تحميل رواية «روح بلا مأوى» PDF
بقلم سارة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا ؟؟ سؤال يثقل كاهلنا وتظل اجابته فى سردايب روحنا. *** الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. وضعت الهاتف على الفراش وابتلعت بصعوبة. تسللت على اطراف اصابعها نحو المطبخ وفتحت احد الادراج وتناولت المدلاك الخشبى (النشابة). توجهت نحو باب الشقة تسترق السمع. تأكدت لها ظنونها عندما نظرت من عين المراقبة من خلف الباب. عزمت امرها وفتحت. وفى لمح البصر كانت تنزل بالمدلاك فوق رأس ذلك الشخص. وقع ارضًا. تلفتت يمينًا ويسارًا خشيًا من أن يراها أحد. ثم سحبته للداخل. *** فى صباح اليوم التالى. فرق جفنيه بصعوبة. وم...
رواية روح بلا مأوى الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الواحد والثلاثون
-ايمن؟!
ايمن مين؟!
تلك الكلمات التى عقب بها زهير على حديث ذراعه الايمن كما يطلق عليه فاجابه الرجل بتوتر
-ايمن ياباشا اللى كان مع والد الدكتور ضياء
استوحشت نظراته وهو يرمقه بنيران الجحيم هامسًا:
-ايه اللى جاب الزفت دا تانى وماله ومال ضياء
مش كفاية اللى عملُه زمان وكان السبب فى خسارة
صاحب عمرى
ابتلع قائلًا:
-انا لما راجعت الكاميرات كان واضح انها صدفة
رمى بكل شئ امامه على المكتب وهو يصيح بحدة:
-مفيش حاجة اسمها صدفة الراجل دا تخلص منه فى
اسرع وقت، دا تارى معاه قديم من ساعة ما المرحوم
هربوا من تحت ايدى، استحالة اسيبُه يوصل لضياء
هيهد كل اللى بنيته فى لحظة حياته قصاد حياتك تخلص منه فى اسرع وقت
******
ولج هاجد للغرفة وظل واقفًا فى المنتصف يرمقها
بعيناه القاتمتين، ادركت انه يشتعل من الداخل
مضى نحوها ببطئ، دون أن تلين ملامحه، فهمست
بدلال:
-انت هتنام؟!
كانت عيناه تجوب على كل انش بها، بينما هى اتسعت
ابتسامتها فقد كان غضبه يزيده وسامة، والأكثر سعادة
أن هذا الوسيم يضعف امامها بداخلها مارد شرير
تريد أن تكمل ما بدأته وضعت يدها على صدره
فشعرت بتصلب عضلاته من لمساتها فبللت شفتاها:
-هو انت خوفت عليا بجد؟!
كانت لمساتها تحرقه حى زفر بحرقة هامسًا:
-انتِ الروح، وانا من غيرك ميت، لما وقعتى بين ايديا
الدنيا اسودت ولا كنت عارف اعمل حاجة فضلت بصصلك وبس، لحد ما أمى صرخت فيا عشان اوديكِ المستشفى
وأما عن روحك فكانت سراجًا ليا وانتِ لا تشعرى، فقد لمستى اعماق قلبى حتى إنى لا استطيع أن اخفى لهفتى فى حضرة عينيكِ
كانت تنظر له بذهول غير مستوعبة الرجفة التى سيطرت
على جسده وهو يسرد حالتها فابتسمت بهدوء ممزوج
بالوجع يلوى جدار قلبها ألما ثم اطرقت رأسها هامسة:
-للدرجادى، انا كنت بتعب على طول مع نفسى عادى
ومحدش بيعرف اصلًا
اخترقت كلماتها قلبه بوجع لا يحتمل هو ليس بلغز ولا هو بالساذج الذى لا يستطيع أن يفهم ما مرت به سواء
من نظراتها او نبرة صوتها، رفع ذقنها باطراف انامله
ثم امال جبينه لليمين قليلًا:
-وانا مش أى حد انا جوزك،
والمفروض انك متخبيش عنى أى حاجة يا هاجر
ختم كلماته مقبلًا جبهتها احمرت وجنتيها، نبتت السعادة
بداخل قلبها، ارجع ظهره للخلف ممددا على الفراش وبسط ذراعه بجواره ثم مد يده الاخرى ليسحبها لتمدد
على جانبها وضعت رأسها على ذراعه فبدأ يحرك يده من الأعلى
للأسفل برفق تسارعت دقات قلبها لكنها تمالكت نفسها
سريعًا قائلة:
-جوزى!!
شوفت نفسك كنت بتعاملنى ازاى؟!
الاسم انك واخد بالك منى وياحرام مش بتنزل
من البيت وقاعد مع مراتك، وانت كل ليلة نايم تعد
النجوم فى سقف الاوضة
ساد الصمت للحظات ثم انفجر ضاحكًا يجيبها بمشاكسة :
-خدى بالك كلامك جارح
نظرت إليه بعينين واسعتين وهى تهز رأسها سريعًا حينما
فهمت ما يرنو إليه:
-مش قصدى اللى وصلك
ضمها اكثر إلى صدره متسائلًا:
-وايه هو اللى وصلنى
لعنت غباؤها على مانطقت به لحظة تهور، ثم ضيقت
عيناها هامسة:
-وعامل نفسك شيخ والله المظاهر خداعة
لم يستطيع كبح ضحكاته وظل هكذا للحظات حتى
ادمعت عيناه ثم طالعها بعشق قائلًا:
-يا ستى قولتلك أنا مش شيخ ثانيًا مظاهر أيه
اللى خداعة لو نسيتى انتِ حلالى
تلبكت كثيرًا ثم عضت على شفتها السفلى هامسه:
-انا اخدت دوا الحساسية وعايزة انام
كانت عيناه تجوب على ملامحها الناعمة تجذبه لها كمغناطيس وشعرها الغجري يملأ الوسادة، شدها اكثر
ليتسلل له المزيد من رائحتها اما هى دفنت رأسها بصدره سامحة لنفسها أن تشعر بدفئه الرجولى، وأن تنصهر روحها بين ذراعيه، همس لها فى اذنيها:
-ليذهب الخصام للجحيم مفيش حاجة فى الدنيا تساوى
لحظة دية
رفعت عينيها لتذوب فى نظراته، كانت نظراته مطمئنة
لم تحلم طوال حياتها باكثر من ذلك، لامس شفتاها
بيده وكان يطالعهم بعينين جائعتين، ارجعت رأسها
للخلف وهى تُتمتم قائلة:
-وبعدين مش قولنا فى ظروف خارج ارداتى
-طب ودية مالها ومال خارج ارداتك
ابتسمت بمكر وهى تدس رأسها فى صدره مدعية النوم:
-هاجد بس بقى عايزه انام بلاش قلة ادب بقى، هو كدا باكدج على بعضه
بلل شفته يبلع ريقه الجاف فدلالها لم يتعود عليه بعد
يهز قلبه هزًا ويقلب الموازين فهمس لها بخفوت:
-راح هاجد بلاش ياهاجر
طب حتى التصبيرة كمان
صمتت مداعية التفكير ثم قالت بنفس الدلال:
-الصبر الصبر يا شيخ هاجد
- يا صبر ايوب، ما على يدك بقالى اسبوع بعد النجوم في السقف
*****
اجتمعوا على المائدة الكبيرة التى كانت تشمل عائلة
حسين ليتناولوا العشاء معًا، كانت بيسان الابتسامة
تملأ وجهها، ونجاة كانت لا تستطيع أن تحيد نظرها
عنها، حدثها حسين بترحاب:
-منورانا يا دكتورة، تسلم ايديك ياحاجة
اجابته نجاة وهى تربت على ظهر بيسان:
-دية بيسان بنتى وتعبها راحة
-بنور حضرتك
التو ثغر طاهر قائلًا:
-حضرتك ايه بقى دية بتقول بنتى
اعتدلت بيسان فى جلستها ونظرت لوالدته بلطف ثم
رمقته بنظرة ساخرة وهى تقول:
-اكيد طبعًا شرف ليا اكون بنتها، عشان كدا قررت اغسل المواعين مكانك
جز طاهر على اسنانه وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا
فمال كرم على اذنه:
-عنيفة اوى الدكتورة
ثم ابتعد عنه وهو يسألها:
-وانتِ يا دكتورة جراحة تجميلية زى ضياء وكنان
اجابته بفخر:
-لا انا اعلى منهم جراحة عامة
اتسعت عين طاهر من ما تتفوه به بكل غرور وكاد أن يرد قبل
أن يوقفه صوت والده قائلًا:
-والله اللمة دية كانت ناقصه هاجر، معقولة ياحاجة
من ساعة ما تجوزت متعزمهاش مرة هى وجوزها
ابتلع طاهر ريقه بصعوبة وشوقه يفتك به، يموت إلى جرعتها المعتادة من صوتها ومشاكستها وضحكها اغمض طاهر عيناه بألم يمزق نياط قلبه، صمت ثقيل ساد فى
الارجاء رفعت نجاة عيناها نحو طاهر بأسى ثم رسمت
أبتسامة شاحبة موجه حديثها لزوجها:
-طبعا لازم يا حج بس قولت عرسان ومنرخمش عليهم
هز حسين رأسه وهو يتابع حديثه:
-والله وحشتنى كانت عاملة للبيت حس
طالعت بيسان الحزن الخالص المتجلى على ملامح
طاهر وهى ترمقه باستنكار هى كانت تظن أنه يكن مشاعر نحو كيان، نهض طاهر وهو يغمغم:
-الحمدلله شبعت عن إذنكم
بعد دقائق
كان طاهر واقفًا فى الشرفة ينظر للأعلى يطالع النجوم
البعيدة، كبعدها عنه، اصبحت صعبت المنال بعد أن
تركته من وراءها جثة خالية من الحياة، غادرته حطام رجل منذ تلك الليلة ولم يأتى عليه صباحًا يقتله الشوق تنهد بحرقة وهو يهمس بصوت خفيض:
-ووحشتنى أنا كمان
جاءه صوت من الخلف يقف على اعتاب الشرفة فاستدار لها بوجوم وحزن فمدت يدها له بالقهوة
فتناولها منها تحمحمت لتقول:
-الجو جميل إنهارده
فهز رأسه بالايجاب وهو يرتشف من القهوة قائلًا:
-اه حلو اوى، الجو كان كدا فى دبى
-لا هناك بنعيش على التكييف، اممم مين هاجر؟!
قطب حاجبيه وهو يجبيها بابتسامة مرحة :
-مغرورة وكمان فضولية
هاجر بنت عمتى
رغم احتقان وجهها من تلك الصفات إلا انها تابعت حديثها:
-اه انا شفتها مع كيان كام مرة
-اه هى
وضعت فنجان القهوة على الطاولة امامها ثم سألته
وهى تستند على سياج الشرفة خلفها:
-هى اللى كنت بتعيط عشانها
اخرج تنهيدة بصمت كانت هى الاجابة ثم تابعت بحزن على حالته:
-طب ليه ما اخدتش خطوة ولا هو حب من طرف واحد
استند على سياج الشرفة ونظر امامه بعينين عاجزتين
ثم نكس رأسه وهو يقول:
-الظروف كانت اقوى منى
ارتفع حاجبها هو لم ينفى انها حب من طرف واحد
ونبرته تدل انه هو من تخلى عنها صمتت وهى تتأمل
الإنهاك البادى على وجهه فعقبت بسخرية:
-معلش ظروف ايه هو انت كنت بتجهز نفسك مثلًا
-مش كل الظروف ماديات
انهى جملته تزامنًا مع دخول كرم الذى طوى ذراعيه
وهو يسأله بجدية:
-طب ما تعرفنا الظروف دية
رمقه طاهر بحدة ثم غير مجرى الحديث قائلًا:
-على فكرة فاضل حاجات بسيطة وتستلمى العيادة
تحبى نعمل افتتاح يعنى نجهز لكدا
هزت رأسها بالنفى وهى تقول:
-لا مش حابة، هبتدى شغل على طول تعبتك فى
الطلبات الكتيرة
اجابها كرم بسعادة:
-وهو يطول تعبك راحة يادكتورة
****
فى الفجر
عادوا دون علم احد، عادوا والحزن يخيم على قلوبهم
رحل ضياء ومعه والدته واخته متوجهًا إلى بيته
كان ضياء يجلس بجوار السائق ثم اغمض عيناه
متأوهًا غير قادر على السيطرة على حدة انفعالاته
المؤلمة، رمقته والدته بحزن شاعرة بأن قلبها يتمزق
وهى تري ابنها قترب على الانهيار النفسى ثم طالعت
ابنتها التى تنكمش على نفسها وتستند برأسها على
الزجاج تطالع الطريق بشرود، فبدأت انفاسها تتهدج
بالبكاء الخافت وشظايا الوجع على فلذات كبدها
تؤرق روحها وتجلدها، انزلت زجاج السيارة ورفعت
نظرها للسماء وملامحها تفيض بالحسرة تدعو لله
أن يخفف ما يمر به ابنائها، ليتها لم توافق على
زواج ابنتها، الكلمات التى اخبرها بها ضياء
عن الحالة التى وصلت لها ابنتها كانت كنيران
انسكبت فى اذنيها
*****
توجه إلى شقتها فقلبه يصرخ قربها، ركض نحو البناية
ووقف امام المصعد ثوانٍ وكان يقف امام الشقة يطرق
الباب وما أن فتحت الباب تسمرا امام بعضيهما، نبضاته
تستكين برؤيتها، قلبه يتراقص بأن مالكته امامه
ولج للداخل والقى سترته وتقدم نحوها ليجذبها إلى
احضانه فى عناق يتمناه منذ اكثر من اسبوع، ضمها
وكأنه لا يوجد غد، كأنه عناق الحياة، زرعها داخله
تمسكت به كطوق نجاة ثم دفنت وجهها فى صدره
تبكى فأبعدها عن حضنه واخذ وجهها بين يده
-عاملة ايه؟! وحشتينى
اجابته من بين دموعها:
-طب متسافرش تانى
مسح دموعها بانامله، وهو يطالعها بشوق ثم اقترب
يمسح دموعها بشفتاه وهو يهمس:
-انا اسف
اغمضت عيناها ومدت يدها تلامس وجنته شعر كأنه
لمس السماء ويجلس على جناح طير ويرفف فى السماء، شعر بدفئ جسدها وانفاسها المشتعلة بقربه منها، فكانت لمساتها بمثابة دعوة صريحة له لنيل ما يريد ولم يصدق هو الخبر ولبى الدعوة، مال على شفتاها يأخذهم فى قبلة
محمومة ثوانٍ وكان يحملها بين ذراعيه متجهًا بها
للغرفة وضعها على الفراش واقترب ليبحر بها فى
بحور عشقه
بعد دقائق كانت تدفعه بعيدًا عنها وشهقاتها تعلو
ذكريات سابقة تهاجمها بضراوة كانت تخيفها بحق
احكمت الغطاء حولها تدارى نفسها منه وهى تهمس
بأسى:
-اسفة مش قادرة صدقنى حاولت، سامحنى انا عارفة
انه مش ذنبك تستحملنى كدا انت ممكن اا..
اجابها بانفاس متهدجة :
-انا ماكنتش عايز كدا صدقينى الموضوع دا مش فارق
معايا زى ما انتى فاكرة بس هى مرحلة وعايز نتجاوزها
بس متضايقيش نفسك، انا حقيقى مش محتاج غير
حضنك بس انا تعبان اوى ومحتاج ارتاح
جذبها من ذراعها وهو يدثرها بالغطاء يربت على ظهرها
اطبقت جفنيها بقوة تحاول السيطرة على رجفتها قبل
أن تستسلم لسلطان النوم وسكنت بين احضانه الا من شهقات صغيرة تخرج من فمها فى غمرة سكونها
كانت محاولة بائسة للهروب من ماضى مرير بين احضانه
******
شهقت بيلا عندما وجدت ضياء يقف امامها واستقبلته بحفوة وهى تقفز تتعلق فى رقبته، جاهد بصعوبة ليرفع يده ويربت على كتفاها انتبهت على وجود والدته و
كارما وكأن على رؤسهم الطير، ظلت واقفة ترمقهم
باستنكار، حتى جاء صوت ضياء المرهق:
-بيلا خدى ماما وكارما كل واحدة على اوضتها
هزت رأسها فى صمت ثم اقتربت من حماتها تحضن
حماتها ثم توجهت نحو كارما، بينما هو تركهم وصعد
للأعلى، شعرت بوجود خطب ما مما اثار فضولها بطريقة
مريبة، وقفت حائرة فى المنتصف تتفرس ملامحهما لكنها حاولت التغلب على فضولها حاليًا، فرسمت ابتسامة على ثغرها قائلة:
-نورتِ يا طنط، احضر أكل اكيد جعانين من السفر
هزت هويدا رأسها بنفى وهى تجيبها:
-بنورك، بس محتاجة حاجة مسكنة للصداع
سألتها بيلا بجدية:
-هو فى حاجة ياطنط؟!
يعنى انتوا او ضياء فى حاجة
ابتسمت هويدا بوهن:
-لا يا حبيبتى ارهاق السفر
سلطت نظرها على كارما التى تقف خلفها تتفحصها بدقة كانت تبدو غير طبيعية عيناها حزينتين
هزت رأسها وصعدت معهم للأعلى واخيرًا تركتهم بغرفهما، ثم اتجهت نحو غرفتها وما أن فتحت الباب حتى سمعت
صوت نحيب ضياء هرولت تجلس امامه وهى تسحب
يده بعيدًا عن وجهه، كان يبكى بنحيب كطفل صغير
تائه من امه، قامت بيلا بضمة سريعًا ثم سألته:
-مالك يا حبيبى؟!
مالك ياضياء
اجابها ببعض الكلمات:
-اتكسرت يا بيلا ضهرى انحنى، جاتلى الضربة فى اكتر
حتة تموت
نزلت دموعها بتلقائية على حالته، ضياء عمرها بهجة
سنينها كيف وصل لهذه الحالة المُزرية اول مرة
تجده بهذه الحالة همست:
-بعد الشر عليك يا حبيبى فهمنى بس فى أيه؟!
مالك ياضياء
دفن نفسه فى حضنها اكثر فهى ملاذه من قسوة
العالم، وثقل الحمل عليه، فهمس بصوت واهن:
-ضمينى اوى يا بيلا، انا خايف اوى، انا ضعيف
انا تايه
مددته بيلا على الفراش وهى تمسح دموعه باناملها
ثم قبلت جبهته وهمست بنبرة حانية:
-طب نام يا حبيبى دلوقتى واهدى ولما تصحى نتكلم
نام يا ضياء
ضمته اكثر واكثر فتشبث بها فكان حضنها بمثابة المأوى لروحه فى ليلة شتاء قارصة البرودة، ظلت تهدهده كطفل صغير حتى غفت عيناه، لكنه كان ينتفض بين
حين وآخر مغمغًا ببعض الكلمات، ولم يغمض لبيلا
جفن ودموعها تنهمر على حاله
****
بعد مرور شهر
هل هى تستحق كل هذه القسوة من هذا العالم؟
ام إثم وقعت به ذات يوم ووجب عليها رده من راحتها؟!
كانت متكومة على نفسها يكفيها ما عانته من ذل واهانة وقهر ذاقت كافة انواع العذاب لتتجرع من جديد الوجع على يد اخيها من معاملة جافة والتى تغيرت كليًا عما كانت تتلقاه منه قبل فترة قصيرة ليصبح الوضع على النقيض، يرفض محادثتها، او ان يجلس معاها على طاولة طعام واحدة كانت دموعها الساخنة تحرق قلبها قبل وجنتها اغمضت عيناها بألم نفسى وابتلعت دموعها فى جوفها مصدرة تأويهة متألمة، جملة واحدة
تتردد فى اذنيها جملة اخيها
لماذا لم تقومي بقتل نفسك؟!
نهضت من مكانها وهى ترمق باب الغرفة بتوجس، ثم فتحت إحدى الادراج واخرجت منه شئ لامع، توجهت إلى الفراش وجلست ترمق الباب بنظرة اخيرة
مسحت دموعها ثم بأيدى مرتعشة وضعت الشفرة الخادة على معصمها وقطعت شريان يدها انفجرت الدماء حولها، اغمضت عيناها بابتسامة حزينة اخيرًا سترتاح من ذلك العذاب،
فى لحظة ضعف نست الله وانه اقرب اليها من حبل الوريد
****
اهدى بس يا ساهر
قال هذه الكلمات حسين وهو يُهدأ ابن اخيه
تنهد ساهر بحرقة:
-مش قادر ياعمى انا حاولت اسيب الموضوع لطاهر على
امل انه يتصرف الفترة دية، لأن حالتى فعلًا ماكنتش
سامحة لكن انا مش هقدر استنى اكتر من كدا خلاص
اغمض حسين عيناه بألم وهو يقول:
-ومين سمعك دا النار مولعة فينا كلنا، طب اسمع يا ساهر
انا اعرف حد كبير اوى فى الداخلية هبعتك ليه واكيد
هيتصرف طالما طاهر معرفش بس بردو ماتنساش
توصية أنه يراعى الكتمان
هز رأسه بالموافقة ثم اخذ بيانات هذا الرجل و نهض للخارج مندفعًا حتى انه قابل فى طريقه طاهر وكرم
القى السلام مسرعًا بينما رمقه طاهر باستنكار ثم
سأل والده:
-ماله ساهر؟!
-مالوش بعتوا لحد كبير فى الداخلية عشان يشوفلنا
حد يعرف يحرك قضية ميرا
ابتلع طاهر ريقه بصعوبة وشحب لونه ثم نهض واقفًا
يقول بارتباك:
-طب عن إذنك الحقه واكون معاك
سلط كرم عيناه على اخيه ثم لحقه وما أن وصلا اسفل
البناية جذبه كرم من معصمه ليوقفه بحدة:
-افهم دلوقتى كل حاجة، اللى فى دماغى لو صح انا اللى
هقتلك يا طاهر
نزع يده بحدة وهو يتابع السير اعترض كرم طريقه
وهو يرمقه باشمئزاز:
-انت عارف بعملتك دية جبتلنا كلنا العار
جز طاهر على اسنانه وهو يقول:
-ابعد خلينى الحق ابن عمك
لكمة قوية اطاحت بطاهر ارضًا ثم جذبه من قميصه وهو يقول:
-قول يا طاهر مخبى ايه انطق
***
رواية روح بلا مأوى الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الجزء الثاني الفصل الثاني والثلاثون
ليس هناك اقسى من شعور العجز والخذلان
أى خوف هذا دفعها لتحمل كل هذه المعاناة،
يعترف لنفسه انه قد خسر اهم المعارك بحياته، خسر الخسران المبين، ارتمى على الفراش خلفه، عينيه جاحظة ينظر فى سقف غرفته بشرود دون ادنى حركة تلك الغرفة التى اعتزل العالم بها، كانت عينيه ثابتة كحال جسده بينما عقله لا زال يرفض تصديق ما سار مع اخته زفر بألم وكأن انفاسه ما هى إلا خناجر اصابها وبائل الصدى ومع هذا عليه أن يكون قويًا لاحتواء والدته واخته
التفت بنظره عندما فتح باب الغرفة ليجد بيلا امامه
اكتفى بنظرة خاطفة ثم رفع بصره لسقف الغرفة
ثانية؛ نظرة كانت تحمل ألف قصة من الإنهاك
نظرته مؤلمة انفطر لها قلبها، فعيناه خالية من تلك النظرة المرحة التى اعتادت عليها، توجهت لازاحة
الستائر للسماح لتيار الهواء البارد بالمرور غير ذاك
الممتلئ بالاحزان ثم مضت نحوه تجلس على الفراش
-هتفضل كدا ياضياء؟!
المفروض إنك تبقى اقوى من كدا، وبعدين
الحمدلله إنها بخير ودا المهم، هى غلطت لما خبت بس
خوفها عليك كان دافع وهى حبيبتى لسه صغيرة
دية حابسة نفسها فى اوضتها متأكدة انك زى
ماكنت خلاصها هتبقى علاجها، عشان خاطر بيلا
انا مش مستحملة اشوفك كدا
اغمض عيناه بألم من ذاك الحديث الذى سيزيده ألمًا
قبضة فولاذية تزداد ضغط على جدران قلبه، تنهيدة
حارة انبثقت من نيران روحه، ليهمس بوهن:
-كنت بقولها يا برنسيسة، كانت ملكة، بنتى مش اختى
ليه تعمل كدا ليه تسكت وتسمح لک لب زى دا يهينها
كدا، وجعتنى اوى اتعاملت وكأنى ميت، قلبى محروق
على اللى هى شافته وانا كنت عايش حياتى ضحك
وفسح ولا على بالى واثق انها مع البنى ادم اللى بتحبه
لكن دية كانت بتتعذب نار جوايا انا حتى مش قادر
اتعامل معاها ولا استوعب ليه خبت؟ واستحملت؟
انا ماكنتش سند ولا نعم الاخ ضيعت وصية ابويا
لما اقابله اقولوا ايه؟!
حاولت كبح دموعها ثم قالت بمغزى:
-الحياة مبتقفش عند عقبة وتنتهى لازم نقوم ونحارب
مش دا كلامك ليا يا ضياء انت هتقوم وتقف جنب
كارما وهننقل ورقها وتكمل تعليمها هنا واللى حصل دا
صفحة ونقفلها، عشان خاطرى يلا بينا نتغدا كلنا
سوا، عشان طنط هويدا حرام تشوفكم كدا
يشعر أن جدران الغرفة تنطبق على صدره،
طاف الحزن بعيناه وهو يهز رأسه بالموافقة، فاصطنعت
هى الابتسامة وهى تقترب منه تقبل وجنته لكن فى
باطنها تعتصر من الألم على حال زوجها
****
اصدر كنان همهمات وهو نائم ولكنه لم يفتح عيناه فهو
لم ينم بعمق منذ أن ترك ضياء مسئولية المشفى كاملة
عليه، فمالت تقبل وجنته بهدوء، فأمتلأ انفه بانتشاء
من رائحتها فجذبها من خصرها لتقع بجانبه فمطت كيان شفتها قائلة:
-بلاش دلع يا كنان كل دا نوم قوم عايزاك
انفرجت شفتاه وهو يغمغم بنعاس قائلًا:
-دلع ونوم ايه الكلمتين دول، انا نسيتهم من شهر
-طب خليهم شهر ويوم وقوم عشان اوريك حاجة
نهض من نومته وهو يستند بظهره على الفراش ثم
سحبها من يدها لتتوسد صدره فاشارت له على
مقطع فى هاتفها:
-اول حلقة من برنامجها عدت نسبة المشاهدة المليون
دا غير الفيديوهات بتاعت التدريب اللى رافعها ساهر
نسبة المشاهدة بتاعتها عالية اوى انا مش مصدقة
ابتسامتها المبهجة كانت تزين ثغرها مع بريق ينجلى
بوضوح كضوء الشمس اختلج قلبه قائلًا:
-بعشقها يا كيان
عقدت حاجبيها بعدم فهم متسائلة:
-ايه هى؟!
-ضحكتك الصافية اللى من القلب اللى بتنور وشك
وبتنور ليا الدنيا
اطرقت رأسها بخجل فغطت خصلاتها وجهها قائلة:
-طب انا عازماك على العشا انهارده
ضمها اكثر وهو يغمز لها:
-لو عشا رومانسى انا مستعد افضى نفسى
اجابته بمشاكسة :
-نو عشا برا انا بقى معايا فلوس بقى
يا لها من فاتنة تصيب القلب برجفة فهمس :
-طب ممكن تدينى الفلوس لو عايزه تصرفيها
ونسهر هنا
لكزته فى كتفاه وهى تبتعد عنه قائلة:
-هتأخر كدا انا لازم الحق التصوير لو كنت فاضى عرفنى
اجابها بشقاوة:
-خدى بالك الفلوس غيرتك
نهض من على الفراش وهو يزيح الغطاء بعيدا ليستعد
للذهاب للمشفى
****
وضعت يدها على موضع قلبها بهلع؛ قلبها ينتفض بقوة
منذ الصباح فاحساس قلب الأم ينذرها بشئ سئ
لينتفض قلبها بقوة وتتجسد الهواجس المخيفة برأسها، تمتمت ببعض الادعية محاولة صرف تفكيرها بعيدًا
عن هذا القلق، حبست انفاسها مع طرقات خافتة على باب الغرفة قبل أن تجيب بالإذن، دلفت بيلا وابتسامة باهتة تزين ثغرها وهى تقول:
-صباح الخير يا طنط
حركت رأسها بإيماءة خفيفة، ولا تعلم سر انقباض قلبها
تابعت بيلا:
اخبار صحتك إنهارده ايه؟!
-الحمدلله، بس حاسة بحاجة تقيلة على صدرى
رأت تعذر حروفها، وحركة عيناها المتوترة حاولت
بث بعض من الاطمئنان داخلها:
-معلش ياطنط اللى حصل ماكنش سهل لكن مرحلة
وهتعدى واحنا طالما مع بعض وهى بصحة كل شئ
يهون صفحة وعدت ياطنط، بليز لازم انا وانتِ نكون
اقوى من كدا عشان ضياء وكارما وتعدى بسرعة
الفترة دية، وياريت حضرتك تقومى عشان هنتغدا
كلنا مع بعض تحت
-هتعدى ازاى بس يا بيلا انتِ مش شايفه ضياء مش
راضى يتعامل مع اخته ازاى، بقى دول ولادى
اللى كانوا ضحكتهم بترج البيت
رق قلبها لحالها، زفرت انفاسها بتمهل قائلة:
-اللى مروا بيه الاتنين مش سهل وصدقينى مع الوقت
هيبقوا احسن، ضياء مش بيتجاهل بيلا بس الوجع
جامد واحساس انه ماكنش سند ليها، وانها فضلت
حالتها على انها تحكى ليه وجعه اوى، شوية وهياخدها
جوه حضنه تانى بس يهدى
ثم تابعت بمشاكسة:
-هروح لكارما واخدها وننزل وانتِ يلا حصلينى
عشان تأكلوا من اكلى اللى ضياء على طول بيعيب
عليه، طبعًا هتبقى فى صفى
ابتسمت هويدا وهى تربت على ظهرها فانصرفت بيلا
من امامها
******
عاد من عمله مرهقًا لكن سرعان ما تلاشى مع رؤيتها كانت مشتعلة كالنيران وقف يراقبها بينما هى تصب جم تركيزها على الأوراق التى بيدها، وحولها الكثير من الأوراق المتناثرة، شعرها رفعته للأعلى ، وجنتين خمريتين، تأكل شفتاها بتوتر، عيناها ككوب قهوة
ساخنة
طافت عيناه على الاوراق ثم مد يده ليتناول إحدى
الأوراق كانت رسومات لفساتين لكنها غاية فى الروعة
همس بذهول:
-ما شاء لله انتِ اللى راسمة دية يا هاجر
هبت واقفة وهى تقول:
-انت رجعت امته محستش، دول شوية شخابيط
لما ببقى فاضية
-شخابيط ايه دا ابداع انتِ عندك موهبة جامدة
ابتسمت باتساع، ابتسامة باتت تلازمها فى الايام
الاخيرة:
-مش للدرجادى
تمعن النظر فى الرسمة التى بيده، ثم مد يده ليلتقط
رسمة أخرى:
-لا للدرجادى واكتر مفكرتيش تصممى الفساتين دية
هزت راسها بالنفى فابتسم وهو يقترب ليقف مقابل
عيناها قائلًا:
-طب وليه لأ ما تأخدى الخطوة دية وترسمى
وانا اعرف مصممين تنفذ ولو الموضوع مشى
افتحلك مشغل، بس ايه رأيك تبقى فساتين
محجبات وتكون فضفاضة كدا، بدل الموجود اليومين
دول هتساعدى بنات كتير انها تحب الحجاب وهتاخدى ثواب وهتبقى استايل كمان وجديدة ايه رأيك و هيبقى ليكِ شغلك
الخاص
تلألأت الدموع بعيناها وهى تطالع عيناه ثم همست:
-انت بتعمل كدا معايا ليه؟!
انا طول عمرى برسم قدام الكل ومحدش اصلا اهتم
يبص على الرسومات
-انا مش الكل، انتِ مراتى هدية ربنا ليا واى حاجة تسعدك تخلينى انا اسعد واحد فى الدنيا هاجر
فراشات ناعمة تحلق فى معدتها، خفقات مغايرة لنبضات
قلبها مسحت عيناها بظهر كفياها بدت كقطة ناعمة
ثم اسبلت اهدابها قائلة:
-هحضرلك الغدا
قبل أن يجيبها هرولت للمطبخ، اغمضت عيناها بانفاس
متهدجة وهى تضع يدها على موضع قلبها
******
ولجت بيلا إلى غرفة كارما بابتسامة واسعة التى سرعان ما تلاشت عند رؤيتها غارقة فى الدماء
مرت لحظات وعيناها ثابتة عليها، عقلها يرسل
الكثير من الانذارات لكن الحروف هربت من فمها
واخيرًا انفرجت شفتاها بالنداء وهى تصرخ:
-كارما ألحقنى يا ضياء
كارما ليه كدا ألحقنى يا ضياء
صوت صراخ بيلا رج جدار قلوب من فى البيت
ثوانى كان يجلس ضياء على الفراش يطالع كارما
بأعين متسعة عقله انفصل عن العالم ولم يستوعب
ما يحدث اخته جثة هامدة دون حراك
هرولت هويدا بهلع ممتزج بقطراتها المالحة ثم
ولجت للغرفة وما أن رأت ابنتها تمتمت.. ولاح امام
عينيها شبح الفراق صرخت:
-بنتى، بنتى
يا كارما ياقلب امك عملتى كدا ليه؟!
قومى يا كارما هتحرقى قلب امك كدا بردوا
الحق اختك يا ضياء
كانت صرخات امه بمثابة انذار إلى عقله ليسارع
برفع يدها ليرى نبضها كانت جامدة كلوح الثلج، انتفض قلبه بهلع ورعب نواقيس العقل صدعت ليحملها سريعا لخارج الغرفة ودموعه تنهمر على وجنته
وعقله ينسج ألاف النهايات القاسية عن ابنة قلبه
شقت السيارة طريقها بسرعة قصوي، كل ما يريده
أن يلحق حياة اخته، دموعه تهطل على خديه كطفل
صغير، تيار حارق يسري بجسده، وقبضة فولاذية تزيد
من اعتصار قلبه، وكيف له بالراحة ، وصغيرته تصارع
من اجل البقاء للحياة خبط على المقود وهو يطلب
العون من الله:
-يارب ياارب، انا مش اد الوجع دا يارب
متسبنيش يا كارما انا مش زعلان منك انا زعلان من
نفسى ان كل دا حصلك وانا بعيد طب ورحمة ابويا
مش زعل منك، اوعى تعاقبينى كدا
-اه يا كارما يا بنتى هانت عليكِ امك ونفسك يارب
يارب بسرعة ياضياء اختك النزيف مش بيقف
توقفت السيارة امام المشفى الخاص به ليترجل مسرعًا
فاتحًا باب السيارة ثم حملها وهو يركض للداخل وخلفه
بيلا و والدته، كان يصرخ خرج كنان من مكتبه ليجد الهرج والمرج يعم المكان وطاقم الاطباء والتمريض يركض نحو ضياء، وما أن وقعت عيناه على كارما وقف كالمصعوق فاق على يد هويدا تقبض على معصمه قائلة:
-كارما هتموت منى يا كنان
ابتلع خوفه وهو يطالع ضياء ثم صرخ أمرًا بدخولها غرفة العمليات لكنه لم يقدر على الدخول وبقى خارجًا
مر اكثر من ساعتين وظل ضياء مرابطًا امام غرفة العمليات وعيناه تراقب دخول وخروج التمريض
بهلع، لكن قدماه ابت الصمود ووقع على الارض
وشهقاته تعلو حاولت بيلا معاونته على النهوض
هز راسه بنفى لها ثوانٍ وكانت تخرج الممرضة
تطالب بالتبرع بالدماء، هز كنان رأسه سريعًا وهو
يقول:
-انا نفس الفصيلة يلا تعالى، بيلا سيبى ضياء وادخلى
اطمنى على طنط هويدا
مرت ساعة اخرى وخرج الطبيب وقد بلغ التعب
مبلغه وحبات العرق تحتل جسده تشبث ضياء بالمقبض
المعدنى ليعاونه على النهوض اقترب بتوجس دون ان
ينطق فابتسم الطبيب مطمئناً :
-الحمدلله يادكتور اطمن ربنا ستر
انهى الطبيب جملته تزامنا مع وصول كنان الذى انحنى
يستند على قدماه وعيناه تقطر عبرات مالحة، ثم
استقام ثانية، انصرف الطبيب من امامهم، تقدم كنان
يحتضنه وهو يقول
-الحمدلله عدت على خير وطنط هويدا انا مديها
منوم تقيل متقلقش عليها
بعد مرور عدة دقائق كانت قد نقلت إلى الغرفة المخصصة، ظل واقفًا امام الحاجز الزجاجى يناجى
ربه، فهذه الصفعة اعادته للحياة
******
- بقولك ايه دخلك فى موضوع ميرا؟!
تلك الكلمات قالها كرم وهو يقبض على تلابيب طاهر
دفعه طاهر بحدة فى صدره وهو يقول:
-عايز ايه ياكرم
-انا مش قولت تبطلوا مصارعة التيران دية ؟!
كان هذا صوت نجاة الذى صدح من الخلف ثم تابعت
-انتوا كمان بتتصارعوا فى الشارع
رشقه طاهر بنظرات نارية قبل أن يصدح صوت هاتفه
فاخرجه من جيبه فوجدها بيسان فلم يجيب حتى
ضيقت والدته عيناها وهى تقول:
-مش هترد على التليفونك
-دية بيسان يا امى هرد بعدين
لكزته امه فى كتفه وهى تقول بحنق:
-مفيش ذوق، انت ناسى انها معزومة عندنا رد عليها
بسرعة رد
ضغط على زر الاجابة بتأفف، ثوانٍ وقد تبدلت ملامحه
بذهول وهو يقول :
-لا حول ولا قوة إلا بالله، خلاص مفيش مشكلة
هبلغ ماما، مش محتاجين حاجة
اغلق الهاتف بحزن وهو يقول:
- بيسان مش هتعرف تيجى
رمقته والدته باستنكار:
-هو فى ايه يا ولا مالها تعبانة
رفع نظره نحو كرم بنظرة خاطفة ثم تابع:
-اخت واحد نعرفه اسمه الدكتور ضياء انتحرت
حبست انفاسه لثوانى قبل أن يصدع الناقوس الأعظم
انها قد رحلت مع الراحلين، ويصدح القابع بين اضلعه
بهلع ثم سأله بريبة:
-ماتت؟!
حرك طاهر رأسه بيأس فاخيه سيواجه نفس مصيره
فتنهد قائلًا:
-لأ لحقوها
تألم قلبه وبدأ مرحلة الصراع بين القلب والعقل
*****
-كيان ايه يا ست الشيف فينك؟!
تلك الجملة قالها كرم وهو يحدث كيان على الهاتف
فاجابته:
-حصل انا مشهورة خلاص ومش هرد على الفون تانى
هجيب حد يرد عليكم
قهقه طاهر على طريقتها ثم اردف بجدية:
-كيان ممكن خدمة، ممكن تتصلى بساهر وتطلبيه
يجى عندك ضرورى عشان يقضى اليوم معاكِ لأنه
بيدور ورا الواد اللى السبب فى اللى حصل لميرا
وممكن الموضوع دا يأذيه
ثم تابع وهو يؤكد عليها:
-بلاش تعرفيه انى كلمتك كأنك عايزاه فى حاجة ضرورى
تمام
اغلق هاتفه وتنهد بتعب وهو يقول لنفسه:
-وبعدين يا طاهر؟!
****
-انت ايه اللى جابك؟!
تلك الكلمات نطقها تامر بامتعاض وهو يرمق ساهر الواقف امامه اجابه ساهر بحنق:
-هى اختى اشوفها وقت من عايز انت مالك؟!
رفعت كيان يدها علامة على توقف الشجار بينهم قائلة:
-انا محتاجكم انتوا الاتنين، ساهر عايزه سيشن للأكل
عشان انزله فى حلقتى وانت يا تامر محتاجه انك
تحط لمستك على الاطباق انت احسن حد يعمل
تصميم للاطباق الاكل، ودلوقتى دوقوا كدا المنيو بتاع الاكل
ابتسم تامر وهو يقول بغرور:
عرفيه انى انا وجودى قبل منه فى حياتك
-انتوا الاتنين يا تامر اخواتى ويلا بقى اتفضل كل
وقول رأيك
بدأ تامر بالاكل بتلذذ كى يثير حنق ساهر، ربما يراها
البعض سلبية بقبولها تامر فى حياتها بكل ما يفعله
لكن لن تخسره، فهو انعكاس لصورتها وما عانته وما خفى فى النفس من تجرع مرارة العيش
دون اهل، فقط من عاني مثلهم سيعلم جيدًا كيف يكون التخلى صعب، اغمضت عيناها بألم
*******
حل الليل سريعًا فقد حمل النهار فى جعبته الكثير والكثير فاقت هويدا واطمأنت على ابنتها انها
مازالت على قيد الحياة لكنها لم تفيق بعد
كانت بيلا تشعر انها مرابطة بالاثقال وهى تطالع حالة ضياء تشعر انها عاجزة
حتى عن التخفيف عنه وبدا الارهاق عليها، فتقدم كنان
من هويدا قائلا:
-يلا يا طنط اروحك انتِ وبيلا تغيروا هدومكم من الدم
دا، هزت رأسها بنفى:
-استحالة اسيب بنتى كدا؟!
-صدقينى كارما كويسة وكل دا مهدئات والحمدلله هى
زى الفل، يلا عشان بيلا كمان واقفة كدا من الصبح
كتير عليها انا هروحكم تغيروا وهجبكم تانى وبلمرة
تجيبوا هدوم لضياء، هو محتاج يفضل جنبها عشان
خاطرى يا طنط يلا وكمان ماما جاية الصبح
هزت رأسها بالانصياع ثم نهضت وهى تطالع بيلا والدموع تغرق عيناها ووجهها الشاحب وما أن مضت
نحوها ارتمت بيلا فى احضانها ربتت على ظهرها وانصرفا معًا
*****
يحاول جاهدًا ان يغمض عيناه، عظام جسده تأن عقله
رافضًا الراحة صورتها تشن عليه حربا وتهاجمه بضراوة
كلما اغمض عيناه ظهرت امامه، همس لنفسه متسائلًا
لماذا؟! هذه طفلة، لكن بات عليه الإعتراف أن ذلك الألم
عجز قلبه على تحمله، قلبه يخفق بنبضة شاذة مغايرة
لنبضاته ازاح الغطاء وفتح الدرج التقط منه شئٍ
ثم توجه للمشفى
لم يمر كثير وكان يقف في اول الردهة يراقب ضياء
الذى يقف امام غرفتها اخرج هاتفه من جيبه
وقام باارسال رسالة، دقائق وكانت بيسان تقف
امامه والغريب انها لم يبدو عليها الدهشة، بل
كانت متوقعة ابتسامة بترحاب:
-عامل ايه يا كرم
جمع بعض الحروف فى محاولة لأخراج جملة ثم همس
بإحراج:
-ممكن اعرف ايه اللى حصل؟!
وممكن اشوفها
سردت له ماسار مع كارما وقصة طلاقها مشاعر غريبة
انتابته ثم سألها مجددًا:
-ممكن اشوفها؟!
-انا مش هقولك ليه بس انت شايف ضياء
عيناه كانت تترجاها فتنهدت قائلة:
-لما تشوفنى اتحركت انا وضياء ابقى ادخل
خمس دقايق بس لان ضياء مش هيبعد اكتر
هز رأسه بالموافقة كطفل صغير لينل رضا امه
*****
جمع بعض ذرات الهواء فى رئتيه ثم ولج للغرفة،
ولم يعرف اى درب يسلك، وما أن رأها كجثة هامدة
خفق قلبه بشدة، وجف حلقه، وقف امامها يشعر برغبة
قوية فى ضمها لكن عقله زجره بقوة، انشطر قلبه عندما
طالع الضمادات فى يدها أى عذاب نفسى وصلت إليه
لكى تفرط بروحها هكذا، طفلة بريئة، ضحك عقله هنا
إذا هى فى نظرة طفلة لماذا هو واقف هنا
تجمعات حبات العرق وكأنها فى فصل الصيف وليس الشتاء، وجهها كان يحكى ألوف من قصص الخذلان
والوجع والقهر اقترب يهمس امام عيناها:
-هستناكِ تقومى وتفوقى، اصلى مبحبش حد يضحك
عليا وانت سرحتى بيا زى عربية بطابطا
اقترب منها واخرج السلسال الخاص بها ووضعه
حول عنقها ثم اغلقه باحكام ورمقها بنظرة اخيرة وهرول خارج الغرفة
******
-تعال ياكنان فرصة نسهر مع بعض
-تلك الجملة قالها زهير وهو يضع يده على كتف ابنه
هز كنان رأسه وتوجه مع والده ليجلس فى حديقة
المشفى
تنهد كنان بوهن وهو يقول:
-الايام دية صعبة اوى
زفر زهير بألم حقيقى:
-روحى كانت هتروح وهى فى العمليات
المهم انت اخبارك ايه فى الجواز
ابتسم كنان بانهاك:
-الحمدلله
-الحمدلله، طب ناويين تشدوا حيلكم امته وتجيبوا حفيد
يكبرنى
حك كنان مؤخرة رأسه وهو يقول:
-لما ربنا يريد
اجابه زهير بمكر:
-يبقى ظنى صح؟!
رمقه كنان باستغراب:
-ظن ايه؟!
-انتوا لسه متممتوش جوازكم على فكرة واضح وابوك مش عيل
اغمض كنان عيناه لحظه ثم فتحهم ليطالع والده قائلًا:
-كيان ليها ظروف خاصة
ابتسم داخله بشر وانه قد حان وقت تفجير براكينه:
-انا مش حابب اكون بتدخل بس على الاغلب انا
حاسس ان الموضوع ماكنش تحرش بس وهى صغيرة
ممكن يكون اكبر وهى فقدت عذريتها ومش عارفة
تقولك وبتخبى عليك، بس انت كدكتور تقدر تحتويها
وتعرف
اظلمت عين كنان وكأنه يجلس على جمر نهض واقفًا:
-ايه الكلام دا لو فى حاجة كانت كيان وضحت وعلى
العموم مش وقته ولا مكانه عن إذنك
****
خرج من الشركة وجد كرم يستند على سيارته يطوى
يده امام صدره ووجهه محتقن بالدماء وما ان اقترب
منه طاهر حتى صرخ بوجهه:
-انطق حالًا، إلا والله هقول لأبوك كل حاجة
هز رأسه بالموافقة قائلًا:
-هنطق بس قبل مانطق فى حاجة
لكمة فى وجه لكمة عنيفة فنزفت الدماء من انفه
وقف طاهر امامه كالطود يقول:
-دية عشان بس شكيت انى اعمل الوس.اخة دية
الواد اللى عمل كدا فى بنت عمك يبقى اخو كيان
من امها
توسعت عيناه بصدمة وهو يهمس:
-ازاى ما تنطق وتفهمنى
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثالث والثلاثون
كان كرم يقبع فى هذه اللحظة بين تلابيب الصدمة،
يعد الثوانى وهو ينتظر تفسير لما سمعه
استفحل شعور طاهر بالغضب حينما تأكد شك اخيه به، الله وحده يعلم كم يرغب فى صفعه وتكسير عظامه، رشقه بنظرات غاضبة، براكين تضطرم بداخله تحرضه للانقضاض عليه ثانيةٍ، قضم شفتاه السفلي بعصبية
واضحة وهو يرشقه بنظراته الشرسة، زمجر طاهر
بعصبية:
-قولى سبب يمنعنى انى اطلع بروحك بعد ماشكيت
فيا اعمل الوساخة ديه
هتف كرم بنبرة حادة:
-ممكن افهم ايه الموضوع بظبط
كانت ملامحه متأهبه وكأنه سيخوض قتالًا لكنه همس
ببرود عكس ما بداخله:
-عايز تعرف ايه ما قولتلك اللى اتنيل وعمل كدا أخو
كنان
جز كرم على اسنانه وعيناه تنفثان النيران هاتفًا:
-انجز يا طاهر
رمقه طاهر بتهكم ثم تابع:
-ماشى يا سيدى اللى هقوله دا مش عايز حد يعرفوا
يوم فرح ضياء بعد ما مشيت انت وهاجر جالى
اتصال من حد انا اعرفه فى الداخليه وهو بيقول أن
اللى عمل كدا شكله حد معرفة بعمك، بعد ما كام كاميرا
جابت شكله والعربيه اللى كان راكبها التحريات وصلت ان فى علاقة من ناحية عمك ،خلصت
الفرح وطلعت اجرى اشوف الحوار فهمت انه ابن مرات
عمك اللى كان متجوزها فى السر يعنى اخو كيان من امها للحظة ظنيت بينتقم
لأمه طلبت من الرجل الموضوع يفضل سر لحد
ما اروح واشوفه الاول، راقبته طلع عيل صايع، جيت مره خليته
راجع بليل وقطعت عليه الطريق واديتوا علقة وربطوا
واخدتوا على مكان مهجور وعرفت ان دا ترتيب امه
انه يعمل كدا فى بنت عمك ويرسم الحب عشان يضحك
عليها ويطلعوا منها بمصلحة، حبسته كام يوم لدرجة ان وروحه كانت هتطلع فى ايديا، طبعا انت عارف انى مقفل قضية ميرا من الأول على انها حادثة عربية هى وعمى واتوفى فيها عشان سمعة العيلة
فروحت ملبس الو.سخ دا قضية تانية ورميته فى السجن طول عمره، عشان كيان لو عرفت جحود أمها هتنهار أكتر وتعبب انت متخيل الست اللى مدورتش عليها طول عمرها دورت على أختها من أبوها
عشان تأذيها ومدورتش عليها لو مره واحدة،
وعشان ساهر كمان استحالة كان هيبقبل كيان
اللى كانت أمها سبب فى موت أبوه وأخته وتعب أمه
فهمت بقى مش حابب ساهر يعرف ليه
توسعت عيناه بذهول:
-كل دا عملتوا لوحدك وأنا معرفش ليه؟!
طب كنت عرفني؟!
-ماكنش عندى وقت ساعتها وكان لازم اتحرك بسرعة
غير لو قولتلك كان ابوك هيشك فى فينا
ران الصمت بينهم ثم حدثه بنبرة حزينة:
-عشان كدا بعدت عن هاجر، طب كنت عرفنى وأنا اتصرف، أنا افتكرتك مش عايزها
-أنا اللى افتكرت انها مش ممكن تعمل كدا
استحالة تبعد عنى عشان كنت غبي
ثم تنهد بوجع وهو يقول:
-خلاص هى بقت على ذمة راجل تانى
وضع كرم يده على انفه محاولًا تغير مجرى الحديث قائلًا:
-بس ايدك تقلت اوى ياجدع
رمقه بتهكم ثم سبقه بعدة خطوات قائلًا:
-احمد ربنا كان المفروض اطلع بروحك
ومضت عيناه بفخر وهو يطالع اخيه يسير امامه لكن
الحقيقى الامر يشبه البركان خامد من الانفعالات ينتظر
أى لحظة للانفجار فهو يسير بروح بلا مأوى
******
مرت ساعات الليل بتمهل شديد، والشمس اضاءت السماء
معلنة عن يوم جديد، كان ضياء جلس على المقعد المعدنى المقابل للغرفة لم تعد قدميه تحمله بعد الانهيار
الذى عاشه ليلة امس، يده تحتضن وجهه وقد استحال إلى ورقة بيضاء شاحبة
اما كنان كان يستند على النافذه وعينيه لا تفارق السماء
يراقب الشمس وهى تزحف لتنير الكون، ابتلع غصة مريرة تكوى جوفه، قبضة فولاذية فتكت بقلبه، فكلام والده كان ليس ألا ملحًا على جرح لا يتحمل المس، زفر بحرقة تاركًا النافذة ليجلس
بجوار ضياء لكنه وجد إحدى الممرضات تستعد لدخول
غرفة كارما فأوقفها قائلًا:
-استنى هدخل أنا خليكِ انتِ
وقف ضياء فاوقفه كنان بيده ثم مضى نحوه قائلًا:
-خليك انت هطمن عليها الاول وبعدين انت ادخل
اقعد ريح كدا واطلب حاجه تشربها عشان تفوق
قال جملته وتركه وتوجه للداخل وما أن ولج للداخل
وجد بصرها معلق بسقف الغرفة وقطرات الدمع غَشت
عيناها، تألم قلبه لرؤيتها بتلك الحالة، اقترب من الفراش
ليفحصها ليتأكد من سلامة المؤشرات الحيوية فهمس
بصوت متحشرج:
-احنا بقينا حلوين خالص
كانت عيناها تنسج قصة من الانهزام، والضياع، والتحطم، الخذلان، اغمض عيناه بوهن يشعر
بالاشفاق ليس عليها فقط على كل من يفرطون
بحياتهم بتلك السهولة ومن تملك اليأس من نفوسهم
مضى نحوها ليجلس بجوارها على حافة الفراش فهمست:
-هو انا جيت هنا إزاى؟!
ضياء وماما عرفوا؟!
-ماكنتش اعرف إنك مش بتحبى ضياء كدا ولا
طايقة تشوفى خلقته، طب مش كنتى قولتى
تيجى تقعدى عندى بدل ما كنا هنموت من الرعب عليكِ
اغمضت عيناها على تلك الدمعة العالقة باهدابها وهى
تقول:
-قصدك العكس يا ابيه، هو اللى مش طايقينى
واكيد دلوقتى مش عايز يبص فى وشى وقرف
منى اكتر
بدا الاستنكار والذهول على وجهه:
-يقرف منك انتِ يا كارما، إزاى دا حرام عليكِ
هو كان مش مسامح نفسه عينه مش قادر يجبها
فى عينك لكن مش زى ما انتِ فهمتى حقيقى كلنا
فى صدمة ازاى تحاولى تنتحرى وتموتى نفسك ياكارما
عارف لو كان جرى ليكِ حاجة كان ضياء هيتحكم عليه
بالموت بالحيا، ضياء كان انتهى، انتِ عارفه عامل ازاى
من امبارح، بلاش هو طنط هويدا كانت هتروح فيها اوعى اسمعك تقولى كدا تانى، ومش هتكلم
فى اللى انتِ عملتيه خالص دلوقتى لينا قاعدة بعدين
عشان ضياء هيتجنن ويدخل يشوفك
كان لواقع حروفه اثر على قلبها، عندما ادركت ما فعلته
وما كانت ستسبب به لعائلتها انتحبت بقوة وكان الفراش
يهتز معاها ضم كنان رأسها إلى صدره بحنان اخوي
اراحت رأسها بسكينة وهى لا ترى أى امل بالحياة،
شعرت بشئ ينغرس برقبتها من ضمة كنان رفعت
يدها تتحس رقبتها فوجدت سلسال والدها ابتلعت
بصعوبة والصدمة ألجمت حواسها كيف وصلت إلى
رقبتها ثانيةٍ تساؤلات كثيرة تدور برأسها
اخذت الافكار تعصف برأسها الكثير من الافكار
تتصادم وتتشاحن
****
فى نفس التوقيت بالخارج
-يااه كنت قاعد نفس القاعدة ديه من ١٥ سنة ونفس
الكسرة والدنيا سودة فى عينيا بس كان لازم اقوم
عشان اللى فى رقبتى
تلك الجملة قالها هاشم وهو يجلس بجوار ضياء فاردف
-مش قادر
ابتسم هاشم وهو يهز رأسه بوهن:
-انا كنت بقول كدا بردو، لما خرج ليا
الدكتور وادنى الرجل اللى اتبترت بتاعت بيلا
عشان ادفنها روحى اتسحبت شوفت سواد وبس ولما بيلا عرفت كانت طفلة ١٠سنين بقت تصرخ انا عايزه رجلى فى لحظة ديه عمرى ما اتخيلت أن فى فرحة ممكن تدخل قلبى تانى انا كدا انتهيت، لكن عشان لبنى وبيلا وقفت زى الجبل ولا يوم اتهزيت وقولت قضا اخف من قضا وبنتى معايا وانا معاها وهنعدى الطريق دا، لبنى كانت متدمرة نهائى لو كنت سبتها يمكن كانت وصلت لطريق مسدود
انتفض قلبه وهو يسمع تفصيل حادث رفيقة قلبه
وما عانته من وجع تنهد وهو يمسح دامعة هاربة
ربت هاشم على كتفه قائلًا:
-لما تكون موجوع عيط عادى، دموع الراجل مش عيب
ومش ضعف، لكن اختك
محتاجاك جبل عشان تقدر تسند عليك دلوقتى
انا مجوز بنتى للراجل وانا واثق من كدا، على فكرة
انا كنت عارف طريقتك ديه عشان تلهى بيلا فى
مشاكلنا والوقت يجرى وانا كنت بطاوعك عشانها بس
كنت واثق فيك، كان نفسى فى ولد طول عمرى ولما
حصل دا لبيلا لبنى مقدرتش تاخد الخطوة ديه تانى
بس لما بشوفك كنت بسأل نفسى هو انا لو كنت جبت
ولد كنت هبقى فخور بيه كدا، كان هيبقى فاهم
وعاقل اوى كدا
رفع ضياء عيناه إليه باستنكار، فهز هاشم رأسه وهو يقول:
-اه بس بردو مش بطيقك، قوم وامسك الزمام فى ايدك
تانى واوعى يفلت منك تانى مش كل مره هتعدى
على خير
نهض هاشم واقفًا ثم نهض ضياء ووقف مجابهًا له قائلًا
بعينين تلمعان بامتنان:
-شكرًا
-شكرًا بس كدا، والله ما عارف بنتى حبت فيك ايه؟!
اولاه ظهره وانصرف، ثم ولج ضياء للغرفة والتقطت شهقاتها بين فؤاده الموجوع والغاضب منها، فحمحم فابتعد عنها كنان لينصرف للخارج قبل أن يخرج ربت على كتفه ليحثه بعيناه على ضبط انفعالاته، ثم مضى نحو
الباب، بينما هى كانت ترتعش تخشى أن ترفع عيناها
فتتلقى القسوة من شقيقها على ما فعلته؛ الذى سيستمر
كوصمة عار فى روحها، تقوقعت على نفسها ودموعها
تهبط بصمت، زفر بشجن ثم اقترب يمسح دموعها
وهو يضمها إلى صدره، ثم قبل جبينها فرفعت عيناها
المصدومتين لا تزال الدموع عالقة باهدابها فهمس بندم:
-انا اسف
-بتعتذر
اجابها بصوت متحشرج والدموع تملئ عيناه:
-لأن عينى غفلت عنك انتِ بنتى لأن من غير ما حس
قصرت وكنت بدل ما اشيل همك انتِ اللى شلتى همى
لأنى ماكنتش السند والضهر
انفجرت باكية وهى تدفن رأسها بصدره:
-لا طول عمرك سند وضهر وانا اللى غلطت سامحينى
-خلاص، اللى عدى ننساه ونبدء من جديد
هزت راسها بالموافقه فضمها اكثر، ثوان وكانت تدلف
هويدا وخلفها بيلا، تسمرت هويدا وهى تنظر إلى
ابنتها بوجع وحسرة تكتم صرخاتها المطعونه على
ابنتها، طوقتها سلاسل الاحزان والاوجاع وقف ضياء
قائلًا:
-تعالى يا امى كارما الحمدلله زى الفل وهتروح معانا
إنهارده
ثبت نظرها على ابنتها الشاحبه ثم توجهت تضمها وتبكى
بحرقة، وقف ضياء يطالع والدته واخته موجوعًا قلبه
يؤلمه، رمق التى تقف فى الزواية ودموعها تنهمر فى
صمت، اقترب منها يمسح دموعها بانامله، فارتمت بين
ذراعيه تتشبث به اكثر واكثر فهو مصدر قوتها، بينما
كانت كلمات حماه لازال صداها فى عقله ابتعد
وهو يسحبها ويقف به امام والدته قائلًا:
-دلوقتى يا هويدا هانم ممكن نوقف عياط ونشوف حل
لمصيبتى انا وبيلا
ابتلعت بصعوبة وخرجت حروفها متعثرة:
-فى اايه بسس تانى يا ضياء
-هو بعد خضت بيلا ديه بقى فى أمل فى الخلفة
خلاص كدا
لكزته بيلا وهى تطرق رأسها للأسفل بينما حاولت
والدته أن تجريه حتى تلطف الاجواء:
-شوف التلكيك لا شد حيلك انت كدا عايزه بيبى جميل
همس لبيلا فى اذنيها:
-شكلى هيبقى وحش ولازم اسمع كلام امى
ثم تابع قائلًا:
-عدي يا كارما على ايدك تسع شهور واخليكِ عمتو
ابتسامة باهتة لم تصل لعيناها فجراح الروح لا تزول
بسهولة بل هى اشد قسوة اغمضت عيناها بتمنى ان
تنتهى المأسى وتنسى ماضيها التعيس، اما هويدا كان
لسانها ينفرج بتمتمه شاكرة للرحمان فلن يصيب فلذة
كبدها بمكروه
*******
رحل النهار سريعًا حاملًا فى جوفه الكثير، فتح باب
شقته فهو منذ أن عاد وهو لم يرجع للفيلا بناءًا على طلبها، وقبل أن تطأ قدمه للداخل كانت تهرول عليه
جاحظة عينها من رؤيته هكذا، فسألته بتوجس:
-مالك كدا صوتك قلقنى من ساعة ما كلمتك
مالك شكلك عامل كدا ليه؟!
لم يستطيع الرد سوى ببعض الهمهمات:
-هحيلك كل حاجة بس محتاج اخد دوش قبل اى حاجه
دلف للمرحاض وقف تحت صنبور المياه الدافئ بسبب
برد الشتاء ثوانٍ وكان يخرج متلفح بمنشفه قطنية
وعارى الصدر لتشهق كيان وهى تهرول لتغلق نافذة
الغرفة قائلة:
-حد يخرج كدا فى الجو دا هتاخد برد
-عايز انام فى حضنك وتدفينى محتاجلك يا كيان
لم تقدر امام نبرته الراجية ان ترفض فتوجهت للفراش
وكانت دعوة صريحة لموافقتها على تلبية طلبه،
اراحت رأسه على صدرها ليسمع صخب نبضاتها، اغمض
عيناه بإنهاك قاصدًا الراحة التى سلبت منه الليلة الماضية
*****
بعد مرور اكثر من اسبوع
كانت هاجر فى شقة حماتها حاملة بيدها المبخرة
وبدأت تتحرك فى كل اركان البيت وهى تتمتم بالادعية
وقراءة المعوذتين وظلت على تلك الحالة حتى انهت
الشقة ثم توجهت للمطبخ ووضعتها به، وعادة ثانيةٍ
لتجلس مع عمات هاجد لتجدهم متجهمين الوجه
فابتسمت قائلة:
-هاجد، بيحب البخور دا حتى هو اللى بيجيبه مخصوص
ابتسمت مايسة وهى تأكد على كلامها:
-ايوه بيحبه حتى بيجبلنا احنا كمان
انا عارفة الموضوع دا عن شيخي من زمان
جزت هاجر على اسنانها واستدارت بوجهها لحماتها
فاسبلت حماتها اهدابها كإشارة للبدء الحرب
لكن لسوء الحظ كانت هذه الاشارة تزامنًا مع وصول هاجد الذى وقف فى الزواية يراقب الموقف كأنه يشاهد فيلم سينمائى
تحولت ملامح هاجر الناعمة للأخرى شراسة، وقد
ظهر ذاك جليًا من نبرة صوتها النافرة، كما تنفر الجمال
من عقالها مصحوبة بغيظ قائلة:
-شيخي، شيخي، شيخي
معلش مين قالك أن هاجد شيخ، هو عشان ملتزم يا حبيبتى يبقى شيخ!
هزت مايسة رأسها بالسلب وهى تقول:
-لا طبعا شيخي، هو اول حد حفظنى القرأن
اجابتها بتهكم:
-يبقى تقولى الشيخ هاجد، مالهاش لازمة ياء الملكية
يا حبيبتى، لانه جوزى ومش حلوة شيخي اصلي
لما انتى تحطى ياء الملكية انا احطله ايه؟!
كلماتها التى تخرج من فمها جعلت الطير يحلق فوق رؤوسهم للحظات، لتقطع ذلك الصمت عمة هاجد بنبرة رداعة:
-انتِ ازاى تتكلمي كدا هاجد دا ابن اخويا ومربيها
وبتقول عليه شيخي من قبل ما نشوفك حتى
ثم تابعت وهي توجه حديثها لحماتها:
-جرى ايه يا سوسن عجبك كدا نتهان فى بيت اخويا
هزت رأسها مداعية الاسف وهى تقول:
-اهو على الحال دا كدا صوتها اعلى منها ومحدش
قادر يكلمها
الذهول يطل من جفونهم المتسعة حتى سألتها عمة
هاجد الاخرى بتشكيك:
-عايزه تفهمينى يا سوسن انتِ بجلالة قدرك مش
قادرة عليها دا اخويا ماكنش بياخد بكلام حد غير
كلامك
دون أن يراها احد كانت حماتها تغمز لها، فانفجرت
هاجر باكية تشهق عاليًا، ضربت عمة هاجر على
صدرها وهى تسأل ما حل بها، فكانت الصدمة الكبرى
من نصيب الذى يقف هناك فى الزواية مما ادى إلى
جحوظ عيناه ببلاهة
فتابعت هاجر بكاؤها وهى تقول مدعية القهر:
-اكمنى يتيمة الأم وماليش حد يقف ليا ولا أم جانبي
تبيعوا وتشتروا فيا حرام دا ولا حلال دا حتى الرسول
وصى باليتيم
انتفضت مايسة من مكانها تربت على ظهرها قائلة:
-اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وحدى لله يا هاجر انا ماكنش قصدى ازعلك بس والله دا امتنان وعرفان لأنه حطني
على اول الطريق وبنقول شيخي على اللى بيحفظنا
وانا اسفة مش هقولها تانى
غطت وجهها براحتيها وهى تغمغم:
-انتِ مش شايفة مامتك بتزعق فيا ازاى دا انا لسه
مفقتش من موت امى وقلبي واجعني وزى أي
بنت محتاجة امى تكون معايا زيك كدا ما هى بتدافع
عنك
تنهدت حماتها بأسف وهى توجه حديثها لعمات هاجد
قائلة:
-شوفتوا بقى سوسن مش قادرة تتكلم ليه هاجد مانع
حد يزعلها نهائى وبيقولى خليك امها كفاية جرحها
لسه جديد
ما زال عقله فى حالة ذهول وهو يشاهد هذا المشهد الهزلي حتى تنحنح وقرر أن يعلن عن وصله كى ينهى ذلك العرض، فتوسعت عين هاجر وهى ترمق حماتها، بينما نهضت عمة هاجر
بابتسامة باهتة:
-حمدلله على السلامة يا حبيبى، يلا يا جماعة احنا
عشان منتأخرش
-ليه يا عمتى خليكم قاعدين نتغدا على بعض
صدح صوت عمته باعتذار ثم رحلت ومن خلفها ابنتها
وعمته الأخرى دون انتظار كانت وجههم شاحبة، ضيق هاجد عيناه وهو يجز على اسنانه ثم رمق والدته وهاجر متسائلًا:
-هو فى ايه؟!
اجابته والدته بهدوء:
-ايه يا حبيبى مالك متأخرين زى ما بيقولوا
هروح احضرلك الغدا
هرولت والدته إلى المطبخ ابتسمت هاجر بخفوت له ثم
نهضت لتلحق بحماتها، وقف فى المنتصف يضرب
كفًا بالاخر قائلًا:
-ريا وسكينة عايشين معايا
فى المطبخ
-تفتكرى كان هنا من بدرى؟!
كانت تلك كلمات هاجر فاستدارت لها حماتها لتقول:
-وليكن وايه يعنى؟!
صمتت للحظات ثم سألتها بمكر :
-مش انتِ عندك حساسية
-اه، ودا ماله ومال دا
زفرت والدة هاجد بسخط قائلة:
-يابت ركزى اعملى نفسك عندك كرشت نفس
ألبخيه كدا وهتعدى، ماهى البت اللى ملزقة زى امها
فجأة كان يقف خلفهم كالمارد وعينين حاده كالصقر
متسائلا بخشونة:
-عايز افهم ايه اللى حصل وعايز رد
رمقتها حماتها بطرف عيناها فبدأت هاجر تسعل وتستند
بيدها على صدر هاجد لتقول بانفاس متهدجة:
-نفسي نفسي البخور خنقني
اغمضت عيناها وهى تضع يدها على رأسها سريعًا كان
يحملها هاجد بين ذراعيه ليخرج بها خارج المطبخ فألقت برأسها على كتفاه ثم ارسلت قبلة فى الهواء
لحماتها، بينما هو كان يعلم انها تخدعه فدائما ما
تشعل البخور فى شقته لكن لا مانع من دلالها بل
هو اكثر من مرحب
*****
-ماما وكارما خرجوا؟!
تلك الكلمات اردفها ضياء فاجابته بيلا
-ايوه نزلوا هيتغدوا فى النادى انا ما صدقت اقنعت طنط
وكارما وبكرة هنروح نشوف الجامعات
كانت ترتدى قميصًا ناعمًا يكشف عن ظهرها المرمرى
وتضع من عطرها الذى يسكره، تطلع لها بعينتين
مغرمتين وهو يحيط خصرها من الخلف ويدفن رأسه
بين خصلات شعرها مغمغمًا:
-انا قولت لكارما تعد تسع شهور وهتبقى عمة وعدى
شهر واحنا اخوات كدا تفتكرى الولادة فى التامن مش خطر
توالت خفقات قلبها وراء بعضها بشكل سريع بينما وجهها ازداد احمرار ساحر وهى تعض على شفتاها:
-بس يا ضياء انحراف عندي شغل
-هشش، الانحراف دا ليفيل المبتدئين انما انا هسيبك
تحكمى بعد اللى هيحصل
لم تتمكن من الرد وهو يقبل عنقها لينتهى به المطاف
وهو يرتشف رحيق الجنة من شفتيها المغريتين،
ليسفر بها فى عالمه الخاص من الرومانسية دقائق
وكان الباب يطرق بألحاح فهمست:
-قوم افتح بقى يا ضياء ممكن تكون طنط رجعت
وعايزه حاجة
غمغم بامتعاض وتوجه نحو الباب ليفتحه ليجد إحدى
العاملات تقف امامه قائلة:
-اسفة، بس فى واحد تحت اسمه ايمن وعايزك ضرورى
*****
كانت تضع الهاتف على اذنها وتستمع لحديث هاجر وما فعلته بأهل زوجها ثم انفجرت ضاحكة، ضحكة من القلب
انارت وجهها حتى انها سعلت قائلة
-يخربيت فقرك بس مش قادرة اسمع تانى، طب اقفلى
قبل ما يخلص الفون ويرجع يلاقيكى بتضحكى
يلا سلام الله يكون فى عونه
كانه كان يقف فوق بركان يبتلعه بلا رحمة وهو يسمع ضحكاتها الساحرة، عيناه كانت تشع بالحب بقدر ما يعانيه قلبه من بعد، ضحكة واحدة منها تستطيع معانقة قلبه فينبض القلب باسمها، زفر بحنق ليس من النيران مشتعلة بل نيران البعد الذى كتب عليه، نيران نعميها الذى حرم عليه كما حرم ابليس من الجنة فهتف:
-الله يكون فى عونى انا
-كنان انت هنا من امته
اقترب منها وهو يأخذ انفاسه ببطئ وعيناه تتمعن بكل جزء من وجهها، يقترب منها وهو يضع يده خلف ظهرها
ليقربها منه اكثر ويبدء بتقبيلها قبلات شغوفة
حملها وضعها على الفراش ثم استند بجوارها ليعلوها
بجسده وظل يقبلها بشغف فى عنقها وكتفها وبدء بازالة
لباسها عنها وهو يقبلها، حاولت أن تزيحه برفق وهى
تمتم ببعض الاعتراضات، لكنه لم يستمع لتتوتر اكثر
عندما التهم شفتاها بعمق فدفعته بحدة فى صدره
وهى تزجره، تحفز كل انش بجسده وكلام والده
يطرق رأسه بلا رحمة صداه يقتله يفتك به
قاتمة عيناه وهو يسحبها من ذراعها بعنف فشهقت
قائلة:
-كنان
*****
-كويس انك جيت يا هاجد وهاجر فوق تعالى عايزاك
كانت هذه كلمات سوسن لابنها بينما هو ابتلع وهو يعلم
القادم جلس بجوارها متسائلًا:
-خير؟!
اجابتها والدته:
-خير، بس المفروض انك تكلم مصطفى ابو هاجر الموضوع كدا طول، ومحدش هيتأذى غيرك
اغمض عيناه بألم هامسًا:
-هكلمه يا امى حاضر
******
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الرابع والثلاثون
لم يصدق ضياء التلقائية التى نطق بها هذا الرجل
كلماته المسمومة، لذا انتفض من جلسته وهو يهدر
به بغضب تتناثر ألسنته:
-انت يا راجل انت شارب ايه؟! ولا ضارب ايه وجاى
تطلعه علينا هنا، زهير دا ابويا وكنان اخويا
كان يعلم أن ضمير زهير متدنس بالمكر والحقد والكراهية، لكن لم يعلم ان تفكيره وصل إلى هذا
الحد، بعد أن قتل والده حاول أخذ مكانه فى
قلب ابنه، رمقه بنظرة عتاب قائلًا:
-أنا يشهد عليا ربنا فى كل كلمة بقولها الرجل دا
كان سبب موت ابوك لما اكتشفنا و.ساخته، صحيح
الوفاة طبيعية زى ما الكل عرف ساعتها، ابوك الله يرحمه نزلنى مصر قبله بيومين عشان يحمينى انا من زهير لانه كان واثق فى زهير ثقة عمياء وكان
خلاص نازل ومكلمنى انه هيسلم كل حاجة تدين زهير
ويرجع، وفجأة الصبح اتوفى، مقدرتش مرجعش تانى
واحضر الدفنة وعرفت ان قبل الوفاة بساعة اتخانقوا جامد دورت فى الكاميرات ولقيتهم بيزعقوا فى بعض
اللى لفت نظرى ان ابوك وقع قدامه وزهير متهزش، لحسن الحظ زهير ماكنش فايق يدور على الكاميرات
ويمسحها، لانه فعلا كان حزين على ابوك لما روحت اشوف
قبر ابوك فى يوم بالليل قبل ما ارجع مصر لقيته هناك بيعيط وبيقول ما كنش عايز يموته دا عشرة عمره بس ابوك ماسابش خيار ليه أتاكدت ظنونى انا جيت عشان جميل ابوك فى رقبتى ليوم الدين ولأنى خايف انه يأذيك هو وابنه ما هو اكيد ابنه زيه، ابوك وزهير ماكانوش بيفارقوا
بعض الكل كان فاكرهم اخوات
لم يعد يتمالك نفسه بعد الان قطع حديثه بصريخ نفرت له عروق نحره وجبهته:
-اخرس خالص كنان دا اخويا وزهير اب ليا، اما انت بنى
ادم لئيم بترد الجميل أنك تنهش فى ايد اللى اتمدت
ليك لو ماكنتش فى سن ابويا كنت موتك هنا
تلك المرة صدح صوت ايمن بالغضب هاتفًا:
-هيطلع تعلب زى ابوه وانت زى ابوك مأآمن ومش مخون
انا خايف عليك يا بنى انا كان مالى بدا كله انبش فى
الماضى ليه؟ انا زمان خفت ورجعت تانى عيالي كانوا
لسه صغيرين وانا مش حمل زهير بس كان ضميرى
بيأنبنى انهارده انا بريت زمتى قدام ربنا، واسأل والدتك
انتوا كنتوا نازلين مصر قبل الحادثة بيوم لولا موت ابوك
اشتعل وجه ضياء بالغضب بينما اشار بيده نحو الباب بحسم شديد وقال بنبرة جافة وقوية:
-اطلع بره، إياك اشوف وشك تانى حتى لو صدفة صدقنى محدش هيرحمك من ايدى امشى برا
تنهيدة طويلة خرجت منه وهو يقول بأسى:
-انا طالع ياابن الغالى بس خد بالك من نفسك اللى انت معاهم دول مش بنى ادمين دول شياطين
انصرف ايمن بينما ارتمى ضياء على الاريكة يلتقط انفاسه بصعوبة كان جسده يتشنج بعنف
ولجت بيلا لغرفة المكتب وجدته يطفو كتائه على سطح
ماء عكر، لاحظت وجهه المضطرب فسألته بتوجس:
-فى ايه يا ضياء مالك؟!
ومين الرجل دا؟!
وليه خارج بيقول لله الأمر من قبل وبعد
-مفيش حاجة يا بيلا مفيش
لم تود الضغط عليه اكثر بالأصل لم يكن مزاجه سوى
-عاملين ايه يا ولاد؟!
مالكم؟!
كانت هذه كلمات هويدا التى تقف على اعتاب الغرفة
ومن خلفها كارما، نهض ضياء واقفًا وعيناه مثبتة على
كارما فكل مرة يراها بعد ذلك اليوم يدق الخوف جدارن
قلبه من الفقدان، ذلك الوحش الكاسر الذى لا زال ينهش
قلبه بوحشية، ابتسم ضياء وهو يصفعها بقوة على مؤخرة عنقها كما كان يفعل بالسابق
نظرت له كارما بغيظ متسائلة:
-طب ليه بقى؟!
-بقالى كتير مصبحتش عليكِ، رجعتوا بسرعة ليه
انهى جملته ولف بنظره إلى امه التى حدثتها بكلمات
قليلة ذات مغزى:
-كارما حبت تتغدى معاكم هنا وقالت بلاش قعدة النادى
هز رأسه بالايجاب وقد فهم كلام والدته اخته لا زالت
لم تتجاوز ما سار معاها ثم مال على اذنها هامسًا بصوت مرح:
-مش كنتى هربتى من اكل بيلا انهارده
التقطت بيلا همهمت ضياء فنظرت له شزرا لتقول بحنق:
-ضيااء، تصدق مش هتأكل من ايدى تانى وعلى فكرة
اكلى اتحسن وانت الخسران
هزت كارما رأسها سريعًا لتقول:
-لأ دا كان بيقول أكل بيلا روعة كويس انك جيتى تتغدى معانا
-مش بتعرفى تكدبى زى اخوكِ، على العموم يا كارما متنسيش انى بقيت المديرة بتاعتك فى الشغل ومخصوم منك يومين وكل ما ضياء يضايقنى
هخصم منك
انفجر الجميع يضحكون على طريقتها الدرامية فقالت
هويدا:
-ايه دا لأ انا اخاف على بنتى
-ابدًا انا مراتى المادة الخام للرقة والنعومة
اقترب منها ضياء هامسًا بنبرة ذات مغزى:
-بمناسبة النعومة القميص اللى كنتِ لابساه ارجع ألقيكى
لابساه عشان انا مجربتش اللون دا قبل كدا
ثم تابع:
-همشى أنا واتغدوا انتوا عشان عندى عملية مهمة
جدًا والمفروض اكون هناك دلوقتى
انصرف ضياء والابتسامة كانت الرد الأروع على وجوههم
*****
عصفت قشعريرة بجسدها باكمله زاغت انظارها وهى تنظر له بألم تجلى على ملامحها اثر ضغطه على
معصمها بقوة وهو يقول:
-ليه ياكيان ليه؟! ها ليه؟!
نظرت له بعيناها المتسعتين على وسعهما لتهمس باستنكار:
-هو ايه اللى ليه؟! انت بتعمل كدا ليه؟!
-ليه انا الوحيد اللى مش متقبلة قربى ليه انا الوحيد
اللى مش عايزة تساعديه، قبلتى ساهر وكل يوم علاقتكم
بتاخد شكل طبيعى اخ واخته، حتى هاجر بقت اساسى
فى يومك، الرهبة من الناس ابتديتى تتخطيها
حتى اللى اسمه تامر تملى تكونى معاه قوية عشان
تقويه، وانا بحاول اخلى علاقتنا تاخد شكلها الطبيعى
تبقى كاملة نتجاوز اللى عدى من حياتك ليه تملى
تبعدينى
اجابته باستهانة ساخرة وهى تهم للرحيل:
-بيتهيألك بس عشان انت عايز تشوف كدا الكل عنده
نقطة مش قادرة ولا عارفة اتخطاها يا كنان بس انت
اللى مش حاسس بيا ممكن؟!
وجدته يسحبها بقوة معاكسة لرغبتها فى المغادرة لتصطدم بصدره شهقت ورفعت عيناها إليه لتجد لأول
مرة قسوة لم تعهدها منه ولا مرة خلال زواجهم
همس امام عيناها بتهكم:
-انا مش حاسس بيكِ ياكيان انا
احنا بقالنا ٩ شهور ياكيان متجوزين وانا بحاول اكون
قد المسئولية، دا لو بموت اجى عندك واضحك فى وشك
انتِ عارفة انا اتوجعت ازاى على كارما كان نفسى اجى
فى حضنك واعيط وقلبى مهانش عليه احكيلك واشيلك
همى، او حتى ممكن افكرك بحاجة عدت
طالعت غابات عيناه الزيتونية وهى مصدومة، مصعوقة
من طريقته ارتعش فكها بحركة لا ارادية ثم همست:
-انا طلعت مش بحس بيك ومش بقدر
طب ايه اللى غصبك تكمل مع واحدة زيه ها؟!
همت للمغادرة ثانيةٍ إلا انه أوقفها وسألها بملامح لا تفسر:
-كيان انتِ قولتيلى ان فى بيت جدك حصلك تحرش
صح؟! انت متأكدة انه كان تحرش بس مش اكتر
لو حصل اكتر صارحينى انا متفهم
انتفض قلبها صريع الصدمة، حلم، بل كابوس، كابوس بشع، لاريب كابوس
حدقت فيه بوجع ثم همست باختناق ملكوم:
-بدرى كدا يا كنان
انا كنت عارفة انه هيحصل بس قولت لأ مش هيوجعنى
ولا عمره يغصبنى او يشك فيا
انت وجعتنى اوى يا كنان اوى وجعتنى بسؤالك دا
وقف مبهوتًا فقد حصرته فى زواية يخلو منها المبررات
والدفاعات الواهية، دموعها التى اتخذت مجراها على
وجنتيها ضربته فى صميم روحه اقترب منها ببطئ
لتعود هى للخلف، مسحت دموعها بظهر يدها قبل أن
تركض لغرفتها وهى تبكى بعنف واغلقت الباب خلفها
وقف على باب الغرفة يغمض عيناه بألم وقهر
-افتحي ياكيان فهمتى غلط والله قصدى ان لو الموضوع
دا حصل انا مش فارق معايا افتحى والله انا اسف
اسف وحقك عليا اسف افتحى
صرخت من الداخل من بين شهقاتها:
-امشى من هنا انا مش طايقة اسمع صوتك ياكنان
سقطت كلماتها عليه كالصاعقة التى هزت جذور شجرة عتيقة، وقبل أن يرد عليها جاءه اتصال ضغط على زر
الأجابة ثم اجاب:
-جاى فى الطريق حضروا اوضة العمليات نص ساعة
واكون عندكم
اغلق الهاتف ثم تابع قائلًا:
-ساعة واحدة بس يا كيان وراجع
ثم تحرك من امام باب غرفتها وهو يضغط على شاشة
هاتفه ليجرى اتصالا ثوان وكانت هاجر تجيبه:
-هاجر لو سمحتى ممكن تيجى لكيان هى تعبانة شوية
ومحتاجة حد معاها ساعة زمن عندى عملية وهرجع
-شكرًا يا هاجر واسف على الازعاج
*****
-خلاص كدا مفيش كشوفات تانى
تلك الكلمات اردفتها بيسان وهى توجه حديثها للممرضة
فاجابتها باحترام:
-لا يا دكتور مفيش غير الاستاذ اللى قولتلك عليه
هزت بيسان رأسها بيأس وهى تبتسم قائلة:
-دخليه
لحظات وكان يدخل كرم وعلى وجهه ابتسامة باردة:
-اشطر جراحة فى العالم، عاملة ايه؟!
على فكرة انا هنا من الصبح بس مرضتش اقول اسمى
وادخل قبل اى حد تعبان
التو ثغر بيسان وهى تشير على الشاشة التى امامها قائلة:
-لا ما انا كنت شيفاك من هنا، من كاميرات المراقبة
وطبعًا استحالة ادخلك قبل أى مريض
جز على اسنانه بغيظ وهو يهمس لنفسه:
-طاهر عنده حق مغرورة
تحركت بمقعدها المتحرك يمينًا ويسارًا ثم استندت بمرفقيها على سطح المكتب الزجاجى قائلة:
-آه شكلنا مش هنتفق يا كرم طالما جبت سيرة اخوك البربرى دا
-ياستى انا طول عمرى اقول عليه واد بربرى كدا فى نفسه
قهقت عاليًا وهى تقول:
-اللى بيحبوه كتير، انا مش هسألك عرفتها ازاى، المهم عايز ايه منها انت مش مدرك الوضع اسفة يا كرم بس هكلمك بصراحة اولا ضياء لو كان رافض فى الاول
جوازها دلوقتى شبه مستحيل يوافق بسهولة على اى
حد
ثانيًا متزعلش منى فى فرق فى السن بينكم ودا لازم
يتاخد فى عين الاعتبار
ثالثا ودا الاهم كارما متدمرة ومش مؤهلة لأى علاقة
جديدة ولازم تأخد وقتها
تنهد بقوة مؤكدُا على كلامها:
-بصى انا مش عارف ايه اللى بيشدنى ليها بس زى
ما قولتى السن، فى سنى دا مفيش عيون شدتنى
قد الحزن والكسرة اللى فى عينيها، لو حسيت ان
اللى جوايا ناحيتها بداية حب هكون فى بيتها قدام
اخوها واحارب الدنيا عشانها، بعدين ركزى كدا يادكتورة
لون عينينا نفس اللون وانا حستها إشارة ولا أيه رأيك
فى لون عينى انا البنات بتتجنن عليا
-لون عينيكم إشارة لا كدا كتير عليا
حك ذقنه قائلًا:
-وفرى على نفسك التعب والكلام مع شخص تافه زى
وقوليلى اشوفها ازاى
صمتت لبرهة ثم اجابته بهدوء:
-نزلت الشركة بتاعة طاهر مع بيلا من كام يوم عقبال
ما تفتح الدراسة عشان نفسيتها تفك
نهض منتصبًا يستعد للمغادرة فاوقفته قائلة:
- بلاش توجعها يا كرم لو فاكر مغامرة او تجربة جديدة
بلاش
-لو مش عارفة انى مش كدا ماكنتيش ساعدتينى
انا بجد متشكر يا بيسان
*****
وما أن خرج من غرفة العمليات ازاح كمامته يعطى
التعليمات لطاقم التمريض ثم وقف امام ضياء قائلًا:
-مضطر امشى هسيبك انت تباشر الحالة
-مالك يا كنان انت مش طبيعى؟!
تنهد بوجع وقبل أن يرد عليه جاءت إحدى الممرضات ومعاها هاتفه النقال ثم قالت:
-دكتور الفون بيرن من بدرى باسم كيان
ابتلع بصعوبة ويلتقط الهاتف مسرعًا ليفتح هاتفة مسرعًا
وضغط على زر الاتصال بتوجس ثوانٍ وقد جاء صوتها
ليجيب:
-انتِ تعبانة طب طمنينى ابعتى العنوان وهكون عندك
حالًا
انتبهت حواس ضياء وهو يسأله بريبة:
-مالها كيان فى حاجة، انا جاى معاك
-لا خليك مع الحالة ادعيلى يا ضياء
*****
طاهر حبيبى اللى وحشنى بقالنا اد ايه مسهرناش
مع بعض
تلك الكلمات قالها كرم لطاهر فالتو ثغر طاهر قائلًا:
-مصيبة صح؟! مصيبة قول على طول انا جتتى نحست
اطرق كرم رأسه مدعيًا الحزن وهو يقول:
-شوف يا جدع الانسان بيظلم اخوه الانسان ازاى
وانا اللى جاى اقولك لونك كدا مخطوف ومحتاج
تريح كدا اسبوعين من الشغل وانا اسد مكانك
-ايه جو ام فاروق دا يا كرم، ما تيجى سكة اقسم
بالله لو عملت مصيبة انت كمان البسك طقم حلل
امك واسلمك بايدى عشان انتوا عيلة غم كلكم
ابتسم كرم بتهكم ثم قال بأسف مصطنع:
-ام فاروق تشكر يا سيدى، سكة عايز اشوف اخت ضياء
جز طاهر على اسنانه وهو يقول:
-شفت، شفت جر شكل، دا جر شكل
اخت ضياء ازاى يا كرم حرام عليك هتموتونى بذبحة
هز رأسه بالنفى هاتفًا:
-ياجدع بعد الشر ربنا يديك طولة العمر وتفرحنا بعيالنا
نظر له بغيظ ثم اردف بسخرية:
-ايه جو المراهقين دا على فكرة اخوها هيطلع بروحك
الاول، بس تصدق عندك حق هناخد اجازة اخر الاسبوع دا وشيل يا كرم
ثم حدثه باستفزاز:
-ما تشوف معاك صرفه فى بيلا دية تاخذ اجازة اى
حاجة وتقعد فى البيت
-تحب امشى كل اللى شغالين هناك وافتحلك اتنين
بيرة مشبرين
غمز له كرم وهو يقول:
-كفاية واحدة يا ابو الواجب اكيد مش هتشربها
معايا
مد طاهر يده يفك حزام بنطاله وهو يغمغم فنهض كرم
مسرعًا للخارج وهو يقهقه
****
صف سيارته ودلف للبناية المنشودة مسرعًا دون حتى
أن يقرأ اللافتة يلتقط انفاسه بصعوبة متسائلًا:
-فى مريضة هنا اسمها كيان
هزت الممرضة ثم نهضت قائلة:
-اتفضل حضرتك عند الدكتورة جوه فى انتظارك
ولج للداخل فوجدها مسطحة على الفراش هادئة مستسلمة، مستكينة اقترب
منها بلهفة ثم امسك يدها ليجدها تنتفض ساحبة يدها بقوة بينما هى اسبلت اهدابها للطبيبة وكانت
كإشارة لتباشر عملها وزع نظراته فى الغرفة بينما كانت
الطبيبة خلف الستار الأبيض، آنة خافتة خرجت من كيان
والدموع تغرق عيناها استعاد عقله سريعًا فصرخ بهستريا
-انتِ هنا ليه؟! بتعملى ايه؟! سبيها بقولك سبيها متكمليش
لحظات وكانت الطبيبة تخرج من خلف الستار الأبيض
وهى تخلع قفازات الفحص الطبيبة قائلة:
-مدام حضرتك عذراء
كان يعلم أن ما ستنطق به الطبيبة فرمان باعدام عشقهم وانهاء علاقتهم، روحه تنزف حد اقتراب الموت
اقترب منها مغمغمًا بحزن:
-ليه عملتى كدا ليه دبحتينى بايديكِ انا خانى تعبيرى
بس مرة واحدة، طب حاجة واحدة بس تشفعلى عندك
انكمشت على نفسها اكثر وهى تجذب الغطاء وتطالع
الطبيبة بدموع قائلة:
-لو سمحتى خليه يطلع بره مش قادرة
-مش هطلع مش هسيبك
تنهدت الطبيبة قائلة:
-لو سمحت حالتها مش طبيعية بلاش ضغط على اعصابها كدا هتدخل فى انهيار
نظر للطبيبة ثم نظر إليها بقهر ثم ولج للخارج
مرت دقائق وهو ينتظرها بالخارج دقائق وكان
يطرق باب الغرفة وولج للداخل توسعت عيناه
بصدمة وهو يهمس كالمجنون:
-فينها، فين كيان
-طلبت تمشى من الباب التانى بما انها شخص معروف
مش حابة حد يشوفها كان يصرخ كالثور الهائج وقلبه
ينتفض كالطير الذبيح خرج مندفعًا ثم هبط ليبحث عنها
بعد مرور ساعة لم تشعر بنفسها ألا عندما وصلت امام
شقة عمها فتح الباب طاهر ليجد كيان توسعت عيناه
بصدمة وهو يتفحص هيئتها المزرية، ثم اقترب منها
يسحبها للداخل بينما هى نطقت:
-اول مرة اجى هنا برجلى وليا طلب وعايزة يتنفذ يا طاهر ومن غير اى سؤال عايزة انام انهارده وانا مش
على زمة كنان
سألها طاهر منصدم من هيئتها فهى تبدو غير طبيعية:
-فى ايه فهمينى طيب انا عايز اطمن عليكِ
-متسألش لو سمحت يا طاهر
هز رأسه بالايجاب واندفع لغرفة والده ليخبره بوحودها
بينما كان كنان يجوب الشوارع بسيارته يبكى كطفل
صغير ضل الطريق وبين كل شهقة والاخرى يصرخ
باسمها القدر يعانده بكل جبروت حتى جاءته رسالة وما أن فتحها كانت تلك الصاعقة التالية لجأت لأهلها ولأول مره كى تتخلص منه كانت دائمًا تأخذ شقته المأوى ويطمئن قلبه بقربها، غير اتجاه سيره مسرعًا
بعد حوالى ما يقرب من ساعتين ولج كنان لبيت عمها منكسًا رأسه ارضًا وكان الجميع ينظرون لبعضهم بأسى وبعد دقيقة من الصمت خرج صوت حسين قائلًا:
-اسمع يا بنى كل شئ قسمة ونصيب وانتوا نصيبكم
خلص كدا وكل واحد يفارق بالمعروف وبنتنا طالبة
الطلاق
كانت الدموع تملئ عيناه وهو يرد بوهن:
-انا مش هطلق انا عايز مراتى
خرجت مندفعة من الداخل ليظهر الألم جمًا على قسمات وجهها وهى تقول بحدة:
-لا هتطلق، لأنى مش عايزاك مش مأمنة على نفسى معاك
لأنك خنت ثقتى، لأنك وجعتنى ومفيش داعى اقول ازاى
لأنى كرهت نفسى بسببك كرهت ضعفى معاك وانى مش
قادرة ابعد عنك، بس كفاية وجع، كفاية لانى فعلا كرهت
نفسى وكرهتك
انهت كلامها واخرجت ما فى جعبتتا بعد أن ضاقت عليها الدنيا، كسرها؛ كسر خاطرها وقلبها اخذت تتنفس بصعوبة ولم ترى أحدًا وهى تخرج كل الذى كتمته بقلبها دفعة واحدة ارادت أن تعبر عن جزء من وجعها، كان بداخلها بركان يريد الأنفجار وحرق كل شئ وقد انفجر ، لم تفكر بصعوبة كلماتها عليه
أتلك هى مرارة الحطام؟!
اهذا هو ألم الخذلان؟!
نار، نار حامية تكوى جوفه تصريحها بكرهه والنفور منه امام الجميع ، يحسه عقله على الأبتعاد إلا أن قلبه تعلق
بعيناها ، بوجهها المنكسر ومقلتيها الدامعتين وذلك الوجه
الحزين الذى يعلن النهاية وتلك هى لحظات الوداع
فهذه اللحظة كان العقل مغيب وكأنه لم يسمع ما قالته
والسيطرة التامة لقلبه اقترب منها تحت نظرات الأعين المشفقة عليهما ليأخذ وجهها بين راحتيه ثم ثبت نظراته
التى زلزلت قلبه عليها فهو اسير قلبها وخرج منهزمًا وهو يتمتم بنبرة منكسرة وقلب
منفطر من الألم:
-قولتلك أنا جيشك واستحالة اسيبك واهرب او انهزم
فى معركتى بالفوز بيك ِ، لكن هزمتنى نظرة الكره
والنفور اللى فى عينيكِ، انا اتهزمت فى معركة حاربت فيها لوحدى وقلبى هيفضل اسيرك طول ما فى نفس
وضع يده خلف رأسها ليقربها ثم قبل جبينها قائلًا:
-انتِ طالق يا كيان
ياليت كل شئ يعود كالسابق
ياليت اللقاء ماصار، ياليت ياليت
مر كل شئ عليها كإحدى الكوابيس التى تهاجمها بضراوة
كل ليلة ثم يعود وينسحب بنفس السرعة والمفاجاة، اصبحت تتشتج كمن على عتبة الموت تشهق شهقات مكتومة من اعماقها المغلولة، اقترب منها ساهر يضمها لصدره فتشبثت به وكأنها تحتمى به، ضمها بحنان وقلبه يتأوه على حالتها رمقها طاهر بحزن عميق ولا يدرى متى سيترأف القدر بحالها، ولا ينكر أن قلبه تألم من اجل كنان، ثوانٍ وكانت تبتعد عن ساهر وهى تمسح دموعها
بظهر كفها قائلة:
-اسفة انا جيت من غير ميعاد
اجابها عمها بحنان ابوى:
-ازاى يا بنتى دا بيتك
لم تلتفت له او ترد عليه صمتت ثم اردفت:
-طب عن إذنكم همشى انا
ضيق كرم عيناه قائلًا:
-هتمشى تروحى فين وانتِ كدا هتقعدى معانا طبعًا
-هروح شقتى مكانى حقى عن إذنكم
اوقفها ساهر قائلًا:
-لا مش هسيبك هنحجز فندق وبعدين ناخد شقة نعيش فيها مع بعض مش هسيبك كدا
ضحكت بتهكم:
-متخافوش عليا كدا يا جماعة دا انا ابويا وامى رمونى
اكيد مش هتجلط لما اتطلق هاعيش هناك لوحدى زى
ما كنت ياريت ماحدش يضغط عليا وتخلونى اندم انى جيت هنا تصبحو على خير
صمت الجميع تنفيذًا لرغبتها ربما تكون بداية النهاية
****
هل طلقها؟! هل فعلها؟!
بعد أن ذهب نادمًا لم تمنحه الفرصة كى يضمها لتستكين على صدره ويعوضها عن حماقاته، كان
يعلم انها كانت لن ترضخ بسهولة لكن لم يكن فى مخيلته
ما فعلته، لم يتخيل تصريحها بكرهه امام الجميع
غامت عيناه بدموع وهو يصرخ باسمها كان اعمى
حينها كيف نطق لسانه بهذه الكلمات سحقها بكلماته، وسحقته بكرهها
ظل فى سيارته يبكى كطفل وحيد فقد كل عائلته وضل
الطريق
***
تجلس فى ارضية الغرفة تضم ركبتيها لصدرها تبكى
بعنف وشهقاتها تملأ الغرفة، تبكى بكبرياء انثى مدبوحة، صخور تطبق على صدرها، اما قلبها
ينتفض بعنف سيخرج من محجره رافضًا البعد، اخذت
تضرب موضع قلبها هامسة:
-كفاية بقى حرام عليك، اقف بقى وريحنى انا جيت
الدنيا زيادة عدد تعبت اقف بقى
ثم تابعت بوجع:
-كنان انا مش هعرف انام لوحدى تانى انا مجربتش حضن ابويا ولا امى بس جربت حضنك انت ليه عملت كدا
خرجت منهزمه كعادتها لتبقى دائمًا روحها بلا مأوى
*****
بعد مرور اسبوعان
مضى اسبوع يراقبها من داخل مكتبه، لكنه قد حان الآن لحظة المواجهة، سحبها من يدها للداخل ثم كمم فمها وهو يطالع غابات
الزيتون الخضراء، دقائق لم تستوعب فيهم مايحدث
دقائق والعقل مصدوم بين الصدمة والتخبط وما أن تفحصت
ملامحه مدت يدها لذلك السلسال، فابتسم ثم ابعد
يده عن فمها لا زالت تحملق فيه بصدمة ثم همست:
-انت ازاى؟!
رفع احدى حاجبيه قائلًا:
-ايه هو اللى ازاى، لا انا مبحبش الاسئلة المبهمة دية
اللى كيف كانت الطبيعة قبل الخلق، بصى ماليش فى
العمق
-انت بتقول ايه انا مش فاهمة
حاول كتم ضحكاته ثم قال بجدية:
-حمدلله على سلامتك
ابتلعت ريقها ثم سألته بنبرة ذات مغزى:
-ازاى عرفت انى فى المستشفى؟! هو انت عرفت السبب؟! وهى السلسلة كانت معاك؟! ليه ؟! وازاى تتجرأ على كدا؟! وايه اللى جابك هنا؟!
التو ثغره بتهكم ثم اجابها باختصار:
-ايه هو امتحان كل دية اسئلة، انا هنا لأنى صاحب المكان
طوت يدها امام صدرها قائلة:
-ازاى دا مكان بيلا وطاهر
-لو سمحتِ الباشمهندس طاهر دا الواد اتفحت فى التعليم
تنهدت بحنق قائلة:
-انت مين؟! وعايز منى ايه؟!
ابتسم بتوسع قائلًا:
-انا كرم اخو طاهر
طرق على باب المكتب قاطعهم ولجت بيلا قائلة:
-كرم اكدلى على حجز القاعة والأكل كله بره الحجز
بتاعنا تمام
ثم لمحت تلك الواقفة فرمقتها باستغراب وقبل أن
تنطق كان كرم يحدثها:
-اتفضلى يا استاذة عدلى الحسابات فيها غلطات كتير
اتسعت عين بيلا بذهول وهى تطالع كارما:
-كرم معلش كارما مش شغالة هنا دا تدريب هى اخت
ضياء يعنى لو اى حاجة تكلمنى
غمز بطرف عيناه لكارما التى ألجمت الصدمة حواسها
ثم قال بجدية زائفة:
-تمام هى اصلا كانت ملحوظة خفيفة
ابتلعت كارما ريقها ثم رمقته بريبة وهى تقسم بداخلها انه ليس بكامل قواه العقلية ثم انصرفت من المكتب
****
اقترب ضياء من والدته الشاردة يعلم ما يعتلى صدرها
لكنه ابتسم واقترب منها وهو يمازحها:
-الهدهد الجميل شاردة فى ايه؟!
تنهدت بثقل:
-فى اللى حصل لينا الفترة الاخيرة
تناول يدها يقبلها قائلًا:
-طالما نفسك فى الدنيا كله يهون
ربتت على كتفه وهى تقول:
-آه، ابوك الله يرحمه كان هينزلنا قبل وفاته بيوم
كان زمان بنتى ما شافتش كل دا بس اقول ايه
كله نصيب
تقلصت ملامح ضياء وهو يسألها بقلق:
-انا اول مرة اعرف الموضوع دا احكيلى كدا
*****
ابتسم زهير بشر وهو يقول:
-برافو عليك بردت نارى اخدت تارى من اللى اسمه
ايمن يلا ربنا يرحمه او يجحموا مطرح ما راح
****
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الخامس والثلاثون
-ايوة ياحبيبى كنا هنرجع مصر قبل وفاة والدك
قالت هويدا جملتها ببساطة بينما الصدمة ألجمت حواس
ضياء وتوسعت عيناه متسائلًا:
-وايه السبب؟
لحظات ولم يتلقى منها اجابة ثم قالت:
-مش عارفه بس فجاءة قال هننزل نعيش وسط اهلينا
احسن لعيالنا ولما اتوفى عمك زهير اتمسك بينا هناك
رعب، خوف، توتر كلها مشاعر مبهمة اعترته خلال
تلك اللحظات ثم التقط يدها يقبلها وانصرف من
امامها وذاك الشعور الذى اعترها لايمكن وصفه لايريد
معرفة حقيقة كلام ايمن لم يتخيل أن كنان رفيق
عمره بهذا الشر، ولكن دماء والده أن صدق كلام
ايمن ستذهب ارضا
******
كانت زابلة وكأنها زهرة لم تسق منذ ايام، زهرة بلا رحيق، عليلة القلب تنظر امامها بنظرة خاوية من التعبير كقلبها المعذب ثم اغمضت عيناها تزفر بضيق غالبه شعور الاختناق، تريد أن تتنفس اكبر قدر من الهواء، تشعر بالاختناق يغلف روحها لمجرد تذكر ماحدث
تمر امامها سنوات عمرها التى عاشتها بلا رحمة
هى تحترق، تحترق من هذا العشق الدخيل على حياتها
الذى هشم روحها اكثر من ما هى قاطع شرودها صوت هاجر:
-مش هفضل قاعدة كدا ومش هتردى عليا
قالت هاجر جملتها بنفاذ صبر ثم تابعت:
-كيان بقالى اسبوعين اجي اقعد نفس القاعدة وامشى
من غير ما تتكلمى
رمقتها كيان بعينين حزينتين مرهقة النفس مهمومة القلب ودون مقدمات ألقت بجسدها داخل احضانها
تتشبث بها شاهقة ببكاء مرير
ارتسم الحزن والألم على ملامح هاجر فقالت بأسف:
-طب بتعيطى ليه فهمينى؟!
رآن الصمت للحظات ثم همست بخفوت:
-وحشنى، وحشنى اوى
انسابت دموع هاجر تعاطفًا معاها قائلة:
-طب عملتى كدا ليه؟!
ساهر قال انك وجعتيه بكلامك ليه يا كيان طالما
بتحبيه
بعد وقت ليس بالقصير ابتعدت عنها لتمنع شهقاتها من
الانفلات ثم مسحت دموعها فهى بحاجة للحديث مع
شخص ما، شخص لن يطلق عليها الأحكام:
-عشان تعبت، عشان طول عمرى بحاول بس اعيش ومش عارفه
ليه الدنيا رافضة تعاملنى كبنى ادمة؟!
تنهدت متسائلة:
-متقوليش كدا، بس انتِ عملتى كدا عشان زهير صح
اغمضت عيناه بمرارة ثم تنفست بعمق مرة بعد مرة محاولة السيطرة على نفسها
فذكر عديم الشرف والضمير الذى كان يسعى للقضاء
عليها يجعلها تنتفض فهمست:
-يمكن الأول كان عشان زهير وكانت نيتى أن اسيب
كنان عشان ميتوجعش، بس بعد كدا مقدرتش ابعد
مقدرتش يا هاجر، حضنه طول الليل كان بيطمنى
خوفه عليا الحاجة الوحيدة اللى بتحسسنى إنى بنى ادمه، رفضه البعد عنى وتماسكه بيا لأول مرة فى حياتى ياهاجر حد يحبنى ويتمسك بيا كدا
-طب عملتى كدا ليه؟!
مرة اخرى تردد بالدموع قبل الحروف:
-عشان وجعنى، عشان لو فى احتمال ١% أن اخلف
طفل من غير نسب يبقى استحالة اكمل معاه
استحالة اجيب طفل للدنيا يتعذب زى استحالة
طالعته هاجر باشفاق فتابعت كيان:
-عشان زهير قالى لو صممتى تكملى معاه، وفكرتى تخلفى منه اوعدك ان اخلى ابنك او بنتك من غير نسب
وكنان ميعترفش بيه بس انا مصدقتش، لحد ما
كنان سألنى السؤال دا ما شفتش قدامى غير زهير
صوته طريقته وكأنه بيقول دا انذار او قرصت ودن اصله دا مش كلام كنان ابدا، بس هو بخ سمه فى ودنه، اللى وجعنى ان كنان فكر فى كلام وفى الاخر طلعوا ليا، شك ولو ثانية يا هاجر وفى الحالة ديه احنا استحالة نكون مع بعض فهمتى
زى ما وصل ليه الفكرة ديه ممكن يوصل غيرها
بيحب ابوه يا هاجر فوق ما تتخيلى، وان اتعذبت
فوق ما كلكم تتخيلوا ولو روحى فيه ياهاجر
مش هقدر اعيش نفس التفاصيل تانى ابدًا هموت
والله هموت
ابتلعت بمرارة وعبراتها تكتثت بعيناها لتهمس:
-طب اهدى، اهدى يا حبيبتى
ثم تابعت هاجر:
-طب ما تصارحيه يا كيان
-خلاص مابقاش ينفع
ابتلعت كيان غصة بكائها فى محاولة إلا تبكى، أوجاعًا
تشعر باوجاع تنشر بكل جسدها وكأنها تعرضت لحادث
سير
*****
ما اصعب جراح القلب دائمة النزيف والتقيح
مضى اسبوعان ببطئ السنين العجاف لدى قوم يوسف خرج من غرفة العمليات والألم يزداد قسوة ولهيب
الاشتياق ينهشه قلبه الذى يقرع باعياء شديد يقرع ككهل هزمه المرض وعليه الرحيل، لترتفع يداه لتمسد ذلك الألم النابض بين اضلعه، طردته من حياتها بطريقة فجة لا تحمل من الرحمة مثقال ذرة، اهانته وكسرته
تنهد والألم يعتصر فؤاده وتوجه نحو مكتبه وولج للداخل باكتاف متهدلة يرتمى على مقعده ثوانٍ
وكان ضياء يدلف دون استئذان قائلًا:
-ايه يا بنى بقالك اسبوعين عايش فى المستشفى
مش بتروح شغال عمليات ورا بعض مش بتفصل
هى كيان مسافرة ولا ايه موحشتكش عشان ترحم
نفسك
وضربة موجعة من سياط الاحتياج والاشتياق وكأنه ينقصه ألم، لم يستطيع الرد وكانت عيناه ابلغ من الحروف، فسأله ضياء بتوجس:
-هو فى حاجة بينكم
ارتسمت بسمة حزينة على ملامحه هامسًا بنبرة تقطر
دمًا:
-ياريت كانت فى حاجة بينا، بس خلاص مبقاش فى حاجة بينا خالص
سكون يطفو عليهم، وتحولت ملامح ضياء باستفهام
-هو انت ....
اغمض عيناه بألم قائلًا:
-قالتلى قدام الكل بكرهك طلقنى مش عايزاك امشى وسبنى وقالتلى انها بتكره نفسها عشانى
كانت بتصرخ ومنهارة وراحت بيت عمها اول مرة
عشان تبعد عنى، معرفتش اعمل ايه بس نفذت طلبها
حاول ضياء جمع جملة مفيدة وهو يشعر بتشتته
-ايه اللى وصل الدنيا لكدا يا كنان
سرد له ما صار، فتوسعت عين ضياء بذهول قائلًا:
-ليه السؤال دا يا كنان انت عارف ان دا اصعب حاجة
مرت بيها فى حياتها
ثم اقترب منه وهو يزفر باحباط قائلًا:
-انتوا الاتنين كنت محتاجين انكم تبعدوا شوية وصدقنى هى بتحبك زيك واكتر بس ممكن محتاجة
شوية وقت ترتب مشاعرها
-انا ماكنتش محتاجها، انا بموت فى البعد دا
كيان كانت بتصح بليل تتنفض خايفة بتحلم
بكوابيس كنت بخدها فى حضنى واهديها اطبطب
عليها زى بنتى كيان بتخاف بتنام فى ضلمة يا
ضياء، يارتنى كنت سحبتها غصب عنها ومشيت
بيها يارتنى كنت مشيت وسبتها من غير طلاق
انهى كلماته وهو ينهار باكيًا اقترب ضياء يخبط على
كتفه بقوة قائلًا:
-اجمد كدا شوية وقت مش اكتر صدمة السؤال بس يلا
قوم روح ريح كدا هتتعب وبكرة يحلها المولى
مش بعيد نلاقيها داخلة علينا
ابتسم كنان بسخرية يعلم ان كل شئ انهار اخبره عقله
مرارا وتكرارا انها ستبعد سيأتى يوم وتتركه، كان
يرى الثقب فى سفينتها لكنه ابحار معاها على امل
الوصول لشاطئ الامان فالحب يصنع المعجزات
*****
وقفت امام المرآة تطالع نفسها بخجل مما تريديه
كانت ترتدى فستانًا قصيرًا لونه قرمزى، اختارت
هذا اللون خصيصًا لانه لونه المفضل وتركت العنان
لخصلات شعرها الطويل، اغمضت عيناها تتخيل
ردة فعله عند يرها، فهى أول مرة ترتدى مثل
هذه الملابس، التقط المشط لتمشط شعرها
وهى تتذكر مغازلته لها، وحديثه الماكر ونظراته
الجرئية التى تخجلها، ابتسامة واسعة زينت ثغرها
لحظات وسمعت صوت مفاتيحه خرجت مسرعة
ترمق طاولة العشاء والشموع والورود المتناثرة فى الصالة ثوان وكان هاجد يقف فى المنتصف سيطرة
الصدمة عليه لثوانٍ
وقلبه يتعالى صداه وهو يتأملها بذلك الفستان القصير
واللون القانى يزخرف شفتاها، لطالما عشق خجلها
رغم التمرد الذى يميزها ساحرة، تنهيد طويلة
تعنى كما هو مشتاق وكما هو سعيد اقترب منها
فاطرقت رأسها بخجل ألا انه مد انامله يرفع
وجهها للأعلى فطالع سلساله الذى اهداها اياه
يزين عنقها، بينما هى تقلصت معدتها حينما
نظر إليها بطريقه عابسة ثم سألها:
-السلسلة اخيرًا لبستيها
هزت رأسها بالايحاب وهى ترفرف باهدابها لينحنى
سريعًا يقتنص قبلة ناعمة من شفتاها وسرعان ما تحولت إلى اخرى عاصفة ابتعد عنها بصعوبة وهو
يطالع عيناها التى تجذبه كالمغناطيس فهمست بخفوت
متقاطع
-بحبک
دفنت رأسها فى صدره سريعًا خجلًا، تفعل الويلات بقلبه
ابعدها عن صدره متسائلًا:
-قولتى أيه؟!
-مقولتش حاجة
-هاجر انا قتيل الكلمة ديه انهارده قوليها وريحى قلبى
قوليها يا هاجر
-قولت بحبك ياهاج..
قبل أن تكمل جملتها كان يلتهم شفتاها تجاوبت معه بكل حواسها اطلقت العنان لعشقها ابتعد عنها وهو
يسند رأسه على جبينها هامسًا:
-يااها يا هاجر
عيناه تبث عشقه فكل نظرة، يجعلوها تزاد ثقة فوق
ثقتها، لا توجد ثقة إلا بوجود من نحب
كاد يتوقف قلبها عن العمل تكاد تذوب كالهلام ويده
ضاغطة على ظهرها قالت بهمس ورئتيها تمتلئ برائحته
العبقية:
-انت مش جعان
-دا جعان وجعان اوى اوى
فلحظة كان يحملها متجهًا بها للداخل فهمست بتذمر:
-دا مش عدل انا تعبت فى تحضيرات وانت مش مهتم
-مين قال بس اصلى بيقولك طفى الشمع اول السهرة
كدا فال وحش فندوق البقلاوة ونيجى نطفى مع بعض
****
فى اليوم التالى
-ايه يعنى دا هجوم ايه اللى جابكم هنا مكان التصوير
تلك الكلمات قالتها كيان وهى تطالع ساهر وطاهر بحنق
اجابها طاهر بامتعاض:
-ايه المعاملة ديه؟! ياستى لاقينى ولا تغدينى
-طب عايزين ايه؟!
طالع ساهر خلفها قائلًا بغيرة:
-واللى ورا ضهرك دا عادى مش بيفارقك
تنهد كيان بوهن قائلة:
-فى حاجات شغل بيخلصها معايا يا ساهر
قاطعهم طاهر قائلًا:
-طب ممكن نتكلم
-قدامى ساعة واطلع هوا
طالعها طاهر بتأثر يعلم طريقتها هذه تخفى وراؤها الف قصة من الوجع فابتسم مازحًا:
-يخربيت الشهرة غيرتك اوى
عبست ملاحها ثم ابتسمت بمرارة، فحدثها طاهر قائلًا بنبرة حانية:
-ساهر قالى انك رافضة الميراث بتاعك
انتفضت كالملسوعة هاتفة:
-طاهر الله يكرمك انا مش قادرة ولا هقدر حتى
اتكلم فى موضوع دا
وقف طاهر على مقربة منها قائلا:
-لا هتسمعى الموضوع هنا مبقاش بمزاجك، الفلوس
ديه حقك مش تعويض على اللى شفتيه لا حقك
شرع ربنا اما لو تعويض ولا كنوز الدنيا هتغفر للعيلة
كلها حتى ابويا، بس ليه مش تاخدى حقك وتفيدى
بيه غيرك وانتِ اكتر حد جربتى يعنى ايه حد يحتاج
لمأوى وميلقيش مكان ليه
ساعدى غيرك افتحى ملجأ اتبرعى
لمستشفى، على فكرة ساهر كان بيفكر يعمل كدا بالفلوس
اللى هى بتاعت عاصم يعنى هتعود صدقة عليه، وانا
شايف انك انتِ اولى حد تقومى بكدا وكمان الفلوس
ساعتها قدام ربنا هتبقى حقك يعنى عملتى كدا من
فلوسك والثواب ليكِ مش لعاصم
اقترب تامر الذى كان يراقب المشهد على مسافة لا بأس
بها قائلًا:
-كلامه كله صح انتِ هتبقى ادها واحنا فعلا نعرف
المحتاج بيبقى عامل ازاى
-اهو يا ستى الكائن اللى ساهر مش بيطيقه قالك كلامى
صح وافقى بقى
كان ساهر يستمع إليه وخنجرًا ينغرس بقلبه بالاخير
هو والده كان سندًا له طيلة حياته، تنهد فى صمت، فهمست كيان لتنهى الجدال:
-هفكر
رمق طاهر الطاولة خلفها متسائلًا:
-مين اللى عامل الشغل دا
تأملت كيان ما ينظر إليه طاهر ثم اعادة بصرها إليه
قائلة:
-دا شغل تامر احسن حد يعمل ديكورات فى الاكل
طالعها تامر بنظرات متألمة وخزات فى صدره بسبب
حالتها التى تحاول جاهدة ان تخفيها فهى باتت على قيد الحياة باسم فقط، يخفق قلبه
بين جنباته ذعرًا من فقدنها فى حياته، لذلك قرر البعد عن حياتها هى وكنان لكنها ظل يراقبها خوفًا عليها من زهير لكن تأتى الرياح بما تشتهى السفن،
يشعر برغبة تجتاحه ليضمها بين يدها ويطمئن قلبه بأن كل شئ سيتحسن لكن حضن اخوى فهو يرى عشقها
لكنان
قاطع طاهر شرودها قائلًا بجدية:
-تسمحلى اخطفك من كيان محتاج واحد معايا مهاراته
عاليه زيك فى الحفلات بكرة بإذن الله تروح الشركة
*****
مر الليل كالدهر كان عهد الألم والقلق الذى يعترى القلوب العاشقة..
عاد ضياء إلى بيته يسير تائه الفكر يشعر بضيق
يجثم على صدره، فالتقط هاتفه بشئ من التردد
وقام باتصال باحد معرفه بدبى وسرد له ماحدث
وطالبه بتحرى فى الأمر وما ان اغلق الهاتف اخذ
يؤنب ذاته على الشك فى زهير وكنان، عذابه ضميره
بلا كان يرجمه دون رحمة
وصل لغرفته وولج للداخل لكنه وجد ما ألم قلبه كانت
بيلا تخلع الجهاز ومكانه يوجد ألتهابات منتشرة
على ساقها اقترب منها سريعًا هامسًا:
-رجلك مالها
ابتلعت باحراج وهى تنزل طرف فستانها كى تخفى
ساقها هامسة:
-ديه شوية التهابات مكان جاهز عشان لبسته فترة
طويلة بس عادى
-انا اسف انا رميت عليكِ الحمل كله، كلية كارما
وكمان بتلفى
مع ماما هنا على الحاجات اللى هى عايزها سامحينى
وضعت يدها على وجنته وهمست بنبرة عاشقة:
-متقولش كدا انا مراتك ولو ماكنتش اقف جانبك ايه
لازمتى
شعرت بشفتاه على جبينها يقبلها فى حنو وهو يهمس:
-بحبك، بحبك يا بيلا
ثم تركها ونهض ليأتى بمرهم التهابات وجلس ثانية
بجانبها ليرفع فستانها، فقبضت باناملها على طرف فستانها وهى تهمس:
-خلاص هبقى احط انا
لم يرد وأكمل ما يفعله رافعًا طرف ثوبها ليضع
المرهم افرغ العبوة ثم قام بتوزيعه بلمسات ناعمة مما جعلها
تنتفض اثر لمساته وما انتهى رفع عيناه لها لكنه
صدم من الدموع التى تملئ عيناها، فاقترب
بشفتاه يمسح دموعها تارة ويقبلها تارة
اخذ يشبعها تقبيل يلتهم شفتاها ويداه تقيد خصرها ولم يمهلها الفرصة وكان يقبل رقبتها ببطئ ونعومة ليسحبها معه فى دوامة عشقه
بعد مرور عدة دقائق كانت تتوصد صدره وهو يلعب فى خصلات شعرها الذهبية، شعور جميل يعصف بها لكن
قاطع لحظاتهم صوته وهو يقول:
-انا هسافر دبى يا بيلا بكرة
ابتعد عن صدره بتوجس:
-ليه؟ عشان جوز كارما خلاص بقى هو كفاية اللى عملتوا
فيه وكارما معانا دلوقتى وهتبقى احسن
متبعدش عنى يا ضياء
جذبها ثانية لتتوصد صدره وهو يقول بتأكيد:
-لا مش موضوع كارما خالص بس لازم اسافر ضرورى
حاجات محتاجة من هناك ورق من الجامعة بصى
مش هتأخر يومين بالكتير
-ياضياء بقى
رفع الغطاء عنها فجاءة مما جعلها تشهق ليقول بذات
مغزى:
-عجبك كدا المرهم اتمسح ولازم ندهن تانى
لكزته فى كتفه وهى تجذب الغطاء قائلة:
-أتأدب
-ليه هى قلة الادب كانت اشتكت
احبوش انا الادب دا انا وهو دونت ميكس هتيجى ادهنلك بذوق ولا نستخدم العافية
****
بعد مرور يومين
وقفت كارما بضجر وهى تدور حول نفسها محاولة التقاط صورة لها بخلفية جيدة كى ترسلها لاخيه حتى يطمئن
عليها بناءًا على طلبه، رمقت نفسها فى الكاميرا
الامامية برضا تمام ثم ضغطت على الزر ثوانٍ
واتسعت عيناها بصدمة لا تصدق انه يتجرأ
على ظهوره معاها فى الصورة، زمجرت ثم استدارت
هاتفة بحد:
-ايه قلة الذوق ديه انت ازاى تطلع معايا فى صورة كدا
اهتز شفتاه بشبه ابتسامة لكن سرعان ما اختفت وهو يسألها:
-انا قليل الذوق؟!
-اومال تسمى اللى عملتوا دا ايه
جز على اسنانه وهو ينظر إلى ساعته قائلًا:
-الساعة ١٠ والمواعيد الشغل هنا بتبدء من الساعة ٨
وحضرتك واقفة تاخدى سليفى فى الشركة ولا همك
حد
توسعت عيناها وانفرط صبرها قائلة:
-انت بتكلمنى كدا ليه انا مش شغاله هنا
قذف كرم الكلمات فى وجهها بحدة قائلًا:
-مش شغاله هنا يعنى ايه انتِ بتيجى كل يوم هنا تتفسحى
فكرة نفسك هنا فى رحلة لدريم بارك كل يوم جايه
تغير جو، دا مكان شغل مش للاستجمام لو مش واخدة
بالك
ثم تابع وهو يرمق السلسال الذى يزين عنقها قائلًا:
-واظن عليكِ دين ولازم توفيه
توقفت كارما بفم مفتوح من اسلوبه العدائى المفاجئ
رمقها بنظرة اخيرة قبل المغادرة وما أن غادر سقط قناع
القوة الذى كانت ترتديه منذ قليل وسقطت هى ايضا على المقعد خلفها وهى تحاول اخفاء وجهها بيدها واهتزازها الداخلى بسبب كلامه الجارح
****
قد اجاد رسم الحزن على ملامحه وابنه يخبره
بطلاقه، وبل وتعهد لأبنه بمقابلتها لأرجاع علاقتهم كسابق كان يبتسم بداخلها وهو يتقمص دور الأب الصالح
لكن كان يتوعد لها بالعذاب الذى سبق
وسقاها إياها طرق الباب، وكان الطارق مساعده، فاذن له بالولوج
وما أن ولج هز رأسه له بدليل أن المهمة قد انجزت
قائلًا:
-الكارت الاخير يا باشا خرج من السجن وكله تمام
من اسبوع وطبعًا عرف ان كيان كانت سبب انه
اتحط فى السجن هى واهل ابوها ومستعد يعمل
اى حاجة وينتقم منها وخصوصا بعد ما عرف
انها شيف فى التلفزيون وحقد عليها اكتر
وهو هيخلص عليها بعيد عننا
قهقة زهير قائلًا:
-اهل فى بعض بقى احنا مالنا المهم فى اسرع وقت
البت ديه عرفت كتير عننا ولازم نخلص منها
اديتوا فلوس ولا لسه
-طبعا قاعد فى مكان محترم واديتوا فلوس ووعدته
بالسفر بس يخلص
هز راسه بالموافق وهو يشير له بيده للخروج
*****
بينما كان كرم متوجهًا لمكتبه ومزاجه سئ، وجد تامر
فى انتظاره، فتذكر ما اخبره به اخيه فقد اخبره طاهر ان يجرى له مقابلة عمل كى ينضم لشركة لسببين الاول لمواهبته الحقيقية والثانى كى يبتعد عن كيان
توجه كرم يخبط على كتفه قائلًا:
-منور يا تامر تعالى معايا
سار خلفه بهدوء ثم ولج المكتب واغلق الباب خلفه
فجذبه كرم يوقفه امام النافذة التى تطل على مكتب
الموظفين واشارة باصابعه إليها ثم وقف امام تامر
وهو يضع يده على كتفه قائلا:
-انا عايز تساعدنى اوصلها يا تيمو
نفض تامر يده من على كتفه بحدة قائلًا:
-انت فاكرنى ايه شيل ايدك انا غلطان انى جيت هنا
-ياعم السخان اهدى فاكرك ابو الرجولة كلها وهتقف
جنب اخوك عشان يوصل لقلبها وكل بحلال ربنا
ليه النية الشمال ديه، ودا بجانب شغلك يعنى
جدعانة منك
اهتز من الداخل شعور غريب يعصف به من تلك الكلمة
"اخيه" لم يسبق ان طرق هذا الشعور باب جوارحه
كلمة فعلت بداخله الافاعيل، ابتسم بهدوء وهو يحك
رأسه قائلًا:
-إذا كان قصدك الحلال انا معاك
-يعنى لو شمال هفضح نفسى نفكر بقى ازاى نخليها تلجأ
ليا كبطل خارق فاهم، المهم دلوقتى هتعدى على الاستاذة بيلا عشان تملى الابليكشن وتمسك الشغل وبعد كدا تجيلى
-اشطا
*****
رفع طاهر يده يمسح وجه بنفاذ صبر محاولا التحكم
فى ذاته قائلًا:
-ازاى اخد براءة؟ ازاى؟ السرعة دية ازاى؟
-تقصد بايه انه هو مسنود ومين هيعمل كدا
وليه؟ مين يخصه ان الزفت دا يطلع من السجن
اقفل وانا هحاول اتصرف
*****
اقتحمت كارما غرفة المكتب على طاهر كالعاصفة وهى تخرج ورقات مالية كثيرة من حقيبتها ثم القتها على الطاولة مما جعل عيناه تتسع وشرارات الغضب تنبثق
من مقلتيه، رمقته هى ايضا بشراسة هاتفة:
-دينك اهو
انهت جملتها وهى تتوجه نحو الباب مما جعله ينهض مسرعًا يجذب ذراعها دافعًا اياها نحو الحائط وكمم فمها
كانت تراقب تصلب فكه ونفر عروق عنقه غضبه
وحنقه منها حتى انها كانت تستطيع ان ترى غليان الدماء
بعيناه مما جعلها ترتجف بشدة:
-انا لو مستنى الفلوس ماكنتش جابتلك السلساله لكن
انتِ بنى ادمه غبية عشان واحد صايع يضحك عليكِ
ومتعرفيش تفرقى وكمان يهينك ويستنزفك ماديًا وجسديًا ومعنويا وفى الأخر تنتحرى بكل بساطة،
فى غيرك يتمنى ربع
اللى عندك فى حياتك اخ وام ومستوى مادى لكن
انت حابه دور المظلومة بصى على اللى حواليكِ
مرات اخوكِ، كيان وغيرهم كتير بس انتِ اختارتى
اليأس حتى مش بتحاولى تخرجى منه، ايه اللى
ناقصك انك تمسكى وظيفة هنا، قوليلى سبب
واحد يخليكِ تيجى تقعد وتمشى من غير شغلانه
لأ وكمان تدخلى كدا بكل وقاحة وترمى الفلوس
فى وشى احمدى ربنا انك مش راجل كنت مسحت
بيكِ المكتب، لمى فلوسك واخرجى
انهى كلماته وكانت دموعها تتساقط بغزارة رفع يده
بعيًدا عنها ثم خرج من المكتب صافعًا الباب خلفه
وتركها بالداخل
*****
فى دبى
وصل ضياء إلى المشفى وكان اول شئ فعله اتجه نحو قسم الحسابات وبدء فى اخرج جميع الدفاتر حتى
رأى ما جعل عيناه تتوسع بصدمة
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل السادس والثلاثون
هناك كذبة او حقيقة بعدها لا تعود الحياه كسابقها
العضد الذى سانده بعد موت والده، الذى تولى تربيته
وراعيته اصبح عدوه اللدود يقلب فى الاوراق وكشوفات
المشفى بين يده لا يفارق عينيه عنها، الحقيقة مؤلمة اكثر من مجرد تخيل العيش فى بؤرة الحدث ذاته
جعل قلبه كالذى يعتصره احدهم حتى ادماه
الأمر يتعلق بالخيانة، موت والده ماذا سيفعل؟!
*****
كارثة بكل المقاييس حلت على رؤوسهم وبالكاد ستقضى على كل العائلة، عندما ضاقت به السبل وعجز عن إيجاد الحل المنطقي قرر اللجوء لأخيه، دفع طاهر الباب كالثور الهائج دون ان يطرق مما جعل
كرم ينتفض على مقعده قائلًا بعصبية:
-ايه يا بغل انت داخل زريبة مش تخبط
جز على اسنانه بعنف وهو يطالعه بغيظ:
-دا مكتبي انا على فكرة، صحصح كدا معايا عشان في مصيبة هتحل على دماغ العيلة كلها
اتخذ البرود حجابًا ساترًا للقلق والتوتر قائلًا:
-ولا انت وشك نحس على العيلة من يوم ما اتولدت
دا شكك انك عمل معمول لينا على هيئة بنى
ادم
-خلصت هزار وخفة دم
رد عليه بامتعاض:
-اتفضل ادينا القاضية عشان نقرر
رمقه باحتقان ثم قال:
-اخو كيان
خرجت كلمة كرم بعفوية:
-اشمعنا؟!
كان طاهر يأكل في نفسه من فرط الغضب، اقترب منه
بترو ليفرغ طاقته المشحونة قائلًا:
-اطلع بروحك دوقتي
-اسف ماله الزفت
-خرج من السجن، ومعرفش ازاى انا ملبسه قضية كبيرة
لا هو ولا اهله يقدروا يتحملوا تكاليف المحامى اللى
طلعوا، ازاى طلع ومين ليه هدف فى كدا مش عارف المصيبة ان الواد دا خطر على كيان
دا حش.اش وممكن لو عرف كيان مشهوره يحاول
يتعرض لها بأى شكل
-طب خلى يقرب ليها اقسم بالله موته يبقى على ايدى
انا مش مستوعب مخلصتش عليه ليه دا جه على
شرفنا بس عندى حل عشان يظهر ونجيبه
وقبل أن يكمل جملته كان الباب يفتح بدفعة واحدة
وولج تامر قائلًا باندفاع:
-احنا نحبسها فى الشركة ونقطع الكهربا وساعتها تبقى انت سوبر هيرو
سيطرت الصدمة على طاهر حتى بات عاجزًا عن الكلام
للحظات ثم توجه يغلق الباب قائلًا:
-تحبسوا مين ياكرم انت وتامر
سرعان ما استعاب الموقف:
-يا نهار ابوك اسود ياكرم يلا انت غبى وانت اللى بتفكر
ياتامر ماشاء الله افكار غبية، غبية يعنى
التو ثغر تامر بحنق فاقترب منه طاهر يقول بمغزى:
-انت متعرفش ان اللى بيحبس قطة بيدخل النار
انت عايز تحبس بنى ادمه، هتدخلوا النار دنيا واخره
يا اغبياء
قبل أن ينطق تامر قاطعه كرم:
-انت فاهم غلط ديه فاره وهنحط ليها مصيدة ونقفل الكهربا ونقفشها الشركة مش نضيفه انا بقولك يا طاهر
ولازم تتصرف، يلا عشان امك مستنينا على الغدا
غمز كرم لتامر فابتسم وهم تامر للخروج لكنه اوقفه كرم
هاتفًا
-رايح فين بقول امى مستنينا على الغدا يلا بينا كلنا
وانت جاى معانا
-لا شكرا روح انتوا بالهنا والشفا
رفع كرم احدى حاجبيه قائلا:
-هو احنا بناخد رأيك اسحبه يا طاهر فى ايدك
كان اول من خرج كرم فوقف طاهر فى مقابل تامر قائلًا:
-متلعبش مع الفارة دية اخوها ايدوا طرشة خليك
شاطر وبلاش تمشى ورا الاهطل اللى خرج احسنلك، ويلا عشان امى زعلها وحش هى كمان
****
ولجوا إلى الشقة وكان يتقدمهم طاهر الذى تسمر مكانه
عندما وجد بيسان توزع الصحون على الطاولة، رفعت
بصرها إليهم بابتسامة هادئة قائلة:
-اتأخرتوا ليه؟!
عقد طاهر حاجبيه قائلًا:
-احنا جينا غلط ولا أيه
جاء صوت والدته من الخلف قائلة:
-غلط ايه يا واد انت
اتأخرتوا ليه ها؟!
تجاوزه كرم وهو يبتسم بترحاب:
-اشطر دكتورة فى العالم احنا اسفين على التأخير
ثم تابع:
-متأخرناش ولا حاجة يا امى احنا بس معانا تامر زميلنا
ابتسمت بتلقائية قائلة بحنان وترحاب:
-ينور تعالى يابنى اتفضل يلا لا سلام على طعام
وبعدين نتكلم
التفوا حول المائدة فجلس طاهر مقابل بيسان فحدثها:
-نورتِ يا بيسان
هزت رأسها بابتسامة هادئة بينما قالت والدته:
-اتصلت عليها من الصبح وجبتها ومقبلتش لا حجج
ولا اعذار المرة ديه، دا اكيد امها هناك لا عارفه
لا تأكل ولا تشرب من غيرها
نظرت لها بيسان بأعين لامعه من الدموع التى تحجزها
لتهبط رغمًا عنها، اقتربت منها مسرعة تضمها لتبادلها
بيسان محاوطة اياها بكتفاها لم تخفى على طاهر هذه الدموع التى رأها من قبل ليست اشتياق بل وجع
هز كرم رأسه بيأس قائلًا:
-انتِ عازمها على الغدا ولا بتفكريها بمامتها وتعيطيها
-يووه والله ما قصدى، مش بتاكل ليه ياتامر ولا اكلنا
مش عجبك
اجابها بشجن:
-لا طبعا عجبنى تسلم ايديكِ
اول مرة يختبر الجلوس مع اسرة على طاولة الطعام
عاطفة جديدة سيطرت عليه
سيطر الصمت على جلستهم كل منهم يسبح فى ملكوت حزنه ثوانٍ وكانت تنهض قائلة بلطف:
-تسلم ايديكِ يا طنط الأكل جميل اوى بس لازم الحق
العيادة
-طب اشربى الشاى معانا انت وحشانى والله
ابتسمت بقلب يئن بصمت:
-اوعدك مش هغيب بس فى عيانين فى انتظارى
نهض طاهر مسرعًا:
-هوصلك
-مفيش داعى كمل أكل
اجابها بجدية قائلًا:
-انا بعرفك، مش باخد رأيك يلا عشان العيادة
-بربرى
***
الليل يدمس العالم باكمله وبين ظلماته الكحيلة كانت
تجلس على فراشها متكومة
تشعر بوخزات تألمها فى صدرها من كثرة البكاء بينما الصداع يضرب العرق النابض بجوار عيناها اليمنى مما جعلها تتوقف عن البكاء فكلمات كرم كانت كسكاكين الحادة اخترقت قلبها، واستسلمت لدموعها الصامتة لتنسال على وجنتها بغزارة فكل ما مرت به اضعف قوتها
وبالفعل اخذت اليأس والاحباط ملاذًا وملجًا لها
نهضت تقف امام مرآتها لترى عيناها الحزينة والضائعة مسحت دموعها بقوة وهى ترمق نفسها فى المرآة
فمثيلاتها الآن يدرسن لتحقيق مستقبلاهم وهى
اصبحت مطلقة، بائسة، بلا عمل تتنظر عطف الجميع
وتخطيطهم لحياتها لكن يكفى فهى بحاجة النسيان
والتجاوز، نسيان الماضى بكل ما يحمله من ألم
وتخطى ضعفها، او ستحيا تتوسل الاهتمام
لكنها اخذت قررها ستخطط لمستقبلها وستكون اقوى لكنها الآن بحاجة لفنجانًا وحبة مسكن من القهوة كى تبدأ بترتيب افكارها لغد جديد
*****
اوقف السيارة فى مكان هادئ بينما هى رمقته باستغراب
فسألها بوضوح:
-بتعيطى ليه؟! انا عارف انه مش عشان وحشتى اهلك
المرة اللى فاتت سبتك على راحتك، وانا اعترفت ليكِ
اجابته بصوت مختنق من البكاء:
-انا عندى شغل وكدا هتأخر
اردف طاهر بجدية:
-ممكن تتكلمي انا ثقة متخافيش مفيش حرف هيطلع بره
وممكن نبقى اصحاب كمان
عيناها ثابتة انفاسها بطيئة جسدها لا يعطى اى رد
فعل شل لسانها انهالت دمعه من عينها رغمًا عنها
حاولت أن تكتم شهقاتها وهى تجيبه بنبرة متألمة
-الكل بيقولى عيشى عيشت اهلك بس انا معرفتش
نظر لها بعدم فهم قائلًا:
-اللى هو ازاى انت شكلك مرتاحة ماديًا ليه عيشت اهلك
-مش كل حاجة تبقى مادية، عيشت اهلى ابقى شبهم
انا اهلى ناس منفتحين على الاخر، وعلى الاخر يعنى على الاخر، شرب، لعب قمار، ساعات اكون فى اوضتى الباب يتفتح عليا ويتقال سورى كنت بدور على التواليت، ومسموح ليا ان يبقى ليا
بوى فريند يجى بيتي واروح بيته، بس انا من صغرى
ماكنتش حابه الجو دا وكنت على طول قافلة على
نفسى بذاكر وبس مش اكتر حياتى كتبى تقدر تقول
خيبت امل اهلى فيا وطلعت دكتورة بدل ما اكون
سيدة مجتمع افتح شركة لبراند معين، جيم، سنتر تجميل اى حاجة من هذا قبيل بس دكتورة لأ عيانين وتعب ليه المرمطة كان اصرارى بيزيد ونفورهم منى بيزيد بردو اختى كانت بتقول عليا عشان انا مسترجلة
بستخبى ورا الكتب طبعا اختى لقيت ماما كدا طبعا
الطريق الاسهل كان عدم الالتزام حاولت معاها بس
فشلت، وبعد كدا نزلت القاهرة واستقريت هنا ومحدش
سأل فيا بيقول احسن كانت معقدة انا عارفة انى مش ملتزمة دينيًا لكن فى بصيص امل فى قلبى ومش عايزه يضيع ، بس هما بيوحشونى اوى، انا خايفة تجرى ليا حاجة وميعرفوش
صمتت وهى تمسح دموعها بقهر قائلة:
-عارفة انى مشكلتى تافة مقارنة يعنى ببيلا وكيان ونماذج كتير، وعارفة انك هتقول انى اوفر بس
انا ساعات بتصعب عليا نفسى
كان ينظر لها بحزن كبير ودون وعى مد يده يربت على
يده، كانت حركة تلقائية منه لكنها لها تاثيرها عليها ثم
همس:
-لا تافة ولا اوفر، انت حد جميل اوى بيسان وشرف لاى
حد يعرفك دا بغض النظر عن طريقتك العدوانية
اجابته بغصة فى حلقها وهى تقول:
-بحاول ماكنش سهلة عشان عشان مبقاش مطمع
او حد يفكر انى زيهم
اجابها بجدية:
-انتِ مش زى حد انتِ فخر لأى حد بجد يكفى اللى وصلتى ليه فى عمرك دا، هو انتِ كنتِ مخطوبة لكنان بتحبيه يعنى ولا ايه
نظرت له بعينين مليئة بالدموع قائلة:
-انا برفض الجواز اللى مش عن الحب او يعنى على الاقل يكون الطرفين قلبهم خالى محدش قلبه مع حد تانى ومامت كنان صاحبة ماما واونكل زهير يعرف بابى
وطبعا كانوا عارفين مشاكلى مع ماما طنط نهلة شافتنى
دكتورة والاخلاق هى على علم بيها، قالت ليه لأ
وانا مرفضتش كنان اى بنت تتمناها وكان موافق لحد
ما قابل كيان وانا انسحبت بكل هدوء لأنى مش حابه
اعيش فى عيلة مفككة
ابتسم بسخرية قائلًا:
-مين دا اللى اى واحدة تتمناها على ايه
ضحكت من بين دموعها قائلة:
-منفسن اوى انت يا طاهر
-خدى بالك من كلام شايفه انا ايه وهو ايه
مسحت دموعها بوهن قائلة:
-هى مش بالعضلات طب انا لو لعبتك ماتش ممكن اغلبك
شعر بسخريتها واستفزازها له فقال بحزم:
-اخبار الاسبوع دا فى ماتش وانصحك اتدربى كويس
******
فى صباح اليوم التالى
مررت اناملها على ملامح وجهه بنعومة، كيف يكون بكل
هذا السحر وهو نائم ثم مررت اناملها فوق حاجبيه فهمس هو بصوت الاجش:
-رجعى كل حاجة فى مكانها يا هاجر بعد ما تخلصى لعب
رفعت حاجبيها شعرت بالخجل وتوتر ثم لكزته فى كتفه قائلة:
-انت صاحى وعامل نفسك نايم
فتح عيناه ليثبت نظره عليها وتوترها وخجلها يتسرب إليه كالسلسبيل ليكون منتشيًا لا يسمع ولا يرى إلا هى تلك الساحرة التى تسللت بنعومة بداخلة لتغيير ابجدية
قلبه..
قلبها شعر بنظراته فبدأ يحتفل يحتفل بطقوسه الخاصة
المربكة لها همست بتذمر طفولى:
-على فكرة الكذب حرام
-انا مكذبتش انتِ سألتى هاجد صاحى ولا لأ
كان يطالعها دون خجل فارتجفت وهمت بنهوض
ليسحبها من معصمها لتسقط فوق صدره ثم حاوطها بذراعيه هامسًا
-بحبك عايز ازرعك جوايا واخفيكى عن العالم
دفنت رأسها بصدره قائلة:
-طب ممكن تقوم يلا
-نفسك فى ايه يا هاجر؟!
تنظر له وينظر لها ثم همست:
-انا عشت طول عمرى لوحدى كان نفسى يبقى عندى اخوات وربنا ما أرادش
نفسى يبقى عندى عيلة كبيرة عيال كتير واجرى وراهم
زى مجنونه
ابتلع بصعوبة وسرعان ما تبدلت ملامحه وتصلبت عضلاته ثم قال:
-حتى بعد ما اتجوزنا حاسة بالوحدة
هزت رأسها بالنفى قائلة:
-لا طبعًا، انت وسوسو مليتوا الدنيا عليا
قهقة عاليًا:
-سوسو!!
إذا كان كدا يبقى ياهاجر هاجر القلب إليكِ فهل من وصال
حبست انفاسها عندما وصل ابهامة لشفتاها لكنها هتفت سريعًا:
-لو ربنا رزقنى ببنوتة هسميها وصال
ايه رأيك
لم يعيرها انتباه وكان يحدق بشفتاها ازدرئت ريقها
بارتجاف من نظرته ثوانٍ وكان يأخذها فى جولة
عشق جديدة
******
ولجت للشركة بكل ثبات بعد أن اقنعت زوجت اخيها
أن تأخذ قسط من الراحة حتى يأتى اخيها، وهى من
ستتولى ادارة الشركة، وقفت على اعتاب مكتب
بيلا تأخذ نفسًا عميقًا ثم رمقت مكتبه بحقد
وولجت للداخل سريعًا
بعد مرور ساعة طرق الباب وقبل ان تأذن بالدخول كان
ولج كرم، توسعت ابتسامته عندما وجدها تعمل بجدية
شعر بتأثير كلامه
حدجته بنظرات نارية قائلة:
-انت ازاى تدخل كدا مش فيه حاجة اسمها تخبط على
الباب
قالت كلامتها ببرود استفز حواسه ضده اكثر فهمس
من بين اسنانه::
-انا خبطت بس انتِ اللى مش مركزة
-لأ مركزة بس انت خبطت وانا مردتش يبقى متدخلش غير لما انا اسمح
وياريت نحط حدود بينا يااستاذ كرم
ثم تابعت بحزن وهى تخرج من حقيبتها علبة مخملية
قائلة بقهر:
-طالما مقبلتش الفلوس اتفضل السلسلة وكدا اكون
وفيت دينى
-اظن ان رجوعها ليكِ كان امر شبه مستحيل ودا يخليكِ تتماسكِ بيه اكتر، والمفروض الحاجة بتاعتك اللى تخصك وبتحبيها متفرطيش
فيها وتكونى سلبية اما لو انا كنت محتاجة ماكنتش
رجعتها يااستاذة كارما
على العموم يااستاذة فرح الخميس الجاى عايزيين
كل حاجة وهما اختاروا المكان تقدرى تبلغى الاوردارت
عن اذنك يا استاذة
اخذت تغمغم ببعض الكلمات فابتسم بانتصار وهو يستدير للخارج
******
عاد بعد يومين
فلابد للحقيقة ان تظهر مهما كسيناها باثواب الكذب
واليوم كان القدر يكتب يسطر نهايات للكذب والخداع وربما الاخوة
كان فى حالة هياج عصبى، يعانى كبح غضبه
كى لا تطال رفيق عمره، سيذهب مباشرة إلى
المشفى الخاص بهما ليتأكد من شئ ما ليفتح براكين
الحمم عليهما، اشتعلت النيران فى صدره اكثر ليدعس
على دوسة البنزين بعنف اكثر وهو يغرز انامله فى
رأسه يحكها بعنف
دقائق وكان يصف سيارته امام المشفى وانطلق مندفعًا
للداخل، حتى أن احدى العاملين حاول ايقافه لم يكترث
لحديثه بل ركض صوب المخزن، وقف فى المنتصف
يتأمل المستلزمات الطبية ثم اقترب ليتمعن النظر
بها، وقد فطن أن تاريخ الصلاحية الأصلى قد تمزق
واستمر فى البحث والتنقيب بشتى السبل وقد استغرق
منه الامر وقتًا مضنيًا، حتى عثر على
احدى العبوة التى لازال عليه الملصق الاصلى
استجمع فتات تركيزه وهو يتذكر أن كنان هو من استلم
هذه الشحنات، زمجر بقوة وهو يطيح بكل ما هو امامه
بعصبية مفرطة قائلا:
-كنااان، ليه يا كنان؟؟
ليه ابويا؟؟
مش مهم وساخت.کم
بس ابويا ليه؟؟
وقع ارضًا هو يضرب صدره بقهر:
آآه، يا صاحب عمرى اهااا
بس ورحمة ابويا لأطلع بروحك انت وابوك
ركض خارج المشفى ثم التف حول سيارته، واستقلها
بعجالة ومضى كالبرق.....
*****
-لو سمحت فى واحد هنا ساكن اسمه عم ايمن
تلك الكلمات اردفها ضياء وهو يسأل رجلًا كان يجلس
امام محل الجزارة فاجابه الرجل باسف
-عم ايمن الله يرحمه كان رجل طيب
-مات!! ازاى وامته دا كان كويس من اسبوعين
اجابه الرجل بتنهيده خانقة:
-كان بيعدى الشارع بليل وخبطتوا عربية الله يرحمه
ترقرقت الدموع بعين ضياء حتى قاطعه الرجل
-مش هتطلع تعزى يا استاذ ابنه كبير فوق
هز رأسه بالايجاب وتحرك نحو مدخل البيت ثم صعد
للأعلى ليجد ابنه يعرفه وما أن رأها قال:
-حضرتك دكتور ضياء زى ما وصفك بابا الله يرحمه
كان ساب معايا سى دى امانة ليك
لم يستطيع الانتظار اكثر قدم واجب التعازى وهبط مسرعًا استقل سيارته ثم سحب جهاز الحاسوب الخاص
به من الخلف ليضع الاسطوانة المضغوطة به ثم ضغط على زر
التشغيل ليظهر امامه ايمن قائلًا:
-طالما وصلك الفيديو دا يبقى ربنا اخد امانته وانت
اتاكدت من حقيقة كلامى ربنا يصبر قلبك يابنى
اطمن ابوك شهيد الغدر، اخر الفيديو هتلاقى
مقطع انا صورته لزهير فى المقابر وهو بيعترف
انه موت ابوك وماكنش قدامه حل تانى، سامحنى يابنى
انا اتاخرت فى الخطوة ديه بس خوفت على عيالى
كان الامر قويًا عليه
ما اصعب الضربة من القريب
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل السابع والثلاثون
يستند ظهره للخلف وينظر من شباك سيارته على الجهة الاخرى ينتظر قدومها نسى كل شئ للحظات خانه عقله واسلم القيادة لقلبه، فقط يريد رؤيتها كى يروى ظمأ فؤاده الملتاع فهو اشتاق لها حد الجحيم، كانت عيناه مثبتة على البناية
وما أن ظهرت شعر بقلبه يحترق وروحه تقطر وجعًا،
جسده ينتفض قهرًا، وعقله يستشاط غضبًا هز رأسه
برفض يجاهد ليتنفس، تختلط كلمات اخر اللقاء بينهما مع ما يطالعه الآن، تقف مع ساهر وتامر تبتسم بنعومة، طعنته فى قلبه لم تعانى مثله تبتسم بكل سهولة، وهو لا زال قلبه اسيرًا فى محرابها، شعر بدمعة ساخنة تدحرجت على وجنته فمسحها بقسوة وهو يتشبث بما بقى من قوته، فجأة اختفت داخل البناية فاندفع مسرعًا
بسيارته، يبدو انها بخير ويبدو أيضًا انها سعيدة دونه والأكيد انها لم تعشقه مثل ما عشقها، اوقف السيارة
جانبًا وهو يضرب موضع قلبه وهو يهمس باختناق:
-كفاية وارحمنى، ارحمنى تعبت، وهى بتضحك
وعايشة حياتها وقالت بتكرهنى ليه انت موجوع
كدا بتكرهنا
****
ولجت من باب الشقة بخطى بطيئة واغلقت الباب خلفها ثم وقفت تستند بظهرها على الباب رفعت رأسها للأعلى لعلها تستطيع التنفس، شعور موجوع يضغط على قلبها حتى كاد أن يخنقها، افتقدته وهى تعلم انه لن يعود ثانيةٍ
فقدته دون رجعة دون امل، تحركت بألم متخاذل ووقفت امام باب الغرفة المغلق منذ رحيله،
ودموعها تغرق وجنتيها وهى تبتسم بمرارة، حتى انه لم يعد ليأخذ اغراضه كأنه كان ينتظر ليبتعد نهائيًا، كانت
تنتظر بترقب أن يعود، يدلف مرة اخرى ويحتضنها
باشتياق، تتنفس عطره الذى ادمنته لكنه لن يعود
توجهت نحو الاريكة ثم انكمشت على نفسها طعنات
كثيرة تجدد نزفها اغمضت عيناها بقهر تشعر ان والديها تركاها من جديد وتنال هزيمة تجرعت مرارها كثيرًا
****
شعور بالخواء يسيطر عليه يجر خطواته إلى أن وصل
لفراشه فارتمى عليه وكأنه سُلبت منه الحياة، فغدا
جسده سائر على قدميه دون احساس، اغمض عيناه
يتذكر كلماتها التى اهانت رجولته يشعر بألم مبرح
ألم فقط هو مايشعر به
ولجت والدته دون استئذان تبحث عنه بعيناها هى تدرك حالته النفسية فتحامل على نفسه ليجلس على الفراش
ابتسم محاولًا يخفى الحزن النابض فى عينيه قائلًا:
-عاملة ايه ياماما؟!
-ماما!! بقالك اد ايه ياكنان مجتش هنا وأنا هتجنن عليك
أيه نسيت أن ليك أم
تناول يدها ليقبلها هامسًا:
-انا اسف بس ضغط الشغل
تنهدت وهى تشعر بروحه تنطفئ امام عيناها فسألته:
-طلقت كيان ليه؟!
اختنقت الكلمات بحلقه قائلًا:
-النصيب خلص لحد كدا
-يبقى تبطل تفكير فيها وترجع لأبنى بتاع زمان كفايا بقى اخدت اكتر من حقها، ومقدرتش وقفتك معاها
ابتسم بمرارة قائلًا:
-يارتنى عارف ارجع زى بتاع زمان او حتى اكمل
حياتى انا واقف عند اخر يوم بينا، واقف عند
اخر كلمة نطقتها واقف عند اخر دمعة نزلت منها
عند اخر مرة كانت جوه حضنى
نظرت إليه مطولًا ثم اردفت بغضب قائلة:
-عشان ايه كل دا حرام عليك نفسك، هى انت هونت
عليها يبقى عايز ايه تانى، منكرش ان الاول كنت رفضاها
لكن وافقت طالما ابنى مبسوط لكن دلوقتى
ابنى بيضيع ولازم تنساها وتفوق، أنا عايزاك تتجوز كمان
فى اسرع وقت واحدة زينا مش تشيل همها
ارتعش قلبه، بل اهتز ثباته ليقول:
-لو سمحتى ياامى متخلنيش اندم انى جيت وبلاش
تجيبى سيرة الموضوع دا تانى ولو سمحتى انا محتاج
انام شوية
****
جلسة دائرية كبيرة تضم الجميع ابناء عماته
وامامهم على الطاولة طبق من التسالى، ويضج
المكان بضحكهم واحاديثهم، حكايات تقص من
الكبار فيتذكرها الصغار ويضحكون، اما هى كانت
تشاركهم جلستهم بمشاكسة ومرح حتى نطق
إحدى ابناء عمته قائلًا:
-بس هاجد وهاجر ايه الصدف دية
اجابته بمرح:
-حصل فى ناس بتتجوز صالونات وفى ناس عن حب
واحنا سجل المدنى، بتشابه الاسماء دا
اضافت والدته:
- النصيب غلاب بقى
جز هاجد على اسنانه ثم تقدم ليلقى تحية ابتسم الجميع ثم هتفت عمته:
-اخبارك ايه يا هاجد وحشتنى يا حبيبى
وبقالنا كتير متجمعناش مع بعض تعالى اقعد معانا
-انتوا منورين يا عمتى بس عن إذنكم خمس دقايق
هغير وانزل
لا يريد الصراخ عليها فالتهور ليس من شيمه والتسرع ليس من خصاله هو يجيد الصبر فهمس بهدوء:
-هاجر تعالى معايا
-حاضر، عن إذنكم
*****
الخطوة الاخيرة، المواجهة، تلبسته حالة من الجنون الهستيرى عندما وصل للفيلا الخاصة بزهير، اخذ يصرخ لأول مرة يشعر بمرارة الانكسار، اطاح بكل شئ فى طريقه حتى وصل إلى الباب، اخذ يطرق بعنف وما أن فتحت نهلة رمقها بعدائية شديدة وتحولت عيناه للاحمرار، حتى ظهر امامه زهير خطى ضياء نحو ذلك الخبيث ذو بحة الأفاعى، وقف ينظر له ببريق عيناه الذى لا ينذر بالخير، كان ضياء كالصياد الذى يتربص
بفريسته اخرج سلاحه من جيب سترته وصوبه
نحو رأسه، صرخت نهلة بفزع:
-ضيااء انت اتجننت بتعمل ايه؟!
صرخ بهياج:
-انا لسه معملتش بس ورحمة ابويا مش هرحمه
ثم اكمل بقهر:
-ليه عملت فيه كدا؟
طب انت ازاى كدا واحنا كلنا مش حاسين؟
فى هذه الاثناء
كان كنان يهبط الدرج مسرعًا متسائلًا بارتياب:
-فى ايه ليه كل الدوشة دية
وما أن سمع ضياء صوت رفيقه اهتز من الداخل، كنان
الذى كان يسانده دائمًا ويشاركه بكل قرارته
عقله لا زال فى صدمة كنان شقيقه الذى انجبته الايام
لكن سرعان ما تحولت حالته إلى غضب شديد نيران
مشتعلة بداخله وهو يتذكر ما فعله به وبوالده، غليانه
لا يهدأ، للمرة الأولى يشعر بمرارة الإنكسار، رمقه ضياء
بنظرات ثابتة وكأنه يبثها القوة، يخبرها ألا تظهر اهتزازها قائلًا:
-اهلا اهلا بالو.اطى التانى
كان كنان يطالع ما يحدث باستغراب لأول مرة يرى
الإنكسار فى عيون ضياء لا يعلم ما حل به ولكن
الاكيد أن الامر ليس بهين فاقترب متسائلًا وهو يرمق
السلاح الذى بيده قائلا:
-فيه ايه يا ضياء؟! وايه المسدس دا انت مالك
بينما كان زهير يتنفس بعمق يعلم أن هذه المواجهة ستقضى عليه بالكامل ابتلع ريقه فى توتر هامسًا:
-ضياء واضح أن فى حاجة متضايق منها فالأحسن انى انا وهو ندخل المكتب ونكلم مع بعض
صرخ ضياء من جديد بنبرة جحيمية لا تبشر بالخير
وعيناه تقدح بالغضب:
-اه، بس ليه ياترى؟!
متضايق يمكن عشان قتلت ابويا مثلا
ولا عشان انت وابنك حرامية مثلا وبتاجروا
بأرواح الناس، ولا يمكن عشان كنت بعتبرك ابويا
وهو اخويا ولا يمكن عشان موت ايمن
نظر إليه كنان مطولا ليهمس باستنكار:
-ضياء فى ايه انت شارب حاجة انت شايف نفسك
بتتكلم مع ابويا ازاى مالك؟!
ليهدر ضياء بغضب ينفلت من عقاله:
-ابوك دا او.سخ حد شوفته فى حياتى
ولا انا بقول لمين ما انت زيه وانا وابويا مغفلين
لكن ورحمة ابويا ابدًا مش هرحمكم
نظر له كنان بذهول عقله لم يستوعب ما يحدث فصرخ
به بهستريا:
-كدا كتير ما تفهمنى مالك ايه اللى جرالك انت رافع
مسدس على ابويا
-كل شئ انكشف خلاص مفيش داعى تعيش فى دور
البرئ كتير انت والک. لب ابوك
بدون تفكير كان كنان يلكمه فى وجهها لكمة قوية مما
أدى إلى وقوع سلاحه فانقض عليه ضياء يريد أن يخنقه
فنظر له بصدمة قائلًا:
-انت بتخنقنى أنا يا ضياء عايز تموتنى انا يا ضياء
اثناء حديثه كان يخنقه حتى شعر بانسحاب الهواء
اسرع زهير بالتدخل ليبعده بعيدًا عن ابنه، فوقف
كنان يلتقط انفاسه باندهاش ويده على عنقه
اما ضياء ركل زهير فى بطنه مما جعله يتألم
فخطى كنان نحوه فهو لا يريد اذيته قائلًا:
-عايز افهم بتعمل كدا ليه لو فى تفسير قول
احسن والله مش هخرجك من هنا
-تفسير، ابوك قتل ابويا لما اكتشف خيانته وتزويره
وغشه فى مستلزمات الطبيه اللى كانت السبب فى
موت ناس كتيره بريئة لما واجهه بالحقيقة موته، ابوك
موته، طبعًا دا عادى بالنسبة ليك عشان انت ضميرك
معدوم زيه
كان كنان يدور حول نفسه بهياج يغرز اصابعه فى شعره تارة ويمرر يده على صفحة وجه تارة يركل ويضرب
كل ما تراه عيناه قائلًا:
-يا بابا انت ساكت ليه رد عليه ضياء شكله اتجنن
اسبل زهير اهدابه قائلًا:
-اقول ايه دية حاجة قديمة زمان اكتشفنا انا وابوه
سرقة واحد اسمه ايمن ولما واجهناه انكر وحاول يوقعنا
فى بعض بس معرفش والحمدلله ساعتها وقع فى شر
اعماله وابوه طرده من الشغل لكن ضياء واضح ان
ما صدق عشان يصدق كلام واحد زى ايمن دا
كان ضياء مصدومًا وهو يرى فى عينيه زيفًا وكذبًا هل
حقًا يظن أن يصدقه ثانيةٍ خطى نحو الشاشة المعلقة
ليضع بها (الفلاشة) ثم امسك جهاز التحكم ليظهر زهير
وهو يجلس امام مقبرة والده وهو يبكى
كان زهير يضغط على اطرافه بعنف ليتحمل ما يراه امامه، نيران تغلى بين عروقه بغضب جحيمى بداخل اوردته ينافى تمام برود وجمود وجهه ونظراته
وما أن انتهى المقطع ساد صمت مريب مدمر، ينظرحوله باضطراب لا يعرف ماذا يقول بينما نظر
كنان لعيناه يستنجده لينفى ما يسمع ويراه تناول
ضياء سلاحه وهو يقول بقهر:
-جالك قلب تقتل صاحب عمرك طب بتغش وتزور
ماشى بس كنت سيبه هو، مطمرش فيك يوم واحد كلته مع بعض طب عشان عنده عيال زيك، طب عشان كنت بتقوله هو السند، بلاش وهو بيموت قدام عينيك
ازاى قدرت تكمل حياتك عادى
-الفيديو دا متفبرك دا مش كلامى
صرخ ضياء بوجع شديد:
-بس بقى حرام عليك، ليه الكذب دا
أنا ابويا كان يقولى اخوك اللى من دمك حاجة واللى
تولد الايام ليك حاجة تانية كان يقول زهير صاحب
عمرى ونفسى تطلع انت وكنان زينا ماكنش يعرف
انكم ک.لاب، انا اخدت كل اللى يثبت تورطكم وهوديكم
فى داهية بحق دم ابويا اللى راح على الأرض هدر
ابويا اللى طعنته فى ضهره بدم بارد
كان زهير يلهث بقوة ثم انفجر متألم ولم يستطيع التحلى بالبرود اكثر من ذلك:
-ماكنتش عايز اموته انا كانت روحى فيه وكان صاحب عمرى، بس لما اكتشف اللى بيحصل من وراه قرر يفضحنى
بذنب الناس البريئة طلبت فرصة تانية ثار وقالى انا مستاهلش وبعد كدا وافق عشان كنان وطلب تعويض
كبير للناس كان هيخلينى بعد كدا اشحت قررت اعمل
صفقة صغيرة من وراه اعوض الناس وهتوب بس
هو عرف وقرر انه هينزل مصر وكمان هيسلم كل
الاوراق للنيابة ودا معناه حبس مدى الحياة هو اللى
بدأ انا ماكنتش عايز كدا كنت مضطر طب اعمل
ايه بس انا حبى ليك انت واختك ميقلش حاجة
عن كنان روحى فيكم كانت لحظة شيطان
لم يستطع الاحتمال، كل ما يحدث اكبر من طاقته
فهمس:
-انتوا بتهزروا معايا ايه اللى بيحصل دا، فى حاجة غلط
صح؟ طب دا مقلب؟ طب ليه كدا يا ضياء هو انا ناقص
الهزار دا
كان زهير يتحاشى النظر إليه بينما صفق ضياء:
-هايل يا فنان انت لسه مش واخد بالك ان كل شئ
انكشف، طبعا المستلزمات الطبية كلها متبدلة بحاجات مغشوشة بس للأسف بقى انا اخدت بالى، ولا ناوى
بقى تكمل فى الدور دا كدا كتير لحد ما تقتلنى انت
كمان
ابتسم كنان بنظرة مريرة مملوءة بالعتاب:
-اقتلك يا ضياء أنا
لم يبدُ ضياء متأثرًا، بل بدا مشمئزًا منه
لم يتحمل كنان نظرات ضياء فخطى نحو والده فهو
طوق نجاته من هذا الكابوس هامسًا برجاء:
-الفيديو دا متركب والكلام دا مش الحقيقى صح انا مصدقك انا عارف انك متعملش كدا
اغمض زهير عيناه بألم قائلًا:
-انا عايزك بس تهدى وانا هافهمك كل حاجة
كانت صدمة كنان اكبر من كلاهما فاخذ يحطم كل شئ
يقابله وهو يصرخ بعنف قائلًا:
-انتوا عايزين تجننونى دا اكيد مش حقيقة، لا مش
حقيقة ابويا انا ميعملش كدا استحالة.
استقبل ضياء كلماته بلكمة كالمطرقة فى فكه ترنح لها
كنان قليلًا ولكنه اطلق زمجرة مخيفة قائلًا:
-ضياء انت اتجننت انا مش عايز امد ايدى عليك مقدر
حالتك وأن فى سوء تفاهم
هوى ضياء بلكمة ثانية اشد عنفًا فوقع كنان ارضًا فانقض
عليه ضياء يحاوط جسده بذراعيه ليحطم ضلوعه، ادرك
كنان من ضغط ذراعين ضياء مدى الكره فاغمض عيناه
بألم وهبطت دموعه على وجنته بصمت كان يتلقى ضربته بصمود عجيب، تدخل زهير ليسحبه بقوة
ليضربه فى الجدار، صرخ كنان وهو يشعر بآلام مبرحة
فى جسده كله، وقف ضياء امام كنان ثانية ليركله
فى بطنه بعنف صارخًا:
-هات السيديهات بتاعة كارما يا كنان ولا ناوى تساومنى عليها احسن اقسم
بالله هطلع بروحك دلوقتى
وقف كنان يتحامل على نفسه والدموع تغرق عيناه
قائلًا:
-انا بتشك فيا اعمل كدا فى كارما اختى، انا حتى
مفتحتهمش انا حرقتهم قدام عينيها واسألها
انت ايه اللى جرالك بتشك فيا انا، انت اكتر حد عارفنى
ضحك ضياء بسخرية هاتفًا بألم:
-انت مش مكسوف من نفسك دا انت تبيع نفسك عشان الفلوس، انت ايه
الكام ألف اللى هيطلعوا دول اللى هيغنوك عشان انت
وابوك تعملوا كدا، عشان يقتل ابويا بدم بارد
لا وتعالى يا ضياء معايا انا لازم ادور على المقاول
اللى شوه سمعة ابويا وانا المغفل، انت ا.وسخ حد
شوفته فى حياتى، كلمة بكرهك من كيان دية شوية
عليك وكان حقها تبعد عن المستنقع دا
الكلمات لا تجرح بقدر قائلها؛ كلماته اخلفت شرخًا فى
قلبه، لكمة فولاذية اطاحت بضياء ارضًا لكنه وثب
واقفًا وشد اجزاء سلاحه وهو يبتسم بشر نحو زهير:
-هحرق قلبك زى ما حرقت قلبى على ابويا
*******
وقف امامها ينظر لها وتساءل بحدة:
-ايه اللى كان بيحصل دا دلوقتى
رفعت عيناها إليه وتيقنت انها اخطأت من نظرته المتأهبة:
-محصلش حاجة عمتك جم وعيالهم معاهم وانا كنت
تحت لبست الاسدال وقدمت واجب الضيافة
-دا لما يكونوا لوحدهم تقعدى انتِ قاعدة فى وسط
الشباب وبتضحكى وتهزرى وواخدة راحتك اوى
اجابته بصوت مختنق وعيون لامعه بالعبرات:
-ايه واخدة راحتى انا كنت قاعدة بكل احترام
وبعدين ماما سوسن معترضتش وعشان كدا قعدت
اجابها بحدة:
-لأ لا يا هاجر المفروض انتِ عارفة ومتعمليش حاجة
انتِ عارفة انها هتضايقنى وغلط
اجابته بدفاع عن حالها:
-انا كنت قاعدة باحترامى وفى حضور والدتك يعنى
محصلش حاجة لكل الزعيق دا وعلى العموم مش
هقعد تانى مع حد
تنهد وزفر لتهدئة حاله قائلًا بجدية:
-انا مقولتش اى حد انا كلامى واضح ياهاجر
ويلا عشان ننزل
-مش هنزل اتفضل انت
تنهد ثم اقترب منها ليهمس بنبرة رجل غيور متملك بجنون:
-بغير ياهاجر، ولو كنت بغير فى الاول قيراط بعد
اعترافك بحبى بغير ٢٤ قيراط
ألتو ثغرها بسخرية:
-بتغير قال يعنى بتحبنى
حاوط خصرها ليضمها لصدره وتحدث بأمر قلبه:
-بحبك دية شوية انا بعشقك
ابتسمت بخجل وهى تجفف دموعها بينما هو تحدث وعيونه تأكل كل أنش بوجهها هامسًا:
-على فكرة اول تصميمات للفساتين خلصت تقدرى
تيجى معايا إنهارده تشوفيها
قفزت من السعادة ثم قبلت وجنته بنعومة قائلة:
-هاجد بجد انا مش مصدقة ربنا يباركلى فيك
-ايه البوسة ديه، هو انا ابن اختك
هزت رأسها بالرفض لإثارته واشعلت نيران قلبه المشتعلة
بعشقها هامسه بغنج:
-لأ طبعًا ابن اختى دا ايه؟! دا انت حبيبى وجوزى
بس عماتك تحت مستنينا
ثقلت انفاسه هامسًا بصوت اجش:
-يستنوا وراهم ايه
لمعت عيناها بوميض مشاكس ثم قبلة شفتاه بنعومة
وابتعدت سريعًا:
-لا عيب ميصحش يا هاجد يلا عشان ماما مستنياك
عشان الغدا
-هاجر خدى بالك انا مش بحب شغل العيال دا
تعالى هنا
كادت ضحكاتها ان تجلجل بصداها وهى ترا تبدل
ملامحه ثم همست:
-ولا انا ويلا بقى ننزل والحساب يجمع بالليل
******
ولج للداخل بملامح ممتعضة وقفت والدته لتحثه على
الحديث، خطى نحو الطاولة ليتناول زجاجة المياه
ويرتشف منها فلكزته فى كتفه هاتفة:
-ما تنطق يا واد انت وتعرفنى عرفت توصل لحاجة
-استصبرى ياما مالك ايوة عرفت عيب ابنك
مش شوية بصى
هى المذيعة اللى بتيجى فى التلفزيون وجيبت عنوان
بيتها
همست بغل:
-يعنى اتدحلبتى ووصلتى لابوك يابت عاصم
واخدتي اد كدا على قلبك وانا اللى اشيل الليلة
فشرتى يا كيان
*****
ولجت هويدا للفيلا ومن خلفها كارما وبيلا كانت تنظر
إلى ابنها بأعين باكية وكل شئ حولها ساكن سوى عينيها
وقلبها، فقلبها يصرخ بألم وعينيها تشاركه هذا
دقائق مرت وهى كالتمثال بمكانها اقدامها لا تقو على
الحركة وهى ترى ابنها بتلك الحالة المزرية، بينما
بيلا اخذت تحرك رأسها ودموعها تنهمر على خديها
بينما كنان كانت عيناه حزينة كأن حزن العالم اجتمع بهم
نظر بطرف عيناه لأبيه ثم رمق والدته الجالسة على
ركبتيها تبكى بحرقة فابتسم لها بمرارة ثم ثبت عيناه
على ضياء بصمود
بالاخير عقل والدته اسعفها لتسرع وتقف امام كنان
وهى تصرخ :
-انت اتجننت يا ضياء نزل المسدس دا اخوك
والرصاصة مش هتوصل لكنان قبل ماتدخل فيا
صرخ بحرقة:
-ابعدى ياامى دول قهرونى وحرمونا من دخلة
ابويا علينا ابعدى
كانت كارما مصعوقة من حديث ضياء فصرخت:
-دا كنان يا ضياء اخونا ازاى تعمل كدا
صرخت نهلة بحرقة:
-سيبه يا ضياء كنان ابنى طول عمره معاك انت ازاى
يهون عليك ياضياء
خطت بيلا تمسك يده قائلة:
-لو هو مات انت هتدخل السجن وانا مش هقدر اعيش
انا قوية بيك، صدقنى هموت نفسى، خلى كل شئ
يمشى قانونى عشان خاطرى
صرخ ضياء بهياج وهو يرفع سلاحه للأعلى ثم اطلق
رصاصته للأعلى، انتفض الجميع ثم توجه نحو زهير
قائلًا:
-هحرق قلبك صدقنى
اندفع للخارج ومن خلفه والدته واخته وزوجته وما
أن وصل لسيارته استدارت بيلا لتقود هى السيارة
بعد مرور نصف ساعة صفت السيارة امام منزلهم
ونزلوا جميعًا كان ينظر لهم وهو يشعر بالقهر
اقتربت منه والدته:
-ضياء يا قلب امك كدا لو ماكنتش اتصلت بيا نهلة
كنت هتضيع نفسك كدا
اغلق عيناه بألم وعقله يعمل فى كل الاتجاهات يشعر
انه فى كابوس بشع وسيفيق منه
حاول ادخال الهواء إلى رئتيه بضعف التى كادت ان
تنفجر حتى شعر بقواه تخر رويدًا رويدًا والظلام يغشى
عيناه وهو على مشارف الموت فاستسلم للظلام
بينما صرخ الجميع نحو..
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الثامن والثلاثون
وصلت بيسان إلى المشفى وما أن اقتربت حتى هرولت
إليها هويدا تهمس بخوف:
-ألحقينى يا بيسان ضياء جوه بقالهم ساعة
وناس داخله وناس خارجة ومحدش مطمنى على
ابنى، ادخلى وطمنينى يا بنتى
ربتت بيسان على كتفاها بحنان فطرى وهى تخبرها:
-متقلقيش يا طنط أنا هدخل واطمنك ريحى نفسك
أومات لها بالإيجاب ولا زالت دموعها تنهمر على وجنتها
وبالفعل تركتها لتتوجه نحو الغرفة لتجد كارما وبيلا
تقفان امام الغرفة ودموعهم تنهمر دون توقف،
رمقتهم فى صمت ثم طرقت الباب وولجت دون
انتظار الاجابة
مرت لحظات شق فيها الرعب قلوبهم، خرجت بيسان
من باب الغرفة ثم اخذت نفسًا عميقًا وهى تخبرهم
-الحمدلله عدت على خير كانت جلطة ولحقوها
ترنحت هويدا وكادت أن تسقط فكلمات بيسان تدوى كقنبلة وقعت عليها واخذت تردد بذهول:
-جلطة! ضياء ابنى جتلوا جلطة! ابنى
كانت بيلا واقفة وكأنها فقدت قدرتها على نطق بينما
كارما ظلت تنحب بهستريا هاتفة:
-عايزه ادخل اشوفه اخويا حبيبى، عايزه ادخل عنده
سالت دموع بيسان رغمًا عنها على جانبى وجهها هاتفة:
-ياجماعة والله ضياء كويس والجلطة دابت وهو بقى
كويس ساعة وممكن تدخلوا تشوفوه بس لو
سمحتم اهدوا
لم تنتظر بيلا أن تنهى بيسان حديثها وخطت نحو الغرفة
كانت شاحبة كالاموات يكاد قلبها أن يتمزق وينفجر من
نبضاته الهادرة، حاولت اللحاق بها هويدا لكن اوقفتها
بيسان:
-واحدة واحدة ياطنط مينفعش كلكم
هو انتِ لسه مكلمتيش كنان لسه معرفش
اغمضت هويدا عيناها بألم ثم سردت لها ما حدث تحت
ذهول بيسان
فى الداخل
لم تشعر بعبراتها التى فاضت من مجرى مقلتيها وهى
ترمقه على الفراش ساكنًا بلا حركة وجسده موصل بالاجهزة، والابرة فى وريده بالتغذية، تشعر انها فى
كابوس بشع، تنتظر أن تفيق على مرحه الذى يملأ
البيت، تقدمت تجلس على المقعد امام الفراش بضعف
وعجز ثم تناولت يده تقبلها ودموعها تغرق وجهها
رفعت رأسها بألم لتراه ثم همست بمرارة:
-كدا يا ضياء تعمل فيا أنا كدا،
توصل نفسك لكدا عارف دا معناه ايه يا ضياء، يعنى أنا
اقع واتهد انا كنت عايشه حلاوة روح بس قويت بيك
حسيت انى كاملة معاك انت وبس، مش قادرة اتخيل
أنك نايم كدا ومش كل شوية تتصل بيا وتقولى متضحكيش فى وش العملاء، على فكرة لما تصحى
هحاسبك على وجعة قلبى ديه وخضتى عليك
انا معرفتش اعيش غير معاك فى وجودك انت
علت شهقاتها وانتفض جسدها بقوة لترتجف وهى تضغط على يده بقوة، شعرت بيد تربت على كتفاها من
الخلف فرفعت بصرها لتجدها بيسان فسألتها بوهن:
-هو هيفوق امته؟!
-شوية بس كفاية كدا تعالى عشان الاجهاد غلط عليه
اعادة بصرها إليه وهى تقول:
-مش قادرة اسيبه، مش قادرة
حاولت بيسان أن تكون هادئة فاجابتها بعملية:
-بلاش يصحى ويشوفك كدا لأنه لو شافك منهارة كدا
عشانه هيحس بضعفه وعجزه لازم لما يفوق يلاقيكى
اقوى يلا تعالى معايا بره
نهضت كالجثة الهامدة ووجهها منتفخ من اثر البكاء
فهى كانت تبكى كما لم تبقى من قبل.
*****
لعنة ذاته لانهياره بهذا الشكل امام ضياء، كيف اعترف
بسهولة، كل مرة كان يجد مخرجًا لكن هذه المرة لم
يكن يعرف أن ذلك الخبيث أيمن قد سجل له دون
علمه، حاول التفكير فى مخرج سريعًا ليرمم ذلك
الجبل الذى تفوه به، عليه أن يظل قويًا ولا يضعف
ابدًا
اغمض عيناه بعنف وهو يطلق سبابه على حظه العثر
الذى وضعه فى مثل هذا الموقف لكنه قرر أن يستغل
تشتت ابنه وضياعه ليبث ألاعيبه الرجيمه، فخطى
ليقف امامه قائلًا بثبات:
-اوعى تكون صدقت كلام ضياء، اللى حصل كان
سر بينى وبين المرحوم انا اللى اكتشفت انه بيسرق
وبيتاجر فى ناس ولما واجهته نكر بس انا كنت وصلت
لكل الأدلة وللأسف اصريت افضحه لكن هو انتحر
وكانت وصيته ان مفضحش سره قدام ابنه وعشان كدا زورت موته انه طبيعى، ودا
اللى خلانى اسكت على كل اللى عملوا ضياء، لأنه
هيفضل ابنى وانا اللى مربيه
رمقه كنان بضياع محاولًا ترتيب افكاره ليتخطاه تاركًا
المكان وقد بدأ اولى خطواته فى الذهاب نحو الهاوية
وكل ما فى رأسه معرفة الحقيقة.
******
-ايه اللى قولتيه على الفون دا؟!
وليه رديتى على فون بيلا؟!
كانت تلك كلمات طاهر فاجابته بيسان والحزن يفيض من مقلتيها هامسة:
-ضياء للأسف جاتلوا جلطة، وبيلا اغمى عليها عشان كدا رديت عليك
-ازاى وايه السبب اللى يوصلوا لكدا
اغمضت عيناها بتعب ثم ساد الصمت فعقد طاهر حاجبيه ثم حدثها بجدية:
-على فكرة انا مش متطفل وعارف ان الموضوع ميخصنيش وكنت جاى اطمن مش اكتر
عن إذنك اشوف بيلا
-انا مقولتش متطفل انا لحد دلوقتى مش مصدقه اللى
اتحكى اصلا مش اكتر مفيش داعى تكلمنى كدا، دا غير انى بيلا ركبنا ليها محاليل ومش هينفع تشوفها عن إذنك
وقف امامها يتمتم بندم قائلًا:
-مقصدتش اكلمك كدا ولو ماكنش الموضوع يخص بيلا
حقيقى ماكنتش سألت بس دا جوزها واكيد هى محتاجلنا
حواليها فاهمنى
حاولت كبح دموعها هزت رأسها بتفهم وسرعان ما ارتدت قناع الصلابة وهى تسرد له ما حدث انهت حديثها
وهى تجلس على المقعد المعدنى خلفها والدموع
ترقرق بعيناها إلا انها ابت الضعف
شل عقله لبرهة يحاول استيعاب ما قالته فحدثها قائلًا:
-ازاى كل دا يحصل بينهم دا اللى يشوفهم يفتكرهم
اخوات
-هما اخوات وانا متاكدة أن كنان ميعملش كدا نهائى
بس ضياء معذور الصدمة كانت كبيرة
انتصب فى جلسته وحدثها بانفعال طفيف:
-بعد كل دا بتقولى واثقة فيه وبعد اللى عملوا هو وابوه
-كنان ميعملش كدا اونكل زهير ايوه انا من زمان مش بستريح ليه
اطرقت رأسها ثم قالت بأسف:
-هو أى حد يعرف شلة بابى ومامى تتوقع منه أى حاجة
التو ثغره بسخرية من دفاعها عن كنان ونهض واقفًا يدس يده فى جيب بنطاله وهو يطالع ما ترتديه، قميصًا
ذا كم قصيرًا وبنطال بلون الابيض ليسألها باستنكار:
-ايه اللى انتِ لابساه دا؟!
انتِ مش سعقانة فى جو دا ؟!
ابتلعت باحراج ثم نظرت له قائلة بخفوت:
-سقعانة، بس لما كارما اتصلت جيت على طول وكنت
نازلة المستشفى كدا الصبح عشان الجو بيبقى حر
بنهار بس دلوقتى بقى برد هقوم ادور على أى جاكيت فى اوضة الدكاترة
خلع سترته واعطاها لها، نظرت له مليًا لأول مرة تدقق
النظر فى عيناه خاصة مع ذلك الاطار الذهبى المحاوط
خضرواتيه الممتزجه بالازرق، اخفضت رأسها سريعًا
وهى تحدثه:
-لا شكرًا انا هدخل اوضة ضياء او كنان اكيد هلاقى
حاجة ألبسه وبالمرة هكلم كنان عن إذنك
فى لمح البصر كانت تسير امامه فى رواق، بينما بقى هو ينظر فى اثرها ثم فرك وجه بعنف نادمًا على طريقته معاها فهى تبدو من الخارج كجبل من الجليد لكنها من الداخل اضعف من القلم الرصاص ثم طالع الجاكت بيده:
-احسن ألبسه انا لو اخدت برد نوجا مش هتدخلنا البيت وكمان اكلم روميو بتاعنا
*******
بدأ المطر يقرع الأرض، وهبت الرياح الشتوية الباردة،
وقلبه ينتفض صريع الصدمة، اوقف سيارته اسفل
بنايتها، تائة، حزين، ما اقسى التقلبات الحياة
هى الآن بعيدة لكنه بحاجتها، بحاجة أن يرتمى بين
ذراعيها لكن كبرياؤه يمنعه من ذلك، انخرط فى نوبة بكاء عنيفة، لا يعلم على من يبكى، لكنه كان يبكى على
نفسه يشعر بالقهر والضياع، اسند رأسه على عجلة القيادة بضعف، فهو عليه أن يتأكد بنفسه وأن يجد
اثبات لا يقبل الشك لحساسية الموضوع، لكن يبقى
سؤال يقتله ماذا سيفعل أن صدق ضياء
أو أن صدق والده، قطع تفكيره إلحاح هاتفه بالاتصال
ضغط زر الأجابة هاتفًا بوهن:
-ايوه بيسان
-انتِ بتقولى ايه؟! فين المستشفى عندنا
انا جاى حالًا
وقعت كلمات بيسان عليه كالصاعقة ليس من السهل
أن يجد رفيق العمر يصارع الموت، ويتخلى عنه
نظر نحو مدخل البناية بتردد لكنه حسم امره وفى لمح البصر كان ينطلق نحو المشفى ولم يعبأ بما سيحل به وبداخله وجع أن وزع على بلد بأكملها سيكفى ويفيض
******
ولج كنان إلى المشفى وتوجه إلى غرفته مباشرة وبعث
رسالة إلى بيسان، ثوانٍ قليلة وكانت تطرق الباب وما
أن ولجت حتى حدثها:
-اخباره دلوقتى؟!
-هو كويس ونايم متقلقش، كنان كل شئ هيتحل بليز تكون اقوى عشان الدنيا تظبط انت بنسبة لضياء زى
العمود الفقرى استحالة يقف تانى من غيرك
كيف يكون قوى
بل كيف يكون الأقوى، اغمض عيناه بألم ثم حدثها:
-عايز ادخل ومحدش يشوفنى
أومات بالإيجاب قائلة:
-تمام، اصلا طنط اديتها مهدئ ومعاها كارما وبيلا أغمى
عليها وفى اوضة ومعلقة محاليل
*******
يقف من بعيد يراقبها حينما ولجت للمرحاض، كان ينتظر خروجها
وفى ثانية، ثانية واحدة فقط كان يسحبها لأول غرفة ووجدت نفسها محاصرة، اغمضت عيناها وشريط من ذكريات المؤلمة تمر امامها، فتحت عيناها ببطئ وجسدها يرتجف وعيناها منتفخة اثر البكاء
ليسقط فكها بصدمة حينما طالعت وجه، حاولت أن تستخدم جميع مفاتيح عقلها لكن لم يسعفها عقلها فتمتمت بذهول:
-انت اتجننت صح؟!
التو ثغر كرم قائلًا:
-شبر ونص ومش باينة اما لسانك دا مترين وعلى الاغلب مش بيطلع غير عليا
-انت ايه اللى جابك هنا وازاى تسحبنى كدا ها؟!
بالتأكيد لم يروقه الأمر واسلوبها معه لكن ليس وقته
فاجابها:
-الف سلامة على اخوكِ، وقولت اجى الحقك قبل ما
تنهارى وتيأسى وتنتحري والمشرحة مش ناقصة
دموعها التى انهمرت على خديها اجابت عنها ثم همست بضعف
-وانت يخصك ايه اصلًا
تنهد كرم بحنق ثم قال بجدية:
-اسمعى بقى الكلام كويس، انتِ مش صغيرة وعيلتك
بتمر بأزمة ولازم تبقى اقوى من كدا وإلا
المرة دية هتخسرى كل حاجة، ومستحيل تتعوض تانى
والدتك بتنهار على حال اخوكِ وانتِ لو ضعفتى هى
كمان هتضعف وتنهار لازم تقفى جنب اخوكِ احسن لو جرت ليه حاجة هتعيشى عمرك كله
فى ندم اجمدى عشان مامتك واخوكِ، جه الدور عليكِ
تبقى سند ليهم
بايدك تكونى السبب فى لمة العيلة او ميبقاش فيه
عيلة اصلا، مفيش حد بيجى الحياة وواخد عليها
تعهدات انه ميتئذيش، كلنا بنتئذى وبنتوجع بس
لازم نقوم وبلاش تفضلى بتمدى ايدك عشان حد
يقومك، اعكسى الصورة وشديهم انتِ على فكرة
انتِ تقدرى يا كارما
دمعة وحيدة شاردة فرت مقلتيها اليسرى كأنها خرجت
لتطيب جروح قلبها النابض لتقول بضعف:
-ضياء جاتلوا جلطة، اخوي القوى اللى بيضحك على
طول انا هعمل ايه
اخذ كرم نفسًا عميقًا محاولًا اخمد نيران قلبه قائلًا:
-القوى ربنا يا كارما هو بس القوى، ومفيش حد بيضحك
على طول استحالة احنا لازم نبكى ونعيط ونتوجع عشان نعرف قيمة الفرح
-اشمعنا احنا اللى بيحصل معنا كدا
هز رأسه بسلب قائلًا:
-اولًا مفيش حاجة اسمها اشمعنا دا اسمه عدم احترام
للبلاء واعتراض انت فى حضرت قضاء ربنا احمدى وبس
لأن فى غيرك بيقول اشمعنا انتِ تمشى وهو لأ
انتِ بتشوفى وهو لأ، كلها قسمة من ربنا احمدى عشان
المحنة تعدى، وخليكِ قدها انا لازم امشى من هنا
عشان لو اتقفشنا هنا شكلنا هيبقى وحش اوى
وبرستيجى هيضيع
تركها خلفه وفتح الباب وولج للخارج، كانت كلماته
لها واقع غريب فى نفسها كانت منبهر بها، دائمًا ما
كان اخيها يعاملها كطفلة مدللة، وكأن عيناها ابصرت
للتو راغبة أن تنهال من خبرته كطالبة فى محراب علم جديد
***
وقف امام باب الغرفة محاولًا أن يهدأ الألم القابع فى نفسه ولكنه الأكثر علمًا بأن الألم سيتضاعف حينما يراه
راقدًا على الفراش
ولج للداخل وألجمته الصدمة بمشاهدته انهيار ضياء
الذى لم يسبق له أن رآه عليه حتى فى اصعب لحظات
حياته، فاخذت خطواته بتقدم نحوه، قلبه يتمزق ثم
همس:
-مفيش حاجة كسرتنى غير أن اشوف كدا حتى لما رفعت المسدس فى وشى كنت مراهن جوايا استحالة تعملها، انت ياض فوق ولا انت بتعمل كدا عشان مزعلش
منك، قوم كلمنى، ضياء قوم طب انت عندك حق واضح
انى شخص مش مناسب انا اتكره يا ضياء انت صح منفعتش اكون حبيب ولا زوج ولا حتى اخ او صديق
صمت مشاعر متضاربة انكسار، خذلان، مرارة الفراق
احساس مؤلم حينما ننجرح من احبتنا فتشعر بأن
قلبك قد نحر بنصل سكين بارد
فتح باب الغرفة فجأة فانتفض واقفًا لينظر لتلك التى
تقف عند الباب تكتم شهقاتها، نظرة واحدة فى عيناها
جعلته يشعر بأنه يتجرع كؤوس من العلقم فتقدم
نحو باب الغرفة دون حديث فأوقفته هى متسائلة:
-انت كويس يا ابيه؟!
-ابيه!!
-ايوة طبعًا وهتفضل على طول ابيه انت وضياء انا عارفة أن ضياء غلط بس انت بتحبه
وهتسامحه هو ماكنش يقصد انت عارف انت بالنسبة
ليه ايه
رمقه من خلف كتفه قائلًا بقهر:
-انا مش عارف غير أن مهما كان اللى حصل بينا يا كارما
استحالة ارفع سلاح فى وش ضياء استحالة اقول كلمة توجعه وتهدوا، بس مش مهم
اهم حاجة دلوقتى سلامته خلى بالكم منه يا كارما
******
-انتِ مش هتروحى عشان اوصلك
كانت هذه كلمات طاهر بينما فركت رقبتها بارهاق
قائلة:
-لأ روح انت انا هبات هنا وهطلع الصبح على المستشفى
قطب حاجبيه ليسألها بنفاذ صبر:
-هتباتى هنا ازاى يعنى ديه مستشفى
قهقة عاليًا ثم اجابته:
-ضحكتنى يا طاهر وانا حزينة بجد
هنام فى أى اوضة على اى سرير، فى عمليات حتى
انا ممكن ادخل المشرحة انزل ميت من على سرير
وانام انا دكتورة يا طاهر وجراحة يعنى المستشفى
بيتى
توسعت عيناه بصدمة قائلًا:
-تنامى مكان ميت
جبارة صحيح هما بيقول الجراحيين دول معندهمش مشاعر
هذه الكلمة نقطة ضعفها فدائمًا اختها تنعتها بمعدومة
المشاعر، باردة الدماء إلا انها حاولت الحفاظ على ثباتها قائلة:
-طب خاف على نفسك وانت ماشى وخد فى ايدكاخوك
اللى عامل زى خفاش الليل دا وكل شوية ينط لكارما
عشان الموضوع دا مريب
التو ثغره قائلًا:
-هو الكبير بس جايب ليا الكلام
على العموم احنا لسه على ميعادنا هنلعب ماتش قصاد
بعض
-تصبح على خير يا طاهر
*****
بعد مرور ثلاتة ايام
ما شعورك عندما تعلم انك كنت تحيا داخل قشرة واهية
لتشعر فجأة التشتت بين الماضى والحاضر
بدأت نيران الحرب بالاشتعال داخله بين ما يريده عقله
وما يرجحه ضميره لكن كانت النتيجة محسومة
فى منتصف الليل كان يقف فى زواية وبالكاد يلتقط انفاسه ليس التعب البدنى وحده من يرهقه لكن الذعر من تلك الحقائق التى يبحث عنها، وصوت ذلك التسجيل يدوى داخل رأسه كالقنبلة
وما أن ظهر امامه ذلك الرجل انقض عليه ليطلق
وحوش غضبه نحو وهو يهمس بفحيح افاعى:
-بتهرب منى ليه؟! ليه بتهرب منى
اجابه ذلك بتهكم قائلًا:
-اهرب منك ليه يابيه بس انا مشغول فى شغلانه كدا
اظلمت عيناه وتحول لوحش كاسر سيفتك به:
-مش انت قولتلى تعرف المقاول اللى كان السبب فى
وقوع العمارة
-اه يا بيه بس خلاص هو اختفى تانى
-بقى كدا،
طب انت بقى تيجى معايا القسم وتقول كدا هناك
ابتلع بصعوبة قائلًا:
-يابيه انا مالى ومال الكلام دا انا كنت هعمل حاجه
خير، ودلوقتى مش عارف وعايز اربى عيالى ابعد
عن سكتى بقى
كان ابعد بكثير عن العقل وكأن تلبسه جان:
-مش هبعد وهسلمك للشرطة لو متكلمتش بكل حاجة
تعرفها ومش بس كدا مراتك وعيالك هيجوا فى رجلين
لكن انا هديك الامان لو قولت الحقيقة مش هتشوف
وشى تانى
-انا كان مالى ومال المصلحة الزفت ديه عيالى لسه صغيرين وعايز اربيهم
ارتفع صوته بنفاذ صبر:
-مش هفتح كلام مع حد بس قول اللى عندك لكن
لو متكلمتش هطلع من هنا على الشرطة وانت عارف
الباقى
تنهد الرجل بقلة حيلة قائلًا:
-دا واحد جه لكبير الحتة هنا وكان عايز حد يقولك
كدا وانا كنت قاعد وقولت ماشى
اقولك انا اعرف المقاول اسوحك يعنى شوية واخد القرشين
اظلمت عيناه وازدت قتامة وهو يسأله
-اسمه ايه الرجل دا؟!
-كان اسمه منير، مظهر،
اه افتكرت زهير
-زهير
شعر بالبرودة والحرارة بنفس الوقت لم تريحه تلك الكلمات بل وضعته على بداية طريقه إلى الجحيم والهلاك، استقل سيارته وانطلق مسرعًا
لحظات وكان يقتحم الفيلا حتى وصل إلى الباب ترجل من سيارته وهو يلهث كمن كان يركض فى سباق ماراثون وضع سبابته على الجرس
بالحاح مما جعل الخادمة التى تفتح الباب تكاد تقذفه
بسباب لاذع وما أن ولج وقف فى الاستقبال يصرخ بحرقة:
-يا زهيررر
*****
-انت يا بت انتِ بذمتين على فكرة
قال تلك الجملة ساهر بينما كيان سحبت من الصحن
بتذمر قائلة:
-ساهر امشى من هنا يلا بدل ما تحمد ربنا انك نايم عندى بقالك يومين وبفطرك واغديك واعشيك
كمان بتتأمر
-بذمتك دا منظر الأكل اللى عملتيه فى تلفزيون انهارده
دا منظر دا ولا لازم احط لايك عشان الاكل يبقى
حلو فين الضمير، بعدين انا اخوكِ هتذلينى يعنى
دا انا مصدقت ان الواد تامر مسحول فى الغردقة
مع الافراح وجبت هدومى وقولت اونسك الحق
عليا
طرقت كفًا بالاخر قائلة:
-ما شوفتتشش فى بجاحتك على فكرة هتغسل المواعين
انت مشغلنى عندك من الصبح
قبل أن يجيبها صدح جرس الباب توجهت لتفتح لتجدها
والدتها ألجمتها الصدمة حتى أن قدمها لم تقو على حملها
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل التاسع والثلاثون
قطبت حاحبيها ونظرت لها بتعابير منطفئة بعد
أن علمت هويتها لكنها لم تفطن سبب مجيئها
التو ثغر والدتها قائلة بإمتعاض:
-جرى أيه يا بنت بطنى مش هتدخلينى
تنحت كنان جانبًا لتسمح لها بالدخول ورأسها يتخبط بالافكار كيف عرفت طريقها ما الذى جاء بها، وقف
ساهر ليستئذن بالرحيل لكن والدتها وقفت فى وجهه
قائلة:
-انت ابنه صح؟! شبهه اوى؟!
رمقها ساهر من اعلاها لأدناها بنفور ثم وجه حديثه لأخته:
-كيان هنزل شوية واطلع
-استنى استنى يااخويا دلوقتى بقت كيان وقاعدين فى شقة ايه مفتخرة على الاخر، ودلوقتى عرفت أن ليك اخت
وطبعًا اتصالحتوا على قفا ابنى، طالعة لابوكِ ياختى نكرت
خير قوم نسيتى انهم هما اللى رموكى ومعترفوش بيكِ
وخالتى هى اللى لمتك من الملجأ، تقومى تعملى حلف
على اخوكِ، ضد أخوكِ تانى
زجرها ساهر بحدة قائلًا:
-جرى ايه ما تتكلمى بطريقة احسن من كدا حلف ايه
واخوها ايه مش فاهمك
دارت عينيها فى الشقة تطالعها بإنبهار قائلة بغل:
-ايوة يا واد اعملهم عليَّ ماانت زى ابوك، اخوها اللى انت
وقريبك دخلتوه السجن ظلم عشان قضية اختك
.
هى اللى حبته وحملت منه وماكنتش عايزة العيل
نصيبها بقى خلص ابنى ايه ذنبه
صرخ ساهر وهو يقبض على ذراعها ليسحبها امام
كيان متسائلًا بغضب:
-الست دية بتقول ايه ياكيان؟!
كانت حالتها لا تقل صدمة عنه هزت رأسها بهستريا:
-معرفش معرفش انا مش فاهمة حاجة
نفضت ذراعها منه لتجذب كيان بحدة قائلة:
-شوف البت اتعلمت اللؤم من عيلة ابوها ازاى
وضعت يدها على اذنها تصرخ:
-بس اسكتى اسكتى انتِ بتقولى ايه
-لما انت متعرفش وهى متعرفش اومال مين اللى سحل
الواد وخده مش قريبكم بس ربنا نصره وخرج غصب
عنكم بس حقى اللى مأخدوتش زمان هاخدوا دلوقتى
من عينيكم
سحبها ساهر ليرميها خارج الشقة:
-احمدى ربنا انى مشيتك بس دا عشانها لكن ورب
الكعبة الكلب ابنك هجيبه وهدمركم زى ما دمرتوا
حياتنا
ثم صفع الباب بوجهها واستدار نحو كيان التى زاد
التنفس عندها عن الطبيعى وسيطر عليها التوتر
ومع كل خطوة كان يخطيها نحوها كانت ترتجف
كليًا كانت كتائه لا تعرف إلى اين تذهب يمينًا أو
يسارًا، بالأخير تحركت نحو غرفتها مسرعة
حاول اللحاق بها لكنها اغلقت الباب فارتمى
على المقعد خلفه فما سمعه كان كالصاعقة على
اذنيه
*******
هذا ما كان ينقصه جنان اخيه توقف فجأة ليسأله:
-كرم يا حبيبى رايح فين انا داخل المستشفى وانت؟!
-معاك طبعًا عيب عليك هتدخل المستشفى واسيبك
اجابه موضحًا:
-يابابا انا مش داخل مريض انا جاى زيارة يلا وسع سكة
كدا هتفضحنا، وبعدين كرم متهزرش البت اللى جوه دية تعلقها ميدالية فى بنطلونك مالك ومالها
التو ثغره قائلًا:
-خليك فى حالك يا عسل
وعلى فكرة انا كمان جاى زيارة لبيلا
وسع كدا واتكل على الله يا طاهر
تقدم كرم للداخل بينما فرك طاهر وجهه وهو يقول بسماجة:
-هو ضياء مش هيقوم من الجلطة دية أنا عارف
فى الغرفة
طرق طاهر الباب وولج بعد أن سمح له بالولوج
تقدمه كرم قائلًا:
-حمدلله على السلامه يا درش كدا تقلقنا عليك
قطب ضياء حاجبيه وهو يطالع بيلا فاجابه كرم:
-انا اخو طاهر وحضرت فرحكم وعقبال كدا ما احضر
فرح عيالكم ونكون كلنا عيلة
رمقته بيلا باستنكار:
-فرح عيالنا وعيلة
دهس طاهر قدم اخيه وهو يبتسم لضياء:
-حمدالله على السلامة تنذكر وما تنعاد
رمقه كرم بحدة ثم اقترب ليجلس بجوار هويدا على الاريكة ليتناول
يدها ويطبع قبلة عليها قائلًا:
-اخبار صحتك يا ست الكل
توسعت اعين الجميع بصدمة اما طاهر همس بخفوت:
-يخربيت معرفتك هتودينا فى داهية
ربتت هويدا على كتفه قائلة بحنو اموى:
-الحمدلله يا حبيبى تسلم
نهض واقفًا امام كارما وهو يغمز لها فى الخفاء قائلًا
بجدية مصطنعة:
-حمدلله على سلامته يا استاذة كارما
بينما ضياء كان فى عالم اخر شاردًا فى الفراغ لا يتكلم
وكأنه بعالم اخر، صدح رنين هاتف طاهر بإلحاح
فذهب إلى الشرفة ليجيب:
-ايوة يا ساهر
-مش فاهم حاجة منك اهدى
-خلاص هاجى عند كيان سلام يلا
ولج للداخل قائلًا باسف:
-معلش يا بيلا هنمشى ونرجع تانى لو احتاجتوا حاجة
كلمينى يلا يا كرم
-روح انت وانا قاعد هنا
جز على اسنانه وهو يسحبه من يده لخارج الغرفة
وما أن غلق الباب زجره بحدة:
-ايه ياض الغتاته دية
ايه اللى انا قاعد هى حنة امك
-انا هقول لحسين على فكرة وهيشدك من ودانك
-يلا انجز فى مصيبة مع ساهر عند كيان وانا مش مطمن
-يلا جتكم القرف عيلة نكد
*******
نحن لسنا كما كنا البارحة نتغير حسب المواقف والصدمات
كان يصرخ بقهر ودموعه تغرق عيناه، سيوف حادة
بداخله تنهش قلبه وعقله، انتفض زهير ونهلة على
صراخه وهرولوا للأسفل كانت ملامح كنان لا تنذر
بالخير، وقف يطالع والده بانكسار
لا استطيع كرهه فهو والدى روحًا لروحى كان قلبه
يصرخ بهذه الكلمات حتى يكتمه صوت العقل الذى
كان يحاول بكل الطرق جعله يكن له كره
اغمض عيناه فكل نظرة تزيد جرحه، والمزيد من
الجروح، حياته تحولت إلى احزان، احزان تفتك به
وبقلبه النازف، ماذا فعل هو بحياته حتى تنقلب
إلى جحيم؟! بماذا اخطأ حتى يستيقظ على واقع مؤلم هكذا؟! همس بضعف:
-ليه عملت كدا؟! ليه وازاى؟!
تصلب زهير مكانه كمن وقعت عليه كومة جليد فى ليلة قارصة البرودة، وعلم
انها لحظة انهياره فاجابه مدعيًا الحزن:
-انت رجعت تتكلم فى الموضوع دا تانى قولتلك
ان دا كان صاحب عمرى ومرضتش افضحه وانت
لازم ..
-بس بس كفاية بقى أنا مش مستحمل وبموت والله حرام كفاية و
لم يستطيع أن يكمل جملته اغمض عيناه بحسرة وهو
يبكى فهو الآن يتحمل فوق طاقته ثم فتح عيناه ببطئ
متسائلًا:
-اعمل ايه بعد اللى عرفته ممكن تقولى اعمل ايه
هاعيش ازاى، انا دورت على الحقيقة بنفسى وعرفتها
روحت للرجل اللى انت بعته عشان يورينى المقاول اللى مش موجود اصلا، وقال انك اللى بعته ليا
جز زهير على اسنانه بغضب فهو طيلة الأيام الماضية
كان يمحو أى دليل ضده ونسى ذلك الشخص، تنهد وهو
يهمس داخله انها القاضية، وقد سقط قناعة فصرخ بجبروت :
-اللى حصل دا ميخصكش ومالكش دعوة بيه يا كنان
دا كان ماضى وانتهى وخلصنا احنا ولاد النهاردا ولو
على ضياء انا اعرف اراضيه ومش هخليه يصدق حاجة
والموضوع دا يتقفل وكلامى يتنفذ ومتنساش انى انا
ابوك
لم يكن حديثه إلا وقودًا صُوب فوق غضبه فصرخ
-والناس اللى ماتت واللى بيوتها اتخربت واللى اتيتموا
فى رقبة مين، وصاحب عمرى ابص فى عينه ازاى وانا
وانا
-ماهو عشانك انت انا عملت كل كدا، عملتلك اسم وامبرطورية، فتحتلك بدل المستشفى تلاتة انت وصاحب عمرك
جحظت عين نهلة من هول الصدمة وهى تهز رأسها بعدم استيعاب بينما طالعه باحتقار واشمئزاز ولكنه لم يهدأ وزادت ثورته
وحطم كل شئ امامه وهو يقول:
-بنيت مستشفيات على ارواح الناس على دمهم اللى
فى رقبتك، على سمعتى أنا، على وجعى على رفيق
عمري ماكناش محتاجين ولو حتى كنا لومحتاجين
مش مبرر
انهى كلماته وجثى على ركبتيه بانهيار ينحب ببكاء مرير كطفل صغير اقتربت نهلة مسرعة تعاون كنان على النهوض وهى ترمق زهير باشمئزاز، فهمست لكنان:
-عشان خاطرى يا حبيبى ما تعملش فى نفسك كدا
اوعدك كله هيتنفذ زى ما انت عايز
بينما زهير انذار الخطر لديه ينذره انه ارتكب خطأ عندما صارحه بالحقيقة، اقترب منه كنان وهو يترنح
فى خطواته يتوسله بضعف:
-عايز اطلب منك طلب
موتنى، ارحمنى من اللى انا فيه
انا مش عارف ازاى اسكت ودا استحالة، وازاى اسلمك
لحبل المشنقة ودية استحالة، اقتلنى انت ارحمنى انا صحيت على
كابوس انا عايز اموت نفسى بس مستحرم بص انا
هسامحك لو خلصتنى من كل دا وموتنى
صرخت نهلة بفزع وهى تكمم فم ابنها وتسحبه معاها
للأعلى بينما الرجفة سيطرت على جسد زهير كيف
يصل بخياله أنه يضحى به هو قرة عينه، وليد فؤاده
ارتمى على المقعد خلفه يضع رأسه بين كفيه
******
عقلها لم يكف عن التفكير كلما اتصلت به يأتيها البريد
الصوتى أن الهاتف مغلق زفرت باختناق وقد اوشكت على البكاء لعدم توصلها إليه مرت دقائق كالساعات
وكان الباب يفتح لم تعرف لِمَا توقف الكلام فى حلقها
عندما رأته كانت صامتة، لكتها سريعًا ارتمت باحضانه
كانت تفتقده، تشتم عنقه ذو رائحة القهوة الصباحية
احتبست انفاسها لتحبس معاها رائحته المنبعثة منه
لم تشعر بنفسها إلا وهى تقبله، تلاقت انظارهم وتاهت
فى سحر نظراته، لكنه رأى ما زلزل كيانه فسألها:
-ليه الدموع يا هاجر؟!
-بقالى كتير بتصل عليك غير متاح قلقت جدًا
معقولة انها احبته لهذه الدرجة، مسح دموعها باناملة قائلًا:
-الدموع دية متنزلش ابدا انهاردا اخر الشهر وكان
عندنا تقفيل حسابات والفون فصل منى ومرضتش
اتصل قولت نمتى
-مش بنام غير لما انت ترجع وبعدين انا اتعودت انام
وانت جنبى لو سمحت الحركة دية متتكررش تانى
واعتذر يلا
امسك كفيها الناعمتين ليقبلهم وهو ينظر لعيناها البنية
ثم همس بصدق اقرب للرجاء:
-حقك عليا يا هاجر،
هاجر اوعى تسبينى يا هاجر انا من غيرك اضيع
تعلقت فى رقبته قائلة:
-استحالة وهجيب منك دستة عيال كمان
فى لمح البصر كان يحملها متوجهًا للداخل تعالت ضحكاتها متسائلة:
-ايه اللى بتعملوا دا ه
-هعتذر وكمان هنشوف حوار دستة العيال
******
-انت ليه خبيت عليا ياطاهر
كانت هذه كلمات ساهر وهو يقبض على مقدمة قميص
طاهر، فنزع طاهر يده بحدة قائلًا:
-فين اختك؟! لما نطمن عليها نبقى نقعد رجالة ونتكلم
كرم خد ساهر واستنونى تحت
تقدم طاهر نحو الغرفة وطرق الباب ولم يجد اجابة
فادار مقبض الباب وفتحه بحذر وخطا للداخل لتقع
عيناه عليه بشفقة فهى لا تستحق كل ذلك تحرك
يجلس امامها على الأرض كانت تنظر امامها بشرود
لكنه ثبت نظره عليها وعيناها تلمع بدموع القهر
والانكسار كانت تهمس وكأن مسها الجنون:
-اللى هو اخويا هو اللى عمل كدا فى اللى مفروض
اختى اللى مفروض اخويا، وهى كانت بتهددنى
دور على اختى عشان ينتقموا ومدورتش عليا انا
شهقة طويلة خرجت منها شاعرة بمرارة الحياة
لتتهافت عليه المصائب واحدة تلو الأخرى منذ أن
فتحت عينيها على تلك الحياة تخلف لها الأسوأ
فقط، لم تكتمل لها فرحة إلا وانقلبت عليها وكأن
الحياة حاسدة حاقدة عليها او قطعت وعد إلا تتركها بحالها، كل ماتطلبه فقط الرحمة
كان طاهر يحدق بها بحزن امالت رأسها بإجهاد تستند
على الجدار خلفها وهى تنحب فى صمت فهمس
-كيان انتِ كويسة خلينا نتكلم، طب تعالى روحى معانا
مش هينفع اسيبك هنا لوحدك
صمت مطبق فقط صوت انفاسه نهض من امامها ليجرى
مكالمة
*****،
نام كنان بحضن والدته لتلتقط دموعه بين يدها بغزة
بقلبها وهى تنهض لتعتدل من جلستها وتطفئ الانوار
عليه لتخرج متجهة لزوجها بغضب عارم صفعت الباب
بقدمها هاتفة بغل:
-ضيعت ابنى يا زهير لكن ورحمة ابويا ما هارحمك
استحملتك كتير اوى بتجرى ورا القرش طول عمرك
واقول كله لينا دا حتى معرفناش نخلف عيل تانى
بسببك بسبب طمعك وانانيتك انت جاحد يا زهير
قتلت صاحب عمرك انا اكتر واحدة شاهدة عمل
معاك ايه بس انت واطى
-نهلة ألزمى حدودك انا مش ناقص
-مفيش نهلة عارف ابنك هيموت نفسه وتعيش بحسرته
مش هيستحمل خيبته فيك، ولا هيستحمل يسلمك
للشرطة لو بايدى كنت قتلتك بس عشان واحد زيك
اخسر دنيتى واخرتى، لكن انت عشت كافر وتموت
كافر عادى وبالمرة ترحم ابنك من عارك وكفاية اللى
خسره انت خسارة فيك كلمة بنى ادم مش اب
كنت بتتاجر فى ارواح الناس عشان ايه ها ناقصك
ايه، انت طماع طماع وزى ما خلصت من صاحبك
خلص على نفسك طباخ السم بيدوقه يا زهير
اعمل حاجة صح لابنك وارحمه من عار هيلحقه
عمره كله
*****
رواية روح بلا مأوى الفصل الأربعون 40 - بقلم سارة فتحي
رواية روح بلا مأوى الفصل الاربعون
قد يطرأ على المرء لحظات خضوع، عكس مايتمنى وعكس مايرغب، لحظات الهروب من الواقع
كان من المقرر خروجه منذ الصباح، لكنه وللمرة الأولى
يشعر بأنه مقيد بقيود غير مرئية، وتبقيه مكانه عنوة
برودة تتسلل إليه وكأن هناك ما أنطفأ بداخله بعد
معرفة الحقيقة المخزية لمن كان يظنهم السند والأمان
كان مخدوعًا فى اقرب شخص إليه
ومع ذلك لا يريد الخروج من المشفى، فهو فى اسوء
حالاته لم يصل تفكيره إلى ايذاء كنان، لا يعرف
ماذا سيفعل بعد خروجه من المشفى، هو من المفترض
أن لا يرد الضربة بمثلها بل يكتسح عدوه حتى لا يبقى
منه شئ، لكن ماذا يفعل إذا كان هذا العدو كنان
خيوط عقله ستنفجر انها حرب نفسية تنهشه بلا هوادة
داخله اصبح خواء ، يرغب بصراخ لكن صوته لايخرج
يرغب فى البوح لكن سيزيد ألمه، انسدل الدمع من عيناه
التى لم تعهد الضعف قط، اقتربت بيلا مسرعة تمسح
الدمعة باناملها، فرمقها ضياء بنظرة حملت شتى
المعانى المؤلمة، حاولت كبح مشاعرها المشفقة وابتسمت
بهدوء قائلة:
-انت عجبتك قعدة المستشفى وأكل المستشفى
وبتهرب من اكلى صح
لم يبتسم ظل كما هو محدق فى سقف الغرفة بشرود
انكمشت حاجبيها بحزن وانهمرت دموعها فى سباق شهقت بعنف رغمًا عنها، طالعها بأسف ثم مد يده لها وهو يهمس بضعف
-بيلا
ارتمت بثقلها على صدره وانخرطت فى نوبة بكاء هامسة:
-عشاني يا ضياء بلاش كدا لو كانت جرتلك حاجة
كنت هموت كل شئ يتصلح بس متوصلش لكدا
أنا ماليش غيرك متعملش فيا كدا، انا قوية بيك
ومش بس أنا وطنط وكارما، انا بشوف حياتى في
ضحكتك، قبلك كانت شبه الماكينة بتعمل شغلها
عشان اهلى ميحزنوش عليا، مش عايزة ارجع
لبيلا القديمة تانى يا ضياء
رفعت رأسها من على صدره، فتنهد وهو يقول
بمرارة تسد حلقه:
-شوفتى كنان وابوه عملوا أيه فيا يا بيلا
زفرت انفاس يتخللها الألم على حال زوجها الذى كانت نظراته تفيض بحنان يتغلغل فى شقوق روحها
الجافة فيصيبها كغيث بعد سنين عجاف فهمست:
-ممكن ماتفكرش فى حاجة دلوقتى الدكتور قال
التوتر غلط عليك ممكن بس نطمن على صحتك الاول
وبعدين نتكلم
-بس انا مش هسيب حق ابويا لو حصل ايه
اقتربت منه تعاونه على النهوض كى يرتدى سترته قائلة:
-طب خلينا نجهز عشان طنط هويدا وكارما مستنين
تحت فى العربية
*******
وجدها تخرج من الداخل فهب واقفًا متسائلًا:
-ها عاملة ايه دلوقتى؟!
تنهدت ببطئ ثم اجابته بارهاق:
-الحمدلله، هى هديت ونامت طبعًا متكلمتش معايا
بس اظن المسكن شديد وهتنام شوية
-بيسان، اسف انى طلبتك دلوقتى بس ماكنش قدامى
غيرك، هى استحالة هترضى تروح معايا عند امى
وهاجر ماكنش هينفع اكلمها انتِ فاهمة
انهى جملته بصوت متحشرج فقطبت حاجبيها لتسأله
بفضول لا تعلم سببه:
-هو انت لسه بتفكر فى بنت عمتك، يعنى لسه بتحبها
ابتسم بمرارة فهو وقع صريع هذا العشق وقتيل خنجره
اغمض عيناه فهو مازال يدفن ملامحها داخل ثنايا قلبه
هز رأسه سريعًا لينقض صورتها وهو يفتح عيناه قائلًا:
-هو احنا بالريموت كنترول
-طب وهى ليه تسيبك بعد الحب كل دا
سألته بفضول ثانيةٍ شئ بداخلها يثير فضولها وهى عكس ذلك تمامًا
كلماتها اشعلت ضجيج قلبه، قلبه الذى اقسم أن يحرقه ولايريحه ولا يطاوعه انتقامًا لها، حتى عقله اتفق مع
قلبه ليؤنبه فهمس:
-تقدرى تقولى أنا حسبتها غلط، او كنت ضامن ومراهن
على حبها فهى ادتنى قلم فوقنى، وعلى فكرة انا مش
بلومها انا كتير وجعتها
ما علينا خلينا فى كيان محتاجة لأيه بحالتها دية
انهى جملته وقد توقف عن الحديث فابتلعت حزنها بصعوبة وشعرت انها على حافة البكاء مشاعر غريبة بداخلها ولا تعرف تصنيفها، فسألها:
-سؤال ومن غير زعل
انت شايفة انه عادى تبقى معايا فى شقة لوحدنا
لأن كيان فى عالم موازى، مش قلقانة منى
ابتسمت بمرارة وهى تشيح عيناها كى تكبح عبراتها
التى تقتل هذا القلب، فماذا يقصد بسؤاله، انها متحررة مثل اهلها، وعلى الرغم من استنكارها
السؤال ونزيف قلبها ألا انها اجابته ببرود:
-لأ مش عادى وعارفة انه غلط وحرام
بس عشان عارفة ظروف كيان وواثقة فيك
بس مش عشان انا سهلة اكيد يعنى ومتحررة
استنكر ما تقول فهز رأسه بنفى مسرعًا:
-مقصدتش كدا انا قصدى انك مأمنه ليا ولا لأ
ضحكت وهى تقول:
-نفس المعنى، غبى انت بردو يا طاهر
-ما تلمى لسانك هو انتِ فاكرة انى هاسكتلك
توسعت عيناها بصدمة:
-هو بذمتك فى حد يكلم انثى كدا
تحمحم بحرج قائلًا:
-على سيرة الانثى انا مكلتش حاجة من الصبح ما تدخلى المطبخ تدورى على حاجة ناكلها اى لقمة
اعض فيها
قهقت عاليًا وهى تحك مؤخرة رأسها قائلة:
-لا والله يا طاهر انا اخرى فى الطب ماليش فى المطبخ
جو الأكل والمواعين دا تخصصك انت
-يخربيت جمال ضحكتك
قال جملته لتطوى هى ذراعيها ثم رفعت احدى حاجبيها فرفع يده سريعًا هاتفًا:
-قصدى برئ بس افتكرتك متعرفيش تضحكى زينا
قبل أن تجيبه كان صوت الصراخ يهز جدران الشقة
هرولت بيسان ومن خلفها طاهر فولجت وضغطت
على زر الأضاءة مسرعة لتقترب منها، ادركت بيسان
انها ترى كابوسًا تقدم طاهر يناديها:
-كيان، كيان مالك
كانت تصرخ وبؤبؤ عيناها يتحرك كبندول الساعة:
-مين طفى النور عليا، مييين انا مش بنام فى الضلمة
ليه تطفوا النور
اغمض طاهر عيناه بقهر وهو يشد خصلات شعره بعنف
قائلًا:
-احنا اسفين يا كيان اسفين ماخدناش بالنا
لم ترد عليه واستمرت فى اهتزازها فهذا الكابوس
ابشع ما رأته حتى أسوء من خيالاتها رأت والدتها
تفتح بطنها لتخرج احشائها وعلى الجانب الاخر
كنان يقف وسط النيران حتى انها بدأت تمسك
بجسده وكان يصرخ مناديًا باسمها اما هى كانت
تصرخ عليه كى يبتعد ويتركها خوفًا عليه من النيران
غطت اذنيها بيدها فازداد الطنين وكأن سرب من
الدبابير اجتاح رأسها، اخذت تبكى من شدة حزنها
فامها التى من المفترض ان تكون سندها هى اول
الطاعنين والغادرين لها، ثبت نظرها على من تهدهدها
وجدتها بيسان، فاسندت رأسها على كتفاها بضعف
ثم همست بخفوت لكن بيسان التقطت بعض همهماتها:
-كنان عارف انى بخاف من الضلمة واتعودت انام فى
حضنه مشى وسابنى ليه
اغمضت بيسان عيناها بألم ثم ضمتها إليها ونظرت إلى
طاهر قائلة:
-تصبح على خير يا طاهر انا هنام مع كيان اقفل الباب
وراك
هز رأسه بالإيجاب وسحب الباب خلفه، اما بيسان
ضمتها وسحبت الغطاء عليهم
******
راح يذرع الغرفة ويحوم حول نفسه فى أسوء كوابيسه
لم يتخيل أن تلك النهاية لم يعتقد أن يصل لتلك المرحلة سريعًا، عبرات ابنه لم ترحمه، يتذكر وجهه
وهو يتوسل إليه أن يقتله انتفض قلبه بذعر أن
يضعف ابنه ويفعل شئ بنفسه، وجه بصره لغرفة
ابنه ثم تحرك نحوها ومد يده يمسك بمقبض الباب
ليفتحه بحذر، لتقع عيناه عليه يجلس على الفراش
ويضم ركبتيه إلى صدره كطفل صغير تأمله بشفقة
وقد استنبط ما يمر به ابنه
رفع كنان نظره بإنكسار يشعر بأنه امام طوفان عتيد
يواجهه بمفرده بعد أن نجا الجميع تاركين اياه ان يحدد
مصيره بدون مقدمات او سفينة يستنجد بها
وما اقترب زهير ألقى كنان نفسه بين احضان والده وهو يبكى كطفل
فى الخامسة قائلًا:
-ابويا انا ميعملش كدا مثلى الأعلى الحضن الدافى
انا مُت خلاص، انا هموت اعمل ايه قولى يا بابا
ضميرى اللى انت ربتنى عليه هيموتنى اهون حاجة
ان اموت نفسى، انا هعيش كدا ازاى
قد يبدو الأمر غير مألوف لكنه كان بحاجة لحضن والده
اخذ زهير يشتد على عناقه بقوة خائفًا من خسارته،
كان يشعر بانهيار ابنه لكن عجز لسانه عن البوح وبعد
مرور ساعة وقف زهير وحدثه بكلمات صادقة:
-كل حاجة فيك حلوة او انا علمتها ليك كان نفسى
تكون فيا، بس الشيطان ممكن كان اقوى منى، نام
دلوقتى واعمل اللى يقول عليه ضميرك يا كنان
********
خرج من المرحاض يجفف ذقنه بعد أن حلقها وما ان
انتهى توجه نحو سترته ليخرج منها كيسًا مخمليًا ثم
توجه نحو هاجر يطبع قبلة على رقبتها فاستدارت له
فمد يده بالكيس فاخذته وفتحته ثم التو ثغرها متسائلة:
-ايه دا يا هاجد
-غويشتين اية مش حلوين
-مش قصة حلوين ولا مش حلوين بس اتنين بس
ليه هو انت فاتح محل شوكولاتة دا محل دهب
يعنى تجبلى خمسة ستة كدا اشخلل بيهم
رفع حاجبه متسائلًا:
-تشخللى ايه يا هاجر وهو مش انا جايب شبكة
لكزته فى صدره وهى تقول بغنج:
-وهما يغلوا عليا وبعدين هى الواحدة ايه
غير دهبها ولا انا مستاهلش يا قلب هاجر
ابتلع بصعوبة لتتحرك تفاحة ادم صعودًا وهبوطًا وهو يقول:
-قلب هاجر وكل دلع دا ليا دا المحل وصاحبه واللى شغالين فيه تحت رجليكى
ثبتت عيناها على حركة شفتاه لا تعلم عما يتكلم
لم تسمع ما يقوله، وهى بين ذراعيه رائحته تغمرها؛ رائحة جلده مختلطة مع معجون الحلاقة اغمضت عيناها
شعور لا مثيل له، حبست انفاسها عندما اشتدت يده
على خصرها ليقربها اكثر، علت صوت رسائل هاتفها، فابتعد عنها لتجيب فشعرت فجأة بالصقيع
بينما هو قطب حاجبيه متسائلًا:
-مين؟!
-دا ساهر بيقول لازم اروح لكيان عشان تعبانة ومش معاها حد غير طاهر
عند ذكر طاهر اشعلت به اعتى نيران الغيرة فتحولت ملامحه:
-يعنى ايه قاعدة مع طاهر ويعنى ايه تروحى انتِ
-فى ايه يا هاجد مالك بقولك تعبانة وانت عارف
ان مالهاش حد
جذبها من معصمها لترتطم بصدره قائلًا
-فى وفيه وفى كمان انا بصراحة مش بستحمل اللى
اسمه طاهر ومش بستحمل يبص عليكِ، مجرد اسمه
بس بيجننى يا هاجر بيخلينى واحد تانى ممكن اعمل
اى حاجة استحالة اتخيلها، بغير منه يا هاجر فهمتى
-سيب ايدى انت ماسكنى كدا ليه يا هاجد، غيرة ايه وبتاع
ايه بقولك البت لوحدها ومالهاش حد تقول كلام فارغ
اشعلت كلماتها الفتيل بينهم فاجابها بخذلان:
-غيرتى كلام فارغ مشاعرى وحبى مالهمش قيمة
عندك
تركها وتوجه للغرفة الاخرى بينما هى لعنت غباءها على
اندفاعها فى الكلام فذهبت إليه، دخلت الغرفة وجدته
ممدد على الفراش يضع معصمه على وجه، فاقتربت
تجلس على طرف الفراش لتزيح يده هامسة بندم:
-ماكنش قصدى بس عشا.
قطع كلامها:
-خلاص يا هاجر انا تعبان وعايز انام
-حقك عليا متبقاش غيور وكمان قماص
التو ثغره قائلًا:
-وكمان قماص شكرًا ياست
ابتسمت بمكر وهى تضع يدها على موضع قلبه قائلة بغنج قد اسلب عقله:
-يا هاجد قد هاجر قلب هاجر إليك فهل من وصل
حركتها وكلماتها اذابت قشرته الجليدية فوضع يده فوق
يدها قائلًا:
-فتحت قلبى له ووقفت ضلوعى ترحيبًا بقدومه
والله فهو النبض لقلبى
انهى كلماته وهو يجذبها فوق صدره ليأخذها فى جولة
عشق جديدة
*****
فى صباح اليوم التالى
صرخة هزت جدران الفيلا انتفض كنان راكضًا نحو
الصوت وجد والده مستلقى على الأرض جثى
على ركبتيه سريعًا يفحص عرقه النابض، توسعت
عيناه بفزع محاولًا فتح جفنيه لكنه اصبح جثة هامدة
جسد والده، جثة باردة برودة الصقيع، انهمرت
عيناه بدمع يعلم خطأ والده لكن يكن له مشاعر محبة
ذكريات عديدة جمعته بوالده، نصل سكينة ينغرز
فى قلبه ويصل إلى اعماقه، ضمه إلى صدره بقوة
وهو يبكى بقهر، من اعتبره فى يوم سند فارقه
تاركًا له وصمة عار:
-قولتلك موتنى أنا قولتلك موتنى، لأ بردو سابتنى مع
كل دا كدا حرام عليك، فاكر بموتك هرتاح ازاى بس، قوم الله يخليك قولى انى بحلم قوم انت ضهرى
وسندى انت ليه عملت كدا فينا ليه لييييه
اه يا ابويا يا وجع قلبى
اختار بملأ ارادته أن يحيا خائن، وأن يرحل مكللًا
بالذنوب، منبوذًا بلعنة الأرواح التى فرط بها مات
وحيدًا باختياره...
******