تحميل رواية «سيطرة ناعمة» PDF
بقلم سوما العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
آه، كنتِ وحشاني بشكل. بكراهم. همست لونا بقهر قبلما يقهقه عاليا بينما يجذبها لأحضانه المتعرقة العارية وجسده يهتز من شدة جلجلة ضحكاته. مسح جبينها المتعرق إثر فعلته ثم أكمل: وأنا كمان بكرهك يا روحي. حاولت التملص من بين أحضانه لتخرج منها وتبتعد عنه. فهمس: إثبتي بقى، لسه فيكي حيل. فقالت بغضب مكبوت: سيبني. تحولت ملامح وجهه على الفور للضيق والتجهم. فحررها من بين ذراعيه كما أرادت لتلتف بسرعة وكأنها تبتعد عن ملقف للقمامة تستعد للذهاب للمرحاض. فقال: رايحة فين؟ وقفت توليه ظهرها ولم تجب. فقال: رايحة تستحمي...
رواية سيطرة ناعمة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سوما العربي
استيقظت من نومها تشعر بعظامها ذائبة مكسرة. لقد فتك بها ليلاً كان كالمجنون شوقاً بعدما حرمت نفسها عليه لمدة طويلة.
أغمضت عينيها تتذكر همساته اللاهثة المهووسة وهو يخبرها في خضم جنونه بها كم اشتاق لها، يطلب منها ألا تبتعد عنه لفترة طويلة كما فعلت.
فتشت بجوارها على السرير لم تجده. جعدت حاجبيها مستغربة، ثم وقفت لتذهب للمرحاض تغسل وجهها. دقت على الباب معتقده أنه بالداخل، لكنها لم تتلقى ردًا ففتحت الباب وغسلت وجهها ثم جففته وخرجت لباقي البيت. لكنه غير موجود. غير موجود في المطبخ أو الصالة أو أي مكان.
وقفت في منتصف البيت تضع يدها على رأسها تفكر: أين ذهب؟ هل خرج وسيعود أم أنه عاد لمصر وتركها؟ تركها؟!!! حقاً؟ تركها وحدها في بلد غريبة عنها لا تعلم فيها شيئًا. حتى ولو طلبت ذلك مسبقًا وتمنته، لكن أن تتفاجأ بعدم وجوده كان مريعًا بالنسبة لها.
لكن سرعان ما ابتسمت. تتمنى أن يكون تفكيرها صحيحًا وقد غادر. غادر أخيرًا وحل عنها. طارت من الفرحة وهي تتخيل. فليذهب فقط وهي ستتصرف. ما هو بالأساس يمنع عنها كل السبل بوجوده. ربما ستتصرف أفضل في غيابه.
فكرت سريعًا وهرولت ناحية غرفتها من جديد لتتأكد. آآآه. تنهيدة مرتاحة صدرت عنها بعدما دلفت تبحث عن حقيبة سفره ولم تجدها. تهلل وجهها وشعرت أن غمًا قد انزاح من على صدرها وظلت تدور وتدور حول نفسها من الفرحة.
غير واعية لذلك الذي كان يقف في حديقة البيت الصغيرة يتحدث في الهاتف بعيدًا عنها كي لا تسمع، لكنه لاحظ حركتها داخل البيت من شرفة الصالة. فأغلق المكالمة متهللاً وهو يراها تخرج من الغرفة في البداية بحثًا عنه.
زغرغت الفراشات معدته يستبصر بريق أمل في علاقته بها. حبيبته تبحث عنه، تحتاج له، حتى لو لتكن مطمئنة في تلك البلاد الغريبة عنها. هو راضٍ والله. فتقدم ليدلف عندها يخبرها أنه لازال هنا بجوارها. أسرع لعندها ليفرح بها ويفرحها بوجوده. ولكن…
هبط ضغط دمه مع نبضات قلبه وسقطت روحه الحالمة مقتولة بعدما دلف للبيت بخطى حثيثة كي يفاجئها ويأخذها بأحضان. ليتفاجأ هو بها تتأكد من خلو الغرفة من حقيبة ملابسه فتفرح ويهلل وجهها بسعادة لم يراها على وجهها مذ قابلها. لحظتها يمكنه القول أنها أسوأ لحظة مرت عليه بحياته أو قد تمر. أسوأ حتى من اللحظة التي طلبها فيها طارق للزواج ولم يبرحه ضربًا ويعلن ملكيته لها.
لحظة كانت كفيلة بإذهاق روحه بسكتة قلبية من شدة الحزن. تدور الدنيا به وروحه تصرخ بجملة واحدة: (أريد حياته ويريد قتلي). حالته كانت تصعب على الكافر إن رآه وهو يتقدم منها يضع يده على كتفها كي تلتف له فتصدم من وجوده ومن الدموع المحتجزة بعينيه.
همست بتفاجؤ:
- أنت.
حبس دموعه وكبت ألمه يردد:
- لسه هنا.. ما خلصتيش مني.
شعرت بالحرج وهي ترى حالته. دومًا كان سبب متاعبها، تتمنى زواله وحين المواجهة تشعر بتأنيب الضمير ناحيته. تسب نفسها المتذبذبة لألف مرة. عليها أن تصبح مباشرة وأن تمتلك شخصية قوية واضحة. لكن ما يحدث معها الآن خطأ بكل تأكيد.
همس بحزن:
- أنا فتحت لك حساب في البنك عشان تقدري تصرفي منه.
- شكراً بس أنا عايزة...
قاطعها بتعب يعلم ما تريده وسيقوله:
- عارف... اصرفي منه لحد ما تشتغلي وتقبضي من شغلك.
تقدم يجلس على الأريكة بتعب ثم ردد بإنهمام:
- أهو اللي يجي مني أحسن مني... بلاش تخسري كل حاجة.
رفعت عينيها له ترد:
- عندك حق.
تفاجأ من رده وطريقته ثم قال بتعب:
- حضري نفسك عشان نخرج نشتري كل لوازم البيت تكفيكي فترة طويلة وأي حاجة انتي محتاجاها.
تنهد يزم شفتيه متحدثًا:
- مش عارف همشي إزاي وأسيبك هنا لوحدك.. الفكرة لوحدها مقلقة.
- وانت ماكنتش عارف كده من واحنا في مصر؟
نظر لها بصمت. كان يعلم، لكن معايشة الشعور أقوى وأصعب. بعد صمت عاجز وقف من مكانه يردد:
- أنا هدخل أغير تكوني جهزتي.
كاد أن يدلف للغرفة لكنها نادته:
- ماهر.
مازال جسده يقشعر كلما نادته اسمه من صوتها المتدلع. إنها تمس أوتار قلبه بلا هوادة أو رحمة. التف ينظر لها. تباً له، إنه يعشقها بلا سبب. جاوب متعباً وقد أضناه الحب القاسي:
- نعم.
- فين شنطتك؟
- في العربية.. محضرها من بدري عشان الحق وقتي.
شملها بنظرة رجل عاشق لفتاة لا تبالي به ثم قال:
- غيري يالا والبسي حاجة مقفلة أنا ممكن أرجع في كلامي في أي وقت. تذكرتك ذهاب وعودة أصلًا فاهماني طبعًا.
قالها والتفت يلج للغرفة بعدما هددها صراحة. الجبروت جبروت. فهو ورغم كل الواقع مازال يهدد بما ليس بقادر عليه، لكنه يهدد.
***
وقفت متفاجئة من ذلك الذي يجلس في صالون منزلهم على بكرة الصباح. لقد رفضت بالأمس منذ ساعات طلب صداقته لتصبح فتجده يجلس ببيتهم. لكن… يا مرحباااا.
سحبت نفس متوسط وتقدمت منهم وهي تسمع صوت والدها ينادي بحماس:
- تعالي يا حبيبتي شوفتي مش بذمتك مفاجأة تجنن… سلمي على رشيد يا جميلة.
- جميلة؟!!!
همس بها رشيد منبهراً. أهذه جميلة ابنة خاله؟ لقد كبرت وصارت جميلة جداً، لم يكن يتوقع ذلك.
بثقة عالية جداً بالنفس مد يده وصدره منفوخ مزهو بحاله يردد:
- إزيك يا جميلة.
بحيادية عالية مدت يدها تقول مرحبة:
- إزيك يا رشيد.
رفع إحدى حاجبيه. لم يعجبه أنها تعامله عادي وترد عادي بلا تأثر، فلفتت أعصابه وزود مرددًا:
- رشيد بس كده من غير أبيه؟!!
غبي… هكذا نعتته داخليًا بعدما تكرمش وجهه من سؤاله السخيف وهو قد تدارك الأمر وشعر بما لم تقوله. الضربة الأقوى حين ابتسمت كسيدة راقية تبتسم لطفل عبيط لتسكته عن البكاء وردت:
- لا إزاي؟! إزيك يا أبيه رشيد وحمدلله على السلامة.
استشاط بداخله وبدأ في سلسلة من التصرفات الغبية يردد وهو يشير على السيدة الواقفة بجواره:
- مش تسلمي على علياء مراتي؟!
التفت لها جميلة لترى سيدة راقية الملامح هادئة تقف لجواره تتابع بصمت. فابتسمت لها بود تقول:
- أهلًا وسهلًا بيكي نورتي مصر.
ردت علياء بهدوء جاف:
- منورة بيكي.
قالتها وهي تبادل النظر بها وبين زوجها، ترى نظراته المغتاظة الصادرة منه لجميلة والوضع برمته غريب وغير مريح بالنسبة لها.
قاطعهم دخول عمتها مهللة:
- معقول… رشيد رجع بجد.. أنا ماصدقتش لما الحارس قالي.
وقف رشيد سريعاً يفتح ذراعيه لها يحتضنها بقوة وهي كذلك. وبعد وصلة من السلامات الحارة جلست بأعين مدمعة تردد:
- كده بردو يا رشيد… كل السنين دي مسافر برا بعيد عن أمي مافيش مرة قولت تنزل إجازة تشوفني عاملة إيه؟!
ابتسم لها رشيد يردد معتذرًا:
- حقك عليا يا أمي… الشغل ده عامل زي الإدمان أنا كنت بتسحل بالأسبوع والعشر أيام ومش ببقى فاضي آكل. وكل ما أقرر آخد إجازة يحصل حاجة تمنعني. مرة عشان شغلي ومرة شغل علياء ومرة حملها ومرة عشان الولادة.
بكت والدته تقول:
- اسكت ماتفكرنيش. إخس عليك… كده حفيدي يتولد بعيد عني ماقدرش أشوفه وأشيله وأحميه وأغيرله.
ضمها بحنان يردد:
- حقك عليا يا ست الكل.. أديني جيت لك أهو.
- البركة في خطوبة جميلة.
قالتها عاتبة لتتسلط عينا علياء على جميلة تسمع زوجها وهو يسأل مهتمًا:
- هي صحيح جميلة هتخطب؟
رد والدها بهدوء:
- آه.. شاب هااايل.
رمقها وهي تجلس أمامه بهدوء تام يغيظه ثم سأل:
- مين بقا يا ترى؟
- ماهر الوراقي.. ممكن تكون تعرفه... على فكرة كان معاك في نفس الجامعة.
- فاكره.
نطقها ببعض الضيق، قد تخلله لشعوره بالمقارنة متضايق لأنه بالأساس عقد مقارنة. هو يعلم ماهر جيدًا. كان معروفًا بالجامعة لأسباب كثيرة رغم أنه يشبه الكثير من شباب نفس الطبقة الذين يرتادون نفس الجامعة من شياكة وكياسة واهتمام بالنفس، ولكن ماهر كان ماهر وبه شيء زيادة تجعله مميز.
وقفت جميلة تظهر غير مهتمة برأيه ومواصلة الحديث عن خطبتها وهي تردد:
- عن إذنكم هطلع أغير.
رد على الفور فهو غبي:
- إيه مش عايزة تفطري معايا ولا إيه؟
ضحكه ساخرة مستهزئة صدرت عنها ثم ردت:
- مين قال كده.. طالعة أغير وآخد دش وأنزل عادي. ماحدش بيقعد يفطر بعرقه يارشيد… آه سوري يا أبيه رشيد.
قالتها ثم التفتت مغادرة وتركته ينظر عليها بضيق شديد وغيظ. فهي رسالتها واضحة لا تعطي لنفسك قيمة أكبر من مساحتها الحقيقية.
حاول وحاول السيطرة على ملامحه الظاهر عليها الغيظ ولم يقدر إلا بعدما لاحظ نظرات زوجته الحادة له. فحمحم صوته بحرج وحاول تغيير مجرى الحديث ليتحدث عن المال والأعمال مع خاله. ربما هدأت ثورته الداخلية من الاشتعال.
***
الجولة في شوارع روما كانت منعشة جداً لحبيبته التي تسير لجواره مبتسمة وسعيدة معه لأول مرة.
إشترى لها الكثير من الثياب وهاتف جديد غالي. وبعد فترة طويلة من التسوق جلس معها بمقهى مطل على أشهر شوارع روما السياحية يتأملها معجبًا، يقع في عشقها من جديد للمرة المليون. ينظر بوله على وجه حبيبته المشرق وأشعة الشمس مسلطة عليها تزيدها بهاء وإشراق.
تبتسم فتبتسم له الحياة. إنها جميلة وإنه يحبها.. بلا سبب محدد.
لأول مرة فتحت حديث معه وسألت:
- بتبصلي كده ليه؟
- خايف عليكي.
قالها مهمومًا وبنفس الوقت مضطرًا. فسألت:
- خايف عليا من إيه؟
- هسيبك إزاي في البلد هنا وامشي. لازم أرجع مصر جدي فاق ورجع البيت.
تنهدت ترد عليه:
- ماتخافش عليا هنا زي هناك. وأنا كنت أعرف إيه في مصر يعني ولا ليا فيها مين؟
- بس على الأقل بلدك والناس اللي فيها بتتكلم لغتك. لو حصل أي حاجة هتعرفي تتصرفي.
- في بلدي الناس بتتكلم عن بعض وبيطلعوا سمعة وإشاعات على بعض يوقفوا بيها حال ناس ويموتوا ناس بالحياة… يمكن هنا أحسن لي. ولو على اللغة والتعامل ماتقلقش دي مش أول مرة أسافر.
علم ذلك مسبقًا وهو يستخرج لها تصريح سفر. لكنها أكملت بحزن:
- سافرنا قبل كده عشان ماما وتعبها لألمانيا. وطبعًا ما كناش بنعرف نتكلم ألماني فكنا بنتعامل بالانجليزي لحد ما اتفرج. أكيد هنا هيبقى الوضع كده وهعرف أتعامل… على الأقل ماحدش هنا هيبص لي على إني واحدة شمال.
ضرب بيده على الطاولة يردد بغضب:
- ماتقوليش على نفسك كده تاني.
سحبت نفس عميق فهي تردد ما حفظها إياه وبالنهاية يعترض. لن تجادله فهو حالة ميؤوس منها تستنفذ طاقتها فحسب. لذا عمدت للمهادنة:
- حاضر يا ماهر.
طاقتها خسارة فيه وهي بحاجتها للفترة القادمة كي تقف على قدميها. لكنها انتبهت عليه يردد:
- انتي مش شمال بس فيكي طمع… ماتديش الأمان قوي كده يا لونا بلاش تقلقيني عليكي.
نظرت له بطرف عينها ثم قالت:
- حاضر.
القادم واضح جداً وهو ليس بساذج. فهو ابن سواق وقد تربى بالشوارع. لونا صنعت هدنة ريثما تقف على قدميها. هو يشعر بذلك.
***
عاد للمطار وقلبه معلق بروما حيث تتواجد حبيبته القاسية التي حرمته من ترياقه أمس ونامت مبكرًا تدعي أنها متعبة. وظل هو ساهدًا لجوارها يتشرب ملامحها بعينيه ويصفق خصلاتها. ربما شبع منها وكحل عينيه بحسنها حتى يعود لها.
زم شفتيه بتوتر وهو يفتح باب البيت الداخلي يستعد للدخول. فيرى چنا تنزل من على الدرج بلهفة وسرعة. ما إن رأته تردد:
- أبيه… كنت فين؟ وفين لونا؟ ده جدو قالب الدنيا عليك.
قبل جبينها يقول بهدوء متعب:
- هقولك كل حاجة يا حبيبتي بس قوليلي ماما عاملة إيه؟
ناظرته بعتاب تخبره:
- زعلانة منك جدا يا أبيه. كام مرة طلبتك تروح لها ماروحتش. أول مرة تعمل كده وبجد انت غلطان جدا.
أسبل جفنيه بتعب هو مخطئ ويعلم. فقال:
- هروح لها حالًا وهراضيها… تعالي معايا.
كاد أن يصعد معها الدرج لولا صوت الجد الذي خرج غرفة مكتب بالدور الأول يناديه بغضب. نظر لجنا مستغربًا لتقول:
- أصلهم نقلوا أوضة جدو لتحت عشان مش هيقدر يطلع وينزل… روح له ده طالبك من أول ما رجع.
سحب نفس عميق ثم تقدم من غرفة الجد يدلف بهدوء فيرى كمال يجلس بجواره يحاول مساعدته على الاتكاء براحة. فيسأل الجد:
- أخيرًا رجعت يا ماهر؟ حمد لله عالسلامه. كنت فين؟ وفين لونا بنت عمتك.
قال الأخير متكئًا على كل حرف ليجيب ماهر:
- سافرت.
نظر كمال بقلق على الجد الذي حاول كظم غضبه ثم سأل:
- سافرت فين؟
- روما.
- ليه؟
- هي اللي طلبت وتقدر تتأكد.
- طيب ماشي.
سقط فك كل من كمال وماهر (طيب ماشي؟!). ثم أغمض عينيه؟!!! بكل بساطة؟! هل اقتنع؟!!!
فتح الجد عينيه يداري بسمته الماكرة وهو يلاحظ تبادل النظرات بين أحفاده ليقول:
- مالكم بتبصوا لبعض كده.. روحوا يالا قولوا لحد يجهز الغدا…
نظر بطرف عينه على ماهر المزهول ثم قال:
- كده ماهر اتجوز.
نظر له ماهر مصدومًا ليقول مصححًا مدعي الخطأ وهو يضحك:
- قصدي خطب.. جميلة أبو العينين. فاضل أتطمن على كمال… على آخر الشهر تكون شايف عروسة يا كمال عايز أتطمن على أحفادي.
نظروا لبعضهم ليقول ماهر ساخرًا من قراراته وطريقته كلها الجديدة تمامًا:
- فاضل چنا؟
- ولونا يا ماهر.
احتقن الدم في وجهه ليضحك عليه الجد ثم يكمل:
- ناسيها ولا إيه؟
خرج صوته متحشرج ضعيف يقول:
- لا مش ناسي.
- ولا أنا… يالا بقا اخرجوا وسيبوني عشان زهقتوني.
التفوا بصدمة وكأن ذلك الجالس معهم ليس بجدهم الذي يعرفونه، كأنه أساسًا ليس ذلك الرجل العجوز الذي خرج من المستشفى بعد أزمة صحية عويصة.
قبلما يغادروا نادى:
- چنا.
توقف ثلاثتهم ينظرون له فقال:
- تعالي عايزك.
تقدموا ليقفوا معها لكنه علق:
- عايزها لوحدها.
نظروا لبعضهم فقال بابتسامة سمجة:
- الدكتور موصيني آخد بالي من صحتي وأقعد مع بنات حلوة مش خناشير زيكم.
- خناشير؟!!!
نطقوها بصدمة ليقول:
- آه ويالا بقا اطلعوا برا.
خرجوا مضطرين وأغلقوا الباب ليتنهد الجد ثم ينظر على چنا الحلوة ويبتسم يمسك يدها مرددًا:
- كبرتي يا چنا وإحلويتي.
- شكراً يا جدو.
حك الجد جانب فمه مرددًا:
- بقولك إيه يا حبيبة جدو.
- إيه؟
- مش آن بقا الأوان نفرح بيكي؟
- بيكي اللي هو أنا؟
- آه..
حمحم بصوته الخشن ثم قال بترقب:
- عايز أجوزك كمال.
ألقى الجملة في وجهها وتركهها تنظر له ببلاهة ثم سألت:
- كمال؟ كمال مين؟ كمال بتاعنا؟ أبيه كمال؟!!! بتهزر صح؟
زم الجد شفتيه بتعب وقلة حيلة وقد علم أن طريقه سيكون طويل وصعب.
***
العفوية شيء جميل ومميز لكن لا يستحقه الكثيرون.
خرجت تسير في شوارع روما تبتسم بإنشراح وقرار الحذر هو أهم قراراتها…. ستتوقف عن تصرفاتها السابقة قد بات الحذر واجب بعدما ألصقت بها العفوية تهم كثيرة.
دلفت لكل الشركات تقريبًا تعطيهم سيرة ذاتية صغيرة لا تملك الكثير لتمؤها به. ينظرون على مؤهلاتها باستغراب ثم نظرة الرفض بعدها.
سيطر عليها الإحباط القاهرة مثل روما مثل كل البلاد للابد من شهادة.
بقى أملها الأخير… محل مجوهرات يطلب مصممين ربما فلحت.
دلفت للمحل الفخم… كل شيء يلمع والتعامل بحذر. نفسك الخارج من فمك قد يزعجهم.
المكان كان مبهر وخاطف. نظرت حولها مأخوذة ثم تقدمت تتحدث الإنجليزية التي لا تعرف غيرها مع أحد الشباب المتواجدين بالمحل:
- أنا هنا بخصوص الإعلان عن مصممين.
رد عليها باقتضاب:
- حسنًا… انتظري المدير.
وقفت تنتظر ومر الوقت حتى ألمتها قدماها وبعد أكثر من نصف الساعة حضر المدير الذي مر سريعًا وهو يلقي أوامره على العاملين ثم دلف لمكتبه ولم ينظر عليها أو يلاحظها.
لتمر نصف ساعة أخرى حتى تقدم منها ذلك الشاب يقول:
- المدير بانتظارك.
دلفت لعنده تدق الباب ثم تحييه بالإنجليزية. رفع عيناه لها بنظرة خاطفة أو هكذا ظنت….. ثم عاد ينظر لأوراقه يحدثها بالإيطالية فلم تقدر على الرد ليقول:
- ألا تتحدثين سوى الإنجليزية؟
- نعم.
جاوبت بقلق. شملها كلها بعينيه الغامضة ثم سأل:
- مصرية؟
- كيف عرفت؟
سألت بقلق وخوف ليرفع حاجبيه وعيناه تشير على سلسال من علامة العنخ ترتديه على رقبتها. لتبتسم بتوتر وهو أضاف:
- قالوا لي إنك تجيدين التصميم.
تقدمت بفرحة تعطيه الأوراق التي بيدها متأملة خير تردد:
- آها… حتى أنظر أنا ماهرة جداً.
جعد حاجبيه وهو يطالع تصاميمها يرى نظرة الحماس على وجهها ليقول ببرود:
- يبدو أنك قد فهمت خطأ. أنا أريد مصمم مجوهرات.
تيبست ملامحها. ذلك المكان كان آخر أمل لها لتعمل فيما تحب… وبخلاف ذلك ستعمل نادلة أو بائعة في محل.
حزنت كثيرًا لكنها لم تظهر ذلك و وقفت تقول:
- حسناً… شكراً لوقتك.
همت لتغادر لكنه أوقفها يردد بهدوء:
- انتظري.
توقفت بقلق ليقول:
- بإمكانك العمل هنا؟
- ماذا سأفعل هنا؟
- ممكن بالنظافة مثلًا.
إجتاحها الشعور بالضيق وذلك الإيطالي البارد ينظر عليها بعلو وكبر منتظرًا ليخفي ابتسامته وهو يسمعها تجيب مضطرة:
- موافقة.
***
عادت للبيت بشعور بالألم والضيق. كانت تعلم أن الوضع لن يكون أفضل من ذلك لكن معايشة الشعور نفسه شيء مختلف.
سلمت أمرها وجلست تتابع صور تلك الشركة التي رفضت منها. كان حلمًا من أحلامها أن تعمل في شركة مثلها… وصلة طويلة من تأنيب الضمير وجلد الذات سيطرت عليها. لو كانت متعلمة كفاية، لو اشتغلت على نفسها كفاية لنالت تلك الوظيفة.
أسبلت جفنيها بتعب وهمت لتخلد للنوم لكن وردتها رسالة على هاتفها من رقم غريب.
فتحت الرسالة المكتوب فيها بعتاب (كده تسافري يا لونا من غير ما تعرفيني ومع ماهر؟ أفهم من كده إيه بقى). ثم أتبع رسالته باتصال لم تجب عليه وقد باتت على علم بهوية المتصل.
اتخاذ القرار كان سهل هذه المرة. (صاحب بالين كداب) هكذا همست لنفسها… وابتسمت. تكتشف. لقد باتت قادرة على اتخاذ قرارات بعدما كانت كل قراراتها مائعة مثل الماء بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
سحبت نفس عميق تشعر بقوتها الداخلية. عليها إغلاق صفحتها مع ماهر أولاً وبعدها ترى إن كان طارق موجود ينتظرها أم ذهب لحال سبيله.
استعدت تغلق عينيها من جديد لتتفاجأ برسالة جديدة. لكن هذه المرة من ماهر الغاضب جداً يقول:
- طول اليوم بكلمك مش بتردي… هو عشان انتي في بلد وأنا في بلد مفكرة نفسك بعيد عن إيدي؟ ماشي يا لونا والله لا أوريكي.
تهديدات تهديدات تهديدات. ثم يعقبها رسالة جديدة:
- ردي عليا بقا والله وحشتيني قوي.
هزت رأسها. مجنون وسيجعلها مجنونة مثله لو استمرا معًا.
بعد وقت من التفكير لم تجد حل كي تمر الفترة القادمة عليها بخير سوى البرود. لذا عمدت لإغلاق هاتفها نهائيًا ثم النوم ولا شيء غيره. فعندها بالغد بداية جديدة في عمل جديد صحيح لا ترغب فيه لكن لا تملك غيره حاليًا حتى تدبر أمرها.
***
كانت تعود من الخارج تقود سيارتها البيضاء العالية تلج لداخل قصرهم بعدما عبرت البوابة.
لتقف بصدمة وهي ترى ذلك الحائط البشري قد ظهر لها من العدم.
سحبت فرامل اليد و وقفت بسرعة ثم ترجلت من السيارة بغضب تصرخ فيه:
- إنت اتجننت يا رشيد… إيه اللي موقفك فجأة كده قدام عربيتي عايز تلبسني مصيبة؟
- كبرتي يا جميلة؟
نفخت أوداجها بضيق وسأم منه ثم صرخت بنفاذ صبر:
- يعني انت طالع لي في الضلمة تقف قدام عربيتي عشان تقولي الكلمتين دول… كبرتي كبرتي.. مانت قولت لي كده كذا مرة خلاص شكراً على المعلومة.
- وبقيتي عصبية… بزيادة.
- بتعصب لما اللي قدامي يكون بارد.
اهتز فكيه بضيق. ضيقه الأكبر شعوره أنها تتحدث بصدق. ألا تشعر بالحنين تجاهه؟ الإعجاب؟ هل نست اعترافها البائس له قبلما يسافر؟!!!
تقدم منها خطوات يردد مغترًا:
- بارد؟ شكلك لسه زعلانة مني؟
- وازعل منك ليه؟
جرحها كبره جعله يتصرف بتهور فألقى جملته في وجهها كأنه كان يتحين الفرصة:
- عشان آخر مرة شفتك فيها قبل ما أسافر لما اعترفتي لي بحبك.
زمت شفتيها بضيق. كانت متوقعة فقالت:
- كنت متأكدة إنك هتحاول تحشر الكلمتين دول في أي حوار بس الواضح كده يا رشيد إن أنا كبرت فعلاً بس كبرت لوحدي وانت لسه.
- نعم؟
نطقها بغضب لتكمل عليه:
- خد بقا الكبيرة!
ناظرها بضيق فأعطته القاضية:
- انت يومها نصحتني أنسى وأعيش سني وأنا يا رشيد عملت كده وعيشت سني فعلاً ونسيت. لكن أنا ماكنتش أعرف إنك عايش طول السنين دي فاكر… لوحدك انت فاكر وأنا خلاص شايلة الموضوع من دماغي.
اتسعت عيناه بصدمة مما سمع يراها تتحرك ناحية سيارتها تفتحها وتجلس فيها تقول قلبما تقود مغادرة:
- أبقى أكبر شوية يا رشيد ما يصحش كده.
ثم قادت مغادرة تاركة رشيد خلفها مصدومًا.
***
جلسوا على الفطار بصمت تام لم يقطعه سوى صوت الجد الذي نادى ماهر:
- ماهر.
نظر له يردد بترقب:
- نعم يا جدي.
أهداه الجد نظرة يفوح منها المكر والشماتة:
- احجز النهاردة وروح هات لونا.
صمت الجميع ليقول مكملاً:
- أصل خطوبتك بعد يومين.. هو مش أبوك قالك.
نظر ماهر على والده ثم عاد ينظر لجده:
- وأنا كلمته يأجلها.
- ونأجل ليه بس يا حبيبي خير البر عاجله.
- بر إيه بس.. حضرتك تعبان لسه يا جدي خليها بعدين.
- لا أنا صحتي بومب… النهاردة تحجز التذاكر وفي خلال يومين تسافر.
ثم نظر لچنا يقول ضاحكًا:
- وانتي يا چنا.
قاطعته بنبرة باكية:
- وأنا إيه! أنا إيه بقا؟ عايز مني إيه.. أنا لسه صغيرة سيبني في حالي.
نظروا عليها مستغربين طريقتها ولما تجيب هكذا وزاد استغرابهم مع تعالي ضحكات الجد على رد فعلها.
***
في روما كانت قد استقرت نوعيًا وهدأت وبدأت تتصالح مع ذاتها وتتصل بها.
بالنهار تعمل في محل بيع المجوهرات تتعامل مع صفوة المجتمع. وقد تعرفت على شابة أوكرانية تعمل في محل مجاور لها بعدما سافرت لروما هربًا من ويلات الحرب في بلادها.
وجاءت ذلك اليوم لها متهللة تقول:
- لدي خبر بمليون جنيه؟
- أخبريني ما هو بسرعة.
خرجت مع الفتاة تقف بالشارع تسمعها وهي تخبرها:
- هنالك شركة كبيرة هنا بروما قد طلبت مصممين جرافيك وأنا سأقدم على العمل لديهم وقلت لكِ كي تقدمي معي.. سنقبل بكل تأكيد.
- لكنك لا تعملين بمجال التصميم.
- قد طلبوا مهندسين وتلك هي دراستي.
- لكن… قد يتم رفضي مجددًا.
- كنتِ ترفضين لعدم امتلاكك الخبرة لكن تلك الشركة لا يشترطون الخبرة وتوجد تسهيلات للعمل يبدو مهتمين بالشباب.
ابتسمت لونا وبدأت تنسج الأحلام.
دلفت بعدها للمحل تباشر عملها لا تلاحظ ذلك الرجل الإيطالي الذي يراقبها بعينيه متحرشًا.
ثم أخذ يقترب منها رويدًا رويدًا يتحدث معها يسألها عن سعر إحدى القطع ثم خرج. لم تكن تعلم أنه ينتظرها بالخارج حتى تنهي دوامها.
سارت فسار خلفها وقطع الطريق يحاول الحديث معها. لم تشعر بنفسها إلا وهي تضربه بحقيبتها الثقيلة على رأسه فبدأ يرفع يديه يهم بضربها.
لتصدم تمامًا من ظهور رجل ضخم من أحد المحال خلفها يبرحه ضربًا ثم يرفع عينيه لها متسائلاً:
- أنتي كويسة يا هانم؟
لم تجب عليه… مصدومة… تشبه عليه.. كأنها رأته مسبقًا مع من؟ مع من؟ مع ماهر!!!! تذكرت مصدومة تفكر هل وضع لها شخص يراقبها ويحميها من بعيد؟
لم تفق من الصدمة والتفكير بعد لتصلها رسالة منه مكتوب فيها "اتغيرتي يا لونا… بس أنا شايفك… متابعك… لسه بتاعتي".
لا تدري متى وكيف تشكلت تلك الإبتسامة الغريبة والجديدة على شفتيها.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سوما العربي
يجلس عاري الصدر متكئ على فراشه الوثير،
يدخن سيجاره بشرود،
يرفع فمه وهو ينفث دخانه،
يفكر فيها.... جميلة.
يكاد يجن،
كيف ومتى صارت كتلة من الجمال هكذا؟
لقد أصبحت مغوية بصورة فتاكة،
لم يتحمل حين رأها،
ومن وقتها وهي تشغل تفكيره ولا تبرح عقله.
- رشيد!
انتبه على صوت زوجته التي تقدمت تتهادى في ثوب أحمر من الستان مربوط وملفوف حول جسدها الممشوق،
أخذت تتقدم منه بدلال،
ثم شرعت تفك رباط ثوبها ليظهر ذلك الثوب الشفاف الذي لا يستر فيها شيء.
جلست أمامه تبتسم بإغراء ثم قالت بصوت متغنج:
- وحشتني قوي يا رشيد.
رسم ابتسامة راضية على شفتيه ثم رد عليها:
- وانتي كمان وحشتيني.
كان يعلم ما عليه فعله فيما بعد ذلك الثوب وتلك الجملة،
وهو كان بالفعل محتاج لذلك...
هنالك كمية إثارة ووغْبَه مندلعة في أوردته حينما وردت لخياله فقط هي وجمالها الذي زاد على كبر.
فجذبها لتتسطح على الفراش،
وبدأ يهجم عليها بعنفه المعتاد،
لتغمض علياء عينيها،
فهي معتادة على رشيد وقوته المفرطة.
تلك كانت حالته دوماً،
هو كذلك وهكذا كان ينال متعته،
لا يعلم متى وكيف بلحظة تلاشت علياء من بين أحضانه،
وتجلت صورة جميلة الجميلة وجسدها الفتاك،
يحس أنها هي التي معه الأن على فراشه،
ليبتسم وتلين قبضته،
ثم تلمع عيناه ويبدأ في ممارسة الحب.
وعلياء فتحت عيناها بصدمة وهي تشعر به قد هدأت حدته وتعامله العنيف،
تراه يبتسم لها ويمسح بأصابعه القوية على وجهها،
ثم يتلمسها بحنان،
ومن بعدها يميل بعذوبة يلتقط شفتيها كأنه يتذوقها لأول مرة،
يد تتحسس جسده الذي يعجبها،
ويد أخرى تهدهدها يخشى عليها من قوته...
لتعود وتغمض عيناها من جديد تستمع...
وأخيراً عمد للطريقة التي تحبها ولمحت لها مراراً..
لتكن ليلتها هي أحلى ليلة مرت عليها معه منذ زواجهم...
عاشت فيها الحب الذي طالما تمنته وطلبته،
ورشيد غارق في لذة أخرى جديدة عليه قد يدمنها مع الوقت.
اعتدل في الفراش يسحب ملاءة السرير على جسده المتعرق،
وقد فاق من نشوته وخيالاته،
يفيق على أن التي كانت بين يديه هي زوجته علياء وليست من كان يتخيلها.
سبّه نابية كادت تخرج من بين شفتيه،
وغضب عظيم كظمه بصعوبة،
ربما ساعده بعدم فضح غضبه هو حالة الهيام والتشبع التي كانت تعيشها علياء.
فقد استرخت على صدره العريض تتحسس عضلاته وهي تتنهد مرتاحة تخبره عن مدى سعادتها به الليلة:
- كنت رومانسي قوي النهاردة... بصراحة بقالي كتير ماتبصتش كده؟
نظر لها يبتسم بتوتر،
ماذا سيخبرها؟!
لتتنهد بحالمية تقول:
- بس القوي قوي بردو رغم إن كل لمساتك كانت رومانسية وحنينة لأول مرة بردو حاسة عضمي متكسر.
اغتصب ابتسامة على شفتيه بصعوبة وقال لها:
- طب إيه رأيك تقومي تاخدي دش دافي هيبقى مفيد جداً ليكي دلوقتي.
لم تكن معجبة بالفكرة،
كانت تحبذ النوم بين أحضانه لفترة أطول،
لكنها انصاعت لاقتراحه ووقفت عن الفراش تذهب للمرحاض،
عينا رشيد تتابعها حتى تختفي.
وما أن اختفت بالحمام حتى زفر بتعب وعيونه تقدح منها الغضب،
لا يصدق الحالة التي بات عليها،
هل بات يتخيلها؟!
هز رأسه بجنون يرى نفسه معذور،
فجمالها لا يقاوم،
مظهرها بزي الرياضة الوردي الذي قابلها به لأول مرة يأكله أكلاً،
خصوصاً وهو يتذكر حبات العرق التي كانت تنسدل على جبينها،
كل شيء بكفه،
وذلك الفستان الأسود الذي رأها به ليلاً بكفه أخرى بل بعالم آخر وحده.
تلك المجرمة تمتلك جسد قتال،
رَشْعَر أسود مموج مثل الموج طويل يغطي ظهرها الممشوق يصل حتى مؤخرتها الملفوفة.
لاااا وشخصيتها.. أاااه عليها..
ردودها حاضرة وانفعالاتها ثابتة،
قلبها جامد وقولها مُسْتَفْ،
كانت تضرب ولا تبالي...
يبدو أنها أسرته من أول لقاء.
آخر مرة رأها كانت مراهقة ذات ستة عشر عاماً،
وبالتأكيد ما كان ليعجب بها أو يتقبل اعترافها..
رده الثابت كان المتوقع منه،
وغير ذلك يعد من ضرب الخيال أو المرض،
فعلامَ تلومه.
عض شفتيه فقد أبتعد كثيراً على ما يبدو،
فقد كبرت جميلة واستوى عودها حتى باتت إسم على مسمى.
حانت منه نظرة للمرحاض حيث صوت المياه المنبعث من الداخل نتيجة استحمام من باتت زوجته وأم طفله،
وسأل نفسه هل تسرع؟!
لم يتحمل...
يشعر أنه وحده من يعاني والأخرى ستخطب لآخر..
لا يستطيع التحمل لا يستطيع.
بحث حوله عن هاتفه حتى وجده وفتحه،
يبحث عن صفحتها مجدداً ويرسل لها طلب صداقة.
انتظر لدقائق وتفاجأ برفض مجدد لطلبه ليصرخ بغل:
- بنت الكلااااب.
تزامن مع خروج زوجته من المرحاض تجفف شعرها وهي تسأل:
- في إيه يا حبيبي.
- مافيش.
رد بسرعة ودلف بعدها للمرحاض كي يستحم،
ثم يرتدي ثيابه ويخرج بعدها بغضب وتهور.
جلست أمام مرآة زينتها تضيف بعض اللمسات الخفيفة على وجهها من الزينة،
تبتسم في المرآة وهي تطالع فتاة جميلة دبت فيها الحيوية وعاد لوجهها إشراقه.
كانت تعرف ولديها المعلومة المؤكدة بيقين أنها ذات جمال ناعم ومتدلع..
هي تعلم جيداً.
لكن التعب والهم والظلم والكبت ومعايشة القهر ودفن الألم قادرين على قتل أي جمال بل إزهاق الروح لخالقها،
وهي قد عايشت كل ذلك بأن واحد علاوة على الزواج بالإجبار.
وما كانت تخشاه كان أفضل الحلول...
فقد غيرها السفر وباتت أفضل.
زاد جمالها وزادت إشراق..
حررت أنوثتها وأطلقتها دون قيد أو خوف من أحكام المجتمع...
تتحدث بصوتها المتدلع دون الخوف المترقب من تبعات ذلك...
تسير بدلال كما كانت دوماً وما إن تفعل يلقى عليه اللوم،
حيث ببلادها الناس متهضات وهن سبب كل كارثة،
في بلادها أول من تلومها هي أنثى مثلها،
كأن الرجل لن يحاسب والنار عُدت خصيصاً للنساء.
كل تلك الأسباب أعادتها للحياة وعادت لونا المشوقة والتي كانت كسابق عهدها حين كانت تعيش بكنف أسرتها بوجود أم حنون وأب مقتدر مادياً ومتفهم،
كانوا دوماً يخبروها إن النظر لوجهها حياة،
النظرة لذلك الوجه الجميل تجلب الرزق وترد الروح.
كل ذلك حسته وعايشته قبلما تدور عليها الأيام وتعطيها ظهرها وتلقيها في إيدي عمها ومن بعده ماهر وكل منهما لم يرحمها.
أسبلت جفناها بتعب تكمل وضع زينتها تتنهد ثم تبتسم تحاول نسيان ماهر وأيامه،
فقد مرت عليها هنا أسبوعان حستهم شهران أو أكثر،
نسن ماهر وعذابه كأنه طيف مر بحياتها ولن يعود،
وبداخلها إمتنان له فهو السبب والممول الأساسي لتلك السفرة.
أاااه حزينة خرجت منها...
فما فعله لهو ثمن بخِلْ مقابل ما أعطته إياه..
فذلك الواطي قد أخذ شرفها وباتت سيدة تعرف أمور الناس،
على من تكذب؟ على حالها؟!
كيف تنسى ماهر وأيامه وهي لازالت تتذكر إتمامَه زواجهم وما تلتها من ليالي تركت ذكرَها حزينة بداخلها.
وبينما هي بقارة أخرى تجلس متحسرة على أيامها،
كان هو بالقاهرة في منزله،
خرج من غرفته وقد جافاه النوم ليذهب لغرفتها يفتحها ويبتسم..
فأول ما فتح الباب اكتنفته رائحتها التي لازالت تعبق الأركان.
نظر لفراشها المرتب وابتسم ثم اقترب منه رويداً يتحسس...
على ذلك الفراش قضى أجمل لياليه...
هنا تمم زواجه من وليفته،
هنا شعر بأنه رجل...
أفضل وأقوى وأحلى رجل..
فقط لأنه مع لونا.
ارتخى على الفراش ينوي النوم عليه،
شعور بالراحة تسلله وبدأ يغمض عيناه مبتسماً،
وبلحظة فتحهم كأنه تذكر شيئاً مهماً.
وقف من فوره واتجه لغرفته يفتح خزنته الخاصة ويخرج منها كنزه العظيم..
تلك الملاءة التي ناما عليها أول ليلتهما..
عليها شرفه وفخره...
لونا تخصه وله وحده،
قد صُنِعَتْ وخلقت له.
ذهب لغرفتها ونام مجدداً على الفراش يحتضن الملاءة وقد جفت الدماء عليها...
شعور الحنين يضنيه،
هو يفتقدها.
فتح هاتفه يتفقده ليكتشف أنه لا يوجد أي صورة تجمعه بها..
أيعقل.
زم شفتيه بضيق وقرر الاتصال بها ليجرب.
انتفضت مكانها وهي تسمع صوت رنين هاتفها وتنظر له لتعلم هوية المتصل.
لا تعلم لما ولكن على ما يبدو قد بات هنالك حاجز نفسي صنع بينهما،
فلم تكن قادرة على تجاهل اتصاله...
لتدرك أنها لم تصبح قوية كفاية بعد واتصاله كان إختبار بسيط لتعلم.
فتحت المكالمة:
- ألو.
ليأتيها صوته السخين:
- وحشتييييينييييي.
رفرفت بأهدابها...
نبرة صوته المشتاق مسّ شيئاً داخلها..
أهلاً بالشيء وضده.
لم تمتلك الرد بعد فهمست مرتبكة:
- شكراً.
سمعت أنفاسه السخينة بها تخلل اليأس من سماع مقابل لتصريحه فسألها مهتماً:
- سهرانة ليه؟
- عادي.
- طب أنا عارف أنا سهران ليه،
أنتي بقى سهرانة لنفس السبب؟
- سبب إيه؟!
- أبداً اتعودت إني بنام في حضن مرآتي الحلوة وفجأة مراتي دي سابتني وسافرت..
بذمتك ده ينفع..
حركة وحشة مش كده؟ غدارة مراتي دي.
للحظة سهمت معه وسرحت فأسلوبه الأن جميل وقادر على إختراق قلب أي فتاة..
هي لو كانت لا تعرفه ولا تمتلك نفس التاريخ معه لربما وقعت بغرامه؟!
هل ماهر شخصية جذابة بالفعل وهي فقط من ترفضه؟
حانت منها ابتسامة لطيفة ثم سألته:
- كان قصدك إيه بالرسالة اللي بعتها لي يا ماهر.
ابتسم هو الأخر ثم قال:
- الرسالة كانت واضحة يا لونا...
أوعي تفكري إني قاعد هنا وسايبك،
أنا عيني عليكي وعايزة دايماً تفضلي فاكرة إنه مهما هتروحي أو تيجي أو تبعدي أو تستقلي هتفضلي بتاعتي.
كان الحديث يسير بتوافق إلى أن عاد لنبرته التملكية فصمتت ليسأل:
- سكتي ليه؟
- مش عندي رد على كلامك؟
- طب إيه اللي كان مسهرك؟
- لا خلاص كنت هنام بس كنت جايبة مكياج جديد بجربه.
همهم بضيق ثم سألها:
- لونا مش حاسة بتعب في معدتك أو دوخة أو أي حاجة؟
تجهّدت جبهتها ترد:
- لأ ليه؟
زفر بضيق وبدأ العصبية:
- لونا هو أنتي مش حامل ليه؟!
لم يتخطر على بالها السؤال لذا جاوبت بتشويش:
- مش حامل ما عرفش.
- ماشي.
صمت لثواني ثم قال نكاية بصوت طفل أرعن:
- على فكرة خطوبتي على جميلة اتحدد ميعادها.
- بجد؟ مبروك.
زفر ضيق ثم قال:
- بس كده... ماشي.
- في إيه؟!
- لا ولا حاجة يا لونا... نامي نامي.
أغلق الهاتف يلقيه بضيق قد احتله،
وهي تنظر على الهاتف بتشويش واستغراب.
صباح يوم جديد
خرجت بإشراق قبل موعد عملها تذهب لعند الشركة التي أخبرتها عنها صديقتها،
لتجدها بانتظارها تقول مهللة:
- رائع رائع لقد قبلوني.
- واااو مدهش هذا رائع.. تهنئاتي.
ضمتها الفتاة تقول بحماس:
- أنا متأكدة إنك ستقبلين.
- أتمنى.
قالتها بصدق ثم دلفت للداخل تنظر على المكان بانبهار..
صريح عظيم يعد حلم لأي شخص أن يعمل به.
كبرت آمالها وعظمت خصوصاً وقد قبلوا من قبلها صديقتها التي لا تمتلك موهبة أو خبرة،
بالتأكيد سيقبلونها.
المقابلة كانت رائعة أروع من تخيلاتها،
وخرجت منها سعيدة تتوقع القبول،
وبالفعل أتاها الرد بالموافقة وطلبوا منها أوراق سفرها،
فقدمتهم جميعاً وبدت مستعدة كونها تحملهم معها.
لكن تم الرفض والسبب بعض القيود على الإقامة.
جلست مقابل أحد المسؤولين تسأله:
- ماذا يعني ذلك؟ أي قيود التي تتحدث عنها؟
- زوج حضرتك السيد ماهر عزام الوراقي... حرّر محضراً ضدك إنك قد سافرتِ دون إذنه،
وبذلك بات هناك قيوداً في أيدي إقامتك وسيصعب على أي شركة أن تقبلك.
خرجت وهي لا ترى أمامها تشعر بالصدمة والحزن والغضب..
أول ما فعلته هو أنها اتصلت بماهر:
- الو... عامل إيه؟
لتصرخ فيه:
- أنت مش هتبطل؟! هتبطل بجد؟ يعني أنت اللي مسفرني وفارض قيود عليا..
كرهت نفسي بسببك.. يا أخي منك لله.
ثم أغلقت الهاتف في وجهه مباشرة ولم تنتظر الرد ولم تجيب عليه ولا على اتصالاته الملحة.
ومرت أيام أخرى شملها الحزن... الحزن والندم وضياع الفرصة.
تسأل نفسها هل ستظل مجرد عاملة في محل أم ماذا.
حاولت السير في الشوارع وأن تبتسم وتنسى الواقع الأليم وذهبت للبيت تفتح الباب لتصدم وتتيبس أقدامها وهي تراه أمامها داخل بيتها.
أول ما رأها، قى ما بيده وهرول ناحيتها بشوق كبير ولهفة:
- لونا... حبيبيتي... وحشيني قوي قوي وحشتيني.
بدأ يعتصرها داخل أحضانه وهي لا سؤال بداخلها سوى سؤال واحد فقط (إيه اللي جابه).
أخرجها من أحضانه يقول:
- وحشتيني قوي قوي.
جلس على أحد الأرائك وجذبها لتجلس على قدميه مردداً:
- أنتي مجرمة.. مش عارف أبعد عنك مش عارف.. عملتي فيا إيه أنتي؟
همست بقلق:
- هو حصل حاجة؟
- أمممم... حصل إن حضرتك قتلاني ببعدك ووحشتيني مش قادر أعد أكتر من كده مش قادر.
جذبها لأحضانه وهي تقول يبدو عليها الرفض:
- أه سيبني يا ماهر.
- مش هقدر اطلبي مني إي حاجة غير كده يا عيون ماهر.
لم يسمع منها هو فقط بدأ يفعل يريها جنونه بها..
كان جامح وعنيف، اشتياقه لها عدى الحدود.
وهو واقع بعشقها حد الثمالة ولا سبيل أمامه سوى الاستسلام.
شوقه لها غلبها كان كالمجنون أو ربما المدمن ولونا هي جرعته..
أهاته العالية ملأت الغرفة بها ومعها تكتمل لذته..
وبصعوبة مضنية ابتعد عنها يردد بانتشاء:
- آآه كنتي وحشاني بشكل..
- بكرهك.
همست بها لونا بقهر قبلما يقهقه عالياً بينما يجذبها لأحضانه المتعرقة العارية وجسده يهتز من شدة جلجلة ضحكاته، مسح جبينها المتعرق إثر فعلته ثم أكمل:
- وأنا كمان بكرهك يا روحي.
حاولت التملص من بين أحضانه لتخرج منها وتبتعد عنه فهمس:
- إثبتي بقا لسه فيكي حيلة.
فقالت بغضب مكبوت:
- سيييبني.
تحولت ملامح وجهه على الفور للضيق والتجهم فحررها من بين ذراعيه كما أرادت لتلتفت بسرعة وكأنها تبتعد عن ملقف للقمامة تستعد للذهاب للمرحاض فقال:
- رايحة فين؟
وقفت توليه ظهرها ولم تجيب فقال:
- رايحة تستحمي بسرعة عشان تشيلي أي أثر مني عليكي مش كده؟
اطبقت جفنيها تبكي بقهر شديد فصرخ فيها:
- ليه كل مرة أقرب منك تعملي كده ليه كل مرة تبقى بالغصب، أنتي مراتي وأنا ليا حق فيكي وباخده.
- أنت إيه اللي جابك هو مش خطوبتك بكرة؟
أظلمت عيناه وتعاقبت عليه مشاعر وئدها سريعاً ثم اعتدل في جلسته وقال:
- ماكنتيش عايزة تشوفيني مش كده؟ جيت أخدك عشان تحضري فرحي مش أنا ابن خالك بردو؟
- على أساس أنكم معترفين إني من عيلتكم أصلاً ولا حد مهتم، حضرت أو ما حضرتش ما حدش هياخد باله.
رفع عيناه لها بصمت، يطالعها.... يراقب جمالها عن كثب....
لونا ابنة عمته صاحبة وجه الحورية والعيون الواسعة البنية وشعرها كذلك، كانت تضوي كالنور...
جمالها متدلل... متدلع... متغنج، حتى لو كانت في أسوء حالتها....
حتى وإن كانت بمزاج سيئ... إنها تقتله... تذبحه في كل مرة يراها فيها....
يعلم إنها ذات أثر وحضور، يعمل لها الف حساب حتى لو كان يكرهها.
نفض كل تلك الأفكار عن عقله، لابد من التماسك دوماً.
فهز كتفيه وقال ببرود:
- ولو... شكليات... تفتكري أهل خطيبتي هيقولوا إيه لما ما تحضريش خصوصاً أم العروسة أنتي عارفة هي مركزة معاكي أد إيه؟
- ما أنا سيبت لها البلد كلها ومشيت أعمل إيه تاني.
وقف عن الفراش يلتقط ملاءة صغيرة يواري بها سوآته ثم قال بحاجب مرفوع:
- أنا وأنتي عارفين أنتي سافرتي ليه ولا ناسياها؟
اهتزت شفتيها بغضب ثم همست:
- لأ مش ناسية.
صمتت لثواني ثم قالت:
- المفروض تطلقني... أنت خلاص هتخطب أهو.
أغمض عيناه يخفي غضبه ثم قال:
- عايزاني أطلقك عشان تدوري هنا على حل شعرك مش كده؟
ابتلعت غصة مريرة بحلقها فهي تدور معه بحلقها المفرغة لم ولن يغير فكرته عنها فقالت:
- لأ... عايزة أخلصك من عاري وإن اسمي يرتبط باسم حد محترم وله وزنه زيك.
- ما حدش عارف إنك مراتي غير عمك اللي جوزك ليا والشوية اللي فاضلين عايشين من عيلة أبوكي مالكيش دعوة أنتي بأعمامي وبطلي لعب بالكلام عشان أنا قارئكي.
- بسس...
قاطعها بغضب:
- ما بسش.. أنتي مش كنتي داخلة تستحمي... اتفضلي ادخلي ومش عايز كلام تاني.
تحركت بكره وغضب وتركته يرتمي على الفراش خلفها يضع كفيه على دماغه كأنه يسمع أصوات كثيرة متداخلة تدور داخلها.
وهي بالداخل تقف أسفل المياه تغسل جسدها بقوة شديدة ودموعها تختلط بالمياه الغزيرة المتدفقة عليها تعيد الغسل بقوة أكبر تمحو أثره من عليها ولكن عبثاً تشعر بالنفور والغضب... تباً لما لا تتخلص منه لما.
ارتدت روب الاستحمام بإهمال وخرجت من المرحاض تتقدم من الفراش تنتوي النوم هكذا لن تصحو لمدة أطول تواجه فيه كابوسها....
"ماهر"... "ماهر عزام الوراقي" ابن خالها هو أسوء كابوس... أسوأ من عمها وما فعله بها هو الأسوء على الإطلاق.
نامت على آخر مكان بطرف السرير وتكورت على نفسها تكتم صوت بكائها تخشى أن يسمعه لتشهق بصدمة وهي تشعر بيده الغليظة تسحبها لعنده حتى استقرت في أحضانه العارية من جديد.
حاولت التملص منه يظهر نفورها ليأمرها بحزم:
- بطلي حركة... نامي.
سكنت بأمر واحد ولم تتحرك لتمر تلك الليلة المريرة عليها ويذهب لحال سبيله تشغله عنها حياته التي كانت هي دوماً خارجها ويتذكرها كل حين فتتنفس هي...
صبرت نفسها بهذا الأمل كي تساعد حالها على الاطمئنان ولو مؤقتاً حتى تغرق في النوم وينتهي كابوسها معه لكنه لم يتركها بحالها وهمس:
- لونا.
لم تجب فقط صمتت وهو يعلم أنه لو تركها ينتظر جواب فسينتظر سنين، هي مقطوع منها الأمل لذا أكمل:
- نفسي ولو لمّة تجيلي أنتي... نفسي في مرة بمزاجك.
- أنت ناسي حكايتنا وناسي اتجوزنا إزاي؟
أغمض عيناه بحزن يتدفق لعقله ما حدث في وقت ماضي.
عادت للواقع بعدما طرأ لعقلها ذكرى الشهور الماضية لتجد نفسها بجواره على طائرة العودة للبلاد.
نظر لجواره يجدها تجلس بهدوء فابتسم متسائلاً:
- قوليلي إحساسك إيه وأنتي نازلة من السفر عشان تحضري خطوبة جوزك على واحدة تانية؟
أغمضت عينيها بضيق شديد… ثم جاوبت:
- مش عارفة؟
- يعني إيه مش عارفة؟!
نظرت له بحدة ثم سألت مباشرة:
- ليه يا ماهر.. ليه منعتني أشتغل في الشركة اللي قدمت فيها… مش أحسن ما أفضل شغاله في النضافة في محل مجوهرات.
احتل الضيق عيناه وقال:
- وأنتي كنتي مفكرة لما تسافري برا هتشتغلي في وكالة ناسا؟
- لا بس أنا تعبت والقدر بعت لي فرصة أنضف.. بس إزاي… أنت عايزني أفضل مربوطة بإيدي ورجلي ورقبتي بقيود أنت فارضها وعامل نفسك مديني الحرية.
سحب نفس عميق يغلق عيناه مردداً:
- مش كل القيود حبس… ساعات بتكون حماية.. وأنتي زي العيال الصغيرة اللي زعلت من أبوها عشان رفض إنها تأكل أكله مضر أو تلعب لعبة خطر.
هراء….. كل ما يقوله بالنسبة لها هراء.
أغمضت عينيها تهرب منه فناداها مردداً:
- لونا.
- نعم.
جاوبت مضطرة فقال بحسم:
- بصي على الورق ده كده.
أعطاها بعض الأوراق قد أخرجها من جيبه فأخذتها تنظر فيها…. أرقام خيالية مكتوبة وأرباح بالملايين.
نظرت له بعيون منبهرة ومصدومة ليقول:
- دي الفوائد اللي هتعود علينا من مشاريعنا مع عيلة جميلة واللي هتقف كلها وممكن كمان تحصل خساير لو الجوازة باظت.
سحب منها الأوراق ينظر لها ثم قال:
- أنا مضحي بكل ده… بأيعهم وشاريكي أنتي يا لونا ولما الطيارة دي توصل مصر هننزل منها مش عشان إعلان خطوبتي لأ… عشان أعلن جوازي منك وأعملك فرح كبير وأديكي مهرك فلوس زي ما كنتي حابة وتلبسي أحلى وأجمل فستان أبيض بس… هل أنتي شارياني يا لونا؟
صمتت ولم تجب فسحب نفس عميق مردداً بحسم:
- هعمل كل ده من غير تفكير لو ضمنتك وضمنت وجودك.
الصمت كان حليفه من جديد فبدت وكأنها تسأله وما الضمان ليقول:
- طفل… تبقي حامل… ما فيش حاجة هتربطك بيا غير إنك تبقي حامل.
اتسعت عيناها ليكمل عليها:
- فلو بتاخدي حبوب منع حمل وقفي أنا مش عايز منك غير ضمان وأنا من بعدها هبيع الكل حتى أهلي… هممم قولتي إيه؟
خيم عليهما الصمت وبقى منتظر ردها وعقله يدور ويدور يسأل ترى بماذا سترد عليه؟
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سوما العربي
حديثه كان صادم بالنسبة لها. طفل جديد؟! غيرها؟! هي بالأساس لازالت ترى نفسها طفلة ألقاها الزمان في نيران قسوته. فمن ذا الذي يمتلك ولو ربع عقل داخل جمجمته وسيوافق على هكذا حديث؟
رفرفت بأهدابها وعقلها يدور ويدور ويدور. وهنا كان السؤال المهم، حيث سألته بنبرة متألمة ساخرة تجيب:
- ولو رفضت يا ماهر؟!! إيه؟! هتفضل متجوزني في السر؟! يعني إعلان جوازك بيا مرتبط بأني أجيب لك طفل؟! طب ولو طلع عندي مشكلة مثلاً؟! لو أنا مش عايزة دلوقتي؟! إيه؟! خلاص كده؟؟!! مش هتعلن جوازك مني؟!
صك شفتيه بغضب. لونا شخصية قوية ولسانها معها، هي فقط مردومة بالتراب. تلك الشخصية لو شمّت نفسها وأُزيح عنها الردم وتحررت ستصبح قوية بدرجة مخيفة. ما هي أساساً وهي بعز ضعفها تجابهه أحياناً وتحاصره بالحديث. فعلتها مراراً وتغلبت عليه، وهو لم يتغلب عليها سوى بتخويفها وبالصوت العالي. يعلم أنها جبانة وتخاف.
وها هي قد حاصرته من جديد وبقيت تنتظر الرد منه. ليقول بعصبية:
- قولولي أضمنك إزاي قوليلي... أنا مابقتش عارف أعمل إيه عشان أرضيكي.
ضحكت بسخرية وألم، ثم سألت:
- وانت عايز ترضيني يا ماهر؟!!
- هو انتي بجد مش واخده بالك؟! أنا حارق نفسي عليكي؟!
عادت برأسها للوراء، سحبت نفس عميق ونظرت بجوارها على النافذة للسحاب. ليقول بغضب:
- أنا عايز رد.
التفت تنظر له صامتة لثانية، ثم تكلمت تواجهه:
- هو انت يا ماهر لما بتعامل جميلة بتعاملها زي ما بتعاملني كده؟
- لأ طبعاً؟
- ليه؟
- دي واحدة غريبة عني. أكيد مش هتعامل معها براحتي زي ما بتعامل معاكي.. أنا مش بحس ناحيتها باللي بحسه ناحيتك.. انتي بتاعتي .. تخصيني.
- بجد؟!! أممم.. ومامتك وجنى بردو غُرب عنك؟!
حاصرته مجدداً، فأغمض عيناه بغضب. لتقول:
- سيبلي فرصة أفكر.
- تفكري في إيه؟
- في اللي طلبته مني.. أشوف هوافق ولا...
قاطعها يردد:
- ولا؟! هي فيها ولا؟! أنا بعت الكل وببيع عيلتي وبايع فلوس بملايين عشانك وانتي تقولي هفكر أوافق ولا؟!
أمام عصبيته وصوته العالي عاد خوفها من جديد. تلجأ دوماً للإنسحاب التكتيكي في أي موقف، لذا حاولت القول:
- مش انت عايز يبقى برضايا عشان تبقى ضامن وجودي؟! رجعت في كلامك؟!
سحب نفس عميق، يغمض عيناه بغضب مجدداً. وهي عمدت للنوم، ربما مرت ساعات السفر على خير.
***
خرج من بيته بغضب ومن وقتها لم يعد. كان يسير بسيارته في شوارع القاهرة يراها بحلتها الجديدة وقد تغيرت تماماً. باتت مدينة عصرية كلها كباري وأبراج تناطح السحاب كعروس بأبهى حلة. لكن مازال النيل والحواري القديمة بها يفوح منها رائحة المرأة العتيقة بحنانها الفياض، فتصبح القاهرة جامعة بين جمال الشباب ودفء العراقة. مثل جميلة.
فهي قد باتت أنثى فارعة بجسد ممشوق ومنحنيات كيرفيه جبارة. ومع ذلك ظلت بعينها نفس اللمعة البريئة تحملها على وجهها المبتسم دائماً. جسدها مضبوط بالملي، مهتمة به، تسير على أحدث صيحات الموضة. ورغم كل ما تفعله، لازال هنالك جانب طفولي مضيء بها يراه وحده.
لم يستطع مهما قاوم ووجد نفسه في نهاية المطاف يقف أمام مقر شركات خاله. صف سيارته وترجل منها ينظر على سيارتها العالية البيضاء وابتسم. نوع سيارتها يعبر عن شخصيتها ومستوى النضج والقوة التي وصلت إليها. يبدو أن أشياء كثيرة قد تغيرت وهو مسافر لا يدري.
دلف للداخل في الصرح الكبير ينظر حوله منبهراً. دوماً كان أخواله ذوي جاه عالٍ على عكس والده اللواء الذي رغم رتبته العسكرية إلا أنه لم يصل يوماً لدرجة ثرائهم بالتأكيد.
كاد أن يسأل عن مكتبها فهو سبب مجيئه بالأساس. لكنه لم يحتج لذلك، فقد وجد مجموعة من الرجال والفتيات يرتدون أفخم الثياب ويبدو على هيئتهم الفخامة والوقار. أصغر شخص فيهم قد يصبح في الثامنة والعشرين مثلاً. وجميعهم يغادرون غرفة الاجتماع بحنق وغضب. يسمع بعض منهم يتهامسون لبعض:
(هي فكرانا روبوتات؟ إيه مش عايزة أسمع مشاكل؟ حل مشكلتك.. ماتشوف تيمك يا أستاذ؟ ريتمهم بطيء كده ليه؟ وعمالة داخلة فينا شمال من أول الاجتماع في إيه؟)
رفع إحدى حاجبيه متعجباً. كل هذا فعلته جميلة؟! جميلة الصغيرة؟! هل طال به الزمن بالغربة لتلك الدرجة؟!
دلف من الباب الموارب ليراها تجلس على الكرسي الذي يترأس طاولة الاجتماعات الكبيرة. ترتدي تنورة زرقاء ضيقة وقصيرة مع قميص حريري أبيض مفتوح أحد أزراره. وشعرها المموج مرفوع بكحكة مهندمة رسمية لأعلى رأسها. تجمع باقي أوراقها تستعد للمغادرة.
بقي واقفاً يستمتع برؤيتها ومتابعتها. وأدرك بيقين أنه قد تأخر بالفعل، بل تأخر كثيراً جداً. لدرجة أن جميلة الطفلة البريئة ذات الصوت المسموع بصعوبة قد حلّت جدائلها وعلى صوتها. وباتت سيدة أعمال تقود بقوة شخصيتها رجال بأشنبة تقف عليها الصقور. تنهد بتعب. كلما رآها راقت له أكثر وأكثر.
وأخيراً لاحظت وجود شخص آخر يشاركها المكان من كثرة ما هي مشغولة، لا تلتفت. حدقته باستغراب، تردد اسمه:
- رشيد؟!
آه منها آه. تنهد متعباً. بكل دقيقة يتورط فيها أكثر دون أن يدري، وهي لا تبالي. بينما تناديه باسمه هكذا بطريقتها الماسة لوتره تضعفه وتؤثر عليه.
بينما جميلة أكملت سؤالها المستغرب:
- بتعمل إيه هنا؟
- جيت أشوفك؟
- تشوفني؟!
قالتها بحدية وحاجب مرفوع. لتلمع عيناه بخبث ويجيب وقد بدأ يبتعد عن الباب ويقترب منها بخطوات مثيرة مدروسة:
- أممم... أشوفك فيها إيه دي؟! مش بنت خالي ولا إيه؟!
مررت عينها عليه. لم تكن ساذجة مطلقاً، لذا ردت بهدوء:
- لأ طبعاً، ده انت حتى نورت الشركة.
كان قد اقترب منها، وضع يد على الطاولة يقول:
- بجد؟
- آه بجد.
مال يضع يده الثانية على يد المقعد الذي تجلس عليه، فبات قريباً منها جداً ومحاصراً إياها. ثم سأل بصوت مثير:
- طب عيني في عينك كده؟!
استفزّها. استفزّها لأقصى درجة. تراه يلعب بها ومعها وهذا ما لن تسمح به. لذا نفضت يده بحدة من على الطاولة، ففاجئته بقوتها وحدتها. ثم وقفت تهتف فيه:
- يعني انت جاي المسافة دي كلها وقاطع القاهرة بالعرض لحد ما وصلت هنا عشان تقولي عيني في عينك؟
راقت له عصبيتها. يراها لذيذة وفي صالحه. لذا سأل:
- وفيها إيه؟
- فيها إنك جاي تلعب وتهزر يا رشيد والصراحة أنا مش فاضية لك.
التفت له بأناقتها الخاطفة للعقول، تردد بجدية محببة:
- زي ما انت شايف عندنا اجتماعات والدنيا مدربكة عشان اللونشينج الجديد بكرة.
ربع ذراعيه حول صدره وقال مستمتعاً برؤيتها في تلك الحالة الجديدة عليه، متسائلاً:
- همم؟
لتكمل بصدق وجدية يشوبها بعض الاستهزاء:
- فأنا بقترح عليك لو عندك وقت فراغ كده إنك تقضيه مع عيلتك أو في اللعب مع ابنك.
غامت عيناه وفهم عليها. هي ببساطة تعيده للواقع في حالة إن صمم هو الانفصال عنه. تخبره أنها واقعية تفضل الواقع وتعيشه. والواقع يقول إنه قد رفض حبها زمان وعاد اليوم رجل متزوج ويعول، وهي ما عادت تلك الطفلة الصغيرة.
فاقترب منها ينظر لعيناها، ثم ناداها:
- جميلة.. ممكن تهدي وتسمعيني.
جاوبت بنبرة عاديها حيادية:
- أنا الحمد لله هادية جداً على فكرة.
زم شفتيه من طريقتها المحبطة، ولا يعلم لما قد يتفوه بحديث كهذا. لكنه شعر بحاجته لأن يقوله. لذا تحدث بصوت مبرر يحمل قدراً من الندم والاعتذار:
- جميلة أنا زمان لما جيتي لي وقولتي لي إنك بتحبيني وأنا قولت لك الكلام اللي شايفاه إنه يضايق ده كان عندي حق؟ أنا كنت شاب وانتي لسه بنت صغيرة عندها ١٦ سنة يعني مين ممكن يبص لبنت في السن ده ويتخيلها حبيبة وزوجة؟ أنا كان عندي حق. ولو كنت شوفتك ساعتها حاجة تانية غير إنك طفلة كنت أبقى واحد مش مظبوط. اللي قولته هو الطبيعي والمتوقع ورد فعلي كان طبيعي.
استمعت له للنهاية، ثم قالت:
- عارفة يا رشيد وفهمت ده أكتر لما كبرت وصدقني أنا حقيقي مش بلومك... انت اتصرفت صح واحتويت الموقف وأنا مقدرة جداً تصرفك ده. وقتها عدت الأيام وأنا نسيت خلاص وشوفت حياتي.
قست عيناه. لم يروقه حديثها وطريقتها الجادة. تبدو وكأنها تتحدث بصدق وهذا ما لا يريده. فهتف بضيق:
- نسيتيه خلاص ؟! أممم طب ولما هو كده مش بتقبلي الهدايا بتاعتي ليه كل ما ببعتهالك؟ طالما أنا مش فارق معاكي قوي كده؟!!
- مش بضايق رجالة عندي على الأكونت.
ردت عليه ببساطة متعمدة التقليل منه، مما أشعل غضبه وعيناه. فسأل:
- بجد والله؟! يعني طارق ابن عمك مش عندك؟
- مش عندي.
صك أسنانه أمام عيناها بغضب تملكه وسأل:
- طب وماهر؟
- لسه مش عندي .. بس كويس إنك فكرتني النهاردة هبعتلك فولو.
ابتسمت وهي تكاد ترى الغيظ في عينيه. فابتعد عنه خطوة ثم ولته ظهرها تستعد للمغادرة وهي تردد:
- نورت يا رشيد بس زي ما انت شايف مضطرة أسيبك وأكمل شغلي.
التفت له قبلما تغادر الغرفة وتقول:
- صحيح بعتلك إنڤيتيشن على اللونشينج بتاع بكرة هنطرح وحدات جديدة بسعر الطرح لو حابب تستثمر فلوسك انت والمدام فأنا أولى ولا إيه؟!
ثم غادرت وتركه ينظر عليها معجباً ومبتسماً. فقد صارت جميلة فتاة جميلة وعقلها يساوي ثقله ذهب. مخها تجاري وطريقتها في الحديث خطافة.
***
بمجرد وصولها للبلاد تدافعت الرسائل على رقمها القديم. نظرت للهاتف واجتاحتها الشعور بالحزن. فهل أخيراً تذكرتها سما؟ حزنها من سما كان عظيم دفعها لتجاهل رسائلها وحتى الاتصال الذي بادرت به.
فتف لها ماهر يسأل بحاجب مرفوع:
- مش بتردي ليه؟! مين بيتصل؟
- دي سما صاحبتي.
- والله؟ ولما هو كده مش بتردي عليها ليه ولا عشان أنا واقف؟
نظرت له بصمت وضيق، ثم مدت له الهاتف تقول:
- تقدر تاخد تتأكد بنفسك طالما شكك فيا كبير للدرجة دي.
صك شفتيه بضيق ولم يأخذ منها الهاتف، بل قادها حيث تنتظرهم السيارة التي ستقلهم للمنزل. تقدم يفتح لها باب السيارة يراها تجلس بهدوء. فالتف يجلس بجوارها، ثم يأمر السائق بالانطلاق.
نظرت عليه نظرة مطولة، كانت صامتة تماماً، بدت محتارة في أمره. لف رأسه وتلاقت عيناه فسألها:
- بتبصي لي كده ليه؟
- انت غريب قوي يا ماهر؛ لما انت شاكك فيا قوي كده ليه متجوزني ليه مكمل مع شخصية انت شايف إن كلها عيوب وبتتعبك وبتعصبك.
أسبل جفناه يتنهد بتعب وقال:
- اسألي نفسك.. مع إني جاوبتك قبل كده.
ثم أشاح بوجهه بعيداً عنها. فكرة أن حبه لها مقابل بالرفض والنفور باتت تؤلمه قلبه وتجرحه بقوة وقد تعب كثيراً. لذا أعطاها هو القرار النهائي.
وصلوا للبيت بعد مدة طويلة سادها الصمت. بمجرد الدخول للبيت سمعت صوت الجد يردد:
- أهلاً أهلاً حمد الله على السلامة.
وقفت لونا عند الباب. لا تتقبله. تراه عدوها الأول وأنه هو وماهر وجهين لعملة واحدة. الأولى تسلّت بجدتها ثم جاء حفيده ليتسلّى بها. قد باتت على علم بأن كارما الأجداد تجلت في حياتهم بوضوح، هذا ما توصلت إليه حينما تناقشت مع مستشارتها النفسية. لكنها أقسمت ألا تحيا نفس النهاية مهما كلفها الأمر.
- لونااا... جدو بينادي عليكي.
قالها ماهر منبهاً، ثم تقدم لعنده يحتضنه ويقبله. تنظر عليهما كأن أحدهم مرآة للآخر. ماهر هو محمد ومحمد هو ماهر. لكنها لن تصبح هنية ولن تنجب طفلة فتصير رحيل.
- مش هتسلمي عليا يا لونا؟!!
قالها الجد وبعينيه الندم. يعلم تمام اليقين أنه هو الجاني عليها وليس ماهر. ماهر لم يفعل سوى أنه قرر قصته. ومع ذلك ولم يستطع منع عيناه من النظر على ماهر بإشفاق. يعلم ما يعيشه الآن متأكد من قوة سحر لونا عليه وتمكنها منه. كيف لا يعلم وهو المتذوق الأول لهذا السحر. يدري بما يعيشه ماهر من لذة ومتعة ما بعدها متعة مع لونا. متيقن من شدة تأثيرها عليه. فلونا ما هي إلا الصورة المكررة من هنية التي لم يشعر بتمام شعوره بالرجولة إلا معها وحدها. وبخسارتها خسر كل متع الحياة وتدمرت نفسيته. على من سيكذب؟
هو مدرك تماماً لحجم الحياة الكارثية التي سيعيشها حفيده في حال ابتعاد لونا عنه. مدرك ربما أكثر من ماهر نفسه. فالتوقع مختلف تماماً عن معايشة الشعور.
- تعالي يا لونا سلمي يا جدك.
طلب منها ماهر، فتقدم ليبتسم الوراقي وبسره يهتف: (زي هنيه تمام، رغم كرهها ليا كان ليا كلمة عليها). هي فعلت بالفعل بعد طلب ماهر. يبدو أنه مؤثر بعقلها الباطن. أخذت تتقدم حتى وقفت بين يدي الوراقي ومدت يدها للسلام الذي لم يكفيه. فقد سحب يدها بقوة ذرعها بين أحضانه رغماً عنها وأخذ يحتضنها بقوة ويغمض عيناه متأوهاً. يشم فيها رائحة ابنته المغدورة وزوجته التي لم يحب غيرها.
بينما ماهر يقف بجواره وقد اجتاحه شعور قوي بالضيق. فحمحم بحرج ثم حاول الفصل بينهما. فرفع يده يضعها على كف جده التي يحتضن بها لونا مررداً بضيق:
- أحممم.. ياا جدي.. خلااااص.
رفع الوراقي رأسه وأبعد عن لونا وهو يرفع إحدى حاجبيه. فحمحم ماهر من جديد يبرر:
- أصلها جايه تعبانة من السفر.
- غيران عليها مني يا واد؟
قالها الوراقي ساخراً. فتخبطت ملامح ماهر. ليكمل الجد:
- أمك كانت بتسأل عليك روح طمنها إنك رجعت وسيب لي لونا عايزها في موضوع.
- موضوع إيه؟
- الله؟! وانت مالك... أما إن أمرك عجيب.. روح لامك يالا روح.
تحرك ماهر على مضض وصعد لوالدته. ليلتف الوراقي للونا يبتسم بإنشراح وهو يرى جمالها البديع. ثم قال:
- سبحان مين خلقك.
نظرت له ببرود والصمت هو المقابل. ليسألها:
- ماهر اتجوزك صح؟
- وكمان عارف!
- دخل عليكي؟
- زي ما عملت في جدتي.
رشقته بسكين في صدره متعمداً. جعلته يغمض عيناه متألماً. تهاجمه ذكريات الماضي. ثم فتح عيناه بصعوبة وقال:
- بس بلاش انتي تعملي زي هنيه وتسبيه وتهربي.
- هربت بعارها... اللي هو أصلاً عارك وانت السبب فيه.
- خلاص يالونا ماتبقيش انتي والزمن عليا أنا باخد جزاتي كل يوم بالحياة... وعلى فكرة زي ما أنا غلط هنيه كمان غلطت لما رفضت ترجع لي.
- لما رفضت تعترف بالحمل وأنكرت عشان مراتك.. كنت عايزها تعمل إيه بعد ما ولدت وانت مفضل الفلوس عليها وعلى بنتك.. أمي اللي بسببك انت وعيالك فضلت تعاني من الربو طول حياتها.
- عارف ... عرفت لما كبرت وجت تعيش معايا.
- عرفت؟ عرفت إيه؟! إنها اترمت وهي عيلة قدام الملجأ بعد ما أمها ماتت وفضلت طول الليل في المطر لما كانت هتموت باعجوبة نجدوها.
- ماكنتش أعرف ولما عرفت أخدتها تعيش معايا.
هتف مدافعاً. لتصرخ فيه بقهر:
- قصدك لما فوقت.. لما شبعت فلوس دورت عليها بس هي كانت عاشت اليتم وأبوها عايش وهي عارفة إنه عايش وعارفة هي بنت مين ومع ذلك عمرها ما فكرت تجي لك... انت حتى لما أخدتها من الملجأ أخدتها غصب عنها وأول ما جالها فرصة تهرب هربت واتجوزت أبويا.... وجه حفيدك يعيد القصة تاني وانت قاعد تطلب مني أبقى زي هنيه.
مالت على أذنه وهتفت بشماتة:
- على فكرة ماكنتش بتكره قَدّك.
قالتها من هنا وتجمد وجه وجسد الوراقي من هنا. يهتف فيها:
- ماتقوليش كده.
- هي دي الحقيقة.
- لاااااا.
على صراخه فهرول ماهر يقتحم الغرفة ليصدم وهو يرى هيئة جده. ليتقدم منها يسأل بلهفة:
- في إيه؟! إيه اللي حصل يا جدي؟
نظر لها بغضب يسأل:
- قولتي له إيه؟!
المقابل منها كان البرود والتشفي. مما صدم ماهر وزادت صدمته وهو يجد جده يحاول التحدث رغم تعبه:
- ما قالتش ... حاجة، مافيش حا..جة.
- تعالي معايا.
جذبها بحدة ليناديه الجد:
- خدها لاوضتها ترتاح ماتخافش أنا هاخد الدوا وهبقى كويس.. خدتها لاوضتها يا ماهر وعينك عليها... عينك عليها يا ماهر أوعى تغفل عنها.
كان يتحدث بتقطع وتعب، لكن فيه من التحذير ما يكفي للفت انتباه ماهر. فسحبها معه وخرج من الغرفة يصعد بها السلم متسائلاً:
- انتي قولتي له إيه؟
- أهو عندك روح أسأله.
- طريقتك مش عاجباني ولازم تتغير.
- حاضر.
قالتها ببساطة أثارت الرعب داخله، لكنه لم يبين أو يعلق. بل عمد للخروج من الغرفة مردداً:
- مش عايز مشاكل يا لونا خصوصاً النهارده، عندنا لونشينج جديد وأنا خاطف كام ساعة عشان أقدر أجيبك من المطار وأرجع أتسحل في الشغل. لو سمحتي لمي الدور.
لم تعقب. كل ما تريده هو أن يبصق كلماته ويذهب من أمامها الآن. وقد فهم ما بقلبها فغادر. لكنه توقف متيبساً يسمعها تردد بصوت قوي ثابت أرعبه:
- على فكرة أنا فكرت وقررت.
التف إليها ببطء شديد خائف جداً، ثم سألها بعينيه. لتكمل:
- مش موافقة؟
ماذاااااااا؟ لم تكتفِ لهنا وحسب، بل أجهزت عليه بقوة:
- ومش عايزة حتى إعلان جواز ولا إعلان طلاق. عايزاك تطلقني كده وخلاص.. وكفاية اللي أخدته مني.
إلى هنا وتوقف الزمان. أخذ يقترب منها بخطوات بطيئة خالية من الحياة. وجهه شاحب وعيونه ميتة. يردد:
- سمعيني تاني كده قولتي إيه؟
- اللي سمعته يا ماهر... أنا عايزة أتطلق وكفاية عليك اللي أخدته مني.
احتدت عيناه واقترب منها يقبض على ذراعها يغرس أصابعه في لحمها هاتفاً:
- كفاية عليا اللي أخدته منك؟!
هزها بعنف صارخاً فيها:
- انتي أصلاً كلك على بعضك بتاعتي.. أخد شوية أخد كتير أعمل فيكي ما بدالي.
همت لتحد عليه تعلمه أنها ليست دمية بين يديه. لكنه نفضها من يده وردد بنبرة باردة متغيرة عن ذي قبل بثواني:
- براحتك... مش عايزة أعلن جوازي منك براحتك... بس افتكري إني كنت مستعد أعمل كده وانتي اللي من كل عقلك رفضتي.
هم لأن يتحرك مغادراً، لكنها أوقفته:
- استنى هنا انت رايح فين؟ انت مش قولت لي براحتك.. يالا كمل وطلقني.
أغمض عيناه يردد وهو يحاول تمالك أعصابه:
- بلاش تخليني أتهابي عليكي.
ضرب بأصابعه على مخها يردد بحدة:
- فكرة الطلاق دي شيليها من دماغك عشان لو السما انطبقت على الأرض مش هيحصل.
- انت مش قولت...
قاطعها بصياح:
- أنا قولت إعلان جواز ماجبتش سيرة طلاق نهائي... أنا خيرتك تجيبي طفل واعلن جوازنا أو ماتجيبيش مش أكتر من كده... أحلامك اللي في دماغك خليها أحلام.
أسبلت جفناها بتعب. حاولت التحدث معه بهدوء:
- بص يا ماهر... إحنا مش مرتاحين مع بعض وانت مستقبلك هيبقى أحلى مع جميلة بينكم خطط ومشاريع وملايين وحاجات كتير مشتركة، أنا مش هنكر إني متضايقة منك بس والله مستعدة أسامحك وهعتبر إنك تطلعني سليمة من البيت وتحميني من عمي وإنه ما يتعرضليش تاني وإنك قدرت تطلع بابايا من تحت إيده وبتعالجه في مستشفى كويسة وإنك سفرتني وأجرت ليا بيت دول مهري ومؤخري كمان وكده أنا راضية مش مشكلة بس ننهيها بهدوء ومش عايزة والله أكتر من كده.
كلامها كان يدك حصونه دكاً. دنياه تنهار أمامه الآن. هي ببساطة تريد سحب أنفاسه منه. تظن نفسها مجرد فتاة تزوجها. صدقت كل ظنونه ومخاوفه. لونا فتاة لا يستهان بها. هي فقط كانت بلا شخصية وعلى ما يبدو أنها بدأت تكونها على كبر. وكل ذلك لا يتنافى مع كونها ذكية ولسانها معها. كل ما كانت تحتاجه هو الجرأة والخبرة والتعرف على نفسها لتكوين شخصية. وها قد بدأت تفعل. وبدايتها كانت بمواجهته أو بالأحرى تحديه.
فردد بنبرة أخافتها:
- يعني انتي كنتي مسافرة عشان تستقوي بالسفر وتقدري تستقلي بعيشتك مش كده؟
- كله كان برضاك ولغرض معين في دماغك أنا لسه ماعرفوش بس وفيها إيه يا ماهر.
تقدمت منه ومسكت يده بكفها تحدثه. أول ما لمسته اقشعر ورفع عيناه لها بلهفة متأثر بها. لتقول:
- ليه عايز تاخذ مني كل حاجة؟ ليه تكسرني؟ ماتنهيها بشياكة يا ماهر واعتبرني ذكرى.
- ماقدرش... افهمي... أنا روحي فيكي.
لمستها كلماته. لأول مرة يخترق حديث ماهر جدار قلبها. تقسم أنها شاهدت الصدق واللهفة في عيناه كما شاهدت غلالة من الدموع. أسبل عيناه بتعب يكبح دموعه ثم فتحهم يردد:
- كنت مستني أن أضعف الإيمان ترفضي تجيبي طفل كنت هقرص ودنك شوية وبعدها هعلن جوازنا بردو. ما قداميش حل غير كده لأني غصب عني ناوي أكمل عمري معاكي ومش عايز أكمله في السر. كنت هعلن الجواز وأفسخ الخطوبة وطز في أي فلوس أو مصلحة. بس كنتي قولي موافقة، شارياك يا ماهر بس بلاش خلفة دلوقتي.. كنتي بلّي ريقي بأي كلمة، لكن انتي... رفض رفض رفض.
هزت رأسها بجنون. ما عادت تتحمل. كل السبل معه موصدة. يرى نفسه غير مخطئ وكأنه لم يرتكب في حقها أخطاء فادحة ويعاملها بطريقة غير آدمية.
فصرخت فيه:
- ماتتكلمش كأنك مظلوم وأنا ظالمة.. أنت عارف انت عامل فيا إيه... طلقني وسيبني أشوف حياتي.. سيبني لحد يحبني.
انتفض بعيونه اللهب قبض على ذراعها يهتف ويهزها:
- قولتي إيه؟ انطقي... قولتي إيه؟
صرخت متألمة:
- سيبني يا ماهر.
- أسيبك عشان تروحي لغيري.
- سيبني بقا حرام عليك سيبني سيبني...
صوت صراخها كان عالٍ أخرج كمال وجنى من غرفتيهما. اتسعت عينا كل من كمال وجنى وهو يراها قد خرجت متسرعة من غرفتها بمنامتها المكشوفة. اتسعت عيناه بصدمة وشهقت جنى برعب لم تتوقع أن يخرج كمال. دلفت للداخل سريعاً تغلق عليها الباب. فيما وقف كمال يحاول استيعاب ما رآه وهل رأه من جنى الصغيرة؟ هل كبرت جنى؟!!! أخرجه من تساؤلاته صوت صراخ لونا المتصل. ليسارع بالدق على الباب ثم اضطر لاقتحام الغرفة بعدها ليحاول الفصل بين لونا وماهر الذي هتف فيه:
- انت إيه اللي دخلك ازاي تدخل كده من غير ما أذن لك؟
- مش وقته يا ماهر... سيب إيد البنت.
- هو إيه اللي مش وقته.. واحد ومراته انت مالك؟
نجحت في الإفلات من تحت يديه ولفت تحتمي في ظهر كمال منه. إلى هنا وجنّ جنونه وصرخ بغضب أعلى:
- انتي يومك مش معدي النهارده؟! كله كوم وعملتك دي كوم تاني.
جذبه كمال يحاول الخروج به من الغرفة مردداً:
- تعالى معايا يا ماهر... تعالى.
أخرجه من الغرفة بصعوبة إلى أن وقف في نهاية الممر يسأله:
- في إيه يا ماهر.. هو انت على طول معاها كده كله خناق وزعيق… أنا لولا دخلت عليك كان زمانك بلعها.
هتف ماهر بحرقة ولوعة:
- مش طيقاني يا كمال … البت مسففاني التراب.. حارق نفسي عليها وهي مش شيفاني… مش شيفاني يا كمال...
- أنت السبب.
- نعم؟
- أيوه… ده البطلة في فيلم ذا ليون كينج حبت قرد… قرد عشان اهتم بيها… وانت أصلاً دخلك معاها كان زفت وتعامل قطران… مستني إيه؟ حد قالك إنها مازوخية مثلاً؟!
صمت ماهر وعلى ما يبدو أن حديث كمال نجح في اختراق عقله فهدأ قليلاً ونظر له ليكمل كمال:
- عاملها برومانسية شوية يا ماهر… اهتم بيها واديها الأمان. هي كده ولا كده مش هتعرف تفلت من تحت إيدك. انت ابن عمي وأنا عارفك.
لكن رد ماهر عليه كان على عكس المتوقع حين قال:
- لا مش هدلع ولا هدادي… أنا اللي يبيعني أبيعه… أنا اديتها فرصتها وهي اللي اختارت خلاص أشوف مصلحتي بقى.
- يعني إيه؟! مش هتعلن جوازكم؟
- لا؟
- يعني سلمت وهتطلقها؟
- مستحيل… لونا هتعيش وتموت مرات ماهر الوراقي.
ابتعد كمال خطوة عنه يردد:
- انت عايز إيه يا ماهر… عايز إيه؟!
- عايز أدبها… أنا بقا هربيها وأعرفها إن الله حق.
- انت حالة ميؤوس منها… انت عايز تفضل تعبان مع إن الحل والدوا في إيدك.
وقف ماهر محتار يفكر في حديث كمال وكبره يمنعه. إلى أن ورد اتصال فرفع هاتفه يبصر اسم المتصل ففتح المكالمة على الفور يقول:
- منتصر باشا .. أهلاً وسهلاً.
- أهلا ماهر بيه.. أنا قولت أكلمك بنفسي وأعرفك إننا خلاص جبنا الواد اللي اسمه الدوكش ده وأخد أربعة في أربعة.
- بس عايزك ماتعتقوش إلا لما ياخد الحكم المتين ويترمي في السجن.
- ماتشغلش بالك انت كله تحت السيطرة.
- مانحرمش منك ياباشا.. هعدي أنا عليك بقا.
- منتظرك يا كبير… يالا مع السلامة.
- سلام.
أغلق الهاتف وتنهد بارتياح. ليسأله كمال بشك:
- هو في إيه؟! ومين ده اللي عايز تحبسه.
توترت ملامح ماهر ثم قال وهو يستعد للمغادرة:
- مش وقته .. لازم أتحرك دلوقتي عشان تجهيزات الحفلة.
- هتخلي لونا تحضر.
- تحضر أه عشان ترجع بخمس آلاف عريس.. هو أنا ناقص يا كمال؟ انت تجيب جنى معاك وبس سامع؟!
لم يجيب عليه كمال، لكن ماهر تحرك مغادراً. مرت الساعات وبصعوبة أقنع كمال لونا بأن تخرج معهم وتذهب للحفل. وهي ارتضت وذهبت لأسباب كثيرة أولها مجابهة ماهر والتمرد على أوامره.
جلست بالحفل. عروس جميلة بأبهى طلة وحلة. كانت ناعمة لذيذة وملفتة. الكل ينظر عليها. وهي تتابع ما يحدث. جلست تتذكر ما سمعته أثناء عودتها من المرحاض. خالها والد ماهر يقف مع والد جميلة خطيبته يبرم عدة صفقات بملايين وقهقهاته العالية الجشعة تملأ المكان. فاخر يقف مع عم جميلة ومعهم رجل ثالث يضحك بقوة. تلك الضحكة تشع بالمال. يفوح منها رائحة مصلحة كبيرة. محمد الوراقي يجلس مع كبارات البلد يبتسم بكياسة ويتحدث بوقار. من يصدق أن هذا الرجل قد فعل بفتاة وطفلتها ما فعله… ضحكت ساخرة بألم. فصدقاً المال ينظف.
لمحت عيناها ماهر خرج من خلف كواليس المسرح الكبير. ابتسمت بلا إرادة وهي تراه يرتدي بذلة تكسيدو سوداء رائعة عليه. شعرت بالمقارنة والغيرة وهي تراه يقدم من جميلة المتأنقة في فستان غالي جداً جداً يعطيها بعض الأوراق يتحدث بمهنية واحترام وهي تجيب عليه بحرفية سديدة ثم تتحرك بثقة تنجز بعض المهام. هي أيضاً توقف بها الزمن. وشعرت بتوقف الأصوات. ترى حياة الكل تسير وهي الوحيدة الخاسرة. عزام وفاخر المتسببين في إصابة والدتها بالربو يجلسون متهنيين بل ويجنون المزيد من المال وهي قد ماتت والدتها. الكل يربح حتى ماهر فاز وتسلى عليها. هي الوحيدة الخاسرة.
وقتها تجلى بأذنها صوت مستشارتها النفسية وهي تعيد عليها آيات استدلت بها:
"وما ظلمنا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
تعلق بأذنها وباتت تتكرر:
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
ولم تخرج من صمتها سوى على صوت ماهر الغاضب الذي تقدم لعندها حينما اكتشف وجودها يردد:
- انتي بتعملي إيه هنا؟؟
صراخه لم يرعبها، بل جعلها ترسم على شفتيها ابتسامة رقيقة، ناعمة أثارت رجفته واستغرابه. ثم وقفت تقترب منه لتحدثه. ومن هنا تبدأ فصل جديد في قصتها معه. تقسم أن يصبح في صالحها. لن تصير ضحية كجدتها.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سوما العربي
فستنانها السماوي المنفوش جعلها كسندريلا العصر الحديث، ملامحها خلابة وقوامها أخاذ.
بالأساس لونا طاقتها مختلفة وطلتها لها جاذبية، حضورها ملفت، مميز ومثير.
بالطبع لاحظها بسهولة فخطفت لبه وإثارت حواسه ثم جننت عقله؛ اندفع من عند المنصة بعدما كان قاب خطوة واحدة من إلقاء كلمته على الحضور.
نزل من على المسرح كله وذهب لعندها ملفتاً أنظار الجميع.
وكلما اقترب زاد جنونه تصاعداً بازدياد اتضاح جمالها الملفت وهو يعلم ذلك...
اقسم لن يجن بسببها وليس ذنبه مطلقاً أنها ذات جمال وجاذبية.
اتسعت خطواته حتى اقترب منها مد كفه يغرسها في لحم ذراعها يوقفها عنوه وهي شهادة حق انصاعت ليداه ووقفت معه تقترب من جسده كما ساقتها يداه.
صرخ فيها بأعين غاضبة:
- انتي بتعملي ايه هنا؟! وازاي تخرجي من غير إذني؟
بللت شفتيها بتوتر، كل ما تفعله جديد عليها، قررت تجربة أسلوب جديد معه كي تهدئ اللعب ريثما تدرس الوضع لذا لم تذهب لطريقتها المعتادة في الرد عليه وجربت أن تقول:
- ماكنتش عايزني أجي؟
- أه هل أخفقت ولا تملك تأثير عليه؟ هكذا سألت نفسها فرده مازال متجهم غاضب، لم تكن تملك خيار التراجع لذا عمدت لإكمال الجرعة فتبتسمت له وهي تمد كف يدها تلمس ذراعه الغليظة تقول:
- ليه كده يا ماهر؟ أين ماهر؟!! وقد ضاع ماهر.
ماذا تنتظر وقد نطقت اسمه بطريقة ماسة ومحببة مستخدمة صوتها الذي هو متدلع من الأساس جعلته يحملق فيها تائه، هائم، عاشق، ذائب في سحر لونا.... لونته المغوية.
رفرف بأهدابه... كانت كعلامة صح ☑️ علامة نجاح... بهتت ملامحها، هل نجحت؟! هل تمتلك ذلك التأثير عليه كما أخبرتها مستشارتها النفسية و كما قالت لها صديقتها سما صباحاً.
- مش بترد عليا ليه؟ سألت مترقبة... هي الأن في حالة تتبع ومراقبة تختبر وتنتظر النتيجة لتكون فكرة.
رأته وهى يجول بعيناه على ملامحها ولاحظت ابتلاعه للعابه بصعوبة، بعيونه تيه أنار بصيرتها وأصابها بالدهشة.
كانت كمن لُقم رأسه بحجر، فهل هي تملك كل ذلك التأثير على ماهر؟ ماهر؟!! معذبها؟!
نجح أخيراً بإخراج صوته.. وهو لا يرد اخراج صوته بل يريد تقبيلها والأن.
لجم نفسه بمهارة... حمحم بحرج ثم رد:
- أاا... هكذا كان جوابه... متوول... كيف خافت منه وأخذته خصماً ولو ليوم... الغبية لا تعلم أنه جند من جنودها وتحت إمرتها... سلطتها عليه قوية، هي فقط من كانت لا تعلم أو بالأحرى لم تكتشف بعد.
ملت سريعاً، وكادت أن تعود لعادتها القديمة وتصرخ فيه الا انه قد جاوب وقال بصوت عاشق:
- مش كنتي تقولي انك جايه، على الأقل كنت جيت مع مراتي.
سبته ولعنته داخلها هو يكرر كلمة (مراتي) دوماً (مراتي مراتي مراتي) ربما قريباً سيصبح اسمه ماهر مراتي، لقد ملت منه.. لا يترك جملة إلا ويحشر بها كلمة (مراتي).
زاغت بعينها على جميلة، علمت تنكر، يجب أن تُقر.... هي تغار من جميلة.
تقارن نفسها بها دوماً. جميلة المدللة التي يحسب لها الجميع ألف حساب بما فيهم ماهر الذي لم يكف عن إذائها والتقليل منها.
شعور سيء اجتاحها، تمكن منها، كانت بحاجة للشعور بالفوز، بالتفضيل ولو لمرة لذا ابتسمت مجربة تقول:
- جميلة جايه على هنا.
لم يشح بعينه من عليها، لأنه لا يقدر؛ عينه تعشقها، معلقة بها.. فقط تنهد وقال:
- مش مهم.
ابتسمت فأكمل:
- مش مهم أي حد غير لونا.
شعور جميل اجتاحها تريد منه المزيد ربما أعاد لها ثقتها المفقودة بنفسها... ستجرب استعمال ماهر، لما لا فقد دفعت ثمن كبير مسبقاً يحل لها فعل أي شيء.
كادت أن تتحدث مجيبة لكن جميلة كانت قد اقتربت تقول:
- ايه يا ماهر لازم تطلع تقول البرزنتيشن قدام الناس مفيش وقت.
زمت لونا شفتيها بضيق... لقد تجاهلت جميلة وجودها.. أسبلت جفونها تشعر بالإهانة لتهتف:
- أه.
اتسعت عينا جميلة وهي ترى انتفاض جسد ماهر بلهفة يتلقفها بين ذراعيه هاتفاً:
- مالك في ايه.
ترنحت متقنة التمثيل تقول:
- شكلي دوخت.
هتف في جميلة أمراً:
- جميلة روحي بسرعه هاتي لها أي عصير.... بسرعه اتحركي.
صرخ فيها بعنف اتسعت لأثره عينا جميلة لاتصدق ان ذلك قد حدث معها.
تحركت بصدمة بينما لونا ترقص بداخلها وهي لازالت تستند على جسد ماهر تتكئ برأسها على كتفه وهو قد مد يده يمسح بكفه على شعرها يسألها بوله:
- مالك يا روحي.
- مش عارفه دايخة قوي.
وجدت نفسها قد جاوبت لما جاوبت فهل تعلم أنها هي روحه كما وصفها؟ يبدو أن عقلها على علم بذلك... هكذا شردت مفكرة تلتقط التفصيل، خرجت من شرودها على صوته يسأل:
- من ايه الدوخة بس؟ حامل ولا ايه؟!
هزت رأسها بيأس منه، مجرد الكلام أثار خوفها و وقع الكلمة على قولونها العصبي فعل به الأفاعيل وهي بالأساس تعلم أنها تمثل.. فماذا لو كانت حقيقة.
مرت دقيقة وهو يأخذها بأحضانه إلى أن حضر نادل معه العصير فقالت لماهر وشفتيها متقوسة ببراءة مزيفة:
- مرضيتش تجيب هي العصير.
- مش مهم مين يجيبه المهم تاخديه وتبقى كويسة.
هو لم يكذب أو يتجاهل ولم يتلاعب، ماهر بالفعل غير مهتم بأمر جميلة وما قد تفعل أو لا تفعل وبموقف كهذا كل ما يهمه أن العصير قد حضر لحبيبته ولا يرغب بالتفاصيل.
أعطاها الكأس يقول:
- يالا ياحبيبي اشربي عشان تبقي كويسة.
- حاضر.
= ماهر... ماهر... انت قاعد هنا وسايب الدنيا تضرب تقلب قوم يالا عشان البرزنتيشن.
زم شفتيه بضيق وهو يرى ويسمع عمه الغاضب فقال:
- ماشي ياعمي دقيقة وجاي وراك.
- مش دقيقة يالا دلوقتي حالاً... ايه الي مقعدك مع البت دي ومالك مقعدها في حضنك كده.
- ولو فضلت تزعق كده هقعدها على رجلي في نص الحفلة وخليها تخرب ماتعمر بقا.
- للدرجة دي يا ماهر.
- أنا على اخري يا عمي.... عدي معايا الليلة أحسن.
- ماشي يا ماهر... حسابنا مش هنا.
كاد فاخر أن يتحرك مغادراً بغضب لكنه توقف متخشباً يسمع صوت تلك الفتاة تردد بغنج:
- خاااالووو فااااخر.
التف لها ببطء ليجدها تعطيه نظرة لامعة من عيناها ثم تلتف برأسها لماهر تقول:
- روح معاه يا ماهر انا بقيت كويسه.
- متأكده؟
- متأكده قوم روح يالا.
صك فاخر أسنانه وعادت لونا تبتسم له بكبر منتصرة ليأكله الغضب ويهتف في ماهر:
- أخدت الأذن منها خلاص؟! لا مسيطر... قوم قوم دي شكلها الأيام الجاية هتبقى مقندلة.
تحرك ماهر بالفعل وأول المصدومين كانت لونا.... هي بالفعل غير مصدقة تحاول فقط أن تستوعب... هي تملك سلطة كبيرة جداً على ماهر وهي لا تدري؟!!
فجلست تبتسم شاردة تتذكر ما حدث منذ ساعات قليلة غيرها وبدل تفكيرها ذلك التغيير الجذري.
عودة بالزمن قليلاً.
كانت تجلس في غرفتها حزينة تفكر في مخرج لورطتها وكيف تتخلص من ماهر لتتفاجأ بدقات متواصلة على باب غرفتها ولما فتحتها صعقت وهي ترى من تقف أمامها..... سما .... كيف ومتى ولما؟!
- مش هتدخليني زي ما بترديش عليا ولا إيه؟
- جيتي هنا ازاي؟
- سألت وجيت رنيت الجرس والخدامة فتحت لي وجابتني لأوضتك... هتدخليني ولا أمشي أنا اتمرمط على ما عرفت أوصلك هنا.
لفت لونا وجهها ودلفت للداخل تاركة الباب مفتوح تقول:
- أنا مش بكلمك.
- ليه؟
احتدت عينا لونا وهتفت:
- والله؟! انتي بجد عيلة باردة ومستفزة و واطية وخاينة... أنا كل مرة كنت بحتاجك مش بلاقيكي... أتصل ما ترديش.. سبتيني وخلعتي في عز أزمتي... ده أنا سافرت واتغربت وروحت ورجعت وانتي ولا انتي هنا.
زمّت سما شفتيها تردد:
- صح انتي كان حاصل معاكي كل ده فعلاً وهو هم كبير بس تعالي بقا شوفي أنا كنت بواجه إيه في الفترة دي أنا صحيت في يوم لقيت كل حياتي اللي ببنيها اتهدت... محمود طلع يعرف واحدة عليا ومتجوزها بقاله سنة وأنا نايمة على ودني ولا دريانة واكتشفت بالصدفة ولما واجهته بدل ما يلم الدور بجح وقبح وساب البيت وقطع عنا المصروف وابني الصغير كان لازم يعمل عملية حفيت وراه و ورا أمه عشان يبعت فلوس رافض كأنه بيأدبني كأني أنا اللي كنت أعرف عليه واحد.. وأنا طول الفترة اللي فاتت في محاكم وقعدات بنحاول نوصل لحل ولا نوسط حد عشان نخرج بالمعروف ويديني حتى حقوقي العادية ولا يبعت لعياله فلوس.
كانت لونا مصدومة محبطة وهي تستمع لما مرت به سما وحدها وهي لا تعلم، ظلمتها وهي لا تدري.. ظنتها تتنكر لها بينما سما كانت بهمها غارقة.
حاولت التحدث تبحث معها عن حل:
- طب وشغلك.
تنهدت سما:
- ماهي صحيح المصائب لا تأتي فرادى.. أخت البيه واصلة وخلتهم يمشوني من شغلي.
- ازاي ده انتي بقالك سنين فيه وعاملة شغل حلو قوي.
- مش عارفة يا لونا بجد مش عارفة... سيبك من مشاكلي دلوقتي وقوليلي انتي عاملة إيه ووصلتي لإيه مع ماهر؟
- أقول إيه بس ولا أحكي إيه في اللي انتي فيه ده هو انتي ناقصة.
- ياستي مالكيش دعوة أنا جايه أطمن عليكي طول الفترة اللي فاتت ماعرفتش عنك حاجة.
زجرتها بعيناها تكمل معاتبة:
- انتي بردو قلبك وحش ولما بتزعلي بتقلبيها غم.
ضحكت لونا فتلك حقيقتها بالفعل لتكمل سما ضاحكة متعجبة:
- مين يصدق أن الملامح الكيوت البريئة دي قلبها أسود بلاك لا بتنسى ولا بتسامح.
شهقت لونا تردد مداعبة:
- بس بدي فرص والله..
- لكن أول ما الفرص تخلص... بتبقى سنة سودة.
ضحكت لونا فسألتها سما:
- هاااا... عاملة إيه مع ماهر ومع العيلة دي.
نظرت لونا أرضاً فسألتها:
- هو انتي ليه ما فضحتيهوش قدام عيلته وقولتي أن ابنهم متجوزك أنا لو مكانك كنت هعمل كده ومن بدري.
- خوفت.
- نعم ياختي.
- كانوا هيتوهوني إن أنا اللي غويته مانا سمعتي سبقاني بقا.
- منه لله عمك... بس بردو ما يقولوا عادي.
احتقنت عينا لونا بالدموع واحمر وجهها الذي اخذت تهزه رافضة:
- مش عادي... مش عادي أبداً يا سما... انتي ماتعرفيش أنا بيحصلي إيه لما حد بيقول عليا كده.. كأن خناجر بتقطع في قلبي.
زمت سما شفتيها مشفقة على حال صديقتها لكن تجعد مابين حاجبيها وهي تسمع لونا تكمل بتردد:
- وفي سبب كمان.
- أيه هو؟
- بصراحة... مستنية أجيب آخر ماهر... عشان مابقاش ظلمته زي ما بيقول... مستنياها تيجي منه... مش المفروض أن أنا اللي أقف وأشهر أنا جوازي وأدافع عن نفسي... يعني لما أنا أعمل كده هو كراجل لازمته إيه؟
- مش عارفة أقولك إيه عندك حق في كل كلمة ولو أن وضعك ده صعب بس... صراحة عندك حق و...
كادت أن تكمل حديثها لولا اندلاع صوت صراخ قادم من غرفة أم ماهر وقفت الفتاتان وكل منهما تسأل:
- في إيه؟
- مش عارفة... بس ده صوت طنط مامته ماهر... في إيه؟
خرجوا وكذلك الجميع حينما ازداد ارتفاع الصوت مختلط بصوت آخر يعرفونه مستمر في القول(ايه اللي بتعمليه ده وطي صوتك)
هرولت جنا وكمال وكذلك لونا وسما في ظل غياب ماهر بتحضيرات الحفل وجيلان تحضر نفسها للحفل في أحد صالونات التجميل.
اقتحم كمال الغرفة وكلهم من بعده ليروا عزام هو من الغرفة معها يحاول الاقتراب مستغل أن لا حول لها ولا قوة وهي ما إن فاض بها صرخت:
- ألحقوووني... أبعدوه عنني.
ولم يفطنوا ممن تصرخ ومن ذا الذي تصرخ منه إلا بعدما اقتحموا الغرفة وصعقوا مما فهموه... كانت "نسرين" تبكي بألم وحرقة شعور بالنفور والعجز متملكان منها... اقتربت منها ابنتها تحتضنها مرددة:
- في إيه يا ماما... مالك.
- ابعدوه عني.. ابعدوه عني.
تقدم كمال:
- ممكن تتفضل معايا ياعمي لو سمحت.
ليهتف عزام بغضب بعدما تم فضحه بتلك الصورة أمام الجميع:
- عجبك كده... فرجتي العيال علينا.
- أمشي من وشي بقا... حل عني بقااا.
للحظة شعرت لونا بالخوف وتبدل الأدوار... ماهر هو عزام وعزام هو ماهر وهي لجواره بنفس ضعف نسرين.
حاول كمال أن يتحدث وهو يرى صراخ ودموع زوجة عمه:
- يا عمي لو سمحت سيبها دلوقتي مايصحش كده.
صرخ عزام بغضب ووجه مكشوف لا يبالي سوى برغبته الملحة:
- هي إيه اللي ما يصح يا واد انت هو انت اللي هتعلمني إيه يصح وإيه ما يصح.
هتفت نسرين دامعة:
- امشي واخرج بقااا.
تقدم منها يهتف متملكاً:
- شكلك نسيتي إنك لسه مراتي ووقت ما أعوزك تكوني موجودة.
صدم الجميع من حديثه وأولهم چنا.. لا تستوعب ما فهمته وما يطلبه والدها من أمها العليلة لتهتف فيه:
- هو انت مش اتجوزت راجع لها ليه؟
- اخرسي يا قليلة الأدب... عاجبك كده فرجتي علينا العيال.
- قولت لك سبني... مش عايزاك... حل عني... اعتقني لوجه الله وطلقني.
- مش هطلقك يا نسرين... نجوم السما أقرب لك.
تدخلت چنا من جديد:
- طلقها بقا وأرحمها.
- بترفعي صوتك عليا يا قليلة الأدب.
ورفع كفه كي يصفعها بعنف الا أن يد كمال كانت الأسبق وأوقفته بغضب محذراً:
- عمييييي.
نظر عزام بغضب على يد كمال الغليظة التي أوقفته عنوة يهتف:
- أنت اتجننت يا كمال.
سحب كمال نفس عميق ثم قال:
- بلاش ياعمي... جنا لسه صغيرة ومش حملك... تعالي معايا لو سمحت ماتنساش عندنا حفلة مهمة النهاردة.
بصعوبة تحرك عزام ليس لأنه اقتنع بكلمات كمال بل لأنهم اجتمعوا وفضح مراده وفسدت عليه الليلة التي حلم بها.
خرج مع كمال الذي قال لجنا:
- جنا خليكي هنا مع ماما وأنا هبعت لك حد بعصير ليمون يهديها.
خرجت لونا مع سما خلف كمال يسمعونه هو يقف معه بأخذ الزوايا مردداً:
- في إيه يا عمي... الست تعبانة ونايمة دايماً في سريرها.. مش حملك.
اتسعت عينا كل من لونا وسما وهما يسمعون رده الفج:
- أنا مش محتاج حركتها في حاجة هي عجبتني كده.
- ولما هي عجباك لسه روحت تتجوز غيرها ليه؟
- هي اللي هجرتني... وحرمت نفسها عليا... واصلاً أنا اتجوزت جيلان عشان أمها وأخوها شغالين في مصلحة الضرائب وبيظبطوني لكن لا جيلان ولا غيرها قدروا ينسوني نسرين ولا يوم من أيامها.
- أستغفر الله العظيم... طب يا عمي سيبها تهدى وهاتها لها واحدة واحدة.
- مانا ياما حاولت... مش عاجبها... لحد ما جبت اخري.
اتسعت عينا كمال مما يسمعه وهو يومياً يوضع بموقف أوقح من ما يسبقه مع عائلته غريبة الأطوار.
فيما جذبت سما لونا تسحبها لغرفتها وتغلق الباب مرددة:
- ده ابوه مش كده؟
- هو-هو!!! وبتحلمي تفلتي من ماهر… ده أتاريها وراثة في العيلة… ماهر ده مش هيعتقك حتى لو بقيتي عضم في قفة… أنا رأيي إنك تسلمي.
- لالا... كله إلا كده.
- مش هتعرفي يا لونا… دول شكلهم مش بيسيبوا حد من تحت إيدهم.
اقتربت لونا تجلس على الفراش وتهتف بقهر:
- لا ماتقوليش كده… أنا عايشة على أمل اليوم ده… بصي… أنا خلاص بقيت بشتغل وليا بيت في روما.
- البيت هو اللي جايبه يعني انتي كده تحت إيده.
- كمان تلات شهور مرتبى هيتوقى شوية ساعتها أقدر أجر بيت جديد.
- هيجيبك من شغلك هو يعني تايه عنه.
- هسيبه وأدور على غيره… وهقدم منحة دراسة لو اتوافق عليها هقدر آخد شنجن وأسافر بالقطر لأي دولة جوا أوروبا و أرفع قضية طلاق وأكسبها وأعيش حرة بعيد.
- لونا… اصحي… ماهر ممكن ما يرضاش يسفرك تاني أصلاً.. هو مش عبيط.
- صح… أعمل إيه؟
- جربتي تعملي له البحر طحينة؟
- يعني إيه؟
- هو انتي إزاي مش واخده بالك أن ماهر ممكن يعملك كل اللي انتي عايزاه لو بس غرقتيه في العسل.
- ماهر؟ ده جاحد.
- بس معاكي بيقلب قطة سيامي… طب أقولك… جربي… اقليه يطمن لك ويسفرك تاني.
عادت من شرودها على صوت التصفيق الحار تراه وهو يصعد للمنصة ثم يقف بكياسة وهيبة يحيي الجميع بالإنجليزية.
جعدت مابين حاجبيها وهي تستمع لحديث دائر على طاولة مجاورة من فتيات قد جلسوا عليها للتو حيث قالت إحداهن:
- واو ماهر ده كل ما بشوفه بيبقى أحلى من اللي قبلها … البدلة تجنن عليه.
وصمتت لتتسع عينا لونا فيما أكملت الأخرى:
- قمر ولا شعر صدره.. ياما نفسي أعدهمله. (تعد همله)
همست لونا مدهوشة مما تسمع واكملت ثالثتهن:
- ماتعرفوش مرتبط ولا سنجل.
- أكيد واحد زي ده ألف واحدة رابطة نفسها بيه وبتجري وراه.. أكيد مش فاضي… بس لا بقا… أنا مش ماشية النهاردة إلا ورقمه في إيدي وساعتها هعمل المستحيل عشان نتصاحب.
- رايحة فين يا مجنونة.
- رايحة أحكها معاه.
ضحكوا بصوت صاخب ولونا لجوارهم تتابع الفتاة تراها وهي تقترب بالفعل من المسرح منتظرة نزوله لفتح أي حوار معه فهمست لنفسها متسائلة باستغراب (هو ماهر حلو قوي كده؟!)
تابعته عيناها تراه يتحدث بلباقة وكياسة وعليها أن تعترف (البدلة ستأكل منه قطعة بالفعل) حديثه منمق وجذاب له طلة النجوم وقد أدركت أنه بالفعل نجم مجتمع والكل يعرفه.
رأته وهو يفتتح الحفل بالموسيقى الصاخبة والاغاني ثم ينزل من المنصة وكان بانتظاره رجال وفتيات للسلام عليه وهي تقف بعيداً تطالعه وتتابع.
ماهر حلو؟! معقول؟
- والله كويس … شوفتك صدفة.
رفعت عيناها لتجد طارق يقف أمامها والغضب واضح على ملامحه يكمل بغضب:
- إيه؟! أقولك حمدلله ع السلامة؟
- الله يسلمك.
نطقتها ببرود شديد مما زاد من حدته وغضبه:
- انتي إزاي تسافري من غير ما تقولي لي.
شعرت أنها كانت فرصتها التي انتظرتها وقد واتتها لذا شجعت نفسها ثم ردت بقوة وحسم:
- أنا مين إدالك الحق تتكلم معايا كده… الزم حدودك من فضلك والكلام بينا يكون بحساب.
بهتت ملامح طارق هل هذه لونا؟
- نعم؟ انتي بتقولي لي أنا الكلام ده.
- أيوه… عن إذنك.
همت لتتحرك بسعادة، تود لو ترقص الآن… آآه عالية من الفرحة خرجت منها… لقد تغيرت بالفعل ونجحت في إيقاف أحدهم عند حده شعور لذيذ جعلها تقفز في الهواء مرة ثم مرة… لقد نجحت… بنت شخصية وانخذت رد فعل… قفزت رابعاً وتلك المرة سقطت على أحدهم.
لتشهق برعب وهي تسمع أصوات سحب خزائن مسدسات وأظلمت الدنيا من الحائط البشري الذي صنع دائرة حولها هي ومن سقطت عليه ولم تكن تشعر سوى بجسد على الأرض يحتضنها وأصوات الرجال تردد:
- أمن الوزير، أمن الوزير… يتبع.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سوما العربي
شل الخوف حركتها وشعرت وكأنها هوت في حفرة عميقة. لا تدرك ما حدث بعد، ولا على من سقطت، لكنها على علم تام بأنها الآن في مأزق. وأن هناك يد قوية غليظة تحتضنها الآن، تتمنى لو كانت يد ماهر الذي تكرهه.
لكنها فتحت عينيها لتصطدم بأعين غائرة حادة، غير عيني ماهر. وصوت بدأ يخرج يسب وينهر بغطرسة، لكنه تلجم وانخرس وهو يبصر كل هذا الجمال أمامه، مستشعراً ملمس جسدها الغض بين ذراعيه.
أحياناً الجمال يُفيد. ليس نقمة دوماً، فللجمال سطوة تفتح أبواب لمن يتقن استخدامه فقط. وقد بدأت تفهم ذلك ببطء، وهي ترى تحول حدته ونبرة صوته لأخرى متوولة، لتفطن أن سحر جمالها قد فُعل معه.
لكنها ما زالت خائفة، مرعوبة، خصوصاً من تجمهر رجال عظام الجثة، صانعين دائرة بشرية حولهما. وقد استمعت لصوت شد أجزاء جماعي لأسلحتهم التي صوبت ناحيتها في الحال. وصوت قائدهم يردد:
"أمن الوزير. أمن الوزير."
وزير؟!!
أطبقت عينيها بتعب. هذا ما كان ينقصها فعلاً.
حاولت الوقوف رغم شلل مفاصلها وتسيبها من الرجفة والخوف. لكن الحرس تقدموا ليوقفوا الوزير، متممين على صحته وأنه بحالة جيدة. وما زالت مسدساتهم موجهة ناحية تلك الواقعه أرضاً، غير مهتمين، كل همهم السيطرة على الموقف.
يتحدث القائد بصوت صارم:
"معاليك بخير يافندم؟ في أي حاجة؟"
أسكته بحركة من يده وهو يقول:
"تمام يا قدري، تمام. مافيش حاجة."
ومن مد يده كان الوزير بذاته تجاه تلك الحلوة التي رفعت يديها علامة الاستسلام، تقول بصوت باكي:
"أنا ما عملتش حاجة والله."
كانت مرعوبة، ولم يطمئنها سوى تلك النظرة التي كانت تمقتها وتكرهها سابقاً. نظرة رجل أعجبه أنثى جمالها صارخ. باتت تشم رائحة تلك النظرات من كثرة ما تعرضت لها. هنا فقط عادت لرونقها ولم تعد خائفة.
وابتسمت داخلياً. علمت بأن جمالها قد فُعل سحره وسيُحميها. بدأت تلتمس كم أنه نافع، فقط من كانت بلهاء وقليلة ذكاء وخبرة لم تعرف كيف تستخدمه. شمت نفسها. وكأنها هنا، وبتلك اللحظة اتخذت قراراً غير معلن. هي لن تصبح خاسرة من جديد، لن تصبح لعبة، ولن تظل مفعول به. يجدر بها أن تكون الفاعل، عليها فقط التريس والتعلم.
زادت ثقتها وهي ترى تكون ابتسامة تحولت لضحكة، لكن لم يخف عليها نظرة الذئب الجائع الذي شمل بها جسدها المثير. وحاولت التغاضي عنها. كلهم نفس الرجل.
مدت يدها ليده الممدودة فساعدها كي تقف. ثم قال:
"انتي مين بقا يا حلوة؟"
نظرت حولها لحرسه وهم ما زالوا شاهرين أسلحتهم مصوبة عليها. ثم قالت بخوف:
"وانا هعرف أتكلم وانا تحت تهديد السلاح كده؟"
قهقه عالياً لتكتمل صورته الأرستقراطية، خصوصاً وبأصبعه سيجاره الكوبي ما زال يدخنه. أشار بيده لهم فأنزلوا أسلحتهم فوراً. لينظر لها من جديد يقول:
"همم.. خلاص نزلوا السلاح. ممكن أعرف بقا مين البنت القمورة قوي دي اللي وقعت عليا من السما؟"
لم تكد تخرج صوتها وقد حضر في الحال فاخر. الذي شاهد من بعيد تجمهر حول الوزير، مما يعني وقوع كارثة في حفلته، ووقوع كارثة مع الوزير شخصياً يعني خسارات لا أول لها ولا آخر. وفاخر كلب لمصالحة، لذا ذهب على الفور بقلب مرعوب، ينتوي السيطرة على الموقف وترضية الوزير. وكلما اقترب اتضحت له الرؤية أكثر فزاد رعبه.
المشكلة مع وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية. مشاريعه كلها بخطر. وما إن لمح "لونا" تلك العاهرة الرخيصة حتى فطن بمن سيخرج كل غضبه. سيلقنها درساً قاسياً، ربما برد فعله العنيف هذا قد يهدأ غضب الوزير.
اقتحم الموقف يعتذر بتذلل وخوف:
"في ايه معاليك.. انا بعتذر والله بعتذر.. يارب تقبل اعتذاري.. وانتي يا..."
هم ليوجه حديثه لها يصرخ فيها، يسبها ويهينها. وهي تنظر له مصدومة، تراه يتذلل معتذراً للوزير. وقتها دوى صوت برأسها يخبره (الكبير في الأكبر منه، وكل واحد مهما كان منصبه في حد أكبر منه عايز ينول رضاه).
ولونا كانت قد اتخذت القرار. لن تترك فرصة ولو صغيرة لأي شخص يجرحها فيها أو يهين كرامتها. لذا هتفت تصرخ فيه، تخرس لسانه الذي حاول التطاول. لكن الوزير تداخل يحول بين سبه لها وردها عليه، يقطع كل ذلك وهو يردد:
"بس بس يا فاخر. اهدى... ما حصلش حاجة."
"ازاي بس يا باشا.. بعتذر منك والله بس يعني المهم حضرتك بخير؟ وحصل خير؟"
"أنا هبقى بخير أكتر لو عرفت مين البنوتة القمورة دي. بسألْها من بدري مش عايزة ترد."
التقط فاخر طرف الطعم. (البنوتة القمورة). ضاقت عيناه. هو يشم رائحة المصلحة شَماً. وعلى ما يبدو أن بالقصة مصلحة، لا بل مصالح.
سبحان المعز المذل. حينما تصبح عبداً للمال وللمصلحة فيزيدك الله ذل وهوان وتضيع الهالة والهيبة. فقد تغيرت نبرة صوته على الفور وتحول حرفياً لشخص آخر هي لا تعلمه.
لانت نبرة صوته، لانت لأبعد حد. واقترب منها بعدما رسم ابتسامة عريضة، متلهفة لحجم المنافع التي قد تصب بجعبته إن أحسن استغلال الوضع. ليقول:
"دي لونا بنت أختي."
اتسعت عيناها وشهقت بتفاجئ، وكذلك غضب وسخط. (لونا بنت أختي؟!!!) ألآن فقط باتت والدته شقيقته؟ والدتها الملقبة بالعاهرة الفاجرة الهاربة مع عشيقها؟! من جلبت لهم العار؟! من تنصلوا منها ومن سيرتها؟! هل الآن فقط باتت لونا ابنة شقيقته؟! ألم يدعوها مسبقاً بالفاجرة ابنة الفاجرة؟!
لم تكن تحتاج للكثير كي تفهم. علمت ما بداخلة وما ينويه. وكل ذلك لم يمنع صدمتها واستغرابها من تحول البشر وتغيير المبادئ عند المصلحة. لكن بالأساس فاخر لا مبدأ له. ليس فاخر فحسب، بل تلك العائلة كاملة هكذا.
انتبهت على صوت الوزير يردد بلمعة عين وصوت معجب:
"لونا؟! اسمك لونا؟! أنا أول مرة أسمع بالإسم ده، بس جميل ومميز زيك."
"شكراً.. ده من ذوق حضرتك."
قالتها مبتسمة. فقد التمست بداية طرف الخيط وعرفت من أين تؤكل الكتف.
لكنه قال:
"بس أنا زعلان منك قوي يا فاخر بيه."
أسرع فاخر يسأل بلهث:
"ليه بس يا باشا كفى الله الشر."
"بقى يبقى عندك بنت أخت زي القمر كده ومخبيها عننا.. ينفع؟!"
"وانا أقدر بردو يا باشا... هي بس مش بتخرج كتير ومالهاش في التجمعات والحفلات."
نطقها بسرعة. باتت الرؤية واضحة، ومعه مصالح بالكوم. ليكمل الوزير بعدما التف ينظر للونا مبتسماً:
"ده أنا على كده بقا حظي حلو الليلة دي عشان تقع لي من السما بنت بالجمال والرقة دي.. زي الملائكة بالظبط."
رغم أن حديثه يوترها، لكنها كانت تحاول الابتسام. فمد يده مبادراً بالتعرف:
"أنا فاروق دويدار واتشرفت جداً بيكي يا لونا."
مدت ترد السلام:
"أهلاً بحضرتك... الشرف ليا."
"=طب إيه هنفضل واقفين كده مش نقعد أحسن؟"
قالها فاخر يستغل الفرصة وهو يرى عينا فاروق تأكل لونا أكلاً، يتحين منها أي نظرة أو ردة فعل أو حتى مبادرة منها على حديثه. فمهما كان هو وزير لا يلاقي اهتمامه بلا شيء كما تفعل تلك المغفلة.
ولونا لم تكن مغفلة. بل فطنت على الفور بعد طلب فاخر أنه يجهزها لتصبح صيداً ثميناً، وهذا ما ترفضه تماماً. ليس لكونها نزيهة، ولكن لديها مبدأ. هو غير نزيه، لكنه موجود. وهو قرارها بأنها لن تجعل أي شخص يستفيد منها ويستغلها، خصوصاً لو كان هذا الشخص من عائلة الوراقي. يكفيها استخدام ماهر لجسمها في متعته.
حتى لو كان تعرفها بهذا الوزير قد يعود عليها بالنفع، لكنها لا تريد ذلك النفع لو كان هناك شخص من الوراقيين سيستفيد منه. بل قد تهدم المعبد على رؤوس من فئة أهون عليها من أن يستفيد فاخر منها.
لذا رفعت رأسها بكبر وتحدثت بغطرسة:
"لا. أسفة مش هقدر."
ثم نظرت للوزير تكمل:
"عنئذنك."
تكوّرت قبضة فاخر بغضب، خصوصاً وهو يبصر اتساع أعين الوزير وصدمته الشديدة، وكأنه يسأل (هل رفضته للتو؟!!). وبداخله عقله يصرخ ويشير عليها (أنا عايز البنت دي).
التف فاخر يردد باعتذار وتذلل:
"أنا أسف... أنا أسف جداً يا باشا."
"- إيه اللي حصل من شويه ده؟!"
"- أص.. أصلها.. بتِتكسف و.. هي خجولة جداً... أنا أسف حقيقي أسف."
ليرد الوزير بنبرة تحمل في طياتها الكثير من المعاني:
"لا أنا زعلان.. زعلان جدا يا فاخر."
"- لا طبعاً كله إلا زعل معاليك. أنا هجيبها حالا تعتذر لسيادتك... دقايق وراجع لك يا باشا."
تحرك ورائها على الفور ينوي مساواة وجهها بالأرض، كي تعتبر وتتعلم كيف ترفض له أمراً.
وصل لعندها يقبض على ساعدها بغل:
"انتي شكلك اتجننتي.. مفكرة نفسك مين عشان ترفضي أمر أمرك بيه."
نجحت في نفض يده تأمره هي بدلاً ما كان هو الفاعل:
"شيل ايدك أحسن لك."
"- والله؟!"
"والله. ولا إيه رأيك أجري على فاروق باشا دويدار أعيط له وأقوله إنك بتمد ايدك عليا وبتضربني وأطلب حمايته، وشوف ساعتها ممكن يحصلك إيه؟"
تهللت داخلياً وأبتسمت وهي تبصره قد تراجع خطوة للخلف. يعني نجحت.
تسمعه يردد:
"ده إحنا طلع لنا صوت."
"لا صوت إيه.. لسه ما علتش صوتي وروحت قلت لابن أخوك إن شغال معرّفاتي... وبتظبط مراته لواحد يا راجل يا راجل."
غمزت له بإحدى عينيها تسأله بوقاحة وقلبها يدق رعباً من رد فعله على ما ستقوله:
"شغال الشغلة دي من زمان ولا إيه؟"
بالفعل رفع كفه كي يصفعه بعنف:
"- أه يابنت ال.."
"- أهو ماهر جه. إحنا نحكمه مابينا."
لف خلفه ليبصر تقدم ماهر. الدي نجدها هي ودقات قلبها العالية برعب. فهي ما زالت تختبر قوتها وجرأتها.
تقدم منهم ماهر يردد:
"انتي كنتي فين؟ قلبت عليكي الدنيا."
نظرت نظرة تحدي لفاخر أن يتجرأ وينطق، لكنه لم يستطع لحسابات كثيرة. فاضطر لأن يغادر بسخط وهزيمة، يتركها شامته فيه، فائزة. ليسأل ماهر مستغرباً:
"هو في إيه؟"
"ولا حاجة."
"هو إيه اللي ولا حاجة؟ انتي بقالك شوية مختفية، كنتي فين؟"
"كنت بشوف البوفيه... هو هيفتح إمتى؟ أنا جعانة قوي."
حرك رأسه وهو يضحك بيأس عليها. ثم مسح على معدتها مردداً:
"دي.. دي هتوديكي في داهية دي... ماشية تدوري على البوفيه؟ ليه مجوعك أنا؟"
كانت عيناها متسعة من تصرفه الحميمي. وردت بخوف:
"ماهر."
"يا عيون ماهر."
"الناس يا ماهر."
"ما يولعوا."
رفعت إحدى حاجبيها تسأل:
"طب وجميلة؟"
تنهد بضيق يسأل:
"مالها؟"
"مش خايف على مشاعرها؟ هو إنت صحيح يا ماهر مفضلني عنها؟"
"انتي ليه مش مصدقة؟"
طالت نظرتها على جميلة المندمجة في حديث راقٍ مهذب مع إحدى سيدات المجتمع الراقي. تراها بارزة، نجمة الحفل، ابنة عيلة، والكبير والصغير يبجلها. جمالها متفرد ومتعوب عليه وواضح فيه رائحة المال. هي على عكسها تماماً. لونا تشعر بالغيرة الآن.
فتقدم ماهر منها يسحبها لعنده أكثر مردداً:
"والله العظيم ما قادر أشوف غيرك."
رفع إحدى حاجبيه متوجساً يسألها:
"لونا هو انتي عاملة لي عمل؟"
رمقته بنظرة جانبية كأنها تخبره أنها بالأساس تتمنى التخلص منه. لكنها صمتت. ما ترغب بقوله لن يخدم نواياها. فكرت لثوانٍ ثم همست بدفء:
"على فكرة يا ماهر."
"همم."
"طارق جه وحاول يتكلم معايا."
انتفض بغضب:
"إيه؟"
كان يهم ليتحرك ويذهب يبحث عنه، لكنه أوقفته تردد متصنع القوة والحزم:
"بس أنا ما سكتلوش."
توقف ينظر لها بترقب لتكمل بأعين جرو:
"قلت له ما يصحش يتكلم معايا تاني. أنا دلوقتي ست متجوزة وعلى ذمة راجل."
لمعت عيناه مما سمعه:
"بجد؟"
هزت رأسها وهي تبتسم له. فضمها بقوة يردد:
"طب أكلك دلوقتي ولا أعمل فيكي إيه؟ ها؟! أعمل فيكي إيه؟!"
"تعملي خدمة مش هنساهالك أبداً."
المقابل منه كان الصمت. خاب أمله. ابتلع غصة مؤلمة بحلقه ثم قال:
"خدمة إيه دي بقا؟"
"مش ليا."
"كمان.. عظيم.. لمين بقا؟"
"سما صاحبتي... هي شغالة في برنامج راديو ومتهددة تمشي منه. وانت ممكن تنقذها."
"إزاي؟"
"تعلن عندها في برنامجها. لو دخلت بإعلان شركة معمار كبيرة زيكم كده. المدير مش هيقدر ينطق معاها بحرف."
"- وأنا إيه اللي يخليني أعمل حاجة زي كده وأروح أعلن لمشاريعنا في برنامج راديو ومش مسموع كمان ومالوش جمهور؟ حد قالك عليا؟ حد قالك عليا برمي فلوس في الأرض؟"
"ليه والله دي سما شاطرة قوي. وبعدين دي خدمة إنسانية... هي وأولادها معتمدين على الشغلة دي عشان مصاريفهم بعد ما جوزها اتخلى عنهم."
تنهد، يرفع عينيه للسماء. ثم قال:
"هعمل كده حاضر."
طارت من الفرحة تردد:
"بجد يا ماهر؟"
"بجد يا عيون ماهر… بس…"
ناظرها بمكر. فسألت متوجسة:
"بس إيه؟"
"انتي طبعاً على علم إني مش جنتل مان قوي كده."
"عارفة."
ردت بيقين. فضيق عيناه بغضب لكنه كمل:
"ومش بعمل أي حاجة بدون مقابل."
حاولت التحايل، تستخدم دور الأنثى المتلاعبة الجديد عليها. فاقتربت تتمسح فيه بنعومة تردد:
"بس أنا مراتك؟!"
ضحك وأعطاها نظرة من أسفل عيناه كأنه يسألها (حقاً؟! الآن فقط أصبحتي زوجتي؟!). مما جعلها تحمحم بحرج بعدما فطنت فشل إغوائها. وسألته:
"إيه المقابل؟"
توهجت ملامحه وعلى تنفسه وهو يخبرها:
"نفسي في مرة بمزاجك، تجيلي بمزاجك، انتي اللي تطلبيني، تعملي كل ده بحب مش عشان أنا عايز وانه أمر واقع انتي متعايشة معاه."
رفرفت بأهدابها… معنى كلامه خطير ويحمل بين طياته الكثير. يعني ذلك أنه يعلم بما يدور بخلدها وأنه لا يملك سوى أن يتقبله. لما؟! هل بالفعل لأنه لا يقدر على الابتعاد عنها كما صرح مراراً مسبقاً؟
بالنسبة لها كان طلبه غير مستساغ. هل لا تتقبله؟ لكن لا بأس من بعض التمثيل إن كانت هناك حياة أطفال من مأكل ومسكن معلقة بليلة منها مع من يدعو زوجها وقد تسلى لليالي طويلة عليها. فلا ضرر إذاً من ليلة زيادة.
لذا هزت رأسها على الفور تردد:
"موافقة."
اتسعت عيناه. لم يظن أنها قد توافق بتلك السرعة. يبدو الأمر هام وخطير جداً بالنسبة لها. لذا سارع بالقول طامعاً:
"إمتى؟"
"دلوقتي لو حابب."
أوه…. ستفعلها… لا يكاد يصدق. لكنه طماع، لذا همس بحرارة:
"لا مش دلوقتي وتنامي."
"أمال عايز إيه؟"
"٢٤ ساعة."
"إيه؟"
"زي ما سمعتي يا لونا… دي فرصة ممكن ما تتكررش تاني."
"موافقة يا ماهر."
رقص قلبه فرحاً وكاد أن يقفز من السعادة. لكنه تمالك نفسه بصعوبة وهتف:
"من بكرة الصبح… ٢٤ ساعة."
صمتت تهز رأسها موافقة. ما صار كان بالنسبة لها كارثة بكل المقاييس. ولا تعلم لما دوماً أمامه تصبح خاسرة. معنى طلبه واضطرارها الموافقة عليه أنها كلما أرادت شيئاً كان عليها دفع المقابل.
وسمعته يقول:
"أنا هروح أشوف باقي اللي ورايا عشان أروحك."
تحرك بالفعل كي يعود لها سريعاً. وهي من خلفه تردد بحسرة:
"وأنا اللي كنت فاكرة نفسي بقيت لعّابة وهعرف ألعبْه. أتاريه ماهر فعلاً. وأنا دلوقتي على رأي عادل إمام هشخلل عشان أعدي."
***
وقفت جميلة تتحدث مع إحدى سيدات المجتمع، تضحك وتتهامس. إلى أن تقدم رشيد يقف معهم مردداً:
"مساء الخير."
ردت عليه كل منهما. ثم انسحبت السيدة بلباقة كي تذهب لزوجها. وبقي رشيد مع جميلة يطالع فستانها الأنيق عليها وتسريحة شعرها الروعة بتلك القصة على غرتها. ولم يستطع من حاله من التعبير عن إعجابه الشديد:
"شكلك يجنن النهاردة."
ردت عليه وهي تنظر للمنظمين في الحفل تتابعهم من بعيد كأنها تخبره أن لديها ما هو أهم من رأيه:
"مش النهاردة بس، كل يوم شكلي يجنن."
ابتسم معجباً بزيادة:
"في دي بصراحة… أشهد لك."
رفعت وجهها ذو الملامح الجميلة تطالعه بصمت مترقب لثانية. ثم سألت:
"أمال فين المدام وابنك؟ جاي من غيرهم ليه؟"
رفع إحدى حاجبيه يسألها:
"وانتي ليه عايزاني أجيبهم؟"
ردت عليه برفعة حاجب هي الأخرى. فأكمل:
"ولااااا… عايزة دايماً تشوفي الحاجز موجود عشان ما تتوتريش؟!"
"- أتوتر؟!!"
"- آه."
"- وأتوتر من إيه بقا إن شاء الله؟ انت مصمم تلعبني بس الحقيقة انت بتلعب في ملعب فاضي ولوحدك وبتجيب كمان أجوان في نفسك يا رشيد."
احتقن وجهه بغضب لتهديه ابتسامة مقيتة:
"كان نفسي أقف أسلي لك وقتك الفاضي أكتر من كده. بس زي ما انت شايف وقتي أنا مليان."
كادت أن تتحرك. ليقصف بغضب:
"مليان بمين؟ بماهر مثلاً؟"
التفت نصف التفاته ليكمل:
"ماهر بتاعك طول الحفلة واقف مع مزة صاروخ أرض جو زانقها ومش عاتقها. أنا راجل زيه وبقولك."
غمزها يكمل:
"شكلها تخصه قوي."
رفعت رأسها بكبر، ثم تحركت تاركة له المكان وذهبت تبحث عن ماهر. ليخبروها بأنه قد غادر الحفل مع أسرته.
***
وقف عزام بغضب وفزع يردد:
"فاروق دويدار؟! انت اتجننت يا فاخر؟! بتوقعنا معاه ليه؟"
"- هو أنا؟! دي الزفتة اللي اتلبينا بيها هي اللي وقعت عليه. ومت ساعتها وهو مش على بعضه."
مسح على وجهه بغضب يردد:
"مش بتقع غير واقفة مرة طارق أبو العينين ومرة فاروق دويدار. دي لو قاصدة تأذينا مش هتعمل كده."
"- طارق إيه؟! فاروق دويدار مش مجرد وزير، فاروق ممكن يمحينا أنا وانت وطارق وأهله من على وش الأرض ويخلينا نعلن إفلاسنا الصبح."
"- والعمل؟"
"- تتجوزوا."
"- إزاي؟"
"- هو إيه اللي إزاي؟! دي حتة مصلحة لينا عشان نخلص منها. وبدل ما طارق باصص لها أجوزها أنا جنا بنتي.. والبت دي نستفيد منها بدل ما هي واقفة لنا لقمة في الزور كده."
"- حلو… حل يرضي جميع الأطراف. بس ابنك بوظوا."
"- ابني؟؟ ابني مين؟! ماهر؟!"
"- انت عندك ابن غيره؟!"
"- امممم… واضح إن كل حاجة لازم تتكشف.. طيب… ابنك متجوزها يا عزام."
هب عزام من مكانه يسأل:
"إيه؟!!"
"- ورسمي.. يعني متوثق."
تحرك بغضب ليخرج ويذهب لها ولماهر:
"ده أنا هطربق الدنيا فوق دماغهم."
لحقه فاخر ونجح في إيقافه، حيث قال:
"تفتكر ده هيحل؟! بالعكس إحنا هنعمل من بنها وانت مش عارف حاجة، الموضوع المرة دي محتاج تفكير بالراحة. إحنا مش بنلعب مع أي حد."
"- هنعملها إزاي دي؟"
"- مش عارف… تعرف حد في السجل المدني؟"
اتسعت عينا عزام يسأل شقيقه هل ما فهمه صحيح؟!
***
كانت تقف في المطبخ تغلي كوباً من اللبن، ربما ساعدها على بعض الارتخاء. فنامت لأن التفكير أتعبها.
بعد خدمته لها في صديقتها، لديها طلب جديد.. بالتأكيد سيفعل ما فعل.
سحبت نفساً عميقاً تفكر كيف لها أن تظهر تقبلها له ليوم كامل بل وتصبح مبادرة. الجاحد يريدها أن تطلبه.. لم ترَ قبل ذلك مسبقاً ولن ترى.
كادت أن تنهي صعود السلم لكنها توقفت على رسالة من رقم غير مصري. فتحتها لتصدم.
صاحب العمل غاضب من تأخرها وامتداد إجازتها، يخبرها أنها لديها ثلاثة أيام فقط لتعود من مصر، وإلا ستصبح مرفودة.
مسحت على وجهها وهي تشعر بالمصائب تتكتل فوق كتفها. فهي لا تأتي فرادى. تسأل كيف ستفعلها؟ كيف؟؟ ماهر ليس بساذج مطلقاً.
دلفت غرفتها لتشهق برعب وهي تراه جالساً على سريرها مغطى بغطائها وجذعه العلوي عاري تماماً بيده مشروب دافئ يحتسيه بتلذذ وارتخاء.
لاحظ دخولها ووقوفها فسألها:
"واقفه كده ليه؟"
"إيه اللي واقفه كده ليه؟! انت بتعمل إيه هنا؟"
هز كتفيه برتابة تامة يردد:
"إيه هنام."
"هنا؟!"
"مراتي نايمة هنا، فأكيد مكاني جنبها… خلصي يالا وطفي النور وتعالي عشان اليوم كان طويل قوي وأنا مرهق جداً ومحتاج أنام."
"انت ازاي كده.. بتتكلم عادي كده… وبعدين هو مش انت قلت من بكرة.. ٢٤ ساعة؟"
"أممم.. حصل.. بس ده ما يمنعش إني أشوف اللي يريحني وأعمله. وأنا برتاح جنبك. يالا زي الشاطرة كده هاتي اللبن بتاعك ده وطفي النور وتعالي جنبي."
لم تتحرك بعد. فكرر:
"يالا يا لونا أنا مجهد جداً النهارده.. مش حمل مناهدة."
انصاعت لأمره… ليس لشيء سوى لأن قائمة طلباتها قد زادت.
تقدمت تجلس على السرير لجواره بعدما أطفأت الضوء. فسألها:
"مش هتشربي اللبن؟"
"خلاص مش عايزة."
"كويس بردو."
جذبها ليطبق عليها أحضانه بقوة مردداً:
"تعالي في حضني بقا عشان أعرف أنام."
اعتصرت عينيها بضيق تسأل متى ستصبح حرة. ثم قالت:
"بس أنا مش هعرف أنام كده."
"بكرة تتعودي."
وابتسم حينما تذكر (بكرة) الواعد. فهمس:
"بكرة مش هنقضيه هنا."
"أمال فين؟"
"ده هيبقى تاني أجمل يوم في حياتي. عشان كده هاخدك ونروح شاليه الساحل عشان نبقى لوحدنا."
استرعاها حديثه. فسألته:
"تاني أجمل يوم؟ وايه أول يوم؟"
مرر يده على منحنياتها بتملك ثم قال:
"يوم ما اتجوزتك يا لونا.. يوم ما حسيت إنك خلاص بقيتي ملكي."
عصبه حديثه. ففلت لسانها:
"مش معنى إنك اتجوزتني وبقيت مدام ونايمة في حضنك تبقى ملكتني… الامتلاك مش كده خالص."
خافه حديثها. لذا قال:
"في حاجة صحيح اتفقنا عليها أنا وجدي ونسينا نقولك."
"إيه هي؟"
رد ببرود شديد خانق:
"لا مش حكاية يعني. بس أنا وهو قررنا نعلن جوازنا."
إلى هنا وتوقف بها العالم… الخناق يضيق عليها… اتفقت عليها الجميع… اتسعت عيناها فقط ولم تجد ما قد تنطق به… الوراقي الكبير يصلح خطأه في حق نفسه مع هنيه وليس خطأه في حق هنيه. الوراقي الكبير لا يهمه سوى حماية الوراقي الصغير غير عابئ بأي طرف آخر. وهي من المفترض أنها حفيدته أيضاً… الرجال للرجال ولا يفكرون سوى ببعض. وألمهم هو أعظم ألم من منظورهم ولا شيء غيره.
لا تعرف كيف نامت ليلتها لتجد ماهر يوقظها مع أول خيوط النهار لتبدأ معه رحلة الأربعة وعشرون ساعة الأروع في حياته….
رواية سيطرة ناعمة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سوما العربي
صباح اليوم الكارثي.
وقفت في المطبخ تصنع كوب قهوة، تعلم ماهي مقبلة عليه. بذور الشر بداخلها بدأت تتوحش وتوشي لها بأن تجعله يوم سواد على الجميع.
لكنها مازالت لا تعلم كيف ولا من أين تبدأ. لتدلف بتلك اللحظة جيلان، تناظرها وتناظر الخدم بكبر، ثم ترفع حسها عليهم متأمرة:
"ايه ساعه عشان بتحضروا الفطار."
"احنا في ميعادنا اهو ياهانم، دقايق وكل حاجة تبقى…"
قاطعت صوت الخادمة التي تجرأت في الرد عليها، تصرخ فيها:
"هتردي عليا؟ اتجننتي ولا ايه؟ حالا تكون السفرة جاهزة، فاهمه."
ألقت حديثها بتأفف، ثم خرجت. لتناديها لونا:
"چيييچي."
وقفت جيلان ولم تستدير لها. فتركت لونا القهوة وذهبت هي لعندها، تهمس في أذنها:
"قلبي عندك يا جين، أنا عارفه ان الي حصل يضايق، دي إهانه كبيرة قوي ليكي وبجد بقا انتي ماينفعش تستكتي اكتر من كده."
اتسعت عينا جيلان مما تسمعه، جاهلة. مستنكرة تماماً، تشعر أن خلف حديثها قصة مخفية. وقالت بإستهجان:
"حصل ايه وإهانة ايه؟"
تنهدت لونا بخبث، تزيد من سكب البنزين:
"عندك حق، تبقي في حالة صدمة كدة. وبجد ماكنتش احب ده يحصل، ولو حصل يعني مش الكل يعرف. لكن يا خبر… ده البيت كله اتفرج. هو ليه بيعمل معاكي كده؟ انتي مهما كان بنت ناس."
نجحت في الوصول بـ جيلان لمرحلة الغليان، فسألتها صارخة:
"ماتنطقي تقولي فيه ايه؟"
شهقت لونا:
"يا نهارري، شكلك ماكنتيش عارفه بالي حصل إمبارح. خلاص بقا بلاش أعرفك أحسن."
مثلت الفرار، ثم ضحكت وهي تستشعر تمسك يد جيلان بها، توقفها بغلظة:
"ايه الي حصل ماعرفوش."
هزت لونا رأسها ببراءة، تردد:
"أمري لله هقولك."
ثم اقتربت من أذنها تهمس بإبتسامة شريرة.
بنفس الوقت، خرج ماهر من غرفته، يرتدي كنزة قطنية واسعة بيضاء وبنطلون كتان واسع من نفس اللون، يحمل بيده حقيبة ملابس صغيرة تحمل على الظهر. تزامناً مع خروج چنا من غرفتها، والتي اقتربت منه على الفور تسأل:
"رايح فين يا ابيه وإيه الشنطة دي؟ ثانيه، أنا عارفه اللبس ده مش لبس شغل، انت واخد أجازة؟"
"يوم واحد بس يا چنچونة، قولت أفصل فيه."
"خدني معاك."
"طب وماما."
"ناخذها معانا تغير جو."
حك رأسه بأصبعه، يشعر بالحرج، وقال:
"فكرة هايلة، ننفذها يوم تاني بقا عشان خروج ماما عايز ترتيبات."
"يا أبيه بقاا."
اقترب منها يأخذها بأحضانه. لو عليه لأخذها معه بالفعل، لكن هذا اليوم له هو يوم أحلامه، يشعر بأحقيته فيه. لذا همس:
"هرتبها واخدك انتي وماما ولونا يوم والله."
عضت چنا على شفتيها وهي تخرج من أحضانه، ثم همست بخبث:
"شايفه إسم لونا بقا في كل جملة بتقولها يا أبيه."
حاولت مدارات ضحكته، يقول:
"على فكرة انتي قليلة الأدب."
ضربها على رأسها بخفه، مردداً:
"حتى لو أخدتي بالك بلاش تواجهيني وتحرجيني."
"بتحبها قوي كده يا أبيه؟"
شعر بالحرج ولم يستطع التحدث، لكن رغماً عنه اهتزت رأسه إيجاباً وهو يبتسم بتأكيد عظيم. مما جعل جنا تسأل بخوف:
"طبّ وخطوبتك من جميلة."
"ألغيها خلاص، لازم ألغيها واعلن جوازي من لونا."
أنبته على ذلته حينما شهقت شقيقته مصدومة:
"تعلن؟ قصدك انك متجوزها أصلاً؟!!!!!"
أرتبك وهو يقف أمام شقيقته الصغيرة، التي لا يجب أن تكتشف ما فعله قدوتها مطلقاً. فبدأ يتأتأ:
"لا مش… انا قصدي لماااا…..لما اتجوزها أعلن."
ثم فر هارباً منها، يردد:
"أنا لازم أتحرك دلوقتي."
بثانية تبخر من أمامها، وتركها في بحر من الحيرة. لتتحرك تجاه غرفتها وهي متخبطة، تائهة تفكر. أيعقل وقد يفعلها شقيقها الكبير؟
شهقت بصدمة وهي تشعر إصطدامها بجسد صلب متحجر. رفعت عيناها متأوهه:
"أاااه… مش تفتح يا كمال."
ضربها بخفه على رأسها، يردد:
"أنا بردو؟ وانا اعرف منين اني وانا خارج من أوضتي هيبقى في عيلة صغيرة متوولة."
"أنا عيلة.. شكراً ياسيدي."
قالتها بحنق لذيذ، وهي تنظر له بغضب. وهو عيناه عليها، كان يضحك بالبداية، وبثانية انحرف تفكيره. بالأساس صورتها وهي بتلك الثياب الأنثوية جداً لا تبرح عقله. هو فقط يحاول التهرب منها. من يوم رآها وهي تخرج به، ذلك الرداء الأحمر ذو الحمالات الرفيعه، مفتوح الصدر بسخاء، وقد خرجت مرتعبه وشعرها يتطاير معها. منذ ذلك اليوم وهو بدنيا غير الدنيا. يضبط نفسه أحياناً كثيرة بيومه متذكرها.
لاحظته ينظر لها بلمعة عين مغايرة. عيناه تمر على تفاصيلها، كأنه يراها لأول مرة. يلاحظها.
وقتها تذكرت تلك الليلة وذلك الرداء. توترت وتلعثمت، ولم تحسن سوى التحرك من أمامه مغادرة دون التفوه بحرف. حتى لم تسأله لما لا يجيب عليها. ودلفت لغرفتها تغلقها عليها. أغلقتها بالمفتاح، وكأنه هكذا تحمي نفسها من الانجراف وراء شعور جديد اقتحم عالمها البريء.
وكمال مازال يقف مكانه منصدم، محروج. هز رأسه بجنون يتمتم:
"هي حصلت؟ اتجننت في عقلك؟ و ايه يا كمال."
لم يكد يستفق لنفسه، وإنما فوقه صراخ جيلان التي تنادي بغضب على زوجها:
"عزاااااام."
تزامناً مع خروج ماهر ولونا من البيت، يسحبها خلفه بلهفة، يوجهها للسيارة متسرعاً. يرغب في بدء اليوم من أوله. وهي تبتسم بإتساع. بينما تسمع صوت صراخ جيلان وعزام مع بعضها. فيسأل ماهر بريبة وهو يشعل سيارته:
"هو في ايه؟"
هزت رأسها تقول ببراءة:
"مش عارفه."
كبتت ضحكتها:
"تقريباً بيتكوا بيولع."
"عملتي ايه يخربيتك؟"
"أنا؟! مظلومة والله."
هز رأسه بجنون وهو يضحك، وقد تحرك بسيارته بالفعل. ولم يفكر ولو للحظة بالرجوع ليعرف ماذا يحدث، بل خرج غير مبالي لأمرهما. ولكن ذلك لم يمنعه من أن يقول لها:
"قولي الكلام ده لحد تاني يصدقك، ده انتي داهيه لوحدك يا لونا."
كانت سعيدة لأنها نكدت عليهم ونجحت في إشعال اليوم على رأس عزام، ريثما تعود وتشعله على رأس فاخر. لكنها نظرت لماهر بأعين جرو تدعي البراءة. ليعود ويهز رأسه بجنون منها. ثم يجذبها بغتة بقوة، يزرعها في أحضانه وهو يضغط بيده الحره على جسدها. وهي تضحك، مردداً:
"أعمل فيكي أيه؟ اعمل فيكي إييييييه؟ المشكلة ان ملامحك بريئة!!!"
ضحكت بزيادة، تزيد سعادتها كلما شعرت أنها لم تعد مفعول به فقط، وقد تستطيع أن تصبح فاعل.
بمرور الدقائق، خرجوا من نطاق القاهرة متجه للطريق الصحراوي. تخففت قبضته من عليها. وبدأت يده تتلمسها بحميمية شديدة، يقربها منه ويقبلها.
رفعت عيناها ونظرت له. ابتسمت بصدق، مقررة أخذ أجازه. يوم گ كبسولة منومة، مسكنه، وربما… مُخدرة.
ومن بعدها يعود كل شيء كما كان. لكن لا بأس من يوم بلا خطط أو كره. ذلك هو الحل الوحيد لتمضية اليوم وتحقيق شرطه. كي تفعلها، عليها أن تنسى تاريخها الحافل مع ماهر. عليها التعامل معه اليوم وكأنها تراه لأول مرة.
وحين رفعت رأسها له حينما بدأت تستشعر حميمية لمساته، كانت كأنها تسأل نفسها:
"لو أنا بقابلك النهاردة لأول مرة. ياترى قصتنا كانت هتبقى نفس القصة؟ ولا كنت هقع في حبك من أول نظرة؟"
"مش عارف."
برده عليها فطنت أنها قد تفوهت بما تفكر فيه، وسمعته يكمل:
"أنا نفسي نتقابل من أول وجديد."
"لو رجع بيك الزمن معايا هتعمل نفس الي عملته؟!"
رد بحيرة:
"مش عارف."
رد على نظراتها بنظرة تيه وحيرة، لا يعلم بأي تصرف قد يصدر وقتها فعلاً. لكن يداه مازالت متشبثة بها، تضمها له بتملك قد زاد تزامناً مع تحدثه وانخراط تفكيره بتلك النقطة. جواب جسده واضح، يريدها بأي شكل. لكن هل كانت ستختلف القصة؟
ظل بتلك الدائرة من الحيرة والصمت، يقود السيارة بيد واليد الأخرى تطبع جسدها اللين على جسده الخشن. ورغم تشتت تفكيره فيما أثارته بسؤالها، لكن ذلك لم يمنعه من أن يميل على خدها يقبلها بين الحين والآخر حتى وصلوا.
وقفت أمام البحر بصمت، تغمض عينيها تستشعر الهواء يلفها من كل الجوانب، يعطيها شعور بالراحة والحريه. حرية حررت جزء ما داخلها.
فتحت عينيها مع اختراق رائحة عطره لأنفها، لتعلم أنه اقترب لعندها. لفت له وفاجئته حين رأى بسمتها له. ثم تقدمت خطوتين لتصيبه بالصدمة وهي تحتضنه لها.
أغمض عينيه، يثني جسده عليها كي يتثنى له إحتضانها ويضيع فرق الطول.
حضنها كان عظيم. شعور رائع أهدته إياه وغمرته به. ما يخرج من القلب يخترق القلب. وقد فطن. لونا قررت أخذ أجازة. هو يعرفها جيداً.
همس في أذنها بحنان:
"جوعتي؟"
خرجت من أحضانه وهزت رأسها إيجاباً. فابتسم و كوب وجهها بين كفيه، مردداً:
"تعالي معايا."
سحبها للداخل. اعتقدته سيخرج بها، فسألت:
"رايحين فين؟"
أدخلها معه للمطبخ، يردد:
"هأكل حبيبي بنفسي."
اندهشت وهي تراه يفتح المبرد ويخرج منه صنوف من الطعام ويقطع لها الخضار.
رفعت عيناها له تسأل:
"بتعرف تطبخ؟"
حملها ورفعها تجلس فوق رخام المطبخ، فتصبح بين يديه وقدميه. ثم قرص طابع حسنها يقول:
"مش قوي… بس الأكيد اني بعرف اعمل ساندويتشات حلوه."
رفعت عيناها له، فالتقت عيناهما. مد أصابعه يزيح خصلاتها المتدلية على خدها، يضعها خلف أذنها، وهو يطالع جمالها الرقيق المتدلع بتوله و وله. هو دوماً معجب بها. كلما نظر لها وقع بعشقها. بدأ يقترب منها، وهي مسحورة به تقترب. كل منهما يقترب، حتى التقت شفتيهم بقبلة صريحة عاصفة. قبلة كانت بها راضية. جربها. هو يعلم رفضها ويعلم رضاها. وماهر الأن يطير من الفرحة. أول قبلة من لونا وهي راضيه عنه.
طالت قبلتهم، طالت كثيراً، إلى أن ابتعدت هي. ترفع أناملها تضعها على شفتيها مصدومة. لقد كانت راضيه، وربما مبادرة.
تلاقت عيناهما وطال النظر حيث الحروف بلا جدوى. لحظة ساحرة لفّتهم.
ومضت عيناه بسحر عجيب، وبصوت سخين سأل:
"بتعملي ايه يا مجنونة!!!!"
مشت عيناها على ملامحه، ثم ردت بهمس:
"ببادر."
دغدغت حواسه بنظرتها له، ثم كّملت عليه:
"مش ده كان طلبك؟"
هز رأسه مأخوذ بسحرها، وانفاسه تلاحقت يتحدث بلهث:
"بس … أنتي كده هتخليني مدمن."
إبتسمت بإتساع، ضمته لها تخفي وجهها بأحضانه، لتتسع ضحكتها الماكرة. (تلك كانت خطتها). تغمض عيناها بكبر وغرور، وهي تسمعه يكمل مسلوب الإرادة:
"مدمن لونا."
هو من دمرها. وهو من ستترمم به، حتى لو على حسابه شخصياً.
خرجت من أحضانه تنفضه عنها. فهتف:
"الحالة جت ولا ايه؟"
"أيوه… هو انا كده بحالات وعلى حسب الي ماسك الشفت دلوقتي."
ضحك يعض شفتيه، يتلمس لأول مره شخصيتها الحقيقية حينما تتعامل. يقسم أنه قد وقع بعشق مجنونة. نظر على جسدها الغض الذي مازال بين يديه، ثم مال على وجهها يهمس:
"والي ماسك الشيفت دلوقتي جاي معاه بأيه."
ضربته بخفه على خده، تجيب:
"لا لسه مش جاي معاه بقلة أدب دلوقتي."
اتسعت عيناه وحاول كتم ضحكته، وهي كذلك زمت شفيتها تحاول مدارات ضحكتها، لكنها فشلت. فضحكت وهو ضحك معها.
رفع أصابعه يداعب شعرها معجباً، ثم همس:
"طيب عايزه ايه دلوقتي."
"اكل زي ما وعدتني."
"عيوني لروحي."
"هطلع أغير لحد ما تخلص."
"بس ماتتأخريش عليا."
"حاضر."
قالتها بطواعية مبتسمة. والتفت تغادر، لتنمحي الابتسامة وتتجهم ملامحها. لونا باتت خطيرة.
***
وضع شطائر الطعام على الطاولة وجلس ينتظرها، لكنها تأخرت. تأخرت كثيراً. الوقت بلاها لا يمر.
كانت تنظر لساعة هاتفها، تعد. دقيقة… اثنان.. ثلاثة. ست دقائق مروا. واستمعت لصوت خطواته. كسبت الرهان أسرع مما توقعت. اختفت عنه لدقائق ولم يستطع الانتظار.
وبالفعل تقدم يفتح الباب، ليقف منبهراً، متخشب. علت وتيرة أنفاسه وهو يرى لونا تقف أمام المرآة ترتدي ثوب نسائي شفاف، ترش العطر على جسدها تتجهز له.
التفت تنظر له، تعطيه نظرة كاملة على مفاتنها الظاهرة من الثوب بسخاء. تحارب بضراوة. لو رغبت في قتله ماكانت ستفعل ذلك.
شلت حركته، لأول مرة يرى لونته بهكذا ثياب. فكل مرة يأخذها بالحيلة. رضاها عالم آخر، له طعم آخر. سيدمنه إن ذاقه.
لمعت عيناها بغرور وهي ترى وضوح تأثيرها عليه. كانت هيئتها كما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطرت على قلب بشر. تفتك القلب وتصيب بالجنون، متفننة في إبراز أنوثتها، وهي بالأساس متغنجة ومتدللة.
بدأت الدلوعة تقترب منه بخطى متدلة متمهلة، تسأله:
"واقف ليه؟ ماتقرب."
يبدو أن أحدهم قد أصيب بالخرس. وقع الصدمه عليه كان بالغ، كان أقوى من أن يتحمله.
يزداد غرورها كلما استشعرت وشاهدت بنفسها وضوح تأثيره عليه. اقتربت منه تقول:
"ساكت ليه؟!"
مازال لا يملك رد. هو فقط يأكلها بعيناه. لقد هرم من أجل تلك اللحظة، وظن أن العمر قد ينقضي دون عيشها. عاش راضٍ بحالتهم، يتمنى فقط أن تدوم. لتأتي لونا وتزيد من أحلامه، تفتح عيناه على أن هنالك المزيد، فزادت من طمعه وجشعه فيها.
"ماهر."
همست بحميمية جعلته ينتفض. ارادت قتله، فاقتربت تشب بقدميها لترفع نفسها بعدما وقفت على أطراف أصابعها، ومدت ذراعيها تضعهما على كتفيه كي تحتضنه لها بدلال مثير.
"أهه" عاليه صدرت عنها، وقد باغتها يضمها بجنون، كسر عظامها بين ذراعيه، لتعلم أنها قد تخطت الحدود. هي من أنبتت داخله وحش قد يلتهمها.
وهو بالفعل التهمها. فقد صوابه وتصرف بجنون. ارتمى بها على الفراش دون أن يفصلها عنه. تأوهت صارخة من جديد، تشعر به لا يقبلها بل يلتهمها. هي من فتحت له الباب.
ورغم ذلك ابتسمت. حركاته وتصرفاته لا تصدر سوى من مدمن متلهف على جرعته.
وقت طويل مر عليهما، انتهى بها في أحضانه العارية. جسدها متعرق. نظر عليها يراقبها، ينتظر. هل ستوليه ظهرها ككل مرة؟
لمعت عيناه من جديد وانتعش صدره وهي يراها تتقدم لتتوسد أحضانه. تضم نفسها له. كانت ضعيفة مجهدة بلا خطت تلك اللحظة. ضمت نفسها لحضنه بلا نوايا داخلها. ربما كانت بحاجة لذلك.
رفعت عيناها على صوته:
"نفسي تبقي حامل."
رفعت نفسها تنظر له. كانت صامته. رفعها بالفراش، يعدل جلستها بحضنه. يضمها بجسدها العاري له، ويرفع هاتفه بعدما وردته رسالة.
نظر لها بجانب عينه، ثم قربها منه ووضع الهاتف أمامهما يقول:
"تعالي هوريكي حاجة."
"إيه؟"
ضم الملائة بصدرها لتصبح متكئة على حضنه، وأخبرها:
"فاكرة شركة البرمجة الكبيرة قوي قوي الي كنتي عايزه تشتغلي فيها ولما منعتك اتقمصتي قوي وقولتي عليا…"
كملت عوضاً عنه متأثرة:
"ظالم ومفتري وماتعرفش ربنا."
ضحك بخفه، فهي لم تنس. وكمل وهو يشهر الهاتف أمام عيناها:
"أظن بتعرفي تقري إنجليزي… أقري."
اتسعت عيناها وهي تقرأ المكتوب بخبر عن إلقاء السلطات الإيطالية القبض على شبكة دعارة تابعه لمافيا عالمية متخدة شركة محلية إيطالية كستار لها، وتجذب الفتيات من كل الجنسيات من خلالها.
شهقت بصدمه ثم سألته:
"إزاي؟!!"
"عشان انتي عيلة عبيطة وبتصاحبي اي حد. أساساً البت الأوكرانية الي عرفتيها دي شغاله معاهم، وهي الي بتستلقط لهم البنات وزيها بنات كتير. تروحي تشتغلي، تمضي عقد بشرط جزائي، بعدها فجأة الشركة طالباكم للشغل في فرعها في روسيا، وهناك تنجبري تعملي كل حاجة، يا كده يا تموتي وتتباعي أعضاء. في الحالتين مش هتقفي عليهم بخسارة."
كانت تسمعه برعب. لقد نجت بأعجوبة. كانت ترى العمل بتلك الشركه حلم الله لو تحقق. لو ذهبت للعمل وطلبوا منها التوقيع على عقود بها شرط جزائي، كانت ستوافق بلا تردد.
رفعت عيناها له. قسوته وتملكه منعوا عنها أذى عظيم.
ابتسم بحنان، ثم سألها:
"هممم؟ لسه ظالم ومفتري؟"
ارتمت في أحضانه مرعوبة، لكنها مازالت مصممة، وأكملت:
"وماتعرفش ربنا."
قهقه عالياً وهو يضمها له، يضحك من قلبه كما لم يضحك من قبل.
***
جذب شقيقه للداخل، يغلق الباب بغضب:
"مدير مكتب فاروق دويدار لسه قافل معايا."
"في ايه؟"
"كنت بتصل اجس النبض… بتحجج بأي كلام. ولأول مره اكلمه ومايوصلنيش بيه. الراجل قالب علينا."
"كنت عارف انها مش هتعدي. ده راجل عينه زايغه، وكيفه غريب، يموت في الي ترفضه."
"والعمل؟"
"ماتقلقش، انا اتصرفت خلاص. نص ساعه وموظف السجل المدني هيكون هنا."
***
بينما هما يخططان لما يريدان، كان ماهر بالبحر يضم جسد لونا له، والماء يحمل جسدها بخفه.
يقربها لجسده ويضمها، ثم يعض كتفها، يود أكلها. وهي تضحك مرددة:
"بس وجعتني."
لفها بين ذراعيه في الماء، ينظر لملامحها الناعمة المشعة في الشمس. ثم صرح:
"بموت فيكي."
ضمت نفسها لأحضانه، تستشعر ملمس جسده على جسدها. على ما يبدو أنها بينما كانت تطبخ له السم، تذوقت منه. أم أنها مجرد لحظات تأثر وستنتهي؟ كبسولة مُخدرة كما قالت لنفسها في البداية. وابتعدت عنه تنظر لملامح وجهه وقطرات الماء تنسدل عليه. ابتسمت تُقر. ماهر رجل شكله جميل بالفعل.
لم تراعي مشاعره وصرحت:
"أنت حلو قوي يا ماهر."
اتسعت عيناه، لقد اختل توزانه وتوزان الكون، فقد بللت لونا ريقه أخيراً بكلمة أخبرته فيها أنه جميل.
لم يستطع منع نفسه وانقض عليها يضمها ويقبلها وهو يردد:
"أخيراً… أنا بموت فيكي يا عيون ماهر."
***
جلس يهز قدميه بتوتر. تجارته وامواله ومشاريعه على المحك. كل ذلك بسبب تلك الساقطة. خلفة الندامة.
خسارته الفادحة التي مازال لن ينساها من شدة الضربة وقتها حين هربت أمها وخسرتهم شريك من فطاحلة السوق، لتأتي ابنتها تريد أن تخسرهم المحرك الرئيسي للسوق كله.
دلف عزام لعنده، فأنتفض واقفاً:
"هااا عملت ايه؟"
"عشر دقايق وموظف السجل المدني يكون قدامنا."
"ربنا يستر."
السارق يسرق وهو يطلب التوفيق من الله. عائلة الوراقي للبجاحه عنوان، من كبيرهم لصغيرهم.
بالضبط بعد ربع الساعة كانا جالسان مع رجل طويل القامة رفيع الجسد، يرتدي بنطال من الجينز متهالك وقميص سماوي خفيف، ينظر لهما بترقب متسائلاً:
"أمروني يا باشاوات."
وضع عزام قدم فوق الأخرى، يردد:
"الأمر لله. هو خلفاوي بيه مش مقريك؟"
"قراني… بس الموضوع ده خطر ولو اتكشف فيها رفد."
"ومين بس الي هيكشفوا… وبعدين خدمتنا مش بس فيها فلوس. أنت لو عملت لنا الخدمه دي هتبقى الراجل بتاعنا وهنروق عليك."
"ياباشا انا كده ابقى بعادي. ماهر بيه بردو وهو مش سهل ولا هيسكت."
نظر كل من عزام وفاخر لبعضهما، ليقول عزام:
"لا من الناحية دي ماتقلقش. ماهر عارف وموافق."
"لو موافق يا باشا ماكنتوش اضطريتوا تعملوا كده اصلا."
"يابني افهم… ماهر مسافر، هو احنا نقدر نعمل حاجة زي كده من غيره. وبعدين القصه مش كده. احنا عايزين نخفي من السجلات ان البنت متجوزه اصلا."
هز الرجل رأسه بخوف، فنهره عزام يقول:
"انت لسه هتفكر…. انت مش هتعملي خدمة ببلاش، انا هدفع لك اد كده."
"ياباشا انا صحيح بحب الفلوس، بس بحبها عشان اصرفها مش عشان اتسجن ولا اطلع من شغلي بفضيحه."
"ماحدش هيكتشف الموضوع لان ببساطة ماحدش يقدر يدور ورانا. اعقل يابني واحسبها صح."
ظل الرجل في حيرة من أمره، يوافق ام يرفض. بلأ يهز رأسه دليل إذعان. لينفتح الباب ويدلف لحظتها محمد الوراقي، يردد بغضب:
"ايه الي بيحصل هنا… ايه الي سمعته ده؟"
رواية سيطرة ناعمة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سوما العربي
وقف صالباً طوله بصعوبة، صوته عاضب جهوري يسأل بحده وحسم:
- ايه القطة كلت لسانكم؟ مش بتردوا ليه؟ ايه الي عايزين تعملوه ده؟
التفت عزام يقول للموظف:
- امشي انت دلوقتي لينا كلام تاني بعدين.
هم ليتحرك سريعاً ينفذ الأمر وهو متوتر، لكنه أوقفه صوت محمد الوراقي:
- أستنى عندك.
توقف بارتباك لهتف محذراً:
- أنا بحذرك، وهما كدبوا عليك، ماهر مش عارف ولو عرف هيطير فيها رقبتك، كله الا الشرف، ماهر غشيم ومش بيهزر… خاف على نفسك منه ومني عشان انا مش هسيبك.
= ولا هتقدر تعمل حاجة.
هتف بها فاخر بغضب وتحد كذلك، الصراع بات صراع بقاء لم يعد الأمر كما كان مسبقاً، مجرد رفض لزيجة خان فيها والدتهم، بل والدتهم من الأساس لا تهمهم، الأمر تحول أنا أم الطوفان.
لذا استوحش كل منهما وكشفا عن أنيابهما خصوصاً وقد هدد والدهم الشخص الوحيد القادر على مساعدتهم فوجب عليهم طمأنته.
احتدت عينا محمد يهتف بغضب:
- انت اتجننت ازاي تكلمني كده.
= إتجننت؟!!! مين فينا الي اتجنن واتهطل على كبر يا محمد يا وراقي، مين فينا الي بيسوقنا للهلاك، أصحى… فووووق، فوق بقا من العسل الي انت غرقان فيه ده، احنا هنفلس وبسبب البت الي بليتنا بيها دي.
تدخل عزام يكمل:
- إحنا اصلا لحد دلوقتي وبعد السنين دي كلها لسه بنحاول نفوق من الوقعة الاولانية الي وقعناها لما الفاجرة امها هربت مع عشيقها، وتيجي كمان خلفتها تضيع الراجل الي بيحرك السوق كله، لأ بقاااا، ده انا مش بس اخفي قسيمة الجواز ده انا أمد ايدي واخنقها بنفسي واخلص منها.
اهتز ثبات محمد وهو يرى ذلك الوجه من أبناءه له علانية وهتف:
- انت ازاي بتكلمني كده انت وهو انتو اتجننتوا؟
= أنا مش عايز اتجنن زيادة وبحاول الم نفسي والجمها، فاهدى كده وارحم نفسك، انت بقيت عضمة كبيرة، المفروض تقعد في البيت وترتاح بقا، ايه الي بينزلك الشغل، اقعد في البيت والبس الجلابية احسن لك.
- أحسن لي؟!!! هي حصلت يا ولاد مجيدة؟
= ولاد مجيدة ملجمين نفسهم عنك وبنقول بلاش نعمل حاجة تبوظ سمعة العيلة لكن لو فضلت واقف ضدنا هتضطر تخلينا نتصرف تصرفات مش حلوة.
- ايه؟! هتحجروا عليا مثلاً؟
= أه.
لم يتوقع الرد الصريح فعلى ضغطه وغضبه:
- أه يا قليل الرباية يابن ال…
رفع يده ينتوي صفعه ليوقفه عزام بيد وفاخر بيد أخرى. اتسعت عيناه بذهول… كان بين يداهم… كتفوه… أهانوه في كبره ولم يرحموه.
هما من حارب لأجلهما وضحى ببنته الوحيدة لأجل سمعتهما، أتتها الرد قاسي، هو من فضل واختار.
لم يكتفيا بذلك بل أخذ كل واحد منهما يهزه بيده الغلظة مردداً:
- ايه هتمد ايدك علينا.
= شكلك اتجننت على كبر.
- أحسن لك تسكت وماتتدخلش تاني.
= والا… مش هنرحمك… مش هنرحم أي حد ييجي على سكتنا.. أنت سامع.
لم يتحمل قلبه وسقط بين أيديهم أرضاً.
نظر عزام عليه بزهول وتبادل النظرة مع فاخر الذي قال:
- تلاقيه بيمثل.
بلع عزام رمقه بصعوبة يردد:
- لا لا يا فاخر… أطلب له الأسعاف.
لم يبالي فاخر بما سمعه وأنما التف ينظر لموظف السجل المدني يردد:
- انت عارف لو مانفذتش ال…
قاطعه يردد بلهث:
- هنفذ… هنفذ يا باشوات… هنفذ كل الي تطلبوه.
إن كانوا قد فعلوا ذلك بوالدهم لمجرد اعتراضه فماذا عنه لو اعترض، من سيجابه مثلهم، وافق على الفور، لن يقدر على الرفض وخرج مهرولاً من المكتب فيما ما زال عزام أرضاً يحاول سماع نبض والده وهو يبحث عن هاتفه:
- النبض ضعيف ممكن يروح فيها أنا هطلب له الأسعاف.
تقدم فاخر يجلس على الكرسي ببرود وهو ينظر عليه يقول بترفع:
- اطلب له يا حنين اطلب.
***
كان لا يزال بالماء يضم جسدها له بانسجام، السعادة تلفه من كل الجوانب. لفها ليصبح وجهها لوجهه ثم ردد:
- اه يا شقية طلعتي بتعرفي تعومي وأنا الي كنت فاكر أني هقعد شوية أعلمك.
= نووووو.. بابا معلمني وياما روحنا مصايف في أحلى حتت في مصر وساعات كان بيسرفنا برا في الصيف.
رفع إحدى حاجبيه مردداً:
- أممممم، وأيه كمان بتعرفي تعمليه وأنا لسه مش عارف.
= بعرف أركب خيل.
قهقه عالياً:
- الله… ده انتي بنت عز بقا.
تغيرت ملامحها على الفور وتجهمت ثم سألته بحزن وضيق:
- وأنا مش باين عليا ولا إيه؟
لاحظ تغيرها، هوى قلبه بين قدميه وقد أضحى غير قادر على غضبها عنه، وجد نفسه يرد بلهفة بعدما باتت كيفه:
- لأ طبعاً باين قوي، انتي اتخلقتي عشان تبقي هانم.
لفت نفسها واتكأت على جسده يرفعها الماء وقالت بصوت متحشرج حزين:
- بابا كان دايماً يقول عليا كده، كان دايماً يقول عليا برنسيسة واتخلقت عشان أبقى أميرة والكل يخدمني، كان بيقول كده دايماً صبح وليل زي ما يكون بيحفظني لدرجة أني حفظت وصدقت.
ابتسمت بحنين تكمل كلام خشب جسده:
- كان دايماً بيقول إنه مش هيجوزني كده بالساهل لأي حد، مش هيرضى لي بأقل من أمير، سفير، أو وزير.
كلامها أثار غيرته ولفها تنظر له يردد:
- بس انتي اتجوزتيني أنا خلاص، وأنا مش سفير ولا أمير ولا وزير.
رمشت بأهدابها، تشعر بيداه تعصر خصرها من شدة الضغط بتملك. ماهر غيرته نار ومراجل.
شدد عليها بعنف يردد:
- بس أنا ماهر الوراقي مش أي حد.
مال على أذنها يهمس:
- وانتي خلاص مراتي. بتاعتي.
ابتعد عن أذنها ونظر بعيناها يخبرها:
- وهتفضلي بتاعتي يا لونا.. فاهمه يا عيون ماهر؟!
أيعتبر حديثه تهديد؟! أم غزل؟! علاقتهم معقدة ومتداخلة… وهي تعبت من التفسير.
حاولت الإبتسام وقالت:
- فاهمه.
لم يقتنع واقترب منها يقتنص شفتيها بقبلة متملكة يخبرها كيف أنها ملكه.
ابتعد عنها بصعوبة يلهث يضع جبينه على جبينها وهو مازال يضمها له مردداً:
- أنا روحي فيكي، لو فكرتي بتعدي عني هبهدل الدنيا، وهقلبها حرب، وفي الحرب كل شيء مشروع، الصح والغلط، فاهمه يا لونا.
ابتعدت عنه تهتف بضيق:
- أنت ليه كل شوية تهددني.
= مش بهددك، أنا بعرفك الوضع الي بقيتي فيه، الوراقين مش بيسيبوا حاجة بتاعتهم.
قربها منه عنوة يلصقها فيه، يريها تملكه مجدداً، تأوهت متألمة من ضغطه على ذراعها، ملامحه كانت قاسية من مجرد الفكرة وهي التي كانت بأحضانة منذ قليل، مع الخوض في سيرة البعد يتحول كلياً، يستحيل لشخص بوهيمي متخلف ومتوحش.
نظرت لعيناه ترى القسوة والضعف والاحتياج ممتزجان في نظرة، زادت ثقتها ورغم خوفها رفعت كفها تمشيه على خده فيغمض عيناه بتوله وهي تردد بليونة:
- للدرجة دي متعلق بيا وماتقدرش تبعد عني؟!
هز رأسه بلهفة مؤكداً فابتسمت تسأله:
- من أمتى؟
= من اول مرة شوفتك فيها.
تجعدت جبهتها مستغربة:
- ازاي؟! ماكنش شكلك بيقول كده خالص، بالعكس.
= مين ممكن يشوف لونا ومايقعش في حبها، مين يقدر يقاومك، بس الكلام اللي كان واصلني عنك كان قافلني منك.
- وايه الي غير كل ده؟
أسبل جفناه بسحر يبتسم، يتذكر:
- ماكنتش بقدر أشيل عيوني من عليكي، لاقيت أني مراقبك طول الوقت، كان ممكن تبقي قاعدة في الجنينة او واقفه في المطبخ وأنا مراقبك.
اهتزت رأسها ببطء وجهل، غير متذكرة أن ما يشبه ذلك قد حدث ليؤكد حديثه:
- بأمارة عشقك ساندويتشات النوتيلا بالموز في العيش العادي.
رمشت أجفانها، هي لم تلاحظه، لكنه هز رأسه يبتسم بحزن لم تلاحظه وللأن كذلك لم تلاحظه وهو….. يشفعهااااااا.
تغاضى عن تلك النقطة وعاد لموضوعه الأساسي وما يهمه أكثر:
- لو فكرتي تبعدي عني يا لونا أو انك تسبيني ….. هزعلك.
قال الأخير وهو يهز رأسه بتأكيد وتصميم.
وكمل:
- هتزعلي وهتخلي شكل علاقتنا وحش.
ناظرته بعينها ليبتسم بسماجة:
- مانا كده كده هرجعك ومش هتعرفي تفلتي مني بس مجرد فكرة الغدر هتخليني أتحول عليكي والوضع هيبقى مش ظريف، فليه بقا من الأول وخليكي حلوة وأرضي بالأمر الواقع.
= الله على رومانسيتك يا ماهر… جايبني البحر ولوحدنا عشان تهددني، انت شايفني هبلة يعني؟ هو أنا أدك.
لفها بعيناه ثم قال:
- أنا بفكرك بس.
التفت تعوم في الماء تستند بجسدها على ظهره وهي تقول:
- يا ماهر أنا اتقرصت واتعلمت خلاص، أنا جنبك ولا حاجة ولازم أسمع كلام جوزي خلي الأيام تعدي حلوة.
= برافو عليكي.
- يالا بقا خدني وديني عند البرميل الي هناك ده.
كادت أن تسبح ليتبعها لكنه أوقفها ولفها لعنده مردداً:
- براميل إيه؟ يالا نطلع بقا انتي وحشتيني.
= بس أنا…
- مابسش بقولك وحشيينيي..
نظر على جسدها العاري يردد:
- وبعدين أكتر من كده تبوشي مني انتي ماطلعتيش من المية من ساعة ما صحينا.
= بحبها.
ضرب مؤخرتها بغتة يقول:
- كفايه، إيه! متجوز سمكة بلطية!!
ضحكت بدلال ليحذرها:
- بت.. مش هنا، أنا ماسك نفسي عنك بالعافية… يالا ندخل جوا بسرعة.
حملها في الماء وخرج بها تسحرها تلك اللحظة، تشعر بقوته المفرطة وهو يحملها مع علمها أن وزنها ليس بخفيف مطلقاً، نظرة انبهار أعطتها له كانت أكفل عنده من قول أحبك.
تعلقت في رقبته وهي مبتلة ولم يستطع المقاومة، وجدته يميل عليها يقتنص شفتيها يبتلعهم مقبلاً، سحر اللحظة أكتنفها جعلها تطبق على رقبتها وتتجاوب معه بصورة لاهبة وأججت نيرانه، لم يصبر كي يصعد لبلوغ حجرتهم بل ألقاها على الأريكة ليلتهمها..
دق هاتفه المحمول برقم والده، لم يقدر، نظر مرة للهاتف ومرة للجميلة الملقاة على الأريكة بإغواء ونظرة ناعسة تقضم طرف إصبعها بأسنانها، تنتظره تفتح له جنتها؛ فلم يقدر إنها تذلذله، ضغط مطولاً على زر جانبي للهاتف ورماه يلقيه في أي مكان، وانضم لجسد جميلته يتنعم بها، يحاول إخماد نيرانه التي تشعلها فيه ولا يشبع أبداً.
***
وقفا على أعتاب غرفة العناية المركزة في المستشفى ينتظرون خروج الطبيب ببرود، نظر فاخر لشقيقه ثم قال:
- ماتشوف ماهر فين خلينا نعرف هنقوله إيه.
رد عليه عزام ببرود:
- كلمته مش بيرد.
- الخدامة بتقول كان واخد الزفتة دي وخرج بيها ومن ساعتها مارجعوش.
- البت كلت عقله.
- هتجيبه من برا؟ ده سلسال، مش فاكر أمها عملت إيه في “مختار الكيلاني” لما شافها؟! من مرة واحدة وجننته، ده كان موافق يدينها تسهيلات هتقف عليه بخسارة لمدة أربع سنين قدام بس عشان نجوزهاله وهو أصلاً بخيل وكلب جنيه، ولا أم أمها اللي شيبت محمد الوراقي اللي كان معروف عنه أنه مصلحنجي ووصولي وبيعبد القرش، ومش عايز بنتهم تعمل كده في ماهر… ده محمد الوراقي ماكنش زي ماهر كمان أبوك طول عمره قلبه حجر ما بالك بقا بماهر ابن نسرين.
- فااااخر.
حذره عزام بغضب… نسرين هي حدود عزام الغير مستباحة لغيره، لكن فاخر ردد:
- قولتلك بلاش تسيبه كتير لامه… أهو شرب منها.
احتدت عينا فاخر والتف له يهدر بغضب:
- قصدك إيه؟
= قصدي إيه؟! هي لو ما كانتش خايبة وقلبها خفيف كانت بصت لك يا عزام؟؟ هنمثل على بعض؟
تضايق عزام من تلميح شقيقه لكنه رد:
- عندك حق، ما أنا وأنت مانتخيرش عن بعض.
= مالنا ما احنا زي الفل اهو.. كلم ابنك شوفوا فين واظبطه بقا… فتح عينه على المصلحة، عايزينه يرجع ماهر بتاع زمان، ده كان باع السوق كله في كرشه.
- إتصلت رن مرة وبعدها الموبايل اتقفل وبعدين قبل ما نفكر نكلمه يرجع فكر هنقوله إيه…
= الله…. قابل يا معلم… كمال جه.
- أنا مش عارف العيال دي طالعة كده لمين… شوفت بقا هتقولوا إيه؟
تقدم كمال مهرولاً تزامناً مع خروج الطبيب من غرفة الفحص لتكن المبادرة من كمال المتلهف:
- خير يا دكتور في إيه؟!
تنهد الطبيب بضيق ثم سأل:
- البقاء لله.
اتسعت عيناهم وبقوا محدقين ببعض كل منهم صدمته غير الآخر.
- إتصل بماهر.. كلمه ييجي حالاً.
- كلمته طول ما أنا جاي في الطريق تليفونه مغلق.
- والعمل، هو ده وقته.
حاول كمال منع نفسه عن البكاء وقال بتماسك واهي:
- أنا هروح أخرج تصريح الدفن واخلص كل الإجراءات وانتو حاولوا توصلوا لماهر، بلاش نضيع وقت.
ليتقدم فاخر وهو يربط على كتف ابنه ببكاء:
- عين العقل، عين العقل يا حبيبي، إكرام الميت دفنه.
تقدم كمال يدخل لغرفة جده وقال لعمّه ووالده:
- هدخل أشوفه.
= أدخل انت يا حبيبي إحنا مش هنقدر نشوفه وهو كده مش هنقدر.
***
ابتعد عنها بصعوبة، التحامه بها التحام لا إرادي هو لا يستطيع السيطرة على جسده وفصله عنها إلا بقوة وصعوبة، ولولا الخوف من إرهاقها ما ابتعد. لونا تجذبه بقوة أكبر حتى من القوة المغناطيسية، قبلها بعمق يمسح العرق المتصبب على وجهها وصدرها مردداً:
- يخربيتك مش عارف أبعد عنك… إنتي تجنني.
كلامه صادق، خارج من أعماق قلبه أيضاً. وما يقوله يكسبها ثقة لا متناهية جديدة عليها، يصيبها بالغرور، هيئته وهو يحاول أبعاد جسدها عنه كي يستطيع الانفصال وتلذذها لرشده من شدة ماهي مهيمنة عليه تعطيها تصديقاً قوياً على تأثيرها لأنها لم تكن تعلم مداه، فتح عيناها على أشياء وصفات بنفسها لم تكن تعلمها.
كل ذلك كان يزيدها غرور، يكسبها نظرة دلال وترفع جديدة عليها وربما تأخرت حتى عرفتها، كان يحق لها أن تعي ذلك مبكراً.
رمشت بأهدابها بكبر وغرور، باتت ذات ثقة عظيمة بنفسها… ودعت خصلة من شعرها بأصابعها بدلال تنظر له بنظرة ممتزج فيها الإغراء والكبر والغنج ولا مانع من بصيص سعادة.
قربها لأحضانه يمرمغها في جسده يتفوه حالماً:
- ياريت لو مانخرجش من هنا.
ابتسمت له بصمت، بات كلامها قليل.. لكن بسمتها الصافية كانت كافية، موحية أنها تؤيده رأيه لكنها لازالت تحت سحر وقتهما الحميمي.
قرص خدها بنعومة:
- بموت فيكي.
زادت ابتسامتها فضمها له يردد:
- اعملي حسابك لما نرجع هنبدأ في إجراءات إعلان جوازنا… أنا متفق مع جدي على كل حاجة.
= بس… أنا مابقتش عايزة أعيش هنا.. انت وعدتني… أنا عايزة أرجع روما.
هز رأسه رافضاً:
- أنهي عقل ده اللي يقول أبقى أنا هنا ومراتي في روما.
اعتدلت تبتعد عنه بضيق تردد:
- بس انت وعدتني.
رد وقد جن جنونه بها:
- لونا أنا مابقدرش أقعد من غيرك.
نظر لها برفض فتحايلت عليه:
- عشان خاطري طب حتى لحد ما عقد البيت يخلص.
زفر بضيق ثم قال:
- ماشي يا لونا عشان أبقى نفذت وعدي ليكي بس، نعلن جوازنا وتسافري وبعد كده لينا كلام تاني… ممكن ترجعي لحضني بقا.
ابتسمت تعود لأحضانه، عيناها يملؤها الثقة، كأنها تخبره وهي تبتسم حسناً سأؤمن عليك وأعود… وقد فعلت.
ضمها له يقول:
- على فكرة.
= همم.
- أنا بعت للراديو اللي صاحبتك شغالة فيه وعملت عقد إعلانات لينا في برنامجها لمدة سنتين.
رفعت أنظارها له متفاجئة فقد نفذ دون أن تعاود الطلب لكنه صدمها زيادة حين قال:
- من قبل ما نيجي هنا أصلاً.
ضمها بذراعه الغليظ يحتويها مردداً، انتي مراتي، أنا مش بقايضك، بس كان هيجوالي حاجة لو ما كنتش جربت الإحساس ده معاكي.
قالها ثم دفن نفسه في أحضانها وقد اتسعت عيناها من كلامه وهيئته وهو يقوله.
هنا تأكدت كم (دانت لها السيطرة)، كيف وصلت بماهر الوراقي لأن يصبح هكذا بين يديها.
***
- نزل نعي في كل مكان، عايزين جنازة مصر كلها تحكي عنها، محمود العربي مش أجدع من أبونا.
رد فاخر على شقيقها وقال:
- محمود العربي كان راجل خّير وطوب الأرض بيحبه، اسكت، يارب نلاقي عدد كويس وخلاص مش عايزين نقول كلام مايصحش، أذكروا محاسن موتاكم.
نظر عزام لشقيقه بغضب ثم قال:
- كمال خلص؟
= اه بعت لي كل الأوراق اللازمة وراح يكمل الباقي.
وردت رسالة لعزام، نظر لهاتفه ثم نظر لشقيقه وابتسم يقول:
- حصل.
زغللت عينا فاخر بنصر عظيم وسأل بلهث كلب:
- بجد؟
أكد له عزام:
- موظف السجل لسه باعت لي الأوكي… مافيش في سجلات الحكومة قسيمة جواز باسم لونا ولا اسم ماهر.
= بس .. افرض ماهر معاه نسخة أصلاً.
غمز له عزام مبتسماً يشكر الظروف:
- تؤ…. ما كنتش لحقت لسه تطلع من المحكمة ويستلموها.. كله تحت السيطرة.
= فاضل بس لما ماهر يعرف…
- هيعمل شوية هوليلة وبعدها نحاول نهديه، ده الأحسن واللي عمله كان غلطة.
= ماتنساش جده اللي كنت بهدده بيه خلاص.
- ماهر عاقل وعارف المصلحة فين، هيسمع الكلام بقولك.
= ربنا يستر… ولسه لما يعرف إن جده مات.. انتو وصلتوا له ولا لسه؟
- البيه واخد الحتة بتاعته وطلع بيها شاليه الساحل، كمال عرف وبعت له مع واحد من الأمن هناك عشان نقدر نوصله، البيه بينهم عامل شهر عسل.
***
فتح أكياس الطعام يرتبها ويخرج الملاعق يضعها على السفرة بينما يناديها:
- يالا يا حبيبي الأكل هيبرد.
خرجت عليه بمنامة صيفية بيتية قصيرة ذات “شورت قصير جداً” قد يصيبه بسكتة قلبية؛ انخلعت عيناه عليها وهي تخرج من إحدى الغرف مرددة بصوتها المتدلع:
- جيت خلاص.
تقدمت لتجلس بجواره لكنه سحبها لعنده بلهفة وأنفاسه سخينة:
- رايحة فين؟
= هقعد.
نطقتها تبتسم بكبر ليقول وهو يجذبها لتجلس على قدميه:
- تقعدي هنا يا روحي.
نظرت داخل عيناه بعمق تبتسم وهو لا يستطيع زحزحة عيناه عنها يقضم اللحم بأسنانه وهو ينظر لها.. مالت عليه بقطعة اللحم بين شفتيها تطعمه بها، إنها مقدمة على قتله بالإغواء، طامعة بالمزيد لا يكفيها نقطة الهوس التي وصل لها على يدها ترغب في الأبعد.
وماهر المسكين على وشك الإصابة بسكتة قلبية من شدة ما أغدقته فيه، رضاها جنة ونفورها جحيم، لقد ذاق ذاك وذلك وعلم طعم الإثنين.
كان منغمساً بطعم شفتيها المحمل بالطعام يتناوله معها، غير مصدق ماتفعله معه لونا وما بادرت على إعطائه رغم علمها بأنه قد نفذ طلبها، ورغم ذلك مازالت مستمرة في المبادرة، فهم عقله بأنها راغبة وراضية.
طار من الفرح، إنها أسعد أيام حياته.
دق الباب فرفعها عن أحضانه يقول:
- إيه ده؟ مين هييجي دلوقتي، استني ثواني و جاي.
ذهب ليفتح الباب وهنا تلقى الخبر الصدمة.
عاد بها للقاهرة على الفور حيث تمت مراسم الدفن ومن بعده أيام العزاء.
وقف في ثالث يوم للعزاء يتقدم صف الصف يتلقى العزاء في جده، المعظم حضر لأجل ماهر وعلاقته معهم، لو على فاخر وعزام ما كان سيحضر مئة شخص حتى.
مال فاخر على أذن شقيقه يهمس:
- فاروق دويدار ما جاش، بس بعت مدير مكتبه.
= كويس نص العمى ولا العمى كله، يومين كده ونروح له.
- كلم المحامي يخلص إجراءات الميراث.
= كلمته… بيجاي بكره.
نظرا لبعض باستغراب وتوجس يفكران لما قد يحضر المحامي لعندهم.
فيما جلست سما بجوار لونا تعزيها:
- البقاء لله يا حبيتي.
= ونعم بالله.
- لونا.. أنا مديري كلمني وبيقول في شركة كبيرة بتاعت عقارات عملت إعلان في البرنامج بتاعي ولما سألت عرفت إنها بتاعت أخوالك… انتي اللي قولتي لماهر يعمل كده مش كده؟
تهربت لونا في الحديث لا تريد إحراجها فقالت:
- مش وقته يا سما.. المهم إنه خير وتكون أمورك اتظبطت.
= يعني هو ماهر ده طيب؟ هتكملي معاه.
أسبلت جفناها بتعب ثم قالت:
- مش عارفه، بس هو بقى بيسمع كلامي أو بمعنى أصح بقيت بعرف إزاي أخليه يسمع كلامي، هو أحسن من غيره وبينه كده بيحبني، بفكر أسلم أمري لله وخلاص، إيه رأيك؟
= مش عارفه، بس شكلك موافقة، يبقى خير وبعدين من الآخر بقا كلهم واحد، لو ليكي دلال عليه وبيعملك اللي انتي عايزاه يبقى أحسن من غيره فعلاً.
زمت لونا شفتيها بحيرة ثم قالت:
- هسلم أمري لله وخلاص، وماهر شكله طيب.
صمتت ثواني ثم قالت:
- بس بردو لازم آخد منه فلوسي ويجيب لي بيتي من عمي.
= عين العقل.. أقلها عشان تبدأو على مية بيضا.
صباح اليوم التالي اجتمع الكل في غرفة المكتب وحضر المحامي ليقول عزام:
- خير يا متر… أنا طلبت منك إعلام وراثة كنت المفروض تمشي في الإجراءات بدل ما تطلب تقابلنا.
ليجيب المحامي:
- ما طالما في وصية يبقى مش هنحتاج إعلام وراثة.
- إيه؟ وصية؟
= أيوه… فين الأستاذة لونا؟
تعصب ماهر وسأل بحدة:
- لونا؟! عايزها في إيه؟
مال عزام على شقيقه يقول:
- انت مش مأكدلي إنه ما كتبش حاجة باسم البت دي.
= أيوه أنا متأكد حبيبي في الشهر العقاري كتير ولو في أي ورقة باسم أبوك جدت كانوا بلغوني.
- أمال في إيه؟!!
انتبهوا على صوت المحامي يقول:
- ياريت أستاذة لونا تحضر فتح الوصية وإلا مش هنقدر نبدأ.
نادوا على لونا التي تقدمت بترقب تجلس وسطهم ليفتح المحامي الوصية وسكت حديثه كالصاعقة على الجميع حيث قال:
- السيد محمد الوراقي وزع كل تركته بين أحفاده فقط بنات فاخر اللي بيتعملوا برا يتحفظ فلوسهم في سبايك دهب لحين بلوغهم سن الـ ٢١، نصيب چنا عزام الوراقي يبقى مع كمال فاخر الوراقي وتستلم ورثها منه بعد زواجها منه، والباقي من التركة الموزع بين ماهر ولونا يروح إدارته كلها تحت تصرف لونا.
انتفضوا جميعاً بصدمة، حديث لا يصدر سوى عن مختل، بالتأكيد مختل وهم لن يقبلوا بذلك…..
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سوما العربي
انتفض كل من فاخر وعزام بصدمة يهتفون:
- نعم يا روح أمك؟ شكلك بتهذي على الصبح.
احتدم عليه المحامي يشهر سبابته بيده مردداً:
- لو سمحتم تلتزموا حدود الأدب، أنا لحد دلوقتي مراعي العِشرة والعيش والملح، لكن أي تجاوز مش مسموح بيه. وياريت تتفضلوا تقعدوا، ماحدش يقاطعني عشان أكمل.
صرخ فيه عزام بغل:
- تكمل؟ تكمل إيه؟ ههه، هو لسه فيه كمالة؟
- أيوه فيه.
نظر عزام لابنه الساكن تماماً وهتف:
- سكت ليه؟ مش سامعه بيقول إيه؟
سحب ماهر نفس طويل بعمق ثم اعتدل في جلسته وقال بصوت مثقل مهموم:
- سامع، اقعد يا بابا لو سمحت.
حانت منه نظرة على لونا ثم زم شفتيه وتنهد وهو يعاود النظر لوالده وعمه يقول لهما:
- لو سمحتوا تقعدوا، كمل يا متر.
لم يجلس أي من عزام أو فاخر، فزفر ماهر بقلة حيلة ونظر للمحامي يردد:
- كمل يا أستاذ عبد الهادي.
كمل الأستاذ عبد الهادي يقول:
- والباقي من التركة الموزع بين ماهر ولونا تروح إدارته كلها تحت تصرف لونا وماهر عزام الوراقي مادامت على ذمته، بحيث تصبح الأموال والأصول باسمهم، لكن الإدارة الرسمية لماهر من حيث إتمام أي صفقة أو إجراء مالي أو توقيع عقود أو شراكات جديدة. وفي حال رغبة لونا الانفصال عن ماهر، فيُعد ذلك إقراراً منها بالتنازل حتى عن ميراثها الشرعي.
نظرت لونا لماهر الذي حانت منه ابتسامة جانبية. حاول مجاهدتها مراعياً الظروف والموقف… لكنه أعطاها نظرة متملكة طويلة فيها الكثير من الثقة. فقد ربط بينهما الجد بذكاء إلى المالانهاية.
لم يستطع مجاهدة بسمته فقد غلبته وبانت عليه وهو يردد بصوت مسموع:
- الله يرحمك يا جدي.
ليصرخ والده:
- يرحمه؟ بيطلعني من المولد بلا حمص ويرحمه! اللهي يجحمه مطرح ماهو راقد.
انتفض ماهر بغضب:
- بابا!
صرخ فيه فاخر:
- أبوك عنده حق، دي مش وصية… دي عقاب. يبقى من ماله ولا يهنى له! الباشا بيعاقبنا عايش وميت!
هنا تدخلت جنا، يبدو أنها للتو استفاقت تردد:
- معلش بس أنا سمعت اسمي جه في الوصية. مش عارفة سهواً ولا عمداً، بس كان جاي مع اسم كمال؟ كان فيه حاجة إن شاء الله؟
نظرت لشقيقها الذي تنهد، زم شفتيه بضيق ولا يملك رداً أو مبرراً وقال:
- اهدوا يا جنا.
- ماشي، ههدى، ههدى خالص. إيه بقى؟ هااه؟ إيه؟
فرد كمال بثقة:
- بيقول إن ورثك معايا وإنك لازم تتجوزيني.
- لا مش لازم. مين اللي ألزمه؟
نظرت للمحامي ترجوه متسائلة:
- وبعدين هو مش حاطط شروط ليه؟ ماهو حط لماهر ولونا شروط.
فقال المحامي:
- اهدوا يا آنسة. الوصية واضحة، ورثك مع أستاذ كمال تاخديه لما تتجوزيه.
- وبس؟
سأل ماهر ليجيب الأستاذ عبد الهادي:
- أيوه.
- تمام.
حدق كمال بحنق شديد بينما جنا انتفضت تردد:
- هو إيه اللي تمام؟ لااااا، اللي في بالك ده مش هيحصل أبداً.
- اهدوا يا جنا، إحنا كلنا لسه بنسمع وكلنا متفاجئين وبنحاول ندرس الوضع. فاهدوا.
- أنت هتلاقي لي حل مش كده؟
رمقها كمال بضيق شديد وقد أصابته بسهم غير معلوم التسمية، ثم نظر لماهر الذي بادله النظرة بأخرى.
***
جلست تتابع عملها بتركيز شديد لتنتبه على صوت والدتها تدخل عليها غرفتها تردد بضيق:
- هو الشغل اتنقل البيت كمان؟ جرى إيه يا جميلة مش كده يابنتي.
تنهدت جميلة تقول:
- فيه إيه بس يا ماما؟ إيه المشكلة؟
تقدمت الأم تجلس لجوارها على الفراش تردد:
- المشكلة إنك مش واخده بالك، لا من نفسك ولا من صحتك ولا حتى من حياتك.
- كل ده ومش واخده بالي من حياتي؟ ده أنا مش مركزة غير فيها وفي شغلي عشان يكبر وأنجح.
- مركزة في شغلك بس… لكن هل أنتي مبسوطة؟
رفعت جميلة عينيها لوالدتها، كأنها تفاجأت أو للتو فقط تذكرت. سؤال لم يتطرق لعقلها، لكنها بالمنطق جاوبت:
- أيوه طبعاً، ده أنا جميلة أبو العينين، إزاي هكون مش مبسوطة؟
- كلام إنشا حفظاه، حفظ وبس. تقدري تقولي لي بتعملي إيه عشان تبقي مبسوطة؟ وانتي بتصحي كل يوم تلبسي لبس مش بتحبيه وتروحي شغل مش بتحبيه وحتى خطيبك مش بتحبيه.
انتفضت جميلة. الإنسان عدو الحقيقة وما يجهله، وعدو من يواجهه أحياناً… جميلة ترفض المواجهة، لذا وقفت محتدة تردد:
- إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ بقا أنا بلبس لبس مش بحبه إزاي؟ أنا أشيك بنت في مصر، وبشتغل MG في أكبر شركة عقارات في مصر وأنا أصلاً خريجة إدارة أعمال، وماهر أنا اللي مختاراه بنفسي. ولمحت لبابا، كل حاجة في حياتي أنا اللي بحددها.
وقفت والدتها ترد بهدوء:
- وبتعلي صوتك ليه؟ ولا الكلام عصبك؟
تحركت لتخرج وقبلما تفعل توقفت تقول:
- على فكرة أنا اللي والداكي مش أنتي اللي ولداني، وإن ماكنتش أبقى حافظة بنتي أبقى أم خايبة. طول عمرك بتحبي الدريسات القصيرة زي بتاعة سعاد حسني وبتحبي النحت والرسم. لحد كام سنة وكل حاجة اتغيرت. أنا هسيبك لمزاجك ومش هضغط عليكي، يمكن تفتكري إن ليكي أم وتيجي تتكلمي معاها.
نظرت لها جميلة بتوهان فأكملت الأم:
- أنا كنت بعدي الأمور، وأقول كبرت وأكيد زوقها اختلف واختياراتها اتغيرت. لكن من أول ما فتحتي موضوع ماهر الوراقي وأنا مش عاجبني. وكونك تلمحي لابوكي إنه يلمح لهم دي كانت بالنسبة لي بقا الكارثة. من يومها عرفت إنه لأ، وفيه حاجة حاصلة مع بنتي وأنا مش هسمح بكده… أنا موجودة لسه ما متتش لو حبيتي تتكلمي مع حد ثقة بدل ما انتي مش بتتكلمي غير مع صاحبتك.
غادرت الغرفة تغلق الباب تاركة ابنتها خلفها مصدومة بعدما وجهت بوجهها الحقيقي الذي تخفيه. لكنها عاودت فتحها تردد:
- ابقي اتصلي بليلى صاحبتك كده، اسأليها ماهر كان في الساحل من يومين بيعمل إيه ومع مين على الملأ. كلميها كده وبعدها لينا كلام تاني.
***
دَلفت لغرفتها وهو معها بصمت. تراه صامت لم يتفوه بحرف منذ تلك الجلسة. ارتَمى على الفراش بنصف جسده وقد أغلق عينيه بصمت، فاقتربت منه تناديه:
- ماهر.
فتح عينيه يسحب نفس كبير لأعماقه ثم رد:
- نعم.
- فيه موضوع كنت عايزة اكلمك فيه.
اعتدل بجسده متعباً ثم قال:
- قولي يا حبيبي.
عضت على شفتيها ثم تفوهت بترقب:
- أنا هرجع روما إمتى؟
سحب نفس عميق ورفع رأسه للسقف بضيق ثم عاود النظر لها يقول:
- أنتي شايفة إن ده وقته؟
طالعته بترقب ثم تقدمت تجلس لجواره تقول:
- أنت زعلت من الوصية؟
- أنتي زعلتي؟
- أنا اللي سألت الأول.
لم يجيب عليها، فقد تلقى الجواب ليقول:
- المفروض تفرحي. بقيتي مليونيرة.
انتفضت تقف بغضب ثم قالت:
- أنا فكرت اليومين اللي عيشناهم مع بعض لوحدنا غيروك، وبحاول دايماً آخد هدنة وأديك فرصة، بس أنت هتفضل أنت. بس زفارة لسان بزفارة لسان بقا، فهقولك أنا أساساً بنت عز وأبويا شايل ملايين. بتوعي من غير شريك، وأنت أخدتهم من عمي وحاتت إيدك عليهم. حتى البيت ماخرجتش عمي منه مع إنك قادر. وأنا والله معدية كل ده بمراجي… بس إنك ت…
قاطعها يجذبها من ذراعها لتسقط لجواره على الفراش ينظر لجمالها ثم همس أمام شفتيها بشوق:
- ومعدية كل ده ليه؟ حبيتينى؟
انتظر ردها بفارغ الصبر يحثها:
- ساكتة ليه؟
ارتبكت وردت بتيه:
- مش عارفة.
ابتسم. مجرد عدم ردها بقوة نافية يفيده، يراه بصالحه، وهو أكثر من راضي بهذا القدر.
تهدجت انفاسه وهو يردد:
- عايز أقولك حاجة من يوم ما شوفتك.
- إيه؟
جاوب بأنفاس ساخنة:
- أنتي جامدة قوووي يا لونا.
اتسعت عيناها من كلامه وطريقته وصولاً لعينيه التي تأكلها ثم ابتعدت عنه بتوتر تردد:
- شكراً.
تنهد بحب ثم قال:
- عايز أقولك حاجة بس مش عايز مناهدة.
- إيه؟
- جمعي كل حاجتك عشان تنقليها أوضتي.
- ليه؟
- هو إيه اللي ليه؟ أكيد عشان هتتنقلي وتنامي معايا فيها… منطقي، إحنا متجوزين.
- بس…
- مابسش، فيه إيه؟ الوضع ده لازم ينتهي. هنفضل متجوزين في السر؟ أنتي مراتي والكل لازم يعرف، ولا هما أصلاً عارفين.
تنهد يقول:
- فاضل جنا.
حك عنقه يردد:
- مش عارف هجيبها لها إزاي، شكلي قدامها يبقى إيه لما تعرف إن أخوها الكبير عمل كده.
رمقته بعينها ولم تتحدث، قوة نظرتها كانت كافية فسألها:
- عايزة تقولي إيه يا سوسة؟
- يعني أنت عارف إنك عامل حاجة غلط.
وقف من مكانه يردد:
- آه، بس مش حاسس بالذنب ولا ندمان.
كاد أن يتحرك مغادراً فسألته:
- ولو رجع بيك الزمن؟
عاد ليجلس بجوارها يهمس:
- بصراحة؟
- أمم.
- كنت هعمل كده بردو بس بشكل مختلف. كنت هخليكي تحبيني ومش بعيد تيجي تطلبيني للجواز.
صمت بتعب ثم قال:
- أنا كنت غلطان في طريقتي معاكي.. بس كنت خايف منك… بس خلاص، من النهاردة خلاص، اتربطنا ببعض ومش هنتفرق.
ضيقت عيناها متسائلة:
- عشان الوصية؟
- أممم…. بس.
- أيه؟
- مش عايز أخبي عليكي، أنا خايف من أبويا وعمي ورد فعلهم… أنتي هتفضلي معايا مش كده.
- أنا معاك يا ماهر.
كلمتها أثلجت صدره نظر لها مبتسماً ثم قال:
- عشان الميراث؟
انمحت الابتسامة من على وجهها فارتعب، بات ما يرعب ماهر هو تكشيرة لونا. إذا رغبت في إخافة ماهر سلطت عليه لونا.
ردد على الفور:
- أنا ما قصدتش ما…
قاطعته بحدة:
- أنا فلوسي كلها معاك يا ماهر، جت على الميراث يعني؟ وعلى فكرة أنا هتنازلك عن حقك… مش عايزاه.
وقف من مكانه يردد:
- بس بلاش كلام فارغ، فلوسي مربوطة بفلوسك وكده كده أنا هأدير الاثنين. أنا رايح أطمن على ماما عايز لما أرجع ألاقيِك في أوضتنا مستنياني، أوكي؟
لم تجب، قرص خدها يردد:
- لا لما جوزك يكلمك ياصغنن ترد، أوكي؟
- حاضر.
ابتسم عليها ثم قبل خدها والتف مغادراً يردد:
- مش هتأخر عليكي.
خرج من الغرفة وهي تتابعه بعينيها ثم زفرت بتعب وقررت الاستسلام لمصيرها والرضا به. فوقفت كأي فتاة هادئة مطيعة تنفذ أمر زوجها.
جمعت ملابسها وبدأت تحركها جزء جزء لغرفة ماهر.
وبالجزء الأخير تقابلت مع جنا التي وقفت تنظر على أغراضها وكيف أنها تحملها لغرفة ماهر ثم نظرت لها مستغربة تسأل:
- إيه ده؟ هو في إيه؟
ارتبكت لونا واحمر وجهها، نظرت لجنا ولم تعرف بماذا تجيب، فجنا الوحيدة من لم تعلم بزواجهما حتى الآن، فهل هي من ستخبرها؟ ما هذا الحظ.
ارتبكت بحرج وحاولت أن تجيب ولكن حظها الذي ظنته سيئاً أنقذها حين دلف كمال عائداً من الخارج يقول:
- مساء الخير.
رفع إحدى حاجبيه وهو يسمع الرد من لونا فقط بينما جنا قد تجهم وجهها ليقول:
- جنجونة مش بترد عليا ليه؟
اندفعت في الحديث في وجهه مثل اللهب:
- كمال بص أنا مش…
قاطعها:
- ششششش… ممكن تهدي، وتعالي عايز أتكلم معاكي.
لم تتحرك ليحسها بلطف:
- جنا، يلا عيب كده، هفضل واقف.
سحبها برفق وتحرك ينظر للونا من خلف ظهر جنا يحسها على أن تكمل ما كانت تفعل فقد أنقذها.
***
سحبها للحديقة يوقفها أمامه عنوة ثم قال:
- إيه بقا؟ ممكن أفهم فيه إيه؟
اندفعت مجدداً:
- بص يا كمال أنا وأنت مضرورين ولازم نلاقي حل.
هز كتفيه وقال ببرود:
- صح، أنا من بكرة هطعن على الوصية دي، ماهي مش هتعيل.
- صح، أنت صح، وقسماً بالله صح، من الصبح نمشي في الإجراءات.
ضيق عينيه يردد بضيق:
- قصدك إيه؟ قصدك إني عجِزت وكبرت؟
- ما ياباشا مانت قولت عليا عيلة وأنا عديتها. ماتقفلش على الكلمة وأنا وأنت عارفين إننا ماننفعش لبعض.
اقترب منها خطوة ثم سأل بنبرة وهيئة مثيرة:
- ليه؟ أنتي تجوزيلي على فكرة.
ابتلعت لعابها بصعوبة ثم قالت:
- مششش.. مش…
ابتسم بتسلية يردد:
- همممم، بتمشمشي ليه؟ كملي أنا سامعك؟
- ماااانا بكمل اهو.
- لا أصلي شايفك مرتبكة.
- وأنا هتربك ليه؟ أنت هتربكني بالعافية؟ أنا زي الفل.
- طب ردي على سؤالي، ماينفعش ليه؟
صمتت لا تملك رداً، أو تملك ولا ترغب في التصريح به ليشك فيها ويسأل بأعين ضيق:
- جنا، أنتي فيه حد في حياتك؟
- لأ طبعاً. إيه اللي بتقولوا ده؟
- إيه اللي بقوله؟ أمّال أنتي رافضة ليه؟
- رافضة عشان ده الصح، المنطق بيقول كده، وأنت كمان أكيد رافض.
- إيه اللي أكد لك؟
ألقى الجملة في وجهها جعلها تصمت، ثم سألت:
- يعني أنت موافق؟
- آه… ثم عدل حديثه عشان الوصية.
- وأنا مش هتجوز بالطريقة دي.
لا يعلم لما زاد غضبه ثم سأل:
- لآخر مرة هسألك، فيه حد في حياتك؟
- لا.
- تمام… أنا سألتك وقولتي لأ، لو عرفت إن فيه حد هتبقى وقعتك سودة معايا تمام.
هزت كتفيها بلا مبالاة ثم قالت:
- تمام.
ومن بعدها تركته وغادرت لينظر عليها بضيق ثم يبدأ في فتح حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي يدقق في جزء الأصدقاء والمتابعين يتفحص متابع متابع.
***
نظرت عليه زوجته تبتسم مستغربة. لقد تأنق زيادة عن اللزوم. اقتربت منه تنظر لهيئته في المرآة لطوله الفرع وجسده العريض تبدي إعجابها بلباسه بداية من بنطاله الأسود وقميصه الرمادي مفتوح الأزرار العلوية يبرز عضلات الصدر وكم هو مشعر.
ثم همست:
- ده إيه الحلاوة دي، إيه كل الاهتمام ده؟
ابتسم لها بغرور عبر المرآة ثم قال:
- على أساس إني كنت مبهدل قبل كده.
- بصراحة لا، بس أصلك النهاردة حلو بزيادة وشيك قوي. كل ده عشان عزومة طنط لينا ولاخوالك عندها؟
ابتسم بزيادة وثقة بعدما أكدت له كم يبدو وسيماً ولم تضع تكلفته في اختيار الملابس، فقد تجهز لهذا اليوم من باكر يعد الساعات، سيراها…
التف لها يردد:
- طب ممكن تبطلي بكش وتسبقيني على العربية وأنا هاجي لك؟ مش عايزين نتأخر على الناس.
- حاضر.
تحركت بهدوء وهو عاد ينظر على نفسه في المرآة يتمم على ضخامة عضلات صدره ويسرح شاربه الكثيف ثم تناول زجاجة العطر الفخمة وسكب نصفها على جسده تقريباً، ليخرج بعدها يتبختر في غرور.
- مش بتاكل ليه يا رشيد.
قالتها والدته وهي تنتبه له منذ جلس معهم على طاولة السفرة لم يأكل. حاول اغتصاب ابتسامة على شفتيه ورد:
- لا باكل.
مرت نصف ساعة ولم تحضر، حتى أن الطعام وُضع وهي لم تأتِ. ماذا يعني ذلك.
لم يقدر، شوقه غلب كبره فنطق:
- هي جميلة مش جاية ولا إيه؟
نظروا له جميعاً فقال:
- من الذوق كنا استنيناها على الأكل.
فرد والدها بحرج:
- لا هي كانت مصدعة فأخدت حبايت صداع ونامت.
زاد الضيق في صدره، وفقد شهيته، جلس معهم جسد بلا عقل يفكر فيها.
لم يقدر على الصبر، استغل انشغال الجميع بالأحاديث الجانبية، ثم تحرك بعيداً عنهم.
وقف أسفل غرفتها يدخن سيجارة بشرود ينظر عليها وهو يرى النور يغرق الغرفة، لم تنم، كانت كذبة، فابتسم… هذا يعني أنها تهربت من رؤيته، لما يا ترى!
ساقته قدماه للهلاك، لم يتحمل ودلف لبيتهم الكبير. البيت كان هادئ تماماً ولم يجد من يعترضه، صعد بيسر حتى توقف عند غرفتها… يستمع لصوت موسيقى أغنية لعبد الحليم حافظ (الحلوة الحلوة الحلوة، برموشها السودا الحلوة).
فتح الباب بجرأة وإقدام، لتنبهر عيناه وهو يرى جميلة بهيئة مغايرة وقد وقفت أمام المرآة ترتدي فستان أبيض منقط بنقط سوداء صغيرة منفوش يصل لعند ركبتها ويضيق مبرزاً نهديها… اتسعت عيناه، بلع لعابه بصعوبة، أهلكته وأفقدته صوابه.
وهي هتفت بصدمة:
- رشيد؟ أنت اتجننت؟ بتعمل إيه هنا؟
لم يجيب وبدأ يقترب منها بأعين تأكلها، عيناه عليها لا تحيد عنها، لقد جننته جميلة، فأخذ يقترب منها وهي تعود للخلف.
يتبع…
رواية سيطرة ناعمة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سوما العربي
في عقلك الطيب تعتقده غير واعي، لكنه كان واعي، رشيد مدرك على ما يفعله وكل خطوة يخطيها.
هو يريد جميلة، إنها تأجج رجولته، تؤلمه، تسكن أحلامه.
باتت بأيام قلائل مسيطرة على تفكيره ومهيمنة على حواسه، ولم يزد رفضها ولا مبالاتها به سوى شوقه العاصف.
أيامه بالبلاد باتت معدودة، وإجازته على وشك الانقضاء، وهي تشعله ولا تعطيه وجه، وهو بات غير قادر على الابتعاد.
لأيام وليالٍ وهو يراقبها عبر نافذة غرفته وهي تخرج بالصباح أو تعود في المساء متأنقة بزيها الرسمي، كتلة من الأنوثة تسير على الأرض تستفز أي ناظر قد يراها.
فانقلبت أيامه لجحيم وهي لا تبالي، وربما لا تدرك حتى ما فعلته.
وبات غير قادر على العودة لحياته السابقة كما كان يعيش قبلما يجيء للقاهرة ويلتقي بها بعدما كبرت.
اندلع الخوف يفتك أحشائها وهي تدرك أنه معها الآن بغرفتها وقد شاهدها بهيئتها تلك.
لا ويقترب منها والتصميم بعينه، تراهم وهما يأكلان جسدها أكلاً.
اتسعت عيناها برعب وصرخت فيه:
"رشيد؟ أنت بتعمل إيه هنا؟ ودخلت هنا إزاي؟"
صرخت بالأخيرة علّ الحارس يسمعها، لكنه هتف:
"بعته للبوابة الرئيسية يجيب لي حاجات."
إذا فقد خطط ودبر، ارتاعت أكثر، صرخت فيه:
"وإيه اللي جايبك هنا وبتقرب كده ليه؟"
هجم عليها بخطواته يسأل:
"ما جيتيش العشا ليه؟"
"وأنت مالك."
صرخت برعب وهي تتعرقل في قدم الكرسي فتسقط عليه، ليدنو منها مهاجماً:
"ما جيتيش عشان أنا موجود، عشان ما تشوفينيش، عشان أنا بأثر فيكي. لو مش فارق لك كنتي جيتي عادي مش كده؟"
"لا مش كده."
"كذابة."
دنا منها زيادة وهمس أمام شفتيها:
"بتهربي مني ليه؟"
"أنت بتحلم."
إنه مقبل على شفتيها، كان يميل عليها ليقبلها، فدفعته وصرخت وهي تدفشه في صدره بكل قوتها.
ارتد خطوة للخلف أثر دفعتها العنيفة وهتف:
"وليه ما تقوليش إن أنتِ اللي بتكابري؟"
وقفت لتبتعد عن الكرسي وتعدم أي فكرة لان يميل عليها على كرسي أو سرير.
نجحت وابتعدت لتفر ناحية الباب تفتحه، لكنه أوقفها يمنعها بقوة موجعة، مسك بها ثم قربها لعنده يهزها بغيظ وهو يصرخ فيها:
"رايحة فين؟ تعالي هنا."
"امشي يا رشيد، امشي ارجع لبيتك ومراتك وابنك، بلاش تهور."
صرخ بجنون:
"أنا لسه ما تهورتش... بس أوعدك أعملها."
ردت برعب:
"ليه؟!! أنا عملت لك إيه؟"
"أنتي؟!!!"
قبض على يدها وقربها منه يردد:
"أنتي مجننانى..."
رعب عيناها أيقظه، حاول محاولة أخيرة، ربما هنالك شيء عليه فعله وهو لم يجرب للآن، لذا خفف قبضته واعتدل في وقفته بعدما كان يهم بالهجوم عليها، وجرب:
"طيب، جميلة أنا آسف وندمان على اللي حصل زمان، بندم كل يوم وأنا بشوفك قدامي. لو ما كنتش صدقتك يومها وعملت كده كان زمانك ملكي دلوقتي، ويمكن ده عقاب من ربنا ليا. ويا ستي أنا بقولك أهو أنا غلطان وندمان ومش وش نعمة عشان رفضت واحدة زيك."
كانت تسمعه وهي تهز رأسها بوفض، غير متقبلة كلامه.
عكس ما توقع كانت النتيجة، تهز رأسها رافضة.
جذبها بعنف لتصبح ملامحها متقاربة من ملامحه يهتف من بين أسنانه:
"ارجوكي تنسي اللي حصل وخلينا نفتح صفحة جديدة."
دفعته بعنف والخوف قد سيطر عليها من هيئته المختلة وهتفت وهي تحاول الفرار منه:
"صفحة إيه؟ شكلك مجنون فعلاً، أنت متجوز وعندك ابن."
جذبها لعنده من جديد ومسك وجهها بكفيه يثبتها أمامه كأنه يحاول إقناعها:
"الشرع محلل لي أربعة، أنا مش أول واحد يعملها، أنا هتفاهم مع علياء وابني مش هيحس بأي تقصير... عشان خاطري وافقي."
"أنت مالكش خاطر عندي وروح حلل في الشرع بعيد عني، أنا اللي مش عايزة أتزوجك."
كانت تتحرك بهلع تحاول فتح الباب ونجحت، لكنه أحبطها وأغلق الباب ثم جذبها لعنده يردد بأنفاس لاهثة:
"لا أنتِ بتقولي كده عشان زعلانة مني، حقك، أنا عارف إنه حقك، خدي وقتك واتدلعى براحتك بس في الآخر وافقي..."
"هتوافقي."
"أبعد عني، عيب اللي بتعمله ده، بتتهجم على بنت خالتك في بيتها."
"بنت خالي ما خلتليش طريقة غير كده، أنتِ جننتييينييي."
صرخ بالأخيرة وهو ينظر عليها، لانت ملامحه وهو يتحسس بيده لجلد بشرتها الطري ينظر على فستانها الجميل مردداً:
"قمر، فستانك تحفة عليكي... وشعرك جنان، وشخصيتك قوية، عيونك فيها أسرار خطفاني... أنا أكبر مغفل في الدنيا."
حاولت التحدث معه بروية وهو هادئ هكذا:
"امشي... امشي يا رشيد وأنا والله مش هقول لحد على اللي أنت عملته."
رفع إحدى حاجبيه يردد:
"ما تقوليش هقول أنا."
"يعني إيه؟"
ابتعد عنها يردد:
"هسيبك يومين تفكري."
"يعني إيه كلامك ده وأفكر في إيه؟ أنت متجوز وعندك أسرة وأنا مخطوبة."
"يعني هي دي مشكلتك بس؟!"
توقف بها الوقت لدقيقة وهو كاد أن يبتسم، لكنها عادت تهز رأسها:
"لا... أنت لو آخر راجل مش هتجوزك."
"ما أنا هبقى آخر راجل بس في حياتك."
"بتحلم."
صرخت فيه بضيق فرد:
"هتجوزك يا جميلة."
"مش هيحصل وامشي اطلع برا."
حك فكه بضيق ثم قال:
"همشي... همشي عشان أسيبك تفكري."
نظر لها بهدوء وهي ما زالت خائفة من أي تهور قد يفعله، اقترب من جديد فانتفضت ومالبس أن شهقت مصدومة وهي تشعر به اقترب يميل عليها بهدوء يقبل وجنتها ثم همس:
"بحبك يا جميلة."
اتسعت عيناها من فعلته وتصريحه تنظر له بذهول تراقب وقوفه الثابت مع نظرة الإعجاب بعينيه ثم رحيله الهادئ من الغرفة.
وبدأت تسأل نفسها هل اعترف رشيد بحبها؟!! وهل هذا ما تريده؟؟ أم ماذا تريد بالأساس.
استيقظت صباحاً بنشاط عالٍ وتأنقت في فستان رقيق بلون الروز ووقفت تصفف شعرها أمام المرآة.
لف في السرير يبحث عنها كي يسحبها لأحضانه ويستغرق زيادة في النوم، لكنه لم يجد من يحتضنه.
مرر يده على الفراش يشعر ببرودته فانتبه واعتدل من فراشه يتثائب بخمول يبحث عنها لتثير انتباهه وهو يراها متأنقة جاهزة للخروج، فهتف مستغرباً بصوت ما زال خامل من النوم:
"صباح الخير يا حبيبي."
التفت له ترد بابتسامة مشرقة:
"صباح النور، كل ده نوم."
وقف عن فراشه يتثائب من جديد ويرد بكسل:
"آآآه... كل اللي عيشته معاك كوم، وإنك تنامي معايا في سريري اللي طول عمري بنام فيه لوحدي كوم تاني، نمت نوم."
أبتسمت له ليبادلها الابتسامة وهو يمرر عيناه على جمالها غير العادي ثم سأل:
"إيه الجمال ده كله، لابسة ليه من بدري كده... لابسة ليه أصلاً؟ حد يلبس مع جوزه."
هزت رأسها بجنون منه تردد:
"إيه اللي بتقوله ده، أنت المفروض في حالة حداد جدك ما كملش أسبوع ميت."
جذبها لصدره يردد:
"الحزن في القلب ودي نقرة ودي نقرة، وبعدين هو كان جدي لوحدي، لابسة بينك وجدك ما كملش أسبوع."
"جدك أنت."
لم يعجبه حديثها وقال:
"لونا... الراجل دلوقتي مات وبقى بين إيدين ربنا وما يجوزش عليه غير الرحمة، وبعدين ده سايب لك ورث كبير قوي."
"ورث مشروط يا حبيبي، مربوط بيك العمر كله."
جذبها من خصرها يلصقها بنصفه السفلي وهو ينظر على شفتيها مردداً:
"قوليها تاني كده؟"
"إيه؟"
"حبيبي.. عارف إنك ما تقصديش بس أهي أي حاجة منك."
نظرت له بكبر ليقول:
"قولي بقا يابت... قولي أي حاجة."
"تؤ."
همست بدلال ثم ابتعدت عنه فجأة تنثر عطرها ليجذبها مجدداً في الوضع السابق ويهمس أمام شفتيها:
"وحشتيني يا بت... ماهر وحشته لونته وهيموت عليها."
جاوبت محذرة:
"بس يا ماهر لازم أنزل."
"تنزلي!"
قالها بحاجب مرتفع، فهزت رأسها مؤكدة ليقول:
"تنزلي على فين إن شاء الله."
"على شغلي."
قالتها بثقة فبهتت ملامحه لثوانٍ، وبعدها حاول استجماع عقله وسأل:
"ما شاء الله أنتي اشتغلتي؟"
جلبت صندلها الخفيف ترتديه وهي تحدثه دلالاً على حرصها على الوقت:
"آه."
"فين؟!"
"في شركتي.. أنت غريب جداً."
"شركتك؟!!!"
"أيوه."
"آيـوه!!!!!!"
وقفت وقد انتهت من ارتداء الصندل تعيد إسدال ثوب فستانها الرائع ثم قالت:
"ورثي من جدي."
ابتسمت بسماجة ترد:
"الله يرحمه."
التفت لتتحرك، لكنه مسك ذراعها ولفّها أعادها لعنده ولم يبالي بشهقتها وهتف:
"ده مين اللي قال كده ومين هيسمحلك أصلاً."
"ماهر عزام الوراقي."
اندهشت ملامحه وهو يسمعها، في الوقت الذي اتسعت فيه ابتسامتها كون أن حيلتها الجديدة التي تعلمتها نجحت من أول تطبيق فعلي لها، وأردفت تكمل:
"أنت اللي هتسمحلي وأنا عارفه."
عزمت على إكمال جرعتها فكملت:
"أنا بقيت عارفاك، أنت بتحبني مبسوطة، وأنت عارف أني هبقى حابة أرجع الشركة اشتغل وسط ناس نضيفة وأكمل تعلم الجرافيك في شركتي تحت عين جوزي، فـ أنا قررت أرحم جوزي أصلك عارف منين ما أروح ألف عين تبص عليا وأنا جوزي غيور... غيور قوي.. بيهد الدنيا لو حد بصلي، أروح أنا أخبط دماغي في الحيطة وأقول مش بتعدي ليه؟! ماهي حيطة... فليه العند لما ممكن أعمل كل ده تحت عينه ورعايته ويجيب لي كمان سندوتشات شاورما لحمة اللي بحبها وحواوشي."
ضحك يعض باطن فمه، رغم فطنته لعبتها إلا أنها أحرجته بحديثها الذي كان مقنعاً، فعلام العند؟!
همس أمام شفتيها يقول:
"أجيب لك كل اللي نفسك فيه، عايزة إيه؟"
اندفعت تردد:
"عربية بورش حمرا."
"نعم؟!!!"
"أنا عارفة إنك كريم وسخي ومش هتستخسر في مراتك عربية صح."
ضحك، لعبته جديدة، لكنه همس:
"أجيب لك... ما أنتِ بقيتي مليونيرة."
فهتفت على الفور:
"لاااااا."
ارتفع حاجبيه وهو يسمعها تقترب منه وتصرح:
"أنا عايزة فلوسي صحيحة على بعضها."
قهقه عالياً يصفق بيده من شدة الضحك ولا يستطيع تمالك نفسه.
لدرجة أن عيناه قد أدمعت وحاول التحدث من بين ضحكاته يقول:
"يا بنت اللذين... مش معقول.. هههه ماشي يا لونا... أجيب لك عربية وسيبي فلوسك صحيحة على بعضها."
لم تصدق أن حيلتها التي بالأمس فقط علمتها لها مستشارتها النفسية قد فلحت، فاقتربت منه تردد غير مصدقة:
"وحياة أمك؟!"
"بنت؟! هتجيبي سيرة أمي... هرجع في كلامي والله."
"لاااا ده أمك دي حبيبتي."
"أنتِ اللي حبيبتي.... هاتي حضن."
ضمها بحنان واحتياج لحضنه يشعر بطراوة جسدها الغض وقماش فستانها الغالي وشعرها المتطاير من فرط نظافته وخفته، إنها نسمة صيف باردة ومنعشة، جميلة ومحظوظ أنه نالها.
أخرجها من أحضانه يكاد صدره ينفجر من فرط الفرحة والشعور بالفوز، إنها له والأمور تمام، الفوز بلونا كان الأعظم بحياته، وهنيئاً له من كانت لونا فوزه، الطلة لوجهها خير وصحة وجمال، إنها تنعش روحه وتعيد شبابه.
مسح على وجهها وشعرها يتشابك مع أصابعه فيقول:
"استنيني هلبس وننزل مع بعض نروح الشغل، إيه رأيك؟"
"حاضر... على ما تخلص هكون حضرت لك الفطار."
"طب ما تيجي تحميني أنا محتاج حد يحميني."
هزت كتفيها تردد:
"وقح."
"بس لذيذ.. وربنا لذيذ."
ابتسمت رغماً عنها، ثم قالت:
"بصراحة؟"
هز رأسه ينتظر ردها لتنفجر في الضحك وهي تصرح:
"آه."
ضحك بسرور، فأخيراً لانت لونته.
خرجت من الغرفة بشقاوة وهو استدار يتحرك للمرحاض يردد:
"بموت فيها بنت اللذين... هتعمل فيا إيه تاني."
تحركت بخفة فراشة تهبط الدرج تذهب للمطبخ تساعد الطباخ في إعداد الفطور ببعض الأشياء البسيطة ثم خرجت ومعها كوب نسكافيه لتجد فاخر وعزام يجلسان في بهو البيت.
ابتسمت باستمتاع؛ إنها فرصتها... فاقتربت تستغلها.
دنت منهم تردد:
"إيه ده؟ خالو فاخر وخالو عزام! قاعدين كده ليه زي المطلقين!"
احتدمت عيناهما بمجرد ظهورها أمامهما وصولاً لكلامه وفحواه، وهي لم تبالي بل أضافت:
"صحيح قلبي عندكم، بقيتوا لا شغلة ولا مشغلة."
وقف فاخر يردد:
"أنتِ عايزة إيه يابت أنتِ على الصبح."
"الحق عليا، الحق عليا إني قلت أجي أشوف معاكم فلوس للنهاردة ولا لأ؟ بس ماتشيلش هم! هفطركم معانا عادي وخد... حد مد إيدك ماتتكسفش."
أخرجت من حقيبتها عملة ورقية فئة الخمسين جنيهاً، كورتها بكف فاخر تردد:
"عشان لو حبيت تشرب لك حاجة ولا تجيب سجاير، خد ماتتكسفش ومش هقول لحد."
هب ليهجم عليها يلقنها درساً:
"آه يا بنت الو..."
قاطعه عزام الذي كان يجلس يتابع كل ما يحدث بصمت تام إلى أن نطق مردداً:
"فاااخر."
نظر كل من فاخر ولونا له، فوقف قائلاً:
"إيه يا فاخر هتمد إيدك عليها، ألحق عليها يعني... ده بدل ما تاخد منها الفلوس وتقول شكراً."
"شكراً!!!!"
هتف فاخر بضيق وهو شيئاً فشيئاً يفهم نوايا شقيقه، وقف عزام واقترب من لونا يردد:
"شكراً يا حبيبتي، طلعتي أصيلة، تمام زي أمك رحيل، وأنا اللي كنت فاهمك غلط وفاهم إنك شريرة وناوية على طمع، ماتعرفيش كبرتي في نظري أد إيه لما عملتي كده شكراً، وشكراً على الفطار."
رفعت إحدى حاجبيها غير مرتاحة لنعومته المستجدة وهتفت:
"وصيتهم يرودوا لك البيض... شكلك بتحبه."
حاول الابتسام يداري اصطكاك أسنانه من الغيظ، فتحركت من أمامهما لا تستطيع المكوث أكثر من ذلك في مكان واحد معهما.
وما إن فعلت حتى جذب فاخر شقيقه من يده يعنفه:
"إيه؟ قلت بقت مرات ابني وزيتنا هيبقى في دقيقنا وهتلعبها خارصة لوحدك، لاااا ده أنا عظيم بيميني أهدم المبعد على دماغ من فيه."
ضحك عزام:
"مرات ابني؟ طول عمرك غشيم ومتهور، البت دي مش لازم تعرف إني عارف إنها مرات ماهر، عشان نحبها صح، وأنت خف شوية واتعدل معاها، دي الحصان الرابح بعد ما أبوك ضيعنا... لو هدينا فاروق دويدار بيها هيدينا تسهيلات في السوق ومن البنوك تخلينا نبدأ من تحت تحت الصفر بحبه."
"وليه ما تقولش نطعن على الوصية."
"وليه مانعملش الاتنين، بس المحاكم سكتها طويلة، فاروق دويدار سكته مختصرة."
جمع فاخر الحديث برأسه وشعر أنه الصواب، فنظر لشقيقه يسأل:
"طب ما تنور أخوك، ناوي على إيه؟"
"هقولك بس تنفذ اللي أقوله من غير مناهدة."
"حاضر."
بعد رحيل الجد لم يعودوا يجتمعوا على الفطور، جنا بجامعتها وكمال خرج من بعدها ووالدته مريضة وجيلان تركت البيت لعزام، فلم يتبقَّ سواهما ليقول:
"يالا نبقى نفطر في الشغل طالما مافيش غيرنا."
سحبها معه وخرج يقود السيارة وهي لجواره كانت سعيدة تشعر بالانتصار.
أخرجت هاتفها من حقيبتها وبدأت تضغط على الشاشة لمدة، فسألها:
"حبيبي مشغول عني في إيه؟!"
أبتسمت ترد:
"ببعت رسالة لصاحب الشغل في روما بعرفه إني خلاص، مابقتش عايزة الشغل عنده وأخيراً هخلص منه ومن تحكماته."
وفي النهاية ختمتها وشتمته.
ضحك بجنون على تصرفاتها ثم ردد:
"يانهار أبيض، طب بتسيبي الشغل وماشي لكن ليه تشتمي الراجل؟!"
"عشان تنح وكان مضيقها عليا أنا بالذات وكان دايماً مراقبني أنا بالذات، ليه شايفني حرامية؟!"
ارتفع حاجبه بضيق (يراقبها وحدها دون غيرها وتركيزه منصب عليها؟! هل كان معجباً بها ومراقبته ما هي إلا اهتمام صامت من رجل بارد؟!!)
ظل عقله يدور ويدور إلى أن وصلا للعمل، ترجل من سيارته ونظر لها وجد على وجهها سعادة حقيقية، لأول مرة تقريباً يرى صدق مشاعرها، فاقترب منها يحاوط خصرها بتملك مردداً:
"نورتي شركتك يا لونا هانم."
سحبت نفس عميق بعد ما استمعت لكلماته.. شركتك.. لونا هانم، هذا ما يناسبها ولا يناسبها ما هو أدنى... كما قال والدها.
أخرجت نفسها العميق بتهمل ثم تقدمت تدلف معه للداخل وهو يسحبها من يدها تحت أنظار الجميع.
دلف لغرفة مكتبه يغلقها عليه وسكرتيرته معه قائلاً:
"هاتيلي كل الشغل المتأخر وكل العقود وورق الحسابات وخدي مدام لونا قسم الجرافيك."
"مدام."
همست بها دينا مستغربة، لكنه لم يملك فرصة للتوضيح حيث هتفت لونا معترضة:
"أنت مش هتعملي مكتب."
نظر لها وقد اتسعت حدقتا عينه مستغرباً وحاول ألا يضحك ثم قال:
"لأ."
"ليه؟!"
نظر لدينا وقال:
"روحي أنتِ دلوقتي شوفي شغلك واطلبي لنا فطار."
خرجت دينا فنظر للونته ليجدها تنظر له بضيق، مد يده جذبها لعنده يجلسها على قدميه ثم داعب شفتيها بأصبعه يقول:
"الجميل بتاعي مكشر ليه؟"
"عايزة مكتب، زي بتاعك."
"أنا ما قعدتش على مكتب زي ده غير لما بقيت عارف كل مكتب من مكاتب الشركة دي شغال إزاي أو على الأقل عندي فكرة، وأنتي كمان مش هيحصل معاكي كده غير لما تتعلمي."
اقتنعت على الفور، ما كانت بحاجة للتدليل، لونا تقتنع بالحجج وحجة ماهر كانت قوية لذا غادرت منفذة على الفور.
مر الوقت عليهما إلى أن حضر الفطور كما أراد، ثم طلب من دينا أن تذهب وتنادي لونا.
لكنه هب من مكانه متذكراً حينما قالت له أن معظم العاملين بشركته كانوا يغازلونها، تحرك بغضب لعندها يدعي أن يلتقي بأي من هؤلاء كي يلقن كل واحد منهم درساً.
لكنه وقف خلف زجاج المكتب وقد انمحى غضبه وحلت مكانه ابتسامة صغيرة وهو يراها عبر الزجاج تجلس بجوار مدير القسم يملي عليها بعض الأوامر يراقبها بإثناء، فهي تعمل بجد وشغف تريد التعلم وتطبق بسرعة وتتقبل النقد والتوجيه لأنها تريد التعلم.
هز رأسه بضيق يدرك كم كان غبياً وهو من منع السعادة عن نفسه وليس هي، فلونا لم تكن تحتاج سوى الحب والحنان والاحتواء وبعدها ستتفتح بين يديه كالوردة الجميلة ببرعم صغير، وها هي من مجرد رشة صغيرة بدأت تزهر وتعطي الكثير تضيف على حياته السرور، حتى لو لم تبادله يكفيه رضاها عنه.
استيقظ من نومه ينهج بلهث يدرك بما كان يحلم.
مدد الملاءة حول خصره ثم نظر على جزعه السفلي وردد بضيق:
"يعني خلاص على آخر الزمن يحصل معايا كده."
عاد برأسه للخلف يستند على الفراش وتفاصيل حلمه وهو يجامعها لا تغيب من مخيلته، تتكرر فتلهب أنفاسه، مسح بيده على كفه يردد:
"أنا كده عندي مشكلة ولازم أدور لها على حل.. مش هقعد أتفرج على نفسي وأنا كده... مش هينفع... لازم حل يا رشيد."
نفض غطاء السرير من على قدميه ودلف للمرحاض يستحم متطهراً ثم خرج من البيت.
كان سيذهب له بمقر عمله لكن لمح سيارته تصف أمام المنزل فدلف للداخل يسأل عنه.
جلس أمامه في مكتبه ببعض التوتر لكن خاله هتف:
"صباح الخير يا رشيد، مالك كده شكلك متضايق."
"أنا... أنا عندي مشكلة كبيرة قوي يا خالي وعايزك تقف جنبي وتساعدني."
استرعى خاله القلق وسأل بريبة:
"خير يا رشيد... عندك مشكلة في شغلك اللي برا ولا إيه؟ قول وأنا رقبتي سدادة من جنيه لعشرة مليون."
"لا يا خالي مش عايز مساعدة في شغلي."
استوى خاله على كرسيه يردد:
"مانا بردو استغربت، أصلك طول عمرك رافض تشتغل معانا وصممت تسافر بالفلوس اللي معاك وفتحت شغل برا ودايماً كنت رافض مساعدتنا فشغلك مع إننا بنعملها مع الغرب، الله!!! أمال عايز إيه عشان أحل لك المشكلة اللي عندك."
استجمع قوته مع بعض البجاحة ليردد بثبات:
"عايز جميلة."
"إيه؟!!!"
دلف بسيارته داخل الحرم الجامعي يهاتفها عدة مرات وهي لا تجيب.
توقف بغضب وهو يراها تجلس مع مجموعة من الشباب والفتيات تضحك على إحدى النكات.
نهشه الغضب وعرفت الغيرة طريقها إليه، تقدم عندها يهتف:
"اتفضلي معايا."
"كمال؟! جيت هنا إزاي؟؟ وإزاي سبوك تدخل عادي؟"
"يالااا يا جنا."
نظرت حولها بتوتر تشعر بالإحراج، زم شفتيه بضيق كونه وضعها بموقف كهذا ثم حاول التحدث بروية:
"يالا يا جنا لو سمحتي."
كادت أن تتحرك لولا صوت إحدى الفتيات التي وقفت تقول:
"طب مش تعرفنا بنفسك..." مدت يدها تردد:
"أنا فريدة صاحبت جنا."
"أهلاً وسهلاً... أنا كمال ابن عم جنا."
"أهلاً وسهلاً."
"أهلاً... يا يا جنجونة."
ارتاحت قليلاً مادام قال "جنجونة" يعني أنه عاد لوضعه الصحيح معها ونسي تخريفات الزواج تلك التي كان يهذي بها مسبقاً.
لذا تحركت معه بلا خوف ليجلسا بالسيارة ويقودها يخرج من الجامعة ونطاقها كله ثم يقف على جانب الطريق يشد فرامل اليد ويضغط عيناه فظهرت على ملامحه علامات الغضب المكظوم ثم ردد من بين أسنانه:
"مين الولدين اللي عندك على إنستغرام دول، هااااا."
صرخ فيها لتنتفض ثم هتف:
"ردي."
"انت مالك."
"انطقي أحسن لك، دول عاملين رياكت على كل صورك، معجبين مش كده؟"
"انت مااااالك."
"هو إيه اللي أنت مالك أنا ابن عمك وهبقى جوزك."
"وأنا مش موافقة."
"توافقي أو ماتوافقيش مش قصتي دلوقتي أنا عايز أعرف مين دول وصفحتك مفتوحة للجميع ليه أصلاً الصفحة هتتقفل من بكرة والباسورد هيبقى معايا أنتِ فاهمة ولا لأ."
اتسعت عيناها وهي تسمعه، إنه العجب العجاب، من تمرمغ يأخذ الفتيات من الشرق والغرب حين أحب تحولت شخصيته اللطيفة،، سيغلق على حبيبته بالضبة والمفتاح، بالطبع يخشى أن يجري معه ما فعله بغيره، زير النساء كمال الوراقي...
ناداها محذراً:
"حبيبي... سيبي النسكافيه ده وتعالي افطري."
تقدمت لتجلس بجواره لكنه سحبها لعنده يقول:
"طب ما تيجي على رجلي وأكلك."
شهقت بخجل:
"ولما حد يدخل علينا."
"ماحدش يقدر يدخل غير لما يخبط وبعدين ما يدخلوا، واحد حر في مراته."
نظر له بصمت ليقول:
"أنا خارج بعد شوية... عندي مشوار."
"رايح فين؟!"
"هقابل بابا جميلة، لازم أنهي معاه كل حاجة بشياكة كده أفضل، أنا لازم أعلن جوازي منك بقا، ونعمل فرح بعد كام شهر عشان حالة الوفاة اللي عندنا.. بس أنا عايز أعملك فرح بصراحة، فرح يليق بلونا."
أبتسمت له باتساع تستقبل كلماته متقبلة ثم همست:
"وأنا على ما تخلص هروح أزور بابا، الدكتور بيقول إن كتر مقابلاتي بيه الأيام اللي فاتت من ساعة ما رجعت من برا حسن حالته، صحيح بيطئ بس بيتحسن."
"روحي يا حبيبي، هبعت معاكي السواق.... بس تخلصي فطارك الأول."
"حاضر."
كادت أن تشرع في استكمال طعامها لكن دقت دينا على الباب فانتفضت لتقف لينهرها مردداً:
"إيه يابت ده هو أنا شاقطك ماتثبتي أنتِ مرات ماهر الوراقي."
ضمها من خصرها بزيادة وقال:
"أدخل."
دلت دينا لتتسع عيناها بصدمة من وقاحة مديرها المستجدة وهي تراه يجلس فتاة على قدميه ويطعمها في فمها لتتعلثم مرددة:
"سسس.. سعادة الوزير فففاروق دويدار برا جاي يقابل حضرتك."
"آه دخليه على طول."
قالها بحماس بعدما وضع الطعام و وقفت لونا تبتعد عن قدميه وهي تردد:
"فاروق دوي.. دويدار... أنا سمعت الاسم ده قبل كده."
"يمكن في التليفزيون ماهو وزير."
"يمكن."
ليذلف فاروق بكيسه وفخامته نافخاً ريشه عين على ماهر وعين ماكرة على لونا التي ما إن أبصرته حتى وقع قلبها بين قدميها.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثلاثون 30 - بقلم سوما العربي
ظهور علامات عدم القبول أو الأستثناء، بل والرفض التام على ملامح خاله صعبت مهمته. وهو يعلم منذ البداية أنها صعبة وحالته غير مقبولة، كونه متزوج ولديه طفل. لم يكن متوقعاً أن يفرش الأرض ورداً بالمقابل.
أتّكائه الوحيد كان على كونه خاله ورجل مثله بالتأكيد سيفهمه. لكن كل ذلك انمحى بمجرد تحول ملامح وجه خاله. الرجال للرجال، ولكن كل شيء يختلف إن تعلق الأمر بابنته.
بالأساس تغيرت وضعية جلوسه، عرف رشيد أنه رافض. فبعدما كان يجلس بأريحية على كرسيه، تحفز جسده واتكأ بيده على ذراع كرسيه واليد الأخرى أسفل خده، ينظر لرشيد بصمت بعدما أنهى كلماته. ثم ردّد بهدوء:
"خطر... أنت من كل عقلك شايف إنه عادي تيجي تقعد قدام راجل وتقوله أنا بحلم ببنتك؟ هو انت فاكرني مولود في كومباوند؟ ولا عيشتك في ألمانيا علمتك البجاحة ونستك الأصول؟!"
"يا خالي..."
قاطعه بغضب متحفز:
"خالي إيه وزفت إيه على دماغك، في إيه يا رشيد؟ أنت اتجننت؟!"
نكس رشيد رأسه أرضاً وقال بخزي:
"عندك حق في اللي بتقوله، ويمكن أنا غلطت في التقدير. قولت الخال والد وهتفهمني خصوصاً إنك راجل زيي، وأكيد اتعرضت لموقف زي ده. أنا ما أخذتش جميلة دخلتها حلمي ده حصل غصب..."
قاطعه صلاح:
"ماهو من كتر تفكيرك فيها."
"ماهو ده كمان غصب عني."
"يبقى تقدر على نفسك بقى يا حبيبي."
"إزاي؟ أنا مش قادر."
صك أسنانه وكمل من بينهم:
"لم نفسك بقى، مش قادر إيه مش كفاية جاي تقولي إنك حلمت إنك نايم مع بنتي."
نكّس رشيد رأسه من جديد يستمع لخاله وهو يكمل:
"تفكر نفسك دايماً إنك راجل متجوز ومراتك ست محترمة ماشفناش منها حاجة وحشة وعندك ابن محتاج رعايتك."
استوى في جلسته يكمل منذراً:
"وإن جميلة ست البنات وعمرها ما هتتجوز واحد كان متجوز قبل كده ومخلف. انت ابني وحبيبي وبعزك. ربنا وحده يعلم مكانتك عندي، بلاش تهزها يا رشيد."
أسبل رشيد عيناه وهو ينظر أرضاً، ثم عاود فتحهم ينظر إليه مردداً:
"عشان خاطري فكر تاني يا خالي، بلاش يبقى كلام نهائي."
بإشارة واحدة من كف صلاح موّت الأمل وردد:
"نهائي يا رشيد، بنتي مخطوبة لماهر الوراقي وقريب هعزمك على خطوبتها."
رفع إحدى حاجبيه، التقط طرف الخيط "ماهر الوراقي". وقف من مطرحه يردد بعزم واضح:
"تمام يا خالي... بس كنت أتعشم لو تعرض الموضوع على جميلة."
قالها وهو لا يعلم هل مازال لديه أمل بجميلة أم أنه يرد كسب الوقت لا أكثر. وجاء رد خاله صارم وصريح:
"رشيد يا حبيبي، أنت كلامك ده مستفز ويعتبر إهانة. أكيد مش هروح أقول لبنتي اتجوزي راجل على ضرة، دي جميلة أبو العينين يا رشيد، بلاش أزعلها من ابن عمتها وخليكم صحاب وقرايب أحسن."
"عندك حق يا خالي، عندك حق."
قالها بابتسامة قوية واثقة تخفي عزمه على عدم اليأس. لن يخرج القصة من رأسه مهما حدث.
رشيد شخصية مرتفعة الاستحقاق، يرى أنه متعب ويريد جميلة، ولا مانع من أن تصبح زوجة ثانية. ليست أول من يفعلها، فأكم من فتيان عذراوات تزوجن من رجال لديهم زوجة وأطفال، ومحركهم الأساسي هو الحب.
آه... "الحب" و"ماهر الوراقي". ابتسم وخرج بأهداف واضحة تختصر عليه الطريق لجميلة. وصية خاله وتحذيراته كانت واضحة، ألا يقترب من جميلة مطلقاً. لكن رشيد على قدر عالٍ من البجاحة والجرأة تجعله يخرج من عنده ويذهب للشركة قاصداً مكتبها، ينتظرها بابتسامة عريضة واثقة مستمتعاً.
بأعين ذئب تلمع على ضحيتها تقدم منهم وهو يرى وقوف ماهر مردداً:
"أهلاً أهلاً فاروق باشا بنفسه منورني في مكتبي؟ ده إيه الخطوة العزيزة دي."
ابتسم فاروق وردد بكبر وكياسة:
"الجبل اللي ما يجيك روح له أنت ولا تقعد تتمنى."
قالها وعينه تلمع على لونا، يرى رعبها وارتجافها تقف تقترب من ماهر غير مرتاحة. بينما ماهر قد جعد مابين حاجبيه وردد بابتسامة مستنكرة:
"جبل إيه وما جاش فين؟ أنا مش فاهم حاجة، هو معاليك طلبتني في حاجة ورفضت؟!"
لم يجيب عليه فاروق، أجابه مباشرة على كلامه بل قطعه قطعاً وهو يوجه نظره مباشرة ناحية لونا:
"أهلاً أنسة لونا، فات وقت كبير من ساعة ما قابلنا بعض."
تجهمت ملامح ماهر وقال:
"آخر مرة وفات وقت؟!! هي في إيه بالظبط! أنتو اتقابلتوا فين قبل كده؟!"
توترت ملامح لونا وارتبكت، لكن فاروق رد بقوة عادي:
"اتقابلنا من فترة في افتتاح اللونشنج الجديد، حتى سابتني وقتها ومشيت من غير سلام، ينفع كده يا ماهر؟"
نظر ماهر بفخر وسعادة على لونا التي تقف تفرك أصابع كفيها ببعض متوترة، ثم عاود النظر لفاروق وردد بنظرة ثاقبة:
"معلش، أصل مدام لونا خجولة جداً ومالهاش في الجو ده خالص."
"مدام؟!!!"
رد عليه ماهر بابتسامة متسعة بها قدر من السماجة:
"أممم."
ثم مد ذراعه حاوط به خصر لونا وقربها منه وهو مازال جالس على مكتبه، لصقها بجسده مردداً بينما يده تتحرك على خصرها بحرارة:
"مدام لونا تبقى مراتي، مدام ماهر عزام."
"إزاي يعني؟!"
احتدمت ملامح ماهر وردد بحاجب قد ارتفع ينم عن الغضب:
"هو إيه اللي إزاي يا باشا، بقولك مراتي، المدام، فين الغريب مش فاهم."
لعبت عينا فاروق وردد بخبث:
"أصل أنا معلوماتي بتقول غير كده بصراحة."
"معلومة غلط، خدها من صاحب الشأن أحسن، مدام لونا تبقى مراتي."
"بس... مش تقريباً كنت خاطب جميلة أبو العينين؟!"
"كنت... دلوقتي أنا متجوز لونا بنت عمتي."
غيرته استفحلت ولم يتحمل، وما كان يمنعه عن إبراحه ضرباً هو كونه رجل متقدم بالعمر ولونا بمقام ابنته، ومع ذلك لم يستطع. رفع أنظاره لها يردد بابتسامة لطيفة وهو يضغط على أنامل كفها بكفه:
"حبيبي، إيه رأيك تروحي تكملي شغلك."
انتشلها من بحر الخوف والقلق بكلماته تلك. انتفضت منتبهة ورددت على الفور:
"لا هروح أزور بابا، ده معادي معاه."
"أوكي يا روحي انزلي، هتلاقي السواق مستنيكي."
ابتسمت وتحركت بتوتر تغادر الغرفة على الفور، ونظرات فاروق تتبعها لينقر ماهر على سطح المكتب بغضب يردد:
"إيه يا فاروق بيه، أكيد مش سايب الوزارة وراك وجاي لي عشان نتناقش في موضوع جوازي."
راوغ فاروق ورد:
"كنت جاي أعزيك في جدك، ماكنتش أعرف إن زيارتي هتزعجك كده."
نجح في إحراج ماهر الذي تململ في جلسته بارتباك وردد:
"لا لا ماتقولش كده، دي مجيتك دي شرف كبير لأي حد وحضرتك منورني."
ثم سحبه في حديث خاطف مختصر عن المال والأعمال لم يتعد الربع ساعة، وقد خرج فاروق من مكتب ماهر والشركة كلها يهاتف فاخر بغضب وهو يجلس في سيارته:
"أنت شكلك كبرت وخرفت يا فاخر لما فكرت تلعب مع فاروق دويدار."
ليرد فاخر بلهفة واضحة فيها اللهاث:
"ليه بس يا باشا وأنا أقدر ألعب مع فاروق دويدار؟ مجنون أنا مثلاً ولا مستغني عن نفسي."
"البت طلعت متجوزة يا فاخر."
"كدب يا باشا."
"هتحور تاني؟ ماهر نفسه هو اللي قال كده."
"يا باشا ماهر بيحور، بيقول كده عشان يحجزها، لكن هو أساساً لسه خاطب جميلة بنت صلاح أبو العينين، وممكن تتأكد من كده بنفسك."
"فاخر، أنا مابحبش اللعب. آه، على فكرة القرض اللي كنت مقدم عليه أنت وأخوك اترفض."
"ليه بس يا باشا؟"
"المركزي رفض، الأيس كول بتاعك وحش قوي بيقولوا بتتأخروا في السداد."
"ماشي، بس بنفس معاليك ممكن تتزق وتعدي."
رد فاروق بنبرة موحية:
"مش عارف يا فاخر، بس انت عارف الرفض لما بيبقى جاي من البنك المركزي بيبقى صعب تغييره. هشوف بقى كده."
صمت ثوانٍ ثم قال:
"أبعت لي رقم لونا كده أتأكد منها."
صمت فاخر ثم سأل:
"بقولك يا باشا، هو معاليك مهتم بيها ليه؟ عايز تتجوزها؟"
ضحك فاروق:
"هو أنا بتاع جواز برضه يا فاخر؟! أبعت لي رقمها في رسالة."
نزل الهاتف من على أذن فاخر بصدمة تحت أنظار أخيه الذي يجلس لجواره مترقباً ينتظره، حتى يسأل:
"في إيه؟! قالك إيه مخليك متنح كده؟"
نظر له فاخر وقال بخوف وصدمة:
"إحنا أكبر معفلين في الدنيا."
"ما طبعاً، ما اللي أبوهم يعمل معاهم كده يبقوا أكبر معفلين في الدنيا."
"لا مش قصدي كده، إحنا عملنا كارثة من ما فيش ولبسنا نفسنا مع ماهر على الفاضي. صحيح، إحنا دماغنا حدفت يمين وفاروق دويدار ده شمال، الشمال أصلاً. الباشا طلع لا عايز جواز ولا نيلة، عايز عطاءه على السريع مش أكتر."
هب عزام من مكانه يردد بغضب أخيراً:
"لاااا، فاخر، أنا مش قرني. جواز ماشي، لكن أرفع أرايل لأ."
تراجع فاخر للخلف بتوجس ثم ردد بعدم رضا:
"وده من إمتى ده إن شاء الله؟ الله يرحم رحيل وأيامها لما..."
قصف عزام يقاطعه:
"الكيلاني كان هيتجوزهاااا، مش هيعطي يومين."
"بقولك إيه يا عزام، بلاش شغل المسارح ده، ماحدش ويانا. ده أنت صاحب اقتراح مسح قسيمة الجواز من على السيستم."
"كان الكلام في جواز وجاي مع مصلحة، أنا مش هرفع أرايل على آخر الزمن يا فاخر... أنت سامع ولا لأ."
لجأ فاخر للتروي يجلس مردداً:
"ماشي، اهدى... من إمتى عندك دم كده؟ طول عمرك بتاع مصلحتك ومسحت قسيمة الجواز وظبطت كل حاجة، أمال كنا بنعمل كل ده ليه بقى؟"
جلس عزام من جديد يردد:
"العيال دي لو اتحدت هنضيع وسطهم، لازم نبعدهم عن بعض ونفركش شروط الوصية."
"قصدك إيه؟"
"أنا كلمت المحامي، الطعن على الوصية ممكن بس المحاكم بتاخد وقت، لكن في حل تاني إن شروط الوصية ماتتمش، ساعتها تبطل والتركة تتوزع على الورثة عادي."
"تفتكر؟ هنعرف نعمل كده؟"
"هنعرف طبعاً، بس انت اسمع كلامي وسيبك من فاروق دويدار دلوقتي."
نظر له فاخر بطرف عينه ثم قال:
"آه طبعاً طبعاً."
قالها بلسانه ويده بالأساس تبعث رسالة برقم لونا لفاروق دويدار.
عاد في المساء يتقدم بخطى ثقيلة مجهد لحد كبير، كاد أن يدلف لغرفته لكن أوقفه نداء شقيقته. التف لها يبتسم:
"مساء الخير يا حبيبتي، إيه اللي مصحيكي لدلوقتي؟"
"مستنياك، أنت لازم تشوف لي حل في اللي أنا فيه."
هز رأسه متنهداً ثم قال:
"تعالي."
فتح باب غرفته ليصدم من الضوء الخافت والطعام الموضوع على الطاولة وتلك الجنية التي ترتدي ثوباً شفافاً تنتظره. اتسعت عيناه بصدمة وأغلق الباب فوراً بارتباك يمنع تقدم جنا التي قالت:
"إيه يا أبيه مش قولت لي تعالي وهنتكلم."
ابتلع لعابه بصعوبة ثم ردد:
"في أوضتك، نتكلم في أوضتك أحسن."
"ومالها أوضتك؟"
"ياستي أنا عايز أقعد في أوضتك، فيها إيه دي."
هزت كتفيها مستغربة تردده:
"نتكلم في أي حتة بس المهم تشوف لي حل."
تقدم يدلف معها لغرفتها، وقد فر منه عقله وجن جنونه، فشكلها وهيئتها وهي تنتظره طيرت كل تركيزه. جلس معها على حافة الفراش، وبدلاً من أن يستمع لها، تحدث هو بحديث ملح يرى أنه لا يجب أن يتأخر أزيد من ذلك، لذا حاول التحدث بارتباك:
"بصي يا جنا، في حاجة حصلت كده وأنا كنت عايز أقولك عليها بس ظروف موت جدو منعتني."
"إيه هي؟"
حمحم بارتباك ثم اندفع يقول:
"أنا ولونا اتجوزنا وهي دلوقتي في أوضتي بقت بتنام معايا."
شهقت تضع يديها على فمها تردد:
"إيه؟! من إمتى وليه ماحدش يعرف!"
"كله عارف، أنتي بس اللي ما جت فرصة تعرفي."
"من إمتى؟"
"من قبل موت جده بشوية وكنا ناويين نعلن بس موت جدو بقى فاجئنا كلنا."
"وازاي ماما ماتعرفش حاجة زي..."
"ماما أول واحدة عرفتها أصلاً."
"أصلاً!!! ده أنا في غيبوبة بقى، وأنا اللي فاكرة نفسي ناصحة."
صمتت لثوانٍ تكمل:
"يعني كده أنت ولونا متجوزين أصلاً وشروط الوصية متحققة."
هز رأسه يقول:
"أنتي عارف أنا كنت معجب بيها."
صمتت لثوانٍ ثم قالت:
"عارفة، مبروك يا أبيه، طب وجميلة؟"
"أنا أخذت معاد من باباها وهروح له وأواجه وأخلص القصة دي، أساساً أبوكي وعمك هما اللي حطوني حط في القصة دي."
"تماااام."
هزت رأسها بتيه تفكر في اتجاهات عدة، بينما هو يسألها:
"همم، قوليلي بقى كنتي عايزاني في إيه؟"
انتبهت له وعقلها يلف معها، لم يحدد ما الصالح بعد، بذا توهت الحديث وموعته ثم أردفت:
"لا ولا حاجة، شكلك تعبان وعايز تروح تنام."
"آه قووووي."
قالها موجوعاً من هيئة لونا التي رآها بها منذ قليل، لتبتسم جنا وتقول:
"خلاص روح نام دلوقتي ونتكلم بعدين."
"تمام يا حبيبتي أشوفك بكرة."
تركها وخرج، وبقيت هي جالسة مكانها تفكر بشرود.
خرج من عند شقيقته ثم تحول لمتصابي وهرول ركضاً ناحية غرفته، يفتحها فيدلف ويغلق الباب خلفه بسرعة وتهور. ارتفعت ضحكاتها تملأ الغرفة، شرحت صدره وجننته، فهي متدلعة متغنجة تذهب عقل العالم. جننته تماماً بأفعالها حتى أدمنها وبات عليلاً. اقترب منها يتفحصها بجنون، يرفع يدها بكفه وجعلها تدور حول نفسها، لا يصدق ما يراه من جمال وعظمة، أبدع الخالق في صنعها. لونا بجمالها الحوري المتغنج كانت ترتدي ثوباً من الشبك الأسود، ثقوبه متوسطة الحجم يظهر كل جسدها. جننته تماماً، فأخذ يقترب منها وهي تعود للخلف بترقب منه ومن جنونه. لم يبالي بالطعام وما حضرته من عصائر، بل أخذ يخلع عنه ثيابه مردداً:
"وبعدين معاكي هاا، ناويه تجننيني أو يمكن عايزة تموتيني من كتر السعادة؟!"
حور قميصه من عليه وانقض عليها فسقط بها على الفراش لتصرخ برعب:
"ااااه، أنا؟! والله أبداً."
"أبداً، هو انتي مش عارفة لما بتلبسي لبس زي اللي انتي مش لابساه ده بتبقي عاملة إزاي؟ ولا أنا بيجرالي إيه؟!"
ابتسمت بدلال تردد:
"عجبك؟!"
بدأ يوزع قبلات على نحرها المغري وهو يردد بهوسه:
"موتني؟!"
ثم قبله:
"جنني."
وقبله:
"انتي وبعدين معاكي، هتعملي فيا إيه تاني أكتر من كده؟"
رفع رأسه عن عنقها وردد أمام شفتيها:
"أكتر من كده ممكن أموت."
"بعد الشر عليك."
ابتسم لها، كل ما تفعله أهم عنده وعوضاً عن التصريح بالحب، وهو مكتفي بهذا القدر. هز رأسه يردد:
"وحشتيني."
ابتسمت فقط وهو لا يتأمل بالمزيد. مال عليها بصمت، سمح لنفسه بتذوقها قطعة قطعة، يأخذها لعالم مليء بالشغف والإثارة، يريها آيات عشقه المجنون لها، وهو كما هو دوماً ماهر دوماً شغوف، ذوبها بين يديه ويرى منها تجاوباً جديداً ومختلفاً. لونا أذاقته طعم تقبلها واستجابتها، تصرفت بدلال أشعله زيادة، غنجها أحياناً وجموحها أحياناً زاد من جنونه بها وعليها، وفتك بها كالعادة.
في ساعة متأخرة من الصباح، قبل الظهيرة بساعات، استيقظت بكسل تتثاءب. التفت بجوارها لتجد ماهر يشاركها ثلاث أرباع الفراش بسبب فرق الأحجام، ومازال غارقاً في النوم هو الآخر. نظرت للهاتف لتجد الساعة قد تخطت الحادية عشر صباحاً. شهقت متفاجئة تردد:
"يانهار أبيض."
حاولت إيقاظه تردد:
"ماهر... ماهر... اصحى اتأخرنا على الشغل."
فتح عيناه بصعوبة ثم جذبها لتسقط على صدره يردد بصوت متحشرج من أثر النوم وهو يطبع قبلة على خدها:
"صباح الخير يا حبيبي... تعالي تاني في حضني ننام."
"يا ماهر اتأخرنا، الساعة ١١."
"بالليل؟"
"الصبح."
تقلب في الفراش وهو يحاوطها ويأخذها معه يردد بخمول ولا مبالاة:
"لسه بدري عادي."
"يالا يا ماهر، عايزة أروح الشغل."
"مانا طول عمري بشتغل، سيبيني أنام في حضنك شوية بقى... تعالي."
نامت بأحضانه غير مقتنعة بما يقوله، لكنه ردد:
"كده كده أنتي مش هتروحي الشغل النهارده."
احتدمت ملامحها وكادت أن تقف لتردد:
"ليه بقى؟! لحقنا؟!"
ابتسم عليها ثم ردد:
"تملي كده ظالماني؟! أنتي مش هتروحي الشغل عشان القمر بتاعي عنده دراسة."
انتفضت تسأل بتوجس وخفقات عالية:
"احلف؟"
حلف بأمانة:
"وحياة لونا عندي."
"ماهر!!!"
ضمها يردد:
"بحلف بأغلى حاجة عندي عشان تصدقي."
"بالله عليك بلاش تخليني أحلم وأنت..."
قاطعها يردد:
"والله ما كلام، أنا كلمت حد واصل وهو طمني إن لسه عندك فرصة تاخدي آخر سنة في ثانوي وبعدها للجامعة على طول."
هزت رأسها بجنون غير مصدقة:
"بجد يا ماهر؟! عمي زمان سأل وقالوا فرصها خلصت."
"بيضحك عليكي، وبعدين مع ماهر كل السكك تتفتح، ولو مافيش هنا تتعلمي برا."
ضمها له يردد في أذنها:
"خليكي انتي معايا وأنا هحقق لك كل أحلامك."
"حاضر... هخليني معاك."
قالتها بهزيان، حلم إكمال تعليمها ككل الفتيات وكجميلة طير عقلها على الأخير. ضمته لها بجنون تردد:
"شكراً يا ماهر... شكراً."
من كان ليصدق أن يأتي الوقت الذي تحتضن لونا ماهر وتشكره على وجوده بحياتها.
أسبوع مر على الجميع، انتظمت فيه لونا ببداية الدراسة وزيارة والدها، بينما رشيد محدد لأهداف أخرى (جميلة وماهر). تركها أسبوع كامل لتهدأ، وها هو يجلس أمام بيتها متكئ على سيارته يتحدث في الهاتف مع أحدهم بعصبية:
"يعني أسبوع مراقبينه ماعملش حاجة غلط! ماخرجش مع بنت؟! مالفش سيجارة؟! مارفعش كاس؟! مارحش يسهر؟!"
"والله يا باشا هو ده اللي حصل وأنا هكدب عليك ليه؟!"
"عشان مش شايف شغلك مظبوط، هو في شاب في السن ده من البيت للشغل ومن الشغل للبيت؟! مابيغلطش، مابيعرفش بنات؟! فتح عيونك يا فتحي بلاش أقلب عليك."
ثم أغلق الهاتف في وجهه وزفر بضيق شديد، ليعتدل في وقفته سريعاً ويرسم ابتسامة على شفتيه ما إن رآها تخرج من باب البيت متجهة لسيارتها. تقدم ليقف أمامها يقطع عليها الطريق مردداً:
"جميلة.. ممكن أتكلم معاكي."
وقفت بصمت، وجهها وكل ملامحها ظاهر عليها ملامح عدم القبول. ابتعلع ريقه بصعوبة وهتف:
"أنا قولت أسيبك كام يوم لحد ما تهدي وحبيت أجلك دلوقتي عشان أعتذرلك عن اللي عملته، ماكنش المفروض أبداً أتصرف كده."
"مش كفاية.. اعتذر تاني."
فرد على الفور بلهفة:
"أنا آسف آسف يا جميلة، أتمنى تسامحيني بجد آسف."
"خلصت؟"
هز رأسه بأمل عالٍ منتظر رضاها، لكنها صدمته وهتفت ببرود:
"أسفك مش مقبول يا رشيد… أنت ماخبطش توبة في شباك أوضتي، أنت اتسحبت لأوضتي واتهجمت عليا، سلام."
ثم تحركت وتركته خلفها يحترق من الغضب والإحراج.
خرجت من باب المشفى تتنهد بارتياح، حالة والدها اليوم كانت بأعلى حالات التحسن، وقد بدأت دروسها وعادت تذاكر لتنجح. تنهدت بحب، فأخيراً ابتسمت لها الحياة وحياتها استقرت. ارتفع رنين هاتفها، أخرجت الهاتف تهز رأسها وتبتسم بيأس تعلم بهوية المتصل قبل أن تنظر للهاتف حتى، ومن غيره الذي لا يطيق صبراً على الجلوس بدونها. فتحت الهاتف تردد:
"ألو."
"إيه يا حبيبي… اتأخرتي عليا قوي.. هتيجي إمتى؟"
"خلصت خلاص بس مش هاجي على الشركة."
"ليه بقى كده بقااا."
ضحكت على حالة جنانه بها ثم ردت:
"لازم أروح أذاكر عشان ألحق ألم المنهج، أنا أصلاً ناسياه."
زفر بضيق:
"هي الدراسة دي هتيجي عليا أنا بخسارة ولا إيه؟"
تنهد ثم حاول أن يبتسم مردداً:
"بس ماشي… روحي وخلصي عشان لما أرجع بالليل تكوني فاضية لي، ديل؟"
ضحكت، فماهر لن يتوقف عن المساومة وهتفت:
"ديل يا ماهر."
أنهت مكالمتها ووضعت الهاتف بحقيبتها وغادرت متحركة، غافلة عن أعين شاب على دراجة بخارية يتابعها هي وهاتفها الغالي ثم وضعها إياه في حقيبتها الفخمة. زاد من سرعة دراجته وبلمح البصر خطف حقيبتها وتركها تصرخ خلفه من الصدمة والرعب.
في قسم شرطة مصر القديمة، جلست أمام الضابط تعطيه معلومات عن شكل السارق وهي تبكي وترتجف. هز رأسه وحاول تهدئتها مردداً:
"ماشي عرفته عرفته.. ساعة بالظبط وهنجيبه."
بعد مرور ساعة استطاعوا إحضار الشاب، فهو معروف بالسرقة حول المنطقة. كادت أن تتحرك مغادرة القسم والمنطقة في نفس الوقت الذي خرج فيه "الدوكش" من مكتب وكيل النيابة مع محاميه، وسألته إحدى الفتيات:
"خير ياخويا."
رد المحامي بلا مبالاة:
"جددوا له."
صرخت الفتاة:
"تاااااني."
أخذت الفتاة تصرخ و"الدوكش" عينه على هدف آخر يملح جسده… هتف عالياً (يا أستاذة) حاول جر عسكري التجنيد معه بالكلابش وتحرك لعندها وبعينه الانتقام، وأوافقها عنوة يقطع عليها الطريق. وما أن أبصرته لونا حتى صرخت تتذكر أقذر أيام حياتها، وهو ردد مبتسماً:
"إزيك يا حتة؟! فاكراني؟! ماهر باشا عامل إيه؟!"
جلس على مكتبه بكسل وحالمية، يبتسم أحياناً وأحياناً أخرى يحاول التركيز على عمله كي ينهيه ويذهب لينال مكافأته ليلاً من عند لونا، تمام كأي تلميذ شاطر. نهض بسعادة بالغة ينتفض من مكانه ما إن رأى الباب يفتح وهي تدلف منه، فوقف بفرحة:
"إيه يا حبيبي مش قولتي هتروحي البيت؟ مقعول وحشك فجيتي لي!"
هزت رأسها بتقزز منه ثم هتفت بما أوقع قلبه بين قدميه:
"بقا بتنطط راجل على مراتك يا ديوث يا وسخ."