تحميل رواية «و قبل أن تبصر عيناكِ» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الطيور تكبر لتغادر العشّ... ربما تنطبق تلك النظرية على البشر أيضًا. لكنها أبدًا لا تمت لعائلة "الجزار" بصلة، حيث أنهم كبروا جميعًا، لكنهم لا يزالون هنا ببيت العائلة. اليوم هو الجمعة.. وكحال كل جمعة دون أن يتم استدعاء نفر واحد.. من تلقاء أنفسهم يجتمعون كلهم.. رجالًا ونساءً وأطفالًا بعد أداء الصلاة حول مائدة الفطور الشعبية المعدة والعامرة بكافة أنواع المأكولات على مختلف الأذواق، فكلٌ قد أدلى بما يشتهيه لسيدة البيت الثانية والمسؤولة عن كل شيء هنا.. "هانم السويفي" ابنة النظير القاطن بمنطقة مجاورة لا...
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم محمد
كان مجرد ولدًا صغيرًا، لكنه ذو حساسية مرهفة، ومشاعرٌ دقيقة خوّلته إدراك ما يحدث من حوله، ببساطةٍ كان فطنًا وذكيًا كما عرف عنه.
وذلك الفتور بين والديه... بل الأجواء المكهربة بينهما كان يستشعرها جيدًا، لكنه عاجزٌ لا يدري كيف يصلح ما فسد فجأة بحياتهم، لا يدري كيف يداوي حزن أمه، ولا يجرؤ على اتهام أبيه!!!
ذكريات جميلة عاشها في طفولته وسنواته القليلة الفائتة، لكن الأليمة والأخيرة كانت الأشد وطأة عليه، تؤرقه وتثقل فؤاده حزنًا وندمًا. حزنًا عليها... وندمًا على أنه لم يصغِ إليها عندما سألته الرحيل معها...
لكنه يعلم بأنه لو كان فعلها لكانت النتائج وخيمة ولكانت عادت ثانيةً إلى جحيمٍ أكثر عذابًا، ربما هذا عزاؤه الوحيد، لا يستطيع أن يلوم نفسه كثيرًا عندما يفكر بالأمر، أجل، هو ليس مخطئًا مئة بالمئة.
شقة زوجة أبيه تلك، سلبها إياها منذ حلت زوجته الثانية بالمنزل... أو ليس هكذا بالضبط... كان النظام كالآتي أن تبيت "هانم" وأولادها الليل بالأسفل في شقة جدته السيدة "دلال".. إلى أن يبزغ الصباح، فتصعد مجددًا ليبدأ عملها، فتحضر الفطور وتغسل الثياب وتنظف المكان.
تفعل كل هذا، بينما ابنة الباشا تجلس وراء باب غرفتها، لا تخرج ولا حتى تلمح طيفها.
لعل هذا يفسر حجم الحقد والكراهية التي تكنّنها السيدة "هانم" للأم والابن معًا. ولكن وإن يكن... "رزق" لا يبالي، لم يكن يهتم سوى لأمر أمه، أمه التي بالرغم من كل هذا الحسد عليها والبغضاء، أبدًا لم تكن سعيدة منذ جاءت إلى هذا البيت.
لا يستطيع أن ينسى، السيناريو نفسه الذي يتكرر يوميًا، كل ليلة قبل أن يخلد إلى النوم، يراها خلسة وهي تخرج من غرفتها باكية.. تذهب إلى دورة المياه وتغتسل، ثم تعود بعد أن أهدرت كل طاقتها على الحزن والكآبة.
حينها لم يكن يفقه ما كان يحدث لها، وذات ليلةٍ قرر أن يتلصص ليطمئن على والدته، فمر من جوار غرفة النوم الكبيرة وتنصت بتوترٍ بينما قلبه الصغير يرفرف في صدره.
صوت أبيه أولًا، يسمعه لأول مرة وهو يتحدث بهذه القسوة الفجائية لأمه:
- أنا سيبتك كل السنين دي على راحتك.. بس دلوقتي خلاص. بكفاية أوي!
ترد "كاميليا" بصوتٍ منفعل يشوبه بكاء:
- زمان كنت مترددة عشان حطيت مصلحة رزق وأولويته في حياتي يكون لوحده بس.. لكن دلوقتي أنا بقولهالك بثقة. أنا مش هاخلف منك يا سالم. وده قرار نهائي!
ينتفض "رزق" فجأة لدى سماعه صوت تحطمٍ مصمّ، يعقبه صياح أبيه مباشرةً:
- هانشوف كلمة مين إللي هاتمشي يا كاميليا. وحبوب منع الحمل دي. إبقي شوفي مين هايسمحلك تاخديها... تعالي هنا!!!
صراخ أمه الليلة كان أكثر حدة وذعرًا من المعتاد، وكلماتها التي تلت ذلك جعلته يشحب ويبكي بصمتٍ في مكانه.
- لأ يا سالم.. مش هايحصل. مش هاتعمل فيا كده.. مش وإنت كده.. مش بالطريقة دي أرجوووووك!!!
على الكرف الآخر يصك "رزق" أذنيه بكلتا يديه، لكن الصوت لا يزال يخترق مسامعه.. ومن شدة ارتباكه يتصرف من فوره بتهورٍ، فيقفز ناحية الباب ويقرع بإلحاحٍ.
- ماما.. ماما إنتي صاحية! .. لا يعرف كيف خرج صوته طبيعيًا هكذا.
ولكن صوت أمه الذي أتاه باللحظة التالية لم يكن مثله تمامًا:
- أيوة يا رزق.. عاوز حاجة حبيبي؟!
كان صوتها يكنف نزعة نشيجٍ متقطع بيد أنها حاولت اخفائها ولم تفلح.
يرد عليها الصغير بلهجته المهذبة:
- أنا مش عندي نوم.. كنت عاوزك تنامي جمبي شوية لحد ما أنام لوحدي!
جاء جوابها متشنجًا وكأنه أنينٍ:
- حاضر يا حبيبي. إسبقني طيب.. أنا هقوم على مهلي وهاحصلك!
أومأ لها "رزق" وكأنها تراه. عاد إلى غرفته مسرعًا واستقر بمنتصف فراشه ضامًا ساقيه إلى صدره، في انتظار مجيء أمه. ظل يحصي الثواني والدقائق على خفقات قلبه المتسارعة.
حتى لمح ظل يقترب وسمع خطواته بوضوح، تنفس الصعداء ورفع نظراته متشوقًا لرؤية وجه والدته العزيزة الجميلة.
لكن خاب أمله. فذاك الذي كان يقف أمامه الآن لم يكن سوى والده.
- قوم يا رزق! .. هتف "سالم" باقتضابٍ وهو يقف أمام فراش ولده عاري الجذع عابس المحيا.
نظر "رزق" إليه ببلاهةٍ، ليأمره ثانيةً بحزمٍ أكبر:
- يلا روح نام مع أمك!
لم يضيع "رزق" لحظة أخرى، ووقف من سريره في طرفة عينٍ، ثم هرع إلى أمه فورًا، دفع باب غرفتها وولج عندها بأنفاسٍ لاهثة.
كانت الإضاءة خافتة بالداخل. لكنه استطاع أن يراها وهي تستلقي فوق السرير الكبير على جانبها الأيمن حيث ظهرها فقط الذي يواجهه. ثم ما لبث أن سمع صوتها الرقيق بمسحة حزنٍ:
- تعالى يا رزق.. تعالى!
كان مكان أبيه بالفراش خاليًا الآن، فأقبل بخطوات وئيدة، ثم صعد إلى جوار أمه وهو يلقي بنظراته الفضولية القلقة في وجهها، كانت تبكي وتبتسم في آنٍ، ليجدها بعد لحظة ترفع يدها تقبض على رسغه. شدته صوبها حتى استقر بين أحضانها وجهه يلامس بشرتها الناعمة وكرف قميصها الحريري.
وعلى هذا النحو طيلة تلك الليلة، بقيت تحتضنه وتبكي، وبقي هو ساهرًا يستمع إلى أنينها، يتنفس عبقها، وينعم بالبقاء في حضنها الدافئ.. ملاذه الآمن على الإطلاق.
***
كان ينظر إلى شاهدة قبر جده. جده الباشا.
في قرارٍ مجنون قد اتخذه كعادته منذ ساعتين، لم يشأ أن يعود إلى الحي مباشرةً ويلتقي بهؤلاء الناس، لم يكن في حالته الطبيعية وارتأى أن يختفي عن الأنظار لبرهةٍ. لذا انطلق بسيارته دون أن يخبر أحد وأغلق هاتفه، وها هو الآن... بمقابر عائلة "الباري"... أمام شاهدة القبر الضخمة التي يرقد تحتها جده لوالدته.
كان يضم يديه أمامه، كما علّمه الأخير في صغره أن يقف أمامه مبديًا احترامًا وتبجيل. كان يرفع ذقنه وهو يتحدث إليه بينما عيناه تلمعان بطبقة دموعٍ خفيفة:
- أنا عارف إنك غضبان مني.. ممكن كمان تكون ندمان على الوقت إللي ضيعته في تربيتي وتعليمي. عارف إنك شايفني.. زعلان مني.. مخاصمني. عارف إن سببك الأول هي... مقدرتش أحميها!
وفرت دمعة ساخنة من عينه على طول خده.
أزالها بظاهر يده بسرعة وهو يكمل بصوتٍ أجش:
- بس أنا حاولت.. والله حاولت. كنت لسا مش فاهم أي حاجة.. إنت وحشتني أوي يا جدووفيق يا باري.. كنت أتمنى أكمل العمر إللي فات ده جمبك. كنت أتمنى تكمل تربيتك ليا. أنا عارف إنك بردو كنت شايف فيا الإبن إللي ماخلفتوش. مش بس الحفيد.. أنا خيّبت أملك. آه بعترف.. ماليش عين أصلًا أجي لحد عندك دلوقتي وأقف كده وأكلمك عادي.. لو ماكنتش فعلًا محتاجلك. لو ماكنتش حاسس إن فاضل شعرة وأضيع خالص. صدقني ماكنتش جيت.. لكن أوعدك خلاص. مش هاجي هنا تاني بعد اللحظة دي.. مش هاحسسك بوجودي تاني وأنا في الحال ده. أنا بقيت قذر. وعارفك.. مابتحبش الناس القذرة. مش عارف هقدر أنضف تاني ولا لأ.. لو عرفت. ممكن أرجعلك. سلام يا جدو!
ولوّح له بكفه مودعًا. لم يجرؤ على لمس قبره، لكنه ألقى بباقة الزهور فوق السور الرخامي، ثم ولّى مدبرًا إلى الخارج. وانطلق مرة أخرى بسيارته مغادرًا مدينة الاسكندرية.. عائدًا من جديد إلى مملكة أبيه الموحشة.
***
- ده آخر فنجان قهوة لحد شهر قدام. سامعة ياما؟!
قال "سالم" هذه العبارة وهو يصب سائل القهوة السادة بفنجان والدته المفضل. كان يجلس في كرسي مقابل لها، وقد أطفأ شعلة الجاز الصغيرة أنتيكة الطراز. قدم الفنجان لأمه.
بينما تقول الأخيرة بابتسامة خبيثة:
- علطول تقولي آخر فنجان بعدين أصعب عليك بالشويتين بتوعي فتعملهولي بايديك..
وضحكت.
ليقول "سالم" بجدية:
- المرة دي مش هاتصعبي عليا ياما.. إنتي أساسًا صحتك مش عجباني. ومابقتيش تاكلي كتير ليه؟ إللي في البيت بيشكوا منك. قليل لما بترضي تاخدي الأكل إللي بينزلك.
- ماتخافش على أمك يا سالم.. مش هاموت دلوقتي. لما أشوف عيال رزق وليلة بإذن الله.
- بعد الشر عليكي ياما! .. وانحنى ليقبل يدها.
ثم عاود النظر إليها قائلًا بصرامة:
- أنا أهم حاجة عندي ماتقصريش في حق نفسك. إنتي كده بتضايقيها عليا.. إن كان ليا عندك خاطر تهتمي بصحتك أكتر من كده وتتغذي كويس. بلاش عشان خاطري. عشان رزق.. إنتي عارفة هو بيعتبرك إيه.
ابتسمت "دلال" بوداعةٍ وقالت:
- حاضر يا سالم.. إللي إنت عاوزه يمشي. بس خلينا فيك إنت دلوقتي. مش جعان؟ عبير مرات أخوك طابخة إنهاردة فتة كوارع وعكاوي. الحاجات دي تقيلة عليا. بس إنت بتحبها.. إستنى أما أتصل بيها تنزل منابك!
- لأ ياما لأ! .. استوقفها قبل أن تنبش بجوارها وتمسك بهاتفها المحمول.
- أنا لسا متغدي برا.. مش قادر. عديت عليكي بس أخد رأيك في موضوع كده!
دلال باهتمامٍ:
- خير يابني!!
قص عليها "سالم" ما جرى ظهر اليوم _ باستثناء ما حدث بينه وبين زوجته "هانم" _ وظل بانتظار ردها.
- إنت طلبت رأيي! .. قالتها "دلال" بجدية تامة.
- بس هاتعمل بيه يا سالم؟
سالم بثقة:
- إللي هاتقولي عليه ياما.. أنا ماعنديش شك في نصايحك.
- طيب يا سالم.. أنا رأيي إنك تنفذ الكلام ده المرة دي!
- قصدك يعني أوافق على جواز مصطفى وبعد جمعة من إنهاردة؟ إزاي ياما أجوز الصغير قبل الكبير.. إنتي عارفة لو مصطفى اتجوز الأول. رزق عمره هايتجوز ولا هايسمع كلمتي في الموضوع ده. إنتي عارفاه وعارفة دماغه الناشفة.
- يابني إسمعني بس.. أنا ماقصدش كده بالظبط. إنت هاتجوز الاتنين سوا!
رمقها ببلاهةٍ بادئ الأمر، حتى فهم ما رمت إليه.
- قصدك رزق ومصطفى.. في ليلة واحدة؟!
ابتسمت "دلال" مكتفية بهذا ردًا، ليقول "سالم" بتفكيرٍ:
- هو حل كويس جدًا.. بس كده الواد مصطفى ممكن يفكر إنه مشى كلامه عليا!!
- ماتحسبهاش كده يا سالم. مش أحسن ما ولادك يكلوا في بعض؟ بعد إللي حصل ليلة امبارح. وقدام الخلق كلها.. فاكرين إن الاخوات خلاص بقوا أعداء. لازم تثبت للكل غير كده. لما يشوفوهم الاتنين بيتجوزوا في ليلة واحدة وواقفين في ضهر بعض. محدش هايقدر يظن فيهم الظن ده تاني. ومن جهة تانية مصطفى ناره تبرد.. ومايفكؤش يعادي أخوه علني. قدامنا وقدام الناس. صدقني يا سالم.. عشان تقضي على الفتنة دي.. لازم تنفذ إللي قولتهولك بالحرف الواحد!
غضن "سالم" جبينه وهو يمعن التفكير بكلام أمه. كان رأيها صائبًا ولا شك. حتى جميع دفاعاته سقطت أمام منطقها السليم!
فليكن إذن، هذا القرار الذي فكر به مليًا، صار يعتمده بدءً من الآن.
***
لم تمر دقيقة منذ أن فتح هاتفه. لتنهال عليه الرسائل والمكالمات من ابن عمه وصديقه الصدوق... "علي"!
في البداية تجاهل اتصالاته، ولكن مع الإلحاح الزائد، اضطر أن يرد عليه.
- إيه يا علي زن زن زن في إيه؟!
تلقى "علي" هذا الانفجار الكبير وهو يرد عليه مذهولًا:
- إيه إنت يا حبيبي. مالك كده مش معلي الفتلة.. ده جزائي إني قلقان عليك من امبارح.
- و تقلق ليه يابا كنت خطيبتي مثلًا!!
- إيه يالا مالك في إيه. حد داسلك على طرف.. ما تهدا شوية.
- عاوز إيه يا علي؟
- إنت فين طيب؟
- مالكش دعوة. هاتقول عاوز إيه ولا أقفل!
- طيب خلاص براحتك.. أبوك قالب الدنيا عليك من امبارح. طالبك حالًا.
- في حاجة حصلت؟
- لأ.. بس عايزك ماعرفش ليه.
- تمام. أنا ربع ساعة وجاي.. سلام!
- سلام يا عم فاندام!
وأغلق معه.
كان ميزان النهار قد مال نحو المغيب، عندما وصل "رزق" أخيرًا إلى "حي الجزارين". كانت الأعين مصوبة نحوه. لكنه تابع طريقه غير ملتفتًا.
أوقف سيارته الفارهة أمام المنزل، ترجل منها مغلقًا إياها بكبسة زر، ثم انطلق كالسهم تجاه البيت. صعد الدرج أربع فأربع وصولًا إلى طابق أبيه، أخرج سلسلة مفاتيحه واستخدم نسخته الاحتياطية لباب الشقة.
عندما دخل عثر عليه بسهولة، حيث على بعد سبعة عشرة مترًا، كان "سالم" يجلس بالتراث يدخن النرجيلة كعادته. ما إن شعر بحضور ابنه حتى تركها وقام عائدًا إلى الداخل.
- أهلًا بالسبع!
قالها "سالم" وقد عناها حقًا. كان يفيض فخرًا به.
تقدم ناحيته وقال وهو يدعوه للجلوس:
- أقعد يا رزق.. أقعد عايز أقولك كلمتين.
أذعن "رزق" لأمر والده وجلس في أريكة صغيرة بالصالون المفتوح.
جلس "سالم" مقابله ملقيًا بالشال الصوف عن كتفيه، ثم قال وهو يشمله بنظرة فاحصة:
- وشك لونه مخطوف.. تحت عينيك غامق. شكلك مانمتش كويس.. صحيح إنت كنت فين امبارح؟
أطلق "رزق" نهدة مثقلة وأجابه بفتورٍ:
- كنت بايت عند جماعة صحابي.
كان يعرف بأنه يكذب، لكنه مررها بمزاجه، وقال بهدوءٍ:
- طيب.. من ليلة امبارح وإنت برا يعني فوقت وغيرت جو.. كويس عشان الكلام إللي هاتسمعه مني محتاج تكون هادي وحلو كده عشان تستوعبه. لأنك هاتنفذه يعني هاتنفذه.
عبس "رزق" وقد أخذ حذره وتحفز جيدًا ضد والده وهو يقول بصلابةٍ:
- ممكن أعرف إيه الحكاية بالظبط؟!
- مصطفى أخوك.
- إشمعنى!
- دخلته الجمعة الجاية.
- ألف مبروك!
- ومبروك ليك إنت كمان..
- أفندم؟! .. ردد "رزق" باستنكارٍ.
ليوضح له أبيه على الفور:
- قصدي أقولك إن دخلتك إنت كمان معاه في نفس الليلة.. إنتوا الاتنين سوا.
رزق بأسلوبٍ فج:
- الكلام ده يمشي على مرة مش راجل. إنت مفكر إنك تقدر تغصبني على جوازة مش عاوزها؟!
بقى "سالم" هادئًا كما هو.
- يعني إنت بجد مش عايز ليلة؟ غريبة.. مع إن نظرتك ليها خصوصًا امبارح ماتقولش كده. إطلع من دول يا رزق ده أنا أبوك وعارفك كويس.. البت عجباك. قول الصراحة ماتبقاش جبان!!!
احتلت لهجته بأواخر كلماته. فنطق "رزق" بشجاعةٍ:
- افرض إنها عجباك.. ده مش مبرر يخليني آخدها غصب عنها. هي مش عاوزاني.
سالم بسخرية:
- مين دي يا عبيط إللي مش عايزاك؟ هو في واحدة عاقلة تشوفك بس وماتتمناش تبصلها.. إنت مش حاسس بنفسك يالا. ده بنات الحتة كلهم يتمنوا إشارة منك.
- هي بقى غير الكل. كل إنسان ودماغه يا معلم سالم.. هي مش حاساني. هي حرة!
- لأ يا حبيبي مش حرة. إحنا ماعندناش الكلام ده.. هاتتجوزك ورجلها فوق رقبتها.
رزق منفعلًا:
- أنا ماجبرش واحدة عليا.. أنا مش زيك!!!
تجاوز "سالم" إهانة ابنه وكأنه لم ينطقها وقال بصرامةٍ:
- وأنا خلاص قلت كلمتي.. الجمعة الجاية فرحك إنت وأخوك مصطفى على بنات عمامكوا. ليلة وفاطمة!
كان "سالم" يعلم جيدًا إلام يرمي ابنه، شاهد أحقاد واتهامات الماضي كلها تتقافز من عينيه، رغم ذلك لم يجاريه لفتح تلك الجبهة. بينما يثب "رزق" قائمًا وهو يعلن بحزمٍ:
- بص يا معلم سالم.. إنت تقدر تمشي الجوازة دي. بس أنا بكيفي أقدر أخليها ماتتمش. وإنت فاهمني.. أنا محدش يسوقني أبدًا... عن إذنك!
ومر من جانبه كإعصارٍ. ثوانٍ وسمع "سالم" باب الشقة يصفق بعنفٍ، فلم يسعه الآن إلا إلقاء رأسه للخلف واغمض عينيه بقوةٍ مستسلمًا للنوع الوحيد من العجز بحياته، والذي لم ينجح بخلقه سوى ابنه وقطعة من قلبه... "رزق".
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم محمد
ثعبانية!
مرهقًا، مكتئبًا، مهزومًا... كعهده دائمًا، معاناته ليس لها رأسًا ولا عقب. لكل شيء بداية.. أجل، ولكن حتى بدايته هو كانت تتجاوزه لعامين في حبًا سرمديًا صبّه أبيه صبًّا على أخيه غير الشقيق و ضرة أمه.
من هو؟ إنه "مصطفى الجزار"...
في زمنٍ خلا، كان الابن البكر لوالده، على الأقل أمام الناس. كانوا بانتظاره هو، العائلة والقوم الموالين لسلطة آل "الجزار". يوم مولده كان يوم عيدٍ. كثرت الذبائح وأقيمت المآدب سبع ليالٍ كروايات الأساطير. وبما أنه أتى بعد طول انتظار، رغم أن والده لم يكن حاضرًا ساعة الولادة، لكنه فيما بعد جاء وأعطاه اسم جده.
نشأ "مصطفى" نشأة كريمة، كان مدللًا ومحاطٌ بالحب والاهتمام. كل شيء كان بمتناوله، حتى عندما أنجبت أمه طفلها الثاني ذكرًا مثله، إلا إن ذلك لم يزعزع مكانته بين الأهل أو القوم الذبن تطلع لرئاستهم حين يكبر ويتسلّم الراية من والده.
كان طفلًا، لكن هذا لم يمنعه من التأمل وتحديد الطموحات. إنما فجأة، وإذ ظن "مصطفى" بأن لا أحد يمكنه أن يأتي ويسلبه أحلامه.. ظهر فجأة "رزق"!
كابوسه الأبدي.
إنه لم يسرق أحلامه فحسب، بل جاء وسحب البساط من أسفل قدميه، ليجلس هو متربعًا فوق الجميع.
وكانت صدمة "مصطفى" عندما علم بأنه يكون الابن البكر لأبيه وليس هو كما اعتقد. كان الوضع محتدمًا وقتها، يذكر جيدًا كيف توترت أمه. وقد اكتشف لاحقًا بأن الجميع بمن فيهم هي كانوا على علم بوجود "رزق" وأمه على طرفٍ آخر من البلاد.
سرعان ما تبدلت الأدوار بحلولهما عليهم بمنزل العائلة، فاصبحت ضرة أمه مفضلة أبيه على مرآى ومسمع، أهدرت كرامة والدته، وهو... لم يعد له أيّ أهمية منذ تلك اللحظة وإلى الآن.
فقد سطى "رزق" على كل شيء هنا، خاصةً بعد فرار أمه. صار هو المدلل، الأكبر، الأذكى، المهذب، والأجمل!
حتى حظه من التعليم، أبسط حقوق المرء، حاز عليه "رزق" وحده بموجب كلمة أبيه. إذ سمح له باستكمال دراسته دون غيره، وبجانب عملهم المشبوه والمتخفَّي، لولا أن ألح "رزق" على أبيه بشأن أخيه الأصغر "حمزة" لما كان سمح له هو الآخر بارتياد المدرسة. بالطبع فعلها كرمى له، إبنه الكبير، قؤة عينه الحق...
برز العداء بين الأخوين منذ أول لقاء _ وإن كان ذلك ما أبداه "مصطفى وحده _ ودون أن يتكلَّف "سالم" عناء الاصلاح بينهما، تركهما يمضيان على هذا النحو ظنَّا منه بأنهما لا بد وأن يتجاوزا هذه الغيّرة في يومٍ قريب كما يصير مع الإخوة في كل مكانٍ.
لكنه لم يكن يدري أن كراهية "مصطفى" لأخيه الأكبر معضلة معقدة متعددة الأوجه، بحيث يتعذر تبيّن سببها الأصلي.. ولاسيما مؤخرًا.
باكتشافه علاقة الحب التي تجمع بين حبيبته وعدوه الأوحد... "رزق".. أخيه!!!!
***
يوم الأحد، الموافق 20 من أكتوبر.
تدق الساعة الجدارية تمام الواحدة ظهرًا. لم يعد يفصل عن موعد زفافه سوى أربعة أيامٍ... ولكن مع هذا يمضي الوقت بسرعة السلحفاء!
آثار مباراة الملاكمة في تلاشي سريعٍ كما يبدو. جروح وجهه في طور الالتئام، لم يكن هناك إصابات غائرة، فقد رضوض بسيطة، سيشفى منها سريعًا. أي أنه سيكون على خير ما يرام بحلول ليلة عرسه... لذلك لم يكن قلقًا. لا يزال معه الوقت.
كان يقف أمام مرآة الخزانة الطويلة، يعدل هندامه استعدادًا للخروج في مهمة عمل أسندها له والده داخل الحي. كان مزاجه رائقًا، فإذا بأمه تلج إليه فجأة من دون استئذان.
"مصطفى!" هتفت "هانم" وهي تمد رأسها عبر فتحة الباب الموارب. "صحيت يا قلب أمك؟"
يبتسم "مصطفى" بتهكمٍ قائلًا: "لا لسا نايم ياما.. صحيني كمان ربع ساعة."
ضحكت منه بخفةٍ، ودفعت بالباب لتوغل بالغرفة أكثر، إلى أن صارت خلفه تمامًا، طفقت تعدل له قميصه من الهلف وهي تقول بلهجة تأديبية: "مش عيب تتريق على أمك ياولا.. وحياة ربنا ما تستاهل الفطار إللي قمت أحضرهلك بإيدي. لولاش قلبي الحنين ده مهما تتلامض عليا!"
استدار لها "مصطفى" وأمسك بيدها، بسط كفها فوق قلبه وقال بامتنانٍ وتقدير بالغين: "إنتي لولاكي أصلًا ماكنش بقى ليا أي لازمة في الحياة. إنتي أحسن أم. وأجمل ست في الدنيا دي كلها.. إنتي هانم بجد زي إسمك ياما."
ابتسمت له وقد أثرت فيها كلماته وأطفرت الدموع من عينيها وهي تقول بصوتٍ مختلج: "إيه البكش ده كله يا بيه. كل ده يعني عشان أقنعت أبوك يقدم معاد فرحك. عمومًا بدل الدخلة هتبقى إتنين. وأنا مش فرحانة أوي زيك. كان نفسي في ليلة ليك لوحدك يا مصطفى.. ليلة يتحاكى بيها الكل."
غمز "مصطفى" لها قائلًا بعدم اكتراث: "لأ أنا مايشغلنيش الكلام ده.. دخلة واحدة ولا إتنين مش فارقة معايا. المهم إللي في دماغي يمشي بالظبط."
"هانم" باهتمامٍ: "وهو إيه إللي في دماغك يا مصطفى؟!!"
نظر لها بصمتٍ لبرهة، ثم قال مشوّشًا على سؤالها: "قوليلي ياما أبويا ذاع الخبر ولا لسا؟ بطة عرفت يعني؟?"
"لأ لسا يا حبيبي. أنا لسا طالعة من عند ستك دلال. أبوك سابلك عندها 100 ألف. قال إنهاردة بالليل الكل هايدرى بالخبر وهاننزل كلنا نجيب الشبكة ليك وللمحروس التاني."
"و الـ100 ألف دول بتوع إيه يعني مش فاهم!!"
"أبوك قال نصهم تجيب بيه شبكة عروستك والنص التاني ليك. مصاريفك يعني عشان الفرح إذا كنت تشتريلك بدلة. كده يعني.. وهو هايبعت للنقاشبن والعمال يجوا يشطبوا الشقة الفاضية إللي قدامنا ليك. والعفش والفرش كله هايجي قبل الفرح بيوم. أبوك متحمّل كافة شيء ماتقلقش خالص."
أومأ "مصطفى" مثبتًا نظراته الحادة بعينيها، ثم قال باقتضابٍ: "وأبو زيد الهلالي بتاعه نظامه إيه.. رزق يعني القسمة بتاعته زيي ولا كالعادة حاطط على الكل؟!"
فهمت "هانم" ما يرمي إليه تحديدًا، فقالت دون أن تخفي حقدها المماثل: "ماعرفش تفاصيل كتير عنه.. بس ستك قالتلي أبوك هايكمل السطح عشانه. يعني بدل ما كان قاعد في أوضة الدور كله هايتقفل ويبقى شقة يرمح فيها الخيل والخيّال. مش زي بقية البيت. الدور على شقتين!"
مصطفى بغضبٍ دفين: "كده فاتورة العفش والفرش لشقته هاتضرب بالجامد. وطبعًا.. على قلب سالم الجزار زي العسل. ده غير المبلغ إللي هايكبش ويديه للباشا عشان شبكته ومصاريفه. أكيد معدي مش 100 ألف بس زي إللي رماهملي!!!"
لاحظت "هانم" احتقان وجه إبنها الخطير، والنيران التي شبّت بحدقتيه البنيتين، لتحيط وجهه بكفيها مسرعة وهي تقول بابتسامة متوترة: "يا حبيبي ولا يهمك.. إللي إنت عاوزه أنا أديهولك. إنت مفكر أمك فقيرة ولا إيه.. ده جدك سعد سايبلي شيء وشويات. كل ده ليك ولاخواتك يا حبيبي."
أزال يديها عنه بحركةٍ قاسية أجفلتها ولم تتوقعها، رمقته بنظرةٍ قلقة، بينما يبتعد عنها خطوة وهو يغمغم بغلظةٍ: "وأنا أبويا سالم الجزار.. فلوسك إللي سابهالك أبوكي دي ليكي ياما. أنا عندي فلوس أبويا. وليا فيها زي غيري."
ثم أولاها ظهره متمتمًا لنفسه بصوتٍ لا يكاد يُسمع: "الأيام بينا يا رزق.. الأيام بينا يابن أبويا!!!"
***
شيئًا ما يدغدغ بشرته العارية أثناء نومه، في المنطقة بين كتفه وعنقه، حيث كان يرقد على وجهه، بدأ يشعر بحرارة أشعة الشمس فوق ظهره، وبأنفاسٍ دافئة تلفح رقبته من الخلف.
كان النعاس لا يزال يضغط على حواسه، لم يكن باستطاعته التركيز على أيّ شيء في الحال.. حتى سمع صوتها يهمس في أذنه برقتها المعهودة: "حبيبي.. رزق.. يلا يا روحي قوم. بقينا الضهر وأنا حضرتلك الفطار!"
وحده الصوت الذي سمعه من دفعه لإجبار نفسه على الصحيان، رغم أن جسمه كان ثقيلًا مع ألم واخزٍ على طول عموده الفقري.
وبجهدٍ يُحسب له باعد بين أجفانه قليلًا، فتبين شعاعًا بسيطًا يلفه، وما لبث أن إنقلب على ظهره متجاهلًا نداء الكسل والإجهاد.. ليصطدم برؤية وجهها مباشرةً.
إذ كانت تميل صوبه وقد أحاط شعرها الطويل بوجهه.
"صباح الخير!" تمتم "رزق" بصوتٍ أجش متأثرًا بالنوم.
تبتسم له "نسمة" بتوّردٍ وتقول بحب: "صباح الفل والورد على أحلى عيون.. رزق. حد قالك قبل كده إنك تتاكل أكل.. إنت فاتح دكان فاكهة في وشك يا حبيبي!"
ودنت منه لتقبله، لكنه جمدها بقبضته ونهض بجزعه ساحبًا هاتفه من جواره، ألقى بنظرة على الساعة الرقمية وهو يقول بثباتٍ لا يخفي توجسه: "وإنتي عارفة إن نهارنا مش فايت إن شاء الله.. إنتي إزاي تسبيني نايم كل ده يا نسمة. 1 الضهر. أنزل من عندك إزاي دلوقتي. لو حد شافني هاتقلب مولد!!!"
عمدت إلى تهدئته في الحال وهي تتقرب منه مدلكة كتفيه بأصابعها الطرية: "إهدا بس ماحصلش حاجة.. أنا لاقيتك رايح في النوم خالص وشكلك كان تعبان. ماجليش قلب أصحيك. سيبتك ترتاح.. مافيش حاجة لده كله يا رزق. خليك قاعد معايا لحد بالليل وإبقى أنزل."
أثناء حديثها عن مظهره المتعب خلال نومه، تذكر رحلة سفره إلى الاسكندرية البارحة لزيارة قبر جده، فضلًا عن الحوار المحتدم الذي دار بينه وبين أبيه وحطم معنوياته نوعًا ما، ثم مروره على منزل عشيقته امتثالًا للوعد الذي قطعه لها.
قضى معها الليل كله منغمسًا بظلمات شخصيته الأكثر سوداوية وفجورًا، لبَّى لها كل متطلباتها التي عبّرت عنها هذه المرة بالحاحٍ أثار دهشته. لكنه لم يبالي كثيرًا.
كان سيرحل قبل مطلع الفجر مثل كل مرة، لكنها لم تتركه، ويبدو أنه سقط اعياءً وتعبًا في الأخير. وها هو لم يشعر بنفسه إلا الآن.
"أنا لازم أمشي!" قالها "رزق" وهو يقوم على عجالة باحثًا عن ملابسه دون أن يجدها. "فين هدومي؟؟؟"
وقفت "نسمة" قبالته تمامًا، عقدت ذراعيها أمام صدرها معلنة بلطفٍ: "مش هاتمشي يا رزق.. زي ما قلت ممكن حد يشوفك. يبقى ليه تغامر. وبعدين أنا أستاهل تقضي معايا يوم بحاله بعد كل الأيام إللي أهملتني فيهم دول.. ولا مستكتر عليا يوم؟!"
يحك "رزق" مؤخرة رأسها وهو يرد عليها بشيء من التردد: "يا نوسا أبويا هايعث ورايا.. كده قدامه بقالي يومين مابنامش في البيت. أبويا لما يعوز يعرف حاجة بيعرفها. وأنا مش هاعرضك لأي مشكلة يكون فيها. هاقف قصاده عشانك والموضوع هايبقى صعب أوي."
نسمة بذهولٍ: "كل ده عشان هاتقضي معايا يوم واحد؟! للدرجة دي وجودك معايا يسبب كوارث!!"
ثم تظاهرت بالحزن الشديد وهي تشيح بوجهها عنه مجبرة غدتها الدمعية على إفراز الدموع، لتقول بعدها بصوتٍ أذى لهجة بائسة مصتنعة: "خلاص.. أنا أصلًا متنظرة منك إيه. عارفة ديتي كويس أوي عندك.. مجرد محطة. استراحة تنزل فيها شوية وبعدين تكمل وتدوس عليا. ولا كأني أسوى أقل حاجة."
وغطت وجهها بكفيها مجهشة ببكاءٍ مريرٍ متقن.
ضم "رزق" حاجبيه بجزعٍ، لام نفسه فورًا وندم على اللا شيء الذي عناه في كلامه وأحزنها هكذا. اقترب منها بسرعة وحاطها بذراعيه مغمغمًا: "نوسا.. نوسا ماتعيطيش عشان خاطري. أنا مقصدش أزعلك. طيب حقك عليا.. إنتي غالية عندي أوي والله. إستحالة أفكر أقل منك أو أعاملك بشكل مايلقش بيكي. عيب تظني فيا كده بعد العشرة إللي بينا دي كلها.. أنا إللي أزعل منك والله."
كانت تدفن وجهها في صدره متعمدة إسالة دموعها الساخنة فوق بشرته ليشعر بمدى آلامها، لكنها لم تبالغ كثيرًا في لعبتها وهدأت تدريجيًا... لترفع وجهها الغارق بالدموع بعد هنيهة.
تنظر له بتضرعٍ قائلة من بين شهقاتها: "إنت عارف إني بحبك.. أكتر من نفسي. أكتر من الدنيا دي كلها!"
رمقها بنظرةٍ عطوفة وقال بصدقٍ: "وإنتي غالية أوي عندي يا نسمة.. عمري ما أفرط فيكي أبدًا!"
ابتسمت من بين دموعها وقالت بلهجة قريرة: "ده كل إللي كنت محتاجة أسمعه منك.. الله يخليك ليا يارب."
وشبّت على أطراف أصابعها لتطبع قبلة على لحيته النامية، ثم همست بجوار أذنه: "إنهاردة هاطبخلك كل الأكل إللي بتحبه. إنهاردة ليك دلع في دلع.. إنسى كل حاجة وخليك معايا شوية يا رزق!"
وقبلته مرةّ أخرى، ثم إنسلّت من بين ذراعيه مهرولة بقميصها القصير تجاه المطبخ لتبدأ تجهيز وإعداد أشهى أصناف المأكولات لحبيبها!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم محمد
ملأت الزغاريد الدار والصيحات المهللة في كل مكان. كان كل هذا بمثابة طعنات تنفذ إلى بدنها. لحظة وقوع الخبر على مسامعها، لم تتحمل وهرعت راكضة إلى شقة أبيها. ظنها الجميع خجلة، إلا أنها في الحقيقة كانت مصدومة، مرعوبة. بالطبع، ما المتوقع منها؟
بعد أن علمت بأن عمها الزعيم الكبير قد قرر أن يزوجها من ابنه بعد أيام قليلة! أيعقل بأن يكون زفافها هي خلال تلك الفترة القصيرة وعلى أكثر إنسان تمقته في حياتها! لا، والأدهى، الأقسى على الإطلاق كان علمها بخبر زواج الرجل الذي أحبته من صميم قلبها من أخرى. عذاب طافح يكاد يخنقها حتى الموت.
ارتمت فوق الأريكة تصك أذنيها بيديها وهي تذرف الدموع بصمت. لا تستطيع تقبل هذا، لا تتحمل سماع صوت الأفراح والاحتفالات. إنها ليست زيجة كما يعتقدون، بل جنازة!
"بطة!"
كان هذا صوت أمها، السيدة نجوى. قد لحقت بها وها هي تلج عبر باب الشقة بابتسامة من الأذن للأذن. أغلقت الباب خلفها بسرعة وهي تقول مستديرة ناحية ابنتها:
"يا فرحة عمري.. الليلة نازلين نجبلك أحلى شبكة يا قلب أمـ..."
بترت جملتها حين وقعت عينيها على فتاتها التي بدت في حالة شنيعة من البؤس والحزن الشديد. انطلقت صوبها وهي تهتف بجزع ملتاع:
"مالك يا فاطمة.. مالك يابنتي فيكي إيه؟!!!"
وجلست على طرف الأريكة بجوارها، أحاطتها بذراعيها وضمت جسمها المرتعش إلى أحضانها الحنونة متمتمة بقلق:
"إيه إللي صابك يا قلب أمك. جرالك إيه بس يا بطة.. ردي عليا يا حبيبتي إيه إللي فيكي!!!"
"أما!.."
نطقت فاطمة بصعوبة من بين دموعها.
نجوى بتلهف:
"عين أمك ياختي!"
أرخيت ذراعيها من حولها عندما شعرت بأنها تريد الارتداد للخلف قليلاً، بينما تتطلع فاطمة إلى والدتها والدموع ملء عيناها. تنتظر هنيهة، ثم تقول بلهجة مرتجفة:
"آنا.. أنا مش عايزة أتجوز مصطفى!!!"
حملقت نجوى فيها ببلاهة بادئ الأمر، ثم ما لبثت أن سألتها مذهولة:
"مش عايزة تتجوزي مصطفى؟ ليه يا بطة؟?"
هزت رأسها للجانبين مغمغمة بمرارة:
"مابحبوش ياما.. عمري ما حبيته. أنا كنت مفكرة الكلام إللي بسمعه من صغري ده لعب عيال.. بس لما توصل لجواز و بالسرعة دي. لأ.. لأ ياما ونبي. شوفيلي حل."
عمدت نجوى إلى تهدئتها في الحال وهي تربت على كتفها قائلة باقتضاب:
"طيب بس إهدي. إهدي يابنتي.. دي أكيد عين و صابتك. هو إنتي حظك شوية. ده إنتي فاطمة بنت إمام الجزار و كمان جمعة هاتبقي على ذمة مصطفى إبن عمك سالم الجزار كبير الجزارين و الحي كله بتاعه. هاتبقي ست الستات يا حبيبة أمك..."
"مش عايزة أبقى ست الستات أنا !!!"
إنفعلت فاطمة بشدة مقاطعة كلام أمها.
إنتفضت مبتعدة عنها نهائيًا وهي تصيح بعصبية مفرطة:
"أنا مابحبش مصطفى.. بكرهه. سامعة ياما. و لو إتجوزته هموت نفسي..."
قامت نجوى واقفة قبالتها وقد تملكها الغضب وهي تهتف بها زاجرة:
"إيه يا بت الفجر إللي بقيتي فيه مرة واحدة ده. هتموتي نفسك يعني إيه.. هاتلوي دراعنا. يابنت الموكوسة إنتي تطولي ضفر مصطفى أصلًا. لأ ده أنا أندهلك أبوكي يشوفله صرفة معاكي. كمان شوية رايحين نجيب شبكتك يابنت الـ****!!"
فاطمة بصراخ جهوري:
"مش هـاتجوووووززززززه!!!"
"إيه ده في إيه؟!!"
ينضم لهما صوت إمام في هذه اللحظة. نظرت معًا، فإذا به يلج عبر باب الشقة وأخيه الكبير في إثره. كانت نظرة مريبة تعتلي محياه.
ظل يتبع شقيقه إلى الداخل وهو يحرك مسبحته بين أنامله ونظراته لا تحيد عن إبنة أخيه، بينما ترد نجوى بتوتر ملحوظ وهي توزع نظراتها بين الجميع:
"مافيش حاجة يا سي إمام سلامتك. ده أنا قاعدة بحايل في بطة بس.. أصلها زعلانة أوي و متعصبة!"
يخرج سالم عن صمته المدروس في هذه اللحظة قائلاً بصوته الرصين:
"كفى الله الشر.. مالها عروستنا الحلوة. إيه إللي ممكن يزعلها و عمها سالم الجزار موجود على وش الدنيا؟"
إبتسمت نجوى مغطية على ارتباكها وهي ترد عليه:
"نعمة و فضل وجودك فوق راسنا يا سي سالم. هي بس ماكانتش عاملة حسابها على شرى الدهب الليلة.. ماعندهاش حاجة يعني عليها القيمة تلبسها و هي ماشية معانا و مع خطيبها!"
وألقت نحو ابنتها نظرة متوسلة ملؤها الهلع مما قد تتفوّه به...
على الطرف الآخر، يقترب سالم بضعة خطوات من إبنة أخيه وهو يقول مبتسمًا:
"يا سلام! بقى هو ده إللي معكنن عليكي و مطلع صوتك كده يا ست البنات.. بصي يا بطة. إنتي لو لبستي خيش هاتبقي أحلى بت شافتها المنطقة دي كلها. مع ذلك عمك مش هايحرمك من حاجة. و لا تحملي هم.. هابعت معاكي الولا بندق بعربيتي شخصيًا و تنزلي تنقي إللي يعجبك."
"الله يخليك لينا يا كبير!"
هتفت نجوى بحبور شديد.
"مانتحرمش منك يارب."
أومأ سالم مرةً واحدة، ثم مد كفه الضخم ومسد على خد فاطمة الرطب قائلاً:
"أهم حاجة عندي تبقي جاهزة قبل الساعة 9.. الساغة كلها هاتكون فاضية عشانك. تدخلي أي محل و تختاري أحلى و أغلى شبكة. إن مكفاش مصطفى عمك يكفي و زيادة يا بطة!"
وجمع مسبحته بقبضته ليمسك بكتفيها ويقترب أكثر ليطبع قبلة أبوية فوق جبهتها...
في المقابل تقف نجوى بجوار زوجها شادة على يده بقوة خشية تصرفات ابنتها المستقرة إلى الآن باعجوبة.
يلاحظ إمام تصلّب ابنته وعدم نطقها بكلمة حتى هذه اللحظة، كما لا يخفى عنه توتر زوجته. استشف أن حتمًا هناك خطبًا جلل، لكن حدسه نبئه بأن ليس من المصلحة أن يثير جدلاً الآن.
فلينتظر قليلاً.. على الأقل ريثما تمر هذه الليلة!
***
كانت منهمكة في أعمال المطبخ حين سمعت أصوات الزغاريد من كل حدب وصوب. وكأنها نواقيس الإعدام...
ألقت نسمة ما بيديها وأسرعت إلى الخارج، حيث تركت رزق يجلس بالصالون متابعاً إحدى قنوات الأفلام الغربية ذات الطابع الحركي الأكشن. لكنها لم تجده حيث تركته تماماً، بل أنه كان يقف عند النافذة، متخفياً وراء الستار السميك، بدا أنه يراقب ما يجري بالأسفل وحول منزل عائلته الجليل.
"إيه الصوت ده يا رزق؟!"
بالطبع كانت تعرف ما هذا الصوت وما هو سببه، لكنها تظاهرت بالبلاهة حتى آخر لحظة. بينما يرد عليها دون أن يلتفت وبلهجة تكنف غضب مضمر:
"ماعرفش يا نوسا.. بس باينه جاي من بيتنا!"
كانت ستجذب معه أطراف الحديث أكثر عساه يفصح لها سهواً أو تحت الإلحاح عما يعرفه. لكن هاتفه دق فجأة.
فاستدار رزق تاركاً مكانه عند النافذة، مشى ناحية سترته الملقاة هناك فوق كرسي الصالون، نبش في الجيوب الداخلية حتى استل الهاتف.
هتف مخاطباً نسمة وهو ينظر مطولاً إلى رقم أبيه الذي أضاء شاشة هاتفه:
"أنا لازم أرد على المكالمة دي.. هادخل أتكلم جوا. إوعي صوتك يطلع!"
وولّى من فوره تجاه غرفة النوم...
أما هي، فحثت الخطى نحو النافذة، وطفقت تتأمل معالم الفرح المقام بالأسفل وهي تعض شفتها السفلى بقوة. تجمعت دموع الغيرة والحسرة بعينيها. ماذا لو خاب سعيها؟ ماذا لو تمت تلك الزيجة؟؟؟
ماذا ستفعل لو حدث هذا!!!!
***
يغلق رزق باب الغرفة وراءه بإحكام. يبتعد قليلاً بحيث لا تتمكن نسمة من التقاط أي كلمة قد ينبس بها.
ثم فتح الخط ورد بصلابة شديدة:
"آلو!"
جاء صوت سالم الجزار قوياً وهادئاً في آن:
"إيه يا عم الرايق.. ينفع كل يوم أصحى ألاقيك بايت برا البيت. إنت فين يا رزق؟"
تجاهل رزق تحقيقات أبيه وقال بصوت أجش:
"مش مهم أنا فين. إيه إللي أنا سامعه عندك ده.. إنت عملت إيه يابويا!!!"
"عملت إيه يابني. مش قولتلك ليلة إمبارح عندنا دخلتين الجمعة الجاية.. إنت و أخوك مصطفى!"
"و أنا قولتلك مش موافق. بتحطني قدام الأمر الواقع يعني.. أنا مابجيش بالطريقة دي و إنت عارف."
"طيب بس هدي خلقك شوية. هانقعد تاني و نتفاهم و هاريحك.. مش هاتنزل إنهاردة مع أخوك و تجيب شبكة لعروستك زيه. مش هاحطك في الموقف ده لو مش عاوزه. بس تجيلي و نتكلم. أنا مش بضغط عليك يابني يا حبيبي.. أنا كل أملي أشوفك مبسوط و مرتاح بس!"
وها قد نجح سالم بكلمتين بامتصاص غضب ابنه...
تنهد رزق بثقل، ثم قال:
"أنا مش هعمل حاجة مش مقتنع بيها يابويا.. مش هاتجوز واحدة غصب عنها."
طاوعه سالم قائلاً:
"طيب بس تعالى.. تعالى و أنا هاعملك إللي إنت عاوزه. وحياتك عندي هاعملك إللي إنت عاوزه."
وافق رزق في الأخير:
"تمام.. أنا جاي دلوقتي!"
يخرج رزق من الغرفة مرتديًا قميصه، كانت نسمة تنتظره بالصالون. رمقته وهو يهم بارتداء سترته هاتفة باستنكار:
"إنت ماشي؟!"
نظر لها متمتماً باعتذار:
"أنا أسف يا نوسا.. لازم أمشي. في مشكلة في الشغل و أبويا عازوني حالاً."
تهدلت قسماتها...
"و الغدا إللي بحضره بايدي عشانك!!"
اقترب رزق منها ودنى ليطبع قبلة فوق خدها هامساً:
"معلش.. الجايات أكتر."
سألته بشك:
"متأكد؟!"
لم يفطن للمغزى وراء سؤالها، فقال فوراً:
"طبعًا.. أنا ماستغناش عنك أبدًا. هابقى أكلمك لما أخلص!"
وودعها بقبلة أخيرة فوق شفاهها، ثم تحاوزها ماضياً تجاه الشرفة الخلفية المطلة على المهرب السري الذي يعتمده منذ فترة طويلة. لتبقى هي محلها. تنظر في أثره الفارغ، تشعر أنها بعد كل هذا أيضاً... لا تزال خالية الوفاض!
***
وقف وسط شباب الحي ورجاله منتفخ الصدر. ما برحت التهنئات الحارة تنهال فوق رأسه وهو يستقبلها مسروراً، لا يستطيع أن ينكر السعادة التي ملأته، فهذا كان حلمه الجميل منذ صباه.. أن يتزوج فاطمة. الحب الذي زرعه والده بقلبه حتى عصى عليه اجتثاثه عندما كبر، لدرجة أنه لم ينساق أبداً وراء أي علاقة غرامية. فقط فاطمة التي بقيت كنجمة صعبة المنال، حتى حين.. حين يقرره والده. وأخيراً قرر أن يزوجه إياها. إن هي إلا أيام قليلة وتصير على اسمه.. اسمه هو.. للأبد!
كان على بُعد أمتار من المنزل، عندما لمح خطيبته تخرج برفقة أمها وتمشيان ناحية سيارة أبيه الفارهة. اعتذر من رفاقه وهرع نحوهما هاتفاً:
"على فين العزم يا مزز؟!!"
ضحكت نجوى لمداعبته، بينما فاطمة تقف خلف أمها واجمة، لا تتحمل حتى مجرد رؤيته. وتسمع أمها تجيب سؤاله تالياً...
"رايحين مشوار بعربية أبوك يا جوز بنتي!"
ابتسم مصطفى باتساع قائلاً:
"يسمع من بؤك يا حماتي!"
وألقى نظرة صوب فاطمة مكملاً بلهجة تشتعل حماسة:
"و لو إن مش فاضل كتير.. بس الشوق مغلبني أوي."
ضحكت نجوى ثانية وهي تضربه في كتفه مازحة...
"يا واد إتقل مش كده. و بعدين عدينا بقى.. مش عايزين نتأخر."
مصطفى باهتمام:
"رايحين فين طيب؟?"
"أبوك المعلم سالم الله يخليه لينا يارب باعت معانا بندق لحد السوق. هانشتري طقم حلو كده لبطة عشان مشوار إنهاردة.. إيه في مانع إن شاء الله؟ حتى لو في ماتقدرش عشان أبوك قال كلمته خلاص."
مصطفى ضاحكاً بخفة:
"بتهتيني بابويا..ماااشي يا حماتي. خافي على بنتك بقى!"
وقهقه عالياً...
في الخلفية فاطمة تلوي فمها ازدراءً من ذلك الهزل السمجو تقف كما لو أنها فوق صفيح ساخن، حتى مرت أمها لتستقل السيارة من الجهة الأخرى.
مدت فاطمة يدها مجتذبة باب المقعد الخلفي لتلج بجوار والدتها، إلا أن مصطفى بسط ذراعه مانعاً إياها. وهنا اضطرت لرفع وجهها والنظر بوجهه حاد الملامح.
كانت ابتسامة خبيثة تتراقص فوق ثغره وهو يرمقها بنظرات فاحصة، جريئة. ابتلعت ريقها بصعوبة ونطقت بصوت أخز:
"عديني لو سمحت!"
تحركت حدقتيه البنيتان وهو يتأمل قسمات وجهها كلها، ثم حنى رأسه قليلاً كي ما يهمس لها بصوت جمد أوصالها رعباً:
"إوعك تفكري إني نسيت كلامك.. أنا فاكر كل حرف سمعته منك. فاكر و مش ناسي.. ردي على الكلام ده هاتشوفيه بعنيكي فعل بعد أربع تيام من دلوقتي. و حياة غلاوتك عندي لا تعرفي الفرق الحقيقي بين مصطفى الجزار و حبيب القلب التاني... عدي يا بطة!"
و تراجع مفسحاً لها طريق المرور...
لم يكد يرتد لها طرفها إلا ورأته و قد ابتعد عائدًا من حيث أتى!!!
لولا نداء أمها بعد أن لاحظت مدة مكوثها وحيدة لكانت قضت دهرًا هنا متجمدة من شدة الخوف الذي بثه فيها...
"يلا يا فاطمة!"
قست نفسها على الإذعان لأمها. استقلت إلى جوارها شاردة وشاحبة كثيراً...
"مصطفى كان بيقولك إيه؟!"
تساءلت نجوى بريبة.
هزت فاطمة رأسها سلبًا وقالت بما يشبه اللهاث:
"ماقالش حاجة!"
***
بعد نجاحه الموثوق بعبور بيت عشيقته دون أن يلفت الانتباه.
مر بشكل طبيعي أمام أخيه وجماعته حتى بلغ عتبة المنزل، ارتأى أن تحون قبلته الأولى هي شقته الخاصة أعلى السطح. على الأقل ليستحم ويبدل ثيابه ليزداد ثقة وحضوراً كما هو عهده.
و بالفعل...
صعد الدرج في زمن وجيز حتى صار بمكانه، لكنه وقف كالصنم فجأة، هنا بمنتصف السطح. حيث وجدها بانتظاره، تجلس فوق المقعد الرياضي خاصته...
"أنا قلت بردو إنك مختلف عنهم!"
هتفت ليلة مستقبلة إياه بكلمات مبهمة كهذه.
كانت تجلس باسترخاء وتبتسم، قامت من مكانها بتكاسل وهي تكمل ملوحة بكفها:
"بس تصدق ذوقك طلع حلو.. اخترت أهدى مكان في البيت ده. و مصممه بشكل كويس. و طلعت فعلًا مهووس بالبوكسينج. ده إنت فاتح جيم هنا يعتبر!"
وضحكت...
"إنتي بتعملي إيه هنا؟"
سألها مباشرة.
لتختفي معالم المرح كلها من محياها وهي تمشي صوبه ببطء قائلة:
"أنا وثقت فيك أول مرة.. لما قولتلي إن الموضوع في إيدك. و إنك تقدر تخلي أبوك ينسى حوار جوازنا ده.. بس يا رزق. إنت خيبت أملي!"
حاول أن يرد عليها ويشرح له الأمر. لتسكته باشارة من يدها وهي تقول بجمود:
"أنا كنت عاملة حسابي By the way.. كده كده إنت مش أول واحد يخيب أملي و يخدعني!"
نظر لها بغرابة، لتظهر هاتفه باللحظة التالية وتعبث به لثوان. ثم تضعه أمام عينيه...
"إتفرج و ماتحاولش تخطف الموب من إيدي. أنا شوفت أفلام عربي كتير..و مش محتاجة أقولك إن عندي من الفيديو ده نسخ كتير."
وضحكت من جديد...
لم تمر لحظات إلا وتجلى له الأمر كله.
بينما راقبت تعابير وجهه المصدومة بانتشاء، أبقت شاشة الهاتف أمام عينيه وهي تستطرد بانتصار لا يخلو من الخبث:
"إنت شكلك كنت فاكرني هبلة.. يا حبيبي أنا من الليلة إياها لما ظبطني و أنا بحاول أهرب مابطلتش أفكر إنت كنت هناك في المكان ده الساعة دي بتعمل إيه. من ساعتها و أنا براقبك.. لحد ليلة إمبارح شوفتك و إنت خارج من البيت متأخر. مشيت وراك لحد ما طلعت بيت. صاحبته إللي مقدرتش تصبر حتى لما تدخل و استقبلتك بالاحضان.. تخيل الفيديو لو وصل لسالم الجزار!"
في هذه اللحظة نظر إليها بقوة وقد صارت بشرته حمراء لاهبة من شدة الغضب...
"إنتي مجنونة!!!"
غمغم رزق محاولاً كبت عصبيته بجهد فائق الحد.
تعيد ليلة الهاتف إلى جيبها وهي تقول بفتور مستفز:
"منغير كلام كتير و غلط.. أنا مش هاستفيد حاجة من فيديو زي ده. بس لو ماتصرفتش و لاغيت الجوازة دي أنا مش بس هالعب بالكارت ده. لأ.. أنا هاقلب حي الجزارين ده كله حريقة. و صدقني. مش مجرد كلام!"
حدجها بنظرات لو أثرت لأحرقتها، لكنها على كل حال، لم تكن خائفة منه...
وهنا وصل إلى مسامعها صوت سعال خفيف، وصارت خطوات واضحة ترتقي الدرج وصولاً إلى هنا. سارعت ليلة بالاقتراب منه قليلاً والهمس محذرة:
"قدامك لبكرة عشان تيجي و تقولي إن الموضوع إنتهى.. و إلا و شرف أمي هاتندم!"
وأولته ظهره بسرعة متجهة صوب الدرج، لتصطدم بعمها هناك. قابلها الأخير بابتسامة قائلاً:
"الله! ليلة. أول مرة أشوفك هنا. أيوة ياستي. طالعة لخطيبك مين أدكوا!"
وغمز لها...
ضحكت ليلة ضحكة صفراء وقالت باقتضاب:
"أنا كنت بقول حاجة لرزق بس.. هو بقى ممكن يقولهالك. عن إذنك يا عمي!"
أفسح لها سالم...
"إتفضلي يا حبيبتي!"
كان يحمل حقيبة جلدية صغيرة في يده، ما إن توارت عن ناظريه حتى تقدم نحو ابنه.. وإذ صار يقف قبالته تماماً، قال بصوته القوي:
"مالك يالا.. جازز على سنانك أوي كده ليه؟!"
"مافيش حاجة!!"
نطق رزق بنزق حانق.
ابتسم سالم مغمغماً بلهجة ذات مغزى:
"أحسن يكون كلام البت دي أثر فيك و لا حاجة!"
تطلع له رزق مشدوهاً...
تنفس سالم بعمق وأفصح له مباشرةً:
"أنا سمعت الحوار.. بس ماعجبنيش ردك. أو قلة ردك أصلًا.. إزاي تسيبها تكلمك بالاسلوب ده يابني. دي هاتبقى مراتك.. كده تركبك و تدلدل يا عبيط!"
عبس رزق بشدة وهو يقول مشيحاً بوجهه للجهة الأخرى:
"إنت مش عارف حاجة."
"لا ياخويا عارف.. و زي ما فهمت الفيديو اللي بتبتزك بيه يخص البت إللي جبتها هنا وسطنا و أويتها. كان اسمها إيه.. مش نسمة بردو؟!"
عاود النظر لأبيه ثانية...
"كنت عارف؟؟!!"
سأله بصدمة مضاعفة.
رد سالم بثقة تغلفها قساوة:
"طبعًا يالا.. أومال فاكر أبوك دق عصافير و لا إيه. أنا دبت النملة بتوصلني. آه كنت عارف. و من أول يوم بعلاقتك بالبت دي.. و سيبتك بمزاجي. كنت بقول كبر و بقى راجل و محتاج واحدة ست في حياته. بس خلاص.. آن الأوان و هاتتجوز. يبقى هاتقطع علاقتك بالبت دي نهائي. و هاتمشيها من هنا..."
"نسمة مش هاتروح في حتة!"
غمغم رزق بخشونة ملوحاً بسبابته.
"و حذاري تقرب منها. سامعني يا معلم سالم؟!!!"
زفر سالم بنفاذ صبر وقال:
"طيب.. بكيفك. تقعد.. بس إسمع بقى إنت.. قسمًا بالله لو عرفت إنك روحتلها تاني أو قربت منها ماتلومش إلا نفسك.. أمين؟ اللهم بلغت!"
ثم أنهى النقاش بأن مد له الحقيبة الجلدية قائلاً:
"أمسك.. الشنطة دي جواها شبكة عروستك!"
تناول رزق الحقيبة منه مستوضحاً:
"إيه هو ده مش فاهم!!"
صمت سالم لدقيقة كاملة، وكأن الذكريات تجتاحه. حتى تمكن من القول:
"الشنطة فيها طقم ألماظ.. أول هدية جبتها لأمك. كانت بتحبه أوي. و في يوم قالتلي لما رزق يكبر و يتجوز هاتلبسه بايديها لعروستك..."
وتطلع إليه مضيفاً بجفاء:
"أنا وصلت الأمانة بس!"
ثم استدار مغادراً وهو يلقي بآخر كلماته:
"يلا أسيبك تشوف وراك إيه.. و فكر في كلامي كويس. لازم تأدب البت دي و تدبحلها القطة من أولها. خليها تعرف كويس إنت مين!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم محمد
أمام المرآة يقف منذ بضعة دقائق يستعرض على جسمه الرياضي المفتول كافة ثيابه الفاخرة. كل قطعة هنا قد جمعها على ذوقه الخاص و بماله. مال أبيه في الحقيقة الذي استحقه جزاء قيامه بالأعمال المشبوهة التي أسندها إليه منذ حداثة سنه.
إنه يملك خزانة ثمينة، و يملك قالب و وجه يحسده عليه الجميع. في الماضي لم يكن يبالي بذلك، لكنه اليوم يأخذه على محمل الجد و الاهتمام، إذ أنه من غير المعقول أن تمتنع عنه امرأة مهما كان حسنها أو مركزها.
و بالنسبة لابنة عمه تحديدًا كان الأمر عصيًا على الاقناع، لم يستطع أن يبتلع لها رفضه إياه. و قد بدأ يساوره الشك نحوها. فهي إما تحب رجلُ آخر من قبله، أو أنها تخفي سرًا ما.
الشيء المهم الذي يتطلع له هو استحالة مقتها من علاقة تربطها به. لا يعلم أهكذا يصوّر له غروره أم ماذا. لكن مهما يكن، لا ينبغي أبدًا أن ترفضه امرأة بدون عذر يستحق.
و هو عازم بشدة على كشف هذا العذر. لقد دخلت نطاق اهتمامه بعد أن كانت لا تعني له شيء. الآن هي بدائرة أفكاره و لن تخرج حتى يلج هو إلى رأسها و يعرف عنها كل شيء.
أطلق "رزق" زفرة نافذة الصبر فجأة.
حين شعر بالملل من مدة مكوثه الطويلة في اختيار بذلة قيّمة يرتديها لهذه الأمسية المميزة. و بدون مقدمات رمى ما بيديه فوق سريره و توجه ثانيةً إلى الخزانة.
تعمّد ألا يفكر حتى و هو يلتقط بذلته عصرية الطراز.
كان بالفعل بسرواله الداخلي فقط، لكنه بعد دقيقتين بالتمام، كان يقف من جديد أمام المرآة و قد شرع بربط عقدة عنقه.
ما اختاره ليس ببذلة تمامًا. إنما بنطالًا من القماش الأسود ماركة بولو الأمريكية. و قميصًا أبيض تعلوه سترة رمادية بدون أكمام. الإثنان ماركة دلوتشي آند چابانا. و من مجموعة ساعاته الباذخة التقط منشودته من ماركة رولكس ذات سوارٍ مطاطي أنيق. و أخيرًا زوجيّ الحذاء من جونستون آند مارڤي.
و ها هو.
يتأمل مظهره الأنيق بالنهاية و هو يرش من عطره المفضل على الإطلاق ديور سوڤاچ. هكذا بالضبط أراد أن يبدو.
جميلًا، جذابًا، أنيقًا. شكله يوحي بالامبالاة التي عمدها منذ زمنٍ طويل.
حانت منه نظرة ناحية الحقيبة الجلدية التي سلّمه إياها أبيه، و التي لم تكن تحمل داخلها سوى طقمًا من الألماس يعود لأمه. يا له من شيءٍ ثمين يجب أن يخبئه عن الأنظار.
و فورًا توجه "رزق" صوب الحقيبة و حملها إلى خزنة صغيرة أسفل خزانة الملابس. ضرب الرقم السري و وضعها بالداخل و أغلق عليها ثانيةً و هو يطلق زفرة مطوّلة.
و يتذكر.
قبل ساعة من الآن.
Flash Back
هبط إلى شقة والده بعد أن هاتفه و طلب أن يقابله بشكلٍ عاجل. أراد أن يعرف إن كان بالأسفل أم لا. و إن لم يكن فعليه أن يوافيه في الحال طبعًا.
لكن لحسن الحظ كان هناك.
"خير يابني !!" قالها "سالم" متسائلًا بريبة.
رزق عابسًا: الأمانة إللي سلمتهالي من شوية.. أنا مش ممكن أفرط فيها أبدًا.
رفع "سالم" حاجبه و قال مدهوشًا:
"مين قال هاتفرط فيها.. أنا مش قولتلك أمك قالت دي لعروستك. مراتك !"
"و لو !!!" اعترض "رزق" بشدة.
"مافيش واحدة زي أمي. حتى لو مراتي زي ما بتقول.. مش هاتاخدها لا هي و لا غيرها. أنا هاحتفظ بيها معايا."
بقى "سالم" محدقًا فيه بصمت لبرهةٍ، ثم قال في الأخير:
"خلاص.. إنت حر. و خليها معاك. أنا ماعنديش مانع طبعًا."
و سأله بعدها بجدية:
"بس كده عروستك وضعها إيه ؟ عاوز تتجوزها منغير ما تديها دهبها.. دي تبقى عيبة في حقنا كلنا. و بعدين ماتنساش إنها مننا. شايلة إسم الجزارين."
رزق بعدم اكتراث:
"مش بتقول مصطفى نازل يجيب لبطاطا شبكتها إنهاردة ؟!"
أومأ "سالم" أن نعم، فاستطرد "رزق":
"خلاص.. هاننزل معاهم. و هاجبلها دهبها.. ده حقها !"
"ماشي.. فلوس الدهب بتاعك طالعة من ذمتي. زي ما علمت مع أخوك."
جاء "رزق" ليعترض:
"مالوش لزوم تـ آ ا ..."
"و لا كلمة يالا !!" قاطعه "سالم" زاجرًا.
"إنت الكبير.. إنت البكري بتاعي. هافوتلك مع ستك 200 ألف. دي مصاريفك كلها بالدهب بتاع عروستك. و بالنسبة للسكنة من بكرة في عمال جايين يشتغلوا في الدور بتاعك هايقفلوه كله و يبقى شقة معتبرة زي شقة أبوك كده."
و ضحك "سالم" مثيرًا ابتسامة ابنه.
"بس ده كتير أوي يابويا !!" علّق "رزق" بفتورٍ.
"إنت كده بتفتح عليها النار و العيون البصاصة. و أنا مش ناقص أصلًا.. أنا ماكنتش عاوز أي حاجة من الأول."
قطب "سالم" حاجبيه مقتربًا من ابنه خطوة، بسط كفه الضخم فوق كتفه و نظر بعينيه مباشرةً و هو يقول بصوته القوي:
"رزق.. أنا محدش في الدنيا دي كلها يقدر يحاسبني. أنا أعمل إللي أنا عاوزه. و ولادي أنا حر فيهم.. أحط واحد فوق راسي. التاني تحت رجلي. أنا حر. محدش يعرف في هنا إيه."
و أشار إلى رأسه.
"و لا في هنا إيه."
و أشار إلى قلبه.
"و على رأس المثل.. من حكم في ماله ما ظلم. و ده مالي أنا. فهمت ؟"
اكتفى "رزق" بالصمت ردًا و هو يواصل النظر بعيني أبيه، إلى أن قطع "سالم" لحظة السكون هذه مرتدًا عنه قليلًا وهو يقول مظهرًا مسبحته بين يديه:
"يلا طيب. إطلع جهز نفسك.. هتطلعوا من هنا على الساغة الكبيرة. العربيات جاهزة تحت. عمامك و حريمهم و إخواتك و مرات أبوك كلهم رايحين معاكوا. لكن أنا هاستنى هنا مع ستك على ما تيجوا. و كمان عشان أشرف بنفسي على نقل حاجتك مؤقتًا من فوق. هاشيلها عندي هنا لحد ما العمال يخلصوا خالص."
رزق باستنكار:
"إيه اللخبطة دي.. أنا كده هانام فين طيب ؟!!"
سالم بتهكم:
"يعني بيت طويل عريض زي ده مش عاجبك.. و بعدين سؤالك ساذج أوي. أكيد هاتنام هنا. إن شا الله أسيبلك أوضتي لو حابب و أنام على الكنبة دي !!"
امتعض "رزق" كثيرًا و هو يرد عليه مغمغمًا:
"لا و على إيه. أنا أسيبك تنام على الكنبة بردو.. أنا إللي هانام عليها !!"
و أشاح بوجهه للجهة الأخرى متمتمًا لنفسه بغيظٍ:
"ما لو ماكانتش البرنسيسة قاعدة عند نينا دلال حبيبتي كنت نزلت عندها.. إيه إللي مقعدها معاها دي !!!!"
Back
لم يكاد ينهض كليًا من مكانه، إلا و تحقق المثل الشهير... "يحضر الشيطان عند ذكره " !!
"ده إنت قلبك ميت بقى !!!"
استدار "رزق" من فوره نحو مصدر الصوت، فإذا بها "ليلة".. تقف عند عتبة باب غرفته التي هي بنثابة شقة صغيرة.
كانت حمراء الوجه و العينين، ينقصها حلقة أنف و تصير كالثور المتأهب للثوران و الهياج، لكنها بالرغم من هذا بقيت ساكنة محلها.
بينما يبتسم لها "رزق" و هو يدعوها للدخول:
"أنا مش مصدق و الله. زيارتين في يوم واحد.. إدخلي يا ليلة. إتفضلي. تشربي سخن و لا ساقع.. أنا عندي كل حاجة !!"
"إنت هاتستعبط عليا !!!!" صاحت "ليلة" بغضبٍ شديد و هي تندفع ناحيته.
لم تجرؤ على الاقتراب كثيرًا، فجمدت على بعد مترين منه.
شملها "رزق" بنظراتٍ مستخفة و هو يقول:
"أيوة كده.. أعرفي حجمك كويس. عارفة لو كنتي قربتي أكتر.. مش عاوز أقولك إيه إللي كان هايحصلك. و جدعنة مني مش هاحسبك على الكلمتين دول."
ليلة بغلظة:
"لا كتر خيرك.. بجد كتر خيرك. مش هاتحاسبني.. إنت إنسان حقير. و كداب و آ آعااااااااااااااااا !!!"
صرخت بذعر حين قطع المسافة بينهما قبل أن يرتد لها طرفها، و بكفه الغليظ دفعها بمتصف صدرها حتى ألصقها بالجدار المقابل.
تأوهت بألمٍ مع تزايد ضغطه على صدرها، زفرت معتصرة أجفانها بقوة و هي تقول بصعوبةٍ:
"مش رجولة أبدًا.. أبدًا.. لما تستعرض عضلاتك. على واحدة بنت !"
خفف "رزق" ضغطه عليها و هو يقول بخشونة:
"ده لما تكون فعلًا بنت.. مافيش بنت تطلع من بؤها ألفاظ زي دي. خسارة إنك ماتربتيش هنا. جايز منطقتنا بؤرة مجرمين. بس في التربية.. خاصةً تربية البنات مافيهاش هزار."
و رفع يدها عنها و ابتعد نهائيًا، لتشهق معبئة الهواء بعمقٍ إلى رئتيها، و إذ هدأت تمامًا بعد لحظاتٍ، تطلعت إليه من جديد قائلة:
"إنت Sure غلطان لو فاكر إنك تقدر تلمس مني شعرة !"
دحض نظرتها المتحدية بابتسامته الواثقة و هو يرد عليها بغطرسته النابعة من عِرقه الأرستقراطي:
"بغض النظر عن موقفك إللي مش منطقي خالص مش بالنسبة لي لوحدي.. بالنسبة للكل. أنا مافيش حرمة شافتني و ماتمنتش إني أبصلها مش بس ألمسها.. أكيد مش هاجي في الأخر و أغصبك إنتي عليا أنا !"
و شملها بنظرة مستخفة محقرة من قدراتها كأنثى، ثم أضاف بصرامةٍ:
"مع ذلك يا ليلة.. بردو هاتجوزك."
ليلة بحنق:
"هو إنت ليه ماعندكش دم للدرجة دي. بكلمك بجد.. طيب لو فرضنا إنك بجح و مش هامك الفيديو. كرامتك دي أخبارها إيـــه ؟؟؟"
صمت هنيهة، ليقول الآن مضيقًا عنينه و قد أمال رأسه للجانب قليلًا:
"عارفة ! أنا ممكن ألغي الجوازة دي حالًا. بس تقوليلي سببك الحقيقي لرفضك ليا.. أوعدك إني هالغيها لو جاوبتيني بصراحة !"
"يا سلام ! بس كده.. دي حاجة سهلة جدًا. الإجابة ببساطة رفضاك عشان مش بحبك. مش عاوزاك.. شوفت. الموضوع بالسهولة دي !!"
"تؤ !" هكذا عبر "رزق" عن عدم اقتناعه بتصريحها، و أردف بغرورٍ:
"مش مصدقك.. زي ما قولتلك. مافيش حرمة ماحبتنيش. أو على الأقل مابينتش إعجابها بيا.. قوليلي يا ليلة. إنتي شايفاني إزاي ؟!"
ليلة بجدية:
"شايفاك عادي جدًا. مش مشكلتي إن إللي حواليك فهموك إنك خارق الجمال و الدنيا ماجبتش رجالة حلوين غيرك.. مش عشان شعرك أصفر و عنيك زرقا و جسمك زي الحيطة يبقى أقع في غرامك زي بقية البنات الهبلة إللي حواليك. أنا في حاجات تشدني أكبر من كده."
"- زي إيه بقى !!" سألها و قد عقد حاجبيه إنزعاجًا و اهتمامًا في آن.
لا يصدق. لقد خاض معها في هذا حقًا!
هل جعلته يشكك بامكانياته الآن، بعد أن قضى عمره و هو يرى نظرات النساء تلاحقه من كل حدبٍ و صوب، بعد أن تلقّى الكثير من العروض الرخيصة و الثمينة معًا.. تأتي تلك الفتاة لتثبت له بأنه... لا شيء !!!
"أنا ماعنديش صبر على أسئلتك يا رزق !!" تمتمت "ليلة" و هي تفرك جبينها بتعب حقيقي.
ثم نظرت إليه مكملة بصوتٍ أكثر هدوءً:
"من فضلك.. أنا بكلمك بجد. من قلبي.. الجوازة دي مش لازم تتم. أنا مش عاوزة أتجوز أصلًا. بليز. أنا عارفة إنك غيرهم.. إحترم رغبتي !"
لم يرد فورًا.
إنما بقى صامتًا لدقيقة كاملة، ثم أولاها ظهره فجأة معلنًا بصرامة:
"أنا آسف يا ليلة.. ما أقنعتنيش. و جوازنا ده برغبة كل إللي حوالينا. مافيش غيرك رافض.. و لازم يكون لرفضك معني و سبب. غير كده. أنا هانفذ رغبة أهلنا و هاتجوزك. لحد ما تيجي في يوم و تصارحيني بالحقيقة. لو إقتنعت.. أوعدك هالغي الجوازة دي.. حتى لو تمت !"
حملقت في ظهره العريض بنظراتٍ كالشرار.
كزت على أشنانها بقوةٍ تستشعر مرارة القهر مجددًا، و أيقنت لو بقت لحظة أخرى فلن تتمكن من السيطرة على جزعها و حزنها الذي يعتصر قلبها بقسوة.
أطلقت سبّة فظة إندهش لسماعها، ثم هربت قبل أن يلتفت نحوها. أما هو فأدار وجهه و مرسلًا نظراته في إثرها و هو يبتسم ببلاهة.
لا يعرف ما سبب تلك الابتسامة حتى.
لكن مزاجه قد عاد رائقًا الآن فقط !
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم محمد
أبدًا لم يكن الاختيار رفاهية تتمتع بها.
فمثلًا هي لم تختر عائلتها، لم تختر نشأتها، لم تختر الجلوس بالمنزل و الحرمان من الدراسة.
أشياء كثيرة فرضت عليها، و آخرهم كان هو، زوجها المستقبلي.
"مصطفى سالم الجزار".
خلال أيامٍ قليلة سوف تمسي زوجة له.
و الله وحده يعلم ما الذي يخبئه لها و ما عناه بوعيده المتلهف.
كان رداءً مزركش قرمزي اللون، جميلًا، ذاك الذي تذرعت والدتها بالحاجة إليه أمام عمها لتخرجا من المأزق الأسوأ.
و هو لو فقدت "فاطمة" عقلها و تفوّت بالترهات أمام كبيرهم.
حتمًا لكانت العواقب وخيمة.
لكنها أنقذت الموقف و عوض إثارة الكارثة أخذتها و أشترت لها بنقود "سالم" ذلك الفستان الذي ألبستها إياه بيديها.
كانت "فاطمة" على قدرٍ من الجمال ما بين مرحلة الطفولة و المراهقة.
إنما بعد أن إرتدت فستانها صارت أنثى.
أجل.
الآن فقط هي أنثى ناضجة _ جسمانيًا _ بكل ما للكلمة من معنى.
علّها لم ترتدي فستانًا منذ بلوغها الحادية عشر من عمرها.
لكن بما إن هذا اليوم هو يومها، فكان مسموحًا لها بتجربة كل شيء في حدود أعراف و تقاليد عائلة "الجزار" طبعًا.
أخيرًا، ها هي على أتم الاستعداد، بعد أن وضعت أمها بأصابعٍ محترفة آخر لمساتها الجمالية على بشرتها.
و إحقاقًا للحق، قد برعت في تزيينها.
و لكن بقى شيئًا ناقصًا.
و هذا الشيء بالذات لا يمكن إكتسابه أو إضفاؤه.
بل أنه يكون جزءً من الروح.
أما روحها، فقد انطفأت لحظة إعلان هذا الزواج.
- عقبال ما ألبسك الطرحة البيضة يا حبيبتي.
همست السيدة "نجوى" عند أذن إبنتها.
ربتت على رأسها بحنوٍ.
في نفس التوقيت يلج أبيها إلى الغرفة مزدانًا بأفخم ملابسه المؤلفة من جلبابٍ و شالٍ ثمينٍ حول العنق.
كان و كأنه يقتبس من مظهر أخيه الأكبر و قدوته الحسنة على الإطلاق.
"سالم الجزار".
- إيه يا نجوى لسا ماخلصتوش.
الجماعة كلهم مستنيين تحت، أعمليلك همة أمال.
نجوى و هي ترتد خطوتين بعيدًا عن "فاطمة":
- خلاص يا سي إمام.
بطة جهزت و أنا كمان جاهزة أهو.
و أشارت إلى نفسها و ما ترتديه من عباءة على الطراز الخليجي.
بينما لم يكن "إمام" ينظر إلا صوب إبنته.
و بابتسامة خفيفة حث الخطى نحوها و هو يهتف مبهورًا:
- اللهم صل على كامل النور.
لما عروستي.
بنتي الحلوة طالعة زي القمر كده ليلة شبكتها.
أومال ليلة الدخلة هاتبقي إزاي يا حبيبة أبوكي.
و توقف خلفها مباشرةً.
مد يده و إلتقط رسغها.
شدها بلطفٍ فاستجابت له و قامت لتقف قبالته، ليتمكن بسهولة من رؤية الحزن في عمق نظراتها الواجمة.
في هذه اللحظة لم يتسطع أن يتجاوز ما يراه.
تلاشت إبتسامته تدريجيًا و هو يقول بجدية:
- في إيه يا بطة.
مالك يابنتي.
إيه التكشيرة الغريبة إللي على وشك دي.
تدخلت "نجوى" على الفور:
- و لا تكشيرة و لا حاجة يا أبو علي.
دي بس من الرهبة.
البت لحد إمبارح كانت خالية و لا حد جاب سيرة خطوبة و لا جواز.
- إسكتي إنتي يا نجوى.
هكذا أسكت "إمام" زوجته.
لتضع "نجوى" يدها على قلبها و هي تسمعه يستجوب إبنته تاليًا:
- قولولي يا فاطمة.
مالك.
حد ضايقك يابنتي.
ليه حاسك حزينة و مهمومة كده في يوم زي ده.
قوليلي.
صارحيني يا حبيبتي أنا أبوكي.
حدقت "فاطمة" بأبيها بصمتٍ فقط.
تزاحمت رأسها بالأصوات.
عدة أصواتٍ متداخلة.
بعضها يحثها على البوح لوالدها و مصارحته كما يناشدها أن تفعل.
و البغض الآخر ينهاها عن فعل ذلك كما إستشعرت نفس الرأي صادرًا عن والدتها.
ماذا يحدث إن صارحت أبيها.
إن قالت له كل ما بقلبها.
و أنها تحب "رزق" و ليس "مصطفى".
هل سيتفهم مشاعرها.
هل سيتقبلها و ينزل عند رغبتها منهيًا تلك الزيجة.
ماذا لو حدث العكس.
هي تعلم علم اليقين بأن رجال عائلتها لا يؤمنون بالمشاعر.
أو بمعنى أصح لا يؤمنون بالحب.
ما يتطلعون إليه بالمقام الأول هو الاستقرار و ما يصب بالمصلحة العامة.
و إذ تأتي هي و تخرب هذا النظام فجأة مفصحة عن حبها للأخ غير الشقيق لخطيبها.
حتى أن "رزق" لا علم له بهذا الحب الذي تضمره له بقلبها.
و لا أمها التي تخشى فقط من فكرة عدم قبولها الزواج من "مصطفى".
يبدو أن الأمر محسوم عقليًا، لا ينبغي أن يدري مخلوقٍ بهذا.
ستكون هي كبش الفداء في الأخير.
هي دون غيرها.
و لكن ما الفائدة.
"مصطفى" بالفعل لديه خبر مسبقًا.
- مافيش حاجة يا بابا.
نطقت "فاطمة" أخيرًا راسمة على ثغرها ابتسامة رقيقة.
- أنا زي الفل.
ممكن زي ما أمي قالتلك بس.
تنفست "نجوى" الصعداء و هي تشكر الله من أعماقها بأن تعقلت إبنتها أخيرًا.
أما "إمام".
لأنه لم يود أن يرى السوء في إبنته أو أن شيئًا قد يعكر صفو هذه الليلة.
صدق كلامها بدون عناء.
رد لها الابتسامة و هو يمسد على خدها بحنانٍ:
- بس أنا مش عايزك تتهزي أبدًا.
إنتي مهما كان من نسل الجزارين.
يعني مش زي أي واحدة برانا.
و خليكي واثقة إن مصطفى هايشيلك على كفوف الراحة.
مش عشان رايدك و بس.
لأ.
عشان إنتي تبقي فاطمة بنت إمام الجزار.
بنت أخو سالم الجزار.
الكبير.
إنتي فوق أوي يا بطة.
فاهماني.
أومأت له مرة واحدة.
فمنحها ابتسامة أخرى، ثم ثنى ذراعه و دعاها قائلًا:
- يلا بقى يا ست البنات.
عريسك و العيلة كلها مستنيين تحت.
هاتنزلي إيدك في دراع أبوكي.
قبلت "فاطمة" دعوته طواعية و تأبطت ذراعه مستنشقة نفسًا عميقًا.
مشت هي و أبيها في المقدمة.
بينما تتبعهما والدتها تكفكف دموع الفرح و الرثاء.
في آن على حزن إبنتها الدفين.
في الصالون الصغير بشقة الجدة، وقف وراءها ممسكًا بمقبضيّ الكرسي المتحرك.
كان متوترًا و إن كان لا يظهر ذلك.
لقد إستغرقت وقتًا طويلًا لتحضير نفسها.
و لعله لم يكن وحده الذي شعر بذلك، ليسمع هتاف جدته بنفس اللحظة:
- يا ليلة.
إيه يا حبيبتي كل ده.
يلا بقى كده هتتأخروا على الباقيين.
- حاضر يا تيتا جاية أهو.
أقشعر بدن "رزق" حين سمع صوتها آتيًا من جهة غرفتها.
زفر مطوّلًا و هو يعمل جاهدًا على تهدئة كل هذا القدر من الحماس الذي يأجج صدره.
ترى على أيّ صورة سوف تظهر تلك المتمردة.
لقد أصرفت الكثير من الوقت حتى الآن فلا بد و أن إطلالتها ستكون مذهلة.
و لو أنه رآى جميلات كثيرات في حياته.
أجمل منها مئة مرة.
لكن بالنسبة له كانت تتفرّد بنوعٍ مختلف من الجمال لا يستطيع تصنيفه.
كانت بها جاذبية غريبة.
إرتعدا كتفيه بخفةٍ لحظة أن فتح باب غرفتها.
تأهب جيدًا و هو يتطلع بفضولٍ.
لم تجعله ينتظر أكثر، لحظة أخرى و ظهرت أخيرًا.
- أنا جهزت.
صاحت "ليلة" بابتسامة كبيرة و هي تقفز للأمام.
في المقابل تنظر لها الجدة بصدمة، بينما "رزق".
"رزق" قد تدلّى فكه و هو يشملها بنظراتٍ مذهولة.
غير مصدقة.
فهي بالضبط كانت ترتدي سروالًا في سعة قدم الفيل، و كنزة سوداء على غرار موضة فرق الـHip Hop الغربية، و حذاء كوتشوكي بأربطةٍ ملوّنة.
كانت و كأنها خارجة للتو من فيلم للرسوم المتحركة.
المظهر الأنثوي الوحيد الذي تحلّت به كان بشعرها الذي تركته يتناثر حول وجهها بنعومةٍ.
و بعض مساحيق التجميل التي لا تلاحظ.
- إيه إللي إنتي عملاه في نفسك ده يا ليلة.
علّقت الجدة "دلال" بنفس الصدمة.
عبست "ليلة" و لا زالت محتفظة بابتسامتها و هي تقول ناظرة أسفل قدميها ثم لجدتها:
- إيه يا تيتا.
لبسي مش عاجبك و لا إيه.
إتسم صوت الجدة بحدة فجائية الآن و هي ترد عليها بنزقٍ:
- طبعًا مش عاجبني.
إيه القرف ده.
ده حتى مش لبس رجالة مالوش صفة عندي.
إدخلي غيري الهلاهيل دي حالًا.
بقى لطعانا كل ده عشان تلبسي الهدوم العِرة دي.
و لسا هاتعطلينا أكتر.
يلا بسرعة خشي غيري.
هذه هي المرة الأولى التي تتخذ فيها "دلال" التوبيخ ذريعة بالحوار مع حفيدتها، لكن على كلٌ، توقعت "ليلة" ذلك.
فقالت بثباتٍ ردًا عليها:
- آسفة يا تيتا.
أنا لبسي محترم و عاجبني مش هاغيره.
ده ستايلي أصلًا.
دلال منفعلة: بت إنتي بلا سايلك بلا أبصر زفت على دماغك.
إنتي عايزة تعرينا وسط الخلق.
أنا مش هاسمحلك سـ آ ا...
- خلاص يا نينا.
قالها "رزق" بهدوء مقاطعًا جدته.
نظرت له الأخيرة من فوق كتفها.
- خلاص إيه يابني مش فاهمة.
هز "رزق" كتفيه قائلًا ببساطة:
- خلاص سبيها على راحتها.
دلال بعصبيةٍ: إزاي يعني.
إزاي أسيبها على راحتها.
بقى ده منظر عروسة.
و أشارت لها بسبابتها و كأنها تتهمها بجرمًا.
إبتسم "رزق" و هو يربت على كتفها بلطفٍ و قال:
- يا نينا يا حبيبتي اللبس مافيهوش حاجة طالما ساترها ده أولًا.
ثانيًا زي ما قالتلك ده ستايلها و هي متعوّدة عليه و لعلمك في بنات كتير كده بس إنتي مش بتشوفيهم.
ثالثًا بقى و ده الأهم.
إحنا أحرار.
محدش له عندنا حاجة.
ثم رفع رأسه و نظر ناحية "ليلة" مستطردًا ببرودٍ مستفز:
- و بعدين دي مجرد شبكة بسيطة جدًا منغير دقة مزمار حتى.
كلها كام يوم و تشوفيها بالأبيض.
و أوعدك هايكون على ذوقك إنتي مش حد غيرك يا حبيبتي.
كعهده دائمًا ينجح بالتأثير على جدته العزيزة، بل و أنه أيضًا قد نجح في إنتزاع إبتسامة من ثغرها المترهل.
و بقيت فقط ترنو إليه بمحبةٍ خالصة.
في الجهة الأخرى.
ترمقه "ليلة" بنظرات مباشرة ملؤها الغيظ و الحقد.
لكنه لم يبدي أيّ تأثر بها.
بل ترك كرسي جدته و توجه نحو الأخيرة بخطواتٍ متوازنة.
مد كفه لها قائلًا بلهجة تكنف نبرة تحدي:
- Shall We ! ( يلا بينا )
كم أرادت في هذه اللحظة لو تنشب أظافرها في وجهه الوسيم و أن تقتلع عينيه الزرقاوتان.
لكنها عوض ذلك.
أجبؤت نفسها على الإذعان له.
فأودعت يدها الصغيرة الناعمة بين ثنايا كفه الضخم، ليطبق عليه من فوره.
و يلتفت ساحبًا إياها خلفه برفقٍ.
- سلام مؤقت يا دودي.
تمتم "رزق" و هو ينحني صوب جدته ليطبع قبلة فوق جبينها.
مسد على رأسها مضيفًا:
- قبل ما أطلع من البيت هاكلم أبويا ينزلك أو يبعتلك حد يقعد معاكي لحد ما نرجع.
مش عاوزة مني حاجة.
رفعت "دلال" يدها الهرمة و مسحت على وجهه قائلة بصوتها الحنون:
- عاوزاك طيب يا حبيبي.
ترجعوا بالسلامة يارب.
أمام باحة المنزل المزدحمة بالسيارات متعددة الركب.
إجتمع الجميع هنا، رجال و نساء و أطفال عائلة "الجزار".
و أهلي الحي قاطبةً، كانوا يقفون بالنوافذ يشاهدون ببهجة أفراح كبراءهم، كانوا على أهبة الاستعداد.
حين تقدم الأخ الأوسط أولًا متسلمًا عروسه من والدها لحظة ظهورهما عند عتبة باب المنزل.
صدحت الزغاريد فورًا من كل مكانٍ و الهتافات المباركة، حتى أن بعض الشبان أطلق بعض الأعيرة النارية بالهواء.
رغم أن غريبًا بأن يحتفظ "مصطفى" باللقطة الأولى.
لكن الأمر لم يكن شديد الأهمية بنظر الناس.
أصلًا سرعان ما تبخرت الظنون تمامًا عندما ظهر الأخ الكبير من بعده مباشرةً.
لوهلة حلّ صمتٍ تام و هم يرونه خارجًا متأبطًا ذراع عروسه التي لم يميّزوها جيدًا بادئ الأمر.
و لولا خشية بطش هؤلاء القوم الأسياد لأمعنوا في الأمر هزؤًا.
لم يلبث الصخب مختفيًا لثانية واحدة، إلا و علا أكثر من ذي قبل.
و تحت أنظارهم المنافقة مشى "رزق" واثق الخطى.
بينما "ليلة" ترسم ابتسامة متكلفة و هي تسير إلى جواره مظهرة لا مبالاة غريبة.
مع أنها في قرارة نفسها كانت تشعر بثقة كبيرة، لأن ذلك الرجل الذي تتأبط ذراعه هو في الحقيقة حلم كل الفتيات، و سيد رجال الحي و عائلته بشهادة الجميع.
في واقعٍ موازي كان "رزق" حاضر الذهن و أذنيه تلتقطان عبارات السخرية بأفواه النساء و الرجال على حد سواء من حوله:
- هو إيه ياخويا إللي عروسة رزق لبساه ده.
ده لبس غطاسين و لا إيه.
- غطاسين إيه يا ولية.
ده حتى لبس الغطاسين أشيك من كده.
- لأ منا قصدي غطاسين الصرف.
- هعهعهعهعهعهعهعهع يخرب عقلك.
أخرسي هاتودينا في داهية.
و مجموعة فتيات على مقربة منهما:
- بجد شكلها مش عاطفي أبدًا.
- ما هي أصلًا مش لايقة عليه شوفي لابسة إيه و هو لابس إيه.
دي أرجل منه.
مين يصدق.
رزق إللي بتتمناه أي واحدة و أجمل بت في الحتة تقع تحت رجليه.
أخرتها يقع هو في جعفر إللي ماشية جمبه دي.
- خلاص بقى أحسن حد يسمعنا.
أكيد محدش غصبه عليها.
يصلا عند سيارته الفارهة في هذه اللحظة.
فيترك يدها لهنيهة، يفتح لها الباب الأمامي، ثم يستدير داعيًا إياها:
- إتفضلي إركبي.
نظرت له أولًا، ثم حانت منها نظرة خلفها.
حيث رأت _ باستثناء نظرات الاستنكار على مظهرها بعيون الناس و بعض عائلتها _ أبناء عمومتها و البقية يرتادون حافلات مخصصة لهم.
حتى "مصطفى" و عروسه "فاطمة".
صعدا إلى سيارة من فئة الـBMW تحمل سبع ركاب.
يبدو أن "رزق" يحوز على الأفضل حتى بسيارته، و قد كان هو من يقف بالمقدمة أيضًا.
حيث سيفتتح الموكب.
مطت "ليلة" فمها دلالة على عدم الاهتمام، لبّت دعوة "رزق" و صعدت إلى الكرسي الأمامي، ليغلق الباب من بعدها في الحال.
ثم يدور حول السيارة ليستقلّ إلى حوارها خلف المقود.
ثوانٍ و تحرك هو أولًا، ثم بدأت سلسلة الحافلات بإتباعه.
في مكانٍ قريب، كانت هناك أعينٍ دامعة تراقب كل هذا من خلف النافذة.
كانت تكتم فمها الصارخ بكفيها و هي تشاهد حبيبها مع أخرى معلنًا علاقته بها أمام الجميع.
بينما هي بالظلام.
و ستظل بالظلام.
لم تستطع "نسمة" أن تتحمل كل هذا العذاب وحدها.
إلتفتت باحثة عن هاتفها كممسوسةٍ.
حتى وجدته، أمسكت به و طلبت صديقتها المقربة.
وضعت الهاتف على أذنها، و من حسن حظها قبل أن تنهار كليًا و تفقد وعيها أتاها الرد:
- أيوة يا نوسا.
صرخت بهستريا في سماعة الهاتف:
- إلحقيني يا سااااميــــة.
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم محمد
و لا للحظة واحدة إنقطع بكائها، منذ رأته يخرج برفقتها، متأبطًا يدها، تنير وجهه إبتسامته الغرَّاء.. و كأنه يطرب لكل ما يجري من حوله !!!
لم تصدق أو لعلها لم تريد أن تصدق لحظة ظهور أخيه الأصغر أولًا مع عروسه و إبنة عمه، اطمأن قلبها قليلًا، ظنَّت بأن هذه الليلة كلها مقامة لأجلهما.. لكن... حين تأخر ذهابهم، تبيّنت بأنهم جميعًا كانوا بانتظار أحدٌ آخر أكثر أهمية، و هي بكل تأكيد تعلم من هو أكثر شخص مهم بعائلة "الجزار".. لأنه ببساطة يكون حبيبها !
و كانت صدمتها عندما صدق حدسها و شاهدته بعد بضعة دقائق يخرج برفقة إبنة عمه المنضمة حديثًا إلى العائلة.. و كذلك كان الحديث الذي تلصصت عليه هناك بمنزلهم هو فعلًا الحق... و سوف يتزوج بتلك الفتاة.. أما هي.. فستجني وحدها أشواك الخطيئة ....
-الواطي ! ..
غمغمت "سامية" صديقتها المقربة بغيظٍ كان جليًا من تقصد بنعتها المهين و لكن ذلك لم يزيد "نسمة" إلا حزنًا و هي تجهش أكثر في البكاء قهرًا على حالها ...
فوق أريكة الصالون المتواضع، رأسها ملقى في حجر صديقتها، و الأخيرة تمسح على شعرها مواسية دون جدوى.. رغم ذلك لم تنفك عن محاولة تهدئتها، إذ قالت بلطفٍ هذه المرة :
-خلاص يا نوسا.. خلاص يا حبيبتي ماتحطيش أوي نفسك كده. يلعن أبو الرجالة كلهم.. بس بقى. و حياتك ما هاسيبك كده. هاتشوفي هاعملك فيه إيه !
يندفع الكلام من فم "نسمة" الآن مختلطًا بدموعها :
-هاتعمليله إيه يعني يا سامية.. ده لا أنا و لا إنتي أده و لا أد عيلته. أسكتي ونبي.. أنا إللي أستاهل
سامية باستنكار :
-أومال يعني هانسيبه كده ينفد بعملته ؟؟؟
أصدرت "نسمة" أنينًا مريرًا و هي ترتفع بجزعها لتجلس مقابل صديقتها، ثم تقول بصعوبةٍ :
-أنا إللي بدأت يا سامية. أنا إللي قدمت نفسي له على طبق دهب.. مافيش راجل يقدر يرفض واحدة تبيعله نفسها منغير مقابل. عمره ما طلب مني حاجة. و لا كان مستني حاجة.. أنا إللي رميت نفسي في حضنه. كنت محتاجة أوي لحضنه يا سامية. كنت متعشمة إنه يحبني زي ما بحبه.. بس كان لازم أعرف ححمي كويس أوي بالنسبة له.. أنا أخري معاه علاقة في سرير. لكن قدام الناس.. مافيش غير إللي شوفتها معاه إنهاردة. بنت عمه.. بنت الحسب و النسب.. مش حتة بت مالهاش لا أصل و فصل. لقيطة.. تربية ملاجئ. و أخر حاجة ...
ضغطت الغصّة الحارقة على حنجرتها عند هذا الحد، لم تستطع أن تكمل كلمتها، فاطبقت شفاهها بقوة و راحت تنتحب و هي تغطي وجهها بكفيها
لتمد "سامية" يدها و تشدها لتستقر في حضنها، أخذت تربت عليها بحنانٍ متمتمة بعطفٍ منزعج :
-خلاص بقى يابت.. قطعتي قلبي. و بعدين ما الحال من بعضه. أنا زيك ماليش أصل و لا فصل. كل واحدة فينا فيها إللي مش في حد. محدش حاسس بينا. محدش جرب يعيش عيشتنا و لا يدوق المرار و الذل إللي شوفناه من يوم ما وعينا عالدنيا.. إنتي ماغلطيش يا نسمة لما حبيتي قليل الأصل ده. هو إللي واطي. مقدركيش. مقدرش يفهم إنتي شايفاه إزاي.. زيه زي كل الرجالة. نفس التفكير و نفس الأهداف القذرة !
هزت "نسمة" رأسها بقوة هامسة بحرقةٍ :
-أنا مش عارفة أعمل إيه.. مش عارفة إزاي هقدر أعيش منغيره. مش عارفة إزاي هقدر أقعد في مكان هو فيه مع واحدة غيري.. أنا بحبه يا سامية. أنا بحب رزق. بحبه أوووووي !!!
و إنفجرت باكية أشد من ذي قبل
لتستسلم "سامية" لمزاج رفيقتها الكئيب السوداوي، على كلٌ فهي باقية.. لدى زوجها علم، و لن تغادر قبل الصباح، لن تتركها وحدها الليلة
الليلة بالذات لا ينبغي أن تبقى "نسمة" بمفردها ...
_______________
كان هذا إقتراحه هو ...
و قد تطلب أن يتم رفعه لكبير العائلة "سالم الجزار" للبت فيه و إصدار ردًا بالموافقة أو بالرفض، لكنه هذه المرة كان متأكدًا بأن والده سوف يوافق على طلبه
لأن الحسنة لن تعم علبه وحده، شريكه و ندَّه و عدوه اللدود سينال النصيب عينه، و بالحقيقة هذا لم يزعجه، طالما أنه يصل لمآربه الأهم ...
بعد أن قاموا بشراء الذهب لكلتا العروستين، عاد أفراد العائلة أدراجهم إلى المنزل، بينما أخذ كلا الأخان عروسه في نزهة، سيقضوا سهرة ليلية بمباركة الكبير
لكن دون أن يتاقطع طريقهما.. كلٌ منهما ذهب باتجاه
كان "مصطفى" يقود إلى منتصف المدينة، لم ينطق بكلمة منذ إنطلاقه، و صب جام تركيزه على الطريق... إلى جواره جلست "فاطمة" مطبقة فاها، لم تكن راغبة في الخروج برفقته، و لكنها عجزت حقًا عن الجهر برغبتها، فأذعنت لآراء الجميع و سماح أبيها لها
ذهبت معه، لا تدري لأين، و لم تسأل، لم تجرؤ على مجرد النظر إليه أصلًا... فجلست في مقعدها نائية عنه قدر المستطاع، تدعو ربها أن تمر الليلة بسلام، أو أن يلطف بها الله و ينقذها من صحبته باتصالٍ يستدعي حضورهما العاجل إلى البيت
كالبلهاء ظلّت بانتظار تلك المعجزة، و لم تكن تدري بأن خطيبها قد إتخذ كافة الاحتياطات و قد أغلق هاتفه أساسًا، و باعتبارها لا تملك هاتف وفقًا لقانون عائلتها، بألا يُسمح للفتيات بامتلاك أجهزة خطيرة كهذه مدعاة للفتنة و الفسوق، فطالما أنهن مستقرات بالمنزل لا يبارحنه فلا حاجة للهاتف
و هكذا كان "مصطفى" مطمئنًا، هو و هي أخيرًا على حدة، لا يوجد من ينجدها منه أو يحول بينه و بينها !!!!
-إنزلي !
إنتفضت "فاطمة" لدى سماع صوته الآمر المخيف ...
إلتفتت له فورًا فإذا به يترجل من السيارة، و عندما لم تمتثل لأمره إنحنى عبر الباب و رمقها بنظرة زاجرة بثت الرعب فيها، و كرر باقتضابٍ جمّد الدماء بعروقها :
-إنزلي.. مش سامعاني و لا إيه ؟!
الخوف منه هو الذي حركها، و دفعها للإنصياع لكلمته، فمدت يدها و فتحت الباب بسرعة.. نزلت من السيارة مرتجفة الساقين
صدمها الهواء الطلق في الخارج لوهلةٍ، و إكتشفت على الفور حين نظرت وراء كتفيه بأنهما يقفان على ضفاف نهر النيل !!!
-إحنا بنعمل إيه هنا يا مصطفى ؟!! ..
تساءلت "فاطمة" بصوتٍ لا يخفي نبرة خوفها
بينما كان يغلق السيارة، لم يرد عليها.. عندما إنتهى مشى ناحيتها و أمسك برسغها بقبضته القوية... أفلتت شهقة من بين شفاهها و هو يشدها لتمشي وراءه موازية خطواته الواسعة
كانت تلهث بشدة و هي تشعر بخفقات قلبها تتسارع و يعلو طنينها بصخبٍ بأذنيها، لأكثر من مرة كانت ستنكفأ على وجهها، أرادت أن تعيد سؤالها عليه ثانيةً.. لكنه لم يعطها فرصة لأيّ شيء
حتى وصلا هنا عند مرسى القوارب و وسائل النقل النيلية ...
تركها أخيرًا تقف فوق التربة الطينية، و إتجه نحو قاربٍ معيّن، تمكنت من رؤية شابًا هناك قد ظهر فجأة كالشبح، قفز من القارب ليقف قبالة "مصطفى"... تصافحا بقوة و سمعت حديثهما الوجيز :
-كله تمام يا ريشة ؟
-و أكتر من إللي طلبته يا معلم مصطفى. كافة شيء هاتلاقيه.. و الواجب ده تحية مني ليك
و دس يده في جيب سرواله الرث مستلًا لفافة من السوليفان، قدمها ل"مصطفى" و لكن الأخير رفضها في الحال قائلًا بترفعٍ :
-لا لا يا ريشة.. رجع حاجتك مطرحها. أنا ماليش في الحاجات دي
ريشة مواصلًا اغراؤه :
-إسمع كلامي بس. الصنف ده جديد... ده واصلني من عندكوا حتى. و بعدين دي مش حاجة. رغم كده هاتسفرك لمكان و لا شوفته في أحلامك
علت زاوية فمه و هو يرد عليه بعبارة أبيه الشهيرة :
-الجزارين بيسفروا الناس.. لكن مابيسفروش معاهم. تشكر على الواجب ...
و ربت على ذراعه يحثه على الرحيل :
-يلا طريق السلامة إنت.. لما أخلص هاكلمك تيجي تستلم مني
قال "ريشة" بفتورٍ و هو يعيد الصنف إلى جيبه :
-أوامر يا كبير.. ريشة خدامك في أي وقت !
و رحل "ريشة" ...
ليدعو "مصطفى" خطيبته بصوت أكثر لطفًا الآن :
-تعالي يا فاطمة !
كانت ترتجف فعليًا، و كان يرى ذلك، لكنها لم تمتنع عن سؤاله مباشرةً في هذه اللحظة :
-أجي فين يا مصطفى.. إنت جايبني هنا أعمل إيه. أنا بخاف من المراكب أصلًا !
إبتسم لها بتودد أدهشها و قال يطمئنها :
-ماتخافيش.. أنا معاكي. إستحالة حاجة وحشة تجرالك و إنتي معايا.. أوعدك !
و قفز إلى القارب أولًا.. ثم إستدار مادًا لها يده
إزدردت "فاطمة" لعابها بتوترٍ، أمام كل هذا اللطف المفاجئ الذي يبديه لها، عجزت عن التفكير مرتان.. و لم تتمكن من رفض دعوته أيضًا
جرت قدميها تجاهه، لعلها كانت تمشي بسرعة السلحفاء، لكنه كان صبورًا.. حتى أودعت يدها في كفه الخشن.. و خلال لحظة كانت قد قفزت إلى جواره ...
-إرجعي ورا ! ..
أملى عليها أمرًا من جديد
ففعلت ما قاله، بينما إنحنى للأمام ليحل عقدة الحبل الذي يربط القارب بالمرسى، بدأ القارب يتأرجح أسفل قدميها فخافت كثيرًا و تمسكت بالركائز الحديدية
و بدون تلاحظ حتى مر "مصطفى" من جوارها، شغل محرك القارب فعلا صوت هديره، تحرّك القارب و توّغل بالنهر.. بينما لا تزال "فاطمة" كما هي.. تقف كالصنم و تراقب رصيف المرسى يبتعد شيئًا فشيء... إلى أن إنحرف القارب فاختفى عن ناظريها
و سمعت صوت "مصطفى" يملأ الفراغ الموحش من حولها :
-أخيرًا.. بقينا لوحدنا يا بطة !
إلفتت له بلحظة
حدقت فيه ملء عينيها و قد عاودها شعور الخوف أضعافًا، خاصةً عندما رأته يوجّه نحوها تلك النظرة الخبيثة، شدت قبضتها على قضيب الحديد أكثر حتى آلمتها يدها
في الجهة الأخرى "مصطفى" قد أبطل المحرك ليقف القارب بمنطقةٍ نائية مظلمة، فقط إكتفى بالمصباح الغاز الذي علق بسقف القارب
هناك بالقرب منهما فوق ضفاف مكانٍ مهجور.. شجرةٌ ضخمة عجوز تمتد فروعها اليابسة نحوهما و تعكس على وجه "مصطفى" مظهرًا وحشي أكثر مما بدا عليه ...
تلقائيًا وجدت نفسها تبتعد خطوة عندما بدأ يقترب منها بيطءٍ و هو يقول بصوتٍ كالفحيح :
-دلوقتي يا.. بطاطا. تفتكري حد ممكن يلحقك مني ؟ هه !
-مصطفى ! ..
تمتمت "فاطمة" بصوتٍ هامس متأثرًا بشحوب بشرتها الشديد
كانت من شدة الوجل تتنفس بصعوبة، و لم يسعها الآن إلا الثبات محلها و الترقب... فما الذي ينوي "مصطفى" أن يفعله بها بحق الله ...
بعد تلك الليلة المريعة التي مرَّت بها مضطرة على مجاراة كل هذه الأجواء المنافقة من حولها، و أيضًا القبول بالأمر الواقع و الغدو خطيبة للأبن الأكبر لعائلتها العريقة إجراميًا
عندما أُعلنت الموافقة على طلب إبن عمها الأوسط، ثم تلّقت بعدها عرضًا سخيًا من خطيبها !
كان هذا بمثابة إغراءً لها، ليس لأنها سوف تخرج برفقته، بل لأجل الخروج نفسه و التسكع بالطرقات و المقاهي الشهيرة.. و لعلها كانت تمنّي نفسها بسهرة لطيفة، حتى لو تطلب الأمر أن تتنازل قليلًا عن موضعها بالحرب الباردة بينها و بينه لتستمع بلحظاتٍ من السكينة و السلام ...
و لكن عليها أن تعترف، بأن ما خطط له "رزق" قد فاق توقعاتها إلى حدٍ مذهل... فهو لم يأخذها إلى أيًّا من الأمكنة التي تأملت بها
بل في الحقيقة أنها الآن تجلس بمطعمٍ شعبي أسفل هضبة الجبل !!!
أجل هذا ما حدث بالضبط.. فوق طاولة مستطيلة عامرة بالمأكولات المتنوعة، كان هناك عدة أصناف مخصوصة لكليهما، فمثلًا "رزق" قد فضل أطعمة لو كان رقص لها كالبهلوان لما وضعت منها لقمة بفمها، أما هي فطلبت بيتزا الـ"فور سيزون" متعددة النكهات، لا تعرف كيف استطاع أن يدبر طلبها ذاك في مكانٍ كهذا
و هكذا، بينما إنهمكا بتناول عشاءهما وسط الهواء الطلق، بمنتصف الساحة الغاصة بالرعاع و المجرمين على مختلف شاكلتهم، تدوي في الخلفية عبر مكبرات الصوت الرديئة غنوة سيرة الحب للسيدة "أم كلثوم" لا تتماشى مطلقًا مع البيئة المحيطة بها
أرادت أن تبدي تذمرها أكثر من مرة على أكثر من سببٍ، لكنها كانت تمنع نفسها بقوة عندما توشك على ذلك.. إلى أن إنتفضت فجأة أثناء إنتشالها لقطعة أخرى من البيتزا
إكتشفت بأن "رزق" كان قد مد يده على سهوٍ منها و دس في فمها قطعةٍ من اللحم الغريب الذي يتناوله ...
-إوعـــي تتفيها من بؤك !!! ..
صاح "رزق" محذرًا و هو يكمم فاها بكفه
خمد إبتسامة بصعوبةٍ و هو يرى تعبير وجهها يتلوى بقرفٍ و هي تستجيب له على مضضٍ و تمضغ قطعة اللحم، و حين اطمأن أنها بدأت تزدردها رفع كفه متمتمًا برضا :
-جدعة.. كان لازم تدوقي الأكل إللي مش عاجبك. و لازم تتعلمي يبقى عندك خلفية عن كل حاجة. حتى لو مش هاتكلي من الصنف ده طول عمرك. بس لازم تكوني عارفاه
أخذت تلوّك بقايا اللحم دون أن تتخلص من الازدراء البيّن على قسماتها المنكشمة، و ما لبثت أن قالت بغيظٍ :
-إنت هتمارس عليا فلسفتك كمان.. ده إللي ناقص. و بعدين أنا بحذرك تكرر الحركة دي تاني. مابحبش أعمل أي حاجة غصب عني فاهم ؟
إبتسم لنزعتها الشرسة الطريفة و قال بهدوءٍ :
-أنا ماكنش قصدي أضايقك على فكرة. كل الموضوع حبيت تجربي حاجة ماتخيلتيش إنك تعمليها أبدًا.. أنا عارف الناس إللي شبهك بيقرفوا من حاجات لو جربوها هايضحكوا على نفسهم إزاي كانوا عبط كده.. طيب بذمتك اللحمة حلوة و لا وحشة ؟
قطعة صغيرة التي تبقّت على طرف لسانها، راحت تتذوقها جيدًا و هي تحرك عينيها للجانبين متمتمة باقتضابٍ :
-هي ناعمة أوي.. تحس إنها بتدوب بسرعة في البؤ. فيها مزازة. يعني ...
و نظرت إليه متسائلة :
-إيه نوعها اللحمة الغريبة دي ؟!
أجابها بابتسامة عريضة :
-ده مخ ني !
لم تنتظر حتى تستوعب و إنتفخ خداها في حركة تنم عن قيئ وشيك، لكنها عوض ذلك أشاحت بوجهها للجهة الأخرى و لفظت القطعة الأخيرة فوق التراب
و بينما كانت تسعل و تغسل فمها بقارورة مياه كاملة، كان "رزق" يضحك مقهقهًا بقوة، لدرجة أنه لفت جميع الأنظار نحوهما.. و لولا أنها ترتدي تلك الثياب المتشبهة بالرجال لعلموا من أول نظرة بأنها أنثى... لكنهم اكتشفوا الخدعة الآن
و لكن في جميع الأحوال، لا أحد يجرؤ على مجرد النظر إليها ما دامت هي برفقته، إسم "رزق الجزار" ذائع الصيت، و وجهه علامة مسجلة بعالمه، كان غنيًا عن التعريف ...
-بتستغفلني ! ..
زمجرت "ليلة" بصوتٍ أجش، و قد إنقلب وجهها ثانيةً و هي تقول بجزعٍ شديد :
-الله يقرفك.. بتاكل اللحمة نيّة. و مخ كمان. يا متوحش.. بس أنا متوقعة إيه يعني. ما إنت جزار صحيح !!
لا زال "رزق" يضحك و هو يلتقم مزيدًا من قطع اللحم النيئ و يغمغم قائلًا بنفس الوقت :
-ما إنتي أصلك ماتعرفيش فوايد الأكل الني.. طبعًا مش كل الأكل الني. بس أنا بحبه. ممكن عشان إتعودت عليه و بيسخن الـFitness عندي قبل التمارين
ليلة بتهكمٍ :
-على أساس إنك هاتتمرن دلوقتي !
رزق بفتورٍ :
-لأ طبعًا.. بس القاعدة معاكي كفيلة تحرق أعصابي كلها مرة واحدة. ف بدل ما إتخانق معاكي تتخانقي مع الكالوريز بتاعتي أحسن. و أهو تكوني عملتي حاجة مفيدة
حدجته بنظرة غضوبة و تناولت علبة المياه الغازية متجرعة منها بوفرة عساها تغير المذاق الشنيع بفمها ...
فرغ "رزق" من طعامه بعد قليل، فاستدعى النادل الشاب ليأخذ الأطباق الفارغة، و قبل أن يصرفه خاطب "ليلة" متسائلًا :
-تحبي تحلي ؟ الحاج أبو نوير عنده رز بلبن و أم علي ماتلاقيهومش في حتة أبدًا
-طبعًا مش هالاقيهم ! ..
علّقت "ليلة" بسخريةٍ
و قبل أن يتم عبوسه المنزعج منها قالت :
-لأ شكرًا.. أنا كده تمام أوي. إحنا ممكن نقوم يعني خلاص
رزق باستنكارٍ :
-بسرعة كده.. إنتي يدوب كلتي !
إلتوى فمها بحركة مزدرية و هي تقول :
-بصراحة ماكنتش متخيلة إنك هاتجبني مكان زي ده
نظر لها و لم يرد، بل أخرج جزدانه و سحب بضعة أوراق نقدية، دس قسمًا بيد الشاب، و قسمًا آخر دسه في جيب مريوله قائلًا :
-دول عشانك يا حودة
إبتهج الشاب كثيرًا للهبة الثمينة و قال بامتنانٍ :
-تسلم يا كبير.. ألف شكر
قام "رزق" واقفًا و هو يقول بصوته العميق :
-إبقى طل علينا ياض.. و لا إنت صحيح إتجوزت و مابقتش فاضي
-و الله لسا يا كبير. المطرح محتاج تشطيب.. أنا جبت كل حاجة بس المصاريف خستعت معايا جامد. الله كريم
-ماتتكسفش يا حودة و لو عوزت أي حاجة عدي عليا في الحتة
-خيرك سابق يا سيد المعلمين. الله يخليك لينا.. و السلام أمانة للمعلم سالم
-يوصل.. يلا أطير أنا بقى
-بالسلامة يا كبير.. مع ألف سلامة !
و اصطحب "رزق" خطيبته حتى السيارة، إستقلا متجاورين و إنطلق تجاه الطريق الرئيسي المؤدي إلى منتصف المدينة
ما دفع "ليلة" أن تسأله :
-إحنا مروحين ؟
لكنه لم يرد على سؤالها تمامًا، إنما قال بلهجته الفاترة :
-قولتيلي من شوية ماكنتش متخيلة تجيبني مكان زي ده.. مش عارف حاسستيني بالذنب ليه. و لو إني كنت قاصدها بصراحة !
و حانت منه نظرة ناحيتها ...
-بالشكل إللي إنتي فيه ده. و الإحراج إللي سببتيه لنفسك قبل مني قدام الناس الليلة ..
-فحبيت تعاقبني يعني ! ..
قاطعته باستهجانٍ، و استطردت بكبريائها المعهودة :
-أنا مش فارقة معايا على فكرة.. و لا تأثرت أصلًا. إوعى تفتكر إنك ضايقتني مثلًا. بالعكس. زي ما قلت بلسانك.. أديني جربت و شوفت حاجات ماكنتش أتخيل أجربها أو أشوفها. يعني ماخسرتش أي حاجة
أفلتت من بين شفاهه ضحكة خافتة، ثم قال بلباقةٍ دون أن ينظر لها هذه المرة :
-طيب.. مع ذلك يا ليلة. أنا حابب أعوضك.. أو لو هاتضايقي من الكلمة. سميها اعتذار مثلًا. ف تسمحيلي اعتذرلك على طريقتي. ممكن يعني ؟ لو مش حابة و عاوزة نروح هاروحك حالًا !
ساد الصمت الآن
كانت تفكر في جملته و قد استعذبت كلماته المهذبة كثيرًا، في ظرف آخر كانت لترفض رغم توقها، لكن حقًا لم تستطع أن ترفض طلبه بعد أن صاغه لها بهذه الطريقة ...
-لأ ! ..
هكذا جاء ردها بمنتهى الهدوء و الحسم
لم يظهر "رزق" أيّ ردة فعل، فإذا بها تكمل عبارتها :
-مش عايزة أروّح
زيّنت الابتسامة ثغره الدقيق مجددًا، ليتنهد مطوّلًا ثم يقول بحماسةٍ :
-فل.. هاوديكي مكاني المفضل !
______________
منذ أن نعتها بالاسم المصغر الذي أطلقه عليها "رزق" من مستهل طفولتها و حتى الآن، و هي لا تعطِ أمانًا لنواياه إزاءها.. و راح قلبها يرفرف قويًا سريعًا عندما أدركت معنى كلامه ...
واصلت التراجع للخلف و هي تحاذر خطواتها خشية أن تنزلق بأيّ لحظة و تسقط بالنهر، و خلال هذا نطق لسانها مبيّنًا خوفها الشديد منه :
-مصطفى. أنا مش فاهمة إنت تقصد إيه بكلامك.. بس إنت خوفتني منك أوي. أنا عايزة أرجع يا مصطفى. روحني البيت ونبي كفاية كده !
في كل خطوة تبعدها عنه كان يتخذها مقتربًا منها، و متلذذًا ظل يستمع إلى ردها حتى النهاية، ثم قال بهدوءٍ خطير :
-أروّحك ! بدري كده.. طيب ممكن تكوني إنتي زهقتي مني. لكن أنا. أنا مالحقتش أشبع منك يا بطة
لهثت محدقة فيه بقوة كقطةٍ مذعورة، لتكتم شهقة نزقة في هذه اللحظة حين اصطدمت قدمها من الخلف بحافة القارب.. لقد وصلت إلى نهابته !
ما من مهرب الأن ...
-مصطفى ! ..
غمغمت بصوتٍ كالأنين و هي تتمسك بالحافة من خلفها بكلتا يداها
كان قد وصل أمامها الآن
أغمضت عينيها بشدة عندما صار قريبًا جدًا منها، أحست بحرارة جسمه و أنفاسه الساخنة تتردد فوق بشرتها مختلطة بهواء النيل البارد.. كان يفوح منه عطر الخزامى ...
-إنتي عارفة إني بحبك يا فاطمة ! ..
همس عند أذنها بأنفاسٍ كاللهيب
و قبل أن تستطع التفكير حتى، مال أكثر نحوها و ذاق نعومة جلدها و طراوته !
إرتعشت "فاطمة" كما لو أن كهرباء مستها، بينما كان يقبلها بعمقٍ في شتّى أنحاء وجهها، حتى أستقرت شفتاه فوق شفاهها.. تعمقت القبلة أكثر و ضمها بين ذراعيه، و لكن من دون أيّ عنف أو قوة، بل على العكس كان مرهفًا بشكلٍ مذهل، و كأنه يخشى أن يخدشها..
مع ذلك إستسلامها و صمتها لم يكن تجاوبًا مع مداعباته اللطيفة، بل كان عجزًا، خوفًا، فهي خشت كثيرًا لو أثارت حفيظته مثل المرة الماضية، أن يعمد إلى إيذائها على نحو يتعذر إصلاحه فيما بعد
ارتأت أنها لو تركته يفعل هذا فقط فأنه لن يلحق بها ضررًا أكبر ...
لكنها كالعادة كانت مخطئة، و تلك الدموع التي تذوق "مصطفى" ملوحتها و شعر بحرارتها على طرف شفته، أضرمت فيه غضبًا مفاجئ !!!
-للدرجة دي مش قابلاني خالص ؟؟!!! ..
دمدم من بين أسنانه بحقدٍ شديد على من يحول بينه و بينها
عدوه الأوحد
اللص الذي سرق منه كل شيء أمتلكه قط !
كممت "فاطمة" فمها بكفها لتكتم نحيبها بالقوة، بينما
يقبض"مصطفى" على رسغها و يضغط حتى آلمها و أنتزع منها صرخة خافتة ...
-أنا نفسي أعرف ليه ؟ ليه حبتيه هو مش أنا. شوفتي منه ماشوفتيهوش مني ؟ ده أنا حتى لما كنت بحترم المسافة إللي بينا رغم إني عارف إنك ليا. ماكنتش بسيب فرصة أقدر أوصلك فيها مشاعري ليكي. لكن هو.. هو الكبير المدلع إللي مش شايف غير نفسه و مابيحبش إلا نفسه. حبيتي فيه إيه يا فاطمة. ررردددددي حبيتي فيه إيـــه ؟؟؟؟
-خلااااااص يا مصطفى ! ..
صرخت "فاطمة" متوسلة و قد إنهمرت دموعها بغزارة على خديها
كانت تتخبط بسبب الارتجاف بين يديه و هي تقول بصوتٍ مختلج بشهاقات بكائها :
-خلاص ونبي.. بص أنا آسفة. أنا غلطانة.. ماكانش ينفع أبدًا أقولك كلام زي ده. أنا غبية. أنا لسا عيلة مفعوصة مش فاهمة حاجة.. و أكيد أنا مابحبش رزق بجد. آه و الله صدقني. أنا بس كنت خايفة منك. و دلوقتي خايفة منك أكتر.. ونبي عشان خاطري روحني. لو بتحبني بجد روحني ..
كم أراد أن يصدق حديثها، كم تمنى لو أنها صادقة حقًا، و الواقع أنه وجد نفسه يقسر عقله على تصديقها.. جعل الكلمة لقلبه هذه المرة و عاد يلين لها من جديد
لكنه لا يزال بحاجة للإقناع التام، لعله لو أظهر لها مزيدًا من اللطف قد ينال ما يصبو إليه.. التجربة لن تضر.. فهي سوف تغدو ملكه إلى الأبد بعد أيامٍ قليلة ...
-محدش ممكن يحبك في الدنيا دي كلها زيي يا بطة ! ..
بث لها كلماته بنعومةٍ و هو يحوم بالقبلات فوق وجهها
و فجأة ضرب إنذار الخطر بداخلها حين شعرت بكفه يمر بين نهديها من فوق الفستان، فهمت نيته جيدًا، لكنه قبل أن يفعلها و يصل للزر العلوي تنولت يده بسرعة ...
-مصطفى أبوس إيدك كفاية كده ! ..
قالتها برجاءٍ من بين دموعها المستمرة
نظر بعينيها العسليتين المتلألتين في الظلام كالماس البرّاق، و قال بغرابةٍ :
-خايفة من إيه ؟ كلها كام يوم و هاتبقي مراتي. إحنا أساسًا في حكم المجوزين دلوقتي. كله عارف كده
هزت رأسها بقوة ...
-لأ.. لأ ماينفعش. مش ممكن أوافق على كده.. لو عملت كده مش هايكون برضايا و لما نرجع هقول لابويا !!!
رغم الضيق الشديد الذي شعر به، لم يستطع إلا أن يبتهج في داخله من ردة فعلها، كان مزيجًا من كل شيء، القلق و الاطمئنان و الشك !
لكنه آثر أن يرضى بما حصل عليه حتى الآن، لا داعي للعجلة، لقد مضى الكثير، فليصبر قليلًا ...
-ماشي يا بطة ! ..
قالها مذعنًا لرغبتها و قد تراجع عنها خطوة
تنفست الصعداء في هذه اللحظة، ليقول بصرامةٍ :
-عندك حق.. مايصحش نعمل حاجة زي دي من ورا أهلنا. كده كده في فرح و ليلة كبيرة هاتتعمل. لازم نحترم عاداتنا
أومأت له مبدية تأييدًا لكلامه، فأضاف بصوتٍ لطيف :
-بس مش هانروح دلوقتي.. أنا موصي على عشا. نتعشى سوا و نلف شوية بالمركب و بعدين نرجع !
____________
في أحد أشهر و أرقى أحياء مدينة "القاهرة".. توقف "رزق" أمام مقهى ستاربكس
بالطبع سألها لو أن تفضل أن يأخذا الطلبات في الداخل، لكنها أفصحت عن رغبتها في التجوال بالشوارع العتيقة إنجليزية الطراز، و قد كان بالفعل
ذهب هو ليحضر كأسًا من الموكا فرابيه خاصتها، و فنجانًا من اللاتيه مشروبه المفضل.. و بعد أن أغلق سيارته أخذها و مشيا جنبًا إلى جنب على طول الرصيف المرصع بالقرميد الداكن ...
-يا حراااام كل الشغل ده عليك ؟!! ..
كانت تضحك بقوة و هي تسأله
ليرد عليها مكثرًا من الفكاهة :
-و بقيت مش ملاحق. كل يوم ماسك دكان شكل و كان اسوأ يوم بتاع البقالة ده. و العيال الرذلة بقى تدخل عشان الحلويات و كده و ألاقي عيل جايلي و هوب عمو عايز من إللي أخدت منه يارا. طيب هي مين يارا دي يا حبيبي و أخدت إيه.. ماليش دعوة عايز من إللي أخدت منه يارا !
إنفجرت "ليلة" بالضحك أكثر، و لحسن حظها أن الساعة متأخرة و لم يكن المارة كثر حولهما، و إلا لكان وبخها قليلًا.. مع ذلك ضحكتها السريعة الطفولية أطربته كثيرًا، و كأنه فعلًا بصحبة طفلة ...
-بس إنت شقيت أوي يا رزق ! ..
قالتها "ليلة" بجدية الآن
إبتسم بخفة قائلًا :
-إنتي أول حد يقول كده.. كل الناس مفكرنَّي مدلل
صححت له :
-كل الناس مركزين في نقطة واحدة. حب عمي ليك.. تعرف أنا لحد إمبارح ماكنتش أعرف إنك مش إبن طنط هانم. تيتا قالتلي إن مامتك الحقيقية مشيت من زمان و إنها هي إللي ربتك مع عمي
نظر "رزق" أمامه و قد إلتزم الصمت عند إتيانها على سيرة والدته، فسرعان ما قالت باحتجاج :
-لأ بقولك إيه إنت ماشي مع واحدة شافت نفسيات بعدد شعر راسها. مش عاوزاك تقفش كده.. و بعدين أنا زيك بالظبط. عندي فكرة و جربت يعني إيه الانسان يتربى بعيد عن واحد من باباه أو مامته. ده يمكن أنا مسكينة أكتر منك. أبويا مات يوم ولادتي.. بذمتك شوفت نحس زي كده. بومة من يومي !
أضحكته بنعتها لنفسها، فغمغمت مبتسمة :
-أيوة كده يا أخي أضحك.. محدش واخد منها حاجة. و بص مش هسألك عن مامتك تاني. واضح إن سيرتها بضايقك
أدار وجهه لها بنفس اللحظة و قال باسلوبٍ دفاعي :
-بالعكس سيرتها مش بضايقني.. أنا عمري ما نسيتها أصلًا. رغم إن بعدها ممكن يكون مأثر فيا.. بس طالما ده لمصلحتها ف أنا قابل بيه
نظرت إليه عابسة، فشرح أكثر :
-أكيد نينا و هي بتحكيلك نسيت تقولك إن أنا إللي ساعدتها تمشي. من 20 سنة. أنا إللي هربتها من البيت. و بالمناسبة. كان يوم ولادتك بردو. كل حاجة حصلت في اليوم ده. قبل ما تفتحي عنيكي على الدنيا !
-إنت بتأكد على معلومة إني نحس و بومة يعني صح ؟ ..
علّقت بمرحٍ بادئ الأمر
أثمرت محاولتها و ضحك مرةً أخرى، لتستطرد باهتمامٍ :
-ممكن أعرف ساعدت مامتك على الهروب ليه ؟!
قدم لها الجواب بمنتهى البساطة :
-أمي ماكانتش هاتقدر تتأقلم على الحياة دي.. plus صدمتها في أبويا. لما عرفت إنه متجوز و عنده عيال غيري. هما كانوا بيحبوا بعض جدًا. بس هي من بعد ده كله كرهته.. أنا شوفت ده و حسيته كويس أوي. عشان كده سيبتها تمشي !
ليلة بامتعاضٍ :
-بس هي غلطت لما سابتك.. سابتك ليه ؟
تهرب من سؤالها بشكلٍ ملحوظ :
-أنا إللي مارضتش أمشي معاها !
و قد كان صادقًا في هذا... ثم نظر لها من جديد و قال مبتسمًا :
-بالمناسبة بردو.. أنا إللي سميتك
ردت له الابتسامة و رفرفرت بأهدابها قائلة :
-عارفة.. ماما الله يرحمها قالتلي. ماكانش حد له بال يسميني وقتها. أبويا أتقتل على إيد شوية بلطجية. و فوضى كبيرة حصلت. و فجأة تطلع إنت و تقترح الاسم ده. عجبها ف وافقت عليه و راح عمي إمام يسجلني بيه.. و من بعدها مشينا أنا و هي و مارجعناش تاني أبدًا !
و هنا حل الوجوم فوق قسمات وجهها
لاحظه "رزق" جيدًا فأدرك وجود خطبًا ما، شيء قد رأته أمام نظراتها الشاردة و قد عكر صفو اللحظة السلمية النادرة بينهما ...
-إنتي كويسة ؟! ..
سألها "رزق" بقلق عندما طال صمتها
إنتبهت له :
-أنا كويسة.. كنت بتقول حاجة ؟
-لأ بس لاقيتك سرحتي فجأة ! ..
و ضيّق عينيه مستوضحًا بفضولٍ :
-بتفكري في إيه ؟!
إبتسمت بتكلّفٍ و قالت :
-و لا حاجة بس شكل راسي تقلت. تصوّر حتى الموكا مش مأثرة فيا ! .. و ضحكت
إستدارت باحثة عن حاوية قمامة، وجدته على بعد مترين، و جاءت لتعبر المسافة ناحيتها.. فإذا به يمسك بيدها يجمدها و يقول :
-إستني.. رايحة فين ؟
صممت على سحب يدها من بين قبضته أولًا، ثم أجابت :
-هارمي فنجان القهوة !
و لوّحت بالكأس الفارغ أمام عينيه ...
لكنه تناوله من يدها مدققًا النظر بأحمر شفاهها المطبوع على حوافه مشكلًا حدود شفتيها، حبأ هذه المنطقة عن ناظريها و قال :
-لأ سبيه.. انا هاروح أرميه. إستني إنتي هنا !
و تركها ماضيًا صوب الحاوية المعدنية
و بخفة يد، و من دون أن تلاحظه قام باستبدال فنجانه بفنجانها، فألقى بخاصته هو بالحاوية و أحتفظ بخاصتها و إستدار عائدًا إليها متظاهرًا بأن فنجانه لا يزال ممتلئًا ...
-ط
يب ! ..
تمتم و هو يقف أمامها مباشرةً
-طالما راسك تقلت يبقى يلا بينا نروّح. كمان الساعة عدت 12.. التأخير ده مش هايعجب أبويا
هزت رأسها موافقة :
-أوكي.. يلا !
و إلتفتا معًا عائدين إلى الجراج العام حيث ترك "رزق" سيارته !
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم محمد
ضجيجٌ مزعج ودق مستمر وأصوات معدات كهربائية، كلها أشياء ساهمت بإيقاظه بنسبة مئة بالمئة، ولكنه لم يأخذ كفايته من النوم، بالكاد أغمض عينيه قبيل الفجر بمدةٍ بسيطة.
"كم الساعة الآن؟"
تأفف "رزق" وهو يتمطى بصعوبة في هذه الأريكة التي لم تستوعب حجمه أصلًا، حيث ساقيه تمتدان متجاوزة حافتها ورأسه مائلًا بزاويتها بطريقة مؤلمة.
مد يده إلى الطاولة المجاورة، ودون أن يفتح عينيه راح يتحسس سطحها، حتى عثر على هاتفه. التقطه ووضعه أمام وجهه مباشرةً. وعند ذلك أجبر نفسه على إزاحة أجفانه المتثاقلة ليقرأ الساعة الرقمية عبر الشاشة المضاءة.
"رباه.. 25 : 9 AM .. إذا لم يكن هاتفه قد خرب، وهذا مستحيلًا بالطبع!"
لم تسنح له فرصة استيعاب شيئًا آخر إلا وسمع صوت أبيه يعلو من جهة المطبخ:
"إنسى خلاص. مش هاتعرف تنام تاني. خدها من قاصرها وكفاياك فرك. تعالى يا رزق يلا.. أنا حضرت الفطار."
زفر "رزق" بقوة ناقمًا على هذه الحياة كلها، حتى ساعات الصباح الأولى التي يعتبرها الأهم في يومه غالبًا ما تمر هنا بشكلٍ مزري.. كما يحدث الآن.
قام في الأخير مستسلمًا للواقع والظروف القهرية.
كان لا يزال بثياب البارحة، فقط من دون حذائه وسترته الصغيرة، وقميصه كان محلول الأزرار كاشفًا عن صدره وبطنه المسطح المرصع بالعضلات السداسية خاصته.
مشى مترنحًا وهو يحك فروة رأسه منشطًا منطقة الدماغ كلها، في أقل من دقيقة كان ماثلًا أمام أبيه بالمطبخ. شاهده من خلال نظراته المشوّشة قليلًا وهو يفرغ مقلاة العجة بصحنٍ كبير ويرش فوقها البقدونس.
ابتسم "رزق" ابتسامة لم تصل إلى عينيه، لينظر إليه "سالم" في هذه اللحظة ويبادر بالقول مبتسمًا بدوره:
"طبعًا فاكر طبق البيض ده. ماكنتش بأكلك غيره أساسًا لما كنت صغير وعايش معايا لوحدك.. أول ما بدأت تزهق منه سيبتني ونزلت تقعد عند ستك. يا بايع يابن الـ..."
لم يتمالك "رزق" نفسه من الضحك وهو يرد عليه بصوتٍ متحشرج قليلًا:
"وطول السنين دي كلها لسا مستواك في المطبخ زي ما هو!!"
"إتريق عليا كمان يا محترم."
"مين قال إني محترم؟"
وتجاوزه ماضيًا نحو حوض الجلي، فتح صنبور المياه ووضع رأسه تحت الرذاذ البارد لمدة دقيقتين، ثم أغلقه ورفع هامته مطلقًا تنهيدة منتعشة. الآن يشعر بأنه أفضل.
وجد منشفة نظيفة بجواره، فتناولها وأخذ يجفف شعره ووجهه، بينما يربت أبيه على كتفه هاتفًا وهو يسحب كرسيًا لنفسه:
"يلا بابني أقعد أفطر!"
انصاع له "رزق" وجلس أمامه في الطرف المقابل للطاولة المربعة، بدأ بقدح قهوته أولًا، وعليه أن يعترف بأن صنع فنجانًا من القهوة هو الشيء الوحيد الذي يبرع فيه والده في الأعمال المنزلية قاطبةً.
كان يستلذ بكل رشفة. وقد كان بحاجة إليه بالفعل.
"قولي بقى عملت إيه ليلة إمبارح يا بطل؟" قالها "سالم" بتساؤل وهو يقدم لابنه سندويتشًا من أصابع الجبن المطبوخ.
أخذ "رزق" من أبيه وهو ينظر إليه مستوضحًا:
"عملت إيه إزاي يعني؟!"
"الله مش خرجت مع خطيبتك. إحكيلي عملتوا إيه!" وغمز له بطريقة موحية.
رفع "رزق" حاجبه مبتسمًا وقال:
"هانكون عملنا إيه يعني يابويا.. خرجنا ولفينا شوية ورجعنا. بس."
"ياولا. على بابا بردو.. عايز تفهمني إنك بعد الصياعة والصرمحة دي كلها مع النسوان فوّت الفرصة دي كده."
عمل الأخير على مجاراته قائلًا:
"يعني كنت عاوزني أعمل إيه مش فاهم؟!"
رد "سالم" وقد غدت عيناه الذكيتان أكثر حدة:
"جرى إيه يالا هاتخشلي قافية ولا إيه.. أو أحسن تكون مصيبة حقة لو كنت بتتكلم جد وقضيتها حنان مع البت. إنطق ياض. ماعملتش أي حاجة؟!"
"إنت كنت عاوزني أغتصبها ولا إيه؟!"
"لا يا حبيب أبوك. بس كنت فاكرك واد خلاصة أتاريك مابتحبش إلا الحاجات السهلة.. يا أهبل دخلتك بعد كام يوم. مافيش وقت. إنت ماقعدتش مع البت ساعتين على بعض هاتاخد عليك إزاي. ده أنا وافقت على فسحة إمبارح دي عشانك إنت.. قول أخوك مصطفى وبطة عارفين بعض. لكن ليلة دي ماتعرفكش.. إنطق يالا وقولي ماحصلش بينكوا أي تواصل؟!"
ضحك "رزق" بانطلاقٍ مجددًا وقال:
"إيه بس الكلام الكبير ده يابويا. إنت محسسني إني داخل حرب. يا معلم سالم كله بيجي بالحب.. إطمن. ليلة دي رغم شراستها عاملة زي حتة السكر. هاتدوب في إيدي قبل ما أحطها بؤي!"
أعجب "سالم" حديث ابنه الواثق كثيرًا، لكنه لم يمتنع عن الرد بصرامة:
"أهم حاجة عندي تظبط وضعك معاها. البت دي قوية ووارثة دماغنا الناشفة إللي مابنورثهاش للحريم.. لو حاولت تزق معاك كسرلها دماغها دي. ليلة الدخلة عاوز خبرك يوصلني الأول. هازعل أوي لو أخوك مصطفى عملها قبلك.. وبصراحة شكلك هايبقى وحش لو حصل."
امتقع وجه "رزق" وهو يغمغم بضيقٍ شديد:
"أيوة ده إللي كنت عامل حسابه بقى. الجو القديم والشغل المقرف ده.. على فكرة أنا مابحبش كده."
"لا ياخويا حب.. هو ده سلونا. لازم العيلة كلها تشاهد وتشهد!"
نخر "رزق" متذمرًا وقد فكر بأن يترك الطعام ويتركه ويغادر نهائيًا. لكنه، وللأسف، كان جائعًا. فقسر نفسه على البقاء حتى أنهى صحنه كله.
قام وبدل ثيابه بالحمام، ثم خرج بملابسه العادية ولكنه، كالعادة، كان في كامل أناقته. وجد والده يجلس أمام التلفاز ويشاهد قنوات الرياضة كالمعتاد. فاقترب منه متسائلًا بانزعاجٍ:
"الناس إللي فوق دول هايخلصوا إمتى؟"
أجابه "سالم" وهو ينفث دخان النرجيلة عاليًا:
"قولتلك 3 تيام كمان وكله هايبقى جاهز. هاتطلع مع عروستك إن شاء الله.. ولا أوام يعني زهقت من أبوك!"
لم يرد عليه واكتفى بهزة رأس ضجرة.
طفق يبحث عن أغراضه الرفيعة استعدادًا للمغادرة، عندما سمع جرس الباب يدق. التقط سلسلة مفاتيحه بسرعة وهتف مجمدًا أبيه بمكانه:
"خليك أنا هافتح!"
وانطلق تجاه باب الشقة. فتح فإذا به يصطدم بصبي من الحي، كان يعرفه جيدًا.
"حمادة إزيك ياض!" هتف "رزق" مبتسمًا في وجه الصبي.
رد له "حمادة" الابتسامة قائلًا:
"بخير يا معلم رزق.. تسلم."
"خش طيب. عاوزني أنا ولا أبويا؟"
"لأ يا كبير أنا جايلك إنت.. أبلة نسمة ندهت عليا وباعتالك معايا ده!"
ونبش في جيبه للحظة، ثم ناوله مفتاحًا تعرف عليه "رزق" فورًا. عقد حاجبيه بشدة وهو يأخذه من يد الصبي.
"هي مشيت ولا في بيتها يا حمادة؟" سأله "رزق" باقتضابٍ يكنف نزعة انفعال.
"لأ في بيتها. بس شكلها ماشية عشان قالتلي أروح أجيب لها تاكس."
"طيب بص يا حمادة إمشي إنت شوف كنت رايح فين وما تروحش تجيب حاجة.. أنا هاشوفها عاوزة إيه."
"أوامر يا كبير!"
وانصرف الصبي.
بينما يعلو صوت "سالم" من الداخل وقد قام من مكانه:
"هو إنت رايح فين يا رزق؟!"
لمس في لهجة أبيه تحذيرًا ضمنيًا، فأدار وجهه فقط تجاهه وقال بصلابةٍ:
"ماتخافش.. راجعلك!"
وأشاح عنه ثانيةً، وقد كان بالخارج في ثانية صافقًا الباب في إثره.
لم يبال بنظرات الناس إليه وهم يرونه يهرول هكذا ناحية المنزل الصغير الذي استأجر به شقة لعشيقته. دقيقة واحدة وكان أمام بابها المفتوح على مصراعيه.
ولج فورًا مناديًا اسمها:
"نوسا.. نوسا... إنتي فين يا نسمة!"
كما توقع وجدها بغرفة النوم. تقف أمام السرير، تضع فوقه حقيبة ملابس كبيرة، تجمع بها كل أغراضها وقد ارتدت عباءتها السوداء ووشاح رأسها متأهبة تمامًا للرحيل!!!
"إنتي بتعملي إيه يا نسمة؟!!!" تساءل "رزق" وهو يحث الخطى صوبها.
حتى وقف خلفها مباشرةً.
حتى اللحظة لم يرى وجهها، وحين لم يحصل على ردها، امتدت يده من فوره واجتذبها من كتفها صائحًا:
"مابترديش علـ آ ا .."
وبتر جملته فجأة مصعوقًا لما شاهد وجهها الشاحب وعينيها المتورمتين من البكاء، حتى الآن كانت تبكي.
"نسمة!" تمتم بتوتر.
عجز عن إيجاد كلماتٍ أخرى، لتفتح هي فاها المرتعش قائلة بصوتٍ أبهك يكاد يُسمع:
"مبروك يا عريس!"
حدق بعينيها مطوّلًا. ليتقلص وجهه ألمًا عليها، كان قد فهم بالطبع ما تحاول تذكيره به.
"نسمة آ أا عارف إنك .."
اختنقت الأحرف بحنجرته، فكان عليه أن يصمت ويحاول من جديد بثباتٍ أكبر:
"بصي يا نوسا. إنتي مش فاهمة الموضوع جه إزاي.. وأكيد مفكرة إني كنت بكذب عليكي. بس أقسملك بالله. أنا ماكنتش موافق على الجوازة دي. وحياة أمي.. إنتي عارفة إني مش بجيب سيرتها بالكذب!"
راحت تلوّك شفتيها في حركة متهكمة، ثم قالت:
"مش هاتفرق كتير.. النتيجة واحدة. وصدقني. أنا مش زعلانة.. ده المتوقع منك. إنت أصلًا ما وعدتنيش بأي حاجة. وقبل وبعد أي حاجة إنت تستاهل واحدة نضيفة. مش زيي أنا مـ آ ..."
"إسكتي يا نسمة!" قاطعها مكممًا فمها بكفه.
وأردف بحدة: "إنتي أعصابك تعبانة. وأنا مقدر صدمتك.. بس عاوزك تتأكدي من حاجة واحدة بس. أنا عمري ما هاتخلى عنك. قولتهالك وإنتي عارفة. إنتي تخصيني.. وكمان غلطتي في حاجة. أنا وعدتك.. وعدتك إني هكون هنا دايمًا. جمبك. وعدتك إني هاحميكي طول ما أنا عايش وإن مافيش أي حاجة ممكن تأذيكي في وجودي. وأنا موجود يا نسمة."
أزالت كفه عن فمها بقوة وهاتفة بنزقٍ:
"وأنا بشكرك طبعًا على الكلمتين المتزوقين دول وأكيد هفضل شايلة جمايلك فوق راسي. بس كل ده مش هايغير أي حاجة. وأنا أحب إني أمشي لأن ماعنديش استعداد أقعد وأتفرج عليك وإنت في حضن واحدة تانية.. أصل وشرف أكتر مني!"
واستدار نحو الحقيبة لتتم إغلاقها.
بينما يركل "رزق" قائمة السرير بقدمه بعنفٍ حطمها في الحال، ثم يلتفت ممسكًا برسغيها ودافعًا بها صوب الخزانة، أسندها على اللوح الخشبي، وحنى رأسه قريبًا من وجهها اللاهث المنفعل.
"مش هاسيبك تمشي!" همس بثقلٍ وقد انتفخت عروق عنقه ويديه خافقة بالتوتر والعصبية.
"لو صممت على قعادي تبقى أناني. ولو طاوعتك هاخسر كل حاجة.. كل حاجة إللي خسرتها أصلًا يا رزق. فاهمني؟"
واستنشقت نفسًا عميقًا وتابعت عبر دموعها المتساقطة:
"إبعد عن طريقي يا رزق. خلاص إنت مش محتاج تقف الواقفة دي.. أنا هطلع من حياتك خالص وإنت ربنا يوفقك معاها."
شدد قبضته أكثر حول رسغها وهو يقول عبر أسنانه المطبقة:
"نسمة! بطلي عبط بقى.. مش هاتمشي من هنا. مش هاسمحلك تخرجي من هنا أبدًا سامعة؟؟"
ضحكت قائلة بسخرية:
"ليه. هاتتجوزني مثلًا؟!"
"أيوة!" هتف بقوةٍ ودون أن يرف له جفن.
وبدأ يخفف من ضغطه عليها، عندما لاحظ تعبير وجهها ينقلب مئة وثمانون درجة من الحزن والجزع إلى الدهشة والذهول.
"إنت بتهزر صح؟" تمتمت بعدم تصديقٍ.
رد عليها عابسًا:
"لو كنت بهزر معاكي قبل كده يبقى أنا بهزر دلوقتي!"
تشبثت بذراعه الآن حين أحست بساقيها ترتجفان، تطلعت إليه مشدوهة وقالت:
"طيب.. طيب إزاي؟!"
"أسئلتك ساذجة أوي. هما الناس بيتجوزوا إزاي!!"
"قصدي أهلك يعني و آ ا ..."
"خلاص يا نسمة كفاية كلام!" قاطعها من جديد بحزمٍ، ثم أعلن بصرامة:
"كلمتي ليكي واحدة.. هاتجوزك. ومحدش له أي سلطان عليا!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم محمد
حزمت أغراضها بالفعل، و قد تركها تفعلها هذه المرة، بعد أن إتخذ الوقت الكافٍ ليفكر في الوضع جيدًا.
الواقع أنه خرج بثمرة هذا التفكير ليتركها على أهبة الاستعداد بالصالة بجوار حقائبها، و يقف خلف النافذة المطلة على الحارة واضعًا الهاتف فوق أذنه بانتظار رد "علي".
كان بإمكانه أن يرى أبيه و هو يقف بشرفته، عيناه لا تبارحان المنزل الذي يقف بداخله، لكنه لا يراه هو.
و أسفل حاجبيه المعقودين ظل يواصل بعينيه الحادتين النظر إلى "سالم" المتربص بهما كصيادٍ ينتظر ظهور طريدته.
و فجأة جاء رد "علي" مخترقًا مسامعه المترقبة.
"إيه يا يسطا، نقول صباحية مباركة!"
وبخه "رزق" بحدة:
"إحترم نفسك يا علي."
"مش لما تبقى محترم إنت الأول ياخويا. خدت خطيبتك و روحتوا فين متأخر إمبارح يا نمس. إعترف ياض."
تأفف "رزق" نافذ الصبر:
"علي بجد مش فايق لخفة دمك. إنت فين؟"
إتسم صوت الأخير بالجدية الآن:
"في الورشة عند أسامة أبو الخير. في حاجة و لا إيه؟!"
أمره "رزق" بحزمٍ:
"طيب تعالالي بسرعة محتاجك في حوار."
"خير طيب قلقتني."
"أما تيجي هاتعرف."
"أجيب معايا الرجالة طيب؟؟"
"لأ.. تعالى لوحدك. بس بسرعة."
"ماشي جايلك."
"عارف هاتلاقيني فين!"
"فينك يا عم مش ناقصة ألغاز!!"
شرح له "رزق" موقعه تمامًا، ثم أغلق معه و أعاد الهاتف إلى جيبه ملتفتًا نحوها.
"عشر دقايق و هانتحرك!" قالها "رزق" بشيء من الجفاء.
"جهزتي كل حاجتك؟"
أومأت له أن نعم، ثم قالت و هي تنهض ببطءٍ:
"باباك مش هايعرف إللي هايتم إنهاردة ده صح؟"
رد "رزق" بصرامةٍ:
"لأ.. مش صح. هايعرف طبعًا. بس لما أضمن إنك بعيد عنه خالص. هاروح بنفسي و أواجهه."
ازدردت ريقها بتوترٍ و سألته:
"هو ممكن.. ممكن يأذيني يعني و لا إيه؟ هو عارف إللي بينا؟!"
أجاب عن النصف الأول من سؤالها:
"طول ما أنا عايش يا نسمة محدش يقدر يمس شعرة منك.. إطمني خالص. و بعدين مش أهم حاجة عندك نكون مع بعض؟"
أومأت أسرع هذه المرة، فأضاف ببساطةٍ:
"خلاص. يبقى ماتسأليش. مطرح ما هاسيبك هاتفضلي مستنياني. و هاتكوني في أمان و أنا مش هقلق عليكي. لكن حي الجزارين مابقاش أمان ليكي من بعد إنهاردة!"
***
مجلسٌ ضم نساء العائلة كلهن بشقة الجدة "دلال".
قامت "فاطمة" بإعداد الشاي للجميع، و من ثم جلست وحدها بزاوية منطفئة العينين واجمة، بينما في أيدي كل واحدة منهن مجلد كبير يضم أحدث صيحات أزياء الزفاف و الأعراس.
كلًا من "نجوى" و "عبير" تجلسان متجاورتين، تتفحصان الأثواب و الفساتين بنظراتٍ مبهورة، كانتا تختاران واحدًا لـ"فاطمة" التي أبدت رفضًا بالقيام بهذا.
أما "ليلة".. العروس الأخرى كانت تجاور جدتها. تدلك لها كتفيها بينما هي مشغولة باختيار أفضل ثوب لأجل حفيدتها الجميلة.
و لكن كان الأمر عويصًا عليها بعض الشيء، إذ أن محتويات المجلد كلها رفيعة الذوق و جميعها لا تخضع للجدل، ما سبب لها الحيرة و دفعها للالتفات نحو "ليلة" قائلة:
"هو ده رزق يابنتي.. يبقى عايز يريح إللي قدامه بس الحقيقة إنه بيحيره من جمال اختياراته. خدي يا ليلة. أختاري إنتي يا حبيبتي فستانك."
و مدت المجلد لها.
"خدي إختاريه و أنا هاقوله إن أنا إللي اختارته!" و أكملت بصوت أكثر حدة:
"بس عارفة لو غفلتيني تاني و لبستي يوم فرحك حاجة زي القرف إللي كنتي لابساه إمبارح و رحمة أبوكي لاقاطعك و ماكلمكيش عمري سامعة؟"
هدأتها "ليلة" مبتسمة:
"طيب بس إهدي يا تيتا.. و بعدين مش أنا اعتذرتلك عن إمبارح و إللي حصل كله؟ و وعدتك إني مش هضايقك بالشكل ده تاني."
حذرتها "دلال" بنفس اللهجة:
"دي آخر فرصة قدامك عشان تحسني مظهرك إللي بهدلتيه قدام الناس. يابنتي ماكانش مقامك و لا مقامنا. إنتي أصلًا مقامنا يا ليلة. إنتي ليلة ناصر الجزار."
تنهدت "ليلة" متظاهرة بتقدير تلك الكُنية الرائدة العريقة، ثم قالت بلطفٍ:
"أنا عارفة كويس أنا مين يا تيتا.. إطمني. هاشرفك!"
و غمزت لها مرحًا.
"بس إنتي إللي هاتختاري الفستان زي ما وعدك رزق."
دلال بترددٍ:
"بس يا حبيبتي دي ليلتك إنتي. لازم تكوني حباه!"
ليلة بثقة:
"أنا متأكدة إن عنيكي هاتشوف فيا أحلى حاجة.. إختاري إنتي يا تيتا."
إبتسمت لها الجدة بحب، و حانت منها إلتفاتة ناحية المسكينة الحزينة.. "فاطمة".
"الله! بت يا بطة!!!" هتفت "دلال" بنداءٍ مشدوه.
إنتبهت "فاطمة" لنداء جدتها و نظرت إليها فورًا:
"أيوة يا ستي. عاوزة مني حاجة؟"
دلال بغرابةٍ:
"مالك يا بت زي ما يكون حد ضاربك على دماغك. فيكي إيه يا فاطمة؟!"
كعادة السيدة "نجوى" لا تسمح بألاعيب الظروف و تدخلت بالحوار في الحال قائلة بلهجة طبيعية:
"هايكون فيها إيه بس ياما. ما هي زي الفل أهيه. يمكن بس مرهقة من ليلة إمبارح. و كمان الفسحة بتاعة مصطفى طولت شوية و رجعوا متأخر. جايز بردو من قلة النوم."
وكزتها "نجوى" بكوعها مغمغمة بخبثٍ و هي تميل صوبها:
"أو يمكن من التفكير البت يا عيني مخضوضة. بين ليلة و صبح هتبقى عروسة. كلنا خدنا الصدمة دي ياختي!"
و ضحكت الإثنتان.
لتطلب "فاطمة" الإذن بالانصراف الآن و تنسحب من المجلس مسرعة، بينما تلاحقها نظرات "دلال" المرتابة. فما إن توارت عن ناظريها حتى نظرت إلى "نجوى" متسائلة بجدية:
"مالها بتك يا نجوى؟"
نجوى بتمثيلٍ متقن:
"مالها ياما. ما أنا قولتلك مرهقة. مش عروسة و بتجهز لفرحها.. إحنا كلنا على بعضنا كده ماعرفناش القرار ده غير من يومين بس و المطلوب كل حاجة تجهز في أقل من إسبوع. دي تبقى واحدة مابتحسش يعني لو ماتوترتش شوية!"
رمقتها "دلال" بعدم تصديقٍ، و قالت بصوتها المتحشرج الهرم:
"قالوا زمان على وشك يبان يا نداغ اللبان.. بس جايز كلامك صح."
نجوى مواصلة إقناع:
"أكيد ياما صح.. إنتي ماسمعتيش كمان عبير قالت إيه!"
و نظرت إلى سلفتها لتدعم رأيها، ففعلت الأخيرة مؤيدة:
"ياما البت قطة مغمضة مش سهل تخطي من الدار للنار كده. إمبارح كانت بتنام بضفاير و بكرة تصحى تلاقي شعرها مفرود على كتف جوزها.. جرى إيه يا ست دلال أوام كده نسيتي الشغل ده. أكيد عيشتي اليوم ده قبل ما تتجوزي الحاج مصطفى الله يرحمه."
نجحت "عبير" هذه المرة بانتزاع ابتسامة من السيدة العجوز.
"بخرب عقلك يا عبير.. بتفكريني باللذي مضى.. الله يرحمك يا حاج!"
و ترقرقت الدموع بعينيها حنينًا و شوقًا، لتسارع "ليلة" بمواساتها مطوقة كتفيها و هامسة لها برقةٍ:
"و يخليكي ليا أنا يا حبيبتي.. أنا ماليش غيرك دلوقتي يا دودي."
تنعتها بنفس الاسم المصغر الذي أختاره لها "رزق". لتبتسم "دلال" من جديد و قد نست حزنها و هي تربت على ساعدها قائلة بثقةٍ:
"ليكي بعد ربنا عمك سالم و جوزك. زين الرجالة و سيدهم. رزق.. إن شالله يفرحني بيكوا يا حبيبتي و يطول في عمري لحد ما أشوف عيالكوا!"
***
"إللي بتعمله ده مش صح على فكرة!" قالها "علي" و هو يقف وجهًا لوجه أمام "رزق".
كانت منطقة راقية التي قصدوها الآن، و على مقربة من بناية مرتفعة حديثة الطراز، اصطفت سيارتا "علي" و "رزق". لكنهما الإثنان نزلا و تركا "نسمة" بسيارة "رزق" كي ما يتنسى للأخير معرفة الظرف العاجل و الغريب الذي طرأ على إبن عمه فجأة.
و ليته لم يعلم.
"تتجوز دي يا رزق؟؟"
زجره "رزق" بغضبٍ متمتمًا:
"إتكلم عليها كويس يا علي. نسمة دي تخصني و خلاص بقت مراتي.. إوعى تلبخ عليها في الكلام تاني مرة سامعني؟؟؟"
أشاح "علي" بيده منفعلًا:
"يا شيخ إتلهي. إنت شكلك إتجننت. و عامل حوارات و مخليني أطاوعك و أعمل تمويه لحد ما نفلت من مخبرين أبوك.. عشان في الأخر تروح تتجوز من ورا الكل. و كمان المصيبة إن فرحك بعد يومين. إنت هبت منك و الله!!!"
اقترب "رزق" منه خطوة و هو يشير بسبابته محذرًا بخطورة:
"لو أبويا عرف بمكان نسمة هاعرف إن إنت إللي قولتله يا علي. و صدقني لو ده حصل هاتزعل. و لو حصل لنسمة أي حاجة هاتزعل أكتر و هاتشوف رزق تاني عمرك ما شوفته. لا هو إبن عمك. و لا صاحبك."
قطب "علي حاجبيه و هو يشمله بنظراتٍ ذاهلة، ثم قال:
"معقول كل ده حصل و أنا مش داري.. البت دي. و لا بلاش بت أحسن تزعل.. حرمك المصون دي. قدرت تعمل فيك كل ده؟ ده إنت كنت جايبهالنا مكسورة الجناح و أخر غلب. فجأة كده تشنكلك و كمان تخليك تتجوزها!!!!"
"مالكش دعوة!" هتف "رزق" بصلابةٍ.
"دي حاجة خاصة بيا.. يا سيدي أنا حر. ماتخلنيش أندم إني وثقت فيك و أمنتك على أسراري."
"لأ إنت عارف كويس إني أمين على أسرارك. بدليل إنك حكيتلي الأهم من كده و الكلمة إللي دخلت ودني منك ماطلعتش من بؤي.. بس ماشي. براحتك يا رزق. هو خلاص أصلًا فات الأوان و سيادتك إتجوزتها."
و ألقى نظرة محتقرة للخلف صوب "نسمة". ثم عاود النظر لإبن عمه ثانيةً و قال:
"إطمن. سرك في بير.. و لو ماعنتش محتاج حاجة تاني هامشي أنا!"
تنهد "رزق" بثقلٍ، تردد لحظة، ثم رفع يده و ربت على كتف "علي" قائلًا بامتنانٍ لبق:
"شكرًا يا علي.. و آسف لو كنت شديت معاك في الكلام. بس حقيقي نسمة دي مهمة عندي. لو بتقدرني و تحترمني يبقى هاتعمل نفس الشيء معاها.. و خلاص زي ما إنت عارف. بقت مرات أخوك."
لوى "علي" شدقه مغمغمًا بسخرية:
"و الله ما أنا عارف المهزلة دي حصلت إزاي. مش عارف الصراحة أباركلك على أنهو جوازة.. عمومًا الله يوفقك و يسعدك. أنا مش بتمنالك غير كده يا رزق."
إبتسم "رزق" بخفةٍ و قال:
"أنا عارف.. إنت أكتر من أخويا يا علي. أنا ماليش غيرك!"
***
بعد رحيل "علي" كلّف "رزق" بواب البناية بنقل حقائب "نسمة". أعطاه المفتاح و طعمه يسبقهما.
و إستقلا من بعده المصعد حتى الطابق الثالث، إجتازا معًا عتبة شقة بأخر الرواق المغطى بالسجاد الأزرق السميك، كان البواب قد وضع الحقائب بالداخل بجوار حجرة المعيشة المفتوحة مقابل الباب.
ولجت "نسمة" برفقة "رزق" متنعمة بملمس يده فوق كتفها، لكنه تركها في هذه اللحظة مقبلًا نحو البواب الخمسيني، دس في يده حفنة من الأوراق النقدية قائلًا بصوته القوي:
"للشاي و الدخان يا ريس."
البواب بسرورٍ كبير:
"تعيش يا بيه.. ألف شكر كتر خيرك."
"العفو ده خير ربنا. بس عاوزك بقى تخلي بالك من المدام. تشوف طلباتها كل يوم لو عازت حاجة. و أنا نازل هعدي عليك أسيبلك رقمي. لو حصل أي حاجة تكلمني علطول."
"عنيا يا بيه إنت تؤمر.. و المدام في عنينا. كل يوم مراتي هاتفوت عليها تشوف طلباتها. و لا يهم جنابك."
"فل.. و أنا كل ما أجي هاشوفك إن شاء الله!"
كانت تراقب ما يجري بصمتٍ، حتى لاحقت بنظراتها البواب أثناء خروجه بينما يعود "رزق" ليقف أمامها، و بدورها تزيد اقترابًا منه و نظراتها لا تزال على الأخير الذي سحب الباب في يده الآن.
و فور أن بقيا بمفردهما، تشبثت "نسمة" بكل ما أمكنها منه.. بشعره و كتفيه و تعلّقت بعنقه بقوةٍ مستنشقة رائحة جلده الطيبة الدافئة حد الثمالة.
"أنا مش مصدقة بجد!" غمغمت و في صوتها نبرة بكاء.
"إحنا فعلًا إتجوزنا!!!"
إرتفعت يدي "رزق" و طوقها بلطفٍ قائلًا:
"لأ صدقي يا نوسا. إحنا إتجوزنا.. و يارب أكون قدرت أثبتلك إني بقدرك و إني مخذلتكيش زي أي حد قابلتيه في حياتك."
هزت رأسها بقوة في حضنه و قالت:
"إنت مش أي حد يا رزق.. إنت مش أي حد. إنت حبيبي.. أنا ماحبتش حياتي إلا لما إنت دخلتها. قبلك كنت بتمنى أموت عشان أرتاح!!"
"ماتقوليش كده!" تمتم ماسحًا على رأسها بحنو.
أبعدها عنه قليلًا كي ما ينظر في وجهها و أردف:
"أنا من أول ما شوفتك و عيني جت في عنيكي و أنا حسيت إنك بقيتي جزء مني و من حياتي.. نسمة أنا عمري ما هاسيبك. إطمني. هفضل ماسك إيدك لحد ما تقوليلي سيب."
نظرت عميقًا بأمواج عينيه المتلاطمة، أمسكت بيده و شكبت أصابعها بأصابعه بقوة و قالت:
"عمري ما هقولك سيب أبدًا.. أبدًا يا رزق!"
منحها ابتسامة رقيقة، ثم ربت على رأسها و قال و هو يمهد للانفصال عنها و المغادرة:
"طيب.. أنا لازم أمشي دلوقتي. لو احتاجني حاجة كلميني."
تجهمت الآن و كأن الأمر فاجأها، لترد عليه:
"إنت هاتسيبني لوحدي هنا؟!"
"طبيعي. ماتقوليش إنك خايفة يعني و بلاش شغل أطفال.. أنا جايبك في آمن و أرقى مكان وسط القاهرة. حتى الشوارع حواليكي دوريات الشرطة بتطوف فيها."
"بس على الأقل كنت قعدت معايا إنهاردة. لحد ما إتعود على المكان الجديد!"
"معلش يا نسمة.. مش هاينفع. لازم ألحق علي زمانه وصل قبلي و أكيد أبويا هاياخده و يقرره."
و قبل أن تنبس بكلمة أخرى، فك يدها من يده و إبتعد خطوة قائلًا:
"يلا أشوفك وشك بخير.. ماتخافيش و ماتقلقيش من أي حاجة. محدش يعرف مكانك. و إوعي تكلمي حد و لا تعرفي مخلوق مطرحك الجديد. و أنا هحاول أجيلك الليلة أو الصبح بالكتير.. سلام يا نوسا!"
و لوّح لها مودعًا.
ما كادت تستوعب أخر كلماته حتى رحل بسرعة البرق مغلقًا عليها باب قفصها الجديد، و لكن هذا قفصٌ من ذهب.. و إن يكن... قبوًا أو زنزانة ضيقة.. ما دام هو معها فهي بالجنة.
و أخيرًا تحقق مرادها.
أخيرًا صارت زوجة لـ"رزق الجزار"!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم محمد
إنطلق في طريق العودة، بعد أن فتح هاتفه وجد ما توقعه، عشرات من مكالمات ورسائل لا تحصى جميعها مرسلة من رقم والده.
آخرهم رسالة صوتية هي فقط التي قام بفتحها ليسمع صوت أبيه شديد اللهجة في عبارةٍ وجيزة: "تعالالي حالًا. و رب الكعبة لو ما جيتلي إنهاردة يا رزق ما ليك خاطر عندي. و إنت فاهم قصدي كويس أوي!"
ابتسم بتهكمٍ وهو يغلق الهاتف ويعيده إلى مكانه ثانيةً، كان يعلم على وجه الدقة أين سيجده، بل كان يراهن نفسه، ولو أن بامكانه الوصول إلى المنزل في طرفة عينٍ لفعله.
لكنه التزم الصبر حتى وصل في الأخير، فلم يتوجه إلى الأعلى حيث شقة أبيه، إنما مضى رأسًا إلى شقة جدته.
المكان المفضل لـ "سالم" عندما يجد ضرورة لتوبيخ إبنه أو تأديبه، لا بد أن تتواجد "دلال" لكي تخفف ما وسعها من حدة النقاشات بينهما.
"أهلًا يا باشا!" هكذا صاح "سالم" فور ظهور إبنه عند عتبة الباب.
أمره بحدة: "خش وأقفل الباب وراك."
بنظرة متفحصة سريعة شاهد "رزق" أبيه يجلس في كرسي الصالون الرئيسي بجوار جدته المستقرة فوق الكرسي المتحرك، وأيضًا.. كان هناك "علي".
كان يجلس على مقربة من عمه مطرق الرأس كبكرٍ خجول.
ارتفع رأسه مرةً واحدة ليبعث بنظرة أسف لإبن عمه، ثم عاد وأطرق من جديد.
"إن شاء الله جمع الخير!" قالها "رزق" بفتورٍ وهو يلج للداخل مغلقًا باب الشقة خلفه بركلة قدم.
اقترب من مجلسهم بالقدر الكافي وأردف وهو يمرر نظاريه على وجوههم جيئة وذهابًا:
"ولو إن التعبيرات هنا مش مريحة.. بس مانظنش سوء بردو."
"صحيح إللي أبوك بيقوله ده يا رزق؟؟"
ألقت "دلال" هذا السؤال بنزقٍ يدعم الغضب الجلي على ملامح وجهها المجعّدة.
نظر لها "رزق" وقال متظاهرًا بالبلاهة:
"وهو أبويا قال إيه بالظبط يا نينا؟!"
ارتفع صوت "سالم" الآن بتقريعٍ قاس:
"ماتستعبطش يالا. رد عدل.. أنا لحد دلوقتي ماسك نفسي بالعافية!!!"
واصل "رزق" نفس الأسلوب وهو يرد:
"عشان أرد عدل لازم أفهم السؤال يا معلم سالم.. تقدر تحدد سؤالك عشان أجاوبك ببساطة. صح ولا إيه؟"
لم يتمالك "سالم" نفسه أكثر من ذلك وهب واقفًا على قدميه، فانتفخت عباءته من حوله لوهلةٍ، قبل أن يتحرك مهرولًا تجاه إبنه ويقف ضده مباشرةً.
"إنت إتجوزت بت الشوارع دي يا رزق؟؟" استوضحه "سالم" بصوتٍ كالفحيح.
شعر "رزق" وكأن نظرات أبيه القوية تكاد تثقب عينيه كالرصاص، لكنه لم يغيّر شيئًا في الهيئة اللامبالية التي بدا عليها وهو يقول بمنتهى البرود:
"أولًا نسمة مش بت شوارع يا أبويا. كلكوا لازم تفهموا كده وتحترموها كمان من هنا ورايح.. لأني آه. إتجوزتها إنهاردة!"
"يا مصيبتي!!!" قالتها "دلال" وهي تشهق مصدومة.
احتدمت بشرة "سالم" انفعالًا حتى خيّل لـ "رزق" كما لو أن الدماء القانية صارت سوداء بوجهه.
لم يكن قد تبادلا النظر لثوانٍ إلا وسرى بينهما سريعًا تيارٌ من التحدي السافر، أودى بـ "سالم" للإقتراب الشديد من إبنه حتى كادت ناصتيهما تتلامسان تقريبًا كاشفة مدى تطابق قامتهما وعنادهما أيضًا.
رفع "سالم" يده الممسكة بمسبحته البرَّاقة ووضع كفه عند مؤخرة رأس "رزق".
ليخرج صوته تاليًا خافتًا مريبًا:
"كل مرة كانت بتبقى بيني وبينك. إللي حوالينا بيفكروها دلع زيادة. حب مرضي.. يمكن هما صح. وصح جدًا. بس المرة دي يا رزق. المرة دي إنت خرجت عن طوعي بيني وبينك. وقدام الكل كمان. ومحدش هايفكر إنه دلع ولا حب... تحب أقولك هايفكروا إيه؟!!!!"
قال "رزق" بثباتٍ وقد كان التهكم في صوته لا يُضاهى:
"أنا مايهمنيش أي حد على فكرة.. وإنت عارف ده. أما حكاية خرجت عن طوعك دي فأظن إنك عارف بردو ومش محتاج أفكرك إني قاعد هنا مضطر. لو كان بكيفي كنت مشيت زمان.. وقولتهالك قبل كده كتير. جرب تضغط عليا شوية كمان."
سالم بخشونة:
"إنت فاكر إنك بتهددني يالا ولا إيه؟ إوعى تنسى نفسك. إوعى تنسى مين إللي واقف قدامك. أنا سالم الجزار!!!"
وعلا صوته بعنفٍ في آخر جملة.
لكن "رزق" أظهر عدم اكتراثه لثورة أبيه المندلعة بسبب تمرده، ضم يداه أمامه ونظر في عينيه وهو يقول جازمًا:
"أبويا.. وحياة الغالية الغايبة. أنا مابهزرش.. مش هاتشوف وشي تاني!"
زم "سالم" شفتيه بقوةٍ محدقًا بابنه غير قادرًا إلا على رؤية ندَّه ومكمّله، صورة طبق الأصل من شبابه حين كان في نفس عمره.
هو بذاته.. بعنفوانه، بجبروته، وشدته... لا يدري هل عليه أن يسعد لذلك؟
أم ينعي حظه العاثر في إبنه... حيث برغم كل مجهوداته وكل ما سعى أن يقدمه له حتى يشتري حبه ورضاه.. الآن أوضح له "رزق" ما كان واضحًا منذ البداية لكنه هو الذي فضل ألا يصدقه.
وهو أنه باقيًا هنا بجواره رغمًا عن إرادته، لو كان الخيار بيده لكان تركه قبل زمنٍ طويل.. كل ما يخشاه "سالم" الآن أن يخرج منه ما يدفع الولد الأقرب إليه من أولاده إلى الرحيل.
يدرك تمامًا وهو ينظر بعينيه في هذه اللحظة بأنه لا يمزح حين أخبره أنه لن يرى وجهه ما إذا تدخل بشؤونه وتصرف على طريقته.. والجميع يعلم ما هي طريقة "سالم الجزار".
"بس يا رزق فرحك على بت عمك خلاص بعد يومين!" قالت "دلال" ذلك متراجعة كإبنها عن مواقفها السلبية كلها تجنبًا لغضبة حفيدها.
تتطلع "رزق" إليها ولم يرد، فأضافت بترددٍ:
"الناس تاكل وشنا. سيبك من الناس.. ليلة نفسها. إللي ماكانتش راضية عن الجوازة أصلًا وفجأة ربنا هداها. لما تعرف إنك إتجوزت وقبلها بكام يوم هاتعمل إيه.. يابني إنت حاطتنا في حاجة صعبة أوي. دي مصيبة..."
"مصيبة دي كلمة قليلة يامــا!!!!" صاح "سالم" بضراوةٍ وهو يستدير نحو أمه نصف استدارة.
"دي كارثة.. إنتي عارفة البت دي كانت عايشة هنا بصفة إيه؟؟؟كانت عشيقة الباشا. طول السنتين دول كان كل ليلة يتسحب زي الحرامية ويروحالها ومقضيها معاها وأنا ساكت وسايبه براحته. بس توصل لجواز وبعد كل إللي جرى ده؟؟؟?"
"دي حاجة تخصني لوحدي ماتخصكوش ولا تخص الناس!" هتف "رزق" بصرامة متجاهلًا صدمة جدته وغضب والده المتفاقم كلما تكالبت عليه أسباب وموانع زيجة إبنه المشينة.
وقبل أن يفهم أيًّا منهم بكلمة أخرى، استطرد منهيًا الحديث باشارة من يده:
"نسمة دلوقتي بقت مراتي. أنا حر فيها.. ليلة كمان هاتبقى مراتي. وأنا بردو حر معاها. وبعدين يابويا حقك تبقى فخور بيا.. أنا بقلدك. عملت زيك.. إتجوزت إتنين!"
حملق "سالم" فيه مشدوهًا ومغتاظًا في آنٍ، هذا ليس إنقادًا فحسب، بل تقليل.. إن لم يكن تحقير من شأنه أيضًا.
ارتجفت شفته السفلى انفعالًا، ليوليه "رزق" ظهره قائلًا كلمته الأخيرة:
"لو عاوز تحافظ عليا معاك هاتعرف إن نسمة خط أحمر. لو قربتلها يابويا هاتخسرني للأبد.. بالإذن!"
وحث الخطى مغادرًا من فوره.
لينهض "علي" بنفس اللحظة ويلحق به بعد أن أعطاه عمه رخصة الانصراف.
"رزق.. يا رزق إستنى بس!"
"عايز إيه يا علي؟؟" صاح "رزق" بنفاذ صبر وهو يتوقف هنا أمام باحة المنزل.
كان وجه الأخير به قدرًا من الشحوب، وضع يده فوق كتف "رزق" وقال يسترضيه:
"حقك عليا.. مقدرتش أنكر أي حاجة المرة. أبوك زنقني في الكلام عند ستي دلال وقال إنه شافنا وإحنا واخدين نسمة وماشيين. فضل يضغط عليا لحد ما أضطريت أقوله إنك إتجوزتها.. بس أقسم بالله ما قولتش زيادة عن كده. حتى لما سألني عن مطرحها قولتله في وشه مش هقدر أقول!"
زفر "رزق" مطولًا وقال بسأم:
"خلاص يا علي."
علي بريبةٍ:
"خلاص إيه؟ شايل مني؟!!"
رزق بنزقٍ:
"لأ مش شايل. ريح بالك.. يلا بالإذن إنت كمان!"
وبينما كان يتهيأ للمغادرة ثانيةً، أمسك "علي" بيده ليبقيه متسائلًا:
"إستنى رايح فين طيب؟"
غمغم "رزق" متأففًا:
"مخنوووق. مش طايق المكان هنا.. هغور في أي حتة لحد ما أهدا شوية!"
وشد ذراعه من يد إبن عمه وإلتفت مغيرًا مساره هذه المرة، لم يستقل سيارته، بل ذهب راجلًا على قدميه إلى وجهة لا يعلمها إلا هو.
"يعني ماطلعش واطي!!!"
انطلقت هذه العبارة مع ضحكةٍ أنثوية صاخبة مدهوشة عبر الهاتف الذي ألصقته "نسمة" بأذنها بينما تقف بمطبخها الفخم الجديد وتعد كوبًا من الكابتشيونو.
ضحكت "نسمة" بدورها وهي ترد عليها غير مصدقة بعد ما صار معها:
"شوفتي بقى يا سامية. كنتي ظالماه وأنا كمان ظلمته.. بس كنت عارفة. كنت عارفة إن رزق راجل شهم وجدع. عمره ما يقدر يتخلّى عني."
ناطحتها "سامية" بالقول:
"ياختي وإنتي الصادقة المفروض مايقدرش يتخلّى عنك لأنه عارف إللي فيها وعارف إنك بتاعته. هو الراجل الوحيد إللي لمسك وعارف ومتأكد إنه الأول ولوحده في حياتك.. يبقى مايتجوزكيش ليه يا موكوسة. إنتي إللي ماعرفتيش تلعبيها صح من بدري. بالك لو كنتي عملتي الشويتين دول قصاده قبل كده بكام شهر كان زمانك مراته قدام الكل. مش في الخفى وبس."
تلاشت ابتسامة "نسمة" وهي تستمع إلى كلمات صديقتها كلمة بكلمة، لترد عليها على الفور:
"بس أنا ماعملتش قصاده شويتين زي ما بتقولي يا سامية. أنا فعلًا بعتله مفتاح الشقة ولميت هدومي وكنت همشي. بصراحة في الأول ماكنتش متخيلة إنه ممكن يجري عليا ويمنعني بالشكل ده.. ده كان هايتجنن لما شافني بعمل كده. أنا بدأت أصدق إنه بيحبني. حتى لو لسا ماقلهاش!"
"سيبك من الحب والكلام الفارغ وركزي شوية يابت.. الخطوة الجاية هي الأهم."
"خطوة إيه؟!"
"يا هبلة.. إنتي مش قولتي هايتجوز بنت عمه؟"
"آه والفرح كمان يومين."
قلدتها "سامية" بتهكمٍ:
"والفرح كمان يومين!!!"يا برودك ياختي. بتقوليها عادي كده."
ألقت "نسمة" بالسكرية معدنية القالب فوق الأرض بعنفٍ ليفرغ محتواها حولها وصاحت:
"عايزاني أعمل إيه يعني؟ في إيدي إيه أعمله يا سامية؟؟؟"
"إنتي مافيش في إيدك حاجة طبعًا يا موكوسة. بس لو إنتي بت بجد هاتعرفي إزاي تميليه ناحيتك وتخليه مش شايف غيرك.. عارفة لو ضغطي عليه شوية كمان عشان يفض حكاية الجواز دي.."
"لأ!" هتفت "نسمة" مقاكعة بحزمٍ.
"أنا مش هاعمل أي حاجة تاني وأضايقه مني. ده هو كتر خيره أوي على كده.. لمني في بيت. ستر عليا. ووقت ما أحتاجه أكيد هايبقى جمبي. أنا مش عاوزة أكتر من كده يا سامية. أنا كنت فين وبقيت فين.. الحمدلله!"
صمت قصير... ثم قالت "سامية" بلهجة قانطة:
"هقولك إيه يابنتي.. عبيطة."
نسمة باصرارٍ:
"أيوة عبيطة.. مش مهم. المهم رزق بقى راجلي بحق وحقيقي!"
يـــوم الحنـــاء
...
أو ليلة "الوداع" كما يطلق عليها البعض.
الاحتفال بأبناء أشرف وأكبر رؤوس بحي "الجزارين".. فيهم ومنهم... تلك الليلة الأخيرة قبل الزفاف.. بدت أسطورية في الحقيقة.
إذ بعث "سالم" في طلب أكبر مصممي فراشات الأعراس وجعل من الحي روضةً، فقَّاعة سحرية، صالة كبيرة نظيفة أنيقة، بداية من تخوم الحي وحتى المنزل المغطى كله بستارٍ من نور.
الأضواء الملونة في كل مكان، الأرض مفروشة بسجادٍ كبير وثمين، مكبرات الصوت الحديثة منتشرة، المقاعد والطاولات المكسوة بقماش من الستان الأبيض موزع فوقها مقبلات متراصة باحترافٍ فوق أطباقٍ مشكلة من السلوفان.
في الوسط المسرح الذي تجهز لاستقبال مجموعة الراقصات اللاتي هن مجيئهن عبارة عن هدايا من رجال مدعوون يكونوا بالواقع أصدقاء وشركاء كبير العائلة.
بالجهة الأخرى مأدبة الطعام الضخمة التي ضمت فقط فوقها لحوم الذبائح التي فاحت رائحتها منذ الصباح حين أمر "سالم الجزار" بجلب عدد من العجول والكِباش ولزم إبنه البكري بأن يذبح أكبرهم وأقواهم بيديه.
فلم يسوّد "رزق" وجه أبيه وبالفعل قام بذبح أعتى عجلٍ بينهم، بعد أن أرقده بقليلُ من العناء، لكنه لم يعذبه.
وبشفرته الحادة فصل رأسه عن جسمه في ثوانٍ وسط ترقب الحشد الغفير وصيحات الأهالي المهللة عند إتمام الأمر وتباهي الإبن الأكبر بقيامه بهذا العمل الذي يبرهن عن قوته وقدرته.
ازدادوا جميعًا مهابة وإجلالًا لـ "رزق".. وهذا ما أراد "سالم" تحقيقه منذ البداية!
لم تبدأ الليلة بعد، ولكن أصوات الزغاريد وبعض الأغنيات الشعبية الشهيرة صدح بها منزل عائلة "الجزار"... كل شيء صار جاهزًا.
اليوم انتهت التشطيبات بشقة كلًا من "رزق" و "مصطفى".. وكان أول ما فعله "رزق" حينها أنه انتقل مجددًا إلى مكانه، بعد أن تحول جذريًا وأصبح كالجنة!
كل هذا ذوق أبيه!!!
فحتمًا هي لم تختر شيئًا، وهو لا يبالي، إذن لا شك أنه "سالم".. فعلها مرةً أخرى وأغرق "رزق" بدلاله وأثبت له حبه وتفانيه المرضي تجاهه.
ولكن... هل يغير ذلك من شيء بنفس "رزق"؟
كان قد اختار لهذه الليلة ملابس عادية، مجرد قميص رمادي اللون وسروالًا من الجينز الغامق، وحذاء رياضي بسيط مع زينته الخفيفة المتمثلة في ساعته الفاخرة وعطره الجذاب وبالطبع القلادة الذهبية التي يعلّق بها جزء من أمه الغالية، خاتمها الذي سقط من يدها في تلك الليلة أثناء هروبها.
وهو يقف الآن أمام المرآة الجديدة، لم يشعر بنفسه إلا وهو يلتقط الخاتم المتدلي ويرفعه إلى فمه ليقبله هامسًا:
"إنتي حبي الأول والأخير.. ماحبتش حد قبلك. ولا بعدك!"
أعاده داخل فتحة القميص ثانيةً، ثم استدار مغادرًا الغرفة، التي صارت شقة كبيرة جميلة الآن.
ابتسم تلقائيًا وهو يستمع إلى أصوات الاحتفالات أثناء هبوطه الدرج بسرعة، شعر بهاتفه يهتز بجيبه، استلّه ليجد المتصل "نسمة"... توقف، وفي نفس اللحظة شاهد "ليلة" وهي تصعد باتجاهه.
لم يفكر مرتان، أخرس صوت الهاتف وأعاده إلى جيبه، وانتظر حتى صارت "ليلة" أمامه.
كانت تحمل على ذراعها غلافًا كبير خاص بالألبسة، وكانت ترتدي ملابسها المألوفة، كنزة رقيقة وسروالًا واسع القدمين، وشعرها مجموعًا في جديلة ملقاة على كتفها برقةٍ آسرة.
"ممكن أعدي!" قالتها "ليلة" وهي ترمقه بغرابةٍ.
كان يسد الطريق تقريبًا، وأيضًا ظل كما هو، لم يتحرك من مكانه ولم يفسح لها، وكأنها لم تتكلم.. رفعت حاجبيها بطريقة مستهجنة... فقررت أن تعبر بنفسها من خلال الطرف الفارغ نسبيًا على يمينه.
لكنه اعترض طريقها عندما فعلت وحاصرها هنا تمامًا بينه وبين الحائط، حبسها بين ذراعيه هكذا دون أن يلمسها.
"وإيه أصله ده بقى؟!" علّقت "ليلة" بحدة وهي تشير بعينيها لذراعيه.
نظرت إليه الآن، فرآى النيران تتآجج عميقًا بعينيها الواسعتين.. ليبتسم لها قائلًا بهدوء:
"في عروسة تبقى مبوزة ليلة فرحها كده بردو؟"
ليلة باستنكارٍ هازئ:
"عروسة! إنت بتهزر أكيد..."
وتحوّلت لهجتها للغلظة الآن وهي تقول:
"ولا إنت بتفكر تقلب الاتفاق إللي بينا.. عارف لو حصل ورحمة الله..."
"بس بس بس!" قاطعها بسخريةٍ.
"إنتي كل حاجة عندك كده تهديد؟ ومالك خفيفة ليه.. أولًا رزق الجزار عمره ما يوعد ويخلف بوعده. ثانيًا يا حبيبتي أنا مابتهزش من أي تهديد. بصي يا ليلة زي ما بيقولوا أعلى ما في خيلك اركبيه. منغير أي حاجة زريني ممكن تقدري تعملي إيه كده عشان الجواز ده مايتمش.. خلينا نشوف شجاعتك دي بجد ولا أي كلام!!"
وصمت بانتظار ردها، لكنها بقيت ترمقه بحقدٍ دفين استطاع استشعاره جيدًا، ليستطرد بلهجة انتصار:
"يبقى تركني تناكتك دي على جمب شوية.. Relax يعني. وحاولي تتبسطي. الانسان مش بيتجوز كل يوم."
وضحك بانطلاقٍ.
فدفع بها الغيظ أن تقول بتحدي قاصدة إهانة كرامته:
"ده لما تكون الواحدة بتتجوز راجل بتحبه وعايزاه. ساعتها بتحس إنها ملكة.. لكن أنا. أنا حاسة إني جارية أبوك إللي هو عمي اشتراهالك. لكن ده بعدك.. مش هاطول مني حاجة. ولو على رقبتي. إنسى!"
رفع حاجبه مبتسمًا بسعة فبانت أسنانه الناصعة المتناسقة، حنى رأسه قليلًا ليبقى وجهه مقابل وجهها تمامًا.. لم يرف لها جفن وظلت ترمقه بذات التحدي.
بينما بث صوته لهجته الهادئة الواثقة بموجاتٍ من أنفاسه الدافئة راحت تتردد على بشرتها:
"تعرفي! أنا هاسيبك للأخر. بجد.. هاسيبك تمثلي إنك مش مهتمة بيا ولا هحاول في مرة أجبرك تظهري العكس. لكن أوعدك يا ليلة. في يوم قريب أوي. إنتي إللي هاتيجي لحد عندي.. راكعة!"
ملأت ضحكتها الشقية أذنيه، بينما أبقى على ابتسامته كما هي، ليجدها بعد لحظة تدفع بذراعه لكي تمر فلم يمنعها.
صعدت درجتين، ثم إلتفتت نحوه قائلة بفمٍ معوّج:
"مغرور كمان!"
واستدارت متابعة صعودها، بينما يلاحقها بنظراته الفضولية، ولم يستطع أن يمنع نفسه من السؤال باهتمامٍ:
"طالعة عند مين طيب؟?"
ت أنها فكرت لثانية أو إثنين، لكنها حسمت أمرها وقررت أن تجيبه بصوتٍ غير مبالٍ:
"تيتا مصممة ألبس فستان الحنة ومصممة أكتر إني أتحنَّى زي بقية العرايس.. الست إللي بترسم الحنة فوق عند فاطمة. هانخلص ونازلين كلنا عند تيتة!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل العشرون 20 - بقلم مريم محمد
متأنقًا بأفخر ثيابه، خرج "سالم" إلى الشرفة الرئيسية، مطلًا على واجهة السرادق العملاق. كان المكان قد بدأ يزدحم تدريجيًا، لكنه فضل البقاء قليلًا لغاية في نفسه. حتى عندما لوّح له أحد الرجال، لم يتفضل عليه سوى بإيماءة صغيرة من رأسه مكتفيًا بها وعدًا بالانضمام إليهم قريبًا.
كان مسرورًا، إذ تعتبر هذه الخطوة التي تتهيأ عائلته للاقدام عليها كبيرة ومهمة جدًا. أربعة من أبنائهم يستعدون للزواج بدءًا من الليلة. يا لها من غبطة تستحق الاحتفال وكل هذا الإصراف والمظاهر الباذخة.
لم يكن هناك ما يعكر صفاء سعادته هذه إلا أمرٌ واحد، وهو بالطبع زيجة ابنه الأولى التي ذهب وأتمها من وراء ظهره. ولكي يكبلَه عن التصرف قام بتهديده ذلك التهديد الذي لا يستطيع أمامه صمودًا. "مش هاتشوف وشي تاني!".
لا يمكن أن يصير شيئًا كهذا، هذا الطفل الذي رباه، و الرجل الذي كبر في كنفه. إنه ابنه، فلذة كبده وقلبه. الأفضل والأحب على الإطلاق. لا نظير له بجميع أولاده. يعلم بأنه ربما يكون مخطئًا أو ظالمًا، لكنه دائمًا ما يعزي نفسه بالقول: "لا تلُومُوني فيما لا أملك!". إنه يحب أولاده، لكن "رزق" يساوي بالنسبة إليه شيئًا أعمق من الحب.
بعد المواجهة الأخيرة بينهما، وبعد أن استمع إلى كلامها ولمس أملًا بأن مشاعرها تجاه أخيه الأكبر ما هي إلا مشاعر مراهقة، وأنها بالفعل اكتشفت بأنها لا تحبه. كان يشعر بالإقبال. حتى أنه قبل قليل ذهب بنفسه واشترى لها باقة زهور حمراء كبيرة كتعبيرًا على حبه. لم يبالي بهمزات أصدقائه وهم يرونه أثناء مروره مهرولًا إلى المنزل وهو يحمل الباقة. اتجه للأعلى، مشتاقًا وآملًا أن يصل عندها بأسرع وقت.
"مبروك يا أحلى عرايس!" قالتها خبيرة التجميل الشابة.
"الله يبارك فيكي يا جميل. وحقيقي.. تسلم إيديكي." ردت "ليلة" بابتسامة.
إبتهجت الشابة للثناء وقالت: "ده جمالك إنتي و القمر التانية حبيبتي.. ألف مبروك و الله يسعدكوا يارب." ثم التفتت نحو مساعدتها التي كانت ترسم بالحناء على يد "فاطمة" وذراعها. أما "ليلة" فقد اكتفت بنقشٍ على شكل قياس نبض القلب.
"خلصتي يا شاهندا؟"
"خلاص يا أبلة أماني. آخر صوباع!"
و بالفعل، ثم قامت وجمعت كل الأغراض ولحقت بالأخيرة بعد أن ودعت العروستين.
لم تمر دقيقة، بينما كانت "ليلة" تقف أمام المرآة تهندم فستانها، دخلت السيدة "نجوى" مزدانة بجلبابٍ أنيق. اتجهت من فورها صوب ابنتها واحتضنتها بقوة: "يا حبيبة أمك. قمر.. بدر منور يا قلبي. الله يحميكي من العين الليلة دي يا بطة. ونبي يارب تكمل فرحتي بيها!"
"ربنا يخليهالك يا مرات عمي!" هتفت "ليلة".
استدارت "نجوى" ناحيتها مستطردة بحبورٍ: "الله يسعدك إنتي كمان يا حبيبتي.. إيه الحلاوة دي يا ليلة. ما شاء الله عليكي يابنتي لو تتحطي في أوضة مضلمة تنوريها."
كان هذا أعرب غزل أو مدح سمعته "ليلة" في حياتها، لكنها لم تستطع إلا أن تبتسم ردًا على المجاملة، ثم تقول: "تسلمي يا طنط نجوى.. أكيد ستي قاعدة على نار طبعًا!"
أومأت الأخيرة ضاحكة: "أيوووة يا حبيبتي. كل خمس دقايق تتصل تستعجلني. أقولها أنا سايباهم مع الماكيرة لوحدهم قربوا يخلصوا.. مافيش فايدة. شوية و هاتكلني. إنتوا خلصتوا صح؟"
"أيوة طبعًا خلاص.. بصي طيب إسبقينا حضرتك. و أنا هجايب فاطمة دلوقتي و ننزل."
"ماشي يا حبيبتي. بس ما تأخروش بقى. أنا مش أد الست دلال. ماتحطونيش في وش الدفع لوحدي."
و ضحكت الإثنتان، ثم رحلت "نجوى" وبقيت "ليلة" بمفردها مع "فاطمة".
كانت تعلم منذ البداية بوجود خطبًا ما بها. لا تعرف سببه، ولا تود أن تعرف. لكن يشق عليها أن ترى عروس تعيسة مثلها في ليلة كهذه.
"فاطمة!"
إرتعدت "فاطمة" عندما شعرت بيد "ليلة" تحط فوق كتفها.
"آسفة.. خضيتك؟"
هزت "فاطمة" رأسها سلبًا دون أن تنظر إليها. أخذت "ليلة" تحاول القبض على نظراتها عبثًا وهي تقول بلطفٍ: "مالك يا فاطمة؟ إنتي تعبانة و لا إيه يا حبيبتي؟!"
"أنا كويسة!" نطقت "فاطمة" بهمس.
رفعت "ليلة" حاجبيها دلالة على عدم تصديق جوابها، وقالت بعد برهةٍ: "بس أنا مش شايفة كده.. بصي يا فاطمة بعيدًا عن موقفك الغريب ناحيتي. بعيدًا عن كل البغض و النفور إللي أنا مش قادرة أفسر أسبابهم.. أنا صفتي هنا بنت عمك. و لو إنتي حاسة إني مش أهل لثقتك أو بصراحة أكتر عدوتك. على الأقل ماتتكسفيش تظهري مشاعرك قصادي. أنا مش بحاول أحسن من صورتي في عينك.. إنما هدفي الوحيد و بجد إني أخفف عنك. أنا حاسة بيكي كويس. أنا أكتر حد هنا ممكن يحس بيكي يا فاطمة صدقيني!"
لكنها ما لبثت أن حبست أنفاسها، حين تطلعت إليها دامعة العينين.
"يا قلبي!!!" تمتمت "ليلة" بجزعٍ شديد.
و لم تتردد و هي تقوم واقفة باللحظة التالية لتقف فوق رأسها ضامة إياها بحضنها.
"مالك بس يا فاطمة؟" آنت "ليلة" طارحة عليها هذا السؤال.
"إحكيلي يا حبيبتي.. إيه إللي فيكي بالظبط. حصل إيه يابنتي؟!!!"
لكن ما من إجابة.
ظلت تنتحب و تذرف الدموع فوق صدرها فقط. إلى أن شعرت بأنهما لم تعودا وحدهما. عندما رفعت "ليلة" رأسها فجأة لمحت "مصطفى" يقف عند عتبة الباب في يده باقة من الزهور.
"مصطفى!"
صاحت "ليلة" و قد تمكنت باحترافٍ في ثانية بقلب تعبير وجهها المكروب إلى إبتسامة كبيرة.
"إزيك يا عريس؟"
نظر "مصطفى" إلى "ليلة".
"كويس يا ليلة.. إنتي إزيك يا عروسة؟"
"تمام و زي الفل و الله."
"ألف مبروك."
"الله يبارك فيك يا سيدي.. مبروك ليك إنت كمان."
رد عليها بايماءة و ابتسامة مقتضبة، ثم نقل نظره ثانيةً إلى "فاطمة" قائلًا بجمودٍ: "مالها بطة؟!"
قالت "ليلة" بثباتٍ و بنفس الابتسامة المتقنة على وجهها: "مالهاش دي قمر أهيه و جميلة. عنيها بس مطروفة شوية و أنا بحاول أشوفها. أحسن الميك آب يبوظ إنت عارف!"
أومأ لها مرتان، ثم رفع باقة الزهور متمتمًا: "دي عشانك يا بطة.. مبروك علينا يا حبيبتي. يلا أسيبكوا بقى و أنزل للرجالة!"
و ألقى بالباقة فوق طاولة قريبة، بينما ترد عليه "ليلة" و هي تراه يستدير مغادرًا بسرعة: "إتفضل يا مصطفى.. و مبروك مرة تانية."
على الطرف الآخر، انتظرت "فاطمة" حتى ضمنت رحيله تمامًا، ففكت اشتباكها بإبنة عمها و رفعت وجهها متطلعة إليها بتضرعٍ.
"شكرًا!" غمغمت بصوتٍ متقطع.
وجهت لها "ليلة" إبتسامة عطوفة و هي تفرد كفها فوق رأسها و تربت عليه بحنوٍ هامسة: "العفو..."
و دققت النظر بوجهها الذي تلطخ قليلًا بدموعها الممتزجة بالكحل و الماسكارا، لتقول و هي تتلفت حولها بحثًا عن حقيبة المكياج الصغيرة: "وشك و عنيكي إتبهدلوا شوية. بس و لا يهمك.. في ثواني هارجعك زي الأول و الأحسن. و بعدين ننزل بقى أحسن يطلعوا يجرجرونا من شعورنا إحنا الجوز!"
انقضت ساعات الإحتفال الأولى على الوتيرة المألوفة. الجميع يهلل و يغني و يرقص. حتى "ليلة" و قد تطوعت برقصة أظهرت من خلالها مدى براعتها.
بالخارج كان النصف الثاني من الإحتفال من نصيب الرجال. هنا بالسرادق الفخم حيث انضم "سالم الجزار" إلى ضيوفه برفقة أولاده الثلاثة. فور حلوله بينهم أعطى الأمر ببدأ المرح كله. كان الكل منتشي و منسجم.
الأدمغة نصف صاحية، فقط لأجل هذه اللحظة. اللحظة التي صعدت فيها أول راقصة شبه عارية فوق المسرح. الآن فقط بدأ المرح.
صاروا الآن خمسة راقصات. واحدة منهن نزلت عن المسرح و ذهبت رقصًا تجاه الطاولة التي يجلس إليها "سالم" و أولاده. حاول إستمالة "سالم" فلم يعطها الفرصة أبدًا، ليقع في القرعة من بعده "رزق". بينما كانت تشده من يده، جاءت قرينتها الثانية و اجتذبت "مصطفى" بدورها.
تعالت الصيحات و القهقهات الفجة من حولهما و هما يمشيان مطوقين الراقصتان حتى صعدا معهما إلى المسرح. و تحت أنظار والدهما الفخورة المزهوّة وقفا ثابتين بينما الراقصات تتمايلن صوبهما.
فإذ مر القليل من الوقت، بدأت حالة "مصطفى" العقلية تزداد سوءً. فا إستدار مخرسًا صخب الاحتفال كله بإشارة من يده، ليطبق السكون التام في كل شيء. و مع مرور الثوانِ.. حتى تمت الدقيقة الثانية. معها ظهرن النسوة من خلال الشرفة الأرضية لمنزل العائلة، و استطاع "مصطفى" أن يلمح من بينهن "فاطمة" تقف مثلهن و تراقب بفضولٍ و دهشة.. و قلق.
"جرالك إيه يا ديشا. تعبت و لا إيه؟" قالها "رزق" مازحًا.
لينتفض "مصطفى" غاضبًا و هو يتشبث بقدميه فوق الأرض، و في غفلة يدس يده خلف ظهره ليستل سلاحه الناري مشهرًا إياها في وجه أخيه.
"أقتلك يا رزق!"
انطلق الصراخ من فم الراقصات و سارعن إلى الهبوط عن المسرح فورًا. بينما يقفز "مصطفى" أمام "رزق" في طرفة عينٍ موجهًا السلاح إلى رأسه. فجاء الرد المتوقع في الحال و شقت صيحة "سالم" الصمت المتوتر السحيق.
"مصطفــــــى !!!!"
و لكن الأخير لم يلتفت حتى له، لم يعيره أدنى إهتمامٍ و ظل يصوّب فوهة سلاحه نحو رأس أخيه الكبير.. حتى ألصقها بجبهته تمامًا. نظر بعينيه ليرى فيهما نفس النظرة الواثقة، الباردة.
في جوًّا من الغيظ و الضغينة، لم يتردد "مصطفى" في هذه اللحظة و هو يضغط على الزناد.
بنفس الوقت تنفجر صرخة "سالم" من أعمق أعماقه باسمه هو هذه المرة: "رزق!"
و لكن "رزق" كما هو. لم يرف له جفن.
بينما كان الجميع في حالة من الصدمة و الذهول.
فجأة جلجلت ضحكة "مصطفى" و ملأت الآذان، حانت منه نظرة تجاه أبيه الشاحب كليًا و هو يقول بثمالةٍ واضحة: "فاضي.. المسدس كان فاضي. بس شوفت يابا.. رزق طلع جامد بجد. ماغمضلوش جفن و لو ثانية واحدة!"
و استأنف ضحكه الهستيري و هو يرتمي على أخيه تاليًا معانقًا إياه، تلقاه "رزق" بين ذراعيه و هو يبتسم بفتورٍ رابتًا على ظهره بقوة.
و بإشارة من يده هو هذه المرة أطلق صخب الاحتفال من جديد، و طفق يراقص أخيه و يلهو معه فوق المسرح و كأن شيئًا لم يكن.
و لكن "سالم" ليس مثل الجميع، و حتمًا لم يصدق.