تحميل رواية «روح بلا مأوى» PDF
بقلم سارة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا ؟؟ سؤال يثقل كاهلنا وتظل اجابته فى سردايب روحنا. *** الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. وضعت الهاتف على الفراش وابتلعت بصعوبة. تسللت على اطراف اصابعها نحو المطبخ وفتحت احد الادراج وتناولت المدلاك الخشبى (النشابة). توجهت نحو باب الشقة تسترق السمع. تأكدت لها ظنونها عندما نظرت من عين المراقبة من خلف الباب. عزمت امرها وفتحت. وفى لمح البصر كانت تنزل بالمدلاك فوق رأس ذلك الشخص. وقع ارضًا. تلفتت يمينًا ويسارًا خشيًا من أن يراها أحد. ثم سحبته للداخل. *** فى صباح اليوم التالى. فرق جفنيه بصعوبة. وم...
رواية روح بلا مأوى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الواحد والعشرون
تجولت عيناه على الغافية بجواره فللمرة الأولى التى
يتأملها منذ رآها ويملك الحرية فى تأملها شعرها الطويل
الأسود الغجرى منثورًا على وسادته وها هى تغفو على
فراشه، انحنى برأسه ليتأمل اهدابها السوداء الكثيفة
ابتلع بصعوبة وهو يكافح أوامر قلبه أن يلامس شفتاها
رغبة فى استكشاف ملمسهم لكنه حزم الصراع بين
قلبه وعقله بأنه لم يحين الموعد
زفر محاولًا كبح لهفته عليها اراد أن يجعلها تشعر بالأمان قدر المستطاع سيحاول بشتى
الطرق أن
يكون أهلًا لها حصنها المنيع، فجأة حدث ما لم
يتوقعه تقلبت على الفراش باريحية ثم اندست فى احضانه وحاوطت خصره بيدها، ابتلع لعابه وهو يشعر بنعومة جسدها ودفئه الذى افقده عقله حتى كاد يشعر بأن صدره لما يعد يتسع لنبضات قلبه الخافقة، ازاح يدها برفق فاعادتها ثانية وهى تزمجر ماسحة وجهها بصدره
كانت كالقطة الصغيرة التى تبحث عن دفئ والدتها
فقربها منه بهذه الطريقة هلاك وليس من العدل أن يهلك وحده فابتلع ريقه ثم همس:
-هاجر
هاجر قومى اصحى
تنهيدات خافتة خرجت منها وهى تشد على خصره
اكثر، غمغم بخفوت وهو يكور يده قائلًا:
-اهدى يا هاجد الوقت المناسب لسه مجاش،
يا هاجر الله لا يسيئك قومى
ناداها بنبرة صوت مرتفعة أكثر فرقت جفونها بصعوبة
متساءلة :
-فى أيه؟!
أنا فين؟!
تمتم بصوت اشبه بالهمس:
-انتِ بين روحى ونبضى انتِ فى مرفأ قلبى
ثم حمحم قائلًا بصوته الأجش:
-صباح الخير يا هاجر
انتبهت لنفسها واستقامت من رقادها وركعت على ركبتيها مستنكرة نفسها كيف لم تشعر بنفسها ونامت هكذا حتى أنها لم ينتابها أى قلق من تغير المكان لملمت
خصلاتها الغجرية رافعة حاجبيها:
-أزاى تقرب منى كدا وأنا نايمة
افتقد الدفئ الذى تسلل من جسدها إليه فبلل شفتاه
قائلًا بمشاكسة:
-أنا متحركتش من مكانى انت لو تلاحظى أنا على حرف
السرير أنتِ اللى كنتِ بتتحرشى بيا
توسعت عيناها بذهول ثم قاطعته مزمجرة وهى تضع يدها فى خصرها:
-أنا أية؟! أنا واحدة نايمة أنت صاحى المفروض تقوم يا استاذ ميصحش كدا
تناول يدها جاذبًا إياها حتى تجلس امامه ولم يفلت يدها قائلًا:
-أنا جوزك ودا عادى ممكن تهدى بقى
ثانيًا صباح النور على أجمل واحدة فى الكون مش المفروض تصبحي علي جوزك ؟!
تكاد الدماء تنفجر من وجنتيها تشعر بالاستيحاء من نظرات عيناه همست بخفوت:
-صباح الخير
اتسعت ابتسامته قائلًا:
-أيوة كدا خلى اليوم ينور
ثالثًا ودا الأهم يا هاجر مش عايز حد يعرف حاجة عننا
ابدًا مش هقولك مشاكلنا متطلعش بره باب الشقة
لا يا هاجر بره باب أوضتنا دية، وأنا أوعدك هاكون هاكون سرك وحصنك اتفقنا يا هاجر
التقت عيناها بعيناه وخضرتهما العجيبة التى تشع ضوء
ثم اجفلت من نظراته ولمساته وهزت رأسها بالايجاب
لتسحب يدها وقبل ان تنهض دق جرس الباب فابتسم
هاجد:
-دية أكيد أمى.. اتفقنا يا هاجر.. وأن سألتك امى على
أى حاجة هتقولى أيه؟!
ابتلعت بحرج وهى تفرك كفيها قائلة:
-الحمدلله وبس
خبط هاجد مقدمة رأسه وهو ينهض يقف فى مقابلها قائلًا بمكر:
-لأ لأ الحمدلله أنهاردة وبس مش حلوة، بصى ضخمى
الأمور بقى وقولى ياما هنا وهناك، صيتينى يعنى
اشاحت بوجهها محاولة ان تهدأ ثورة انفاسها المتلاحقة من مغزى حديثه مما ادى إلى ارتفع حرارة جسدها فقالت :
-اى الكلام دا هى الحمدلله وخلصنا وعن اذنك
افتح بقى
كانت تتمتم بخفوت لكن وصل همسها إلى اذنه:
- قال اصيتوا قال أنا اصلًا مبحبش الكدب
توسعت عين هاجد بصدمة لكن سرعان ما تحولت إلى
ابتسامة عريضة وهو يهمس:
-هى دية هاجر إلى شفتها أول مرة ومفارقتش احلامى
اللى لسانها بينقط شربات
******
بعد مرور نصف ساعة من الجرى الخفيف وقفت كيان
تلتقط انفاسها والعرق يتفص من جبينها كانت ملامحها مبهمة، روحها البائسة تطل من عينيها؛ عينيها تمتلأ قهرًا ليسع العالم ليتجرع الهم والغم تزفر بعمق كأنها تدفع ما فى صدرها من أسى وخيبة أمل
وقف ساهر ينظر لها بأعين قلقة، هربت بعينيها بعيدًا
ومضت نحو مقعد خشبى يوجد فى ممرات الجرى لتجلس عليه وهى تفتح زجاجة المياه وترتشف منها بضع قطرات ثم حدقت بالفراغ أمامها متجاهلة
كلماته القلقة عليها
واخيرًا استوعبت كلماته فى الإطمئنان عليها فابتسمت
بخفوت قائلة:
-متقلقش انا تمام عشان بس أول مرة اجرى كدا
بدا صوتها مضطربًا، فابتسم بهدوء متسائلًا:
-أول مرة فعلًا متعبة، اخبارك انتِ وكنان أيه؟!
اخيرًا بدأت التنفس بشكل طبيعى، بداخلها رغبة فى
المزيد من الكلام ربما تريح نفسها العليلة، لكن لازال
هناك عائق بينها وبين ساهر، نعم بدأت فى تقبله ولكن
ليس لدرجة البوح بما يعتلى صدرها ربما فيما بعد
تنسج العديد من الاحاديث معه فاجابته باقتضاب:
-الحمدلله بخير
صمت قليلًا ثم حدثها بتردد قائلًا:
-يا كيان أنا قدك فى السن بس يعنى اخوكِ
الرجل، وأنا وانتِ قررنا نتعامل مع الحقيقة دية
أنا عايز اتكلم معاكِ كأخ بينصح اخته ممكن واتمنى
تسمعى منى زى ما كان نفسى ميرا الله يرحمها تسمع
منى، مافيش راجل هايقبل يسمع حد بيتغزل فى مراته
ويسكت وخصوصًا لو بيحبها زى ما واضح للكل بلاش
قربك من تامر لو هايعملك مشاكل وانا اوعدك انى مش
هاسيبه خالص، انا مش عايز حياتك تبوظ:
قهقهت بهيستريا حتى أدمعت عيناها ثم رفعت بصرها إليه
قائلة:
-أنا اصلًا حياتى بايظة من زمان ومش عارفة اعيش
ولا اتجاوز أى حاجة حصلتلى وأنا طفلة أنا اتعذبت
واستحالة أنسى كل الوجع حاجات ماقدرش اقولها
بس تعبانى، وتاعبنى أوى ان الكل بيطالبنى أنا عشان
حياتى اتعدلت شهرين انسى ذل وإهانة 23 سنة
حاضر هادوس على زر وهانسى الماضى اصلى مش
بحس، كفاية نصايح من كل تعب حطوا نفسكم مكانى
وأبعد عن تامر صعب حتى لو هو اتجاوز فى كلامه الفترة دية بالذات صعب تامر لسه
خارج ومش واثق فى الناس اصلًا لو حس اني بعدت
مش هيترجمها غير انى ببعد عشان هو مش مناسب
انى اعرفه فى الوقت الحالى، ماحدش هايحس بيه غير
اللى اتكوى بناره، انت مش متخيل هو كمان شاف أيه
لما كنت بروح مع ماما هدى للملجأ كان بيمسك فينا
ويقول خدونى أنا خايف ، أنت متعرفش يعنى أية
ملجأ، بالحق أنا جدى كان هايرمينى فى ملجأ عشان
أبوك رفض يصرف عليا أو عشان ......
اغمضت عيناها بقهر وقد عادت إليها كل الذكريات
السيئة؛ ذكريات أيام حالكة اقساها تحرش شقيق والدتها المستمر بها، رمز الشيطان فى قذارته ودنائته ارتجفت
وبدأت اقدامها تهتز بعنف سيظل شبح الماضى يطاردها وندباته محفورة بداخلها حاولت السيطرة على دموعها وهى تغير الحديث قائلة:
-تامر فين يا ساهر؟!
فرت دمعة من عيناه وكأن خنجرًا انغرس بقلبه أيقن
أن شئ بداخلها انكسر ولن يجبره الزمان فاجابها بانكسار
ووجع قائلًا:
-ليه مدورتيش علينا
رفعت يدها فى وجهه قاصدة أن توقفه عن الحديث الذي
لم يجلب لها سوى ألم ثم اعادت سؤالها:
-فين تامر؟!
-معرفش هو اخد اوراقه الصبح ولم سألته رايح فين
قالى بدور على شغل
هزت رأسها بيأس قائلة:
-كنت عارفة أنه هيعمل كدا أنا هاكلمه واشوفه
بلل ساهر شفتاه متسائلًا:
-هو ازاى ميعرفش أهله ومعاه شهادة ميلاد أنا شُفتها
-عشان أحنا بيطلع لنا شهادة ميلاد عادى باسماء
وهمية من الصحة اى اسم تلات اسماء ويبقى
اسم ثلاثى بس بيبقى فى كود يتعرف لو الشهادة
دخلت مصلحة حكومية تتعرف انه مجهول النسب
تناول يدها بين كفيه قائلًا:
-كيان انتِ مش زى تامر نهائى الوضع مختلف احنا
كلنا معاكِ
-طبعًا طبعًا انا وضعى اسوء منه على الاقل هو
مايعرفش اهله ولا اترمى ليه ولكن أنا ليه أب وأم
كل واحد متجوز وخلف وعاش حياته ورمونى
كانهم بيعاقبونى أنا
قبل أن يرد عليها ساهر دق هاتفها برقم فضغطت باصبعها
على زر الأجابة قائلة:
-أيوة أنا كيان مين حضرتك؟!
استغرقت المكالمة عدة دقائق ثم انهت وهى فى حالة
من الذهول فسألها ساهر:
-مين؟! مالك ؟!
-دا مخرج فى التلفزيون عايزينى أنا اقدم برنامج طبخ
فى اشهر قناة طبخ فى الوطن العربى
ضمها ساهر بعفوية وهو يهنأها بحب وعينه دمعت
وهو يهمس:
-مبروك انتِ تستاهلى الخير
يا كيان، والله لو كنت اعرف أن
ليا اخت كنت جبتها تعيش معايا لو اخر يوم فى عمرى
أنا مش وحش ياكيان حقيقى أنا فرحان ليكِ يا اختى
ادمعت عيناها بتأثر وربتت على ظهره قائلًا:
-ساهر الناس غير أنا لسه مش موافقة
هز رأسه بسلب قائلًا:
- مافيش الكلام دا اختى وأنا وافقت عنك
نظرت إليه فى صمت مكتسية ملامحها مزيج من الحيرة
والدهشة والحزن شعرت بدفئ احضانه ودت لو بكت
بين ذراعيه أو كانت بالفعل تربت معه، قامت وهو
يتبعها ساروا معًا وكل منهم داخله شئ ينمو للأخر
رابط الدم والأخوة، شعرت للحظات أن لديها سند بالحياة
*****
-انت شايفة كدا يا دكتورة؟!
تلك الكلمات قالها كنان موجهها لشاهندة بينما هى عقبت
على كلامه قائلة:
-أنا واثقة فيك ومتأكدة أن نجاح العملية دية هتبقى
نقل فى تاريخك المهنى بس الموضوع محتاج دراسة
على روقان لأن مناخير المريضة تعتبر متدمرة
رفع كنان الأشعة التى بيده فى اتجاه الضوء ليرى
الكسور بوضوح مدققًا النظر ثم وضعها امامه على
المكتب الزجاجى وحدثها بعملية قائلًا:
-أنا حاسس أنها مخاطرة، بس محتاج تيم معايا
فى العمليات وأنتِ معايا فى العمليات اكيد
-اكيد يا دكتور مقدرش ماكنش معاك
فى هذه الاثناء فتح الباب ودلف ضياء للداخل دون استئذان وتوسعت عيناه من جملتها فاردف مستنكرًا:
-فى أية؟!
متقدريش على أيه بالظبط
حمحم كنان ثم تابع:
-فى عملية كبيرة محتاج ادرسها عشان هاعملها ومحتاجك معايا وطبعًا الدكتورة شاهندة معانا
رفع ضياء حاجبيه مستنكرًا:
-هى رحلة؟!
رفعت شاهندة احدى حاجبيها ثم نهضت ووقفت فى
مقابله قائلة بثقة:
-لو حضرتك مش فاضى بلاها يا دكتور، أصلًا الدكتور
كنان كلفنى اكون تيم من الدكاترة، عن إذنكم
راقب انصرافها وهى تدك الأرض بكعبها ثم استدار لكنان
قائلًا:
-يا جدع القبول نعمة ربنا ودية ربنا حرمها منها البت
دية مش طايقها
-مش دا كان نفس كلامك على بيسان بردوا
هز رأسه سريعًا وهو يقول:
-لأ بيسان كانت ثقتها فى نفسها تخليك تحس أنها صعب
تكون واحدة مننا حياتها جد اوى لكن دية قلبى بينقبض
لما اشوفها
استدار كنان بمقعده يمينًا ويسارًا وهو يزفر بملل قائلًا:
-خف جو كونان والتحقيقات دي دماغى فيها ميت حاجة
مش قادر لكل الهرى بتاعك
-ايوة انا كنت جايلك عشان كدا من الصبح مولع
فى التمريض والعمال مالك؟!
زفر كنان بوهن فالأمر زاد وبلغ مبلغه معه يود أحد أن
يشاطره احزانه نظر بشرود إلى اللاشئ متحدث بألم
بينما اشفاق ضياء عليه قائلًا:
-لو تفتكر أول مرة لما سألت أن كيان ليها ظروف خاصة
وقولت قابل صح؟!
قاطعه كنان بحدة:
-ضياء متنرفزنيش ظروفها وعارفها وقابلها وصابر
وموافق بس مش هاقبل واحد يتغزل فى مراتى
قدامى أيه مالك؟!
عقب الأخير بنبرة اخشوشنت وهو يزجره بغضب:
-انت غبى؟! أنا قولت كدا؟!
أنا اقصد أنك لازم تستوعب فكرة أن واحدة بظروف
كيان استحالة هتتخلى عن تامر يبقى من الغباء أن
كل مشاكلكم تبقى عشانه هو هيبقى لازق بحكم
شغله معاها.. انا شايف أنك تمسكهُ الحسابات هنا
ونسحله ليل ونهار ميخرجش من هنا من ناحية بتكبرُه
وناحية تانية بتكدرُه... ركز اومال فين الصياعة
دا انت استاذ مالك الحب مدهولك ولغى مخك
بالنسبة للعملية دية انا كمان شايف أنك تجمد قلبك
وتتكل على الله
-مع بعض يا دوك
ابتسم ضياء ثم ادعى التفكير قائلًا:
-بس عندى شرط
*******
-معقولة دكتور كنان يعمل كدا
كانت تلك الجملة التى عقبت بها لبنى على التسجيل
الذى سمعته للتو
اطرق ضياء رأسه بأسف قائلًا:
-انا كمان مش مصدق والله شديت معاه جامد قولتلوا
الهزار دا مش مقبول
-فعلًا، مش مقبول لو كان فعلًا محل الورد وبعت باسمك
انت مش على اسم هاشم كانت بيلا زعلت جامد
اطرق ضياء رأسه بأسف وهو يدس الهاتف فى جيبه قائلًا:
-ما هى زعلانة وهاشم سكره مش بيوطى نهائى وهى
متأثرة على الأخر
همهم لها بالإيجاب ثم نهض متوجهًا للباب وهو يقول:
-انا جيت اسمعك بنفسى التسجيل عشان عارف أنك
ممكن متصدقيش، بس كان لازم اقولك اول واحدة
حتى كنان كان جاى يعتذر ليكِ مخصوص بس أنا
مرضتش أنه يجى قولت نتكلم على راحتنا عن اذنك
هاروح اطمن عليهم فى البيت الوضع هناك صعب
-ضياء استنى هاروح معاك انا زودتها مع هاشم اوى
هاطلع اغير واجيلك
هز رأسه على مضض وما أن انصرفت حتى قفز عاليًا:
-ياس ياس
******
بعد مرور اسبوع كان كنان واقف أمام المرآة يرتدى ساعة معصمه وهو يؤنب نفسه على ردة فعله وقسوته معاها فى الأيام
الماضية لقد اغضبها واحزنها وتسبب فى بكاؤها كل
ليلة كان يشعر بها، وما كاد أن يرفع عيناه حتى وجد
باب الغرفة يفتح ليجدها هى ود لو اقترب وضمها
بين ذراعيه لينعم بها بين احضانه لكن كبرياؤه اللعين
طالعها بطرف عينيه بنظرات مشتاقة
تجمدت فى مكانها فهى لم تراه الأيام الماضية
ويتجاهلها تمامًا شعرت بتوتر بالغ ودقات قلبها
سريعة يكاد يخرج من محجره مسحت حبات
العرق من التوتر وحاولت أن تهدأ من روعها
وتوجهت نحو الفراش ووضعت حقيبتها ثم فكت
حجابها ووقفت خلفه تهمس قائلة:
-كنان لو سمحت عايز اتكلم معاك
اغمض عيناه وهو يسمع نبرة صوتها الرقيقة التى
يعشقها واشتاق لها ابتلع محاولًا اخفاء لهفته قدر الأمكان حتى لا ينفضح كم كان يتعذب فى بعده عنها
وينفضح امره وتذوب كرة الجليد امام شمس
عيناه الساطعة فتجاوزها قائلًا بكبرياء:
-مش فاضى لما ارجع
انصرف وظلت هى محدقة فى الفراغ بنظرات ثابتة
تشعر بالاختناق التمعت عيناها بالدموع كانت تود أن
تخبره بالعرض التلفزيونى كانت تود أن يساندها...
****
بعد مرور اسبوع واعتادت هاجر على البيت كانت تشعر بالأمان بالراحة والسكينة بينما هو كان يعاملها كملكة متوجة لكنها لا زالت تتعامل معه بتحفظ
ذهبت للمطبخ بعد أن شعرت بالجوع كانت متألقة بثوبها الوردى الفضفاض مسحوبًا نحو خصرها بلطف زينته بشعرها الذى رفعته خلف رأسها بطوق من الياسمين
فوجدت امامها صينية البقلاوة فاقتربت تأخذ قطعة منها لتأكلها وهى تصدر اصواتًا تدل على التلذذ قائلة:
-امم، يخربيتك يا حماتى عليك صوانى بقلاوة هاتجبلى
السكر
-مش خايفة تسمعك؟!
انتفضت عندما سمعت صوته خلفها مُعلقة عسليتها
بخضرواتيه ثم همست بفزع:
- حد يخض حد كدا
قهقه بملء صوته فاحتلت وسامته كل أنش بوجهه:
-متحاوليش انتِ قولتى يخربيتك يا حماتى وأنا هقولها
اخفضت بصرها بوجنتين مشتعلتين خجلًا قائلة:
-مجاز يعنى من حلاوة البقلاوة
على ذكر البقلاوة انتبه لفتات البقلاوة عالقًا على شفتاها
تقدم منها ولم يعد يقدر على الصبر أكثر وقد اعلنت
عيناه نيته الماكرة فارتدت للخلف، ظل محدقًا بكل
انش بوجهها، رفع خصلة غرتها خلف اذنها بلطف متطلعًا لها بهيام رغم ملامحها المتخشبة، ثم تجرأ وخطف قبلة طويلة من شفتيها، ابتعد بانفاس لاهثة كانت ذات تاثير
لايقاوم عليه، عيناها ملكت سحرًا فريدًا عليه لكنها كانت
جامدة بين يده فهمس أمام شفتاها:
-كانت فى بقلاوة على شفايفك وكنت بشلها بس احسن بقلاوة دوقتها فى حياتى
تسارعت نبضاتها وشعرت بنضبة قلب خاطفة ترددت بين اضلعها بعثرت مشاعرها كحقل مفرقعات بداخلها أول مرة يقترب منها هكذا صدح جرس الباب انقذها من سطوته فهمست:
-عماتك وبناتهم جم روح افتح
******
وقف تامر تحت شجرة بالطريق وجبينه يتندى بالعرق
بسبب حرارة الشمس، حك عنقه بتأزم، يشعر بالتعب والارهاق يغزو جسده وكل خلية به تصرخ تطلب الرحمة؛ فهو منذ اسبوع لم يترك مكان لم يبحث فيه عن وظيفة شاغرة فهو لم يّرِد أن يكون عالة عليها، لمح مقهى على الجانب الأخر، دس يده فى جيبه واخرج منها بضع جنيهات عبست ملامحه وتهدلت اكتفاه باحباط وهو يعيد النظر إلى الفكة التى بيده، لكنه كان بحاجة لكوب من الشاى
كان يرتشف اخر قطرات الشاى ثم تنهد بتعب فيبدو أن القادم ليس بهين تناول الملف الذى امامه وطالع شهادة
ميلاده وركز نظره على خانة الاب والجد اسماء وهمية
ابتسم بمرارة فهو بلا جذور تتقاذفه الحياة بين امواجها، هو فعلًا تائة لم يعد يعرف على من يصب غضبه، لحظات
من المتعة المسروقة غاب فيها الضمير والانسانية
لينتج هو وامثاله ولم يجدوا سند أو من يحنو عليهم
فشوارع مأواهم ودار الرعاية أقسى مكان يصلون
إليه يعنفون على أقل شئ، ينحرمون من الطعام
لم يجدوا يد تربت عليهم ليلًا حين يفزعون، أو ضمة
حنان، لم يعرفوا أى طعم لسعادة
فرت دمعة من عيناه مسحها سريعًا هى فقط القريبة منه سيسعى إليها، لكن داخله صوت
ينهره، أنت جبان هى لا تستحق هذا منك، انت ضعيف
بلا هوية لن تستطع اسعادها أو حمايتها، تململ كمن
يجلس على صفيح ساخن تعالى الصوت بداخله يلومه
بقسوة، لكن فؤاده يصرخ يريدها هى ملاذه من قسوة
الدنيا البسمة الوحيدة فى عتمة حياته، فرك وجه بعصبية كأنه يجاهد اسكت هذا الصوت، نظر له بعض الجالسين فى الطاولات المجاورة، اخرج النقود يضعها على الطاولة ونهض بانفاس لاهثة كأنه خرج من ماراثون للتو
يشعر بأن انفاسه اصبحت عبئًا عليه، يود أن يلفظ
انفاسه الأخيرة كى يشعر ببعض الراحة
*****
بدلت هاجر ملابسها سريعًا وذهبت لاستقبال الضيوف وجلست معهم ثم نهضت تقدم لهم واجب الضيافة
بينما استئذن هاجد لأداء الصلاة فى المسجد
فابتسمت هاجر محاولة خلق حديث بلطف:
-نورتوا يا طنط
-طنط؟! اسمها عمتى يا حبيبتى
هزت رأسها بمجاملة ثم نهضت إحدى عماته وهى تجوب
انحاء الشقة ثوانٍ وكانت تنضم لها أخرى ويقوموا بفتح
خزانة الاوانى الصغيرة (النيش) ثم لوت ثغرها قائلة:
-ماله النيش صغير ليه يا حبيبتى كدا
-اومال فين حاجتك ياحبيبتى؟!
ابتلعت هاجر لعابها باحراج قائلة:
-دا مودرن يا طنط هو كدا
هزت رأسها على مضض ثم تجاوزوها متجهين إلى غرفة
النوم كأن البيت بيتهم وهى خلفهم كادت هاجر أن تنفجر
بهم لكنها تماسكت فى أخر لحظة وهما متابعين عملية
تفقد اغراضها ولا يخلو الأمر من التنمر مرت اكثر
من نصف ساعة على هذا الوضع ثم خرجوا من الداخل
وعلى ملامحهم نظرات الشماتة فتح هاجد الباب
ليجدهم على وشك الانصراف عقد حاجبيه قائلًا:
-على فين يا جماعة؟!
اجابته باقتضاب:
-هنروح يا ابن اخويا مبروك
-ازاى لازم تقعدوا نتغدا مع بعض
التفتت إلى هاجر ثم إليه قائلة:
-شكرًا يا حبيبى دا حتى مطلعتش من مراتك
قالت جملتها وانصرفت واغلقت ا الباب خلفهم بينما
هو تقدم نحو هاجر وعلى ملامحه الضيق:
-ممسكتيش فيهم ليه يا هاجر ياخدوا واجب الضيافة
-عشان دول ناس قلالات الذوق وكفاية انى استحملتهم
فتحوا كل حاجة واتعمدوا أنهم يقللوا منى ومن حاجتى
هما قاصدين وكويس انى سكت
ترقرقت الدموع بعينيها وزمت شفتيها بينما هو غمغم بضيق قائلًا:
-هاجر ماتنسيش أن دول اهلى وليهم احترامهم
وعلى فكرة انا هاعزمهم بكرة
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الثاني والعشرون
وقف حسين أمام غرفة ابنه كرم وهو يفكر بتردد
أن يدخل إليه، لكن فى النهاية حسم امره حيث
طرق دقات خفيفة قبل أن يدخل إليه حزينًا،
كان كرم ممددًا على فراشه يعبث فى هاتفه، فاعتدال
من نومته، جلس حسين امامه على الفراش قبل أن يتساءل باهتمام
-عامل أيه ياكرم يابنى؟!
رمقه بنظرة قلقة قبل أن يسأله:
-مالك بس ياحاج؟! صحتك مش عجبانى
فى حاجة مضايقك؟!
قال جملته الاخيرة وقد ألتمعت عيناه بالحزن على والده، رد عليه بوهن:
-وهو فيه أيه بس ميضايقش
وفاة عمك مكنتش أحب أن يتوفى وهو شايل ذنبها حالة اخوك، بنت عمك اللى احنا مانعرفش
عنها حاجة حاسس أن كل حاجة بتحصل لينا ذنبها
رغم أن ربنا شاهد عليا وقتها عملت أيه عشانها
أغمض كرم عيناه وهو يهز رأسه بالسلب هاتفًا:
-ياحج وحد لله كدا، ومتقولش الكلام دا كله نصيب
بالنسبة لعمى ربنا يرحمه هو عند ربه وهو اللى بيحاسب
أما طاهر أن شاء الله يرجع زى ماكان واحسن كمان
طب يا حج تصدق علاقة هاجر وطاهر كانت مؤذية ليا أنا شخصيا
روق كدا وفك يا حاج بقى واضحك
اخرج تنهيدة حارة مردفًا:
-وبنت عمك؟!
رد عليه ببسمة صغيرة:
-ماتقلقش عليها هى فى أمانة اخوها دلوقتى وساهر قدها لدرجة أنه مش مبين حزنه وواقف جنبها على
قد ما هى سامحة ليه وشوية بشوية هتأخد علينا
كلنا متقلقش أنا عينى عليهم، ابن اخوك كل يوم
يأخدها يجرى بيها الصبح هايجيب اجلها قريب
رد عليه بحنو وهو يربت على كتفه قائلًا:
-يارب تعرفوا تعملوا اللى معرفناش نعملوا احنا زمان
-بقولك يا حاج افردها بقى احسن الحاجة مش طايقنا
خلقة وان استمريت كدا مش بعيد تكرشنا او تطفش هى
حرك رأسه بالإيجاب وهو يبتسم ثم نهض متجهًا
للخارج بينما تنهد كرم بحزن على حال أخيه
******
وقفت بيلا تنظر إلى السفرة التى اعدتها برضا فهى
أول مرة تعد عشاء رومانسى فى بيتها، فتحت علبة
الورد المجففة ونثرتها على الطاولة كلمسة أخيرة
ظلت تنظر امامها وعيناها مرتكزتين على مدخل
البيت، تارة تتحمس وتارة تخجل لم يستغرق الأمر
سوى دقائق لتجد ضياء يدخل من الباب وما أن ولج حتى تجمد مكانه
كانت ترتدى فستانًا بلون الأحمر عارى من الظهر
ألتف حول قوامها الممشوق بمثالية وشعرها الكهرمانى
صفف بمهارة وكان يتدلي على إحدى كتفاها، وشفتاها
كانت مطلية باللون الأحمر النارى
جذب انتباهه البسمة التى تزين ثغرها فركز على
شفتاها بدقةٍ كصقر متربص، حاولت التماسك أمام
نظراته وفى النهاية خرج صوتها الناعم:
-وحشتنى، حمدلله على السلامة
ازدرد ريقه وهو يتفحص ملامح وجهها وكان أكثر من
مرحبًا بمبادرتها فالتقط يدها الناعمة بين قبضته الضخمة، لاثمًا قبلة بباطن يدها وعيناه لا تفارق عيناها للحظة:
-انت اكتر، ايه الحلاوة دية، كل دا عشانى؟!
لمساته دغدغت مشاعرها فمنذ أول يوم لهم اصر ضياء
على هدم الحصون بينهم، تسلل إلى تلك الطبقة الجليدية التى تغلف بها قلبها واشعل بيها النيران
لتذوب، وتذوب هى أيضا فى بحور عشقه، هزت
رأسها بالايجاب قائلة:
-عشانك، انا اللى عملت الأكل كله ممكن تقعد تأكل
وتقول رايك
غمز لها بطرف عينه قائلًا:
- لأ دا احنا هنأكل ونحلى بإذن الله
ابتسمت بسعادة وقلبها ينبض بقوة كأنها تركض على
ألة السير، مد يده يلتقط الملعقة وبدأ يتذوق الطعام جلست امامه بترقب تطالع معالم وجه
لا زال يمضغ اللقمة ثم بلعها بصعوبة قائلًا:
-أية يا حبيبتى دا؟!
-بيكاتا بالشامبنيون
كان طعمها لاذع وقاسيًا على معدته فتناول محرمة
ورقية وبصق بها ما تبقى فى فمه قائلًا:
-متأكدة يابيلا أن دية بيكاتا
نظرت له بحزن ووجل هاتفة:
-أيه يا ضياء فى أيه ؟!
انت مش عاجبك أكلى وأنا اللى تعبت نفسى عشانك
صوتها المحتقن اشعره بالذنب لوهلة، تنحنح وهو يتقدم
منها قائلًا:
-أنا بقول منضيعش تعبك على الفاضي ونحلى على
طول
هزت رأسها نفيًا واردفت باصرار:
-لأ مفيش حلو طالما ماكلتش، اللى مياكلش من الأكل
بتاعى مش هايحلى
اقترب منها وهو يلعب فى خصلات شعرها وعيناه
مثبتة على شفتاها، تخضبت وجنتيها بالحمرة لكنها
سرعان ما ضيقت عيناها بغيظ هاتفة:
-وسع كدا أنا اللى هأكل اللى عملته
ابتسم بخفوت على عنادها، لم تر من ضحكته سوى
السخرية مما زاد اصرارها وتوجهت نحو الطاولة
والتقطت المعلقة ودستها فى فمها بكل ثقة وما أن
تذوقتها أخدت تسعل بقوة اقترب ضياء مسرعًا
يناولها كوب ماء فارتشفت منه ثم وضعتها بجوارها
قائلة بغرور زائف:
-واضح أن الأكل فى مكون زايد
- فى مكون واحد زايد بس يا حبيبتى
دا أسوء أكل بعد أكل مال اليتيم يا بيلا حرام
قضمت شفتاها باحراج ثم لفت ذراعيها حول عنقه
مردفة بدلال وهى تمرر عينيها على تقاسيم وجهه:
-أنا شايفة اننا نحلى على طول
كلماتها اشعلت الفتيل بداخله دون سابق انذار مال
على شفتيها ملتقطًا إياهم فى قبلة محمومة فهى
كانت كالمغناطيس تجذبه وهو بكل صدر رحب
لبى النداء حملها إلى غرفتهم بينما هى كانت
مستسلمة وتتدلل كقطة صغيرة تمتلك صاحبها
*******
فى اليوم التالى
اقترب منها وهى نائمة ليطبع قبلة رقيقة على وجنتها
هيئتها وهى نائمة قابلة للالتهام راقبها بأعين لاهفة
لكنه كتم تلك اللهفة داخله حتى لا يخرب ما يفعله
ليثبت لها قولًا وفعلًا انه جدير بها، اختلج قلبه عندما سمع أناتها وهى
نائمة اقترب مقبلًا جبهتها هامسًا بتحشرج قائلًا:
-متأكد إنى اخترت صح يا هاجر بس دا اختبار
ليكِ ويارب تكونِ عند حسن ظنى يا شريكة العمر
نهض نحو خزانته ليخرج ملابسه شعرت بحركة فى
الغرفة فرفعت رأسها تطالعه فاستدار وكانت تفرك
عينيها من النعاس دقيقة واحدة اخر خطر عليه
اولاها ظهره قائلًا:
-صباح الخير
اجابته باقتضاب:
-صباح الخير
-متعمليش غدا عشان الضيوف أنا هابعت غدا من بره
ظلت صامتة ولم تجيبه بينما هو لم يتفاجئ من ردة فعلها بل كان متيقنًا، تابعته بعينيها وهو يخرج من
الغرفة ارتمت على الفراش تطالع السقف بشرود
*****
-انت مش هتجرى النهارده ولا أيه يا كيان مجهزتيش؟!
كان هذا سؤال نهلة لكيان تحت مرأى وسمع كنان
فاجابتها بنبرة عادية وهى تنظر لها بوجه خالى من التعابير:
-لا، هافطر ورايحة استلم بيان النجاح بتاعى
قطب حاجبيه متسائلًا:
-بيان نجاح أيه؟!
هى النتيجة ظهرت؟!
نطقت بهدوء بعكس ما يجثم على صدرها قائلة:
-ظهرت من اسبوع، عن إذنكم
راقبا انصرافها نحو الغرفة فرمقته والدته والدهشة تحتل ملامحها متساءلة :
-هو انت ماكنتش تعرف أن نتيجتها ظهرت
ابتلع ريقه ثم اجابها:
-لأ ماعرفش، عن إذنك
*****
ولج الغرفة خلفها وهو يكتوى بنيران الذنب التى لم
تدخر وسعًا لتحرقه بنيران الندم، بينما هى كانت تشعر
بالقهر ذنب لم تفعله وعوقبت عليه
وقف خلفها يسألها:
-انتِ ليه مقولتليش النتيجة ظهرت؟!
لم تنظر إليه وكأنها لم تسمع شئ ظلت تجمع اشياءها
زفر بحدة قائلًا:
-لو سمحتِ لما أكلمك بصيلى
ألتفتت والدموع تجمعت فى مقلتيها هامسة باختناق:
-هتفرق؟!
-انتِ شايفة أيه ؟!
التقطت حقيبتها ثم اولته ظهرها قائلة:
-مجاتش مناسبة
جذبها من ذراعها وهو مصر على رؤية وجهها مردفًا:
-ممكن تقفى نتكلم زى الناس
ابتسمت ساخرة وهى تلوى شدقيها متأملة إياه
بوجع وقهر:
-اشمعنا دلوقتى هنتكلم أيه خلص العقاب
-بلاش الطريقة دية انتِ عارفة أنا كنت عامل ازاى
صرخت به تلك المرة وقد فاض بها الكيل:
-كفاية بقى، انت عارف انا كنت بحلم ازاى بيوم
النتيجة اخيرًا لقيت حد هافرح معاه، كنت بعرف
إن نجحت واقول عادى انجح اسقط هاتفرق يعنى
ولما ماما هدى ماتت كنت بشوف النتيجة واقفل
الفون وانام كأنى قرأت بوست عادى على الفيس
واشوف البنات حاطين حالات وبوستات وانا
بقول هما أيه شعورهم؟!
السنة دية عرفت شعورهم وأن فى حد يبقى
مهتم بيا وأنا حابة افرح معاه، وممكن نتصور
واعمل علامة النصر كدا مثلًا زى البنات أو نخرج
بمناسبة النجاح، بصراحة أنا كان سقف طموحى
عالى حلمت بحضن واشوف فى عينيك فرحة
بيا، بس هو اللى زى مش مكتوب ليهم الفرحة
يوم ما شفت النتيجة لأول مرة اعيط وأنا بدور
على حاجة نقصانى، أول مرة مقفلش الفون
واروح انام أو اكل بقيت بعيط ومستنياك هاتيجى
واقولك، بس ماجيتش اصلى أنا كنت متعاقبة
اول مرة احس أن قلبى محتاج حد معين وعايز
يفرح معاه، ودلوقتى بتسألنى ليه مقولتش
كان نفسى اقول بس انت عارف
انا مش عايزة اتعود على حد معايا
أول مرة يرى بعيناها هذه النظرة الخذلان ممزوج
بعتاب قاسى شعر بانه خذلها، داخله يئن هو يستحق ذلك همس بصوت متحشرج:
-أنا مستاهلش القسوة دية يا كيان ولا كلامك اللى
يدبح دا، أنا زى أى رجل غار على مراته غصب
عنى انتِ حتة منى، أحنا بقالنا اد ايه متجوزين
حتى كلمة بحبك مسمعتهاش
منك
-انت عاقلة وقدرتى ظروف تامر وأنه صعب تتخلى
عنه طب واحساس جوزك، ما أنا ماعرفش اعمل أيه
لما اسمع مراتى واحد بيقولها انتِ قمر راجل بيتغزل
فيها والله عملت المستحيل عشان مامدش ايدى
عليه وانتِ تزعلى، على فكرة الواد دا قاصد وانا
راجل زيه وفاهمه، طب ليه لما انتِ بتراعى ظروفه
وحالته ليه هو ميراعيش انك ست متجوزة وأنه
مايصحش يقولك كدا، ليه عايزانى اتحرق بالنار
وماتكلمش، ودلوقتى بتحرقينى بكلامك دا
همت بالرد عليه لكنه اوقفها قائلًا:
-استنى أنا عارف ردك كويس وطبعا هو مش قولتلك اننا ماننفعش لبعض
طلقنى دا ردك تدوسى عليا أنا صح انا ممكن تتخلى
عنى بس هو صعب عشان ظروفه، انتِ قاسية اوى
يا كيان طب حطى نفسك مكانى مرة، بس انا مع
كل دا كنت بصحى بدرى وامشى قبلك عشان اقف
بره اطمن عليكِ واشوفك وصلتى لأخوكِ وامشى
وارجع تانى بليل اقف بره زى العيل الصغير استنى
رجوعك واشوفك وصلتى واستنى تكونى نمتى
عشان اعرف اخدك فى حضنى، لكن انت مكلفتيش
نفسك حتى مرة واحدة بالسؤال عليا، تفتكرى كام
مرة كلمتى تامر وكنتِ خايفة عليه
كانت تراقب انفعاله بقلب مفطور ودمعاتها تنهمر
على وجهها كشلالات ونظراتها تحرقه بنظرات العتاب وشظايا الخذلان، لم يكن يريد البوح بأى شئ
لم يكن يريد احزانها، لكن ماذا يفعل في غيرته التى
نهشت قلبه يثور فور اقتراب أى رجل منها، فجذبها
لصدره لعلها ترتاح فدموعها زلزلت كيانه
ضاعت بين احضانه المشبعة بعاطفته الجياشة
يده استباحت خصرها ليضمها اكثر وعيناها
مغلقتين لقد اشتاقت لدفئ احضانه، تضعف
امامه مرة اخرى
لا تعرف كيف تكون فى حضرته مسلوبة الارادة
كان يربت على خصلاتها يهدهدها كطفلة صغيرة
هامسًا:
-أنا اسف، أنا غلطان ياكيان، بس بحبك لا والله بعشقك
اخترق عشقه اوردتها وطيب ندبات روحها بلمساته
المشتاقة ثم همس بجوار اذنيها قائلًا:
-انا شايف اننا نروح نجيب بيان النجاح احسن
مافيش خروج من هنا لمدة سنة لقدام
-خليك انت عشان انا هاروح لهاجر عشان اباركلها
نطق بخبث وهو يمسح دمعاتها:
-وأحنا امتي هيباركوا لينا
-كنان
كان يتحدث بأمل ينبثق من عيناه، ابتسمت من بين
دموعها حتى تصبح انثي بمظهر طفولى بحت، زفر
بقوة محاولًا أن يخرج كل ما فى صدره من حزن
وألم وشوق فهمس:
-خمس دقايق وتكونى برا احسن مافيش خروج النهارده
*****
وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها بسخرية تشعر بتخدر فى اطرافها والدموع تحجرت فى مقلتيها، تغلفها كرة جليدية حتى أنها منذ أن حدثها أمس لم تعقب بل
انعزلت فى غرفتها اصابتها خيبة الأمل من طريقته
لكنها عندما استيقظت صباحًا كانت لا تعرف شعورها
تضحك، تنهار، تبكى، لكن ما تعلمه ويطفو بحلقها
كالعلقم هو مرارة الخذلان
باتت لا تعرف مرداها تشعر بالضياع
ماذا تريد؟!
من هى؟!
هى صاحبة الروح الخاوية أما هى التى تنشر
البهجة حولها، اصبحت مشوهة من الداخل لا تقو
على اسعاد نفسها حتى، طرق على الباب قاطع
شرودها رمقت نفسها بنظرة اخيرة امام المرآة
لتجد حماتها والابتسامة تزين ثغرها قائلة:
-اللهم بارك عروستنا قمر
اعذرينى يا هاجر ماكنتش موجودة امبارح ساعة
عمات هاجد أما جم
هو حصل حاجة ياحبيتى عشان جايين ومعزومين
النهارده
نبرة صوتها ولهفتها كالأم قلقة على حال ابنتها قضمت
شفتاها وتذكرت أنها وعدته ستبقى ما بينهما سرًا
لا يتخطى اعتاب غرفتهما، تصنعت الابتسامة
فعلقت ذراعها بذراعها ثم سارت تتأبطها للخارج
وهى تقول:
-قولى كنتِ فين وسبتينى أمبارح طول اليوم
فهمت انها تريد تغيير مجرى الحديث حتى ابتسامتها
لم تصل إلى عينيها فأردفت:
-زيارة مريض، اتصلت بعمات هاجد قالوا هايجوا بليل
ولما رجعت اتصدمت انهم جم ومشيوا وهاجد عزمهم
حتى الأكل قالى هطلبه من برا
-قالى الصبح أنه هيطلب الأكل من برا
تسلم ايديكِ تعبتى معايا من الصبح
ربتت على كتفاها قائلة:
-ولا تعب ولا حاجة انتِ بقيتى بنتى، ولعلمك لو هاجد
مضايقك أنا اخدلك حقك منه واوعى تفكرى انى
عشان امه هاكون فى صفه، وغير كدا انتِ لازم
تاخدى حقك من عينه
فى هذه الاثناء دق جرس الباب فتوجهت والدة هاجد
تفتح الباب وهى تعلم أن هذه المقابلة لم تمر بسلام
فتحت الباب لتجد هاجد يتقدمهم، قبل جبينها
وولج للداخل وهم خلفه ألقوا التحية قابلتهم
هاجر وسلمت عليهم سلاما فاترًا، تمتم هاجد:
-يلا ياجماعة الغدا
جلسوا حول طاولة الطعام وكان هاجد يترأس الطاولة
وبجواره على اليمين والدته، فتوجهت هاجر لتجلس
بجوارها لكنها اوقفتها:
-مكانك جنب جوزك يا حبيبتى
تابعها هاجد بعينيه كانت ملامحها مرهقة وما أن جلست
حتى قال:
-ابدأوا يا جماعة انتوا مش غرب
لوت احدى عامته ثغرها قائلة:
-هى عروستنا مش بتعرف تطبخ؟ كل الأكل كدا جاهز
رفعت والدته حاجبيها بإستنكار وهمت بالرد عليها لكن
اوقفها هاجد وهو يقول:
-عروسة يا عمتى
وبعدين الصراحة حتى لو مش عروسة أنا هاجر مش
بيهون عليا تعبها
رفعت عينيها من صحنها تطالعه بذهول فردت عمته
الأخرى قائلة :
-ما كنا عرايس وبنعمل أكل من اول يوم ، حتى
مايسة اللهم بارك استاذة فى المطبخ
تنفست والدته الصعداء عندما فهمت ما يرنو إليه ابنها
فاردفت:
-وعروستنا شيف أد الدنيا بس أهو زى ما هاجد
قالك كدا مش بتهون عليه حتى يدخلها المطبخ
جاهدت عمته لرسم الابتسامة ثم حدثتهم:
-شوف والنبى اللى يشوف كدا يقول قصة حب
مش جوازة فى شهرين
لايوجد اسباب للوقوع فى العشق هكذا يقتحم قلبك ويدخل دون استئذان فلا قوانين فى الحب
فأجابها وبعينين تضخان كل العشق:
-والله وكأنها قصة عشق من قديم الأزل مش قصة
حب ، اتسربت جوايا فى يوم وليلة، صوتها أول
مرة سمعته صحى قلبى من نومة كانت اشبه
بأهل الكهف فى نومتهم لحد أول مرة اشوف هاجر
بسمتها بس بتدخل السرور على قلبى
واخيرا رفع عيناه لتغرق فى عيناها كانت هاجر كالمصعوقة تكاد تذوب من فرط الخجل
يغرقها بكلماته امام الجميع، اطرقت رأسها فى
محاولة بائسة لالتقاط انفاسها
ساد الصمت لثوانٍ بينما كانت والدته ستنفجر رئتيها
من السعادة، انتهوا من الطعام فنهضت هاجر مسرعة
تتوجه نحو المطبخ قائلة:
-هاجيب الحلو
-مفيش داعى أحنا اتاخرنا ولازم نروح
نهضوا ليرحلوا وجوههم واجمة كأن القط أكل عشائهم
فذهبت والدته خلفهم ثم توقفت تربت على كتفه
قائلة:
-ربنا يرضي عنك ياابن بطنى
انصرفوا جميعًا ولا زالت هى بالمطبخ فتسلل هو خلفها
*******
حمدلله على سلامة ياباشا نورت مصر
تلك الجملة قالها احد رجال زهير، بينما الأخر عقب
على جملته قائلًا
-مش عايز حد يعرف انى هنا دلوقتى فاهم
طأطأ الرجل رأسه بخنوع قائلًا:
-اللى تأمر بيه سعادتك
-انا مش حتت عيله هتقف فى مصلحى مع الوزير
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الثالث والعشرون
جلس بغرفته فى الظلام والذكريات تتدفق برأسه دون انقطاع نيران تشتعل بداخله كلما تذكر كم كان متهورًا وقاسي بما تحويه الكلمة من معانى فى التعامل معها التى لطالما زجرته عائلته عليها لتنهمر دموعه من عيناه ولم ينتبه سوى على أضاءة الإنارة ووالدته تقف أمامه تهز رأسها بحزن قائلة:
-وبعدها معاك يا طاهر يا بنى؟!
تنهد وهو يزيح دمعاته مردفًا:
-خير يا أمى فى حاجة؟!
تنهدت بأسى ثم مضت نحوه تجلس على حافة الفراش
امسكت بيده واحتوت إياها بقوة كمن تريده أن يستيقظ
من تلك الحالة قائلة:
-عارف يا طاهر طول عمرى مش خايفة من أى حاجة
عشان أنت موجود معانا، طبعًا ربنا يبارك فى حسين
وكرم بس انت حاجة تانية بتفهمنا من غير كلام
انت اد اى موقف تتحط فيه، انت السند بتاع العيلة كلها مش بس بتنا، انا عارفة انك رفضت شغل
ابوك وماردتش تمسكه عشان اللى حصلنا زمان هو نفس السبب اللى كان بيخليك تعمل كل دا مع هاجر، انا غلبت
افهمك انها غلبانة وبتفرح بأى كلمة حلوة مننا داخلة
وسطنا بتدور على دفء، وعارفة انه غصبٍ عنك بردوا
انت يا طاهر بتتصرف بقلبك مش بعقلك
زفر بحرقة ولم يتحكم بمشاعره قائلًا:
-وقلبى اتوجع اوى يا أمى حرقتنى هاجر ومشيت
حوشت العقاب ليا مرة واحدة
انسابت دموع نجاة وشعرت بالحزن من أجل أبنها
قائلة:
-ليه يابنى بعدت فى الوقت اللى كانت كلمة منك تفرق
يمكن لو فضلت قصادها ماكنتش قدرت لكن هى فهمت
بعدك غلط
-والله كنت هاقولها يوم ما جت الفرح مع كرم، لكن كنت مضطر ابعد ياامى
ابتسمت والدته وهى تشد على يده اكثر قائلة بثبات
اكثر:
-يبقى عشان ماكنتش نصيبك يا قلب أمك، ارضى بالمقسوم وربنا هيجبر كسر قلبك وأنا متأكدة بكرة تقول نجاة قالت وعلى فاكرة حتى لو كنت هنا كان مكتوب
ليها الجوازة دية، متوجعش قلبى يا طاهر وقوم وانزل
شغلك، انت سند البيت دا كله قوم يا حبيبى وماتكسرش
ضهرى
رسم طاهر ابتسامة على وجهه لم يعلم لما وضعه القدر
فى هذا الألم لكنه قرر أن يتألم بمفرده أن يحمل بطياته
الحزن
*****
تجلس بجواره فى السيارة بعد استلامها بيان النجاح
كانت تراقب الطريق بشرود، كانت لا تريد أن تخبره
عن تلك المشاعر الدميمة التى شعرت بها فى غيابه
يكفيها اثارة الشفقة، ليس في كل الاحوال الحديث عن
الآلام منفذ للراحة، بعض الأحيان تكمن الراحة فى
التغاضى ارتسمت ابتسامة متهكمة على ملامحها
كم كان من الشاق عليها الاعتراف بمشاعرها امامه
تنهد كنان بأسف وقد علم ما يدور فى خلدها ولم
يكن من الصعب التكهن بما تشعر به ليكمل طريقه
وبداخله شعور مؤلم بالذنب تجاهها، راقب تعابير
وجهها بإحباط، لازالت على شرودها فرج عن انفاسه الحارقة التى كادت أن تحرقه تاركة بحلقه غصة،
تصبغ اذنيه ونحره باللون الأحمر، اوجعه قلبه حقًا
من رؤيتها هكذا متسولة اهتمامه، كيف غفل عن
يوم النتيجة، ينتابة الغباء والحماقة عند ظهور
ذلك الأحمق المدعو تامر، لم يجلب لها سوى التعاسة
والشقاء اكثر لحياتها
عادت من شرودها وكانت تراقب احمرار وجهه،
توسعت عيناها اكثر عندما لاحظت الدموع الحبيسة
بعيناه، شعرت أنها بالغت فى حديثها واتهاماتها القاسية ليرق قلبها له وهمست له بصوت ناعم:
-كنان
نظر إلى حجرا العقيق الأسود خاصتها ورموشها الكثيفة
يجعل كل من يراها يتوه بها لكن لمعتهم اختلفت بهم
شئ انطفأ يكمن فى الخذلان، ابتلع ريقه المحجر بصعوبة
هامسًا:
-نعم
حاولت لملمت شتاتها قائلة ببسمة هادئة:
- أنا عايزة اروح لهاجر ممكن توصلنى
لو هاعطلك نزلنى هنا..
-أنا مورايش أى حاجة وحابب اروح معاكِ نبارك ليهم مع بعض لو ينفع
ممكن؟!
استأذنى منهم لو جوزها موجود حابب نروح مع بعض
لو مش هايضايقك وجودى معاكِ
لم تجد ردًا سوى ان تهز راسها بالإيجاب امام اصراره
تنهد كنان بحرارة وهو يبتسم بدفء ليقول:
-طب تمام عقبال ماتكلميها أنا هاقف عند المحل اشترى
شوكولا تمام
راقبت انصرافه ثم امسكت هاتفها وبعثت منه رسالة
ثوانٍ قليلة وجاءها الرد فتنهدت براحة وهى تشرد قليلًا
مستندة برأسها على الزجاج
هزيمة تلو الأخرى ولازال ينبثق بداخلها الأمل مع كل صباح جديد أنها ستربح ولو لمرة واحدة فى معركة
الأقدار ويرتاح قلبها او فقط تتناسي لبعض الوقت
حتى تمنحها القدرة على مدواة ندباتها
مضت بضع دقائق وكان يفتح باب السيارة ويضع علب الشوكولا فى المقعد
الخلفى ومد يده لها بعلبة صغيرة مغلفة:
-شوكولا هاتعجبك ممكن تعتبريها هدية مؤقتة
للنجاح
رفعت عيناها إليه بابتسامة مهزوزة ثم اعادتها للعلبة
تتأملها بسعادة، زفر بحرارة ناقمًا على نفسه نيرانه
لم تهدأ رغم كل مبرراته إلا أن كلماتها تجلده بلا
رحمة، اشفقت عليه من نظراتها وخفق قلبها ولعًا
وادركت انها آلمته بكلماتها، همست بدفء :
-هى اجمل مش مؤقتة، ويلا عشان اتأخرنا
******
-بتعملى أية؟!
شعرت بحرارة تلك الأنفاس على عنقها انتفضت وهى تلتفت وهى تبعد بحركة سريعة كادت تسقط أرضًا لولا
يده التى التفت حول خصرها توقفها أمامه فى اتزان
فهمست بتلعثم:
-كنت بجيب البقلاوة وجاية بسرعة
شفتيها المذموتين وكانت تعض باطن وجنتها، فهمس بمكر:
-اه أنا قولت لماما انك قولتى يخربيتك يا حماتى
انفلت منها شهقة وهى تتجاوزه للخارج فجذبها من ذراعها لتصبح اسيرة ذراعيه قائلًا:
-على فين كدا؟!
-وسع كدا هروح افهمها قصدى
احتضن وجهها بكفيه وهو يميل بجبهته على خاصتها هامسًا:
-انا مش وعدتك استحالة أى حاجة بينا تطلع برا
وأنا مش من الناس اللى بتخلف وعدها يا هاجر
زيك بالظبط، ما انتِ كمان التزمتى بوعدك مقولتيش
حاجة لأمى
شعرت برجفة تجتاح جسدها وهو لازال يمرر انامله
على وجنتها فهمست بخفوت:
-انت سألتها؟!
هز رأسه بالنفى قائلًا:
-لأ، بس ماما لو كانت عرفت ماكنتش استقبلتني كدا
كان بان عليها انها متضايقة منى ودا محصلش
رمقته بصدمة ثم سألته مستنكرة:
-وهو أنت كنت عاملى امتحان؟!
-خالص، الموضوع كله جه صدفة وكنت ممكن اقولك
ياهاجر حصل خير وموضوع وعدى بس حبيت اعرفهم
قيمتك عندى وانتِ كمان يا هاجر تعرفى قيمتك عندى
بس هما ليهم احترامهم يا هاجر دول ريحة ابويا يا هاجر
ابتلعت ريقها وقدميها اصبحت كالهلام من قربه فهمست:
-حاضر
غاصت عيناه فى عمق عيناها الدامس ثم همس بتية:
-اعترفى يا هاجر انتِ عملتى ليا عمل
-أنا؟!
استحالة انا اعمل كدا ليه
ضحك باستمتاع ثم همس بنبرة أجش من العاطفة:
-أومال اية اللى حصلى دا انا جيت على ملا وشى كدا
ازاى أنا لما بتكوني قصادى قلبى حرفيًا بيبقى هيخرج
من مكانه ويجيلك
كانت عيناه تلتمع وهى تأكل تفاصيل وجهها، فاشتعلت
وجنتيها من لمساته وهمساته زفرت انفاسها الحارقة
فاغمض عيناه يستقبل انفاسها التى تلفح وجهه
فاصبح صموده امامها ترهات
باطلة فرق جفونه هامسًا وهو يدفن رأسه فى عنقها ويده يمررها على ظهرها بنعومة ويده الأخر وضعها فوق موضع قلبها:
-يا كرة الجاذبية، غار منكِ القمر نفسه وهبط ليتنحى
عن عرشه لكى تجلسى انتِ
قبل عنقها وهو يرفعها عن مستوى الارض تشعر بأن قدمها
باتت لا تحملها مد يده يعبث بسحاب جلبابها دق
جرس الباب، بينما هى شل عقلها من هجومه لكن
رنين الجرس انقذها من براثينه فلملمت شتاتها
وهى تعدل ثيابها قائلة:
-دول وصلوا
يشعر بأنه على الجمر المتقد فقد سلامه النفسى قائلًا:
-مين دول؟!
-بنت خالى وجوزها يلا، ممكن تفتح انت
وقبل أن تجاوزه همس بجوار اذنيها جعل كل ذرة بها تنتفض:
-ماشى يا هاجر بس النهاردة ماحدش هايعرف يبعدك عنى تانى ومش هاتهربى هاتبقى ملكى
ثم قبلها بنعومة على وجنتها هرعت سريعًا قبل أن يغشى
عليها امامه
*****
وقف طاهر أمام باب المكتب يحدق به بفتور ليس
لدية طاقة، فقد الشغف لأى شئ لكنه مضطر أن
يتظاهر بأنه بخير من أجل عائلته
مؤلم السعى وراء هدف اصبح فى قاموس المعجزات
أن ما تريده لم يكن لك، يتساءل بداخله هل قاومه
هل عافر من اجلها، اصبح قلبه متعلق بشئ من المستحيل، كانت بيلا تطالع هاتفها لكنها فجأة رفعت بصرها لتجده امامها
همست:
-طاهر انت جيت نورت المكتب كله
-انتِ كنتِ ماشية؟!
هزت رأسها بالايجاب قائلة:
-ايوة، بس مافيش مانع نشرب مع بعض فنجان تعالى
بعد مرور عدة دقائق كانت تضع فنجان القهوة امام
طاهر وتطالعه باشفاق:
-انت احسن دلوقتى يا طاهر
-الحمدلله
عيناه مليئتان بالوجع والألم تبادل النظرات تحوى
الكثير من المعانى فهمست:
-انا كنت فاكرة أن قلبك مع كيان أول مرة اسمع
ببنت عمتك دية
ألقى نظرة متمعنة للارض ثم رفع نظره إليها:
-اول مرة شفت كيان اتشديت ليها عشان الشبه وعشان
لسانها الطويل ساعتها ولما عرفت القرابة اللى بينا
قلبى وجعنى عليها اوى حسيت انها فعلًا مسئولة
منى، بس هاجر غير، هاجر عقلى كان مدى لقلبى
مسكن فى مسكن لحد ما فجأة لقتها اتخلعت من جذورى ومبقاش ينفع أى حاجة تسكن الألم دلوقتى
ترقرقت الدموع بعيناها قائلة:
-طاهر انت اى حد يتمناك، انت سبب ان فى بيلا النهارده
انت اجدع حد قابلته شال عنى وقالى انى بنى ادمه
عادية، انت طيب يا طاهر وربنا هايعوضك أنا بجد
لو كنت اعرف الموضوع دا كنت روحت لعندها قبل
الفرح عشانك بس هو نصيب عشان تقابل نصك التانى
وانا اللى اشرف على الفرح كله
ابتسم بوهن قائلًا:
-اسف انا سيبت عليكِ حمل الشغل كله يا بيلا
صدح صوت من الخلف قائلًا:
-يكش تحس بقى وتقعد فى الشركة عشان احنا
زهقنا
نهضت بيلا تحدج ضياء بنظرات تحذرية فابتسم
بوجهها بسماجة قائلًا:
-عامل أية يا طاهر؟!
-الحمدلله بحاول اكون كويس
رفع ضياء نظره إليه بتهكم قائلًا بثبات:
-أنا عندى طريقة حلوة اوى مجربة فى الطب هايلة
هاتخرجك من حالتك بس لازم تنفذها بالظبط
ابتلع طاهر ثم اجابه:
-تمام
-بس يا سيدى هتأخد نفس عميق وتكتم فى صدرك
كانت بيلا وطاهر يركزان معه بشدة فسأله الأخير باهتمام:
-وبعدين؟!
قرص ضياء مقدمة انفه وهو يبتسم قائلًا:
-بس هتفضل كتمه لحد ما تموت وتستريح من كل
حاجة خالص راحة ابدية الطريقة دية متجربة
توسعت عين بيلا من فظاظة زوجها ثم لكزته بكتفه
قائلة:
-ضياء بيحب يهزر كدا احنا اسفين يا طاهر عن إذنك
التو ثغر ضياء بسخرية قائلًا:
-ايش فهمك انتِ فى الطب جرب يا طاهر واتكل على
الله
تحرك طاهر بسكون من امامه بينما ضيقت بيلا عيناها
قائلة:
-على فكرة كدا قلة ذوق
-ماكنش قلة ذوق تسبينى تحت وتقعدى تراضى
انسان الغاب دا ... قدامى يا هانم عشان ورايا
طبخ عشان نلحق نتغدا ونحلى
عضت على شفتاها باستيحاء ثم هزت رأسها
يمينًا ويسارًا من تصرفات زوجها
****
بعد مرور اكثر من ثلاثة ساعات يجلس كلا من
هاجد وهاجر على اريكة وكنان وكيان على الأريكة
المقابلة بدت هاجر مرتبكة للغاية وكانت تضغط
على لوحة هاتفها كل بضع دقائق أو بالأحرى كلما
استأذن كنان بالرحيل، كانت ترسل رسائل لكيان
تحسها على الجلوس، كان هاجد يبتسم وهو يعلم
ماتفعله هاجر، وايضًا كنان مما جعلهم يطرقون رأسهم
أرضًا ويبتسمون، فهمست هاجر قائلة:
-هجبلكم حاجة تشربوها
غمغم كنان:
-أحنا شربنا خمس مرات واتغدينا وحلينا مش كفاية
يا كيان
تلعثمت كيان وهى ترمق هاجر باستفسار:
-هاا، احنا قاعدين شوية ولا أية؟!
رفعت بصرها لهاجر التى اخذت عيناها تتسع وتتسع
فابتسم هاجد قائلًا:
-انت منورنا يا دكتور والله
همست هاجر بغباء:
-طب ما تباتوا معانا النهاردة عادى
قهقة هاجد قائلًا:
-الشقة واسعة والاوض كتير ولو مشلتهمش الأرض
تشلهم عينينا
ارتسمت خيبة الأمل على وجه هاجر ثم مال هاجد
عليها يهمس من بين اسنانه:
-مش كفاية رسايل كدا، قولتلك مفيش حاجة هتبعدنى
شهقة هاجر قائلة:
-خدونى معاكم
حاول كنان كبح ضحكاته ثم حك مؤخرة رأسه وهو يسحب يد كيان بينما تطالعها كيان بقلة حيلة وقف كنان امام هاجد
وهو يصافحه وهو يبتسم ابتسامة ذات مغزى:
-انا بجد اتشرفت بمعرفتك يا استاذ هاجد
-القلوب عند بعضها يا دكتور
احتضنت كيان هاجر كانت تنتفض وقبل أن تسألها
سحبها كنان واغلق الباب خلفه
****
-هو انت كنت مستعجل ليه؟!
تلك الكلمات قالتها كيان وهى مستاءة من كنان
التو ثغره بسخرية:
-لا حضرتك مش انا اللى مستعجل دا هاجد
توسعت عيناها بصدمة وهى تطوى ذراعيها امام صدرها
قائلة:
-الرجل كان مرحب جدًا بلاش افترا
-الافترا دا بتاعك انت والست هاجر، حضرتك ايوة
أنا اللى مستعجل عايزة أية بقالى قد أية بستنى
تنامى عشان ادخل انام جنبك ساعتين واقوم اجرى
قبل ما تصحى، عايز انام يا كيان وارتاح وانتِ بين
ايدى والرجل بردوا اتقوا لله ..
اتقو لله هتروحوا من ربنا فين
-كنان
تملك قوة سحرية ما أن نطقت اسمه تأخذه لعالم غير العالم تمتم قائلًا:
-مافيش كنان لحد ما نوصل البيت لو سمحتى لو عايزانا
نوصل سالمين ان شاء الله
كانت تشتاق إليه بشدة تشعر بالسعادة، فبعد اعترافه بمراقبتها جعلها جعلها ترفرف بالسماء السابعة
هذا يعنى أنه اشتاق إليها، أو على الأقل شعر باختلاف
هل كان يراها باحلامه؟!
تنهدت وهى تطالع الطريق بسعادة ثم مدت يدها وجلبت
العلبة تضمها بكلتا يدها الاثنين كطفلة صغيرة
طالعها بطرف عيناه شاعرًا بسعادة بالغة
*****
وما أن اغلق الباب فرت هاجر تحمل الصوانى وتتوجه
للمطبخ، بينما حمل هاجد اخر صينية وسار خلفها
مناديًا باسمها قائلًا:
-هاجر
صوته العذب يقطر رقة عندما يتلفظ شفتاه اسمها
فهمهمت ولم تلتفت له
-هااا
صمت وهو يراقب اضطرابها من الخلف ثم نادها
مرة اخرى فارغمت نفسها على الالتفات:
-نعم
اقترب منها وهو يلتقط يدها ويضعها أعلى اليسار
قائلًا:
-يا هاجر
هاجر القلب إليكِ هل من وصال؟!
لامس خصلات شعرها المتناثرة حول وجهها ثم
هبط بها ببطء مثير يتحسس نعومة رقبتها المرمرية
بينما هى اطرقت رأسها مستسلمة للمساته اغمضت
عيناها وانفاسه تلفح راقبتها هامسًا:
-ممكن تتوضى وتلبسى اسدالك حابب نبدأ حياتنا
بالصلاة
اغمضت عيناها وهى تهز رأسها بالموافقة بعد مرور
بضعة دقائق كانت تخرج من الحمام ترتدى اسدالها
ابتسم بسعادة على هيئتها الملائكية وافترش سجادة
الصلاة وقفت هى خلفه ونابضها ينبض كالمطرقة
كل ذرة بها تنتفض وما أن شرع فى الصلاة وسمعت
صوته بالقرأن تملكتها السكينة والهدوء صوته بالقرأن
تجاوز حدود الخيال تمنت لو قرأ لساعات
انتهى من صلاته والتفت لها ثم وضع يده على ناصيتها
وهو يقول
-اللهم إنى اسالك خيرها وخير ما جلبتها عليه، واعوذ بك
من شرها ومن شر ما جلبتها عليه، اللهم اجمع بينا ما جمعت على خير
سحب يده ووضع يدها على ناصيته ورددت هى الأخرى
ثم فك حجابها بعد ما أتى التصريح من عيناها والتقط شفتاها فى قبلة محمومة
وهو يهمس بأسمها من بين شفتاه هو عشقها
لا تستحق سوى أن يسعدها بكل ما يكنه لها من
عشق لا يريد إجبارها بقسوة كان هادئًا معها حملها
بين يده يضعها على الفراش قلبها يدق بشكل غريب
فهمس أمام عيناها وهو ينزع اسدالها بعشقه لها
اقترب منها اخذها بين احضانه لتصبح زوجته
قولًا وفعلًا..
*****
-معقول الكلام دا بس برافو عليك المعلومات دية
هتنهيها خالص
قال هذه الكلمات زهير وهو يبتسم بشر مع احدى
رجاله المخصص بجمع كل المعلومات عن كيان
ثم اشار له بالانصراف بينما تحمحم قائلًا:
-فى حاجة كدا معاليك فى عيل لسه خارج من الملجأ
بتقابلوا كتير الفترة الاخيرة، بس الغريب ان الواد
دا الصبح شفته كذا مرة بيراقبها هى واخوها بيقف
كدا من بعيد يتفرج عليهم
صفق زهير بيده هاتفًا:
-كدا احلوت خالص عشان اللى يقف قدامى يتفرم
هاتلى كل حاجة عن الواد دا
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الرابع والعشرون
القصيرة صاحبة اطول لسان، مندفعة، متهورة اجل هى كذلك لكنها ايضًا ناعمة جذابة تمتلك أجمل عيون متقلبتين تارة تجدها اشبه بجرة العسل الصافى وتارة اخرى ألواح شوكولاتة ذائبة لكنها مناسبة خلقت له،
سيحارب معاها بكل كيانه حتى يحتل عقلها وقلبها
بل كل خلية بها سيجعل بعدها عنه من المستحيلات
ابتسم وهو يتذكر ليلة امس استخدم كل اساليبه
وطرقه الماكرة حتى يصل إليها راضية لا مرغمة
وهذا مؤقتًا حتى يصل إلى مرحلة راغبة ليس
فقط راضية بل تريد الانغماس به
مرر يده على وجنتها برقة فتململت فى نومتها
فرقت جفنيها بصعوبة لكن سرعان ما انتفضت
تسحب الغطاء وهى تتذكر ما سار ليلة امس
-صباح الخير يا مراتى
عضت على شفتاها باستيحاء وهى تتذكر العاصفة التى
سحبها إليها حتى انها لم تقاومه صمتت ثم اجابته:
-صباح الخير
ابتسم لها وهو يعبث فى خصلات شعرها قائلًا:
-لا حرمنى الله من رؤية هاتان العينان كل صباح
اغمضت عيناها وهى تستشعر صدق
دعاءه ثم فتحتهم متسائلة:
-ممكن أسال سؤال
ليه أنا؟! يعنى أول مرة بينا ماكنتش ألطف حاجة
واستحالة كنت افكر أنك تطلبنى للجواز
كاد يغرق فى عيناها ثم تناول يدها قائلًا:
-أقولك ليه ياستى، يوم ما روحت من عندكم وجيت
اصلى لقيتك جيتى فى بالى وانا بصلى دية.. ودية
مش بتحصل قولت يمكن عشان الموقف اللى حصل
لكن كل ركعة كنتِ بتيجى فى بالى
قررت اصلى صلاة استخارة مع نفسى لانك كنتِ اول
واحدة تلزمنى بشكل دا اتضيقت من نفسى اوى
وقولت خلاص يبقى الحلال وجب
وقولت لأمى بعد كدا ورحبت اوى او ما صدقت
كلمت استاذ مصطفى وللصراحة قولت هترفضى
لكن عشان انتِ نصيبى ومخلوقة من ضلعى
بشرنى استاذ مصطفى سبحان الله كنت فرحان
وكأنى مفرحتش قبل كدا فى حياتى وبعد
كدا بقيت انا اللى باخدك معايا فى كل ركعة
وادعيلك واكتر دعوة كانت ملزمنى زى ما حط حبك
فى قلبى يزرعه فى قلبك
شعرت بالأمان من كلماته الصادقة ونبرة صوته الهادئة
فهمست:
-ممكن تطلع برة لو سمحت عشان اقوم
قهقة هاجد بصوت رجولى:
-ليه؟!
عايزه ادخل التواليت اخد دوش ممكن
تهللت اسايره وقال بمشاكسة:
-طب مش عايزة مساعدة ادخل اساعدك اظبطلك
سخن بارد كدا يعنى
-ميرسى اتفضل قوم
غمز لها بطرف عيناه قائلًا:
-صدقينى هتندمى
نفذ رصيد الصبر لديها فاردفت:
-لا أنا خلقى اضيق من عيون الصينيين، ابعد بقى
استقام واقفًا يرفع يده باستسلام:
-خلاص يا وحش هدى خلقك
ليس من الضرورى أن يكون الوطن ارضًا
فمن الممكن أن يكون الوطن بين مشرق ومغرب عيناها
******
تتعاقب الأيام خلف بعضها، رياح الخريف الباردة تلفح وجهها، تنثر اوراق الشجر فى كل مكان، خطواتها تقودها نحو ذلك التراك، اصبحت عادة لديها فى كل صباح مهما كانت ظروفها
لتركض مع اخيها، فهى تقنع نفسها أنها انجذبت لهذه
الرياضة دون ان تدرك، لكن الاحرى وما جذبها هو رابط الدم، والأخوة
تحولت روحها من ارض جرداء، سلبتها الحياة
كل فرحة، لتنقلب إلى تواصل مع الدنيا باسرها، تكاد
جدران عزلتها أن تدك رويدًا رويدًا
كان يجلس على المقعد الخشبى متكاسلًا يراقب الذين يركضون، وما أن وقعت عيناه عليها نهض
واقفًا رافعا حاجبه بلوم وهو يرمق ساعة معصمه
رفعت كتفاها وهى تزم شفتاها كطفلة صغيرة سارت
بمحاذاته بضع دقائق حتى تسارعت خطواتهم وأصبحت
راكضة، كانوا شعلة حماس وحيوية
كانت تشعر بدفء لكن ليس بسبب الركض، لكن سببه
شئٍ غامض مبهم يحيط بها وهى مع ساهر، ربما
الأخوة، وتوقفت وهى تنحنى للأمام وتتنفس بعمق
بينما وقف يطالع ساعته ثم نادها باسمها وهو يتأفف:
-كيان!!
-وربنا ما قادرة تانى اتجى الله عدى ساعة إلا ربع
كفاية كدا
قالت جملته وهى تلتقط انفاسه بصعوبة ثم توجهت
تجلس على الرصيف الاسمنتى، طرق كفًا بالأخر:
-انت جاية متأخرة وبقالنا اسبوع مكسرناش ال 45 دقيقة
رشقته بضيق وهى تقول:
-ساهر اتجى الله احنا لو بنجرى على اكل عيشنا
مش هنجرى كدا بقولك قومنى وتعالى معايا
مشوار انجز يخريبت الجرى وسنينه
*****
كانت تجهيزات حفل تخرجها تسير على قدم وساق
وهو لا يهدئ كان يعمل بيده مع الجميع قبل أن
تعود حتى تكتمل المفاجأة كان يتدخل فى كل التفاصيل
المكان كان مزدحمًا
بعد ما انتهى الجميع وقف كنان ينظر للمكان حوله
بسعادة وعد وقطعه على نفسه ولن ينقضه سيجعلها
تنسى ما مضى سيمحى الخذلان ويجعلها تزدهر
انتفض على صوت من الخلف:
-نفسى اتقطع فى نفخ البلالين مش كفاية
ضيق عيناه فوقه واجابه بتهكم قائلًا:
-هو البيه كان بينفخ بنفسه ولا بتستخدم المنفاخ
اجابة بفخر:
-لأ بستخدم طاهر
-نعم!!
-هو اللى ماسك المنفاخ وبينفخ عقباله كدا
كنان باستنكار هازئ:
-انت ماشى من الصبح ترازى فى خلق الله
المصيبة إنى معزمتكش يا ضياء
قاطعه بسخرية:
-انا وانت واحد وبعدين انا طالع عينى معاك بقالى يومين عشان نحضر وهى ماتحسش ومراتى اللى اتضغطت عشانك وقبلت بالشغل فجأة وبالتالى أنا
بردوا طالع عينى يا دكتور
رفع حاجبيه مبتسمًا بثقة فبانت اسنانه الناصعة المتناسقة قائلًا وهو يدس يده فى جيب بنطاله:
-حقيقى بيلا تعبت جامد معانا عشان كدا كان
لازم اعزم حماك وحماتك وهما زمانهم على وصول
نظر إليه بصدمة شديدة محاولًا استيعاب ما قاله
-عزمت هاشم؟! ليه؟!
-عزمت هاشم ليه كان من بقية عيلتك؟!
-لا بس من بقيت عيلتك انت، وانا وانت واحد
ياا دكتور
ليهتف بتحدٍ وعيناه الخضرواتين مثبتة على كنان:
-انت عارف انه كله سلف ودين
قاطعه بصوت رجولى خشن هاتفًا بثبات وهو ينصرف:
-سلف ودين دا معرفش عنه حاجة غير أنها اغنية
لجورج وسوف بس، أما دماغك توزك أن تبوظ
اليوم النهاردة، فى حوار كدا هوصلوا لبيلا بخصوص
الورد والمقلب
هاطلع اغير وانت استقبل حماك حلو دا فى بيتى اشطا
يا دوك
اتسعت عيناه بذهول قائلًا:
-وماله بس خد بالك انت زودتها اوى
******
رمق تامر المكان حوله بتشتت وحيرة، جاءه اتصال من
هذه الشركة لاجراء مقابلة عمل لديهم، لكن ما يثير حيرته أنه أول مرة تطأ قدمه هذه الشركة، تري كيف علموا برقمه؟!
الصمت المهيب بالمكان جعل قلقه يتصاعد حاول تحاشى ذلك الشعور، ثوانٍ ودلف رجل ذو هيبة على رغم عدم معرفته به الا أنه بث الرعب به وجعله يتوتر لكنه حاول الثبات
ابتسم زهير باستهزاء على تسارع انفاس تامر الذى
بانت بشكل ملحوظ ثم رمق الملف الذى امامه وهو
يقول:
-عامل أيه يا تامر؟!
شعر تامر بالارتباك والحيرة وقبل أن يرد قاطعه زهير من الرد قائلًا بتأكيد:
-انت طبعًا متعرفش أنا مين؟!
ومستغرب المكان خصوصًا أنك مجتش تقدم هنا صح؟!
قطب تامر حاجبيه فسؤاله فى ظاهره طبيعى لكن بالنسبة له لم يكن كذلك فقد استنكره بشدة فاردف:
-بصراحة لأ
حدقه بنظرات سوداء قاتمة ثم ابتسم له بسماجة هاتفًا:
-أنا والد كنان زهير زوج كيان
مهما حاول أن يحسن من نفسه سيبقى فى نظرها
لا شئ رفض مساعدتها لكن هي تفعل ذلك وترسل
ملفه لوالد زوجها، يشعر بالإهانة، هى فقط تشفق
عليه بسبب ماضيه الذى يلاحقه ابتلع ريقًا كالعلقم
وهو يقول:
-اهلا وسهلًا
ممكن افهم المطلوب منى أيه؟!
احتدت ملامح وجه زهير وحدثه بجدية غير قابلة
للنقاش:
-بس أنا مش بحب اللف والدوران يعنى أنا بحب اقطع عرق واسيح دمه أنت عايز كيان ليك وانا عايز ابنى
يرجعلى
شعر بصدمة محاولًا أن يضغط على عقله ليسعفه ردافًا بارتباك ورهبة:
-مش مش فاهم قصدك أية وعرق أيه ودم أيه؟!
ساد الصمت لثوانٍ، رمقه زهير بنظرات تحذيرية وهو يطرق بقلمه على سطح المكتب:
-ليه كدا يا تيمو انا جيلك سكة ودوغرى وبقدملك
فرصة حياتك اللى بتحلم بيها وبدل ما تراقبها من
بعيد تبقى معاك وحلالك ودا يرجع لشطارتك
ازدرد ريقه بصعوبة وبدأت حبات العرق تملأ جبينه
وتشنج فكه بتوتر رغم انه جاهد لإخفائة هاتفًا:
-هو فى ايه انا مش فاهم انتِ جبتنى هنا عشان
شغل ولا أيه لو هتوضح ماشى مش هتوضح مضطر
امشى
-ميكس يا تيمو شغل وتخلصنى من كيان عشان مصلحتنا
واحدة انت عايزها ودا باين عليك وانا مش شايفها مناسبة لأبنى، وحياتك عندى يا تيمو
انا كلمتها ودى وقولتلها تبعد عن ابنى بس هى ركبت
دماغها وبتعاند معايا طب يرضيك أنا قدامى عروسة
لكنان حاجة تانية خالص، وانت عارف الواحد مش ضامن
نصيبه وممكن البنت تتجوز يرضيك طيب نضيع الفرصة
دية وكيان مش بتسمع الكلام قولت ادور علي حد يهمه امرها
ومفيش اكتر منك هيخاف عليها ويساعدنى
ألجمت الصدمة جميع حواسه لا يستطيع تصديق ما يقوله هل بالفعل قال له هذا الحديث لكن سرعان ما استعاد وعيه ليسأله باستنكار:
-انت تقصد أيه؟!
انت قولت الكلام دا لكيان وهى سمعته منك؟!
انشق ثغر زهير بابتسامة مستهزءة:
-حصل بس هى طماعة شكلها عايزه الجمل بما حمل
احتقن وجه تامر بالدماء ورمقه بغضب قائلًا بحدة:
-مسمحلكش تتكلم عنها كدا ابدًا
وبعدين اشك انك تكون قولت لكيان الكلام دا ووفقت
تفضل مع ابنك
-كدا بردو يا تيمو بتكدبنى لا يا سيدى قولت
بس هى وابنى عايشين دور العشاق وانا اقدر
افعصها فى ثانية بس مش عايز اكسر قلب ابنى
قولتلها تنجز وتبعد بس بردو قولت نتكلم رجالة
مع بعضنا ومصلحتنا واحدة
رد عليه بصرامة:
-انت متقدرش تمس شعره واحدة منها انا اقتلك فاهم واحنا مصلحتنا مش واحدة اى حاجة تضايق كيان
عمرها ما تكون مصلحة ليا
تنهد زهير بسأم:
-والله خسارة الحب دا كله وهى مش حاسة بيك
بس تعرف لايقين على بعض
-انت مش خايف ان اوصل الكلام دا لابنك
قهقة بشدة ثم تحولت ملامحه وصاح بغضب وحدة
ضاربًا سطح المكتب وهو يقول:
-نفس الغباء أنا مش بخاف من العيال افهم هى استحالة
تقول عشان خايفة على مشاعر كنان، وانت استحالة
تفتح بؤك عشان عايزها ، لو مخلصتش فى الحوار بأى
طريقة انا هخلص بمعرفتى وهابعد كنان عنها حتى
لو هابعدها عن الدنيا كلها
طالعه بنيران الجحيم تندلع من عيناه:
-جرب تقرب منها وشوف أنا هاعمل معاك أيه، أنا مش
خريج مدارس اجنبى لأ دا انا تربية ملاجئ ورب الكون
اللى اعملوا فيك مايخطر على بالك أنا اعرف ناس
بتدبح بنى أدمين عشان بس بتعشق ريحة الدم ابنك اللى فرحان بيه ازازة مية نار وابقى دور على دكتور تجميل بقى ينفع
أما لو كنت سألت عنى وعرفت أني حد فى حالى فكل دا
عشان اشوف نفسى فى عيناها بنى ادم نضيف
لكن توصل لكيان انا اوسخ واحد فى الدنيا، زى ما
الكل بيقول عليا ابن حرام
لوهلة شعر برهبة من تحديه لكنه أكمل بثبات قائلًا:
-خلصت التمثيلية بتاعتك تأخد كام وتخلصنى
-خلى فلوسك أنا هاعمل اللى قولت عليها بس مش
خوف ولا عشانى.. عشان استحالة هسيبها تعيش معاك
فى مكان واحد وسطكم لانها مش فى أمان شهر بالكتير
وابنك يبقى عندك وتجوزوا اللى تشوفها مناسبة بس
كيان اياك تلمس شعرة منها او حتى تتعرض ليها بكلمة
تضايقها
قال جملته بصرامة وحدة وهو يركل الطاولة امامه ثم
انصرف مندفعًا للخارج ولج سريعًا مساعده وهو يرمق
اثر ثورة تامر متسائلًا:
-أيه يا باشا الأخبار
اجابه بفحيح الافاعى قائلًا بخبث:
-عينكم عليه، وهنشوف لسه الكارت اللى هيشيلها من
جدورها ملعبتش بيه
****
انتِ بتهزرى صح؟!
احنا نجرى كل دا وفى الاخر تجبينا نفطر على عربية
فول فى الشارع
طالعته كيان بغضب وردت عليه بإنزعاج:
-ساهر كل وانت ساكت انا جالى انيميا من القهوة السادة
بتاعت الصبح، دا فطار الناس الطبيعية انا مش رياضية
يا لهوى على الفول الغرقان فى الزيت
فرك مقدمة رأسه وبرقت خضرة عيناه وهو يرمقها
تأكل بشرآهة:
-بس أنا رياضى، كنتِ جبتى جوزك يأكل معاكِ انا
استحالة
ضحكت حتى سعلت فناولها كوب المياه سريعًا فارتشفت منه بضع قطرات ثم وضعته بجوارها:
-كنان بس لو شاف كمية الأكل اللى غرقان فى الزيت
بس هيجيلوا تصلب فى الشرايين ولا طنط نهلة
الكوليسترول هيعلى لمدة سنة الأكل دا عايز تامر
ياما كلنا كدا مع بعض، هتأكل ولا ابطل اجرى معاك
ابتسم ساهر وهو يقول بنفس النبرة المرحة:
-انا مش بتهدد انا هاكل عشان البنى ادم دعيف
-وماله مش عيب كل وبطل رغى بقى
كانت تأكل بنهم بينما يرمقها هو بسعادة هى عكس ميرا
فهو وميرا يشبهون والدتهم أما هى تشبه والده
هى لا تقبل الصداقات والاختلاط اما ميرا كانت
تصادق كل من هب ودب وخاصة صديقات السوء
هو وميرا يعشقون المغامرة والانطلاق أما هى تميل
إلى الهدوء، لكنه خلق معاها عالم للتواصل على عكس
ميرا التى كانت تسكن معه تحت سقف واحد وبالكاد
كانوا يتحدثون معًا
رفعت رأسها واتسعت عيناها من نظراته هزت رأسها
بتعجب:
-أيه دا بتبصلى كدا ليه أنا اللى دافعة أكل براحتى
-براحتك بس بسرعة ورايا مشوار وعايزك معايا فيه
ضيقت كيان عيناها وهى تقول:
-على فين العزم ان شاء لله
زفر ساهر ثم نهض واقفًا يسحبها من يدها خلفه كانت
تطالعه ببلاهة عقلها لا يستوعب كيف يجرها امام
الناس لكنه كان يتمتم بكلمات حانقة فضحكت بمشاكسة
وهى تسير خلفه
بعد فترة قليلة كان يقف معاها أمام وجهته المحددة وهى إحدى محلات الملابس رمقت المحل ثم رمقته
متسائلة:
-احنا بنعمل أيه هنا؟!
-عايز اشترى طقم ليا وانتِ اللى تختاريه
تعلقت عيناه بعيناها بتأثر، هاهى علاقتهم بدأت
تتطور، شعور جديد يغزو كل خلية بها عقلها يرفضه لكن
قلبها مرحب به
وجوده بجوارها كان كترياق لقسوة ماضيها، ولجوا معًا للداخل وشرعوا فى اختيار ملابس له وبعد ان انتهوا وقف امامها بابتسامة واسعة قائلًا:
-يلا الدور عليكِ
هزت كتفاها بعدم اكتراث:
-أنا مش عايزة اشترى مش انت خلصت يلا عشان نروح
اجابها بهدوء:
-لا أنا حابب اجبلك فستان هدية عشان نخضر بيه مناسبة تخصنى مع بعض
ابتسمت ابتسامة شاحبة غلفها الألم وهى تقول:
-متقلقش هاشرفك عندى فساتين البسها كتير
امسك ساهر يدها وهو يحاول أن يخرجها مما تفكر به
قائلًا:
-دي فلوسى يا كيان انا بشتغل مصور فوتوغرافى
ولو بتشوفى سيشن تصوير بيبقى بامضاء الكومى
دا أنا.. انا حابب اجبلك هدية... أنا عارف أنك مش
بتعتبرينى اخوكِ بس أنا بعتبرك اختى وكل حاجة
ليا مبقاش ليا غيرك.. ممكن تقبلى
صمت من كل الجوانب استكان الوجع داخل قلبه،
حينما لم يستمع ردًا منها سبقها بخطوات للخارج
فاوقفته بهمسها:
-وهتجبلى جزمة كمان عشان الشياكة
استدار لها بسعادة مؤكدًا على حديثها:
-وأحلى جزمة يا كيان
توسعت عيناها بذهول ثم ضحكت لتشاكسه:
-حااسب الكلام بيخبط فيا يا جدع
ضحكا سويًا وبدأت باختيار الفستان بينما هو بعد
عنها بخطوات يعبث فى هاتفه ثم سرعان ما انضم
إليها ليختار معاها
*****
وقفت كيان فى غرفتها ترى انعكاسها فى المرآة وهى
ترتدى الفستان الجديد حتى التقطت اذنيه صوت من
الخلف استدارت سريعًا تتطلع إليه بصدمة سرعان
ما تحولت إلى سعادة، كان يرتدى بنطال اسود من
القماش وقميصًا اسود يبرز بشرته البرونزية كل عضلة
منه تفح بالرجولة قلبها يدق كالطبول الافريقية وعزف الاهازيج امتزجت سعادتها بخجلها الفطرى فتلون وجهها وهى تهمس:
-كنان انت أيه اللى جابك بدرى مش قولت هتتأخر
نظرات عيناه المتقدة بشوق اجابتها فاخفضت رأسها
ارضًا فتقدم نحوها يحاوط خصرها دافنًا رأسه
بعنقها هامسًا:
-طب اهون عليك ما شفش الحلاوة ديه؟!
مادت الأرض بها، اغمضت عيناها تستشعر حلاوة حضنه تستمع لكلمات غزله التى ترفعها لسابع سما التى طالما
احيت الانثى بداخلها، اعتصرها على صدره اكثر واكثر
حتى آنت بخفوت فابتعد عنها وتوجه صوب الخزانة
يخرج منها روبًا اسودًا مخصص لحفلات التخرج
ومعه تاجًا ذهبيًا مكتوبًا عليه خريجة هذا العام وما
أن رأتهم وضعت يدها على ثغرها تكتم شهقاتها وترقرقت
الدموع بعيناها وهى تهمس:
-دا عشانى أنا؟!
-عشان أحلى خريجة فى الدنيا
ثم تناول من الخزانة فستانًا وهو مبتسمًا:
-دا فستان أنا جبته بس ساهر اصر انه هو اللى يجبلك
الفستان بتاع حفلة التخرج
رمقته بعدم تصديق:
-انت و ساهر اا
-ايون كلمته وقولتلوا وهو رحب جدًا وقالى كمان
افكار، المهم يلا بسرعة عشان كلهم تحت ومستنين
انا عارف إنك ممكن تكون مش عايزه الفستان دا
فعملت حسابى
بابتسامة هادئة اجابته بمراوغة:
-مفيش داعى عشان منتأخرش على الناس تحت
الفستان دا ماشى حاله
ابتسم لها بهدوء وسحب كفها لايريد أن يجعلها تتخبط
اكثر فهو اكثر من سعيد بعلاقتها بساهر وبالتقدم فى
علاقتهم
هبط الدرج سويًا متجهين صوب الحديقة طالعتها بانبهار، لكن سرعان ماتحولت
ملامحها وامسكت بيده كطفلة صغيرة تهمس بخفوت وهى تختبأ خلف ظهره:
-أيه الناس دية كلها؟!
ابتسم ابتسامة جميلة يخبرها بحماس:
-مفيش حد غريب كلهم اصحابنا واهلنا يلا بقى
داخلها مشاعر متضاربة حماس، فرح، أمل، خوف
وذكريات قاسية كانت تشعرها بالمرارة والوحدة
وما أقسى شعور الوحدة
كان كنان يتأملها ويعلم ما تمر بها سحب كفها
وسار نحو الجمع ولم تستطع كتم ابتسامتها
علت التصفيقات اقترب ساهر وهو يرها ترتدى فستانه فكان قد اخبره كنان أنه سيجلب لها واحدًا اخر تحسبًا أن رفضت هديته يشعر بسعادة غامرة، بينما هى ضيقت
عيناها وهى تلكزه فى صدره
اعتلى الاصرار داخل كنان بأن وجود ساهر بجوارها أول
خطوة لإستعادة كيان من عالمها القاتم للحياة
وبدأت الاغانى والاجواء الحماسية وكان طاهر يرقص مع فريق عمله حاول أن يسحب معاه كرم
إلا أنه رفض وهو يرمقهم بغضب
بينما على الجانب الأخر كان يقف ضياء وبيلا
وامامهم هاشم ولبنى
بينما رمق ضياء بيلا بحنق وهى تتابع رقص طاهر
بابتسامة بلهاء وكأنها تشاهد عرض مسرحى فتمتم:
-مركزة اوى يا بيلا خير
رفعت كتفاها ببراءة قائلة:
-عادى اجواء الحفلة حلوة
ابتسم هاشم بتسلية هاتفًا:
-طاهر دا جدع اوى وبعد اللى حكيتيه عنه مع بنت عمه
كبر فى نظرى اوى.. بصراحة حاجة تشرف ياريت
كانت عندى بنت تانية ماكنتش سيبته
رمقه ضياء بغيظ وهو يجز على اسنانه مردفًا:
-سبحانه رغم أن تيشرت اللى هو لابسه شخصيًا مش طايقه
رفعت بيلا عيناها بصدمة وهى تستطرد:
-حرام يا ضياء بجد هو حد نضيف اوى انت شايف
رغم وجعه ومكسرش بخاطر كيان ازاى
اكمل هاشم مشاكسته التى تخبأ خلف نبرته الجدية:
-قوليلوا يا بيلا، اد أيه طاهر حد جدع
احتقن وجه ضياء بدماء، مال عليها وهو يجز على نواجز يهمس من بين
اسنانه:
-لو حابة الليلة تعدى على خير تشيلى الضحكة دية
ومتفتحيش بؤقك لحد ما نروح، انت شايفانى ايه
قدامك
توسعت عين بيلا وهى تضع يدها على فمها
بينما حول نظره إلى حماه فقابله الأخر بابتسامة
سمجة هزت لبنى رأسها بيأس من تصرفات زوجها
فحدثه هاشم ببراءة الاطفال:
-معقول انت غيرت ياضياء ياراجل دا طاهر
-لأ انا مش بغير المهم أنك كمان ماتكنش بتغير
****
بعد مرور ساعة كانت تدلف هاجر بصحبة هاجد
لكنها شحبت ما أن وقعت عيناها على طاهر
توجهت نحو الطاولة وكان أول من اقترب منها
ساهر فهى صديقته المقربة مد يده ليصافح زوجها:
-أنا ساهر ابن خال هاجر
ابتسم له بترحاب وهو يهز رأسه قائلًا:
-شُفتك فى الفرح
ابتسمت له هاجر بود مردفة:
-عامل اية يا ساهر طمنى عنك بخير
-بخير الحمدلله، هاجد خدك مننا بقى
وضع كرم يده على كتف ساهر وهو يصافح هاجد قائلًا:
-دية حقيقة يا ساهر اخد الملاك بتاع البيت العمارة
مالهاش حس من غيرها
ضحك هاجد على مزاحهم بينما هى رفعت حاجبها
قائلة:
-هو انا طولت اوى كدا اصلكم واخدين راحتكم ارجع
بالدفاتر تانى
حمحم كرم:
-دا لسه قلبتك وحشة
كان طاهر يبحث عن كرم وما أن وقعت عيناه عليه اقترب منه لكنه جمد فى مكانه عندما تلاقت عيناه
بعين هاجر، بينما هاجد بحركة سريعة كان يحاوط
خصرها بتملك وهو ينظر فى عيناه سرت رجفة بجسد
هاجر شعر هو بها لكنه تجاهلها، خيم الصمت الخانق عليهم حتى خرج صوت طاهر:
-اخبارك ياباشمهندس
عاملة ايه يا هاجر
وما أن نطق اسمها شعرت بيد هاجد تضغط اكثر على
خصرها رفعت عيناها إليه وجدته مثبت نظره على
طاهر فابتسم هاجد ببرود قائلًا:
-بخير الحمدلله، انت ازاى صحتك
همست هاجر:
-الحمدلله بخير
تنهد طاهر بأسى ثم وجه حديثه لكرم:
-فى حاجات عايزك تكملها عشان فى اوردار لازم
استلمه وهضطر امشى
ابتعد طاهر بينما تأمله كرم يستطيع أن يشعر باخيه فالقهر جليًا على وجه
ابتعد طاهر والحزن يشق قلبه بجوار القهر ظل ساكنًا
فى مكانه فترة طويلة
على الجانب الأخر وقفت كيان تلتقط صور مع
الجميع فاقترب طاهر يرسم ابتسامة واسعة وهو
يقول:
-ممكن اتصور مع الشيف الجامدة
رفعت عيناها لكنان بتوجس، بابتسامة هادئة تنحى
جانبًا وقف بجوارها طاهر وهو يسحب كاب التخرج
ويشاكسها التقط العديد من الصور معها لكن كنان
كان يستطيع أن يرى بوضوح مدى حزنه من عيناه
ثوانٍ وانضمت والدة كنان تقف بجوارها وكانت
كيان متحفظة فى وقفتها، انضم لهم كنان يتوسطهم
يضمهم إليه
على الجانب الأخر مال هاجد يهمس لهاجر متسائلًا:
-إلا بالحق هو مش انتِ نجحتى أنا ازاى محتفلتش
بيكِ
ثم استرسل حديثه قائلًا:
-مش مشكله ملحوقة لما نرجع بيتنا
فى قميص اسود بالروب الاسود بتاعه انتِ ألبسيهم
وانا هعبرلك عن سعادتى بنجاحك
شهقت بصدمة وهى تضع يدها على ثغرها قائلة:
-انت بتفتش فى هدومى
توهجت عيناه الخضراوتين وهو يقول ببراءة:
-محصلش كنت بدور على الشرابات بتاعتى ولقيته
-طب ألزم حدودك بقى
اقترب اكثر من اذنيها هامسًا بصوته الأجش دمر
كل خلية بها:
-أنا سبته مع اخواته الباقين أنا مؤدب وبلتزم بالحدود
بس دا ميمنعش انه هيجنن عليكِ
اول رجل يدغدغ انوثتها برقته وعاطفته شعرت بحرارة جسده بسبب المسافة التى لا تذكر بينهم
ونظراته الوقحة والماكرة ويده تحاوط خصرها، زافر
بحرارة يشعر بسعادة وهو يرى تأثيره عليها، رفعت
عيناها له بتحدٍ ثم نادت على كيان التى كانت قريبة
منها تاركة أياه يتلظى بنيران مستعرة بمفرده
غافلين على من كان يراقب الموقف من بعيد كل
همساتهم ولمساته وتورد وجنتها، طفرت الدموع
بعين طاهر ربت كنان على كتفه بمؤازرة، استدار
له وهمس بصوت متهدج:
-مبروك يا كنان انا همشى
قبل أن يجيبه أندفع للخارج فمعرفة الجميع بما يمر
به زاد وجعه اكثر
****
بعد قليل وقف كنان فى المنتصف يهتف
-ياجماعة اغلبكم عارفين ان كنان جالها عرض من
التلفزيون بس هى لسه مكسوفة شوية بتقول أن
هى مش قد رهبة الكاميرا فقررت اعملها بروفا
النهاردة
واشار بيده نحو مكان خلف ستار كان اشبه بالمطبخ
بتجهيزاته سحبها من يدها لتقف داخل ذلك التصميم
وهو يقول:
-احنا المشاهدين ودا اول درس عملى
تصفيقات جاءت من جوارها كان ساهر يقف بجوارها
ليؤازرها قائلًا:
-يلا وانا اللى هصورك فيديو انت قدها كيكو
رفع كنان حاجبه بتهكم مردفًا:
-أية كيكو ديه؟!
ولما انت تقولها يا كيكو انا اقول ايه؟!
غمز ساهر له:
-انا كيكو
انت يا كيانى.. يابنت القلب كدا يعنى
اشتعلت وجنتها وهى تطرق عيناها للأسفل باستيحاء
من الجميع هز رأسه بيأس قبل أن يسحب اخيها بيده
ويتركها، وقفت مرتبكة لا تعلم ماذا تفعل ثوانٍ وكانت يدها تعزف
على ادوات المطبخ تعمل كأمهر شيف محترف انعزلت
عن الجميع، كان يتأمل كل حركة تقوم بها وشريط ذكريات
يموج امام عيناه أول مرة رأها فى المطبخ وما أن انتهت
من الطبخ سمعت صفير يأتى من الخلف التفت
الجميع فكان تامر الذى اقترب منها متجاهل الكل:
-استاذة ورئيسة قسم استحالة موهبة زيك
متطلعش للنور
ابتسامة باهته غزت ملامحها وهى تطالع وجه كنان
المحتقن اصبحت الاجواء مشتعلة
رمقه ساهر بغضب وهو لم يعزمه حتى لا يعكر
صفو الحفلة لكنه أتي بكل تبجح
فرك تامر مؤخرة رأسه وهو يخرج من جيبه علبة
فتحها ليخرج منها سلسال فضة قائلًا:
-فاكرة دية يا كيان ماما هدى كانت جايبها نصها
ليا ونصها ليها الله يرحمها عشان تحفظنى واكيد
نصها ضاع مع البيت اللى اتهد عشان كدا روحت
عملت نص تانى عشان يفضل معاكِ
معلش هدية مش قد المقام
ابتلعت وهى تشعر الدموع بحلقها تطالع السلسال بوجع وحزن، وقبل أن تنطق صدح صوت من الخلف قائلًا
-معقول عاملين حفلة من غيرى
-زهير انت رجعت
******
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الخامس والعشرون
كان خارجًا باندفاع والدموع تغشى عيناه فاصطدم بها
دون قصد فرفع يده يعتذر وهى الأخرى شرعت
ترفع يدها باعتزار وما أن رأت بيلسان وجهه احتدت ملامحها
هاتفة كأنها امسكته بالجرم المشهود:
-أيه قلة الذوق دية؟!
انت قاصدها صح؟!
لم يكن لديه أى نية لنطق كلمة واحدة لكنه جاهد
ليخرج صوته قائلًا:
-أكيد لا طبعًا، على العموم أنا اسف
استشعرت من نبرة صوته حزنه ثبت نظرتها على عيناه
وجدتها تلتمع بالدموع بينما هو شعر انه لم يستطيع
تمالك اعصابه وتمالك دموعه اكثر سيهوى على ارض
ويصرخ باسم هاجر، انصرف من امامها مسرعًا حتى قبل
أن يسمع ردها، رمقته بنظرات صامتة ممزوج بالدهشة
لكنها رفعت كتفاها بعدم اكتراث وتوجهت للداخل
*****
كانت الصدمة فى البدء شديدة
الأجواء خيم عليها التوتر المشحون، اما هى اخذت تحدق فيه لدقائق وقلبها يخفق بعنف بين اضلاعها، شعرت بعيناه تخترقها وتلسع قلبها بسياط الخذلان رغبت فى أن تبعد بصرها عنه لكنها حتى لم تجرأ حدثت نفسها أن كل شئ قد انتهى تعلم أنه لم يتهاون ابدًا، لن يجديها نفعا اى كلام
تطايرات شرارت الغضب من عينين كنان حتى أنه لم
يلتفت إلى والده وظلت حرب نظرات بينه وبين تامر
الذى كان بدوره يطالعه بقدر من التصميم والعناد،
كور قبضة يده وهو يمضى نحوه، اغمضت عيناها فقد علمت القادم
فى نفس اللحظة نهض ضياء مسرعًا من مقعده
متجهًا نحو كنان ليوقفه قبل أن يصل لتامر
لف يده حول عنقه بحركة مشاكسة هاتفًا:
-بقى كدا يبقى البوص جاى ومتقوليش
والله ما اسيبك حتى دية عاملة مفاجأة
ثم اكمل بخفوت وهو يهمس فى اذنه:
-متضيعش اللى انت عملتوا، عديها وبلاش تنكد
عليها وعلى نفسك، عارف انها صعبة وانه مستفز
بس عشانها
حرر رقبته بمرح وهو يرمقه بنظرات تحذيرية ثم تجاوزه واسرع نحو زهير يلقى نفسه داخل صدره
زفر بحرقة وهو يغمض عيناه بخيبة أمل وكسرة خاطر
يشعر بداخله ألم العالم بأكمله، لم يعد يرغب بالحفل
او أى شئ يريد انهائها، لكنه اصطنع القوة متوجهًا
نحو والده ليرتمى بين ذراعيه فربت على ظهره بحنان
ابوى ثم تركه قائلًا:
-عاملين أيه؟!
عاملة اية يا نهلة وحشتينى
ابتسمت بسعادة وهى تقترب منه قائلة:
-وانت اكتر يا زهير ايه المفاجأة الحلوة دية
-حبيت اجى فجأة بس حظى حلوة لقيت مفاجاة قدامى
ثم وجه بصره نحو تامر يهتف ببراءة مصطنعة:
-انا سمعتك يابنى وانت بتقول الهدية مش قد المقام
الهدية بقيمتها وكفاية لو شخص بتعزه بيقدمها
رمقها تامر باشمئزاز وملامح وجهه زادت قسوة ولم
يعقب على حديثه ألتزام الصمت وهو يطالع كيان
اتسعت عينين كنان بصدمة كأن هناك من صعقه
لا يعلم ايصيح بما يشعر به ام يحتفظ به حتى
لا يخطئة احد، لكن لماذا يخطئه احد؟!
لأنه يغار على زوجته، كم يود قتله فى هذه اللحظة
لكنه حاول السيطرة على غضبه، قطع صمتهم ضياء
وهو يشير إلى الطعام:
-معلش يا كيان الأكل دا هنتفرج عليه ولا هنأكل
كمان انا عايز ادوق، انا اصلا بيلا مدلعانى اكلات
كتير بس اجرب عشان واحكم عليك
اسرع هاجد قائلًا:
-وانا كمان الريحة والشكل يجننوا ومينفعش تجروا
ريقنا من غير ما ندوق ونحكم
رفعت هاجر بصرها إليه سريعًا راقبت عيناه الصافية
لا تنكر اعجابها بهذا الجزء جديد الذى ظهر من شخصيته، ابتسمت بتلقائية وهى تتأمله
ابتلعت كيان بتوتر ثم اردفت:
-طبعًا تدوقوا
رفع ساهر يده هاتفًا بمزاح:
-وأنا عامل حسابى أنا إنهارده مساعد شيف الكل يقعد
مكانه وانا هوصل الطلبات
****
-يانهار ابيض دا انا ليا الجنة على الأكل اللى أنا بأكلوا
تلك الكلمات نطقها ضياء بينما رفعت بيلا حاجبيها
تحدجه بغيظ هاتفة:
-ضياء انت بتقول أيه؟!
مال عليها ضياء وعلى شفتياه ابتسامة ماكرة وهو يخبرها بمزايا طعامها:
-بقول أن الأكل مع حبيبتى بيلا فى بيتنا بيبقى جنة
انهى جملته بغمزة لكن اجفلته بنظرات العتاب المصوبة
ونبرتها الثلجية التى حدثته بها:
-والله، لما نروح بيتنا نبقى نشوف موضوع الجنة اللى تستاهلها ولا لا
-قماصة يا بيلا اوى دا انا بموت من أكلك
قصدى فى اكلك
****
قطبت هاجر حاجبيها بدهشة وهى تحول نظرها للقابع
بجانبها
-الأكل روعة ايه الحلوة دية
تلك الجملة اردفها هاجد اما هاجر كانت تلتفت حولها
ثم ثبت نظرها عليه رادفة:
-فى أيه هو انت بتأكل كدا اللى يشوف كدا يقول
طنط مقصرة معاك
التفت هاجد بابتسامة مردفًا:
-لا طبعًا بس الأكل جميل اوى، انت مش بتاكلى ليه
هيعجبك؟!
مازالت على وضعها المصدوم من تصرفاته ومن الجانب الجديد الذى اكتشفته من شخصياته، هزت رأسها بالنفى
قائلة:
-مش عايزة، انا عارفة ان اكلها جميل جربتوا كتير
توسعت عيناها بذهول وهرب الدم إلى وجنتها التى تخضبت باللون الوردى من حركته التلقائية، يده مرفوعة
امام ثغرها بالشوكة وهو يبتسم ليحثها أن تأكلها، هزت
رأسها سريعًا بينما هو اصر عليها، فقررت تنهى هذا الموقف متناولة الشوكة بين شفتاها مسرعة وهى
تلتفت حولها ما أن يكون رأها، لكن تأتى الرياح بما
لا تشتهى السفن، كانت نظرات طاهر مثبت عليهم
الذى بدوره ابتسامة لها بهدوء فاطرقت رأسها
ودقات قلبها تتعالى من الخجل، اما هو كان فى
قمة سعادته كانت كالقطة الوديعة عكس تلك
الشراسة التى يراها دائمًا
****
كانت تقف بجواره مطرقة الوجه تشعر بتأنيب الضمير
فهى بالفعل بين ناريين، وقف ساهر امامهم يمد يده
بصحن محاولًا تلطيف الاجواء قائلًا:
-اتفضل يا كنان رغم انك مش محتاج طبق زينا انت
عندك الشيف بحالها ليك لوحدك
ابتسم بتهكم قائلًا:
-ليا لوحدى؟!
أغمضت عيناها تشعر بألم حاد من كلماته قلبها يقطر
دمًا على نبرته الحزينة، تنهد ساهر وهو يقف بجوارها
هامسًا بصوت بالكاد يكون مسموع:
-أنا لو منه كنت وقعت صف سنان تامر بسماجته ديه
وكنت طلعت عينيك بإيدى عشان تتدمع اوى على هديته
يلا اتصرفى بقى وشوفى هتراضيه ازاى؟!
توسعت عيناها بصدمة ثم رفعت بصرها إليه، فهمس
لها:
-انتِ لسه هتنحى انجزى
رحل ليتركهم لعل ما فعله تامر يمر بسلام حاولت أن تستجمع شجعاتها قائلة:
-ممكن تدوق لأن رأيك الوحيد اللى هيفرق معايا
إنهاردة
اجابها بنفاذ صبر وهو يعتدل فى وقفته حتى اصبح امامها:
-أنا الوحيد اشمعنا
ابتلعت ثم اجابته بدلال
-ممكن عشان جوزى وانا مراتك
دغدغت الكلمة قلبه واطربت اذنيه أول مرة تنطقها لكن الموقف ليس مناسب ليتذوق عذوبتها من على شفتاها
لكنه نظر إليه نظره جامدة خالية من المشاعر ليخفى
ما يشعر به قائلًا:
-جوزك!!
معلش بامارة اية جوزك؟!
-بامارة انه هيخرجنى إنهاره فى حفلة لينا لوحدنا
عشان ألبس الفستان اللى جابوا ليا، ولا عندك شغل
بيتهيألى أن المفروض اليوم دا بتاعى، بتاع مراتك
وبس
لثانى مرة تنطقها، ابتلع ريقًا وهو يرى دلالها ونعومتها التى تتحدث بها
زفر بنفاذ صبر متسائلًا:
-انتِ امتى اتعلمتى المكر دا
تنهدت وهى تبتسم ابتسامة شاحبة:
-مش مكر خالص بس مش حابة اليوم ينتهى بخناقة
خصوصًا بعد كل دا وتعبك
-هو بيفرق تعبى معاك؟!
ترقرت الدموع بعيناها وحاولت كبحها بصعوبة
وهمست بصوت متحشرج:
-بيفرق اكيد
كانت كورقة هشة فى فصل الخريف لم يستطيع
أن يقسو عليها اكثر من ذلك حاوط خصرها بيده
ليضمها لصدره وهو يربت على ظهرها يهدهدها برفق وهو يهمس لها بكلمات مهدئة:
-اوعى دموعك تنزل بعدين عينيك تورم نخرج ازاى
على فكرة كنتِ احلى شيف والموضوع مش مستاهل
تفكير اكتر، انا اخدت القرار عنك انتِ لازم توفقى
ابتسمت بخجل ليبتعد عنها متأملًا اياها بشغف قائلًا:
-لا أنا كدا هاخدك واطلع ونقفل علينا وهما مع نفسهم
-كنان ممكن تبطل شوية، بعدين الكل بيبصوا علينا
-مايبصوا مش مراتى وانا جوزك
مبروك يا دكتور كنان
صدحت تلك الجملة من خلفهم فانزل كنان يده وابتسم
بترحاب قائلًا:
-اهلًا يا دكتور شاهندة، مبسوطة أنك عرفتى تيجى
عينيها كانت تلتهم كيان من اعلاه لادناه ثم ابتسمت قائلة:
-معقول يا دكتور مجيش
-انتِ جيتى حسبى لله ونعم الوكيل فيكِ
نطق ضياء هذه الجملة التى وقعت كالصاعقة عليها
ثم استدارت تنطق بغل واضح من عينيها قائلة:
-انت بتقول أية؟!
تحمحم ضياء مردفًا:
-انا برد على كنان وبقول انتِ جيت على حسب اكيد
مفيش شغل، خير يا دكتورة مالك؟!
رمقته بازدراء ثم استدرات تمد يده لكيان هاتفة:
-مبروك يا دكتورة التخرج
قالت جملته ضاغطة على كل حرف تلفظه، صافحتها
كيان وبداخلها نفور منها مردفة:
-الله يبارك فيكِ، بس أنا مش دكتوره
نظرت لها ببراءة مزيفة لتنقل بصرها لكنان قائلة:
-بجد يا دكتور انا ماكنتش اعرف
اصل العيلة كلها دكاترة فقلت أنك انت كمان بتكمل
الطاقم الطبى
امتعضت ملامح ضياء من مزحتها السخيفة فهز رأسه
وهو يتمتم:
-لا لا صعب هزارها اسوء من اكل بيلا ودا فى حد ذاته
انجاز
تشدقت وهى ترمق ضياء:
-خير يا دكتور بتقول حاجة
كانت كيان تحاول كتم ضحكاتها، بينما هو اشار لنفسه
ببراءة قائلًا:
-ابدًا يا دكتور متركزيش معايا
ثم حمحم:
-كنان ممكن خمسه على جنب
****
يرى حياته فى عينيها حتى لو كان سيرافقه الألم
سيرضى به مفضلًا أن يحيى فى جحيم عشقها
على ان ينعم بسعادة بعيدة عنها، فهو لفظته الحياة كخرقة بالية، وهى من تقبلته
لم ولن يتركها مهما كلفه الامر سينتزعها أولًا ثم
يبدأ بحساب رأس الأفعى الذى بخ سمه بوجهها
واحزنها، كان يشتعل وعيناه يملأها الغضب بسبب
قربه منها يود أن يسحبها من معصمها ويغادر فالأمر
اشبة بمسرحية هزلية:
-انت ايه اللى جابك يا تامر؟!
ابتسم بسخرية ثم استدار له قائلًا:
-انت مالك
تخضبت ملامحه بحمرة الغضب واظلمت عيناه:
-أنا اخوها على فكرة، ولازم اعترضت على طريقتك
دية
-ما تكبرهاش فى حق نفسك وتعيش دور الأخ اوى
مش شهرين هيخلوك تبقى اخوها
برزت عروق ساهر بطريقة توحى غضبه قائلًا:
-هو انت ليه مش عايز تستوعب فكرة ان ماكنتش
اعرف واستحالة كنت اسابها
اجابه تامر ببرود:
-ماشى يا سيدى استوعبت انك ماكنتش هتتخلى عنها
استوعب انت بقى اللى هقولوا أى حاجة تخص كيان
تخصنى أى مناسبة تخصنى أى فرحة تخصنى
اى حزن بقى مش يخصنى دا مسئوليتى أنا اشيلوا
عنها، ومتنساش أن الست اللى ربتنا واحدة، وأن
لما انت والدكتور كنان كنتوا فى حضن اهلكم ومش
عارفين حاجة عن ناس عايشين فى عالم موازى
كنت انا وهى بنواسى بعض على مرار ايامنا، مش
هبعد عنها لمجرد أن واحد اتجوزها عشان يمر بتجربة
جديدة وبعدين لقى نفسه ان بيحبها وبلاش تركز
معايا ركز مع اختك على فكرة كيان اللى بتجرى
معاك الصبح فى جواها كيان تانى انت متعرفهاش
ولا جوزها حتى يعرفها
ثم ضحك باستفزاز مسترسلًا:
-بعدين عيب عليك تعمل كل دا ومتعزمنيش
رمقه بنظرات سخط وتهكم:
-ايوة وانا عارف كل اللى قولتوا بس هى بتحب كنان
بتعشقه افهم وهو كمان والمفروض اننا نساعدها
-متقلقش انا بساعدهم، ياريت كل واحد فينا يساعد
فى صمت
*****
سحبه ضياء بعيد عن التجمع وهو يرمقه شزرا وهمس
له من بين اسنانه قائلًا:
-جرى أيه يا جدع انت؟!
قطب كنان حاجبيه متسائلًا:
-مالك فى أية؟!
انتفخت اوداجه من الغضب قائلًا:
-ما تخلص يابنى وتقفل الليلة دية انت حالف تقفل بمصيبة انجز كدا هو انت ناوى تنوم الجمع دا معاك
هنا تامر وشاهندا دا ناقص انك تولع فينا
ثم التو ثغر ضياء قائلًا بمشاكسة:
-نفسى افرح بيك قبل ما اموت واشوف عيالك
احسن كدا بقى والله هبتدى اشك فيك
جز على شفتاه قائلًا بشراسة:
-ضياء
اكمل حديثه متجاهلًا غضبه قائلًا:
-يابنى احنا ستر وغطا على بعض متقلقش العلم
اتطور عرفنى
قاطعه بحدة قابضًا على تلابيب قميصه:
-تصدق بالله انا لازم اهين كرامتك
اختنقت انفاسه فحدثه بنبرة متحشرجة:
-صوتك العالى دليل على ضعف موقفك يابيه ممكن
تسبنى بقى وانا هدورلك على الحل
-هموتك ياضياء والله
حدثه ضياء بجدية مصطنعة:
-خلاص خلاص سبنى بقى وروح لما فراشة الحج احمد
دية والله قلبى بيقول هتقلب بنكد انجز كفاية كدا
يكش ربنا يسهلك ويفك نحسك
******
فى المساء
وما أن وطأت قدمها شقتها فكت حجابها مسرعة تلقى به على الأريكة بجوارها ثم انحنت تخلع حذائها
نهضت واقفة تتوجه للداخل لكنه اعترض طريقها
وعيناه مثبت على خصرها كانت فاتنة واكثر اغواءًا
لم يتفوه بكلمة واحدة بل اكتفى بمقلتيه التى تحدق
بها مما اشعرها بالخجل، مد يده يحاوط خصرها لكنها
دفعته بحدة ليقبض براحتيه الخشنة مانعًا أياها
كانت تتلوى بين يدها بقسوة تحدث هاجد بحدة
-مالك فيكِ أية؟!
مش طبيعية من أول الطريق
نظرت له بغضب قائلة:
-شوف انت عملت ايه؟!
تنهد قائلًا بهدوء:
-انا مش فاكرة إنى صدرت منى حاجة تضايقك
دفعته براحتيها بحدة فى صدره وهى تبتعد عنه قائلة:
-أيه تأكلنى فى بؤى قدام الناس ديه ها؟!
اخذت انفاسه تتسارع فهتف بعصبية:
-دا كل اللى مضايقك عادى يعنى فيها أية
مراتى واكلتها بإيدى محصلش حاجة فين المشكلة
مش فاهمك
-أنا مبحبش كدا اتكسفت ثم ايه ايدك اللى كنت كل
شوية تلفها حوالين وسطى وتشدنى ليك انت ناسى
اننا مش فى بيتنا
توحشت عيناه وقاطعها بعصبية وهو يلهث امام وجهها:
-لا مش ناسى بس عادى بردو مراتى ومعملتش حاجة
غلط تستدعى كل العصبية دية
-انت هتجننى انا مش متعودة على كدا، وانت اصريت
تيجى معايا وانا ماكنش فيه مشكلة لازمتها ايه الحركة
دية
تملك من عينيه الحزن وهو يشعر بنفورها من قربه
منها فهمس بخفوت متألم:
-انا اصريت هو للدرجة دية وجودى مضايقك
طب كنت عرفينى
شعرت بالخجل من نفسها ومن ثورتها لكنها بالفعل كانت
تشعر بالخجل وان النظرات مصوبة عليها، ابتلع غصة
بحلقه عندما طال الصمت؛ كان صمت مؤلم اشبه
بطعنات السكين التى تتوالى تباعدًا وكل واحدة اكثر
عمقًا من سابقتها
زادت التكهنات والسيناريوهات ربما لم تريد أن يرها ابن خالها هكذا عند هذه النقطة جن جنونه ضرب الحائط
بجوار رأسها لتنفض وتغلق جفنيها بخوف ولم تفتح
مقلتيها وظلت مكانها تنتفض، قلبه يحثه أن يضمها جاهد نفسه وألجمها ثم خرج مندفعًا، لم تفتح عيناها
إلا عندما اهتزت الجدران من صفعة الباب خرج وهو
وهو يتألم من جمر كلماتها التى نزلت على قلبه دون
رحمة، لِم حبها حارقًا هكذا
جراح الصمت احيانًا يكون أقوى من الكلمات فينحفر بجدارن القلب ويبقى عالقًا
اغمضت عيناها بوهن ثم جلست على الأرض تضم ركبته
لصدرها تبكى بحرقة هامسة:
-ماكنش قصدى بس والله كنت مكسوفة انت فهمت
غلط
هزت رأسها بيأس كيف ألجم لسانها عن الكلام وظلت تحدق
به فقط جرحت كرامته
*****
فى صباح اليوم التالى
دلف طاهر لذلك المبنى الضخم فهو استلم عمله بالكامل
وعليه معاينة الموقع الذى ستقوم الشركة بتشطيبه
وافتتاحه قريب، كان المكان سيجهز ليصبح عيادة
طبية دلف داخل الشقة وبدأ بأخذ جولة سريعة
حتى تأتى صاحبة المكان ثوانٍ وسمع صوت خلفه
فاستدار لتتوسع عيناه بصدمة:
-انتِ أية اللى جابك هنا؟!
ازاحت خصلاتها للوارء وهى تردف بعدم استيعاب:
-معلش تانى كدا، انت اية اللى جابك هنا
انا صاحبة المكان
صمت، صمت خيم على المكان حولهم ثم نظر لها بتعابير
متذمرة هاتفًا:
-انا المهندس المسئول عن التشطيب
وشكل شركتنا غلطت وهنرجع فى كلامنا استحالة اكمل
هتفت بحدة قائلة:
-مش بمزاجك دا شغل وهتكملوا الشركة ملزومة بيه
-مفيش حاجة تلزمنا احنا ماخدناش حسابنا ومش لازمنا
الشغل هنا
طوت ذراعيها امام صدرها قائلة:
-اه قول كدا انت عايز فلوس يعنى
رفع حاجبه باستنكار وهو يقول بحدة:
-خلى فلوسك انا مش هشتغل هنا اصلا
قلبت عيناها للأعلى وهى تنفخ بنفاذ صبر قائلة:
-ما هو لو كل حد معجبوش مديرة فى الشغل مشى
وساب الشغل محدش هيشتغل
-نعم!! مين دية اللى مديرة وانا شغال عند مين؟!
عندك انتِ
التو ثغرها ببرود قائلة:
اسمى الدكتور بيلسان
طرق كفًا بالاخر قائلًا:
لا معلش دكتورة على نفسك
نظرت له ببرود لترفع هاتفها مجرية إتصالا ثم مدت
يده لها بالهاتف:
-كلم كدا
رمقها باستنكار ثم تناول الهاتف ليرد على الطرف الاخر
كانت بيلا فتنهد قائلة:
-تمام يا بيلا، تمام خلاص متقلقيش
انهى الاتصال ثم ناولها الهاتف قائلًا:
-انا همسك المكان عشان بيلا هتقولى اللى حابة والباقى
مالكيش دخل فيه
نظرت له فى صمت ولم تتحدث قاطعها صوت الهاتف
الذى بيدها اخذته ودخلت احدى الغرف وتلاشت ابتسامتها ببطئ وهى تغمض عيناها بقهر هاتفة:
-انتِ بتصرخى كل دا ليه عشان رنيت وانتِ فى شات
جماعى مع صحباتك، انا هنا بقالى اد اية ولا يوم فكرتى
انتِ او بابا حد يسأل عليا مش يمكن بعمل حاجة غلط
صرخت بحدة:
-يعنى ايه مش صغيرة، طب حتى اتصال واحد عليا
واحد بس تقدرى تعدى يومين من غير صديقاتك
والنادى ليه كدا حرام عليكِ
اكملت بنفس النبرة:
-فين اختى؟!
متعرفيش يعنى اية؟! يعنى اية؟!
انزلت الهاتف من على اذنها ترمقها بصدمة اغلقت والدتها
الهاتف بوجهها، ضربت صدرها بحرقة غالفة على من
يقف خلفها شهقاتها كانت تعلو اكثر واكثر
لديها عزت نفس تكفى لتخوض حروب ومعارك بمفردها
لا تطلب ابدًا شئٍ بدخلها رضا ليست مغرورة بل طفلة صغيرة
مشتتة لكنها ايضًا ستدهشك بكبريائها الممزوج العظمة
لكنها اكثر من يتتوق للحنان
****
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل السادس والعشرون
قبل بضع ساعات
كانوا فى السيارة يشاهدوا اشعة الشمس المتوهجة وهى تنبثق لتتلاقى مع امواج البحر المتلاطمة
مشهد يسلب الانفاس ويا له من مشهد، مشهد الشروق
ورائحة نسيم البحر
كانت كل حواسها مشدوهة ومنبهرة اما هو كان يتمعن
بتلك المعالم الطفولية الانثوية ابتداءًا من الأبتسامة
المشرقة التى ترتسم على محياها والنظرة البريئة
التى تطالع بها شروق الشمس، واعينها السوداء
بحار العقيق الأسود، ظل يراقبها بأعين لامعة
لتنتبه له اخيرًا ابتسمت بهدوء مصحوب بالخجل
وهى تهمس:
-مش بتبص على الشروق ليه مش كنت جايبنا لأسكندرية عشان نشوفه
عيناها فقط
فقط عيناها تغنيه عن العالم كله، واه من عيناها مدن
وقد غفلت عنها كتب التاريخ
تحدث وعيناه لا زالت تتفحصها:
-عشان مغفل
قطبت حاجبيها بإستنكار متسائلة:
-مش فاهمة مغفل ليه؟!
-عشان مفيش اجمل من عينيك وهى صافية وبتضحك
رمشت بأهدابها عدة مرات ثم رفعت عيناها تطالغ عيناه التى كانت مغموسة بدفء غريب يشل اطرافها حاولت ابتعاد نظراتها بعيداً
عنه ثم همست:
-مُبالغ أوى
هبطت عيناه على شفتاها ثم على ثوبها الزهرى
الانثوى الذى يبرز انوثتها وتحديداً خصرها حدثها بصوته
الأجش وعيناه تلتهمها التهامًا:
-دا عشان مش شايفة نفسك بعينى انا شايفك اجمل
بنت فى العالم كل حاجة فيك حلوة
ابتلعت، خجلت من مغزى حديثه وفرت الدماء منها وشعرت بالبرودة تجتاح اوصالها فركت يدها بتوتر
مد يده يتناول يدها قائلًا:
-الجو بقى برد صح هزت رأسها بالنفى وهى تشعر
بفصول السنة دفعة واحدة بالبرودة والسخونة فى آن واحد
لكلامه ودفء عينيه تأثير السحر عليها فهمس:
-انا شايف ان يوم صد رد مش كفاية
ايه رأيك نحجز اوضة فى فندق هنا وادفيكِ انا بطريقتى
سحبت يدها سريعا واجابته وهى تتلعثم:
-اا..عيب كده اتلم
ضحك بسخرية وهو يهز رأسه:
-اتلم اكتر من كدا دا احنا بقينا اخوات
لو متعرفيش يعنى احب اعرفك ان فى ليفيل بعد
الاحضان والبوس
انفلتت شهقة من بين شفتاها ثم اشاحت ببصرها تنظر للجهة الأخرى وتسارعت انفاسها وتوترت وتلعثمت:
-أا .لو سمحت لو سمحت كدا مينفعش هو مينفعش كده
قهقة وهو يقول:
-خلاص خلاص
ثم تمتم بصوت بالكاد أن يكن مسموع
-دا يا شماتة الزفت ضياء فيا
ثم تابع قائلًا بجدية عازمًا على اقناع ذلك العقل الصلد:
-كيان انتِ لازم تقبلى العرض التلفزيوني انتِ
ممتازة دية فرصة حلوة اوى
انا لو عليا رافض شغلك كله بس انتِ محتاجة
الخطوة دية تدخلى بين الناس اكتر عشان تشيلى
اى حاجز جواكِ واظنى امبارح اثبت ان المطبخ دا
لعبتك وايه رأيك يبقى اسم البرنامج "مطبخك كيانك"
-بس انا عندى اوردارات ملتزمة بيها
-وقفى الجديد وخلصى القديم
همت بالاعتراض ثانيةٍ لكن تراجعت، فهم مغزى ترددها
فابتلع غصة فى حلقه ثم حدثها قائلًا:
-لو على شغل تامر احنا محتاجين حد فى الاستعلامات
معانا هنا ايه رايك تكلميه
اجلت حلقها وهى تقول بحزن:
-انت مش مضطر تعمل حاجة زى دية ياكنان انا عارفة
انك مش بتقبل تامر
اندفع مسرعًا يبرر موقفه:
-لا، انا مش بقبل وجوده جنبك وقربه منك نظراته ليكِ لكن
هو انا مفيش مشكلة معاه يا كيان انت مش عايزة
تفهمى يا كيان انى انا فاهم نظراته والأيام الأخيرة
بقى قلبى ينقبض منه
-خلاص بلاش يا كنان ليه تغصب نفسك
زفر كنان وهو يقول:
-متقلقيش مش هضايقه ولا هنعمل مشاكل احنا مش
عيال يلا بقى الوقت سرقنا شكلنا مش هنفطر هنتغدا
على طول هأكلك اكلت سمك روعة
هزت رأسها بحماس وهى تصفق بيدها طالعة بقلب
أب يعشق طفلته
*******
انتِ كويسة؟!
التقطت اذنيها هذه الكلمات فاغمضت عيناها بألم سافر
ازاحت بيدها دمعاتها ثم استدارات امواج تموج بداخلها
حزن وخزى تغرق بينهما بلا رحمة، لينال الحزن من روحها ويغتالها شيئًا فشيئاً، انفاسها تضيق،
دقات قلبها هادرة لأدراكها أنه سمع بكاها وضعفها
فتلك النظرات تؤذيها وتؤلم روحها
احكمت على ما يعتمل صدره وارتسمت التبلد والجمود
فمن رحم الخذلان يولد التبلد وتصحر الروح، ماجت
عيناها بالغضب من فعلته تلك قائلة:
-انت أيه اللى موقفك هنا؟!
ايه قلة الذوق دية؟!
لم يتفاجئ طاهر بردة فعلها بل على النقيض كان متوقعًا منها رفع حاجب متسلى لها وهو يقول:
-أنا هنا فى شغلى يا مديرة
بعدين انا حبيت اساعد واطمن مش اكتر
-انت بتتريق بقى
اراد التخفيف من الحدة الموقف قائلًا:
-طب خلينا نبدأ من الأول كناس متحضرين ومتفاهمين
وننسى اللى عدى
طاهر حسين مهندس
وشغال عند دكتورة عشان اشطب ليها العيادة وشغالة
عليا تهزيق تقوليش واخدانى اسير عندها
ارتسمت على محياها ابتسامة باهتة ولا زالت بقايا
الدموع بأهدابها، ظلت صامتة دون ان تتفوه بكلمة
شاعرة بألم يفتك بها لكن ليس ألم جسدى ألم نفسى
عيناها يموج بهم الحزن والاسى
جابت عين طاهر المكان ليجد بعض شكائر الاسمنت
المغطاة فتوجه نحوها ليجلس عليها ورفع بصره
ليحثها على الجلوس بجواره، رمقته باستنكار
مد ذراعه وهو يشير إليها بجلوس:
-بلاش البصة دية خلى البساط احمدى يا دكتورة
مضت بخطواتها نحوه قائلة:
-على فكرة عادى، بس هدومى هتتبهدل وانا عندى مستشفى مش قصدى تكبر ولا غرور
-بس انا مقولتش كدا
لوت ثغرها بتهكم قائلة:
-لا عادى انا اى حد بيقابلنى اول مرة بيقول كدا
أومأ براسه مؤكدًا على حديثها:
-هو الصراحة مش كدا بس
طوت يدها بغيظ هاتفة:
-نعم بقى
-الصراحة عليكِ نبرة صوت وطريقة تستفز برودة دب القطب الشمالى
نهضت واقفة وهى تطالعه بشراسة قائلة:
-تصدق أنا غلطانة اصلًا انى قعدت مع واحد بربرى زيك
جذبها من ذراعها ليجلسها ثانيةٍ ثم سحب شهيق يلا
زفير قائلًا:
-متقمصيش كدا الحال من بعضه نفس الإنطباع بتاع
اول مرة
-دية حقيقة
رمقها بصدمة ثم انفجرا من الضحك سويًا ثم سألها:
-مش هتقولى مالك؟!
رفعت احدى حاجبيها وسألته هى ايضًا بفضول:
-وانت كان مالك امبارح وانت خارج من الحفلة ؟!
يشعر بألم غائر وضعت الملح على جرحه عاد بذاكرته وصورتهم امام عيناها وهى تتخضب بالحمرة خجلة من همساته، تنهد بحرقة راغبًا بالبوح بكل خبايا قلبه حتى يزيح ذلك الثقل الجاثم على صدره لكنه فضل تغيير
الحديث قائلًا:
-كدا واحد واحد
تفطرى أيه؟!
طالعته بعدم استيعاب:
-فطار ايه لأ طبعا
-بحب لما اعرف حد جديد اكل معاه عيش وملح
رفعت ساعة معصمها تطالع ساعتها، فتابع طاهر بحزم
قائلًا:
-هى نص ساعة مش اكتر انا هطلب بسرعة
رفع هاتفه على اذنه ليطلب الطعام فقد حسم قراره
وانتهى الأمر، شردت و لازال الحزن ينبعث منها
تشتعل على مراجل من الداخل، وقد تلألأت الدموع بعيناها غافلة على من يجلس بجوارها يراقبها بحزن
لحالتها بعد ماسمعه
قد يأتى العشق متخفيًا يتوارى خلف حفنة من مشاعر
حتى يتمكن من القلب وسيتوطنه ثم ينفضح امره.
******
-ضياء قوم، قوم ياضياء
تلك الجملة صرخت بها بيلا وهى تلف فراش السرير
حولها بإحكام ثم لكزته فى كتفه بحدة، فرق جفونه
وهو يمط ذراعيه بتكاسل قائلًا:
-صباح الخير يا حبيبى
-بلا حبيبى بلا بتاع انت قولت على اكلى وحش صح
وبعدين انا فاكرة اننا كنا بنتخانق مش فاكرة ايه
اللى وصلنا لكده
ابتسم بمشاكسة وهو يغمز لها قائلًا:
-بقى فاكرة الخناقة ومش فاكرة اللى حصل
بعد كدا دا حتى عيب والله ونكران جميل
تجلى الغضب على ملامحها وارتسم به وجهها قائلة:
-مش هتبطل وقاحة، انا اكلي وحش
نهض من نومته ليجلس على الفراش عارى الصدر قائلًا:
-يا حبيبتى انت اكلك مش اكل شيف، بس انا ببقى فى قمة سعادتى أنك دخلتى المطبخ عشانى وفكرتى فيا
يكفى أنك بتحاولى عشانى انا حقيقى حبيت
طعم الأكل وهو كدا عشان من ايديكِ، اللى بعشق
صاحبتهم اللى اتكرمت وادتنى من وقتها
كلماته تلك كانت لها تأثير على قلبها لا يوصف شعرت بمفرقعات والعاب نارية تشتعل بداخلها، تناول يدها يقبلهم بنعومة بالغة جعلها تذوب تحت انفاسه ثم
اقترب يحاوط خصرها مما جعلها تلتصق بعضلات صدره العارى، يقبل كتفها العارى بشغف
كادت أن تخلق لها جناحات وتحلق من فرط السعادة
لكنها فجأة دفعته فى صدره وهى تهمس من بين
اسنانه بوعيد:
-اوعى كدا نفسى اعرف هى طنط هويدا متعبتش فى تربيتك، كله وقاحة كدا
ضحك بمشاكسة وهو ينهض من على الفراش قائلًا:
-التربية دية غير دية وكدا هى تبقى ربتنى ها
تناولت الطرف الصناعى وارتدته سريعًا ثم ارتدت
ملابسها وذهبت خلفه إلى المرحاض كان يقف امام
المرآة يغسل اسنانه فولجت فطالعها بطرف عيناه وهو يتمضمض ثم قال:
-أيه طنط لبنى فلتت منها شوية تربية
تناولت ماكينة الحلاقة ثم اقتربت منه بخطوات بطيئة وحاذرة لتبث الرعب بداخله وهى تقول:
-اخرس، بس انا قررت بما انِ مش نافعة فى المطبخ اجرب الحلاقة ممكن انفع
ابتعد للخلف خطوتين وهو يهمس برعب:
-حبيبتى السلاح يطول طب جربى فى حاجة تانية
ايه رأيك فى المكواة وفداكى كل القمصان
-لأ هحلقلك يعنى هاحلقلك ياضياء اثبت
-انا كمان بتثبت يا خسارة الشقاوة
جزت على اسنانها وهى تقوم بضغط على زر التشغيل
-انجز خلينا نخلص بقى
-عندك حق الواحد يلحق يموت بدرى احسن ما يدفن بليل
حاوط خصرها رافعًا اياها كى يجلسها على الرخامة امامه، وبدأت هى تعمل بتركيز بينما هو غارق فى
ملامحها وعيناها الفيروزتين، فجأة صرخ عاليًا
-آه، اه
رمت ماكينة الحلاقة بفزع واخذت تتفحص وجهه وهى
تتمتم بالأعتذار وغامت عيناها قائلة:
-اسفة ماكنش قصدى يا حبيبى انت كويس
-انا ايه قوليها تانى كدا
توسعت عيناها وهى ترمقه بصدمة قائلة:
-انت مفيش فيك حاجة وبتضحك عليا
قالت جملتها بغيظ وهى تلكزه فى صدره، فكبل يدها
ثم مد يده تحت صنبور الماء ومسح وجهها وهو يهمس:
-طب كدا تضربينى، انت بطلتى تحبينى بقى
-دا انا بموت فيك كل يوم اكتر من اللى قبله
قالت جملتها مندفعة ثم اطرقت رأسها باستيحاء
فمال على شفتاها يلتقطهما فى قبلة محمومة
قاطعهم رنين الباب تأفف ضياء وهو يسب تحت
انفاسه قائلًا:
-مين الرخم السمج اللى جاى دلوقتى
حاولت تعديل خصلاتها، خرجا سويًا قام بارتداء ملابسه
سريعًا وهبط للأسفل فتح الباب ليجد هاشم فى وجه
امتعضت ملامحه وهو يقول:
-عايز أيه؟!
انهى جملته تزامنًا مع وصول بيلا التى توسعت عيناها بذهول وسقط فاهها حتى كاد أن يلامس صدرها من طريقته لحظات واستعادت تركيزها فاقتربت سريعًا تحتضن والدها هاتفة:
-بابى صباح الخير يا حبيبى تعالى ايه المفاجأة الحلوة
دية تعالى
تأبطت ذراع والدها وتجاوزته وهى ترمقه بنظرات حادة التو ثغره بتهكم ثم اغلق الباب وذهب خلفهم
وجلس امامهم قائلًا:
-نورتنا يا حمايا على الصبح كدا
كان يتحدث متظاهرًا عدم الإنتباه لملامح بيلا المحتقنة
حتى اجابه هاشم ببرود:
-اصلى إلنهاردة عندى اتفاقية جديدة وانا مش بعرف
امضى اى عقد جديد غير لما اشوف وش بيلا
قبلت وجنته وهى تربت علي يده هاتفة:
-بالتوفيق يا حبيبى، حيث كدا انا هاحضر فطار لازم
تفطر معانا
حاول ضياء كتم ضحكاته وهو يتمتم:
-احسن تستاهل
-ضياااء
عقد هاشم حاجبيه قائلًا:
-لو الاكل بتاعك يا قلب بابى مش جاى على معدة
ضياء ممكن تيجى وتقعدى مع بابى تانى وتعملى اللى
انتِ عايزاه،
-هتموت وترجعها تانى لأ عاجبنى الأكل ومش بس
الأكل الحلو بعد الأكل كمان
انهى كلمته وهو يغمز لها فتوردت وجنتها باحراج ثم نهضت مسرعة تستئذن لتحضر الطعام، بضع دقائق
كانت اعدت الطاولة من جميع الاصناف وكان ضياء
يساعدها ابتسم والدها بداخله فكان ضياء خير
السند ونعم العوض، شعر والدها بتلك الراحة التى
تسللت لقلبه فهو منذ امس لم يغمض له جفن خوفًا
أن يكون مشاكسته مع ضياء جلبت لها مشكلة مع
زوجها، لكن للرجال شيم وقد تجسدت فى ضياء
****
فى محل المجواهرت
مر الليل دون أن يغمض جفنه بينما ظل عقله يعيد
عليه شريط تلك اللحظة مرات ومرات وهى تدفعه
فى صدره بحدة بسبب قربه منها، مجرد احرف
وكلمات لكنها كانت سياط من الجمر يرجم روحه، بالنسبة
له غضبها وثورتها غير مبررة، او مبرر لكنه لا يريد
أن ينسحب لدوامة الشك، اغمض عيناه بألم وهو
يرتكن بظهره على مقعده، شعور الخذلان يتأجج
بداخله اضعاف مضاعفة،بينما كاد قلبه يشق صدره
متمردًا عليه انه قد احزنها، حزنه يختلجه لكنها
آلمت كرامته، افكار سوداء تدور برأسه بلا هوادة
هل ثارت من اجله حفاظًا على مشاعره؟!
هل مازالت لا تكن له مشاعر مثله والتى ظهرت جلية
عليه؟! إلى هنا وانتفض يستعيذ من الشيطان الذى
يوسوس له لكنه قرر سيبتعد حتى تهتدى لمشاعرها
ولن يتوسل عشقها همس بصوت متحشرج:
-وجعتى قلبى اوى يا هاجر
جوارحى التى تشتاق إلى تؤلمنى
*****
هو طفل تائة يتلاعب به القدر ليسقط كل مرة على
ارض صلبة حادة اقوى من ذى قبل، لفظته كل
الاوطان كخرقة بالية إلا وطنها هى الذى تقبله،
ماذا يفعل؟!
الآن بين عقله وقلبه مشتت، يسير فى طريقه
ويكمل خطته إما يخبرها بالحقيقة، يعريها
امام نفسها انها شخص منبوذ لكنه لا يتحمل
رؤية حزنها، هو امام خيارين الانسحاب باقل
خسائر، او المتابعة لنتيجة مجهولة
لِمَا الحياة لم ترحم ضعفهم وقلة
حيلتهم، سرقوا طفولتهم وخذلوا احلامهم
ووقعوا فى براثن الذئاب، لكنه استجمع
شجاعته ولن يتركها لقمة سائغة لهم سيفعل
ما بوسعه كى ينتشلها
*****
بعد مرور عدة ايام
وما أن انهت نقش اسمها على الورقة التى امامها نهضت مسرعة ترتمى بين ذراعي كنان انتفض قلبه بل واضحى مجنونًا يهدر بقوة حتى اوشك ان يحطم قفصه الصدرى، زخم من المشاعر اثر لمساتها وتعلقها برقبته كان لهذه الحركة تأثير السحر كان يضمها اكثر واكثر منفصلًا عن العالم حوله حتى اجفل على
صوت الجالس امامهم قائلًا:
-مبروك يا مدام كيان
ابتعدت عنه بخجل وهى مطرقة رأسها تهمس بخفوت:
-الله يبارك فى حضرتك
حاول كنان ان يستعيد انفاسه المسلوبة قائلًا:
-مبروك يا حبيبتى
اجابته بابتسامة دافئة:
-الله يبارك فيك
نظرت للمبلغ المدون بالعقد الذى بيدها تطالعه بعدم تصديق ستحصل على مبلغ كهذا، وهى من كانت تتجول
بالشوارع ولم تجد مأوى لها هى من باتت ليالِ دون
طعام اليوم ستحصل على هذا المبلغ كل شهر، اينعم
كنان لم يقصر معاها بل فتح لها حساب واعطاها البطاقة
لكن هذا له مذاق خاص رفعت عيناها التى امتلئت بالدموع له ابتسم بسعادة على فرحتها
******
فى المساء
روتينها اليومى تهبط لتجلس مع حماتها حتى لا تشعر بالوحدة؛ مضت الأيام دون جديد عليها تستيقظ صباحًا ولا تجده وفى المساء يعود متأخرًا ولا تراه تشعر بالنقمة على حياتها،
ثمة غصة اعتملت قلبها فهى لا تريد أن تحيا نفس الحياة ثانيةً؛ حياة والديها، لتقضى عمرها غارقة فى محاولة التأقلم مع حياة بائسة لاحاضر ولا مستقبل
صدمة جديدة تتعايشها تشعر انها دائمًا شخص غير
مرغوب فيه، بالغت فى رد فعلها ربما لكن لا تستحق
مثل هذا عقاب
فاقت من شرودها على صوت انذار الغلاية الكهربائية
سكبت المياه الساخنة فى الاكواب لعمل شاى
لعمة هاجد وابنتها، بأى طريقة كانت تريد هذه
الزيارة المفاجئة ان تنتهى؛ التى بالتأكيد لم تخلى
من كلمات ثقيلة الدم، بدايةٍ من معرفة انجازت
عمته وهى فتاة وتتفاخر بشدة حين تذكر انجازات ابنتها، والأمر لا يخلو أن تتطرق بالأحاديث حول
علاقتهم بهاجد وأنه من كان يُحفظ ابنتها وهى
صغيرة القرآن، تنهدت بحزن وابتلعت ملوحة
الدموع فى حلقها وحملت صينية الأكواب
متوجهة للخارج
بعد مرور عدة دقائق ولج هاجد إلى منزل والدته
وجدهم يجلسون فى الاستقبال ومعهم عمته وابنتها
فكانت رؤيتها كقطرات الماء على صحراء قلبه العاشق المشتاق لها، فتقدم مُرحبًا بهم، اما هى ارتعش ساعدها وكاد ان يسقط كوب الشاى من يديها
اقترب من والدته وتناول يدها يطبع قبلة عليها
فربتت على كتفه بحنو، اقترب من هاجر حتى لا يظهر لهم خلافهم ومال عليها يقبل جبينها قبلة سريعة
رجفه انتابتها، وخفقة هدر بها قلبها اثر ملامسته لها
مشاعر متضاربة داهمتها تشعر بداخلها شئ مجهول
الهوية لكن لا تعلم ما هو ، اما هو لم تفٌت عليه رجفتها بمجرد لمسها رغم تلك الغصة التى سكنت قلبه إلا إنه اشتاق إليها، تنفس الصعداء قائلًا:
-منورة يا عمتى مقولتيش ان انتِ جاية ليه كنت
جيت قعدت معاكِ من بدرى
ابتسمت له بسعادة هاتفة:
-قلب عمتك، لا والله يا هاجد انا كنت رايحة لعمتك
نعمة بقعد عندها لحد ما مايسة تخلص دروس القرآن
ما انت عارف حاولت اخليها تبطل راكبة دماغها تقولى
هاجد موصينى مبطلش حفظ
اومأت مايسة قائلة بهدوء:
-طبعًا هو شيخى الاول ولازم اسمع كلامه انا قربت
اختم القرأن
-يا ستى انا مش شيخ، انتِ يا مايسة اللى مجتهدة وانامتأكد انك هتفرحينا
قريب بحفظ القرأن كله وساعاتها ليكِ هدية كبيرة
عندى بجد هابهرك
تراقب ما يحدث بألم وحزن كلماته وصقيع نظراته جعلتها تُحرق من داخلها شاعرة بالإختناق من هذا المكان
اغضبها تجاهله فرمقته بنظرات حانقة غاضبة ثم اردفت بتشدق:
-ما شاء لله، ربنا يتم عليكِ، ونفرح بيك عروسة كدا
مع ابن الحلال اللى من نصيبك
ابتسمت مايسة بهدوء، بينما حماتها تضرعت بدعاء وهى تؤكدا على كلام هاجر بينما رفعت عمت هاجد احدى حاجبيها وهى تجيبها
-يا حبيبتى دول عليها اد كدا بس ديه مايسة
مش أى حد ياخدها
ابتسمت هاجر بسماجة بينما نهضت مايسة قائلة:
-مش يلا ياماما اتأخرنا
اسرعت والدة هاجد قائلة:
-ما لسه بدرى ياجماعة
-يدوب نلحق يا مرات خالى، يلا ياماما
تناول هاجد سلسال المفاتيح واستقام واقفًا هاتفًا:
-يلا هوصلكم أنا
-خليك يا حبيبى لسه هاروح عند عمتك نعمة ومايسة
هتكمل هى
-يا سلام يا عمتى اوصل مايسة الاول وبعد كدا انتِ
دا شرف ليا
كانت تصرفاته تصيبها بالدهشة نظرات عيناها لا تحيد
عنه، نظراتها اخترقت قلبه كانت كالجمر ترجم روحه
وتهشم قلبه؛ نظرات اعين يقف الحزن على
اعتابها، سهام تخترق صدره وهو يقرأ العتاب بهم
غامت عيناها بالدموع فانحنت مسرعة تجمع اكواب
الشاى على الصينية وتتوجه للمطبخ حتى تتوارى
داخله شعر بروحه تتمزق حينها، لكن كيف هى
تغافلت عنه تلك الايام، ظلت عيناها معلقة على
المطبخ ثم رسم ابتسامة شاحبة على وجهه بينما
تقدمت عمته وابنتها للخارج فجذبته والدته قائلة:
-صوانى البقلاوة يا قلب امك مش بتستحمل النار كتير
وبتشيط على طول وطعمها بيبوظ وبتمرر اعقل
كده
ابتلع غصة بحلقه وهو على اعتاب الباب قائلًا:
-مش فارقة كتير يا امى
اغلق الباب خلفه، اما فى الداخل ازاحت دمعة فرت هاربة على وجنتها وتنفست بعمق، نيران نشبت وتسعير
بداخلها اندفعت خارج المطبخ
***
-طاهر موجود يا مرات عمى
تلك الكلمات قالها ساهر بينما اجابته زوجة عمه بترحاب
-تعالى يا ساهر يا حبيبى ادخل طاهر جوه ومعاه كرم
فتحت له باب الغرفة فولج للداخل والقى عليهم التحية
ثم جلس امامهم متسائلًا بقهر وخزى:
-طاهر عملت ايه فى موضوع الواد بتاع قضية ميرا
من ساعتها وانت بتقول انك متابع مفيش جديد
ابتلع طاهر وهو يجيبه:
-لأ مفيش جديد لسه انا بتابع متشغلش بالك انت
انا عارف ان الموضوع صعب وميرا اختى واللى
يخصها يخصنى
اغمض ساهر عيناه بحرقة وهو يقول:
-الاصعب ان ال*** دا لسه مش عارفين نوصلهُ
بكرة هاروح القسم وهادور على اى حد ادفعلهُ فلوس
يحاول يوصلنى لطرف الخيط
اندفع طاهر مسرعاً وهو يهز رأسه:
-لا لا، متعملش كدا
ثم تدارك نفسه وكلا من ساهر وكرم يطالعوا باستغراب
-قصدى يعنى عشان ميحسش اننا بندور فيهرب مننا
هز ساهر رأسه باقتناع اما كرم شعر بوجود خطب ما
من تشنج جسد اخيه وتلعثمه
بعد مرور وقت ليس بقصير وقد رحل ساهر حدج
كرم اخيه وهو يسأله بشك:
-هو ايه الموضوع
-مفيش بس مش عايزه يدخل فى الحوار دا عشان نفسيته
طالعه بعدم تصديق وهو يقول:
-طاهر عارف لو اللى فى بالى صح يبقى القيامة هتقوم
اوعى يكون اللى حصل زمان لسه فى دماغك ، انت
لما سافرت ساعة خطوبة هاجر مروحتش الشغل
كنت فين يا طاهر
صاح بحدة وهو يتناول سلسال مفاتيح قائلًا:
-انت مالك؟!
بطل هبل يا كرم انا اللى فيا مكفينى مش ناقص
*******
وقف تامر مع كيان اسفل البناية وصدح رنين هاتفها بالحاح خبطت رأسها هاتفة:
-كنان بيستعجلنى ومش هيبطل رن
بص يا تامر انا هطلع اجيب الاوردار من فوق وانت
عارف المكان صح
-تمام متقلقيش
صعدت للأعلى وبدأت فى اخراج الطعام على اعتاب باب
الشقة حتى تقوم بانزاله دفعة واحدة فى المصعد ثوان
ووجدت تامر امامها قطبت حاجبيها متسائلة:
-طلعت ليه انا كنت هنزل اهو
-قولت اساعدك بس ممكن اشرب
ابتسامة باهتة ثم توجهت للداخل ووضعت الهاتف
وحقيبتها على الطاولة دخل خلفها يتسلل بخفة
وجد هاتفها لازال يرن بالحاح فتناوله ليجيب
قائلًا:
-الو
-لا متقلقش انا مش حد غريب
- انا تامر مع كيان
فى الشقة بس هى مشغولة بتجهز الطلبات فقولت
ارد عليك يا دكتور
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل السابع والعشرون
ولجت إلى شقتها قاصدة ترك البيت توجهت إلى غرفة نومها وسحبت إحدى حقائبها والقتها على الفراش ثم فتحت خزانتها وتناولت ملابسها دفعة واحدة لتلقيها داخل الحقيبة، هى لا تسمح له أن يمس كرامتها أو
يتجاهلها
مرت بضع دقائق وقد عاد هاجد وولج لغرفته باحثًا عنها بعد أن مر على والدته ولم يجدها يعلم أن ما فعله اغضبها
عقد هاجد حاجبيه بشدة واعتلت ملامح الاستفهام
على وجهه التى ترجمتها كلماته:
-أيه اللى بيحصل دا؟! انتِ بتعملى ايه؟!
تجاهلته حتى لم تنظر إليها وظلت تجمع اشياءها من
الغرفة اقترب اكثر حتى وقف مجابهًا لها يغوص ببحر
عينيه فى سوداء مقلتيها وهتف بقسوة يقصدها:
-لما اكلمك ردى عليا يا هاجر
اجابته بجدية وحزم:
-وسع من قدامى خلينى اخلص
قبض على معصمها قائلًا بحدة:
-اتكلمى عدل يا هاجر، انا بسألك بتعملى ايه؟!
ابتسمت بسخرية وهى تحاول كبح دموعها قائلة:
-اتكلم!!
هو بقى مسموح ليا اتكلم دلوقتى يعنى خلاص خلص
العقاب؟! دا ايه الكرم دا؟! بلم هدومى وماشية اصلى
طالما هنا هقعد مع نفسى لوحدى طول النهار
اروح اقعد هناك فى بيتى بكرامتى
كان يناظرها بعتاب وهى تقذفه بكلمات بلا رحمة
عيناه تموج بين اللوم والشوق، ثم تابعت بحرقة:
-اصلى عقابك دا العادى بتاعى
متعودة عليه مش جديد انا واحدة على طول باباها
مسافر وعايشه لوحدى باكل واشرب وانام لوحدى
حتى لما ماما كانت عايشه فعادى يعنى، اسفة حسيته عقاب اهبل كدا مأثرش فيا
اغمض عيناه بندم نجحت فى جعله يشعر به
ظل صامتًا يتحين رده فسحب نفسًا طويلًا قائلًا بألم:
-مكاننش عقاب يا هاجر
لم تستطيع ان تحول كبح دموعها اكثر هبطت بفضول
لتكن شاهد على حرقة قلبها فهمست:
-ايوه ما انا بقولك ماكنش عقاب لأنه مش جديد
عليا متعودة عليه
صمتت تبتلع ريقها ودموعها تغرق وجنتها هبط قلبه
لها بعنفوان على ما عاشته رفيقة الروح، شريكة العمر
كل كلمة تخرج منها
كالخنجر المشتعل فى صميم قلبه كأنه يعلم مكانه
جيدًا، كور يده بقوة كيف يفسر لها حالته حينها
كانت داخله نيران مستعرة من نظرات طاهر؛ نيران الغيرة فالغيرة كالخمر كلاهما يذهب العقل هز رأسه بالنفى :
-لا يا هاجر انا مقدرش اعاقبك ولا عمرك تهونى عليا
انا بعدت لما حسيت بنفورك منى مقدرتش اكون قريب
هتفت بعدم استيعاب:
-نفورى منك؟!
نفور ايه؟! عشان اعترضت على تصرفاتك
انا اتكسفت من اللى حصل دا انا ماكنتش متعودة عليه يعنى
عشان تستغرب لما اعترضت، كمان اتحرجت قدام اهلى
احنا اصلًا كل معرفتنا ببعض ٣ شهور ومتجوزين من
كام اسبوع حتى مكملناش شهر وانت اصلًا
ااصلا مقربتش منى غير من كام يوم بس، طبيعى اتكسف واحس بالاحراج من الجميع ومن نظراتهم
ولا انت ناسى ان اا
صمتت تستجمع شتاتها ثم قالت:
-ولا انت ناسى انك اول راجل يلمسنى انا حتى ماكنتش
بسلم على أى راجل بايدى، لو انا نافرة منك ماكنتش
سمحتلك تلمسنى اصلًا
عتابها، دموعها، نبرتها المتألمة يخسفان بقلبه بكل قسوة
دون ذرة شفقة، هى على حق حتى انه استنكر فعلته لكن غيرته تمكنت منه همس بصوت متألم:
-انا كنت بحاول اكون قريب منك فكل المناسبة تخصك
مبقاش بعيد عنك، انا كنت ممكن اقولك روحى انتِ
انا مش فاضى حبيت اكون بشاركك، وخانتنى تصرفاتى
انتِ معاكِ حق بس دا لأنك زى ما قولتى انك انتِ لسه تعرفينى من شهور
لكن انا انتِ جوايا من سنين وكأنك جوايا من عمر، ومكانش قصدى
عقاب خالص انا قولت اسيب ليك مساحة لما حسيت
انى كاتم على نفسك، بعدين دا انا بتمنى الوصال مش
البعد
لا زالت دموعها تغرق وجنتها فاقترب يجذبها إلى احضانه فى عناق لم يحظى به منذ اسبوع زرعها
بداخله تبا له ولغبائه، دفنت وجهها بصدره وتركت
لدموعها العنان اكثر واكثر بكت على كل ما مرت به
فى حياتها من قسوة والدتها وخذلان من والدها
والليالى باتت وحيدة
فشرع يربت رأسها تارة ويقبل أعلاه تارة اخرى بكلمات
حانية واعتذار:
-ماكنش قصدى انا قولت بدل ما اكون محاصرك كدا
اسيبك تهدى الموضوع ابعد ما يكون عن عقاب
-ابعدت رأسها وهى تطالع بتهكم:
-وايه بقى حضرتك قررت تحاصرنى تانى ولا جاى
عشان توصل الست مايسة
ابتسم وهو يحيط رأسها بين يده يمسح دموعها بانامله
وعيناه تجول على كل انشًا بوجهها قائلًا:
-ولا دا ولا دا
وحشتينى واوى كمان، ورجعت بدرى مخصوص عشان اشدك من
ذراعك واخدك فى حضنى واقولك يا هاجر
ازاى متدوريش عليا وانا بعيد واقولك اوعى تانى
تزقينى بعيد عنك لما اكون قريب عشان اتوجعت
اوى، وتوجعت اكتر لما لقيتك بتلمى شنطة هدومك
رمشت باهدابها بندم لكن سرعان ما تحولت حالتها ورفعت نظرها بحدة واضعة يدها فى خصرها قائلة:
-انت كمان ليك عين تعتب عليا ولأ انت بقى عايز تطلع جنانى صح
يعنى تفضل تدلع انثى العنكبوت ديه قدامى اعملك ايه تحمد ربنا انها جت على اد كدا بس، لأ وكمان تحط الحق عليا
قهقة وهو يجول بنظراته عليها يعشق كل مابها من لسانها الطويل، عنادها، ضعفها، تمردها عيناها كل مابها يعشقه، عض على شفتاه
السفلى بعبث هامسًا:
-لأ واضح أن بعدى كان مضايقك وانا لازم اصلح
غلطتى دلوقتى وحالًا
للمرة الاولى تشعر بمشاعرها مبعثرة هكذا فوضى عارمة كل مرة تكتشف شيئًا لا تعلمه، يريد ان يثبت شئ او
يكتشف شئ يريد ان يكتشف اعماق روحها او سبر اغوارها
-لا انت فهمت ايه انا بتكلم فى العموم انت دماغك راحت
بعيد اوى
-بعيد فين انا كان قصدى اننا نتفرج على فيلم
مع بعض، لأ ازاى تفكيرك وصل لكدا؟!
رمشت عدة مرات محاولة السيطرة على اضطرابها
تطالعه بصدمة، مال بجسده ثم همس بصوته الاجش:
-بس انا معنديش مشكله خالص واضح ان ليلة
مباركة ومتسهله
سعلت بشدة وهى تطالعه بعدم استيعاب قائلة:
-دا ايه قلة الادب ديه
-قلة الادب فى ساعة المبروكة ديه مطلوبه
وبعدين انا لازم انفذ كلامك احسن تظنى فيا ظن
وحش ولا حاجة
جحظت عيناها من وقاحته ثم تجاوزته لتغلق حقيبتها:
-لا أنا لازم امشى انت مش طبيعى
انت شارب حاجة؟!
-عناب زى ليلتنا ان شاء لله
ارتفع صدرها بانفاسها العاليه لا تستطيع الرد عليه،
فاقترب منها يجذبها من خصرها، فهمست بريبة:
-على فكرة هصرخ
تعالت ضحكاته وهو يقول:
-طب مستعجلة ليه؟!
رفعت سبابتها فى وجهه بتحذير:
-على فكرة كدا ميصحش
تناول يدها يطبع قبله فى باطن يدها، لاح التوتر والخجل على وجنتها بينما ثبت هو نظره على عيناها
الآن فقط قد استكان فى وطنه هامسًا:
-اه، يا هاجر يا غربيتى وانا بعيد عن عينيكِ
اسرتنى عينيک فاستسلم القلب راغبًا، وألقيت بهما أمالى ولم يكن قلبى يقبل بالخضوع ابدًا، ولكنى لا ارغب فى العتق،
يكفينى فخرًا أن اكون سجين لهواكِ
فحركة مفاجأة كانت تحلق فى الهواء بين ذراعيه متوجهًا بها نحو الفراش هاتفًا:
-حانت ساعة الصلح
-اسمها ساعة الصفر
غمز لها بخبث هاتفًا:
-صفر ايه دا فال مش حلو وبعدين ممكن متقاطعنيش تانى
اقترب منها فاغمضت عيناها تفكر فيما وضعها القدر به مستسلمة للمساته، جزء بداخلها يعجبه ما يفعله معاها حنانه واحتوائه لحزنها تقبلته كزوج لكن كحبيب؟!
بينما اخذها معه فى جولة عشق ليبث شوقه وعذابه فى البعد عنها
*****
فى غرفة كيان
احست بترقب وتوتر رهيب من نظراته، تشعر بنظراته
الحادة تخترقها منذ أن رأته وبعد أن عادوا سويًا تنهدت بوهن
لا تعرف ماذا يجب ان تفعل؟!
خائفة
تائهة
مشتتة
فمنذ أن ولج تامر للداخل وطلبه للمرحاض وهى ترتعد
من الداخل من ثورة كنان، لا زالت صامتة تفكر فى الأمر
تخبره أما تتجاهل الأمر كله وتنتظر وقت اخر حتى
لا تعكر صفوة يومها؛ فاليوم الأول للبث التجريبى
لبرنامج الطبخ الخاص بها، ظلت تفكر مرة تلو اخرى
لا تمتلك القوة الكافية لتواجه
-سرحانة فى ايه؟!
توتر رهيب تسرب إلى قلبها شعرت بحرارتها تزداد
رفعت بصرها له قائلة:
-ولا حاجة بس اليوم إنهارده كان مشحون اوى
ازدردت ريقها بتوتر حينما سألها:
-احكيلى يومك انهارده كان عامل ازاى؟!
-عادى مفيش جديد بعمل زي ما قولت ليا فى الطلبات بخلص القديم ومش بستلم جديد ونزلت الطلبات لتامر وسبته يسلم هو، اه وجريت الصبح مع ساهر
نظراته بدأت تتغير رويدًا رويدًا، حاولت ان تطمئن
نفسها بإنه لم يعلم بوجود تامر معاها فى الشقة،
وكيف يعلم، تنفست هاتفة:
-فى أيه مالك؟!
ماذا به؟!
قلبه يؤلمه، روحه تحترق، كرامته تزأر ذلك الحقير
كان قاصدًا حتى انها لم تعلم انه اجاب على هاتفها
لكن هى السبب من سمحت له بالتمادى حدجها
بعصبية ثم ابتسم بتهكم:
-بس كدا دا كل يومك
-اه يعنى هكون طلعت القمر ومقولتلكش انت بتسأل
ليه كل الاسئلة ديه؟!
اتسمت ملامحه بالوجع وهو يغمغم:
-بسأل ليه؟!
كيان انتِ سألتينى كتير انت بتحبنى، وانا قولتلك اكتر
انى بحبك، ممكن أسالك نفس السؤال؟!
عمرى ما سمعتها منك؟!
-مالك إنهارده مش طبيعى
جذبها من معصمها لتنصدم بصدره الصلب وعضلاته
ليهدر بنبرة بائسة مختنقة فتنهل حدقتيه من عذوبة
قلبها المرهق ومازالت اظافره تنغرس بلحمها:
-كنان انت بتوجعنى
همس بنبرة تشى عن الألم الذى يعترى روحه عن القهر
الذى يسرى فى كيانه:
-كدا نبقى متعادلين رغم إنى اشك
ترقرقت الدموع بعيناها هامسة:
-انا وجعتك فى ايه يا كنان
كانت تتسائل بألم فاجابها بقهر:
-يمكن عشان كنتِ مع تامر فى الشقة لوحدكم وانا بسألك
بتكدبى بس عشان كدا، يعنى لو بتعتبرينى جوزك
ورجل تقدرى تقولى انى غرت على مراتى
احتلت الصدمة وجهها وهى تهمس:
-انت بتراقبنى؟!
كلماتها اشعلت نيرانه الهوجاء تركها بحدة وصاح بغضب:
-برافو زى كل مرة اقلبى الترابيزة عليا واطلع انا الغلطان
لا يا كيان مش براقبك دا و** اللى كان معاك فى شقة
رد عليا وانا برن عليكِ وقالى انك جوه
عارفة ليه رد عليا عشان هو شايفنى مش راجل ولا حتى انتِ
سيطرت الصدمة عليها ثم همست برعب جلى:
-رد عليك!
انا من غير ما اعرف كنت عايزه اقولك بس كنت خايفة منك
-انتِ عارفة وقعت كام مرة فى حبك وانا بشوفك
بتطبخى بحماس وعينيك بتبقى مليانة شغف
وانتِ مشعله الاغانى ومنفصله عن العالم كله كأنك
حوريه، تخيلى شعورى لما اعرف انك بتعملى كل
دا قدام رجل غريب
صرخت بحدة وهى تضع يدها على فمه:
-بس متكملش، متكملش ولما انت ظنيت فيا كدا
رجعتنى معاك ليه؟!
تدخل واحدة زى ليه بيتك؟! ترضاها على نفسك ليه؟!
على فكره هو وقف بره وطلب منى يشرب، وبعد كدا طلب
التواليت وانا اللى خرجت بره الشقه جنب الشغل
بتاعى معرفش رد امته ومقالش ليا انه رد
لكن انا كنت عايزه اقولك رغم ان انا وهو ماكنش
جوه مع بعض نهائى بس خفت منك
وفعلًا انت ظنت فيا ظن صعب اوى
فين الثقة اللى المفروض بينا
اخذ يضرب على صدره بعصبية:
-كفاية لوم فيا وانت مش مكانى مش حاسة بالنار اللى
بتقيد جوايا، ليه مستغربة حرقتى ونارى
وكلامى بدل ما تعتذرى بس عارفة ليه عشان مش
بتعتبرينى جوزك مش بتعتبرينى راجل دا حتت عيل
ادوسه بجزمتى بيعلم عليا ويقولى انا مع مراتك
فى الشقة، بس صح عندك حق وانتِ هتعرفى انى
راجل ازاى غير لما اثبتلك
قبل ان تستوعب خطورة كلماته كان ينقض عليها
يعانق جسدها الصغير مقارنة به، يقبلها بشراسة
دون ان يعتق رقتها وانوثتها؛ كانت قبلات بربرية
وحشية، غيرته تعميه لم يبالى بضرباتها وتشنجها
واختناقها، افترق عنها ليحملها ويضعها على الفراش
همست بصوت مختنق:
-كنان
بجنون وغضب اقترب منها ثانيةٍ الوهن تسرب
إليها ودموع تنهمر حتى همست بصوت متحشرج من البكاء:
-انت امانى انا ماليش حد غيرك لو دا حصل يبقى
الموت اهون عليا
صعقته بجملتها، صفعة قوية نزلت عليه افاقته من حالة
غضبه وجنونه تكورت على نفسها وهى تهز نفسها بعصبية كانت حالتها غريبه وجهها شاحب، فابتلع
وهو يغمم:
-انا ما شكتش فيكِ
كانت تطالع نقطة ما امامها وهى تهمس بضياع:
-عايزه انام، عايزه انام
حاله لم يكن افضل منها خائف ومرتعب من ردت فعلها لحظة غضب واحدة اطاحت بكل ذرة تعقل بداخله لعن نفسه وغباؤه واندفاعه لكن غيرته اكبر من السيطرة على نفسه، تسرب الرعب بين طيات قلبه وهو يقسم بأنه سيقتل ذلك الحقير الذى يسعى أن يفرق بينهم
*****
فى صباح اليوم التالى
لم ينم معاها فى نفس الغرفة، لكنها لم تستطيع ان تنام
طيلة الليل، خائفة كيف تثق به بعد ما فعله بها ارهقتها
دموعها، اثار قبلته القاسية لازالت تكوى جسدها ألمها لا يرحم، عادت ذكريات الماضى تهاجمها بشراسة كمشهد
سينمائى مرعب ضمت نفسها اكثر فهى اعتادت ان تحتضن نفسها وتبكى وحيدة طيلة الليل
تعلم انها اخطأت حين سألها وكذبت لكنها لم تعلم
كيف تجرأ تامر واجاب ولم يخبرها
طرقات على باب غرفتها ارعبتها لكنها نهضت بوهن شديد
تلتقط اسدالها لترتديه كل انش بجسدها يؤلمها فتحت
الباب لتطالع حماتها التى كانت ترمقها بربية من ملامح
وجهها الشاحب، قائلة:
-صباح الخير صحيتك
هزت راسها بالنفى قائلة:
-اتفضلى انا صاحية
-فين كنان
-مش عارفه شكله بات فى المستشفى
هزت رأسها بتفهم ثم طالعت انتفاخ عيناها من اثر البكاء ثم سألتها:
-انت معيطة؟!
تنهدت بألم قائلة:
-لا مش معيطة ميعاد البريود وبتتعبنى جامد
تأملت حدقتيه الشاردة والتى يحتلهم الضياع وحاولت
أن تبتلع كذبتها هاتفة:
-طب خدى مسكن وهبعتلك حد بحاجة دافية انا كنت
جاية اقولك انى مجهزه حفل بليل عشان رجوع زهير
وعزمت كذا حد من معارفنا وطبعا انتِ لازم تكونى موجوده
أومأت لها حتى تنهى هذه الوقفة استئذنت نهلة واغلقت
خلفها الباب حتى تسمح لنفسها بالانهيار ثانية
*****
فى المساء
دارت حدقتاها على وجه زهير بمهمة استكشافيه باليه
حدة ملامحه لتخفى قسوته كيف لا يروا
ذلك، ثوانٍ وقد دلف كنان يلقى التحيه على الجمع تأوه قلبها رغمًا عنها وشق العتاب طربقه إلى عيناه ردت التحية بخفوت ليجلس امامها على احدى الطاولات الخشبية فى الحديقة وظل يتطلع إلى وجهها دون أن ينطق بكلمه واحده شعوره بذنب والخزى من نفسه
يؤنبه، جرعة من الألم كانت متمثلة بخوفه لضياعها منه
كانت عيناه تغرق فى ملامحها العذبة بحسرة نظراتها تطعنه بقسوة، بينما هى بصعوبة سيطرت على مشاعرها
صدح صوت زهير قائلًا:
ايه اخباركم يا شباب؟! طمنونى عنكم
اجابتها شاهندا بفخر:
-تمام يا اونكل كنان عمل عملية كبيرة اوى والمفروض
الحالة هتدخل العمليات تانى بعد شهر وتعمل عملية
تانية وتنجح وفى حالة ديه اسم كنان هيبقى من اشهر
الدكاترة فى العالم
مال ضياء على بيلا هامسًا:
-المشعوذة ديه منتجت اسمى وانا المشرف على عملية
وكله بتوجهاتى
ضحكت بيلا بخفوت بينما صدح صوت ضياء:
-كله تمام يا بوص وزى ما قالت كدا الاخت ولا كأنى
كنت موجود اصلا فى اوضة العمليات
اجابتها بيسان بسماجة:
-ما هو يا دكتورة وراء كل رجل عظيم امراة عظيمة
رمقتها بتحد، بينما سألها زهير:
-مرتاحة فى شغلك يا بيسان ولا؟!
كنت عايزك تكونى معانا
-معلش يا دكتور بقى انا مرتاحة كدا اكتر
اما هو كان بوادٍ اخر يتأمل الحزن والضياع الذى
يصرخ بمقلتيها هى حزينة تتألم وهو اكثر منها
هى اقرب لقلبه من وتينه، تحدث زهير:
-طب الاخ ضياء او كنان محتاجين حد بكره بكتير
يكون فى فرع دبى ضرورى
اندفعت بيلا مسرعة بتلقائية:
-ضياء لا مش هيسبنى
ابتسم الجميع بينما هى اطرقت رأسها بحرج فقال
ضياء:
-اصلى فى كورسات بناخدها ولازم نطبقها
لكزته بحدة، واخيرًا همس كنان:
-هسافر انا
ابتسم زهير بفرح، نهضت نهلة قائلة:
-يلا يا جماعة الاكل جاهز مش هنقضى السهرة شغل
كان هو اول من انصرف لم يعد يتحمل نظراتها رحل
الجميع وبقيت هى وبجوارها بيسان متسائلة:
-ليه؟!
-نعم
علقت كيان بحيرة بينما استرسلت بيسان:
-ليه حاسكى ضعيفة وساكته ليه مش بتدافعى عن
حقك فى جوزك ليه السلبيه دا حقك
-لان دية ظروفى اللى طلعت منها
تنهدت بيسان قائلة:
-لا دية الشماعة اللى عجبتك مش اكتر انتِ حالك احسن
من غيرك بكتير صدقينى
ضحكت بسخرية:
-حالى انا بيتهيألك
تنهدت بيسان بملل، رفعت كيان رأسها لها وصبت كل تركيزها لتتابعها وهى تقول بثقة
-لأ حالك انتِ احسن من ناس كتير احمدى ربنا فى
اطفال بتتولد طول عمرها بتعانى من المرض بالعكس
انتِ بصحتك وحواليكِ ناس كتير اوى بتحبك فى
ناس بتقولك انا هنا، انت مش لوحدك حتى لو مريتى فى فترة
بدا فخلاص عدى لازم تكونى قوية وتحمدى ربنا اكتر
وتحاربى تاخدى حقك من الحياة كنان يستاهل صدقينى
وانت كمان ادى نفسك فرصة، وبلاش تفكرى فى حاجة
واحدة بس وحشه فى حياتك فى حاجات كتير احلى
ثم نهصت بيسان وارتسمت الجمود كعادتها
وتركتها فى بحر عتاب ذاتها
******
هبطت الطائرة فى مطار دبى تعلن عن وصول ركابها
سافر دون أن يودعها، استباح اللوم كيانه،
طوقه الخزى بشرنقة فاتكة ما الذى فعله باندفاعه
كان يريد ان يعاقبها يشعرها بمدى خطأها وتساهلها
مع تامر لكن ليس بهذه الطريقه قلبه يؤلمه بشدة
لذلك كان لابد أن يبتعد لفترة حتى تهدأ او بالاحرى
حتى لا تطلب ما يخشاه
وقف ينهى الاجراءات بضع دقائق وكان خارج المطار
لكن سار ما استرعى انتباه حتى توسعت عيناه بصدمة
قائلًا:
-كارما!!!
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الثامن والعشرون
-امسك يا هاجد البقلاوة لسه سخنة طالعة حالًا من الفرن
تلك الجملة اردفتها والدة هاجد فعقب عليها بابتسامة
هادئة:
-لا يا أمى مش قادر
سألته هاجر بتلقائية:
-انت ضروسك بتوجعك بردو
لم يفهم هاجد قصد هاجر بينما سألته والدته مسرعه
بتلهف:
-مالها ضروسك ياحبيبى؟!
رفع كتفاه بعدم معرفة ثم عقد حاجبيه وهو يطالعها
فسالتها حماتها:
-مالها ضروسه ياهاجر
رمقتهم هاجر باستغراب ثم اجابتها قائلة:
-مش انتوا قولتوا مابياكلش البقلاوة عشان ضروسه
وجعاه لما كنا هنا انا وبابا
كتمت والدته ضحكاتها وهى ترمق هاجد بخبث قائلة:
-ضروسه اه يا قلب امه، هو انت متعرفيش موضوع ضروسه دا
انت لسه مفهمتهاش ياهاجد
ظلت تحدق بهم ببلاهة اما هو كان يطالعها بعينين
مغرمتين نهضت والدته وتركته متعللة بموعد الصلاة
اما هو نهض مبتسمًا يجلس بجانب جنيته التى غزت
احلامه طويلًا، لم تتزحزح من مكانها وهى تحدق به
ببلاهة مد يده يحاوط خصرها فخفق قلبها وهى ترفع
عيناها إليه، تنهد هاجد وهو يهمس بنبرة عاشق:
-انتِ البقلاوة
نظرت له بتعجب ثم اردفت:
-مش فاهمة؟!
مرر عيناه عليها بعشق يتفحص ملامحها ويضمها إليه
اكثر فاكثر جف ريقها من محاصرته لها، فاردف:
-بصى يا ملكة الفؤاد انا امى احسن واحدة فى العالم
تعمل بقلاوة وكان ابويا الله يرحمه مسميها بقلاوة
كناية يعنى عشان بتعرف تعمل بقلاوة وعشان زى
ماانتِ فاهمة بقى، المهم لما امى ابتدت تزن على الجواز
قولتلها لسه ملقتش البقلاوة اللى زيك لحد ما قررت الجواز وانتِ طبعا البقلاوة بتاعتى فجت مره بتعمل
بقلاوة قولتها مش عايز قالتلى ليه قولتلها
مستنى البقلاوة بتاعتى، ومدقتش بقلاوة غير
وانتِ فى بيتى وحضنى
-قصدك إنى انا بقلاوة
أومأ وهو يتناول احدى خصلاتها الثائرة ثم دنى منها وهو يضعها خلف اذنيها ليغمض عيناه باستمتاع ليشم
رائحة عطرها ثم فتح عيناه ليطالع توهج عيناها
اما هى كانت رائحة عطره الرجولى تخترق انفها تشعر بنبضات قلبه
تحت يدها التى تستند على صدره، فهزت رأسها وهى ترى
تحول نظراته؛ نظرات باتت تعرفها جيدًا فهمست:
-على فكرة احنا مش فى بيتنا
دس اصابعه فى منابت شعرها وهو يهمس بانفاس ثقيلة
-على فكرة هنا بيتنا وفوق بيتنا
وعلى العموم يلا بينا على بيتنا
نهض ثم انحنى يحملها بين ذراعيه فتشهق هى مفزوعة
من حركته ثم تذمرت بحنق:
-نزلنى عيب كدا ميصحش مامتك تقول ايه بلاش جنان نزلنى
-متقلقيش هتقول ان ضروسي خفت
هأكل بقلاوة براحتى
اغمضت عيناها وهى تشعر بقبلاته يقبلها قبلة خفيفة
بينما جسدها استهل باستسلام فهو كان يشوش تفكيرها
ويفرض سحره عليها فهمست بخفوت:
-انجز احسن هنتقفش هنا
قهقه وهو يقول:
-نتقفش هو انا شقطتك، مد ايدك وافتحى الباب دا
*******
وقفت بيسان تتأمل تنسيق غرفة الكشف وكيف
سيتم تجهيزها كانت ترتدى بدلة نسائية وحذاء
ذو كعب عالى وترفع خصلات شعرها البنى
بدبوس الشعر ألقت نظره سريعة على الرسم
التخطيطى الذى بيدها ثم استدارات قائلة:
-تمام بس عايزة الاوضة اللى جوا يكون ليها تواليت
خاص بيها لوحدها
تناول المخطط من يدها يرمقه باهتمام قائلًا:
-انا شايف انه مفيش داعى انا عامل واحد خاص فى
اوضة الكشف بتاعتك وكمان واحد كبير مقسوم
نصين رجالى وسيدات اظن كدا كفايه
فركت رقبتها بتوتر قائلة:
-انا عايزه عشان هتبقى اقامتى فى الاوضة دي
عقد حاجبيه باستنكار:
-هتسكنى هنا
ثم تابع هاتفًا:
-لو عايزة حاجة قريبة من العيادة ومش كبيرة المساحة
انا ممكن ادورلك بسرعة
هزت رأسها بالنفى وطافت عيناها بالحزن لكنها رسمت
ابتسامة باهتة:
-مش مستاهلة انا كدا ولا كدا قاعدة لوحدى فهنا ليا
احسن، وبعدين انا شاغلة فى المستشفى والعيادة يعنى
هما ساعتين بس اللى هريحهم فى اليوم
نظر إليها طاهر بوجع متذكرًا محادثة والدتها المرة السابقة ثم ابتسم لها ليطمئنها لتنفيذ طلبها وقبل
ان ينطق صدح رنين هاتفه فاستئذن ليجيب على
والدته ثم اخذ يضرب رأسه بحنق قائلًا:
-انا متأكد مش انا اللى طلبت الأكل دا، على فكرة
كرم اللى طلب الاكل دا
-انا عندى شغل انا مالى، ما حدش قالك تقفى طول
النهار فى المطبخ
-هو ايه اللى كفاية انى مستحملاكم
- طب هحاول خلاص سلام
استدار لها باحراج قائلًا:
-كنا بنقول ايه؟!
ابتسمت بهدوء:
-تروح تتغدا مع مامتك ومتزعلهاش وبكرة نخلص
-لا مقدرش احسن تخصمى منى ولا حاجة
طوت يدها امام صدرها ثم رفعت حاجبها:
-لا متقلقش انا تكرمت عليك وهديك اجازة
-حيث كدا تيجى تتغدى معانا بما انك قاعدة هنا
محدش هيعملك محشى وبط وملوخية
تنهدت ثم استدارت تعبث فى حقيبتها لتخفى معالم
وجعها قائلة:
-بالهنا انا مش فاضية للاسف المفروض رايحة
المستشفى اتفضل انت
******
للقدر فنون واحكام
ما أن وطأت قدمه خارج اعتاب المطار سمع صوت
يصيح بطريقة حدة التفت بتلقائية وجد باهر
يقبض على معصم كارما قست نظراته وهو يرشقه بغضب، لكن ما جعل عيناه تتسع من الدهشه انها كانت تقف كجبل جليد تنظر امامها بملامح
خالية من الحياة
نبض الجحيم فى حدقتيه وهو يهرول نحوهم لكنه
جذبها يدفعها بقسوة داخل السيارة كانت كخرقة بالية
وقبل أن يقترب كنان،
انطلقت السياره وقف
ينظر فى اثرها لدقيقة لم يستوعب الموقف ككل
لكن هناك حلقة مفقودة تبدو كالمغيبة ليست
كارما الصغيرة، فرك وجه بعصبية لكنه يجب
أن يتأكد قبل أن يتخذ اى خطوة تؤثر عليها
خلال اقل من نصف ساعة كانت السيارة تقف
بجانب بناية شاهقة الطول ترجل كنان ودخل
البناية واستخدم المصعد، توقف امام الطابق
المنشود خرج ووقف امام الباب، رن الجرس ثوانٍ وكانت تفتح له
هويدا التى ابتسمت بسعادة وضمته إليها بحنو
قائلة:
-حمدلله على السلامة ياحبيبى ضياء قالى
انك جاى بس مقالش انك جاى على هنا
ابتسم كنان ثم اجابها بهدوء عكس ما بداخله:
-قولت بدل ما انزل فى بيتنا لوحدى اجى اقعد معاكِ
بالمره اشوف كارما وحشانى هى هتيجى انهارده
-لا هى مش بتيجى دلوقتى بتيجى الصبح كل كام يوم
عشان بيتها وجوزها والدراسة وانا مش برضى ازن
عليها، بس هتيجى بقالها ٣ ايام مجتش هتفرح اوى
ابتسامة باهتة هز رأسه بالايجاب والتزم الصمت حين
يراها غدًا
*****
ولجت لشقتها قبله او بالأحرى زنزانتها تغمض عيناها
بقهر كيف انطلت عليها الأعبيه كيف اوقعها فى فخه
وجعلها تركض بسعادة خلفه كيف انخدعت بتلك السهولة
ولِمَ لا فهى كانت طفلة لم تتجاوز عامها السابع عشر
تشعر بالغباء لكونها وقعت فى عشق معدوم الاخلاق
والضمير هذا، نصب شباكه حولها منذ اول يوم
سمعت صوت خطواته تقترب منها غرس اظافره بذراعها
ليجبره على الاستدارة وهو يهمس من بين اسنانه:
-انتِ ازاى تعملى كدا الرجل دا مديري فى الشغل
ازاى يبقى بيكلمك وتمشى وتسبيه
كانت تشعر بالمرارة فهمست قائلة:
-كويس انى مشيت وسبته بس دا كان عايز قلمين على
وشه، ولا الاستاذ ماكنش ملاحظ نظراته ليا عاملة ازاى
جز على اسنانه وهو يقول
-بطلى بقى النفخة الكدابة بتاعة اللى خلفوكى دية
وان كل الناس شايفينك ملكة جمال وهيتهبلوا عليكِ
-طب طلعت واطى ونصاب وعرفنا بس كمان مفيش
رجولة
صفعة قوية وقعت بالارض على اثرها وسالت الدماء
من شفتاها صرخت:
-ربنا ياخدك ويريحنى منك بتتشطر عليا انا
وماكنتش شايف الرجل ولا مغمض عينيك
انحنى يسحبها من شعرها لداخل الغرفة ثم تركها
وهو يركلها بكل قسوة وخرج وتركها ثم سمعت
صوت المفاتيح علمت انه حبسها كعادته فى الايام
الاخيرة حبس انفرادى كانت تستلقى ارضًا ودموعها
تلسع جفونها بقهر تقوقعت على نفسها حتى يأتى
الصباح ويحين موعد الافراج عنها
*****
-تامر هو انت يوم ما اخدت الطلبات للتوصيل رديت
على كنان؟!
-استقبل ساهر تلك الكلمات بانزعاج، بينما تعرق جبين
تامر قائلًا:
-ايوه لما دخلتى جوه رديت قولتوا انك فى الشقة
بتجيبى الطلبات حبيت اطمنه
لم تمتلك كيان نفسها وهزت رأسها بيأس وهى تسأله بحدة طفيفة:
-ولما رديت ليه معرفتنيش ياتامر حاجة زى دية
وبعدين ليه تقولوا احنا فى الشقة مع بعض هو احنا
كنا فى الشقة مع بعض
اندفع ساهر بحدة وعيناه تلفظان نار قائلًا:
-انت ازاى تعمل كدا؟!
انت اتجننت مش ملاحظ انك اتخطيت الحدود
اطرق رأسه ثم رفع عيناه لكيان برعب من فكرة
زعلها او خصامها او ان يكون تسبب لها بايذاء
فهمس بصدق كطفل صغير خائف من عقاب والدته:
-انا اسف
ولازال يطالع ملامحها التى ارتسمت عليها الحدة والعصبية:
-قولى اى حاجة بس متسكتيش كدا
انا غلطت عقابينى بس بلاش البصة دية
صاح ساهر:
-ازاى تمسك الفون بتاعها، ازاى تسمح لنفسك انك
تقوله انها معاك فى الشقة
دون أن يلتفت إليه وبدأت عضلات فكه تتشنج
واطرافه ترتجف ثم صرخ به جعل كل من حوله
يلتفتوا إليه:
-اخرس يا ساهر مالكش دعوة انت
اخرس، كيان مش هتردى عليا
نهضت واقفة تحمل حقيبتها وهى تقول بألم:
-خلاص يا تامر حصل خير انا كنت بعرف منك
مش اكتر يلا انا لازم امشى
انصرفت من امامه فرمقه ساهر بحدة فغطى وجهه بيديه كان يشعر بالاشمئزاز من نفسه لما يمكن ان تكون تعرضت له بسببه، اندفع خلفها ساهر مسرعًا يجذبها من معصمها قائلًا:
-استنى رايحه فين؟!
-فى حاجات كتير عايزة اعملها ورايا ميعاد عند الدكتور
وعايزة اطلع اخد شنطتى من الفيلا واروح الشقة
توسعت عيناه بصدمة قائلًا:
-هى وصلت لكدا بينكم
هزت رأسها سريعًا تنفى ما توصل له هاتفة :
-لا مش للدرجة دي كنان سافر وانا حابه ارجع هناك الشقة
-ليه حد ضايقك هناك؟!
تنهدت بضيق مردفة:
-لا بس حابه ءاقعد لوحدى
فتح باب السيارة قائلًا:
-ممكن تحكى ايه اللى حصل
تود ان تخرج ما فى صدرها لشخص قريب سردت له
ما باستثناء الجزء الاخير حتى انه ذهب دون أن يودعها
فالتزم الصمت لدقائق فتعجبت منه ثم سألته:
-سكت يعنى؟!
-انا بس بحاول استوعب رد فعل كنان وازاى كان هادى كدا، انت متخيلة واحد يتصل بمراته فيقوم واحد غريب
يرد عليه ويقوله انا ومراتك مع بعض فى الشقة فيروح
يسألها عادى فتنكر حاجة زى دية انتِ متوقعة ممكن
اقل تفكير يكون جه فى دماغه ايه
-انا كنت خايفة من ردة فعله
ردة فعله يعرفها دائمًا من عينيها عندما يقترب منها
تامر ، لكنه حدثها بمكر ليجعلها تعترف بالحقيقة
قائلًا:
-نعم خايفة منه دا ايه هو بيتطاول عليكِ مد ايده
حاول يجرحك بالكلام عرفينى ياكيان
اجابته بصدق وهى تنفى ما قاله:
-لا لا محصلش اى حاجة من دية نهائى بالعكس بيعاملنى كويس جدًا وطيب معايا فوق الوصف
ولحد دلوقتى مراعى ظروفى واللى مريت به بس
هو موضوع تامر اللى بيعصبه ومش متقبله ومش
مدرك انى هو البنى ادم الوحيد اللى من الماضى
بتاعى اللى يعرفنى
تنهد وهو يهز رأسه بيأس قائلًا:
-لا اختيِ فعلًا بجد دلوقتى ابصم بالعشرة واخدة نفس دماغ ابويا الله يرحمه يابنتى اللى بتطلبيه فوق قدرة أى رجل افهمى طب اقلبى الادوار كدا واللى اسمه تامر دا حب واحدة وانتِ حسيتى انها مش متقبلة وجودك هل هتفضلى زى ما انتِ كدا ولا هتبعدى شويه وتسمحى ليه بحياة خاصة بيه هو
لم تستمع لكل ما قاله فقط الجملة الأولى ثم صُمت
اذنيها فابتلعت متسائلة:
-هو انت ماكنتش مصدق انى انا اختك
توسعت عيناه بذهول فهو قال جملته بحسن نية
من باب المزاح هاتفا مسرعًا ليصحح كلامه:
-لا دية جملة بتقال عادى، انا اسف انت فهمتى ايه ياكيان
دا انتِ ..
قاطعته وهى تقول:
-لو سمحت نزلنى هنا يا ساهر
-والله ما قصدى اللى وصلك
اجابته بنبرة بائسة:
-نزلنى وياريت تحترم رغبتى حابة ابقى لوحدى
*****
القت نجاة نظره اخيرة على الطاولة ثم ابتسمت برضا علي
ما صنعته يدها وتقدمت نحو ابناءها وتلك الضيفة
قائلة بسعادة:
-يلا اتفضلوا السفرة جاهز
نهض طاهر وبيسان وكان سبقهم كرم الذى مد يده سريعًا يتناول احدى لفائف الملفوف بالارز(محشى)
ثم تأوه بعشق لهذه الوجبة:
-الله على المحشى ولا منظر البط
يلا جماعة انا مش مسئول ولا هخلى حاجة لحد
-يا كاسفنى اللى يشوف كدا يقول حرماك
تناولت الصحن من امام بيسان وسكبت لها فابتسمت
بسعادة هى اول مرة تشعر بدفء هكذا لكن هذا البيت
به شئ غريب شعرت بالألفة بداخله فسألتها نجاة بمكر
وهى ترمق ابناءها
-يعنى انتِ يا دكتورة قاعدة لوحدك هنا واهلك موافقين
أومأت لها ثم استرسلت نجاة قائلة:
-شكلك مش مخطوبة ولا متجوزة
-لا يا طنط لسه محصلش نصيب
اخذت الصحن من امامها تملؤه فرمقتها بيسان بذهول:
-كدا كتير يا طنط مش هقدر اخلص
ابتسم طاهر وهو يقول لوالدته:
-براحة ياست الكل دي كانت عايشة برا ومش متعودة على كل دا
-اسكت انت، إلا بحق مش ناويين تستقروا هنا
يعنى اهلك ينزلوا وتقعدوا هنا
قبل ان تجيبها كان طاهر وكرم ينهضان من على الطاولة
مما اشعرها بالحرج وقبل أن تنهض هى الاخرى ضيقت نجاة عيناها
وهى تقول بتحذير:
-اقعد يا تور منك ليه عندنا ضيوف ولا انتوا متعرفوش
الذوق
احمرت وجنتي بيسان بخجل قائلة:
-سبيهم يا طنط على راحتهم انا اصلا شبعت
جلسا ثانيةٍ بينما استرسلت هى توضح لها:
-دول شبعوا دول يأكلوا الحيطان ويحلوا بيا
بس عشان عاملة طقوس اخر واحد يقوم يغسل
المواعين فيقوم يكملوا اكل فى المطبخ كلى يا دكتورة
حاولت بيسان كتم ضحكاتها فحدثها طاهر بحنق قائلًا:
-اضحكِ متكتميش فى نفسك الدنيا كلها عارفة اننا
بنغسل المواعين
وجدها كرم فرصة ليسأل عن مايشغل باله فى الايام
الاخيرة:
-يعنى انتِ والدكتور ضياء قرايب
هزت رأسها بالنفى:
-لا احنا هناك فى دبى اغلبية الاسر المصرية بتبقى
عارفة بعضها هناك وكلنا معارف
-اه بس هما استقروا هنا صح؟!
اجابته بجدية قائلة:
-ما اظنش اكيد طنط هويدا مش هتسيب كارما هناك لوحدها
صب كامل تركيزه معاها قائلًا باستنكار:
-وتسيبها ليه اذا كانوا هيستقروا هنا كلهم
لوت ثغرها بتهكم قائلة:
-عشان جوز كارما شغله هناك وبالتالى عشان هى مراته
مش هتسيبه وطنط كمان
الصدمة الجمت لسانه لا يعلم لِمَ اعتصر قلبه فجأة
سرعان ما استعاد وعيه وهو يهتف بضياع
-هى كارم العيلة دية متجوزة ازاى يعنى؟!
قطب طاهر حاجبيه وهو يتضرع ان يكون ما فهمه خطأ
فهو يعلم ان هذه النيران ستلتهم روحه، لكت نجاة اللقمة فى فمها
وابتلعتها بصعوبة وهى ترى تغير ملامح ابنها همست
بخفوت:
-الاتنين يا وجع قلبك يا نجاة
ابتسمت بيسان قائلة:
-طب انا خلصت اغسل ايدى واجى احكيلك ازاى
ممكن
*****
ما لسه بدرى يا شيف مستعجلة على المشى ليه؟!
قال زهير جملته وهو يطالعها بحقد وانتصار وفى آن واحد
وقفت ووضعت حقيبتها بجانبها قائلة:
-بدرى من عمرك، انا مقعدش معاك فى مكان واحد
لان دا ميشرفنيش
قهقة زهير بغيظ قائلًا:
-اوبا بقينا نخربش كمان اومال بنهرب ليه
-سيبك منى وخاف على نفسك انا حقيقى مشفقه عليك
لما تقف قدام ابنك ويعرف البلاوى بتاعتك ويبصلك
باشمئزاز ولا مراتك انت اللى بقيت خايف مش انا
كل مكان تبقى فيه تبعد ابنك عنك عشان قذارتك
جز على اسنانه قائلًا:
-انا لو فكرت افعصك فى ثانية مش هتاخدى منى
وقت على فكرة بس شايف نفسك خلص بدرى
طوت يدها امام صدرها وهى تقول بحدة زائفة:
-طب ما تفعصنى ماستنى ايه؟!
هز رأسه مؤكدًا
-متقلقيش بعد ما ابنى يرميكِ هفعصك
عشان متعرفيش تدخلى حياته تانى
-انت استحالة تكون اب وهو خسارة فيك وعلى فكرة
انا بفكر اعمل فرح وناخد بيت بعيد وابقى ورينا
هتعمل ايه؟! وعن اذنك يا اونكل
******
فى دبى
اغمض عيناه بألم ينهش قلبه نهشًا لا زالت جملتها تدوى
فى اذنيه تمزقه اربًا اشهرت سيفها فى وجهه وطعنته
بلا رحمة كلمتها كانت تعنى الكثير انه خان ثقتها
حطم احلامها، ياليته لم يقع اسير عشقها
فويل قلبه من هذا العذاب، ومن قسوتها لم تترأف
بحاله وتعلم مدى غيرته عليها، اغمض عيناه يحبس
دموعه وقلبه يتألم بين سرايا الاوجاع يشعر انه
مكبل كان يود ان يخنق تامر
تذكر حين خرج من المشفى مندفعًا لكن انحرف بسيارته
وذهب إلى طبيبها
لو سمحتِ قولى لدكتور سعد اني محتاج اقابله ضرورى
هزت رأسها وسمحت له بجلوس ثوانٍ وكان عنده بالداخل يجلس امام الطبيب المعالج لها يسأله
-دلوقتى انا عايز اعرف حالة كيان اتحسنت ولا
لأ وهل زى ما انت قولت دا تعلق مرضى بسبب
الظروف
ابتسم الطبيب واجابه بعملية قائلًا:
-قولى سبب مجيك هنا وانا اجاوبك على سؤالك
الاول يا دكتور
سرد له ما سار بانفاس هائجة:
-تعرف يا دكتور فى شعرة صغيرة بين الغيرة
وعدم الثقة ولازم احذرك عشان صعب شعور زى دا
يوصل لواحدة زى كيان تعتبر لسه مهزوزة
-طب خلينا اسألك ايه هو الحب؟!
-الحب بالنسبه ليا قضاء وقدر ربنا بيحطوا فى قلوبنا
لشخص معين
هز الطبيب رأسه بالايجاب :
-ونعم بالله، وطالما انت قولت كدا قصرت عليا كتير
مش كل الناس قدرها ونصيبها فى الحياة حلو
فى ناس اتكتب عليها الشقاء عشان توصل للحب
لازم تعافر، الحب مش كلام اغانى وحب وعصافير
وطوبة فضة وطوبة ودهب
الحب احتواء ومسئولية طبعا متبادلة بس
الجواز بيحتاج للأكبر من الحب
تخيل الحب لوحده مش كفاية فى الجواز حاجات
كتير بتكمل الحب عشان يكون فى بيت دافى
وانت وكيان فى حب بس ناقصه حاجات كتير
عشان تسد الثغور اللى فى حياتكم وتحسوا بدف مشاعركم؛ الثقة، الاحتواء
لغة حوار جديدة، الاحترام، التفاهم والاهم
انك تستوعب اللى مرت بيه اديها فرصة مساحة
تحكى وبعد كدا عرفها فين الغلط وعلى فكرة لو قربت
من الواد دا يبقى بتخسرها واتفضل بقى عندى
كشوفات وانت مأخرنى كدا يا دكتور
هدأت نيرانه بعد الشئ لكن قلبه مازال مشتعل
عاد من الذكري لواقعه وهو يتأوه بعذاب
-وحشتينى يا كيان قلبى واجعنى
ثم التقط هاتفه ليحدث والده ليطمئن عليها حتى
يعطيها مساحتها فى نسيان ما فعله:
-يعنى ايه يابابا مشيت
-محدش وقفها ليه وخدت شنطتها ازاى؟!
-اقفل يا بابا عن إذنك
******
منذ تلك الليلة ولم يذهب لعمله بقى معاها كنوع
من الأعتذار كان قربه منها يدفئ صقيع قلبه
حاولت النهوض لكنها شعرت بيديه على خصرها
وهو يضمها لصدره العريض وطبع قبلة حارة
على عنقها لتكتم تنهيدتها فهمست قائلة:
-عايزة اقوم احنا نايمين من العصر
-لأ خليكِ جنب قلبى كدا
اغمضت عيناها من انفاسه لكنها وعت لشئ انها
مستسلمة للمساته ولكلمات الغزل التى يمطرها بها
هى لم تعشق طاهر لكنها احبت مواقفه الرجولية
دفء بيتهم، احبت الحب ذاته وليس طاهر
ربما فكرة أن تكون محبوبة ويكون لديها ملجأ يحتوى
قلبها، ربما شغفها أن تخوض تجربة الحب التى
تشاهدها فى المسلسلات التركية، لكنها فى الحقيقة
لم تحبه ولأول مرة منذ زواجها تعقد هذه المقارنة
التى كانت لصالح هاجد
حاولت ان تنهض ثانية لكن هذه المرة نهض وهو يتمتم:
-ادينى قمت يا هاجر عايزة ايه؟!
-هو ايه الانسان اتخلق للنوم بس فى احتياجات تانية
ابسطها انى ادخل التواليت وكمان انا جوعت بقى
تحمحم بحرج:
-خلاص ياستى اسفين متزقيش كدا
يلا ناكل وندخل التواليت
-نعم!!! دا ايه جو الجمع دا مفيش كدا ناكل اه تواليت
لأ
قالت جملتها وهى تنهض بتذمر فالتو ثغره وهو يقول بمكر
-خلاص يا ستى متزعليش مش هدخل انا معكِ
بس انا عايزك معايا حلو كدا
وقفت تضع يدها فى خصرها:
-يا سلام
-خلاص مش عايز وخليكِ فاكرة معاملتك
ثم استرسل بجدية:
-هاجر معلش عمتى عزمانا بكرة وانا قولتلها ان شاء لله
نيجى
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل التاسع والعشرون
للمرة التى لا يعرف عددها يتصل بها ولا تجيب، مكبل
اليدين، وهوبعيدًا عنها القلق ينهش قلبه لماذا غادرت البيت؟
هل ضايقها احد؟ هل اخذت القرار بتركه؟ هل هى بخير؟ سيحجز أول طائرة لا يستطيع الصبر كى يطمئن عليها
قام بالاتصال كى يحجز لكنه تراجع؛ لابد أن يطمئن علي كارما
وما يحدث معاها، ضغط على الهاتف وقام بالإتصال
ثم وضع الهاتف على اذنه منتظر الإجابة حتى جاءه
صوت ضياء الناعس فتنهد قائلًا وبوجع وقهر للرجولته
وكبريائه:
-ألو ياضياء اسمعنى عايزك تروح الشقة تتطمن على
كيان هناك ولا لأ
اجابه ضياء بنعاس:
-انت اتجننت انت عارف الساعة كام عشان تتصل
بيا وتصحينى
اغمض عيناه محاولًا ضبط انفاسه المتسارعة من فرط
التوتر:
-عارف يا ضياء يلا انجز نص ساعة وهستناك تطمنى؟!
-ولما انت مش اد البعد اتسحبت من لسانك ليه؟!
على العموم الصبح بدرى هروح واشوفها ما هو
مش هينفع اروح الوقت متأخر
صرخ كنان:
-دلوقتى يا ضياء دلوقتى بسرعة
فرك ضياء وجهه وهو ينظر إلى بيلا التى بدا عليها
الإنزعاج من صوته:
-خلاص هلبس وهنزل على طول
اغلق كنان هاتفه والقاه على الفراش بجواره، قلبه يرتجف داخل صدره، هل تريد الانفصال؟! لا يستطيع
ان يعيش دونها اخطأ انه تركها ولكنه كان يريد أن
يجعلها تنسى فعلته سيجن يشعر ان العالم كله يدور
به، تجلى على ملامحه الضعف وألم جلد نفسه بالسياط
حواسه تتأهب للصدمة القادمة، حريق بداخله
......
وقف ضياء اسفل البناية وهو يجز على اسنانه لكنه
عزم على تنفيذ ما جال فى خاطره، صعد للأعلى
ووضع يده على الجرس ولم يرفعها
انتفضت بفزع وهى تبحث عن اسدالها من سيأتى إليها
فى هذه الساعة المتأخرة من الليل فتحت الباب لتجد
ضياء امامها همست باستنكار:
-ضياء!!!
رفع عيناه إليها بألم زائف، ابتلعت خوفها وهى ترمقه بتوجس
فهمس قائلًا:
-انا اسف جيت فى وقت زى دا بس للاسف كنان
همست برجاء باح بصميم وجعها:
-ماله كنان، اوعى تقول انه جرى ليه حاجة؟!
هو انت ساكت ليه؟! انطق لو سمحت يا ضياء
اخفض ضياء عيناه وهو يتمتم بكلمات بنفس الألم
والأسى قائلًا:
-كنان وهو خارج من المطار خبطته عربية وللاسف
حالته صعبة
هزت رأسها بهستريا ألم وحشىّ نهش قلبها رفعت يدها
تكتم شهقاتها دموعها تنهمر على وجنتيها وهى تسأله
بحرقة:
-يعنى ايه حالته صعبه يعنى ايه؟!
طب خدنى ليه؟!
انهت جملتها وهى تسقط على الارض تنحب حتى
صارت انفاسها بطيئة وكأنها انعدمت، جثى على
ركبتيه امامها قائلًا بمرح:
-ولما بتحبوا بعض مفرهدين بعض ومفرهدنا معاكم ليه؟! يا ستى مفيهوش حاجة متقلقيش انها مزحة
قال جملته ثم نهض واقفًا بعلو، تحاملت على نفسها
ونهضت وهى ترمقه بنظرات ملتاعة تسأله بتلجلج:
-انت بتتكلم بجد بتقول ايه
هو فين كنان انت بتضحك عليا عشان اهدى هو كويس؟! خدنى ليه؟!
تسلل شعور الندم بداخله لكن عقله القابع داخل رأسه لم
يسعفه سوى لذلك حتى تجيب على كنان الذى سيجن
فهمس بأسف:
-اهدى والله كويس بس حالته متقلش عنك كدا
هيتجنن ويطمن عليكِ اتصل بيكِ فى الفيلا وانتِ
مش بتردى، اما اللى انا قولتوا حبيت اقولك
ان الدنيا مش مستاهلة خصام
تمتمت كيان وعيناها تبرقان بالغضب:
-مزحة انت جاى تفول عليه وتقولى مزحة
انت ازاى تقول كدا بعيد الشر عليه انا مش قادرة اصدق
بصراحة، وعلى فكرة دمك مش خفيف خالص
قالت جملتها ثم صفعت الباب بوجهه توسعت عيناه
بصدمة وهو يهمس:
-يابنت المجنونة، ولما هو كل دا مش بتردى عليه ليه
خايفة العربية تخبطه وانتِ هتموتيه بالجلطة يا بعيدة
ارتمت على الاريكة تبكى وقلبها يعتصر من الالم
كانت تتذكر زيارتها للطبيب المعالج لحالتها
لم تستطيع أن تكمل حديثها عندما وصلت إلى ما فعله كنان صمتت ثم سردت بايجاز
ساد الصمت فى الارجاء حتى سألها الطبيب:
-ممكن اعرف ايه اكتر شئ مضايقك كدا؟!
رفعت بصرها إليه بعدم فهم، فعدل من وضع نظارته الطبية ليسترسل قائلًا:
-يعنى متضايقة انك خبيتى على كيان لما سألك؟!
ولا متضايقة انك وصلتيه لكدا معاكِ؟!
حاولت التماسك قائلة:
-انا مقصدتش اخبى انا قولت بلاش اقوله لأنه بيتضايق
من تامر
سألها الطبيب مباشرة:
-اشمعنا تامر
اجابته باستنكار:
-هو ايه اللى اشمعنا تامر الشخص الوحيد
اللى باقى ليا من الماضى محدش فاهم احنا مرينا بأيه
صعب حد يتخيل القسوة اللى كانت فى ايامنا والاصعب ان اتخلى عنه
تنهد الطبيب بهدوء شديد وهو يقول:
-يعنى الماضى اللى هو تامر اهم من الحاضر اللى كنان
-انا مقولتش كدا
ابتسم الطبيب بعملية:
-طب خلينى اسأل سؤال بشكل تانى؟!
عملتى ايه عشان تحافظى على علاقتك مع كنان بمعنى
هو لما بيمشى خطوة انتِ كمان بتمشى خطوة زيها
ولا بتمشى خطوتين ولا بترجعى لورا خطوة
كان كلام زهير يقفز امامها هو من يقف بينها وبين
كنان دائمًا
اجابته بوجع قائلة:
-لأ مش باخد خطوة انا واقفة مكانى لكن انا بردو
مش بصدُه
اعتدل الطبيب فى جلسته وهو يقول:
-بس لكل واحد قدرة تحمل عن التانى بمعنى اننا كلنا
عندنا عيوب، وممكن عيب عند حد يبقى عند حد تانى
ميزة، وطالما فيه تصرفات بتوجعك وصعب تتقبليها
لازم تعرفى ان غيرك زيك بالظبط فى حاجات ممكن
يقبلها وحاجات لا فى حدود عندك انتِ لسه مش سامحة ان يتخطاها كزوج، وهو كمان فى حدود استحالة
يقبل مراته تتخطاها
ولا انتِ بتراهنى على حبه ليكِ
مثلًا عايزة يبقى حب غير مشروط يتقبل اى شئ
منك حتى لو على حساب كرامته
انكمشت ملامحها عند هذه الفكرة؛ فكرة ان يتركها
ويبتعد، انزعجت ملامحها تجيبه:
-هو السبب مش قادر يستوعب ولا يفهم كل اللى همه
ابعد عنه وبس مش مقدر اللى جوايا
-حاولتى انك تقعدى معاه وتفهميه وجهة نظرك وانتوا
الاتنين ترسموا حدود وشكل علاقة تامر بيكِ
-لأ، وعلى فكرة هو سافر وسابنى
سألها بهدوء:
-طب حاولتِ تعتذرى منه؟!
اعتدلت فى جلستها متسائلة بدهشة:
-انا اعتذر بعد اللى حكيتوا ليك
هز رأسه بالايجاب قائلًا:
-ايوة، فى الأول رد تامر عليه والصيغة اللى بلغوا بيها
استفزت رجولته
وثانيًا لأنك خبيتى على جوزك صحيح كانت نيتك
مش حاجة وحشة بس كان فى مكالمة تقول عكس
كدا
ثالثًا انك رميتى المسئولية كلها على جوزك ومظنش
رجل زى كنان سهل يوصل لكدا بسهولة
-حضرتك تبرر ليه ابدًا هو غلطان جدًا
رفع كتفاه بعفوية قائلا:
مش ببرر ليه بس بحطك قدام كام نقطة
انهى جملته ونهضت هى واقفة قائلة:
-كفاية كدا انا تعبت
-تمام، بس احب افكرك انك لازم متخبيش عليا حاجة
ولازم اعرف ايه اللى واقف بينك وبين كنان غير اللى
قولتيه، غير ان لسه هنتكلم اكتر عن تامر
فاقت من شرودها على صوت هاتفها كانت الشاشة
تضئ باسمه وضعت الهاتف على اذنيها سريعًا قائلًا
بصوت متحشرج من اثر البكاء:
-انت كويس؟! انت مفيكش حاجة صح
اجابها بتلهف:
-مالك يا كيان؟! انا كويس انتِ كويسة مش بتردى ليه
-انت اللى قولتله يعمل فيا كدا
تملك الرعب من قلبه وهو يسألها:
-قولت ايه فيه ايه متقلقنيش وانا بعيد اتكلمى على طول
سردت عليه ما فعله ضياء فخرجت بعض الالفاظ من فمه ثم قال:
-لا طبعا استحالة بس كل الحكاية كنت عايز اطمن عليكِ
وقلقت وانتِ مش بتردى حبيت اتصرف
انتِ سيبتى الفيلا ليه
ساد الصمت ولم يستمع سوى لصوت انفاسها فهمس:
-مش مهم، المهم انك بخير خلى بالك من نفسك وانا
مش هتأخر، بس لما اتصل ردى عليا
كيان انتِ وحشتينى اوى
-وانت كنان متتأخرش هستناك تصبح على خير
*****
فى اليوم التالى
ظلت طول الليل فى الغرفة المعتمة الحبس الانفرادى
كما تطلق عليها، حتى افرج عنها فى الصباح، حملت
نفسها لتذهب لوالدتها فهى كرهت هذا المكان، لم يعد
لديها صديقات، ضغطت على جرس الباب وارتسمت
ابتسامة واسعة على شفتاها ثوانٍ وفتح الباب لتبتسم
بسعادة قائلة:
-كنان انت هنا جيت امته؟!
حمدلله على السلامة، ضياء جه معاك
ابتسم ثم اقترب يقبل جبينها ثم حاوط كتفاها وولج بها
للداخل هاتفًا:
-لا ضياء مجاش معايا
-فين ماما؟!
سألته وهى تبحث بعيناها عن والدتها، فحاوط كتفاها
قائلًا:
-بتعمل الأكل تعالى معايا ندردش شوية
جلست قباله بهدوء فابتسم يسألها:
-قوليلى اخبار الجامعة
ابتلعت ثم اجابته بتوتر جلى على ملامحها:
-الحمدلله طالع عينى
-وباهر عامل ايه؟!
ابتسمت بشحوب قائلة:
-الحمدلله
-انا زى ما اكون اتخايلت بيه امبارح فى المطار
ابتلعت توترها واجابته بايجاز:
-اه، اشتغل فى المطار هناك
-كنتِ بتعملى معاه ايه؟!
يسأل بهدوء بينما هى تشنجت ملامحها فتأكدت ظنونها
فاجابته باقتضاب:
-عادى روحت معاه اغير جو
المهم انت وكيان وضياء وبيلا عاملين ايه؟!
ابتسم بسخرية ثم اجابها:
-الحمدلله، مش بتروحى الكلية ليه؟!
-انت عرفت ازاى؟!
قصدى أجلت السنة دية عشان فرح ضياء ولما رجعت ملحقتش اذاكر
سألها بنفس النبرة السابقة:
-والسنة اللى قبلها
تلعثمت ثم نهضت واقفة:
-لا روحت، اكيد فى غلط هروح اشوف ماما
استدرات قبل أن يوقفها متسائلًا بخشونة:
-ال*** اللى اسمه باهر كان بيمد ايده عليك ليه؟!
-لا دا انا كنت بعدى الشارع بسرعة وهو خاف عليا
فكان بيزعق ليا من خوفه
صفق بيده عاليًا وهو يقول:
-الكدبة رقم كام من ساعة ما قعدنا دية يا كارما
بتكدبى عارف ليه عشان انتِ قبل الجواز ماكنتيش
بتستحملِ كلمة على ال*** دا
احكيلى يا كارما يا حبيبتى ومتقلقيش اى حاجة انا
هتصرف فيها
تطلعت إليه بصمت كيف تبوح بالعذاب الذى تتلظى
به طال الصمت لتهمس بعد لحظات بنبرة مختنقة
ومرتجفة:
-مفيش حاجة انت بيتهيألك كل حاجة زى ما قولتلك
مفيش حاجة مفيش
همت للانصراف فجذبها من معصمها فاصدرت تأوه
من مسكته توسعت عيناه بصدمة مد يده سريعًا ليجردها
من السترة تحت رفضها وتشبثها بها وما أن خلعها
احتقن وجه بدماء بسبب علامات الضرب على ذراعيها
بينما حاولت أن تشحذ قواها بعد ما فعله كى تتمكن من مواجهته ابتلعت ثم هتفت قائلة:
-ايه اللى انت عملتوا دا، انت اتجننت
صرخ كنان بنبرة صارمة:
-هو اللى عمل كدا، انتِ بتدافعى عنه ليه؟!
انتِ مش طبيعيه الواد دا بيشربك حاجة
غمغمت بشفاتين مرتجفتين قائلة:
-لا والله مش بشرب حاجة
اقترب منها ثم اخذ وجهها بين راحتيه ليطمئنها:
-انتِ عارفة انتِ عندى ايه؟!
اناِ روحى فيكِ يا كارما انتِ كبرتى على ايدى
انا وضياء كان على طول يقول واحنا صغيرين
كارما اختى بس واقولوا لأ اختى انا كمان لو كان
عندى اخت مش هحبها اكتر منك، صارحينى واوعدك
مش هتندمى وهاكون جنبك واللى بينا هيفضل سر
اغمضت عيناها بألم لتفكر إذا لم تخبره بالحقيقة
سيستمر باهر بقسوته وجبروته عليها، سيستغلها
ويستغل خوفها على اخيها، ماذا تفعل؟!
تخشى أن ترفض مساعدة كنان فلا تستطيع التخلص
من باهر وقربه المميت، ستظل هى المتأذية الوحيدة
تتلوى من ألم قلبها فتحت عيناها واخذت نفس عميق
ولا تعرف ما ستفعله صحيح ام لا ثم بدأت تسرد له
ماصار معها
عديم النخوة
قست عين كنان وهو يسمعها بدت كقبر
مظلم متسائلًا:
- معلش فيديوهات ايه اللى بيهددك بيها
-كان مصورنى وانا معاه فى اوضة النوم
لكن هو مش ظاهر وكان بيهددنى بيها وبيقول هيقول
لضياء دا كان قبل الجواز عشان كدا اصريت على
الجواز منه، وهيفضحنا وسمعة اخويا تبقى فى الارض
ازداد غضبه اضعافًا ونبض الجحيم فى حدقتيه وهو يتوعد له بالهلاك، اما هى احتد بكائها تدفقًا وصدحت
شهقاتها المرتعبة وهى تغمغم بخوف:
-والله يا ابيه كنا متجوزين ومعرفش ان الحقير دا
كان بيصورنى والله ما عملت حاجة غلط
رمقها بغضب وهو يصرخ:
-كل دا متكلمتيش ليه؟!
ردى عليا يا كارما كنت مستنية أيه ضياء ايه اللى خايفة
عليه من نكرة زى دا، انتِ غلطانة اوى يا كارما
اجابته ببكاء وقهر:
-خفت على ضياء وبعدين ضياء قالى هتندمى وبعد كدا
متلوميش غير نفسك
اتسعت عيناه باندهاش من غبائها لكنها لا تزال طفلة
ولا يسعفها تفكيرها، هز رأسه بيأس وهو يسألها بملامح
كالصخر:
-هو هناك فى الشقة دلوقتى
هزت رأسها بالرفض وهى تمسك يده قائلة برجاء:
-لا بلاش دا مؤذى وممكن يعمل اى حاجة انا اخاف
عليك بلاش
ابتسم كنان وهو يطمئنها قائلًا:
-متقلقيش خالص واهدى وبلاش عياط
جوازك هنا ولا هناك
-هناك، هى مامى فين
تنهد بلطف قائلًا:
-لما قالت انك جايه طلبت منها تعمل مكرونه بالبشاميل
فنزلت تجيب حبة طلبات من تحت المهم يلا بينا
ترتجف كورقة شجرة فى مهب الريح اقترب منها
وهو يتأمل خوفها وقلقها ثم جذبها إلى صدره ليضمها
بذراعيه القويتين كى يشعرها بالأمان
******
-مش بتأكلى ليه يا هاجر ولا أكلنا مش عاجبك
تلك الكلمة قالتها احدى عمات هاجد لتعقب عليها
هاجر
-لا والله الاكل جميل اوى تسلم ايديكم
مصمصت عمة هاجد الأخرى وهى تغمغم:
-اسكتِ كل البنات بقى همهم الريجيم والمدعوق
الموبايل البت بتى قرفانى مش بتأكل وطول النهار عينيها
فى الزفت
-بس انا مايسة مالهاش فى الزفت دا نحمد ربنا هو
القرآن وبس
ابتسمت عمة هاجد وهى تطالعها بفخر:
-البركة فى هاجد هو السبب تربية ايده
أومأت مايسة ثم همست بسعادة:
-طبعًا دا شيخى
طالعتها هاجر بسماجة وهى تهمس:
-يبليكم بالجرب منك ليها ومتلاقيش حد يهرش يطفى
ناركم منك ليها
سعال هاجد وهو يرمق هاجر بطرف عيناه، التو ثغر
عمته قائلة:
-عيني ياحبيبى اسم الله عليك هاتى ميه لشيخك
مايسه
همت بالرد لكن حماتها ضغطت يدها وهى ترمقها
بنظرة فهمت هاجر نظراتها جيدًا التى تعنى أن
تؤجل هجومها واعلان الحرب
فهزت رأسها بالايجاب فابتسمت لها حماتها
دقائق وكانوا يجلسون جميعًا بعد أن انتهوا من
تناول الغداء وضعت عمة هاجد صينية العصير
تناول هاجد إحدى الأكواب ثم التقط يد هاجر
يضع كوب العصير بين يدها سرعان ما تغيرت
ملامحها، بدا واضحًا له انها لا تريد لمساته
فسحب يده سريعًا، بينما هى رمقت الكوب
الذى بيدها باشمئزاز؛ عصير مانجا سيصيبها
بالحساسيه رفعت عيناها إليه فهمت ما توصل
إليه من نظراته، ابتسمت له بتوسع لتنفى ما
توصل إليه ثم رفعت الكوب إلى فمها ترتشف
العصير حتى انهتهوا
*****
وقف كنان امام النافذة التى تطل على المدينة
بملامح متوحشة واضعًا الهاتف على اذنه ينتظر
الأجابة حتى اتاه صوت ضياء:
-ءُامر يا سيدى تحب اروح اصبح عليها
انا بوسطجى الغرام بتاعكم قول متكسفش
لم يلتفت كنان لمزاحه فهتف بخشونة:
-عايزك تكون عندى هنا باسرع وقت بكرة بكتيره تكون
هنا
قهقه ضياء:
-لا دا انت حالتك صعبة اوى بعدين انا تخصص حريم
وكمان مرتبط
زمجر كنان بحدة قائلًا:
-ضيااء مش بهزر بكرة بالكتير دا لو ماكنش انهارده بليل
الوضع صعب وخطير
ابتلع ضياء هاتفًا:
-امى او كارما فيهم حاجة
تنهد كنان ثم قال ليطمئنه:
-الاتنين بخير بس انا اللى محتاجك فى اسرع وقت
-تمام مش هتأخر عليك
*****
كانت تجلس فى المقعد الخلفى من السيارة وجسدها
يتصبب عرق، درجة حرارتها ترتفع تشعر بالاختناق
لم تستطع إلتقاط انفاسها توقعت على نفسها اكثر
املًا سريعًا أن تعود وتأخذ دواء الحساسية كانت تحدق
بالطريق الطويل امامها بلهفة وعجز
استغرق الطريق ساعة كانت بشرتها قد انصبغت
بالاحمر لكنها تحملت العناء طول الطريق هبط
هاجد ووالدته اما هى فتحت الباب بصعوبة
وهبطت كانت قوتها تتلاشى تشعر بالوهن
حاولت نطق اسم هاجد بصعوبة قبل أن
تلف بها غمامة سوداء لتسقط ارضًا لكن يد
هاجد منعتها من الوصول للارض ويصرخ بفزع
-هاجر
*****
خرج ضياء من مكتبه مندفع حتى اصطدم برجل كبير
بالسن فى عمر والده فوقف يتأسف منه توسعت عين الرجل
وهو يقترب منه متسائلًا:
-انت ضياء محرم المحمدى صح
انا قولت تشابه اسماء بس
ابتسم ضياء ثم اجابه:
-ايوه انا انت تعرفنى
-كنت اعرف ابوك الله يرحمه دا عشرة عمرى
كنا مع بعض فى دبى دا اخويا
اللى يرحمك يا دكتور محرم
احتل الحزن ملامحه وهمس بألم:
-الله يرحمه، انت كنت جاى لسبب معين
-ابن بنتي كان جاى يعمل جرح تجميلى فى وشه
هز رأسه باسف:
-الف سلامه عليه، ياريت كنت موجود كنت عملتها
انا بس مضطر اسافر دلوقتى، بس طالما كنت
تعرف بابا اكيد تعرف دكتور زهير هو فى مكتبه وانا
هوصيه عليك تمام ودا الكارت بتاعى
اتمنى اشوفك تانى
امتعضت ملامح الرجل وهز رأسه بضياع رمقه
ضياء باستنكار ثم اسرع من امامه ولم يكترث له
بينما نظر الرجل فى اثره وهو يقول:
-زهير!!
اغمض عيناه متذكرًا
-تعالى يا ايمن مالك؟!
جلس امامه على مكتب وهو يقول:
-بص يادكتور محرم انا كلت معاك عيش وملح
وخيرك مغرقنى فى حاجات بتحصل هنا
رمقه باندهاش هاتفًا:
-فى أيه مالك ليه المقدمة دية انت ناوى تسيبنا ولا أيه؟!
-لا، بس المستشفى بيحصل فيها هنا بلاوى والطفل
اللى مات هنا من يومين ماكنش ضيق تنفس ومتلحقش
لا دا كل الخامات منتهية الصلاحية وفى حسابات مضروبة
-انت بتقول ايه انت اتجننت دا انا اللى مستلم وماضى
ابتلع ريقه وهو يقول:
-عارف انه صعب بس دا كله من دكتور زهير هو
اللى عمل كدا انا معايا كل اللى يثبت صحة كلامى
مجيتش هنا غير لما اتاكدت
حدجه بحدة قائلًا:
-لا زهير ايه اللى بتقول دا هات الاوراق دية انا هتأكد
بنفسى
فاق من شروده وهو يمسح دموعه قائلًا:
-الله يرحمك يا محرم، لكنك يازهير زي الحية
ولفيت على ابنه بس انا مش هسكت
*****
نظرت للخلف فأومأ لها كى يطمئنها اغمضت عيناها
برعب ثم اخرجت مفتاح الشقة وفتحتها كان يجلس
فى الاستقبال يشاهد التلفاز واضعًا قدمه فوق الطاولة
رمقها بسخرية حتى ظهر من خلفها كنان فنهض واقفًا
ليرحب به:
-مش تقولى معكِ الدكتور نورت يادكتور
وما أن اقترب منها حتى ركله بقدمه فارتمى على الاريكة
خلفه فهمس كنان بفحيح الافاعى
-انا اللى هقول يابن ال***
-اقفلى الباب دا
رواية روح بلا مأوى الفصل الثلاثون 30 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الثلاثون
اعتدل باهر بهلع مخاطبًا كنان والذى كانت عيناه تقدحان شرارًا عكس برودة ملامحه :
-هو فى أيه؟! انت اتجننت؟!
اقترب منه بخطوات ثابتة ومتزنة ثم قام بوضع يده
خلف عنق باهر ليضربه بعنف فى الحائط الذى امامه
ليقع على الارض وتنفجر الدماء من فمه وانفه ليهمس
كنان بفحيح من بين اسنانه:
-الجنان لسه مبدأش بس عايز اقولك على حاجة
انا عايز حاجة معينة، كل دقيقة زيادة غلط عليك
فتنجز عشان أنا مش فاضى
-انا مش فاهم قصدك ايه؟! هو فى ايه يا كارما
ركله بقدمه فى باطنه فلم يستطيع صبرًا عليه فدنى منه
ليجذبه من ذراعه قائلًا وهو يرغمه على الوقوف:
-لأ لسانك مينطقش اسمها خالص فاهم، وانا كمان مش
هنطق انا عايز ايه بس ورب العزة هطلع بروحك لو
متكلمتش
-أنا مش فاهم اكيد فى سوء تفاهم
امسك كنان بذقنه فحاول باهر ركله اسفل باطنه ليهرب
من براثنه، تأوه كنان ثم لحقه من الخلف واحكم
ذراعه حول عنقه وهو يهمس فى اذنيه قائلًا:
-ليه كدا دا انا كنت ناوى ماكنش قاسى عليك
بس تمام يا بيرو
احكم ذراعه حول عنقه ولا زال يضغط بحكم بحركة ادت
لفقدان باهر الوعى فافلته كنان ليقع ارضًا
انفلتت شهقة من التى تقف فى زاوية تطالعه برعب
فهمست:
-هو مات؟!
ركله كنان ثانية وهو يطالع باشمئزاز:
-يا قلبى ماتخافيش لسه فى نفس متقلقيش
معندكيش حبل يا كوكو
كانت تطالعه بذهول، دقائق وكان يقيده بالحبل على
مقعد خشبى ثم توجه ليجلس ويشاهد التلفاز وبجانبه
كارما التى اصر على وجودها قائلًا:
-ها يا كوكو هتتفرج على ايه؟!
اجنبى ولا هندى
كانت تتأمله بدهشة كبيرة فى تلك اللحظة وصلت غمغمت باهر وهو يعافر لفك قيود هز كيان رأسه
بسلب:
-وبعدين بقى يا بوب مش هنعرف نسمع الفيلم
-فكنى بقولك احسنلك
ضحك كنان بتهكم:
-اهو دا اللى انا كنت خايف منه انك تهددنى انا كمان
وانت عارف انى قلبى دعييف مش بستحمل
ثم صمت وهو يتمعن فيه بعينيان اشتعلتا نارًا:
-انت شايف الشنطة اللى هناك بتاعتى اه فيها
حقنة مخدر هتاخدها ومش هتحس بالدنيا
ساعة زمن وهتفوق هتلاقى نفسك كدا اتعميت
وخرست وهاخد عينيك ولسانك وارميهم للكلاب
وطبعًا المستشفى تبعنا والناس كلها هنا تبعنا
وانت كلب ولا تسوى ها ايه رأيك
وجه حديثه لكارما كى يستعطفها:
-هتسبيه يعمل كدا فيا يرضيكِ انا مهما كان جوزك
بكت بقهر:
-واللى عملتوا فيا ماكنتش مراتك
توسعت عين كنان من هششتها وضعفها فصاح بها
-دموعك متنزلش من *** زى دا
-انا مش فاهم عايز ايه
نهض كنان من مكانه ثم كور قبضته ليضربه بعنف فى
وجهه مرة واثنين حتى صار وجه مغطى بالكدمات
وينزف الدماء بغزارة ثم توجه نحو حقيبته ليخرج
الحقنة وعبوة الدواء ليكسرها ويعبأ الحقنه فاجابه باهر وهو يلهث:
-اللى انت عايزه النسخة على اللاب بتاعى
ونسخة تانية تحت الكنبة اللى انت قاعد عليها
فى درج سحرى مفتاحه فى الميدالية بتاعتى
فكنى بقى
جذبه من شعره للخلف وهو يقول:
-يلا زى الشاطر ارمى يمين الطلاق بتلاتة
-انتِ طالق، طالق، طالق
ردت بها الروح ليشع الامل بعينيها لترتمى بحضن كنان
تبكى بحرارة وهى تهمس:
-ربنا يبارك فيك يا ابيه ربنا يخليك ليا
ربت كنان على ظهرها ثم ابعدها وهو ينظر لها بحنو
قائلًا:
-انا لسه مش مصدق ازاى سمحتى انه يتحكم فيكِ
الموضوع ماكانش هيأخد فى ايد حد فينا خمس
دقايق
ابتسم بشر وهو يقترب منه ولا زالت الحقنة فى يده فاصبح
باهر فى حالة هياج وهو يتوسله:
-الله يخليك سيبنى انا غلطت هبوس على رجلها
ورجلك سامحنى انا غلطت متعملش فيا، لحظة
ضعف ووزة شيطان صدقنى انا اصلا بحب
كارما
انحنى كنان ليكون فى مستواه قائلًا بنبرة قاصدًا قصف
الرعب فى قلبه:
-تفتكر جوز العيون دول هيتباعوا بكام
فلحظة كان يرمى غطاء الحقنه ويثبت ذراعه ويحقنه
بها حاول باهر ان يفتح فمه قبل أن يسقط فى دوامة
اللاوعى سألته كارما بفزع:
-انت هتعمل كدا بجد
-لأ بس هيعيشوا نفس الرعب اللى كان ماعيشك فيه
هكذا الحياة يومًا لك ويومًا عليك لا من فرح دائم
ولا من حزن غالبًا، فليل يليه صباح هذا سنة الحياة
*****
-متفرهدنيش بقى بقولك قدامى ساعتين على الطايرة
كانت تلك كلمات ضياء التى عقبت عليها بيلا باستنكار:
-انت بتهزر صح؟! سفر أيه يا ضياء؟!
مش كنان سافر خلاص
زفر وهو يغمغم بحنق:
-مش عارف كنان عايزنى فى ايه كلمت ماما وقالت
انها بخير وانه كان عندها وخرج مع كارما قضوا
اليوم بره كلمت كارما كانت كويسة والشغل تمام
بس هو فى حاجة معاه ومقدرش اتأخر عليه
تهدلت اكتافها بخيبة ثم هزت رأسها بالايجاب قائلة:
-ماشى، هتقعد اد اية هناك؟!
ضيق ضياء جبيبنه بعبوس طفيف ليرد باقتضاب:
-انا معرفش فيه ايه عشان اعرف هاقعد اد اية
حدجته بنظرات نارية وهتفت بلهجة حادة وآمرة
-ضياء اول ما توصل تشوف فى ايه وتطمنى واياك
تغيب او تفكر ترجع امجاد زمان هناك
تراقص المكر فى عينيه وهو يقول:
-لا انا بعمل امجاد هنا جديده لانج
لكزته فى صدره هاتفة:
-هو انت مش هتبطل قلة ادب
حاوط خصرها وهو يضمها إلى صدره قائلًا:
-لا ما هو تحددى موقفك عايزانى ابطل امجاد بره
يبقى لازم يكون فى امجاد جوه
-ضياء وبعدين
ابتسم وهو يشير إلى ساعته قائلًا:
-الساعتين عدى منهم نص ساعة كله من وقتك
وانتِ الخسرانة
همست بدلال قائلة:
-لأ كله إلا مضيعة الوقت انا احب استغلال الوقت اوى
يا ضياء
صعدت الدماء إلى اوردته ثم حملها متوجهًا للأعلى وهو بهتف بصوته الأجش:
-اموت انا، اموت فى الاستغلال خصوصًا لما اكون هبنى امجاد
اتسعت ابتسامتها وهى تدفن رأسها فى عنقه
*****
كان منتظر أن تفيق وهو يجلس بتراقب على المقعد امامها كانت كالجثة الهامدة جزع قلبه وهو يطالعها خلف جهاز الاكسجين ووجهها وجسدها اصطبغ باللون الأحمر ليضاعف احساسه بالذنب وتأنيب الضمير
اغلق عيناه بألم متذكرًا حينما وقعت بين ذراعيه
كانت انفاسها بطيئة للغاية، شفتاها استحالت للزرقة كانت ساكنة بطريقة مؤلمة، اخرج زفيرًا مهمومًا من
صدره، نظر لها بأعين مليئة بالعبرات ملتاعة لرؤيتها
ساكنة عكس طبيعتها صاحبة الوجه الضاحك، مد يده يتناول كفها بين يده كان يتضرع طالبًا الشفاء من المولى
ولج الطبيب للغرفة ثانيةٍ بهدوء ليفحصها وقف
هاجد بتحفز عاقدًا حاجبيه متسائلا:
-عاملة ايه دلوقتى؟! هى مش بتفوق ليه؟!
اجابه الطبيب بعملية وهو يطمئنه:
-متقلقش هو دوا الحساسية بس بينوم شوية
لكن نفسها بقى طبيعى هى شوية وهتفوق
ابتسم الطبيب وهو يغادر ومن خلفه الممرضة، مرر يده على وجنتها برفق ثم جلس ثانيةٍ وتناول يدها لاثمًا باطن كفها،فتحت هاجر جفنيها بتثاقل وهى تشعر بلمساته الدافئة، همس هاجد وهو يربت
على رأسها برفق قائلًا بهلع:
-هاجر انتِ كويسة طمنينى؟!
ازاحت القناع وبللت شفتاها قائلة:
-الحمدلله، انا فين؟!
-فى المستشفى، انتِ كويسة؟! احسن دلوقتى
طمنينى عليكِ
رمشت باهدابها الكثيفة وهى تهمس بخفوت:
-الحمدلله
تزامنا مع ردها كانت انهت والدة هاجد الصلاة، اقتربت منها
بلهفة متسائلة:
-هاجر يا حبيبتى انتِ كويسة يا بنتى؟!
كانت كلماتها كالبلسم لكل جروحها لكل ما عانته بعمرها
نبرتها الخائفة، عيناها الزمردتين التى تشبه اعين ابنها جلى الخوف بداخلهم
ثم تابعت والدة هاجر متسائلة:
-حبيبتى لما انتِ عندك حساسية من المانجا مقولتيش
ليه؟! شربتى العصير ليه؟!
اغمضت جفنيها للحظات ثم رفعت بصرها إليها قائلة:
-انا قولت انه عادى كوباية عصير مش هتأثر
وكان نفسى فيها
ابتلع غصة مؤلمة بحلقه، حزن عميق يتغلغل بداخله يلعن غباءه بتصديق تلك المشاعر التى كانت تظهر عليها
طيلة الاسبوع الماضى الذى ترجمها هو أنها البداية
لقصة عشقهم، لكنها فى الحقيقة كانت فقط تريده تحتاجه ملجأ وملهى لها عن عشق كسر قلبها،
لا يصدق،
كيف انها اقبلت على ما يؤذيها دون اعتراض؟!
هل هى تخشاه لهذه الدرجة؟ لماذا فعلت هذا؟!
تأثير هذه المرة كان قاسى على قلبه كانت ستضر
نفسها بسببه، تنهد بحرقة موجهًا حديثه لوالدته:
-مش مهم يا امى المهم انها بخير واننا اطمنا عليها
رفعت عيناها إليه لتجد زمردتيه غامت بالكأبة، كان
يشيح بصره بعيدًا عنها هاتفًا:
-هشوف الدكتور عشان يطمن ولو تمام نمشى
نظراته كانت تلومها وتعاتبها فى صمت لكنها كانت
تريد ان تبدى له ترحابها وتقبله لعلاقاتهم قبضت على
الفراش بألم وهى تنظر فى اثره
****
كانت شمس الصباح تطرق الابواب لتعلن يوم جديد معبأ بالمفاجأت هناك من لم يغمض جفنه، ومن غفا بقلب مثقل بالهموم، ومن غفا هاربًا من مشاعره، ومن فاق
ولا زالت الدموع عالقة باهدابه
توقف ضياء اسفل بناية اخته، قلبه ينتفض حينما
هاتفه كنان واصر عليه المجئ لبيت اخته فى هذه الساعة تأكد بوجودخطبًا ما، شعور بالرعب يزلزل كيانه اغمض عيناه وصعد للأعلى وقف امام الباب ليرن الجرس ثوانٍ وكان كنان يفتح له عقد حاجبيه باستنكار قبل أن يدلف للداخل نظر إلى كنان بطرف عيناه ثم رمق كارما
بتوجس ثم اعاد نظره إلى كنان واردف بحدة وملامح
جدية:
-ممكن افهم فى أيه؟! وايه اللى بيحصل هنا
-حمدلله على السلامة، اهدى وانا هفهمك كل حاجة
انتهى كنان من السرد بينما هى كانت تنكمش على نفسها
فى المقعد ودموعها لا تكف عن الهطول بعجز وضعف
وضياء كان يستمع إلى كنان وكأنه فى عالم اخر
حتى همس بتوهان:
-بتهزروا صح دا مقلب سخيف اوى عشان تجيبنى
من القاهرة
اغمض كنان عيناه بقهر على حال صديقه وعندما
لم يجد رد توجه نحو كارما يجذبها من ذراعها بحدة
ليهزها بعنف قائلًا:
-كل دا حصل وانا معرفش ليه؟!
ازاى كل دا يحصل وانا معرفش مالكيش اخ
اخوكِ مات
-بعد الشر عليك انا خفت عليك بعد ما عرفت حقيقته
خفت يأذيك انا كنت ممكن استحمل اى حاجة إلا
وجعك انت علي
استدار لكنان هو ينظر له فهم كنان واشار برأسه للغرفة
المقيد بها باهر، فى لمح البصر كان ضياء يقف امام
باهر ثم انحنى ليهمس من بين اسنانه امام وجهه:
-يوم ماكتبت الكتاب قولتلك اوعى تزعلها
تقوم تعمل كل دا
ليفاجأه بضربة عنيفة بظهر كوعه فى وجهه ليصرخ
الأخر بوجع لتسيل الدماء من وجهه
*****
توالت الأيام حتى مر اسبوع كاملًا مضى على البعض
كأنه قرون، الوقت كان يقف بالمرصاد يأبي أن يمر
أما طاهر وبيسان كانت علاقتهم بدأت تتخطى حدود
العمل كما أن والدته اصرت على عزيمتها مدعية انها
تحيا بمفردها وحيدة، مر بعض الوقت وهو ينتظرها
اسفل بناية العيادة وما هى إلا ثوانٍ وكانت
امامه تفتح باب السيارة لتجلس بجواره فى المقعد
الامامى التو ثغره قائلًا:
-كل دا؟!
رفعت احدى حاجبيه ثم نظرت امامها وهى تجيبه بتهكم قائلة:
-ايه مستعجل على المواعين؟
اوقف السيارة فجأة وهو يجز على اسنانه متسائلا:
-انتِ قولتى ايه؟
اجابته بنفس الثبات قائلة:
-بقولك عايز تلحق المواعين؟!
-انتِ مش خايفة على نفسك
اردفت وهى تخبط على عجلة القيادة:
-يلا عشان منتأخرش، اه وإذا كان حد لازم يخاف فهو
انت انا واخدة الحزام الاسود فى الكاراتية وواخدة
دروس دفاع عن النفس
حرك طاهر السيارة وهو يهز رأسه بيأس:
-دا على اساس انك كدا بتخوفينى
على العموم انا امى طلبتك سليمة
-برافو اسمع كلام مامى وخليك good boy
ضغط على عجلة السيارة بعنف بينما هى
ابتسمت بانتصار لا تعلم لماذا تستمع وهى ترى ذلك
البربرى مشتعل
******
-صوتك مش عاجبنى مالك؟
تلك الجملة نطقت بها كيان وهى تخاطب كنان عبر
الهاتف بينما هو اغمض عيناه بألم وقلبه يخفق
بشغف لسماع صوتها، اشتاق لضحكتها ولخجلها
يود أن يرتمى بين ذراعيها ويبكى بحرقة على
ماصار مع صغيرته، لابد أنها هى ايضا اشتاقت
له ولو تعلم كم يحبها وكم يعشقها، محال أن
يفترق عنها ثانية، فهمس لها قائلًا:
-دا بس عشان وحشتينى
كيان انا وحشتك؟!
اغمضت عيناها وقلبها يخفق بعنف سيخرج من محجره
ليذهب إليه ليخبره، لكن عندما طال الصمت غير
سؤاله قائلًا:
-بتعملى ايه اليومين دول؟
-وحشتنى يا كنان
زالزل ضرب ثوابته ليعيد سؤاله:
-وحشتك يا كيان بجد
-ايوة هتيجى امته؟
-قريب، قريب اوى هكون عندك
اغلق الهاتف ثم توجه نحو تلك الغرفة، كان ضياء
معاه فى يده الصاعق الذى لم ينفك يعذب به باهر
حتى انه بات يتمنى الموت، هاتفه كنان بصوت خشن
قائلًا:
-كفاية بقى قولت خلاص هو كدا ماعدش نافع
انا سيبتك عشان ترتاح بس اكتر من كدا هيموت
واحنا مش سفاحين
صرخ ضياء وهو يرمى الصاعق من يده ارضا ليتهشم
قائلًا:
-بس انا لسه مرتاحتش الو***
كان بياخد فلوس الجامعة وحرمها من التعليم، وكان بيحبسها
فى الاوضة باليومين من غير لا أكل ولا شرب ولا حمام
تخيل دا لو قاتلة له قتيل ماكنش عمل فيها كدا
قاطع حديثهم صدوح جرس الباب فرمق كل منهم
الأخر باستنكار وتوجه نحو الباب معًا ليجدوا رجل
فى منتصف الاربعينات قائلًا:
-هو باهر فين؟!
-انت مين؟!
رمقهم باستغراب قائلًا ببسمة سماجة:
-الله هو رجع فى اتفاقنا انا جايب الفلوس عشان
اخلص ولا هو عمل اتفاق جديد معاكم
قبل أن يرد ضياء بحدة اوقفه كنان وهو يسأل الرجل
مستفسرًا:
-اه قصدك على الاتفاق اياه دا ولا ايه
تمتم الرجل بحنق قائلًا:
-يا عم فين باهر انا اقصد على المزة الصغيرة
بس شكله باهر واطى مستناش
هم ضياء بمقاطعته لكنان اوقفه ثانية:
-شايف الكاميرا دية صوت وصورة احسنلك تمشى
وماتجيش هنا تانى عشان مفيش حد هنا اسمه باهر
وما أن غلق الباب اندفع ضياء للداخل كان كنان يعرف
وجهته لذلك اندفع خلفه دفع الباب بحدة وهو يصرخ
بها
-البيه كان هيبيعك عشان تبقى بالطلب بعد كدا
كنتِ مستنيه ايه، دا قواد والهانم خايفة عليا
طب لما انتِ خايفة عليا ومش عاجبك الحال
ممموتيش نفسك ليه
صرخ به كنان وهو يدفعه للخارج:
-ما تخرس وتسكت بقى انت اتجننت
-هو اللى بيحصل فيها دا شوية انت متخيل
لو ماكنتش شفتها كان حصل ايه الراجل كان
جاى يدفع فى اختى فلوس
تكورت على نفسها فى الزواية تبكى بقهر بينما لحقه
كنان قبل أن يدخل لباهر ليعترض طريقه قائلًا:
-مفيش دخول تانى، يلا قدامى طنط هويدا عرفت
انك هنا من بيلا، وكارما ماراحتش هناك من اسبوع
كدا هيجرالها حاجة من القلق وشغاله تتصل علينا
عرقه النابض فى رقبته نافرًا، النيران تشتعل بجسده
كان كالثور الهائج يصرخ ويكسر كل شئ امامه اقترب
من كنان يصرخ فى وجهها قائلًا:
-ابعد من وشى يا كنان متخلنيش امد ايدى عليك
اجابه ببرود:
-مد ايدك ونتخانق هنا وطنط هويدا زمن سكرها
عالى وتروح فيها بسبب ک. لب زى دا
ولج كنان للغرفة وامسك كارما من معصمها ليعاونها
على النهوض كانت عيناها تمطر دموع بقهر قبل جبينها
ليطمئنها ثم سحبها خلفه وهو يدفع ضياء للخارج
دقائق وكان امام السيارة فى الاسفل فتح كنان باب
السيارة يدفع ضياء بحدة ثم اركب كارما فى المقعد
الامامى واحكم غلق الابواب لكنه لم يستقل السيارة معهم، ذهب لسيارة على الجانب الأخر كان بها شخص يرتدى زى الشرطةالخاصة بهذه البلد، كان ضياء يراقب كنان حتى ادرك ما يفعله كنان، استدار ليعود نحوهم بينما تحركت قوات الشرطةنحو البناية حاول ضياء النزول لكنه وجد أن كنان اغلق الابواب، فى لحظة كان كنان يجلس خلف عجلة القيادة
وينطلق مسرعًا بينما ضياء كان يزمجر كالأسد الجريح:
-ليه عملت كدا انا كنت عايز اطلع روحه بايديه
-وكنت عايزني اسيبك توسخ ايدك، انت اخدت حقك
منه والحمدلله كارما معانا وبخير اما هو مش هيشوف
النور تانى بعد القضية، تجارة مخدرات هنا كدا انسى
طنط هويدا جهزت الشنط احنا هنسافر كلنا بليل
******
تجوب الغرفة ذهابًا وايابًا فمنذ ذلك اليوم وهو بجانبها
لم يبتعد، لكنه بعيدًا عن هاجد الذى عرفته لم يحاول
أن يقترب منها بأى طريقة، فلم تستطيع أن تتجاوز
الأمر فهو قبل ذلك اليوم كان قد تغلغل داخلها تسلل
داخل غرف قلبها منحها حياة جديدة كانت تحلم بها
كان لها كبئر ماء وسط الصحراء، لكنها لم تعترف
حتى الآن بتلك الحقيقة انه امتلك قلبها، قبضة
على جلبابها القصير وهى تقول:
-لا هو انا هقعد اموت فى نفسى هنا وهو ولا على
باله
فتحت الباب وعيناه تجوب فى المكان اندفعت
نحوه وهى تضع يدها فى خصرها قائلة:
-هو الشيخ هاجد ميعرفش ان قلب الترابيزة دا حرام
عبست ملامح هاجد متسائلًا:
-نعم فى ايه؟! ترابيزة اية اللى بتتكلمى عنها
-الترابيزة مش عارفها
يعنى بدل ما تيجى وتعتذر، تعملى مقموص
امتعضت ملامحه وهو يسأله:
-انا مقموص؟!
-اه مقموص يعنى بتعملنى ميرى ناقص تقولى يامدام
هاجر وحضرتك وبعد اذنك
نهض من مكانه وهو يجذبها من معصمها:
-انتِ بتكلمى كدا ازاى
تشنجت ملامحها ونغزها قلبها هاتفة:
-انت اللى بتعاملنى كدا ليه من ساعة العزومة بتعمل
كدا ليه؟! مش معنى انك مروحتش شغل وقعدت
معايا تبقى قريب
زفر ثم حدثها بنبرة حانية ممزوج بالعتاب:
-ليه شربتى العصير ياهاجر للدرجادى انتِ شايفنى
قاسى ومعنديش ضمير وانا فعلا قماص عشان
تشربى حاجة تأذيكى وتتجنبى زعلى، انا لحد
دلوقتى فى حالة صدمة
هزت رأسها بنفى والحزن يغتال قلبها همست بألم:
-لا شربته عشان مديت ايدك بيه ومرضتش اكسفك
وعشان متفهمش غلط وفهمت بردو غلط
شعرت بالاختناق من حديثه وكأن الألم يجثم على روحها
حاولت كبح دموعها ثم استدرت لتغادر فجذبها من ذراعها لترتطم بصدره العريض قائلًا:
-ترابيزة ايه اللى بقلبها
بللت شفتاها قائلة:
-ايوة، ما هو انا اللى المفروض ازعل
عقد حاجبيه متسائلًا وهو يضمها اكثر واكثر:
-تزعلى عشان معرفتش انك عندك حساسية من المانجا
ضربته فى صدره بعنف وهى تبتعد عنه وتهتف بسخرية:
-لا عشان الست مايصة دية اللى بتقولك شيخى
انت شيخها هى انا اقولك ايه
-دا عشان القرآن اللى حفظته ليها مش اكتر
اشتعلت عيناها بنيران وهى تقترب منه هاتفة:
-ماكنش جزء عم، تصدق بالله المرة الجاية هقطع
لسانها وابقى علمها لغة الصم والبكم
المايصة هى وامها اللى تتحط على الجرح يولع
سحبها من ذراعها وتأمل تعبير وجهها وهو يسألها بلهفه:
-انتِ بتغيرى يا هاجر
ارتبكت وهى تقول بعلو:
-من مين من البت المايصة دية
هز رأسه بالنفى قائلًا:
-لأ عليا انا مش منها
ظل لثوانٍ يتأملها بأعين ويده تتحرك بأريحيه من الأعلى للأسفل على عمودها الفقرى، ارتعد جسدها
بعنفوان، وثقلت انفاسها وتسارعت نبضات قلبها شعرت
شعرت بالتوق لوصاله بعد هجره لكن لا،
لم لن تكن بمنتهى السهولة حتى يهجر وقت ما يشاء
ويرجع وقت مايريد فقررت اللعب على اوتار
قلبه، فمدت يدها تحاوط عنقه ثم عضت على شفتها
السفلى باغراء وهى وتقول:
-مش جوزى وحقى وحلالى اغير ولا لأ يا هاجد
انفرطت مشاعره امامها حاول أن يلجمها لكنه استسلم
لصخب دواخله ضمها اكثر وهو يقول:
-قوليها تانى اول مره تقوليها
نطقتها بغنج:
-جوزى
-لأ هاجد اول مرة تنطقى اسمى من بين شفايفك
ياهاجر
ارجعت رأسها للخلف ثم عضت على شفتاها باستيحاء:
-بس بقى يا هاجد
ابتسم وهو يطالع شفتاها التى تتحرك باغواء يمنى
نفسها بليلة دافئة بين احضانها بعد ليالى هجر وما أن اقترب حتى
وضعت يدها على شفتاها وهمست بخجل مصحوب
بخبث:
-مش هينفع لظروف خارجة عن ارادتى
ثم اقتربت وتطبع قبلة ناعمة على وجنته وتركته
محترقا بجمر قربها كانت كالفاكهة المحرمة، وما أن
ولجت غرفتها قفزت على الفراش بسعادة فقد ثأرت
لنفسها
*****
-رجالتنا معاليك عرفوا يوصل للواد دا من يومين
وضربه صحوبية ولقوا عنده ميول يعنى ممكن
ينفذ ويريحنا كمان خصوصًا أن كل الخيوط
ضده مستنى إشارة مننا ويخلص
اعتدل زهير فى جلسته وهو يقول:
-حلو اوى كدا يخلصوا على بعض واحنا بعيد
وابنى فى حضنى
تتردد بعض الشئ ثم قال:
-معاليك انا كنت اتخيلت ان شفت ايمن مع ضياء
-ايمن مين؟!
*****