تحميل رواية راما بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وسط ضربات الطبل وصوت الموسيقى والأغاني الشعبية اللي بترقص عليها البنات والشباب، وصلت الدكتورة تبارك لصديقتها من أيام الدراسة. مكنتش لابسة ملابس ملفتة رغم جمالها وجسدها المغري، وكانت بتتعمد تلبس ملابس واسعة علشان تهرب من عيون الرجال. بعمر ٢٤، أصغر دكتورة في جامعتها. مشيت بثبات وسط الزحمة ناحية العروسة، ومن أول ثانية لاحظت العين اللي بتبص عليها، واللي من أول خطوة ليها في الفرح بتراقبها. سلمت على منى وأخدتها بالحضن، وسلمت على جوزها وهي مقررة تمشي. لكن والدة منى اللي كانت تعرفها وياما زارت بيتها، حل...
رواية راما الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
نظرت جين إلى آدم بحدة، قلبها ينبض بقوة بين الغضب والدهشة. لم يكن صراخه هو ما أثارها، بل الطريقة التي تحدث بها، وكأن نجاحها أمر مشبوه، وكأنها تحتاج إلى مبرر لتكون جيدة في شيء آخر غير خدمة المنزل.
أغلقت حاسوبها المحمول ببطء، وقفت، وقابلته بنظرة لم يعهدها منها. لم تكن غاضبة فقط، كانت حازمة.
"لو كنت فاكر إنك تقدر تتحكم فيَّ، فأنت غلطان."
ضحك آدم بسخرية، ومرر يده في شعره بتوتر.
"أنا مش بتحكم، أنا بحاول أحميكِ، الدنيا مش وردي زي ما إنتِ فاكرة، والناس مش بتدي فرص كده لله، لازم يكون في مقابل."
"مقابل؟" كررت الكلمة كأنها لم تستوعبها، ثم هزت رأسها. "إنت فعلاً شايفني بالشكل ده؟ بعد كل السنين دي؟"
تقدم خطوة، كأن كلمتها ضربته في نقطة حساسة.
"جين، مش قصدي... بس انتي متعرفيش الناس دي، وأنا مش مستعد أشوفك بتتأذي."
أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تستوعب أن هذا الحوار لم يعد عن الوظيفة أو المدير أو حتى مستقبلها. كان عن آدم، عن الرجل الذي لم يرها يومًا كشخص قادر على صنع حياته بنفسه.
"إنت مش خايف عليّ، إنت خايف من إني أخرج من الدور اللي رسمته لي."
لم يعترض، لكنه لم يؤكد أيضًا. كانت نظراته كافية لتخبرها أنها على حق.
"آدم، لو كنت بتحبني، كنت هتدعمني بدل ما تحاول توقفني."
لم يجد ردًا، لم تكن لديه كلمات تعيدها إلى المكان الذي كانت فيه. جين لم تعد هي المرأة التي عرفها.
استدارت واتجهت إلى غرفتها. قبل أن تغلق الباب، التفتت إليه مرة أخيرة، بعينين لم تعد تبحثان عن إذنه أو موافقته.
"مش هعتذر عن كوني ناجحة، ولو كنت شايف إن ده تهديد ليك، فالمشكلة مش عندي."
آدم بقي واقفًا في مكانه، يشعر لأول مرة أن جين لم تعد جزءًا من عالمه، وأنه لا يملك أي سلطة ليعيدها.
بعد أن دخلت جين غرفتها، بقي آدم واقفًا في مكانه، يحدّق في الباب المغلق وكأن بإمكانه اختراقه بنظراته.
ثم استدار فجأة، متجهًا إلى الصالة حيث كانت راما تجلس على الأريكة، ساقاها متشابكتان، ويديها تمسكان بهاتفها، لكنها كانت تراقبه من طرف عينيها.
"شوفتى اللي حصل؟" سألها بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب.
وضعت راما هاتفها جانبًا، رفعت حاجبها باستهجان، ثم قالت:
"طبعًا سمعت، واضح إن جين قررت تتقمص دور المرأة القوية، بس إحنا عارفين إنها مش كده فعلًا."
جلس آدم بعصبية، وضع مرفقيه على ركبتيه، وأسند رأسه إلى يديه للحظات قبل أن ينظر إلى راما.
"مش هسيبها تخرج عن السيطرة، لازم نفهمها إن المكان اللي راحت له مش مكانها."
ابتسمت راما بمكر.
"ونعمل إيه؟ نحاول نرجّعها لطبيعتها القديمة؟"
"بالضبط." قال آدم، ثم تابع بعد لحظة من التفكير: "بس مش بالقوة، لازم نخليها بنفسها تحس إنها مش قادرة تكمل."
راما مالت نحوه، عيناها تلمعان باهتمام.
"إنت عارف إن عندي طريقة لكل حاجة، بس عاوزة أفهم، إحنا بنتكلم عن تدمير شغلها؟"
آدم لم يتردد هذه المرة.
"مش تدميره، بس نخليها تحس إنه مش مكانها، شوية ضغط، شوية فوضى، شوية إحباط... وهتلاقيها بنفسها بتقرر ترجع لنا."
أومأت راما برضا.
"أنا ممكن أساعد في كده."
"إزاي؟" سألها آدم باهتمام.
راما ابتسمت ابتسامة بطيئة، ثم نهضت وأخذت هاتفها من جديد، وبدأت تكتب شيئًا بسرعة.
نظر إليها بشك، لكنه لم يسألها عن التفاصيل. كان الهاتف فى يدها وعقلها يعمل بسرعة. كانت تعرف أن الضغط على جين وحده لا يكفي، كان يجب أن تسقط تمامًا، أن تفقد عملها بنفس الطريقة التي حصلت عليه بها: بسرعة وبدون إنذار.
رفعت رأسها.
"آدم انت لسه متذكر عنوان بريد مدير جين إلى بعت منه الرساله؟"
ضيق آدم عينيه.
"تقريبا أيوه."
راما بأبتسامه.
"طيب سيب الباقى عليه."
فتحت بريدها الإلكتروني، كتبت عنوانًا بسيطًا، ثم بدأت في كتابة الرسالة إلى مدير جين:
"السيد المحترم،
أعلم أنك مدير يهتم بموظفيه، ولهذا شعرت بأنني مضطرة مراسلتك.
أكتب لك بخصوص جين، ربما لا تعرف أن عملها معكم يهدد حياتها الشخصية. منذ أن حصلت على الوظيفة، تغير كل شيء في منزلها.
علاقتها بأسرتها تتدهور، وهناك مشاكل كبيرة بينها وبين زوجها بسبب ضغط العمل. هي على وشك فقدان بيتها واستقرارها، وكل هذا بسبب المسؤوليات المتزايدة عليها.
أعتقد أنك الشخص المناسب لمساعدتها. ربما لو وجدت طريقة لتخفيف الضغط عنها أو حتى إعفائها من العمل، ستكون قد أنقذتها من مستقبل كارثي. جين ليست مستعدة لهذه البيئة، ومن الأفضل لها أن تعود إلى حياتها الطبيعية قبل أن تخسر كل شيء.
أنا واثقة أنك ستعرف كيف تتصرف بطريقة مهنية، بحيث لا تشعر أن الأمر مدبر ضدها، بل كأنه قرار إداري طبيعي. أعتقد أن هذا سيكون في مصلحتها على المدى الطويل."
أنهت راما الرسالة، قرأتها مرة أخيرة بابتسامة صغيرة، ثم ضغطت على زر الإرسال.
الآن، لم يتبقَّ سوى انتظار النتيجة.
في صباح اليوم التالي، في المكتب، كانت جين تعمل بجد كعادتها، تحاول تجاوز التوتر الذي بدأ يتراكم حولها بسبب الإشاعات والضغوط، لكنها لم تكن تعلم أن القشة الأخيرة كانت قد زُرعت بالفعل.
بعد الظهيرة، استدعاها المدير إلى مكتبه. جلست أمامه، تنتظر، لكنه لم يبتسم هذه المرة كما كان يفعل في السابق. بدلاً من ذلك، بدا مترددًا، كأنه يبحث عن الكلمات الصحيحة ليقولها.
"جين، أردت التحدث معكِ بخصوص عملكِ هنا."
رفعت حاجبها، متوترة قليلاً.
"هل هناك مشكلة؟"
تنهد المدير، ثم مال إلى الأمام.
"بصراحة، أشعر أن الضغط عليكِ كبير، وربما هذا ليس المكان المناسب لكِ. أداؤكِ لم يكن سيئًا، لكن هناك بعض الأخطاء في الملفات، وبعض الشكاوى من الزملاء بأنكِ لا تتكيفين معهم بالشكل الكافي."
شعرت جين أن الغرفة تدور بها للحظة.
"لكن... لقد كنت أبذل جهدي، والملفات—"
قاطعها بلطف، وكأنه يُحاول أن يبدو متفهماً.
"أعلم ذلك، ولهذا أعتقد أن الأفضل لكِ هو البحث عن بيئة عمل أقل توتراً. لا أريد أن أضعكِ في موقف صعب، لذا سأمنحكِ فرصة لتقديم استقالتكِ بنفسكِ حتى لا يؤثر ذلك على مستقبلكِ المهني."
تجمدت الكلمات على لسانها. كان هذا يحدث بسرعة، بسرعة غير منطقية.
خرجت من مكتبه وهي تشعر وكأنها طُردت من عالم كامل، وليس فقط من وظيفة.
وحين عادت إلى الشقه وجدت راما في انتظارها بابتسامة باردة، وكوب شاي في يدها. أما آدم، فقد نظر إليها بهدوء قبل أن يسأل:
"يعنى رجعتى من الشغل قبل ميعادك هو فيه حاجه حصلت؟"
رواية راما الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
'' 'أنا سبت الشغل همست جين ثم وضعت حقيبتها جانبًا وتوجهت إلى المطبخ لتحضير القهوة.
كان هناك شيء داخلها يتحرك ببطء، شعور غريب كاد يكون غير مألوف، لكنه كان هناك، يتسلل في الظلال مثل دخان كثيف يملأ الرئتين دون أن تلاحظه في البداية.
كان الفراغ.
لم تبكِ، لم تصرخ، لم تثر، فقط صنعت القهوة، وشربتها، ثم وقفت تنظر إلى فنجانها الفارغ.
أحست بأن عظامها ثقيلة، وكأن الهواء حولها صار أكثر كثافة.
نظرت حولها، إلى الشقة التي اعتادت أن تراها كشيء مؤقت، مجرد محطة بين الأماكن التي تذهب إليها، المكتب، الاجتماعات، القهوة السريعة في الصباح قبل أن تبدأ يومها.
لكن الآن...
الشقة لم تكن محطة! الشقة هي كل ما تبقى.
تحركت ببطء إلى غرفة المعيشة، جلست على الأريكة، لم تنظر إلى آدم أو راما، ولم تعلق على كلماتهما، حتى عندما سألتها راما بلطف زائف عن السبب، لم ترد.
لقد أدركت شيئًا، شيء جعل قلبها ينبض ببطء مخيف.
لم يكن لديها مكان آخر تذهب إليه.
الوظيفة انتهت.
المستقبل كان فارغًا.
جلست هناك، غير قادرة على الحركة تقريبًا، بينما بدأ عقلها في تدوير الأفكار ببطء قاتل.
كيف حدث هذا؟
متى حدث هذا؟
قبل أسابيع فقط، كانت جين مختلفة، كانت تحلم، تخطط، تضحك، والآن...
كان كل شيء كأنه سُحب منها دون أن تشعر.
تحركت نظراتها بلا هدف، ووجدت نفسها تنظر إلى يديها.
أصابعها كانت نظيفة، بشرتها ناعمة، لم تكن يدا عاملة منزلية، لم تكن هذه يدا امرأة من المفترض أن تقضي يومها في ترتيب المنزل، في تنظيف الصحون، في طي الملابس.
لم يكن ذلك ما يؤرقها تحديدًا لكن أن تكون هذه وظيفتها؟
جعلها الأمر تشعر بالغثيان بعد أن توقفت عن كونها خادمة لـ راما وآدم.
لكن غدًا؟ وبعده؟
ماذا ستفعل؟
ستستيقظ صباحًا، ستجد الصحون غير مغسولة، ستجد الغبار على الطاولات، ستجد الملابس بحاجة إلى ترتيب.
وستفعلها.
دون أن تشعر، ودون أن تحتاج إلى التفكير.
تمامًا كما فعلت اليوم عندما دخلت المطبخ وصنعت القهوة.
حتى مع وجود الخادمة.
المشكلة لم تكن في العمل المنزلي، لم تكن حتى في فقدان الوظيفة.
المشكلة كانت في أنها ستتعود.
ستتعود على هذا الإيقاع البطيء، على هذا المكان الضيق، على هذا الشعور بعدم الجدوى.
أدركت أنها لا تشعر بالغضب الكافي، ولا بالحزن الكافي، وكأن هناك شيئًا داخلها كسر وتوقف عن المقاومة.
راما، التي جلست تراقبها بعينين ذكيتين، ابتسمت لنفسها عندما رأت الفراغ في نظرة جين. لقد بدأت تنهار.
استيقظت جين في الصباح، نهضت من السرير، وغسلت وجهها، ثم جلست على حافة السرير لعدة دقائق، تنظر إلى الجدار المقابل دون أن تفكر في شيء محدد.
كانت تفعل ذلك كل صباح.
كأنها تعيد برمجة عقلها ليتذكر أن هذا هو العالم الجديد الذي تعيش فيه.
ثم، وكما توقعت، وجدت الصحون في الحوض، غسلتها، وجدت الغبار على الطاولة، فمسحته، ووجدت الملابس غير مرتبة، فطوتها.
ولم يسألها أحد لماذا تفعل ذلك.
راما، التي كانت تراقبها دائمًا، لم تعلق سوى بابتسامات صغيرة وكلمات عرضية عن كيف أن المنزل صار أكثر ترتيبًا منذ أن "حصلت جين على بعض الوقت لنفسها".
أما آدم، فكان أكثر هدوءًا معها، لم يعد يتحدث عن العمل، ولا عن الوظيفة التي فقدتها، وكأن الأمر لم يكن يستحق الذكر منذ البداية.
وجين؟
في البداية، كانت تفكر في البحث عن وظيفة أخرى، لكن كلما خطرت الفكرة في بالها، كان هناك ثقل غريب يجعلها تؤجلها.
"غدًا."
"الأسبوع القادم."
"ليس الآن، لست مستعدة."
وفي كل مرة، كانت تشعر أنها تخذل نفسها، لكنها لم تكن تملك الطاقة للقتال مجددًا.
شيئًا فشيئًا، بدأت تتجنب النظر في المرآة كثيرًا، لأن كل ما رأته هناك كان امرأة تشعر أنها تذوب.
لم تعد تتحدث كثيرًا، كانت ترد بإجابات قصيرة، مبتسمة بشكل تلقائي عندما يستدعي الأمر، لكن بدون أي شعور حقيقي.
في المساء، عندما تجلس وحدها في غرفتها، كانت تسمع ضحكات راما في الصالة، صوت آدم وهو يتحدث عن أشياء لم تعد تفهمها، وكأنهما يعيشان في عالم مواز، عالم لم تعد جزءًا منه.
وفي الليل، عندما تطفئ الأضواء وتستلقي في سريرها، كانت الأفكار تأتيها ببطء.
هل هذا هو قدري؟
هل سأبقى هنا إلى الأبد؟
ماذا لو لم أقاوم؟ ماذا لو توقفت تمامًا؟
وهكذا، مع مرور الأيام، صارت جين شيئًا يشبه الظل.
لم يكن من الممكن أن تستمر في هذا الجمود، في هذا الفراغ الذي يبتلعها ببطء، كانت تشعر بأنها تنكمش، وكأنها تتلاشى داخل هذه الشقة، داخل هذا الدور الذي رُسم لها دون أن تدرك.
لذلك، في إحدى الصباحات، استيقظت قبل الجميع. جلست على حافة السرير للحظات بعيون تائهه تتذكر آخر لقاء بها مع مدير الشركه، لم تخطئ في أي شيء تعرف ذلك.
لكنها نالت العقاب كما نالته في حياتها الشخصية.
ثم نهضت، ارتدت ملابسها، ورتبت شعرها، وكأنها تستعد ليوم عادي، كما كانت تفعل دائمًا، لكن الفرق هذه المرة أنها كانت ستخرج، ستبحث عن شيء يعيد لها ملامح الحياة التي فقدتها.
لم تخبر أحدًا، لم تبرر، فقط أخذت حقيبتها وخرجت.
لكن عندما عادت في المساء، كان آدم في انتظارها.
وقف في منتصف غرفة المعيشة، عاقدًا ذراعيه، عينيه مسمرة عليها وهي تدخل.
"كنتِ فين؟"
لم يكن صوته غاضبًا، لم يكن مستفهمًا حتى، كان هادئًا جدًا، لكنه حمل في طياته شيئًا يجعل التوتر يتسلل إلى العظام.
وضعت جين حقيبتها جانبًا، خلعت معطفها ببطء، ثم نظرت إليه.
"كنت برا."
"عارف." أشار بيده إلى الطاولة حيث وُضعت بعض الأوراق "رحتِ تدوري على شغل؟"
لم ترد.
لم يكن هناك حاجة للرد، فقد كان يعرف الإجابة بالفعل.
تنهد آدم، مرر يده في شعره، وكأنه يحاول استيعاب الأمر.
"إنتِ مش محتاجة تشتغلي، جين." أنتِ جربتِ وفشلتِ.
انتِ مش مستعدة تواجهي العالم المتوحش برة الشقة.
"مش محتاجة؟"
اردف آدم "كل حاجة هنا جاهزة، عندك بيت، أمان، مفيش داعي تضيعي وقتك في حاجة مش مناسبة ليكِ."
كلماته كانت ناعمة، لكنها حملت شيئًا آخر، شيئًا جعل جين تشعر وكأنها عادت خطوة للوراء، وكأنها تُدفع إلى نفس الفراغ الذي حاولت الهرب منه.
تقدمت نحوه قليلاً، عيناها تراقبانه.
"أنا مش بدور على شغل علشان محتاجه." قالت بصوت مستنزف. "أنا بدور على شغل علشان أنا مش هقدر أكمل كده." كافحت جين لتمنع دموعها من الهطول.
للحظة أدرك آدم حجم الإحباط في نبرتها، كان صوتها يدعوه لشيء آخر، شيء يشبه الإنقاذ.
نظر إليها للحظات طويلة، ثم أومأ ببطء، كأنه فهم شيئًا لم يكن واضحًا له من قبل، ثم غادر المكان.
أسقطت جين جسدها على الأريكة. في الأيام الماضية أصبحت علاقتها بـ آدم شبه رسمية بعد أن أبعدته عنها.
لكن رغبة تلك اللحظة في حضن طويل يعتصرها ويعيد لها توازنها.
شخص يخبرها أن كل شيء سيكون بخير.
لكن عندما نظرت من حولها ورأت آدم يربت على معدة راما أدركت أنها وحيدة، وحيدة جدًا حتى وسط ذلك الصخب.
رواية راما الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
جلست جين على الأريكة، جسدها مستنزف، وعقلها ممتلئ بأفكار متشابكة لا تستطيع فك خيوطها.
كانت يداها فوق ركبتيها، أصابعها مشدودة قليلاً، وكأنها تحاول التمسك بشيء غير مرئي، شيء يمنعها من الانزلاق أكثر في الفراغ الذي بدأ يبتلعها منذ تركت عملها.
لكنها لم تكن بحاجة إلى النظر لترى المشهد خلفها، لم تكن بحاجة إلى الالتفات لترى آدم يربت على معدة راما، ابتسامتهما المريحة لبعضهما، وكأنها لم تكن هنا، وكأنها مجرد ظل، جزء من الديكور.
أخذت نفساً عميقاً، ثم نهضت ببطء، خطت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها دون أن تصدر أي صوت.
الهدوء كان خانقاً.
ألقت بجسدها على السرير، حدقت في السقف، وعرفت شيئاً واحداً.
لا أحد سينقذها.
لا أحد سيتدخل ليعيد لها حياتها. لا أحد سيأخذ بيدها ويخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام.
لأنها ببساطة لم تكن جزءاً من شيء بعد الآن.
في اليوم التالي، استيقظت بنفس البطء الذي أصبح عادة لها، نهضت من الفراش، غسلت وجهها، جلست للحظات في سريرها، ثم ارتدت ملابسها كما تفعل كل يوم، لكن الفرق هذه المرة أنها لم تفكر في الأعمال المنزلية، لم تفكر في الصحون التي تحتاج إلى تنظيف، أو الطاولات التي يغطيها الغبار.
خرجت من الغرفة، تجاهلت المطبخ، تجاهلت الصالة، وتوجهت مباشرة إلى الباب.
لم يكن هناك سبب للبقاء هنا أكثر.
لكن قبل أن تصل إلى المقبض، سمعت صوتاً هادئاً خلفها.
«خارجه؟»
استدارت، لتجد راما تقف هناك، ترتشف قهوتها الصباحية، وعيناها السوداوان ترصدانه.
«اه خارجة.»
ردت جين ببرود، لم تحاول حتى إخفاء ذلك النفور الذي بدأ يتشكل بداخلها تجاه راما.
ابتسمت الأخيرة، وضعت فنجانها على الطاولة، وأردفت بلهجة ناعمة
«طيب حاولي ما تتأخريش انتى عارفه آدم؟»
وكانت نبرتها كما أرادت نبرة تحمل مجرد نصح.
تصلبت جين للحظة، أرادت أن تنفجر، لكنها أومأت برأسها مرة واحدة، وخرجت دون أن ترد.
في الخارج، كان الهواء بارداً، منعشاً بطريقة أذهلتها قليلاً، كم من الوقت مر منذ أن شعرت بشيء حقيقي؟
بدأت تمشي بلا هدف، خطواتها تائهة، لكنها لم تتوقف، لم يكن لديها وجهة، لم يكن لديها خطة، لكنها كانت تعلم شيئاً واحداً—كان عليها أن تفعل شيئاً.
المقاهي كانت تمتلئ بالعاملين الذين يأخذون استراحاتهم، الشوارع مليئة بالحركة، السيارات تسرع، البشر يركضون لإنهاء يومهم، كل شيء كان يتحرك.
وجين؟
وقفت عند مفترق الطرق، شعرت أن العالم أمامها مفتوح بطريقة لم تكن تتوقعها.
ربما، فقط ربما، لم يكن كل شيء قد انتهى بعد.
ربما لا يزال هناك طريق للخروج من هذا السجن غير المرئي الذي وجدت نفسها فيه.
أخذت نفساً عميقاً، أخرجت هاتفها، وبدأت تبحث. عن عمل. عن بداية. عن أي شيء يمكن أن يعيدها إلى الحياة قبل أن تصبح مجرد ظل آخر في شقة لم تعد تشعر فيها بأنها تنتمي إليها.
جلست جين في أحد المقاهي القريبة، هاتفها بين يديها، وعيناها تتنقلان بين الإعلانات الوظيفية.
كانت الكلمات تتكرر أمامها: «مطلوب موظف إداري»، «فرصة في مجال التسويق»، «خبرة لا تقل عن سنتين»...
لكن عقلها لم يكن يركز حقاً على التفاصيل.
كانت هناك فكرة واحدة تضربها باستمرار، تنبض تحت جمجمتها كإيقاع متواصل—
لقد أصبحت بلا قيمة.
قبل أسابيع فقط، كانت تقضي يومها بين الاجتماعات، كان اسمها موجوداً في تقارير العمل، في البريد الإلكتروني.
والآن؟
كانت تجلس هنا، تحاول فقط العثور على وظيفة تُشعرها بأنها لا تزال حية.
أبعدت الهاتف جانباً، رفعت يدها إلى شعرها وسحبت نفساً عميقاً.
لا!!
لن تسمح لهذا الشعور بأن يلتهمها مجددًا.
أمسكت هاتفها مجددًا، هذه المرة بعزيمة أكبر. بدأت في إرسال طلبات التوظيف، رسالة بعد الأخرى، وكأنها ترمي طوق نجاة لنفسها قبل أن تغرق تمامًا.
لكن كل ذلك لم يغير الحقيقة— كانت البداية بطيئة، والفراغ في داخلها لم يتراجع بسهولة.
عادت إلى الشقة في المساء، متأخرة قليلاً عن المعتاد. كانت الإضاءة في الداخل خافتة، والجو هادئًا بطريقة جعلت كل شيء يبدو غير حقيقي.
لكن آدم كان هناك، جالسًا على الأريكة، عينيه موجهتين نحوها وهي تدخل. توقف الزمن للحظة.
لم يقل شيئًا في البداية، فقط نظر إليها، نظر طويلًا جدًا حتى كادت تشعر أن الكلمات التي لم ينطق بها كانت تتسلل إليها رغمًا عنها.
ثم أخيرًا، بصوت هادئ للغاية، قال: «جين؟»
تصلبت يداها حول حزام حقيبتها. عيناها تحركتا إلى راما، التي كانت مستلقية على الأريكة الأخرى، ساقاها متشابكتان، وفنجان قهوتها في يدها.
لم تتحدث، فقط رفعت حاجبًا، وابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها تعرف شيئًا لا تعرفه جين.
أدركت جين فجأة أنها لا تريد أن تكون هنا. لا تريد أن تكون محاصرة بين هدوء آدم المريب، وبين نظرات راما التي تتسلل إلى جلدها مثل إبر باردة.
«خير يا آدم؟»
«كنت بره فيه مشكلة إني أخرج؟»
ثم سارت بصمت نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها.
لكن حتى وهي جالسة هناك، على سريرها، أدركت شيئًا مهمًا— لن يكون الهروب إلى غرفتها كافيًا هذه المرة.
إذا أرادت حقًا أن تستعيد نفسها، فعليها أن تقاتل. ولكن هل لا يزال لديها القوة لذلك؟
مرت الأيام التالية ببطء، لكنها لم تكن فارغة تمامًا. جين تلقت عدة ردود على طلبات التوظيف، معظمها كانت رفضًا، وبعضها كان دعوات للمقابلات.
كان جزء منها خائفًا من العودة إلى هذا العالم، من مواجهة احتمالية الرفض المتكرر، من الشعور بأنها لم تعد كافية. لكنها لم تعد تملك رفاهية التردد.
في صباح يوم جديد، ارتدت ملابسها بعناية، وخرجت دون أن تنظر خلفها. هذه المرة، لم تخبر أحدًا إلى أين ستذهب. وهذه المرة، لم يكن يهمها إن كان آدم أو راما سيلاحظان غيابها.
لأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا— هذه ستكون بداية النهاية لهذا الفراغ الذي كاد يبتلعها.
كان الهواء في الخارج باردًا رغم أشعة الشمس المتناثرة، لكنه منح جين شيئًا نسيته منذ فترة—الإحساس بالحركة، بالحياة، بعد أيام طويلة من الركود.
سارت بخطوات ثابتة إلى العنوان المحدد على هاتفها، مبنى زجاجي شاهق، اسمه محفور على لوح معدني عند المدخل. توقفت أمامه للحظة، ثم تنفست بعمق ودخلت.
كان المكان صاخبًا، مليئًا بأشخاص يتحركون بسرعة، كل واحد منهم غارق في عالمه.
وجدت نفسها تفكر كيف كانت واحدة منهم، كيف كان لها مكان في هذا المشهد المتسارع، وكيف انتهى بها الأمر إلى أن تصبح شخصًا يراقب من الخارج بدلاً من أن يكون في قلب الحركة.
لكن لا بأس. اليوم كانت هنا لتستعيد جزءًا من نفسها.
جلست في غرفة المقابلة، يداها متشابكتان على الطاولة أمامها، تحاول ألا تظهر توترها.
الرجل الجالس أمامها، مدير التوظيف، ألقى نظرة على سيرتها الذاتية، ثم رفع عينيه إليها.
«هناك فجوة في سجلك المهني؟»
شعرت بعضلاتها تتصلب، لكنها لم تخفض عينيها.
«واجهت بعض الظروف الشخصية.» قالت بصوت ثابت، دون أن تشرح أكثر.
الرجل لم يسألها عن التفاصيل، فقط نظر إليها لثانية طويلة قبل أن يقول: «ما الذي تبحثين عنه بالضبط، جين؟»
كان سؤالًا بسيطًا، لكنه جعلها تتوقف.
ما الذي تبحث عنه؟ وظيفة؟ نعم. استقرار؟ ربما. لكن الأهم من ذلك كله—
«أريد أن أعمل مرة أخرى.» أجابت أخيرًا، بصدق كامل.
نظر إليها الرجل مرة أخرى، ثم ابتسم قليلاً، وكأنه رأى شيئًا في عينيها جعله يتخذ قراره.
«حسنًا، لنرى ما يمكننا فعله.»
عندما خرجت من المبنى، كانت الشمس قد تحركت في السماء، وأشعتها أصبحت أكثر دفئًا.
وقفت للحظة عند الرصيف، الهواء يعبث بخصلات شعرها، بينما عقلها يستوعب ما حدث.
لم تحصل على الوظيفة بعد، لكنها لم تعد مجرد ظل بلا اتجاه. كان هذا كافيًا الآن.
استدارت وعادت أدراجها، خطواتها أكثر ثباتًا، للمرة الأولى منذ فترة طويلة.
لكن عندما عادت إلى الشقة، وجدت آدم ينتظرها مجددًا.
لم يكن يجلس هذه المرة، بل كان واقفًا، يداه في جيوبه، كتفاه مشدودتان.
عندما أغلقت الباب خلفها، قال بصوت منخفض: «رحتِ مقابلة عمل، صح؟»
لم يكن سؤالًا بقدر ما كان ملاحظة.
وضعت جين حقيبتها بهدوء، التقت عيناها بعينيه، ثم أجابت دون تردد: «نعم.»
لمعت عيناه للحظة بشيء لم تستطع تحديده، لكنه لم يتحدث على الفور.
ثم أخيرًا، بعد صمت طويل، قال بصوت هادئ جدًا: «إنتِ فعلاً مش ناوية تتراجعي عن قرار الشغل؟»
هذه المرة، لم تتردد جين. «أيوه.»
ولأول مرة، بدا وكأن آدم لم يعرف كيف يرد.
فتح آدم فمه بابتسامة ساخرة. «المرة الماضية تخلى عنك مديرك كأنه حشرة يا جين.»
«أنا خايف عليكي، خايف على قلبك ومشاعرك.»
كادت أن تضحك، منذ مدة طويلة، نسيت أن لديها مشاعر مثل بقية البشر.
«هي مشاعري مهمة فعلاً بالنسبة ليك؟»
وقبل أن يرد آدم، قالت جين بصوت صارم: «لو مشاعري مهمة بالنسبة ليك، سبني براحتي يا آدم.»
«أنا محتاجة الشغل.» وكادت أن تبوح بضعفها، لكنها صمتت.
«جين، راما محتاجة عناية، ده حلمنا يا جين، ولا إنتِ ناسيتِ؟»
«منستش يا آدم.»
«راما معاها خدامة بتاخد بالها منها، ولا إنت شايف إن خدامة واحدة مش كفاية على راما؟»
«أنا مقلتش كده يا جين، إنتِ فهمتيني غلط، أنا كل اللي يهمني راحتك.»
«راحتي في الشغل يا آدم، قررت.»
«سبها براحتها يا آدم، متضغطش عليها، أنا هبقى كويسة.»
«جين، أنا بتمنى تلاقي شغل وبالك يرتاح.»
«سيبك من آدم.»
«آدم بس قلقان وخايف عليكي من العالم اللي بره، لأنه مش بيرحم.»
رواية راما الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
مرت الأيام ببطء، لكنها لم تكن كالسابق. جين بدأت تستعيد شيئًا من نفسها، شيئًا صغيرًا، لكنه مهم.
كانت تستيقظ كل صباح، ترتدي ملابسها، تخرج دون أن تخبر أحدًا إلى أين تذهب.
لم تكن بحاجة إلى تفسير، ولم يكن آدم يسأل.
لكنها كانت تشعر بنظراته، تشعر بذلك الثقل في الجو عندما تعود، وكأنه ينتظر منها أن تتوقف، أن تعود إلى الجمود.
لكنه لم يقل شيئًا.
في إحدى الليالي، عندما دخلت إلى الشقة، كانت راما على الأريكة، مسترخية كما لو أن كل شيء يسير وفق مخطط وضعته مسبقًا.
رفعت عينيها نحو جين، ابتسمت نصف ابتسامة، وكأنها تعرف أكثر مما يجب.
"إنت بتدوري على شغل، صح؟"
جين لم تتفاجأ. لم تحاول حتى الإنكار.
"آه."
"هتلاقي."
"أكيد."
لم تكن كلماتها لطيفة، لكنها لم تكن قاسية أيضًا. كانت فقط… راما.
في الصباح التالي، جين تلقت اتصالًا.
الشركة التي قدمت إليها الأسبوع الماضي أرادت إجراء مقابلة ثانية.
عندما وضعت الهاتف، أخذت نفسًا عميقًا، شعرت بشيء يشبه القلق، لكنه كان أفضل من الفراغ.
ذلك المساء، عندما عادت، كان آدم في المطبخ، يحضر قهوته، لكنه توقف عندما رأى تعبيرها.
"إيه؟"
"اتصلوا بيا."
رفع حاجبه. "مين؟"
"الشركة."
آدم لم يرد فورًا، فقط نظر إليها للحظة طويلة، ثم أومأ برأسه ببطء.
"كويس."
لكن نبرته لم تكن سعيدة، ولم تكن غاضبة.
كانت فقط… حذرة.
لم تنم جين جيدًا تلك الليلة.
تقلبت في فراشها، أفكارها تتشابك مع ظلال السقف. كانت المقابلة غدًا، وكان عليها أن تكون مستعدة، لكنها لم تكن متأكدة مما يعنيه ذلك بعد الآن.
قبل أشهر فقط، كانت ستدخل إلى تلك الغرفة بثقة، ستتحدث عن خبرتها، عن مهاراتها، عن كيف أنها ستكون إضافة رائعة للفريق.
لكن الآن؟
الآن، كانت شخصًا يحاول إعادة بناء شيء تهدم دون أن تدرك متى أو كيف حدث ذلك.
في الصباح، استيقظت مبكرًا، ارتدت ملابسها بعناية أكثر من المعتاد، وقفت أمام المرآة، تحدق في انعكاسها.
كان هناك شيء جديد في نظرتها، شيء لم يكن موجودًا قبل أسابيع.
ليس القوة تمامًا، ولكن إرادة خافتة، كأنها شرارة صغيرة وسط رماد كثيف.
عندما خرجت من الغرفة، كانت راما جالسة في الصالة، ترتشف قهوتها بهدوء.
رفعت عينيها نحو جين، تأملتها للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، شبه مسلية.
"طالعة بدري النهاردة."
لم ترد جين، لكنها رأت اللمعان في عيني راما، وكأنها كانت تتوقع هذا اليوم منذ زمن.
وصلت جين إلى الشركة، جلست في غرفة الانتظار، يداها مشدودتان على حقيبتها.
المكان مألوف، لكنه بدا غريبًا في نفس الوقت. كانت تسمع همسات الموظفين، رنين الهواتف، خطوات الأحذية الرسمية على الأرضية اللامعة.
كان هذا عالمها القديم.
لكنها لم تكن متأكدة إن كان لا يزال يناسبها.
عندما نادوا اسمها، وقفت، أخذت نفسًا عميقًا، ثم سارت إلى الداخل.
المقابلة لم تكن صعبة، الأسئلة كانت مألوفة، والإجابات كانت تخرج منها بشكل آلي تقريبًا.
لكن في منتصف الحديث، سألها المدير سؤالًا جعلها تتوقف للحظة.
"أين ترين نفسك بعد خمس سنوات؟"
كان سؤالًا بسيطًا، سؤالًا سمعته من قبل عشرات المرات.
لكن هذه المرة، لم تعرف الإجابة فورًا.
خمس سنوات؟
في شركة؟ في شقة صغيرة مثل التي تعيش فيها الآن؟ في حياة تشعر فيها أنها مجرد ظل؟
ضغطت على أصابعها قليلًا، ثم ابتسمت.
"أرى نفسي في مكان يجعلني أشعر أنني حية."
المدير رفع حاجبه قليلًا، وكأنه لم يكن يتوقع هذه الإجابة لكنه لم يعترض.
"إجابة مثيرة للاهتمام."
عندما عادت إلى الشقة، كان آدم في الصالة، جالسًا على الأريكة، هاتفه في يده، لكنه لم يكن يركز على الشاشة.
نظر إليها عندما دخلت، لم يقل شيئًا في البداية، ثم سأل بهدوء:
"إزاي كانت المقابلة؟"
جلست على الكرسي المقابل له، تنهدت، ثم رفعت كتفيها قليلًا.
"ماعرفش."
"متعرفيش؟"
"عملت اللي عليا."
آدم أومأ ببطء، كأنه كان يتوقع هذه الإجابة، ثم قال بصوت منخفض:
"لو ماخدتيش الشغل، هتعملي إيه؟"
نظرت إليه للحظة، ثم اجابت ببرود.
"هدور على غيره."
نظر إليها طويلًا، كأنه كان يحاول أن يفهم شيئًا لم يكن واضحًا من قبل، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، شبه مستسلمة.
"كويس."
مرت ثلاثة أيام دون أن تسمع جين أي رد بشأن المقابلة. في اليوم الرابع، وصلها بريد إلكتروني مختصر:
"نشكرك على وقتك. للأسف، اخترنا مرشحًا آخر لهذه الفرصة نتمنى لك التوفيق في مسيرتك المهنية."
ظلت تحدق في الشاشة لثوانٍ، تقرأ الكلمات مرة بعد مرة، كأن عقلها يرفض استيعابها.
لم تكن غاضبة، لم تكن محبطة تمامًا… فقط شعرت بالفراغ مجددًا.
فقدان شيء لم تحصل عليه أصلاً له نوع مختلف من الخيبة.
وضعت الهاتف جانبًا، قامت بتحضير القهوة، ثم جلست على الطاولة تحدق في السائل الداكن داخل الفنجان.
شعرت أن الدائرة تعود للإغلاق عليها مجددًا.
هل ستبقى هنا؟ هل ستستسلم لهذه الحياة التي تُدفع إليها ببطء؟
لا.
لم تنهض من السرير كل صباح، لم تغسل وجهها، لم تخرج من تلك الشقة لمجرد أن تقف عند أول عثرة وتتراجع.
كان عليها أن تحاول مجددًا.
في اليوم التالي، بدأت تبحث عن وظائف أخرى.
لكن شيئًا ما تغير هذه المرة.
لم تكن تبحث عن مجرد وظيفة فقط، بل عن شيء يشعرها بأنها تتنفس.
في المساء، بينما كانت تجلس على الأريكة تتصفح هاتفها، دخلت راما وجلست على الكرسي المقابل، متشابكة الذراعين، وعيناها تراقبان جين باهتمام.
"شكلك مركزة أوي."
لم ترفع جين عينيها عن الشاشة وهي تجيب ببرود:
"بدور على شغل."
راما ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأنها كانت تتوقع هذه الإجابة.
"وليه كل ده؟ الحياة هنا مش وحشة."
جين لم ترد مباشرة. لكنها رفعت عينيها في النهاية، نظرت إلى راما للحظات، ثم قالت بصوت هادئ لكنه حازم:
"مش كل الناس بتحب تكون تابعة."
في اليوم التالي، خرجت مجددًا، أجرت مقابلة أخرى، ثم مقابلة ثالثة.
لم يكن الأمر سهلًا. لكنها لم تتوقف.
وفي إحدى الليالي، عندما عادت إلى الشقة، وجدت آدم في المطبخ، يعد القهوة.
لم تكن قد تحدثت معه كثيرًا في الأيام الماضية، لكن عندما نظر إليها، لم يسألها عن أين كانت.
بدلاً من ذلك، دفع فنجان قهوة نحوها.
"شكلك تعبانة."
أخذت الفنجان، ارتشفت رشفة بطيئة، ثم تنهدت.
"شوية."
ظل ينظر إليها للحظة، ثم قال بصوت خافت:
"هتفضلي تحاولي؟"
لم ترفع عينيها عن القهوة وهي تهمس:
"مش ناوية أوقف."
أومأ ببطء، ثم ارتشف قهوته بصمت.
في تلك اللحظة، شعرت جين أنها، ولو للحظة صغيرة، لم تكن وحدها تمامًا.
شعرت انه يهتم بها، شعرت انه لو اولاها بعض الاهتمام ربما لكانت توقفت عن كل ذلك.
رواية راما الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن هناك شيء درامي في الأيام التالية. لم تكن هناك لحظة فاصلة&; لم يكن هناك انتصار ساحق أو انهيار مفاجئ.
فقط الاستمرار.
جين تستيقظ كل صباح&; تغسل وجهها&; تحضر قهوتها&; ثم تخرج.
لم تعد تتحدث كثير&;ا&; لكنها أيض&;ا لم تعد صامتة تمام&;ا. أصبحت تشعر أنها تتحرك بين العالمين&;عالم راما وآدم الذى تحاول أن تهرب منه وعالمها الجديد الذي لم ي&;فتح لها بعد.
في إحدى الأمسيات&; عندما عادت إلى الشقة&; كانت راما في غرفة المعيشة&; جالسة على الأريكة&; تتصفح هاتفها&; قدم&;ا فوق الأخرى.
بمجرد أن رأت جين&; رفعت عينيها ببطء&; ثم قالت بنبرة خفيفة:
&;أنا بجد مش فاهمة&; بتتعبي نفسك على إيه&; عندك كل حاجة هنا. بيت&; راحة&; حتى آدم بقى متفاهم معاكي.&;
توقفت جين أخير&;ا&; التفتت ببطء لتنظر إلى راما عيناهما التقتا للحظات.
ثم قالت جين بصوت هادئ&; لكنه قاطع:
&;وإنتي&; إيه اللي يخليكي متضايقة من ده&;
لم تكن من عادة جين ان تدخل فى نزاعات تعتبرها سوقيه لكنه كيلها كان قد طفح ولم يعد لديها مقدره على الكتمان
دى حياتى الخاصه راما وزى ما انا مش بتدخل فى حياتك ولا بطلب منك انك تقعدى فى الشقه وتسيبى شغلك لأن زى ما أنتى شايفه معدتك أصبحت مثل جالون ميه
شغلى يا جين&;
انتى بتقارنى شغلك بشغلى&;
انا دكتوره جامعيه&; دى أعلى درجه علميه فى البلد
لكن شغلك هيكون ايه&;
سكرتيره&;
موظفه اداريه فى شركه رخيصه&;
جين لم تبتسم&; لم ترد&; فقط استدارت وأكملت طريقها إلى غرفتها&; لكن الشعور لم يغادرها.
راما لم تكن تحاول فهمها&; راما كانت تحاول إبقاءها هنا.
في اليوم التالي&; جين تلقت مكالمة&;كانت مقابلة العمل الأخيرة قد نجحت.
لأول مرة منذ وقت طويل&; شعرت بشيء يشبه الأمل.
لكنها لم تقل شيئ&;ا لآدم أو لراما. لم تشاركهم الخبر.
احتفظت به لنفسها&; كما لو كان كنز&;ا صغير&;ا&; كما لو كانت تخشى أن يختفي إن نطقت به بصوت عال&;.
لكنها عرفت شيئ&;ا واحد&;ا.
كان هذا التغيير حقيقي&;ا&; وكان سيحدث&; سواء أرادت راما ذلك أم لا
وان راما لن تصفى لها مهما حاولت أن ترضيها
شيء اخر هناك شيء داخل جين كان يرغب بالقتال
في الصباح&; استيقظت جين قبل الجميع&; كالعادة. لكن هذه المرة&; لم تقف على حافة السرير تتأمل الجدار الفارغ&; لم تبكى على حياتها الضائعة
نهضت بخفة&; وكأن الهواء صار أقل ثقل&;ا.&; اليوم كان مختلف&;ا اليوم ستبدأ العمل.
ارتدت ملابسها بعناية&; رتبت شعرها&; ثم خرجت من الغرفة في المطبخ&; كانت راما تجلس تحتسي قهوتها&; ترفع حاجب&;ا عندما رأت جين بكامل أناقتها.
&;رايحة فين&;&;
جين لم تتوقف&; تناولت حقيبتها بهدوء&; ثم ردت دون أن تنظر إليها:
&;عندي شغل.&;
للحظة&; لم تقل راما شيئ&;ا. ثم وضعت كوبها ببطء&; مالت بجسدها للأمام قليل&;ا وقالت بصوت هادئ:
هو انتى لقيتى شغل&; وكانت نبرتها ساخره
هذه المرة&; توقفت جين عند الباب&; التفتت لتنظر إلى راما مباشرة
اه شغل فى شركه رخيصه على قد حالى &;ثم خرجت&; مغلقة الباب خلفها.
الهواء في الخارج كان بارد&;ا&; لكنه لم يكن قاسي&;ا.
جين مشت بخطوات ثابتة&; لكن قلبها كان ينبض بسرعة. لم يكن الخوف&; لم يكن التوتر&; كان شيئ&;ا أقرب إلى الحياة تعود إلى جسدها ببطء.
لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها في هذا العمل الجديد&; لكنها كانت تعرف شيئ&;ا واحد&;ا&; لن تعود كما كانت.
في المساء&; عندما عادت&; وجدت آدم يجلس في غرفة المعيشة&; هاتفه في يده&; لكنه لم يكن ينظر إليه.
كان ينتظرها.
عندما دخلت&; رفع عينيه ببطء&; تفحص مظهرها&; ثم قال بهدوء:
&;كيف كان يومك&;&;
لأول مرة منذ وقت طويل تشعر ان نبرته ودوده&; ابتسمت جين ابتسامة صغيرة&; لكنها حقيقية.
&;كان جيد&;ا.&;
آدم لم يرد فور&;ا&; فقط أومأ&; وكأنه يستوعب الأمر&; ثم قال بصوت منخفض:
&;أنا مبسوط عشانك &;
هذه الكلمات&; رغم بساطتها&; جعلت شيئ&;ا في قلب جين يهدأ
لم تكن وحدها تماما وراح عقلها يعمل بطريقه جد غريبه
احقا يعنى قوله&;
_______
٣٤
كان الجو بارد&;ا في الخارج&; والمطر بدأ يهطل برفق&; يرسم خيوط&;ا شفافة على زجاج النوافذ جين دخلت الشقة&; أغلقت الباب بهدوء&; ثم خلعت معطفها المبلل.
آدم كان في المطبخ&; يسكب القهوة في كوبين&; عندما التفت ورآها&; رفع حاجبه قليلا&;.
&;اتأخرت&; النهارده.&;
لم يكن في صوته عتاب&; فقط ملاحظة عابرة&; لكنها حملت في طياتها شيئ&;ا دافئ&;ا.
جين اقتربت منه&; نظرت إلى الكوبين ثم إليه&; وكأنها تحاول فك شفرة هذا المشهد.
&;كنت مستنينى &;&;
آدم لم يرد فور&;ا&; فقط أعطاها الكوب الثاني. &;اتفضلي.&;
أخذت القهوة وجلست على الطاولة&; شعرت بدفئها في يديها&; لكنها لم تشرب فور&;ا.
&;يومك كان عامل إيه&;&; سأل بصوت هادئ.
جين&; التي لم تكن معتادة على هذا النوع من الأسئلة منه&; نظرت إليه للحظة قبل أن ترد.
&;كان طويل شوية&; بس كويس.&;
أومأ آدم&; ثم ارتشف قهوته&; وكأن المحادثة لم تنته&; بعد. وبعد لحظة من الصمت&;&;.
رواية راما الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
همس آدم ثم تردد لحظة وهو يتأملها كلها: اشتقت لك.
رفعت جين رأسها، كانت حتى تلك اللحظة تداعب هاتفها.
تورّد وجه آدم، بدا لها أنها نسيت ما تعني تلك الكلمة.
"إذا كنتِ تفكرين أنني سأترك عملي لمجرد كلمتين فأنتِ مخطئة."
"لا!" رفع آدم يده: "أنا سعيد من أجلكِ، سعيد فعلاً. كل شيء يجعلكِ سعيدة يعجبني."
رفعت جين حاجبها: "ما الذي يحدث معها؟"
كانت نظرة آدم صادقة، كانت حقيقة. آدم اشتاق لها.
لم تعرف جين ما عليها قوله، شعرت أنها فتاة شابة تتلقى الإعجاب من حبيب غامض.
"أنا هدخل غرفتي بعد إذنك."
كان صوت راما يصل أذنها: "آدم، هو فيه إيه؟"
"فيه إيه؟" رد آدم.
"أنتِ وجين حاجة غريبة يعني."
"جين مراتي يا راما وأنا قصرت معاها كتير المدة اللي فاتت."
"وأنا كمان مراتك يا آدم."
"عارف يا راما وأنا مش مقصر معاكي في حاجة."
"لكن أنا قررت أني أقضي أيام جين معاها في غرفتها."
انصدمت راما، صخرة سقطت فوق دماغها.
"هتعمل إيه؟"
"أيام جين هقضيها معاها."
"طيب وأنا؟"
"أنتِ مالكِ؟"
"طفلك يا آدم اللي في بطني."
"ودا إيه علاقته بجين؟"
ترددت راما: "آدم، إيه اللي تقدري تديهولك جين أكتر مني؟"
"الموضوع مش كده يا راما، جين متوترة، حاسة بالضياع ولازم أكون جنبها."
"قلبك حنين أوي يا آدم"، همست راما بسخرية.
"تقصدي إيه؟" صرخ آدم: "جين مش واحدة جايبها من الشارع. دي مراتي زيك ولازم تحترميها."
رفعت راما حاجبها باستنكار: "إيه النغمة الجديدة دي يا سي آدم؟"
"اهي قدامك روحلها، اشبع بيها." نهضت راما دخلت غرفتها وصكت الباب بكل قوة.
أشعل آدم سيجارة. لم يخطط لتلك الثورة، لكن أن يرى جين تنحدر نحو هوة لا متناهية من الضياع أمر لن يقبله أبداً.
طرق آدم باب غرفة جين.
يا منذ متى؟ لا تتذكر جين آخر مرة طرق فيها آدم باب غرفتها.
همست جين: "ادخل!"
أطفأ آدم سيجارته. كانت جين جالسة على حرف السرير.
عيناها معلقة بالسقف.
دون تردد جلس آدم بجوار جين، جسده كان دافئاً عندما لمس جسدها.
"أنا آسف يا جين."
"آسف على كل حاجة. أنت كنت شخص سيء جداً معاكي."
"إنسان أناني مش بيفكر غير في نفسه."
"فرحتي بطفلي نستني كل حاجة، بعدت عنك واهملتك."
"مش هقدر أسامح نفسي أبداً يا جين على اللي عملته فيكي."
كان جسد آدم يرتعش باضطرابات قوية.
بدا مثل طفل بليد شقي وأحمق يجلس أمام والدته ينتظر عفوها.
"أنا محتاجك قوي يا جين، قوي." وأسند آدم رأسه على صدر جين.
بتردد حاوطت جين جسد آدم قبل أن تضغط عليه وهي تهمس: "كل حاجة هتبقى كويسة، أنا مش زعلانة يا آدم."
بدأت الدموع تنزل من عيون آدم، هطلت بلا توقف وارتفع نحيبه الصامت.
"هس... هس... كفاية يا آدم، كفاية. احضنيني يا جين، أنا محتاج حضنك قوي."
ظل آدم في حضن جين حتى هدأ جسده وعادت أنفاسه لطبيعتها.
"جين."
"نعم آدم."
"ممكن أنام عندك الليلة؟"
"ممكن يا آدم."
"في حضنك؟"
تمدد آدم على السرير. نزعت جين حذاءه ورفعت البطانية فوق جسده.
"هغير هدومي وارجع يا آدم."
في الصالة كانت راما جالسة، ترفع حاجبها حرف إكس تقاطع قطار حديد.
لم تفتح فمها، لم تعلق، لكنها بصقت في المنفضة وتنهدت بصوت صاخب.
استحمت جين، خرجت مرتدية ملابس النوم. رغم مرور الشهور لازالت محتفظة برشاقة جسدها.
جسد لا تمتلكه راما بعد أن تكورت معدتها وأصبحت مثل سخان أولمبيك.
"متزوقة يعني يا جين؟"
لم ترغب جين بالرد، أرادت أن تتجاهل راما وترمي كل كلامها خلف ظهرها.
لكنها قالت أخيراً: "وإيه المانع؟"
"راما... أنا عايزة أعرف بس إيه فايدة كل ده؟ قميص ومكياج وإنتي عارفة إن مفيش حاجة هتحصل."
"عمرك ما هتعرفي ترضي آدم يا جين."
رواية راما الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
في اليوم التالي، استيقظت جين قبل آدم. لم تتحرك من مكانها مباشرة، فقط ظلت مستلقية للحظات، تنظر إلى السقف، تسمع أنفاسه الهادئة بجانبها.
كانت الليلة الماضية غريبة، ليس بسبب آدم فقط، بل بسببها هي. كيف انتهى بها الأمر إلى السماح له بالبقاء؟ كيف وجدت نفسها تصدقه؟
نهضت بهدوء، سحبت البطانية فوقه قبل أن تتجه إلى الحمام. فتحت الماء البارد، تركته يتدفق بين يديها للحظات قبل أن تغسل وجهها. نظرت إلى انعكاسها في المرآة، عيناها لم تكونا متعبتين كعادتهما، لكن هناك شيء آخر فيها، شيء لم تستطع تحديده بعد.
عندما خرجت، كان آدم قد استيقظ، جالسًا على حافة السرير، ينظر إليها بصمت.
"صباح الخير." قال بصوت منخفض.
لم ترد فورًا، فقط وقفت هناك، ثم قالت أخيرًا: "صباح النور."
كان هناك شيء غريب في الجو بينهما، ليس توترًا، بل إدراكًا لحقيقة أن هذه اللحظة قد تكون نقطة تحول، للأفضل أو للأسوأ.
آدم وقف، مشى نحوها لكنه لم يلمسها، فقط وقف أمامها وقال: "أنا مش هضغط عليكي في حاجة، جين. بس عايزك تعرفي إن أنا مش هتخلى عنك، هنفضل سوا مهما كانت العقبات."
جين أومأت، لم تجبه، فقط التقطت حقيبتها واتجهت إلى الباب.
"هترجعي إمتى؟" سألها.
"لا أعرف."
لم تكن تعرف في الحقيقة متى ستعود، كان عقلها مشوش جدًا.
وتشعر بثقل على صدرها.
ثم خرجت.
في المطبخ، كانت راما قد استيقظت بالفعل، جالسة تحتسي قهوتها، قدماها ممدودتان بكسل على الطاولة. نظرت إلى جين بنظرة طويلة، ثم قالت بنبرة ساخرة: "العروسة خارجة بدري النهارده."
لم تتوقف جين، لم ترد، لكنها سمعت راما تضيف بسخرية: "أتمنى تكوني فاهمة إن آدم ملكي."
جين توقفت للحظة عند الباب، لم تلتفت، لكنها قالت بصوت ثابت: "لو كانت ملكك مش عايزاه."
ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها.
الهواء في الخارج كان باردًا، لكنه منعش. جين مشت في الشارع بخطوات ثابتة، حقيبتها على كتفها، عقلها مشغول بأشياء كثيرة، لكن الأهم كان فكرة واحدة:
هي لم تعد تنتظر. لا أحد سينقذها. هذه حياتها، وعليها أن تعيشها بشروطها.
كان المكتب بسيطًا، بلا فخامة زائدة، مجرد مساحة عملية مليئة بالمكاتب والملفات وصوت لوحات المفاتيح وهي تطرق بوتيرة ثابتة.
عندما جلست جين خلف مكتبها، أخذت نفسًا عميقًا، حاولت استيعاب حقيقة أنها هنا الآن، في وظيفة، في مكان لا يعرفها فيه أحد، حيث لا أحد يراها كزوجة آدم أو منافسة راما. هنا، كانت جين فقط، مجرد موظفة جديدة في شركة لا تهتم بماضيها.
لكن حتى هذه الفكرة لم تمنحها الراحة. كان هناك شيء ثقيل داخلها، شعور بأنها غريبة، كأنها تحاول الانتماء إلى عالم لا يعرفها ولا يعنيه وجودها.
مر اليوم الأول ببطء، وجدت نفسها تراقب زملاءها من بعيد، تحاول فهم الطريقة التي يتفاعلون بها، كيف يتحدثون عن العمل، كيف يضحكون بين المهام، كيف يشعرون بالراحة في هذا المكان، وكأنهم ينتمون إليه حقًا.
أما هي؟ كانت تجلس هناك، تؤدي مهامها بصمت، تحاول التركيز، لكنها كانت تشعر وكأنها تؤدي مشهدًا في مسرحية لا تفهم نصها.
في المساء، جلست في المقهى القريب من الشركة، كوب القهوة أمامها، عيناها تحدقان في الشارع من خلف الزجاج.
لماذا لم تشعر بشيء؟
لطالما فكرت أن العمل سيكون بداية جديدة، خطوة نحو استقلالها، نحو شيء يشبه الحرية. لكنها الآن تشعر بأنها هاربة، لا حرة.
العمل لم يملأ الفراغ بداخلها، لم يمنحها القوة التي كانت تبحث عنها. فقط جعلها تدرك كم كانت بعيدة عن نفسها.
لم يكن الهروب من آدم أو راما هو الحل، المشكلة لم تكن فيهم فقط، المشكلة كانت في الداخل، حيث يقبع شعور عميق بعدم الاكتفاء، بعدم الانتماء، بعدم اليقين.
مدت يدها إلى هاتفها، ضغطت على اسمه دون تفكير.
رن الهاتف مرتين، ثم جاءها صوته، هادئًا، دافئًا.
"جين؟"
لم تقل شيئًا، فقط أغلقت المكالمة بسرعة، وضعت الهاتف جانبًا، وأغمضت عينيها.
هي ليست مستعدة بعد.
لكنها عرفت شيئًا واحدًا.
هي لا تريد العودة إلى ما كانت عليه.
لم تذهب جين إلى المنزل مباشرة بعد إنهاء عملها. اختارت أن تسير بلا هدف في الشوارع، تطالع الأرصفة المبتلة ببقايا المطر، تمرر أصابعها على الحواف الباردة للمقاعد العامة، تشاهد الغرباء وهم يعبرون حياتها للحظات ثم يختفون.
كان هناك شيء مطمئن في فكرة أنهم لا يعرفونها، أنهم لن يتذكروا وجهها غدًا.
لكنها، رغم ذلك، لم تستطع التوقف عن التفكير فيما ينتظرها في المنزل.
عندما وصلت أخيرًا، كان الليل قد حل، الأضواء في الشقة كانت خافتة. دخلت دون أن تصدر صوتًا، خلعت حذاءها بحذر، لكنها لم تكن بحاجة إلى التسلل—لم يكن أحد يهتم.
في المطبخ، وجدت آدم واقفًا، ممسكًا بكوب قهوته، ينظر عبر النافذة، لكنه التفت فور أن شعر بها.
"اتأخرتِ." لم يكن صوته يحمل عتابًا، مجرد ملاحظة أخرى، كما اعتاد أن يكون.
"كنت بحاجة للمشي."
أومأ آدم، ثم نظر إليها طويلًا، وكأنه يريد قول شيء لكنه تراجع.
وقفت جين على الجانب الآخر من الطاولة، أدارت كوبها بين يديها، ثم قالت أخيرًا:
"مش عارفة أنا بعمل إيه."
رفع آدم حاجبه قليلًا. "في الشغل؟"
هزت رأسها. "في كل حاجة."
كان من المفترض أن تكون هذه بداية جديدة، لكنها لم تشعر بأنها جديدة على الإطلاق. كل شيء بداخلها كان متشابكًا، مجروحًا، مرتبكًا.
"لسه بتحسي إنك تايهة؟" سأل بصوت منخفض.
لم ترد فورًا، فقط رفعت عينيها إليه، بحثت عن أي شيء في ملامحه قد يدل على أنه يفهم.
"أنا بس مش عايزة أحس إني عايشة في انتظار حاجة مش هتحصل."
"إيه الحاجة دي؟"
لم يكن لديها إجابة واضحة، لكنها شعرت أن آدم، لأول مرة منذ وقت طويل، يستمع حقًا.
"مش عارفة، بس مش عايزة أفضل كده."
ظل آدم صامتًا للحظة، ثم قال بهدوء:
"مش لازم تفضلي كده."
لم يكن هذا وعدًا، لم يكن حلًا، لكنه كان اعترافًا بأن الأمر ممكن، أن التغيير ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى قرار، إلى خطوة أخرى، وربما إلى شخص لا يزال يؤمن بها، حتى عندما لا تستطيع هي أن تؤمن بنفسها.
جين لم تقل شيئًا، فقط ارتشفت قهوتها، وتركت الحرارة تنساب في داخلها، تدفئ شيئًا ظنت أنه مات منذ زمن.
داخل غرفتها، جلست جين على طرف السرير، تتأمل حقيبتها المفتوحة على الأرض. كانت الملابس مطوية بعناية، لكنها لم تضع شيئًا بعد.
كان قرارها واضحًا، لكنها لم تتحرك بعد.
رفعت يديها إلى وجهها، مرت أصابعها على ملامحها وكأنها تحاول التعرف على نفسها مجددًا. هل هذا هو الحل؟ الرحيل؟ ترك كل شيء وراءها؟
أم أنها تهرب؟
شعرت بداخلها بصراع غير مرئي، كما لو أن شخصين يتجادلان بصمت داخل عقلها. جزء منها كان يخبرها أن الرحيل هو السبيل الوحيد لتكون نفسها، أن تبني حياة تستحقها بعيدًا عن هذه الفوضى. والجزء الآخر كان يهمس: "وأين ستذهبين؟"
أغمضت عينيها للحظة، وتذكرت اللحظة التي دخلت فيها هذه الشقة لأول مرة. كيف كانت تشعر؟ هل كانت تظن أنها ستجد الأمان هنا؟ أم كانت فقط تتشبث بما تبقى من حياة لم تعد تعرفها؟
نظرت إلى الحقيبة مرة أخرى.
هذه المرة، نهضت، فتحت الخزانة، وبدأت بوضع الأشياء بداخلها. لم تتوقف هذه المرة.
لم يكن هناك شيء درامي في قرارها. لم يكن هناك انهيار أو لحظة كشف مذهلة.
فقط الاستمرار.
عندما أغلقت الحقيبة، عرفت أن الأمر انتهى.
الليلة ستكون الأخيرة لها هنا.
رواية راما الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
في صباح اليوم التالي، خرجت جين من الشقة بحقيبتها. أغلقت الباب خلفها دون أن تلقي نظرة واحدة للخلف.
لم تخبر آدم، لم تواجه راما، فقط تركت المكان الذي أصبح عبئًا على روحها.
كان العثور على شقة بمفردها تحديًا حقيقيًا. الأسعار كانت مرتفعة، أصحاب العقارات لم يبدوا اهتمامًا بتأجيرها لامرأة شابة بدون ضمانات. الأماكن المتاحة كانت إما صغيرة جدًا أو في أحياء لم تشعر فيها بالأمان.
قضت ساعات تتنقل بين المكاتب العقارية، تتصل بأرقام الإعلانات، تزور شققًا باردة، فارغة، تشعر وكأنها ليست لها. كل باب يغلق في وجهها كان يزيد من ثقل القرار.
مع اقتراب المساء، بدأت تشعر بالإرهاق. لم يكن لديها مكان تقيم فيه.
في النهاية، استقرت على شقة صغيرة، بالكاد تتسع لها. لم تكن مثالية، لكنها كانت كافية. كانت البداية.
لكن الحياة الجديدة لم تكن أقل قسوة من الحياة التي تركتها.
في العمل كان عليها أن تبدأ من الصفر. أن تتعلم كيف تتعامل مع الضغط، مع الرؤساء الصارمين، مع الزملاء الذين لا يعرفونها ولا يهتمون بها. كانت ترتكب أخطاء، وكانت تتحمل توبيخًا مستمرًا، وكأن الجميع يختبر صلابتها.
في بعض الأيام، كانت تعود إلى شقتها وهي بالكاد قادرة على الوقوف. تلقي بجسدها على الفراش، تحدق في السقف وتتساءل:
"هل أخطأت؟ هل كان علي البقاء؟"
لم يكن هناك أحد يشاركها تفاصيل يومها. لم يكن هناك صوت مألوف يملأ الصالة. لم يكن هناك سوى صمت ثقيل، وبرودة لا تطاق.
كانت تنهض كل صباح، ترتدي ملابسها، ترسم وجهًا تائهًا، ثم تخرج إلى العمل وكأنها لم تفكر في البكاء الليلة السابقة.
لكن مع كل يوم يمر، كانت تتعلم شيئًا جديدًا.
كانت تدرك أنها قوية، رغم كل شيء.
وأنها، رغم الوحدة، رغم التعب، لم تندم.
كانت الأيام تمر ببطء، لكنها كانت تمضي.
جين استيقظت كعادتها. فتحت النافذة لتسمح للهواء البارد بالتسلل إلى الشقة الصغيرة. كانت هذه طريقتها في تذكير نفسها بأنها لم تعد في ذلك المكان، بأن حياتها بدأت تتغير، حتى لو لم تشعر بذلك بالكامل بعد.
في العمل، لم يكن أحد يعاملها برفق.
كانت أخطاؤها تلاحظ بسرعة، وكانت تسمع زملائها، بعضها ساخر، وبعضها مشفق. لم يكن هناك من يمسك بيدها ليشرح الأمور. كانت تترك لتتعلم بالطريقة الأصعب.
في أحد الأيام، ارتكبت خطأ بسيطًا في أحد التقارير. خطأ بالكاد يذكر، لكن مديرها لم يتركه يمر. كان صوته باردًا عندما استدعاها إلى مكتبه، وعيناه محايدتان بشكل مؤلم.
"جين، إذا لم تتمكني من أداء المهام الأساسية دون أخطاء، فلا أعتقد أن هناك مستقبلًا لك هنا."
كانت تلك الجملة كفيلة بإشعال نار القلق داخلها.
هل ستفقد هذا العمل أيضًا؟ هل كانت تحاول عبثًا؟
لكنها لم تقل شيئًا. لم تعتذر بتوسل، فقط أومأت بصمت وغادرت المكتب.
في المساء، جلست على سريرها، تقرأ الأوراق من جديد، تدرسها كطالبة تذاكر لامتحان مصيري. لم تكن مستعدة للفشل، ليس الآن.
لكن القلق لم يتركها.
عقلها ظل يدور حول آدم، حول راما، حول ما قد يقوله الجميع لو علموا أنها تواجه صعوبة. كانت تتخيل راما تبتسم بسخرية، ترفع حاجبها، وتقول: "قلت لك، لن تنجحي."
لكنها لم تكن مستعدة لإعطائها هذا الرضا.
في الأيام التالية، بدأت جين تعمل بضعف المجهود. كانت تصل مبكرًا، تبقى لوقت متأخر، تعيد مراجعة التقارير عشرات المرات قبل تسليمها. التعب كان يلتهمها، لكن الخوف من الفشل كان أقوى.
في إحدى الليالي، أثناء عودتها، تلقت رسالة.
من رقم مجهول.
"سمعت أنك تعانين في العمل. هل تفتقدين حياتك القديمة؟"
وقفت في منتصف الرصيف، تحدق في الشاشة.
كانت هذه رسالة من راما.
كانت تعرف.
لكن جين لم ترد.
أغلقت هاتفها بسرعه كأنها تهرب من ظل مجرم قاتل. تابعت سيرها، وعرفت أن هذه المرة، لن تعود للخلف.
في الأيام التالية، أصبحت جين أقرب إلى ظل متحرك. لم تكن تتحدث كثيرًا، لم تكن تضحك، ولم تعد تهتم حتى بالوجوه التي تمر بها في المكتب. كل شيء أصبح يتمحور حول العمل—إتقانه، تجنب الأخطاء، البقاء بعيدة عن أي ملاحظة جديدة من مديرها.
لكن الضغط كان ينهشها ببطء.
في إحدى الليالي، وهي تجلس على الأرض في شقتها الصغيرة، وسط أكوام من الأوراق والتقارير، شعرت أن عقلها يطفو بعيدًا. وكأنها لم تعد تملك السيطرة على جسدها.
ما الذي كانت تفعله؟ لماذا كان الأمر بهذا الصعوبة؟
كانت تحاول إثبات أنها قادرة على الحياة وحدها، لكن الحقيقة كانت واضحة: هي تكافح، تكافح بشكل يائس.
جاءتها رسالة أخرى من راما، هذه المرة أكثر مباشرة:
"إلى متى ستستمرين في هذا العناد، جين؟ مقعدك في الصالة ينتظرك."
أغلقت الهاتف. لم ترد.
لكن الكلمات ظلت تتردد في عقلها طوال الليل.
في الصباح التالي، أثناء اجتماع العمل، كان عقلها مرهقًا، كأنها تسير وسط ضباب كثيف. لم تلحظ أن مديرها يتحدث إليها حتى ارتفع صوته:
"جين، هل أنت معنا؟"
ارتجفت أصابعها فوق القلم، ثم تمالكت نفسها بسرعة.
"نعم، آسفة."
نظر إليها المدير نظرة تقييم، ثم قال بحدة: "لا مجال للأخطاء اليوم. هذا الاجتماع مصيري."
أومأت، لكنها كانت تعرف أن تركيزها لم يكن في أفضل حالاته.
وبالفعل، بعد دقائق، وبينما كانت تشرح إحدى النقاط، أخطأت في معلومة مهمة.
لحظة صمت ثقيلة سقطت في القاعة.
نظرات زملائها كانت كفيلة بإشعال النار داخلها.
أحنى المدير رأسه قليلًا، زفر ببطء، ثم قال بصوت جليدي:
"جين، تحدثي معي بعد الاجتماع."
كانت هذه الجملة كفيلة بأن تجمدها في مكانها.
بعد الاجتماع، جلست أمامه في المكتب، يداها مشدودتان على حجرها، قلبها ينبض في أذنيها.
"هل لديك فكرة عن حجم الخطأ الذي ارتكبته اليوم؟"
لم تستطع الرد.
"هذا ليس مكانًا للمتعثرين، جين. إما أن تتجاوزي هذا الارتباك، أو لا مكان لك هنا."
كانت هذه الجملة، رغم قسوتها، بمثابة إنذار.
خرجت من المكتب، خطواتها متثاقلة، أفكارها متشابكة.
في الخارج، كان الهواء باردًا.
وقفت للحظة، أغلقت عينيها، ثم فتحتها ببطء.
لم تكن ستسمح لنفسها بالفشل.
لكنها أيضًا، عرفت أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار جديد.
إلى متى ستستمر في هذه الدوامة؟ وإلى أين ستأخذها؟
في الأيام التالية، شعرت جين أن العالم يسير بسرعة لا تستطيع مجاراتها.
في العمل، كانت تحاول بجهد مضاعف لتثبت أنها ليست ضعيفة، أنها تستحق الفرصة التي حصلت عليها. لكن الضغط كان يكبر بداخلها، يثقل أنفاسها، يجعل كل خطأ صغير يبدو وكأنه نهاية العالم.
في الليل، كانت تعود إلى شقتها الصغيرة، ترمي حقيبتها، وتجلس بصمت. لم يكن هناك أحد ليسألها عن يومها. لم يكن هناك من ينتظرها خلف الباب.
الهدوء كان قاتلًا.
حاولت أن تشغل نفسها—العمل، قراءة الكتب، حتى مشاهدة التلفاز بصوت مرتفع. لكن صوت أفكارها كان أقوى من أي شيء آخر.
في إحدى الليالي، بعد يوم طويل من الاجتماعات المتوترة، جلست على سريرها، الهاتف في يدها، تتصفح المحادثات القديمة مع آدم.
لم يكن هناك شيء جديد. لا رسائل منه. لا سؤال عما تمر به.
أما راما، فكانت ترسل بين الحين والآخر، لكن نبرة رسائلها لم تتغير—مزيج من السخرية والنصح غير المرغوب فيه.
"متى ستتوقفين عن هذا العبث وتعودين؟"
"لا أحد ينجح وحده يا جين."
"آدم لم يعد كما كان.. لكنه أيضًا لم يتغير تمامًا."
أغلقت الهاتف، ووضعت رأسها بين يديها.
هل ارتكبت خطأ؟ هل كانت غلطة أن ترحل؟
لكنها تعلم الإجابة.
الرحيل لم يكن غلطة، لكنه لم يكن الحل أيضًا.
كانت تحاول بناء شيء جديد، لكن البناء أصعب من الهدم.
في اليوم التالي، كانت تتناول قهوتها في المكتب عندما طرق زميل لها على مكتبها.
"جين، المدير يريدك حالًا."
ارتجف قلبها، لكنها نهضت بثبات.
عندما دخلت المكتب، كان المدير يراجع بعض الملفات. رفع رأسه، وأشار إلى الكرسي أمامه.
"كيف حالك يا جين؟"
"بخير."
"سمعت أنك تعملين بجهد كبير."
أومأت، تنتظر الجملة التالية.
"لكن الجهد وحده لا يكفي."
رفعت رأسها، وعرفت أن ما سيأتي لن يكون جيدًا.
"أنت ذكية، لديك إمكانيات، لكنك مشتتة. إذا لم تتحسن الأمور قريبًا، سنضطر لإعادة تقييم وضعك في الشركة."
لم يقلها بصريح العبارة، لكنه كان تحذيرًا واضحًا: إما أن تثبت نفسها، أو تخسر وظيفتها.
عندما خرجت من المكتب، شعرت أن الأرض تهتز تحتها.
كانت بحاجة إلى العمل.
بحاجة للاستقرار.
لكنها كانت أيضاً بحاجة لشيء آخر…
حاجة لم تستطع تحديدها بعد.
حاجة للأمان الذي فقدته.
يصبح العالم بارد وخاوي جداً عندما لا يوجد أحد بجوارك.
أن تكرر كل ما تفعله كل يوم.
عندما تنظر جين إلى الحياة التي فقدتها قبل ظهور جين، تدرك قدر الحماقة التي ارتكبتها في حق نفسها.
شعرت جين بتوعك في معدتها فجأة، حتى أنها لم تتمكن من نصب طولها.
كان ألماً مبرحاً، سكاكين تقطع في معدتها. نظرت حولها، لم يكن هناك شيء سوى مقاعد وطاولة.
أمسكت هاتفها، بحثت عن رقم آدم وكادت أن تطلبه.
"ماذا تنتظر من شخص لا يهتم بك؟ أخرجك من حياته كلياً."
لكن آدم بدا أقل حدة قبل رحيلها. كان يحاول أن يعيد المياه إلى مجاريها.
صرخت جين من الوجع، كان الألم غزاها بلا رحمة. سقطت على الأرض وبالكاد وصلت إلى سريرها.
رواية راما الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
الليل كان ثقيلا، مثل جدار أسود يطبق على صدرها. الألم لم يكن مجرد إحساس عابر، كان موجات من التقلصات الحادة تشتد مع كل نفس. تذكرت فجأة.
هذا الألم لم يكن جديدا عليها.
لكنها لم تواجهه وحدها من قبل.
كان هناك طبيب أخبرها ذات يوم، بنبرة حيادية، أن فرصها في الإنجاب ضئيلة، إن لم تكن معدومة. كان الأمر أشبه بحكم نهائي، بلا استئناف.
"حالتك تجعل فرص الحمل شبه مستحيلة. سيكون هناك ألم، بعض الأعراض ستشتد تحت الضغط والتوتر. لكن بخلاف ذلك… لا شيء يستدعي القلق."
لا شيء يستدعي القلق؟
كيف يمكن لشيء كهذا ألا يكون مدعاة للقلق؟
رفعت يدها المرتجفة إلى بطنها، تحاول تهدئة الألم، تحاول أن تتجاهل الحقيقة التي كانت تعرفها دائما لكنها لم تجرؤ على مواجهتها.
كانت دائمًا ترى الأطفال في الشوارع، تراقبهم من بعيد. لم تكن تحلم بأمومة تقليدية، لم تكن تتخيل نفسها تحتضن طفلا في الليل وتغني له، لكن فكرة أنها لا تملك هذا الخيار على الإطلاق.
كانت مثل باب مغلق بإحكام أمامها.
لكن الليلة، وحدها في شقتها الباردة، مع الألم الذي يفتك بها، شعرت بكل شيء يسقط فوقها دفعة واحدة.
ضغط العمل، الوحدة، راما، آدم، المرض، المستقبل الذي لم تستطع رؤيته بوضوح.
أخذت نفسا عميقا، ثم زفرت ببطء، محاولة استجماع قواها.
لا مجال للانهيار الآن.
بصعوبة، تحاملت على نفسها، بحثت عن هاتفها واتصلت بأقرب مستشفى. لم تكن تريد الذهاب، لكنها لم تكن تملك رفاهية الرفض.
بعد أقل من ساعة، كانت مستلقية على سرير المشفى، الضوء الأبيض الحاد فوقها يعميها قليلا، وجهاز مراقبة ضربات القلب ينبض بإيقاع ثابت بجانبها.
"الإجهاد الزائد تسبب في تفاقم حالتك." قالت الطبيبة وهي تفحص ملفها. "أنت بحاجة إلى الراحة."
الراحة؟
كادت تضحك.
لكنها لم تقل شيئا.
أغمضت عينيها للحظة، ثم سألت بصوت خافت:
"هذا لن يزداد سوءا، صحيح؟"
التزمت الطبيبة الصمت لوهلة.
"الأمر يعتمد عليك. إن لم تهتمي بصحتك، فقد تصبح الأمور أكثر تعقيدا."
جين أومأت بصمت، ولم تسأل المزيد.
"أتسمح لي بفحصك؟"
همس طبيب تراه جين لأول مرة.
"أنا أعرف حالتي جيدا ولا فائدة لمزيد من الفحوصات." قالت جين وهي تنهض.
"أعرف!" قال الطبيب، "لكن أنا متشكك من أمر آخر."
نهضت جين، "شكرا لك، لا مزيد من الفحوصات."
كان الطبيب يتأمل التغضينات أسفل عين جين. وعندما لمحها خارجة، "هذا رقم هاتفي، إذا عاودك الوجع، فلا تترددي في مهاتفاتي…"
شكرته جين. كانت تعرف أنها لن تتصل به، ولا مزيد من التجارب الفأرية.
ألقت بطاقة الطبيب في سلة المهملات. وعندما استدارت، وجدته ينظر نحوها.
شعرت جين بالخجل، تناولت البطاقة مرة أخرى وضعتها في حقيبتها، ثم رحلت.
عندما خرجت من المشفى في صباح اليوم التالي، كان الهواء باردا، والسماء رمادية.
سارت ببطء، يداها في جيوب معطفها، تفكر.
كانت تعرف أنها لا تستطيع الاستمرار بهذا الشكل. الضغط، الوحدة، الخوف، كل شيء كان يستهلكها ببطء.
لكن العودة لم تكن خيارا.
لأول مرة منذ فترة، سمحت لنفسها بالتفكير في المستقبل.
ماذا لو لم تستطع الاحتفاظ بوظيفتها؟ ماذا لو لم تجد مكانا تنتمي إليه؟
وماذا لو استمرت الأمور بالتدهور؟
رفعت رأسها، زفرت بخارا في الهواء البارد.
آدم…
كانت تحاول ألا تفكر به.
أن تبقيه بعيدا كما أبقاها بعيدا.
لكن في لحظات الوهن، عندما كان جسدها يرتجف من الحمى والمعدة تتلوى كأنها تمزقت من الداخل، لم تستطع منع نفسها من التمسك بالفكرة الوحيدة التي بدت وكأنها طوق نجاة:
"ماذا لو اتصلت به؟"
لم تكن تريد الاعتراف بهذا الضعف. لكنها كانت مرهقة، وحيدة، مرعوبة.
نظرت إلى هاتفها، أناملها ترتجف وهي تبحث عن اسمه بين قائمة الأسماء.
كان لا يزال هناك. كما تركته.
ضغطت على الرقم.
ظل الهاتف يرن… ويرن…
ثم توقف.
لا رد.
انتظرت، وعقلها يصرخ: ربما لم يسمع… ربما كان مشغولا…
لكن لا شيء.
مرت دقائق، ثم ساعة.
ولم يأتِ شيء.
لا رسالة. لا اتصال. لا سؤال عما أرادته.
كأنها لم تكن شيئا أبدا.
كأنها لم تكن جزءا من حياته يوما.
وضعت الهاتف بجانبها، عيناها تحدقان في السقف، والدموع الساخنة تنزلق بصمت.
لم تبكِ بصوت مسموع.
لم تكن هناك فائدة من ذلك.
كانت تعرف الآن يقينا، بدون شك، أن آدم تخلى عنها تماما. ليس لأنه غاضب. ليس لأنه مشغول.
بل لأنه لم يعد يهتم.
وذاك كان أسوأ من أي شيء آخر.
***
المرض والوحدة
مع مرور الأيام، أصبح جسدها أضعف.
لم تعد تستطيع النهوض بسهولة. لم تعد قادرة على الخروج إلى العمل.
المطبخ كان على بعد خطوات، لكنها كانت تحتاج إلى قوة لم تعد تملكها للوصول إليه.
كل شيء أصبح معركة.
مجرد النهوض من الفراش كان كأنه صعود جبل.
الحمى كانت تأتيها على شكل موجات، تجرفها بعيدا، تجعلها تهلوس بأصوات الماضي، بذكريات لم تعد تعرف إن كانت حقيقية أو مجرد أوهام صنعها عقلها المتعب.
راما، آدم، المنزل القديم، الأيام التي لم تكن تعاني فيها… كلها تداخلت في ذهنها، حتى لم تعد تعرف أين كانت ومتى كانت.
لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير، الشيء الذي كان يقف في مواجهة كل هذه الفوضى، هو الفراغ الذي يحيط بها.
لا أحد يطرق الباب.
لا أحد يسأل إن كانت بخير.
لا أحد يعرف حتى أنها تمرض وحدها، في غرفة باردة، في شقة بالكاد تستطيع دفع إيجارها.
في النهاية، كان هذا أسوأ شيء على الإطلاق.
ليس المرض.
ليس الضعف.
بل الوحدة.
الوحدة التي التهمتها ببطء، دون رحمة.
***
كانت جين تعرف أن بإمكانها الاتصال بلورين، أختها الوحيدة. الشخص الوحيد الذي قد يأتيها دون سؤال، دون تردد.
لكنها لم تفعل.
لم تسمح لنفسها بذلك.
كانت لورين غارقة في دراستها، بالكاد تجد وقتا لنفسها بين المحاضرات والعمل. كانت توازن حياتها بصعوبة، تحاول إثبات نفسها في جامعة لم تكن ترحم المتأخرين، في مدينة لم تكن تمنح الفرص بسهولة.
كانت جين تعرف ذلك.
كانت تعرف أن مجرد مكالمة منها ستشغلها، ستقلقها، ستجعلها تشعر بأنها يجب أن تترك كل شيء وتركض إليها.
وجين لم تكن مستعدة لأن تكون عبئا.
حتى وهي تترنح بسبب المرض، حتى وهي تعاني من الوحدة التي بدت وكأنها تزداد يوما بعد يوم، حتى عندما كان الجوع يقرص معدتها، لم تستطع أن ترفع هاتفها وتطلب المساعدة.
لأنها كانت تعرف أن لورين ستأتي، وستكون هذه أنانية منها.
بعد أيام، وبينما كانت تحاول أن تنهض من السرير لتسخن كوبا من الحساء البارد، تهاوى جسدها فجأة، ارتطم ركبها بالأرض، وارتعش جسدها بالكامل من الحمى.
زحفت حتى الجدار، أسندت ظهرها عليه، وسمحت لنفسها أن تغلق عينيها للحظة.
فكرت في لورين.
فكرت في أن ترسل لها رسالة قصيرة، فقط تخبرها أنها ليست بخير.
لكنها لم تفعل.
بدلا من ذلك، أخذت نفسا مرتعشا، وحاولت أن تنهض مجددا.
وحيدة.
كما اعتادت أن تكون.
تذكرت جين كلمات الطبيب، "إذا عاودك الألم، فلا تتردد في مهاتفاتي."
بصعوبة أمسكت هاتفها وطلبت رقم الطبيب.
الذي همس فورا، "كنت أعرف ذلك، لا تغادري مكانك، سأحضر فورا مع سيارة الإسعاف."
نقلت سيارة الإسعاف إلى المشفى ثم إلى قسم الأشعة والتحاليل والفحوصات.
ثم فجأة إلى غرفة العمليات، أخبرها الطبيب أنها تحتاج لعملية طارئة لا يمكن تأجيلها.
رواية راما الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الأضواء فوقها بيضاء&; باردة&; كأنها شمس&; صناعية لا تمنح أي دفء. أصوات الأجهزة الطبية تملأ الغرفة بإيقاع ثابت&; والوجوه حولها مطموسة بالكمامات والقبعات الجراحية.
سمعت صوت الطبيب الذي تحدث معها سابق&;ا&; صوته كان هادئ&;ا لكنه يحمل نبرة قاطعة:
&;جين&; نحن مستعدون. سنبدأ الآن.&;
أرادت أن تقول شيئ&;ا&; أن تسأل إن كان هذا الألم سينتهي&; لكنها كانت مرهقة جد&;ا. الجسد لا يقاوم كما اعتاد.
شعرت بوخزة في ذراعها&; ثم بدأ العالم يبتعد.
ظلام.
ثم&; لا شيء.
&;
الضوء يعود ببطء.
شعرت بجسدها كما لو أنه ليس لها&; كأنه قطعة ثقيلة موضوعة على السرير. حاولت أن تفتح عينيها&; لكن الجفن كان أثقل مما تتذكر.
أصوات خافتة حولها&; خطوات تقترب&; ثم صوت مألوف&; الطبيب.
&;جين&; هل تسمعينني&;&;
حاولت الرد&; لكن صوتها لم يخرج. اكتفت بإيماءة ضعيفة&; بالكاد واضحة.
&;لقد انتهت العملية بنجاح.&;
كلماته عبرت إليها ببطء&; كما لو كانت تأتي من ب&;عد آخر.
&;الورم الذي كان يسبب لك&; الألم&; تم استئصاله بالكامل.&;
أرادت أن تسأله ماذا يعني هذا. أرادت أن تفهم.الفصل
عندما استيقظت جين بعد الجراحة&; لم يخبرها أحد سوى بالحقيقة المجردة: الورم أ&;زيل&; العملية نجحت&; والآن عليها أن تركز على التعافي.
لا أحد ذكر أي شيء عن المستقبل.
لا أحد أشار&; ولو بكلمة واحدة&; إلى شيء آخر.
حتى الطبيب الذي تابع حالتها كان حذر&;ا في كلماته. لم يقل سوى أن الأمور تحسنت&; لكن دون وعود&; دون احتمالات&; دون ترك أي مجال للأمل.
وربما هذا ما جعلها تتقبل الأمر بسهولة.
لم تتوقع شيئ&;ا.
لم تفكر فيما بعد.
استمرت في عيش أيامها كما هي&; تتعافى ببطء&; تعيد بناء حياتها من جديد&; دون أن تفكر في أي شيء آخر سوى أن تكون بخير.
بعد أسابيع من الجراحة&; في موعد الفحص الدوري&; جلست جين أمام الطبيب&; يديها متشابكتان فوق حجرها&; تستمع إليه وهو يتحدث عن نتائج الفحوصات الأخيرة.
كل شيء بدا طبيعي&;ا. صحتها تتحسن&; جسدها يتعافى كما هو متوقع.
لكن عندما قلب الطبيب الصفحة الأخيرة في ملفها&; صمت للحظة.
كأنه رأى شيئ&;ا لم يكن في الحسبان.
&;هناك شيء آخر&;&; قال أخير&;ا&; نبرته تغيرت قليلا&;.
رفعت جين عينيها نحوه&; انتظرته ليتابع&; لكنها لم تتوقع ما سمعته بعد ذلك.
&;جين&; لقد أظهرت الفحوصات الأخيرة أن جسدك&; بدأ في استعادة وظائفه الطبيعية&; بشكل لم نكن نتوقعه.&;
&;ماذا تقصد&;&;
&;إزالة الورم لم تكن مجرد حل لمشكلتك&; الصحية&; بل كان لها تأثير غير متوقع على قدرتك&; الإنجابية.&;
مرت لحظات من الصمت&; كأن الزمن توقف للحظة.
ثم&;
&;جين&; بناء&; على هذه النتائج&; لم تعدي عقيمة.&;
رفعت رأسها ببطء&; حدقت فيه وكأنها لم تفهم ما قاله للتو.
&;ما الذي تقوله&;&;&; همست&; بالكاد تسمع صوتها.
&;لم نكن نعلم ذلك قبل الجراحة&; لكن يبدو أن الورم كان يعيق عمل أعضائك&; بشكل أكبر مما كنا نعتقد. الآن&; بعد إزالته&; جسدك&; بدأ في استعادة توازنه الطبيعي&; وهذا يعني أن لديك&; فرصة للحمل.&;
لم تستطع جين النطق بكلمة.
عقلها لم يكن مستعد&;ا لهذا.
لم يكن هذا وارد&;ا&; لم يكن حتى احتمال&;ا&; والآن فجأة&;
شيء ما تحطم بداخلها.
كانت سنوات طويلة من التصديق أن هذا مستحيل. سنوات من بناء جدران حول نفسها&; من إقناع ذاتها أن هذا الباب مغلق&; أن هذه الفكرة يجب أن ت&;دفن.
لكن الآن&; وبدون سابق إنذار&; ف&;تح الباب الذي لم تكن تجرؤ حتى على لمسه.
&;أنا&;&; تلعثمت&; لكن الكلمات خانتها.
لم تكن تعرف إن كانت سعيدة أم مرعوبة.
لكنها كانت تعرف شيئ&;ا واحد&;ا:
لم يكن أحد يعلم أن هذا سيحدث.
ولا حتى الأطباء أنفسهم.
لقد كانت معجزة لم يتوقعها أحد.
عندما خرجت جين من عيادة الطبيب&; كان الهواء بارد&;ا&; لكنه لم يكن يضاهي البرودة التي اجتاحت صدرها.
لم تستطع استيعاب الأمر بعد.
ظلت تسير في الشارع دون هدف&; خطواتها بطيئة&; عقلها مزدحم&; والمشاعر تتدافع داخلها بعنف لم تعهده من قبل.
فرح&;
خوف&;
صدمة&;
كل شيء كان مختلط&;ا&; كأنها سقطت فجأة في دوامة لا تعرف كيف تخرج منها.
كيف يمكن لشيء كانت تظنه مستحيل&;ا أن يصبح فجأة حقيقة&; كيف يمكن للحياة أن تغير قواعدها بهذه السهولة&;
الفرحة المربكة
في أعماقها&; هناك جزء منها أراد أن يبتسم. أن يشعر بشيء يشبه السعادة&; أو على الأقل&; الارتياح.
لطالما كانت فكرة العقم مثل ظل ثقيل فوق حياتها. شيء لم تخت&;ره&; لكنه ف&;رض عليها.
كانت قد تعلمت أن تتعايش معه&; أن تقنع نفسها بأنه لا يهم&; أنه مجرد جزء من قصتها&; لكنه لم يكن كل شيء.
لكن الآن&;
الآن&; تغيرت القصة.
والجزء الذي كانت قد اعتقدت أنه مفقود للأبد&; عاد إليها.
هل كان عليها أن تكون سعيدة&;
أرادت أن تكون.
لكنها لم تستطع.
الخوف الذي يخنقها
لأن الفرح لم يكن الشيء الوحيد الذي اجتاحها.
كان هناك خوف&; خوف أعمق مما توقعت.
لأن هذه الفرصة لم تأت&; معها ضمانات.
لا أحد أخبرها أنها ستكون قادرة على الحمل بسهولة. لا أحد قال إن الأمر مضمون.
كان مجرد احتمال.
واحتمال يعني أنه يمكن أن يتحقق&; أو لا.
وهي لم تكن متأكدة إن كان بإمكانها تحمل خيبة أمل أخرى.
ماذا لو تعلقت بهذه الفكرة&; ماذا لو سمحت لنفسها أن تحلم&; ثم اكتشفت لاحق&;ا أن الحلم مجرد وهم آخر&;
لقد اعتادت أن تعيش مع فكرة أنها لن تصبح أم&;ا.
لكنها لم تعتد بعد على فكرة أن تكون هناك فرصة&; ثم ت&;سلب منها مجدد&;ا.
الدهشة التي تربكها
الأمر كله كان غير منطقي.
لماذا الآن&;
لماذا بعد كل هذه السنوات&; بعد أن تعلمت كيف تتقبل الواقع&; تغيرت القواعد&;
لو أن أحدهم أخبرها بهذا قبل سنوات&; لكانت حياتها مختلفة بالكامل.
لكن الآن&; بعد كل ما حدث&; بعد كل ما فقدته&; هل كان لا يزال هناك مكان لهذا النوع من الأمل&;
كانت تدرك أن الحياة لا تعطي إجابات واضحة.
لكنها تمنت&; ولو للحظة&; أن تعرف ماذا عليها أن تشعر.
هل تبتسم&;
أم تبكي&;
أم تخاف&;
أم تترك الأمر يمر&; كما لو أنه لم يكن شيئ&;ا مهم&;ا على الإطلاق&;
لكنها كانت تعرف الحقيقة.
مهما حاولت أن تتجاهل الأمر&;
لن يكون مجرد شيء عابر.
لقد تغيرت حياتها بالفعل.
سواء أدركت ذلك الآن&; أو لاحق&;ا.
في الليالي التالية&; كانت جين تستيقظ على صوت أفكارها.
كان عقلها ساحة معركة&; بين رغبة دفينة في الإمساك بهاتفها وإخباره&; وبين خوف يشل&; أصابعها عن فعل ذلك.
أن تخبره&;
أن تبقي الأمر سر&;ا&;
كان عليها أن تختار.
لكن كيف تختار بين أمرين كلاهما يبدو خاطئ&;ا&;
لو أخبرته&;
ماذا سيحدث&;
هل سيفرح&; هل سيهتم&;
أم أنه سيقابل الخبر ببرود&; كما فعل عندما احتاجت إليه في مرضها&;
هل ستتحمل أن ترى في عينيه اللامبالاة&; بعد كل ما مر&;ت به&;
كان هناك احتمال آخر&; احتمال لم تستطع منعه من التسلل إلى عقلها&;
ماذا لو اعتقد أن هذا الخبر محاولة منها لاستعادته&;
لم تكن تعرف إن كان آدم لا يزال يحمل لها أي شيء&; أي شيء حقيقي.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:
إن اعتقد أنها تستخدم هذا كوسيلة لإعادته إلى حياتها&; فسيرحل مجدد&;ا&; وهذه المرة&; لن يعود أبد&;ا.
ولو أخفت الأمر&;
هل تستطيع العيش مع ذلك&;
مع حقيقة أنه هناك&; في مكان ما&; لا يعرف أن الحياة منحته شيئ&;ا لم يكن في الحسبان&;
هل تملك الحق في أن تحجب عنه هذا السر&;
لكن في النهاية&; ألم يكن هذا ما فعله هو أيض&;ا&;
حين تركها دون كلمة&; دون سؤال&; دون حتى محاولة بسيطة ليفهم كيف كانت تتألم وحدها&;
حينها لم يكن يهتم.
إذن&; لماذا قد يهتم الآن&;
الصراع بين القلب والعقل
القلب أراد أن يخبره.
العقل قال لا تفعل.
كانت تمشي في شقتها الصغيرة&; جيئة وذهاب&;ا&; كأنها تستطيع الهروب من القرار&; لكن أينما نظرت&; كان السؤال ينتظرها هناك&; يلاحقها كظل&;ها.
في النهاية&; لم تكن الإجابة واضحة.
لكنها أدركت شيئ&;ا واحد&;ا&;
لم تكن مستعدة لأن يعرف بعد.
لم تكن مستعدة لرؤية خيبته أو صدمته أو&; الأسوأ من ذلك&; لا مبالاته.
لذلك&; وضعت الهاتف بعيد&;ا.
وأبقت السر في قلبها.
على الأقل&; لبعض الوقت.
وفى يوم امسكت هاتفها وطلبت ادم&; كان على لسانها كلمه واحده وقبل ان تنطق صرخ ادم راما ولدت انا شايل ابنى يا جين