تحميل رواية «و قبل أن تبصر عيناكِ» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الطيور تكبر لتغادر العشّ... ربما تنطبق تلك النظرية على البشر أيضًا. لكنها أبدًا لا تمت لعائلة "الجزار" بصلة، حيث أنهم كبروا جميعًا، لكنهم لا يزالون هنا ببيت العائلة. اليوم هو الجمعة.. وكحال كل جمعة دون أن يتم استدعاء نفر واحد.. من تلقاء أنفسهم يجتمعون كلهم.. رجالًا ونساءً وأطفالًا بعد أداء الصلاة حول مائدة الفطور الشعبية المعدة والعامرة بكافة أنواع المأكولات على مختلف الأذواق، فكلٌ قد أدلى بما يشتهيه لسيدة البيت الثانية والمسؤولة عن كل شيء هنا.. "هانم السويفي" ابنة النظير القاطن بمنطقة مجاورة لا...
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم مريم محمد
يجلس بالبهو الكبير إلى جواره تراصت حقائبه. فوق الكرسي التراثي العتيق يضع ساقًا فوق الأخرى، عيناه لا تحيدان عن ساعة الحائط الضخمة أمامه، ولا ينفك يقضم أظافر يده بعصبيةٍ مفرطة.
كان من المفترض أنه ينتظر مكالمة من إبنه ليخبره بموعد وتفاصيل الرحلة التي أوكله بحجزها إليه من حيث يمكث هو بالولايات المتحدة الأمريكية، لكن مضى نصف اليوم حتى الآن ولم يتلقّى أيّ خبرٌ منه، مما ضاعف توتره وقلقه بشدة.
إلى أن حانت تلك اللحظة فجأة ودق هاتفه أمامه فوق الطاولة. قفز في مكانه والتقط الهاتف مجيبًا بسرعة:
- إيه ده كله يا حسن؟
- كل ده بتحجزلي تذكرة يابني؟ مش قولتلك عاوز أكون قدامك بكرة الصبح بالكتير. كده ولا بعد بكرة وحياتك!
إنسلّ صوت "حسن" بصعوبة وسط هجوم والده:
- يا بابا بليز اديني فرصة أرد على حضرتك. أنا ماحجزتش أصلًا أيّ تذاكر!
حسن وقد هربت الدماء من وجهه:
- بتقول إيه؟
- زي ما سمعت حضرتك. إنت إزاي كان غايب عليك حوار قضية الضرايب المرفوعة عليك هنا في الاستيتس؟
توقف "عزام" للحظة وكأنه إصطدم بالحقيقة كمن فقد ذاكرته وعادت إليه بقساوةٍ هكذا.
- أنا.. إزاي نسيت القضية صحيح!
سمع تنهيدة إبنه وهو يرد عليه بفتورٍ:
- بابا أنا لسا عارف القصة حالًا. بغض النظر إنك مش حاكيلي أي حاجة، بس إنت مش هاينفع تخطي خطوة على أرض الإستيتس. هايتقبض عليك فورًا.
ثم صمت لهنيهة، وقال:
- قولي إنت كنت عايز تيجي أوي كده ليه؟ في إيه بالظبط؟ حصل حاجة أو إنت في مشكلة؟ أنا ممكن أنزلك لو محتاجلي بدل ما كنت هاتطلع إنت مخصوص!
رفض "عزام" في الحال هازًا رأسه بقوة وهو يفرك عينيه بسبابته وإبهامه:
- لالالا. تنزل إيه.. خليك مطرحك يا حسن.
- طيب صارحني. أنا حاسس إنك في مشكلة ومش عايز تقولي!
- لأ يا حبيبي ماتقلقش. أنا زي الفل. إنت بس إللي كنت واحشني. غريبة دي؟
- لأ. مش غريبة، بس إنت متأكد إن مافيش حاجة؟
سحب "عزام" نفسًا عميقًا كي ما يستطع إقناع إبنه بلهجة أكثر طبيعية:
- مافيش حاجة يا حسن. أنا بقالي سنة ماشوفتكش. مش عاوزني أشتقلك يعني؟
- لأ طبعًا مش قصدي. إنت كمان واحشني يا بوب. خلاص. أوعدك هاظبط إجازة أول الشهر الجاي وهاينزل أقعد معاك حبة جلوين قبل الدراسة ما تبدأ. قشطة؟
إبتسم "عزام" رغمًا عنه ورد بنفس الإسلوب:
- قشطة يا أبو علي. يلا روح شوف وراك إيه. زمان النهار طلع عندك!
وتوادعا، ثم أغلق "عزام" الخط وهو يعاود التفكير بمصيبته بضراوةٍ أشد.
الآن.. ماذا عليه أن يفعل؟
كما بات واضحًا هو لن يتمكن أبدًا من السفر لإبنه، فهل يغيّر الوجهة مثلًا ويسافر إلى أيّ دولة أخرى ريثما يرى مآل الأوضاع!
زفر بقوة وهو يطالع ساعة الحائط مجددًا.
إنها تشير للعاشرة مساءً، لقد مرّ على تلك الواقعة الشؤوم أكثر من ثماني ساعات. بالتأكيد لو أن "ليلة" قد حكت شيء لعائلتها لكان عرف بحلول الآن. لكانوا هم قد قبضوا عليه قبل أن يفكر حتى بالهرب.
معنى ذلك أنها لم تفتح فاها بكلمة، وهذا ما توقعه لكن خوفه غلبه. فلماذا يهرب الآن؟
إنه إنما يبالغ في خوفه. فكما هو واضح.. "ليلة" لن تنبس بكلمة لأنها جبانة وخائفة مثله. لذلك عليه أن يهدأ تمامًا.
لن يحدث شيء.
- لأ! تمتم "عزام" مخاطبًا نفسه.
- لازم أخد احتياطي في كل الأحوال.
وأمسك بهاتفه من جديد وأجرى إتصالًا في الحال:
- آلو! ناظم.. عايزك في أقل ساعتين تكون في شقة الزمالك. وضبهالي كويس أوي. هقضي فيها كام يوم كده. ف عايزها تبقى جاهزة على نص الليل بالكتير!
لم تستطع أن تمنع نفسها عن الابتسام، وهي تستلقي في صمت بأحضانه الواسعة الدافئة، تلتف بجسمه كاخطبوطٍ، وتشابك أصابعها بأصابعه.
الغرفة معتمة، ولكن الضوء المنسلل عبر فتحة باب الحمام الموارب بأقصى الغرفة كان يكفي لرؤية بعضهما. رغم أنه لم يكن يشعر بشيء الآن، بعد أن قضى وطره بها. وكأنه نال جرعة مخدر، لم يسعه إلا التمدد هكذا بلا حراكٍ والتفكير.
أما هي...
فسعادتها لم تكن تقدر بثمن، خاصةً عندما إكتشفت الحقيقة. واحدة من اثنتين. إما أنه لم يمسّ زوجته الجديدة أبدًا لسببٍ ما لا تجرؤ على الاستفسار عنه. وإما أنه لم يجد معها ما يجده هنا. فيها هي.
والدليل إنه هنا الآن، وقد ترك عروسه بصبيحة ليلة الزفاف، ليأتي ويقضي كل هذا الوقت برفقتها، ولتنعم هي به كله. علاوة على كل ذلك. كانت هذه المرة مختلفة ولها سحرها الخاص. هو نفسه، أظهر شغفًا بها لم تعهده بهذه القوة من قبل. وكأنه أراد يحفر تفاصيله على قواعدها.
على كلٌ. هو أساسًا كذلك. محفورٌ بكل ذرة فيه بكيانها ووجدانها. وآخر شيء منه يكمن برحمها الآن. نطفته. التي تستعد منذ أسابيع قليلة لتتحول إلى طفلًا. أو طفلة.
طفلهما، طفلتهما!!!
كان النعاس قد بدأ يخيّم عليها، عندما صدح رنين هاتفه، لتقفز من سباتها مجفلة، بينما يطمأنها متمتمًا وهو يمد يده نحو الكومود ليكتم صوت الهاتف تمامًا:
- ماتتخضيش يا نوسا. ده موبايلي إللي رن. نامي لو نعسانة!
تنهدت "نسمة" مبدية إزعاجًا وهي تعود لتتوسد أحضانه ثانيةً:
- لأ يا حبيبي أنا مش نعسانة. أنا بس عايزة أفضل حاسة بوجودك جمبي كده. حتى لو في عيوني النوم. مش هنام أبدًا وإنت جمبي. مش متخيل أصلًا إنت بتوحشني أد إيه الفترة دي!
شعرت بكفه يربت على ذراعها العاري بلطفٍ، فاستطردت بعد ترددٍ:
- مش هتقولي بقى مالك يا رزق؟ حد ضايقك في البيتو؟ لا العروسة مزعلاك؟ بس إزاي.. ده الفرح كان إمبارح بس. لحقت تزعلك؟
لم يبدو لها أنها سمعها جيدًا، أو أنه تجاهل اسئلتها، فمن تلقائها أحجمت عن فضولها وغيّرت محرى الحديث:
- عمومًا أنا عايزة اتأسفلك على الطريقة إللي كلمتك بيها إنهاردة الضهر. بس لازم تعرف إني كنت محتجالك أوي. وإنك وحشتني. قعدتي هنا لوحدي كانت هاتجنني. على الأقل لما كنت في حي الجزارين كنت بصبر نفسي في وحدتي إنك في نفس المكان جمبي. ولما كنت توحشني أوي كنت أقف أبص عليك من الشباك. أستنى بس ألمحك. أو أسمع صوتك. كنت بحس بأمان وحماية لأنك موجود قريب مني. بس لما قطعتني فجأة. قلت أهو إتجوزتها وعملت إللي عليا. وسبتني هنا وما سألتش فيا. زعلت أوي وحزنت على نفسي. تصدق لو قلتلك حسيت لأول مرة إني يتيمة بجد. رغم إني مادوقتش طعم إن يكون ليا أم ولا أب. بس إنت كل حاجة بالنسبة لي يا رزق. أنا منغيرك ولا حاجة!
وتقطع صوتها بأواخر عبارتها تأثرًا بإلتهاب حلقها المتأهب للبكاء. لولا أنه أنقذ الوضع بسرعة و باغتها بسؤالٍ وهو ينظر لها أخيرًا عبر الظلام بعينيه اللامعتين:
- نسمة إنتي فاكرة أول مرة لينا مع بعض؟
أجفلت مجددًا لغرابة السؤال، ولما إستوعبته قليلًا قالت بحيرةٍ:
- أول مرة لينا في إيه؟ يعني لما إتقابلنا ولا آ ا...
قاطعها بنزعةٍ منفعلة بعض الشيء:
- أول مرة قربنا لبعض بالشكل ده. فاكرة التجربة كلها ولا نسيتي؟
غلبتها الابتسامة وهي ترد عليها متوّردة خجلًا:
- أنسى! أنسى إزاي بس. رزق. مش أول مرة بس. كل مرة بتبقى قريب مني كده عمري ما أنساها. بتبقى ذكرى في عقلي وفي قلبي.
اعتدل "رزق" قليلًا في إضطجاعته وسألها بدقة أكثر:
- طيب قوليلي. كان إيه شعورك. يعني كنتي حاسة بإيه ساعتها. أقصد يعني...
- أيوة أيوة فهمتك! قاطعته هي هذه المرة، واستطردت على قدرٍ من الاستحياء:
- هي أول مرة بتبقى العملية صعبة شوية أكيد. بس شوية شوية كله بيبقى سهل!
واصل "رزق" اسئلته بتركيزٍ دون أن يرمش له جفن:
- يعني بعد كده مش بتحسي بغرابة مثلًا. أو إنها حاجة عادية زي أي حاجة ممكن تحصلك؟
عبست بشدة قائلة:
- حاجة عادية! لأ طبعًا يا رزق. بص أنا مش عارفة إنت بتسأل الأسئلة دي ليه. بس أنا هقولك من الآخر. إللي إنت بتحسه أنا كمان بحسه زيك بالظبط. أكيد إنت عارف حاجة زي دي وكان عندك خبرة قبل كده زي ما قولتلي.
وهنا لم تستطع كبح هذا السؤال وطرحته عليه فورًا:
- هو في إيه بالظبط يا رزق؟ ممكن تقولي وتفضفض. في حاجة حصلت بينك وبين العروسة؟
لكنه ما لبث أن شرد بعينيه بعيدًا عن عينيها ممعنًا التفكير بهذه الرواية السريالية كلها.
بينما تعض "نسمة" على شفاهها عاجزة عن فهمه أو حتى التعاطي معه بالحوار، فقامت فوق ركبتيها بجواره وجاءت من خلفه تمسد كتفيه قائلة:
- طيب بص. إيه رأيك تفضيلي دماغك دي خالص الليلة دي! إنت مش جعان؟ عارف أنا عملالك إيه. كنت حاسة إنك هاتيجي بسرعة لما كلمتك. فعملتلك بإيديا طاجن العكاوي إللي بتحبه. أنا عارفة إنك بتحب العكاوي. ربع ساعة وأحضرلك أحلى عشا. على ما تقوم وتاخد دش كده. هاتلاقي في الدولاب قميص وبنطلون بتوعك غير فيهم يا حبيبي.
وطبعت قبلة رطبة على خده. ثم قفزت من السرير وهي تلف شرشفٍ حول جسمها متجهة إلى خارج الغرفة.
في غمضة عينٍ، بعد خروجها مباشرة وثب "رزق" من مضجعه وهو يلتقط ثيابه من فوق الأرض متمتمًا بخشونةٍ:
- أنا هعرف إذا كنتي بتكدبي ولا لأ. أنا هعرف إذا كان فعلًا هو إللي عملها زي ما قولتي ولا حد غيره. أنا هكشفك يا ليلة. واللّيلة ومش بكرة!
لم يكن مقتنعًا باعترافات عروسه وإبنة عمه. كل حديثها كان هراء من وجهة نظره وفحش جملة وتفصيلًا. أيّ فتاة تلك التي تبقى تحت وطأة الاغتصاب عامين دون أن تشعر بأن ثمة أمرٌ خاطئ؟
فحتى لو كانت ساذجة. لا بد و أن توقظ الممارسة. وإن كانت قسرية. المشاعر والغرائز الفطرية. إن هذا الأمر به لغز.
وهو سوف يفك اللغز. لن يرتاح قبل أن يفعلها وإلا فإنه يخشى لو يقتلها بيديه!
أمسك بهاتفه وطلب رقمًا معينًا، ثم تحدث إليه بصوتٍ أجش:
- آلو! مرحب بالقط. إسمعني كويس. عاوزك تعدي على أسامة أبو الخير. تاخد منه مفاتيح المستودع بتاعنا. وبعدين تروح بيتنا. هاكلم أبويا يديك أمانة. تجبها وطيران على هناك. تستناني لحد ما أجي. مفهوم ولا أعيد كمان؟
وأغلق معه، ليجري الاتصال بأبيه هذه المرة. وبلهجة لا تخضع حتى للجدال خاطبه:
- أيوة يابويا. عاوز أعرف عنوان خال ليلة!
في أقل نصف ساعة.
أفضت به قيادته المخالفة للسرعة القانونية إلى فيلا "عزام الوديدي". وللغرابة. رآه في هذه اللحظة تمامًا يخرج عبر الباب الرئيسي بسيارته.
إن هذا من حسن حظه بالطبع وإن كان لا يعلم إلى أين يتجه ذاك المريب.
لم يضيع "رزق" ثانية وقاد خلفه بسرعة، إلى أن صار على مقربة منه، فوّت بينهما سيارة أو سيارتين لكي لا يلحظ الأخير تتبعه.
وهكذا لمدة ثلث ساعة ظل وراءه، حتى وصل أسفل بناية قديمة الطراز بأحد الأحياء الراقية. بدون تفكيرٍ سحب "رزق" قبعة الرأس الممتدة بغطاء للأمام وارتداها، ثم ترجل من السيارة وتوجه ناحية الأخير.
إذ هبط من سيارته هو أيضًا ماشيًا صوب الصندوق الخلفي كي ما ينزل حقائبه، لكنه و قبل أن يمد يديه على حقيبة واحدة شعر بنقرة فوق كتفه.
فاستدار ليرى من!
وكان الاكتشاف صاعقة بالنسبة إليه، فجحظت عيناه وفتح فمه استعدادًا للصراخ طلبًا للنجدة. إلا إن "رزق" الذي سد عليه الرؤية والطريق عاجله بضربةٍ فوق رأسه بمنطقة مدروسة. ليفقد "عزام" وعيه في الحال ويتلقّاه "رزق" حاملًا إياه فوق كتفه.
وبما أن الشارع كان هادئًا وساكنًا، فلم يكن هناك أيّ شهود عليه وهو ينقله إلى حقيبة سيارته هو راميًا به فيه بلا اكتراثٍ، ثم يغلق عليه الباب ويستقلّ من جديد خلف المقود.
عندما إستعاد "عزام" وعيه، وجد نفسه مكممًا ومكبلًا إلى كرسي حديدي بمكانٍ تفوح منه روائح العفن والرطوبة!
كان يتآوه، لكن صوته غير واضح بالمرة، وخلال رحلة استعادة الوعي تلك لم يسعه سوى الاستماع إلى حوار اثنين من الرجال يعرف صوت أحدهما جيدًا.
- سامحني يا كبير. بس إنت عارف المعلم سالم. ماكنش هايسبني أمشي من غير ما يبعت معايا دول.
- خلاص يا قط. أنا مش متفاجئ. وعمومًا خليهم متلقحين برا. أكيد ليهم عوزة.
- لو عاوزني أنا كمان خدامك. اؤمرني بس.
- لا إنت تشكر أوي لحد كده. حط الأمانة هناك بس واتكل على الله.
- أوامر يا كبير!
كان "عزام" يرتعش خوفًا الآن، عندما صار يرى بوضوح ذلك المكان الموحش الأشبه بالصهريج ومخازن الخردة. حاول أن يتخلص من قيوده، لكن هيهات. "رزق" كان قد أحكم تكبيله بسلكٍ بلاستيكي راح يغور في لحمه كلما حاول التخلص منه. كما أن الكمامة فوق فمه كانت تقطع أنفاسه بما أن الخوف دفعه للتنفس من الأنف والم معًا.
صدر عنه صوتٍ أقرب إلى النشيج المتقطع، كان كافيًا ليصل إلى مسامع "رزق" الذي التفت نحوه وهو يشمر عن ساعديه.
تلاقت أعينهما، عينيّ "عزام" المذعورتين بعينيّ "رزق" المخيفتين. وفي لمحة مرعبة لا ينقصها الوضع أبدًا ابتسم له "رزق" بوداعةٍ تثير الفزع وهتف قائلًا:
- هه! صحي النوم يا أنكل عزو. ده أنا بدأت أزهق وأنا لوحدي كده. يلا صحصح كده. هانلعب مع بعض شوية.
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم مريم محمد
و بعد إنتهاء كل شيء، كانت الصدمة تمارس مفعولها على "رزق".. و على أكمل وجه جعلته يجلس فوق التراب إلى جوار جثة "عزام" الممزق ساكنًا كالصنم و قد غطته الدماء من رأسه لأخمص قدميه.
في المقابل... أبيه صار هنا أخيرًا.. أتى "سالم الجزار" بنفسه... بعد أن تلقّى مكالمة من أحد الرجال الذين أرسلهم لإبنه. لم يستغرق ثلث ساعة إلا و قد كان يقف أمام إبنه، مفغرًا فاهه، مذهولًا ممّا يراه بعينيه الجاحظتين. لم يكن بشيء غريب عليه.. لكنه لم يصدق... لم يصدق أبدًا بأن أعمالًا قذرة كهذه تجد إلى إبنه الأقرب إليه و الغالي على قلبه سبيلًا!!!!!
"إنت عملت إيه يا رزق؟" هتف "سالم" مبديًا صدمته به على الأخير.
و لما إمتنع عن الرد عليه، ثارت ثائرته فصاح به و هو يجثو أمامه فوق التراب الملبّد بالدماء الغزيرة:
"بــــقولـك إنــــطــق. عـــــملـت إيــــــه و ليــــــه؟"
و كان قد أمسكه من تلابيبه و أخذ يرجّه بقوةٍ.
يفيق "رزق" الآن من حالته العبثية الضبابية، ليفاجئ أبيه بدفعة عنيفة من قبضتيه في صدره صارخًا بضراوةٍ:
"إبـــــعـد عـــــنـي. إبــعـد.. إنـت الـــسبب... إنـــت. إوعى تلمسني.. إوعى تقرب مني أنا مش عاوز أعرفك تاني و لا عاوزك في حياتي.. أنا ماشي و مش هاتشوف وشي تاني!!!!!"
تجاوز "سالم" الصدمة مما فعله به إبنه للتو ليقفز واقفًا حين سبقه "رزق" و قام معتزمًا الرحيل.
أمسك بذراعه بكلتا يداه و إستوقفه بكل ما أوتي من قوة هاتفًا بتلهفٍ ملتاع:
"رايح فين يا رزق؟ استنى هنا.. مش هاتمشي. إوعك مفكر هاسيبك تمشي!!!"
حاول "رزق" بجماع نفسه الافلات من أبيه دون جدوى و هو يصيح:
"إوعــــــى. سيبـــــنـي.. قسمًا بالله لو ما سيبتني لاسيبلك أنا الدنيا كلها بطلقة من الفرد ده!"
و أستلّ طبنجته من طوق خصره و صوّبه ناحية رأسه بجدية تخلو كليًا من أيّ تسويف أو تهديد.
إنتاب الذعر "سالم" على الفور و هو يصرخ به:
"لالالا خلاص. خلاص إهدا طيب.. سيب السلاح من إيدك. سيبه يا رزق هاعملك إللي إنت عايزه. خلااااااص قولتلك هاعملك إللي إنت عـايــزه!!!"
و نجح بعد جهدٍ و خوفٍ عظيم إزاء تهور إبنه من إثنائه عن أفعاله الجنونية، فانتزع منه السلاح و خبئه بغمدٍ داخل عباءته، ثم صاح مناديًا على أحد رجاله.
لا يزال يمسك بإبنه، إلى أن حضر الشاب الضخم و إمتثل أمامه:
"أمرك يا معلم سالم!"
أخذ "سالم" يفتش عن مفاتيح "رزق" متحسسًا جيوبه حتى وجد السلسلة الصغيرة، سحبها و رماها صوب الشاب هاتفًا بلهجة آمرة:
"خد مفتاح عربية رزق.. وصله على البيت. إوعك حد يشوفك أو يلمحه.. تتصل بالرجالة و تنبه عليهم سااامع؟!!"
تلقف الشاب منه السلسلة و هو يقول منصاعًا:
"أوامرك واجبة.. أنا طالع أدور العربية!"
و خرج.
ليلتفت "سالم" ثانيةً نحو "رزق"... يضع يديه فوق كتفيه و يربت عليه مطمئنًا و هو يقول بصوتٍ أجش:
"مش عايزك تقلق من أي حاجة. أنا هاتصرف في الموضوع ده. كله هايتلم..."
ثم رفع سبابته أمام عينيه منذرًا:
"بس الكلام ماخلصش بينا.. إللي إنت عملته ده كبير أوي و خبره لازم يوصلني في أقرب وقت. فاهمني يا رزق؟!"
لم تهتز من الأخير شعرة واحدة و لم يرف له جفن في مواجهة أبيه. ليفلته "سالم" أخيرًا متمتمًا:
"يلا.. إتفضل على عربيتك. حبشي هايوصلك البيت. إطلع على شقتك علطول و إستحمى و ريح جتتك كويس.. عشان بكرة الصبح لينا قاعدة إن شاء الله."
بدا "رزق" غير مستمعًا و لا مكترثًا لحديث أبيه حتى، فما إن تركه و أنهى لقلقة لسانه أولاه ظهره و غادر في الحال بخطواتٍ أقل إتزانًا من شدة إنفعاله المكبوت.
راقبه "سالم" حتى توارى عن ناظريه، أطلق نهدة ثقيلة من صدره... ثم إلتفت ناحية بقية الرجال و الذين إزداد عددهم بحضوره ليبلغ الستة أنفار.
"الجتة تتلم!" هتف "سالم" فيهم بسلطة وطغيانٍ مطلق.
و أردف مشددًا و هو يشير إلى أجزاء الجسم المبعثرة أسفل قدميه:
"المكان هنا ينضف كويس. و إللي حصل مطرحنا لو طلع لمخلوق برانا برقبة الكل.. و إنتوا عارفين كلمتي سيف. و ماعنديش عزيز..."
أومأ الرجال و في صوتٍ واحد:
"على الموت لو نفر فينا فتح بؤه يا كبير."
هز "سالم" رأسه مرددًا:
"و لا حاجة غير الموت... يلا همتكوا. مش أول مرة تحصل. و عارفين الجتة بتروح فين!"
***
في منتصف الطريق غدره.
أمر "رزق" الشاب المكلف بمرافقته للمنزل بالتوقف على قارعة الطريق النائي المؤدي لـ"حي الجزارين". نزل من المقعد الخلفي، ثم جاء عند الأخير و فتح باب كرسي القيادة و أنزله بقبضةٍ حديدية.
حل محله صائحًا بغلظة:
"إرجع لمعلمك. و حياة أمي لو لمحتك ماشي ورايا لاطلع بروحك إنت كمان الليلة دي.. و جربني. كلكوا شوفتوا بعنيكوا!"
إزدرد الشاب ريقه بتوتر و قد نسف الفكرة من رأسه أصلًا، لن يتتبعه أبدًا مهما حدث.. فكما يبدو تمامًا إنه ليس بحالته الطبيعية، بل إنه و بهيئته الدموية تلك صار كاسم عائلته بالضبط.
جزار!!!!
إنطلق "رزق" خلال لحظاتٍ في طريقه منحرفًا للجهة العكسية، حيث غيّر وجهته، بكل تأكيد لن يذهب إلى "حي الجزارين" الليلة.. و لا حتى غدًا.
إنه بحاجة للهروب، من نفسه و من الجميع، و لا ملجأ له سواها.
***
كان باقيًا ليشرف بنفسه على عملية التنظيف، و حتى يتأكد من إزالة كل دليلٍ يفضي إلى جرم إبنه.. جاءته المكالمة غير المنتظرة.
بالخبر غير المنتظر بالمرة.
"إزاااااي!!!!"
"إزاي سيبته يمشي لوحده؟؟؟؟"
صارت الأجواء مشحونة أكثر الآن بين الرجال الذين راحوا يعملون بهمة تحت أنظار سيدهم، بقوا يواصلوا ما يفعلونه و يستمعو في آنٍ إلى حديث السيد العصبي عبر الهاتف:
"يعني إيه هددك؟؟؟"
"يعني إيه خوفت يعمل فيك حاجة؟؟؟"
"بص يا حبشي.. يمين الله. بس لما أشوفك.. حسابك معايا. أنا إبن ستين ××× إني اعتمدت على ××××× زيك أصلًا."
"غووووووور في داهية!!!!!"
و أغلق الخط بوجهه، ثم إستدار ناحية رجاله هاتفًا:
"إللي قلت عليه يتنفذ بالحرف. أنا راجع الحي.. مش عايز غلطة!!!"
ناب أكبر الرجال مكانةٍ ردًا:
"كأنك موجود يا كبير.. ماتقلقش!"
في أقل عشرة دقائق.
كان "سالم" يطأ "حي الجزارين"، و كما أوصى... بدت المنكقة كلها فجرًا في أوج الأمسية، و كأن الناس نيام منذ سويعاتٍ.
إتجه رأسًا إلى المنزل، ثم صعد فورًا عندها.. للمرة الثانية خلال ساعتين.
أخذ يقرع الجرس و يضرب الباب بقبضته بعنفٍ، حتى فتحت "ليلة" بسرعة و علائم الذعر تجلل وجهها.
"إيه إللي حصل؟؟؟" تساءلت برجفة شاحبة تكتنف صوتها و بدنها معًا.
"رزق جراله حاجـ آ آاااااااااااااااععععااااااااااه..."
هكذا بترت عبارتهابلحظة حين إمتدت قبضة "سالم" و طوّقت رقبتها بشدة.. شعرت بالاختناق و كافحت للتخلص منه... لكن عبثًا.
سار تجاه سفرة الطعام بالصالون المجاور و طرحها فوق اللوح الخشبي المتين و هو ينحني صوبها و في الوقت ذاته يضغط بسبابته و إبهامه على قصبتها الهوائية مغمغمًا باحتدامٍ:
"إسمعيني كويس يا بت ناصر.. إنتي. و أبوكي. الدنيا كلها كوووووم.. و إبني رزق كوم تاني... و حياة رزق. لو ما قولتي حالًا إيه إللي بينك و بين خالك حشرتي فيه إبني لاخليكي تحصليه. و قدام الخلق هاطلع جنازتك ان شالله و الليلة مش الصبح."
كانت تستمع إليه مشدوهة، مصدومة.. مع إزدياد ضغطه حول رقبتها إحتقنت الدماء بوجهها و لم تعد تتنفس.
أحست و هي تنظر إلى وجهه الشيطاني بعينين جاحظتين و كأنها على وشك الاغماء.
أو الموت!
لولا يداها إذ كانت تضرب الهواء بهما، حتى قبضت على سكينٍ معدني وسط باقة من الملاعق و الشوك فوق السفرة... إغتنمت فرصة محاولاته خنقها و ثنت ركبتها مسددة له ضربة بمنتصف معدته، لم تؤلمه كثيرًا لكنها كانت كفيلة بابعاده عنها.
و قبل أن يتخذ نحوها خطوة إبتعدت هي عشرة و هي تسعل صائحة و مشهرة السكين بوجهه:
"إنت و إبنك لو قربتوا مني تاني بموتي أو موتكوا.. طول ما أنا بتنفس محدش هايلمسني و لا يقرب مني. ساااامعييييين !!!!"
و كأنها نوّرته، و أكدت إحساسه الذي أراد كثيرًا أن يكذبه... ليرفع حاجبه متمتمًا بغضب شديد:
"يبقى احساسي كان صح. ليلة إمبارح كانت فشنك.. الدخلة أصلًا ماتمتش و رزق عمل الفيلم ده بجهل منه.. بس يا ترى إيه إللي إكتشفه و خلاه يخلص على خالك وقتي؟؟؟"
"عارفة لو مانطقتيش أنا عارف إزاي أنطقك... في حريم هنا باشارة مني يكشفوا المستور و اتأكد بنفسي !!!"
هوى قلبها بين قدميها مع سماع ذلك، و بانهيارٍ صرخت باكية و هي تحوّل نصل السكين بالعكس الآن و تغرسه بعنقها:
"لو مصمم يبقى تموتني أو أموت نفسي الأول... و بعدين تعمل إللي إنت عايزه. لكن محدش هايقرب مني.. محدش هايحط إيده عليا ز لا يلمسني أبدًا!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم مريم محمد
أطلق "علي" مزيدًا من الزفرات الحانقة، وتساءل في نفسه متى سيطلق عمه سراحه. كان لديه الكثير من المشغوليات، وذاك ما أن بزغ الفجر أرسل في طلبه ولم يتركه حتى الآن، يجلس أمامه بشرفة شقته. يحاول مرارًا وتكرارًا الاتصال بهاتف "رزق"، ولكن عبثًا الخط مغلق.
"يا عمي، ورحمة الغاليين تليفونه مقفول. زن عليه ده مش هايجيب أي نتيجة. هو أول ما يفتح هاتجيلي رسالة ف هاتصل بيه علطول. إنما كده فرهدة بصراحة يعني!"
هكذا عبر "علي" عن نفاذ صبره، ولكن بطريقة مجردة تمامًا من أي لمحة حنق أو عصبية.
في المقابل، يهز "سالم" رأسه عابسًا واهنًا وهو يتمتم:
"أنا بس خايف عليه.. أحسن يكون جراله حاجة!"
طمأنه "علي" بفتور:
"لأ بعد الشر لو في حاجة كنا عرفنا.. هو أكيد عند الحتة التانية بتاعته. إنت عارف مين!"
هذا احتمال ورد إلى ذهنه بالبداية، لكن قلقه غلب كل الظنون المتوقعة، ولم يستطع إلا تصوّر الأسوأ.
تنهد "سالم" بحرارة وقال مستسلمًا:
"طيب ماتقطعش معاه. حتى لو تليفونه مقفول.. خليك وراه."
"علي" بإنصياع:
"حاضر يا عمي.. أنا وراه لحد ما يرد. بالإذن أشوف إللي ورانا. في شغل كتير متأخر..."
"إستنى يالا!" استوقفه "سالم" أثناء نهوضه.
نظر له "علي" متسائلًا بضيق واضح:
"خير يا عمي!!!"
قام "سالم" واقفًا بدوره وقال بجمود وهو يلقي بعباءته المفتوحة فوق كتفيه:
"إنسالي الشغل إنهاردة.. أنا عايزك معايا في مشوار."
"مشوار إيه ده؟!"
سالم وهو يرمقه بصرامة متحدية:
"رايحين نجيب مصطفى من المستشفى!"
وهنا تبدل تعبير "علي" تمامًا وتغيرت نظرته لتغدو أكثر قتامة، لما حضر ذكر "مصطفى". وحين أيقن أن مشيئة عمه وإن كانت لا تسير وفق إرادته هو سوف تتحقق.
ماذا سيفعل؟
هل بإمكانه أن يرفض أو يكسر كلمة عمه!
بالطبع لا. وفي النهاية سيجد نفسه مصافحًا يد "مصطفى" التي اغتالت أخته، ومعانقًا إياه أيضًا. الرجل الذي اغتصب أخته على مرأى ومسمع منه تحت مسمى الزواج. وهو لم يخرج بيده أي شيء، وقف متفرجًا، يا له من عار.
تنتحب بصمت، دموعها تنهمر كالشلال من مآقيها الحمراوين، جفناها متورمان من شدة البكاء لليلة كاملة. كانت هذه حال "نسمة" منذ ليلة الأمس، عندما عاد إليها "رزق" غارقًا بالدماء في مشهد مروع، لولا أن كتمت صراخها بيديها لسمعها قاطني العقار والجيران بالحي الراقي قاطبة.
للوهلة الأولى ظنت بأنه مصاب أو مجروح، كان قلبها سينفطر عليه وهي تجري عليه مفتشة بجسمه عن موضع جرح. فإذا به يمسك بيديها قائلًا بوداعة مخيفة:
"نسمة.. أنا جعان. فين العشا إللي وعدتيني بيه؟"
كم أصرت عليه أن يغتسل أولًا على الأقل، لكنه أصر أن يتناول عشاؤه كما هو، وجهه ويديه ملؤهما الدماء. وللغرابة، أنه أكل بنهم كبير وأنهى الصحون كلها.
ثم بعد ذلك، هو من تلقاء نفسه، ولج إلى الحمام المبحق بغرفة النوم، ملأ المغطس البيضوي بالماء الساخن، وبدون أي أضافات أخرى. ركض بداخله ومَدَّد لقرابة الساعة حتى بردت المياه. وجاءت هي من خلفه وشدت سدادة المغطس لينسحب الماء الذي تحول لونه الشفاف إلى اللون الأحمر القاني، لون الدماء.
فتحت الدش، ثم جلست على حافة المغطس وأخذت تحممه بيديها مفرغة فوق الرأس الصابون، وراحت تفرك كتفيه وظهره مزيلة كل آثار الدم عليه.
بالرغم من أنها اطمأنت عندما تأكدت من سلامته، لكنها لم تستطع إنكار خوفها ورعبها مما قد يترتب على ما رأته. والسؤال الذي لم يبرح يطرق ذهنها مثيرًا بها كافة سجايا الهلع والذعر.
ترى ما الذي اقترفه "رزق"؟
إن حالته النفسية غريبة ومريبة، ولا يتكلم، لا يفتح فمه بحرف واحد.
فماذا فعل بحق الله؟
لم تجد لأسئلتها جوابًا غير البكاء الصامت وهي لا تزال تقف فوق ذات المغطس، ولكن من أجل أن تغسل ثيابه الناضحة بالدماء، والتي لا تستجيب لأي محاولة لتنظيفها.
"نوسا!"
انتفضت بقوة لحظة سماع ندائه فجأة، واستدارت إليه بغمضة عين.
كان وجهه غير مقروؤ، لكنه سألها بلهجة طبيعية وهو يمرر أنامله بين خصلات شعره الشقراء الثائرة:
"مالك يا نسمة.. إيه الخضة دي كلها؟ خوفتي مني ولا إيه؟"
بقليل من التوتر ردت "نسمة" عليه:
"أخاف منك! لأ طبعًا.. أنا بس كنت بحاول أنضفلك قميصك من الدم ده وإنت ظهرت فجأة ف خضتني مش أكتر."
ورفعت كم القميص من وسط الرغوة الحمراء.
نظر "رزق" من طرف عينه لثيابه المعدة للغسل، أطلق نهيدة مقتضبة من صدره ثم أمسك بيديها قائلًا بلطف:
"سيبي من إيدك.. أنا مش هارجع ألبس الهدوم دي تاني خلاص."
أومأت له مغتصبة ابتسامة وقالت:
"طيب إللي يريحك. عمومًا زي ما قولتلك إمبارح أنا شايلالك قميص وبنطلون في دولابي.. هاطلعهم أكويهم عشان تلبسهم لما تحب تنزل في أي وقت."
"بس أنا مش نازل خالص!" قالها هامسًا وهو يطوقها بذراعيه ملصقًا إياها بجسمه نصف العاري.
تبدد خوفها وارتيابها من تصرفاته الأخيرة، ما إن شعرت بالاحتواء بأحضانه وبالدفء المنبعث منه ومن صوته الذي انسَل إلى عمق حواسها:
"قصدي يعني إني قاعد معاكي.. حاسس إنك وحشاني أوي. ف لو ماعندكيش مانع.. تستحمليني كام يوم لازق فيكي بالشكل ده منغير ما تزهقي!"
بزغت ابتسامة مرتعشة فوق شفاهها وهي تتنشق أنفاسه الحلوة بكل ما وسعها، ثم رفعت كفيها وأحاطت وجهه المشعر بلمسات رقيقة متمتمة:
"كلمة زهق عمرها ما تحضر في وجودك. وأنا كلي على بعضي ليك ورهن إشارة واحدة منك.. إلزق فيا براحتك. أعمل كل إللي إنت عايزه يا حبيبي..."
أشرق وجهه أخيرًا بابتسامة خفيفة أذابت طبقة الجليد عن محيط عينيه شديد الزرقة، ليدنو منها تاليًا بغية تقبيلها. إلا أنها تلقت بوجهها للوراء، فيتجمد هو عن الحركة منتظرًا تبريرها في الحال.
فلم تمر ثانية إلا وهي تقول بتلطيف:
"بس في الأول محتاجة أطمن عليك.. رزق. أنا مانمتش طول الليل.. شكلك لما رجعت إمبارح كان فظيع. لدرجة افتكرت إن فيك حاجة... أرجوك طمني. قولي روحت فين ليلة إمبارح وإزاي رجعت بالشكل ده؟!"
كانت تعلم أن سؤالها لن يلقى ترحيبًا منه، وهذا بالطبع ما أظهره بوضوح حين أفلتها فجأة وارتد خجوة للخلف قائلًا بصوته الأجش:
"أطمني يا نسمة.. أنا صاغ سليم قدامك... مش ده كل إللي يهمك ولا أنا غلطان؟"
أكدت فورًا:
"طبعًا يا حبيبي. إنت إللي تهمني.. ويهمني أشوفك بخير وسيد الرجالة والناس كلها. إن شاء الله ماشوفك فيك شر أبدًا يا روحي!"
لم يبتسم ردًا على كلماتها المعسولة، بل عبس أكثر وهو يوليها ظهره صائحًا بقساوة:
"على كل حال أنا آسف إني جيتلك وأنا بالمنظر ده. أكيد كان لازم أراعي مشاعرك.. أوعدك إنك مش هاتشوفي حاجة زي دي تاني يا نوسا."
وجاء ليعود إلى الغرفة مجددًا، فاستوقفته هاتفة دون تفكير:
"أنا حامل!!!"
استدار بنفس اللحظة مرتعدًا وكأن صعقة أصابت جسمه، ثم وكأنما زلزال ضرب كيانه اندفع نحوها ثانية وهو يصيح بذهول مخيف:
"حــامل!!! إنتي حامل؟؟؟ بجد ولا بتهزري؟؟؟ إنتي متأكدة؟؟؟؟؟؟؟"
كان بنظرها أشبه بالوحش الكاسر، وأحست بالندم فورًا لتسرعها. لكنها وتحت تأثير ذعرها منه وخشية تهوره نطقت شاخصة العينين:
"أيوة أيوة متأكدة.. أنا عملت الاختبار 10 مرات وطلع إيجابي. لو مش مصدقني نروح للدكتور ونتأكد سوا. أنا والله كنت باخد احتياطاتي بس أهو إللي حصل إرادة ربنا..... مالك يا رزق إتعصبت كده ليه؟ إنت دلوقتي بتخوفني منك بجد!!!!"
ظل يرمقها بنفس النظرة المصعوقة، لم يسكت عنه الغضب للحظة، غضب غير محدد وبلا دوافع. لا يزال لا يعرف أهذا خبر جيد أم سيئ!
لا يزال لا يعرف أيفترض أن يقبله أم يرفضه. كل ما يشعر به الآن هو الفراغ، والفراغ وحده.
متخبط المشاعر، مضطربًا، غادر "مصطفى" المشفى منذ قليل برفقة والديه وابن عمه "علي".
بقدر الآلام والجروح بجسمه والتي لم تبرأ بعد، لا يستطيع أن ينكر مدى دهشته وسعادته برؤية أبيه غير المتوقعة!
سعادة تشوبها كسرة، شرخ عميق بعلاقته المهزوزة أصلًا بـ"سالم الجزاء"، والذي بالرغم مما فعله به أمام الناس لا يزال يكن له الحب ويتمنى لو أنه كان الأقرب إليه.
هو في الأساس لطالما تمنى أشياء كثيرة وتوسم بوالده آمال وأحلام لا تحصى، لكن كالعادة... شخص واحد فقط من يسد عليه الطريق دائمًا.
شخص واحد فقط نجح بتحويله إلى ابن وأخ عدواني، عليل النفس، مريض بالحب والكراهية.
حتى أن عملية إنقاذه إياه من براثن "سالم" لم تشفع له مطلقًا، بل أنه في الحقيقة صار يمقت أكثر من السابق أضعاف المرات. لا يستطيع أن يتقبل بتاتًا فكرة أن عدوه هو الذي سعى لينقذه، حتى لو كان أخوه... "رزق" هو عدوه اللدود!
"ألف بركة!"
"يا 100 نهار أبيض!"
"حمدلله على سلامته يا كبير!"
"نورت حتتك يا معلم مصطفى!"
هكذا تصاعدت الهتافات والمباركات من كل حدب وصوب لحظة دخول سيارة "سالم الجزار" تخوم حي "الجزارين".
كان "سالم" يستقبل كل هذا مبتسمًا برزانته المعهودة، بينما كانت أكثرهم سعادة هي "هانم" التي جلست بالمقعد الخلفي محاوطة كتفي ابنها. ولم تطيق صبرًا كي ما تهمس في أذنه مبتهجة:
"شوفت يا مصطفى! شوفت أبوك بيحبك أد إيه؟ وجه بنفسه المستشفى وخدك في حضنه وقدام الخلق كلهم ردلك كرامتك ومادخلش الحتة إلا وإيدك في إيده. أبوك بيحبك أوي يا مصطفى!!"
عززت كلمات أمه المؤكدة على بادرة العاطفة الوليدة بينه وبين أبيه بابراز ابتسامة بسيطة على محياه وهو يلقي بنظرة صوب "سالم". لقد كانت أفضل وأجمل لحظات حياته بالفعل، عندما ضمه أبيه في صدره وأشعره لأول مرة بحنانه وحبه.
كانت لحظة حقيقية، لا تخضع لأي شك، حتى أنه خلالها من شدة ذهوله نسي كل شيء حدث، وآثر التنعم بها فقط.
"على مهلك يا ديشا!" قال هذه الجملة أحد أصدقاء "مصطفى" وهو يساعده أثناء ترجله من السيارة.
بينما يمضي "سالم" مباشرة نحوه ويسنده بنفسه قائلًا بصوته الجهوري:
"خلاص يا شباب مافيهوش حاجة.. أهو صالب طوله وشادد نفسه وزي الفل. يلا مصطفى على شقتك علطول."
وأخذ يربت على كتفه بقوة مشجعًا.
إلا أن "مصطفى" ما لبث أن رد بصرامة:
"لأ يابا.. مش طالع على شقتي!"
حدجه "سالم" بدهشة بادئ الأمر، ثم فكر بأنه ربما يحمل هم زوجته ويظن بأنها لا تزال تنفر من قربه. فأراد أن يطمئنه بقوله بصوت لا يسمعه سواهما:
"لو على مراتك ماتقلقش.. أبوها وأمها وعوها كويس وهي بنفسها مستنياك حالًا في شقتك."
رد "مصطفى" بحزم غير قابل للجدل:
"حتى لو كده مش طالع شقتي دلوقتي. أنا محتاج مساحة لوحدي كام يوم.. مش جاهز أخش عش الزوجية بالشكل ده لا إنهاردة ولا حتى بكرة!"
تمعن بسرعة بوجهة نظره اقتنع "سالم" في الأخير وقال موافقًا:
"على راحتك يابني.. طيب يلا. شوف حابب تقعد فين.. لو مش قادر تطلع السلم خش عند ستك دلال."
واصطحبه معه للداخل.
لتحل الصدمة على الجميع لحظة سماع صراخ أنثوي آتٍ من آخر طابق بالمنزل!!!!
"إيه الصوت ده؟ مين إللي بيصوت كده؟؟؟"
خرج السؤال من فم "هانم" أولًا، ليرد "سالم" بخشونة صارمة:
"مافيش حاجة.. يلا كل واحد على شقته."
ولكن قلق "هانم" دفعها للجدال:
"بس متهيألي ده صوت ليلة آ ا..."
"قلت كل واحد على شقته!!!" صاح "سالم" بغضب بين.
فخرست الألسنة وانفض الجميع من حوله خلال لحظات.
بقي هو فقط، وقف أسفل الدرج، رافعًا رأسه للأعلى وهو يردد بوعيد:
"بس لما تجيلي يا رزق.. بموتها لو ماشوفتش المرة دي بعيني!"
ومر أسبوع كامل.
حتى استطاع "رزق" أن يحسم قراره أخيرًا، فقام من الفراش وأيقظ "نسمة" بدفعتين بكتفيها:
"نسمة.. نسمة... اصحي يا نسمـــة!!"
تململت "نسمة" مستجيبة لمحاولاته الملحة، وفتحت عينيها بتثاقل وهي تغمغم بكسل:
"في إيه يا رزق.. بتصحيني كده ليه؟ الساعة كام أصلًا؟!"
وتلفتت حولها بحثًا عن ساعة التنبيه التي نست أين وضعتها منذ يومين، بينما يرد عليها "رزق" وهو يرفع هامته معتمدًا أسلوب التحدي بدءً من الآن:
"قومي إلبسي هدومك وجهزي شنطتك... هانرجع حي الجزارين!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم مريم محمد
خائفة ومرتبكة، جلست نسمة إلى جوار رزق بسيارته ملتزمة الصمت، بينما كان يقود عائدًا بها إلى حي الجزارين.
كانت تستبد بها حالة غريبة من الخرس منذ أن طلب منها حزم الأمتعة والاستعداد للعودة. بالأحرى كانت مصدومة.
وفي الحال وردت إلى ذهنها أبشع الظنون. لوهلة فقدت ثقتها المهزوزة به، خاصةً بعد تلك الليلة التي فيها أتى إليها مغطى بالدماء لسبب تجهله.
صارت تخاف منه مؤخرًا. هذه المشاعر تزعجها، تنغص عليها قصة حبها، تساهم في زيادة قلقها وخوفها. هي لا تريد أن تقلق، لا تريد أن تخاف منه. إنه ملاذها الوحيد، حبيبها، كل شيء بالنسبة لها.
ماذا يمكن أن يكون قد فعل؟
وعلام ينوي بها يا ترى؟
"إحنا راجعين ليه؟"
تقطع نسمة الصمت فجأة بسؤالها الآلي.
لم تكن تنظر إليه، بل وجهت ناظريها للأمام مباشرةً، مسبلة جفنيها قليلًا كأنما هي منتشية، أو لا مبالية.
التفت رزق نحوها وألقى عليها نظرة فاترة، ثم قال وهو يشيح بوجهه تجاه الطريق ثانيةً:
"وضعك مابقاش زي الأول.. ماينفعش أسيبك لوحدك تاني."
نظرت له بسرعة هاتفة بلهجة أقرب للذعر:
"إنت مرجعني معاك عشان تسقطني عند أهلك؟ مش عايز العيّل إللي في بطني وحابب تخلص منه بالسرعة دي وهو لسا مادبتش فيه الروح يا رزق؟"
إنعقدا حاجباه بشدة وهو يلتفت ناحيتها مرةً أخرى مرددًا بغضبٍ:
"إنتي بتخرفي بتقولي إيه؟ مين قالك الكلام ده؟ إنتي متصورة إني ممكن أقتل روح بريئة؟ وكمان حتة مني؟ إبني ولا بنتي؟ إنتي اتجننتي يا نسمة!"
تلبكت كثيرًا مع سماع كل كلمة توبيخ من فمه الذي ودأنه فوّهة بركانٍ وانفجر.
أجفلت قائلة بتوترٍ:
"أومال طيب إنت واخدني هناك تاني ليه؟ أنا عارفة إن أهلك معترضين عليا. وبصراحة أنا خايفة من أبوك أحسن يأذيني هناك. خايفة على ابني!"
وبسطت كفها فوق بطنها التي لم تظهر حملًا بعد.
أغمض رزق عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بثقة صارمة يسكّن روعها:
"ماتخافيش يا نسمة. محدش يقدر يمسّك ولا يمس إللي في بطنك طول ما أنا عايش وبتنفس. وبعدين ماتنسيش. إنتي شايلة إبن رزق الجزار. حفيد سالم الجزار. مهما كان أبويا جبروت. عمره ما يفرط في دمه ولحمه."
أرادت بشدة أن تصدق كلامه وأن تطمئن على الأخير، لكن هناك العديد من العوائق لا تنفك تقفز أمام عينيها واحدة فواحدة.
ومع كل هذا لم يسعها إلا أن تفكر بصوتٍ عالٍ علّه يفتها بكلمات تقضي على هذا القلق كله:
"طيب وعروستك! رد فعلها هايبقى إيه لما تشوفك داخل عليها بضرة وهي لسا ماربعتش حتى. لأ وإيه ضرة حامل كمان! وإخواتك وعمامك والست دلال. لاهوي يا رزق إنت بتحطني تحت القطر!"
سمعته يزفر بحنقٍ واضح، ثم انتفضت بخوفٍ حين صاح بنفاذ صبر وهو يشدد قبضته العصبية حول المقود:
"أوووووووف بقى.. قولتلك خلااااااص. لو حد جه كلمك إبقي اشتكي براحتك. لكن ماتصدعنيش من دلوقتي. كلمتي تتسمع وبس. سامعة؟"
حملقت فيه شاخصة العينين وردت على الفور بدافع الرعب من شخصه الغريب كليًا عليها:
"حاضر.. حاضر!"
ونكست رأسها ضاغطة على شفتيها بقوة تكبح نشيجًا مريرًا من الإفلات.
فهو قد فاجأها حقًا، هذا ليس رزق. هذا ليس الرجل الذي أحبته.
إنه رجلًا آخر.
***
"فات أسبوع بحاله.. مش ناوية تعقلي بقى وتطلعي تطمني على جوزك؟"
بهذه العبارة جلبت نجوى على نفسها طوفانًا من الغضب المستطير الذي نزل على ابنتها فاطمة وهي تقفز من مرقدها صارخة:
"إن شاء الله يموت ولا يغور في ستين داااااهيــــــة.. أنا مش طالعة لحد. كمان عايزاني أطلعله برجلي؟ أنا نفسي أعرف إنتي أم إنتي؟ والله حرام عليكي. مش قادرة أنطق والله!"
بلغت نجوى عتبة باب الغرفة بلحظة وهي تهتف بحدة شديدة:
"جرى إيه ياب بت هاتفضلي عايشة الدور ده كتير ولا إيه؟ هو كان إيه اللي حصل لكل ده.. وإن ماكنش أصلًا الواد خد جزاته قصاد الخلق كلهم. هو إذا كان غلط فهو غلطان في حاجة واحدة. لما شكك في عرضك بالباطل. لكن غير كده هو راجل و من حقه اللي عمله."
تدلى فك فاطمة وهي تنظر لأمها بذهول، ونطقت غير مصدقة:
"من حقه اللي عمله؟ إنتي شايفة كده ياما؟ بجد.. يعني هو من حقه يمسكني يكتفني بطرحة فستاااااني ويغتصبني وإنتوا كلكوا قاعدين ورا الباب وسامعين؟ ردددددي عليا من حقه بجد؟"
بعينٍ قوية ردت نجوى بقساوةٍ فجّة:
"أي راجل مكانه مراته تستعصى عليه في ليلة زي دي يعمل كده وأكتر من كده. انتي لسا صغيرة يا حبيبة أمك وماتعرفيش حاجة عن الجواز. ماتعرفيش أصلًا أبوكي عمل معايا إيه ليلة دخلتنا. بس الست المحترمة المتربية بتسكت لمصلحتها. باين دي غلطتي فعلًا على رأي ستك. كان لازم أقعد أفطمك كويس على إللي بيجرى."
هزت فاطمة رأسها بعنفٍ مغمضة العينين وهمهمت بحرقةٍ:
"بس بس بس... مش طايقة أسمع أكتر من كده.. حرام عليكي. أنا مش مسمحاكوا كلكوا. ليوم الدين. لحد الموقف العظيم.. هاقف قدام ربنا وهقوله مش مسمحاكوا!"
وانهارت مجددًا باكية فوق سريرها، تئن وتشـهق بصوتٍ مكتوم، وهي تدفن وجهها بوسادتها التي شربت دموعها أيامًا وليالٍ.
بالجهة الأخرى تقف نجوى ناظرة إليها بأسى، وفي الوقت ذاته لا تجرؤ على مد يد المواساة لها. فلئن فعلت تشبثت ابنتها أكثر بموقفها واعراضها عن زوجها.
لن تفعل ذلك، لن تساهم في هدم استقرار بيت ابنتها، ينبغي أن تصر على رأيها، وأن تكف فاطمة ولو رغمًا عنها عن عنادها.
زمت نجوى فمها واستعادت قسوتها من جديد لتملي إرادة الجميع القاهرة فوق ابنتها، لكنها لم تكد تفعل.
إذ بزغ ضجيجٌ مفاجئ بالخارج.
فاضطرت للذهاب إلى الشرفة المطلة على باحة المنزل لترى ماذا يجري.
***
داخل مقهى الحي الشهيرة.
خلف منضدة المالك الاشبه بالمكتب الاداري، جلس سالم أمامه كوب الشاي المخصوص، بينما يسحب نفسان عميقان من مبسم النرجيلة خاصته، لينفثهما عاليًا على شكل سحابة كبيرة من الدخان الرمادي.
ثم إذا به ينظر إلى ضيفه الجالس قبالته تمامًا مبتسم المحيا.. على قدر من الترقب أيضًا.
"قلت إيه يا معلم سالم؟!"
مد سالم يده آخذًا حفنة من حبوب المكسرات من صحنٍ خزفي أمامه، أسقط البعض بفمه وراح يطحنهم بأضراسه وهو يصوب نظراتٍ ثاقبة إلى عينيّ نظيره قائلًا بتحفظ:
"في إيه يا معلم رضوان؟"
علّق رضوان السويفي مدهوشًا:
"في إيه؟ الله! إنت مش معايا ولا إيه يا معلم. معقول ماسمعتش إللي قاعد أقوله من الصبح؟!"
تنهد سالم بصبرٍ وقال:
"لأ سمعت.. بس في أصول. وإنت سيد من يعرف الأصول يا معلم رضوان.. كلام زي ده ماينفعش يتقال هنا. على القهوة. وسط الخلق كده... لا مؤاخذة أنا كأني ماسمعتش حاجة. ماتستناش مني أي رد. أنا كنت فكرك ندهتلي على القهوة نلعب لنا دور طاولة. نشد حجرين وندردش سوا.. مش نتكلم في خصوصيات!"
أومأ رضوان وهو يزن كلماته بدقة، ثم قال مدركًا صحة رأيه:
"لأ ليك حق يا معلم أنا غلطان ومحققولك."
"ولا يهمك يا سيدي.. ماحصلش حاجة."
"طيب تحب أجيب عاصم والحجة ونيجي نزوركم امتى ان شاء الله؟"
ابتسم سالم بفتورٍ قائلًا:
"لأ يا رضوان مافيش داعي تتعب الحجة. لو مصمم استنى مني تليفون.. أول ما يرجع رزق بالمشيئة هاكلمك. إنت عارف ماليش غنى عنه هو إيدي ورجلي و الأمور دي كلمته تهمني بردو."
وافق رضوان محبورًا:
"ماشي كلامك يا سيد المعلمين. إن شاء الله نيجي أنا وعاصم لما يرجع الغالي.. موفق ان شالله راح على فين كده؟!"
كذب سالم بكل أريحية وبرود:
"بعته إسكندرية لأمه يشقر عليها. أصل حتى لو مطلقها.. هاتفضل أمه ولازم يودها ويسأل عليها."
"صح صح. عداك العيب.. وبعدين هو راجلها بردو. لازم يبص عليها كل فترة كده."
آيده سالم برفعة حاجب وهو لا يزال محتفظًا بابتسامته، ثم ما لبثا أن انخرطا بأحاديثٍ شتَّى، لا تمت بصلة لأيّ تفاصيل خاصة.
***
وكأنه عرَّابًا سحريًا، وكأنه معجزة أو غيثٍ من السماء، ما إن هلَّ بالحي حتى اجتمع الـ... من حوله يخبرونه بظهورهم دفعة واحدة بأنهم فردًا فردًا لاحظوا غيابه وتأثروا به.
شبابًا وصغار، تقدموا من رزق ليلقوا التحية. لكن بعضهم بقوا بأماكنهم عندما لمحوا تلك الفتاة معه!
إنهم يعرفونها جيدًا... هذه تُدعى نسمة. وكان هو بنفسه قد أحضرها وعرّف الجميع عليها وأوصاهم بها، أن يعاملونها كابنة وأخت.
ولكن لماذا هي برفقته بعد أن شوهدت بأم العين وهي ترحل؟
مهلًا!
لقد رحلت برفقته أيضًا.
ماذا يعني هذا يا ترى؟ ما علاقتها به؟!!!
على كلٍ لم يطيل رزق مكوثًا بين القوم، أخذ نسمة واصطحبها معه إلى داخل المنزل، إلى شقة جدته تحديدًا.
والتي ما إن رأت نسمة أمامها حتى أبدت امتعاضًا ورعونة كبيرة بالقول:
"آه يا فاجرة يا و***! وأنا إللي كنت مفكراكي بت غلبانة وفرحت لما جابك وسطنا نستؤك ونراعيكي من كلاب السكك. أتاريكي *** بصحيح!!!"
الرد الوحيد الذي حصلت عليه دلال كانت تلك الدموع التي تتساقط من عينيّ نسمة في صمت، ورأسها المكرق بخزي وعار شديدين.
لكن أيًا من هذا لم يلق صدى عند دلال التي راحت تتلاعب بحاجبيها مغمغمة:
"بتعيطي! بتعيطي يا ***؟ ولا أنعي هم دموع التماسيح دي يا بنت الـ آ ا..."
"خلاص بقى يا نينا!"
صاح رزق مقاطعًا بحزم.
تطلعت دلال إليه، فاردف وهو يضع يده فوق كتف نسمة:
"مالوش لازمة الكلام ده من هنا ورايح. نسمة بقت مراتي.. ماينفعش يتقالها الكلام ده نهائي. من فضلك."
رفعت دلال أحد حاجبيها معقبة:
"والله يا سي رزق! بكل جرأتك بتقول كده وكمان جايبها لحدنا؟ إنت عارف لو أبوك شافها هايعمل فيها إيه؟!"
رزق بغلظة:
"ولا يقدر يعمل أي حاجة.. نسمة مراتي. وشتيلة إبني!!!"
وفجأة انضم طرف رابع إليهم وصدح الهتاف العنيف والمصدوم من الخلف:
"شايلة مين يا روح أمك!"
***
لم يكن أي شيء مستبعدًا في هذه اللحظة، لم يكن قد وضع أي حدود لتلك المواجهة المرتقبة، بل كان ينتظرها بشدة.
وكأنه يتوق لكسر صندوق الادخار ذاك الذي اختزن بداخله كل خيباته ومرارته وأحزانه.
كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة كي ما يتحرر من الحالة البائسة التي سجن بها منذ بضعة أيام.
الآن سيفعلها.. وربما بعدها يعود كما كان.
"خشي جوا يا نسمة!"
نطق رزق آمرًا بثباتٍ يُحسد عليه.
كان يشير لزوجته ناحية غرفة بأقصى الرواق الشمالي، بينما كانت الأخيرة تبكي وتكاد لا ترى بسبب الدموع الساخنة التي تغشى عينيها بالكامل.
لكنها رأته وهو يرشدها، فبدون جدال حملت حقيبتها وشقت طريقها للداخل.
ليلـتفت رزق الآن نحو والده ونظرة الأحدي السافر تعتلي وجهه الوسيم.
قابل نظرات سالم النضّاحة بالغضب ببرودٍ تام وهو يقول:
"هي دي حمدلله على السلامة؟ لما فتحت الموبايل لاقيت اتصالات كتير منك.. ده أنا قلت وحشتك يعني!"
يتمالك سالم أعصابه بصعوبةٍ، كان يرتجف قليلًا وقبضتاه مطبقة، غمغم بينما تلوح بعينيه مشاعر العنف والحنق:
"بص يبني. بمنتهى الهدوء.. لو الكلام إللي قولته دلوقتي ده حقيقي ف انت مافيش قدامك غير اختيارين. يا تتعامل انت مع المصيبة دي وتصلحها بنفسك. يا تسيبني أنا أصلحها بمعرفتي."
يعقد رزق ساعديه أمام صدره ويرفع رأسه مستوضحًا:
"يسلام! طيب بغض النظر عن المصيبة إللي انت شايفها. متخيل مثلًا انت ولا أنا ممكن نصلحها إزاي؟"
جاوبه سالم دون أن يرف له جفن:
"يا تاخدها من سكات وبكرامتها تنزل العيّل ده عند دكتور يا إما أنا هانزله بطريقتي!"
وقع صمت ثقيل بينهما لم يحيد كلاهما بنظرات الغضب العنيف عن بعضهما، ثم قال رزق سائلًا بلهجة هادئة:
"هاتنزله بطريقتك.. عظيم! إللي هي إزاي بقى؟!"
قدم له أبيه جوابًا آخر بنفس الأسلوب المجرد من الرحمة والإنسانية:
"ماعنديش في الحتة أكتر من النسوان إللي شغلتهم كده أساسًا.. أو عشان ننجز ويكون أسهل أكتر أخلص عليها خالص. وحالًا!"
وأزاح طرف عباءته مظهرًا غمد سلاحه الناري.
وهنا ينظر رزق إلى أبيه نظرة وحشية صِرف، تعلو حشرجة الهيجان في صدره للحظات، أخذ يضغط ويحك أضراسه بقوةٍ، وبعد صمتٍ سحيق... اقترب من سالم خطوتين، ومد يده لامسًا سلاحه بطرف أنامله وهو ينظر إليه بعينين ضيقتين.
ثم قال بصوتٍ خالٍ من أي شعور:
"في اللحظة إللي بتكلم فيها عن حتة مني بتكشف عن سلاحك؟ عاوز تقتل إبـنــي؟"
سالم بغضبٍ:
"وإيشعرفك إنه ابنك؟ يا أهبل يا إللي سمحت لبت زي دي تلبسك في جواز ودلوقتي في عيل. بت زي دي أخرها تكون ***ك. ***ك.. مش مراتك وأم عيالك!"
نظرا في عيون بعضهما البعض لبرهةٍ بدت دهرًا، حتى قطع رزق الصمت مشيرًا بسبابته بتحذيرٍ شديد اللهجة صوب كلًا من أبيه وجدته:
"بص يابويا. والكام لستي كمان.. كلمة بجرة خط.. نسمة مراتي وشايلة إبني. وهاتعيش في المكان إللي أنا عايش فيه. أي حد يفكر يمسها بسوء. بربي وديني.. تشوف بعينيك بحر دم هنا في مملكتك العزيزة. وانت عارف. اللي يعمل حاجة مرة.. يعملها مليون مرة!"
كانت إشارة صريحة لجريمة القتل البشعة التي ارتكبها قبل أسبوعًا.
استطاع سالم أن يقيس بين نبرة ابنه ونظراته جسامة الأضرار المحققة لهذا الوضع.
بالنسبة له لم ينتهِ الحديث إلى هنا.. ولكن ليبقَ هادئًا الآن.
قليلًا فقط.
***
كانت في قمة السعادة، غمرة الشغف، أوج الحماسة.
تعيش مشاعر عنيفة، جديدة كليًا عليها، تجتاحها وكلماتٍ تسمعها تخفف من ثقلها، لتجعلها تطير وتحلق بسموات الغرام.
لم تستطع أبدًا منع نفسها من الاستلام لهذا الإغراء، أن تستمع إلى صوته العذب الحنون، وحديثه الواعد وهي ترسم على وجهها تلك الابتسامة البلهاء:
"كنت خايف المرة دي ماترديش عليا.. طول الأيام إللي فاتت دي مافيش يوم ماحاولتش أكلمك. ولا حتى كنتي بتردي على رسايلي.. عارف إنك كنتي بتشوفيها كلها. بس ماكنتيش بتردي. رغم كده كنت مبسوط لمجرد إني بتخيلك بتقريهم... ماكنتيش مصدقاني؟ ويا ترى لسا مش مصدقاني يا سلمى؟ أكيد مصدقة. لو ماكنتيش واثقة في كلامي ماكنتيش هاتردي بعد ما بعتلك آخر رسالة وقولتلك وبكررها تاني.. أبويا راح طلبك ليا من أبوكي!"
خفق قلبها بسرعة شديدة ومؤلمة، استطاع أن يسمع صوت لهاثها وأن يستشعر اضطرابها، فصمت لهنيهة قبل أن يقول باغواءٍ مدروس:
"هاخطبك يا سلمى.. هاتبقي مراتي أنا... هاتبقي ليا وملكي لحد آخر يوم في عمري. مش قادر استنى اليوم إللي هاتكوني فيه على اسمي.. أنا من ساعة ما شوفتك مش ببطل تفكير فيكي. جننتيني خلاص يا بنت الجزار.. بحبك يا سلمى!"
ارتعدت فرائصها فجأة لحظة انفتاح باب الغرفة، أسدلت شعرها على جانبي وجهها بسرعة لتخفي سماعتي البلوتوث، ثم التفتت لترى من المقتحم.
فكانت أمها التي ولجت إلى غرفتها في الأصل حيث أن ابنتها هي التي تشاطرها إياها.
"في إيه يا ماما؟!"
تساءلت سلمى محاولة أن تبدو طبيعية.
بينما تعدو هانم حتى وصلت عند الخزانة، فتحتها وأخذت إحدى عباءاتها وهي تغمغم مجيبة:
"أبوكي تحت بيزعق مع أخوكي رزق!"
تقفز سلمى في هذه اللحظة صائحة بابتهاجٍ:
"رزق! رزق جه..."
وتلاشت ابتسامتها وهي تكمل:
"طيب أبويا بيزعق معاه ليه؟!"
زفرت هانم بضيقٍ وهي ترتدي العباءة على عجالةٍ قائلة:
"أنا سامعة مصايب بتتقال تحت.. والمحروس مش راجع بإيده فاضية. ربنا يستر.. أنا قلبي مش مطمن من ساعة ما هج يوم صبحيته.. العيلة دي واخدة عين شديدة أوي!!"
عبست سلمى معلّقة بعدم فهمٍ:
"هو إيه إللي حصل يا ماما مش فاهمة.. ورزق جاي ومعاه مين؟"
لفت هانم وشاح الرأس حول وجهها بعصبيةٍ صائحة:
"خلاص يا سلمى مافياش دماغ لاسئلتك دي. أنا لسا ماعرفش حاجة أصلًا..."
تبتلع سلمى كلماتها كلها الآن، بينما تمضي هانم إلى الخارج مسرعة وهي تملي عليها بعض الأوامر:
"الأكل على البوتجاز خمس دقايق وتطفي عليه.. وبعدين تسألي أخوكي مصطفى إن كان يتغدى وتشوفي طلباته لحد ما أطلع!"
***
بالكاد تبلل عروقها ببعض الطعام والشارب الذي يقدم لها يوميًا في المواعيد، إذ يبعث عمها بفتاةٍ من أبناء الحي تراها وتراعاها، ولكن دون أن تمس قيودها.
كانت سجينة هنا، لكنها لم تيأس، لم تتخل عن حياتها حتى. أيقنت أنها ستخرج من هنا في يومٍ قريب.
كما ظنت خلاصًا من بين براثن خالها... خالها الذي لا تزال تجهل ما ألم به حقًا.
وهل ما سمعته عنه صحيح أم كذب.. هل هو حي أم ميت؟ لا تدري.
ولكنها ومن كل قلبها تشتهي أن يكون حيًا.. لكي تقتله هي بيديها.
لا يجب أن يفعلها أحدٍ سواها!!!
***
اليوم لم ترى وجه أحد بتاتًا.
الهزل الذي أحست به هذا الصباح والضعف كان شديد الوطأة، الطقس صار شتاءً، وملابسها باتت لا تقيها قساوة الجو، فضلًا عن احتقان أنفها وانسداد حلقها.
شعرت بالمرض والهوان، وكانت تهرب من كل هذا بالنوم، إلى أن سمعت صوت المفتاح يدور بقفل باب الشقة.
ظنت بأنها الفتاة التي تداوم على خدمتها.
في نفس الوقت كانت تجلس على ذات الأريكة المقيّدة فوقها منذ أسبوعًا.
كانت أشعة الشمس تضرب وجهها مباشرةً.
إذ كانت قد نسيت الفتاة الستار مفتوحًا فتسللت شمس الصباح هكذا وما برحت تحرقها حرقًا منذ مطلع الفجر.
لكنها كعهدها دومًا، تحمّلت!
استيقظت ليلة من غفوتها الثقيلة بصعوبة، لم تميّز أي حركة غريبة، بل وخرج صوتها متثاقل الأحرف ساخرًا:
"لسا فاكرين؟ أنا كملت فطاري نوم.. مالهاش لازمة الوجبة إللي جايبنها. رجعيها للي باعتك يا مستكة..."
شعرت بخطبٍ ما عندما لم تحصل على ردًا في المقابل.
فتحت عينيها ببطءٍ، وكان هو أو ما أبصرت عيناها... بشحمه ولحمه!!!!
انقطع نفسها واختلجت جميع أعضائها للحظاتٍ وهي تراه لأول مرة منذ أيامٍ لم تحصيها.
كانت رؤيته الآن مبعثًا على التوتر والريبة والارتباك الشديد.
على عكس ما خططت ودبرت لتلك المقابلة، انعقد لسانها ولم تنطق.
بينما يغلق الباب من خلفه ويمضي نحوها بخطى حثيثة.
تعـلّقت نظراتيهما وقد مضى وقت خالت بأنه دهورًا، حتى وصل عندها.
وانبعث صوته لمسامعها جافًا غريبًا كأنها تسمعه للمرة الأولى:
"شكلي كنت ندل معاكي بجد!"
نظرت ليلة للقيد الحديدي بيديها، ثم تطلعت إليه مغمغمة بخشونة تعبة:
"أنا متصالحة مع نفسي طول عمري.. كده كده عارفة إن ماليش حظ مع الرجالة. مش مستغربة أبدًا!!"
"رجالة! أفهم من كده إن كان في كتير في حياتك؟!"
"مش من حقك تسأل سؤال زي ده. إنت مالكش فيا حاجة فيا حاجة أصلًا.. ولا حد هنا له عليا سلطان. وحبسي هنا ده أبوك أول واحد هايندم عليه!!!"
بعد هذا التهديد الجريء، شاهدته يومئ برأسه مرتان، ثم ينحني مطرقًا وهو يستلّ من جيبه مفتاحًا عرفته فورًا.
وخلال لحظات كان قد فك قيودها.
ثم نهض ثانيةً واتجه نحو باب الشقة من جديد هاتفًا بمتتهى الهدوء:
"محدش حابسك من اللحظة دي.. إمشي. أوعدك محدش هايتعرضلك مننا يا ليلة!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم مريم محمد
هل تتركني؟
أن يفعل معها كل هذا، يفك قيودها ويفتح باب سجنها، أن يطلق سراحها دون أن يأبه لكلمة والده. ذلك شيء أذهلها.
هاك هو الباب قد فتحه أمامها على مصراعيه، ما عليها سوى أن تقوم وتعبر خلاله لتتأكد من صدق ادعاءاته. لكن بدلًا من ذلك حطت بمكانها أكثر لعدم قدرتها على النهوض بنفسها.
حاولت تحريك ذراعها، لكن ألمًا شديدًا أعاقها واجتاح جميع عظامها فجأة، فتأوهت وهي تعاند الألم كدأبها دومًا وتنهض واقفة على قدميها كاتمة صيحة متألمة.
كانا جفناها مطبقين، فاستغرقت لحظات حتى شعرت بمؤتها على التحمل من جديد. سارت بشكل غير متزن صوب رزق وهي تقول بلهجة ملبّدة ببوادر التهاب شعبي حاد:
"بالسهولة دي! إنت ناصبلي فخ ولا إيه؟"
ومدت يدها بصعوبة لتغلق باب الشقة مستطردة وهي ترفع ذقنها لتواجه نظراته الميتة بتحدٍ:
"أنا صحيح هامشي من هنا. بس مش قبل ما أخد حاجتين.. ميراثي وورقة طلاقي!"
وعدتهم على إصبعيها، بينما يرمقها بفتور طال أمده. ثم يقولها في وجهها بلا مبالاة:
"إنتي طالق يا ليلة."
جحظت عيناها بصدمة بنفس اللحظة، ولم تستطع نطقًا بعدها.
***
العقل المدبر، لا يكف أبدًا عن النِصاب، حتى في أوج الجدال من حوله وكثرة الأقوال.
بقى سالم عاكفًا على التفكير، لتسأم أمه من صمته المطول وتهتف به:
"إنت ساكت ليه يا سالم؟ سمعني بتفكر في إيه ماتسبنيش كده!"
يرفع سالم رأسه كما لو أنها كانت تحت الماء. كان يجلس في كرسي بين أمه وزوجته هانم. نظر إلى دلال قائلًا بجمود:
"ممكن تهدي شوية ياما؟ مافيش حاجة خلاص!"
دلال منفعلة: "مافيش حاجة إزاااي! والبلوى اللي جوا ديهي وإللي في بطنها هاتسيبها تولد لابنك عيّل ابن حرام؟ هنقول إيه للناس يا سالم وشكلنا هايبقى إيه!"
تأفف سالم بغضب وهو يهب واقفًا بلحظة، جمع ذيل عباءته المفتوحة في ذراعه وصاح بنفاذ صبر:
"خلاص يامــــا.. قلت خلاص. أخر همي كلام الناس وإنتي عارفة. أصلًا من إمتى عملت حساب في حياتي لمخلوق. إللي عايزه بعمله غصبٍ عن عين أي حد!"
أخذت دلال ترمقه بذهول مرددة:
"يعني إيه! قصدك تقول إيه بالكلام ده؟ هاتسيب رزق كده؟ هاتسيبه يقع الوقعة دي يا سالم؟!"
بدا متأزمًا من ذلك الخناق الذي تشده عليه أمه، فغمغم حاسمًا الجدل مشيرًا بكفه الضخم:
"إسمعي ياما أخر الكلام. مش هانعيده تاني.. غلطة رزق عمرها هاتتصلح بغلطة تانية. هو زنقني في خانة اليك. أنا فعلًا مش هقدر أجي جمب البت دي. مش هقدر أقتل حفيدي ولا آذيه. إحنا مضطرين نقبل الأمر الواقع. نسمة هاتعيش معانا. وخبر جوازها وحملها هايتذاع في الحي كله. وإنتهى!"
لكن الواقع أن الأمر لم ينتهي إلى هنا كما قال.
حيث إذا به يستدير متجهًا ناحية الغرفة التي تقبع خلفها زوجة إبنه _اللقيطة ذات الدماء القذرة من وجهة نظره_ وبدون مقدمات وبطريقة مجردة كليًا من أي لمحة تحضر أو كياسة دفع الباب بكل قوته.
لترتعد فرائص نسمة ما إن تراه يظهر أمامها بهذا الشكل المرعب، وقد كانت تجلس إلى طرف الفراش، إلا أنها الآن قد قفزت واقفة وأخذت ترتد للخلف محدقة بعينيه بذعر.
بينما يتقرب منها سالم بضعة خطوات قليلة وهو يقول بصوته الحاد المخيف:
"إسمعي يابت إنتي.. ضحكتي على ابني ولبستيه في جواز وفي عيّل. لكن إوعك تفكري إنك ممكن تضحكي عليا أنا. الاشكال إللي زيك أنا عارفها كويس وياما قابلت منها في حياتي. السبب الوحيد إللي مخليني واقف قصادك مربط هو إنك شايلة حفيدي. وإلا أنا في حالة تانية كنت ناويلك على نية و××× شبهك!!!"
تعتصر نسمة جفنيها بشدة وهي تستمع إلى كلماته التي تعادل آلاف الطعنات السامة. ليكمل سالم دون أن يرف له رمش:
"هاتقعدي هنا زيك زي أي حجر ولا كرسي. مش هو جابك؟ وحياته عندي ما هايعرف يخرجك من هنا تاني. هاتفضلي هنا لحد ما تروحي قبرك. وإن حصل أو سمعت إنك عاملة أقل مصيبة قسمًا عظمًا لانحرك بايدي وأتحمل الزفارة المرة دي. اللهم بلغت!"
وتركها مدركًا تمامًا فداحة الوضع الرهيب الذي سببه لها. كان هذا هدفه الأسمى في التعامل مع الجميع، أن يجعل من نفسه الوحش الكاسر عديم الرحمة والشفقة، كي تكون القوى والسلطة المطلقة له. له وحده. ويبدو أن يبلي حسنًا في كل مرة.
نمطه لا يخيب أبدًا.
"هانـــم!" هتف بعنف.
تأهبت زوجته المسكينة للنداء ونظرت إليه بترقب أثناء خروجه ومروره أمامها، لتسمعه يأمرها قبل أن يتلاشى بالخارج تمامًا:
"عايزك فوق في شقتي بعد صلاة العشا. ماضطرش أطلبك تاني سامعة؟"
لم ينتظر ردها وغادر بهذه الطريقة المباغتة.
كان طلبًا غريبًا بالنسبة لها، طلبًا جعل من خفقات قلبها طبولًا تدق قلقًا وخوفًا، فهو لا يطلبها إلا للضروريات والكوارث، فضلًا عن أنه يدعوها لشقته بلسانه للمرة الأولى!
ماذا يريد يا ترى؟
لو لبثت عمرها كله تتساءل لن تعرف على وجه التحديد إلا منه هو. لذلك كفت تمامًا عن التفكير. إن هي إلا بضعة ساعات قليلة، وستعرف.
***
تغشّت عيناها بالدموع، لم تتوانى عن النظر إليه بغضب. ربما كان غضبها غير مبرر، لكنه حتى لم يعبأ.
بل قال وهو يباعد بين ذراعيه بمثابة استسلام:
"أديني حررتك مني. وفيت بنصيبي وحققتلك شرط. انتي حرة مني. الشرط التاني للأسف ماملكش فيه أمر. كلامك مع أبويـ آ..."
"اعتقد ده دوري في الصدمة!" قاطعته بهدوء لم يخدعه.
إلا أنه رمقها بغرابة. لتضيف وكأنها تختار كل كلمة بعناية كي لا تُفضح مرة أخرى أمامه:
"ببساطة كده بتطلقني! ده أنا افتكرت إنك مش هاتهدا. مش هاتبطل تحقيقات معايا لما تشوفني. إيه؟ مش عايز تعرف تفاصيل أكتر؟ مش غضبان عليا؟ فين وعودك؟ مش على أساس إني ورطت نفسي معاك. وإك عرفتني على حقيقتي. وإني هاشوف بعنيا نتيجة خداعي ليك؟!!!"
لم يرد رزق على أي من أسئلتها، فواصلت استجوابها:
"إنت عملت إيه في عزام يا رزق؟"
كانت تعلم الإجابة سلفًا، لكن سماعها منه سيكون شيئًا مختلفًا بلا شك.
و بالفعل، نظرته وحدها قبل أن يتكلم جعلتها تحملق فيه شاخصة العينين.
"قتلته!" قالها رزق بوحشية لائمته كليًا.
ربما كانت مخفاة رقة ظاهره، وسماته، طبعه وشكله الأرستقراطي العام.
لكنه الآن، وهو يستأنف كلامه خاصةً بدا وكأنه خبيرًا، ضليعًا في ما يصفه:
"بعد ما اعترف وأكد على كلامك. دبحته. حرفيًا. قطعت جسمه حتت. لو كنتي شوفتي ماكنتيش هاتقدري تتعرفي عليه أبدًا. اتبسطي يا ليلة. خدتلك بتارك ومسحت العار اللي فوق جبينك."
فغرت فاها متطلعة إليه بذهول وصاحت:
"بس أنا ماقولتلكش تقتله. أنا ماوكلتش محامي ولا قاضي ولا حتى جلاد لأي حد بيني وبينه خصومة!!!"
تفاجأ رزق.
لم يصدق ما قالته للتو، جن جنونه فجأة وهو يهتف بها مقربًا وجهه من وجهها إلى حد التلامس تقريبًا:
"بتلوميني في شخصية و××× زي ده؟؟؟ زعلانة عليه؟؟ ده لعب بعرضك..."
وهز رأسه مشدوهًا وانفجر بها أعنف:
"ده كان بيغتصبـــك... ولا إنتي كنتي مبسوطة؟!!!!"
وقبض بأصابعه القاسية على فكيها وجذب وجهها نحو وجهه.
"ررردددي علياااا. إللي بيعمله كان بيكفك وعلى مزاجك!!!!!"
تملصت منه بعزم قواها صارخة بانهيار:
"كنت عايزه أنا إللي أقتلـــه... محدش كان ينفع يعمل كده غيري. ده حقي أنا. تاري أنا. أنا بس إللي حسيت بالعذاب ده وعيشت سنين فيه. مش من حقك تاخد القرار ده نيابة عني. عزام كان لازم يموت على إيدي أنا. أنـــااااااااااااااااااااا!!!!!"
وحدث فجأة كما لو أن أحدهم شد موصل الكهرباء عن جهاز ما. ترنح جزعها لثوانٍ قبل أن تنثني ركبتيها وتتهاوى من طولها.
لولا ذراعاه طوقاها بسرعة قبل أن يصطدم جسمها بالأرض.
لم تكن مغشية، إنما فاقدة لكل قواها. حملها رزق كأنها لا تزن شيء فوق ذراعيه، توجه بها نحو غرفة النوم البتول، حيث لم يتقاسما بها أي شيء بعد منذ ليلة الزفاف، وقد كان كل شيء على حاله.
أراحها فوق السرير المرتب، كان شعرها كله متهدلًا فوق وجهها. فأخذ يرتبه لها للوراء، ولكن درجة حرارتها صدمته. وخاصة حين نظر ورأى بشرتها الشاحبة وخديها الذابلين وشفاهها المتشققة في دلالة على جفاف جسمها.
تمتم مجفلًا بتوتر:
"انتي امتى اخر مرة كلتي؟!"
من صمتها وشكلها خمن طول المدة، فصر على أسنانه بانفعال وقال:
"أنا هانزل أوصيلك على أكل. خليكي في السرير إوعي تقومي إلا لما تاكلي وتشربي. لو وقعتي ممكن تخبطي راسك أو يجرالك أي حاجة وإنتي لوحدك."
وانتصب واقفًا، لكنها لم تدعه يخكو خطوة واحدة، إذ أمسكت بكفه بكل ما فيها من وهن.
جمد رزق بمكانه وأحس بشيء من مشاعره المفقودة يعود إليه شيئًا فشيئًا حين سمعها تنطق اسمه بهذا الخضوع والتضرع:
"رزق!"
أدار رأسه ناحيتها، صوّب نظراته إلى محياها المصفّر وعيناها المحمرتين، بينما ترتعش شفاهها وهي تغمغم بصوت متقطع:
"إنت طلقتني بجد؟ خلاص يعني!!"
التزم رزق الصمت لبرهة. في ظروف أخرى، كان ليقول لها حقيقة مشاعره، كان ليصارحها بكل شيء. لكن الآن بالذات كل ما وجد ليقوله كان سؤال واحد فقط:
"مين كريم؟"
شاهد نظرتها الواهنة تعود لتستقوى بالقساوة من جديد. ولدقيقة كاملة امتنعت ليلة عن الرد، فاعتبرها رزق تأكيدًا للادعاءات التي سمعها.
أفلت كفه من قبضتها بحزم هاتفًا باقتضاب:
"لما يبقى عندك الشجاعة تتكلمي هاسمعك. غير كده أنا واضح معاكي. ومش مانعك من أي حاجة. لو عاوزة تمشي إمشي."
ثم جذ الخطى للخارج وهو يكرر ببرود:
"هانزل أوصيلك على أكل. ماتتحركيش من مكانك!"
بقيت ليلة كما هي، راقدة كتمثال شمعي، لا تأتي بأيّ حركة.
بعد أن تمت المواجهة بينهما، بشكلٍ لم تتخيله قط، النتيجة الوحيدة التي خرجت بها هي الشعور على نحو أليم بغيابه. غيابه النهائي هذه المرة.
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم مريم محمد
كان "مصطفى" ينهي إغلاق أزرار قميصه الكحلي الضيق أمام المرآة. استطاع أن يرى ردة فعل أمه المنزعجة على قراره بانعكاسها الواضح من خلفه، لكن ذلك لم يثنيه ولو قليلًا عن كلمته.
في المقابل، حاولت "هانم" أن تقنعه بأسلوبٍ ألطف وهي تقترب منه مقدمة له قنينة العطر الباهظة:
- بس يا حبيبي انت محتاج مساندة. مش قصدي مساندة شخصية.. فاطمة لما تشوفني معاك تعملي خاطر. لو في نيتها حاجة أنا اقدر اقول كلمة كده تهديها و آ ...
- إيه ياما التهويل ده بس !! هتف "مصطفى" متذمرًا.
تناول منها قنينة العطر وطفق ينثر منها على عنقه وقميصه مستطردًا:
- ماتقلقيش مش هايحصل أي حاجة. أنا كلمت عمي إمام وهو بنفسه قاعد في شقته مستنيني ومأكدلي إن بطة جاهزة وهاتيجي معايا بخاطرها.
هانم بقلقٍ:
- طب و علي! علي من ساعة إللي جرى وهو يطيق العمى ولا يطيقك يا مصطفى...
عبس "مصطفى" مرددًا:
- وأنا مالي ومال علي.. كلامي مش معاه أساسًا. فاطمة دي ليها كبير وهو نفسه كبيره أبوه. بعد كلمة عمي مالهمش قوالة.
تبسمت "هانم" مؤيدة كلامه:
- ولا حد له كلمة فوق كلمة أبوك. من أول ما خرجت من المستشفى كان مطلعهالك ومخليها تستناك في شقتك بنفسها.. بس إنت يا حبيبي إللي طلعت أحسن من الكل. وأثبت لفاطمة إن قلبك عليها وبتحبها بجد. لولاش بس الشبطان لعب بعقلك ليلة الدخلة...
تأفف "مصطفى" بضيقٍ مغمغمًا:
- خلاص بقى ياما.. مش هانعيده تاني وإوعي أسمعك أو أي حد يجيب سيرة اليوم ده كله أصلًا. مش عايز أفتكره.
ربتت على كتفه بلطفٍ:
- حاضر يا حبيبي. حاضر مش هاتكلم فيه تاني.. أنا ماتمناش حاجة من الدنيا إلا سعادتك انت واخواتك يا غالي. يلا يا قلبي انزل لعمك وخد مراتك على بيتكوا. إن شالله بالخير والهنا يارب...
و تنهدت مكملة:
- يلا وأنا كمان اطلع لابوك.. أشوفه عايزني ليه!
اندهش "مصطفى" على الأخير وهو يسألها:
- أبويا طلبك عنده؟؟
- أيوة.
- عنده عنده. في شقته يعني؟؟!!
- أيوة يابني.. يوه. هاكدب عليك!
مصطفى مؤنبًا:
- وطالعاله كده ياما. ده ينفع بالذمة!!
رفعت حاجبيها بتعجبٍ:
- المفروض أطلع إزاي يعني مش فاهمة!!!
جوابها "مصطفى" مبتسمًا بخبث:
- يعني. كلك مفوهمية يا ست هانم.. أبويا راجل وحداني. وإنتي مراته. لما تطلعي شقته ويتقفل عليكوا باب.. مش لازم تديله حتة إغراء كده؟
وغمز لها...
لتكتم "هانم" شهقة خجلة وهي تضربه على مقدمة رأسه موبخة:
- آه يا سافل.. يا قليل الأدب. أنا أمك ياض.. مش عيب عليك تقول كده...
ضحك "مصطفى" بانطلاقٍ قائلًا:
- إهدي طيب. إنتي زعلتي ليه؟ أنا بوعيكي. إفرضي أبويا باعتلك عشان تقعدوا قعدة صفا. يقوم يلاقيكي بالعباية السمرا دي وقمطة الراس إللي مابتتغيّرش!
ثم قال بجدية:
- ياما فوقي لنفسك. شجعيه لو في دماغه حاجة. كفاية شبابك إللي ضاع علينا وإنتي لا مؤاخذة في اللفظ يعني مرمية هنا زي البيت الوقف. لا حصلتي مطلقة ولا متجوزة.
نظرت إليه بشيء من الصدمة، فواصل بإصرارٍ قوي:
- أنا عارف كل حاجة. مش أنا بس.. كل إللي حوالينا فاهمين القصة كويس. سنين كتير عدت. عمر بحاله.. أكيد نسي ولو شوية إللي شاغلة باله. مابقولكيش هيني كرامتك. بس جربي. إرمي الكرة في ملعبه مرة أخيرة. وشوفي هاترسى على إيه...
الدموع في مآقيها، هزت "هانم" رأسها مبتسمة بوجه ابنها. ليقول الأخير بعد أن طبع قبلة فوق جبهتها:
- أنا نازل.. دعواتك!
ليست بحاجة لتذكرته، فهي لا يشغلها سوى الدعاء له ولأخويه، هما كل حياتها.
حياتها الخربة كما استحى أن يوضح أكثر...
هذه التصريحات كلها لم تفعل بـ"هانم" شيء إلا تكثيف شعورها بالخذلان والقهر، ما جعلها تنهار باكية كدأبها منذ تزوجته، مرضٌ عضال لا علاج له ولا براء منه. إذ للأسف شديد، هناك حقيقة لا يمكن أن تنكرها.. هي تحب "سالم الجزار"... تحبه من صميم قلبها!!!
***
في المقهى الشبابي بحي الجزارين...
وقف "رزق" عند إحدى النوافذ ذات الوجهة الزجاجية المعتمة يجري بعض المكالمات الخاصة بالأعمال التي تخلّف عنها طوال الفترة الماضية، ثم فرغ أخيرًا بعد أن لبث نصف ساعة من مكالمة لأخرى. وها هو يلتفت وراءه ليرى الصالة ذات الإضاءات الصفراء وكأنها أقرب شكلًا لنوادي الليل.. ولكن تلك خاصة بالرجال فقط.
كان "علي" ينتظره عند البار، في الواقع هو كان يقف خلف البار يعد بعض الكؤوس الخاصة بحرفيةٍ متقنة. مشى "رزق" صوبه بتؤدة، بينما يصيح "علي" يستحثه:
- زيح قشر البيض إللي ماشي عليه ده ياخويا.. ما تمد شوية يا رزق. كل ده بتعمل مكالمة!!
يرد "رزق" بفتورٍ وهو يجلس فوق مقعدٍ عالٍ أمام البار المصنوع كله من الخشب والمعدن:
- شغل يا علي. شغل.. أبويا مانزلش من على وداني أول ما جيت. أريح دماغي وأقضيله مصالحه أحسن.. ولا إيه رأيك؟
صوّب "علي" نظرة مباشرة إلى عينيه وهو يقول بجدية:
- سيبك. إرمي كل حاجة ورا ضهرك طول ما إنت هنا.. فك عن نفسك شوية يا رزق. وإتفضل دوق فطيرة السجق إللي عملتهالك بإيدي دي!
وأشار إلى طبقٍ كبير فوق البنش بينهما.
- صعبت عليا. وشك أصفر كده.. شكلك مش مهتم بأكلك خالص الفترة دي!
لم يرد "رزق" على الملاحظة الذكية الاستدراجية، بل وأعرض عن الطعام كليًا، ليمد يده تجاه زجاجة الخمر الثمينة ويجذبها إليه مزيلًا عنها الغطاء بلحظة. وتحت أنظار "علي" المندهشة، أفرغ في جوفه نصف الزجاجة بجرعتين طويلتين. ثم توقف ليهدأ قليلًا ويستعيد أنفاسه.
أخذ يتجرّع من الزجاجة على رشفاتٍ صغيرة، ويسقط بفمه حفنةٍ من حبوب المكسرات المملحة كي ما يشعر بالشبع.
- إنت من إمتى بتشرب؟
إلتفت "رزق" إلى سؤال "علي" وأجاب بلا حماسٍ:
- هاتفرق معاك! من شهر.. سنة.. عشرة. إيه الفرق؟
علي عابسًا بشدة:
- يعني إيه مش هاتفرق.. إنت شايف إللي بتعمله ده بسيط؟!
رد "رزق" مقهقهًا:
- مش فاهم.. هايكون حرام مثلًا! عارف لو قولتها دي تبقى نكتة كبيرة أوي يا علوة.
وكاد يضع عنق الزجاجة على فمه من جديد، لتعيقه يد "علي" التي امتدت ومنعته فورًا وهو يهتف بصرامةٍ:
- بس يا رزق.. بس كفاية. لو تقلت في الشرب مش هايبقى حلو. وأبوك لو عرف...
- مايقدرش! قاطعه "رزق" بقتامةٍ مخيفة.
- مايقدرش يفتح بؤه معايا. وهو.. عارف كده كويس.
وإجتذب الزجاجة ثانيةً ليفرغ محتواها كله بجوفه هذه المرة.
يهز "علي" رأسه يائسًا، ثم يسأله في محاولة أخيرة قانطة:
- كنت فين طيب.. غطست أسبوع فين؟
- كنت عند نوسا!
- ممم. وإيه إللي حصل قبل كده.. مشيت على فين وسبت عروستك يوم الصباحية؟ انت عارف لولا إننا أسياد الحتة دي مكناش سلمنا من القيل والقال. رغم إن في كلام بستثال من ورا ضهرنا.
زفر "رزق" بضيقٍ.
- إفففف بقى. ما يولعوا الناس يا أخي. ده إللي ناقص كمان.. في وسط اللي انا فيه ده كله أحمل هم كلام الناس!!
أمسك "علي" بطرف حديثه هذا وقال على الفور:
- أيوة هنا مربط الفرس.. إيه إللي انت فيه بقى؟ قولي يا رزق. فضفض. أنا طول عمري سرك!
نظر "رزق" إليه بصمتٍ غامض ولم ينطق بكلمة، فتنهد "علي" بثقلٍ وهو يشعر بالأسف عليه، ثم قال:
- خلاص براحتك.. ماتتكلمش لو ده هايريحك. بس أعرف دايمًا إني جمبك. لو احتاجتني.. أنا هنا عشانك علطول يا رزق.
إكتفى "رزق" بالبتسم ردًا على مؤازرة ابن عمه وصديقه الصدوق، لم تتسنّى له فرصة الرد، إذ صدح رنين هاتفه فجأة، فاستلّه من جيب بنطاله الخلفي.
كانت "نسمة" التي تتصل به، استثقل كثيرًا أن يردها خائبة، كما خشي لو أن طارئًا قد أصابها، فأجاب بعد لحظاتٍ:
- أيوه يا نوسا... أنا هنا في الحتة. عاوزة حاجة.. لأ ماينفعش.. خلاص يا نسمة قلت ماينفعش. مش هاترجعي تعيشي في الشقة القديمة إنسي.. بصي خليكي زي ما إنتي في الأوضة إللي قعدتك فيها عند نينا.. هاخلص وأجيلك.. يلا سلام!
وأغلق معها.
كان "علي" يعبث بهاتفه هو الآخر، ولم يكاد "رزق" يرجع خاصته إلى حيث كان، ليفاجأ برسالة نصية تصله عبر واتساب باسمها.
لا يعرف كيف شعر باختلاجة قلبه، فتح الرسالة وقرأ السطر التالي: "رزق ممكن تجيلي شوية؟ عايزاك ضروري.. من فضلك!".
سهم بنظراته لبعض الوقت ممعنًا بكلماتها، ليفيق على صوت "علي".
- إيه سرحت في إيه؟!
أعوزه الرد ثوانٍ قبل أن يقول ناهضًا عن المقعد بوثبةٍ واحدة:
- أنا راجع البيت!
تساءل "علي" بقلقٍ:
- في حاجة ولا إيه؟
- لا لأ.
- طيب راجع تاني؟
- مش عارف!
و انطلق مهرولًا للخارج، بينما يهز "علي" كتفيه ويلتفت ليأنس ببعض الصحبة الشبابية.
***
فتح الباب أمامها بنسخته الخاصة، ثم تنحى قليلًا ودعاها بلطفٍ:
- إتفضلي.. خشي يا بطة!
كان يحمل لها حقيبتها الصغيرة بيده الأخرى، بينما كانت منكمشة على نفسها بخوفٍ واضحٍ منه. مدت ساقها بصعوبة وولجت إلى الداخل.. إلى سجنها الذي ظنت بأنها نجت منه.
لكنها تعود إليه مجبرة.
لم يخفى عن "مصطفى" ما تحس به زوجته تجاهه، كما لمح عن كثب عندما كانا بالأسفل بشقة والدها وجهها الشاحب وعيناها المتورمتين من البكاء. خمن، بل أيقن بأنها لا تزال تهابه، إن لم تكن تكرهه فعليًا.
لذلك توخى الحذر على أقل تصرفاته، وكأنه يخشى أن يخدشها مجددًا بأي شكل.. كما لو أنه لم يكسرها أصلًا!!!
ارتعدت "فاطمة" بذعرٍ لحظة إغلاق الباب، وازداد خوفها أكثر بكثير. تحاشت النظر إليه، لكنه بالفعل قد امتثل أمامها خلال ثوانٍ. ولكسر الصمت المتوتر قال وهو يشير تجاه غرفة السفرة المقابلة:
- أمي حضرت لنا عشا.. مش جعانة؟
هزت رأسها المطرق أن لا. فقال بتصميمٍ لا يخلو من الرفق:
- بس أنا جعان. في نفس الوقت مافيش حاجة تفتح نفسي زيادة غير إن أشوفك قاعدة جمبي وبناكل سوا.. معلش بس أنا مش هاسيبك إلا لما تتعشي معايا!
ران الصمت بينهما لدقيقةٍ، لم تحرك "فاطمة" ساكنًا.. حتى عندما اقترب خطوتين. حبست أنفاسها وانتظرت برعبٍ.
بينما انبعث صوته هادئًا متضرعًا:
- عشان خاطري يا بطة.. بصي أنا مش باجي عليكي و الله. أنا عارف إنك مش طايقاني.. بس طاوعيني المرة دي بس. خشي غيري هدومك وتعالي نتعشى سوا. أوعدك مش هطلب أكتر من كده!
***
عبق العش الزوجي، لأول مرة يميّز "رزق" رائحته فور دخوله إلى شقته.. وكأن لمساتٍ سحرية أضيفت على المكان هنا لتجعله أكثر جمالًا وتألقًا.
الأمر بدا كما لو أن الأثاث والجدران تضحك!!!
النظافة واللمعان وأصابع الشمع العطرية.. كل هذا توجته "ليلة" بطاولة الطعام المنصوبة بمنتصف الصالة المجاورة، المحاطة بمقعدين لشخصين، والموزع فوقها ما لذ وطاب من صنوف الأطعمة الشهية.
- هه. أخيرًا جيت! هتفت "ليلة" مهللة لرؤية زوجها.
أو.. طليقها!!
- تعالى يا رزق. الأكل لسا محطوط حالًا.. تعالى إلحق قبل ما يبرد!
صحيح أن رائحة الطعام مسيلة للعاب، لكنه لم يكن ينتبه لشيء سواها، حيث كانت الآن في أبهى صورها، وكأنها لم تمرض في الصباح، لحظات وهنها وتعبها كأنها لم تكن.
ما رآه أمامه هي امرأة في كامل أناقتها وجمالها، بالثوب النسائي المنصوع من الدانتيل الأسود، والذي يحجبه ذلك الروب ذي النسيج الحريري، مع مساحيق تجميل خفيفة، وملمع شفاه وردي تماشى مع ربطة شعرها التي اعتقلت ذيل الحصان الطويل المنسدل على ظهرها.
- إيه ده يا ليلة؟ قالها "رزق" مشدوهًا.
بدا أنه يتساءل عن كل شيء، وليس أمر معين.
لترتد "ليلة" عن الطاولة بعد أن أشعلت آخر شمعة، تركت القداحة جانبًا، ثم مشت نحوه قائلة بابتسامة مضطربة:
- ده كله إللي إنت شايفه.. حاجة كده إسمها بادرة للاعتذار.
- وبتعتذري على إيه بالظبط؟
- على أي حاجة عملتها و ضايقتك!
قالت ذلك حين وقفت أمامه مباشرةً، مدت يدها لتمسك بيده، استشعر رطوبة كفها ونعومته، بينما أردفت بابتسامة رقيقة:
- أولًا وقبل أي حاجة شكرًا.. شكرًا إنك ماخيبتش أملي فيك. وإنك كنت زي ما عرفتك.. مختلف. والأهم إنك خدتلي حقي. أنا خلاص مش زعلانة. كأني أنا إللي عملتها. صدقني.. والإيد دي...
ورفعت يدها التي أمسكت بيده، لم تحيد بعينيها عن عينيه وهي تقرب ظاهر يده من فمها، لتطبع عليه قبلة رطبة مطوّلة. ثم تقول بصوتٍ أقرب إلى الهمس:
- تسلملي الإيد دي.. إللي بردت قلبي وخدت بتاري!
كان تنفسه بطيئًا، أثناء متابعته لها ولكلامها، ربما نسى أن يتنفس في عدة مواضع، إلى أن صمتت. أخذ نفسًا عميقًا واستعاد السيطرة على أفكاره، ليقول بصوتٍ أجش:
- ليلة. مش بالطريقة دي.. مش بالطريقة دي تنهي المسألة وتقفلي القضية خالص. لسا في حاجات و آ...
- أنا هاحكيلك كل حاجة عايز تعرفها! قاطعته بهدوء.
- هاجاوبك على كل أسئلتك.. بس في طلب وحيد ليا...
صمته عنى تساؤله، فكانت جوابها:
- نفتح صفحة جديدة أنا وانت.. رزق. أنا مش عايزة أنفصل عنك.. أنا بحبك!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم مريم محمد
"هانم" أغمضت عينيها، وحاولت أن تعيد أفكارها لنصابها. كانت تقف أمام سريرها، بعد أن فردت فوقه ثوبها الأكثر جمالاً، والذي احتفظت به لسنواتٍ من شدة تعلقها به. لم ترتديه، لم تضعه على جسمها يومًا، على أمل أن يأتي اليوم الذي تتخذ فيه حياتها شكلًا لطالما حلمت به. هي وزوجها، هي وسالم!
بصحبة بعضهما، مع أولادهما، كعائلة سعيدة. تصنع له أشهى طبخاتها، تتزين له في كل وقت وحين، يراها بالأثواب الجميلة كلها التي اختارتهم من أجله، ينبهر بها، يحبها كما تحبه.
ولكن بئس الأحلام والواقع معًا. حبها له لم يكن إلا كابوسًا أرقها واستنزفها. ضاع شبابها، ذبلت مثل وردة قبل حتى أن يستنشق عبيرها.
هل يستحق اليوم أن تراهن على بقايا كرامتها لأجل كسب القليل من عطفه وإحسانه؟
هل يستحق أن تهان مجددًا ما إذا أبدى لها رفضًا وتسبب بإيلامها؟ ذلك الألم الذي لا براء منه!
الوقت يجري، ولا زالت "هانم" متسمرة أمام الثوب، تفكر وتتردد كثيرًا قبل أن تمد يديها إليه. كلمات "مصطفى" ونصائحه تثير عقلها وقلبها في آنٍ. ولكن فكرة الخذلان أيضًا تسيطر عليها وتؤثر على سرعة قرارها.
أتفعلها؟
أم لا تفعلها!
"مامـــا!"
انتفضت "هانم" لدى سماع هتاف ابنتها التي اقتحمت الغرفة فجأة. انعلت وهي تستدير صوبها صائحة بانفعالٍ لتغطي على ارتباكها:
"إيـه يا سلمى.. إيـــه عايزة إيه؟"
"وإزاي تدخلي عليا كده من غير ما تستأذني؟؟"
اصطبغ محيا "سلمى" بحمرة خجلة. بقيت محلها عند عتبة الباب تشدد على المقبض وهي تعتذر منها على الفور:
"آسفة يا ماما. ماكنش قصدي.. طيب خلاص هاخرج!"
"إستني!"
استوقفتها بصبر نافذٍ. صمتت لثوانٍ، ثم سألتها بهدوءٍ متكلف:
"قولي كنتي عايزة إيه؟!"
"أنا كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع كده.. بس خلاص شكلك مش ليكي بالك عشاني دلوقتي."
"إخلصي يا سلمى وقولي عايزة إيه."
زمت "سلمى" فمها وقالت باذعانٍ:
"كنت عايزة أفكرك تقولي لأبويا على موضوع المدرسة.. مش إنتي طالعة له؟"
عبست "هانم" معقبة:
"يابت أنا مش سبق وقلت كلمتي في الموضوع ده؟ عايزة تدخلي أبوكي فيه ليه ولا نفسك تسمعي منه كلمتين!!!"
"يا ماما أبويا مش هايقول حاجة. لو إنتي كلمتيه وأقنعتيه مش هايقول حاجة!"
"لأ ياختي هايقول. أبوكي ماعندوش ياما ارحميني في المسائل دي بالذات. جربيه كده لو تقدري يا سلمى."
ورمقتها بتحدٍ. لتعض "سلمى" على شفتها بقوة وشعور القهر يغير بصدرها. لم تجرؤ على النطق بكلمة أخرى.
فقالت "هانم" آمرة:
"إتفضلي بقى على أوضتك. ولا شوفي هاتعملي إيه.. سبيني أغير هدمتي عشان ألحق أطلع لابوكي."
وأولتها ظهرها ملتفتة ناحية الخزانة لتنتقي وشاحًا للرأس. فاستدارت "سلمى" للخارج ودموع الأسى ملء عينيها.
***
ليبتعد عن كل هذا الضغط المتواصل منذ ذهبت ابنته برفقة زوجها، قام "إمام" عن طاولة العشاء متجهًا إلى غرفة النوم. ولكن "نجوى" لم تسمح له بالتخلص منها بهذه البساطة وانطلقت في إثره.
"أنا طاوعتك من ورا قلبي يا إمام!"
أخذ يتأفف بضيقٍ من إلحاحها المستفز وحاول أن يتجاهلها قدر استطاعته. إلا أنها أبت تصمت لحظة واحدة.
"بنتي لو جرالها حاجة ولا أذت نفسها المرة دي مش هاتعرف أنا ممكن أعمل في أخوك وابنه إيه يا إمام."
"إخـرســـي!"
هكذا ثارت ثائرة "إمام" على زوجته.
التفت نحوها والشرر يتطاير من عينيه.
"قولتلك إخرسي. إخرسي ماسمعش حسك تاني إنتي فاهمة؟!!!"
تراجعت رهبتها الوليدة منه بنفس اللحظة وقالت بعينٍ قوية:
"لأ مش هاخرس يا إمام. مش هاخرس.. إن كنت نسيت وصهينت على اللي اتعمل في بتك أنا لأ. رجوعها مع ابن سالم وافقتك غليه عشان سمعتها بس وسط الخلق. لكن لو على البيت اللي كان هايتخرب ان شالله كان يتطربق على دماغ صحابه. وبقولهالك تاني أهو.. فاطمة لو جرالها حاجة مش هايكفوني الجزارين كلهم!!!"
كان غضبه قد انحسر بعيدًا الآن، بقى يرمقها بفتورٍ فقط. لتسمعه يقول فجأة بصوتٍ صلد:
"لما يبقى يجرى لبتك حاجة ابقي تعالي خدي حقها مني أنا أول واحد.. لكن يا نجوى يا بت همام الدرديري. لو سمعتك تاني مرة بتجيبي سيرة الجزارين بالعاطل. وحياة عيالي منك إللي هما جزارين بردو ما هتباتي ليلة على ذمتي. ودي أقل حاجة ممكن تحصلك.. لو عاقلة بقى تلمي دورك عشان أنا اصلا ابتديت أتلكك. وصلت؟"
رمقته بغيظٍ ولم ترد. فأشاح وجهه عنها وتوجه نحو المشجب ليعلق شاله وجلبابه بمنتهى البرود. وأمام نظراتها المتوقدة.
***
جالسة أمامه إلى مائدة العشاء، بعد أن بدلت ثيابها كما أشار عليها. فارتدت بيجامة من الستان الأبيض المحدد بشرائط رقيقة من الدانتيل، وشعرها قد رفعته على شكل كعكة كبيرة نظرًا لطول وكثافة شعرها الغجري الفاحم.
لم تكن تضع نقطة مكياج، كما أنها لم تتعطر مطلقًا، حيث أن آخر شيء توده هو أن تثيره بأيّ شكل من الأشكال.
في المقابل كان "مصطفى" لا يزال بثيابه ذاتها، يستهلّ تناول طعامه وهو يرمقها بقلة حيلة، لا يدري كيف يبدأ معها حديثًا. ولو تحدث ماذا يمكن أن يقول!
ولكن في الأخير علم أن عليه اجتياز ذلك الحاجز. لن تهنأ له حياة مع زوجته إلا بعد أن يذيب ذلك الجبل الجليدي الهائل. عليه أن يفعلها والآن.
"مابتكليش ليه يا بطة؟!"
يا له من رعب تستشعره بمجرد سماع هذا الصوت. صوته حتى وهو يخاطبها بهذه الرقة. تطلعت "فاطمة" إليه وهي تمضغ بقايا الأرز بفمها لتريه أنها تأكل.
أوجعته نظرتها المتبلدة كثيرًا، وعلاوةً عدم رغبتها حتى بتبادل كلمتين معه، ابتلع تلك الغصة بأسرع مما توقع وحاول معها ثانيةً.
"طيب انتي مامدتيش إيديكي على الزفر ليه؟ أنا عكس أبويا وأبوكي ماحبش أوزع. وزعي إنتي يا بطة."
"مش مهم!"
تمتمت "فاطمة" بينما تبتلع جرعة من كأس الماء.
"وزع إنت. أنا أصلاً نباتية ماليش تقال على اللحوم."
كابحًا انفعاله، رد "مصطفى" بإصرارٍ:
"بس أنا عايز آكل من إيدك.. إنتي مراتي وأنا بـــ..."
قطع عبارته فجأة، بينما جمدت فورًا خشية وكارهة سماع كلمة كهذه منه. زفر مطوّلًا مغمض العينين، ثم نظر لها بعد لحظة وقال بجدية:
"فاطمة.. مش هينفع. مش هينفع نكمل بالأسلوب ده.. هتبقى حياة مستحيلة وفي نفس الوقت حياتي من غيرك مستحيلة. ف حليها انتي بقى!"
ظلت صامتة كما هي وقد توقفت عن تناول الطعام تمامًا.
تفاجأت به حين مد يده عبر الطاولة ورفع ذقنها مجبرًا إياها على النظر إليه. هذه المرة لم يعتريه أي تردد أو رفض للجهر بهذا. نطق بحدة مبحلقًا بعينيها بقوة:
"إللي كنتي حاطة أملك عليه خلاص يا فاطمة. شاف حاله.. ومن زمان. أظنك عرفتي إللي عمله. عرفتي إن رزق اتجوز من ورانا ومستني عيل كمان!"
استقبلت الخبر للمرة الثانية دون أن يرف لها جفن. ولكن كأنما هو صفعة تلقتها بداخلها، أن يتبين لها قبح باطن الرجل الوحيد الذي أحبته. فارس أحلامها الوسيم الجميل، اتضح أن له وجهًا آخر أشد قبحًا من زوجها الماثل أمامها ومن عمها ومن رجال عائلتها.
لم تؤلمها خيبة أملها بقدر ما آلمتها الحقيقة المثبتة، وغير القابلة للتغيير. وهي أن "رزق" ما هو إلا وغدًا، فاسق، قلبه لا يفقه الحب ولا يألفه حتى لو كان بجواره.
رباه كم صارت تكرهه الآن. لا تصدق أن هذا اليوم قد أتى!
"إوعي تكوني مفكراها سهلة عليا!"
أفاقت على صوت زوجها. نظرت إليه بانتباهٍ، ليكمل مشددًا على صدغيه:
"أنا لو كنت بغل من رزق قيراط. لما سمعتك بتقوليله بحبه كرهته وغليت منه 1000 مرة.. يمكن قبلها ماكنش فارق معايا أوي. بس أول ما عرفت إن قلب الإنسانة الوحيدة إللي حبتها معاه هو مش معايا اتمنيت لو أقدر أخد روحه. أعذبه. أمحيه من الدنيا وكأنه معداش عليها... إنتي ماتعرفيش حالتي كانت إزاي ساعتها. كنت ماشي بكلم نفسي.. ليه فاطمة ماحبتنيش؟ شافت مني إيه وحش؟ ده إحنا مكتوبين لبعض من وهي في اللفة.. إزاي تفكر في رزق؟ وليـــه؟؟؟"
سكت "مصطفى" عن الكلام لبرهةٍ. كانت "فاطمة" ترمقه خلالها بإمعانٍ. كلامه صار يدهشها الآن. ومن جديد لمحت بعينه ذلك الألق اليائس قبل أن يستأنف تصريحاته:
"النار فضلت قايدة جوايا. وكنت قايم نايم بفكر وبخطط أول حاجة أحدد يوم دخلتنا. وبعدها كنت ناوي أعيشك أسود أيام حياتك.. كنت عايز أعاقبك. أوجعك زي ما وجعتيني.. لكن يوم كتب الكتاب. لما خرجنا بليل وطلعنا على المركب لوحدنا. لما اعترفتيلي إنك مابقتيش تفكري في رزق. وإن حبك له كان وهم عشتي فيه. ساعتها رغم الخوف إللي شوفته في عنيكي. كنت عايز أصدقك. كنت بتمنى أصدقك.. وصدقتك... بس جيتي ليلة الدخلة وهديتي كل حاجة حلوة حلمت بيها معاكي فوق دماغي. لما دخلتي وقفلتي على نفسك باب الأوضة وآ ا ..."
"بـس. بـــس كفايــة !!!"
صرخت فيه مقاطعة ولا تعلم كيف نزلت دموعها بلحظة هكذا وأغرقت خديها.
نهضت عن الطاولة بوثبة واحدة وقد صعقتها تشنجات في جميع أنحاء جسدها جعلتها تنتفض بقوة وهي تتراجع بظهرها للخلف. بينما يقوم "مصطفى" ويمضي نحوها ببطءٍ مستطردًا كلامه بتصميم:
"إنتي السبب. لو كنت أجرمت في حقك ليلتها ومارحمتكيش ف ده كله بسببك إنتي.. كنتي متخيلة إيه؟؟؟ لما مرة تديني أمل فيكي ومرة تبعديني عنك. ده مابقاش راجل لو مافكرتش إن في حاجة غلط!!!"
"بس تبقى راجل لما تغتصبني !!!"
سقط الرد الصارخ عليه مثل عقوبة مشددة.
مترنحًا في البدء، هز "مصطفى" رأسه بقوة وقد أصابه اتهام "فاطمة" بالذعر، فصاح:
"لأ.. إللي حصل مش كده ولا عمره يتسمى كده. إنتي مرااااتي.. فاهمة؟ ده حقي الشرعي. ده حلال ربنا. آه حصل بطريقة غلط.. لكن أنا عمري ما فكرت أقرب منك أصلًا وإنتي مش حلالي. فاطمة أنا عمري ما جيت أقولك بحبك. عمري ما لمحت بأي حاجة ليكي عشان حبيتك تكوني ليا على طبيعتك. ماحبتش أكسر براءتك. كنت عايزك زي ما إنتي.. وفكرة إن يكون حد غيري سبقني ليكي ولمسك طيرت البرج إللي فاضل بعقلي. فصممت على الدخلة بأي شكل. أيوة خوفتك. رعبتك. دمرت أجمل ليلة في حياتنا.. بس ماغتصبتكيش!!"
"إنت دبحتني!"
هتفت بآلية تامة.
لينتابه خرس متألمًا وهو يقف الآن أمامها مباشرةً، لا تفصلهما سوى بضعة سنتيمترات. مرة واحدة رآها ترفع يديها وتفك أزرار بيجامتها الواحد تلو الآخر مضيفة:
"لو كنت مسمي حبك ليا ده حب فالحب ده مايلزمنيش.. ولو كنت فاكر إني رجعت معاك بمزاجي فتبقى غلطان. أنا لو كان ينفع لأ ماكنتش اتجوزتك. وأخوك أصلاً ولا في دماغي. إنتوا الاتنين في نظري بقيتوا زي بعض.. وإنت مش هاتعرف تقرب مني ولا تلمسني إلا زي ما عملت أول مرة. غصب عني.. بس الفرق دلوقتي إني مش هقاوم ولا هصرخ. لأني عارفة حتى لو عملت كده كل إللي حوالينا هايقعدوا يسمعوا ويضحكوا.. محدش هايحس بيا ولا ياخد بحقي!!!"
قست ملامحه وهو يخبرها:
"أبويا جلدني وسط الخلق كلهم بسببك.. كده حقك ماجاش!!!!"
كانت قد حلّت أزرار البيجامة كليةً وبانت حمالتا صدرها. لكنه هو لم يكن ينظر إلا لوجهها. إلى أن حطمت الصمت المتنامي بينهما قائلة بابتسامة ساخرة:
"تفتكر إيه ممكن يعوض إللي كسرته جوايا يا مصطفى؟"
صمت عاجزًا عن منحها الإجابة المنشودة. لترد هي على نفسها بعد لحظة:
"ولا حاجة.. ولا حاجة ممكن تعوضني. أصلك استحالة تقدر تحس.. أو تعرف يعني إيه إللي منك ينهشك وبقية أهلك يقطعوا في لمحك مانغير حتى ما يسموا عليك!"
التقطت نظراتهما لحظة بدت دهرًا، قبل أن تحبذ "فاطمة" الانسحاب قائلة وهي تضم طرفي بيجامتها:
"أنا داخلة أنام.. لو عاوزت حقك الشرعي ابقى تعالى خده بالعافية هه!"
وجاءت لتتجاوزه. فقبض على معصمها واستبقاها بالقوة. أدار رأسه لها وقال بصوتٍ هامس وأنفاسه الساخنة تتردد على بشرتها:
"فاطمة.. أنا بحبك!"
بمنتهى القسوة واللامبالاة جاوبته:
"وأنا عمري ما حبيتك يا مصطفى. ومافتكرش أبدًا إن في حاجة ممكن تخليني أغير رأيي دلوقتي ولا بعدين!!"
وشدت يدها من قبضته ماضية بسرعة تجاه غرفة النوم. صققت الباب بقوة وهكذا تركته فردًا.. وحيدًا وهي معه بنفس المكان.
بقلبٍ مفطور، بقى "مصطفى" فترة طويلة مكانه. وللمرة الثانية بعد أن أول مرة بسبب أبيه. ها هو الآن يشعر بالدموع في عينيه. وهذه المرة بسببها هي!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم مريم محمد
خلال نصف ساعة تقريبًا، كان قد تجرّع لترين من الماء المعدني آملًا بتنقية دماغه وذهنه من جرعات الخمر المركّز التي خدرت جزءًا من قنوات عقله العصبية والمتحكّمة بإدراكه ونسبة سيطرته على تصرفاته. كان لا بد أن يفعل ذلك، خاصةً بعد اعترافها الصاعق له بالحب.
يقف الآن أمام حوض المياه بقاعة الحمام المترف وفقًا لاختياره أثناء توضيب شقة الزوجية، لا يعرف كم المرات التي لطم وجهه بالماء البارد ليؤكد على صحوته التامة من مفعول الثمالة.
رفع وجهه قبالة المرآة أخيرًا، كانت أزرار قميصه العلوية قد حُلّت بالكامل، وكان صدره يخفق ويختلج بانفعالات شتّى، والماء المنداح من شعره ووجهه تلتمع قطراته فوق عنقه القوي جاريًا حتى بلغ بطنه ذي العضلات السداسية، شعر برجفة جليدية تسري بجسمه. بالطبع، إنه كانون الأول، منتصفه تحديدًا. لطالما كان متهورًا ومقصرًا بصحته، لكن كالعادة، لم يكن هناك من شيء يؤثر به، كما لم يكن يعبأ مطلقًا لأي نوع من التهديدات، كان شديد البأس طوال عمره.
يخرج "رزق" إلى الصالة ثانيةً وهو يمسك بمنشفة في يده، أخذ يجفف وجهه ويفرك شعره بقوة باحثًا بعينيه عنها، لم يطل وقت عثوره عليها، إذ شاهدها تجلس باسترخاء فوق أريكة عريضة هناك أمام التلفاز المطفأ.
كانت تلتهي بخصلة من شعرها، تلفها حول إصبعها مضيعة وقتها بدونه، ما إن شعرت بوجوده حتى أدارت رأسها صوبه هاتفة:
"خصلت؟ تعال. تعال اقعد جنبي هنا يا رزق."
وربتت على مكانٍ فارغ بجوارها.
لم يجعلها "رزق" تكرر طلبها مرتين، ألقى بالمنشفة جانبًا ومضى نحو "ليلة" بخطى حثيثة، لم يحيد بناظريه عنها حتى جلس إلى جوارها. نظر إليها بصمت غريب غير مفسّر.
لقرابة الدقيقة يتبادلان النظرات دون حرف واحد، إلى أن كسر الصمت أخيرًا، ليقول لأول مرة بعد أن اعترفت له:
"عيدي اللي قلتيه تاني!"
بدون أي مجهود فهمت جيدًا ما عناه، فقدمت له أجمل ابتساماتها وهي تكرر بذات الرقة على مسامعه المرهفة:
"بحبك يا رزق!"
لم يقتنع بهذه السهولة، فقال بحدة بائنة:
"و حبتيني إمتى بقى! أنا كل مواقفي معاكي زفت. ولا مرة أساسًا حسيت إنك بتحبيني. ولا حسيتها في كلامك ولا تصرفاتك!"
عقّبت "ليلة" مستديرة بالكامل ناحيته:
"ما هي دي الـ Point. أنا مش عارفة حبيتك إمتى. وليه.. بس كل اللي أعرفه إنك لما نطقت بكلمة الطلاق. ولما حسيت إني ممكن أخسرك بجد. اتهزيت أوي.. لأول مرة في حياتي خوفت. تصدق لو قولتلك إن عمري ما خوفت زي دلوقتي؟!"
لم يرد وبقيت عيناه فقط تفتّشان بسبر أغوار مشاعرها من خلال تعابيرها وحركاتها.
لتستطرد "ليلة" ضامة حاجبيها بأسى:
"حبي ليك ما اتولدش النهاردة. لو ده اللي شاغلك ومخليك شاكك فيا.. لأ. أنا حبيتك من بدري أوي. يمكن من أول نظرة. يمكن من قبل ما أشوفك حتى.. مش انت قولتلي إنك أول واحد مسكني لما نزلت للدنيا دي؟ مش انت اللي سميتني؟ ولما كبرت كنت من نصيبي؟ معقول كل ده صدفة يعني؟!"
كانت قد ارتمت فوقه تقريبًا بشكلٍ أذهله، بل صدمه، وطوّقت عنقه بذراعيها محدقة بعينيه بنظرات تصميمية.
"إنتي مش في حالتك الطبيعية!" قالها "رزق" مقررًا وضعها وفي نفس الوقت قد فك ذراعيها من حوله.
أبعدها عنه بالقدر الكافي وهو يقول بصلابة:
"إنتي مش عارفة تاخدي قرار. لو خايفة من أي حاجة اطمني.. مش هتخرجي من هنا إلا وإنتي جاهزة نفسيًا. وهوهعدك إني هحاول أتكلم مع أبويا بخصوص ميراثك و..."
"أنا مش عايزة حاجة!" قاطعته بغضب.
فصمت وتركها تستأنف على نفس الوتيرة المنفعلة:
"مش عايزة حاجة.. عايزاك إنت يا رزق. ولا إنت اللي مش عايزني.. ما بقتش مليا عنيك بعد ما عرفت اللي حصل معايا؟!"
بدءً من تلك اللحظة، شعرت "ليلة" بأن قفصها الصدري قد انطبق، وتنفسها قد ضاق، ذلك عندما هجم "رزق" عليها في ثانية وجثم فوقها مقيدًا حركتها.
لم تكد تستوعب تصرفه، أمسكت يداه برأسها موجهًا فمه نحو فمها ليقبّلها قبلة شبقية بحتة، لأول مرة يقترب منها إلى هذا الحد، لأول مرة يتماسا على هذا النحو.
كان الأمر بلا شك مثيرًا بالنسبة إليه، وقد استعذب احتواء قدّها الطري بين ذراعيه ومداعبة مواضع حساسة بجسمها، كان يفعل ذلك متعمدًا لكي يقيس ردة فعلها.
لكن للعجب!
لم تبدِ أي اعتراض، استلقت أسفله باستكانة واستسلام تام، فآثر هو التوقف بسرعة، حيث لم تدُم لحظاتهما الحميمية السطحية الأولى سوى بضع ثوانٍ.
تراجع عنها متوثبًا وهو يتنفس بصعوبة، كلاهما متوردان ومنفعلان، لكنه لم يتحسر على النظر إليها بنفس اللحظة.
ظل موجهًا لها ظهره وهو يغمغم بصوت لاهث خشن:
"أديكي عرفتي الإجابة. أنا مقدرش أنكر إنجذابي ليكي ومن أول يوم فعلًا.. آه. أنا كمان عاوزك.. بس مش غصب عنك. ولا تحت أي ضغط."
تساءلت "ليلة" متخبطة ببعض ارتجافات وتشنجات خلّفها اشتباكهما المحموم:
"أثبتلك إزاي إني جتلك بإرادتي زي ما سبق وقلت بلسانك؟!"
التفت نحوها الآن ورمقها بنظرة مطوّلة، ثم قال:
"لو هنكمل مع بعض. في حاجة لازم تعرفيها.. ولازم تقبليها."
أومأت له ولا تزال على وضعيتها:
"قول!"
"أنا متجوز قبلك!"
بهذه البساطة شد فتيل العبوة المفخخة، ثم فجّرها حين تابع:
"ومراتي حامل!"
نهضت بلحظة عقب جملته الأخيرة بالأخص.
نظرت إليه ملء عينيها، ثم قالت بهدوء يناقض عنف نظرتها:
"هي اللي شوفتك معاها قبل كده وصورتكم.. صح؟"
أومأ لها مرة واحدة.
بينما أعوزها الأمر بعض الوقت لتستقر المفاجآت القالبة للموازين بعقلها، والفضل.. كل الفضل لشخصيتها العنيدة المثابرة على بلوغ أهدافها. وجدت القدرة لتتجاوز ما صارحها به للتو.
رفعت وجهها متطلعة إليه وقالت بنفس الهدوء يزيد عليه ثقة كبيرة بنفسها:
"مين فينا ميّال لها أكتر.. أنا ولا هي؟"
جاوبها "رزق" بكل صراحة:
"إنتي!"
اللمعت عيناها بألق مستثير، لتواصل أسئلتها وهي تقوم من مكانها بتمهل لا يخلو من حركات الغنج والدلال:
"في اللحظة دي. نفسك تكون مع مين.. أنا ولا هي؟"
كرر "رزق" وكأنه مبرمجًا على إطاعتها:
"إنتي!"
طال الصمت خلال رحلة سيرها المتباطئة نحوه، حتى وصلت عنده، دون أن تتلامسا، اقتربت منه كثيرًا إلى حد اختلاط أنفاسهما.
اشتبكت نظراتهما بإحكام الآن وهي تلقي بالكارت الرابح هامسة باغواء:
"لو هاتحب.. قلبك ممكن يبقى ملك مين فينا. أنا ولا هي؟"
"لا إنتي ولا هي!"
كأنما تلقت صفعة.
جحظت عيناه بصدمة لجزء من الثانية، بينما يضيف بقساوة مفاجئة اتسمت بها ملامحه ولهجة صوته معًا:
"قلبي مش مادة للرهان. وإوعك تفكري فيها أصلًا.. مشاعري ناحيتك حاجة.. والحب اللي تقصديه حاجة تانية!"
هزت رأسها وهي تردد عاقدة الحاجبين:
"أنا مش فاهمك!"
"ومش هتفهمي.. عمرك ما هتفهمي!"
ثم تراجع خجلاً للخلف وقال بصرامة وهو يعيد غلق أزرار قميصه:
"أنا طلقتك وقبلها ماكنتيش مراتي أصلًا.. الدخلة ما حصلتش. محتاج أسأل في الموضوع ده قبل ما آخد خطوة بجد معاكي في حياتنا.. قدامك لبكرة الصبح. فكري كويس.. لو فضلتِ عند قرارك ده هنتمم جوازنا وبكرة هتبقي مراتي قولًا وفعلًا.. ده شرطي عشان أردك لعصمتي. تسلميني نفسك برضاكي. من غير أي محاولة لخداعي.. لو حسيت بأي غدر صدقيني يا ليلة رد فعلي عليكي المرة دي مش هتتخيليه أبدًا!"
وانحنى قليلًا ليجمع أغراضه الشخصية من فوق الطاولة، ثم قال أخيرًا:
"اعملي بنصيحتي وفكري في الوضع كله. لما تبقي مراتي بجد.. مش هيبقى فيه أي طريقة ترجعي بيها عن القرار ده. وأنا استحالة أسيبك ساعتها أو اسمحلك تمشي من البيت ده. فاهمة؟ تصبحي على خير!"
واستدار متجهًا ناحية الباب.. باب الشقة. تركها بمفردها الآن.
فما كان منها إلا أن وقفت محلها تحملق في أثره مدهوشة، هكذا.. بهذه السهولة.. قلب الدفة لصالحه هو!
***
كالمرة السابقة.
ترك لها المفتاح بالقفل.
هذا العطر اللعين الذي نثرت منه بسخاء يكاد يخنق أنفاسها، علاوة على هذا الثوب المنزلي الأحمر، إنه ضيق جدًا، يشد على جسمها إلى حد أخجلها.
حيث أن قصته تتخذ نهج الإثارة والإغراء رغم أنه ليس ضمن الأثواب الداخلية، من الجائز أن يراها به أي فرد من أفراد العائلة. ولكن لسبب، كانت تشعر وكأنها عارية.
فكم مر من الزمن ولم ترتدِ شيئًا كهذا يبرز مفاتنها الأنثوية بهذا الوضوح الصارخ؟
وهي للحق أنثى بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أنثى لم ينلها عبث الزمن، كانت لا تزال كما هي.. "هانم".. الفاتنة!
أخذت نفسًا عميقًا وعضت على شفتها السفلى المطلية بقلم حمرة، ثم رفعت يدها للمفتاح، وأدارته فورًا بالقفل.
على مد بصرها، هناك بالمضافة الرئاسية الأشبه بالصالون كما تعرف.. رأته جالسًا موليًا لها ظهره العريض المكسو بالجلباب والعباءة المفتوحة.
لمحت من مكانها أدوات تنظيف الأسلحة وسمعت أصوات القرقعة المخيفة لصمامات الأمان لمختلف أنواع مواد القتل والدمار.
أغلقت الباب خلفها، فانتبه لها أخيرًا وسمع هتافه العميق:
"هانم!"
"أنا هنا يا سالم!" هكذا ردت عليه بعد لحظات قصيرة.
ليقول دون يأتي بأي حركة أو التفاتة ناحيتها:
"اتأخرتي.. أنا قايلك بعد صلاة العشا طول تطلعيلي. الساعة دلوقتي 10 ونص!!"
ارتعش صوتها وهي تبرر فعلتها:
"معلش. أصلي كنت بعشي العيال!" ثم سألته باهتمام:
"خير! كنت عايزني في إيه؟!"
"تعالي هنا قصادي."
ازدردت ريقها بتوتر.. لكنها أذعنت لأمره على الفور ومشيت تجاهه مهرولة.
"نعم يا سالم!"
قال مشغولًا بإعادة تركيب سلاح صغير أثري الطراز:
"إنتي كنتِ حاضرة اللي حصل تحت عند أمي وسمعتي وشوفتي العكة السودا اللي رمانا فيها رزق.."
"أيوة.. عرفت كل حاجة!"
"حلو. يبقى زي ما تعرفي بردو أنا قررت أقعد البت اللي اسمها نوسا دي هنا. خلاص بقت أمر واقع هي واللي في بطنها."
"أكيد."
"استحالة أسمح لمخلوق يظن في حفيدي إنه ابن حرام ولا حد يفكر يلمح بكده حتى."
"طبعًا. معاك حق.. محدش فينا يرضاها."
"تمام أوي. بصي بقى.. واسمعيني كويس عشان هاتنفذي اللي هقولك عليه بالحرف. إحنا..."
وبتر كلامه فجأة، حين رفع رأسه لينظر إليها، ألجمته صدمة رؤيتها على هذا الشكل غير الاعتيادي.
وجد نفسه يسألها بلا تفكير وهو يشير بسبابته لثوبها وشكلها العام:
"إيه اللي إنتي عملاه في نفسك ده يا هانم؟!"
تظاهرت "هانم" بعدم الفهم ونظرت إلى نفسها متمتمة:
"إيه.. مالي يا سالم؟!"
"مـــالك!!!" صاح بعنف وهب واقفًا بطرفة عين.
رمى السلاح من يده واتخذ خطوة نحوها مجمعًا طرف عباءته بيده كما يفعل بالتحركات المباغتة.
لم يجفلها تصرفه، وقفت أمامه بشجاعة دون أن يرف لها رمش، بينما يقول مشددًا على أحرفه وهي يتفرس بوجهها وجسمها بنظراته الحادة:
"إيه ده يعني. إيه بجد مش فاهم! حطالي أحمر يا هانم؟ وإيه دي كمان؟..."
ومد أنامله لعيـــــنــــــها قاصدًا تخريب زينتها.
"حطالي كحلة!!!"
كردة فعل جريئة ومتجاوزة للحدود لطمت "هانم" يده وهي تقفز خطوة للوراء مغمغمة بغلظة:
"أنا مش حطالك إنت يا سالم."
سالم برعونة فجة:
"نعـــم!!!"
"أومال حاطة ولابسة لمين ياختي؟ انطقـــي بدل ما أنطقك بمعرفتي!!!!"
ردت بوقاحة لا تعرف أبدًا كيف صاغتها:
"حاطة ولابسة لنفسي.. إيه يعني؟ ما أنا ست زي كل الستات."
"ست!" علّق بسخرية ضربت كرامتها في الصميم.
فلم تستطع ردًا، ليفرج "سالم" عن ضحكة هازئة مقتضبة وهو يقول منذرًا:
"هانم.. إنجري على شقتك حالًا. غيري المسخرة دي وامسحي اللي في وشك.. وبعدين اطلعيلي عشان نكمل كلامنا.. يـــلااااا."
امتلأت حدقتاها الآن بدموع ابت أن تسمع لقطرة واحدة أن تهبط أمامه. مرت بينهما لحظات مشحونة بالتوتر والانفعال الشديد. ثم نطقتها "هانم" لأول مرة ومن أعماقها:
"طلقني يا سالم!"
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم مريم محمد
هكذا ظننت!
كان ينتظره هنا، في تلك الزاوية المظلمة، وسط الرطوبة والروائح الكريهة. هنا حيث تصطف مجموعة من حاويات القمامة المعدنية!
المكان معتم وبارد، ولكن دون حتى أن يأبه لكثافة الرائحة البشعة، وقف ثابتًا بمحاذاة الجدار نصف المهدوم. لقد مر خمس دقائق حتى الآن، وهو يعلم يقينًا بأن الأخير لن يتأخر أكثر من ذلك الوقت. إن هي إلا لحظات وسيظهر.
ما من سبيلٍ آخر يسلكه ليصل إلى الوجهة التي كلفه أبيه أن يذهب إليها عاجلًا. حتى لو تأخر، فهو يدخر له صبرًا يفوق التخيلات، صبر دام عشرين عامًا. لن يتزحزح من مكانه، إنه باقٍ، ليتصيّد فريسته الجديدة.
بغتةً، بينما يقف ساكنًا وكأنه قطعة من الظلام، سمع وقع خطوات خفيّ عمه ولمح ظله يقترب من الخلف. بالمباغتة نفسها، وفي أقل من ثانية وقبل أن يتخذ العم خطوة واحدة أمامه، قبض على ياقة جلبابه وجرّه ملصقًا إياه بلحظة إلى جدار الحيّز المقفر والذي يدعى بـ"الخرابة".
يطلق العم سبة غاضبة حين أُخذ بهذا الشكل. تلقائيًا تسللت يده إلى غمد سلاحه بالمخبأ الخفي تحت عباءته. كان يظن بأن الذي أوقفه ما هو إلا وغدٌ من أوغاد المنطقة أو المناطق المجاورة. وبدون تردد كان قد سحب السلاح ليصوبه نحو مهاجمه ويطلق عليه في الحال. لكنه جمد كليًا، عندما تبيّن فجأة من خلال ضوء الليل الشحيح وجه ابن أخيه المشدود وعيناه البرّاقتين.
"رزق!" هتف إمام مدهوشًا.
"في إيه يابني مالك؟ واقف هنا ليه وماسكني كده ليه؟ حصل إيه ألا تكون متعارك! ماتنطق يابني!"
غير مصغٍ لتساؤلات عمه، أمال رزق رأسه للجانب قليلًا وهو يقول بوداعة مريبة:
"خير يا عمي.. على فين العزم كده الساعة 2 الصبح. راجع المستشفى ولا رايح حتة تانية؟"
رفع إمام أحد حاجبيه مرددًا:
"إنت يابني مش معانا في الدنيا ولا إيه. ده انت كنت واقف ساعة إللي حصل.. مالك في إيه؟"
ثم رمقه بنظرة شك قائلًا:
"إوعك تكون شارب حاجة يا رزق. أبوك لو عرف حاجة زي دي حسابك معاه هايكون شديد أوي.. إوعى يابني انت عارف هو مابيتهاونش في الحاجات دي بالذات..."
لكن ما من رد أيضًا.
ليضيق إمام ذرعًا به ويطلق زفرة مختنقة. ثم يحاول دفعه عنه مغمغمًا:
"إسمع يا رزق إنت ترجع البيت طوالي على شقة ستك دلال. إنزل تحت الدش كده وفوق.. إياك أبوك لما يرجع يشوفك كد آ اا..."
لم يستطع إكمالها، حيث قبل أن يفلت منه تمامًا، أمسكه رزق من تلابيبه بقبضةٍ فولاذية وبقوة غير متوقعة ألصقه بالجدار أكثر من ذي قبل، وبمعصم يده الأخرى يضغط على رقبته بطريقة جعلت أنفاسه تختنق.
ومضت عينا رزق بلمحة إجرامية من اللون الفضي المزرق وهو يركز جمّ انتباهه على عمه. جحظت نظرات الأخير وهو يحدق فيه عاجزًا عن التنفس، وكل ما استطاع فعله هو الإمساك بكتفي ابن أخيه وب لطفٍ عساه يهدئ نوبة غضبه غير المفهوم بالمرة.
"أمي فين؟"
كلمتان فقط خرجتا على شكل سؤالٍ هادئ من فم رزق المتشنج انفعالًا.
لوهلةٍ بدت الصدمة جليّة على وجه إمام. لكنه قمعها فورًا قائلًا بصعوبة بصوت أشبه بالفحيح:
"أمك! أنا مش فاهم حـ حاجة. تقصد إيه يا رزق؟!"
لم يكن رزق الآن في وارد أي مزاح. علاوةً على أنه أعطاه الجواب الخاطئ، ما اضطره لسحب سلاحه الأبيض والأكثر فعالية.. مديته الحادة القاطعة!
ولكي يحثه على النطق الصحيح صعد بالنصل من بطن الأخير وصولًا إلى نحره، فضغط هناك حتى اخترق طبقة من الجلد وطفرت الدماء وسالت على صدر إمام. شعر بها جيدًا وتفاقم فزعه.
مع ذلك حاول أن يستمر بادعاءاته الباطلة:
"يابني عيب إللي بتعمله ده.. أنا عمك يا رزق. وبعدين أنا مش عارف بجد ذنبي إيه ولا إيه علاقتي أصلًا.. أنا هاعرف مكان أمك منين بس!"
"أنا سمعتك إنت وأبويا بتتكلموا!!!!" صرخ رزق بوجهه كوحشٍ كاسرٍ.
جف حلق إمام وهو يسأله مذعورًا:
"سمعت إيه بالظبط!!!"
استحكم به رزق الهائج كليًا وهو يهزه صائحًا:
"ماتلفش وتدور عليا وإنطق بسرعة. والله صبري عليك نفد.. إنطــــــق أمي فـــين؟؟؟؟"
••••••••••••••••••••••••••••••••••
قبل ثلاثون ساعة>>>>
بجسمٍ محموم ووجهٌ قاتم الحمرة بالكامل، هبط رزق الدرج وصولًا إلى شقة جدته. كان الباب مفتوحًا فدلف على الفور.
لم يجد أحدٌ هنا مما أشعره ببعض الراحة. ولكن فجأة ومن حيث لا يدري قفز صوت أخته الصغرى.. سلمى من خلفه.
"رزق!"
إلتفت بلحظة فإذا بها تجلس وسط غرفة المعيشة. ما إن رأته حتى قامت ضامة يديها للأمام، وراسمة على ثغرها الممتلئ ابتسامة رقيقة.
وسم على وجه رزق طابع الدهشة بادئ الأمر، ثم ما لبث أن تجاوزها هاتفًا:
"سلمى.. في حاجة يا حبيبتي؟ مالك قاعدة لوحدك هنا ليه؟ فين نينا ونوسا؟!"
أخذت تقترب منه مجيبة اسئلته:
"تيتة لسا مدخلاه تنام من شوية. ونسمة ماخرجتش من الأوضة خالص.. وبصراحة أنا كنت قاعدة مستنياك انت!"
"خير يا حبيبتي!" استوضحها باهتمامٍ وقد استدار كليًا نحوها.
مد لها يده، فأقبلت وأودعت كفها براحته الضخمة بلا ترددٍ. تطلعت إليه بنظراتها المتوترة وقالت:
"بص يا رزق. أنا عارفة إن أبويا بيسمع لك.. وأنا والله مش قصدي أحطك قصاده في حاجة.. كنت ممكن أروح أقوله من نفسي. بس خايفة بصراحة!"
عقد حاجبيه وهو يرفع كفه الآخر ليحتضن خدها الناعم قائلًا بقلقٍ خفي:
"خايفة! من إيه يا حبيبتي؟ إتكلمي وقوليلي. سيبك من أبويا لو في أي حاجة مضايقاكي وخايفة تحكيها لحد. قوليلى أنا وماتخافيش خالص. أي مشكلة ممكن تواجهك. أنا أخوكي الكبير جمبك دايمًا وأحلهالك مهما كانت..."
ابتسمت أمام محاولاته لكسب ثقتها والتي تمنحه إياها بالفعل. وضعت يدها الأخرى فوق معصمه ليصبحا متشابكين تمامًا الآن، ثم قالت بصوتها الحلو:
"انت قلقت عليا على الفاضي.. مافيش حاجة أطمن وأنا ماعنديش أي مشكلة الحمدلله."
هز رأسه حائرًا:
"أمال طيب! مابقتش فاهمك يا سلمى. عاوزة إيه بالظبط؟!"
صمت قصير... وأفصحت سلمى بتوجسٍ من ردة فعله هو أيضًا:
"بصراحة أنا عايزاك تكلم أبويا وتقنعه يسمحلي أروح المدرسة!"
أعوزه الأمر لحظات ليستوعب الوجه الحقيقي للحديث، ثم عدل وضعيته الآن وبقى ممسكًا بيدها فقط وهو يقول مستوضحًا:
"هو إنتي مش في المدرسة يا سلمى؟ أنا فاكر إنك لسا خارجة من امتحانات بقالك كام شهر.. ولا حد خرجك من هنا ولا إيه؟!"
"لأ بص يا رزق أنا في مدرسة آه وكل حاجة. بس من أول يوم وأنا بدرس في البيت. عمري ما روحت المدرسة غير في الامتحانات.. زهقت بقى. خصوصًا إني شاطرة وبجيب الدرجات النهائية. نفسي أبقى زي كل البنات. حتى البنات إللي في الحتة هنا بيروحوا المدرسة إشمعنى أنا بس؟!"
"إمم.. خلاص فهمتك يا سلمى."
"فهمتني يعني إيه. هاتكلم أبويا صح؟"
نظر لها مبتسمًا ببطء، ثم قال مفرجًا عن ضحة صغيرة:
"هاكلمه يا حبيبتي.. عمومًا ده حقك أصلًا. وأكيد لو فضلت متفوقة كده مش بس هاقنعه يسيبك في المدرسة لأ. أنا بنفسي هساعدك تسجلي في الجامعة إن شاء الله."
صرخت سلمى بابتهاجٍ غير مصدقة ما سمعته للتو، لتقفز على أخيها باللحظة التالية وتتعلق به كقردٍ فوق شجرة. يضحك رزق بانطلاقٍ وهو يحيطها بذراعيه متمتمًا:
"خلاص. إهدي يا سلمى ماحصلش حاجة..."
وواصل الضحك عاجزًا عن إيجاد كلمات ليهدئها.
أتت على ذلك من نفسها، فاستكانت نسبيًا بعد قليل ونزلت على قدميها ثانيةً ممسكة يديه بكلتا قبضتيها، ومحدقة في ملء عينيها بسرورٍ جمّ.
"أنا مش عارفة أقولك إيه يا رزق. أنا يجد محظوظة عشان إنت اخويا.. مش عارفة حياتي وحياتنا كلها كانت هاتبقى إزاي لو انت مش موجود!!"
رمقها بتعاطفٍ ورّبت على رأسها بحنوٍ.
"حبيبتي.. إللي إنتي عاوزاه كله عليا. احلمي بس.. أنا عندي كام لوما؟"
وتعانقا مرة أخيرة، ثم أطلقها رزق لتصعد إلى شقة والدتها مجددًا موصيًا إياها بالاهتمام بنفسها وبدراستها.. وها قد صار وحيدًا.
ليس لوقت طويل، تأكد من غلق باب الشقة، أطفأ الأضواء، ثم جذ الخطى نحو الغرفة التي دفع بزوجته إليه ظهر اليوم، ولج بعد أن قرع مرتين.
كانت الأجواء هادئة بالداخل، وزوجته كانت نائمة بالفعل، لكنها استيقظت بغتةً عندما أغلق باب الغرفة بهدوء.. تلك الحركة البسيطة كانت كافية لايقاظها.
"رزق!" غمغمت نسمة وهي تحاول القيام من أسفل الغطاء.
إتجه رزق نحوها وشد الغطاء عليها مرةً أخرى مغمغمًا:
"زي ما انتي يا نوسا.. خليكي نايمة."
عاودت إلقاء رأسها فوق الوسادة ثانيةً وهي تقول بصوت متحشرج:
"أنا كنت مستنياك. اتأخرت عليا يا رزق!"
"معلش كان في كام حوار بنجهزه.. أول ما خلصت جيت أهو."
"طيب إحنا لازم نتكلم. أنا مش هقدر أستنى هنا كتير.. أنا خايفة أوي يا رزق..."
بمهارةٍ نقلها رزق للجانب الآخر من الفراش دون أن تشعر حتى، ثم اتخذ مكانه إلى جوارها بعد أن خلع سرواله وحل أزرار قميصه.
حمل جذعها بأحضانه وهو يهمس لها مهدئًا:
"خايفة من إيه وأنا جمبك؟ أنا عمري خذلتك يا نسمة؟!"
شعر بها تهز رأسها سلبًا، فرد على نفسه وهو يهدهدها كطفلٍ:
"انتي بنتي وشايلة ابني او بنتي. مافيش أب يتخلّى عن ولاده ولا يسمح لحد يئذيهم.. إطمني خالص. طول ما أنا حي إوعي تشيلي هم!"
رضخت نسمة واستسلمت لاحساسها باحتوائه دائم البعث على الثمالة، رغم إنها لم تستثغ وصف علاقته بها بالبنوة، لكنها كانت منهكة وبحاجة إلى وجوده هكذا إلى جانبها.
فلم تفه بكلمة، إنما تركت نفسها له كما تفعل دومًا.. وما هي إلا لحظات معدودات إلا واستغرقت بنومٍ عميق تحت هدأة أمانه ومواطن حنانه اللا متناهي.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ظل الغضب مستبدًا بـ"هانم"... غضب يصاحبه الرهبة منه كلما وقفت أمامه هذا الموقف!!!
كلما عانت من مشاعرها تجاهه، خاصةً في هذه اللحظة، حين نطقت بكلمة الانفصال وطالبته بها.. لعلها توقعت جزءً من ردة فعله.
وتمثلت الآن في انقلاب تعبير وجهه إلى أقصى درجات الشر والقتامة، لتجعلها ترتعش قليلًا وتشعر بمعدتها وكأنها تُعتصر بشدة.. بينما كان يطالعها "سالم" بنظراته الحمراء المنذرة بعاصفةٍ قوية جدًا ستشهدها لأول مرة بحياتها.
وبالفعل، لم يخيب ظنها، إذ طفا غضبه المتراكم كله من الجميع ليصبه عليها وحدها صائحًا بصوته المخيف:
"إيـــــــــه!!!! قولتي إيه تاني كده سمعيني. قولي كمان أصلي ماسمعتش.. عايزة تطلّقي؟؟؟"
برغم الذعر الكامن باعماقها منه، برغم حبها له وكل شيء أجابت برباطة جأش دون أن تهتز:
"أيوة يا سالم. أنا عايزة أطلق.. خلاص. عشرتنا خلصت لحد هنا."
سالم برعونةٍ فجّة:
"لا يا شيخة. بقى عشرتنا خلصت فعلًا؟ وده سببه إيه في رأيك كده قوليلي!!"
حدقت به ووجدت الشجاعة الآن لتقول له بتحدي:
"سببه إني ست يا سالم. ست عاشت طول عمرها محسوبة على راجل وهو مش طايق حتى يبص في وشها. راجل سابها وعاش مع واحدة غيرها ورمها حتى لما غيرها دي سابته. عاش ناسك على ذكراها.. بس أنا خلاص.. طهقت من العيشة دي. ماعنتش قادرة أستحمل. من حقي أعيش إللي باقي من شبابي وأكون مع الراجل إللي يقدرني بجد ويعرف بقيمتي ويـ آ ا..."
لم تحسن إكمال الجملة، فإذا بها تتلقى تلك الصفعة العنيفة التي توقعتها مئة بالمئة، بسببها ارتّدت خطوة للخلف وقبل أن ترتد الثانية أحست بقبضته تطبق على رسغها وتجتذبها نحوه لتصطدم بصدره الصلب متأوهة.
وتاليًا شعرت بشيءٍ بارد أسفل فكها، لتجاهد من أجل النظر بوضوح.. اكتشفت بأنه وضع فوهة السلاح الذي كان ينظفه على عنقها.
ثم سمعت صوته ذي اللهجة المستوحشة يهدر بنفس اللحظة ويغرس أصابعه القاسية بلحم ذراعها:
"خلاص فجرتي يا هانم. وبتقولي في وشي؟؟؟ بقى عايزة تطلقي وتتجوزي تاني. بعد ما بقيتي مرات سالم الجزار إزاي جتلك الجرأة تفكري في راجل تاني. ده أنا أقتلك وأدفنك بإيديا!!!!"
كانت الدماء تسيل على حافة فمها الآن وهي تحدق فيه دامعة العينين وبوجه متوّرد، بابتسامة مريرة ردت عليه بجرأة أكبر بينما صدرها يعلو ويهبط بسرعة:
"ده حقي. ده حقي يا سالم وربنا سامحلي بيه.. لو على الطلاق أنا كنت ممكن أطلبه من زمان. بس أنا الغبية فضلت ساكتة وصابرة وفي الآخر هوا. ولا حاجة.. لا العبد ولا المعبود يرضوا بالظلم ده. إنت ظلمتني في حياتي معاك. ومن إنهاردة أنا بطلت أظلم نفسي.. أنا مصممة على الطلاق يا سالم. يجرى إللي يجرى بس هاطلق منك بردو!!!"
كانت كلماتها مثل البنزين فوق النار، جعلته مجنونًا من الغضب وهو يلقي بالسلاح من يده، لينشغل بالاعتداء عليها ممزقًا ثوبها عن منطقة الصدر.
"لا وعلى إيه. أنا مايرضنيش. خراب البيوت. إثبـــتي كـده!!!"
وعمد إلى إقحام يديه بأكثر المناطق الحساسة بجسمها معيثًا فيها فسادًا وقاصدًا إهانتها بالمقام الأول، صرخت مما يفعله بينما يطغى صياحه المرعب على كل احتجاجاتها:
"مش إنتي عاملة كل ده عشان كده.. وبتطلبي الطلاق عشان محتاجة راجلك. كنتي تعاليلي من الأول وقوليها بصراحة. قوليلي إنك تعبانة كده وأنا أريحك.. مش صح بردو. مش إنتي على آخرك ومش قادرة زي ما بتقولي. مش كـــده؟؟؟؟"
هذه المرة قاومت بشراسة، بالأخص وهي تستمع إلى كلماته المهينة، ظلت تتخبط باهتياجٍ بين ذراعيه صارخة:
"إووووووعـــى.. شيـــل إيدك عنـــي. إنـت حقير.. إنت حــيـواااااااااان. سيبـــــنـي بـقولـك..."
تركها سالم تفلت.. عندما أدرك بأنها استهلكت جهدها كله.
واستعادت "هانم" حريتها، تقهقرت بضعة خطوات، لم تهرب مثل المرة السابقة، بل وقفت في مواجهته مشعثة الشعر وبالثوب الممزق فوق جسمها.
بقيت تلهث وخفقات قلبها المتسارعة تضج بشرايينها قاطبةً، صرخت بوجهه بقهرٍ بينما ترتجف ساقاها ويداها معًا:
"بكرهـــــك. بكرهك يا سالم يا جزار. ومن اللحظة أشوف عزرائيل ولا أشوفش وشـــــك!!!"
واستدار منطلقة إلى الخارج بأقصى سرعتها كأنما الأشباح في إثرها.
بينما ظل "سالم الجزار" بمكانه، هذه المرة وقف يراقبها حتى اختفت بطرفة عينٍ. كان ذهولًا يعتريه، وقدرٌ من الندم.. لعل كل شيء مشوشًا الآن.
لكنه واثقٌ من أمرٌ واحد فقط.. لا شيء بعد هذه اللحظة سيغدو كما كان.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
مساء اليوم التالي...
عادت "ليلة" برفقة "رزق" إلى الحي، بعد أن ذهبا ليطمئنا على صحة زواجهما، تبين أن فسد تمامًا، لكن لحسن الحظ كانت هناك إمكانية للرجعة.
بشروطٍ من ضمنها أن يعقدا القران من جديد، وهذا ما فعلاه دون أن يخبرا أحد، ثم قفلا راجعين إلى بيتهما، تحت أنظار أعين القوم الفضولية مشيا جنبًا إلى جنب، وقد علّقت "ليلة" رسغها بذراع زوجها المتراخي دلالة على عدم اكتراثه.
وهكذا دخلا معًا إلى المنزل، وضعا قدم على بداية الدرج، بل ونصف القدم الأخرى.. إنما قبل أن يصعدا تمامًا انبعث نداء "سالم" من داخل شقة أمه بالطابق الأرضي.
"رزق!"
ألقى رزق نظرة على أبيه، ثم نظر إلى "ليلة". أبدت الأخيرة بعض الامتعاض بالبادئ، لكنها تخلصت منه سريعًا وهي تدنو لتكبع قبلة فوق شفاه زوجها هامسة أمام وجهه:
"ما تتأخرش عليا!"
وغمزت له بشقاوةٍ، ثم استأنفت صعودها قفزًا.
أطلق رزق زفرة عميقة واستدار متوجهًا إلى حيث أبيه، وجده يجلس بالداخل يحتسي فنجان القهوة واضعًا ساق فوق ساق، وقد كان بمفرده، فتساءل رزق بغرابةٍ وهو يتلفت حوله:
"مافيش حد هنا ولا إيه؟!"
أجابه سالم بفتورٍ آخذًا رشفة جديدة من فنجانه:
"الست نوسا بتاعتك جوا في مع ستك في أوضتها بتغيرلها هدومها."
أومأ رزق مودعًا يداه بجيبه وقال:
"آه.. طيب. نادتلي كنت عاوز حاجة؟"
"أيوة.. أقعد عشان عايزك في موضوع!"
"ماينفعش يتأجل لبكرة؟"
"وراك الديوان يعني.. أقعد في كلام مهم هقولهلك!!"
مغتاظًا تململ رزق وانصاع إلى كلمة أبيه، جلس مقابله وهو يقول نافذ الصبر:
"نعم! خير يابويا؟!"
ببرودٍ تأخر سالم بالحديث، ثم قال فجأة وهو يحدق بعينيّ ابنه الزرقاوين:
"روحت فين إنت ومراتك يا رزق؟"
بجرأة رد عليه كعهده:
"وهل ده شيء يخصك يعني؟!"
سالم بحدة: "ما تحترم نفسك يالا!!"
"لما تحترم خصوصيتي إنت الأول. أنا حر.. أروح المكان إللي يعجبني أي وقت. مش من حق حد يحقق معايا حتى لو إنت."
شد سالم على فكيه مجبرًا نفسه على الصبر، ثم صاغ سؤاله بطريقة أخرى:
"طيب. بلاش روحت فين.. ممكن أقول مبروك؟"
رزق ببلاهةٍ: "مبروك على إيه؟!"
استحال هدوء سالم الآن إلى سلسلة من الانفعالات وهو ينفجر به منتفضًا بمكانه:
"ماتستعبطش عليا.. أنا عارف إللي فيها. وهرشت النمرة إللي عملتها ساعة دخلتك على ليلة.. قولي يالا دخلت ولا لسا؟؟؟"
كانت عيناه جاحظتين غضبًا في هذه اللحظة وهو يجوب المكان ليتأكد بأن ما من أحد سمع تصريحات أبيه.
لحظة وأخرى، ثم عاود النظر إليه مغمغمًا عبر أسنانه:
"إنت عاوز تفضحنا. إيه يا معلم إللي إنت بتقوله ده عيب.. ومايصحش."
"واد إنت.. قسمًا بالله أطلع أنحرها فوق دلوقتي. مش على آخر الزمن شرفنا يتلعب بيه في الأرض.. أديك شوفت أخوك عمل إيه ليلة دخلتوا وكان سوء تفاهم. إنت بقى هانلبسك طرحة ولا إيه؟?"
"إنت عاوز إيه دلوقتي؟"
"أشوف بعيني الامارة الحقيقية.. غير كده أنا حالف لاقتلها بإيدي. ومالكش فيه إنت. دي بنت أخويا أنا وأنا بس إللي في إيدي حكمها."
فتح رزق فمه ليعترض، إلا أنه تفاجأ بثورة أبيه المندلعة بعنفٍ وهو يثب واقفًا مرةً واحدة ويصيح بصوته القوي العميق:
"بقولك إيـــــهالله في سماه. لو جاتلي الدنيا كلها. لو طلعوا الميتين من القبور بمن فيهم أبوها وحد حاول يمنعني ماهرجع.. يا الامارة يا موتها. ودي كلمتي الأخيرة. وإنت عارف الوش ده كويس!"
حقًا...
كان يعرفه جيدًا، كان يعرفه إلى ذاك الحد الذي أبقاه عاجزًا عن مجادلته أكثر من ذلك.. لينتهي به الأمر واقفًا قبالته، ومانحًا إياه وعدًا مقتضبًا:
"ماشي.. بكرة الصبح الامارة الحقيقية هاتكون عندك."
أومأ سالم وهو يذكّره بلا أدنى تهاون:
"وخليك فاكرها. يا الامارة.. يا موتها. فاهمني؟"
لم يسعه الرد هذه المرة.
إذ صدح صراخ من الأعلى، وقد تبين بأنه صوت "سلمى" تستغيث بأبيها:
"يا باباااااااا. يا باباااااا إلحقني يا بابااااااااا..."
في نفس اللحظة، انطلقا كلًا من "سالم" و "رزق" معًا باتجاه الأعلى، وأيضًا عندما وصلا كان الجميع قد أتوا على إثر صراخ ابنة البيت الصغرى.
"في إيه يا سلمى؟؟؟" تساءل سالم بقلبٍ مخلوع.
سلمى وقد كانت هيأتها المنهارة باعثة على الذعر، ردت من بين دموعها الغزيرة:
"ماما! ماما من إمبارح قافلة على نفسها الأوضة وماكلعتش خالص.. ودلوقتي جاية أخبط عليها مش بترد. مش بترد عليا خالص..."
كان "سالم" قد انتقل إلى الداخل قبل أن تتم ابنته عبارتها، صارت الشقة مزدحمة الآن بأفراد العائلة كلهم، بينما "سالم" يقف أمام باب غرفة زوجته، يقرع عليه بقبضة حديدية وهو يهتف بصرامةٍ:
"هــــانـم! إفتحي يا هانم. إفتحي لو سامعة صراخ بنتك وصوتنا كلنا.. إفتحي يا هانم بقولك وإلا الباب ده هاكسره دلوقتي!!!"
بدأ القلق يساوره فعليًا مع عدم ردها، ليعقد قراره في الحال ويرجع خطوة للوراء، وبركلة واحدة من قدمه حطّم الباب.
ليلج باللحظة التالية وتنزل عليه الصدمة، حين شاهد زوجته ملقاة فوق الأرض هناك بجوار السرير وقد قطعت معصميها بالطول!!!!
كان منظرًا فظيعًا جعل "رزق" الذي يقف خلف أبيه يلتفت بسرعة متلقفًا أخته الصغرى قبل أن تبلغ عتبة الغرفة ويغطي عينيها بكفه كي لا ترى هذا أبدًا.. بينما "عبير" زوجة الأخ الأوسط "عبد الله" انطلقت صرختها الملتاعة وفورًا سقطت وقد أغشى عليها لولا زوجها الذي لحق بها ونقلها إلى أقرب مقعد.
الآن توافد إلى الغرفة "سالم" وأولاده من "هانم".. "مصطفى" و "حمزة" كلاهما وقد ابيضت وجوههما من شدة الشحوب والهلع على والدتهما.
صاح "سالم" فيهما آمرًا بينما يحمل زوجته بسهولة:
"مصطفـــــى. إنزل بسرعة هات العربية قصادم البيت. حمـــــزة.. هاتلي حاجة نحطها على أمك. عباية بطانية أي حاجة. يلااااا بسرعـــــة!!!!!!"
كانا مجمّدين كالأصنام بفعل الصدمة، لولا صراخه فيهما ما تحركا.. وخلال لحظة كان "حمزة" قد أتى له بعباءة أمه السمراء. افترشها فوق جسمها نصف العاري حيث كانت لا تزال في ثوبها الذي صعدت به إلى شقة زوجها بغية إغرائه.
شق "سالم" بها الطريق للأسفل، خلفه تصاعد نشيج "سلمى" التي راحت تتوسل أخيها الأكبر:
"عشان خاطري يا رزق أروح مع ماما. عشان خاطري خدني معاكوا.. عشان خاطررررري..."
جاوبها "رزق" وهو يحاول بأقصى استطاعته ليهدئها:
"حاضر حاضر.. حاضر يا حبيبتي. إهدي بس. هاخدك بس إهدي.. هاتبقى كويسة. صدقيني يا سلمى..."
أومأت له، ثم ألقت برأسها فوق صدره، بينما هو لم يكن واثقًا من كلامه.. لكنه لم ينفك يهون على الصغيرة ويلقي على مسامعها مزيدًا من الوعود فقط لكي تهدأ!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان شرطه حتى يذعن لها ويأخذها للمشفى حيث نقلوا والدتها أن تهدأ أولًا، وألا تصاب بالذعر أبدًا مهما حدث.. وإن كان هذا كلفها جهدًا مضنيًا... لكنه أصر أن يجعلها تتحكم بهذا.
حتى نجحت بالفعل وتغلبت على خوفها، انطلق بها إلى المشفى الخصوصي، أمرها باستبقائه بينما يأخذ سيارته ليضعها بالجراج... ثم تبعها متسائلًا عن مكان عائلته بقسم الطوارئ.
وسيرًا على الارشادات، اتخذ المصعد إلى الطابق الثاني، وكان عليه أن يبحث عن قسم الفحص المتطور، لكنه لم يحتاج وقتًا طويلًا.. إذ التقطت مسامعه صوت والده من الجوار.. حيث لم يكن يفصلها سوى حائط مؤدي للرواق المؤدي للوجهة المنشودة... إلا أنه تجمد فجأة.
ذلك عندما ميّز اسم أمه وسط نزاع دائر بين أبيه وعمه "إمام". لم يفعل شيئًا إلا أن وقف وأرهف السمع.
"بص يا سالم.. أنا بقولك أهو. هانم لأ.. سامعني؟هانم لأ!!"
"إنت واخد بالك إنك واقف تهددني بمراتي يا إمام. فوووووق. إيـــــه!!!"
"لما توصل للوضع بتاع إنهاردة ده أهددك يا سالم آه. هانم دي مننا. وتبقى أم عيالك وست البيت بعد أمي.. شالتنا كلنا ولا ناسي؟ طول عمرك ممرمكها في البيت ومع العيال وفي الآخر تدفع تمن كل ده حياتها!!! لا وألف لا. إنت إللي محتاج حد يفوقك ياخويا."
"إنت يعني شوفتها ماتت!! ما الدكتور قال لحقوها. وبعدين تعالى هنا.. هو حد قالك مثلًا إن أنا إللي عملت فيها كده؟"
"وأنا مش هاستنى لما إنت أو غيرك يوصلوها لكده. الست دي جمايلها على راسنا. الست دي من بيت وعيلة. وفي احترامها وأدبها مش هاتلاقي لو لفيت الدنيا يا سالم.. وأنا بتكلم باسمي دلوقتي. مش هاسمحلك تحولها للنسخة التانية من كاميليا!"
"إمـــــام!!! ماتنطقش إسمها على لسانك تاني. سامع؟؟"
"هأ.. مع إنك مابتفوّتش يوم منغيرها. مش بس بتنطق إسمها!"
عند استماعه للعبارة الأخيرة شحب كليًا، وخال بأنه وزنه قد خف كالريشة على مستوى الأرض، لولا أن تشبث بالحاجز المعدني من خلفه لترنح مكانه وربما سقط.
بعدها لم يجرؤ على الظهور بالوسط، وظل محله، إلى أن سمع أبيه يعطي أمرًا لعمه بالمرور إلى البيت ليأتي له ببعض المال.. حينها مشى في إثر "إمام" وبقي ينتظره بمكانٍ ما قرب المنزل. حث لم يسعه الرحيل من الحي إلا بالمرور عليه!!!!
____________
الآن...
أخذ "إمام" ينظر إليه هازًا رأسه وهو يقول بوهنٍ:
"يابني مقدرش.. أبوك لو عرف إني قولتلك هاتبقى حريقة. البيت ده كله هايبقى حريقة يا رزق!"
غرس "رزق" نصل المديّة بعنقه أكثر صارخًا بوحشية:
"لآخر مرة بسألك أمــي فـــــــيـن؟؟؟؟؟"
أصدر "إمام" صيحة متألمة وخشي على نفسه من بطش ابن أخيه الجنوني، ما دفعه إلى القول مجبورًا:
"خلاص. خلاص.. هقولك.. هاقول..."
وأومأ له ليقترب، ثم همس عند أذنه تمامًا بالجواب الذي بث في جسمه رجفة زلزلته.. وأسقطت من يده تلك المديّة... ثم أسقطته هو على ركبيته فوق الأرض الترابية القذرة!
رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الأربعون 40 - بقلم مريم محمد
بُنيّ منزل العائلة الكبير _ رغم هيئته البدائية _ بأفضل و اكفأ المواد المقاومة للزلازل و المتصدّية لأيّ عدوانٍ محتمل، كما كان يضم مستوى أرضي بمدخلٍ سري لا يعلمه سوى رجال العائلة الكبار مقامًا.. و هو ما خوّله إليه وضعه كونه الأخ فوق الأوسط لعائلة "الجزار".
على الرغم من الكارثة التي وقعت الليلة، مقتل أخيه الأصغر على أيدي فرقة من العصابات الشعبية بمنطقةٍ مجاورة، فور أن تلقّى نباءً من حراسة حدود الحي بمحاولة هرب زوجة أخيه، لم يتوانى عن الذهاب فورًا و استطلاع ما يجري بنفسه.
ذلك ما وجده صحيحًا، امرأة أخيه النبيلة، في عهدة رجال الحراسة، و على عكس ما توقع.. لم تكن خائفة أبدًا و لا حتى في هذا الوضع.
بل كانت هادئة، متباهية، و... جميلة جدًا بالنظر إلى الفترة الطويلة التي قضتها حزينةً كئيبة.
بدون تفكير أخذها "إمام" خلسةً وسط الهرج و المرج و أعادها إلى البيت، لكن هذه المرة لم يسمح لها بالتجوّل كما في السابق قبل أن تحاول الهرب، و إنما رأسًا قادها إلى القبو السري، تركها هناك و أغلق عليها و ذهب من فوره ليرى مآل الكارثة التي وقعت على رأس العائلة.
مر على الساعة المشؤومة نصف يوم، مع إعتقاد الصغير "رزق" بأنه سلك درب الفرار لأمه، بينما أبيه "سالم الجزار" و بقية أسرته و رجال قومه الأشداء لم يهنأوا بدقيقة واحدة من الراحة، ذهبوا في التو للأخذ بثأر فقيدهم الغالِ "ناصر الجزار".. و بالفعل لم يعودوا إلا بالنهار التالي محققين الثأر المنشود.
لم يكاد "سالم" يلتقط أنفاسه ليصدمه "إمام" بالخبر الذي أجله وقتًا كافيًا حتى لا يشتت رأس أخيه الكبير، و لعل "سالم" لم يستشيط غضبًا بقدر ما اعتصره الذعر لمجرد فكرة رحيلها و إنفصالها عنه للأبد، توجه مباشرةً حيث وضعها شقيقه.
فؤاده مثقل بالخوف و الفزع.. كان يركض إليها و في نفس الوقت يحاذر أن يراه أحد.. تلك كانت مهمة شقيقه أيضًا... إذ تبع إثره حاميًا ظهره.
كان القبو الأرضي، مغمورًا بالضوء الأصفر المزعج، يسبح في صمتٍ موحشٍ و مريب، روائح العطن و العفن تملأ كل الجنابات، و معظم الأثاث هنا مؤلفًا من سريرًا أثري متهالك مصنوع من النحاس، و بضعة قطع من صالونٍ بالي لا ينفع بشيء.
كانت كلها اجواء إن ساهمت بشيء فلن يكون سوى سخطها و حزنها، لم تذرف عينيها دموعًا، لم تشكو بطنها الحاضنة لجنينها جوعًا، كل ما طمحت إليه منذ الأمس حتى هذه اللحظة هو الموت.. و الموت فقط.
لا يمكن أن تُهزم، لا يمكن أن تتخلّى عن مبادئها و إن كان الثمن حب عمرها الوحيد، طالما وصلت إلى هذه التقطة إذن فلا عودة.
إما أن تذهب كما أرادت، أو تموت بأرضها، لن تستسلم بعد الآن مهما حدث.
جالسة على طرف السرير ذي الشراشف القذرة، تخفي وجهها بين كفّيها، تهز جسمها للأمام و الخلف هزًا هو مزيجًا من الخوف و اليأس.
لتنتفض فجأة، حين دفع باب القبو و كأن عبوةً ناسفة حطمته، سبقه صوته حتى قبل أن تلتفت لترى من.
- بتهربـي يـا كاميليــــــا ؟
عايـزة تسبينــــــي ؟؟؟؟؟؟
كان صوته مصمّ، و عندما قامت و استدارت ناحيته تبيّنت وجهه شرس التعابير، ربما يفقد صوابه لو تفاقم غضبه أكثر من ذلك بقليل.
مع هذا لم تبدو أمامه قلقة مطلقًا، بل مع شعرها الأشقر المنساب بنعومة حول وجهها و على كتفيها، زرقة عينيها و احمرار شفاهها المكتنزة الصغيرة رغم شحوب بشرتها.
كانت جميلة و مثيرة كعهدها، تحت هذا الظرف أيضًا لم تفقد رونقها أبدًا... ما الذي يمكن أن تفعله بقلبه هذه المرأة أكثر ممّا فعلته؟
ألا يكفي حبه لها؟
حسنًا.. بيّد أنه لم يعد يكفي بالفعل.
- كنتي فاكرة إنك هاتقدري تمشي بالسهولة دي ؟؟؟ .. صرخ "سالم" حين وصل إليها و قد إمتدت يداه ليشدها من ياقة سترتها قبل إتمام جملته.
في الخلفية وقف "إمام" مشاهدًا.
أما "كاميليا" فلم تشفي صدره و لم تجفل للحظة واحدة، بل و أيضًا لم تنطق.. ما أضرم لهيب جنونه و جعله أكثر وحشية و هو يستطرد صائحًا بعنف:
- إزاااااي ؟؟؟
إزاااي جاتلك الجرأة تعملي كده ؟ طيب أديكي جربتي.. حصل إيــــه ؟؟؟؟
رجعتيلي تاني زي القرش البرّاني. قوليلي إيه إللي ممكن أعمله فيكي دلوقتي.. قوليلي نوعه إيه العقاب إللي تستاهليه ؟؟؟؟؟
- اقتلني يا سالم ! .. نطقت كلماته أخيرًا ببطءٍ و بدقة.
بينما كانت عيناها الزرقاوين تحدقان بعينيه في برودٍ.
في لحظة، تلاشى الغضب العنيف بعينيّ "سالم" و حلّت الصدمة محله... في اسوأ الأحوال بينهما لم يكن ليتخيّل قط أن يطاوعها قلبها لتنطق بذلك !!
بدا و كأنه لا يستطيع أن يصدق ما سمعه للتو.
إن هذا لظلمًا عظيم، بالاضافة إلى أنها سحقته بمجرد تفكيرها بأنه قد يقدم على ايذائها بأيّ شكل من الأشكال، و كأن ما بينهما لم يكن حبًا، و كأن كل ما عاشاه من مشاعر عشقٍ و شغف لمدة عشر سنوات إن هي إلا زيفًا ما من صحةٍ له على الاطلاق.
حاول "سالم" أن يعثر على ردًا مناسبًا، لكن لسانه عجز عن تكوين جملة مفيدة، أو حتى عتابٍ.
لتتولى "كاميليا" هذه المهمة عنه و تقول من جديد دون أن يرف لها جفن:
- أنا مستحيل هارجع معاك. مستحيل تقدر تاخدني تاني للجحيم إللي كنت فيه ده. أنا عشت معاك أيام.. مجرد أيام معدودة. لكن كانت كفاية أوي عشان تنسف جوايا أقل شعور بالاحترام ليك.. إنت قضيت على حياتنا من قبل ما تبدأ حتى يا سالم لما كدبت عليا و خدعتني. و دلوقتي مش هاسمحلك تكمل في السكة دي معايا أكتر من كده. طلقني يا سالم و سيب معايا رزق.. أو تقتلني حالًا و ننهي القصة دي كلها !
كتمت آهة متألمة عندما قبض على ذراعيها بشدة و هو يغمغم بانفعالٍ.
و قد ظهرت عروقًا رزقاء بجبينه و على جانبيّ عنقه:
- مش هاتقدري. مش هاتقدري تقنعيني أبدًا إنك كرهتيني.. مهما عملتي يا كاميليا. أنا و انتي اتخلقنا عشان نلاقي بعض. عشان نعيش و نموت مع بعض.. مش مصدقك و مش مصدق أيّ إنكار منك لحبنا.
- و مين قال إني بنكر ؟؟!!!! .. صرخت به و قد طفا كل الضغط و تراكمات الفترة السالفة كلها على السطح.
لتنهمر دموعها و تشرع بالارتجاف بين ذراعيه بشكلٍ مثير للشفقة و هي تقول بنشيجٍ متقطع:
- أنا بحبك. لسا بحبك.. بس متأكدة لو فضلت أكتر من كده معاك هاكرهك يا سالم. أنا فعلًا كارهة الشخص إللي واقف قصادي دلوقتي. لو ماكنتش مقتنعة إن وراه مستخبي سالم حبيبي إللي عرفت و حبيته و إتجوزته و شيلت حتة منه.. كنت كرهتك بجد مية في المية.
"سالم" و قد وخزت صدره باعترافها، إلتزم الصمت مرتبكًا لهنيهة، ثم قال و قد لان تعبيره الوحشي بلحظة:
- إستحالة أفرط فيكي يا كاميليا. بموتي لو بعدت عنك.. لو حقيقي بتحبيني شيلي فكرة الطلاق دي من راسك. شليها خالص عشان خاطري. و كمان عشان رزق يا كاميليا.. إبننا مايقدرش يعيش منغير حد فينا. إنتي عارفة كده كويس !!
ندت عنها نهدة ثقيلة و هي تغمض عيناها لتهطل بضعة قطرات من دموعها الشفافة الأشبه بالآلئ.
سحبت إحدى يديها من قبضته و على مرآى منه بسطت كفها فوق حدبة ملحوظة أسفل بطنها، و همست:
- على الأقل رزق أخد فرصته. لكن ده.. هايتظلم لو سمحت له يفتّح عنيه في مكان زي ده. ساعتها ماستحقش صفتي كأم لا له و لا حتى لرزق. لو إتنازلت دلوقتي مش هقدر أرجع تاني يا سالم !
كل ما قالته لم يكن بشيء إلى أن سمعها ترمي للمعنى الذي فهمه فورًا.
بغتةً إتسعت عينيه و توقف عند ذلك تمامًا، أمسكها بكتفيها هذه المرة و سألها و هو يهزّها بقوة:
- إنتي بتقولي إيـــه ؟؟؟ده مين.. إنتي حامل يا كاميليا ؟؟؟!!!
لم تحاول اختلاق أيّ أكاذيب الآن، فقد أرادت من نفسها أن تفصح له.. لذلك أكدت بايماءة و عقّبت عليها بصوتٍ مختلج:
- مش هاجيب الطفل ده هنا يا سالم.. مهما حصل مش هايتولد هنا. عندي مايتولدش خالص.. و لا إنه يتولد هنا !
- إيه التخريف ده !!! .. زمجر غاضبًا و قد أفلتها متراجعًا خطوة للوراء.
لوهلة كاد توازنها أن يختلّ، ألا أنها تمالكت نفسها جيدًا، بينما يمضي "سالم" قائلًا بحدة:
- إنتي بتقوليها في وشي ؟عايزة تقتلي إبني يا كاميليا ؟!!!
ردت بحدة أشدّ منه:
- يبقى إبني أنا كمان يا سالم. و كل إللي إحنا فيه ده بسببك إنت سامع ؟بسببك إنت مش حد تاني !
بقى جامدًا للحظات تحت وطأة كل ما قالته منذ قدومه، ثم إنتفض فجأة معلنًا بخشونةٍ صارمة:
- لأ.. كلامك مايمشيش عليا. إنتي مراتي و الولاية عليكي ليا أنا.. و الطلاق و المشي من هنا كل ده تنسيه خالص. لو آخر يوم في عمري مش هاطلقك و لا أسيبك يا كاميليا ...
و تبادلا نظرة أخيرة، ليوليها "سالم" ظهره المتنشج هاتفًا و هو يدفع بأخيه أمامه بمجرد نظرات:
- هاتفضلي هنا لحد ما تعقلي. المكان مش مقامك آه. بس أنا هحاول على أد ما أقدر أخليه مناسب ليكي.. و لما أحس إنك رجعتي كاميليا مراتي و حبيبتي. هاتطلعي منه تاني و ترجعي لحضني و حضن إبنك.. قصدي ولادك. ولادنا !
و تركها مغلقًا عليها باب السجن الجديد، سجن أكثر قتامة و وحشة، سجن يخبر لأول مرة عن مدى قسوته.
لم يجرؤ على النظر خلفه أبدًا، إذ كان يعلم بأنه سيخر راكعًا تحت قدميها، ما لو أظهرت له مزيدًا من الضعف و الوهن.. هذا الوضع من وجهة نظره بحاجة لاعتماد بعض الشدة لتعود إلى صوابها.
و لكن هي أم هو !!!
نهض "رزق" متكئًا إلى معادن حاويات القمامة الصدئة، كانت ساقيه ترتجفان بشكلٍ يرثى له، ربما أصابه دوّارًا طفيف.
و صداعًا شديد ألمّ برأسه.
لكن مع هذا أبقى على يقظته و تركيزه لتحصيل أكبر قدر من الحقائق التي هو قتيلها، لن تمر الليلة إلا و هو يعرف كيف؟
كيف جرى هذا الأمر؟
و أين أراضي أمه في هذه اللحظة؟؟؟
أغمض عينيه و شد على أسنانه لبعض الوقت، ثم تطلع إلى عمه الذي حصر بالزاوية أمامه، مرعوبًا ممّا يطالبه به إبن أخيه.. مرعوبًا منه و من أبيه... و كأنه بين المطرقة و السندان.
و ما من مهرب، لقد بدأ بشيء، و لن يتركه "رزق" قبل أن ينهيه.
لم تتسنّى له أبدًا فرصة زيارة القبو بعد المرة الأولى، فقط أخيه هو من تولّى الاهتمام و العناية التامة بزوجته الحبلى، بينما الجميع خلال ذلك الوقت قد ظنّوا بأنها هجرته و ذهبت بلا رجعة.
كان "سالم" يخطط لاستعادتها، مهما كلفه الأمر، و بالفعل كان قد بذل مجهودات خرافية، كلها من دون نتيجة كما توقع.
إلى أن حانت اللحظة الموعودة.
ساعة ميلاد طفله الثاني، كانت طفلة لي الحقيقة، خاضت فيها أمها مخاضًا مأسويًا.. إنتهى بنزيفٍ شديد ألزمها الفراش لقرابة الاسبوع خائرة القوى.
و في ليلتها الأخيرة لم تتحمل أكثر و ألحت في طلبها.
- عشان خاطري يا سالم.. عشان خاطري عايزة أشوف رزق... هاتلي رزق !
رؤيتها على هذه الحالة و قد تدهورت صحتها و ساءت إلى أقصى حد، وجهها و قد ذبل و جمالها قد طمسه الاعياء الشديد، حتى صوتها.. طغت عليه نبرات التعب.
لم تكن "كاميليا".. بل شبحها.
بينما كان "إمام" يراقب المشهد السريالي بالمقابل، كان "سالم" يجثو إلى جوار السرير و الدموع ملء عينيه، حاول تهدئتها قائلًا و هو يمسح على شعرها بحنوٍ بالغ:
- إهدي يا حبيبتي. عشان خاطري أنا إهدي و متخافيش.. انتي هاتبقي كويسة. عارفة كل الدكاترة إللي جبتهم هنا و لا ليهم لازمة. أنا مش هاجبلك دكاترة تاني. أنا هانقلك المستشفى الليلة.. عربية الاسعاف زمانها على وصول. لو حكمت أسفرك أخر الدنيا بس ترجعيلي زي الأول.. إرجعيلي يا كاميليا !
كانت منهكة بشدة و وجدت صعوبة كبيرة بابداء ردة فعلٍ عصبية سرعان ما استبدلتها بهمسٍ وهن خالكه سعالٍ ضعيف:
- مافيش وقت يا سالم.. و حياتي عندك. لو بجد بتحبني.. هاتلي رزق الله يخليك. عايزة أشوفه قبل ما آ ...
- لأااااا !!!! .. صاح مذعورًا و هو يكمم فمها بطفه مقاطعًا إتمام جملتها.
و في هذه اللحظة تمامًا أصابه إنهيار تام و هو يدفن رأسه بحضنها مغمغمًا:
- إوعي تقولي كده.. إوعي تقوليها بحق إللي خلقك. أنا مقدرش أكمل منغيرك.. أنا حياتي واقفة عليكي و ربي يا كاميليا. أبوس رجلك أثبتي.. شدي حيلك عشان خاطري. إوعي تستسلمي ...
لم يتلقَ منها أيّ رد، ما جعل براكين الآسى و القهر تتفجّر بدواخله و تحرقه دون أن يجرؤ على إظهار آثارها خاصةً أمامها هي، و كأنه يتشبث بضآلة متناهية من الأمل.
لعلها تتجاوز ما تعانيه.
ربما!
"سالم" و قد تأكد من إحكام سيطرته على نفسه مجددًا، رفع رأسه عن حضنها، تلاحمت نظراته الدامعة بنظراتها الباهتة الخالية من أيّ شعور.. سوى شعورها بدنو الأجل.
إرتفع صوته آمرًا مصيبًا هدفه بأذنيّ أخيه تمامًا:
- إمــام !
روح هات رزق من عند أمي.. هاته منغير ما يحس.
دون أن يهدر "إمام" مزيدًا من الوقت، إندفع للأعلى بسرعةٍ قصوى، والدته التي كانت على علمٍ كلّي بما يجري، ساعدته في أداء مهمته.
إذ أضافت جرعة من المنوّم إلى كأس حليب الصغير "رزق".. و حيث خلد إلى فراشه أسرع ممّا يفعل كل ليلة... حمله عمه بين ذراعيه و نزل به إلى القبو.
نهض "سالم" ليتسلّمه من أخيه، بينما "كاميليا" التي قضت آخر شهورها بالحياة دون أن تلمح وجهه، صارت حيوية أكثر أثناء تلك اللحظات و هي تحاول القيام بجزعها بلا جدوى.
و قبل أن يهرع "سالم" إليها متناسيًا أمر إبنه هتفت بكل ما أوتيت من جهدٍ:
- قربه عندي. هاته هنا جمبي يا سالم.. هاته في حضني !
مناصعًا لطلبها، قام "سالم" بوضع الصغير "رزق" كما هو نائم هكذا بجوار أمه، أسند رأسه فوق ذراعها و بسط فوقهما الغطاء.
أما "كاميليا" التي راحت عيناها تفيضان بالدمع الوفير الآن، أمالت رأسها صوب رأس صغيرها، أخذت تمطره بوابل من القبلات و هي تهمس له بأعذب الكلمات و الوداعات الحارة التي حطّمت قلب زوجها و أخيه معًا.
و لما فاض به الكيّل، إستدار نحو "إمام" هادرًا كالوحش الكاسر:
- فين الاسعاااااف يا إمام ؟؟؟ اتأخروا ليــــــه ؟؟؟؟؟
يرد "إمام" متلعثمًا:
- كلمتهم و الله ياخويا. مش عارفين يلاقوا مدخل للحي.. بيحاولوا يوصلوا هانعمل إيه أكتر من كده !!
شرر يتطاير من عينيّ "سالم" و صياحًا مصمّ ربما يوقظ الصغير الغارق بسباته.
- يعني إيه تعملوا إيــــه !!!انا سالم الجزار. انا إللي بعوزه بيتم و في لحظته.. مش قادر أنقذ مراتي ؟؟!!!دي لوحدها تطير فيها رقاب الـكـــل ...
- سالم !
جمد حين أتاه صوتها مناديًا من الخلف بقدرٍ من التصلّب.
إلتفت ناحيته بطرفة عينٍ، إنحمى صوبها ملبيًا النداء بكل جوارحه:
- أيوة يا حبيبتي.. مالك فيكي إيه ؟حاسة بإيه يا كاميليا. أنا هاشيلك على أديا دلوقتي و هاطلع بيكي قصاد الخلق. أنا هاوديكي أحسن مستشفى. و أوعدك بس ترجعيلي بالسلامة هاعملك كل إللي إنت عايزاه.. بس شدي حيلك عشان خاطري ...
بدت و كأنها لم تسمع ما أيّ ممّا قاله، دست يدها أسفل وسادتها، سحبت مغلفًا ورقيًا، ثم ناولته إياه متمتمة بأنفاسٍ هفهافة لاهثة:
- الجواب ده تديه لرزق. تدهُله أول ما يكبر و يقدر يختار بنفسه.. سالم... ولادي أمانتي ليك. أمانتي يا سالم !
و من دون مقدمات.
أسلمت "كاميليا" الروح و قد غابت رزقة عيناها المتألقة خلف بياضًا شاحب و نصف اغماضة من جفنيها الرخوين.
أمامها "سالم" الذي صفعته الصدمة و لكمته و ركلته، بل و بعثرته كليًا، إذ نشر ذراعيه حولها و أمسكها بقوةٍ صارخًا:
- كاميليــــــا.. لأ. لأ لأ.. لأاااااااا. كاميليــــــا.. قومي يا حبيبتيقومي بالله عليكي.. ماتعمليش فيا كده. أنا آسف.. حقك عليا و الله. طيب قومي. قومي و أنا هاعملك كل إللي انتي عايزاه. كنتي عايزة نمشي من هنا هانمشي.. و الله هاخدك انتي و الولاد حالًا و هانمشي بس قومي.. قومي يا كاميليا ماتكسرنيش... شايفاني ببكي زي العيال إزاي. ده لو أمي هاصعب عليها.. معقول ماصعبتش عليكي.. قوووومي يا كاميليا. قومي.. قومي يا حبيبتي !
و آخر ما سمعه "رزق" من عمه قبل أن يطلق سراحه كان موقع أمه بالتحديد.
مكانٍ لا يخطر على بال الأبالسة، مكانٍ كلما فكر فيه و هو يتخذ خطواته إليه تصيبه قشعريرة، برودة، غثيان!
ها هو الآن.
يصعد درجات السلم مباشرةً إلى شقة أبيه، في يده البلطة الشهيرة التي مزق بها جسد ضحيته الأولى.. "عزام الوديدي".
و بمفتاحه الخاص، فتح الباب، و بخطى متثاقلة، تكاد تكون آلية، مشى نحو غرفة نوم أبيه.
يجر البلطة في يده فوق الأرض.
إلى أن وصل عند ذلك الجدار الشهير، أمام إطار صورتها تمامًا، مد يديه و رفعه عن الحائط، و بهدوءٍ أسنده إلى ركنٍ مجاور.
كم هو متماسك في هذه اللحظة، كم هو متأملًا بأن يكون حديث عمه ما هو إلا ترهات لا أساس لها من الصحة.
فوق كل هذا جنونه قد صوّر له بأن هذه الحياة و تلك الاحداث التي مر بها كلها إن هي إلا كابوسٌ مزعج، و هو في الأخير سوف يستيقظ ليجد نفسه و لا يزال في العاشرة من عمره.
في منزله بالحي الاسكندراني الراقي، محاطٌ بوالديه في الصباح، يغدقانه بالحب و الحنان، و هناك جده الباشا ينتظره عند طاولة الشطرنج و يسقيه من خبراته و تجاربه المفيدة فقط.
كان يأمل أن يتحقق هذا فقط، حتى لو توقف قلبه عن النبض حينها، ما من شيء يساوي هذا الشعور الذي يتوق إليه بكل ذرة من كيانه.
إنها قساوة لا تحتمل.
- آععععااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه ! .. صاح "رزق" بضراوةٍ كبيرة و هو يرفع البلطة و يهوى بها بكل قوته فوق الجدار.
محطمًا ما استطاع، بلا كلل و لا تعب، واصل الضرب فوق الحجارة القاسية، مرة، إثنان، ثلاث... عشرة !!!
ثم توقفت اعضاؤه قاطبةً عن العمل للحظة.
عندما برزت قطعة من القماش الأبيض المصفرّ خلف بقايا الجادر نصف المهدوم، سرعان ما انتزع نفسه من حالة الشلل الفجائي تلك و أنقض بيديه المجردة الآن لينزع بقية الحجارة بنفسه.
و عند قطعة معيّنة، سقط الكفن و كأنه شبحًا تبخر و لم يترك سوى قطعةٍ من القماش.
لكن أذنيه ميّزتا صوت لقلقة العظام فوق الأرض، و عيناه قد اصطدمت للتو بالخصيلات الشقراء الزاهية التي يعرفها جيدًا.
إنه شعر أمه الذي لم يشيب أبدًا.
- آااااااااااااااااااااااااااااااااااااه !!!!!
هكذا أطلق "رزق" آهةٍ مكلومة و هو ينهار على ركبتيه إلى جانب جثة أمه البالية.. بقاياها.
صار يبكي كالاطفال و يندب كالنساء دون يجرؤ على الاقتراب أكثر.
لقد كانت هنا.. طوال هذا الوقت كله... لقد كانت هنا !