيد ميلادي لسا بالليل الساعة 12 ف قلت تقولي كده دلوقتي وبالطريقة دي قبل ما بابي يجي ويقولي Happy Birthday الأول صح؟
أومأ لها برأسه مقرًا صحة كلامها.
فابتسمت بحب وحملته لتجلسه فوق الطاولة الرخامية أمامها، أخذت منه الطبق وقالت برقة:
- طيب إيه رأيك مافيش تورتة النهارده ومش هانطفي الشمع إلا على الكيك بتاعتك دي!
- بجد يا مامي؟! .. سألها غير مصدقًا.
لتؤكد له وهي تداعب خصيلات شعره الملساء الشذية:
- طبعًا.. إنت عارف إن باباك كل سنة بيجبلي دهب وألماظ. بتشوف كده صحيح؟
- أيوة بشوف. وبيبقى نفسي أكبر بسرعة عشان أقدر أجبلك زيه!
كاميليا بجدية: حبيبي.. صدقني كل المجوهرات اللي جبهالي سالم دي ولا ليها قيمة عندي. وأنا قولتله كتير الكلام ده. قولتله إنها مجرد حجارة بالنسبة لي. وإن حبه واحترامه ليا دول بس اللي يهموني.. وإن إنت أجمل وأغلى هدية منه. رغم كده ماسمعش كلامي وعمره ما بطل يجيبلي الحاجات دي.. بيقول إن قيمتي أكتر منها وإن الغالي للغالي.. ممكن ماتكونش لسا فاهم كلامي وقصدي كويس. بس خليك فاكره. وكمان عاوزاك توعدني وعد. ممكن!
رزق بتأكيد شديد:
- Sure!
نظرت "كاميليا" بعينيه مباشرةً وقالت كأنما تنقش على جدار ذهنه كلماتها:
- أكبر هدية ممكن تقدمهالي طول العمر. أكتر حاجة ممكن تبسطني وتخليني طايرة وفخورة بيك دائمًا.. إنك تبقى راجل. راجل ذكي. قوي. حنون.. جامع كل الصفات اللي بحاول أغرسها فيك من صغرك. عاوزاك تبقى بطل يا رزق. بطل حكايتي. علامة ليا في الدنيا دي.. توعدني؟
بتلقائية وسذاجة الأطفال نطق دون أن يعي وقتها أنه قد أبرم ميثاقٌ:
- أوعدك!
°°°°°°°°°°
التصادم بينهما قد تم بالفعل...
اشتبكا من جديد والبطش الأعظم كان من نصيب "رزق" هذه المرة، حيث أمعن في أخيه ضربًا مبرحًا ولكمات مدمية ومحطمة.
وكأنه كان عاميًا، كان يضرب فيه كل أعدائه دفعة واحدة، والدنيا... الدنيا كانت أكبر عدو له، واقعه الذي يرفضه ويعيشه قسرًا عنه، كل شياطينه السوداء وكوابيسه البشعة كأنما تجسدت كلها في "مصطفى"... فلم يرحمه "رزق" لحظة واحدة.
حتى أجهز عليه بالكامل.. ولولا مجيء أبيه المفاجئ وصعوده شخصيًا إلى الحلبة لكي يحول بينهما ما كان ليتركه قبل أن تفيض روحه في يديه...
- رزق!!! .. صاح "سالم" بضراوة شديدة يضع كفه فوق كتف ابنه.
جمدته تلك الحركة وجعلته يكف بالفعل عن جنونه.
أفاق مذهولًا على صورة أخيه من تحته، وجهه المثخن بالجراح النازفة.. كان مغميًا عليه... رخوًا بشكل مزري.
أما الخلفية، كيث العائلة والجمهور... كان الصمت مطبقًا على الأجواء، فجأة لم تعد للمباراة أي أهمية.. بدا المشهد وكأنه مسرحية... مسرحية فجر الخليقة.. الأخوان.. وأول الأعداء من جنس البشر على وجه هذه الأرض.
كان الجميع يترقب.. هل حقًا سيشهدوا موت أحدهما الآن؟ هل سيكرر التاريخ نفسه مرة أخرى ضمن ملايين المرات وأمام أعينهم؟!
لكنهم لم يكونوا على علم تام، بأن هذا من المستحيل أن يحدث طالما "سالم الجزار" على قيد الحياة... مستحيل!
- قوم عن أخوك!!!! .. برز صوته الغليظ وحده مثل السهم يشق الصمت شقًا.
لم يجعله "رزق" يكرر كلمته مرة ثانية.
وثب قائمًا من فوق "مصطفى".. كان يتنفس بعنف وهو ينظر لأخيه الغائب عن وعيه... ثم ينظر إلى أبيه عابس الوجه.
كان غضبه واضح جدًا، رغم ذلك قابله "رزق" بابتسامة خبيثة.. ثم استدار وعبر أسفل حواجز الحلبة... وهكذا غادر المباراة محسومة النتيجة.
لقد فاز... لكنه خسر الوعد مجددًا!!!
________
عادت إلى بيتها محملة بصدمة عمرها، عمرها الذي لم يبدأ أصلًا إلا حين رأته، وحتمًا هو الذي سيضع حدًا لهذا العمر أن ينتهي بيوم من الأيام!
الآن فقط.
عندما صارت بمفردها أخيرًا، وبعد أن شاهدته يتغلب بسهولة على أخيه ويحقق فوزه.. بعد أن اطمأنت عليه.
دلفت إلى غرفتها وتركت العنان لدموعها أن تهطل وتغرق وجهها، حتى أنها قطرت فوق الأرض.. لكنها لم تعد تعبأ لأي مطلق شيء، كانت لا ترى أمامها سوى مصيبتها.
أملها الوحيد يتحطم والدمار يصيب حياتها على غفلة منها، إذن هو يخطط للزواج؟
لا يعلم بأنها صارت على معرفة بذلك.
عظيم... لم يترك لها خيار آخر!!!
اتجهت "نسمة" صوب خزانتها، فتحتها وسحبت أحد الأدراج الجانبية، عبثت بداخله حتى عثرت على بغيتها.. قنينة دواء صغيرة، تحوي حبوب منع الحمل.
قبضت عليه بشدة، وبكل غضب اندفعت للخارج قاصدة دورة المياه، أفرغت محتوى القنينة كله بالمرحاض وسربت عليه الماء، ثم عادت إلى غرفتها وأمسكت بهاتفها.
كتبت له رسالة: "عاوزاك ضروري.. لو ما عرفتش تجيلي الليلة هستناك بكرة. ضروري يا رزق!"... وبعثت بها دون تردد.
ارتمت فوق سريرها وطفقت تبكي وهي تدفن وجهها بالوسادة التي يضع رأسه عليها، لم تستخدمها قط خشية أن يذهب عبقه منها... الآن صارت كل مخاوفها ألا يترك لها أي أثر منه.
إذا قرر أن يرحل ببساطة، إذا فشل مخططها... ماذا ستفعل.. كيف تعيش بدونه!!!!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل العاشر 10 - بقلم مريم محمد
محرابه المحرم على الجميع، لا يستقبل فيه إلا قلة، من ضمنهم أبناؤه كما جرت العادة منذ سنواتٍ طويلة، عندما قرر أن ينأى بنفسه عن بقية عائلته، أن يبتعد عن زوجته و يتخذ من دونها مكانًا أكثر خصوصية لا يسعه فيه إلا التفكير و التواصل معها بقلبه و عقله و كل وجدانه.
ربما هذا ضربًا من الجنون، لكنها كانت الطريقة الوحيدة التي تهون عليه مرارة غيابها و حرمانه منها.
كانت وحدته هي السلوى التي تمنحه سكينة نسبية.
أما اليوم، اليوم قد فتح عينيه على مكالمة هاتفية من زوجته، طلبت منه لقاءً عاجلًا و قد كان صوتها يكنف انفعالًا مبطنًا.
لم يكن يريد لها هي بالأخص أن تطأ قدماها هذا المكان، لكنه كان يدرك فداحة الوضع بالاسفل، رغم أنه سيطر عليه كليًا و طوى الصفحة بشكلٍ سطحي، إلا أنه يعلم بأن ما بالقلوب يظل بها، و أن كثرة الضغط تؤدي إلى إنفجارٍ حتمي.
لذلك هو قد وافق على استضافتها لوقتٍ وجيز، ليسمع منها ما تود الادلاء به، ليرى و تكون الصورة كلها واضحة أمام عينيه، فيتصرف على أساسها.
***
لم تتكلّف كثيرًا في مظهرها، فهي تعرف جيدًا و منذ زمنٍ طويل بأنها مهما فعلت أبدًا لن تنال إعجابه، أو حتى رضاه.
آمنت دون جدال بأنه ليس لها، و أن قلبه لأخرى، ما من فرق إذا بقى معها بجسده.
لقد تعلّمت على يديه ألا تسمح لنفسها بالتمني أو تعليق الآمال.
لقد نست بأنها أنثى على أيّة حال.
صعدت "هانم" إلى الطابق الخاص بزوجها، كان يضع لها المفتاح بالقفل، فلم تضطر لقرع الجرس.
فتحت بنفسها، ثم ولجت بحذرٍ و هي توزع نظراتها لأول مرة بالشقة فاخرة الفرش و الأثاث على مختلف أشكاله و أنواعه.
ظنّت بانه هنا بمكانٍ ما، لكنها لم تجده مطلقًا.
فصاحت منادية باسمه بصوتٍ جاف:
- سالم!
لم يجعلها تكرر ندائها، إذ هتف بصوته الرصين من إحدى الغرف بالداخل:
- أنا هنا يا هانم.. خشي!
و ها قد حصلت الإذن.
أغلقت باب الشقة خلفها، سحبت نفسًا عميقًا، ثم مشت تجاه المسار الذي صدر منه صوته.
لحظاتٍ... و كانت تقف عند عتبة الباب الموارب.
مدت يدها و نقرت نقرتين، فأتى صوته سامحًا لها للمرة الثانية:
- خشي يا هانم!
كان وجهها محكم التعابير الواجمة، رفعت ذقنها و دلفت إليه بشموخٍ، و ولكن عينيها كانت بالأرض، مسبلة أهدابها هكذا كدليلٍ على احترامها لكبير البيت، كبير العائلة و الحي كله، زوجها.
- صباح الخير!
ألقت عليه بتحيتها باقتضابٍ ملحوظ.
بينما كان هو يقف أمام خزانته بروب الاستحمام، كان يستعرض مشاجب العباءات خاصته، يختار واحدة بعنايةٍ كما إعتاد و هو يرد عليها:
- صباح الخير.. خير يا هانم. إيه الموضوع المستعجل ده إللي ماينفعش يستنى و كنتي عاوزاني فيه؟
بدا عدم إكتراثه لزوجته، أما هي فلم تكن تنتبه لوضعه.
إلا حين أمرها فجأة بصوته الفاتر:
- هانم.. ياريت تنطقي أسرع من كده. أنا لسا يومي طويل.
و هنا رفعت عينيها صوبه.
كان وجهها محتقن.. بسبب إسلوبه معها، لكنه الآن يتحوّل إلى الشحوب التام حين نظرت و شاهدته على هذه الصورة.
صورة أكثر حميمية، منذ متى لم تره عليها؟
أجل تتذكر جيدًا.
قبل ميلاد إبنتها "سلمى" بثمانية أشهر.
أي منذ ثلاثة عشر سنة!!!
و مع ذلك... لم يبدو أقل حيوية و شبابًا.
كان كما عهدته دائمًا، رمزًا للرجولة الكاملة، و مثالًا حي للقسوة و العذاب.
تتمالك "هانم" نفسها قبل أن تفضحها مشاعرها الدفينة تجاهه.
و تحمد الله بأنه يقف موجهًا لها ظهره، لم يراها و هي تحدق فيه كأنها لا ترى رجلٌ غيره على ظهر هذا الكوكب.
تنحنحت منظفة حشرجة حنجرتها، ثم قالت بجمودٍ و هي تضم يديها أمامها كتلميذةٍ:
- أنا كنت عاوزاك بخصوص مصطفى!
- ماله؟
- مصطفى حالته وحشة أوي من إمبارح.
رد عليها و هو يسحب أخيرًا عباءة تناسب يومه:
- حالته وحشة إزاي يعني. محتاج دكتور. أبعت أجيب من المستوصف و لا إيه؟
رمى بالعباءة فوق السرير، ثم تطلع إليها بانتظار جوابها، بينما تقول مقطبة جبينها:
- لأ هو علي و حمزة جابوله دكتور إمبارح و طمنا عليه.. هو كويس. بس نفسيته هي إللي مش كويسة خالص.
لوى "سالم" فمه و هو يقول بتهكمٍ:
- و المطلوب مني إيه يعني.. ألبس بلطو و أنزل أعمله دكتور نفساني و لا إيه مش فاهم!!
فارت دمائها غيظًا من طريقته، فشدت على أسنانها مغمغمة بحنقٍ:
- لأ إنت مش مطلوب منك حاجة خالص يا سالم. هو بس من ليلة إمبارح و هو على جملة واحدة.. "دخلتي على فاطمة الجمعة الجاية"!
سالم ببرود:
- يبقى يشوف مين هايدخله عليها الجمعة الجاية.
- ده إبني يا سالم!!
هتفت "هانم" منفعلة فجأة.
- مصطفى ده غلاوته عندي بولادي كلهم. مش كفاية إللي حصله طول عمره.. عاوز تموتهولي بقهرته؟؟؟
سالم بحدة:
- صوتك عالي.. و بعدين إيه إبني هو إبنك لوحدك. بلاش شغل النسوان ده تتعاملي بيه معاه. خليه يبقى راجل.
- إبني راجل غصب عن أي حد!!!
صاحت بعصبيةٍ مفرطة.
ليقترب منها خطوة على سبيل التهديد و هو يزجرها بخشونةٍ:
- مش هحذرك تاني تعلي صوتك عليا.. فوقي يا هانم. إنتي واقفة قصاد سالم الجزار. ماتنسيش نفسك.
تفقد "هانم" السيطرة على أعصابها تمامًا الآن و هي تقف في مواجهته ناطقة بلا خوفٍ:
- إنت إللي ناسينا و نسيت إن ليك ولاد غير المحروس إبن البرنسيسة بتاعتك. إنت فاكر إيه.. ماجبتش عيال غيره؟
لو انت شايفه الدنيا و ما عليها أنا شايفة الضوفار إللي بيطره مصطفى برقبته و رقبة إللي خلفــتـ ــه آ آااااااااااااااه!!!!
غصّت بقية عبارتها بحلقها و استبدلتها بصرخة متألمة.
حين هوى كفه الضخم على خدها بلحظة، فأطاح بوجهها للجهة الأخرى.
عاودت النظر إليه فورًا.
هذه هي المرة الأولى التي تمتد يده إليها هكذا، كما هي المرة الأولى التي تعمد إلى التطاول عليه لفظًا و فعلًا.
لا تصدق، لقد صفعها حقًا.
و إذا لم تكن مصدومة كليًا، فإنها تشعر الآن بطعم الدماء بفمها، لعل صفعته سببت جرحًا داخليًا بشفتها السفلى حسب ما تظن.
- بتضربني يا سالم؟؟!
همست بذهولٍ لا يخلو من الاستنكار.
بينما يقف أمامها مرفوع الهامة، يبادلها نظرة الصدمة بأخرى متجبرة، تتسم بالاجرام الذي يصنعه و يصدره.
الآن فقط أدركت "هانم" بأنه في حياته لم يضمر لها و لو ذرة عطف، أو حتى شفقة!
فجأة أصبحت الغرفة حارة، كأن اجوائها خانقة.
و هو لا يزال واقفًا كما لو أنه يتربص لها على كلمة أخرى تنطقها و لم تعجبه.
لكنها بعد الذي فعله لم يعد شيئًا يهمها حتى لو قتلها الآن.
هنا، كزت على أسنانها قبل أن تجرؤ على إذلال نفسها معه أكثر مما فعلت طوال عمرها.
استدارت مجددًا لتواجهه، ثم صاحت من قلبٍ محروق:
- هو أنا مستنية منك إيه غير كده. صحيح ده أنا هبلة أوي.. فيها إيه يعني لو مديت إيدك عليا. أزعل ليه بعد ما عملت فيا اكتر من كده. إنت إيه أصلًا بالنسبة لي؟
إنت و لا حاجة.. عارف و لا حاجة إزاي؟
أنا هاقولك.. من 30 سنة لما جيت تطلبني من أبويا و أنا لسا بت 16 سنة. لسا قطة مغمضة و مقفول عليا. كنت الراجل الوحيد إللي شوفته بعد رجالة عيلتي و محارمي. كل البنات حسدوني عليك لما جبت أبوك و جيت تخطبني. رغم إنك كنت لسا صغير في السن. يدوب أكبر مني بكام سنة. بس كل إللي كان يعرف إن سالم إبن شبخ المعلمين مصطفى الجزار عاوز ياخد هانم بنت عبد الرحيم عليان كانوا بيقولوا يا هناها يا سعدها.. دي إللي تكون مرات زينة الشباب سالم. كبير ولاد الجزارين و دراع أبوه اليمين الناصح إللي مايقدرش عليه ألا إللي خلقه. الناس كانوا بيحبوك و بيخافوا منك في نفس الوقت.. و أنا. أنا ماكنتش فاهمة أي حاجة. بس زيهم كلهم إنبهرت بيك و حبيتك. أول ما شوفتك من ورا الباب و إنت قاعد واثق من نفسك و من كلمتك. أبويا لما جه و سألني موافقة قولتله و أنا مغمضة موافقة يابا. كتبت عليا في نفس اليوم.. خدتني منغير زفة و لا فستان. العيلة أم ضفاير. فجأة كده فكيت ضفايرها دي بإيديك و حوّلتني من بنت لست منغير أيّ مقدمات. رغم كده.. كنت عبيطة و فاكرة إن ده الطبيعي. و إن هي دي السعادة بس أنا محتاجة أستوعبها و أعيشها.. لحد ما فوقت على كابوسو هو إن عمرك ما حبتني. و لا حتى عاملتني كأنثى. لما جالي خبر جوازك بعد فترة طويلة شوية من جوازنا. إنت حتى مادتنيش فرصة أحبل.. كنت عارف إني لسا صغيرة. إتحججت و روحت إتجوزت و خلفت. كنت بتجيلي في الشهر مرة تقضية واجب و ساعات ماكنتش بتعبرني أصلًا. لحد ما حبلت في مصطفى.. و كنت فاكر إنت إن العلة فيا و إني مابخلفش. من بعدها و إنت بتلمسني بحساب و ترتيب إنت فاهمه و عاوزه. أعدلك كام مرة لمستني بعد ما إتجوزت بنت الباشا بتاعتك لحد اللحظة دي؟ 3 مرات. 3 مرات يا سالم... مصطفى. حمزة.. و سلمى!!!
و سكتت عند هذا الحد.
بعد أن أحصت له على أصابعها.
شعرت بوخز بعينيها و اكتشفت بأن الدموع تلح عليها لتظهر، لكنها قاومتها بشدة و هي ترفع رأسها محدقة بقوة أكبر إلى عينيه الجامدتين كتعابير وجهه.
- كسرتني!
تمتمت بمرارةٍ.
- قضيت على ثقتي في نفسي. بقيت مقتنعة إن الغلط مني.. إني مش حلوة. مش مرغوب فيا.. إنت وصلتني إن بقى عندي وسواس. ده مابيحبش يقربلك عشان إنتي مقرفة. ف بقيت مهووسة بنضافتي الشخصية. بعدين لاقيت مافيش حاجة بتتغير. إنت لسا زي ما إنت. ف قلت أكيد عشان مهملة في نفسك.. مش بتجددي في شكلك. و هدومك بلدي مش ألا فرانكا زي البرنسيسة بتاعتك. مكياجك و برفاناتك رخيصة و هو كل ليلة بيترمي في حضن واحدة شكلها لوحده مش بس ينسيه وشك العِكر. لأ.. ينسيه إسمه كمان. نزلت و لفيت على أكبر المحلات. إشتريت أكوام من الاحمر و الاصفر و البرفانات و لبس حريمي اشكال و ألوان.. على أمل أعجبك زيها.. و بردو كل ده و لا أثر فيك.
إختنق صوتها في هذه اللحظة، و قد كوّنت الدموع المحبوسة بداخلها غصّة، ضغطت بقسوة على حنرجتها مانعة إياها من الكلام.
إنها تخبره بتفاصيل لا يجب حتى أن تذكرها بينها و بين نفسها.
بالرغم من هذا كافحت لتلقي أخر ما بعجبتها مغتنمة تلك الفرصة لتصارحه بكل شيء لأول و لأخر مرة:
- حتى بعد ما سابتك و مشيت.. زي ما تكون اعتزلت صنف الستات من بعدها. بنيت الدور ده و قعدت فيه لوحدك، و رمتني أنا تحت أخدم أمك و عيالك وأخدمك بردو. منغير كلمة شكر.. و أخرتها. بتوريني رجولتك إزاي؟
بمد الإيد.. بتمد إيدك عليا عشان تقولي إنك لسا راجل و تعرف تتصرف معايا. ماشي.. لو ده إللي يريحك أعمله يا سالم!
و لم تزد كلمة أخرى.
أدارت له ظهرها و توّجهت ناحية باب الغرفة بنية الرحيل.
لكنها شعرت فجأة بقبضته الحديدية تمسك بذراعها من الخلف، ثم تجتذبها بعنفٍ لترتد إليه مصطدمة بجسمه الصلب، بينما يهتف بغلظةٍ:
- بقى عاوزة تشوفي رجولتي يعني؟
أوريهالك يا هانم.. مانتيش خارجة من هنا ألا و إنتي واخدة إللي عاوزاه!
إنكمش جسمها لتلك الفكرة التي أوردها إلى عقلها و فهمتها بسهولة، و لاحظ "سالم" ازدراء زوجته منها و الذي إنعكس في ردة فعلها و هي تحاول دفعه بيدها الأخرى قائلة بتوترٍ حاد:
- إوعى يا سالم.. إنت شايفني إيه قدامك. أنا مش عيلة صغيرة على الكلام ده. سيبني!
إشتد غضبه، فرد بصوتٍ جمد الدماء بشرايينها:
- و إنتي فاكرة أنا إللي كبرت صح؟
لم يعطها فرصة للرد.
بل أنها أطلقت صرخة مذعورة قصيرة، حين إمتدت يداه و شق الجلباب الخفيفة أسفل العباءة السوادء التي ألقت بها فوق كتفيها.
و من دون أن تدرك حتى وجدت نفسها بلحظة بدفعة واحدة ملقاة فوق سريره الكبير.
جاءت لتنهض، لكنه دفعها في كتفيها بقساوة لتثبت مكانها.
ضمت طرفي الجلباب إلى صدرها المكشوف، بينما يجثم فوقها بعد أن فك رباط روب الاستحمام.
تتسع عيناها صدمة، و كأنها المرة الأولى، و كأنها ببقائها فوق الرف مغطاة بالغبار، كأنما مُنحت عذرية جديدة.
حتى هو... أحست بأنه صار أشد ضرواة مما كان أبدًا.
و لكنها أبت.. بكل ذرة فيها أبت أن يقربها هكذا.
و مع أنها كانت تحافظ دومًا على العهد الذي قطعته لنفسها، بأن لا أحد و لا حتى هو مسموحًا له برؤية قطرة واحدة من دموعها.
إلا إنها لم تستطع كبحها أكثر و هي تشعر بأن الأمر صار وشيكًا، أطلقت لنفسها العنان و بكت كطفلةٍ و سالت دموعها بحرارةٍ.
و من صدرها جاء نشيجٍ قانط و هي تصرخ متوسلة:
- لالالالا.. خلاص يا سالم... خلاص ونبي عشان خاطري. سيبني أنا آسفة. و الله ما هفتح بؤي معاك تاني.. بس سيبني وحياة أغلى حاجة عندك تسيبني!!!!
كان يسمعها جيدًا.... و لأول مرة يشعر بها.
لكنه لم يستجيب لها، و لم يتوقف أو يتركها لحظةٍ واحدة!
لم يصمت فمها عن التوسل إليه، حتى بدأت تتناسى الرفض الذي ملأها تجاهه شيئًا فشيء.
ربما حين تحوّلت تصرفاته من الشدة إلى اللين المفاجئ و الرقة!!!!
هذا الذي يحدث كان عصيًا على التصديق بالنسبة إليها، لكنها مع الاحساس بسيطرته، و نعومته في آن.
أصابع يده و هي ترتفع لتزيح وشاح رأسها و تحرر شعرها الاسود الحريري الذي لم ينال منه الشيب بعد و لو بخصلةٍ واحدة.
ضغط ذراعه حول خصرها النحيل، قبلاته الخشنة الذي يحركها غضبه عليها و أسفه في آن.
لم تستطع أن ترفض كل هذا.
و هي التي لطالما تاقت لوصاله، لطالما كانت بحاجة أن يشعرها بانها امراءة.. امراءته هو... يرغبها و يشبع لها احتياجاتها.
بالضبط كما يفعل الآن!
***
فوق سفح جبلٍ لا يبعد كثيرًا عن محل إقامته.
كان "رزق" يبيت طوال الليل في سيارته هنا، فوق أعلى قمة، حيث بامكانه رؤية المدينة كلها.
صحيح كان ظهره يؤلمه، لكنه إعتاد، فقد نام في الماضي على أشياء اسوأ من كرسي قيادة مائل.
كانت الكلاب و جرائها ينامون فوق مقدمة السيارة و حولها جماعاتهم كأنهم يصنعون حوله أجواء من الونس.
لكن ما إن تصاعد رنين هاتفه حتى انتفضت الجراء الصغيرة و فرت بعيدًا.
بينما أخذ بعض الوقت ليعود إلى وعيه تحت إلحاح المتصل.
و بدون أن يزيح جفونه، سحب هاتفه من جيب سرواله و فتح الخط و هو يضع السماعة فوق أذنه.
- آلوو!
غمغم "رزق" بصوتٍ ناعس.
أتاه صوت "نسمة" نزقًا على الفور:
- رزق! إنت فين يا رزق؟؟؟
لا يزال صوته ناعسًا:
- نوسا.. صباح الخير!
- قصدك مساء الخير.. إحنا العصر يا حبيبي. إنت فين؟ أنا من إمبارح بكلمك.
- أنا بايت برا من إمبارح آ..
قاطعته بغضبٍ واضح:
- بايت برا؟!
و بايت عند مين بقى إن شاء الله.. أوام كده راحت عليا. و لا تكونش زهقت مني!!!
- إبلعي ريقك شوية يا نسمة!!
قالها "رزق" بخشونة و قد أفاق الآن.
- في إيه على الصبح.. شادة السلخة عليا و أنا لسا مافتحتش عيني. بصي لو كيفك تتخانقي أقفل أحسن. أنا دماغي مش رايقة خالص.
تراجع اسلوبها الحاد بسرعة:
- طيب خلاص خلاص.. أنا مش قصدي. افتكرتك بتعرف حد غيري.
- أعرف مين يابنتي. أنا فاضي.. ما إنتي صحيح مش عارفة حاجة.
- خلاص حقك عليا.. ونبي ماتزعل مني.
- طيب عاوزة إيه دلوقتي؟
- عاوزاك.. عاوزاك تجيلي إنهاردة.
- خير يعني. في حاجة؟
- مافيش حاجة. وحشتني.. و لا إنت مابتجيش ألا بمزاجك!!
زفر "رزق" بضيقٍ، لكنه قال بهدوء:
- حاضر يا نسمة.. هاجيلك.
نسمة بتلهفٍ:
- إمتى؟!!
رزق برفقٍ:
- هاخلص إللي ورايا و هاجيلك.. عاوزة حاجة أجبهالك و أنا جاي؟
- إنت كفاية تجيب نفسك بس.. ما تتأخرش عليا.
- حاضر.. سلام!
- بحبك!
و انتظر حتى أغلقت هي أولًا.
أعاد الهاتف إلى جيبه و هو يضغط على زر مقعد القيادة الجانبي ليستقيم مجددًا، بينما جالت عينيه من حوله، فيرى الفوضى التي خلفها قبل أن يغط في النوم بعد الشروق بقليل.
زجاجات الخمر التي سهر يتجرعها طيلة ليلته الماضية متناثرة و تحاصره من كل إتجاه.
تأفف و هو يفتح باب السيارة ليلقي بهم جميعًا إلى الخارج.
كان يشعر بدوارٍ و صداع خفيف ألم برأسه.
حتى مخزونه من الماء قد نفذ.
ليقرر و هو يشغل محرك سيارته المرور بالمطعم الشهير أسفل الجبل، يستخدم أولًا دورة المياه، ثم إذا رغب فليأخذ وجبة خفيفة قبل أن يعود إلى الحي.
***
حالة من الخزي الشديد و الخجل طغت عليها.
و هي تلملم ثيابها المبعثرة حولها بعد أن تم ما ناشدت حدوثه، الآن لا تعرف.. لعلها نادمة، لكنها لا تنكر بأنه منحها ما أرادت، بل و أكثر.
الأمر الذي ألمها فقط هو عودته لذاته الباردة، و الطريقة التي تركها بها.
كان هذا أشبه بخروجها فجأة من غرفة محكمة الدفء إلى صقيعٍ أشيب.
- إلبسي هدومك و إنزلي!
قالها "سالم" باقتضابٍ و قد وضع مئزر استحمامه فوق كتفيه مجددًا.
عندما نظرت إليه كان ينهض واقفًا، و يستطرد دون أن يلتفت نحوها:
- محدش يطلعلي غدا إنهاردة.. أنا عندي مشوار و هاتغدى برا. إبقي إقفلي الباب وراكي!
و مضى متوجهًا إلى الحمام الملحق بغرفة نومه ليغتسل مرةً أخرى.
زمت "هانم" فمها و قد عاودها طعم المرار من جديد، ارتدت ملابسها ثانيةً، و كانت سترحل كما أمرها.
لكن... لم يسعها إلا الوقوف جامدة عندما قررت أن تشمل الغرفة بنظرة فاحصة فضولية قبل أن تخرج.
لترى لغريمتها.. ضرتها... إطارات و صورٌ معلقة في كل زاوية هنا.
حقًا!
أيحبها إلى هذه الدرجة الجنونية؟ يعلق صورتها في كل مكان هكذا؟!!!
شدت "هانم" على فكيها و هي تقترب من أكبر إطار يحوي صورتها أمام فراش زوجها مباشرةً.
و قد كانت صورتها هي و طفلها... "كاميليا" و "رزق" في طفولته.
أجل بالطبع.
أكثر شخصين يحبهما "سالم الجزار" في هذه الحياة.
كان إغراء كبير.
لم تستطع مقاومته.
أمسكت "هانم" بتحفة خزفية مجاورة، و بكل غضبها و نارها ضربت زجاج الإطار صارخة.
ليسقط شظايا متناثرة.
لم تنتظر بعدها لحظة أخرى و هربت قبل أن يخرج و يكتشف جريمتها.
لكنه كان هنا، حيث يقف مكانه أسفل زذاذ الماء البارد، سمع كل هذا الضجيج و صرختها الحادة.
و قد كان يعرف جيدًا ما أقدمت على فعله.
فلم يسعه إلا أن يبتسم ببرودٍ و يسترخي لبرهةٍ قبل أن يعود إلى عالمه الحالك من جديد!