وقفت في المطبخ. عملت فنجان قهوة. حطيت كوكيز كتير في طبق. وخرجت على أوضتي كعادة كل يوم. روتين حياة ممل، سخيف، مرهق لشخصية بتفكر في كل حاجة حواليها. فتحت الفيس. كان ممل زي العادة. رحت على الواتساب. كان فاضي من أي ماسدج شخصية. كأنه مهجور. لا يخلو من ماسدجات شغل. جروبات سخيفة أصحابي عملوها. جروبات لـ بسميك، اب، سكين كير. حاجات مش مهمة بالنسبة لي. أو بمعنى أصح مبقتش اهتم بيها من وقت ما يونس خرج من حياتي.
خدت نفس عميق ولسه هقفل. اتببعتلي ماسدج من رقم مجهول. "ازيك يا سيليا؟ فتحتها ورديت بفضول: "مين؟ "أكرم زميلك في الشغل." رديت باستغراب: "أهلاً يا أكرم. خير في مشكلة؟ "لا متقلقيش، أنا بس كنت حابب أتكلم معاكي في موضوع." "معاك اتفضل." سندت بظهري على السرير وأنا باكل كوكيز ومنتظرة أعرف الموضوع. "سيليا أنا مُعجب بيكي." اتنفضت من مكاني ونطرت الطبق لدرجة الكوكيز بقت كل قطعة في حتة زي قلبي تماماً. لاقيته typing مرة تانية.
حطيت إيدي فوق قلبي وأنا ببص على الشاشة وبتنفس بسرعة. "ممكن رقم والدك علشان أجيب أهلي ونيجي نتقدم." بلعت ريقي ورديت وأنا إيدي بتترعش: "أيوه يا أكرم، بس أنا معرفش عنك حاجة." "بمعني! "بمعني إني محتاجة وقت أتعرف عليك وأنت كذلك، ولو في قبول ناخد خطوة الخطوبة." "أنا معنديش أي مشكلة، شوفي اللي يريحك وأنا معاك. هسيبك تفكري في الموضوع براحتك وكلميني عرفيني قرارك." "تمام." قفلت الشات. بصيت قدامي بشرود وحيرة. ليه لأ؟
أكرم شخص لطيف، مثقف، ناجح. والأهم من كل ده محترم وعمري ما شفته واقف مع بنت. المطلوب مني دلوقتي آخد قرار. كنت ما بين نارين. في صراع رهيب بين قلبي وعقلي. قلبي الغبي اللي مش قادرة تكره يونس أو حتى تبطل تستناه. وعقلي اللي بيشجعني بكل قوته: ادخل التجربة يمكن تفلح. كالعادة لما بحتار أو بتضايق هربت في النوم وبطلت تفكير. نوم هادي بدون إزعاج، بدون أحلام، بدون أشخاص مؤذيين في حياتي. *** صحيت تاني يوم على صوت المنبه.
قفلته بضيق. قمت دخلت الحمام. خدت شاور دافي. خرجت على المطبخ. وقفت عملت قهوة سادة. تساعدني أفوق. وقبل ما القهوة تفور. وقبل ما قلبي يدوب زي كل يوم في حبه. طفيت البوتجاز وصبيتها في أكبر فنجان في المطبخ وخرجت. وأنا بشربها بدأت أختار هلبس إيه. وقفت حوالي ربع ساعة محتارة قدام الدولاب. "بحب الفستان الأسود عليكي أوي."
افتكرت جملة يونس أول ما وقعت عيوني على الفستان الأسود واللي كان كل مرة يشوفني لابساه ينبهر بيا وكأنها المرة الأولى. خدت نفس عميق وأخدته من الدولاب. وفجأة رميته فوق السرير واختارت فستان تاني. وكأني بعاند يونس ونفسي وقلبي علشان أثبت أني خلاص مبقتش مهتمة، مبقتش بحبه، ومبقتش عايزاه. لبست ونزلت. طلبت أوبر ووصلت على الشغل. دخلت مكتبي لاقيت بوكيه ورد فراشات شكله يجنن. قربت منه وخطفته بلهفة. كان جواه كارت. فتحته كان مكتوب
جواه بخط بشع في الحقيقة: "تقابليني؟ كأنك فيلم خمسيني. كأنك وردة في البدلة بيرويها مطر عينيك. كأنك أرض. كأن في حضرتك ببقى روائي لا يمل السرد! حطيت إيدي فوق بوقي وأنا بضحك بذهول. كانت فكرة لذيذة وخطفت قلبي في الحقيقة. بس يا ترى مين صاحبها. "موافقة تقابليني؟ "انت! ضحكت وأنا ببص للشخص اللي اقتحم المكتب فجأة. غمزلي وهو بيحط إيده في جيوبه: "إيه رأيك في جو المحن ده؟ رديت وأنا برفع حاجبي بضيق: "محنة؟
هز رأسه بتأكيد: "بصراحة الفكرة مش فكرتي. أنا سألت معتز زميلنا إيه اللي ممكن يخطف قلب البنت قالي الورد وهو برضو اللي كتب الجواب." حطيته فوق المكتب وأنا بلف وبقعد في مكاني: "وجبته ليه طالما شايف أنه محن! رد بتوتر: "ا احم فاضية بعد الشغل نتقابل وندردش شوية." "اممممم اوكي مفيش مانع." *** خلصنا شغل واتقابلنا في كافيه قريب من بيتي. كان شكله لبخ، مرتبك، مش عارف ينطق كلمتين ومش عارف يتعامل مع ليدي زي.
أول ما دخلنا سحب كرسي وقعد. وسابني واقفة. سحبت كرسي وقعدت قدامه بملامح كلها ضيق. جه الجرسون. طلبنا اتنين قهوة. وفضلنا قاعدين. كان بيبصلي بنظرات غريبة وكأنه بيقيم إني كنت حلوة من قريب ولا بعيد. منطقش ولا حرف. لدرجة مليت. وبدأت أنا أتكلم. "مقولتليش يا أكرم إيه اللي عجبك فيا؟ بلع ريقه وهو بيعدل النضارة بتاعته وبيرد بتلقائية: "شكلك." رديت برفعة حاجب: "بس!
هز رأسه بنفي: "لا طبعاً، وأنك محترمة ومثقفة وناجحة. فيكي مواصفات يتمناها أي شاب. مناسبة بكل المقاييس." اهي بدأت تنطق. بدأ ينطق أخيراً. ابتسمت وفكيت التكشيرة اللي على وشي. وبدأت اتناقش معاه. فات تلت ساعات واحنا مش حاسيين. بعد ما كنت مقفولة منه بدأت أستلطفه. اللي اكتشفته إنه معرفش ولا بنت في حياته. واحدة في مكاني مش ممكن تصدق أن شخص زي أكرم ميبقاش له تجارب حب سابقة.
لكن من خلال المناقشة الطويلة دي اكتشفت فعلاً أنه شخص صادق ولطيف. اكتشفت أنه كان بيدور على مواصفات معينة في شريكه حياته والمواصفات دي كانت موجودة فيا أنا وبس. "يا خبر! الساعة ١٠ أنا لازم أمشي حالاً." وقبل ما أكمل جملتي الفون رن. كانت ماما. خدت نفس عميق ورديت بتوتر: "الو." "سيليا انتي فين كل ده؟ "ا احم ا أنا أنا ربع ساعة وهكون في البيت." "طيب متتأخريش خالتك هنا." رديت بلهفة وفرحة: "خالتي سامية؟ "أيوه يالا بسرعة."
"حاضر مسافة السكة." قفلت معاها وبصتله بحزن: "معلش بس أنا مضطرة أمشي حالاً." "في مشكلة؟ "الوقت أتأخر وخالتو لسه واصلة من السفر هي وابنها وعايزين يشوفوني." رد برفعة حاجب: "ابنها ده عنده قد إيه؟ ابتسمت أول ما حسيت في نبرته بغيرة. رفعت حاجبي بمراوغة: "اشمعني! هز أكتافه بحيرة: "عادي مجرد سؤال." "عنده ٣١ سنة." "يعني أكبر منك." هزيت راسي بتأكيد وسكت. سكت لحظة وبصلي وفي سؤال في عيونه. "مالك؟ "هو ابن خالتك ده هيبات معاكم؟
"اومال هيبات في الشارع." "وانتي بتقعدي قدامه بشعرك ولا بطرحة؟ هزيت أكتافي ببرود: "أنا بعتبره أخويا وببقى بشعره." رد بحدة بسيطة: "بس هو مش أخوكي ده من محارمك! "عادي يا أكرم زين أكبر مني وشايف إنها أخته الصغيرة وبعدين ده خاطب وبيحب خطيبته جداً." "ميخصنيش يا سيليا خاطب ولا متجوز. قعد قصاده بشعرك ممنوع." رديت بضيق: "أكرم أنا آسفة بس انت بتتحكم فيا بصفتك إيه معلش؟
"بصفتي هخطبك إن شاء الله وأنا مقلبش البنت اللي هتكون خطيبتي ومراتي في المستقبل حد تاني يشوفها بشعرها واظن ده من حقي." خدت شنطتي والفون وأنا بقوم من مكاني وبرد ببرود: "حقك لما يبقى في خطوة رسمية إن شاء الله. عن إذنك." "استني هوصلك." "مفيش داعي هطلب أوبر." رد بإصرار: "سيليا أنا اللي هوصلك." رديت بإستسلام: "طيب." *** فات شهرين على ارتباطنا. كانوا أسرع شهرين مروا عليا في حياتي.
كل يوم نتقابل، نتكلم بالساعات، نروح نحكي في الفون لحد ما يقع مني وأروح في النوم. اكتشفت في خلال الشهر أنه شخص مناسب. بالتأكيد مش مثالي وعنده شوية عيوب، لكن ده العادي. واللي مكنتش متوقعاه أني في وجود أكرم كنت بنسي "يونس" تماماً وكأنه مكنش موجود في حياتي. شكل قلبي اتشّد وحب بجد ولا إيه؟ "سيليا أنا امبارح اتكلمت مع ماما في موضوع خطوبتنا." رديت بتوتر وأنا ببصله: "بجد؟ وقالتلك إيه؟
سكت لحظة وفضل يقلب في الفنجان اللي قدامه. "مش موافقة؟ هز رأسه بنفي: "لا موافقة عادي بس عندها مشكلة." "وايه هي؟ رد بإحراج: "لبسك." "ماله لبسي؟ "يعني هي شايفة أن لبسك مش مناسب لو حصل نصيب ودخلتي في عيلتنا." ابتسمت بسخرية وأنا بشبك صوابعي في بعض: "أيوه برضو مش فاهمه مش مناسب من ناحية إيه؟ "سيليا أنا عيلتي كلهم لابسين الخمار."
"أيوه بس دي حرية شخصية وبعدين مش باللبس. لو البنت عشان لابسة خمار ولبس محترم تبقى بنت مثالية من وجهة نظر والدتك يبقى اسمحلي أقولك أن هي غلطانة. أنا آسفة في كلامي بس هي فعلاً غلطانة!!! "أيوه يا سيليا بس الخمار فرض علينا." "وأنا عارفة يا أكرم بس انت داخل من البداية وعارف أن ده لبسي ودي طريقتي وده أسلوب حياتي." "وفيها إيه لو غيرتي نفسك للأحسن؟ سيليا انتي مش نفسك تدخلي الجنة؟ رديت بذهول: "مين فينا مش نفسه يدخل الجنة."
"طيب علشان ندخل الجنة لازم نجتهد ونجاهد نفسنا." "أنا فاهمة كل كلامك ده يا أكرم وأكيد نفسي أبقى أحسن مش عشان حد عشان ربنا يرضي عني بس أنا آسفة أنا مش مضطرة أغير من طريقة لبسي وحياتي عشان أعجب مامتك." "سيليا أنا بحبك وما صدقت لقيتك." هزيت أكتافي ببرود: "اللي بيحب حد بيحبه حتى بعيوبه." "يعني مفيش أي احتمال تغيري من نفسك؟ بصتله ورديت بنفاذ صبر: "أغير من نفسي لإنها حابة أغير من نفسي إنما مش عشان مامتك توافق تيجي تخطبني."
"حتى لو قولتلك علشان... ردت بابتسامة كلها سخرية: "المشكلة أن الأوردر طالع من مامتك مش منك يا أكرم. انت عارفني وشايفني ومن أول يوم ارتبطنا ومتكلمتش في موضوع لبسي ده يعني انت مكانش عندك مشكلة المشكلة عند مامتك." اخد نفس عميق وهو بيحط وشه بين كفوفه وبيسكت شوية. بعدها رفع رأسه وبصلي بجمود: "أنا آسف يا سيليا بس إحنا كده مش هينفع نكمل. يا تغيري من طريقة لبسك يا كل واحد يروح لحاله."
هزيت أكتافي بلا مبالاة: "يبقى كل واحد يروح لحاله." قام وقف وطلع محفظته. حط فلوس على الترابيزة. وسحب الفون ومشي من قدامي بدون ولا حرف زيادة. عيطنا وخلصنا؟ طردونا بعيوبنا؟ عملنا بحر دموع ونزلنا فيه دوبنا؟ حبينا، و إدّينا، وزرعنا فيهم ورد. وحصدنا خيبة أمل، مشاعرنا وقلوبنا. محمد أميري
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!