تحميل رواية وختامهم مسك بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الاول 1 -وأنت فاكر نفسك مين&; وضع &;تيام&; يديه الأثنين فى جيوب بنطلونه بغرور وقال بكبرياء شديد:- -أنا تيام الضبع متجرأش واحدة زيك ترفع عينيها فيا نظرت &;مسك&; للأرض بسخرية من كلمته ثم أخذت خطوة نحوه بجراءة وثقة&; رفعت نظرها إلى عينيه تتقابل معها بكبرياء حواء ثم قالت:- -واحدة زي!!!! &; أنا جراحة ومعايا دكتوراة وحاصلة على الحزم الأسود فى الكاراتيه وواخدة بطولة الجمهورية من سنتين فى الرماية&; لكن مين تيام الضبع مسمعتش عنه غير أنه واحد صايع ضايع زبون فى الملاهي الليلي كز على أسنانه بغضب سافر...
رواية وختامهم مسك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور زيزو
بعنوان "مترصد"
لم تقوَ على الحركة من فراشها على مدار الأسبوع بسبب حزنها على موت "غزل"، لكن هنا يوجد شخص يتشبث بها كطفلة للنجاة من الخوف والألم. جاءتها "ورد" تجبرها على الخروج معها لأنها تريد شراء قوس كي تتعلم الرماية وأخذتها معها بالقوة رغمًا عنها. انطلقت "مسك" بسيارتها خارج القرية، وكانت "ورد" جالسة في المقعد المجاور لها تقول:
- أنا مش فاهمة، ليه يكون في حد بيحاول يوقع بين زين وتيام؟
أجابتها "مسك" بثقة وعيناها على الطريق:
- معرفش. أنا معرفش كتير عن حياتهم ولا حتى عن تيام نفسه، لكن دي واضحة زي الشمس يا ورد.. اللي حاول يقتل تيام، وبعدها يعمل فيكي كدة عشان زين يفكر أنه انتقام من تيام ويزيد العداوة بينهم، دا حد له مصلحة... آه، أنا مش عارفة إيه المصلحة اللي ممكن تعود على واحد أنه يوقع بين اتنين كارهين بعض أصلًا، لكن اللي واثقة منه أنه فعلًا في طرف ثالث مجهول، والطرف الثالث دا هو نفسه اللي بيحاول يقتل تيام، وفي نفس الوقت هو اللي عمل كدة فيكي.
التفتت "ورد" في مقعدها إلى "مسك" واتكأت بظهرها على الباب وقالت بتفكير عميق في حديث "مسك":
- ماشي، أنا مصدقة أن تيام مش هو اللي عمل كدة فيا، وواثقة مليون المية أن زين محاولش يقتل تيام، أنا عارفة زين وحافظاه أكتر من أي حد... لكن حد ثالث دي برضه صعبة تتصدق.
رمقتها "مسك" بطرف عينيها وعادت بنظرها إلى الطريق ثم قالت بجدية:
- طب أقولك على حاجة، أنا حاسة أن الفاعل مش غريب يا ورد، دا حد قريب لأنه عارف بكراهية تيام وزين، وعارف منافستهم على المنصب والورث، وكمان عارف أن نقطة ضعف زين الوحيدة واللي ممكن تخليه يقتل تيام بإيده هي أنتِ. عشان كدة لما قرر ينتقم، قرر ينتقم فيكي أنتِ. أنتِ مش ذنبك في اللي حصل لأنك تستاهلي اللي حصل فيكي ولا لأن في حد بيكرهك وعايز يفرقك عن زين لأنه واثق أن زين مش هيسيبك... لا يا ورد، اللي عملها كان شايف أن الذنب الوحيد ليكي أنك قلب زين، ومش بس عارف بكل دا، دا عارف بقدر الحب اللي بينك وبين زين... الحب اللي هيخلي زين ما يسيبكي مهما حصل ويتمسك بيكي... وأنتِ كان كل ذنبك في الحرب دي أنك حبيبة زين.
تنهدت "ورد" بحيرة من هذا الغامض الذي يسعى وراء هذين الرجلين وقالت:
- والحل... هيفضل يتحكم فيهم ويفضلوا هم بيأكلوا في بعض وينفذوا خططه بكرههم لبعض؟
نظرت "مسك" في المرآة الأمامية للسيارة بتركيز ثم قالت بشرود في السيارة التي تتبعهم:
- حلهم أن يحطوا إيديهم في إيد بعض يا ورد، لكن طبعًا واضح من معرفتي السطحية باللي بيحصل أنه مستحيل... معلش يا ورد تنزلي تجيبي أزازة مياه، دي سخنت.
أومأت "ورد" إليها بنعم وترجلت من السيارة وعينا "مسك" لا تفارقان المرآة تحديدًا على السيارة التي توقفت على بُعد مع وقوف سيارتها. دلفت "ورد" إلى السوبر ماركت لترى "مسك" رجلًا يتبعها للداخل والآخرين بالسيارة يراقبون "مسك". حاولت أن تفهم هل جاءوا إليها من وراء "بكر" أم من هذا الغامض الذي يسعى وراء "تيام" و"زين" ويلحقون بـ "ورد". ترجلت "مسك" من السيارة ودلفت إلى مطعم الدجاج المقرمش الموجود على الجهة الأخرى ووقفت تنظر في القائمة على الحائط الزجاجي وعيناها ترى ظل هؤلاء الذين جاءوا خلفها. أدركت بأنها مراقبة تمامًا كـ "ورد" فعادت إلى السيارة وكانت "ورد" واقفة قربها فتحت سيارتها وصعدوا الاثنين معًا. التفتت "مسك" بسيارتها كي تعود إلى القرية ليس جُبنًا منها لكنها لن تعرض "ورد" للخطر أثناء مواجهتها. تعجبت "ورد" إلى عودتهما وقالت:
- إحنا مش هنروح نشتري قوس ليّا؟
أومأت "مسك" لها ثم قالت:
- لا مش النهار دا، ألبسي الحزام.
نظرت "ورد" إليها ووجهها متوترًا وزادت من سرعة سيارتها فقالت بقلق:
- هو في إيه؟
تحدثت "مسك" بجدية قائلة:
- اتصلي بزين ينزل يأخدك يا ورد.
نظرت "ورد" بقلق شديد متعجبة من طلبها لتتابع "مسك" بقلق على هذه الفتاة قائلة:
- أنجزي يا ورد، واضح أن اللي جبنا في سيرته جه.
نظرت "ورد" خلفهم ورأت سيارة تسرع وراءهما وتتفادى كل سيارة تعيق طريقها للوصول لهما بعد أن زادت "مسك" سرعتها وأدركوا أنها انتبهت إليهم. ارتجفت "ورد" بخوف شديد قائلة:
- هيقتلونا؟
تبسمت "مسك" بسخرية من خوف هذه الفتاة ثم قالت:
- أنتِ طيبة قوي يا ورد، أنا راجعة بس عشانك معنديش استعداد أعرضك للخطر، لكن صدقيني لو عليا حابة أنك تتفرجي عشان تتعلمي وتأخدي درس في القتال عملي.
أخرجت "ورد" هاتفها بذعر كي تتصل بـ "زين".
_________________________
وصل "زين" إلى مكتبه صباحًا ويتحدث مع "جابر" قائلًا:
- أنا مش ناوي أسلمهم يا جابر، لو سلمتهم اللي قتل اللي فات هيقتلهم وقبل ما ينطقوا.
أومأ "جابر" إليه بنعم واتسعت عينيه وهكذا "زين" عندما وجدوا "تيام" جالسًا على مقعد الرئيس خلف المكتب مبتسمًا ويحمل في يده فنجان قهوة. رمقه "زين" بهدوء شديد قبل أن يفقد أعصابه وسيطرته ثم قال:
- أنت بتعمل إيه؟
رفع "تيام" نظره إلى "جابر" بغرور شديد وقال بتحدٍ قاتل:
- جاي أشوف شغلي، مش دي كانت وصية المرحوم برضه أني أتعلم الشغل عشان أستلم المنصب وأن الموضوع مكنش محصور في جوازة، أديني بنفذ وصيته.
تنحنح "جابر" بهدوء ثم قال:
- دي بداية كويسة وخطوة تحترم منك، لكن اللي بيتعلم ما بيقعدش على الكرسي دا.
تبسم "تيام" بسخرية إليهم ووقف من مكانه ثم قال:
- وأنا ماليش مزاج أقعد عليه دلوقت، أنا بس كنت عايز أحرق دمه.
قالها وعيناه ترمقان "زين" بازدراء وطريقة مستفزة. التفت "زين" كي يلكمه هذه المرة لكن أوقفه صوت هاتفه وكانت "ورد" أجابها بغضب سافر:
- شوية وهكلمك يا ورد...
سمع صرختها عندما اصطدمت السيارة بسيارتهما من الخلف محاولين منع "مسك" من الوصول للقرية ويصعب عليها الأمر. صرخت "ورد" بخوف شديد لينتفض "زين" ذعرًا وقال:
- ورد!!
أنتِ فين؟
أخبرته ببكاء بأن هناك من يحاول مواجهتهم، فقال بصدمة ألجمته:
- هم مين اللي بيجروا وراكم؟ مسك معاكي ليه؟
التف "تيام" بفزع من ذكر اسمها، وهكذا "جابر". أخذ "تيام" الهاتف منه بالقوة وقال بصدمة:
- مسك!!
أوشكت "مسك" على فقد سيطرتها على مواجهة هؤلاء بسيارتهم التي تصطدم بسيارتها بقوة، فسقط الهاتف من "ورد" في أرضية السيارة وسمع صوت "مسك" تقول:
- امسكي كويسة يا ورد.
هرع الاثنان للخارج معًا، وأحدهم تسلل الخوف إلى قلبه ذعرًا على محبوبته، والآخر أفتك القلق بعقله عليها بعد معرفته بأن هناك من يسعى وراءها. أخبرته بأنها تريد الانتقام لأختها وقصت له حكايتها والآن يترصد لها أحد.
دلفت "مسك" بسيارتها إلى مرآب سيارات وفتحت درج الطبلون لتأخذ منه مسدسًا، ففزعت "ورد" مما تراه و"مسك" تقول:
- انزلي بسرعة.
ترجلت "مسك" أولًا تنظر حولها بعد أن نجحت في الهرب منهم، والتفت حول السيارة وفتحت الباب ثم أخذت "ورد" في يدها كأمٍ لها. أغلقت السيارة وتسللت بعيدًا حول السيارات المصفوفة تختبئ من هؤلاء. سمعوا صوت وصول سيارة الرجال فاختبأت "مسك" بها خلف سيارة وجلسوا على ركبتهم ووضعت يدها على فم "ورد" تمنع صوت شهقاتها وعينيها تنظر حولها بحذر حتى رأت كابينة زجاجية من أجل رجل الأمن الخاص بالمكان فأخذتها بحذر إلى هناك وأدخلت "ورد" بها ثم قالت:
- متتحركيش من هنا وحاولي تبعتي رسالة لزين بمكانك وصوت نفسك ما تطلعيهوش يا ورد.
ارتجفت "ورد" بخوف وتشبثت بيدي "مسك" بذعر وتترجاها قائلة:
- لا ما تمشيش.
تبسمت "مسك" بثقة وربتت على رأسها بلطف ثم قالت:
- ما تخافيش يا ورد أنا قوية.
أعطتها "مسك" المسدس كي تطمئن وتهدأ من روعتها ثم أغلقت باب الكابينة عليها وتسللت وراء السيارات بحذر وعينيها تراقب هؤلاء الرجال. فتحت "ورد" الهاتف وأرسلت موقعها إلى هاتف "زين".
لم يتخيل أن هناك مكروه قد يصيبها من جديد وقلبه العاشق يخفق بوخزات قوية خوفًا عليها وتصبب جبينه عرقًا من الخوف الذي أصابه. صرخ "زين" بغضب سافر ويديه تقود السيارة بجنون:
- ورد لو جرالها حاجة مش هيكفيني روحك أنت ومراتك.
تحدث "جابر" بجدية قائلًا:
- مش وقته يا زين بيه، أنتم الاثنين في مركب واحدة. هي خطيبتك والثانية مراته المهم نلحقهم.
كان "تيام" صامتًا وعقله يفكر في الكثير ويخبره بأن يهدأ فـ "مسك" قوية ولن يصيبها شيئًا. عينيه تحدق في الطريق بقلق وفتح هاتفه لكي يتصل عليها لكنه تذكر بأنه لا يملك رقم هاتفها رغم كونها زوجته. وضع يده على جبينه يحكها بأنامله بقلق واضح. تابعه "جابر" بنظره باندهاش من قلقه السافر على زوجته التي تزوجها لأجل المال فقط. لا يصدق بأن "تيام" هو نفسه الذي يجلس أمامه هنا وتخلى عن سكونه وحل القلق محله. تلقى الهاتف رسالة من "ورد" بموقعها ليسرع في قيادته ويده الأخرى تحاول الاتصال بـ "ورد" لكنها لم تجب عليه.
وضعت "ورد" يدها على فمها بذعر عندما سمعت صوت خطوات قربها من الخارج وأغلقت الهاتف كليًا بذعر من اتصال "زين" الوارد. التفت الرجل بعد أن سمع صوت اهتزاز الهاتف.
رأته "مسك" يقترب من الكابينة لتركض نحو سيارتها وضغطت على مفتاح التشغيل فسمع الجميع صوت بواق السيارة وركضوا إلى هناك. لمحها أحدهم فمسك قميصها من الخلف لتلكمه في وجهه بقوة والتفتت إليه ممسكة بذراعه ووضعته بين باب السيارة ثم أغلقته بقوة على ذراعه فسقط الرجل أرضًا من الألم. بدأت في العراك مع هؤلاء. رفعت "ورد" رأسها خلسة لتُصدم مما تراه و"مسك" تواجه هؤلاء بقوة دون خوف بل تلكم وجوههم بمهارة. ركلت أحدهم في قدمه ليسقط على ركبته وبقدمها همشت رأسه بركلة واحدة. أخرج أحدهما مسدسًا كأنه حسم أمره من مقابلتها بالسلاح عوضًا عن الاقتراب منها ومقاتلتها خاشيًا الاقتراب منها. صوب مسدسه نحو رأس "مسك". انتفضت "مسك" بذعر عندما سمعت صوت إطلاق ناري والتفتت لترى "ورد" تقف خلف الرجل وخرجت من مخبئها عندما رأته سيقتل "مسك" غدرًا وأطلقت النار وسقط المسدس من يديها المرتجفة لكنها لم تصب أحد بسبب فشلها في استخدام هذا السلاح. فزعت "ورد" بخوف وهي ترى الرجل يقترب منها بغضب شديد. ضربت "مسك" رأس الرجل الذي تعاركه في أحد السيارات ليسقط أرضًا.
اقترب الرجل من "ورد" ومسكها من لياقتها لتصرخ بذعر لكن سرعان ما تركها عندما سحبته "مسك" من قميصه من الخلف بقوة وأوشكت على خنقه بقميصه. ترك "ورد" واستسلم لسحب "مسك" له قبل أن تخنقه. التفت لها بمهارة ولكم خصرها بقوة لتتألم وتتركه. تبسم وهو يقترب منها لكن لكمته بقوة أسفل ذقنه ليسقط أرضًا. التفتت بألم وهي تمسك خصرها وأخذت "ورد" من يدها وهربوا معًا. نظرت "ورد" إلى "مسك" بصدمة وذراعها المصاب ينزف دماءً لكنها لا تبالي بشيء سوى إعادة "ورد" إلى "زين" فلن تتحمل تأنيب الضمير إذا حدث لها شيء بسبب تقصيرها. اختبأت بها خلف أحد السيارات تلتقط أنفاسها بصعوبة. وضعت يدها على معصمها تشعر بضربات قلبها بقلق من أن تؤثر إصابتها على ضغط دمها وقلبها. نظرت إلى "ورد" وهي تشعر برعشتها. دمعت عيني "مسك" بخوف على هذه الفتاة مما يحدث الآن. تعلم أنها تصارع عقلها في ذكريات الماضي وما مرت به. تحدثت "مسك" تطمئنها قائلة:
- ما تخافيش أكيد زين في الطريق هو مش هيتأخر عليكي.
اندُ
لكن خليكي قوية.
هزت "ورد" رأسها بنعم وجففت دموعها، تسللت الاثنتين من مكان اختبائهما و"مسك" متشبثة بها بقوة حتى لا تفقد "ورد" طاقتها وعقلها مما يحدث. ساروا خلف هذه السيارات المصفوفة بحذر وخطوات خافتة حتى لا يشعر بهم هؤلاء. عيني "مسك" تراقب المكان فلم تنتبه لأسفل قدمها عندما دهست على عصا حديدي جعلتهم ينتبهوا إلى مكان وجودهم. ركض الرجال إليها لتترك يد "ورد" وتبدأ معركتها مع هؤلاء و"ورد" تصرخ بهلع وخوف شديد وتضع يديها على أذنيها. ركلت "مسك" الرجل في خصره قبل أن يقترب وهمشت فك وجه الآخر بمرفقها بقوة، لكن رغم قوتها تلقت ضربة على رأسها بعصا من ثالثهم أسقطتها أرضًا على وجهها وآخر ما رأته قبل أن تفقد وعيها أحدهم يأخذ "ورد" وهي تبكي بهلع وكاد قلبها أن يتوقف من الخوف بسبب حادثتها السابقة. أغلقت "مسك" عينيها فاقدة للوعي ولسانها يتفوه باسمه قائلة:
- تيام!
وصل "زين" بسيارته إلى المكان الذي أرسلته "ورد" وترجلوا من السيارة. ركض "تيام" بذعر إلى سيارتها الموجودة هناك ووجد على الأرض الكثير من الدماء وسيارتها شبه مدمر هيكلها الخارجي من صدمات السيارة بها من أجل الحصول عليهم. انتفض فزعًا و"زين" يصرخ باسمها بغضب شديد قائلًا:
- ورد!
مرت سيارة بسرعة جنونية نحو باب الخروج ورآها "جابر" ليُصدم عندما رأى "ورد" بداخلها والرجل يضع يديه على فمها فصرخ بغضب:
- أهم!
التف الاثنان ينظرون إلى السيارة ليركض "زين" خلفها وعينيه لا تفارق محبوبته التي تنتفض خوفًا وتنظر إليها باكية. صعد "تيام" بالسيارة وانطلق خلفهم بغضب سافر تاركًا "جابر" خلفه لكنه توقف جوار "زين" حتى يصعد معه. ضغط على البنزين بقوة ليزيد من سرعة السيارة وحاول أن يتخطاها لكن سائقهم لم يترك له الفرصة و"ورد" تبكي بخوف وعينيها لا تفارق سيارة "زين" فحسمت أمرها أن تتشجع قليلًا وتحاول أن تنقذ نفسها وتساعد "زين". قضمت كتف السائق بقوة بأسنانها ليصرخ بهلع وجذبها الرجل الجالس جوارها ودفعها بقوة في النافذة لترتطم رأسها بها فتألمت.
أخرج "تيام" مسدسًا من خلف ظهره ومده إلى "زين" فنظر "زين" إليه بصدمة من حمل "تيام" لسلاح معه لكنه أخذه وبدأ يطلق النار على السيارة وبنهاية المطاف نجح في إصابة الإطار الخلفي للسيارة ليفقد السائق سيطرته على القيادة. ترجل الرجال لمواجهتهم وبدأ "زين" في العراك معه بجانبه ضد هؤلاء ولأول مرة يقف هذان الاثنان في صفٍ واحدٍ متحدين ضد أحد. قفز أحدهم من فوق الكوبري هاربًا منهم والآخر سقط على الأرض ضعيفًا مغميًا عليه بسبب هذا القتال القوي ولكمة "تيام" كانت قوتها أضعاف مضاعفة لقوة قبضة "مسك" ذات الأيادي الناعمة الصغيرة. هرع "زين" يفتح باب السيارة وأخرج "ورد" منها لترتمي في حضنه بخوف وتشبث بها بقوة مطوقًا إياها بذراعه وقال:
- أنتِ كويسة؟
أومأت إليه بنعم ورجفتها تزداد من خوفها. بحث "تيام" عنها في السيارة ولم يجد لها أثر وقبل أن يسأل رأى "ورد" تهرع إلى خلف السيارة بخوف سافر وفتحتها بذعر وتتطلع بـ"مسك". ذهب "تيام" للخلف وصُدم مما يراه لأول مرة يهزمها أحدٌ. حملها برفق شديد على ذراعيه وأخرجها من السيارة ثم جلس على الأرض بها ينظر إلى وجهها وذراعها المصاب. ربت على وجنتها بلطف وقلبه ينقبض ذعرًا من حالتها التي يرثى لها. تفوه باسمها بلهجة واهنة:
- مسك!
نظر "زين" إليها ويبدو أنها خاضت شجارًا قويًا حتى وصلت لهذه الحالة التي يُرثى لها. أخذوها للمستشفى وقصت "ورد" كل شيء حدث إلى "زين" وأنها السبب في خروجهم من القرية وخروج "مسك" من غرفتها من الأساس. أخبرته بأنها لم تترك يدها ووعدتها بأن تعيدها إليه. وقف "تيام" بغضب سافر مستمعًا إلى حديثها بينما هي تقف هنا تتحدث وتتنفس و"مسك" هي المصابة فقال باقتضاب مستشاطًا غيظًا:
- يا ريتها كانت سيبتك، كل المصايب دي من تحت رأسك. لو هو مش قادر يحميك ليه مسك هي اللي تحميكي وأنتِ مالك تخرجيها من أوضتها ولا لا هي.
نظرت "ورد" إليه بحزن شديد وهو يخبرها بأنها السبب في حالة "مسك" الآن. مسكه "زين" من لياقته بقوة وقال:
- كلمة تانية منك وهنسي المكان اللي إحنا فيه.
أبعدتهم "ورد" عن بعض بغضب سافر وتتذكر حديث "مسك" لها ثم قالت:
- هو أنتوا إيه مبتتعلموش؟ إحنا كنا هنموت بسببكم أنتوا الاثنين. كانوا عايزين يقتلوها لإنها مراتك مش لإإنها بتحميني، وكانوا هيقتلوني لإنني خطيبتك يا زين. في حد عايز يخلص منكم أنتوا وإحنا اللي بندفع الثمن وأنتوا كل اللي فارق معاكم مين اللي هيعلم على الثاني.
تركه "زين" بغضب مكبوح بداخله والتف "تيام" يعطيهم ظهره ويتأفف بضيق. خرج الطبيب لهم وأخبره بأنها بخير ومجرد كدمات ولم يصيبها أي إصابة بالغة. دلف "تيام" إليها وجلس جوارها يتطلع بوجهها المليء بالكدمات ليرفع يده إلى وجهها يبعد خصلات شعرها عنه بلطف صامتًا ويرمق اللاصقة الطبية الموجودة بيسار جبينها. أخذ يدها في راحة يده ليرى جروحها وأصابعها المدمرة من لكماتها القوية فربت عليها بيده الأخرى برفق. فتحت "مسك" عينيها بتعب شديد في انحناء جسدها من القتال. رأته يجلس جوارها ويديها في يده تنهدت بأريحية متحاشية النظر إليه وتتمتم بخفوت:
- ما دام أنت هنا يبقى ورد كويسة.
اندهش من قلقها على "ورد" أكثر من حالها فترك يدها وعقد ذراعيه أمام صدره وقال بغرور:
- اقلقي على نفسك الأول بس. إزاي سيبتيهم يعملوا في وشك فرح.
اعتدلت في الجلوس بتعب يمزقها في أطراف جسدها وقالت بسخرية من كلمته:
- أبقى فكرني أعزمك فيه.
حدق بها بغيظ شديد من سخريتها وهي لا تبالي بما حدث لها وقال:
- مفكيش حتة سليمة أضربك فيها.
نظرت إليه ببرود شديد مستشاطة غضبًا من غلاظته وقالت:
- ولا تقدر أصلًا جرب كدة... لحظة أبقى جرب بعدين عشان معنديش طاقة أضرب حتى صرصور.
التفت نحوه لكي تغادر السرير فأوقفها "تيام" بقلق شديد قائلًا:
- أنتِ بتعملي إيه؟
- همشي أنا كويسة.
قالتها بتعب شديد وجسدها منهكًا كليًا. تحدث بقلق بعد وقوفه جوارها يمنعها من مغادرة السرير:
- طب نسأل الدكتور.
أشارت بسبابتها على وجهها بثقة وقالت بتهكم:
- وأنا إيه بتاعت بطاطا؟
رفع حاجبه إليها بتذمر شديد من ثقتها التي تحولت لغرور قاتل وكبر ثم قال:
- بطاطا! أنتِ جعانة؟
- أكيد ما أنا بني آدم طبعًا مأكلتش من إمبارح.
قالتها وهي تقف محلها وتضع يدها على ظهرها وتمطي جسدها لتتألم من هذا الجسد الذي تلقى الضرب المبرح قائلة:
- آاااه، أنا محتاجة أنام أسبوع.
- أشيلك طيب؟
قالها "تيام" بجدية بخوف عليها بعد أن صرخت بخفة من الألم لكنها رمقته بغضب شديد وعينيها تطلق نظرات تهديدية قاتلة ولسانها يقول بتحذير:
- إياك تلمسني!
ضحك بسخرية عليها فمنذ قليل حملها على ذراعيه حتى جاء بها إلى هنا ولم تمنعه بسبب فقدها للوعي وغادر أمامها فسارت خلفه بغضب ولا تقوى على السير نهائيًا لتقول بتمتمة متذمرة بوجه عابس:
- أنا محتاجة عشرة يشيلوني.
خرجت من الغرفة لتُصدم عندما حملها "تيام" على ذراعيه بالقوة لتصرخ به بانفعال قائلة:
- أنت اتجننت!
سار بها للأمام ويحكم ذراعيه عليها بقوة حتى تكف عن مقاومته وعينه ترمق عينيها بجدية ممزوجة بالخوف عليها وقال بحدة صارمة:
- أنا جوزك لكن العشرة اللي عايزهم دول إيه؟!
ابتلعت لعابها بحرج من سماعه لكلمتها وسكنت بين ذراعيه بحرج من نظراته متحاشية النظر إليه بارتباك. سار بها في الردهة حتى وصل للخارج كان "زين" و"ورد" في السيارة بانتظارهم. وضعت رأسها على كتفه بحرج شديد لكنها كانت متعبة وعلى وشك فقد وعيها. صعد بها في المقعد الخلفي وجلس جوارها. تحدثت "ورد" بأسف شديد:
- أنا آسفة والله كل دا بسببي.
تبسمت "مسك" وهي تنام على الأريكة من الخلف باستسلام لتعب جسدها المرهق وقالت:
- متقوليش كدة، لو كان جرالك حاجة مكنتش هسامح نفسي أبدًا.
نظر "تيام" إليها بسخرية وقال بتمتمة:
- أهو جرالك أنتِ.
قرصت "مسك" خصره بغضب من كلمته ليتألم فنظر "زين" عليه في المرآة بغضب شديد لا يتحمل وجوده معه في سيارة واحدة. تحدث بجدية:
- أنا مكنتش أعرف تيام بيه بيشيل مسدسات.
رمقه "تيام" باشمئزاز شديد من لهجته كأنه يسخر منه فقال بازدراء:
- أمال أحمي نفسي من الثعالب اللي زيك إزاي؟
التف "زين" له يحدق به غيظًا وعلى وشك ضربه الآن لكن أوقفه "ورد" التي مسكت رأسه تُديرها للأمام بسرعة غاضبة من عناد حبيبها:
- بص قدامك يا زين إحنا مش عايزين نرجع المستشفى تاني.
نظر للأمام بغيظ شديد من هذا الرجل والتزم الجميع الصمت حتى وصلوا للفندق. ترجل "تيام" من السيارة ثم حملها على ذراعيه بعد أن دخلت في نوم عميق من التعب. دلف "زين" إلى الفندق ويأخذ يد "ورد" في قبضته بخوف من تركها وحدها. رأتهم "زينة" لتفزع من حالة "مسك" وقالت:
- حصل إيه؟
تجاهلها "تيام" بنظرات باردة رغم اندهاشها من رؤية "تيام" و"زين" معًا لأول مرة واتجه إلى المصعد وصعد بها إلى الجناح الملكي ووضعها بالفراش ثم وضع الغطاء عليها بلطف. مسح على رأسها بحنان وقال:
- ورب العرش لأدفع بكر تمن عملته دي...
________________________
صُدمت "زينة" مما سمعته للتو من "متولي" ومحاولة اختطاف "مسك" و"ورد" وقالت:
- ومين اللي له مصلحة في أذية ورد ومسك؟ الحمد لله إن ورد ما جرالهاش حاجة.
تبسم "متولي" بمكر ثعباني وقال:
- وإن كان جرالها، إحنا مالنا المهم نوصل لهدفنا.
التفت "زينة" إليه بذهول من كلماته وبسمته ترعبها فسألت بقلق:
- متولي!
أنت مالكش يد في اللي حصل مش كدة؟
اقترب منها بخبث شديد وقال:
دي مجرد قرصة ودن، تيام وزين لازم واحد فيهم يخلص على الثاني أو هم الاثنين يخلصوا على بعض عشان حضرتك تكوني فوق الكل، أنت اللي تستاهلي المنصب دا مش هم، كل واحد فيهم مشغول بحياته والبنت بتاعته لكن أنت بس اللي مكرسة حياتك للمكان دا من سنين طويلة يبقى مينفعش تكوني أقل منهم.
صدمت "زينة" من فعل "متولي" الذي خطط ونفذ دون أن يسألها لكنها لم تتحدث بشيء وظلت تستمع إلى "متولي" وخططه الماكرة للحصول على هذا المنصب إليها وأقنعها بأنها الوحيدة التي تستحق هذا.
(مستشفى القاضي)
دلف "سراج" إلى مكتب "غريب" بقلق شديد ثم قال:
غريب بيه؟
رفع "غريب" نظره إلى "سراج" بقلق من نبرته ووجهه الذي يوحي بأن هناك كارثة حلت عليهم وقال:
خير!!
تحدث "سراج" بخوف قائلًا:
بكر نزل في نفس الأوتيل مع دكتورة مسك والنهار دا الصبح اتعرضت لمحاولة خطف لكن تيام أنقذها.
انتفض "غريب" من محله فزعًا على ابنته الوحيدة الآن وقد أوشك على فقدها اليوم، قال بصدمة:
إيه؟! تروح الغردقة دلوقت حالًا وتجيبها معاك غصب عنها.
أزاي وجوزها؟ دكتورة مسك متجوزة دلوقت وفي حكم جوزها.
قالها "سراج" بحيرة من أمره ليتابع "غريب" بغضب سافر:
سمعت قولت إيه؟ تجيبها غصب عنها وعن عيني جوزها حتى لو اضطرت تجيبها بالقوة..
أومأ "سراج" له بنعم وغادر المكتب مستعدًا للسفر إلى الغردقة كي يجلبها إلى والدها رغمًا عنها.
رواية وختامهم مسك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور زيزو
خرجت "مسك" من غرفتها مع أذان المغرب، وتحرك ذراعيها في حركات دائرية بتكاسل، لتُدْهَش عندما رأت "تيام" جالسًا على السفرة ويتناول طعامه.
تطلع "تيام" بها، وبدأت كدمات وجهها تشفى قليلًا عن الأمس، ترتدي بيجامة وردية اللون بنصف كم وبنطلون فضفاض من القطن الصافي.
جلست على السفرة صامتة وبدأت تتناول لقمتها، لكن صُدِمت عندما مسك "تيام" فك وجهها يدير رأسها له.
فتحدثت بغضب:
- في إيه؟
نظر إلى وجهها رغم غضبها وعبوسها، لكن يتأمل جرحها بقلق. ترك وجهها وعاد لتناول طعامه في هدوء وقال ببرود:
- إيده كانت ثقيلة أوي، تسلم إيده.
رفعت حاجبها إليه بغيظ شديد من استفزازه لها ثم قالت:
- دمك مش خفيف على فكرة.
ضحك "تيام" بعفوية عليها ويديه تقطع شريحة اللحم بالسكين.
نظرت إلى بسمته باندهاش، ليشعر بنظراتها المُسلطة عليه ورفع رأسه إليها.
تحاشت "مسك" النظر إليه بهدوء ثم قالت:
- شكرًا.
تعجب من كلمتها المفاجئة وترك السكين من يده بهدوء ثم تنحنح وقال باستغراب:
- على إيه؟
- عشان أنقذت حياتي.
قالتها بامتنان شديد مُدْرِكة أن لولا وجوده ووصوله لها لأصبحت الآن في مكان آخر.
قرب "تيام" رأسه إليها واتكأ بذراعيه على السفرة وبسبابته نقر على وجنته يطالب بقبلة منها مع شكرها.
نظرت إلى وجنته ولحيته مُطولًا ثم قالت:
- تعرف بأفكر في إيه؟
ضحك وهو يعود بظهره للخلف من جديد وقال بسخرية:
- تضربيني كف!!
تبسمت بعفوية على إدراكه لما تريده وتفكر فيه.
نظر إلى بسمتها بإعجاب رغم وجهها الملئ بالجروح، لكنها ما زالت الفتاة التي أصابت حياته بالكثير من الفضول والإعجاب.
خجلت "مسك" من نظرته وهي تأكل طعامها، فابتلعت لقمتها بتوتر شديد وقالت بعبوس:
- إيه! قوم انزل.
مط شفتيه باستغراب شديد لكلمتها وقال مُندهشًا من هذه الزوجة:
- أنا مش فاهمك، أول مرة أشوف واحدة تقول لجوزها ينزل للبنات والسهر.
تبسمت بسخرية على كلمته ثم قالت:
- لتكون فاكر أن ممكن أغير ولا أمنعك، أنا كان لي شرط أنك متتدخلش في حياتي وفي المقابل أنا كمان مش هدخل في حياتك، اعتبرني مش موجودة.
تنهد "تيام" بضيق من كلماتها وهي تخبره بأنها لا تكترث له ولا لأفعاله.
وقف ليغادر من أمامها غاضبًا، ليس منها بل من عقله الأحمق، فهو أيضًا يرغب بالذهاب لكن عقله لم يتركه يفعل ذلك.
كلما اقترب من فتاة رأى وجه "مسك" وحدها... أخبرته بأنها لا تعير اهتمام له، في حين أن عقله لا يهتم سوى بها ولا يعرف ماذا يحدث معه بسببها؟
_______________________
تحدث "جابر" بثقة قائلًا:
- أنا مندهش... تيام عمره ما قعد يومين على بعض من غير نزواته ودلوقت بقاله أسبوع ما دخلش في علاقة مع واحدة.
تأفف "زين" بغضب من الحديث عن "تيام" ثم قال بتهكم ساخرًا من هذا الرجل:
- ليكون حب جديد!!
تبسم "جابر" بعفوية ثم جلس على الأريكة المقابلة لـ "زين" وقال بجدية:
- مع أنك بتقولها بسخرية واضحة لكن مش بعيد، أنت مشوفتش قلقه وخوفه على مسك امبارح، بلاش مشوفتش أنه بدأ يهتم بالشغل... آه مبطلش شرب ولسه بيعرف بنات، لكن محدش بيتغير مرة واحدة.
رفع "زين" نظره إلى "جابر" بنظرة غضب ممزوجة بالقلق من بدء "تيام" في التغيير ثم قال:
- عايز تقول إيه؟
تنحنح "جابر" بهدوء ثم قال:
- عايز أقول أن رغم تهوره وجوازه من دكتورة مسك المفاجئ، لكن التهور دا جه لصالحه، قوتها وشجاعتها هم اللي هيغيروه تغيير جذري.
صمت "زين" مُستشاطًا غيظًا فتبسم "جابر" بعفوية على هذا العبوس وخرج من المكتب تاركًا "زين" خلفه.
________________________
استيقظت "مسك" صباحًا على صوت هاتفها الذي يدق كثيرًا.
رأت رقم "ورد" فأجابتها بتعب وصوت مبحوح:
- ألو!!
أغلقت معها بعد أن طلبت "ورد" منها النزول.
نزلت "مسك" للأسفل وبحثت عن "ورد" على الممشى الخشبي الممتد داخل البحر والمياه والأسماك أسفلها.
كانت ترتدي بنطلون جينز وتي شيرت أزرق وفوقه سترة بيضاء قطنية طويلة ومفتوحة تصل لركبتها.
شعرها يتطاير مع نسمات الهواء القوية حتى رأت "ورد" تجلس هناك.
جلست "مسك" جوارها بكسل شديد وخمول في جسدها ثم قالت:
- مصحيني على الصبح عشان أتفرج على البحر.
التفت "ورد" وهي جالسة على حافة الممشى مُرتدية فستان أخضر طويل بقط وتطوي قدميها بعفوية ثم قالت بحماس:
- لا عشان محتاجة تساعديني.
نظرت "مسك" إليها باستغراب شديد وتساءلات كثيرة ضربت عقلها مُنتظرة بقية الحديث.
تنحنحت "ورد" بتوتر خوفًا من هذه الفتاة التي لكمتها تسبق لسانها ثم جمعت شجاعتها وقالت:
- أنا فكرت في كلامك طول الأيام اللي فاتت واقتنعت أن في حد ثالث عايز يوقع بينهم، موصلتش لوجه الاستفادة له من كل دا، لكن في حد ثالث.
أومأت "مسك" لها بنعم ثم قالت بفضول أكثر:
- كويس وبعدين؟
- إحنا لازم نخليهم يتصالحوا ويبطلوا خناق وضرب في بعض، إحنا لازم نفوقهم عشان المجهول الشبح دا ميأذهمش أكثر من كده.
قالتها "ورد" بحماس شديد وعينيها تراقب ملامح وجه "مسك" الباردة بقلق ولا تصدر أي رد فعل حتى قاطعتها "مسك" بجدية صارمة:
- كويس خطوة كويسة، بس مين إحنا؟
أشارت "ورد" بعينيها على "مسك" لتقهقه "مسك" ضاحكة بعفوية ممزوجة بالسخرية وقالت بحدة:
- أنا وأنتِ.. أنتِ ليه بتتعاملي معايا على أني فرد من العائلة المجنونة دي، طب أنتِ وخايفة على خطيبك لكن أنا مالي ما يكش يموتوا بعض.
قوست "ورد" شفتيها للأسفل بخذلان وحزن ثم قالت بجدية:
- لا بقى أنتِ فرد من العائلة دي وأكثر مني كمان، أنتِ مرات تيام الضبع رسمي وقانوني لكن أنا مجرد خطيبة لزين يعني لا قدر الله لو حصل حاجة وسابني هيبقي ماليش أي علاقة بيهم نهائي.
وقفت "مسك" غاضبة من هذه الفتاة وحديثها ثم قالت:
- طلعيني برا الموضوع دا.
هرعت "ورد" خلفها بإصرار قوي حاسمة أمرها على موافقة "مسك" بالإكراه من أجل هذه العائلة وفض النزاع والحرب التي نشبت نيرانها بين هذين الرجلين مُنذ زمن.
تحدثت بجراءة:
- اسمعي بس أنتِ الوحيدة اللي بتقدري تقفي قصاد تيام وتتحديه، صدقيني لو جابر نفسه هيعرف يجبره على الصلح دا كنت طلبت منه لكن تيام مالهوش كبير لكن أنتِ غير يا مسك، أنا سلاحي في السلام دا هو قوتك وجرأتك عشان أنجح في السلام بينهم... بعدين دا تيام جوزك.
لم تتوقف "مسك" عن السير بل ظلت تكمل سيرها هاربة من إصرار "ورد" بغيظ يحتل عقلها ثم قالت:
- لا يعني لا يا ورد، أنا ماليش دعوة بكل دا وبعدين أنا مالي أنا كده أو كده ماشية وسايبه أتعب نفسي معاه ليه؟ وبعدين أنا ما بجتمعش معاه في مكان واحد إلا بتقوم الحرب بينا.
مسكت "ورد" يدها توقفها عن الرحيل ثم نظرت إلى عينيها بترجي وقالت بلطف:
- أرجوكي يا مسك، أنا مقدرش أشوف حد بيمكر لزين ولا بيفكر في أذيته وأنا معرفش اللي بيعمل كده هدفه إيه أو عايز منهم إيه؟ واعتبرها ثمن حياتك اللي تيام وزين أنقذوها.
تأففت "مسك" بضيق شديد وعينيها ترمق وجه "ورد" بغلاظة واختناق من إصرار "ورد" التي عزمت أمرها على موافقة "مسك" بالقوة.
كادت أن تتحدث حتى قاطعها صوت "سراج" من الخلف يقول:
- دكتورة مسك.
التفت "مسك" له باندهاش من ظهوره هنا وقالت بتردد:
- سراج!!
أخبرها بأنه جاء لأخذها إلى والدها، فتوقف عقل "مسك" عن التفكير و"بكر" الذي قتل أختها هنا، وإذا ذهبت سيذهب خلفها حتمًا ولن يتغير شيء في رحيلها.
ما زالت لم تنتقم من قاتل أختها فقالت بغضب:
- لا أنا مش همشي معاك.
تنحنح "سراج" وأخذ خطوة نحوها وعينيه تحدق بقدميه ثم رفع نظره إلى "مسك" بهدوء وقال:
- أنا معايا أمر مرجعش إلا بحضرتك حتى لو بالقوة، بلاش تجبرني أضطر لاستخدام القوة.
اقتربت "مسك" خطوتها الأخيرة منه ورفعت حاجبها بغضب سافر من كلمته التي جرحت كبرياءها ودهست على كرامتها ثم قالت بتهديد:
- تقدر! لو تقدر يلا خليهم ياخدوني غصب أو أقولك على طريقة أفضل خليهم يجيبوني من شعري.
رمقها "سراج" بقلق من مواجهتها في القوة ثم قال بلطف:
- أرجوكي يا دكتورة مسك، حضرتك أكيد مترضيش لينا بالأذية، دا أمر.
- بابا اللي أدى الأمر دا، هو أتبرى مني وأنا المرة دي اللي بقولك أني مش هرجع معاك.
قالتها بجدية صارمة.
أشار "سراج" إلى رجاله بأن يأخذوها بالقوة وهو لا يملك خيار آخر.
اقترب رجلان منها لتلكم وجه أحدهما.
توقف الجميع عما يفعلوا عندما رأوا هذا المشهد وبدأوا يتشاهدون.
كان "تيام" جالسًا مع عميل يتحدث معه عن رحلة ترفيهية سُتقام في القرية تحت إشرافه، حتى رأى رجال الأمن يركضون بذعر فشعر بانقباض قلبه وأن هذا الركوض خلفه "مسك" حتمًا.
ركض معهم إلى الميناء ومكان صفوف السفن والمراكب ليرى رجال قربها ويحاولون أخذها بالقوة.
هرع نحوهما وأبعد الرجل عنها ثم وقف بالمنتصف وهي خلفه عندما رأى وجه "سراج" وتذكره فورًا، هو نفس الشخص الذي نقل لها خبر وفاة "غزل" فقال بحزم:
- في إيه؟
- دكتورة مسك!
قالها "سراج" بجدية لتصرخ به بانفعال شديد وهي تقف خلف "تيام" ثم قالت:
- مش هاجي معاك، أنا مش عايزة أرجع... أنا هفضل هنا مع جوزي.
فهم "تيام" الأمر من حديثها وقال بجدية غاضبًا من هؤلاء الذين جاءوا لأخذها بالقوة:
- أنت عايز تاخد مراتي ليه متجوزة من أمك؟
جز "سراج" على أسنانه بغضب سافر من طريقة حديث "تيام" الصارمة وقال بهدوء كاتمًا غضبه:
- دا أمر.
ضرب "تيام" كتفه بسخرية وقال بتحدٍ:
- على نفسك، يكش تكون فاكر أنك هتيجي ساحبلي وراك رجال وهتاخدها كده عادي، نصيحة مني خد ال... الرجال خليني محترم للآخر واخلع من هنا بدل ما آخذكم برابطة المعلم كده على قسم وبتهمة خطف أنثى.
يلا يا بابا يلا يا حبيبي وريني طولك كدة وأنت ماشي.
نظر "سراج" إلى "مسك" التي تبسمت إليه بانتصار شديد، و"تيام" يقف في مواجهته، ثم خرج من القرية واتصل بـ "غريب" يخبره بما حدث. التفت "تيام" إليها ورأى بسمتها فقال ببرود:
- ما تبطلي ذراعك اللي سابق لسانك كدة، أنت بقيت ماركة مسجلة هنا في البلطجة... عيب أنت أنثى مع أنك...
نظر إليها من الرأس لأخمص القدم بسخرية من ملابسها ثم قال:
- مع أنك ما تعرفيش حاجة عن الأنوثة ومسترجلة في نفسك كدة أكثر مني.
ضربت قدمه بركلتها غيظًا من كلماته الحادة. تألم "تيام" من ركلتها القوية فقالت:
- عشان تتعلم تسترجل شوية وأنت بتتكلم معايا، وأحمد ربنا أني استخدمت رجلي مش إيدي.
تبسمت "ورد" مما تراه وتحدي "مسك" له لتدرك بأنها أحسنت اختيار شريكتها في هذه المهمة ولن تتوقف حتى تقنع "مسك" في مساعدتها. غادرت "مسك" من أمامه مستشاطة غضبًا من كلمته لتهرع "ورد" ركضًا وراءها.
***
استيقظ "بكر" صباحًا يمطي جسده بتكاسل فشعر بشيء أسفل يده، نظر ليجد رصاصة نارية. فزع من فراشه من وجود رصاصة على وسادته وينظر لها بخوف شديد حتى قاطع هذا الخوف اتصال وارد على هاتفه من رقم مجهول. وضع الهاتف على أذنه وقال بقلق:
- ألو.
أتاه صوت "تيام" القوي يقول بجدية وتهديد:
- عجبتك هديتي؟
نظر "بكر" إلى الرصاصة التي في يده بصدمة وتنهد باختناق سافر ثم سأل بحدة:
- أنت اللي دخلت أوضتي؟
قهقه "تيام" بسخرية من غبائه وقال بتهكم شديد:
- هههه، وهو مين اللي هيعرف يدخل أوضتك غيري؟ المرة دي أنا سبتهالك تشوفها، المرة الجاية اللي هتقرب فيها لمسك مش هتعرف تشوفها عشان هتكون في رأسك أو قلبك، أيهما أقرب.
جز "بكر" على أسنانه وقال بمكر:
- أنت قد اللي بتعمله دا؟
أومأ "تيام" إليه بثقة وقال ببرود قاتل أكثر من رصاصته:
- لو ما كنتش قده ما كنتش عملته. جرب تقرب لمسك حتى لو صدفة وهتشوف اللي أنا قده إيه.
أنهى "تيام" الاتصال بعد أن ترك تهديدًا واضحًا إلى "بكر" يحذره من الاقتراب من "مسك" زوجته. استشاط "بكر" غيظًا من فعلته وألقى بالرصاصة بعيدًا.
***
تحدث "متولي" مع فتاة خارج مكتب "زينة" وقال بحزم:
- يعني إيه مش عارفة؟ أمال أنا دفعتلك ليه؟
رفعت الفتاة عينيها بضيق إليه وقالت بغضب من فشلها:
- أعمل إيه؟ بقولك ما بصش فيا بصة واحدة وقالها لي صراحة كدة أنا متجوز.
التفت "متولي" بحذر ينظر حوله غيظًا ثم قال بضيق شديد:
- يعني تيام جه على إيدك وتاب.
رفعت "ليلى" أكتافها بلا مبالاة وقالت ببرود:
- لا وأنت الصادق دا على إيد مراته. البنات كلهم بيقولوا إن مفيش واحدة بقيت بتطلع معه الأوضة وبقي ينزل يشرب كأسين ويمشي لوحده.
مسكها "متولي" من ذراعها بقسوة يجذبها إليه ويده تضغط عليها وقال بحزم:
- بقولك إيه يا ليلى، الهري اللي بتهري فيه دا ما يخصنيش. ما تقنعنيش إن تيام بيه على سن ورمح تاب وفجأة ما بقاش عايز ستات. أنا مش طالب منك المستحيل، أنا عايز شوية صور له.
تأففت "ليلى" بغيظ شديد من جحود هذا الرجل الخبيث ثم دفعت يده بعيدًا عنها وقالت بضيق:
- ماشي هحاول تاني.
أومأ إليها بنعم وتركها لكي تغادر قبل أن يراها أحد معه ودلف إلى مكتب "زينة". كانت تباشر عملها في صمت وتركيز شديد حتى ولج "متولي" رفعت عينيها به وقالت:
- إن شاء الله ما تكونش بتخطط لحاجة تانية من ورايا.
تبسم بمكر شديد وقال بعفوية:
- ما أقدرش يا ست الناس، أنا بس عايز مصلحتك ومش عاجبني أنك تفضلي تحت وناس تانية هي اللي بتعلى فوق.
- أنا عاجبني مكاني كدة وإياك يا متولي تعمل حاجة كدة ولا كدة ولا تفكر تلعب بديلك من ورايا تاني، ورحمة أمي لأقطعهولك بإيدي.
قالتها بلهجة قوية وعنف ليومئ إليها بنعم. عادت بنظرها إلى التابلت الموجود أمامها وقالت بتمتمة:
- أنا شوفت على إيدك ضحك ووشوش التماسيح وعرفت إن مش بس الدموع اللي في منها دموع تماسيح.
تنحنح بحرج من كلماتها لتقول:
- عارف لو فكرت تقرب من ورد تاني هعمل فيك إيه؟ هشيل رأسك من على أكتافك يا متولي.
أومأ إليها بنعم بخوف من غضبها وتهديدها عندما وضع يديه على رقبته وقال بتوتر:
- أبدًا والله ما هقرب من آنسة ورد تاني نهائي.
هزت رأسها بنعم وأشارت له بأن يغادر بينما أكملت هي عملها.
***
خرجت "مسك" من غرفتها بتوتر شديد وارتباك يسيطر على كل أطرافها تبحث عنه بنظرها فسألت "طاهرة" بتوتر:
- ما شوفتيش تيام؟
أشارت لها على الشرفة وهو يجلس هناك. نظرت "مسك" عليه وقالت بلطف:
- اعملي نسكافيه.
ذهبت إليه ووقفت قربه بحرج لا تعلم ماذا تفعل هنا ثم قالت:
- ممكن أقعد؟ عايزة أتكلم معاك.
رفع حاجبه إليها باندهاش وأشار بسبابته على صدره ثم قال بلهجة صادمة وحازمة:
- مين أنا؟ اتفضلي مش عادتك.
جلست على المقعد المجاور له بتوتر وتتحاشى النظر إليه بحرج تحاول أن تجمع كلماتها في جملة مفيدة تتفوه بها. تابعها "تيام" بنظراته منتظرًا أن تتحدث كما قالت لكنها لم تتفوه بكلمة واحدة وتفرك أصابعها معًا بتوتر وقدميها تهتز بقوة ليقول بجدية:
- إيه اللي مربك أوي كدة؟ الموضوع محتاج كل التوتر دا؟
رفعت نظرها إليه بهدوء ثم قالت:
- أنا؟ بص بصراحة كدة أنا جاية أتكلم معاك في موضوع شخصي، هو يخصك لوحدك وما يخصنيش ولا العلاقة بينا تسمح أني أتخطى الحدود وأتكلم فيه بس مضطرة.
أومأ رأسه بنعم متسائلًا بنظراته التي ترمقها باهتمام بعد كلماتها عن هذا الحديث وقال:
- اللي هو؟ اتكلمي من غير مقدمات.
- زين.
قالتها بارتباك شديد بعد أن رفعت نظرها به. وقف من مقعده بغضب سافر بعد ذكر اسم "زين" وقال بغضب مكبوح لا يرغب بإطلاقه بها:
- ما تتكلميش ومين اللي سمح لك أنك تتخطي الحدود دي ها؟
وقفت هي الأخرى وسارت خلفه حتى وقفت أمامه تحدق بوجهه وقالت بجدية دون خوف من رد فعله:
- للأسف ما كنتش أحب أتخطى الحدود دي لكن هم اللي دخلوني في الموضوع وبقيت طرف فيه غصب عني.
عقد حاجبيه مستغربًا كلمتها وقالت بتساؤل:
- هم!! هم مين؟
ابتلعت لعابها بتوتر ثم قالت بحزم:
- اللي بيحاولوا يوقعوا بينكم... ما سألتش نفسك مين اللي بيحاول يقتلك ولبسها لزين وبعدها عمل اللي عمله في ورد ولبسها فيك عشان توقعوا في بعض؟ مين اللي ممكن يخطفني أنا وورد وإحنا ما لناش عداوة مع حد؟ ماشي يمكن أنا ليا عداوة مع بكر لكن ورد البنت البريئة الطيبة مين ممكن يعاديها؟ اللي عمل كدة حد عايز يفرقكم أكثر، خطف خطيبته ومراتك وأنت شوفت بنفسك اللي كان هيحصل.
حك "تيام" جبينه بغضب شديد من كلماتها ثم قال بتهكم:
- بكر.
- بكر عايز يأذيني أنا، لا عايز يأذيك ولا يأذي ورد ولا يعرف زين... أنا بس. تيام ركز، اللي هجموا عليك يومها كانوا عايزين يقتلوك أنت ومحدش اهتم لوجودي. اللي عمل كدة مستحيل يكون بكر... آه هو اللي حاول يتهجم عليا في السفاري لكن وقتها أنا كنت لوحدي كان قاصدني أنا لأن أنا عدوته لكن باقي اللي بيحصل مش بكر. مين اللي هجم علينا هنا وقدر يطلع الجناح الملكي؟ أنت بنفسك قولت لزين أنهم من طرف اللي عمل في ورد كدة يعني أنت من جواك واثق أنه مش زين. في حد قاصد فعلًا يفرقك عن زين وبيخلق عداوة بينكم.
قهقه ضاحكًا على حديثها الجاد ثم قال بسخرية:
- دا على أساس أن إحنا عاشقين بعض في الضلمة فالشبح الغامض دا جاي يفرقنا... ما العداوة موجودة.
اقتربت "مسك" نحوه بهدوء شديد وعينيها ترمق عينيه بجدية مباشرة ثم قالت:
- وهو بيستغل دا وعاملكم لعبة في إيده. مش شايف أنكم محتاجين تتحدوا عشان تعرفوا مين دا ولا هتستنوا لما تخسروا أكثر؟ ما اعتقدش إن في أكثر من اللي ورد خسرته، هتستني لما تخسر حياتك ولا أن أنا أحصل ورد ما هو مش كل مرة هتسلم أنا مش الرجل الحديدي اللي مفيش حد بيهزمه.
أخذ وجهها بين يديه بقلق شديد من ذكر هذه الفكرة. مجرد فكرة أصابتها أرعبته وحدق بعينيها بقلق وقال بجدية:
- ما تقوليش كدة، أنا مش هسمح بدا أبدًا.
ابتلعت لعابها بارتباك شديد وخمدت ثورة غضبها لتشتعل ثورة ارتباكها وقشعريرة جسدها عندما لمسها ورأت الخوف والقلق في عينيه. ظلت تتطلع بعينيها بحيرة وقشعريرة جسدها تزيد من توترها فقالت بخفوت:
- تيام أرجوك فكر في كلامي، على الأقل عشان حياتك المهددة بالخطر.
ظل ينظر بعينيها الرماديتين وصدق نبرتها ونظراتها لكنه لا يثق بـ "زين" ولا يرغب في الاقتراب منه بل لن يتحمل البقاء معه في مكان واحد. مجرد ذكر اسمه يفقده أعصابه وهي تريد أن تصحح العلاقة بينهما. تحدث بنبرة خافتة ثم قال:
- أنا ما أقدرش أتحمله، محتاج أشرب لحد ما أتصطل عشان بس أتحمل سماع اسمه.
أبعدته عنها بغضب شديد من كلماته عن السكر ثم قالت:
- حتى في عز اللي بنتكلم فيه كل اللي همك الشرب؟ أنت مستحمل نفسك كدة إزاي؟
جز على أسنانه بغضب سافر وقد تحولت نيرانه الدافئة إلى نيران غضب منها تأكل بصدره فقال باقتضاب:
- زي ما أنت متحملة رجولتك كدة.
رفعت يدها أمام وجهه كي تصفعه لكنها توقفت وجزت على شفتها بأسنانها وقالت بغيظ قاتل:
- أنا غلطانة أني جيت أتكلم مع واحد زيك واعتبرتك راجل.
التفت لكي تغادر من أمامه لكنها صدمت عندما عانقها "تيام" من الخلف بقوة وذراعيه تحيط بجسدها وذراعيها. يحكم تحركاتها ووضع رأسه على أكتافها فصرخت به بانفعال شديد:
- أنت ناوي على موتك على إيدي!
أغمض عينيه باستسلام لدفئها ووجودها بين ذراعيه. هذا العناق الذي جعله يلعن جميع النساء ويرفض دخول أي امرأة أخرى إلى ذراعيه بعدها ليقول بنبرة هامسة قرب أذنيها:
- بلاش أشرب لحد ما أتصطل، ممكن حضن واحد منك وأتحمله لساعة واحدة.
اتسعت عينيها على مصراعيها وانتفض قلبها من محله من حديثه. أيرغب أن تعطيه حضنًا كل ساعة لكي يتحمل "زين"؟ ابتلعت لعابها بتوتر شديد من تشبيهه لحضنها بالشراب الذي يسكره حتى يفقد وعيه. أدارها "تيام" بيده ليحدق بعينيها وذراعه الآخر يحيط بظهرها. رفع يده إلى وجنتها لتبعد "مسك" رأسها للخلف بتوتر واحمرت وجنتها خجلًا من قربه هكذا. تبسم بلطف ويده تلمس وجنتها بحنان يستكشف نعومة بشرتها وقال بنبرة خافتة:
- حضن واحد يا مسك وأستحمله عشانك... أعتبره حضن أخوي يا ستي.
دفعته بعيدًا عنها بقوة تعود لوعيها قبل أن تلين بين ذراعيه ونظرات عينيه العسليتين يربكوها أكثر فقالت بغيظ شديد:
- حضن!! وشوية شوية تطلب حاجات تانية...
أنت حر، مش عايز تصالحه ما تصالحهوش، لكن إياك تقرب مني تاني، وياريت تحافظ على مسافة متر بينا.
غادرت من أمامه غاضبة من تصرفه، ودلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب بسرعة. وقفت خلف الباب خائفة ومرتبكة من هذا العناق، ووضعت يديها على وجنتيها بتوتر. تشعر بحرارة جسدها المرتفعة من حمرة وجنتيها خجلًا، والغضب يفتتها من الداخل بسبب قربه وتجرئه على لمسها.
جاءت طاهرة بكوب النسكافيه من أجلها، ليأخذه تيام ويشربه هو مبتسمًا على قوتها ورفضها له. كان يعلم بأنها سترفض عناقه، لذا شرطه عليها كأنه وضع شرطًا مستحيلًا لها، حتى يستحيل له قبول معاهدة السلام بينه وبين زين.
دلفت ورد خلفه إلى المكتب غاضبة من رفضه، وتقول بتذمر:
وبعدين معاك يا زين؟ هو أنا بقولك حبه؟ أنا بقولك أتصالح معه وتقعدوا تفكروا سوا.
ركل زين مقعد مكتبه بقدمه بغضب شديد من حديثها وعرضها للسلام مع تيام، وقال:
لا يا ورد، لا تيام لا، دا مش لا بس، دا مستحيل على جثتي.
اقتربت ورد منه بهدوء، وقالت بفزع على كلماته:
ألف بعد الشر عليك يا حبيبي، أنا خايفة عليك يا زين، إحنا منعرفش الخطوة الجاية أيه؟
تأفف زين بنبرة غليظة، ثم قال بجدية:
قولتلك لا يعني لا يا ورد، أنا مش عاجز ولا ضعيف عشان أقبل بمساعدة منه.
أخذت يده في يدها بلطف، وقالت بنبرة ناعمة تتسلل إلى قلبه:
صمت زين وعينيه ترمقها بوجه عابس غاضب، فتبسمت ورد إليه بلطف، ليتأفف بضيق ويسحب يده من يدها غيظًا.
فتحت مسك عينيها في منتصف نومها، لتخرج منها صرخة قوية عندما رأته في غرفة نومها. وضع يديه على فمها بقوة يمنع صرختها، وعينيه ترمقها.
رواية وختامهم مسك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور زيزو
فتحت "مسك" عينيها في منتصف نومها لتخرج منها صرخة قوية عندما رأته في غرفة نومها. وضع يديه على فمها بقوة يمنع صرختها وعينيه ترمقها. أبعد "تيام" يده عن فمها بضيق شديد ثم قال بحزم:
- أنا موافق.
أومأت إليه بنعم بفزعها فغادر "تيام" الغرفة غاضبًا بعد أن أخبرها بموافقته على التحالف مع "زين".
خرجت "مسك" من المرحاض صباحًا على صوت رنين هاتفها. كان رقمًا مجهولًا فأجابته عليه بنبرة خافتة تقول:
- ألو.
- دكتورة مسك غريب القاضي؟
سألها المتحدث عن هويتها فجلست على حافة الفراش بجدية تستمع إليه وقالت بنفس النبرة الهادئة:
- أيوة، مين معايا؟
أخبرها أنه يتصل من البنك في القاهرة بعد أن تأكد من وفاة "غزل" وأخبرها بأن "غزل" استأجرت خزينة في البنك وتركتها إلى "مسك" في حالة وفاتها ويجب أن تحضر لتفتح الخزينة. اندهشت "مسك" مما تسمعه ووافقت على الحضور في الغد إلى القاهرة.
ارتدت بنطلون جينز وقميص أبيض بكم وفوقه سترة نسائية بقط باللون الكحلي وصففت شعرها على الظهر بحرية وكعب أبيض عالٍ. أخذت هاتفها في يدها وخرجت لتراه يقف أمام المرآة غاضبًا ويشتعل كالبركان لا يتحمل الهواء الذي يتنفسه. اقتربت "طاهرة" منها بخوف من هذه الطاقة المرعبة التي تبث من "تيام" وقالت:
- ما بلاها الخروجة دي، دا شارب في ساعتين 6 فناجين قهوة ومفطرش وعمال يزعق.
تبسمت "مسك" بلطف على غضبه كأن طفل صغير يطلق العنان إلى غضبه ولا يمكنه التحكم به. سارت "مسك" نحوه وهي تضع هاتفها في جيبها برفق. وقفت أمامه تتكئ بظهرها على الحائط المجاور للمرآة وتطلعت به بهدوء ثم قالت:
- خد نفس عميق يا تيام أنت مش رايح حرب، دا مجرد اجتماع صغير اعتبره شغل.
لم ينظر إليها ويديه تعقد رابطة عنقه بغيظ شديد. تنحنحت "مسك" بخفوت واعتدلت في وقفتها أمامه ثم مسكته من أكتافه وأدارته إليها. نظر إلى وجهها بغيظ شديد. تضع مساحيق التجميل وتجملت على أكمل وجه. تنفس باختناق وقال:
- أنا مش عارف سمعت كلامك إزاي؟ أحسن لك تبعدي عن وشي النهار دا.
رأت الغضب في وجهه وتصرفاته التي لا تشبهه كأنه يتذكر الماضي الذي لا تعرف عنه شيء سوى مقارنة الجميع له بـ "زين". ارتدى ملابسه على أكمل وجه حتى لا يراه أحد أقل من "زين" لتشعر "مسك" بتقيده كأنه معتقل في هذه الأمور التي لا تشبهه نهائيًا. رفعت يدها ترخي رابطة عنقه التي أوشكت على خنقه وفتحت أول زر من قميصه الذي يقيد عنقه وظهرت قلادة عنقه ثم قالت بعفوية:
- أنت مش محتاج تنتصر عليه خليك على طبيعتك لأنك تيام مش زين.
نظر إليها باندهاش من تصرفها ولطفها معه فسأل بتوتر:
- معقول أنتِ مسك، اللي بتعاملني بلطف.
تبسمت وهي تتذكر كيف اعتذر لها نيابة عن العالم بأسره عندما تلقت خبر وفاة "غزل" أخبرها أنه آسف عما أحزنها رغم أنه لم يكن سببًا في هذا لتقول:
- أنا!
ابتعدت عنه خطوة للخلف ثم تبسمت بلطف وقالت:
- خلينا نمشي.
أومأ إليها بنعم وذهبوا الاثنين إلى المصعد. وقفت جواره وتشعر بأنفاسه المختلطة لم تستقر أو تنتظم وضربات قلبه تشعر بها من مكانها بسبب غضبه. تنحنحت "مسك" بهدوء ثم مدت يدها إليه. نظر "تيام" إلى يدها مطولًا فقالت بلطف:
- دا أقصى حاجة ممكن أساعدك بها.
تذكر طلبه لعناق منها لكنها رفضت رفضًا قاطعًا. تشبث بيدها بإحكام وعينيه تراقب شاشة المصعد منتظرًا وصله إلى الطابق الثاني حيث مكتب الإدارة.
______________________
كانت "ورد" جالسة جواره على الأريكة وتراقب توتره بل غضبه القوي من لقاء "تيام" ويرتشف قهوته بجدية فأخذت يده في يدها بلطف. رفع "زين" نظره عن فنجان قهوته عندما لمست يده بدفئها وتطلع بيديهما ثم بوجهها لتقول "ورد" بلطف:
- اهدأ يا زين الموضوع بسيط.
ضحك بسخرية من رؤيتها البسيطة لهذا اللقاء وهو كلقاء الجبابرة كلا منهما يحمل بداخله قنبلة مؤقتة يتمنى تفجيرها في الآخر. رفعت "ورد" يدها إلى وجنته تلمس بسمته الساخرة بأناملها ثم قالت:
- أنا معاك هنا، أنت قولت هتعمل دا عشاني ممكن بقى تخفف من توترك وغضبك متحسسنيش أنك بتأذي نفسك عشاني.
تحدث "زين" بنبرة قوية قائلًا:
- أنا عشانك مش أتحالف مع تيام دا أنا ممكن أتحالف مع العدوان الثلاثي.
ضحكت "ورد" على داعبته وقالت ببسمة بريئة:
- هههه عشان كده أنا بحبك معندكش أي انتماء لأي حاجة غيري.
تبسم بخفة إليها لكن سرعان ما تلاشت بسمته عندما فتح الباب ودلفت "مسك" تمسك يده وتسحبه معها كأنها تقود الطريق له بسبب إجباره على القدوم. ظل "زين" جالسًا مكانه ولم يقف بل وضع قدم على الأخرى بغرور شديد. جز "تيام" على أسنانه بغيظ من هذا الرجل وقال:
- أنا ماشي.
تشبثت "مسك" بيده بقوة وقالت بتعجل تمنعه:
- استنى يا تيام أرجوك، خلاص جينا.
أشار على "زين" بغيظ وقال بانفعال ووجهه يحدق بعيني "مسك":
- مش شايفة التناكة اللي هو فيها.
أشارت له بلطف وتغمض عينيها بأن يهدأ ثم جلس الاثنين على الأريكة الأخرى. ظل "زين" يرمق بـ "تيام" بنظرات شر وغضب و"تيام" لا يقل غضبًا عنه. تنحنحت "مسك" بلطف ثم قالت:
- إيه يا جماعة دا مش أسلوب نقاش، ممكن تهدوا شوية الصواريخ اللي طالعة من عينيكم دي.
ربتت "ورد" على ذراع "زين" ليتأفف بضيق شديد وقال:
- سمعني اللي عندك.
- أنا معنديش حاجة، أنا جاي أسمعك.
قالها "تيام" بغطرسة قوية ووضع قدم على الأخرى. هز "زين" رأسه بالنفي وقال:
- أنا معنديش حاجة أقولها.
وقف "تيام" من مكانه غاضبًا ثم قال بانفعال:
- شوفتي معندهوش حاجة يقولها، يلا نمشي.
أخذت "مسك" يده وأشارت له بأن يجلس من جديد وقالت بنبرة لطيفة فالقوة ستزيده قسوة وغضب الآن:
- أنا عندي، ممكن تقعد.
جلس "تيام" بحيرة شديدة جوارها ويتأفف بقوة متحاشيًا النظر إلى "زين" فبدأت "مسك" تخبرهم بقصتها وحادثة اختطافها. نظر "تيام" إليها بصدمة ألجمته مما يسمعه عنها وما مرت به في حياتها. نظرت "مسك" إليه ببسمة خافتة بعد أن رأت صدمته في عينيها التي تحدق بها وشفقة تحتلهما. قالت بنبرة جادة:
- أنا مريت بكل أنواع العذاب اللي ممكن تتخيلوا على إيد فرد من عائلتي، آه هي مرات بابا لكنها بمجرد جوازها منه هي بقيت فرد من عائلتي... ومع ذلك لما لقيتها قصادي في المستشفى مريضة مقدرتش أقف أتفرج أو أتردد لحظة في إنقاذ حياتها ودخلت بيها العمليات مع إن كان عندي فرصة أرفض وأتجاهلها لكني معملتش... معتقدش إنكم مريتوا مع بعض بجزء من اللي مريت بيه عشان يمنعكم تحطوا أيديكم في إيد بعض.
نظر "زين" إلى "تيام" ونظرات متبادلة بينهما لتتابع "مسك" بنبرة هادئة:
- زين أنا عارفة إن أنت وكل شخص هنا عارفين سبب جوازي من تيام وعارفين إني ماشية لكن أنتوا اللي باقيين، العلاقة اللي بينكم تفرض عليكم تفهموا دا وتقدروا وجودكم مع بعض، الرابط اللي بينكم وإنكم من عائلة واحدة كفيل إن يخلي كل واحد فيكم يمد إيده للتاني، تيام...
نظر "تيام" إليها بصمت فتابعت حديثها إليه:
- أنا مش دايمة في حياتك ومش معقول هتفضل حياتك كلها لوحدك.. الواحد من غير ناس وأهل زي الجندي اللي وسط الحرب من غير درع ولا سلاح، وأنت يا زين اسمحلي أقولكم إنكم أغبياء لأن إيد واحدة مبتصفقش لو كان تيام بيملك أو هيملك المال أكبر منك فأنت محتاجه بماله وهو كمان محتاجك بخبرتك اللي مش عنده، أنتوا ليه مختارين الفراق وكل واحد يكون لوحده مع إنكم لو اتحدتوا مفيش قوة في الكون هتقدر عليكم.
تحدث "زين" بنبرة غليظة قوية:
- آخرتها إيه المحاضرة دي.
ضربته "ورد" على قدمه بيدها غاضبة من رده لتبتسم "مسك" بلطف ثم قالت:
- أنت محتاج تيام عشان تاخد حق ورد إلا لو كنت قررت تسيب اللي عمل كده فيها، وتيام محتاجك عشان حياته في خطر ومهدد بالقتل من نفس الشخص، أنتوا الاثنين في مركب واحدة وللأسف محدش هيقدر ينزل منها غير لما توصل لبر الأمان وزي ما بيقولوا المصالح بتتصالح.
نظر الاثنين إلى بعضهم. أخذ "زين" نفسًا عميقًا فقرصته "ورد" في ظهره خلسة ليتألم بضيق شديد من إجباره لأجلها وقال:
- ماشي موافق.
تبسمت "مسك" بعفوية ثم نظرت إلى وجه "تيام" الذي يستشيط غيظًا فتنهدت بيأس من عدم استسلام هذا المتكبر وتخليه عن غروره فأخذت يده في يدها ومدتها إلى "تيام" بالقوة ليصافحه "زين" وقال بجدية:
- عشان خاطر ورد بس.
وقف "تيام" غاضبًا بعد أن سحب يده منها بالقوة وقال متمتمًا:
- حوش أنا اللي هموت وأصالح.
تكونش فاكر نفسك مراتي.
وقفت "مسك" من مكانها ببسمة مشرقة ثم قالت:
- لا طبعًا أنا مراتك.
تأفف "تيام" بغيظ في وجهها وذهب تجاه الباب كي يغادر الغرفة، أسرعت "مسك" خلفه بعد أن غمزت إلى "ورد" وهرعت وراءه تناديه قائلة:
- تيام.
لم يلتفت ولا يكترث لها حتى وصل للمصعد وضغط على زر المصعد ثم نزع رابطة عنقه بقوة واختناق لا يصدق أنه صافح "زين" الذي فضله الجميع عليه دومًا، لطالما رمقه الجميع بنظرات الخيبة والخذلان بينما وقفوا يصفقون بحرارة إلى "زين" على أنفاسه حتى دخل للمصعد كالبركان الذي على وشك الانفجار وسيحرق الجميع بنيرانه ودرجة غليانه، ولجت "مسك" للمصعد قبل أن يغلق بابه وتطلعت بوجهه الأحمر من غضبه وانعقاد حاجبيه بحدة وعينيها تحتلها نظرات قتالية فلو كانت النظرات تقتل لكانت نظرات "تيام" كالطلقات النارية التي تطلق بلا توقف، أنفاسه التي ينتفض معها صدره محترق من السخط القاتل الذي بداخله الآن، يجز على أسنانه بقوة غيظًا كأنه لا يتحمل ما يحدث وهذا الإجبار وصريرهم يصل إلى أذني "مسك" يقشعر جسدها، مسكت "مسك" ذراعه برفق وسحبته بلطف على غير المعتاد منها، نظر إليها بضيق وقال:
- أبعدي عني دلوقت يا مسك أنا مش طايق روحي وكله بسببك أنـ...
توقف عن الحديث بصدمة ألجمته بقوة أوقفت قلبه عن النبض وأخمدت نيران الغضب ومشاعر الكره بداخله في وهلة واحدة أقل من سرعة البرق عندما سحبته "مسك" إليها برفق وبطيء شديد تعانقه قاتلة هذا الغضب بعناقها الذي طلبه، ابتلع لعابه بتوتر شديد من إخماد نيران بركانه وأطفأه من لمستها، ربتت "مسك" على ظهره بلطف كأمٍّ تطمئن طفلها وتمتص غضبه بحنانها، قالت بهمس في أذنيه ويديها تحيط بعنقه:
- حضن أخوي يا تيام... ليك دقيقة واحدة بس.
تنفس بأريحية ورفع ذراعيه المجمدين إلى الأعلى يطوقها بسعادة قبل أن تنتهي هذه الدقيقة وتبتعد عنه، أغمض عينيه يشم رائحتها ويهدأ من روعته، ظلت تربت على ظهره بيدها بلطف على شجاعته وتذكرت كيف كان شعورها حينما تقابلت مع زوجة أبيها في مرضها بعد كم العذاب الذي ذاقته معها وبسببها، كم الغضب الذي احتلها كان سيقتلها حينها لذا تعلم جيدًا ماهية شعور "تيام" بهذه اللحظة، ابتعدت عنه بلطف تخرج نفسها من بين ذراعيه ثم قالت بلطف:
- أحسنت، أنت قوي يا تيام.
تطلع بعينيها الباسمتين أكثر من شفتيها وقال بهدوء:
- ليه محكتيليش على حكايتك.
تبسمت وهي تنظر للأمام بعفوية وتضع يديها في جيوب سترتها متعافية تمامًا من الماضي ثم قالت:
- لأن العلاقة بينا متسمحش أني أحكيلك أسراري بس مجرد ما حكيته لورد وطلع مبقاش سر.
اندهش من علاقتها بـ "ورد" ومط شفتيه متعجبًا ثم قال:
- ورد!! أنا ملاحظ أن مسك بشخصيتها القتالية سمحت لورد تقرب منها وبقيتوا أصدقاء كمان.
أومأت إليه بنعم ثم استدارت إليه بحزم وبوجه حاد عاقدة حاجبيها وحدت من عينيها قالت:
- آه.. تيام متصغرنيش قصادها وتتخانق مع زين، مش عايزها تتصل بيا في القاهرة تشتكي ليا منك.
اندهش من كلمتها وخبر رحيلها فاستدار إليها أيضًا وأخرج يديه من جيوبه وقال بصدمة ألجمته:
- أنتِ هتروحي القاهرة؟
أومأت إليه بنعم وأخبرته باتصال البنك بها واضطرارها للرحيل من أجل أختها المتوفية والفضول يقتلها لمعرفة ما تركته "غزل" لها فقال بجدية:
- أنا هاجي معاكي.
اندهشت من قراره المفاجئ وقالت بحزم رافضة وجوده:
- لا طبعًا، أنا هروح لوحدي و...
بتر حديثها بلهجة قوية حادة عندما قال:
- مفيش اعتراض، أنا هاجي معاكي كمان عشان أوصلك أنتِ ناسية أن عربيتك بتتصلح.
تأففت بضيق شديد من قراره الذي يشبه الأمر الذي يلقيه عليها لا مجال للمعارضة.
_________________________
القاهرة
وصل "غريب" إلى منزله السري وترجل من سيارته مع "سراج" ثم دلف إلى الداخل وعينيه لا تفارق الغرفة الأمامية، دلف وكانت غرفة نوم تشبه العناية المركزية بالمستشفى والأجهزة الطبية بكل مكان، هناك على الفراش تنام "غزل" جسدًا يصارع الموت تحت الأجهزة الطبية، رمقها بعينيه ضعيفة وقال:
- اتأكدت أن محدش بيدور وراها.
أجابه "سراج" بنبرة جادة واثقًا مما يتفوه به:
- آه، بعد ما الحارس قالي أن في واحد جه المستشفى وبص عليها ومشي، كنت عارف أنه جاي يتأكد أنها عايشة عشان كده خليت حضرتك تعمل الخطة دا لسلامة باشمهندسة غزل وعشان تكون تحت رعايتنا أكثر ومحدش يأذيها هناك.
جلس "غريب" قربها يتأمل وجه ابنته الشاحب من المرض وجسدها البارد ثم قال:
- ومسك! لما شوفتها كانت كويسة بعد خبر موت أختها.
أومأ "سراج" له بنعم وقال:
- اللي بيحصل معاها هناك خلاها تكتم حزنها جواها عشان تقدر تعيش، أنا بعتقد أنها هتسعى وراء بكر ودا اللي يقلق فعلًا وخصوصًا أنها معتمدة على جوزها تيام الضبع، أشك أنها ماسكة فيه لأنه هيقدر يساعدها في الانتقام دا.
أخذ "غريب" يد "غزل" في يديه بقلق وقال بحيرة وخوف يمزق قلبه على أطفاله:
- عينك متفارقهاش يا سراج، الانتقام بيحرق صاحبه ومسك عنيدة وبتتحامي في قوتها.
أومأ "سراج" إليه بنعم ثم خرج من الغرفة تاركًا "غريب" مع ابنته العالقة بين الحياة والموت في آن واحد.
__________________________
وصلت "مسك" على البنك في القاهرة مع "تيام"، دلفا معًا إلى مكتب المدير وطلب الخزينة إليها تنحنحت بتوتر مما بداخلها، خائفة مما تركته "غزل" إليها فنظرت إلى "تيام" ليومأ إليها بنعم، فتحت الخزينة ووجدت بها فلاشة صغيرة فقط، أخذتها ونظرت إلى "تيام" بحيرة ثم خرجا معًا من البنك، اتجهت إلى منزل والدتها وقالت قبل أن تترجل من سيارته بامتنان لمساعدته:
- عطلتك معايا.
أجابها "تيام" بجدية ونبرة باردة دون أن ينظر إليها:
- دا حقيقي خدتي يومي كله.
جزت على أسنانها غيظًا منه ثم قالت بحزم:
- أمشي يا تيام قبل ما أفقد أعصابي عليك.
ترجلت من سيارته غاضبة فترجل خلفها مسرعًا يناديها قائلًا:
- مسك.
التفت "مسك" إليه ترمقه بنظرها الحادة لتراه فتح ذراعيه إليها وقال بحماس:
- طب مش هتودعيني.
رفعت حاجبها إليه بغضب سافر ونظرة تهديدية له بألا يفعل فتنحنح بحرج من نظرتها وهو يعلم بأن هذا العناق لن يأخذه إلا إذا قدمته هي وليس برغبته هو، قال بخفوت شديد متذمرًا:
- اتلميت أهو! اطلعي.
صعدت للأعلى ودقت باب الشقة لتفتح "بثينة" إليها فعانقتها برحب شديد واشتياق إلى ابنتها وقالت:
- مسك، حبيبتي... تعالي ادخلي.. طمنيني عليكي.
تبسمت "مسك" إليها بعفوية ثم جلست معها على الأريكة وتركت حقيبتها ثم قالت:
- أنا كويسة، أنتِ عاملة إيه؟
هزت "بثينة" رأسها بتعب وحزن خيم على حياتها بعد خبر وفاة "غزل" ثم قالت بتعب:
- عايشة أهو، المهم أنتِ يا حبيبتي قوليلي عاملة إيه؟
- الحمد لله يا ماما أنا كويسة.
قالتها بلطف لتجهش "بثينة" في البكاء من نظرها إلى "مسك" التي تشبه "غزل" في كل شيء وملامحها تذكرها بفراق ابنتها، ضمتها "مسك" بعينين باكية هي الأخرى على فراق أختها وبدأت تربت على ظهرها بحنان وقالت:
- اهدئي يا ماما لو أعرف أن مجيتي هتتعبك كده مكنتش جيت.
جففت "بثينة" دموعها بلطف وقالت ببسمة ضعيفة:
- لا يا حبيبتي متقوليش كده، أنتِ ردتي فيا الروح.. قومي، قومي غيري هدومك وأنا هحضرلك الأكل تلاقيك على لحم بطنك.
أومأت "مسك" لها بنعم ثم دلفت للغرفة وأخذت حمامًا دافئًا وارتدت بيجامة بيتي عبارة عن شورت أسود وتي شيرت أبيض بكتف واحد والأخرى عاري، خرجت ووجدت "بثينة" تضع على السفرة طاجنًا من المكرونة البشاميل والدجاج المقلي، رن جرس الباب فقالت "بثينة" وهي تلف حجابها:
- اقعدي كلي وأنا هفتح.
جلست "مسك" تتناول طعامها بأريحية حتى سمعت صوته لتستدير بفزع من وجوده وقالت:
- تيام.
نظر نحوها وصدم من زوجته التي تبدل حالها وترتدي ملابس مريحة هكذا، أخبرها بأنها تشبه الرجال ولا تعرف شيء عن الأنوثة لكنها أكثر أنثى جميلة فاتنة رآها في حياته، تبسم بإعجاب شديد وهو يقدم الشيكولاتة إلى والدتها وقال بعينين لا تفارق وجه "مسك":
- أنا تيام جوز مسك.
رحبت "بثينة" به بعد أن قرأت خبر زواجهما على مواقع التواصل الاجتماعي، جلس على المقعد المجاور لـ "مسك" على السفرة ويبتسم إلى "بثينة" بعفوية وقال:
- لا متقلقيش مسك في عيني.
قالها ولف ذراعيه حول أكتافها لتضرب "مسك" قدمه بقدمها بقوة وقالت بهمس يكاد يسمعه:
- متستغلش الموقف.
تبسم إليها بانتصار وقبل جبينها أمام والدتها لتبتسم "بثينة" عليه بلطف بينما "مسك" كانت تشتعل من الغضب بداخلها وعلى وشك قتله في الحال، جلس يتحدث مع والدتها كثيرًا وهي تخبره الكثير عن "مسك" وجلبت له ألبوم الصور الخاص بطفولتها وبدأت تخبره عن كل صورة متى كانت والمناسبة لالتقاطها، وقفت "مسك" خلفهما بغيظ شديد من حديث والدتها معه وتقبله لهذا الشيء كأنه كان في انتظار اللحظة التي يقيدها بها ويفعل ما يريده، جلبت صينية بها كعك ومشروب غازي، نظرت "بثينة" إلى الصينية وكان بها زوجين من كل شيء فقالت بخفوت:
- أنا هآكل يا مسك.
رمقته "مسك" بغيظ شديد ثم قالت بازدراء:
- ما هو دا ليا أنا وأنتِ يا ماما.
اقتربت "بثينة" بحرج شديد من تصرف ابنتها وقالت بهمس:
- وجوزك يا مسك عيب.
- هيمشي.. أصله يا ماما عنده شغل كثير في الغردقة ولازم يسافر ولا إيه.
قالتها بنبرة قوية فتبسم "تيام" بعفوية وقال بطريقة استفزازية يغيظها أكثر:
- أنا فعلًا عندي شغل كتير يا حماتي بس أنا مبعرفش أسوق بليل حضرتك عارفة بحوادث الليل.
هزت "بثينة" رأسها بالنفي وقالت بقلق:
- لا يا بني بعد الشر عنك، خليك للصبح وأوضة مسك جوا تسعي من الحبايب ألف.
رفع حاجبه إلى "مسك" بغزل شديد وعينيه تتفحصها من الرأس لأخمص القدم وقال بإعجاب:
- بجد! لازم أشوفها..
تعالي يا مسك فرجيني أوضتك.
كادت أن تقذفه بكوبها وعينيها تقتله محله فقالت بثينة بلطف:
قومي يا مسك.
وقفت من محلها وهي تبتسم بسمة مزيفة إلى والدتها ثم دلفت للداخل ليدخل تيام معها. دلف للغرفة يتفحصها بإعجاب، لكن سرعان ما توقف عن التجول عندما مسكته مسك من قميصه من الخلف بقوة وسحبته إليه مستشاطة غضبًا وقالت:
أنت هتستعبط يا تيام؟ أتفضل أمشي من هنا حالًا وأديني استخدمت لساني بدل أيدي.
اقترب منها بإعجاب شديد بهذه الفتاة ثم قال هائمًا بها وغضبها يزيدها جمالًا:
ما إحنا بنعرف نبقى مزز وحلويات أهو.
ابتلعت لعابها بخجل شديد من كلماته وعينيها ترمق عينيه بارتباك. قتل غضبها بربكة قوية من كلماته وغزله بها وتنحنحت بخجل منه ومن ملابسها. تبسم تيام على ربكتها واقترب أكثر لتعود خطوة للخلف ببطيء شديد وقالت بتلعثم من ربكتها:
اتلم يا تيام.. بدل ما ألمك أنا.
اقترب أكثر وزادت بسمته ونظراته من رؤيته لربكتها واحمرار وجنتيها أكثر من خجلها. هتف بنبرة هامسة معجبًا بها وضربات قلبه تتسارع بهذه اللحظة:
جربي تلميني كدة... نفسي أتلم على أيدك.
انتفضت مع أنفاسها بتوتر من قربه أكثر منها فعادت خطوة أخيرة للخلف وعينيها لا تفارق نظراته الدافئة وإعجابه كأنه يمارس سحره عليها كما يفعل مع أي فتاة لتدرك سبب انبهار الفتيات به وركضهم خلفه. هذا الرجل الخبيث يعرف كيف يذيب القلب ويهوي العقل حتى يفقد وعيه كليًا. سقطت على الفراش مع خطوتها الأخيرة ليسقط تيام فوقها وظل ينظر بعينيها فتمتمت بخفوت شديد:
تيام.
رفع يده يلمس خصلات شعرها بأنامله بلطف شديد وعينيه لا تفارق عينيها بنظراته الجريئة وقال:
عيون تيام وعقله كله ليكي.
ابتلعت لعابها بتوتر شديد منه لكنها تمالكت نفسها ودفعته بقوة بعيدًا عنها ووقفت غاضبة من تصرفه وقالت:
عيب تنضرب وحماتك تدخل تحوش عنك. والله يا تيام لو ما اتلمت وبطلت طريقتك الرخيصة دي لتكون نهايتك على أيدي.
تأفف بضيق شديد من فشله في السيطرة على هذه الفتاة. لم تقاوم فتاة من قبل نظراته ونبرته المثيرة. تابعها وهي تأخذ الملابس من خزانة ملابسها وغادرت الغرفة غاضبة منه وقبل أن تغلق الباب قالت بغيظ منه:
اتفضل اتخمد.
أغلقت الباب فتنهد بضيق شديد ومدد جسده على الفراش. دلفت للمرحاض تبدل ملابسها لتنظر في المرآة على وجهها الأحمر من الخجل ووضعت يدها على وجنتها تتحسس حرارتها ثم قالت:
اعقلي يا مسك...
بدلت ملابسها إلى بيجامة أخرى ببنطلون أخضر وتي شيرت أبيض فضفاض وطويل ثم خرجت وجلست أمام التلفاز على الأريكة تتهرب من الدخول إلى الغرفة نفسها معه. جلس تيام ينتظرها حتى تعود وقد مرت أكثر من ساعة لكنها لم تعد. فتح باب الغرفة وخرج ليسمع صوت التلفاز فاتجه نحوه ودهش عندما رآها تنام على الأريكة بجسدها الصغير بدلًا من نومها معه في غرفة واحدة. تبسم بلطف عليها ثم أغلق التلفاز وحملها على ذراعيه ودلف بها إلى الغرفة. وضعها بالفراش ثم مدد جسده جوارها وظل يراقبها في نومها وملامحها ويشعر بأنفاسها. رفع يده إلى وجهها يلمس وجنتها بحنان لكنه توقف بخوف من أن تستيقظ إذا شعرت به وترحل غاضبة. وضع يديه أسفل رأسه حادقًا بها ويتذكر عناقهما السابق وبقوتها كانت تدعمه وتمده بالقوة. أخمدت نيران غضبه بعناق واحد منها. أغمض عينيه مستسلمًا للنوم جوارها بعد أن أخذ يدها في يديه متشبثًا بها...
رواية وختامهم مسك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور زيزو
بعنوان "عناد امرأة"
استيقظ "تيام" صباحًا وخرج من الغرفة ليرى "بثينة" في مقابلته تجهز الإفطار فوق السفرة ببسمة، وقالت:
- صباح الخير.
تبسم إليها بوجه باسم قائلًا:
- صباح النور.
رأى "مسك" جالسة في غرفة المعيشة وتنظر في اللاب الخاص بها، سار نحوها ببسمة وقبّل جبينها بلطف قائلًا:
- صباح الخير يا حبيبتي.
ضربته بضيق شديد في صدره غيظًا من فعلته، ثم قالت:
- ما يصح تأخد كفها قدام حماتك، بلاش أكون أنا اللي تمسح برجولتك وكرامتك الأرض... وبعدين تعال هنا مين اللي سمح لك تنام جنبي هنا... يومك أسود من شعرك يا تيام.
تبسم بعفوية على نوبة الغضب التي تحتلها الآن بسببه ليثير غضبها أكثر، قال ببرود:
- أنا شعري بني مش أسود.
- يااااااه الله ما طولك يا روح.
قالتها وعادت بنظرها إلى اللابتوب، اقترب أكثر منها بجدية وسأل بفضول:
- دي الفلاشة لاقيتي فيها إيه؟
تحدثت ويديها تمرر الصور بالفأرة الخاصة باللابتوب قائلة:
- ده طلع مصيبة يا تيام، بكر مش سهل ودماغي مش عارفة تجيب طريقة واحدة أخلص منه بها وآخذ حق غزل.
نظر في اللابتوب بجدية وعينيه ترى الصور التي التقطتها "غزل" له وكم المعاملات البنكية التي تخص غسيل الأموال، فقال بحزم:
- أنا أعرف حد في المباحث ممكن أكلمه وأخليه يوصلني بحد من مباحث الأموال ونسلمه الفلاشة دي، دي الطريقة اللي تليق بيكي يا مسك، أنتِ دكتورة وحد محترم وأهو بلاش نقول نأخذ حقنا بأيدينا زي غزل الله يرحمها.
نظرت "مسك" إليه بحيرة، وقالت:
- يعني أبلّغ عنه؟
تنحنح بحرج ويديه تخرج سيجارة من علبتها ووضعها بين شفتيه، ثم قال بثقة:
- لا مش أنتِ، أنا اللي هقدم البلاغ.. طبيعي إنه هيسأل عن اللي بلغ عنه وممكن يفكر في الانتقام منه كمان.
تركت "مسك" اللابتوب على الطاولة بقلق والتفتت إليه بتردد، وقالت:
- طب وأنت مالك بده؟ كفاية المشاكل اللي عندك وحياتك المعرضة للخطر مش ناقصك مشكلة كمان من فوق راسي، أنا هقدم البلاغ ومش خايفة منه ده حق أختي.
- قلت لا يعني لا، ده أمر مفيش منه مفر أو نقاش.
قالها بنبرة حادة ثم بعثر غرتها بلطف وذهب إلى السفرة، ظلت ترمقه بحيرة من مجازفته لهذا الأمر ومواجهته إلى "بكر" رغم كل شيء يعرفه عنه، ذهبت خلفه وجلسوا على السفرة مع "بثينة" وهي تسأله عن الكثير عنه وعن حياته، فقالت "مسك" بحرج من والدتها العفوية:
- كفاية يا ماما.
- لا كملي براحتك.
قالها "تيام" بلطف شديد ممتنًا لهذا الحديث الذي يسير بينه وبين والدتها لأول مرة يتقبله شخص هكذا ويرغب في معرفته ومعرفة حياته وتفاصيلها، تحدثت "بثينة" بثقة ويديها تأخذ الخبز المتبقي من "مسك" بلا مبالاة قائلة:
- وعلى كده بقي أنت شاطر في شغلك؟
هز رأسه بلا بثقة صادقًا في كل كلمة يخبرها بها وعينيه تراقب "بثينة" التي أخذت قطعة من الخبز وبدأت تقطع أطرافها ووضعتها أمام "مسك" التي تتناول الطعام بشرود وعينيها لا تفارق الهاتف، قال بجدية:
- لا فاشل جدًا بس بحاول أتعلم... هو حضرتك بتعملي إيه؟
نظرت "بثينة" إلى طبقها ببسمة خافتة ثم قالت وعينيها ترمق "مسك" بحب:
- معقول جوزها ومتعرفش؟ مسك مبتأكلش أطراف العيش ولا وشه، فبأكلهم أنا عشان ميرتموش وتشيل ذنب.
نظر إلى "مسك" الشاردة في هاتفها، غالبًا لا تستمع إلى حديثهما وتبسم على امتلاكها لأم مثل هذه تعتني بها وتعرف تفاصيلها، لو كان برغبته لحسدها الآن على هذه العائلة الصغيرة المكونة من فرد واحد، على الأقل هناك من يفهمها ويهتم بتفاصيلها الصغيرة، ثم قال بعفوية:
- محظوظة مسك بحضرتك.
ربتت "بثينة" على يده بلطف ثم قالت:
- وبك، شكلك غلباوي اه بس جواك طيبة، خلي بالك منها دي هي اللي فاضلة ليا.
هز رأسه بنعم ولا يعرف هل سيفي بهذا العهد أم لا، وقفت "مسك" تتحدث في الهاتف ثم عادت إليهم وقالت:
- أنا هروح المستشفى يا ماما.
نظرت "بثينة" إليها بحيرة وأشارت على زوجها الجالس أمامها ولم تخبره هو، فتنحنحت "مسك" بضيق وقالت ببسمة مزيفة:
- مش هتأخر يا تيام... أبقي كلمني لما توصل الغردقة.
التفتت لكي تغادر بعد أن أخبرته أن يرحل قبل عودتها لكن استوقفها صوت "تيام" الذي يستغل كل الفرص بسبب وجود والدتها وعدم علمها بسبب زواجهما، قال:
- أنا معيش رقمك؟
جزت على أسنانها بغيظ شديد منه ثم دلفت إلى غرفتها غاضبة، فتبسمت "بثينة" بلطف وقالت:
- أنا هديهولك متقلقش.
استعدت "مسك" للذهاب إلى المستشفى ووقفت أمام المرآة تصفف شعرها للأعلى وعقدته برابطة شعر مطاطة، دق باب الغرفة ودلف "تيام"، لم ترفع نظرها عن صورتها في المرآة، وقالت:
- أرجع ملاقكش هنا.
جلس على الفراش بهدوء ويرمقها بعينيه ثم قال متجاهلًا سؤالها:
- هو أنتِ مجربتيش تلبسي فستان قبل كده وتحطي ميك أب زي البنات؟
رمقته بعينيها في المرآة بغيظ شديد من كلمته، فتنحنح بخوف من نظرتها ثم قال:
- أنا هكلم صاحبي اللي قلتلك عليه ولما أخلص هكلمك أقولك عملت إيه.
أومأت إليه بنعم ثم غادرت الغرفة بقلق من القادم، انطلقت إلى المستشفى وبدأت التجهيزات إلى غرفة العمليات، فرآها والدها هناك تسير في الردهة، وقفت أمامه تحدق به ببسمة خافتة لكنه تجاهلها تمامًا كأنه لا يراها، فأدركت أنه ما زال غاضبًا منها ولن يغفر فعلتها، نظرت إليه في مغادرته بحزن شديد ثم دلفت إلى غرفة العمليات....
___________________________
نظر "إيهاب" إلى رجاله بقلق من القادم، تحدث أحد الرجال بثقة يقول:
- تيام مش هيسلم لينا، عامل زي القطط بسبع أرواح.
جز "إيهاب" على أسنانه غاضبًا من فشله في قتل "تيام" والانتقام إلى ابنته، ثم قال:
- يعني إيه؟ أنسى اللي عمله وأسيبه يعيش حياته؟
- لا، بس أي راجل في الدنيا ميكسرهوش غير مراته.
قالها الرجل بمكر وكره كبير كالمحيط الذي يغرق به، رفع "إيهاب" نظره إلى رجله وقال بحيرة:
- مسك!!
بس بكر بيه…
قاطعه مساعده هذه المرة وقال:-
-بكر بيه طفس، الراجل دا ولا حاجة من غيرنا هو مبيعملش حاجة غير يرمي أمره لكن اللى بينفذ إحنا، هو بيه وكبير بينا ومع ذلك لما شاف مسك وعجبته قالك لا ونسي اللى حصل فى بنتك مع انك بتخدمه فوق العشر سنين ومخلص له ونسي أنها من عائلة غزل اللى أمرنا بقتلهم لو أضطر الأمر… مفكرش غير فى نفسه وهو عايز أيه…
هز "إيهاب" رأسه بنعم ثم قال:-
-عندك حق، بنتى واللى جرالها مش هيعدي كدة … أعمل الصح المهم تيام يجي تحت رجلك ويركع يتمنى الحياة وأنى أعفو عنه
تحدث مساعده بجدية صارمة هذه المرة وينشر مكره وخبثه فى أذن هذا الرجل:-
-يبقي مسك، نجيب مسك وهو هيسلم ويجى راكع لوحده وبأرادته… ما هي مراته
هز "إيهاب" رأسه بنعم وقال:-
-ماشي… أتصرف أنت
__________________________
تحدث "تيام" مع صديقه عن قضية "بكر" وأختلاسه الأموال ورشح له ضابط شرطة شريف فى مباحث الأموال لن يستطيع "بكر" كسبه إليه أو تقديم الرشاوي إليه، تحدث "تيام" مع ضابط الشرطة وذهب إليه فى القسم على حسب الموعد المتفق عليه وأعطاه نسخ من الصور الموجودة فى الفلاشة ليقول ضابط الشرطة:-
-أنت متأكد من المعلومات دي؟
-أنا جيب لحضرتك الدليل لحد عندك
قالها "تيام" بثقة كبيرة من كلماته وواثقًا بحاله بغرور شديد، نظر ضابط الشرطة إلى الصور وقال بجدية:-
-أنا هتحري عن المعاملات والأرقام دى بنفسي قبل ما أتحرك وأخد أى خطوة وهبلغك بالجديد
أومأ "تيام" له بنعم ثم غادر المكان مُبتسمًا بتحقيق أول خطوة فى خطته بنجاح…
_______________________
(المدينة الزرقاء blue city )
وقفت "ورد" بجوار "فادي" على حافة اليخت السياحي وترتدي ملابس السباحة بدلة سوداء بأكمام فربت على كتفها بلطف وقال:-
-متخافيش يا ورد
نظرت للمياه الزرقاء أسفلها وما زال هناك بداخلها جزءًا مكسورًا يمنعها من عيش حياتها بسعادة بعد ما حدث إليها، نظرت إلى صديقها بهدوء ليؤمأ "فادي" إليها بنعم فوضعت ناظرة الغوص على عينيها وقفزت فى الماء، تحولت كحورية بحر تركت الأرض اليابسة وعادت للحياة أسفل المياه، بدأت تسبح وتتعمق بسعادة وسط الأسماك الملونة والمخلوقات البحرية بحماس شديد تمكن منها وظلت هكذا للكثير من الوقت ثم عادت للشاطيء ورأت "زين" هناك فى أنتظارها لتركض إليه بسعادة وبسمتها تنير وجهها فقالت:-
-زين
تبسم "زين" إليها ويرمقها بعينيه، تأتي ركضًا إليه كطفلته الصغيرة ليفتح ذراعيه علي مصراعيها بقوة حتى أرتطمت بجسدها الصغير بصدره القوي وطوقها بسعادة بهذان الذراعين القويين، تمتمت بخفوت ساكنة بين ذراعيه:-
-أنا بحبك أوى يا زين
تبسم "زين" عليها ثم أبعدها عنه ورفع رأسها بسبابته، نظر إليها بإعجاب مُشتاقًا لبسمتها وعفويتها ثم قال:-
-وحشتيني يا ورد
تبسمت إليه أكثر ببسمة أكبر تنير وجهها الشاحب من حزنها ثم قالت:-
-وأنت كمان بس المهم هتأكلنى أيه
قهقه ضاحكًا على طلبها المعتاد بعد كل مرة تذهب للغوص بها، أخذ يدها فى يده وسار بها على الرمال ويسألها بفضول وحماس يغمر قلبه العاشق بها:-
-عايزة تأكلي أيه، شاوري أنتِ بس
تبسمت "ورد" وهى تتشبث بذراعيه بيديها الأثنين ثم قالت:-
-اللى يعجبك المهم أنى جعانة جدًا … خليهم يجهزوا الأكل على ما أغير هدومي
قالتها وأنطلقت ركضًا من أمامه ليطلب "زين" لها الطعام الأسيوي التى تفضله من عامل البوفيه ….
___________________________
( القــــاهــــــــــرة )
عادت "مسك" من المستشفي ليلًا ووجدت والدتها تجلس أمام التلفاز وصوت ضحكاتها وقوية ، تقدمت للأمام لتُصدم من وجود "تيام" هنا ولم يذهب كما طلبت منه، نظرت "بثينة" إليها بلطف وقالت:-
-حمد الله على السلامة يا حبيبتي
عينيها تحدق به بجمود ولم تجيب على والدتها التى تابعت بنبرة لطيفة:-
-تيام أصر أن معملش أكل النهار دا وطلب العشاء، غيري هدومك بسرعة قبل ما الأكل يبرد
تأففت "مسك" بضيق شديد مما تسمعه وتصرفاته كأنه يفرض نفسه فردًا فى عائلتها، تحدثت بنبرة جادة غليظة:-
-شكرًا أنا كلت فى المستشفي… أنا داخلة أنام
رمقها "تيام" بحيرة من تصرفاتها ورفضها للطعام، دلف خلفها ليراها تفتح الخزينة وتأخذ ملابسها سألها بحيرة:-
-مالك؟ واحدة غيرك كان المفروض تكون سعيدة بعد ما بلغتي عن بكر، اه لسه البوليس متحركش بس هيتحرك
ألتفت "مسك" إليه بضيق شديد ثم حدقت به بعيني غاضبة لا تتحمل تصرفاته وقالت بحدة:-
-أنت ممشتش ليه؟ غرضك أيه من اللى بتعمله؟
-عملت أيه؟
سألها "تيام" بفضول مُتعجبًا لغضبها وعنفها الدائم معه، رمقته "مسك" بعد ان جلس على الفراش وقالت بغضب سافر:-
-قاعد تمثل دور الزوج وتتقرب من ماما، أبعد عنها يا تيام كفاية عليها الحزن والوجع اللى جواها وانت أكتر واحد عارف نهاية الجوازة دى وعارف أتجوزنا أزاى، بطل توهمها بالسعادة وتعيش دور الأبن… بكرة الصبح تمشي يا تيام
غادرت الغرفة قبل أن تسمع جوابه أو رده على كلمتها، ظل يرمق الباب بعد مغادرتها لا يعرف سبب تصرفاته هو أيضًا لكن ربما أسعده قبول "بثينة" له رغم كل عيوبه والدافئ الذي شعر به فى هذا المنزل وأهتمام والدتها به لم يشعر به من قبل..
بدلت ملابسها فى المرحاض ودلفت للغرفة وصدمت عندما راته ينام بفراشها ولا يبالي بكلماتها، أقتربت منه وتنهدت مُتأففة ورمقته "مسك" بعيني ثاقبة وهو نائمًا بأسترخاء على فراشها يغيظها أكثر، قالت بأندهاش:-
-أنت أستحليتها ولا ايه؟ قوم خليني أنام
ربت على الفراش قربه بعفوية وعينيه ترمقها بغزل وإعجاب ثم قال:-
-تعالي يا حياتي السرير كبير يكفينا
ضربته بالوسادة على رأسه بقوة غيظًا من هذا الرجل الذي يتقمص شخصية الزوج المثالي أمام والدتها وتمتمت بغضب:-
-تتقصف حياتك يا رب
مسك "تيام" يدها بقوة وهى تضربه فصرخت به بانفعال:-
-سيبنى.. بقولك سيبني
جذبها بقوة إليه لتسقط جواره على الفراش، طوقها "تيام" بذراعيه وأحكام حركة قدميها بقدمه بقوة، صرخت "مسك" من قوته الجسدية التى تفوقه قائلة:-
-أنت أتجننت يا تيام
تبسم بعفوية وهى بين ذراعيه يخبأها فى أحضانه مُستمعًا إلى صوت أنفاسها ويتلذذ بمقاومتها وحركاتها القوية بداخله، قوتها التى تتواري أمام قوته، عينيها تشتعل غضبًا لا تقبل بتصرفاته وخجلًا من قربهما هكذا خصيصًا بألتصاقها بجسده تشعر بنبضاته وأنفاسه، يضمهم كأبنة له يخفي جسدها كاملًا بداخله، تمتمت بنبرة غليظة وتجز على اسنانها بقوة:-
-سيبني… أنت فاكر نفسك جوزي بجد ولا ايه؟
أنزل نظره إلى وجهها بإعجاب وقبول يجتاحه من الداخل لأجلها وقال بنبرة دافئة:-
-مستحقش أكون جوزك بجد؟!
توقفت عن مقاومته بصدمة ألجمتها وسكنت يديها فوق صدره مُتوقفة عن ضربه وعينيها تحدق به بأندهاش من كلمته وقالت:-
-جوز مين؟!
أنت عيان؟
وضعت يدها على جبينه تتحسس حرارته ربما أصابه حمى وأصابته الهلاوس. قيدها "تيام" بذراعيه أكثر وعينيها تحدق به في سكون لا تسمع سوى صوت أنفاسه حتى قاطع هذا الهدوء الصامت صوته الخافت بنبرة هامسة قائلًا:
- جوزك يا مسك، اقبلي بيا وأقسملك أتغير عشانك وليكي، شكليني زي ما تحبي، اعتبريني عجينة في إيدك، اعملي اللي عايزاه فيها، هحبك، هحاول في دقيقة أحبك عشان كفاية أنك قابلاني بكل قرفي، شوفي عايزة مني إيه وهعمله، هبطل شرب وسجاير ومش هخطي أي كازينو برجلي ولا لساني هيخاطب بنت غيرك وعيني مش هتبص لواحدة غيرك، اقبليني بس يا مسك في حياتك وأقسم بالله تكوني مسك الختام وزي ما بيقول وختامهم مسك تكوني الأخيرة، آه مش الأولى لكن الأخيرة، ما هيكون في بعدك أي تاء تأنيث.
رفعت "مسك" حاجبها بسخرية لم تصدق كلمة واحدة من هذا الحديث وقالت بتهكم ونبرة باردة:
- أنت شايفني غبية للدرجة دي؟
ابتلع لعابه بقلق من نظراتها وكلمتها فقال بهدوء:
- أنا...
أبعدته "مسك" بقوة بعيدًا عنها غيظًا من هذا الحديث ليسقط "تيام" على الأرض من غضبها ودفعها له على سهو دون سابق إنذار، كاد أن يقف لتقذف "مسك" الوسادة في وجهه بانفعال وقالت بتهديد:
- دا مكان نومك، ولو اتحركت من المربع دا هتطلع تنام برا على الكنبة وتبقى فضيحتك قصاد حماتك مالهاش مثيل...
تحدث بغضب ويديه تعانق الوسادة ويحدق بها، قال بتهكم:
- أنا مشوفتش منك اثنين يا مسك.
استلقت على الفراش ووضعت الغطاء عليها باسترخاء للنوم في فراشها وأجابته وعينيه تنظر للسقف:
- عشان مشوفتش غير الرخيصين اللي بيريلوا على أي كلمة من أي كائن مكتوب في بطاقته ذكر...
اتكأ على الفراش وهو جالسًا بالأرض ينظر إليها بإعجاب من ذكائها ثم قال:
- مصدقتنيش؟ دا أنا قربت أصدق نفسي وأصدق إني هحبك بجد.
أعطته ظهرها غاضبة من سخريته منها واستهتاره، ربت "تيام" على ظهرها بلطف وقال:
- بكلمك على فكرة... مصدقتنيش إزاي؟
- أنت أوطنتجي يا تيام، كبرياؤك واجعك إن في واحدة بتقولك لأ، فاكر بتصرفاتك الهبلة دي هجري أترمي في حضنك وأقولك أرجوك ارحم قلبي المتيم بيك.
قالتها بنبرة خافتة وعينيها مغمضتين على وشك الغوص في نومها حقًا من التعب، تبسم بخفة على نبرتها الخافتة التي تحمل نومها بها وكونها صعبة المنال يزيد من إثارتها وجمالها، أيضًا كونها مستحيلة وحرة ليست ملكًا له رغم كونها زوجته يجعلها تتسلل بداخله ببطيء شديد وتفتك بعقله، تحدث "تيام" بنبرة خافتة بعد أن استلقى على الأرض نائمًا ببسمة عفوية على قوتها:
- هيتيم بيا يا مسك وهيجي يوم تكوني لي بإرادتك.
مستشفى القاضي
دلف "سراج" إلى مكتب "غريب" ليراه شاردًا في صورة "مسك" الموجودة على المكتب في إطار صغير، يحدق بها بعينين مشتاقة إلى ابنته لكن عقله يفتك به الوجع والخذلان من تصرفات ابنته التي تزوجت دون علمه وفي ليلة وضحاها، اعتبره غير مرئي ولا أثر لوجوده في حياتها لذا عاقبها بنفس الطريقة وجعلها خارج حياته لكنه ما زال يشتاق إليها ولرؤيتها أمامه تعانده وتتحداه بقوتها وشجاعتها، شخصيتها القوية التي تتمرد على الأطباء عندما تختلف معهم في الرأي، تنحنح "سراج" بلطف ليقطع شروده وترك الصورة من يده على المكتب من جديد ومسح غَرغرة عينيه بأنامله وقال:
- في حاجة يا سراج؟
تطلع "سراج" به بشفقة وحزن ثم قال مستاءً من قسوته على ابنته:
لم يجب عليه "غريب" بل تجاهل الحديث عن "مسك" تمامًا وقال:
- عملت إيه في اللي طلبته منك؟
- بحاول أشوف دكتور موثق ومحل ثقة نأتمنه على السر ويقدر يهتم بحالتها.
قالها "سراج" بهدوء مشفقًا على هذا الرجل الذي يضرب قلبه بالقسوة على ابنته رغم اشتياقه لها...
أشارت "مسك" إلى سيارة أجرة أمام منزلها ثم صعدت بها والتفت تغلق الباب ثم التفت تقول بهدوء:
- مستشفى...
توقفت عن الحديث عندما صُدمت بوخزة في قدمها وهذا السائق غرس إبرة طبية في قدمها رفعت يديها لتضربه لكمة قيد يديها بيديه بإحكام لثوانٍ معدودة وهي تقاومه حتى فقدت وعيها تمامًا بسبب المخدر، تركها على المقعد الخلفي وانطلق بها مبتسمًا من نجاحه في اختطافها دون الخوض في قتال...
رواية وختامهم مسك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور زيزو
بعنوان "تميمة حظ"
كان "تيام" جالسًا مع "بثينة" في غرفة المعيشة، تتحدث بعفوية معه عن "مسك" فقالت:
- هي مجنونة فعلًا، وأيدها سابقة لسانها، غير غزل كانت عاقلة وبتحسبها قبل ما تعمل أي حاجة. مرة بعد ما غزل الله يرحمها جت تعيش معايا هنا، أبوها اتضايق من غزل ومنع مسك تشوفها… تقوم تسكت! نطت من الشباك عشان تيجي تشوف غزل، قامت وقعت ورجلها اتكسرت واتقابلوا في المستشفى ههههه فكرتني بذكريات.
تبسم "تيام" على جنون زوجته، قاطع حديثهما في ذكريات الماضي صوت هاتفه معلنًا عن استلام رسالة. فتحها وصُدم عندما وجد صورة لـ "مسك" وهي تنام على أريكة ويديها مقيدة وهكذا قدميها، ففزع من مكانه بذعر وأرسل له رسالة تحمل موقعًا للقاء. نظر إلى "بثينة" بقلق وغادر دون أن يخبرها بشيء متجهًا إلى هذا المكان.
***
فتحت "مسك" عينيها بتعب شديد من أثر المخدر الذي يشوه رؤيتها الضبابية، ولا تستطيع تحديد ماهية ما تراه، لكنها تشعر بيديها المُقيدتين وهكذا قدميها. وضحت رؤيتها قليلًا لترى وجه "إيهاب"، رجل لا تعرفه ولأول مرة تراه جالسًا على المقعد الموجود أمامها ويحدق بوجهها مُنتظرًا يقظتها. اعتدلت في جلستها بصعوبة من تقيدها وقالت:
- أنت مين؟
تحدث بنبرة قوية وهو يتذوق رشفة من فنجان قهوته:
- مش مهم مين؟ المفروض تسألني أنا جبتك هنا ليه؟
رمقته "مسك" بزمجرة من تصرفه، ورفعت يديها المقيدتين إلى رأسها ترفع خصلات شعرها. تابع "إيهاب" حديثه بجدية قائلًا:
- أولًا اسمحي لي يا دكتورة أني اعتذر على الطريقة اللي جبتك بيها، بس مكنش فيه غيرها وأنت عارفة ليه كويس. إنما أنتِ هنا ليه؟ عشان جوزك تيام بيه الضبع.
نظرت "مسك" له باندهاش من ذكر سبب اختطافها واسم زوجها لتُتمتم متعجبة:
- تيام.
- تيام!! اللي سرق أغلى حاجة في حياتي وحرمني من السعادة والراحة ودخل على حياتي الجحيم والنار.
قالها بانكسار ممزوج بالحسرة والكره، ساخطًا على زوجها بحقد وغل ليتابع حديثه:
- جوزك اللي مبيهتمش غير بشهواته ورغباته، بيغير البنات زي ما بيغير هدومه. جوزك اللي اغتصب بنتي ورماها في البحر في عز البرد ينهش في جسمها حتى بعد ما قتلها مرحمهاش.
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة مما تسمعه عن "تيام" فقالت بثقة وعقل غير واعٍ لا يستوعب هذا الحديث:
- لا مستحيل، تيام عمره ما أجبر بنت تدخل علاقة معه. تيام بتاع بنات آه، لكن مستحيل يعملها غصب عنها مش تقولي اغتصاب.
وقف "إيهاب" من مكانه بانفعال قاتل من دفاعها عن هذا الرجل الوحشي، ومسك عنقها بقبضته بقوة ثم قال:
- عملها، هو كان آخر واحد معها وكل الناس شهدت بده وعشان كده أنا جبتك هنا، عشان تدفعوا ثمن حياة بنتي اللي راحت وتدوقوا من كأس العذاب اللي عشت فيه ودوقته على إيد جوزك.
رمقته "مسك" بتحدٍ وقوة لا تخشاه رغم خنقه لعنقها وكادت أنفاسها تنقطع على يديه ثم قالت بتلعثم:
- مستحيل يعملها.
ترك عنقها وصفعها بقوة لترتطم رأسها بالأريكة. نظرت له بغضب شديد من تقيدها فلا كانت حرة الآن لهمشت جسده قبل أن يلمسها لتقول:
- أنت جبان! بتستقوي عليا عشان مقدرتش تواجهه، رابطني عشان خايف مني لأنك عارف أن اللي يمد إيده عليا أقطعها له.
مسكها من مقدمة رأسها وغرتها بقوة وعينيه تحدق بعينيها القوة التي لم يرتجف لها جفنٌ أمامه ولا من اختطافها ثم قال:
- هتشوفي الجبن ده على حقيقته لما المحروس يشرف.
قهقهت "مسك" ضاحكة على كلمته واسترخت على الأريكة لا تكترث لشيء سوى أنها تثير غضب هذا الرجل فقالت:
- يشرف؟ أنت جبان وغبي.. أنت فاكر أنك لما تخطفني تيام هيجيلك؟ يا فندي معلوماتك غلط وتيام مش ولهان بيّ عشان يجي برجله لحد عندك.
تبسم "إيهاب" بسخرية من سذاجتها ثم قال بثقة وكبرياء:
- أول مرة تطلعي غبية يا دكتورة، تيام مش ولهان بيكي ولا عاشقك في الضلمة آه، لكن كبرياءه كرجل ورجولته اللي اتهرست لما مراته تتخطف هيجيبوه لحد هنا… واضح أنك لسه متعرفيش تكبر جوزك وغروره واصلين لأي درجة…
جزت على أسنانها بغيظ من هذا الرجل الذي يسخر منها فقالت بحدة صارمة:
- ما تفكني ونتقابل بنت لراجل، وأنا عن نفسي واثقة أن رقبتك هتكون تحت جزمه البنت دي.
كاد أن يضربها لكن أوقفه صوت فتح الباب الحديدي الخاص بالمكان ودلفت سيارة سوداء. ترجل منها رجلان ومعهم "تيام" الذي يقف مُهددًا بالسلاح. نظر "إيهاب" إلى وجهه بغضب سافر بينما دُهشت "مسك" من وجوده هنا واستغلت فرصة نظر "إيهاب" له وبدأت تفك قيد يديها بأسنانها بتعجل. حدق "تيام" بها بأريحية من رؤيتها سالمة أمامه وتفك قيدها ليبتسم بلطف ثم قال:
- أنتِ كويسة؟
التف "إيهاب" إليها بسعادة وبسمة لا تفارق وجهه مُحدثًا إياها بسخرية:
- مش قولتلك هيجي…
قاطعه ضربة قوية من "مسك" بقدمها في منتصف صدره أسقطته على المقعد وانقلب به للخلف فتبسمت بسخرية من ضعف هذا الرجل وقالت:
- لازم تحمد ربنا أنها مكنتش لكمتي… لأن جبان زيك مش هيستحمل لكمة واحدة مني.
ضرب "تيام" الرجل الذي جواره بمرفقه بقوة وأخذ المسدس منه بينما هرع الآخر إلى "إيهاب" الذي وضع يده على صدره من الألم ويحدق بوجه "مسك". أطلق الرجل طلقات نارية نحوها بعشوائية لتركض "مسك" تختبئ خلف الأريكة، و"تيام" يتشاجر مع الرجل حتى فزع عندما سمع صوت طلقات نارية فصرخ بصدمة ألجمته:
- مسك!
أجابته من خلف الأريكة وهي تلتقط أنفاسها وتلهث:
- أنا كويسة.
تلقى ضربًا من هذا الرجل بسبب قلقه عليها. سحب
متتكلميش، حد يطلب الإسعاف.
قالها بصدمة الجمته، لا يستوعب ما يحدث حوله الآن. حاولت مقاومة الإغماء وفقد طاقتها حتى وصلت سيارة الإسعاف ونقلتها إلى المستشفى.
__________________________________
سقط كوب الشاي من يد "غريب" بصدمة ألجمته عندما وصله خبر إصابة ابنته بطلقة نارية وحالتها حرجة، والآن هي في طريقها إلى هنا مع المسعفين. هرع كالمجنون إلى باب المستشفى واتسعت عينيه على مصراعيه وارتجفت يداه بضعف وخوف يتملكه عندما رآها على الترولي تنقل مع الأطباء وقد فقدت الكثير من الدماء. اقترب منها مصدومًا لا يستوعب ما يراه وقال بخوف:
- مسك!!
أخذه "سراج" بعيدًا عن طريقها ليأخذوها إلى غرفة العمليات، وتساقطت دموع "غريب" هذه المرة على ما أصاب ابنته، ولم يتحلَّ بالقوة أو الصمود. وقف "تيام" قرب باب العمليات ينتظر أن يطمئن عليها، وتتشابك أصابعه بخوف يحتله من فراقها أو إساءة حالتها أكثر. نظر ليديه المتشابكتين والدماء تلوثهما من جرحها ولا يصدق ما يحدث، ليتذكر عندما أخبرته أن يتصالح مع "زين" فليس دومًا ستنتصر بل ستهزم مرة، ويصيبها شيء كـ "ورد" بسببها. ضرب الحائط بقبضته بقوة وهو يعرف أنه سبب هذا، وأنهم أخذوها كي يستدرجوه إليهم.
ذهب للمرحاض وعقله شاردًا بذكرياته القليلة معها وشجارهما الدائم وعنادها وغيظه إليها، وقوتها التي تواجه كبرياءه. غسل يديه من الدماء تحت صنبور المياه وعينيه تدمع على ما يراه في شريط الذكريات. جفف دموعه وخرج ينتظرها أمام باب غرفة العمليات.
__________________________________
(المدينة الزرقاء Blue City)
صرخت "ورد" في "زين" بغضب شديد ممزوج بالقلق على "مسك" بعد أن سمعت ما حل بها:
- قوم وديني القاهرة يا زين... أعمل في حسابك لو ما ودتنيش أنا هروح لوحدي.
لم يتحرك له ساكنٌ وظل محله جالسًا على المكتب وينظر في الأوراق ويوقع بعضها. تأففت غضبًا من بروده في حين أنها ترتجف خوفًا على "مسك" وتخشى فقد صديقة مثلها أو تركها تصارع الموت وحيدة هناك. استدارت "ورد" لكي تغادر بزمجرة وتقول:
- خليك يا زين أنا هعرف أروح لوحدي.
وقف من مقعده بغضب من رحيلها وحدها، ومسك معصمها قبل أن تغادر وقال بجدية:
- خلاص هوديكي بس بكرة.
رفعت حاجبها إليه بغضب ونظرات قتالية تتطاير من عينيها فتنحنح بضيق:
- حاضر يا ورد هوديكي دلوقت خلاص، اتفضلي اطلعي غيري هدومك وجهزي نفسك.
أومأت إليه بنعم وغادرت. اتصل "زين" بمكتب أخته "زينة" وقال:
- أنا عايز عربية توصلني القاهرة يا زينة...
سألته "زينة" بنبرة خافتة وعقل ماكر:
- القاهرة... أنت هتسافر بكرة؟
- لا لا أنا عايزها دلوقت.
قالها "زين" بتعجل شديد وأنهى الاتصال معها، فتبسمت "زينة" بحماس ورفعت نظرها إلى "متولي" قائلة:
- حضر عربية لزين تنزله القاهرة.
أومأ إليها بنعم والتف لكي يغادر، لكن استوقفه صوت "زينة" تقول بحماس:
- اسمع يا متولي... بكرة الصبح تبلغ المساهمين أني عايزة أقعد معهم ضروري.
تبسم "متولي" بمكر وحماس على حسمها للأمر وتحركها خطوة للأمام لأجل صعود السلم من أجل قمة الهرم.
__________________________________
( مستشفى القاضي )
كان "تيام" واقفًا خارج الغرفة وينظر على جسدها وهي طريحة الفراش وقناع الأكسجين على وجهها يساعدها في التنفس. لا يصدق أنها بهذه الحالة التي يُرثى بها بسببه ولأجله. أغلق قبضته بقوة على الحاجز الزجاجي الذي يمنعه عنها ودمعت عيناه باستياء لما حدث بـ "مسك" زوجته، التي لطالما كانت تنقذ حياته وتمنع الموت من الوصول له. وصل الآن الموت إليها بسببه كأن رد المعروف لها بالأذى. عقله كالسجين المقيد بأصفاد الاعتقال عاجزًا عن نيل حريته تمامًا كعجزه عن سماع صوتها الآن بسبب كونها فاقدة للوعي. نيران تحرق قلبه من الداخل كأنه تلقى طلقة نارية بمنتصف صدره ويتنفس بألم ووخزات قوية تمزقه مع خروج هذه الأنفاس من طلقته النارية.
ربتت "بثينة" على ظهره بلطف وقالت بقلق أصابها على حالة ابنتها:
- مسك هتكون كويسة، هي قوية.
نظر إلى وجه "مسك" بحزن مستاء مما حل بها. لم يكن يعلم بأنها ستملك هذه المحبة بداخله إليها. نشبت نيران قلبه تحرقه حتى حولته لرماد فور رؤيتها هكذا. شعر بأنها هجرته وتركته خاليًا كالمنزل الفارغ مهجورًا، ملأ بالغبار والأتربة بمثابة الأوجاع التي أصابته مع دخولها غرفة العمليات. رؤية "مسك" ضعيفة مهزومة هنا لا حول ولا قوة لها تجعله يرغب بإعلان الحرب على العالم بأسره من أجلها، راجيًا شيئًا واحدًا فقط هو عودتها لتحديه أو صفعه، سيقبل بأي شيء مقابل فتح عينيها. دلف إلى غرفتها وسار بخطوات بطيئة خائفًا من الوصول لها ورؤيتها عن كثب مريضة. جلس قربها ثم أخذ يدها في يده وتشبث بها باستماتة وعيناه ترمقها وتلألأت بدموعه المحبوسة في جفنيه ثم قال متمتمًا:
- أنا آسف، لو اعتذاري هيرجعك ويخليكي تفتحي عيونك فأنا آسف، ولو مش كفاية ليكي يا مسك..
خدي اللي عايزاه بس فتحي عينيك وبصي ليا من تاني، اضربيني وقاتليني واضربي سهامك فيا أو رصاصك بس فتحي عينيك عشاني.
ذرفت دموعه رغمًا عنه من الوجع الذي أصابه وروحها على وشك المغادرة وتركه وحيدًا ليتابع بيدين مرتجفتين:
أنا أول مرة حد يستحملني بقرفي كله لثلاثة شهور بحالهم، أول مرة حد يفضل معايا يا مسك، متسبنيش بعد ما حسيت بالأمان ولاقيت حد يداوي جروحي ويخانقني، فتحي عينيك يا مسك واتخانقي وزعقي واتعصبي وعاقبيني وأعملي كل اللي عايزاه بس متسبنيش بعد ما اتعودت عليكي، أنا عمري ما هقدر أسامح نفسي لو جرالك حاجة وأنا عارف أني السبب.
قاطعه صوتها المبحوح من أسفل قناع التنفس تقول:
مش هسيبك.
نظر إليها بسعادة تغمره، رفعت "مسك" قناع التنفس عن وجهها وتنظر إليه لا تصدق بأنه يبكي لأجلها وكل هذه الدموع بسببها، ابتلعت لعابها بتعب ثم قالت بلطف منهكة:
مش هسيبك يا تيام عشان أنت الوحيد اللي مستحمل ضربي.
أومأ إليها بنعم ويديه تمسح على رأسها بحنان وعينيه تبتسم رغم دموعه الحارة، حادقًا بها بامتنان لاستعادة وعيها وقال برحب شديد:
اممممم اضربني وهستحمل.
أغمضت عينيها باستسلام لألمها الجسدي ففزع "تيام" وقال بخوف:
مسك!
تحدثت بخفوت وعينيها مغمضتين:
لسه ممتش متخافش.
تنفس بأريحية وخرجت تنهيدته تخترق أذنيها فتبسم بلطف رغم عينيها المغمضتين على خوفه، هل اعتاد على وجودها لهذا القدر الذي جعله يرتجف خوفًا عليها ويقلق حتى انقطعت أنفاسه من الذعر، لم يكن يملك لها مشاعر الحب ولم يدق قلبه لها لكنه يدرك بأن ما يملكه لـ "مسك" أغلى من الحب، يتملك دفء العائلة التي فقدها والصديقة التي لم يمتلكها يومًا، يخف عليها كفرد من عائلته بل كانت بمثابة عائلته كاملة، وحدها من تقبلت العيش معه رغم العيوب التي يملكها فليس لديه ميزة واحدة تجبرها على تقبله لكنها قبلت بوجوده معها، كانت تستمع لصوت أنفاسه كأنه عاد للحياة الآن بعد إفاقتها ويديه التي تضغط بقوة على يدها مستماتًا بها ولا يقوى على تركها لتبتسم "مسك" بخفة وهو كصديق شاركته قوتها، احترم ضعفها، احتوى حزنها، دعمها وقت انهيارها ومد يد العون لها في قلة حيلتها، شاركته ثلاثة شهور من حياتها وعمرها كاملة بكل أعباء الحياة، تمتمت بنبرة خافتة:
أنا مش ههرب.
نظر إلى يدها بحرج من كلمتها وسرعان ما استوعب تشبثه بها فتركها بسرعة البرق لتفتح عينيها ببسمة عفوية على رد فعله كأنه كان مغيبًا كالأحمق لا يشعر بتصرفاته.
حدق بـ "غريب" وهو يجلس جوار "غزل" ويضم يدها في يده بحزن خيم على قلبه وأحرق صدره من الداخل، تحدث "سراج" بنبرة خافتة:
مش هتروح تشوفها وتتطمن عليها؟
أجابه "غريب" بنبرة قوية وحزم:
هو مش قاعد جنبها خلاص كفاية تيام عليها.
تنحنح "سراج" بهدوء ثم قال بجدية:
بس دكتورة مسك بنتك قبل ما تكون مراته وأنت ليك حق فيها أكبر منه.
تنهد "غريب" بحزن وقال بنبرة صارمة وقلب جاحد متجمد:
لا يا سراج، البنت لما بتتجوز بتبقى حق جوزها، بنتي لو اتعرت هو اللي هيغطيها ويسترها ولو وقعت جوزها اللي هيشيلها، البنت لما بتتجوز بتخرج من بيت أبوها لبيت جوزها وبتكون له، لما البنت بتتولد بتكون أمانة عندك لحد ما يجي الراجل اللي اتخلقت من ضلعه عشان ياخد أمانته.
نظر "سراج" بإشفاق على هذا الرجل المتكبر بجحود قلبه، يجلس هنا يفتك به الوجع والقلق عليها لكنه ما زال يتشبث بغضبه منها وخصامها ويكتفي بالاطمئنان عليها من الأطباء.
(المدينة الزرقاء Blue city)
اقتحم "جابر" مكتب "زينة" بعد أن سمع خبر بترتيبها لاجتماع طارئ مع المساهمين دون أن تخبره هو أو "زين" الرئيس، كانت جالسة على مقعدها وجوارها يقف "متولي"، رفعت نظرها إليه ببرود بينما يصرخ غاضبًا:
أنتِ حددتي اجتماع مع المساهمين؟
عادت "زينة" بنظرها إلى الورق الموجود أمامها، أجابته بهدوء شديد:
آه فيها إيه؟ عندي خطة تطويري للقرية وهنستفاد منها كتير ونعلي قيمة أسهم القرية بعد الهبوط اللي حصل من وراء الملاك الغير مسئولين.
رفع "جابر" حاجبه بسخرية من كلمتها ووجهه كالجمر الملتهب وقال:
وأنتِ بقي الملاك المسئولين؟ ولا الحية اللي واقف جنبك؟
رفعت نظرها إليه من جديد وضربت سطح المكتب بيدها غيظًا من كلمته وقالت بتهديد:
فوق يا جابر وشوف أنت بتكلم مين؟ وأوعى تنسى مكانتك.
تبسم "متولي" بخبث شديد ملتزمًا الصمت، وضع "جابر" يديه على المكتب يتكئ بهما بقوة وعينيه تحدق بوجه "زينة" بتحدي وقال:
أنا فاكر كويس أنا مين بس يا ريت حضرتك تفتكري أنتِ مين؟ ومكانتك في الهرم الوظيفي هنا إيه؟ ونصيحة مني متسعيش وراء مكانة مش ليكي من البداية لأنك مش هتحصلي عليها ولا هتقعدي على كرسي مش من حقك يا آنسة زينة.
تحدثت "زينة" بنبرة قوية تهديدية:
اطلع برا يا جابر واللي أنا عايزاه هوصله ومحدش هيقدر يوقفني.
تبسم وهو يستقيم في وقفته ووضع يديه في جيوبه بغرور وقال بتهديد:
صدقيني محدش هيقف لك أنتِ والعقرب اللي جنبك دا غيري أنا.
غادر المكتب غاضبًا من تصرف "زينة" التي استغلت سفر "زين" أخاها وهكذا "تيام" الوريث وولي العهد لهذا المكان وبدأت تضرب بهما بقوتها بطعنات الغدر.
مسحت "ورد" على رأسها بحنان وبسمة تنير وجهها من سلامة "مسك" ثم قالت:
حمد الله على سلامتك.
الله يسلمك، تعبتي نفسك وجيتي من الغردقة مخصوص عشاني.
قالتها "مسك" بتعب شديد ويدها لا ترفع عن جرحها، تأفف "تيام" وهو واقف في زاوية الغرفة يحدق بهما بضيق من تعب "مسك" في الحديث مع "ورد"، نظرت "مسك" على تأففه وهي تئن وجعًا وتبسمت بخفة عليه، في الجهة المقابلة كان يقف "زين" جوار باب الغرفة متذمرًا على حضوره بالإكراه بسبب محبوبته ووجوده بنفس المكان مع "تيام"، قدمت "بثينة" العصائر للجميع وجلست جوار ابنتها تساعدها في شرب كوب العصير بصعوبة، أنهت العصير فربتت "بثينة" على رأسها بلطف وتركتها تستريح، خرج الجميع للخارج لتوقف "تيام" قبل أن يغادر بصوتها المبحوح:
تيام.
التف إليها لتشير له بأن يجلس جوارها، سحب المقعد نحو الفراش وجلس قربها، مدت "مسك" يدها إليه فنظر مطولًا إلى يدها ومد إليها يده ودهش عندما وجد رصاصة تعطيها له لتقول بعفوية:
تميمة حظك!!
لم يستوعب أنها تعطيه الطلقة النارية التي اخترقت جسدها ومزقت أحشائها بسببه ولأجله فتلقت هي الانتقام من "إيهاب" عوضًا عنه، أخذها "تيام" برحب شديد ثم رفع نظره إلى وجه "مسك" وقال بعفوية:
أنتِ تميمة حظي يا مسك.
تبسمت بتعب يسير في كل أطراف جسدها بوجه شاحب ثم قالت:
أنا محتاجة أتكلم معاك بس مش وقته.
هز رأسه بالموافقة يتفق معها في الرأي فالحديث الآن سيضر بها لا أكثر، أغمضت عينيها تستسلم إلى تأثير الدواء وتعبها لتغمض عينيها نهائيًا.
فتح باب مكتب "بكر" ودلف السكرتير وخلفه مجموعة من رجال الشرطة يقتحمون المكتب بالقوة دون إذن أو هدوء بل بضجة وصخب في الشركة كاملة، قال "بكر" بغضب شديد من اقتحام مكتبه بهذه الطريقة الفوضوية:
إيه دا في إيه؟ أنتم مين؟
قالها الضابط بلهجة قوية غليظة لينظر "بكر" إليه بتردد وارتباك.
رواية وختامهم مسك الفصل السادس عشر 16 - بقلم نور زيزو
فتحت بثينة باب الشقة ودلفت أولًا، ثم مسك متكئة على ذراع تيام بحرج من وجود والدتها، وبسبب مرضها وجسدها المنهك من الجراحة. تحدثت بثينة بنبرة خافتة:
- حمد الله على السلامة يا حبيبتي، نورتي بيتك.
أومأت مسك لها بنعم وبسمة خافتة. جلست على الأريكة بمساعدة تيام، ودلفت بثينة إلى غرفتها. أخبرها تيام بتحرك المباحث للقبض على بكر، فأومأت إليه بنعم ثم قالت:
- شكرًا... تيام.
نظر إليها باهتمام من ذكر اسمه. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتحدث عن هذا الماضي، وحدقت بعينيه بشجاعة وأخبرته بما قاله إيهاب، وأنهت حديثها بسؤال ولهجة صارمة:
- أنت عملت كدة فعلًا؟
اتسعت عينيه على مصراعيهما وهو يستمع إلى حديثها من البداية حتى توقفت بعد سؤاله، ليرفع نظره إليها بغضب سافر لا يصدق هذا السؤال وقال بحدة:
- أنا فيا كل العبر وعيوب محدش يتقبلها، لكن عمري ما دخلت في علاقة مع واحدة غصب عنها. وبعدين ما أنتِ أهو مراتي وحلال ليا أعمل معاكي اللي عاوزه، لكن لمستك... لا يا مسك، أنا بروح للي شبهي في نجاستي، ومستحيل أعملها مع واحدة بالغصب لأن وقتها مش هبقى نسونجي وفلتان، هبقى مغتصب وبنتهك عروض البنات.
تنحنحت بحرج من كلماته وتحاشت النظر له بتذمر وغضب مما تسمعه وهو يحكي عن نزواته بفخر كونه يفعلها مع فتيات، وكأنه يخشى أن يكن مغتصبًا لكن لا مشكلة لديه في أن يكون زانيًا، ثم قالت بضيق:
- أنا كنت عارفة.
- بعدين البنت اللي بتحكي عنها دي كانت بتشتغل جرسونة في الكازينو عندنا في القرية، وكل ناس عارفة حكايتها وإنها كانت ميالة للرجالة الكبيرة ومتحبش غير الراجل اللي قد أبوها... وعارفين حكايتها لما لاقوها مقتولة في البحر، روحي اسألي أي حد في القرية لو مش مصدقاني. وبعدين واحدة ميولها للعواجيز هتغير ميولها فجأة وتمشي معايا وكمان أكون آخر واحد شافها؟ طب ليه عشان سوداء عيوني مثلًا... آه أنا شوفتها ليلة ما اختفت بس دا عشان كنت عايز منها مخدرات، وبقولها قصادك من غير خوف عشان رغم كل القرف اللي فيا أنا مبنكرش حاجة أنا عملتها.
قالها بجدية صارمة ووجه عابس متحاشيًا النظر إلى مسك، فظلت تحدق بوجهه في صمت دون أن تتفوه بكلمة واحدة. لا تعرف أهذه ميزة به أم نقطة لا ترى وسط بحر العيوب الذي يغرق به. وقفت لكي تدخل غرفتها ليقف تيام قبلها مسرعًا ومسك أكتافها يساعدها في الوقوف، لتتقابل عيونهما معًا. رغم غضبه لكن عينيه كانت تحمل بريقًا ضئيلًا من الدفء لمساعدتها ورؤيتها. تنحنحت مسك بحرج وتحاشت النظر إليه فتركها قبل أن تغضب من لمسه لها.
_______________________
كان زين يقود سيارته بسرعة جنونية إلى الغردقة بعد أن تلقى خبرًا من جابر بما تخطط له زينة. نظرت ورد إليه بقلق من سرعته وخوف شديد ثم تحدثت بنبرة هادئة:
- اهدأ يا زين.
نظر زين لها وكان وجهه ملتهبًا من الغضب وحاجباه يعقدهما بحدة وظهرت خطوط عريضة في جبينه وقال بنبرة حادة:
- أنا تعمل فيا كدة؟ أختي اللي من لحمي ودمي تغدر بيا... بتستغل فرصة غيابي عشان تطمع في مالي.
ربتت ورد بلطف على ذراعه وقالت بحنان تحاول التماس العذر إلى زينة:
- برضه اهدأ، الثروة كبيرة والقرية تقدر بمليارات، ممكن يكن وسوس لها الشيطان ولا حاجة، لكن أكيد أول ما تتكلم معاها هترجع لوعيها. زينة بتحبك وواقفة في ظهرك.
تأفف بغضب شديد من كلمات ورد التي تلتمس العذر لأخته التي تحاول سرقة منصبه منه وقال:
- واقفة في ظهري عشان تطعني فيه من غير ما أحس وأنا مأمن ليها.
- أكيد لا يا حبيبي، أكيد لا.
قالتها بثقة قوية في زينة وكأن براءة هذه الفتاة وعقلها النقي لم يستوعب ما يحدث وما تخطط له زينة بمكرها بعد أن تمكن إبليس من عقلها وزرع الطمع في عينيها. نظر زين إلى ورد بحزن قوي يخيم عليه من تعرضه للغدر من أخته وقال:
- متثقيش في حد يا ورد، أنتِ طيبة زيادة عن اللزوم وسط الديايبة اللي إحنا عايشين فيها. الثقة هتأذيكي بس.
تبسمت ورد إلى عينيه التي ترمقها تارة والطريق تارة، ثم وضعت يدها على يسار صدره حيث قلبه وقالت بدفء:
- أنا بثق في دا يا حبيبي.
وضع يده فوق يدها متشبثًا بها، ربما تستطيع كبح غضبه والسيطرة عليه قبل أن يصل للقرية ويقتل زينة على خيانتها.
________________________
دق باب غرفة مسك ودلفت والدتها مع مجموعة من الأطباء زملائها في المستشفى وقالت بلطف:
- مسك يا حبيبتي صحابك جم.
تبسمت مسك بلطف إليهم وهي بفراشها وجلست معهم لنصف ساعة يتحدثون ويتسامرون عن مرضها والمستشفى. عاد تيام من الخارج ووجد بثينة تحمل صينية بها الكثير من أكواب العصير والكعك فسأل بخفوت:
- إيه كل دا؟
تبسمت بثينة بلطف وقالت:
- صحاب مسك جوا.
أخذ الصينية منها بعفوية دون إذن مبتسمًا حتى يستغل الفرصة وقال برحب:
- طب عنك يا حماتي.
تبسمت إليه بلطف ودلف تيام ليجدها مبتسمة بإشراقة وبسمتها تحتل وجهها وتملأ الضحكات غرفتها. تقدم للأمام خطوة لكنه توقف عندما سمع شاب يقول:
- أنا ماليش في الورد اللي بيدبل دا... أنا راجل عملي جبتلك الشوكولاتة اللي بتحبيها.
تبسمت مسك على مداعبته ونظرت إلى علبة الشوكولاتة وقالت:
- مرسي تعبت نفسك.
استشاط تيام غيظًا من هذه البسمة التي تهديها إلى هذا الرجل، وانفجرت قنبلة مميتة بداخلها تدمر صدره وقلبه من الغيرة التي أكلته. وضع الصينية ببسمة مزيفة وقال:
- اتأخرت عليكي يا روحي.
قبل جبينها أمام الجميع وجلس جوارها. نظروا إليه باندهاش وجزت مسك على أسنانها بحرج من تصرفه أمام زملائها وقالت ببسمة اضطرارية:
- لا... أعرفكم تيام جوزي.
تبسمت فتاة بعفوية وعيناها تحدقان به بإعجاب ثم قالت:
- شوفته معاكي في المستشفى كان هيموت من القلق عليكي.
نظرت مسك إليه بحرج من التصاقه بها وتشير له بعينيها بأن يبتعد ليرفع ذراعه ويحيط بأكتافها متجاهلًا نظراتها ثم قال بنبرة دافئة:
- طبعًا مش روحي.
همست في أذنه بغيظ قاتل يمزقها من الداخل وهو يستغل أي فرصة للتقرب منها وتمثيل دور الزوج العاشق:
- طلعت روحك يا بعيد... ابعد عني.
قهقه ضاحكًا بصوت مرتفع ورمق هذا الشاب بعينين ثاقبتين وقال:
- بتموت فيا.
- يا بختك بمسك.
قالها الشاب بعفوية ليصدم تيام من حديثه وقال بوجه عابس وحدة:
- مسك!! حاف كدة من غير دكتورة ولا مدام ولا أي حاجة.
- تيام.
قالتها مسك برفق شديد وتنكزه في خصره حتى يتوقف، لكنه تابع بغيظ شديد قائلًا:
- مفيش تيام لازم يتعلم يحترم اللي قدامه، وإيه يا بختك دي... حضرتك بتعاكس مراتي قصادي يا بجاحتك والله.
نظر الشاب إلى مسك وأصدقائه بحرج من حديث تيام ثم وقف بغضب وقال:
- أنا ماشي.
- في ستين داهية.
قالها تيام بضيق شديد وهو يقف من مكانه ليغادر الشاب وخلفه الجميع فصرخت مسك بغضب سافر يمزق عقلها للتو من تصرفه الذي لم تفهمه ولا تدرك سببه قائلة:
- إيه اللي عملته دا؟ أنت مجنون مين اللي أديك الحق تتدخل في حياتي كدة؟
التف تيام إليها وهو يقف في منتصف الغرفة مشتعلًا من نيران الغيرة التي تحرق قلبه وتصاعدت الآن إلى عقله وقال بانفعال:
- أنتِ تسكتي خالص، دا راجل مش محترم قاعد يعاكس فيكي وأنا قاعد بكل بجاحة وكمان أنتِ اللي زعلانة، ليه شايفني مركب قرون قصادك؟
اندھشت مسك من انفعاله ونبرته المرتفعة التي تكاد تجزم أن والدتها سمعتها من الخارج. تمتمت بصدمة ألجمتها من تحوله المفاجئ أمامها:
- قرون!! أنت بتكلمني أنا كدة؟
أشار بيده نحو باب الغرفة وعينيه تحدقان بها بنظرات يتطاير معها الغيظ ورائحة رماد قلبه وتحدث بغضب شديد قائلًا:
- أيوة أنتِ مش محترمة وجودي قصادك وقاعدة تضحكي معهم وكمان زعلانة إني طردته وبتتخانقي معايا عشانهم.
وضعت يدها على جرحها الذي بدأ يؤلمها من الانفعال وقالت بحزم ونبرة غليظة:
- إيه دا أنت بتزعق ليه؟ وبصفتك إيه تطرد صحابي؟
كان مستشاطًا غضبًا منها بعد رؤية هذا الرجل زميلها بالعمل يحدثها بلطف وهي تبتسم إليه حتى قتلت بسمتها قلبه وأشعلت النيران بداخله فقال صارخًا:
- بصفتي جوزك...
بقيت بتنسي كتير يا مسك، ولعلمك لو اللي حصل ده اتكرر تاني هيكون لي تصرف غير معاكي.
رفعت رأسها بشموخ غاضبة منه ثم قالت:
أنت عبيط يا تيام؟ هو حصل إيه؟ الناس جايبين ورد وجايين يطمنوا عليا، فيها إيه دي؟
اقترب منها مشتعلًا من الغيرة وسبابته تقرص وجنتها باغتياظ قائلًا:
والضحكة اللي من الودن للودن دي إيه؟ ده أنا كنت فاكرك ما بتعرفيش تضحكي ولا نازل عليكي لعنة ضد الضحك، تيجي أول ما تشوفهم تسيحي على نفسك. وبعدين مين الأخ اللي جايب لك شيكولاتة أصلك بتحبها؟ حبك برص، من النهاردة ما فيش شيكولاتة. أنا هكرهك في كل الشيكولاتات، ولو لمحتك بتأكلي شيكولاتة واحدة هطفحهالك!
تمتمت مسك بنبرة خافتة مندهشة من انفعاله وغضبه قائلة:
أنت شارب حاجة؟ ما أنت لو مش شارب حاجة تبقي غيران ودي ما تتصدقش.
اقترب أكثر منها ويجز على أسنانه لتضع يدها على صدره تمنعه من الاقتراب الأكثر، لتشعر بشيء صلب أسفل يدها. رفعت يدها عن صدره واتسعت عيني مسك على مصراعيها وهي تنظر إلى صدره العاري من فتحة أزرار قميصه السماوي مندهشة مما تراه. قربت يدها ببطء إلى صدره ومسكت القلادة بأناملها التي تحمل الرصاصة التي أعطتها له وقالت بخفوت:
تيام!
تميمة حظي.
قالها ببسمة عافية متنازلًا عن دوامة غضبه وقسوته لتبتسم مسك بعفوية على صنعه لقلادة من طلقة نارية مزقت جسدها وأحشائها وبسببها هي طريحة الفراش هنا. سحبته من القلادة بقوة إليها وما زالت لم تتخطى الغضب الذي بداخلها وعينيها تحدق بعينيه عن قرب وتشعر بأنفاسه الدافئة ثم قالت:
إياك تاني مرة تتخطى حدودك معايا يا تيام، فاهم!
تطلع بها عن قرب وأنفه تلامس أنفها وعينيها تلمعان ببريق الغضب لكنه يزيدهما جمالًا ليبتلع لعابه بحرج من قربهما وهذه المرة هو من فر بعيدًا عنها بعد أن شعر بدقة جديدة تصيب قلبه وخفقان يحمل مشاعر لا يعرف ماهيتها من قربه من مسك. ارتجف عقله فزعًا مما يشعر به لذا هرب من أمامها. اندهشت من هروبه المفاجئ منها ولم تفهم شيئًا من تصرفاته.
المدينة الزرقاء (blue city)
كانت زينة تجلس مع المدراء التنفيذيين في غرفة الاجتماعات ثم قال متولي بجدية:
اللي موافق على عزل الرئيس زين من منصبه المؤقت يرفع إيده، خلونا نأخذ التصويت بالأغلبية.
رفع القليل أيديهم والبقية نظروا إلى بعضهم بقلق من اتخاذ قرار حاسم كهذا. فتح باب الغرفة ودلف زين وخلفه جابر الذي اقتحم المكان للتو وحدق بهم ثم قال:
جابر!
أمرك.
قالها بعينين ثاقبتين يحدق بعيني زينة التي لم يتحرك لها ساكنًا من مكانها فتابع زين بنبرة قوية صارمة:
كل واحد رفع إيده مفصول من وظيفته.
ارتعب الجميع من كلمته ووقفوا من مقاعدهم ثم قال:
زين بيه!
صرخ زين بهم بغيظ شديد ثم قال:
اخرسوا! بتتأمروا عليا ومن وراء ظهري؟ بكرة الصبح ما ألاقيش واحد فيهم في مكتبه ولا في وظيفته، أما بالنسبة لأنسة زينة زعيمتهم تفصل من وظيفتها الإدارية ما هي قدوة ليهم وتكتفي بنسبتها في الأسهم.
اتسعت عيني زينة على مصراعيها بصدمة ألجمتها ووقفت من مقعدها تضرب الطاولة بيديها وقالت:
زين!
التف وغادر الغرفة دون أن يستمع لها أو إلى حديثها فتبسم جابر إلى متولي بسخرية من هزيمته وغادر خلف زين. خرج الجميع من الغرفة وتبقى متولي بصحبتها فقال بمكر شديد:
صدقتيني بقى لما قلت لك إنه عايز كل حاجة له؟
جلست زينة على مقعدها بصدمة ألجمتها من خسارة كل شيء الآن، فقط تمتلك حصة ضئيلة في هذا المكان لتغلق قبضتها بإحكام تسيطر على غضبها.
ذهب تيام إلى ملهى ليلي وارتشف الكثير من الشراب والخمر غاضبًا من هذا الشعور الذي أصابه. حاولت فتاة تعمل بالمكان التقرب منه فتبسم إليها وحاول مبادلتها الرغبة في الحديث لكنه لم يشعر بضربات قلبه التي أزعجته سابقًا، بل شعر بوخزات في قلبه تفتك بصدره كأنه يعاقبه على خيانة مسك. أبعد يد الفتاة عنه باغتياظ وغادر المكان شاردًا ويسير في الطرقات وحيدًا مستمتعًا بنسيم الليل ربما يقتل ثمالته ويعيده إلى وعيه. يتأرجح جسده من السكر لكنه ما زال يفكر في غضبه عندما رآها تبتسم إلى آخر وخفقان قلبه من قربهما والنظر إليها والشعور بأنفاسها كاد أن يفقده صوابه. جلس على الرصيف قرب النيل مستسلمًا لهذا الشرود حتى سمع صوت سيدة عابرة من جواره:
محتار ليه يا ولدي؟
فتح عينيه وكانت سيدة مسنة تتكئ على عصا من جذع شجرة وتسير بطريقة فوضوية. جلست جواره فقال تيام بعبوس:
محتار من نفسي، ما بقيتش عارف هي عايزة مني إيه؟
تبسمت السيدة إليه وقالت:
هو العشق كده يا ولدي، يحير ويتعب القلب.
اعتدل في جلسته باندهاش من كلمتها الأولى وحدق بها بذهول ثم قال:
العشق؟
أخذت السيدة راحة يده ونظرت إلى باطنها ثم قالت بخفوت ونبرة هادئة:
طريقك صعب ومليان مخاطر بس هي واقفة في ظهرك وهي بس اللي هتأخذك لبر الأمان.
هي مين؟
سألها بفضول شديد وعينيه تنظر في باطن يده ولا يرى شيئًا مما تتحدث عنه فقالت بحدة:
اللي غلبتك، واحدة بينك وبينها هيكون في رباط قوي ما يقدرش الكون كله على كسره. بس ما تستهونش بالرباط ده يا ولدي، ده ما يقويهوش غير الفراق، والفراق مكتوب عليك من زمان واللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين.
ابتلع لعابه بخوف مما تتفوه به هذه السيدة الغجرية رغم كبر سنها لكنها تحدثه بوعي وحدة. سألها بقلق:
هتفارقني.. مسك؟
ما حدش بيوصل لمسك الختام غير بعد معافرة وصبر، وأنت وصلت بدري لكن اللي جاي صعب، صعب قوي محتاج منك قلبك من حديد وصبر من نار، نار أول ضحاياها هو قلبك اللي دخله العشق وخلاك عشقان والعشق نار يا ولدي تولع لكن ما تحرقش، بس أنت قدرك تتحرق بالنار وتعيش لحالك، عاشق بعيد عن المعشوق.
كانت تحدثه وعينيها تحدق براحة يده فسحب يده منها بخوف مما تتفوه به لتربت على رأسه وغادرت من أمامه. ظل يرمقها حتى غابت عن نظره ليقف من مكانه ويعود للمنزل بقلق وخوف تملك من قلبه من حديثها الذي أعادته لصوابه كاملًا وتخلص من ثمالته. دلف إلى غرفة مسك وكانت نائمة في فراشها والساعة بلغت الثالثة فجرًا. لم يبدل ثيابه وتسلل إلى الفراش خلفها ينظر إليها بخوف من وحدته، وتساءل هل سيعود ساكنًا في إحدى غرف الفندق وحيدًا بعد أن اعتاد على عودته للمنزل ومسك به؟ دمعت عينيه من الرعب الذي أصابه بسبب الفراق والوحدة. طوقها بذراعيه بدفء ووضع رأسه على كتفها. شعرت مسك بيديه لتفتح عينيها وقبل أن تصرخ به أو تضربه كعادتها سمعت صوت بكائه وشعرت بدموعه الحارة تذرف على عنقها. تجمد جسدها محله وتوقف عقلها عن التفكير من الصدمة التي حلت بها لأول مرة تراه يبكي حتى بعد وفاة جده لم تنزل دمعة واحدة منه. لا تعرف ماذا حدث حتى بكى كطفل صغير هكذا في صمت؟ يكبح صوت أنينه وشهقاته بحذر حتى لا يوقظها من النوم وتبعده عنها. أغمضت عينيها من جديد لكنها لم تعود لنومها بل ظلت تستمع إلى صوت أنينه المكتوم ودموعه تتسلل على عنقها. كان تيام يبكي بخوف من الفراق والوحدة، لا يعلم ماذا أصابه يبكي دون توقف مهما حاول التوقف عن البكاء؟ أنهى هذه النوبة من الوجع الذي أصابه بلا سبب لم يستطع. لا يعلم شيئًا سوى أنه لا يقوى على الفراق بعد أن اعتاد عليها وحديث هذه المرأة عن العشق أخبره بحقيقة مشاعره وسبب غضبه منه اليوم وهربه من أمامها، وهذا الألم لا سبب له إلا لأنه يملك المشاعر لها. أخبرته هذه العرافة أنه عاشق حتى لو لم ينتبه لهذا العشق والمشاعر التي بداخله.
شعرت مسك بثقل على كتفه لتعلم أنه غاص في نومه من التعب. تحركت ببطء شديد حتى لا توقظه واستدارت له وتضع يدها على حرجها فتنهدت بتعب وبيدها الأخرى مسكت رأسه قبل أن تسقط. ظلت تحدق به باندهاش وعقلها يتساءل عن سبب حزنه وبكائه المفاجئ. رفعت يدها إلى وجنته كي تجفف دموعه لكنها توقفت بحزم قبل أن تلمسه وظلت عينيها ترمقه ويدها أمام وجهه معلقة في العدم لا تقوى على لمسه ولا ترغب بإبعادها. عالقة بالمنتصف كحرف الواو بين السماء والأرض. كان يطوقها متشبثًا بها كطفل صغير متشبث بوالدته من الخوف. أبعدت مسك يدها بعيدًا عنه رافضة لمسه واستسلمت للنوم بين ذراعيه حتى لا تتحرك وتوقظه ويعود للبكاء والحزن من جديد.
استيقظت مسك صباحًا لتجده غادر الفراش والغرفة كاملة. ترجلت من فراشها بتعب وخرجت إلى الخارج ويدها لا تفارق خصرها المصاب ووجدت والدتها تجهز الإفطار. بحثت عنه في أرجاء الشقة بنظرها ولم تجد له أثر وقبل أن تسأل أجابتها بثينة بجدية قائلة:
تيام نزل من بدري قال عنده شغل في الغردقة وما حبش يصحيكي من النوم.
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها من رحيله دون أن يخبرها أو يودعها وقالت بتلعثم:
رجع الغردقة!
أومأت بثينة إلى ابنتها بنعم بلا مبالاة ولا تعرف بقرار رحيله دون أن يخبر زوجته. جلست مسك على الأريكة بتعب وقالت بحزن لا تعرف سبب رحيله:
من غير ما يقولي..
فتحت هاتفها بحزن خيم على قلبها وعقلها لا تعرف سببهما. رأت رسالة من رقم مجهول لكن فور فتحها علمت أنها منه وكان محتواها:
(صباح الخير يا مسك، أنا ما حبيتش أصحيكي وأزعجك أو نتخانق من جديد قبل ما أمشي بس أنا عندي شغل وأنتِ عارفة إني ما عنديش وقت كثير لازم أكون مستعد للي جاي. أنا كنت عايز أشكرك على كل حاجة حلوة أو وحشة حصلت بينا. شكرًا يا مسك على كل حاجة عملتيها عشاني وإنك قبلتي تتجوزي واحد زيي بمكانتك وعلمك ونقائك وعلى كل مرة أنقذتي حياتي فيها وكل مرة وقفتي لزين عشاني، وآسف على كل مرة عرضت حياتك للخطر بسببي وآسف إنك مريضة دلوقت بسببي بس لحد هنا وكفاية يا مسك، كفاية كل أذى ليكي بسببي وكفاية هجر والدك ليكي بسببي. اقبلي اعتذاري وشكري وأوعدك ما يحصلش أي أذى ليكي من تاني بسببي).
تنهدت مسك بغضب سافر من حديثه. راسلته بضيق شديد:
مش مقبول..
أسفك مش مقبول.
أغلقت الهاتف بضيق شديد وتركته على الأريكة، ثم ذهبت إلى غرفتها غاضبة. أوقفتها بثينة بعفوية تقول:
- مش هتفطري يا مسك؟
- لا.
قالتها بحدة صارمة ثم دلفت إلى غرفتها غاضبة وأخبأت في فراشها.
(المدينة الزرقاء blue city)
كان تيام جالسًا في مكتب الرئيس في مقدمة الطاولة الزجاجية، وزين في المقدمة الأخرى مقابلًا له، وجابر يجلس في المنتصف معهم يحجز بينهم. وهذا الاجتماع يشبه الحرب بين كلا الطرفين. قذف تيام الأوراق على الطاولة بغضب سافر وقال باختناق:
- وأنا مش هعمل دا...
تحدث زين ببرود شديد ونبرة استفزازية أكثر:
- والله هو دا اللي موجود، ولا أنت فاكر أن يوم ما تتكرم وتتنازل وتقرر تشتغل هتقعد في التكييف وتشرب فنجان القهوة وتقضيها تليفونات؟
وقف تيام من مكانه وهو على وشك ضرب هذا الرجل بقوة، لكن أوقفه جابر عندما تشبث بذراعه وقال بزمجرة من هذين الاثنين:
- اهدى يا تيام بيه، مش كده يا أستاذ زين! دا مش أسلوب نقاش ولا شغل يا جماعة، أنتوا في صف واحد أمال لو منافسين هتعملوا إيه؟
وقف زين من مقعده واقترب هو الآخر نحوهما وقال بسخرية:
- دا فاكر أنه جاي يدلع مش يشتغل.
رفع تيام ذراعه يحاول دفع جابر عن طريقه من الغيظ الذي يتملكه الآن من زين وقال:
- أوعي يا جابر، خليني أضربه، هو عايز يضرب.
- تصدق خوفت، وسع له يا جابر والنبي.
قالها زين بسخرية وبرود سافر مستفزًا يثير غضب تيام أكثر. دفعه جابر بعيدًا بضيق شديد من هذه الحرب المميتة بينهم وقال بحدة صارمة:
- خلاص بقى إحنا ناس كبيرة، وبعدين يا تيام بيه محدش بيبدأ كبير، ما أنت لازم تبدأ كموظف صغير وتتعلم كل حاجة من تحت وتطلع السلم واحدة واحدة.
تأفف تيام باختناق شديد ثم أخذ الورق الذي قذفه على الطاولة وقال بازدراء:
- أنا راجل وسخ أني حطيت أيدي في أيدك وربنا.
غادر الغرفة غاضبًا من هذا الحديث ليبتسم زين بسعادة على انتصاره. فنظر جابر إليه بزمجرة وقال:
- ارتاحت كده؟
أومأ زين له بنعم ثم قال:
- تعال يا جابر سيبك من الهم دا.
خرج الاثنان معًا إلى المكان الذي يعتقل فيه جابر الرجلين اللذين هاجما على تيام من فترة، ولم يتفوه أحدهما بكلمة واحدة ليصدم عندما رأى المكان فارغًا وقد هرب الرجلان من هذا المكان المغلق، ولا يعرف كيف فعلاها أو هل ساعدهما أحد في الهرب. تحدث زين بغضب شديد قائلًا:
- هم فين؟
هز جابر رأسه بالنفي بصدمة ألجمته لا يستوعب هذا الشيء ثم قال:
- معرفش، أكيد في حاجة غلط.
خرج زين من المكان غاضبًا وقال بغضب من فقده لطرف الخيط الذي سيصله إلى مرتكب جريمة ورد:
- أكيد طبعًا.
اعتنَت بثينة بابنتها طيلة الليالي من أجل شفائها، ووضعت مسك رقم تيام في قائمة الحظر بسبب غضبها من طريقة رحيله، ولم تتواصل معه لمدة شهر كامل. وبدأت تستعيد سلامتها وصحتها وشفي جرحها كليًا طيلة الشهر الذي ظلت به حبيسة في بيتها. وعادت إلى عملها من جديد في المستشفى وسمعت من ورد أن تيام منهكًا في العمل وبدأ بالفعل في الاهتمام بالعمل رغم أنه مجبورًا على تنفيذ أوامر زين بالإكراه وكل مرة بعد افتعال شجار. سعدت مسك كثيرًا لتقدمه خطوة للأمام لكنها ما زالت غاضبة منه ولا تريد محادثته.
دق باب الشقة فجرًا بطريقة همجية وقوية. خرجت بثينة من غرفتها وهكذا مسك التي فزعت من نومها من صوت الطرق. فتحت بثينة الباب ووجدت سراج أمامها لتقول بذعر من قدومه في الفجر:
- في إيه يا سراج؟
تطلع سراج بوجه مسك وهي شبه نائمة وتحدق به وكان القلق والخوف يحتل وجهه. ابتلعت لعابها بخوف من قدومه إليها. جعلها تبدل ملابسها بسبب وجود حالة حرجة وارتدت بنطلون أزرق وقميص نسائي أبيض بأكمام وتدخله من الأمام في البنطلون وذهبت معه. أخذها إلى طريق المنزل لتقول بقلق:
- دا مش طريق المستشفى.
لم يجب عليها وأخذها إلى منزل والدها السري وفتح الباب لها. نظرت مسك إلى المنزل الذي لا تعرف لمن هو؟ ولماذا هي هنا بحيرة؟ ثم دلفت إلى المنزل وقاد سراج الطريق إلى الغرفة التي بها غزل ووقف بتوتر وخوف من رد فعلها عندما ترى أختها بالداخل حية ولم تمت. ازدردت مسك لعابها بخوف من نظرات سراج كأنها سترى بالداخل شيء لا يجب أن تراه في حياتها ووجهه المرتبك زاد من خوفها. فتح لها الباب ودلفت مسك لتصدم مما تراه أمامها...
للحكاية بقية...
رواية وختامهم مسك الفصل السابع عشر 17 - بقلم نور زيزو
دلفت "مسك" لتُصدم مما تراه أمامها حين رأت "غزل" أختها نائمة في فراشها، وكانت صدمتها كالتي رأت ميتًا خرج للتو من تابوت موته. كان جوارها طبيب يحاول إنعاش قلبها الصغير، و"مسك" متحجرة تمامًا مكانها من الصدمة التي ألجمتها، لتفيق من صدمتها عندما رأت أختها تنتفض وجسدها تشنج بألم. أسرعت إليها وأبعدت الطبيب عنها وفحصتها بعينين تبكيان من السعادة لكونها حية وما زالت تمتلك الأمل في عودة أختها مرة أخرى، وهناك احتمال أن يجتمعا معًا من جديد. تساقطت الدموع من عينيها بألم شديد، فالتفتت إلى والدها الذي يقف صامتًا واختار أن يخفي بقاء أختها حية عنها. طلبت بعض الأشياء الطبية من "سراج"، وعندما أحضرها أجرت جراحة لأختها بمساعدة الطبيب المجهول الذي فضله "غريب" عليها حتى يعتني بأختها المريضة. أنهت جراحتها في السابعة صباحًا وخرجت من الغرفة ثم جلست على الأريكة أمام والدها الذي وقف غاضبًا من مكانه، لكنها أوقفته هذه المرة بحديثها قائلة:
- بابا!
استدار إليها بتأفف شديد وحدق بوجهها ثم قال:
- أفندم!!
وقفت من مكانها بهدوء تام وتقدمت نحوه خطوة ثم قالت:
- مش عايز تقول لي عملت كده ليه؟ بلاش، خبيت عني ليه؟ مش عايز تسمع مني حاجة؟
جز على أسنانه بزمجرة قوية حتى سمعت "مسك" صرير أسنانه من قوته وقشعر جسدها منه ثم قال:
- أسمع إيه؟ مسك، أيًا كان السبب ما يديكيش الحق تتجوزي من ورايا، حتى لو كان جواز مصلحة أو جواز غلطة، كان لازم ترجعي لي لأني أبوكي مش واحد غريب. ولا منتظرة إني أقبل بده بسهولة زي ما الست الوالدة قبلت بده.
تنحنحت "مسك" بهدوء وعيناها تحدقان بعيني والدها ثم قالت بلطف:
- جواز اضطراري، كنت مضطرة...
قاطعه قهقهة "غريب" ضاحكًا على كلمتها وسببها لفعل هذا ثم قال:
- آخر حاجة كان ممكن أتخيل إني أسمعها منك، الاضطرار... ده سبب كافي في نظرك؟
- تيام...
قالتها بلطف وقبل أن تكمل كلمتها وضع يده أمام وجهها بحدة صارمة يمنعها من الحديث عن هذا الشيء والرجل الذي دخل حياتها اضطرارًا كما تقول وقال بحزم شديد:
- بس خلاص، مش عايز أسمع منك حاجة. أنا كنت حالف لساني ما يخاطبش لسانك العمر كله، بس لولا حالة غزل وإصرار سراج إنه يجيبك ما كنتش زماني واقف معاكي في مكان واحد.
أنهى حديثه وغادر المكان لتتأفف "مسك" بحزن يغمرها حتى غرقت بقاعه، وجلست تنتظر لساعات أطول وحيدة حتى تطمئن على "غزل" وقلبها. رغم حزنه على فراق أبيها إلا أنه يرفرف فرحًا بـ"غزل" أختها التي تراها أمامها تتنفس تحت الأجهزة. أعطتها العلاج في الكانولا وجلست جوارها وأخبرتها بما فعلته مع "بكر" بمساعدة "تيام". أخذت يد "غزل" في يديها بحنان ثم قالت بلطف:
- ما تسيبنيش يا غزل، أنا جربت فراقك مرة ومش هقدر أتحمله تاني. أنتِ قوية وأنا اتعلمت القوة منك، فأرجوكي خليكي قوية للآخر.
رن هاتفها يقاطع حديثها مع أختها فنظرت به وكانت "ورد". خرجت من الغرفة بخفوت ثم استقبلت الاتصال بعفوية وقالت:
- أنتِ ما عندكيش حاجة تعمليها أول ما تصحي غير إنك تتصلي بيا؟
تبسمت "ورد" بعفوية ثم قالت ببراءة:
- صحيتك؟
- لا، أنا في المستشفى عندي شغلي.
قالتها "مسك" بعد أن دلفت إلى المطبخ لتصنع كوبًا من النسكافيه وتحدث "ورد". تحدثت "ورد" بلطف وأصوات البحر والأمواج تداعب نبرتها الدافئة:
- كويس، كنت خايفة أكون صحيتك، أنا برضه قولت ما فيش تنام لحد الساعة 10. ده تيام بجلالته صاحي من ساعة ونزل الشغل.
تبسمت "مسك" وهي تسكب الماء المغلي في الكوب بحماس وقالت:
- بجد!!
- أمال إيه؟ معاه دلوقت فوج إيطالي وكله مزز ما أقولكيش إيه نار يا صديقتي هههههههه بس الغريب إن تيام مركز في شغله فعلًا وسألني على أفضل رحلة تحت الأعماق.
قالتها بجدية رغم اندهاشها من حالته فقالت "مسك" بلطف وهي لا تستوعب أن من تتحدث عنه هو زوجها العاطل عن العمل، المتمرد:
- متأكدة إنه تيام؟ غريبة إيه اللي غيره كده؟
ضحكت "ورد" وهي تسير على الممشى الخشبي بسعادة وعيناها تحدقان بـ"تيام" الذي يقف على اليخت مع السياح يتحدث معهم عن المكان. قالت بجدية:
- ما أعرفش، يمكن إصراره إنه ينتصر على زين. مش هتصدقي إنه جاب دبلة ولبسها وبقى كل ما يشوف بنتها بتعاكسه بيقولها إنه متجوز... بقى ماشي يذيع خبر جوازه منك في اليوم عشروميت مرة تقريبًا.
جلست "مسك" على الأريكة وهي تضع الكوب الأسود على الطاولة بدهشة مما تسمعه وكيف تبدل حاله خلال شهر واحد فارقها فيه. تمتمت بخفوت وهي ترتشف القليل من الكوب:
- أشك!!
سمعت "ورد" كلمتها لتحول الاتصال إلى مكالمة فيديو حتى تجعله تراه وهو يعمل بحزم مع الأجانب فوق اليخت، فتبسمت "مسك" فور رؤيته يعمل ويتحدث معهم من بعيد. أدارت "ورد" الكاميرا إليها لترى بسمة "مسك" فقالت بحماس:
- قفشتك! إيه ده يا هانم؟ أنتِ بتحبي من ورايا ولا إيه؟ ولا إيه سر السعادة دي ها؟ اعترفي.
توارت بسمتها وتحولت لوجه حاد ثم قالت بجدية:
- خليكي مكانك وأنا هاجي أعترف لك فيس تو فيس.
- هههههه لا خلاص مش عايزاك تعترفي.
قالتها "ورد" بخوف طفيف من مقابلة هذه الفتاة التي ستخبرها بيدها عوضًا عن لسانها إذا تقابلا الآن. تبسمت "مسك" من جديد بخفوت ثم أغلقت معها الاتصال وولجت إلى "غزل" تطمئن عليها ثم رحلت إلى المستشفى لتبدأ يومها في العمل بين المرضى...
____________________________
(المدينة الزرقاء blue city)
عاد "تيام" من البحر مع الغروب مع مجموعة من الأجانب ومعه "ورد" و"فادي" ومجموعة من الغواصين الآخرين. اتجه إلى غرفته وبدل ملابسه بعد حمام دافئ وارتدى بنطلونًا وقميصًا أسودين. وقف أمام المرآة يصفف شعره ليرى القلادة الموجودة حول عنقه وبها تميمة حظه رصاصتها كما أسماها. مسكها بأنامله ثم أخرج هاتفه واتصل بها من جديد ولم يصل لها الاتصال فكان يعلم أنها وضعت رقمه في قائمة الحظر. تبسم على هذه الفتاة المتمردة والعنيدة. هجرته "مسك" وحظرته فقط لأنه غادر دون أن يودعها، رغم أنها من كانت تطلب منه دومًا الرحيل وحينما لبى طلبها خاصمته. لا يفهم هذه المرأة حقًا ومثلها من النساء اللاتي يتفوهن بما لا يردن....
ترجل للأسفل وطلب من أحد الموظفين أن يحضر له شريحة اتصال جديدة حتى يتصل بها. دلف إلى المطعم وطلب عشاءه. جلست "ليلة" على الطاولة المقابلة له وعيناها تحدقان به فجاءها النادل وقال:
- تطلبي إيه؟
- زيه.
قالتها بهدوء ويدها تشير على "تيام" ليرفع حاجبه إليها بغرور وكبرياء قاتل لكنها قابلت تعجرفه ببسمة دلالية. تحاشى النظر إليها بضيق ونظر بهاتف يتفحص حساب "مسك" على الإنستغرام ومعظم الصور التقطت لها داخل ندوات طبية أو المستشفى بزي الأطباء والجراحة ليبتسم بعفوية على جمالها رغم جديتها الصارمة في الصور فلا تملك صورة واحدة تحمل بسمة عفوية. تطلع بعينيها الرماديتين وأناقتها بهذه الصورة وهي تستلم شهادة الدكتورة من جامعة أمريكية بالخارج ووجهها حاد. أدرك سبب فخرها بنجاحها ورأسها المرفوع دومًا بسبب ما وصلت إليه في هذا السن. أوشكت على الثلاثينات من عمرها ولم تهتم بسن الزواج كبعض الفتيات بل كان اهتمامها الوحيد والأول هو نجاحها لذا حققت هذا النجاح بإصرار وعناد يليق بها. بدأ يترك إعجاب على كل صورة حتى صورة فنجان قهوتها وضع عليه إعجاب. توقف عن فعل ذلك عندما تلقى مقابل إعجابه ومتابعتها حظرًا منها للتو. اندهش من صرامة هذه الفتاة وقرر أن يذهب إليها غدًا ليعاقبها على ما فعلته للتو...
قاطع غضبه منها جلوس "ليلة" على طاولته دون إذن منه فرفع نظره إليها بصدمة ألجمته وقال باشمئزاز:
- إيه ده؟
- ممكن أقعد معاك شوية؟
قالتها "ليلة" بنبرة لطيفة لتُصدم من رده حين قال بغلاظة ونبرة قوية:
- ما أنتِ اترزعتي خلاص، وهوفر عليكي وهقولهالك تاني أنا متجوز.
قالها ورفع بنصره الأيسر الذي يحمل دبلة زواج. نظرت "ليلة" إلى بنصره بهدوء ثم رفعت ذراعيها تعقدهما على الطاولة ثم قالت بسخرية:
- وهي فين مراتك دي؟ في واحدة عاقلة برضه تبقى متجوزة القمر ده وتسيبه كده لوحده وتمشي؟
تبسم "تيام" بغرور وقال بفخر بزوجته الجميلة:
- مش هرد عليكي عشان واحدة رخيصة زيك مش هتفهم.
ترك لها الطاولة والمكان كاملًا وغادر لتستشيط "ليلة" غيظًا من هذا الرجل الذي يشبه لوح الثلج. انطلق في طريقه إلى سيارته وقبل أن يصعد أعطاه الموظف شريحة الاتصال التي طلبها. أخذها وصعد إلى سيارته ثم انطلق بطريقه إلى القاهرة حيث زوجته المتمردة. لا يخشى القيادة ليلًا ولم ينتظر حتى الصباح...
_____________________________
وصلت "ورد" إلى الشاطئ بعد أن وصلها رسالة من "زين" يطلب لقاءها لتُصدم عندما رأت "زين" قد أعد لها مكانًا رومانسيًا، والشموع الملتهبة تُغرس في رمال الشاطئ على الجانبين تصنع لها ممشى حتى تصل إلى أرضية خشبية مربعة بزواياها الأربعة يوجد أعمدة خشبية بها ستائر بيضاء تتطاير وترفرف مع الهواء البارد ومصنوع قلب من الورد الأحمر على الأرضية الخشبية كبير ويقف "زين" بداخله مرتديًا بدلة رمادية ويصفف شعره وكان متأنقًا على أكمل وجه. اقتربت منه بدهشة وقلبها يرفرف فرحًا مما تراه ونبضاته تتسارع وأوشكت على التوقف من وهج الفرحة التي أصابتها. شعرت كأنها طير محلق بين السماء والأرض من سعادتها. وصلت إليه والشموع مستمرة مع خطواتها وتحيط بالقلب الوردي لتصنع قلبًا أكبر حولهما. تمتمت "ورد" بلطف وبسمة تنير وجهها أجمل من إنارة هذه الشموع:
- إيه ده؟ كل ده عشاني؟
تبسم "زين" وهو يأخذ يدها في يده ثم قال:
- وقليل عليكي يا وردتي.
ضحكت بعفوية عليه ولمست وجنته بيدها بدفء ثم قالت:
- تعبت نفسك يا حبيبي..
وكمان بدلة.
ضحك على أناقته أكثر وقال بعفوية وزمجرة وهو لا يطيق هذه الملابس:
- ساعة واحدة، ليكي ساعة يا وردتي.
ضحكت "ورد" أكثر ثم نزعت عنه رابطة عنقه التي تقيده وتخنقه أكثر ثم قالت:
- بس أنا بحبك وأنت كاجوال يا زين، مش محتاج تلبس ليا رسميتك وتخنق نفسك، أنا بحبك وأنت على طبيعتك.
نظر إلى عينيها وضربات قلبه تضرب ضلوعه الصلبة بقوة وكأن هذا القلب يرغب بأن يخرج من هذا السجن الذي يعيش به ويذهب إلى "ورد". ابتلع لعابه بتوتر شديد ثم لمس وجنتها بيده بلطف وقال بنبرة هامسة ناعمة:
- وأنا بحبك يا وردتي وعشان بحبك...
توقف عن الحديث وجثا على ركبته أمامها وأخرج من جيبه علبة مربعة صغيرة وفتحها ورفع رأسه إليها، وعينيها لا تقوى على تحاشي النظر إليها أو النظر لشيء آخر بحضرتها. قال بنبرة دافئة:
- أنا بحبك يا ورد... لا بعشقك ومعشقتش حاجة ولا حد قدك ولا غيرك، وكل لحظة بتمر وأنتِ بعيد عن حضني بتكون سنة حتى وأنتِ معايا، وعشان كدة أنا عايز حضني يكون بيتك وحضنك يكون سكني الوحيد في العالم ده... تتجوزيني؟
دمعت عينيها وهي تستمع إلى كلماته وجلوسه أمامها راكعًا يطلبها للزواج رغم كونها خطيبته وتحمل في بنصرها خاتم خطوبتهما. تساقطت دموعها فرحًا على هذا الرجل الذي كان عوضًا لها عن عائلتها التي فقدتها في صغرها وسندها بعد أن كبرت على يديه وترعرعت أمام ناظره. تعلمت كل شيء معه وشاركته كل شيء بحياتها، وكل ثانية كان "زين" بها ومعها. جلست "ورد" على ركبتيها أمامه وأخذت وجهه بين يديها بحنان وعينيها تبكي فرحًا وسعادة تغمرها لم يتحملها قلبها، فبكت عينيها ربما تفيض هذه السعادة للخارج وتستطيع التنفس من شدة سعادتها وعشقها الذي يفتك بقلبها الآن. شعرت بأنها تحتاج لـ "مسك" تضرب قلبها بجهاز إنعاش القلب الكهربائي وتصدمها حتى تعود للواقع من شدة حُبها لهذا الرجل. حدقت بعينيه التي تعانقها بدفء ينبعث منه الأمان والهوى الذي غلبهما معًا وأسقطهما معًا في دوامة من المشاعر الدافئة.
تحدثت "ورد" بنبرة خافتة:
- أنت بتسألني يا زين؟ أنت المفروض تقولي هتجوزك حتى لو غصب عنك... أنت مش اختيار في حياتي يا حبيبي، أنت عمري كله، من يوم ما اتولدت وأنا معرفش غير زين، أنا عمري يعني زين، أنت نبضة قلبي اللي مليش خيار فيها وأكسجيني اللي بتنفسه من غير تفكير ولا اختيار.
أخذ يدها التي تلمس وجنته ووضع بها خاتم الزفاف المصنوع من الألماس فوق خاتمها المصنوع من الفضة الذي ترتديه من أكثر من عشر سنين. اشتراه لها في نجاحها في الإعدادية ولم تخلعه من يدها نهائيًا، وربما ما ساعدتها نحافتها التي ظهرت مع كبرها، فعندما كانت طفلة كانت أسمن بكثير من وضعها الآن. وضع قبلة في باطن يدها ثم رفع نظره إليها وعينيه تبتسم قبل شفتيه وقال:
- أنا بحبك يا وردتي.
- وأنا بعشقك يا عمري، أنت عمري كله يا زين.
قالتها "ورد" بلطف ليضمها إليه بسعادة يشم رائحتها ويكاد يقسم لو كان للعشق رائحة لأنبعثت منه رائحة "ورد" فقط.
(مستشفى القاضي)
خرجت "مسك" من غرفة العمليات منهكة في العمل. ليلًا تذهب لفحص "غزل" وصباحًا تأتي إلى المستشفى وقليلًا ما تنام. طقطقت رقبتها يمينًا ويسارًا وهي تمد ذراعيها للأمام في حركات دائرية. طلبت قهوتها من الكافتيريا ثم انطلقت في طريقها. رآها "تيام" وهو يدخل من المستشفى بعد أن وصل إلى المنزل وأخبرته "بثينة" أن ابنتها بالمستشفى فجاء إليها. تبسم وهو يراها تسير هناك مرتدية زي العمليات الأخضر، بنطلون وتي شيرت بنصف كم فضفاض تدخله في البنطلون وتضع البالطو الأبيض فوقهما. شعرها منسدل على ظهرها وترتدي حذاء رياضي أبيض. أخرج هاتفه ليتصل بها. رن هاتفها يقاطعها عن شرب قهوتها. أخذت رشفتها الأخيرة وألقت بالكوب الورقي في أول صندوق قمامة وتستقبل الاتصال من هذا الرقم المجهول فقالت بنبرة متعبة:
- ألو.
- أنتِ بتبلكيني يا مسك.
قالها بجدية صارمة مصطنعة. تبسمت بخفوت على صوته الذي ميزته جيدًا ثم قالت بحدة وغلاظة:
- هو أنت؟ عايز إيه؟
تحدث بنبرة غليظة مصطنعة وعينيه تراها أمامه:
- هاعوز منك إيه؟ أنتِ حليتك حاجة تتعاز يا مسك؟ والله لو في منك فايدة كنت عوزت.
تأففت بغيظ شديد من كلمته وقالت ببرود شديد تكبح غضبها قبل أن تقتله:
- ده رقمك!
أتاها صوت "تيام" عبر الهاتف وقدميه تسير خلفها عن بُعد:
- آه.
تحدثت "مسك" بحزم واضعة يدها الأخرى في جيب البالطو الأبيض الذي ترتديه قائلة:
- ما تغيرهوش تاني عشان خسارة وقتي اللي بيضيع في البلوك مرة تالتة.
أنهت الاتصال بغضب من تصرفه ووضعت رقمه الآخر في قائمة الحظر. وقفت أمام مكتب الاستعلامات لترى موعد الجراحات التالية لها. وقف "تيام" جوارها ووضع يده على كتفها لتمسك ذراعه وألوته بقوة لكنها صُدمت عندما رأت وجهه وتركته سريعًا. تبسم على اندفاعها وقال:
- إيه لسانك ما بيعرفش يسبق إيديك.
ظلت تحدق به باندهاش من ظهوره الآن من العدم أمامها وأخذت الأوراق وذهبت بعيدًا عنه فأسرع "تيام" خلفها بحماس وقال بعفوية:
- استني بس.
لم تجب عليه وأخذت مسار غرفة العمليات بوجه عابس رغم أن بداخلها جزءًا يرفرف فرحًا لرؤيته بعد هذه الفترة من الغياب ليقول:
- مسك.
- إيه اللي جابك؟
قالتها بصرامة ويدها تضغط على زر المصعد فوق أمامها مباشرة وقال بعفوية وعينيه ترمقها بسعادة وحب دافئ:
- وحشتيني.
رفعت حاجبها إليه باندهاش من كلمته وبدأت قشعريرتها تضرب جسدها وثورة ربكتها تحتل عينيها مركزًا لقيام هذه الثورة. تنحنحت "مسك" بحرج منه وتحاشت النظر عنه بتوتر ودلفت للمصعد. تابع "تيام" بنبرة ناعمة وهو يدخل المصعد خلفها:
- والله وحشتيني، وحشاني خناقك وصوتك العالي وعصبيتك وضربك، وحشاني عنفك وجرأتك يا مسك.
ضربته بالملف على صدره من حديثه أمام ركاب المصعد فأخذ يدها في قبضته بالإكراه وقال بعفوية:
- في إيه؟ واحد بيقول لمراته وحشتيني.
- تيام.
قالتها بخفوت ونبرة هامسة إليه وعينيها تنظر للجميع وتبسم بعضهم على هذا الزوج الذي يخبر العالم بأسره عن شوقه إليها دون حرج. حرجت "مسك" منهم وتوقفت عن جداله أمام الركاب وشعرت يده تقل من ضغطه على يدها وتشابك إياها بحنان. خرج بعض الركاب واحدًا تلو الآخر في كل طابق ولم يبق سواهما. سحبت "مسك" يدها منه باغتصاب وقالت بزمجرة:
- أنت بتستعبط صح؟
صُدمت عندما كان جوابه عناقًا منه إليها وطوقها بذراعيه بإحكام حتى لا تفر منه وقال:
- والله وحشتيني يا مسك.
ازدردت لعابها بصدمة ألجمتها وانتفض قلبها مرتبكًا من هذا العناق. رفعت يدها لتسحبه من ملابسه من الخلف بعيدًا لكنه كان أقوى من سحبتها ويقيدها بذراعيه بإحكام ويستمع لصوتها تقول بتهديد:
- أنت ناوي على موتك يا تيام.
تبسم على تهديدها ودفن رأسه في كتفها يشم رائحتها ويشعر بدفئها. تنهدت "مسك" بتذمر من فعلته وسكنت تمامًا بين ذراعيه مدركة أن كل محاولاتها في إبعاده ومقاومته فاشلة بسبب قوته الجسدية. تبسم بإشراق أكثر على هدوئها وتوقفها عن الهرب من عناقه ليغمض "تيام" عينيه مستمتعًا بهذه اللحظة معها و"مسك" تصطنع الصمود رغم ارتعاش قلبها من الداخل وهي تستمع لصوت أنفاسه ودقات قلبه من هذا القرب حتى رائحته الرجولية تغتصب أنفها وتثير ربكتها وتوترها أكثر.
(المدينة الزرقاء Blue City)
صرخت "زينة" بغيظ شديد مستشاطة غضبًا من هذا الرجل:
- اخرس خالص كله من تحت رأسك أنت!
- اسمعيني بس يا آنسة زينة؟
قالها "متولي" بجدية. ضربت "زينة" الملف الموجود أمامها في وجهه بقوة غاضبة منه وبعد كل ما حدث ما زال يتحدث عن أفكاره الخبيثة لتقول:
- أتكلم مرة تانية ولا اقترح حاجة تاني وهيكون موتك هو ردي عليك.
تنحنح "متولي" بحرج خوفًا منها ثم انحنى لكي يجمع الأوراق المنثورة على الأرض وجزت "زينة" على أسنانها وعقلها لا يستوعب أنها فقدت كل شيء الآن وتفكر كيف تسترد ما سلب منها.
غادر "متولي" المكتب بخوف من غضبها وربما إذا ظل أمامها أكثر يطرده نهائيًا بهذه اللحظة.
خرج "بكر" من مقر النيابة بسبب محاميه الذي وضع كل شيء على عاتق "إيهاب" مساعده خصيصًا أن شركة غسيل الأموال تحت اسم "إيهاب". لم يفرق محاميه كثيرًا عن قذارة "بكر" فتنفس "بكر" بهدوء وصعد إلى سيارته ثم قال بحزم:
أجابه السائق بنبرة قوية قائلًا:
- تيام الضبع.
تنهد "بكر" بهدوء وتوعد بالانتقام من "تيام" ورد الضربة إليه بضربة قوية مميتة تقتله هذه المرة ليحقق ما فشل "إيهاب" في فعله.
رواية وختامهم مسك الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نور زيزو
وقفت "مسك" تختبئ في الشرفة بعيدًا عنه وهي تتحدث في الهاتف مع "ورد" بتذمر شديد من عودة "تيام" وقالت وعيناها تحدقان بالداخل لتتأكد بأنه لن يستمع إليها:
يا الله يا ورد، كان لازم تقولي لي إنه جاي، وكمان زاد عليا ماما اللي سافرت البلد دي تحضر فرح قرايبها، كان ناقصني أنا.
تبسمت "ورد" بعفوية على زمجرتها ثم قالت بلطف:
هههههه، يعني القدر بيساعده، طب والله حرام أنتِ مفترية وبتستقوي على الراجل.
رفعت "مسك" حاجبها ونظرت في الشارع بضيق من حديث "ورد" ثم قالت:
والله وطلعت أنا اللي ظالمة في الموضوع، شوفي مين اللي بيدافع عن تيام، زين لو سمعك دلوقت هيرجع في عرض جوازه.
ضحكت "ورد" بعفوية أكثر ثم قالت بلطف:
يستاهل أدافع عنه، الراجل اتغير.
اتكأت "مسك" بذراعها الآخر على درابزين الشرفة ثم قالت بجدية:
أنتِ ليه محسساني إنه اتغير عشاني، تيام اتغير عشان مستقبله وورثه ودي حاجة كلنا عارفينها.
جلست "ورد" على المقعد الخشبي أمام البحر وقالت بلطف:
ماشي اتغير عشان الورث، والورث برضه اللي خلاه يلبس دبلة ويمشي يقول للكل إنه متجوز، أنا عن نفسي لو سألتني هقولك إن تيام بدأ يحبك أه ممكن ميكنش الحب الكبير اللي في خيالك لكن في حب لكي جواه ودا اللي خلاه مرعوب.
عليكي، أنتِ مبتشوفييش نظرة الخوف لما بيحصلك حاجة، والله لو شوفتي خوفه عليكي يا مسك لتحبيه من نظرة خوفه بس.
تأففت "مسك" بحيرة، مدركة أن قلبها بدأ يرتجف له لكنها لم تنسَ نهائيًا كلمته الأولى لها، فقالت بارتباك:
تيام مستحيل يحبني يا ورد، الخوف دا مجرد تمثيل يا ورد.
اقترب "تيام" من الشرفة ويحمل في يديه الاثنين كوبين من النسكافيه إليهما لكنه توقف خارج الشرفة عندما سمع جملتها وظل يسترق السمع لها حينما تابعت بحزم:
لا يا ورد، تيام بيعمل كل دا وبيمثل عليا عشان أوافقه وينفذ وعده ليا إني أكون واحدة أخرتها أوضة نومه، وأنا مستحيل أكون بالرخص دا.
وعشان كده اقفلي على الموضوع دا لأن بمجرد ما تتم السنة أنا هبعد عنه لأني مش زي أي واحدة عرفاها ومستحيل أخليه يكسب الرهان دا قصادي.
التف "تيام" ودلف للمطبخ مسرعًا، سكب الكوبين في الحوض ووقف شاردًا في كلماتها، لا يعلم ماذا يفعل حتى تصدق بأنه يكن لها المشاعر، لم يمثل خوفه عليها بل أوشك قلبه على التوقف عن النبض فور رؤيتها تصارع الموت، يشعر بوخزات قلبه وغصات قوية تمزقه من الداخل بسبب لسانه الذي جعل بكلماته حاجزًا بينهما ولن يستطيع هدمه نهائيًا بسبب قوة "مسك" فهي ليست كأي امرأة لن تخضع لمشاعرها ما دام عقلها متمردًا على مشاعرها، أتاه صوتها وهي تقف على باب المطبخ متكئة كتفها الأيسر على الحائط وتقول:
كل دا بتعمل كوباية نسكافيه.
فاق من شروده على صوت "مسك" والتف ينظر إليها ثم قال:
هعمل.
تنحنحت بتذمر على كسله ثم اقتربت لتمسك براد الشاي لتتركه بسرعة وخرجت منها صرخة من سخونته، هرع "تيام" إليها بقلق وأخذ يدها في يده مذعورًا ووضعها تحت صنبور المياه، نظرت "مسك" إلى وجهه والقلق يحتل ملامحه وسمعته يقول بحزم:
مش تخلي بالك.
تمتمت "مسك" بزمجرة وعيناها تتحاشى النظر إلى "تيام" بحرج قائلة:
معرفش إنه سخن، مقولتليش إنك ولعت عليه.
أغلق صنبور المياه ونظر إلى يدها الملتهبة، تطلعت "مسك" به وهو ينفث بفمه في يدها بلطف ويجففها بالمنشفة برفق، نظرت إلى عينيه التي لا تفارق جرحها محاولة فهم نظراته وتتذكر حديث "ورد" عن خوفه عليها وذعره من أجلها، رفع نظره إليها وقال:
خلي بالك، أنتِ ناسية إن إيدك بتعالجي بيها عشرات من الناس.
تقابلت أعينهما معًا و"مسك" صامتة تحدق به فقط، شعرت بخفقان قلبها من الداخل لتسحب يدها بقوة بعيدًا عنه ثم قالت بحزم:
إن شاء الله.
غادرت المطبخ بغضب وحزم، كاد قلبها أن يهزمها بخفقانه ولا تفهم سبب ضرباته، ولجت إلى غرفتها وأغلقت الباب بسرعة وعقلها يخبرها بألا تحب هذا الرجل وأن هذا كله مجرد كذب وتمثيل منه حتى ينتصر عليها ويكسب رهانه.
_________________________
سمع "إيهاب" بخبر براءة "بكر" وألقي التهمة عليه هو ليستشيط غضبًا من هذا الرجل وقرر الذهاب إلى منزل "بكر" ليعلم سبب فعلته، اقتحم مع رجاله فيلا "بكر" ليلًا ودلف إلى الداخل لكنه صُدم عندما وجد "بكر" في انتظاره برجاله وقال بكبرياء:
تعال يا إيهاب، تعالي، جمد قلبك زي ما جمدته وأنت بتنط من فوق السور.
تنهد "إيهاب" بزمجرة ثم اقترب أكثر من "بكر" وقال:
عملت كده ليه؟ بعد ما خدمتك سنين طويلة وكنت مخلص ليك تعملني أنا كبش فداء.
تبسم "بكر" وهو ينفث دخان سيجارته ويجلس على الأريكة بغرور واضعًا قدم على الآخر ويضع مسدسه على الطاولة الموجودة أمامه، قال ببرود شديد:
عشان يستاهل بتلعب من وراء ظهري، مش خطفت مسك مع إني حذرتك تعمل كده فيها ولا تقرب منها.
عشان أنتقم من جوزها على اللي عمله في بنتي.
قالها "إيهاب" بغضب شديد بسبب نيران قلبه التي تحترق من الداخل، وقف "بكر" من مكانه بغيظ شديد ثم قال:
تقوم تضربها بالنار، أحمد ربنا إنها عايشة ودا عشان أنت طول عمرك غبي.
صرخ "إيهاب" وهو يرفع يديه في وجه "بكر" باغتيظ:
تقوم مبلغ عني في تهمة زي دي، أنا ممكن أقول لمسك إن أنت اللي عملت كده في أختها وماتت بسببك، وزي ما وقعتني في الورطة دي تطلعني منها وإلا ههد المعبد على دماغي ودماغك.
ضحك "بكر" بغرور شديد وعاد إلى مجلسه على الأريكة وقال بسخرية:
ولا تعرف تعمل حاجة، أنتِ مش واخد بالك ولا إيه؟ أنت من غيري ولا حاجة، وأفتكر إن آخر مرة هددتني فيها بنتك دفعت الثمن.
اتسعت عيني "إيهاب" على مصراعيها بصدمة ألجمته ثم قال بتلعثم:
قصدك إيه؟
لم يستوعب كلمات "بكر" عن ابنته ليتابع "بكر" بغضب باردًا قائلًا:
ههههههه إيه؟ لتكون فاكر إن تيام هو اللي عملها، أنت فاكر كده لأن أنا اللي عاوزتك تعرف كده..
صُدم "إيهاب" مما سمعه الآن وكل هذه السنوات كان يحمي الرجل الذي فعل هذا بابنته وقتلها، كان يحمي قاتل ابنته بروحه وينفذ أوامره بلا نقاش ليهجم "إيهاب" على "بكر" وبدأ يضرب فيه بغضب ويصرخ بقوة حتى اقترب رجال "بكر" وأبعده عنه بالقوة، وقف "بكر" بغضب سافر ثم قال بانفعال من ضرب "إيهاب" إليه:
ورب العرش ما أنت شايف نور الشمس من تاني.
أشار إلى رجاله بأن يأخذوه وسلموا إلى مركز الشرطة و"إيهاب" في صدمة قاتلة مما علم به وما زال لم يستوعب أن هذا الرجل قتل ابنته بعد فعلته الشنيعة بها.
________________________
(المدينة الزرقاء blue city)
فتح باب المكتب ودلفت "زينة" ليراها "زين" أمامه فكبح غضبه قبل أن يطلق العنان له وقال بحدة صارمة:
عايزة إيه؟
عايزة حقي يا زين، ولا مش كفاية إنك استوليت على ورث تيام.
طمعان في ورثي أنا... عايز تأخذ اللي ليك واللي مش ليك؟
قالتها بصراخ قوي وهي تضرب المكتب بيديها.
نظر "زين" إليها ببرود شديد ثم قال بلا مبالاة لحديثها:
- ليه هو أنا اللي قلتلك تروحي تلعبي بديلك من ورايا وتطمعي في منصبي؟ رايحة تعزليني وعايزة تمسكي رئاسة المكان من ورايا وزعلانة إني بدافع عن نفسي بعد ما طعنتي في ظهري... أنا ما شفتش في بجاحتك.
جلست على المقعد المقابل للمكتب وحدقت بوجهه وتنهدت بلطف تهدأ من روعها قليلًا وقالت بهدوء:
- كنت عايزني أقف أتفرج عليك أنت وتيام وأنتم بتضيعوا كل تعبنا في منافستكم ومين اللي هيكسب الثاني؟ أنا عملت كده عشان خايفة على المكان ده، المكان اللي بتعب فيه ومن وأنا طالبة في أولى كلية واشتغلت وتعبت لحد ما وصلت للسكرتير العام وجاي دلوقت بكل سهولة تفصلني.
أخذ نفسًا عميقًا ناظرًا إليها ويستمع إلى حديث أخته بضيق من المبرر الذي تملكه حتى طعنته في ظهره ثم قال:
- تصدقي أقنعتيني، فجأة بقيتي أنتِ الوحيدة اللي خايفة على المكان! لا يا زينة أنتِ عملتي كده عشان الطمع وعشان الكلب اللي سارح وراكي هو اللي وسوس في دماغك بس عقابه معايا أنا بعدين.
- يا زين أنا...
صرخ في وجهها بانفعال ويديه تشير على الباب قائلًا:
- خلص الكلام، اطلعي برا يا زينة.
غادرت "زينة" غاضبة من تصرفه وطرده إليها فغادرت بتذمر شديد.
أستيقظت "مسك" من نومها صباحًا وفزعت عندما وجدت "تيام" يجلس على حافة الفراش وأمامه صينية الإفطار. اعتدلت في جلستها بصدمة ألجمتها ثم قالت:
- في إيه؟
تبسم "تيام" بلطف وعينيه تنظر إلى وجه "مسك" وفزعها حين رأته ليقول:
- في إيه شوفتي عفريت!
- ألعن.
قالتها "مسك" بحزم شديد ليرفع حاجبه بغضب متذمرًا على كلمتها.
تنحنحت "مسك" بحرج من نظرته وقالت بارتباك:
- أنت هتفطر في السرير؟
- ده فطار لواحدة بس لو كانت اتعلمت تتكلم بأدب.
قالها "تيام" بحزن مصطنع فضحكت "مسك" بعفوية ثم مسك ذراعيه قبل أن يغادر بالطعام وقالت:
- خلاص بقى.
وضع الصينية من جديد أمامها لتبتسم بلطف وبدأت تتناول طعامها بتعجل من أمرها وهو يراقبها بنظراته في صمت حتى قال بشجن:
- براحة محدش بيجري وراكي.
- ورايا شغل وهتأخر.
قالتها "مسك" بتمتمة والطعام في فمها وعينيها تنظر في الأطباق بتركيز حتى شعرت بيده تمسح شفتيها من الكاتشب فرفعت نظرها إليه وازدردت لعابها بارتباك وتوتر من فعلته، دفعت يده بقوة غاضبة من تصرفه وقالت:
- أنت واحشك ضربي؟
تبسم بلطف وهو يمسح إبهامه في المنديل ثم قال:
- آه بقى لي كتير محدش ضربني.
ترجلت "مسك" من الفراش وأخذت المنشفة في يدها ثم قالت:
- أنا هلبس وأروح أشوف شغلي، ما تعملش مشاكل لحد ما أرجع.
ضحك "تيام" بعفوية على كلمتها ثم مدد جسده على الفراش باسترخاء وقال بلطف:
- حاضر.
دلفت "مسك" إلى المرحاض لتأخذ حمام دافئ ثم بدلت ملابسها وارتدت بنطلون أسود وتي شيرت أصفر اللون ثم خرجت وصففت شعرها وعينيه ترافقها في المرآة. خجلت من نظراته ثم قالت بحزم:
- في إيه؟ أنت هتفضل باصص لي كده؟
- ما أنا قلتلك وحشتيني.
قالها بعفوية وعينيه تحدق بها.
تنهدت "مسك" بجدية ثم قالت:
- مش هنخلص من الأسطوانة دي، أنا ماشية.
غادرت "مسك" الشقة وأغلقت الباب فتبسم "تيام" بعفوية على تذمرها ونظر بهاتفه لكن قاطعه دقات على باب الشقة. خرج من الغرفة متعجبًا وقال:
- نسيتي إيه؟
فتح الباب ليصدم عندما وجد رجالًا أمامه وبدأوا في الهجوم عليه بالضرب.
(المدينة الزرقاء blue city)
كانت "ورد" تقف أمام الكوخ الخشبي الخاص بالغواصين وتتحدث مع "فادي" قائلة:
- لا يا فادي، أنا مش هتعامل مع الروسيين ثاني خدهم أنت.
تحدث "فادي" وهو يرتب أنابيب الأكسجين في المكان قائلًا:
- أنا مش فاضي يا ورد، وبعدين دول طالبينك بالاسم.
- لا، يعني لا.
قالتها "ورد" بنبرة حادة وقوية رافضة هذا العمل.
أتاها صوت "زين" بعد أن عانقها من الخلف وقال بعفوية:
- مين اللي مزعل القمر بتاعي كده؟
مطت "ورد" شفتيها بغضب شديد ثم أشارت على "فادي" بضيق وقالت:
- ده.
استدار "فادي" لها بصدمة ألجمته ولا يصدق أن "ورد" وشت به إلى "زين" الذي يقتل كل من يغضبها وكأنها ستعاقبه على رفضه لعرضها. ابتلع لعابه بخوف من وقوفه أمام رئيس المكان وقال:
- والله ما حصل.
رفع "زين" حاجبه بضيق شديد ثم قال بتهديد:
- يعني هي بتكذب؟
نظر "فادي" إليها بغضب مكبوح ولا يتجرأ على النطق بالجواب أمامه. تأفف بغيظ وقال:
- هاخدهم وأمري لله، بس افتكريها يا ورد.
تركها "زين" وكاد أن يمسك "فادي" من ملابسه حتى يقتله على تهديده لها أمام "زين" دون خوف. ضحكت "ورد" على "فادي" الذي تراجع للخلف من مواجهة "زين" وأخرجت لسانها إليه تغيظه. غادر المكان بعد أن مسكت "ورد" ذراع "زين" وقالت بلطف:
- خلاص يا زيزو خليها علينا.
رمقها "فادي" من بعيد بمكر غاضبًا من هذه الفتاة صديقته التي تتحامى في رجله القوي. تبسمت "ورد" إليه ثم التفتت إلى "زين" وقالت:
- وحشتني يا زيزو، كنت فين من الصبح وأنا بادور عليك؟
تحدث مجيبًا عليها بتذمر شديد من تصرفات "تيام" هاتفًا:
- كان عندي شغلي، تيام بيه سافر القاهرة كده فجأة من غير ما يقول كلمة لحد وصحيت لقيته سايب الدنيا تضرب تقلب على دماغي.
تبسمت "ورد" بلطف على تذمره وعبوس وجهه وقالت بعفوية:
- معلش يا زيزو هو لسه جديد برضه، وما تنساش أنه هنا ومراته هناك.
سار "زين" للأمام غاضبًا وما زال لا يشفع لتصرفه ورحيله دون أن يخبر أحد فقال:
- والله ده مش سبب وبعدين مراته إيه! أنتِ ليه محسساني أنه سايب مراته ومعها ثلاثة عيال منه؟ ده جوازة مصلحة ومجرد ورقة بينهم، أقطع ذراعي لو كان يعرف عنها حاجة ولا هي تعرف عنه حاجة.
قهقهت "ورد" ضاحكة من هذا الحديث لينظر "زين" إلى بسمتها وضحكاتها متعجبًا محبوبته. جلست "ورد" على الرمال ببراءة ليجلس جوارها وقال:
- بتضحكي على إيه؟
- بلاش ذراعك يا زين، لأنه يعرف وكتير.
قالتها بلطف مما أدهش "زين" كليًا وأصابه بدهشة كأنها سكبت دلوًا من الثلج على رأسه فقالت بلطف:
- مالك مصدوم كده ليه؟ هو مش من حقه يحب ولا إيه؟
تحدث "زين" بنبرة جادة وعينيه تحدق بوردته ويبدو أنها تعرف الكثير وما لا يعرفه أحد:
- لا حقه بس مسك! دي المفاجأة.
تبسمت "ورد" واكتفت ببسمتها ثم وضعت رأسها على كتفه تنظر إلى البحر الأزرق أمامها ومياهه الصافية.
(مستشفى القاضي)
سمعت "مسك" بوصول "تيام" إلى المستشفى مصابًا فهرعت من مكتبها إلى قسم الطوارئ لتصدم عندما رأته نائمًا بفراش المرضى ووجهه مليء بالكدمات وذراعه مكسورًا ومحاط به الجبس الأبيض. دمعت عيني "مسك" بصدمة من رؤيته واقتربت منه بقدمين مرتجفتين ثم قالت بتمتمة:
- تيام.
سمع صوتها الخافت ليفتح عينيه رغم جروح وجهه وكدماته. تبسم فور رؤيتها وقال:
- مسك!
مسحت على رأسه بلطف شديد ثم سألته بقلق مما تراه وقد أصابه:
- حصل إيه؟ مين اللي عمل كده فيك؟
هز رأسه بالنفي يخبرها بأنه لا يعرف من الفاعل بينما أغمض عينيه بتعب.
ضربته على كتفه بتذمر وقلبها يتألم لرؤيته هكذا وتقول:
- قلتلك ما تعملش مشاكل.. ما بتسمعش الكلام ليه؟
تألم من ضربتها القوية وقال بخفوت:
- خفي يدك شوية، ما عملتش حاجة وحياتك هم اللي جم لحد عندي.
نظر بعينيها وهو يرى بها الدموع تتلألأ في جفنيها لأجله ليبتسم بلطف من قلقها وقال:
- أنتِ هتعيطي عشاني؟ ما أستاهلش دموعك يا مسك.
تنفس بصعوبة رغم ارتياحها لرؤيته يتنفس لكن الغضب الكامن بداخلها كبير مما أصابه ويضرب قلبها بوخزات قوية مؤلمة. تساقطت دموعها رغماً عنها هذه المرة ولأول مرة تفضل البكاء عن الحديث وكأن دموعها جوابًا على كلمته وأنه يستحقها حقًا ولن تبكي سوى له. رفع "تيام" يده إليها وأشار بأن تقترب. انحنت "مسك" إليه بلطف ليجفف دموعها بإبهامه بحزن شديد على هذه الدموع التي تسبب بها وقال:
- مين اللي عملها؟ والله لأخليهم ما يعرفوا يخيطوا فيه حتة ولا تنفعه أي عملية.
تبسم بلطف إليها ثم أخذ يدها في راحة يده وقال بنبرة دافئة:
- لا! يدك الناعمة دي تنقذ الناس يا مسك ما تأذيهمش، خلي الأذى لي، في كل رواية في بطل طيب وشرير خلينا أنا الشرير وأنتِ الطيب.
نظرت "مسك" إلى عينيه المتورمة من الضرب ثم قالت بحزم ونبرة قوية:
- وأنا موافقة أكون الشرير عشانك يا تيام.
تبسم "تيام" إليها بلطف لتمسح على شعره بدلال وأغمض عينيه مستمتعًا بهذه اللحظة وهي تخبره بأنها ستكون حاميته وسلاحه.
رواية وختامهم مسك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور زيزو
بعنوان "طلاق"
أنهت "مسك" جراحتها ليلًا وصعدت إلى سطح المستشفى وجلست به وحيدة تحت ضوء القمر البدري الذي ينير السماء، تستمع بهذا النسيم البارد وتتنفس بأريحية بعد يومها الطويل في العمل، مددت جسدها على المقعد الخشبي الطويل ووضعت يدها على بطنها وذراعها الآخر أسفل رأسها حتى قطع هدوءها صوته الرجولي يقول:
- مش هتروحي؟
اعتدلت في جلستها لتراه واقفًا خلفها بزي المرضى وذراعه المكسور، سألته بحيرة من سبب وجوده هنا قائلة:
- أنت بتعمل إيه هنا؟
جلس جوارها بعفوية ثم قال:
- من الصبح بسأل عليكي قالولي في العمليات، أنتِ إزاي تسيبي جوزك متشلفط كده ومتسأليش عليه!
جزّت على أسنانها باغتياظ من كلمته ثم قالت بخنق:
- إيه جوزك دي؟ لسه في ستة سبعة في المستشفى ميعرفهوش، روح قولهم.
أدار رأسه إليها باندهاش ثم قال:
- إيه ده؟ أنتِ بتستعري مني ولا إيه؟
لم تجب عليه ثم نظرت للأمام بتعب ووضعت يدها على عنقها بألم لبرهة من الوقت ثم قالت:
- لا إزاي!!
نظر إلى يدها التي تدلك عنقها بلطف من التعب فربّت بيده على كتفها لتنظر "مسك" عليه مع صوت ربته ليشير لها بأن تتكأ على كتفه وقال:
- اعتبريها مخدة.
نظرت مطولًا إلى كتفه بحيرة من تصرفه ثم عادت بنظرها إلى الأمام، جذبها "تيام" نحوه بقوة لترتطم بصدره بالإكراه وجذب رأسها إلى كتفه، حاولت الإبعاد عنه لكنه تحدث بلطف قائلًا:
- خليكي يا مسك.
هدأت من روعتها قليلًا وسكنت بين ذراعه بهدوء ثم أغمضت عينيها مستسلمة لتعب جسدها المنهكة، تبسم "تيام" على هدوئها وهذه الفتاة الشرسة أصبحت أكثر هدوءًا الآن، كانت تفكر بأختها "غزل" ومتى ستعود للحياة، كلما ذهبت إليها وجدتها كما هي لم تتقدم حالتها للأمام، ما زالت عالقة بين الحياة والموت كحرف الواو تمامًا بينهما، روحها لا تقوى على البقاء ولا على المغادرة، لا تعلم متى ستتمكن من رؤية بسمة أختها من جديد؟ أم ستذوق ألم الفراق مرة أخرى بسبب كذبة أبيها؟ تسللت دمعة من عينيها المغمضتين من الخوف أن يتحول الأمل للألم رغم كونهما يحملان نفس الحروف الثلاثة لكن ترتيبهم يفرق كثيرًا أحدهما يحيي القلب والآخر يقتله. نظر "تيام" إلى الأسفل نحو وجهها بعد أن سمعها تئن بصمت كأنها تخشى أن تدمر قوتها وشرستها المعتادة بلحظة ضعف وألم، مسك ذقنها بأنامله ليرفع رأسها إليه باندهاش وفتحت "مسك" عينيها عندما لمسها بأنامله وتقابلت عيونهما معًا، سألها بقلق:
- أنتِ كويسة؟
حدقت به بنظرات طويلة صامتة لبرهة من الوقت ثم قالت بنبرة جافة:
- أنت قلقان عليا؟
تنحنح "تيام" بحرج من كلمتها وقال بلطف:
- أكيد مش مراتي...
قاطعته "مسك" باغتياظ من هذه الكلمة ثم وقفت من مكانها أمامه وقالت بحزم وعصبية شديدة:
- متقولش مراتي، الكلمة دي بتعصبني.
وقف من مكانه بهدوء ثم وضع يده على كتفها بلطف وقال:
- طب خلاص اهدئي يا مسك، الموضوع مش مستاهل العصبية دي كلها.
غادرت من أمامه تستشيط غضبًا من هذا الرجل، لا تعلم سبب غضبها ونيرانها التي تحرق صدرها من الداخل، ربما لأنها لم تشعر بأنها زوجة له ومع ذلك يخبر الجميع بأنها زوجته، ذهبت إلى منزل والدها بحيرة وحزن يخيم على قلبها، لم تجد لها ملجأً من هذا الحزن الذي يخيم عليها والوجع الذي يمزق قلبها سواه والدها، استيقظ "غريب" من نومه بفزع بعد أن أخبره الخادم بأن "مسك" بالخارج تريده وتبكي بهستيرية، وضع الروب على بيجامته بذعر ثم خرج معتقدًا بأن هناك شيء أصاب "غزل"، رآها جالسة في الأريكة تبكي بحزن وخيم ليقول:
- غزل جرالها حاجة؟
هزت رأسها بلا تنفي هذا الاحتمال، تنفس بأريحية ثم اقترب أكثر نحوها بخطواته وقال:
- أمال؟
جهشت باكية أكثر ودموعها لا تتوقف عن النزول، ابتلع لعابه بهدوء وعقله الغاضب لم يتحمل رؤيتها بهذا الضعف لطالما كانت تصمد وتصطنع القوة في أقسى اللحظات، ضمها إليه لتتشبث به بضعف وكلتا يديها تغلقهما على ملابسه بألم، ربّت "غريب" على ظهرها بحنان وبدأ يربت على كتفها بلطف وتذكر ما أصاب "تيام" أمس فسأل بزمجرة رغماً عنه:
- جوزك جرى له حاجة؟
ابتعدت عن "غريب" بألم ثم قالت بحزن وسط بكائها وأنينها:
- حتى أنت بتقول جوزي، جوزي منين يا بابا؟ عشان مجرد ورقة بينا.
ربّت عليها بلطف وهي تنهار أمامه وأخبرته بسبب زواجها من "تيام" وقلبها الذي يتمزق من الداخل الآن بسببه، جلس "غريب" قربها لا يعلم أيعاقبها على تهورها وزواجها من رجل لأجل انتقامها أم يربت عليها ويطمئنها حتى تتوقف عن الانهيار والوجع الذي يمزقها من الداخل، تحدث بلطف:
- اهدئي طيب يا حبيبتي، أنتِ حبيتيه؟
نظرت إلى والدها بحزن وعجز عن نطق هذه الكلمة وقالت بغضب:
- أنا قلبي واجعني يا بابا، مش أنا دكتورة قلب لكن معنديش علاج لقلبي، أعمل إيه؟ أطلعه من صدري وأرميه في الأرض، لو هعرف أعيش من غير القلب ده كنت عملتها وأنت عارف ده.. لكن أنا أعمل إيه في قلبي.
ضمها "غريب" من جديد إليه وجسدها ينتفض بين ذراعي والدها حتى توقفت عن النفض والارتجاف وسقطت رأسها بثقل على كتف والدها فاقدة للوعي من وجع قلبها وحيرته بسبب قسوة عقلها الذي يخبرها بأن تبتعد عن هذا الرجل...
__________________________
(المدينة الزرقاء blue city)
خرجت "ورد" من غرفة تبديل الملابس وكانت ترتدي فستان زيتي اللون بالأخضر الداكن طويل يصل لأسفل ركبتيها ومفتوح من الصدر وتسدل شعرها على الجانبين بحرية فقالت بعفوية:
- إيه رأيك؟
اتسعت عيني "زين" مما يراه رغم جمالها الذي يخطف قلبه لكن غيرته أوشكت على قتلها للتو، قال بحزم وغضب مكتوم بداخله:
- امشي غيري القرف ده.
بدأت "ورد" تدور حول نفسها في حلقات دائرية بحماس وتقول بلطف:
- ليه يا زين ده جميل جدًا؟
وقف من مكانه وركض نحوها بغيرة تأكله وقال:
- غوري يا بت غيري القرف ده.
ركضت "ورد" إلى الداخل ليبتسم "زين" عليها فلم ينكر جمالها وإعجابه لكنه لن يسمح لأحد غيره بأن يرى جمالها، فتحت باب الغرفة وخرجت إليه بفستان فضي يلمع وقصير يصل لأعلى ركبتيها وبأكمام، قالت بعفوية:
- طب وده؟
التف إليها ليُصدم مما ترتديه وقال بغضب:
- فين المسدس؟ حد يديني مسدس أديها رصاصة بين حواجبها وأخلص منها، إيه رجلك دي يا بت؟... وده فستان ولا قميص نوم؟ ده أخدتك بيه على فين على الكازينو عدل.
تبسمت "ورد" وهي تقف أمام المرآة تنظر على صورتها المنعكسة وقالت ببراءة ونبرة جادة:
- طب بذمتك وحش؟ مع كعب أحمر عالي ويبقى واو.
نزع حذاءه من قدمه وركض نحوها لتركض إلى الداخل وضحكاتها تملأ المكان عليه وجميع الفتيات العاملات بالمكان يضحكن عليه، فتحت باب غرفة الملابس وأخرجت رأسها إليه وقالت:
- حمش.
التف إليها وما زال يحمل حذاءه في يده بغضب سافر يمزق قلبه من نيران غيرته ثم قال:
- أظبطي يا ورد بدل ما أظبطك أنا وسط الناس.
أغلقت الباب بسرعة خوفًا منه ليضحك بسعادة على فتاته البريئة بجمالها، أعطى بطاقته البنكية إلى الموظفة وقال:
- أنا هآخد كل اللي قاستهم.
أومأت إليه الموظفة بنعم ورغم غيرته الشديدة عليها لكنه أعجب بها بهؤلاء الفساتين الذين يبرزون جمالها وأنوثتها، لذا أخذهما جميعًا لأجلها وخرجوا من المكان معًا فسألته بحيرة من أمره:
- ممكن أفهم بقى اشتريتهم ليه ما دام مش عايزني ألبسهم؟ ولا هتوديهم لواحدة تانية؟
يا لهوي! لتكون بتخوني يا زيزو؟
تبسم بلطف على غيرتها، ثم أخذ يدها في يده وسارا معًا، مجيبًا عليها بلطف وقال:
- بتخوني وزيزو في جملة واحدة؟ ما ارتكبش يا ورد، بعدين ما تخافيش أنا بس أتجوزك أنتِ الأول ونشوف بعدها موضوع الخيانة دي.
ضربته على ظهره براحة يدها الصغيرة غيظًا من كلمته التي قتلتها للتو، فقال بعفوية مزاحًا:
- بهزر يا وردتي.
مطت شفتيها للأمام بحزن مستاءة من كلمته، فقال بهمس وعينيه لا تفارقها عن هذا القرب:
- أنا جبتهم عشان ما ينفعش بعد ما لمسوا وردتي واحدة تانية تأخذهم وتلبسهم.
تبسمت على غيرته المفرطة، فهل اشترى كل شيء وضعته على جسدها حتى لا ترتديه امرأة أخرى بعدها؟ ضربات قلبها لحبيبها تحياها فرحًا، ربما عليها أن تقبل جبينه الآن وتشكرَه بامتنان على هذا الحب الذي يكنه لها بداخلها. أخذ "زين" يدها في قبضته الدافئة وسار بها نحو سيارته وقال:
- ما تشكرنيش يا ورد، أنا عايش عشان بحبك.
ضحكت على كلماته بلطف وقالت:
- أنت عرفت منين؟
فتح لها باب سيارته ثم قال:
- عشان أنا حافظك أكثر من نفسك يا وردتي.
دخلت "ورد" إلى السيارة وعيناها ترمقه بحب وهو يدور حول سيارته حتى يصعد بمقعد السائق وبسمتها لا تفارق وجهها.
وصلت "مسك" صباحًا إلى منزلها بعد قضاء الليلة بمنزل والدها لتجده ينتظرها بقلق سافر. فور دخولها هرع "تيام" إليها وقال بحزم:
- كنتِ فين؟
رمقته ببرود شديد ثم دلفت إلى الداخل دون أن تتحدث بشيء. ذهب خلفها غاضبًا من اختفائها المفاجئ ليلًا ولم يعثر عليها بأي مكان. صعدت بفراشها فجلس "تيام" جوارها وقال:
- بكلمك كنتِ فين؟
أغمضت عينيها باستسلام لتعبها بعد نوبة البكاء والإغماء عليها وهي تعاني من ألم قلبها وصراعه مع عقلها. سألها بقلق على حالها ووجهها الشاحب:
- أنتِ كويسة طيب؟
لم تجب عليه وظل يستمع لصوت أنفاسها الهادئة فقط على عكس ما بين ضلوعها الذي يصرخ فزعًا. مسح على رأسها بحنان ثم قال:
- أنا من ساعة ما رجعت وأنتِ متغيرة يا مسك، بتتهربي مني وفيكي حاجة غريبة؟ حصل إيه؟ في عنادك وقوتك.
لم تجب عليه بل اكتفت باصطناع النوم الآن على أن تتحدث معه ويغلبها القلب أمامه. تركها وخرج من الغرفة ففتحت عينيها تنظر إلى الباب المغلق وهو خارجه. تفكر بشرود فيما يجب أن تفعله. أيجب أن تنتظر معه الأشهر الباقية على زواجهما أم تهرب منه وهي لم تعتد الهرب أبدًا، لطالما كانت تفضل المواجهة؟
(المدينة الزرقاء blue city)
كان "جابر" يسير في ردهة الفندق مع أحد رجاله وقال بحزم:
- عينيك ما تفارقش متولي، وتعرفني كل خطوة بيخطيها وكل نفس بيتنفسه.
أومأ الرجل إليه بنعم ثم قال:
- أمرك يا جابر.
- الرجل ده عامل زي العقرب بيلدغ من تحت لتحت.
قالها "جابر" بحزم شديد واتجه إلى المصعد لينطلق الرجل يلبي طلبه في البحث وراء "متولي".
استيقظت "مسك" من نومها ليلًا وخرجت من الغرفة لتجد "تيام" يرتدي بنطلون أسود وتي شيرت أحمر ومستعدًا للذهاب. دلفت للمطبخ وارتشفت الكثير من الماء البارد وهو يسير خلفها وقال:
- ممكن تلبسي وتيجي معايا مشوار.
التفتت "مسك" إليه باندهاش ورمقته بصمت لا تعلم إلى أين سيأخذها، وبعد إلحاح كثير أخذها إلى مطعم لتتناول الطعام معه. سألته بحيرة من وجودهما هنا:
- أنت عامل كل ده عشان تتعشى برا؟
- لا طبعًا، بس قولت تغيري جو شكلك تعبانة أو في حاجة مزعلاكي ومش هسألك هي إيه عشان ما تتعصبيش.
قالها وعيناه ترمقها بلطف. أنهت "مسك" تقطيع طعامها بالسكين ثم بدلت الطبقين بسبب إصابة ذراعه. تبسم "تيام" على فعلتها ثم بدأ يتناول الطعام وهي تقطع طبقها حتى أنهى طعامه أولًا. أخذ هاتفها ورفع الحظر الذي وضعته له والتقط صورة لهما فزمجرت "مسك" باستياء من فعلته بينما تبسم "تيام" إليها بلطف وعيناها لا تفارق الهاتف:
- لقيت كل صورك على الانستجرام كأنك شبح ما بتعرفيش تضحكي.
أخذت الهاتف منه بحزم مستاءة بشدة من تصرفه لتراه رفع الصورة على حسابها على الانستجرام وقبل أن تحذفها جاء النادل إليه بباقة من الورود الحمراء. نظرت "مسك" إلى الورد باندهاش ثم إليه. تبسم "تيام" لأجلها وقال بحب وسعادة تغمره:
- حد جابلك ورد قبل كده؟
- تيام!!
قالتها بنبرة حادة تحذره من أن يفعل ويقدم لها هذه الباقة. تبسم بعد أن فهم تحذيرها لكنه لم يبالِ إليها وقدم إليها باقة الورد وقال بحب:
- أنا عايز أتجوزك يا مسك.
وقفت من مكانها غاضبة من تصرفه ولم تأخذ الباقة لكن "تيام" لم يستسلم وأعطاها باقة من الورد الأحمر وبسمته لا تفارق وجهه بل تنيره وتزيده جمالًا. نظرت "مسك" للورد بحيرة وغصات بقلبها تؤلمها جدًا على هذا الحب الذي حرمته على قلبها. أقسمت ألا تعشق هذا الرجل وتحقق أمنيته. قالت بنبرة خافتة:
- قولت إيه؟
أخذ "تيام" خطوة نحوها أكثر وعيناه لا تفارق عينيها الحائرتين وقلبها المرتجف بين خفقان نبضاته إلى هذا الحبيب وبين حرب عقلها التي نشبت النيران بداخلها تمنعها من الاقتراب من "تيام". أخذ يدها الأخرى في يده وقال بدفء:
- قولت تتجوزيني يا مسك، أعمل لك فرح وتلبسي فستان أبيض وألبس بدلة وأروح أطلبك من دكتور غريب حتى لو كنتِ مراتي، أعمل لك كل مراسم الجواز اللي ما عملتهاش وتبقى مراتي... أنا عايزك يا مسك.
سحبت "مسك" يدها منه ورأسها تشير له بلا وقالت بحزم وعيناها في عينيه تحدق بهما مباشرة:
- وأنا عايزة أطلق يا تيام، دلوقتي ومش بكرة طلقني.
صُدم من كلمتها رغم كل ما فعله لأجلها وحاول بكل الطرق أن يثبت لها حبه وأنه لم يهتم كثيرًا بهذا الرهان والكلمات التي تفوه بها من قبل لكنها ما زالت ترفضه. تذكر حديث العرافة عن الفراق فهل سيفارقها رغم عشقه إليه؟ مرت "مسك" من أمامه لكي تغادر بعد أن كسرت قلبه وهدمت سعادته بكلمتها وألقت بباقة الورد على الأرض. مسك "تيام" يدها يمنعها من الرحيل أن يتحدث معها ويستوعب بسبب خوفها منه ليديرها إليه وقال:
- أنتِ بتعملي كده ليه يا مسك؟ أنا اتغيرت عشانك، اشتغلت وبقيت واحد تاني وقطعت علاقاتي بكل البنات اللي أعرفهم والكازينوهات حرمتها عليا، اتغيرت عشانك.
رفعت "مسك" حاجبها إليه ببرود شديد ثم قالت بحزم وهي الأخرى قلبها يتمزق من الداخل لكنها تخشى هذه المشاعر والاقتراب منه:
- عشاني!! أنت اتغيرت عشان ورثك يا تيام واشتغلت واجتهدت عشان تقدر تنتصر على زين، مش عشاني ولا حاجة.
أخذ "تيام" خطوة نحوها بعين دامعة وحديث هذه العرافة يحتل عقله الآن ولا يصدق بأنها ستفارقه. تحدث بنبرة خافتة:
- طب الشغل وعشان أهزم زين، طب والشرب اللي بطلته والبنات اللي قطعت علاقتي بيهم، أنا ما بقتش قادر أبص لبنت تانية غيرك، ما بقتش عارف أتقبل أي بنت مهما كانت جميلة.... ده كمان عشان زين.
- ما أعرفش، بس أنا مش هكون ليك يا تيام ولمصلحتك ومصلحتي تطلقني، أنا ما بقتش قادر أبص لك.
قالتها بضيق وتحاشت النظر إليه. رمقها بنظراته ولا يصدق أو يستوعب ما يحدث معه وفجأة أصبحت تتهرب منه وتتحاشى النظر إليه. تساءل عقله كثيرًا هل يثير اشمئزازها لهذه الدرجة؟ أتكرَه "مسك" بهذا القدر؟ ترك يدها بلطف ثم قال بحزن:
- للدرجة دي!!
أنت طالق يا مسك.
نظرت إليه بصدمة من تنفيذ ما طلبته، ولأول مرة يخضع لأمر تريده. دومًا ما كان يفعل ما يريد فقط ويتحداها. قلبها انشق لنصفين من كلمته، ودمعت عينيها وأنفاسها كادت أن تُكتم بداخلها وتختنق. صُدمت أكثر عندما رأت دمعته فرت من جفنيه مع تفوهه بهذه الكلمة وقطعه لهذا الرابط الذي يجمعهما معًا. اقتربت "مسك" هذه المرة منه، لكنه لم يترك لها المجال وغادر من أمامها غاضبًا من قسوتها.
***
عادت "بثينة" من الريف بعد أن علمت بخبر طلاق ابنتها، ولم تجدها بالمنزل، واتجهت إلى المستشفى فأخبرتها الممرضة أن "مسك" تقريبًا شبه لم تغادر غرفة العمليات، بل كل المرضى على قوائم الانتظار خضعوا إلى جراحتهم حتى المتبقي منهم أخذ موعد هذا الشهر بفضل الطبيبة "مسك" التي تكلفت بكل مصاريف الجراحات. وهكذا رئيس المستشفى "غريب" كأنه يعلم بوجع ابنته بعد طلاقها ورغبتها في الانغماس في العمل حتى لا تترك مجالًا لقلبها حتى يتألم ويبكي، دفع تكاليف الكثير من المرضى لأن علاجهم الوحيد الذي سينجد ابنته من عذابها، كأن هذه التكاليف ثمن سعادة ابنته.
لم تصدق "بثينة" ما سمعته من الموظفين في المستشفى، وجلست تنتظر "مسك" أمام باب غرفة العمليات. فُتح باب غرفة العمليات وخرجت "مسك" بزي الجراحة لترى والدتها تجلس على المقعد الحديدي تنتظرها. تبسمت "مسك" بانكسار إلى والدتها التي وقفت فور رؤيتها، وخرج الاثنان معًا. تحدثت "بثينة" بغضب سافر قائلة:
- أنا يمكن متكلمتش لما اتجوزتي من ورايا وقولت بلاش أقسي عليكي زي أبوكي، لكن تتطلقي بعد خمس شهور ليه يا مسك؟ ليه؟
التفتت "مسك" تنظر إليها بغضب شديد من حديثها في هذا الموضوع وقالت بحزم:
- وحضرتك اطلقتي من بابا ليه؟ على الأقل أنا معيش عيال أشيل همهم ولا هيتعذبوا من الطلاق دا، لكن حضرتك؟
ابتلعت "بثينة" لعابها بحرج شديد ثم قالت:
- أنا كان عندي أسبابي ودا كان في مصلحتي.
صرخت "مسك" بضيق شديد أمام والدتها كأنها تطلق العنان لهذا الوجع الموجود بداخلها:
- أنا كمان عندي أسبابي، ودا لمصلحتي.
نظرت "بثينة" إليها بغضب مكبوح بداخلها ولا تعلم سبب قسوة ابنتها وحدتها، فتمتمت بحزن على ما تراه الآن في وجه ابنتها:
- أنت بتقسي حتى على نفسك، لتكوني فاكرة إن دي قوة يا مسك، أنا بشفق عليكي.
- من الأفضل إنك تشفقي على نفسك مش عليا.
قالتها "مسك" بغضب من كلمة ابنتها، لتُصدم عندما صفعتها "بثينة" بقسوة ردًا على كلمتها القاسية. حدقت "مسك" بها بألم شديد ثم غادرت من أمامها.
***
(المدينة الزرقاء blue city)
دلفت "طاهرة" إلى غرفة "تيام" الغارق في نومه ثم قالت بخفوت توقظه:
- تيام بيه... يا بيه.
فتح "تيام" عينيه بتكاسل وقال:
- شوية يا طاهرة.
- دي رابع مرة يا بيه، وجابر وأستاذ زين برا.
قالتها بتذمر على تكاسله، فاعتدل في جلسته ليمط جسده. أشعل سيجارته ويده تفرك عينيه بتعب ويتثاءب.
كان "جابر" جالسًا في الصالون ينتظره مع "زين" الذي سأل بحيرة:
- تفتكر عايزنا في إيه؟ أنا مش حمل كارثة جديدة منه.
هز "جابر" رأسه بنعم ثم قال:
- لا متقلقش إن شاء الله مفيش كارثة. بعد خبر طلاقه أنا مبقتش أتوقع منه الكثير.
خرج "تيام" بوجه عابس وقال بنبرة قوية:
- اعمليلي قهوة يا طاهرة.
جلس على المقعد مقابلهما ووضع قدمًا على الأخرى. تأفف "زين" غيظًا من غروره ثم قال:
- خير!!
تجاهل "تيام" هذا الرجل الذي يُثير غضبه دومًا ثم نظر إلى "جابر" وقال بحدة:
- اسمع يا جابر أنا مللت من الحياة دي. خلينا نتفق الوصية إني أستلم منصب الرئيس بعد سنة من جوازي صح؟
أومأ "جابر" إليه بجدية ثم قال:
- فعلًا!! من غير طلاق..
- لكن نصيبي في التركة مبيتغيرش، أنا مش عايز منصب الرئيس، خليه لزين هو لايق عليه أكثر مني.
ضحك "زين" بسخرية من تكبر "تيام" كأنه يعطيه صدقة وما تبقى منه:
- لا والله كتر ألف خيرك، ما هو ليا من غير رأيك.
رفع "تيام" حاجبه بسخرية إلى هذا الرجل الذي لا يقل غرورًا عنه وقال بحزم:
- أنا قررت أسافر، هعيش برا ونصيبي في الورث من الأصول هيخلي تحت سيطرة زين، لكن يا رب ميجيش يقول أنا كبرته واشتغلت واجتهدت ويطمع فيه.
- تسافر!!
قالها "جابر" بصدمة ألجمته، فرغم كل شيء مر به "تيام" ولا مرة قرر أن يهجر هذا المكان وهذه البلد، والآن بعد أن انفصل عنها استسلم وتنازل عن كل شيء وقرر الهرب. أجابه "تيام" ببرود شديد ثم قال:
- آه، يا ريت تحجزلي على طيارة إيطاليا.
***
خرجت "مسك" من غرفة "غزل" بوجه شاحب وجسد خامل من الفراق الذي يمزق قلبها، واتجهت نحو المطبخ، لكنها شعرت بدوران في رأسها شديد لتمسك معصمها ووضعت يدها عليه تشعر بضربات قلبها الضعيفة، لكنها فقدت وعيها سريعًا وسقطت على الأرض وارتطمت رأسها بالأرض الصلبة وقسوتها تقتلها أولًا قبل أي شخص آخر. عنادها وكبرها سيقتلاها هي وليس الآخرين. لا تقوى على فراقه لكنها تكابر بإصرار وعناد. وصل "غريب" إلى المنزل ليُصدم عندما رأى "مسك" على الأرض فاقدة للوعي فهرع إليها مع "سراج" بخوف شديد على ابنته.
رواية وختامهم مسك الفصل العشرون 20 - بقلم نور زيزو
بعنوان "نيران القلب"
فتحت مسك عينيها بتعب شديد فوجدت غريب جوارها ويحمل يدها بين يده. تنفست بلطف وعينيها تنظر إلى والدها الذي يحدق بها بقلق شديد وقال:
- لازم تكشفي يا مسك. دا رابع مرة يغمى عليكي الشهر دا.
تنهدت بتعب ربما يقلق على حالها وصحتها لكنه لا يعلم شيء عن صراعها الداخلي ونزيف قلبها وهم كفيلان بأن يفقدوها وعيها بل إيقاف قلبها من مكانه. غادرت من أمام والدها لتذهب إلى منزل والدتها بحزن وإنشقاق أخذ قلبها إلى الحافة.
فتحت الباب لكنها سمعت صوت والدتها تتحدث مع أحد. تقدمت أكثر نحو الصالون بخطواتها لتصدم عندما رأت ورد جالسة مع والدتها ويتحدثان. تبسمت بثينة بلطف وقالت:
- تعالي يا مسك.
وقفت ورد من مكانها واستدارت إلى مسك وعلى شفتيها بسمة مشرقة لرؤية صديقتها لكن سرعان ما تلاشت هذه البسمة عندما تقابلت مع عيني مسك التي باتت شاحبة وحزينة. لطالما كانت صامتة وهادئة لكن هدوءها كان قوة منها لكن اليوم رأت ورد هدوءها انكسار وحزن. تركتهم بثينة معًا ودلفت إلى الداخل بينما دلفا الاثنين إلى غرفة مسك وجلسوا سويًا. جلست ورد جوارها بلطف وقالت:
- عاملة إيه يا مسك؟ شكلك مش مبسوطة.
تنهدت مسك بهدوء ثم نظرت إلى عيني ورد بعفوية وتبسمت بسمة مزيفة ثم قالت بخفوت:
- كويسة، أنتِ عاملة إيه؟
- لا يا مسك أنتِ مش كويسة. بصي لنفسك في المرآة أنتِ بقيتي دبلانة وضعيفة. من إمتى ومسك ضعيفة كدة؟ أنا مذهولة إنك مسك.
قالتها ورد بحزن ممزوج بالغضب مما يحدث إلى صديقتها. لم تجب عليها بل ظلت صامتة لتتحدث ورد من جديد بقوة وحزم:
- أنتِ بتحبيه يا مسك! كفاية تنكري اللي أنا شايفه في عينيك. أنتِ بتحب تيام وهو كمان بيحبك وإلا ما كانش يسيب البلد كلها ويسافر عشان مش قادر يقعد هنا من غيرك.
اتسعت عيني مسك على مصراعيها والتفتت إلى ورد بصدمة ألجمتها من خبر سفره وقالت:
- سافر!
تنحنحت ورد بدهشة من لهفتها عليه وخوفها من الفراق الأكبر وإلا تراه من جديد نهائيًا. عينيها لا تكذب ما تراه وأدركت أن سبب ما يحدث هو الحب الكامن بداخلها وهذه الفتاة تنكره حتى أصابها العشق بالألم من كبرها. تمتمت ورد بغرور وعقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة:
- واضح فعلًا إنك مش بتحبيه خالص ولا مهتمة بيه. أه يا مسك تيام هيسافر ويسيب البلد وكمان طلب من زين يهتم بنصيبه في القرية من الأصول وكتب له توكيل عند المحامي عشان يديره واكتفى بأنه يأخذ نصيبه من الأرباح كل سنة. بس الحمد لله زين وجابر أقنعوه يأجل السفر لحد لمدة شهر عشان يحضر فرحنا بعد أسبوعين. عشان زين مش هيلاقي حد يخاف على مالهم غير تيام واتفق أنه هيسيب له كل حاجة تحت إدارته على ما نرجع من شهر العسل آخر الشهر وبعدها يسافر وهو الحمد لله وافق على شهر واحد.
طأطأت مسك رأسها بحزن للأسفل بخيبة أمل فهل قرر الفرار نهائيًا من هنا بسببها. رفعت ورد رأس صديقتها بسبابتها بلطف حتى تتقابل عيونهما معًا وقالت بحب ربما تساعد صديقتها على التخلي عن كبرها:
- مسك! ما دام بتحبه يا حبيبتي وموجوعة ليه بتقسي على حالك؟ ما أخبيش عليكي هو كمان حاله ما يسرش القلب ولا العين. أنتوا الاثنين واجعكم الفراق والحزن وقلوبكم بتتوجع من الألم ليه تكتبوا الفراق عليكم عشان إيه؟
تمتمت مسك بحزن وخوف يحتلها من الداخل ويفتك بعقلها قائلة:
- عشان تيام ما بيحبنيش يا ورد. تيام عايز يفضل معايا عشان يذلني وينفذ رهانه ليه. مجرد ما يوصل للي عايزاه هيرميني يا ورد بعد ما يبقى حقق هدفه فيا.
تبسمت ورد من خوفها ثم أخذت يدها بين يديها الدافئتين وقالت بلطف بعد أن رفعت نظرها إلى عيني مسك وقالت بدفء يطمئن القلب:
- لا يا مسك. خوفك دا ما لهوش أي صحة من الأساس. تيام بيحبك وإلا ما كانش اتغير عشانك وما تنكريش إنه اتغير فعلًا. كبر إيه ورهان إيه اللي بتتكلمي عنه وأنتوا الاثنين بتتعذبوا في البعد. يمكن يكون قالك كدة قبل ما يعرفك لكن مع الأيام اتغير كل حاجة. ربنا قادر على كل شيء والحب بيعمل المعجزات بجد واسألني أنا عن الحب.
صمتت مسك ولم تجب بحرف واحد عن هذا الحديث. تحدثت ورد بنبرة حادة مستاءة من قسوة صديقتها وقوتها:
- أنتِ بتقسي على نفسك ليه يا مسك؟ القسوة دي هتتعبك أنتِ مش حد تاني.
وقفت مسك من جوارها وسارت بعيدًا غاضبة وما زالت نيران قلبها تحرقها ولم تخمد نهائيًا. تحدثت بجحود:
- أنتِ جاية من الغردقة مخصوص عشان تكلميني عن تيام وعن قسوتي؟!
تنهدت ورد باستياء من عناد هذه الفتاة وقالت:
- لا يا مسك. جاية أقولك إن فرحي بعد أسبوعين هتيجي ولا ناوية ما تجيش.
نظرت مسك إلى وجه ورد صديقتها وقد مر بالصعب معًا لتقول بثقة:
- هاجي يا ورد أكيد مش هسيبك في يوم زي دا.
تبسمت ورد بحماس إلى صديقتها من إقناعها على المجيء.
________________________
هرع غريب من منزله فجرًا دون أن يغير ملابس بيته واتجه إلى منزله السري بعد أن تلقى خبر من الطبيب. وصل ليرى مسك تترجل من سيارتها هي الأخرى مصدومة مثله حتى. دلف الاثنان معًا إلى المنزل وغرفة غزل. دمعت عيني مسك بفرحة عارمة بعد أن رأت أختها تفتح عينيها بصعوبة وقد عادت للحياة وتشبثت بها. قاومت الصراع الذي عاشته وهزمت الموت. تنفست مسك الصعداء بأريحية وعينيها تقابل عيني غزل. رغم حالتها الحرجة وما زالت تحت الأجهزة لكن فتح عينيها كفيل بأن يسعد قلبها ويرد به الروح المسلوبة منه. فحصتها مسك جيدًا ثم جلست تحكي لها ما حدث وغزل تستمع فقط لا تصدر أي فعل أو تجيب عليها لكنها تراقب عيني مسك التي تحول حديثها أغلبه عن هذا المدعو بـ "تيام" طليقها.
_________________________
كان تيام جالسًا على الشاطئ ينظر إلى البحر وأمواجه العالية تزداد أكثر وأكثر وكأن البحر غاضبًا تمامًا مثله بسبب وجعه وألمه. تنهد وعينيه حزينتين. فتح هاتفه ونظر إلى صورها على مواقع التواصل الاجتماعي كما مشتاقًا إليها. اشتاق لعصبيتها وعنفها. غضبها وقسوتها عليه. لطفها وهي تعتني بجروحه وكونها طبيبته الجميلة. رؤيتها تقاتل بحزم وقوة كالجبل الصامد. اشتاق ليدها التي تضرب قبل أن يتفوه بلسانها. جرأتها وتحديها إليه وحتى عنادها. يتمزق قلبه من هذا الشوق الذي يقتله من الداخل. يخبره قلبه بأن يهرع إليها ويضمها إليه بالإجبار والقوة. يرغمها على العودة إليه ويتراجع في قرار طلاقها ويردها إليه دون أن يكثرت إلى رد فعلها أو رغبتها. لكن عقله يخبره بأن يبتعد ولا يقلل من كبره وغروره أكثر أمامها. هو طلبها أكثر من مرة لأجله وأخبرها بأنه يريدها ومسك رفضته أكثر من مرة فلم يذهب ويدوس كرامته في الطين بين أقدام المارة مرة أخرى. قاطع شروده بالنظر إلى صورها وقلبه الممزق صوت ليلة التي جلست جواره وترتدي ملابس السباحة وتقول بدلال:
- قاعد لوحدك ليه؟
تأفف بضيق شديد ثم قال باغتياظ وعينيه ترمقها بازدراء:
- أنتِ ما بتتعببيش!
ضحكت بعفوية وهي ترفع يدها إلى صدره تلمس قلبه بأناملها وهي تتفوه قائلة:
- أنت مش طلقت خلاص.
دفعها بعيدًا عنه باشمئزاز شديد ثم قال بحزم وعنف شديد:
- ولو طلقت تفتكري هابص لواحدة رخيصة زيك؟
سار بعيدًا عنها تاركها مندهشة من كلمته فهرعت نحوه أكثر وهي تقول بتذمر:
- شوف مين اللي بيتكلم عن الرخص. تيام بيه الضبع دا ما فيش بنت هنا ما اترمتش في حضنك إلا من رحم ربي.
لم يجب عليها وقدميه تكمل سيرها لا يبالي بهذه الفتاة لكنه أقسم على ألا يلوث صدره الذي ضم مسك بعناق امرأة أخرى. أسرعت إليه أكثر ومسكت ذراعه بقوة تمنعه من الرحيل ثم قالت بخنق من غروره وغطرسته:
- أنت بتعمل كدة ليه؟ حجتك كانت إنك متجوز ودلوقتي خلاص... بتهرب مني ليه؟
تنهد بضيق شديد ثم تحدث بجدية صارمة:
- أنتِ فعلًا يا...
قاطعته بعفوية وبسمة مشرقة قائلة:
- ليلة!
- أنتِ فعلًا يا ليلة بنت جميلة وأي راجل يتمنى ليلة واحدة معاكي لكن مش أنا. مش راجل دخل حياته وقلبه مسك. فياريت توفري على نفسك المجهود وتوفري على إهانتك كل مرة.
قالها بحزم شديد. تأففت ليلة بضيق شديد ثم غادرت من أمامه. التفت تيام لكي يغادر لكنه وجد ورد تقف خلفه وقد استمعت لحديثه عن مسك مع هذه الفتاة وتحمل في يدها هاتفها. اقتربت ورد منه بهدوء رغم خوفها من بدء الحديث معه لكنها جمعت شجاعتها وقالت:
- للدرجة دي بتحبها؟
صمت تيام ولم يجب عليها وعينيه تنظر إلى البحر متحاشي النظر إليها فتابعت ورد بجدية رغم نبرتها الدافئة:
- لو مسك فعلًا في حياتك وقلبك ليه اخترت البعد؟ أنا كنت عندها من 10 أيام لو شوفتها كانت هتصعب عليك. هي كمان زيك بتكابر وبتعاند على حساب نفسها. لما أنتوا الاثنين بتكابروا وكل واحد مستني الثاني يروح له هترجعوا إزاي؟ أنا عارفة إنك ما بتقابلنيش وممكن ما تحبش تسمع مني بس اسمع مني معلش لأني صاحبتها على الأقل وانسى إني خطيبة زين.
تمتم تيام بنبرة خافتة وهو يستمع إلى حديث هذه الفتاة عن محبوبته المتكبرة قائلًا:
- أنا ما بكابرش... أنا عرضت الجواز وهي رفضت وأصرت على الطلاق. أعمل إيه أروح أبوس إيدها..
رمقته ورد بعيني حزينتين وإشفاق على هذا الثنائي ثم قالت:
- هي خايفة ومش واثقة في حبك. المفروض تطمنها مش تهرب منها ومن البلد كلها. مسك تعبانة يا تيام. تعبانة وبتكابر من يوم ما طلقتها وهي ما بتنامش وما بتخرجش من أوضة العمليات. دفعت تكاليف المرضى كلهم تقريبًا عشان تدخلهم أوضة العمليات ما تخرجش هي منها. بقيت ضعيفة... تخيل أنت لما مسك بقوتها اللي بتقاتل رجالة بشنبات بقيت ضعيفة.
صمت ولم يجب رغم وخزات قلبه الحادة من الصدمة التي ألجمته من حديثها والحالة التي وصلت لها محبوبته القوية. قال بعجز عن فعل شيء:
- أطمنها إزاي؟ مش واثقة في حبي!
أنا حرمت على نفسي كل البنات من بعدها، وأقسمت أن مفيش واحدة ممكن تدخل حضني بعدها وتلوث طاهرة مسك ورائحتها اللي جوايا. أعمل إيه أكثر من كدة عشان تثق في حبي؟ براحتها يا آنسة يا ورد، تعمل اللي عايزاه، وأنا لو عليّ أنا استكفيت برائحتها جوايا، وبرضه هيفضل حضني وقلبي بيتها هي لوحدها، حتى لو اضطرت أعيش وأموت من غير مسك.
غادر من أمامها لتدمع عينيها حزنًا على هذا الثنائي الذي يتمزق وجعًا. هناك فتاة ترتجف خوفًا من الاقتراب وتكابر، وهذا الكبر يؤذي قلبها أولًا، وهنا رجل حرم جميع النساء عليه، وما زال يحتفظ بعناقها ورائحتها بداخله، ويعاند بقوة، ويبدو أنه لن يتزحزح لخطوة واحدة للأمام. تأففت "ورد" بضيق وعادت للفندق ليمر الأيام الباقية بسرعة البرق.
وقفت "ورد" أمام المرآة بفستان زفافها الأبيض وتضع مساحيق التجميل، وترفع شعرها بدبابيس الشعر للأعلى، وطرحة فستانها الدانتيل بتاجها الفضي اللون المرصع بأحجار من الألماس. تبسمت بلطف وخرجت من غرفتها في الفندق، ووجدت "زين" يقف بانتظارها ببدلته البيضاء، وخلفه يقف "جابر". تبسم "زين" بعفوية وسعادة تغمره بعد أن رآها، وتقدم للأمام نحوها بقلب يرقص فرحًا، وأوشك أن يسمع الجميع نبضاته من سعادته. وصل أمامها ليقبل جبينها بحب وقال:
- وأخيرًا يا وردتي.
تبسمت "ورد" بحب إليه ويديها تتشبث به بسعادة كطفلته الصغيرة وقالت بهمس:
- أخيرًا يا قلب وردتك.
ضمها إليه بسعادة لتبادله العناق بسعادة تحيا قلبها فرحًا، وتبتسم ببسمة لا تفارق وجهها. تنحنح "جابر" بلطف ليبتعدا عن بعضهما ثم قال:
- ننزل.
أومأ "زين" إليه بنعم ثم ترجلا معًا، ليهمس "زين" في أذنها بقلق:
- جيتِ!
هزت "ورد" رأسها بلا بحيرة من تأخير "مسك" عن الحضور. كانت تعتقد بأنها ستأتي أمس بسبب سفرها من القاهرة إلى الغردقة، لكن حتى الآن لم تأتِ وكأنها غيرت رأيها ولن تأتي لحفل زفافها. تمتم "زين" بحيرة قائلًا:
- تفتكري ممكن متجيش؟ أنا عارضت سفره مخصوص عشان تيجي ويتقابلوا.
فتحت "ورد" هاتفها بضيق وخوف من إفساد خطتها هي و"زين" في جمع هذا الثنائي المتكبر من جديد. ربما إذا تقابلا يلين كبرهما وتحن قلوبهما. وصلوا للشاطئ حيث المكان المخصص لإقامة الحفل وكان مليئًا بالضيوف. بحث "زين" عن "تيام" ليجده يجلس على طاولة بعيدة وحده صامتًا ووجهه عابس كأنه ينتظر عقد القرآن ليغادر قبل بدء الحفل. همس إلى "جابر" بجدية:
- جابر، متسبهوش يتحرك من هنا غير لما الفرح يخلص لما نشوف آخرتها.
أومأ "جابر" إليه وذهب إلى "تيام" يقف معه، بينما تقدما "زين" و"ورد" إلى طاولة المأذون، وبدأ عقد القرآن تحت تهيأة الجميع ومباركتهم، وجميع المقيمين بالمكان كانوا سعداء لهذا الثنائي المتيم بالعشق، والآن لن يفرقهما سوى الموت...
وقف "تيام" من مكانه بعد مباركة الشيخ لهما ورفع المنديل عن أيديهم وقال بحزم:
- أنا ماشي.
وقف "جابر" من مكانه مسرعًا وما زالت "مسك" لم تصل، وستفسد خطتهم بسبب تأخيرها. قال بجدية:
- معقول تمشي دلوقت؟ استنى شوية.
التف "تيام" لكي يغادر لكنه توقف محله بصدمة ألجمته عندما رآها تمر من البوابة المصنوعة من الورود البيضاء، ترتدي فستان أسود اللون طويلًا لامعًا له ذيل قصير يزحف خلفه على الأرضية، وبأكمام ضيقة تظهر نحافة ذراعيها، كفستانها الذي يظهر نحافة جسدها كاملًا حتى الركبتين، وواسعًا قليلًا من الأسفل، وترتدي كعبًا عاليًا لم يظهر من طول فستانها، وتضع مساحيق التجميل ورموشًا اصطناعية تحيط بعينيها الرماديتين، وتسدل شعرها على كتفها الجانب الأيسر وظهرها مموج، وتحمل في يدها حقيبة صغيرة تكاد تكفي هاتفها.
رأته "مسك" يقف على حافة السجادة البيضاء الأخرى على استعداد للرحيل، ورغم صمودها وبرودها الذي يتطاير من هيئتها، لكن عينيها غلبتها بهذه اللحظة وتجمعت دموعها بعد أن نزف قلبها المرتعش برؤيته. تقابلت أعينهما معًا، نبضات قلبه لا تقل عنها بل تزداد، لا يصدق بأن "مسك" هي من تقف أمامه الآن، ما زال لا يستوعب أنه فتاته الجريئة القوية ترتدي الآن فستانًا أنيقًا وتضع مساحيق التجميل وعينيها تتلألأ بهما الدموع رغم قوتها في أسرهما بداخل جفونها حتى لا تسقط أمام الملأ. قلبها يفتك بها وجعًا من رؤيته يقف هناك بهيئته وكبره. ما زال متكبرًا ومغرورًا يرتدي بدلته الرسمية وفي يده كأسًا من العصير، لو كانت رأته من قبل لكان الكأس مليئًا بالخمر وليس العصير.
تحاشى "تيام" النظر إليها بضيق فهو فعل كل شيء كي يبقى معها وهي من رفضته. لن يذهب لها ويكسر كبرياءه من جديد أمامها. ازدردت "مسك" لعابها بحرج من تصرفه بعد أن تحاشى النظر لها. همس "جابر" في أذنه بخفوت وعينيه لا تفارق "مسك":
- بتعمل إيه؟ روح لها يا تيام...
تقدمت للأمام وصُدم "تيام" عندما ظهر رجل من العدم يأخذ يدها في ذراعه. أهي حقًا استبدلته برجل آخر؟ اشتعل قلبه من الغيرة لرؤيتها مع غيره، وهرع نحوها وهي تتحدث مع الضيوف ببسمة مشرقة، وجذبها من يدها بقوة للخارج لتصرخ بانفعال:
- إيه دا؟ أنت اتجننت؟
اتسعت عينيه على مصراعيها بصدمة ألجمته حقًا من النظر إليها عن قرب وعينيها الرماديتين وقال بغضب سافر:
- اتجننت؟ بتسألي اتجننت ولا لأ وأنتِ داخلة براجل في إيدك؟ وإيه اللي لابساه دا؟ أمال كنتِ عاملالي فيها سبع رجالة في بعض ليه؟
ابتلعت "مسك" لعابها بخوف من غضبه ولأول مرة تخشاه فقالت بعناد:
- والله أنا حرة، أنت مالكش حكم عليّ، ألبس قصير ولا عريان يكش ألبس مايوه...
أسكتها بقبلته القوية لتضربه بقوة في صدره وابتدع عنها ثم قال بكبرياء:
- كرريها تاني وعقابي المرة الجاية هيبقى أكبر.
رفعت يدها كي تصفعه ليمسك معصمها قبل أن تفعل وعينيه تحدق بها بقوة ثم قال:
- تؤ تؤ تؤ، إياكِ تعمليها يا مسك.
دفعها وذهب من هذا المكان لتسيشط غيظًا منه وذهبت إلى "ورد" تبارك لها. تبسمت "ورد" إليها بحماس لظهورها ولم تفسد خطتهم وقالت:
- أنتِ جيتي؟ معقول تتأخري عليّ يا مسك.
أتاها صوت الشاب يقول:
- مبروك.
اتسعت عيني "زين" و"ورد" عندما تحدث الشاب ووضع يده على كتف "مسك" لترمقها "ورد" بصدمة ألجمتها، فهل جاءت برجل آخر وعلى ماذا تنوي أن تفعل بقدوم شاب معها؟ هل أحضرته حتى تقتل "تيام" نهائيًا؟ تبسمت "مسك" إليها بعفوية مصطنعة البسمة ولم تبعد يد الشاب عنها بل تركته كأنها ترحب بهذا الشيء. نظرت إلى "زين" زوجها بصدمة لينظر هو الآخر بصدمة متبادلة، وبحث عن "تيام" ولم يجده ليشير "جابر" له بلا بمعنى أن خطتهم فشلت. تأفف بضيق لكنه لا يملك شيئًا يفعله.
أنهت الحفل وودعتهم "مسك" ليقول "جابر" بجدية:
- معقول هتمشي يا دكتورة مسك؟ على الأقل ارتاحي من السفر وامشي بكرة.
نظرت "مسك" إلى صديقها وقالت بجدية:
- معلش عشان كمان...
- ضيوفك ضيوفنا برضه، أقل من ثانية وأكون جهزت غرفتين ليكم.
قالها برحب رغم استيائه من فشل خطتهم. صعدت "مسك" إلى غرفتها وبدلت ملابسها وجلست تتحدث في الهاتف مع "غزل" تقول:
- أعمل إيه يا غزل؟ أنا سبحان من صبرني على زميلك دا ومضربتهوش.
- هههههه طبيعي يا مسك يمثل إنكم قريبين، أمال عايزاه يروح يقوله إنه لسه متعرف عليكي إمبارح.
قالتها "غزل" بهدوء فما زالت لم تتعافَ نهائيًا من مرضها. تتأفف "مسك" بضيق شديد قائلة:
- قال يعني فلح مع تيام حاجة؟ أهو سابني ومشي...
قهقهت "غزل" ضاحكة على أختها المتسرعة لكنها سعلت قليلًا بسبب مرضها ثم قالت:
- ما دام اتخانق معاكِ يبقى غار عليكي يا مسك، دي واضحة وضوح الشمس...
طرق باب غرفتها لتقول "مسك" بجدية:
- هكلمك تاني، متنسيش علاجك.
أغلقت معها الخط واتجهت إلى الباب لتفتح بهدوء لكنها صُدمت عندما رأت "بكر" يقف أمامها بهذا الوقت المتأخر ويتفحصها من الرأس إلى أخمص القدم وهي ترتدي بيجامة بشورت قصير وردي اللون وتي شيرت أسود اللون بنصف كم فضفاض وشعرها المبلل من الاستحمام مسدول على ظهرها. تبسم إليها بخبث شديد ثم قال:
- سمعت إنك اطلقتي؟ وفرتي عليّ قتله...
ازدردت "مسك" لعابها بضيق ونظرات هذا الرجل تغتصبها بمكره الشيطاني ولأول مرة تشعر بأنها ترى الشيطان في وجه بشري أمامها مباشرة...