تحميل رواية وختامهم مسك بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الاول 1 -وأنت فاكر نفسك مين&; وضع &;تيام&; يديه الأثنين فى جيوب بنطلونه بغرور وقال بكبرياء شديد:- -أنا تيام الضبع متجرأش واحدة زيك ترفع عينيها فيا نظرت &;مسك&; للأرض بسخرية من كلمته ثم أخذت خطوة نحوه بجراءة وثقة&; رفعت نظرها إلى عينيه تتقابل معها بكبرياء حواء ثم قالت:- -واحدة زي!!!! &; أنا جراحة ومعايا دكتوراة وحاصلة على الحزم الأسود فى الكاراتيه وواخدة بطولة الجمهورية من سنتين فى الرماية&; لكن مين تيام الضبع مسمعتش عنه غير أنه واحد صايع ضايع زبون فى الملاهي الليلي كز على أسنانه بغضب سافر...
رواية وختامهم مسك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور زيزو
رمقتها "مسك" باغتياظ شديد من نظراته الجريئة إليها ثم قالت:
- عيب على شيبة رأسك.
تقدم خطوة للأمام نحوها باسمًا بسخرية شديدة من كلمتها ويقول:
- عيب عليكي! دا أنا لسه شباب.
وضعت "مسك" يدها على صدره تدفعه للخلف باشمئزاز وقالت باختناق:
- نصيحة لوجه الله، أنا على أخري ونفسي أفش غلي في حد، فبلاش يكون الحد دا أنت، مش هتستحمل يا عجوز.
وضع يديه في جيوبه بسخرية وتقدم للأمام أكثر لكنه صُدم عندما شعر بيد قوية تمسك كتفه من الخلف وسمع صوت "جابر" يقول:
- بتعمل إيه هنا؟
التف لكي يقابل عيني "جابر" الحادة ووجهه العابس وكان خلفه رجل قوي البنية. تمتمت "مسك" باختناق شديد:
- بلاوي!
أغلقت باب الغرفة من جديد ولا تهتم إلى "بكر" الذي ظل يحدق في وجه "جابر" بقوة. تنفست الصعداء وتأكدت من إغلاق باب الغرفة بإحكام من الداخل ثم صعدت إلى فراشها.
- حضرتك نازل في غرفة كام؟
قالها "جابر" بحزم شديد وعينيه تخترق وجه "بكر". تنحنح "بكر" بحرج شديد ثم قال:
- مش نازل هنا.
- يبقى مش مسموح لحضرتك تطلع هنا.
قالها "جابر" بجدية ونبرة صارمة ثم أفسح الطريق إلى "بكر" كي يغادر. ذهب "بكر" من أمامه ثم انطلق "جابر" إلى السقيفة ووجد "تيام" نائمًا على الأريكة. جلس "جابر" على المقعد المجاور إليه وظل يحدق به. مغمض العينين ويضع ذراعه على جبينه مهمومًا وهادئًا هدوء ما قبل العاصفة تقريبًا. رائحة حريقه المُشتعل بداخله مُنذ أن رآها مع رجل آخر يصل إلى أنف "جابر" فتمتم "جابر" بجدية قائلًا:
- شوفت دا؟
فتح "تيام" عينيه وحدق بوجه "جابر" ليراه يمد يده إليه بتابلت. اعتدل في جلسته وأخذه ليُصدم عندما رأى وجه "بكر" أمامه يذهب إلى غرفتها. ذُعر من مكانه بخوف وهو يعلم حقيقة هذا الرجل الخبيث. سأل بغضب سافر:
- هو فين؟
- خليت الأمان يطلعوا برا.
قالها "جابر" بقلق من تحول "تيام" لبركان ناري ثم سأل بخوف:
- في إيه؟ أنت تعرفه؟
هرع "تيام" إلى الخارج باحثًا عنه بكل زاوية في المكان ولم يجد أثرًا إليه فتأفف باختناق شديد. رن على هاتف "مسك" لكنها لم تُجِب عليه فأخذ مفتاح غرفتها بالقوة من مكتب الاستقبال وذهب. فتح باب الغرفة ودلف يناديها:
- مسك... مسك.
لم يأته جوابًا فدلف إلى غرفة النوم ورآها نائمة في فراشها كطفلة صغيرة. تحتضن وسادتها بين ذراعيها وشعرها مسدولًا على الوسادة خلفها. تقدم نحوها بقلق عليها من هذا الرجل الخبيث. وضع الغطاء عليها بلطف وجلس جوارها يتفحص ملامح وجهها النائم ومسح على شعرها بلطف وقلبه تتسارع نبضاته لأجلها. غمغم بلطف شديد هامسًا:
- وحشتيني يا مسك! غلبتيني معاكي وتعبتني ويا ريت بعد دا كله عارف أوصلك حتى.
انحنى نحوها وترك قبلة على جبينها ثم غادر الغرفة. فتحت "مسك" عينيها بعد أن سمعت جملته. هذا العاشق ما زال لا يعرف شيئًا عنها. ما زال يجهل كونها تستيقظ سريعًا وبمجرد أن لمس رأسها شعرت به وسمعت صوته. كانت تعرف لمسته جدًا وتميزها عن الجميع. مُشتاقة إليها وهي مثله تمامًا تشتاق إليه بجنون ولشجارهما. قلبها يؤلمها لأجله ولم تكن تعلم بأنها ستغرق يومًا في قاع العشق مع رجل وإذا حدث لم تتخيل لبرهة من الوقت أن هذا الرجل سيكون "تيام".
***
فتحت "ورد" عينيها صباحًا بتعب شديد مُتذمرة على أشعة الشمس التي أيقظتها من نومها. تبسمت فور رؤيته جوارها وهي تختبئ بجسدها الضئيل بين ذراعيه الاثنين أحدهما أسفل رأسها والآخر فوق خصرها النحيل. يطوقها بإحكام في نومه كأنه لا يُصدق بأن هذا الحلم أصبح حقيقة والآن محبوبته تسكن ذراعيه ويُشم رائحتها عن قرب وأنفاسها تضرب صدره العاري. أخرجت ذراعها الأيمن العاري من أسفل الغطاء وقربته من وجهها لتبتسم بإشراق وسعادة فور لمسها إلى وجنته الناعمة الخالية من شعرة واحدة من اللحية. لا تصدق أنه حقيقة أمامها ليس حلمًا جميلًا تراه في منامها. رأت يده تتحرك وتمسك يدها الموجودة فوق وجنته بدفء ثم رفع ذراعه الموجود أسفل رأسها يجذبها أكثر إليه دون أن يفتح عينيه وقال بحب:
- نامي يا ورد، أنتِ ملحقتيش.
تبسمت عندما تلامست أنفها بصدره العاري من جذبه إليه ورفعت رأسها للأعلى نحوه وقالت بخفوت:
- دا مش حلم صح؟! أنا هصحى ألاقيك جنبي ومعايا.
فتح "زين" عينيه إليها بعد أن سمع هذه الجملة التي تخبره بأنها ما زالت لا تصدق أنها أصبحت زوجته حقًا ليضع قبلة على جبينها بلطف وقال:
- حقيقة يا وردتي.
أخفت رأسها بين ذراعيه ولفت ذراعيها حول خصره بإحكام واستِماتة ثم قالت:
- وأنا مبتمناش حاجة غير الحقيقة دي يا حبيبي.
تبسم بلطف ووضع رأسه فوق رأسها وأغمض عينيه من جديد مُستنشقًا عبيرها ويشعر بأنفاسها.
***
كانت "مسك" جالسة في مطعم الفندق تتناول فطارها. جاء "تيام" إليها وجلس دون إذن. رمقته "مسك" بنظرات هادئة مُنتظرة أن يتحدث ويخبرها سبب تصرفه فقال ببرود:
- مين البيه اللي ساحباه وراكي دا؟
تبسمت "مسك" بغرور ثم نظرت إلى طبقها من جديد وقالت:
- دا اللي جابك، مالكش دعوة.. أنت بتحب تسمعها مني، مالكش دعوة يا تيام.
اقترب من الطاولة بنصفه العلوي ووضع ذراعيه على الطاولة بإحكام ثم قال:
- ورحم جدي اللي مات على إيدك يا مسك لو ما ظبطتي معايا لأظبطك أنا.
تبسمت وهي تترك من يدها الطعام ببرود ثم رفعت نظرها إليه ببسمتها الساخرة من كلماته ثم قالت:
- طب ما تجرب تظبطني كده أصل مش عارفة أظبط نفسي.
جز على أسنانه غيظًا من تحديها إليه بنفس الآن الذي يرفرف قلبه فرحًا لأجل عنادها الذي اشتاق إليه وقال:
- ورب الكعبة مناخيرك المرفوعة دي هكسرهالك يا مسك بس اتقلي عليا شوية.
ضحكت "مسك" بعفوية على كلمته وقالت:
- هههه أتقل أكتر من كده؟ أخاف يجرالك حاجة من تقلي.
مسك يدها وجذبها نحوه لترتطم بالطاولة التي تفصل بينهما وقال:
- أنا ماسك نفسي عنك بالعافية يا مسك، لحد بس ما تليني وتوافقي تتجوزيني.
قهقهت ضاحكة أكثر وعينيها تحدق بعينيه التي اشتاقت إليها وقالت:
- بجد ومين قالك إني ممكن أتجوزك؟
- هتتجوزيني يا مسك، لأنك لو متجوزتنيش برضاكي هتجوزك غصب عنك.
قالها بحزم وعينيه تلتهم عينيها الرماديتين وبسمتها تثير ضربات قلبه لتتسارع أكثر. غادرت من أمامه لتذهب إلى الردهة وهو خلفها ليصرخ بصوت عالٍ مرتفع:
- تتجوزيني يا مسك؟
استدارت له بصدمة ألجمته من صراخه أمام الجميع ونظر الجميع عليها مُنتظرين الجواب على عرض زواجه. أسرعت إليه بخطوات مُسرعة وهمست إليه بحرج يحتلها:
- أنت اتجننت؟
تحدث "تيام" بلطف وعينيه تعانقها وكأنه يحاول أن يضمها بقوة ويخفيها داخل عينيه قائلًا:
- تتجوزيني؟ أنا عايزك يا مسك وموافق أتجوزك بالطريقة اللي تعجبك وبالشروط اللي تحبيها.
نظرت إلى عينيه الصادقتين وارتجف قلبها بلطف من كلماته لكن عقلها يكاد يقتلها من الخوف. تخشى أن يتزوجها وبعد أن تخضع إليه يكسرها بنفسه فقالت بحدة صارمة:
- أنا مش موافقة.
اتسعت عيني "تيام" على مصراعيها بصدمة ألجمته من رفضها له مرة أخرى. مسكها من ذراعها وقد فاض به الأمر وترك العنان لأوجاعه تقتلها على عنادها وكبرها. عينيه ينبعث منها الشر والغضب وقال بجز على أسنانه ونبرة مُخيفة:
- أنتِ بتعملي فيا كده؟ بتذليني وبدوسي على كرامتي ورجولتي ليه؟ مبسوطة وأنا بتحايل عليكي يا مسك وكل دا ليه؟ عشان...
كاد أن يعترف لها بحبه لكنها أوقفته وعينيها تحدق بعينيه العسليتين بقوة وما زالت رغم ألمها الداخلي لكنها تعاند بقوة وتصمد أمامه. قالت بحزم شديد:
- أنا مبذلكش ولا عايزة أدوس على كرامتك، أنا بحمي قلبي منك ومن غدرك، عمومًا بيقولك من أفسد شيء عليه بإصلاحه يا تيام.
ترك ذراعها باندهاش من جوابها. عينيه لا تفارقه وعقله لا يستوعب شيئًا وماذا أفسد حتى يجب أن يصلحه؟ تحدث بصدمة لا يُصدقها:
- قصدك إيه؟
- قصدي يا تيام، إنك حتى بعد ما اتغيرت أنا مقبلش أتجوزك.
كاد أن يفقد أعصابه ليرفع يديه الاثنين أمام وجهها غيظًا وأغلق قبضتيهما قبل أن يقتلها للتو وقال بعقل على وشك الجنون مُستاءً:
- أنتِ عايزة تجننيني يا مسك، أعملك إيه عشان تقبلي، وأَنفع أكون زوج لسفيرة عزيزة.
رفع حاجبها من سخريته ثم قالت:
- بغض النظر من سخريتك أو جنانك اللي هو كده أو كده موجود، لكن عشان السفيرة عزيزة.. لا مسك بقى، ليك عليك لو السما مطرت فلوس ونجوم السما نزلت على البحر ممكن وقتها أتجوزك.... بمعنى إن جوازي منك مستحيل.
- بتعجزيني ليه؟ لدرجة دي مش عايزاني؟
قالها "تيام" بحزن وخيم وقلب مفطور من الوجع. رفع حاجبه إليه بغيظ أكبر ويشعر أنها انتصرت عليه ليقول:
- بس معلش حتى لو مش عايزاني، أنا عايزاك يا مسك وهتجوزك حتى لو غصب عنك وعن أبوكي وكل اللي يتشددلك، حتى لو حكم الأمر أجبرك على كتب الكتاب...
قهقهت "مسك" ضاحكة بسخرية على كلماته وقالت بتحدٍ:
- والله وهتعملها إزاي بقى....
- كده.
قالها وهو يرفعها على كتفه على سهو دون سابق إنذار وسار بها في ردهة الفندق وهي تصرخ وتضربه بقبضتيها على ظهره بقوة وتترجاه أن ينزلها صارخة به:
- نزلني يا تيام... نزلني يا مجنون والله لأقدم فيك بلاغ بالتحرش.
نظر الجميع عليهما بدهشة من كلمتها. أكمل سيره وهي على كتفه بلا مبالاة ثم قال:
- أيوه أنا راجل متحرش بمراته.
توقفت للحظة باندهاش من كلمته وقالت بتردد:
- مراتك!!
أنا طليقتك.
تبسم بمكر شديد ثم قال:
لا مراتي أنا بقي، مجنون ورديتك ولا أنتِ ناسية إنك في العدة وأنا بقي ردتك يا مسك.
قهقهت ضاحكة بقوة على كلمته ليدخل بها المصعد وينزلها عن متفهمه، متفحصًا إياها بنظراته وهي تضحك بقوة ليقول باندهاش:
ضحكتك أوي كده؟
أوي يا تيام، أصلك جاهل حتى في الأمر دا، يا بابا أنت مينفعش ترجعني إلا بعقد جديد ومهر جديد وموافقتي، روح اسأل عن الزوجة التي لم يدخل بها.
قالتها ساخرة منه، اقتربت نحوه بغرور أكثر ولمست لحيته بدلال تثير غضبه أكثر ثم قالت بخبث:
ادعي بقي كثير إن السماء تمطر فلوس والنجوم تنزل البحر عشان أوافق.
خرجت من المصعد ضاحكة بقوة عليه وهو يراقبها في خطواتها مستشاطًا غضبًا من هذه الفتاة المغرورة رغم أنها تسكن قلبه، كاد أن يغلق المصعد أبوابه لكنه صُدم عندما رآها تسقط على الأرض فاقدة للوعي وارتطم جسدها النحيل بصلابة الأرض الرخامية فضغط على زر المصعد بسرعة جنونية وركض إليها.
هربت من المصعد لا تصدق ما يسعى إليه وهل حقًا يريدها وكل مخاوفها من عقلها الباطن لا صحة لها، أبطأت من خطواتها عندما شعرت بدوران في رأسها وقبل أن تستوعب ما يحدث فقدت الوعي ولم تشعر بشيء بعدها.
حملها تيام بذعر إلى ظهره وركض إلى الخارج لكي يأخذها إلى المستشفى وقبل أن يصل إلى السيارة شعر بيدها تربت على كتفه بلطف، فتحت مسك عينيها وسمعت صوت أنفاسه وهو يلهث بقوة من ركضه بها، ربتت بأناملها على كتفه بلطف ليتوقف عن الركض، أنزلها وهو ما زال يتشبث بها بإحكام وعينيه لا تفارقها بل يتفحصها بخوف شديد ويديه تتمسك بذراعيها حتى لا تسقط منه، سألها بقلق:
أنتِ كويسة؟
أومأت إليه بنعم وتتشبث بيديه التي تحيطها حتى لا تسقط من دوران رأسها الذي يلازمها، نظر تيام إليها بقلق سافر يتملكه بعد أن رآها تسقط أمامه وتذكر حديث ورد عن فترة الإرهاق والتعب الذي تعيش به، سألها تيام بجدية صارمة هذه المرة:
بتكابري ليه؟ بتعاندي وتقسي ليه وعلى حساب مين؟ على حساب نفسك يا مسك وصحتك، أنا عارف إنك بتحبيني وعشان أكون صريح أنا كمان بحبك.
رفعت مسك نظرها إليه بدهشة ألجمته من اعترافه إليها بحبه، تقابلت أعينهما معًا ولا تستوعب ما يقوله فهل حقًا أخبرها بهذا الحب علنًا، تابع تيام بنبرة حازمة قوية:
مستغربة ليه يا مسك؟ أنتِ عارفة أني بحبك من غير ما أقولها، زي ما أنا عارف كويس إنك بتحبيني من غير ما تقولها، ليه تبعديني بقي وتكتبي علينا الفراق بسبب قسوتك.
ابتلعت لعابها الجافة في حلقها بصعوبة بالغة بسبب ربكتها وقشعريرة جسدها التي أصابتها من كلمته التي تفوه بها، ضربها قلبها بقوة وكأنه يرغب بهدم هؤلاء الضلوع الصلبة اللاتي يحيطون به ويهرب منها إليه، دمعت عينيها بحزن وعقلها هو من يسبب هذا الألم لها وله ثم قالت بوجه عابس:
عشان خايفة منك! تخيل بقي إن أنا اللي عمري ما خفت من حاجة في الدنيا ولا حتى الموت خايفة منك أنت، خايفة أكون مجرد واحدة في نزواتك الكثيرة مجرد ما توصليه هترميني.
اقترب تيام منها خطوة ويده تمسك ذراعها وقلبه يتألم من هذا الخوف الذي يحتلها وهو سبب هذا الخوف، رفع يده الأخرى إلى وجهها ويمسح دموعها بإبهامه ثم قال بدفء وعينيه تطمئنها:
أنا بحبك يا مسك، بحبك وعمري ما نطقتها لأي واحدة مهما كانت، أنا بحبك ومستعد أديكي عمري كله بس عشان تطمني، أنا موافق أكتبلك كل ما أملك وأمضيلك على تقرير التبرع بالأعضاء كمان، والله اطلبي مني أي ضمان يطمنك وأنا موافق عليه من غير ما أعرفه.
ظلت تنظر إليه وجسدها يرتعش من الحيرة، تقف أمامه عالقة بين الاقتراب والبعد، لا تعلم أتركض وتصبو إليه وترتمي بين ذراعيه أم تهرب من أمامه فظلت تحدق به بثورة حيرتها وبركانيها الداخلي القائم من صراعها.
جاء الرجل إلى مكتب جابر ودُهش عندما سمع هذه الأخبار التي نقلها الرجل له عن متولي وأعطاه صورة إلى متولي وهو يقف مع ليلة وقال بجدية:
البنت دي بتحوم حوالين تيام بيه، أعتقد إن متولي هو اللي حاططها في طريقه وليه معرفش بس وراءه سبب.
تنهد جابر بهدوء وعينيه تحدق بوجه ليلة في الصورة وقال بحزم شديد:
عينيك عليها وعلى العقرب متولي وأنا ليا صرفة معاه.
أومأ الرجل له بنعم ثم غادر المكان بينما خرج جابر من مكتبه وذهب إلى حيث غرفة زينة، دق باب الغرفة لتفتح زينة إليه فحدق بها كثيرًا ثم قال بجدية:
ممكن أتكلم معاكي؟
رمقته زينة بنظرة قلق ثم أفسحت له الطريق.
أخذها تيام إلى شاطئ البحر وهي تُتمتم بضيق شديد متذمرة على قوته:
هو في إيه؟
أوقفها تيام أمام شاطئ البحر ووجهها عابس وتعقد ذراعيها أمام صدرها وترتدي سترة قطنية مفتوحة باللون السماوي وأسفلها تي شيرت أسود اللون وبنطلون جينز وشعرها مسدول على ظهرها، أدارها تيام إلى البحر لكي تنظر وقال:
بصي هناك.
نظرت بأفف شديد إلى الشاطئ لتُصدم عندما رأت بالون هواء في السماء وبداخله رجل يلقي النجوم الصناعية على الشاطئ وتتلألأ على سطح الماء فقال بهمس في أذنيها:
أول شرط النجوم تنزل على البحر.
ارتجف قلبها فرحًا وشرعت بارتعاشة لأجل هذا الرجل الجنوني الذي يفعل أي شيء مجنون لكي ينال رضاها وتقبل بزواجه، دمعت عينيها وهي تنظر لشاطئ البحر حتى وصل نظرها أسفل قدميها تنظر إلى مياه البحر التي تغلغلت بين أصابعها وترى النجوم وصلت مع المياه أسفل قدميها، لا تصدق ما تراه فاستدارت إلى تيام عاجزة عن التحدث ولا تملك كلمة واحدة تقولها إليه، نظر إلى عينيها بحب وتبسم على هذه الدموع الحارة التي تتلألأ في جفنيها فرحًا لتتساقط هذه الدموع عندما رأت أوراق نقدية تتطاير في الهواء وتتساقط فوقه كالمطر، تحدث تيام بنبرة هادئة باسماً:
الشرط الثاني تمطر فلوس، أنا حققت المستحيل يا مسك عشانك.
ظلت تنظر إلى الأموال التي تتساقط فوقهما وقالت:
أنت مجنون!
مجنون بيكي.
قالها بلطف ثم جثا على ركبتيه أمامها وأخرج خاتم الزواج من جيبه وقال بنبرة دافئة وعينيه تتلألأ ببريق العشق الكامن بداخله:
والله لو رفضتيني المرة دي يا مسك لأطلع من هنا على المطار وتكون آخر مرة تشوفيني فيها، المرة دي مش مسموح لك بالرفض نهائيًا.
تساقطت دموعها أكثر وأكثر على وجنتيها وعينيها ترمقه أثناء جلوسه أمام قدمها وقلبها يتسارع نبضاته وحيرتها تزداد أكثر وأكثر أمامه، لا تعلم ماذا تقول إليه، تقترب أم تبتعد؟ لا تملك جوابًا له بهذه اللحظة.
رواية وختامهم مسك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور زيزو
وقف "تيام" مكانه بدهشة من بُكائها الذي يزداد أكثر فأكثر، جفف دموعها بأنامله بخوف أكبر عليها ثم قال بحيرة من أمرها:
"خلاص يا مسك... خلاص متضغطيش على نفسك أكثر... متوافقيش بس متعيطيش والله دموعك بتقتلني وكمان بسببي."
قاطعته "مسك" بصوت خافت وعينيها تحدق به بضعف شديد وشهقاتها تزداد أكثر، ودموعها التي جففها بللت وجنتيها مرة أخرى كالفيضان الذي يسيل من جفنيها، تحدثت قائلة:
"تيام أنا..."
مسح على رأسها بلطف شديد ثم قال:
"متضغطيش على نفسك يا مسك، أنا مستعد أستناكي العمر كله ويحرم عليا أي بنت غيرك حتى لو عشت عمري كله مستني."
صرخ قلبها بداخلها باسمه، فماذا تنتظر أكثر من هذا لتذهب إليه؟ جاء رجل إليه يخبره أن "جابر" يريده ضروريًا فقال بخفة:
"عن إذنك."
ذهب معه كأنه انتظر أن تأتي فرصة إليه ليهرب منها بألم قلبه الذي يخفيه، ما زالت لا تريده وتخشى الاقتراب منه، ركب المصعد حزينًا حتى رن هاتفه مُعلنًا عن استلام رسالة، أخرجه "تيام" من جيبه بلا مبالاة لكنه صُدم عندما وجد الرسالة منها تحمل كلمة واحدة لكنها غيرت حاله تمامًا وجعلته يضغط على أزرار المصعد بجنون حتى فتح أبوابه وهرع راكضًا كالمجنون للخارج ولا يصدق هذه الكلمة التي قرأها للتو (موافقة)، كان يركض بسعادة تغمره وقلبه يتراقص فرحًا وأوشك على التوقف من شعوره بالحُب، بحث عنها في كل أرجاء الشاطئ ولم يجد لها أثر، اتصل بها ووضع الهاتف على أذنيه وهو يدور في المكان وعينيه لا تتوقف عن البحث عنها، ربما سيضمها هذه اللحظة أو سيأخذها للمأذون حالًا، استقبلت الاتصال ليصرخ بسعادة ونبرة حماسية:
"أنتِ فين؟"
لم تجبه "مسك" بل ظلت تستمع إلى نبرته الحماسية، تغيرت تمامًا عن السابق فكان يخبرها بأن لا تضغط أكثر على نفسها ونبرته على وشك البكاء من الحزن الذي خيم على قلبه من صمتها، تبسمت "مسك" عليه وقالت:
"في طريقي للبيت."
اتسعت عينيه على مصراعيها وركض إلى مرآب السيارات بجنون لا يُصدق بأنها ستتركه هكذا وتعود للقاهرة دون أن يراها ويهدأ من روعته وضربات قلبه، قال بتمتمة:
"لا، إياك يا مسك تمشي دلوقت، مش بعد ما نشفتي دمي تمشي."
تبسمت "مسك" أكثر على كلمته وقالت:
"بس أنا لازم أمشي لأن عندي شغل."
توقف بتعب من ركضه ويلهث بقوة جنونية من التعب واتكأ بيديه على ركبته ثم وقف ووضع الهاتف على أذنه من جديد وقال:
"أشوفك للحظة وبعدها ممكن تمشي، لكن أقسم بالله لو مشيتي من غير ما أشوفك لأسيب الدنيا تقلب تضرب هنا وأجي وراكي."
لم تجب عليه وظلت صامتة، تحدث بنبرة خافتة راجيًا إياها بحُب:
"عشان خاطري يا مسك أشوفك لحظة واحدة."
لم تجب عليه فمط شفتيه للأسفل بضيق مُدركًا بأنها لن تتراجع عن قرارها وإذا كان عملها هو ما يوجد في الكفة الأخرى ستختار العمل وعلاج المرضى لطالما اختارت علاجه عن غضبها وخصامها إليه، تأفف بضيق أكثر وقال:
"خلاص يا..."
توقف عن الحديث عندما شعر بأنامله صغيرة تربت على كتفه من الخلف، التف ليراها تقف أمامه وتضع الهاتف على أذنيها وتنظر في عينيه بهدوء وبسمة خافتة تنير وجهها، تبسم بإشراق وظهرت غمازاته من شدة بسمته وعينيه العسليتين تتلألأ بالحُب بل يسكنهما العشق كضوء وميض أنار حياته كاملًا، اقترب أكثر إليها وفتح ذراعيه لكي يضمها إليه فصرخت به بغضب قائلة:
"إياك!!!"
توقف "تيام" قربها وذراعيه مفتوحين بدهشة من تحذيرها الحادة ونبرتها القوية كأنها ستقتله الآن إذا فعل حقًا، رأت تعجبه في ملامح وجهه لتقول بحزم:
"أنا دلوقت مش مراتك، إياك تعملها."
هز رأسه بالموافقة إليها لكنه يترجاها بقول المُتذمر بوجه عابس وشفتيه يقوسها للأسفل:
"حاضر مش هكررها بس مرة واحدة بس عشان خاطري."
قالها واقترب أكثر لتجز على أسنانها غيظًا منه ومن تكرر طلبه فألتف غاضبًا وعانق عمود الكهرباء الموجود جواره بتذمر شديد وقال:
"اااه أنتِ بتعاقبني ليه."
أعاد إليها عاضبًا ليراها تبتسم على فعلته وعناقه لعمود الكهرباء وقال بغيظ وغضب سافر من نفسه:
"أنا كان لازم أتسحب من لساني وأطلقك يعني، حضن واحد يا مسك."
ضربته في خصره بغضب سافر يتملكها بعد أن ذكر طلاقه إليها وقالت بتذمر:
"تستاهل العقاب عشان تطلقني كويس."
"تعالي أكتب عليكي دلوقت."
قالها بحزم وعينيها لا تقوى على البُعد عنها وقلبه لا يتحمل فراقها وبُعدها عنه أكثر، عقله سيجن جنونه بهذه اللحظة وأمنيته الوحيدة الآن هو ضمها وشم رائحتها بداخله لكنها تعاقبه بقسوة كعادتها، ضربت "مسك" يده بتذمر من كلمته وقالت:
"تاني!! وبابا!! لا مستحيل، ما صدقت أنه سامحني ويكون في علمك أنا مش هتجوزك من غير موافقة بابا يا تيام، مش هقول ماما لأنها ما شاء الله حابك أكثر مني أنا بنتها، لكن بابا لازم يوافق وللعلم بالشيء بابا مبيكرهش قد الراجل العاطل والكسول يعني شوف لما تروح تقابله هتقوله أنت شغال إيه؟"
تحدث بثقة وغرور شديد:
"أنا عندك قرية سياحية مالديف مصر تساوي أكثر من 100 مليار."
"بالورث يعني مش بمجهود."
قالتها ببرود شديد وتذمر على تكاسله في العمل ليقول:
"طيب خلاص هآخذ الرئاسة من زين وهكون الرئيس."
رفعت حاجبها الأيمن إليه بحدة وقالت بتحذير شديد:
"ولعلمك الحاجة الأهم أنا مش هتكون رجل وحيد يجي يطلبني من بابا بطوله."
عاد خطوة للخلف بجدية مُستمعًا إلى جملتها وقد فهم ما تلمح إليه وقال:
"أنا لما بقعد معه في المكتب بنجيب جابر ورجالته يحجزوا بينا، عايزني أجيبه معايا وأنا بطلبك."
أومأت إليه بنعم بجدية وكأنها تضع شرطًا لزواجها منه وقالت بجدية:
"يبقى تصفي اللي بينكم لأن جابر مش هيجي معاكم، لو بتحبني بجد هتعملها يا تيام... أنت مبسوط وأنت لوحدك كده؟ لو أنت مبسوط يبقى أنا لا مش مبسوطة."
تنحنح بحرج شديد من شروطها الكثيرة وتقدم للأمام وبدأ يسير بعيدًا عنها بعد أن قيدته سعادته بكلماتها وربطت فرحته بحبال الود بين "زين" وقال مُتمتم:
"أنتِ بتعجزيني ليه؟ كل شرط أقسى من اللي قبله؟"
"عشان مصلحتك يا تيام!! عايزك تخرج من الحرب والوحدة اللي عايش فيهم وتوصل لبر الأمان."
قالتها وهي تسير خلفه بخطوات هادئة ليتذكر حديث العرافة بأنها ستأخذه لبر الأمان وستكون سندًا إليه ليرتعب خوفًا من أن يحدث كل كلمة تفوهت بها هذه العرافة ويفارق "مسك" حقًا ويتألم قلبه، نظر إلى وجهها بخوف لتتعجب "مسك" من خوفه الذي ظهر في ملامحه وقالت بقلق:
"في إيه؟"
توقف عن السير ومسكها من ذراعيها لتتقابل أعينهما معًا بخوف وتمتم بجدية صارمة:
"متسبنيش يا مسك."
اندهشت من كلمته ولما ذكر الفراق الآن بينما تتحدث عن "زين" وعلاقته بعائلته ليتابع "تيام" بخوف أكبر ونبرة مرتجفة:
"متسبنيش مهما حصل، حتى لو عملت حاجة غصب عني أو حصل سوء تفاهم بينا، مهما يحصل متسبنيش ولا تبعدي عني."
أومأت إليه بصدمة ألجمتها من هذا الخوف، أخذ يدها بيده ووضعها فوق رأسه وقال بجدية:
"احلفي بحياتي أنك مش هتسيبني مهما يحصل."
لم تفهم سبب خوفه هذا ولما ذكر الفراق في حين أنها تقترب منه أبدًا ولم تفكر به نهائيًا، ظلت عينيها تتجول بين عينيه الاثنتين بحيرة وتشعر بأن هناك شيء ما يخفيه "تيام" عنها، تطلع بها وكلمات هذه العرافة تتردد في أذنيه سيربطها رباط قوي لكنه سيقوى بالفراق، لا يعلم أي رباط هذا ولما سيقوي بالفراق، مُرْتعبًا من داخله من هذه اللحظة إذا حدثت بالفعل، أومأت "مسك" إليه بنعم بحيرة تحتلها من رؤيته خائفًا هكذا، سحبت يدها من يده وأنزلتها إلى وجنتيه تلمس لحيته بدفء وعينيها تعانقه بحُب وقالت بلطف:
"مش هسيبك!! ومتخافيش إذا غضبت منك هضربك مش هسيبك."
هز رأسه بجدية موافقة على حديثها رغم أنها قالته بدعابة ومزح لكنه يوافق على هذا وقال بإصرار وقبول:
"اه اضربيني وكسريني ومتعالجنيش يا مسك وقتها بس متسبنيش، إن شاء الله تخليني نايم في السرير العمر كله بس متبعديش عني."
"بعد الشر عنك!!"
قالتها بلطف وعينيها ترمقه وعقلها بدأ يفكر في سبب خوفه من الفراق هكذا ربما بسبب ماضيه أو لأنها أول شخص يتحمله ويقبل بوجوده ولم يقارنه بأحد، ربما لأنها الوحيدة التي أحبته لكونه "تيام" ليس الأفضل بين الجميع لكنها أحبته، تابعت بنبرة دافئة:
"أنا مش هبعد عنك يا تيام."
تشبث بيدها كطفل صغير خائفًا من أن يضيع من والدته وسط زحام وضجة العالم الخارجي، وقال بجدية:
"أنتِ أول حد يقبلني يا مسك، ويحبني عشان أنا تيام مش عشان وريث ولا عشان فلوس ولا عشان الأحسن، أنا عارف إني مش أحسن حد ويمكن أي راجل على أرض خلقه ربنا أحسن مني كمان بس أنا بحبك والله ومبقدرش على بُعدك، الأيام اللي فاتت ربنا العالم بحالي كنت عامل إزاي؟ أقسم بالله ما كنت عارف نفسي ولا عارف أتنفس، كنت حاسس إن الهواء اللي بيدخل رئتي بيخنقني أكثر ما بيساعدني على الحياة، أنا عارف والله إني مستاهلكيش وإنك كتير عليا أوي بس بحبك أعمل إيه، أنا حاسس إني عايز ألف قلب على قلبي عشان يكفوا بس حُبي ليكي عشان قلبي صغير أوي علي حُبك يا مسك."
تبسمت بعفوية وأذنيها تستمع إلى كلماته وقلبها جن تمامًا وانتهى أمره من حديثه وكادت أن تجزم أن رغم كونها طبيبة قلب لكنها لن ترى حالة قلب كحالة قلبها على مدار سنوات عملها، سحبت يدها بيده التي تمسكها ووضعتها على قلبها حتى يشعر بضربات هذا الصغير الموجود بين ضلوعها في اليسار وقالت:
"أقسم لك إن حتى وأنا دكتورة قلب معنديش علاج لتنظيم ضرباته اللي هتنفجر جوايا دي، معقول أسيبك وهو حاله كده في قربك أومال في بُعدك عامل إزاي..."
مش عايزة أعرف حتى في بعدك هيبقى عامل إزاي.
تساقطت دموعه رغماً عنه، ويده تشعر بضربات قلبها أسفلها. صُدمت "مسك" من دموعه التي تساقطت كأوراق الشجر في فصل الخريف، ولا تعلم سبب هذا التساقط. رفعت يدها تجفف دموعه بأناملها الدافئة ثم قالت:
- تيام!
- أنا متيم بيكِ يا مسك، الله يكرمك وحياة أغلى حاجة عندك تفضلي جنبي العمر كله.
قالها ببكاء وانهيار، لتجفف هذه الدموع بذعر وعقلها تأكد بأن هناك شيئًا يخفيه بداخله عنها. تمتمت بحزن شديد وقلبها يتألم لأنهياره هكذا وقالت:
- بس، بس خلاص والله ما هسيبك وحياة تيام عندي مش هسيبك، بس اهدأ وغلاوتي..
رن هاتفها يقاطعهما برقم "غزل"، لتتجاهل الاتصال وذهبت معه في الطريق يسيران معًا وأخبرته أن "غزل" ما زالت على قيد الحياة واستعادت وعيها وأنها السبب في مسامحة والدها لها.
***
ظلت "ورد" تسير معه في الشوارع ويديهما متشابكة معًا، والفرحة لا تفارقهما. يتجولان و"زين" يفعل لها كل شيء تريده. تبسمت "ورد" بعفوية وقالت:
- لا بس إيه رأيك في الفيلم، اختياري!
جذبها "زين" إليه ووضع ذراعه حول عنقها لتكون تحت جناحه بجوار هذا الضلع الذي خلقته منه إليه المجاور ليساره النابض بالداخل وقال بغزل:
- قال يعني اتفرجتي عليه يا ورد، أنتِ ناسية أفكرك.
نكذته "ورد" بذراعها في خصره بخجل شديد وتوردت وجنتاها بلون الدماء التي تدفقت إلى رأسها للتو من كلماته وتذكرت هذه اللحظة. تبسم "زين" بعفوية على خجلها وحمرتها ثم قال بحماس:
- هههههه ما دام قلبتي فراولية كدة يبقى افتكرتي، أنا بقول نروح بسرعة بقى عشان عايز أنشط الذاكرة عندي.
قرصته هذه المرة بخجل أكثر من حديثه الجريء أمامها وقالت:
- اتلم يا زين، عيب! وبعدين أنا بتكسف.
قهقه ضاحكًا عليها بسعادة وقلبه بلغ قمة العالم من السعادة التي تحتله وقال بحب شديد:
- هو إيه اللي عيب يا بت، أنتِ حلالي يعني ما اسمعش الكلام دي تاني بدل ما...
وضعت يدها على فمه تمنعه من الحديث وقالت:
- خلاص يا زين يا بقى، غير الموضوع.
ضحكت عليها وهو ينزل يدها عن فمه ثم قال بجدية مصطنعة:
- خلاص بنغير الموضوع، أنا عايز أرجع من هنا بابا إزاي معرفش.
أنزلت ذراعه عنها بغيظ تحاول إخفاء خجلها في هذا الغيظ الطفولي وذهبت وحدها أمامه ليضحك بسعادة عليها وقال:
- طب خلاص خدي يا بت.
ركضت منه بعد أن سمعت جملته ليركض خلفها بسعادة تغمره وقال:
- والله لو مسكتك يا ورد لتندمي، خدي يا ورد.
ضحك الأجانب عليه فتوقف عن الركض بحرج وقال ببسمة خافتة بالإنجليزية:
- إنها زوجتي.
ركض خلفها من جديد وهي تضحك عليه بعد أن نظر الجميع عليه بعد أن صرخ بها، تضع يديها على فمها من شدة ضحكاتها عليه.
***
كان "تيام" واقفًا مع "فادي" يتحدث معه في العمل ويقول:
- المهم إنك تعمل حاجة مختلفة يا فادي، بلاش نفس الرحلات البحرية والغطس المعتاد، ابتكر جديد.
أومأ إليه بنعم والتف "تيام" ليذهب من مكانه إلى الفندق لكن أوقفه ظهور "ليلة" في طريقه ليتأفف بضيق شديد من هذه الفتاة التي لن تمل ولم تكتف بإهانته المعتادة لها وقال:
- يا صبر أيوب.
تبسمت "ليلة" وهي تقف جواره بعفوية وقالت:
- صباح الخير يا تيمو.
اتسعت عينيه على مصراعيها من كلمتها وقال بسخرية:
- تيمو... ما بقاش اللي واحدة زيك أنتِ اللي تصبح عليا.
وصلت "مسك" على الشاطئ وهي تركض وترتدي ملابسها الرياضية وتوقفت فجأة عندما رأته هنا مع فتاة تبتسم إليه. نزعت السماعات من أذنيها وعيناها تحدقان بهما وبسمة هذه الفتاة تقتلها فلم تتحمل غضبها أكثر وهي تراه يقف هناك مع فتاة غيرها. كيف يخبرها بحبه والآن يخونها؟ أهذا حبًا؟ هرعت "مسك" إليه وعيناها تحدقان بـ "ليلة" التي تقف جواره باسمة لأجله. رآها "تيام" تقترب ليبتلع لعابه الجاف في حلقه بصعوبة وخوف من هذه الفتاة المجنونة. ذهب نحوه لتضربه في خصره بقوة وتقول بحدة:
- مين دي! صحيح ديل الكلب عمره ما هيتعدل.
تألم "تيام" من ضربتها لكنه وقف صامدًا أمامها وقال بهدوء:
- هفهمك...
- تفهمني إيه يا خائن...
دا أنا شايفاك بعيني!!
قالتها بعصبية قوية ونار كادت أن تحرقه للتو. تبسمت "ليلة" بخبث شديد وقالت:
- هو مش طلقك، بتجري وراه ليه؟!
حدقت "مسك" بها بصدمة ألجمتها و"تيام" يقف بينهما. كان عقلها يخبرها أن تقتل هذه الفتاة للتو بقبضتها، لتتقدم خطوة للأمام، لكن أوقفها "تيام" بذعر وهو أكثر الناس معرفة بها ويعلم أن يدها هي من تتحدث دومًا في غضبها قبل لسانها. تمتم بلطف قائلًا:
- اهدئي يا مسك.
رفعت نظرها به بغضب وشر ينبعث من عينيها، ليزدرد لعابه ويتركها بخوف. اقتربت من "ليلة" بقلب محترق وعقل بركاني. لا تستوعب ما رأته وعينيها يتطاير منها الغضب وحتى أنفاسها كانت غاضبة. كانت تشبه الثور الهائج من الغيرة التي نشبت حربها بداخل ضلوع هذه الفتاة الصغيرة. بدأت تدفعها في كتفها للخلف بقوة وقالت:
- لعلمك أنا عفاريت الدنيا كلها قصاد عيني دلوقت، والله لو ما مشيتي من خلقتي لأخليكي تندمي عمرك كله.
تبسمت "ليلة" بغرور وقالت:
- ولا تقدري تعملي حاجة.
نظرت "مسك" إليها ضاحكة بسخرية على كلمات هذه الفتاة وقالت:
- قالت مقدرش!!
رفعت يدها لتلكمها بقوة لكن أوقفها يد "تيام" الذي مسك قبضتها بيده وقال بحزم:
- امشي من وشها دلوقت.
رحلت من أمامه بعد أن تركت له قبلة في الهواء، فاستشاطت "مسك" غضبًا أكثر والغيرة تأكل قلبها من الداخل ويحترق بنيرانها. كادت أن تسرع خلف هذه الفتاة الوقحة وتهمش وجهها بيديها. ذعر "تيام" من انفعالها وعينيها التي يتطاير منهما الشر فأحاطها بذراعيه بقوة وإحكام حتى لا تذهب خلفها. حاولت مقاومة تقييده إليها بالقوة لكنها لم تقو على ذلك فنظرت له بغضب شديد. تمتم "تيام" بخفوت:
- اهدئي يا مسك، والله سوء فهم.
دفعته بقوة بعيدًا عنها بغضب سافر وتصرخ به قائلة:
- سوء فهم؟ واقف معها والضحكة على وشها من الودن للودن وتقولي سوء فهم؟ أنت بس اللي واحشك القرف بتاعك... دي عارفة يا بيه أنك طلقتني.
تركته وذهبت في طريقها إلى الفندق ليهرع خلفها بجنون خوفًا من غضبها وقال بجدية:
- يا مسك القرية كلها عارفة أني طلقتك، أنا مش مجرد سايح هنا أنا صاحب القرية وطبيعي هتلاقي بنات بتحوم حواليا عشان فلوسي والله ما أعرفها ولا حصل حاجة من اللي في خيالك.
دلفت إلى الفندق غاضبة وعلى وشك ضربه لكنها تغلق قبضتها بإحكام حتى جرحت أظافرها الطويل باطن يدها وراحتها. لكنها تحاول جاهدة كبح غضبها. صعدت إلى غرفتها وهو خلفها يترجاها أن تستمع إليه وقال:
- والله مظلوم يا مسك، معقول يوم ما تزعلي مني أكون مظلوم؟
كانت تلهث من غضبها وجولة الركض وتجمع أشياءها في حقيبتها. وقف جوارها يخرج كل ما تضعه في الحقيبة ويقول:
- اسمعيني بس، والله بحبك يا مسك ومن ما عرفتك ما دخلت حياتي بنت غيرك ولا بصيت لواحدة غيرك.
التفتت إليه غاضبة وألقت الملابس بوجهه من الغيظ والغضب صارخة به بقسوة:
- واللي شوفته إيه؟ أنا شوفتك محدش قالي، كل دا وبتحبني أمال لو...
اهتز جسدها بسبب دوران رأسها الذي أصابها، فمسك يدها بقلق من الاتزان الذي فقدته للتو وقال بقلق:
- أنتِ كويسة؟
أبعدت يده عنها بغضب ويدها الأخرى تمسك جبينها ثم جلست على الفراش تستريح وقالت:
- سيبني لوحدي يا تيام.
ركع أمامها وجلس أمام قدميها بقلق عليها ويأخذ يدها في يده وعينيه لا تفارقها. تحدث بنبرة واهنة وقلق يحتله:
- أنا مستحيل أسيبك لوحدك، أنا أنتِ وأنتِ أنا يا مسك... اهدئي طيب، نروح لدكتور.
أنزلت يدها عن جبينها وحدقت به بحزن شديد ثم قالت:
- دا شوية إرهاق من العصبية والضغط، متخونيش يا تيام، لو عملتها قسمًا بربي وغلاوتك عندي ما هتلاقيني ولا هتشوفني في حياتك كلها تاني.
هز رأسه بنعم باستماتة ويده تتشبث بيدها وقال بجدية ونبرة دافئة:
- يحرم علي أي ست في الكون كله، أنا مستحيل أضم غيرك في حضني، والله دا بيتك وملكك لوحدك.
قالها ويده الأخرى تضرب صدره بقوة. أومأت إليه بنعم وأغمضت عينيها من التعب وتتمتم بضعف:
- أنا همشي، غزل محتاجة ليا، أنت عارف أن مفيش حد يعرف إنها عايشة وأنا دكتورتها وهي لسه حالتها مستقرتش.
أومأ إليها بنعم ثم قال بقلق عليها:
- ماشي بس هبعت معاكي سواق، مستحيل تسوقي وأنتِ تعبانة كده.
أخبرته أن هذا الرجل الذي جاء معها سيقود ليشعر بالغيرة الشديدة ووجهه تحول للون الأحمر من نيران غيرته فتبسمت بلطف وقالت:
- دا زميل غزل وقولتلك أني معرفهوش ولا شوفته غير يوم ما جيت هنا، بس كده كده هيروح معايا على القاهرة.
- أنا واثق فيكي على فكرة أنا بس بغير.
قالها بعبوس لتبتسم "مسك" إليه بعفوية ليتابع بجدية:
- تردي عليا أول ما أتصل حتى لو نايمة، إياكي تتجاهلي اتصالاتي والله هتلاقيني عندك.
هزت رأسها إليه بجدية ثم قالت بلطف:
- هرد حتى لو نايمة، بس وأنا في أوضة العمليات لأ وهبقى أعرفك وقت العمليات وهتستغرق قد إيه عشان متقلقش.
أومأ إليها بسعادة ليبعثر غرتها الطويل بيده وقال:
- برافو عليكي.
بدأ يجمع لها حقيبتها بنفسه وهي جالسة مكانها تراقبه عن كثب ثم خرج من الغرفة وتركها تستعد. أخذت حمام دافئ ثم ارتدت بنطلون أسود وقميص نسائي أسود بأكمام وأسدلت شعرها على ظهرها وحذاء رياضي أبيض اللون. خرجت من الغرفة ووجدت موظف الفندق في انتظارها. أعطته الحقيبة وذهبت إلى حيث "تيام" لتودعه قبل رحيلها.
كان يجلس في مكتب الرئيس يباشر عمله مع "جابر" وعرض عليه مخطوطة لتطوير بعض الأشياء في القرية ستزيد من جذب السياح إليها. اندهش "جابر" مما يراه في هذه المخطوطة وتقدم "تيام" هكذا ثم قال:
- أنت فعلًا عملت دا لوحدك؟
- أنت نسيت إني مهندس، المهم خلي مدير الحسابات يشوفها ويعرف هتكلف كام.
قالها "تيام" بحزم وعيناه تحدق في الهاتف منتظرًا أن تتصل به لكي يذهب ويودعها. تبسم "جابر" وهو يختلس النظر إليه بعد أن سمع عن العرض الذي حدث على الشاطئ ليلًا. أموال تتطاير في السماء ونجوم لامعة ظهرت في البحر تضيء عتمة الليل. أدرك بأنه تقدم خطوة للأمام مع محبوبته وسعد كثيرًا لنجاح خطته مع "ورد" و"زين" لجمعهما معًا في حفل الزفاف وجلب "مسك" إلى هنا لأجل هذه المواجهة التي انتهت بشيء جيد ويظهر هذا في حماس "تيام" اليوم وسعادته التي تحتل كل ملامحه كأن دقات قلبه وعشقه يظهران في عينيه وبسمته. لأول مرة يستقبل أي شخص يلقي الصباح عليه وأي موظف ببسمة كبيرة تظهر غمازاته. وقف "جابر" بسعادة إلى أن وصل إليه "تيام" وقال:
- هوصله الملف وهبلغك برده.
التف لكي يغادر المكتب وتمنى لو كان "عبدالعال" ينظر عليهم من الأعلى أو تأخر موته قليلًا ليرى كيف أصبح حفيده الغليظ المغرور. قبل أن يصل لباب المكتب فُتح ليجد "مسك" تدخل فاندهش من مجيئها وقال:
- صباح الخير يا دكتورة.
تبسمت "مسك" بحرج، بسمة خافتة إليه وقالت:
- صباح النور.
وقف "تيام" من مقعده مهرولًا إليها بسعادة. غادر "جابر" مبتسمًا عليهما ووصل "تيام" إليها ليراها تبتسم إليه بإشراق غير بسمتها إلى "جابر" كليًا، ليقول:
- ليه لابسة أسود كله كده؟
- شوف مين بيتكلم؟
قالتها بسخرية وعيناها تحدق بملابسه السوداء مثلها. بنطلون أسود وقميص أسود يفتح أول أزرار إليه وقلادته العجيبة المصنوعة من تميمة حظه ورصاصته التي اخترقت أحشاءها تظهر في عنقه. تتمتم بعبوس على هذه القلادة قائلة:
- لو أعرف أنك هتعمل بيها سلسلة مكنتش أديتهالك.
لمس القلادة بسعادة وقال بلطف:
- دي أول هدية منك، وتميمة حظي فعلًا.. هتمشي؟
أومأت إليه بنعم ليخرج الخاتم من جيبه وقال بحب:
- قبل ما ألبسهولك.
تبسمت وعيناها تنظر إلى الخاتم بسعادة وقالت:
- أبقى هاته معاك لما تيجي لبابا، لكن في المقابل ممكن آخد دا.
أشارت على خاتمه الفضي الضخم الذي يحمل حجرًا أزرق اللون. نظر إلى الخاتم الموجود في بنصره الأيسر تارة وإليها تارة ثم نزعه وهو يقول:
- هيبقي كبير عليكي.
حاولت لبسه لكن كيف لأصابعها النحيلة أن تتساوى بأصابعه الرجولية؟ لم يثبت في أي إصبع لها سوى إبهامها وكان واسعًا قليلًا لكنها تبسمت عليه وقالت:
- كده حلو...
أومأ إليها بنعم ببسمة لا تفارقه. تبسمت "مسك" إليه بلطف وودعته ثم غادرت. أوصلها إلى سيارتها وفور رؤيته إلى هذا الرجل يجلس في مقعد السائق تأفف بغيرة شديدة ولا يتخيل بأنها ستجلس جواره ما يقرب إلى ست ساعات معه في سيارة واحدة وربما يكسرا الملل بالحديث والتسامر أو يضحكون معًا. تبسمت "مسك" على غيرته بعد أن صعدت للسيارة وأغلق الباب إليها بقوة فأشارت إليه بأن يقترب. انحنى "تيام" إلى النافذة بزمجرة وقالت بهمس إليه:
- استرخي يا تيام لأني بحبك أنت.
نظر إلى عينيها عن قرب بعد أن تفوهت بهذه الكلمة لأجله فتبسم إليه بارتياح وقلبه جن جنونه من هذه الكلمة فوضع قبلة على جبينها بحب وقال:
تبسمت إليه ولم تشاجره على هذه القبلة ثم انطلق هذا الشاب بالقيادة ليلوح لها بيده حتى اختفت سيارتها عن ناظره. تبسمت "مسك" بسعادة تغمرها وفتحت الهاتف لكي تراسله لكنها صُدمت عندما وجدت رسالة من مجهولة تحتوي على كلمات مخيفة:
- أنتِ ليا أنا حتى لو حكم الأمر أن أقتل تيام......
رواية وختامهم مسك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور زيزو
بعنوان "قدر مكتوب"
أوقفت "مسك" السيارة على الطريق وترجلت منها بخوف، في الأمام توجد "غزل" وما زالت تصارع الموت وتحتاج إلى رعايتها، وفي الخلف "تيام" ويهدد "بكر" بقتله. تعلم جيدًا أن هذه الرسالة مجهولة الهوية جاءت من "بكر" وحده من أخبرها سابقًا بأنه يريدها وسيأخذها حتى لو قتل زوجها، والآن يقرر جملته. وقفت حائرة بين أختها وحبيبها ولا تعلم إلى من تذهب، تذهب لرعاية أختها أم تذهب لحماية "تيام" لتغمض عينيها بعجز في التفكير إيهما الصواب، وفي نهاية المطاف اتصلت على "جابر" الوحيد الذي سيساعدها وقالت بجدية:
- أنا مسك ولو جنب تيام متوضحش دا.
تنحنح بحرج ثم قال:
- اديني نص ساعة وأكلمك.
هزت رأسها بالنفي والخوف يتملكها وقالت:
- لا الموضوع ضروري.
نظر "جابر" إلى وجه "تيام" الذي ينظر إلى الأوراق وقال:
- طب ثواني... خمسة وراجعلك يا تيام بيه.
أومأ "تيام" إليه بنعم دون أن يرفع نظره إليه. خرج "جابر" من المكتب ووقف في الرواق الطويل الهادي وقال:
- اتفضلي.
أرسلت له صورة من هاتفها تحمل الرسالة التي وصلت إليها من "بكر" ليُصدم "جابر" من هذا التهديد الصريح ووضع الهاتف على أذنيه من جديد وقال بفزع:
- مين دا؟
- بص الموضوع طويل جدًا ومش هعرف أحكيهولك دلوقتي، هوصل القاهرة وأكلمك بس بالله عليك تخلي تيام تحت عينيك دايمًا متخليش حد يأذيه وأنا هخلص كام حاجة وأجيلك.
قالتها بذعر وهي تجلس في سيارتها ليومأ إليها بنعم ثم قال:
- متقلقيش على تيام، هو تحت عيني طول الوقت بس أنا عايز أعرف مين دا عشان أحطه هو كمان تحت عيني.
- بكر! اللي جالي الأوضة وأنت شوفته.
قالتها بقلق شديد ثم تابعت بقلب منقبض يرتجف خوفًا:
- الراجل دا سيء جدًا يا جابر وقتل أختي وقبلها أخويا، لو وصل لتيام هيأذيه بجد.
أومأ إليها بنعم ثم قال بجدية وطمأنينة:
- متقلقيش عليه، تيام رئيسي دلوقتي وحمايته من أولوياتي.
أغلق الهاتف معها ثم أمر رجاله بأن يجمعوا كل المعلومات عن "بكر" وأعطاهم صورته من كاميرات المراقبة. كاد أن يدخل إلى المكتب لكن أوقفه صوت "زينة" تقول:
- جابر!
استدار "جابر" إليها بجدية وقالت بحزم:
- أنا موافقة على عرضك.
تبسم "جابر" لها بحماس ثم قال بلطف:
- يبقى اتفقنا بس هتستني لحد ما ييجي زين من شهر العسل.
أومأت "زينة" إليه بنعم وأدخلها إلى مكتب "تيام" الذي علم بما فعلته وما كانت تنوي أخذه منه ليقول بجدية ساخرًا منها:
- شوف مين اللي جه الرئيسة زينة.
تنحنحت "زينة" بضيق شديد فنظر "جابر" إليه بحزم وقال:
- اللي فات خلاص، آنسة زينة جاية تمد إيدها لينا وأنت محتاج خبرتها في إدارة المكان هنا وتتعلم حل الأزمات منها.
عاد "تيام" بظهره للخلف باشمئزاز وتطلع بها من الأعلى لأخمص القدم وقال:
- وأنا أضمن منين بقى إنها متغدرش بيا إذا كان غدرت بأخوها اللي من لحمها ودمها.
- أنا ماشية.
قالتها "زينة" بتذمر من حديثه ليوقفها "جابر" بحدة وقال:
- وبعدين بقى معاكم، أنت كل ما تقعد مع حد تطفشه منه، إيه هتدير المكان لوحدك... دا جدك نفسه معملهاش ومفيش أحسن من اللي من لحمك واللي دا كمان مالهم زيك تثق فيهم.
تأفف "تيام" بضيق شديد لكنه تحلى بالصبر ليس لأجل حديث "جابر" بل لأنه تذكر حديث "مسك" عن العائلة وأنها لن تقبل به وحيدًا وعليه أن يصلح ما أفسده من الروابط القوية بينه وبين عائلته. هز رأسه بنعم ثم قال:
- ماشي.
- خلي بالك إن أنت اللي هتُصر على وجودها في المكان قصاد زين.
قالها "جابر" بعد أن جلس على المقعد المقابل للمكتب وأشار إلى "زينة" بأن تجلس هي الأخرى. اندهش "تيام" من جملته وقال بحزم:
- أنا! وأنا مالي بقى بالعلاقات الأخوية دي، طب الشغل وهحتاج خبرتها لكن الأخوية دي أنا مالي بيها.
رفع "جابر" حاجبه بحدة إلى "تيام" لتأفف بقوة غيظًا من تحكم هذا الرجل به فقط لأنه يملك السلطة الآن عليه. دلف أحد الرجال إلى "جابر" وقال:
- نزل عندنا من فترة ودي بياناته الموجودة في الفندق.
أعطاه ورقًا تحمل معلومات عن "بكر". أومأ "جابر" إليه بنعم ثم وضع الورقة على الطاولة بلا مبالاة حتى ينهي حديثه مع هذا الرجل الغليظ أولًا وقال:
- مالك إنهم عائلتك يا تيام بيه، وأنا بقى...
قاطعته كلمة "زينة" الهادئة:
- بكر.
نظر الاثنان إليها ليراها "جابر" تمسك الورقة وتنظر بها فسألها بحيرة واندهاش من معرفتها بهذا الرجل:
- أنتِ تعرفيه يا آنسة زينة؟
أومأت إليه بلا مبالاة ولا تعرف لما يبحثون عنه. تركت الورقة على المكتب ببرود وقالت:
- آه من أهم النزلاء هنا وكمان هو اللي عرفني على متولي... أصلًا متولي ابن أخته.
صُدم الاثنان من معرفتها القوية بهذا الرجل وزادت صدمة "جابر" عندما علم بأن "متولي" قريب هذا الرجل ليدرك شيئًا واحدًا أن كل ما حدث حتى الآن بسبب "بكر". تمتم بصدمة:
- يبقى متولي هو اللي هرب الرجالة من المخزن، الرجالة اللي هجموا عليك في السقيفة!
- آه فاكرهم، بس وقتها أنا قولتلك إنهم طرف من اللي عمل في ورد كده.. يعني بكر هو اللي عمل في ورد كده؟
قالها "تيام" بصدمة لا يستوعب الأمر وخصيصًا أنه يعرف أن "بكر" قاتل "غزل" ويسعى خلف "مسك". تنحنح "جابر" بحيرة أكبر ولا يعرف أيخبره بأن هذا الرجل يسعى خلف "مسك" ويريدها إليه ويهددها بقتله أم يلتزم الصمت الآن فقالت "زينة" بحرج من هذين الاثنين:
- متولي هو اللي بعت رجالة ورا ورد ومسك وهو اللي خلاني أفكر في حكاية المنصب دي.
اتسعت عيني "تيام" و"جابر" على مصراعيها بصدمة ألجمتهما الاثنين مما يسمعوه الآن. تمتم "جابر" بضيق:
- ومكتفاش بكل دا، له عين يهدد.
نظر "تيام" إليه بعدم فهم ليخرج "جابر" هاتفه من جيبه وأعطاه لـ "تيام" كي يرى الرسالة التي وصلت إلى "مسك". صُدم "تيام" أكثر وقلبه توقف عن النبض في هذه اللحظة ثم وقف من مكانه لكي يذهب إليها كالمجنون لكن أوقفه "جابر" بحزم وقال صارخًا به:
- اهدى أنت رايح فين؟
- رايح لمسك ولا استنى لما يأذيها.
قالها بذعر وخوف شديد عليها ليُجيب عليه "جابر" بهدوء قائلًا:
- مش هيأذيها يا سيدي، اللي بيعوز واحدة مبيأذيهاش هو بيهدد بقتلك أنت.
نظر "تيام" إليه بقلق شديد ليس لأجله بل لأجل "مسك". لن يهدأ قلبه الآن وهي بمحافظة أخرى بعيدًا عنه....
____________________________
تقدمت "غزل" في الشفاء أكثر خلال هذين الأسبوعين التي بقيت فيهما "مسك" جوارها واستطاعت أن تقف على قدميها من جديد لتبتسم "مسك" بسعادة وقالت:
- أنا كنت عارفة أنك قوية، إذا كنتِ أنتِ اللي علمتيني القوة.
تبسمت "غزل" إليها بلطف وقالت:
- أنا علمتك القوة لكنك تفوقتي على معلمك يا مسك.
ضحكت "مسك" بعفوية على جملتها وفتح باب الغرفة ليدخل والدهما "غريب". تبسم فور رؤية "غزل" تقف أمامه وحدها دون أي مساعدة من أحد لتبسمت إليه بهدوء وقالت:
- بابا.
فتح ذراعيه إليها لتُهرع إليه كطفلة صغيرة وعانقها بسعادة. رن هاتف "مسك" باسمه لتتسلل خارج الغرفة وذهبت إلى المطبخ بخجل من والدها وقالت:
- قولتلك لما أروح هكلمك.
تأفف "تيام" بزمجرة شديدة على هذا الحديث وقال:
- بقالك ثلاثة ساعات عند غزل وأنا فين من دا كله ها، فتحتي الموضوع مع والدك؟
- مش قولت مش هتعرف تسيب القرية غير لما زين يرجع.
قالتها بضيق شديد فهي اشتاقت إليه طيلة هذين الأسبوعين ولم تره واكتفت بمحادثته على الهاتف. تبسم "تيام" بحماس وقال:
- جاي النهاردة وأخيرًا.
تذمرت على كلمته وقالت بتعجب:
- وأخيرًا! لتكون هتبطل شغل يا أستاذ.
أجابها بنبرة دافئة ودقات قلبه تصل إليها مع نبرته:
- لا يا حبيبتي بس على الأقل هعرف أجي أطلبك وتبقي مراتي بقي بدل المعاناة اللي أنا فيها دي، أسبوعين بحالهم مشوفتكيش يا مسك.
وحشتيني والله، ولا أنا موحشتكيش بقى؟
تنحنحت بحرج من هذه الكلمات والتزمت الصمت ليتحدث هو من جديد قائلًا:
- حرام عليكي يا مسك اللي بتعمليه ده، حتى كلمة وحشتني مقولتهاش مرة وحبيبي نفسي أسمعها منك. أنتِ عارفة آخر مرة سمعت كلمة بحبك منك إمتى؟ وأنتِ ماشية من عندي وبتودعيني. أنتِ بتشفّي دمي معاكي ليه يا بنتي؟ هو أنتِ واخداني غصب ولا تخليص حق؟
قهقهت ضاحكة على كلمته الأخيرة وقالت:
- أيوه، كان باقي لي مبلغ من الفندق عندكم، ومكانش في باقي فخدتك أنتِ تخليص حق.
- مسك!!
قالها بتهديد ونبرة قوية، غمغمت "مسك" بنبرة خافتة بخجل شديد من هذا الحديث قائلة:
- تيام خلاص بقى..
- أمري لله، أقسم بالله أنا بس أكتب عليكي يا مسك وأبقى قوليلي تيام من هنا للصبح ووريني مين اللي هسمع لك بقى.. وربنا لأطلعه عليكي.
قالها بتهديد خبيث ويتوعد لها بالانتقام مما تفعله به وخجلها الشديد من لفظ كلمة واحدة له، دلف "غريب" للمطبخ يناديها قائلًا:
- مسك.
أغلقت الهاتف سريعًا دون أن تودعه، ونظرت إلى والدها بارتباك لينظر "غريب" باندهاش على تصرفها وقال بفضول:
- كنتِ بتكلمي مين؟
تنحنحت "مسك" بحرج من والدها وتحاشت النظر إلى عينيه بعد أن قبض عليها كمراهقة تُحدث ابن الجيران خلسةً.
______________________________
(المدينة الزرقاء blue city)
جلس "زين" في السقيفة حيث النجاح الملكي ومعه "جابر" و"تيام" و"زينة"، وأخبره "جابر" بكل شيء وأن العدو الحقيقي لهم جميعًا هو "بكر". تحدث "تيام" بجدية يخبرهما بأنه تسبب في قتل أخوات "مسك" وقص لهما حكايتها دون أن يخبر أحد بنجاة "غزل". ظل "زين" يستمع إلى هذا الحديث في هدوء دون أن يصدر أي رد فعل فقال "جابر":
- اسمحولي أقولكم إن واحد منكم ميقدرش عليه وأديك جربت يا تيام بيه وخرج منها رغم كل حاجة، لكن لو اتحدتوا أنتوا التلاتة يبقى مفيش قوة في الكون ممكن تغلبكم.
صمت الجميع وكلًا منهم كبرياءه يمنعه على مد يده إلى الآخر فقال "جابر" متابعًا بجدية:
- يا أستاذ زين، أنت عرفت اللي عمل كده في مراتك، هتسيبه وتسيب حقها؟ ولا حضرتك يا تيام بيه هتسيبه لحد ما ياخد مسك مراتك سابقًا واللي إن شاء الله هترجعلك؟ بلاش عشانكم لكن أنتوا كرجالة لازم تحموا حريمكم وشرفكم، ولا حضرتك يا آنسة زينة هتسيبي متولي اللي خسرك كل حاجة حتى أخوكي.
مدت "زينة" يدها أولًا إلى الأمام وقالت بجدية وغضب سافر:
- أنا أول واحدة بمد إيدي.
نظر "زين" إلى "تيام" والآخر مثله ومدوا يديهما معًا لأجل الانتقام فتبسم "جابر" بعفوية ثم قال:
- يبقى استعنا بالله، بس عشان نكون صفي يا لبن بقى وميبقاش فيها رجعة، أنا عرضت على آنسة زينة تكون المدير العام وتترقى من وظيفة السكرتيرة العامة.
اتسعت عيني "زين" على مصراعيها وقال:
- بس أنا فصلتها من شغلها هتترقى إزاي؟
- وأنا رجعتها.
قالها "تيام" بغرور شديد، التف "زين" إليه باندهاش من حديثه وقال بسخرية:
- ودا بصفتك إيه إن شاء الله؟
- الرئيس.
قالها بحزم وقبل أن يبدأ شجارهما المعتاد تحدث "جابر" بجدية يمنع هذا النزاع قبل أن يبدأ:
- ده الموضوع التاني، رسميًا باقي شهرين لتنصيب تيام في منصب الرئيس.
- ليه مر سنة على جوازه وأنا مش واخد بالي؟
قالها "زين" بسخرية شديدة من حاله ليتحدث "جابر" بحزم لهجة قوية:
- في الواقع موضوع الذكرى السنوية دي كانت من اختراعي أنا، الوصية بتقول زي ما قولت قدام عبدالعال بيه، إنه يتجوز بنت وينصلح حاله بس.
انتفض "تيام" من مكانه غاضبًا على تلاعب الجميع به وقال بصراخ:
- أنت اتجننت؟ إزاي تدي لنفسك الحق ده وبصفتك إيه؟ بتلعب بيا؟
- عشان مصلحتك وشوف دلوقتي بقيت إيه وفين؟ والشهرين دول لحد ما التطويرات اللي هتعملها تخلص.
قالها بهدوء شديد وكاد أن ينفجر "تيام" من الغضب لكن "جابر" كان هادئًا يقابل عاصفته بالهدوء وكاد أن يغادر لكن أوقفه صوت "جابر" يقول:
- أقعد خلينا نخلص كلامنا ده..
جز "تيام" على أسنانه بغضب سافر ولم يجلس مكانه وظل واقفًا بعيدًا ليقول "جابر" بهدوء:
- أنا عرضت على آنسة زينة تكون المدير العام والرئيس ونائب الرئيس ليكم، وبعلاقاتكم دي مش هتفلحوا ولا رئيس ولا نائب رئيس.
نظر الاثنان في صمت بهدوء، لأحدهما سيتنازل عن منصبه والآخر سيأخذ منصب كبير كهذا بعد أن تلاعب الجميع به.
________________________
- هو عايز يجي يقابلك ويطلبني منك.
قالتها "مسك" بتوتر شديد وهي جالسة أمام والدها الذي استمع لحكايتها في صمت دون أن يتفوه بكلمة واحدة، سألها بحزم شديد:
- أنتِ عايزة تتجوزيه يا مسك؟
نظرت إلى والدها بارتباك ولم تجرأ على الحديث أمامه فأومأ برأسه بتفهم وقد علم بجوابها دون أن تتحدث نهائيًا، وقف من مكانه وذهب ليتركها حائرة في رد والدها لم يخبرها بموافقته أو رفضه على "تيام" استمع لكل شيء منها ثم ذهب دون أن يجيب مما زاد من قلقها وتوترها. غادرت "مسك" المنزل وذهبت إلى منزل والدتها بقلق يحتلها من أن يرفض والدها إذا كان ما زال يحمل في طياته غضبًا من "تيام" فرغم مسامحته لها لكنه حازمًا وصارمًا جدًا معها، دلفت إلى غرفتها وألقت بجسدها على الفراش بحزن، ولجت "بثينة" خلفها وجلست جوارها بقلق وسألت:
- مالك يا مسك؟
- مفيش يا ماما.
قالتها "مسك" بضيق قوي وخنق يكتم أنفاسها بداخلها، مسحت "بثينة" على رأسها بلطف وقالت:
- هو أنا مش عارفاكي يا مسك، إيه اللي مزعلك؟
- مفيش يا ماما صدقيني.
قالتها "مسك" بزمجرة أكثر من إصرار والدتها على الحديث وأغمضت عينيها بحزن يحتلها.
__________________________
وصل "تيام" إلى القاهرة في اليوم التالي وذهب إلى حيث منزل "غريب" وجلس في الصالون ينتظره، راسلها في الهاتف بقلق وتوتر شديد قائلًا:
- والدك مش عايز يخرج لي يا مسك!!
خرجت "مسك" من غرفتها بعد رسالته لترى والدها يخرج من الغرفة وحدق بها بنظرة قوية أوقفتها مكانها وجعلتها تزدرد لعابها بقلق، وقفت "غزل" خلفها تربت على أكتافها وقالت:
- متقلقيش يا مسك.
خرج "غريب" إلى الصالون وكان "تيام" جالسًا مع "جابر" ووقف بسرعة مع خروجه احترامًا له، مد يده إلى "غريب" وقال:
- أنا تيام الضبع.
لم يصافحه "غريب" وجلس على المقعد، نظر "تيام" إلى "جابر" بحيرة وهذه البداية لم تكن تسر القلب أبدًا، وقفت "مسك" تراقب كل شيء من بعيد وبعد أن رأت مقابلة والدها تجمعت الدموع في عينيها بخوف من تجمده، تبسم "تيام" رغم كل شيء وبدأ يتحدث عن نفسه وعن عمله في القرية كونه رئيسًا لها ومالكها، وبعد أن أنهى هذا الحديث قال بعفوية وسعادة تغمره:
- أنا جاي لحضرتك النهار ده عشان أطلب إيد دكتورة مسك على سنة الله ورسوله.
هز "غريب" رأسه يمينًا ويسارًا بالرفض القاطع وقال:
- آسف أنا معنديش بنات للجواز.
- أمال اللي جوا دي إيه؟ أدخل أجبهالك بنفسي لو مش واخد بالك منها؟
قالها "تيام" بسخرية من كلمته ليربت "جابر" على قدمه بلطف حتى يهدأ ولا يتحدى هذا الرجل وقال بعفوية:
- ممكن بس تاخد وقت وتفكر إحنا مش مستعجلين واسأل العروسة.. أنا آسف في الكلمة بس هم اللي هيعيشوا مع بعض.
- أنا كلمتي واضحة، أنا مش هجوز بنتي لواحد زي ده.
قالها "غريب" بحدة صارمة، نظرت "مسك" إلى أختها بحزن شديد رغم علم والدها بحبها إليه وهو وحده من شهد على معاناتها في بُعده، هو من دفع بنفسه تكاليف المرضى وسمح بفتح غرفة العمليات لها فقط حتى تتعافى من الفراق وتنشغل عن الألم الذي بداخلها والآن يحكم عليها أن تعيش في هذا الألم مدى الحياة، ربتت "غزل" على كتفها بلطف ولا تعلم ماذا تفعل أو تقول لها؟
وقف "تيام" من مكانه غاضبًا من هذا الرجل وصرخ به وقد فاض به الأمر ولن يتحمل فكرة فراقها أو رفضه:
- أنت فاكر إني معرفش أتجوزها؟ أنا عملتها قبل كده وأقدر أعملها تاني وتالت ومحدش هيقدر يمنعني.
- متقدرش تتجوزها، أدخل أنا أجبهالك وتشوف هتتجوزها ولا لأ.
قالها "غريب" بحدة صارمة ليصرخ "تيام" بغضب قاتل:
- هتجوزها غصب عنك وعن اللي يتشدد لك..
قاطعته صوتها الحاد تقول بقسوة غاضبة من طريقة حديثه مع والدها وصوته العالي في وجه "غريب":
- تيــــــــــــــــــام.
توقف عن الحديث في حضرتها ونظر إليها ليراها تقترب منه وترتدي فستان وردي اللون وتضع مساحيق التجميل وتزينت كعروس لأجله في هذا اليوم وعينيها تلوثت بدموعها بعد أن سمعت رفض والدها القاطع لهذا الأمر، لم يقو على رؤية دموعها في هذه اللحظة وقال بهدوء ونبرة مرتجفة خائفًا من فقده:
- بيقولي مش هتجوزك يا مسك.
حاولت اصطناع القوة أمام الجميع وقالت:
- وأنا قولتلك إيه؟
ابتلع لعابه بارتباك وقال بضيق شديد من رفض والدها:
- مش هتتجوزيني غير بموافقة باباكي.
بس هو
-لما تزعقله مش هيوافق يا تيام، أنت عايزاه ميوافقش؟
قالتها بهدوء شديد حتى يهدأ من روعته وتخمد نيران غضبه الذي احتله للتو، فهز رأسه بالرفض إليها. تطلع "غريب" بهما وهكذا "جابر" الذي يشفق على هذا الثنائي. وقف "غريب" من مقعده بحزم رغم رؤيته لدموع ابنته التي هزمتها وتساقطت من جفنيها أمام الجميع وترمق "تيام" بنبرة دافئة مطمئنة رغم بكائها وقال:
-أنا قراري مفهوش رجوع، عايزة تتجوزيه من ورايا تاني يبقى براحتك، لكن بعدها تنسي إنك بنتي عمري كله وحتى جنازتك متمشيش فيها.
نظرت "مسك" إلى والدها بعجز شديد يتملكها ثم تمتمت بلهجة واهنة وصوت يكاد يخرج من بين ضلوعها:
-امشي يا تيام.
ركضت إلى غرفتها باكية بانهيار تام. دلفت "غزل" وراها لتراها تقف باكية أمام المرآة وقالت بحزن:
-ليه؟ ها، ليه؟ أنا بحبه يا غزل، قسيت عليه كتير ووجعته، ليه بابا كمان يقسى عليه ها... ليه أنا بحب تيام يا غزل...
توقفت عن الحديث ثم سقطت على الأرض فاقدة للوعي تمامًا من هول الصدمة التي احتلت قلبها وعجزها عن الذهاب إليه بسبب حديث والدها.
في الخارج رآها "تيام" تركض للداخل باكية وضعيفة، عاجزة عن الذهاب إليه فقال بضيق:
-ليه؟ إيه اللي مش عاجبك فيا وأنا هغيره؟ اشرط عليا أي شرط حتى لو طلبت حتة من السما أقسم بالله لأجيبها لك عشان مسك، اطلب وأمر باللي عايزه مهما كان صعب ومستحيل وهحققه لك عشان مسك.
قاطعه صراخ "غزل" التي خرجت مهرولة من الغرفة وقالت بذعر شديد:
-بابا مسك واقعة جوا ومش بترد عليا...
هرع الجميع للداخل بصدمة ألجمتهم جميعًا. حملها "تيام" على ذراعيه ونزل إلى السيارة مع والدها و"جابر" وأخذوها للمستشفى، وترك "غزل" مختبئة في المنزل. ظل الطبيب بالداخل كثيرًا يفحصها و"تيام" يكاد يتوقف قلبه من الخوف مرتعبًا من أن يحدث لها شيء ويفقدها. خرج الطبيب بوجه حزين إلى "غريب". رمقه "غريب" بقلق من وجهه وملامحه الحزينة بينما هرع "تيام" إليه وقال:
-مسك بقيت كويسة؟
نظر الطبيب إليه بأسف ثم نظر إلى "غريب" لا يعلم كيف يخبره بحالة ابنته التي لطالما عالجت المئات والآن هي من تحتاج للعلاج. تمتم الطبيب بنبرة هادئة حزينة:
-دكتورة مسك عندها ورم في الدماغ.
اتسعت عيني "غريب" على مصراعيها بصدمة ألجمته وقد فهم الآن سبب الإغماءات الكثيرة وحالة الضعف التي أصابت ابنته مؤخرًا. ربما كانت تحمل هذا الورم من فترة طويلة لكن لم تسوء حالتها ولم يظهر ضعفها إلا عندما فارقت "تيام". الفراق وألمه تملك من مرضها وأخبرها جسدها بكل مرة تسقط فاقدة للوعي عن حالته المتدهورة لكنها لم تعر اهتمامًا إلا لقلبها العاشق الذي يبكي من الفراق، بينما نظر "تيام" إلى الطبيب وتساقطت دموعه كالفيضان من جفنيه لا يستوعب ما يسمعه وما أصاب محبوبته وكأن كل شيء بالحياة اليوم أجمع على تدمير هذه اللحظة التي انتظرتها معه. جاء اليوم من الغردقة فقط ليتزوجها ويلبسها خاتم زواجهما لكن بدأ الأمر بقسوة والدها والآن قسوة القدر عليها.
رواية وختامهم مسك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور زيزو
علمت مسك بمرضها من الطبيب، وبلحظة علمها فقدت كل طاقتها. يتعايش الإنسان مع المرض دون أن يعلم بما يحدث داخله، لكن فور علمه يتملكه الخوف ويبدأ الضعف يحتله ويهزم كل قواه. سألت بقلق:
- تيام فين؟
- أنتِ بتفكري في إيه؟ دا وقته يعني يا مسك؟ المفروض تستعدي للعملية.
قالها غريب بحزم والخوف يتملكه من هذا المرض والورم الذي يضغط على أنسجة وخلايا عقلها. تحدثت مسك بجدية صارمة:
- فين تيام! برا صح؟ أنا متأكدة أنه ما سابنيش هنا ومشي. أمرت رجالتك يمنعوه يدخل ليا صح؟ ولا منعته يدخل المستشفى كلها؟
لم يجب عليها فتأففت بغضب ونزعت الكانولا الطبية من يدها بحزم رغم ضعفها، على وشك مغادرة المستشفى ليوقفها غريب بصدمة ألجمته من محاولة ابنته لمغادرة المستشفى فصرخت مسك بألم يمزقها من الداخل قائلة:
- أنا مش هعمل العملية. خليني أموت وارتاح. أساسًا أنت حكمت عليا بالموت.
اندهش والدها من كلماتها وهل ستعاقبه على رفضه لزواجها من هذا المحب بمرضها. تحدث غريب بقسوة نابعة من خوفه على ابنته:
- عشان رفضت تتجوزي واحد صايع زيه.
فتح باب الغرفة ودلف تيام إلى الغرفة بعد أن سمع صوت صراخها من الخارج. رآها ترجلت من الفراش وتقف أمام والدها وتتحداه بقوة رغم ضعفها وجسدها الهزيل. تحدثت مسك بعناد وتحد:
- تيام مش صايع. وأنا مش هتجوزه زي ما أنت طلبت عشان مش هتجوزه من غير موافقتك.
اتسعت عينا تيام على مصراعيها من كلماتها ليندهش من جرأتها وقوتها الهزيلة عندما تابعت الحديث:
- لكن ما تحلمش أني أدخل أوضة العمليات نهائيًا وروح حضر ليا كفني يلا.
مسكها غريب من ذراعها قبل أن ترحل من أمامه وقال بدهشة قاتلة:
- كل دا عشان تيام؟ هتختاري الموت عشانه؟ بتمسكيني من الأيد اللي بتوجعني.
دمعت عيناها بحزن شديد من ألم قلبها وما زالت عينيه الباكية محفورة في ذاكرتها. ما زال خوفه عندما ترجاها بألا تتركه ورجفته تغتصب عقلها وتمزقه لإشلاء وتحدثت بنبرة واهنة ودموعها تتساقط وسط بكائها:
- أساسًا أنا ميتة من غيره. ولو على الأيد اللي ممسوكة فأنت اللي مسكتني من أيدي وكتفتني وقت ما خيرتني بين الحياة والموت. لما خيرتني بين قربي منه وبعدي عنه. والله بعده هو موتي.
- مش هتجوزيه يا مسك.
قالها غريب بغضب سافر لتضرب مسك قدمها بالأرض غيظًا وقالت صارخة:
- وأنا مش هدخل أوضة العمليات غير وأنا مراته إيه رأيك بقي؟ اختار زي ما خيرتني.
التفتت لكي تغادر فرأت تيام واقفًا أمام باب الغرفة وسارت نحوه لتأخذه من يده وغادرت المكان، تاركة القرار بين يدي والدها هو من سيختار الحياة أو الموت لابنته؟ تشبث تيام بيدي مسك التي اصطنعت القوة أمام والدها لأجله وقال بقلق:
- مسك!!
تبسمت بلطف رغم مرضها وقالت بغمغمة خافتة:
- ما تخافش يا تيام. ساعة وهيجي موافق وأنا ورمي حميد والدكتور طمني أن العملية كبيرة بس نسبة نجاحها كبيرة...
التفتت إليه بعد أن توقفت عن السير ورفعت يدها إلى وجنته تلمس لحيته بلطف وعيناها المنطفئة من الألم تسكنهما لمعة خافتة بالعشق وهمست بحب:
- أنا قلتلك إني مش هسيبك.
أومأ إليها بنعم وأخذها من المستشفى للخارج ورحل.
دق جرس الباب لتفتح بثينة ووجدت مسك تقف أمامها. دلفت للداخل بتعب شديد ثم قالت:
- تعالي يا مسك. كنتِ فين من الصبح؟
- بثينة.
قالتها بنبرة هادئة. استدارت بثينة بصدمة ألجمتها وعيناها تحدقان بوجه ابنتها وتمتمت بتلعثم شديد:
- غزل!!
تبسمت غزل بعفوية ورفعت القبعة عن رأسها وأسرعت نحو والدتها تعانقها بقوة. ضمتها بثينة بصدمة ولا تصدق وما زالت لا تستوعب رؤية ابنتها المتوفية حية أمامها الآن. جلست غزل مع والدتها تحدثها بالكثير والكثير فتساءلت غزل عن أختها بقلق بعد أن علمت بمرضها من غريب:
- فين مسك؟
- خرجت من الصبح.
قالتها بثينة بقلق على ابنتها المريضة. رنت غزل على هاتف مسك ولم تجب عليها.
أخذها تيام إلى بناية على النيل وصعد إلى الطابق العاشر. تمتمت مسك بهدوء قائلة:
- لو تفهمني بس أنت جايبني على فين.
سار بها في الرواق حتى وصل إلى باب الشقة وفتحها بالمفتاح لتندهش من جمال الشقة وأثاثها بينما يتبسم تيام بعفوية وقال:
- عجبتك؟
- دي جميلة أوي.
قالتها مسك بنبرة واهنة من مرضها الذي أنهكها من التعب ثم نظرت إليه بإعجاب ليقول بحب:
- أنا جبتها عشانك. كنت خايف والدك يرفضني عشان عايش في الغردقة. خليت جابر يجهزها كلها عشان لما أجي له.
تبسمت مسك إليه بسعادة وقالت:
- هتشوف يا تيام. أنا وعدتك مش هسيبك.
هز رأسه إليها ورحل الاثنان معًا. عاد إلى منزل والدها وبعد أن أوصلها رحل رغم قلبه المرتجف خوفًا من مرضها هذه القنبلة التي تحملها بداخلها. خصيصًا أنها الآن ترفض علاجها والخضوع للجراحة بسببه ولأجله. ظلت جالسة على الفراش بتعب لا تصدق كيف تحول حالها. كان الجميع يتحدث عن قوتها والآن أصبحت ضعيفة هزيلة لا تقوى على رفع قبضتها. فتح باب الغرفة ودلف غريب غاضبًا من تصرف ابنته قائلًا:
- يستاهل تيام اللي بتعمليه دا؟
- آه يستاهل.
قالتها بتحد وغيظ من هذا الحديث وعناد والدها وتمسكه برفضه القاطع ولا يقبل الجدال. وقف أمامها مندهشًا من حب ابنته لهذا الرجل وتمسكها بيه. قال بإعجاب:
- حبيتيه إمتى يا مسك الحب دا كله؟ في التسع شهور دول؟
أخذت نفس عميق من داخلها ثم تحدثت بجدية:
- آه يا بابا. حبيته.. التسع شهور دول فضلت أحميه فيهم. عالجته واهتمت به زي ابني. طبطب عليا وقت ما قلتلي غزل ماتت. اعتذرلي عن العالم كله يا بابا عشان دموعي بس نزلت. بيخاف عليا ومستعد يعمل أي حاجة عشاني. بيحبني وبيخاف من غيري. أنا قوته وسنده يا بابا.. مش هو راجل بشنبات بس بيستقوى بيا واتغلب على شيطانه عشاني. مستعد يعمل أي حاجة عشان بس أكون له... أنا قلتله مش هتجوز من غير موافقتك عشان ما هانش عليا زعلك مني مرة تانية بس أنت ما خوفتش على زعلي ولا هان عليك قلبي. أنت أكتر واحد يا بابا شوفتني في بعده. أنا كنت ميتة من غيره.. اترميت في حضنك من ضعفي وغلبي. وقفت قصاد قلبي عاجزة عن علاجه.
تنهد غريب بهدوء عاجزًا عن الحديث أمامها ثم قال:
- ماشي يا مسك اتجوزيه بس نعمل العملية.
- لا! أنا مش هدخل أوضة العمليات غير وأنا مراته.
قالتها بتذمر شديد ليتأفف غريب من ذكاء ابنته وقال:
- مش واثقة في كلامي؟ خايفة بعد ما تخرجي أغير رأي.
لم تجب عليه فظلت صامتة تمامًا أمامه لا تجرأ على الموافقة على حديثه ليتنهد بجدية ووافق على الزواج وتحدث قائلًا:
- ماشي اتجوزيه بس بسرعة عشان العملية يا مسك....
غادر الغرفة لتبتسم بعفوية وسعادة غير متزنة من الألم. لا تعلم إذا كان الزواج منه بمرضها هو الأفضل أم هجره لكونها مريضة.
صُدم زين مما سمعه عن حالتها من جابر. لم يستوعب شيء وعقله لا يفهم هذا القدر الذي يلعب معهما. وذهب إلى القاهرة مع ورد لأجلها. أوصلهم جابر إلى شقة تيام وكان ينتظر وصول زين ليقول:
- كل دا؟
- هو بإيدي يعني؟
قالها زين بتذمر شديد. رن هاتف تيام باسمها ليقول بهدوء:
- ألو.
صرخت مسك في أذنه بالهاتف رغم مرضها تقول:
- أنت فين يا تيام؟ اتأخرت.
سألها بهدوء ويديه تعقد رابطة عنقه بتعجل شديد قائلًا:
- اتأخرت على إيه بس؟
- هتستعبط أنت مش جاي تطلبني من بابا؟ والله يا تيام لو اتأخرت على نص ساعة لأغير رأي.
قالتها مسك بنبرة قوية غاضبة من تأخره على موعده مع والدها. وقفت خلف باب غرفتها تنظر على والدها الجالس في الصالون غاضبًا من تأخر تيام عن موعد وصوله لكنه لا يملك شيء أمام مرض ابنته فقالت بهمس شديد:
- يا تيام الله يخليك بابا مش محتاج تضغط على أعصابه أكثر من كدة. والله لأقتلك لو اتأخرت أكتر من كدة على طلبي.
خرج ركضًا من الشقة مع زين الذي يسحبه من يده بخوف من غضب محبوبته وقال:
- استعجل يا زين.
ضحكت ورد وهي تنزل وراءهم بهدوء. انطلق بسيارته إلى حيث منزل غريب. وجده مستشاطًا غضبًا من تأخيره بسبب زين ورغم هذه اللحظة السعيدة لكن الجميع كان يسكنهم الخوف والقلق عليها. كان تيام يحدث والدها وعيناه عليها تراقبها أثناء جلوسها مع غزل وورد وبثينة. يقتله الخوف وهكذا القلق ربما يسعد القلب بموافقة والدها لكن كيف يخمد نيران قلقه وهو يعلم بأن داخل رأسها الصغير مرضًا يكاد يقتلها بأي لحظة. تمنى أن يحقق لها ما لم يفعله سابقًا في زواجهما. أن ترتدي لأجله فستانًا أبيض وحفل زفاف ويحقق لها كل طقوس الزواج لكن للقدر رأي آخر ومن جديد عقد قرانه عليها دون أي ترتيبات أو تخطيطات لإسعادها. تحدث غريب بجدية وخوفه يزداد كلما مر الوقت عليها:
- أديني عملت اللي عايزاه. بكرة الصبح تكوني في المستشفى.
نظرت مسك إليه وهي تقف جوار تيام وقالت:
- ماشي. أنا عايزة أقعد مع تيام شوية ممكن؟
نظر تيام إليها بقلق من طلبها. أومأ غريب إليها بنعم ليأخذها تيام إلى شقته بعد أن اتفق مع والدها أن يحضرها غدًا للمستشفى بنفسه. جلس معها على الأريكة بهدوء ويحدق في وجهها لتقول بهمس وعيناها ترمقه بحب شديد ولا تعلم أن كانت ستتكرر هذه اللحظة أم لا:
- تيام. متيمي العاشق.
لمست وجنته بأناملها الصغيرة وعيناها تبتسم إليه أكثر من شفتيها لتتابع بحب:
- أنا بحبك وندمانة والله على كل الوقت اللي ضيعته في عنادي وكبريائي بعيد عنك.
أخذ يدها بلطف في يده ويكبح ألمه بداخله فقال بدفء:
- هنعوض يا مسك. هنعوض كل حاجة يا روحي..
أنت هتعملي العملية وهترجعي لي ونعوض كل حاجة.
أومأت إليه بنعم لتضع رأسها على كتفه بتعب من يومها الطويل، حملها على ذراعيه برفق وأدخلها إلى غرفة النوم ثم أنزلها على الفراش. أعطاها العلاج ليسكن ألمها قليلًا ووضع الغطاء على جسدها النحيل ثم قال بلطف:
هشوف لك حاجة تأكليها يا حبيبتي.
خرج من الغرفة ودلف للمطبخ، جهش باكيًا وأطلق العنان لأوجاعه والدمع ينهمر من عينيه دون توقف، لم يتحمل قلبه هذا الألم أكثر من هذا لكنه يجب أن يكون قويًا وصامدًا لأجلها.
ترجلت من الفراش وسارت في أرجاء الغرفة تتفحصها بإعجاب ثم بدلت ملابسها إلى بيجامة قطنية مريحة أكثر وخرجت تبحث عنه بعد أن تأخر لتسمع صوت شهقاته المكتومة من داخل المطبخ، وقفت بالخارج تستمع لألمه الذي يكبحها بداخله لأجلها ودمعت عينيها مع بكائه ثم عادت للغرفة بحزن وجلست على الفراش تفكر في مستقبلها وقدمها على الحافة. فتح باب الغرفة ودلف "تيام" بطبق من الفاكهة وقال مبتسمًا يخفي ألمه:
ما لقيتش حاجة غير دي.
تيام.
قالتها بصوت خافت ليستدير بعد أن وضع طبق الفاكهة على الطاولة فرأها تشير له على الفراش بأن يجلس جوارها، اقترب بقلق ثم جلس جوارها وعيناه لا تفارقها، ظلت تنظر إلى وجهه الباكي وتساءلت كيف أخفى أوجاعه عنها بهذه المهارة، صوت شهقاته ما زال يخترق أذنيها لكنه الآن أمامها يبتسم بإشراق مصطنع، تمتمت بنبرة دافئة:
نفسك في إيه يا تيام؟ معايا يعني حاجة أعرف أعملها لك.
أخذ يدها في يده بدفء وقلبه الحائر يمزقه من الداخل، حائرًا بين السعادة والخوف، القلق والحب. تبسم "تيام" إليه وقال:
أنتِ يا حبيبة قلبي وعمري كله، أنتِ نفسك في إيه يا مسك؟ والله لأحقق لك كل اللي بتتمنيه.
تبسمت "مسك" بوجهها الشاحب رغم مساحيق التجميل التي تضعها وتزين به وجهها الذي يحتله المرض، يخيم على عينيها كالمحتل، منذ أن اكتشفت مرضها وظهر المرض على جسدها... باتت أضعف وشاحبة فرمقته ببسمتها المنطفئة وقالت:
أنا مش عايزة حاجة يا تيام، أنت نفسك في إيه أعملهولك.
لمس وجنتها بيده الباردة وعيناه تحدقان بكل إنش في وجهها وتأملها كأنه يحفر ملامحها في قلبه المرتجف من الخوف، يخاف من فقدها بأي لحظة بسبب هذا المرض الذي يأكل رأسها من الداخل. تحدث بحب قائلًا:
أنا عمري ما اتمنيت حاجة قدك يا مسك.
زادت بسمتها الواهنة مدركة أنه يتألم وخائفًا من داخله رغم صموده القوي أمامها لتقول بحنان:
وأنا ملكك يا تيام.
تبسم إليها بخفة فرفعت يدها إلى وجنته تلمس شعيرات لحيته الناعمة وقلبها ينبض من الداخل كالمجنون، لا تصدق بأنها الآن بين ذراعيه وعلى وشك مفارقته بسبب هذا الورم اللعين الذي سيفرقهما عن بعضهما، وضعت جبينها على جبينه تستند عليه فتمنى لو يستطيع أن يمتص هذا الورم من رأسها وأخذه هو ليخفف من وجعها قليلًا، شعرت بأنفاسه تختلط مع أنفاسها ويديها تحيط بوجنتيه بدفئها فتمتمت بنبرة هامسة:
بحبك، أنا بحبك يا متيمي العاشق.
تساقطت دموعه رغماً عنه بخوف بعد هذا القدر، غمغم بضعف شديد:
ما تسيبنيش يا مسك، أنتِ وعدتيني يا قلب متيمك.
اقتربت "مسك" أكثر منه لتقبل دموعه التي شقت طريقها على وجنتيه حتى ينتهي طريقها بين شعيرات لحيته البنية، شعر بأنفاسها ونعومة شفتيها لتزداد دموعه أكثر بألم من قلبه كان يحلم بهذه اللحظة كثيرًا أن يضمها ويقبلها بحب لكنه لم يتخيل لبرهة من العمر أن يفعل ذلك في ألم وقسوة الفراق الوشيك وبلحظة الخوف التي تمزقه من داخله، لا يعرف أيسعد لوجود حبيبته بين ذراعيه أم يبكي خوفًا من الفقد الذي يقترب منهما. تمتمت "مسك" بنبرة هامسة:
ما تخافش يا تيام.
أومأ إليها بنعم وسرق أنفاسها الضعيفة بقبلته الناعمة لتتشبث "مسك" بقميصه بأناملها الضعيفة ولأول مرة تظهر خوفها من المرض في رعشة يديها وتشعر بيديه تحيط بظهرها ويجذبها إليه أكثر وأكثر لم تكن القبلات والحب وحدهما الذين يلمسون قلوبهم بهذه اللحظة بل الدموع كانت سيدة الوقت ولحظتهما معًا.
خرج "غريب" فجرًا من غرفته بوجه شاحب لم يغفُ له جفن وابنته المريضة بعيدة لا يعرف ماذا يحدث لها؟ هل تتألم أم سكن مرضها وتوقف لبرهة من الوقت عن تمزيقها من الألم؟ رأى "بثينة" راكعة على سجادة الصلاة وتبكي خوفًا وتترجى خالقها ورب الكون بأن يشفي طفلتها ولا يصيبها شيء، دمعت عيناه من حالة الخوف المخيمة على قلوب الجميع. جاءت "غزل" من خلفه وقالت:
أنت كمان ما نمتش يا بابا، أنا لسه قافلة مع تيام وقالي إن مسك كويسة.
يارب يا غزل وأنا هعوز إيه أكتر من إنها تكون كويسة.
قالها بحزن شديد ودلف من جديد إلى غرفته لتنظر "غزل" على والدتها بهدوء ثم عادت لغرفتها دون أن تقاطعها.
دلف "تيام" إلى الغرفة بعد أن أنهى الاتصال مع "غزل" ورمقها وهي نائمة وسط الفراش، جلس جوارها يتأملها ويده تمسح على رأسها بلطف ووجهها الشاحب وجسدها باردًا، رفع "تيام" الغطاء ليخفي ذراعيها العاريين بسبب برودتها وقبل جبينها. فتحت "مسك" عينيها صباحًا وشعرت بثقل على رأسها فحركت رأسها قليلًا، رأته جالسًا جوارها ورأسه متكئة على رأسها بعد أن غلبه النوم في ليله الطويل، تبسمت عليه وظلت محلها حتى لا توقظه تتأمل ملامحه البريئة في نومه، تمتمت بلطف إليه:
مش هسيبك يا متيمي، أوعدك إني هفضل قوية عشانك.
لمست وجنته بأناملها الدافئة ووضعت قبلة على جبينه ثم تسللت من الفراش وهي تسرق روبها من أسفل قدمه وتهرب للخارج برفق حتى لا توقظه، ارتدت الروب ودلفت للمطبخ تعد له الإفطار بسعادة وقلب يضع حبه في كل شيء تفعله، خرجت تجهز السفرة وترتب الأطباق عليها لتشعر بيديه تحيط بخصرها ورأسه تتكأ على كتفها بلطف وهمس إليها:
صباحية مباركة يا حبيبة قلبي.
تبسمت إليه بلطف وخجل شديد جعل وجنتيها تتورد ويزداد احمرارها كحبة طماطم ثم قالت بخجل وتلعثم:
يلا عشان تفطر.
جلس على السفرة وهي جواره ليتناول طعامه ووجده مالحًا كأنها وضعت كل الملح الموجود في المنزل في طبقه، رفع نظره إليها ليراها تبتسم إليه بسعادة فابتلع لقمته سريعًا رغماً عنه لأجل بسمتها فقط، نظرت إلى الطعام وقبل أن تأكل من هذا الطبق وضع لها القليل من الجبن الرومي وقال:
كلي بسرعة عشان نلحقهم في المستشفى مش عايزين نتأخر.
منعها من تناول طعامها السيء أو تذوقه بطريقة غير مباشرة واستعدا معًا لأجل الذهاب إلى المستشفى وكان والدها و"بثينة" في انتظارها، ذهبت "مسك" مع الأطباء لفحصها والخضوع إلى الأشعات والتحاليل من أجل التحضير إلى الجراحة وعادت من جديد إلى منزل "تيام". دلف "غريب" إلى طبيبها المتخصص في الأورام وسأله:
طمني يا دكتور.
ما تقلقش دكتورة مسك صحتها كويسة والورم حميد وبعيد عن منطقة الخطر، إحنا هنستأصله بس عشان ما تضغطش أكثر على الأنسجة ونسبة نجاح العملية فوق الـ 70% وعمومًا إحنا حددنا ميعاد العملية آخر الأسبوع.
نظر "غريب" إليه بقلق وقال متمتمًا:
يعني في 30% خطر.
صمت الطبيب ولم يجب على كلمته ليغادر "غريب" بقلق شديد.
تحدثت "غزل" مع "زين" بجدية وقالت:
طلع مسك من الموضوع، ما حدش يعرف بكر قدي وأنا هساعدك في دا.
نظر "زين" إليها بحيرة لكنه لا يملك خيار سوى الثقة بها، أومأ إليها بنعم وقال بجدية:
نطمن بس على عملية مسك وبعدين نشوف هنعمل إيه؟
أومأت "غزل" إليه بنعم موافقة على هذا الرأي.
دلفت إلى غرفة العمليات وقد مر الأسبوع سريعًا، كان على وشك الموت دونها ولا يعلم ماذا سيحدث بالداخل؟ وقف "تيام" في مسجد المستشفى وبدأ في الصلاة وعيناه تبكي بخوف بل رعب يحتله من الساعات القادمة التي تمر وهي بين أيدي الأطباء، دعا كثيرًا ولم يجد له نجاة سوى الدعاء لها والرجاء من الله بأن يشفي طفلتها ولا يصيبه في قلبه ويعاقبه على كل ما فعله في حياته بها، تمتم بدموع غارقة لم يعد يرى شيئًا من كثرة:
يارب أنا ماليش غيرك، ما تعاقبنيش فيها، عاقبني لو ما قبلتش توبتي أنا راضي بأي عقاب بس مش في مسك، ارحم ضعفي وقلة حيلتي.
أنهى صلاته وذهب رغم مرور الساعات لكن لم يخرج لهما أحد ولم يطمئنهما الطبيب، كان الوقت يمر على الجميع ببطء يقتلهم من الانتظار الممزوج بالخوف من الفقد أو حدوث شيء آخر غير متوقع، ربتت "ورد" على يدي "بثينة" بقلق يحتلها هي الأخرى وقالت:
إن شاء الله خير.
أومأت "بثينة" لها بنعم وجلست تقرأ في المصحف لأجل ابنتها حتى مر الوقت المتبقي وفتح باب الغرفة وخرج الممرضون بها على الترولي فهرع "تيام" إليها ورأى رأسها محاطة بشاش طبي وهي مغمضة العينين، لمس يدها بلطف وقال:
مسك.
نظرت "بثينة" إلى ابنتها وعيناها تبكي بألم على رؤيتها هكذا لكنها لم تتوقف عن قول (الحمد لله) لخروج ابنتها حية، أخذوها إلى غرفة كبار الشخصيات ووضعوها على الأجهزة، صدم "تيام" والجميع عندما علموا بأنها لا تستجيب للإفاقة وقد غابت عن الوعي لأجل غير مسمى.
مر الوقت وقد فقد "تيام" كل قوته وطاقته بسبب خوفه من حديث العرافة رغم أنه لم يصدق بهذا التنجيم والخرافات من قبل، لكنه فارقها وأيامه تزداد صعوبة معها، منذ صغره وهو وحيد كأن الوحدة كتبت عليه حتى مماته، كان يراقبها يومًا بعد يوم والأطباء يفحصونها دومًا ويأخذونها للأشعة ليطمئنوا عليها ويعيدوها للغرفة من جديد، وقف الطبيب أمام "تيام" و"غريب" بقلق واضح، سأله "غريب" بخوف من أن يكون هناك شيء أصاب ابنته أسوأ:
في إيه؟ مسك فيها حاجة؟
أعطاه الطبيب تحليل الدم الخاص بابنته التي أجرته أمس ثم قال بجدية:
دكتورة مسك حامل.
اتسعت أعين "تيام" بصدمة ألجمته من وجود قلب آخر بداخلها منه، قطعة من روحه نشأت بداخل أحشائها، لم يكن الرباط القوي هذا العشق الكامن بداخلهما كما قالت هذه العرافة بل أراد الخالق أن يكون هذا الرباط طفله منه وقلبًا صغيرًا ينبض بداخلها يمدها بالقوة لكي تصمد من أجله.
رواية وختامهم مسك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور زيزو
رواية وختامهم مسك الفصل الخامس و العشرون 25
جلست &;غزل&; مع &;جابر&; و &;زين&; فى شقة &;بثينة&; التى ترحب جد&;ا بفكرة الأنتقام لاجل أطفالها&; سمعت &;غزل&; كل شيء منهم فتنهدت بهدوء وعقلها يفكر صامت&;ا فى كل ما سمعه حتى قطعت الصمت وقالت:-
-مسك فى غيبوبة بقالها شهر ونص إحنا ممكن نستغل غيابها دا وأنا بالنسبة ليهم ميتة&; لكن من دلوقت أنا مسك وما دام بيسعى وراء مسك فأنا لازم أحميها
-أزاى&;
قالها &;جابر&; بجدية صارمة ما زال لا يفهم عقلية هذه الفتاة أو ما تسعى إليه فقالت:-
-متقلقش يا أستاذ جابر&; أنا عارفة هبدأ منين ولما أحتاج مساعدتكم هقولكم
نظر &;زين&; إلى &;جابر&; فى صمت&; وقفت &;ورد&; بعيد&;ا تراقبهما ووجهها عابس لتشير إلى &;زين&; فذهب إلى &;ورد&; وقال بهمس:-
-فى أيه&;
نظرت إلى &;غزل&; بوجه عابس وقالت بخنق:-
-زين&; أنا مش مرتاحة للبنت دى&; مش هى أخت مسك بس محبتهاش ولا دخلت قلبي&; مسك رغم دبشها وأنها عصبية طويل الوقت وعنيفة لكن دخلت قلبي غير أختها&; البنت دى بتطير طاقة شر من عينيها وأنفاسها
تبسم &;زين&; بعفوية على حديث زوجته وعبوس وجههها وشفتيها المقوسة حزن&;ا&; قال بنبرة دافئة:-
-متقلقيش يا حبيبتى&; أنا زين الضبع&; والمصالح ببتصالح
نظر &;زين&; إلى &;غزل&; الجالسة بجوار &;جابر&; وتبسم بخبث شديد&;
_________________________
لم ي&;صدق نهائي&;ا ما سمعه من الطبيب عن حملها حتى قاطع صدمته وأنتشله منها &;غريب&; الذي ضربه فى ذراعه غيظ&;ا وقال:-
-مقدرتش تمسك نفسك من الأسبوع اللى قعدته معاك&; أنا كان ناقصني هم الحمل كمان
نظر &;تيام&; إليه بغضب من كلماته ثم دلف إلى الغرفة وعينيه ترمق &;مسك&;&; جلس جوارها وأخذ يدها فى قبضته وعينيه لا تفارق وجهها وعنينها الم&;غمضتين&; تسللت عينيه إلى بطنها ولمسها بيده الأخري وما زال لا ي&;صدق بأن &;مسك&; تحمل برحمها طفل&;ا منه&; تمتم بخفوت وعيني دامعة:-
-أفرح لحملك ولا أخاف عليكي منه يا مسك&; يارب أنت عالم بحالي والله ما طمعت بحاجة ولا طلبت منك حاجة غير مسك
دخل المرحاض وتوضيء ثم خرج ووقف على سجادة الصلاة وبدأ صلاته&; فتحت &;مسك&; عينيها بتعب شديد وتتنفس بصعوبة&; ظلت تحدق فى السقف الأبيض حتى سمعت صوت بكاء خافت&; ألتفت بلطف لتري &;تيام&; ساجد&;ا فى صلاته ويبكي&; تبسمت بلطف علي رؤيته فور فتح عينيها&; لا تعلم كم مر من الوقت عليها داخل هذه الغفوة لتقول بتمتمة وصوت مبحوح:-
-تيام
لم يسمع صوتها الخافت وأنهي صلاته ودموعه الباكية تسيل على وجنتيه ورفع يديه الأثنين للأعلي وقال برجاء:-
-يارب&; ردها ليا سالمة وأرحم قلبي الضعيف وقلة حيلتي&; أنا معنديش حاجة أعملها غير دعاك..
-تيام
قالتها من جديد ليفزع من مكانها عندما سمع صوتها المبحوح يقاطعه&; هرع إليها بدهشة وسعادة تغمره وأخذ وجهها بين يديه بحب وقال:-
-مسك
تبسمت بلطف ورفعت يدها إلى وجنته تجفف دموعها الباكية وقالت بصوت مبحوح:-
-وحشتني
تبسم إليها بسعادة ثم قبل جبينها بحب وإمتنان لعودتها وفتح عينيها ثم قال بحب:-
-أنت وحشتينى أكثر يا مسك&; هونت عليكي شهر ونص بحالهم بعيد عني&; بس مش مهم فداكي &; فداكي كل حاجة ما دام ربنا ردك ليا ورجع ليا نبض قلبي
أومأت إليه بنعم ثم خرج من الغرفة ليخبر الممرضة أنها فتحت عينيها وعادت للحياة&; أتصلت الممرضة بالطبيب وبـ &;غريب&;&; عاد &;تيام&; إلي الغرفة ورأها تحاول الجلوس ليهرع إليها ويساعدها فقال:-
-بلاش عشان متتعبيش
رفعت يدها ترفع خصلات شعرها لت&;دهش أن رأسها الصغير ليس به شاش طبي أو أى أثر على جراحتها فقال &;تيام&; بجدية&; وهو يحتضن يدها فى يديه الأثنين بحب:-
-بقالك شهر ونص فى غيبوبة&; الدكتور فك ليك السلك من أسبوع وطمني عليكي بس مكنتش عارف ليه مبتفوقيش ما دام أنت&; كويسة&; كنت خايف تكوني زعلانة منى وبتعاقبني&; أو ربنا يكون مقبلش توبتى ويعاقبنى فيكي&; بس الحمد لله&; ألف حمد وشكر لله أنه أستجاب لدعاء واحد زي ومكسرش قلبي فيكي يا مسك&; لا دا كمان كرمني برحمته ورزقني بطفل جواكي&; أنت&; حامل يا مسك
د&;هشت مما سمعت&; نظرت إلى بطنها بأندهاش ولا تستوعب أمر حملها&; كيف لها أن تحمل بطفل فى رحمها&; تمتمت بذهول رغم خجلها الشديد:-
-بالسرعة دى لمجرد &;
تنحنح &;تيام&; بسعادة وأقترب بنصفه العلوي نحو الفراش ورفع رأسها إليه بسعادة تغمره وهذا اليوم لن يكرر له مرة أخرى عادت محبوبته وتلقي خبر حملها من الطبيب&; قال بعفوية:-
-الدكتور قالي ممكن تحصل من مرة عادي وإحنا &;
قاطعته بخجل شديد وعينيها تتحاشي النظر إليه وهى تتذكر هذه الأيام التى عاشتها معه رغم قلتها لكنها كان أسعد أسبوع&;ا لها&; رغم أنها صباح&;ا كانت تنهك من المرض داخل المستشفي بسبب التحضير للعملية والتحاليل الكثير لكن ليل&;ا كانت تعود لأحضانه فى منزلها بخوف يتملكها من أن تفارقه داخل غرفة العمليات&; قالت بتلعثم:-
-فهمت خلاص
تبسم على خجلها وقلبه لا يتوقف عن الجنون فى نبضه م&;نذ أن فتحت عينيها وناداته من جديد فوضع يده أسفل رأسها وأدارها إليه لكي تتقابل عيونهما مع&;ا وهى تهرب منه بسبب خجلها ووجنتها التى توردت فقال وعينيه تعانقها عوض&;ا عن ذراعيه الم&;تشبثة بيديه:-
&; عينك بتهرب مني يا مسك&; لو تعرفي أتمنت قد أيه تفتحيهم وشوف جمالهما من تاني&; معقول دلوقت بعد ما تفتحيهم تهربي مني&; لا مش مسموح لك يا مسك تهربي منى ولا تحرمني من نظرتهم حتى لو مكسوفة منى&; ربنا العالم والشاهد على حالي من غيرك&; أنا كنت عامل زى العيل الصغير اللى ضاع من أيد أمه وسط الطرق وعمال يصرخ بأسمها ويدور عليها ومش لاقيها&; متحرمنيش منك يا مسك ولا من رائحتك وعينيك&; أنا كنت هموت وأنا عامل أكلمك وأناديكي وأنت&; مبترديش عليا كانوا أصعب 47 يوم و16 ساعة و33 دقيقة عشيتهم فى عمري كله&; الخوف من ب&;عدك وأنك تسيبني كان بيقتلني وبيقطع فى قلبي
سحبت يدها من قبضته ودموعه التى تنهمر بغزارة دون توقف وهو يحاول وصف ما عاشه فى الأيام الماضية دونها إليها&; لا تستوعب أن مرضها فعل به كل هذا العذاب ومزقه لإشلاء هكذا&; رفعت يدها إلى وجهها تداعب لحيته بدلال ونعومة ثم تبسمت &;مسك&; إليه بصعوبة من تعب جسدها طريح الفراش لفترة&; تمتمت بخفوت قائلة:-
-أنا قولتلك مش هسيبك يا م&;تيمي
أنزل يدها عنه وضمها بعد أن وضع خاتم الزفاف فى بنصرها بين يديه الأثنين بسعادة تغمره وعينيه تحدق بعينيها الرمادتين لطالما أشتاق لرؤيتهم طيلة هذا الشهر ونصف التى دامت غيبوبتها بهما وقال بدفء:-
-أنا روحي كانت غايبة عنى وأنت&; ردتيها يا مسك&; والله أنا ما كنت أعرف أنى بحبك أوى كدة&; أنا حتى أنفاسي كانت بتقطع فى صدري من غيابك
قبل يدها بحنان وما زال ي&;ضمها بين يديه ولا يستطيع تركها كأنه يعوض كل لحظات الفراق الذي دامت بينهما وينتقم من الشوق الذي مزق قلبه بشتاقه إليها&; تمتمت &;مسك&; بحب وعينيها ترمقه:-
-ولا أنا كنت أعرف أنك بتحبنى أوى كدة يا تيام
رفع يده إلى رأسها يرفع خصلات شعرها عن جبينها بحنان ثم أقترب قرب رأسها حتى يشعر بأنفاسها أكثر وتتسلل هذه الأنفاس بداخله تمتص أوجاعه وتقتل لحظات الفراق ثم قال:-
-عارفة معنى اسم تيام ايه&; شدة الحب والحب اللى وصل لدرجة اللاحدود لها&; أنا أتسميت كدة عشان ح&;بك يا مسك&; أنا م&;تيم بحبك اللى مالهوش نهاية ولا حدود يا حبيبة قلبي وبداية عمري&; عمري اللى أبتدي على أيدك لما دخلتى حياتي&; أنت&; حياتى وروحى وعمري ودنيتى وأنفاسي&; أنا عمري ما ركعتها وبوقي وجسمي كان كلها منكر لكن ركعتها عشانك يا مسك عشان أطلبك من ربنا وكرمي بيكي ورجعك ليا&; والله لو شكرته الباقي من عمري كله ما هيكفي
-سألوني بحبك ليه وأزاى وأمتي&; خليهم بس يجيوا يشوفوا النظرة اللى فى عينيك دى بس وهيعرفوا
قالتها بهمس وضربات قلبها بهذه اللحظة تنبض لأجله فقط وليس لأجلها&; يناديه هذا القلب بشغف وقلب دافيء ليقول بحب:-
-والله لو فى كلمات توصف حبي ليكي كنت قولتها يا مسك&; لكن كلمات العالم وكل لغات الكون ميعرفوش يوصفوا نقطة فى بحر حبي ليكي يا مسك&; أنا قولتلهم أن ربنا رحيم وعالم أن توبتي والهدي والصلاح جالي على أيدك&; أتمنت تفضلي جنبي العمر كله والحمد لله أنك معايا&;.
قاطعهم صوت &;غريب&; الذي دخل الغرفة على سهو بهلع بعد أن تلقي خبر إفاقتها&; يقول:-
-مسك
ألتف &;تيام&; إليه ووقف من مكانه ليترك مساحة إلى هذا الرجل بأن يهدأ نيران قلبه الم&;لتهب ثم قال:-
-مسك
أقترب منها بسعادة وضمها بين ذراعيه ويقبل كل أنش فى وجهها لتبتسم &;مسك&; م&;تغاطية عن ألمها لأجل والدها&; قالت بصوت دافئ:-
-بابا
نظر إلى وجهها وقال بحب:-
-بركة أنك بخير يا مسك&;
__________________________
وصلت &;زينة&; صباح&;ا إلي مكتبها ودلف &;متولي&; خلفها فقال بحماس:-
-كنت عارف أنك هترجعي
تبسمت &;زينة&; بخبث شديد ثم قالت:-
-هههه ليكون بفضلك&; دا أول ما زين طردني جريت زى الكلب وأستخبيت لكن دلوقت أول ما عرفت أني رجعت وأعلي جاي زى الكلب تترجاني أشغلك معايا
جلست على مكتبها وحدقت به بغيظ شديد ترمقه بنظرات غاضبة وباردة ثم قالت:-
-بس تعرف الكلب وفي لصاحبه مبيسبهوش ويجري يا عقرب
-حقك عليا يا ست الكل
قالها &;متولي&; بترجي وبسمته تنير وجهه يصطنع الود لكن &;زينة&; كانت تبتسم بمكر على هذا الوجه الخبيث ثم قالت:-
-ماشي يا متولي&; أجري أطلبي قهوة وشوف شغلك بعدها
تبسم بحماس ثم خرج من المكتب&; وقفت &;زينة&; من مكانها وهى تحمل الهاتف فى يدها وتتصل بـ &;زين&; ثم وقفت أمام النافذة الزجاجي الم&;طلة على حمامات السباحة م&;نتظرة أن يقبل أتصالها&; فور سماع صوته قالت:-
-أنا رجعته زى ما قولت يا زين&; هتثق فيه أزاى&;
تبسم &;زين&; بحماس وقال بنبرة جادة وعقل خبيث:-
-متقلقيش يا زينة&; أنا جايلك مسافة الطريق&; متولي لحد ما أرجع تماطلي معاه وتعامليه عادي زى المعتاد بينكم
أومأت إليه بنعم ثم أنهت الأتصال معه وعادت للجلوس على المقعد تفكير فى هذه الخطة التى وضعها أخاها مع &;تيام&;&;.
_______________________________
جلست &;ورد&; بجوار &;مسك&; فى المستشفي بحماس وقالت بنبرة دافئة:-
-متعرفيش أنا كنت خايفة عليكي أزاى&; ولا تيام يا مسك كل ما اجي أزورك ألاقيه أم قاعد جنبك وماسك المصحف فى أيد وأيدك فى أيد أو قاعد على المصلية بيصلي ودموعه مفارقتش عينيه حتى لو جفت من الخوف بتنزل عشانك
تبسمت &;مسك&; على ما تسمعه عن ح&;ب &;تيام&; إليه وأدارت رأسها إلى زاوية الغرفة تراقبه بعينيها ووجهها الباسم وهو يقف مع &;زين&; يتهامسان مع&;ا&; تمتمت &;مسك&; بهدوء:-
-رغم تعبي دا لكن فايدتها أنها عرفتني قيمتى عن تيام&; أنا عمري ما تخيلت أن فى حد ممكن يحبنى أوى يا ورد
نظرت &;ورد&; على &;تيام&; وقالت:-
-عارفة أنا لما كنت بشوفه كدة كنت بغير من حبه ليكي&; وبسأل نفسي هو زين رغم كل الح&;ب اللى بشوفه فى عينيه وقلبه ليا تفتكري بيحبني زى ما تيام بيحبك كدة
نظرت &;مسك&; بسعادة إلى &;ورد&; وقلبها ينبض إلى هذا الح&;ب الذي رزقت به وقال:-
-أكيد بيحبك يا ورد&; بس كل واحد بيحب بطريقته
أومأت إليها بلطف&; جاء &;زين&; إليها ووضع يده على كتف &;ورد&; وقال بحزم:-
-حمد الله على السلامة يا دكتورة مسك&; يلا يا ورد
تبسمت &;ورد&; بعفوية وقالت:-
-شدي حيلك كدة بسرعة وتعالي أقعدي معايا فى الغردقة مالكيش دعوة بالشقة اللى جابها تيام دى
أومأت &;مسك&; إليها بسعادة ثم قالت:-
-حاضر&; متخافيش مش هتأخر
أخذها &;زين&; وذهبوا مع&;ا بينما نظر &;تيام&; إلى &;مسك&; التى أشارت إليه بأن يقترب&; أقترب&;تيام&; منها وجلس على حافة الفراش ثم جلس وقال بنبرة دافئة وعينيه ترمق عينيها بسحر ح&;به العاذب الذي تسلل إلى قلبه من قوتها وجراءتها:-
-قولي يا مسك&; قولي يا قرة عيني وفلذة كبدي&; والله لو كان أيه لأعملهولك
ضحكت &;مسك&; على كلماته وقالت بنبرة خافتة:-
-لا يا تيام أنا مش هطلب منك حاجة
لمس يدها بعفوية ثم قال بحب هائم&;ا بها:-
-وأن طلبتي عمري يا مسك هديهولك
تغلغلت أصابعه بين أصابعها يعانقهما بح&;ب ورفع نظره إلى نظرها بح&;ب&; فتحت &;مسك&; ذراعيها إليه بعد أن سحبت أصابعها منه لينظر م&;طول&;ا إلى ذراعيها فأومأت إليه بنعم ليرتمي بجسده بين ذراعيها فأغلقتهم عليه م&;طوقه بقوة كأنها تداوي روحه وتمتص اشتياقه الذي طال لأيام طويلة وبدأت تربت على ظهره ويدها الأخري تغلغل بين خصلات شعره فى مؤخرة رأسه&; شعر بدفئها وأنفاسها ليجهش فى البكاء بين ذراعيها تارك&;ا العنان لألمه تطلق الأوجاع خارج&;ا بين ذراعيها&; تمتمت بهدوء:-
-أنا هنا يا تيام&; أنا هنا
طوقها بقوة م&;تشبث&;ا بها ويهدأ من روعته ويخمد نيران قلبه ويعزز شغفه بها ليقول بهمس:-
-أنا أتوجعت يا مسك&; أتوجعت وخوفت
أخرجته من بين ذراعيها وحدق بوجهه ويديها تحتضن وجنتيه وقالت بحب:-
-سلامتك من الوجع يا م&;تيمي
-أنا بعشقك يا مسك
قالها بحب شديد&; وضعت رأسها على رأسه تشعر بأنفاسها الدافئة وقالت بخفوت:-
-وأنا كمان يا م&;تيمي والله ما حبت حد غيرك&; أنت أول وأخر راجل فى حياتي وقلبي
تساقطت الدموع من عينيهما مع&;ا وكأن الدموع هى لذة عشقهما ونبضه الذي يحيا قلوبهما&; قلوبهما التى تلتهب بالعشق ورغم نيران العشق لكنها لم تحرقهما بل تزيدهما لهب&;ا وشوق&;ا&; أختلطت أنفاسهما من ق&;ربهما وحرارة أجسادهما باتت واحدة ليتذوق شفتيها بح&;ب ودفء أكثر فأغلقت أناملها أكثر على ذراعيه&; تشبثت به وحال قلبها لا يقل شيئ&;ا عن حاله&; كلما زارها أحد م&;نذ أستيقاظها وأخبرها عن ح&;به إليها وكم ذاق من العذاب فى ب&;عدها عنه&;
________________________
كان &;بكر&; جالس&;ا على طاولة الطعام فى مطعم فاخر فى الشيخ زايد&; قاطعه جلوس أحد أمامه على طاولته ليرفع نظره ورأي &;غزل&; تجلس جواره فتبسمت إليه بخبث شديد:-
-وحشتني
-أنت مش مسك&; غزل!!!
قالها &;بكر&; بصدمة ألجمته ولا ي&;صدق أن &;غزل&; أمامه حية على قيد الحياة وتبتسم إليه بخبث شديد &;..
رواية وختامهم مسك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نور زيزو
تبتسم إليه بخبث شديد، واقتربت بنصفها العلوي نحو الطاولة، واتكأت بذراعها الأيمن فوق الطاولة ثم قالت بمكر شديد:
- هي بشحمها ولحمها، غزل اللي بعت تقتلها، ولولا ستر ربنا كان زمانك بتقرأها ليها الفاتحة.
تحدث "بكر" بصدمة ألجمته قوية، ولا يصدق بأن هذه الفتاة ما زالت روحها لم تفارقها رغم ما حدث معها:
- إزاي!
قهقهت "غزل" ضاحكة على حديثه، وعادت بظهرها للخلف، ووضعت قدمًا على الأخرى بغرور قاتل ثم قالت بهدوء:
- ربك لما يريد، ليك نصيب تموت على أيدي يا بكورتي.
تأفف بضيق شديد ثم قال بسخرية من كلماتها الحادة:
- أنتِ! الأيادي الناعمة دي تعرف تقتل، طب والله ده أنا أتمنى أموت على إيدك.
ضحكت "غزل" بغرور قاتل ثم قالت بخبث:
- متستعجلش على موتك، أنا جيت عشان أنا مش جبانة زيك أضرب من تحت لتحت بخبث، أنا جاية أقولك إني هقتلك.
وضعت يدها على فمها وتركت له قبلة في الهواء خبيثة، وغادرت مع بسمتها الماكرة التي تحمل الكثير من الشر، ومرت من أمامه، تنهد باختناق من فشل رجاله في قتل هذه الفتاة الماكرة. وقفت "غزل" خلفه وانحنت إلى مستواه وهمست في أذنه بتهديد واضح:
- متحلمش بمسك، ولو فكرت تقرب لها لمجرد تفكير هقتلك يا بكر ومش هيمنعني عنك الكون كله.
ربتت على كتفه بطريقة تهديدية ثم غادرت من هذا المكان، ليضرب "بكر" قبضته بالطاولة من الغيظ. صعدت "غزل" بسيارتها في المقعد الخلفي، ليقود بها الرجل الذي أرسله "جابر" معه، اتصلت بـ "جابر" وقالت بنبرة حادة:
- أنا خرجت من عنده.
تبسمت "غزل" بهدوء وأغلقت الهاتف ونظرت من النافذة للخارج بحيرة من القادم.
___________________________
وصل "تيام" بها إلى شقتهم، وأدخلها إلى غرفتهم واتكأت بظهرها على الوسادة. مسح "تيام" على رأسها بلطف وقال:
- نورتي بيتك يا مسك.
تبسمت "مسك" إليه بلطف وقالت:
- بنورك، أنا جعانة.
أومأ إليها بنعم ثم خرج من الغرفة وطلب الطعام من أقرب مطعم لهما، وبمجرد أن أنهت "مسك" حمامها وخرجت رأته يستلم الطعام من مندوب التوصيل. وقفت بمكانها بهدوء وأغلقت الروب الستان الوردي برباطه جيدًا حتى أغلق باب الشقة ودفع للرجل. سارت نحوه بحماس وأخذت الأكياس منه ووضعتها على السفرة. وقف يراقبها بسعادة وهي تفتح الأكياس ثم جلست محلها وبدأت تأكل بشراسة فقال "تيام" بحب:
- على مهلك يا مسك هو أنتِ بتأكلي في آخر ذاتك؟ بالراحة.
نظرت له بعبوس حاد ومطت شفتيها للأسفل بحزن من كلماته وقالت باستياء:
- أنت هتقر عليا يا تيام ولا إيه؟ ده بدل ما تقولي ألف هنا.
ضحك على عبوسها الطفولي ويده تبعد خصلات شعرها المبلل عن وجنتها وقال:
- ألف هنا يا حبيبتي بس على مهلك عشان تعرفي تنامي بس.
أومأت إليه بنعم، وبدأ "تيام" في تناول طعامه وهي ترمقه بحيرة من اهتمامه الشديد بهاتفه والنظر إليه من تارة إلى أخرى فسألت بقلق:
- أنت مستني مكالمة من حد؟
نظر "تيام" إليها بحيرة ثم قال بقلق:
- لا، أنا بس مستني زين كنت طالب منه حاجة كده يعملها.
تركت "مسك" الملعقة من يدها بحيرة، وحدقت بزوجها وملامحه تفضح أمر كذبه، وعادت بظهرها للخلف بخمول وقالت بجدية:
- متأكد؟
هز رأسه بنعم دون أن ينظر بعينيها، فوقفت من مكانها غاضبة من كذبه الواضح وهي تثق من داخلها أنه يكذب ويخفي شيئًا عنها لتقول بزمجرة:
- ماشي، أنا داخلة أنام.
دلفت إلى الغرفة وجلست أمام المرآة تصفف شعرها المبلل وتجففه بمجفف الشعر البارد. دلف "تيام" إلى الغرفة وحدق بها مطولًا مدركًا أنها غاضبة منه لكنها تكبح الغضب والاستياء منه بداخلها حتى لا تسأله ويكذب أكثر فيزداد غضبها أكثر. تمتم "تيام" بهدوء:
- مسك.
قاطعته برد فعلها القوي عندما تركت المجفف على التسريحة بقوة وتأففت بضيق ثم وقفت من مكانها واستدارت إليه بضيق متذمرة من كذبه ثم قالت:
- لو سمحت يا تيام متتكلمش معايا لأن معنديش مجال أن أسمع حاجة منك وأنت بتكذب عليا، أنا مبكرهش قد الكذب، وما دام هتكذب يبقى متتكلمش أحسن.
صعدت إلى الفراش ووضعت الغطاء على قدميها العاريتين بسبب قميص نومها القصير وروبها الذي بنفس طوله. جلس "تيام" جوارها بهدوء وقال:
- مش كذب يا مسك، لكن مش عايز أشغلك معايا ولا أشيلك هم وأنتِ لسه خارجة من المستشفى، شوية ترتاحي كده وتأخذي نفسك وأحكيلك.
التفتت "مسك" إليه لتحدق بعينيه وقالت بحدة وعبوس قوي يحتل ملامحها ونبرتها:
- أنا كويسة أهو، أحكيلي أنا سامعاك.
تنهد بهدوء وعينيه ترمقها بحيرة شديدة لا يعلم أيخبرها أم لا فقال بجدية:
- الموضوع بخصوص بكر.
أخبرها بكل شيء عن "بكر" وعلاقته بـ "متولي" وما فعله بـ "ورد" واتحاده مع "زين" و"زينة" للإيقاع به وتقديم "غزل" المساعدة لهم فقالت بذعر:
- كمان غزل، أنتوا كلكم مشتركين في الفخ ده، ليه هتعرضوا حياتكم للخطر يا تيام؟
- متقلقيش يا مسك، غزل راحت النهاردة زارته، وبعد ما عرف إنها عايشة هو اللي هيأخد الخطوة الأولى ويبدأ مش إحنا.
قالها "تيام" بجدية وأخذ يدها بين قبضته بلطف ثم رفع نظره إليها يتأملها بدلال ثم قال بحب متابعًا كلماته بنبرة أكثر دفئًا:
- اسمعي يا مسك، أنا مش عايزك تقلقي ولا تفكري كتير، مش عايز منك غير إنك ترتاحي أنتِ والبيبي اللي في بطنك وتطمنيني عليكي وتخلي بالك من نفسك وصحتك ومنه، الباقي سيبيه عليا.
- بس...
قالها بقلق شديد عليه خصيصًا أن "بكر" هددها أكثر من مرة بقتله لكنه قاطعها بنبرة قوية حادة يقول:
- من غير بس يا مسك، أنا مش هستنى لما الراجل المختل ده يأذيكي ولا يعمل فيكي حاجة عشان جنونه وعقله المريض اللي طمعه فيكي.
ابتلعت لعابها بقلق وارتباك من كلماته ثم قالت بتوتر واضح في ملامحها:
- أنت عرفت!
حدق بعينيها بقوة وغضب يتطاير من عينيه لأجلها ويتحدث بنبرة خافتة:
- عرفت جابر قالي، أنتِ إزاي متقوليش اللي بيعمله الراجل المريض ده، إزاي متعرفنيش إنه بيجري وراكي عشان عايزاك مش عشان ينتقم منك لأنك أخت غزل، أنا مش هستنى يا مسك لما يأذيكي ومكونش راجل ولا أستاهلك لو ما قدرت أحمي مراتي من الحيوان ده.
رفعت يدها الأخرى إلى عنقه ونظرت بعينيه العسليتين بحب وقالت بهمس شديد:
- أنا خايفة عليك من واحد زيه يا تيام، أنت زي ما بتقولي أخلي بالي من نفسي ومن اللي في بطني، أنت كمان لازم تخلي بالك من نفسك وتعرف إن أنا واللي في بطني ده عائلتك وأنت اللي مسئول عننا، ولو جرالك حاجة هروح فيها.
أخذ يدها من فوق عنقه ووضع قبلة في باطنها بلطف شديد ثم رفع يده الأخرى إلى وجنتها يداعبها بأنامله وقلبه نابضًا إليها وهذه اللحظة تكفيه لعمرٍ كامل ثم قال بلطف ونبرة دافئة تخرج من بين ضلوعه محملة بنبضات حب:
- متخافيش يا مسك، أنا قوي وأعرف أحميكم كويس لأنكم عائلتي زي ما بتقولي.
أومأت إليه بنعم ليجذبها إليه وسكنت رأسها فوق صدره، ولفت ذراعيها حول نصفه العلوي ليطوقها "تيام" بحب ومسح على رأسها بيده هائمًا بهذه اللحظة. ورغم كل ما يحمله بين طياته من غضب وقلق لكنه لا يقوى على إهدار لحظة واحدة من عمره دون أن يعبر عن حبه إليها، ربما يستطيع أن يصف لها مقدار هذا العشق الكامن بداخله.
____________________________
(المدينة الزرقاء blue city)
وقف "زين" أمام المرآة يصفف شعره بعد أن بدل ملابسه. جاءت "ورد" من الداخل ووقفت خلفه بحيرة مما سمعته وقالت:
- زين أنا خايفة عليك من الراجل ده.
التف "زين" إليها ببسمة لا تفارق وجهه تنير أيامها وتزهر قلبها العاشق ثم قال بلطف:
- متخافيش يا وردتي، أنتِ عارفة جوزك قوي.
تنهدت بحيرة وقلق يزداد بداخلها كلما سمعت عن "بكر" أكثر، ومسكت ذراعيها بقلق وعينيها تحدق به بحزن:
- قوي بس شريف، لكن الراجل ده ميعرفش حاجة الشرف، وكل ألاعيبه وخططه قذرة زيه، يعني أنتِ مهما عملت عمرك ما هتفكر تقتل حد أو تعمل في واحدة اللي عمله فيا، لكنه هو عمل بسهولة ده معناه إنه يقدر يعمل أكتر من كده لأن معندوش ضمير.
أخذها من يدها لتجلس على أقرب أريكة في الغرفة وجلس جوارها ثم رفع يده إلى وجنتها يداعب غرتها بلطف وعينيه ترمقها بطمأنينة ثم قال:
- متقلقيش يا وردتي، أوعدك متأذيش لكن برضه أنا وعدتك أرجعلك حقك من اللي عمل كده، وإلا عمري في حياتي كلها ما هشوف نفسي راجل وأنا شايف وعارف إن اللي آذى مراتي عايش حياته من غير ما يتجازى على عملته.
رفعت يديها إلى وجهه لتأخذه بين راحتي يديها الاثنتين وقالت بعينين دامعة على وشك البكاء من القلق الذي استحوذ على قلبها وخيم على عقلها البريء:
- بس يا زين ده راجل شرير، لو هيأذيك ولو باحتمال 1% يبقى أنا متنازلة عن حقي ده ومسامحة فيه كمان، أنت عندي أغلى من أي حاجة في الدنيا ومعنديش استعداد أخسرك أو أشوفك بتتأذى على إيد الرجل اللي معندوش قلب ولا ضمير ده.
تبسم إليها بحب شديد وقال بلطف:
- متقلقيش يا ورد وبعدين يا حبيبتي أنا معايا جابر مش هيسمح لحد يأذيني.
تنهدت بحيرة من إصرار زوجها على الانتقام وهي تعلم أن نار الانتقام تحرق صاحبها أولًا. ذرفت دمعتها رغمًا عنها بخوف وقالت:
- الراجل ده ميعرفش ربنا يا زين، وكمان اللي اسمها غزل دي أنا مرتحتلهاش ومدخلتش قلبي، الموضوع كله مقلق ومش مطمني.
قبل جبينها بدفء كافي لقتل هذا القلق الذي يكبر بداخلها كالخلايا السرطانية ويقتل بها ويفتك بعقلها ثم جفف دموعها بأنامله وقال بلطف:
- اطمني يا وردتي، اطمني أنا مستحيل أسيبك ولا أسمح إني أشوف دموعك، وبعدين أنا وعدتك أهو إني حتى مجرد الخدش مش هتخدشوا يا ستي اطمنتي كده.
تنهدت بيأس وهي عاجزة عن تغيير رأيه ما دام قد قرر الانتقام فلن يتراجع مهما فعل أو حدث، فتبسم "زين" إليها بحب وجذبها من خصرها إليه أكثر وهمس في أذنها بدلال يغازلها بأوتار عشقه:
- وبعدين أنا مش هسيبك غير لما تجيبلي 7 ولاد و5 بنات و3 توأم.
ضحكت رغم عبوسها على الأرقام الذي يقولها وقالت بعفوية بريئة:
- إيه ده هو أنا أرنبة؟ ده حتى الأرنبة مش هتعملها.
حملها على ذراعيه بدلال وعينيه ترمقه بحب يفتت قلبه لأشلاء حتى يتسلل من بين ضلوعه الصلبة ويركض إليها. قال بنبرة هامسة:
- أنتِ بقى هتعمليها وهنبدأ الولاد، أنا عايز ولد وحالًا.
قهقهت ضاحكة عليه وهي تلف ذراعيها حول عنقه بدلال وقدميه تسير بها إلى الغرفة مبتسمًا حتى وصل إلى الفراش وأنزلها برفق لتحدق بعينيه العاشقة وهو يقترب نحوها فهمست بخجل شديد يتملكها ويحتل وجنتيها الحمراء ببراءة:
- زين... استنى بس.
وضع قبلته الأولى على جبينها لتتشبث بتي شيرته بحب وهمست إليه بدفء واستحياء:
- طب اطفي النور الأول.
تبسم إليها بسمة ساحرة خرجت من قلب عاشق وعقل هائمًا بهذا العشق، ولبى طلبها دون معارضة أو أن يتفوه بكلمة قاطعًا مجال الحديث بهذه اللحظة الدافئة وبنعومتها التي تسللت إلى قلوبهما.
____________________________
استيقظ "تيام" من نومه صباحًا على صوت أنين مبحوح. فتح عينيه بقلق ولم يجدها جواره فخرج من الغرفة مسرعًا والخوف يحتله من أن يكن أصابها شيء أو مرضت ليلًا. سمع صوتها تلهث بقوة من تجاه الغرفة المجاورة التي خصصها إلى الأجهزة الرياضية لأجلها. فتح باب الغرفة وصوت أنينها عالي لكن صُدم "تيام" عندما رأى "مسك" تمارس الرياضة ليهرع إليها بذعر ويحدثها بقوة:
- أنتِ بتعملي إيه؟
- صباح الخير.
قالتها وهي تركل كيس الملاكمة الجلدي بقدميها ليحيطها "تيام" بذراعيه خوفًا من جنونها وقال:
- الواد هيقع، أنتِ اتجننتي في واحدة حامل تلعب رياضة وبوكس؟
- مش أنا عملت كده يبقى فيه يا تيام.
قالتها بعفوية وبسمة تنير وجهها. ظل يحيطها بذراعيه وهو يعانقها من الخلف وقال بتذمر كبير على تصرفها وهي لا تعتني بصحتها وطفلها:
- أنتِ عايزة تجلطيني صح!
ولما البيبي يقع منك يا مجنونة.
ضحكت "مسك" على تذمره وتوقفت ساكنة بين ذراعيه ليهدأ من ذعره وقلقه. نظرت برأسها يمينًا نحوه وهو يقف في الخلف يعانقها، ثم قالت بعفوية:
- سلامتك من الجلطة!
نظر إلى وجهها بعبوس وقال:
- أنا جلطتي على أيدك يا مسك وبكرة تشوفي.
التفت بين ذراعيه لتقابل عينيه وتنظر إليه وجهًا لوجه، ورفعت يدها إلى لحيته الكثيفة وداعبتها بحب ثم قالت بهيام:
- بعد الشر عنك يا حبيبي.
اتسعت عينيه على مصراعيها بدهشة من كلمتها، وعينيه تتجول بين العينين الرماديتين ولا يصدق ما سمعه. وجن جنون دقات قلبه القوية التي تسارعت لتكسر معدل نبضاته الطبيعية بسبب كلمتها، فقال بتلعثم من دهشته:
- حبيبك! أول مرة تقولي حبيبي. قوليها تاني.
تبسمت بلطف إليه وما زالت يديه تحيط بخصرها النحيل، ويديها ساكنة فوق صدره وترمقه بحب مشتعل بقلبها من قربهما، وعقلها لا يستوعب كم الحب الذي تراه في عينيه ويغلب كل قوتها وجرأتها، فقالت:
- ومتيمي يعني إيه؟ ما هي برضه حبيبي لكن أنا بحبها أكتر لأنها خاصة بك ومستحيل تتقال غير ليك أنت. أنت متيمي وحبيبي ودنيتي وأنا عاشقة المتيم ده بروحي.
تبسم "تيام" من كلماتها التي سكبت النيران أكثر على قلبه الملتهب بالعشق، جذبها إليه أكثر حتى التصق جسدها بصدره وشعر بحرارته لتقول بخفوت:
- تيام أنا كلي عرق.
رفع يده إلى وجهها يلمس غرتها المبللة من قطرات العرق الذي يسيل على جبينها بلطف، ونزل بنظره إلى عينيها يتقابلان ثم قال بحب:
- وأن يكن، أنتِ حبيبة قلبي.
تبسمت إليه بلطف ليقول بهمس وعينيه تلتهمها بحب:
- والله البسمة دي لوحدها بتقتل قلبي وعقلي، ما تحرمينيش من رؤيتها يا مسك.
أومأت إليه بنعم ثم تسللت من بين يديه سريعًا واتجهت نحو الباب هاربة منه وقالت بجدية:
- صحيح افتكرت، جابر رن عليك كتير وأنت نايم ولما ما ردتش اتصل عليا وبيقولك تكلمه ضروري.
أومأ إليها بنعم وخرج من الغرفة ليتصل به. جهزت "مسك" الإفطار وهي تسمعه تقوله:
- ما تقلقش أنا بالليل هكون في الغردقة، دلوقت هتحرك على طول أنفذ اللي قولته لك عليه وبعدها هركب وأجي.
أغلق الهاتف من "جابر" وجلس ليفطر معها فقالت بحزم:
- أنت هتسافر!
- إحنا! قصدك إحنا، أنا أكيد مش هسيب مراتي هنا وأمشي.
قالها "تيام" بجدية لتنظر له باندهاش من قراره المفاجئ لها بالسفر دون أن يخبرها. تمتمت "مسك" بقلق:
- قصدك إيه؟ تيام أنت بتقرر كده من نفسك!
رفع نظره إليها باندهاش من جديتها وصرامتها ثم قال بحزم:
- أنتِ بتتكلمي كده ليه؟ كأنك متفاجئة النهاردة إني شغلي في الغردقة، مش ده شغلي اللي خليتيني أقبله وأمسكه، دلوقت بتعترضي!
تذمرت "مسك" على طريقته في الحديث معها كأنه لا يهتم لشيء سوى ما يريده. لم يسألها عن رغبتها وأين تفضل العيش؟ وماذا عن عملها؟ وقفت من مكانها غاضبة بقسوة وقالت:
- آه بعترض لأنك مفكرتش غير في نفسك، شغلك وبس لكن أنا عايزة إيه؟ وشغلي أعمل فيه إيه؟ ما اهتمتش يا تيام، زي العادة ما بتهتمش غير باللي أنت عايزاه وبس، اللي في دماغك أنت وبس والباقي مش مهم بقى.
تأفف "تيام" من قسوتها ونبرتها التي ارتفعت أكثر في النقاش وقال بغيظ شديد:
- أنا تعبت، تعبت من كتر ما بتعارضي كل حاجة يا مسك، كل حاجة لازم تمشي تحت أمرك ورغبتك لكن أنا لأ.
دلف إلى الغرفة غاضبًا لتتأفف بضيق شديد ثم جلست مكانها وقليلًا ورأته يخرج مرتديًا بنطلون جينز وقميص أسود وخرج من الشقة دون أن يهتم لها أو يودعها، حتى لم يخبرها إلى أين هو ذهب.
فتح باب مكتب المأمور ودلف العسكري ومعه "إيهاب" ليصدم عندما وجد "تيام" هو الزائر الذي جاء إليه. جلس معه وحدهما وظل يحدق به، فقال "تيام" بجدية:
- أول حاجة لازم تعرفها أنا ما عملتش كده في بنتك وبريء من اللي حصل فيها ومن دمها.
تنهد "إيهاب" بضيق شديد وقال ببرود:
- عارف، بكر اللي عملها.
تبسم "تيام" بحماس شديد ثم اقترب إلى الأمام أكثر وقال بجدية:
- حلو وفرت عليا نص الطريق اللي جايلك فيه، كده مصلحتنا واحدة، وكده بقى أقدر أقولك أنا جايلك في إيه؟
رواية وختامهم مسك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نور زيزو
بعنوان "مكر شيطاني"
نظر "إيهاب" له بحيرة ولا يفهم ما يرمي له "تيام" ليقول:
- أنت أكيد عايز تأخذ حق بنتك من بكر، ما هو أكيد أنك مش كارهني لشخصي عشان تقرر تنتقم مني، ولما تعرف أنه بكر هتسيبه عشان سواد عيونه.
أغلق "إيهاب" قبضته بقوة صارمة من عجزه على الانتقام لابنته بسبب حجزه هنا بين أسوار السجن، وقال بتمتمة ويكز على أسنانه:
- ده لو على موتي هآخذ حق بنتي يعني هآخذه، بس إزاي وأنا متكتف هنا.
تبسم "تيام" إليه بحماس ثم قال:
- أنا جاي بقي عشان تساعدني أقضي على بكر، أنت كنت دراعه اليمين يعني أكيد عارف عنه اللي يوديه في داهية.
أومأ إليه بنعم وقال:
- آه بس وأنت بتفكر إزاي تنتقم منه خلي بالك أنه كان عايز يأخذ المدينة الزرقاء من جدك، وأول تحذير بعته لي في الغردقة أن سعر السهم لو نزل بسبب الجرائم اللي بتحصل ومحاولتي لقتلك هيقتلني.
اندهش "تيام" مما سمعه فهو يسعى وراء كل شيء يخصه وليس "مسك" فقط ليقول:
- كمان، مش كفاية مراتي.
أومأ "إيهاب" له بنعم ثم قال:
- أنا ما أقدرش أساعدك كثير لأنه خبيث ما بيأمنش لحد حتى وقت تسليم البضاعة بيعرفه لي يومها من مكره وخبثه، من كثر الجرائم والشر اللي جواه واللي بيعمله في الناس حذر جدًا على روحه ومتوقع الغدر من أقرب اللي له، لأن زي ما أنت شايف مع أول قلم رماني أهو وأنا دراعه اليمين وبنتي ما سلمتش منه، الراجل ده خاين وغدار بطبعه.
أومأ "تيام" له بنعم حائرًا ووقف من مكانه بخيبة أمل من مساعدة "إيهاب" له فقال:
- فؤاد النمر.
التف "تيام" له باندهاش ولا يفهم من هذا الشخص الذي لفظ اسمه فقال "إيهاب" بجدية:
- ده واحد من رجالي لسه شغال مع بكر، هيقدر يساعدك من وراءه ما تقلقش.
روح له وقاله إنك جاي من طرفي وأنا هحاول أشوف أي تليفون من عسكري وأكلمه وأفهمه.
تبسم "تيام" إليه وذهب من السجن بحماس بعد أن حصل على شيء من هذه الزيارة. عاد للمنزل وكانت "مسك" ما زالت غاضبة فدلف إلى الغرفة وأحضر حقيبته ليجمع أغراضه. ولجت "مسك" خلفه وهي ترتدي بيجامتها القطنية المكونة من ثلاث قطع، بنطلون وبادي بحمالة وسترة طويلة تصل لأعلى ركبتيها مفتوحة وتسقط عن كتفها الأيسر ليظهر بوضوح بشرتها البيضاء فقالت بتذمر:
- برضه هتعمل اللي في دماغك.
اقترب "تيام" منها بلطف ومسك وجهها بيديه وأنامله تداعب نعومتها التي تشبه نعومة الأطفال ثم قال بجدية:
- معلش يا مسك، استحمليني... اللي اسمه بكر مش بس بيأذيكي، ده كمان عايز القرية ومش معقولة أسيبه يسرق مراتي وكمان شغلي.
تأففت بضيق من كلمته وعينيها تقابل عينيه القويتين ثم قالت:
- أيوه يا تيام بس!
عاد إلى خزينة الملابس يجمع ملابسه وهو يحدثها بجدية صارمة:
- مفيش بس يا مسك، أنا حياتي مش هتستقر ولا هنرتاح إلا لما نحط حد للراجل ده.
نظرت "مسك" إليه بغضب بركاني بداخلها وهو يجمع أغراضه في حقيبة السفر يستعد للرحيل فقالت:
- أنت شايف إنه صح تسافر وتسيبني دلوقت وأنا حامل لوحدي؟
التف "تيام" إليها وحدق بعينيها الحزينتين، واقفة جانبًا ومستندة على الحائط بظهرها وتعقد ذراعيها أمام صدرها ووجهها عابس من رفضها لرحيله. تنهد "تيام" بهدوء ثم قال:
- الموضوع ضروري يا مسك، ممكن تروحي تقعدي مع مامتك الفترة دي عشان ما تقعديش لوحدك.
تنهدت "مسك" باختناق من رؤيته لكل شيء سهلًا وقالت بسخط قوي:
- إيه ضروري وأهم من مراتك اللي حامل ها؟
- سبحان الله، ده أنتِ اتجوزتيني مخصوص عشان تنتقمي من بكر ودلوقت أنتِ اللي بتعترضي.
قالها بحدة صارمة لا يستوعب أمر رفضها لشيء كانت ترغب به باستماتة فقالت "مسك" بهدوء:
- بس دلوقت غزل عايش وهي عايزة تاخد حقها بإيدها وكمان أنا حامل مش هجازف بحياة اللي في بطني عشان أي حاجة مهما كانت هي إيه؟ أنتِ على إيدك إن كل حاجة مع بكر كانت بتعرض حياتي للخطر وأنا مش هجازف وآخد ضربة كده ولا كده وأخسر ابني.
تبسم "تيام" بعد أن ترك ملابسه فوق الحقيبة وسار نحوها ثم مسكها من ذراعيها بلطف وقال بنبرة خافتة بلا غضب:
- عشان كده يا مسك بقولك خليكي هنا، عشان أنا مش هجازف بحياتك وحياة ابننا لكن كمان ما أقدرش أقعد وأحط إيدي على خدي وأنا عارف إن في واحد مترصد لمراتي.
تأففت متذمرة على حديثه ولم تجب عليه بل غادرت الغرفة غاضبة منه ليستسلم إلى غضبها ثم أكمل تحضير حقيبته إلى السفر وخرج من الغرفة مستعدًا للذهاب ليراها تجلس على الأريكة غاضبة منه وتتحاشى النظر له. جلس جوارها بلطف وقال:
- مسك أنا مش عايز أسيبك وأنتِ زعلانة مني.
لم تنظر إليه أو تتفوه بكلمة واحدة. سألها "تيام" بهدوء شديد قائلًا:
- أنتِ هتفضلي زعلانة يعني؟
استدارت له بغيظ شديد من تجاهله لكل شيء وتشبثه بقرار اللعب مع "بكر" حتى يقضي عليه وقالت:
- آه هفضل زعلانة يا تيام، هفضل غضبانة منك لأنك مش مهتم بأي حاجة غير اللي بتفكر فيه وبس وبكل أنانية.
اتسعت عينيه على مصراعيها بصدمة ألجمته من حديثها وهي تتحدث عن أنانيته رغم أنه يفعل ذلك لأجلها هي فقط، لأجل حمايتها من هذا المختل الذي يطمع بها وهي هنا لا تبالي سوى بعنادها وتكبرها فوقف من مكانه ثم غادر المكان بحزن يخيم على قلبه تاركها في الخلف صامتة وحزينة.
______________________
(المدينة الزرقاء blue city)
جلس "زين" مع أخته و"جابر" ويتحدث عن العمل بجدية وعينيه تراقب "متولي" الذي يقف محله في الخلف منتظرًا أوامرها. تحدث "زين" بنبرة قاسية حادة:
- تأكدي لو فشلتي يا زينة مش هتقعدي في وظيفتك دي أكثر من كده، وخلي بالك لأن عيني عليكي ومش هنسى اللي عملتيه فيا.
أومأت "زينة" له بغضب مصطنع ثم خرجت من المكتب ومعها "متولي" فقالت بتمتمة خافتة:
- أنا فاض بيا من معاملته اللي زي الزفت ليا، هو ناسي أنا مالكة زي زيه بالضبط.
تمتم "متولي" بهدوء شديد وخبث ينبعث من كلماته:
- شوفتي ده اللي كنت بقولك عليه.
التفتت "زينة" إليه بهدوء وقالت بغضب مزيف:
- عندك حق طول ما أنا ساكتة كده هيركبني أكثر ومش هوصل لحاجة.
نظر "متولي" لها بهدوء وكانت صامتة عاجزة عن التفكير في رد فعل مناسب وعينيها تحدق بـ"متولي" مطولًا فقال:
- أنا ساكت أهو زي ما طلبتي مني ومش هفتح بوقي بكلمة.
- اتكلم.
قالتها بعبوس قوي مصطنع ولا تعلم كيف رسمت هذا العبوس والغضب المزيفان على وجهها بهذه المهارة. تبسم "متولي" إليها بجدية ثم قال:
- نشتري أسهم أكثر في القرية وبكده تقدري تواجهيه على منصب الرئاسة لأن نسبتك هتكون أكبر.
التفتت "زينة" بغضب من كلماته وتقدمت بخطواتها للأمام مندهشة من فكرته ولا تعلم أي رد يجب أن تقوله الآن فتمتمت بعجز:
- أنت مجنون وأنا هجيب منين فلوس للشراء؟ أنت عارف السهم في القرية بكام؟ ده أنا هتحتاج ملايين.
تبسم "متولي" بسعادة من ترحيبها للفكرة وما يمنعها هو المال فقال بخبث:
- نعمل قرض بالمبلغ اللي عايزينه، أنا أعرف واحد ممكن يدينا المبلغ وبسعر فائدة أقل من البنك.
نظرت "زينة" له بجدية بعد أن ضغطت على زر المصعد:
- ومين ده اللي هيديني ملايين؟
- بكر، العميل اللي بينزل عندنا هنا في الفندق واللي رشحني للعمل معاكي.
قالها بحزم وحماس قوي يحتله فإذا وافقت ستنجح خطة "بكر" في الاستيلاء على هذا المكان. تبسمت "زينة" بخبث شديد بعد أن ذكر "بكر" وقالت بحماس:
- مش ده تاجر المخدرات اللي قولتلي تيام بيدور وراءه؟
أومأ إليها بنعم بحرج كبير. لاحظت "زينة" ارتباكه فتبسمت بسعادة خبيثة وقالت:
- ده معناه لو وافقت وحطيت إيدي في إيد الراجل ده ممكن أغلب تيام مش بس زين.
أنقر بأصبعه بحماس ورحب بفكرتها أكثر التي تقتل حرجه وقال:
- طبعًا وبكده يبقى ضربتي عصفورين بحجر واحد.
أومأت إليه بنعم وقالت بتوتر متعمدة إظهاره أمام "متولي":
- ماشي سيبني الأول أدورها في دماغي ولحد ما أفكر فيها إياك تعمل حاجة من وراء ظهري فاهم.
هز رأسه إليها بلطف متحمسًا للقادم فتبسمت "زينة" بخبث شديد واتجهت إلى غرفتها واتصلت بـ"زين" تخبره بما حدث.
__________________________
سمعت "ورد" زوجها وهو يتحدث مع "زينة" مما زاد من قلقها عليه أكثر وانتظرت حتى أنهى مكالمته وقالت بقلق:
- زين أنا مش مرتاحة للي بتعمله.
تبسم إليها وأخذ يدها معه وهما يسيران معًا وقال بلطف:
- ما تقلقيش، قوليلي بقى كنتِ عايزة تأكلي إيه؟
رفعت نظرها إلى هذا الرجل الخبيث الذي تجاهل حديثها بمكر وكأنه لا يرغب في خوض النقاش معها أكثر. ضحك ساخرًا من رفع حاجبها وهي تفهمه أكثر من نفسه ليضع ذراعه حول أكتافها بلطف وقال:
- ما تبصيليش كده يا ورد، أنا مش عايزك تفكري في الشغل كثير، خليكي مرتاحة البال ورايقة عشان لما أجيلك بعد يوم طويل مليان بقرف الشغل تكوني رايقة وتدلعيني ولا أروح أشوف واحدة تانية تدلعني يعني.
ضربته في خصره بقوة من كلماته ليتألم بخفة من قبضتها ثم قال بحب:
- هههه خلاص يا مفترية بهزر معاكي.
- أيوه كده اظبط، قال واحدة تانية قال.
قالتها بجدية صارمة غاضبة من مزاحه عن الذهاب إلى أخرى. أخذ يدها في يده بحب ثم قال:
- وأنا أقدر برضه أبص لحد تاني؟ ده أنا عيني ما بتشوفش غيرك يا عمري.
تبسمت "ورد" إليه بعفوية كالبلهاء متناسية غضبها ورسمت بسمة على شفتيها تنير وجهها فقالت بلطف:
- ده مش بمزاجك يا حبيبي.
ضحك "زين" على كلماتها وهما يسيران ويراقبهما "متولي" من بعيد دون أن ينتبه "زين" له.
_____________________________
أخبره أحد رجاله أن "تيام" ذهب إلى زيارة "إيهاب" في السجن أمس مما أغضبه وتذمر "بكر" بغضب سافر ثم قال:
- هي حصلت لإيهاب بيتفقوا عليا هم؟ مش كفاية إنه كان السبب في القبض عليا، لا اللي اسمه تيام ده مش هيجيبها لبره.
دلف "متولي" إلى المكتب بحماس مما فعله وجاء لكي يخبره بما خطط له مع "زينة"، لكن غضب "بكر" أوقفه قبل أن يتفوه بشيء وقال:
- في إيه يا خالي؟
- عملت إيه في اللي طلبته منك؟ ما أنت لو بتعمل اللي بطلبه منك صح ما كنتش حصل اللي بيحصل.
قالها "بكر" بتذمر غاضبًا وعلى وشك ضرب "متولي" يفرغ به هذا الغضب الكامن بداخله. تنحنح "متولي" بحرج وقال:
- أعمل إيه؟ ليلة بتحاول طول الوقت وهو اللي تاب فجأة.
ركل "بكر" قدمه بقوة ليسقط "متولي" أرضًا ويقول:
- ما أنت اللي غبي؟ ما جاش بمزاجه يجي غصب عنه، مسك مش هتجيلي طول ما هي بتحبه وتيام ما هيكسرهوش غير خسارتها، ومهما تعمل مش هتسيبه عشان حبته لكن العقل بيقول إيه؟ إيه؟
تمتم "متولي" بألم شديد في قدمه:
- إيه؟
جلس "بكر" على المقعد بغضب سافر ووضع قدم على الأخرى وعينيه ترمق "متولي" الجالس على ركبته من سقوطه أثر ركلة "بكر" له وقال بجدية وحزم:
- إن قلب الست العاشق ما يكسروش ولا يدخل الكره له غير الخيانة، مسك لو عرفت أو شافت بعينيها إنه بيخونها هتكرهه لأن شخصيتها القوية ما تسمحش إنها تقبل بده حتى لو عشان بتحبه، بالعكس دي تدوس على قلبها ولا إنها ترجع له بعد خيانته، عشان كده لو ما عملتش اللي طلبته منك هشيل رأسك من مكانها يا متولي... سامع؟
- حاضر.
قالها "متولي" بهدوء شديد ثم خرج من مكانه بخطوات غير متزنة.
___________________________
وصلت "مسك" إلى شقة والدها وكانت "غزل" هناك في انتظارها لترحب بها فور دخولها ولاحظت حزن أختها وعينيها الممتلئتين بالدموع وقالت:
- مالك؟
- مفيش.
قالتها "مسك" بضيق يخيم على عقلها من تركه لها هنا وحيدة وذهب. دلفت إلى غرفتها تاركة حقيبة ملابسها. هرعت "غزل" خلفها بحيرة من حالة أختها والحزن الذي خيم على حياتها رغم أنها حققت أمنيتها بالزواج منه والآن تحمل بطفله وتعافت من مرضها، فتساءلت لما الحزن خيم على عقلها الآن وحالتها يرثى لها. جلست "غزل" أمامها على الفراش وسحبت الهاتف من يدها ثم قالت:
- ممكن تسيبي التليفون ده وتكلميني؟ حصل إيه يا مسك؟ ولا ما حصلش حاجة وزعلانة عشان تيام سافر؟
- أنتِ شايفة إن ده شيء ما يزعلش؟
قالتها "مسك" بضيق شديد ووجه عابس وعينيها تحدق بأختها منتظرة الجواب على هذا السؤال وكأن الجميع يخبرها بأن هذا شيء طبيعي وهي من تضخم الأمور فقط من تلقاء نفسها. تنهدت "غزل" بلطف تنهيدة دافئة ثم نظرت إلى يدي أختها وأخذتها من فوق قدمها واحتضنتها بحب فطري خلق في قلبها منذ أن كانتا معًا في رحم والدتها ثم رفعت نظرها إلى "مسك" وقالت بلطف:
- المفروض تكوني عاقلة يا مسك، تيام دلوقت أو بعدين حتى لو بعد ولادتك هيرجع على الغردقة لأنه المالك الرئيسي والرئيس للمكان ده ومفيش حد هيخاف على ماله وشغله قده، ولا أنتِ عايزاه يقعد جنبك من غير شغل بعد كل اللي حكيتهولي عنه وإنك أنتِ بنفسك وكل اللي حواليكي تعبتوا عشان توصلوا للمرحلة دي وإنه يشتغل معقول بعد ما وصل أنتِ اللي ترجعي؟
تمتمت "مسك" باستياء وعينيها تكاد تبكي بدموعها الأسيرة داخل جفنيها وتتلألأ بهما:
- أكيد لا، بس أنا خايفة عليه يا غزل، أنتِ أكثر واحدة عارفة مين بكر وممكن يأذيه إزاي؟ تيام مش مسافر عشان شغله قد ما هو مسافر عشان يعترض طريق بكر وده اللي راعبني عليه.
تبسمت "غزل" بحب إلى أختها وقالت:
- خلاص يا ستي روحي له، أهو بقاله ثلاث أيام ماشي وكل ما يتصل ما ترديش عليه ومخاصماه، في واحدة عاقلة تخاصم جوزها؟ بلاش أنتِ متخيلة بابا هيعمل إيه لما يعرف إنك مخاصمة جوزك اللي اتحديته عشانه؟ روحيه وكوني معاه لحد ما يستقر ويقدر يظبط حياته من بين هنا وهناك.
نظرت "مسك" لها بتوتر شديد من كلماتها وطلبها فأشارت "غزل" لها بنعم وتابعت:
- الصبح تروحي للدكتور وتسأليه السفر غلط على البيبي ولا لأ ولو مفيش مشكلة للحمل تروحي لجوزك ومن غير ما تتصلي بيه وتعمليله مفاجأة حلوة وتاخدي هدية كمان، أوعي يا مسك تسيبي مشاكل الحياة تبعدكم عن بعض ولا تفتحي باب للهجر بينكم وما تسيبيهوش وقت المشاكل بالعكس أنتِ لازم تكوني سنده وظهره ومصدر قوته في الوقت ده مش تسيبيه لوحده وتتخاصموا.
أومأت "مسك" لها بنعم فتبسمت "غزل" وجففت دموع أختها التي تساقطت مع حديثها بلطف.
_____________________________
أشارت "ليلة" على "تيام" وهو يجلس في المطعم للنادل فأومأ إليها بنعم ثم ذهب إلى طاولة "تيام" وقال ببسمة خافتة:
- تشرب حاجة يا تيام بيه؟
كان ينظر "تيام" على شاشة اللابتوب الموجود أمامه ويتابع عمله فقال بلا مبالاة دون أن يرفع نظره إلى النادل:
- هاتلي قهوة مظبوط وكريم كراميل.
أومأ إليه بنعم والتف لكي يحضر ما طلبه وغمز بعينيه إلى "ليلة" التي تبسمت بسعادة فور غمزته لها ودلفت للمرحاض تهندم ملابسها أمام المرآة وأخرجت من حقيبتها الصغيرة أحمر الشفاه بلونه الأحمر الجريء ثم رسمت شفتيها به وتبسمت بحماس وهي تنزل أكتاف فستانها للأسفل قليلًا حتى تظهر أكتافها العارية بوضوح وتركت قبلة هوائية لصورتها المنعكسة في المرآة وخرجت وصوت طقطقة كعبها العالي تطرب الآذان. اتصلت بـ"متولي" وهي جالسة على طاولة بعيد عن "تيام" وعينيها تراقبه وقالت بسخرية ونبرة سعيدة من انتصارها:
- بارك لي.
تبسم "متولي" بحماس من كلمتها وقال بصوت خافت:
- وصلتي له؟
تبسمت "ليلة" بمكر نسائي وهي تراقب "تيام" عن كثب أثناء تناوله للحلوى التي وضع بها النادل المخدر وقالت:
- عيب عليك ده أنا ليلة.
تبسم "متولي" بحماس وقال:
- أول ما تخلصي كلميني.
أغلق معها وبعد أن أنهى "تيام" تناول الحلوى كاملة. تبسمت "ليلة" ثم وقفت من مكانها وذهبت نحو طاولته بدلال ثم جلست على الأريكة التي يجلس عليها ملتصقة به وقالت:
- وحشتني.
نظر "تيام" لها بصداع شديد أصاب رأسه وقال بجدية صارمة:
- هو أنتِ؟ غوري من وشي أنا مش فايق لك.
وقف من مكانه وهذا الصداع يزداد أكثر وأكثر بينما تابعته "ليلة" وهو يدخل المصعد فدخلت معه وضغطت على زر إغلاق الباب. اقتربت منه وهو يضع يديه على جبينه من الصداع وشعر بأنه على وشك فقد صوابه وربما يفقد عقله. تبسمت "ليلة" وهي تحيط خصره بذراعيها وهمست في أذنه بدلال:
- شكلك تعبان.
دفعها "تيام" بتعب بعيدًا عنه وبدأ يشعر باختناق من هذا المكان المغلق فخرج من المصعد واتجه إلى غرفته بتعب ويتكئ بذراعه على الحائط حتى وصل للباب وشفتيه تتمتم باسمها محاولًا التخلص من هلاوسه التي أصابته:
- مسك.
فتح باب الغرفة بصعوبة وهو يشعر بحرارة جسده تزداد أكثر فأكثر. ولج للغرفة وسقط المفتاح من يده وألقى بجسده سريعًا على الفراش وبدأ يتنفس بصعوبة لكنه شعر بدفء جسدها وهي تقترب منه أكثر وتداعب أزرار قميصه بأصابعها النحيلة وتناديه بنبرة مثيرة:
- تيام، حبيبي.
نظر بصعوبة إليها وكان يرى وجه زوجته "مسك" التي لطالما اشتاق لها وتألم من خصامها له في الأيام الماضية. تمتم بنبرة خافتة من هلاوسه:
- مسك...
___________________________
ترجلت "مسك" من السيارة أمام باب الفندق وسألت موظفة الاستقبال عن زوجها لتخبره بأنه صعد من قليل إلى غرفته. تبسمت "مسك" بلطف وتركت حقيبة ملابسها إلى الموظف كي يأخذها إلى الجناح الملكي وانطلقت بباقة الورود التي تحملها بين يديها لأجله إلى حيث غرفته. قابلها "جابر" ورحب بها كثيرًا بسعادة وقال:
- حمد لله على السلامة.
- الله يسلمك يا جابر.
تركته ببسمة مشرقة وضربات قلبها تتسارع وعقلها يتخيل رد فعله عندما يراها أمامه هل سيعانقها؟ أم سيركض إليها؟ تبسمت بخجل مما تتخيله في عقلها من طريقة استقباله لها وحاولت ترتيب الكلمات التي ستقولها هل ستعتذر بكلمة واحدة أم ستخبره أولًا أنها اشتاقت إليه؟ ترجلت من المصعد واتجهت إلى الغرفة وتسير في الرواق حتى وصلت إلى الغرفة. تبسمت بحماس وكادت أن تطرق الباب لكنها رأت المفتاح على الأرض. أخذته وفتحت الغرفة بحماس وبسمتها لم تفارق وجهها وتنيره تمامًا كعينيها التي تتلألأ ببريق العشق لكن سرعان ما تلاشى كل شيء وتحولت السعادة والاشتياق لبركان ناري وسقطت باقة الورود من يدها بصدمة ألجمتها عندما رأته في فراشه ونصفه العلوي عاريًا وبين ذراعيه هذه الفتاة الخبيثة "ليلة" وترتدي ملابس نوم عارية تكاد تخفي جسدها وغارقين في نومهما هم الاثنين. تسللت الدموع من عينيها كالفيضان مما تراه وتوقف قلبها عن النبض من الألم واستوطنها ألم الخيانة فقط لتصبح خيانته جحيمًا لها ونيران أحرقت قلبها للتو.
رواية وختامهم مسك الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نور زيزو
ظلت تتطلع به غارقًا في نومه وبين ذراعيه هذه الفتاة الخبيثة، اللعينة التي مزقت قلبها بالقرب من مُتيمها هكذا، وكيف تجرأت على لمسه؟ هزت "مسك" رأسها بالنفي لا تُصدق ما يسأله عقلها فهذه الفتاة ليست المجرمة وليس عليها ذنب في فعلتها بل كل الحق والمجرم الوحيد في حق قلبها الآن هو "تيام" زوجها الذي تقرب من غيرها في غيابها واستغل خصامهم وهجرها ليعود إلى فتيات الليل بخبث وقسوة، كأنه قرر معاقبتها على الهجر بهذه الطريقة المُميتة لقلبها.
التفت لكي تغادر الغرفة بعد ما رأت كل هذا بقرّة عينيها ودموعها لم تتوقف للحظة لكن توقفت قدميها عن السير وقالت بتمتمة تعتصر شرايين قلبها التي تحمل عشقه بداخلها:
- لا.
عادت إلى الفراش بغضب سافر وأخذت إناء الماء من فوق الطاولة ورمت به في وجهه ليفزع من نومه بذعر وصرخ:
- في إيه؟
اتسعت عينيه على مصراعيها حين رآها تقف أمامه باكية بل مُنهارة تمامًا وتحدق به بنظرات مُشمئزة تحمل الكره والغل فقط، لم يفهم سبب كل الكره وما الشيء الذي أبكاها بهذه الطريقة وشهقاتها تمزق قلبه وتوخزه بقوة، قال بخفوت وقلق عليها:
- مسك....
قاطعته بصفعة قوية على وجهه تحمل بين طياتها وأناملها قوة غضبها البركاني الذي أحرقها من الداخل وأدارت رأسه من قبضتها مُصدومًا من فعلتها لكن سرعان ما ترجم عقله كل شيء عندما رأى "ليلة" في فراشه بقميص نوم وهو بدون قميصه، اتسعت عينيه على مصراعيها بصدمة ألجمته أكبر من صدمة صفعها له وفتح فمه من هول الفزع الذي أصابه وقد فهم الآن سبب بكائها وقسوتها ولما تجرأت "مسك" على رفع يدها به؟
فاق من صدمته المُميت على صوتها وهي تقول بألم يمزقها من الداخل ويخنق حنجرتها لتكن نبرتها مؤلمة أكثر:
- أنا عملت إيه عشان تعاقبني كده؟ كنت عايز إيه من عملتك تقهرني ولا تربيني هاااااا؟
نظر إليها بذعر بعد أن صرخت في وجهه وفتحت "ليلة" عينيها على صوت صراخها لتُصدم من وجود "مسك" التي مسكت بهما بالجرم، تمتم بذعر خوفًا عليها وقد فهم من نظراتها أن علاقتهم وزواجهما وصل للنهاية قبل أن يبدأ حتى:
- والله ما عملت حاجة! أنا حتى مش فاكر...
مسك جبينه بغضب لا يعرف ولا يفهم كيف حدث هذا؟ كيف تجرأ على خيانتها وهي تسكن قلبه؟ لم يستوعب ما يحدث أو كيف فعل هذه الجريمة بحق "مسك" محبوبته؟ وعدها ألا تلوث فتاة أخرى بيتها بين ذراعيه والآن ماذا فعل بها؟
ظلت دموعها تنهمر أكثر وأكثر وعينيها تحفر هذا المشهد المُرعب والقاتل لقلبها في مُخيلتها لتُتمتم بحسرة مزقتها:
- حرام عليك قلبي وروحي، بس الغلط مش عليك الغلط عليا أنا وثقت إن واحد بنجاستك ممكن يتوب ويتصلح حاله، أنا اللي غلطانة إني صدقت إنك بتحبني لكن لا أنت بس كنت بتمثل عليا لحد ما توصل للي عايزاه.
مسكته "مسك" ذراعيه بقهرة وعلى وشك فقدان صوابها ويجن عقلها من هذه الخيانة لتقول بتمتمة وسط بكائها:
- قولي أعمل فيك إيه؟ أقتلك ولا أطلع قلبي من صدري وأرميه في النار لأنه حبك؟ كان لازم أصدق لما اتقالي إن ديل الكلب عمره ما هيتعدل.
رأت "ليلة" تتسلل بخوف من الفراش لتهرب من نار هذه الزوجة فجذبتها "مسك" من شعرها بقوة لتصرخ "ليلة" بألم قوي من سحبها وتسمع "مسك" تقول بغضب سافر:
- رايحة فين يا زبالة؟ لتكوني فاكرة إني هرحمك.
سحبتها من فوق الفراش بقوة لتسقط "ليلة" أرضًا بقوة فصرخت من ارتطام جسدها بالأرض بينما "مسك" تقول بغيظ شديد:
- لتكوني فاكرة إنك هتدمري حياتي وتمشي كده.
فتحت باب الغرفة وألقتها بالخارج بملابسها الشبه عارية وتجمع الجميع على صراخها وصفعها المتتالي لوجه "ليلة" بقوة، جاء "جابر" و"ورد" على صوت الصراخ ليُصدم عندما رأى "ليلة" على الأرض و"مسك" تجلس فوقها وتصفعها بقوة وغضب يحرقها من الداخل حتى بات وجه "ليلة" عبارة عن بركة دموية من ضربات "مسك" القوية، أبعدتها "ورد" و"جابر" بالإكراه بعيدًا عنها وكانت "ليلة" قد فقدت الوعي كليًا من قبضة هذه المرأة.
سألتها "ورد" بفضول وصدمة ألجمتها من حالة "ليلة":
- حصل إيه؟
صرخت "مسك" بألم شديد في بطنها وكأن حسرتها ونزيف قلبها المُحترق تسللوا إلى رحمها حيث طفلها لتحرقه النيران مع والدته:
- أبعدي عني والله لأقتله الخاين وأحرق قلبه زي ما حرقلي قلبي وروحي.
اتسعت عين الجميع على مصراعيها عندما نعتته بالخائن ورؤية "ليلة" بهذه الملابس العارية جعلهم يترجموا الموقف بسهولة وأن هذه الزوجة وجدت فتاة بأحضان زوجها، وضعت يديها على بطنها بألم شديد يحرقها كأن هذا الطفل تواطأ مع والده على تمزيقها من الوجع وجاء دوره الآن، دفعت "ورد" بعيدًا عنها ودلفت للغرفة حيث "تيام" الجالس مكانه بصدمة ألجمته وما زال لا يستوعب ما يحدث ويعتقد بأنه يرى منامًا سيئًا بسبب ماضيه.
دلف وراءها "جابر" ليراه بالفراش فصرخت به غاضبة:
- طلقني...
رفع نظره إليها وترجل من الفراش وهو يرتدي قميصه سريعًا وقال:
- لا، أنا معملتش حاجة.
صفعته من جديد أمام "جابر" بنيران قد أحترقتها وانتهى الأمر لتقول بألم:
- كداب وخاين ليكون أنا اللي جبتها بين أحضانك، طلقني يا أزبل خلق الله.
لم يبالِ بكلماتها ووجهها المُلتهب باحمرار غضبها وحسرتها كافيًا بأن يخبروه بأنها ليست في وعيها وما زالت تحت تأثير صدمة ما رأته، اقترب أكثر منها ومسك أكتافها بلطف وقال بنبرة خافتة:
- لا مش هطلقك، مش هعملها تاني... أنا مظلوم والله وما أعرف عملت كده إزاي بس مش هطلقك على الأقل عشان ابننا.
مسكته من قميصه وعينيها ينبعث منها الشر والغضب وقالت بتحدٍ وقوةٍ:
- والله لو ما طلقتني لأنزله وأخلص منه، أصلًا أنا قرفانة أشيل حتة من نجس زيك جوايا فبلاش تختبري صبري عليك.
تطلع بعينيها الباكيتين ويديها التي ترتجف من صدمتها فوق صدره وشفتيها المرتعشة، كل هذه الآلام الواضحة في ملامحها لا يصدق أنه سبب هذا فقال بندم شديد على تسببه لها بهذا الوجع المُميت:
- أنا آسف والله آسف حتى لو مش عارف عملت كده إزاي؟ بس متسبنيش عاقبيني بالطريقة اللي تعجبك يا حبيبة قلبي.
ما زالت دموعها تذرف بوجع لا يُحتمل فتركت قميصه بقوة ودفعته بعيدًا عنها بقبضتها القوية في صدره وقالت بحزن:
- الله لا يهنيك يا تيام ولا تنعم في يوم براحة، يارب يوريني فيك نفس الوجع اللي جوايا... غور من وشي ومتورينيش وشك عمري كله حتى لو ميت.
خرجت من الغرفة مُنهارة كليًا وتضع يديها على فمها تكتم شهقاتها، نظر "جابر" إلى "تيام" بغضب سافر مما تسبب فيه لزوجته من حسرة وحزن، لقد جعل ألم الخيانة وطنًا لهذا القلب النابض له بين ضلوعها، استوطنها نيران عشقها المُحترق من خيانته.
خرج "زين" من المصعد في نفس الطابق بعد أن سمع من زوجته ما حدث ليراها هناك تسير في الرواق بخطوات بطيئة مُنهارة كليًا وباكية بهستيرية، تقدم نحوها بخطواته لكن قبل أن يصل إليها رآها تسقط على الأرض فاقدة للوعي من صدمتها وألمها الذي لم يتحمله القلب.
ذهب "متولي" ذعرًا إلى المستشفى التي نقلت إليها "ليلة" بعد ضرب "مسك" المبرح لها ورأى وجهها الجميل قد تمزق كليًا بالكدمات وكسرت "مسك" أسنانها من قبضتها القوية وغضبها الناري، لم يُصدق ما يراه لتفتح "ليلة" عينيها بتعب وألم يمزق وجهها، حاولت أن تتحدث لتتألم من الوجع أكثر فقال "متولي" بلطف:
- متتكلميش، حاولي تجاوبيني بصبعك، صورتيه.
أشارت له بنعم بسبابتها فتبسم بحماس ثم سألها:
- هي قفشتك في علاقة؟
أشارت له بلا وتضع يدها الأخرى على وجنتها من الوجع، عاد "متولي" بسؤال جديد ولا يبالي بحالة هذه الفتاة، بل كل ما يهتم له هو ما يريده:
- تيام دخل معاكي في علاقة؟
صمتت قليلًا وهي تتذكر كيف كان يردد اسم "مسك" بجنون كأنه مهووسًا بعشقها، تبسم "ليلة" أكثر بحماس عندما رأته أوشك على فقدان الوعي وظلت تراقبه من بعيدًا بخوف من أن يتعرف عليها إذا لمسته فبالتأكيد عاشقًا مثله سيميز لمسة محبوبته من بين جميع الناس، انتظرت حتى فقد وعيه كليًا وغاص في نومه، اقتربت من باب النافذة وفتحته ليتسلل أحدًا من شرفة الغرفة المجاورة ويحمل في يديه كاميرا، نزع قميصه عن جسده وتركه بالفراش حتى خرجت "ليلة" بقميص نومها من المرحاض بعد أن بدلت ملابسها وصعدت بالفراش جواره، بدأ هذا الرجل يساعدها في التقاط الصور المُثيرة لهما وهي تضم "تيام" وتقبل وجنته وتداعب صدره بأناملها، أخذ أكثر من 10 صور لهما وغادر من الغرفة كما جاء لتظل "ليلة" مكانها قربه وتتطلع بملامحه، رفعت يدها إلى وجنته بإعجاب بوسامته عن قرب وقالت بتمتمة:
- ااااه، لو بإيدي مكنتش أسيب الليلة دي أبدًا.
باتت تتفحص ملامحه بإعجاب وتتمنى لو فتح عينيه للتو وضمها أكثر إليه ولو ليلة واحدة تعيشها بين ذراعي هذا الرجل الذي تتمناه أي فتاة قد يقع نظرها عليه، لم تقو على فراق ذراعيه وظلت بينهم حتى غاصت في نومها ويا ليتها تركته وهربت حتى لا تفتح عينيها على زوجته المجنونة التي أوصلتها لهذه الحالة ومزقت جمالها ووجهها الساحر، أشار إلى "متولي" بلا وقالت بصعوبة من ألم فمها:
- لا والحمد لله إنه لا، تخيل لو كنت عملتها كانت المجنونة دي عملت فيا إيه.
اقترب "متولي" من أذنها بغضب سافر وهمس بنبرة مُرعبة:
- كنت قتلتك أنا يا ليلة، لأنك ليا أنا لوحدي.
ابتلعت لعابها بخوف من هذا الرجل المهووس بها ومع ذلك جلبها لترتمي بين ذراعي غيره ويلتقط الصور لجسدها بملابس نومها مع غيره، حدق بعينيها بنظرات نارية أرعبتها ثم مسح على رأسها بلطف وقال:
- أحمدي ربك إنك لسه عايشة.
تمتمت بضعف شديد وصوت مبحوح وتضع يدها على فمها من الوجع:
- وما دام خايف عليا...
ليه بعتني هناك؟
نظر لها بخبث شديد ثم قال بجدية صارمة:
عشان المصلحة عايزة كده، أنا همشي وأجيلك تاني.
غادر المستشفى لتتنفس الصعداء بصعوبة ولا تستوعب حُب هذا المجنون لها.
فتحت "مسك" عينيها بصعوبة من التعب لتتذكر ما حدث وعادت للبكاء. وجدت نفسها في غرفة الجناح الخاص و"طاهرة" الخادمة بجوارها وهكذا "ورد" العابسة. اعتدلت في جلستها بصعوبة لتقول "ورد" بحزن:
خليكِ مرتاحة، الدكتور قال ممنوع تتحركي لأن الحمل في خطر.
ترجلت من الفراش غاضبة من قلبها، توفي وتوقف عن النبض عندما رأت خيانته، فأصبحت تشبه الجثة المُتفحمة من النيران وقالت بقساوة وجحود:
إيه... خليه ينزل ويخلصني أساسًا أنا مش طايقة أشيله جوايا أكتر من كده.
دمعت عيني "ورد" بحزن شديد من هذا الوجع الذي أصابها وتساءلت كيف لأم أن تكره جنينها المتصل بقلبها ويسكن أحشاءها بهذا القدر؟ تمنت الموت له قبل أن يولد أو تراه. وقفت بذعر من حركة "مسك" وقالت:
بالله عليكي ارتاحي لحد ما تهدئي وتعرفي تفكري، أنتِ دلوقت مصدومة ومش واعية بتعملي إيه؟
فتحت "مسك" باب الغرفة ووجدته يجلس مع "زين" و"جابر" بقلق بعد ما سمعه من الطبيب وسارت مُتجهة للمصعد حتى تغادر هذا المكان، فأسرع إليها لا يبالي بشيء سوى صحتها وتحذير الطبيب له من حركتها. مسكها من ذراعها بقوة وقال:
أنتِ رايحة فين؟
نظرت إلى يده بغضب سافر وقالت بتهديد واضح:
لتكون حابب تأكل كف قصادهم مرة تانية.
ترك يدها باستياء من كلمتها وقال بتحذير:
خليكِ هنا مرتاحة وأنا بوعدك ما تشوفيش وشي ولا حتى ظلي، لكن ما تعرضيش نفسك وابننا للخطر.
التفتت "مسك" إليه بغضب سافر وقالت بنظرات غليظة نارية:
أنا قولتلك أني مش عايزة، ولو هو اللي هيحرق قلبك فأنا مستعدة أطلعه بأيدي وأرميه في وشك.
اقترب "جابر" بهدوء منهما ربما يقوى على إخماد هذه العاصفة التي حلت بهم وقال:
تيام بيه مُصر أنه ما عملش حاجة.
ضحكت "مسك" بسخرية قاتلة من كلماته وقالت:
لأكون سمعت الخبر من حد وصدقت ولا وصلتني رسالة جوزك بيخونك، أنا شوفته بعيني، معقول أكذبهم وأصدق واحد زيه؟ طب إزاي وكل اللي هنا بيعرفوا حقيقته وماضيه الزبالة، ده مش جديد عليه وأنا مش مستغرباه.. أنا مستغربة إزاي قدر يقعد المدة دي كلها من غير ما يلعب بديله.
اقتربت خطوة أكثر منه ونظرت بعينيه بوقاحة وقالت باشمئزاز:
ولا أنت أصلاً كنت بتلعب بديلك وبتخوني من زمان وكنت أنا المُغفلة... يا ترى كام واحدة خنتني معها؟ بس تصدق أنا كنت مُغفلة فعلاً لأن من البداية وأنت وعدت أني أكون بين أيدك زيهم وبمجرد ما وصلت للي عايزاه رميتني. برافو عليك والله ممثل ما فيش من اتنين.
مسكها من ذراعها بقوة ونظرات غضب بركاني تشتعل بداخله وهي تتهمه بالخيانة طيلة هذه الفترة رغم أنه لم ينظر مجرد نظرة لأي امرأة سواها وقال بحزم:
أنا مش خاين يا مسك ولا بمثل، وهيجي وقت تعرفي أني كنت بحبك بجد واتقيت ربنا فيكي.
قهقهت ضاحكة على كلماته وقالت بعينين باكيتين:
كنت!! وليه جاي على نفسك كده؟ كتر ألف خيرك والله إنك كنت بتحبي والحمد لله أنه كان في الماضي.
التفتت لكي تغادر هذا المكان الذي قُتل قلبها فيه، لكن أوقفه "تيام" بصوته القوي يقول:
أنتِ مش هتطلعي من هنا إلا لما تصدقي وأثبت لك أني بريء من خيانتك؟ بعدها القرار ليكي، لكن لحد الوقت ده يا مسك رجلك مش هتخطي الجناح.
قالها وغادر هو هذه المرة غاضبًا وأمر رجاله بأن يمنعوها من الخروج حتى لو بالقوة. كزت على أسنانها بضيق شديد من سجنها هنا وصرخت بغيظ:
والله حتى لو كنت بريء يا تيام، إحنا انتهينا.
عادت إلى غرفتها وجهشت في البكاء من جديد مرة أخرى بانهيار.
دلف "متولي" إلى مكتب "زينة" في الصباح الباكر وقال:
صباح الخير.
تبسمت "زينة" إليه بهدوء وقالت:
صحي النوم يا جناب البيه، خليك والله لحد ما نجيب لك الفطار لحد السرير.
تنحنح "متولي" بحرج من كلماتها الساخرة وقال:
آسف.
تيام عامل اجتماع مجلس إدارة الساعة عشرة.
قالتها بحزن مُصطنع من هذا القرار فتبسم "متولي" بحماس وقال:
أنا كلمت بكر في حوار القرض وهو وافق وعايز يقابلك، يعني مهما كان الاجتماع ده والهدف منه إحنا في خلال أيام هنكون أصحاب النسبة الأعلى ويحق لنا الإدارة.
أومأت إليه بنعم وقالت ببرود قاتل:
ماشي، حدد ميعاد وبلغني بيه.
تبسم "متولي" بحماس أكبر وقبل أن يتابع حديثه دلف الموظف إلى المكتب ويقول:
شوفتي اللي حصل يا أنسة زينة؟
نظرت "زينة" إليه بحيرة وعدم فهم ليفتح لها التابلت وصُدمت مما تراه.
اتسعت عيني "زين" و"جابر" من رؤية هذه الصور التي نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عن "تيام" و"ليلى" وقد شوش الفاعل وجهها حتى لا يظهر، رغم وضوح ملامح "تيام" مُتعمدًا فضحه أمام الجميع. تمتم "جابر" بصدمة ألجمته وقال:
الله يستر من الكارثة دي.
تحدث "زين" بقلق من هذه الصور وقال:
كان ناقصنا ده، مستحيل مجلس الإدارة يوافقوا على تنصيبه الرئيس بعد الفضيحة دي.
نظر "جابر" له بحيرة وعجز عن فعل شيء في الساعة الباقية عن الاجتماع.
ضربت "مسك" الهاتف في الحائط بغضب سافر بعد رؤيتها لهذه الصور وصرخت بانفعال ووجعًا. دلفت "ورد" على صراخها بفزع وصُدمت مما تراه وهذه الفتاة قد حسمت أمرها في قتل قلبها بيدها. أوقفتها "ورد" بذعر شديد يتملكها الآن:
أنتِ رايحة فين؟
رايحة أحرق قلبه زي ما حرق قلبي.
قالتها "مسك" بحسرة تأكلها حتى أصبحت بلا قلب ولا تعرف عن الرحمة شيئًا. خرجت من الغرفة وانتبهت "ورد" إلى الورقة الموجودة على الفراش فذهبت نحوها ووجدت رقم. أعطت الورقة إلى "جابر" وقالت:
أنا خايفة عليها ومعرفش ده رقم مين؟
أعطى "جابر" الورقة إلى أحد رجاله وطلب منه معرفة صاحبها وعاد بعد قليل بدقائق معدومة تكفي لاتصاله بزميل يعمل في شركة الاتصالات وقال:
ده رقم عيادة دكتور أمراض نسا.
اتسعت عيني الجميع من هذا الأمر وقد فهموا دون أن يتحدث أحدهم سبب هذا الرقم وتمتمت "زينة" بصدمة ألجمتها:
معقول تنزله؟ لا أكيد يا جابر مش هتعملها، ما فيش أم تقتل ابنها بأيدها...
ابعث لتيام بيه بسرعة.
قالها "جابر" بخوف شديد من أن تفعل هذا لكن لم يجد أحدًا أثرًا له بهذا المكان وهاتفه مُغلق كأن القدر يساعدها في قتل هذا الرباط والصلة الأقوى التي تجمعها به.
دلفت الممرضة إلى غرفة "ليلى" ووضعت حقنة في الكانولا المتصلة بوريدها فقالت "ليلى" بتعب:
أنا لسه واخدة الدواء.
رفعت الممرضة نظرها وابتسمت بسمة خبيثة مُرعبة لتقول "ليلى" بخوف احتلها:
أنتِ مش ممرضة؟ مين اللي بعتك؟ ... متولي!!
أتاها صوته من تجاه الباب يقول بقوة وغضب يحرقه من فراق زوجته وبكائها.
نظرت إلى "تيام" بذعر ووجهه كان مُرعبًا كأنه جاء بالهلاك وبين يديه يحمل موتها بقسوة. رؤية "مسك" تبكي وترتجف قهرتها والحسرة التي أصابت قلبها ما زالت توخز قلبه بل تطعنه بخنجر في مقتل. سريعًا ما فقدت "ليلى" وعيها ليفسح "تيام" الطريق لرجاله ودلف لكي يأخذها من المستشفى.
بنفس اللحظة التي أغمضت "مسك" عينيها على السرير أمام الطبيب فاقدة للوعي من المخدر الذي استحوذ على دمائها وسار في شرايينها رويدًا رويدًا وما زالت الدموع لم تجف من عينيها على ما آلت إليه الأمور وتفتيت قلبها من فرط الوجع والخيانة التي استوطنتها بين طيات ألمها لتصبح أسيرة هذا الوجع المُربع الذي لم يتحمله قلب بشري عاشق.
رواية وختامهم مسك الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نور زيزو
فتحت "مسك" عينيها بتعب شديد في أرجاء جسدها كاملًا، لتُصدم عندما وجدت "غزل" تقف أمام الفراش وتحدق بوجهها بعبوس شديد ثم قالت:
- فوقتي!!
تنهدت "مسك" بتعب وحاولت الجلوس على الفراش، لكن أوقفها صوت "غزل" الحاد تقول بسخرية مُخيفة:
- يا رب نكون بطلنا جنان، ولا أجيب لك دكتور يكشف على مخك شكله أتأذى من العملية.
تأففت "مسك" بضيق من سخرية أختها وقالت بعبوس قوي:
- مش ناقصاكي على فكرة.
التفت "غزل" إليها وجلست جوارها ثم قالت بغضب شديد:
- مش ناقصاني!! أنتِ اتجننتي في عقلك يا مسك؟ في واحدة عاقلة تروح تموت ابنها بإيدها، هااااا؟
وضعت يدها على بطنها بحسرة تقتلها من الداخل، تمتمت "مسك" بحزن وخيم قتل قلبها:
- عشان أحرق قلبه زي ما حرق قلبي، أنا قلبي فيه نار يا غزل محدش حاسس بيها غيري، أنا فضلت أهرب منه عشان أحمي قلبي من الوجع ومن ماضيه اللي كان مخوفني، كنت عارفة حقيقته إنه بتاع بنات ونزواته ما بتخلصش، فضلت خايفة أكون نزوة منهم وقلبي هو اللي يتحرق، وفي الآخر إيه اللي حصل ها؟ برضه خاني وطلع الحب كذب ووهم، وقلبي مات ومحدش قتله غير تيام وبإيده...
بتلومني ليه بقى؟
تنحنحت غزل قليلًا وربتت على كتفها بلطف بعد أن هزمتها دموع أختها التي تساقطت من جفنيها. ورغم كل الحذر والاحتراس الذي أخذته حتى لا يتألم قلبها، كان هباءً بلا قيمة، واحترق قلبها بنار الخيانة. تمتمت غزل بدفء قائلة:
- عارفة لو كنتِ قتلتي ابنك بإيدك كانت النار دي مش بس حرقت قلبك، كانت حرقتك كلك يا مسك.
رفعت مسك عينيها للأعلى حيث أختها، واتسعت عينيها بصدمة ألجمتها ثم قالت:
- لو؟ هو؟
أومأت غزل لها بهدوء ويدها تمسح على رأس أختها وقالت بلطف:
- أه منزلش. أنا وجابر لحقناكي على آخر لحظة. متوقعش إني أول ما أدخل الفندق يتقال لي أختك راحت تموت ابنها. عقلك كان فين يا مسك وأنتِ بتقرري تقتلي نعمة ربنا رزقك بيها؟ غيرك بيعيش شهور وسنين على ما ربنا يرزقه بطفل، وأنتِ سبحان الله اترزقتي به بسهولة وكان سبب لقوتك في عز الضعف والخوف، وأنتِ بكل غباء عملتي إيه؟ روحتي تنزليه.
تنهدت مسك بهدوء وطأطأت رأسها تنظر إلى بطنها. طفلها الذي لم يكمل شهرين في رحمها وأرادت التخلص منه بغبائها. دمعت عينيها بضيق مما كانت ستفعله. كانت ستندم عمرًا كاملًا إذا فعلت هذا، وتساءلت أين كان عقلها وهي تقرر قتل ابنها بيدها؟
تبسمت غزل بعفوية على أختها التي تحتضن طفلها الآن بيديها الصغيرة وكأنها فاقت من صدمتها للتو وأدركت مدى بشاعة جريمتها التي أوشكت على فعلها.
***
كانت غرفة الاجتماعات في حالة من الفوضى بعد أن رأى الجميع صور تيام، وسبب هذا الاجتماع هو تنصيبه في منصب الرئيس، وكيف له أن يكون رئيسهم بهذا السلوك السيئ؟
تحدث جابر بنبرة قوية ووجه حازم:
- ممكن شوية هدوء.
أجابه أحدهما وهو يقول باغتباط وغضب متملك من عقله:
- نهدأ إزاي وحضرتك بتقرر إنه يكون الرئيس؟ أنا لسه عند رأيي وخصوصًا بعد اللي حصل. باشمهندس زين هو الأحق بالمنصب ده.
فتح باب المكتب ودلف تيام مرتدياً بدلته الرمادية اللون وقميصه الأسود، مصفف شعره للأعلى ويرتدي حذاء أسود لامع يبدو أنه جديد ذو علامة تجارية باهظة. تبسم تيام بهدوء خبيث ثم قال:
- خلينا نصوت على الاقتراح اللي قاله الأستاذ.
نظر البعض لبعضهم بحيرة من قراره، واقترب جابر منه بهدوء وحرج من كلماته القوية كأنه جاء ليثير غضب أعضاء مجلس الإدارة والمساهمين بنفسه. همس إليه بحرج:
- أنت بتعمل إيه؟
تبسم تيام بهدوء إليهم وبدأوا في رفع أيديهم واحدًا تلو الآخر. فنظر تيام إلى هؤلاء الستة الذين تجرأوا لرفع أيديهم لرفضه رئيسًا لهذا المكان وقال بحزم:
- جابر، نص ساعة وملاقيش حد فيهم في المكان، وأعتبر قرار فصلهم أول قرار أخذه بصفتي الرئيس.
تبسم زين على جرأته وقوته. نظرات التساؤل في أعين الجميع عن كلماته وكيف نصب نفسه رئيسًا عليهم وخصوصًا بوضعه الآن. أشار للرجل الواقف جوار الباب ففتحه على مصراعيه، ودلف رجاله بـ ليلة التي ترتدي ملابس المستشفى ترتجف خوفًا ورعبًا من حصول تيام عليها. اتسعت أعين متولي على مصراعيها وهو يقف خلف زينة من حضور ليلة. نظر تيام إليها بغرور وقال بجدية:
- دي اللي قلتوا إني كنت معاها؟!
ابتلعت ليلة لعابها بخوف شديد ثم قالت:
- أنا في حد بعت لي فلوس وطلب مني أصور تيام بيه.
نظر متولي لها بغضب سافر وهي ترمقه بخوف شديد ولم تجرأ على ذكر اسمه. تبسم جابر بفخر من هذا الرجل المجنون الذي جاء بها إلى هنا حتى يثبت براءته أمام الجميع. التف تيام حول الطاولة التي تبلغ الثلاثة أمتار حتى وصل إلى مقعد الرئيس الموجود بمقدمة الطاولة ليبتعد زين عنه بوجه قوي كأنه يرحب بـ تيام وتحدث بهدوء:
- كده بقى نقدر نبدأ اجتماعنا.
نظر الجميع إلى زين الذي جلس على المقعد المجاور لـ تيام على اليمين، وعلى اليسار جلس جابر بعد أن جعل الرجال يأخذون ليلة خارج الغرفة. نظر تيام إلى هؤلاء الستة الذين اعترضوا عليه حتى غادروا الغرفة نهائيًا بحرج بعد أن خسروا وظيفتهم بلا سبب فقط لأنهم تحدثوا عن رأيهم. تمتم جابر بخفوت في أذنه بعد أن انتهى الاجتماع:
- دكتورة مسك حاولت النهار ده الصبح تنزل الجنين.
اتسعت عينيه على مصراعيها بصدمة ألجمته من فعل زوجته المجنونة. ألا يكفيه ألم قلبه عندما صدقت به هذه التهمة في حق عشقه لها؟ والآن نقلت غضبها إلى طفل لم يخلق بعد، مجرد نطفة من الدماء داخل رحمها. تأفف بغيظ شديد وغادر الغرفة غاضبًا.
***
تمتمت زينة بغضب سافر وهي تدخل مكتبها بعد الاجتماع:
- شوفت يا متولي؟ شوفت إزاي الكل اتخرس وقت ما تيام ظهر وخلاص رسميًا دلوقت بقى الرئيس وصاحب القرار الأول والأخير في المكان.
كان متولي شاردًا كليًا في موقف ليلة وماذا حل بها بعد أن أخذوها الرجال؟ استدارت زينة له بغضب سافر وقالت:
- متولي!!
فاق من شروده على نبرتها القوية وقال:
- أيوة.
جلست على مقعدها بضيق وهي تلوح بيديها في العدم وتقول:
- لأ، ده أنت مش معايا خالص.
هز رأسه بلا وجلس على مقعده المقابل للمكتب وقال بجدية:
- عشان كده قولتلك على موعد القرض ونشتري الأسهم من المساهمين على الأسهم اللي عند حضرتك وهنقدر نقف قصاده بعدها.
أومأت إليه بنعم ثم قالت:
- عندك حق. حددت لي ميعاد مع بكر؟
- أه النهار ده الساعة 8 على العشاء.
قالها بحماس شديد لتبتسم زينة بمكر خبيث ثم قالت بضيق:
- للأسف أنا مش فاضية في الميعاد ده، غيره يا متولي.
قالتها ووقفت من مكانها تسير في أرجاء الغرفة بلا مبالاة. تأفف متولي خلسة بلطف على رفضها وغادر المكتب. اتجهت زينة إلى مكتب أخيها وكان جابر هناك فأخبرتهم بالموعد ليقول زين بحزم:
- لا يا زينة، أفضلي ارفضي بأي حجة. لازم تكوني أنتِ اللي مسيطرة مش هم.
جلست على الأريكة بغرور ووضعت قدم على الأخرى ثم قالت:
- أنا عملت كده بالفعل خصوصًا أن متولي متحمس أوي للقاء ده. كمان هو اللي رتب كل حاجة الميعاد والمكان وكل حاجة، وده راجل ضميره الله يرحمه أنا ما أثقش فيه من هنا لهناك كده.
نظرت غزل إليها بهدوء ثم قالت بتحذير شديد:
- برافو عليكي لكن خلي بالك من حاجة مهمة. بكر شيطان مش بني آدم، وأوعي تفقدي حذرك نهائيًا وأنتِ قصادك، لأن حتى وأنتِ واخدة حذرك هيأذيكي. ووقت ما تحددي المكان والوقت عرفيني.
أومأت زينة لها بهدوء وعينيها تتجول في الغرفة وسألت بهدوء:
- أمال تيام فين؟
نظر الجميع إلى بعضهم وعقلهم يقتلهم من معرفة رد فعله على ما ارتكبته مسك صباحًا.
***
وصل تيام إلى الجناح الملكي مستشاطًا غضبًا من هذه الفتاة. جن جنونها نهائيًا لتفكر في قتل ابنهما. بحث عنها في كل الأرجاء حتى قابلته طاهرة فسأل بنبرة غليظة:
- هي فين؟
تحدثت طاهرة بحزن ووجه عابس:
- في الأوضة مبطلتش عياط من ساعة ما سمعت باللي حصل وأن حضرتك بريء. أنا خايفة يجرالها حاجة من الزعل.
تأفف بغضب شديد وأغمض عينيه من حزنها الذي فرضته هي على قلبها. فتح باب الغرفة ودلف إليها، رآها منكمشة في ذاتها داخل الفراش وتبكي بصمت قاتل وتئن وجعًا حتى مزق أنينها قلبه. لا يعلم ألم يكفيه وجعه من اتهامها له حتى تزيد الوجع نارًا من حزنها؟ تنهد بهدوء ثم قال:
- وآخرتها إيه؟
اعتدلت في جلستها فور سماع صوته وكانت تبكي وترتجف حزنًا. وجهها الجميل صار أحمر كاللهب من كثرة بكائها وعينيها منتفختين من البكاء وبات بياضهما أحمر كتجمع دموي احتل عينيها الرماديتين. لم يتحمل رؤيتها هكذا فقال بضيق:
- شوفتي وصلتي نفسك لفين؟ ووصلت علاقتنا لإيه؟ كل الوجع ده والدموع ده ليه؟ عشان أطلقك يا مسك؟ هترتاحي يعني في البعد؟
رفعت نظرها إليه بصمت قاتل يمزقها كليًا. تابع حديثه بضيق:
- أنا مخونتكيش يا مسك. أنا حبيتك وصونتك. اتقيت ربنا فيكي وبكيت في صلاتي ليكي وعشانك. لعنت كل نساء الأرض من بعدك وأقسمت أن ما في واحدة خلقها ربنا هضمها بين أيدي غيرك، لكن أنتِ عملتي إيه؟ قسيتي ووجعتي وأنا اتحملت عشانك وعشان وثقت في قلبي وحبك اللي احتله وبقى نبضه. فضلتي تقسي وتوجعي وأنا أقول معلش من حقها تخاف. واحدة نقية وصافية وقلبها ملمسهوش الحب قبل كده طبيعي تخاف وخصوصًا من واحد له ماضي زيي، واتحملت عشان بس أطمنك وأحسسك بالأمان معايا.
جهشت باكية مع كلماته وطأطأت رأسها خجلًا من النظر إليه بعد كل ما فعلته. تابع حديثه بقسوة أكثر هذه المرة:
- فكرة إنك تتأذي أو تتوجعي كانت بتقتلني وتحسسني إني واقف على حافة الموت وخلاص الحياة هتنتهي، لكن أنتِ يا مسك متوصتيش في وجعي وأذيتي. محدش آذاني ووجعني قدك، ومع ذلك ورغم قسوتك اللي تكفي العالم كله فضلت ماسك إيدك وحلفت ماهسيبها. قبلت دعاكي عليا وكرهك ليا بس عشان حسيت بوجعك، لكن توصل إنك تقرري تقتلي روح بريئة كل ذنبها إنها اتخلقت جواكي وإنها حتة مني لا يا مسك.
وضعت يدها على فمها من الوجع الذي يزداد بداخلها من حديثه وتذكرت كيف لفظ لسانها بدعواتها عليه لأجل الوجع. تمنت الموت له من ألمها رغم أنها لا تقوى على الحياة دونه. تحدث تيام بحسرة تمزقه:
- ماشي يا مسك. أنا هطلقك ولو ده اللي هيريحك ولو على الوجع فوجع الفراق أهون من وجع القرب على الأقل اسمه فراق.
اتسعت عينيها الباكيتين على مصراعيها من الصدمة التي ألجمتها للتو من كلمته وكأنه حكم عليها بالإعدام. التف لكي يغادر من أمامها لتترجل من الفراش بذعر وهرعت إليه ووقفت أمامه قبل أن يخرج من الغرفة وقالت بتمتمة وصوت مبحوح:
- تيام.
تأفف بغيظ شديد وقد فاض قلبه من هذا النزاع القائم بينهما وقسوتها التي لا مثيل لها في هدم كل شيء. تمتم بعيون باردة كالثلج ونبرة غليظة مخيفة:
- روحي من وشي يا مسك. ربنا وحده اللي بيعلم أنا مانع نفسي عنك إزاي.
روحي أقولك ارجعي القاهرة من جديد، خلينا نرجع زي زمان.
تبسمت بانكسار وسط دموعها الحارقة وقالت:
- آه خلينا نرجع زي زمان.
التف تيام إليها وتطلع بملامحها التعيسة وعينيها الباكيتين، لكنه لم يُهزم أمامهما من جديد، قال بحزم:
- آه لزمان أيام ما كنا منعرفش بعض، أغراب.
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها. من قبل كان يترجاها ألا تتركه، لكن الآن هو من يأمرها بالرحيل وعينيه تنتظر أن تلبي هذا الطلب. أخذت خطوة نحوه بحزن وخيم، وغيومه حلت بقلبها العتم، ثم قالت بتلعثم:
- أغراب! أنا ما اعرفش أعيش من غير ميتِّمي... أنت هتقدر تعيش من غيري يا تيام؟
صمت ولم يُجب عليها، بل تحاشى النظر إليها. فمسكته من ياقة قميصه بقسوة وجذبته لها بعنف وهي تصرخ وجعًا وقالت:
- جاوبني، هتعرف تعيش من غيري يا تيام؟
لم يُهزم من قبل، ولم يقوَ العالم على نكسته إلا بعينيها. هذا الزوج من العيون الذي سبب انتكاسته وهزيمة لا مثيل لها. تحدثت بخفوت وقلب مزقته بجحودها:
- أنتِ لو لعنتي يا مسك مش هتكوني بالقسوة دي. أنا ملعون بعشقك ومغلوب أمري، فقسوة بقسوة بقى، وما دام مكتوب عليا العذاب يبقى في بعدك أرحم، على الأقل هيبقي اسمه عذاب الفراق والغياب أحسن ما يكون عذاب الحبيب... أنتِ طــــــــــ....
كاد أن يلفظ بهذه الكلمة التي ستعطيها حُريتها من هذا العشق، لكنها لم تقوَ على سماعها فأسكتته قبل أن يفعل بهذه القبلة الحزينة التي مزقت قلوبهما. دمعت عينيه من قبلتها وجذبها إليه وتساءل ماذا يجب أن يفعل مع هذه الحبيبة القاسية متحجرة القلب في غضبها؟ ومن جديد شعر بهزيمة قلبه أمامها ليحيط بخصرها بذراعيه ويجذبها إليه أكثر. باتت عالقة بين ذراعيه القويين وتشعر بأنفاسه ودفئه، ثم قالت بهمس وسط بكائها:
- ما تطلقنيش يا تيام... أنا مش عايزة أطلق ولا أبعد عنك، لا إياك تطلقني، إذا عملتها صدقني والله لأطلقك من الدنيا بحالها. أنا مجنونة وأنت عارف إني بعملها.
تبسم بخفة على تهديدها له بالموت إذا أعطاها حريتها من عشقه رغم بكائها، فاقترب من جديد ليجفف دموعها التي سالت على وجنتيها بقبلاته الناعمة وهمس إليها هائمًا بعشقها:
- أنتِ سحري وأنا قبلت به مسحور بلعنة عشقك، وماليش خلاص منه يا مسك. حتى بكل قسوتك وعيوبك أنا عاشقك ومُتيم بيكي يا عمري.
أغلقت قبضتيها من الوجع على سترته بأنامل مُحكمة قوية. داعب وجنتيها براحتي يديه مُشتاقًا إليها وقلبها يُحرقه من الفراق الذي طال بينهم، ثم قال مُتمتمًا بهمس إليه:
- قوليلي أنهي عشق ده اللي اتخلق من القسوة والوجع؟ مش العشق ده حب ورحمة؟ أنتِ وجعي اللي بدعي إنه يدوم يا مسك... شوفتي وصلتيني لفين؟ لأدعي ربنا يدوم وجعي بيكي يا مسك.
تمتمت مسك بحزن سافر وعينيها تحمل عشقًا لن يُرى له مثيل لو بحث في الكون كله:
- أنا حبيتك في عز الوجع يا تيام، اتخلق الحب جوايا من قسوتي.
وضع جبينه على جبينها يشعر بأنفاسها الدافئة وحرارة وجنتيها الحارة من بكائها، والتهب قلبها ويده تتحسس عنقها النحيل بحب وقال هامسًا بنبرتها إياها:
- وأنا عشقت الحب ده يا مسك وقبلت بيه، قبلت بكل حاجة فيكي وحتى عيوبك بقيت أحلامي وأمنياتي.
رفعت قدميها على أصابعها بسبب طوله لتمزق هذا الوجع وتقتله بقبلاتها الدافئة، ليجذبها تيام إليه بقوة كأنه حسم أمره على أن يُخفيها بداخله من هذا العالم الذي علمها القسوة والوجع فقط. أقسم هذا العاشق على أن يخفيها بداخله لتتعلم كيف للعشق دفئًا وحنانًا؟ لم تراهما من قبل...
خرجت ورد من كوخ السباحين مُستعدة للذهاب إلى عملها مع مجموعة من السياح وسارت نحو الشاطئ تحت أشعة الشمس مُبتسمة بسعادة، لكن توقفت ببطء في خطواتها عندما شعرت ببرودة تسير في جسدها وهبوط أصابها حتى بدأت رأسها تشعر بدوران. اتكأت بذراعها على ركبتيها بتعب فشعرت كأنها ستفقد وعيها من انحنائها هكذا وجلست سريعًا على الرمال تئن من التعب. ركض فادي إليها بقلق وقال:
- أنتِ كويسة؟
وضعت يدها على رأسها بتعب وقالت:
- حاسة بهبوط، ممكن تجيبلي حاجة مسكرة.
أومأ فادي لها ثم أخذها من يدها بلطف وقال:
- تعالي ارتاحي بعيد عن الشمس، ممكن تكون ضربة شمس وتتعبك.
أخذها إلى الصيدلية وكان ضغطها منخفض وعاد بها إلى الفندق حيث مسكنها واتصل على زين ليترك كل شيء معه وهرع إلى بهو الفندق ورأى ورد جالسة على المقعد مُتعبة ووجهها شاحبًا لتقول:
- أنا كويسة ما تقلقش.
نظر إليها بقلق سافر لا يبالي لكلماتها أمام ملامحها المُنهكة ووجهها الشاحب وشفتيها الزرقاء من التعب. قال بلطف:
- ما اقلقش إزاي؟ قومي أوديكي مستشفى.
مسكت يده بإحكام تمنعه من الذهاب إلى المستشفى بها وقالت بتعب:
- لا يا زين أنا كويسة شوية هبوط وهيروحوا لحالهم.
اتكأت على ذراعه ووقفت من مكانها فاهتز جسدها وكادت أن تسقط من ارتخاء قدميها التي لا تقوي على حملها فتشبث بها بإحكام وقال بخوف:
- مُتأكدة إنك كويسة؟
أومأت إليه بنعم وقالت:
- آه يا حبيبي أنا بس هأكل وأنام شوية وهتلاقيني صحيت زي الفل.
هز رأسه بضيق مُستسلمًا لعنادها ثم حملها على ذراعيه وقال بجدية:
- شكرًا يا فادي تعبناك.
- لا ما تقولش كده يا فندم، ورد أعز من أخت والله.
قالها بلطف ثم غادر. أخذها زين لغرفتهم وأنزلها على الفراش برفق وظل جوارها. تبسمت على رعايته لها وقالت ببراءة:
- ارتاح يا زين، ممكن تروح تشوف شغلك كمان أنا هنام شوية.
أخذ يدها بين يديه بقلق وعينيها تتفحص كل إنش بها من الخوف، ورغم أنه يعلم أن الجميع يمرضون لكن مرض محبوبته يرعبه. قال بدفء:
- شغل إيه؟ يتحرق الشغل المهم أطمن عليكي يا وردتي. نامي وارتاحي وأنا هطلبلك أكل وهبقى أصحيكي.
أومأت إليه بنعم لتغمض عينيها باستسلام لاهتزاز رأسها ورؤيتها المشوشة فوضع الغطاء عليها بلطف وقبل جبينها ثم أغلق الضوء وتركها في نومها تستريح.
تسللت غزل مُلثمة إلى منزل بكر بحذر في الفجر حتى وصلت إلى غرفة المكتب ونظرت حولها بحذر ثم فتحت جهاز الحاسوب وأوصلت به فلاشة تحمل فيروس حتى تخترق جهازه. ظلت تنظر للشاشة والتحميل البطيء أمامها يزيد من توترها. ظلت تراقب الباب بنظرها حتى ينتهي تحميل الفيروس فسمعت صوت بالخارج وأقدام تقترب أكثر وأكثر من الغرفة وما زال التحميل في المنتصف لتزيد حيرتها أكثر.
وللحكاية بقية...
رواية وختامهم مسك الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور زيزو
خرجت "غزل" من النافذة وتعلقت بها من الخارج، وسمعت صوت "بكر" يدخل الغرفة لتأخذ أنفاسها بصعوبة وخوف من هذه اللحظة التي أوشكت على القبض عليها بيديه، وهذه المرة إذا فعل ستكون من الأموات نهائيًا ولن يعثر على جثمانها أحد. ظل بالغرفة مطولًا لتقفز من النافذة بهدوء، ثم ركضت بين أشجار الحديقة حتى لا ينتبه لها أحد، حتى وصلت إلى سيارتها بالخارج وانطلقت بسرعة قصوى بالغة هاربة من هذا المكان بيد واحدة تمسك المقود، والأخرى تنزع القناع عن وجهها، وتبسمت بحماس وعينيها تنظر على اللابتوب الموجود بجوارها بعد أن نجحت في اختراق حاسوب "بكر" وتنفست الصعداء.
______________________
وقف "تيام" أمام المرآة يربط رابطة عنقه جيدًا وخرج من الغرفة يتحدث في الهاتف قائلًا:
- دور على اللي اسمه فؤاد النمر دا يا جابر وحاول توصله من غير ما بكر يحس عليك.
رأى "مسك" تجلس على السفرة و"طاهرة" تضع الطعام عليها، فأنهى حديثه مع "جابر" قائلًا:
- طيب هكلمك تاني.
أنهى حديثه وأكمل سيره نحوها حتى وصل إليها وقبل رأسها بلطف وقال:
- صباح الحُب يا حُبي.
تبسمت "مسك" على صباحه الجميل وجلس قربها وبدأ يتناولون الإفطار معًا فقالت:
- مين فؤاد دا؟
- واحد كدة هيساعدنا، متشغليش بالك يا حبيبتي.
هزت رأسها باستسلام لإصراره على محاربة "بكر" وقالت:
- ماشي بس خلي بالك من نفسك يا تيام ودايمًا حط في بالك فكرة إننا مالناش غيرك ومحتاجينك.
تبسم إليها بلطف يطمئنها، أخذ يدها بيده ووضع قبلة بها ليخفف من هذا التوتر والقلق الموجودان في عينيها الحادقتين وقال:
- حاضر يا حبيبي ومتقلقيش أنا مش هسمح لنفسي أتأذى عشان قلبك يا مسك.
هزت رأسها بنعم، أخذ رشفة من فنجان قهوتها الخاص ووقف بتعجل من أمره وقال:
- أنا هنزل.
تبسمت وهي تقف أمامه بدلال ثم رفعت يديها الاثنين إلى عنقه تهندم رابطة عنقه بخفة وقالت:
- هتتأخر؟
أخذ خطوة نحوها بإعجاب لهذه الزوجة العفوية وهي تقف أمامه ترتدي بيجامة بيتي عبارة عن شورت قصير وردي وتي شيرت أبيض اللون بقط وشعرها مسدول على الجانبين بحب، فهمس إليها:
- أخليني، أنا بتلكك أصلًا وماليش مزاج للشغل.
قرصته في ذراعه بخفة من قلبه الذي يصبو إليها دومًا ولا يبالي بشيء آخر سواها وقالت:
- تتلكك من أولها، لا روح بس متتأخرش عشان هتوحشني.
تنحنح بهيام من كلمتها أخيرًا واقترب "تيام" أكثر منها، هذه الفتاة التي سرقت قلبه بقسوتها وجرأتها التي لا مثيل لها، عشقها وكأن هذا العشق خُلق من رحم القسوة والوجع فكلما زادت قسوتها زاد حُبه إليها، فتبسمت "مسك" بخجل شديد من قربه هكذا، تشعر بأنفاسه الدافئة وعينيه الناعمة تحتلها كأنها ريح قوي يحملها لعالم آخر بعد أن يحلق بها بعيدًا، توردت وجنتاها خجلًا بعد أن رفع يده إلى وجنتها يلمسها بإبهامه مداعبًا إياها بحُب فقالت بهمس وحياء يستحوذ عليها:
- تيام... أنا...
وضع سبابته على شفتيها وعينيه تلتهمها وكاد أن يسرق أنفاسها إلى رئتيه من هذا القرب الشديد بينهما، عينيه تسحرها وتثير قلبها العاشق فقال بحُب:
- عيون وروح تيام من جوه.
ابتلعت لعابها بربكة بدأت ثورتها بين ضلوعها وعينيها، حركت عينيها متجولة بين عينيه العسليتين بخجل ثم قالت:
- أنت عايز إيه؟ امشي روح شغلك.
لم يجيبها بلسانه بل بيده الأخرى التي أحاطت خصرها والأولى ما زالت تحيط وجنتها الناعمة وكأنه يحكمها كليًا بمشاعره وهذا الحب المشتعل بداخله لأجلها، ازدردت لعابها من جديد بتوتر أكثر ممزوج بخجلها وتمتمت بهمس:
- يا الله عليك، أنت عايز من قلبي إيه؟ والله على وشك إنه ينفجر جوايا بسببك.
تبسم بلطف على كلمتها وهي تعترف له بأنه يكاد يوقف قلبها من جنون مشاعره لهذا المتيم بها، ظهرت غمازاته مع بسمته الكبيرة ليقتل ما تبقى من صمودها أمام كيان زوجها الحبيب، رفت "مسك" يدها تلمس وجنته وتداعب هذه الغمازة التي تظهر بوضوح رغم لحيته الكثيفة الناعمة وقال بشغف ونبرة دافئة:
- ما بلاش الشغل النهاردة وتعالى أحكيلك حاجة مهمة جوه.
تبسمت "مسك" على هذا الرجل الذي يرغب بالهرب من العمل فور تنصيبه في منصب الرئيس ما دام لم يعاقبه أحد على غيابه والهروب من العمل، ضربت صدره بلطف متذمرة على تكاسله وقالت:
- بعد ما جهزت وخلاص، لا اتفضل روح الشغل وبعدين مجرد ما تبقى الرئيس تغيب عن الشغل.. صحيح رئيس كسول.
هربت من بين يديه بجدية وما زال قلبها مرتبكًا لكنها تصطنع القوة لكنه لم يترك لها سبيل للهرب وأحاط خصرها بذراعيه من الخلف وعانقها بحب لتغمض "مسك" عينيها بارتباك قتل ما تبقى منها كليًا وذاب قلبها العاشق من نيران العشق الملتهب بداخلها، لم يكتفِ بكل هذه المشاعر التي هزمت صمودها وقوتها أمامه بل قتل عقلها بمخدر قبلاته التي انهل بها على عنق فتاته المدللة القاسية لتتنفس الصعداء بخدر أصاب أطرافها ساكنة بين ذراعيه وقبلاته التي تركت ختم مليكته على عنقها فأدارها سريعًا إليه بيد وبالأخرى نزع رابطة عنقه من جديد التي لم تدُم طويلًا مكانها ونظر بعينيها بحُب ثم قال:
- أنا رئيس كسول بس عاشق...
حملها على ذراعيه وعاد بها من جديد لغرفتهما وصوت ضحكاتها يملأ المكان وهذا الرجل اختار التكاسل عن العمل لأجل قلبه الذي هزمه للتو من عشقه لكنه مرحب بهذه الهزيمة لتكن أفضل هزيمة قد رحب بها قلبه يومًا ما هي هزيمة العشق لأجل المعشوق...
_________________________
جلست "ورد" أمام طاولة الطعام لم تكن تعلم ماذا تفعل؟ ما زالت تتألم وتشعر بغثيان في معدتها لم تتحمله ورائحة الطعام تزيد الألم أكثر فلم تتحمل هذا الشعور الغريب، تبسمت "مسك" بلطف إليها بعد أن فحصت نبضات قلبها ومؤشراتها الحيوية ثم قالت بهدوء:
- على حسب اللي أنا شايفه أنتِ كويسة؟
نظر "زين" إلى "ورد" بهدوء قلقًا من هذا الأمر وقال بخفوت:
- بس دي مبتأكلش بقالها فترة وزي ما شوفتي كدة كل ما تشوف الأكل تقرف نفسها ومعدتها تقلب، أوديها للمستشفى حتى أعرف سبب الهبوط الكثير ده إيه، ورد بطبيعتها بتفرك وبتحب الحركة لكن الأيام دي نايمة ولما تتحرك شوية تهبط أكثر.
نظرت "مسك" له بحيرة ثم إلى "ورد" الجالسة في الفراش هادئة وتستمع لنقاشهما فقالت:
- طب ممكن تسيبني معها شوية؟
نظر "زين" إلى "مسك" بقلق ثم لزوجته وقال بخفوت محرجًا ربما ستسألها عن شيء خاص بالنساء وتخجل أمامه:
- ماشي، هستنى برا.
خرج من الغرفة فنظرت "ورد" بتوتر إلى "مسك" مما ستفعله أو ستقوله؟ جلست "مسك" على حافة الفراش وسألتها بلطف:
- أمتى آخر مرة جت لك؟
تنحنحت "ورد" بحرج ثم قالت بهدوء:
- من شهرين لما اتأخرت الشهر اللي فات أنا شكيت إنه حمل زيك كدة ومظهرش حاجة فقلت يمكن تغير هرمونات من الجواز والفترة دي.
تبسمت "مسك" بلطف في وجهها الخافت وقالت:
- يمكن كان في الأول ومظهرش، ويمكن لا عشان متتعشميش برضه، جربي اختبار حمل تاني لأن معظمها أعراض حمل وأنا حسيت بيها في أول الشهر الثاني لكن لو مفيش، ممكن نروح لدكتور يكشف عليكي لأن حسب تخصصي في القلب فأنتِ حديد ومفيش حاجة.
أومأت "ورد" لها بنعم لتبتسم "مسك" إليها بنعم ثم خرجت من الغرفة وتبسمت إلى "زين" بلطف وقالت:
- متقلقش عليها يا زين هي كويسة الحمد لله...
أومأ إليها بنعم ودلف إلى زوجته المريضة لترحل "مسك" وقبل أن تغادر نادته من جديد:
- زين!!
خرج من باب الغرفة فور سماع صوتها وقال بجدية:
- نعم!
تبسمت بخفة على ملامحه القلقة وحدة عينيه من الخوف أن يكن هناك شيء أصاب زوجته وتخفيه "مسك"، نظرت إليه وقالت بهدوء:
- مفيش حاجة، هو تيام فين؟
تبسم إليها بأريحية بعد سؤالها وقال بحزم:
- في المكتب بتاعه.
أومأت إليه بنعم وغادرت الغرفة وتغلق الباب، ذهبت إلى حيث مكتب زوجها الذي أصبح رئيسًا ومالك هذا المكان رسميًا، أصبح كل الموظفين فور رؤيتها يقومون بتحيتها باحترام شديد لكونها زوجة الرئيس وهي بمثابة بالنسبة لهم فاحترامها واجب عليهم كأنهم يرون رئيسهم تمامًا، سارت "مسك" إلى حيث مكتبه الموجود بنهاية الرواق الهادئ فقط، دقت باب المكتب بلطف ليقاطع السكرتير الخاص به وقال:
- أيوة!! أي خدمة.
نظرت "مسك" إليه باندهاش فهل ما زال هناك أشخاص هنا لا يعرفونها؟ كادت أن تخبره أنها زوجة هذا الرئيس لكن فتح باب المكتب وخرج "جابر" منه فتبسم فور رؤيتها بلطف وقال:
- دكتورة مسك!!
إيه النور دا كله؟
تبسم السكرتير فور سماع اسمها، فهذا الاسم أشهر من وجهها هنا. تحدث بجدية:
- أنا آسف والله اللي ما يعرفك يجهلك.
- أنت ما كنتش تعرفها ولا إيه؟
قالها جابر باندهاش ثم تابع الحديث بلطف وبسمة خافتة:
- دي دكتورة مسك، مرات مستر تيام.
أفسح لها الطريق ويده تشير إلى الداخل لكي تدخل، وقال بدفء:
- اتفضلي يا دكتورة.
دلفت مسك للمكتب ورأت تيام منهمكًا في عمله وينظر إلى الأوراق الموجودة أمامه. تفحصت المكتب ذا اللون الأبيض كاملًا بأثاثه، وهناك أنتريه كامل مصنوع من الجلد على اليسار، وعلى اليمين مكتبة مليئة بالكتب وصور سياحية، وبجوارها طاولة طويلة تحمل شهادات تخرج زوجها والجوائز التي حصل عليها مقابل كل مشروع قدمه للشركة من قبل، لتُدهش أنه كان يملك هذه الجوائز ومع ذلك ترك العمل وانغمس في حياته الفاسدة. سارت نحوه وعيناها ترمق مكتبه الأبيض الذي يأخذ حرف "أل" وموجود فوق هذه الدرجات القليلة التي ترفعه عن مستوى الغرفة قليلًا. تمتم تيام بعفوية قائلًا:
- مسك!
اندهشت من ذكر اسمها قبل أن يرفع رأسه ويراها. تبسم ووقف من مكانه مسرعًا لأجلها وترجل الدرجات لأجلها ثم وصل إليها ليقبل جبينها بلطف بعفوية أول شيء. نظر إليها بحب وكأنه كان ينتظر رؤيتها أو يشتاق لها رغم مغادرته لها من ساعات قليلة، لتقول:
- هعطلك؟
تبسم بحماس وأخذ يدها في يده بدلال وتشبث بها باستماتة وقال بحب يغمره:
- معقول تعطليني يا روحي؟ أنا كنت لسه همضي لجابر على الورق دا وأطلعلك على طول لأنك وحشتيني.
نكزته مسك في خصره بلطف متذمرة رغم سعادتها على هذا الشوق وقالت بخفوت:
- لحقت أوحشك؟
لمس وجنتها بأنامله اليسرى وينظر بعينيها الاثنتين وقال:
- أنا سايبك بقالي ثلاث ساعات و48 دقيقة بحالهم.
قهقهت ضاحكة على كلماته، فهل يحدق بالساعة كل دقيقة ويحسب الدقائق والوقت الذي فارقها به؟ لم تتخيل نهائيًا أن قلبه يعشقها لهذا القدر. نظر إلى ضحكاتها بحب يغمره ويشعل حرارة جسده فقط من نظرة واحدة له وقال:
- بتضحكي؟ أنا هاين عليا أخبيكي جوايا وأخدك وأهرب من هنا ومن العالم كله. أشتري جزيرة مهجورة في نص المحيط ما يعرفهاش حد وأعيش معاكي لوحدي. ما ياخدنيش منك حاجة ولا يطلعك من حضني أي حاجة في الكون كله.
حدقت به بعينين عاشقة لا تستوعب قدر هذا الحب الذي يحمله تيام بين طياته لأجلها. عينيه وقلبه وكل شيء به يحمل عشقًا لها فقط. أخذت خطوة نحوه فلم يعد يفرق بينهما إلا أنفاسهما فقط وقالت بتساؤل:
- أنت بتحبني كل الحب دا؟ أنا حتى الحب قليل على اللي شايفاه في عينيك ليا.
رفع يده إلى رأسها يلمس خصلات شعرها ويمسح عليها بهيام حتى وصلت يده إلى وجنتها يداعبها بإبهامه لتسري قشعريرة ونفضة العشق بجسدها من لمسته إليها. تركت عينيه وجنتيها لتنظر بعينيها تعانقها بعشقهما وقالت:
- أنا حاسس إن قلبي صغير أوي على اللي جوايا ليكي. حاسس إني محتاج ألف قلب كمان عشان يكفوا عشقك جوايا وبرضو هيكونوا قليلين. أنا متيم بيكي يا مسك.
دمعت عيناها بحزن خيم عليها كغيمة كسرت صفو السماء الزرقاء لتزيد من عتمتها. لم تستوعب فكر عقلها الذي صدق خيانته وهو يتنفس عشقها وقلبه لا ينبض سوى بنبضاتها ولأجلها. قالت بندم وأسف شديد:
- أنا آسفة. آسفة والله على كل اللي حصل معانا. آسفة إني شكيت في العشق دا وما وثقتش إن مستحيل حد بيعشق بالقدر دا يخون. أنا كان لازم أصدق حبك وأكذب عيني.
حدق في عينيها بوجع مستاء من رؤية دموعها التي تمزقه وتقتل روحه وبدأ يجففها بلطف ويقول:
- لا يا روحي فداكي. ما تعيطيش بس والله أنا مسامحك ومقدر اللي شوفتيه وإنك كنتي مصدومة. مقدر اللي حسيتي بيه وفاهم دا. ما تعيطيش بس وأنا اللي آسف إني سمحت لدا إنه يحصل.
ضمها إليه بقوة كأنه يعتصر عظامها وضلوعها بين ذراعيه لتتشبث به باستماتة ولا تقوى على مفارقته نهائيًا. ممتنة لهذا القدر الذي جمعهما معًا وهذا العشق الذي نشب من الوجع والقسوة وسلك طريقه إلى الخيال ولم تر مثله من قبل بين العشاق وكأنهما خلقا لصنع عشق جديد فريد من نوعه بين العشاق.
***
جلست غزل في شقتها مع والدتها طيلة الليل تنظر إلى المعلومات التي حصلت عليها وتنتظر فقط أن يفتح بكر الحاسوب وبدأت عيناها تغمضان من جديد. مر ثلاثة ليالي بالفعل منذ ذهابها إلى منزله وهو هادئ. تساءلت كثيرًا: هل يعلم بما فعلته لذا هو هادئ؟ أم يخطط لشيء أكبر سيصدمهم جميعًا؟
ذهبت إلى المطبخ وأعدت شاورما من اللحم وأحضرت علبة مشروب غازي من المبرد ثم عادت للغرفة لتُصدم عندما رأت الرسالة التي وصلت إلى بكر من شخص صيني ويخبره بموعد وصول الصفقة الجديدة للمخدرات فتبسمت بحماس.
***
دلف جابر إلى مكتب تيام وكان زين معه بالداخل وقال بحماس:
- فؤاد النمر هيعدي عليكي بليل.
- برافو.
قالها تيام بجدية ثم نظر إلى زين وقال بجدية أكثر:
- خلي زينة تحدد ميعاد مع بكر ولما تروح ما تديهوش رد صريح. أنا عايزه ينشغل في فكرة إن عنده فرصة إنه يكسب حد من صفنا معاه وإن عنده فرصة عشان يكون شريك معانا في القرية.
أومأ زين بنعم ثم قال بحيرة:
- وبعدين هتعمل إيه؟
تبسم تيام بمكر خبيث يحمله بين طياته وقال بوجه ثعباني:
- وبعدين دي بتاعتي أنا. المهم يا جابر... رجالتك زي ما هم عينيهم ما تتشالش من على مسك وورد، ما يتغيرش حاجة وتأكد عليهم محدش غريب يقرب مجرد قرب منهم. مش عايزهم يكونوا نقطة ضعفنا قصاد عدونا.
أومأ جابر بجدية واثقًا من هذا الأمر:
- ما تقلقش أنا حاطط بدل الواحد أربعة على كل واحدة منهم.
- كويس مش ناقصني خوف على ورد.
قالها زين بأريحية وقلقه قد خف قليلًا عليها. نظر تيام له بهدوء بعد أن وقف من مكانه والتف حول المكتب تاركًا مقعد الرئيس وقال:
- أنت زي ما أنت يا زين. قصاد الكل أنت نائب الرئيس لكن بينا أنت هتدير المكان عادي زي ما بتعمل لحد ما أخلص من القرف اللي إحنا فيه. مش عايزين انشغالنا مع بكر يأذي القرية بأي شكل أو يعود عليها بالتأثير.
هز زين رأسه بنعم ووقف من مقعده وهندم تي شيرته الأصفر بهدوء. نظر تيام إلى جابر وقال:
- ربنا يسهل ولو كل حاجة مشيت زي ما أنا مخطط يبقى دي نهايته الأبدية.
نظر ثلاثتهم إلى بعضهم بحيرة وتوتر شديد من هذا الأمر فهز زين رأسه بنعم موافقًا على كل كلمة تفوه بها تيام فتنهد تيام بحذر مما هو قادم.
***
خرجت مسك بدون علمه إلى مركز تجاري وأخذت معها طاهرة بعد أن تسللت الاثنتان من الفندق دون أن ينتبه لهما الحرس. تمتمت طاهرة بقلق:
- كان لازم نقول لتيام بيه. دا لو عرف إني شاركتك في دا هيقطع رقبتي.
- ما تقلقيش يا طاهرة، قلتلك هشتري هدية عيد ميلاده وهنرجع على طول. أنا موصية عليها البيدج وهم قالوا إنها وصلت يعني مسافة ما هنستلمها وهنرجع مش هياخد باله من خروجنا.
قالتها مسك بعفوية وحماس من قدوم يوم مولده ولأول مرة ستحتفل معه بهذا اليوم لذا ستجعله يومًا لن يُنسى وستصنع له ذكريات جميلة به تعوضه عن كل شيء سيء وقاسي فعلته به سابقًا. أخذت طاهرة من ذراعها وتقدمت إلى حيث محل المجوهرات الثمينة وفحصت الساعة التي لم يُصنع منها سوى نسخة واحدة في العالم بأكمله وصُنعت لأجل تيام حتى أنها اختارت اسم التصميم وأطلقت عليه "متيم". دفعت تكاليفها ببطاقتها البنكية وغادرت المكان مع طاهرة لتقول:
- أنا جعانة.
مسكت طاهرة يدها بحزم وقالت بجدية صارمة:
- هناكل في الفندق لكن والله دلوقت لازم نرجع قبل ما تحصل كارثة. أنا مش عارفة إزاي طاوعت حضرتك وجيت هنا.
تقدمت طاهرة تقود الطريق وتسحبها من يدها بحماس ووصلت للسيارة وفتحت الباب لأجلها ثم صعدت مسك لتغلق طاهرة الباب والتفتت لكي تصعد جوارها لكن قبل أن تفتح بابها رأت رجلًا يقف أمام باب مسك ويفتحه وقبل أن تصرخ...