تحميل رواية راما بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وسط ضربات الطبل وصوت الموسيقى والأغاني الشعبية اللي بترقص عليها البنات والشباب، وصلت الدكتورة تبارك لصديقتها من أيام الدراسة. مكنتش لابسة ملابس ملفتة رغم جمالها وجسدها المغري، وكانت بتتعمد تلبس ملابس واسعة علشان تهرب من عيون الرجال. بعمر ٢٤، أصغر دكتورة في جامعتها. مشيت بثبات وسط الزحمة ناحية العروسة، ومن أول ثانية لاحظت العين اللي بتبص عليها، واللي من أول خطوة ليها في الفرح بتراقبها. سلمت على منى وأخدتها بالحضن، وسلمت على جوزها وهي مقررة تمشي. لكن والدة منى اللي كانت تعرفها وياما زارت بيتها، حل...
رواية راما الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
في اليوم التالي للخطوبة، استيقظت جين مبكراً. رغم أنها كانت متعبة من ليلة الأمس، إلا أن النوم كان آخر ما استطاعت فعله. ظلت مستيقظة تفكر في كل كلمة وحركة حدثت أمامها. المشهد الذي لم يفارق ذهنها كان آدم وهو يضع الدبلة في إصبع راما. النظرة التي اختفت من عينيه معها منذ زمن، لكنها ظهرت مع راما.
شعرت جين بحريق جواها. نظرة آدم لراما نظرة جين تعرفها كويس، نظرة لهفة واشتياق اختفت من حياتهم من كده طويله.
أخذت كوب القهوة وجلست في الشرفة، تنظر إلى الشارع الخالي تقريباً، وكأنها تبحث عن شيء لا تعرفه. فجأة، سمعت صوت خطوات آدم يقترب.
"صباح الخير."
"صباح النور."
جلس آدم بجوارها بصمت لثوانٍ، ثم قال: "إنت كويسة؟"
"ليه بتسأل؟"
"لأني عارف إن الوضع مش سهل عليك."
رفعت جين عينيها إليه ببطء، نظرتها حادة لكنها ممتزجة بالحزن: "الوضع؟ قصدك إنك كنت بتحط دبلة في إيد واحدة تانية قدامي وأنا قاعدة أصفق زي العبيطة؟" ثم خلقت ابتسامة ساخرة وهمست: "أكيد ده وضع مش سهل."
حاول آدم الرد، لكنه لم يجد الكلمات. شعر وكأن جين تلقي بكل ما كتمته داخلياً في كلمات مختصرة لكنها ثقيلة. إنها تحمله شيئاً قد رغبت فيه أكثر منه.
"جين، أنا... مش عارف أقول إيه."
"مش لازم تقول حاجة. أنا عارفة إنك بتحاول تعمل الصح، لكن غصب عني."
ثم غادرت المكان ودخلت غرفتها.
***
في المساء، عاينت جين آدم وهو بيلبس هدومه. كان فيه اهتمام أكثر من اللازم أن يبدو أنيق جداً. راقبت جين آدم من غير ما تتكلم، ثم اختفت قبل أن يتمكن من ملاحظتها.
خرج آدم مع راما كما خططا. كانت راما ترتدي فستاناً بسيطاً لكنه أنيق، وابتسامتها لا تفارق وجهها. كانت تحاول أن تستحوذ على انتباه آدم بالكامل، تتحدث معه عن أحلامها وخططها للمستقبل.
آدم حاول أن يبدو مهتماً، لكنه كان شارد الذهن في لحظات. جزء منه كان مع جين في الشقة، يتساءل عما إذا كان قد تسبب في جرح لن يُشفى.
"آدم، في إيه؟ حاسة إنك مش مركز معايا."
"لا، أنا معاك. قولت إيه؟"
"قولت إني شايفة حياتنا مع بعض هتكون جميلة. إنت راجل استثنائي، وبصراحة... أنا محظوظة بيك."
ابتسم آدم مجاملة، لكنه لم يرد. لم يعرف كيف يرد على كلماتها التي تحمل توقعات لم يكن متأكداً إذا كان قادراً على تحقيقها.
لكنه بعد عدة دقائق، وجد نفسه منسجماً مع راما، يضحك، يبتسم. أخذهما حديث شيق. راحت جين ترحل من عقله رويداً رويداً حتى اختفت تماماً.
***
عندما عاد آدم إلى الشقة، وجد جين تجلس على الأريكة، تقرأ كتاباً. رفعت عينيها إليه لثوانٍ، ثم عادت إلى الكتاب، وكأنها لا تريد أن تسأله أي شيء.
"جين، ممكن نحكي شوية؟"
"دلوقتي؟ ما كنتش بتتفسح مع خطيبتك؟"
"بلاش الكلام ده. أنا عارف إنك زعلانة."
وضعت جين الكتاب على الطاولة ونظرت إليه مباشرة: "زعلانة؟ آه، طبعاً بس الموضوع أكبر من كده يا آدم. الموضوع إني مش فاهمة أنا دوري في حياتك إيه دلوقتي."
"إنت دايماً هتكوني جزء مني، جين. مهما حصل."
"جزء؟ زي إيه؟ كتاب قديم بتحطه على الرف."
"متخافيش يا جين، انتي مكانتك هتفضل زي ما هي."
"مكانتي هتفضل زي ما هي، لكن انت هتكون في حضن راما. أنا هكون زي الديكور الجميل اللي بيزين جدران شقة."
"جين، لو عايزني أنهي كل حاجة، هنهيها. أنا مش مستعد أخسرك."
"لا، كل حاجة لازم تمشي زي ما هي. أنا هتعود على الوضع، ارجوك استحملني شوية."
"انتي قلبي يا جين، متقوليش كده." وضمه آدم لحضنه.
حضن طويل غمرها بالحنان.
***
في صباح اليوم التالي، بدأ الجو مختلفاً. الشمس التي اعتادت جين أن تراها من نافذتها بدت باهتة، وكأنها تحمل في طياتها شحنة من القلق. كانت جين قد قررت أن تواجه اليوم بشكل عملي، متجاهلة مشاعرها قدر المستطاع.
آدم خرج إلى عمله مبكراً، بينما جلست جين وحدها ترتب الشقة. كانت تحاول التركيز على التنظيف، لكن صوت خطوات راما وهي تدخل الشقة دون استئذان أفزعها.
"راما؟ إزاي دخلت؟"
"آدم اداني نسخة من المفتاح، قال إن الشقة هتبقى بتاعتي زيك، وإني لازم أتعود على الوضع، وانتي كمان يا جين."
شعرت جين أن شيئاً ثقيلاً استقر فوق صدرها، لكنها حاولت كبح غضبها. "ما كانش المفروض يديلك المفتاح بدون ما يقولي. أنا مش قادرة أتخيل آدم عمل إزاي كده. بعدها بصت على راما، ولا انتي إزاي قدرتي تقبلي كده أصلاً؟ انتي لسه خطيبته مش مراته."
"هو أنا عملت حاجة غلط؟ أنا أخدت المفتاح وأنا عارفة إنك هنا."
"بعدين آدم قالي استناني في الشقة عندك لأننا هنخرج سوا."
رواية راما الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
في الأيام التي تلت دخول راما إلى حياتها اليومية، بدأت جين تشعر أن الشقة التي كانت ملاذها أصبحت تضيق عليها شيئًا فشيئًا. الذكريات الجميلة اغتصبت حرمتها.
كان وجود راما يشبه ظلًا ثقيلًا، حتى في غيابها الكلمات التي ألقتها عليها تلك الليلة، عن كون الشقة ستصبح "بيتها"، كانت تدور في رأس جين بلا توقف.
وبينما كانت جين تجلس في المطبخ تحتسي قهوتها بصمت، دخل آدم.
بدا وكأنه يشعر بالثقل الذي يخيم على المكان.
"جين، محتاج أتكلم معاكي."
جين رفعت عينيها ببطء وقالت بنبرة باردة: "الكلام مش بيغير حاجة، يا آدم."
آدم جلس أمامها، محاولًا كسر الجدار الذي شعر به بينهم.
"أنا عارف إن الوضع صعب عليك بس أنا مش عايزك تحسي إنك لوحدك. إنتِ جزء مهم من حياتي... و..."
قاطعت جين حديثه بنظرة حادة: "جزء؟ أنا كنت حياتك كلها، آدم. ودلوقتي، أنا مجرد جزء؟"
صمت آدم للحظة، ثم قال بصوت منخفض: "ما كنتش أقصد أقلل منك، جين، بس أنا محتاج أمضي قدام."
جين شعرت وكأن الكلمات خنقتها. وقفت فجأة، محاولة أن تخفي ارتجاف يديها.
"عارف؟ يمكن أنت اللي لازم تكون صريح مع نفسك. مشكلتك مش إنك عايز تمضي قدام، مشكلتك إنك مش عارف تختار."
"جين!" همس آدم. "قلتلك لو عايزاني أفسخ الخطوبة هفسخها."
صرخت جين: "انت ليه بتضغط عليّ بموضوع الخطوبة؟ كل ما أكلمك تقول أفسخ الخطوبة؟ انت عارف عملت إيه؟ انت دبحتني. إزاي قدرت تدي راما مفتاح الشقة؟ مفكرتش في مشاعري؟ كرامتي؟"
"اهدّي جين، متنسيش إن راما هتبقى مراتي وهتعيش هنا."
"مش ناسيه،" واصلت جين صراخها. "وبعد إذنك أنا مش عايزة أتكلم دلوقتي."
***
في المساء، عادت راما إلى الشقة. كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا وتحمل هدية صغيرة. دخلت بابتسامة واسعة وقالت لآدم: "حبيبي، جبتلك حاجة بسيطة!"
جين، التي كانت تجلس في زاوية الغرفة، شعرت وكأن راما تتعمد تجاهل وجودها.
آدم أخذ الهدية وابتسم مجاملة، لكن نظراته لم تستطع أن تتجنب جين، وكأنه يشعر بثقل كل شيء في الغرفة.
راما، التي لاحظت التوتر، قالت بنبرة متعمدة: "آدم، أنا فكرت إننا نعيد ترتيب الشقة. نحط لمسات جديدة عشان تناسب حياتنا."
صفعت جين الكتاب الذي كانت تمسكه بعنف على الطاولة، وقالت بحدة: "مش لما تبقي رسميًا جزء من الحياة دي الأول؟"
راما حاولت أن ترد بابتسامة متوترة، لكن كلمات جين كانت واضحة: "لحد ما تبقي زوجته، ما حدش له حق يغير أي حاجة هنا."
***
آدم شعر أن الأمور تخرج عن السيطرة. حاول أن يخفف التوتر بينهما، لكنه وجد نفسه عالقًا بين امرأتين، كل واحدة منهما تمثل جزءًا منفصلًا من حياته.
"يا جماعة ميصحش كده. جين انتي مراتي وحبيبتي وعشرة عمري. وراما هتبقى مراتي وهنعيش كلنا مع بعض، لازم نتقبل الحياة بالشكل ده."
وقفت راما. "أنا اتهنت يا آدم. اتهنت قدام عينك. جين مرمغت بكرامتي الأرض. لكن معاها حق، أنا مش مراتك ليه أدخل شقتك؟ انت قولتلي إن جين موافقة على جوازنا، لكن واضح جدًا إنه كان كلام عيال. جين مش موافقة وانت أجبرتها. أنا مش ممكن أقبل وضع زي ده."
ثم نزعت الدبلة من أصبعها ووضعتها على الطاولة. "كده كفاية، كل واحد منا يروح لحاله. وعلى العموم شكراً يا جين، أنا كنت قَبلت الوضع ده عشانك."
غادرت راما الشقة تحت نظرات آدم وصمت جين.
رحلت وهي تترك فورانًا غاضبًا على وشك الانفجار.
رواية راما الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
زفر آدم بغضب، نظر إلى الدبلة الملقاة على الطاولة ثم نظر إلى جين وهمس بغضب:
"عملتي اللي إنتي عايزاه؟"
ثم ترك مكانه وخرج من الشقة.
عندما أغلق آدم الباب خلفه، خيم الصمت على الشقة. لكنه لم يكن هدوءًا مريحًا، بل فراغًا متوترًا كأن الهواء نفسه يترقب الانفجار التالي.
جلست جين على الأريكة، عيناها معلقتان بالمكان الذي وقفت فيه راما قبل لحظات. كان أثرها لا يزال حاضرًا، العطر الخفيف الذي خلفته في الهواء، الصوت المتردد لكعب حذائها وهي تبتعد، وحتى الفراغ الذي تركته على الطاولة بعد أن نزعت الدبلة ورحلت.
أمسكت جين كوب القهوة الذي برد بين يديها ولم تشرب. شعرت بتناقض غريب داخلها، وكأنها انتصرت في معركة لم تكن تريد خوضها من الأساس.
لم تكن تخطط لطرد راما، ولم تكن تتوقع أن تتخذ الأخيرة قرارًا بهذه السرعة. لكن في أعماقها، كان هناك جزء منها راضٍ، جزء منها أراد أن يثبت لآدم أن ليس كل شيء يمكنه أن يفرضه عليها، أن وجود راما هنا لم يكن أمرًا مسلمًا به.
لكن، هل انتهى الأمر فعلاً؟
في الخارج، وقف آدم على الرصيف، لا يدري أين يذهب. نظر إلى السماء المعتمة فوقه، شعر بثقل غريب يجثم على صدره. راما رحلت، لكنه لم يشعر بالخسارة بعد. كان الأمر أسرع من أن يستوعبه، كان كمن يستيقظ من حلم لم ينتهِ بعد.
أخرج هاتفه من جيبه، تردد للحظة، ثم كتب رسالة قصيرة:
"فينك؟"
انتظر، لكن لم تصله أي إجابة.
عاد بذاكرته إلى اللحظة التي نزعت فيها راما الدبلة من إصبعها، إلى نظرتها التي لم تكن غاضبة فقط، بل مجروحة، وإلى جين التي لم تحاول أن تخفي ارتياحها الممزوج بالصمت.
زفر ببطء، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه. لم يكن متأكدًا مما إذا كان يريد أن يلحق براما أم أن يعود إلى الشقة. كلا الخيارين لم يبدُ سهلاً.
في الداخل، نهضت جين أخيرًا، حملت كوب القهوة الفارغ، وسارت إلى المطبخ. وضعت الكوب في الحوض، ثم وقفت للحظة، تنظر إلى انعكاسها في الزجاج.
لم تبدُ منتصرة. ولم تبدُ منهزمة أيضًا.
فقط، شعرت بأنها سعيدة.
ركبت راما سيارتها وقادتها بغضب. لأول مرة تشعر بالهزيمة. أجل، ما يزعجها ليس خسارة آدم، بل الطريقة التي خرجت بها مذلولة من حياته.
ضربت عجلة القيادة بغضب وعصبية ثم أطلقت صرخة مروعة.
وصلتها رسالة من آدم، لكنها لم ترد. ألقت الهاتف بقوة أمامها.
هل انتهى كل شيء؟
كيف انتهى بها الأمر لهزيمة سريعة غير متوقعة؟
وصلتها رسالة ثانية من آدم: "آسف يا راما، حقك عليا. جين متقصدش تزعلك."
وصلت راما شقتها تقرأ رسائل آدم التي تصلها باستمرار، دون أن ترد.
وقفت أمام المرآة ثم تنهدت بصمت. أخيرًا أمسكت هاتفها وردت على آدم. تركته يشرح، يتأسف، يعتذر. قبل أن تصرخ: "أنا كرامتي اتهانت قدام عينيك يا آدم! جين حبيبة قلبك مسحت بكرامتي الأرض!"
"جين متقصدش يا راما، ارجوكِ افهميني. جين بتغير منك لأنك أجمل منها."
"أحسن يا راما ببعض الارتياح."
"وبعدين أنا بعتذر ليكي من الصبح."
"مش انت اللي لازم تعتذر يا آدم، جين هي اللي لازم تعتذر."
"لو كنت عايزني أرجع..."
همس آدم بتردد: "حاضر، هخليها تعتذر لك يا راما، مبسوطة كده؟"
همست راما بدلال: "يعني شوية."
"طيب، افردي وشك بقى يا شيخة، انتي خضتيني."
راما بدلال أكثر: "حاضر."
أراد آدم أن يتحدث، لكن راما صدته: "أنا منتظرة اعتذار جين. يا ريت منمش وأنا زعلانة."
أغلقت راما المكالمة وهي تشعر بارتياح، بينما عاد آدم إلى الشقة.
كانت جين قاعدة في الصالة.
"عاجبك اللي حصل ده يا جين؟"
"جين: طبعاً لأ. آدم: كل ده مكنش له لازمة."
"جين: معلش، اتعصبت شوية، آسفة. مكنش أحب إن كل حاجة تنتهي كده."
"آدم: معلش، بكرة تلاقي أحسن منها."
"جين: مفيش حاجة خلصت؟"
"جين بتربص: تقصد إيه؟ راما مشيت خلاص؟"
"آدم: لأ، راما ممكن ترجع."
"جين: ترجع إزاي؟"
"آدم: لو إنتي صححتي غلطك واعتذرتي لها."
رواية راما الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
رفعت جين حاجبها باستنكار: "انتي عايزةني أعتذر يا آدم؟"
جلس آدم تحت مقعد جين، ومسك حضن إيديها بإيديه.
"جين، انتي متغيره ليه؟ إحنا كنا متفقين مع بعض، وانتي كنتي متحمسة أكتر مني، إيه اللي جرى؟"
ارتعش جسد جين، كان داخلها أشياء ترغب بقولها، أن تصرخ بها، لكن كبرياؤها منعها.
عندما تكون راما هنا، لن يكتفي آدم بحضنها مثلما يفعل معها. تعرف ذلك. ربما يحملها نحو غرفتها، وربما وربما.
الكثير من ربما، وهي جالسة في غرفتها تسمع ضحكاتهما.
إن ما تسعى له سيحطمها. سيجعل موتها أقرب مما تعتقد.
كانت شارده، وآدم يداعب يديها الناعمة.
"عايزني أعتذر يا آدم؟"
"أيوه يا جين، راما مش هترجع غير لو اعتذرتي، راما مستنية اعتذارك."
همست راما: "عارفة إني أنا اللي ضغطت عليك تخطبها، أنا اللي طلبت تتجوز.
لكن كل ما أشوفها معاك بحس بنار في صدري، عارف ليه يا آدم؟"
"ليه يا جين؟"
"لأنها هتديك حاجة مش هقدر أديهالك يا آدم."
"متزعليش نفسك يا جين." جلس آدم على الأرض. "خلاص أنا مش عايزها."
"لأ!" همست جين. "مت'قولش كده. أنا مش هظلمك معايا.
مش هخلي حياتك تبقى جحيم بسبب رغباتي.
لكن يا آدم هقولك حاجة. لو شفتك بتضحك معاها قدامي، هقتلك."
"حاضر يا جين."
"ومتقربش منها خالص."
"حاضر يا جين."
كانت تعرف أن ما تقوله مجرد هراء وجنون، لكنها ودت بشدة أن تقوله، أن تشعر به. ودت أن تسمع آدم يقول ذلك.
"خلاص أنا هكلمها عشانك وأعتذر، لكن انت كمان غلطت ولازم تصحح غلطك."
"غلطت في إيه يا جين؟"
"انتي اديتها مفاتيح شقتي يا آدم من غير إذني، انت جرحتني أوي.
وحتى لو كانت هتبقى مراتك، فـ "فدا" لسه ما حصلش.
راما مش هتدخل الشقة غير لما تتجوزني يا آدم، دا شرطي.
حد منها المفتاح يا آدم، مش عايزة أشوفها هنا غير بفستان الفرح."
تردد آدم. شعر بحجم الورطة اللي وقع نفسه فيها، لكنه قال: "حاضر."
"اتفقنا."
مسكت جين تليفونها وكلمت راما. تعمدت أن تكون باردة بلا مشاعر.
اعتذرت لراما عن حدتها، ووضحت لها أنها تحبها وأن ما حدث كان سوء فهم.
أغلقت جين الهاتف وبصت على آدم.
"يلا دورك جه. خد المفتاح منها."
"راما مش هتدخل الشقة غير وهي على ذمتك، دا كان شرطي."
همس آدم: "حاضر يا جين."
"هنفذ وعدي، راما مش هتدخل الشقة غير وهي على ذمتي."
"يلا طيب مستني إيه؟ روح هات المفتاح منها، ولا مكسوف؟"
"ماشي. هروح يا جين. هريحك."
غادر آدم الشقة. اتصل براما. اعترف أنه مشتاق لرؤيتها.
وأنه ينتظرها تحت العمارة.
وهو ينتظرها، راح يفكر في الطريقة اللي يستطيع بها أن يخبرها بطلبه، دون أن يسير حنقها، دون أن يجرح كرامتها.
نزلت راما في فستان بسيط وجميل. وأول ما آدم شافها، أدرك أنه يحتاجها. يحتاجها بشدة أكتر مما يتخيل.
كانت الساعة تعدت منتصف الليل عندما طرق آدم باب الشقة.
جين الملهوفة فتحت باب الشقة بسرعة.
ووجدت آدم وفي حضنه راما يقفان في مواجهتها.
رواية راما الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
لاحظ آدم ابتسامة ترتعش على طرف شفتي جين وجفنها يرمش باستمرار.
"إيه ده؟ هو فيه إيه؟"
"آدم، أنا قولت إيه؟"
"أنا اتجوزت راما يا جين."
"اتجوزت راما؟"
آه، اتجوز راما. كانت جين تتكلم مع نفسها وكأنها ستقع من الصدمة.
"إيه؟ مفيش مبروك؟" تدخلت راما في المحادثة رغم أن آدم ضغط على يدها.
كان قد اتفق مع راما أنهما لن يضايقا جين، وأنهما سيحتفظان بكلمات الحب والغرام لنفسهما عندما ينفردان.
وعلى ما يبدو أن جين فقدت الإحساس للحظات، وفقدت الشعور بالمكان والزمان.
فتحت جين فمها وهمست: "ألف مبروك". ثم أجبرت نفسها أن تحضن راما.
بعدها نظرت إلى آدم وقالت: "ألف مبروك يا آدم."
"الله يبارك فيكي يا روحي."
"جين... طيب اتفضلوا أنتم غيروا هدومكم وأنا هحضر العشاء وأوصله غرفتكم."
حاول آدم أن تلتقي عيناه بعيني جين، لكن جين كانت تنظر بعيدًا عنه.
للمرة الثانية، آدم يتعمد إهانتها. في البداية منح راما مفتاح الشقة.
وعندما اعترضت جين، لم يقدر حتى أن يأخذ المفتاح من راما، خاف على زعلها، وتزوجها ليوفي بوعده لجين.
جسد جين كان يرتعش وقلبها محترق، ولو كانت الشقة فارغة لكانت تصرخ وتكسر كل شيء بداخلها.
لكنها الآن تحافظ على ما تبقى من كبريائها، من كرامتها.
لن تنهار الآن. كان آدم يقسم لها كل ليلة أنه يحبها.
وهي متأكدة أن آدم يحبها. أيوه، آدم بيحبني.
وحتى لو كان حبي نقص في قلبه، هذا لا يعني أن أضعف وأتنازل.
في غرفة النوم، همست راما: "آدم... مش شايف إن رد فعل جين بارد شوية؟"
"بارد إزاي؟"
"يعني من شوية ساعات جين طردتني بره الشقة، ودلوقتي بتعاملني عادي ولا كأن حاجة حصلت؟"
"لا، غريبة ولا حاجة يا راما. جين طيبة. هي كانت متعصبة شوية مش أكتر. ومن فضلك، أنتِ كمان يا راما لازم تهدّي وتعامليه كويس."
وقبل أن ينهيا كلامهما، خبطت جين على باب الغرفة.
آدم وسع بعيدًا عن راما بسرعة، ودخلت جين شايلة صينية الأكل، وضعتها على السرير.
"شكراً جين." همس آدم. "مكنش لازم تتعبّي نفسك."
"تعبك راحة يا آدم. راما عروسة ولازم أهتم بيها، لكن بعد ما شهر العسل ما يخلص، إحنا هنتشارك في شغل البيت."
تركت جين ابتسامتها داخل الغرفة وخرجت بوجه حزين.
ما إن أغلقت الباب حتى ركضت وألقت بنفسها على الأريكة.
آدم مع واحدة تانية. آدم في حضن واحدة تانية. وكادت أن تشهق، لكنها تذكرت أنها ليست وحيدة بعد الآن.
فهناك واحدة تشاركها كل شيء.
مش هتسامح أبداً. هتخاصمه وتقاطعه. ليس لأنه تزوج.
فهذا شأن خاص به وقد طلبته منه.
لكن يتزوجها كده فجأة من غير ما ياخد رأيها أو حتى يديها خبر؟
هو كان منتظر إيه يعني؟ لما يقف على باب الشقة وإيده في إيدها؟
منتظرني أنفجر؟
أصرخ؟
وياترى كانت فكرة مين إن يدخل عليا الشقة من غير ما يعرفني حاجة؟
سواء كانت فكرة آدم أو حتى فكرة راما، وادم وافق عليها، النتيجة واحدة. لن أغفر لآدم أبداً.
في الوقت الذي عليها أن تنفجر، مطالبة أن تكتم غيظها.
تحدثت مع آدم وراما كأن لا شيء حدث. لم تعاتب آدم حتى لا يظن أن كلامها نابع من الغيرة.
نعم، إنها أنثى تغار، لكن تحتفظ بغيرتها لنفسها.
غضبها من آدم كان بسبب أمر آخر لا علاقة له بالغيرة.
حاولت جين تنام، لم تقدر. السرير الذي كان يجمعها بآدم كان واسعًا جدًا جدًا بعرض ميل. الغرفة باردة، وكل شيء بداخلها يتربص بجين. الحيطان والمقاعد والطاولات، المرآة والتسريحة، حتى مصباح الغرفة كان ينظر عليها.
"وبعدين؟" شهقت جين. "أنا حاسة روحي بموت. أنا مش قادرة أتنفس. ليه كده؟"
غرقت وجهها في المخدة وبكت. سمحت لعيونها أن تذبح.
"جين، أنتِ اللي طلبتي كده. زعلانة ليه؟"
"كان ليا لوحدي، وقولتيله اتجوز."
جين متأكدة من كل فكرة تدور في رأسها، لكن عمرها ما تخيلت أن الوجع يكون بالشكل ده.
لم تقدر أن تنام. طلعت على المطبخ تعمل فنجان قهوة وتشغل نفسها بأي حاجة.
عدت على باب الأوضة. آدم وراما جوه الأوضة مع بعض، وهي واقفة بره.
وقفت جين لحظة. كان هناك همسات وضحكات خافتة.
لم تجرب جين هذا الشعور. منذ خطوبتها وهي مريضة.
وحتى بعد أن تزوجت، ظل المرض رفيقها.
معقول يا جين؟ أنتِ تعملي كده؟ تتجسسي على آدم وراما؟
لكن الهمسات مرهقة، متعبة. لا تعرف عن ماذا يتحدثان، ولا ماذا يقول آدم. هذا الوغد مدعي الحب.
معقول يقول لها كلام حلو زي اللي كان بيسمعهولها؟
حركت جين قدمها. جرتها كأنها مقيدة. هربت إلى المطبخ.
عملت قهوة وشربتها.
طلعت أكل وطبخته. كان عايزة تشغل نفسها بأي حاجة.
قبل الفجر، خرج آدم وراما قاصدين الحمام. تفاجأ آدم بوجود جين، ولم يكن في يده شيء يمكنه أن يفعله.
كان صدره عارياً، ولا وقت للهرب.
"إنتي؟ إنتي؟ صاحية لحد دلوقتي يا جين؟"
أرغمت جين نفسها على عدم النظر وهمست: "مجيش نوم، قلت استغل الوقت وأطبخ أكل لبكرة. أكيد تحتاجوا تفطروا وتتغدوا. خدوا راحتكم، أنا خلصت خلاص." ثم دخلت جين غرفتها، وهناك سمحت لدموعها أن تنفجر.
رواية راما الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
كانت جين جالسة في الصالة عندما خرجت راما من غرفة النوم، مرتدية قميص النوم وروب أحمر قصير. وكان وجهها متوردًا مثل زهرة في مطلع الشمس.
راما: صباح الخير جين.
جين: صباح النور راما.
راما: عاملة إيه؟
جين: هعمل إيه، عادي يعني.
تخلت راما عن فكرة الذهاب إلى الحمام، وجلست على المقعد في مواجهة جين.
جين: همست جين، راما إياكي أن تبدئي، سأتقبل الأمر بمفردي ولا أحتاج لشفقتك أو توضيحاتك.
ربما كانت راما صادقة في نيتها، أرادت أن تخفف عن جين، أن تطلب منها أن لا تحزن ولا تغضب نفسها وأنها مثل أختها، وهذا الكلام الفارغ. لكن اعتراضات جين فتحت أمامها بابًا آخر أشعرها بالحماس والسعادة.
راما: أنا مش جايه أشفق عليكي ولا حاجة يا جين.
آدم دلوقتي جوزي زي ما هو كمان جوزك!
رفعت جين وجهًا باهتًا مخطوفًا وهزت رأسها تستفهم.
راما: أنا ست حقانية ومش ممكن أجي على حقك. بعد ما شهر العسل ما يخلص، آدم هيقسم الأيام بيني وبينك. أربع أيام عندي وتلاتة عندك.
بدت جين مندهشة، ليس من فكرة راما، على كل حال كان لابد أن يحدث هذا الكلام، أن يقسم آدم أيام الأسبوع بينها وبين راما. لكن نبرة راما المستفزة وإصرارها على إغضابها بدا لها غير مفهوم. تمالكت جين أعصابها.
جين: ليه أنا تلات أيام وإنتي أربعة يا راما؟
فتحت راما فمها بابتسامة.
راما: دي عايزة سؤال يا جين؟ واردفت بسخرية، أنا مراته الحقيقية، أنا اللي هيخلف مني وريثة وأعتقد من حقي يوم زيادة. وبعدين إنتي زعلانة ليه يا جين؟ هو هيعمل إيه عندك؟ على حسب معرفتي، آدم مش بيقرب منك من يوم جوازكم. ربنا يشفيكي طبعًا، أنا مش شمتانة والله، لكن عايزة تكوني منطقية، وفي النهاية إحنا كل اللي يهمنا سعادة آدم.
شعرت جين أن ساطورًا صدئًا شق جسمها نصفين.
طلبت من آدم أن يحتفظ بهذا السر بينه وبينها. أن يخبر راما أنها فقط لا تنجب، عميقة لأنه من غير المهم أن تتعرف راما على أسرارها.
جين: همست بضعف وجسدها كله يتصدع، هو قالك كده؟
راما: أيوه. آدم حبيبي مش بيخبى عليه حاجة من أول يوم! ثم إنتي زعلانة ليه؟ هو المرض الناس بتتكسف منه؟
جين: لا، مش بنتكسف منه، الحمد لله على كل شيء. بس مستغربة إن آدم قالك على أسرارنا الخاصة؟
راما: بسخرية، أسرار إيه بس يا جين؟ تلاقي الدنيا كلها عارفة مرضك!
أرادت جين أن تصرخ، أن تحطم رأس راما، ربما هذا رد الفعل الطبيعي لما كانت تشعر به. لكن جين وجدت نفسها مهزومة من داخلها، نعم كانت مثل جندي أسير في يد جيش العدو يتلقى الصفعات والإهانات بصمت.
نهضت جين، وركضت نحو غرفتها، لم ترغب أن ترى راما انهيارها. عندما وصلت باب غرفتها، خرج آدم ورأى جين تدخل غرفتها راكضة وتصفع الباب خلفها.
آدم: فيه إيه؟ حصلت حاجة؟
راما: وهي بتحط رجل على رجل، لا مفيش حاجة.
آدم: أمال جين بتجري ليه ناحية غرفتها بالشكل الغريب ده؟
راما: ودي عايزة كلام يا آدم يا حبيبي.
آدم: تقصدي إيه؟
راما: مينفعش أقول.
آدم: بقلق، قوللي من فضلك.
راما: هقول، لكن متفهمش جين غلط من فضلك.
آدم: ها.
راما: دي الغيرة يا آدم، مش سهل الست تشوف واحدة تانية في حضن جوزها. واحدة تقدر تديله اللي هي متقدرش تديهوله. أنا مشفقة عليها بجد، آدم حبيبي ادخل اقعد معاها شوية عشان خاطري.
آدم: هاخد حمام وادخلها.
ابتسمت راما: هتاخد حمام لوحدك؟
وضع آدم يده على فم راما، تغيرت ملامحها التعيسة وأشرق وجهه.
آدم: ادخلي قدامي بالسكوت.
انهمرت الدموع من عيون جين، لقد عايرتها راما بمرضها. إنها تفهم جيدًا حجم السخرية في نبرتها.
"بقى كده يا آدم؟ حتى أسراري الشخصية قلتها لراما؟"
كانت دموع راما غرقت الوسادة. لما دخل آدم، قرب منها.
آدم: مالك يا حبيبتي؟ ووضع يده على كتف جين.
جين: ابعد إيدك عني لو سمحت، أنا عايزة أقعد مع نفسي شوية.
آدم: جين، أنا آدم حبيبك، لو فيه حاجة ضايقتك قوليلي.
فكرت جين أن تخبر آدم عن كلام راما. لكن كانت عارفة كويس إن آدم مش هيصدقها، هيقول إن راما مكنتش تقصد حاجة. وفرت على نفسها الكلام ومسحت دموعها.
جين: أنا تعبانة شوية مش أكتر. اخرج اقعد مع مراتك يا عريس ميصحش تسيبها تقعد لوحدها.
همس آدم: جين.
صدته جين: اخرج يا آدم، اخرج واقفل الباب وراك.
بعد الظهر، لقيت جين الشقة فاضية، آدم وراما كانوا في غرفتهم، كان واضح إنهم نايمين. انتهزت جين الفرصة، دخلت استحمت وخرجت من الحمام تروح غرفتها، كان لابسة قميص ولافة الفوطة على شعرها. مشيت ناحية غرفتها بسرعة. لكن باب غرفة انفتح وخرجت منه راما.
أطلقت راما ابتسامة شعرتها جين تذبحها.
راما: إيه اللي إنتي عملاه ده يا جين؟
جين: من غير ما تبص عليها، عاملة إيه يعني؟ كنت بستحم.
راما: بسخرية، كنتي بتستحم؟ ها ها. جين خليكي واضحة، عايزة تثبتي إيه باللبس ده؟ عايزة تغري آدم؟
حست جين بقها عاجز عن الكلام، وجدت صعوبة في نطق الكلام.
جين: إنتي ليه بتعملي كده يا راما؟ ليه بتتعمدي تضايقيني؟
راما: بالعكس جين، اسألي إنتي نفسك ليه اللف والدوران ده؟ بطلي يا جين شغل الحيات ده.
رواية راما الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
لم ترغب جين في إجراء تلك المحادثة الآن بالذات، وشعرت أنها تُدفع دفعًا نحو المنطقة الغامقة.
"إذا أنتِ راما تستنكرين أخذ دش في شقتي وتلمحين إلى أنني تعمدت ذلك لإثارة إعجاب آدم؟ سأكون واضحة يا راما، سأتحدث معك باللغة التي تفهمينها."
"أنا من أقنعت آدم يتزوجني عشان ظروفي، يعني كان ممكن تكون أي واحدة غيرك، وكان فيه فعلاً أكتر من واحدة قبلك. لكن الأمور تعطلت لتفاصيل صغيرة لأن بعضهم كان له تحفظات ومطالب لم نقبلها أنا ولا آدم."
ثم أطلقت جين ابتسامة، وابتسامة جين جميلة مثل وجهها.
"لحد ما ظهرتي أنتِ يا راما، ومن حسن حظنا مكنش ليكي أي مطالب. أنا زوجة آدم زيك، وأنا اللي جبتك هنا، وليكي حقوق زيك. دي شقتي زي ما هي شقتك، فبطلي شغل العيال بتاعك ده اللي لا يليق بدكتورة جامعية."
"عشان بس أكون واضحة، أنا بحب حريتي في شقتي، ألبس براحتي، أقلع براحتي، وأقعد براحتي، والمفروض ده ميضايقش حد. أنا قلت إنك دكتورة وعقلك كبير وهتكوني متفهمة طبيعة الموقف والعلاقة اللي بينا. لكن واضح إنك مش بتفهمي غير لغة المواجهة. أي كلمة منك يا راما على سلوكي أو لبسي هتلاقي رد مش هيعجبك!"
"وبعدين يعني عشان أريحك، أنتِ بتعيّريني بمرضي وإني مش بخلف، وإنه مفيش علاقة بيني وبين آدم. أحب أقولك إن كل ده ممكن يتغير، أنا لسه بتعالج. وحتى لو محصلش نصيب، فآدم جابك عشان تخلفي له وريث، مش عشان بيحبك. وأعتقد آدم كان واضح في النقطة وقالك إنه بيحبني."
"من النهاردة كل واحدة فينا هيكون ليها جزء في شغل البيت والطبخ، وأنا أفضل إن أيام الأسبوع تتقسم بينا لأني بصراحة مش عايزة أشارك معاكي في أي حاجة."
ظلت راما صامتة مثل الأباجورة التي تضيء فوق رأسها. احتقن وجهها وشعرت بغضب عارم.
قصدت جين غرفتها، "يلا يا راما، اجري على آدم، روحي ابكي واشتكي، أظهري معدنك الأصلي."
داخل غرفتها، لم تكن جين مسرورة من كلامها. كانت مجبورة أن تدافع عن حقوقها وتضع الحدود أمام راما التي تعمدت جرحها أكثر من مرة.
انطفأت الحماسة في عيون راما، لا تعرف ما يحدث معها. لم ترغب في كسر جين أو هزيمتها، لكن طبيعتها النرجسية المتحكمة سطت عليها، لكنها تشعر الآن بالهزيمة. جين رغم مأساتها تبدو صامدة وهي التي تشعر بالقهر.
"مالك؟" همس آدم.
"مفيش يا آدم، مفيش."
"إزاي مفيش؟ أنتِ كنتِ خارجة من هنا وشك منور وراجعة زي ما يكون ميت ليكي ميت؟"
"اتخانقت مع جين يا آدم."
"ليه؟ جين مش بتحب المشاكل."
"يعني تقصد إن أنا اللي اخترعت المشكلة؟ أنت شفت بعينك قبل كده كيف جين وجهت لي الإهانة قدام عينك!"
"آدم!" همست راما.
قاطعها آدم، "راما، أنا مش هتخلى عن جين، دي أول حب في حياتي."
"راما بغضب، وأنا إيه إن شاء الله؟"
"آدم ربت على كتفها، أنتِ الحب اللي دخل حياتي فجأة يا راما، أنتِ الحاجة الحلوة اللي كنت بانتظرها وحصلت."
"يعني أنت بتحب يا آدم؟"
"طبعاً يا راما، بحبك."
"وبتحب جين؟"
"أيوه، بحبها."
"ده مستحيل يا آدم، إزاي بتحبونا إحنا الاتنين في وقت واحد؟"
تنهد آدم، "راما، جين ليها ظروفها الخاصة وعمرها ما هتقدر تشاركني فيكي. هو ده مش كافي ليكي يا راما؟"
"جين مش هينفع تبقى في حضني، أرجوكي متستكتريش عليها شوية حب."
"مهما صدر من جين أو عملت، هتفضلي أنتِ اللي في حضني يا راما. مش شايف أي حاجة تخليكي تغيري من جين أو تعتبريها عدوة محتملة."
"وأغير منها ليه يا آدم؟ هي أحلى مني مثلاً؟"
"أهو أنتِ قلتي بنفسك يا راما، جين مش أحلى منك، بلاش تحطيها في معادلة معاكي. أنتِ شخص مميز وجميل، خليكي كده على طول."
"بتحب يا آدم؟"
"يوه!" همس آدم وهو يطبع قبلة فوق وجه راما، "إحنا هنضيع اليوم كله في الكلام، تعالي بقى."
استقرت الأوضاع داخل الشقة. كانت راما بتروح الجامعة، وآدم بيروح شغله، وجين في الشقة تمارس حياتها المملة. بعد أن ابتعدت عنها راما، شعرت براحة. توقفت عن إزعاجها، وإن كانت عيونها بتقول حاجة مختلفة.
كان على راما أن تؤدي خدماتها داخل الشقة ثلاثة أيام في الأسبوع، وكانت تفتقد آدم ثلاثة أيام في الأسبوع. أحيانًا كانت راما تطلب مساعدة جين في الطبخ، وكانت جين تقدم لها المساعدة بصدر رحب.
الحقيقة، جين مكنتش رافضة فكرة إنها تهتم بالشقة طوال أيام الأسبوع، لكن بداية راما كانت خاطئة.
كان يوم سبت، وكانت راما محشورة داخل المطبخ تقطع البصل وتطبخ الأرز وتجهز الخضروات، عندما بدرت منها صرخة ألم وسقطت في المطبخ.
سمعت جين الصرخة، ركضت على المطبخ وجدت راما واقعة على الأرض.
"مالك يا راما؟"
"دايخة يا جين وعايزة أرجع."
"ارتج قلب جين! أنتِ حامل!"
"معرفش يا جين."
ساعدت جين راما على تبديل ملابسها ورافقتها إلى الطبيب.
رواية راما الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
فحص الطبيب راما، مبروك يا مدام انتي حامل في الشهر التاني.
بجد يا دكتور؟
أيوه بجد، ولازم تستريحي ومتبذليش مجهود لحد ما الحمل يستقر تلات شهور على الأقل.
احتضنت جين راما، كان حضن حقيقي ودمعت عيونها.
اتصلت بآدم وطلبت منه ييجي على العيادة.
فيه إيه يا جين؟
راما تبعت وأخدتها على الدكتور.
آدم بقلق: هي كويسة؟
جين: أيوه كويسة، مبروك يا آدم، هتبقى أب.
صرخ آدم من الفرحة: بجد يا جين؟
جين: أيوه بجد يا آدم، راما حامل.
طيب اقفلي وأنا هاجي على العيادة بسرعة.
وصل آدم العيادة غير مصدق، احتضن راما وجين وهمس: انتي كويسة يا راما؟
أيوه كويسة يا آدم.
بين جين وآدم، وصلت راما العربية وساق آدم على الشقة بوجه منشرح، وكل شوية يبص على راما كأنه خايف إنها تتبخر.
لما وصلت راما سريرها قال آدم: انتي تقعدي في سريرك ومتعمليش أي حاجة، حتى أكلك أنا هجيبهولك في السرير.
طيب وشغل البيت؟
ملكيش دعوة بشغل البيت، أنا هجيب خدامة.
مش هنجيب خدامة يا آدم، أنا هتكفل بشغل البيت، خلي راما مستريحة.
بخجل قال آدم: مش عايز أتعبك يا جين.
تتعبيني إزاي يا آدم، ابنك هو ابني. مرت لحظات مشحونة بالعاطفة، جين وآدم بيبكوا من الفرحة.
أنا فرحنالك أوي يا آدم، أخيرًا حلمك هيتحقق.
همس آدم: ده حلمك انتي كمان يا جين، الطفل ده هيكون ابنك زي ما هو ابني.
جين: أنا هجيب خدامة، مش هرغمك تخدمي راما.
متقلش كده يا آدم، أنا علاقتي براما بقيت كويسة ومعدش فارق معايا أي حاجة.
بعد ما راما عرفت إنها حامل، كانت الأيام بتمشي ببطء، كأن الزمن نفسه بيحاول يستوعب اللي حصل. جين كانت بتراعيها كويس، بتجهز لها الأكل، بتتأكد إنها بتاخد الفيتامينات، حتى بتراقب نومها. آدم كان فرحان، بس كان فيه حاجة في عينيه، حاجة أعمق من مجرد الفرح، كأنه مش قادر يصدق، أو يمكن خايف.
في الليالي الأولى، كان كل شيء هادي، راما بتنام بدري، وجين بتوضب المطبخ، وآدم بيقعد جنبها على الكنبة، عينه على الأرض، مفيش كلام، بس فيه حاجة تقيلة في الجو، حاجة مش بتتقال.
وفي ليلة، جين وهي بتنضف الترابيزة، سمعت صوت نفس آدم العميق، رفعت عينيها، لقيته بيبصلها، نظرته غريبة.
"إنت كويسة؟"
"كويسة."
"متأكدة؟"
وقفت للحظة، سابت الفوطة اللي في إيدها، وقعدت جنبه.
"إنت اللي مش كويس، مش كده؟"
آدم خد نفس طويل وهو بيطلّع الهوا، كأنه كان شايله من زمان.
"حاسس بحاجة غريبة، جين... مش عارف أوصفها."
سكت لحظة، بص للسقف، وكمل:
"راما حامل، وكل حاجة المفروض تبقى كويسة، بس حاسس كأن... كأن فيه حاجة مش طبيعية."
جين مسحت إيديها في بنطلونها، حسّت نفسها مشدودة.
"حاجة زي إيه؟"
"مش عارف. خايف. خايف إن الحلم ده يتكسر، خايف إنها تتأذي. خايف إني..."
بلع ريقه، صوته واطي:
"إني أخسرها زي ما خسرتك."
الكلمة وقعت في المكان زي حجر تقيل، جين ماحركتش ساكن، ولا حتى غمضت عينيها، كانت فاهمة هو بيقول إيه، كانت فاهمة أكتر مما كان متخيل.
ربما تصالحت جين مع راما لكنها لم تسامح آدم أبداً، كان قلبها مجروح منه حتى أنها لم تسمح له النوم في غرفتها لو حتى احتضانها.
"إنت ماخسرتنيش، آدم."
آدم ضحك ضحكة قصيرة، مش ضحكة حقيقية، كأنها مجرد رد فعل، وبعدين هز رأسه.
"وأنا المفروض أصدق كده؟ بعد كل اللي حصل؟ بعد السنين اللي بينا؟"
جين سكتت، عرفت إن اللحظة دي كانت جاية، بس ماكنتش متخيلة إنها هتحصل كده، فجأة، في نص الليل، في بيت مليان سكون.
"مش لازم نفتح الكلام ده تاني."
آدم هز راسه، قام وقف: هو انتي ممكن تسامحيني؟
جين ماعرفتش ترد، كانت حاسة إن أي كلمة هتقولها هتبوظ كل حاجة أكتر، قامت، دخلت أوضتها، وقفت الباب.
بس آدم ما اتحركش. فضل واقف في الصالة، عارف إن الليلة دي مش هتنتهي بسهولة، وإن فيه حاجات كتير جواهم، حاجات مش بيتقال عنها حاجة، بس موجودة، عايشة بينهم.
دخل آدم غرفة راما، وقعد جنبها، قبل جبينها وحاول يحضنها.
راما: انت بتعمل إيه؟
آدم: مش بعمل حاجة، عادي.
راما: لا يا أستاذ، الدكتور قال ممنوع تلمسني للا بعد تلت شهور.
بدلال همس آدم: طيب وأنا أعمل إيه طول المدة دي كلها؟
راما بمزاح: روح لجين.
غطس آدم دماغه في حضن راما: انتي عارفة إن ده مينفعش.
جين متقدرش تاخد مكانك في الحالة دي.
جين آخرها تطبخ، تمسح، تكنس، تنضف الشقة. وأطلق ضحكة كبيرة.
مكنش يعرف إن راما بالصدفة كان واقفه ورا الباب وسمعت كل حاجة.
رواية راما الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
دخلت جين غرفتها وأغلقت الباب بهدوء.
وقفت لثوانٍ طويلة، تنظر إلى الفراغ، تحاول تستوعب اللي سمعته.
شعرت بجسدها ثقيلًا، كأن كل طاقتها تبخرت فجأة.
عيناها امتلأتا بالدموع قبل حتى أن تشعر بها، لم تكن دموع غضب، بل شيء أعمق، شيء يشبه الانكسار.
ببطء، سحبت نفسها إلى حافة السرير وجلست، ظهرها منحني، يداها متشابكتان في حجرها، تحاول أن تحتضن نفسها.
لماذا شعرت بهذه الطريقة؟ ألم تكن تعرف مسبقًا؟ ألم تكن تدرك أن مكانتها في تنازل مستمر؟
لكن أن تسمعها بهذا الشكل... أن تسمع آدم يضحك، يتحدث عنها كأنها مجرد شيء في الخلفية، شيء لا قيمة له سوى أنه يطبخ، يمسح، ينظف... هذا ما كانت عليه بالنسبة له؟ مجرد ظل في حياته.
آدم يعتبرها خادمة؟
ابتلعت جين ريقها بصعوبة، لكن الغصة لم تختفِ، كانت معدتها متقلصة، وداخلها يرتجف.
لم تكن تريده أن يراها بهذا الضعف، لم تكن تريد لأحد أن يرى، لكنها وحدها الآن، ولا داعي للتظاهر.
ببطء، رفعت يديها إلى وجهها، وأغمضت عينيها، محاولة حبس الدموع، لكنها سقطت رغمًا عنها.
دموع بطيئة، بلا صوت، كأنها تعبر عن تعب سنوات، عن إحباط تراكم ولم تجد له مخرجًا.
استلقت على سريرها، عيناها مسمرة بالسقف، عقلها يدور في دوامة من الأفكار.
للحظة، فكرت في الرحيل، أن تحزم حقائبها، أن تترك هذا المكان، أن تبدأ من جديد.
لكنها لم تتحرك.
اغرقت جين الوساده بدموعها على ما يبدو فأنها ستحتاج تلك الوساده ليالي طويلة أخرى.
سمعت جين طرق على باب الغرفه، مسحت دموعها بمنشفة ثم فتحت الباب.
"كان ادم، ما لقيتك محضرتيش العشا جهزته بأيدي يلا تعالى هتدوقي الذ اكله في حياتك."
"اسفه، اعتذرت جين، مش هقدر اكل، كلو انتو انا سبقتكم."
"مالك؟" سألها ادم.
"مفيش شوية صداع." ثم صكت الباب.
احتاجت جين يومين لتستعيد توازنها، مارست اعمالها المعتاده تنظيف الشقه، الغسل والطبخ.
كانت تتجنب الحديث مع ادم وراما اذا كانا يعتبرانها خادمه.
ستكون خادمة.
وبعد اسبوع خرجت جين من الشقه منذ فتره طويله ولم ترجع الا قبل المغرب.
وجدت الشقه غارقه فى الفوضى، راما لا ترفع قشه من الأرض ادم يحذرها من ذلك.
حتى الأطباق التى تأكل فيها تتركها لجين لتغسلها وتنظفها.
تنهدت جين بغضب، نظفت الشقه واعدت الطعام.
وكان ادم يشعر بغضبها الغير مبرر وعزى ذلك لهرمونات النساء.
لم يكن يعرف انها سمعت كل شيء وانها تتقطع وكان يمارس حياته باستمتاع ويمازح راما ويضع اذنه على بطنها.
كان مضى اسبوع وكانت جين جالسه بين ادم وراما عندما وصلها اتصال.
سحبت جين الهاتف ودخلت المطبخ ثم عادت بعد دقائق مبتسمه.
"ادم: ضحكينا معاكي طيب."
"جين: مفيش، اصلى نازله شغل من بكره."
"ادم: بذهول شغل؟"
"جين: ايوه شغل."
"ادم: هو انا قصرت معاكى فى حاجه؟"
"جين: .... لاراما...... طيب ومين هياخد باله من شغل البيت، انا حامل ومش هقدر اعمل حاجه؟"
"جين ببرود.... ادم هيجيب خدامه."
"ادم...... جين انا."
"جين: من فضلك ادم انا اخدت القرار خلاص، انا مش هعمل حاجه غلط ولا انت عايزني افضل هنا امسح واكنس واطبخ كأني خدامه؟"
"ادم.... مين قال كده يا جين؟ انتى حبيبتى ومراتى ولا يمكن اتستغنى عنك."
"شوفى الفلوس إلى هتاخديها مرتب وانا هديها ليكى."
"جين،...... مش موضوع فلوس يا ادم انا عايزه كده."
"وبعدين ايه المشكله؟ انت مش هتفقد حاجه، اكلك وشربك ولبسك هيكون جاهز."
"وهو انا هقدر اقدملك حاجه اكتر من كده؟"
"بعد اذنكم انا داخله انام لانى هقوم من النوم بدرى بكره."
رواية راما الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
مع شعور آدم بعدم الارتياح تجاه قرار جين، بدأ يدرك أنها لم تعد كما كانت، لم تكن مجرد نزوة أو رغبة في التغيير، بل كانت رسالة واضحة، لكنها ليست تلك التي كان مستعدًا لفهمها.
كانت جين قد تحولت من امرأة تحاول إرضاء الجميع إلى امرأة قررت أن تضع نفسها أولًا، حتى لو لم يكن هذا مناسبًا له.
في صباح اليوم التالي، استيقظت جين قبل الجميع. ارتدت ملابسها بعناية، كأنها تتهيأ لحياة جديدة، وربطت شعرها إلى الخلف بحزم، وقفت أمام المرآة للحظة، لم تكن تبتسم، لكنها لم تكن حزينة أيضًا، كانت هادئة... وهادئتها كان يحمل شيئًا مختلفًا، شيئًا أشبه بالتصميم.
عندما خرجت من الغرفة، وجدت آدم يجلس في الصالة، بدا كأنه لم ينم جيدًا، رفع عينيه إليها، تطلع في مظهرها المختلف، في الحقيبة التي تحملها على كتفها.
قال بصوت خافت:
"أنتِ فعلًا رايحة الشغل؟"
أجابت بهدوء، دون أن تنظر إليه:
"أيوه."
وقف آدم فجأة، كأنه يحاول أن يجد الكلمات، لكنه لم يفعل. مر بجوارها، وكاد يمد يده ليمسك بها، لكنه توقف، لم يكن يعرف ما إذا كان هذا سيجدي نفعًا.
أما جين، فلم تتوقف. لم تستدر لتنظر إليه. فتحت الباب وخرجت.
وربما، للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم تشعر أنها مجرد ظل في حياة أحد.
حصلت جين على وظيفة مساعدة إدارية في شركة استيراد وتصدير متوسطة الحجم، لم يكن اختيارها لهذا العمل عشوائيًا، بل كانت تبحث عن شيء يمنحها الاستقرار والاستقلالية بعيدًا عن الدور الذي حُصرت فيه لسنوات.
في اليوم الأول، جلست على مكتبها الصغير، أنيقة بزي عملي بسيط، تراقب حركة الموظفين من حولها وتحاول استيعاب سير العمل.
لم تكن لديها خبرة سابقة، لكن الحدس الذي طورته من سنوات التنظيم والتعامل مع التفاصيل جعلها تتكيف بسرعة.
بدأت مهامها بتنظيم المراسلات، تنسيق الجداول الزمنية، وإعداد الملفات، لكنها سرعان ما لاحظت وجود خلل في نظام الأرشفة، وثغرات في تنظيم الاجتماعات.
لم تكن جريئة كفاية لطرح آرائها منذ البداية، لكنها كانت تراقب، تسجل الملاحظات، وتتعلم.
مع مرور الأسابيع، بدأت تترك بصمتها، لاحظ مديرها أن الأمور أصبحت أكثر تنظيمًا، أن الاجتماعات تُدار بسلاسة أكبر، أن الملفات التي كانت تضيع باستمرار باتت مرتبة وفق نظام واضح.
في أحد الأيام، أثناء اجتماع فريق الإدارة، لاحظت خطأ في أحد التقارير المالية، كان خطأ صغيرًا لكنه قد يسبب مشكلة في الحسابات.
توقفت للحظة، تفكر فيما إذا كان عليها التحدث، ثم قررت أن تخطو تلك الخطوة الأولى.
"عذرًا، لكن هناك خطأ في هذا الجدول، خانة التكاليف غير متطابقة مع البيانات السابقة."
التفت إليها المدير، ثم راجع الورقة، صمت لثوانٍ قبل أن ينظر إليها باهتمام جديد، اهتمام لم يكن موجودًا عندما كانت مجرد موظفة جديدة صامتة.
"أحسنتِ الملاحظة، جين."
كان ذلك أول اعتراف ضمني بقدرتها، وأول دليل على أنها لم تعد مجرد موظفة تؤدي أوامر، بل عنصرًا حقيقيًا في العمل.
خارج المكتب، بدأت جين تعيد بناء حياتها وفق شروطها. كانت تستيقظ مبكرًا، تتناول فطورها بهدوء، ثم تنطلق إلى عملها دون أن تلقي بالًا لآدم أو راما.
لم تعد تنتظر تعليقاتهما، ولم تعد تكترث بما إذا كانت الأمور في المنزل تسير وفق توقعاتهما أم لا.
في المساء، بدأت تأخذ دروسًا في مهارات الحاسوب، تعلمت كيفية إعداد التقارير، كيفية التعامل مع برامج الإدارة الحديثة.
أدركت أنها لم تعد تريد مجرد وظيفة، بل مستقبلًا مهنيًا، شيئًا تستطيع الاعتماد عليه حتى لو تغيرت الظروف.
أما علاقتها بآدم، فقد أصبحت رسمية وباردة.
لم يعد يحاول إقناعها بالتراجع، لكنه كان يراقبها بحذر، كأنه يحاول فهم المرأة التي أصبحت عليها.
أما راما، فقد بدت مستاءة من انسحاب جين من دورها التقليدي، لكنها لم تملك حيلة لإيقافها.
في أحد الأيام، وبينما كانت جين تراجع بريدها الإلكتروني، وصلها إشعار من المدير:
"نحتاج إلى تنظيم جديد لأرشيف الشركة، وأعتقد أنك الشخص المناسب للإشراف عليه، هل يمكنك إعداد خطة لهذا الأمر؟"
قرأت الرسالة ببطء، ثم أخذت نفسًا عميقًا، لأول مرة، لم يكن يُطلب منها مجرد تنفيذ المهام، بل اقتراح حلول، هذه لم تكن مجرد وظيفة بعد الآن، بل بداية جديدة.
ابتسمت، أغلقت البريد.
لكن آدم القريب لاحظ ابتسامتها، قرب منها وبص فى شاشة الاب توب.
"ممكن اشوف الايميل ده؟"
"ليه؟" سألته جين ببرأة.
ضغط آدم على الايميل دون انتظار ردها فتح الرساله وقراء البريد.
"هو المدير ده عمره كام سنه؟"
"جين... معرفش يمكن خمسين سنه او اكتر."
"انتى موظفه جديده فى الشركه ليه يقرر يعتمد عليكى وعنده موظفين كتير غيرك؟"
"جين... لانى ببذل مجهود فى الشغل ومجتهده."
"مجتهده؟" صرخ آدم، "انتى من شهر واحد كان أكبر إنجازاتك غسل الاطباق وتحضير الأكل."
"عايزه تقنعينى انك فى المده القصيرة دى عملت الإنجازات إلى تخلى مديرك يقرر كده لله فى لله ان يعتمد عليكى؟"
"جين بعدائيه ... تقصد ايه يا ادم؟"
"اقصد انك هتردى على مديرك وهتقولى انك متقدريش تعمل كده، تحججى بتعبك او قلة خبرتك لو كنتى عايزه تفضلى فى الشغل."
فتحت جين بقها، "انت بتتهددنى يا ادم؟"
"اعتبريه زى ما تعتبريه يا جين."