تحميل رواية «روح بلا مأوى» PDF
بقلم سارة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا ؟؟ سؤال يثقل كاهلنا وتظل اجابته فى سردايب روحنا. *** الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. وضعت الهاتف على الفراش وابتلعت بصعوبة. تسللت على اطراف اصابعها نحو المطبخ وفتحت احد الادراج وتناولت المدلاك الخشبى (النشابة). توجهت نحو باب الشقة تسترق السمع. تأكدت لها ظنونها عندما نظرت من عين المراقبة من خلف الباب. عزمت امرها وفتحت. وفى لمح البصر كانت تنزل بالمدلاك فوق رأس ذلك الشخص. وقع ارضًا. تلفتت يمينًا ويسارًا خشيًا من أن يراها أحد. ثم سحبته للداخل. *** فى صباح اليوم التالى. فرق جفنيه بصعوبة. وم...
رواية روح بلا مأوى الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الواحد والخمسون
كان يجلس على مقعد ينتظر خروجها من الغرفة بعد
أن أغلقت الباب من الداخل منفيًا كالشريد، بعيد جسديًا
لكن روحه بجوارها بالداخل تحتضن قلبها تطلب الغفران
والرضا، سمع صوت فتح الباب فرفع بصره سريعًا راقب
خروجها من الغرفة، الغرفة التى حرم من دخولها التى
كان يقضى به اسعد الاوقات فى محراب وجودها،
يتبعها بعينه تتجه للمطبخ، فنهض خلفها ووجع كل
الدنيا يغزو قلبه، روحه تتمزق ببعده عنها، وقف فى
إحدى زوايا المطبخ هو يطالعها تعد الطعام فابتلع
قائلًا:
-هاجر ماما طلعت الأكل دا من شوية، مفيش داعى
تعملى أكل وتتعبى نفسك
الغدر هو ما يشعل صدرها، لقد غدروا بها جميعًا
لذا وبكل عزم ستجعله يكرهها، ستجعله هو من
ينطق كلمة الخلاص بمحض ارادته، ستحوله من
حبيب لعدو بعد أن كانت تحرسه بين جدران قلبها
وترويه من روحها رويدًا رويدًا، سترويه أيضًا لكن
ماء مسمومًا، لحظات كالصاعقة عليه حتى أجابته
ببرود:
-لأ الأكل دا خليه عشانك انت
-طب مش هنقعد وتسمعينى أنا محتاج اتكلم معاكِ
تشعر بقلبها يئن وجعًا تريد الصراخ عليه، لكنها اجابته ببرود قائلة:
-هنتكلم فى أيه؟
آه بخصوص حوار أن انت شفتنى كدا أول مرة صدفة
فى بيبتنا وحبتنى وعشقتنى وجيت طلبتنى وكنت مضطر أنك توافق عشان أنا مضعش منك، وكنت مستنى
فرصة عشان تقولى، أنا مصدقاك عايز أيه تانى
كيف يقنعها منذ المرة الأولى التى رأها زحف عشقها
إليه ومد اواصره، ولم يقاومه فهى قدره ومكان راحته
اقترب منها وهو يقول:
-مصدقانى بقلبك حاسة ولا بتتريقى عليا، ما هو
اكيد كل اللى كان بيحصل بينا ماكانش تمثيل وانتِ
حاسة وفاهمة
تأففت بضجر وهى تتذوق الطعام قائلة:
-يووه، الملح زاد منى
سكبت الطعام فى الصحن ووضعته على صينية وتركتها
خلفها، اغمض عيناه متألم ثم مال بجذعة يستند على رخامة المطبخ محاولًا تمالك نفسه، خرج خلفها لكنه
تسمر مكانه عندما وجدها تجلس على الأريكة تطالع التلفاز
وتضحك بهستريا، طريقتها قاسية جعلته يشعر بالقهر سكاكين ملتهب تخترق قلبه، صدح جرس الباب فتوجه ليفتح فوجده مصطفى فتسمر مكانه لا يعرف ماذا يفعل معه فتجاوزه للداخل
انقبض قلب هاجر نقلت بصرها من هاجد إلى والدها بوجع ولم تفتها نظرات هاجد المعتذرة قاومت دموعها ثم تمتمت باستعجاب واستنكار:
-خطوة عزيزة أيه النور دا كله
كانت تحدثه وهى تلوك اللقمة فى فمها ثم نظرت للصحن قائلة:
-معلش الأكل عملتوا على قدى بس انت مش غريب
اخت المدام عاملة أكل ولسه مطلعه حالًا
قاطعها مصطفى بإجهاد قائلًا:
-أنا عايزك تسمعينى يا هاجر وتفهمينى غير أن هاجد
مالوش ذنب
أومأت وهى تطالع التلفاز ثم نهضت قائلة:
-طبعًا لا أنت ولا هاجد ولا حد ليه ذنب، المشكلة فيا أنا أنا وامى عارفة أنا والله اقتنعت خلاص ومش هجادل
بس بجد تعبانة ومحتاجة أنام، أنت عارف بقى كنت حامل ومكملش مش كنت هتبقى جدو بس حصل خير
حاجة بسيطة يلا
ترقرقت الدموع بعين هاجد خانته دمعة مريرة وهى
تتجه للخارج فابتسمت بسخرية
*****
فما اقسى الابتلاء حين يكون من عاشق يسكن القلب يكون اشد قسوة، كانت تنتظر الخروج عن المألوف فى
حياتها، لكن ما زادها إلا حزن يجلد روحها بقسوة
وقلب يتمزق، قاطعها طرق الباب ودخول الممرضة قائلة:
-فى حد مستنى حضرتك بره يا دكتورة
-حد مين؟!
-بيقول اسمه بدر
رمقتها باستنكار قائلة:
-بدر مين بدر؟!
آه الدكتور بدر خليه يدخل
ابتسامة باهتة تحاول ترميم ما يصيب نفسها من حزن
هاتفة:
-نورت العيادة يا دكتور
-انا جيت من غير ميعاد بس قولت اشوف العيادة
وكمان حابب اسألك سؤال
ابتسمت بهدوء قائلة:
-مكانك يا دكتور، واتفضل أسال
حرك رأسه نافيًا ليقول لها باحباط:
-بلاش كلمة دكتور بالله هموت منها بحس أن أى حد
بيقولها ليا بيطلع لسانه
هزت رأسها بيأس قائلة:
-بجد مش عارفة اصدقك
-حيث كدا احكيلك الحكاية من الأول
أنا كنت فى الثانوية وكنت مش بذاكر نهائى لعب كره
وبلاستيشن بس اقرأ كلمتين قبل الدرس بس أيه
كان بيلزقوا وكنت قبل الامتحان افتح الكتاب ودا
مش عشانى عشان امى كانت كرامتى سجادة وكل
من هب ودب يدوس عليها لو مذكرتش، يوم النتيجة
يا ست كنت عارف أنه
فاضل ساعة والنتيجة وتظهر دخلت نمت بكل سلام نفسى
وقلت عادى هقول لأمى ارادة ربنا ومحصلتش الطب
فجأة خارج من الأوضة لقيت امى بتصوت وبيغمى
عليها الكل يفوق فيها وهى مفيش، قولت بس ذنبها فى
رقبتى نزلت على رجلى افوق فيها واقولها حقك
عليا فوقى عشان خاطرى واوعدك هعوض فى
الكلية لقيت الاحضان نزلت عليا بيقولوا إنى
جيبت 99% هنا بقى أنا اللى اغمى عليا والكل
يفوق فيا ولحد دلوقتى أنا تحت تأثير الصدمة
ظلت تضحك بعد الوقت ثم توقفت عن الضحك تسحب
نفسًا طويلًا إلى داخل رئتيها لتهدئة انفاسها قائلة:
-أنا متخيلة المنظر مسخرة، بس دا ميمنعش أنك
كدا دكتور شاطر
اجابها بنبرة متذمرة:
-انتِ مستخسرة فيا الشوية اللى برة المستشفى
يتقالى بدر
-ماشى، اتفضل أسال يابدر
هتف يسألها متأهبًا جوابها:
-فى مؤتمر فى شرم هتطلعى للأسف أنا طالع
فأتمنى تبقى للأسف زى
اصلى الصراحة كل ما دكتور يتعرف
على تفاهتى يبعد عنى
-عندى شغل وكشوف لمدة اسبوعين هيبقى صعب
انتفضت من جلسته مستديرًا خلف المكتب يقف امامها
راجيًا:
-لأ عشان خاطرى استجدعى وروحى معايا امى نفسها
تشوفنى هناك وتتفشخر بيا هناك
رمقته ببلاهة ثم سألته بإستنكار قائلة:
-طب وانا مالى
عاد مرة اخرى يجلس على مقعده قائلًا:
-بيسان بقى بلاش كدا صدقينى انتِ كدكتورة شاطرة
هتستفادى ليه لأ، المؤتمر دا فرصة ليكِ
ألتو ثغرها بتهكم قائلة:
-المؤتمر افادة ليا مش ليك، ممكن أفهم ايه اللى فى افادة ليك بقى
-مهرجان الجونة، مهرجان الجونة وش وسكة ودوغرى ودونى هناك وسبونى أرمح هناك
قهقة وهى تحك مؤخرة رأسها حركتها المعتادة قائلة:
-بجد مش قادرة هموت من الضحك
-لأ بعد الشر عليكِ، طب ما تضحكونا معاكم
تلك الجملة قالها طاهر بوجهه مقتمع ونبرة هجومية بعد الشئ، فنهض بدر مسرعًا يجذبه لأحضانه بسلام رجولى
خشن قائلًا:
-نورت الدنيا يا تيتو تعالى احضرنا بقى
همس طاهر من بين اسنانه قائلًا
-احضر جنازتك إن شاء لله
ثم تابع وهو يرمقها:
-خير
اخفضت رأسها تشعر روحها مستنزفة فهى ليست سوى فتاة حزينة محرومة، كم تمنت أن تجد مؤنس لروحها
ولسوء حظها وقعت فى عشق رجل متعلق بأخرى، سحابة أشد وطأة من العبرات غشت عينيها فأجابه
بدر بتلقائية:
-عايزها تطلع معايا مؤتمر شرم الشيخ
كانت جملته كفيلة بإشعال الفتيل فرمقه بطرف عيناه
ثم نقل بصره إليها هاتفًا:
-معاك دا أيه؟!
هى اصلًا مش هتعرف تسافر مش فاضية
تحولت نبرة بدر فى الحال إلى استعطاف:
-لا بجد يا بيسان تعالى
قبل أن يقاطعه طاهر، اجابته هى قائلة:
-أنا هسافر يا بدر
رمقها طاهر متسائلًا:
-اللى هو ازاى مش قولتى مش فاضية
-يا تيتو يا جدع دا أنا ما صدقت توافق
أنا عندى دلوقتى شفت نايت هكلمك تانى بس لازم
امشى وبعدين نتفق
راقب طاهر انصرفه ثم سألها بعصبية طفيفة:
-ايه اللى جابه وازاى مسافرة معاه طب مش سألتك وقولتى مش ينفع
-زميل يا طاهر واقنعنى أن المؤتمر فى إفادة ليا
انت بقى ايه اللى جابك
-زميل ايه يا بيسان دا انتِ لسه عارفه أول امبارح
الصبح
قالت بتأنيب واضح:
-عادى مش بالوقت يا طاهر، وبالنسبة للسفر أنا محتاجة
افصل من الشغل شوية
لانت ملامحه وتحولت نبرته من الحدة إلى اللين وبدا
كالهر الصغير المستجدى تعاطف مالكته:
-طب ما أنا ترجيتك يا بيسان تسافرى معايا وخارج
الشغل اصلًا سياحة وترفيه وقولتى مش فاضية، على العموم
أنا جاى اعزمك على العشا بمناسبة وصول تارا نتعشا
مع بعض
حاولت أن تجمع الحروف لقول جملة مفيدة، تجتهد
أن تبدو طبيعية متجاوزة ما حدث صباحًا، فحتى
احبالها الصوتية تمردت عليها ثائرة لكرامتها المهدرة
آبية الانصياع له فى تلبية طلبه فهمست باختناق:
-أنا تعبانة، مش هينفع يا طاهر تعبانة أوى
سألها مستفسرًا بلهفة:
-مالك تعبانة مالك حاسة بإية نروح نكشف
حركت رأسها رافضة بعنف قائلة:
-نكشف هو انت شايفنى أيه؟!
على العموم مفيش حاجة اصلا أنا عايزة أنام بس لأن منمتش من يومين
-مش هعرف أروح كدا لازم اطمن عليكِ
تنهدت ولم ترفع عينيها من المكتب قائلة:
-متقلقش روح انت أنا بس هنام وهرتاح ومتلغيش العشا
اكيد تارا عملت حسابها
ظل كما هو يطالعها بنظرات متباينة من الغضب والاشفاق فهى من لحظات قليلة كانت تضحك وتبتسم
والآن تبخل بنظراتها فتنهد وثم نهض منصرفًا وبداخله
ثورة من المشاعر المتناقضة
******
كان كرم يقشر التفاح ويناول طاهر فى فمه، جعد
طاهر ملامحه بسخط فتابع كرم طريقته المغيظ له
وهو يدس التفاح داخل فمه، رفع طاهر حاجبه بسخرية
قائلًا:
-خير يا كرم بتأكلنى فى بؤى دا انت ناقص تدخلنى الحمام بنفسك
اشار بالسكين نحو عيناه قائلًا:
-عينيا أنت تؤمر ادخل واحميك كمان
-كررم اظبط كدا، وانجز قول عايز أيه
اووبا لتكون عينك على اخت بيسان ما أنا عارفك
قطب لثانيتين ثم حرك السكين سريعًا وهو يقول:
-لأ هطلع معاك شرم
-نعم تطلع شرم بتاع ايه
اجابه ببساطة وبراءة قائلًا:
-كارما طالعه مع اخوها وانا هطلع مع اخويا وكمان
اشمعنا واخد تامر
-اه هو هيفسح اخته ايه انت بضفاير اخدك افسحك
وتامر طالع شغل
من جديد عاد كرم لتقشير التفاح ودسه فى فم اخيه
وهو يقول بسماجة:
-اعتبرنى بضفرتين لأنى هروح يعنى هروح يا طاهر
وقسمًا بالله احطلك حشيش وابلغ عنك
-حشيش!!!
هذه الكلمة خرجت من نجات المستنكرة وهى تضرب
صدرها مما جعل كرم ينتفض مصوبًا السكين نحو صدر
طاهر فغزته دون أن تخترق الجلد فوضع طاهر يده على
صدره وانقلب على وجه يصرخ بألم زائف:
-آه بموت، بموت موتنى عشان الحشيش
هرولت نجات تضرب كرم على صدره واكتافه بحدة وهى تصرخ فى ابنها قائلة:
-موت اخوك، موت اخوك يا حشاش موت اخوك عشان
الحشيش والله لأسلمك بنفسى
كان كرم يقف كالفأر مبلول وقلبه يرتجف قائلًا:
-مش حشاش لأ، طب نطمن عليه نتصل باسعاف
نلحقه
وكأن كلماته ضغطت على زر الادراك لديها فمالت بجزعها
سريعًا تتفقد طاهر وهى تبكى قائلة:
-طاهر حبيبى طاهر ضنايا طمنى يا قلب امك
اعتدل فى نومته على ظهره وهو يبتسم غمازًا لها:
-طلعت قلب أمك أهو، حبة حنان من اللى موجودين فى النيش
ابتلع كرم وهو يتنهد بارتياح أما هى كانت لازالت تمرر
عيناها على صدره حتى تأكدت من سلامته فابتسمت
بخبث وهى تناول إحدى خفيها المنزلى وتنزل به
على جسده:
-دا أنا هطلع على جتتك البلا الازرق كدا تخضنى طب
وربنا هخلى الشبشب يعلم على جتتك
رمقه كرم بنصف عين ثم ابتسم ابتسامة صفراء قائلًا:
-عشان تعرفى أنك ظالمنى أنا كنت بقولوا كفاية حشيش
صحتك يا طاهر وهو مش عايز يسمع منى
توسعت عينيها بصدمة ثم تركت خفها المنزلى وسبحته
من خصلاته لترميه على الأرض:
-شبشب أيه دا انت عايز الموت بإيدى يا ولا انت بتشرب
يا منيل
-بصى دا مينفعش معاه غير أنك تحلقى شعره دا
وتحبسيه فى البيت
فتح كرم إحدى الادراج ليخرج ماكينة الحلاقه ويشغلها
فانتفض طاهر بين إيدى والدته هاتفًا:
-مفيش حاجة والله يا نوجا دا أنا وكرم كنا بنجهز عشان
طالعين شرم مع بعض وهو ماكنش حابب يطلع عشان
الحشيش والستات والدنيا هناك هيصة مش كدا ياكرم
حاول كرم كبح ابتسامته حتى لا ينفضح فاغلق
الماكينة ووضعها بالدرج قائلًا:
-هو انتِ بتصدقى أى حاجة كدا يا نوجا دا بغل
قدامك ومحافظ على صحته وبعدين خليك مركزه
معانا وسحس فى واحدة لازقة فى محل كل شوية
عنده
ضربت صدرها وهى تنهض من فوق طاهر متسائلة:
-واحدة مين يا ولا انت انطق وساكت ليه كل دا
-والله كلام من عمال حبايبى بس قولت أتاكد الأول
-وتتأكد انت ليه هتأكد أنا بنفسى
راقب كرم انصرفها بابتسامة واسعة بينما كان طاهر يرمقه بغيظ
*******
بعد اسبوع
استدارت هاجر بجسدها الذى تشنج فى الحال فور رؤيتها مايسة مررت عدستيها فوق ملامحها الهادئة بثبات تحسد عليه، زفرت مايسة قائلة:
-هاجر ممكن تسمعينى لو مش هيضيقك، انا عارفة
ماما غلطانة والله هى طريقتها كدا ممكن عشان بتحب هاجد شوية زيادة عشان فيه شبه من خالى، بس والله هو بيحبك انتِ وبس وبيحبك بجد، طب اقولك
على حاجة انتِ متعرفهاش، هاجد جه عندنا البيت
لما اعترضتى على كلمة شيخى وفهمنى بهدوء
قدام ماما قصدك غير أن كلامه ساعتها أن اللقب
دا حقك انتِ بس وأن أنا مش المفروض اقول كدا
غير لجوزى، والله بيحبك وبيخاف على زعلك وماما
كلامها بتقولوا ومش بتأخد بالها هى كدا دبش بس
قلبها ابيض ياهاجر
كان قلبها يتلوى داخلها وهى تسمعها لكنها ارتسمت
البرود قائلة:
-قلبها أبيض، المرة جاية تجيب سكينة وتحطها فى قلبى
اسهل، كسرت خاطرى ضيعت امنية حياتى وقلبها ابيض
لو دا مفهومك عن الناس اللى قلبهم ابيض اسمحى اقولك ملعون أى حد قلبه ابيض بشكل دا
تنهدت بحرقة وقد أحزنها ما تشعر به هاجر والأسوء
أن ذلك بسبب والدتها طرق على الباب جعلها تنهد
وانهمرت دموعها رغمًا وما أن فتحت الباب ورفعت
بصرها تقابلت مع نظرات ساهر التى كانت ترمقها
باندهاش فسألتها كيان مسرعة:
-انتِ كويسة؟ هاجر كويسه؟
هزت رأسها فى صمت ثم تجاوزتهم لتهبط للأسفل
بينما راقبها ساهر كالصقر فخبطت كيان على كتفه
-ايه تنحت ليه؟!
-احسن تكون قتلت هاجر بحفظ شكلها
قبل أن يكمل جملته صدح صوت هاجر:
-تعالى كيان تعالى يا ساهر
نظرت كيان نحو ملامح وجهها الحزين وسألتها:
-انتِ كويسة هاجر؟ احسن دلوقتى
اجابتها كاذبة بعد ما ابتسمت بخفوت:
-الحمدلله زى الفل
كان ساهر يعلم تمام العلم أنها كاذبة، فالوجع
البادى على وجهها واضح للجميع، زفر ساهر
ثم اجابها بنبرة ذات مغزى:
-هى شدة وهتعدى عارفة ليه عشان قلبك ابيض
ومش زى حد فى العيلة كلها انت احسن حد ومتشبهيش
حد ياهاجر وفكرى كويس قبل اى خطوة انتِ متشبهيش
حد
اشاحت بوجهها بعيدًا عنهما ممتنعة عن الأجابة، زفرت
كيان بحزن عندما لما تتلقى أى اجابة او تعقيب على
حديثهما فحدثتها بنبرة حنونة:
-هاجر مش كنتِ بتنصحينى على طول ادى فرصة
واسمع يا حبيبتى انتِ كمان لازم تعملى كدا
عارفة لما اا
اجابتها بعدم اهتمام قائلة:
-انتِ كنتِ محتاجة تسمعى مبررات كتير، أنا لا
المهم تشربوا أيه أنا عاملة كيك يجنن تأكلوا
تبادلا كيان وساهر النظرات فاقتربت منها كيان وهى
تضمها لصدرها قائلة:
-طب عيطى يا هاجر يمكن ترتحى
بقيت كما هى حدقتيها تهز فى صمت فنهض ساهر
منصرف كى يترك لها فرصة لتبوح ما فى صدرها وبعد أن انصرف ظلت كيان تربت على ظهرها، دقائق من الصمت الحزين قبل أن تنفجر هاجر وهى تنحب بمرارة:
-الكل بيأخدنى بذنبها الكل، بس مش مهم الكل
المهم هو بعد كل دا يطلع وهم يا كيان أنا عشقته
من قلبى حبيته وهو غرس سكين فى قلبى قهرنى
حتى البيبى حلم حياتى راح منى، طب كان نفسى
افرح حتى اعرف الخبر، ابويا باعنى رخيص اوى
كيان أنا مأذتش حد ولا عمرى طلبت منه حتى
وقت عشانى كنت حاسة وساكتة والله ليه عمل كدا
ليه هاجد ليه هاجد بذات أنا عرفت طعم كل حاجة
حلوة بيه
كان قد وصل هاجد منذ اول حديثم يقف فى الزواية
يشد على قبضته بقسوة وهى تنهار أمام عينيه،
نبرتها متألمة ترميه بسهام مسمومة، رباه ألا سبيل
لتخفيف الوجع، الغصة استحكمت حلقه فخرت دموعه
عيناه
همست كيان قائلة:
-طب بصى انتِ محتاجة تغيرى جو
فى سفر تبع الشغل فى شرم وكلنا هنسافر أنا ممكن استئذن هاجد وكلنا نسافر مع بعض حتى هو يجى
معاكِ تسافروا تغيروا جو، أنا وساهر وتامر وطاهر
وكرم وبيسان طالعين هتغيرى جو وتنسى شوية
نفرت عروق هاجد عند سماع اسم طاهر ثم تحمحم وهو يقول:
-أسفة يا استاذة كنان بس مش هينفع نسافر حاليًا
ابتلعت كيان باحراج قائلة:
-أنا كنت بقترح بس، لكن اكيد براحتكم
*****
بعد مرور عدة أيام
-ما تهدى يا عم الاشعال الذاتى
قال هذه الكلمات كرم بينما جز طاهر على اسنانه قائلًا:
-كرم فك منى وشوفلك شغلانة اعملها
التو ثغر كرم هاتفًا:
-حاضر عينى هنزل اجمع السمك من الميه وبعدين
اوقفه طابور
زمجر طاهر قائلًا:
-كرررم!!
-ايه خلف أحنا فى رحلة خليك فريش قصدى يا طاهر
بعدين انت طالما قلقان كدا مقولتش لبيسان تيجى معانا
ليه؟!
-الهانم بعد ما كنا اتفقنا خلاص قررت فى أخر لحظة
انها هتيجى طيران، مش فاهم مالها ما تارا جت معانا
عادى، اهى رحلتها أتاجلت ومش عارفة هتيجى امته
ربت كرم على كتفه قائلًا بخبث:
-مش فاهم مالها؟! ربنا يعينك على المهلبية اللى فى دماغك والله، على العموم هما مش منعوها هما هيطلعوا
طيارة مخصوص عشان الدكاترة كلهم يكون مع بعض
*******
ولجت كلا من كيان والمخرج إلى اليخت الذى حجزه
لتصوير إحدى حلقات البرنامج ضمن فعاليات المؤتمر
بشرم الشيخ، كانت اطلالتة انيقة والخاطفة فابتسم
قائلًا:
-كل حاجة تمام يا كيان فى حاجة ناقصة
هزت رأسها بنفى وهى ترمق الأوراق بنظرة أخيرة قائلة:
-كله تمام، هو الضيف وصل
مرر عيناه على ملامح وجهها الصافية بابتسامة جذابة وهو يقول:
-وصل، الحلقة هتبقى عن الأكل وفوايدة واضراره
على الصحة والضيف دكتور ودكتورة
الدكتور وصل اهو هناك واكيد الدكتورة بتجهز يلا
هروح اقولهم يتحركوا
أومات بالإيجاب ثم تقدمت عدة خطوات نحو ضيف
البرنامج تلقى التحية عليه، وما أن استدار، اغمضت
عيناها وفتحتهم لتراه هو بذاته، للحظة ظنت انها
تحلم، كان يقف بطوله الفارغ وضوء الشمس خلفه
يتسلط عليه كأنه نجم على خشبة مسرح يرتدى قميصًا اسود اللون يتطير مع الهواء، أتكئ بيده على سياج اليخت من خلفه وكان لا يصدق أنها معه مرة اخرى كان يطالعها بشغف لا ينتهى بانتهاء عمره، بينما هى فقدت قدرتها على الحديث وطالت الوقفة كانت منتظرة أن يضمها إلى صدره، التوت شفته بشبه ابتسامة قائلًا:
-خير يا شيف هتفضلى واقفة كدا كتير
ابتلعت بصعوبة وقلبها يرتجف، لكنها رأت الأمان فى عينيه أمان فقدته منذ رحيله؛ فهى لم تفقد كنان فقط
بل فقدت امانها، عجزها يكبلها من ارتماء بين ذراعيه
ومن كرامتها التى جرحها، اخذت تلك المشاهدة تهاجمها
بلا رحمة حتى سألته بحدة:
-انت جيت امته؟!
ايه اللى جابك هنا؟!
انهت كلماتها وهى تشدد على كل حرف مما جعل كنان
يتقدم نحوها بخطوات هادئة ثابتة جعلتها تتقدم للخلف
تدريجيًا قائلًا:
-مش انتِ الشيف والمذيعة، مش عارفة انى الدكتور
الضيف
اشتعلت عيناها بالغضب متسائلة:
-ولما انت عارف انا الشيف جيت ليه ها
ثم تابعت:
-انت دكتور اومال مين الدكتورة شا
قاطعها وهو يأكد لها شكها:
-الدكتورة شاهندة
ابتسمت بأسى تتذكر كيف جرفهما تيار الحب دون تعقل
وهى بذات رمت كل تعقل خلفها ونسيت كل
شئ سوى كونها حية معه، تشعر بألم فهى لم تحتمل
رؤيته مع فتاة اخرى، فجأة تحرك اليخت فى الميه
ألتفت على صوت كمال المخرج وهو يقول:
-يلا يا جماعة عشان نلحق الشمس
اهلا يا دكتور اومال فين الدكتورة
رمقه كنان بنظرات غضبه لكنه ارتدى قناع البرود وعقد حاجبيه قائلًا:
-ازاى هو انت اتحركت من غير الدكتورة شاهندة اومال
هنصور إزاى
ابتسمت كيان ابتسامة مستفزة قائلة:
-معلش تتعوض مش هنلغى التصوير عشان الدكتورة نبقى نصور معاها فى يوم تانى ولا أيه يا بوص؟! ويبقى جوه الفندق وموضوع
جديد أيه رأيك؟!
لمحة كنان بسمتها كأنها تتحداه بينما اجابها كمال بفخر:
-تمام وكيان حلتها
رمقه كنان بطرف عيناه وتجاهله وهو يستفزها اكثر واكثر قائلًا:
-تمام وابقى اطلع معاها تانى لازم نكون مع بعض يعنى
اجابه كمال بتلقائية:
-دا شرف لينا
ثم تابع:
-جاهزة يا كيان، اسف بس انتِ على طول جاهزة
كفاية الضحكة اللى بتخطف الكاميرا وتنور اليوم
اطرقت رأسها بينما نفرت عروق كنان كقابض الأرواح واشتعلت عيناه وهو يقول:
-اظنى نبدأ الشمس هتغيب
وبدأت الفقرة الأولى وهى تطهو ومعاها
الضيف، جلس على المقعد امامها يراقبها كيف تطهو
كان يشتاق..يشتاق حد الجنون أن يراقبها وهى
تطهو فى المطبخ كالفراشة حالمة على النور، وما
أن انتهى التصوير جاء كل من وراء الكاميرات
ليتذوقوا الطعام بينما قدم كمال صحن لكنان فوزع نظراته بينها وبين الصحن قائلًا:
-اسف أنا فيجترين والأكل دا تقيل على قلبى
-إزاى فايتك كتير يا دكتور وحبت طواجن عنب
رمقها بطرف عيناه وهو يقول بذات مغزى:
-جربت مرة وتعبت منه
اكوام من الثلج اكثر برودة من أى قطب فى العالم هذا ما شعرت به كيان بعد اجابته، ترى كرهها هز كمال رأسه قائلًا:
-أكيد مش من ايد اجمد شيف فى الدنيا كيان
طال الصمت ولم يمن عليه بكلمات حتى انصرف
هو ليرى تسجيل الحلقة، زفرت كيان دون أن تشعر
انها كانت تختنق، ماتت الكلمات على شفتاها كادت
دموعها تخونها لكنها تحركت مسرعة تقف فى اول
اليخت تنظر للمياه هى تدغدغ اليخت فيتمايل
هو الأخر على جانبيه شعرت بحركة بجوارها فنظرت
وجدتها يقف بجوارها فاستدارت لتعود لكن صوته اوقفها:
-رايحة فين؟!
رمقته بتحد قائلة:
-دا شئ ميخصكش
اجابها بخشونة:
-كيان
-مالها كيان مفيش حاجة بينا عشان تكلمنى كدا لو سمحت ألزم حدودك يا دكتور، وكمان وفر اسألتك
للدكتورة
اجابها بنبرة مستفزة بعض الشئ:
-لأ شاهى، مش محتاجة مطعية وبتسمع الكلام من
أول مرة ومش بتخبى عنى حاجة
انتفض قلبها كمن اصابته صاعقة:
-ربنا يباركلك فيها وتفضلوا مع بعض طول العمر، ممكن تبعد عن طريقى
هذه الكلمات هزت كيانه اوجعت قلبه ألهذه الدرجة
كراهته جذبها من معصمها هامسًا من بين اسنانه:
-ربنا يبارك فيها، انتِ قد كلامك يا كيان يعنى مش فارق
معاكِ اكون مع واحدة تانية
جذبت معصمها منه بحدة قائلة:
-كنت فين كل دا عشان تيجى تحاسبنى؟!
مش كنت مع الدكتورة وعايش حياتك، ابعد عنى
وزى ما انت شفت حياتك لعلمك أنا كمان شفت حياتى
، فهذه الاثناء جاء المخرج، ولم يخفى عليه ذلك
الحزن الذى مر فى عينيها، ولا اهتزاز حدقتيها وهى
تحاول اخفاءه باسبل اهدابها بينما اقترب كمال اكثر
قائلًا:
-كيان انتِ هنا يلا بينا الجو جميل وهعملك سيشن
زادت وتيرة غضب كنان وهو يحدجها بنظرات نارية
قائلًا:
-مش خلصنا تصوير يلا نرجع انا عندى شغل ضرورى
نظرت هى ايضًا نحوه بغضب ثم قالت:
-ياريت يلا بينا
تركته وانصرفت يغلى كالحمم خلفها وذهبت مع كمال
امامه ولم يستطيع منعها أو التحكم فى تلك النيران
التى تلتهم قلبه، تبًا لها، وتبًا لقلبه الذى يغار عليها بجنون توسعت عيناه بصدمة كانت الأغانى الهادئة تصدح
وهى تتمايل يمينًا ويسارًا لالتقاط الصور، رمق بعيناه
من يقفون خلف الكاميرا وهم يشاهدون هذا العرض
السخى من النعومة ليتقدم نحوها وهو يصرخ بهياج
-كيااااان
يقبض على معصمها بعنف ويحدجها بنظرات نارية، وقف
كمال أمام عيناه متسائلًا بانفعال وهو يحاول جذبها من
بين براثين كنان:
-فى أيه دكتور ماسكها كدا ليه؟ سيب إيدها
أجابه وهو يجز على اسنانه بغيظ:
-مراتى، هى مراتى مش هسيب إيدها
انفاسها تتسارع وثمة اشياء غريبة تحدث بجسدها لا
تفهمها لكنها تشعر أنها ستموت همست بحروف متقاطعة:
-مش مراته، طليقته
-يعنى مشاكل عائلية وحضرتك تقدر تتفضل أنا هتكلم
معاها
-لأ، مراتك أو طليقتك خارج حدود الشغل هى هنا فى
مسئوليتى أنا
أنهى كلماته هو يبعد يد كنان عنها رمقه كنان بنيران الجحيم من عيناه، شعرت قدميها كالهلام لا تستطيع
الوقف، دوران يجعلها تشعر الأرض تميد من تحتها
فهمست لتنهى الجدال:
-أنا هنزل تحت، اسفة يا مستر كمال على اللى حصل
قالت جملتها وهى ترمق كنان بوجه جامد، فدلك
جبهته بإنزعاج
******
طالما سأل نفسه هل الحياة عادلة، وإذا
لماذا لم تكن عادلة معه، فهو لم يرى منها يومًا جيدًا
هو لم يريد أن يظلم الحياة لكن حقًا لم تهديه أيامًا
جميلة وتعامله بالقسوة، تربى فى ملجأ ولم يعرف
من هما والديه، وكأى شاب وقع فى حب فتاة لكنها
قلبها كان الجنة محرمة عليه، كأنه ابليس ملعون
مطرود من رحم الحياة داخله عبارة عن احتلال من الحزن والوجع
جلست بجواره تارا على الرمال الصفراء تبتسم بغنج
قائلة:
-تارا اسمى تارا اصلى طول الطريق شايفك سرحان
قطعت سيل ذكرياته صوتها الرنان، لكنها لا تعلم انه
كالقوس المشدود، لا تعلم أنه يحاول أن يتغلب على
نفسه منذ أن رأها بتحررها الزائد، ترا هل كانت والدته
تشبها فى تحررها، ترى هل خضعت لشيطانها فى لحظة ضعف فخسرت ما اهو اكثر من نفسها خسرت شرفها، خسرته هو كطفل بريئ
نهض وهو يرمقها بنفور قائلًا:
-اهلا
ابتسمت باتساع وهو تصفق عاليًا قائلة:
-دا واضح أنى هتسلى اوى هنا
****
الفراق لحظات فاصلة فى حياة كل إنسان مجبر على تحملها وأن كانت ضريبة لشئ لا يعلمه، لكن ليس أمامك
سوى الصبر وحتى وأن كان الألم لايطاق، ربما هناك بعض الأمل لينطوى الألم وتشرق الحياة شمس جديدة
أو ربما تكتب النهاية دون ذرة اشفاق، كانت تهرول على الرمال وهو خلفها يلحق بها حتى اوقفها صوته:
-كيان اوقفى أنا مش هجرى وراكِ كتير
وقفت ثم استدرات ودموعها تغرق عينيها هامسة:
-عايز منى أيه؟! عايز ايه ليه تعمل كدا قدام الناس
كان شعوره بشخص محكوم عليه بالإعدام ثم اخيرًا
سمحوا له برؤياة بصيص الأمل فاجابها:
-بس دا كل اللى همك، مش فارق معاكِ وانت بترقصى قدام عشر رجالة فوق
حلقها متشنج من فرط الوجع ولا تستطيع حتى ألتقاط
أنفاسها ثم همست بحدة:
-فين الرقص دا، انا كنت بتصور عادى، حتى لو أنت مالكش دخل قولتلك، أحنا اللى بينا اصلًا انتهى
-اللى بينا اصلًا مبتداش يا كيان عشان ينتهى
اللى بينا كنتى معايا وفى حضنى وبيتى وكنتِ
عاملة خطط ورا ضهرى عشان تسبينى
كانت باهتة بلا حول ولا قوة اشبه بجثة لها انفاس فهمست:
-انت صح على فكرة، أنا قبلت كل حاجة فى حياتى
بس وجودك جنبى مقدرتش اقبله مقدرتش ومش
هقدر مش عارفة كانت حجة ولا لا، مش مهم بس
أنا مش هنفعك انت ولا غيرك، يمكن فى لحظة
كنت محتاجك وجيت دورت عليك بس الحقيقة
أن أنا لسه زى ما أنا متقدمتش خطوة واحدة من
ساعة ما كنت طفلة صغيرة، ابعد على قد ما تقدر
لأن وجودنا جنب بعض هيعيد نفس المأساة
وفى الأخر هنوصل لنفس الحيطة السد وهتشك
فيا، خليك بعيد احسن ليك وليا
كانت تنتفض كقطعة لحم خرجت للتو من رحم الامومة وما أن انهت كلامها هرولت من امامه
وقف مكانه يشعر بكل جسده يتقد نارا رحمة لله على
قلب ذاق العذاب ليلقى حتفه فى نار سعير استدار
باكتاف متهدلة لفندق لعل مرة ثانية يقدر على
استرجعها
*****
الهزائم كلها تتساوى فى مقدار الألم الذى يصيب صمام
القلب، تستمر فى الانطفاءات فى النيل من روحنا مرة
تلو اخرى حتى يتهتك جدار الروح وتتساقط اوراق
العمر، لكن هذه المرة كانت الهزيمة أوعر واشد، كقاتل
متمرس يطعن ولا يبالى
جلست على الرمل تبكى بحرقة لكن قطع بكاؤها صوت
صراخ نهضت بفزع تلتفت حولها تبحث عن مصدر الصوت، كان يأتى من خلف صخرة لكنها تسمرت برعب
كانت فى حضرة ذئب بشرى يمزق طفلة لا تتجاوز الثانية عشر من عمرها يمزق روحها بكل وحشية وانانية
حيوان مسموم انساق وراء شهواته؛ مسموم بحنظل الانتقام مشبع بقيح الشهوات الشيطانية لهث وراءها كمن لا عقل له، فاقت من حالة تسمرها وهى تقترب مسرعة تسحبه من ظهره بعنف هاتفة:
-ابعد عنها يا حيوان، ابعد
دفعها بيده بعيدًا ليكمل ما يفعله وقعت على الأرض
لكنها نهضت سريعًا وتناولت رمال بيدها لتلقيها
بوجهه فصرخ بوجع فعاونت هذه الطفلة على النهوض
وهرولت بها لكنه لحقهم وجذب الطفلة من الخلف ليطيح بها فارتطمت بصخرة فاقدة الوعى، وابتلع وهو ينظرلكيان بشهوانية وقبل أن تركض كان يحملها من الخلف مضى بها خلف الصخرة واخذ يلطمها على وجهها
وكان صراخها يصل لعنان السماء ودموعها تنهمر
حتى خرات قوة، مد يده يخلع حجابها
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والخمسون
وقف فجأة يلهث انفاسه يجذب خصلات شعره بعنف
متذكرًا حديث الطبيب النفسى المعالج لحالتها فى أخر
زيارة له
**كيان رفضت أن تصدق أنه من الممكن أن يكون هناك
أمل للتخلص من الماضى الأسود، او بمعنى أدق خافت
أن تثق فى الحب فهربت وخسرت
لكن هذا لا يعنى أنها لا تحبك لكن هى ليست مستعدة
لتكشف نفسها اكثر أمامك خصوصًا بعد موقفك الأخير
متخوفة من وجع جديد لا تشفى منه وقد يبدو الأمر
تافهًا بسيطا لبعض البشر، لكن ما تمر به من خراب
وقهر لا يعلمه إلا من عاش نفس ظروفها، ولكى تتجاوز عقدتها
يجب أن تكون لديها رغبة بداخلها للبدء من جديد
مع شخص تراه امانها، دون ضغط كما سبق تختار
بإرادتها
فرك وجهه وهو يتنهد فهو اتبع تعليمات الطبيب ولم
يضغط عليها، لكنه الآن بين النعم واللا، الرفض والقبول
الإحساس بالندم والإشتياق، هز رأسه بالنفى سريعًا وهرول فى أتجاهها يلحق بها، توقف بعد دقائق من المشى والتفت خلفه وقلبه ينبض بفزع يسمع آهات
مكتومة، حاول تمالك نفسه والخوف يكاد يوقف قلبه
عندما وجد فتاة صغيرة متكومة على الأرض جثى
على ركبته سريعًا ليتفحصها، فرمشت بعيناها ثم
رفعت يدها لتشير له لكن قبل أن يُدرك مقصدها شقت
صرخة سكون المكان لكنه يعرفها، نهشه الخوف مع الرعب المجسد فى عين الصغيرة، نهض مسرعًا
على الجانب الأخر، توقفت لمساته القذرة قبل أن يسقط
امام عيناها الذاهلتين التى رفعتهما عنه بعد ثوان تنظر
للواقف امامها ورددت بإرتجاف:
-كنان، كنان دا كان عايز
شهقت برعب عندما لكم ذلك الرجل كنان وخيط من
الدماء يسيل من انفه، انقض عليه كنان باللكمات حتى
أوقعه أرضًا وبدأ يركله بقدمه في بطنه والأخر يتأوه
والدماء تسيل من أنفه وفمه
اما هى كانت تنتفض بقوة داعية برجاء أن ينتهى الأمر
بسرعة قبل أن تفقد قدرتها على الصمود، فجأة وجدت
تامر يقترب منها وهو يصرخ متسائلًا بفزع:
-انتِ كويسة كيان أيه اللى حصل
كانت تهز رأسها بهيستريا وهى تنظر فى إتجاه كنان
فقبض على كفيها لتهدأ بعد ما علم من هيئتها المبعثرة
ماسار معاها هامسًا:
-اهدى انتِ كويسة متقلقيش
ثم خلع سترته يضعها فوق كتفاها، لكن فجأة ترنح
ووقع على الأرض أثر لكمة من كنان فتراجعت هى للخلف شاهقة بصدمة، كان كنان كالليث الجريح لا يريد أحد بجوارها الآن اقترب منها بهدوء وهو يمسح الدماء من انفه هاتفًا:
-متقلقيش كل انتهى انتِ بخير، أنا اسف ماكنش لازم اسيبك
لوحدك ياكيان
مع همساته المهدئة بكت بحرقة وهى تنتفض قائلة:
-لا مش بخير أنا، أنا حاسة تانى كل حاجة
قبل أن يقترب منها ليضمها جاءت اسرة الطفلة وطاهر
وكرم وساهر يهرولوا، وقف طاهر أمام تامر الذى ينزف
قبل أن يفهم وقف امامه بشرار عيناه يصرخ:
-انت عملت أيه؟!
-انت اتجنتت يا طاهر؟؟ الزفت اللى على الأرض
دا هو اللى حاول يتهجم عليها أنا كنت ماشى لقيت
العيلة دية بتجرى من هنا جيت اشوف فى أيه؟
اقترب ساهر من اخته يضمها هو يتفحص وجهها:
-ايه اللى حصل يا كيان فهمينى، طمنينى
شهقة خافته من الخلف كانت من فتاة فى نفس عمرها
هامسة:
-كيان عاصم معقولة؟!
رمقها كرم بطرف عيناه قائلًا:
-ايوة هى، تعرفيها؟!
اجابتها الطفلة الصغيرة:
-هى يا عمتو هى يا تيتا اللى انقذتنى لولاها كان الحيوان دا
ولم تستطع اكمال جملتها وانفجرت فى البكاء لكن الصدمة الأكبر كانت من نصيب جدتها التى اقتربت
منها قائلة بتوسل:
-انتِ فاكرانى، سامحينى، سامحينى لأن ربنا وبعد العمر دا كله منسيش اللى عملتوا زمان وحفيدتى كانت هتضيع
منى لولاكِ
راقب الجميع الموقف فى صمت، أما هى كانت تحاول
أن تستوعب هذه القنبلة وهى تدقق النظر فى وجه هذه
السيدة التى ملأت التجاعيد وجهها ثم رمقت الفتاة التى
تقف خلفها وانهمرت دموعها وهى تشير للطفلة الصغيرة:
-كنت اصغر منها صح، والكل اترجاكِ إنى طفلة وماليش
ذنب، لكن اصريتى أن واحدة زى المفروض متكملش فى
المدرسة وأن اروح أماكن تأهيل للي زى صح، قولتى
دية مش طفلة دية فاهمة كل حاجة دية كانت بتتعرض
للتحرش وبيئتها اللى جاية منها هتضيع عيالنا، احب اقولك أن من يومها مدخلتش فصل تانى بمتحن بس
عشان تحافظى على بنتك انتِ واللى زيك، على فكرة أنا لو كنت عارفة انها حفيدتك كنت بردو هنقذها عشان اللى عشتهُ متمناش حد يعيشُهُ، لكن لو على مسامحتك عمرى
ما هسامحك عمرى
انهت جملتها وسحابة سوداء تلفها وقبل أن تسقط للأرض كان يلتقطها ساهر بين يديه، أما كنان يصرخ حتى كادت
احباله الصوتية أن تنقطع ثم توجه نحو هذه السيدة:
-امثالك هما اللى عار وغلط أنهم يختلطوا بالناس
ودا تفكرهم هى احسن منك ميت مرة
صرخ كرم قائلًا:
-اطلع بيها يا ساهر معاه يا طاهر وأنا هسلم الك.لب دا
بإيدى
******
-وحشتينى يا بيلا
تلك الجملة قالتها هويدا وهى تنظر لبيلا مما زاد من توترها فشعرت هويدا بالشفقة لأجلها، فاسبلت أهدابها قائلة:
-أنا جيت انهاردا عشان أنا وبيلا ننزل مع بعض
نشتري حاجات للبيبي واتمنى انها مترفضش طلبى
فاجابها هاشم مسرعة دون تفكير وهو يقول:
-لا طبعًا انتِ منقدرش نرفض ليكِ طلب
توسعت أعين والدتها بغضب قائلة:
-ازاى يعنى يا هاشم بنتنا تعبانة انا مش بخليها تتحرك
من مكانها وأنا اللى بشترى حاجات البيبى لوحدى خوفًا
عليها
-هى كويسة والدكتور طمنا اخر مرة ودا كان من التوتر
هى دلوقتى كويسة، اطلعى اجهزى يا بيلا وانزلى مع
مدام هويدا
هزت رأسها بالموافقة وتحركت للأعلى وما أن اختفت
وجهت هويدا حديثها إلى لبنى هاتفة:
-أنا فاهمة ومقدرة خوفك عليها كأم، ولازم تبقى متأكدة
انى اللى مش هرضاه على بنتِي مش هرضاه على بنات
الناس، مابالك بيلا اللى بعتبرها بنتى اللى وقفت جنبى
فى محنتى أنا وبنتى، ابنى حالته ماكنتش متزنة ومازالت
مش هو ضياء أبنى، وهو بيحب بيلا أكتر من روحه
اللى حصل لحظة ضعف وانتِ عارفة كدا
-حتى لو فاهمة بنتى حاليًا نفسيتها مدمرة
ضياء خذلنى انا كنت بعتبره ابنى
ابتسمت هويدا بهدوء قائلة:
-هو ابنك والام بتزعل من ابنها وتعاقبه لكن متستغناش عنه
انهت كلامها تزامنًا مع نزول بيلا التى اصبحت شاحبة
كالأموات، فنهضت هويدا وهى تنظر إلى لبنى، اطرقت
لبنى بصرها هى تعلم أن ابنتها أصبحت كالوردة الذابلة
***★**
-يارب
يهمسها كنان بمناجاة وهو يقف بالخارج
اقترب من باب الغرفة يستند برأسه عليه، يهمس باسمها
وكأنه يناجيها؛ يناجيها بضعف، بضعف يؤلم قلبه، خرج
الطبيب من الداخل فتحشرج صوته بكلمات مخنوقة:
-هى كويسة؟
-متقلقش هى كويسة بس ممكن الضرب والصدمة سبب
الإغماء
كان طاهر وكرم يقفا مستمعان وما أن انصرف الطبيب تقدم
طاهر فجذبه كرم:
-رايح فين انت مش شايف الجدع بينهار قدامك هتدخل
قدامه عندها
-ما ساهر جوه، وبعدين بنت عمنا واللى حصل لازم نطمن
عليها
-اهدى بقى
ساعة مرت دون أن يفتح باب الغرفة الذى يفصل
جسد بالداخل عن اجساد بالخارج يقفون كأنهم يقفوا
على جمر مشتعل فتحمحم كرم قائلًا:
-طب يا جماعة يلا بينا أحنا اكيد هى مش هتفوق
ومعها ساهر جوه يلا بينا الوقفة هنا مش حلوة احنا
فى فندق مش مستشفى
كان الانتظار مميت بشكل هالك للأعصاب فاجابه كنان:
-أنا مش همشى من هنا غير لما ادخل اطمن عليها
حك كرم مؤخرة رأسه قائلًا:
-كان على عينى يا دوك والله بس انت شايفنا ايه
تدخل اللى هو ازاى يعنى، أنا مرضتش ادخل طاهر
توحشت عيناه وهو ينظر لطاهر قائلًا بحدة:
-طاهر يدخل عندها بتاع إيه
زمجر طاهر لكن قاطعه كرم وهو يقول:
-والله ولا انت ولا هو ولا أنا هى معاها اخوها ومش
مسموح لحد تانى الدخول يلا اتفضلوا
ابتلع كنان يواجه الحقيقة المرة هى لم تعد زوجته تحرك
فى صمت، خائر القوي ، ضعيفاً، هزيلًا
أما بالداخل
كان ساهر يجلس بجوار فراشها يراقب انفراج جفنيها
بضعف، يراقب ملامحها الراقدة هامسًا:
-كيان سامعانى
خرج صوتها متقطعًا بضعف يوجع قلبه:
-ايوة يا ساهر
-انتِ كويسة؟ الحيوان دا قرب منك
-ملحقش ضربنى الأول بس
ضيق حاجبيه متسائلًا:
-روحتى هناك ليه؟
مش كان عندك تصوير
سكتت لا تعلم كيف تجيبه خزيها يملأها ليس عيب بها لكن من خزيها من الموقف الذى وضعت به فهمست
-النصيب
اتقبضت عضلتى فكيه كأنه يطحن ضروسه بضراوة متحمكًا فى نفسه بشِق الأنفس ثم ارتمى عليها يحتضنها بقوة قائلًا:
- ربنا بيجيب ليكِ حقك من كل حد اذاكِ
انهمرت دموعها متجاهلة الرد عليه وهى تنظر إلى
الأعلى، فابتعد غامزًا لها وهو يقول:
-بس كنان طلع الرجل المجنح طاح فى الكل
الحب ولع فى الدرة
اغمضت عيناها كإشارة لتعبها وإرهاقها:
-عايزة اخد دش وانام ياساهر ممكن
حاول أن يمازحها:
-هو أنا بطرد استحالة مش همشى
صمتت ولم تعقب على حديثه، كان هدوءها غامض لكنه
اراد أن يمنحها بعض الخصوصية فنهض قائلًا
-هطلع وهرجع بسرعة تمام
******
فى المساء
بعد يوم صاخب كان كلا من طاهر وكرم وتارا فى المطعم الخاص بالفندق يتناولون العشاء فى اجواء خيم عليها الحزن حينما
وصل الوفد الثانى فتوجه ضياء وكارما وبيسان وبدر
للمطعم وبعد أن ألقوا التحية جلسوا فى الطاولة
التى امامها وكان كرم كمن يجلس على حطب
مشتعل وهو يراقبها تضحك لذلك السمج فهمست
تارا بجوار اذنه بطريقة ملفته:
-غبية
قطب حاجبيه متسائلًا:
-نعم!!
-تقصدى مين؟
ابتسمت بسخرية وهى تلعب بخصلات شعرها:
-ياعم الشباب وأنا غبية، على العموم اللى عينيك متشعلقة
بيها من أول ما دخلت، كارما
-ليه بتقولى كدا؟
تنفست بعمق ثم تناولت كوب الماء الذى امامها ترتشف منه
بضع قطرات قائلة:
-هى كدا واخدة الغباء هواية، حتت واد ولا يسوى
مجرد ما سبل ليها اختنا بقت خلاص العاشقة، رغم
انه كان باين للكل بس هى ما صدقت، رغم أنه مش
ناقصها اهتمام ولا حنان بس غبية قولتلها لو كدا خليها
خطوبة بس يا كارما لكن ما سمعتش الكلام
-انتوا كنتوا اصحاب
صمتت تنظر للأرض بضعف ثم رفعت عيناها واجابته ببرود:
-كنا، وأول حاجة عملها البيه عشان فهم أنى فقسته بعدها
عنى وهى بكل سهولة بعدتت، لدرجة انى اتصلت بيها فى
مرة وقالتلى انها نايمة ومش قادرة تخرج معايا
خرجت ولقتها فى نفس المطعم معاه، غبية
على فكرة أنا كنت عارفة انها مش بتنزل الكلية ومش
بتدفع المصاريف ومقولتش لحد
رمقها بصدمة قائلًا:
-انتِ ازاى كدا؟
مش شايفة انك كدا بعتيها
باغتها بسؤاله الغير متوقع فرفعت عيناها إليه مستنكرة:
-أنا اللى بعتها بعد دا كله، كانت صاحبتى الوحيدة لكنها
اصرت واصرت واصرت تخسرنى
-تارا انتِ بتغيرى منها
كانت تناظرها من تحت رموشها ثم ابتسمت قائلة:
-ممكن ليه لأ بس مش عشان هى كارما عشان ضياء وكنان
هز رأسه متعجبًا وهو يقول:
-غريبة رغم أن بيسان أى حد يتمناها اخت ليه، أنا
ليا بنات عمتى وعمى لكن بيسان شخصيتها مافيش
كدا ازاى مش فاهم تغيرى عشان عندها ضياء
احتقن وجهها ثم زفرت قائلة:
-أنا وبيسان موضوعنا كبير، أنا اتخنقت من هنا
تعالى نتمشى على البحر
نهضت واقفة وهو معاها فالتقت عيناه بعيناها التى كانت
تراقبهما ضغط على كفها بقوة، ولكنه تابع اللعبة مستفزًا
لها، بينما نهض طاهر هو الأخر ليقف امام الطاولة قائلًا:
-بيسان لو سمحتِ عايزك
نهضت تجلس معاه على الطاولة فساد الصمت هو يضيق
ما بين حاجبيه بتساؤل غير منطوق فهمست:
-ممكن افهم ايه اللى غير رأيك فى اخر وقت
ومتجيش معايا
-عادى السفر كان هيتعبنى بالعربية
جز على اسنانه وهو يتمتم بحدة:
-السفر هيتعبك ولا حضرتك اتفقتى مع دكتور بدر
وحبيتوا تسافروا مع نفسكم والدنيا تبقى فل
قال ما قاله بدفعة واحدة وبشكل عنيف مما جعلها تنتفض
واقفة وهى ترمقه بعتاب، وقف مسرعًا هاتفًا بإعتذار:
-اسف، أنهاردا اليوم كان صعب، غير أنى كنت قلقان
عليكِ من امبارح لو سمحتى ممكن تقعدى يا بيسان
رغم الوجع من كلماته لكنها اسعدتها نعم سعيدة، أول مرة تجد من يقلق عليها، فجلست فهى أيضًا ضربها الحنين لوجوده، لدفء علاقتهم
اعطت لنفسها الحق لتسأله عم حدث فاجابها بكل اسف
بينما اغمضت عيناها بألم ثم همست:
-هى كيان دية المصايب وراها وراها
طاهر تعال ودينى لأوضتها اطمن عليها
استقام طاهر وهو يرمق بدر شزرًا اراد لو يحطم وجهه
وابتسامته السمجة:
-يخربيت سماجتك
*****
وقفت امام غرفة كيان متسائلة:
-هتدخل؟!
-لأ كفاية انتِ هستناكِ تحت تمام
بعد دقائق بالداخل كانت تجلس امامها بيسان
إن منحتك الحياة فرصة لإعادة الماضى، لكى تثأر لنفسك
بنفس الاحداث لكن مع انقلاب الأدوار والشخصيات
لتنال ثأرك، وتتخلص من ضعفك، حينها ستسطيع
أن تمضى بحياتك
فهمست بيسان قائلة:
-أنا مش متخيلة حكمة ربنا انتِ لازم تفرحى حقك كله
بيخلص حواليك ناس كتير بتحبك واهلك، هنا يا كيان
والنهاردا بالذات نقطة ومن أول السطر، كيان جديدة
عارفة لسه فى حاجات بس واحدة واحدة إدى لنفسك
فرصة، طاهر زعلان جدًا عليكِ تعالى ننزل نتعشا تحت
زفرت بانفاس مغلفة بالألم
-مش قادرة هنام بكرة معنديش تصوير عشان وشى
روحى انتِ وطمنيهم عليا
****
هبطت للأسفل وجدت طاهر مندمج مع تارا وكأنهما
يعرفان بعض منذ زمن للمرة العاشرة انبت نفسها
لغباؤها وتهورها والوقوع فى حبه، تشعر كما لو كان
قلبها، وسط النيران،رمقها فتوجه صوبها يسألها
فطرفت ثغرها بابتسامة حزينة، باهتة كروحها:
-كويسة هى متقلقش
-انتِ كويسة؟
صمتت تفكر تحاول أن تجد جملة مناسبة لأول مرة
تود وجود شخص بحياتها تلجأ إليه، صدح صوت
من خلفها:
-بيسان بدور عليكِ
استدارت لتجده كنان قطب طاهر حاجبيه بينما مدت
يدها له بابتسامة واسعة:
-حمدلله على سلامة يا دكتور
ابتسم لها كنان بسعادة وهو بالفعل يحترمها ويقدرها وأن
لم يقع فى عشق كيان كان سيتزوجها، لا ينكر أنه يتألم
لأجلها لم يقابل بحياته أهل يخلقوا بابنتهم تلك الاضطرابات
النفسية بدون سبب، كان طاهر يطالع ايديهما المتشابكة ويجز على
اسنانه، واخيرًا همس كنان:
-فاضية نتكلم شوية
هزت رأسها بابتسامة يائسة، وهى ترجع بعيناها لطاهر،
الذى حاول أن يتماسك نفسه لكنه لم يستطع فسأله:
-خير يا دكتور مش شايفها واقفة معايا
قبل أن يكمل جملته كانت تارا تتعلق بيده قائلة:
-طاهر عايزة اكل أيس كريم
هزته مرة ثانية وهو مثبت بصره على بيسان، اما هى
رغم إرتجافها وارتعاشها وقلبها الذى اصبح موشوم
بعشقه إلا انها حدثته بملامح باردة:
-عن إذنكم يا جماعة
ظلت عيناه مثبتة عليهما حتى اختفى من امامهم، وقلبه
يهدر بنضات عنيفة لا تتوقف ابتسم لتارا بتكلف وهو
يسير معاها
******
-بتحبيه؟
هذه الكلمة التى نطق بها كنان اربكت خلاياها، هزت رأسها
مسرعة قائلة:
-لا طبعًا طاهر اخ وصديق
قهقة كنان وهو يميل بجزعه للأمام:
-يانهار مش فايت أنا مقولتش طاهر اصلا
يعنى الدنيا خلصت من الرجال رايحة تحبى الدب القطبى دا
هربت من اهلها كى لاتخسر معركتها لكنها خسرت هنا
قلبها وروحها، فالحب خسفها لسابع أرض فهل هو
سيمد يده ويحلق بها لسابع سماء، همست بانزعاج:
-بس متقولش دب قطبى
-يانهار ابيض، امته دا حبتيه امته؟
جبتك يا عبد المعين
-أنا مش بحبه أنا مرتاحة ليه
-بتحبيه وباين فى عينيك، هو جدع على فكرة
بس
الصمت يخيم علي كل شئ تشعر هى بثقل وهو يريد
إخبارها بشئ حتى همست بوجوم:
-بس قلبه مع واحدة تانية
قهقت بصوت عالى، بينما هى منهمكة ومتعبة الحياة
تصيبها بخيبات متتالية، صمتت ثم استدارت له قائلة:
-طب خلينا فى المهم هى كويسة، وأنا شايفة اللى حصل
دا على قد ما هو صعب بس فى مصلحتها
-عايزة اشوفها
-هى راحت تنام وانا كمان، وغدًا ألقاك يا كنان تصبح
على خير
****
كان القلق ينهش قلبه طوال الليل لم يستطع النوم
والآن يقف أمام غرفتها كالطير المذبوح، فالذبح كان اهون
عليه من أن يراها منتهكة هكذا، وما أن فتحت الباب نظر
إليها لتمنحه بعض الحياة، لكنه تذكر اغماءها بين يد اخيها، وليس بين يده لكنه كان يحملها هو بقلبه، يشعر الآن بما تصارعه، قلبه
يئن لأجلها وكأنما صدى وجعها ينتقل إليه بصمت ليهمس
اسمها بصوت خفيض حتى إلتقت اعينهما ليسألها:
-انتِ كويسة؟
طأطأت رأسها بوجع وهى تفرك اصابعها بيدها كأنما تود
اقتلاعها، ابتلع غصة خانقة وهو يبصر صراعها
الداخلى قائلًا:
-كيان أنا معرفتش أنام من امبارح أنا تحت لسه حتى
مطلعتش، هتجنن أنك مش فى حضنى، خلينا نتكلم
احنا محتاجين نتكلم بالغقل مع بعض
-هنتكلم فى أيه انت شفت كل حاجة انا عايشة شبه
انسانة
-طب خلينا ننزل نفطر ونتكلم مع بعض لو سمحتِ
مترفضيش
قبل أن تجيبه كان يهرول فى الردهة كرم، طاهر، ساهر
تامر وفى لحظة كان يقفوا امام الغرفة متسائلين:
-انتِ كويسة؟ مالك؟!
رمقهم كنان باستنكار متسائلًا:
-هو فى ايه؟
اجابه كرم:
-ضياء اتصل بيا وقالى كيان بتصرخ وتصوت فى اوضتها
توسعت عيناها بصدمة ثم نظر حوله فوجد ضياء يقف
فى الزواية بيبتسم بشماتة، اغمض عيناها محاولا كبح
غضبه، ثم رمقها بكل ثقة واجابة بعلو وهو ينظر للجميع:
-كيان هستناكِ تحت
رمقه كرم باستنكار قائلا:
-القميص الكروهات دا مجمد قلبه اقوى
اربع تيران واقفين ولا هزه وبيقولها استناكِ تحت
ثم اعاد بصره لكيان قائلًا:
-خشى يا بت جوه ومفيش نزول من هنا هنبعتلك الأكل
هنا خشى جوه
****
فى الاسفل
خلع كنان سترته بانفعال، ولكم ضياء بعنف ليرميه على
الارض ويجثم فوقه منهالا عليه بالضرب ليستوعب
الاخر ما يحدث ليبادله اللكمات بعنف وهما يتبادلان
السباب والشتائم كانهما ثوريين شرسيين، بالأخير
نهض كنان متسائلًا:
-عايز ايه يا ضياء انا سيبتلك الدنيا كلها، بتتدخل
فى حياتى ليه؟
-سيبتها بعد ما خربتها انت وابوك صح، بعد ما موتوا
ابويا وعشان شوية فلوس
صرخ كنان بهياج قائلًا:
-انت ابوك مات حتى لو مقتول مات بشرفه، أنا ابويا
مات وانا عارف حقيقته المره, اللى أنا وانت كنا بنفتخر
به، أنا كمان مت عايش من غير روح عايش شبه بنى
أدم ،انا لما احتاجتك يا ضياء خذلتنى ماكانتش صاحب
جدع ليا
-أنا مش جدع انا اللى مت بسببكم حياتى ادمرت
اتحولت لبنى ادم تانى، مبقاش عندى ثقة فى حد،
مراتى حامل مش قادر اضمها فى حضنى نفسى أنزل اشترى حاجات لأبنى معاها، نفسى اسندها وهى تعبانة مش عارف، مين اللى خذل مين أنا بموت
-دا عشان غباء مش عشانى، عشان لغيت عقلك
بقولك اهو أنا قدامك لو ليك حق خده عايز تموتنى
يلا، لكن بعد كدا لو ظهرت فى طريقى يا ضياء
هفرمك وهنسى اللى بينا وحياتى أنا هرجعها
أما أنت صعب تبدأ عشان غبائك
-أنا بتحداك أنى هرجع حياتى قبلك يا كنان وساعتها
هاخد بردو حقى منك
تناول سترته وهو يرمقه بنفور لكنه كان لابد من المواجهة
****
ولج هاجد للداخل وهو يحمل بيده صينية البقلاوة
متمنيًا بداخله أن تمنحه السماح والغفران
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والخمسون
اثناء وضع صينية البقلاوة فى المطبخ صادف دخولها
ثبتت عيناها عليه لثوانٍ ثم اشاحت بصرها سريعًا
رغم نظرته التى وجهها لها فأصابت صميم قلبها، نظر
هاجد إلى وجهها عن قرب، وتمكن من رؤية شحوبها
والهالات السوداء تحت عينيها فهمس لها قائلًا:
-صباح النور، صينية البقلاوة دية لسه امى عملاها سخنة ايه رأيك نفطر مع بعض ونأخد كوبايتين شاى
رمشت هاجر بعينيها وهى تقول بصوت صلب رغم
إنكسارها:
-بقت تقيلة على قلبى وبطلت اكلها مجرد ريحتها بس بتخلينى مش طايقة نفسى
وكأن إحدهم غرز خنجرًا فى قلبه، لا تتهاون أن تحرقه
بكلماتها، فحدثها وهو ينتظر بعد ردها ليريح قلبه المتعطش:
-قصدك البقلاوة ولا أنا يا هاجر
رأت ألم فى عيناه من طريقتها فأجابته وهى تحدق فى
عيناه بثبات:
-انت أنا بكرهك
-أنا بحبك، واستحالة تكرهينى
كان يحدثها وهو يقترب منها، مد يده يتناول يدها
فانتفضت بعيداً عنه وهى تحدثه بخشونة:
-ابعد عنى
فرك وجهه بعنف وهو يحدثها بحدة:
-أنا بعدت بس لازم نقعد نتكلم، ودلوقتى ومش هستنى
ابتسمت بتهكم قبل أن تنصرف من المطبخ وهى تقول:
-وأنا موافقة، اتفضل
فى الخارج
قبضت على يدها بقوة وهى تراقبه يجلس وكأنها
تتوسل من نفسها القوة حتى تنهى هذه الجلسة
فهمست:
-اتفضل قول اللى عندك
تنهد بعمق قائلًا:
-من الأول خالص من الأول خالص يا هاجر اسمعيني من فترة كبيره شوية خالتي كانت زعلانة وجت عندنا هنا، وعرفت بعد كده ان هي زعلانة مع عمى مصطفى طبعا انا ما ليش ان انا اسأل ايه المشاكل اللي بينهم لحد ما عرفت من أمى ان بنت جوزها هتعيش معها وهى رافضة وده شيء ضايقنى جدا من خالتي دخلت وتكلمت معها وحاولت افهمها ما ينفعش بنته تعيش في حتة لوحدها اتكلمت معها كثير قالت لي حاضر هفكر في الموضوع جبتها لها بالشرع وبالدين وأن عيالها لازم يعرفوا أن
عندهم اخت، بعديها بفترة عرفت انها خلاص اتصالحت مع جوزها والدنيا بقت زي الفل وأنك اخترتى إنك تعيشي مع اهل امك بس ويوم ما رحت عندكم البيت شفتك صدفة صدفة يا هاجر والله صدفة وحبيتك من أول مرة
مكدبش عليكِ قولت لنفسى ساعتها ممكن مش حب اكون
اتأثرت بالحوار القديم ودا خلانى استغرب ليه عم مصطفى ما قالكيش أنا مين على الرغم ان هو قالي انك انت عرفت قلت عادي ساعتها، لكن بقيتِ معايا فى احلامى وأنا
صاحى وأنا بصلى استخرت لقيتك فى الحلم من ضهرك
وسألتك هاجر القلب إليك هل من واصل، لفيتى ليا
وابتسمتى وصحيت من النوم كلمت عمى مصطفى
تانى يوم لقيته بيقول أنه وافق، قبل ماآجى عدى
عليا وقالى أنك متعرفيش قولتلوا ازاى طب أنا وضعى
ايه قالى هيعدى انهارده وكل شئ يتحل، ولما جيت
ياهاجر لما جيت
صمت وهو يغمض عيناه ثم أكمل بألم:
-شفت نظرة ابن عمتك ليكِ وفى حاجة كانت فى عينيك
حاجة قالتلى أنك موافقة تسرع يا هاجر حسيت بحاجة
بتخنقنى قرينا الفاتحة ومشينا، ورُحت لعمى مصطفى
تانى يوم عشان اعرف الوضع على الأقل خالتى كانت
هتحضر مع امى الفرح، بس عمى مصطفى قالى انت
حددتِ شهرين وصعب ان اعرفك حاجة زى دية والجوازة
تكمل على الأقل نستنى فترة، حسيت أن الحلم راح
قالى طب نتم جوازها ونقولها والله رغم انى كنت
خايف بس رفضت قولتلوا لازم تعرف، قالى هاجر لو
عرفت انت مين استحالة الجوازة تكمل، سكت عارف
اني غلطت بس أول مرة قلبى هو اللى يمشينى واتجوزنا
ويشهد ربنا أن عمى مصطفى كان كل يوم يأمنى
عليكِ، كلمته كتير وكان يقولى هقولها بس مش عايز
اكسر فرحتها ويقولى بلاش تيجى منك استنى هكلمها
أنا، كان نفسى اشيل الهم دا من على قلبى والله كنت
بنام واقوم مفزوع بليل اتاكد انتِ جنبى ولا لأ
واكيد حسيتى أن حبى ليكِ حقيقى، وأن كلام عمتى
مش صح نهائى
صمت وهو يجر انفاس الحسرة من صدره كجمر يلهب
صدره، ثم همس باسمها محمومًا معذبًا:
-هاجر
تقلصت ملامحها وهى تحاول كبح دموعها ثم همست:
-خلصت
أنا هصدقك فى كل كلمة قولتها، بس قولى احساسك
ايه وانت بتأخدنى كل يوم فى حضنك ومخبى عليا
بلاش لما كنت بقولك طول عمرى وحيدة ونفسى فى
بيبى عشان عشت لوحدى وماليش اخوات، بلاش
روحت لخالتك يا هاجد بعد ما اتجوزنا
صمت عن الكلام وكان ينظر إلى موضع قدميه، بينما
هى كانت تحدث نفسها لا تبك يا هاجر كونى قوية
ضحكت بصخب رفع عينه ينظر لها، توقفت عن الضحك:
-بالله حرام ولا حلال دا، طب قولتلها ايه ها قولتلها
أن أنا كويسة وعادية ومتخافيش يا خالتى مش هتأكلك
انتِ وعيالك، ولا كنت بتروح تطمنها إنى وقعت في حبك ما تخافش وما تقلقش مش هتقرب منها هاجر لان خلاص بقيت على ذمتك اطمنى يا خالتي حياتك هتبقى زي الفل
بلاش كل دا مديت إيدك عليا قهرتنى، بلاش البيبى
اللى قعدت سنة كاملة استناه راح منى خلاص
كل دا وبتحبنى اُمال لو بتكرهنى كنت عملت ايه
اقولك استنى دقيقة واحدة
نهضت للداخل مسرعة وجلبت بيدها اجهزة عدة لاختبار
الحمل ووضعتهم امامه وهى تقول:
-شايف كل دول أنا كنت كل شهر اعمل اختبار الحمل
مرة واتنين وكان نفسى أوى مرة اشوف الخطين كنت
نفسى فى بيبى بس انت كسرتنى
كان يوجد جهاز داخل العلبة اخرجته وهى تعتصره بيدها
-كنت هعمل دا تانى يوم الصبح لما شكيت انى حامل
بس أنا مستاهلش الفرحة أنا بتعاقب من الكل من
غير سبب بس معلش ما هو مش معقولة هبوظ
حياة اخواتى وابويا يعنى دا أنا ولا حاجة
لو كلامى ضايقك أنا اسفة، بس انت اللى اصريت
أنا هسكت مش هتكلم تانى ولا هقول عايزة حاجة تانى
فكرة أنه هو من كان سبب فى اذاها تكوى احشاؤه بأسواط
من النار فهمس:
-انا غلطت يا هاجر، وغلطى كبير إنى مديت ايدى
انا اسف يا هاجر انا بنى ادم ومش معصوم من الغلط
افتكرى أنك من يوم ما طلبتك مفكرتش لحظة
ءأذيكِ حتى بكلمة يا هاجر، مش قادر يا هاجر اعيش
وانتِ بعيدة عنى كدا، مش قادر اعيش او اتنفس
بموت بالبطئ سامحينى
-أنا كمان بنى ادمة ومش بعرف
اسامح واللى بيسامح ربنا، عن إذنك عايزة أنام
رفع يده يجذب خصلات شعره بعنف، ماذا تريد اكثر
خطأ واعترف، يتوسلها وفعل، يحتاج أن يضع رأسه
على كتفاها هجرها قاتل
استغفر ربه، وهو يتمتم:
-قلبك قاسى اوى عليا يا هاجر
****
-مين الشبح اللى مقطع بطاقته وجاى يقرفنا يا بيسان
قال هذه الجملة كرم وهو يحك ذقنه بينما رمقته بيسان
مستنكرة:
-دا بدر يا كرم
ضغط كرم على عيناه بنفاذ صبر و اختناق قائلًا:
-عارف انه زفت بس اللى هنعمله فى الناس هيطلع علينا
بيسان وهى تحدقه ببرود ونبرة ساخطة:
-كرم عيب دا حد محترم جدًا ولطيف
قبل أن يجيبها ظهرت كارما فى الاستقبال بينما اسرع
بدر إليها يبتسم بتوسع وبادلته هى الابتسامة مضى كرم
نحوهم مسرعًا فابتسم لبدر قائلًا:
-كرما عاملة ايه؟!
تعالى اعرفك ياكارما
كرم
رمقته بيسان بنصف عين وهى تهز رأسها بيأس ثم
قالت:
-بدر وكارما ياكرم يعرفوا بعض هو شغال فى المستشفى
معاهم
كانت كارما تراقب فى صمت كيف تصلبا كتفيه، وتشنج
بالكامل والقميص الأسود يقبض على جسده العضلى،
وبشرته البيضاء تحولت للإحمرار وهو يقول:
-استنى بس يعرفنا يا بيسان يمكن هو يعرفها اكتر مننا
او فى حاجة هى عرفتها ليه واحنا لا
تبادل كلا من كارما وكرم نظرات نارية حتى قطعتها
هى قائلة بذات مغزى:
-عادى فى ناس تعرفها يادوب من يومين وتحس انهم
عشرة مش كدا يا أستاذ كرم
-صح يا كرم والله طب أنا اعرف بيسان من كام يوم وحاسس إنى اعرفها من عمر، وضياء كمان حسيت اننا
فينا من بعض وبقينا اصحاب
وما أن انهى بدر حديثه اعقبه كرم بملامح ممتعضة
وهو يدس يده فى جيب بنطال قائلًا:
-لا وانت حد لطيف ويتحب
ابتسم بدر وهو يربت على كتفه ثم وجه حديثه لبيسان
قائلًا:
-بيسان مش لازم تحضرى الاجتماع دا وتعالى معايا
نأخد يخت ونستمتع انهارده بالبحر والشمس
رمقته باسف قائلة:
-سورى يا بدر بس أنا طول الليل بحضر معلومات عن
الإجتماع دا وحابة احضره اوى
-حيث كدا مفيش غير كارما ايه رأيك
ابتسامة هادئة وهى تقول:
-بدوخ من البحر
بجوابها المستفز، توحشت نظراته وتهدج صدره بانفاسه
العالية الهادرة، يضغط على اسنانه ويكاد يحطمهم من شدة
الغضب، يقبض على كف يده بقوة، ويود يخنقها بيده
وهى تبتسم لذلك الجلف، غيرة قاتمة، شعور جديد
يشعل صدره، لحظات وانضم طاهر لهم ولم يخفى
عليه اشتعال اخيه وعروقه النافرة فحدجه مستفهمًا بنظراته، فاغمض كرم عيناه ليطمئنه، لكنه لم يصدقه
فوزع نظراته بينهما وكانت كارما مطأطأة رأسها بحزن
فحدثه بدر قائلًا:
-تيتو عايزك تطلع معايا البحر
التو ثغر كرم قائلًا بسخرية:
-هو انت متعرفش أنه ما اجتمع ذكر وانثى إلا وكان ثالثهما
الشيطان
قهقة طاهر وهو يقول:
-هات الدكتور عشان يخيط
هز كرم رأسه هو يقول:
-دي عايزة وزارة صح عشان تخيط
اعترضت بيسان زاجرة اياهم:
-كرم طاهر بعدين معاكم
قطب بدر حاجبيه موجهًا حديثه لبيسان:
-بيسان قفشتى ليه دا هزار الشباب، ودا العادى بتاعنا
توسعت عين طاهر بصدمة وهو يهمس لأخيه:
-بيقولها العادى بتاعنا، الواد دا بايع كرامته وجاى يقرفنا
-دا لو كسبها فى كيس شيبسى مش هيبقى كدا
رفع نظره يحدج كارما بنظرات معاتبة، اخفضت رأسها
بضيق فهى لم تتجاوز ما مرت به فهمست:
-عن إذنكم انا هطلع عشان اشوف ضياء
تنهد كرم فكل مرة تقع عيناه على عيناها الحزينة يقع
فى عشقها بشكل اعمق، يعشق عيناها التى تشبه عيناه
وشعرها الذهبى المنسدل على جانب وجهها بحرية
كل مرة تخطف انفاسه، فيفقد العقلانية والمنطق
ويتعامل كإنسان بدائى، ظل يراقبها بصمت؛ تطعنه
نظرات الخوف منه بعينيها، شعر ببعض اليأس
يتسرب إليه فاستئذن منصرفًا، بينما جاءت بدر
مكالمة هاتفيةفاستئذن، وقف طاهر مقابلًا لها يسألها
من باب الفضول:
-كنان كان عايزك فى أيه؟ فيه حاجة؟
-عادى
اكتفت بهذه الكلمة، فحدجها بغيظ قائلِا:
-ايه اللى عادى يعنى، فى حاجة عشان ييجى يقولك
تعالى عايزك، هى اسرار يعنى
صمتت فظل يرمقها بتطفل اكثر يود لو يقتحم عقلها
تنهدت مجددًا مما جعله يرفع حاجبيه مستغربًا
-فى أيه؟! انتِ متضايقة من اسئلتى انا كنت حابب اطمن
أنا اسف
اغمضت عيناها بعذاب، تشعر بالندم هى تحمله ذنب مشاعرها، حين انها كانت على علم بحبه لهاجر، عقلها
يهمس لها ايتها الغبية هل ظننتِ انه سيحبك
-يا طاهر ما انت عارف ليه
حابب يطمن على كيان
طالعها بعتاب وهو يقول:
-على العموم الموضوع عادى انك تقوليه، المهم بقى حضرتك هنتغدى بره انهارده؟
-مش هينفع عندى اجتماع
هز رأسه بنفى وحدثها باصرار مفيش مش هينفع ومفيش
اعذار أنا بقالى قد ايه متغدتش معاك وبسرعة مفيش مفر
عقبال ما أشوف عم رومانسى اللى عقلة الأصبع مبهدلاه
أومأت بالموافقة وهى تستنكر حالها أين مقاومتها؟
اين وعودها لنفسها أنها ستبتعد عنه
*****
الموت هو خروج الروح من الجسد هذا هو الموت عند البشر أما هى ماتت بطريقة غير المتعارف عليها، روحهها خلال السنوات الماضية تآكلت وماتت وببطء، ما عادت حتى تشعر بروحها ثانية، وقفت أمام المرآة ولا زالت تشعر بالتعذيب المستمر على جسدها تحولت لتمثال امتلأ بالندبات والجروح يحتلها مزيجًا من الحسرة، الألم، الضياع، الغرق، اغمضت عينيها وهى تمسح وجهها بكفيها وتزفر بحزن وعندما فتحتهما كانتا خضراوتيها محمرتين
ممتلئة بالدموع هامسة:
-أنا مبقتش أنفع ليك أو لغيرك سيبنى فى حالى
أنا انتهيت من قبل ما ابتدى
****
لقد تباعدت الطرق وافترقوا بعد أن كانت ملكه، الأمر
اشبه بالحلم، لكنها لازالت عاشقة، هى هائمة ولا زال
ساكن القلب شعرت بوخزة حادة بداخلها
فوضعت يدها على موضع قلبها، اطلقت صرخة
خافته رغمًا عنها كان صداها بداخلها انين ووجع
هو نحرها، قتلها، خيب امالها ورسب عن جدارة
نهضت بتثاقل تحضر الحاسوب لتفتح لتشاهد
صورهما معًا، تتأمل ملامحه المبتسمة، تتذكر
عندما كان يأتى للمكتب الخاص بها ويلتقط لها
صور خلسة، اجهشت فى البكاء تعض على اناملها
كان والدها يطالعها من خلف الباب الموارب، يشعر
بألمها، سحب الباب حتى يغلقه بإحكام ثم طرق
الباب حتى ليجرحها أكثر من ذلك ويجعلها تشعر
بالخزى، لحظات وفتحت له الباب بعينين متورمتين
اثر البكاء فهمس بنبرة هادئة:
-حبيبة بابى بتعمل ايه؟
-ولا حاجة كنت بتابع شغل الشركة من هنا
أومأ لها ثم احاط كتفيها قائلًا:
-أنا شايف الكل مهتم بالاستاذ اللي الجاى ومحدش مهتم
باميرتى عشان كدا قررت اننا نخرج مع بعض نقضى
اليوم انهارده
جاهدت أن تبدو طبيعية قائلة:
-طب ما نقضى هنا، اصلى تعبانة شوية
ابتسم والدها بمرح قائلًا:
-أنا عايز اهرب من لبنى
هزت رأسها بشحوب ملامحها هامسة:
-طب هروح اجهز
وما أن استدرت شعرت بدلو من الماء البارد يسقط عليها
من سؤاله:
-حبه فى قلبك قل ولا لأ
استدارت وهى تتنفس بحدة قبل أن تنهار هامسة:
-تفرق
-طبعًا، أنا قدامك رغم اللى عملته لبنى مقدرتش ازعل
منها او حتى اكرهها
رمقته مستفسرة وهى تقول:
-مامى عملت ايه؟
ابتسم بحنان ابوى وهو يربت على ظهرها قائلًا:
-وهى الحياة بتبقى وردى لأ طبعًا كان نفسى فى أخ
او اخت ليك بس هى رفضت سنين وأنا استحملت
سنين بقنعها أن اللى حصل قضاء ربنا ولازم نكمل
حياتنا، وقالتلى روح اتجوز واحدة تانية وخلف منها
وحاجات كتير، حرمتنى من حقى يكون عندى اولاد تانى وكان نفسى فيه لكن أنا مقدرتش ابعد
-انت ندمان
اخبرها بنبرة عاشق متألم:
-لبنى حب الطفولة والعمر كله ورصيدها فى قلبى
يغفرلها أى حاجة هى أول حب أول كل حاجة أنا
ممكن كان نفسى فى البيبى أوى بس منها فهمانى
يعنى الواد ضياء لو يستاهل ممكن يأخد فرصة
ضغطت على موقع قلبها وانهار ثباتها قائلة:
-يستاهل بس مش قادرة انسى كلامه واقف بينى
وبينه بموت من كل كلمة قالها ازاى اطلعه بره
دماغى بتنهش روحى
جذبها بين ذراعيه قائلًا:
-اللى جوه مش ذنبه حاجة اهدى وهنلاقى حل بإذن الله
*****
ما أن ولج طاهر للغرفة يبحث عن اخيه وجده يقف متصلب هو وساهر يرمقوا تامر الذى يحاول اخفاء
كدمته التى تلقاها من كنان وما أن استدار وجدهم
يقفوا متأهبين كأنهم على وشك الاشتباك فقطب
حاجبيه متسائلًا:
-خير يا شباب
اقترب منه كرم وهو يقبض على ذقنه يقلبه يمينًا ويسارًا
ثم ركز نظره على الكدمة قائلًا:
-بردو كنان ايده خفيفة
انهى كلامه وهو يضغط على فكه فتأوة تامر هو يقول:
-ايه يا جدع انت، بعدين كل دا ايده خفيفة
قطع طاهر الخطوات التى تفصلهما ووقف امامه وهو
يضغط على شفتاه السفلى قائلًا بغيظ:
-يعنى مش ناوى تحترمنا يا أخ تامر ولا حكايتك ايه مش
قولنا تبعد عن كيان هى أنثى وانت ذكر واخد بالك انت
مش تشوفها بتعيط تجرى تحضنها، احترمنا ها احترمنا
حدجه ساهر بغيظ قائلًا:
-الواد دا مشكوك فى امره ولازم نكشف عليه
فى ثانية كان تامر يخرج (المطواة) قائلًا بتحذير:
-طب خلى حد فيكم يقرب
هز كرم رأسه بيأس وهو يرمق طاهر ثم حدثه:
-القصافة اللى معاك ديه بتفتحها علينا
قبل أن ينهى كرم حديثه كان طاهر يقبض على معصمه
يأخذها منه ثم حمله ساهر وألقاه على الفراش فثبته كرم
قائلًا:
-انت بتضرب ايه ياض، دماغك دية مش طبيعيه بتفتح
المطواه علينا يا ليلتك السودة
اوعى ياكرم خليني اشقه نصين
ابتسم وهو يقول:
-ما خلاص يا تيتو دا انتوا واكلين شاربين سوا
نهض كرم من فوقه وهو يقول:
-خلينا فى المهم
تنفس تامر بصعوبة وهو يقول:
-هو لسه فى مهم
-اه فى واحد تحت عارف قنديل الميه الجيلى دا
اللى بيكهرب ويطلع يجرى،
-اسمع عنه
نهض كرم وهو يدس يده فى جيب بنطاله هاتفًا:
-فى واحد شبه تحت اسمه بدر لزج كدا وسمج
اللى يشوفه تحت يجيب اجله، مش وهوصيكم لأنى
أنا لو حطيت ايدى عليه مش هينفع تانى حيلة امه دا
جز طاهر على اسنانه فهذا الجلف يثير جنونه:
-بالله ما حد يقرب منى سيبوه ليا أنا هتوب امه
****
لقد تعلمت الكثير من هذه الحياة، تعلمت أن تتحمل كل
تلك الصدمات التى بحياتها من يوم أن خلقة، بداية من كونها
منبوذة وكأنها جزء من القمامة يريدوا أن يتخلصوا منها
مرورًا بإحساس اللاقيمة وعدم الأمان، لم تكن حياتها
دربًا من السعادة ابدًا، كانت الحياة كعين ماء جفت
منابعها، حتى فجرها كنان ثانية وسرت بها الحياة
اخذت نفسًا عميقًا، وطأطأت رأسها وهى تحدث
نفسها كانت ترتجف هامسة، لا تخافى فهو ليس
سيئًا مثلهم هو لم يؤذكِ، تذكرى كيف كان يعاملك
بإحترام كانسانه ولم يجبرك أو يفرض نفسه عليكِ
اجهشت ببكاء وهى تحاول أن ترمم جروحها أن تكمل
حياتها فهو لم يكن مثلهم لقد ادخلها بيته رغم رفض
الجميع، لكنه وجعها وكان الاكثر حرقا لروحها ضمت نفسها اكثر واكثر
****
-ايه رأيك فى السمك؟
تلك الجملة قالها طاهر فابتسمت بيسان:
-جميل اوى
-روعة بس نوجا بتعملوا احسن
ابتسمت له وهى تغمض عيناها ولوهلة تخيلت نفسها
فى وسط هذه العائلة، اعادة فتح بصرها فتحمحم
قائلًا:
-بيسان أنا عايز اقولك حاجة ومش حابب تزعلى
يعنى انتِ تعرفى بدر منين عشان تثقى فيه، مش
حلوة خالص حد متعرفيهوش وتتعاملى معاه كدا
انتِ متعرفيش دماغ الشباب
ارتجفت وارتعشت من داخلها سلسال مشتعل يغلف
روحها:
-لأ عارفاه وأنا مش بتعامل مع ناس من الشارع
بدر انسان محترم، على العموم أنا عارفة ان الحوار
كله غلط يعنى وعارفة ان اللى حواليا شايفنى متحررة
صمت خيم للحظات، نبرتها الحزينة انبته فهمس لها بصدق:
-انتِ محتاجة تشوفى نفسك صح فى عيون اللى حواليكِ
حقيقى الكل مبهور بيكِ الكل بس بيتمنى حد زيك فى حياته
صمت ثم اكمل بنبرة تملك لا يعلم مصدرها:
-بس للأسف دا استحالة يحصل لأنك فى حياتى أنا
وبس ومش فاضية لحد
دفء صوته كان بمثابة معطف فى غمرة البرد رمشت
باهدابها وقلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها فاطرقت
رأسها فى صحنها بينما هو شعر بالاحراج من حديثه
*****
فى المساء
يجلس على الأريكة ووجهه بين يديه ألم كبير يجتاحه
جرح يسيل دمائه داخل روحه، جلست والدته بجواره
فرفع رأسه متشنج الجسد والملامح، مدت يدها بعصير
الليمون قائلة:
-امسك يا هاجد عشان تهدا يا حبيبى
-اهدى ازاى بعد كل كلمة قالتها والله أنا مدبوح، أنا
مقدرش على اذيتها لو بشق تمرة، ازاى شافت انى
اقصد كل دا، تهون روحى وهى لأ
مسحت دمعة فرت من عينيها على حال ابنها قائلة:
-شوية وهتهدى يا ضنايا والله
ثبت نظره على والدته وهو يقول بنبرة يائسة من عذابه
وناره:
-هاجر بعد البيبى اللى راح مش هتسامحنى
ياريتها بتعيط او تصرخ هاجر هاجر
اختنق الكلام فى حلقه يشعر انه فى قاع المحيط يختنق
يشعر أن الغرفة تطبق على صدره تناول سلسال المفاتيح ونهض واقفًا
يلف بسيارته منذ ساعات لا يعلم لنفسه طريق حتى أنه
لم يذهب للمحل، توقف بسيارته امام احد المساجد عندما
سمع أذان الفجر، دخل إلى بيت لله بعد أن خلع حذائه،
وخلع جواربه وبدأ فى الوضوء ثم وقف بين المصلين
وعيناه لوحدهما يذرفان الدموع، وجهه الابيض تحول
إلى احمر وما أن سجد اجهش فى البكاء يتذكر كيف
حملها وهى تنزف وخسر ابنه، امنيته التى كان يتضرع
بها دائمًا، اغمض عيناه وهو يتمتم بإسمها فى الدعوات
هاجر وقلبها اجبرها يالله، اللهم ضلعى الثابت، اللهم
اللهم هاجر حتى تتجعد الأيادى، امسح قلبها من
الحزن يالله، ثم نهض واقفًا يكمل صلاته وهو ينتفض
*****
فى اليوم التالى
مر اليوم بدون جديد
كان كنان ممدد على الرمال يده خلف رقبته، يطالع ضوء
القمر ببريق حزن مختلط ببعض الحنين، كان يرى صورته
فى القمر، عبوسها الطفولى، قامتها الضئيلة، شجاراتها معه
كان يبتسم كأنه يرها حتى تبدلت ملامحه لحزن حين
تذكر نظرة الخيبة الاخيرة قبل الطلاق، منذ يومين ينتظرها متى ستحن على قلبه الملكوم وتهبط من
غرفتها إلا يكفيه ما يحيا به من عذاب قطع شروده
صوت حركة بجانبه
كانت كارما تسحب إحدى الكرسى كى تجلس على البحر
وتضع السماعات بإذنيها وقبل أن يهم ليجلس معاها
وجد كرم يلحقها ويسحب كرسى ويجلس بجوارها
ثم شد السماعات من اذنيها، انتبه كنان اكثر واكثر
وهو يراقبهم بأعين الصقر
-انت اتجننت ازاى تعمل كدا وايه اللى جايبك ورايا هنا
فرك وجهه وهو يحدثها محاولا ضبط انفعالاته:
-يعنى ايه تطلعى من امبارح ومتنزليش وافضل مستنى
ليه بتعملى كدا قاصدة تجننينى مثلًا
امتلأت عيناها بالدموع قائلة:
-المفروض انا اللى أسالك عايز منى ايه ممكن تبعد
وتسيبنى فى حالى انت متعرفش أنا مريت بإيه لو
سمحت أنا مش حمل تجارب تانية حتى لو ناجحة
محتاجة سنين عشان اتجاوز الماضى
اجابها بنبرة عاشق:
-يمكن عشان بضحك وبهزر كتير مش مصدقة، أنا بحبك
بحبك بكل ذرة فيا، لو محتاجة سنين عشان تتعافى
واحنا مع بعض هتحتاجى شهور، هكون امان ليكِ،
مش عايز قلبك ولا حبك مش مستعجل لأنى متأكد
هتحبينى بس ثقى فيا وهنعدى مع بعض ياكارما
انت البنت الوحيدة اللى هزتنى، بلاش تخلينى زى
العيل الصغير اللى عايز امه ومش عارف ينطق متكتف
اشارة واحدة واحدة وانا اهد الدنيا عشانك
فى لمح البصر كان كرسى من الخلف يسقط على الارض
اثر ركلة كنان وهو يقول:
-حلوة الإشارة دية ولا ننزل بيه فوق دماغك
انتفضت كارما بينما حك كرم مؤخرة رأسه هو يقول:
-ابو نسب نورت والله
-والله انا ماليش دعوة، أنا مش بعمل حاجة من وراكم تانى
نبرتها المرتجفة اشعلت براكينه، فصرخ كرم:
-كارما اهدى، أنا قولتلك أتقدم من زمان عشان لحظة زى
دية متبقيش كدا
اجابه كنان بثبات:
-خلصت، كارما اطلعى فوق ولينا كلام يلا
تحركت مهرولة للأعلى فجلس كنان على المقعد معكوس
رفع كرم حاجبه وجلس مقابلًا له وهو يقول:
-بحبها وعايز اتجوزها واللى مصبرنى ظروف اخوها
-اخوها لو لمحك هيفرمك ومش هيجوزها دلوقتى
وخصوصًا ليك عشان انت اخو طاهر وهو مش بيطيقه من زمان وكمان فرق السن
زفر كرم بحدة وهو يقول:
-الفرق مش كبير وأنا ماليش دعوة باللى بينه وبين طاهر
صمت مطبق ثم حدثه كرم بمكر قائلًا:
-وبعدين وانت روحت فين ياابو نسب مش هتقف معايا
-طبعًا خيرك سابق
ابتلع كرم باحراج وهو يقول:
-كنت لسه بقول لكيان أنك حد محترم ومفيش منك
قهقة كنان ثم صمت وحدثه بجدية:
-كيان حقى أنا صابر لظروفها ومش هقبل المساواة
على كيان او كارما
-بحبها من زمان من قبل ما تطلق بحبها ومن غير ما اعرف
-انها متجوزة
كان يسرد له قصته وعينيه تلمع بعشق وصوته يقطر حبًا
ابتسم كنان وهو يربت على كتفه قائلًا:
-كدا مصلحتنا واحدة ونتفق كارما اختيِ حتى لو ضياء
زعلان أنا فى ضهرها ومعاها فى أى حاجة
*****
فى الفندق كان ضياء يقف مع احد الاشخاص وهو يناوله
المال هامسًا:
-تنفذ اللى قولته بالظبط فى الميعاد اول ما تشوفه
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والخمسون
القمر يظهر بهالته الضوئية، وليس دائرته البيضاء، الرياح شديدة، ليلة تتنافى كثيرا مع نهارها، ليلة باردة مخيفة، ونسمات الهواء تشتد وتشتد، كانا يقفان كلاهما ينظران لأمواج البحر التى تتلاطم فى صمت كلٍ يفكر فى الخطوة القادمة حتى هتف كرم:
-هى بتحبك على فكرة؟
-قصدك مين؟
رمقه كرم ببرود ثم اجابه بسخرية:
-الست الوالدة
توحشت عين كنان وهو يقف امامه:
-بتقول أيه؟!
-أيه يا عم البصة ديه؟!
خد بالك أنا بخاف وممكن اعيط، هي مش طالبة غباوة اخر الليل فى حالتنا الزفت دية
ابتسم كنان بتهكم وهو يقول:
-هو انت هتحطنا فى نفس الكفة، طب اللى عشته انا فى يومين دول يوجع ميت سنة لقدام، يكفى انى مش
عارف احط ايدي اطبطب عليها
اعاد كرم بصره للبحر قائلًا:
-خلينى اكلمك بصراحة أنا عرفت اللى حصل معاك واحد
غيرك كان انهار بس انت راجل وعديت ودلوقتى جه وقت أنك تلملم نفسك وتبدأ من جديد بس دا مش هيحصل غير معاها، وهى كمان شافت كتير وأنا حابب
اساعدها واساعدك جدعنة منى قهقه كنان وهو يهز رأسه قائلًا:
-جدعنة مش مصلحة يعنى
-لأ جدعنة، لأن بصراحة لوضياء شافنى معاك استحالة
يرضى يرجعنى الشغل يعنى مفيش مصلحة منك
بالعكس انت خطر عليا
نكس رأسه بأسف مرير، ثم غمغم بحزن:
-على العموم أنت لو جد فى موضوع كارما أنا هاقف جنبك وبلاش نتجمع فى مكان واحد وأنا..د
قاطعه كرم بتهكم قائلًا:
-هو انت شايفنى عيل صغير يادوك بحبها آه ومدوخة اهلى، بس استحالة اخوها يمشى عليا حاجة
دس كرم يده فى جيب بنطاله يخرج الكارت البلاستيكى
الممغنط الخاص بغرفته، ثم مد يده له وهو يقول
-كارت الأوضة بتاعتى أنا الأوضة اللى جنب كيان
كل يوم بتقعد للصبح فى التراس مش بتدخل
حاول تكلمها وتتفاهموا
ثم تابع وهو يحك مؤخرة رأسه بإحراج قائلًا:
-بس اوعى ضياء يعرف بس اتجوزها الاول
وهيسيطر وبعد كدا ابقى وحش فى بيتى
انفجر كنان ضاحكًا حتى أنه مال بجزعه للأمام محاولًا
إلتقاط انفاسه، ثم تنفس بعمق قائلًا:
-لأ تمام يا مسيطر
-حاسس أن مسيطر ديه تنمر
-عيب دا انت وحش
قال كنان جملته وهو ينظر للكارت بلهفة وكأنه يراها هى وبعد أن تحرك بخطوتين اوقفه كرم وهو يقول بخبث:
-ايه هنام أنا هنا فى الخلا ولا أيه؟!
كارت الاوضة بتاعتك حضرتك أو هات كارت اوضتى
اخرج كنان الكارت سريعًا من جيبه وناوله أياه وانصرف
مسرعًا لغرفة كرم
*****
اسرعت قدماه تأخذانه للشرفه، وقلبه يدق اشتياقًا
تضاعف مع رؤيتها، حبيبته العصية كانت غافلة على مقعد وثير يبتلعها، الألم فى قلبه يقتله، لا يتذكر حتى
أنه تألم بهذا القدر من قبل، فقد والده وسنده فى الحياة،
لكن رؤية هذا الخسيس يتعدي عليها وهى تنتفض
كالطير المذبوح عذبت روحه بوحشية
هى الآن هزيلة، ضعيفة، منكسرة، كما لم يراها يومًا، حرك المقعد بجواره كى يصدر صوتًا فانتبهت
ورفعت رأسها، فكانت الصدمة مسيطرة عليها نهضت
تقف امامه هامسة:
-انت ايه اللى جابك هنا؟
انت اتجننت دا لو كرم شافك هيموتك
اقترب اكثر من السياج الذي بينهما متسائلًا:
-ومش هتزعلى عليا لو مت
اضطربت وعجزت عن التفوة بكلمة، خوف عصف بها
همست باختناق والدموع تحرق عينيها:
-انت جاى ليه دلوقتى؟ عايز ايه يا كنان
رمقها بعتاب وألم قائلًا:
-هكون هنا ليه؟!
عشانك، عشان قلبى اللى هيتجنن عليكِ
عشان عارف أنك موجوعة وأنا بعيد، عشان محتاجك
صمت والحديث اختنق داخله بينما هى انحدرت دمعة
حارة على خدها قائلة:
-أنت اكتر حد وجعنى
اخفض رأسه يتحاشى نظرات اللوم والحزن بعيناها ولوهلة سافر عقلة لذكري مريرة فكور كفه وهو يقول:
-وانتِ روحتك للدكتورة دبحتينى
اتفاقك مع ابويا موتنى، ممكن خانى تعبيرى بس كنت
عايز قربك
-بتحاسبنى أنا كنت لوحدى وبحاول وأنا خايفة وتايهه
كنت خايفة عليك
رفع عينيه ينظر فى عيناها الدامعتين:
-أنا كنت جنبك بس انتِ مكنتيش حاسة بوجودى
جنبك يا كيان كنت بظبط زى اللى ماسك شمعة
واقف فى وش الريح وبحاوط بأيد وماسكك بأيد
وانتِ كنتِ بتتفرجى
-وايه اللى حصل، مش روحت مع شاهندة والحياة بقت
كويسة ولقيت اللى تدعمك، عايز ايه دلوقتى
لو جاى شفقة شكرًا
توسعت عيناه بصدمة وهو يردد بداخله كلمة شفقة
فهو بالكاد يقاوم قلبه الذى يشده ليجعله يركع
امامها مستسلمًا لجاذبيتها على قلبه، همس بتحشرج:
-أنا مروحتش مع شاهندة انتِ عارفة اللى كنت بمر
بيه لما عرفت الحقيقة أنا كنت بموت، كنت محتاجك
تيجى تقفى جنبى انتِ اللى كنتِ ناقصانى وفى الاخر
مشيت كنت بتدبح بسكين بارد،
ازاى بتسمى خوفى وقلبى اللى
هيتجنن عليكِ شفقة،
كيان لسه بتحبينى؟ولا كرهتينى فعلا
كأن قلبها سقط من ارتفاع شاهق عند سؤاله، قبضت
على فستانها بألم، اجابته متوجعة حزينة:
-مش هتفرق دلوقتى لو سمحت شوف حياتك أنا
مش هلوم عليك أنا معنديش حاجة اديها ليك
-بس انا عندى كتير، هدى ليكِ عمرى هبدأ معاكِ
وعيالى عايزهم منك واللى عدى هننساه
رغبتها بالهرب منه توازى رغبتها فى الرجوع إليه همست
-وانا ردى قولتوا وانتهينا
بس انا مش مستعجل يا كيان على ردك، اعتبريها
خطوبة هاجى اطلب ايدك وواحدة واحدة نبدأ صح مع
بعض، أنا مش مستعجل ثم أنك عندك اللى تديه ليا
صمت وهو يشير إلى قلبها هامسًا:
-عايز قلبك خلينا نبدأ من جديد حاولى معايا وساعدينى
-اغمضت عيناها بألم، فهمس وهو يمرر نظره على وجهها
المليح وحجابها الزهرى الذى ينعكس على وجنتها
-عندى اجتماع الصبح، وبكرة عندك تصوير صح نتقابل
على بليل نقضى اليوم مع بعض ونتكلم اكتر
-اتفضلى بقى ادخلى احسن أنا مش هقدر اقاوم اكتر من كدا
-كنان
استدار وأولاها ظهره وهو يقول:
-الصبر الصبر يا كنان
ثم تابع هاتفًا:
-ادخلى الله يكرمك نامى جواه وبلاش قاعدة هنا لو احتاجتى، اى حاجة خبطى هتلاقينى هنا جنبك
لو مش محتاجة عادى خبطى بردو
توسعت عيناها باستغراب:
-فين كرم ازاى هتنام
ابتسم بتهكم
-كرم، الكيف بيذل عقبالك يارب
التو ثغرها قائلة:
-هو انت بتقول ايه؟ ليه بتتكلم بالألغاز
-فرك وجهه قائلَا:
-خشى وبكرة أحكيلك، تصبحى على خير
--تصبح على خير
*****
اشرقت شمس يوم جديد فتحت كيان عينيها وسرعان
ما اشرق وجهها بابتسامة خفيفة وهى تتذكر ليلة امس وحديثها مع كنان، الذي لم ينتهي هنا بل حل ضيف
شرف على احلامها وضعت يدها على شفتاها
بالاستيحاء، ثم خرجت الشرفة مسرعة، وجدت
وردة حمراء على السياج واسفلها ورقة
مطوية مكتوب عليها:
-هستناكِي الساعة الثامنة
قربت الوردة من انفها تستنشقها بسعادة
فى مكان أخر
-صباح الخير
هذه الكلمات حيا بها كنان جمع الأطباء الموجودين
بالقاعة ثم توجه يجلس على مقعده بينما ضياء
يرمقه بصدمة، أما شاهندة كانت ترمقه بغضب
وهى تجز على اسنانها، فجلس متجاهلًا نظراتهما
ثم غمز لبيسان فابتسمت وهى تبادله الغمزة
مرت اكثر من ثلاث ساعات حتى انتهى المؤتمر
الطبى، وكان ضياء اول من انصرف للخارج مهرولًا
بينما وقفت شاهندة تطوى ذراعيها أمام صدرها
قائلة بانفعال:
-كنان ممكن افهم انت فين؟
ومش بترد عليا ليه؟
رمقها باستنكار ثم أجابها بانفعال زائف:
-انا اللى ممكن افهم يوم التصوير روحتى فين
أنا كنت نازلة ومعرفش ازاى الغرفة اتقفلت من بره
وساعة اتصل بالخدمة محدش رد ولما ردوا قعدوا
ساعة وبعد كدا اتصلت بيك غير متاح
والصبح جمع مردتش انت
حاول كبح ضحكاته وهو يقول مدعيًا الحزن:
-معقولة كل دا وأنا معرفش .. انا مردتش كنت زعلان
انا اعتذرت للمخرج كتير اوى عشان التصوير
-اسفة بجد يا كنان بس أنا معرفش ايه اللى حصل
خلاص نتعشا مع بعض
حك ذقنه قائلًا:
-للاسف يا شاهندة مش هينفع خلينا بكرة محتاج اريح انهارده
****
-انت يا بنى ادم مش قولتلى اديته القهوة الصبح.
هذه الكلمات اردفها ضياء بغضب بينما اجابه هذا الرجل
حصل يا فندم هى الاوضة واللى فتح واحد طول بعرض
وعينيه خضرا، وشرب منها قدامى
جذب ضياء خصلات شعره وهو يقول:
-اومال ايه بس، روح روح انت
وقف ضياء حائرًا كيف يفيق مع نسبة المنوم هذه، كان يود أن يضيع عليه حضور الاجتماع، تنهد بغيظ وسار نحو
غرفته
*****
-والله أنا هكدب ليه بقولك كنان هو اللى قالى كدا
وأنا بسأل على كرم
قال هذه الكلمات ساهر تحت صدمة طاهر الذى سأله
ثانية:
-كرم نايم فى اوضة كنان ليه
ضحك تامر قائلًا:
-يمكن السهرة كانت صباحى وساعة الحظ متعوضش
جز ساهر على اسنانه وهو يقترب من تامر هامسًا من بين
اسنانه:
-انت تقصد ايه ياض انت ها
رفع تامر يده دليل على علامة الاستسلام قائلًا:
-أنا ابدًا انتوا كدا تكشفوا عليه، قصدى نطمن عليه
-مش عارف ليه مش عايز تحافظ على عمرك يااخ تامر
قال هذه الكلمات طاهر وهو يتجه للخارج نحو غرفة
كنان، دقائق وكان كنان ينضم إليهم يرمقهم باستغراب
-خير
فين كرم؟
كرم وانا اعرف منين؟
قطب ساهر حاجبيه قائلًا:
-مش انت قولت ليا الصبح وانا بدور عليه انه نايم عندك
اه، بس اكيد نزل
اقترب منه طاهر واتسعت عيناه وهو يقول:
-ديه هدوم كرم
تحمحم ضياء بحرج قائلًا:
-اصلى كنت مستعجل الصبح ولبست من عنده
فرك طاهر وجه بعنف قائلًا:
-مين نايم عند مين فين اخويا افتح الاوضة دية
-المفتاح مع كرم
التو ثغر تامر هاتفًا:
-اوبا المفتاح مع كرم كمان
زمجر كنان وهو يقترب منه لكن قطع طاهر طريقه
وهو يقول بحنق:
-انجز وافتح الباب دا خلينى اشوف اخويا فين
بعد مرور عدة دقائق كان كنان استدعى خدمة الغرف
وولجوا ليجدوا طاهر بالداخل يغط فى نوم عميق
حاول أن يفيقه طاهر لكنه لم يستيقظ، مما جعل
كنان يشك بالأمر
فتح طاهر حنفية المياه واخذ يغسل وجه اخيه
ويضربه بكفيه للحظات، قبل أن يشعر انه اكتفى
فرق كرم جفونه وهو يشعر بصداع يفتك به
ثم نظر للمرآة بوجهه المبتل وهو يتذكر بذهن
متحفز ماحدث فى الصباح
قبل خروجه من الغرفة جاء إحدى العاملين بفنجان
قهوة قائلًا أن ادارة الفندق من ارسلته هز رأسه
وقد فطن ما سار وما أن خرج من المرحاض كان
العيون ترمقه باستفهام فحدثهم:
-كنا انا وكنان تحت وتبدل الكروت ودخلت ونمت كان عندى صداع اخدت حبيتين مسكن ومنمتش
غير الصبح
لم يصدقوا كذبته الخائبة لكنهم هزوا رؤؤسهم فى
الصمت والجميع انصرف إلى الخارج
****
فى المساء
مال طاهر على تامر قائلًا:
-معلش يا تامر هتطلع تارا لحد اوضتها مش هنسبها
كدا
هز رأسه بالنفى بينما هى ابتسمت بسعادة فهى
حاولت بكل الطرق منذ الصباح للفت انتباه لكنه
كانه تمثال مصنوع من الشمع، ربت طاهر على
كتفاه فزفر تامر بحنق وهو يسير بجانبها
****
كان تامر يقف فى المصعد ولا يعيرها انتبه، تقدمت تارا الخطوات الصغيرة التى كانت تفصلهم لتقف بجواره، لتقول بصوتها
الناقوسى الرنان بنغمة وقحة واضحة:
-هو انت كدا على طول، ولا لسانك كلته القطة
لم يرد عليها كان يقف كتمثال خرسانى جامد الملامح
متحجر العينين، لكنه لم يستطع أن يسيطر على انفاسه
الثائرة التى تفضح انفعاله، فاحتلت ابتسامة وجهها واقتربت منه اكثر واخرجت هاتفها لتلقط لهم صورة سويًا، حتى أن كتفها
عارى لامس كتفه فابتسمت وهى تغمز له قائلة:
-طب ممكن تضحك عشان نأخد صورة
ادرك أن وقاحتها من الخارج توازى وقاحة داخلها ابتعد برأسه عنها ولا يزال ملتزمًا بالصمت وهو يرمقها باشمئزاز
لتقطع نظراته وهى تميل رأسها وتضيق عيناها قائلة:
-مش لايق عليك دور التقيل، اتقل منك ووقعتهم
-بغمزة واحدة كمان
وقاحتها اججت النفور بداخله فتشدق قائلًا بتقزز وهو يرمق من أعلاها لادناها وعيناه تركز على مفاتنها الانثوية قائلًا بتبجح:
-كويس أنك عارفة انك بتوقعيهم والاحسن تبقى عارفة
-بتوقعيهم بأيه وإزاى ، بس للأسف أنا صعب
رمشت بعيناها وسمحت لأنفاسها لتعبر عن مدى انفعالها
والألم الذى سدده لصدرها مباشرة، فاجابته:
-انت ولا حاجة انت اقل من إنى حتى افكر فى واحد زيك، انت حقير
احمر وجهه بغضب اعمى واستعرت عيناه بجنون فاقترب منها وضغط على لوحة المصعد كى يعطله
ودس يده فى جيب بنطال واخرج منه (المطواة)
الخاصة به، ظلت كما هى ترمقه بقوة زائفة حتى
لا يظن أنها ترهبه
فتح(المطواة) ومررها على ذراعها العارى ثم همس
بجوار اذنيها بعنف قائلًا:
-أنا ايه؟! عيدى تانى؟!
حاولت أن تبعده عنها قائلة:
-انت اتجننت ابعد عنى والله لأوديك فى داهية شغل
-الانسانسير
حك ذقنه بالمطواة وهو يدعى التفكير قائلًا:
-يعنى اشغل الانسانسير عشان اروح فى داهية
-طب ما اخلص عليكِ اسهل
اشتعلت عيناها بنار جمر الحقد المشتعل لتقول بكره:
-شغل الانساسير وابعد البتاعة ديه يا همجى
إشار بالمطواة على صدره باستنكار ثم ابتسم بشر
وفى لمح البصر كان يقرب المطواة منها، فصرخت
عندما وجدته قام بقطع حمالات فستانها الرفيع
ووضعت يدها على صدرها بذهول كى تمنع الفستان من السقوط، ارتفعت زاوية شفتاه وهو يبتسم بسخرية قائلًا:
-ايه مكسوفة، على ما اظن هما ماكنش ليهم لازمة
-انت حيوان والله لأفضحك
نشبت معركة ضارية بين عينيهما فمد يده يضغط على
المصعد اما هى لازالت الصدمة تسيطر عليها وقبل الهبوط للدور المنشودة كان يخلع سترته ويلقيها فى
وجهها هاتفًا:
-استرى نفسك عارف انها كلمة جديدة عليكِ بس
-هتتعودى
وقف المصعد وخرج فورًا ولم ينتظرها، أما هى كانت ترتدى سترته وهى تسبه بأقذار
الشتائم وتتوعد له بالهلاك
*****
توسعت عين بيسان بصدمة من هيئة اختها ومن فستانها الممزق، والتى دون
أن تدرى كان وجهها شاحبًا الخزى والحزن مرتسمين
بوضوح على وجهها مضت نحوها تسألها:
-ايه دا؟ ايه اللى عمل فيكِ كدا
اجابتها باقتضاب وهى تتجاوزها للداخل
-ولا حاجة
جذبتها من معصمها وهى تصرخ بها:
-انت مش هتبطلى قرفك دا هنا وهناك
ليه كدا ليه بتعملى كدا فينا
صرخت تارا بإنهيار وهى تقول:
-مالكيش دعوة بيا لو قرفانة اتبرى
منى قولى مش اختى، انتِ اصلًا عمرك ما كنتى أخت
ليا يا بيسان، على طول شايفنى مقرفة
فاشلة، بطلى خروج بطلى سهر متلبسيش، عايزانى
اعمل ايه انا ماليش فى حاجة غير كدا،
تسمحى تقوليلى فين ماما فين بابا ها فين انتِ
أنا لو مقرفة فدا بسببكم
لمعت عين بيسان بدموع مكتومة هامسة بضعف:
-عمرى ما كنت اختك ليه؟ قصرت فى ايه
انا على طول بنصحك على طول بدورلك على خير
-بالظبط انت بس بتنصحى بس، عمرك اخدتينى
وخرجنا مع بعض، عمرك ما سهرتى معايا، بلاش عمرك شاركتينى فى حاجة بحبها
-لأن معرفش غير الدراسة وبس
اغمضت تارا عيناها متنفسه بقوة وصوتها يواصل بكراهية
تكفى العالم:
-لأ لأ لأنك انانية ومش بتحبى غير نفسك وبتحاولى
انك تريحى ضميرك بكلمتين بس عمرك ما حاولتى
وبعدين بتلومى عليا ليه ها؟
أنا جيت هنا لقيتك عاملة
الرجالة سبحة فى ايديك فرحانة بيهم حواليكِ بترسمى
الاخلاق عليا ليه؟ أنا بكرهك يا بيسان
لطمتها بيسان على وجهها بقوة ثم شهقت لا تعلم
كيف حدث هذا تراجعت للخلف ويدها ترتعش
وقفت تارا مكانها وهى ترمقها بجمود ثم تحركت نحو الخزانة تبدل ثيابها وهى تنتفض
هبطت للأسفل مسرعة نحو البحر ثم خلعت خفيها ونزلت البحر تغوص فى ظلماته دون مقاومة
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والخمسون
كان جالسًا على البحر بعدما ابتعد عن الجميع، مستندًا برأسه للوراء على صخرة كبيرة مغمضًا عيناه
بقهر وألم؛ يسع العالم ليتجرع الهم والغم، طوفان من الذكريات عاث عليه الزمان كل ما يفكر بها والدته التى تركته، ترا كيف تحيا
هل تعلم حجم الدمار والخراب الذى حل به؛ عاش
حياته كالمنبوذ تلاحقه وصمة عار مدى حياته، يود
لو خيط ضعيف، طوق نجاة لمعرفة هويته
قهقه بقوة كأنما يدفع بقهقاته ما فى صدره، من أسى
وقهر وخيبة أمل؛ ليخرج ما فى صدره بصحبة قهقاته
لعله يستريح لكن بتر ضحكاته، وهو يرى فتاة تخلع
خفيها وتنزل البحر في هذه العتمة، نهض واقفًا بترقب
وهى تتعمق داخل المياه حتى غطست ولم تتطفو دقيقة
اثنتين، ثلاثة لم ينتظر أكثر خلع حذاءه واسرع
نحو المياه يغوص باحثًا عنها لحظات ثم رفع رأسه
ليتنفس، ليغطس ثانية يبحث عنها، ثوان وكانت
يده تتنتشلها بكل قوة من برودة البحر، ليشعر
بجسد ضعيف ينتفض بين يده
اما هى شعرت بالهواء يعود ثانية لرئتيها فشهقت وشهقت
لتعيد لخلاياها الحياة، وضعها على الرمال وهو يلتقط انفاسه بصعوبة، لتفتح عيناها الضعيفة وتصطدم بعيناه
نظر هو إليها علم من تكون هذه الفتاه، فامتعضت
ملامحه وما أن تفحصها هالهُ رؤية العبَرات المنسابة على اخاديد وجهها، والألم المتجلى على ملامحها، فكان وجهها
كلوحة سيريالية من الألم يثير الشجن فى وجهه كل مايراه، كان يعبره عن معاناتها، انتابه شعور من الشفقة
فمد يده لها محاولًا مساعدتها، فانكمشت اكثر على نفسها
بنفور منه، فسألها بانفعال:
-ممكن افهم ايه الجنان دا؟
انت فعلًا واحدة طايشة
رمقته بنظرات كارهة حاقدة قبل أن تنفجر قائلة:
-كل دا بسببك انت بسببك انت
تسمر تامر فى مكانه، كيف لها أن تكون لئيمة هكذا
بدلًا أن تشكره أنه انقذ حياتها، رمقها بحنق وضيق
قائلًا:
-دية شكرًا بتاعتك
-شكرًا على أيه؟!
انت مالكش دعوة بيا فاهم
-أنا لو كنت اعرف انه انتِ ماكنتش انقذتك
ولا تعبت نفسى عشان واحدة زيك
صدرها يعلو ويهبط، ألم يتقاذف من مقلتيها القى كلماته
السامة بوجهها دون أن يرى تأثيرها عليها، شعرت بنفوره
واشمئزازه منها، على الرغم من وهنها فسألته بوجع:
-ليه يعنى مش بنى ادمة؟!
ممكن تبعد وتسيبنى فى حالى
فرك وجهه بعنف، اما هى تحاملت على نفسها كى تنهض وهى تنتفض من شدة البرودة، تصنم تامر مكانه وهو يراها تغادر لا يدرك لما شعر بتزلزل داخله، زفر متسائلًا:
-انتِ رايحة فين بحالتك دية؟!
-اظن دا شئ ميخصكش
انهت جملتها قبل التحرك لكنه قطع طريقها واقفًا امامها
يرمقها بنظرة تحدى، تاركًا اياها وهو يقول بقوة:
-استنى هنا جنب الصخرة دية ومتتحركيش ثوانى
وراجع
كانت تنكمش على نفسها تصك اسنانها وجسدها يرتجف بردًا وألمًا، دقائق وكان يجثو ارضًا يمد يده بمعطفه
-ألبسى دا بسرعة
بقت كما هى تنتفض تهز رأسها بالرفض فنهض يعاونها
على النهوض، تطلعت إلى المعطف بعينين دامعتين
ثم تناولته وهى تبكى حاولت أن ترتديه فاختل توازنها
وكادت أن تسقط لولا يده التى لحقتها فالتو ثغره
وتناول المعطف يساعدها كى ترتديه قائلًا:
-امسكِ نفسك عشان جِبت اخرى، هو يوم باين عليه من
اوله
-انت مغيرتش هدومك المبلولة
-لا طبعًا، جريت اجيب الجاكت عشان الحقك وانا
سايبك لوحدك هنا، قال كان ناقصنى غم على اخر الليل
-هو انت قليل الذوق كدا على طول
فرك اذنه وهو يقول:
-والمرة اللى فاتت قطعت الفستان
المرة دية لسانك، اظبطى كدا ويلا اتحركِ قدامى
-ولا تقدر
قبل أن تنهى جملتها كانت تسعل بقوة فابتسم بتهكم
فاشتعلت مقلتيها بتوعد وما أن وصل الفندق حتى
وقف يغمز لها
-دا الجاكت التانى، تحطيه مع اخوه فى شنطة وتجبيهم
دية كسوة الشتا ومافيش غيرها
أومأت له بالموافقة وهى تضم المعطف عليها اكثر وبقوة
*****
تجلى الأهتمام على وجه كرم، واردف قائلًا بتعجب:
-خير طلبت تقابلنى ليه؟!
-خير، بس أنا مبحبش حد يبقى ليه دين فى رقبتى
لو فعلًا عايز كارما بجد، يبقى لازم متستناش اكتر من
كدا، ضياء حاليًا فاقد الثقة فى الكل واى حاجة
بيعتبرها بيضرب فى ضهره فانجز لانه لو عرف من اى
حد غير منك كدا موضوعك للأسف فركش
هز رأسه بتوهان وفكره مع كارما التى وعدها بعدم
اخذ خطوة الا بعد موافقتها، مما جعل القلق يتسرب إلى قلبه، ظل هو مكانه بينما ذهب كنان لمعذبته
-ايه يا حيوان انت أنا هلف عليك طول النهار
كانت هذه كلمات طاهر وهو يلكز كرم فامتعضت ملامح
كرم وهو يقول بانفعال:
-بتدور عليا ليه؟
هو انا امك ما تفكك منى
-ايه دا مالك بتطلع نار من بؤقك ليه
اسبل أهدابه لدقيقة كاملة مكتفيًا بالصمت، يحترق من
الداخل، عقله مازال يجلده بسياط الحقيقة المُرة
وفارق العمر بينهم واستحالة العلاقة والعوائق، اغمض
عيناه بقوة وهو يسحب انفاسه داخل صدره المشتعل
-كنان بيقولى لازم اكلم ضياء ولو عرف من حد غيرى
هيبقى صعب
وقف مقابلا له وهو يرمقه بفضول:
-طب ماانا قولتلك كدا من زمان مالك
-خايف، خايف تضيع منى يا طاهر وفرق العمر
ربت طاهر على كتفه قائلًا:
-فرق سن ايه دا انت اصغر من ضياء نفسه
وبعدين انت عريس ميترفضش، أيه رأيك نكلمه انهارده
لم يرد واخرج تنهيدة مكبوتة، فسأله طاهر بمكر:
-بس ايه اللى نيمك عند كنان، شكلك وحش على فكرة
وانت كوبرى
امتعضت ملامح كرم وهو يرمقه بطرف عيناه قائلًا:
-متخلنيش اطلع خنقتى عليك
انا قولت اساعدهم يمكن ربنا يفك النحس
-وهو راح فين دلوقتى؟
ابتسامة جانبية زينت ثغر كرم وهو يقول:
-خارجين هو وهى يتقابلوا
صمت، ثم نظر كل منهم للآخر وانفجرا من الضحك حتى
ادمعت عينيهما، هز طاهر رأسه بيأس قائلًا:
-ايوه لسه بيتقابلوا وغراميات وهيقرفونا
تنهد كرم قائلًا:
-بيقولك ما اجتمع اثنان الا وكان ثالثهما الشيطان
دول بقى الأوبشن مش شغال عندهم، او تحس الشيطان
بيجى عندهم ويتوب
صمت كرم قليلًا ثم سأله:
-اُمال فين تامر
- راح يوصل تارا من بدرى ومرجعش
قهقه كرم وهو يقول:
-الاتنين دول اكيد الشيطان شاف شغله معاهم
****
كان يطالعها بإنبهار ولا يصدق انه صار معها ثانيةٍ
نظر إليها بقلب مشتاق وروح سكنت فى وطنها
هنا مسكنها وعلى باب قلبه نقشت حروف اسمها
اشتاق لعينيها، اشتياق الغيوم لمطرها
تنفس بقوة ساحبًا نفس طويل وهو ينظر لعيناها
فتحاشت النظر إليه، ابتسم هامسًا:
-كيان، هتفضلى باصة بعيد، عينيك وحشتنى
نظرت له بحدقات مهتزة كسائر جسدها، وهى تتنهد بقلب
مثقل وصوت خافت لائم رغمًا عنها:
-من امته؟
كان يتأمل وجهها الذى يحمل ألم وكأنها تحمل هموم
العالم فوق كتفاها، لينتقل إليه إلمها هو لا يطيق رؤية
ألمها يكفيه الألم الذى تسبب فيه لها، تنفس بعمق
قائلًا:
-خلينا نتكلم هنا اكتر براحتنا خلينا نحاول نبدأ
من جديد، أنا عارف اننا لسه محبوسين فى يوم
طلاقنا وتفاصيله، وعشان نتخطى لازم اتكلم
مش هقولك أنى شخص مش بيغلط، أو أنى كنت
مثالى، يمكن كنت أنانى ودا من حبى ليك
كنت حابب أنك تتجاوزى الماضى الأسود فى
أسرع وقت مكانش عندى صبر
صمت لبرهة ثم تابع:
-أنا كنت شايف أن حبى كفاية ودا لواحده سبب
كافى عشان علاقتنا تكمل، بس كنت غلط
الجواز مش حب بس، هنبدأ من جديد ونحاول
نتجاوز اللى عدى
بس دا ميمنعش انك ظلمتينى لأن سؤالى كان قصدى
بيه اريحك لو دا المانع ما بينا، بس انتِ دبحتينى
بالدكتورة وبأهلك تستقوى بيهم
ضاق صدرها بكل ما فيه لتنفجر باكية وهى تتذكر كلماته
التى احرقتها وشوهت روحها اكثر فهمست:
-أنا كنت بخاف أوى قبل ما اعرفك اوى
بس بيك قويت وكلمتك دية هدتنى لأن لو كنت كدا
كنت هقولك قبل أى حاجة
أما لما روحت لأهلى حسيت انى منبوذة من العالم كله
حسيت أنى بتطرد من دفا اتعودت عليه روحت ليهم
يمكن احس فعلًا أن ليا أهل
بحزن طالعها كأن الطعنة يتلقاها الآن، مهما طال الزمن ستبقى
بداخله ولن يستطيع التخلص منها:
-صفحة وهتتقفل هنا، أنا بحبك والبعد عرفنى
حاجات كتير كانت بينا غلط حابب نصلحها
سوا وتساعدينى، لأن لوحدى مش هاعرف
ناخد وقتنا براحتنا كأننا مخطوبين وهحضر معاكِ
الجلسات، نبدأ صح، وكمان هستنى ردك على
كلامى ومش دلوقتى
رفرفت بأهدابها لقد منحهها ما تسعى إليه، بدون
أن تطلب، اعطاها سلامها النفسى
مسحت دموعها بظهر كفيها شعور بالعجز تسلل داخله
انه لم يستطع أن يمحيها هو فابتسم ابتسامة صادقة
-أنا جعان
أومأت له وبدأت فى تناول الطعام حتى سألها بنبرة
عاشق معذب:
-بس سؤال واحد يا كيان وردى بصراحة أنا وحشتك؟
وحشتك يا كيان ولا لأ أنا بموت واضمك ليا،
انتِ بتحبينى ومكرهتنيش
كانت نبرة متلهفة يائسة عندما تذكر الوجع الذى ضربت معاقل روحه به، وهى تخبره أنه اكثر شخص تبغضه
كان ضائعًا بين مشاعر الغفران وكسر رجولته
اغمضت عيناها وكأنها ترتجيه أن يمنحها ونفسه
النسيان، وأن يتخطوا الماضي سويًا كما وعدها
اعادت بصرها وهى تنظر للطبق وبيدها الشوكة تقطع
قطعة اللحم قائلة:
-فى حد هنا بيرجع فى كلامه
اللحمة مش مستوية ياكنان ولا ايه رأيك
-رأى مش هابقى أنا وهى مستويين ياكيان
اطرقت رأسها وهى تقول بخفوت:
-كنت بتوحشنى
توسعت عيناه وقلبه يتخبط فى محجره ثبت نظره على شفتاها هامسًا بعدما فقد كل ذرة صبر
-خطر، لا كدا خطر بلاش تقوليها تانى دلوقتى خالص
تلعثمت وبدا عليها الإرتباك وهى تقول:
-طب يلا بينا احنا اتاخرنا وعندى تصوير الصبح
****
تشتعل النار بصدره وهو يبحث عنها كالملكوم، لم يكن
يعلم أن عذاب الحب يجعل قلبه يبكى ألمًا هكذا يبحث
عنها فى كل الغرف، اخرج هاتفه يضغط على زر الاتصال
سمع البريد الصوتى أن الرقم خارج نطاق التغطية
ابتلع وضغط الزر ثانية وسمع الرنين حتى اجابته
والدته فسألها:
-امى هاجر عندك، لأ ازاى دية مش فى الشقة، بتصل
غير متاح
اغلق الهاتف واسرع بخطواته التى هزت الأرض تحته
لكنه تسمر عندما فتح الباب ووجدها تدخل بكل هدوء
فاقترب منها يسألها:
-,كنتِ فين
تجاوزته وولجت للداخل قائلة ببرود اكتسبته مؤخرًا:
-نزلت اشم هوا
-تشمى هوا وأنا معرفش بتنزلى من البيت من غير اذنى
حاولت تمالك اعصابها قائلة بسخرية:
-نسيت، بس متقلقش أنا أكيد مش هسببلك مشاكل
حاول ضبط انفاسه الثائرة وهو يقترب إلا انها فتحت حقيبتها، واخرجت منها مبلغ مالى كبير ثم مدت يدها
له فسألها مستفسرًا
-ايه دا؟
-دية فلوس المحل اللى انت فتحته ليا، انت كتر خيرك
كفاية أنك مخلينى فى بيتك
اقترب منها يجذبها بعصبية فاجفلت منها وابعدت وجهها
تحاشى ضربها ثانية، تمالك اعصابه المحترقة على صفيح
ساخن وهو يقول بحزن:
-لأ يا هاجر متعمليش فيا كدا، لأ أنا غلط وعمرها ما هتتكرر
يارتنى كنت موت قبلها اهون من حركتك دية
ليته يعلم مابها ليتها تشاطره احزانها كى ترتاح سألها باستنكار
-الفلوس دية منين؟
-بعت دهبى
اختبر لسانها السليط، حدتها، عصبيتها، مشاكستها
لكن قسوتها لم يختبرها فسألها بوجع
انت بعتِ الدهب بتاعك
-متخافش دا بتاع ماما يعنى لا بتاعك ولا بتاع عمك
مصطفى
الامور تزداد سوءًا بينهما، يشعر بالمرارة فى حلقه
-بتبيعى دهبك عشان تجيبِ الفلوس ليا، انت قاصده
تدبحينى صح، انتِ مراتى وأنا كل فلوسى ملكك
تحت رجلك ليه القسوة دية، انا غلطت فعلا كان لازم
اقولك على الأقل اثبت حسن نيتى بس دا اللى حصل
ليه مش مصدقة طب حسى بيا، كل يوم بتزودى وجعى
بمقدار الحب نتألم بل اضعاف الحب نتألم كلمات مقتضبة
قليلة:
-دا حقك
-مش هاخد الفلوس وقولى بعتى الدهب فين
حدثته قبل ان تتوجه للداخل قائلة:
-الفلوس عندك اعمل اللى انت عايزه فيها
فى الداخل
كل ما حلمت به تكسر على شطئان الواقع، مع أول
خلاف بينهما بددا غيمة الحب الوردية لتصبح
غيمة مثقلة بالغيوم، بعد اسبوع ذكرى زواجهم
الاولى مقدار من الألم يوازى مقدار من الفرح
تشعر بالخوف والغربة فأمانها وموطنها بعيدًا عنها
كتمت شهقت بكائها بيدها بينما الدموع تغرق عيناها
*****
فى صباح اليوم التالى
هبطت دمعة من مقلتيه دون أن يشعر وهو يتذكر اجمل
لحظاتهما، ولحظة ربط حياتهما باجمل رباط؛ اجمل رباط
يزين الحب، الزواج، وهل هو يحبها فقط بل هو يهيم بها عشقًا، لقد كان يطالع وجهها المشرق كل صباح، بينما رأسها كانت تستقر فوق نبضات قلبه
فليذهب العقل للجحيم سيأخذها وأن حارب العالم،
ولجت كارما من خلفه هاتفة:
-ضياء هننزل
مسح دمعته وهو يبتسم لها قائلًا:
-ايه القمر دا
ابتسمت بخفوت، فقطب حاجبيه متسائلًا:
-مالك؟
احجبت دموعها من الهطول حتى سألها ثانية:
-حد زعلك مالك
-من ساعة ما شوفت تارا وانا حاسة انى مخنوقة
هى اكيد زعلانة منى، هو انت ازاى يا ضياء قدرت
تتخطى صحوبيتك لكنان بسهولة
تغصنت ملامحه بضيق وانزعاج، سؤالها كان آلمه نفسيًا
وجسديًا يود أن يبوح بما يجيش صدره لأول مرة
فهمس متألم:
-صحوبية، هو اللى بينى وبين كنان كان صحوبية
يا كارما دا كنان، انا مقدرتش اتخطى ولا حاجة
لسه واقف فى المخزن بكتشف خيانته، مش
هتصدقى وأنا رايح ليه ماكنتش عارف رايح اواجهه
ولا رايح اقوله الحق يا كنان أنا لقيت تزوير فى
المستشفى بتاعتنا، لما طلقت بيلا كنت بدور عليه
انا نفسى اموته بايدى واخد حق ابويا، ونفسى
اترمى فى حضنه ويطبطب عليا، نفسى اهرب
من كل حاجة واروح اقعد معاه فى اوضة واحدة
نفسى ما شوفش وشه تانى ابدًا مش عارف ازاى
يكون قدامى ومش بنتكلم، كارما ليه بس على
الصبح هو أنا ناقص، اعملى حسابك هنرجع
القاهرة بكرة
ربتت على كتفه هامسة بألم:
-والله كان باهر كان ممكن يقتلنا وهو انقذنى منه
ومتخلاش عنى دا كنان يا صياء
تنهد بوجع:
-ماكان زهير يا كارما، اجهزى ياكارما عشان ننزل يلا
اومأت فى صمت ثم اولته ظهرها للداخل
****
فغر طاهر فاهه واتسعت عيناه وهو يقول بصدمة:
-يعنى ايه سافرت؟! سافرت يا فندم حجزت على طيارة الفجر قدامى اهو الدكتورة بيسان
اطلق طاهر عدة انفاس بغضب ثم سألها:
-ممكن تشوفى معلش دكتور بدر فى أوضته
اجابته مسرعة بتلقائية:
-لا حضرتك لأنه نزل مع الدكتورة بيسان والحجز كان ليهم مع بعض
نيران غاشمة بقلبه وعينين تتقاذف شرارات كالبرق عقب إخباره بأن بيسان سافرت مع بدر دون علمه
******
-لو سمحت امشى ضياء هيجى حالا
تلك الكلمات اردفت بها كارما بينما هو اجابها بثبات
-انا هطلب ايدك انهارده
اضطرب وجيبها ونبرة صوتها قائلة باضطراب
-لا لا ارجوك متعملش كدا
جاء صوت خشن من خلفهم
-ميعملش ايه؟!
****
رنين جرس الباب يتصاعد ولا مجيب زفرت هاجر
بضيق وهى تتوجه نحو باب الشقة وما أن فتحت
الباب تفاجات بملامح مألوفه فهمست بتشتت
-مين انت؟!
-مرات مصطفى
اخترقت الجملة قلبها، انكمشت ملامحها بوجع
***
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والخمسون
نهض كرم من مقعده ودار حول الطاولة حتى اصبح
فى مواجهة تامر، لا يحرك عينيه من على عيناه
ثم سأله مستنكرًا:
-انت عايز ايه؟ وانت مالك؟ وايه اللى جابك هنا؟
اخرج تامر سيجارة من علبته واشعلها ثم قال وهو ينفث
دخان سيجارته:
-اخوها خلص الفون وجاى وأنا قولت اعرفك
-ايوة وايه يعنى؟
انت مالك؟
رمق التى تجلس خلفه بتوتر ثم اجابه باستهزاء:
-أنا قولت اقولك جدعنة يعنى عشان مصلحتك
تغضنت ملامح كرم وتطلع نحو تامر بغيظ فما كان من
تامر إلا انه اكمل باستفزاز:
-بس طالما اخوها عادى ومتفهم يامان خليك
جز كرم على اسنانه بغضب وهو يطالع التى تجلس على
مقعدها بذعر ثم استدار يحدثه بغيظ:
-اتفضل قدامى
سار تامر بجوار كرم ثم سأله:
-هنقول مبروك امته؟
-هكلم اخوها انهارده وربنا يكرم
حك تامر رأسه وهو يقول:
-لا ما هو لو انت مسيطر يبقى هنقول مبروك فى ساعتها
اهم حاجة هى
-والله مش عارف احساسى ومشاعرى وصلوا ليها ولا لأ
التو ثغر تامر بسخرية:
-لأ لو مشاعر مش بتوصل نطلبها ليها دليفرى
رمقه كرم بغضب وهو يقول:
- أنا ازاى بتكلم مع واحد زيك سنجل ومش بيحس
****
لم يسيطر طاهر على حواسه من شدة الانفعال، واضغًا
الهاتف على اذنه ينتظر الرد، لكنه لم يأتيه الرد هاتفها
خارج نطاق التغطية، انهى الاتصال بزفرة عنيفة من
شفتيه وهو يسب ويلعن واخذت الافكار تعصف برأسه
والعديد من الافكار عن سبب رحيلها مع بدر دون علمه
إلى أن قابل كرم وتامر، فنظر كرم لأخيه بتدقيق وشعر بريبة من هيئته الغاضبة فسأله:
-مالك ياض فيك ايه؟
غمغم طاهر بضيق:
-مفيش
ضيق كرم عينيه بقلق قائلًا:
-ماتنطق يابنى ايه اللى قالب خلقتك كدا على الصبح
يشعر بضغط كبير داخل صدره فأجابه بضيق:
-بيسان سافرت من غير سبب الفجر وسفرت مع بدر
حتى مفكرتش تقول لحد
صمت كرم بتفكير ثم سأله:
-ازاى مشيت من غير ما تقول لحد طب انت ضيقتها
فى حاجة امبارح، دا المؤتمر لسه مخلصش
قبل أن يجيبه قاطعه تامر قائلًا:
-أنا شفتها امبارح الفجر كانت شكلها منهارة ومعيطة
جامد وبعد كدا قابلها بدر تحت شكله كان بيحاول
يهديها وبعد كدا طلع ونزل بشنطته
إنصدم طاهر من الكلام الذى قاله تامر فرد عليه بخشونة:
-ولما شفتها كدا مجتش قولتلى ليه؟
وازاى تسبها وهى منهارة كدا
رفع تامر كتفه ببرود ثم اجابه بخبث:
-واقولك انت ليه واتدخل أنا ليه أصلًا ما كان معها الدكتور
بدر وبصراحة الرجل مقصرش معاها وكان بيهديها
رشقه طاهر بجمر غضبه وهو يقترب منه اكثر، فجاءه الرد سريعًا من كرم قبل أن يخنقه طاهر
-ايه ياض البرود اللى انت فيه دا انت حد مسلطك علينا
غمغم تامر بحنق ليقول بجدية ماكرة:
-برود ايه؟ أنا قولت اللى شوفته وانا ماكنش ليا انى اتدخل ومعرفش انها تخصك كنت بلغتك
رمقه طاهر بغيظ فتجاهله تامر قائلًا:
-أنا خلصت الشغل اللى كان ورايا وهطلع على القاعة
التانية اخلص الشغل فيها وابقى انت شوف ايه اللى
ناقص
راقبه كرم وهو يجز على اسنانه فتامر يعلم كيف يكون المرء خبيث بل ويستغل خبثه معهما، أما طاهر كان فى عالم اخر ضغط على زر الاتصال للمرة التى يعلم عددها وصدره يعلو ويعبط بحدة فحدثه
كرم:
-طب ما تسأل تارا عليها
-اتصلت على الاوضة بتاعتها ردت وقالت انها
نايمة شوية وهتنزل
-اكيد بيسان عندها شغل واضطرت تمشى يعنى متقلقش
هى مش عيلة صغيرة
*****
ضمت هاجر سترتها التى ترتديها فى محاولة تخفيف
رجفتها التى لم تتوقف منذ أن عرفت من التى تقف امامها
تشعر بالبرد فعلًا لكنه برد من نوع اخر، برد يتسرب لقلبها
لكن مايثير السخرية بداخلها، أن هاجد قال لها سيدعها ريثما تهدأ ثم يحدثها مرة اخرى لكن كلامه ليس ألا
طبطبة على جرج حديث لا يتحمل اللمس والآن ارسل
خالته إليها
حاولت أن تتحرك لكنها كانت جامدة لا تقوى على الحراك
قلبها مكبل بالوجع، رباه ماذا تريد منها؟
ماذا تفعل هى؟
ماذا تقول لها ؟
قلبها يؤلمها، يؤلمها كثيرًا وكأن أحد يضربها بمطرقة
حديدية، كيف يفعلها ويرسل خالته، تنهدت زوجة
ابيها قائلة:
-مش هتدخلينى
صارت كجسد دون روح، مجرد ألة تحرك قدميها بصعوبة، مضت للداخل وتركتها خلفها، ولجت هى واغلقت الباب خلفها لتلحقها، كانت هاجر تجلس على الاريكة وهى تنظر
لخطواتها التى تقترب منها خطوة تليها خطوة مع
كل خطوة ينغرس خنجرًا بداخلها فهى فى صدى
استقبال جرح جديد واقع لا محالة، رفعت هاجر بصرها تسألها:
-نعم، خير
تنهدت زوجة ابيها وجلست امامها قائلة:
-أنا عايزة أننا نتكلم بالعقل عشان تستوعبى موقفى
ظلت هاجر كما هى ترمقها بنظرة جليدية فتابعت:
-أنا الليلة ديه كلها ماليش فيها اتحطيت غصب عنى فيعا
أنا وهاجد ابن اختى مالناش ذنب
أنا ابويا زمان قالى أن مصطفى متجوز بس مراته مش هتعرف وانا وافقت وعشت بعيدة محاولتش اقرب خالص لأن مصطفى كان بيعمل حساب ليكِ ولمامتك بس طبعا
كنت عارفة شخصيتها من كلامه ولما اتوفيت طلب
منى أنك تيجى تعيشى معايا، أنا خفت على بيتى
وعيالى وقولتلوا زى ما كنت طول عمرك محافظ
على مشاعرها هى ومامتها، دا حقى أنا كمان احافظ
على بيتى، أنا احترمت رغبته ومطلبتش منه ولا
لحظة انه يعرفكم انه متجوز وحقى انى اخاف على
بيتى، أما هاجد هو شافك وحبك ودا مالوش علاقة
باللى بينا لأنك كدا بتظلميه
تحاشت كلامها على هاجد وسألتها مستنكرة
-تخاف على بيتك اللى هو ابويا واخواتى منى؟!
اجابتها بجدية:
-لأ من مامتك، ايوة منها أنا عارفة انها كانت ست قوية
وخفت تكونى زيها وبعدين هو مصطفى كان رماكِ ما
هو كان سايبك مع اهلك
تريد أن تتنفس تريد أن تبكى تريد أن تصرخ بأعلى صوتها
حتى تنقطع احبالها الصوتية، لكنه اجابتها بعكس ما بداخلها قائلة:
-لما تكلمى عن امى اتكلمى باحترام
واتفضلى لو خلصتى كلامك انا عايزة انام
الغضب حين يتملك من النفس يعميها، يجعلها معصوبة
العينين، فلم تر أو تسمع لصوت العقل والضمير، نهضت واقفةصرخت بها:
-انتِ اتجننتى بتطردينى من بيت ابن اختى اللى بسببك
معرفتش افرح بيه ولا احضر فرحه، بتطردينى وشايفة
نفسك على أيه؟ مستغربة أنى رفضت ليه ما أمك وانتِ
عارفها، احمدى ربنا على هاجد وبلاش افترى وتتبطرى
على نعمة ربنا، راعى الست اللى اعتبرتك بنتها، واللى
انتِ هتكونى سبب فى موتها بحزنها على ابنها
امتزج صوت صرخها مع صوت نحيبها، امتزجت اهاتها
المكدومة مع دموعها الفائضة
فى الأسفل سقط قلب هاجد من صوت صراخها، اسرع
يركض على الدرج إلى شقته ووالدته تلحقه، توسعت
عين هاجد بصدمة هو يرى انهيار هاجر وخالته تقف
فى الزواية تشعر بالذعر والندم، ظلت سوسن ترمق
هاجر التى تتألم بحسرة ووجع ثم اقتربت من اختها
وهى تصرخ بها:
-أيه اللى جابك هنا يا ماجدة؟ ايه اللى طلعك عند هاجر
قبل أن ترد عليها كانت سوسن تسحبها خلفها لتهبط
بها إلى شقتها، بينما كان هاجد يقف كتمثال صخرى
أما هى كانت تصرخ من اعماقها تود أن تكسر المنزل فوق رؤوسهم جميعًا، لكنها تشعر انها مربوطة مقيدة لا تستطيع فعل شئ، ضاقت عليها الدنيا، ضاقت من كل صوب، يالله
ضاقت عليها، ضاقت بشدة لقد خذلها زوجها واهلها
اختنقت من عبراتها وهى تحدق به بضياع اقترب
مسرعًا يضمها، فأخذت تضربه فى صدره بقوة وهى تصرخ
اغمض عيناه بألم وقهر وتركها تخرج كل ما بداخلها
-أهدى يا هاجر والله ماكنتش اعرف
اهدى عشان خاطري
-انتوا عملتوا فيا كدا ليه أنا مأذتش حد فيكم
أنا بكرهك وبكره اليوم اللى وفقت فيه عليك يارتنى
كنت موت
جذبها بعنف إلى صدره وهو يهمس بأنين معذب:
-بعد الشر عليكِ يا هاجر بعد الشر أنتِ حياتى ياهاجر
بضعف استندت برأسها على صدره ودموعها تسيل
دون مقاومة، قلبها يختنق بتلك الغصة التى ترافقها
من سنين، صارت حياتها سلسلة من الوجع والألم
والفقد، همست قبل أن تفقد وعيها بضعف:
-مش مسامحك ياهاجد
كلماتها مست روحه من داخل، تصريحها بعد السماح
وكرهها منه ونفورها، مزقته تمزيقًا
*****
ارتدت تارا تنورة قصيرة مع قميص ابيض وسترته جلدية
ووضعت القليل من مستحضرات التجميل ثم هبطت
للأسفل تبحث عنه بعيناها، حتى وجدته يجلس بمفرده
على الطاولة يدخن سيجارته، فمضت نحوه ثم جلست
دون استئذان رمقها بطرف عيناه فالتو ثغرها ثم همست
-صباح الخير طيب
-خير؟
حدجته بنظرات لائمة وهى تقول:
-هو انت ليه بتعاملنى بطريقة ديه؟
ليه طريقتك معايا صعبة كدا؟
امتعضت ملامحه ثم اجابها بحنق:
-وانتِ ليه مصممة تحتكى بيا لو سمحتى لو مش حابة
اضيقك بطريقتى ابعدى عنى وبلاش حتى صباح الخير
شعرت بصفعه قوية على وجهها لتهدر بقهر وغضب:
-أنا مستغربة طريقتك العدائية ديه معايا طب انقذتنى
امبارح ليه؟ وليه اصلًا بتعاملنى كدا
نهض واقفًا ثم سحب نفسًا عميقًا من سيجارته وهو يتظر
لعينيها ثم مرر بصره على ثيابها التى تريديها قائلًا:
-عشان مش بحب الرخص
نهضت بعينين ثائرتين غضبًا لكنه فجأها بتصرفه، القى
سيجارته سريعًا ودعسها ثم تهللت اساريره ليبتسم
كطفل ضايع وجد والدته وسار بخطوات واسعة بعيدًا
عنها، وقفت ترمقه بتفحص هو وتلك الفتاة
على الجانب الأخر
-صباح الخير يا كيان
ابتسمت كيان بهدوء:
-صباح الخير ياتامر
-انتِ كويسة انهارده
اسبلت اهدابها وهى تقول:
-بحاول اكون احسن، انت عامل ايه مرتاح مع الشباب
قطع لحظاتهما وصول طاهر وكرم وساهر، فوضع كرم
يده على كتف تامر يجذبه بخشونة:
-طبعًا مرتاح معانا مش كدا يا تيمو
حك طاهر ذقنه وهو يقول بخبث:
-طبعًا مرتاح دا ملاك فى وسطنا لدرجة كنا عايزين
نعلموا الشقاوة نمسكوا مطوة وهو ابدًا من البيت
للجامع ومن الجامع للبيت
لكزه ساهر وهو يقول بمكر:
-إلا فين سبحتك يا شيخ تامر
رمقهم تامر بشراسة وقد تحولت ملامحه فطالعته
كيان بريبة وهى تقول:
تامر انت بتتحول كدا ليه؟
طالعهم تامر بغيظ ثم ابتسم قائلًا:
-مفيش حاجة دا هزار شباب، هو احنا مش هنتغدى
قهقة كرم وهو يقول:
-طب يلا نتغدى عشان عايزكم فى موضوع مهم
تقدم الجميع نحو الطاولة أما هى جذبت تامر من معصمه
وهمست بجوار اذنه:
-تامر انت معاك المطواة صح؟!
-كيان
احمر وجهها من فرط انفعال وهى تقول:
-ليه طيب هنا وفى المؤتمر والكل بيتفتش، اتفضل
نتغدا وبعدين هتصرف
غافل على من يقف يراقبها من بعيد، سيجن ويفقد عقله
يحترق ويتجمد، يكون كل شئ قاسي ومؤلم، غيرته عليها
تعذبه بل هى فى حد ذاتها تعذبه، ماذا يفعل لتتمتثل لأوامره دون عناد رؤيتها مع كل هؤلاء الشباب تحرقه
وبالاخص تامر، لكنه سيحاول أن يتحكم بغضبه حتى لا يخرب اتفاقهما الجديد اقتربت تارا منه هامسة:
-صباح الخير
ابتسامة باهتة ونظره مثبت على كيان:
صباح الخير ياتارا عامله ايه؟!
-الحمدلله، هى مين ديه وليه مسكت تامر كدا
اجابها بنيرة قاسية دون أن يفكر بحجم كلامه:
-دية مراتى، والزفت دا صديق طفولتها المنيلة على دماغه وبتمنى اصحى
من النوم وما شوفش خلقته تانى يخفى من الموجود
شعرت بقلبها ينقبض من كلماته، لماذا هذا الألم؟
هو منذ قليلة وصفها بالرخص، كرامتها تؤلمها لكنها
حدثته:
-حيث انها مراتك يلا بينا نفطر معاهم
بعد دقائق سحب كنان مقعدًا لتارا ثم لنفسه وجلس معهم
وهو يقول:
-لو مش هيضايقكم هنفطر معاكم
رفعت رأسها ببطء لترى كنان ثم اخفضت رأسها سريعًا
وارتفع صخب الموسيقى فى قلبها وهى تراه مثبت
نظره عليها، دقات قلبها فقدت السيطرة عليها
قطع كرم تواصل نظراتهم وهو يقول:
-جماعة أنا قررت اطلب ايد كارما انهارده
ابتسمت كيان بسعادة قائلة:
-بجد دا خبر حلو اوى أنا فرحتلك
ابتسم كرم وهو يرمق كنان قائلًا:
-عقبالك
همست بتوتر حاد وهى تنظر إليهم بخجل:
-ماشى
قهقة كنان فخجلها يهيبها جمالا من نوع خاص، فرؤيتها
هكذا بعثرت كيانه فيود لو يخطفها الآن ويسحق عظامها
بين ذراعيه ليعبر عن جنون افكاره التى تتسيطر عليه
من خلالها وحدها، اراد أن ترفع عيناها ليرى جمال العقيق
الأسود خاصتها
-فين بيسان يا تارا وسافرت ليه؟!
كان هذا سؤال طاهر فارتسمت تارا ابتسامة شاحبة:
-معرفش سافرت ليه ممكن شغل أنا معرفش أنا كنت
نايمة بليل
كانت تتهرب بنظراتها من الجميع، حاولت جاهدة أن تتحكم
فى رجفتها ثم نهضت واقفة وهى تقول:
-هطلع اريح شوية
إنذهل تامر بقدر ما اشمئزازه منها انها تكذب بمهارة
****
فى المشفى فى قسم الطوارئ كانت حالتها مزرية
لم تستطيع التقاط انفاسها، تحول لونها الابيض
للازرق كان علاجها الوحيد جلسات الأكسجين كل
بضع ساعات بسبب ضيق نفسها، وقد استقرت حالتها جزئيًا لكنها لا زالت نائمة جلس هاجد بجوارها على الفراش يضمها إلى صدره، حاله لم يكن افضل من حالها
كاد قلبه أن يتوقف وهى كالاموات بين يديه
-قلبى يا هاجر الرحمة حرام اللى بتعمليه فيا
قلبك ازاى متحمل البعد عنى كل دا، أنا اهون
عليا الموت ولا أنى اشوفك كدا، كنت اعمى
يا هاجر حبك عمى على قلبى ساعتها بس أنا
بموت ياهاجر من طريقتك قولتلك انك نقطة
ضعفى وبتدوسى عليا ياهاجر، محتاج اضمك
ياهاجر ليا بعدك عنى معذبنى
صادقًا بكل كلمة يحتاجها يحتاج قربها؛ أن يمرمغ انفه
فى جيدها يحتاج أن يشعر بها تئن من قوة العناق
ظل ينظر لها، وتعب يملأ عينيه كأنه يتوسلها
الغفران، لكنه يخشى ان تفتح عينيها ويرى نظرات الكره
والحقد ثانية، لو تدرى ما الذى تفعله به هذه
النظرات، مد يده يتلمس اسفل بطنها فهذه المرة
الاولى التى يقترب منها منذ خسارة حملها، يحرك انامله
بلطف وهو يبكى بحرقة موجوعًا مقهورًا هامسًا بتعب
وهو يتطلع إليها بزيتونة عيناه منصهر عشقًا:
-أنا موجوع اوى يا هاجر
كنت نفسى فى بيبى منك اوى
رمشت باهدابها وهى تفوق من غفوتها مرضية:
-حمدلله على سلامه خضتينى عليكِ
انتفضت بعيد عنه وهى ترمقه بانفعال:
-ابعدى عنى.. متقربش منى فاهمة
ثم تابعت:
-انا عايزة اروح حالا ومش هروح بيتك تانى
******
كانت كارما تجلس برفقة ضياء يتناولا الغداء معًا
وكل منهما شارد فى ملكوته حتى جاء كرم وطاهر فامتعضت ملامح ضياء وهو يقول:
-نعم واقفين كدا ليه؟!
ابتلع كرم وهو يقول:
-كل خير بصراحة أنا كنت جاى طالب ايد الانسة كارما
لم يرفع رأسه من صحنه ثم اجابه:
-كارما مدام مش انسة ومش هتتجوز ولما تتجوز اكيد
مش انت اتفضل خد اخوك وامشى من هنا
اغمضت كارما عيناها محاولة أن تتغاضى عن كلمة اخيها
التى شقت قلبها نصفين، غمر قلب كرم احساس بشفقة
عليها من كلمات اخيها فحدثه طاهر بجدية:
-طب ليه لأ، أحنا مش هتلاقى انسب من كارما لكرم
ونسبك انت شخصيًا شرف لينا
رفع ضياء بصره إلى طاهر وكل ما يسيطر عليه أنه هو
السبب فى بعده عن بيلا فاجابه بغل:
-وأنا مايشرفنيش
ضرب طاهر الطاولة بيده وهو يقول بعصبية:
-لأ بقى دية مش طريقه
فى لمح البصر كان ضياء يلكمه فى صدغه بعنف فسقط
طاهر فتوحشت عين كرم فمد يده يعاون اخيه
كان كنان على الجانب الآخر يراقب الموقف فهتف مسرعًا
-ساهر اتدخل بسرعة ومتخليش كرم يقرب من ضياء
عشان الدنيا متخربش اكتر
ركض ساهر لفض الاشتباك بينهم هامسًا فى اذن كرم
فرفع كرم بصره لكنان فهز رأسه بأسف، وقف طاهر
امام ضياء وهو يميل على اذنه بكلمات بهدوء:
-انت وأنا جربنا النار ليه نكوى بيها غيرنا أنا مسامح
فى حقى دلوقتى بس متوجعش قلبه وتكويه بنار الفراق
****
وقف بجوارها فى المصعد كان يبتسم وهو يرى توترها
وبالفعل قد ضغط على زر المصعد فتوترت وهى ترمقه
-كنان أيه اللى حصل
-مش عارف شكلنا هنموت هنا
-طب لو سمحت خليك بعيد
ضيق كنان عيناه وهو يسألها:
-هو انا جيت جنبك ولا هو تلكيك عشان اقرب
وانا بتلكك من غير حاجة
اغمضت عيناها هى تضغط على شفتاها على فكرة انا مش
مراتك وميصحش كدا يا دكتور
هز رأسه بيأس مأخوذ بجمال هيئتها الطفولية والبراءة
السائلة من عينيها
-ابعت اجيب المأذون هنا وحالًا
فتحت عيناها وهى تزجره بغضب قائلة:
-وبعدين معاك يلا شوف حل فى زفت دا
لأن كدا اسمه تحرش
-اقسم بالله افترى أنا فعلا كدا زى المتحرشين طب
ما تحنى واردك لعصمتى واهو يبقى تحرش بالحلال
على سنة لله ورسوله
-انت بقيت وقح اوى
قهقة وهو يحرك يده على صدره قائلًا:
-طب واللى خلق الخلق أنا وقح طول عمرى بس مش
واخد فرصتى
****
بعد مرور اسبوع
نأت بنفسها عن الجميع الايام الماضية، تقضى يومها فى
المشفى والعيادة فقط، حتى أنها لم تجيب على
اتصالات طاهر المستمر
ارجعت رأسها للوراء بارهاق وهى تتذكر موقفها هى
واختها، هل كانت انانية ومسها حب الذات
اما هى التى عاناة النبذ والتجاهل
كانت ترتجف من الداخل ومن الخارج روحها تهتز
وتشقق، صمت مطبق فى الغرفة قبل أن يقطعه
طاهر بملامح منفعله، اول شئ فعله فور وصله
من شرم الشيخ المجئ إليها، انتفضت هى أما
قلبها كان يفرفر بين ضلوعه عند رؤيته وهمست اسمه باشتياق
ولوعة دون أن تشعر:
-طاهر
اجابها بعصبية وهو يضرب سطح المكتب:
-طاهر وزفت، هو فى ايه مش بتردى ونزلتى من
غير ما تقولى، ممكن اعرف سبب واحد يخليك تعملى
كدا، اقل مافيها تطمنينى انك بخير دا حتى لو أنا زعلتك
او اى حد لكن ازاى تنزلى كدا
اجابته بضعف:
-كانت نفسيتى وحشه يا طاهر وكنت لازم ابعد
ابتسم بسخرية وهو يقول:
-وبدر بقى هو اللى بيظبط نفسيتك ويروقك عليكِ صح
نهضت واقفة تقف امامه تحدثه بحدة:
-طاهر ألزم حدودك واعرف انت بتكلم ازاى أنا مش
عيلة صغيرة
ولج بدر ثم قطب حاجبيه وهو يرى حرب النظرات
المشتعلة فتحمحم فانتبهت له بيسان بتوتر فهى نست وجوده معاها:
-بدر
اما طاهر ظل كما هو يرمقها بشراسة وما أن وقعت عيناه
على بدر توسعت عيناه بذهول ونفرت عروقه
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والخمسون
شعرت بالإختناق وهى واقفة فى المنتصف بينهما، فهذا
موقف غريب عليها؛ أول مرة بحياتها تشعر أنها مطالبة
بتبرير موقفها، تشعر بالبرودة تتوغل كيانها، وجيب
قلبها يهشم صدرها من قوة خفقانه، بينما طاهر مثبت
نظره عليها، حاولت اخراج كلماتها بصوت ثابت محاولة
موارية توترها:
-دكتور بدر أخد الاوضة اللى جنبى وفتحها عيادة ليه
هنا
عقد حاجبيه من كلماتها التى باغتته بها فهو على حد
علمه أنها تسكن في هذه الشقة، اظهر عدم الفهم لما
تشدقت به، وقال بتريث وهو ناظر بداخل عيناها:
-هنا فين؟!
معاكِ ازاى؟! هو انتِ ناسية أنك بتنامى هنا ازاى بدر
يفتح عيادة هنا
توترت اكثر من طريقته إضافة إلى نظره بداخل عيناها
زلزل كيانها مما جعلها تشيح عيناها عنه وألتفتت بجسدها
نصف ألتفاتة، لتقابل بدر قائلة:
-لا مش ناسية بس أنا بطلت انام هنا لأن بابى ومامى
رجعوا من اسبوع وأنا روحت اعيش معاهم
ابتسم بدر قائلًا:
-يا عم تيتو خليك محضر خير دا انا ما صدقت ألاقى مكان وافتح عيادة ومش هلاقى احلى من كدا مكان وكفاية انه مع بيسان
تهدج صدره بانفاس غاضبة ثم ابتسم لها بسخرية
قائلًا:
-طبعًا هتلاقى احلى من كدا فين وتاخد راحتك
غصة مريرة تكونت فى حلقها فور إستماعها لرده
لكنها تحاملت على نفسها ووقفت جامدة، ليشعر
بقليل من الذنب حيالها فابتسم باقتضاب قائلًا:
-مبروك عليكم، أنا كنت جاى اطمن عليكِ بس واضح
انك بخير
انصرف دون أن ينتظر رد فعقد بدر حاجبيه متسائلًا:
-ماله؟!
-مالوش بس عشان نزلت من غير ما يعرف، المهم أنا خلصت وهاروح
****
جالسه فى المقعد الملحق بالحديقة تنظر للفراغ بعينين ساهمتين زائغتين يندلع منهما ذلك الحزن الذى استوطن قلبها، فمن يراها الآن لن يصدق أنها هى بيلا ذو الملامح النضرة المفعمة بالحياة، تلك اللمعة التى اتسمت بزمردتيها اختفت وتبدلت بسحابة من دموع تتلألأ بين حين وأخر، سحبت نفسًا عميقًا من النسمات الصباحية الباردة، فخلفت ارتعاشة فى جسدها خلاف ارتعاشة بكائها التى تتحامل على نفسها كى لا تنخرط بها، فجأة تجمد جسده حين
وصل صوته الحانى إليها
-وحشتينى يا بيلا
توسعت عيناها واغمضت عيناها وهى تضع يدها على صدرها طبول افريقية بداخلها يالله كم اشتاقت لصوتن استدارت هامسة:
-ضياء، أيه اللى جابك
انهت جملتها وهى تتحامل على الطاولة كى تنهض
كانت هيئتها حابسة للأنفاس فالحمل زادها جمالًا
حتى انه لم يتخيل أن تكون بكل هذه الفتنة وجسدها
المرسوم داخل ذلك الثوب الذى يرسم منحنياتها
وبطنها البارزة بطريقة تخبل العقول على عكس
ملامح وجهها الحزين الشاحب:
-ما أنا بقولك وحشتينى؟!
ضايع من غيرك يا بيلا موجوع وبوجع كل اللى حواليا
اكتر حاجة حلمت بيها بقت بعيدة عنى بُعد السما
عن الأرض، مش عارف ارجع عشان انتِ بعيدة
انسابت دموعها الساخنة على وجنتها وحده ضياء
الذى دخل حياتها كنسمة باردة فى ليالى الصيف
لكنه خرج منها كرياح هوجاء بعد أن فتح جرحها
على مصراعيه ولم يعالجها، تألمها فاق حدود العقل
والإدارك، فهمست:
-ليه مصر أنك توجعنا يا ضياء رجوع مش هينفع نرجع
فاكر كل ليلة كنت بنام على صدرك فيها واقولك أنا عانيت
إزاى من الموضوع دا فى حياتى، انت الحد الوحيد اللى
يعتبر عريت جرحى قدامك دا حتى اهلى عمرى ما اتكلمت
كدا معاهم، أنا مش هاقدر انسى ولو رجعت هتفضل حاجة
بينا هتقف العمر كله، حقيقى أنا موجوعة زيك واكتر
بس صعب
يتقيأ شعوره بالذنب، يفرغ روحه من الوجع دموعه لم
تتوقف كأنها كانت حبيسة خلف سد منيع وانهار ولم
يقدر على كبحها، لن يغفر لنفسه
-أنا محتاجك يا بيلا، محتاجك تعبان اوى
أنا حقيقى ماكنتش فى وعى ومازالت مش فى وعى
ومن ساعة الصدمة مش فى وعى، ازاى مش حاسة بيا
خلينا نرجع وأنا متأكد انك وانتِ معايا هتنسى وابننا
معانا هننسى
تود أن تضمه، أن تهرول إليه تربت على ظهره كى يهدأ
انظارها مثبتة عليه ودموعها لاتتوقف عن الهطول
ماذا يفعل بها؟ لماذا يعذبها؟ تود أن تسامحه لكنها
عاجزة عن ذلك، فهو زرع شوكًا فى طريقهما
ليته يعرف كيف تعذبها حالته هكذا، هى ناصفته
كل اوجاعها، وتريد أن تناصفه اوجاعه لكنها مكبلة
مسحت دموعها بظهر يدها واستجمعت بقايا صوتها
الضائع قائلة:
-ضياء متعملش فيا كدا متعذبنيش اكتر لو سمحت
أنت تقدر تتجاوز، بس الرجوع صعب، يمكن فى المستقبل
يكون بينا علاقة كويسة عشان ابننا بس دلوقتى
-كرهتينى؟!
قاطعها بتساؤل ضربها من الداخل كالزلزال:
-أنا تعبانة ومحتاجة ارتاح، ولو سمحت خلينا ننهى
الموضوع دا ونطلق فى المحكمة
لا يمكن لأرواحنا أن تنسى وجع جراحها الذى تعرت به
دون سابق إنذار
رحلت وتركته خلفها فشعر بيد تربت على ظهره فاستدار
ليجد هاشم يبتسم قائلا :
-مقالتش بتكرهك يعنى لسه فى أمل ومقدرتش تنطقها
تانى يلا أنا حاسس الموضوع مسألة وقت ودا يرجع
لشطارتك
يشعر وكأن الكون كله ادار ظهره له فجأة، ولم يجد
من يسانده فارتمى فى حضن هاشم:
-بنتك قلبها قاسى اوى، أنا غلطت وتوبت وهى مش
عايزة تسامح
كان يغرق فى عناقه كطفل صغير يغرق فى عناق امه
تنهد هاشم فهو يعلم حمله الثقيل المؤلم، لكنه سعيد
انه يقاصصه اوجاعه فربت على كتفه:
-عيط عشان تعرف تفوق وتركز فى حياتك
اللى متأكد أن قريب اوى هتبقى احسن
****
كنان يا حبيبى تعالى ادخل
تلك الجملة قالتها هويدا بينما هو كان ينظر اسفل قدمه
مدت يدها تجذبه للداخل:
-ليه يا حبيبى الوقفة دي، دا بيتك
-انا استنيت ضياء يخرج عشان ادخل انتِ وحشتينى
وحابب اتكلم معاكِ
يمكنها أن تشعر من نبرة صوته ونظراته مدى حزنه فأجابته::
-ضياء ايه اللى تستناه يخرج عشان تدخل
انت تيجى فى أى وقت يا كنان
-قبل أى شئ انا حابب تعرفى انى ماكنتش اعرف حاجة
عن
-اوعى تكمل دا انت أبنى وتربية ايدى، نهلة مربتش
قدى يا كنان أنا واثقة فيك زى ضياء
لا نبكى إلا على هؤلاء الذين انتزعوا منا رغمًا عنا، تهرب
بنظراته ليسألها:
-أومال هو ليه مش عايز يصدق
-هو اخوك وموجوع والعالم بيه ربنا الضربة كانت تقيلة
انا عارفة انها نفس الضربة، بس واحد يميل والتانى يسند
وبكرة ربنا قادر يجمعكم تانى على الخير
ابتسم وهو ينظر لها، ثم اخذ نفسًا عميقًا:
-على سيرة الجمع على خير، فى عريس اتقدم لكارما وضياء رفضه للأسف، لأنه اخو طاهر
قطبت حاجبيها وهى ترتب افكارها:
-محدش قالى حاجة من ساعة ما رجعوا كل واحد
فى حالة، انت تقصد كرم صح
هز رأسه فابتسمت وهى تتابع:
-بجد من يوم ما كارما حكت ليا وانا حاسة انه عينه من
بنتى، وانت ايه رأيك
توسعت ابتسامة كنان قائلًا:
-انا كنت جاى اتكلم معاكِ وزعلان ان كارما خبت عليكِ
تانى بس كدا ارتحت، رأى انه بيحبها وكارما كمان بس
لسه مش مترجمة مشاعرها بس كونها تتقبل تصرفاته
دي حاجة حلوة، بس ابنك ضرب اخوه ورفض هناك
أنا متأكد من حبه ليها هو فرق السن بس، لكن مش
كبير
- فرق ايه؟ دا شكله اصغر منكم، والله يا ضياء عال
بتقرر من نفسك، المهم تتغدا معايا ومسمعش
كلمة هيلثى بتاعتك دية
حك مؤخرة رأسه وهو يقول:
-ما خلاص بقى الهليثى فى ذمة الله ومراتى علمتنى
أكل كل حاجة
رمقته بطرف عينيهاثم حدثته بخبث:
-مراتك!!
هى مش طليقتك بقيت، آه منك انت والموكوس التانى
قال مقطعين السمكة وديلها وكل واحد اتجوز كام شهر
وطلق وقاعدين تلفوا حوالين نفسكوا ، دا انتوا طلعتوا
الصيت ولا الغنى
-ايه الإحراج دا ما بالراحة شوية يا دودو
ربتت على كتفه قائلة:
-قوم اقلع الجاكت وتعالى ساعدنى بقى نحضر الغدا
-ما بلاش عشان لو ضياء جه
التو ثغره بتهكم قائلة:
-هبقى اخبيك فى درج المعالق انجز يا واد ضياء ايه
اللى هنخاف منه
****
يقطع الغرفة ذهابًا وايابًا يزمجر فى ضيق، كان غاضبًا
وفى أوج اشتعاله، خذلته تخلت عنه، حتى اتصاله لا
تجيب عليه، هل هذه النهاية، أحقًا ستتخلى عنه،
ماذا سيفعل فهو ادمنها فى الأيام السابقة، ادمن زقزقتها
صمتها الشهى وعيناها المليئة بالاحاديث، روحها المرحة
التى تختبأ خلف حزنها، حتى انه اصبح يعتبرها صغيرته
وعليه الاعتناء بها، نفذت إلى دواخله، إفلاتها صار صعب
اشعل سيجارته الاخير ثم كور العلبة وألقها بطول يده
ولج طاهر إلى مكتبه وجد اخيه مشتعل فرمق تامر
الذى يستند على المكتب بقلة حيلة، هو ايضًا يشعر
بالإختناق وبالإشتعال لكن لا يعلم السبب فزفر وهو
يقترب من اخيه:
-ايه يا كرم فى ايه بس
-فى ايه بقالى اسبوع مش عارف اشوفها او اكلمها
مش بترد ومش عارف دا معناه ايه، اوصلها احساسى
ازاى
اجابه تامر بتلقائية:
-وصلوا دليفرى
توحشت عين كرم وطاهر فاقترب منه طاهر يسأله:
-انت بتقول ايه
ابتلع تامر وهو يقول:
-ايه شباب فى ايه وحدوا لله فى قلبكم أنا قصدى
يعنى يكون فى وسيط بينكم لأن اخوها اكيد مضيق
عليها
فرك كرم وجهه وهو يقول:
-الشئ دا كل ما بيتكلم بيعصبنى بس بيتكلم صح
طاهر كلم بيسان
اغمض عيناه محاولا تجاهل ما سار ليقول:
-ابقى كلمها انت الهانم مش بترد عليا مش فاضية بدر
واخد كل وقتها
التو ثغر تامر وهو يقول:
-دا انتوا عايزين اسامة منير وأنا الجو دا ماليش
تقل عليه اروح اشوف شغلى
رمقه طاهر بنظرات تحذيرية ثم حدث اخيه:
-كرم خلينا نمشى واحدة واحدة هنقول لأمك
وبعدين نروح البيت نطلبها وفى رأيها ورأى امها
وانا متفائل صدقنى ومعاك فى أى حاجة
*****
عادا إلى منزلهما ليجدوا نجاة على الاريكة تشاهد إحدى
المسلسلات فرفعت عيناها ترمقهما لترى الحزن يرتسم
على وجههما فسألتهما:
-مالك يا واد انت وهو قالبين خلقتكم ليه مات ليكم
ميت
التو ثغر طاهر ثم أجابها:
-بصراحة كدا ابنك بيحب وعايز يتجوز
-بركة بركة طب ما دا يوم المنى قالبين خلقتكم ليه
يا فقر منك ليه ايه شيلين هم الشبكة
تبادلا النظرات ثم حدثها كرم:
-بصى ياامى البنت ديه كانت متجوزة ومش مستعد اخسرها نهائى انا بحبها
رمقته باستنكار قائلة:
-حبيت امته يا منيل على عينيك
ولما انت مدهول كدا مش بتكلم ليه نطلبها من اهلها
-امى انت سمعتينى ولا لا بقولك مطلقة
اشارت له بالجلوس بجانبها وهتفت:
-عرفت وسمعت هو انا طرشة
ياولا ومالها المطلقة
يعنى دا النبى صل الله عليه وسلم اتجوز مطلقة
طالما بنت ناس وكويسة وانا متأكدة انك هتختار
اللى تصونك
مضى طاهر نحوها يقبل جبينها قائلًا:
-الله بقى يا نوجا هو دا الكلام الله
-ابعد عنى يازفت لحد ما تلاقى واحدة تتجوزها
فين المشكلة لقلبة البوز بقى
-اخوها مش موافق عليا
اجابها كرم بأسف، فشهقت مستنكرة:
-نعااام، ليه بنت مين فى البلد عشان يرفضك
دا انت زينة الشباب والف مين يتمناك انطق ياواد
رتبة اللى خلفوها ايه عشان يرفضوك
قهقه طاهر رغمًا عنه قائلًا:
-اهدى يا نوجا، الجدع خايف على اخته مش اكتر
بعد الجوازة الاولى
جحظت عيناها وهى ترمق طاهر قائلة:
-هشش، اتلهى على خييتك انت ولاد الناس بيبانوا
دا كفاية سماحة وشه، حددوا ميعاد مع الناس دية
والباقى على الله ثم عليا
وضع كرم رأسه على قدم والدته فابتسمت وهى تربت
على خصلات شعره ثم حدثته بثقة لتطمئنه:
-على كدا هتسكن هنا فى البيت ولا هتأخد شقة بره
مراتك يا ولا اسمها ايه
التو ثغر طاهر بتهكم قائلًا:
-مراته!! ربع الثقة اللى عندك وانتِ بتقولى مراتك
-أم وابنها العريس انت مالك اخفا من وشى عشان
مش نازل من زورى وانت سنجل كدا
لا يعلم لماذا صورتها قفزت امامه الآن
كثير ما نطلق وعود دون قصد عبر التصرفات الصامتة
والكثير من الافعال التى نفعلها تحت حب مكبوت بين
الضلوع
******
تنهدت بألم كيف فعلت ذلك فى نفسها، ما الذى سيطفئ
لهيب الشوق بين ضلوعها الآن ليس لديها أحد تبوح
له بما يرهق قلبها، غبية فهى كانت تعلم منذ البداية
انها ستخسره فهو قلبه مع غيرها كتمت شهقة محملة
بالوجع تزامنًا مع دخول اختها، سريعًا مدت يدها تمسح
عبراتها، فابتسمت تارا بتهكم:
-ملكة الجليد بتعيط لأ لأ ايه دا
تجاهلتها بيسان ولم تجيبها فتابعت تارا:
-هربتى، ليه لما ضربتينى، وكمان عايشة دور التقيلة
ومش بتردى على طاهر
رمقت نفسها فى المرآة باعجاب قائلة:
-الواد كان بيحب قبل كدا، حتى لو فكر فى واحدة
تنسيه حبه وتبقى زى مسكن مش هتبقى انتِ
عشان دور الشويش اللى انتِ عايشاه، يا شيخة
دا عمرك ما لبستى فستان كأنه هيعضك، فنصيحة
غيرى نفسك وبلاش دور التقيلة
-انت قليلة الادب
-من بعض ما عندكم
*****
فى المساء
اللعنة عليهم جميعاً، ألا تكفيه مشاكله مع هاجر لتعرقل
حياتهما حتى تأتى خالته، لكنه اخذ لها حقها، لو تسمعه فقط، وقفت كيان امامه بينما
هو كان مطرقًا رأسه هامسًا:
-لو سمحتِ أنا بس محتاج اطمن عليها
هزت كيان رأسها وقامت بالاتصال بها اتاه صوتها بعد
قليل تنفس هو وشعر أن الحياة دبت فى عروقه من جديد
كان كظمأن إليها، عيناها التى طالما تاه فيهما
-كيان
-هاجر أنا تحت وحابة اقعد معاكِ
-تعالى انا موجودة
كبل الوجع والقهر لسانه، فهز رأسه فى صمت أما هى تجاوزته للأعلى
بعد عدة دقائق، ابتسمت بمرارة وهى تنظر لكيان
- يعنى كنت هاروح فين؟
الشقة هناك استحالة، وانتِ كنتِ مسافرة، مجاش فى
بالى غير مرات خالى اروح واقعد عندها، لكنه اتجنن
فى المستشفى وفرج الدنيا علينا ورجعنى هنا،
ولقيته بليل مطلع عقد الشقة باسمى وقالى
أن رجله مش هتعتب هنا طالما وجوده مضايقنى،
وبقالوا اسبوع معرفش فينه
-معلش يا هاجر بس هو بيحبك وكان صعب أنك
تروحى هناك وانتِ فاهمة، بعدين ممكن متزعليش
منى هو انتِ ليه محملة هاجد الليلة كلها يا هاجر
هو ماله بجواز والدك هو خبى عليكِ، الغلط دا كله راجع ليه هو وهو صحيح غلط ودا من حبه حسبها
غلط بس فى حاجات كتير يا هاجر تثبت حسن نواياه
طول فترة جوازك ماأذكيش حتى بكلمة، وكان مهتم
بكل تفصيلة يا هاجر
-ما هو عشان كدا يا كيان دا هاجد اللى فى يوم ليلة
بقيت بعشقه، حتى امه كانت احن عليا من امى
ليه يعملوا كدا الأول ماشى لكن بعدين ليه مجاش
وقالى كانوا بيخافوا هما كمان منى، أنا بقيت اكره
ابص لنفسى فى المرايا يا كيان حاسة انى مؤذية
ومعرفش ليه؟
يا للمرارة التى كانت تحملها كلماتها، والأسى الذى
غرقت فيه نظراتها فهمست كيان:
-فاكرة يا هاجر اللى حكيتوا على زهير ليكِ وأمنتك
انه محدش يعرف، كنت ممكن تقولى لكنان وتنقذى
جوازنا، او ساهر او خالك حد يقف معايا بس انت
احترمتى كلامى اعذرى دا بيحبك بجد وعلى فكرة
بقى هو اللى جابنى على هنا، أنا فتانة وقولت اقولك
ابتسمت بتهكم قلبها كان ممتلئ على اخره
بأحلام الطفولة، اعتنى
بها رغمًا عنها اعادها طفلة ثانية، ما كانت تفكر مرتين وهى
تلقى باثقالها على كتفه وكان يستقبل موجات غضبها
وفر لها العائلة التى تتوق لها لكنه، لكنه فى لحظة تحولت
حياتها لجحيم:
-تعالى معايا يا هاجر، كمان لازم تنزلى شغلك تانى
صدقينى هيفرق
قبل أن تكمل جملتها طرق الباب فتوجهت كيان لتجده
والد هاجر فابتلعت بتوتر ثم حدثته:
-اتفضل
-شكرا يا بنتى بس كنت حابب اتكلم مع هاجر لوحدى
هزت رأسها باحراج ثم تقدمت نحو هاجر:
-هاجر أنا همشى وهاجيلك بكرة الصبح
*****
-الدكتور فاكرنى هبلة ومش فاهمة الدور
تلك الكلمات قالتها شاهندة وهى تحدث احدى العاملين معاها، ثم تابعت:
-زى الشاطر تجبلى كل المعلومات عن اخوها
***
فى الصحراء في الخلاء يقف كنان أمام احدى المخازن
المهجورة يدس يده فى جيب بنطاله يحدث الذى يقف
بجواره بحدة:
-متفتكرش عشان وصلت لأمى وهى وصلتنى ليك
واعترفت بغلطك يبقى هسامحك
تنهد تامر قائلًا:
-أنا اعترفت عشان اريح ضميرى وعشانها هى مش عشان تسامحنى
-مالكش دعوة بيها هى أنا لحد دلوقتى لما بشوفك معاها
بنسى اى كلمة قولتها وافتكر عمايلك السودة
انهى كنان جملته وهو يتجه للداخل بينما كان تامر يلحق
به قائلًا:
-صعب تفهم موقفى بس صدقنى
وقف كنان فجأة يسأله:
-رايح فين؟!
-معاك مش هاسيبك
-الموضوع دا يخصنى لوحدى استنانى فى العربية برا
***"
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والخمسون
جافه النوم وهو يسمع خطرفته طوال الليل، يخطرف بكلمات غير مفهومة لكنها مليئة بشجن دفين فى اعماقه
لم يتحدث معه كصديق من قبل ولم يفعل فهو لم يتقبله
منذ أول لقاء، لكنه يشعر بالشفقة لأجله، طرق على الباب
ولم يجد اجابه، فتح الباب وولج للداخل ليجده فى حالة
انهيار تام لم تتوقف عيناه عن ذرف الدموع، وجسده ينتفض بشكل مريب تلك النهنهات التى تخرج منه كطفل صغير تمزق نياط القلب، اقترب منه وهو لا يعلم رد فعله هامسًا:
-ساهر، مالك فى أيه؟
ازداد فى البكاء اكثر وهو مغمض العينين هامسًا
-تعبان اوى
لم يتوقع استسلامه هكذا، توقع معافرته أن يصرخ فى وجهه لبتعده عنه، لكن أن يفضفض له بين شهقاته ونحيبه
اخر ما توقعه:
-ابويا وحشنى اوى، ابويا هو ابويا رغم كل حاجة هو
ابويا عمره ما قسى عليا، عمره ما زعلنى حتى لما قولتلوا
مش عايز اشتغل فى الدهب عمره ما زعلنى أنا بموت
أمى حالتها واجعه قلبى، واختى ماتت غدر، عارف انها
غلطت بس ياريتها كانت قالتلى والله كنت هحافظ عليه
أنا عارف مين اللى عمل كدا فى اختى ومش عارف
اوصله، أنا مش قادر اتكلم قدام كنان مش حابب
اوجعها او اخسرها بس خلاص مش قادر عايز ابويا
أنا والله كنت هحاسبه لو عاش، بس مش قادر اكمل
كانت كل كلمة يتفوه بها تقطع القلب إلى أشلاء،
اما تامر اغمض عيناه فهو يكره عاصم اكثر من أى شخص لما تسبب به من معاناة لكيان وانكاره لنسبها، اعاد فتح عيناه ثانية وهو يربت على كتفه:
-وحد لله يا ساهر، اكيد ابوك وليك حق تزعل عليه
بس ديه ارادت ربنا، حاول أنك تتجاوز اللى حصل
دا قضاء ربنا، واحمد ربنا عوضك بأخت زى كيان
تبقوا سند لبعض، وافتكر أن حالك احسن من غيرك
رمقه بطرف عيناه وتلك الدموع اللعينة لا تتوقف:
-بيتهيألك، اللى حصل لأختى هيكسرنى طول العمر
ظل تامر معه طوال الليل يواسيه بكلماته، حتى لاحظ
انتظام انفاسه، ليجده قد غفى فنهض منصرف للخارج
واغلق الباب خلفه
****
كان يقف فى الشرفة متشنج الجسد والملامح، لما
حياته بهذا الشكل لما يحدث له كل هذا فى وقت
واحد، إن طاقته كبشر اوشكت على نفاذ، اقترب
كرم يقف بجواره فرمقه بلا مبالاة، ابتسم كرم بخبث
-مالك سهران تعد النجوم
-أيه روقت وجاى تفوق عليا
-طول عمرى رايق يا برنس وانت طول عمرك كئيب
قست نظرات طاهر ثم حدثه:
-طب ما تفك منى ولا عشان امك خدتك على حجرها خلاص
-ياض أنا طول عمرى على حجر وايه الجديد انت بقى مالك؟
تنهد ليتحرر من الاعماق ليسمح لمشاعره أن تحرر هاتفًا:
-بيسان انهارده عصبتنى فوق الوصف
-اشمعنا
وضع يده فى جيب سراوله قائلًا بنبرة جادة :
-وربنا لو انت فايق انا مش مستحمل
-خلاص اتكلم وهسمع وانا ساكت
اعقب جملته صمت لدقائق ثم حدثه هو ينظر امامه:
-انت متخيل اللى بيحصل، العيادة اللى هى عايشة فيها
بدر يشتغل فيها معاها، وقال روحت اعيش عند اهلى
اصلا بعد الكلام اللى حكيتوا على اهلها المفروض
كانت فضلت جوا عيادتها، اهلها دول مش أمان عليها
هز كرم رأسه بضيق زائف:
-طب مش يمكن بردو يا طاهر فى حاجة بينها وبين بدر
يعنى مشروع جواز وانت عارف أن دكاترة بيتجوزوا من
بعض
حدجه طاهر بنظرات ساخرة:
-اي الدكاترة مش بيتجوزوا غير من بعض، بطل جهل
هى تحت اى سبب كانت لازم ترفض اصلا، بعدين
بدر دا ملزق
-طاهر انت غيران
داخله شعور ضارى يحثه أن يدفع عنها بكل قوة وبريرية ولا يعلم سبب ذلك الضيق قلب عيناه من حديث اخيه:
-انت متعرفش حاجة عن المرؤة أنا خايف عليها وعلى
سمعتها زى اختى
-طب حد يكره الخير لاخته هو بدر عريس يترفض
ولا انت اللى بترسم
اجابه بنبرة تحذيرية::
-كرم فكك منى على اخر ليل
ضحك كرم بضحكه ساخرة وهو يقول:
-وليه لأ يعنى وانت تطول
-بيسان مش زينا هى كدا فاكرة نفسها ملتزمة فى كل
حاجة وأنا نص تصرفاتها شايفها غلط
بتر حديثه اتصال من كنان ليجيب:
-ايوة، كنت عايزك فينك، تمام هنزل قابلك
انهى اتصاله موجهًا حديثه لأخيه:
-تعالى معايا هنقابل كنان
-كنان دلوقتى
-ايوة ما هو الدليفرى انجز
****
تشعر بالغربة داخل روحها، الندم يجتاح نفسه هى من
فعلت هذا بنفسها، تتمنى أن يكون ذلك كابوس سئ
تستيقظ منه، ماذا ستفعل الآن فى حياتها حتى اخيها
وضعها داخل سجن مطلقة
ظلت كما هى غارقة فى تفكيرها انياب الوجع مغروسة
فى قلبها لتنزف إلى ما لا نهاية، ضلوعها منقبضة
مشاعر كثيرة تتخبط داخل قفصها الصدرى، ياليتها
لم تكن بهذا الحبن، ياليتها كانت تثور على وضعها
المخزى قبل أن تنطفأ روحها، لكن هذا لا يغير
شئ الآن، لمحت شاشة هاتفها تضئ للمرة التى لا تعرف
عددها وقلبها يخفق بقوة فوضعت يدها على صدرها
هامسة:
-يارب بلاش أنا مش عاوزة اوجعه معايا
******
وقف طاهر يطالع كلا من كرم وكنان باشمئزاز وهما يتبادلا العناق هامسًا:
-صحيح الكيف بيذل
قهقة كنان وهو يقول بمكر:
-بكرة الكيف يذل زينا، بس احنا على الاقل الكيف بتاعنا
سهل انت الله يعينك
قلب طاهر ملامح وجهه من حديثه العابثى قائلًا:
-طب اسمع بقى يا دكتور جو أنك تسلك لكرم وهو يسلكلك دا ما يكلش معايا
جز كرم على اسنانه وهو يرمقه بغيظ:
-جرى ايه يا بير العكننة ما تنهد بقى
-انت مش مكسوف ياض على دمك تسمح تخرس
لم يتحدث كنان كان يرمقه بنظرات متفحصة ثم سأله:
-طب عايز ايه؟
-هتيجى تتطلب ايد كيان منى أنا والبغل دا واخوها وهنشوف رأيها ونرد عليك، حضرتك هنمشى بأصول
ولازم حاجة رسمى
اجابها كنان مسرعًا لدفاع عن نفسه:
-على فكرة ديه كانت مراتى انا مستنى تهدى واردها
خطوبة ايه انت هتكبرها فى دماغها
التو ثغر كرم قائلًا:
-لا بقى خطوبة هى كبرت فى دماغنا بقى
حك كنان ذقنه وهو يرمق كرم:
-وماله خطوبة
ابتلع كرم وهو يقول:
-لأ انا مالى بلاش ادخل بين رجل ومراته وياريت انت كمان يا طاهر متتدخلش
-انت ياض بتفهم مالقتش دليفرى غير كنان واخوها مش بيطيقه
اشار كنان لنفسه بذهول وهو يقول:
-أنا دليفرى؟!
ضغط كرم على شفتاه السفلى وهو يرمق اخيه بغيظ ثم حدثه:
-وايه يعنى دليفرى مش يمكن عند ربنا احسن مننا
صمت الثلاثة ثم انفجروا يضحكوا بصخب تنهد كنان
فهو عاشق ومازال، هى ساكنة بالقلب وسيجاهد بكل
السبل كى يستردها ثانية، لقد منحته الحياة فرصة
ثانية سيستغلها بطريقة الامثل
*****
كان يحتاج أن يتحدث معاها، ليضع النقاط على الحروف، فالخدوش التى خلفها فى ابنته لا تمحى بسهولة
صمت مطبق محاولا أن يختار كلماته المناسب فهمس:
-يا هاجر صدقينى ماكنتش اعرف انها هتجيلك
ابتسمت بسخرية وظلت صامته فتابع:
-زمان كانت لينا محلات دهب جنب محل جدك الله يرحمه، وامك الله يرحمها كانت بنت مفيش منها فى جمالها طبعًا كان محلى ولا حاجة جنبهم، وكان الكل بيتمناها وكل اتقدم
يخطبها وهى ترفض لحد ما اتجرأت وتقدمت انا
بعد سنين حب صامت، والمفأجاة انه وافقت وقالت
انها كانت معجبة بيا، واتجوزنا وحبيت اننا يبقى لينا
حياتنا بس هى فضلت زى ما هى موجودة مع جدك
فى محلات، قولتلها انا مش حابب كدا وزادت مشاكلنا
وكانت حجتها أن اخواتها واحد يأكل مال اليتيم والتانى
يتضحك عليه، وفضلنا كدا فى مشاكل والجفا والبعد بينا
يزيد
كنت ساعتها بشوف ماجدة كانت هادية عكس مامتك الله يرحمها وحصلت مشكلة كيان وقولتلها متتدخلش مالناش
دعوة اصلا عاصم معروف، لكن كلامى زادها عند
تعبت كنت عايز احس بالاستقرار وفى الاخر اتجوزت
معرفش ازاى، المهم لقيت مامتك رغم كل البعد اللى بينا حست وعرفت
ولقتها سألتنى مرة بليل انت اتجوزت عليا يا مصطفى
سكت لقتها، بتقولى طب أنا اتأكدت من عينيك عملت
كدا ليها، استغربتها ازاى تسأل وكله بسببها، قالتلى طلقها
يا مصطفى، بس للأسف كانت حامل، قولتلها كدا
قالتلى طلقها بردو وعيل هيتكتب على اسمك يا مصطفى
كان ردى صعب الطفل اللى جاى ذنبه ايه لسه جاية تفوق
دلوقتى، لقيتها ضحكت وقالت يبقى أنت اخترت وانا ولا
كأنى عرفت الموضوع دا هيفضل بينا ولا حتى مراتك تعرف، نبرتها وطريقتها كانت غريبة، ومن ساعتها هى
راحت ومعرفتهاش ارجعها، قفلت على نفسها حاولت ايام وليالى
وسنين لحد ما جيت قولتلها هطلاقها انا مش قادر على البعد، قالتلى
خلاص ماعدش ينفع، اليأس اتملك منى كانت نظرتها بتدبحنى وعشت كدا شبه عايش
لأن مفيش ولا يوم حبى ليها أقل لحد انهارده هى اللى
سكنت قلبى، فجأة عرفت بتعبها حتى دا استكتروا عليا
وخبته عنى مالحقتش حتى اكون معاها واطلب سامحها
ودا كان سبب اساسى من خوفى لتعرفى تكرهينى زيها
لكن هاجد حبك من قلبه وكان عايز يقولك من أول يوم
بس أنا اللى اصريت يتأجل عشان تكونى عرفتيه وتصدقى
حبه، صحيح مراتى رفضت بس دا ماكنش السبب الاساسى، كنت خايف يابنتى، واللى خفت منه حصل
اللى صبرنى بعد موتها انك من ريحتها
-كنت قولتلى أنت دوست عليا رمتنى رخصتنى، أنا كان
ليا اخوات وانت بتقضى ليالى وايام معاهم وانا كنت
بموت من الخوف بليل وفى الاخر تبعنى كدا، مراتك
جت هنا وقالتلى انتِ مين عشان تطردينى من بيت
ابن اختى، وصرخت فى وشى عشان انتوا رخصتونى
كانت تحدثه بحنجرة غير حنجرتها تلتقط انفاسها بصعوبة
ذلك الشعور القمئ نفس نظرات والدتها التى دبحته،
لم تزيده إلا ضراوة خليط كريه من العجز والقهر
-صدقينى هاجد اخدلك حقك اول مرة اشوفه كدا
جه لحد البيت هناك وبهدل الدنيا عشانك،
شوفى أى حاجة ترضيكِ وأنا اعملها جوزك يا بنتى بيحبك
كل اللى عايزه انك تصدقى انى ضهرك وسندك وعملت كدا عشان كنت شايفك ضايعة بس انتِ قلب ابوكِ يا هاجر ، أنا مقدرش على بعدك
ابتسمت بمرارة ثم حدثته:
-ماشى، انت ابويا وضهرى وسندى وأنا هاجد بقولك مد
ايده عليا وجعنى، أنا مش عايزة اكمل معاه انت ابويا
طلقنى منه مش عايزه
تدفقت عليه الذكريات الكرهية، فاجابها بخيبة:
-بلاش تحكمى عليه بقسوة كدا هو بيحبك حتى
سوسن كانت على طول تقولى ربنا عوضنى بهاجر
نظرت له هاجر طويلًا بنظرات تحمل الكره ثم نهضت
-أنا تعبانة وهنام واللى عندى قولته طلاقنى عشان اعرف
انك سندى وكنت خايف عليا، طلاقنى عشان
اعرف انك ابويا وضهرى رغم الايام اللى سبتنى اعيشها
لوحدى، صدقنى فرصتك عشان اقدر اقولك بابا تانى
****
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والخمسون
-مش فاهم انت عايز ايه بالظبط؟ انت عايزنى اطلقها؟
قالها هاجد بسخط مُستَعر وهو ينهض من مكانه بإنفعال
فقد صدمهما ما سمعوا عن حق، ليس هناك ما يقال وبالأخص مصطفى لكنه حاول تبرير موقفه:
-ما يمكن دا يا هاجد الحل اللى يخليها تسمعنا وتثق فينا وساعتها
-وساعتها أيه؟
ساعتها استحالة ترجعلى او حتى تسمعنى، من الاخر مشكلتى مع مراتى أنا هحلها ام مشكلتك انت تحلها بطريقتك طلاق
مش هطلق تانى طلاق مش هطلق
جأر هاجد بهذه الكلمات بحدة، فعزفت الألسنة عن التحدث؛ كان كالأسد الجريح يجوب الغرفة ذهابًا وايابًا
فحدثته والدته:
-حبيبى هدى نفسك
وان شاء الله نلاقى حل بس اعصابك ياابنى
اخذ شهيقًا بحرقة محاولًا تهدئة صدره، من تلك الحقيقة
المظلمة، سامحًا لنفسه اخيرًا للإعتراف بخطأه:
-حل أيه؟ انتِ سامعة بيقول أيه؟
بيقولى طلقها كدا بسهولة وأنا قعدت شهور اترجى
فيه اعرفها الحقيقة، بس دي غلطتى أنا دي مراتى
وأنا خذلتها جيت على اكتر نقطة وجعاها، بس بعد
كدا خلاص مش هاعمل حساب لحد هى وبس
شهيق اخر حارب به دموعه التى احتقنت به حدقتيه
نهضت سوسن تأخذ ابنها بين ذراعيها وتربت على كتفه
فقرر مصطفى الإنسحاب نظر لإحتدام الاجواء أو الهروب
كالعادة
******
انبلج نهار جديد دون أن يغفل لها جفن، قضت ليلتها
ودموعها تنهمر بحرقة بعد كلام والدها، تشعر بتناقض
بداخلها هل والدتها ظالمة أم مظلومة ولماذا بعدتها عنها
دارت بداخلها جميع الإحتمالات لكن جميعها عطب
وعقيمة لم تجد مبررًا واحدًا لسبب بُعدها عنها
قاطعها جرس الباب فاخرجت تنهيدة حارقة منها
نفضت بها تشتت روحها وذهبت لتفتح لتجدها
سوسن، التى هتفت:
-صباح الخير، جيت افطر معاكِ ممكن؟
رمقتها بإنكسار وقلة حيلة لكنها جاهدت أن تغلف مشاعرها بطبقة من البلادة ثم همست:
-دا بيتك انا فطرت على العموم
جلست على الاريكة هادئة عكس طبيعتها، كجثة تتنفس
حتى جفونها بالكاد تتحرك، مدت والدة هاجد يدها لتلتقط
يد هاجر بين كفيها متوودة إليها بالحديث اللين:
-يعنى بقى كدا كل دا متسأليش عليا، طب زعلانة من
من الواد هاجد ومنى أنا كمان سوسو حبيبتك
لاذعت حدقتيها الدموع الساخنة لتعصرها بقوة كابتة
آياها قائلة:
-أنا طلبت الطلاق وهمشى، أنا مش هاكمل اكتر من كدا
-طلاق ايه بس يا هاجر، هاجد كان عايز يقولك ومصطفى
كان مستنى الفرصة لكن انتِ عارفة هاجد بيحبك قد أيه
-كان مستنى فرصة ولا مستنى اذن المدام أنا دخلت بيتك
وعشت معاكِ شوفتى اخلاقى، عمرى آذيت حد أنا حتى
عمة هاجد كنت بقبل غلطاتهم عشان هاجد، ليه انتِ
مقولتيش ليها أنى مش وحشة مش هأذيها، طب هاجد
ويمكن خاف من رد فعلى، انتِ وأنا بقولك يا ماما قلبك
محنش عليا من الكدبة اللى أنا عايشة فيها، وأنا بقولك
اول مرة اجرب دفا العيلة، ليه مروحتيش لأختك
وجوزها وقولتيلهم انهارده هاقول لهاجر على كل حاجة
واللى يحصل يحصل، ليه استنيتوا انى اعرف بالطريقة
دي، مجاش في بالكم فعلا ان عمة هاجد ممكن تقولى
لو عرفت، ليه تسيبونى ادْبح كدا، والله والله وكأنى
كنت فى أعلى جبل وبقيت فى قاع المحيط ومش
قادرة حتى اصرخ، لو بنتك يرضيكى يحصل فيها كدا
بلاش بنتك لو هاجد يرضيكى حد يوجعه كدا ودلوقتى
كلكم عايزينى اسامح كنت ممكن اقبل لو هو أو انت
جيتوا وقولتولي ، لكن اسمع كدا اتدبح كدا، حتى
البيبى اللى حلمت بيه راح منى بسبب أن هاجد ألتزم
بوعده ومفرقش معاه أنا، عايزنى اصدق انكم كنت
بتحبونى كنتوا خُفتوا عليا أنا محروقة من جوة أوى
قولى لأبنك حتى لو كانت نيته خير، مش هقدر أكمل
معاه فى حاجة هتفضل واقفة بينا، أما بالنسبة
لمعاملتكم ليا اللى هى كانت بالحسنى وراعيتوا ربنا فيا
هاخرج من البيت دا وانا مسامحة فى حقى دا اكتر
شئ ممكن اقدر اعمله لكن حياة لأ انا بقيت موجوعة
اوى كمان مش قادرة
تساقطت دموعها حتى اغشت عينيها فنهضت مسرعة
للداخل ثم ولجت لغرفتها واغلقت الباب خلفها وجلست
على الارضية تقبض بيدها على موضع قلبها وكأنها
خلقت فقط لتفقد من تحبه
*****
كان يجلس فى السيارة اسفل البناية الخاصة وهو يدندن
لحن اغنية، ويطرق بيده على المقود، حتى فتحت باب
السيارة وجلست بجواره قائلة:
-اسفة يا كنان اتأخرت عليك
نظر لها وهو يتمتم بكلمات الاغنية:
-وبحبك والله بحبك والله والله بحبك
اسبلت جفنيها بخجل وهى تقول:
-كنان
تابع وهو يغمز لها:
-قد العيون السووود أحبك، وانت عارف ما أنت عارف
قد أيه كتير وجميلة العيون السود فى بلادنا يا حبيبى
عضت على شفتيها السفلية بخجل وحبور هامسة:
-هتأخر على الشغل
ابتسم وهو ويتحرك بسيارته ثم مد يده لها بكيس ورقى
به قهوة وشطيرة هاتفًا:
- افطرى يلا
-أنا فطرت
حدجها بتحذير بطرف عيناه فهزت رأسها فى اطاعة
وبدأت ترتشف من كوب القهوة فى صمت دام لعدة
لحظات حتى سألها:
-كيان هو انتِ بتحلمى بيا
عقدت حاجبيها بعدها لتسأله:
-مش فاهمة يعنى ايه
حدجها بتعجب وهو يقول:
-بتحلمى يعني لما بتنامى بليل بتحلمى بيا
اصلى أنا بحلم بيك احلام ايه، مش قادر اقولك
ولا كل حلم بقميص نوم شكل يانهار على الالوان والإبهار
احمرت وجنتيها وهى تُتمتم بكلمات غير مفهومة قائلة:
-انا وصلت، احترم نفسك ونزلنى هنا
قهقه مستمتعًا بخجلها الجلى وجسدها المتشنج، ووجهها
الذى اشاحت به للجهة الاخرى، فسعل من بين ضحكاته:
-وصلنا فين دا احنا فى صحرا وبعدين مالك وشك جاب ألوان ليه
-لو سمحت انتبه لطريقك وبطل كلام
-حاضر احنا بس عايزين الرضا
صمت لعدة دقائق ثم حدثها قائلًا:
-بس حلم امبارح كان غير كنتِ بتولدى وأنا كنت هموت
من القلق عليكِ
هزت رأسها بيأس وهى تقول:
-كمان بولد دا انت عايش فى عالم موازى مع الاحلام
-اُمال انت فاكرة ايه كل القمصان دية وكمان متولديش
طب واللى خلق الخلق انت حملتى وولدتى فى نفس الحلم
احنا جامدين بردو
شهقت وهى تضع يدها على فمها وضربته باليد الاخرى
التى تحمل القهوة فسقطت على قميصه الأبيض فاسرعت
تنظفها بينما هو همس بجوار اذنيها:
-الوضع كدا خطر خدى بالك أنا مش مسئول عن اللى
هيحصل دلوقتى ، لا وكمان ولا فى ضياء ولا قسيمة
جواز يعنى تحرش وش
فتحت ثغرها ببلاهة ورمشت بعينيها ذاهلة من وقاحته
بينما هو صف سيارته قائلًا:
-تعرفى بقى فى حلم كنت عاملة كدا بظبط بس أنا رديت
بطريقة جامدة من الاخر
قاطعته بحدة قائلة:
-بسس ايه اللى جرالك انت شارب ولا أيه انت مش طبيعى
هز رأسه نافيًا وهو يقول بصوت أبح:
-طب وربنا دا الطبيعى بتاعى
فتحت باب السيارة وهبطت بقدميها ثم تحركت مسرعة
للداخل بينما هو صف سيارته ولحقها لكنه جز على
اسنانه بغضب حينما وجدها توزع ابتسامات على
الجميع خاصة ذلك المخرج، فزمجر بقوة واقترب
منها فبادله كمال النظرات بتحدٍ:
-اهلًا دكتور كنان منور الاستديو
ايه سبب الزيارة الجميلة دية
-جاى مع مراتى
هز رأسه بتفهم ثم اجابه بخبث:
-قصدك طليقتك ولا انتوا رجعتوا لبعض
زفر بقوة وهو يتمتم بداخله:
-اهدى يا كنان
سحب نفسًا عميقًا وهو يقول بسماجة:
-مركز انت يا كيمو
ابتلعت كيان بتوتر بينما تجاهل كمال حديث كنان موجهًا
كلامه لكيان:
-يلا يا كيان جاهزة، عايز اشوف الابتسامة حلوة
انصرف كمال بينما كنان جز على شفتاه وهو يكور يده قائلًا:
-اقسم بالله ياكيان لو ضحكتِ لاكسر الزفت دا على نفوخك وأنا مش هتحرك من هنا عشان تعرفى تورينى
الابتسامة الحلوة اللى ماشية توزعيها
-كنان
ضغط فكيه بقوة ليهمس آمرًا:
-اتحركِ احسن دقيقة كمان وهسحبك على العربية ومفيش
تصوير
انصرفت من امامها مسرعة اما هو تمتم:
-اللى جالنا من ست نهلة
****
بعد مرور يومين
غربت الشمس القاسية وحل مكانها القمر الهادئ وجلس
الاربع شباب ومعهم كيان فى الاستقبال
-ممكن افهم فى أيه؟ ليه طلبتونى اجى هنا؟
تلك كانت كلمات كيان بينما اردف كرم بحنق:
-يا ستى ما تقعدى هو أحنا خطفينك اربع شباب زى الورد
اى واحدة تقعد وسطنا تبقى
ياسعدها يا هناها
-لا بجد فيه ايه؟
طرق الباب لم يمنحها الوقت لفهم الموقف راقبت طاهر
وهو يفتح الباب، لم تجد فرصة لاستيعاب الموقف كنان
يقف امامها وبيده يحمل باقة زهور وعلبة شوكولاته
مؤكد اختلط عليها الأمر، يدها تزداد ارتعاشًا والاخرى
تقبض على فستانها، نبضات قلبها تزداد بعنف تخشى
أن يكون حلمًا، وقف
كنان امامها مدًا يده بباقة الزهور هامسًا:
-الورد للورد يا عروسة
جز كرم على اسنانه وهو يقول:
-يا جدع هو انا مش قولتلك احترمنا يا جدع انت
تناول ساهر باقة الزهور وقربها من انفه بينما كرم كان
يراقبه فهز رأسه قائلًا:
-مش قد كدا مسترخص
توسعت عين كنان وهو يرمق ساهر قائلًا:
-انت عارف دا بكام
ربت طاهر على كتفه قائلًا:
-انت هتعايرنا من دلوقتى ولا أيه؟
ابتسم تامر وهو يقول بسخرية:
-او عايز نلم من بعض حق البوكية
بينما هى ظلت كما هى كتمثال صخرى، رجفة عاتية تخترقها من الداخل، لم تستطع انتزاع عينيها عن عينه
كأنما قيدها بسحر اسود، فزجرها طاهر:
-انتِ تنحتى كدا ليه؟ ادخلى جوه يلا
رفع كنان حاجبه مستنكرًا:
-تدخل فين هى مش هتقعد معايا
قهقة ساهر وهو يقول بسخرية:
-تقعد معاك ايه الجبروت دا
وياترى وجودنا هيضايقك نمشى
-طب من الاخر أنا جاى اطلب ايد كيان منكم
اجابه كرم مسرعًا:
-مرفوض
رمقه كنان بذهول وهو يقول:
-نعم!!
-معلش اصلى لسه مرفوض جديد وعايز اعيش الدور
بعد عدة دقائق كان يجلسوا جميعًا سويًا فى صمت تام
فتحمحم كنان قائلًا:
-يا جماعة أنا جاى اطلب ايد كيان منكم ودا شرف ليا
رمق طاهر تامر بطرف عيناه ثم هز رأسه قائلًا:
-انت جاى تطلب كيان لوحدك فين والدتك
رمقه كنان باستنكار:
-انا جاى اطلبها الاول لوحدى نتفق وبعدين
اجيبها
تنهد طاهر قائلًا:
-انت مجيتك هنا على عينى وراسى بس أى حاجة مش هتم من غير والدتك اتفقنا
اطرقت رأسها وقاومت دموعها التى تحرق عينيها هى
تعلم أن والدته ترفضها، فابتسم كرم قائلًا:
-سهلة يتصل بيها تيجى بلاها نأجل لبعدين
-تمام وهى نص ساعة وتكون هنا هى عارفة أنا جاى
هنا ليه؟
ابتسم ساهر بتوسع قائلًا:
-مش هتشربينا حاجة يا كيان
هزت رأسها وهرولت للداخل، بعد نصف ساعة كانت تجلس والدته معهم ويقرأون الفاتحة، فنهض كنان
يلبسها خاتم الخِطبة بيدها وما إن انتهى سحب يدها
ليقبلها فجذبه كرم بحدة:
-يا جدع بقى، مكانش حتة خاتم وكمان عايز تبوس
ابتسمت هويدا ابتسامة هادئة:
-مبروك يا كيان، بس لينا قاعدة
بادلتها الابتسامة وهى تهز رأسها، بينما مال كرم على
على كنان:
-الست الوالدة شكلها هتخرب الجوازة، بس أنا ساعدتك
وانت هتساعدنى بالعافية
على الجانب الأخر جذب ساهر كيان بين ذراعيه ولم
تستطع أن تتحكم اكثر فى نفسها بكت وكأنها لم تبكِ
من قبل بينما وقف تامر امام كنان مبارِكًا له:
-عقبال ما اخلص منك قول يارب
****
فى اليوم التالى
كان طاهر يجلس فى مكتبه ومعه تامر يتناقشون
بأمر مناقصة جديدة، وما سيقدمونه فيها
قطع جلستهم دخول تارا، نهض طاهر واستقبلها
بحفاوة أما هى كانت تبتسم وترمق تامر بطرف
عينيها ثم حدثت طاهر:
-بص بقى يا طاهر أنا مش هلف وادور أنا عايزة اشتغل
معاك أنا بحب جو التصميم دا اوى ياريت لو ليا فرصة
ابتسم بخفة هاتفًا:
-واحنا نطول طب ياريت تامر عليه ضغط جامد ومحتاج حد معاه، تامر عرف تارا الشغل
تطلع تامر إلى ملابسها المكونة من شورت جينز قصير وقميصزهرى فضفاض وحذاء رياضى ثم نهض واقفًا وهو يقول قبل أن يتجه للخارج:
-الاسبوعين دول مضغوطين ممكن بعد كدا
شعرت بضيق من معاملته حتى سألها طاهر بتردد:
-بيسان عاملة ايه؟
-معرفش
ابتلع بضيق وظهر الفضول على وجهه متسائلًا:
-ليه مش بتشوفيها هى مش بتنام
اجابته بمكر:
-بيسان دي خفاش مش بتنام
تنفس بقوة وهو يحاول ضبط غضبه، شئ ما لا يعلم سببه يقبض على صدره وغرق فى صراع
افكاره
****
مر اكثر من شهر ولم ينعم بحياته، يبحث عن من يداوى
جرحه، ما مر به كان كالصاعقة هزته، وزعزعت ثباته
بل كسرته، داخله منهار وخارجه يتماسك بشق الانفس
والقريبين منه يعلمون انه ينهار داخليًا وخارجيًا
ابتسم بدر بأسف قائلًا:
-بجد الموضوع مؤسف يا ضياء، طب ليه متحاولش
تتكلم مع كنان شكله بنى ادم عاقل
-مينفعش اللى بيحصل دلوقتى هو الصح، احنا مينفعش نقرب
تحمحم بدر بحرج قائلًا:
-طب ومراتك أنت هتقف كدا وحياتك بتضيع وابنك
-جربت كتير ومش نافع
حك بدر مؤخرة رأسه وهو يقول:
-تصدق امى تملى تقول مثل كدا والله حاسه انه
ينفع حالتك ميعدلش الست غير ست زيها تجننها
ضحك ضياء ياستهزاء:
-انت متأكد أنك دكتور
تبدلت ملامح بدر وهو يقول
-لازمته ايه الكلام اللى يعكر الجو دا، دا أنا عزمك ومحاسب على كابتشينو تقوم تعمل كدا
*******
صف سيارته أمام فيلا هاشم وحمل بيده الاكياس وهو يقول:
-يا انا يا انتى يا بنت هاشم
ولج للداخل بينما هى كانت تجلس فى الاستقبال وألتقط
انفها رائحة الجمبرى فابتلعت ريقها ونهضت واقفة لكنها
صدمت بضياء يحمل بيده اكياس ورقية من إحدى محلات الاسماك الشهيرة فسألته بتوتر وهى تتحاشى
النظر إلى عينيه:
-فيه ايه انت ايه اللى جابك هنا
-مافيش جبت جمبرى وجيت أكل أنا وهيشو هو اللى طلب
منى، وعرفت أنك مش حابة تكلى جمبرى فى الحمل
اللعين هو يعلم وحمها على الجمبرى، ابتلعت كذبته مؤكدة
عليها ايضًا:
-ايوة
وضع الطعام على الطاولة وهو يستئذن كى يجرى اتصالًا
هاتفيًا ووقف يراقبها من زواية وهى تفتح الأكياس وتأكل
منها بتلذذ كان كطفل مشرد يشهد بائعين الحلوى من بعد
ولا يقو على الاقتراب، فعل وضع الصامت وتحرك من مكانه يتحدث بصوت مرتفعًا نسبيًا قائلًا:
-متقلقش مقدرش اتأخر عن عمليتها
رغم انها مش محتاجة ولا عملية دي مرسومة على مسطرة
نفضت يدها من الطعام تستمع إليه، ابتسم على خطته
التى تسير على أكمل وجه ثم تابع وهو يقول:
-بس أيه خلفت تلات مرات ولا كأنها خلفت دا حتى
مزدتش ٣كيلو، أنا مش هتأخر لازم اكون موجود
تحاملت على نفسها لتقف أمام المرأة وهى تنظر لنفسها
فهى اكتسبت اكثر من عشر كيلو جرامات اثناء الحمل
استدارت فوجدته خلفها هاتفًا:
-قمر الحمل مخليكِ غزال
للحظات نست أو تناست لتهمس قائلة:
-بس أنا تخنت اوى صح
-بقيتى جميلة اوى، فتنة اوى، معذبانى اوى يا بيلا
حدقت به بعصبية وهى تقول:
-بعدين انت ليه مش عايز تفهم أن اللى بينا انتهى
-هرمونات ديه صح طب... ما تفهمى انتِ انه لسه منتهاش
تنفست بحدة وهى تشعر بألم اسفل بطنها فجأة شعرت
بشئ دافئ يسيل على رجليها فهبطت بنظرها لترى
مياه تبلل فستانها همست بصوت بعيد:
-أنا بولد
تصلب جسده وهو يرى حالتها المزرية ودموعها المنهمرة
وصوتها المتحشرج:
-لأ اكيد لا اكيد أنا مش جاهز
-أنا اللى هولد مش انت اللي هتولد تجهز ازاى الحقنى
*****
تشعر بقلبها مقبوض منذ الصباح وما أن فتحت الباب وجدت من يدفعها للداخل بحدة
رواية روح بلا مأوى الفصل الستون 60 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والستون
قبل ساعتين
خضعت لقلبها ملبية جميع اوامره، وقعت فى عشقه حتى
الثمالة، كانت كقطعة شطرنج يحركها كيفما شاء
لملمت هاجر ذاتها بثبات ظاهرى ثم تناولت كوب العصير ترتشف منه، ليقطع شرودها صوت ساهر:
-بقيتى احسن دلوقتى يا هاجر؟!
ضحكت بهستريا مما جعل ساهر يرمق المكان حولهم
ثم توقفت فجأة قائلة:
-هبقى أحسن ازاى يا ساهر بس، طب انت عارف ايه اللى قاهرنى؟!
رفع ساهر بصره إليها بإهتمام منتظر اجابتها فتابعت:
-ياريته كان قال قبل الجواز، او بعد الجواز بكام شهر
لا دا استنى لما أنا حبيته من قلبى، لما هو بقى ابويا
واخويا وصاحبى وحبيبى وكل حاجة، عشان لما اعرف
الحقيقة معرفش اخد موقف عشان افضل كدا موجوعة
مش قادرة اعيش مش قادرة اتنفس حتى أنا كنت موجوعة بس عايشة بضحك واخرج ومتأقلمة مع الوجع
لكن دلوقتى مدبوحة، مش عارفة ازاى بيقول انه حبنى واستنى نوصل للمرحلة ديه
قاطعها ساهر بغموض:
-يعنى ياهاجر بقى ابوكِ واخوكِ وصاحبك وكل دا ومش
قادرة تسامحيه، اظن أنك لو حاولتى تحطى نفسك مكانه
هتعذريه
زفرت زفرة قوية لتطرد معها وجعها:
-سيبك منى صوتك كان مضايق عشان كدا نزلت اقابلك
-موجوع اوى يا هاجر، ابويا وامى واختى فجأة بقيت لوحدى قلبى محروق
طافت هاجر عينيها بحزن هامسة:
-ربنا يرحمهم انا عارفة انت علاقتك بخالى عاصم كانت
عاملة ازاى وهو بيعاملك ازاى بغض النظر عن اللى عمله
مع كيان، بس يا ساهر بص للموضوع دا أنه رحمة ربنا
بيك قبل أى حد لو خالى عاش كان هيتعذب بذنب
كيان وكان هيبقى الحمل اتقل عليك، هو ربنا خده
عشان يعذبه عنده
رد عليها بسخرية يشوبها بعض بتهكم:
-الصراحة اخترت الشخص الصح اللى افضفض معاها ربنا خده عشان يعذبه
صمت وهما يتبادلا النظرات ثم انفجرا من الضحك فسألها:
-يا هاجر احنا الإتنين بنفشل اننا نحزن واحنا مع بعض
واكتر إتنين فاهمين بعض ليه متجوزناش
اتسعت مقلتاها بصدمة هامسة:
-ايه السؤال دا، اكيد عشان أنا مش بطيق امك
هز رأسه بأسف:
-انتِ صح، وأنا كمان مش بطيق امك
اردفت هاجر بسخرية:
-معقولة دا كل الناس بتحبها
حك ساهر مؤخرة رأسه ليقول:
-عمتى!!! دي كان فاضل مقشة وتقلب البيت مراجيح
زى الساحرة الشريرة
همست بنبرة يشوبها الحزن:
-الله يرحمها بقى مش باقى غير السيرة الطيبة
-من قلبك؟!
التو ثغره هامسة:
-جت عليا ما انت زعلان عاصم
المهم أنا نزلت من غير ما حد يعرف هقوم اروح
-انتِ متغدتيش
تناولت حقيبتها قائلة:
هأخد معايا أكل وأنا مروحة
*****
ساد الصمت الرهيب إلا من صوت انفاسه العالية
طوق ملامح وجهها الهادئة، ونظرة الخوف بعينيها
التى تزيد من ثورته الجامحة ليتوهج ذلك البريق
العاشق بعيناه، فقد تيقن انها ملكت مقاليد عرش
الفؤاد، ذابت بين دمائه واحتلته، ابتلعت خوفها وهى تتراجع
للخلف هامسة:
-انت فى أيه؟!
جز على اسنانه بغيظ:
-اقولك لو عايزانى ابعد أنا هابعد تقوليلى ابعد
البعيدة معندهاش دم، مبتحسش، قلبها دا شيلاه وحطتي مكانه حجر
ابتعدت كارما عنه قليلًا ودمعاتها تشق طريقها لتقول باندفاع:
-هو انت شايف ايه أنا مش شايفاه فى العلاقة دي
أنا واحدة مدمرة نفسيًا وجسديًا أنا تايهة وضايعة
بس بحاول أكون بنى أدمة عادية ومش قادرة
نظرات متألمة سرعان ما محاها بنظرات جدية هاتفًا:
-أنا مش طالب غير القبول، وأنا هستنى أنا عارف
أنك ابتديتى مع دكتور نفسى، ودي خطوة كبيرة
فى طريق التعافى وأنا جنبك هنعدى كل دا بس
بلاش تصدينى وادينى امل
-أنا اصلًا معنديش أمل
ليردف بنفس الجدية قائلًا:
-وأنا هديكِ الأمل وعندى ثقة أن دا هيعدى قريب
ثم تابع بمكر ليقول:
-بما أن كنت شغال عندكم واخوكِ طردنى، أنا ممكن اخد
بقية حسابى أى حاجة ومش شرط فلوس
-يعنى هتأخد بقية حسابك أيه؟ عايز تعمل عملية
تجميل فى المستشفى
اردف كرم بجدية:
-تجميل أيه دا أنا قمر آه لو نوجا سمعتك كانت قرصت الخدود القمر دي
وضعت يدها على وجنتيها بريبة قائلة:
-خدودى ؟! اومال انت عايز ايه؟!
-كلك نظر
قطبت كارما حاجبيها مرددة:
-ايه دا، ايه دا انت قصدك منحرف صح
لتتعالى ضحكته المرحة مرددًا بمشاكسة:
-منحرف أيه؟! أنا كان قصدى تحوليلى رصيد
لأ نيتك راحت فين كدا انا هبتدى اغير رأى
فلتت منها شهقة وهى تفر هاربة خارج المكتب وسط ضحكات كرم الذى ارتمى على أريكة خلفه هامسًا:
-بكرة تروق وتحلى وتحويلى رصيدى بوس
لأ وكمان هتقوليلى سلفنى بوسة شكرًا، يانهار احضان
****
أعلى المقطم
على طاولة بلاستيكية يجلسان بصمت ليستدير هو بوجهه
لعله يستنشق بعض من الهواء البارد ليثلج صدره،
فملابسها تثير حنقه، أما هى نظرت نحوه لتتمرد تلك
الدمعات اللائمة، لتمسحها مسرعة حتى لينكشف ضعفها
وانكسارها، كان يرمقها بطرف عينيه فهمس:
-أنا شايف أنك غلطانة
نهضت بعنف قائلة:
-انت جايبنى هنا عشان تقولى غلطانة شكرًا
ليهتف تامر بغضب جامح:
-لما أكون قاعد معاكِ إياكِ تقومى كدا تانى، وايدك متترفعش فى وشى أنا مش زى الناس اللى تعرفيها
أنا تربية ملجأ دا لو اتربيت اصلًا، اقعدى وبلاش تطلعى
عفريتى
جلست بإمتعاض وسخط:
-افندم
نفرت عروق رقبته وغلت دمائه:
-متعرفيش تكونى مرة واحدة محترمة
-تصدق بالله أنا غلطانة انى قعدت مع واحد زيك أنا محترمة غصب عنك
تعالت نيران غضبه، وبركان ثورته ليسألها:
-محترمة غصب عنى وشرم يشهد
-قصدك أيه؟!
اغمض عيناه يزفر بعنف فهو ملطخ بسواد لا يوازى سواد
حياتها بل اشد فهمس:
-أنا مش قصدى حاجة كل واحد عارف نفسه
ردت من بين اسنانها:
-عارف نفسه فعلا أنت بقى بتجرى ورايا ليه؟
نزلت من فوق ورايا ليه؟!
انت مريض نفسى
بدأ يدخن بشراهة واضعًا قدمًا فوق الأخرى ويهز قدمه
بتوتر واضح قائلًا:
-أنا اللى غلطان انى قدّرت واحدة زيك
ضربت الطاولة وهى تنهض لتنفجر تلك الذرة المشحونة
بغضبها وقهرها المكتوم:
-الكلمة دي بتعصبنى أنت قاصد صح اللى زى مالها
مالى أنا رخيصة شكرًا،
أنا زبالة أنا عارفة حاجة تانى
انصرفت من امامه مهرولة بينما هو اتسعت عيناه بصدمة
كان يعلم أن قسوته غائرة، احترق جوفه من دموعها
فاسرع يلحقها جاذبًا أياها من معصمها لتستدير له
وخصلات شعرها تلتصق بوجهها بسبب دموعها رفعت
عيناها بتباطئ هامسة بألم:
-سيب ايدى أنا همشى ومش هخليك ولا انت ولا هما
تشوفوا واحدة زى تانى
حدق فى وجهها الشاحب شحوب الموتى، بها شئ غريب
يسبب ضجيج عالٍ بمواطن مشاعره، يشعل فتيل مشاعره
بنار ظنها لم تشتعل يومًا، بها شئ يسلب عقله ويثير اعصابه، اقترب اكثر هو يردد بصوت اجش:
-اهدى واثبتى
قالت دون تفكير وهي تكتم حشرجة البكاء:
-لو بعدت عنى أنا هبقى هادية
-طب بقولك اهدى أنا مكانش قصدى
ابتلعت وهى تراقب الظلام المخيم بعيناه، تشعر أنها
معراة أمامه، تخوض حرب سوادء مظلمة
مع مشاعرها فهمست بسخرية:
-مكانش قصدك كل مرة
مش هصدقك سيب إيدى بقى
اقترب منها اكثر لدرجة أن انفاسه الثائرة كانت تلفح وجهها
ليدك حصونها المزعومة:
-على فكرة أنا بمد ايدى على ستات عادى جدًا أنا
ولله الحمد متربتش
لا تنكر تلك الرجفة التى هاجمت سطو جوارحها بسبب
حروفه المسلحة غضبًا و توعدًا فابتلعت هامسة:
-ابعد ميصحش الناس بتبص علينا
-وعلى سيرة الناس أحنا فى المقطم يعنى الوضع دا
خطر وأى بوكس يلمنا، ترجعى تقعدى على الترابيزة
بكل ادب واحترام
لا تعلم السبب لكنها انصاعت لأوامره وجلست امامه
فحدق فى ملامحها الهادئة هاتفًا:
-أنا مش بعرف اقول نصايح لحد بس لو حبيتى
تفضفضى أنا موجود
-أنا فضفضت واظن سمعت كل حاجة خلاص أنا هروح
دلوقتى احجز واسافر لدبى مفيش داعى لقعدتى هنا
طولت على الفاضى
يحدق بها بهدوء تام حتى سألها:
-انتِ دارسة فنون جميله
هزت رأسها بنفى:
-لأ
نظر لعمق عيناها وهو يقول:
-بكرة تكونى موجودة فى الشغل الساعة ٨
واشوف هتنفعى ولا لأ وعينى هتبقى عليكِ
غمغمت باعتراض:
-لا أنا هسافر
نهض واقفًا ليخرج بعض الوريقات المالية ليضعها على
الطاولة قائلًا:
-قومى والساعة ٨ تكونى موجودة
ولبس هيفا وهبى دا متجيش بيه الشغل
رفعت حاجبيها مستنكرة:
-هيفا وهبى؟!
فسحبها من يدها وهو يقول:
-ظلمنا الطاهرة معاكِ لبس شاكيرا
-سيب إيدى كدا
-برافو احب اللى يقول حاضر
نفضت يدها بحدة:
-أنا مقولتش حاضر
وقف يطل عليها بهيئته الرجولية وهو يقول:
-والله وما ليكِ عليا حلفان المطواة فى جيبى هتتجنن وتطلع عشان نقص حتة من لسانك، امشى جنبى من غير
نفس
******
ولجت لشقتها بألم، أحقًا اصبحت حياتها بائسة؟
أحقًا ستكمل حياتها مثل والدتها؟
رمقت المكان بحزن فهى كانت تغمرها السعادة كلما
خرجت وولجت لشقتها، ضحكاتها النابعة من القلب
كانت هنا، وضعت اكياس الطعام على الطاولة وجلست
تنظر إليها وتمسح دموعها التى تهطل، حتى سمعت
حركة من خلفها فاستدارت:
-انت هنا ليه؟
رد على سؤالها بسؤال اخر:
-كنتِ فين يا هاجر
نهصت واقفة تتجاوزه للداخل هاتفة:
-اتخنقت نزلت اتمشيت فى مانع انت ايه اللى طلعك هنا
ضغط على يدها هامسًا بحدة:
-انتِ لسه على ذمتى لو ناسية يعنى المفروض مفيش
طلوع من غير اذنى
-خلاص طلقنى ومبقاش على ذمتك وريحنى وريح نفسك
زمجر بحدة ونفرت عروق رقبته:
-هاجر، كنت فين انطقى
-نزلت قابلت ساهر ابن خالى
قطب حاجبيه باستنكار وهو يسألها بانفعال:
-ازاى يعنى، وكنتوا لوحدكم، وازاى تقابلى راجل غريب
ومن غير اذنى، اتجننتى يا هاجر
ابتسمت بتهكم قائلة بصوت متحشرح وهى تمنع البكاء:
-لا ازاى كنت هاقولك بس بعد كام شهر كدا
انهت جملتها وتوجهت لغرفتها مسرعة، فرك وجهه بعنف
ثم لحقها للداخل، كانت قد حلت حجابها وبدأت فى نزع
حليتها لتضعها فى صندوق خشبى فاقترب هو منها
يحضنها من الخلف ويستنشق شذا عطرها الذى
لازال يسكره ويحيه، أما هى كانت كالمغيبة اشتاقت رائحته لمساته، حاوط خصرها
وجعل وجهها مقابلًا لوجهه، ثم ضمها اكثر لتستكين
على صدره موطنها الذى افتقدها، ليتخبط ذلك الأهوج
النابض بين ضلوعه طالبًا وصالها فهمس لها بكلمات
تشى بمدى عذابه
-قلبى ياهاجر يشكو هجرانك وجفائكِ، لما هذا البعد؟
لما تنفينى شريدًا بعيدًا عن قلبك؟
اصرخى بى،
احرق العالم بأكمله من أجلك
فقلبى والله لا يقبل ولا يرضى إلا بكِ أنتِ مختصر الحياة
اغمضت عيناها بعذاب فقربه اهلكها، لكنها استجمعت
نفسها ولملمت شتاتها ودفعته فى صدره بغضب:
-كفاية بقى كفاية متعبتش وأنت بتكدب عليا
وانت كل ليلة بتكدب وتغشنى
كل ليلة بتطلب الوصال فيها، مفكرتش في العذاب اللى
هااحسه لما تكدب وتخون ثقتى
-مش عايزة تصدقى ليه؟!
انتِ حبتينى يا هاجر من قلبك فعلًا؟!
طب ازاى مش حاسة بيا ومش مصدقة اللى بقوله
-يمكن عشان معرفتش منك انت الخقيقة، عشان مديت ايدك عليا
عندما يعجز اللسان عن التعبير تبوح العيون بما فى الصدور، ما يسكن بين جنابات القلب وثنايا الروح،
لغة لا تعرف الغش أو الخداع او التزييف
كلمات وكلمات نطقت فى صمت نظرات عتاب واسف
واعتذار ووجع، لكن دموعها اخترقت صميم قلبه فاستدرات مولياه ظهرها وهى تمسح دموعها هامسة:
-طلقنى ترحمنى وترحم نفسك
اغمض عيناه فهذه الكلمة تقبض على قلبه من فولاذ فتحرك لخارج الغرفة بل خارج الشقة بأكملها
******
وقف فى منتصف الصالة الرياضية يرتدى القفازات بينما
هى تقف واكتافها متهدلة خاوية الروح، كانت نظراتها
الحزينة ثقيلة على قلبه، مؤذية لروحه فاقترب منها
-جاهزة
كان صدرها يعلو ويهبط بتوتر:
-طاهر بلاش انهارده
ضيق عيناه محاولًا مشاكستها:
-انتِ خايفة اغلبك واخلص حقى من المرة اللى فاتت
هزت رأسها بهدوء:
-لأ بجد مش قادرة مرة تانية
وقف امامه يرمقها بحزن، ثم بحركة مفاجئة لكمها برفق
وهو يتحرك يمينًا ويسارًا قبل أن يلكمها ثانية لكن هذه
المرة صدتها بيدها، لكنه اسقطها ارضًا بضربة مفاجئة فانتهزت الفرصة لفت ساقيها حول ساقه ليترنح فى
وقفته وسقط بجوارها فنهضت مسرعة لتثبته بمكانه
واضعة معصمها على عنقه
بينما هو كان ينظر لعيناها كلما ازاد تعمق فى عيناها
شعر انه يغرق، يغوص وهو فاشل في السباحة وسط الأمواج
لا يعرف ماهيتها، انفاسه كانت تداعب وجهها مستسلمًا
تمامًا، حتى نظر إلى شفتاها التى كانت تضغط عليها
رغبة ملحة بداخله لتبديل الأدوار فى لمح البصر
وبحركة سريعة كان هو من يضغط على عنقها،
رجفة سارت بجسدها بسبب نظراته التى كانت تخبرها
شئ لا تريد أن تصدقه فدفعته بعنف وهو لازال تحت
تأثير الموقف هامسة:
-كفاية يا طاهر لازم اروح وعايزة اطمن على تارا
أومأ دون رد وهو يخلع القفازات بذهول محاولًا ترتيب
تلك الأحداث المتراكمة والاستيعاب
*****
همس بصوت حانى وهو يقود سيارته:
-كارما مالك
-ماليش
كان كنان يتفحصها بنظراته متسائلًا:
-هو انتِ كنت فين؟
شعرها الطويل يغطى وجهها اطرقت رأسها بتوتر:
-كنت مع بيسان
صمت مطبق بحتضن صراع غامض مبطن من النظرات هو يعلم من توترها كل شىء لكنه لن يضغط عليها
دقائق وهمست:
-روحنا الشركة بتاعت بيلا
ضحك كنان بتهكم قائلًا:
-شركة بيلا اممم
-بس بقى يا كنان هو كان هناك وأنا قولتله ابعد عنى
مش عايزة اشوفه تانى
ارتخى قناع البرود الزائف ليقول بغضب:
-وربنا لأنفخك يا كرم عشان بيتخطانى ماشى اصبر عليا
كانت ضربات قلبها كالمطرقة فى حرب مجهولة النهاية:
-قوله يبعد عنى أنا مش عايزة حد
-لأ أنا هنفخوا عشان بيعمل ناصح عليا مش عشان
قرب
-أنا مش عايزة اتجوز تانى أنا لحد دلوقتى فاكرة كل اللى
حصل معايا أنا موجوعة اوى أنا كان بيضربنى على طول
أنا بعت الدنيا عشانه وهو خذلنى وأهاننى أنا مش هانفع
لحد تانى حرام خليه يشوف حاله بعيد عنى، أنا بحاول
اكون عادى بس عشان خاطر ماما وضياء
اوقف السيارة ومد يده يمسح عبراتها ثم ألتقط يدها
بين يده قائلًا:
-انسى يا كارما وفكري فى الجديد كرم بيحبك وهينسيكِ
الماضى اديلُه فرصة يكون دوا ليكِ افتحى قلبك
الدكتور بيقول أنك بتستجيبى اكتر فى الجلسات وأنك
متعاونة ودي بداية مبشرة، عارفة بيقول أن استجابتك
احسن من كيان انتِ هتقدرى وكلنا معاكِ، حتى كرم
ابن ناس وبيحبك وأنا متأكد أن فى مشاعر ناحيته بدليل
حرام خليه يشوف حاله
هزت رأسها نافية وهى تمسح دموعها فأبتسم قائلًا:
-طب سيبنا منك، بذمتك فى واحد زى القمر كدا يتساب
عيون خضرا وشعره الاصفر ودكتور وعضلات وحاجة كدا
قمر، كل دا مش بيهز حاجة فى كيان، لو واحدة تانية كان
زمانها اتحرشت بيا، والدكتور يقولى تحسن بسيط دي
واقعة على قلبها وهى صغيرة ومش بتحس، أنا حتى
كلمة حلوة مش بسمعها
-انت صعبان عليا اوى انت وضياء
رفع كنان عيناه ليقول:
-ضياء مين بس، دا اخوكِ والعة معاه
الواد اتجوز والدنيا كانت زى الفل، ولما طلق لقى الاستاذ
اصيل، وقبل ماتخلص العدة ردها، وبيلا مش هتأخد فى ايده يومين
انهى جملته وهو ويقود السيارة ثانية وعلى وجهه ابتسامة
سخرية فتوسعت عيناها متسائلة:
-دا حقد
-اوى حقد اوى يا كارما
قهقت وهى تهز رأسها بالنفى:
-ضياء ميهونش عليك أنا عارفة
اغمض عيناه يريد أن يعترف بكثير من الاعترفات اشتاق
لضياء وجلستهما معًا، بداخله جروح لم تشف بل تتقيح
يود أن يشاركه وجعه
*****
فى اليوم التالى
خرج من المرحاض أما هى كانت نائمة بملامح متعبة
لم يستطع أن يمنع عيناه المشتاقة من أن يتفحص
ملامحها الناعمة مرر يده على وجنتها وهو يتذكر
كلمات والدها
(وأنا موافق ردها يا ضياء، بس خد بالك دي المرة الأولي
والأخيرة اللى توجع فيها بنتى، بيلا اللى حصلها وهى
صغيرة عاشت نص عمرها فى المستشفيات والتأهيل
النفسى، حاولت اعوضها بكل حاجة بس هي لسه جواها
حتى مش بتنسى، لسه العيلة اللى عملت الحادثة
بتحاول تقول انها قوية وشخصية ومش محتاجة لحد
بس هى العكس ضعيفة وهشة ومحتاجة طبطبة
ومع كل دا بحبك انت علاجها الوحيد، ردها وخليها
تسامحك وأنا متأكد أن البيبى اللى جاى هيغير حياتكم)
تنهد ثم اقترب يطبع قبلة على شفتها فتململت فهمس:
-صاحية نايمة بتقطعى حبل افكارى
تركها وتوجه نحو فراش اصيل:
-الباشا الصغنن اصيل واحلى اصيل
اقولك على سر أنا اتوقعت أن جدتك هتسميك كنان على
اسم عمك كنان بس سميتك اصيل
ابتسم بوجع وهو يقول:
-ايوة عمك، كان نفسى أنا اللى احطك فى حضنه
واحضنه اصله واحشنى للأسف، بس مش مشكلة
انت تسد
يبدو أن الصغير لم يعجبه حديث والده فصرخ مما جعلها
تنتفض مفزوعة فحمل الصغير وتوجه نحوها ومال بجزعه
العارى فابتلعت وهى تقول:
-انت ايه اللى جابك هنا؟ وايه منظرك دا؟
تركها وتوجه نحو المرآه يصفف خصلات شعره بدقة
مهلكة، ثم تناول قنينة العطر لينثر عطره الآثر على
صدره العارى وهو يراقب ردود افعالها المرتبكة وما أن انتهى تناول قميصه الأبيض وبدأ
يغلق الازارر هامسًا:
-دا مكانى، وهو منظرى مش عاجبك؟!
-لا مش عاجبنى خالص
-الكداب بيروح النار وعيب قدام اصيل مامى تكدب
اردفت بتلعثم:
-مش بكدب وشكلك كدا مش عاجبنى اتفضل اطلع بره
-طب عيني فى عينيك كدا
اشاحت وجهها بعيد قائلة:
-لأ واطلع بره
اقترب اكثر وهو يقول:
-بلاها عيني فى عينيك خليها شفايفى على شفايفك كدا
وساعتها البوسة تكدب المشتاق
اغمضت عيناها وكلماته تردد فى اذنيها قاطعها صراخ
اصيل فانتبهت له فامتعضت ملامح ضياء:
-جرى أيه اصيل وانت جاى تحلها ولا تخربها
****
ايه دا يا كيان؟!
تلك الكلمات نطق بها كنان فهمست كيان:
-هدية للعيادة الجديدة
كانت عبارة عن ساعة رملية باللون الأزرق والرمال باللون
الاصفر مريحة للعين فابتسم وهو يقول:
-جميلة اوى، بس دي هدية العيادة
فين هديتى
حمحمت بإرتباك وهى تقول:
-هديتك؟! طب عايز ايه هدية؟!
نظر امامه مدعيًا التفكير هامسًا:
-أى حاجة فوق الركبة تبسطنى أنا مش طماع
-فوق الركبة يعنى أيه؟
قصدك بالطو ابيض
غمز لها بعيناه وهو يقول:
-الأبيض حلو برضوا بس من غير بالطو، ومجربتوش فى الحلم خالص اللون دا بس هيبقى يجنن عليكِ
هبت واقفة بفزع وهى تقول:
-انت قصدك، كنان احترم نفسك بقى
تحمحم وهو يقول:
-طب واللى خلق الخلق دا اللى أنا بقولهُ كل يوم فى الحلم
ليكِ عيب يا كيان ميصحش، كيان عيب، بس اخلاقك فى الحلم ايه خالية من الادب دا أنا بتصدم والله
كتمت انفاسها بيدها مردفة:
-أنا هموت والله هموت
التو ثغره بتهكم:
-هتموتى من حلم، شكلى مش هخش دنيا هقف بره كتير
يلا عشان اوصلك
****
فى الأسفل
-كرم كلمنى وعايز ميعاد عشان يجى يتقدم
تلك كانت كلمات هويدا بينما اردف ضياء باقتضاب
-لأ
فسألته كرما بتوجس:
ليه لأ
صرخ بهياج وهو يركل الطاولة التى امامه قائلًا:
-تانى يا كارما، تانى محرمتيش
بس ورب الكعبة المرة دي لو كملت الجوازة هتنسى حاجة
اسمها ضياء، تعتبرينى مُت ياكارما لأني تعبت ومعدش فيا
حيل لأى مشكلة جديدة يعنى ببساطة يا اما أنا اخوكِ او هو والإختيار كله فى ايديكِ يا كارما
صرخت هويدا بحدة اكثر:
-ايه ضياء بتعتبرنى مُت وبتتحكم فيها، انا المرة اللى
فاتت كنت رافضة زيك بس المرة دي كرم هيجى وتقابله
إلا انت تنسى ان ليك ام، واعتبرنى مُت واتحكم فى
اختك براحتك
اطرق رأسه بأسف وهو يقول:
-حقك عليا مش قصدى، أنا خايف عليها
-لا متخافش وانتبه لحياتك وركز مع ابنك
****