تحميل رواية راما بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وسط ضربات الطبل وصوت الموسيقى والأغاني الشعبية اللي بترقص عليها البنات والشباب، وصلت الدكتورة تبارك لصديقتها من أيام الدراسة. مكنتش لابسة ملابس ملفتة رغم جمالها وجسدها المغري، وكانت بتتعمد تلبس ملابس واسعة علشان تهرب من عيون الرجال. بعمر ٢٤، أصغر دكتورة في جامعتها. مشيت بثبات وسط الزحمة ناحية العروسة، ومن أول ثانية لاحظت العين اللي بتبص عليها، واللي من أول خطوة ليها في الفرح بتراقبها. سلمت على منى وأخدتها بالحضن، وسلمت على جوزها وهي مقررة تمشي. لكن والدة منى اللي كانت تعرفها وياما زارت بيتها، حل...
رواية راما الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم اسماعيل موسى
منذ البداية لم تخف راما كرهها لجين. كانت نظراتها باردة، وكلماتها قاسية كلما تحدثت عنها، أو كلما التقت بها. لم يكن الأمر مجرد استياء أو نفور، بل شيء أعمق؛ رفض كامل لوجود جين في حياتها.
لكن الموت يغير الأشياء، يزيل بعض الحواجز، حتى لو لم يمحها تمامًا.
بعد وفاة آدم، وجدت جين نفسها تزور منزل راما أكثر من مرة. لم تكن تفكر كثيرًا في السبب، لكنها شعرت أن عليها أن تفعل ذلك. ربما لأنها فهمت الفقد جيدًا، وربما لأنها رأت شيئًا في عيني راما يشبه ما رأته في المرآة يوم فقدت يزن.
ورغم إعلان راما الصريح أنها لا ترغب في رؤيتها، لم تمنعها فعليًا من الدخول. لم تطردها، لم تصرخ في وجهها، فقط كانت تجلس بصمت بينما جين تأتي وتذهب، أو تنهض لتصنع الشاي أو القهوة وتضعها بصمت أمام جين.
في إحدى الزيارات، وجدت جين راما تحاول إطعام طفلها لكنها بالكاد تلمس الطعام بنفسها. لم تسألها إذا كانت بخير، لأن الإجابة كانت واضحة. وبدون أي تعليق، أخذت جين الملعقة وبدأت تطعم الصغير، بينما راما راقبتها بصمت.
في زيارة أخرى، كانت راما جالسة على الأرض، تحتضن وسادة آدم، وصوت أنفاسها المرتجفة يملأ الغرفة. لم تقل جين شيئًا، فقط جلست بجانبها. لأول مرة، لم يكن هناك كلمات لاذعة، لا نظرات حادة، فقط صمت مشترك بين امرأتين جرفتهما العاصفة ذاتها.
كان بينهما شيء لم تعترفا به أبدًا؛ شيء يشبه الهدنة غير المعلنة. لم يكن صداقة، لم يكن تقاربًا حقيقيًا، لكنه أيضًا لم يكن عداء خالصًا. كان شيئًا هشًا، متناقضًا، يشبه الألم حين يخف لكنه لا يزول.
ورغم كل شيء، كانت راما لا تزال تكرر كلما سنحت لها الفرصة: "أنا أكرهك."
وجين، للمرة الأولى، لم تهتم بما تقوله راما، لأنها كانت ترى الحقيقة في عينيها، في ذلك الصمت الطويل الذي حل بينهما بدلًا من العداء المعتاد. لأنها لم تكن تعرف الكره، حتى لو حاولت أن تبدو غير ذلك، فقد كان قلبها يمتلك من الرقة ما يعتبره البعض ضعفًا والبعض الآخر قد يحتقرها.
وراما كرهت وجود جين، كرهت ماضيها، كرهت حتى نبرة صوتها حين تتحدث بهدوء كأنها تفهم، كأنها تعرف شيئًا عن الألم الذي تمزق به راما.
لكنها في كل أسبوع، كانت تجد نفسها تنتظر. لم تعترف بذلك أبدًا، حتى لنفسها. كانت تقنع ذاتها بأن جين لا تعني لها شيئًا، وأنها لا تهتم بزياراتها.
لكنها رغم ذلك، في كل مرة كانت عقارب الساعة تقترب من موعد الزيارة الأسبوعية، كانت تشعر بذلك التوتر الغريب في صدرها، بذلك الخوف الخفيف من أنها ربما لن تأتي هذه المرة.
وحين كانت جين تدخل المنزل، بنفس الخطوات الهادئة والنظرة التي تحمل خليطًا من الحزن والتفهم، كانت راما تشعر بالغضب.
غضب لأنها أتت.
غضب لأنها شعرت بالراحة قليلًا حين رأتها.
غضب لأنها لم تكن تريد أن تعترف بأنها بحاجة لوجودها.
كل شيء كان متناقضًا.
كانت تكره كيف تتحرك جين في منزلها وكأنها تعرفه، كيف تلمس الأشياء برفق وكأنها تخشى أن تكسر شيئًا، كيف تتعامل مع طفل آدم وكأنها جزء من حياته.
لكنها في الوقت ذاته، لم تكن تمانع ذلك. كان هناك شيء غريب في وجود جين، لم يكن يشبه المواساة، لم يكن يشبه العطف، كان مجرد... وجود. غير ثقيل، غير متطفل، فقط موجود.
وفي بعض الليالي، عندما كانت تجلس وحدها في الظلام، كانت تهمس لنفسها بشيء لن تعترف به أبدًا:
"لماذا لا تأتي في الأيام الأخرى أيضًا؟"
لكن في الصباح، كانت تستيقظ بنفس الجدار العالي، بنفس الحدة، بنفس الكلمات القاسية التي كانت تلقيها في وجه جين كلما شعرت أنها تقترب أكثر مما يجب.
لأنها إن سمحت لها بالاقتراب، فقد يعني ذلك أنها لم تعد تكرهها حقًا.
وراما لم تكن مستعدة بعد للتخلي عن ذلك الكره، لأنه كان الشيء الوحيد الذي يمنعها من الاعتراف بالحقيقة المخيفة؛ أنها لم تعد وحدها تمامًا كما كانت تعتقد.
لم يكن هناك حديث صريح عن الأمر، لم يجلسَا يومًا ليتفقا على موعد محدد، لم تقل راما لجين "تعالي"، ولم تسألها جين إن كان مرحبًا بها.
لكن رغم ذلك، كان هناك نمط خفي يتشكل بينهما.
كانت جين تأتي.
وكانت راما تنتظر.
ليس انتظارًا واعيًا، ليس لهفة صريحة، لكنها في الأيام التي اعتادت أن تراها فيها، كانت تجد نفسها تلتفت إلى الباب أكثر من المعتاد. كانت تنظر إلى عقارب الساعة بنظرة محايدة ظاهريًا، لكنها تحمل قلقًا خفيًا لم تكن مستعدة للاعتراف به حتى لنفسها.
وعندما كانت جين تتأخر... كان هناك شعور غريب يزحف إلى صدر راما، شيء يشبه الضيق، أو ربما شيء أسوأ. كانت تخبر نفسها بأنها لا تهتم، بأنها ستتابع يومها كما هو، لكن عقلها كان يظل معلقًا باحتمالات لا تريد التفكير فيها؛ ربما قررت جين التوقف عن المجيء، ربما أدركت أن لا فائدة من هذه الزيارات، ربما... لا، لا يهم.
لكن عندما كانت جين تظهر أخيرًا، بعد تأخير غير مقصود، ربما بسبب ازدحام الطريق أو أي ظرف آخر، كانت راما تجد نفسها تتنفس براحة لم تدرك أنها كانت بحاجة إليها.
لم تسألها عن سبب التأخير، لم تقل إنها لاحظت حتى، رغم ذلك تكون واقفة في الشرفة تراقب الطريق بقلق ولهفة، وعندما تظهر جين، عندما تتقابل عيونهم، كانت تستقبلها بنفس الجفاء المعتاد، بنفس النظرات الباردة، بنفس الكلمات التي تبدو أقرب إلى الطعنات منها إلى الحوار العادي.
لكن جين لم تكن تتراجع.
وراما، رغم كل شيء، لم تتوقف عن فتح الباب لها.
"يجب أن تزوريني."
قالتها جين فجأة ذات يوم، وهي تمسح يدها بعد أن انتهت من تحضير كوب الشاي لنفسها.
نظرت إليها راما ببرود. "لماذا قد أفعل ذلك؟"
"لأنني أزورك طوال الوقت."
"لم أطلب منك ذلك."
رغم ذلك لابد أن تزوريني في شقتي، همست جين بنبرة باردة.
راما: "لن أفعل." ورفعت راما كتفها.
"ستفعلين." أصرت جين وهي تنهض.
لكن الزيارة حدثت على أي حال. لم تكن راما تعرف كيف وجدت نفسها تقف أمام باب شقة جين بعد بضعة أيام. ربما لأنها لم تستطع التعامل مع الإلحاح الهادئ لجين، أو ربما لأنها شعرت، ولو للحظة، أنها مدينة لها بشيء ما.
كان بدر، زوج جين، هو من فتح الباب. نظر إليها للحظة بدهشة، وكأنه لم يكن يتوقع أن يرى راما هنا، ثم تنحى جانبًا ودعاها للدخول.
"جين في الداخل، سأخبرها أنك هنا."
لم تتحرك راما على الفور، بل نظرت حولها بفضول خفي. الشقة كانت مرتبة بدفء، لا فوضى فيها، لا برود. كانت تحمل شيئًا يشبه شخصية جين؛ هادئًا، بسيطًا، لكنه يحتوي على تفاصيل كثيرة مخفية.
عندما دخلت جين الغرفة، لم تخف مفاجأتها.
"لم أتوقع أن تأتي فعلًا."
"ولا أنا." ردت راما بجفاء.
جلسا معًا، ولم يكن هناك توتر. بدر راقبهما بصمت، يحدق في راما وكأنه يحاول فهم هذه العلاقة الغريبة التي نمت وسط كل ذلك العداء. كان يعرف أن زوجته ليست امرأة تنكسر بسهولة، لكنها لم تكن أيضًا من النوع الذي يصر على اقتحام حياة من يرفضها. ومع ذلك، كانت هنا، جالسة مع امرأة أعلنت كرهها لها مرارًا.
لقد كان هناك شيء في تلك الجلسة يقلقه، ذلك التواطؤ الغريب المعقد جعل قلبه يضطرب. كان يعرف أن راما سبب كل المشاكل التي وقعت فيها جين، وكان متأكدًا أن زوجته لا تغفر بسهولة. ثم إن تلك النظرة الحزينة التي كانت تكسو وجه جين منذ أكثر من أسبوع محيرة أكثر من الأزمات.
رواية راما الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم اسماعيل موسى
كان الهواء في الشقة راكدًا بعض الشيء، رغم أن النافذة كانت مفتوحة قليلاً، مما سمح لنسيم بارد بالتسلل إلى الداخل. كانت الستائر تتحرك ببطء، والضوء الخافت القادم من الخارج يلقي ظلالاً ناعمة على الجدران الأرضية الخشبية.
راما جلست على الأريكة، قدمها ممدودة قليلاً، ويديها متشابكتان على حجرها، بينما كانت تحدق بصمت في جين التي تجلس على السجادة أمامها، تلاعب يوسف بتركيز غريب.
كانت جين تهز لعبة صغيرة أمام الطفل، تصدر أصواتاً خافتة كلما ضغطت عليها، فيما كان يوسف يضحك بصوت عالٍ، ضحكته الصغيرة تملأ المكان بشيء يشبه الحياة، شيئاً لم تكن راما مستعدة تماماً للاعتراف بأنه يريحها.
لكن رغم ذلك، لم تقل شيئاً، ولم تطلب من جين التوقف.
كانت نظرات راما متناقضة، نصفها يعكس الرفض المعتاد، والنصف الآخر… شيء آخر. شيء لم ترغب في تحليله.
لكن بعد لحظات، تغيرت ملامح جين، يدها التي كانت تحرك اللعبة تباطأت قليلاً، ونظرتها أصبحت مشتتة.
قطبت جبينها، وكأنها تحاول فهم شيء ما، ثم وضعت يدها على معدتها بحركة لا إرادية.
"هل أنتِ بخير؟" سألتها راما بحدة، رغم أن صوتها بدا وكأنه صادر عنها دون تفكير.
جين أغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتها ببطء، كأنها تقاوم شعوراً غير مريح "لا أعلم… معدتي تؤلمني قليلاً."
"قليلاً؟" كررت راما بتهكم، لكن عينيها بقيتا معلقتين بجين، تراقبها عن كثب.
جين حاولت أن تبتسم، لكنها توقفت فجأة، وضغطت أصابعها على بطنها مجدداً.
وجهها شحب قليلاً، وملامحها انقبضت للحظة، كأنها تحاول إخفاء ألم أكبر مما تدعيه.
راما لاحظت ذلك، لاحظت كيف أنفاسها أصبحت أبطأ، كيف لمست رقبتها في محاولة غير واعية للتهدئة، كيف تحركت قليلاً في جلستها وكأنها تبحث عن وضع أكثر راحة، لكنها لم تجد.
ورغم أن راما كانت تتظاهر باللامبالاة، إلا أن جسدها تحرك قبل أن تفكر حتى، نهضت عن الأريكة واقتربت بخطوات ثابتة، ثم انخفضت قليلاً بجانب جين.
"ما الذي يحدث معكِ؟"
"لا شيء، فقط… دوار بسيط، سيزول."
لكن لم يزول.
بل ازداد.
بعد دقائق، كانت جين تمسك رأسها بيد، ومعدتها بالأخرى، تحاول بوضوح كتم شعور بالغثيان، فيما كان يوسف قد توقف عن اللعب، وكأنه شعر بأن هناك شيئاً خاطئاً.
راما ضغطت فكها بقوة، ثم نهضت فجأة.
"انهضي."
جين رفعت نظرها إليها ببطء. "ماذا؟"
"قلتُ انهضي، سنذهب إلى المشفى."
"راما، هذا ليس ضرورياً، أنا بخير، فقط بعض الإرها..."
لكن راما لم تنتظر أن تنهي جين جملتها، بل أمسكت بمعصمها، سحبتها للوقوف رغم مقاومتها الطفيفة، ثم استدارت نحو يوسف وحملته دون تردد.
"راما، لا داعي لكل هذا، أنا حقاً..."
"اصمتي وامشي."
لم يكن هناك مجال للنقاش.
---
كانت رحلة السيارة إلى المشفى صامتة، لكن الصمت لم يكن مريحاً. كان مشحوناً، مشدوداً، مثل وتر على وشك أن ينقطع.
جين جلست في المقعد الجانبي، عيناها مغمضتان، وملامحها لا تزال متوترة قليلاً. أما راما، فكانت تقود بتركيز مبالغ فيه، قبضتها مشدودة على المقود، وفكها متصلب كما لو أنها تحاول منع نفسها من قول شيء قد تندم عليه لاحقاً.
كل بضع دقائق، كانت راما تلقي نظرة جانبية سريعة على جين، وكأنها تتأكد أنها لا تزال بخير، لكنها لم تقل شيئاً.
وعندما وصلا إلى المشفى، كانت الحركة أسرع مما توقعت جين. لم تمضِ دقائق حتى وجدت نفسها في غرفة الفحص، بينما كانت الطبيبة تطرح عليها أسئلة معتادة، فيما وقفت راما عند الباب، ذراعاها معقودتان، وملامحها متجهمة، لكن عينيها تحملان شيئاً مختلفاً.
قلق.
قلق لم تكن مستعدة للاعتراف به.
ثم جاءت النتيجة.
كانت الطبيبة تتحدث بنبرة هادئة، بينما جين تحدق فيها وكأنها لم تستوعب الكلمات بعد. ثم استدارت ببطء لتنظر إلى راما.
"أنا…"
لكنها لم تكمل.
لأن راما فهمت.
فهمت من الطريقة التي اتسعت بها عينا جين، من الطريقة التي وضعت بها يدها على بطنها لا إرادياً، من الطريقة التي بدت بها وكأنها تلقت صدمة لم تكن مستعدة لها.
راما لم تقل شيئاً، فقط حدقت فيها للحظات طويلة، ثم أدارت وجهها بعيداً، ووضعت يديها في جيب معطفها، وهي تتنفس ببطء، وكأنها تحاول استيعاب الأمر.
لكنها لم تستوعب.
ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تكن تعرف ما الذي يفترض بها أن تشعر به.
---
كانت الطبيبة تقلب الملف الطبي أمامها، ثم رفعت عينيها نحو جين، وكأنها تزن كلماتها بعناية قبل أن تنطق تتنحنح قليلاً وتقول بنبرة هادئة لكنها جادة:
"أريد التحدث معكِ، على انفراد، جين هانم هذا مهم."
جين قطبت جبينها، ألقت نظرة خاطفة نحو راما التي كانت لا تزال واقفة عند الباب، ذراعاها معقودتان، وعيناها تراقبان كل شيء بصمت مشحون.
"راما، هل يمكنكِ…" بدأت جين، مترددة قليلاً.
لكن راما لم تحتج إلى تفسير، فهمت أن الأمر ليس للنقاش، زفرت ببطء، ثم استدارت وخرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة، لكنها بقيت قريبة، متكئة على الجدار في الممر، تنقر بأصابعها بخفة على معطفها، وعقلها يدور في دوائر لا نهائية.
في الداخل، الطبيبة أغلقت الملف بلطف، ثم مالت قليلاً للأمام، خفضت صوتها، وقالت...
---
خرجت جين من الغرفة بعد دقائق، خطواتها كانت هادئة، لكنها لم تكن مسترخية، كان هناك شيء في ملامحها، خليط معقد بين الفرح والتوجس، بين الصدمة والقلق.
عندما رفعت عينيها، وجدت راما تنتظرها، لم تقل الأخيرة شيئاً، فقط حدقت فيها للحظة، كأنها تحاول قراءة أفكارها.
لكن قبل أن تنطق أي منهما، كان بدر قد وصل.
دفع الباب الزجاجي بخطوات متعجلة، عينيه تبحثان عن زوجته.
وعندما وجدها، تسمرت نظراته عليها، على وجهها الذي بدا مضطرباً رغم الابتسامة الصغيرة التي حاولت رسمها.
"جين؟" نادى اسمها بصوت خافت وهو يقترب.
نظرت إليه جين، وفجأة شعرت بشيء ثقيل في صدرها، شيء لم تستطع تفسيره تماماً.
كان يفترض أن تكون سعيدة، وكان يفترض أن تركض نحوه، أن تخبره على الفور، لكنها لم تستطع.
بدر وقف أمامها الآن، عينيه تمسحان ملامحها وكأنهما تحاولان استيعاب ما يجري، ثم، ببطء، نظر نحو راما التي كانت تراقب المشهد بصمت، وكأنها ليست متأكدة إن كان عليها البقاء أو المغادرة.
"ماذا يحدث؟" سأل أخيراً.
جين ابتسمت بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية تماماً، كان هناك شيء ما في عينيها، شيء جعل بدر يشعر بعدم ارتياح، رغم أنه لم يكن يعرف السبب بعد.
"أنا… حامل، بدر."
قالتها بهدوء، بصوت منخفض، لكنه كان كافياً ليجعل الزمن يتباطأ للحظات.
بدر حدق فيها، وكأن الكلمات استغرقت ثانية إضافية حتى تصل إليه، حتى تصبح حقيقية.
ثم، كما لو أنه استعاد أنفاسه، امتدت يده نحو يدها، قبض عليها بخفة، وكأنها شيء هش يخشى أن ينكسر بين أصابعه.
لكن رغم الفرحة التي بدأت تتسلل إلى ملامحه، لم يستطع تجاهل تجهم وجه جين، الطريقة التي بدت بها وكأنها تحمل سرّاً لا تريد الإفصاح عنه.
وراما، التي كانت تراقب كل ذلك من بعيد، لم تفوّت ذلك أيضاً.
---
عندما وصلوا إلى الشقة، كان الجو داخلها ساكناً، بدر لم يترك يد جين منذ أن خرجوا من المشفى، وراما كانت تسير خلفهم بصمت، لا تزال غير متأكدة لماذا أتت معهم أصلاً، لكنها لم تفكر كثيراً في الأمر.
بمجرد أن دخلوا، اتجه بدر مع جين نحو غرفة النوم، ربما ليتحدثا، ربما ليهدئ مخاوفها التي لم تقلها صراحة بعد أما راما، فقد بقيت في المطبخ.
لم تكن تفكر حين بدأت بتحضير الطعام، فعلت ذلك كأنها في منزلها، بطريقة غريبة لم تكن قد سمحت لنفسها بها من قبل.
أخرجت بعض الخضروات، وضعت الماء ليغلي، وبدأت بترتيب الطاولة دون أن تسأل.
عندما خرجت جين بعد قليل، وجدت راما تقلب الطعام في المقلاة. نظراتها محايدة، لكن حركاتها كانت دقيقة.
"ما الذي تفعلينه؟" سألتها جين بنبرة شبه متفاجئة.
"ألا ترين؟ أجهز العشاء."
"لم أطلب منك ذلك."
"ولم أسألك إن كنت تريدين."
جين نظرت إليها، ثم إلى الطاولة التي بدأت تأخذ شكلها المنزلي الدافئ، وكأن المكان لم يعد مجرد شقة، بل صار… مأهولاً.
شيء في صدرها انقبض للحظة، لكنها لم تعلق، فقط مشت نحوها، ثم توقفت بجانبها، تراقبها بصمت.
---
حل الليل، وكان الوقت قد تأخر أكثر مما خططت له راما.
نهضت عن الطاولة بعدما أنهت طعامها، سحبت معطفها بخفة، وامسكت بيد يوسف ابنها واستعدت للخروج دون أن تقول شيئًا. لكن قبل أن تصل إلى الباب، أوقفتها جين.
"انتظري."
راما التفتت ببطء.
"بدر سيوصلك."
راما رفعت حاجبها، نظرت إلى بدر، الذي لم يقل شيئًا، لكنه كان قد نهض بالفعل، وكأنه أخذ الأمر كحقيقة لا جدال فيها.
"هذا ليس ضروريًا." قالتها راما بجفاف.
"بل هو كذلك." أصرت جين. نظرتها كانت حازمة، لكن صوتها كان يحمل شيئًا آخر، شيئًا لم ترغب في تحليله الآن.
راما تنهدت ببطء، ثم استدارت، واتجهت نحو الباب دون تعليق إضافي.
وبدر، دون أن ينطق، أخذ مفاتيحه، ولحق بها.
وجين، التي وقفت تراقبهما، لم تستطع أن تتجاهل الطريقة التي شعرت بها.
ذلك الشعور الغريب الذي لم تكن مستعدة لمواجهته بعد.
***
لم يمض وقت طويل قبل أن تبدأ صحة جين في التدهور. لم يكن الأمر مجرد تعب عابر أو غثيان حمل معتاد، بل إرهاق مستمر، بشرة شاحبة، عيون غارقة في الهالات السوداء، ودوار متكرر كاد أن يسقطها أكثر من مرة.
في البداية، حاولت جين تجاهل الأمر، أقنعت نفسها أنه مجرد إرهاق طبيعي، شيء يمكنها التكيف معه. لكنها لم تستطع إخفاء الأمر طويلًا، خاصة عن بدر… وعن راما.
كانت راما تراقب بصمت، لم تقل شيئًا في البداية، لم تسألها كيف تشعر أو إن كانت بحاجة لشيء، لكنها كانت هناك، دائمًا، بطريقة ما.
أصبحت زياراتها أكثر تكرارًا، غير منتظمة لكنها ثابتة، مثل ضربات قلب غير متزنة لكنها لا تتوقف. لم تعد تكتفي بالجلوس أو المراقبة كما اعتادت، بل بدأت تأخذ الأمور على عاتقها، كما لو أن شيئًا داخلها كان يرفض ترك جين تواجه ذلك وحدها.
كانت تصل أحيانًا في الصباح، تجد المنزل صامتًا، تشم رائحة الطعام المحترق لأن جين حاولت الطهي ولم تكمل. دون أن تقول كلمة، كانت تنزع الغطاء عن المقلاة، تنظف الفوضى، وتبدأ في تحضير شيء آخر.
في أيام أخرى، كانت تأتي مساءً، تجد جين مستلقية على الأريكة، نظراتها زجاجية، تعاني من دوخة خفيفة لكنها لا تشتكي. كانت راما تجلس على بعد خطوات، لا تحاول تقديم المواساة، لا تهمس بكلمات التعاطف، فقط تبقى هناك، تنتظر بصمت.
وعندما كانت جين تغفو أخيرًا، كانت راما تتجول في المنزل، ترتب الأشياء، تمسح الغبار عن الطاولة، تتأكد أن الأطباق نظيفة، ثم تعود للجلوس وكأنها لم تفعل شيئًا.
لكن شعور النفور لم يفارقها.
كان شيئًا لزجًا في صدرها، يخنقها في كل مرة ترى فيها جين مستلقية بتعب، في كل مرة تجبر نفسها على سكب الشاي الساخن لها، في كل مرة تدرك أنها بدأت تهتم دون أن تريد ذلك.
كرهت ذلك، كرهت أنها تهتم، كرهت أنها لم تعد قادرة على أن تكره جين بالكامل كما اعتقدت دومًا. ورغم ذلك، لم تتوقف عن المجيء.
******
كانت راما لا تزال تحتفظ بجدارها، تتعامل مع جين وكأنها تقوم بواجب ثقيل، كما لو أن وجودها هناك ليس سوى مسؤولية فرضتها الظروف، وليس شيئًا اختارته بإرادتها.
لكن العداء الذي كانت تبديه بدأ يفقد حدته تدريجيًا. لم تختف نظراتها الباردة بالكامل، ولم تتوقف عن إلقاء الجمل الجافة بين الحين والآخر، لكنها لم تكن كما كانت من قبل.
جين، من جهتها، لم تحاول استغلال ذلك. لم تشر إلى التغير، لم تحاول إجبار راما على الاعتراف بأي شيء، فقط تقبلت الأمر كما هو، كما تقبلت من قبل عداءها الصريح دون أن تبعدها عنه.
كانت هناك لحظات صغيرة، لمحات خاطفة من شيء يشبه الهدنة، وربما شيء آخر أكثر تعقيدًا.
في إحدى المرات، كانت جين تحاول رفع صندوق ثقيل، وعندما كادت أن تفقد توازنها، مدت راما يدها تلقائيًا وأمسكته عنها. لم تقل شيئًا، لم تعلق حتى، فقط فعلت ذلك وكأنه أمر طبيعي، وكأنها لم تكن قبل أشهر ترفض حتى النظر إليها دون احتقار.
وفي مرة أخرى، عندما سقطت جين في الدرج الصغير المؤدي إلى المطبخ، لم تكتف راما بمساعدتها على النهوض، بل بقيت بجانبها لبضع لحظات أطول مما يجب، كأنها تريد التأكد أنها بخير حقًا.
حتى الحوارات بينهما، رغم أنها لم تكن طويلة أو عميقة، بدأت تأخذ طابعًا مختلفًا.
"طريقتك في تحضير الشاي سيئة." قالت راما ذات يوم، وهي تتأمل الكوب الذي أعدته جين.
رفعت جين حاجبًا، مبتسمة قليلًا. "إذن حضريه بنفسك."
حدقت بها راما للحظة، ثم أخذت الكوب منها بهدوء، سكبت الشاي وأعادت تحضيره دون أن تقول كلمة.
كانت تلك الأشياء الصغيرة هي ما شكلت الفرق. لم تكن هناك مصالحة درامية، لم تكن هناك اعتذارات أو اعترافات، فقط تفاصيل تتراكم، ببطء، دون أن يدركا أنهما لم تعودا كما كانتا من قبل.
وفي إحدى الليالي، عندما كانت جين مستلقية على الأريكة، تشعر بالضعف أكثر من المعتاد، فتحت عينيها لتجد راما جالسة بجانبها، صامتة، لكن حضورها كان ثابتًا.
"لست مضطرة للبقاء." همست جين، صوتها ضعيف لكنه واضح.
نظرت إليها راما للحظة، ثم شردت بعينيها في الفراغ، قبل أن ترد بهدوء، دون أن تنظر إليها مباشرة:
"أعرف."
لكنها لم ترحل.
رواية راما الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم اسماعيل موسى
بدأت جين تشعر بالإرهاق الشديد. جسدها المنهك لم يعد يحتمل الأعباء اليومية التي كانت تؤديها بسلاسة من قبل. لم يكن الأمر مجرد تعب عابر، بل ثقل يضغط على عظامها ويمنعها من القيام بأبسط المهام. غسل الصحون أصبح مجهودًا مرهقًا، تنظيف الأرضية مهمة شبه مستحيلة، وحتى تحضير وجبة بسيطة صار يتطلب منها وقتًا أطول مما ينبغي.
في البداية، حاولت جين إخفاء الأمر، لكنها لم تستطع مواصلة التظاهر لفترة طويلة.
لاحظت راما ذلك، ولم تنتظر أن تطلب منها المساعدة. دون أن تتردد، تولت معظم الأعمال المنزلية. كانت راما عملية وسريعة الحركة، تنظف، ترتب، وتعد الطعام وكأنها اعتادت هذا الدور طوال حياتها. لم يكن الأمر مجرد إحسان لجين، بل كان دين قديم عليها سداده.
أما بدر، فقد لاحظ التغيير لكنه لم يعلق عليه مباشرة. في البداية، كان وجود راما ويوسف في الشقة غريبًا عليه، لكنه لم يستغرق وقتًا طويلًا حتى اعتاد عليه. صوت يوسف الطفولي، حركته المستمرة، وحتى لعبه بأغراض لا تخصه، كل ذلك صار جزءًا من يوميات الشقة. أما راما، فقد أصبحت حضورًا مألوفًا، تدير المنزل بحيوية مختلفة، دون أن تفرض نفسها أو تشعر أحدًا بأنها دخيلة.
بمرور الأيام، لم تعد جين تقلق بشأن عدم قدرتها على الاعتناء بكل شيء، لأن راما كانت موجودة، ولأن بدر لم يبدِ أي انزعاج حقيقي. شيئًا فشيئًا، أصبح وجودهما طبيعيًا، كما لو أن الشقة اتسعت لاحتوائهما دون مقاومة. لقد كانت رغبة جين التي أحترمها بدر رغم عدم فهمه بقاء راما في الشقة مع طفلها، رغم هذا الجفاء الظاهر قبل الولادة المتعثرة.
لم تكن جين تتوقع أن تكون أيام حملها الأخيرة بهذا القدر من الصعوبة. كانت قد تحملت شهورًا من الإرهاق والغثيان، لكنها ظنت أن النهاية ستكون أكثر رحمة. إلا أن جسدها كان له رأي آخر.
في الأيام التي سبقت الولادة، كانت جين تشعر بآلام حادة في ظهرها وأسفل بطنها، أقوى من أي شيء عانته من قبل. لم يكن مجرد انزعاج عابر، بل موجات من الألم تأتي وتذهب، تتركها لاهثة، متعرقة، غير قادرة على الحركة. كلما حاولت الوقوف، شعرت أن الأرض تميد تحتها، فتتمسك بأقرب شيء إليها كي لا تسقط.
راما كانت تراقبها بقلق، تحاول مساعدتها قدر المستطاع، لكن جين لم تكن مستعدة للاعتراف بأنها بحاجة إلى المساعدة.
"أنا بخير، فقط قليل من الإرهاق." كانت تقول ذلك دائمًا، حتى عندما كانت أصابعها ترتجف وهي تمسك بحافة الطاولة لتمنع نفسها من الانهيار.
لكن في إحدى الليالي، تغير كل شيء. استيقظت جين على ألم مفاجئ، كأن سكينًا حادة مزقت بطنها من الداخل. حاولت النهوض، لكن قدميها لم تحملاها. شهقت وهي تشعر برطوبة غريبة بين ساقيها، وعندما أدركت ما حدث، اجتاحها الذعر.
"راما!" صوتها خرج ضعيفًا، لكنه كان كافيًا لإيقاظ المرأة التي كانت تنام على الأريكة في الصالة القريبة. هرعت راما نحوها، وعندما رأت وجهها الشاحب، لم تحتج إلى تفسير.
"جين، يجب أن نذهب إلى المشفى الآن."
لكن جين كانت بالكاد قادرة على التقاط أنفاسها. الألم كان يمزقها، ينهكها بسرعة مرعبة. شعرت بأن جسدها لم يعد ملكها، كأنه يتمرد عليها، يدفعها نحو حافة مجهولة لا تملك أي سيطرة عليها.
عندما وصلت إلى المستشفى، كان الأطباء بالفعل مستعدين، لكن نظراتهم لم تكن مطمئنة. همساتهم المنخفضة، الحركة السريعة من حولها، الأجهزة التي بدأت تصدر أصواتًا متوترة – كل شيء أخبرها أن الأمور ليست على ما يرام.
ثم جاء القرار الحاسم: العملية القيصرية الفورية.
وفي اللحظة التي انجرفت فيها نحو غياهب التخدير، كانت جين تدرك شيئًا واحدًا فقط – هذه الولادة لن تكون عادية، وستترك أثرها في حياتها إلى الأبد.
في غرفة العمليات كانت الأضواء البيضاء القاسية تلقي بظلال باهتة على وجه جين الشاحب. أجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة، كأنها تراقب سباقًا غير متكافئ بين الحياة والمجهول. يد الأطباء تتحرك بسرعة، العرق يتصبب من جباههم تحت الأغطية المعقمة، ورائحة الكحول الطبي الحادة تملأ الهواء.
"ضغط الدم ينخفض!" جاء صوت أحد الأطباء، مشدودًا، حازمًا.
"أعطوها جرعة أخرى من الإبينفرين!" صاحت طبيبة التخدير وهي تراقب الشاشة أمامها، حيث كانت المؤشرات الحيوية تتراقص في خطر.
في زاوية أخرى من الغرفة، كان بكاء طفل يصدح، لكنه لم يكن قادرًا على الوصول إلى جين، التي كانت تغرق في بحر من الظلام. كانت عيناها نصف مفتوحتين، نظرتها ضائعة، وكأنها ترى العالم لكنه لا يراها.
بعد دقائق طويلة بدت كالأبدية، خرج الطبيب الجراح إلى الممر حيث كانت راما تنتظر، يداها مشدودتان في حجرها، وقلبها يدق بجنون.
"المولود بخير." قال الطبيب، لكن صوته لم يكن يحمل نبرة الاطمئنان التي كانت تتوق لسماعها.
"وجين؟" سألت راما بلهفة، ولم تحتج سوى لنظرة واحدة على وجه الطبيب لتفهم أن الإجابة لن تكون سهلة.
رائحة المطهرات كانت تخترق الأنف، تمتزج مع البرودة الغريبة التي تسكن جدران المستشفى. كانت جين ممددة على السرير، جسدها نحيل أكثر مما ينبغي، أنابيب متصلة بأنفها، مغذيات موصولة بمعصمها، والأجهزة تواصل إصدار نغماتها الرتيبة، كأنها تتحدث لغة لا يفهمها أحد.
الأطباء قالوا إن النزيف كان حادًا، وإن جسدها لم يتحمل الصدمة.
على السرير الأبيض، بدت جين أضعف مما اعتاد الجميع رؤيتها، لكن عينيها هذه المرة لم تكونا فارغتين. كان هناك ضوء، واهن لكنه موجود.
راما جلست بجوارها، تمسك بيدها بحذر، كأنها تخشى أن ينكسر هذا التحسن الهش إن تحركت بسرعة. "كيف تشعرين؟" سألتها بصوت ناعم.
جين لم ترد فورًا. أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول تذكر كيف يفعل الناس ذلك. ثم، بابتسامة صغيرة، همست: "متعبة... لكنني بخير."
كان هذا كافيًا.
عندما أحضروا الطفل إليها، لم تستطع رفعه بذراعيها، لكن راما وضعته برفق على صدرها. كانت أنفاسه دافئة، صغيرة، ويداه تتحركان ببطء فوق ثوبها. نظرت إليه، وكأنها تراه لأخر مرة. ثم همست له بشيء لم يسمعه أحد غيره. ربما كان اعتذارًا، ربما كان وعدًا، وربما مجرد همسة حب.
بدر وقف عند الباب، لا يقترب، لكن عينيه لم تفارقا المشهد. كان معتادًا على رؤية الألم، لكنه لم يكن مستعدًا لهذا النوع من الهشاشة، لهذا النوع من القوة التي تتحدى الضعف بأبسط الحركات.
"خذيه راما." همست جين بأرهاق. "اعتني به كأنه ابنك." ثم اشاحت بوجهها كأنها تهرب منه.
رفعت راما حاجبها بغير فهم ثم مدت يدها وحملت الطفل. كانت جين تجد أنفاسها بصعوبة كأنها تختنق وقطرات دمع تترقرق في عيونها. اقترب منها بدر ضغط على يدها. "سيكون كل شيء بخير يا جين."
"أنا آسفة." همست جين بصوت ضعيف. "لم أتمكن من إسعادك بالطريقة التي كنت تتوقعها." ثم أغمضت جين عينيها وهي تنتحب. "اتركوني بمفردي من فضلكم."
في منتصف الليل.
أول ما شعرت به جين كان بردًا مفاجئًا، غريبًا، كأن الدماء توقفت عن الجريان في عروقها. ثم جاء الألم، لم يكن حادًا، بل كان أشبه بشيء ثقيل يجثم على صدرها، يمنعها من التنفس.
عندما اندفعت الأجهزة تصدر إنذاراتها، كان بدر أول من وصل إلى الغرفة. وجدها تتنفس بصعوبة، عيناها نصف مغمضتين، وشفتيها شاحبتين بطريقة مقلقة.
"جين؟!" ناداها، لكنه لم يحصل على رد.
الممرضات والأطباء تدفقوا إلى الغرفة. أحدهم صرخ: "انخفاض حاد في ضغط الدم!"
"نحتاج إلى ٥ ملغ من الإبينفرين، الآن!"
كانت الغرفة تعج بالأصوات، بصفير الأجهزة، بصوت العجلات المعدنية لعربة الطوارئ. كان كل شيء سريعًا، فوضويًا، وراما تقف في الممر، طفل جين بين ذراعيها، تهمس دون أن تدري: "لا... ليس الآن..."
لكن جين، وسط كل هذا، كانت تغرق مرة أخرى في الصمت، في الظلام، في الغياب الذي لا يعرف أحد إن كان له عودة هذه المرة.
نزيف داخلي، فشل مؤقت في وظائف الكلى، وانخفاض شديد في ضغط الدم جعل دماغها يدخل في حالة طوارئ، يطفئ نفسه ليحافظ على طاقته.
"نعطيها 2 ملغ من الدوبامين، ونراقب الوظائف العصبية كل أربع ساعات." قال الطبيب بصوت منخفض وهو يسجل الملاحظات في ملفها الطبي.
كانت الجرعات تُضخ في جسدها، محاليل تغذيها، ومسكنات تهدئ أي ألم قد تشعر به رغم غيابها عن الوعي.
لكن السؤال ظل معلقًا في هواء الغرفة العقيم: متى ستعود؟ وهل ستعود حقًا؟
في الخارج، كانت راما تحمل الطفل الصغير بين ذراعيها، تحاول تهدئته، لكنه كان يصرخ، كأن روحه الصغيرة تشعر بأن أمه ليست معه، كأن شيئًا ناقصًا في عالمه الجديد.
أما بدر، فكان يقف بعيدًا، عيناه معلقتان بالزجاج الفاصل، يراقب جين بصمت.
لأول مرة، كان يشعر أن الحياة يمكن أن تأخذ كل شيء في لحظة، دون تحذير، دون رحمة.
بعد ساعات
كانت المستشفى أهدأ مما ينبغي. الأصوات المعتادة – صفير الأجهزة، خطوات الممرضات، همهمات الأطباء – بدت بعيدة، كأن الجدران ابتلعتها فجأة.
في الغرفة الباردة، لم يكن هناك سوى سكون ثقيل، سكون يحمل في طياته أكثر مما تستطيع الكلمات وصفه.
كانت جين مستلقية على سريرها، ملامحها هادئة بشكل مخيف، وكأنها نائمة، لكن صدرها لم يكن يعلو وينخفض كما كان. يداها، اللتان كانتا تداعبان طفلها قبل ساعات، أصبحتا ساكنتين، بلا دفء.
"أستاذ بدر، الطبيب يحتاجك من فضلك!!"
نهض بدر من على مقعده في الرواق، دلف إلى الغرفة مسرعًا.
لم يحتاج شرح أو توضيح، جين ماتت.
وقف بدر عند حافة السرير، عيناه تحدقان في وجهها كأنه ينتظر منها أن تستيقظ، أن تفتح عينيها، أن توبخه لأنه تأخر عليها أو لأنها لم تحب مذاق الطعام الذي أحضره لها، لكن جين لم تقل شيئًا.
مرت لحظات طويلة قبل أن يستوعب الحقيقة، قبل أن ينهار على ركبتيه بجانبها، رأسه منحني، أصابعه تمسك بيدها الباردة كأنه يحاول أن يعيد إليها بعض الحياة. لكنه لم يستطع.
لم يبكِ بصوت عالٍ، لم يصرخ. فقط جلس هناك، يضغط على يدها بصمت، عيناه فارغتان، كأن جزءًا منه رحل معها ولم يعد له وجود في هذه الغرفة.
راما كانت في الممر، تحمل الطفل الذي لم يدرك بعد ما خسره، عندما سمعت صوت الجهاز يطلق إنذاره الأخير، عندما رأت الممرضات يغطين جسد جين، عرفت.
شعرت بشيء ينكسر داخلها، شيء لن يُصلح أبدًا. تراجعت للخلف، احتضنت الطفل بقوة، وكأنها تستطيع أن تحميه من هذا العالم الذي أخذه من أمه قبل أن يعرف حتى من تكون.
لم تستطع الدخول إلى الغرفة فورًا، لم تستطع مواجهة بدر، مواجهة الصمت القاتل الذي حل بعد الرحيل. فقط وقفت هناك، تهمس للطفل بصوت مبحوح:
"أنا آسفة... آسفة جدًا."
كان المشفى لا يزال ينبض بالحياة حولهم، لكن بالنسبة لهم، كان العالم قد توقف عند تلك اللحظة، عند ذلك الوداع الذي لم يكن لديهم وقت للاستعداد له.
المشفى يعج بالحركة، لكن بالنسبة لبدر، بدا كل شيء ضبابيًا.
لم يستطع التركيز على كلمات الأطباء، ولا على الإجراءات الورقية، ولا حتى على الممرضات اللواتي تحدثن إليه بلطف شديد.
كل ما كان يسمعه هو صدى نبضات جين التي لم تعد، وكل ما كان يراه هو جسدها الملفوف في الملاءة البيضاء، استعدادًا لنقلها بعيدًا إلى الأبد.
راما تولت معظم الترتيبات، أدارت الأمور بصمت، عينها على بدر الذي كان بالكاد يستطيع الوقوف. لم يعترض عندما طُلب منه توقيع الأوراق، لم يسأل عن شيء، فقط وقف هناك، شاحبًا، عيناه مثبتتان على النعش حين أُحضر. وحين حان وقت المغادرة، تعثر في خطواته كأن قدميه لم تعودا قادرتين على حمله.
في الجنازة، لم يقل بدر كلمة واحدة، وقف صامتًا، ويداه متشابكتان أمامه، بينما الدموع التي رفضت أن تنزل في المستشفى بدأت تسيل الآن، بطيئة، صامتة، لكنها لا تنتهي. عندما وُضعت جين في القبر، انهارت قواه تمامًا، سقط على ركبتيه، أصابعه تغوص في التراب، وكأن يده وحدها لن تسمح لها بالرحيل. لم يحاول أحد إبعاده، لأنه كان واضحًا أن لا شيء سيعزيه.
راما، من ناحية أخرى، لم تنتظر أن يُطلب منها شيء. من اللحظة الأولى، احتضنت الطفل كأنه ابنها، أرضعته من زجاجته، هدّأته عندما بكى، وسهرت بجانبه ليلاً عندما رفض النوم. كان بين ذراعيها دائمًا، حتى بدأ يميز رائحتها وصوتها، حتى أصبح يستدير نحوها حين يسمعها تتحدث، وحتى بدأ يبتسم لها عندما تقترب.
لم تكن تفكر في الأمر كثيرًا، لم تكن تسأل نفسها لماذا تفعل ذلك، لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا: لن تدع هذا الطفل يكبر دون دفء، دون حب، دون شخص يمسك بيده كلما شعر بالخوف.
لم يكن قرارًا اتخذته في لحظة واحدة، بل كان شيئًا تسلل إلى قلبها تدريجيًا، حتى أصبح يقينًا لا يقبل الجدل.
راما لم تكن فقط تهتم بالطفل، بل كانت تحبه، تحبه كأنه جزء منها، كأنه ابنها بالفعل.
في الأيام الأولى، حاولت الموازنة بين عملها في الجامعة وبين رعاية الصغير، لكن سرعان ما أدركت أن ذلك مستحيل.
كان الطفل يحتاج إلى أكثر من مجرد ساعات متفرقة من الاهتمام، يحتاج إلى أم تحمله عندما يبكي، تغني له حتى ينام، تطمئنه عندما يستيقظ مفزوعًا في منتصف الليل.
وعندما فكرت في جين، في وعدها لها وهي على سرير المشفى، لم تتردد.
قدمت استقالتها دون تفكير طويل، بعض زميلاتها حاولن ثنيها عن القرار، وبعضهن سألنها إن كانت متأكدة، لكنها لم تكن بحاجة إلى التأكيد.
عادت إلى الشقة، إلى الطفل الذي بدأ يتعرف عليها أكثر فأكثر، وعندما حملته بين ذراعيها تلك الليلة، شعرت بشيء مختلف. لم يكن هذا مجرد طفل فقد أمه، ولم تكن هي مجرد امرأة تؤدي واجبًا.
لقد أصبح هو عالمها، وهي عالمه.
ومع مرور الأيام، بدأ بدر يلاحظ ذلك، بدأ يراها وهي تهدهده، تطعمه، تغير له ملابسه، تبتسم له كأنه ابنها. في البداية، لم يقل شيئًا، لكن في إحدى الليالي، وبينما كانت تحمله وتسير في أرجاء الشقة حتى يهدأ، نظر إليها وقال بصوت خافت:
"لقد وفيتِ بوعدك."
وصية جين: القرار الأخير
كانت الليلة هادئة، لكن عقل بدر لم يكن كذلك. منذ وفاة جين، أصبح الليل زمنًا للأفكار، للذكريات التي لا تهدأ. وفي لحظة من الحنين، وجد نفسه يقف أمام خزانة ملابسها، يتلمس الأقمشة كما لو كان يبحث عن بقايا دفئها.
عندما سحب أحد الأدراج، وجد مظروفًا أبيض، نظيف الحواف، كُتب عليه بخط يدها المرثي: "إلى بدر.. عندما يحين الوقت."
جلس على السرير، يداه ترتجفان وهو يفتح المظروف، وقلبه يخفق وكأنه يخشى ما سيجده.
"حبيبي بدر،
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أنني لم أعد هنا. أعلم أنك ستكرهني لأنني لم أخبرك بالحقيقة، لكنني فعلت ذلك لأنني كنت أعرفك، كنت أعرف أنك لن تسمح لي بالاحتفاظ بهذا الطفل لو علمت بالمخاطر.
كنت ستجبرني على الاختيار، وأنا لم أكن أحتاج إلى الاختيار، لأنني كنت أعرف دائمًا أنني أريده، حتى لو كان الثمن حياتي.
لكنني لا أكتب لك لأبرر قراري، بل لأطلب منك طلبًا أخيرًا.. لطفلنا.
بدر، أنا لا أريد أن يكبر ابننا يتيمًا بلا أم، ولا أريدك أن تغرق في الوحدة والألم من بعدي.
أعلم أن الحزن سيأخذك، وأنك سترفض فكرة المضي قدمًا، لكنني أرجوك، لا تدع ذلك يمنعك من منح طفلنا عائلة.
راما... نعم، راما.
أعرف أن طلبي غريب، لكنني رأيت الطريقة التي تهتم بها بطفلها، رأيت الحنان في عينيها. إنها قوية، حنونة، وستكون أمًا رائعة له.
لهذا، أطلب منك أن تتزوجها. لا تفعل ذلك بدافع الواجب، ولا بدافع الوصية. لكن إن وجدت في قلبك مكانًا لها، وإن شعرت أن طفلنا يستحق أمًا تحبه بصدق، لا تتردد.
أنا أثق بكما.. وأثق أنك ستفعل ما هو صواب.
إلى أن نلتقي من جديد، سأظل أحبك.. دائمًا.
جين."
أعاد بدر الورقة إلى المظروف، وهو يشعر بأن قلبه يضيق وكأنه لم يعد يتسع لأي شيء. لقد عاش كل لحظة مع جين وكأنها ستدوم للأبد، لكنه الآن يدرك أنها كانت تعرف.. كانت تعرف أن الوقت كان ينفد.
جلس في الظلام طويلاً، يفكر في كل شيء، وفي راما، التي لم تتخلَّ عن الطفل لحظة.
لم يكن يعرف ما سيفعل، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا—وصية جين لم تكن مجرد كلمات، بل كانت وعدًا لم يقطعه بعد.