تحميل رواية «سيطرة ناعمة» PDF
بقلم سوما العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
آه، كنتِ وحشاني بشكل. بكراهم. همست لونا بقهر قبلما يقهقه عاليا بينما يجذبها لأحضانه المتعرقة العارية وجسده يهتز من شدة جلجلة ضحكاته. مسح جبينها المتعرق إثر فعلته ثم أكمل: وأنا كمان بكرهك يا روحي. حاولت التملص من بين أحضانه لتخرج منها وتبتعد عنه. فهمس: إثبتي بقى، لسه فيكي حيل. فقالت بغضب مكبوت: سيبني. تحولت ملامح وجهه على الفور للضيق والتجهم. فحررها من بين ذراعيه كما أرادت لتلتف بسرعة وكأنها تبتعد عن ملقف للقمامة تستعد للذهاب للمرحاض. فقال: رايحة فين؟ وقفت توليه ظهرها ولم تجب. فقال: رايحة تستحمي...
رواية سيطرة ناعمة الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سوما العربي
كانت تجلس في بيت والدها بجواره على السرير حتى غفى تماماً وهي كادت أن تغفي لجواره.
وما كادت أن تغلق عينيها حتى وردها اتصال فألح ملح جداً.
فتحت عيناها وتناولت الهاتف تضعه على أذنيها تردد بصوت خامل:
- ألو.
- إيه ياحبيبي انت فين؟
وصلها صوته القلق فردت:
- أنا في البيت.
- حبيبي في البيت يبقى عندي، قولت هرجع ألاقيكي! ينفع كده؟
أيقظها حديثه واعتدلت في الفراش تسأل:
- انت رجعت البيت؟
- لا بس قولت أتصل أعرفك إني وصلت وكنت متأكد إنك مش البيت، واللي حسبته لاقيته.
صمتت ولم ترد فكمل:
- اجهزي عشان هعدي عليكي.
- سيبني هنا النهاردة.
- حبيبي مش هينفع، لازم تبقي معايا وبعدين مش عايزك تعرفي أنا كنت فين وبعمل إيه؟ مش بتغيري عليا ولا إيه؟
- أغير؟! هو انت كنت مع حد يا ماهر؟
ابتسم لمن بجواره وضمها يردد متلاعباً:
- ليه قولتي كده؟
على ما يبدو قد أعجبته اللعبة، هو شخص متلاعب وهي شخصية مباشرة.
لم تتحمل تلاعبه وهتفت بحدية:
- هو انت هترد على السؤال بسؤال؟
- عشر دقايق والاقيكي لبستي ومستنياه أنا قربت من بيتك.
ثم أغلق الهاتف فجأة ولم يعطيها فرصة للرد.
مرت الدقائق وهي كانت على الموعد، باتت تنتظر.
ابتسم بسعادة وهو يراها من سيارته تنظر من الشرفة منتظرة، تراقب حضوره.
شعور غريب سيطر عليه ما بين الهيمنة والشوق، أنه أخيراً قد نالها.
لونا التي حيرته، أتعتبته، وجعلته يركض خلفها ركضاً، أمست تنتظره تتفقد الطريق بقلق وكأنها تسأل: لما تأخر؟ من معه؟ أنا اشتقت له.
لكنه لم يقف ليتشفى لنفسه، وإنما ترجل من سيارته ونزل منها مبتسماً، لازال يتذكر صوتها وهي تهاتفه بقلق شديد وعتاب واضح.
وقتها طار قلبه من السعادة وتمنى لو كانت أمامه وبين يديه بلحظتها، ولم يحدث لكن الآن حدث.
فتحت له الباب كي لا يدقه ويستيقظ والدها، باغتها بأخذها بقوة بين أحضانه يستدفئ بها وسيطر عليها حين غرس أصابع يداه في جذور شعرها يثبتها ويقبلها بشراهة وعنف، شراهة رجل نال الفوز من بعد العذاب.
تقدم للداخل وهي تتلوى بين ذراعيه من فرط شراهة قبلته وتطلبها واحتياجها، ماهر لم يكن يقبلها فحسب بل كان يلتهم هديته.
فصلت شفتيها من بين شفتيه بصعوبة شديدة ونظرت له بصمت مخضرم بالمشاعر المتباينة بين الشوق والرفض.
ابتسم وهو يرى غمامة التيه في عينيها، لا بأس ولا شماتة، فهي الأخرى قد توهته مذ رآها.
همس بصوت يفتت الحجر:
- وحشتك؟
واتبعها بقبلة تتحدى ثبات الجبال حين طبعها على مقدمة عنقها هامساً.
لم تجب بصوتها، بل إن صوت تنهداتها وصعود صدرها وهبوطه أعطوه الإجابة.
رفع رأسه عن عنقها ونظر على وجهها المفعم بالمشاعر ليقول:
- انتي كمان وحشتيني قوي يا روحي، بعد كده مش هروح مكان تاني من غيرك.
- انت كنت فين؟
- مش وقته، لازم نتحرك على البيت بسرعة.
- بس بابا!
- مش الممرضة هنا؟ وهو نايم أصلاً، يالا ياروحي.
هزت رأسها بطواعية تذيقه طعم النصر وتقدمت تخرج معه متجاوبة وراضية.
وقفت أمام السيارة مستغربة تغييرها فسألت:
- انت غيرت عربيتك يا ماهر؟
ابتسم مجاوباً:
- لا دي المرة دي بس عشان تكفي.
- تكفي إيه؟
قالتها مستغربة تحول نوع السيارة إلى أخرى عالية أكثر وتتحمل عددًا أعلى.
فتح الباب لتفطن السبب وقد اتسعت عيناها وهي ترى والدته ممدة على أريكة السيارة المفرودة ويبدو أنها غارقة في ثبات عميق بفعل منوم أو ما شابه.
التفت تنظر له بصدمة:
- انت رجعت مامتك؟
- شوفتي.
- إزاي؟
- شكلك لسه ماتعرفيش جوزك، مافيش حاجة بعيدة عن إيدين ماهر.
تغلغل حديثه لأذنها ومن ثم روحها، كانت مصدقة على كلماته وقد جربت بنفسها.
بلا أي حرف تقدمت لتجلس في السيارة بهدوء وشرود وكل ما يسيطر على تفكيرها أنه قد أعاد والدته وحررها من وضع لا تريده.
كان يقود وهو مجعد ما بين حاجبيه، مستغرب تحولها، فاللتي تجلس لجواره الآن شاردة مخالفة تمامًا لمن كانت حدثته بقلق في الهاتف ووقفت بشوق تنتظره في الشرفة.
ولم يفهم للآن ماذا بها، لكنه لم يستطع الصمت، تناول يدها برومانسية شديدة يقبلها ثم سأل:
- حبيبي سرحان في إيه كده؟
- عرفت ترجع مامتك إزاي؟
- دي قصة طويلة جداً وحكيها مرة واحدة عشان أكيد جنا وكمال هيقعدوا يسألوا بردو.
هزت رأسها بعيون مهزوزة وشعور غريب قد اجتاحها.
وصلوا للبيت مع أول خيوط النهار، وكان بإنتظاره زوج من الممرضات الجدد وكمال وجنا التي هرولت على الدرج تردد بدموع:
- ماما... أخيراً رجعتي وحشت..
قاطعها ماهر يمنعها بهدوء:
- شششش وطي صوتك يا جنا وسبيها نايمة.
- هي مش بترد ليه؟
- واخدة منوم عشان الطريق كان طويل وهيتعبها.. تعالي نساعدها تطلع لسريرها وأوضتها تاني واقفي مع الممرضات وهما بيغيرولها، أنا جبت اتنين جداد بدل القديمة اللي بعتناها لبابا.
- حاضر حاضر.
بعد مرور نصف ساعة كان كمال يجلس أمام ماهر الصامت تماماً يضع صدغه على كفة مهموم قليلاً يتذكر ما حدث وكيف حدث وكيف كانت حالة والدته حين ذهب لعندها.
وانتهى على صوت كمال:
- في إيه يا ماهر؟ مش رجعت مامتك! قاعد حاطت إيدك على خدك ومهموم كده ليه؟
رفع ماهر رأسه وزفر أنفاسه بثقل شديد ثم ردد:
- أصلك ماشفتش شكلها لما روحت لها، كانت زي المحبوسة في قفص، كانت حزينة وعاجزة حتى وشها دبلان والممرضة قالت إنها قاطعة الأكل.
صمت قليلاً يطبق عينيه بتعب ثم ردد:
- على فكرة أبويا بيحبها، بيحبها قوي وأنا عارف يمكن هي عارفة بس ماكنتش عايزة تقعد معاه، انت متخيل؟!! لدرجة إنها كان عندها عملية قريب لو نجحت هتخليها تقدر تحرك أطرافها من جديد بس هي رفضت، رفضت حريتها وإنها ماتبقاش عاجزة نظير إنها ماتفضلش معاه!!! أنا ماكنتش متخيل إن الوضع واصل لكده.
صمت يهز قدميه ويردد:
- وعارف إنه هيهد الدنيا عشان يوصلها تاني وياخدها عنده.
- وهتعمل إيه؟
- مافيش غير حل واحد.
اتسعت عينا كمال وردد:
- لأ!!؟
- لو ماكنش جوزها وهي لسه مراته وماكنش قدر يطلعها بمنتهى البساطة كده من المطار.
قالها بعزم جعلت كمال ينظر له نظرة مغايرة كلها أسئلة فقال ماهر:
- ماتبصليش كده، أنا مش عندي أغلى من أمي واللي هي عايزاه هعمله.
- غريبة، ترضى حد يعمل كده ويساعد لونا إنها تبعد عنك.
عاد برأسه يرتتمي للخلف، ما أساساً ذاك هو سبب عناء تفكيره، منذ أمس وهو يشعر بتبدل الأشخاص في المواقف، هو مكان والده ولونا بموضع أمه... المقارنة لم تبرح عقله ولم ترحمه.
لكنه عاد يرفع عينيه في كمال وردد بتجبر وعزم:
- لأ، خليها تفكر تبعد عني أو حد يفكر يساعدها شوف هعمل فيه إيه؟!
رفع كمال له إحدى حاجبيه رغم كونه غير متفاجئ بمدى تبجح ابن عمه.
بتلك الأثناء لمعت عيناه وهو يرى جنا تهبط الدرج بسعادة واقتربت من شقيقها ترمي بأحضانه تردد:
- الله... ماما رجعت... مش مصدقة نفسي، شكراً يا ماهر.
لم يأخذ ماهر وقته وحقه في الرد فقد بادر بغيظ ذلك الذي اجتاحه الغيرة وهو يشاهدها تحتضن أخاها وتتمرمغ بأحضانها متدلة بينما تحرمه هو النظرة واللمسة ليقول من بين أسنانه:
- لا العفو يا أختي.
- مالك يا ضنا بترد عليها كده ليه؟
- سيبك منه يا ماهر واحكي لي عرفت طريق ماما إزاي وازاي عرفت ترجع بيها؟
سحب نفس عميق وهم ليتحدث فوجد لونا تقترب وكادت أن تجلس على مقعد مجاور لكنه جذبها لاحتضانه فبقى في المنتصف وعن يمينه جنا وعن يساره من تسكن بأيسره.
وبدأ يتحدث:
- جالي اتصال وأنا في المكتب، كانت الممرضة بتاعتها اللي بابا جايبها، تقريبًا ماما صعبت عليها فكلمتني، حاولت أعرف منها هما فين في لندن بالظبط وحجزت أول طيارة على هناك، عرفت من الممرضة مواعيد بابا وبالتليفون خلصت إجراءات كتير لحد ما أوصل.
- وخرجت إزاي من هناك؟
- هي ماما قاصر؟ ماهي صاحبة الشأن وكانت صاحية وواعية، هي أخدت منوم بعد ما خلصت معظم الإجراءات لأنها كانت بدأت تتعب بزيادة.
- وبابا؟!!
سألت جنا فرد بحيرة:
- لسه مش عارف بس رد فعله مش هيعجبنا كلنا عشان تبقي عارفة.
- عارفة.
قالتها بهمس حزين، فيما كان ماهر مشغول بالنظر لحبيبته التي تستمع بصمت وعقلها يدور فيه ألف سؤال.
لكنه انتبه على صوت جنا السعيد تردد:
- بس مش مهم، يعمل اللي يعمله المهم ماما رجعت، أنا فرحت قوووي... آه بقا لو ننفذ الوصية وكل واحد ياخد حقه تبقى كده فل قووي.
رفع كمال إحدى حاجبيه بتحفز واستنفار فيما قهقه ماهر وقال:
- آه يا سوسة.
- مش نفذنا شروطها، اديني حقي بقا يا عم ماهر... هموت أبدأ البراند بتاعي.
- براند؟!!!
قالها كمال بتحفز أشد، لقد كان طعم لا أكثر، فهل ستنفذه بالفعل؟ من تظن نفسها ابنة البارحة؟ أتعتقد أنه بإمكانها تنويم وتغفيل من بمثل كمال؟؟
لكن جنا ابتسمت بهدوء شديد ثم قالت:
- آه مش ده كان كلامك؟؟ حقي ولا مش حقي يا جماعة.
- حقك يا حبيبتي وهتاخديه.
صرح ماهر فقفزت جنا فرحاً:
- هييييييه يعيش مااااهر.
- انت بتهزر.
قذف كمال مستشاطاً ليرد ماهر بثبات:
- لا مش بهزر، الله؟! في إيه يا كمال مالك؟! أمال أنا أصلاً مجوزها لك ليه؟!
- مجوزها لي ليه!!! طيب، عظيم، أظن جنا زي لونا، هتدي لونا حقها؟!
احتدمت عينا ماهر على كمال وما يقصده خصوصًا وهو يرى تحول ملامح لونا وعيناها بدأت تسأل ذات السؤال هل سيعطيها حقها مثل جنا أم أنه ظهر لشقيقته فقط؟!
زفر بضيق ثم وجه حديثه لكمال يردد:
- انت عايز تعملها خناقة مش كده؟! بس أنا بقا هضيع عليك الفرصة، الوصية هتتنفذ يا كمال، عشان تبقى عندك المعلومة بس.... أنا جاي طالع أنام.
نظر للونا ومد يده يردد:
- يالا يا حبيبي عشان تعبان ومحتاج أنام.
- سيبها تقعد معانا وروح انت ولا هي اللي بتنيمك؟!
قالها كمال نكاية في ماهر الذي رد بكيد:
- أنت بتقول فيها؟!! هي فعلاً اللي بتنيميني، فاكرني هتكسف ولا إيه؟!
جذب لونا لعنده وسحبها يصعد الدرج وهو ينظر لكمال بنكاية أكبر من نكايته.
كان كمال يبادله النظر بغيظ شديد وغل ثم نظر لجنا وردد:
- حقه، صاحب مرآته وطالع ياخد الجرعة، صحيح ماهو متجوز ست.
نظرت له المعنية بالحديث بطرف عينها، يعتقدها صغيرة ههه، مسكين.
فتلك الصغيرة ردت بتأكيد شديد:
- ومش أي ست، بصراحة لونا تهوس، له حق ماهر يتجنن عليها.
- انتي إيه؟!! لوح تلج؟!!
- آه لوح تلج.
- أدوبه.
قالها وقد اقترب بغتة منها يلفح رقبتها بسخونة أنفاسه وينظر لعيناها برغبة ظاهرة للأعمى فردت على الفور:
- عارف لو قربت مني؟! هصرخ وأنده على ماهر.
- انتي هتخوفيني بماهر؟!
اعوج صوته وحركت أصابعها ساخرة:
- آه بخوفك بماهر، وابعد بقا عن طريقي.
أزاحته برفق وهي تراه يكاد ينقض عليها وما عاد يبالي بالمكان، فهرولت ناحية الدرج وهو خلفها يناديها ويسبها:
- انتي يا بنت المجانين.
لكنها نجحت في أن تصبح الأسرع ودلفت للغرفة ثم أوصدت الباب خلفها، فيما كور كمال قبضة يده يدق بها الباب الموصود:
- افتحي يا جنا.
ردت بلهث وهي تستند على الباب الذي يحميها:
- مش هفتح، روح نام في أوضتك القديمة.
فتح ماهر باب غرفته ليرى كمال بهيئته تلك فقال:
- إيه اللي بتعمله ده؟! هو ده اتفاقنا؟! بتجري في البيت ورا البت؟!!
تعصب كمال وهو يرى ماهر يخرج عليه بروب مفتوح ظاهر منه عضلات صدره ويبدو عليه ما كان يفعله وصرخ:
- بلا اتفاق بلا زفت، هو انت حاسس عليك حاجة؟! روح كمل اللي كنت بتعمله روح.
- هروح.
قالها ماهر ببرود لا يخلو من المتعة المتبروزة بالتبجح ثم أغلق الباب بوجه كمال وذهب للفراش ليجد لونا تجلس عليه تستعد للنوم وعيناها شاردة في سقف الغرفة.
أقترب منها يمرمغ رأسه في حضنها وهو يردد بكسل:
- حبيبي سرحان في إيه؟
التفت تنظر له بصمت فسأل بقلق:
- مالك يا روحي؟
- مافيش.
ابتسم يناظر ملامحها الجميلة بشغف ثم سأل:
- قلقتي عليا لما اختفيت فجأة؟
!!!!!
جوابها كان الصمت ولم تجد رد، ربما لم تسأل نفسها يومًا منذ قابلته ماذا لو اختفى ماهر بالفعل؟ لو أصبحت ذات يوم وبات ماهر غير موجود ولا يلاحقها كما عودها أنه يفعل.
شخصية مباشرة كلونا كان جوابها واضح:
- بصراحة؟
- آه.
قالها بشوق منتظر ما سيسمعه فأطربته وهي تتحدث بصدق:
- قلقت قوي، وخفت عليك، انت مش سهل بردو والله ما سهل، عودتني على وجودك واهتمامك و....
- وحشتك؟
قاطعها يسأل بلهفة فجاوبت تهز رأسها مستسلمة استسلام كلي لمصير واضح أنه محتوم.
لم يتمالك حاله ولا أعصابه، اقتنص شفتيها بلهفة... لهفة رجل لاستجابة ولين الفتاة الوحيدة التي رغبها وأرادها.
أخذها بقوة وهو بكل ثانية يخبرها كم أنه يعشقها وأنها الأنثى الوحيدة التي تحرك ساكنه.
زادت من جنونه وجموحه وهو يشعر بها مستجيبة بين يديه، تنظر لعينيه برضا غير مجربة ولا تمرر الوقت كالسابق.
لحظات لا تنسى عاشها ماهر وقلبه يكاد يتفزر من فرط الإحساس بالفرحة فأخيرًا رضت عنه لونه.
صباح يوم جديد.
جلس في عمله والإبتسامة لا تفارق وجهه، ليلة البارحة كانت ماجنة، صاخبة، تتساوى في روعتها بروعة ليلته الأولى معها وربما تزيد حلاوة، فلأول مرة كانت لونا بين يديه متجاوبة تطربه بأناتها بعدها باتت مستجيبة معه.
لم يكد يسيطر على ابتسامته حتى انفجر ضاحكاً وهو يرى الباب يفتح فجأة ويتم اقتحام مكتبه من قبل الوحيدة التي أعطت نفسها ذلك الحق، هو حتى لم يعطيها ولم يسمح لها، هي من أعطت وفعلت وسمحت.
وقفت في منتصف المكتب تنظر له بضيق وغيظ فردد وهو يجاهد ألا يظهر ضحكته:
- صباح الجنان يا حبيبي، مالك بس! ما أنا سايبك الصبح نايمة وزي الفل.
- بصراحة؟
- ياريت.
انفجرت تردد:
- حاسة إني تايهة، مش عارفة نفسي ولا عارفة أنا عايزة إيه؟ كل شوية برأي وكل شوية بحال، وانت.... أنت عمال توديني وتجيبني وعمال تلاعبني.
- ألاعبك؟! لأ يا لونا مش بلعبك، بدليل إني أديتك مهرك، انتي عملتي فيه إيه صحيح؟
- حطيته في بنك مصر عشان يطلعوا لي فوائد ثابتة كل شهر أعيش منها، بس بفكر بلاش كل ده وأعمل مشروع أحسن.
- مشروع!!!
- آه، هي جنا يعني أحسن مني؟!
نجح في إلهائها، وقد بات على علم بأن لونه مزاجية وذات شخصية ملولة متقلبة، تبيت بحال وتستيقظ بحال.
ومثل تلك الشخصيات لا تطلب سوى المجاراة والصبر فبدأ يجاريها:
- مش أحسن بس جنا هتعمل حاجة بتفهم فيها.
- وأنا بفهم في الجرافيك، أفتح شركة تصميمات.
هتف بحدة:
- الله!!!! وانتي فاكرة المبلغ اللي معاكي ده هيفتح لك شركة؟!
- مش لازم أبدأ كبيرة، هبدأ من تحت وحبة حبة أكبره.
- حبة حبة؟! لا دماغ جوه دي يا شبح، ماشي يا لونا، افتحي مشروع بس أنا مش بوزع ملايين يا روحي، أخدتي فلوسك ومهرك مرة يعني لما تخسري وتضيعيهم ماتجيش تدبدبي لي في الأرض وتقولي لي الحقني يا ماهر.
- ليه هو أنا عيلة.
قالتها ثم تحركت تخرج من عنده بعند وندبة لتقف لثواني متيبسة وهي تجد نفس الفتاة التي تشاجرت معها في العمل وعرفت فيما بعد أنها شقيقة صاحب العمل، تتقدم بثبات ريادي تسأل أحدهم بترفع عن مكتب ماهر الوراقي، دلفت تفتحم مكتبه من جديد تردد:
- الحقني يا ماهر.
ضحك بقوة وردد:
- لحقتي، ده ما فاتش دقيقة.
- لا الحقني بجد.
- في إيه؟؟ مالك قلقانة كده، اثبتي... قولي إيه اللي حصل.
دق باب المكتب ودلفت دينا تقول:
- مستر ماهر، رؤى كيلاني برا وعايزة تقابل حضرتك.
- رؤى كيلاني؟؟
التف للونا وسأل:
- انتي عملتي إيه؟
- بص هقولك.
- قولي.
- ماهووو.
- ماهو إيه اخلصي البت واقفة برا… رسيني أحسن.
حكت له كل ما جرى وما بدر منها لتتفاجأ برده فعل:
- جدعة.
- هااا؟!!!!
- ولو كنتي عملتي عكس كده كنت قطمت رقبتك.
التف ينظر لدينا التي تقف تحاول التحلي بالجدية وكبت ضحكاتها وقال:
- خليها تدخل.
فيما سألت لونا مستنكرة:
- يعني انت مش زعلان مني؟
- كنت هزعل لو سبتي حد يزعق لمرات ماهر الوراقي، أنا بس اللي أزعق لك يا بت، سامعة.
- مستبد.
نطقت بضيق فقهقه عالياً ثم حاول استدعاء الجدية مع دخول رؤى.
بمجرد دخولها ارتفع إحدى حاجبي لونا بتحفز، فقد دلفت بطلة غير عادية، طلة تفهمها كل فتاة من اللحظة الأولى.
كانت تتبارى بجمالها وغنجها، تحدي صامت غير معلن، أناقتها كانت زائدة وخطواتها تتحدث دون صوت مسموع، حتى وقفتها… وقفتها زعزعت ثبات لونا وثقتها المتناهية في سيطرتها على ماهر وتشبثه المريض بها.
أعطت لونا نظرة.. كانت نظرة ناعمة لكنها متوعدة كأنها تعلن بداية دق طبول الحرب.
ابتسمت بنعومة.. ومدت يدها بالسلام:
- مساء الخير يا ماهر… الله دي المدام كمان هنا.. طب كويس.
رفع ماهر إحدى حاجبيه ثم سأل:
- مدام؟! غريبة.
- ليه بس ما غريب إلا الشيطان.
- لا بس أصل إحنا لسه ما عملناش فرح، يا دوب العيلة بس اللي عارفة وكنا مستنين شوية وهنعمل الفرح.
ارتبكت رؤى ووضح أنها جمعت معلومات عنها وعنه، نظرات ماهر كانت ثاقبة أخبرتها لكنها لم تكن هينة وسيطرت على نفسها وحركاتها سريعاً ثم قالت:
- بس مش سر.. وزي ما انت عارف مافيش حاجة بتستخبى.
- آه طبعاً طبعاً.
نظرت رؤى للونا ثم ابتسمت تردد برقة تذيب أعصاب أي رجل:
- بس مكتبك شيك قوي يا ماهر، أول مرة أدخله مع إن شركتنا جنب شركتك.
ضحك ماهر بدبلوماسية:
- نعمل إيه بقا الشغل مفرمة ما بترحم.
- ااااه… ياريت تقول بقا الكلام ده لمدام لونا.
- لونا؟! ليه خير.
- هي ما حكتلكش؟
- حكت لي وزعقت لها بصراحة.
- شوفت.
- آه طبعاً هي غلطانة ورد فعلها كان عبيط… ماهو ما ينفعش حد يزعق لمرات ماهر الوراقي كده يا رؤى ولا إيه؟
حمحمت رؤى من حدة حديثه ثم حاولت الكلام:
- صح، وأنا هنا عشان أعتذر لها وترجع الشغل تاني.
- لا مش عايزة.
نظرت لها بحدة فيما قال ماهر:
- خلاص هي مش عايزة.
- لا تبقى كده لسه زعلانة.
- لا مافيش حاجة.
- خلاص لو كده تقبلوا عزومتي أنا ومحمد أخويا على اللونشنج الجديد آخر الأسبوع.
نظر ماهر بجانب عينه على لونا ورأى علامات التحفز والرفض ليعود بالنظر لرؤى ويجيب:
- لا ما علش انتي عارفه… ويك إند يعني ساحل.
- ما الحفلة في الساحل.
- والله، الحفلة في الساحل.
قالتها رؤى متسرعة لينظر ماهر على لونا ويجيب:
- الحفلة في الساحل ماينفعش أرفض.
دلف بخطى قوية واثقة داخل صرح أبو العينين العظيم، تقدم يطلب مقابلته لكن طلبه قوبل بالرفض.
لكنه صمم، مازال يتذكر حديثها حين سألته بحزن ألا تستحق منه عناء التعب والإصرار.
جلس أمام مكتبه وصلاح على علم إنه يجلس بالخارج ينتظر لكنه أمر بأن يتركوه.
انتظر ثمان ساعات من الثانية عشر ظهراً وحتى الثامنة مساءً في مكتب سكرتيرة صلاح أبو العينين حتى إن جميلة التي جلست تتابعه عبر كاميرات المراقبة في مكتبها ملت، ملت وأقسمت إنها لو كانت مطرحه لغادرت.
كلما جلس ساعة زيادة كلما انشرح صدرها، بكل دقيقة تمر كانت تهمس لنفسها بأنه سيغادر الآن لكنه لم يفعل بل ظل بمحله.
لدرجة إن صلاح كان على وشك المغادرة من الشركة وقد أنهى كل ما وراءه من عمل.
خرج من مكتبه فوقف شهاب:
- صلاح بيه أنا منتظر حضرتك من بدري.
- انت لسه هنا.
- اسمح لي آخد فرصتي وأدافع عن نفسي.
- وما دافعتش عن نفسك امبارح ليه ولا اتفاجئت واستنيت ترتب كلام.
نظر شهاب لسكرتيرة صلاح ثم رد بكياسة:
- أظن موضوع زي ده ماينفعش نناقشه هنا يعني عشان حتى مقام جميلة بنت حضرتك.
- هممم.. كلام معقول… اتفضل.
دلف وشهاب بعده وسأل مباشرة:
- اتفضل، قولي حجتك بعد ما ستفت الكلام.
- هو أنا لو هدفي فلوس وعلى نور زي ما الفويس اللي مع رشيد بيه بيقول ما كنت أخدتها، منك بقا منه مش هتفرق أنا هدفي واحد، واللي هدفه فلوس أكيد أكيد يعني مش هييجي وكرامته تنقح عليه قدامك ولا حتى أخاف على صورتي، هاخدها وأكت، ولا أي رأي حضرتك.
- والله؟!! المفروض إني أصدقك؟!!
- حضرتك عارف إن كلامي صح جدا ومنطقي.
- والفويس؟!!
- حضرتك إحنا في عصر الAi، تحب أجيب لك فيديو ليك وانت بتعترف بقتل السندريلا؟! يا عمي أم كلثوم غنت لويجز خلاص.
- هو كل ما حد هيتزنق هيقول Ai؟!
- حقك بردو مش هعترض بس عايز أوريك دليل كمان يأكد كلامي.
- إيه هو بقا؟!
فتح رشيد هاتفه يخرج منه مقطع تسجيلي بدون صوت وقال:
- ده آخر مكان جمعني بأستاذ رشيد قبل ما ييجي لك على طول ومن بعدها ماشفتوش، أظن الفيديو موضح إنه قالي حاجة وبعدها اتخانقنا ورفعت إيدي عليه، مش كنا بنتفق هاخد تلاتة على بعض ولا اتنين ونص.
عاد صلاح بظهره للخلف يزن الكلام فقال شهاب:
- حضرتك غلطت فيا وصدقت عليا حاجة ما حصلتش وكده أنا ليا عندك واحدة.
- والله؟!! اااه، طلباتك؟!!
- خطوبتي أنا وجميلة تبقى الجمعة الجاية.
- نعم؟!!!!
على شط بحر الساحل الشمالي وقف محمد كيلاني بغضب شديد وهو يرى شقيقته تشرف على تحضيرات حفلها المزعوم.
التفت مبتسمة بأتساع ونشاط لتتقابل مع وجهه العابس فاقتربت تقرص خده:
- مالك بس يا مودي مودي؟!!
- حفلة إيه اللي بقت عندنا فجأة دي يا رؤى؟ مش هتبطلي لعب عيال.
- لا أنا مش عايزة عشان تتسرع وتحكم لسه لعب العيال اللي على أصوله هيبدأ.
- رؤى… بلاش تمشي ورا أوهام وماضي خلص خلاص وركزي في حياتك.
- أنا شايفه إنك تركز انت مع مراتك وابنك، مرام وأيهم جايين وراك.
التفت ليرى زوجته الحسناء تتقدم بجمالها الرقيق ولجواها ابنه ذو الثمانية أعوام فابتسم لهم بتلقائية ورؤى كانت على علم بأن أسرته قادرة على إلهاءه عنها فهو متعلق بهم جداً، محمد كيلاني يعطي لأسرته الأولوية الأولى وهم مصدر سعادته وكل شيء بحياته، ربما لأن فاقد الشيء يعطيه بقوة.
ابتسمت وهي تراه يأخذهم تجاه مرسى المراكب، وهي سعيدة جداً لنجاة شقيقها من الماضي الأليم، قصة حبه بمرام كانت أسطورية يحكى عنها في القصص وقد واجهت زيجتهم تحديات درامية كثيرة إلى أن تكللت بالنجاح وأثمرت عن وريث العائلة أيهم محمد الكيلاني.
فوق يخت كبير في وسط البحر كان ماهر يقف وهو يضم لونا له تنظر للمياه وهو يعتقل خصرها ويدفن وجهه بعنقها.
سحبت كمية كبيرة من هواء البحر عبئت بها صدرها وتنهدت بهيام، وجودها بالساحل يغير مزاجها كله وتصبح لونا أخرى.
أيامه معها هنا لا تُنسى ولم ينس أبداً كم كانت مثيرة ومغوية.
زاد من عصر خصرها بين يديه وهو يردد:
- جبتك الساحل أهو، عارف إن هو اللي بيغير لك مودك وبيخليكي واحدة تانية، يارب ترضي عني بقا.
التفت تنظر لعينيه وقالت:
- بقيت بتدخل من ثغراتي يا منافق… بس أنا فعلاً حاسة إني أحسن ومزاجي حلو.
- وعندي لكِ خبر، مش عارف بقا هيزعلك ولا هيفرحك ولا عادي.
- إيه هو؟
- فرحنا هيبقى بعد أسبوعين.
- فرح؟! أكيد بتهزر.
- آه طبعاً فرح، الطريقة اللي اتجوزنا بيها ماكنتش أحسن حاجة، بس انتي بردو ماكنتيش هتيجي غير بكده.
نظرت له شزراً فقرص خصرها وهو يردد:
- بس انتي أحلى بنت في الدنيا وتستاهلي أحلى وأجمل فرح والدنيا كلها تعرف مين البنت اللي قدرت تسرق قلب ماهر الوراقي.
كان صمتها هو المقابل وهذا أكثر ما يقلقه فسألها:
- سكتي ليه؟ زعلتي؟! لسه مش عايزة حد يعرف إنك مراتي.
صمتت ولم تجب كانت محتارة.
شعر بحزن تسلل لقلبه، هو عازم على إكمال القصة للنهاية التي يريد لكنه كان يرغب في رضاها.
لم يستطع على ذلك وانسحب يتركها وحيدة تفكر.
كان محمد الكيلاني يجلس على سطح اليخت يداعب صغيره ريثما تنتهي زوجته من تقطيع الفواكه لينتبه على اقتراب يخت جميل منه فدقق النظر لتلفت انتباهه بوقفتها وهي شاردة حزينة ترفع رأسها للسماء والهواء يضرب شعرها والشمس منعكسة على وجهها.
كانت كوريقات الياسمين في نسمة الصباح، جميلة وندية وبها لغز يجذب.
تلاشت بسمته وهو يلاحظ تعلق أنظاره بها وانشغاله عن ملاعبة ابنه بل وبات يسأل نفسه، ترى مالذي يحزنها؟
صك أسنانه بضيق وهو يرى أنه قد انسلخ معها ونسي أسرته ليقف من مكانه ويتقي شر الشبهات لينتبه طفله ويسأله:
- وقفت ليه يابابا؟
- هندخل جوا يا حبيبي عشان الشمس.
- ليه الجو جميل.
- تعالي ندخل نساعد ماما أحسن.
دلف معه الصغير وانخرطا في تحضير سفرة رائعة مع قائدتهم تعطيهم الأوامر وهما ينفذان بطواعية وابتسامة.
عند لونا شعرت بضيق بعد ذهاب ماهر، راجعت نفسها وسألت لو تقدم لها دون كل تلك اللفة؟
ماذا لو تلاشى ماهر من حياتها الآن؟ وعن أي رفض تتحدث وهي بكل مرة يطلبها تستجيب معه، لو حالفها التوفيق لكانت حامل منه الآن.
على من ستلقي مصائبها وبمن ستهدد الآخرين؟! الأدهى أن هناك سؤال جديد انطرح على عقلها وهو أي رجل هذا الذي يليق بها سوى ماهر.
ما كادت أن تتحرك لتذهب له حتى جدته خلفها مخصراً يداه على وسطه ويردد:
- فكرتي؟! مش مهم موافقتك أنا بحبك وفرحنا بعد أسبوعين.
اتسعت عيناها وضحكت خصوصاً وهي تراه يجلس على أحد الأرائك يردد:
- بلاش بقا تقفي في الشمس وتاخدي تأن عشان الفرح.
في المساء وقف مضطراً في الحفل الذي أعدته رؤى، ووقفت لونا بفستان من لون البنفسج أضفى عليها سحر خاص خصوصاً وقد تركت شعرها حراً على ظهرها واعتمدت ألوان داكنة لظلال عينيها.
كانت فتنة تسير على الأرض جعلت عيون ماهر تنظر لها بغضب كل دقيقة وقد سيطرت الغيرة على الإعجاب.
لكنها كذلك كانت مثله تقف تنظر له ذات النظرة فقد تأنق ببذلة توكسيدو سوداء مفصلة على جثته العريضة تفصيلاً فزادته حلا وبهاء.
كان ينطق بالفخامة والذكورة، لانت منها ابتسامة استرعت انتباهه وهو يتحدث مع أحدهم في شيء يخص العمل وبات يسأل لما تنظر له وتبتسم هكذا.
لكنها كانت تتذكر أول يوم قابلته، كانت هيئته قريبة من اليوم، يرتدي بذلة شيك ويدخن سيجاره الفخم، حدثته فأحرجها ومن هنا بدأت القصة.
عدوه بسمتها وصلته وصار يبتسم هو الآخر إلى أن لاحظ نظرات الرجل الذي يقف معه وقد بات يراه أبله يبتسم ببلاهة بلا سبب.
تجعدت ملامحه وهو يلاحظ تلاشي بسمتها وحل محلها الغضب الشديد ولم يفهم لكنه بوغت بإقتراب رؤى منه تبتسم بلطف شديد وترحب بها فهتز قلبه فرحاً وسأل بجنون هل تغار عليه لونا؟!!!
نفس الهزة أصابت لونا؟؟ لما تغيرت من اقترابها منه؟! هي لم تكن تفعل أيام جميلة، وجميلة كانت أشد فتنة.
لا القصة ليست درجة جمال، هنا أدركت الفرق بأيام جميلة لم تكن تبالي أو تهتم لكنها الآن تهتم… تهتم جداً بل تحترق.
لن تتركه لها، تلك الفتاة خطيرة وغير مريحة، واصرارها على الاعتذار من بعد العجرفة غير مريح، منذ متى والمتعجرف يعرف طريق للاعتذار.
تقدمت بخطى واثقة لن تكف تحتوق بنيران الغيرة وحده، ليست لونا من يؤخذ منها رجل.
تقدمت بعزم تسمع لضحكات رؤى الرنانة وكذلك محمد شقيقها يتقدم، كان الأسبق من لونا، قبض على معصمها بغضب أجفلها:
- في إيه يا محمد؟!!
- تسمحي تيجي معايا؟! عن إذنك يا ماهر.
- ماهرررر.
التف ماهر للونا التي بات يخشى غضبها ورفع يداه يردد: والله ما عملت حاجة.
همت لتتحدث لكن ارتفع رنين هاتفه باتصالات متكررة من كمال:
- في إيه يا ابني كل دي اتصالات؟!!
- انت فين يا ماهر؟!!
- بكرة الجمعة ويك إند يا كمال اخدت لونا ورحنا شاليه الساحل.
- ويك إند إيه وزفت إيه على دماغك تعالى يا بيه، انت سلمت چنا نصيبها؟!!
- چنا؟! نصيب إيه لا؟!!
- چنا استلمت نصيبها والمحامي بيكلمني عشان نقعد وننسق مع بعض بس مش دي بس المصيبة.
- في إيه تاني؟!!
- في كارثة، الهانم الصغننة القطة المغمضة، سكعتنا كلنا على قفانا ورافعة قضية طلاق للضرر.
- أيه؟!!! چنا؟!!!! معقول؟؟! انت فين؟!!
- أنا رايح على البيت ومش ناوي على خير مش أنا اللي أتغفل يا ماهر.
أغلق ماهر الهاتف وخطف يد لونا يغادر الحفل ويستقل سيارته عائدًا باتجاه القاهرة عله يلحق تلك الكارثة.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سوما العربي
كانت تجلس لجواره في السيارة تشاهده وهو يقود بسرعة شديدة يحاول الاتصال بشقيقته لكنها لا تجيب.
دعس على البنزين بزيادة فتضاعفت سرعة السيارة أكثر لتصرخ لونا:
- براحه يا ماهر.
نظر لها خطفاً ثم جذبها لأحضانه يحاول أن يطمئنها وبداخله القلق ينهشه:
- ماتخافيش ياحبيبي.
كلامه مناقض لدقات قلبه العالية وسرعة السيارة التي لم تنخفض.
يهز قدميه بتوتر فسألت من تحت ذراعيه وهي بأحضانه:
- هو في ايه؟
- في مصيبة ممكن تحصل في البيت.
- مصيبة ايه؟!
ماذا سيخبرها، تنهد بصمت وحاول الاتصال بكمال الذي فتح الاتصال فهتف ماهر:
- كمال حاول تهدى وما تروحش البيت غير لما تيجي.
- ليه هستناك تيجي تاخدني من ايدي؟ سيبني في حالي يا ماهر انا دمي بيغلي ومش شايف قدامي.
صرخ كمال ليزداد رعب ماهر على شقيقته وصرخ هو الآخر:
- قولت لك استنى اجي انا خلاص نص ساعه وهدخل القاهرة، استنى اوصل لك ونكلمها براحة.
ضحك كمال متوعداً:
- براحة؟!! لا خلاص، كان في وخلص.
تزايد رعب ماهر وسأله:
- قصدك ايه يا كمال، بلاش تتجنن.
- انتو لسه شوفتوا جنان.
شعر ماهر بخطر حقيقي وليس مجرد تهديد، حاول احتواءه وتهدئة الموقف ريثما يصل حتى فتحدث بمهادنة:
- كمال، لو سمحت، أنا بقولك وخدها مني كلمة و وعد شرف، سيبها وانا هحل لك القصة كلها، بلاش تعمل حاجة تخسرنا بعض وتطين الدنيا..... فكر.... فكر يا كمال وحياة رحمة أمك وبلاش تهور.
حلت دقيقة صمت واستمع ماهر صرير سيارة وبعدها صوت كمال:
- ماشي يا ماهر وانا هكبرلك المرة دي وخلينا نشوف أهو بردو عشان بعد كده لما اتصرف انا مايبقاش ليك عين تتكلم.
تنهد ماهر بارتياح وردد:
- عين العقل.... عين العقل يا كمال ... انا خلاص داخل على التجمع اهو.
***
جلس في المطار ينتظر سيارته المتجهة للقاهرة وهو يتوعد لابنه بعدما حدث، يتذكر كيف عاد لبيته ولم يجد وكم كانت فجعته.
ليلتها دلف للبيت وهو متوقع أن يجده يعمه السكون لكن ما لم يتوقعه هو أن يعمه الخواء.
مذ دلف للبيت شعر بالغربة والوحشة، لكنه كذب حدثه ودلف للداخل فرحاً بأوراق الأشعة والتحاليل، دخل لعندها ليبشرها بقبول عمليتها لكن ما شعر به كان صحيحاً والغرفة كانت خاوية منها.
سقطت الأشعات من يده، نسرين لا تتحرك ولا تحبذ الخروج من غرفتها فمن فعل ولما؟
- مانتيولا، مانتيولا، انتي أيتها العاهرة.
صرخ باسم الممرضة الأجنبية وهو يتحرك سريعاً باتجاه غرفتها ليجدها تسهل في جمع أغراضها يبدو لم تلحق وقتها للهرب.
اتسعت عيناها رعباً وهي تراه يقف أمامها بطرلة الشاهر وقد تضخمت عضلاته كما يتضخم الرجل الأخضر في الأفلام الأمريكية.
تقدم منها بخطوات غاضبة يسألها:
- أين زوجتي؟
- اااا
صرخ بحدة:
- تحدثي والا قتلك.
ردت على الفرر:
- أخذها ابنها من هنا.
- ماااااااهر
صرخ بعنف وغضب، شعر بالخسارة وقد خسر على يد ابنه ومن شابه أباه فما ظلم، علام الاستغراب إذا وماهر ماهو إلا نسخة مكررة تعيد كارما أفعاله هو دوماً كان متخذاً لصف والدته ظالمة كانت أو مظلومة، وبعمره لم يتعاطف مع قصة والده حتى في أواخر أيامه.
وماهر فقط يذيقه لذاعة ما صنعت يداه.
عاد من شروده مهموم وحزين ينظر لسقف المطار يشعر بالتيه والوحدة، لكنه يقسم سيذهب يأخذها عنوة بعدما يهشم رأسها ورأس ابنه الذي تستقوى به.
فهل أنجب لنفسه مزاحم وند يصارعه ويقف أمامه يحول بينه وبين حبيبته.
هي دوماً كانت بجواره دوماً كانت موجودة، لم يجرب طعمها للبعد عنها حتى وهو متزوج بأخرى.
وحده ماهر من فصل بينهما، ابنه من صلبه الذي جلبه على الدنيا ليصنع منه عزولاً فيما بعد... حسناً ماهر... حسناً.
توعده بقسوة لن يتهاون يقسم أن عليه وعلى أعدائه والفيصل بينهما هو عدد ساعات المسافة بين لندن والقاهرة.
***
فرت السيارة تسابق الريح، يقود بلا هوادة وهو يرى كمال يتقدمه مندفعاً للداخل.
دلف سيارة كمال أولاً وتبعها سيارة ماهر... يحمد الله أن كمال كان على الجهة الأخرى من القاهرة وإلا لما وصل قبله.
صف كمال سيارته بإهمال وترجل منها تأكل قدماه الأرض أكلاً واندفع نحو الداخل وفعل ماهر مثله، كل همه اللحاق منه ومنع بطشه عن شقيقته.
كذلك صاب الهلع لونا، كانوا دوماً معاً وبعمرها لم تراهم منقسمين.
نادى ماهر على كمال:
- أستنى يا كمال.
وكمال لا يجيب.
- يا كمال اقف بقولك.
- أنا مش شايف ولا سامع حد، سيبني بقولك.
اندفع يفتح غرفتها، كان متوقع أنها تركت غرفتهما الجديدة، لكن تفاجأ بها خالية فاندفع لغرفته.
وجدها تقف تجمع أغراضها، الهانم تستعد للمغادرة وترك غرفتهما الزوجية.
انقض يقبض على رقبتها يؤلمها:
- بتعملي أيه؟!!!!
فصرخت:
- اااااه.
- سيب البت يا كمال انت اتجننت؟!!!
تقدم ليحول بينهما لكن رد كمال منفعلاً:
- بقولك ايه انا كبرت لك كتير... ماتدخلش مابينا.
- ماتدخلش ايه؟! أنا باينك اتجننت!!!
- أنا لحد دلوقتي بتكلم بالعقل ولسه ماحدش شاف كمال لو اتجنن ممكن يعمل ايه؟
- هتعمل ايه يعني؟؟ هتمد ايدك عليها وانا موجود؟
- اه تحب أوريك؟
- سيب أيد البت يا كمال، لأخر مرة بحذرك وانا لسه بتكلم بلساني.
- بتتكلم بلسانك؟!؟! ايه والمرة الجاية هتتكلم بأيدك ولا ايه مش فاهم؟
- اللهم طولك يا روح، تاني هعيدلك، سيب ايد البت وخلينا نحاول نلم الموضوع ونحله، الي بتعمله ده هيطين الدنيا.
- هيطين الدنيا؟!!! ههه... فوق يابيه، الهانم الصغنونة اختك المحترمة استغفلتني وعشمتني وانت كمان زيها، وخدها واحدة واحدة يا كمال، جنا لسه صغيرة يا كمال... وكمال يبلع ويصدق واتاري أصلاً جنا الصغيرة، أصغر واحدة في العيلة مستهترة وقادرة، بتتقابل مع المحامي وعامله له توكيل وممشياه في الإجراءات ولولا ان لازم نقعد نقسم واكون حاضر ماكنتش هعرف، وانت مسكني وانا ماشي بالأصول قوي عشان اخدها بالهداوة زي ما بتقول، تلاقيك اصلا انت الي مقريها ومطبخها معاها.
نظر ماهر على جنا ثم لونا و وقف عندها لحظة ثم عاد يحول نظراته عند كمال وصرح:
- أنا كلمتي عقد يا كمال وماكنتش اعرف حاجة.
- ياسلام؟!!! عايز تفهمني انها مشيت الخطوات دي كلها لوحدها، اقطع دراعي من هنا لو ماكنت انت الي ورا كل ده.
تعصب ماهر ورد:
- هو حد قالك انها قاصر؟ جنا معدية السن القانوني وتقدر تعمل وتتصرف في أي جهة حكومية زي ما هي عايزة.
نظروا جميعاً لجنا ذات الملامح البريئة والكارثة المثيرة للأعصاب والضحك بآن أنها لازالت تنظر لهم ببراءة شديدة.
شاور كمال على تلك البريئة وردد بجنون:
- دي... دي مقدمة طلب طلاق في المحكمة، الهانم رافعة طلاق لضرر، اصلها لسه فيرجن، متجوزة شخص عاجز جنسياً ... كمال الوراقي اللي برمها شرق وغرب وساب بصمته في كل ستات الدنيا تيجي حتت عيلة من مصر تطلعه عاجز، ده انا ههد البيت فوق دماغها.
ضحكت لونا... هي حاولت تكتم ضحكتها لكن ما يقدر على القدرة سوى الله.
اشتعلت عينا كمال، ونظر لها ماهر معاتباً لكنه تقدم يضعها خلف ظهره ويخفيها عن عيون كمال القاتلة.
وماهر يردد كأنه يتحدث بجدية وصرامة:
- بس يا لونا عيب كده.
- وبس ليه ياحبيبي، ماتسيبها تضحك، بكره كله يعرف ويضحك، أنا بقيت مسخة خلاص والبلد كلها هتضحك عليا وعلى خيبتي، هي يعني جت عليها!!! كمال الوراقي طلع خيش وقش وكرانيش... صيت على الفاضي... ده انا ههد البيت على دماغها.
تحرك لينقض عليها لكن دوماً ماهر موجود للتدخل، وقبلما تطلق جنا صرختها كان أخيها بالفعل متدخل يمنع يد كمال عنها ويردد:
- ماتمدش ايدك عليها بقولك.
- بقولك ايه؟ انت من النهاردة مالكش دعوة باللي خصني ويخصها، البت دي تبقى مراتي وعندها حجة وانا بقا لازم أبطلها.
اتسعت عيون الجميع، مغزى الحديث واضح ... انتفض جسد جنا ولونا ترتجف تتفرج.
بينما تحفز ماهر ورفع إصبع السبابة محذراً ومهدداً:
- أنا بحذرك يا كمال، لحد دلوقتي ممكن كل حاجة نعتبرها حركات عيال، عيلة متدلعة واتهورت وغلطت لكن لو فكرت تنفذ اللي في دماغك هتحول عليك، عشان انا مش عيل هوريك هتعمل كده في اختي واسكت لك.
- ده تهديد.
- اه ومشيها طيبة لحد دلوقتي يا ابن عمي، بلاش نقف لبعض.
رفع كمال رأسه بعند وقرر:
- نقف لبعض وماله، وأنا هدخل على اختك دلوقتي وقدامكم عادي ماعنديش مشكلة.
- والله؟!!
- تحب تشوف؟؟
تقدم ليقترب من جنا ويمد يده يقبض على يدها لينتزعها لعنده.
- ده انت اتجننت بقااا.
هتف ماهر وسدد لكمة قوية عنيفة لعين كمال.
صرخت الفتاتان بينما وضع كمال يده على اللكمة بصدمة ثم بدأ يسدد لكمة أخرى لماهر.
بدأت معركة بدائية بينهما وكل منهما عنيف جسده قوي لا يقل قوة وغشامة عن الآخر.
حاولت كل من جنا ولونا التدخل، لكنهما كانا كثوران هائجان وأشتبكا معاً ومن سيتدخل سيفرم حتما دون أن يشعرا به.
ولم يوقف حربهما وكل منهما يطحن في الآخر غير صوت صراخ نسرين والدة ماهر.
توقف ماهر مع سماعه صوت أمه، ومع ترقبه تيقظ ذلك الذي ذهب عقله وبقى يضرب بلا هوادة أو نظر.
صراخات نسرين كانت تناديهم فترك ماهر كمال وهرولوا لعندها.
الباب كان مفتوحاً وهي تصرخ من سماع صوت عراكهم، أول ما رأتهم صرخت فيهم:
- في إيه؟!! ولاد العم ماسكين في خناق بعض؟
نظرت بحنق على خط الدم النازف من أنف كمال نتيجة بطش يد ماهر ومثيله خط دم نازف من داخل أسنان ماهر.
- في إيه؟ ايه الي حصل لكل ده.
- مافيش حاجة يا ست الكل اهدي انتي بس..
نطق بها ماهر محاولاً تهدئة والدته لكن كمال صرّح مندفعاً:
- لا بقا في... بنتك رافعة عليا قضية طلاق.
ضرب ماهر وجهه بكفه في حين صدمت نسرين وسألت:
- بنتي؟ بنتي مين اللي رفعت عليك قضية طلاق؟
- انتي عندك غيرها؟ الست جنا.
سب ماهر من بين أسنانه وصرخ:
- اخرس شوية بقا.
بينما همست نسرين بتيه:
- جنا بنتي أنا اتجوزتك أصلاً؟
- ايه؟!!
نظروا له شزراً، الان فقط فهم، لم يخبرها أحد بزواج ابنتها ...ياللكارثة.
بقت تحدق بهم، ثم أخذت تهزي:
- ما حد يرد عليا؟ رد يا ماهر.
حاول ماهر الاقتراب:
- اهدي يا ماما... انا كنت فاكر ان بابا قالك.
- جوزتوا بنتي الوحيدة من غير ما ابقى عارفه ولا موجودة؟!!
- أنا أصلاً عملت كده وعجلت بالجوازة عشان بابا يضطر يظهرك ويرجعك بس ماحصلش.
بكت نسرين ونزلت دموعها في حين اقتربت جنا تردد:
- أنا ماكنتش اعرف انه ماقالكيش والله يا ماما ولما رجعتي ماكنتش عايزة افتح معاكي في أي كلام وقولت أسيبك يومين ترتاحي.
اقترب ماهر يقبل رأسها:
- حقك عليا والله انا ماكان في ايدي حاجة.
- حقي عليك ايه بس يابني، هو انت ذنبك ايه؟ هو انت الي خليتني عاجزة؟
ابتعد ماهر عنها مصدوماً وكذلك جنا، هي لأول مرة تردد ذلك الوصف على نفسها، طوال عمرها كانت راضية.
لكنها همست:
- أول مرة أحس بالعجز.. أول مرة يبقى مرارته في حلقي كده.
رفعت عيناها لجنة وهمست:
- وانتي.. كنتي مستنية ايه عشان تقولي؟
- ياماما حضرتك لسه راجعة وبصراحة بقا خوفت، لو كنت قولت لك كنتي هتمنعيني عن الطلاق، طول عمرك تقولي عيلتنا مافيهاش طلاق واحنا جوازنا جواز مسيحيين، وانا بصراحة كنت عايزة حقي، يعني أسى يبقى حقي واتحرم منه في شرغ مين ده.
نظرت لها نسرين بصمت، خالٍ من أي رد فعل بموقف يحتاج ألف رد فعل.
مما دفع كمال لأن يتقدم منها وهو يردد:
- يعني كنتي واخداني كبري؟
- ومالك متفاجئ كده؟ هو مش ده كان اتفاقنا؟ ولا انت الي كنت بتاخدني على قد عقلي؟
- اه كنت باخدك على قد عقلك، وطلاق مش هطلق.
- هتطلقني.
- احنا ماعندناش طلاق يا جنا.
نطقت بها نسرين فصدمت ابنتها التي صرخت:
- ده كان زمان دلوقتي في طلاق عادي.
- جنا.
- ماما لو سمحتي، انتي ماما وانا بحبك وبقدرك بس انا مش هبقى نسخة جديدة منك ومش هعيش العيشة الي انتي عيشتيها الا لو عايزة البنت تعيد قصة أمها وأبقى أنا نسرين وهو عزام؟! أنا مش هعمل غير اللي عايزاه ويبسطني، سامعين.
- مش هطلق يا جنا.
قالها بعزم لترد بعزم أشد:
- مش بمزاجك، بمزاجي أنا، ومليم من ورثي مش هسيب، هاخد حقي على داير مليم، وهعيش العيشة اللي تعجبني، أنا مش كرسي، ومش هعيش عمري كله اتعالج وماحدش يقنعني ان كمال اللي مقطع السمكة وديلها جه فجأة حب جنا، ماحصلش، الحكاية كلها انها لعبة وسلته فحب يكمل وانا مش عبيطة.
- جناا.
هتفت نسرين لتصرخ جنا:
- أنا مش هبقى انتي، مش هيبقى نهايتي نايمة على سرير من كتر ما الهم والمرض ركبوني عشان وقعت في واحد عربيد وبتاع نسوان وبالاسم بيحبني، أنا مش هعمل في نفسي كده والي هيقف ضدي يبقى عايز يخسرني فهخسره عادي.
- بس انا مش هقف ضدك يا جنا، واللي عايزاه هعمله.
- ماهر؟!! هتطلق اختك؟
- اه يا ماما، الاتفاق كان واضح واحنا ماضحكناش على كمال، مش عارف هو عامل فيلم ليه؟ شكل اللعبة عجبته على رأي جنا وأنا أختي مش لعبة.
- بس أنا لعبة عادي؟!!!!
نطقت بها تلك التي نسوها في أحد أركان الغرفة تقف مشاهدة جنا التي تقربها بالعمر كيف خططت ودبرت لتنقذ نفسها.. لكن جنا معها ماهر.
تقدم ماهر منها وقد تحفزت كل خلاياه يسألها:
- ايه الي بتقوليه ده؟ مش وقته.
- امال أمتى وقته؟
- اسكتي دلوقتي يا لونا مش وقت دلع خالص.
- أنا مش بتدلع.
- صحيح أشمعنى لونا بقا.
تدخل كمال يشعل اللعبة وقد أقسم ألا يحترق وحده:
- هتطلق جنا مني، وحتى أمك هتطلقها من ابوك، لكن واخد لونا حق انتفاع عادي!!!
- حق انتفاع ايه يا حيوان دي مراتي، خد بالك من كلامك.
- واتجوزتها ازاي بقا؟ فاكر؟؟
- وطّي صوتك يا كمال.
- لا مش هوطي.. خليها تولع يالا... ماهو يانعيش عيشة فل يا نطلق احنا الكل.
- الله ... ده الجمع مجتمع.
قالها عزام الذي دلف للتو بغضب يشوبه ضحكة ساخرة:
- أهلاً بالوراقين جونيور.
نظروا لهم جميعاً بصمت فاقترب من ابنه يردد:
- ازيك يا ماهر؟
- الحمد لله، ايه الي جابك؟
- جاي بيتي.. فيها حاجة دي؟
- لأ طبعاً مافيهاش، بس حضرتك تقدر تعمل في القصر كله ما بدا لك ماعدا الأوضة دي.
- الي هي أوضة مراتي؟
- مابقتش مراتك خلاص، أنا رفعت قضية طلاق.
- الله.
صرخ كمال وكمل:
- دي احلوت قوي؟ وهنعمل طلاق بارتي.
- بتستغفل ابوك يا ماهر، بتاخد امك وتهربها؟!!
- اه.... ورفعت قضية الطلاق خلاص.
- طلاق؟!... طب ماترجعش تزعل بقا.
اقترب من لونا يردد:
- ايه يا لونا…مش هافك الشوق تطلقي انتي كمان.
- مش كان المفروض قبل ما تدخل بيتي تستأذني.
قالتها بتجبر جديد وقد عدلت وقفتها، تقف بتحدي أمام عزام الذي هتف:
- الله….ده احنا اتغيرنا واتجبرنا وصوتنا طلع، ده ربنا يخلي ماهر بقا.
أعادها لنقطة الصفر بلحظة… ماهر هو سبب قوتها… سبب تغيرها.. سبب تجبرها وبلاه ربما لظلت نفس تلك اللونا.
لكن لونا بوضعها وقصتها لا تخص عزام أو تهمه، هو كل همه زوجته التي حضر لأجلها.
أزاح لونا عن طريقه واقترب من نسرين يردد:
- أنا مش جاي أعمل دوشة، بالذوق كده أنا هاخد مراتي وارجع على لندن.
- بابا لو سمحت.
- ماحدش يتدخل، خصوصاً انت… هو انا كنت بكبرك وبعملك راجل عشان أول ما تقف تقف في وشي أنا.
- أنا لسه لحد دلوقتي مش ناسي اللي عملته في قسيمة الجواز اتفاقاتك مع عمي بس عمي خدها ما قاصرها وراح عاش مع بناته برا، حقي أنا مسامح فيه بس أمي لأ.
- وريني بقا لا ازاي.
تحرك مندفعاً يقترب من فراش يحاول حملها، دب الصراخ بهلع من جنا ونسرين وتدخل ماهر، الوضع كان كارثي ونسرين لا تردد سوى جملة واحدة:
- أبعد عني ابعد عني.
حتى سقطت بين أيديهم من شدة الانفعال هامدة لا تتحرك.
شحب جسد لونا وتخشب ماهر بصدمة بينما صرخت جنا واندفع كمال كي يحمل زوجة عمه لأقرب مشفى وعزام متسعة عيناه بهلع واندفع يناديها كي تفوق معه لكن بلا جدوى.
***
دفشها داخل الغرفة بغضب ثم دلف وأغلق الباب خلفه فصرخت:
- ايه يا محمد الطريقة دي؟؟ احرجتني قدام الناس؟
- ناس؟ ناس مين ولا قصدك ماهر؟ ثم انتي كنتي عملتي حساب للناس أصلاً ولا لمنظري قدامهم وانا واقف واختي بتفلت على راجل تاني ولا فاكرة ماحدش واخد باله، لا يا هانم حركات بايخة ومفضوحة قوي… عيب … وأنا مش هسمح بده، وكل ده ليه؟؟ عشان أوهام في دماغك.
- مش أوهام… انت عارف البنت دي أمها عملت ايه فينا.
- ماعملتش… أمها سابت الدنيا كلها وجابت لنفسها مصيبة عشان تهرب من أبوكي… بطلي تخلقي قصص تعيشي جواها عشان بس يبقى عندك هدف.
- لا، وانت بتقول كده بس عشان تفضل عايش الحياة الهادية اللي بانيتها.. تمام خليك في البابل بتاعتك وسيبني أنا بقا… أنا حرة اعمل اللي أنا عايزاه.
- لا مش حرة… ده أنا أكسرلك رقبتك… لو قربتي ناحية ماهر الوراقي تاني هكسرلك رجلك، سامعة.
- لا مش سامعة.
- لا هتسمعي الكلام ورجلك فوق رقبتك أنا نازل أنهي الحفلة اللي من غير سبب دي.. عيب اعقلي احنا مش شوية في البلد عشان تقعدي تتلزقي وتتدلعي على راجل تاني وياريته شايفك ده مش شايف غير مراته.
قال الأخيرة كي يجعلها تستفق من وهمها لكن كلماته لم تفعل سوى أنها أثارت غضبها الشديد.
***
- يا جماعة أنا محذر كذا مرة من كتر الانفعال عليها.
قالها الطبيب المباشر لحالة نسرين من فترة ليقول ماهر:
- هي وضعها إيه دلوقتي يا دكتور.
- أخدت حقنة مهدئة هتخليها تنام كذا ساعة، ممكن تقعد معانا عشان تفضل تحت الملاحظة بس ياريت بلاش انفعالات تاني.
- حاضر.
اقترب ليقف بجوار كمال الذي نظر له شزراً وردد:
- منك لله.. ايدك تقيلة.
- وانت اتغابيت عليا على فكرة.
- هتساعدها تطلق يا ماهر مني؟
- كمال، جنا مش قاصر و واخده قرارها وماشية كمان في الإجراءات.
- بس انت موافق.
- أنا موافق على أي حاجة تريحها.
- ساعدني ادخل عليها وابطل حجتها.
- اتلم يالا.
- دي مراتي.
- واختي.. وبعدين انت مالك كده هو مش ده كان اتفاقنا من الأول.
- أنا فكرته كلام ماهو مافيش واحد يجوز اخته ويخليها تاخد لقب مطلقة عشان وصية.
- لا يبقى أحرمها من حقها!! انت عبيط وبعدين انا قولت يمكن ربنا يصلح الحال وهي توافق تكمل معاك لكن ماحصلش يبقى خلاص.
بدأت وتيرة الحديث تعلو وهتف كمال:
- انت إلي منعتني عنها.
- كنت هاخدها غصب مثلا؟؟
- آيه غريبة؟! معاملتهاش مع لونا.
- لا… لا… وقصتي مع لونا مختلفة.
- يعني خلاصة الكلام انت موافقها.
- واللي يريحها وتختاره هعمله.
- بس خليك فاكر.. كله سلف ودين.
- كنت قول لنفسك… ده انت ياما كرفت لبنات وضيعت أحلامهم.
سقطت الكلمات على رأس كمال كالصاعقة فتحرك مغادراً وأشباح الماضي تطارده.
***
بعد يوم عمل مرهق عاد للبيت ودلف لغرفته ليجدها خالية.
شعر ببعض البرودة سرت في جسده لكنه قاومها مؤمناً نفسه أنها وأخيراً لانت له.
رفع هاتفه واتصل بها لكنها ما كانت تجيب.
خرج مسرعاً وتعب اليوم مازال يخيم على جسده، تحرك بسيارته حتى وصل لبيت والدها.
دق جرس الباب بلهفة ففتحت له:
- ايه الي جابك هنا.
- انت الي ايه جابك؟
- انتي شكلك اتجننتي.. امشي يالا اتحركي معايا انا يومي كان طويل ومحتاج أرتاح.
- مش متحركة.
- لا هتتحركي واصلاً حسابك معايا بعدين على عدم ردك على اتصالاتي رغم ان الموبايل في إيدك.
صمتت ولم تجيب فجن جنونه وصرخ:
- انتي عايزة ايه!!!! عايزة توصلي لأيه؟ عايزة تجننيني.
- عايزة ابقى بني آدمة وعندي شخصية.
- فجأة كده؟؟
- أشمعنى امك وأختك؟ وجنا اللي اخدت حقها تالت ومتلت، انت مارضتش على اختك اللي رضيتوا عليا، وعمال تضحك على عقلي.
ردد ببهوت:
- أضحك على عقلك ايه؟؟ احنا فرحنا بعد أسبوعين.
- أنا عيلة ماعندهاش شخصية ولا مخ وكل ما اقول خلاص كبرت وكونت رأي وشخصية ألاقيك جيت عملت لي غسيل مخ.
- أنا يا لونا؟
- أيوه… مين اتجوزني بطريقة زبالة عشان فهمتني اني عاهرة وخايف على اسمكم من العار مش عشان حاببني وراغبني مين عيشني في الدايرة دي كتير؟؟ وانت عارف من جواك الحقيقة، مين شغلني في البوفيه ورفض تعليمي، مين سبني وسب عرضي وقال عليا فاجرة ولما سافرتني سبتني أشتغل عاملة نظافة وقيدت وضعي هناك، وبمزاجك رجعتني بس عشان السبب اللي كنت قلقان منك خلصت منه ودخلت الدوكم السجن… مين عمل وعمل وعمل وعمل… ده أنت عملت كل الردي، ماسبتليش فرصة أدافع حتى عنك.
- وكل ده افتكرتيه دلوقتي بس؟
- قصدك اني مش عندي شخصية ولما شوفت تصرف جنا اتحركت وغيرت؟ ماشي يا سيدي اعتبرها زي ما تعتبرها.
صمت قليلاً ينظر على حبيبته التي لم يعشق غيرها، أيامه معها تمر بشريط أمام عينه، هي من زادت حياته متعة ومعها أحلوت أيامه وبدأ يتحدث بطريقة مثيرة، صادقة حد الجنون:
- بس أنا بحبك يا لونا، مين ممكن يحبك أد ماهر، وانتي؟! انتي تليقي بمين غير ماهر؟ ومين يليق بماهر غيرك؟
رفعت عيناها فيه تحاول تلاشي تأثيره الذي بات موجود فكمل:
- أنا غلطت مش بنكر، اتصرفت بتهور وكان الغضب سايقني.. أديني فرصة.
- لا.
- لا؟؟ طب على فكرة بقا انتي مش بريئة قوي كده يعني؟! وماسبتيش حقك زي ما بتقولي ده انتي سوتيني على الجنبين، وشتمتيني وهزقتيني وقولتي لي يا ديوث يا وسخ قدام اهلي والبيت كله، أنا بسببك جالي ذبحة وأنا في عز شبابي وياما لوعتيني وسهرتيني ليالي عشان ترضي عليا، ده أنا كنت بتحايل عليكي عشان ترضي تخليني ألمسك، انتي مش عايزة تواجهي نفسك بالحقيقة.
سحبها للمرآة الموجودة في صالة البيت وردد:
- هي دي لونا اللي كانت من سنة؟! انتي استقويتي واستجبرتي وصوتك علي، علي عشان مسنودة عليا وأنا موافق، بيتك ده لولا ماهر الوحش ماكنتيش عرفتي تهددي عمك وتخرجيه منه، دراستك أنا اللي قدمت فيها وسبتك تتعلمي الجرافيك اللي بيه استقويتي وعرفتي تلاقي شغل… لو هتقلبي في اللي فات قلبي بس شوفي الصورة صح، لو أنا ماكنتش دخلت حياتك كنتي هتبقي فين دلوقتي؟
أخرج كل ما بقلبه ونظر لها وجدها مصدومة فاهرة فمها تنظر في المرآة بتيه ليكمل بنبرة سخيفة:
- أنا مركز قوتك وانتي نقطة ضعفي بس والله موافق.. اتدلعى عليا وكسري الدنيا بس وانتي معايا… بلاش تبعدي عني.. ماصدقت لاقيتك.
حل الصمت دقيقة إلى ان همست:
- أنا محتاجة أفضل لوحدي يومين مع نفسي.
- يا لونا..
- لو سمحت.
- حاضر.
تحرك يخرج من البيت، كله آمال محطمة وقلب حزين، لا يريد تركها ولكنه يعلم أنها بحاجة لوقفة لتعلم أنها له وهو لها.
تحرك كي يغادر لكن قبلما يفعل دلف لعندها من جديد وكوب رأسها بين يديه يقربها من شفتيها ويقبلها بجنون… جنون ولهفة غير عادية… وهي مصدومة ومتفاجئة ، فصل قبلته وهمس أمام شفتيها:
- هسيبك دلوقتي عشان تهدي وترجعي لي، وعايزك تعرفي حاجة.
اقترب من أذنها يهمس بنبرة متملكة لا تقبل التفاوض:
- أنتي بتاعتي وهتفضلي لاخر نفسك فيكي بتاعتي… سامعة.
تركها وغادر بقلب حزين ومكث مع والدته بالمشفى يعتني بها ويشغل نفسه عن التفكير في لونته.
مرت أيام كانت بين العمل ومتابعة حالة والدته والسير في إجراءات الطلاق.
وبينما كان يساعد والدته لتخرج من المشفى وردة اتصال من أحدهم فرد بخمول:
- ايه الوضع عندك، المدام بخير؟
- الحق يا باشا.. المدام خارجة من البيت ومعاها أبوها ولاقيتها بتوقف تاكسي وسمعتها بتقوله المطار لو سمحت… بينها مسافرة.
انتفض ماهر من على الكنبة يردد بلهفة:
- أيه.
- بينها كده يا باشا أصل معاها شنط كتير.
رواية سيطرة ناعمة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سوما العربي
دلف غرفتها بخطى منتصرة وأغلق الباب بقدمه. اتسعت عيناها وهي ترى ابتسامة الرابح على شفتيه متزامنة مع ثلاثة أصوات صدرت عن القفل بالمفتاح.
وثبت من فوق الفراش بهلع، أنساها ارتداؤها ثوبها الأرجواني القصير جداً والشفاف جداً. فحملقت عيناه فيها وزاد الطين. تقريباً لقد اجتمعت كل العوامل ضدها لتزيد الأمر سوءاً عليها وعليه.
ارتفعت وتيرة أنفاسه حين سلبت عقله بهيئتها الفتاكة تلك. هو على علم مسبق بأن جنى من الجميلات، لكنه لم يكن يدرك أنها تمتلك كل ذلك القدر وحدها. هي كل يوم وبالصدفة تبهره، فماذا لو تعمدت؟ ماذا لو أصبحت له؟ ماذا لو باتت أيضاً هي المبادرة؟
هـيئتها صعبت الوضع عليه وعليها. جن جنونه بها وبات مهووس. جنى من كانت أقرب أقاربه له، وكانت تفهمه ويفهمها من نظرة. ولا يشعر بالارتياح مع أحدهم أكثر منها، لدرجة أنه بات يفضفض لها بما يضايقه ويحكي لها دوماً عن علاقاته ونزواته. وليته لم يفعل. لم يكن يعلم أنه حفر لنفسه بئراً صعب الخروج منه، وأن نفس تلك جنى ستصبح ذات يوم فتاة أحلامه ويتمنى لو رضت عنه ووافقت أن تصبح امرأته.
سيطرت عليه وعلى كل الحواس ومدارك الإحساس. تضخمت رغبته فيها وما عاد يرى أمامه. ظلام عيناه أرعبها. يبدو عازماً على أمر سيئ. يقترب منها وهي تنتفض.
"أنت بتعمل إيه؟!"
"إيه؟! عايزك؟! مش عايزة تعرفي كنت بعمل إيه مع البنات اللي كنت بعرفهم."
هزت رأسها برعب وأخذت تتراجع للخلف. ربما كسبت وقت ومساحة وهي تهز رأسها بخوف وهلع.
"لا.. لا والنبي يا كمال، بلاش تعمل فينا كده. أنا... أنا جنى... جنى بنت عمك... البنت الصغيرة اللي كنت دايماً بتلاعبها... فاكرة؟!"
قالت تذكره كم كان صديقاً لها وحنوناً عليها. ربما أعاده كل ذلك لرشده، لكن عيناه استمرت في غوراها. يقترب منها بعزم أشد. كلامها لم يخفف حدة الكارثة، بل زادها سوءاً. والغبيه ما زالت تحاول وتكمل.
"أنا جنى اللي كنت أكتر واحد حنين عليها."
"قولي لنفسك، فكريها بكمال.. كان بيعمل إيه؟!"
"فاكرة والله، مين يقدر ينكر. فاكرة، ده انت كنت بتحافظ عليا من الهوى، فاكر؟"
"كنت بحافظ عليكي، لنفسي... وخلاص. جنى الصغيرة كبرت واتكتبت على اسمي... مش المفروض آخد حقي فيها ولا إيه؟!"
عادت تهز رأسها برعب، وهي تراه يقترب ويقترب. خطواته بطيئة، مميتة وقاتلة. قاتلة لأعصابها، تدب داخلها الرعب.
***
على صعيد آخر، توقفت يداه عن القيادة وأرخى قبضته بعدما أعمل عقله وسألها:
"بس انتي عرفتي منين أن رؤى الكيلاني جت مكتبي؟"
وصله ارتباك صوتها ثم سؤالها الهجومي.
"هو ده كل اللي همك؟! أنت بتخوني؟!"
"وانتي بتغيري؟!"
"ماهر."
"بتغيري؟!" صرخ بإلحاح، وبداخله يرقص طرباً لتجيب بتجبر لا تقبل الرضوخ.
"لأ."
قالتها بعناد، لكن صوتها يصرخ من ألم نار الغيرة. فرد عليها بملاوعة:
"يبقى خلاص... أقابل اللي أقابله."
"ماااااهر."
صرخت في وجهه. ليجهز عليها:
"ماهر راجل قرب يعدي الـ 33 سنة، والجنس وحش مش بيرحم يا لولو. أنا راجل وعندي احتياجات."
"احتياجات؟!"
"أمممم... وانتي اخترتي تسبيني وتمشي خلاص بقى."
هاج صوتها وظهـر بوحاً وهي تصرخ فيه:
"خلاص إيه؟!"
"سيبيني أشوف حد يسد لي احتياجاتي دي، وانتي اللي اخترتي مش أنا."
"ماااااهر."
"بطلي صريخ في ودني ودلوقتي أنا عايز أعرف مين نقلك أخباري و..."
شرد لثواني وهو يحدثها، يتذكر عائلته، والده وعمه وكمال وألاعيبهم. وعلى الفور أدرك هوية مخبره. فقطع حديثها يلعن بصوت عالٍ:
"يا ابن الكلب يا كماااااال."
زاد من قوة دعسه على البنزين، يتذكر حالته وكيف خرج من عنده وتتبعه هو. لابد أن شقيقته الآن بخطر. لكن تلك التي على الهاتف لازالت تصرخ بغيرة شديدة تنهشها:
"هو ده كل اللي همك، ماشي براحتك و..."
"اقفلي دلوقتي، وتحمدي ربك إنك بعيد عن إيدي، وإلا كنت قصفت رقبتك على دلعك ده."
"أنا بتدلع يعني كل اللي..."
قاطعه يصرخ فيها وهو يزيد من سرعة السيارة:
"اقفلي."
لم يعطيها الحرية، بل أغلق هو المكالمة في وجهها، وطار بسيارته يدخل من بوابة القصر الكبيرة، ثم نهب الطريق المؤدي للباب الداخلي للمنزل. شد فرامل اليد وترجل من السيارة بسرعة البرق، يأكل درجات السلم ويصعد عالياً. وكلما تقدم كلما سمع صوت أخته فتزيد سرعته.
***
كان يقترب منها وهي تتراجع. لا تردد سوى:
"اطلع بره يا كمال."
كررتها إلى أن شبع وقرر إسكاتها. فردد:
"لأ، خايفة مني ليه؟! أنا واحد عاجز مش عارف أدي مراته حقوقها الشرعية، وهي تخاف إلا تقيم حدود الله."
قال جملته الأخيرة بغضب، فخرجت من بين أسنانه وأنيابه لتقول:
"غلطانة، اعتبرني عيلة وغلطت، وانت راجل وسيد الرجالة هتعمل عقلك بعقلي."
صرخت في آخر جملة وهي تراه يمد يده ليكبس عليها ويضيق الخناق. قبض على ذراعيها بكلتا يديه وهزها مردداً:
"هو أنا بقا فيا عقل بسببك، وبعدين عيلة إيه؟! مش بتبصي في المراية ولا إيه؟"
مرر عيناه على مفاتنها، يتوقف ملياً عند نهديها ويردد:
"انتي طيرتي عقلي وسرقتي النوم من عيني، وأنا الليلة دي يا قاتل يا مقتول بقى."
كان يتحدث وهو ملتصق بها، يلفح عنقها بحرارة أنفاسه. يصيبه الغضب وهو لا يرى أي تأثير منه عليها. لم تذب بين يديه كما توقع، ولم تلن كما كان يحدث مع أي فتاة يقترب منها مهما عاندت كانت تلين بين يديه الخبيرة، إلا جنى. لا يرى بعينيها سوى الخوف ورفض مصير يريده هو وترفضه هي. كل همها الخروج من ورطتها معه الآن. وهذا ما كان يشعل غضبه حتى أنه أذهب عقله وخرجته عن طور الحدود.
جن جنون كمال وتبدل حاله، هاج وماج ونسى أنها جنى التي كان أحن عليها من أي شخص بعد ماهر. ما يراه الآن أنها أنثاه التي لا تريده وترغب في التحليق بعيداً. فذهب عقله واشتعلت عيناه من الرفض المستمر.
هز رأسه بجنون وبدأ يهرتل بلوسة:
"بس انتي مراتي غصب عنك، هتبقى مراتي. حلالي ودلوقتي."
صرخت برعب. أيقنت من هياج ملامحه واحمرار وجهه أن العواقب وخيمة. صرخت في وجهه تنذره برعبها، لكنه مد يده عليها يقطع حمالة قميصها الشفاف وهو يردد:
"انتي حلالي، مراتي، بتاعتي. أعمل فيكي اللي أنا عايزه، ودلوقتي."
زاغت عيناه وتلبسه شيطان جديد، بعدما قطع قميصها فظهر نهداها بسخاء أمامه وهي تحاول مداراة جسدها عنه بينما تصرخ.
هم ليهجم عليها ويقبلها مكان ما تطاله شفتيه وهي تحاول الابتعاد. لم ينقذها سوى دق ماهر المتواصل على الباب. قلبه يلتاع وهو يسمع صوت شقيقته تصرخ. يعلم بوضوح ما يحدث بالداخل. دقات أشبه بالتكسير على الباب الموصود وهو يردد:
"افتح الباب يا كمال... افتح، بتعمل إيه أنت اتجننت؟"
"امشي من هنا يا ماهر، مالكش دعوة بينا."
"افتح الباب يا كمال بدل ما أكسره فوق دماغك أحسن لك."
لم يستجب كمال، فنفذ ماهر تهديده وبدأ يركل الباب بقدمه ويدفعه بكتفه دفعات متتالية. هنا فقط اتسعت عينا كمال، كون ماهر سيدخل ويرى جنى جزء منها عارٍ. لحظتها فقط شعر بفداحة ما فعل. لا يعلم لماذا وكيف، لكنه مع شعوره بقرب انكسار الباب بكتف ماهر، جذب ملاءة السرير ليدثر بها جسد جنى بعدما قطع قميصها. ضم الملاءة حول جسدها في نفس اللحظة التي انفتح الباب بقدم ماهر.
أحكم الملاءة حول رقبتها وأخفاها كلها خلف ظهره وهو يلتف ليواجه ماهر ويصرخ فيه:
"انت اتجننت إزاي تدخل علينا كده... بتكسر الباب يا ماهر، ده أنا هكسر رقبتك."
"أنت اللي شكلك اتجننت، اوعى من سكتي بدل ما أدوس عليك."
"اخرج يا ماهر، ما يصحش..."
قاطعه يصرخ فيه وهو يرى انهيار شقيقته:
"اخفى من وشي يا كمال... عملت إيه في أختي يخربيتك."
"اخرج يا ماهر."
"مش خارج غير وهي معايا... وبعدها عظيم بيمين لاكون ممرجك."
"قولت لك اخرج."
"اوعى من سكتي، البت وراك مرعوبة، ابعد بدل ما أسفلتك أنا مش شايف قدامي."
هز كمال رأسه بجنون. لا يمكن أن يرى أحد جنى بذلك الوضع، مفاتنها كلها ظاهرة بوضع لا يصح سوى للزوج فقط، وهذا ما كان يستدعي جنونه. فصرخ بحدة:
"قولت اطلع، ما ينفعش حد غير جوزها يشوفها كده، أنت إيه؟ مابتفهمش؟!"
صدم ماهر واتخذ الأمر منه أزيد من الثانية حتى يفهم. نظر على شقيقته الباكية ثم قال:
"ده أنت يومك أسود، قسماً بالله يومك أسود والي حصل ده ما ها يعدي على خير."
أسبل جفناه وتنهد بتعب. ووقتها فقط لاحت لونا وذكراها على مخيلته. فتح عيناه ونظر على جنى وكمال الذي ما زال يحبك الملاءة حول عنقها ليخفي عريان جسدها عنه. ثم قال:
"هخرج بس تخرج قدامي."
كاد كمال أن يعترض، لكن ماهر صرخ فيه:
"دلوقتي حالااا."
صوت ماهر لم يرعبه، وإنما نظرات الرعب والضياع بأعين جنى. هنا فقط تلقى الصفعة وبدأ يسأل حاله بجنون: ماذا فعلت أنا؟ ماذا فعلت؟!!!
بمجرد ابتعاد خطوات كمال عن جنى التي يحتجزها خلف ظهره، ذابت قدماها وسقطت أرضاً تبكي بنواح. نظر عليها كمال بتيه، يدرك حجم الكارثة التي افتعلها. ولم تزد الأمر إلا سوءاً.
حاول ماهر إسنادها واستدعى لها الطبيب. وجنى لسانها لا ينطق كلمة واحدة لكمال سوى "اطلع بره، اطلع بره." علاوة على قسمها بأغلظ الأيمان أن تطلق منه طلاقاً بلا رجعة.
هـيئتها كانت مذرية دمرته، ومنها علم أنه دمر شيئاً جميلاً كان يجمعه بها "براءة قربهما". وتلك الصفعة لم تكن مدوية على وجههما فقط، بل يوجد وجه ثالث شاركهما. ومن غيره... ماهر يتذكر فعلته مع لونا وكيف دخل استدرجها واستغلها حتى دخل بها. عصر عيناه بحزن وندم. فقد تثنى لجنى الصراخ، بينما حُـرم على لونا التي ظل يتتبعها بوصمات العار إلى أن سلمت وجنحت تماماً.
فرت دمعة من عينيه ونظر على هاتفه نظرة وأخرى على شقيقته العافية بفعل الدواء المهدئ. وقف عن كرسيه وخرج من الغرفة يغلقها خلفه بهدوء تام. فتح هاتفه يراسلها ليعتذر. لا يعلم عن ماذا أم ماذا أم ماذا، لكنه كان سيعتذر.
جعد مابين حاجبيه وهو يرى علامة صح واحدة على مراسلات الواتساب. فقام بالاتصال، لكنه مغلق. بدأت تهتز قدماه وقد عرف التوتر طريقه إليه. وعقله يعمل هنا وهناك مشغول وقلق، يسأل ماذا حدث وهل هي بخير.
***
حالة والدها كانت تتحسن وصحته كذلك، حتى أن حيويته وجماله الذي ورثته عنه بدأ يعود له رويداً رويداً. لكنه بات صامتاً، قليل الكلام. هو بالأصل كان هادئ الطبع ولين، لكن الأمر بات متزايداً. ولا تعلم هل من تأثير الدواء أم من تقدم العمر.
أقتربت منه تضع يدها على كتفه ورددت:
"حبيبي انت كويس؟"
"كويس، ماتقلقيش."
"أنا نزلت إعلان في جروب على الفيسبوك أطلب ممرضة من هنا بسعر كويس عشان لما أنزل شغل ماتبقاش لوحدك."
نظر لها بعتاب وردد:
"لسه شيفاني تعبان وماينفعش اتساب لوحدي يا لونا؟! كبرتي عليا؟!"
اتسعت عيناها برعب وصدمة وسارعت تصحح:
"والله أبداً، الممرضة دي عشاني مش عشانك."
نظر لها بجانب عينه فرددت:
"آه والله، انت عارف إني موسوسة وبقلق عليك قوي. هخليها هنا تطمني عليك من بعيد لبعيد يا سيدي، وكمان عشان مراعيد دواك، انت عارف إنه مكمل معانا شوية. أقولك اعتبرها خدامة تعملك ساندويتش تيك أواي تجيب لك عصير لحد ما أرجع."
شملها بعينيه ثم قال:
"وانتي لابسة ومتشيكة كده ورايحة فين؟!"
"شكلي حلو؟!"
"بزيادة."
ضحكت تتخيل لو رآها ماهر بكل تلك الأناقة والجمال تتجهز لتخرج. تقسم ما كان ليتركها، لكنها الآن بعيدة وحرة. غمـزت لوالدها ورددت:
"عندي مقابلة شغل، ادعيلي. خلي بالك من نفسك، مش هتأخر، باي يا حبيبي."
"لا اله إلا الله."
"سيدنا محمد رسول الله.. سلام."
خرجت واغلقت الباب وذهبت لتجري مقابلة العمل. كانت جيدة لحد ما، لكن مثيلاتها كثيرات. هي غير متفوقة على المتقدمات بشيء. لذا تسلل لها بعض القلق والإحباط.
نظرت للهاتف لترى كم الساعة، لكن وجدته فاصل تماماً ومغلق. تأففت متذكرة بأن عليها شراء وصلة شاحن غير التي أتت بها من مصر بعد ما عادت تشحن.
وبينما هي تنظر لهاتفها وتتأفف، اصطدمت بكتف عريض ضخم في رأسها، فتأوهت متألمة. فيما أقبل الآخر يعتذر بالإيطالية. وهي لازالت تضع يدها على عينيها تتألم، ولكن صدمت حين سمعت صوته المندهش ينادي متسائلاً:
"لونا؟!"
أشاحت يدها بعيداً عن عينيها وبدأت تنظر للطرف الآخر حتى اتضحت الرؤية. جعّدت مابين عينيها وهي ترى محمد الكيلاني أمام عينيها. ومحمد في عالم آخر. عيناه يملؤها الشغف، قد تكون تلقائياً عند رؤيته لها. ينظر لها ولهيئتها الرائعة، فقد تأنقت بقميص قطني أبيض ذي رقبة دائرية وعليها رسومات بالأحمر والأسود متداخلة، أضافت وجعاً ولذاذة على ملامحها الخلابة، فزادت من توجهها. وقد نسقتهم مع تنورة بيضاء منفوشة بها نقط صغيرة سوداء، فبدت كلاسيكية ومعاصرة بنفس الوقت وأعطتها طلة خلابة خاطفة للأنفاس.
خطفـت بالفعل أنفاس محمد الوراقي ولبه، بل شتته كله. ونطقت لونا مستغربة:
"محمد بيه؟!"
لا إرادياً تشكلت ابتسامة رائعة على شفتيه ورد:
"محمد بيه؟! محمد بس يا لونا... ولا أنا كمان أقول لك لونا هانم؟!"
"يا ريت."
قالتها لوضع الحدود، وهو قهقه عالياً يراها مزحة لذيذة. فردد:
"ماشي يا لونا هانم... بتعملي إيه هنا، مش ممكن على الصدف."
"أنا نقلت أعيش هنا لفترة."
"سيبتي ماهر الوراقي؟!" تسأل باهتمام وهو يضيق عينيه يتحين إجابة، لكنها ردت:
"أأ.. مش بالظبط."
صمتت ثواني... تشعر أنه أخبار مفاجأة من القدر وربه لتخبر تغيرها وقوة شخصيتها. أنصاف الحلول ما عادت تنفع ولا الإجابات المائعة. عليها صنع حدود لنفسها وتحديد إجابات قوية.
فردت بصوت معتدل:
"لأ.. ما سبناش بعض.. ظروف أسرية مش أكتر."
هز رأسه متفهماً، وهي ارتضت داخلياً وبدأت تصفق لنفسها تخبرها بأنه (ها أنا قد صنعت حدود ولم ينقلب العالم ضدي، يعني بالعكس فهذا حقي وكان علي أن أفعل منذ زمن). تبسمت برضا وعلمت أنها خطت خطوة كبيرة في مشوارها مع ذاتها. ولم تسأله في المقابل ماذا يفعل هنا، كونها تحاول غلق الأحاديث. لكنه هو من تطوع وقال يخبرها بدون سؤال:
"مفهوم مفهوم... بس هيعجبه الدنيا دي والصدف، ما توقعتش أشوفك هنا خالص. أنا جيت هنا عندي شغل مهم، أنا شريك في الشركة هنا."
"بجد؟!" همست بابتسامة مشوشة مابين الأمل والإحباط. ترى هل تسأل مساعدته أم تترقع وتغلق أي مجال للحديث وتنتظر ربما حالفها النصيب وتم قبولها دون واسطة.
هزت رأسها بجنون. ليست الحدود فحسب من تمنعها، بل هي لم تتعلم كيف تطلب من أحدهم المساعدة، على عكس معظم الفتيات يقدرن ويعرفن كيف تساق الأمور، وهي لا.
وقفت أمامه عاجزة... والجمال وحده غير كافٍ. هنا يكمن الفرق بين الفتاة الجميلة جداً ومتوسطة الجمال. هنا متوسطة الجمال تفوز؛ لأن الجميلة تربت واعتادت أن تأتيها الأشياء وكذلك الإطراءات لأجل جمالهن، لذا سعيهن في كسب ود وتجاذب الأطراف أقل بجهد أقل، وبالتالي خبرة حياتية أقل بكثير عن متوسطة الجمال التي تبرع في تطوير ذكائها ومداركها وتعاملاتها الاجتماعية وتجتهد في ذلك حتى تصبح ناجحة فيه لحد كبير، بل كبير جداً، فتصبح أكثر خبرة ولديها مهارات تواصل اجتماعي جيدة جداً. ويساعدها في ذلك محاوطة الكثيرين لها، فهم يرون متوسطة الجمال لا تشكل خطراً إن قربوها منهن أو أدخلوها بيوتهن ودوائرهن المقربة. على عكس الجميلة جداً والتي تشكل خطراً طبيعياً يعترف به كل إنسان عاقل. فأي فتاة ستعمل ألف حساب قبلما تدخل صديقتها الجميلة جداً لبيتها.
نظر لها مستغرباً وسأل:
"في حاجة؟! مالك؟!"
عزمت الترفع ولن تسأل أحد المساعدة. ردت بهدوء:
"ولا حاجة، فرصة سعيدة جداً، عن إذنك."
هل سينتهي اللقاء؟!! هكذا وبتلك السرعة؟!! سأل نفسه وشرع يوقفها وقد ظهر على صوته اللهفة:
"أستني."
وقفت مستغربة فسألها:
"معقول نتقابل صدفة في بلد غريبة ونمشي بسرعة كده. اسمحيلي حتى أعزمك على كوفي، آخد عنوانك عشان لو احتاجتي لحاجة واحنا في غربة كده. أ.. حتى عشان ماهر ما يزعلش مني."
همست داخلها (ماهر هيزعل لو عرف إنك وقفت معايا الشوية دول). وفكرت سريعاً في الرد بعدما تعلمت الدرس الذي أخذته مسبقاً من معرفتها بطارق أبو العينين. لذا ردت:
"لأ مش عايزة أتعبك ولازم أتحرك دلوقتي أشتري شاحن أو باور بانك لأن فوني فاصل شحن."
"طيب تعالي أوديكي محل عارفه هنا عنده كل مستلزمات الموبايلات."
"لأ بلاش مش حابة أتعبك."
"لأ ما فيش تعب ولا حاجة يالا بينا، مش محتاجين عربية، تعالي ناخد كوفي وفي نفس المكان فيه كل حاجة."
سارت لجواره، تقدم قدماً وتؤخر الأخرى. بداخلها صراعات. هي لا تفعل شيئاً خاطئاً، لماذا كل ذلك الرعب؟ هو من أصر. يبدو أن خوفها من ماهر صنع بداخلها عقدة.
كان يطلب لها القهوة من عند الماكينة وعيناه عليها تبتسم تلقائياً، يشاهد توترها الذي تحاول مداراته. تفرد ظهرها وكأنها هكذا ستبدو قوية. هز رأسه بضيق وهو لا يستطيع إلا أن يعجبه. عيناه تنبسط من النظر لها. جميلة وناعمة ورقيقة تجذبه كما الفراشة واللهب.
تقدم لعندها يعطيها القهوة فشكرته بخفوت. وعيناه مازالت عليها معجباً بتفاصيلها، يراقبها بلا حول منه ولا قوة. وقتها فقط فهم معاناة والده الذي لم يقصدها. بها شيء جاذب كما فعلت والدتها في والده وأحبها.
قطع الصمت يسأل:
"ما قولتيليش بقا... كنتي بتعملي إيه في الشركة."
"أحممم، كنت مقدمة على شغل فيها."
"بجد؟! واتقبلتي؟!"
"مش عارفة؟!" بس كان في كتير متقدمين.
قالتها متأملة أن يساعدها دون طلب، لكنه قال:
"ولو قبلوكي هتشتغلي بجد ولا هتسبيهم تاني يوم زي ما عملتي معاياااا؟!!!!"
رفرفت بأهدابها فقهقه ضاحكاً. لتقف قائلة:
"على فكرة اخت حضرتك هي اللي زودتها معايا ساعتها والموقف ما كانش مستدعي كل الصوت العالي والإهانة دي، فعشان كده مشيت."
"أنا آسف ما..."
قاطعته تردد:
"تمام تمام... أنا لازم أمشي حالاً عن إذنك."
تحرك بلهفة يوقفها:
"أستني، معقول هتمشي بسرعة كده، طب مش هشوفك تاني أنا لسه قاعد شوية."
قالها كاذباً، فميعاد طائرته بالفجر. لكنها ردت تحسم الأمر:
"لأ ما أعتقدش، فرصة سعيدة وشكراً على القهوة."
تركت له القهوة التي لم ترتشف منها قطرةً وغادرت سعيدة، تشعر أنها نجحت في الاختبار. قديماً ما كانت لتأخذ كل ردود الأفعال وربما لظلت جالسة منحرجة الرفض. لكنها باتت تفعل، وهي أكثر من سعيدة بذلك.
***
وصل رشيد للندن ودلف للبيت الكبير الذي تسكنه علياء وابنه يناديها بغضب:
"علياء…. علياء… أنتي يا ست هانم."
نزلت الدرج بهدوء تردد:
"ششش.. أنت فاكر نفسك فين، وطي صوتك وأنت في بيتي."
"نعم؟! بيتك؟!"
"أممم… بيتي… خلي الحب والغرام بقى مع الحلوة بنت خالك تنفعك وأنا بأخد نص ثروتك."
"خلينا نتفاهم يا علياء بلاش كده."
فردت بعنف:
"مستحيل… مستحيل أتفاهم معاك ولو بوست إيدي عشان أرجع لك."
ساقه الكبر وردد بعناد ذكوري:
"ومين قال لك إني بكلمك نتفاهم عشان نرجع؟ أنا بتكلم عن الفلوس مش أكتر."
جرحها ببراعة فقالت:
"شاطر.. بس ياريت تكون فاكر وعارف إن كل اللي أنت فيه ده بفضلي أنا."
"لأ يا حبيبتي أنا ماحدش له الفضل عليا غير ده وده."
قالها مشيراً على عقله وذراعه. لترد بقوة:
"وعلاقات عيلتي وجنسيتي اللي بناء عليه اتسرع إجراءاتك وأخدت الجنسية أنت كمان ومن بعدها اتسهلت لك صلاحيات كتير."
"بلاش نوسخ مع بعض بيكي أو من غيرك كنت هوصل يا علياء."
"بس مش بالسرعة دي."
"خلينا نرجع ونربي الولد بينا."
حاول لمرة لكنها رفضت رفضاً قاطعاً:
"لأ…. وبكرة ميعاد المحكمة، هنخلص كل حاجة بكرة والبيت ده هيبقى من ضمن نصيبي."
"بلاش طمع يا علياء.. أنتِ عارفة البيت ده لوحده بكام؟!"
"عارفة، وهاخده… حقي… خلينا نربي الولد بينا بشياكة يا رشيد."
قالت الأخيرة كأنها تبتزه وتذكره ليصمت تماماً ويرضخ لطلبها.
***
ظل ماهر قلقاً عليها طوال الوقت وبداخله يراجع كل مواقفه معها وذكرياتهما سوياً. نظر بلهفة للهاتف حين وصلته رسالة أن رقمها بات متاحاً واتصل في التو بلا تفكير. ثوانٍ وأتاه صوتها الرقيق:
"ألو."
فاندفع يردد بقلق:
"فينك كل ده وموبايلك مقفول ليه؟!"
"فاصل شاحن والوصلة اللي هنا باظت."
سحب أنفاسه وزفرها على مهل ثم ردد:
"قلقتيني عليكي."
"أنا آسفة."
"وحشتيني… أنا آسف."
قالها بصوت مرتجف أقلقها فسألت:
"ماهر؟! مالك؟!!"
"أنا آسف.. آسف يا لونا.. آسف بجد على أي حاجة عملتها معاكي وعلى طريقة جوازنا وخناقنا… آسف على طريقة حبي ليكي… وأسف إني مش عارف أغيرها."
"إيه اللي حصل يا ماهر؟!"
مسح عينيه ينظر على جنى الغارقة أمامه في النوم. ثم ردد:
"ما حصلش حاجة.. انتي بس وحشتيني… وحشتيني قوي يا حبيبي."
أغمضت عينيها وقد اشتاقت لذلك اللقب منه. تبسم وهو يشعر بها فردد:
"مش كفاية كده بقى يا لونا؟! مش هتجيلي بقى ولا لسه مزاجك مش جايبك ترجعي لي؟!"
صمتت ولم تجب، فقال:
"تمام يا لونا براحتك… هسيبك عشان تنامي… تصبحي على خير يا روحي."
أغلق المكالمة معها قبلما تخبره أنها اشتاقته بشدة وتفكر في العودة سريعاً.
صباح يوم جديد. كان يجلس وحيداً على طاولة السفرة التي كانت مكتملة الأفراد منذ عام فقط. عام واحد بدل الأحوال. فقد سافر عمه فاخر للعيش مع بناته حيث يدرسن بالخارج، ووالده فر هارباً بوالدته ولونا مسافرة. بينما كمال منذ تلك الليلة المشؤومة لم يستطع المكوث في البيت وجنى لا تبرح غرفتها.
تنهد بصمت، يرفع رأسه للسماء حتى وردته وسأله. كانت من محاميه مكتوب فيها (كله تمام). تفاجأ بجنى تنزل الدرج وقد تأنقت بثياب رسمية للخروج. نظر لها مستغرباً وسأل:
"على فين يا حبيبتي انتي لسه تعبانة؟"
"رايحة المحكمة، النهاردة ميعاد الجلسة."
ضرب جبهته بكفه متذكراً أنه محاميها الذي وكلته لقضية الطلاق غير محامي العائلة، لذا لم يكن على علم بميعاد الجلسة. جنى تحركت بعيداً عن الأسرة وعلاقاتها كي تتصرف كما تريد بحريتها. فسألها بجدية:
"متأكدة من قرارك ده يا جنى؟"
"أيوه."
ردها كان قوياً وحاسماً. فعاد بظهره للخلف يدرك ثم قال:
"والي تحبيه أنا هعمله… يالا بينا."
"هروح لوحدي."
"بس..."
"مابش... ماتخافش... أنا كويسة."
"يا جنى…"
"والله ما تقلق… عايزة أروح لوحدي من غير ماهر أتحامى فيه.. فاهمني."
"فاهمك."
وقفت لتغادر، لكنها التفت تردد:
"ماما يا ماهر."
ابتسم وجاوب:
"ماتقلقيش… روحي مشوارك وخلي دايماً موبايلك في إيدك."
***
وقف في المحكمة يتمنى ألا تحضر، لكنها حضرت ولم تنظر له. اقترب منها بلهفة يردد:
"جنى أنا…"
قاطعته وقد غلبها الرعب متذكرة ما جرى:
"مكااااانك."
وقف بوضعه متيبساً يرى رعبها منه في عينيها بعدما كان أمانها. فأخذ يردد متضرعاً:
"سامحيني يا جنى… غصب عني والله كنت متجنن… ما كنتش عايز أخسرك تحت أي بند… أنا بحبك والله… والله العظيم بحبك لدرجة ما كنتش متخيل إني بموت فيكي كده.. غلطة ومش هتتكرر.. اعملي فيا اللي انتي عايزاه… خدي كل الضمانات… همضي لك على بياض… شوفي إيه يرضيكي وأنا أعمله بس بلاش الطلاق."
"وأنا مش عايزة غير الطلاق."
صمتت ثوانٍ ثم أجهزت عليه حين نطقت عيناها قبل شفتيها تردد:
"أفهم، إحنا حتى مش هينفع نبقى ولاد عم تاني."
"لأ يا چنا لاا ابوس إيدك."
تدخل المحامي يردد:
"أستاذة جنى.. دورنا."
تحركت بقوة غير قابلة للتراجع، وهو دلف خلفها. الأمر لم يأخذ دقائق وخرجا مطلقين. كانت تنظر عالياً تشعر ببعض الانتصار. تتقدم بخطى قوية ليناديها:
"جنى.."
ألتفت تنظر له فقال:
"مش نهاية الدنيا، هرجعك ليا يا جنى مش هـيأس."
"أنصحك ترجع مكان ما كنت عايش وشوف حياتك."
"مش هسيبك يا چنا.. مش هسيبك."
لم تبالي بحديثه وخرجت تشعر بالانتصار. وهو خلفها.
***
خرج من أحد محلات الورد بلندن وقد أخذ بنصيحة الطبيب المعالج حين لاحظ غرامه بزوجته، فأقترح عليه أن يحضر لها باقة ورد كهدية فالنساء يعشقن الورود. تقدم من المشفى يدلف للداخل وهو يحمل باقة الورد. وكل ثانية ينظر عليها وبداخله يردد: "هتفرح بيها قرووي".
فتح باب غرفتها ليصدم بها خالية… ورسالة قصيرة وصلت هاتفه لحظتها جعلته يلف حول نفسه بجنون حين قرأ المكتوب فيها: (شكراً على العميلة يا والدي أنا فعلاً من زمان كنت بقنعها نسافر وهي رافضه وخايفة. صحيح رب ضارة نافعة، صحيح يا والدي أنا سبت لك في الاستقبال نسخة من قسيمة الطلاق طلعت النهاردة من المحكمة، ابقى حط الورد في مايه لا يبدلإمضاء ماهر).
صرخة عالية يملؤها الغضب والقهر خرجت من عزام وهو يدرك أن حتى الطبيب لم يسده نصيحة ولا شيء. هو فقط كان يبعده عن المكان ريثما يتسنى لأبنه الهرب بوالدته.
***
وقف رشيد بمقر شركته التي طالتها بعض التخبطات بسبب نقص سيولة المال نتيجة اقتسام الثروة. ومدير مكتبه يردد:
"سيدي علينا العمل بيد من نار وحديد الفترة المقبلة وأن نعقد العديد من الصفقات في الفترة المقبلة كي يتسنى للشركة الوقوف على قدميها من جديد كما كانت وعودة دورة رأس المال من جديد."
تنهد بتعب يردد:
"أعلم باولو أعلم… معك حق… هل لديك خطة؟"
"نعم… تسعون يوماً وسيعود كل شيء في نصابه سيدي… أرى أن سفرتك للقاهرة لم تجلب سوى الخراب سيدي والشر كذلك."
أسبل رشيد عينيه وردد:
"هي شر… لكن لابد منه."
فتح هاتفه يرى صور خطبة جميلة بجوار ذلك الشهاب. ضم قبضة يده وردد:
"وكل حاجة هترجع لصاحبها…. لسه ما خلصتش."
رواية سيطرة ناعمة الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سوما العربي
مرور الأيام كان صعباً في الفراق، يمر ببطء رهيب على العاشقين.
كان عزام يجلس وحيداً في لندن حزيناً وندماً. نسرين سعت للطلاق ووافقت عليه بعدما كانت ترفضه جملة وتفصيلاً.
أسبل جفنيه بحزن شديد، يشعر بخسارة فادحة وهو مشرف على سنوات عمره الستين.
خروجه من بيته مضطراً كان أول الخسارات. لم يكن في عمره يتخيل أن يترك بيت الوراقي الذي كان لوالدته من الأساس، والآن حصلت عليه تلك الحشرة "لونا". هو للآن غير نادم مطلقاً على أفعاله معها ومع شقيقته.
رفع هاتفه يتصل بماهر الذي فتح المكالمة ورد بصوت متردد.
- ألو... بابا
- أزيك يا ابن الكلب.
عض ماهر شفتيه وهو يمرر سبابته وحاول التحلي بالهدوء، يردد:
- أنا مش هرد عليك انت دي أبويا بردو.
- وهو انت لك عين ترد.
- وما ليش عين ليه يعني!
- بقا بتطلق أمك مني يا ابن الكلب!
- ابن الكلب ابن الكلب، مفيش شتيمة غيرها طيب. وبعدين أنا ماغصبتهاش ولو بغصب أو تكون مفكر إنط بزن كنت عملت كده من زمان. بابا حاول تستوعب، ماما عملت كده بمزاجها.
- انت اللي جيت وخطفتها.
- لا رجعتها. الخطف بيتسمى على اللي انت عملته.
- طب خليني أكلمها.
- نايمة.
- يابن الكلب، نايمة بردو؟؟ انت مين وصاك عليا عشان تعمل معايا كده؟ هو أنا اللي مخلفك ولا انت اللي مخلفني؟! وبعدين أنا شايفك عامل فيها الزناتي خليفة وعمال تجوز وتطلق! حلووو، ما طلقتش ليه انت كمان؟! ولا هو حلال في غيرك وبس؟؟
عض ماهر شفتيه بغضب ثم ردد:
- الخلافات اللي بيني وبين لونا أنا قادر أداويها وعرفت غلطتي وهصلحها ومهما كانت عمرها ما هتكون بحجم اللي عملته مع أمي. ده انت عرفت عليها ستات أد كده وروحت اتجوزت بنت أكبر من ابنك بكام سنة وأصغر منها هي بعشرين سنة وهي مريضة! كنت عايز تحسسها بإيه؟! إنها عاجزة ومريضة وراحت عليها؟!
- قلت لك جواز مصلحة.
تعب ماهر من الجدال معه فردد بتنهيدة مرهقة:
- طيب يا بابا هو كان جواز مصلحة واللي بينك وبين ماما خلص. أقولك حاجة.
قالها ماهر بمهادنة ربما حل عنه والده قليلاً فسأله عزام:
- قول.
- سيبها للوقت وللظروف حتى تكون هديت، إيه رأيك؟! وأنا بنفسي هكلمها لك.
- بجد ياض؟
- بجد، عشان تعرف إن مش ابن كلب ولا حاجة. أو اللي تشوفه انت الحوار ده انت أدرى بيه.
- ماشي يابن الكلب.
ضحك ماهر مجدداً وهو يغلق الهاتف مع والده ثم ينظر لوالدته الغافية على سريرها بجواره في السيارة وقد وصل القاهرة.
***
خرجت من أحد البنايات الفخمة سعيدة بل تكاد تطير من الفرحة. لقد قبلت أخيراً وبدون وسيط.
تحركت بخفة الفراشة لتذهب سيراً على الأقدام للبيت. الشركة قريبة من الميدان الذي يتفرع منه شارع بنايتها. إنها حقاً محظوظة.
لا تدري شيئاً عن زوج العيون التي تتابعها من بعيد داخل سيارته. يبتسم وهو يراها تكاد تقفز من الفرحة.
لم يجرؤ على الاقتراب منها. عقله كان واعياً، رغم تعلق عيناه بها وصوت هاتفه أخرجه من شروده.
نظر للهاتف كانت رسالة على البريد الإلكتروني من العمل. تنهد بتعب وحيرة وهو يرى صورة زوجته مرام التي يضعها خلفية للشاشة. كانت أول صورة التقطها لها وهي لا تدري في الفترة التي سبقت فترة تعارفهما. كانت كلها تشابك والتحامات. ما كان يفصل بينهما غير الشديد القوي. هو يراها متكبرة وسليطة اللسان وهي تراه متعجرف وطباعه سيئة. يظن أنه ابن ملك العالم... إلى أن أدى العراك بينهما إلى رفع الأيادي ويومها لم يتواجد الشديد القوي كي يفصل بينهما، فأصاب كل منهما الآخر.
ضحك مقهقهاً وهو يتذكر كلامه الذي كان يردده وهو يمنع نفسه عن ضربها: "يابنتي أنا راجل محترم، مش عايز أمد أيدي على بت".
ولم يدري أنه قد أشعل لهيب براكينها أكثر وأكثر، وصرخت محتجة على كلمة "بت" فزاد الأمر بينهما سوءاً إلى أن أصاب كل منهما الآخر فجلسا على الرصيف متأوهين. ومن هنا حلت دقيقة الصمت التي لو كانا أخذاها منذ البداية لوفرت عليهما كل العراك والجدال.
علاقتهم كانت مختلفة ومرام كانت مختلفة. لمعت عيناه بحنين ثم أسبلهما نادماً.
نظر على لونا وقريبة من السيارة متخذة طريقها. أغلق زجاج السيارة المعتم ثم دعس على البنزين.
هاتف مكتب السياحة الذي يتعامل معه وطلب منه بهدوء:
- عايز أول طيارة على القاهرة.
ثم غادر.
غادر وترك المدينة بشوارعها واعتكف في المطار حتى حان ميعاد طيارته التي ستذهب به لأحضان أسرته.
***
تحرك بسرير بعجلات يجر عليه والدته داخل قصرهم من جديد. ذهب بها حيث غرفة جده في الطابق الأول كي لا تصعد السلم وردد:
- حمد لله على السلامة يا سيدة القصر، البيت نور.
- الله يسلمك يا حبيبي، بس عايزاني أطلعني أوضتي جايبني هنا ليه؟
- بصراحة مش أنا، ده كان اقتراح جنا. قالت عشان يبقى سهل تاخدي كورس العلاج الطبيعي بتاعك خصوصاً إنه هيطول حبتين وعشان تخرجي للشمس وتبقي معانا على الفطار بلاش حبستك فوق دي.
- ماشي يا حبيبي، فكرة بردو، بس هي فين جنا.
وعلى سيرة چنا دلف المخلوع يردد:
- چنا! لااا جنا خلاص بقت بزنس ومن. معاها ملايين وبتعمل برندات وبتقابل عارضين أزياء.
- جرّي إيه يا كمال داخل علينا بزعابيبك كده، هو ده وقته.
- اه وقته، أنا دمي بيغلي. ازيك يا طنط.
خص بها نسرين بنبرة صوت محايدة كأن عليه جني ثم عاد يشاجر ماهر:
- اختك القادرة خلعتني وماقعدتش يوم واحد حزينة. خدت الفلوس وهاتك يا مصاريف، وبتقابل في عارضين أزياء، جايبة رجالة من تركياااا، انت متخيل أنا وضعي إيه؟؟
- ششششش ..وطي صوتك، تعالا معايا... تعالا برا..
اخرج يسحبه معه للخارج واغلق الباب على والدته ثم التف لكمال وجده صامتاً وحزيناً يقف ينظر للأرض وهو يحرك قدمه ثم بدأ يردد بصوت خرج منه حزين نادم جداً:
- من غير ما تسمعني، عارف إن كنت مقضيها، وبتاع ستات، مش هنكر. أنا من كتر ما أنا زبالة وعملت اللي ما يعمله كنت بخاف وأقلق من أي راجل يقرب من البيت أو من جنا وحتى لونا، عشان أنا عكيت كتير، بس هو يعني مفيش توبة خلاص؟! ده ربنا بيسامح.
- بس هي مش ربنا عشان تقدر تغفر زيه.
انفعل عليه كمال ورد بغضب:
- توبة إيه؟! انتو هتشتغلوا نفسكم وتشتغلوني!!! هو أنا كنت خنتها مع حد ولا عكيت مع حد وهي ومعايا. طب ورحمة أمي ورحمة أمي اللي مش بحلف بيها باطل أبداً أنا من ساعة ما نزلت مصر وأنا ماشي عدل، وزاد كل ده لما بدأت أتعلق بجنا.
- تتعلق بمين يا كمال! انت كده اللي عايز تشتغلني أنا، جنا مين اللي اتعلقت بيها؟! هو أنت أتلفتت ليها غير عشان الوصية ومن بعدها تقريباً حليت لك اللعبة وولعت نار بقا لما قالت خلع، إزاي كمال الوراقي يترفض وكمان يتخلع مش كده.
- كده.
- كويس إنك صريح مع نفسك ومعايا.
- بس الحكاية ما وقفتش هنا، أنا لما اتجوزت جنا حسيت إحساس غريب وأنا بكتب كتابي عليها وأنا بقول للمأذن أطلبها بنفسي ولنفسي ومن بعد الجملة دي كل حاجة اتغيرت، ساعتها عرفت أنا كنت بحس ناحيتها إيه ومش راضي أفسره. أنا بحبها وتقريباً كده من فترة. يا ماهر أنت عارف إن حتى كقرايب وأولاد عم جنا أقرب لي منك مع إننا رجالة زي بعض وسننا قريب مت بعض، والوصية مش هي اللي لفتت انتباهي لجنا، أنا عيني عليها من بدري بس ماكنتش عارف أجيبها إزاي، وكون إنها خلعتني ده قصة تانية هتتحاسب عليها بعدين بس أرجعها.
- ترجع مين؟! أنت شكلك عبيط. أنت طينت الدنيا باللي عملته ولو في حد المفروض يتحاسب فهو أنت وأنا اللي أقف لك. هي مالهاش رجالة ولا إيه!!!
صرخ ماهر بعنف ليرد كمال:
- يعني أنت عملت كده في لونا بقا عشان مالهاش رجالة.
- أنا ما اعتصبتهاش.
صرخ مجدداً لكن بحده أعلى فقال كمال:
- بجد؟ أمال كل الزعيق والقصص اللي كنت بتعملها وطريقة جوازك منها؟! إيه كان برضاها!!!
سب من بين أنيابه. كمال دوماً هو جلاده وعقابه.
اقترب كمال منه يحاول التحدث بنبرة تجلب التعاطف وردد:
- أنا بس عايزك تفتكر إني كمال اللي ياما دافعت عنك وياما وقفت جنبك وكنت بقولك تعمل إيه مع لونا وإيه ممكن يقربها منك عشان تكسب قلبها.
صمت دقيقة ثم نظر داخل عيني ماهر وطلب منه برجاء:
- لأول مرة هقولها لحد بس أرجوك أقف جنبي عشان أرجعها.
صرخت عينا ماهر بالرفض وهم ليتحدث فأقطعه كمال يكمل:
- بمزاجها، بمزاجها ومش عايز غير كده.
أسبل ماهر جفنيه. كل شيء يُعاد بحذافيره. تنهد بتعب ثم قال:
- ماشي يا كمال.
تهلل وجه كمال فرحاً يسأل:
- بجد؟!!!
- اه، أصلاً جوازتكم دي كانت تعتبر باطلة لأنها مبنية على شرط وميعاد مش إيجاب وقبول ونية بناء أسرة. فكريس إن ده حصل.
- كويس إني اتخلعت؟! وبحجة زي دي؟! الهانم اختك فضحتني.
- هي مجرد رد فعل، أنت كنت هتتنيل تغتصبها.
- ماتستعبطش يا ماهر هي رافعة القضية من قبلها، أنا اللي كنت رد فعل.
- هو رد الفعل ده زي ده؟!
أغمض عينيه ورد منفعلاً بها:
- ماقدرتش أمسك نفسي، مانت راجل وعارف، البنت اللي بحبها، لابسة كده وقدامي وهي حلال و..
أخرسه ماهر وهو يقطع حديثه مردداً:
- شششء اخرس. أنت بتبرر إيه؟؟ أنا غلطت، قول غلطت.
- غلطت، ماشي، هااا وبعدين؟ أرمي نفسي تحت عربية؟؟ هتعملوا فيا إيه يعني؟! هو قطم رقبة؟ أنت ترضى إن لونا تبعد عنك؟
- ماهي بعيد أهي.
- مش قصتي... أنت وعدتني هتساعدني.
- ماقدرش أديك وعد بكده، البت خايفة منك أصلاً، بس سيب كل حاجة للوقت.
- وقت إيه؟! هو أنا لسه هستنى.
- لم نفسك يا كمال.
- طب عايز أرجع أعيش معاها هنا.
- مش هينفع.
- ماشي يا ماهر... عموماً، كنت عارف إنك هتقول كده. في بيت هيفضى هنا قريب وأنا هأجره مفروش بس توعدني إنك هتقف معايا.
تنهد ماهر بتعب محتار مابين شقيقته ورفضها وابن عمه المتضرع يطلب فرصة.
جلس على أرضية الحديقة يشعر بثقل كاهله من تعاقب الأحداث والمشاكل. يشعر أنه بحاجة شديدة لأحضانها.
فتح هاتفه المحمول يتفحص صورها. لقد نشرت صوراً جديدة لها بروما مع والدها. يمنى لو كان هو شريكها بتلك الصور والذكريات السعيدة.
ورغم عنه ابتسم وهو يطالع جمال حبيبته. بسمتها كانت من القلب تشع حيوية وحياة زادت وجهها إشراق. ألهذه الدرجة هي سعيدة في البعد عنه.
مسح بيده على صورتها مشتاقاً. ورغم شوقه الجارف إلا أنه امتنع وقاوم اتصاله بها. عزة نفسه منعته لأول مرة.
رفع رأسه للسماء يشكوها حزنه ببعدها وأنه يريدها بجواره تسانده وتأخذه بأحضانها.
نظر للصور من جديد مشتاقاً ومن شدة الشوق يريد أن يبكي وهو يسأل: ألم تخبره أنها ستعود وحدها؟ لما طال البعاد إذاً؟ أهذا يعني أنها ما اشتاقت ولن تعود؟!
إنه يموت بدونها، لكنه لا يقدر على مواصلة ملاحقته لها. قالتها صريحة: "دعني أعود إليك وحدي".
ثم ذهبت ولم تعد، ويبدو أنها أزهرت في البعاد.
أغمض عينيه يرفض دموعهما. الوجع نال منه باختيارها البعاد وكان أقسى عقاب.
فتح عينيه على صوت رنين هاتفه. اسمها "لونا حبيبتي" يتراقص على شاشة هاتفه فيرقص قلبه معه.
لم يفكر مرتين وفتح المكالمة على الفور:
- ألو.
- ألو.
سمعت صوته الحزين ونبرته الهامدة فسألت بقلق:
- ماهر؟! انت كويس؟
أسبل جفنيه بتعب. كلمة ماهر منها فقط تذيبه ثم ردد:
- الحمدلله.
- لا، صوتك مش بيقول كده.
- كويس يا لونا، كويس....
حمحمت بحرج ثم سألت:
- شكلك كويس من غيري ومرتاح.
- انتي اللي شكلك مرتاحة قوي في بعدي، واحلويتي.
قالها بقلب مشروخ مابين الإعجاب بحبيبته والحسرة أنها اختارت البعد.
ردت مندفعة بخط مستقيم كما عودته:
- أنا بردو، ما جتش تاخدني ليه غصب عني وتألف قصص وتعمل حكايات زي زمان، أنا شكلي خلاص مابقتش لازماك، أنت بقيت مستغني عني، تلاقيك شايف لك شوفة. صحيح تلاقي الست رؤى مسلياك. انت ضحكت عليا وفهمتني إنك مهووس بيا ومش بتعرف تشوف غيري. أنا كنت متأكدة، كل يوم أقول هييجي دلوقتي يكسر رقبتي ويشيلني غصب عني يرجعني معاه أو يفضل لازق فيا. مانا خدت على بجاحتك وقدرك وأنت دائماً بجح ووقح وجبروت. بس أنت ماعملتش كده، إيه استغنيت ولا زهقت مني يا سي ماهر، خلاص؟! قصة الحب خلصت كده يعني!!!
كان يسمعها وعيناه تتسع شيئاً فشيئاً ويكاد يجن. ارتفع الأدرينالين في جسمه للمليون. بما تهذي تلك البلهاء؟ هو معتاد على جنونها وردات فعلها غير المتوقعة والعنيفة أحياناً من شدة مباشرتها، لكنه لم يتوقع أن تنفجر فيه وتخبره بكل هذا الكلام وتلك الأحاسيس.
هو خائف الآن على دقات قلبه من فزعة خفقانه. فهل تلك المجنونة كانت تنتظره كل تلك المدة أن يأتيها ويأخذها عنوة كما كان يفعل دوماً.... هل جلست بلياليها تنتظره وهو من ظنها جافته.
هل ترغبه وتريده كما يريدها لكنها اعتادت الدلال؟ أهي متعذبة في البعد مثله؟
هل باتت مدمنة التصاقه الإجباري بها ولم يعد يخنقها؟ هل وهل وهل... ألف هل جننت شعوره وأفقدته صوابه.
صوته مختنق من غمر المشاعر.
وقف عن الأرض بتمهل، لا يصدق نفسه ولا ما سمعه منها ثم سألها:
- لونا... أنتي... اللي سمعته صح؟! انتي عايزاني آخدك.. عايزة ترجعي لي بمزاجك؟
- لا.
عادت ترد بدلال... جننته.
واستطردت تقول:
- وأصلاً أنا لاقيت شغل وهشتغل.
استوى في وقفته وردد باقتدار:
- مش عايز أسمع نفس... خلاص خلص وقت الدلع، انتي اللي اتصلتي وانتي اللي رجعتي جنون ماهر من تاني، مش كان وحشك؟
سألها بفخر وانتصار فردت:
- لأ...
- أخدتي على الدلع.
- تصبح على خير.
قالتها وأغلقت الهاتف في وجهه ثم رمته على الفراش وارتطمت فوقه. على من ستنكر؟ لقد اشتاقت حب ماهر البربري الهمجي.
كل يوم في البعد كانت تتوقع مجيئه ليحملها كشوال أرز ويعود بها قسراً لكنه لم يفعل وتركها على حريتها التي كانت بالسابق تتمناها.
احتضنت نفسها بذراعيها كما كان يضمها ماهر دوماً وهي لا تعلم متى تسلل لروحها.
هي بالفعل اعتادت الدلال عليه مذ علمت مدى تعلقه بها ومكانتها عنده وباتت تتصرف على هذا الأساس دون أن تدري.
ربما اكتشفت حبه من بعد قراءتها اطلاعها وتعارفها على نفسها. لقد طورت من شخصيتها الكثير وعلمت أنه يمكنها تحويل كل نقاط الضعف لقوة وحب ماهر لطاقة قوية تدعمها بدلاً من التقييد.
وقد بدأتها وهي لا تدري مذ استقوت به وهددت عمها ومن بعدها زادت قوتها وردات فعلها ووقفت أمام رؤى الكيلاني تجابهها كلمة بكلمة والفضل كله لماهر.
أسبلت جفناها بتعب وغفت وهي لا تعلم.
لتستيقظ نهار اليوم التالي على صوت دقات جرس الباب المتتالية والمتعالية. نظرت للهاتف لترى كم الساعة. أيعقل إنها السادسة صباحاً! من سيترك البيت الآن.
هل هذا هو؟!!! تمنت وهي تذهب للباب لكن المنطق يقول لا بالتأكيد لن يستطيع اللحاق.
لكن مع ماهر ينعدم المنطق وتصبح الإجابة نعم، هو ماهر.
وقفت بأعين حاجظة تنظر له وهر ينظر لها. أنفاسهما متسارعة من شدة تضخم شعورهما ودقات قلبهما.
ولم يستطع البقاء واقف هكذا بل جذبها من ذراعها ينتزعها داخل أحضانه حتى تهدأ مرتاحة. هي الآن بين أحضانه. أطبق ذراعيه عليها ثم اعصرها بين أحضانه وهو يردد:
- وحشتيني وحشتيني ... وحشتيني قوي.
- إزاي جيت بالسرعة دي؟
أبعدها عن أحضانه كي يتسنى له مطالعة ملامحها التي اشتاق لها بجنون ثم ردد:
- ماقدرتش أصبر، أخدت طيارة الفجر ووصلت من المطار عليكي، كنت مستني بس أي إشارة منك وأجي لك وآخدك غصب وأرجعك بس تقولي.
ضربته في صدره وقد عادت لها نوبات جنونها:
- بعد إيه، ثم إن أنا مش موافقة.
- مش بمزاجك، انتي خلاص بتاعتي... وهترجعي معايا غصب عنك..
اقترب خطوة وعيناه تلمع يكمل:
- ورجلك فوق رقبتك.
كان يقترب وهي تبتعد. نظراتها عليه وعلى ثيابه الفخمة وشياكته غير العادية. ماهر دوماً جذاب ودوماً متأنق.
نظراتها أومأت له بشوقها الجارف، فاقترب منها وانتزعها مجدداً بين أحضانه يردد:
- تعبتيني... تعبتيني وغلبتيني معاكي.... ووحشتيني.
قالها بأعين لامعة ثم ردد:
- فرحنا ميعاده قرب.
أبعدته تردد:
- فرح إيه، أنا هرفع عليك قضية خلع زي جنا.
- الله!! انتو بتتكلموا وبتتفقوا عليا؟! طب أعملك فرح الأول وبعدها اتطلقي حتى عشانك.
نظرت له بجانب عينها فلاحظته وهو يخرج من جيب بدلته علبة زرقاء مخملية فسألته:
- إيه ده؟
- أحنا اتجوزنا من غير شبكة ولا حتى دبلة خطوبة.
فتح العلبة ليظهر خاتم ماسي راقٍ مطعم بفص كبير أخضر زاد من فخامته فسألته:
- ده شكله غالي قوي، ده ألماس؟
- طبعاً، أقل حاجة تليق بيكي، لحد ما نرجع مصر أنا اشتريت لك باقي الطقم.
نظرت للخاتم بفرحة كبيرة وهو يلبسها إياه ثم قالت:
- أنا كنت مفكراك.
- إيه بخيل؟
- لا بس، شايف إن مش مستاهلة.
- انتي تستاهلي تقلك ماس، أنا اللي طروبش وبتفوتني تفاصيل مهمة.
رفع كفها لفمه يقبله ثم زاد من ضمها لجسمه يردد:
- وحشتيني قوي، هترجعي معايا؟!
سأل محدداً بأدب لكنه لم ينتظر الجواب بل زاد:
- هترجعي... مش بمزاجك مش هسيبك خلاص.
قال الأخيرة وهو يضمها لأحضانه بجنون كأنه لا يصدق أنها وأخيراً معه.
رفعت يديها شيئاً فشيئاً وضمته لها وهي تبتسم فها قد عاد ماهرها الهمجي المتملك.
شعر بضمتها له تبادله الحضن فجنّ جنونه وتجرأت يداه يرفع شعرها عن عنقها ويقبلها قبلات مجنونة يطبع علامات ملكيته عليها.
يعود بها للخلف فدلفت قدماها لغرفتها. أغلق الباب بقدمه وهو ينزع عنها بلوزتها البيتية، وهي تحاول منعه:
- بتعمل إيه يا ماهر.
- بعمل اللي نفسي فيه بقالي شهر وانتِ هجراني... هطلع على جثتك القديم والجديد يا عيون ماهر.
اتسعت عيناها برعب من العزم بعينيه لكنه فاجأها وهو يقبلها بحنان ودفء. تعامل معها بكل رومانسية وهدوء ولذاذة.
عزف سيمفونية عشقه على جسدها بلمسات حنونة على غير عهده وكأنه هكذا اطمأن وما عاد هنالك داعي للعنف والغضب.
مر وقت طويل عليهما اكتشف فيه أنها اشتاقته بجنون كما اشتاقها.
أخذ منها عهد ثقة دون كلمات. ابتسم وهو يراها غافية على ذراعيه دون ستار تنظر له بعينيها راضية عنه وفيهما الخجل.
قرص جلد كتفها الناعم وردد:
- ينفع توحشيني كده؟! ماتبعديش عني تاني.
- حاضر.
- تعالي في حضني.
التحمت في حضنه ملبية طلبه تغمض عيناها. فسمعته يقول:
- لونا.
- نعم.
- أنا نفسي في بيبي منك.
صار يطلب بأدب، يبدو أن البعد غيره. نبرته كانت سخينة وطلبه مثير.
رفعت عينيها بصمت تلاحظ التغيير الكبير الذي صنعته فيه. ماهر الذي يطلب منها بتمني الآن مخالف لماهر المتجبر الذي اقتحم حياتها منذ عام.
نظر لها بعشق ثم سأل:
- موافقة يا روحي؟!
نكست رأسها بخجل ثم هزت رأسها موافقة.
***
وقفت بغضب شديد تصرخ في مساعديها:
- يعني إيه مش موجودين؟ راحوا فين العارضين الرجالة، أنا سايباهم الفندق امبارح.
- مش عارفين والله يافندم، الفندق بيقول لموا حاجتهم وعملوا تشيك أوت الصبح.
- إزاي الكلام ده؟؟ إيه اللي حصل؟؟ هو لعب عيال؟!! في عقود بينا.
دلف بخطى واثقة نافشاً ريشه يردد:
- إيه في مشكلة هنا ولا إيه؟!
قالها ببراءة مميتة وكأنها ليست المتسببة في ترهيب العارضين الأتراك وتسبب في سفرهم سريعاً.
- أنت إيه جابك هنا؟!
قالتها بضيق وبعض التوتر رغم مرور أسابيع على ما جرى.
نظر لها بهدوء يداري شوقه ثم ردد:
- الحق عليا، قلت آجي ألحق مراتي سابقاً وبنت عمي حالياً في كارثتها.
- ماتقولش مراتي.
صرخت فيه فردد:
- سابقاً... سابقاً. وبعدين هنسيب المصيبة اللي وراكي ونبص أنا بقول إيه، مش ممكن، أول عرض أزياء هيشارك فيه البراند بتاعك يفشل والعارضين يمشوا؟!! دي كارثة.
- أيوه.
قالتها برعب وهر يكمل:
- دي مصيبة.
- أيوه.
- إيه التسيب والإهمال ده... بس ماتقلقيش... أنا أعرف شوية رجالة من نزلة السمان إنما إيه... عترة.
نظرت له بجنون وهو نظر لها بابتسامة عريضة.
في الليل.
وصل ماهر مع جنا ووالدها لقصر الوراقين وقد أخذته معها تردد بنصر:
- تعالي يا بابا... ادخل... القصر ده نصه بتاعي... بتاعي بنتك.
قالتها بفخر شديد تشعر أنها انتصرت على عزام وفاخر حتى بدون مجهود يذكر. هو فقط ترتيب القدر وأخذت ابنهم فرق البيعة كذلك يحبها ويدللها مما يثير جنون عزام.
بينما وقف كمال بحب واهتمام يرى جنا وهي تتحرك هنا وهناك تتابع عن كثب وبتعب أدق أدق التفاصيل. رآها قوية وماهرة، تأمر بحسم وتتخذ قرارات في أوقات صعبة. يتابعها مبتسماً بفخر واعتزاز.
إلى أن انتهى العرض، رفعت عيناها له كي تشكره:
- شكراً.
- العفو.
قالها يمنع نفسه من طلب السماح. كان يعلم أن غلطته يلزمها وقت لتذوب.
ابتعد عنها يردد:
- لو احتاجتي أي حاجة افتكري إن دايماً كمال موجود عشان جنا، جنا وبس.
أعطاها نظرة ساحرة مغلفة بنظراته الساحرة الخاصة جداً لها وقد لفها بعينه يرسل لها رسالة ضمنية بأنها تعجبه.
***
تقدمت رؤى من مكتب شقيقها تراه يلملم أغراضه فتحدثت بغضب مستنكرة:
- أنت بتلم مكتبك! يعني اللي بيتقال صح بقا؟! أنت نقلت مكتبك فرع العاصمة الإدارية الجديدة؟
- مش لوحدي، وأنتي معايا.
- نعم؟! ده ليه ده إن شاء الله.
- من غير ليه؟
- اقف يا محمد وكلمني زي ما بكلمك.
التف يقف وقال:
- هناك الشركة أكبر وكل المصالح الحكومية نقلت. الأولى والأذكى إننا ننقل.
- بس أنا مش هسيب هنا.
ألقى ما بيده أرضاً فأرعبها ثم زاد وهو يردد:
- ليه؟؟ عشان تفضي شركتك جارة شركة ماهر الوراقي، ولونا.
صمتت مصدومة فقال:
- ماتردي.
- أيوه.
صرخت بقهر وإصرار ثم أكملت:
- ومش هسكت غير لما أخرب لها حياتها زي ما….
قاطعها بحسم:
- زي ما إيه؟؟ أمها ما جتش ناحية أبوكي ولا حتى اتخطبت له، سابت كل حاجة وهربت مع الراجل اللي بتحبه.
- بس هو فضل يحبها.
- غصب عنه.
- إزاي.
- صدقيني في حاجات كتير مش بيبقى لينا يد فيها. وأم لونا مش ذنبها إن أبوكي حبها. انتي نفسك ميلتي لماهر ولا فكراني مش واخد بالي.
ابتعدت عنه بقهر فردد:
- واخد بالي… حاولت أمنعك بس كنتي كل يوم بتغرزي. بس من هنا ورايح همنعك ولو بالقوة. الراجل ده مش شايف غير مراته، وعمره ما بص لك ولا عشمك، انتي انجذبتي له غصب عنك.
إغرورقت عينا رؤى بالدموع. شعر بها حين أحس بميله للونا لكن أسرته وزوجته كانا ملاذاً آمناً له. فقد عاد لهما يلقي نفسه في أحضانهما ينعزل بهما عن أي مغريات خارجية حتى نسي وانسجم من جديد مع أسرته.
اقترب منها بأخذها في حضنه بحنان ثم ردد:
- ششششش… اهدى.. بلاش أشوفك بتعيطي… ربنا مش بيعمل حاجة وحشة، هو بس يمكن حطك في موقف بابا زمان عشان تعيشي اللي كان بيحسه وتبطلي تلوميه.
قالها بتأثر فقد أخبر نفسه بحديثه هذا قبلما يخبرها ثم أكمل:
- لازم نتصالح مع عقدة الماضي يا رؤى، مش بتفكري تروحي لبابا تزوريه في المقابر؟ انتي مش بتروحي خالص!
نظرت له بتردد وهو بعينيه يحسها مشجعاً وهي بين التردد واقتراب الموافقة.
***
عرس مهيب وضخم صنعه ماهر لقطعة الأيس كريم بالفانيليا خاصته.
شعور رائع كان يتسلل داخله وهو يراها تجلس بفستان أبيض ملكي منفوش لجواره على الأريكة الفخمة.
تبتسم له برضا ثم اقتربت منه هامسة بآخر كلام من المفترض أن يقال في ليلة كهذه:
- أنا سبت وظيفة جامدة قوي في شركة برا، عيني مديرة التصاميم في شركتك بقا.
ابتعد عنها يهز غير مصدق ثم انفجر ضاحكاً بجنون عليها وهي لا تفوت الفرص مطلقاً.
بينما جلس كمال على طرف الكرسي خاصته متأهباً يراقب تلك الكارثة التي تأنقت في ثوب أرجواني من جديد.
الأرجواني وراءه وراءه… يراقب بعينيه أي ذكر قد يقترب منها.
بنفس الوقت تقدمت جميلة متأنقة في فستان أخضر رائع ناسبها ولجوارها خطيبها شهاب.
عينا لونا كانت عليها لا تفارقها، لازالت تغار منها وتراها غريمتها.
تقدم شهاب يسلم على ماهر ولونا ومن بعده جميلة ثم قال شهاب:
- مبروك.
- عقبالكم.
- كمان ست شهور إن شاء الله.
- مبروك.
ابتعدت جميلة ومعها شهاب فنظرت لونا لماهر ورددت بإصرار:
- هتشغلني في الشركة أبقى مديرة مش كده؟؟
هز رأسه بجنون وردد:
- لسه في حاجات ماتعرفيهاش عن الإدارة.
- وماهر راح فين؟ ماهر يعلمني… ربنا يخلي ماهر.
قالتها وهي تتمسح فيه ليبتسم مردداً بجنون منها وعليها:
- بقيتي خطيرة يا لونا… بقيتي خطيرة.
رواية سيطرة ناعمة الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سوما العربي
دقات مؤدبة لطيفة جداً كانت ترف على باب غرفة نسرين، فتحت الممرضة وابتسم للزائر الذي تبسم بتهذيب يردد:
- صباح الخير.
- صباح الخير يا أستاذ محمد.
- زمان نسرين هانم بتشرب قهوتها دلوقتي.
حاولت الممرضة كبت ضحكتها على ذلك الرجل المؤدب جداً، يغازل السيدة نسرين غزل خلوق للغاية وعيناه بالأرض.
رفعت عيناها له وردت:
- أكيد، ما حضرتك بقيت حافظ مواعيدها أكتر مني.. أكيد دلوقتي جايب لها الورد بتاع القهوة مش كده.
حمحم محمد بحرج وهو ينظر أرضاً ثم ردد:
- أيوه.. ممكن لو سمحتي تديهولها عشان...
قاطعته تكمل:
- تشرب قهوتها والورد قدامها يفتح نفسها مش كده.. حفظتكم خلاص.
ضحك محمد، فقالت:
- حاضر من عينيا... طب مش حابب تدخل لها.
- لا .. وقت تاني.. بعد إذنك.
قالها وتحرك مغادراً والممرضة تنظر عليه بتحسر ثم للورد وهي تردد:
- ياختي هو في رجاله مؤدبة كده لسه! حسرة عليا وعلى حالي.
ييجي المنيل على عينه يشوف.
- مين يا رحاب.
قالتها نسرين من الداخل وبقرارتها تعلم الجواب، تقدمت رحاب وهي تهز الورد وحاجبيها تردد:
- الزائر بتاع كل يوم، الأستاذ محمد أبو الست لونا.
ابتسمت نسرين، ووضح عليها أنها كانت تنتظر وروده كما عودها كل صباح وقالت:
- كل يوم يجيب ورد!
- مش بيزهق... شكله عاشق ولهان يا ست هانم.
- بس عيب اختشي.
- هو الحب عيب؟!
#حب ايه الي بتتكلموا عنه.
نطق بها ماهر وهو يدلف للداخل ليطمئن على والدته ولاحظ ارتباك كلاهما، راح نظره للورد وسأل:
- ورد تاني؟!!! مين بقا الس بيجيب الورد ده؟؟
قالها مستجوباً ويداه في جيوب سرواله لتجيبه رحاب متسرعة:
- ده الأستاذ محمد أبو الست لو...
قطعت حديثها مع نظرات نسرين المحذرة.
زم ماهر لشفتيه ورفع إحدى حاجبيه يردد:
- ده بجد؟!!
زاغت نظرات نسرين، لأول مرة تشعر بالحرج من ابنها، حاولت الجلد وردت ببعض الحده شابها التوتر:
- إيه، إيه الي بتعملوه ده، فس إيه! شوية ورد، هتعملوا عليهم حوار؟!
ضيق عيناه وهو يحاول الصبر وردد:
- هممم.. شوية ورد! ماشي يا ماما، لا ياحبيبتي مش هنعمل حوار على شوية ورد.. نازل رايح الشغل، عايزة حاجة؟؟
- لا يا حبيبي.
خرج من عندها لتتفس الصعداء أخيراً ثم قالت لرحاب:
- هاتيلي الورد ده كده أشوفه.
ضحكت رحاب وتقدمت تجلب لها الورود.
خرج من غرفة والدته بغضب يتقدم بخطى واسعة تجاه غرفته مع لونا يفتحها بغضب مردداً:
- وبعدين في أبوكي ده...... يانهار أبوكي أسوووود.
قالها بغضب متفاجئ وهو يراها متأنقة في ثياب عملية للخروج فردد:
- كنتي رايحة فين؟؟
- نازلة معاك الشغل، شهر العسل خلص.
- شغل إيه؟
- الي انت وعدتني بيه.
- أنا ماقولتش، انتي الي الي قولتي.
- و انا ايه وانت ايه يا روحي.
قالتها بدلال تغويه وهي تقترب منه تتعلق بيديها متشابكة على رقبته، ظهر محاربته لتأثيرها عليه لكنه كان قوي جداً ولم يقدر، هو سريع الإشتعال بها ومنها لكنه جمد صوته وهو يحمحم من شدة تأثيرها عليه:
- لا يا لونا خليكي هنا، انتي منين ما بتحطي بتعملي مصيبة.
تعلمت وما عادت تعاند، اللين والحيلة يؤتيان بثمارهما معه أكثر فأخذت تردد:
- عشان خاطري، انت وعدتني، ووعد الحر إيه؟!
- شكلك كنت فاكرني هنسى، عشان خاطري، ده أنا بقيت شاطرة قوي وكرييتف وهنفعك.
- لا، هو أنا هلاقيها منك ولا من أبوكي... بقا أبوكي بيجيب لامي ورد؟! قالوا له إيه؟ مختوم على قفايا؟ أبوكي بيحاول يشقط أمي.
حمحمت بخوف، هل اكتشف القصة؟ حاولت إخراج صوتها وهي تقول:
- شقط إيه بس، بقا ده بتاع شقط؟ ده بيكلمها وعينه في الأرض، وبيشجعها على جلسات العلاج الطبيعي بورد، بكتاب، يشتري لها رواية رومانسية، كده... وبعدين بالراحة، الراجل مش حملك.
قالت جملتها الأخيرة بعنف وتجبر جعلته يرفع إحدى حاجبيه مردداً:
- إستقريتي وإتجبرتي يابنت محمد فريد لدرجة بقيتي بتزعقي في ماهر الوراقي، دلعي ليكي عوجك.
حمحمت بخوف ورددت:
- لا عوجني إيه بس، ده أنا همشي على الصراط المستقيم.. ها هتشغلني معاك؟! مشيها بالحب، أنا أصلاً ليه نصيب في الشركة دي.
- بتهدديني يابت؟!
زمت شفيتها بعند وكأنها هكذا تعطيه الجواب، لم يتحمل وانقض على شفتيها يعضها ويمصها مقيلاً إياها بوحشية، لانت بين يديه من بعد التفاجئ، بدأا تنسجم مع قبلاته وبتجاوبها طوّعت وحشيته للين مبدلة الأدوار.
وبعدما كان متأنقاً في الثياب للخروج خلعها عنه وعنها قطعه قطعه وليذهب عمل اليوم للجحيم.
سحبها للفراش بهوادة، لمساته بين القوة من شدة الولع واللين لإحساسه السخين بها ومعها.
دقائقهم معاً طويلة، غرامه لها لا ينتهي بل هو في إزدياد.
انتهى منها يتصبب عرقاً لولا ملاحظته أنها متغيرة اليوم لما تركها من بين يديه، سحبها لتتوسد أحضانه المتعرقة وهو يردد:
- مالك يا روحي، شكلك تعبانة النهارده.
- لا أنا تمام، ليه قولت كده؟
- متأكدة؟! ولا نروح لدكتور؟
- متأكدة؟! هممم شكلك بتحور عشان ما توفيش بوعدك ليا.
ضحك بغلب منها وردد بجنون:
- يابنتي أنا ما أوعدتش والله.
- ماهر.
- هممم.
- هتاخدني اشتغل.
نظر على حدتها وتصميمها في نطق الكلام ليضحك بإستسلام مردداً:
- هاخدك طبعاً.
لم تسعها الفرحة واقتربت منه تتمسح في أحضانه كقطة وديعة وهي تصرخ:
- يعيش ماااهر يعييييش.
فضمها لأحضانه العارية مقهقهاً يردد من بين قهقهاته:
- بحبك يامجنونة.
دلف لمكتبه بخطى واثقة بعدما وفى بوعده وعرفها على مكتبها الجديد، واذ به يتفاجأ برجل يقف منتصباً في غرفة السكرتيرة التي قالت له:
- اهو مستر ماهر وصل اهو.
- في إيه؟! مين ده يا دينا؟!
زمت شفتيها بحرج ثم تقدمت تهمس:
- ده صاحب الاستوديو الي كان فيه تصوير الكولكشن الجديد بتاع أستاذة جنا.
- وايه المشكلة؟!!
- كسررررره يا باشا... كسرّه.
نطقها الرجل بهلع ليتقرب ماهر منه متسائلاً:
- كسروا إيه؟
- الاستوديو بتاعي يا باشا.
- وانا مالي؟
- مالي كسره كمال بيه ابن عم حضرتك.
أغمض عينيه متأوهاً.... ها هي مصيبة جديدة من مصائب كمال التي بات يفتعلها ويطورها كل يوم.
عض شفتيه يحاول كظم غضبه ثم سأل الرجل:
- وجايلي عايز تعويض؟
- أيوه يا باشا ان يرضيك الي حصل ده؟
- يرضيني اه.
- هاااااه؟!
نطقها الرجل وعلامات للاستفهام تكاد تقفز من وجهه، لقد ظنه رجل كريم وسخي يعطي ويغدق من وسع، في حين أن رد ماهر صدمة وزاد حين كمل:
- بعد كده لما تجيلك اختي ما توافققهاش ولا تأجرلها ولو كمال حاول يدخل امنعه، دي عاشر مشكلة في شهر انا مش قاعد على بنك، وبعدين كمال كسر، انا مالي؟
- هااااه؟؟ بس...
ما زال الرجل تحت تأثير الصدمة من ردة فعل ماهر الوراقي وماهر قاطعه بنفاذ صبر:
- مابسش... بقولك إيه، كمال عنده مركز أسنان في التجمع الأول خد عنوانه من دينا وروحله، يالا... يالا مستني إيه؟!
قالها ثم دلف لغرفته ونادى دينا بغضب فدلفت خلفه مهرولة تردد:
- نعم يا مستر.
- تكملي كمال و جنا، يجوا حالاً... فاهمه.
- حاضر.
بعد ساعتين ونصف كان يجلس ينقر بقلمه على سطح المكتب وهو ينظر لهما بحدة وصمت، وكل منهما متوتر لا ينظر للآخر ونظرهم على ماهر ونقرات قلمه، إلى أن قذفه على سطح المكتب وردد بحدة:
- إيه؟! عيال صغيرة انتوا؟؟ اتطلقتوا ومش عازين ترجعوا وقولت ماشي... لكن بتكسروا للناس مكان أكل عيشهم ليه؟
- أنا عايز ارجع هي الي مخشبة دماغها، شكلها شايفة لها شوفة.
- لم نفسك واحفظ أدبك.
- ده انتي لسانك طول ومحتاجة تتربي.
- يالا قوموا أضربوا بعض.
نطقها ماهر ببرود بعدما نفذ صبره واعتاد شجارهم... فعاد كل منهما يجلس؛ هدوء ماهر دوماً مخيف ويسبق العاصفة.
- كسرتوا للراجل مكان أكل عيشه ليه؟
- عشان همجي ومتخلف.
- لا يا حبيبتي عشان مش مركب قرون، إيه ما بتعرفيش تصوري موديلاتك غير على رجالة أتراك وايطاليين؟
- أنا اعمل الي انا عايزاه، أنا حرة.
- حرة مين يابت، اظبطي أحسن لك، انتي روحتي ولا جيتي فانتي مراتي.
- فوووق، إحنا اتطلقنا.
- نتجوز تاني، عادي.
نطق ببرود، يراه شيء ولابد وسيحدث، تنهد ماهر يردد:
- جنا. كمال بقاله شهر كل يوم بيعتذر.
- مش كفاية، وأنا أصلاً مش موافقة.
- مش بمزاجك.
هتف كمال بعنف فصرخت:
- شايف؟!
قالتها ثم وقفت وتحركت مغادرة، نظر كمال لماهر يردد:
- عاجبك كده؟؟ ماتعمل حاجة.
- يا برضاها يا مش هقدر اعمل حاجة.
تنهد كمال وزفر على مهل وقف من مكانه وغادر خلفها.
دلفت للمصعد فدلف قبلما ينغلق وتهتف:
- إيه الي جايبك ورايا، اطلع يالا.
ضغط بأصابعه على الأزرار فتوقف المصعد بين السماء والأرض لتصرخ جنّا برعب:
- يخربيييتك عملت إيه؟
- بقالي شهر رايح جاي وراكي من هنا لهنا لحد ما برمت مصر كلها من شرقها لغربها، خلاص مابقاش بقا في مجال للدلع واحنا مش هنخرج من هنا غير واحنا متفاهمين.
قرّبهما معاً هكذا خوفها وأعاد لها ذكرى ذلك اليوم، وابتعدت تردد:
- ابعد عني يا كمال.
- مش عارف، والله ما عارف، طب أديني فرصة عشان خاطري.
- لا.
أسدل جفناه بتعب ثم فتحهما وردد بلوع وتعب:
- طب إيه يرضيكي وأنا أعمله.
- مافيش حاجة ترضيني، أنا مش عايزاك.
- وأنا مش عايز غيرك، ليه مش قادرة تفهمي اني بحبك، مش شايف غيرك ومش عارف أشوف غيرك، والله حاولت.... ماعرفتش.
صمتت بصدمة وهي ترى الدموع غلبت قوته وقهرته، شهقت بصدمة ويداها على شفتيها تسأل:
- كمال، انت هتعيط؟!
أغمض عينيه بضيق من الحب الذي عجزّه، هز رأسه يغالب بكائه، صمتت لثواني تنظر أرضاً ثم رفعت عيناها تردد:
- موافقة.
- بجد؟!
تهللت ملامحه بفرحة وصدمة لتكمل بكبر:
- فترة خطوبة الأول.
- ماشي موافق.
التمعت عيناه بدموع الفرحة التي ظهرت على صوته وهي تكمل:
- سنتين.
- سنة ونص.
- انت هتفاصلني، سنتين.
- يا ستي موافق.
- و خلي بالك. أنا عيوني هتبقى عليك وبراقبك وهراقبك.
ضحك بخفة، وسحبها داخل أحضانه يسحقها مردداً:
- راقبيني يا روحي، راقبيني موافق.
بعدها حرك المصعد الذي وصل بهم للجراج وخرجا منه متفقان لأول مرة.
جلس رشيد في مكتبه يتابع تقارير العمل الذي كان يحاول أن يجعله مستمراً أربعة وعشرين ساعة في الأربعة وعشرين ساعة.
خسارته كانت كبيرة تحتاج ثلاث أعوام عمل كي يعوضها خصوصاً وقد خسر وعادى عائلة كبيرة كعائلة علياء وجميع معارفهم.
ولكن من بين التقارير كان هنالك تقرير مفصل عن خط سير جميلة و شهاب وخصوصاً شهاب.
رفع هاتفه واتصل بأحد الأرقام المصرية وجاءه الرد سريعاً:
- صباحك فل يا باشا.
- صباحك زفت وقطران.
- فيه إيه بس يا باشا.. عملت إيه؟
- ماعملتش... ماهو المشكلة انك مش بتعمل مش شايف شغلك.
- والله ياباشا الواد اللي مسرحه وراه ناقص يدخل معاه الحمام ولا ينط له في منامه.
- يعني إيه، شاب في سنه مابيعطش مابيسهرش ما بهببش أي حاجة غلط؟؟ إيه مش شايف شغلك.
صمت الرجل بهلع ليصرخ فيه رشيد:
- هو أنا مش بكلمك... إيه الدرشة دي.. ماترد.
تغيرت ملامح شهاب وتفاجأ وهو يستمع لصوت مختلف يحدثه:
- مش هيعرف يرد عليك دلوقتي عشان مصدوم، أصلي ضربت له الزاجل الي كان ممشيه ورايا وكسرته وجبتهوله في شوال. إيه ما زهقتش من اللف ورايا؟! مش عندك دم؟؟ مش عايزاك هي، عايزاني أنا، خلي عندك دم واخلع، وانصحك تركز في حياتك الي باظت وفلوسك الي خسرتها.
- الله، دي حاكيالك عني بقا.
- ما تاخدش في نفسك مقلب كده؟؟ خالك اللي حكى هي مش تفتكرك أصلاً، أنصحك بص في ورقتك بدل ما تبوظ منك هي كمان.
قالها ثم أغلق الهاتف في وجه رشيد الذي وقف يقلب المكتب رأساً على عقب من شدة غضبه وهو يغلي وكلمات شهاب تتردد في أذنه حين ذكره بحياته التي أضاعها بيده.
بعد مرور أسبوعين.
دلف بغضب وجنون يناديها:
- لووووناااا.
تركت كوب العصير من يدها وخرجت من المطبخ مهرولة تصرخ:
- بيدوووور عليااا.
كادت أن تتجاوز المطبخ لتصعد السلم لكنه كمشها يردد:
- بتبيعي، بتبيعي جوزك، بعتيني بكام يا لونا.
- ١١ ألف جنيه.
جن جنونه وضربها على رأسها يردد:
- بتبيعي جوزك بحداشر ألف؟
- وفيها إيه بس؟؟ ده شغل، ومافيش شركة بتقف على موظف.
ضرب الحائط بيده لجواره يفرغ فيه غضبه وصرخ:
- بعد ايييه.
تقدمت نسرين تخرج من غرفتها بخطى متثاقلة بعدما أتت العملية وجلسات العلاج الطبيعي نتائجها تناديهم بخوف:
- في إيه يا بنتي؟ إيه يا ماهر مش قولنا زمن الخناق خلص وبقيتوا سمن على عسل! إيه الي جد.
- اسألي الهانم، الهانم بعد ما استغلت واتصتت واتعلمت رايحة تشتغل مديرة التصميم في شركة تانية، شركة بتنافس جوزها.
- في زيادة حداشر ألف في المرتب بقولك.
- يابت... يابت هضربك والله.
تقدم محمد يردد:
- بالراحة يا ولاد مش كده... الست نسرين محتاجة راحة.
ضرب ماهر وجهه بصدمة، الحمدلله أن والده بالخارج لا يزال يعيش على أمل معتقداً أنهما قد يعودا يوماً ولا يعلم بما يحدث هنا.
التف ينظر للونا كي يصرخ في وجهها بجنون لكنه توقف وهو يلاحظ ترنحها فاسرع يلتقفها بين يديه وهو يحتضنها بحنان وقد تحولت نبرته على الفور وعاد ماهر الرومانسي يسألها:
- مالك يا روحي؟! في إيه؟
- مش عارفه، حاسة بدوخة.
- طب تعالي، تعالي اطلعي أوضتنا وانا جيب لك دكتور.
حملها يصعد بها السلم واستدار كي يطلب من والدها أن يجلب لها باقي العصير لكنه سمعه يقترب من والدته وهو يحمل كتاباً في يده ويقول بخجل وعينه أرضاً:
- جبت لك رواية جديدة... رومانسية زي ما بتحبي.
هز رأسه بجنون وهو يرى والدته تأخذها منه على استحياء وكل منهما غير منشغل به ولا بلونا.
في غرفة ماهر خرج الطبيب وهو عاد للونا لا يكاد يصدق، تدثر لجوارها بالفراش وهو يضمها بحرارة يردد:
- مش معقول، لونا… انتي حامل يا حبيبي؟!!!
- أممم… أنا نويتها وبطلت موانع حمل.
- يعني أطمنتي لي؟
ابتسمت له تردد:
- وحبيتك.
فز قلبه نابضاً، قالتها صريحة… أخيراً قالتها.
مال عليها يقبلها بحرارة ثم فصل قبلته بصعوبة وهو يردد:
- وانتي اخدتي روحي وعقلي من أول يوم شوفتك فيه والله… أنا بحبك قوي قوي يا لونا.
بعد مرور عام.
جلست لونا بجوار ماهر في أحد عيادات الأطفال تنتظر دورها.
ماهر كان يضم عربة الأطفال له بحماية وقلق لتقترب منه لونا مرددة:
- مش هتبطل بقا؟! سيبها شوية، أقولك روح هات لنا عصير.
وقف على مضض لا يريد أن يبتعد عن ابنته مردداً:
- ماشي.
ذهب ماهر وتقدمت الممرضة من لونا تردد:
- ماعلش ممكن تيجي معايا تملي بيانات البنت.
وقفت لونا وتركت العربة وغابت دقيقة فعادت بنفس الوقت الذي عاد فيه ماهر معها يقتربا من ابنتهما ليجدا طفل في العاشرة من عمره يحملها من العربة يلاعبها مبتسماً فاقترب ماهر منه بهلع يردد:
- ولد… سيب البنت.
- ماتخافش ياعمو.
- سيبها بقولك.
نطق بغضب فحاولت لونا تهدئته:
- بالراحة يا ماهر.
اقتربت من الولد وقالت:
- هاتها ياحبيبي لا تقع منك، هي بتخاف لما حد غريب يشيلها.
نظروا للطفلة وجدوها لم تبكي للآن بل لفت أصابع كفّها حول كف الصبي الذي نظر لها بفرحة يردد:
- ماخافتش مني.
اقترب منه ماهر يأخذ البنت بحده وقد غلبه الخوف عليها ثم سأل الصبي:
- أنت اسمك إيه؟؟ حاسس اني عارفك.
- أيوه وأنا كمان عارفك يا عمو.
- أنت مين؟!
- أنا أيهم… أيهم محمد محمد الكيلاني.
نظر كل من لونا وماهر لبعضهما وضحكا في صوت واحد في حين تقدمت رؤى تنادي:
- أيهم… يالا دورك.
كانت تنادي أيهم وعيناها على ماهر، رفعت لونا إحدى حاجبيها بضيق وزاد حدة وهي تسمع ماهر يحييها:
- أزيك يا رؤى.
- الحمدلله…. يالا يا أيهم عشان ماما جوا عند الدكتور بأختك.
تركهم الصبي على مضض والتف ماهر بأبنته ناحية لونا وجدها تنظر عليه بشراسة فابتلع لعابه بصعوبة ره وهو يناجي الله.
في الليل.
جلس ماهر على فراشه ينتظرها وهي تضع الصغيره في مهدها.
تقدمت تجلس على الفراش بعيداً عنه فجذبها لأحضانه عنوة يردد:
- مش بتكملني يا وحش ولا إيه! كل ده عشان قولت لها ازيك؟!
اندفعت تنفجر فيه ترد:
- وت تقولها ازيك بتاع إيه؟! وصوتك ناعم قوي، ازيك يا رؤى.
قالتها مقلدة صوته ليبتسم وبداخله يرقص فرحاً:
- غيرانة عليا؟؟
- لا.
- غيرانة؟؟!
- اه.. وبحبك.
قالت تعلن الاستسلام، صرخ قلبه بحبها، جذبها كلها لاحضانه مردداً:
- ماهر مش بيحب غير لونا ومش بيعرف يشوف غير لونا، ست يعني لونا وحب يعني لونا.
قال جملته الأخيرة وهو يميل عليها ينقل لها سخونة إحساسه وكلماته لينسدل الليل عليهما وهما يعزفان سيمفونية عشق وحب جديدة تتغنى بهما قصة من أروع وأعجب قصص الحب.