قلت بعصبية: يا حنان، ليه بتكلمي راما بالطريقة دي؟ إيه المشكلة إنها تدخل غرفتي وتتكلم معايا؟ حنان غيرت نبرتها، تخلت عن عبوس وجهها وقربت مني. بدر حبيبي، أنت تعبان، ويمكن مريض. نمت امبارح وصحيت النهاردة، وده ما حصلش طول عمرنا. أنا خايفة تكون مريض والمرض ينتقل لبنتي حبيبتي راما. وضعت حنان إيدها فوق جبهتي وهمست: ياه! أنت سخن جداً. صدقتي كلامي دلوقتي؟
تحركت حنان، أحضرت تيرمومتر قياس حرارة ورفعت ذراعي، ثم ضغطت على ذراعي بعد أن ثبتت مقياس الحرارة تحت إبطي. حرارتك 40 درجة يا بدر، جسمك بيغلي، كنت متأكدة إنك مريض. حطيت إيدي فوق جبهتي، لسعتني الحرارة فعلاً. أنا لازم أروح دكتور حالاً. همست حنان: طبعاً يا حبيبي، لازم تروح دكتور. حاولت أقف، مقدرتش. لقيت جسمي كله بيترنح وركبي مش قادرة تشيلني. وقعت على السرير وأنا منهار. مش قادر يا حنان، مش قادر. مش عارف إيه اللي حصلي.
همست حنان: سلامتك يا حبيبي. وقربت مني، ضمتني لحضنها. ثم دوى صوت تحطم داخل الشقة. شباك الغرفة خبط في الجدار بقوة خلتها كأن هيتحطم. حنان بعدت عني مرعوبة وقربت من الشباك. وقفت دقيقة ضهرها ليا، وقالت: ده حتى ما فيش ريح بره؟ بعد أن استدارت حنان وبصت على وشي، قالت: أنا هطلب الدكتور يحضر هنا طالما أنت مش قادر تتحرك. قلت: يا ريت يا حنان، يا ريت. دماغي هتنفجر من الصداع. بعد الشر عنك يا بدر، حاضر، هكلمه دلوقتي من تليفونك.
أنا أخويا تليفونك في غرفتي، راما بتحب تلعب بيه. قلت: أنا في إيه ولا في إيه دلوقتي يا حنان، اطلبي الدكتور من فضلك. خرجت حنان من الغرفة وسمعت صوتها في الصالة بتكلم الدكتور وأنا عمال أفكر إيه اللي حصلي بس؟ أنا كنت كويس. حاولت أقف تاني، استندت على الجدار اللي كان بارد جداً. مشيت لحد ما وصلت الشباك وأنا بلهث جداً. بصيت على الشباك، على الشارع اللي ما كانش فيه نسمة هواء.
بره الغرفة، لما مديت إيدي، كانت الدنيا حر، عكس غرفتي الباردة جداً. كنت عارف إن ده بسبب حرارتي المرتفعة. في الشارع تحت بنايتنا، لاحظت وجود متسول نايم على الرصيف. راجل مسكين كنت أعرفه من زمان وكنت بعطف عليه وأديه بعض النقود لما تكون متوفرة معايا. الراجل رفع دماغه ولما شافني واقف، لوحلي بإيده. بعدها شاور على المسجد اللي قصاد عمارتنا. بعدها بلحظة سمعت العصر بيأذن في المسجد. بتعمل إيه؟ سمعت صوت حنان خلف ضهري.
أنا مريض وتعبان. ارتاح. مدد على السرير يا بدر. سحبتني حنان، نيمتني على السرير ورفعت الغطاء فوق جسمي. مشيت حنان ناحية الشباك، بصت على الشارع لدقيقة، وقفتلت الشباك. الدكتور هيوصل حالاً. هخرج ألم الكراكيب اللي عملتها بنتي راما. مش لازم الدكتور يشوف الشقة متبهدلة. قلت: طبعاً. روحت أولع سيجارة، إيديا اترعشت ومقدرتش. صعبت عليا نفسي وقعدت على السرير بحزن. جسمي انكمش وبيرتجف.
ظهرت راما قدام باب غرفتي. وقفت من غير ما تدخل. فضلت تبص عليه بنظرة ثابتة، أكتر من دقيقة بطريقة غريبة. همست بضعف: مالك يا حبيتي، تعالي هنا ادخلي، خليني أحضنك. راما ما ردتش على كلامي. سابت مكانها واختفت. الدكتور وصل، قاس الحرارة وأجرى الكشف عليه. حرارتك مرتفعة، ضغطك واطي، عندك ضعف شامل ومحتاج راحة في السرير. هكتب لك حاجة للسخونة والصداع، وخلطة زوجتك هتعملها لازم تتناولها باستمرار عشان قوتك ترجعلك.
ألف سلامة يا أستاذ بدر، لو حسيت بأي حاجة تليفوني مفتوح أربعة وعشرين ساعة. خرج الدكتور من غرفتي ووقف في الصالة يتكلم مع مراتي بصوت خافت وكان بيشاور عليه وحنان كانت بتبص عليه كمان. بعدها أخد شنطته وغادر الشقة. مراتي وقفت على باب غرفتي. أنا هخرج أشتري الدواء يا بدر. من فضلك خليك في السرير واتغطى كويس زي ما الدكتور ما نصحك. مش هتأخر.
مر أكتر من ربع ساعة على خروج حنان من الشقة قضيتها بفكر بيأس. مش معقول دور حرارة يعمل فيا كل ده؟ أول ما حالتي تتحسن وأقدر أتحرك هنزل على المشفى أعمل فحص شامل. فجأة راما ظهرت على باب الغرفة. نفس الوقفة ونفس النظرة الثابتة، لكن في إيدها كان فيه حاجة. لما ركزت فيها لقيتها تليفوني.
ابتسمت: ما تخافيش يا راما. العبي بالتليفون بتاعي، مش هزعق فيكي ولا أصرخ. أنا بس زعلان منك، إن بابا تعبان ومريض وإنتي مفكرتيش تيجي تبصي عليه أو تاخديني في حضنك يا روح بابا. متعرفيش إني بحتاج حضنك؟ حضنك ممكن يشفيني من غير ما آخد علاج. ملامح وش راما اتغيرت، حسيت إنها هتبكي. رفعت التليفون في إيدها.
بابا، أنت لازم تاخد تليفونك. تليفونك لازم يفضل معاك. أنا مش عايزة ألعب بالتليفون. راما معاها لعب كتير، بس خلي دا سر بينا، ماشي؟ قلت: حاضر يا حبيبتي، حاضر. هاتي التليفون. راما، أنتِ بتعملي إيه؟ رن صوت مراتي حنان اللي وصلت الشقة حالاً. راما تراجعت لورا بعد ما كانت هتدخل عندي. وقفت بتبص على والدتها حنان، وحنان بتبص عليها. بعدها راما ضربت رجليها في الأرض وجريت على غرفتها. ميصحش كده يا حنان، أنتِ بتعاملي راما بقسوة شديدة.
قالت حنان وهي بتدخل غرفتي: أنت سمعت الدكتور قال إيه؟ قال إن حالتك صعبة وممكن تكون معدية، وأنت مش عايز بنتي راما تصاب بالمرض هي كمان. راما دماغها صعبة ومش هتبطل تحاول تدخل عندك. من فضلك لو كنت بتحبني، لو بتحب بنتنا راما، لو حاولت تدخل عندك امنعها عشان مصلحتها. أوعدني يا بدر. أنا خايفة راما تمرض، ولا أنت عايزها تموت؟ همست: مش للدرجة دي يا حنان، ده مجرد شوية حرارة. لكن متخافيش، مش هسمح لراما تدخل عندي غير لما أبقى كويس.
خد العلاج يا بدر. وناولتني حنان كأس مياه. بلعت البراشيم وريحت على السرير. وبعد شوية حنان دخلت معاها طبق فيه شوربة. قربته من بوقي وطلبت مني أخلصه وفضلت واقفة جنبي لحد ما شربته كله. نام يا بدر، بكرة هتبقى كويس وكل حاجة ترجع لمجاريها. النوم سرى في عروقي وجسمي، جفوني قفلت على بعضها. اختفى صوت حنان وأنا بنام.
نمت أربعة وعشرين ساعة. فتحت عيوني في نفس الموعد. علقت كده لما حنان دخلت غرفتي وقالت إن دا طبيعي وصحي لأن جسمي تعبان ومحتاج راحة ودا معناه إن العلاج جاب مفعوله. كنت مبسوط من كلامها، لكن جسمي بيقول غير كده. جسمي بيخوني ومش قادر أمشي أو أتحرك. اشرب يا بدر، الخلطيط ده هيخليك كويس، دي أعشاب طبيعية وصفها الدكتور ليك. همست: ممكن تفتحي الشباك؟ حاسس نفسي في سجن.
شباك لا يا بدر، الشباك مش هينفتح. الأفضل الغرفة تفضل مقفلة. في الخارج الهواء ملوث ودوشة وصداع. متقلقش يا حبيبي، هتبقى كويس قريب جداً جداً. بطريقة آلية حنان قربت مني تحضني، وفي آخر لحظة وقفت وبعدت وخرجت من الغرفة. مزعلتش منها، مكنتش عايز هي كمان تصاب بالمرض ويبقى مفيش حد ياخد باله من راما.
الغرفة بتاعتي باردة جداً. والنهاردة لما فتحت عيوني من النوم شميت ريحة وحشة. ريحة سمك معفن. كنت سامع حنان شغالة في المطبخ، بتغسل الأطباق وتطبخ الطعام، لكن راما مظهرتش. فين راما؟ راما من عادتها مش بتبطل تلعب في الشقة وتعمل صداع. البنت العفريتة دي بتونسني بدوشتها. فين راما؟ صرخت بأقصى صوت قدرت أطلعه. قعدت أصرخ لحد ما حنان سمعتني. من المطبخ ردت عليا.
راما في غرفتها، معاقبة. كملت حنان بنبرة حسيتها حزينة أو مكسورة. أنا عاقبتها لأنها مش بتسمع الكلام. صوت طرقات على باب الشقة سمعتها وأنا مستغرب. إحنا ما عندناش جيران في العمارة، وأنا مقطوع من شجرة. وأهل حنان في محافظة بعيدة عننا. يا ترى مين هيخبط على باب شقتنا؟ حنان فتحت الباب وكانت بتتكلم مع شخص بلهجة عنيفة وصوت عالي. وفي نفس اللحظة راما ظهرت على باب غرفتي.
وقالت: بابا، أنا شفتك امبارح الليل كله في غرفة ماما. وجريت على غرفتها بسرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!