تحميل رواية ذكريات مجهولة بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ليتني كنت أعيش بدون ذكرى. ليتني أُولد من جديد. ليتني أبدأ أيامي بصفحة بيضاء لم تُلوث بخطوط. فأُعيد بها ذكرياتي وأحلامي. سأرسمها حينها بعبير الفرحة. سأبنيها بركيزة من فولاذ. لن أتخلى عن بهجتي. فقط لو جائتني الفرصة. فاليوم أنا حبيسة ذكرى داخل قضبانها الحديدية. أحاطتني بسور منيع من الذكريات. أيامي تمر وساعاتي تمر. وأبقى وحدي في . فالذكريات لها قوة تحفر في القلوب. من قال إن الماضي يُنسى؟ فالذكرى تبقى ويبقى أثرها. فنظن عبثاً أنها قد مُحيت من ذاكرتنا. لكن يمر العمر والأيام. نقابل وجوهاً ونفارق وجوهاً....
رواية ذكريات مجهولة الفصل الأول 1 - بقلم قوت القلوب
ليتني كنت أعيش بدون ذكرى.
ليتني أُولد من جديد.
ليتني أبدأ أيامي بصفحة بيضاء لم تُلوث بخطوط.
فأُعيد بها ذكرياتي وأحلامي.
سأرسمها حينها بعبير الفرحة.
سأبنيها بركيزة من فولاذ.
لن أتخلى عن بهجتي.
فقط لو جائتني الفرصة.
فاليوم أنا حبيسة ذكرى داخل قضبانها الحديدية.
أحاطتني بسور منيع من الذكريات.
أيامي تمر وساعاتي تمر.
وأبقى وحدي في ذكريات مجهولة.
فالذكريات لها قوة تحفر في القلوب.
من قال إن الماضي يُنسى؟
فالذكرى تبقى ويبقى أثرها.
فنظن عبثاً أنها قد مُحيت من ذاكرتنا.
لكن يمر العمر والأيام.
نقابل وجوهاً ونفارق وجوهاً.
وكل يبقى له أثره في النفوس.
ليمُر الزمان وتدق أجراس الوداع.
لنَمضي تاركين خلفنا لحظات جميلة وأخرى حزينة.
تبقى فقط كذكرى تُنقش على سطور النسيان.
لتبقى في القلوب.
ذكريات مجهولة.
يتطاير في السماء تلفحه رياح الشتاء الباردة.
ليلتف لعدة مرات ليقع هاوياً على الأرض محدثاً صوت ارتطام مزعج.
لم ينتبه له أحد فقد خلت الطرق من زائريها بهذا الوقت.
فما زال الجو معتماً قبيل الفجر بقليل.
لينقشع السواد وتظهر الخيوط البيضاء لتقطع سواد السماء معلنة ميلاد يوم جديد.
بدأ المارة يتحركون مجيئاً وذهاباً دون الاكتراث لذلك الشيء الملقى بإهمال إلى جانب الطريق.
ومع سطوع أشعة الشمس الذهبية التي داعبتها نسمات الصباح لتعم الكون بدفئها.
انتشر الجميع في دوامة صباحية كل متجه لوجهته.
فهذا يتجه نحو عمله.
وهذا لقضاء مصلحته.
كذلك هؤلاء الأطفال الأبرياء بملامحهم البسيطة الملائكية.
يرتدون ملابسهم الموحدة كزي خاص بالمدرسة.
يحملون فوق ظهورهم حقائب ممتلئة.
يسيرون ببطء متجهين إلى المدرسة بنشاط وحيوية.
أخذ هؤلاء الأطفال بالالتفات يميناً ويساراً خوفاً من السيارات المتسارعة التي تحيط بهم.
ليتقدم أحد الأطفال منحنيًا بجسده الصغير نحو هذا الشيء الملقى على الأرض ليلتقطه.
وفى سرعة كبيرة التف أصدقاؤه من حوله متسائلين بفضول.
"إيه ده؟!! أنت لقيت إيه يا (براء)؟!"
"وريني كدة عايز أشوف؟!"
لـ يلكز أحدهم صديقه بكتفه متشدقاً برقته ليستطيع النظر لما وجده صديقه.
"وسّع بس يا (سيف). خليني أشوف (براء) لقى إيه."
سيف: استنى يا (علي). أنا جيت الأول.
براء بغرور: خلاص خلاص. أنا اللي لقيته. ده كتاب قديم. وأنا اللي لقيته.
علي: هاتوه يا (براء). شكله عاجبني.
براء بإصرار: لأ. أنا اللي لقيته يعني بتاعي.
سيف بغضب طفولي: اشمعنى بقى. ولا بتاعك ولا بتاعه. أنا عايز الكتاب ده.
براء: أنا الكبير وهعرف أقرأ فيه. أنتوا مش هتعرفوا.
علي بحده: قلت لك هات الكتاب ده.
براء بتحدي: لأ.
بدأت مشاجرة بين الصغار.
ليتهاوشوا فيما بينهم.
ويزداد صياحهم وصراخهم بصوت عالٍ.
لحقت بهم إحدى الفتيات الصغيرات من زميلاتهم بالمدرسة قائلة.
أسيل: فيه إيه. بتتعاركوا ليه؟
براء: عايز ياخد مني كتابي يا (أسيل).
علي: ده مش كتابه على فكرة. ده كان واقع في الأرض يعني مش بتاع حد. وأنا كنت هرجعه لصاحبه.
أسيل: وهو فين صاحبه ده. أنت تعرفه؟
علي: كنت هدّور عليه.
براء: كداب. أنت عايز تاخده ليك أصلاً.
أسيل: هقول للميس عليكم على فكرة.
تركتهم (أسيل) وركضت باتجاه المعلمة التي كانت لا تزال تقف أمام بوابة المدرسة القريبة منهم لتبلغها بما حدث ولماذا تشاجر (علي) و(براء) و(سيف).
اقتربت منهم المعلمة لتبتسم نحو الأطفال وطلبت منهم بحزم الدخول إلى المدرسة.
المعلمة: بلاش تزعلوا بعض. هاتوا الكتاب ده وادخلوا كلكم جوه المدرسة يلا.
لينصاع جميع التلاميذ لما أمرت به المعلمة.
نظر الأطفال بعضهم لبعض بغضب.
ليتوجهوا إلى فناء المدرسة كالعادة للقيام ببعض التمارين الصباحية.
لترافقهم المعلمة بعد ذلك إلى فصلهم.
دلفت المعلمة لاحقة بالتلاميذ إلى فصلهم.
لتضع أدواتها فوق سطح المكتب.
واضعة معهم (الكتاب) الذي وجده الأطفال خارج المدرسة.
شعرت المعلمة بالتساؤلات تعلو وجوه الأطفال في حيرة.
فأي منهم سيحصل على هذا الكتاب؟
المعلمة: قولوا لي بقى. بتاع مين الكتاب ده؟
ليرد براء مسرعاً: بتاعي أنا.
علي: لأ يا مس. مش بتاعه. هو لاقاه واقع على الأرض بره المدرسة.
هنا فطنت المعلمة أنها يجب أن تتحلى بالذكاء حتى لا تسبب فتنة أو ضيق بين هؤلاء الأطفال.
كذلك يبدو أنه دفتر قديم لا قيمة له.
ففكرت على الفور بتحفيز هؤلاء الأطفال باستخدام هذا الدفتر أو كما يطلقون عليه "الكتاب".
المعلمة: طيب واضح كده إننا مش عارفين مين صاحبه. وأكيد هو قديم وصاحبه مش محتاجه. إيه رأيكم نعمل مسابقة جميلة في الفصل. واللي هيجاوب على كل الأسئلة يفوز بالكتاب ده.
همهم التلاميذ بالموافقة.
ليتحفزوا جميعاً للإجابة بتميز على أسئلة المعلمة التي تطرحها عليهم السؤال تلو الآخر بمهارة.
وبعد انتهاء المعلمة من مسابقتها مع التلاميذ.
لم يفز أي من الأولاد بالكتاب.
بل فازت به الطفلة "سمر".
"سمر" فتاة جميلة صغيرة ذات ملامح طفولية بريئة.
لكنها تتمتع بذكاء يفوق سنها.
كذلك شقاوة محببة يعشقها كل المحيطين بها.
أعلنت المعلمة فوز (سمر) بالمسابقة.
لتمد يدها ملوحة بهذا الدفتر مطالبة (سمر) بالتقدم لنيل جائزتها.
تقدمت (سمر) لتمسك بالدفتر بيديها الصغيرتين.
وهي تشعر بسعادة بالغة لفوزها العظيم اليوم.
عادت (سمر) إلى مقعدها مبتسمة بسعادة.
لتضع الدفتر القديم بحقيبتها وسط زهوها بانتصارها على الجميع.
لتجلس بهدوء مستكملة اليوم الدراسي بصورة عادية.
***
أوقف سيارة أجرة ليجلس بالمقعد المجاور للسائق بألفة.
وكأنه يعرف السائق لأول مرة بحياته.
لكنه في الحقيقة يرى هذا السائق لأول مرة بحياته.
لكن هذه هي طبيعته الاجتماعية.
"هشام".
"هشام" شاب في الثامنة والعشرون.
قمحي البشرة ذو شعر بني ناعم كثيف يلتف بعشوائية محببة.
ذو أنف مدبب وسيم الطلعة.
ذو لحية صغيرة نابته والتي زادت من وسامته وأكسبته مظهراً أنيقاً.
خاصة مع ارتدائه نظارته الشمسية وقميص صوفي أسود يعتليه جاكيت قصير بدون أكمام ووشاح صوفي ممزوج بين الأحمر القاني والأخضر الزيتي مع الأسود.
مما أعطاه مظهراً مميزاً وملفتاً.
وضع حقيبته الجلدية فوق ساقيه.
وهو يتحدث بأريحية مع السائق في حديث طويل عن أوضاع الناس وقلة حيلتهم.
فما كان من (هشام) سوى أن يبدأ فقط الحوار.
ليستطرد السائق في سرد معاناته هو وغيره من المطحونين في دوامة الحياة.
ليستمتع (هشام) بهذا الحوار الذي يديره كلما استقل سيارة من سيارات الأجرة خلال تنقله من مكان لآخر.
وسط هذا الحديث الذي لا ينقطع.
اختلس (هشام) النظر إلى ساعته بنظرة خاطفة.
فما زال أمامه بعض الوقت لوصوله إلى البيت الكبير.
لكنه في داخله لا يشعر بأي اشتياق إطلاقاً للذهاب إليه.
على الرغم من غيابه لما يزيد عن ستة أشهر منذ آخر زيارة له لهذا البيت وساكنيه.
***
بإحدى المستشفيات.
جلست في صمت ودمعة حفظت مكانها على وجهها.
تلك الدموع التي تساقطت في طريق محفوظ محفور بعينيها الذابلتين منذ أمد بعيد.
كم تشعر بالوحدة.
كم تمنت الموت.
وكيف تحب وجودها في هذا العالم الذي لم يشعر بوجودها يومًا.
كيف؟
سؤال طالما تردد صداه في رأسها.
كيف تحب الدنيا التي لم تحبها؟
كيف تعيش بالدنيا في هذه الوحدة القاتلة؟
مسحت دمعتها بأطراف أصابعها.
لتبتعد عن جلستها أمام النافذة متعتها الوحيدة بهذا البرد القارس.
جلست على طرف الفراش قابعة بصمت.
لتتمدد بعدها محاولة النوم هاربة من واقعها البائس.
***
تركيا.
إسطنبول.
يجب أن تسترخي قليلاً.
فبعد عمل شاق لأيام طويلة.
ها هو أخيراً يوم تستطيع أن ترتاح به وتستنشق هذا الهواء العليل ذو النسمات الباردة.
"أميمة".
"أميمة".
"هو إحنا جايين هنا عشان تنامي؟!"
"أميمة".
شابة في أواخر العشرينيات تتمتع بإطلالة ساحرة.
ذات عيون بنية واسعة وشعر بنفس لون عينيها.
وأنف دقيق وابتسامة هادئة.
هدؤها المميز أعطاها غموضاً جذاباً.
لتُحاط بها هالة للتساؤل دوماً عن شابة مثلها.
لكن صمتها كإجابة عن تساؤلات الجميع زاد من هالة الغموض حولها.
لتجذب الانتباه من كل المحيطين بها.
أميمة: أيوه. جايه أنام. عندك مانع يا (سيلا)؟
"سيلا".
فتاة تركية من أصل عربي.
بيضاء البشرة ذات عيون خضراء.
تص بغ شعرها القصير بلون أحمر ناري مزعج جداً خاصة لـ(أميمة).
لكنها لن تتدخل.
فذلك من حرية (سيلا) الشخصية.
تعمل كمساعدة لـ(أميمة) وصديقة مقربة لها منذ خمس سنوات مدة معرفتها بـ(أميمة).
لطالما كانت الفتاة المخلصة وصديقة يعتمد عليها وقت الشدة.
على الرغم من أن مظهرها يوحي بالنقيض.
فيظهر عليها التمرد واللامبالاة.
سيلا: لأ. أنا عايزة أخرج من مود الشغل. عايزة أرتاح وأتكلم كلام البنات. مش عايزة أنام أو أقعد ساكتة.
أميمة: أنا عايزة كده. متوجعينيش دماغي. مش هيبقى في الشركة وهنا كمان.
سيلا: أنا اللي الحق عليا إني جيت معاكِ.
أميمة: قومي روّحي.
سيلا: لو فاكرة إني جايه لك لوحدك تبقي غلطانة.
وأشارت (سيلا) بعينيها باتجاه طفل صغير أخذ يلعب بسعادة مع إحدى السيدات.
استكملت (سيلا) حديثها مردفة.
سيلا: أنا جايه عشان حبيبي "مينو". ولا أنتِ فاكرة إنك لوحدك اللي بتحبيه.
ابتسمت (أميمة) فهي تعلم بصدق محبة (سيلا) لولدها "يامن" ذو الأربع سنوات.
أميمة: طيب طالما بتحبيه كده ما تشوفي لي حل. (ماندي) هتسافر كمان يومين إجازة وهتقعد شهر في بلدها. ومش لاقية حد يساعدني مع (مينو). وأنتِ عارفة ضغط الشغل اللي عندنا.
سيلا: طب ما أجي أقعد معاكِ الشهر ده. إيه رأيك؟
أميمة بإندهاش: حقيقي. ممكن تسيبي والدتك وتيجي تقعدي معايا؟
سيلا: وليه لأ. أنتِ عارفة هي بتحبك انتِ و(مينو) قد إيه.
أميمة: يا ريت يا (سيلا). لأني بجد مش لاقية حل.
سيلا: أول ما (ماندي) تسافر هتلاقيني فوق دماغك. ولو حبيتي أجيب ماما كمان معايا.
أميمة ضاحكة: لأ. كده هتعبيكم أوي أوي.
سيلا: لا متخافيش. هي كمان بتحب (مينو) جداً كأنه حفيدها بالضبط.
أميمة: بجد. تبقوا عملتوا فيا معروف جامد في الشهر ده. وكمان البيت واسع وهنرتاح فيه كلنا.
سيلا: اتفقنا يا مديرتي الحلوة. من بكرة هنبقى عندك.
ضحكت (أميمة) وهي تواري ضيقتها.
فما تعيش به لم يكن حلمها قط.
***
المدرسة.
انتهى اليوم الدراسي.
ليخرج التلاميذ من المدرسة.
بعضهم يسير على الأقدام كما جاءوا.
وبعضهم يستقل سيارة أحد والديه.
والبقية تستقل الحافلة الخاصة بالمدرسة.
وصلت (سمر) إلى الحافلة لتجلس بمقعدها التي تتخذه كل يوم استعداداً لعودتها إلى البيت.
***
هشام.
في الطريق.
بعد قطع طريق طويل وسط هذا الزحام المروري الشديد.
توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة كبيرة للبيت.
والذي على الرغم من بهائه ورُقيه إلا أنه يبعث في نفسه الضيق.
لكن (هشام) مضطر للمجيء إلى هنا.
تقدم بخطوات متثاقلة نحو الممر المؤدي إلى داخل هذا البيت الكبير.
فتح الباب بحرص وهدوء.
لكنه لم يستمع لأي صوت بالداخل.
فيبدو أنهم جميعاً خارج المنزل الآن.
تنهد (هشام) ليطلق زفيراً ينم عن الراحة.
فآخر ما كان يود رؤيته أن يكون أحدهم موجود بالبيت.
هشام: كويس أوي مفيش حد هنا. أخد اللي كنت عايزه بسرعة وألحق أمشي قبل ما يرجعوا.
رفع (هشام) وشاحه الصوفي المميز إلى الأعلى.
وهو يعدل من وضع حقيبته على كتفه.
صاعداً الدرج إلى الدور العلوي متجهًا إلى غرفته القديمة.
***
الصغيرة سمر.
بعد مرور بعض الوقت وصلت الحافلة لبيت (سمر).
ترجلت منه الصغيرة بثقة متوجهة نحو البوابة الكبيرة التي وجدتها مفتوحة على غير العادة.
تقدمت إلى داخل البيت لترى من هذا الذي وصل إلى البيت قبلها وقام بفتح البوابة.
فعادة الجميع يصلون بعد مجيئها.
***
المستشفى.
جلست تتناول الحساء الذي وضعته لها الممرضة منذ قليل.
فهي لا تستطيع تناول أكثر من ذلك لحالتها الصحية المتدهورة.
بعد عناء طويل تمكنت من تناول ربع طبقها.
وهذا يعتبر إنجازاً كبيراً في حالتها الصحية.
تلك الحالة الفريدة التي سببت لها ألماً وضيقاً فوق ضيق وحدتها.
بالإضافة إلى ذلك الهم الثقيل الذي أثقل كاهلها.
دون التوصل لمعرفة من أين ستستطيع سداد تكاليف العلاج بهذه المستشفى.
وكأنه لا يكفيها همومها.
فليأت علاجها وتكاليفه هم إضافي يضاف إلى ما عندها من هموم.
***
في البيت الكبير.
تقدمت (سمر) بخطواتها الشقية المرحة تبحث بين أرجاء البيت عمن قد وصل قبلها.
صعدت السلم المؤدي إلى الغرف بالدور العلوي.
وهي تتلفت ناظرة نحوهم لاكتشاف من وصل قبلها.
سمعت صوتاً بغرفة أخيها الحبيب (هشام) الذي طال غيابه ولا تعرف عنه شيئاً منذ فترة طويلة.
تقدمت نحو الغرفة ناظرة بعينيها الصغيرتين.
لتقفز بفرحة فور رؤيتها له.
سمر: هشـــــااااااااام!
التفت (هشام) إليها ليجد ملاكه الصغير يقف بالباب.
اتسعت ابتسامته الساحرة.
ليل قي بالحقيبة المعلقة بكتفه فوق الفراش.
فاتحاً ذراعيه بقوة إشارة لهذه الصغيرة.
لتندفع بقوة نحو (هشام) ملقية نفسها بين ذراعيه محتضناً إياها.
فكم اشتاق إليها.
وهي فقط.
سعادة غامرة تجلت على محيا تلك الصغيرة.
فكم اشتاقت له وافتقدت وجوده بالفعل.
هشام: وحشتيني أوي أوي أوي. عاملة إيه يا (سمور)؟
سمر: أنت كنت فين يا (هشام). أنت وحشتني أوي.
هشام: كان عندي شغل كتير أوي أوي حبيبتي.
سمر بحزن طفولي: طيب اقعد معانا. عايزك تقعد معايا يا (هشام). مش عايزك تمشي.
هشام: طيب والشغل. أسيب الشغل يعني؟
سمر: ماليش دعوة. محدش هنا بيحبني زي ما أنت بتحبني وعايزاك تبقى عايش معايا هنا على طول.
هشام: بجد مينفعش يا (سمور). أنتِ عارفة إني صحفي. وشغلي لازم أسافر كتير. و…
قاطعته (سمر) قائلة بذكاء يفوق عمرها الصغير:
سمر: هقول لبابا وماما مي'عملوش حاجة معاك ولا يزعلوك خالص.
توتر (هشام) من ملاحظة (سمر) أن علاقة (هشام) بهم غير طبيعية ويشوبها العراقيل والمشكلات.
هشام مستفسراً: قصدك إيه يا (سمر)؟
سمر: أنا فاهمه كويس خناقاتكم على طول وإن بابا وماما بيزعلوك. أنا مبقتش صغيرة. أنا عارفة إن هو ده اللي مخليك بتسافر ومش عايز تقعد معانا.
ابتسم (هشام) لفطنة أخته الصغيرة التي تشبهه كثيراً.
هشام: ولو. مينفعش تتكلمي في حاجات زي دي. إنتِ لسه صغيرة. تمام.
نكس (سمر) رأسها بحزن: حاضر.
هشام: أنا جيت آخد الملفات والورق بتاعي ده وماشي على طول. متقوليش لحد إني جيت يا (سمور). ماشي حبيبتي.
أومأت (سمر) رأسها بحزن.
لتضع وجهها بالأرض لتخرج من غرفة (هشام) بصمت.
جلس (هشام) على طرف الفراش حزيناً لما آل إليه الوضع ببعده عن أهله.
هشام في نفسه: ربنا يسامحكم على اللي بتعملوه معايا.
نهض واقفاً مرة أخرى ليجمع بقية الأوراق التي جاء من أجلها حتى يرحل قبل عودتهم من الخارج.
وضع جميع أوراقه والاسطوانات التي كان يريدها بحقيبته الكبيرة.
واستعد للرحيل مرة أخرى من هذا البيت قبل أن يلاحظه أحد.
فوجئ (هشام) بـ(سمر) واقفة أمامه بعينيها البريئة الممتلئة بالحزن تترجاه ليبقى.
سمر: عشان خاطري خليك يا (هشام).
هشام أطبق شفتيه بأسى: (سمر). حبيبتي. أوعدك إننا في يوم من الأيام هنرجع نعيش سوا مع بعض. بس دلوقتي صعب أوي.
سمر: وأنا هستناك.
ربت (هشام) على رأس (سمر) بحنان.
ليقبلها قبل توجهه نحو باب الغرفة منصرفاً بسرعة.
حين نادته (سمر) قائلة.
سمر: هشـــــااااام.
التفت إليها (هشام) بعيون تملؤها الحزن لهذه الصغيرة التي تفطر قلبه بتركها بهذه الصورة.
سمر: خد ده. هدية مني ليك.
ومدت (سمر) بالدفتر القديم الذي حصلت عليه كجائزة بالمدرسة نحو (هشام) ليمسكه بتعجب واندهاش من شكله القديم المهترئ.
هشام: إيه ده؟
سمر: ده كتاب أخدته هدية في المدرسة النهارده. خده أنت يا (هشام).
ابتسم (هشام) على براءة (سمر).
ليمُد يده بجيب الجاكيت مخرجاً هاتفا محمولاً ليقدمه لـ(سمر) قائلاً.
هشام: هاتي الكتاب وخذي التليفون ده هدية مني عشان أعرف أتصل بيكِ وأطمن عليكِ.
سمر بفرحة: تليفون. ليا أنا!!!!! أنا هخبيه عشان محدش يعرف إنه معايا.
رفعت قدميها لتقف على أطراف أصابعها محاولة الوصول لـ(هشام) لتقبله على وجنتها.
فانحنى لها (هشام) حتى تصل إليه.
ثم ابتسم (هشام) لأخته الصغيرة.
ومد يده وأخذ الكتاب ووضعه بحقيبته.
وقبل رأسها بحنان خارجاً من باب الغرفة.
فوجئ (هشام) عندما هبط درجات السلم بـ(هايدي) تدلف من الباب بغرورها المعتاد.
لحظة لم يكن يريدها (هشام) مطلقاً.
ود لو أن مجيئه كان في الخفاء ورحيله أيضاً بالخفاء.
لكن الحظ لم يكن حليفه.
"هايدي".
كانت "هايدي" تختلف تماماً عن (هشام).
فكانت تميل إلى القصر بعيون ناعسة تهتم بالمظاهر جداً.
فتاة في العشرين من عمرها ذات بشرة بيضاء باهتة.
أخفت عيوبها بالكثير من مساحيق التجميل.
حتى تكاد لا تدرك ملامحها الحقيقية من كثرتها.
تفاجأت (هايدي) برؤيتها لـ(هشام) بعد هذا الغياب الطويل.
هايدي: أهلاً. أهلاً. أخيراً شفناك.
هشام: أنا مش فاضي للتريقة بتاعتك يا (هايدي). بعد إذنك.
أزاح (هشام) (هايدي) عن طريقه بمد كف يد منحياً إياها بعيداً عن طريقه متوجهاً إلى الخارج.
هايدي بسخرية: متستعجلش أوي كده. بابا وماما بره على فكرة.
أغمض (هشام) عيناه بحسرة.
فقد فشل فيما حاول الهروب منه بلقائهم الآن.
والذي يدرك تماماً ما سوف يحدث مجدداً.
التفت إليها (هشام) بملل.
هشام: والمطلوب؟
هايدي: ولا حاجة. بقولك بس.
تركته (هايدي) لتصعد إلى غرفتها مباشرة.
فهي لن تزعج نفسها بمشاجرة والديها مع (هشام) الآن.
تقدم (هشام) نحو الباب ليفتحه.
فقد نفذ السهم وباتت مقابلتهم معهم أمر محتوم.
نظر (هشام) نحو والده وزوجة أبيه يقفان أمامه في استعداد للدخول.
ليقفا لبرهة في مقابلة (هشام).
"معروف" والد (هشام).
تاجر متمرس مشهور يعرفه الكثيرون.
فهو يعمل في مجال التجارة محققاً ربحاً مادياً كبيراً من هذا العمل.
حيث أقام بإنشاء شركة ضخمة تدر عليه ربحاً مادياً عالياً جداً.
لكن على الرغم من ثرائه إلا أنه كان قاسياً جداً على (هشام) ابنه من زوجته الأولى.
والتي تزوج بعد وفاتها مباشرة من (جيهان).
سيدة المجتمع المعروفة برقيها وسمعة عائلتها المعروفة.
كانت (هايدي) ابنة (جيهان) الوحيدة ومدللتها الصغيرة.
والتي حازت على اهتمام كبير من (معروف).
ليصل بدلالها إلى قلب وارضاء (جيهان).
ليرزقا فيما بعد بـ(سمر) أخت كل من (هشام) و(هايدي).
نظر (معروف) إلى (هشام) باستهزاء.
معروف: شرفت أخيراً. خير. إيه اللي جابك؟
هشام: كنت باخد ورق مهم وماشي على طول.
معروف: أنت فاكرني مغفل ومش عارف أنت جيت هنا ليه. لا. أنا عارف كويس. أنت جاي تاخد فلوس.
هشام: فلوس!!! لأ طبعاً. ولا عايز منكم فلوس ولا عايز منكم حاجة. أنا ماشي.
"جيهان" زوجة والد هشام: أنت فاكر إننا هبل ولا إيه؟ قول أخدت إيه من البيت واحنا مش هنا؟
هشام بحده: قلت لكم مجرد ورق بس. ولا عايز ولا هعوز منكم حاجة أبداً.
جيهان: فتّشه يا (معروف).
توجه نحوها (هشام) بنظرات غاضبة تعلو ملامحه الصدمة.
هشام: إيه؟
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب
وقفت (جيهان) زوجة (معروف) والد (هشام) بتحدٍ وهى تحث زوجها ضعيف الشخصية أمامها بأن يفتش (هشام)، ولده الوحيد بعد إتهامه بالسرقة.
جيهان: أنت فاكر إننا هُبل ولا إيه؟ قول أخدت إيه من البيت وإحنا مش هنا؟
هشام بحدة: قلت لكم مجرد ورق بس. ولا عايز ولا حعوز منكم حاجة أبدًا.
جيهان: فتشه يا (معروف).
توجه نحوها (هشام) بنظرات غاضبة تعلو ملامحه الصدمة.
هشام: إيه؟ مش للدرجة دى يا هانم.
قالها (هشام) بسخرية مستطردًا بغضب.
هشام: إنتوا عارفين ومتأكدين إنى عمرى ما أسرق. وإنتوا عارفين أخلاقي كويس.
جيهان بتهكم: أخلاقك؟
توجه (هشام) بنظرِه نحو والده معاتبًا إياه.
هشام: إنت برضه ساكت؟ رُد عليها. إتكلم مرة واحدة ودافع عن إبنك الوحيد. ليه.. ليه دايمًا محسسنى بالغُربة وأنا معاك؟ ليه دايمًا بتتعامل معايا وكأنى غريب؟ هو أنا مش إبنك برضه؟ ما تتكلم. ليه؟ ليه بتعمل معايا كدة؟
أدار (معروف) وجهه معرضًا عن (هشام)، فهو يدرك أنه صائب فى ذلك لكنه لا يقوى على التعامل معه بغير ذلك. فلا طاقة له بمواجهة زوجته (جيهان) التى تكره (هشام) منذ دخولها لهذا البيت الكبير. فلاذ بالصمت ردًا على عتاب (هشام).
شعر (هشام) بغصه فى نفسه مما حدث. نعم، ذلك رد فعل تعود عليه كثيرًا من والده. لكن بكل مرة يظن أنه مازال لديه الأمل فى أن يحن والده عليه ليضمه إليه ويحتمى به. فمنذ صغره وهو بعيد جدًا عنه، دائمًا ما يشعره بالغُربة بين أهله.
نظر (معروف) نحو ولده وقد تحركت داخله إنتفاضة عتاب لنفسه على قسوته مع ولده. حين حاول التحدث، لكن قبل نطقه بكلمة واحدة كانت (جيهان) ترمق معروف بنظرة غاضبة وهى تصرخ به ليتوقف عما ينوى فعله.
جيهان: (معروووووف)!
ليتراجع وقتها (معروف) عن نصرة ولده خازلاً إياه. ليعدل (هشام) من وضع حقيبته فوق كتفه ليخرج مسرعًا من باب البيت بعدما نظر نحو والده بنظرة لوم وإنكسار.
خرج (هشام) من البيت محملاً بثقل يشعر به كُلما أتى إلى هذا البيت. طالما تسائل لماذا يعامله والده بهذه القسوة؟ لماذا لا يشعر بحبه أو بعطفه عليه؟ وأن والده سعيدًا لبعده عنه ويكون فى شدة التضايق عند رؤيته؟ كم تمنى أن يشعر بحبه ودفئه وحنانه. لكنه خص (سمر)، و(هايدى) إبنه (جيهان) فقط بهذه الرعاية والحنان. أَذنبه أن والدته توفت وتزوج والده من هذه المرأه الغيوره التى لم تحبه ولم تحب وجوده قط بالبيت؟
وكانت سعيدة عندما ترك (هشام) البيت ليقيم بسكن الطلاب بعيدًا عنهم. حتى أنه بعد التخرج إستقل بحياته وسكن بشقة صغيرة إلى جوار عمله بالصحيفة التى يعمل بها.
أسرع (هشام) ليستقل إحدى سيارات الأجرة حتى لا يتأخر، لتنطلق به السيارة بسرعة.
***
وسط إرتباك جم تقدم أحد الشباب ليقف بدون حراك فى إنتباه تام. فحضوره الطاغي وشخصيته القوية كافيان بأن يطيحا به الأرض. فلن يتهاون معه هذه المرة فطبعه القاسي والصارم سمة مميزة به.
“أنت فاهم إنت هنا فين؟ هنا الغلطة بموت. هنا الغلط مرفوض. ومش بس مرفوض دى محاكمة عسكرية كمان. فاهم يا حضرة الضابط.”
الضابط: مفهوم يا (علاء) باشا. بس أنا فعلاً.. ااا..
علاء مقاطعًا بحدة: إنتهى. حترجع على موقعك دلوقت و أى غلطة تانية حسابها عسير. لولا حضرة الضابط (أحمد) كان حيبقى مكانك مش هنا. حرس الوزراء والحرس الرئاسي الغلطة فيهم بموت. فاهم.
الضابط: مفهوم يا فندم.
علاء: إتفضل على مكانك بسرعة.
(علاء عجب… رائد شرطة إستطاع لكفاءته الوصول لقيادة مجموعة الحرس الخاص لوزير الصناعة، له سلطات عديدة وقوة متفردة فلا يقهره شئ مطلقًا. شاب يتمتع بملامح قوية على الرغم من زُرقة عيناه الحادتين وشعره الأسود الحالك والتى أكسبته طلة مهيبة بنظراته الحادة والمخيفة فى بعض الأحيان لكل من يواجهه أو ينافسه.)
إعتدل (علاء) بجلسته وهو ينظر إلى الضابط (أحمد) بقوة بنظرة يملؤها اللوم.
علاء: أنت عارف إللى إنت عملته دلوقتِ دة لا يمكن يعدى بالساهل لأنى عمرى ما رجعت فى كلمة قلتها.
أحمد ممازحًا: خلاص بقى يا حضرة الضابط. دى غلطة مش مقصودة وهو فعلاً مكانش يقصدها.
علاء: والله لولا إتوسطت ليه ما كان حيشوفها تانى. هو إحنا بنلعب؟ دى أرواحنا بتبقى على كفوفنا.
احمد: خلاص بقى. إنت بقيت صعب أوى يا (علاء). مكنتش كدة.
علاء بضيق: مفيش حد بيفضل على حاله.
احمد: طب مش ناوي تفكها علينا وعلى نفسك شوية وناخد راحة؟
علاء: لأ. عايز تاخد راحة أنت براحتك. أنا مش تعبان.
احمد: (علاء) أنت بقالك زيادة عن شهرين مشفتش حتى أهلك. مينفعش كدة.
علاء: أنا كدة مرتاح.
(أحمد) مشفقًا على حال صديقه الذى إنغمس بالعمل حتى فقد كل متعته بالحياة. حتى أهله وإخوته لا يراهم إلا كل بضعة شهور. فلقد أقام بشقة خاصة به بعيدًا عن الجميع. يذهب إليها حينما يلحُ عليه القائد بالقيام بالراحة.
***
بإحدى البيوت الشعبية القديمة.
نادت إحدى السيدات بصوتها الحنون المنكسر على إبنتها تتعجلها قائله.
” يا (رحمه).. يا (رحمه).. يلا يا حبيبتي. (هاجر) جت أهى. يلا يا حبيبتي أحسن تتأخري.”
(رحمه.. فتاة رقيقة بيضاء ذو عينان بلون العسل وشعر مموج أسود اللون. لها إبتسامة عذبة تملأ وجهها على كل الأحوال، حتى وهى تشعر بالضيق. دومًا ما تخفي كل ضيقها خلف إبتسامتها فهى تفضل أن تقابل الحزن والضيق بالإبتسام بدلاً من أن تعيش لحظاته. تتلألأ عيونها الجميلة ذات الأهداب الطويلة بلمعة مرحه واضحه للعيان. (رحمه) فتاة يحبها الجميع لرقتها وطيبتها وخفة ظلها. رشيقة كفراشة طائرة. ذات شخصية مرحة محببة للجميع.)
رحمه: أنا جاهزة خلاص أهو. جايه على طول.
خرجت (رحمه) من الغرفة وهى تحمل حقيبتها على كتفها تتحرك فى عجالة لتلحق بصديقتها (هاجر) التى تنتظرها أمام البيت.
رحمه: ماما… أنا نازله. مش عايزة مني حاجة؟
أم رحمه: لا يا حبيبتي. خدى بالك من نفسك.
رحمه: أنا خلصت الأكل وغسلت الأطباق والمطبخ رايق ومش محتاج حاجة. بالله عليكِ ما تتعبى نفسك خالص. ماشى.
أم رحمه: حاضر يا حبيبتي.
رحمه: أنا بقولك أهو. إوعي تخليني أنزل وتعملى حاجة تتعبك زى المرة اللى فاتت. ولو عوزتي أى حاجة نادي بس على (أم محسن) جارتنا. بالله عليكِ يا ماما. تمام.
ام رحمه: ربنا يبارك فيكِ يا بنتي يا رب ويحفظك من كل سوء يا حبيبتي.
رحمه بابتسامة: يا رب.
إقتربت (رحمه) لتُقّبل رأس والدتها وخرجت بسرعة لمقابلة (هاجر) للذهاب إلى العمل.
وقفت (هاجر) بإنتظار (رحمه) فى هدوء يناسب شخصيتها وطبيعتها الهادئة.
(هاجر سليمان… فتاة جميلة قمحية اللون طويلة ذات عينان سوداوتين براقتين وأنف مدبب زاد من حسنها وجمالها الهادئ. رغم ملابسها البسيطة إلا أنها أنيقة جدًا. تتمتع بتفكير منطقي عقلاني ورزانة فكر ورجاحته، مما أكسبها العديد من الأصدقاء ولفت نظر الجميع إليها. لكنها لم تحب أحد كحبها لـ(رحمه). صديقتها منذ الطفولة.)
إقتربت (رحمه) من (هاجر) لتتعانق أيديهما بحميميه لتمسك كل منهما بالأخرى لتسيرا جنبًا إلى جنب متخذات طريقهم إلى العمل.
رحمه: إتأخرت عليكِ.
هاجر: عادتك ولا حتشتريها؟ يلا بينا.
بعد سيرهما لمسافة طويلة قضتها (رحمه) و(هاجر) دون أن يشعرا بطول الطريق لحديثهم إلى بعضهما البعض ليفيضا بمكنونات حياتهما بمحبة.
إستقلا الحافلة لتوصلهم لأقرب مكان تستطيعا الوصول إليه ليكملا طريقهم إلى المعرض سيرًا على الأقدام.
وصلتا إلى معرض كبير لبيع المفروشات بمنطقة راقية للغاية، تقدمت كل منهن إلى قسمها التى تعمل به لتبدأ كل منهما عملها اليومي.
***
مكتب الوزير.
ترك (علاء) المكتب منفعلاً فقد أصبح لا يتحمل أخطائهم التى زادت عن الحد ليخرج إلى الشرفة ليتنفس بعض من هذا الهواء البارد فربما يهدي نفسه قليلاً.
أمال أحد الضباط المستجدين بالخدمة على الضابط (أحمد) متسائلاً.
الضابط: (علاء) باشا صعب أوى. وبجد الموضوع ميستاهلش كل العصبية دى. إنتوا إزاى قدرتوا تتحملوا الشغل معاه كل السنين دى؟ دة أنا لسه أول شهر وبفكر أطلب نقل.
أحمد: أنت متعرفش حاجة. هو مكانش كدة. بس فيه ظروف فى حياته خلته دايمًا عصبي ومبيفوتش الغلطة.
الضابط: معقول؟ فاجئتني بصراحة.
احمد: كلنا نفسنا يرجع (علاء) القديم إللى كل الناس كانت بتحبه وتحترمه. أه كان قوى وشخصيته زى ما هى بس مكانش قاسي أوى كدة.
الضابط: يعنى كل دة عشان فى حياته حاجة مستخبيه؟ سر يعني؟
(أحمد) وهو ينظر بأسى نحو الشرفة حيث يقف (علاء).
احمد: كل واحد جواه سر. مفيش حد خالي.
وتركه متوجها لـ(علاء) فعلى الرغم أن عمل (أحمد) مع (علاء) لم يتجاوز الثلاث سنوات إلا أنه عرف معدنه الداخلى وأنه من أكفأ الضباط الذين قابلهم بحياته. بل هو الأكفأ على الإطلاق. لكنه عرف بالصدفة أن هناك شئ ما جعله بهذه القسوة لكنه لا يدرك ما هو فـ (علاء) بطبعه كتوم قليل الكلام.
أحمد: وحد الله.
علاء: لا إله إلا الله.
احمد: يا أخى ما تنسى بقى وتعيش حياتك؟
رمق (علاء) (أحمد) بنظرة ألجمته تمامًا وكأنه يخبره ألا يتدخل فيما لا يعنيه. ليتفهم (أحمد) صمته مؤثرًا الذهاب حتى لا يشعل غضبه مرة أخرى.
قبض (علاء) كفه بقوة وهو ينظر إلى السماء باحثًا بين الغيوم على قرص الشمس قبل المغيب يبعث بها رسالة لفيض الكيل بالتحمل لسنوات. لقد أصبح فقط يعيش على الذكرى، يعيش بغُربة داخل نفسه لا يقوى عليها لكنه مجبر على ذلك.
صدح هاتفه برنين آثار إنتباهه ليظهر إسم أخيه (سامر). ليملأ رئته بالهواء ويطلقه بزفير قوى قبل رده على مكالمته.
علاء: ألو. إزيك يا (سامر)؟
سامر: إيه يا حضرة الضابط. إنت نسيتنا ولا إيه؟
علاء: دة على أساس أن أنت قاعد فى البيت أنت كمان؟
سامر: مسكتني من إيدى إللى بتوجعني بس أعمل إيه. ما هو شغل الشرطة مبهدلنا معاه.
علاء بسخرية: الشرطة برضة؟ خلينا ساكتين أحسن.
تنهد (سامر) فهو يفهم قصد أخيه جيدًا. وأن حاله لا يختلف عن أخيه كثيرًا. فالإثنان محطمان يهربان من حاضرهم القاتم بالعمل بدلاً من أن يأكلهم الندم.
سامر: لعنة وحلت على عيلة (عجب) حنعمل إيه.
علاء: أخبار شغلك إيه؟ و(طارق)؟
سامر: كله تمام. و(طارق) جنبى أهو بيسلم عليك. بس كنت عايز أقولك روح البيت أمك نفسها تشوفك.
علاء: ححاول حاضر. يلا كفاية رغي ورايا شغل.
أغلق (علاء) هاتفه واضعًا إياه بجيبه مرة أخرى ناظرًا نحو السماء نظرة أخيرة قبل أن يدلف إلى الداخل باعثًا برسالة عبر الرياح “يا ريت الزمن يرجع من تانى”. ولكن الزمان لا يعود وتبقى الحسرة والذكرى بالقلوب.
***
بيت رحمه.
جلست (أم رحمه) على مقعدها المخصص لها والذى وضعته خصيصًا إلى جوار النافذة حتى تستطيع الجلوس والنظر إلى الحي مثل كل يوم.
دلف إلى الشقة رجل أبيض ممتلئ الجسم متوسط الطول فى العقد الخامس من عمره يشبه (رحمه) إلى حد كبير. نظر نحو زوجته (أم رحمه) بإشفاق يود لو أن يجد طريقة يمحو بها حزنها وإنكسارها، خاصة وهو يراها جالسة بهذا الوضع يوميًا. تتظر من النافذة وهى تستند بيدها إلى خدها متكئة على حافة النافذة الخشبية تنظر وتنتظر بحزن.
ابراهيم: ربك رحيم. كفاياكِ حزن يا (أم رحمه).
انتبهت (أم رحمه) لوجوده لتنظر نحوه بهدوء.
أم رحمه: أنت جيت يا (إبراهيم).
ابراهيم: جيت من شوية. لحد إمتى حتفضلي قاعدة كدة فى البرد؟
أم رحمه بحزن: وحشني أوى يا (إبراهيم). نفسي أطمن عليه بس.
إبراهيم: ربك رحيم بعباده. إن شاء الله حيطمنا عليه.
أم رحمه: تسع شهور. تسع شهور ولا نعرف عنه حاجة ولا حس ولا خبر. قلبي بيتقطع عليه. نفسي بس أطمن عليه.
إبراهيم: يا ريت فى إيدينا حاجة نعملها. إدعي له يا (إنتصار). إدعي له ربنا يحفظه ويرجعهولنا بالسلامة.
أم رحمه: بدعي له. وحفضل أدعي له. ربنا يحفظه ويرعاه فين ما كان. ويملي عيني برؤيته قبل ما أموت.
إبراهيم: بعد الشر عنك. ربنا يديكِ الصحة وطولة العمر. بلاش الكلام إللى مالهوش لازمه دة. حيرجع وحنفرح بيه كلنا.
حاول (إبراهيم) أن يشتت إنتباه زوجته الحزينة ليغير مجرى الحديث بسرعة.
ابراهيم: أمال فين الولاد؟ مش شايفهم يعنى؟
أم رحمه: (محمد) و(عمر) راحوا يساعدوا (أبو محسن) جايب بضاعة وكان عايز حد ينقلها معاه. و(رحمه) راحت الشغل مع (هاجر).
ابراهيم: ربنا يبارك فيها ويحفظها هي كمان تعبت معانا أوى البنت دى.
أم رحمه: ربنا يسعدها. نفسي أفرح بيها وأشوفها عروسة مع البنى آدم إللى يستحقها. دى طيبة وبنت حلال.
ابراهيم: ربنا يسمع منك. ويفرحنا بيها هي وأخواتها وبرجعة عبد الله.
أم رحمه: آمين يارب.
ابراهيم: يلا. تعالي إدخلي جوه بعيد عن الهوا البارد دة حيجيلك برد.
أم رحمه: روح أنت بس نادى (محمد) و(عمر) وأنا ححضر لكم الأكل.
ابراهيم: لا يا ستي ملكيش إنتِ دعوة. حروح أنادى الولاد وإحنا حنحضر دول طبقين.
أم رحمه: ما هو عشان كدة الموضوع سهل. (رحمه) خلصت الأكل وححط لكم الأكل مش حيتعبني ولا حاجة. وبعدين إنت طول النهار واقف فى المصنع على رجلك. روح بس وأنا ححضره بسرعة.
ابراهيم: الأمر لله.
تركها زوجها لمناداة أولاده بينما جهزت (أم رحمه) الطعام لهم وانتظرت هى قدوم (رحمه) لتناول الطعام معها فهى لا تشتهى الآن لتناوله معهم.
***
تركيا.
عادت (أميمه) إلى بيتها الجديد الذى سكنته حديثًا كمرحلة جديدة بحياتها.
حملت (يامن) المتعب من الركض واللعب طوال اليوم لتحممه أولاً وتبدل ملابسه قبل أن يخلد إلى النوم.
يامن: مامي.
(أميمه) بحب لهذا الطفل الصغير الذى أصبح كل عالمها.
اميمه: عيون مامي.
يامن: تنامي معايا النهاردة هنا. وأشار بكفه الصغير على فراشه الجديد.
اميمه: حاضر. ناكل بس الأكل بتاعنا كله وبعد كدة ننام هنا.
إحتضن (يامن) (أميمه) بقوة لتبتسم (أميمه) لوجوده بحياتها.
خلد الصغير إلى النوم إلى جوار (اميمه) وهى تداعب شعره الأسود كسواد الليل تتأمل ملامحه البريئة وهو يغط فى النوم.
أميمه: إنت أحلى حاجة حصلتلي فى دنيتي. مش عارفه من غيرك كنت حقدر أعيش وأكمل إزاي بعد إللى حصل.
قبلت (أَمِيمَة) (يامن) قُبلة طويلة فوق جبهته لتستمتع بالنوم الهادئ إلى جواره محاولة إبعاد طيف الماضي وذكرياته المؤلمة فعليها أن تتأقلم مع غربتها لتكمل الحياة.
***
فى المطار.
توقفت سيارة الأجرة التى يستقلها (هشام) أمام بوابة الدخول بالمطار. ترجل (هشام) واضعًا حقيبته الجلدية على كتفه مرتديًا نظارته الشمسية وأخرج قبعته المحببة ووضعها فوق رأسه قبل دخوله من بوابة الدخول.
دلف (هشام) حاملاً جواز سفره مقدمًا إياه للضابط المسؤول لمراجعته ووضع ختم الخروج إستعدادًا لإستقلال الطائرة متجهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
إنتهى من كافة الإجراءات ليجلس بقاعة الإنتظار لحين إقتراب موعد رحلته.
مر الوقت سريعًا ليُعلَن بالتوجه إلى البوابة المخصصة للصعود للطائرة ليقف بصف طويل متجهًا إلى الممر الأنبوبى إلى الطائرة مباشرة.
جلس (هشام) على مقعدة بإنتظار الإقلاع وقرر النوم قليلاً فلم ينم منذ الأمس خاصة وأن ساعات الرحلة طويلة للغاية فيفضل قضاء معظم الوقت نائمًا.
خلع نظارته وقبعته ووضعهم بجيب حقيبته وبانت ملامحه الوسيمة. طلب من المضيفة غطاء للعينين ووسادة لينام براحة حتى قرب وصول الطائرة.
***
فى المستشفى.
حل المساء وحان موعد جديد لتدلف إحدى الممرضات إلى داخل غرفتها المعتمة وهى تفضل النوم دومًا فربما هذا هو حلها الوحيد.
وضعت الممرضة يدها على قابس الإضاءة لتنير الغرفة المعتمة مما أزعج عيناها العسليتان لتغمضهما بقوة فقد سبب الضوء ألما مباشرًا بعيناها.
الممرضه: نصحى بقى. كفاية نوم. معاد الوجبه جه.
لترد عليها بملل حزين: أنا زهقت أوى. أنا تعبت من كتر الأكل. أنا تقريبًا باكل كل ساعتين.
الممرضه: ما إنتِ عارفه إن دة هو علاجك الوحيد. إنتِ نسيتي كنتِ عامله إزاى؟
مرددة بإنكسار: لأ. منستش.
الممرضه: خدي. إشربي ده.
(طيب. حطيه عندك وأنا حاخده.)
وضعت الممرضة كأس به عصير سميك للفواكه به بعض القطع وهى مرحلة متقدمة من تناولها للطعام بعد أن كان مجرد عصائر وطعام مهروس فقط. فهى مازلت غير قادرة على بلع الطعام بصورته الطبيعية.
نهضت من نومتها مستنده على ظهر السرير المعدنى وهى تمد بيدها لتناول الكأس.
مالت شفتاها الباهتتان للأسفل بحزن طفولى متحليه ببراءة وسكينة شديدين. هى تدرك تمامًا مرضها لكن المؤلم أكثر هو وحدتها القاتلة التى تعيش بها، غربتها داخل نفسها. دمعت عيناها رغمًا عنها متذكرة لمحات من الماضي الحزين لحياتها الماضية.
أمسكت بكأس العصير وبدأت ترشف منه ببطء.
يتبع.
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب
بعد يوم مرهق طويل، حل المساء وسط جوه الغائم ورياحه الباردة.
في المعرض…
نظرت رحمة إلى ساعتها بنظرة خاطفة وهي ترتب آخر المعروضات والبضائع بقسمها قبل رحيلها، لتنظر نحو هاجر تسألها.
رحمة: ها…. خلصتي؟
أنا قربت أخلص.
هاجر: ثواني أهو.. ححط البضاعة دي هناك وأبقى جاهزة.
رحمة: إنجزي شوية الوقت إتأخر.
هاجر: حاضر حاضر.
انتهت رحمة من وضع كل البضائع بأماكنها مرة أخرى بعد خروج آخر زبائن المعرض، لتقترب من القسم الذي تعمل به هاجر لتساعدها في وضع المعروضات بأماكنها حتى تستطيعا الانصراف.
رحمة: خليني أساعدك عشان نروّح.
إنتهتا أخيرًا من ترتيب كل شيء لتنصرفا نحو المنزل بنفس طريق العودة.
إتخذوا طريقهم بداية بالسير على الأقدام للخروج من هذا الحي الراقي متجهات نحو موقف الحافلات، ليستقلوا إحداهم بعد ذلك يترجلا لمسافة طويلة لوصولهم إلى حيهم المتواضع الذي تقطنان به.
ليمر الطريق الطويل بسرعة وسط حديثهم الذي لا يملان منه أبدًا.
وصلتا أمام بيت رحمة أولاً، لتسألها هاجر قبل ذهابها إلى بيتها.
هاجر: رايحة بكرة ولا إيه؟
رحمة: طبعًا. وأنتِ رايحة؟
هاجر: مع إني هلكانه تعب من الشغل النهاردة بس لازم أروح طبعًا.
رحمة: خلاص. عدي عليا الصبح نروح سوا.
ترددت هاجر كثيرًا في سؤال رحمة. فهذا هو سرها الوحيد الذي لا تعرفه عنها، لكنها فضلت بقاءه بداخلها حتى يحين الوقت المناسب لمعرفتها به.
هاجر بتردد: ااااا…. رحمة… ااااا….
رحمة متعجبة: مالك يا بنتي فيه إيه… بتقطعي في الكلام كدة ليه؟
هاجر: لا بس عايزة أسألك سؤال.
رحمة ضاحكة: ياااه. وهو السؤال صعب أوى كدة ومش قادرة تقوليه. دة من كتر ما إحنا واخدين على بعض بنكرشك من بيتنا.
هاجر: لا يعني…. هو سؤال جه على بالي كدة. هو مفيش أخبار عن أخوكِ عبد الله؟
رحمه بحزن: للاسف لأ. لسه مفيش عنه خبر. بقاله كدة تسع شهور مختفي ولا نعرف إيه إللى حصل له.
هاجر بحزن: بإذن الله يكون بخير. ويرجع بالسلامة.
رحمه: يسمع من بوقك ربنا يا هاجر.
رحمه: أكتر حاجة صعبانة عليا في الموضوع دة… ماما. من كتر غيابه قلبها تعب أوى ومبقتش مستحمله خالص. أنا خايفة عليها أوى.
هاجر: إن شاء الله يرجع وتبقى أحسن من الأول. خالتي تعبت أوى في غيابه.
رحمه: يا رب يا هاجر. إدعيله يرجع بالسلامة.
هاجر متضرعة من قلبها بالدعاء بالفعل.
هاجر: ياااارب.
رحمه: لما أطلع بقى أطمن عليها وأنام.
هاجر: خلاص يلا. تصبحى على خير. أشوفك بكرة.
رحمه: سلام يا جوجو.
تركتها هاجر متجهة نحو بيتها الذي لا يبعد سوى بيتين فقط عن بيت رحمة، لتنتهي هذه الليلة الطويلة بعودة كل منهن إلى بيتها.
***
بعد مرور ساعات طويلة.
مطار جون كينيدي الدولي بنيويورك.
بعد عناء طويل ورحلة مرهقة وصل هشام إلى نيويورك. أنهى معاملاته وأوراقه حاملاً حقيبته فوق كتفه ليخرج من المطار متوجهًا إلى الفندق الذي سبق وقد قام بالحجز به قُبيل سفره من مصر، فهذه ليست أول مرة يسافر بها.
إستقل إحدى سيارات الأجرة وطلب من السائق إيصاله إلى الفندق الذي دون عنوانه بالتفصيل.
مرت حوالى نصف الساعة حتى وصل هشام إلى الفندق وأوصله أحد العاملين بخدمة الغرف بالفندق إلى غرفته التي قام بحجزها.
دلف هشام إلى الغرفة واضعًا حقيبته على المنضدة الموجودة إلى جوار النافذة وألقى بجسده المنهك من السفر الطويل على الفراش الوثير.
أخذ هشام ينظر الى السقف يتأمل الثريا المتدلية منه دون أن يفكر بأي شئ، فقط يصفى ذهنه قليلاً ويأخذ قسطًا من الراحة.
***
دولة الإمارات.
حوريه.
جلست بهدوء تلتقط أنفاسها بعد عناء يوم قاسٍ، فقد أُنهكت من هذا التنظيف المستمر وهذا الترتيب المُهلك رغم أنه لا يحتاج إلى ذلك مطلقًا.
أغمضت عيناها تتذكر تلك الأيام التي مضت بحياتها، لكنها اليوم أصبحت مجرد ذكرى. وكل ما تستطيع فعله هو التذكر.
فلم يعد بينها وبين الفرح سوى مجرد ذكريات.
مدت يدها لتنزع ربطة شعرها الأسود الكثيف لينسدل بنعومة وحريرية فوق كتفيها. كانت تشع منها أنوثة طاغية وجمال فاتن بوجنتيها الورديتين الممتلئتين ووجهها المستدير وعيونها البراقة المحددة بخضارها المميز وأهدابها الطويلة الكحيلة طبيعيًا.
كم شعرت بالحنين إلى حضن بلدها الدافئ الذي ذاقت طعم مرار الغربة بعيدًا عنه. كم إشتاقت له ولرائحة جوه ونسماته الجميلة.
فها هي وقد مر الثلاثة أعوام تعيش هنا وحيدة، لم ترى الوطن وتطأ خطاها أرضه، ويبدو أنها لن تراه مرة أخرى.
قامت بخطوات بطيئة أظهرت جمالها ورشاقتها تتقدم نحو خزانة ملابسها الكبيرة لتبدل ملابسها بأخرى، فهذه الملابس ترتديها منذ الصباح أثناء تنظيف البيت.
نظرت نحو الخزانة الممتلئة بشتى أنواع الملابس لتمد يدها بلا إكتراث تسحب أحدهم دون تفكير أو اختيار.
فلو إستطاعت الإختيار لطالبت بالتنازل عن كل الملابس الفخمة والرفاهية التي تعيش بها مقابل قضاء ليلة واحدة سعيدة في فقرها القديم.
بدلت ملابسها بسرعة. كانت جميلة أنيقة باهرة للأعين وهذا أقل وصف لها. لكن مع ذلك فعيونها يملؤها الحزن والإنكسار.
إتخذت خطواتها البطيئة هابطة درجات السلم الداخلي لهذه الفيلا الرائعة المصممة على أحدث طراز متجهة نحو المطبخ لتشرب أي مشروب أو عصير يمدها بالطاقة ويروى ظمأها.
***
نيويورك.
الفندق.
أحس هشام بالملل فهو لا يشعر بالنعاس مطلقًا، فقد أمضى ساعات رحلته بالطائرة نائمًا.
فقرر أن يكتب بعض المقالات القصيرة على اللاب توب الخاص به أو ربما تصفح بعض الصفحات على الإنترنت.
نهض من استلقاءه المريح جالسًا على المقعد المواجه للمنضدة الخشبية التي وضع عليها حقيبته عند دخوله الغرفة وأخرج حاسوبه اللاب توب من الحقيبة ليلفت نظره الدفتر القديم الذي أعطته إليه أخته سمر.
نحى الحاسوب جانبًا مخرجًا الدفتر واضعًا الحقيبة على الأرض ليتلمس هذا الدفتر المميز متفحصًا إياه.
كان عبارة عن دفتر قديم ذو غلاف مصنوع من الجلد السميك وعلى ما يبدو أنه يدوي الصنع.
أخذ هشام يتأمل شكله وكيف يبدو عليه أنه دفتر قيم.
فتح غلاف الدفتر ليجد صفحاته وقد مال لونها إلى الإصفرار مما يدل على قدم هذا الكتاب.
نظر بأول صفحاته ليجد إسم منقوش بطريقة فنية جميلة وتصميم رائع لإسم فتاة.
﴿ نهـــال ﴾
هشام: نهال…. يا ترى مين نهال؟
قلب هشام صفحة أخرى من هذا الكتاب وجد إهداء كُتب فيه.
﴿ إلى إبنتي الغالية … نهال ….كل عام وأنتِ بخير …أهديكِ هذا الدفتر …. دفتر الذكريات …جعل الله كل ذكرياتك سعادة وفرح …والدك ﴾
تلاها بخط طفولي منمق.
﴿ بابا حبيبي … أنا نهال … وبحب بابا وماما أوى …. بابا النهارده جاب لى هدية … أجمل هدية …دفتر ذكرياتي …النهاردة عيد ميلادي التاسع …أنا فرحانة ومبسوطة أوى أوى… وفرحانة أكتر لأن بابا جاب لى فستان أبيض … لأنه عارف إنى بحب اللون الأبيض أوى ﴾
شد هذا الدفتر انتباه هشام بصورة بالغة.
تعجب لعدم وجود هذا الدفتر مع صاحبته ووجوده مع أخته سمر.
قرر قراءة دفتر الذكريات حتى يعرف صاحبة الدفتر ويحاول إعادته إليها فور عودته إلى مصر، فبالتأكيد هي تبحث عنه الآن.
بدأ هشام يقلب في دفتر الذكريات كانت فتاة صغيرة مرحة تكتب ذكريات بسيطة عن والديها وذهابها الى المدرسة وصديقاتها.
ذكريات طفولية جميلة أحس وقتها بمدى الفارق بين طفولة هذه الفتاة وبين طفولته المحرومة من كل حنان.
أحب هشام هذه الذكريات التي تمنى لو كان هو صاحب هذه الذكريات والطفولة البسيطة لصاحبة الدفتر. ليندمج بقراءة هذه الذكريات بتمعن أكثر وأكثر.
أحب بالفعل هذه الطفولة وهذا الأب وهذه الأم. وبعد قراءة عدة صفحات وصل إلى صفحة مكتوبة بنفس خط الفتاة لكنها كانت غير منسقة ومنقوشة بنفس الورود كسابقاتها. بل إنها فقط عبارة عن عدة كلمات على صفحة الدفتر كتب فيها.
﴿ ناس كتير أوى جم النهاردة …. كلهم لابسين اسود فى اسود … أنا مش بحب اللون الأسود أبدًا ….طول عمري بحب اللون الأبيض … الناس كلها بيقولولي إن بابا وماما ماتوا …. ماتوا فى حادثة وسابوني ….. بابا وماما راحوا عند ربنا … أنا زعلانة وحزينة أوى ….أنا مش عارفة أعمل إيه … أنا عايزة أبقى معاهم وهم يبقوا معايا … هو يعنى كدة خلاص … مش حشوفهم تانى ..؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟….. (نهال)..﴾
موجة حزينة عصفت بـ هشام بهذا الوقت.
شعر لحظتها بكل حرف كتبته. فهو يدرك جيدًا أن فقدان الأهل موجع خاصة عندما يكون الشخص يحب أهله ومتعلق بهم إلى هذا الحد. فهو فقد والدته منذ زمن بعيد ويعلم جيدًا مرار اليتم.
***
تركيا.
أميمه.
إستيقظت على صوت قرع لجرس الباب لتنهض من نومها إلى جوار يامن لتهبط نحو الأسفل لتفتح الباب.
اميمه: سيلا… صباح الخير.
سيلا: صباح الخير. معلش صحيتك من النوم بس أعمل إيه. حكم القوي. وأشارت سيلا بحاجبيها بطريقة مضحكة على والدتها التي تلحق بها من الخلف.
إبتسمت أميمه فهي تعلم بالتأكيد طبع السيدة توتشا والدة سيلا ومحبتها للإستيقاظ مبكرًا.
اميمه: حبيبتي أبلة توتشا. تيجي فى أي وقت.
سمعتها توتشا عندما إقتربت منهما، فهي تستطيع التحدث باللهجة المصرية جيدًا، لتعلمها ذلك من زوجها يحيى رحمة الله عليه.
توتشا: شايفة الناس إللى بتفهم. ورمقت سيلا بنظرة جانبية وهي تتعداها لتحتضن أميمه التي رحبت بها بحرارة.
اميمه: وحشاني جدًا يا أبلة توتشا. بقالي كتير مشفتكيش.
توتشا: شغلك الجديد أخدك مننا.
اميمه: ولا أقدر والله.
توتشا: فين مينو… واحشني.
اميمه: لسه نايم فوق فى أوضته.
توتشا: أنا طالعه له أقعد معاه خليكم إنتوا فى شغلكم.
اميمه: تعبتكوا معايا.
توتشا: أميمه….!!!! إنتِ زى سيلا بالضبط. ولا إيه؟؟
قالتها توتشا مهددة أميمه بمزاح، لتتسع إبتسامة أميمه لهذه السيدة الرائعة التي إحتوتها منذ قدومها إلى إسطنبول.
صعدت توتشا نحو غرفة يامن، بينما أدخلت أميمه و سيلا الحقائب التي أحضروها معهم لبقائهم مع أميمه و يامن لمساعدتهم خلال هذا الشهر حتى تعود ماندي مربية يامن من إجازتها.
سيلا: حطلع أنا الشنط دى فوق فى الأوضة وأنزلك حااالا.
اميمه: وأنا حجهز لنا فطار بسرعة كدة.
دلفت أميمه إلى المطبخ حين سمعت صوت قرع جرس الباب مرة أخرى متعجبة من سيأتي إليها الآن، فـ سيلا و توتشا قد وصلا بالفعل.
فتحت الباب لتفاجئ بهذا الزائر الغير متوقع.
اميمه: ضيا… !!!!
(ضيا: شاب ثلاثيني مهذب وسيم الطلعة ذو بشرة بيضاء وشعر بنى قاتم ثائر بشكل عشوائي زاد من وسامته يرتدى نظارة طبية مستديرة. يعمل ضيا مع أميمه و سيلا بنفس المكتب تحت قيادة أميمه. تركي الأصل لكن والدته مصرية وهي السبب في تعلمه اللهجة المصرية. تعرف على أميمه عن طريق صلته بـ سيلا والسيدة توتشا قبل مجيء أميمه إلى إسطنبول. حاول ضيا التقرب أكثر وأكثر من أميمه التي وقع عشقها بقلبه منذ رؤيتها لأول مرة. لكنه لم يصرح لها بذلك مطلقًا. يرى دائمًا أميمه تميل إلى الجانب العملي والتحفظ معه ومع الجميع ليدرك أن بداخلها حاجز ما يمنعها من العيش بحرية وربط ذلك بأنه ربما يكون والد يامن السبب بذلك. قرر وجوده معها بشكل دائم ليبقى إلى قربها ومساندتها على أى الأحوال. حتى يستطيع البوح لها عما بداخله يومًا ما. فهو لن يتحمل خسارتها وبُعدها عنه إذا رفضت وجوده بحياتها.)
ضيا: صباح الخير يا أميمه. قلقتك ولا إيه؟
اميمه: لا أبدًا. بس مكنتش متوقعة حد حييجى دلوقتِ.
ضيا: أنا كنت….
قطع حديثه صوت سيلا المهرولة بطفولية فوق درجات السلم المواجه للباب قائله بفرحة.
سيلا: ضيا… يا ضيا… إيه إللى حدفك علينا على الصبح؟
تفاجئ ضيا بوجود سيلا ببيت أميمه لينظر نحوها بصدمة.
ضيا: سيلا…!!! إنتِ بتعملى إيه هنا؟
سيلا: سؤال عجيب والله. أنا إللى بعمل إيه هنا. أنت إللى جاى لـ أميمه عاوز منها إيه بدري كدة؟
(ضيا) وهو مشيرًا إلى سيارته المتوقفة بيده.
ضيا: كنت معدى بالصدفة وقلت أجى أسلم على أميمه وكدة.
سيلا بعدم تصديق: اااااه.
قطعت أميمه حديثهم الذي إعتادت عليه.
اميمه: إتفضل يا ضيا. تعالى نفطر كلنا سوا.
تنحت أميمه جانبًا وهي تشير لـ ضيا بالدخول ليدلف إلى داخل المنزل بخيبة رجاء لظنه أنه يستطيع التحدث لـ أميمه بمفردهما.
سيلا: بجد يا ضيا. إيه إللى جابك.
ضيا بحدة: إنتِ ليه مش مصدقة. كنت معدي من هنا عادى.
سيلا: خلاص خلاص متزعقش.
ضيا: أميمه اااا…… بقولك…. عيد ميلاد يامن. أنا مجهز حفلة ليه. عشان متعمليش حسابك فى أى حاجة. ومفيش أعذار أنا بقولك من بدرى أهو تمام.
اميمه: دة لسه بدرى أوى. دة لسه شهر.
ضيا: قلت أقولك من بدرى عشان تعملي حسابك.
شردت أميمه وهى تتمتم.
اميمه: ياااه. يامن حيكمل أربع سنين.
سيلا: مش مصدقه ابدااااا. كبر بسرعة ما شاء الل ه.
إنتبهت أميمه لـ ضيا و سيلا.
اميمه: عمومًا نخلى الموضوع دة بعد ما نخلص كل التصميمات المطلوبة من الشركة الراعية عشان نجهز للديفيله (العرض) الأول.
ضيا: أه طبعا أكيد. نجهز كل التصميمات ونحضر ال meeting( الإجتماع) وبعدها على طول حفله (مينو).
اميمه برسمية: إن شاء الله. يلا نفطر بقى عشان نبدأ الشغل. أنا جهزت كل حاجة هنا يا سيلا عشان نبدأ بالتصميمات على طول لأنى مش حقدر أبعد عن يامن كتير فنشتغل من البيت.
سيلا: حلو حلو. أحب أنا الشغل إللى من منازلهم ده. وأهو ضيا موجود ويشتغل معانا.
اميمه بسرعة: ومين إللى حيكون موجود فى المكتب بقى؟
سيلا: أه صح.
ضيا: أنا حشتغل فى المكتب وبرضه حبقى أجى هنا أشوف لو كنتم محتاجين حاجة.
سيلا: ظبطت أهى. كدة تمام. تمام.
وضعت أميمه و سيلا طاولة الطعام ليتناولوا جميعًا الطعام سويا بحضور توتشا والصغير يامن.
***
نيويورك.
على نفس جلسته مازال هشام منكبًا على دفتر الذكريات مستكملاً قراءته فقد أثارت نهال كل مشاعره وكأنه يعرفها عن قرب.
نظر إلى الصفحة التالية حيث كتب بها.
﴿ النهاردة خالي قالي أنى أروح أعيش معاه فى بيته. مع مراته وولاده. وأنا معنديش حد تانى أروح له. حتى خالي ده أنا معرفهوش. مشفتهوش كتير. بس خلاص أنا لازم أروح. لازم أعيش معاهم من أول النهاردة. (نهال) ﴾
ليقرأ هشام هذه الجمل المكتوبة التي يبدو أنها لم تكتب بنفس الأيام فكل منها له تاريخ مختلف.
﴿ مرات خالى مش بتحبنى أبدًا. أنا بخاف منها. (نهال) ﴾
﴿ أنا جعانة أوى. الدنيا بقت ليل ومحدش إداني أي حاجة أكلها. ماما كانت دايما بتجيب لى الأكل… ﴾
﴿ النهاردة لما رحت أجيب الأكل لقيت خالي ومراته بيقولوا أنهم مش بيحبوني وأنهم بيكرهوني. طيب هما لو مش بيحبوني. جابوني هنا ليه. وحشتني أوى يا بابا إنت وماما. أنا بقيت زعلانة أوى ﴾
رق قلب هشام لهذه الفتاة وكأن ما حدث معها حدث معه أيضًا.
قرأ في الصفحة التالية والتي كانت مدونة بتاريخ بعدها بفترة طويلة.
﴿ مش قادرة أبطل عياط. أنا مش عارفة أنا فين. مرات خالي جابتني هنا عند الناس دول. أنا معرفهمش. بس أخدوا منى كل حاجة. بس أنا خبيت منهم دفتري وقلمي عشان محدش ياخده مني. أنا مش عارفة أنا فين. (نهال)… ﴾
أغلق هشام دفتر الذكريات وفي داخله ألم مما يقرأه لكنه أحس بتعب ورغبة في النوم وقرر أن يكمل قراءة باقى الذكريات في الغد بعد عودته من الخارج.
رواية ذكريات مجهولة الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
في الصباح…
بيت رحمه….
فتحت عينيها بإرهاق، فهي لم تشعر بالراحة خلال نومها، لكن عليها الاستمرار.
نهضت من فراشها بتكاسل، محاولة التنشط قليلاً لتبدأ يومها بمهام اعتادت عليها قبل مغادرتها في الصباح.
قامت بترتيب الشقة جيدًا وتحضير الفطور ووضعه على المنضدة قبل استيقاظ الجميع.
ارتدت ملابسها بغرفتها التي كانت شرفة بالأساس قبل أن يحولها والدها إلى غرفة خاصة بها بعيدًا عن إخوانها الذكور (عبد الله) و(محمد) و(عمر).
خرجت إلى غرفة المعيشة لتجد والديها قد استيقظا ومعهم أخويها (محمد) و(عمر) يتناولون الإفطار الذي قامت بتجهيزه لهم منذ قليل.
رحمه بابتسامة مشرقة: صباح الخير.
الجميع: صباح الخير.
جلست (رحمه) تتناول فطورها معهم بجلسة يغمرها الراحة والدفء، لا ينقصها سوى الغائب (عبد الله).
إبراهيم: صاحية بدري النهاردة… رايحة الكلية ولا إيه؟
رحمه: أيوة يا بابا… رايحة النهاردة.
إبراهيم: ربنا ييسر أمورك يا بنتي.
رحمه: آمين يا رب.
وقفت (رحمه) وهي تضع آخر لقمة بفمها بتعجل، ملوحة لهم بيدها مودعة.
رحمه: أنا يادوب أمشي بقى… سلام.
أم رحمه: اقعدي يا بنتي كملي فطارك.
رحمه: لا الحمد لله… شبعت. يلا يا (محمد) يلا يا (عمر)… حتتأخروا كده.
عمر: لا متخافيش لسه قدامنا وقت. روحي إنتِ أحسن (هاجر) زمانها مستنياكِ.
رحمه: طيب تمام… يلا سلام.
ثم عادت ببصرها نحو والدتها مستكملة.
رحمه: ممكن متتعبيش نفسك لحد ما أرجع وأنا حعمل كل حاجة… ماشي.
أم رحمه: روحي إنتِ بس كليتك ومتشيليش هم خالص.
رحمه: أنا نازلة على طول… سلام.
الجميع: مع السلامة.
خرجت (رحمه) مسرعة وهي تحمل حقيبتها، ممسكة بأحد الملازم بيدها، لتقابل (هاجر) التي وقفت تنتظرها كعادتها كل يوم.
هاجر مازحة: إنتِ عمرك ما حتنزلِ بدري وترحميني من الوقفة دي كل يوم.
رحمه: شوف مين اللي بتتكلم… بلاش أنتِ يا (جوجو) ده أنتي مطلعة روحي وبتلطعيني بالساعات ولا ناسيه. مجتش يعني على خمس دقايق الصبح.
هاجر: يا ساتر يا رب… مبتفوتيش حاجة أبدًا. يلا يا أختي اتأخرنا على الأتوبيس.
رحمه: ناس ما بتجيش إلا بـ…
هاجر: بالـ… إيه؟
رحمه ضاحكة: بالعسل. يلا بينا.
اتخذتا طريقهما نحو الجامعة، فهما طالبتان بكلية التجارة بالسنة الرابعة، ولم يتبقى على تخرجهما سوى شهور قليلة.
ومع ذلك، فلظروف أسرتيهما المتواضعة ماديًا، تعملان بعد انتهاء يومهم الدراسي بمعرض المفروشات لمساعدة أسرتيهما وتحمل نفقاتهما قدر المستطاع.
***
مديرية الأمن العام….
يتقدم بخطوته الثابتة متجهًا نحو مكتبه بثبات. وفور وصوله إلى المكتب، انتفض الشرطي قرابة باب المكتب بالوقوف باستقامة رافعًا يده أعلى جبهته مؤديًا التحية العسكرية قبل أن يقوم بفتح الباب له.
دلف إلى المكتب هذا الشاب القوي بطوله الفارع وهيبته القوية.
(طارق العربي… شاب قوي البنية ذو ملامح جادة وسيم، قمحى البشرة ذو عيون حادة ونظرات قوية وملامح شرقية أصيلة محببة، لكنها في بعض الأحيان مخيفة عندما يظهر غضبه).
نظر إلى داخل المكتب ملاحظًا صديقه وزميله (سامر) يجلس خلف مكتبه يقرأ بأحد الملفات الموضوعة أمامه.
(سامر عجب… شاب بشوش الوجه ذو ضحكة صافية يتسم بالهدوء بالرغم من بنيته الجسمانية القوية المشابهة لـ(طارق) بفعل التمرينات الرياضية القوية التي يقومان بها. لكن ملامحه تشبه أخيه (علاء) بشكل كبير حتى مع زرقة عينيه التي ورثوها عن أمه).
طارق: صباح الخير.
سامر متعجبًا: (طارق)…!!! صباح الخير.
طارق: إيه أخبارك؟
سامر بتعجب: إيه أخباري أنا؟ أنت اللي إيه أخبارك مش كان عندك مأمورية امبارح بالليل؟ جيت بدري ليه كده؟
(طارق) وهو يجلس على المقعد الخاص به خلف مكتبه: متقلقش كده… وراك أسد.
سامر: ده أمر مفروغ منه… أنا متأكد. بس احكي لي عملتوا إيه في الحملة امبارح؟
طارق بفخر: عيب يا بني… كلهم تحت في الحجز.
سامر: يا ريتني طلعت معاكم امبارح.
طارق: ولا يهمك المرة الجاية أنت أكيد معانا.
سامر: ضروري… مش حسيبكم أبدًا.
***
في المستشفى…
وقفت تتأمل المارة ككل يوم من النافذة. تهيم بتأملاتها لهؤلاء الغرباء، فهذا يعبر الطريق وآخر يسير بعجالة، وهذا يركض وهذا وهذا.
لتمضي وقتها وترى كيف الدنيا تدور من حولها دون أن يشعر بها أحد.
كل ما تفعله بحياتها هو التأمل من النافذة باتجاه أناس لا تعرفهم ولا يعرفونها ولا يشعرون بوجودها، وكأنها في سجن كبير تطل من نافذتها هذه على العالم من حولها.
ما عليها سوى متابعة المارة وتناول الطعام الذي أصبحت مجبرة على تناوله كل ساعتين بحد أقصى.
***
تركيا…
جالسة (توتشا) الصغير (يامن) بغرفته بالدور العلوي ليلهو ويلعب بعيدًا عن (أميمة) حتى تستطيع هي و(سيلا) العمل.
بالدور السفلي.
وضعت (أميمة) العديد من الأوراق والألوان وعينات من الأقمشة المختلفة أمامها، كذلك وضعت جهاز الحاسوب "اللاب توب" الخاص بها للعمل على التصميمات المطلوبة منها لهذا الديفيليه "العرض" الضخم الذي سيقام بعد شهر.
أميمة بإرهاق: اوف… تعبت قوي. يلا نرتاح شوية ونشرب حاجة ونرجع نكمل، أنا دماغي وعنيا تعبوني قوي.
سيلا: طيب أنا حقوم أعمل لنا كوبايتين نسكافيه وأجي نرغي سوا شوية.
أميمة بتملل: (سيلا)…!!! بقولك عايزة أريح دماغي.
سيلا بشقاوة: طيب وأنا قلت حاجة… كلمتين مع النسكافيه.
أحضرت (سيلا) كوبين من النسكافيه لتضعهما على المنضدة وتجلس إلى جوار (أميمة) على الأريكة لتلتفت إليها وجهًا لوجه وهي تبتسم بسماجة.
سيلا: ها… نرغي في إيه؟
اعتدلت (أميمة) لتنظر نحو (سيلا) التي مازالت متحفزة للحديث وبإصرار شديد.
أميمة: مالك يا (سيلا)… هاتي من الآخر.
سيلا: (أميمة) إحنا بقالنا مع بعض حوالي خمس سنين… ومع ذلك معرفش عنك كتير. هو إحنا مش أصحاب؟ نفسي أعرفك أكتر… إنتِ غامضة قوي.
أميمة: ولا غامضة ولا حاجة… عادي يعني. جيت تركيا واشتغلت وتعبت لحد ما عرفت أبقى مصممة أزياء كبيرة بالشكل ده.
سيلا: (أميمة)…!!! أنا عارفة كل ده كويس قوي. عارفة إنك جيتي تركيا وكنتِ مرهقة وتعبانة جدًا واشتغلتِ مع ماما وبابا في المطعم بتاعهم. وماما حبتك واعتبرتك زي بنتها لحد ما ولدتي (مينو) بالسلامة. وبعدها قررتي تصممي حاجات وعرضتيها على مكاتب كتير لحد ما اتقبلت منك وسبتي المطعم واشتغلتِ في شركة أزياء وبعد كده عملتي شركة لوحدك وبقى عندك براند باسم (مينو). كل ده معروف. أنا عايزة (أميمة) اللي جوه اللي مستخبية أو بمعنى أصح… فين بابا (يامن)؟ عرفتوا بعض إزاي؟ وكده يعني.
(أميمة) بتفاجئ من سؤال (سيلا) المباشر وغير المتوقع بنفس الوقت.
أميمة: بابا (يامن)..!!!
سيلا: أيوة يا (أميمة). افتحي لي قلبك واحكي لي.
للحظة تفكير، ظنت (أميمة) أنها ربما إذا قصت على (سيلا) قصتها ستتخلص من تلك الذكريات الحبيسة بقلبها وتبدأ حياة جديدة بعد تخلصها من تلك الذكريات حلوها ومرها.
أميمة: ممكن… ليه لأ. أبدأ لك منين؟
سيلا: من الأول خالص. وبالتفصيل الممل أنا مش مستعجلة.
***
الجامعة.
تقابلت جميع الفتيات يتكلمون ويتحدثون ويتضاحكون.
كانت (رحمه) تتمتع دومًا بقدرتها على الحديث المشوق الذي يجعل الفتيات تلتف حولها وتحب وجودها وحديثها الرائع اللواتي لا يمللن منه أبدًا.
اقتربت تجاههم تسير بدلالها المصطنع، وقد تبدو للوهلة الأولى أنها ربما ذاهبة إلى حفل ما، بارتدائها لتلك الكنزة الضيقة وسروالها الجينز الملتصق بساقيها وله تمزقات عدة لمواكبة الموضة، ومساحيق التجميل التي تزين وجهها بصورة مبالغ فيها لتلفت جميع الأنظار إليها، وهذا ما تحبه وتسعى إليه.
هايدي: صباح الخير.
الجميع: صباح الخير.
بسملة: اتأخرتي ليه يا (هايدي)؟
هايدي بغرور: أنا اتأخرت؟ لأ لأ متأخرتش ولا حاجة.
رحمه مازحة: يا شيييخة… ده فيه محاضرة خلصت من ساعة وأنتِ لسه بتقولي متأخرتيش.
(هايدي) بعدم اكتراث لحديث (رحمه)، فهي لا تطيق تلك الفتاة الفقيرة ولا صديقتها تلك التي تدعى (هاجر).
هايدي بملل: مش بحبها.
رقية: طيب يلا إنتِ وهي قبل ما المحاضرة اللي بعدها تبتدي.
تحركت جميع الفتيات نحو ذلك المدرج لحضور المحاضرة قبل أن تبدأ بالفعل.
***
الإمارات.
حورية.
يوم جديد يبدأ ككل يوم، لا يختلف عن سواه شيئًا بالنسبة لها. تستعد بعمل روتينها اليومي الإجباري الذي تقوم به دائمًا خوفًا من أي مفاجأة قد تحدث ويعود مبكرًا لأي طارئ، فهو لن يتهاون معها على أي تقصير من وجهة نظره الموسوسة.
استعدت للقيام بمهامها المرهقة فوق المعتاد، فيجب عليها تجهيز البيت كاملاً وتنظيفه مرة أخرى رغم أنه مازال نظيفًا، فقد قامت بتنظيفه بالأمس. لكنها لن تحتمل قسوته وعقابه إذا لاحظ خطأ أو تقصير ولو بسيط وغير متعمد.
لملمت شعرها الأسود الطويل بضفيرة سميكة، مرتدية غطاء لشعرها وملابس مريحة تساعدها على الحركة والتنظيف.
نظرت بملل وتكاسل نحو هذا البيت الكبير، فقد ملت من هذا العمل الشاق طوال الوقت.
فعلى الرغم من ثراء زوجها وقدرته المالية والثراء الذي يتمتع به، إلا أنه يرفض تمامًا وبصورة قاطعة أن يكون بالمنزل خادمين على الإطلاق.
ويصر دومًا على الترتيب والتنظيف المرضي كل يوم حتى إذا لم يتواجد بالمنزل، فربما يأتي من سفره القصير على حين غرة دون حتى إخبارها.
وحتى لو أراد إخبارها لن يستطيع، فهو يمنعها من استخدام أي هاتف، لتبقى بهذا البيت الكبير حبيسة جدرانه كالأسير.
إذا سافر للعمل أو للتنزه أو حتى بذهابه اليومي لعمله، لابد من أن يصدق الباب مغلقًا إياه بالمفتاح ليتركها وحيدة لا أنيس ولا ونيس ولا حتى هاتف تكلم به أي شخص ولا حتى أهلها.
لا يختلف وجودها بهذا البيت البهي عن السجن شيئًا سوى رفاهية العيش التي يوفرها لها، وتتمنى بكل جوارحها وقلبها أن تتنازل عن كل ذلك مقابل يوم واحد سعيد وسط أهلها. فقط يوم واحد.
بدأت بتنظيف الدور العلوي بغرفه المتعددة الخالية بالطبع من أي سكان.
وبعد وقت طويل انتهت من هذه الغرف لتنظف السلم الداخلي وحتى الدور السفلي.
شعرت بأن كل عظامها قد تكسرت من الإنهاك والتنظيف، خاصة وهي لم تتناول شيئًا منذ الصباح.
جلست على المنضدة بالمطبخ لتستريح قليلاً.
حورية: آآآه… جسمي كله اتكسر. معدتش قادرة خلاص.
وقعت عيناها على الساعة لتنتفض مسرعة، فقد اقترب موعد عودته. هي تشعر بذلك بالفعل. فهو لن يتأخر عن ذلك، فعادة سفره لا تتعدى الخمسة أيام، واليوم هو اليوم الخامس.
حورية بذعر: ياااه… هو أكيد زمانه راجع. أيوه… زمانه راجع. لازم أخلص بسرعة وأعمل الأكل، هو ده بس اللي باقي.
وبدون أن ترتاح أو تتناول شيئًا يكسبها قوة لمجابهة ذلك المجهود الذي يفوق قدرتها يوميًا، أسرعت لإنهاء ما توجب عليها من أعمال.
وبعد جهد شاق، مر الوقت وأخيرًا انتهت من التنظيف وإعداد الطعام.
صعدت (حورية) إلى غرفتها ثم توجهت على الفور باتجاه المرحاض لتغتسل وتبدل ملابسها.
وبالفعل في وقت قياسي أنهت حمامها وتوجهت نحو خزانة الملابس لتجد كالعادة جميع فساتينها وملابسها المتشابهة التي يشتريها لها زوجها.
ملابس فعلاً جميلة وباهظة الثمن، لكنها ليست من اختيارها، فكلها من اختيار زوجها لها.
ارتدت فستانًا أصفر قصير ذو علاقات رفيعة يبرز لون بشرتها البيضاء.
وضعت بعض مساحيق التجميل بدون تكلف، فكانت جميلة مشرقة وزادها إشراق لون فستانها.
أسرعت تركض نحو الدور السفلي، جالسة بانتظار وترقب زوجها الغائب منذ أيام لزيارة أهله بمصر، وربما اليوم هو يوم عودته إلى البيت.
***
في أحد السجون.
بأحد زوايا هذه الزنزانة التي قضى بها أيام وشهور طويلة وليالٍ قاسية، جلس بهدوء يقرأ القرآن محتسبًا صابرًا منتظرًا فرج الله القريب، فهو يأمل دائمًا في فرج الله.
اقترب منه أحد المساجين ليجلس إلى جواره متحدثًا إليه، محاولًا قضاء الوقت الطويل بأي شيء، حتى لو كانت محادثة معادة للمرة الألف، فليس هناك ما يساعد على مرور هذا الوقت الطويل.
عزوز: كفاياك وأنا أخوك. تعال حادثنا. سامرنا. خلي الوقت يقصر. ما يصير تفضل لحالك طول الوقت.
اعتدل (عبد الله) وقد نحف كثيرًا منذ أن قدم لهذا المكان القابض للنفس. سيطر على ملامحه الحزن واليأس.
(عبد الله… أخو (رحمه) الكبير، يكبرها بعامين فقط. ملامحه قريبة جدًا من ملامح (رحمه) وأبيه (إبراهيم). تخرج من جامعته منذ عامين وقرر بدء رحلته بالسفر لإدخار بعض المال كمثل نظرائه الذين يسعون للسفر كطريق مختصر لبدء حياتهم وأعمالهم وتوفير بعض الأموال بطريق أسرع من بقائه ببلده حتى يستطيع أن يبدأ حياته. كان كأي شاب في سنه يريد توفير حياة كريمة له ويؤسس أسرته الصغيرة).
عبد الله: وهو أنا لو قعدت معاكم ومقعدتش لوحدي ده حيقلل إحساسي بالظلم والقهر يا (عزوز)؟
عزوز: يا خوي… بيكفى. مظلوم… مظلوم. كلنا بالحبس مظاليم يا خوي. خلاص… ما عاد فيه حيل. ثماني شهور ظليت تقول مظلوم مظلوم وإيش اللي صار؟ ولا شي. كلنا مثل ما تقولون بمصر في الهوا سوا.
عبد الله: سيبني على راحتي يا (عزوز) الله يخليك. أنا حابب أبقى لوحدي.
عزيز: هاه… كيف ما تريد.
قد كان (عبدالله) بطبعه شاب متفائل وبشوش، لكن الحزن والظلم والانكسار لم يبقوا من تفاؤله شيئًا، فقد سُجن ظلمًا نتيجة شهادة ظالم جعلته يقضي هذه الثمانية أشهر بهذا المحبس بعيدًا عن الأهل والأحباب.
كم كان يود أن يرجع إلى حضن بلده ووطنه، أو على الأقل يطمئن والديه وإخوانه، فهم لا يعرفون شيئًا عنه منذ أن قرر السفر للعمل بالخارج.
جلس في انعزاله يكمل قراءة القرآن، وباقي المسجونين ينظرون إليه بحقد لتفضيله دائمًا البقاء بمفرده في هذه الزاوية منذ مجيئه إلى هنا.
***
تركيا.. بيت أميمة.
جلست (سيلا) منصتة باستمتاع، فـ (أميمة) أخيرًا ستبوح عما بداخلها وتبدأ بقص حكايتها عليها.
تعلق ببصر (أميمة) بإحدى زوايا الحائط وكأنها ترى كل ذكرياتها الحبيسة داخل سجن قلبها، تتذكر كل تفاصيلها وكأنها حدثت بالأمس فقط.
بدأت (أميمة) تسرد على مسامع (سيلا) ما حدث ذلك اليوم بالتفصيل.
أميمة: عارفة يا (سيلا)… أنا كنت وقتها في آخر سنة في الكلية. كنت حبوبة قوي وبرضه كنت بتكسف أوى أوى. اليوم ده كنت معزومة على شبكة واحدة صاحبتي. قعدت أتحايل على بابا أو ماما ييجوا معايا مرضيوش أبدًا، وأنا طبعًا كنت البنت الوحيدة وماليش إخوات. فاتفقت مع أصحابي البنات يعدوا عليا نروح كلنا سوا. وجهزت ولبست فستان طوبي وحطيت ميك أب خفيف ولقيتهم بيرنوا عليا يقولوا لي إنهم مستنيني بالعربية تحت البيت.
نزلت جري عشان متأخرش عليهم وأنا ماسكة الموبايل والشنطة في إيدي. لقيت العربية رحت راكبة على طول في الكرسي اللي ورا.
سيلا بحماس: آها… وبعدين.
أميمة مستطردة: اتفاجئت إني ركبت عربية غلط وفيه ثلاث شباب راكبين العربية، واحد جنبي واثنين قدام. روحي راحت فيها وأعصابي سابت، خصوصًا لما اللي جنبي ده بص لي قوي وابتسم لي. قلت له آسفة آسفة شكلي غلطت في العربية. مش عارفة قالي إيه من كتر الارتباك والتوتر اللي بقيت فيه. كان تقريبًا وشي بقى لون الفستان من الكسوف. نزلت من العربية جري أدور على أصحابي لقيتهم لسه واصلين بالعربية ركبت بسرعة من غير كلام وأنا حاسة إن قلبي حيتخلع من كتر ما بيدق. وحضرنا الخطوبة ورجعت على البيت وأنا لسه حاسة إني مضروبة على دماغي. تاني يوم وأنا نازلة من البيت لقيت واحد واقف على الجنب الثاني وشكله مستني بقاله شوية، أول ما شفتني قرب ناحيتي بسرعة، أول ما شفت وشه افتكرت إنه هو ده اللي كان قاعد جنبي في العربية امبارح. بس ملامحه أوضح في نور الشمس. انكسفت تاني من اللي عملته امبارح. لقيت بيقولي إنتِ نسيتي الموبايل في العربية امبارح. هزيت راسي من غير ولا كلمة، كل الكلام ضاع وأنا قلبي عمال يدق تاني جامد قوي، مش عارفة من الخضة ولا من الشاب أبو عيون زرقاء ده. أخدت الموبايل وهو سابني ومشي ولقيته بيلف لي وبيقولي وهو مبتسم وكله ثقة وقوة: أنا سجلت لك رقمي واخدت رقمك، حنرن عليكِ. سلام. وقفت مذهولة طبعًا وأنا مش عارفة أنطق ولا كلمة، بس كنت من جوايا مبسوطة قوي.
سيلا باندهاش: وااو… ده حب من أول نظرة بقى. وإلا مكنتيش سكتي. إنتِ مش بتسكتي يا (أميمة). محدش يقدر ييجي عليكِ أو تعملي حاجة غصب عنك.
أميمة: دلوقتي بس. زمان كنت غير كده. بس إنتِ عندك حق… أنا دقة قلبي من يومها نفس الدقة لما كنت بشوفه أو حتى تيجي سيرته.
طارَت (أميمة) بذكرياتها بحبها الوحيد.
(علاء)… وبتذكرها لهذا اليوم الذي لا تنسى تفاصيله على الإطلاق، بل وكأنها تراه الآن يبتسم لها وهو يعطيها الهاتف ليتحرك بضع خطوات مستديرًا نحوها مرة أخرى مشيرًا لها بكفه بحركة الاتصال وكأنه يعدها بالاتصال بها.
ذلك الاتصال الذي ظلت تنتظر دقته كما تنتظر الحياة. ولم يتأخر عنها كثيرًا، فبعد وقت قليل دق الهاتف معلنًا اسمًا غريبًا بالنسبة لها، لكنها أيقنت أنه هو ذو الأعين الزرقاء والشعر الأسود القاتل (علاء).
تذكرت أول مكالمة ودقات قلبها تتنافر بين ضلوعها وهي تواري ابتسامتها وفرحتها باتصاله، وكأنها تنتظر هذا الاتصال منذ أمد بعيد.
كم كانت كلماته رقيقة وهو يشرح لها ابتعاده حتى لا يسبب لها الحرج الآن. وكيف ظل متيقظًا أمام عتبة بيتها طوال الليل لرؤيتها، فقد شغلت عقله وتفكيره وربما قلبه بدون استئذان.
انتبهت (أميمة) إلى (سيلا) التي مازالت تحدق بوجهها المشرق بابتسامة بلهاء رسمت عليه، لتغمض عينيها على ذكراها السجينة جدران قلبها لتعود متقمصة دور (أميمة) الجاد الجديد الذي أتقنته جدًا خلال السنوات الماضية.
أميمة: (سيلا)… مش نقوم نشوف شغلنا طيب ولا حنقضيها حواديت.
سيلا: طيب أهو… بس تكملي لي الحكاية بعد شوية.
أميمة: نخلص شغلنا الأول وبعدين نحكي لما نفضى.
نهضتا لاستكمال بقية التصميمات، ليتجسد خيال (علاء) أمام أعين (أميمة) بابتسامته الرائعة وقوته وثقته بنفسه التي أحبتهما به، ليظل أعظم ضابط رأته عيناها يومًا.
رواية ذكريات مجهولة الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب
بعد ترتيب المجموعات التي تحرس الوزير، قرر زيارة أهله كما طلب منه أخوه سامر، حتى يطمئنهم عليه ويعود لعمله مرة أخرى.
زيارة سريعة لن تكلفه شيئًا سوى ضيق النفس، لكنه مجبر عليها من حين لآخر.
توقف بسيارته أمام بيت والديه لينظر نحو البيت المقابل له مباشرة بحنين، وهو يرفع عيناه باتجاه أحد الشقق متأملاً بحزن.
لتهبط فوق ذاكرته ضحكة أميمه الرنانة وهي تقذفه بأحد الأقلام.
"والله يا علاء، لأوصل لك. بقى كدة تبهدلني كدة قدام باباك ومامتك؟!"
"أنا قايل لك ملكيش دعوة باللي بيحصل هناك. ولا تروحي ولا تطبخي. أنا عايزك هنا أميرة وملكة. أروح ألاقي الملكة بتعجن في المطبخ؟ فيه ملكة بتعجن؟!"
"علاء حبيبي، البيت في وش البيت، أسيبهم يعني؟ وبعدين إنت قلت هنتغدى كلنا سوا، فقلت أساعدهم."
"هما كتير وإخواتي البنات كلهم هناك، يبقى مفيش داعي تروحي. إنتِ... ملكة، فاهمة."
أميمه بإستنكار وهي تشير نحو ملابسها الملطخة بحبيبات الدقيق البيضاء المتناثرة: "وهي الملكة ترشها بالدقيق كدة؟!"
"عشان بعد كدة تفتكري كلامي."
"طب والله ما أنا سايباك وحتتبهدل بالدقيق زيي كدة بالظبط."
لتركض أميمه نحو المطبخ حاملة بكفيها الرقيقتين حفنة من الدقيق التي أصرت على نثرها على علاء مثلما فعل معها.
لاحت شبح ابتسامة على وجه علاء وهو يتذكر حبه الوحيد لأميمه. الوحيدة التي دق لها قلبه. كيف كانت حياتهم سعيدة. كيف كان حبهما قوي لا يهزه شيء.
ليصطدم بالواقع المرير. فهي ليست هنا، هي ليست معه، ولا يدري أين اختفت منذ خمس سنوات.
انتبه علاء لصوت طرقات على زجاج السيارة ليلتفت نحو مصدر الصوت.
ليغمض عيناه وكأنها آخر شخص كان يود رؤيته الآن.
"علاء... علاء... إزيك. واقف كدة ليه؟"
هند: فتاة جميلة نحيفة تتمتع بطول فارع وجسد ممشوق كعارضات الأزياء. ذات وجه نحيل وبشرة بيضاء منمشة، هي ابنة خالة علاء وسامر. تعمل بإحدى شركات الدعاية والإعلان. ولطالما أحبت علاء بجنون منذ صغرهم، لكنه فضل الزواج بأميمه ليقطع أملها بالارتباط بحب عمرها. لتتسع هذه الفرصة الآن لغياب أميمه التي طالما شغلت تفكيره.
"إزيك يا هند. إيه اللي جايبك هنا؟"
"كنت جاية أزور خالتي. إيه بلاش؟"
"لا طبعًا. إزاي. اتفضلي."
"كويس إنك جيت عشان تطمنهم عليك. أنا مش فاهمة أنت ليه مش بتيجي تعيش معاهم هنا بدل ما أنت قاعد لوحدك بعيد كدة؟"
"كدة أحسن. عشان أقرب للشغل."
أشار علاء لهند بأن تتقدمه للصعود إلى بيت عائلته أولاً، ليلحق بها وهو يعلم بالتأكيد ما سيقال ويطلبونه منه مثل كل مرة. إضافة إلى وجود هند أيضاً.
صعد علاء لتقابله أمه بترحاب شديد.
"كدة برضة... ولا حتى تليفون تطمن أمك عنك؟!"
"شغل يا ماما. أعذريني معلش."
"شغل!!! طب ما هو سامر شغال هو كمان، بس بييجي وقاعد معانا بقاله شهرين أهو. أنا عارفة.... منها لله. هي السبب اللي خلتك تكرهنا وتبعد عنا وعن الدنيا كلها."
"هي مالهاش دعوة. مش كل ما أشوفيني تقولي كدة. أنا تعبت."
"يعني عاجبك حالك كدة؟ خمس سنين عايش ميت. ما تشوف حالك زي ما هي شافت حالها."
علاء وهو يكظم غضبه وضيقته، فلم يعد يتحمل كل ذلك. فيكفيه غيابها الذي قتل كل ما بداخله.
"ماما!!!!"
"وبعدين بقى. أمشي؟"
"لأ.. تعالى حسكت خالص أهو."
دلف علاء إلى غرفة المعيشة ليجد والده صادق وأخته رباب يجلسون إلى جوار هند التي سبقته منذ قليل.
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام."
"ياااه... عاش من شافك يا حضرة الضابط."
"إزيك يا بابا. عامل إيه؟"
"أنا كويس. اقعد اقعد."
جلس علاء ليجد أن نفس الحوار ونفس الطريقة لا تتغير. يلومون أميمه على وحدته وانعزاله، ثم يلمحون كالعادة بالزواج من جديد. وكأنهم يلقون الأسهم بقلبه لتصيب جرحه الغائر بصمت، خاصة مع زيادة تلميحهم بمحاسن هند ورقيها. وكأنهم ينتظرون منه إبدال حبه وعشقه بزواج وعائلة. وكيف يقيم عائلة وعشقه قابع بقلبه وعقله، لا ينساه أبدًا حتى لو بقى فقط مجرد ذكريات.
نهض علاء منصرفًا، فلم يعد يتحمل كل هذا مثل كل زيارة لهم.
"بعد إذنكم عشان اتأخرت ورايا شغل."
خرج من البيت ليتجه إلى البناية المقابلة صاعدًا درجات السلم الطويلة. ليتذكر وجودها معه وإرهاقها من درجات السلم. فهي لم تكن متواجدة عندما تم تركيب هذا المصعد.
وصل إلى باب الشقة التي تركها كما هي بدون أي تغيير. هذه مملكتها، لها هي فقط.
أغلق الباب من خلفه متجولاً بعيناه إلى تفاصيل الشقة الممتلئة بالذكريات.
دلف إلى غرفة النوم مخرجًا شالها الحريري الوحيد الباقي من ملابسها قبل رحيلها. تركته دون أن تدري، ليبق عطرها المميز به. ليستنشقه علاء بألم. فرغم كل القوة التي يتحلى بها، إلا أنه يشعر أنه هش جدًا الآن. محطم من اشتياقه لها. وشاحاً منسياً فقط ما تبقى به عطرها المميز به، ليتنفس عطرها الياسمين. فربما يشعر بوجودها قربه. دمعة حائرة تلتها مثيلاتها دون توقف بهذا الركن الوحيد الذي يشهد على انهياره واشتياقه لها.
***
الإمارات...
جلست تنتظر وتنتظر. في كل دقيقة تمر عليها تزداد ارتجافًا واضطرابًا.
لم تعبئ لإنهاكها الجسدي في التنظيف والترتيب. لم تعط اهتمامًا لهذا الألم الذي يجتاحها منذ فترة.
كل ما يشغل تفكيرها الآن... هل سيأتي اليوم أم لا.
حيرة مؤلمة تنتظرها كل يوم بنفس الموعد، لتتنفس بعدها الصعداء حينما يمر الوقت ولا يأتي.
تحبس أنفاسها خوفًا كل ليلة من قدومه. فهل سيكون لها نصيب من الراحة اليوم بغيابه أم أنه سيعود.
حطمت كل آمالها ودعواتها التي ذهبت هباءً. فقد سمعت صوت البوابة الزجاجية وقد فتحت، ليتبعها صوت إغلاق قوي اهتز له قلبها من مكانه برجفات قوية. انتفض له جسدها خوفًا وأصيبت نفسها بغثيان شديد فور تأكدها أنه عاد برائحة عطره النفاذة التي كرهتها.
كل خطوة يخطيها تدق بقلبها ذعرًا، لتتقدم بخطوات بطيئة نحو الباب.
دلف بقامته الطويلة وجسده العريض يجول البيت بعيونه السوداء البراقة قبل أن تقع عيناه عليها.
ناظرًا نحوها بعمق وحدة، وبدون أن يتفوه بأي كلمة، يمد يده كالعادة بحقيبته نحوها.
وقفت لبرهة بدون حراك تتأكد أنه عاد بالفعل، لتسمع صوته الجهوري مناديًا إياها بقوة وغلظة.
"حوريه..... مالك فيه إيه شفتي شبح. خدي الشنطة من إيدي."
انتبهت حوريه لصمتها وتجهمها، لتهرول مسرعة باتجاهه حاملة الحقيبة من يده.
وبصوت منخفض ببحة صوتها الساحرة.
"حمد الله على سلامتك يا عماد."
"و مالك بتقوليها كدة. إنتِ مش فرحانة أني جيت ولا إيه؟"
"اا... لا... لا طبعًا. فرحانة. فرحانة طبعًا."
نهرها عماد بغلظة: "طيب ما تتحركي. مالك واقفة زي الصنم كدة. جهزي لي الحمام أنا تعبان من السفر وعايز أرتاح."
"حاضر. حاضر."
تقدمت حوريه رغم الألم الذي تشعر به نحو السلم لتصعد إلى الدور العلوي لتجهز لزوجها المرحاض للاستحمام.
عماد في نفسه: "قد إيه بكره براءتك دي. بكره كل حاجة فيكِ. بس جمالك بيقتلني. خصوصًا اللون الأصفر اللي أنتِ لابسة ده."
***
نيويورك...
على الرغم من غطاء السماء الليلي الذي يحيط بأبطالنا، إلا أنه الصباح في نيويورك.
استيقظ هشام من نومه وبدأ يومه بنشاطه المعتاد. تناول قهوته الصباحية وأخذ الكاميرا معلقًا إياها برقبته وانطلق باحثًا عن معلومات عن الموضوع الذي يبحث به، ليكتب عنه في الصحيفة التي يعمل بها.
وبعد عدة ساعات عاد إلى الفندق الذي يقيم فيه ليكمل قراءة دفتر المذكرات الذي أخذه من سمر.
خرج هشام من المرحاض وهو يجفف شعره المبلل ويعيده إلى الخلف بيده، قبل أن يجلس خلف المنضدة الصغيرة بجوار النافذة ليبدأ قراءته في دفتر الذكريات.
فتح هشام الدفتر ليقرأ:
"الست اللي أنا عايشة معاها دي مش بتحبني أبدًا أبدًا. حتى أولادها وبناتها هم كمان مش بيحبوني أبدًا. طول الوقت يطلبوا مني حاجات أعملها لهم. وأنا تعبت أوي من طلباتهم اللي طول الوقت دي. (نهال)."
وفي الصفحة التالية كان تاريخ الصفحة بعد خمسة أيام من الصفحة السابقة:
"النهاردة كان يوم طويل أوي أوي. جه ضيوف كتير أوي النهاردة وتعبت وأنا بحضر الأكل مع الست دي. ولما قلت لها إني تعبانة وعايزة أنام ضربتني بالألم على وشي. وقعدت تقولي إني خدامة هنا. وإن أنا لازم أشتغل عشان يأكلوني ويشربوني. هو أنا خدامة بجد؟ يعني خالي ومرات خالي جابوني هنا أشتغل خدامة. أنا مش مصدقة الست دي. دول كدابين. أكيد كدابين. تعالى خدني يا بابا. تعالى يا ماما خديني في حضنك واحميني منهم. أنا تعبت أوي. (نهال)."
لمعت عينا هشام بدمعة على حال هذه البريئة التي قسى عليها خاله.
كم يشعر بنفس شعور حرمانها وقسوة الأيام عليها.
"للدرجة دي. يقسى على طفلة ضعيفة للدرجة دي. حسبى الله ونعم الوكيل."
ثم أكمل قراءته للدفتر:
"أنا بكتب تاني وأنا بعيط. الست دي ضربتني. ضربتني جامد أوي بالعصاية. غصب عني الطبق وقع وأنا بغسله واتكسر. والله كان غصب عني. اللي واجعني أكتر مش الضرب. ولا جسمي اللي وارم وبيوجعني. اللي مزعلني إنهم مش حيخلوني أروح المدرسة. يظهر إني هنا فعلاً. خداااااامه. (نهال)."
"أنا حاولت كتير أكلمهم إنهم يرجعوني المدرسة بس رفضوا. حتى أولادهم بيعاملوني إني خدامة عندهم. ليه يا بابا أنت وماما سبتوني في الدنيا دي لوحدي. ليه..."
تألم هشام مما يقرأه وأغلق دفتر الذكريات ليذهب لتناول الغذاء ثم يعود ليكمل قراءته.
***
في الليل وظلمته...
بعد عودتها من العمل، استعدت رحمة للنوم. وضعت رأسها على وسادتها وهي مسلطة عيناها نحو السقف متفكرة بسرها الذي تكتمه بداخلها.
"هو ممكن ييجي اليوم ويحس بيا. ممكن يحس بحبي ليه. بس إزاي بس ده ولا ملاحظ وجودي أساسًا. أعمل إيه عشان ياخد باله مني ويعرف قد إيه أنا بحبه وحبه مغروس في قلبي."
ثم أكملت بسخرية من حالها: "وأنا أكون مين!! بس بحبه. وعمري ما هبدأ وآخد أنا الخطوة في البداية. أنا ليا كرامتي برضه."
تنهدت رحمة والتفتت على يمينها لتغط بنوم مرهق بعد يوم طويل.
لم يكن حالها أفضل من حال صديقتها التي تخفي سرها هي الأخرى بداخلها. فكم من النفوس المعذبة وراء أسرار لا تستطيع البوح بها.
جلست على مكتبها الصغير أمام كتبها الموضوعة فوقه، تنظر نحو الكتاب لكنها لا ترى ولا تعي هذه الكلمات المكتوبة. فهي ترى طيفه يمر أمامها ولا تستطيع إبعاده عن تفكيرها.
مدت يدها لتخرج ورقة صغيرة من داخل الكتاب.
كانت رسالة منه. أول رسالة وآخر رسالة تتلقاها منه. عبد الله.
رسالة يعترف لها بحبه وأنه سيفعل المستحيل كي يتزوجها. فظروفه المالية لا تسمح له بالزواج، لهذا قرر السفر للعمل بالخارج ليكون بعض المال اللازم لإتمام زواجهم.
"ااه يا عبد الله... وحشتني أوي. يا ترى أنت فين. ورحت فين. معقول تكون نسيتني. معقول شغلك غيرك وبعدت عني. أيوة أنت مسمعتهاش مني بس عنيا قالتها قبل لساني. أيوة بحبك يا عبد الله. نفسي أطمن عليك. بس خايفة. خايفة لأعرف خبر يكسر قلبي وإنك عرفت غيري. أو حتى تكون إتجوزت زي ما بسمع عن ناس كتير. كل ما أفكر بس في كدة بخاف وقلبي بيوجعني. ليه يا عبد الله... ليه تعترف لي بحبك وتوعدني وتختفي كدة."
وسط حيرتها، أغلقت كتابها وأطفأت الأنوار لترتاح قليلاً. لكن مع راحة جسدها، ما الذي سيريح قلبها وفكرها.
أغمضت عينيها لتجد صورته متجسدة أمام عينيها.
***
الإمارات...
جهزت حوريه المرحاض لعماد كما طلب منها. وضعت الحقيبة التي أعطاها إياها على المنضدة الصغيرة بالغرفة بنفس المكان الذي يضع به حقيبته بالضبط. فهو دقيق جدًا ولا يحب أي أخطاء أو تغيير أبدًا.
جلست على المقعد المجاور للمنضدة في هدوء، لا تستمع سوى لصوت الماء المتساقط بداخل المرحاض. نظرت حولها وجالت بنظرها في الغرفة.
حوريه في نفسها: "على قد جمال الأوضة دي بس بحس بخنقة فيها. بيتنا القديم على قد ما كان صغير بس أنا كنت بحبه أوي. غنية وعندي فلوس بس عمري ما حسيت إني مبسوطة وسعيدة."
وبدأت حوريه في تذكر أول أيام حياتها مع عماد يوم زفافها.
"كانت حوريه بكل ما فيها اسم وصورة، بهية جدًا بفستانها الأبيض وجمالها الآخاذ. كانت تنتظر عريسها بخجل. فعماد كرجل أعمال ثري تقدم لخطبتها ليجده أهلها فرصة لا تعوض. لتتم خطبتهم ثم يسافر بعدها مباشرة ليحدد موعد الزفاف بعد عدة أشهر. لم يكن هناك اتصال كبير بينهما لإنشغال عماد أغلب الوقت ولخجل حوريه الشديد أيضاً.
استطاع عماد أن يصل من سفره قبل الزفاف ببضعة أيام. كان غريبًا عنها. ومع إلحاح والديها، اضطرت للموافقة على هذا الزواج الذي سيساعد أهلها وإخوانها ماديًا بصورة كبيرة.
تذكرت ليلة العمر حينما انتهى حفل الزفاف ليتجها إلى الفندق الفخم الذي قد حجزه عماد لهما لليلة واحدة فقط، ليسافرا باليوم التالي إلى الإمارات حيث يعمل زوجها.
تقدمت حوريه بخجل إلى داخل الجناح المحجوز لهما وقد انبهرت بجماله وفخامته.
وقفت بدون حراك من خجلها الزائد في هذه اللحظة الحرجة.
تقدم منها عماد وبصوته القوي: "تعالي."
حوريه ببحة صوتها العذب الذي يكاد يخرج من حنجرتها: "اا... هدخل بس الحمام أغير هدومي."
"بسرعة."
توترت حوريه ليتملكها الخوف الطبيعي كفتاة رقيقة بليلة زفافها، خاصة وهي لم تتعرف به بصورة تسمح لخجلها أن ينقشع.
جلست على طرف حوض الاغتسال محاولة استجماع الجرأة التي تحتاجها، لكنها تزداد توترًا وخجلًا.
زاد توترها حينما دق عماد الباب، تابعًا دقته بصوته الجهوري الغليظ: "يلا يا حوريه. بتعملي إيه دة كله؟!"
"ثواني حاضر."
أخذت حوريه ملابسها وخلعت فستان الزفاف لتبدل ملابسها.
مفاجئة غير متوقعة. عذراً إجباريًا لاح بالأفق ليعطي حوريه بعض المتنفس بوضعها الجديد مع شخص غريب عنها.
ابتسمت حوريه وأدركت أن الله يعطيها فرصة لتتعود على وجود عماد في حياتها قبل أن يقترب منها بدلاً من توترها وخوفها الآن.
بدلت ملابسها براحة وخرجت من المرحاض.
وقف عماد إلى جوار الفراش معطيًا إياها ظهره عابثًا بهاتفه. حين استمع إلى صوت الباب يفتح، ليستدير باتجاه حوريه.
تعلقت عيناه بها وبجمالها الساحق. نظر إليها نظرات شعرت حوريه بحرج بالغ منها. فلم ينظر لها أحد من قبل بهذه النظرات المتفحصة في سائر جسدها.
اقترب عماد خطوتين من حوريه، رجعت فيهم حوريه إلى الخلف.
"إإإ... (عماااد)... أأأنا... أنااا"
"إيه...؟!"
"إحنا يعني... مش حينفع... ااا... أنا عندي عذر. أصله... مينفعش النهاردة."
"نعــــم....!!!! هو إيه اللي مينفعش النهاردة. ولا أي حاجة في الدنيا حتوقفني النهاردة. هو أنا دافع دم قلبي عشان تقوليلي مينفعش."
تراجعت حوريه بصدمة وهي تضم أصابع يدها مشيرة له بالهدوء قليلاً.
"إهدى بس. غصب عني والله. أصله فجأة كدة. الأيام جايه كتير. حتى... يعني... نكون أخدنا على بعض شوية."
"مش حيحصل. النهاردة... يعني النهاردة."
"حرااام... مينفعش."
وقبل أن تكمل حوريه كلامها، قاطعها عماد وهو يسحبها بقوة وألقاها فوق الفراش.
تذكرت حوريه تفاصيل هذه الليلة وكأنها كانت بالأمس فقط، وأنه لم يمر عليها ثلاثة أعوام كاملة.
تتذكر كيف شعرت بجرح كبير داخل نفسها من عماد وما فعله.
تذكرت كيف شعرت بالانكسار لتدرك أنها زوجة اشتراها بالمال ولن تتجرأ يومًا أن ترفضه بأي وقت أو بأي شكل.
تذكرت كيف نظرت نحوه بانكسار لتجده نائم بعدها وكأنه لم يفعل شيئًا.
كيف قضت ليلتها جالسة على المقعد تنتظر الصباح لترحل من هذا المكان الكئيب رغم بهائه.
ليأتي الصباح ويسافرا إلى الإمارات حتى هذه اللحظة.
أفاقت حوريه من ذكرياتها على صوت عماد يخرجها من ذكرياتها الأليمة لواقعها المر.
"حضرتِ العشا...؟"
"أيوة. تحت."
"إسبقيني وجهزي السفرة زي ما بحب على الله ألاقي غلطة. أنا جاي على طول."
"حاضر."
تحركت حوريه بآلية، فهي لا تستطيع أن تخالفه أو حتى تعترضه، وإلا سيكون عقابها شديد ومؤلم. لتنصاع حوريه لأمره برضخ تام وسلبية شديدة.
رواية ذكريات مجهولة الفصل السادس 6 - بقلم قوت القلوب
« لن اتنازل»
تركيـا…
أنهت أميمة عملها مع سيلا لتصعدا نحو غرف النوم حيث ستبقى سيلا مع والدتها بإحدى الغرف، بينما حملت أميمة يامن لينام إلى جوارها.
مسحت بيدها على شعره الأسود الناعم الذي يغطى عينيه الزرقاوين لتتمعن بملامحه التي أصبحت طبق الأصل لوالده.
أميمة وهي تتأمل ملامحه بحزن دفين: دايمًا بيقولوا الولد بيطلع شبه أكتر حد بحبه… وأنت طلعت شبه أبوك الخالق الناطق… للدرجة دي كنت بحبه…؟؟؟
تجهمت أميمة من حديثها. أهي بالفعل لم تعد تحبه مثلما تقول لنفسها…؟؟!
لتنهر نفسها على الفور رافضة لفكرة أنها مازالت تحبه أو تكن له بقلبها أي عاطفة على الإطلاق.
أميمة: طبعًا مش بحبه… كنت بحبه أه… بس دلوقتي أنا مش بحبه ولا بيأثر فيا…
لتحاول أميمة النوم وسط خيال علاء الذي يسيطر عليها في يقظتها وفي أحلامها.
***
حورية وعماد…
جلس عماد وحورية على طاولة الطعام في صمت. أخذ عماد يتناول طعامه لا يشغل ذهنه سوى العمل والصفقات والمال.
ترددت حورية كثيرًا قبل أن تتفوه بكلمة خوفًا من عماد ورد فعله القاسي.
حورية: (عماد) هو… أنت ليه مش بتاخدني في أي أجازة تنزل فيها مصر…؟؟؟
صمت عماد ولم يرد واستمر في تناول طعامه غير مكترثًا بما تقوله حورية.
استجمعت حورية شجاعتها مرة أخرى وهي تبتلع ريقها بتوتر لتعيد سؤالها مرة أخرى على مسامع عماد.
حورية: (عماد)… مش بترد عليا ليه…؟؟؟ بسألك ليه مش بتاخدني معاك مصر لما بتنزل أجازة… أنا بقالي ثلاث سنين هنا… ومنزلتش معاك ولا مرة…!!!!
عماد بلا مبالاة: وعايزة تنزلي ليه…؟؟
حورية بإندهاش من إجابته الغريبة وغير المفهومة: ليه..؟! أزور أهلي… وأهلك…!!!
عماد: أهلك…؟؟؟ وهم دول أهل…. !!!!
تحشرجت كلماتها بألم، فهو دائمًا ما يستهين بأهلها ويحقر منهم. هو يراهم لا يرقوا له ولا يقبلهم بحياته، فهم لا يليقوا به ولا بسمعته وثراءه.
حورية مدافعة عن أهلها: أيوة أهلي… أبويا وأمي وإخواتي… نفسي أشوفهم وحشوني…
عماد وهو يلقى بشرشف الطاولة بعصبية ناظرًا نحو حورية بعينان تتقدان بشرر الغضب: أظن إن أنا قلت الكلام ده قبل كده وقلت لك مبحبش أعيد كلامي تاني…
ليدنو من حورية وقد ضيق حاجبيه بحدة ولمعت عيناه السوداوتين بلهيب غضب كما لو أنهما يتقدان بشرر ولهيب.
عماد: أهلك دول تنسيهم… ميشرفنيش أني أعرف ناس زي دول…
أعاد عماد ظهره إلى الخلف مسندًا إلى ظهر المقعد وهو يأشر بإصبعه ناقرًا بحدة فوق الطاولة.
عماد: ومن يوم ما دخلتي البيت ده قلت لك تنسي إنك ليكي أهل…. فاهمة…؟!!
لمعت عيناها ببريق دمعة حبيسة وهي تنظر نحو هذا القاسي المتغطرس الذي كُتب عليها قضاء بقية عمرها معه هو فقط.
حورية: ليه بس… ده أنا…
قطع حديثها انتفاضة عماد ليقف بقوة مبعدًا المقعد الذي كان يجلس عليه بعنف ليقع أرضًا محدثًا ضجة فزعت لها حورية التي تدرك تمامًا ما سيحدث لها الآن.
هوى كف عماد الضخم على وجنتها الممتلئة ليترك أثر الصفعة فوق قلبها أولًا قبل وجهها.
حورية بإستسلام وقد اهتز صوتها بارتجاف خوف وهي تحاول التماسك ألا تبكي: طب نزور… أهلك… أخرج من… البيت… أنا زهقت… أوي…
عماد محذرًا إياها وهو يلوح بغضب نحو وجهها بإصبعه عدة مرات: قلت لك… متتكلميش في اللي مالكيش فيه… أنا قلتها مرة ومش بحب أعيد كلامي مرة تانية… سفر… مفيش… أهلك العرة دول… ولا حتشوفيهم ولا تعرفيهم تاني طول ما أنتِ هنا… على ذمتي… فاهمة…
أكمل كلماته القاسية وهو يصفعها بيده مرة أخرى لتعاود السقوط على وجهها لتخرسها تمامًا هذه المرة وتحبس بقية كلماتها بقهر داخل روحها مثلما تعودت معه.
اقترب من شعرها الأسود ممسكًا به بين قبضته مهددًا إياها بأن تلتزم بالصمت التام.
عماد من بين أسنانه بحدة: ومش عايز أسمع صوتك الحلو ده تاني…
قربه منها جعله يستنشق عبيرها الأخاذ لتلمع عيناه برغبة دفينة، ليدنو منها بصمت تفهمه حورية جيدًا. فقد استطاعت قراءة ما يفكر به عماد بتلك اللحظة وسط انتفاضتها ورفضها واشمئزازها من قربه.
ذلك الشعور الذي تشعر به كلما يقترب منها، تشعر بالنفور منه، كم هو أناني ولا يفكر سوى في متعته هو فقط.
لقد ضربها للتو، أهانها بكل الأشكال معنويًا ولفظيًا وجسديًا، وها هو يتقرب منها لإشباع رغبة بداخل نفسه فقط.
قبض يده على ذراعها متوجهًا نحو غرفة نومهم بالأعلى.
عماد: يلا ننام…
كانت حورية عيناها تزرفان الدمع من قسوته المجحفة عليها ولكنها لا يسعها الرفض، فهي تخشى من غضب الله عليها لو حرمته من حقه فيها وتخشى من بطشه لو أظهرت أي تمنع عنه، فما كان لها إلا الاستسلام رغمًا عنها.
بينما كان عماد يستمتع برؤية عيون حورية تلمعان بتلك الدمعة وهذا الضعف الذي اعتاد رؤيته كلما اقترب منها.
لتنتهي هذه الليلة كما انتهت ليالٍ كثيرة، عماد نائم براحة وحورية تمسح دموعها في صمت.
كم كرهت قربه منها، لكنها ليس لديها حيلة في ذلك.
***
نيويورك…
بعدما أنهى هشام تناوله للغذاء صعد إلى غرفته بالفندق ليكمل قراءة المذكرات.
جلس بهدوء مستكملاً قراءته حيث توقف حين أدركت نهال أنها خادمة بعدما تركها خالها وزوجته لتمكث مع الأسرة التي حرمتها من أبسط حق وهو التعليم.
أصبح هشام شغوفًا بهذه المذكرات، يود أن يعرف أكثر ويقترب أكثر من هذه الفتاة التي من مجرد سطور مخطوطة استطاعت بهم أن تميل قلبه إليها وكأنه يعرفها من قبل.
ربما لشعوره بالحرمان والفقد مثلها، فكم هما متشابهان، إلا أنها عانت أكثر منه بكثير.
أخذ يقلب في الصفحات صفحة تلو الأخرى ويوم بعد يوم.
"أنا النهاردة رحت السوق… قابلت بنت حبيتها أوى اسمها شروق… اتعرفنا على بعض وبقينا أصحاب أوى… وأنا حبيتها أوى…"
"قابلت شروق النهاردة واتكلمنا كتير أوى… دي حتى طلعت ساكنة قريب من البيت اللي أنا فيه…"
"شروق جت لي النهاردة وكلهم بره البيت وعلمتني حاجات كتير أوى… وعلمتني إزاي أشغل الكمبيوتر… أنا مبسوطة أوى…"
"أنا تعلمت حاجات كتير أوى على الكمبيوتر… بقيت شاطرة أوى فيه… كل ما بيخرجوا كلهم بقعد عليه وأتعلم… بخاف يشوفوني قاعدة عليه…"
"النهاردة أنا زعلانة أوى… شروق جت تزورني وقالتلي إنهم هينقلوا في مكان تاني وأنا مش هقدر أشوفها تاني… كان نفسي تفضل معايا… كانت بتهون عليا الأيام… أنا رجعت أبقى لوحدي من تاني…"
قرأ هشام هذه الكلمات وكانت أغلبها قريبة في أحداثها، لكنه وجد أن العبارات المكتوبة بعد ذلك يبعد تاريخها سنوات عديدة عن تلك العبارات.
ليقرأ كلمات بخط ناضج مميز للغاية، فبرغم حرمانها من التعليم إلا أنها تمتعت بخط رائع، حتى أنها بدأت تكتب باللغة العربية بدلاً من لغتها الطفولية البسيطة.
"لك أكتب يا دفتري العزيز منذ سنوات طويلة، فقد كانت أعباء المنزل كلها على عاتقي والوقت المتاح لي أحاول أن أتعلم على الكمبيوتر قبل أن يشعر بي أحد، والحمد لله أصبحت بارعة فيه، فقد عوضني الكثير بعد تركي للتعليم… سامحك الله يا خالي… فاليو من هم بمثل عمري رأيتهم يدخلون الجامعة… كم أنا وحيدة… لكنني في نفسي لست خادمة، لكنني سأترك هذا البيت يومًا ما… وسأحاول إثبات نفسي ومكاني ولن أكون مجرد فتاة اضطرتها الظروف لتكون خادمة جاهلة… سأكون نهال التي أحب أن أكون، وهذه الكلمات لأتذكر ذلك… (نهال) …"
أعجب جدًا هشام بإصرار هذه الفتاة وطموحها رغم قسوة الأيام عليها.
هشام: نفسي أشوفها وأتعرف عليها جدًا… بس إزاي هقدر أوصل لها…؟!!
بعد لحظات من التفكير توهجت برأسه فكرة ليمسك بهاتفه متصلاً بأخته سمر.
هشام: الوو… (سمر) حبيبتي…
سمر: (هشام)… وحشتني أوي… شفت أنا مخبية التليفون إزاي عشان محدش يعرف وياخده مني…
هشام: برافو عليكي… بس أنا عندي ليكي سؤال…
سمر: سؤال إيه..؟!!
هشام: الكتاب اللي انتِ ادهتيهولي ده جبتيه منين…؟!!
سمر: أخدته جايزة في المدرسة…
هشام متعجبًا: جايزة…؟!!! والمدرسة جابته منين…؟!!
سمر: اااه… أصل براء لقاه مرمي في الشارع والميس أخدته منه وعملت لنا مسابقة وأنا فزت وأخدته…
هشام: طيب تعرفي تسأليه لقاه فين بالضبط… عشان أرجعه لصحابه…
سمر: سهلة… بكرة أسأله…
هشام: خلاص بكرة أتصل بيكي عشان تقوليلي…
سمر: حاضر… مع السلامة…
هشام: مع السلامة…
أخذ هشام ينظر إلى دفتر المذكرات بتمعن وكأنه يرى هذه الفتاة تقف متجسده أمام عينيه.
يشعر بشغف كبير لرؤيتها… والتقرب منها، لكن أين هي وكيف سيصل إليها…؟؟؟
أغلق هذا الدفتر العزيز على قلبه وبدل ملابسه وعلق الكاميرا الخاصة به في رقبته متوجهًا إلى خارج الفندق ليبدأ مرة أخرى رحلة بحثه عن مواضيع مثيرة لكتابتها.
***
ساد الليل بظلمته…
في شوارع القاهرة في عتمة الليل…
الناس نائمون والأصوات تتضاءل وعيون تترقب…
أصوات سيارة قادمة لتقف أمام بيت كبير في منطقة نائية يترجل منها أربعة رجال.
لا تظهر ملامحهم بعتمة الليل.
يفتح أحدهم البوابة الحديدية الكبيرة ويبدأون بالدخول…
وبعد قليل تصل سيارة أخرى لتقف أمام نفس البيت ويترجل منها ثلاث آخرون.
ليدخلوا إلى نفس البيت لكنهم هذه المرة يغلقون البوابة الحديدية خلفهم ليختفوا بداخل البيت.
وبعد عدة دقائق…
طارق: الغربان وصلوا العشة…
سامر: ندخل الأسود…؟!.
طارق: استني الإشارة…
تقدم طارق نحو البوابة الحديدية وهو يتفحص المكان ممسكًا بمسدسه مرتديًا السترة الواقية ضد الرصاص.
بعدما تفحص البوابة جيدًا أشار بيده لسامر ليبدأوا الهجوم.
وبالفعل تقدمت قوات الأمن لاقتحام البيت الذي ظلوا يراقبونه منذ ساعات.
وبعد بعض الصراعات والمناوشات… خرجت قوات الأمن مكبلين الرجال الذين دلفوا منذ قليل بالأصفاد الحديدية لاحقًا بهم الضابط طارق والضابط سامر في زهو يشعران بالفخر لإنجاز هذه المهمة، فإن لهم عدة شهور يراقبون هؤلاء المهربين وينتظرون الفرصة السانحة للقبض عليهم وتخليص البلد من شرورهم.
سامر: الحمد لله…
طارق: الحمد لله نهيناها بسلام من غير إصابات…
سامر: حترجع على المديرية…؟!!
طارق: أيوة… حأطمن على نزولهم الحجز وبكرة نحقق معاهم…
سامر: تمام… أنا حروح وأقابلك بكرة إن شاء الله…
طارق: مع السلامة يا بطل…
عاد طارق مع قوات الأمن إلى المديرية لمتابعة سير الاحتجاز لهؤلاء المتهمين، بينما أخذ سامر طريقه إلى شقة أخيه علاء التي يقيم بها الآن.
***
توجه سامر نحو شقة علاء لمقابلته قبل ذهابه إلى عمله بالوزارة.
علاء…
وضع علاء فنجانه بعدما انتهى من ارتشاف قهوته التي أصبحت بلا طعم بعد غياب مؤنسه التي تعشق القهوة ورائحتها.
انتبه علاء لطرقات على باب شقته ليتجه نحو الباب مرتديًا قميصه الأبيض وسرواله الأسود معلقًا جراب مسدسه فوق القميص ليزيد من مظهره القوي.
فتح باب الشقة ليجد سامر يقف أمام عتبته عاقدًا ذراعيه مسندًا على جانب الباب.
علاء متفاجئًا: سامر…!!! تعالى…
سامر: ده إيه السكر ده… أنت إيه يا ابني..؟!!
علاء بملل وهو يرتدي جاكيته استعدادًا للخروج: مالك يا أخي… فيه إيه..؟!!
سامر: إيه الزيارة التحفة اللي عملتها النهاردة دي… طب كنت كمل جميلك واستحمل للآخر مش تمشي زعلان تاني…
نظر علاء مستنكرًا نحو أخيه قائلاً:
علاء: ده على أي أساس يعني…؟!!!!! على أساس إنك السعيد والمرتاح… ما إحنا عارفين كل حاجة…!!!
تنهد سامر محاولاً رسم شبح ابتسامة فاشلة على محياه، فهو يدرك أن أخيه معه حق.
سامر: خلاص بقى سيبك من الكلام ده… مفيش منه فايدة… أنا دورت زي ما قلت لي…
انتبه علاء لحديث سامر باهتمام بالغ.
علاء بلهفة: وايه…؟؟! لقيتها…!!!!!
سامر: للأسف لأ… وراقبت تاني باباها ومامتها برضه مفيش خبر… ولا جت ولا اتصلت…
علاء بانهيار فوق أحد المقاعد: تعبت يا سامر تعبت… مش عارف أوصل لها… مش عارف اختفت راحت فين… خمس سنين معرفش عنها حاجة حأجنن…
سامر واضعًا كف يده على كتف أخيه مؤازرًا إياه، فهو يدرك تمامًا إحساسه بفقده لحبيبته.
سامر: أوعدك مش حبطل أدور عليها… خلي عندك أمل…
علاء بإحباط: أنا رايح الوزارة… ورايا شغل… يلا أوصلك في سكتي…
أومأ سامر موافقًا لينصرفا مستقلين السيارة ليوصله علاء لبيت والديه أولاً ثم يتجه إلى مكتب الوزير مستأنفًا عمله.
***
سامر…
تقدم سامر بخطوات مرهقة نحو غرفة المعيشة والتي مازالت مضيئة كالعادة.
سامر: السلام عليكم…
الجميع: وعليكم السلام…
أم علاء: اتاخرت أوي يا سامر النهاردة…؟!!
سامر: شغل بقى… ما انتِ عارفه يا ماما…
أم علاء: ربنا يحفظك أنت واللي زيك يا ابني… أقوم أحضر لك العشا…
سامر: لا… أنا جعان نوم… مش قادر… بعد إذنكم…
أم علاء: براحتك يا ابني…
توجه سامر مباشرة إلى غرفته بينما نظرت أم علاء نحو زوجها متسائلة:
أم علاء: هو لحد امتى سامر كمان حيبقى على الحال ده… أنا إيه اللي صابني بس في ولادي الاتنين…!!!
أبو علاء: مفيش داعي تفتحي مواضيع مقفولة بقى… اللي حصل حصل وانتهينا وخلاص…
رباب: ماما… قفلي على المواضيع دي دلوقتي… سامر كده كده هو الغلطان… واللي عمله بابا صح ميه في الميه… هو مسيرة حينسى ويفهم إن بابا عمل الصح ليه…
أم علاء بإمتعاض: ينسي… شوفي بقاله كام سنة ولا نسي ولا حينسي… كل ما أبص في وشه أحس بالذنب على اللي عملناه معاه… ده بييجي على النوم وبس… ولا بيقعد ولا بيتكلم معانا… ده بقى واحد تاني خالص… مش كفاية علاء واللي جرى له…!!
صادق أبو علاء بحدة: خلاص بقى يا دلال… مفيش داعي للكلام ده أنتِ اللي بتفكريه كده كل شوية… And علاء بكرة يفهم إن ربنا وقف جنبه وبعد عنه واحدة مش أصيلة… جت وقت الشدة وباعته…
أم علاء: حسرة عليهم هما الاتنين كان نفسي يتجوزوا وأشوف عيالهم قبل ما أموت…
رباب: بعد الشر عنك يا ماما… هما بس حياخدوا شوية وقت وينسوا ويبقوا أحسن من الأول وبكرة تقولي رباب قالت…
أم علاء: يا رب يا بنتي… يا رب…
***
غرفة سامر…
دلف إلى الغرفة ليترك عالم من خلفه ويبدأ عالم جديد لا يشعر به سواه.
أغلق الباب جيدًا مسندًا ظهره إليه سحبًا نفسًا عميقًا وهو يتجول بنظره داخل غرفته الكئيبة التي شهدت على كل آلامه وأوجاع قلبه.
تحرك ببطء باتجاه الفراش الذي يرتبه بنفسه يوميًا منبهًا عليهم بألا يخطو أي كان إلى غرفته في عدم وجوده.
جلس ببطء فوق الفراش نازعًا سترته بصمت منحيًا قناع القوة والابتسامة التي يرسمها على وجهه رغمًا عنه.
***
طارق…
بعد عناء يوم مرهق وطويل بالعمل عاد طارق إلى بيته وقد انتصف الليل ليسود صمت تام بهذا الوقت من اليوم خاصة بفصل الشتاء الذي يعم به الهدوء مبكرًا.
أوقف سيارته أما البوابة الكبيرة للبيت ليترجل من السيارة وهو ينظر إلى البيت المقابل له مبتسمًا قبل أن يغلق باب سيارته متقدمًا نحو البيت.
دلف إلى البيت الكبير الذي يعمه الهدوء ليجد والدته مازالت تنتظر عودته.
طارق: ماما… أنتِ لسه صاحية..؟!!
أم طارق: أعمل إيه بقى لازم أطمن عليك…
ارتمى بإرهاق فوق المقعد المقابل لوالدته بغرفة المعيشة.
طارق: هو لسه البواب مجاش أنا تعبت من فتح وقفل البوابة الكبيرة دي كل شوية…
أم طارق: مش عارفة والله يا طارق من يوم ما سافر البلد هو ومراته ولا اتكلم ولا فيه عنهم خبر… دي حتى هدى أختك كانت هنا واستنتك كتير أوي ولما اتاخرت مشيت وهي اللي فاتحة وقافلة البوابة لوحدها…
طارق معتدلاً باهتمام: فيه مشاكل مع جوزها تاني ولا إيه..؟!!
أم طارق ضاحكة: لأ… خالص… المرة دي جايبة لك عروسة… بنت خال جوزها…
علت ضحكة طارق الرنانة التي أظهرت بياض أسنانه ووجهه الخمري الوسيم بسمرته الجذابة.
طارق: عروسة…!!! ليا أنا…؟!! أنا عمري ما حتجوز بالطريقة دي يا ماما… أنا عروستي لازم أختارها بنفسي… وهو يوم ما حتختاروا ليا… هدى هي اللي حتختار… ضحكتيني والله يا ماما… قوليلي هنا… إنتِ زهقتي بقى من القاعدة لوحدك…؟؟
أم طارق: أه والله… أنت بتقول فيها… أنا فعلاً زهقت من القاعدة لوحدي… طول اليوم مستنياك لما ترجع آخر اليوم… وأديك شايف البيت كبير أوي عليا… نفسي تتجوز وولادك يملوا البيت حواليا…
اقترب طارق من والدته ليقبل رأسها حبًا واحترامًا لها، فقد تحملت الكثير لأجله ولأجل أخته هدى منذ وفاة والده.
طارق: طيب بس سيبيني أنا اللي أختار العروسة تمام… وخلي هدى بره الموضوع ده… أنا مش ناقص كوارث من اللي بتجيبهم…
ضحكت أم طارق على حديث ولدها، فهي تتذكر جيدًا أن كل الفتيات اللاتي تحضرهن هدى بالفعل كوارث كما يقول طارق.
طارق: مش نقوم نرتاح بقى ولا إيه… أنا عندي شغل مهم الصبح…
أم طارق: طيب يا حبيبي… تصبح على خير…
رواية ذكريات مجهولة الفصل السابع 7 - بقلم قوت القلوب
المستشفى ….
ليلة شتاء صافية تملأ الأجواء نسمات باردة منعشة مع تأخر الوقت وزيادة حلكة الظلام عم الهدوء حولها ….
وقفت بهدوء تفتح النافذة … مدت يدها الناعمة ليلفح الهواء البارد شعرها الكستائى مداعبًا بشرتها الصافية ….
أخذت تنظر نحو الطرق الخاوية إلا من القليل من المارة بهذا الوقت المتأخر فقد إنتصف الليل …
ودت لو أن تخرج من هذا المكان الكئيب الذى يزيد حياتها بؤسًا وشقاءً …
ودت لو أنها تعانق السماء بحرية … أن تشعر بالسعادة والفرحة مثل أى فتاة فى عمرها ….
لمعت عيونها الجميلة بدمعة حزن فقد إنتهي بها المطاف مريضة بالمستشفى ….
سمعت طرقًا خفيفًا على باب الغرفة ، ثم فتح الباب بهدوء …..
طلت بملابسها البيضاء ويعلو فوق وجهها إبتسامة تلاقي …
“نهال الحلوة”
عامله إيه النهاردة ..؟
نهال: (سلمى) ..!!! كل دى أجازة … طولتي عليا أوى …
سلمى: أول ما جيت المستشفى جيت عليكِ على طول … وحشاني خالص …
نهال: وأنتِ كمان ….تعالي إدخلي ….
سلمى: بس إيه دة … إيه دة … إيه دة…. إتغيرتي خالص …
نهال: إتغيرت ..!!! إزاى ….؟
سلمى: وزنك زاد على فكرة … ملامحك كمان بقت جميلة أوى … عارفه إللى يشوفك دلوقتِ ميقولش إنك مريضة أبدااااااا….
نهال: بتجامليني أكيد….
سلمى: أبدًا والله …. إنتِ مش بتشوفي نفسك فى المرايا ولا إيه ؟!!
نهال: وحتى لو شفت نفسي وبقيت كويسة … حتفرق إيه ..؟!!
سلمى: إنتِ لسه حزينة يا (نهال) …؟!!
نهال: وإيه إللى حيفرحني …. حفرح على مرضي إللى خلاني شبه المومياء ولا أني بتعالج فى مستشفى خيري مستنيه الإحسان والصدقة عشان أتعالج ….!!!
سلمى: ليه الكآبه والتشاؤم ده … بصي للدنيا من جديد … إنتِ إتعالجتي وبقيتي ما شاء الله عليكِ ودى حاجة مش سهلة لأن المرض دة نادر جدًا وحالات كتير من فقد الشهية المرضية ممكن لا قدر الله يجرى لهم حاجات مش كويسة خالص … ربنا أراد وإتعالجتي منه وبقيتي حره نفسك … إشتغلي وحققي حلمك بدل ما تقعدي تبصي على الماضي وذكرياته ….
نهال: تعبت أوى يا (سلمى) ….
سلمى: لالالا …. مش هي دى (نهال) إللى قالت لي إنها عمرها ما حتستسلم للمرض والهزيمة والدنيا الصعبة … بصي على دفترك وإقرى كلامك وأنتِ تفتكري الوعد إللى وعدتي بيه نفسك …
نهال بحزن: دفتري …!!! دفتري مش هنا…
سلمى متفاجئة :مش هنا … ؟!! أمال راح فين …؟!!
نهال: زهقت من الدنيا ومن حياتي رميته من الشباك …
سلمى: رميتيه …. ليه كدة !!؟؟ … دة كل حياتك فى الدفتر دة …. مش إنتِ إللى قلتي كدة ….؟؟؟
نهال بإحباط شديد : أنا مش عايزة الحياة دى …. دى كلها حبر على ورق …. أنا مش عايزة أفتكرها أبدًا ….
سلمى: غلطانة ….. إللى حصلك دة هو الدافع إنك تكملي وتستمري وتغيري من كل حاجة حصلت لك ….
نهال: إللى بجد مفتقداه …. الدفتر نفسه مش الكلام إللى فيه …. لأن دة آخر هدية من بابا الله يرحمه …
سلمى:طيب أنا ححاول أدور لك عليه يمكن حد لاقاه من العاملين فى المستشفى ….
نهال: يا ريت ..
سلمى : جبت لك معايا هدية ….
نهال: هدية …!!! ليا أنا …؟؟؟؟
سلمى : أيوة …. شوفي …. إيه رأيك فى التيشرت ده …. جبتلك كمان أكتر لون بتحبيه …. الأبيض ….
نهال بفرحة : الله .. جميل أوى يا (سلمى) …. ربنا يخليكِ ليا ….
سلمى: أنا حروح الشغل بقى قبل ما الدكتور يتعصب …
نهال : (سلمى)..
سلمى : نعم ..
نهال بإنكسار : أبقى إسألي عليا … أنا ماليش غيرك …
سلمى: أكيد طبعًا ….. باي …
***
سامر ….
بدل (سامر) ملابسه ليجلس مرة أخرى فوق فراشه مادًا يده أسفل وسادته مخرجًا صورتها الشئ الوحيد الذى بقى له ….
يدرك تمامًا أن ما يفعله خطأ جسيم لكن قلبه لا يدرك ذلك ولا يكف عن حبها الذى وجد وطنه بقلبه منذ طفولتهما …
كانت تكبر أمام أعينه وحبها يغرس ويكبر بقلبه …
أسند ظهره إلى الخلف متمعنًا بنظره إلى صورتها التى أحتفظ بها دون أن يدري به أحد ….
سامر: ياااه لو يرجع بيا الزمن تاني وأخبيكِ فى قلبي ولا عمري أسيبك أبدًا مهما كانت الظروف … يا ريتني ما إستنيت ولا إتاخرت عنك … بس كل حاجة كانت غصب عني ….
لاح ذكريات ليلة ذهابه إلى والده طالبًا منه أن يتزوج إبنة عمه …
سامر بضيق: ومالها (حوريه) يا بابا … عيبها إيه .. ليه مش موافق أني أطلب إيدها من عمي ….؟
ابو علاء بحدة : أولاً هم فى مستوى وأحنا فى مستوى تاني خالص وأنت حتبقي ضابط ومحتاج زوجة تناسب وضعك ومكانتك دي … ده غير أن أبوها طماع … هو أخويا آه … بس طماع …
سامر: أنا ميهمنيش غنيو ولا فقيرة … ولا كل إللى أنت بتقول عليه ده يا بابا … أنا بحبها … وعاوزها ….
أبو علاء بغضب : لأ يعني لأ .. وعلى الله أسمع إنك رحت لعمك ده من ورا ضهري فاهم …. أنا الجوازة دى لا يمكن تحصل طول ما أنا عايش على وش الدنيا … فاهم …. ده أخويا وأنا عارفه يموت فى الفلوس وممكن يبيعك فى لحظة وأكيد بنته زيه … ما هى تربيته …. فأوعى تصغر نفسك معاه …
سامر بدفاع مستميت: (حوريه) غيرهم كلهم … متظلمهاش يا بابا ….
ابو علاء: أنا قلت إللى عندي ومعنديش حاجة تانيه أقولها … إنتهى …
سامر : لكن يا بابا …!!!
ابو علاء : إنتهى …..
تذكر قراره الخاطئ بالإنتظار حتى يوافق والده حينما يعاود طلبه مرة أخرى للذهاب معه إلى عمه وطلب يد (حوريه)…
لكنه فوجئ بخبر شق قلبه نصفين حينما علم بخطبة (حوريه) لأحد الأثرياء …
صدمة نزف بها قلبه دون أن يشعر به أحد سوى أخيه (علاء) المدرك تمامًا لوعه فراق الحبيب ….
لم يستطيع أن يتكلم مع (حوريه) أو البوح لها بما يشعر به نحوها فهى الآن مرتبطة بآخر ليسمع دومًا كلمات قاتلة من والده وأخوته بأنها لو لم تكن مثل والدها لما كانت وافقت على هذا الغريب الثري ….
لاح بذهنه ليلة زف بها آلامه … ليلة زفافها ….
لم يستطع (سامر) حضور حفل الزفاف فكيف سيراها وهى أصبحت لغيره …. كيف سيشهد على قتل حبه وعشقه الذى يسري بدمائه منذ سنوات طويلة …
لكنه حضر بالنهاية … ليلقى نظرة الوداع على حبه الوحيد قبل رحيله من عالمه إلى الأبد ….
جلست (حوريه) كملاك يرتدي ثوب زفاف أبيض ، جميلة وتستحق بالفعل إسم (حوريه) ….
لكنها لم تكن له كانت تزف إلى غيره ، كم كرهه دون أن يعرفه أو حتى يتحدث معه ، كم شعر بالغيرة القاتلة من هذا المخلوق لمجرد جلوسها إلى جواره ….
جلست عائلته على إحدى المناضد القريبة من العروسين …كانوا يشعرون بسعادة بالغة ليس لزواج (حوريه) بل للتخلص منها وإبتعادها عن (سامر) وظنهم أن بهذه الزيجة سيعود كل شي كالسابق وينسى (سامر) (حوريه) وتعلقه بها ….
تعلقت نظرات (علاء) بأخيه مشفقًا على حاله وإنكسار قلبه وضياع حبه بسبب أفكار بلهاء ما هي إلا أوهام تشبثت بعقولهم فقط …
بينما لم يستطع (سامر) إزاحة عيناه الحزينتان عن (حوريه) طوال حفل الزفاف …كم كان جمالها وحسنها يؤلمه ويغرس شوكا بقلبه ، لمعت عيونه ببريق دمعة حزينة منعها من السقوط لكن الألم بقلبه أقوى بكثير …
إنتفض جسده عندما أمسك (عماد) هذا العريس المشؤوم بيد (حوريه) …
شعر بشعور مؤلم كم يغار عليها من نظراته لها كيف سيتحمل قربه منها …
لم يستطيع (سامر) تحمل رؤية ذلك أمام عينيه فقام مسرعًا ليبتعد عن هذا المكان الذى يحمل له كل معاني الآلم التى لم يظن أنها ممكن أن تعصف به بيوم من الأيام ….
وها هى تمر الثلاث سنوات ولم يرى (حوريه) ولم يسمع عنها أي شئ لكن حبها بقلبه مازال قابعًا حتى ولو لم يراها …..
يأتي كل مساء ليرى صورتها ويحدثها وينام ليراها فى أحلامه …..
فمهما كانت قوته كضابط إلا أنها هي الوحيدة نقطة ضعفه وقوته بنفس الوقت
كل خياله وأحلامه هي فقط … فقط (حوريه) ..
***
تمر الساعات الطويلة ينتهى بها اليوم بنيويورك بينما يبدأ النهار على جميع أبطالنا …..
بيت هاجر ….
هاجر: ماما أنا نازله عايزة حاجة ..!!
أم هاجر: إعملي حسابك (خالد) إبن عمتك وعمتك وجوزها جايين النهاردة تعالي بدري …
هاجر: ما ييجو براحتهم هم عايزيني فى إيه ؟!!
أم هاجر: دى تاني مرة عمتك تكلمني وأنتِ كل شوية تهربي من الزيارة…
(هاجر) وقد ضاقت ذرعًا بإلحاح عمتها و(خالد) إبن عمتها على خطبتها على الرغم من رفضها التام له أكثر من مرة ….
هاجر: يا ماما … أنا مش عايزة (خالد) …. قولتها لكم مية مرة .. مش عايزاه …
أم هاجر: ما هو كدة كتير بصراحة … قوليلي عيب واحد فى (خالد) … راجل قد الدنيا وكسيب ومش ناقصة حاجة …. ترفضيه ليه .. بطر ….
هاجر: مش قابلاه يا ماما … (خالد) زى أخويا …. مش عارفه أشوفه غير كدة ….
أم هاجر: أنا مبحبش الدلع دة …. راجل حيتحمل مسؤليتك وتتستتي فى بيتك بدل المرمطة والشغل والدراسة إللى مش جايبين همهم دول …. نرفضه ليه … ولا عشان ما أنا لوحدى وأبوكِ مات مش حقدر عليكِ ….
هاجر: لازمته إيه الكلام دة دلوقتِ …. أنا باقي لي كام شهر وأتخرج وأشتغل شغلانه كويسة …. إيه لزوم الإستعجال والجواز ….
ام هاجر: هو كدة بقى و إللى عندك إعمليه …. ولا أنا خلاص معدش ليا كلمة عليكِ ….؟!!
هاجر: يا ماما ….ااا…
ام هاجر: ولا كلمة …. أهم جايين النهاردة تستأذني من شغلك بدري وتيجي وإلا إنتِ حره بقى …
(هاجر) بقلة حيلة وهى تكظم غيظها وتمنع دموعها من التساقط ….
هاجر: حاااااضر ….
ركضت نحو السلم لملاقاة (رحمه) للذهاب إلى الجامعة أولاً دون إظهار أي شئ لها ….
***
تركيا….
إجتمع ثلاثتهم (توتشا) و(سيلا) و(أميمه) لتناول طعام الإفطار وشرب القهوة التى تحبها (أميمه) ، عشقها الأزلي لتلك السمراء ….
يامن: مامي …. آنآ ( جدتى) “توتشا” سرحت لي شعري …حلو ..؟
(أميمه) وهى تنحني لتقبل (يامن) فرحتها الوحيدة …
اميمه: حلو أوى أوى….
دق جرس الباب لتهرول (سيلا) مسرعة نحو الباب لتفتحه …
سيلا: (ضيا)…. صباح الخير … تعالى تعالى …
ضيا: إيه… بدأتوا الشغل ولا لسه …؟
سيلا: خلاص حنبدأ أهو …
(ضيا) أقبل على (توتشا) و(أميمه) ملقيًا تحية الصباح معلقًا نظراته نحو (أميمه)….
ضيا: صباح الخير …
(أميمه) برسمية وسط إبتسامة مجاملة لـ(ضيا) ….
أميمه: صباح الخير ….
توتشا: أنا حاخد (مينو) ونطلع أوضتنا نلعب وإنتوا إشتغلوا …
وقبل أن تصطحب السيده (توتشا) (يامن) إلى غرفته أقبل (ضيا) نحو (يامن) مداعبًا إياه…
ضيا: وحتمشي بسرعة كدة من غير ما تسلم عليا …؟!
نظر (يامن) بحدة وهو يضيق حاحبيه بصورة درامية توحي على الغضب….
يامن : لأ …
(ضيا) متعجبًا وسط ضحكته التى يكظمها من غضب هذا الصغير ….
ضيا: ليه بس …. أنا زعلتك فى حاجة ….؟!!
يامن : أيوة …
ضيا: زعلتك فى إيه طيب ..؟!!
يامن: عشان أنت كل ما تيجى أبعد عن مامي عشان تشتغل …. أنت بتبعدني عنها …
(ضيا) وقد علت ضحكته من إهتمام هذا الصغير بوالدته وحبه أن يبقى معها ليلقى (ضيا) جملة وكأن (أميمه) هى المقصودة بها وهو ينظر نحو (يامن) ثم (أميمه)….
ضيا: ما هى مامي لازم أكيد تحب تقعد معاها …
ثم اكمل متداركًا نفسه….
ضيا: بس وعد حنخلص شغل بسرعة ….
امسك (يامن) بكف (توتشا) ليصعدا نحو غرفته دون أن يكف عن غضبه وغيرته على أمه لتبتسم (أميمه) متذكرة طيف (علاء) بنفس نظرات (يامن) الغاضبة وغيرته لتواجده معها دومًا مثلما يفعل (يامن) تمامًا … لكن نظرات (علاء) كانت أشد قوة وأكثر حدة تكاد أن تكون مرعبة للآخرين .. حانية فقط عليها ….
أميمه: أنا خلصت شوية تصميمات ممكن تاخدها المكتب معاك تطبعها عشان نجهز الملفات ….
ضيا: أه … تمام …. أنا كمان صممت اللوجوهات المطلوبة وبجهز عينات القماش وجبتها عشان تشوفيها ….
أنضم (ضيا) ل(سيلا) و(أميمه) يناقشان أمور العمل حتى إنصرف (ضيا) متجهًا إلى المكتب لتبقى (أميمه) و(سيلا) يكملان باقى التصميمات ….
***
مكتب الوزير….
إتخذ كل فرد مكانه تأمينًا لدخول الوزير إلى مكتبه ليخرج مدير مكتبه متجهًا نحو (علاء) ….
مدير المكتب: حضرة الضابط …. الوزير عايز حضرتك فى مكتبه ….
أومأ (علاء) مستجيبًا له ليدلف مباشرة إلى داخل المكتب ….
الوزير: إتفضل يا (علاء) أقعد…
علاء: خير يا فندم ….
الوزير: إحنا مسافرين بعد بكرة فرنسا جهز نفسك والضباط إللى معاك عشان تيجي معايا…
علاء : تحت أمرك يا فندم … حجهز المجموعة إللى حتسافر معانا واخد من الأستاذ (عطيه) الأماكن إللى حنزورها كلها عشان التأمين سعادتك ….
الوزير: أنا طبعًا لولا ثقتى فيك شخصيًا كنت طلبت من أى حد لو أنت مش حابب تسافر …. لكن ده أمر مفروغ منه لازم تيجي معايا ….
علاء برسمية: شرف ليا يا فندم … بعد إذنك ….
ترك (علاء) المكتب ليجدها فرصة جيدة مبتعدًا عن كافه الصغوطات والذكريات التى تلاحقه هنا …..
***
الإمارات….
“السلم دة مش نضيف ليييه”
صرخ بها (عماد) وهو يدفع (حوريه) إلى الخلف لتقع أرضًا بعدم توازن….
حوريه: نظيف والله ….!!!
عماد: يعنى أنا كداب مثلاً …. السلم دة يبقى زى المرايا ويتلمع بالزيت مرة كل أسبوع على الأقل …. دة خشب أصلي ولازم تهتمي بيه مش أى كلام زى ناس …
ألقى كلماته وهي تدرك أن (عماد) يقصدها هي فهو دائمًا ما يتعمد إهانتها والتقليل منها ….
شعرت بالألم يزداد لتضع يدها جانب بطنها كمحاولة فاشلة لتخفيف الألم ….
حوريه: اااه ….
نظر (عماد) نحوها بتعالى ليزفر بملل فقد أصبح لا يحتمل ردود أفعالها المصطنعة كلما أراد توجيهها أو لومها لتقصيرها….
عماد بحنق: أوووف …. ما تبطلي تمثيل وقرف .. كل دة عشان بقولك السلم محتاج تنضيف …. دى بقت عيشه تقرف …. كل كلمة دلع وقرف ….
حوريه بتألم: مش تمثيل والله …. تعبانه بجد ….
عماد: طريقتك ساذجة أوى …. المفروض تكوني فهمتي خلاص … إن دور المسكينة التعبانة دة مش بياكل معايا …. وقومي أقفي كدة عشان أنا جعان وعايز أفطر ….
تحاملت (حوريه) آلامها وهى تستند لتقف منحنيه من شدة الألم لتهبط نحو المطبخ لتعد الطعام ….
بينما إستنكر (عماد) طريقه (حوريه) المقززه فى إستجدائه أو عطفه بهذه الصورة المغثية ….
عماد: دلوقتي وقفتي وبتتحركي ومفيش حاجة بتوجع أهو …. صحيح ممثله …. وممثله فاشله كمان …. أووف …
***
مديريه الأمن ….
مكتب طارق وسامر …
جلس كلا من (طارق) و(سامر) يستجوبان المتهمين ويسجلون إعترافاتهم ….
بعد إنتهاء إستجواب المتهمين …
جلس (طارق) واثقًا من نفسه واضعًا ذراعيه خلف رأسه ورفع قدمه على المكتب ليريح جلسته قليلاً …
بينما (سامر) قد خلع سترته ليستريح فوق الأريكة الجلدية بالمكتب….
سامر: تعبونا ولاد اللذينه دول …
طارق: مش أنت إللى كنت عاوز تدخل فى النوعية دى من القضايا …. إستحمل بقي ….
سامر: بصراحة الشغل فيها متعه خصوصًا معاك …بس منكرش خطر ومتعب …
طارق: عندك حق …. والله أنا مشفق من دلوقتي على إللى حتجوزها … مش عارف حتتحمل شغلنا دة إزاى ….
سامر: لو بتحبك … حتستحملك ….
طارق ضاحكًا: على سيرة العرايس … مش (هدى) أختي جابت لي عروسة … ما تاخدها أنت المرة دى ..
سامر: أبوس إيدك بلاش أنا وعرايس أختك دى … وأنا زى ما أنت عارف مش ناوي على موضوع الجواز دة خالص …
إعتدل (طارق) فى جلسته…..
طارق: (سامر) …. أنت لسه بتفكر فيها لحد دلوقتِ …؟!!!!!!
سامر: ومش قادر أنساها ولا ثانية ولا لحظة واحدة حتى … حبها أتطبع فى قلبي … جوه روحي … مش قادر أنساها …. أنساها إزاى بس … أنا عايش بس عشان أفتكرها …
طارق: يا أخى طالما بتحبها أوى كدة … ليه ما إعترفتلهاش بحبك دة قبل ما تتجوز …
سامر: كنت كل ما أشوفها لساني يتلجم ومعرفش أتكلم …. قلبي بيبقى بينبض جامد مش عارف ليه …. ولما خلاص مبقتش قادر أبعد عنها كلمت والدى وأنت عارف إللى حصل بعد كدة …
طارق: إلا قولي …. هى تعرف بكل دة..؟!!
سامر: للأسف لأ …
طارق بأندهاش: ولا حتى إنك بتحبها للدرجة دى …؟!!
سامر بيأس: لا … ولا حتعرف ….
طارق: ومشفتهاش من ساعتها طبعًا ….
سامر : من يوم ما إتجوزت وسافرت مشفتهاش …. يظهر مبسوطة وعايشه مع جوزها ومش بتفكر ترجع تاني ….
طارق: أنت غلطان … لازم تكمل حياتك ومتوقفهاش عندها وتتجوز وتعمل أسرة …
سامر: ما هو عشان أعمل كل إللى بتقول عليه دة لازم فى الأول أنساها … وأنا مش قادر ولا عايز أنساها … بس سيبك مني أنا … أنت مش ناوي أنت كمان تتجوز …؟!!
طارق: ومين قالك أني مش عايز أتجوز ..!!
سامر: بجد … مين بقى …؟!
طارق: بنت ساكنه فى البيت إللى قصادنا حاسس أني مشدود ناحيتها وبفكر أني أتقدم لها فعلاً …
سامر بمرح : الله عليك … ومستني إيه طيب …؟!!
طارق: أبدًا كنت مستني الوقت المناسب …
سامر بفرحه: ربنا يتمم لك على خير ..
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب
انتهت المحاضرة وبدأ الطلاب في مغادرة القاعة، بينما بقيت الفتيات يتحدثن كغريزة طبيعية في الأنثى تهوى تجاذب أطراف الحديث.
مالت رحمه على أذن هاجر هامسة:
"نفسي أناااام… أنا حروح بدري أنام شوية قبل الشغل."
هاجر:
"طيب ما نطلع على الشغل ونستأذن بدري ونروح، أصل جاي لنا ضيوف وماما مصرة آجي بدري وكده."
رحمه:
"فكرة حلوة برضه."
رمقت هايدي كلاً من رحمه وهاجر وهما يتهامسان، لتحاول التدخل وإفساد لحظة قربهما.
هايدي:
"مالكم… بتتوشوشوا على إيه أنتوا وهي؟ مينفعش كده… محبش أنا الناس اللي بتتكلم على جنب دي… بيبقوا خبثاء كده."
تكتفت رحمه بضيق لما تفوهت به هايدي، فهي تنتهز أي فرصة لتسخر منهم أمام بقية الفتيات.
رحمه بضيق:
"أنا بكلم هاجر في حاجة ملكيش دعوة بيها."
هايدي باستفزاز:
"مفيش حاجة مليش دعوة بيها، وحتى لو فيه… برضه مينفعش تتكلموا كده وتسيبونا. ما تقولوا بتتفقوا على مين أنتوا وهي؟"
رحمه:
"وبعدين يا هايدي… حاجة غريبة والله!!!"
هاجر:
"ما تهدوا شوية… خلاص محصلش حاجة."
هايدي بتعالٍ:
"قولي لصاحبتك مش ليا أنا… أنا مبغلطش أبداً."
قالتها هايدي بغرور وهي تضغط على كل حرف في الكلمة، موجهة نظرتها المشمئزة باتجاه رحمه.
رحمه بغضب:
"أنا ماشية."
نهضت رحمه غاضبة من غرور هايدي وتعاليها عليهم، وكيف تراهم وتعاملهم بهذه النظرة الدونية لوضعهم المادي البسيط بخلافها هي ورقيه وبسمله. أسرعت هاجر تلحق برحمه التي أسرعت مبتعدة عنهم.
هاجر:
"رحمه… استني بس… متزعليش كده… يعني أنتي مش عارفاها… هايدي عمرها ما حتتغير."
رحمه ضاحكة:
"عادي عادي… يلا بس نبعد عنها أحسن خنقتني."
هايدي وهي تتابع رحمه التي ابتعدت هي وهاجر عنهم:
"أنا مش فاهمة مالها دي… فاكرة نفسها لها قيمة ولا إيه؟ هي مش عارفة أنا مين؟!"
رقيه:
"وهو انتِ حتقارني نفسك بدي… دي واحدة فقرااانة… إش جاب لجاب."
هايدي:
"ضايقتني وعصبتني والله."
رقيه:
"لولا شطارتهم في الدراسة مكناش عرفناهم… سيبك سيبك… كملي لي اللي حصل."
هايدي بزهو:
"لما بصيت بقى من الشباك لقيته بيبص على بيتنا."
رقيه:
"عارفة يا هايدي… هو ده فعلاً اللي يناسبك."
هايدي:
"طبعاً… ده أنا الناس بتجري ورايا أد كده… ومن حظه لو اتجوزني."
رقيه:
"طبعاً… جميلة وغنية وحسب ونسب… يا بخته."
هايدي:
"أكيد… طبعاً ده ظابط حاجة كده تليق بينا وبمركزنا."
رقيه:
"بتحبيه يا هايدي؟"
هايدي:
"لأ لأ… الموضوع مش حب وكلام فاضي… ده ظابط… وغني… يعني هو ده اللي يليق بمستواي الاجتماعي وأبقى فخورة بيه قدام الناس."
رقيه:
"بحسدك على عقلك ده… كل حاجة ماشياها بعقلك مش بقلبك."
هايدي:
"أمال أنا تافهة أمشي ورا قلبي ورا واحد ميستاهلنيش ولا يقدر قيمتي."
رقيه:
"برافو عليكي… يلا بينا بقى كل الناس مشيت."
هايدي:
"أوك… يلا."
***
تركيا.
سيلا بإرهاق:
"كفاية بقى نستريح شوية مش قادرة."
أميمة:
"تمام… نعمل قهوة ونستريح شوية."
سيلا:
"بس تكملي لي القصة بقى."
أميمة بابتسامة:
"تمام."
وضعت أميمة فنجان قهوتها بعدما انتهت منه، لتعود بذكرياتها لمكالمات علاء لها.
أميمة:
"مع إني كنت دايماً رافضة أي تواصل بيني وبين أي شاب، بس مقدرتش أمنع نفسي من مكالمات علاء. وبصراحة أنا ملحقتش… بعد ثلاث مكالمات بينا اتعرفنا فيهم على بعض، لقيته بيقولي… إنه مش قادر يفضل بعيد وطلب أحدد له ميعاد مع بابا عشان ييجي يتقدم لي عشان يقدر يشوفني براحته ويقعد معايا، لأني كنت رافضة إننا نتقابل بره نهائي. متتصوريش يا سيلا أنا كنت فرحانة قد إيه. وفعلاً جه واتقدم لي وبابا وافق وعملنا خطوبة قعدنا بعدها سنة… كانت أجمل سنة في عمري كله. حبيته أكتر وحبني أكتر وأكتر. كنت مجرد ما بشوفه بس قلبي يطير من الفرحة. أنا بقيت أهم حاجة في حياته حتى أهم من شغله. كان بيغير عليا من الهوا… ويتعصب أوي لو حد كلمني أو حتى بص لي."
سيلا بهيام:
"ياااه… مكنتش فاكراكِ حبيتي أوي كده. طب إيه اللي حصل بعد كده؟"
أميمة:
"اتجوزنا. كان ليه شقة في بيت قصاد بيت أهله، فرشناها على ذوقي واخترت كل حاجة فيها. وعملنا فرح كبير، أنا مكنتش مصدقة السعادة اللي كنت فيها. كان كفاية عليا إني جنبه بس."
سيلا:
"وبعدين…"
ابتلعت أميمة ريقها بألم مردفة بحديثها، تنهر سيلا قاطعة مجرى سيل الذكريات من التدفق عند هذه النقطة بتعجل.
أميمة:
"يوووه… حنقضيها حكايات بقى… وشغلنا ده… مين حيكمله؟ يلا يلا قومي."
تفحصت سيلا ملامح أميمة بتتمعن، كيف انقلبت ملامحها من الحب والهيام إلى الألم والتهرب من إكمال قصتها.
سيلا بإصرار:
"سبتوا بعض ليه؟"
التفتت أميمة نحو سيلا لتلمع عيناها بدمعة ألم ترقرت في عينيها، شعرت بها سيلا على الفور لتدرك عشقها الكبير وراء نظرة الألم التي تراها الآن تلوح على ملامح أميمة.
أميمة:
"النصيب… محصلش نصيب."
نهضت أميمة لتحاول جمح مشاعرها وآلامها التي تجددت، وكأن كل شيء حدث بالأمس فقط. أسرعت نحو غرفة الجلوس مبتعدة عن سيلا لتهرب من عينيها دمعة ألم وفراق. فعلى الرغم من آلامها إلا أنها تشتاق إليه. ظنت أنها عندما تسرد لسيلا قصتها ستتخلص من مشاعرها بكلماتها السجينة داخل صدرها، لكنها أعادت إحيائها مرة أخرى.
أميمة:
"يا رب أنساك بقى… ليه مش عارفة أنساك؟ ليه؟ بعد كل اللي حصل… ليه مش عارفة أكرهك… ليه مش عارفة أنساك… خمس سنين من يوم ما سبتك… ليه مش نسياك… ليه باقي جوايا؟"
جلست أميمة تلملم بقايا قلبها وحبها، محاولة التماسك والخروج لسيلا حتى لا تلاحظ انهيارها. فهي لن تفتح جراحها مرة أخرى. بينما جلست سيلا بغرفة المعيشة مشفقة على حال صديقتها، فيبدو أنها تتألم لفراق حبيبها، لكن هناك سبب قوي جعلها تتركه وتبتعد عنه بهذه الصورة، فقررت الصمت وألا تزيد جراحها بتذكرها له.
***
نيويورك.
أمسك هشام بهاتفه ودق على أخته سمر وهو ينظر في ساعته.
هشام:
"الساعة سبعة… أكيد صاحية عشان تروح المدرسة."
هشام:
"سمر حبيبتي… صباح الخير."
سمر:
"صباح الخير يا هشام."
هشام:
"إيه… سألتيلي على اللي قلت لك عليه؟"
سمر:
"أيوة… براء قالي أنهم لقوه مرمي على الأرض بره المدرسة."
هشام:
"متعرفيش فين بالظبط بره المدرسة؟"
سمر:
"أيوة عند السور الكبير اللي قبل المدرسة على طول."
هشام مدركاً شيئاً ما:
"طيب يا أميرتي… أسيبك بقى تروحي المدرسة… سلام."
أنهى مكالمته مع سمر ليتمعن بفكره نحو المكان الذي وجد به هذا الدفتر.
هشام:
"ده سور المستشفى… معقول تكون في المستشفى دي… أو بتشتغل فيها مثلاً… ممكن… ليه لأ."
أمسك بهاتفه مرة أخرى واتصل على أحد زملائه بالجريدة التي يعمل بها.
هشام:
"راضي… أخبارك إيه… كنت عايز منك طلب… أيوة… لو تقدر تسأل عن واحدة في المستشفى مش عارف هي مريضة ولا شغالة هناك ولا إيه… هبعتلك اسمها وعنوان المستشفى… ممكن… تبقى خدمة مش حنساها لك والله."
أعطى هشام لصديقه تفاصيل البيانات المدونة بالدفتر للسؤال عن نهال.
بينما عاد لاستكمال قراءة بقية المذكرات المكتوبة.
أخذ يتصفح دفتر الذكريات مرة أخرى والنعاس يغلب على جفونه.
"لقد خسرت أشياء كثيرة وحزنت كثيراً… لكن ربما شاء القدر أن يضحك لي مرة أخرى… فقد صارحني ابن السيدة سميرة أنه يحبني اليوم… (نهال)."
دق قلب هشام لمجرد قراءته لهذه الكلمات، إحساس غريب بالخوف والقلق ممزوج ببعض من الغضب لا يدرك سببه، وكأنه يعرف نهال من قبل.
أكمل القراءة وابتعد النوم عن عيونه بعد قراءته لهذه الكلمات.
"لقد طلب مني اليوم أحمد ابن السيدة سميره أن أترك البيت وأذهب معه لأنه صارح والدته بحبه لي لكنها رفضت ويجب أن نترك البيت على الفور… إنني خائفة جداً… ولا أعلم ماذا أفعل… (نهال)."
كان هشام بقلبه يطلب منها ألا تذهب معه… لكن كل ما يستطيع فعله فقط قراءة الكلمات المكتوبة.
***
علاء.
دق هاتفه ناظرًا نحو شاشته بضيق ليرد مرغماً، فهذا الاتصال العاشر لها.
علاء:
"أيوة يا هند!!!"
هند:
"مالك يا علاء… مش بترد عليا ليه؟"
علاء بملل:
"مفيش يا هند… مشغول شوية بس."
هند:
"يعني دي جزاتي وتكون دي الطريقة اللي تعاملني بيها."
علاء بحدة:
"انتي عايزة إيه يا هند؟"
هند:
"علاء… أنت عارف ومتأكد إني بحبك ومن ساعتها وأنت بتتهرب مني وكأني أنا السبب…؟"
علاء:
"مفيش داعي تفكريني يا هند… بس أنا مقدرش… مش قادر يا هند مش قادر."
هند:
"مش قادر إيه؟ أميمة وخلاص خرجت من حياتك زي ما أنت كنت عايز بالضبط… إيه المانع… فيها إيه لو تحب وتتجوز… هي خلاص الدنيا وقفت عندها."
علاء بحدة وقد تعالى صوته الممزوج بالغضب:
"أيوه يا هند… الدنيا وقفت عندها… فاهمة… وقفت عندها."
لم ينتظر علاء سماع ردها ليغلق المكالمة والهاتف بأسره في وجهها، ليلقيه على المكتب بعصبية واضعاً كفيه فوق وجهه محاولاً محو ذكرى يوم فراقهم المؤلم الذي لا يستطيع نسيانه ولا نسيان نظرة أميمة المتألمة الباكية من ذاكرته.
علاء:
"غبي… غبي."
تفوه بها علاء وهو يضرب المكتب بكلا كفيه بقوة، ينفس بها عن غضبه من نفسه وما حدث بإرادته.
***
الإمارات.
انتهت حوريه من تحضير طعام الإفطار، وضعته فوق المنضدة وجلست في انتظار عماد ليتناول إفطاره.
تقدم عماد ببرود باتجاه طاولة الطعام وبدأ في تناول طعامه دون أن ينطق بكلمة واحدة.
عماد بعد أن أنهى تناول طعامه:
"أنا حتأخر النهاردة… اتغدي انتِ أنا حتغدى بره."
حوريه:
"بس أنا كنت عايـ…"
قاطعها عماد:
"أنا مستعجل… أجلي الكلام بعدين."
حوريه:
"بس أنا كنت عايزة ضروري… فيه موضوع ضروري أوي عايزة أكلمك فيه."
عماد بسخرية:
"موضوع ضروري!! انتِ عندك موضوع ضروري… بعدين بعدين… أنا مش فاضي للتفاهات دي."
حوريه:
"بس يا عماد…!!!"
عماد بحدة:
"قلت لك مش دلوقتي… خلااااص."
ارتاعت حوريه من نبرة عماد التي اعتادت عليها، وهي تعلم جيداً لو لم تطعه الآن فإن رد فعله سيكون مؤلماً جداً بالنسبة لها.
تناول عماد حقيبته وخرج من البيت، تاركاً خلفه بقايا أنثى جميلة يسكن قلبها حزن عميق.
***
المستشفى.
وقفت نهال خلف نافذتها تنظر نحو الأطفال الذين يلعبون أمام بوابة المستشفى. كم يتمتعون ببراءة طفولة جميلة، تمنت لو يعود بها الزمن إلى الوراء ليكون اللعب هو كل همها، فتستطيع وقتها أن تفرح وتشعر بالسعادة التي سلبت منها رغم عنها.
طرقات خفيفة تصدح بالغرفة الهادئة لترد نهال بهدوء.
نهال:
"اتفضلي."
سلمى:
"انتي عرفتي منين أن أنا اللي بخبط؟"
نهال:
"خبطتك مميزة… وأصلاً محدش بيخبط غيرك على الباب."
سلمى:
"عاملة إيه؟"
نهال:
"الحمد لله."
سلمى:
"لما جه وقت راحتي قلت أجي وأقعد معاكِ شوية."
نهال:
"عارفة من غيرك كان زماني اتجننت من القاعدة لوحدي طول الفترة دي."
جلست سلمى بأريحية على أحد المقاعد وهي تحث نهال على الحديث مثل كل مرة.
سلمى:
"اقعدي بقى وكملي لي بقية حكايتك… متشوقة أوي أعرف الباقي من قبل الإجازة."
نهال:
"هو إحنا وقفنا لحد فين؟ أنا أصلي نسيت بسبب أجازتك الطويلة دي."
سلمى:
"أمممم… وقفتي عند أحمد لما طلب منك تسيبى البيت وتروحي معاه عشان تتجوزوا لما أمه رفضت الجواز."
نهال:
"أيوة أيوة افتكرت… وقتها كنت فعلاً محتاجة أي حد يهتم بيا ويقولي كلمتين حلوين زي ما هو عمل بالضبط. وقررت فعلاً أني أروح معاه."
سلمى بدهشة:
"وتروحتِ؟"
نهال:
"أيوة… أحمد حجز لنا أوضتين في فندق صغير كده وبعد يومين قلنا أننا لازم نشتغل عشان نصرف على نفسنا. دورت كتير أوي على شغل بس كان صعب أوي عشان مش معايا شهادة وكده. بس أحمد قدر يشتغل ويجيب فلوس… وقتها اشترى لي هدوم جديدة وحاجات كتير… كنت فرحانة أوي… كفاية إني حاسة بحبه ليا واهتمامه بيا. لحد ما في يوم جت لي واحدة زميلته في الشغل وقالت لي أنه بيستغلني وبيمثل عليا."
سلمى:
"وصدقتيها؟"
نهال:
"للأسف لأ… قلت دي أكيد حقودة… ولا بتحبه مثلاً وغيرانة مني… بس كلامها خلاني أنتبه لتصرفاته شوية."
سلمى:
"وبعدين؟"
نهال:
"سمعته مرة وهو بيتفق مع حد على فلوس يوم ما ياخدني ليه."
سلمى بصدمة:
"يا نهاااار… وبعدين؟"
نهال:
"حعمل إيه يعني… هربت… لميت هدومي وحاجتي وهربت… ومعرفش عنه حاجة من يومها… رحت لخالي ناجي بعد ما دورت عليه كتير أوي وتعبت عقبال ما وصلت له."
سلمى:
"خالك… تاني يا نهال؟"
نهال:
"أمال حروح فين… هو أنا أعرف غيره؟"
سلمى وهي تنظر نحو ساعتها بضيق:
"يووه… خلصت ساعة الراحة بتاعتي… لما أخلص المناوبة بتاعتي حعدي عليكِ… ماشي."
نهال:
"ماشي."
تركتها سلمى لتعاود عملها، بينما وقفت نهال تتابع المارة من النافذة تقضي وقتها بمتابعتهم.
***
نيويورك.
قطع على هشام قراءته لدفتر الذكريات رنين هاتفه يدق باسم صديقه راضي.
هشام:
"راضي… أهلاً أهلاً."
راضي:
"رحت لك بنفسي المستشفى وسألت وعرفت لك كل حاجة."
اعتدل هشام بجلسته باهتمام ينتظر نتيجة بحث راضي عن نهال.
هشام:
"ها… ولقيت إيه؟"
راضي:
"بص يا سيدي… دي مريضة هنا في المستشفى مش بتشتغل. قاعدة في القسم الخيري بتاع المستشفى بقالها فترة طويلة. أصل عندها مرض اسمه فقد الشهية العصبي."
هشام بتفهم:
"أيوة… عارفه عارفه."
راضي:
"ومن يوم ما جت المستشفى ولا حد بيزورها ولا ليها حد خالص."
هشام:
"أيوة فهمت… طيب ممكن خدمة تانية بقى."
راضي:
"قول… هو أنا ورايا غيرك."
هشام:
"عايزك تروح لمحل من محلات الورد وتوصيه يبعت لها كل يوم بوكيه ورد أبيض ويحطوا عليها كارت… خليهم يكتبوا عليه… ﴿ لم أجد سوى الزهور لتعبر لك عما أريد قوله﴾."
راضي بمكر:
"ده اللي هو إيه ده بقى…؟"
هشام:
"بعدين بس حبقى أفهمك… المهم وصيهم… كل يوم فاهم… كل يوم."
راضي:
"حاضر يا سيدي… ورد أبيض كل يوم… حاجة تانية؟"
هشام:
"لأ يا سيدي متشكرين."
راضي:
"ماشي… سلام."
هشام:
"مع السلامة."
أنهى مكالمته مع راضي مبتسماً لما قرر فعله مع نهال، ليعود مرة أخرى لاستكمال قصتها من دفترها القديم.
***
في المساء.
رحمه وهاجر.
رحمه:
"يلا يا هاجر قبل ما يرجعوا في كلامهم… عايزة أروح."
هاجر:
"وأنا كمان… خلاص… خلصت أهو… يلا بينا."
اتخذتا طريقهما للعودة إلى المنزل بعدما خرجتا من المعرض، لتسيرا طريقهما الطويل أولاً قبل أن يصل بهما إلى موقف الحافلات.
هذه المنطقة الراقية التي يمران بها يومياً تتميز بهدوئها الشديد، كما تتراص البيوت على جانبي الطريق، كل بيت له بوابة خاصة به وسور عالٍ يحيط بكل بيت على حدة.
لمحه (رحمه) يصف سيارته إلى جانب الطريق ليترجل منها بهيبته وقوته ووسامته المعهودة التي تطيح بقلبها فور رؤيتها له. ذلك الأسمر الجذاب الذي تربّع عشقه في قلبها منذ رؤيتها له من وقت طويل.
تثلجت أطرافها وسبلت عيناها تتبعه في كل حركة وكل خطوة يخطوها دالفاً إلى داخل البيت.
رحمه في نفسها:
"لحد إمتى مش حتحس بحبي ليك… إمتى أساساً حتحس بوجودي؟"
تبعته بنظرات عاشقة وهي تعلم من داخلها أن حبها هذا لن يكتب له الحياة، فما الذي سيجعل شخص مثله يحبها وهو من الأساس لا يراها أمامه ولا حتى يعرف عنها شيء… فكيف سيشعر ويعرف بحبها له.
هاجر:
"رحمه… رحمه… مالك فيه إيه؟"
رحمه بانتباه:
"هاه… لأ… ولا حاجة."
هاجر:
"مين ده اللي انتِ بتبصي عليه؟"
رحمه:
"ده طارق… قصدي… الضابط طارق… ساكن هنا في البيت ده."
هاجر:
"حاسة إني أول مرة أشوفه."
رحمه:
"إزاي… ده إحنا بنشتغل هنا بقالنا سنتين… معقول مشفتيهوش؟"
هاجر:
"لأ… ولا شفته ولا مرة."
رحمه:
"يمكن!!"
هاجر:
"بس شكلك عارفاه كويس… انتِ اتكلمتي معاه قبل كده؟"
رحمه:
"لأ… بس بشوفه كل يوم وهو رايح أو وهو راجع… ومرة شفته في السوبر ماركت اللي جنب المعرض… وكمان البت نرمين اللي شغالة في المكتبة دي ما انتِ عارفاها… بتحكي لي عنه وعن أخته."
هاجر:
"آه… طيب يلا بينا يا أختي أحسن اتأخرنا وأمي حتعمل لي مشكلة."
رحمه:
"حاضر حاضر أهو."
توجهت الفتاتان نحو بيوتهن، وطارق كعادته لم ينتبه لرحمه مطلقاً، فقد تركزت عيونه فقط على بيت هايدي، ربما يستطيع أن يلمح طيفها.
رواية ذكريات مجهولة الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب
بيت طارق….
صف سيارته أمام البوابة الخارجية ثم دلف إلى داخل البيت لتتفاجئ والدته بمجيئه مبكرًا لتقترب منه فَرحة بقدومه.
أم طارق: معقول دة…. جاي بدري….؟!!
طارق: إيه رأيك…. مبسوطة….!!؟
أم طارق: أوى أوى…. تعالى أقعد….
جلس طارق إلى جوار والدته محاولاً التطرق إلى الموضوع الذى أتى به مبكرًا للحديث بخصوصه مع والدته.
طارق: ماما…. أنا عايزك فى موضوع مهم….
أم طارق: خير يا أبني…. أنا قلت برضة مجيتك بدري دى وراها إنّه….
طارق ضاحكًا: لا لأ متخفيش…. أنا جاي لك أكلمك فى موضوع جواز….
أم طارق: جواز مين….؟! أوعى تكون نويت خلاص….!!
طارق: أيوة….
أم طارق: ومين بقى سعيدة الحظ…. ولا أدور لك أنا….!!؟؟
طارق: لا…. ولا تدوري ولا حاجة…. أنا عايز نطلب بنت جيراننا إللي فى البيت إللي فى وشنا ده….
ام طارق: مين…. (هايدي)..؟!!
طارق: لأ أنا معرفش إسمها…. ولا أى حاجة عنها….
أم طارق: طيب إيه رأيك لو نزورهم ونتعرف عليهم ولو عجبتنا نطلب إيديها ..؟!
طارق: كويس أوى….توكلى على الله…. أقوم أنا أستريح شوية فوق….
ام طارق: وأنا حكلم (هدى) نتفق معاها عشان تيجي معانا….
طارق: روحوا إنتوا الأول وشوفوا الدنيا ولما يوافقوا مبدئيًا أروح أكلم والدها….
أم طارق: وماله…. أشوف (هدى) ونتفق….
طارق: زى ما تحبي….
إتفقت والدة طارق مع أخته هدى للتحضر لزيارة جيرانهم. كما إتصلت بـ جيهان والدة هايدي وأخبرتها برغبتها بزيارتها هى وإبنتها فى اليوم التالي.
___________________________________________
هاجر…
إضطرت هاجر لمقابلة عمتها وإبنها خالد بناء على رغبة وإجبار والدتها لها رغمًا عنها، مجرد زيارة عائلية معتادة إلى أن بدأ خالد بعرض طلبه مرة أخرى بالإرتباط بها ورغبته الشديدة بالزواج منها وسط ترحيب شديد من والدتها وعمتها.
إنتفضت هاجر كمن لدغها ثعبان فهي لا تستطيع…. لقد أحبت عبد الله بصدق ولن تستطيع أن ترتبط بخالد وتتزوجه ومازال حبها لعبد الله الغائب يدب فى قلبها….
فما كان منها إلا أنها لابد وأن تتهرب من الزواج من خالد بأى صورة.
هاجر بضيق: لا يا (خالد)…. أنا…. لسه قدامي سنة فى الدراسة وكدة…. مش حينفع….
خالد: طيب نعمل خطوبة مثلاً ولما تخلصي نعمل الفرح….
دارت هاجر بعيونها بينهم جميعًا محاولة وجود أى مخرج من هذا المأزق الذى وضعت به دون مخرج.
هاجر: طيب أصبر على موضوع الخطوبة دة شوية…. عندى إمتحانات ومش عايزة أتعطل وأنشغل عنها وكده…. نتكلم لما أخلص الإمتحانات الأول ونشوف….
نظر خالد بإمتعاض نحو والدته وزوجة خاله فقد كان أمله فى أن تتم خطبتهما اليوم وتوافق هاجر على الزواج منه.
خالد بضيق: إللى تشوفيه يا بنت خالي….
لتمر الزيارة ببطء حتى تنصرف عمتها وإبن عمتها دون الإرتباط بموعد رسمي لإرتباطهم مما سبب الضيق مرة أخرى لهم ولوالدتها ولكنهم سيحددوا موعد خطبتها بعد إنتهائها من إمتحانات منتصف العام الدراسي.
لم يكن إنجازًا صريحاً لها لكنها على الأقل إستطاعت مماطلتهم لشهرين حتى تجد عذرًا مناسبًا للرفض فى المرة المقبلة.
__________________________________________
المستشفى….
سلمى: أديني خلصت مناوبتي أهو…. كملي بقى بعد ما رحتي لخالك عمل إيه….؟!!
(نهال) ساخرة من نفسها ومن رد فعل خالها وزوجته.
نهال: أول ما رحت له ولا هو ولا مراته عرفوني أصلاً…. ما أنا مبقتش البنت الصغيرة إللى رموها بعيد عنهم…. لما عرفتهم بنفسى تخيلي كان ردهم إيه….!!!
سلمى: إيه….؟!
نهال: قالولي إنى خدامة وإنهم يستعروا يعرّفوني بالناس حواليهم عشان جاهلة وبشتغل خدامة…. وإن أنا ماليش مكان عندهم…. طردوني فى الشارع….
سلمى: يا خبر….. وبعدين…. رحتي فين….؟!
نهال: تخيلي إنتِ…. ولا ليا أهل ولا ليا بيت ولا معايا فلوس وماشيه فى الشارع…. عشت فى الشارع…. كرهت نفسي وكرهت حياتي…. نفسي إتسدت أكتر حتى لو لقيت أكل وأصلاً مفيش أكل…. جالي المرض وبقيت شبه المومياء وأنتِ شفتى وزني وشكلي كنت عامله إزاى…. ناس طيبين لقونى تعبانة كدة جابوني هنا فى المستشفى مستنيه الصدقة عشان أتعالج….
تأثرت نهال بذكرياتها وصعبت عليها نفسها وما مرت به، كم كانت الدنيا قاسية بأيامها عليها لم تكن حنونة ولم ترق لها.
ربما إنهالت دموعها بصمت رقًا على حالها وما آلت إليه لكن الدنيا لم تلوث برائتها وطيبتها لتبقى كالؤلؤة وسط غطاء قاسي يسمى بالذكريات.
عبرت عن قصتها وأيامها بكلمات لكنها كانت سنوات وسنوات.
سلمى: إنتِ أقوى بنت شفتها فى حياتي…. وعندى يقين إنك أكيد حتبقي حاجة تانية ومش حتستسلمي أبدًا…. لازم يا (نهال) تبدأي حياة أنتِ القويه فيها….
نهال بيأس: طب إزاى وأنا أصلا مش عارفة يوم ما حخرج من هنا حروح على فين….؟؟
أنا لا ليا بيت ولا شغل ولا تعليم…. للأسف يوم ما حخرج من هنا مفيش قدامي إلا انى أكون خدامة بس المرة دى حيبقي بإختياري….
تساقطت دموعها على وجهها تتلاحق وتعلن هزيمتها أمام عقبات الدنيا.
إنتبهت سلمى لما قالته لها نهال من قبل بخبرتها بالكمبيوتر.
سلمى: لأ على فكرة…. انتِ كنتِ بتقولي إتعلمتي حاجات كتير بالكمبيوتر…. ليه متكونش دى بدايتك….!!!
(نهال) بإنتباه وهى تمسح دموعها بأطراف أصابعها ناظرة نحو سلمى بإهتمام بالغ.
نهال: إزاى يعني….؟!! أنا حتى مش معايا شهادة بكدة….!!!
سلمى: موضوع الشهادة دة أسهل حاجة…. أنا عمي عنده مركز كبير لتعليم الكمبيوتر والبرمجة وممكن أسأله لو ممكن تمتحني وتاخدي شهادة من عنده…. كمان حجيب لك اللاب توب بتاعي تعملي عليه الشغل وممكن تلاقي شغل فى كدة….
نهال بغير تصديق: ممكن بجد….؟!! وأحقق حلمي….؟؟!!
سلمى: طبعًا…. وأنا حساعدك كمان….
نهال: مش عارفة أشكرك إزاي يا (سلمى)….
سلمى: قلت لك إحنا إخوات…. مفيش بين الإخوات شكر…. أنا حقوم أروّح بقى وأسألك عمي وأجيبلك كل التفاصيل….
نهال بسعادة: ربنا يخليكِ ليا يا رب….
تركتها سلمى لتشعر بالتفاؤل لبداية حياة جديدة ربما تغير حياتها للأبد ووقتها تستطيع إيجاد الفرحة الغائبة من جديد.
____________________________________________
اميمه…
ربما عملها اليوم لم يكن كثيفًا أو شاقًا ومرهقًا بقدر ذلك الألم الذى إحتل قلبها من جديد بعدما ظنت أنها نسيته.
ذلك اليوم الذى قلب حياتها رأسا على عقب.
تمنت ليلة سعيدة للسيدة توتشا وسيلا لتحمل يامن النائم فوق كتفها لتضعه بفراشه وتدثره جيدًا بغطاءه مُقبلة جبينه بحب قبل أن تملس بحنان فوق شعره الأسود الناعم وهى ترى به ملامح علاء كاملة حتى تلك العلامة الغائرة بأسفل ذقنه كطبع للحسن.
كان صورة مصغرة منه…. أخذت تملى عينيها المشتاقين له لتسقط دمعتها الحارة مغلقة عينيها لتحل ذكرى ذلك اليوم المشؤوم أمام عينيها بألم.
((حضرت “أميمه” كعكة الشوكولاتة التى يحبها “علاء” جالسة فى إنتظار عودته .. حين توالت بعض الرسائل على هاتفها أسرعت تتناوله بين يديها لربما يكون “علاء” قد أرسل لها رساله ما …
لكنها صدمت صدمة لم تتوقعها أبدًا حين قرأت أول رسالة من رقم غريب ينعتها بالمغفله …” يا مغفله …. جوزك بيخونك … فوقي لنفسك ..”
ضربات قلبها كانت ردها الوحيد لتهوى بخوف وتبتلع ريقها بألم وهى تقرأ الرسالة التالية …
“حضرة الضابط المحترم بيقضى ليلة عسل فى فندق **** لو مش مصدقة شوفي الصورة دى …”
وقبل أن تنهى الرسالة وقعت عيناها على صورة “علاء” بصحبة إحداهن يقفان أمام مكتب الإستقبال بأحد الفنادق ….
لم تستطيع تمييز من هي تلك المرأة التى تصاحب زوجها فقد كانت الصورة ملتقطة من الخلف لكنها تدرك تمامًا أن هذا هو “علاء”…
إرتجاف جسدها ودقات قلبها المتسارعة وشعورها بالإختناق الذى سيؤدى بحياتها الآن….
لتكمل قراءة الرسائل وقد أصابها الدوار وشعرت بأنها مغيبة عن الواقع …
لتقرأ آخر رسالة قبل أن تتحسس رقبتها وتسحب روحها وكأنها تحتضر الآن …
.” الفندق فى العنوان دة … إتاكدي بنفسك … جوزك بيعيش قصة حبه القديم وأنتِ ولا إنتِ هنا … فاعل خير …”
لتهمس “أميمه” دون وعى منها.
اميمه: حبه القديم…. مين حبه القديم…. مين….؟!!
وقفت تترنح بغير تصديق…. لابد أن لذلك تفسير الآن.
اميمه: لأ…. لأ…. “علاء” بيحبني…. ومبيحبش غيري…. دة أكيد حد بيوقع بينا…. “علاء” عمره ما يعمل فيا كده…. أكيد دة مقلب أو….
أو….أو….أو … شغل…. يمكن شغل…..
مع تضارب أفكار “أميمه” قررت الذهاب للفندق للتأكد من “علاء” بنفسه لابد وأن له تفسير منطقى لهذه الصورة وهذه الرسائل المقززة.
إستقلت إحدى سيارات الأجرة متجهة نحو الفندق وهى تحاول تمالك نفسها لكن قلبها يستعصى عليها.
صعدت نحو الغرفة التى تعلم رقمها بالتأكيد فقد أرسلها لها فاعل الخير أيضًا.
لم تواجه أى صعوبة فى الصعود نحو الغرفة لتقف قباله الباب رافعه قبضة يدها مترددة فى أن تطرق باب الغرفة.
لتراجع الأمر بداخل نفسها لتنهر نفسها على رد فعلها المتسرع.
فربما هو ليس بـ “علاء”…. أو حتى إذا كان هو ربما هذا عمل ما بالشرطة وستفسد عليه الأمر.
تراجعت “أميمه” عن طرق الباب لكنها فى هذه اللحظة إستمعت لصوت ضحكة رقيعة من صوت نسائي يتسم بالميوعة.
تلاها حديث بصوت أنثوي خليع…
” يلا بقى يا (علاء)…. دة إنت حتى ضابط ومواعيدك مظبوطه متأخر عليا ليه….؟!!”
خنجر قاتل طعن بقلبها…. هل هذا علاء خاصتها….. أتقول ذلك لزوجها هي….
لتتقدم بقوة طارقة الباب متأملة بأن تجد شخص آخر غير الذى تتوقعه.
لتقع كل آمالها أرضا حين فُتح الباب لتجد “هند” إبنة خالته والتى تعلم جيدًا مقدار حبها له ترتدي روب حمام بينما يظهر “علاء” مرتديًا سرواله القصير عاري الصدر خارجًا من المرحاض للتو معلقًا عيناه بـ”أميمه” التى إتسعت حدقتاها عن آخرهما بغير تصديق لما تراه من مشهد يغثى الروح والقلب.
“خااااائن”
هكذا وصفته بداخل نفسها دون التفوه بحرف واحد.
إضطراب تنفسها أشعرها بأنها على حافة الموت.
قلبها لن يتحمل رؤيه خيانته لها بهذه الصورة.
لو ألف شخص أقسم لها على خيانته ما كانت لتصدق.
أتبكى أم تصمت…. أتصرخ أم تبتلع كلماتها.. أتبقى وتعاتب… أم وجب عليها الرحيل….
عدة دقائق تمر وسط حالة من الذهول والألم.
نظراته لها و نظراتها له.
إرتجافها الواضح والدوار الذى أصاب رأسها.
تتمنى لو أنها فى كابوس ما وستستيقظ منه.
لكنها لا تستيقظ.
نظرت له بعيون منكسرة غير مصدقة.
إنتظرت أن يفسر لها…. أن يتكلم…. أن يدافع عن نفسه.
لكنه صمت.
لم تجد سوى كلمتين رددتهما بشق الأنفس تكاد الكلمات أن تأبى على الخروج من شفتيها.
اميمه: ليه….ليه يا “علاء”…. طلقني…. طلقني….!!!
لم تنتظر رده أو رد فعله لتركض خارج الفندق مستقلة إحدى سيارات الأجرة عائدة لشقتها لتضع كل ملابسها بسرعة بأحد الحقائب وتذهب بعدها مباشرة إلى شقة والديها.
لم تستطيع شرح ما حدث لكن مظهرها يوحي بأن شئ عظيم قد حدث.
هي تعلم جيدًا قوة “علاء” ونفوذه وقدرته على الوصول إليها فهو يعمل بمكتب الوزير لتقرر بسرعة أن ترحل مبتعدة دون أن يعرف أحد مكانها حتى تغيب تمامًا عن “علاء” ولا يستطيع تتبعها.
حتى إطمئنانها على والديها خلال تلك السنوات كان بدون أن تبلغهم عن مكانها إطلاقًا حتى لا يحاول الوصول إليها.
إستطاعت أن تحصل على فرصة لسفرها لتركيا كسائحة لتعمل هناك وتغير تأشيرتها من السياحة إلى العمل لتبقى بداخل تركيا دون أن يعلم أى شخص عنها أى معلومة قط ولا حتى والديها.
إستطاعت أن تحصل على فرصة لسفرها لتركيا كسائحة لتعمل هناك وتغير تأشيرتها من السياحة إلى العمل لتبقى بداخل تركيا دون أن يعلم أى شخص عنها أى معلومة قط ولا حتى والديها.
غفت اميمه ومازالت دمعتها تتعلق بأهدابها الطويلة فمتى ستنساه…. متى….؟!!
___________________________________________
علاء….
حضر علاء كل ما يلزم لسفره إلى فرنسا بصحبة الوزير ليستقل الطائرة مع طاقم الحراسة الذى يتابع عمله بينما ترائى له خيال معشوقته أميمه.
لم ينسى أبدًا وجهها الباكي فى تلك الليلة المشؤومة التى لم يراها بعدها. يتمنى لو أن الزمن يعود به ليصلح ما فعله وتعود أميمه إلى أحضانه مرة أخرى.
لكن كيف وقد إختفت منذ خمس سنوات دون أى أثر لها.
حاول البحث عنها بكل مكان وكل محافظة لم يجدها أو يجد لها أثر قط.
لكنه يعيش فقط لأجل أن يراها ويلتقى بها ، ووقتها فقط سيشرح لها كل شئ وأنه لم يخونها قط وأنه لم يحب ولم يعشق سواها.
هى فقط ياسمينة قلبه.
___________________________________________
فى اليوم التالي.
مر اليوم روتيني على الجميع حتى حل المساء.
كان معظمهم يكمل يومه كباقي الأيام وبعضهم يتحفز لتغييره.
بيت طارق….
أم طارق: يلا يا (هدى)…. حنتأخر على الناس كدة….!!
هدى: خلاص أهو يا ماما…. خلصت…. يلا بينا….
ام طارق: هاتي بنتك دى وافتحي إنتِ البوابة أصل أنا مبعرفش أفتحها….
هدى: طيب…. خدى….
وأعطت هدى إبنتها الرضيعة لوالدتها لتحملها عنها.
هدى: هو البواب ومراته حييجوا إمتى بقى ويريحونا من فتح وقفل البوابة دى ومراته ترجع تساعدك فى شغل البيت….؟!!
ام طارق: أنا عارفة بس إيه اللى آخرهم كدة….!!
هدى: ما هو لازم برضه تجيبي حد يقعد معاكِ ويخدمك يا ماما…. إنتِ طول اليوم لوحدك فى البيت الكبير دة…. و(طارق) دايمًا بييجى متأخر….
ام طارق: ربنا يسهل له الحال ونتم موضوع جوازه دة على خير وتيجي إللى تونسني بدل قعدتي لوحدي….
هدى: تونسك ماشى…. بس إنتِ كدة كدة محتاجه حد يقضى طلباتك…. دة حتى أنا ساكنه بعيد أوى عنك….
ام طارق: إن شاء الله (أم فتحى) ترجع هي وجوزها قريب…. خدي بقى بنتك دى….
هدى: هاتيها….
ناولت والدة طارق الرضيعة لهدى وتوجهوا إلى بيت جيرانهم.
بيت معروف….
دق جرس الباب وقامت جيهان والده هايدي بفتحه مرحبة بضيوفها.
جيهان: أهلاً أهلاً إتفضلوا….
(ام طارق) وهى تدلف إلى داخل البيت.
ام طارق: أهلا بيكِ حبيبتي….
أشارت لهم جيهان بالتقدم نحو الصالون ليتبعاها ليجلسوا جميعًا لتتطرق أم طارق للحديث على الفور.
ام طارق: معلش أعذروني بقى فى التقصير فى الزيارات أصل إحنا مش بنخرج من البيت كتير….
جيهان: المهم إنكم شرفتونا النهاردة….
كانت جيهان من الذكاء لتدرك مغزى زيارة أم طارق وابنتها لهم اليوم لتستقبلهم بالترحاب الذى يليق بهم.
تقدمت بعد قليل الخادمة تحمل صينية كبيرة وضع عليها حلوى لذيذة وكؤس العصائر لتضعهم على المنضدة أمامهم.
جيهان: إتفضلوا إتفضلوا….
ام طارق: شكرًا….
خطوات تقترب ليلتفت لها الجميع قاطعين حديثهم الذى بدأ للتو لتطل هايدى بزينتها وملابسها المبالغ فيها كعادتها فى التأنق.
مالت هدى على أذن والدتها هامسة.
هدى: هي مالها عامله زى العروسة الحلاوة كدة….؟!!
ام طارق وهى تنكزها فى ذراعها.
ام طارق: بس…. إحنا ما صدقنا أخوكِ قال يا جواز….
ثم إستدارت لترحب بـ هايدى بإبتسامة عريضة بينما تصنعت هدى إبتسامة زائفة على محياها مجاملة لها.
أم طارق: ده إيه القمر ده بس…. ما شاء الله يا مدام (جيهان)…. (هايدي) ما شاء الله عليها قمر والله….
(جيهان) بغرور من التباهي بجمال ابنتها.
جيهان: (هايدى) دى أجمل بنات العيلة كلها…. مش عشان بنتي لأ…. هى فعلاً كدة….
أم طارق: طبعًا طبعًا…. ما شاء الله عليها….
سلمت هايدي عليهم وجلست إلى جوار والدتها وفى نفس الوقت بالقرب من هدى.
كانت أطراف الحديث عامة ومختلفة حتى حانت اللحظة المناسبة فوضعت أم طارق كأسها على المنضدة وتوجهت بكلامها نحو والدة هايدي.
ام طارق: والله إنتوا خير الناس وإحنا جايين النهاردة نطلب إيد (هايدى) لإبني الضابط (طارق)….
(جيهان) بتفاجئ مصطنع وهى توارى إبتسامتها خلف قناع التروى.
جيهان: والله إنتوا فاجأتونا النهاردة…. بس ونعم النسب طبعًا…. بإذن الله نقول لـ(معروف) هو زى باباها طبعًا وهو إللي متولى أمورها ونفكر ونبلغكم….
ام طارق: بإذن الله ولما يحصل نصيب بإذن الله (طارق) ييجى يطلب إيد (هايدي) رسمى من باباها….
جيهان: إن شاء الله….
ام طارق: نستأذنكم بقى وفى إنتظار إتصالكم إن شاء الله….
جيهان: شرفتونا…. إن شاء الله خير…. مع السلامة….
إصطحبت جيهان وهايدي أم طارق وهدى لتوديعهم بينما مالت هدى مرة أخرى على والدتها وهى ترسم إبتسامة مصطنعة نحوهم وهى تلوح لهم بيدها مودعة.
هدى: ماما…. مش عارفة ليه (هايدي) دى مش نازله لي من زور….
ام طارق: ليه بس…. دى شكلها بنت ظريفة كويسة…. هى أينعم متكلمتش كتير بس شكلها كدة….
هدى: بالعكس حسيتها مغرورة ومتكلفة كدة….
ام طارق: بلاش تظلميها يا بنتي…. هو إحنا لسه عرفناها….
هدى: على العموم كل حاجه بتبان مع الأيام…. ربك خلاف الظنون…. المهم (طارق) أخيرًا حيخطب….
رواية ذكريات مجهولة الفصل العاشر 10 - بقلم قوت القلوب
أنهى هشام قراءة دفتر الذكريات ليجد آخر صفحة مكتوب بها بعض الكلمات.
"لا أعلم هل أنت يا دفتري من يحمل همي ويخفف عني أم أنت ذكرى دائمة لكل أوجاعي. لكنني لا أريد حزن وألم بعد اليوم، لهذا أودعك إلى الأبد يا دفتري العزيز. (نهال)"
ومن هنا فهم هشام لم وجده الأطفال ملقى بالطريق. ربما لأن نهال شعرت بأن هذا الدفتر هو الشئ الذي يذكرها بأحزانها فقررت التخلص منه.
أمسك هشام بالدفتر وكتب في الصفحة المقابلة لهذه الكلمات:
"ربما ألقيت بهذا الدفتر حتى آخذه أنا. كم أود فعلاً رؤيتك والتقرب منك، كم أشعر بأنك قريبة جدًا مني. أتمنى أن يكون لقاءنا عن قريب. (هشام)"
وضع الدفتر على المنضدة ممسكًا بالكاميرا الخاصة به وخرج من الفندق ليكمل بحثه ليجمع العديد من المعلومات ليقوم بهذا السبق الصحفي الذي طالما انتظره وكم يشعر بأنه اقترب مما يريد.
***
كـ يوم عادي بالنسبة لعماد، يتأخر به دومًا في العمل أو في أي مكان متواجد به، فهو لا يحبذ بقاءه بالبيت مع حوريه.
وبعد انتهائها من روتين عملها اليومي بالتنظيف المرهق، حتى مع نظافة البيت خوفًا من عماد، لكنها هذه الأيام لا تستطيع إكمال ما تفعله بسبب تلك الآلام التي تجتاحها بجانب بطنها يوميًا.
تجاهلتها عمدًا مع تناول بعض الأقراص المسكنة. جلست براحة في بُعدها عنه، فهي لم تشعر يومًا بحنينها له أو اشتياقها له بغيابه، بل على العكس تشعر بالراحة عندما لا يكون متواجدًا.
جلست لتشاهد فيلمًا جديدًا حتى اقتربت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. شعرت حوريه بالنعاس فتوجهت إلى غرفتها للنوم. ارتدت جلبابًا قصيرًا لونه أحمر قاتم واستلقت على السرير وذهبت في نوم عميق.
بعد عدة ساعات، كانت أنوار الفجر تتكشف عندما عاد عماد إلى البيت. صعد إلى الدور العلوي وتوجه نحو غرفة نومهم. فتح الباب ليجد حوريه مستغرقة بنوم عميق، مما زاد من جمالها الساحر، خاصة مع ارتدائها هذا الجلباب القصير الذي زادها نعومة وأنوثة.
تقدم نحوها عماد ليشدها ناحيته ويقترب منها بقوة، ولم يستطع تمالك نفسه أمام جمالها الرائع. كانت حوريه مستغرقة بنوم عميق، استيقظت وهي مازالت النعاس يداعب جفونها على جذب عماد إليها بقوة.
كالعادة، كما مر عليها الموقف مرات عديدة، أخذ عماد مراده منها ثم يرتمي على جانبه مستغرقًا فورًا بالنوم دون حتى أن يبدل ملابسه.
بينما جلست حوريه بصمت مؤلم وقد جافا عيناها النوم أثر ما فعله للتو، وهو لا يكترث أو يهتم لها حتى ولو بكلمة. نعم زوجها وله حق عليها، لكنها تشعر بأنها لا تفرق معه نهائيًا، بل كأنها ليست بشر تشعر وتتألم، بل يعاملها كعروس بلاستيكية جميلة يضعها بهذا البيت الكبير، يهتم بجمالها وملابسها فقط لا غير، ولا يهتم أبدًا لإنسانيتها أو مشاعرها.
جلست على طرف السرير وبدأ ألم بطنها يزداد عليها مرة أخرى. تحملت آلامها وصمتت. سقطت دمعتها لتؤنسها. حاولت حوريه تناسي حزنها ونامت، أو بمعنى أدق ادعت النوم، فربما تنام وترتاح.
***
إنتهت تلك الليلة الطويلة ليغدو الصباح بسماء صافية وأجواء باردة.
نظرت نهال نحو الطريق الذي يزدحم وقت الذروة بالسيارات وضجيجها وانشغال المارة بطريقهم وحياتهم. ظلت تراقب هذا وذاك وهي تتخيل لكل منهم قصة حياة وإلى أين يذهب.
سمعت طرقات على باب الغرفة لتنتبه نحو الدالف إليها باهتمام.
الممرضة: صباح الخير يا نهال. جاي لك بوكيه ورد.
نهال: ورد. ليا أنا؟ لا طبعًا أكيد غلطانة في الاسم ولا حاجة. اتأكدي تاني؟
الممرضة: لأ. ليكِ انتِ مخصوص. ورد أبيض لـ نهال ناصر.
هرولت نهال مسرعة نحو الممرضة لتحمل من بين يديها باقة الزهور بغير تصديق. أهناك من يرسل لها هذه الزهور؟ أيعقل بأن هناك من يهتم بأمرها ويفكر بها؟
تمعنت كثيرًا بجمالها ونعومتها ورائحتها الذكية التي ملأت نفسها. احتضنتها وكأنها تعانق المشتاق لأهله بعد غربة طويلة.
وجدت بطاقة صغيرة موضوعة بالباقة لتمسك بها وتقرأها لتهيم نفسها بسعادة لم تشعر بمثلها أبدًا. كم لهذه الزهور البسيطة أن تترك مثل هذا الأثر في نفس نهال.
وضعت باقة الزهور أمامها وظلت تنظر إليها بفرحة كبيرة لمدة طويلة لدرجة أنها حفظت أشكالها عن ظهر قلب.
***
يومان من العمل الروتيني للحفاظ على أمن الوزير خلال زيارته إلى فرنسا ومازال متبقي أربعة أيام أخرى، لكنه بدأ يصاب بالضجر والعصبية لبعده عن وطنه ليصب غضبه على مجموعة العمل مرهقًا إياهم أكثر وأكثر.
أحمد: بالراحة شوية يا علاء. الناس جايبه آخرها. حصل إيه بس؟
علاء: مخنوق يا أحمد. مخنوق. عايز أرجع مصر.
أحمد: وراك إيه هناك ما هو شغل زي ده؟ إيه الفرق يعني؟
علاء: أنت مش فاهم حاجة.
أحمد: فهمني.
علاء: طول ما أنا في مصر جوايا إحساس أني ممكن أقابلها ولو صدفة. لكن أنا هنا بعيد. بعيد أوي.
أحمد: أما أنت غريب أوي. لما أنت بتحب مراتك أوي كده، سبتها ليه؟
علاء: كانت ظروف وخلصت. ونفسي ألاقيها تاني. حتى أهلها لا بتزورهم ولا بيزوروها.
أحمد: مسيرك تلاقيها.
علاء: يا رب. مش عارف ليه قلبي مقبوض. حاسس إنها فيها مشكلة.
أحمد: إن شاء الله تكون بخير. اهدى أنت بس وخف على الناس. هم كمان كل واحد فيه اللي مكفيه.
***
هرولت أميمه باضطراب أربكها وتلك عادتها عندما تقع بمعضلة ما دون سابق ترتيب ومعرفة يصيبها الارتباك والخوف.
أميمه: أبلة توتشا. بسرعة الله يكرمك.
توتشا: متقلقيش يا أميمه. بسيطة إن شاء الله.
سيلا: يلا يا أميمه. ضيا جه ومعاه العربية وواقف بره.
أنهت سيلا جملتها لتجد ضيا يقف أمام أميمه متفحصًا إياها بعينيه القلقتان.
ضيا: ماله مينو يا أميمه؟ حصل إيه؟
أميمه بخوف: تعبان أوي وداخ ووقع مني في الأرض. أنا خايفة لا يجرى له حاجة.
ضيا مطمئنًا: متخافيش. حيبقى كويس خالص.
مد ضيا ذراعيه ليحمل يامن بخفة متعديًا توتشا وسيلا ليخرج من البيت متجهًا نحو سيارته لتتبعه أميمه بقلق ليستقلوا جميعًا السيارة متجهين نحو المستشفى.
فحص الطبيب يامن ليطمئن أميمه بأنه بخير ولا يعتريه أي مرض بالمرة، لكنه ضعيف جدًا ويحتاج إلى رعاية وتغذية مناسبة لسنه.
بعدما اطمئنت أميمه على حالة يامن، التفتت لتشكر ضيا على إزعاجهم له بهذا الوقت المبكر.
أميمه: شكرًا يا ضيا.
ضيا: مفيش داعي لكل ده. إنتِ ليه يا أميمه عاملة فرق كده؟ يامن ده زي ابني بالظبط.
أميمه: حقيقي أنت إنسان رائع يا ضيا. بجد.
ضيا: متتصوريش إنتِ ويامن عندي إيه. إنتِ بـ.
ارتبكت أميمه من طريقة ضيا بالحديث ونظراته المثبتة نحوها لتقطع حديثه على الفور.
أميمه: شكرًا مرة تانية. إيه يا سيلا؟ مش نروح بقى؟
وجهت أميمه حديثها إلى سيلا التي مازالت تقف هي والسيدة توتشا مع الطبيب للاطمئنان على يامن وسؤاله عن طريقة التغذية المناسبة له.
سيلا: تمام. يلا.
ليضطر ضيا مرغمًا على الصمت مرة أخرى وهو يصطحبهم جميعًا نحو منزل أميمه مرة أخرى ليعقد العزم بداخله على اختيار وقت مناسب لمصارحة أميمه برغبته بالزواج منها ويتحمل نتيجة ذلك على أي حال، فهو لن يقف دومًا هكذا معلقًا لا هو بالقريب ولا هو بالبعيد.
***
سلمى: يعني إيه المتاح يا عمي؟
عم سلمى: فيه امتحان في كورس أربع خطوات. أول خطوة عن طريق الإنترنت وبعدها ثلاث اختبارات للبرمجة. لو نجحت فيهم أضمن لك صاحبتك دي تلاقي شغل فورًا في شركات كبيرة. وممكن كمان تشتغل في مكاتب الكمبيوتر والترجمة.
سلمى: كويس أوي. هي مش محتاجة أكتر من كده.
عم سلمى: تعرفي لو فعلاً شاطرة زي ما بتقولي ونجحت في الامتحانات الصعبة دي، أنا بنفسي هرشحها لشركات معروفة طالبة متخصصين في المجال ده.
سلمى: بجد. يا ريت.
عم سلمى: بس الاختبارات دي حتكلفها شوية.
سلمى بتوجس: كتير يعني؟
عم سلمى: أيوة. لأن الشهادة عندنا معتمدة دوليًا كمان.
سلمى بتفكير: طيب بص يا عمي. أنا حتكفل بالفلوس دي ومتقولهاش هي حتتكلف كام.
عم سلمى: طيب ليه؟
سلمى: أصل ظروفها وحشة جدًا. دي كمان تعبانة وبتتعالج في القسم الخيري بتاع المستشفى.
عم سلمى: لو كده. أنا حقسم معاكِ أنتِ النص وأنا النص. أنتِ عارفه إن ليا شركاء هنا ومينفعش أعملها الاختبارات دي مجانًا.
سلمى: كده كويس أوي. شكرا يا عمي.
***
(عماد) بحده وهو يلقي إليها تعليمات بمهامها اليوم كقائد الكتيبة الذي يملي أوامره العسكرية على مجنديه.
عماد: وأبقى أرجع بقى بالليل وألاقي حاجة ناقصة أو مش مظبوطة من اللي قلت لك عليه. فاهمه.
أومأت حوريه رأسها عدة مرات بسرعة وهي مسلطة عينيها المذعورتان بخوف على عماد.
حوريه: بس. أنا تعبانة خالص. انت ليه مش بتجيب حد يساعدني في كل ده؟
أثارت كلمات حوريه حنقه وغضبه ليطيح بها ثائرًا كمن يتصيد لها الأخطاء ليشبع رغباته بفرض سيطرته وقوته على تلك الضعيفة.
أخذ ينهرها في البداية بدفعها من كتفيها إلى الخلف بقوة قائلاً:
عماد بتهكم: إنتِ يا خدامة عايزاني أجيب لك خدامين يخدموكِ؟ إنتِ فاكرة نفسك واحدة لها قيمة وحتعملي فيها صاحبة بيت.
ليدفعها بقوة فيصطدم ظهرها بالحائط وهو يحاوطها بكفيه المغروستان بزنديها بقوة.
عماد: اتقي شرّي أحسن لك. ده أنا لسه الفلوس اللي اشتريتك بيها مخدتش بيها حقي. وبقولك أهو لو فضلتِ على طريقتك دي هزهق منك وساعتها متفتكريش إني هسيبك كده بالساهل. لااااااااا. ده أنا هاخد روحك الأول.
حوريه بارتجاف: هو أنا عملت لك إيه؟
عماد بتقزز: إنتِ متقدريش تعملي لي حاجة أصلاً. غورى بقى من وشي عكننتي مزاجي على الصبح.
أبعدها عن طريقه لتصطدم يده بأحد الأكواب الزجاجية الموضوعة فوق منضدة الطعام فتسقط متحطمة على الأرض بدوي مفجع. انتبه له كلاً من عماد وحوريه.
ابتعدت حوريه بضع خطوات حتى لا تصيبها شظايا الزجاج المتبعثر بجروح ليصرخ بها عماد بحدة.
عماد: إنتِ حتقفي تتفرجي؟ انزلي لمي الإزاز ده بسرعة من الأرض.
حوريه: حاضر. حروح أجيب حاجة ألمه فيها.
عماد ساخراً: خايفة على إيدك السوليتير لا تتخدش ولا إيه؟
ثم صرخ بها بغضب:
عماد: انزلي لميه كله بإيدك. حاااااالا.
دفعها عماد من كتفها للأسفل لتجثو تلملم بقايا الزجاج المتهشم بيديها لتجرح أطرافه الحادة أصابعها وتختلط القطع بقطرات الدماء المتساقطة من يدها لتعلو ابتسامة عماد الشامتة سعيدًا بقهرها أمامه بتلك الصورة.
تركها عماد ليحطم ما تبقى من كرامتها المهدورة معه متجهًا إلى عمله موصدًا خلفه البوابة بالمفتاح ككل يوم.
***
أنهت الفتيات محاضرتهن للتو ليخرجن جميعًا من المدرج ليقفوا لبعض الوقت يتجهزون للمحاضرة التالية حين أقبلت هايدي نحوهن بغرورها الصاخب وتأخرها المعتاد.
هايدي: إزيكمو.
رقيه: إنتِ فين يا بنتي؟ دايما متأخرة كده.
هايدي بغرور لتكيد برحمة وهاجر: عروسة بقى.
رقيه باندهاش: عروسة؟ إزاي ده؟ وحصل إمتى؟
هايدي: لسه كلام. مستنيين موافقتي بس. أهله جم وطلبوني وأنا. لسه بفكر.
رقيه: ومين بقى سعيد الحظ؟
هايدي: الضابط طارق. جارنا. ما إنتِ عارفاه يا رحمة. مش إنتوا بتشتغلوا في الشارع بتاعنا برضو؟
قالتها هايدي وهي تستفز رحمة بغرورها وتعاليها.
التزمت رحمة الصمت بعدما اعتلتها الصدمة من هذا الخبر الذي لا يصدق.
هاجر: مبروك يا هايدي.
رقيه: وإمتى الخطوبة؟
هايدي وهي تنظر نحو طلاء أظافرها بعدم اكتراث لاهتمام الفتيات بمعرفة خبر مثل هذا: مش لما أوافق الأول.
ثبتت نظرات رحمة نحو هايدي محاولة السيطرة على أعصابها ودقات قلبها المتباطئة. أنفذ الهواء من حولها. أختنق الآن.
نعم هي متيقنة من داخلها أنه لا يفكر بها مطلقًا، لكن أن يرتبط بـ هايدي، أهذا هو اختياره؟ شعرت بألم يعتصر قلبها. لم أحبته؟ لم هو بالخصوص؟ لماذا تتعذب بحبه وهو لا يدري عنها من الأساس؟
حاولت رحمة تمالك نفسها حتى لا تخونها دموعها أمام صديقاتها وهايدي بالخصوص. استطاعت بصعوبة أن تنصرف وهم غير منتبهين لها.
لكنها عندما وصلت رحمة قرابة بوابة الجامعة لحقت بها هاجر لتسألها عن رد فعلها الغريب لما حدث منذ قليل.
هاجر: مالك يا رحمة؟
استدارت رحمة نحو هاجر لتلقي بوجهها فوق كتف صديقتها وقد سالت دموعها رغمًا عنها مما أفزع هاجر لعدم إدراكها سبب هذا الحزن والانكسار الذي أصاب صديقتها.
هاجر: رحمة. فيكِ إيه؟ إيه اللي حصل؟
رحمه بانهيار: طارق حيتجوز هايدي. ملقاش غير هايدي يا هاجر! ملقاش غيرها يعني!
هاجر: رحمة. إنتِ؟ إنتِ بتحبي طارق؟
رحمه بألم: ااااه.
هاجر: للدرجة دي؟ وليه مقولتليش؟
رحمه: أنا حبيته غصب عني. حبيته من غير ما أحس. حاسة إني ضعيفة أوي. بس خلاص ولا عمره حيحس بيا. خلاص ضاع مني.
هاجر: بس إنتِ قوية. متخليش الموضوع ده يكسرك كده.
رحمه: حاسة إني مخنوقة أوي. كأني حموت يا هاجر.
هاجر: حاولي تمسكِ نفسك بس. مينفعش كده. يلا نطلع بره الكلية.
انصاعت رحمة لـ هاجر لتخرجا من الجامعة مبتعدين عنها حتى تهدأ رحمة من انفعالها المفاجئ بصدمتها من فقدانها لأملها بأن يشعر على الأقل بوجودها.
***
عزوز: والله فرحت لك وايد يا عبد الله. والله إنك طيب وتستاهل الخير.
عبد الله: عقبالك يا عزوز.
عزوز: ما أدري كيف. بس والله بشيب بالحبس يا رجال. بس ما أدري يمكن يوم أقدر أسوي كيف ما سويت أنت.
عبد الله: كان أملي في ربنا كبير. والحمد لله ربنا كرمني وحخرج أخيرًا من السجن.
عزوز: ما تبغى تقول وش حكايتك يا عبد الله؟
عبد الله: حكايتي. حكاية بتحصل كل يوم لناس كتير أوي. بس إحنا الناس اللي مش متشافين يا عزيز. أنا واحد خلصت تعليمي بعد عذاب وقلة حيلة. ملقتش وظيفة بشهادتي اللي طلعت روحي عقبال ما أخدتها. وفي الآخر اتعرض عليا السفر بشغلانه غير مؤهلاتي خالص ووافقت وقلت أهو رزق أبدأ بيه حياتي. وظيفة سواق. مرتبها كان حلو وأحسن من القاعدة على القهاوي ولا أرجع تاني أمد إيدي لأبويا يديني المصروف.
اشتغلت عند واحد اتضح لي بعد كده إنه مهرب كبير وفلوسه كلها حرام. ولما كشفته قلت أرجع بلدي وأعيش بأي قرش حلال. لكن هو طلع ظالم كمان خاف إني أبلغ عنه. اتبلى عليا إني سرقته ورماني في السجن عشان متكلمش ومحدش ولا حيسمعني ولا حيصدقني.
عزوز باندهاش: معقول. يعني أنت مظلوم كيف ما قلت؟
عبد الله: أيوة يا عزوز. أنا مكدبتش عليك.
عزوز: وشنو ناوي فيه؟ بترجع مصر؟
عبد الله: مش قبل ما أنتقم من اللي ظلمني ورماني في السجن وحرمني من أهلي وحريتي.
عزوز: يا أخي. إن الله عفو. ارجع بلدك لأهلك وناسك.
عبد الله: لازم الأول أعلمه درس مينساهوش عمره كله. ده هو ده الأمل اللي أنا قاعد مستنيه من يوم ما دخلت هنا.
عزوز: يا شيخ. اعفو. وارجع.
عبد الله: لأ. لازم أنتقم. ومش باقي لي إلا ليلة واحدة. ليلة واحدة أقضيها هنا وأخرج للدنيا من تاني.
عزيز: ما أدري. بس نصيحة أخو: الانتقام بيصيبك أنت بناره.
***
ركض بسرعة عائدًا إلى الفندق وهو يلهث ليصعد إلى غرفته في عجالة مغلقًا الباب من خلفه مطلقًا زفيرًا قويًا أثر ركضه المتسارع.
أوصد الباب جيدًا بالقفل فهو مازال غير مصدقًا أو مستوعبًا لما عرفه للتو، فهذه المعلومات التي حصل عليها خطيرة جدًا.
(هشام) وهو يلقي بنفسه فوق فراشه واضعًا كفه فوق جبهته مزيلاً شعره المتناثر.
هشام: يا الله. ده أنا انكتب لي عمر جديد النهاردة. لولا إني عرفت أهرب من العصابة دي كان زماني في خبر كان.
أظن أني وصلت خلاص للي كنت بدور عليه.
أنهى جملته وهو ينظر نحو تلك الشريحة "الفلاشة" التي يحملها بين يديه والتي تحتوي على كل المعلومات عن هؤلاء المجرمين والتي ستفيده بالتأكيد في سبقه الصحفي الذي يسعى إليه.
نهض بسرعة لينتبه جيدًا أن عليه المغادرة فورًا تحسبًا لأن يكون قد لحقه أحد منهم.
هشام: أنا لازم أرجع فورًا.
أحضر حقيبته واضعًا بها أدواته وملابسه ممسكًا بهاتفه متصلًا بإحدى مكاتب الطيران لحجز تذكرة للعودة إلى القاهرة على أي رحلة متاحة في أقرب وقت.
هشام (بالإنجليزية): أليس هناك رحلة أقرب من تلك الرحلة فضلاً؟
الموظف: لا يا سيدي. إن أقرب رحلة متجهة إلى القاهرة هي بعد يومين.
هشام: حسنًا. فلتقم بالحجز لي من فضلك على متن هذه الرحلة تذكرة واحدة.
الموظف: حسنا يا سيدي. سيتم إخطارك بالتفاصيل عبر حسابك الإلكتروني ويتم الدفع عن طريق بطاقة الائتمان.
هشام: حسنًا. فلتقم بذلك. شكرًا لك.
الموظف: شكرًا لك.
استلقى هشام مرة أخرى على الفراش.
هشام: يومين. لازم أقعد هنا في الفندق ما أخرجش أبدًا. لحد معاد الطيارة.