تحميل رواية «سيطرة ناعمة» PDF
بقلم سوما العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
آه، كنتِ وحشاني بشكل. بكراهم. همست لونا بقهر قبلما يقهقه عاليا بينما يجذبها لأحضانه المتعرقة العارية وجسده يهتز من شدة جلجلة ضحكاته. مسح جبينها المتعرق إثر فعلته ثم أكمل: وأنا كمان بكرهك يا روحي. حاولت التملص من بين أحضانه لتخرج منها وتبتعد عنه. فهمس: إثبتي بقى، لسه فيكي حيل. فقالت بغضب مكبوت: سيبني. تحولت ملامح وجهه على الفور للضيق والتجهم. فحررها من بين ذراعيه كما أرادت لتلتف بسرعة وكأنها تبتعد عن ملقف للقمامة تستعد للذهاب للمرحاض. فقال: رايحة فين؟ وقفت توليه ظهرها ولم تجب. فقال: رايحة تستحمي...
رواية سيطرة ناعمة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سوما العربي
انسحبت الدماء من أوردته، ثلج جسده وتخشبت مفاصله، جف حلقه تماماً وبات كالعلقم، حياته تنهار أمام عيناه.
تحرك ببطئ وتقدم منها يحاول التحدث مردداً:
- إيه... انتي بتقولي إيه؟
هدرت بعنف شديد تصرخ:
- مش عارف بقول إيه يا روح أمك؟ إيه اتطرشت؟!
حاول سحب أنفاسه وهو يسبل جفناه يتغاضى عن سبها له، لا يعلم أن سبها كان اختباراً. لو كان بريئاً مظلوماً فلن يتحمل الإهانة، وبتفاديها علمت لونه فطنته أن سبها لا يضاهي فعلته المنكرة التي فعلها. هي تعلم ماهر جداً، كبره عالٍ وأنفه في السماء يتنفس نرجسية وغرور. ما كان ليسمح لها لولا علمه بأن فعلته شنعاء لا تُغتفر ولا يضاهيها أي سب أو قذف.
وهمس برجاء:
- أهدي يا حبيبي و...
أخرسته تصرخ:
- ما تقولش حبيبي دي تاني، ما تقولش كده تاااني... انت مش هتضحك عليا تاني.
رفع كفيه علامة الاستسلام وهو يلوح لها بيده أن تهدأ وردد:
- حاضر حاضر مش هقولك كده بس ممكن تهدي وتسمعيني، قوليلي إيه اللي بتقوليه ده؟! جبتي الكلام ده منين؟
- منين؟! هههه، صح هجيبه منين!! ما اللي عمل كده لفقت له قضية وحبسّته. لما لقيته كل شوية بييجي يطلب فلوس، رحت ملفق له قضية محترمة وخلصت منه.
ثواني وربطت الأحداث ببعض واستطردت مهمة:
- اااااااه عشان كده؛ عشان كده وافقت إني أسافر لحد ما تعرف هتتصرف معاه إزاي. ولما عرفت جيت بقا تاخدني مش كددده؟
تخبطت معدته من الخوف، بلل شفتيه، متوتر وقال:
- لونا حبيبتي، اسمعيني بس أنا...
قاطعته تردد:
- انت هتطلقني حالاً سامع ولا لأ.
سقطت كلمة الطلاق عليها كالنيزك وهشمته لأشلاء ممزقة تنزف. بسيرتها فقط فقد روحه وكيانه وهبط ضغط دمه وانخفض معدل ضربات قلبه. هو غير قادر على سماع طرح الفكرة من أساسه.
اندفع يقترب منها بلهفة، وتحول لمتوسل يصعب على الكافر:
- لا... لا يا لونا لا... لأ عشان خاطري لأ، أي حاجة غير الطلاق لا... ما تبعديش عني يا لونا أنا ما أقدرش أعيش من غيرك، ده أنا ما صدقت بدأتي تتقبلي حبي وتتقبلي جوازنا... عشان خاطري لااا.
دفعته في صدره بقسوة تردد بغلظة:
- مالكش خاطر عندي، وهتطلقني يعني هتطلقني، انت سامع.
تحركت تغادر وتترك له المكتب والشركة. حركة خبيثة، تكتيكية مدروسة؛ فهي غادرت وهي تعلم أنه سيطير خلفها. كانت تسحبه لحيث تريد العراك، لبيت الوراقيين حيث تشاجر معها مسبقاً ونعتها بأقذر الكلمات. رد حق وانتصار.
بالفعل ترك كل ما بيده وخطف جاكيت بذلته وطار خلفها يقود سيارته متتبعاً سيارة الأجرة التي ركبتها. تجمد بخوف وهو يراها متجهة للبيت، متأكداً أنها ذاهبة لتجميع أغراضها لتهجره. وهذا ما لن يسمح به. الأمر أشبه بسحب الروح ساعة الموت، إحساسه ومراودة خياله بفكرة احتمالية ابتعاد لونا عنه تزهق روحه فعلياً وليس مجازاً.
نجحت في سحبه لحيث تريد. الصراخ، ترجلت من سيارة التاكسي تتقدم بغضب للداخل، متأكدة بأنه يتبعها. نواياها كانت مزدوجة وذهنها حاضر رغم خيبة الأمل التي تشعر بها، لكنها لن تمرر الأمر. لديها ثأر أولي لم تكن تعتقد أنها متذكرته.
لكن على ما يبدو أن العقل قد يُخدر بعض الذكريات والأفكار ليعود ويخرجها في الوقت المناسب. وهي لم تنس ذلك اليوم حين نعتها بـ "الوسخة" وما شابهها من كلمات يوم راسلها "طارق أبو العينين". واليوم جاء دورها بما كسبت يداه، هي لم تخطط، بل من أفعاله.
كان يهرول خلفها يركض خلف روحه وحياته. دلفت للبيت بخطى واسعة غير مستجيبة لنداءاته المتوسلة، ولجت لغرفته وعلى الفور تجمع أغراضها بهستيرية ممتزجة مع الغضب.
صوت نداءاته صمت آذان الجميع فخرجوا من غرفهم مستغربين، حتى أن الصوت وصل لوالدته طريحة الفراش. نادت ممرضتها ونادتها تسأل ماذا يحدث.
الكل اجتمع ووقف يشاهد مزهولاً ما يجري. ماهر الماهر يهرول مرتعب خلف لونا يتوسلها بملامح منكسرة لأول مرة. وكم انخلع قلبه من مكانه وهو يراها بالفعل تجمع أغراضها من غرفته بلا هوادة كأنها لا ترى أمامها.
أسرع ناحيتها يعيد إخراج متعلقاتها من الحقيبة وهو يردد:
- لا يا لونا... مش هتسبيني لأ، أنا مش هستحمل تسبيني، أذيني فرصة أشرحلك يا حبيبتي.
أكملت ما كانت تعمله وهي تحبط محاولاته وترد عليه بغضب وصوت عالٍ كي يصل للجميع:
- تشرحلي؟! تشرحلي إيه؟! تشرحلي قد إيه آذيتني! قد إيه لعبت بيا! قد إيه كنت مش راجل!
هز رأسه منهزماً وحاول الكلام:
- اسمعيني وحاولي تفهمي شوفي ده حصل إزاي وليه.
اقتربت منه تردد بتقزز:
- عملت كده عشان ديوث وقذر و وسخ، انت إزاي بتقدر تقف وتبص على نفسك في المراية، إزاي شايف نفسك راجل يالااا.
- اخرصي بقاااا.
اتسعت عيناها من وقاحته وردت:
- انت إيه، معمول من إيه؟ لسه ليك عين ترد، أنا ماشوفتش أقذر وأبجح منك في حياتي.
- اهدي بقا واسمعيني، انتي فاهمة غلط أنا...
قاطعته تصرخ:
- انت؟! انت أكتر إنسان آذاني ودمرني من أول الجواز اللي بالغصب والمهر المتجمد تحت صرفتك وفلوسي بتاعتي من أبويا اللي ماعرفش حتى هي فين وبيتي اللي انت سايب عمي حاطت إيده عليه رغم إنك تقدر تتصرف معاه، لحد ما أخدتني الشركة وأمرتهم اشتغل في البوفيه، أخدم على الموظفين بتوعك.
وقف مبهوتاً من كم القهر في حديثها. مراجعة أفعاله دفعة واحدة أظهرت كم كان فظاً غليظاً معها. يسمعها وهي تكمل بحسرة ووجع:
- يا مؤمن ده انت رضيت لي إني أروح أشتغل عاملة نظافة في محل ولا إنك تمسكني فلوس أو تجيب لي شغلة كويسة.
تقدم منها بندم وهزيمة تحت أنظار الجميع المصدومين من حالته، يرونه ويسمعونه وهو يصرح نادماً:
- خوفت، خوفت تقدري تستغني عني فتسيبيني.
خطفت حقيبتها تنوي التحرك وهي تقول:
- ما انت عملت كل ده وهسيبك بردو.
قبض على يدها يوقفها ويمنعها من التحرك:
- مش هتسبيني، مش بمزاجك.
نفضت يده بقوة:
- لأ بمزاجي، هسيبك وهتطلقني، انت سامع.
صرخ بصوت هز جدران البيت والحضور يظهر كم حبه وجنونه بها:
- مش هطلقك، مش هطلقك يا لونا.
- هتطلقني مش هقعد على ذمتك يوم واحد انت سامع.
زاد جنونها وهي تتذكر:
- أنا أصلا عيلة هفأ ومغفلة وماعنديش مخ، أنا كنت فين ولا كانت دماغي فين؟! كنت متوقعة إيه من واحد عمل فيا كل ده؟! وكل ما أهرب منك تجيبني، أتوقع إيه من رااااجل وقف سمع راجل تاني جاي يطلب إيد مراته منه وسابه عادي.
حمى الدم بعروقه ما إن ذكرته بذلك اليوم وزادت وهي تكمل عليه:
- راجل تاني كان قسمة نصين، ما كانش سابه يطلع على رجليه أصلاً لكن انت ما تقدرش تعمل لطارق أبو العينين حاجة، وقفت عاجز قدامه، ما تقدرش تعمل لجميلة أبو العينين حاجة عشان انت مش...
شهقة عالية صدرت عنها قطعت الحديث وصراخ جنا وهم يسمعون صوت الكف الذي هوى من كفه على خدها.
كان نفسه عالي، ينهج وعروقه حمراء، بدا وجهه مقزوماً محتقناً بالدماء وتعالت الضربات بدماغه، على ما يبدو أن ضغط دمه قد ارتفع بصورة جنونية.
وهي صرخت فيه وبدأت تفقد عقلها، أخذت تضربه في صدره هي تصرخ فيه تسبه وتتوعده أن تتركه.
حررت كل شياطينه وخرج عن طور الوعي وهو يراها تندفع لتخرج من غرفتهما وسط كل الموجودين من عزام وفاخر وجنا وكمال. جنون الموقف وشدته جمد عقولهم ولم يتدخل أحد خصوصاً وأن حالة أي منهما لا تسمح بالتدخل مطلقاً.
تحرك خلفها بجنون يلاحقها ومنعها من التحرك. كانت ستهبط الدرج بأغراض قليلة، قبض على معصمها بقسوة يسحبها لعنده:
- تعالي هنااا انتي رايحة فين.
- سيبني.. سيبني بقولك.
نجح في أخذها لعنده وبدأ يجرها ناحية ممر الغرف من جديد مردداً:
- مش هسيبك، انتي مراتي وهتفضلي جنبي منين ما أكون بمزاجك أو حتى غصب عنك.
كانت تحاول الفكاك منه بقوة تعادله حتى أنها كادت تنجح وهي تردد بغل وتوعد:
- هتسيبني، الله في سماه ما هفضل على ذمة وسخ زيك يوم كمان.
- اخرسي.
صرخ فيها لم يتحمل سبتها وهي ترد عليه بغل وقد بدأت تركله بقدمها أحياناً وتضربه بيدها مرات أخرى وهو يحاول التماسك:
- مش هخرس انت وسخ وقذر وديوث.
- اخرسي وامشي معايا.
همست جنا لهم:
- ما تتصرفوا وحد يتدخل بينهم يا جماعة بدل ما هما هيقطعوا في بعض كده.
لم يحرك أي من عزام أو فاخر ساكناً، بقيا يشاهدان بإستمتاع، بينما كمال حاول التحرك للتدخل ومعه جنا فقال كمال:
- سيبها يا ماهر، سيبها تهدى.
صرخ فيه:
- ماحدش يتدخل.
فقالت جنا:
- طب سيبها معايا يا ماهر دلوقتي، عشان خاطري، كل كلمة بتتقال بتخسركم بعض.
- قولت ماحدش يتدخل.
نجحت لونا في ضربه ولكمه ثم الفكاك منه، تحررت تحاول الهرولة ناحية الدرج. مد يده بعنف وغضب جلبها ثانية لعنده وهي تصرخ فيه تركله بقدمها من جديد ومن جديد تنعته بنفس الكلمات القذرة.
احتدم النقاش ومعه يرتفع ضغط دمه، تتعالى الضربات برأسه كالشواكيش وهو يحاول التحمل. صراخه بأغلظ اليمين أنها ستتطلق منه واليوم ليس غداً كان يزيد من ارتفاع ضغط دمه.
فجأة بدأ يتقيأ كل ما بمعدته، لم يلحق الذهاب للمرحاض وتقيأ في الممر. اختل توازنه وبقت قدماه غير قادرة على حمله وصرخت جنا ملتاعة باسمه وكذلك والده وكمال فيما بهتت ملامح لوناً وتخشبت وتوقفت عن الصراخ، مشدوهة من ما يحدث.
لم يستطع كمال الانتظار وحاول تحريك جسده الضخم معه بصعوبة يذهب لسيارته ويأخذه لأقرب مستشفى.
***
جلس رشيد يعود بظهره للخلف وتفكيره منشغل بها، هي ومن غيرها.
انتبه على صوت طفله يصرخ في أحد الأركان حيث كان يجلس وسط ألعابه يلعب.
تقدمت علياء بغضب تردد:
- هو انت يعني مش سامعه وهو بيصرخ تقوم تروح تشوف ماله ولا لازم أنا أخرج من نص الدش جري، مش معقول كده.
نهض من مكانه يردد:
- هو لسه بيعيط، كنت هقوم له انتي اللي مش بتتحملي عليه الهوى.
- مم يمكن عشان ابني وعشان هو لسه عيل صغير محتاج مراعية.
تقدم منها يجلس لجوارها يلاحظ امتعاض ملامحها وهي تحتضن الولد تهدهده فسأل مستغرباً:
- مالك بس يا حبيبتي؟
رفعت عيناها له بضيق وردت:
- بجد مش عارف مالي؟! انت مديت أجازتنا ليه يا رشيد؟ هو ده كان اتفاقنا؟!
تلعثم في الرد لتكمل:
- إيه سببك عشان أنا مش شايفه حاجة زيادة جادة ولو لاقدر الله في حاجة وحابب تقعد كنت عرفني مش أعرف أخبارك من مرات صاحبك.
غضب علياء كان واضح ولم يرض به لذا حاول محايلتها:
- عندك حق، وحقك عليا أنا كان المفروض آخد رأيك وأعرفك.
اقترب يقبل رأسها وهو يردد:
- ما تزعليش بقا مش بحب أشوفك زعلانه.
عبثت بطفولية لذيذة واستدارت بكتفها تردد:
- لا زعلانه بردو.
- لا كله إلا زعل لولا، إيه اللي يرضيكي وأنا أعمله.
وقفت تردد بدلال بعدما عاد طفلها للعب:
- شوف انت بقا، أنا هروح أكمل الشاور بتاعي.
تحركت لتكمل استحمامها وهو يتابعها مبتسماً وعاد ليجلس على كرسيه، ليلمح من النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة جميلة وهي تخرج من باب بيتهم.
وقف على الفور ينزل الدرج يحاول اللحاق بها ليرى لأين ستذهب بثيابها تلك.
خرج من بيته يراها وهي تصعد سيارتها العالية بفستان صيفي ممتاز مزيج من الأبيض والأزرق لا يصلح سوى لجلسة على الشاطئ ومعها حقيبة يد كبيرة.
هرول خارجاً يستقل سيارته متتبعها بخفة المنزل ولبس البيت. ظل يتتبعها يراها تخرج عن نطاق القاهرة.
لم يستطع الانتظار ولاحقها زيادة يضيق عليها الطريق.
وهي كانت تقود وتغني أغانيها المفضلة تستشعر تتبع إحدى السيارات لها لكنها تستبعد الفكرة بكل تأكيد.
ومرور الدقائق لاحظت زيادة تتبعها لا بل بدأت تضيق عليها الطريق، جعدت ما بين حاجبيها، كأنها تعلم تلك السيارة، اه أنها سيارة زوج عمتها التي لا يستعملها إلا نادراً.
عملت هوية السائق بالتأكيد، وقد نجح في الالتفاف بسيارته حول سيارتها جعلها تتوقف، ترجل منها وتقدم بملابس البيت المريحة جداً على الطريق الصحراوي وهي بكامل أناقتها تصرخ فيه:
- انت اتجننت، إيه اللي هببته ده؟
- نعم؟ هببته؟! رايحة فين يا هانم بلبسك ده؟
- وانت مالك.
- انطقي بقولك.
- وأنا بقولك انت مالك.
كتف ذراعيه حول صدره يردد:
- خلاص ماتقوليش، حلو، خلينا واقفين قصاد بعض كده في الصحرا.
صكت أسنانها يغيظ، تعلمه وتعلم بردوه وعنده لذا قالت من بينهم:
- رايحة الساحل يوم مع صحابي أوعى من طريقي بقاااا.
اعتدل في وقفته وقد نال مراده فردد:
- ولما هو كده مش تقولي.
- أقول لمين وأقول ليه؟ بابا عارف وموافق مش محتاجة أعرف حد تاني على ما أظن.
تقدم ببجاحة تكفي الكون يردد بابتسامة:
- تقولي لي انا.
خبثت عيناه وهو يقول:
- تقولي لماهر مثلاً، هو فين صحيح ده ولا كأنه خاطبك.
- انت أكيد مش هتوقفني في الصحرا عشان تسألني عن خطيبي ولا إيه؟!
كلمة خطيبي ضايقته، حاول كبت ضيقه وردد:
- صح، اتفضلي يالا قدامي.
- قدامك فين؟
- هاجي معاكي.
- تيجي فين بمنظرك ده انت عايز تكسفني.
نظر على تيشرته القطني وبنطلونه الميلتون بالإضافة لخف المنزل ثم ردد بثقة:
- عادي مش مهم، يالا ولا عايزة تفضلي واقفة هنا.
بضيق شديد وجنون من تصرفاته تحركت لسيارتها تطاوعه، تعلم لو لم تفعل ما كان ستحرك ليوم يبعثون.
***
وقف الجميع على باب غرفة الكشف في المشفى بقلق، جميعهم، حتى هي كانت قلقة عليه ولا تسأل لما...
خرج الطبيب من عنده ومعه كمال فسأل والده:
- خير يا دكتور.
- مش خير بصراحة، دي بوادر ذبحة صدرية.
شهقوا جميعاً وهتف عزام:
- نعم، ده شاب صغير لسه وبصحته إيه اللي بتقولوا ده!!!!!
- بقول اللي حصل يا دكتور، ضغط الدم علي عنده بصورة مش طبيعية وحالته النفسية مش كويسة خالص.
نكست لونا رأسها أرضاً فيما هتف كمال:
- طب هينفع نأخده على البيت؟
- هو ينفع خصوصاً أنه مش محتاج عناية مركزة بس أعتقد الأفضل يقضي الليلة دي هنا تحت الملاحظة خصوصاً أننا أديناه دوا مهدئ.
- ممكن نشوفه يا دكتور؟
- أه ممكن اتفضلوا.
دلفوا جميعاً عنده إلا لونا لم تكن تريد الدخول، علاوة على عزام الذي لزم يدها بعنف يردد:
- اياكي أشوفك جوا.
تدخل كمال:
- ما يصحش كده يا عمي.
- عمي إيه وزفت إيه، ماشوفتش شكله كان عامل إزاي، بقا حتة شاب لسه في عز شبابه يجرى له كده ولا اللي عنده سبعين سنة.
- هاتها جنبي يا كماااال.
صرخ عزام:
- لا بقا على جثتي، عايزها تعمل بيها إيه؟
- مراتي يا بابا.
تحرك كمال ينقذ الموقف وفتح الباب يناديها، فتح الباب لتشرئب رقبة ماهر من فوق وسادته يحاول أن يراها، فأول ما فتح الباب ظهرت وهي تقف بملامح متوترة ولا تزال ذات سحر عليه.
ناداها كمال:
- لونا... تعالي.
- لا.
أسبل ماهر جفناه بتعب وخيبة أمل وهو يسمع رفضها فهبطت رأسه على الوسادة بثقل.
حاول كمال معها بهدوء:
- يا لونا، جوزك تعبان وعايزك، انتي سمعتي الدكتور بنفسك، لو سمحتي تأجلي كل حاجة ده مش عنده شوية برد.
لا تعلم لما قد توافق، ربما هنالك شيء داخلها حسها على أن تؤجل غضبها الشديد وتتقدم تقف معهم بالغرفة ليحسها مستجدياً:
- تعالي جنبي يا لونا.
لم تستجب فعاود:
- تعالي يا حبيبي.
رفع فاخر وعزام شفتيهما مستفزين منه فيما ابتسمت جنا بحنان على شقيقها تتابعه كيف يتحدث معها.
مد يده يحاول مسك يدها، لم ترفض لكن بقيت جامدة، لا تستجيب.
حاول مداعبة كفها بإصبعه علها تستجيب، لكن لم يحدث، رفع عيناه لهم يردد:
- سيبونا لوحدنا شوية.
- بس...
حاول والده الاعتراض لكنه كتمه يقول:
- لو سمحتوا.
انسحبوا بعدم رضا فظل معها ينظر لها بخوف واستجداء وقال:
- لونا.
لم تستجب ليحاول مجدداً:
- حبيبي.
نظرت له بعدم رضا فقال:
- مش هتسبيني يا لونا مش كده؟ بلاش تبعدي عني يا لونا.
هز رأسه بجنون:
- أنا ماعرفش عملت كده إزاي؟ بس كنت عايز أجيب آخرك وآخر عمك. وأصلاً كل حاجة جت صدفة، كنت لسه جايلك على البيت لقيت عمك خارج من العمارة وبيتلفت حواليه، شكيت فيه، مشيت وراه، لقيتو خرج من منطقتكم ودخل شوارع مقطوعة، شكيت فيه أكتر، اتسحبت وراه من غير مايشوفني لقيتو بيتفق مع واحد مش مظبوط، ثواني وافتكرته، كان فيه شبه كبير من الراجل اللي دخل بيتك لما جيت لك أول مرة، كنت عايز أسمع ماعرفتش، مشي عمك وأنا دخلت له، لما واجهته قال إن عمك كان بيأجروا عشان يلبسك مصيبة.
أسبل جفناه وجاء الحديث لعند غلطته الكارثية حيث قال:
- ما صدقتوش، قولت إيه يضمنلي ما يمكن عشيقك فعلاً وقال كده قدامي بس، كنت محتاج أتأكد بنفسي، اتفقت معاه يجيلك، وأنا داخل، عشان أسمع رد فعلك بنفسي لو خطة أعرف وعشان تدخل على عمك ومايعرفش إنه اتكشف، وعشان…
- تتجوزني وما يبقاليش عين أعترض.
- لااا…. ما فكرتش في الجواز غير وأنا واقف معاكم جوا، ربنا بعت لي هاجس أنفذ، وحسيت إنها فرصتي.
- انت كذاب يا ماهر.
- أنا بحبك يا لونا، بحبك من أول يوم شوفتك فيه، حقي أدافع عن حبي.
- وأنا؟! فين حقي؟ مش حقي أختار شريك حياتي اللي يحبني وأحبه.
- أنا؟؟ أنا بحبك يا لونا، ماحدش هيحبك أدي والله العظيم، أقسم بالله كنت متفق معاه ومستحلف له لو لمس شعرة منك هقطع رقبته.
- مش مبرر، في الآخر شاركت في ترهيبي، وخليت راجل غريب ينط على بيتي بدل ما تحميني، وبعد ده وده أكلت عليا حقي وجمدت فلوسي وما صارحتنيش ولا يوم.
مسك يدها يضغطها بقوة مردداً:
- مش هتسبيني، مش هتسبيني يا لونا.
نظرت له بجانب عينها، ورفقاً بحالته قالت:
- مش وقته يا ماهر، خلينا نتكلم بعدين.
حاول التحايل مستغلاً مرضه وردد:
- لا وقته، أوعديني إنك مش هتسبيني.
- ماشي يا ماهر ماشي.
سكنت الأمور مؤقتاً وصمتت تماماً فقال:
- نادي كمال خليهم يكتبوا لي على خروج، عايز أروح عشان ماما ما تقلقش.
تحركت تنادي كمال واستعد الجميع للمغادرة وكل يحمل ما بداخله داخله.
***
بسرعة جنونية عادت جميلة بسيارتها يتبعها رشيد بسيارته حتى وصلا للبيت بالقاهرة من جديد.
ترجل من سيارته بابتسامة كبيرة تملأ فيه وكله سعادة، بالوقت الذي خرجت فيه جميلة من سيارتها تدفع بابها بغضب تغلقه تراه مازال يتتبعها حتى لهنا وقضى على يومها فهتفت فيه:
- اللي حصل النهاردة ده مش هيعدي على خير، انت سامع.
- سامع.
قالها بابتسامته البلهاء المتشكلة على فمه من وقتها، استشاطت غضباً من وده وصرخت بدون كلام، مغتاظة منه ومن بروده:
- ااااااااااااااه.
غادرت بغيظ شديد وتركته يتكئ على سيارته متذكراً حين كان يجلس على البحر يراقبها وغفل عنها بتناول الطعام.
ذهب يحضر طبق طعام له ولها وحضر لعند الشاطئ يسأل عنها فأخبرته رفيقتها أنها ذهبت بقارب صغير للعب في المياه ، ظل يتابعها وهو يراها تبتعد، زاد قلقه يراقبها، إنها تتعمق في المياه وأصدقائها قد ملوا وانتهوا وخرجوا وهي مازالت تسبح وتتعمق.
خلع عنه كنزته وقفز في المياه حتى وصل لعندها يتلقفها بين يديه في المياه العميقة يردد:
- انتي اتجننتي، إيه اللي مدخلك لحد هنا.
- وانت مالك، اخرج.
- هخرج بس وأنتي معايا.
- لا.
- انتي غوطتي قوي يا جميلة يالا معايا.
- لاا مش عايزة.
- يالا يا جميلة.
قالها وهو يجذبها من يدها لكنه رفضت تحاول نزع يده بقوة وبلحظتها علت موجة بالبحر جلعتها تفقد توازنها، اقترب يتمسك بها يساعدها، لامسها بطريقة زعزعت كل ثباته وحطمت صبره، اقترب منها بأنفاس لاهثة وهي كذلك تلهث ، ملس بيده على شعرها يسألها بحنان:
- أنتي كويسة؟
هزت رأسها بخوف ومازالت تحاول التنفس من أثر ابتلاعها بعض الماء المالح، اقترب منها يضمها له يطمئن عليها ويطمئن نفسه أنها بخير، لا إرادياً يقترب بشفتيه من شفتيها حتى لامسهم، كاد أن يقبلها، كان سيقبل جميلة لولا أنها استفاقت على ما يهم بفعله.
وابتعدت على الفور تزيحه عنها تبعده، تزيحه بعنف صارخة:
- انت اتجننت.
أبعدته وسبحت بسرعة لتخرج من الماء غير مستجيبة لنداءاته أو نداءات أصحابها، بدلت ملابسها وجمعت أغراضها ثم تحركت بغضب لسيارتها تغادر المكان وهو خلفها.
عاد من شروده بسبب سخونة سطح سيارته بعد ملامستها له، وابتسم، كاد أن يقبل حبيبته لكنها منعته وهربت مبتعدة تكبر المسافات من جديد.
رفع عيناه ينظر على منزله ليجد الأنوار مضاءة فابتسم، استدار حول سيارته يصعد ويقودها مغادراً وبعد نصف ساعة عاد من جديد معه باقة ورد كبيرة رائعة من التيوليب والنرجس ودخل بها بابتسامة عاشقة يقابل زوجته مردداً:
- علياء حبيبتي.
رفعت أنظارها لتبتسم وتنبهربفعلته التي مست قلبها واندفعت تركض ناحيته كطفلة صغيرة تردد:
- دي ليا؟!
قبل رأسها يردد:
- طبعاً وأنا عندي أغلى من لولا؟! ما تزعليش مني.
- مش زعلانه يا حبيبي.
ابتسم بسعادة لأنها صافته ثم صرح:
- إيه الجمال ده، وحشتيني على فكرة.
رفعت عيناها له وبخجل وكسوف قالت:
- وانت كمان.
اقترب منها بزيادة يضمها بلا حدود أو ممنوعات.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سوما العربي
خطوة يتبعها خطوة قوية عنيفة دلف بها ماهر داخل المقر الرئيسي لشركة الوراقين.
التقى بمدير الحسابات المالية الذي قابله بوجه متجهم.
ليسأله ماهر وهو مستمر في السير ناحية المصعد:
- عملت إيه؟
- الهانم طالبة كل كشوفات الحسابات من ٢٠١٩ ومعاها محاسب كده مش عارف منين ونازلين في الحسابات تدقيق ومش بس كده.
ضغط على زر الطابق الثالث في المصعد بعدما دخله وسأل بملامح لازالت متجهمة:
- إيه كمان؟
- الهانم طالبة مؤتمر صحفي مش عارف ليه وعندها جلسة تصوير جوا الشركة كمان نص ساعة مش عارف ليه وطالبة اجتماع جديد بكل رؤساء الأقسام وبردو مش عارف ليه!
- نعم؟
- أنا آسف، أنا عرفت إنك تعبان وضغطك مش ظابط، ألف سلامة بس بجد اللي بيحصل ده، سوري يعني... عبث.
هو بالفعل كذلك، عبث.
لونا التي لم تكمل تعليمها ولم تنهي حتى ثانويتها العامة تجلس لتدير شركة بحجم شركة الوراقي!
خرج من المصعد يردد بغضب مكظوم:
- هي فين؟
- في مكتب حضرتك.
- في مكتبي! حصلت!
تقدم يفتح الباب لينسى كل ما قيل له وترتفع حجم كوارثها بعينه التي التهبت بالنيران وهو يجد فاتنته جالبة كل الكوارث وسبب ذبحته تجلس بفستان كريمي ناعم وهيئة أنيقة ساحرة كأنها في حفلة شاي.
رائحتها الذكية الناعمة تلف الغرفة لفاً.
والكارثة الأزيد هي هوية ذلك المحاسب الهمام، فمن بين كل رجال العالم لم تجد من تسند له هكذا مهام غيره، ذلك البغيض "حسام" شقيق جيلان.
لم يعد يبالي بالكوارث التي ولدتها للتو، أجلها مؤقتاً بما تبقى لديه من كارثة أذكى وأشد.
اقترب منهما وهي للحق انتفضت، مازال له هيمنة وسيطرة عليها، رؤيته تظهر خوفها.
حاولت التجلد والثبات ولكن عبثاً، خصوصاً وهي تراه يتقدم بخطوات واسعة وعينه تقدح شرراً.
يقبض على ذراع حسام ويجره بغضب هاتفاً:
- إيه اللي موقفك لازق فيها كده؟ وإيه اللي جايبك هنا أصلاً؟
- أنا اللي طلبته.
صدح الصوت عن لونا التي وقفت بتحدي تدافع عن من طلبت هي مساعدته وأقحمته فيما ليس له به شأن.
وقد أشعل ذلك النار في ماهر أكثر وأكثر.
الأسد أسد مهما توعك أو تعب، فهو يتقدم منها بظهر مفرود وصدر منفوخ وخطوات ثابتة كفهد عينه على غزالة.
اقترب منها حتى وصل لعندها، شدها من يدها وانتشلها لعنده وأخذ يهزها بضيق شديد متسائلاً:
- إيه اللي بيحصل هنا ده؟ أنا عايز أفهم.
- والبيه ده بيعمل إيه هنا في شركتي وعلى مكتبي؟
حاولت الظهور بمظهر الثبات رغم تلوي مصارين معدتها من الخوف والقلق.
قالت وعينها بعينه مصححة:
- اسمها شركتنا.
- الله... ده حلو قوي الكلام ده.
صمت ثواني وهو ينظر أرضاً يهمهم لثواني وما لبث أن رفع رأسه وعاود هزها بعنف:
- مين بقى قالك الكلام ده؟ لا تكوني مفكرة إنها سايبة!
نظرت له بقية مشدوهة وأعين متسعة.
هو بالتأكيد لديه انفصال حاد في الشخصية، فهو بالأمس فقط كان يتوسلها كي تظل لجوارة، لكن من يقف أمامها الآن هو شخص آخر متبدل، مختلف، ربما ليس بإنسان، بل جبروت وقوة ظهر لها قدمين.
فهم معنى تعبيراتها دون أن تحتاج للكلام وهمس بخطورة:
- ماهو مش بيريل في أكل عيشه.
ارتدت خطوة للخلف فكمل بجبروت أشد:
- لحد عند الفلوس وبتجيلي الفوقة.
التفت تنظر على حسام ثم عادت بعينيها قوية لماهر تردد:
- حلو بردو، أنا أحب قوي اللعب مع الفايقين بيبقى أمتع.
لم يبالي لحديثهما، وإنما نظره على فستانها الناعم الذي زاد جمالها جمالاً ثم ردد:
- إيه بقى اللي انتي لابساه ده؟
- مالكش فيه.
- والله... آه... ده عظيم قوي.
جذبها بزيادة وهمس في أذنها يقول:
- لما أنا ماليش فيه يبقى مين اللي ليه؟ ماشية تستعرضي نفسك؟
جاء لعند نقطة ضعفها وضغط.
ولأنها معتادة على الدفاع عن نفسها من هجوم من يظنون بها السوء ردت مبررة:
- أظن الفستان مقفل ومحتشم.
وهو كذلك بالفعل لكنه حلو عليها وزاد حلاها.
فخصها بعينيه وقلبه يحترق شوقاً ونظر بغيره شديدة القسوة ناحية حسام يشير عليه مردداً:
- الشخص ده بيعمل إيه هنا ومين اللي جابه؟
تقدم حسام يقتحم الموقف وردد بثبات:
- لونا اللي طلبتني.
- الله.
هتف بها ماهر كأنه يتوعدها.
فأثر حقاً رعبها وزاد وهو يقربها منه بعدما شدها من ذراعها يقول:
- قوليلي يا مراتي يا حلوة الفكرة دي كانت فكرة مين؟
ابتعدت عنه بضيق تكره تهكيره لأفكارها.
فهي وقبلما تغادر المنزل جلست بتردد على فراشها قبلما تقرر القيام والذهاب للعمل كي تشق لها طريق فيه.
تلاعب به ماهر وأبوه وهي بالأساس لا تملك الخبرة ولا حتى التعليم.
فكرة اللجوء لحسام لم تكن فكرتها، بل من اقترحتها عليها هي صديقتها سما التي كانت تحدثها عبر الهاتف في مكالمة طويلة وسألت:
- اعمل إيه يا سما؟ أروح فين ولا أجي منين؟ فلوسي مجمدة، سفر وهيعاند بعد اللي حصل، حتى ورثي حاطت إيده عليه، أنا عقلي واقف ومش عارفة أتصرف.
- انسى، تعرفي تسافري تاني على الأقل دلوقتي. لازم تعرفي تتصرفي مع ماهر وتاخدي يا فلوسك يا ورثك، حاجة منهم على الأقل.
- أنا مش هيشفي لي ناري غير إني أنزل الشركة معاه أناطحه راس براس.
- فكرة بردو.
- أيوه بس هعمل كده إزاي وأنا زي ما انتي عارفة مش بفهم في شغلهم، أنا مش مخلصة حتى ثانوي.
- لازم تشوفي حد ثقة تبعك أنتِ مش تبعُه ينزّل معاكي ويعلمك الشغل. يبقى فاهم في الإدارة والحسابات عشان يمشي معاكي واحدة واحدة.
جلست تفكر وتفكر إلى أن قالت:
- فاكرة خناقة عزام مع مراته؟ فاكرة لما قال لكمال إنه متجوز جيلان بس عشان أمها وأخوها شغالين في الضرايب.
جعدت سما جبهتها تردد:
- أيوه فاكرة، تفتكري هيفيدك؟
- هجرب.
- أيوه بس ده تبع جيلان، اياكي تثقي فيه.
- لا طبعاً، بس هو اللي أعرفه دلوقتي. مش عارفة أصلاً هيقبل يساعدني ولا لا، هشوف لسه.
أغلقت المكالمة مع سما وبعدها هاتفت جيلان تطلب منها رقم حسام شقيقها.
ولم تتأخر جيلان بالطبع، فما جرى لهو من حسن حظها.
عادت من شرودها منتفضة على صوته الصارخ:
- ياترى المدام هيمانه في إيه كده؟
- ولا حاجة...
ردت بثبات.
ليعاود سؤالها:
- ممكن أفهم إزاي تنزلي من غير إذني وجاية هنا تعملي إيه والبيه بيعمل إيه هنا معاكي في مكتبي؟
- نزلت أشوف فلوسي وشركتي دايرة إزاي وأديرها.
- ده مش رد على سؤالي يا مدام. وبعدين شركة إيه اللي تديريها؟ إنتي مش عارفة تديري حياتك أصلاً عشان تديري شركة بحجم شركة الوراقي.
ضربها بمقتل، غلبها فأغرورقت عيناها بلمعة الدموع وقالت وهي تجاهد ألا تبكي:
- عندك حق، أنا ضيعت نفسي ودمرت مستقبلي.
زلزلته هي الأخرى، كانت تقصده مستعيرة بالكلمات، غرضها واضح وهي تقصده.
صعب عليه حالها، قصد تعنيفها ولم يقصد إهانتها لكن الكلمات خرجت منه هكذا فغرست بجرحها.
لتجرح هي رجولته وهي تخبره أن زواجها منه دمرها ولم يعزها.
لكنها رفعت رأسها مكابرة:
- بس أنا خلاص مش هقعد أعيط على اللي راح وخليني في اللي جاي.
ابتسمت بتوعد ثم فسرت:
- الشركة دي كفيلة تعوضني.
زم شفتيه وسأل:
- عايزة إيه يا لونا؟
- مكتب زي بتاعك، أو تسلفنا مكتبك لو حابب.
زم شفتيه بضيق، يراها طفلة تعلقت بلعبة لذا دللها كي تنزل من فوق أذنه:
- عاملة كل ده عشان مكتب؟ ماشي يا لونا هعملك مكتب.
- دلوقتي.
- استغفر الله العظيم يارب، حاضر.
نظر على حسام الذي يعرف وقد رآه مسبقاً وهو يبدي إعجابه الشديد بجمالها وقد كسر له كفه في السلام يومها وقال:
- والأستاذ ده هيفضل منورنا كتير؟
- اسمه أستاذ حسام وكتر خيره أول ما طلبته ما اتأخرش.
جز على أسنانه بغيظ وغيره وهو يردد:
- ما اتأخرش؟!! وجبتي رقمه منين؟!
تنهدت بتعب ثم قالت:
- لو سمحت يا أستاذ ماهر تكون مهني أكتر من كده وتقدر إن ده مكان شغل. ولو ما عرفتش تقدر وتبقى بروفيشنال. ياريت تفكر نفسك إننا هنطلق وانت مالكش أي حكم عليا.
استعرت عيناه والتهبت من جديد وهو يراها ويسمعها تعاود فتح تلك السيرة.
تقدم كي يقبض على ذراعها وهو يردد من بين أنيابه:
- تاني طلاق؟ تاني طلاق؟ ماسمعش الكلمة دي على لسانك تاني أبداً إنتِ سامعة ولا لأ.
- والواد أبو قميص مفتوح ده يمشي حالاً، هغمض أفتح ألاقيه اختفى من الشركة.
- وإلا عظيم بيمين أكسر الشركة كلها فوق دماغك. في إيه يابت مش هعرف أحكمك ولا إيه؟
انحشر أي حديث في حلقها، أنى لها به الآن، صمت.
لم تجد ما قد ترد به على حالته السوقية تلك.
وأنقذها دخول دينا تسأل إذن لدخول ضيق مهم ينتظره.
فرصة جعلتها تفر هاربة وتذهب بحسام للمكتب الذي عُد لها سريعاً.
تعلم بعد انتهاء اجتماعه مع ذلك العميل سيتفرغ لها ويأتي لعندها يقف فوق رأسها.
لذا بدأت العمل بجد واجتهاد تستمع من حسام تعليماته وتحاول السير عليها وتنفيذها قدر الإمكان.
بعد مدة ليست بقليلة وقف حسام مقابلها يردد:
- الورق ده يودي في ستين داهية.
- ورق إيه ده؟!
استرعى انتباهها بل على الأدرينالين في خلاياها خصوصاً وهي تسمعه يجيب:
- في تلاعب كبير بالأرقام والحسابات. دي قضية تهرب ضريبي من العيار التقيل.
ابتلعت ريقها برعب وهلع ثم سألت:
- لا براحة وواحدة واحدة عليا فهمني.
- بصي يا ستي، الشركة مغيره في أسعار مواد البنا والخامات. كمان بايعه وحدات كتير من تحت الترابيزة ومش ثابتة ده على الورق. ده غير إن المشروع أبو ٨٠ يعملوا بـ ٦٠. ده غير الأراضي اللي اشتروها بطرق مش ولا بد. بصي كمان هنا.
أشار لها على بعض الأوراق يقول:
- في تحويل مبالغ كبيرة تمت على فترات متتالية وعلى كذا بنك برا. تهرب ضريبي واضح للشمس.
صمتت بقلق ومرت دقيقة ثم سألت:
- ومين اللي ممكن يشيلها؟
رفع لها إحدى حاجبيه.
صمت لثانية هو الآخر يشملها بنظرة غير راضية ثم رد:
- بتسألي عن حد معين؟
تلعثمت في الإجابة ثم قالت:
- جاوبني لو سمحت... ماهر هو اللي شايل الشركة ومعروف إنه هو اللي بيعمل كل حاجة.
تنهد بنفس عالي ثم قال:
- ماهر طول الفترة اللي فاتت كان يعتبر بيشرف على كل حاجة وبس. صحيح له صلاحيات كتير، إنما هو بينفذ وبس. لكن أي ورق، أي إمضاء كانت باسم عزام محمد الوراقي، والده.
ناولها الأوراق ثم قال:
- وبصي هنا، تتبع تحويل الفلوس رايح لحسابات في كذا بنك باسم فاخر عزام الوراقي.
لمعت عيناها وفتحتت فيهها بفرحة وهي تردد:
- يا حباااايب قلبي.
قالتها بفرحة عارمة وكأن أحدهم وضع لها أعدائها تحت يدها وسن لها سكيناً.
***
أخذه الجلسة لفترة طويلة، كان اتفاق هام حرص على إتمامه بأكمل وجه.
وأخيراً انتهى ليتفرغ لمصيبته الكبرى ويرى كيف سيتصرف معها.
وبينما كان يتحرك ويخرج من مكتبه ذاهباً للبحث عنها إذ به يجد كل الموظفين، بعضهم ملتف حول بعض يتداولون الهواتف وأحياناً كل اثنين معاً بجنب يتهامسان وهما يشاهدان جوالهم.
نظر حوله بغضب لحالة التسيب التي أصابت موظفيه بعدما كانوا رمزاً في الانضباط والإنجاز وهتف بصوت غاضب:
- هو في إيه؟ الأساتذة سايبة مكاتبها وواقفة كده ليه.
اقتربت منه دينا على الفور وتركت زميلتها التي كانت تقف معها وهرولت ناحيته فسألها بغضب:
- هو في إيه بالظبط أنا عايز أفهم في يومكم اللي مش عايز يعدي ده، هما واقفين كده بيعملوا إيه؟
- بيتفرجوا على الفوتوسيشن اللي عملتها لونا هانم.
نطر أذنه مرة ومرتين ثم سأل عله سمع خطأ ثم سأل:
- عملها مين؟
- لونا هانم؟
- لونا هانم؟ عامله إيه بقا؟ عيبي تاني؟
- فوتو...
قاطعها يكمل عوضاً عنها:
- فوتوسيشن؟ يعني أنا سمعت صح؟ يعني بهاء الصبح ما كانش بيهزر؟ قلبناها ستوديو ليلة العمر هنا ولا ده أوبن كافيه.
تحرك بغضب يذهب ليرى بأي ركن تفعل جريمتها وإذ به يتوقف عند إحدى الفتيات وهي تمسك هاتفها فاتحته على صورة لها في معظم الصفحات الترويجية مدفوعة الأجر على السوشيال ميديا.
ظاهرة فيه بفستانها الذي حذرها من جمالها فيه مما يعني أن الصورة طازة وهي لا تطيق الانتظار.
مكتوب فوقها "لونا حفيدة عائلة الوراقي والتي لم تكتف بكونها فتاة العائلة المدللة بل طموحها قادها لأن تصبح المدير الرسمي والتنفيذي لشركة الوراقي جروب".
طار عقله ولم يبق أي برج منهم بمكانه بسببها.
خطتها تعدت مجرد الترضية ورد الاعتبار.
لونا بالفعل بدأت تخرج عن جناحيه بل وتحاول التحليق بعيداً، بعيداً جداً وهذا ما لن يسمح به.
نزل غرفة الاجتماعات التي ظهرت بالصورة بالتأكيد تتصور هناك.
تقدم ليدخل لكنه استمع للمصور الرجل يردد:
- أووه واوو... هايل بجد، أيوه ارفعي وشك ليا كده، هايل، شفايفك اه، انفخيها شوية، مش ممكن.
صوت أفيش الكاميرا وبعدها صوته يقول:
- حضرتك ماشاء الله عندك هالة كده مش ممكن. أنا صورت مصريين وعرب وأجانب بس قليل قوي لما يعدي عليا حد زيك كده جمال وطاقة ودلع وأنوثة و...
لا لا، ما عاد يتحمل وتقدم يدخل الباب بقدمه ويقتحم غرفة الاجتماعات ليرتج المصور من مكانه ويختل توازنه.
تقدم يقبض على أحد معدات التصوير بغضب وغشم وهو يصرخ:
- إنتي بتعملي إيه هنا، إيه المسخرة دي.
انتفضت برعب وهي تراه يكسر كل شيء حولها ويتقدم من المصور بطريقة غوغائية يقبض على مؤخرة عنقه مردداً:
- بتعمل إيه هنا! وإيه ده!
صرخ بحدة أعلى:
- بتعملي إيه يا حلوة، آه عشان كده جاية ولابسة لي فستان صغير على الحب، وقاعدة تتقصعي والبيه يسبل، خروف أنا مش كده.
ثبتت مكانها بخوف ليردد:
- إيه اتشليتي، قومي اتحركي معايا يالااا.
كسر حوله باقي المعدات وهو يقول:
- قومي يابت من مكانك وتعالي لعندي عشان لو جيت لك مش هخلي فيكي حتة سليمة.
تفقد ما بيده:
- الله! كاميرا؟! اااه، بتعملوا إيه.
ابتلعت رمقها ثم حاولت إحباط أي خوف وردت:
- إيه في إيه! إيه الطريقة دي؟
- طريقة؟ ده إنتي يومك أسود.
أشار لها بصرامة يقول:
- قدامي.
تقدمت وهو خلفها يتوعد أن يعلمها الأدب وهي تجاهد مقاومة للخوف تحاول أن تظهر بمظهر الثبات حتى تصل لما تريد.
***
وقفت أمام ماكينة الإسبريسو تضع بها الكبسولة وعقبها شارد مع شقيقها قلقة عليه فلم تضغط جيداً.
انتظرت نزول القهوة فلم تنزل.
ظلت تتفقدها لكن تأخرت ولا تعلم العطل من أين فبدأت تضرب على جسم الماكينة بنفاذ صبر تسألها:
- فيه إيه! مالك إنتي كمان ماتتظبطي معايا.
شعرت بجسد صلب ينطبع على جسدها وهو قريب منها للغاية.
أنفاسه مقابلة لأنفاسها وفمه في أذنها يهمس بحرارة:
- متعصبة على المكنة المسكينة دي ليه، مش قدك.
ابتلعت ريقها بخوف والتفت لترى كمال يقف خلفها ملتصقاً بها يرتدي قميص أبيض مفتوح وعضلات صدره بارزة ظاهرة لدرجة أنها لامست كتفها فسببت القشعريرة ببدنها كله.
التفت له بنصف جسدها ليبتسم وهو يلاحظ تأثرها بوجوده وهيمنة حضوره عليها ثم قال:
- الصغنن بتاعنا متعصب ليه؟
بللت شفتيها.
حاولت إخراج الحديث وألا تقف هكذا كالكتكوت المبتل بلهاء بحضرته.
حمحت ليبتسم بثقة ثم قال:
- مش بتردي عليا ليه؟
- حمم... مافيش، بس كنت بحاول أشغل ماكينة الإسبريسو مش راضية تشتغل.
اتسعت ابتسامته، شعر وكأنها فرصته فقال:
- طب إيه رأيك تيجي وأعزمك برا على أكبر فنجان إسبريسو في الدنيا.
كادت أن توافق لولا أنها شغلت عقلها سريعاً وردت بقوة:
- لأ.
تجهمت ملامحه وسأل بحزن حقيقي:
- ليه؟ ليه يا جنا؟ ليه رافضة حتى نقعد نتكلم مع بعض؟ مهما كان إحنا في الأول والآخر ولاد عم.
- وأنا كنت بقعد معاك وأتكلم وأهزر لما كان الكلام في ولاد عم. لكن إنك عايز تاخدني نقعد برا عشان تغسلي دماغي فده مش هيحصل... سلام يا كمال.
تحركت تخطو بخطواتها لترك له المكان إلا أنه تحرك لعندها يوقفها يحاصرها وهو مقربها من جسده العريض.
عينه على شفتيها ومرة على عنقها يسأل بأنفاس ساخنة:
- رافضاني ليه يا جنا؟ ليه رافضة جوازنا؟
رغم توترها من وقفتها تلك وملامستها له إلا أنها ردت مجاوبة:
- لأن أنا مش هتجوز بالطريقة دي، مش هعيش عيشة المصالح والجوازات الباكدج دي. أنا مش هتجوز عشان وصية وورث يا كمال حتى لو طلعت من المولد بلا حمص.
لمعت عيناه وهو يبتسم لها ويقول:
- بس أنا مش متجوزك عشان الوصية يا جنا.
عصبها كذبه ومراوغته.
تراه كاذب فصرخت فيه:
- يعني إنت عايز تفهمني إن كمال اللي لفها من شرقها لغربها وعرف بنات من كل الدنيا جه يتوب عند جنا وعايز يتجوزها.
اتسعت عيناه من مقصدها وما يدور عنه بخلدها ليسأل:
- وليه لأ يا جنا؟
- عشان إنت كمال الوراقي. عيب يا كمال ده أنا جنا، جنا اللي عارفة وشاهدة على كل قاذوراتك وبلاويك. إنت عرفت ستات ما تعرفش تعدهم يا كمال، وجاي بقا تتوب عندي؟ انسى يا كمال.
تركته مبهوتاً وغادرت.
عقله يلف ويدور متى واين والمهم كيف وقع وكيف سيتصرف.
وكما هو ظاهر فالطريق لجنا طويل جداً وصعب.
***
دفعها داخل مكتبه بغضب شديد وهي تصرخ فيه:
- إنت إيه اللي إنت بتهببه ده؟
- أهبب؟ شكل لسانك ده عايز قطعه، وأنا جاهز.
ابتعدت تحافظ على مسافة آمنة ثم قالت:
- ياريت تهدى لا يطق لك عرق، إنت راجل داخل على ذبحة والي بيموتوا دلوقتي الصغيرين بلاش تحصل جدك.
- عايزني أموت يا لونا؟ عايزة تخلصي مني؟
- لأ.
تحركت تهز كتفيها وتقول:
- الموت راحة وأنا مش عايزالك ترتاح. ولو على الخلاص فإنا هتصرف.
توجس خيفة وسأل:
- هتتصرفي إزاي؟
- مش ده المهم دلوقتي خالص، أنا جايلك في حاجة أهم.
تعجبت عيناه وتعلقت بها يتابعها وهي تخرج من حقيبة يدها ورقة تعطيها له ثم تقول:
- اتفضل، أمضي.
- إيه ده؟
- تفويض بالإدارة ليا؟
- نعم يا حياتي!! أنا بحبك آه ومش هطلقك أهين بس تفويض بالإدارة ده تنسيه وتطلعي من عندي هنا تحذفي كل الصور والإعلانات اللي نزلتيها. إيه عايزة تبقي نجمة مجتمع ولا هتقدمي على عضوية مجلس الشعب؟ وإيه الكلام الزفت اللي نشرتيه ده؟ بقيتي الرئيس التنفيذي للشركة امتى؟ عايزة تضيعي مصداقية الشركة وتخلي أسهمها في الأرض؟
نظرت له بثبات تعجب له كأنه يرى لونا جديدة خصوصاً وهي تعيد القول بثبات:
- خد أمضي التفويض يا ماهر أحسن لك.
- أحسن لي!! ولو ما وافقتش.
ربع يديه أمام معدته يتابعها بترقب لتزهل ملامحه وهو يسمعها تقول:
- لو ما وافقتش هجري زي الأرنب الشاطر للنيابة وأقدم لهم واجب وطني. مش بعيد يطلبوا مني يجندوني بعد ما أقدم لهم أكبر قضية تهرب ضريبي في مصر. إيه رأيك، تحب تبص على الورق كده.
أخذ منها الأوراق مصدوماً.
كيف ومتى توصلت لونا لهنا.
بعد نصف ساعة كان يجلس وهي أمامه ومعهم المستشار القانوني للشركة يوقع لها التفويض على مضض وهي تبتسم بانتصار.
همت لتقف وهي تردد:
- حلو قوي ده.
نظر لها بصمت فيه الإعجاب والتعجب ثم قال:
- برافو يا لونا، شاطرة عرفتي تعمليها، بس خليكي عارفة إن التفويض ده له شروط.
لم تهتم وقالت بعدم اكتراث:
- مش مهم ومش وقته، أنا هروح بقا أكمل شغل.
مثلت أنها كادت أن تتحرك ثم وقفت تضرب جبهتها بيدها تردد:
- اخخ، كنت هنسى، حاجة كمان أخيرة.
ضغط على أعصابه وسأل:
- إيه تاني يا لونا؟
- معلش يا ماهر ممكن تسلفني كام ألف؟
ضحك بتعب وسأل:
- ليه إن شاء الله.
ابتسمت بسماجة ثم ألقت قنبلتها في وجهه:
- عشان أقدر أسدد عربون للمحامي فلوس القضية اللي رفعتها عليك.
نهض من مكانه ببطء وصدمة يحاول استيعاب أن ما سمعته أذناه صحيح.
وهي وضعت يدها على فمها تتصنع الدهشة وهي تردد:
- أوبس.. سقطت، أقولك، مش أنا رفعت قضية طلاق عليك.
يتبع
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سوما العربي
في اجتماع سري هام ومغلق، جلس عزام وشقيقه فاخر مع محاميهما.
ينظرون له بترقب وهو يقرأ ما بيده من أوراق ويحتسي قهوته.
وضع الفنجان وهو يهز رأسه بهدوء:
"هممم، لا تمام تمام."
فسأله فاخر بوجه يشع لهفة:
"ايه متر؟ في أمل نكسب القضية؟"
"وامل كبير كمان؟"
"بجد؟!"
اعتدل المحامي في جلسته وقال بهدوء:
"في خطين ممكن نمشي فيهم. أولهم القانوني والمضمون، وهو إن الوصية دي باطلة وغير واجبة النفاذ لأنها بتتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتعتبر تعسفية وظالمة. وإن أبوكم من حقه يوصي ويوزع بس مش أكتر من الثلث والباقي يروح للأبناء والزوجة لو كانت الزوجة موجودة. وفي حالتكم دي هنقدم طلب طعن في المحكمة وإن شاء الله هيتحكم فيها لصالحكم."
"ونأخد كل الورث من تاني؟"
"لأ، هتاخدوا الثلثين والثلث تتنفذ فيه الوصية."
"نعم؟!"
خرج اعتراض قوي من كل من عزام وفاخر في آن. ويكمل أحدهما:
"ثلث ايه وثلثين ايه؟ إحنا عايزين الورث كله؟"
وأضاف الآخر مؤكداً:
"دي فلوسنا إحنا مش هنتنازل عن تلت لحد."
ابتسم المحامي يقول:
"لا ده كمان لونا بنت رحيل هتشارككم الثلثين اللي خارج الوصية."
"نعم؟! كمان؟! يعني تورث من الثلثين وتورث من الوصية؟! لأ طبعاً مش موافقين. شوف حل غيره يا متر؟ فلوسنا وفلوس أمنا تورثها البت دي بتاع إيه؟! اتصرف يا متر، أكيد عندك حل غيره."
تنهد المحامي يقول:
"الحل التاني إن شروط الوصية ماتتنفسش وساعتها نقدم بطلان بيها وكل واحد ياخد حقه."
خرجوا من عنده مصممين وعاقدين النية. نظر كل منهما للآخر فقال عزام:
"كده لونا وماهر مش متجوزين. ما فضلش غير جنا وابنك."
"جنا وكمال أمرهم سهل. جنا لسه صغيرة وكمال عربيد وبتاع ستات. الخوف الكبير من المدلدق ابنك الي وراث جده في حب الخدامات. واختفاء القسيمة من السجل مش قضية، ممكن يروح يكتب عليها من أول وجديد. ده واقع في حبها من الدور الحداشر."
فكر عزام وسأل بخوف:
"تفتكر؟!"
أكد له فاخر:
"انت مش شايف. كانت هتجلطه ورقدته في المستشفى وقايم من تحت الأجهزة يسأل فين زفته، وخد الكبيرة."
"إيه؟"
"البيه واخد ميعاد من صلاح أبو العينين النهارده، شكله رايح يفسخ معاه الخطوبة."
فكر عزام في تلك المصيبة قليلاً، لكن ضربت عقله فكرة أخرى ليسأل:
"وانت عرفت منين؟! فااااخر، انت بتجسس على ابني؟!"
"بذمتك ده وقته؟"
"اه وقته رد عليا."
"بقولك إيه يا عزام، دماغك بقا وكفاياك تمثيل. ده إحنا لسه نازلين من عند المحامي ومتفقين عشان مانخليش عيالنا يورثوا فماتعيش الدور الله يباركلك."
ثم تركه وغادر غير مهتم بهتاف عزام أو غضبه.
***
وقف من على كرسيه بغضب بطيء يثير الخوف يسألها:
"عيدي تاني يا روحي كده قولتي إيه؟"
ابتلعت لعابها في خوف وحاولت البيان بالجلد فردت بعزم مزعزع:
"زي ما سمعت، رفعت عليك قضية طلاق."
عض على شفتيه بقوة، يجاهد ألا يفتك بها ولو فتك فالمكان غير مناسب.
لكنه ما فلح، انتفض فجأة بطريقة أثارت رعبها يقول:
"اتجننتي يا لونا ولا أنا اللي دلعتك بزيادة، طلاق إيه ده اللي بتتكلمي فيه؟"
استفزها لأقصى حد فصرخت فيه:
"بطل استفزاز وبجاحة بقا، دلعتني!! هو الذل وقلة القيمة والمعايرة بقت دلع وأنا ماعرفش وبتبطر! أنا من ساعة ما عرفت وأنا بقف قدام المراية أعياط وأسأل نفسي إزاي هونت عليه؟! إزاي أصلاً في حد ممكن يهون عليه حد ويهمل معاه كده؟! ده انت كل يوم كنت بتعايرني! كنت بتحفظني فكرة إني سافلة وقليلة الأدب، أنت نجحت لدرجة إنك زرعت جوايا الشك في نفسي، أنا جه عليا وقت بقيت بردد الكلام اللي بتقولوا عليا."
رغم تعاطفه الكامل معها والخوف من خسارتها إلا إنه رد:
"خلصتي؟"
"بقيت ثابتة ليتقدم منها، ببطء... بطيء مثير. اندهشت وهي تراه يقترب منها يحاوط خصرها ويلفح بأنفاسه بشرتها، قريب أكتر من الممكن لدرجة الخطورة.
وضع يديه حول عنقها والأخرى تحكم في رأسها وألتهمها في قبلة شرهة اجتاحت مشاعرها، اختبرتها وأججتها.
أبتعد عنها يلهث، ينظر لها بعينين لامعتين من نشوة الانتصار، همس أمام ملامحها الناعسة بصوت رجولي:
"طلاق مش هطلق، انتي بتاعتي وهتفضلي بتاعتي، ومش هعاقبك المرة دي على اللي عملتيه، شكلك دلوقتي وإنتي بين إيديا يغفرلك."
اتسعت عيناها وقد مسكت بالجرم المشهود ذائبة، متسيبة المفاصل أمامه، لم تنفر ولم تصرخ وتبتعد، فابتسم بسعادة ونجاح، لقد دمغها وانتهى.
رفرفت بأهدابها، عقلها يعنفها وهو يدرك لقد باتت (مدام ماهر الوراقي)، فإلى أين هي ذاهبة.
مال من جديد بأريحية يدفن رأسه في تجويف عنقها يتعمق في تقبيله مطمئناً، يعلم بانتهاء الرفض.
أبتعد يبتسم بتلذذ ونجاح مردداً:
"لسه عايزة تطلقي؟"
قالها وعيناه تجوب بشغف على ما تخبئه من أجزاء يحفظها، يلتهمها التهاما، ضايقها بتجريده لها وتعرية ضعفها، هتفت بنبرة باكية مهزومة:
"أيوة لسه عايزة."
ضحك بحنان وقرص مقدمة أنفها ثم ردد:
"مممم طب عايزه كام للمحامي، هههههه."
تمادى كثيرا بثقته في نفسه مقابل ثقتها، ما كان عليه أن يستفزها ويضخم انتصاره لكبريائه ورجولته على حساب كبريائها وأنوثتها خصوصا بعدما صار ولم يمر عليه الكثير.
وحتى ذلك هو لم يدرك، انغمس في كبره وما يحبه ويحتاجه، إثبات انها له وأنه هو المسيطر سيطر عليه فمد يده يزيح فستانها من على كتفيها ليظهر نهديها المنتفخين أمامه بسخاء سخنة وهتف:
"ماتيجى يا لونا نرجع البيت ندخل أوضتنا بدل ما نتشاف في الشغل بوضع مخل كده."
كانت لحظة مضيئة توقفا عندها........ صراع السلطة والسيطرة كان على أشده هي تحاول وهو يحاول، لكنها خسرت جولة أمامه ولم تنكر، بل كانت صادقة مع نفسها، بات لماهر سيطرة كبيرة عليها وهي التي ظنت أنها وحدها من تملك السيطرة الناعمة.
ابتعدت عنه وهي ترفع ثوبها على صدرها ببطء في محاولة لاستعادة الثقة وإضافة الغواية فتقول:
"مش هرجع ومش هنفضل في أوضة واحدة تاني، أنا عندي دلوقتي شغل وحاجات لازم أعملها."
التفت لتخرج فتحرك خلفها يقبض عليها يمنعها من فتح الباب، ثم لفها يستند بها عليه وقبض على فكها بعنف ظهر فيه الشبق وسيطرتها هي عليه ليهتف:
"هعلمك كل حاجة بكرة، تعالي معايا نروح، أنا مش عارف أعمل حاجة ولا أشتغل، انتي مسيطرة على دماغي وتفكيري."
ابتسمت بفوز لو إنه ضعيف لكن صبرها، أبعدت يده عن فكها وقالت:
"مش محتاجة تعليمك، هشوف حد يعلمني."
أبعدت يده بنجاح ثم همست مضيفة:
"لونا مش مجنونة عشان تسيب صابعها تحت ضرسك."
ابتسم معجباً لتغمز له بعينها:
"كبرنا بقا واتعلمنا."
عض شفتيه ومن عينه يقفز المجون والجنون والهوس:
"يخربيتك، لو كنتي قبل كده عجبتني قيراط كل يوم بتعجبيني أربعة وعشرين، بس ماشي."
أبتعد عنها خطوة يقول:
"العبي يا لونا. عاجبني لعبك قوي بجد والله أنا حقيقي عايز أقعد أتفرج وأشوف لونا ال..."
لم ينطق الكلمة لكن فحواها واضح كان سيقول (العبيطة أو الساذجة) وهي تعلم.
أكمل مراده:
"هتعمل إيه؟! ويا تسلميلي يا أسلم لك."
نجح في إثارتها فردت:
"موافقة."
"اتفقنا."
تقدمت لتخرج ليقول:
"ماقولتليش صحيح يا عسولة، هتقولي إيه للمحكمة، إيه سبب طلب الطلاق، همم، معاكي قسيمة جواز ليا، ولا فيديو مع واحدة ولا يمكن بضربك؟!"
فكرت بتيه لثواني ثم لملمت شتات نفسها تجيب:
"المحامي مش هيغلب، هما شطار قوي في الحاجات دي."
رد بثقة وقوة:
"مش هطلقك يا لونا، مششش هطلقك."
"بااي يا ماهر."
ردت عليه بابتسامة واثقة وبرود ثم غادرت، ليقف يغلغل أصابعها في شعره الكثيف يردد:
"باي يا ماهر؟! والي ولع ماهر مين يطفيه، اه يابنت الجزمة، بس ماشي... ماشي.. أنا هوريكي انتي لعبتي بمين."
تقدم من مكتبه يجلس عليه ثم يرفع سماعة تليفون مكتبه يهاتف سكرتيرته:
"دينا، كلمي بهاء يجيلي حالا ومعاه الورق اللي قولت عليه، حالا يا دينا واطلبي لي قهوة."
أغلق الهاتف معها ومازال دمه يغلي وهو يردد:
"أنا يحصل معايا كده، على آخر الزمن ماهر يحصله كده، والله لأربيكي يا لونا."
***
جلس يحتسي قهوته يضع قدم فوق الأخرى، هاتفه يدق متواصل، نظر للهاتف بضيق شديد، فتاة تلاحقه منذ عودته. غبي غباء لا يوصف، كان عليه أن يعلم أن ما كان يفعله ومعتاد عليه بالخارج لا يسير بالداخل كما المعتاد، فهناك فتاة عرف عليها حينما سهر ليلة بالساحل مع أصدقائه القدامى ومن يومها وهي تطارده ولم ينفع معها الحظر ولم تردعها الرفض.
بص القهوة من فمه وانتفض جسده مرة واحدة وهو يرى جنا، الصغيرة تنزل من على الدرج وجسدها يهتز معها بهذا اللبس.
وقف بغضب يصرخ فيها:
"يانهار أسود ومهبب، إيه اللي انتي لابساه ده."
اتسعت عيناها بغضب منه وردت:
"أنا عايزة أفهم انت مابتنزلش تروح شغلك ليه بدل ما انت قاعد وشغلتك تقفلي يومي من أوله؟؟ ده أنا كنت جايه أقولك صباح الخير ياقفيل."
التهبت عيناه من الغضب و رد عليها:
"صباح الخير؟! وهييجي منيم الخير بالفستان الأحمر ده؟! أحمر يا جنا؟ لابسة أحمر!!"
نظرت له كأنها تخبره أنه مختل أو معتوه ثم تلفتت حولها تسأل:
"إيه؟! قي تيران بتعدي من هنا وأنا ماعرفش."
أغمض عينيه بغضب وردد بأمر لا يقبل النقاش:
"هغمض عيني وأفتحها ألاقيقي طلعتي غيرتي الزفت ده يالااا."
"خليك مغمض بقا سلام."
فتح عيناه بصدمة وزاد غضبه وهو يراها تخرج وبالفعل تجاوزت الباب فصرخ فيها:
"جنااااااااااا."
لحقها يلزم يدها وبغضب أستوقفها:
"بكلم نفسي أنا؟! إيه ماحدش قادر عليكي."
حاولت نفض يده عنها تردد:
"انت مالك انت، الفستان ده أساساً اشتريته مع ماهر وماما شافتني وأنا نازلة، انت دخلك إيه؟!!!!"
"عافية وافترا، وهتطلعي تغيري الفستان يعني هتطلعي تغيري الفستان سواء بالذوق أو بالعافية."
"بقولك إيه جو انتي مراتي يابت ده مش هيخيل عليا ده أنا عارفه كل نرفاتك يا كمال."
ها هي تعيد سد الطريق في وجهه، وجهه رغماً عنه لا يتحايل عليها بطريقة أخرى؛ لذا عمد للبرود وردد:
"شاطرة برافو عليكي ذاكرتك حلوة، أنا رجعت في كلامي ومش عايز أنفذ الوصية، أنا مش هعرف أدخل عيش الزوجية بعيلة بعد كل الستات اللي من كل شكل ولون اللي عرفتهم دول، هتكلم معاكي بصراحة بس من غير زعل."
صمت لحظتين يثير أعصابها ثم كمل بوقاحة فجة وثقة لا متناهية:
"بصراحة كده واحد زيي محتاج ست كاملة مكملة، بلاش أظلم نفسي وأظلمك؛ فقولت يا واد يا كمال بلاش تخسر جنا وخلينا ولاد عم أحسن."
صمتت ببلاهة، تشعر أنها وهي أنوثتها وكبرياؤها قد تم سحقهم للتو لكن لا تملك ردا.
"بس ده ما يمنعش إنك هتطلعي تغيري الفستان ده عشان أنا بنت عمي مش فرجة يالا يا چنچونه يا قمر."
حسها بلطف متنافي مع نواياه الداخلية لها بعدما مل من هدهدتها، نظرت له بصمت لمدة دقيقة كاملة ثم تحركت بغضب وعزم تجاه سيارتها تقودها وهو خلفها يغلي من شدة الغضب بعدما خرجت بتلك الهيئة اللافتة، فهرول ناحية سيارته مسرعاً كي يلحق بها ويوقفها.
سارع بسيارته يلاحقها، هي تقود وهي تقود حتى ضيق عليها الخناق وصرح في الشارع بصوت عالٍ:
"قدامي على البيت بدل ما ألم الشارع علينا، يالاااااا."
صوته كان عاليا سبب فضيحة وبدأت سيارات الجيران تقف تتطلع عليهم، كمال متبجح لدرجة عالية ولن يصمت إلا بعودتها معه.
***
عادت في المساء بجسد مثقل متعب تجر قدميها جراً، كادت تدلف لغرفتها لولا صوت الخادمة التي أوقفتها تقول:
"ست لونا."
"نعم."
"نسرين هانم عايزاكي."
آآآه، والدة ماهر تريدها وهي الشخصية الوحيدة بذلك المنزل الذي لا تحبذ مواجهته، كيف وبأي وجه ستقابلها بعد ما فعلته بوحيدها؟! وقد تهربت كل تلك الفترة المنصرمة من رؤيتها أو زيارتها رغم تعودها على فعل ذلك منذ قدمت للعيش معهم.
حكت رأسها وهي تردد:
"أنا لازم يبقى لي بيت لوحدي بقا، أو آخد بيتي من عمي."
تقدمت بخطوات مرتبكة تتقدم من غرفة نسرين تفتح الباب لتراها تنام كما المعتاد وعيناها على الباب تنتظرها:
"كل ده عشان تجيلي يا لونا؟!"
تقدمت لونا تجلس بصمت لكنها ما عادت تنكس رأسها بل ردت بلا مراوغة:
"كنت بتجنب نتواجه."
ابتسمت نسرين وقالت:
"اتغيرتي يا لونا، رفعتي راسك وعينك مابقتش في الأرض."
"دي حاجة تضايقك؟!"
ضحكت نسرين عالياً بطريقة خطفت بال لونا ثم ردت:
"بالعكس، كنت أحب إن مرات ماهر الوراقي تبقى مخربشة، زي مابتحاولي تبقي كده."
"بحاول؟!"
"أه لسه، بس هتوصلي طالما بتحاولي يبقى أكيد هتوصلي إن شاء الله."
تلاشت بسمتها فجأة وتحدثت بغضب تردد:
"لكن وانتي بتحاولي بلاش تدوسي على ابني، بلاش تخليني أندم، لو كنت أعرف إن البنت اللي هربتها عشان تروح لحبيبها هتتجوزه وتجيب منه البنت اللي تعذب ابني ماكنتش هربتها."
ضحكت لونا بحزن ودموع مكتومة تردد:
"يااااه. أنا أم يا لونا وعمر ماحد هيبقى أغلى عندي من عيالي."
تنهدت ثم قالت:
"ماهر بيحبك يا لونا، خليكي في طوع جوزك أحسن، وأنا هنسى اللي عملته ولو إنه لا يتغفر ولا يتنسي."
"والي ماهر عمله معايا بيتغفر ويتنسي عادي؟!"
"لأ، بس اللي قبلنا قالوا إيه؟! الراجل بحر والست سد، يعني الست هي اللي بتحلق وتحافظ، وما تبصليش البصة دي أنا مش هاجي على أواخر عمري وأبقى ظالمة، ماهر غلط وغلط كتير، كتير قوي ياستي، بس في النهاية إيه؟ هو متجوزك وعرف الكل والنهاردة رايح يفسخ خطوبته وبعد أربعين جدك هيعمل إشهار وفرح، في النهاية هو متجوزك قدام الكل، خليكي محترماه قدام الكل وبينك وبينه ابقي قصقصي ريش طيرك."
"ريش طيري؟!!!"
رددتها بعدم استساغة أو اقتناع. وإنما جلست تفكر فيما قالته تعرضه على عقلها.
وتفاجئت بفتح الباب وماهر يدلف منه يردد بابتسامة جذابة تليق برجل ماهر:
"مساء الخير على قطاقيطي الحلوين."
كان لذيذا بما يكفي لأن تلف نسرين رأسها بابتسامة للونا كأنها تسألها بعينها (بقا ده يتحسر بذمتك؟!)
نظرة جعلت عينا لونا تتعلق بماهر الذي مال ليطبع قبلة عميقة على رأس والدته ثم يقول وهو يخرج مغلف شيكولاتة فخم من جيب جاكيته:
"أحلى شيكولا لأحلى نسرين في الدنيا."
ابتسمت له ومدت يده لتجذب يده تقبلها ثم قالت:
"ربنا ما يحرمني من دخلتك عليا يا حبيبي."
نظرت للمغلف ثم للونا وله تقول:
"أخس عليك؟! أمال فين بتاعت لونا مش تجيبها زي ما عودتني أنا وجنا."
ضحك ماهر وتقدم يلتصق بلونا يضمها له مردداً:
"انتو كتاكيت يا حبيبتي إنما هي خلاص بقت إسترونج إندبندنت لونااا."
وقفت من مكانها تنوي المغادرة فناداها:
"لونا."
التفتت على مضض لأجل خاطر نسرين فقط فابتسم بسماجة يردد:
"حضريلي الحمام يا حبيبي."
تماديه في البرود كان كفيل بجلطتها، كورت قبضت يدها وردت:
"مش بعرف."
نظر لوالدته بحزن مصطنع وهو يزم شفتيه ويقول:
"أنا آسف يا ست الكل بس مضطر أسيبك دلوقتي وأقوم آخدها وأوريها الحمام بيتحضر إزاي."
ابتسمت نسرين تردد:
"روح يا حبيبي ربنا يهدي سركم."
خرج من غرفة والدته وهي كادت أن تتحرك لغرفتها لكنه لم يترك لها الفرصة، بات يعلم كل أفكارها فلم يسمح لها وحملها فجأة وذهب بها تجاه غرفته فصرخت:
"نزلني يا ماهر."
"لأ."
"نزلني يا ماهر بقولك."
"لااا بقولك."
صار بها لحد غرفته ودلف للمرحاض يوقفها في حوض الاستحمام ويفتح عليهما الماء، وشرع في خلع ملابسها عنها والماء قد بلل كليهما وبدأ في تقبيلها قبلة صغيرة:
"بس بقا واسمعي كلام جوزك."
"إيه اللي بتعمله ده."
قالتها بأعين متسعة لما يفعله بتصميم شديد غير مبالي بكل ما مرا به من أحداث ليجيب:
"لاقيت مراتي راجعة من الشغل تعبانة وجسمها مخشب قولت أفكوهولها تحت الدش."
حميمية لمساته فصلتها ورويداً رويداً تسلل لعقلها فكرة أن لماهر سيطرة عليها، سيطرة جامحة وقوية وليست ناعمة مثلها.
ورغم كل ذلك يحسب لها أنها لازالت تقاوم سحر تلك اللحظة وسحر رجل كماهر الوراقي.
مظهرها أسفل المياه كان مغري ومغري لدرجة لا تقاوم فجذبها من خصرها لتلتصق به وهمس أمام شفتيها:
"كفاية هجر بقا، وحشتيني."
رفعت عيناها له ليردد:
"والله بحبك، وأنا آسف، على فكرة أنا لسه راجع من عند أبو جميلة وفسخت الخطوبة، لو بلعب بيكي ماكنتش هضحي بجوازة زي دي، بلاش بقا سيرة الطلاق، أنا كنت هروح فيها."
همت للتحدث وتعد له بلاويه معها لكنه ابتلع شفتيها بقبلة تمنعها عن الكلام نهائياً.
أغلق صنبور المياه وجذب منشفة بيضاء كبيرة لف بها مفاتنها ثم حملها ليخرج بها من المرحاض.
وضعها بدلال على الفراش وجلس لجوارها يمشط لها شعراتها المبللة وهو يقول:
"هممم، هتسامحيني بقا؟"
"لأ."
ردت بصراحة فقال:
"عجيبة قوي، جسمك أبيض قشطة وقلبك بلاك أسود."
"قلبي أسود على قد الغلطة يا ماهر."
التفت له ببطء ونظرت له ثم قالت:
"أقولك حاجة وبصراحة؟"
هز رأسه يحسها على الحديث فقالت:
"أنا مش بصدق إنك بتحبني، برغم إني عارفة أنا قد إيه حلوة ودايماً بسمع الكلام ده، بس مش قادرة أصدق إن واحد زيك بيحبني."
"ليه يا لونا! والله العظيم بحبك."
هزت رأسها والدموع بعينيها ليقول:
"اهدي يالونا، اهدي وتعالي نامي."
مسحت عينيها كطفلة وقالت:
"لأ هروح أنام في أوضتي."
ضربها بخفة على رأسها وقال:
"أوضتك هي أوضة جوزك ومش عايز تخلف، يالا نامي."
نظرت له بحذر فقال:
"مش هعمل حاجة عايز أنام في حضنك بس، يا مفترية لسه خارج من دبحة ومحتاج رعاية."
لانت ملامحها كأنها موافقة لكنه قال:
"بس البسي حاجة ماتناميش جنبي كده أنا لحم ودم بردوا وانتي وحشاني أصلاً."
وقفت تبدل ملابسها بعيد عن عيناه التي تأكلها أكلاً لتعود وتنام بأحضانه بضمير يؤنبها فهي لم تستمر في موجة ثورتها ليوم كامل وبالنهاية رضخت لماهر.
صبرت نفسها وطيبت كرامتها أنها ستفعل فقط الليلة لأنه مريض ولن يتركها وبالصباح ستعود لونا التي تريد أن تكون عليها.
أما ماهر فعودة لونا لأحضانه سربت الدفء لخلياه وسقط في النوم بسرعة أكبر مما يتخيل.
***
كانت تجلس على سريرها منهارة من البكاء، نفس الدرس ونفس الكف، كلما ظنت أنها كبرت وما عادت تلك الفتاة الصغيرة يعود القدر ويفعل فعلته معها، وها هي قد رفضت من جديد، رفضها ماهر وفسخ خطبتهما.
نيران الكرامة المهدورة والخذلان يقتلانها وما ضاعفهم أضعاف مضاعفة هو أنها هي من خطبت وده هي ووالدها، لازالت تتذكر مظهر والدها وهو يدخل من البيت مدلدل الكتف مثقل الكاهل وهي كانت تنزل الدرج كي تحظى بالعشاء مع والديها لتتوقف أقدامها على الدرج مع صوت والدتها التي استقبلت زوجها تسأله:
"مالك يا صلاح في إيه؟"
"ارتمى بثقله على الأريكة يردد:
"ماهر الوراقي كان لسه عندي في المكتب، كان جاي يفسخ خطوبته من جميلة."
اتسعت عيناها وشهقت والدتها تسأل:
"ليييه؟!"
"ماعرفش، ماعرفش… مش عارف أقول لجميلة إيه، دي هي اللي كانت متحمسة وملمحة لي."
صمت اثنتيهم لتتفاجأ بوالدها يضيف بعجز وكأنه يأس:
"رشيد كان مكلمني عايز يتجوزها وبيقول إنه…"
قاطعته زوجته وهي تضرب صدرها بعويل:
"يانهار أبيضّ، رشيد اللي متجوز وعنده عيل."
رد وكأن بضاعته قد بارت ويبحث عن حل:
"بيقول بيحبها بجنون لدرجة بيحلم بيها كل يوم وانتي فاهمه بقا."
"انت بتقول إيه يا صلاح، هو عشان ماهر رفضها نقوم نرمي البنت، انت لو عرضت عليها عرض رشيد أصلاً يبقى كأنك شتمتها وبتقول لها العيب منك."
هز صلاح رأسه يضربه بيده كأنه يفوق حاله:
"صح، صح، استغفر الله العظيم إيه اللي بفكر فيه ده."
عادت من شرودها على صوت رسالة على هاتفها، عيونها مغرورقة بالدموع وأنوثتها مبعثرة وإذ بها تتفاجأ برسالة نصية من رشيد عبر رسائل الـ SMS يطلب منها ويرجوها أن تقبل عزيمته على العشاء.
نظرت للهاتف بأعين مشوشة من الدمع وعقل غير متزن من الصدمة التي تلقاها في الحال.
***
تقدم بخطى تغلي من الغضب تجاه غرفة الاجتماعات، صباح يوم جديد محمل بكل أنواع المشاكل والمفاجآت صنعتها له مصيبته المتدلعة.
بداية من استيقاظه وهي ليست بجواره ثم علمه بمغادرتها للشركة دون إذنه أو حتى انتظاره، وصولاً للآن فالهانم تعقد اجتماع هام مع كل رؤساء الأقسام.
اقتحم الغرفة ليجد لونا تترأس طاولة الاجتماعات والكل يهمس مبتسماً هاتفاً باسمها، صمّت أذنيه وهو يسمع بهاء مدير الحسابات والذي من المفترض أنه ذراعه اليمين يردد بحماس وشكر وحرارة:
"يااااه، أخيراً حد حس بينا، شكراً يا لونا هانم، إحنا بنشكر حضرتك على زيادة المرتبات دي."
"زيادة إيه اللي بتتكلموا فيها."
قالها صاحب المال الذي يوزع دون علمه.
توقف بهاء يرد:
"لونا هانم، عملت لنا زيادة على المرتبات عشرة في المية على المرتب."
"نعم؟!!!"
قالها بحده وهو ينظر ناحية لونا التي أضافت مبتسمة:
"مش بس كده، أنا كمان هقلل ساعات العمل يعني بدل ما بتخلصوا عشرة هتخلصوا تسعة."
"نعم؟!"
لم يسمع أحد اعتراضه فقد وقف الكل يحلف ويتحالف بلونا وما فعلته.
أوقف الكل وهتف بصوت جهوري:
"بس، كفاية فوضى."
تقدم منها يردد بغضب:
"مين اللي سمح بالكلام الفارغ ده."
"أنا."
"إزاي؟!"
"بالتفويض اللي معايا."
"التفويض، أه عظيم قوي، طيب، التفويض اللي معاكي بيحدد مهامك في بعض قطاعات الشركة مش كلها + إن الميزانية اللي تحت تصرفك في التفويض مش هتكفي الزيادة اللي حضرتك ماشية توزعيها، ودلوقتي كل واحد على شغله."
علت علامات خيبة الأمل على وجوه الموظفين وخرجوا من الاجتماع فبقت معه وحدها.
أخذ يقترب منها وهي تردد بغضب:
"تاني بتلعب معايا تاني؟ مديني تفويض ملوش لازمة."
"قولت لك ماهر مش بيرمي في أكل عيشه، عايزة تلعبي هسيبك تلعبي بس في حدود المعقول، عايزة تقلبي علينا الموظفين."
"ماشي يا ماهر، هعمل ميزانية جديدة بزيادة جديدة وهزودهم بردو."
همهم بتوعد ثم قال:
"طيب حيث كده بقا، روحي على مكتبك هتلاقي بهاء سايب لك أوراق صفقة جديدة لينا مع شركة إماراتية عشان مشروع رأس الحكمة عايزك بقا كده زي الشاطرة تراجعيه وتجهزي بريزنتيشن على مستوى عالي نقدمها لهم، يالا يا ست الشريكة ورينا شطارتك."
ناظرته بأعين نارية وقابلها هو بنظرة مستخفية، تبادل نظرات أعلن الحرب لنرى لمن ستكون السيطرة.
تحركت تجلس على مكتبها لتعلم حجم التحدي المميت، ماهر يضربها فوق دماغها، فالأوراق الموجودة أمامها كلها أرقام ومصطلحات لا تفقه منها شيء.
حاولت التوصل لحل وإلا تنهار وتهزم، رفعت هاتفها وقررت الاستعانة ببهاء ذاته لكن توقفت أناملها أمام تلك الرسالة المرسلة لها من رقم محاميها وما تحتويه بداخلها.
يتبع
رواية سيطرة ناعمة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سوما العربي
هزت رأسها بجنون، لا تفقه حرف من المكتوب. المدون أمامها لاهو أصعب من درس اللوغاريتمات في رياضيات الثانوية العامة الذي لا تستسيغه أبداً.
فكرت لثوانٍ وهي تقلب في الأوراق بينما ترددت:
"مالي أنا بكل ده، بيحط عليا ابن عزام! ماشي، ماشي يا ماهر."
تناولت هاتفها تفتحه لتتصل ببهاء، لكن توقفت أناملها أمام رسالة مبعوثة من المحامي الذي ذهبت له تقول: "مدام لونا لو سمحتي عايز أقابل حضرتك في موضوع مهم مش هينفع يتقال في التليفون."
جعدت ما بين حاجبيها وقررت الاتصال عليه، لكن هاتفه كان خارج التغطية.
لم تكد تضع الهاتف جانبها إلا ووجدت باب المكتب يفتح بقوة ويدلف آخر شخص توقعت وجوده أو مجيئه إليها.
عزام محمد الوراقي.
وقف شامخ طوله ورأسه عالية يطالعها بابتسامة جانبية ساخرة ثم ردد:
"مش كنتي جبتي كرسي أصغر شوية يا بنت رحيل، المكتب ده واسع عليكي وإنتي بتلوقي فيه."
جاءبته ترد بهدوء رغم نجاحه في زعزعة ثقتها:
"معلش، مصير الصغير يكبر."
استوت في جلستها تتكئ ولا ميريت أمون بزمانها:
"بس الكبير لما بيقع مش بتقوم له قومة."
غمزت له شامتاً تردد:
"مش كده يااا... خالو."
سحبت نفسًا عميقًا ثم أكملت تشفيها:
"جيت ليه، على ما أذن مابقاش ليك حاجة هنا."
نظرت لأظافرها تسأله بمهانة:
"إيه محتاج فلوس؟ الـ 200 جنيه اللي كرمشتهم لك من يومين خلصت؟ لا لأ لازم تمسك إيدك شوية عن كده، التبذير بتاع زمان خلص، وأنا لو أدّيتك يوم مش هرضى أديك تاني، وإنت عارف، السلف تلف."
استمع لحديثها كله وحاول تمريره مؤقتًا. زم شفتيه بضيق ثم قال:
"مالقتيش غير سامح أخو جيلان تحطي صابعنا تحت درسه!"
كادت أن تتحدث، لكنه هاجمها وأخرسها:
"وماتقوليليش جت معاك صدفة، أنا مش ماهر الأبله، ماهر ده طالع لجده، لكن أنا لا، إنتي مش عبيطة ومش بتيجي مع الهبل دوبل زي ما مفهمه الكل، إنتي اخترتي حسام بالذات عشان عارفة بخلافاتي مع أخته."
لم تتغير ملامح وجهها كثيرًا، احتفظت بثبات ملامحها ثم جاوبت:
"وأنا هعمل كده ليه يا خالو بس."
نجحت في السيطرة، عصبت عزام الوراقي. انتفض من مكانه بغضب يردد:
"بت، شوية السهوكة اللي بتاكلي بيهم عقل ماهر مش هيعدوا عليا، والورق اللي معاك ده تسلميهولي والواد اللي اسمه حسام ده أنا هعرف إزاي أتصرف معاه هو واللي بعتته."
ردت ببرود:
"روح اتصرف معاه، ما عنديش أي مشكلة أنا أخدت مصلحتي منه خلاص."
سيطر على غضبه بقوة ثم حاول التحدث بتروٍ:
"بلاش عند، ولعلمك ماحدش هينفعك غيري، حتى ماهر نفسه مش هينفعك."
حاول تغيير فكرها، تحدث بنبرة متوسطة لا حابب ولا كاره، يريد عقد مصلحة متبادلة الأطراف لذا قال:
"أنا قاطع على كله وعارف كل واحد جواه إيه، تيجي نلعب على المكشوف."
نبرته شجعتها، بدا جادًا فردت بلا تردد:
"موافقة... بس إيه يثبت لي صدق كلامك وإني مش بوق؟"
هز رأسه معجبًا وجلس يتحدث بجدية حقيقية:
"هقولك، يعني أنا مثلاً عارف إنك لا ليكي في شغل الشركة ولا عايزة تديريها، إنتي نازلة تمسكي فلوس وبس، تقعدي على الكيس زي ما بيقولوا، ماهر يدير، أنا أدير، مش قصتك، كل الحكاية إنك عايزة تاخدي فلوس تكفيكي تجيبي بيت وتأمني مصاريفك ومصاريف أبوكي وماتبقيش عايشة على القد، عايزة تتنغنغي وتعيشي هانم."
ابتسم بثقة فقد عراها تمامًا، وأصاب الصميم. هي بالفعل كانت تلك نواياها، فحتى ماهر لم يفهم. يبدو أن للسن والخبرة عامل كبير ومهم.
تيسرت مهمته ثم كمل:
"أنا جبتك أول مثال عشان تعرفي أنا فاهم اللي حواليا إزاي، وهقولك تاني مثال، أنا."
اتسعت عيناها غير متوقعة تلك الجرأة وزادت صدمتها وهي تسمعه يتحدث بشفافية:
"أنا زهقت من اللعب هنا وشايفها عمالة تضيق، وفاخر تعبان مش بيبطل قرص حتى في أخوه."
أعطته نظرة تحتية من عينيها، غير مستسيغة صدقه وشفافيته المفاجئة:
"من إمتى ما علش؟"
"مش مصدقة."
"طبعاً."
"جدعة، تعجبيني، بصي، أنا هعرف أعمل كل حاجة، كل حاجة حرفيًا إلا حاجة واحدة."
تجعدت ملامحها تعصر عقلها في ماهية تلك الحاجة المستعصية عليه فرد بحزن شديد:
"نسرين."
زمت شفيتها بضيق، هاهي تعود لنفس القصة ونفس المتاهة، القدر يلاعبها ولا ينفك عن إرسال الرسائل لها؛ فحتى عزام الجاحد سيطرت عليه كل عوامل المصلحة والمادة وجعلته يتخلى عن كل شيء حتى والده، إلا حبه لزوجته نسرين (حبه الأول). فماذا تتوقع من ماهر سلسل محمد الوراقي وعزام.
قطع سيل فكرها وهو يردد:
"عايزك تقنعيها توافق ترجع لي."
ما يطلبه كان أصعب من أن توافق عليه فقالت:
"ودي هعملها إزاي دي، دي مش بتطيق سيرتك."
أغمض عينيه بألم ثم قال:
"ماعرفش، بس إنتي قريبة منها وهي متعاطفة معاكي.. وإنتي هتتصرفي لما تعرفي إني هساعدك تاخدي فلوسك."
"إزاي؟"
ضحك وهو يضرب عصفورين بحجر واحد:
"هبعتك لواحد معرفه ومسيطر وهو هيظبط لك كل حاجة بكلمة منه."
تنهدت بعدم راحة، رغم صدق كل حديثه إلا أنها لا تستطيع إعطاءه الثقة فجأة هكذا فسألت:
"وأنا أصدقك ليه، ليه ماتكونش دي لعبة جديدة منك عشان توقعني."
"لا أنا ماحدش هيعرف يساعدني غيرك، مش هينفع أخلي چنا اللي تدخل ولا ماهر لأنها مش هتقتنع، ولا هتقتنع بيكي على فكرة لكن هتتأثر، زي ما قولت لك هي متعاطفة معاكي وكمان هي متأثرة بحكايتك مع ماهر."
عضت شفتيها مفكرة فسألها:
"هااا، متفقين؟"
"لأ."
قالتها بقوة وهي تبتسم تنهي الموضوع تمامًا، لن تخطئ وتثق في عزام مهما كانت محتاجة له.
وختمت الجلسة تطرده وتقطع الأمل تقول:
"نورتني الشوية دول... يا خالو."
انتفض يقف بضيق شديد يستمع لطردها له ولم يستطع الاعتراض بل تحرك بخطى غاضبة يتجه نحو...
***
استيقظت محبطة حزينة ويائسة، رغم كل ما تملكه تشعر بأنها أسعد فتاة على كوكب الأرض.
قامت تحاول استدعاء النشاط، دلفت للمرحاض بقوة خامدة، اغتسلت ببطء وارتدت ملابسها بضيق.
وقفت أمام المرآة تحاول تخبئة ذبول وحزن ملامحها بطبقات من مستحضرات التجميل.
التقطت حقيبتها وتوجهت للمغادرة، تقابلت مع والدتها في ممر الغرف.
ألقت عليها تحية الصباح لتمرر الموقف وتمر، لكن على من؟ أوقفتها تقول بحزن وعدم رضا:
"رايحة على فين يا بنتي بس؟"
"زي كل يوم يا ماما، الشغل مش بيستنى."
"شغل إيه يا بنتي، ده إنتي لو جبل كان زمانك اتهديتي، ريحي يوم يا جميلة، أدي لحزنك وقته، ليه المكابرة اللي تقصف العمر دي!"
"فين الحزن ده، أنا مش حزينة."
"لا حزينة وما فيهاش حاجة."
"ماما أنا لازم أمشي دلوقتي."
تحركت كي تغادر فأوقفها صوت والدتها التي رددت:
"أنا عارفة إنك مش زعلانة على ماهر وإنك ما كنتيش بتحبيه أصلاً."
أسبلت جميلة عينيها بحزن، هي بالفعل كذلك، يحزنها خذلانها كل مرة، وإعادة معايشة شعور عدم الرغبة أو التقبل الذي عايشته على مراحل متكررة.
نزلت آخر درج سلم بيتها لتتلاقى مع رافضها البكر، تنهدت بتعب وضيق، هو آخر من تود مواجهته الآن في ظل ضعفها الحالي.
وجدته يتكئ على سيارتها والمظهر لا يحتاج للتحليل. هو ينتظرها.
تقدمت بجسد مستنزف طاقيًا لتجد القدر يعاندها، رشيد يخرج من خلف ظهره باقة ورد حمراء خاطفة للأنفاس يقدمها لها ويردد بضعف شديد شديد:
"أرجوكي يا جميلة أديني فرصة، أنا مش قادر أعيش يومي، عشان خاطري تقبلي بيا."
حاولت الصمود وقالت باقتضاب واضح:
"لا يا رشيد، ويا ريت بلاش تقف الوقفة دي تاني، بلاش كل شوية نحرج بعض."
تقدم منها الخطوة المتبقية بينهما، الهواء يمر من مساحة تكاد تكون منعدمة، يحاصرها بروحه:
"أنا عرفت إن ماهر فسخ الخطوبة."
هل يعايرها! أم يستغل الموقف؟! حاول تصحيح الكلام وذوقه يقول:
"ربنا رأف بيا وسمع دعائي، أنا مش عارف أعيش يومي يا جميلة، هتجنن عليكي، بلاش أقولك عشان خاطري أديني فرصة عشان أكيد ماليش عندك خاطر، بس أبوس إيدك حاولي."
شهقت بصدمة ورعب وهي تراه يذهب للا محدود، رفع كفها يقبله كأنه يتوسلها أن ترحمه.
يردد بلا وعي:
"أديني فرصة، أديني فرصة ولو صغيرة، جربي والله ماهتندمي يا جميلة."
هزت رأسها بتعب وجنون، لما يفعل ما يفعل؟ ولما الآن بعز حزنها وضعفها وانكسار أنوثتها، حضر ليعطيها دفعة أنثوية يخبرها أنها أنثى مرغوبة، ومرغوبة من رجل رفضها مسبقًا، ربما هي فرصة لا تعوض.
نظرت له نظرة خبيثة، شريرة، قاتلة ثم قالت:
"بس على شرط."
رد بلهفة يسألها:
"موافق."
"مش تسمعه الأول!"
"أي إن كان، موافق."
"شرطي إن علياء ما تعرفش بأي حاجة ولا حتى تحس."
وهل يعتبر ذلك شرطًا، هو أكثر من حريص على ألا تعرف.
هز رأسه مبتسمًا وأخيرًا سيرتاح. تنهد ثم قال:
"موافق.... ممكن تقبلي مني الورد."
قبلت وأخذته ليقول:
"وتقبلي عزومتي على الأكل."
"كده كتير."
"عشان خاطري."
"ماشي... ساعة واحدة بس."
"وأنا راضي بيها."
ابتسمت فقال:
"يالا بينا."
قالها وهو يشير على سيارته فردت:
"لا هروح بعربيتي."
ارتضت داخليًا وهي تراه يهز رأسه موافقًا وسيوافق على أي شيء تريده، بعدما رضت عليه.
تحركت لسيارتها ثم تحركت بها وهو خلفها.
***
كان يجلس على مكتبه يبتسم بين الحين والآخر وهو يتخيل وضعها بين أرقام وحسابات هي لا تفقه فيهم شيء.
الجزء الخبيث والشرير بداخله جعله يقدم على ما فعل، كان يريد أن ترى نفسها ضعيفة أمامه كما هو دائمًا أمامها.
تنهد بحب، يعشقها الغبية وهي لا تريد أن تصدق، حتى لو كانت طريقة عشقه غبية وأنانية ومستبدة لكنه يعشقها وينتظر منها أن تقبل به كما هو.
وبينما هو كذلك تفاجأ بالباب يفتح ويدلف عزام مرددًا:
"معلش بقى كان المفروض آخد الإذن من السكرتيرة قبل ما أدخل مكتب المدير الجديد بس قولت إني أبوك بردو مش كده."
"كده طبعاً، المكتب نور."
ضحك عزام وردد:
"مش هتسألني تشرب إيه؟"
نظر حوله بضيق ثم ردد:
"ما أنا بقيت ضيف بقىاااا."
"لأ طبعاً المكان هيفضل مكانه مهما كان... هطلب لك قهوة مظبوطة."
رفع سماعة هاتفه لطلب القهوة لكنه لم يكد أن يفعل فقد توقف على حس والده الذي قال وهو يناظره بغضب:
"اشتريت المحامي بتاعي يا ماهر."
صدم ماهر وتعلقّت يده بالسماعة في المنتصف، ابتلع ريقه من كشفه السريع ووضع السماعة فيما كمل عزام:
"هي حصلت؟!"
"مين قالك كده، أكيد حد عايز يو..."
قاطعه عزام يتقدم برأسه وصدره للأمام مرددًا بغضب عظيم:
"المحامي نفسه هو اللي قال."
سب ماهر من بين أنفاسه فهل باعه وسلمه هكذا بكل بساطة، لكن عزام فاجأه حين ضحك يقول:
"لا ما قالش بعضمة لسانه اتطمن، فلوسك اللي حولتها لمكتبه حلال، إنت اللي ناسي إنك لو طالع عقر وناصح فالفضل ليا، أمال فكرك إنت العيال بتتكب باسم آبائها ليه؟!!!"
صمت ماهر، الصدمة كانت أكبر من أن يمتلك ردًا أو كلامًا، ووضعيته تلك أرضت عزام لقدر كبير، فابتسم وهو يقول:
"عايز تعرف عرفت إزاي؟?"
أخيرًا استطاع الحديث وأنكر:
"كذب، مستحيل أعمل كده."
"حصل، ولولا الغلطة الصغيرة دي أنا ما كنتش هاخد بالي."
صمت ماهر فانتفض عزام من مكانه يردد:
"المحامي بتاعي أو بمعنى أصح اللي بقى بتاعك، قاعد يلاعبني ويرميلي في كلام يخليني أبعد عن فكرة الطعن على الوصية وقال إيه البت بتاعتك دي تورث في الثلثين!!! طب إزاي؟ هي ليها ورث أصلاً!!! أمها ميتة قبل جدك وجدك عشان عارف بكده كان عايز يكتب لها على حياة عينه زي ما قال، وعشان يورثها كتب وصية لأنه عارف إن مالهاش تورث فيه، فالمحامي بتاعك بقى لعب على طمعي أنا وعمك وقال إيه هتورث معانا وكمان تنفذ الوصية وتاخد من الثلث المتبقي! وعمك اللي عامل فيها ناصح شربها عادي بس أنا لأ ما عدتهاش."
عاد ماهر بكرسيه للخلف، يده ذهبت أوتوماتيكيًا لرقبته، يشعر بالتورط.
أقبل عزام عليه يردد:
"كل ده عشان الست حلوة بتاعتك؟! بتبيع أبوك يا ماهر؟!"
لم يجيب ماهر، وعزام لا ينتظر ردًا، جوابه معه بالأساس فماهر يرد له كارما أفعاله بوالده فما اللوم!! ربما فقط تفاجأ من سرعة دورة الأيام.
أرتمى على الأريكة بإنهاك وقال:
"وأنا اللي فكرتك هتيجي تقعد معايا تواسيني وتقولي ماتزعلش نفسك يا بابا، أنا مش عايز الوصية دي يا أبويا، ما عاش ولا كان اللي يكسرك."
سحب ماهر نفسًا عميقًا، طالما أن والده مازال مصممًا على السير في نفس الطريق فليكن:
"ممكن مش متعود بنقعد مع بعض كتير فما علش، وبعدين يا بابا أنا مش خايف ومش قلقان عليك، إنت عزام الوراقي بردو وأنا أدرى الناس بيك، أكيد حبيبك اللي أنا عارفهم وسايبهم هنا بمزاجي في الشركة جروا بلغوك بالورق اللي بقت لونا ماسكاه عليك، ومن قبل لونا ما أنا عارف وشاهد، إنت وعمي عندكم بره فلوس النار ماتحرقهاش، وأنا لا اعترضت ولا قلت حاجة."
أسبل عزام جفناه بتعب، سوء معاشرته لوالده تلاحقه وهو أذكى من أن يتجاهل العلامات لذا نكس رأسه أرضًا وردد:
"هقولها قبل ما إنت تقولها لي، هطلع معاش وأقعد أريح في البيت."
أيد ماهر الفكرة وكمل:
"كفاية جري، حقك تتمتع بفلوسك."
زم عزام شفتيه ثم قال:
"بس بشرط."
"اتفضل."
"تقنع أمك ترجع لي."
تنهد ماهر وجن جنونه من طلبه المستحيل وقال:
"إنت تكسب القضية أسهل لك."
"ماااااهر."
"ماهر إيه؟! هو أنا ساحر وبعدين إنت مش اتجوزت عليها."
"جيلان؟! لا ما أنا زهقت منها ورميتها، أنا كنت متجوزها مصلحة أصلاً وده اللي غلبت أفهمه لامك... أول ما أمها ساءت معاشرتها في الضرائب طرقتها."
"رميت مين وطرقت مين، تلاقيها سابتك من بعد الوصية لما عرفت إنك طلعت من المولد بلا حمص."
"أمال لو ما كنتش عارف بفلوسي اللي بره، أنا قعدت أولول لها إني فلست ومش هلاقي أكل عشان تطلب هي الطلاق فارفض فتخلعني وتتنازل عن كل مستحقاتها."
لم يستطع ماهر وأنخرط في الضحك يضع يده على وجهه بقلة حيلة من والده وتصرفاته... أدمعت عيناه من كثرة الضحك وهو يردد (يانهار أبيض).
عاد ينظر لوالده الثابت ينتظر ردًا يفرحه لكنه خيب أمله حين قال:
"بابا لو سمحت، سيب أمي في حالها، أقولك روح اتجوز غيرها أنا راضي وهي راضية وكلنا."
صرخ عزام بقلة حيلة:
"مش عايز، يا أخي أنا عايزها هي، الله مراتي وأنا حر فيها."
"يا بابا أنا مش بقدر أجيب في سيرتك قدامها تقولي أقنعها ترجع لك ده مستحيل... انسى الموضوع ده خالص لو سمحت."
وقف عزام بغضب وردد بحسم:
"أنا مش هفضل أتحايل على كل واحد فيكم شوية، الست دي مراتي وبتاعتي ولو عايز من بكرة أعمل لها ورق مرضي وأسافرها بداعي العلاج ونعيش أنا وهي بعيد عنك وعن أختك ومايبقاش قدامها غيري بس أنا مش عايز أعمل كده عشان ما أطينش الأمور بينا أكتر ما هي مطينة، عايز يبقى بالرضا والمسايسة، معاك لآخر الشهر يا تقنعها إنت وأختك يا أنا هتصرف ونفضل هنا نرازي في بعض بقى، ماتنساش شرط الوصية لسه ماتحققش."
ألقى جملته الأخيرة على شكل تهديد محفز ثم غادر.
تنهد ماهر بتعب، مواجهة ما كان يتمناها الآن، لكن هذا ما حدث، ثم ضحك ساخرًا فوالده الذي لطالما سخر من والده وحبه لهنية وطريقة تعلقه بها ما هو إلا نسخة منه متعلق بأمه ولكن تعلق والده مختلف، يحبها بطريقته ومنتظر أن ترضى وتتقبل مهما فعل.
وبينما هو غارق في تفكيره دلفت سكرتيرته تردد باستغراب:
"مستر ماهر، يا مستر، الاجتماع!"
استفاق على حاله، لقد تأخر بالفعل، قام من مكانه وهو يبتسم، سيذهب ليرى لونا الغارقة في ورطتها التي صممها لها وكم هو سعيد برؤيتها هكذا.
خرج بخطى واسعة يتقدم باتجاه مكتبها، رفع إحدى حاجبيه وكلما تقدم اتضحت له الرؤية أكثر، الهانم مكتبها مفتوح على مصراعيه، موظف داخل وموظفة خارجة.
تقدم ليدخل وهو يرى بهاء مساعده هو، يقف على يمينها، وعن يسارها تقف موظفة أخرى، علاوة على واحدة زيادة ضربت كتفه للتو واعتذرت ثم تقدمت تنضم لهم.
جميعهم منكفئين على شاشة الكمبيوتر والأوراق على ما يبدو أنهم يعلمونها شيئًا أو لربما أشياء.
هتف بحدة:
"في إيه؟!"
علامة تعجب كبيرة كانت ساطعة على ملامحه خصوصًا وهو يقترب من ذراعه اليمين يسأله:
"أنا اتصلت بيك في مكتبك ما حدش رد، ما طبعاً مشغول البيه."
نظر للفتيات يسألهم:
"وإنتوا بتعملوا إيه؟?"
لم يترك لهم الفرصة للجواب لأنه تحول بنظره للونا:
"أخدتي موظفيني يساعدوكي، حتى دراعي اليمين عرفتي تكسبيه!!!!"
ابتسمت ترفع له حاجبيها تلاعبه، رفع حاجب واحد وهو يهز رأسه:
"هممم، عظيم عظيم، طيب... على الله تكوني جهزتي."
"جهزت."
"اتفضلي."
***
جلس وهو لا يصدق نفسه ولا عينيه، وأخيرًا جميلة معه وأعطته الفرصة.
بوجه يشع حرارة قال:
"مش مصدق نفسي، أنا أسعد واحد دلوقتي عشان وافقتي تديني فرصة."
ابتسمت بتوتر، ما زالت غير مستسيغة الوضع فهمس:
"ردي عليا بأي حاجة."
"مش عارفة أقولك إيه؟"
"بلاش تقولي إنتي، أقول أنا، جميلة إنتي طيرتي عقلي من ساعة ما شوفتك، لسه الطقم البينك اللي كنتي لابساه ووشك متغرق عرق في بالي مش بيروح لدرجة إني..."
كاد أن يخبرها عن حلمه لكن فضل ألا يخيفها وهي للتو قد أعطته الموافقة، عمد لإكمال حديثه:
"أنا بضرب نفسي 100 جزمة على كل يوم ضيعته بعيد عنك، أنا من ساعة ما رجعت وإنتي مسيطرة على تفكيري... أجمل بنت شفتها عيني.. وقوية، شخصية، بتمشي شغل يغلب فيه رجالة، وجميلة، ورقيقة."
ظل يكملها، طيرها على البساط من رقة كلامه ووصفه لها، إلى أن وردها اتصال، فتح المكالمة.
الاتصال كان من ابنه، أول ما قال له (أيوه يا حبيبي) عادت معه لأرض الواقع.
وقفت فجأة وانتفض يسألها:
"في إيه؟!"
ردت بتوتر:
"هروح الحمام."
زم شفتيه وقال:
"بس ما تتأخريش عليا."
"تمام."
تحركت تحت أنظاره وهو يتابعها بعشق شديد يبتسم بحالمية.
دلفت المرحاض وغسلت وجهها تقذفه بالماء، نظرت في المرآة تواجه نفسها، توبخها:
"بتعملي إيه؟! بتعملي إيه قوليلي، بتعكي؟ هو ده اللي هيرجع لك ثقتك؟! هتهدي بيت؟! وجاي بعد إيه؟! بتحبيه أصلاً؟؟ ولا أي واحد وخلاص؟؟ يا سافلة."
شتمت نفسها كأنها قابلت علياء وقالت ما كانت ستقوله هي.
اعتلت في وقفتها تجفف وجهها، تغيرت ملامحها واستحالت لأخرى ثم تحركت مغادرة بخطى واثقة سريعة.
تتقدم لتخرج من المطعم لكنها ارتطمت بحائط سد، رفعت عينيها لتراه، إنه بشري غاضب، أسود عريض المنكبين، لكن وسامته لا تمرر له صراخه الغاضب:
"مش تفتحي يا آنسة."
"افتح أنت الأول."
"يعني غلطانة وبتتكلمي."
"إيه هتخرسني مثلاً."
تقدم فرد الأمن يتدخل بينهما وعلى ما يبدو أنه يعرفه؛
"خلاص يا أستاذة، خلاص يا كابتن شهاب حصل خير."
تركته جميلة بغضب جم، لكنها كانت تريد الفرار قبلما يلحقها رشيد فتحركت وبقي "شهاب" وحده يسأل بجنون:
"مش عارف أنا إيه الأهل اللي بقت تسقط تربي دي."
***
في طريق العودة كانت تجلس لجواره تمنع دموعها، الاجتماع كان كارثيًا، ظنت أنها قد حفظت بعد مساعدة الموظفين وكسب ودهم، ظلت طوال طريق الذهاب تراجع وما إن بدأوا حتى اشتغلت التأتأة، كانت في قمة الإحراج وذلك الوغد جلس على رأس الاجتماع يتابعها ولم يلحقها بل كان يتابع مشاهدته واستمتع بضعفها.
نظرت عليه بضيق تراه يقود وهو مبتسم، بالطبع متشفي فيها، لكنها كتمت دموعها لن تبكي أمامه وما فلحت… بل بكت.
التف لها يسأل بخوف:
"إيه يا حبيبي مالك؟"
ظهرت دموع عينيها وقالت:
"ما عرفتش أعمل حاجة وكنت واقفة مش عارفة أقول كلمتين."
مسح دموعها وردد:
"عشان أول مرة بس، لكن كبداية معقولة، بس هل ده اللي مزعلك بس؟!"
نظرت له بجانب عينها فأزاح خصلات شعرها من على ملامحها وهتف:
"ولا عشان حسيتي نفسك ضعيفة قدامي."
اغرورقت عيناها بالدموع فمسحهم مجددًا وقال بحنان:
"ماتعيطيش، مش عيب يا لونا تبقي ضعيفة قدامي ما أنا كمان ضعيف قدامك."
تغيرت نظرتها، بقت تنظر له كأنها تراه من جديد، مستغرباه، اقتطف قبلة من شفتيها بغتة يقول:
"وحشاني ومانعة نفسك عني، بس أنا مش عايز أغصبك، بعد كده كل حاجة بالرضا يا لونا."
لم تجب عليه، صمتت، جاءتها رسالة أن هاتف محاميها بات متاحًا فأجلت الاتصال لحين تصبح وحدها.
وردتها أخرى فابتسمت، لقد تم نقل والدها لمشفى آخر كما طلبت.
سألته مستغربة:
"رايح فين؟ ده مش طريق البيت؟!!"
"رايحين النادي وكمال وجنا جايين، عايزين نتكلم بعيد عن البيت."
***
وصلت جميلة للنادي، لم تحبذ الذهاب للبيت، كان الليل قد حل، ذهبت باتجاه إسطبل الخيول، روحها مخنوقة وبتلك الأوقات تفضل امتطاء الخيل.
وقفت على أعتاب الإسطبل تتقدم من خيلها المفضل لتسمع الحارس يمنعها:
"بلاش يا آنسة جميلة."
"نعم؟! بلاش ليه؟"
"الدنيا ليل والكابتن الجديد قال بلاش نطلع الخيل بالليل."
"بس أنا عايزة دلوقتي."
"بلاش، هيجازيني."
"قوله إني أصرت."
صممت بالفعل وأمطت الحصان وخرجت به.
خرج الحارس يولول:
"ياليلة مش فايتة."
ثم عمد للاتصال بالكاتب حتى جاوب:
"يا كابتن شهاب، تعالى بقى إنت اتفاهم مع الأعضاء أنا مش حمل مناهدة."
***
حضر كل من كمال وجنا فسألت جنا:
"خير يا ماهر قلقتني."
"اقعدي، اقعد يا كمال."
جلس كمال وكذلك جنا بجوار لونا ليقول ماهر بأمر غير قابل للجدال:
"كمال، إنت وجنا هتتجوزوا كمان أسبوعين."
نعم!!!!!!!
تركتهم مع سلسلة الاعتراضات وتعللت بذهابها للمرحاض، ظلت تتلفت حولها للتأكد أن ماهر لا يتابعها بعينيه كما يفعل دوماً، بلحظتها صدمت بكتف أحدهم فصرخت بألم من شدة قوة ضربته:
"ااااااه، سوري، سوري."
قالتها سريعًا لشهاب وتحركت لإتمام مهمتها فيما أشاح شهاب بيده وردد بضيق:
"ده أنا بقيت ملطشة بقااااا."
ثم تحرك بغضب تضاعف مما جرى باتجاه إسطبل الخيول ليرى ماذا يحدث هناك: فيما توقفت لونا وقد اتصلت بالمحامي الذي رد بسرعة:
"فينك يا مدام لونا من بدري."
"اتصلت على حضرتك كتير والله كان خارج التغطية."
"آه آه كنت فعلاً في مكان مافيهوش شبكة."
"خير يا متر؟"
"ولو إني كنت عايز نتكلم وش لوش أفضل عشان ده كلام ما بيتقالشي في التليفونات خالص، أفضل تيجي المكتب نتكلم أحسن."
"مش هينفع، ماهر مش بيسيبني عشان كده بحاول أكلمك."
"طيب يا مدام لونا؟ حضرتك متأكدة إن ماهر بيه متجوزك؟"
"نعم؟! إيه اللي بتقوله ده؟!"
صرخت برعب ليردد:
"أهدي يا مدام، بس، حضرتك ما قدمتيش قسيمة جواز."
"عشان لسه ما طلعتش."
"ليه ده عدى كذا شهر."
"ماعرفش، يمكن مع ماهر وهو اللي استلمهم."
"أنا روحت السجل المدني عشان أطلع واحدة بالخبث كده من حد حبيبي هناك وبياخد اللي فيه النصيب، بس مالقاش قسيمة جواز باسمك واسمه، ده يا مؤمنة مافيش حتى عقد عرفي ويتوثق، إنتي متأكدة إنه اتجوزك؟ وإن اللي كان موجود ده كان مأذون حقيقي؟!"
تدلت يدها برعب، سقط الهاتف من على أذنها، جف حلقها، برد جسدها وانسحبت منه الدماء، لسانها يردد كلمة واحدة:
"شرفي؟!!!!!!"
رواية سيطرة ناعمة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سوما العربي
برود جسدها كان واضح، أطرافها ترتعش، هل ضاعت وضاع آخر ما تبقى للفتاة؟
تقدمت بخطى ثقيلة وجسد مات من البرودة، أنفاسها ترتعش، تراه وهو يجلس أمام شقيقته وكمال يحاول السيطرة على انفعالات جنا وإقناعها، حريصًا على مصلحتها.
تقدمت وهو يلاحظها فيبتسم، لم تحرك ساكنًا ولم تتغير ملامحها، بقيت تائهة تشعر بالضياع وعقلها ليس معها، الأمر يشبه بمن ضرب بغتةً على مؤخرة دماغه بعصا غليظة أو شاكوش.
فقط تنظر له بصمت، عيناها لا تتزحزح عنه، أيعقل أنه بكل هذه الحقارة، بالأساس لما قد يفعل ما فعل، هل يكرهها! وإن كان، لا يوجد مستوى من الكره قد يصل لهذا الحد من الأذى والخداع.
أحشاؤها تتلوى عليها وقلبها يؤلمها، رفعت عيناها منتبهةً على صوته وقد علا بينما يحاور شقيقته التي وقفت محتجة.
هي غير مبالية بما يقال ولا بقراراته المفاجئة بشأن زواج كمال وجنا، فليتزوجا أو لا، هي عيناها متعلقه بملامح ماهر تسير عليها، قلبها يؤلمها وعقلها يصرخ: لماااااا.
تهز رأسها بطريقة واضحة، الأمر أشبه بالذبح، مهما كانت سيئة ومهما رآها الجميع سيئة، لا تستحق مثل هذا العقاب، كانت تنتظر الحب، وقد أوشكت على تصديقه.
تتساءل كيف خدعها، كيف استطاع، وما يؤلم بشدة هو ما اكتشفته للتو، ألم عظيم في قلبها، تريد أن تبكي، هل صدقت بحب ماهر، والأنكى هو أنها على ما يبدو أحبته؟!
اكتشاف الحب في وجع الخديعة، وهل هذا وقته؟!!!!
إنه لأمر غريب وقصة عجيبة، روحها الآن تصرخ، وقلبها ينبض، والدنيا تدور بها، تدرك ما كانت لا تفهمه.
عيناها عليه، تكتشف، أحبته، وأحبت تعلقه العجيب وتمسكه المفترى، وباتت تتدلل ليزيد في إثباته وتشبثه، في لحظات الضياع فقط تتمثل الحياة الوردية، هنا فقط بدأت تتخيل لو لم يفعل ما فعل، ولو كان زواجهما صحيحًا لزادت في دلالها وباتت متكئة عليه، لتحايلت على الظروف وجعلته يحقق رغباتها، لربما اختلفت قصتهما واختلفت النهاية.
وانقسم عقلها لنصفين، نصف يتخيل حياة وردية ونصف يصرخ يسألها: ولما لم تفعلي من البداية.
عادت لتتذكر بدايتها معه، كم وكيف حاولت كسب وده وهو كان صريح العداء، وجاءت الخاتمة، فحتى فعلته الوحيدة التي كانت تذكر نفسها بها دوماً (كونه صمم على زواجهما ولم يلعب بها) اتضح أنها خدعة.
وسؤال عظيم يطرح نفسه، ماذا ستفعل؟ وهل ستواجهه؟ وإن واجهته وأنكر؟! وماذا عن وضعها الآن.
هزت رأسها برفض، تاريخه معها حافل ومشرف، ما عادت تثق به، ماذا ستأخذ من المواجهة وهي باتت على علم به وبتصرفاته، ربما لو علم لزاد من تبجحه وفرض المزيد والمزيد من القيود، فقد فعلها مسبقًا، بالتأكيد لن يتوان عن فعلها من جديد خصوصًا بعد علمه بكشفها له.
قرار نهائي....... لن تواجهه، عليها أن تتصرف وتصرف حالها.
انتفضت على ملمس يده على شعرها وخدها، وهو اتسعت عيناه من رد فعلها، فقد لاحظ تعلق نظراتها به لا ترمش عنه، في البداية ابتسم بحب كونها تتأمله بشغف هكذا، لكن ما لبث أن تحولت ملامحه للقلق الشديد وهو يلاحظ شحوب وجهها وتبدل ملامحها تبدو بحالة غير جيدة، فاقترب يتحسسها مطمئنًا عليها وهو يسأل:
- مالك يا روحي!
لكنها فاجأته برد فعل غريب وغير متوقع، وتحولت أنظار ثلاثتهم عليها، وجميعهم مستغربين رد فعلها لمجرد لمسة ماهر لها، فهم اعتادوا اقترابه الحميمي منها دوماً وأمام الجميع وهي كانت دوماً متقبله.
نظروا لبعض ثم لماهر الذي بادلهم النظر يرى أنهم يلاحظون ما لاحظه، فاقترب منها خطوة وسأل:
- حبيبي، أنتي كويسه؟!
لم تحتج مجدداً على كلمة حبيبي وما عادت تصرخ، إنكتم حسها، واعتاد قلبها الألم.
هزت رأسها بخفقات قلب عالية من الخوف وعقل مشتت يشعر بالضياع، وقفت تقول بصوت مختنق يود البكاء:
- محتاجة أروح الحمام.
- استنى هوديكي بلاش تمشي لوحدك شكلك تعبانة.
هزت رأسها فصمم:
- لا استنى.
تدخلت چنا:
- هتروح معاها حمام البنات إزاي يا ماهر، استنى هروح أنا.
صرخت بلا وعي وضيق:
- هروح لوحدي.
اتسعت عيناه خصوصًا جنا، فشعرت لونا بضيق بسبب صراخها عليها وهي التي أرادت مساعدتها لتحاول الاعتذار منها؛
- أنا آسفة، أنا بس عايزة أبقى لوحدي، مش هتأخر.
قالتها وتحركت تغادر على الفور، تسير وهي تحبس دموعها بصعوبة.
***
اندفع بغضب ناحية الأسطبل ليرى العامل يقف بحيرة شديدة فسأله:
- إيه اللي حصل يا عم منصور؟
- والله يا كابتن شهاب حاولت أمنعها لكن هي صممت ودي بنت راجل تقيل في النادي والبلد كلها.
زاد غضبه وهتف:
- تقيل على نفسه هو مافيش رحمة بالحيوانات، هي فين الهانم؟
- خرجت بالخيل للمضمار، هتعرفها لوحدك ماهو مافيش غيرها هناك.
تقدم وكله غضب ليرى تلك الفتاة عديمة الرحمة والبصيرة، اقترب من المضمار وهو يراها ترمح بالخيل هنا وهناك يناديها:
- يا آنسة، أنتي يا آنسة.
لكنها لم تجب، لم تكن تسمعه فتوسع بخطاه وقد زاد غضبه خصوصًا وهو يراها تزيد من سرعتها، تمكّن أخيرًا من لحاقها فصرخ:
- وقّفي حالاً.
التفت تنظر له فظهرت ليردد:
- هو انتي!!! طب تعاليلي هنا بقا.
تعرفت عليه على الفور، إنه نفس الشاب الذي صدمته في الصباح، لا تعلم لما خافت منه، لكنها رفضت التوقف ليس عنادًا وإنما رهبة منه.
سب بين أنيابه بغضب ثم اقترب:
- قولت لك اقفي، حالااا.
هتف أخيرًا بحسم مخيف، هزها، كان له هيبة جعلتها تنصاع له رغم عندها.
لكنها لم تترجل بعد من على الحصان فاقترب منها صارخًا:
- انزلي.
- مش نازلة.
- قولت لك انزلي.
مد يديه ونزّلها رغماً عنها، اقترابه منها أثر فيها لكنه أخرجها من لحظتها على صوته الغاضب:
- انتي إيه؟ مافيش أي إحساس بالمسؤولية، طب مافيش حس؟ إزاي تطلعي بالحصان بالليل.
اتسعت عيناها من فجاجته معها وصراخه الغير مبرر فصرخت فيه هي الأخرى:
- انت إزاي تعلي صوتك عليا كده، انت اتجننت.
جن جنونه فظهرت شخصية الشعبي من داخله:
- بت لمي نفسك.
أشارت على نفسها:
- بت؟؟ أنا بت؟!
- وبت مستهترة كمان، ومش عندها إحساس خارجة بحصان زي ده بالليل رغم إن الحارس قالك ممنوع لكن انتي شكلك متدلع على حس أهلك، بس هما أهلك دول ماعرفوش يربوكي يقولوا لك لما نخبط إنسان نعتذر بأدب والحصان اللي هو روح مش بنطلعه بالليل في ساحة نورها عطلان بقاله فترة خصوصًا لو كان الحصان ده بالذات مش متعود على الطلوع بالليل و واخد على ضوء النهار بس.
اهتزت من حديثه الصائب وردت:
- أنا ماكنتش أعرف.
- عشان مش عايزة تسمعي غير لنفسك وبس، مالراجل كان بيفهمك لكن انتي أخدتي الحصان وطلعتي.
نظر على الحصان وشعر إنه منهك وليس بخير فقال:
- اتفضلي، الحصان تعب من تحت تصرفات حضرتك، واضح إن مافيش ذوق مع البني آدمين ولا رحمة بحيوانات مش بتعرف تتكلم وتعترض، الحصان ده لو بينطق كان سب لك.
لم تتحمل كل تلك التتابعات من الأحداث وختمها بحديث ذلك المهيب، أدمعت عيناها وهي التي كانت قوية دوماً وفرت من المضمار مغادرة بخطى تسابق الريح.
شعر بتأنيب الضمير حيالها وحدث نفسه:
- هي هتعيط بقا وهبقى أنا الغلطان؟
نظر على الخيل بتعاطف شديد يمرر كفه عليه متأثرًا بحالته الصحية:
- عيلة متدلع.
حرك الخيل رأسه فنظر له وسأل:
- أنا زودتها؟!
تحرك الخيل يعطيه ظهره فحرك كتفيه كطفل أرعن:
- ماهي عيلة مستفزة الصراحة.
صهل الخيل وأعطاه ظهره فقال برعونة:
- ما زودتهاش ومش بعتذر لحد أنا، خليها تخبط دماغها في الحيط.
شد الحصان وعاد به للأسطبل ليجد جاكيت من الجينز موجود على أحد الكراسي وسأل الحارس:
- بتاع مين ده يا عم منصور؟
- مش عارف بس ماحدش جه من بعد العصر إلا الآنسة جميلة.
جميلة… اسمه جميلة، اخشوشنت ملامحه من جديد وتقدم غير مبالٍ بجميلة البلا تربية.
***
اندفعت تركض للمرحاض تفتحه وتدلف وهي لا ترى أمامها تقف عند أول حوض تفتحه لغسل وجهها المغرق من البكاء في نفس اللحظة التي رفعت فيها جميلة وجهها بعدما صدمته بالمياه.
لتصدم كل منهما بوجود الأخرى، في مفارقة عجيبة من القدر.
وقفت كل منهما لثوانٍ تنظر للأخرى، كل منهما محطمة وكل منهما باكية متجاورتان عند حوض واحد تغسلان وجههما بالماء من دموع الهزيمة والإنكسار.
نظرات متبادلة من الغيرة، كل واحدة ترغب بأن تصبح مكان الأخرى.
لونا تريد أن تصبح جميلة المتعلمة المثقفة الذكية ذات الشخصية القوية والملامح الجميلة، تربت على الإتيكيت والمعاملة الراقية والكل يحسب لها ألف حساب، تدير شركة فيها آلاف الرجال والسيدات بقبضة من حديد.
وجميلة تتمنى لو كانت مثل لونا، فتاة جميلة مدللة، تتعامل بفطرة وأنوثة ممتلئة، مميزاتها قليلة ولا تملك سوى جمالها وفطرتها لكنها مرغوبة من الكثيرين، ومن يرغب لونا يرغبها لنفسها، لكونها لونا رغم كل ما تفعله ورغم أن ما ستقدمه في المقابل هو صفر لأنها لا حسب ولا مال ولا جاه حتى جمالها من الممكن أن يتكرر، ترى لونا فتاة محظوظة خصها الله بهالة تجذب لها الرجال دون انتظار مقابل، على عكسها ورغم حسنها الذي تعرف قدره العالي لكنها دوماً كانت تعاني من كونها "باكدج" عرض مغري جدًا.
من سيأتيها بالتأكيد سيأتيها لأنها مثالية، فمن سيرفض فتاة ذات درجة عالية من الجمال بشهادة جامعية عالية وابنة عائلة ذائع صيتها ووالدتها سيدة منزل درجة أولى وبالتأكيد ابنتها مثلها.
تتمنى لو كانت مثل لونا، لا تملك سوى جمال ناعم مدلل بفطرة لم تجد استخدامها مئة بالمئة وهالة من القبول تجعلك تتغاضى عن كوارثها.
كانت ترغب في أن تكون فتاة تصنع كارثة كل دقيقة ولا تجيد التصرف وكل من حولها يبادرون بمساعدتها لأنها معروفة كونها لا تحسن التصرف، لكنها كانت وللأسف ذكية سريعة البديهة عندها حسن تصرف لدرجة أن والدها نفسه لا يقبل على مساعدتها أو القلق عليها.
نظرات ناعمة، صامتة، متبادلة من أربعة عيون بنية متقابلة:
- أنتي كويسه؟!
صوتان صدرا بنفس اللحظة على مضض لكن الإنسانية تحكم، صمت مر وكل منهما لم تجاوب على الأخرى بل صدمت من المبادرة والسؤال، مرت لحظتان من الصمت ثم:
- محتاجة مساعدة؟!
عات كل منهما تتحدث في النفس اللحظة، لكن أي منهما لم تجب على الأخرى وخرجت جميلة فيما بقيت لونا واقفة تحاول استيعاب كارثتها الأكبر من كل شيء بينما تجفف وجهها وتستند على حافة حوض الاغتسال، رن هاتفها المحمول برقم غريب، حالتها لم تكن تسمح ولا مزاجها وما كانت ستجيب لكن تميز رقم الهاتف المكون من أربع أرقام لعب بعينيها وفضولها والتشويق لذا فتحت المكالمة ترد بصوت مبحوح:
- ألو.
تنهيدة ساخنة حارة كانت بالمقابل ورد بصوت يظهر عليه التحرش:
- أووف، صوتك يخبل.
اتسعت عيناها من الوقاحة وصرخت:
- إيه ده انت مين يا حيوان.
- تؤ تؤ، أنا بحب القطط المخربشة بس من غير شتيمة يا لولو.
- قطط إيه ولولو مين، انت مين ياراجل أنا وعايز إيه؟
- هممممم، أنا فاروق دويدار يا قطة، وحشتيني، وكنت ناوي أكلمك من زمان بس قولت أستنى، أصل أنا كده دايماً أسيب المزاد يعلى وأتدخل أنا في الوقت المناسب.
- أنا مش فاهمة حاجة وأسفة مضطرة أقفل معاك لأن…
قاطعها يردد:
- يا ترى باباك مرتاح في المستشفى الجديدة؟!
علت أنفاسها وسألت:
- أنت عرفت منين؟!
تلاعب صوته وسأل:
- ولسه عايزة تبيعي شركة الأخشاب؟
ضحك بصوت عالي وهو يستمع صوت تلاحق أنفاسها الخائفة:
- أممممم… عايزة تعرفي عرفت إزاي؟! قابليني بكرة في العنوان اللي هبعتهولك دلوقتي، ماتتأخريش عليا يا لولو عشان مابحبش الانتظار، هبعت لك لوكيشن على الواتساب، بااااااي.
تخدلت يداها بالهاتف وهي تهز رأسها:
- كتير عليا، كتير والله.
لتنتبه على صوت جنا:
- لونا، مالك يا بنتي، اتأخرتي قوي، ماهر برا مستني مش عارف يدخل وقلقان عليكي جدًا.
حقًا؟!!! هل قلق عليها!!!! أشياء كثيرة متناقضة وأفعال تصيب الجنون، مصيبتها الكبرى هو أنها كانت ترى بعينيه اللهفة والحب واضحان لدرجة الإقناع، لدرجة أنها صدقته وسلمت.
- بقيت كويسة، بس عايزة أروح.
نطقت بتعب وخرجت مع جنا لتجده بالفعل ينتظرها بالخارج وأول ما خرجت اقترب منها على الفور وكوب وجهها بين كفيه يسألها باهتمام وحنان بالغ:
- مالك بس، كنتي كويسة إيه اللي حصل يا روحي!
- عايزة أروح.
قالتها باختناق كلما زاد تمثيله، عقلها سيصاب حتمًا بالجنون من أفعاله وتناقضات الواقع.
- نروح يا روحي يلا.
كلماته ستجننها بلا شك، من تصدق، هو أم الواقع؟!
قادها لحيث سيارته وجعلها تجلس برعاية بجوار مقعد السائق، تقدمت جنا لتجلس فقال كمال:
- رايحة فين؟
- اللهم طولك يا روح، هركب عشان أروح.
- روحي بس معايا.
تدخل ماهر:
- كلنا رايحين يا كمال، سيبها.
- تروح معايا.
- كلها أسبوعين يا عم كمال وابقى اعملنا الحبتين دول مش وقته مراتي تعبانة.
- ماشي يا ماهر بس خليها تيجي معايا، محتاجين نتكلم.
نظرة من ماهر على لونا وأخرى على چنا ثم قال:
- ماشي، بس قدامي بعربيتك يا حبيبي.
قالها بابتسامة واسعة سمجة اغتاظ على أثرها كمال ثم تحرك ليتحرك ماهر أيضًا.
***
جلس في سيارته يقود وهي كالكرسي الذي تجلس عليه لا تنطق، زفر بضيق ثم قال:
- لازم نسمع كلام ماهر، أنا خايف لو ماحققناش شروط الوصية ممكن بابا ولا عمي يدقوا معانا دقة نقص.
لم تجب أو تعطيه رد فقال:
- طب ردي عليا طيب قولي أي حاجة، قولي حتى لأ بابا مايعملش كده، هو أنا بكلم نفسي.
هتف الأخيره بحدة جعلتها تلتف له بحدة مماثلة وقالت:
- كلم نفسك أحسن ما تكلم عيلة ما تملى عين حد يا دكتور كمال.
حانت منه ابتسامة انتصار كون أن حديثه شغلها ثم قال:
- جنا، خلينا عاقلين، وجواز العقل مافيش أحسن منه، أنا عارف إن نفسك تفتحي براند ملابس وشنط باسمك والفلس دي هتساعدك وانتي معدية السن القانوني يعني هتستلميها فورًا، اعتبريه اتفاق، صفقة أو تبادل منفعة، وأنا عن نفسي أقدر أقطع لك على نفسي عهد إني لا هقرب منك ولا هلمسك ولا أعاملك معاملة المتزوجين.
كان اتفاق رائع، رائع جدًا، بينها وبين تحقيق حلمها الذي رفضه والدها وماهر عقد زواج، نظرت له بجانب عينها وسألت:
- وعد؟
هز رأسه مؤكدًا يبصم بالعشرة:
- وعد طبعًا وكلمة رجالة.
- صدقتك، موافقة.
كتم ضحكته، يقسم إنها طفلة، إقناعها كان أسهل مما تخيل.
***
تقدم بغضب شديد يجلس على أحد البارات يطلب الخمر ليلتف له طارق المصدوم:
- رشيد؟
- طارق؟
- يخرب عقلك بتعمل إيه هنا؟! ولا أنا عشان جبت مرة رجلك خدت على هنا؟!
- زهقان ومش طايق نفسي وكنت عايز أشرب كاسين وماعرفش أماكن غير هنا.
- إيه، الكلام على إيه؟!! جميلة؟
- عرفت منين؟
- طارق يعرف كل شيء.
- طارق.
- براحة يا عم، شوفتكم الصبح انت وبوكيه الورد اللي كان معاك، شكلك كان مسخرة، مش خايف علياء تشوفك!
تنهد بحزن:
- أعمل إيه؟! بحبها.
- طب وعلياء مراتك؟
- بحبها برضو.
- يا ولااا.
- مش مصدقني أنا عارف، بس بحبها ومش هقدر أستغنى عنها، بس بموت في جميلة وعايزها عايز أتزوجها، أنا حالتي صعبة قوي يا طارق…. ماتكلم لي عمك مش أنا ابن عمتك برضو.
- أكلمه عشان يهزقني، أقوله جوز بنتك لرشيد الأكبر منها بأد كده ومتجوز ومخلف، وبعدين بلا حب بلا بطيخ ماتجيبليش السيرة دي.
رفع رشيد إحدى حاجبيه وسأل:
- ده الكلام على وجع بقا، قولي قول مين علمت على ابن أبو العينين الوحيد.
- بنت الجزمة، هي فاكرة نفسها مين عشان تفضل عليا الزفت اللي اسمه ماهر ده، وشكلها مبسوطة ونسيتني أصلاً بس أنا ماسكتش.
- عملت إيه؟
- عملت لها بلوك.
- هي كانت بتكلمك؟
- لا، بس عملته عشان تشوف إن عملته وتعرف إني عارف لا تفكر نفسها فارقة معايا يعني.
- وهي مش فارقة؟!
- لأ طبعًا، أنا طارق أبو العينين.
نظر رشيد على الفتاة الشقراء التي تقف عن يمينه تداعب شعرات صدره والأخرى السمراء التي تبتسم وتعطيه الكأس ثم ردد:
- لا واضح واضح.
تنهد ثم قال:
- بس انت هتكلم لي عمك، مش هتخليني عني.
- يوووه، خلاص يا عم طيرت أم الكاسين من دماغي، هكلمه انزل من على ودني بقا.
- ماشي هات الكاس ده والبنت السمرا أنا بحب السمر ونفسي جزعت من البيض.
***
لا يعلم ماذا بها، وما طرأ عليها، كانت منذ ساعات معه بالشركة تناكفه، ماذا حدث؟ أكل ذلك بسبب إخفاقها في تقديم الاجتماع!
صممت على النوم وحدها بغرفتها بعدما بدلت ملابسها وأخذت مسكن للصداع، ذهب لغرفة والدته مقرراً فتح الموضوع معها.
تقدم منها يطبع قبلة على رأسها مرددًا:
- مساء الفل يا ست الكل.
- مساء النور يا حبيبي.
- عاملة إيه النهارده… جبت لك أحلى شيكولاتة في الدنيا.
- تسلم وتعيش يا حبيبي.
- أممم.. ماما.. كمال وجنا خلاص هيتجوزوا.
- بس جنا مش موافقة يا ماهر.
- أنا أقنعتها.
- يا ماهر كمال صحيح طيب وأنا مربياه معاك بس بصراحة هو..
- كبر وعقل خلاص يا ماما وجنا بنتك مش سهلة برضو.
- بس..
- ماتقلقيش يا ست الكل ولو مارتاحتش هطلقها منه.
- طلاق إيه بس يا حبيبي هو إحنا بنجوز عشان نعيش ولا عشان نطلق.. ولا من امتى كان عندنا حد بيطلق.
ها قد ذهبت به لمربط الفرس، أجلى صوته بصعوبة ثم ردد:
- ماما، في موضوع كده كنت ..يعني…أحممم.. بصي.. بابا جالي تاني… وعايزك ترجعي له.
تحولت ملامحها على الفور وسألت:
- عايزني يعمل بيا إيه، أنا خلاص.
اقتحم الغرفة يردد بصوت غاضب:
- هو إيه اللي يعمل بيا إيه، الله، مراتي وعايزك، هغنيها.
اتسعت عيناه من اقتحام والده الغرفة ووقف يحاول إخراجه:
- بابا لو سمحت.
- بلا سمحت بلا ماسمحتش بقا.
- يا بابا… المواضيع ما بتتحلش كده.
حاول إخراجه فتقدم معه لكنه ما زال يصرخ ويقول موجهاً الكلام لها:
- ماشي بس خلي بالك أنا صبرت عليكي كتير، وأكتر من كده مش هصبر، قدامك أسبوعين اللهم بلغت.
خرج من الغرفة بصعوبة ونظر على والدته وجدها تغمض عينيها بحزن وقلة حيلة، اقترب منها يحاول إخبارها أن أفعال والده ليست إجبارًا وإنما حب كبير لها، لكنها لم تتقبل أي من كلماته، ولأول مرة يوضع بمحل لونا ويعرف كيف ترى تصرفاته المطابقة لتصرفات والده وكم كان مخطئًا وربما سيواجه نفس المصير.
***
صباح يوم جديد، وجد نفسه يجلس في سيارته أمام مقر شركات والدها كونه لم يستطع الحصول على عنوان منزلها.
ترجل من السيارة ودلف للداخل ليسمع صوت صراخ عالٍ وأوامر صارمة صادرة من صوت أنثوي، فتح الباب وبيده الجاكت.
صوت صرصور الحقل دوى في المكان والأنظار كلها التفتت له حتى هي صمتت بصدمة وحرج، تقدم وهو ينظر على نظرات الموظفين يشعر بالحرج لكن فات أوان التراجع، يتقدم ويتقدم حتى توقف عندها حيث كانت تقف تترأس اجتماعًا هامًا وأعطاها الجاكت مضيفًا:
- وقع منك امبارح واحنا مع بعض في الأسطبل.
- في الأسطبل.
صوت صدر هامسًا من أحد الموظفين فأكمل يزيد الطين:
- أصل الدنيا كانت ضلمة.
- ضلمة؟؟؟؟؟
- براااااااااا.
صرخت فيه بعصبية وغضب ترى نفسها متورطة مع أحدهم للتو بلا أي مقدمات.
***
جلست تحاول التفكير، جسدها مرتجف لا تريد مقابلة ذلك الفاروق، تخاف منه وينقبض قلبها من مجرد ذكر اسمه وقد تعلمت من خطأها المسبق يوم فتحت مجال وقابلت طارق، ما زال صوت ماهر وهو ينعتها ب"وسخة" يتردد بأذنها يذكرها بدرس لم تتعلمه على يد والدها الطيب المشغول دوماً بتعب والدتها ولم تعطيهم الحياة الفرص فأخذته على يد ماهر.
وهمست:
- عرفت طارق، ونمت مع ماهر وأروح أقابل راجل جديد، أنا كده أبقى وسخة فعلاً؟!
هزت رأسها بجنون، مصير ما كانت تتمناه، حفرة عميقة حفرت لها وما كانت تتوقعها، الجميع يقودها نحوها، نحو الهلاك.
تحدثت بخوف:
- أنا لازم أسيب البيت ده، لازم أرجع بيتي وأطرد عمي، ده اللي كان المفروض يحصل من زمان… صح، محتاجة كده، بس لازم حد يساعدني، أعمل إيه، مين؟ ماهر مش هيرضى يساعدني، ماهر عايزني دايماً ضعيفة.
فكرت قليلاً ثم قررت، ستطلب مساعدة فاروق دويدار، رجل ثقيل مثله بالتأكيد سيفعلها برمشة عين.
وقفت لتبدل ثيابها، خرجت بخطى واثقة، طلبت سيارة من تطبيق ترحال.
جلست بالمقعد الخلفي تفكر ماذا ستقول وكيف تطلب منه، يتراود لعقلها كلام جنا صباحًا عن ماهر وكيف سهر لجوارها ليلاً وخرج في الصباح بعدما أوصاها عليها… كل شيء سيصيبها بالجنون، هي على شفا الجنون بالفعل.
لا تعلم متى وكيف، لكنها الآن تخطو خطوات واسعة غاضبة داخل شركة الوراقي وقد خلفت موعدها ووعدها لفاروق دويدار مقررة، لن تذهب، ولن تصبح قذرة، لن تصبح لعبة في أيدي الرجال.
حاولت وحاولت لكن لوّنا ميولها مباشرة وهي فتاة مباشرة، مباشرة جدًا إن أحبت ظهر عليها وإن كرهت ظهر عليها.
طوال الليل وهي نائمة على سريرها تمثل النوم لكنها كانت تفكر كيف ستلاعب ماهر وتنتقم منه على كل ما فعل، تقسم إنها لن تخبره ستصبح غامضة، غير سهلة، مخيفة.
ولم تمر ساعات وها هي تفتح الباب على ماهر بمكتبه وتواجهه مباشرة:
- انت صحيح اتجوزتني من غير جواز يا ماهر؟؟؟
انتفض من مقعده كالمسلوع يردد:
- انتي اتجننتي؟! إيه اللي بتقوليه ده؟!!!!
صرخت بدموع:
- مش هتضحك عليا تااااني ولا هتاخدني بالصوت تاني، إزاي عملت كده، إزاي تعمل في أي بنت كده، عملت إيه عشان تحولني لمومس، أذيتك في إيه، ليه كل ده حرام عليك… حرام عليك، أنا كنت صدقتك، أنا كنت بدأت أتعود عليك وأحبك، أنا منعت اللوب اللي كنت مركبانة وبدأت أفكر أخلف منك ونستقر وكفاية جري وحرب، ليه عملت كده، ليه؟ ليه حرام والله حرام، بس أنا ه…
اقترب منها يسمعها مصدومًا من كمية الاعترافات الموقفة للقلب والتي قالتها رغماً عنها، علاوة على اتهام خطير لا يعلم عنه شيء ولم تكمل حديثها بل سقطت بين يديه وسقط معه قلبه وهو يصرخ باسمها..
رواية سيطرة ناعمة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سوما العربي
افتر قلبه من رؤيتها هامدة أمامه على الفراش، دموعها تنزل منها على خديها تنظر للسقف ولا تجيب على ندائاته.
نظر للطبيب بضعف وسأله بخوف شديد:
- هي مابتردش ليه يا دكتور؟
انخلع قلبه وسأل:
- لا تكون فقدت النطق؟
- لا لا مافقدتش النطق ولا حاجة، بتتكلم عادي.
فصرخ بجنون وقلة حيلة:
- امال مالها مش بترد وجسمها متلج ودموعها نازله.
- يا باشا حالتها النفسية زي الزفت، بس هي بتتكلم وكل حاجة، ردت عليا وانا بكشف عليها، الواضح انها مش عايزه ترد عليك أنت.
- مش عايزة ترد عليا؟
قالها بتعب ووجع شديد ثم نظر عليها تائه بشدة.
خرج الطبيب مستأذناً وهو يراه يقترب من فراشها، يدنو بقدميه على الأرض وبات بمتسواها يشرف بجسده العريض عليها وردد:
- حبيبي، ردي عليا، مين قالك عني كده؟ أنا صحيح فيا العبر بس مستحيل اضحك على بنت، أي بنت مش عشان قريبتي ولا عشان بحبك، مستحيل، ردي عليا مين قالك عني كده.
أغمضت عيناها ودموعها منسابة لا تجيب مجدداً، فاض كيله وصرخ:
- ردي عليا يابنتي، ايه الي وصلك الكلام ده.
ظلت على صمتها ولم تجب عليه، تبكي فقط.
يأس من الحصول على رد منها، هز رأسه بحزن شديد، وقف من مكانه ثم تحرك مغادراً ليخرج الغرفة وقبلما يخرج إستدار لها ينظر عليها بحسرة.
خرج ليجد كمال بإنتظاره ينتظره بأسف فسأله ماهر:
- عملت إيه؟
- الي بتقولوا حقيقي يا ماهر، قسيمة الجواز مش موجودة.
- ازاي ده؟ هي سايبه؟ ده سجل مدني.
- ماهر، انت سيد العارفين، أي حاجة ممكن تتعمل برشوة جامدة.
- دي قضية فساد كبيرة، شوفلي مين الكلب الي عمل كده.
- ماشي بس هتعمل إيه مع لونا.
تنهد بتعب ثم قال:
- أنا معايا قسيمة، طلعت واحدة قبل ما لونا تسافر.
- طب الحمد لله.
- الحمدلله، بس لازم اعرف مين عمل كده الي يعمل كده ويدفع رشوة كبيرة زي دي لازم يبقى ليه إستفادة من ال...
توقف عن الحديث وقد تلاقت أنظاره مع كمال ونظراته الأسفه التي تخبره انه قد توصل هو الآخر لما وصل إليه تفكيره فبدأ ماهر يردد:
- أبوك وابويا؟ عشان الوصية؟!!! معقول؟!!
زم كمال شفتيه بضيق وردد:
- اصلا يا ماهر مين يعرف بجوازك من لونا غير انا وانت وجنا وامك وعمك.
ضيق ماهر عيناه:
- أستنى أستنى...ابويا يوم ما تعبت وروحت المستشفى وقولت قدامه دي مراتي ودخلوها هو لا اتصدم ولا اتفاجأ كأنه كان عارف.
وضع كمال عيناه أرضاً يشعر بالخزي وماهر يردد بجنون:
- ازاي يعملوا كده؟؟! هو اللعب يوصل للشرف؟! لو البنت دي مش بنت اختهم ومش مهم شرفها عندهم فهي مراتي يعني شرفي!!! ازاي؟!! قولي ازاي يعملوا كده؟!!!
لم يستطع الإنتظار وخرج مندفعاً من المشفى وكمال وجنا يحاولان اللحاق به لكنه لم يجيب على نداءاتهم فتحرك كمال نحو سيارته وقال لجنا:
- خليكي انتي مع لونا هي مالهاش حد وانا هروح ورا ماهر.
هزت رأسها بتعب شديد، تشعر بالمرارة والخزي جراء أفعال من هم من المفترض سترهم.
بخطى واسعة غاضبة خرجت من الاجتماع تصرخ:
- انت ايه الي عملته ده؟ شكلك اتجننت؟ امشي اطلع برا، برااااا.
احتدت عيناه، ما كان ليسمح لها:
- انتي أزاي تعلي صوتك عليا، شكلك اتجننتي، انتي فكراني موظف من الموظفين بتوعك، لمي نفسك يابت بدل ما ألمك.
شهقت بصدمة كبيرة وحقيقية، لو ضربها كف لكان أفضل لها:
- بت؟! أنا بت؟! وتلمني ازاي يعني؟ هتمد أيدك عليا مثلاً؟
- لولا أنك بت كنت عرفتك مقامك كويس بس انا ابن بلد قوي وافهم في الاصول، واتعلمت مامدش أيدي على بت.
- بت؟
- أه بت، وآنا غلطان اني جيت لك لحد هنا.
تحرك من أمامها بغضب فيما التفت هي حولها لترى أين الأمن والسكرتارية مما يحدث، وإذ بها تراها تتقدم منها مهرولة وبيدها كوب من النسكافيه الساخن فهتفت بحده:
- والله؟ سايبه مكتبك واوضة الاجتماعات ورايحة فين؟ سايباها كده وكالة من غير بواب الي يدخل يدخل مافيش حد يقوله رايح فين؟
- أنا أسفة بس، كنت بعمل قهوة و... لما مشيت كان كله تمام ماعرفش ان حد هيدخل في العشر دقايق دول.
- عشر دقايق دول؟ طب مخصوم منك عشر أيام نظير العشر دقايق دول.
اتسعت عينا الفتاة وتقدمت تجلس على كرسيها بحسرة:
- هو الشهر فيه كام عشر أيام.
دلف لداخل البيت بخطى واسعة لا يرى أمامه وصرخ بعلو صوته:
- عمممي... يا عزام بيه، فاخر بيييه.
خرج له كل من عزام وفاخر كل من غرفته وصرخ والده:
- ايه في ايه؟ بتنادي بالطريقة دي ليه؟ انت اتجننت؟
اهتزت شفتيه من شدة الغضب والبرودة في ردهم ثم هتف:
- اتجننت؟ أنتو لسه شوفتوا جنان؟ بتمحوا قسيمة جوازي من مراتي؟ عملتوا كده ليه؟ كل ده عشان الورث؟ ايه مش مكفيكم الفلوس الي برا؟
نظر كل من عزام وفاخر لبعضهما ثم قال عزام:
- الجوازة دي كانت غلطة من البداية ودايماً الكبار بيلموا من ورا الصغار.
تدخل فاخر بغضب وحده يسكته:
- عزام، ايه الي بتقولوا ده، احنا مانعرفش حاجة عن الكلام ده أصلاً.
- وانا هخاف منه ولا إيه؟
هز رأسه بجنون صرخ فيهم:
- انتو ايه؟ ماتسمعوش عن حاجة إسمها الشرف؟ العرض؟!
تبادلوا النظرات الباردة، وحده عزام من كانت عيناه مهتزة مختلفة عن نظرة فاخر الامبالية وقال:
- انا مش عارف انت حارق قلبك على ايه ولا عشان مين؟ الحلوة الي بتقول عليها شرفك دي واخده ميعاد من فاروق دويدار وطلبت عربية جت لها من ساعة وزمانها قاعده معاه دلوقتي على النيل بتتعشى، وانت عارف فاروق دويدار بقا لما يحط عينه على واحدة بيبقى غرضه منها إيه ونهاية العشوة دي إيه؟
مال على أذنه يهمس بفحيح:
- سرير في فندق أكيد.
ابتعد ليقسم انه يرى النيران في عينا ماهر، وسأله بصوت هادئ هدوء قاتل مخيف:
- وعرفت منين انه في حد كلمها وأنها رايحة تقعد مع حد يا... عمي.. يا محترم.
اتسعت عينا فاخر، يشعر بوقوعه في ورطة ووصل إحساسه لماهر الذي قال:
- مراتي كانت معايا في مكتبي وسايبها دلوقتي في المستشفى تعبانه مش قادرة تتحرك.
هز رأسه بجنون وقال:
- ايه بقا حكاية فاروق دويدار دي؟
نظر كل من عزام وفاخر لبعضهما، نظراتهما كانت متباينة، فاخر يستنجد به أن يلحقه بالحديث وعزام كان غاضب فقد تخطاه وتخطى تحذيراته وأرسل رقم هاتف لونا لفاروق رغم اتفاقهما وتشديده على ألا يفعل.
وأمام نظراتهما والصمت اللعين التف ماهر ينظر لكمال ويقول:
- ماتزعلش مني لو حسبت لك أبوك.
لم يستطع كمال الرد، فبما سيرد وهو لا يملك الرد، بل كان ينظر أرضاً بخزي وحزن شديد على ما توصلوا له.
فيما تقدم عزام بغضب من فاخر يقبض على تلابيبه وصرخ فيه:
- هو ده إتفاقنا؟ بتوسخ يا فاخر.
نفض فاخر يده عنه وردد:
- بوسخ؟ انت هتعيش الدور؟ فكك من الشويتين دول ده انت الي جايب رقم بتاع السجل.
- بس انا ليا أخر، قولت لك ماتبعتلوش رقمها.
لم يستطع كمال سماع المزيد وغادر بأسف، شعور ممتزج حزن وأسف على حاله وخزي شديد كونه سليل تلك العائلة.
عاد لها في المشفى ودلف ليجد جنا تحاول إضحاكها وهي تحاول كي لا تحرج جنا لكنها لا تقدر.
طوال طريقه وعقله يردد حديثها له في المكتب واعترافاتها، لا يصدق ما قالته، ومشفق جداً عليها.
اقترب منها يلاحظ ذبولها، لا يشعر بل يعلم أنه سبب ذبول تلك الوردة، لونا الجميلة التي تصيبك بسهم خارق ما إن تقع عيناك عليها، من سرت عيناه كلما نظر لها ومنها إشتم أطيب ريح، من كانت رغم عندها وحرصها الشديد منه لينة طيبة المعشر، بعيون كلها أسف أقترب منها وهي تنظر للجهة الأخرى لا تشعر بأحد، كل ما يغلفها هو الشعور بالعار وأنها خاطية.
تقدم بقلب مفتوح وناداها:
- حبيبي.
لم تجب، فقط تنهدت فها هو قد عاد، أغمض عيناه بحزن ونادى من جديد:
- لونا، بصي لي.
لم تعطي أي إشارة وجنا تتابعها بحزن وشفقة، تقسم أن تلك الفتاة جبل وهي لو كانت محلها لما تحملت مطلقاً.
التف ماهر حول السرير يردد:
- لونا حبيبتي بصي لي وبلاش تعملي معايا كده.
أغمضت عيناها بحسرة فعن أي أفعال يتحدث، هي بالأساس ترى تفسها قليلة الحيلة لا تملك ما تفعله سوى أن تبكي.
زم شفتيه بضيق شديد وقال:
- أنا مستحيل اعمل كده وانتي أشرف بنت في الدنيا، بصي حتى.
مد يده يخرج ورقة كبيرة مطوية من جيبه وواصل حديثه متضرعاً يتوسلها كأنه يسترضيها ويعطيها حقها منه هو حتى تتشبع روحها المهانه وترضى:
- دي قسيمة جوازي منك، صحيحة ومش مزورة وعليها ختم، طب فاكره... فاكرة ازاي عملت تقييد لإقامتك في روما ومنعتك عن الشغل؟
خطف أنفاسها وتفكيرها وتركت النظر للفراغ وبقت عيناها متعلقة به بلهفة آلمته، لهفة متهمة بالإعدام تبحث عن خيط لبراءتها.
هز رأسه بجنون ودموع في عيناه يكمل بنفس النبرة المسترضية:
- أنا كان معايا نسخة، ومحتفظ بيها دايماً، وهاخدك ونروح للمأذون أكيد عنده نسخ، وكمان دار المحفوظات، أما الي عمل كده أنا مش هرحمه.
اغرورقت عيناها بالدموع، بدأت تبتسم وسمحت له أن يتمسك بيداها وهو يردد:
- لونا انتي عرضي وشرفي، لازم تبقي عارفه ده، مهما كنت عايز اكتفك واقيدك وأربطك جنبي مش هعمل كده يا لونا مستحيل.
على صوت بكائها، بكت كطفلة مجروحة ضائعة وقالت:
- يعني انت ماعملتش كده يا ماهر؟
تألم قلبه عليها ومد يده يسمح دموعها:
- لا يا لونا لأ مستحيل، مستحيل اعمل كده، ده انا بايع الدنيا عشانك وبغير عليكي من الهوى.
- بس المحامي هيكذب عليا ليه؟
زم شفتيه بأسف ثم قال:
- مش بيكذب، في لعبة اتلعبت علينا، بس مش عايزك تقلقي، انا عارف هتصرف ازاي.
كادت أن تتحدث من جديد لكن دلف الطبيب يردد بحفاوة:
- لا عال عال، ده احنا إتحسنا خالص أهو، هي زيارة ماهر بيه بتغير المرضى كده؟ ده انا أخده أعالج بيه باقي العيانين بقا.
ابتسمت فابتسم ماهر ثم سأل الطبيب:
- هي مالها يا دكتور؟
- لا لا دول شوية تعب وإرهاق مع الحر وقلة الأكل والنوم سببوا لها إغماء... كمان عندها نقص شديد في فيتامين دال ملخبط لها كل حاجة.
وقف من مكانه يردد:
- نعم؟
عدل الطبيب من وضع نظاراته وسأل:
- في ايه يافندم؟
- في ايه ايه؟ يعني هي مش حامل؟
- لا مش حامل.
هز رأسه بجنون وسأل:
- لا ماعلش اتأكد.
- يا سيدي متأكد وفاحصها بنفسي... وعامل سونار على معظم الوظايف.
- فاحص إيه، تعالى دور هنا ولا هنا يمكن تلاقي حاجة بص كويس.
- ابص كويس؟ بقولك مافيش وكمان عملنا تحاليل وفحوصات مافيش حاجة، اهدى.
أعطاها الطبيب بعض الأدوية ثم خرج فاقترب ماهر منها يسأل:
- فين الحمل بقا؟
- حمل إيه هي لونا حامل؟
سألت جنا ليقول ماهر منتبهاً:
- يا نهار أبيض، انتي لسه هنا ماروحتيش، الساعة بقت ١٢ يالا عشان ماما، انا هبات مع لونا.
لم يكد ينهي الكلمة حتى وجد الباب يفتح ودلف منه كمال يقول بغضب:
- بكلمك مش بتردي يا هانم.
تدخل ماهر بغضب:
- إيه هانم دي، كلمها عدل ياحبيبي.
- يعني انت عاجبك كده؟
زفر بضيق ثم قال:
- إحنا على ميعادنا يا ماهر.
- ماشي يا كمال على ميعادنا.
نظر كمال لجنا ثم قال:
- يالا.
لم تجب عليه بل سحبت حقيبتها وغادرت فنظر كمال لماهر وأشار عليها:
- ولما أجيبها من شعرها بقا؟
- ليه عدمت رجالتها ولا حاجة؟ وانا هسمي عليك لما تعمل كده مثلاً؟
استمعت لونا لما يقوله بحسرة ولم تعقب، غادر كمال ليبقيا معاً.
ابتسم لها بشوق وعشق، وقف من مكانه وعيناه عليها كأنه ينتوي لها على نية، التف حول السرير يردد:
- وقعتي قلبي عليكي.
أصبح بجوارها على الفراش في لمح البصر يرفع الغطاء عنها ثم شاركها الغطاء والفراش، حمل ثلاث أرباع كتلتها على جسده يحملها هو وهو يحتضنها له مردداً:
- بقينا لوحدنا، وأثبت لك ان مافيش أي حاجة من اللي وصلك صح، أظن بقا الوقت بقا مناسب عشان تعيدي لي تاني كل الكلام الحلو الي قولتيهولي في المكتب من تاني.
ابتسم بعشق خالص وهو يلاحظ عيناها تزوغ منه تشعر بالتورط وتلعثمت في الحديث وهي تسأل:
- كلام إيه؟
مسح بكفه على شعرها وهمس بسخونة:
- الاعترافات الي تجنن الي قولتيها كلها مرة واحدة.
- أنا؟
- أيوه أنتي؟
- قولت إيه؟
سحب نفس عميق ثم بدأ يردد:
- قولتي أنك بدأتي تتعودي على وجودي في حياتك وقولتي انك بدأتي تحبيني.
- أنا؟
سألت بتوتر فردد:
- أممم، بتحبيني يا لونا زي ما بحبك؟
- لا دي كانت لحظة شيطان ورجعت في كلامي.
- مش مصدقك، نظرة عينك مابقتش زي الأول، بتحبيني؟
عاود سؤاله بصدق فهزت رأسها بضيق شديد من نفسها ثم هتفت:
- لأ.
- متأكدة؟
- لأ.
قالتها بنبرة باكية ليضحك بتعب ثم قال:
- ليه يابنت الناس، عماله تتوهينا ليه؟ أنا بحبك وعايزك.
ضيق عيناه ثم سأل بضيق:
- لونا انتي صحيح كنتي مركبه اللوب الي بيمنع الحمل ده؟ وانا الي كنت هاخدك أكشف عليكي أشوف مش بتخلفي ليه بعد ما فتشت وعرفت ان مافيش شرايط منع حمل؟
- أنت بتفتش ورايا؟
- أنتي الي رايحه تعملي حاجة زي كده من ورايا؟ على حسب فكري يعني انه مايصحش.
- ماكنتش عايزه أخلف طول ما انا كده.
- كده اللي هو ازاي؟
- خايبه وضعيفة ومش بعرف أعمل حاجة غير أني أعيط.
- انتي عارفه يا لونا رغم أني شوفت بنات كتير وعرفت بنات بتدور مؤسسات ويمكن في سن أصغر مني ومنك الا اني عمري ما شوفتك ضعيفة، انتي قوية، وذكية وبتعرفي تلعبي بالكلام، طب أقولك على سر.
- قوول.
همست بحماس ليكمل:
- أنا لما ببقا داخل عليكي بحوار بعمل مية ألف حساب ليكي ولأسألتك الوجودية وازاي هرد عليكي واقنعك وببقى عامل حساب ردودك، ممكن تبقي قليلة الخبرة بس انتي مش عبيطة وانتي عارفه ده كويس وعلى فكرة كمان، أنا أه بحبك بس عارف انك مش طيبه.
رفعت كلتا حاجبيها فكمل:
- لا مش طيبة ويتفات لك بلاد لكن انتي مش مؤذية وده كفاية.
شعر ببداية سريان إنتعاش على ملامحها من مجرد كلمات بسيطة قالها فكمل:
- انتي يا لونا لو كملتي تعليمك وقعدتي في الشغل سنة والتانية ومش هعرف أسد عليكي، أنا عارف ومتأكد.
شردت بعيناها ثم سألت:
- تفتكر؟
لم يجيب، وطالما أنها قد حلت عقدة لسانها فحان وقت الأسئلة المؤجلة لذا باغتها يسأل:
- لونا ياحياتي، عرفتي منين موضوع القسيمة؟
كانت تعلم انه سيدور ويدور إلى أن يتوقف مطرح ما يرغب فجاوبت:
- المحامي، ماكنش معايا قسيمة جواز ليا لما طلبها مني، وانت ماكنتش هترضا تديهالي لو طلبتها، شرحت كل ده للمحامي وهو راح يطلعها بمعرفته.
لا تعلم لما فسرت لما تجلى الضيق على ملامحه وقالت:
- أنا كنت نسيت الموضوع، وكنت هوقف كل حاجة وهسكت واسيب الايام تعدي بينا.
باغتها من جديد بالسؤال التالي الأهم:
- ولما هو كده، نقلتي ابوكي من المستشفى من ورايا ليه؟
- ماكنش مرتاح فيها، حبيت أنقله، هو انت حابسه ولا حاجة؟
سؤال مهم تريد جوابه هي الأخرى فالأجابة سيترتب عليها أشياء كثيرة وهو كان فطن لكل ذلك لذا كذب مجاوباً:
- لأ طبعاً، بس استغربت وكلامك مع أفعالك كانوا متناقضين منين بتحبيني وهتكملي ومنين بتغيري مكان باباكي.
- قولت لك ماكنش حابب المكان.
تحركت على الفراش تبتعد عن جسده وهي تردد بدلال وتمنع:
- وبعدين مين قال اني بحبك دي؟
قالتها وهي تضع رأسها على الوسادة لتنام، مال بجسده عليها يهمس في أذنها:
- أنتي، في المكتب وماتقوليش ماقولتش أو سمعت غلط لأني سمعت كويس جداً والجملة دي أنا مستنيها من وقت طويييل قوي.
- قولتها، بس كنت بلاعبك، لحظة شيطان وراحت لحالها، ربنا يسامحني.
داعبت يداه معدتها يردد بجسد مشتعل عليها:
- وانتي ربنا هيسامحك ازاي بعد عمايلك دي معايا، قومي لي هنا.
- ياريت تقوم عشان جسمك ماشالله والسرير ده لفرد واحد مريض وانا محتاجة أنام.
- والله؟
- وطفي النور، تصبح على خير.
زم شفتيه وصك أسنانه بغل وذهب ليطفئ الضوء لكنه التف لها من جديد يسألها:
لونا، انتي تعرفي منين فاروق دويدار؟ وكنتي رايحة تقابليه فعلاً.
وكعادتها جاوبت:
- والله ما اعرفه، انا شوفته صدفه في الحفلة الي حضرتها فاكر، و امبارح لقيته بيكلمني وانا ماعرفش جاب رقمي منين وطلب أروح أقابله خصوصاً انه جاب سيرة بابا ومكانه، خوفت وماردتش أعمل كده وجيت لك، بس انت عرفت منين؟
تقدم منها بغضب يقبض على ذراعها وقد عاد ماهر الذي تعرفه ونسى تعبها وإرهاقها:
- وازاي تروحي تقابلي راجل غريب.
- ماروحتش والله.
- ليه ماجبتيش تجري عليا تقولي لي.
- موضوع القسيمة كان مسيطر عليا أكتر من موضوعه... سيب أيدي يا ماهر بتوجعني.
ترك يدها بغضب ثم جلس يردد:
- الراجل ده وسخ وبتاع نسوان ولما بيحط واحدة في دماغه مش بيسيبها الا وهي لحم على عضم وسيرتها على كل لسان كمان، مش عايزه يلمح طيفك وانا هتصرف معاه، فاهمه؟
هزت رأسها بخوف شديد وأغمضت عيناها لتنام ومن العجب العجاب أنها ولأول مرة حمدت ربها في سرها لوجود ماهر، متأكدة أنه سيحميها شر ذلك الرجل ويحل القصة متكفلاً بها كلها ولا حاجة لها لحمل الهم فهي خلفها ماهر.
عادت من عملها تتشاجر مع ذباب وجهها، ما حدث اليوم أمام الموظفين كان كارثي علاوة على شعورها بتأنيب الضمير تجاه تلك الفتاة فقد خصمت منها ثلث راتبها تقريباً نظير غلطة من الوارد أن تحدث.
و إذ بها تجده ينتظرها وكأنه بات عملها الأسود، ومن غيره رشيد بهيقف قاطعاً طريقها في الممر بين بيوتهم، ينتظرها بضيق شديد كله إصرار.
وقفت بغضب وهي تراه يعترض طريقها وقالت كأنها تحذره:
- ايه اللي موقفك كده؟ أوعى من طريقي.
فهتف بحده:
- ده بدل ما تعتذري؟
- أعتذر؟ أعتذر على إيه أنت أتجنتت؟
- أتجننت؟ لا لسه؟ بس ممكن أتجنن عادي، انتي ازاي تسبيني ملطوع في المطعم وتمشي حتى من غير ما تقولي.
- أوعى يا رشيد من سكتي ده أخر تحذير ليك.
- أنا الي بحذرك يا جميلة، أنا خلاص حطيت عيني عليكي واعتبرتك بتاعتي، خلينا نتجوز بالرضا.
قالها وهو يقطع الخط الفاصل بينهما ويقترب منها فهتفت بحسم:
- لا ده انت شكلك أتجنتت.
جن بالفعل وقال وهو يندفع يقتحم مساحتها الآمنة:
- أه وانتي بتاعتي، أنتي الي جننتيني، مش بعد ماسيطرتي عليا هسيبك...
صوت كف قوي صدح من يدها أثر ضربها له، جعلته يتيبس مصدوم يضع كفه على وجهه مكان صفعتها لا يصدق وهي إشهرت إصبعها في وجهه محذرة بقسوة:
- حذاري، حذاري توريني وشك صدفه حتى، خاف على نفسك مني، انت مش قدي، فاهم.
صرخت بالأخيرة ثم تحركت بغضب تجاه بيتها وهو يقف مصدوم تماماً لا يعلم بالمصيبة الأخرى التي تنتظره بعد مراقبة علياء له ورؤيتها كل ما جرى عبر نافذة بيتهم المطلة على الحديقة الواسعة.
صباح يوم جديد.
جلس في مكتبه بالعمل يدقق على أوراق بعض الصفقات ثم هاتف شقيقته ليطمئن على لونا التي تركها معها صباحاً:
- ايه يا حبيبتي وصلتي؟
- اه بس لونا مش هنا.
وقف بصدمة من على كرسيه وسأل:
- مش موجودة؟ مش موجودة إزاي؟ أسألي في المستشفى، الممرضة ولا الحسابات.
- سألت يا ماهر وقالوا مشيت.
- مشيت؟ ازاي يعني من غير إذني ومن غير ما تقول؟ راحت فين؟
- أكيد راحت البيت هروح انا بقا.
- ماشي، لما توصلي لها كلميني.
أنهى المكالمة ثم جلس على كرسيه بغضب شديد يهز ساقيه بتوتر.
نزل الدرج ينتوي الذهاب خلفها، يعلم أنها تذهب للنادي بيوم الثلاثاء صباحاً لتقابل صديقاتها.
وبعد الأنتهاء من الدرج وجد علياء تنتظره على كرسيها تردد:
- رايح فين؟
- مشوار وراجع.
- اوكي يا بيبي، بس قبلها عندنا مشوار بسيط للسفارة.
- ليه؟
- عشان نطلق يا روحي.
- أيه؟
- إيه؟ مصدوم؟ ماكنتش عارف اني هشوفك في يوم ولا فاكرني مش واخده بالي من تصرفاتك ومن نطراتك ومن كلامك ولا همسك بأسمها كل يوم وانت نايم، كل ده وانا بكدب نفسي واقول ليه؟؟ ماهي كانت قدامه؟ رشيد بيحبك يا عليا وياما حفي وراكي، بس انا شفتكم امبارح، شوفتك وهي بتصدك وتضربك بالقلم وانت بتحاول تتهجم عليها، شوفتك.
تخشب جسده واتسعت عيناه وبدأ يردد بخوف:
- عليا، لأ يا حبيبتي لأ أنا…
قاطعته بغضب:
- أنت؟ إيه؟ خايف تخسرني؟ ولا خايف تخسر نص ثروتك؟
- نعم؟!!!
عند سيرة المال يتحول الجميع، تغيرت نبرة صوته على الفور فضحكت علياء بسخرية ألم ثم قالت:
- إيه يا روحي، انت ناسي، أنا معايا الجنسية يعني يطبق عليك القانون، الزوجة بتاخد نص ثروة جوزها عند الطلاق ولا الحب والغرام نسوك القانون يا بيبي؟؟؟؟؟
مازال يجلس على نار في إنتظار أخبار من شقيقته تطمئنه على وجودها ببيته ليطمئن ويكمل عمله بهدوء ويؤجل حسابها على فعلتها لحين عودته في المساء.
انتبه بلهفة على رنين هاتفه برقم شقيقته ففتح الهاتف يسأل:
- روحت؟
- ماهر لونا مش هنا.
- مش هنا ازاي؟ راحت فين؟
- مش دي المشكلة بس؟ المشكلة ان معظم حاجتها مش هنا وشنطتها الي وحاجتها الي انا وديتها لها المستشفى إمبارح مش هنا كمان.
- نعم؟!!!! طب أقفلي أقفلي.
أغلق الهاتف وهو على شفا خطوة من الجنون والخوف معاً يسأل أين ذهبت ولما.
تحرك من على مكتبه وهو لا يعلم من أين يبدأ ويبحث عنها وإذا فجأة يرده اتصال من رقم عمها الذي لم ينير هاتفه منذ أخذها من البيت.
فتح الهاتف على الفور ليصله صوته الغاضب محتجاً:
- بقى كده يا باشا؟ بتلحس وعدك ليا؟ هو ده إتفاقنا؟
- إتفاق إيه ولحس إيه؟ في إيه يا جدع انت؟
- في إيه؟ بقا مش عارف؟ هو انا مش جوزتك البت وسلمتك الفلوس نظير ما وعدتني انك هتسيبني قاعد في البيت هنا من غير عوق.
- حصل وانا نفذت في إيه بقا؟
- أه اعملهم عليا بقا.
- لم نفسك يا جدع انت انا مش هفضل ساكت لك كتير، انت اتجننت عشان تكلمني بالطريقة دي؟ في إيه؟
- في ان مقصوفة الرقبة جت وجايبه بلطجية وداخله ومعاها أبوها وخرجوني من البيت عافية وقالت لي لو هويت هنا هخلي الرجالة تكسر لك رجلك وجوزي هيوديك ورا الشمس زي ما عمل في الدوكش، بتهددني بيك وانت عامل نفسك مش عارف حاجة؟ بتلاعبوني.
كانت عيناه متسعة، توقع تحولها فهي بعد كل وقعه تقف بكم خطوة تغيير جريئة، هذا ما عرفه عنها، لكنه أبداً لم يتوقع أن تقدم على تلك الخطوة، وتعرف مسجلين وتتصرف وحدها، والمتطرف في الأمر انه طرب حينما استمع لعمها وهو يخبره أنها قد احتمت فيه واستخدمته كدرع واقي وهددت عمها بمن هو زوجها، ذلك اللقب العائد عليه.
ففرح كالطفل الصغير وعض شفتيه معجباً بحركتها الجديدة ثم قال وهو يحاول كبت ضحكاته:
- بنلاعبك أه وعلى الله تفكر بس تهوب ناحيتها، انت تلاقيك عرفت انا عملت إيه في الدوكش لما فكر يلعب معايا.
اهتز صوت أنور بهلع ونبرة متراجعة:
- طب وانا ياباشا هروح فين ولا أعمل إيه؟
- ماعرفش… هو انا خلفتك ونسيتك ولا حاجة؟ أحمد ربنا اني لسه سايبك عايش بعد الي كنت بتعمله فيها.
ثم أغلق الهاتف في وجهه وهو يعض شفتيه من الإثارة والجنون بفعلتها يردد:
- يابنت المجنونة يا لونا!!! عملتيها ازاي دي؟ بلطجية؟؟ ده احنا إتطورنا قوي.
هز رأسه بجنون، وجنون أزيد لأن فعلتها لم تغضبه بل زادت شغفه بها. وقف من مكانه كي يذهب لعندها.
دلف حيها الراقي ليجدها تلقي من نافذة الطابق الثالث كل أغراض عنها من كراسي بالية وأرجيلته النتنة وكذلك ثيابه.
توترت ملامحها قليلاً هي تراه يترجل من السيارة ويدخل البيت.
أغلقت الباب على والدها بعدما نام من أثر الدواء ثم التفت له تراه يدخل من باب الشقة المفتوح:
- لا وفاتحة الباب، قلبنا جمد.
- ماحدش هيقدر يقرب لعندي، مانا مهدداهم بماهر الوراقي.
قالتها بحنكة، خطة تغيير مدروسة خالية من التهور وهو بالفعل ابتسم، حركاتها وكلماتها مست قلبه ورضت رجولته فهأدت من حدة رد فعله، هي ما عادت تتصرف برعونة وتهور مثل عام سابق حين التقت به لأول مرة هنا في نفس المكان.
رد ماهر بابتسامة صادقة:
- جدعة، عجبتيني، بس بردو ده مش هيخليني أبداً أنسى وأغفر إنك أخدتي هدومك كلها يعني سيبتي بيت جوزك ومن غير إذنه.
تقدم ليرى والدها غافياً على فراشه من خلف الباب المراب فقال:
- وخرجتي أبوكي، أيه ناويه على إيه يا لونا.
- أبقى قوية يا ماهر، كده كده امتحانات الثانوية قربت.
- إيه جايه تعتكفي هنا، لا تكوني عايزه تجيبي مجموع وتدخلي طب؟
- بتتريق عليا، ده حق مشروع على فكرة، بس انا مش بضحك على نفسي وعارفه الواقع، انا لاحقه السنة في اخر شهر يعني لو نجحت يبقى الحمد لله على كده انا عايزه بس امشي في اي مراحل تعليم مش مهم درجة الكلية… سيبني هنا يا ماهر، خليني أجي لك بمزاجي.
- إيه الي بتقوليه ده؟ أنا مش هسمح لك ت…
قاطعه اتصال من جنا ففتح الهاتف لتقول بهلع:
- الحقني يا ماهر…. ماما مش في أوضتها.
- نعم؟!!! ازاي؟ هتتحرك ازاي؟
ردت بخوف وجنون:
- مش عارفه.. مش عارفة يا ماهر تعالى بسرعة انا مش فاهمه حاجة ولا عارفه اتصرف ازاي؟؟
طار عقله من دماغه وسابقت قدماه الريح وتحرك على الفور مغادراً ليرى تلك الكارثة يتبعه.
رواية سيطرة ناعمة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سوما العربي
كان يقود السيارة بسرعة جنونية وهو يجري اتصالاته مع أكثر من طرف، يضرب مقود السيارة كل دقيقة والثانية بجنون، يشعر بالعجز الشديد.
ورد اتصال جديد ففتح الهاتف سريعاً يسأل:
- ها يا باشا، وصلت لأيه؟
- مش هنقدر نعمل أي محضر غير بعد مرور ٤٨ ساعة.
- يا باشا ٤٨ ساعة إيه، أنا أمي مش بتقدر تتحرك، ومش بتطلع من البيت تحت أي ظرف، دي ما مشيتش لما والدي اتجوز عليها، هتمشي دلوقتي، مؤكد اتخطفت.
- طب أنت ليك عداوات مع حد؟
- لا، كلها منافسة على شغل بس، مش داخل أنا في الشغل الشمال مع الناس اللي ممكن تعمل كده، لا.. مش عندي عداوات، وهو ده اللي هيجنني.
- أنا بعمل محاولة أخيرة عشان أشوف خرجت من البلد ولا لا، بس ده هياخد وقت.
- معلش يا باشا تاعبك معايا، بس معلش حاول تستعجل لي الموضوع.
- ماشي يا ماهر، بس..
تنهد الرجل ثم قال:
- هو عزام فين يا ماهر؟
جعد ماهر ما بين حاجبيه ليسأله الرجل:
- لا ظهر ولا سأل، إحنا جيران بقالنا زمن وأنا تقريباً عارف أبوك وطباعه، مش غريبة الصمت الرهيب ده؟
- سيادتك تقصد إن...
قالها ماهر بتيه ممتزج بالغضب ليقاطعه الرجل:
- دور وراه ودور ورا عمك، وأنا هعمل اتصالاتي، وإن شاء الله نوصل لحاجة.
- متشكر.. متشكر يا سيادة اللوا.
وصل للبيت بسرعة قصوى ودلف للداخل يهرول تجاه شقيقته التي جلست تبكي على أحد المقاعد.
أول ما رأته رفعت يداها له منتحبة:
- ماما يا ماهر، مش لاقيين ماما.
هدهدها يسمح بيداه على ظهرها وهو يحاول أن يفعل معها ما فشل بصنعه مع نفسه:
- اهدي، هنلاقيها وإن شاء الله هتكون كويسة.
لحظتها دلف كمال من الخارج يفتح الباب بسرعة يسأل:
- فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟
- مش لاقيين ماما يا كمال.
قالتها جنا بنواح، فاقترب ليرى شقيقها يحتضنها له، مرت عيناه على هدهدة ماهر لها وحاول التغاضي يردد:
- مش لاقيينها إزاي؟ هي مش بتتحرك خالص.
زاد نحيب جنا وماهر يهز رأسه بأسف وعجز شديد ليقول كمال:
- قوم كلم أبوك وشوفوا فين؟ الوضع ده مش مريح نهائي.
وقف ماهر يردد:
- أنتِ طلعتي أوضة بابا يا جنا؟
- لا.
فقال كمال:
- اطلع شوف.
تحرك ماهر بالفعل ناحية الدرج يصعده بخطوات سريعة، وقد نجح كمال في إبعاده عن چنا واقترب منها هو يفتح ذراعيه مستغلاً للموقف أسوأ استغلال ويردد:
- ما تقلقيش ياحبيبتي.
بكت من جديد وقالت بنواح:
- ماما يا كمال، ياترى إيه اللي حصلها.
ضغط بيده على رأسها يجبرها على الدخول لأحضانه وهو يردد:
- بس يا روحي بس.. لا لا ما تعيطيش، إن شاء الله نطمن عليها.
أطبق ذراعيه عليها يستشعر بحلاوة وراحة وهي بين أحضانه هو، يحاول تهدئتها والتنعم بقربها مستغلاً الوضع.
في نفس الوقت نزل ماهر من على الدرج بغضب شديد وصرخ فيه:
- كمااال.
رفع عيناه له ليجد ماهر يتقدم منه بغضب ثم ينتزع جنا من بين أحضانه ويجذبها لعنده مردداً:
- لم نفسك، أنا على آخري مش فاضيين ندور على دكتور يخيطك.
حمحم كمال بحرج ثم حاول التغاضي وسأل:
- لقيته؟
- للأسف، كل اللي توقعته صح، بابا لبسه ومعظم حاجاته الغالية مش فوق.
ابتعدت جنا عن أحضانه تسأل بضياع:
- يعني إيه؟
ارتمى على الأريكة خلفه وردد:
- أبويا خطف أمي.
صمت رهيب خيم على ثلاثتهم ومرت دقائق... دقائق صمت طويلة حاول كمال قطعها:
- طيب.. أنا شايف إنه خلاص مافيش أي داعي للعصبية أو الخوف والقلق.
- إزاي بس؟
- أمك مع جوزها اللي هو أبوك، عمل كده من حبه ليها يعني أكيد هي..
قاطعه ماهر بغضب:
- جرب كده تبقى مشلول مش بتتحرك ولا حول ليك ولا قوة، وأنا آخدك أجبرك على حاجات مش حاببها وأقول أصل أنا بحبك، أكيد أمي دلوقتي حاسة بالخوف والعجز وأنها مجبرة وعاجزة وقليلة الحيلة.
زاد نحيب جنا وهي تتخيل الوضع ثم قاطعهم اتصال من رقم أحدهم.
فتح ماهر المكالمة على الفور ليرد على صوت المتصل:
- أيوه يا سيادة اللوا، وصلت لحاجة؟
- بص يا ماهر.. انسى موضوع المحضر وإنك تبلغ والكلام ده.
- إزاي بس يا باشا الكلام ده؟
- لأن والدتك خرجت مع والدك اللي هو لحد دلوقتي جوزها، مسافرة بغرض العلاج لأن حالتها حرجة، ماحدش يقدر يتكلم معاه.
نظر ثلاثتهم لبعض وعاود ماهر السؤال:
- سافروا فين؟
- لندن.
هز ماهر رأسه بضيق وقلة حيلة ثم قال:
- تمام، شكراً يا سيادة اللوا، جميلك ده فوق راسي من فوق.
- عيب ماتقولش كده، أنت زي ابني.
أغلق معه الهاتف وهو يضم قبضة يده بغضب شديد يشعر بالتقييد ليتحدث كمال بآخر موضوع من المفترض فتحه أو طرحه بالظرف الراهن:
- إحنا على معادنا في الفرح مش كده؟
رفع كل من جنا وكمال رأسهما له بضيق وصدمة ليردد بتوتر:
- إيه؟ أنا...
قاطعه ماهر بغضب:
- أنت إيه؟ أنت شايف إن ده وقته؟ مافيش إحساس خالص؟ ما تخلينيش أسب لأهلك على المسا، أقولك مافيش فرح خالص.
هز كمال كتفيه وقال مصطنع البرود:
- الحق عليا كنت عايز أحل لك مشكلتك يا بابا.
رمقه ماهر بجانب عينه وبدأ عقله يعمل، فوفر عليه كمال الطريق وقال باختصار:
- أنهي أب ده اللي هيسيب بنته الوحيدة تتجوز من غير حضوره وهو على وش الدنيا.
لمعت عينا ماهر فيما أكمل كمال بكل ثقة وتأكيد:
- طبعاً هييجي جري، مافيهاش كلام دي.
هزت جنا رأسها بدموع وجنون:
- لااا كده كتير عليا... أنا مش موافقة وبعدين أنا أصلاً فكرت ع إني مش عايزة الوصية دي... شوفولكوا حد غيري.
- وصية إيه اللي مش عايزاها، إحنا هنلعب؟
هتف ماهر بتحذير لتكمل ببكاء:
- شوفوا حد غيري... ماهر يعمل فرحه على لونا.
- لونا عندها امتحانات.
استغل كمال الموقف وقال مؤكداً:
- وبعدين لو الموضوع عن ماهر ولونا أبوكوا مش أكيد هيتحرك، لكن البنت لأ... دايمًا البنت ليها مكانة خاصة عند أبوها وأمها، لو أبوك عرف إن جنا بتتجوز أقسم لك بالله لا ييجي الصبح.
تهللت ملامح كمال وهو يلاحظ شرود ماهر وعلامات ترجيح تلك الفكرة الصائبة بائنة على وجهه فقال:
- على معادنا بعد أسبوعين؟
قالت جنا بنواح:
- لأ بقاااا.
التف ماهر ينظر لكمال ثم قال:
- ما ينفعش أسبوعين.
تهللت ملامح جنا وصاب كمال الإحباط ليضيف ماهر مقوراً بحسم:
- الفرح الجمعة الجاية.
- إيييه؟!!!!
اعترضت جنا فيما اشتعلت ملامح كمال بالفرحة والغبطة وكمل ماهر مؤكداً:
- كلم شركة تنظيم الحفلات، عايز الفرح هنا في البيت، مش في فندق يا كمال، أظن كلامي واضح.
- واضح واضح.
قالها وقلبه يرقص طرباً فأخيراً سينالها.
وقفت جنا تصرخ فيهم:
- أنا مش موافقة، يا عالم افهموا، مش عايزة اتجوز عمومًا وكمال تحديدًا، على الأقل دلوقتي.
ليرد كمال بمهادنة لأقصى درجة:
- دي مجرد خدعة يا روحي عشان نبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد، أهدي ماتقلقيش، مش كده يا ماهر.
- كده أه.
هدأها كل منهما فارتمت على الأريكة بغضب وماهر يفكر كيف هو حال والدته الآن؟ ترى ما هو شعورها؟
***
في أحد ناطحات السحاب بلندن على فراش وثير مفروش بالحرير فتحت نسرين عيناها بتشوش وخمول، بدأت تتثاءب وهي تشعر ببعض الدوخة.
كادت أن تنادي على مرافقتها التي تمرضها منذ سنوات ظناً منها أنها ببيتها ككل يوم.
لكن عيناها بدأت تتسع شيئاً فشيئاً باستغراب وهي تلف المكان تدرك أنها بغرفة غير غرفتها حتى ملمس السرير نفسه مختلف غير سريرها الذي اعتادت عليه.
دارت برأسها لتجد بجنون وخوف وهي تسأل أين هي وكيف أتت لهنا.
انتبهت بخوف على فتح باب المرحاض، شهقت بصدمة كبيرة جداً جداً وهي ترى عزام يخرج منه يرتدي بنطالاً حريرياً وكان عاري الصدر تماماً، ابتسم وألقى المنشفة من يده بلا اهتمام ثم بدأ يقترب منها بشوق وفرحة يردد:
- أخيراً صحيتي، صح النوم.
تسارعت ضربات قلبها وعلا على أثرها صدرها ثم ابتلعت رمقها وسألت:
- أنا فين؟
- في بيتك الجديد مع جوزك.
- جوز مين؟!! أنت شكلك جرى لمخك حاجة؟
- لا، لسه الذاكرة تمام ومش فاكر إني طلقتك.
تقدم يجلس بجوارها على السرير، شعرت بالرهبة وعدم الراحة خصوصاً وجذعه العلوي كله عارٍ، صار لها زمان لم تراه هكذا حتى أنها انفصلت نفسياً عنه غير مهتمة بالانفصال على الورق كونها لديها فتاة مقبلة على الزواج... وها قد نالت النتيجة.
صرخت فيه وهي تستشعر ملمح جلده على ذراعها:
- إيه ده؟ ابعد عني.
- إيه؟ عايز أقعد.
- روح البس حاجة.
ابتسم بتسلية وهو يردد:
- تؤ... أنا مرتاح كده.
جلس بأريحية تامة لجوارها وتدثر بالفراش معها فصرخت مجدداً:
- أنا جيت هنا إززززاي؟ وإزاي ما حسيتش بأي حاجة؟
- الموضوع سهل جداً، أنا اللي كنت سايبك بمزاجي تاخدي وقتك بس أخدتي سنين وأنا مش عايز أضغط عليكي، شكلي بيكده كنت بدلعك.
صكت أسنانها ورددت من بينهما:
- جيت هنا إزاي؟
- بسيطة، منوم في العصير، عربية إسعاف للمطار، ورق متجهز عشان انتي محتاجة تسافري بأقصى سرعة عشان حالتك وجوزك اللي هو أنا، هو اللي عامل كل ده، كله معمول حسابه وشرعي جداً... اعترضي بقا.
هاجت أعصابها وبدأت تصرخ فيه:
- رجعني... رجعني البيت.
حاول عدم التأثر بغضبها وصراخها وتحدث ببعض البرود:
- اهدي وهدي أعصابك عشان الضغط لازم يكون متظبط، عندك عملية بكرة.
- نعم؟!!
- زي ما سمعتي.
حاول مداراة ضحكته لكنه فشل وضحك أمامها، شعور نسرين كان مزيج من الغيظ والغضب والإحساس بالعجز، صرخت بقوة أكبر:
- بطل برود واستفزاز، أنت بتعمل معايا كده ليييه، رجعني بيتي، رجعني عند ولادي.... أنا غلطانة إني ما رفعتش عليك قضية طلاق لحد دلوقتي بس قسماً باللي خلقني وخلقك أول ما چنا تتجوز هتطلق منك.
- نجوم السما أقرب لك يا نسرين، أنا ما طلقتكيش طول السنين اللي فاتت دي وإنتي مانعة نفسك عني وفضلت صابر تفتكري هاجي أطلقك دلوقتي، مش هتعرفي تطلقي، وريني مين هيوديكي المحكمة.
بكت بضعف، صعُبت عليها نفسها، شعور العجز كان المسيطر، لن تستطيع التحرك بالفعل، همست بضعف ودموعها مناسبة:
- بتعايرني بعجزي يا عزام! مبسوط كده؟
صك أسنانه واقترب منها بغيظ يردد:
- انتي اللي غبية ومتخلفة ومهما كبرتي هيفضل مخك صغير، هو أنا لما أكون باقي عليكي ومتمسك بيكي أبقى بعجزك وبذلك؟!!
هزت رأسها برفض لتصديق أي من كلماته وهمست:
- طب لو هو كده وديني عند عيالي، بعدتني عنهم ليه.
ثار غضبه كلما تذكر أفعالهم وهتف بحده:
- عيالك، دول ولاد كلب.
دنا منها وكمّل بنفس الحده:
- هما اللي مقويينك عليا، طول ما هما حواليكي مش هتشوفيني وأنا خلاص ما عدتش قادر أطول بالي عليكوا أكتر من كده.
اقترابه منها زاد بداخله الحنين الذي لم ينضب يوماً، نسرين من نوع النساء اللواتي تشبه المشمش كلما زاد عمره زادت حلاوته، مازالت تحمل نفس الملامح المليحة والطله المريحة، مازال عبيرها واحد، خفيف كنسمة صيف معبقة بنسيم الياسمين من شجرة بعيدة.
كانت ولا تزال النقطة الوحيدة البيضاء بحياته رغم سوء كل صفاته وتفاصيله، حتى أنه كان يسأل كالمجنون كيف قد يحظى بشخص مثلها، لربما جاءت لتنير عتمته، فقد كانت دوماً الجانب المنير في حياته.
دوماً كان صبوراً ناحيتها يراها منقذه من ظلمة نفسه، هدية أعطيت له ولم تمنح مثيلتها لشقيقه فاخر، بوجود نسرين كان دوماً يرى بنفسه شيئاً جيداً، يرى نفسه مميزاً.
اقترب من شفتيها بشغف رجل تخطى سنواته الستين لكن عاطفته لازالت جياشة ناحيتها فقط، عبيرها يخطفه ويسلب أنفاسه، اشتاق لزوجته الكاملة المكملة، الوحيدة التي لها سلطان عليه.
نسرين ورغم عجزها كانت تملك مالا تملكه صبايا بالعشرين، هي قادرة على إثارته من نظرة، لكنها لا تعلم ودوماً متمنعة.
وهو يريد تقبيلها الآن، قبله فقط، وواحدة لا أكثر والله فهو مشتاق بجنون لها... ظمآن رغم زواجه وعلاقاته التي كان يبحث فيها عن نسرين ولم يجد، حتى سلم... سلم لكونها مسيطرة عليه سيطرة ما كان يعلم مداها لكن السنين علمته.
بينما نسرين قد اتسعت عيناها بخوف وهلع، تراه لا يتوانى عن تذكيرها بأنها عاجزة أمامه ولن تستطيع التصرف، سحقاً إنه على وشك تقبيلها.
اتسعت عيناها بغضب شديد، تذكرت عبيره وهو قريب منها الممتزج برائحة عرقه ودخان سجائره، ذكرى أيام وليالي مرت عليها فقد تزوجته لسنوات من يقدر على نسيانها؟
لكن الحنين لم يغلبها بعد، القهر كان الأقوى فصرخت بضيق شديد:
- أنت بتعمل إيه؟ ابعد عنني، أبعد عنننننني.
على صراخها وعلى، كانت تصرخ بقهر وغلب، تتوسله أن يتركها، لم يقدر على الرفض المتواصل وهتف:
- إيه؟ مش بتفهمي؟ طب مش بتحسي؟ أنا جوزك وعايزك، لسه باقي عليكي.
ملس على خدها المدور وردد بهيام:
- لسه مافيش ست قدرت تدخل دماغي غيرك، مافيش واحدة قدرت تعمل اللي بنعمله وتحركيه فيا، أنا خلاص كبرت وعديت الستين وإنتي كمان داخلة على الواحد وخمسين مش آن الأوان بقا نهدا ونعقل؟؟
أغمضت عيناها ليغيب عن ناظريها وهتفت بترجّي:
- سيبني بقاا سيبني.
- مش هسيبك واعقلي بقا.
صرخت من جديد، ما هي لا يمكنها فعل ما هو أقوى، صرخت وصرخت بجنون، جنون من قسوته جعله يخاف عليها.
سحب قميصاً أبيض من على المشجب الخشبي ثم خرج ينادي على أحداهن بلغة أجنبية حتى حضرت فتاة بيضاء شقراء اللون وصغيرة بالعمر ترتدي زي ممرضات.
نظرت له بشراسة فقال:
- دي الممرضة الجديدة بتاعتك وهتلازمك دايماً.
تقدم من الفتاة يحدثها بلكنتها الأجنبية ويطلب منها أن تهتم بها فصرخت فيه نسرين:
- بتكلمها تقولها إيه؟ أكيد بتقولها تحط لي حاجة في الدوا، أنا مش هقعد هنا مش هقعد هنا، أنا عايزة ماهر... فين ماهر.
اقترب منها بضيق شديد وقد أعصبته، دوماً تحتاج لابنه ولا تطلب مساعدته، كل دقيقة تؤكد له أنه كان على حق حينما قرر أخذها بعيداً عنهم، ماهر يراعي وجنا تدلل، بالتأكيد لن تحتاجه.
همس بنفاذ صبر:
- عيالك مش هنا، مافيش هنا غيري، مضطرة تتعاملي معايا، معلش.
ختم حديثه بصحكة سمجة يخبرها أن هذا هو الواقع وغير قابل للتغيير فهمست بنبرة باكية فرأها طفلة صغيرة وهي تقول:
- طب هات لي ممرضة بتتكلم مصري.
ضحك بحب عليها وعيناه تمر على ملامحها بشغف مشتاق لنسرين القديمة ثم قال:
- كان على عيني بس مالقتش.
نفذ صبرها فصرخت فيه:
- إزاي يعني مصر كلها مافيهاش ممرضة.
رفع بؤبؤ عيناه يحركهم في السقف ثم عاد ينظر لها وقال ببرود:
- هو نسيت أقولك؟! إحنا مش في مصر، سيبناها، إحنا في لندن يا روحي.
ثم طبع قبلة على جبينها وخرج وهي تعيد الكلمة على شفتيها لتعرضها على عقلها وتحاول أن تستوعب:
- لندن؟!!!؟؟؟
***
مرت أيام تتحرك ببطء شديد إلا على لونا التي لم تكن ملاحقة على كم الدروس التي يتوجب عليها مراجعتها.
دَلفت لغرفة والدها فوجدته يجلس على طرف السرير شارداً، اقتربت منه تبتسم، وأخيراً عاد والدها لجوارها وعادت معه الأيام الجميلة.
كانت تعلم أنها تشبهه لحد كبير وهو كما هو لكن التعب هد عنفوان ملامحه وحل عليها الضعف وبعض الهزال.
اقتربت منه تجلس على الفراش ونادت:
- بابا، أنت كويس يا حبيبي.
التف لها ثم مد يده يبتسم وجعلها تجلس جواره ثم سألها:
- وحشتيني يا لونا، وحشتيني قوي.
- أنت كمان وحشتني قوي يا بابا، ماتعرفش أنا اتبهدلت إزاي في بعضك، بس خلاص أنت اهو رجعت ورجع معاك كل حاجة حلوة مش هخاف تاني.
التف لها والدها وقال بخوف:
- أخدتي الفلوس من عمك؟
تلعثمت وتوترة ملامحها، لا تعلم كيف تخبره أن أموالها تحت يد ماهر حالياً.
مع توتر ملامحها أصابه القلق وسأل:
- أخدهم منك؟ لونا؟ أوعي، أوعي تكوني أخدتي دوا من اللي كان بيديهولي، ده بيتعب جامد وكان بيخليني خايف.
جعدت ما بين حاجبيها وسألت:
- دوا؟ دوا إيه ده؟
- مش فاكر.... دوا إيه؟
- اللي بتقول إن عمك كان بيديهولك.
- عمك؟ عمك مين؟ لا مش عارف مش...
كانت ستقاطعه مصممة على معرفة كل شيء لكنها تذكرت حديث الطبيب حينما طلب منها أن لا ترهقه وتضغط عليه بالأسئلة التي قد تعيد له الرهبة والتوتر وأن تتركه يأخذ وقته وكلما تذكر شيئاً تخبرها.
ربطت على كتفه ثم أعطته الدواء وساعدته كي يتسطح على السرير وينام.
خرجت من الغرفة وقررت مهاتفة ماهر الذي فتح المكالمة مع أول دقة:
- أخيراً افتكرتي إن ليكي جوز، أفتحي أنا على الباب.
- على الباب؟!!
ذهبت لتفتح تراه أمامها، شهقت مفزوعة وهي تشعر به يباغتها وهو يدلف من الباب يغلقه بقدمه ويضمها له يقبلها بشوق غلب كل شيء.
يمسح بجسدها على جسده يستشعر حلاوة قربها، أبعدها عنه ينظر لها عن قرب، يرى جمال عيونها وملامحها، اشتاق لحلاوتها وحالة الشد والجذب بينهما ولطراوة جسدها الناعم.
- وحشتيني يا قاسية.
قالها بولع وهو يضع خصلة من شعراتها خلف أذنها جعلها ترتبك، يرى بعيناه تأثيره عليها.
ابتسم ثم نظر حوله للبيت الذي دلفه منذ عام تقريباً لكن لم تسعه الفرصة ليخبرها أنه:
- بيت باباكي شيك، حلو قوي ومريح كمان.
- إيه رأيك؟ ذوقي أنا اللي اخترت كل حاجة فيه، كان نفسي بيتي يبقى ميكس مودرن وشيك.
قرص خدها ثم قال:
- آه بس ده مش بيتك يا روحي، بيتك عندي، هناك ولا أنا عشان سيبتك يومين مع أبوكِ تراعيه لحد ما ياخد على الوضع الجديد هتنسي؟
صمت وما عاد يهتم بردها، جعد ما بين حاجبيه؟ لا يصدق، هل ما لاحظته عيناه صحيحاً؟
لونا تمرر عيناها عليه بشغف ظاهر فيها أنها اشتاقته، أو كأنها معجبة!!! أيعقل؟
ابتسم بغبطة ثم سألها:
- بتبصي لي كده ليه؟ وحشتك زي ما وحشتيني؟
لم تجب بالرفض وذلك يكفيه لزوجة عالية المدى، جننته بصمتها ونظراتها التي لازالت تنظر بها له، اقترب هو منها على الأريكة وقال:
- وحشتك، أنا وحشتك.
- لأ.
قالتها وهي تهرب بعيناها منه، شعور بالعار يكتنفها تشعر أنها عديمة الكرامة كونها بالفعل اشتاقت له، لماهر بعد كل ما فعله فيها.
شعر بما لم تتفوه به فقال:
- أنا جوزك وأنتي بتوحشيني، نفسي في كلمة حلوة منك.
- ماهو مش هينفع.
- ليه بس يا حبيبي؟!!
- ضميري بيأنبني.
- نعم؟؟؟؟ لا بجد نعم؟ أنا جوزك يا بنتي مش بتخوني حد معايا.
- مش دي الفكرة.
- أمال إيه؟
فركت كفيها معاً وهمست:
- أصل أنا بصراحة ناوية أطالبك بفلوسي اللي واخدها وضع يد يا حرامي.
حاول كبت ضحكته وإضفاء الجدية لكنه لم يقدر أمام تناقض كلماتها وانفجر ضاحكاً.
ضحكت هي الأخرى وكملت:
- مش هينفع أقولك وحشتني وبعدها أطلب فلوسي، حساها حركة واطية مش كده.
تعالت قهقهاته تملأ صالة البيت وضمها له وهو يردد:
- واطية قوي بصراحة، بس هقبلها منك أهو أي حاجة تبل ريقي.
ابتسمت له، غير منصف ما تراه، إنه بالفعل وسيم للغاية وجذاب، حتى كوكتيل أفعاله الغريبة تضيف عليه غموضاً يعزز من جاذبيته.
لم تقدر على مقاومة كل ما تراه، اقتربت منه بنعومة شديدة وبحركة هادئة غير متوقعة أقتربت منه فجعلته يتخشب، يتيبس وهو يشعر بها قد اقتربت منه ووضعت قبلة على عنقه.
هااااااا؟!!! رفع وجهه بصدمة وعيناه متسعة، هل قبلته لونا؟!! هل بادرت مرة؟!!!!
التف لها مصدوماً لكنها لم تترك له فرصة وقالت:
- عايزة فلوسي يا حرامي.
لم يستطع وانفجر ضاحكاً منها ومن أفعالها، لا يملك سوى أن يقربها منه يضمها له ويقبلها وهو يضحك عليها بجنون.
حاول التوقف عن الضحك ثم قال:
- هديكي فلوسك يا لونا بس...
زم شفتيه بضيق وسألها:
- هتفضلي معايا؟
- آه طبعاً هو أنا عارفة أفلفص منك...
نظر لها بشك، تسليمها غير مطمئن ليجدها تقول:
- فين القسيمة يا ماهر.
ضحك وقال:
- معايا ياروحي.
- طب هات نسخة بقا.
ضغط على أنفها يردد:
- أه يا خلبوصة، عايزة القسيمة عشان ترفعي قضية طلاق، ده بعدك.
زمت شفتيها بضيق، دوماً يكشفها بسهولة.
مد يده داخل جاكيت بدلته وأخرج هاتفه يفتحه أمام عينها يقول:
- تعالي عندي حاجة عايز أوريهالك.
فتح الهاتف لتتفاجأ بوجود فاروق دويدار في فيديو مسجل فسألته:
- إيه ده؟
- رد بقوة: الكلب اللي حاول يساومك، خليته يسجل فيديو يعتذرلك فيه على اللي حصل واللي كان بيفكر بس يعمله.
اتسعت عيناها، كانت على علم بنفوذ فاروق من كم الرعب الذي أصاب فاخر يومها وسألت:
- إزاي؟ ده بيقولوا واصل قوي.
- وقذر قوي، والكرسي فداه أي حاجة.
فتح التسجيل لتشهق وهي تسمع:
- ده بيعتذرلي.
ضمها له يردد:
- انتي مع ماهر الوراقي، خلي حد يفكر يجرب يقرب كده.
اتسعت عيناها بذهول وضمت نفسها له لا إرادياً تشعر أنه لما لا تنظر للأمور من زاوية أخرى.
عليها التوقف عن النظر للموضوع من ناحية الكرامة فقط، ماهر سيحميها ويحمي والدها ولو مؤقتاً.
رفعت عيناها له وهي تشاهد الفيديو:
- هتديني فلوسي.
قبّل رأسها وهو يضغط ضمها له:
- هديكي فلوسك.
- بجد؟
- بجد بس لازم تيجي معايا….فرح جنا وكمال بعد بكرة.
- الامتحان بكرة الصبح.
- خلصيه وتعالي على البيت.
نظرت له بتوتر فاقترب منها يقبلها بهدوء شديد وردد:
- محتاجك قوي يا لونا….قربي مني.
باغتته تسأل:
- لقيت مامتك؟
سحب نفس عميق ودارى عنها القصة مجيباً:
- أيوه.. كله تمام…خضيني في حضنك بس.
قربته من أحضانها ولأول مرة تغمض عيناها مبتسمة.
***
كل شيء يتبخر من بين يديه، كل ما بناه يتحطم، بداية من بيته وصولاً لثروته وجميلة.
وعلياء صممت على السفر لرفع القضية هناك، عزم على اللحاق بها، يعلم بمدى تأثيره عليها لكن قبل كل ذلك عليه تسوية الأمر هنا مع حبيبته…..جميلة.
رآها تدخل لأسطبل الخيل، يقسم ألا يضيع الفرصة هذه المرة.
دلف لها في الظلام وبداخله يدور سيناريو فيلم البحث عن فضيحة.
***
أقيمت الأفراح في بيت الوراقيين… فرح دُعي عليه الجميع حتى صلاح أبو العينين وطارق.
وتقدمت لونا تدخل الحفل بفستانها الرقيق من اللون البني ولم يقدر أحد على رفع عينه فيها فقط نظرات إعجاب بجمالها لكنها لاحظت أن هنالك نظرة مهابة وقيمة باتت مضافة ولكم أسعدها ذلك الشعور.
جلست من بعيد تراقب الجميع تنظر على طارق يحضن ويقبل كل فتاة تقترب منه وبعضهن مكثن في أحضانه لدقائق كاملة.
وماهر هناك يقف بعيد يرحب بالضيوف، نظرت رضا صرخت بها عيناها وملامحها، ماهر يصنع مسافة بينه وبين أي فتاة غير مسموح لغيرها باختراق تلك المسافة.
ضحكت ساخرة تهز رأسها وسألت:
- ماذا لو صنع القدر لها ما اختارته حين رأت يوماً أن طارق أفضل من ماهر لأنه فقط يعاملها أفضل؟ وماذا عن باقي الصفات والتصرفات، إن كأس الخمر لم يفارق يد طارق منذ دلف للحفل.
مال كمال على أذن ماهر يهمس له:
- أبوك جه زي ما توقعنا.
تهلل وجه ماهر ليكبت كمال فرحته ويقول:
- بس من غير أمك.
- إيه؟!! كنت متوقعها منه والله، أبويا وأنا عارفه..
زم شفتيه بضيق وعجز فأضاف كمال:
- أنا حاطت له ناس تمشي وراه ماتقلقش، ما خلصتش لسه.
حانت منه نظرة على جنا فابتسم وهو لا يصدق أنها تزف له بالأبيض وقد ارتدته خصيصاً له وقد نالها.
تحرك واقترب منها يمضي سهرتهما لتمر الليلة عليهما تركها فيها تتصرف على حريتها، حتى أنها نامت هانئة بأن ما اتفقت عليه صار، تلك الزيجة ما هي إلا وسيلة لإتمام شروط الوصية ولسرعة الوصول لوالدتها.
فتحت عيناها في الصباح تتثاءب بخمول وتنظر حولها لترى معالم غرفتها الجديدة.
لم تكد تنهي تثاؤبها حتى وجدت كمال أمامها بروب حريري مفتوح ظاهر منه صدره وجسده الضخم بفارق حجم كبير يجلس أمامها يخبرها بهدوء:
- صحيتي يا روحي؟ عايز حقي الشرعي…
يتبع.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سوما العربي
ضم شفتيه يحاول كبت ضحكته عليها وهو يراها فارغة فمها وعيناها متسعة في محاولة منها لكي تفهم هل ماسمعته صحيح من الأساس أم لا.
وقف عن كرسيه وتقدم منها بروبه المفتوح يميل عليها بحيث دخلت في ثنايا روبه وهي مازالت في طور الاستيعاب.
همس في أذنها بنبرة متلاعبة:
- الجميل بتاعي مش بيرد عليا ليه؟
ابتعد عن أذنها ينظر لوجهها الجميل ليلاحظ تجمدها المستمر فناداها:
- چنا.
همست اخيراً:
- إنت قولت ايه؟
ابتسم بتلاعب من جديد وردد:
- عايز حقي الشرعي يا چنچونة.
أهااا، هذا يعني أن ماسمعته كان صحيحاً. لم تنتظر ولم تقدر وبدون مقدمات صرخت:
- يا مااااااهر، ماااااهر، الحقني يامااااااهر.
اتسعت عيناه بصدمة وحاول تكميم فمها يردد:
- انتي بتعملي ايه؟
لكنها لم تصمت بل زادت من حدة صراخها:
- يا ماااااااهر، ماااااهر ياماااااااهر.
- يابنتي فضحتينا.
عضت يده التي تحاول تكميم فمها فصرخ متألماً:
- اااه يابنت العضاضة.
لم تبالي له واستمرت في الصراخ باسم شقيقها الذي استيقظ من نومه منتفضاً وخرج من غرفته حافي القدمين يتقدم للغرفة الجديدة التي أسست لهما وأخذ يدق الباب بهلع شديد:
- في ايه يا جنا؟! أفتح الباب يا كمال.
اتسعت عينا كمال من الصدمة وقال:
- ده جه بجد؟!
فتعالى صوتها أكثر تستنجد به:
- الحقني يا ماااااه.
دق ماهر على الباب بعنف:
- افتح يا كمال.
- امشي يا ماهر مايصحش كده.
- افتح الباب ده بدل ما اكسره فوق دماغك يا كمال... انت عارف انا مجنون وأعملها.
لم يجد كمال بد وتحرك ليفتح الباب فاندفع ماهر ناحية شقيقته يحتضنها بشدة تحت أعين كمال يقلبها يميناً ويساراً وهو يسألها:
- مالك يا حبيبتي، في ايه؟! عملك ايه؟! انتي كويسه؟
فرد كمال:
- كويسه؟! اطلع بقا وسيبنا عيب كده والله.
هزت رأسها وهي تحاول ألا تبكي ثم قالت:
- لا لا انا مش كويسه وماتطلعش وماتسبنيش معاه لوحدي ده كداب وغدار ولا يؤتمن.
- أنا كل ده؟!!!
بادل ماهر النظرات بين شقيقته وبين كمال بروبه المفتوح ثم سأل بقلق:
- عمل ايه يا حبيبتي، قولي.
نظرت له بحرج ثم دحرجت عيناها أرضاً ليسألها برفق:
- قولي يا حبيبتي ماتتكسفيش.
***
جلس يهز قدميه بغضب شديد. مرت ساعتان ونصف وهو لازال جالس ينتظر الدخول.
تقدم من السكرتيرة الحسناء وسأل بضيق حاول مواراته بابتسامة مصطنعة:
- هو انا لسه قدامي كتير على ما ادخل لفاروق بيه؟!
تنهدت السكرتيرة وقالت بترفع وزهد:
- عنده اجتماع ومقابلات مهمة.
- بس انا مستني بقالي تلات ساعات.
- والله انا عرفت حضرتك وانت اللي صممت تستنى ده غير انك جاي من غير ميعاد. كل اللي جوا جايين بمواعيد وحضرتك عارف وقت معاليه مشغول ازاي.
- طب ادخلي وقولي له فاخر الوراقي برا.
- دخلت وقولت له وقالي خليه يستنى، فحضرتك حر اختار تستنى أو تمشي.
وقف لثواني يفكر هل ينتظر أم يغادر. هز رأسه بقلة حيلة وهو لا سبيل أمامه غير فاروق بعدما نفض شقيقه يده من عهدهما وترك البلاد بزوجته وغادر مقررا إنهاء مسيرته في قطاع المال والأعمال. وأخبره صراحة أنه سيعيش لينفق ويتمتع بما جمعه بعيدا عن الصراعات وينقذ المتبقي من علاقته مع زوجته. وابنه اتحد مع ابن عمه ونفذا شروط الوصية كأنهما يردان له ولشقيقه ما فعلاه بوالدهما.
هز رأسه مقررا أن الدنيا دوارة.
لم يتبقى له شيء سوى نصف ما جمعه هو وشقيقه بالبنوك في الخارج. وما كان لهذا المبلغ أن يملأ عيناه مطلقا. فقرر طلب المساعدة واللعب بآخر كارت. فحضر لعند فاروق دويدار متأملا في مساعدته نظير تقريبه من لونا.
واخيراً أتى الإذن بعد مرور ساعة إضافية فدلف لعنده بلهفة عالية يردد:
- أخيراً يا باشا اتعطفت واتكرمت وقابلتني.
مد يده بالسلام بينما فاروق لم يتحرك من على كرسيه، بل ظل على جلسته وأشار له بيده مرددا:
- عايز ايه يا فاخر.
تعزز شعور القلق داخل قلب فاخر واهتزت ابتسامته ثم ردد:
- لا بس، اصلي بكلم سيادتك عشان اقولك اني اتكلمت مع بنت اخ...
قاطعه فاروق بحسم ثم قال:
- مش عايزك تتكلم مع حد خلاص، أنا وماهر بينا مصالح كتير مشتركة. مش هي مرات ماهر الوراقي بودو؟!
تراجع فاخر خطوة ثم قال:
- غريبه؟!
رد فاروق بحسم:
- ولا غريبة ولا حاجة. أنا صحيح بحب النسوان بس مافيش حب عندي يعلو على حب الكرسي.
اندهش فاخر لأول مرة يستمع لتلك النبرة من فاروق وهو لا يعتقد يعني أن ماهر وصل لتلك الدرجة. نظرة عيناه كانت واضحة وفهم عليه فاروق فقال بوضوح:
- ابن اخوك جه هنا وهددني بالورق بتاع أرض العلمين الجديدة. وأنا وانت عارفين الأرض دي بالذات والتسهيلات اللي اتعملت فيها لو اتشم عنها خبر الكل هيروح ورا الشمس. وأنا مش لوحدي، أنا ورايا ناس تقال قويّ ومصلحتهم بتقول انهم لازم يفضلوا في الضلة. لو الموضوع اتعرف هما ماحدش هيمسهم بس كون أن اسمهم يتذكر ده هيخليهم يضحوا بيا وباللعيبة بتاعتي اللي كانت بتسندني في الملعب.
ابتلع فاخر ريقه بصعوبة وسأل:
- يعني ايه يا باشا، ايه شوية العيال دول هيقعدوني في البيت؟!
هز فاروق رأسه وقال:
- انت كبرت يا فاخر، اعتبر نفسك طلعت على المعاش واعمل زي اخوك يا أخي، اشتري دماغك وسلم وسافر يعيش حياته مع مراته.
فكر فاخر لثواني ثم هز رأسه مرددا:
- لا يا باشا لا... لسه فيها... مش فاخر اللي يسلم بسهولة كده.
- براحتك يا فاخر بس برا عني. بس عايز انصحك نصيحة، اللعب برا، الملعب هنا ضاق وفي حريفة تانيين ظهروا. عندك ماهر ابن عزام و ابن محمد كيلاني وكل دول كوم والبت بنت امبارح بنت صلاح ابو العينين دي كوم تاني. ما كملتش ٢٣ سنة ومرقصة السوق كله بصابع رجليها الصغير.
نظر له فاخر بجانب عينه غير مصدق حنانه ونصيحته. لم ينطق لكن العيون مجاريف. لذا ضحك فاروق وقال:
- أنا عارف بتقول ايه، من امتى الحنية دي... هي مش حنية لكن اختصار مسافات وحروب وهري مالوش لازمة وأنا عايز أكبر دماغي منك ومن قصتك انت واخوك وشغلي معاكم. واهو الواحد مش بيتعلم ببلاش... لازم اخد بالي أكتر ما أخلي حتة عيل زي ماهر ييجي يعلم عليا تاني.
خرج فاخر من مكتب فاروق متدلي الأكتاف محني الظهر يشعر بالهزيمة وكل ما يدور بخلده أنه خسر فاروق وعاد ماهر بلا فائدة.
لن يعود للبيت. يعلم أن قصة إخفاء وثيقة الزواج لن تمر على خير. وكاد أن يصاب بالجنون. فهل فعل كل ما فعل ولف تلك اللفة الطويلة والنتيجة خسارة لا تعد ومن كل الجوانب؟!
***
سحبه من عنقه بغشامة وعنف وجره لغرفته وأغلق عليهما الباب. وكمال يخلص رقبته من يده وهو يردد:
- في ايييه؟! ايه اللي بتعمله ده؟!
أوقفه ماهر يحتجزه بينه وبين الحائط ويده على عنقه يكاد أن يخنقه وهو يردد بضيق:
- هو ده اللي اتفقنا عليه؟! عملت للبت ايه؟!
- هكون عملت لها ايه يعني؟!
- البت مبلمة من الصبح.
- ماعملتش حاجة؟! أنا أصلاً راجل جنتل مان ومافيش مني، ده أنا سبتها امبارح براحتها غيرت في الحمام وطلعت وهي لابسة بجامة الدباديب اللي هي لابساها دي وما اعترضتش وسبتها تنام لحد ما شبعت وصحيت لوحدها.
- لا شهم يا واد وكلّك رجولة، انطق عملت لها ايه خلاها مبلمة كده.
حك فكه وردد:
- أحمم..
- انطق.
- ايه... قولت لها عايز حقي الشرعي.
- نعم؟!!
- نعم الله عليك ياحبيبي. هو أنا شاقطها؟ هو مش ابوك امبارح مجوزهالي بنفسه ولا ده كان Ai؟!!
اصطك ماهر أسنانه وأسبل جفناه بغضب وهو يردد:
- يامصبر الوحش عالجحش.. ماتخلنيش اسب لك يا كمال.
- سب يا حبيبتي وأنا أسب للي خلفوك يعني أنا ماليش لسان مثلاً؟
- انت يابني ادم انت مافيش عندك مخ؟! امال دكتور ايه وبتاع ايه؟!
- داخلها بالغش. عمك كان بيشتري لي الامتحانات مانت عارف.
زفر ماهر بغضب وترك طلابيب كمال يردد:
- لا ما أنا مش هروح السجن في واحد زيك.
- أيوه كده شاطر... عملت طيب. سبني بقا عشان اروح لمراتي.
كاد كمال أن يتحرك بلهفة لكن أوقفه ماهر يمنعه:
- اقف هنا يا بهيم انت.
توقف كمال فقال ماهر:
- سيب البنت يا كمال، جنا مش حملك.
جن جنون كمال وردد:
- انت معتوه يا ماهر؟! ولما هي مش حملي جوزتها لي ليه؟!
- يا كمال چنا خام على الآخر، دي كانت مكسوفة تقولي انت طلبت ايه؟!
ابتعد كمال خطوة وسأله:
- هو ماحدش فهمها؟!!!
فرد ماهر بضيق من بين أسنانه:
- هنفهمها ايه والجوازة جت بسرعة وامها مش معاها تكلمها... خلي عندك شوية دم.
هز رأسه بضيق وسرعان ما تذكر فهجم على كمال يقيد تلابيبه يخنقه من جديد وهو يردد:
- فين الرجالة اللي قولت ماشيين ورا ابويا.
- بس يا ماهر هموت في ايدك.
حرره ماهر بصعوبة فقال كمال:
- فضلوا ماشيين وراه بس هو سافر.
- ها وبعدين؟!
- ايه اللي وبعدين!!! ولا قبلين يا حبيبي كل سنة وانت طيب، اخد طيارته وسافر. شكله كان حاجزها ذهاب وعودة. رجع على طيارة الفجر.
اتسعت عينا ماهر وسأل بغضب:
- نعم يا روح امك؟
- هتلبخ؟!
- ده أنا هطلع ميتين اهلك؟! ده أنا عجبت بالحوازة عشان نعرف نوصل لامي.
- وانا كنت اعرف منين أن ابوك جاحد وفاجر كده وهييجي من غير امك.
- مش قولت ممشي زفت رجالة وراه.
- بقولك سافر في طيارة الفجر.
- وماخليتهمش يحجزوا معاه ليه؟
- انت عبيط يا ماهر؟! هو أنا ماسك سيستم الطيران ولا حاجة؟! هعرف منين انا رقم الرحلة والطيارة اللي مسافر عليها عشان الرجالة يطلعوا معاه ولا هنروح لندن ننادي ماحدش شاف عزام الوراقي يا ولاد الحلال؟!
ضرب ماهر على فخذيه بجنون وقلة حيلة ثم ردد:
- يعني أنا جوزتك اختي كده وخلاص.
هز كمال رأسه وردد:
- ماشي هقدر موقفك ومش هرد عليك.
كاد كمال أن يتحرك ليوقفه ماهر:
- استنى عندك.
- ايه تاني؟
- رايح فين؟!
- رايح اوضتي.. أنا عريس جديد حضرتك.
نظر ماهر على طول جزع كمال وضخامة بدنه خصوصا بروبه الحرير المفتوح. وللحظة شعر بالتهور والندم والشفقة تجاه شقيقته الصغيرة.
جذب خصلات شعره بجنون ثم ردد بقلة حيلة:
- عريس جديد يبقى انزل افطر.. انزل افطر وربنا يسامحني بقا.
- وبعد الفطار ايه؟! هطلقها مثلاً؟؟
- البت صغيرة يا كمال وقطة مغمضة صعبانة عليا قوي خصوصا أنها من غير امها في موقف زي ده وأنا مش عارف اتصرف.
رفع كمال له إحدى حاجبيه وصرح بندية:
- وانت كنت عملت كده مع لونا؟!!!
إلى هنا وتوقف الزمن بماهر، كأنه محاصر بأفعاله المشوهة. سؤال كمال كان صفعة قوية لطمت خده.
والصمت كان المقابل... صمت قاتل يتخلله الشعور بالذنب وتأنيب الضمير.
تحشرج حلقه فحاول تسليكه وتحدث بحرج:
- اصبر على جنا يا كمال على الأقل لحد ما لونا تخلص امتحانات وترجع هخليها تتكلم معاها.
- وهي لونا يعني اللي هتسد؟! ماهي عيلة زيها ومن نفس عمرها.
أغمض ماهر عيناه إثر كلمات كمال التي خلصت عليه وزادت الكف كفين. كل كلمة تضع لونا أمامه ليعلم كم جار عليها وظلمها. خصوصا وهو سيد العارفين أن ما حدث مع لونا لم يحدث عشرة مع جنا. لأول مرة يدرك حجم قوة لونا، فما تحملته وحدها لا تستطيع أي فتاة تحمله والتصدي له وحدها.
و للحظة فكر لو أن كمال فعل مع شقيقته أي مما فعله بلونا ماذا كان سيفعل.
دارت به الأرض واخيراً أدرك كم هو نذل. ماهر الوراقي من تحلف به كل السيدات تتمنى ابنها يصبح كيفه أو أن تحظى ابنتها بزوج مثله. من يتعامل مع الفتيات بحدود و بتهذيب ورقي ويقدم المساعدة. كان نذلا لأقصى درجة مع فتاة والمصيبة أنها الفتاة الوحيدة التي أحبها!!!!
أي منطق هذا وكيف كان يفكر وقتها؟!!!
لمعت عينا كمال وهو يلاحظ تراخي جسد ماهر وسقوطه بانهزام على الأريكة من خلفه فسأله مباشرة:
- ليه عملت معاها كده يا ماهر؟
- كنت بخاف منها؟
- نعم؟
- أنا عمري ما قربت من بنت ولا سبت واحدة تلمسني... الا هي من اول مرة شوفتها ريقي جري. هي اول بنت حضنتها وانا اللي بادرت.
- انت هتقولي مانا عارف ..ماهر الوراقي ممنوع الاقتراب او التصوير. أنا نفسي كنت مستغرب افعالك..بس ليه تخاف منها، شكلها طيب خالص وعلى فكرة باين عليها.
رفع ماهر عيناه وقال له:
- بتقول كده عشان مش شايفها زيي، شايفها بنت عمتك وبس. لو كنت مكاني كنت هتحس اللي بحسه.
شرد مفكرا وقال:
- معاها اكتشفت حاجات كتير وحشة جوايا ماكنتش اعرف انها موجودة، واضح انها بتطهر في وقت الشدة وفي الاختبارات. ولونا كانت اختبار قوي. اقولك سر؟!
قالها بأعين لامعة، يملؤها الشغف. فقال كمال:
- قول.
- أنا كنت عايز احبها في السر، أحبها بعيد عن الناس، تبقى عشيقتي. ولما أخدتها لندن أخدتها عشان كده.
كمال كان متعجبا من تصريحات ماهر العجيبة. صحيح أن الإنسان له تركيبة غريبة وعجيبة وبداخل كل شخص الخير والشر والشئ ونقيضه. لكن كل ذلك لم يمنعه من السؤال:
- و لما هو كده ليه رجعتها؟!!
- بنت اللذينا... لاقيتها سلكت برا.. دي سلكت هناك أكتر من هنا، كان لازم أرجعها.
- وناوي على ايه معاها؟
- مش عارف.
- هسيبك انا أشوف هتعمل ايه معاه واستسمحك اروح أشوف...
قاطعه ماهر ينهره بغضب:
- كمال...
- يوووه.
- يومين يا كمال... يومين لحد ما لونا ترجع وكمان نشوف حوار امي ده.
صمت كمال ولم يعطيه كلمة. فنداه ماهر:
- كمال.
نفض اطراف ثوبه بغضب وردد:
- حاضر.. حاضر... هتروح؟ اصبر.. بس وحياة أبوك ما تتأخر عليا، أنا بحترق.
- طب روح احترق بعيد عني.
ثم تركه وتحرك مغادرا يذهب لعندها .... ومن غيرها.
***
وقف أمام المدرسة التي تنهي داخلها آخر امتحان. الشوق واللهفة يفيضان على ملامحه.
طالبعادها وهو اشتاق. جنا وهي مذعورة من كمال وطلباته لا تغيب من مخيلته. لأول مرة يختلجه الشعور بالحقارة.
مسح عيناه وهو غير نادم على قراره.
ابتسم بحب وهو يراها تخرج وحيدة من اللجنة تلقي الأوراق من يدها دون مراجعة. لونا باتت شخصية لا تندم على ما مضى، تنظر فقط للقادم وأهدافها واضحة... أشياء تجعلك تقع بغرامها من جديد.
تقدمت من سيارته بابتسامة بسيطة وجلست لجواره فردد:
- حبيبي عمل ايه؟
- كله خير إن شاء الله.
شملها بنظرة من عيناه. اشتاق لها بجنون. تقاربهما الجسدي ما عاد شيء غريزي يشبعه على قدر ما صار يطمئنه. لكنه لن يعود للإجبار.
عيناه كانت فضاحة ونظرته تأكلها. ابتسمت بغرور وسألته:
- وحشتك؟
ضحك بخفة وردد:
- بقيتي تخوفي، كبرتي.
- مش قوي.. بس يمكن بقيت بفهمك.
- من نظرة؟! بتحبيني؟
- لأ، قالتها على الفور... نبرتها لم تكن مؤكدة الرفض هي فقط تؤكد العناد. فضحك بحب على ملاوعتها وملاعبتها ثم سأل:
- خلاص أطلقك.
نظرت له سريعاً، كانت متفاجئة ومصدومة. عيناها تسأل عن لسانها الذي تكبر على السؤال. هل ستفعلها حقاً؟! هل ستقدر عن الابتعاد عني وماذا جد بعدما كنت متشبث بي؟!!!
سألت بضيق عال ونبرة مهزوزة:
- شبعت؟!
ضحك فغضبت. تحرك بسيارته دون حديث وهو يبتسم برضا.
غضبت منه، حقير لأقصى حد، ما قاله كانت لعبة نفسية جديدة.
ولزيادة الحرب النفسية ظل طوال الطريق صامتاً... صمتاً تام قاتل لها ولأعصابها وهي لم تحرك الصمت. لن تتنازل تعلم أنه يلاعبها.
توقف بها أمام أحد البنوك الشهيرة بالقاهرة وترجل منها يقول:
- يلا انزلي.
- على فين؟
- البنك، مش معاكي بطاقتك.
- أيوه... بس ليه؟!
صمت لثواني يعلم أنه سيندم فيما بعد لكنه قال:
- هفتح لك حساب.
اتسعت عيناها غير مصدقة. زاد جنونها وهي تسمعه يكمل بقلة حيلة يبدو مضطراً:
- هحط لك خمسة مليون فيه، تلاتة مليون مهرك.
- هاااااه؟!!
ابتسم يكمل:
- واتنين مليون فلوس أبوكي.. ماهر مش حرامي.
ضحك في الأخيرة وهو يراها فارغة الفم تسمعه مصدومة غير مصدقة.
***
جلس يهز قدميه بغضب شديد وهو يرى كل خطته تنقلب فوق رأسه ورأس من أنجبه.
لا يصدق أن المؤامرة التي حاكها فاضت في النهاية لصالح غيره كي يفوز بحبيبته... وهو الأن مضطر لأن يجلس في وسط الجلسة كأحد أقاربها يشهد على أهل رجل آخر قد حضروا يخطبوا حبيبته لابنهم.
يود لو قطف قطعة من السماء... سيجن بالتأكيد. فكيف انقلبت اللعبة كلها في النهاية.
يتذكر ما حدث بالأمس.
حين دلف خلفها اسطبل الخيل عازماً على إحداث فضيحة كبيرة وتقدم خلفها يناديها:
- جميلة... جميلة.. ردي عليا.
لكنها لم تجبه ولم تحدثه وتقدمت للداخل فأسرع يعترض طريقها ويمسك يدها يوقفها:
- هو أنا مش بكلمك.
- شيل ايدك عني.
- مش هشيل ... هتعملي ايه يعني؟
- ابعد عن طريقي يا رشيد.
أخذ يقترب منها وهو يردد بجنون:
- مش هبعد... انتي ماخليتش فيا عقل... خلاص اتجننت... بسببك هخسر كل حاجة.. بيتي وابني ونص ثروتي وفي الآخر كمان مش هاخدك.. هأوو.
اتسعت عيناها وبدأت تشعر بالخطر فقالت بصوت مهتز وهي تلاحظ عدم وجود حارس الاسطبل فنادت:
- يا عممم منصووور.
- مش هنا... ماحدش هيلحقك بس شاطرة... صوتي أكتر خلي الناس تتلم ويشفونا وتبقى فضيحة فأبوكي يجوزنا واخلص بقاا.
عادت للخلف بذعر شديد يزيد ويفاقم خصوصا وهي ترى التصميم في عيناه فتقول عله يعقل:
- اعقل يا رشيد... أنا ماعملتش حاجة، انت اللي كنت رايح جاي ورايا.
- ماهو من جناني بيكي، أنا مش بنام الليل.
صرخت برعب:
- وانااا مااالي.
- أنا بحبك يا جميله بحبك.
قالها وهو يهجم عليها يجذبها لعنده فصرخت وحاولت التملص منه مما قطع بلوزتها من عند كتفيها.
لمعت عيناه.. خطته في طور الانتهاء لنيل المراد. اقترب منها زيادة فصرخت:
- عيب عليك، أنا بنت خالك.
- مانا اتحايلت عليكي انتي وخالي.
ابتسم وهو يرى القليل من أعضاء النادي بدأت يلمح ما يجري على أثر الصوت واقترب اكثر.. قبض على ذراعها وهي تصرخ:
- بقولك سيبني.
لم تقدر على نفض ذراعه الغليظ، هو يريدها وانتهى.
ومالم يحسب له حساب هو تدخل مدرب الفروسية بذلك التوقيت، مد يده على ذراع رشيد بغضب يردد:
- هي مش قالت لك سيبها.
- ماتدخلش انت... انت ايه اللي جابك؟! دي بنت خالي.
- وبنت خالك عايزاك تبعد ورافضه.. هو مش بالعافية.
- لأ خو بالعافية... أيه رأيك بقا.
اتسعت عينا رشيد بغضب فرفع يده وناول شهاب لكمة فردها شهاب لهدرات حرب طاحته بينهما وجميلة تصرخ... تهور رشيد وتحرك بغضب يذهب لسيارته مقرراً إحضار سلاحه.
خرج من باب خلفي للاسطبل والناس تتقدم من الباب الأمامي ليروا ماذا يحدث.
خلع شهاب عنه قميصه الذي مزقه رشيد وجميلة اقتربت منه تعتذر وهو يطمئنها ويطمئن عليها وبعض من أعضاء النادي قد دلفوا يسألوا... ماذا هناك.
حضر رشيد بمسدسه... ليصدم أن أعضاء النادي قد تجمعوا لكن يرون شهاب مع جميلة وهو عاري الصدر وليس هو.
عاد من شروده على صوت والد شهاب يردد:
- إحنا طبعاً نتشرف إننا نناسب عيلة زيكم و... أحمم و اللي حصل ده والله ما كان مقصود.
- فعلاً؟!!
سأل والد جميلة بضيق غير مصدق صدق نواياهم يشعر أنها خطة للإيقاع بابنته الثرية في شباكهم.
فتحدث شهاب:
- حضرتك تقصد ايه؟! أنا صحيح مش عندي شركات ولا عقارات زي حضرتك بس أنا مش ناوي أعيش على قفا مراتي ... أنا هنا عشان أصلح غلطة.
- غلطة؟!!!
- والله حضرتك تقدر تسأل الأستاذ رشيد... اسأله كده كل ده حصل ليه؟!
صمت جميعهم ونظر صلاح لرشيد بشك ثم قال:
- أنا موافق... نقرا الفاتحة.
هب رشيد محتجاً:
- فاتحة ايه؟! انت صدقتوا يا خالي؟! ده قليل الأدب، أنا كنت رايح العربية اجيب له المسدس.
أسبل صلاح جفناه وقال بتعب:
- أقرأ الفاتحة واقعد يا رشيد... اقعد.
قال الأخيرة بنفاذ صبر يشبه الوعيد فجلس بقلق لكن بداخله يشعر أن الأمل لم ينقطع بعد... مجرد قراءة فاتحة.
***
كان يجلس في مكتبه بتركيز واندماج شديد في عمله إلى أن فتح الباب ودلفت هي بدون استئذان.
اشتم عبيرها الذي يحفظه... ومن ذا الذي لن يحفظ ريح امرأة يعشقها.
رفع عيناه وابتسم بإعجاب وقد وقع بغرام فستانها السماوي المتمايل على جسدها الممتلئ.
زادت من صدمته وقد اقتربت منه تردد:
- سوري دخلت من غير استئذان بس قولت مافيش واحدة تستأذن وهي داخلة على جوزها.
اتسعت عيناه غير مستوعب تصرفاتها وعقله يصرخ أن تلك لونا التي حضرت أمامه متغيرة.
زادت اتساع بؤبؤ عيناه وهي تقترب تضع قبلة على خده وتردد:
- وحشتني.
هل تريد إصابته بالجنون؟! وحاول أن يستوعب وسألها:
- بجد؟!!
- اممم.
قالتها بلمعة في عيناها جننته. جذبها لتسقط على قدميه وهي لم تعارض كانت تبتسم. هز رأسه بجنون وسأل:
- انتي جاية تجننيني عليكي؟! براحة عليا.
- حاضر.
همست بنعومة ثم قالت:
- بس أنا مش جايه أجننك.. جايه أقولك وحشتني.
زادت خفقاته ثم ابتسم وهو يسمعها تكمل:
- واستأذنك؟
- هممم … لأيه؟
- للشغل.
- هممم عايزة ترجعي مكتبك ونلعب من جديد.. ماشي يا لونا.. ارجعي.
- لأ.
قالتها بقوة… بفكر… برؤية ويقين. نظرة خالية من التخبط القديم. فسأل بقلق:
- أمال؟!
- لقيت شغل في الجرافيك في شركة كبيرة جنبك هنا..
- نعم؟
- أمم.
قالتها ببراءة… رفرفت بأهدابها ببراءة أكبر وهي تردد:
- بتاعت واحد اسمه… اسمه… أه… محمد كيلاني.
- أهلاااااااً.
قالها بصراخ وهو ينتفض. وهي حقاً لا تعلم لما!!!!
رواية سيطرة ناعمة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سوما العربي
خرج فاخر مهزوماً من بيت آل وراقي، خرج في منتصف الليل دون أن يراه أحد، لقد تعمد ذلك.
واليوم بداية مشرقة.
بداية جديدة بروح جديدة.
ابتسامة واسعة تشكلت على وجهها الحسن، همت لتخرج من بيتها بزي رسمي لأقصى درجة.
وقفت أمام المرآة تعيد تصفيف خصلات شعرها، خصلة بجوار خصلة، وتتأكد من رونق مظهرها.
ابتسامة ثقة ورضا تشكلت على شفتيها، هي تعلم أنها جميلة ويليق بها الوضع الجديد.
لكن ولثوانٍ، تلاشت بسمة الثقة وحل محلها القليل من الشك، تتساءل كيف وافق ماهر بكل تلك السلاسة والسرعة.
فقد توقعت أن يرفض ويغار ويبدأ سلسلة أفعاله الهمجية التي عهدته عليها.
لكنه خالف كل ذلك وابتسم لها ابتسامة لم تفهما حتى الآن، وقال: بالتوفيق!
أيعقل؟
هزت رأسها بجنون وتنهدت، تردد محدثة نفسها أمام المرآة بجنون:
في إيه؟ هو كله شك شك، جرى إيه؟ ماتعقلي بقى، مش قولنا شخصية قوية وبتاع.
هزت رأسها بضيق وعادت تنظر للمرآة تردد:
وبعدين ليه الظلم؟ ما يمكن الراجل نوى يتغير وبدأ ينفذ، هو إنتي لاه كده عاجب ولا كده عاجب؟
أخذت نفسًا عميقًا وزفرته على مهل:
اهدي، ابتسمي، إنتي بدأتي تعيشي الحياة اللي نفسك فيها.
يالا يا لونا.
سحبت نفسًا عميقًا بعد وصلة من تحفيز الذات، وضعت حقيبة يدها الفاخرة على كتفها، وقبل أن تخرج نادت على الممرضة التي أحضرتها لتراعي والدها طوال ساعات غيابها.
أعادت عليها التوصية بمواعيد الدواء والأكل، ثم خرجت.
بعد ساعة ونصف في الطريق، أخيرًا وصلت.
مرت من أمام مرآة كبيرة جدًا في بداية الشركة، ابتسمت بثقة كبيرة وهي تستشعر جمال وفخامة هيئتها.
مضت بثقة للداخل تبتسم، فقد تعلمت الدرس، المظهر الخارجي عليه عامل مهم جدًا.
تتذكر ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لمقابلة عمل وكانت ترتدي بلوزة قطنية قصيرة وجيبة سوداء مع حذاء بسيط.
كان يومًا صعبًا، وقد مرت على شركات كثيرة لعمل مقابلات متعددة ورفضت فيهم جميعًا.
لتعود باليوم التالي ولكن بهيئة مختلفة، وبحركة جريئة جدًا قدمت من جديد وقبلت في أكثر من شركة لتختار في النهاية أعلاهم راتبًا.
بسعة صدر كبيرة وابتسامة كلها أمل وشغف، دلفت لمكتبها الجديد المقسم عليها وعلى زملائها، وجلست أمام جهاز الكمبيوتر المخصص لها، تهمس: بسم الله، ثم تبدأ أول ساعة عمل لها.
***
مدد قدميه بإنهاك ومط جسمه للخلف، تنهد بثقل فقد أضناه التفكير في والدته.
أحيانًا يهون الأمر على نفسه كونها مع والده وهو يعلم بمدى حبه لها، وأحيانًا أخرى يتعذب كونه على علم كذلك بما تشعر به في حالتها تلك.
دقة على الباب يتبعها أخرى، ثم دلفت السكرتيرة:
ميعاد البريك يا مستر.
تمام، روحي انتي يا دينا.
تحب أطلب لك غداء قبل ما أخرج؟
لا، شوية وهبقى أطلب أنا، روحي انتي بلاش تعطلِ نفسك.
أوكي.
خرجت فبقي وحيدًا، تمطى بجسده على الكرسي وعاد به للخلف، ينظر من الشرفة على المنظر الخارجي وشكل الموظفين.
أسبل جفنيه بتعب يريح جسده وعقله قليلًا عن العمل.
لم تمر ثوانٍ إلا وشعر بيد رقيقة تلكز ركبته، رفع عينيه ليصدم ويتفاجأ بأنها لونا.
اعتدل واقفًا بخوف يسألها:
في ايه؟ مالك؟ جيتي امتى؟
جاوبت فورًا وانفجرت في النواح:
آآآآه، أنا تافهة، تافهة وفاشلة ومش بتاعت شغل، آآآآه.
كانت تبكي وتمسح أنفها بطريقة مثيرة للضحك حقًا.
حاول كتم ضحكاته ووقف يردد:
مالك بس يا حبيبي؟ حصل إيه؟ تعالي، تعالي نقعد.
سحبها للأريكة الجلدية يجلس، ثم وهي بحضنه، أخذ يمسح على كتفيها وهو يردد:
في إيه؟ إيه اللي حصل؟
حاولت التحدث من بين دموعها:
النهاردة كان أول يوم شغل ليا.
عارف، حد ضايقك؟
هزت رأسها نفيًا ثم قالت:
الشغل الحقيقي طلع صعب قوي يا ماهر، أنا أنا مش حمل الكلام ده، مش حمل الكلام ده والله. آآآه.
ضم شفتيه يكبت ضحكته الشامتة بينما هي تسترسل في البكاء:
ادوني شغل كتير ومن أول يوم، من أول يوم، طب كانوا يصبروا عليا.
مش انتي اللي كاتبة في الـ CV خبرة وأعمل تحت ضغط؟ قابلي بقى.
مسحت أنفها ونظرت له بعينين هرة وديعة ثم قالت:
ما ترجعني أشتغل عندك ومش هعمل مشاكل والله.
ضحك يردد:
وحد كان طردك، انتي اللي مشيتي.
هزت رأسها بندم تقر:
أيوه أنا عملت فيها قوية وبتاع.
تابعها مبتسمًا، عيناه تمر على وجهها وأسنانه تعض على شفتيه مقرًا أنه وقع بعشق مجنونة، دائمًا عشوائية، أفعالها متناقضة وغير متوقعة.
مجيئها لعنده باكية مهزومة ونادمة لهو آخر ما توقع حدوثه.
ولم يتوقع أيضًا تقلبها العجيب، واندهش وهو يراها تمسح دموعها بكبر عجيب وتوقفت عن البكاء بلحظة وتحولت وهي تردد بعناد ورعونة:
وأنا قوية وهبقى شاطرة.
رمقها بعينيه ثم سألها بهدوء:
صحيح يا لونا، انتي جيتي عملتي انترفيو هنا من سنة؟
هزت رأسها إيجابًا فابتسم يقول:
وكنتي عارفة إنها بتاعتي؟
أنا ما كنتش لسه عارفاك ولا شوفتك، بس بصراحة كنت عارفة إنها تبع أهل ماما، وأنا في الفترة دي كانت حالتي صعبة جدًا، عمي واضع يده على الفلوس والبيت وبابا محتاج، أدور عليه. وانتوا بصراحة كنتوا عارضين مرتب كبير.
ضحك بهدوء ثم سألها:
وبعدين؟
قصت له ما جرى يومها فسألها مستغربًا:
وليه ما قلتيش وأنا كنت هعرف شغلي مع غادة دي كويس؟
انت شايف إن بداية علاقتنا كانت تسمح؟
وبعد ما بقيتي ليكي وضع ونسب ليه ما عملتيش معاها نفس اللي عملته؟
عشان ما بقاش زيها. لما أعمل زيها أبقى فرقت إيه عنها؟
ابتسم بهدوء يتابع ملامحها بحب، ثم تناول يديها بين كفيه وردد:
تعرفي إنك وحشتيني.
ناظرته بشغف، لكنها ظلت متمنعة، ولكن بدلال.
ابتسمت وسألته:
ليه اتجوزتني يا ماهر بالطريقة دي وبالسرعة دي؟
عشان لقيت عندي انفتاح كبير عليكي، أخدت القرار يوم ما حضنتك في أوضتي، فاكرة؟ لما جيتي تعتذري.
قربها منه زيادة ثم همس:
أنا ما فيش بنت تقدر تقرب مني، ممنوع اللمس.
مش قادرة أصدق بجد، اللي أعرفه إن معظم الرجالة الغنية بتبقى عندها علاقات و.
قاطعها يردد:
أنا نفسي مش حلوة قوي كده، ومش أي واحدة تقدر تقرب من دائرتي. غيرك، انتي مش قربتي لها لأ، إنتي اخترقتيها. كان لازم أفهم وأنفذ.
ظهر بريق لامع في عينيه وهو يقترب منها بلهفة مرددًا:
وبصراحة. كنت هبقى حمار قوي لو كنت سبتك لغيري.
تابع ملامحها بصمت، رأت الشبق في عينيه، عرفت أنه يريدها، يرغبها الآن.
ابتسمت بثقة ثم قالت بتحد وحاجب مرفوع:
إيه؟
أييييه؟ وحشتيني يابت؟ نار جوايا وانتي بس اللي ممكن تطفيني.
أزاحته بدلال ثم قالت:
بس أنا عندي شغل دلوقتي.
جذبها بقوة فجلست بحضنه وضمها يردد:
شغل إيه دلوقتي؟ بقولك محتاجك، تعالي نروح البيت.
تؤ.
بلاش لوع بقى، أنا استويت خلاص، عيب كده بقى، اسمعي كلام جوزك وتعالي معايا.
بردو لأ.
ضايقته برفضها ودلالها مقابل ضعفه أمامها. لم يفهم ما تفعله لونا، لم يفهم.
غادرت برأس مرفوع تبتسم بكبر وقد قررت فرض ضلوع السيطرة، كل شيء سيسير تحت سيطرتها الناعمة وليس هو، انتهى ذلك العهد بلا رجعة.
وهو خلفها يشد خصلات شعره من الجنون والشبق الذي تمكن منه.
***
كانت غافية على فراشها مستسلمة للنوم ولم تشعر به حين عاد وفتح الباب ينظر عليها مبتسمًا.
اقترب من الفراش يخلع عنه نعليه ثم تمدد لجوارها وتدثر معها بنفس الغطاء.
جذبها بهدوء واحتضنها لصدره، آآآه، عالية صدرت عنه متأوهًا يغمض عينيه بتلذذ ودفء سرى بكل أنحاء جسده.
مرت سنوات لم ينعم فيها بذلك الحضن.
كانت حلاله لكنها حرمت نفسها عليه.
لم يشعر بنفسه ولا بذراعه التي زادت ضمها بقوة، اعتصرها فيها بين ذراعيه وجسده، قوة آلمتها فأيقظتها من ثباتها.
انتفضت تنظر له برعب وسألت مهاجمة:
انت بتعمل إيه هنا؟
لم يبالِ باعتراضها بل حاول ضمها من جديد وصرح:
بعمل إيه؟ نايم في أوضتي على سريري جنب مراتي.
قوم من هنااا، قوم يا عزام.
مش هقوم. كفاية كده بقى وانتي لازم تسمعيني، لازم تديني فرصة، أنا عملت إيه لكل ده؟
مالكش عندي فرص وأنا غلطانة إني لحد دلوقتي ما اتطلقتش منك. ارجع بس مصر وأنا والله لاعمل توكيل للمحامي وأخليه يخلعني منك.
طلبتيها ونولتيها يا نسرين، رجلك مش هتخطي مصر تاني.
فزعت من تصريحه وهي وحدها هنا وحيدة، فصرخت فيه:
انت إيه؟ معمول من إيه؟ انت إيه مش بني آدم زينا؟
لا بني آدم. بني آدم يا نسرين وبحبك. اديني فرصة. فاتت سنين كتيرة ما يبقاش قلبك أسود.
ما يبقاش قلبك أسود؟ ببساطة كده؟ تفضل تاعبني نفسيًا ويجيلي تعب في عضمي من كتر حالتي النفسية اللي زي الزفت ومن كتر ما بحط في نفسي وأول ما أتعب تروح تتجوز عليا؟ قولي لو انت مكاني هتعمل إيه؟
انتي اللي مش عايزة تسمعي، أنا لساني داب وأنا بقولك جوازي من جيلان مصلحة.
والله؟ رايح تتجوز تاني يوم ما مراتك تعبت والدكتور بلغك حالتها وتتجوز عيلة أصغر منك ومنها بعشرين سنة وتيجي تقولي جواز مصلحة؟ أنا اتقهرت، قلبي اتفتت وعيشت الظلم على إيدك. أنا مش بس محرمة نفسي عليك في الدنيا، لا أنا خصيمتك يوم القيامة يا عزام ولو الذنب الوحيد اللي بينك وبين الجنة ذنبي فإنا مش مسامحاك.
اتسعت عيناه وهو يسمع تصريحاتها الأخيرة وصراخها بأن يتركها وشأنها الآن.
ظلت تصرخ وتصرخ بهياج ولولا ذلك لما تحرك، فهو على أعلى درجة من التجبر والبرود، وحده صراخها وهياجها يعلم أن حالتها النفسية مهمة جدًا لأجل عمليتها القادمة.
ظلت تصرخ وتصرخ بانفعال وانهيار نفسي لم يره مسبقًا دفعه لأن يستدعي ممرضتها ويطلب منها أن تحقنها بمهدئ يضبط ضغطها.
لكنها كانت لا تزال تصرخ:
أخرج. امشي من قدامي. امشي من هنا.
رفع يديه علامة استسلام وقال:
حاضر. حاضر بس أهدي وسيبها تديكِ الدوا.
امشي من قدامي. امشي.
زم شفتيه بضيق وقلة حيلة ثم تحرك مغادرًا، واقتربت الممرضة منها فقالت:
Call my son, Maher, in Egypt. Call him and he will give you a million dollar.
اللمعت عينا الممرضة وقررت المجازفة، دونت مفتاح مصر الدولي ومن بعده رقم ماهر الذي تحفظه نسرين عن ظهر قلب وبدأت الاتصال.
***
ضرب بكلام ماهر عرض الحائط، فهو يكاد يجن جنونه عليها وتلك الجحشة لا تفهم ولا تبالي.
مختفية منذ الصباح رغم أنه عسكر لها في البيت وبات لا شغلة له غيرها، لكنها مختفية.
وكلما أصبحت أمامه تطير مثل الزئبق.
بحث عنها في كل مكان، حرفيًا بكل مكان إلى أن توقف متذكرًا. آآآه معدتها. عليه أن يسير خلف معدتها إن أراد البحث عنها.
دلف للمطبخ على الفور وبالفعل وجدها تضع قطع المارشميلو على النسكافيه الساخن.
(يا مزاجك) قالها بغل وهو يعصر قبضة يده.
هي هنا تتمزج بكوب ساخن يكيفها وهو يحترق لأجلها، فذهب العقل والصبر والتعقل معًا أدراج الرياح واقترب يقبض على ذراعها فصرخت:
آآه. سيب إيدي يا كمال في إيه؟
في إيه؟ صحيح ماللي عنده دم أحسن من اللي عنده عزبة.
رمشت مفكرة:
وأنا عندي إيه فيهم؟
لا ده ولا ده.
هزمت شفتيها:
ليه كده حرام عليك؟
حرمت عليكي عيشتك؟ أنا جوايا نار بتحرقني وماسك نفسي وانتي ولا على بالك وقاعدة تدلعي نفسك، لأ وصاحبة مزاج قوي.
تنهدت بضيق:
عايز إيه يا كمال؟ من الآخر.
أتي من الآخر، هو ليس بصبور مطلقًا فقال:
عايزك انتي، عايز نبقى عرسان بجد، بلاش. عايز آخدك ونطلع شهر عسل نلف الدنيا، نعوم في البحر سوا بالنهار ونقضيها سهر ومليطة بالليل.
لاحظ لمعة عينيها وقد جرى رمقها على أشياء لم تجربها فانتهز الفرصة واقترب يردد:
طب بذمتك مش نفسك تجربي. هاآه.
مارس هواية الزن على الأذن، ودون دراية منها اقترب يحاوطها بحميمية شديدة، يداه تعتقل خصرها وجسمها كله مسنود على جزعه الضخم.
ما إن حضنها حتى أغمض عينيه كأنها هديته وأخيرًا نالها، طفلة عنيدة أتعبته وأرهقته.
قربها منه بقوة أكبر ثم بدأ يهمس في أذنها وقد اشتغل معه مفعول الخبرة في مهادنة الناس:
هعاملك كأنك طفلتي. البيبي بتاعي وفي السرير كأنك أجمل ست في الدنيا، جربي مش هتندمي.
نجح في سحرها، كمال بالأساس كان حنون ومقرب منها ولديه سطوة عليها، أغمضت عينيها معه تتخيل، وليته صمت لكنه كان يتمادى ليذكرها:
جربي. معقول نسيتي إنك أقرب حد ليا في البيت هنا؟ نسيتي كمال.
آه كمال الخبير.
دقت تلك الكلمات بعقلها وجعلتها تفتح عينيها بصدمة على هيئتها بحضنه وذوبانها التام.
ليته لم يكمل ولم يذكرها بخبراته ومغامراته، لن تصبح حكايته الجديدة. لن تصبح.
شعر أنه أخطأ في أمر ما ذكره. فتحها لعيناها هكذا فجأة نبه علاوة على ابتعادها عنه بعدما نجح في إذابتها بأحضانه وبدأ يبحث عن الخطأ فسأل:
مالك يا روحي؟ في إيه؟
في إنك وحش قوي، وحش من جوا قوي يا كمال. جاي تضحك على عقلي؟ بتستغل خبرتك وصغر سني عشان تسيطر على تفكيري وتلعب بيا؟
أنا يا جنا.
أيوه انت. انت كمال اللي كان بيحكي لي عن البنات اللي عرفها من كل بلد راحها وإزاي كنت بتخلع منهم، بنات انت نفسك من كترهم هتلاقيك ناسي ملامحهم مش بس أساميهم. إيه؟ عايز تقنعني إنك فجأة بقيت شايفني وعايزني أنا؟ إزاي طيب مانت طول عمرك بتعاملني إني أختك الصغيرة؟ فجأة كده من بعد الوصية هبقى مراتك وبنتك وننيني نييني نييني ني؟ انت حقير لدرجة إنك جاي تاخدني باكيدج. وصية وتجربة جديدة وفلوس واهو تبقى اتجوزت مصرية عشان جواز الأجانب بيلسوع. مش كده. مش أنا جنا اللي من يومين تلاتة بس قلت لي مش هينفع بعد كل مغامراتي دي أدخل عيش الزوجية بعيلة زيك.
اتسعت عيناه من تدافع تصريحاتها فهتفت محذرة:
أنا مش بنسى يا كمال وفاكرة كل كلمة.
قالتها وغادرت بغضب شديد تتجه نحو غرفتها تغلقها عليها وقد تركت المشروب الذي نظر لها فيه.
***
دلف بخطى غاضبة للنادي الرياضي ومنه اسطبل الخيل يبحث عن غريمه بغضب شديد إلى أن وجده.
استعرت في عينيه النيران وهو يراه يساعدها في ركوب الخيل، يتلمس خصرها ثم يعدل قدميها على السرج.
نار متقدة اشتعلت بداخله خصوصًا وهو يرى جميلة الثقيلة الراكضة تختلس النظرات له. لا لا والأخر لا يبالي. لا ينظر لها كأنه غاضب منها مثلًا.
أما عند جميلة فقد سرت رجفة كبيرة هزت بدنها ما إن لمسها وهو يساعدها، ابتسمت بشعور لذيذ وهي تراه يعدل قدمها على السرج ثم انتبهت منتفضة على أمره:
افردي رجلك جوه السرج.
ما أهو.
قالتها بخوف ورهبة منه. ذلك اللعين كان عليه حضور مهيب. تبا له ولجميع الرجال.
اقترب منها بغضب وأوقف الحصان من لجامه وقال منبهًا:
لا مش مفرود كويس ودي مش أول مرة، أنا أخذت بالي إنك بتعملي كده دايماً وده ممكن في مرة يوقعك وقعه ما تقوميش منها.
ابتسمت بهدوء وهي تستشعر بريق خوف واهتمام منه بل ومراقبة أيضًا. هممم لئيم لا يظهر.
ارتبك من نظراتها وتحرك يساعد فتاة أخرى، ظلت تتحرك بالخيل بهدوء وقد انتابها الحزن وهي تراه يعاملها مثل بقية الأعضاء بلا تمييز كأنه مجبر عليها. نكست رأسها بحزن اكتنفها وفجأة شعرت بيده اقتربت من العدم وعدلت من وضع قدمها على السرج كأنها طفلة تمامًا وهو عينه عليها مهما تصنع التغافل.
فانشق صدرها من الفرحة والسعادة لكن على من؟ أخذت خبرة.
غلفت وجهها ببرود تام وتقدمت بالحصان تتحرك بخفة.
وهو تحرك كي يبدل ثيابه ثم يعود لها كله قلق عليها يراها مستهترة وتلك الحركة مخيفة وقد أصابت الكثير.
في طريقه لتغيير ثيابه الغارقة في العرق أوقفته يد غليظة ما كان بحاجة ليعرف هوية صاحبها.
التف بصمت ينظر له:
أمر.
تاخد كام وتخلع؟
مالك؟
ماشي. هعيدها تاني. تاخد كام خلو رجل وتخلع.
أنا شايف إنك تخلع انت من هنا بدل ما أحزنك على شبابك.
تحزن مين ياض ده أنا أرجل من بلدك.
انت بتقول إيه ياض يابن ال.
بدأ الاشتباك بالأيدي واقترب العم منصور يفصل بينهما بصعوبة إلى أن فلح وتحرك رشيد مغادرًا بغضب يتتبعه صوت شهاب الغاضب بوعيده:
لو رجلك خطت هنا تاني هكسرها لك.
***
دلف لغرفتها يدق الباب بتهذيب جديد عليه، أذنت للطارق بالدخول، فتح الباب وطل من بأدب ثم همس:
ممكن أدخل؟
رفعت عيناها له مستغربة ثم قالت:
من إمتى الأدب ده؟ اتفضل.
دلف باحترام ثم جلس أمامها يقول:
أنا على اتفاقي مع ماهر، بس كنت عايز أقولك حاجة.
مش مهم. أي حاجة هتقولها مش مهم.
حتى لو قلت لك إن الكلام اللي قولته قبل كده قولته بس عشان أغظك؟ حتى لو قلت لك إني عيني عليكي من ساعة ما رجعت بس ما كنتش عارف أجيبها منين ولا إزاي؟
نظرت له بطرف عينها فقال:
طب فاكرة يوم عزومتنا في بيت صلاح أبو العينين، لما أبوكي كان عايز ياخدك في عربيته وكان بيزعق لك عشان الفستان؟ مين أخدك معاه وكان شايفك زي القمر وكنت عمال بحاول أضحك فيكي وأنسيكي اللي اتقال؟ مش أنا؟ أنا فاكر لحد دلوقتي إزاي يومها كنت هتجنن، وما كنتش عايزك تطلعي تغيري الفستان، كان جوايا إحساس إني مش عايز جمالك يبان لحد. فاكرة؟
سرت الفرحة بداخله وهو يرى بداية لين ملامحها دليل على تأثرها بكلماته فابتسم ليقترب منها مرددًا:
دي مش أول ولا آخر ذكرى، في غيرهم كتير وكلهم قريب، فاكرة لما خرجتي من أوضتك بالفستان البمبي اللي كان مفتوح، أنا يومها ما غمضليش جفن، كنت بتقلب في السرير كأني بتقلب على نار.
اهتزت نظراتها من كلماته لكن ما زال الشك وعدم الثقة خصوصًا مع تاريخه المشرف.
وقف من مكانه يكتفي بتلك الأهداف لليوم مقرراً مواصلة إحرازها لحتي يصل في اليوم الذي يحصل فيه على الكأس. على جنا.
ابتعد لحد الباب وقال قبلما يخرج:
خدي وقتك. هتلاقيني مستني إشارة منك.
خرج من عندها وتركها تائهة، هزت رأسها بجنون، كلامه سحرها، احتضنت نفسها في الفراش وهي تهذي:
خدي وقتك هتلاقيني مستني إشارة منك، ده خبرة خبرة. شوف الواد بيتكلم إزاي؟ ومش عايزني أخاف منه؟ ده قلقني أكتر!
***
جلس على الأريكة في غرفته التي كانت تجمعه معها قبلما تغادر وتتركه.
مغمض عينيه بتعب وهم محاوطه من كل الجهات، دق الباب بخفوت فجعد ما بين حاجبيه إلى أن تذكر أنه قد طلب مشروبًا ساخنًا من الخادمة.
أسبل جفنيه بتعب ومدد ذراعيه على مساند الأريكة وقدميه أمامه يرتخي بشموخ لكنه مجهد، أمرها بهدوء أن تدخل ففتح الباب ليقول:
شكرًا. اتفضلي انتي.
لكنها لم تتفضل بل اقتربت منه ووضعت قبلة ساخنة على عنقه مصته ثم بدأت تنزل لباقي نحره ففتح عينيه بصدمة ولم يصدق ما يراه وهمس:
لونا؟
رفعت وجهها، ابتسمت له وجهها مشع وبعينيها نظرة لمعت فيها القوة والتحدي والسيطرة، عضت على شفتيها بإغواء.
اتسعت عيناه بإثارة، لا يصدق، ليس فقط من تواجدها هنا ولا من فعلتها بل كذلك من ما يراه، فهو وكأنه يرى لونا جديدة.
هزت رأسها إيجابًا وفككت عقدة شعرهَا فانساب عليها وعليه في موجات مسترسلة واقتربت من جديد تدفن رأسها بعنقه تغرقه بشعرها وعطرها تقبل رقبته وتعضها.
جذب خصلات شعرها بقبضة واحدة، أبعدها عن عنقه بصعوبة وهو يلهث من شدة تأثره بها وهي وجهها محمر وسألها بأنفاس متلاحقة:
بتعملي إيه يا مجنونة؟
همست ببراءة وبساطة:
جيت لك بنفسي، عشان وحشتني. جيت بمزاجي.
اتسعت عيناه مصدومًا من تصريحها. همس وقد قبض على كل خصلات شعرها:
رجعتي؟
هزت رأسها إيجابًا مبتسمة فسأل:
متأكدة؟
لم تجب بل وضعت قبلة خفيفة على شفتيه ثم ابتعدت لتجيبه لكنه لم يعطيها الفرصة، فهو أشبه بأسد حبيس جائع لأسابيع وقد فتحوا له القفص على فريسته أخيرًا، فانقض عليها يريها ويخبرها ما فعلته بأسد مثله مشتعل لكنه لا يرغب بأنثى ولا يقترب من غيرها.
***
بخطوات تحمل معها النصر دلف لقصر خاله ومن ثم اقتحم غرفة مكتبه دون استئذان.
وقف صلاح يردد بغضب:
انت اتجننت خلاص يا صلاح، إزاي تدخل عليا بالطريقة دي؟
وقف أمامه بصدر منفوخ وجسم مشدود:
جاي أنجدك، الحق كارثة من قبل ما تحصل.
نعم؟
أخرج هاتفه المحمول وفتحه ثم ضغط على أحد الأيقونات ليصدح صوته يحدث أحدهم:
تاخد كام وتسيبها؟
نعم؟
مش هنمثل على بعض، أنا عارف وانت عارف إنها بالنسبة لك سبوبة، صفقة، بت غنية ومن عيلة وعايز تغرف من اللقمة دي، فتعالى نقصر على بعض المسافات والحروب وقولي تاخد كام خلو رجل فيها وتخلع.
حلو يا باشا جبت من الآخر وأنا أعز اللي يجيب من الآخر، ٣ مليون دولار.
كتير.
شوف يا باشا ثروة أبوها لوحده كام.
اتنين ونص من أبو آخر. قولت إيه؟
اتنين ونص ماشي مش هفاصلك الي ييجي منك كله حلو.
اتفقنا؟
اتفقنا.
أغلق الهاتف بأعين لامعة وهو يرى ملامح الصدمة على وجه خاله الذي ارتمى على كرسيه من خلفه بانهزام وودد بشماتة حقيقية:
مش ده البيه عريس الهنا شهاب؟
أنا مش مصدق وداني!
قالها صلاح بتيه يصيب بالشفقة ليقول رشيد:
أدي حقيقته القذرة بيفاصل في جميلة ست البنات زي الطماطم، لا وبعد الفضيحة كمان. واطي بجد. بس ولا يهمك يا خالي، من بكرة هكتب على جميلة وأخدها وأسافر.
ابتسم بحبور وهو يرى علامات الحزن والانكسار على وجه خاله ترحيبًا بإعلان انتصاره بحبيبته.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الأربعون 40 - بقلم سوما العربي
جلس وهو لا يدري شئ عن أي مما يجري ولما اتصل به صلاح أبو العينين بالأساس.
جلسه صامته موترة منذ البداية، صمت تام وسكون عالي، الوضع غير جيد ولا مبشر.
حمحم يجلي صوته ثم تحدث بثبات رغم ما يشعر به:
-خير حضرتك كنت طالبني.
-خير..أكيد خير.
قالها صلاح بأعين يملؤها الضيق والحسرة والحسم كذلك...طريقة إستغربها شهاب وجعد ما بين حاجبيه وقد عاد الصمت ليسود من جديد، تخلله فقط نقرات إصبع صلاح على سطح مكتبه ويرفع عيناه لينظر بأعين شهاب الذي زاد إستغرابه .
الموقف برمته ونظرات صلاح كانت كفيلة لأن تجعل شهاب يسأل نفسه هل هذا الرجل مجنون أم لديه ربع تالف بعقله؟؟
ليعود ويجعد مابين حاجبيه وهو يرى صلاح يخرج ورقه صغيرة من درج مكتبه ويمد يده بها لشهاب:
-أتفضل.
-أيه ده حضرتك؟!
ضحكه مستهزئة صدرت من صلاح لشهاب ثم رد:
-شيك باتنين ونص مليون.
-!!!!
كان در صامت مستنكر ومستغرب من رشيد على كلام صلاح وحديثه جعل صلاح يكمل:
-المبلغ اللي طلبته من رشيد.
رمقه بإشمئزاز وكمل:
-خلو رجل في بنتي، جميلة أبو العينين
-أفندم؟!
-أيه؟! قليلين؟! تحب نزوّدهم؟! هي جميلة تستاهل بردو.
-أنا مش فاهم حاجة؟! ايه الكلام اللي حضرتك بتقوله ده؟!
هز صلاح رأسه بجنون:
-أااه، انت ولد هايل ومستقبلك في التمثيل هيكون رائع على فكره.
-تمثيل؟!!!! لا يافندم انا مش بمثل ومش فاهم حضرتك تقصد إيه اصلا.
-بتكلم عن اتفاقك مع رشيد
-اتفاق ايه انا ما اتفقتش مع حد على حاجه.
أعطاه صلاح نظره ثاقبة مهينة ثم فتح هاتفه ومن ثم أشغل التسجيل الصوتي وكلما استمع شهاب كلما اتسعت عيناه من الصدمه والغضب وهتف:
-ايه الكلام الفارغ ده انا ماقولتش كده.
-هو ده مش صوتك؟!
-صوتي بس انا ماقولتش كده
-والله؟! اممم، تعرف اني دورت وراك وسألت جميلة، طلع انها تعرفك من كام يوم بس وكلام عادي بين يعني فجأة كده خطوبه؟؟ هي المشكله الي حصلت في النادي والناس اتجمعت كانت متدبرة هي كمان ولا ايه؟!
أسبل شهاب جفناه ثم قال:
-هي وصلت لكده كمان؟! طب بص يا صلاح بيه، انا وراجل حر وطالع بدراعي، ومن بيت ناس محترمين وأظن حضرتك سألت عليا وعرفتني كويس، والفلوس الشمال دلوقتي مافيش اسهل منها يعني الممنوعات والتدوال والطرق الشمال كتيره وبتعمل فلوس بسرعه أكيد هيبقى احسن لي كتير من اني اعملها من على قفا بنت.... ماقولتش الكلام ده، واعتبر الخطوبة لاغيه مش انا الي أعمل كده.
وقف ليغادر تحت صمت صلاح التام، لم يحرك ساكناً، لكن قبل بلوغ شهاب الباب ناداه:
-أستنى.
وقف والتف له فقال صلاح:
-مش هتاخد الشيك، عرقك.
كانت إهانة مابعدها إهانة أصابت شهاب في الصميم ، حاول كظم غيظه وقال:
-لولا انك راجل كبير واكبر من والدي كان هيبقى ليا تصرف تاني دلوقتي.
ثم فتح الباب بقوه وخرج بخطوات غاضبة يتشاكل مع شياطينه.
ليفتح باب جانبي من مكتب صلاح وتخرج جميله تقف حزينه صامته فيقول لها والدها:
-سمعتي بنفسك؟!
أسبلت جفناها بحزن بليغ ثم التفت مغادرة دون التفوه بحرف، تتقاذف أمام عينها العفاريت هي الاخرى وسكن حظه جحيم من سيعترض طريقها اليوم أو يحدث أي موظف خطأ في عمله.
لتدلف لمكتبها وتجده مفروش بالورد...لا لا ليس مجازاً بل مفروش بالورود فعلاً، ورد على الأرضيه و ورد على المكتب والكراسي وكل مكان.
صرخت بعلو صوتها على مديرة أعمالها:
-ناريهااااااان
تقدمت فتاة أنيقه في منتصف العمر تردد:
-نعم.
-مين عمل كده؟!
~أنا.
قالها رشيد الذي ذلف للتو يبتسم بنصر عظيم، التفت بعصبيه شديدة وصرخت في وجه ناريهان:
-هو مكتبي بقا وكالة من غير بواب ولا سوق الجمعة؟! اي حد كده يدخل يعمل الي يعمله في أي وقت؟!
صدم رشيد وانخرس وكذلك ناريهان التي حاولت الدفاع عن نفسها:
-بس يافندم...
قاطعتها جميلة:
-انتي موقوفة عن العمل ومتحوله للتحقيق.
-بس..
-مابسش...
حانت منها نظرة مقط شديد لرشيد ثم أكملت وهي تنظر داخل عيناه:
-وقبل أي حاجة تكلمي حد ييجي المكتب ينضفه ويشيل الزبالة دي من هنا.
زبالة؟!!!!! هل عائدة عليه أم على الورد أم على كليهما!!!!!!!!!
__________سوما العربي_________
أستيقظ من نومه والنشوه تتغلل كل خلايا جسده لدرجة أنه يشعر بها في أطراف أصابع قدمه.
فتح عيناه وهو يحس بشعر كثيف يغطي صدره، إبتسم بإنتشاء وهو يرى جسدها العاري نائم على جسده غارقه في ثبات عميق.
رفع يداه ولملم خصلاتها الكثيفه المنثوره على صدره تغطيه فظهر له وجهها المرهق، ومرت عيناه على جذها الغض العاري المستور ثلاثة أرباعه بشرشف السرير، مرر يره على جلد جسمها يتحسسها بفخر، كأنها كانت حرب ضاريه وهو ربحها....إنتهى العناء وانتهت الرحله والتي كان الكنز في نهاياتها نيل لونا ونيل رضاها.
ظل على وضعه ينظر لها فقط وكأنه لا يريد من الدنيا أكثر من ذلك، ولم يرغب في قلق نومها وهو يعرف لقد أرهقها ليلاً لكن رنين هاتفه كان له رأي مخالف.
تململت بإنزعاج إثر صوت هاتفه المتكرر وهو يغلقه كي لا تستيقظ وبالنهايه فعل وضع الصامت.
لكنها كانت قد أستيقظت وحدث ما حدث، فتحت عيناها ونظرت له كأنها مستغرب، رمشت بأهدابها....إنها تستوعب.
ضم شفتيه يتحكم في ضحكته، تطلعت له بإستفهام مزهول ثم سألت:
-أنا فين؟!
ملس على شعرها مجاوباً:
-في سريري.
-ايه؟!
-اه.
-ومش حاسه بلبسي ليه؟!
-عشان انتي من غير هدوم .
-خالص؟!!
-خالص.
انتفضت لتعدل في الفراش ولم تراعي كونها عاريه، شهقت عالياً وهي تلاحظ تزحزح عيناه على مفاتنها التي ظهرت وقد شعرت بلفحة هواء لسعتها وذكرتها بأنها غير مستورة.
قهقه عالياً بتلذذ وإستمتاع على أفعالها وقد زاد وهو يراها تتراجع متكئة على ظهر السرير تلملم ملائة السرير حول نهديها وتحاول فقط أن تستوعب.
مال يقترب منها، همس في أذنها:
-على فكرة أنا ممكن أصلح غلطتي واتجوزك.
رفعت عيناها له فرأى نظرة مشتعلة دفعته لأن يقهقه من جديد ثم ردد بغرور:
-على فكرة أنتي الي جيتي لي.
-أنا؟!
-أممم وأغرتيني وفضلتي تبوسيني كتير، ولبستي ال...
-بس ماتكملش...
قاطعته بتحذير وشعور بالعار ليردد:
-أقتكرتي؟! طب على فكرة انتي قولتي لي يا بيبي؟!
-انت؟؟
-اه...ماشبهش مثلاً؟!
نظرت له شذراً وهي تتمتم(ماهر وبيبي!!)
لطم خدها برفق:
-سمعتك، سمعتك .
نظرت له بأعين قطه وكأنها بريئة ليقترب منها بحميمة أزيد ويردد:
-أنا مابحبش العب ببنات الناس وهصلح غلطتي...أمري لله، هكتب عليكي.
لم تجيب عليه فسألها:
-بت..فوقي بقا، انتي صحيح ناسية الي حصل بينا؟!
ردت بإندفاع وعصبية:
-أيوه، أنا اصلا واخده منك موقف وموقف كبير كمان، أكيد في حاجة غلط ولا يمكن هرونات.
-هرمونات؟!!!
أفضل لحظات حياته كانت هرمونات؟ هل يقتلها أم لا كي لا يعدم:
-انا ممكن أقتلك وأتاويكي فمش هتحبس أنا قادر وفاجر وأعملها . المشكلة هتبقى في أني ممكن ماعرفش أعيش من غيرك،
-تعمل فيا انا كده يا ماهر؟!
هز رأسه بجنون، مد يده على عنقها:
-لااا ما انا مش هسيبك تجننيني.
اهتزت عيناه، قربها منه لبكه وأشعل النيران بجسده فهمس:
-انتي جننتيني، جننتي ماهر خلاص يا لونا.
نظرت مباشرة لعيناه، حركة جديدة تعلمتها حتى أتقنتها، نظره بطريقة معينه ولمعه معينه مع عضها لشفتها السفليه برفق و...تمت المهمة بنجاح، فقد الرجل أعصابه.
أختطفها بين ذراعيه يقتنص قبله عنيفة تنم عن قلة حيلته أمامها حتى لو نجح في التظاهر بالعكس.
كانت هي من ابتعدت عنه وليس هو، رغم قبضته عليها الا انها حررت نفسها بنعومه وليونه من بين يديه وشفتيه كأنها تتمنع وهي راغبة فلم تثير غضبه....كان يتابعها بصمت، معجب ومغروم، ولا يقدر على الصد والرد، كل ما يجول بخاطره جمله واحده (لونا باتت خطيرة)
تعالى رنين هاتفه فضمها له عنوة والتف يجذب الهاتف، أبصر هوية المتصل ولم يبالي، بل أغلقه فقالت:
-ماردتش ليه مايمكن شغل.
-لا ماهو شغل بس انا مش عايز اعمل اي شغل النهارده ، النهارده أجازه.
-انت تعبان؟!
-قوووي، ومحتاج الحته بتاعتي تدلعني...دلعيني.
رفرفت بأهدابها:
-أدلعك ازاي؟!
-عيدي لي الي حصل إمبارح.
رمقها بمجون وشغف:
-كنتي تجنني.
-بسسس.
-أيه بقاا، ده أنا ما صدقت ترضي عني...هاخد أجازه وأقعدلك دلعيني.
-لا طبعاً، انت تقدر تاخد أجازة انت صاحب الشغل لكن انا لسه بادية شغل جديد وعايرني أثبت نفسي وأسمي فيه.
و وثبت من فوق السرير فجأة تلف مفرشه حول جسدها الرائع فجعلت ماهر يجن جنونه:
-لونا تعالي هنا ماتهزريش.
-تؤ يا ماهر
قالتها بدلال لا يصلح الرد عليه بعنف، لونا بدأت تتعرف على أصلحتها وتتقن إستخدامها.
دلفت للمرحاض تغلقه وهو مازال على الفراش يتميم بجنون:
-تؤ؟؟ تؤ ازاي يعني؟! وانت ايه هتسكت يا سيد الرجالة؟!
صمت يعض شفتيه ويردد:
-بس حد يزعل الملبن دي؟! وبعدين بتقولي تؤ يا ماهر... هزعلها ازاي؟!
______سوما العربي_______
في الغرفة المجاورة كانت چنا تفترش السرير كله، تفترشه بالأربع أطراف، أقترب منها يراقبها بغيظ شديد،يتنهد .
نعم بالطبع يحق لها فهو قد مثل جيداً لدور الشهم وترك لها الغرفه، والمقتريه لم تبالي، لا بل ونامت هانئة مبرطعه في الفراش .
اقترب يجلس بجوارها، أبتسم رغماً عنه،رغم أنها كبرت ورغم أنها أمست زوجة له إلا انه لازال يراها تلك الطفلة الصغيرة التي تظهر بملامح مريحه وبريئة لكن مخها ذري وأفعالها تصيب بالجنون.
زادت إبتسامته وهو يرفع شعرها من على غرتها يزيحها فظهرت له تلك النبدبة الصغيرة وقد ذكرته بما حدث ذلك اليوم.
على مايبدو أنها شعرت بأنفاس أحدهم معها بالغرفة مما أقلق نومها وجعلها تفتح عيناها.
نظرت له مستغربه من وجوده جلوسه مقرب منها هكذا، حاولت التحدث تسأل بإستغراب:
-رشيد؟! ايه الي مقعدك كده؟!
-الناس بتصحى الصبح تقول صباح الخير.
تثائبت بخمول ثم رددت:
-صباح الخير.
-صباح الخير عند المتجوزين مش بتتقال كده يا چنا.
هزت رأسها كأنها تردد(صبحنا على الصبح بقا أهو) ثم رددت:
-المتجوزين أاااه...طب المتجوزين بقا يا كمال.
-واحنا ايه؟
-متجوزين...بقولك.
-اتفضلي.
-هستلم نصيبي أمتى؟!
-مش عارف...مستعجله على ايه؟!
-نفسي آفتح البراند بتاعي بقا..اهو أبقى إستفادت
لاحظت نظره المسلط على غرتها فقالت:
-في ايه؟!
-التعويرة بتاعت زمان لسه سايبه علامة..فاكره اليوم ده والبت اللي في جرايد ثري الي ضايقتك، وانتي ضربتيها وجيتي تجري عليا وانا اتخانقت مع اخوها و ولاد عمها، كنت هترفد بسببك خلي بالك.
ابتسمت بحنين على تلك الأيام وردت:
-كانت أيام حلوة والله
-كنتي بتعملي كل مصيبة وتيجي تجري عليا انا وكنتي تقلقي تقولي لماهر.
ضحكت :
-كنت عيلة.
-وآهي العيله الصغيرة كبرت وبقت مراتي خلاص.
-يا كمال....
كانت ستتحدث معترضه لكنه قاطعها هامساً:
-جربي تسيبي نفسك، أدي لمشاعرك فرصه، أنا وانتي نستحقها.
صمتت مفكرة فانتهز الفرصه واقترب منها يقبلها بهدوء وتلذذ، كانت كالجنه والنار، الحر والبرد، العذب والمالح...كانت چنا التي كبرت فأبهرته.
قبلها بنعومه وتلدذ يلتقط شفتيها بهدوء...هدوء شديد لا يصدق....إنها أول قبلة له مع جنا، يدرك انه الأن يحظى بقبلتها الأولى.....
وأخيراً أبتعد عنها متلذد،مستمتع ومنتصر،وفجأة ضربته كف عالي عالي عالي ثم بدأت في الصراخ، حاول إسكاتها:
-بس يا مجنونة...يا مجمونة بتعملي ايه؟!
-بعمل الي انت وماهو معلمينهولي...مش انتو قولتلوا لي الي يقرب لك اضرييه وصوتي واحنا هنييجي نكمل عليه.
-دول الغرب مش جوزك يا مجنونة.
كانت قد قذفت من فوق الفراش وهو يحدثها وينظر لها بجنون.
هزت رأسها وفرت تدلف للمرحاض تغلقه عليها من الداخل وهي مصدومة تحاول أن تستوعب، تملس بأناملها على شفتيها وهو كذلك على الفراش لكنه يبتسم بفرحه شديدة.
_________سوما العربي________
جلست بإتكاء على مكتبها الجديد في مكتب يجلس فيه أربعه غيرها مقسمه المكاتب بينهم بزوايا، الكل يعمل مندمج وهي تعمل لكنها بين الفينه والأخرى تضحك كلما تذكرت ما فعلته ليلاً وأنكرته صباحاً ثم تركها له وه. مصدوم.
كانت تجربه ناجحه، وسارت الأمور كما تريد هي وليس فقما يريد هو.
ضحكه أخرى جديدة وهي تتذكر شكله حينما أبصرها بتلك الملابس التي أعتمدتها للخروج، لقد حذرها مراراً ومنعها من إرتداء اللون الأبيض أثناء الخروج فهي فيه تصبح بديعة، جبارة.
انتفضت مصدومة على صوت كف يد ضرب بحده وقسوة مكتبها مع صوت أنثوي يردد:
-احنا بنشتغل ولا مشغلين مسرح مصر؟!
وقفت مصدومه ومتفاجئة خصوصا وهي ترى فتاه قد تكون من نفس عمرها أو قريبة منها بالسن، تربع يديها حول صدرها وتحدثها بتعالي.
ولم تستطع لونا الصمود أو التحمل بل حدثتها بنفس طريقتها وكأنها تعلمت وأقسمت ألا تمرر الإهانه:
-مين أنتي اصلا وبتاع ايه انك تكلميني كده.
صوت لونا كان عالي، صارم وحاد أصاب من تقف أمامها بالصدمه والتحفز الأزيد مع الغضب الشديد.
هرول عليهم مدير الموارد البشرية يعتذر:
-احنا أسفين، بنعتذر جداً يارؤى هانم…وانتي أعتذري.
قالها بحسم وهو ينظر للونا فصرخت فيه:
-انتي؟!!! انت شكلك إتجننت؟! انت ازاي تملكني كده؟!
-البنت دي تتحول للتحقيق انا هوريكي النجوم في عز الضهر وأعرفك مقامك كويس.
صرخاتها كانت عاليه أخرجت كل الموظفين من مكاتبهم وكذلك صاحب الشركة نفسه والكل اقترب يتفرج يسمعها ترد بقوة مماثلة:
-احترمي نفسك، واتكلمي على أدك يا شاطرة.
- أيه؟!! يا نهار أبيض…يانهار مش فايت!!! ايه!!! ايه.
كانت تلك همهمات الموظفين من حولهم وهي تقف ثابته، فتقدم مدير الموارد البشرية يردد بغلظة:
-أنتي أتجننتي؟!! انتي مش عارفة بتكلمي مين؟!! دي رؤى هانم الكيلاني صاحبت الشركة.
-أي ان كان تحترم نفسها.
# في ايه؟! وايه الي بيحصل هنا بالظبط.
قالها رجل عريض المنكبين أبيض البشرة وشعرها أشقر، كان يشبه تلك الرؤى لحد كبير، صمت ثم أشار عليها:
-مين البنت دي؟!
-دي موظفه جديدة؟!
-كمان؟! اتفضلي أعتذري.
-مش هعتذر ويحصل الي يحصل، شركتكم عندكم اهي أشبعوا بيها.
قالتها وتحركت تلتقط حقيبتها ثم فرت مغادرة، تحوكت رؤى كي تتحرك خلفها فأوقفها شقيقها لتصرخ فيه:
-انت هتسيبها تمشي يا محمد؟! دي هزقتني.
-هجيبها؟! صدقيني هجيبها وهخليها تعتذرلك ورجليها فوق رقبتها، لكن مش هسيبك تجري ورا كلبه زي دي! انتي رؤى هانم
ازاحت شعرها بغضب وتحركت تذهب لمكتبها بينما نظر محمد لمدير الموارد وقال:
-عشر دقايق وتبقى كل بياناتها على مكتبي، سامع؟!
-حاضر…حاضر يا باشا.
خرجت من عنده ولم تفكر كثيراً، بل ذهبت لعنده، كأنه بات منقذ ومحتوي كل بلاويها دون إعتراف صريح منها.
فتحت باب مكتبه تقتحمه، هي الوحيده التي تفعلها لكنها وجدت المكتب فارغ منه.
نظرت خلفها ولم تجد مديرة أعماله لتسألها عنه، تقدمت للداخل تهاتفه لكن هاتفه مغلق.
ارتمت على الأريكة وجلست بإرتياح تنتظره، ربما هنا أو هنا وسيعود.
ومرت ربع ساعه وأخرى، تراجع ماحدث لتحكيه له، راجعته أكثر من مره وبكل مرة تقف عند نفس السؤال، كيف ردت عليهم بكل تلك القوه والتجبر والندية.
أسبلت جفناها وقد حانت منها إبتسامة خفيفة تدرك أنها باتت متكئة على ماهر، مستقوية بوجوه ونفوذه وعلى حسه فعلت ما فعلت، ربما بل أكيد بدونه ما كانت لتتخذ نفس رد الفعل ولو جلست تنضرب عليه سنوات.
إبتسامة رضا كبيرة تشكلت على شفتيها وزادت من إتكائها على الأريكه لدرجة تشبه التمدد إستعدادا للنوم.
وبينما هي كذلك فتح الباب ودلفت مديرة مكتب ماهو بإستغراب:
-مدام لونا؟!
اعتدلت لونا جالسه وسألتها:
-هو ماهر فين يا دينا؟!
-مش عارفة انا لاقيته خارج من مكتبه بسرعه وقالي الغي كل مواعيدة ومن ساعتها فونه مغلق .
زارها القلق عليه لأول مرة وحاولت الإتصال من جديد لكن نالت نفس النتيجة الهاتف مغلق فازاد قلقها وتضاعف.
_______سوما العربي_______
نزلت من عملها متجهه لسيارتها وأسبلت جفناها بغضب شديد حاولت كظمه، انه كالعلقه الأمريكاني ملتصق طوال العمر.
ضغطت على الريموت كنترول فأصدرت السيارة صوت عالي لكنه بارد لم يبالي ولم يتحرك:
-أوعى من على عربيتي.
-مش قبل ما نتكلم.
-مافيش كلام بينا، أوعى من على عربيتي.
-هتسلمي أمتي بقا؟!!
-أسلم لأيه؟!!!
-إنك بتاعتي، حتى لو غلطت زمان وسيبت حاجة بتاعتي فأنا راجع دلوقتي أصلح الغلط ده.
-هعمل نفسي ماسمعتش ولأخر مره هقولك ابعد عن العربية خليني أمشي بدل ما أنادي الأمن يشيلوك وهيبقى منظرك زفت بعد كده.
صرخت فيه فتحرك بعصبيه:
-انتي بتاعتي يا جميلة، ماحدش يستحقك غيري، والي هيفكر ياخدك مني هموته.
صعدت سيارته العالية وأغلقت الباب بقوه ثم فتحت النافذة وطلت منها تردد:
-روح ربي ابنك وشوف مراتك الي طفشتها يارشيد.
أشعلت السيارة لتتحرك، صرخ بجنون:
-انتي رايحه فين؟! أنا لسه بكلمك.
-وانا كلامي خلص، وعندي معاد مع شهاب.
-شهاب الي باعك ب…
قاطعته تكمل هي بتلكئ متعمده إصابته بالجلطه:
-باتنين مليون ونص، عرفت…اقولك انا بقا الكبيره، انا سحبت الفلوس وهاخدها واروح اديهومله واطلب منه يتجوزني، أصّله عاجبني قوي كراجل وداخل مزاجي وانت عارف بقا يارشيد راجل عن راجل بتفرق.
إستشاط غضباً حتى احمرت أذناه، إبتسمت بتشفي وظفر فقد وصلت الرسالة وبسرعه تحركت من مكانها.
________سوما العربي_________
عادت لمنزلها وقد حل المساء ومرت ساعات طوال وللأن لم يجيب على إتصالاتها وهاتفه مغلق.
أعطت والدها دواءه وأطمئنت عليه وجلست لجواره تسأله:
-عامل ايه النهارده يا بابا؟!
-الحمدلله. أحسن.
-انت أكيد زعلان مني عشان بسيبك وقت كتير لوحدك و…
قاطعها يهز رأسه ثم صرح:
-لا اخرجي، اجرجي شوفي الدنيا واشتغلي عايزك بت مخربشه.
-مخربشه؟! ههههه ده احنا خفينا ورجعنا عال العال أهو.
ضحك كذلك فسألته:
-الممرضه مريحاك ولا تحب أغيرها.
-لا لا بنت هاديه ونضيفه لا كويسه سبيها.
-حاضر يا حبيبي.
تعالى رنين هاتفها نظرت له لترى إسمه منور الشاشه فتحت الهاتف بلهفه وقد وثبت واقفة تسأل:
-إنت فين يا ماهر وسيبت شغلك ولاغيت مواعيدك وكمان تليفونك مغلق من الصبح انا اتصلت بيك كتير قووي.
تقسم انها سمعت صوت ضحكته وفرحته عبر الهاتف وهو يرد عليها بسعاده:
-ماتقلقيش يا حبيبي انا كويس .
-كويس؟! أمال ليه مشيت من الشغل واختفيت كده؟!
-مش مهم قوي، حظي حلو عشان احس لهفتك وخوفك عليا.
-يوووه، أااانا مش خايفه على حد، أنت فين.
قهقه ضاحكاً ثم ردد:
-واضح يا روحي، أنا سافرت لندن .
-أيه؟!!! لندن؟!!
تبسم بفرحه شديدة ثم ردد:
-ماتقلقيش حاجز طيارة الفجر يعني هتصحي الصبح تلاقيني عندك، ماتخافيش بقا يا حبيبي انا كويس ولما أرجع هتعرفي انا مشيت ليه فجأة كده، بس سبيني دلوقتي اقفل عشان في إجراءات كتير لازم تخلص….
-ماشي…تيجي بالسلامة….خلي بالك من نفسك.
-حاضر يا روحي وانتي كمان خلي بالك من نفسك عشاني.
-حاضر.
ثم أغلقت الهاتف وبقت شاردة
-أد كده بتحبيه؟!!!
التفت بصدمة على صوت والدها الذي كان يستمع ويتابع كل ما قيل، سؤاله كان مواجهة مباشرة لها مع نفسها لم تسبق ان فعلتها.
________سوما العربي_______
تقدمت وهي تراه يضع طعام الأحصنه بنفسه، يتحرك بغيظ ويفرغ الطعام بغيظ، كان يخرج غيظه وغضبه في صورة طاقه.
-أزيك يا شهاب؟!
توقف عن وضع الطعام ونظر لها يسألها:
-ايه الي جابك؟! جايه وجايبه معاكي الفلوس؟! بس انا عايز تلات مليون متأستكين .
نظرت له بصمت وضيق ثم سألت:
-أنا عارفه انك ماقولتش كده.
-والله؟! كتر خير الدنيا والله
تغاضت عن سخريته النابعه من غضبه فقد اتهم بأبشع التهم للتو:
-ما دافعتش عن نفسك ليه؟!
القى كيس الطعام بغضب وصرخ:
-أدافع ايه؟!!! أبوكي مصدق ومطلع لي شيك بالمبلغ.
-بس؟!! ولا عشان أنا مش لازماك قوي يعني؟
حاولت التحكم في دموعها ، رفعت رأسها تستدعي كبرياء مكسور لأكثر من مره وسألت:
-يعني انا ماستاهلش تعافر عشاني شوية يا شهاب؟!
تراجع في غضبه، على ما يبدو أنه وهو في ذروة غضبه نسى شئ ما…جميلة، هل سيتركها وانتهت القصه لهنا؟!
التفت تغادر تشعر بالخسارة من جديد، ركض وراءها يحاول إيقافها:
-جميلة،جميلة إستني.
كانت أول مره يناديها بإسمها في مناسبه غير جيدة .
وقفت أمامه فقال:
-أنا.. ماكنتش اعرف انك واثقه فيا كده! فكرتك صدقتي! كنت هحارب نفسي!
-على الاقل كنت إثبت لي انا.
-كلامهم وجعني قوي يا جميلة.
رغم شعورها ببعض الشفقه عليه الا انها قالت:
-لا سلامتك…عموماً كل شيء قسمه ونصيب، انت خسرت و رشيد فاز، هروح له يكتب الكتاب زي ما طلب ، أهو شاريني وحارب وعمل خطط عشاني.
همت لتتحرك، لكنه لزم يدها بذراعه:
-تتجوزي مين؟! انتي انجننتي؟!
-أوعى سيب أيدي.
-مش هسيب، أنتي شكلك بت متدلعه وعايزة الي يشد عليكي.
-أوعى يا شهاب.
سحبها لغرفة تغيير الملابس وادخلها عنوة ثم أغلق الباب عليها، صرخت برعب:
-أفتح يا شهاب انت أتجننت؟
-مش هفتح، انتي عيله عنيده وانا مش عايز جنان، هتقعدي عندك زي الشاطرة ومت غير صوات ولا صياح لحد ما ارجع لك ومعايا حاجة تبرأني قدام أبوكي.
صرخت محتجة وكأنها عادت طفله:
-ده تسجيل بصوتك.
-متركب.
-إثبت.
-مانا عايزك تسكتي شويه وتسبيني عشان أروح أجيب حاجه تثبت…أسكتي شوية انتي أيه دودودودودودوو مابتفصليش.
-هييييي، قصدك اني رغايه؟!!!على فكرة أنا مش رغايه انا مش محتاجة إني أكون رغايه، أنا اصغر بيزنس ومن في مصر كلها وب…
-أصووووت ، بقولك أسكتي بدل ماتفضلي محبوسه للبكره.
-حاضر…جتك القرف.
-انا عارف ايه الي بلاني بيكي؟!!!
قالها قم غادر يبحث عن حل يدعو ان يتوفق فيه
________سوما العربي________
في قصر طويل عريض يفوق طوله وعرضه قصر الوراقين وأبو العينين دلفت رؤى بخطى متسعه تجلس أمام أخيها تردد:
-نعم
-ينفع الي عملتيه النهاردة ده؟! تخلي بت مالهاش لازمه تاخد مجال انها تهزقك؟! في الحالات الي زي ده بتدي الأمر بالرفد وتمشي مش تقفي تهزي هيبتك؟! ياريت تكوني اتعلمتي من غلطتك وهي اترفدت خلاص.
هزت رأسها وقالت بتصميم غريب فجأة :
-بس لأ يا محمد، البنت دي هترجع شغلها من بكره؟
-نععم؟! ترجع بعد ما هزأت أختي؟ أخت محمد محمد كيلاني؟!! انتي أكيد جرى لعقلك حاجة.
-هترجع يا محمد ولو وصلت اني انا رؤى محمد كيلاني اروح واعتذر لها هعمل كده.
صدم محمد كلياً و وقف يهب فيها:
-لااا ده انتي شكلك أتجننتي خالص…حتت بت زي دي هتعمل كده ونسكت لها ماتولع بجاز وسخ انتي انهبلتي ولا ايه يا رؤى؟!!!!
-ممكن تقعد وتهدى وتسمعني.
-مش قاعد.
-أقعد يا محمد.
جلس محمد بنفاذ صبر فسألته:
-انت عرفت مين البت دي؟!
-مدير الHRجاب لي الملف بتاعتها حتت بت اسمها لونا عندها ٢٣ سنه ومش معاها غير الثانويه حسنتها الوحيده انها موهوبه وألوانها مطرقعة بس عادي احنا في مصر يعني الموهوبين كتير.
-لا يبقى أنا أشطر منك بقا أو يمكن عشان حطيت البت دي في دماغي، البت دي تبقى حفيدة محمد الوراقي.
-أوووف…ماتفكرنيش بالعيلة دي.
-البت دي لا هي بنت فاخر ولا بنت عزام.
استوى محمد في جلسته بانتباه:
-أمال بنت مين؟!!
-بنت رحيل؟!!!
أظلمت عينا محمد بينما أكملت رؤى حديثها نيران الحقد تشتعل داخلها:
-بنت رحيل الي بسببها أبوك كسر أمك وعاشت حياتها كلها مريضه بتتعالج، بنت رحيل الي جننت أبويا ومررت عيشت أمي وخلتني أنا وأنت نتحرم من طفوله سعيدة تناسب سننا.
صمت محمد لكن صمته كان عاصف غاضب وكملت رؤى بتصميم:
-من بكره البنت دي هترجع الشغل عندنا يا محمد، سامع؟!
يتبع
أنا بدعوكم جيمعاً للبدء في قراءة رواية شط بحر الهوى هي ليها جزئين كاملين ٦٣ حلقه وعلى ماتخلصوهم هكون بدأت انزل اخر جزء عشان نكمله مع بعض، شط بحر الهوى رواية جميلة جداً وتستاهل القراءة.
وأخيراً ياريت ترفعوا تفاعل الحلقه لان الحلقتين الي فاتوا كانوا وحشين خالص ومع ذلك لسه بننزل ومش بهدد زي الباقي ولا حاجة بل مستمرة بانتظام رغم اني تعبانه
وشكراً مقدماً 🙏🥰