تحميل رواية «و قبل أن تبصر عيناكِ» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الطيور تكبر لتغادر العشّ... ربما تنطبق تلك النظرية على البشر أيضًا. لكنها أبدًا لا تمت لعائلة "الجزار" بصلة، حيث أنهم كبروا جميعًا، لكنهم لا يزالون هنا ببيت العائلة. اليوم هو الجمعة.. وكحال كل جمعة دون أن يتم استدعاء نفر واحد.. من تلقاء أنفسهم يجتمعون كلهم.. رجالًا ونساءً وأطفالًا بعد أداء الصلاة حول مائدة الفطور الشعبية المعدة والعامرة بكافة أنواع المأكولات على مختلف الأذواق، فكلٌ قد أدلى بما يشتهيه لسيدة البيت الثانية والمسؤولة عن كل شيء هنا.. "هانم السويفي" ابنة النظير القاطن بمنطقة مجاورة لا...
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم مريم محمد
"علي" سار على الوصفة السهلة التي أملاها عليه ابن عمه ليصل في غضون دقائق معدودات عند شقة عمه.
كان الباب مفتوحًا بطبيعة الحال، فولج "علي" مناديًا وهو يوزع بصره المتوجس عبر المساحة المظلمة:
- يا رزق... انت فين يا رزق.. ررررررزق!
لمح من مكانه بصيصًا من النور ينبعث عبر فتحة باب غرفة النوم بصدر الشقة.
أسرع "علي" إلى هناك من فوره، وفي طريقه لفحت وجهه ذرات من الغبار طبعت، أكسبته تعبيرًا عابسًا سرعان ما تبدد بلحظة، عندما صار داخل الغرفة.
بالبداية جعلته الصدمة يبدو كصنم أصم، حين شاهد على ضوء الغرفة الخافت ابن عمه وقد جلس القرفصاء مغطيًا نصف وجهه بذراعه، بحيث بقيت عيناه الملآى بالدموع تحدقان بالكفن المهترئ أمامه والذي برزت منه بقايا رفات آدمية وعظام وخصل شعر شقراء.
- إيه ده يا رزق! تمتم "علي" وقد انفكت عقدة لسانه بصعوبة.
دقق نظراته المصدومة بالكفن أكثر وهو يردد من جديد:
- يا نهار أسود.. جتة مين دي.. رد عليا... إوعى تقول إنها!
و صمت رافعًا نظراته إليه، لتتشابك أعينهما الآن، بدون حاجة لجواب "رزق". صمته أكد شكوك "علي" الذي نزلت على مقصلة الصدمة هذه المرة لتقضي على قسم كبير من براءته الطفولية التي احتفظ بكل ما أوتي من إرادة.
لم يستطع نطقًا ولم يقو على الإتيان بأي حركة بعد ذلك.
فقام "رزق" بحركة مفاجئة واقفًا على قدميه، وبمنتهى الهدوء والسكينة تحدث وكأنه رجل آلي:
- جبت العربية؟
***
بمعاونة مجموعة من رجال الحي الأشدّاء، تم نقل السيدة الأم، "دلال"، من بيتها إلى المشفى التخصصي التي أودعت بها زوجة ابنها والمفضلة الغالية على قلبها، "هانم".
لم تمكث هادئة أبدًا حتى أقلوها بسيارة مخصوصة وصعدت بالكرسي المتحرك خاصتها إلى غرفة "هانم".
كان "سالم" أول من رآها حين برزت عند مقدمة الرواق الطويل، وقد كان يقف قبالة أولاده وشقيقه "عبد الله". مضى صوبها فورًا وهو يهتف بعتاب:
- كده بردو ياما! نفذتي إللي في راسك وجيتي. قولتلك كلها سواد الليل وراجعين.. وبعدين خلاص الفجر وجب.
واصل الشاب القوي دفعها بالكرسي تجاه سيده، بينما ترد "دلال" بقلق متزايد:
- مقدرش أقعد على بعضي كده قولتلك يا سالم. دي هانم.. مش أي حد. هي فين الغالية؟
ابتسم "سالم" رابتًا على كتفها بلطف، وقال مشيرًا بيده:
- جوا مع الحريم بيغيروا لها هدومها.
ثم التفت آمرًا ابنه الأكبر:
- تعالى يا مصطفى دخل ستك عند أمك.
أصغى إليه "مصطفى" بانصياع تام وأقبل نحو جدته، تولى زمام الأمر وباشر دفعها على الفور تجاه غرفة أمه، ليصرف "سالم" الرجال بعد أن شكرهم بأنفته المعهودة.
من جهة أخرى يطلب "عبد الله" الرخصة لكي يذهب إلى دورة المياه، وهكذا بقى "حمزة" فقط برفقة أبيه، وهذا أيضًا بعثه "سالم" بعد أن أعطاه حفنة من المال إلى كافيتيريا المشفى ليأتيه بفنجان من القهوة.
وإذ بقى وحيدًا، ألقى نظرة إلى ساعة يده الضخمة وتمتم بتعجب:
- الله.. إمام اتأخر كده ليه... بيعمل إيه كل ده!
وزفر نفسًا حارًا من صدره، قبل أن ينهيه تمامًا. برز "إمام" فجأة عند مقدمة الرواق صائحًا بلهث حاد وهو يتكئ على الفاصل المعدني للجدار:
- سالم.. سالم إلحق ابنك!
حتى لم يمهل نفسه فرصة ليسمع الجملة جيدًا، انتفض "سالم" منطلقًا صوب أخيه.
- رزق ماله؟
كان على وشك أن يفقد صوابه ما لم يجبه "إمام" في التو، وهو ما فعله رغم الإعياء الشديد الذي ألم به. فنطق لسانه مترددًا ومجبرًا في آن، بينما نظراته القلقة تلتقي بنظرات أخيه الصاعقة:
- رزق عرف كل حاجة يا سالم!
عبارة وجيزة قد تكون مبهمة.
إلا أن "سالم" أدرك مفادها فورًا، رغم ذلك آمل أن يكون مخطئًا فسأل أخيه زاجرًا بشدة:
- رزق عرف إيه إمام؟
مذعورًا لردة فعل شقيقه المبدئية دون أن يدري بالأمر كله، أضطر "إمام" لمصارحته والدموع تكاد تفيض من عينيه:
- عرف.. عرف سرنا. عرف عن أمه كل حاجة.
كان هذا فوق طاقة احتماله، في أقل من ثانية انقض "سالم" على "إمام" ممسكًا بتلابيبه، حشره بين جسده والجدار البارد من خلفه وصرخ فيه بضراوة:
- إنـت بتقــول إيــــــه؟ إزااااااي.. إزاااي عرف. ميــــــن قالَّــــه. مين عـرَّفــــــه؟
توتر "إمام" وهو يرد عليه مرتجفًا عن آخره:
- سمعنا يا سالم. سمعنا لما كنا بنتكلم هنا.. وقفني لما رجعت البيت أجيب الفلوس إللي وصيت عليها. ثبتني في الخرابة وحط المطوة على رقبتي. سيّح دمي يا سالم وغصبني أحكي كل حاجة.
صرخ "سالم" بجنون هز المشفى هزًا لدرجة تجمع بعض العاملين حولهم وخروج بعض أفراد العائلة من غرفة "هانم":
- حكيتله يا إمام.. حكيتله. إزااااااااااي عملت كــــــداااااااا إزااااااااي؟
وشدد ضغط معصمه على رقبة أخيه.
ليرفع "إمام" يده المخضلة بدمائه والتي كان يكبس بها الجرح على عنقه، وضعها في وجه أخيه مبررًا بوهن شديد:
- كان هايموتني. إنت ماشوفتش شكله كان إزاي.. ماكنش هايهدا ولا يسبني قبل ما يعرف كل حاجة.. والله ما كنت أقوله بخطري... بس غصب عني. ماعرفتش أفلفص منه!
كان عقل "سالم" يعمل بلا هوادة أثناء حديث الأخير، لم يلقي بالًا حتى بمعرفة جوابه، أفلته بلحظة واستدار مطلقًا لساقيه الريح.
أخذ الأروقة والدرج ركضًا واسعًا وهو لا يرى أمامه سوى وجهان.. "رزق" و"كاميليا".
***
السماء صارت فجرًا والنهار يتصاعد بسرعة تدريجية.
خلال ثلاثة ساعات وقليل من القيادة بسيارة خاصة جلبها "علي الجزار"، وبالتنسيق مع الأقرباء والمعارف بكافة أسقاع المناطق بالبلد كلها.
تم وصولهما على خير وسلامة إلى مدينة الإسكندرية، مسقط رأسه ونشأته الأولى، تحديدًا ذهبا رأسًا إلى المقابر المطلة على البحر مباشرة.
كان "رزق" طوال الطريق يجلس بالمقعد الخلفي، في حجره وضع بقايا أمه الملفوفة بالكفن، كان يبدو منتشيًا، نصف غائبًا عن الوعي.
حتى جرعة مخدر متينة قد لا يكون لها نفس التأثير، و"علي" لا يفقه ما أصابه، أهي صدمة.. أم ماذا!
لكن على كلٍ لا يلومه، ولا ينوي ذلك مهما حدث.. مهما حدث.
توقفت السيارة عند مدخل المقابر، بينما كان "علي" يأتي بأدوات الحفر البدائية من الصندوق الخلفي، كان "رزق" سبقه حاملًا كومة العظام على ذراعيه.
كان يشبه السكارى إلى حد كبير، ما إن وصل أمام شاهدة قبر جده، أراح عظام أمه فوق التربة الطينية، مد يده ليستلّ مديته الحادة من خلف طوق خصره.
وبأيدي مرتعشة انحنى صوب الكفن وجاء بخصلة شعر طويلة، قصّها بينما تنهمر دموعه لتسقي الزهور الجافة أسفل قدميه، ثم أخرج محفظته ودس الخصلة بداخلها.
لحظات وكان "علي" يقف إلى جواره.. بدون أن ينظر إليه "رزق" أحس به يشمر عن ساعديه بغية الحفر.
لكنه مد ذراعه ناحيته وانتزع منه الفأس بحزم، أشار له أن يرتد بعيدًا، ليبدأ هو بإنشاء حفرة لأمه بيديه.. بجوار حفرة جده.
نصف ساعة من العمل الدؤوب المتواصل، فرغ "رزق" وقد وضع أمه أخيرًا بمرقدها وأراحها بعد عذاب لا يصدق، هو ولا غيره.. أوصلها إلى مثواها الأخير مثل كبقية البشر.
وقد أهال الثرى عليها وزرع بضعة بتلات من الزهور عند رأسها، الآن فقط اطمأن، الآن فقط أمه ترقد بسلام.. كما شعر هو أيضًا ببرودة مفاجئة وضعفت قواه.
ترنح خلا ثانيتين وكاد يسقط، لولا ذراعي "علي" أحاطتا به، أسنده وصولًا إلى السيارة، هذه المرة وضعه بالمقعد الأمامي.
أتى له بقنينة من المياه وجعله يشرب منها على جرعات وهو يقول:
- اشربها كلها يا رزق.. اشرب.. إنت كويس؟ تيجي نفوت على المستشفى نشوفك؟
يدفع "رزق" بيد "علي" الممسكة بالقنينة عند إفراغ نصفها في جوفه، كالأطفال كان قد بلل فمه وصدره، لكنه لم يبالي.
تطلع إلى "علي" بنظرات محتدة وغمغم بقتامة مطلقة:
- وديني لسالم الجزار!
***
تلقى السلك يرن، إذ كان البيت خاليًا إلا من سواه، أمام الجدار المثوب.. يحتضن إطار صورتها وقلبه يدمع لا عينيه.
ذلك الخواء العظيم الذي حل بداخله، إنه يختبره كالموت، أين هي الآن؟
بديهيًا أن "رزق" قد أخذها منه.
ولكن أين أخذها؟
أين أخذ حبيبته؟ إلى أين أخذها؟ أين هي "كاميليا"؟
- خلاص كده يا كاميليا؟ نطق "سالم" بصوت مسموع يخاطب صورتها.
وبكل شجن العالم استطرد وكأنها تسمعه:
- خلاص يا حبيبتي.. سبتيني. مش هاشوفك تاني.. ولا أحس بيكي. لما توحشيني مش هقرب عليكي وأشم ريحتك. مش هقولك صباح الخير لما أصحى.. ولا تصبحي على خير ولما أنام.. لما الدنيا تضيق عليا.. مين هايسمعني؟ مين هاكلمه وأفضفضله؟ أنا كنت مصبر نفسي إنك جمبي... دلوقتي أنا أعمل إيه.. أنا حاسس إني اتعرّيت في وسط برد وعواصف. أعمل إيه يا كاميليا.. ردي وقوليلي أعمل إيه؟
"ســـــالـم يـا جـــزااااااااااااااااااااااااار!!!"
ارتفع رأس "سالم" عندما هدر ذلك النداء باسمه، تحفز بشدة بالأخص لأنه صوت ابنه، صوت "رزق".
أسند "سالم" الإطار إلى جوار الفراش، أطل من خلف نافذة الغرفة، ليشاهد "رزق" يأتي راجلًا من منتصف الساحة بالأسفل، على صوت هتافه فتحت النوافذ قاطبة.
حتى أنه رأى آل بيته وقد عاد أغلبهم، النساء وقد رافقهن كلًا من "مصطفى" و"الشقيق الأصغر عبد الله".
لم يضيع وقت أكثر واستدار موليًا للأسفل.
صدره يعلو ويهبط خافقًا باللهاث، بينما يستقر بالشرفة الرئيسية، والآن صار قبالة ابنه مباشرة، لا يفصلهما سوى بضعة أمتار.
كانت المواجهة مشهودة، و"سالم" في وضع غير متوقع بلا حول ولا قوة، بيد أنه لا يستطيع إيقاف ابنه أبدًا، ولو أنه في الأساس لا يريد. بعد الآن أيّما سيحدث فلن يكون أسوأ مما حدث سلفًا.
في الطرف الآخر "رزق".
وكأن لا أحد هنا أمامه سوى أبيه، وكأن ما من أحد سيسمعه غيره.. صاح فجأة من مكانه بكلمة واحدة:
- ليـــه؟
لعل "سالم" توقع اتهامات وشنائع أكثر فداحة، لكن هذا السؤال تحديدًا لم يتوقعه، لأنه حمّال أوجه.. لا يمكن أن يحدد له إجابة دقيقة.
مرة أخرى يكرر "رزق" سؤاله بوحشية أكبر:
- عملت فيها كده ليــــــه؟
وتقدم خطوة لم يتمها إذ تعثر في حجر وسقط على ركبيته.
أبقى رأسه مخفضًا، مصممًا، منتظرًا جواب "سالم".
ولأول مرة تطل من عيني أبيه الدموع وهو يستجديه يائسًا:
- كل ده كان عشانك!
في هذه اللحظة رفع "رزق" وجهه وتعلقّت نظرته الميتة بنظرة أبيه المتوهجة.. نهض واقفًا على قدميه بصعوبة وهو ينفض عنه يدي "علي" التي امتدت لتساعده.
وبيده استلّ سلاحه من غمده الخلفي بطوق خصره، رفعه بمستوى نظر أبيه وهو يفتح فمه ليقول بآلية:
- أنا مش هقدر أقتلك انت آه.. بس أقدر أقتل الشخص إللي انت خلّقته فيا... أقدر أقتل نفسي!
وفجأة سحب صمام الأمان وصوّب السلاح على الفور نحو رأسه.
شقّت صرخة "سالم" الحي بأكمله، وتحوّلت الساحة إلى مسرح، شهقات النساء قد علت والصدمة جلّلت وجوه الرجال وبخاصة "مصطفى" الذي واصل النظر إلى أخيه غير الشقيق بعدم تصديق.
كان الوضع غير قابل للهزل أو المزاح، إذ بالفعل انفجر السلاح بطلقةٍ أخطأت هدفها بفضل "علي" الذي انقض على ابن عمه وأطاح بذراعه بعيدًا، فانطلقت الرصاصة مصيبة واجهة زجاجية لمتجر المخبوزات المجاور.
لم يكن "رزق" بالخصم الهين، لكنها كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة لـ"علي".
نجح بانتزاع السلاح من يده وقام عنه مسرعًا.
بالمقابل تتهاوى ساقا "سالم" من شدة الرعب، أما "رزق" الذي أحبطت إرادته مجددًا لم يتحمل وانفجر صارخًا ملء قلبه، ثم أصبح عقلًا فارغًا.. ليسقط فجأة مغشيًا عليه.
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم مريم محمد
أمسك "سالم" بالمرأة الشابة من ياقتها، يجرجرها خلفه فوق الدرج المؤدي للقبو. أكثر من مرة ظنت بأنها سوف تسقط، لكنه كان حريصًا عليها حتى بلحظات غضبه. لم يخدشها حتى.
"قضيتي على ثقتي فيكي يا كاميليا!" انفجر فيما يدفعها فوق الفراش الوثير الذي أحضره لها حديثًا.
لم تتحرك "كاميليا" قيد أنملة، فاتحة عينيها، بدت كتمثالٍ شمعي وهي راقدة على ظهرها تحت تأثير السقطة اللطيفة.
كان تنفسها هادئ، بينما يجول "سالم" جيئة وذهابًا أمامها كضراي وهو يردد بصوتٍ كالهسيس:
"جربت معاكي كل حاجة.. المسايسة. التفاهم. الشدة. حـــــبـستك! آخر حاجة لما قررت أطلعك من هنا. قلت أحسن لما ترجعي مطرحك. جمبي وجمب إبنك.. إنتي بقى عملتي إيه؟ حاولت تهربي مني تاني يا كاميليا... ليــــــه؟"
"إنت عارف كويس أوي ليه!"
أجابته الباردة أصابته بالجنون حرفيًا، فإذا به ينهال على الأثاث الجديد تكسيرًا وهو يصرخ بغضبٍ أعمى:
"أعملك إيه تاااااااني؟ عايزة مني إيه يا كاميليا؟ أنا خلصت كل الحلول. مافيش حاجة بترضيكي. ليه. ليــــــه. كل ده عشان زفت شغلــــــي!"
وهنا قامت "كاميليا" نصف جالسة، تطلعت إليه مجيبة بلهجةٍ قوية:
"لأ. مش عشان كده بس.. عشان كل حاجة يا سالم. إنت حتى لو بطلت شغلك وطلقت مراتك. بردو مش هارجعلك. رغم إني لسا بحبك ومش بنكر.. لكن انت حكمت على الحب والعلاقة دي من الأول خالص بالاعدام. أنا وانت مش ممكن ننفع مع بعض يا سالم.. وبقولهالك لآخر مرة. لو فعلا بتحبني ومش عايز أي حاجة وحشة تحصلّي. سيبني أمشي وسيب معايا رزق. أرجوك.. ماتدمرش حياتنا!"
أشار نحوها باصبع الاتهام صائحًا:
"انتي إللي بتدمرينا. انتي إللي مصممة تهدي حياتنا.. ليه بتعملي كده؟ ليه مش قادرة تتنازلي مرة. مغمضة عنيكي عن كل إللي بينا وشايفة بس إني كدبت عليكي مجبور. عشان بحبك.. كاميليا أنا لو مش بحبك ماكنتيش هاتبقي في حياتي أصلًا من بعد ما جبتيلي رزق. أنا كنت فاقد الأمل في هانم مراتي ولما قررت اتجوزك كنت فاكر إني هقدر أستغنى عنك لما أخد منك إللي أنا عايزه.. الواد إللي نفسي فيه. ولما حصل وجه منك عرفت إني مقدرش.. مقدرش أخطي خطوة واحدة في عمري منغيرك... لو مفكرة إني ممكن أسيبك دلوقتي تبقي واهمة. ووهمك من سابع المستحيلات.. فاهمة؟"
دمعات حارقة تسيل فجأة على امتداد خديها، عقّبت عليها بجملة لا يمكن أن ينساها:
"خلاص يا سالم.. يبقى تحضر لي كفني من دلوقتي!"
غادرته الذكرى معتصرة قلبه بقسوة وقد انتزعت من شفاهه آهة معذّبة.
غشت الدموع الساخنة عينيه بغزارة أكثر وهو يواصل النظر إلى ابنه المدد أمامه فوق سرير الجدة "دلال". كان ينفرد به الآن بعد محاولته الطائشة لقتل نفسه. عليه أن يعترف بأنه رأى ميتته بعينيه.
أجل إن كان صار مكروهًا لابنه فهو أيضًا ما كان ليمكث في الحياة لحظة بعده. الآن هو أمامه، لا يزال غائبًا عن الوعي.
لكنه معافى، بدنيًا!
لا يزال لا يعرف شيئًا عن جروح روحه، إلا أنه يستطيع التكهن، ذلك لأنه سببًا في تدميره كما أنبأته زوجته الراحلة قبل عشرين عامًا.
يدرك تمامًا بأنه لن يسامحه. كانت هذه اللحظة عبئًا حمل همه طيلة هذه السنوات. عرف بأنه لا بد أن يكشف له الحقيقة يومًا ما.. لكنه لطالما كان جبانًا.
بقدر أنانيته وحبه له ولأمه، كان خائفًا من هذا اليوم، كان على يقين تام بأنه سيخسر السبب الوحيد الذي يدفعه للبقاء على قيد الحياة. كان على يقين بأنه سيخسر "رزق"!
يجهش "سالم" ببكاءٍ مريرٍ مكتوم عند قدميّ ابنه، تشبث به وكأنه طوق نجاته وطفق لسانه يردد كلمة واحدة بيّد أنه لم يعد يعرف سواها:
"سامحيني.. سامحيني.. سامحيني!"
في غرفة مجاورة، اليد الشادة على كف "نسمة" في مشهدٍ غير متوقع.. بم تكن سوى يد "ليلة الجزار".
خلال الفحص الذي أجراه عليها الطبيب بعد أن خرج من عند "رزق"... هي وحدها التي بقيت برفقتها تطمئنها وتهون عليها لحظات ما بعد الرعب الأعظم الذي شهده حي الجزارين قاطبةً.
موقف إن رواه أحد عليهم ما كانوا ليصدقوا، لكن معظم العائلة شاهدوا بأم العين، رجلٌ من أشجع وأنبل وأعلى رجال العائلة.. كاد أن يودي بنفسه ويزهقها أمام العيان.
ما السبب؟ لماذا؟ وما دخل كبيرهم "سالم الجزار" بالأمر؟
العلم عند الخالق سبحانه وتعالى.
وبالرغم من أن "ليلة" لا تقل عن "نسمة" ذعرًا، إلا أنها بقيت صامدة، وأبت أن تظهر ضعفًا. كل العون مدته لها وجزء من عقلها وفؤادها كله الذي كاد أن يسحق بشكلٍ مذهل. هناك معه. مع "رزق".
"خدوني عنده أبوس إيديكوا. خدوني أشوفه بس.. أبص عليه. أبوس أيديكوا أشوفه بس!"
لم تنفك "نسمة" عن ترديد كل أنواع التوسلات، مع محاولات "ليلة" المستمرة لتهدئتها وهي تكفكف لها دموعها وتربت على كتفها بحنوٍ:
"إهدي. إهدي يا نوسا. صدقيني رزق كويس.. ده الدكتور نفسه أهو أول ما خرج من عنده جالك وطمنك عليه... قولها يا دكتور لسا مش مصدقاك!"
والتفتت "ليلة" نحو الطبيب الشاب الذي كان بدوره يجهز حقنة مهدئة.
بدون أن ينظر إلى "نسمة" قال بصوته الواثق:
"مافيش أي قلق عليه. الكل يطمن. شوية إرهاق بدني وعصبي بس.. لكن أول ما يفوق هايبقى كويس."
علّقت "ليلة" وهي تعاود النظر إليها:
"أهو.. سمعتي؟ هايبقى كويس.. صدقيني."
ولكن لا حياة لمن تنادي، كأنما أصابها مرض، ظلت تهذي باسمه:
"رزق.. أشوف رزق.. أشوفه بس... إنت فين يا رزق.. يا رزق!!"
زفرت "ليلة" بضيقٍ، وما لبث صوت الطبيب أن جذب انتباهها من جديد:
"المدام مريضة أو بتعاني من أي مرض مزمن؟"
أجابته "ليلة" عابسة:
"الحقيقة ماعرفش يا دكتور.. كل إللي أعرفه إنها حامل."
"في الشهر الكام؟"
"بردو ماعرفش.. بس غالبًا في البداية. يعني التاني أو التالت!"
أومأ الطبيب قائلًا:
"تمام.. عمومًا المدئ ده مفعوله خفيف. مش هايسبب لها أي مضاعفات.. بس ضروري لما تصحى تطمنوها على زوجها ويستحسن لو تشوفه بعنيها عشان حالتها ما تتأثرش أكتر من كده.. حضرتك أختها؟"
لا شعوريًا علت زاوية فم "ليلة" بابتسامة متهكمة وهي ترد:
"لأ.. أنا ضرتها!"
صفعة سبغت احمرارًا فوريًا على وجه الطبيب، ليتنحنح محرجًا وهو يشيح عنها نحو المريضة متمتمًا:
"طيب من فضلك شمريلي كمها عشان أديها الحقنة!"
نفذت "ليلة" تعليماته جيدًا، وإذ فرغ من عمله، نامت "نسمة" بحلول ذلك.
لتواكبه "ليلة" حتى الخارج، حيث يجلس بالصالون المقابل كلًا من "مصطفى" و "علي" و "حمزة" والعم "عبد الله" وزوجته "عبير". أما البقية فلا يزالوا برفقة "هانم" بالمشفى وعلى رأسهم الجدة "دلال".
يقوم "مصطفى" ما إن رأى الطبيب يخرج أمامه، يحاسبه بنفسه ويوصله حتى الباب، ثم يعود إلى مجلس العائلة ويلقي بكلمته:
"إللي حصل ده لازم له تفسير. في داهية كلام أهل الحي.. لكن إحنا. لازم نفهم إزاي وليه ده حصل. حكاية ماتخش الدماغ أصلًا. مستحيل كنت أصدق إن رزق ممكن يعمل في نفسه كده. ولا كانت تبجي على بالي أبدًا."
وصمت ممررًا عينيه على الوجوه ذات التعبير الموحد، لينطلق سؤاله فجأة مركزًا ناظريه على ابن عمه:
"علي! أنا شوفتك جاي مع رزق قبل ما يجرى إللي حصل ده.. كنتوا فين وإيه إللي حصل خلاه يعمل كده؟؟"
يرشقه "علي" بنظرة عدائية صرف وهو يقول بصوتٍ غليظ:
"أنا ماعرفش حاجة.. ما تسألنيش أنا. إبقى اسأل أبوك يا.. ديشا!"
رفع "مصطفى" حاجبه وقال هازًا رأسه:
"وماله.. ماشي يا علي. أسأل أبويا!"
الطقس صار باردًا، والسماء تمطر بالخارج.
كان يعرف بأنها مسألة وقت.. وأنه يجلس فوق القنبلة.
سوف تنفجر بأي لحظة، وهو.. كان بانتظارها.
"لأ لأ أمــــــي. أمــــــــــــي. لأ. لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ........... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!"
ها قد انفجرت القنبلة بالفعل.
حين قفز "رزق" مسعورًا من غيبوبته وهو يهلوس ويصرخ بأعلى صوته، ليثب "سالم" قائمًا بلحظة ويحاوطه بكل قواه مهدئًا من روعه.
"رررررزق.. إهدا يابني... إهدا يا حبيبي. أنا معاك. أنا جمبك.. مافيش حاجة.. إهدا. أنا أبوك جمبك... أنا أبوك يا رزق ماتخافش!"
بحركة غير متوقعة، وجد "سالم" نفسه فجأة يطير للوراء متأثرًا بلكمة عنيفة سددتها قبضتة "رزق" إلى صدره ألصقته بالجدار الصلد.
انهار "سالم" دائمًا بفعل الصدمة، وقد آلمته الضربة بشدة، نهض بصعوبة. أظهر تأثره الكبير لفعلة ابنه.. فتح فمه كأنما سيتكلم... لكنه عاد واغلقه ثانيةً وهو ينظر إليه بانكسار.
بينما كان "رزق" يدفع بالأغطية من فوقه، ثبت قدميه فوق الأرض وقام في مواجهة أبيه، غارزًا نظراته الأشد فتكًا على الاطلاق بنظرات الأب الواهنة.
تصاعد ما يشبه الحشرجة بحنجرته وانتفخت عروق وجهه وعنقه بلا سابق إنذار، وبعد لحظة واحدة كسر الصمت مجددًا بصوت أقل انفعالًا وأكثر خطورة:
"إياك تقولي ابني تاني.. أنا مابقتش ابنك يا سالم يا جزار... مابقتش ابنك!"
تحدث "سالم" عبر لهاثه المتعب متأثرًا بكلمات ابنه بشكل يثير الشفقة:
"إنت سمعت القصة من طرف واحد.. ده مش عدل."
"و العدل إنك تموتهــــااااااااااااااااا !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!"
قاطعه صارخًا بوحشيةٍ.
"تحبسها لحد ما تموت.. تعيشها في ذل وحزن شهور لحد يوم موتها... تموت وحيدة.. حزينة. والآخر تندفن ورا حيطة في أوضة نومك وأنا كل ده مغيب.. استغفلتني طول السنين دي. رايح جاي في البيت و 100 مرة بعدي من قدامها وماعرفش إنها جمبي!!!! ده انت حتى حرمتني أودعها. لما كنت جنبها وهي بتموت خلتني بردو مغيب.. الفرصة الوحيدة إللي كانت باقية لي عشان أودعها. سرقتها مني. سرقتها زي ما سرقت مني كل حاجة من يوم ما جبتنا في القذارة دي... انت قتلتها وقتلتني. قتلتنا إحنا الاتنين.. مبسوط دلوقتي. مرتااااااااااح؟؟؟؟؟؟؟؟؟"
"لأ!" خرج التصريح ملبدًا بالبكاء المتقطع.
كتمه "سالم" بمشقة وهو يستطرد بمرارةٍ:
"لأ. مش مرتاح.. ولا عمري هارتاح.. أمك. كانت حياتي كلها. أنا ماعرفتش أحب أي حاجة ولا حتى نفسي غير لما شوفتها.. وبعديها إنت يا رزق!"
"تؤتؤتؤتؤ!" قاطعه "رزق" مرة أخرى مظهرًا تحذيرًا مبطنًا.
"السكة دي ماعادتش هاتجيب معايا.. أنا قراري نهائي. من اللحظة إللي عرفت فيها الحقيقة.. إنت من طريق وأنا من طريق... و تنساني خالص. إنتهينا."
هز "سالم" رأسه للجانبين معترضًا على هذا أشد الاعتراض، وقبل أن يفوه بحرف آخر اتخذ "رزق" خطوتين نحوه ووقف مقابله مثل خصمٍ. ثم قال ببتمةٍ:
"فين الجواب؟"
لم تبدُ الدهشة على وجه "سالم".. إنما السخرية فقط وهو يقول:
"إمام ماسبش حاجة ما قالهاش.. بس أنا كنت شايله ومحضره عشانك أصلًا... مابقاش ينفع أخبي عنك أي حاجة. خلاص. وصلنا للنهاية!"
ودس يده بجيبٍ خفي داخل عباءته، ليستلّ مغلفًا ورقيًا بلون أبيض مصفرّ.. سلّمه يدًا بيد لابنه محققًا وصية أمه.
رغم التردد الذي اعتراه، لكنه لم يجد بدًا من تقديم كافة الحقائق والوقائع إليه، علّها تكون دافعًا ليعفو عنه ويغفر له خطيئته.
يضع "رزق" المغلف بجيبه الخلفي، ليتوجه بالسؤال الثاني والأهم:
"أختي فين؟"
شد "سالم" على أسنانه غير قادر على البوح بذلك. كانت الورقة الوحيدة لضمان وجوده تحت جناحيه، ما إن يكشف عنها لا يشك بأنه سوف يتركه.
استمر في صمته لبرهةٍ طويلة، وقد بدا "رزق" صبورًا وغاضبًا في آن. اضطر "سالم" للقول بالنهاية:
"أختك موجودة.. وبخير ماتقلقش!"
كرر "رزق" بصرامة:
"هي فين؟؟"
انسابت الإجابة أسهل هذه المرة من فم "سالم" وبآلية أكثر:
"خدتها من يوم ما اتولدت. أمك ماكانتش بتقدر ترضعها عشان كانت تعبانة.. ودتها عند النشار. مراته مابتخلفش و واخدين بالهم منها كويس أوي!"
"النشار"
ذلك الرجل يكون من أبناء عمومة "سالم" الكبار، وهو يقطن بمنطقة أسسها في مكانٍ ما بصعيد مصر. في الحقيقة هو لا يقل إجرامًا عن "سالم الجزار".. لكن حسب المزاعم والسمعة فهو شخص طيب القلب وعادل.
"إسمها إيه؟" قالها "رزق" مواصلًا استجواب أبيه.
علا صوت الرعد في الخارج، وكان "سالم" يحدق في وجهه مدفوعًا بيأس مزري لنيل تعاطفه. لكن بالنسبة لـ"رزق" كافة السبل بينهما صارت منتهية.
كل حبال الوصل تقطعت.. ولم تبقى إلا صلة واحدة لن يتركه قبل الإفصاح عنها حتى لو انتهى العالم من حولهما.
"سألتـك إسمهـا إيـــه؟؟؟"
ذليلًا كميدًا جاوبه "سالم" بلهجةٍ خاضعة:
"نـور... إسمها نـور!"
أخيرًا وقد انتهى "رزق" معه، بدون كلمة جاء ليتجاوزه، فإذا بـ"سالم" يقبض على ذراعه مغمغمًا:
"هاترجعلي يا رزق!"
بيدٍ من حديد ينتزع "رزق" قبضة أبيه بعيدًا عنه وهو يرد عليه بقطعيةٍ:
"لو كاميليا طلعت من قبرها.. ممكن!!"
ومر من جانبه كعاصفة.
شق طريقه وسط إخوته وجميع من بالخارج والذين بدوا وكأنهم كانوا يتنصتوا على الحوار المحتدم منذ قليل.
مشى ولم يبالي بمطلق شيء، صعد إلى شقته الخاصة، ليجمع ما يخصه ثم يرحل من هنا إلى الأبد.
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم مريم محمد
تلك الأناهيد المعبرة عن ضيقه ونفاذ صبره مع مرور الأيام، فقط بضعة أيام لم تكن بالشيء الجسيم عليه. وكأن الزمن أصبح له حسابًا آخر منذ التقى بهذه المراهقة الشابة. رغم أن والده وعده بأن يزوجها إليه، بل وقد ذهب على الفور لأبيها كي ما يخطبها لابنه البكري، لم يكن هناك ما يستدعي قلقه، خاصةً مع علمه ببعض المشكلات العائلية التي غزت بها عائلة "الجزار" مؤخرًا. لكن عقله السليط المتسلط أبى أن يفهم شيئًا كهذا، لينعكس كل هذا الضغط سلبًا على حياته قاطبةً. عمله، بيته، حتى في نفسه. أهمل كل شيء ولبث يفكر بها فقط. كأنما هي جنيّة وتلبسته. ولكن أليست كذلك؟ إنها جنيّة بالفعل، جنيّة صغيرة، جميلة.
"وبعدهالك يا عاصم؟"
انتزع صوت "رضوان السويفي" الخشن "عاصم" ابنه من أفكاره المؤرقة حتى هنا، على مائدة الغذاء. لينظر الآخر إلى والده متسائلًا:
"عايز حاجة يابا!"
رضوان باستخفاف: "سلامتك.. انت هاتفضل كده كتير يابني؟"
تنهد "عاصم" مغمضًا عينيه، لم يعجبه أن يستفتح أبيه موضوعًا كهذا أمام بقية أفراد الأسرة. والدته وإخوته الذكور الثلاثة الذين كما توقع، رفعوا رؤوسهم يصوبون نحوه نظراتهم الفضولية.
"مالي يابا ما أنا زي الفل أهو!" كان جواب "عاصم" مقتضبًا ملمحًا لضرورة عدم التطرق لأي أحاديث تخصه.
إلا أن "رضوان" عاند ذلك وكأنه لم يفهم رسالة ابنه:
"زي الفل إيه. بتضحك على مين ياض؟ ده انت حالك لا يسر عدو ولا حبيب وفي الطناش من كل حاجة بقالك أكتر من أسبوع. كل ده عشان بنت سالم الجزار؟ ما قولتلك إتنيلت روحت لابوها وكلمته ولقيت منه ترحيب كمان. إن ماكنوش شوية المشاكل اللي عندهم كنا روحنا خطبنهالك وخلصنا."
كان صرير فكّي "عاصم" مسموعًا ومرئيًا أثناء حديث والده. احمرّ وجهه انفعالًا وتمتم زاجرًا:
"أظن مش وقته كلام في الموضوع ده يابا ولا مكانه!"
"بتقولي أنا قول لنفسك!!!" صاح "رضوان" مهاجمًا.
"الشغل اللي انت عامله بتاع التلامذة ده مش عاجبني. ده أنا ماشوفتكش عملت كده أيام ما كنت ور ور وشنبك يدوب بينبت. إيه يعني حتة بت مفعوصة قدرت تلحس دماغك؟ فووووق.. انت عاصم السويفي."
"حسنًا... لقد ضغط عليه بما فيه الكفاية. لم يعد يتحمل أكثر من ذلك!"
"طيب يابا. بالإذن أنا!"
وقام عن مقعده متهيئًا للرحيل، ليستوقفه والده محتدًا:
"رايح فين ياض؟?"
بدون أن ينظر إليه أجاب "عاصم" بصلابة متخذًا طريقه مسرعًا خارج المنزل كله:
"رايح أشوف شغلي. كفاية شغل تلامذة.. ولا إيه؟!"
واختفى خلال لحظات.
لتميل الوالدة صوب الوالد هامسة:
"شديت عليه أوي يا رضوان!"
رد "رضوان" بصوت عالٍ فيه من الغلظة:
"أحسن. ولا يعجبك ابننا الكبير يطلع خايب. تيجي واحدة اسمها مراته بعد الجواز تمشيه على هواها!!!"
"أنا ماقولتش كده."
"مش شايفة عيال سالم الجزار عاملين إزاي. وبالخصوص ابنه الكبير رزق.. ده ماسكه شغله كله وممشيه بصباع رجله مش محمّله هم حاجة ولا عمره سوّد وشه في حاجة. تقوم انتي تقوليلي دلوقتي على المحروس ابنك شديت عليه أوي يا رضوان. ما يولع!!"
"بعيد الشر!" عقبت الزوجة قبل أن يتمم الأخير جملته.
بزفر "رضوان" مطولًا وهو يطرق برأسه محدقًا بصحنه الكبير، ثم يتمتم لنفسه:
"أما أشوف أخرتها معاك يابن رضوان السويفي.. هاتطلع زي سبع زي ابن سالم الجزار ولا هاتوكّسني وسط الخلق!"
---
أمام مرآتها الضخمة، وقفت "فاطمة" تضبط وشاح رأسها الأسود وتتأكد من غلق أزرار عباءتها العلوية. كانت في عجلة من أمرها. أوردت قدميها النعلين، والتقطت حقيبة يدها، ثم استدارت مهرولة إلى خارج الغرفة. في طلّتها تهادى إلى سمعها صوت زوجها من وراء باب الشقة. فإذا بها تتجمد بمنتصف الصالة. لتمر الثواني ويلج "مصطفى" مستخدمًا مفتاحه الخاص، وقد تبيّنت "فاطمة" أيضًا بأنه لم يكن يتحدث سوى بهاتفه. راقبته في صمت وهو يتحرك أمامها ولا يزال يتحدث عاقدًا حاجبيه وغير ملاحظًا وجودها:
"آه.. أيوة يا معلم رجب.. إن شاء الله البضاعة تكون عندك قبل الليلة.. أنا هاوصلها بنفسي.. لأ رزق أخويا في مشوار تاني.. أبويا موكّلني أنا ليك المرة دي.. على راسي.. تمام أشوفك على خير.. مع السلامة..."
وأغلق الخط معيدًا الهاتف إلى جيبه، بينما يرفع بصره محدقًا بزوجته، ثم قال على الفور بصوته الهادئ:
"على فين كده؟"
تنحنحت "فاطمة" متطلعة إليه بشجاعة واهية كعهدها أمامه دومًا:
"أنا رجعت مع أمي من ساعتين كده عشان أجيب كام هِدمة لخالتي هانم وأعملها لقمة تتقوّت بيها.. من ليلة امبارح وهي على لحم بطنها."
رفع "مصطفى" حاجبه معلقًا:
"وكنتي نازلة تاني وماشية من غير إذني؟"
أجفلت من ملاحظته الحادة، استجمعت نفسها بسرعة وقالت بصوت محايد:
"أنا قلت جيت مع أمي وهارجع مع أمي برضو وبعدين إحنا كده كده كنا مبيتين في المستشفى من امبارح وانت كنت عارف!"
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تجاهد لتبقى نظراتها صامدة أمامه حدقيه الثاقبتين.
بعد برهة طويلة تعمّد "مصطفى" أن يبث فيها ذبذبات سيطرته لئلا تظنه زوجته متساهلًا في أمور كتلك، فك تشنجات جسمه أخيرًا وأقبل نحوها متحدثًا بمرونة:
"اقعدي. مرواحك ملوش لازمة.. أبويا رايح يجيب أمي على المغربية كده."
فاطمة باستنكار: "رايح يجيبها إزاي؟ المفروض تقعد شوية تحت الرعاية."
بدا باطنيًا تضامنه مع رأيها، لكنه قال كمن لا حول له ولا قوة:
"أبويا مصمم تطلع وإحنا نراعيها هنا..."
وأضاف بعد تردد وهو يشيح بوجهه ويمسد على مؤخرة رأسه بكفه:
"وكمان هو مجهز لها مكانها فوق.. معاه في شقته!"
انفتح فاها على مصراعيه وهي تعقب مدهوشة:
"إيه!! مجهز لها مكانها معاه في شقته؟ معقولة؟!"
أدار "مصطفى" رقبته ونظر لها بحدة قائلًا:
"مش معقولة ليه؟ هي مش مراته؟!"
فاطمة بشيء من الاضطراب: "أيوة مراته.. بس يعني..."
"بس يعني إيه!!!" صاح بها متغالظًا، وأردف بفظاظة:
"الطبيعي إن أي راجل ومراته بيعيشوا سوا تحت سقف واحد.. انتي ولا غيرك متوقعة إيه من أبويا؟ أمي كانت سايباه وقاعدة معانا عشان تاخد بالها مننا.. لكن هي دلوقتي اللي محتاجة حد ياخد باله منها. ومافيش إلا جوزها أولى بده. وهو أولى بيها.. دي الأصول يا.. بنت الأصول!"
ورماها بنظرة كالسهم المارق، ثم تولى عنها ماضيًا إلى غرفة النوم. صفق الباب بقوة في وجهها.
انتفضت رغمًا عنها وبقيت مكانها تنظر إلى الباب المغلق بينما كلماته ترن بأذنيها، ولم تستطع إسكات لسان حالها الذي بدأ يواجهها بالحقائق: "هي دي المعاملة اللي تستحقيها يا بطة.. انتي اللي بإيدك اخترتي مصيرك الأسود ده. لو ماكنش عرف أي حاجة.. لو كنت استسلمتي للأمر الواقع. كان فضل شايلك على راسه زي ما كان وبيتمنى لك الرضا... حبك لرزق فادك في إيه دلوقتي. هو فين رزق أصلًا. لا طولتيه ولا طايلة الراحة مع أخوه!"
انسابت دمعة ساخنة على امتداد خدها أزالتها بسرعة وهي تعاود نزع وشاح رأسها ثانيةً. ما من داعٍ للذهاب إلى أي مكان كما قال زوجها.
---
إنه تقريبًا نسخة مطابقة. لعل الشكل مغاير، لكن الأسلوب نفسه. حتى عنوان القرية. استطاع من قراءة لقب عائلته على لافتة كبيرة عند تخومها. ( قرية أولاد الجزار ). الاسم هل هو مدعاة لكل هذا الفخر؟ إن يكن.. هو لا يفخر به البتة خاصةً الآن.
كان منزل "النشار" في وسط القرية تمامًا، قصر، يُطلق عليه "دوّار" بلغة أهالي الصعيد. لم يكن العثور عليه شاقًا. سرعان ما وصل. بعد أكثر من ثلاثة ساعات في الطريق. ها هو قد وصل بمفرده، وجالسًا في حضرة شيخ البلد وحاكمها. "النشار" بشحمه ولحمه. إنه حقًا من دماء "الجزارين". يرث نفس التباهي والكبرياء، القوة وتلك الهالة المهيمنة المحيطة به. كم كان مؤذيًا لمشاعره الآن أن يذكره هذا الرجل بالشخص الوحيد على وجه البسيطة الذي يكن له كرهًا عظيمًا. "سالم الجزار".. أبيه!!!
"يا مراحب بالغالي ابن الغاليين!" هتف "النشار" بحفاوة حارة وهو يعانق "رزق" عناق الرجال الشداد.
"منوّر يا رزق.. حقيقي. ضلمت عند الجزار ونوّرت هنا عند النشار.. بجد مش مصدق عنيا. اقعد يابني واقف ليه؟"
وجه "رزق" الناضب من الحياة، أوحى له بالكثير، لكن "رزق" قطع عليه تفحصاته وعاجله قائلًا بصرامة واضحة:
"النشار عمنا وأبو الكرم والضيافة. بس أنا مش جايلك أضايف المرة دي للأسف يا عم إبراهيم. أنا جاي عاوز أختي!"
جاء رد "النشار" مفاجئًا وهو يقول مبتسمًا:
"أبوك كلمني يا رزق وحكالي كل حاجة!"
"حكالك؟!" علّق "رزق" بآلية.
"ويا ترى حكالك على اللي عمله فيا وفي أمي؟ حكالك إنه خبى عني أختي؟ وانت كمان يا عمي كنت عارف يا ترى إنها أختي.. كنت عارف القصة دي كلها؟!"
"ممكن تقعد الأول بس. مانا مش سايبك الليلة دي على الأقل دي أول مرة تحط رجلك هنا. بص أنا آ ا..."
"أنا عاوز أختي!" هتف "رزق" منهيًا كافة سبل النقاش، وأضاف بحزم:
"مافيش كلام قبل ما أشوف نور.. بعدها وافقت تفضل هنا هاسيبها. حبت تيجي معايا هاخدها.. انتهى!"
---
بالمضافة الفخمة حيث هو. يجلس فوق كرسي من خشب "الأرابيسك" الأثري. يدوس بساط من جلد البقر. وحيدًا الآن. لا يدري ما أصابه بعد أن فارقه "النشار" كي ما يذهب ويأتي له بأخته. كان هادئًا. أما الآن يستطيع أن يسمع خفقات قلبه، وطنين أعضاؤه كلها في أذنه. حرارته ارتفعت بشدة. لا يطيق الترقب أكثر من ذلك. لا يمكنه أن يظل جالسًا هكذا دون أن يفعل شيئًا.
وفي اللحظة التي هب واقفًا فيها، انفتح الباب المزدوج من خلفه محدثًا صريرًا مسموعًا، مع شعوره بقلبه ينتفخ بصدره. أخذ "رزق" يلتفت رويدًا رويدًا. حتى أتم استدارة كاملة وقد استقرت نظراته عليها. هذه هي.. أخته... شقيقته.. هذه الملاك! أجل بالتأكيد هي، إنها هي بحق الله وعزته، إنها هي.
يرقة في ثوب فضفاض أسود اللون، في غمضة عين صارت فراشة وهي تخطو بالداخل. شعرها المموّج الحريري يتهافت حولها. عيناها الرماديتان تتألقان بخضرة نادرة وقد لمح فيهما طبقة دموع. الثريا المشعة تعكس على بشرتها الناصعة لونًا برونزيًا فاتحًا يخلب البصر. وفوق كل هذا.. هيئة أمه. كأنه يرى طيفها.. أو... شبحها!
لثانية أصابه ذعر مجهول حين سمع صوت أمه ينبثق من فمها فجأة:
"رزق!!!"
واعتقد بأنها تتوجه نحوه فقط، إلا أنه تفاجأ بهجومها العاطفي عليه، إذ قفزت عليه حرفيًا وعانقته بكل قواها كالغريق الذي يتشبث بطوق النجاة. كان يشعر بالدوّار، وكان التركيز صعبًا كثيرًا، لكنه استطاع سماع الشجن الذي هو صوتها فعليًا بشكل عجيب:
"أيوة.. انت رزق.. انت أخويا... أنا.. كنت مستنياك!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم مريم محمد
ميزان النهار يميل في زحفٍ متلاحق صوب المغيب، رغم هذا كان نشاطها على أشدّه، و هي تقف وسط مكانها المفضل بالمنزل كله. في الواقع إنه مكانها المفضل في العالم، إعتبارًا بأنها محددة الإقامة. لا تعرف أيّ مكان أجمل منه روضتها الخلّابة. حديقة الدوّار التي استأثرت بها منذ نعومة أظافرها، عندما كانت موحشة و بقايا أطلال. على مدار سنوات صباها و مراهقتها حوّلتها بأصابعها السحرية إلى جنّة ملؤها الخضرة و الزهور النضرة على مختلف أشكالها، و شذى الرياحين و الياسمين تعبّق الأجواء أينما حللت و ذهبت.
كعهدها كانت تراعي صنع يديها و تسقي البتلات الورود الجديدة التي بعثت في طلبها فجاءت إليها صباح اليوم التالي بموجب أوامر "النشار"... أبيها الروحي!
كانت ملكته المتوّجة و بهجة منزله، و لا زالت "نور". هي النور الذي يضيئ عتمة حياته المظلمة من أولها لآخرها. هي فقط، الشيء النظيف الطاهر بحياته، و لا يعلم كيف بامكانه أن يتنازل عنها بتلك البساطة.
لطالما عرف بأن هذا اليوم آتِ. لكنه عندما حلّ وجد نفسه عاجزًا... مرتعبًا من فكرة رحيلها. كيف يمكن أن يعطيها بعد أن سارت كل شيء له و لم يصفى غيره و غيرها بهذا البيت؟ كيف؟
"صباح الورد يا ورد!"
أشرقت "نور" لدى تغلغل صوت "النشار" بأذنيها. إستدارت و هي لا تزال ممسكة بالمسقاة الصغيرة، تطلعت إليه عبر خصيلات شعرها المموّجة على عينيها تغطي نصف وجهها تقريبًا.
"بابا!" نطقت الكلمة الأكثر قربًا لقلبه.
ممّا شق عليه مهمته كثيرًا، لكنه قاوم هذه المشاعر شديدة الوطأة كلها و حافظ على ابتسامته العذبة و هو يرد عليها:
"روح بابا و قلبه. شمسي و قمري.. ماشوفتكيش إنهاردة خالص."
قلبت "نور" عينيها مؤنبة:
"و لا إمبارح.. بس مش بسببي. إنت إللي شكلك مشغول عني!"
تلاشت ابتسامته و هو يقترب منها خجلة ليضع كفه على وجهها، ثم يقول بجدية محافظًا على نبرة اللطف في صوته:
"أنا مافيش حاجة في الدنيا إللي خلقها ربنا دي تشغلني عنك. و لا يومي و حياتي كلها ليها طعم منغيرك.. إنتي حتة من قلبي يا نور..."
إبتسمت و لامست براحتها الطرية ظاهر يده على وجهها، ثم قالت برقة:
"أنا عارفة.. ربنا يخليك ليا يا بابا."
تنفس بعمقٍ مغمضًا عينيه، ليتكلم ببطءٍ بعد لحظة:
"حتى و أنا مشغول عنك زي ما بتقولي. الحقيقة.. كنت مشغول بيكي بردو!"
"مش فاهمة!!" تمتمت بغرابة.
نظر إليه مرةً أخرى و تحدّى شعور المرارة قائلًا بثبات:
"نور.. أبوكي سالم كلمني إمبارح... في خبر لازم تعرفيه!"
"أوكي.. قول يا بابا!"
تنحنح مستطردًا بطريقة مباشرة:
"أخوكي رزق. بقى عنده علم بيكي.. خلاص أبوكي قاله إنك هنا عندي. و هو زمانه في الطريق جاي عشان يشوفك."
و كان ينتظر و يراقب ردة فعلها و اضطرابها متوجسًا.
في المقابل أعوزها الأمر ثوانٍ لتستوعب ما قاله أبيها الروحي للتو. و لما اقتربت من ذلك، شعرت فجأة بالدم يندفع إلى وجهها، و على النحو أخرق إنفجرت ضاحكة و باكية في آنٍ بينما جسمها كله يرتعش بشدة:
"لأ.. لأ بجد. أنا مش مصدقة يعني.. يعني أخويا رزق عرفني خلاص؟ و كمان جاي هنا؟ بجد يا بابا بجد؟؟؟؟"
اومأ لها بابتسامة مهمومة و قال:
"أيوة يا نور بجد.. فرحتي صح؟"
جاوبته بلا تفكيرٍ:
"طبعًا. ده اليوم إللي عشت أستناه.. أنا عمري هايبدأ في اللحظة إللي هاشوفه فيها. و إنت عارف يا بابا."
"أيوة عارف.. بس إنتي عارفة ده معناه إيه؟ ممكن أخوكي يعوز ياخدك من هنا.. إنتي هاتوافقي تمشي معاه يا نور؟!"
نظرت له ببلاهةٍ الآن و كأن شأنًا كهذا لم يخطر على بالها، أو أنها لم تضع مسألة فراقها القطعي له في الحسبان. كل ما كان يهمها و حتى هذه اللحظة هي حياتها. حياتها الحقيقية و يوم ميلادها الحق، ستكون باللحظة التي تبصر فيها وجه أخوها و تلمسه بيديها. ثم.. فارس الأحلام الذي تنتظره و لطالما تخيّلت نفسها معه كأميرة من أميرات الرسوم المتحركة التي قضت أحلامها مهووسة و متأثرة بكل قصة من قصصهن. قصصهن اللاتي في الواقع أشبه إلى قصتها. فتاة جميلة مثلها، يتيمة تقريبًا، طيبة القلب، عطوفة على البشر و الحيوانات و الزرع و النباتات.. حتى الجماد. إن الطبيعية نفسها تحب "نور".. و "نور" تحب الجميع... و الآن تريد أن تحب نفسها و لو لمرة!!!
"بابا!" دمدت و هي تمسك بيده بكلتا قبضتيها الصغيرتان.
رمقته بتوسلٍ قائلة:
"أنا مش عايزاك تزعل مني. و أكيد أنا مش هاسيبك.. مستحيل أصلًا. بس بردو آ ا..."
"خلاص يا نور!" قاطعها "النشار" بصوتٍ أجش.
أزال قطرة من الدموع علقت بأهدابه على غفلةٍ منها، عبس قليلًا و هو يقول بهدوء:
"أنا كنت عارف إن اليوم ده جاي.. سامحيني يابنتي.. مش قصدي أكسر فرحتك. لكن.. مش بإيدي. إنتي بنتي بجد. أنا إللي ربيتك و كبرتك.. و من يوم ما أمك نشوى ما قابلت رب كريم. مابقاش ليا غيرك في البيت.. أنا لولاكي مابقاش قاعد في الدوّار ده إلا على النوم. ماطيقش أقعد وحداني يا نور."
امتلأت عيناها الردماديتان بالدموع و تمزق صوتها و هي تقول بفمٍ ممطوط كالأطفال:
"طيب على فكرة بقى إنت كده هاتخليني مش هامشي في حتة. و لو حد شالني من إيدي و رجلي بردو مش ماشية.. مش هاسيبك يا بابا!!"
إبتسم "النشار" متوقعًا منها أن تبتسم مثله، لكنها بقيت كما هي، ليقول بمرونة أكثر:
"لأ يا قلب أبوكي. أنا لا يمكن أبني سعادتي على تعاستك.. إنتي و حتى لو كنتي عايشة هنا ملكة و مش ناقصك حاجة. هاتفضلي محتاجة تعيشي حياتك.. و إنتي هنا كنتي أمانة معايا. أول ما أسلمك لأخوكي هاتبقي أمانته. بس أكيد هاتشوفي الدنيا بشكل تاني.. هاتفرحي و تزعلي و تحبي!"
"أحب!" رددت الكلمة من بعده و كأن وقعها صار غريبًا عليها عندما قاستها على نفسها.
ليؤكد لها الأخير:
"آه طبعًا تحبي.. أومال علي ده إيه؟ مانتي عارفة إنك على اسمه. و لا هو مش عاجبك؟!"
أحست بوجنتيها تتوّردان، فخبأت وجهها في صدره كما تفعل عادةً و غمغمت بالحقيقة:
"لأ. عاجبني.. بس لسا مش متأكدة أنا هكون إيه بالنسبة له!"
قهقه "النشار" ضاحكًا و رد بثقةٍ و هو يشدد ذراعيه حولها:
"هاتكوني إيه! هو يطول أصلًا بنت جميلة زيك تبصله.. ده مش هايصدق نفسه. و ممكن يموت من الفرحة!!"
و طفقت "نور" تشاركه الضحك بمرحٍ كبير.
***
الآن...
شعر و كأن قلبه قد توقف عن الخفقان في تلك اللحظة، ليعود و يستعيد ضرباته بسرعةٍ جنونية. كافح بضرواة ليتخلّص من الدوّار القابض على رأسه. و لما تأكد بأنه صار مسيطرًا على أعصابه من جديد، رفع يداه و طوقها معانقًا إياها بدوره.
"نور!" جرب إسمها بصوت يطفح بالعاطفة.
بعد بضعة دقائق. ها هما يجلسان جنبًا إلى جنب، لا يفه أحدهما بكلمة، فقط ينظران إلى بعضهما بعد تصديق. و "رزق".. كان و كأنه يعب من ملامحها عبًا... يحفظ على إنش من ملامحها التي هي في الحقيقة ملامح أمه. رغم أن دماء أبيه تسري بوضوح في وجهها و يستطيع أن يراه هو أيضًا فيها، لكن هذا لم يزعجه.. لا شيء في هذه اللحظة بقادرٍ على إزعاجه.
أخيرًا غزت الابتسامة محياه الحزين لأول مرة منذ رآها، لترد عليه بالمثل، بينما يمد يده نحو وجهها ليداعب خدها بأنامله متمتمًا:
"مش عارف عقلي كان فين؟ و إزاي كنت هقدر أسيبك و أمشي علطول.. الحمدلله إني فشلت!"
عبست غير مدركة قصده.
ليبتسم أكثر حتى بانت أسنانه الناصعة، و يقول بلطفٍ:
"ماتشغليش بالك.. ماتفكريش خالص في أي حاجة... المهم إني لاقيتك و إننا مع بعض دلوقتي!"
و شعر بتجمع الدموع بمآقيه، لكنه تماسك جيدًا و أطلق تنهيدة حماسية قائلًا:
"بصي بقى. مش عاوزين نضيع وقت.. لو جاهزة إيه رأيك نمشي دلوقتي حالًا؟"
تهللت أساريرها و هي تقول:
"آه طبعًا.. هانروح عند بابا صح؟ في بيتنا التاني!"
إختفت الابتسامة من وجهه في هذه اللحظة، و قال بعد برهة صمت بلهجةٍ جافة:
"لأ يا نور.. مش هانروح لبابا."
تفاجأت.
"ليه؟ طيب هانروح فين يعني؟!"
"هانروح إسكندرية. هانعيش في بيت ماما.. بيت جدنا الباشا توفيق الباري."
"و علي هايجي يعيش معنا؟"
"علي؟!" علّق "رزق" مستغربًا.
"قصدك علي إبن عمنا؟ و إنتي تعرفي علي منين يا نور؟?"
أجابت مبتسمة:
"بابا سالم لما كان بيجي يزورني. من و أنا صغيرة كان بيجبلي صور العيلة كلها.. و دايمًا كان بيقولي إنه هاياخدني من هنا لما أكبر. أنا فضلت هنا كل ده عشانك إنت."
"عشاني أنا!!!" هتف باستنكار.
فأكدت قائلة:
"أيوة عشانك.. بابا سالم قال إنك ماستحملتش خبر موت ماما فجأة. و حالتك النفسية ماكانتش كويسة. و إن وجودي في حياتك كان هايفكرك بيها و إنك كنت ممكن تتعب أكتر. عشان كده سابني هنا. و وعدني لما أكبر هايقولك إني موجودة. و هانرجع نعيش سوا كلنا!"
محدقًا في عينيه بقوة، شعر بكل إجابة تلقيها عليه و كأنها صفعة عنيفة، لدرجة أن وجهه أحمرّ بالفعل و قد أخذت أسنانه تصطك من الغضب. لولا أنه شعر بأنها بدأت تخافه، أجبر نفسه على الهدوء و قال بصوتٍ طبيعي:
"بصي يا نور.. في حاجات كتير إنتي ماتعرفيهاش. و أنا.. أنا مش هاخبي عنك أي حاجة. بس مش لازم أصارحك بالحقيقة كلها دلوقتي.. أنا دلوقتي مش عاوز غير أخدك من هنا و أعوضك عن السنين دي كلها إللي عشتيها بعيدة عني."
قالت متمسكة بكلمتها:
"و علي هايجي معانا كمان!"
"إيه حكاية علي معاكي مش فاهم!!!" صاح منفعلًا.
لكنها لم تتوتر هذه المرة، بل أجابته بتلقائية:
"أنا مكتوبة على إسمه.. إنت ناسي؟ زي ما مصطفى إتجوز فاطمة.. و زيك إنت و ليلة!"
إستغرق "رزق" لحظة طويلة ليفهم أن "نور" كانت تقصد تلك الشرائع التي وضعها أجدادهم، و بالأخص ذلك القانون الإجباري اللعين.
"محدش يقدر يجبرك على حاجة!" غمغم "رزق" بحشرجةٍ ضارية.
"أنا و انتي هانمشي أصلًا زي ما قولتلك.. هانعيش لوحدنا. أنا هاحميكي و محدش هايقدر يطولك و لا يمس منك شعرة طول ما أنا عايش..."
لكن "نور" إعترفت ببراءة هادئة:
"بس أنا عايزة أتجوز علي.. زي ما كنت مستنياك كنت مستنياه هو كمان!!"
إلتزم "رزق" الصمت مطوّلًا و قد أذهلته كلمات شقيقته. متجاوزًا الموقف، قام بردة فعل غير متوقعة.
"طيب قومي معايا يا نور!" هتف و هو يقوم واقفًا و يمسكها بذراعها معه.
"قومي نمشي و نبقى نشوف الموضوع ده بعدين..."
"أنا مش هامشي غير لما يجي علي!!!" صاحت به الآن و قد أبدت عدائية مفاجئة.
كانت قد نزعت ذراعها من قبضته و وقفت قبالته متحدّية.
بقى "رزق" يرمقها مصدومًا، ضم حاجبيه بشدة و غمغم متوسلًا:
"إنتي بتعملي كده ليه؟ أنا عاذرك آه. عارف إن ظروف حياتك كانت صعبة و إنك لسا مش مستوعبة أي حاجة.. لكن حكاية علي دي مالكيش ليها أي مبرر.. إنتي أصلًا عمرك ما شوفتيه. كل علاقتك بيه و بينا مجرد صور!!!!"
أصابه بسهم الحجة غير المتوقع بالمرة و هي ترد بعنادٍ:
"لأ شوفته مرة.. شوفته و إتكلمت معاه و قضينا وقت طويل سوا كمان!"
صدمة أخرى صعقته بقساوة شديدة هذه المرة.
"شوفتيه إزاي يعني؟!!" بالكاد تمتم و قد عاد النبض الثابت المتمثل في الصداع يضرب شرايين دماغه.
عقدت "نور" ذراعيها مجيبة ببساطة:
"من سنتين.. في عيد ميلادي الـ17. طلبت من بابا سالم أنزل السوق في القاهرة عشان أغير دولابي و أشتري هدوم جديدة و حاجات تانية كتير.. ف بعتلي علي. أخدني و نزلنا سوا.. قضينا بحاله سوا."
إزدرد ريقه بصعوبة، ليسألها خيفةٍ:
"و.. هو. كان عارف إنتي مين؟"
فهمت "نور" ما عناه جيدًا، و جاوبته:
"لأ. مايعرفش لسا إني بنت سالم الجزار. و لا إني أختك.. كل إللي يعرفه إني بنت إبراهيم حمزة الجزار... بنت النشار!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم مريم محمد
إلى حيث تخاف!
تلك المحنة التي مرت بها، مؤكد كانت لها فوائد كما ألحقت بها قسمًا من المساوئ، أبرزها أنها كانت ستفقد حياتها برمتها، لكن لحسن حظها هذا لم يحدث. وقد نجت!
لم تكن ممتنة لنجاتها على يديه، أو لأجل إصلاح أي فساد بينهما، بل إن الحياة نفسها أمست تراها بنظرة مغايرة، وصارت تمنحها تقديرًا أكثر، ليس من أجل زوجها، إنما من أجلها هي.
من أجل شخص "هانم" فقط...
تذكر نفس حفلة الاستقبال الشعبية الكبرى التي من قبل لابنها، اليوم أقيمت لها أيضًا، يزيد عليها كم الحب ومشاعر الولاء التي أمطروها بها قاطني الحي من الكبير إلى الصغير، وكأن "هانم" ليست زوجة الزعيم فقط، إنما هي أم وأخت وابنة.
الجميع يحب "هانم".. إلا الرجل الوحيد الذي أحبته.
***
كم أحست بالحرج وهي ترتقي طوابق المنزل محمولةً على ذراعيه القويتين، وأمام أعين العائلة كلها، رغم اعتراضاتها، رغم أنها نطقت لأول مرة لكي تحتج على هذا فقط.
إلا أنه لم يستمع إليها، وبتفاخر تجاهلها وفعل ما أراد، كانت مفاجأة لها لم تعلم عنها شيء. انتقالها إلى شقته. محرابه المقدس، الذي لا يشاطره أحد به.
إنها الآن تلج داخله، بل داخل غرفة النوم حتى، غرفة النوم التي عبقتها روائح الغراء والدهانات الحديثة...
عبست مستغربة، فإذا بها تلقي نظرة تلقائية صوب الحائط الشهير. كان قد ترمم بالكامل وعُلّقت فوقه صورة "كاميليا" ثانيةً.
اختلجت أنفاس "هانم" حين وجدت نفسها تتموضع فوق الفراش الوثير بعد أن تخلت عنها ذراعي "سالم".
متسلحة البقية الباقية من شجاعتها، تطلعت إليه بلمحة من التحدي وقالت بصوت متذبذب:
- أنا ما رضيتش أعمل مشاكل قصاد العيال وإخواتك. أمك عارفة نيتي وأنت قبلها عرفت. كلم إخواتي يجوا ياخدوني يا سالم. أنا عايزة أطلق وده آخر كلام.
مسّد "سالم" صدغه مطلقًا زفرة مطوّلة، لم يجد لديه طاقة للمجادلة، لكن اكتفى بالقول دون حماسة:
- إيه رأيك نوفر النكد لوقت تاني يا هانم؟ إنتي رجعتي بيتك بالسلامة. و معايا دلوقتي. جمبي وفي سريري زي ما كنتي بتتمني دايمًا. إتبسطي بقى يا أم العيال...
- إنت عمرك ما هتبطل غباء!
كأن دلوًا من الثلج هوى فوق رأسه إثر عبارتها الباردة المهينة، ورمقها بعينين جاحظتين بالغضب.
- إنتي اتجننتي يا هانم؟؟؟؟؟؟ صاح منفعلًا.
- جتلك الجرأة تشتميني!!!!
ابتسمت ساخرة وردت عليه:
- أنا مش بشتمك يا سالم. أنا بوصفك. انت لسه فاكر نفسك أهم حاجة في الحياة؟ على الأقل حياتي أنا. مابقاش ليك مكان فيها خلاص. إفهم.. خلاص.
سالم برعونة: خلاص إيه يا مرى؟ عليا أنا الكلام ده؟
أومال مين اللي كان راقِد في المستشفى ومقطع شرايينه؟
أمي!!!
قطبت حاجبيها في عبسة واهنة متحسّرة، لتقول بعد لحظة بنزق وهي تلامس أحد رسغيها المصابين:
- ده كان أغبى تصرف عملته في حياتي. بعد جوازي منك يا سالم يا جزار.. طلقنــــي!!
- أنا لآخر لحظة عامل اعتبار إن لسه أعصابك تعبانة وخارجة من المستشفى. سايبك تتكلمي براحتك وتفضي غلبك. لكن طلاق إيه اللي بتتكلمي عنه. أحسن لك تفوقي لنفسك بسرعة يا هانم.
- سالم.. لو ما طلقتنيش هاكلم إخواتي يجوا ياخدوني!
- إخواتك؟! علّق بتهكمٍ بيّن.
- هو إنتي متخيلة حتى لو كلمتي إخواتك وجوا حد فيهم يقدر يمد إيده وياخدك؟ إنتي على اسم سالم الجزار. أي حد يفكر ياخد حاجة عليها اسمي أقطعهاله.. وإخواتك عارفين كده كويس.
دفعها اليأس وقلبها المجروح للقول بانفعال:
- أنا ما عدتش طايقة العيشة معاك. لو عندك كرامة طلقني.. لو راجل بجد طلقني!
صمت "سالم" لبرهة تفاديًا لعنفٍ وشيك.
أرجع رأسه للخلف متنهدًا بعمق، ثم نظر لها من جديد. تهاوى جالسًا إلى جوارها على طرف السرير.
حاولت أن تبتعد عنه، لكنه قبض على معصمها واستبقاها بالقوة، ثم مد يده وأمسك بذقنها ليجتذب وجهها ويجعلها تنظر بعمق عينيه الحادتين، بينما يغتنم هو صوته الأكثر هدوءً وعذوبة وهو يقول:
- إسمعي يا هانم.. أنا وإنتي. والناس كلها عارفين قد إيه إنتي كنتي ست جدعة. وصبرتي معايا واتحملتي طول عمرك. شايلتك المسؤولية. وفوق طاقتك. وكنتي قدها. كنتي قد كل حاجة. عارف إني جيت عليكي وجرحتك كتير. وإنتي برضو استحملتي.. عشان بتحبيني. عارف إنك بتحبيني.
- كنت! نطقت بلهجة مرتجفة.
تحداها: ولسه. لسه بتحبيني. مش هاتقدري تنكري أبدًا.. بس إنتي موجوعة مني. وعندك حق. أنا كنت بشع معاكي. ما تخيلتش إن بأذيكي للدرجة دي. يمكن عشان ما عرفتكيش كويس حتى بعد العشرة دي كلها...
- عشرة! سخرت منه.
- عشرة إيه دي يا سالم؟ قلتلك يتعدوا على صوابع الإيد الكام مرة اللي اتقفل علينا باب واحد. أنا ما عرفكش كويس يا سالم. ما أعرفش غير اللي الناس كلها تعرفه. شوفت دي؟
مرااااااتك. أم عيالك.. وما تعرفش غير الظاهر للناس وبس...
وأسبلت عيناها مصدرة زفيرًا محترقًا، ثم قالت نائحة دون الهرب من أصابعه الممسكة بذقنها حتى اللحظة:
- إنت عايز توصل لإيه يا سالم؟ معقول عايز تفهمني إن ضميرك بيأنبك يعني؟ عايزني أسامحك. أوعدك إني مش هحاول أموت نفسي تاني؟ ولا خايف لو سبتني أعمل كده تاني؟ بص لو أي حاجة من دي أطمن أنا آ...
- مش خايف من حاجة يا هانم! قاطعها بتلويحة من عنقه.
ركز عينيه بعينيها مجددًا وقال بلطفٍ غريب عليها:
- أنا جايلك برجليا بعد العمر ده كله. عايز نرجع تاني. نقرب لبعض. من غير ما حد فينا يحاول يبعد. كفاية بُعاد يا هانم.
- لسه فاكر تفوق دلوقتي يا سالم؟ تمتمت بمرارة.
إنهمرت دموعها فجأة.
ورددت وكأنها تخاطب نفسها كالمعتاد غير واعية لوجوده أمامها:
- هو أنا لازم أفرفر قدامك عشان تحس بيا. لازم أموت يا سالم؟
متأثرًا بمحنتها، رسم ابتسامة متقنة على ثغره ليروّح عنها، ثم ضمها إلى صدره وأغلق عليها بذراعيه وهو يهدهدها كطفلة:
- مش هاتموتي يا هانم.. على الأقل أنا مش هشوف اليوم ده. هشششش. بس خلاص... كل حاجة هتبقى أحسن. صدقيني!
وكان ينظر إلى صورة "كاميليا" أثناء حديثه، كأنما يقدم لها هي الوعود، بل أنه في الحقيقة نذر.
نذر "كاميليا"...
***
كانت السماء تسطع بزرقة مبهرة، بفستانها الشتوي ذي التنورة الجلدية، مشت إلى جانبه على امتداد الساحل النيلي، حافظت على مسافة قدمين بينهما.
وطوال الوقت منذ تقابلا لم تنطق بكلمة، فقط تسير على استحياء، راسمَة ابتسامة بلهاء على محياها المتورد خجلًا، وكان هذا يعجبه كثيرًا، كانت مسلية.
حتى تجرأ وأمسك برسغها فجأة، فانتفضت بعنف كما لو لدغتها عقرب، ليهدئها في الحال دون أن يرفع يده عنها:
- إيه مالك اتخضيتي كده ليه؟ أنا كنت هاقولك تعالي نقعد هناك في الكازينو ده بدل ما إنتي واخدة السكة عمياني كده!
نظرت "سلمى" إلى "عاصم" بتوجسٍ وقالت مرتبكة:
- آ. أنا.. مش متعودة حد يلمسني كده. أبويا محرج عليا أسلم على ابن عمي بالإيد حتى!!
أومأ "عاصم" مبديًا تفهمه على الفور:
- أيوه طبعًا صح...
وتركها بنفس اللحظة معاودًا إبقاء مسافةٍ بينهما، ثم قال بنبرة إعجاب:
- يسلم الراجل اللي ربّاكِ على كده يا سلمى. جدعة.. إوعي تسمحي لحد يلمسك حتى لو أنا.
عبست فوق نظراتها المضطربة وقالت وهي تنظر في كل الاتجاهات بلا هدف:
- وعلى فكرة برضه أنا أول وآخر مرة أكذب وأطلع من البيت أقابل واحد. أنا جيت بس أشوفك هاتقول إيه. إيه الموضوع المهم أوي اللي هايحدد علاقتنا!
- طيب ليه سخنتي عليا أوي كده.. إهدي. ولازم تعرفي إني استحالة أكون سبب في أذاكي بأي شكل. أنا زي ما قولتلك من أول يوم داخل البيت من بابه.
- إزاي داخل البيت من بابه وأنت ندهالي هنا؟!
قابل نظرتها المشككة بابتسامته الجذابة وقال بوداعة:
- بصراحة ندهالك عشان وحشتيني أوي وكنت هاتجنن وأشوفك. لو ما كنتش شوفتك أكيد كان هايجرالي حاجة يا سلمى.
تخضّبت وجنتيها بحمرة ملتهبة وهي تقول بتوتر:
- يا سلام! وده ليه يعني. أصلًا أنت يدوب تعرفني وتعرف عني معلومات قليلة أوي.
- بس كلها كانت كفاية وزيادة عشان أقع في غرامك. أنا حبيتك من أول نظرة وحلفت تكوني ليا. سلمى السنة دي مش هاتعدي إلا وأنتِ مراتي وفي بيتي بالمشيئة.
- السنة دي! تمتمت مبهورة.
ليؤكد: أيوة.. كلها كام يوم ونيجي نطلبك من المعلم سالم. والميزة المشتركة بين عيلتي وعيلتك إن ما فيش اعتراف بفترات الخطوبة ولا التعارف. في جواز علطول...
ولمح خصلة شعر تهدلت عبر حافة وشاح رأسها الرقيق.
قطب حاجبيه واقترب منها بلا تردد، بينما خفق قلبها بعنف وقد فاجأها، أغلقت عينيها وأدارت رأسها كما لو خشيت أن تتلقى صفعة.
لكنه في الواقع أمسكها بجانبي رأسها بحزم وجعلها تتطلع إليه من جديد مغمغمًا بصرامة:
- إثبتي.. في خصلة باينة من شعرك... خلاص. دخلتها!
أجفلت حين لمست أنامله بشرتها الرطبة، لكنه ما لبث أن تركها وقد خلت لمسته العرضية من أي مشاعر محتملة، بيد أنه لا ينفك يثبت لها حسن نواياه.
- إبقي خلي بالك من نفسك دايمًا. مش عايز حد يلمح منك سنتي واحد!
ردت باستخفاف ينم عن عدم خبرة:
- كل الناس شافوني وشافوا شعري يوم فرح إخواتي. وأنت كنت واحد منهم!!
أحست بجبينها يندي عندما رأت وجهه يتموج بالغضب تدريجيًا، ثم سمعته يردد بحدة:
- حياتك من غيري حاجة. ولما دخلتها أكيد بقيت حاجة تانية خالص. دلوقتي كفاية تعرفي إنك ملكي. وبعد الجواز أنا هاتكفل بالشرح.. عشان تتأكدي مية في المية وتفهمي كويس يعني بقيتي ملكي يا سلمى!
خائفة على نحوٍ غامض، حدقت به بصمتٍ دام للحظات، ثم قالت بتعجل:
- طيب أنا لازم أرجع البيت دلوقتي.
- إيه! تمشي بسرعة كده؟
إحنا ما كملناش ساعة على بعضها...
- أنا خرجت بالعافية أساسًا. قلت لستي على كتب مهمة لازم أشتريها للمذاكرة.. لولا كده ما كنتش عرفت أطلع من البيت.
- طيب هاوصلك.
- لأ طبعًا! هتفت مذعورة.
- ده أنا لو حد شافني معاك يبقى آخر يوم في عمري. أنا هرجع زي ما جيت.. بالمواصلات.
تنهد مستسلمًا: ماشي. بس طول السكة تبقي معايا على التليفون.. لحد ما توصلي بالسلامة وأطمن عليكي!
***
ليس هناك ما هو أكثر بؤسًا من الشعور بالعجز.
أن تود أمرًا ولا تستطع حياله شيئًا، وقع المنع بالقدرية لكان أهون، لكن حين يعجزك شخص منك.. أخاك.. أو... أختك!!!
بعد بضعة أشهر من اللقاء الأول.
لم يغادر مطلقًا قرية العائلة العريقة، اختار أن يبقى معها بدوار "النشار" على أن يرضخ لمطلبها ويعود مجددًا إلى مستنقع أبيه.
كان في حيرة، مبلبل الفكر، وقد أفاده البُعد كثيرًا، رغم فؤاده المثقل ومشاعر المسؤولية ولوم الذات. لكن فكرة أنه لم يترك ما يخصه بالعراء وأنهم جميعًا في أمان بغض الطرف عن أي اعتبارات.
كلها أسباب أثلجت صدره قليلًا.
الآن فقط لم يعد يهمه سوى استعادة شقيقته، واستعادتها حقًا أكبر تعقيد قد يخوضه بحياته كلها، لأنها ليست كأي فتاة عرفها.. ولها طبيعة غريبة يختبرها للمرة الأولى حرفيًا.
***
أنسام ربيعية، وشمس الظهيرة الدافئة تظلل البيت العظيم، هناك بالتراث المفتوح جلس "رزق" يحتسي الشاي برفقة "النشار". بينما ناظريه لا يفارقان مستنسخة "كاميليا"!
أمه.
هذه أخته.. شقيقته هناك. بعد أن سقت الورود خاصتها.
ها هي بمنتصف الرقعة الخضراء الزاهية، تجلس وفي حجرها الهررة الصغيرة، تطعمهم أيضًا وتسقيهم وتعطف عليهم.
فما كان منه إلا إبداء العجب والغمغمة لنفسه.
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. يارب أعمل معاها إيه بس؟!!
- إنت بتكلم نفسك يا رزق!
التفت "رزق" لينظر ناحية "النشار".
مغمضًا جفناه بنسبة ثلاثون بالمئة ليبصر جيدًا في ضوء الشمس القوي، رد عليه:
- لا أبدًا. ماتشغلش بالك يا عمي.. أنا تمام.
- أصلك مش عاجبني اليومين دول وخايف أحسن تكون زهقت مننا. ده إنت مليت عليا البيت مع أختك. بصراحة مش عايزكوا تمشوا خالص...
وضحك بطيبة.
ابتسم "رزق" مجاملًا وقال:
- كله بإذنه يا عمي. أكيد مكتوبلنا نمشي. بس محتاجين شوية صبر. أنا آخر حاجة ممكن أعملها الغصب على نور في أي حاجة. عاوزها تيجي معايا برضاها ويكون اختيارها.
- هو زي ما قولتلك أبوك مش معارض. وقال لي لو طلبتها أسيبها تمشي معاك. أنا ماليش فيها. رغم إني ربيتها وتعتبر بنتي أنا. بس في أي وقت هانفذ كلمة أبوك يا رزق. وقت ما تقول تمشي. نور هاتمشي معاك...
تنهد "رزق" بثقلٍ مرسلًا نظرات موجعة صوب شقيقته:
- ولا مخلوق في الدنيا دي بقى يهمني أكتر من نور. ولا بقيت أعمل حساب لحد حتى لو كان سالم الجزار. أصلًا أهم حاجة شغلاني إني أبعدها عنه. أبعدها خالص!!!
عقد "النشار" حاجبيه مفصحًا عما بصدره:
- يا رزق إنت محمل أبوك الذنب كله. دي أول مرة أقولها لك. بس كلمة حق. هو آه سالم غلطان. لكن إنت سبب كل ده.
أدار "رزق" عنقه محملقا فيه باستنكار:
- أنا السبب؟؟؟
- أيوه. أبوك عمل كل ده عشانك. أنا ما شوفتش في حياتي كلها أب.
فضل عيل واحد على عياله كلهم بالطريقة دي.
انت لو كنت اتحرمت من أمك هو وستك عوضوك أوي. لكن أختك المسكينة دي. ولا مليون حضن أب وأم يعوضوها حضن أبوها وأمها الحقيقيين... مشكلتك يا رزق إنك مش شايف غير جرحك ومش حاسس إلا بوجعك إنت وبس. جرب تحط نفسك مكان أبوك. جرب تشوف الدنيا بعين كل اللي عايشها غيرك. إنت مش لوحدك اللي اتحرقت بنارها. رغم كل حاجة عارف. عارف إن محدش بيحس بالنار دي إلا اللي اتكوى بيها!
- في ضيفة وصلت يا كبير!
حمد "رزق" الله لمجيء الخفير الذي قاطع خطبة "النشار" بعبارته المنذرة.
تطلع إليه "النشار" متسائلًا بغرابة:
- ضيفة! مين هي يا صميدة؟!
- قالت جاية من مصر. من طرف سيدي سالم. قالت بت سيدي ناصر الجزار الله يرحمه...
- ليلة! صاح "رزق" غير مصدقًا وهب واقفًا بلحظة.
كان هذا آخر ما توقعه حدوثه حقًا!!!
- قولك إيه يا رزق؟!
ببطءٍ صوّب "رزق" ناظريه نحو "النشار". وقال قالبًا عيناه بنمطٍ مخيف:
- خليك مطرحك إنت يا عمي.. أنا هاقابلها!
وعاود النظر للخفير.
- هي فين؟
- قعدتها في المضافة جنابك.
***
عليها هي.
فرضت مشاعر الشوق نفسها، لحظة أن رأته أمامها بشحمه ولحمه بعد كل هذه المدة، وإن كان في لباسٍ يشبه إلى حد كبير أبيه.
لكنها لم تتحمل أكثر، وقطعت المسافة بينهما ركضًا هاتفة بلوعة:
- ررررررررررررررررررززززززززززززق!
لكن رفضه المفاجئ صدمها وجمدها محلها قبل أن تصل إليه تمامًا.
توقفت على بُعد خطوتين منه، وقد انسحبت الدماء من وجهها المحاط بخصيلات شعرها الثائرة، سمعته يسألها بصوته الجاف باللحظة التالية:
- إيه اللي جابك هنا يا ليلة؟
ترفع حاجب وصبغ سخرية على لهجتها وهي ترد عليه:
- بعد كل المدة دي من غير ما أشوفك ولا أسمع صوتك.. بتسألني السؤال ده يا رزق؟ أنا مراتك ولا نسيت. وكان في اتفاق بينا قبل ما تمشي.
- أنا مش فاكر غير إنك اتورطت في الاتفاق ده. وبغيابي كانت فرصتك تحلي نفسك منه.. تقومي تجيلي برجليكي؟ عاوزة إيه؟!!
ببرودٍ جاوبت: عايزة جوزي!
مدفوعًا بالغضب، انتفض واضعًا يد على خاصرتها، وأخرى خلف عنقها. جذبه بعنف لصقه ثم دمدم أمام عيناها المفتوحتان على مصراعيهما بصوتٍ كهسيس:
- إنتي أصلًا عملتي غلطة كبيرة أوي.. لما رجعتي على ذمتي تاني. وإديتك فرصة ترجعي عن الغلط ده...
بقيت كصخرة بين ذراعيه وهي تهتف بقوة دون أن يرف لها جفن:
- وأنا مسؤولة عن اختياري.. مش عايزة أصلح الغلطة دي وعايزاك. معقول تكون هربان مني كل ده.. مش مصدقة!!
- طبعًا ماتصدقيش...
غمغم وهو ينفضها بعيدًا عنه.
أخذت تستعيد أنفاسها، بينما يرتب أفكاره، ليقول بعد لحظة قصيرة بحزم:
- أنا رميت كل حاجة ورا ضهري يوم مشيت. حتى إنتي.. مابقتش مهتم أنبش في ماضيكي. ولا مهتم بيكي شخصيًا. إنتي حرة مني ولو عاوزاني أطلقك حالًا آ...
- إنت كداب! قاطعته بهدوءٍ تُحسد عليه.
- إنت هاتموت عليا أصلًا. ولو مش حاسس دلوقتي لأنك لسه متخدر. الصدمات ما كانتش هينة عليك. وعارف؟ أنا لحد قبل الليلة دي ما كنتش أتخيل إني ممكن أحبك. بس لحظة ما ضغطت بصبعك على الزناد. وكنت خلاص بتروح قدام عينينا كلنا.. لحظتها حسيت إن حياتي أنا اللي هاتنتهي بنهاية حياتك يا رزق!
مع تتمة كلماتها، صوبت نحوه نظرة تحتمل أي شيء إلا الشجاعة. وكأنها تجردت من كل دفاعاتها مرة واحدة أمامه.
مع ذلك رفض "رزق" أن يتأثر لمشاعرها، وواصل جلده مقتبسًا من خطبة "النشار" السالفة:
- محدش بيحس بالنار إلا اللي اتكوى بيها يا بنت عمي!
وسألها بفضول حقيقي:
- إنتي عرفتي مكاني إزاي؟!
بصوتٍ آلي قالت وهي تدس يدها بحقيبتها لتستل محرمًا ورقيًا:
- أبوك.. سألت أبوك وعرفت منه.
أبدى دهشة: أبويا عرفك مكاني؟ لأ وكمان سابك تخرجي من الحي ببساطة كده!!!
أزالت قطرة من الدموع علقت بأهداب عينها اليمنى، ثم نظرت إليه مباشرةً وقالت برفق:
- لما عرف إني جايلالك سابني. الحقيقة يا رزق إن سالم الجزار فعلاً مستعد يعمل أي حاجة عشانك... عشانك إنت بس!
أطلق ضحكة قصيرة متهكمة.
لتعلن "ليلة" بعد لحظة صمت طويلة:
- رزق.. نوسا المفروض تتنقل المستشفى عشان تولد. أبوك مش راضي يطلعها من البيت. قال حالف إنها ما تخرجش. وإنك إنت بس اللي تقدر تخرجها. مراتك وابنك في خطر. لو ما جتش معايا هاتخسرهم للأبد. زي ما خسرت كاميليا!
عاجزًا عن تحييد بصره الشاخص عنها.
ميّز "رزق" مقدار الهدوء حولهما، وصار رأسه أثقل، فقد المكان والزمان معناه في هذه اللحظة. وربما عليه أن يضع رأسه بالماء الآن... قبل أن يتمكن وحش الخوف بداخله من تفجيرها بالأفكار السوداء.
"نسمة".
وطفله.
في خطر.
"نسمة" وطفله في خطر! ............