تحميل رواية ذكريات مجهولة بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ليتني كنت أعيش بدون ذكرى. ليتني أُولد من جديد. ليتني أبدأ أيامي بصفحة بيضاء لم تُلوث بخطوط. فأُعيد بها ذكرياتي وأحلامي. سأرسمها حينها بعبير الفرحة. سأبنيها بركيزة من فولاذ. لن أتخلى عن بهجتي. فقط لو جائتني الفرصة. فاليوم أنا حبيسة ذكرى داخل قضبانها الحديدية. أحاطتني بسور منيع من الذكريات. أيامي تمر وساعاتي تمر. وأبقى وحدي في . فالذكريات لها قوة تحفر في القلوب. من قال إن الماضي يُنسى؟ فالذكرى تبقى ويبقى أثرها. فنظن عبثاً أنها قد مُحيت من ذاكرتنا. لكن يمر العمر والأيام. نقابل وجوهاً ونفارق وجوهاً....
رواية ذكريات مجهولة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم قوت القلوب
«عبد الله … »
بيت رحمه….
لم تستطع منع نفسها من الانتظار مرة أخرى، ناظرة من النافذة، تُمنى عينيها برؤية ولدها، فقلبها يحدثها بأنه قادم….
حاول زوجها وابنها أن يثنياها عن تلك الجلسة، لكنها أبت وقررت انتظار قدومه….
ليزفر إبراهيم بضيق، فقد عادت مرة أخرى لجلستها بانتظار عبد الله….
إبراهيم: وبعدين معاكِ بقى… ما هو طمنا عليه، وكلها كام يوم وتلاقيه هنا…
ام رحمه: قلبي بيقولي إنه خلاص جاى…
إبراهيم: طيب إستهدي بالله وإدخلي جوه من البرد…
ام رحمه: حستناه شويه بس…
إبراهيم بضيق: لا حول ولا قوة إلا بالله… أنا خلاص مش قادر عليكِ… خليكِ لما تيجي رحمه هي إللي بتعرف تقنعك… أهى خلاص على وصول….
__________________________________________
رحمه وهاجر…
في طريق عودتهما من الجامعة، ذلك الطريق الذي تقضيان به كل حديثهما لتُخرج كل منهما ما بقلبها لصديقتها…
وها هما أوشكا على الوصول باتجاه الحي الذي يقطنان به، أوقفهما وقوف سيارة تقطع عليهما الطريق، وقبل أن تصيح به أحداهما أو إنهما يتراجعان للخلف، تفاجئا بـ عبد الله يخرج لهما من السيارة بلهفة واشتباق مختلف لكل منهما…..
رحمه بتفاجئ: عبد الله…!!!! عبد اااااالله… حمد الله على السلامة يا أخويا… حمد الله على السلامة…
عبد الله: رحمه… إزيك وأخباركم إيه كلكم؟!!… وحشتيني يا بت الإيه إنتِ…
رحمه ببكاء: انت اللي وحشتني…. وحشتني أوى يا عبد الله…
لم تبالي رحمه بالمارة والطريق، فالجميع بالحي يعرفهما جيدًا، لتلقى بنفسها بين ذراعي عبد الله، مربتًا فوق كتفها بحنان، فقد اشتاق لها بالفعل… ليست هي فقط…
ليرفع عينيه باتجاه هاجر، فأخيرًا رآها بعد أيام قاحلة كانت ذكراها فقط هي التي تبعث به بريق أمل وتصبره على التحمل لأجلها يومًا….
هاجر…
ظنت لوهلة أن ما تراه هو حلم آخر من أحلامها… لم تصدق عيناها برؤيته مرة أخرى وأن هذا ما هو إلا واقع أجمل من كل الأحلام… أهذا هو عبد الله يقف أمامها بعد غياب طويل؟!!
هذا الاشتياق بعينيه حقيقته أجمل بكثير من كل أحلامها بعودته….
توقف الزمن من حولهم ليخبرها كم اشتاق لها بنظرة واحدة، لم تكن تدري وقتها أن ما تظهره عيناها ورجفتها بعودته إعلان صريح بمدى اشتياقها له دون وعي منها، لكن عبد الله أدركه على الفور ليبتسم لها ابتسامته الجذابة…
تلك الابتسامة التي تخصها هي وحدها… نعم رأيته يبتسم للكثير، إما شكر أو مجاملة وحتى بسعادة… لكن تلك الابتسامة لم تراها سوى لها فقط، وكأنه يخصها هي عن الجميع بانفعالات تظهر معها هي وليس لأحد آخر…
نَكَست عيناها بخجل عندما ابتعدت رحمه عن أخيها، وهي تدرك تمامًا أن عليها الانسحاب الآن…
رحمه: أنا حطلع أقولهم إنك جيت…. دول مش حيصدقوا أبدًا….
أسرعت رحمه نحو بيتهم لتترك عبد الله وهاجر بحرية لبعض الوقت….
عبد الله: وحشتيني يا هاجر… وحشتين جدًا…
تلجمت هاجر تمامًا لتكتفي بابتسامة فقط كرد على كلماته وإحساسه، فإضطرابها أفقدها القدرة على الكلام….
عبد الله مستطردًا: انتِ كنتِ الأمل الوحيد ليا إني أرجع….
أين ذهب كل تلك التساؤلات التي دارت بعقلها؟ أين غضبها المكنون بظنها أنه ربما ارتبط بغيرها ونسيها؟ أين لومها وعتابها له بتركه لها بهذه الصورة دون أي محاولة منه لطمأنتها عليه وعلى أحواله؟ أكُل ذلك نُسي بلحظة بمجرد عودته؟ لم تتذكر سوى شي واحد فقط…. أنها تشتاق إليه…. أنها سعيدة بعودته….
عبرات خفية تساقطت فرحًا من عينيها لتمسحها بطرف إصبعها برفق….
عبد الله: بتعيطي ليه دلوقتِ…. مش أنا خلاص رجعت…؟!! من النهاردة مفيش حزن تاني…. أنا حطلع أطمن على بابا وماما وأخواتي وعلى طول حاجي لوالدتك وأطلب إيدك رسمي وأحقق حلمي اللي كان نفسي أحققه من زمان….
هاجر: بجد يا عبد الله…؟؟؟
عبد الله: بجد يا روح عبد الله…. روحي دلوقتِ وبلغي والدتك إننا جاين النهاردة نطلب إيدك….
هاجر بسعادة: حاضر.. حاضر.. حستناك… أوعى تتأخر…
عبد الله: على فكرة أنا مستعجل أكتر منك…. إستنيني….
أسرعت هاجر نحو شقتهما لتبلغ والدتها، تاركة عبد الله يصعد لوالديه فقد اشتاق لهم جدًا…
___________________________________________
رحمه…
صعدت مسرعة نحو شقتهم تتعثر بخطواتها من شدة سرعتها…
فتحت باب الشقة لتجد والدتها جالسة إلى جوار النافذة تنتظر كالعادة عودة عبد الله….
أقبلت رحمه نحو والدتها بسعادة… عيناها تشعان بفرحة وابتسامتها تتسع الكون كله….
رحمه: ماما… ماما… عبد الله رجع يا ماما…
ام رحمه: هو فين… فين ابني… فين..؟!!
دارت أم رحمه بلهفة لتشير لها رحمه باتجاه النافذة، فتعود أم رحمه مرة أخرى ناظرة منها حتى كادت أن تسقط من النافذة فقط لرؤية طلة ولدها الغائب…
اقترب عبد الله من بيتهم ليجد والدته تنتظره تطل من نافذة شقتهم نحو الشارع، وهي تبكي فرحة لرؤية ولدها وعودته إليها….
ركض عبد الله درجات السلم مسرعًا متلهفًا بعودته إلى وطنه، فليس هناك وطن أحن من أحضان أمه… لحظة انتظرها لعام كامل… تظاهر فيها بالقوة والتماسك… اقترب من حافة الانهيار التي يحتاجها… نقطة الطمأنينة خاصته….
لحظة أن دلف من باب الشقة وجد والدته فاتحة ذراعيها في استقباله بشوق، ليركض نحوها مرتميًا باستكانة داخل أحضانها الحنونة الدافئة…. ليترك العنان لصلابته وقوته باكيًا كطفل صغير أضناه الزمن…
ربتت أم رحمه بحنو على كتفيه وهي تمسح على رأسه بتصديق أنه قد عاد أخيرًا….
ام رحمه: عبد الله… ابني حبيبتي… نور عيني… حمد الله على سلامتك يا ابني…
انحنى عبد الله يقبل يديها، لم يكن يظن أن للغربة ثمن قاسي بهذا الشكل، اعتقد أن تحمل بعده عن أحبائه أمر هين، لكن ما شعر به كان بالفعل مؤلم وقاسي غير ما توقعه بالمرة… لكنه هنا الآن بين أحبائه، فيجب أن يفرح ويفرحهم معه…
ام رحمه: كدة برضه يا عبد الله… تهون عليك أمك… كل دة غياب ومتطمنناش عليك…؟!!
عبد الله: المهم إني وسطكم دلوقتِ… سامحيني يا أمي… أمال فين بابا…؟!
إبراهيم بشوق: كنت مستني لما تخلص وتسلم على أمك…
عبد الله: بابا…!!!
ابراهيم: تعالي يا عبد الله… حمد الله على السلامة…
أسرع عبد الله نحو والده معانقًا إياه مستمدًا منه قوته مرة أخرى…
ام رحمه: زمانك على لحم بطنك… يلا يا رحمه… حضري الأكل لأخوكِ…
رحمه: حالاً يا ماما…
أسرعت رحمه نحو المطبخ لتحضر الطعام لـ عبد الله…
إبراهيم: ليه يا ابني طولت الغيبة ومطمنتناش عليك كل دة..؟!!
عبد الله: ظروف شغل خلاني غصب عني مقدرتش أكلمكم والله..
ابراهيم: وناوي تسافر تاني…؟!
ام رحمه بفزع: لا خلاص يا إبراهيم… بالله عليك كفاية كدة ما تجيب سيرة السفر تاني…
ابراهيم: مش بسأله ناوي على إيه..؟!!
عبد الله: لا اطمنوا… مش مسافر تاني… حستقر هنا وأعمل مشروع صغير وأتجوز…
ام رحمه: تتجوز…؟!! تتجوز مين…؟!!
عبد الله: هاجر… صاحبة رحمه… عاوز أطلبها…
ام رحمه بفرحة: يا ألف بركة… يا زين ما اخترت والله… دة انت لو مكنتش اخترتها كنت حختارهالك أنا…
عبد الله: بس بعد إذنكم أنا عاوز أروح لهم النهاردة أطلبها… إبن عمتها مُصر عليها وأنا مش حستنى…
ابراهيم: طب مش ترتاح لك كام يوم الأول…؟!!
عبد الله: دى زيارة مش حتتعبنا يا حاج…
ابراهيم بإبتسامة: خلاص يا أبنى زى ما تحب… خير البر عاجله…
_________________________________________
بيت أهل حوريه…
وقفت السيارة بالقرب من منزل قديم يتحلى بالبساطة، لا شئ به يدل على أي مظهر للثراء مطلقًا، بل على العكس تمامًا…
ترجلت حوريه من السيارة وهي تتطلع بإشتياق لذلك البيت الفقير الأقرب إلى قلبها من ذلك القصر البهي الذي كانت تعيش به مع عماد…
كم اشتاقت لهذا البيت بكل أركانه وذكرياته المحفورة بداخل قلبها… ياليتها لم تبتعد أبدًا…
شعور بالراحة والحرية منذ رؤيتها للبيت، تقدمت نحو الداخل وهي تبحث بعينيها عن والدتها وباقي إخوانها… بنفس حالها وعلى نفس وضعها وجدت والدتها تجلس بنفس مكانها المعتاد وكان الأيام لم تغير من حولها شيء…
أسرعت حوريه لتلقي بنفسها بأحضان أمها باشتياق جم…
ام حوريه: بنتي… حمد الله على السلامة… وحشتيني يا بنتي…
حوريه: يااااااه يا ماما… وحشتنيني ووحشني حضنك أوى…
ام حوريه: طولتي الغيبة علينا…
حوريه: غصب عني… والله غصب عني…
ام حوريه: إحنا والله لحد دلوقتي مش مصدقين أبدًا إللي حصل لـ عماد… لا حول ولا قوة إلا بالله… ربنا يصبر قلبك يا بنتي…
بكت حوريه لبكاء والدتها وليس لفقدانها له، فـ عماد لا يستحق تلك الدموع أبدًا…
ابو حوريه: كفاية بقى يا نعمه…!!! متزوديهاش على البنت… خليها ترتاح من السفر…
ام حوريه: خلاص أهو يا عاطف… قومي يا بنتي إرتاحي لحد ما إخواتك ييجوا ونتغدى كلنا سوا…
حوريه: أنا فعلا نفسي أنام وأرتاح على سريري…. وحشنى أوى…
ربتت نعمه (أم حوريه) بحنان على كتف ابنتها لتتركها حوريه بعد ذلك متجهة بشوق نحو غرفتها الصغيرة تتلمس نوم براحة وعمق بعيدًا عن خيال عماد المصاحب لها بكل مكان بالإمارات… فاليوم هي بعيدة عن كل شيء يذكرها به وبالتأكيد ستنعم بنوم هادئ مريح أخيرًا…
__________________________________________
بعد مرور عدة ساعات…
أوشك النهار على الانتهاء ليحل المساء سريعًا…
علاء….
تراقص قلبه فرحًا مع وصوله أخيرًا إلى إسطنبول، فلا يفرقه عن أميمه سوى بضعة شوارع…
أخذ يسأل المارة عن العنوان المدون لديه بالأوراق الخاصة بـ أميمه حتى استطاع أن يصل إلى الحي الذي تسكن به… كلما اقترب زادت سعادته أكثر وأكثر… فأخيرًا سيلتقي بها بعد هذا الغياب القاسي…
__________________________________________
اميمه….
نظرت نحو يامن الذي غلبه النعاس مبكرًا، لتصطحبه السيدة توتشا إلى غرفته حتى ينام معها اليوم، فـ أميمه مازالت مرهقة بشكل غير طبيعي هذه المرة، على الرغم إنها ليست أول مرة تسافر بها إلا أنها قلقة جدًا منذ عودتها…
حاولت أميمه إيقاظ سيلا بشتى الطرق إلا أنها أبت وفضلت أن تنام قليلاً، خاصة وأنه ليس لديها أي عمل تقوم به، فقررت استكمال نومها، فالأيام الماضية كانت مرهقة جدًا بالنسبة إليها…
عادت أميمه إلى غرفة المعيشة تحاول تهدئة نفسها المتوترة مرة أخرى بدون سبب لذلك، أحضرت إحدى كتبها لتتصفحه قليلاً وتتناسى بقراءته أي توتر تشعر به…
________________________________________
ضيا….
بعد أن ارتاح قليلاً من سفره بصحبة أميمه وسيلا، قرر الذهاب إلى أحد المتاجر الكبيرة لبيع المصنوعات الجلدية الفاخرة ليشترى حقيبة مماثلة لتلك التي فقدتها أميمه ليعطيها إليها كهدية، فقد حزنت كثيرًا اليوم على فقدانها…
وبعد بحث بين العديد من الحقائب توصل إلى حقيبة تشبه إلى حد كبير تلك الحقيبة، لتعلو ملامحه ابتسامة فخر متخيلاً كم ستسعد أميمه بتلك الهدية، مقررًا الذهاب إلى بيتها ليعطيها إياها… وربما تكون الفرصة سانحة لإبداء رأيها في موضوعهم المعلق الخاص بالزواج…
__________________________________________
بيت هاجر….
ارتدت هاجر فستان بسيط من اللون الوردي الذي أعطاها إطلالة ساحرة مع بشرتها الخمرية الجميلة… نظرت نحو ساعة الحائط المعلقة في انتظار موعد عبد الله كما وعدها…
كلما تحركت عقارب الساعة دقت الدقائق بقلبها بسعادة وارتباك بنفس اللحظة…
زادت ضربات قلبها مع دقات على الباب تعلن قدومهم بعد انتظار… ظنت أن كل ما مرت به اليوم حلم من أحلامها… حتى وهي تبلغ والدتها بزيارتهم، وسط دهشة والدتها، لم تبدو هاجر سعيدة إلى هذه الدرجة بقرار زيارة عبد الله وأهله لهم مقابل رفضها التام لـ خالد ابن عمتها…
ام هاجر: شكلهم جم… بقولك إيه…. إدخلي المطبخ ومتجيش إلا لما أناديكِ تجيبي العصير…
هاجر بتعجب: وهم أغراب عننا يا ماما…؟!!
ام هاجر: أيوة بس دلوقتِ حاجة تانية… متنسيش أني لازم أتأكد من أن عبد الله شاريكِ… دة أنا خلاص كنت حدي كلمة لـ خالد…
هاجر: بالله عليكِ بلاش سيرة خالد دة…
ام هاجر: أشوف عبد الله الأول… وأعرف منه ليه الغياب الطويل دة… ليكون وراه بلوه هناك وإحنا مش عارفين…
هاجر بقلق: بلوه… !!! ازاى يعني…؟!!
ام هاجر بتوجس: سنة ولا حس ولا خبر… مش يمكن اتجوز ولا حصل حاجة…؟؟!
هاجر: لا يا ماما… لالالا… أكيد مفيش كل دة… أمال راجع عاوزني ليه…؟!!
ام هاجر: لما نشوف… حروح أنا أفتح الباب وأنتِ إدخلي جوة…
هاجر: حاضر…
دلفت هاجر إلى المطبخ وهي تسترق النظر إليهم دون أن ينتبهوا لها…
نظرت نحو عبد الله بتمعن، فهي في الصباح لم تنظر إليه بدقة… لقد كان يبدو على وجهه الإرهاق والتعب كما أنه نحل كثيرًا عما كان قبل سفره… لا تعلم لماذا شعرت بالحزن لرؤيته بهذا المنظر وأيقنت أن هناك ما أتعبه بقوة في سفره هذا…
كانت تستمع إلى حديثهم وعبارات الترحيب من والدتها وأخيها الصغير، وبدأت والدة هاجر تسأل عبد الله العديد من الأسئلة حتى يرتاح قلبها لغيابه الغير مبرر… ربما عبد الله لما يجاوبها بصراحة لكنه كان يتعمد أن يريح قلبها من تساؤلات عدة تدور برأسها، قد فهمها على الفور…
تقدمت هاجر وهي تحمل صينية بها كؤوس العصائر تضعها أمامهم فوق المنضدة، ثم جلست بهدوء إلى جوار والدتها…
بدأ إبراهيم بالحديث فور جلوس هاجر وهو ينظر نحوها كأب حنون…
ابراهيم: شوفى بقى يا أم هاجر… إحنا النهاردة جايين ناخد بنتنا هاجر لـ عبد الله… ها إيه رأيك….؟؟
ام هاجر: وهو فيه زي عبد الله… بس هاجر توافق وأنا اجيبهالكم لحد عندكم…
ابراهيم: وأنتِ يا هاجر… إيه رأيك من غير كسوف…؟؟
هاجر بخجل: إللي تشوفوه يا عمي…
اتسعت ابتسامة عبد الله، فقد أوشك حلمه على التحقق بعدما استمع إلى موافقة هاجر وأمها، لتهلل رحمه وأمها بضرورة قراءة الفاتحة…
رحمه: نقرا الفاتحة بقى يا خالتي….
أم هاجر: بسم الله الرحمن الرحيم….
لترتفع الكفوف وسط قراءة الفاتحة بهمهمات وابتسامات بين الجميع ليباركوا للعروسين عبد الله وهاجر…
ام رحمه: بإذن الله نعمل خطوبة على الضيق كدة في البيت ونجهز للفرح على طول إن شاء الله بعد امتحانات البنات…
ام هاجر: زي ما تحبوا وأهو خلاص مش باقى كتير على الإمتحانات نكون كملنا جهاز هاجر…
وبعد الاتفاق على أهم النقاط والتجهيزات باركوا جميعاً بعضهم البعض، فقد توجت جيرتهم وصداقتهم لسنوات إلى صهر ونسب يربطهم إلى الأبد…
كان عبد الله يشعر بأن كل ما كان يحلم به قد اقترب من تحقيقه، فسوف يتزوج من الإنسانة التي يحبها وسيجهز بيته ليكون بداية لأسرتهم الصغيرة… وسيقيم مشروع صغير يستطيع منه أن يعيش ويستقر…
أقبل نحو هاجر التي اكتسى وجهها بحمرة الخجل وعلت ابتسامة سعيدة على محياها، ليهمس بابتسامة…
عبد الله: مبروك ليا وجودك في حياتي… مبروك يا أحلى عروسة في الدنيا…
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم قوت القلوب
احتدت مقلتاه لتشع سواد وبريق لامع مخيف وهو يقترب منها غاضبًا ليرفع كفه يلطم إياها على وجنتيها لعدة مرات متكررة. شعرت بالألم بالفعل، لكن الألم لا يساوي ذرة من ذعرها بوجودها معه مرة أخرى.
أقبل نحوها هامسًا كفحيح الأفعى:
«بكُرهك… بكُرهك… وبكره اليوم اللي شفتك فيه… أنا عمري ما هسيبك أبدًا… هفضل دايمًا جواكِ… يا إما هاخد روحك معايا.»
وضع كفه القوي فوق رقبتها ليضغط بقوة يخنقها بإستمتاع. رفعها بكفه إلى الأعلى مثبتًا ظهرها إلى الحائط من خلفها لتشعر بقدميها يتحرران في الهواء، وينقطع مجرى تنفسها بقوة. تختنق، تحاول التحرر من قبضته القاسية، تحاول الصراخ دون جدوى، فلا أحد يستمع إليها، هي وهو فقط.
حاولت بإستماتة أن تحرر نفسها. ستموت، ستختنق.
لتنهض من نومتها مفزوعة وهي تتلمس عنقها بإرتجاف. نعم كان حلمًا، كابوسًا مخيفًا. أدركت ذلك. لم يتركها تنعم بهدوء حتى في أحلامها. أصبح خوفها منه ملازمها، تأصل في عروقها ولن يتركها بتلك السهولة. إلى متى سيظل عماد بحياتها؟ متى ستتحرر منه؟
ظنت أنها بعودتها إلى بيتها القديم وسط أهلها أن خياله سيبتعد وستنساه. لكنه لم يفرق هنا من هناك، فشبح عماد ملازمها، خوفها منه تأصل في عروقها ولن يتركها بتلك السهولة.
مسحت وجهها بإرهاق وهي تنهض لتخرج من الغرفة لتأنس بأهلها وتطمئن معهم. خطوات بسيطة تفرقها عن غرفة المعيشة التي لم تطأها بعد، لكنها إستطاعت سماع حديث والديها بوضوح.
«تفتكري يا نعمة… حورية ممكن تكون حامل ولا حاجة بدل ما كل الورث ده يروح من إيدها؟»
«هو أنا عرفت منها حاجة؟ الكام مرة اللي كلمتني فيهم مقالتش غير وحشتوني وكلام كده… والنهاردة جت من السفر دخلت نامت… شكلها تعبانة.»
«يا خوفي متطلعش بأي حاجة من الورث.»
«نطمن عليها بس الأول وحنعرف منها كل حاجة… متقلقش.»
وقفت حورية تستمع إلى حوارهم بإنكسار. فإلى متى سيفكرون بالمال ويهتمون به بدلاً منها؟ ألم يكفيهم زواجها من عماد؟ أيبحثون مرة أخرى عن المال؟ أترتاحهم وتسوق إليهم الخبر بأنه ترك لها كل ما يملك؟ لكن بم سيعوضها ذلك المال؟ عن حنان حرمت منه، عن حب بحثت عنه، عن طفل تمنته وحرمت منه، عن أقل ما تطلبه الإنسانية من حياة آمنة مطمئنة.
لحظات موجعة تمر بها وهي تنكسر مرة أخرى لسماعها تلك الكلمات. لملمت حطامها لتعود إلى غرفتها مرة أخرى، لكن إستوقفها ذلك الصوت المألوف الذي حضر للتو يسأل عنها.
«السلام عليكم… أخبارك إيه يا عمي… إزيك يا مرات عمي… أمال فين حورية؟»
«سامر… أهلاً وسهلاً يا ابني… اتفضل… أصل حورية كانت جايه تعبانة من السفر ودخلت تنام شوية.»
جلس سامر وقد خاب رجائه في رؤيتها بعد هذا الغياب.
«هي كويسة…؟ عامله إيه..؟»
«زعلانة وتعبانة يا ابني… هاااا… الأمر لله من قبل ومن بعد.»
«اه… طبعًا طبعًا… ربنا يصبرها.»
«تفتكر يا سامر لو ليها ورث هتاخده إزاي… أصل إحنا مش عارفين هي مثلاً حامل ولا لأ..؟!»
غضب اجتاح كيان سامر، أما زال عمه يفكر بنفس أفكاره القديمة، أيبحث عن كل فرصة يستطيع الإستفادة منها.
«فلوس إيه وورث إيه… وطفل إيه اللي بتفكروا فيه؟ فكر شوية في بنتك يا عمي… حورية محتاجاكم… محتاجة حبكم وحنيتكم وانتوا بتدوروا على الفلوس. سألتوها كانت عايشة إزاي… متضايقة من حاجة… تعبانة من حاجة… ولا كل حاجة الفلوس؟ ليه يا عمي… ليه؟ خدوا بالكم منها… حورية متستاهلش كده خالص… دي بنتك… لحمك ودمك… هي أهم من كل فلوس الدنيا… اطمنوا عليها هي الأول.»
«يا ابني وهو أنا قلت حاجة… طلعت فيا زي أبوك كده ليه؟»
«ولا حاجة يا عمي… بكرة حاجي أطمن عليها… أنا مضطر أمشي… عندي شغل ضروري… سلام.»
تركهم سامر غاضبًا من نفس تفكيرهم، وربما غاضبًا من نفسه لضياعها من يده، وربما غاضبًا لأنه لم يستطع رؤيتها الآن. لكنه غاضب، غاضب جدًا.
«هو ماله ده… محشور ليه كده؟ هو إحنا قلنا حاجة غلط..؟»
«نطمن برضه عليها الأول والباقي يحلها ربنا.»
«وهو أنا اتكلمت يا نعمة؟ ده سؤال بس.»
«لا حول ولا قوة إلا بالله.»
استمعت حورية لحديثهم مع سامر، فقد قال ما كانت تود قوله بالفعل. لوهلة شعرت بالراحة لحدته مع والدها ونهره له بتلك الصورة مدافعًا عنها. لترتسم أثنائها بشبح ابتسامة سرعان ما تلاشت من ملامحها برحيل سامر ونقاش والديها مرة أخرى لتعود إلى غرفتها مرة أخرى متصنعة وكأنها لم تستمع لحوارهم من الأساس.
***
بالكاد استطاع معرفة المنزل الذي تقطن به أميمة. وقف بسيارته متأملاً هذا المنزل البسيط وحديقته الصغيرة وتلك النباتات التي اعتادت أميمة زراعتها بشقتهم من قبل، خاصة الياسمين معشوقها الأول، والذي ما أن وقعت عينا علاء عليه ابتسم بثقة وتأكد أن هذا هو بيتها.
تنفس براحة وهو يتمعن بتلك النوافذ بكلا الطابقين العلوي والسفلي محاطة بالستائر التي تحجب رؤية من بداخل المنزل لكنها لا تحجب تلك الأنوار المضاءة بداخله.
«أكيد ده بيتها… كل حاجة فيه شبهها… يا ترى اتغيرتي ولا زي ما إنتِ… يا ترى ممكن تسامحيني؟»
أطفأ محرك سيارته ووضع يده على مقبض باب السيارة، لكن قبل أن يترجل منها لاحظ اقتراب إحدى السيارات من المنزل حتى كاد سائقها أن يلتصق بحائط المنزل الجانبي وهو يصف سيارته.
تراجع علاء وهو يتمعن نحو ذلك الشخص الذي ترجل للتو من السيارة. كان شابًا نحيلاً أبيض اللون ذو شعر كستنائي مموج بعشوائية يرتدي إحدى النظارات الطبية التي تبدو كنوع من الأناقة لا أكثر. تقدم هذا الشاب من منزل أميمة حاملاً معه عدة حقائب ورقية ليطرق باب المنزل.
اضطراب ممزوج بغضب وغيره. من يمكن أن يكون هذا الشاب الذي يطرق بابها بهذا الوقت وقد حل الليل على هذا اليوم الطويل؟ أمسك المقود بيديه يفرغ بها غضبه وغيرته الغير محدودة وهو يرى أميمة تفتح الباب لهذا المتطفل بابتسامة خجولة لتدعوه إلى الدخول، الذي لم يتوانى أن يلبيه هذا الشاب على الفور، ليصرخ علاء بغضب وهو يضرب بقبضته فوق المقود لسماحها بدخوله بهذه الصورة.
«مين ده… وازاي تدخليه البيت وأنتِ لوحدك… إزاي… إزاي… و… و… يكون ده ااا…!!!»
صمت بارتباك وهو يتخيل بظنه ماذا يمكن أن يكون بينهما، وماذا يفعلان بمفردهما الآن.
«لا لا لا… لا يمكن لا… أميمة!!! لا… أميمة بتحبني… لا يمكن تكون لغيري… استحالة… ده أنا… ده أنا أهد الدنيا.»
ليمسك بمقبض الباب مقرراً الذهاب لأميمة الآن، لكنه توقف وقد دار برأسه حديث هند عن أميمة وكأنه يستمع إليها توسوس له برأسه.
«أميمة… وهي فين أميمة؟ أميمة راحت خلاص… أميمة سابتك وهربت… زمانها مرمية في حضن غيرك وأنت لسه عايش في الوهم. فوق بقى يا علاء وشوف مين اللي بيحبك وشاريك بجد… أنت فاكر إنك لو لقيتها حتلاقيها قاعدة مستنياك عايشة في ذكريات الماضي. أنت بس اللي حابس نفسك فيها. فوق يا علاء بقى فوق…»
«معقول… أميمة نستني… و… و… حبت غيري.»
ابتلع ريقه بألم وهو ينظر بحسرة إلى البيت مرة أخرى وقد شعر بضياع حلمه بالعودة إلى حبيبته.
«أنا السبب… أنا اللي ضيعتها… كنت منتظر إيه… أرجع ألاقيها مستنياني بتبكي على الذكريات اللي بينا.»
حاول تمالك نفسه فالحقيقة التي ظهرت له الآن لم يفكر بها قط، بل كان يستبعد أن تطرق ذهنه مطلقًا. كان من المستحيل أن يظن أن أميمة تستطيع نسيانه واستبداله بسهولة.
أدار محرك سيارته مبتعدًا عن منزلها بسرعة ليهرب من قسوة كل ما عرفه للتو.
***
حضرت فنجانًا من القهوة وجلست بهدوء تقرأ في كتابها الذي لم تعِ لحرف واحد مما كتب به فما زال ذهنها مشتت وقلبها منقبض.
دق جرس الباب لتتدارك أن عليها فتح الباب فـ سيلا ما زالت نائمة وهي من تتولى فتح الباب دائمًا.
فوجئت بـ ضيا يقف قبالها مبتسمًا.
«مساء الخير.»
«ضيا!!! خير فيه حاجة..؟»
«إيه يا أميمة… مفيش اتفضل ولا إيه..؟»
(اميمه) وهى تنظر نحو الدرج تنتظر (سيلا) تقفز كالعادة لتخلصها من إحراجها الدائم مع (ضيا).
«أه… طبعًا… اتفضل… أعذرني معلش… أصلي متوقعتش إنك تيجي النهاردة خالص… بعد تعب طول اليوم.»
دلف ضيا إلى الداخل لتغلق أميمة الباب وهي تتمنى أن سيلا تستيقظ وتأتي لتخلصها من ضيا.
«اتفضلي.»
مد يد تجاه أميمة بحقيبة ورقية كبيرة.
«إيه ده..؟»
«دي شنطة بدل اللي ضاعت منك النهاردة… يا رب تعجبك.»
تصنعت أميمة الابتسام مجاملة لـ ضيا وهي تأشر له بالجلوس.
«وتعبت نفسك ليه بس… مكنش لها لزوم خالص.»
«دي هدية بسيطة… كمان كنتِ زعلانة قوي إنها ضاعت منك.»
«شكرًا يا ضيا… جميلة قوي.»
سمعت صوت خطوات رشيقة آتية من الدور العلوي لتتنفس الصعداء برؤيتها لـ سيلا تتوسطهم بقفزة سريعة قائلة.
«بتعملوا إيه من غيري..؟»
زفر ضيا بضيق فهو لا يستطيع أن يكمل عبارة واحدة مع أميمة إلا وتتدخل سيلا لتقطع حديثهم بلا رجعة.
«مفيش… أنا كنت جايب الشنطة لأميمة وماشي على طول… سلام.»
قالها وهو يخرج مسرعًا بضيق من تطفل سيلا طوال الوقت لينتظر عودة سيلا وتوتشا إلى منزلهم بعد ثلاثة أيام فور عودة المربية من إجازتها ليجدها فرصة سانحة لإنهاء هذا الموقف المعلق بينه وبين أميمة.
«هو ضيا ماله… فيه حاجة..؟»
«مفيش حاجة أبداااااا… كويس إنك صحيتي… أروح أنام بقى.»
«وماله… أسهر أنا براحتي بقى… أخيرًا… كل شوية شغل شغل… خليني أفك شوية.»
«تمام… تصبحي على خير.»
«وأنتِ من أهل الخير.»
لتصعد أميمة إلى غرفتها ناظرة من النافذة، تجولت بعينيها في فراغ الليل كمن يبحث عن شيء ما، ثم استلقت للنوم أخيرًا لينتهي هذا اليوم الشاق.
***
أما آن لتلك الليلة أن تنتهي لكن بعض الذكرى نيران تحرق القلوب.
توقف علاء بسيارته قبال شاطئ البحر يفرغ إليه بقايا قلبه المشتعل. ظل متوقفًا ينظر نحو أمواج البحر الثائرة بصمت لساعات طويلة حتى سطعت الشمس بأحضان السماء تلهب بأشعتها الأجواء لكنها لم تكن بقوة اشتعال نفس علاء مطلقًا.
توجه بعد ذلك نحو أحد الفنادق ليقيم بها حتى يعود إلى أرض الوطن باحثًا بشركات الطيران عن مقعد خالي على الفور. لكن لسوء حظه لم يجد مقعدًا شاغرًا إلا بعد يومين مقررًا البقاء في الفندق حتى يحين موعد طائرته، فيكفيه كسرة قلبه مما رآه.
***
فتح الخزانة الموضوعة بمكتبه وهو يخرج منها سترته الواقية موجهًا حديثه إلى سامر.
«يلا يا بطل مستعد..؟»
«تمام… دقايق وأبقى جاهز.»
«متنساش واقي الرصاص.»
«ماشي… خلاص أهو.»
«ما تفوق كده يا ابني… العملية دي مهمة ومحتاجة تركيز. هم يومين نخلصهم ونرجع منصورين.»
«أنا معنديش مشكلة… بس كان فيه زيارة نفسي أعملها بس الظاهر ماليش نصيب.»
(طارق) وهو يضع كفه على كتف (سامر) بقوة.
«كل حاجة محلولة بس نرجع بالسلامة. المداهمة النهاردة على تجار سلاح في الصحراء مش حاجة سهلة. لو مش حتبقى في تركيزك بلاش تيجي.»
«لا متقلقش… جاهز يا طارق.»
«على بركة الله.»
***
بعد مرور ثلاثة أيام.
المستشفى.
قضت نهال معظم وقتها في قراءة كتب الكمبيوتر والبرمجة لتستعد للاختبار الذي ستخضع إليه بعد شهر. زاد تفكيرها بـ هشام يومًا بعد يوم. أحبت وجود هشام في حياتها فهو يطل عليها ولو من بعيد. تعلقت بمروره اليومي وباهمامه بها. لم يدور بينهم أي حوار بعد ذلك اليوم لكنه يمر مرورًا عابرًا في طريقه إلى الجريدة. ذلك المرور الذي تنتظره بنافذتها كل صباح ومساء.
دقت الساعة الثامنة لتتلهف نهال واقفة تطل من نافذتها تنتظر مروره فهذا موعده. أقبل هشام في طريقه واقترب من المستشفى وها هي تراه يتقدم خطوة بخطوة وهو يرفع رأسه لينظر باتجاهها وهي تنتظره كالعادة.
دق قلبها بسعادة لرؤيته لكن دقات قلبها تتسارع وهي تراه مقتربًا من المستشفى دالفا إلى داخلها. ازدادت حماسها وتوترها بذات الوقت لتهرول باتجاه باب الغرفة لتراه مقبلاً نحو غرفتها يعلو وجهه تلك الابتسامة الساحرة التي خطفت أنفاسها.
بينما اضطرب هشام لوجوده مع تلك الألماسة الساحرة ليتقدم قاطعًا هذا الصمت بالحديث مباشرة لإزالة ذلك التوتر بينهما.
«صباح الخير.»
«صباح الخير.»
«أخبارك إيه..؟»
«كويسة.»
«اتأخرت عليكِ أنا عارف بس معرفتش أوصل لصاحب البيت غير امبارح بس. واتفقت لك معاه تاخدى الشقة الاستوديو اللي في أول دور. هي أصلاً فيها فرش بسيط وإن شاء الله نجيب شوية حاجات كمان وتبقى مناسبة ليكِ جدا.»
«لكن أنااااا…»
«مش هتفضلي طول عمرك قاعدة في المستشفى. وأنا اتفقت لك خلاص وظبطت لك كل حاجة. مش عايز نقاش.»
لم تصدق نهال أن هشام فعل ذلك من أجلها فهذه أول مرة بحياتها يعدها أحدهم بشيء ويحققه لها. هو بالفعل أخبرها ذلك منذ بضعة أيام بالمركز لكنها لم تكن متأكده بداخلها من أنه سيقوم بذلك بالفعل. ظنت أنها طريقة للتحدث إليها لا أكثر ولا أقل، لكنه اليوم يفي بوعده وينقلها لمرحلة جديدة من حياتها.
«أيوة بس… اااا…!!!!!»
«خلاص…. خلص الكلام. بكرة حاعدي عليكِ عشان تروحي بيتك الجديد عقبال ما أظبط شوية حاجات النهاردة في الشقة.»
«إن شاء الله.»
نظر هشام نحوها كما لو كان يود قول شيء آخر لكنه لم يتكلم بل استأذن منها ورحل.
«هو أنا ليه مقصرتش عليه… ليه بكون معنديش إرادة وهو بيتكلم… وكأني مبسوطة وهو بيعمل كده عشاني…»
خرج هشام من المستشفى وفي داخله إحساس غريب فهو عندما يكون قريبًا منها وكأن كل شئ حولهما يختفي تمامًا وتبقى هي فقط أمام عينيه. لم يكن مصدقًا لنفسه وهو يشعر بنبضات قلبه تتحرك نحوها من قبل أن يراها بالفعل. أحبها من كلماتها وزاد حبه وتعلقه بها عند رؤيتها. ومن لا يحب تلك البريئة كالملائكة.
***
عادا من المأمورية التي كلفا بها مع فريق كامل من العساكر والضباط والقناصين بعد أن تم القبض على شبكة التهريب كاملة والزج بهم بالسجن.
«خلاص يا باشا… إفراج. روح بقى زيارتك المتأجلة.»
«أنت بتقول فيها. حالاً… أروح بس أطمنهم عليا في البيت وعلى عمي عدل.»
«متضيعش الفرصة دي من إيدك بقى.»
«بس تخلص عدتها ووالله ما حاصبر نهائي. وحتشوف.»
«صح كده. يلا… نروح نرتاح بقى.»
«بس ترتاح…؟ مش عايز تطمن على حد معين أنت كمان..؟»
وغمز سامر بعينه لـ طارق الذي ابتسم بضيق وأخفى شعوره الذي لا يريد إظهاره لـ سامر فماذا سيقول له. تذكر طارق ليلة سفره لتلك المداهمة حين اتصل بـ هايدي يبلغها فربما يرى منها أي لهفة أو اهتمام به وكأنه يشحذ ذلك منها. وكان ردها بمنتهى البرود قائلة.
«اه تمام تمام… خلاص حخلي رقيه تعدي عليا نروح سوا الكلية عشان عربيتي عطلانة ولما ترجع ابقى قولي عشان نبقى نروح سوا زي كل يوم.»
لم يكن اهتمامها به سوى اهتمامها بسائقها الخاص وليس بخطيبها. أراد بالفعل أن يشعر بتلك اللهفة التي يشعر بها سامر تجاه حورية. أو بذلك الموت المغلف بطعم الحياة التي يعيشها علاء. لكنه لم يتوصل إلى أي إحساس منهما قط. بل إنه بدونها سيكون أفضل بكثير.
انتبه طارق لحديث سامر يحثه على الذهاب للراحة ليومئ له بالموافقة قبل أن يغادرا المكتب.
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم قوت القلوب
« يوم الوداع … »
تركيا…
الفندق …
لن يسمى ما يعيشها إسمها حياه بل هى عذاب وعقاب هى الموت الحي بحد ذاته …
ضرب بجواز سفره فوق كفه عدة مرات بضيق فكلها ساعات وتتحرك رحلته متوجهاً إلى القاهرة ويبتعد إلى الأبد عن الأمل الذى كان يحيا من أجله ….
علاء: خلاص يا (أميمه) …. أنا حبعد للأبد … حسيبك لحياتك إللى أنتى إخترتيها …. كفايه إللى عملته فيكى…. مش حقدر أكون سبب فى تعاستك تانى … بس … لو حتى تدينى فرصه أودعك …. مش كل محكوم عليه بالموت ليه أمنيه واحدة …. وأنا أمنيتى أودعك …..
هز رأسه عدة مرات على ما قد عزم على فعله … سيودعها للأبد قبل أن يقتلع روحه بيده ويبتعد عنها نهائياً …..
__________________________________________
اميمه….
حملت (سيلا) إحدى الحقائب لتطلب من (ماندى) مساعدتها فى وضع الحقيبه الأخرى بالسيارة بالخارج فبعد عوده مربيه (يامن) لم تعد (أميمه) بحاجه إلى بقائهم معها بالمنزل ليعودوا إلى منزلهم الذى إشتاقوا له ….
سيلا: (ماندى) … هل تحملى معى الحقائب لوضعهم بالسيارة من فضلك ….؟!؟
ماندى: حسنا سيدتى ….
حملت (سيلا) و(ماندى) الحقائب لوضعها بالسيارة بينما أقبلت السيدة (توتشا) لتحتضن (أميمه) بحنان مودعه إياها ….
توتشا: متغيبيش عنى بقى .. أنتى و(مينو) بتوحشونى أوى ….!!
اميمه: أبله (توتشا) … متتصوريش أنا كنت مبسوطه قد إيه وإنتوا قاعدين معايا …
توتشا: خلاص يبقى آخر الأسبوع تيجوا تقعدوا معانا ونعمل عيد ميلاد (مينو) إللى مأجلينه دة …
اميمه: حاضر … نعتذر ل(ضيا) عن الحجز فى المطعم ونعمله عندكم فى البيت …
توتشا: تمام يا (أميمه) سلام حبيبتى ….
اميمه: مع السلامه ….
ودعت (أميمه) (توتشا) و(سيلا) لتبقى مرة أخرى بمفردها بهذا المنزل مع (ماندى) كما كانت من قبل …..
____________________________________________
بيت أهل حوريه ….
حاولت (حوريه) تناسى ما قد سمعته من والديها والإنغماس وسط أهلها لتعويض حرمانها منهم طوال هذه السنوات …
إستطاعت الإطمئنان وسطهم لكن عند بقائها بمفردها تظهر لها كل مخاوفها من (عماد) طريقته معها قسوته نحوها ضربه المتتالى غطرسته وزهوه بنفسه …
ولم تنسى أنانيته الشديدة وإعتبارها مجرد سلعه لإمتاعه فقط ….
تجربه قاسيه لن تكررها مرة أخرى مهما حدث …
بالمساء…
جلست بغرفتها تنظر بصورها القديمه أثناء دراستها تتحسر على ضحكتها الصافيه التى ضاعت فى زحام الحياه ….
طرقات تقطع تفكيرها على باب غرفتها ….
حوريه: إتفضل …
ام حوريه: (حوريه) … (سامر) إبن عمك بره وجاى عشان يسلم عليكى … أصله جه من كام يوم وأنتى كنتى نايمه ….
(حوريه) متذكره حديثه معهم قبل أن تجيب والدتها…
حوريه : حاضر يا ماما… أنا جايه….
لملمت الصور المبعثرة حولها لتضعهم بعلبتهم الخاصه متجهه إلى غرفه المعيشه لمقابله (سامر) …
ربما شعرت ببعض الراحه لزيارة (سامر) فبعد سماعها لحديثه مع والدها ونهره على تفكيره المادى أخذ (سامر) رصيداً حسناً لدى (حوريه) بأنه إنسان خلوق بالفعل ….
تقدمت (حوريه) نحو (سامر) الجالس على أحد المقاعد فى إنتظارها لتتأمله قائله لنفسها ….
حوريه ” زى ما هو … متغيرش أبداً …”
تقدمت بخطوات هادئه لتلقى إليه بالسلام فى حين هب (سامر) منتفضاً لرؤيتها لترتسم على شفتيه إبتسامه عذبه برؤيته لها …
حوريه: السلام عليكم ..
سامر: وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته ….
سعادة لا توصف برؤيتها اليوم … تلك السعادة التى يجب أن يخفيها الآن …. كم إشتاق إليها ..إشتاق لتلك العينان الخضراوتين … إشتاق لحديثها وكلماتها الهادئه العفويه ….
سامر: أخبارك إيه يا (حوريه) …. كويسه ..؟!!
حوريه بحزن: الحمد لله … وإنت …؟؟
سامر: الحمد لله …. ااا … البقاء لله ..
حوريه: الحمد لله على كل حال …. إتفضل … واقف ليه ..؟!
جلس (سامر) مرة أخرى غير مصدق أنها جالسه معه بالفعل بعد غياب كل تلك السنوات …. الكثير من الكلمات يتمنى البوح بها لكنه لا يستطيع …
حوريه: إزاى عمى (صادق) و(علاء) و(رباب) و طنط (نبيله) و(دنيا) ….؟؟؟
سامر: كلنا بخير الحمد لله .. طمنينى أنتى عنك ….؟!!
حوريه بتهكم: أنا هنا … وبس ..
سامر بخفوت: كفايه بس إنك هنا ….
حوريه بإستفسار: نعم ؟؟…. أنت قلت حاجه…؟!
سامر: لا بس بقول حمد الله على سلامتك وسط أهلك …. وحبايبك …
حوريه: شكراً يا (سامر) … أنت لسه شغال فى الشرطه صح …؟!!
سامر: أكيد ….
حوريه: بس خطر أوى مش كدة …؟؟؟
سامر: هى خطر … بس بحبها …. بحبها أوى أوى …
أكمل جملته وهو ينظر نحو (حوريه) يقصدها بالفعل لكنه تدارك نفسه بسرعه …
سامر: (حوريه)… أنا ….ااا….
حوريه: خير يا (سامر) … فيه حاجه ….
سامر: لا… بس …. (حوريه) …. !!!
حوريه: نعم … ؟!
سامر: (حوريه) عايزك تثقى فيا ولو إحتجتى أى حاجه …. أى حاجه فعلاً كلمينى ….
نظرت له (حوريه) نظرة مطوله .. هو صادق بالفعل … يريد أن يكون إلى جوارها …
إبتسمت له بهدوء وهى تومئ برأسها بدبلوماسيه …
سامر: خدى رقمى سجليه عندك .. (حوريه) أنا مش بجامل أو بقول أى كلام وخلاص أى حاجه تحتاجيها صغيرة أو كبيرة أنا موجود … أوعى تفكرى فى حد غيرى ….
إبتسمت (حوريه) إبتسامه باهته وقدرت إهتمام إبن عمها بها لكنها لا تريد أى شئ فى هذه الدنيا بعدما تخلصت من (عماد) تود فقط العيش بهدوء وسط والديها وإخوانها …
حوريه نظرت بعيداً بحزن : مظنش أنى محتاجه أى حاجه أبداً … لكن إتأكد يا (سامر) لو إحتجت حاجه أنت أول واحد حكلمه …..
سامر : طيب ممكن بلاش نظرة الحزن دى … كفايه حزن كدة ….
حوريه : شكراً يا (سامر) ….
سامر: أنا لازم أرجع الشغل دلوقتى …. محتاجه أى حاجه …؟!!
حوريه: لا… شكراً …
سامر: (حوريه) …. خدى بالك من نفسك …
حوريه بإنتباه: إن شاء الله … مع السلامه …
انصرف (سامر) وبقيت (حوريه) تفكر فيما قاله لها (سامر) … ربما لم يقل شيئاً لكنها أحست أنه بالفعل صادق فى طلبه منها أن تطلب منه هو ، شعرت بأن حديثه إليها كان يخرج من قلبه بالفعل ..
شعرت أن (سامر) به شئ محير كما لو كان يخفى شيئاً …
حوريه ” غريبه… مكنتش فاكره أن (سامر) حساس أوى كدة …. للدرجه دى صعبت عليه … للدرجه دى حزين عشان شايفنى حزينه كدة …. تركيبه غريبه أوى مش مناسبه خالص لضابط شرطه …. ”
إستقل (سامر) سيارته وهو يحمد الله أنه لم يضعف أمامها ويبوح لها بكل ما يعتمر بقلبه من حب لها …. فهى بالتأكيد لن تقبل ذلك إطلاقاً فلقد فقدت زوجها منذ أسبوعين فقط ….
__________________________________________
حل المساء سريعاً ليستعد (علاء) للسفر تحرك من الفندق مباشرة يستقل أحد السيارات الأجرة بعدما أعاد السيارة المستأجرة إلى الفرع الخاص بهم بإسطنبول …
لم يكن عليه سوى التحرك بخفه فهو لم يحمل معه حقيبه من الأساس للسفر …
لكنه قبل أن يتوجه إلى المطار عقد عزمه بوداع (أميمه) أولاً ، ليطلب من سائق السيارة إيصاله إلى عنوانها الذى قام بوصفه إليه قاطعاً الطريق وهو يلمح الأنوار المتسارعة على جانبى الطريق فى إنتظار الوصول إليها ….
بنفس الوقت إستعد (ضيا) مرة أخرى لزيارة (أميمه) فقد سنحت فرصته الرائعه برحيل (سيلا) و(توتشا) هذا الصباح ولن يقاطعه أحد هذه المرة …
___________________________________________
أميمه…
جلست إلى جوار (يامن) وقد بدأت عيناه فى الإستغراق فى النوم أخيراً بعد معاناه وبكاء لرحيل (توتشا) التى إعتاد على اللعب معها فى الأيام الأخيره …
تسللت ببطء إلى خارج غرفته حتى لا توقظه فقد أرهقها بكائه إلى حد كبير …
هبطت إلى الدور السفلى لتحظى بفنجان من القهوة المسائيه بمفردها لتستريح قليلاً وتصفى ذهنها المضطرب …
طرقات متقطعه صدحت على باب المنزل لتسرع (أميمه) لإجابه الطارق حتى لا يستيقظ (يامن) فلا طاقه لها مرة أخرى بمحاوله جديدة لإعادة إلى النوم …..
فتحت الباب لتصدم به ويسقط من يدها فنجان القهوة محدثاً ضجه أثر تهشمه الذى لم تهتم به (أميمه) على الإطلاق ….
إتسعت حدقتاها بغير تصديق ، فغرت فاها من الصدمه وتحولت إلى حجر متيبس دون حراك ….
فليوقظها أحد من هذا الحلم ويخبرها أنه لم يأت ببابها الآن …
هى تحلم … بالتأكيد هذا حلم وليس حقيقة ….
ياله من حلم صادم ، أيقف أمامها بتلك العينان الزرقاوتين اللتان يشعان بإشتياق ولهفه ، أهذا هو بالفعل ، كم إشتاقت له ولرؤيته ، ولرائحته التى تحفظها بقلبها …
أغمضت عيناها لتحتفظ بصورته في مخيلتها بهذا الحلم الجميل ….
لتسمع همساته ينطق بإسمها كالسابق …
تلك الهمسات التى تذوب بها عشقًا ….
أفاقت من غفلتها تفتح عيناها لتتأكد أنها لا تحلم … إنه أمامها بالفعل ….
لتسمع همساته بإسمها كالسابق …
تلك الهمسات التى تذوب بها عشقاً ….
علاء : (أميمه)…. وحشتينى يا (أميمه) …!!!
أفاقت من غفلتها فاتحه عيناها لتتأكد أنها لا تحلم … إنه أمامها بالفعل ….
تهدجت أنفاسها وإرتجف جسدها بإنفعال ….
أيجرؤ …. أيجرؤ على المجئ إليها. … بعد كل مافعله معها ؟!! … بعد خيانته لها …
لماذا ؟!!
لماذا لا تثور …؟؟!
لماذا لا ترفض وجوده …. ؟؟!
لماذا لازالت تخضع له … ؟؟!!
لماذا.. لازالت تحبه ….؟!!
أميمه بأرتعاش: إنت ….!!!
علاء : وحشتينى أوى …
اميمه : جاى ليه ..؟!!
علاء: مقدرتش … مقدرتش أبعد …
تقدم خطوة إلى داخل البيت لتتراجع (أميمه) خطوة إلى الخلف ، إرتعشت شفتاها رغماً عنها لتنهال دموعها ، تلك الدموع التى أخفتها لأعوام مضت ..
علاء بعشق : لا يا (أميمه).. أوعى تبكى .. مش أنا إللى أكون سبب لدموعك دى ….!!!
رفع كفه محاولاً مسح تلك الدموع التى أغرقت وجنتيها لتُبعد (أميمه) رأسها بفزع إلى الخلف ….
حركه بسيطه إبتعدت بها (أميمه) عن يده الممتده نحوها ، تلك الحركه كانت كالخناجر بقلبه …
أتفزع منه هو….؟! هو الذى كان كل شئ بحياتها … أصبح هو الغريب الآن ….
علاء: آسف …
أميمه بتهكم: آسف ..!!! آسف على إيه ولا إيه …. ؟؟؟
علاء: (أميمه) صدقيني … أنتى مش عارفه حاجه….!!!
(اميمه) وهى تعود للسيطرة على مشاعرها ونفسها التى إنهارت برؤيته ….
رفعت رأسها بشموخ محاوله السيطرة على تلك الدموع التى خانتها وتساقطت رغماً عنها ….
اميمه: أظن خلاص .. معدش فيه داعى لكل دة … وكل واحد فينا راح لحاله وشاف دنيته ….
علاء بهمس: إنتى دنيتى … أنا مش عاوز من الدنيا غيرك أنتى وبس …
(أميمه) بحدة وهى تعود للنظر بعيناه ….
اميمه: أنت مصدق إللى بتقوله ؟؟! … أنت ناسى أنت عملت إيه ؟!! … جاى دلوقتى عايزنى أنسى كل إللى حصل بكلمه …. آسف….!!!!
علاء: والله ما خنتك:… والله ما حصل …
(أميمه) بتحذير وهى ترفع سبابتها أمام وجهه بقوة …
اميمه: أوعى تكذب … أوعى …. أنا شفتك بعيني …. أنت …. أنت …. أنت كسرتنى … دمرتنى …. قضيت على كل حاجه حلوة كانت فى يوم بينا …
إنهارت باكيه وهى تجلس على المقعد المواجه لباب المنزل ليجثو (علاء) على ركبتيه متذللاً لها لتغفر له …
علاء: أرجوكى يا (أميمه) … إسمعينى وإفهمينى … أنا عمرى ما حبيت ولا ححب حد غيرك … أنتى الوحيده فى قلبى وفى عقلى وفى كيانى … أنا عمرى ما أخونك أبداً… أنا ….
تفاجأ كلاً من (علاء) و(أميمه) بصوت (ضيا) يأتى من خلف (علاء) متسائلاً بحدة ….
ضيا: أنت…. أنت مين …. مين دة يا (اميمه) ..؟!!
للحظات نسى (علاء) أن بحياه (أميمه) شخص آخر وأنه قد أتى لوداعها فقط …
نظر نحو (ضيا) متمعنا به … ليتأكد أنه هو نفس الشاب الذى رآه هنا بالمرة السابقة …
أعاد نظرة نحو (أميمه) التى لم تكترث كثيراً لرؤيته … ألم يكن من المفترض أن تذعر لرؤيته وهم معاً توجساً من غضبه …
شعر (علاء) أن هذا الشاب لا يمثل شئ ل(أميمه) ، لم تكترث لشعوره وغضبه لرؤيتها معاً بمفردهما …
لم تفزع لسؤاله عنه وماذا يفعل هنا….
(أميمه) وهى تقف بثقه زائفة فقد كادت أن تصدق (علاء) وتسامحه على كل ما مضى …
لكن ظهور (ضيا) الآن فرصه لا تعوض حتى يذاق (علاء) من نفس الكأس الذى تجرعته منذ خمس سنوات ….
اميمه : أعرفك … دة الأستاذ (ضيا) … خطيبى ….
نظرة حاده علت عينا (علاء) وهما تتسعان بحمرة غضب وغيره ….
علاء : خطيبك …؟؟!
(أميمه) وهى تنظر بالإتجاه المقابل مبعده عيناها عن تلك الزرقاوتين اللتان ترمقانها بنظراتهما الحاده التى ستكشفها على الفور و يدرك وقتها كذبها ….
اميمه: أيوة…. (ضيا) … دة حضرة الضابط (علاء) باشا … كان جاى يسلم … و ماشى ….
علاء بحدة: لأ … مش حمشى …. وأنتى مينفعش أبداً أبداً أبداً إنك تتجوزيه …..
إقتربت منه (أميمه) وهى تضع عيناها بعينيه فى تحدى ….
اميمه: ليه بقى إن شاء الله ..؟!
ليصدمها (علاء) بكلماته الغير متوقعه ….
علاء: لأنك مراتى …. أنا مطلقتكيش … أنتى لسه على ذمتى ….
صدمه غير متوقعه ل(أميمه) فهى كانت تظن أن (علاء) طلقها فور طلبها منه قبل سفرها ، وهذا ما علمته من والدها أنه طلقها ….
تهدجت أنفاسها مرة أخرى لتجلس ببطء فوق المقعد بغير تصديق ….
علاء مردفاً : مقدرتش أطلقك …. أنتى حياتى كلها … أنا روحى تروح منى لو طلقتك ….
اميمه: أنت إزاى تعمل كدة … إزاى…إزاى …. أنا متأكدة… بابا قالى إنك طلقتنى ….!!!
علاء: أنا فهمته كدة عشان تظهرى تانى قدامى وترجعى … بس مرجعتيش … لكن مفيش أى طلاق رسمى حصل نهائى… أنتى لسه مراتى…
(ضيا) بقوة بعد إدراكه لرفض (أميمه) وجودها مع هذا المدعو زوجها .. حاول إبعاد (علاء) بالقوة ليحميها من وجوده الذى يؤذى (أميمه) وروحها ….
ضيا: إتفضل أنت .. مع السلامه من هنا … أنت شايف إن ملكش لازمه هنا خلاص .. طلقها من سكات وحل عننا ….
لم يكاد (ضيا) ينهى جملته حتى إنهال (علاء) عليه بلكمه قويه أسقطته أرضاً …
علاء: انت إللى بالسلامه وعلى الله أشوفك جنب مراتى تانى … وإلا والله حتبقى نهايتك على إيدى …..
ليرفعه (علاء) بقوة وهو يقبض على قميصه بقبضتيه القويتين حاملاً (ضيا) بدون عناء يذكر قاذفاً إياه إلى خارج المنزل قبل أن يغلق (علاء) الباب بقوة بوجهه تاركاً إياه بالخارج ليبقى مع (أميمه) بمفردهما داخل المنزل ….
أخذ (ضيا) يطرق الباب بقوة محاولاً العودة للوقوف إلى جوار (أميمه) ضد هذا المتوحش لكن (علاء) أوصد الباب بقوة من الداخل ليمنع هذا المتطفل من التدخل بينهما …..
هنا صاحت به (أميمه) بإنهيار ….
اميمه: أنت إيه؟؟ … مبترحمش …. أنا خلاص مش عايزاك … بكرهك يا أخى … بكرهك .. طلقنى يا (علاء) … طلقنى….!!!
وقف (علاء) بطوله الفارع أمام (أميمه) الجالسه وهى تتشدق لتنظر تجاه وجهه وهى تصرخ به دون أى إعتراض منه أو حتى تأثير ليشعر بألم رهيب أسفل ساقه لا يدرى ما سببه بالفعل لكنه يشعر وكأنها ….. عضه أسنان …..
إلتفت برأسه جانباً ليرى طفل صغير أخذ يقضم بأسنانه الصغيرة المسننه بساقه بغضب ….
نظر (علاء) بدهشه نحو هذا الصغير لتعلو عيناه نظرة تساؤل بإتجاه (اميمه) التى شحب وجهها وإتسعت حدقتاها بقلق ….
إنحنى (علاء) نحو هذا الصغير يبعده برفق عن ساقه التى أخذ يعض بها بكل قوته ….
علاء: أنت مين … وبتعضنى ليه كدة …؟!!
(يامن) وهو يرفع رأسه بغضب تجاه (علاء) قائلا بطفوليه …
يامن بغضب : أنا (مينو) … أنت بتزعق لمامى ليه ؟! …. متزعقش لمامى كدة….؟!!
فغر (علاء) فاهه من الصدمه فاليوم يوم الصدمات المتتالية ….
نظر بعدم فهم تجاه (أميمه) ليسألها بدهشه ممزوجه بعدم تصديق ليشك بأنه قد يكون ولده …
علاء: ده ….. إبنك ….؟!!
حركت (اميمه) رأسها نفياً لفهمها مقصد (علاء) …وإدراكه أن (يامن) ولده ….
حاولت (أميمه) التحدث لكن صوتها تحشرج
داخل حلقها قائله ….
اميمه: إبنى أنا .. أنا و بس …!!!
أمال (علاء) برأسه إلى جانب كتفه محاولاً فهم ما تقصده (أميمه) بالفعل … هل تقصد ولدها من آخر …. أم ولدها منه لكنها من شدة غضبها منه لا تود الإعتراف بأنه إبنه ….
علاء: إبنك أنتى بس إزاى يعنى …؟!
اميمه: هو كدة … إبنى أنا وبس ….
أعاد (علاء) بصره نحو هذا الصغير متأملاً عيناه الزرقاوتين كعيناه وهذا الشعر الاسود كمثله بالضبط …
كذلك تلك الغمازه أسفل ذقنه تشبهه تماماً…
حتى أن له صورة له فى مثل عمره كان يشبهه تماماً …
إبتسامه بدأت تلوح فوق شفتى (علاء) وسط إضطراب أنفاسه …
لم يصدق أن الله يحفظ له كل هذا الجبر ….
يعيد له زوجته ويرزقه بأبن له ….
إتسعت إبتسامته رويداً رويداً حتى ظهر بياض أسنانه وهو يمسك بذراعى (يامن) برفق غير مصدق لما يراه أمام عيناه ….
علاء بتهدج: (مينو) … أنا بابا …..
أمال (يامن) نظره نحوه تارة ونحو أمه تارة أخرى لينظر إلى عينا (علاء) الزرقاء مدركاً أنها نفس لون خاصته فيصدق بالفعل أن هذا هو والده …
أوسع (علاء) ذراعيه ليرتمى (يامن) بين ذراعي (علاء) هاتفاً….
يامن: بابااااااااااااااا …..
أغمض (علاء) عيناه وهو يضم (يامن) بين ذراعيه بحب شديد وأبوه لم يعرفها إلا منذ لحظات فقط ….
عشق من نوع آخر دق بقلبه لحظه رؤيته لهذا الصغير …
لم يشعر بإنفصاله عنه ، بل شعر أنه قطعه منه لا تتجزأ من روحه …
لم تستطيع (أميمه) تمالك نفسها لتبكى لرؤيتهم بأحضان بعضهما البعض ….
فتح (علاء) عيناه ناظراً نحو (أميمه) لتلحقه بكلماتها قبل أن ترضخ له رغماً عنها وقبل أن يتفوه بأى شئ يثنيها عما قررت عنه من قبل بإبتعادها عنه …
اميمه بحزم: مش معنى إن (يامن) إبنك أننا نرجع لبعض …
علاء بحسرة: طيب على الأقل إدينى فرصه أشرح لك…
اميمه: حتى دى أوانها فات من زمان ….
علاء: كنت فاكر إنك متغيرتيش … لكن للأسف … بقيتى قاسيه أوى ….
اميمه : ويا ترى مين السبب فى كدة …؟!
علاء: إسمعينى الأول …..
اميمه مقاطعه: لا أسمعك ولا تسمعنى ….
علاء: إرجعى معايا مصر … والأيام حتثبت لك …
صمتت (أميمه) لدقائق وهى تنظر نحو (علاء) و(يامن) دون إدراك ما عليها فعله الآن…
فقد علم (علاء) بمكانها وعلم بأن له طفل منها ولن يتركها بسهوله هذه المرة فهى تعرفه جيداً لن يتنازل أبداً …
اميمه: للأسف أنا جيت هنا بهرب منك … لكن طالما لقيتنى … أنا راجعه بس مش عشانك …. عشان بابا وماما و(يامن) إللى نفسهم يشوفوه … ويعيش وسط أهله وبلده …
علاء : ومع أبوه …!!
إبتلعت (أميمه) ريقها محاوله الثبات على موقفها ….
اميمه : أنا طالعه أنام …. يلا يا (مينو) …
يامن: لأ … عايز أنام مع بابى …
تعحبت (أميمه) من هذا الصغير .. يعيش معها طوال تلك السنوات وفور رؤيته لأبيه يتركها ليبقى معه …
علاء: حتى (مينو) ميقدرش يبعد عنى ….
اميمه بتحدى : (مينو) اه … أمه لأ …
لتصعد إلى غرفتها فوراً مدعيه النوم بينما أعجب (علاء) بلعبه القط والفأر تلك مع (أميمه) وسيكملها للنهايه حتى يقع الفأر فى المصيدة ….
علاء: يلا ننام … ورينى بقى أوضتك عشان ننام سوا ….
أمسك (يامن) بيد (علاء) مشيراً له باتجاه غرفته بالأعلى ليغفو (يامن) بحضن أبيه الذى قضى ليلته سعيداً فقط لوجوده إلى جوارها ….
…
رواية ذكريات مجهولة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم قوت القلوب
في اليوم التالي، تركيا.
استيقظ علاء ليجد يامن جالساً إلى جواره ينظر له بتلك العينان الصغيرتان الزرقاوتين ليصيح به قائلاً:
يامن: اصحى بقى، مش عارف أفتح الباب وأروح لمامي.
ابتسم علاء على براءة هذا الصغير ليفيق بسعادة لم يشعر بها لسنوات طويلة.
علاء: يلا بينا.
ربما لم تمر رياح تلك الليلة هادئة أبداً على أميمة التي ظلت متيقظة طوال الليل غير مصدقة لما حدث. لم تستطع استيعاب الأمر بعد، أهو هنا إلى جوارها؟ يفصل بينهما مجرد جدار فقط. ثورة مضطربة بداخلها تلاشت بها قوتها وقسوتها فور رؤيته. فقد اشتاقت له بالفعل، لكنها أخذت تحث نفسها بكلمة واحدة فقط: "إنه خائن". وليس عليها الرضوخ له بتلك السهولة. جلست تنتظر وتنتظر حتى حل الصباح.
فتح علاء الباب باحثاً عن أميمة التي وجدها تجلس بتوتر بالغ في انتظار يامن.
أميمة: أخيراً، إيه ده كله؟ مينو مش متعود على أنه يتأخر في النوم كده.
علاء: مينو كويس أهو، ممكن... آآآ...
أميمة مقاطعة: لأ.
علاء: مش تعرفي ممكن إيه؟ أنا عاوز جواز السفر بتاعك وبتاع مينو عشان أحجز لكم التذاكر.
أميمة: أنا حجزت الصبح تبع المكتب إللي بتعامل معاه.
علاء بتعجب: وأنا؟
أميمة بتهكم: زي ما جيت روّح، مش بتعرف تروّح؟
علاء: أميمة!
أمسكت أميمة بكف يامن الصغير قبل أن تتحرك مبتعدة عن علاء بلا مبالاة.
أميمة: أنا رايحة عند ناس بحبهم، أودعهم، لأن بكرة معاد سفرنا. البيت بيتك يا... حضرة الضابط.
وقبل أن تتركه وترحل، التفت يامن نحو علاء بإنبهار.
يامن: بابي، انت ظابط؟
علاء بغرور: أشطر ظابط كمان.
أطلقت أميمة ضحكة تهكمية وهي تصطحب يامن إلى غرفته لتبدل له ملابسه قبل خروجهم. بينما أعجب علاء بتلك المناورات الشقية لأنه يعرف نهايتها جيداً.
***
هشام.
بدأ بترتيب بعض الأعمال التي ستنشر بالجريدة مع مراجعتها قبل النشر، ليترك العمل مبكراً متجهاً إلى المستشفى لإصطحاب نهال إلى شقتها الجديدة. قابلته نهال بابتسامتها العذبة، فقد جلست في انتظاره منذ طلوع الشمس من فرط حماسها.
هشام: صباح الخير.
نهال: صباح الخير.
هشام: ها، جاهزة؟
نهال: من بدري، حضرت شنطتي فيها كل حاجة.
هشام: هي الشنطة الصغيرة دي ولا فيه غيرها؟
نهال: لأ هي دي بس، أنا أصلاً حاجتي مش كتير.
اقترب هشام ليحمل الحقيبة وسط رفض تام لنهال.
نهال: مفيش داعي تتعب نفسك، هي صغيرة أوى أقدر أشيلها لوحدي.
هشام: وأنا يبقى اسمي إيه بقى لما أسيبك انتي تشيلي الشنطة لوحدك وأنا موجود. حتى لو خفيفة، أنا إللي المفروض أشيلها. طول ما أنا معاكي متشيليش هم أي حاجة خالص، ممكن؟
أومأت نهال رأسها بسعادة وابتسامة: ممكن.
هشام: يلا بينا، التاكسي مستني بره.
استقل هشام ونهال إحدى سيارات الأجرة مودعة المستشفى بعينيها بعد قضائها ذلك الوقت الطويل الذي ظنت أنها لن تخرج منها أبداً. توقفت السيارة أمام بناية أشار إليها هشام ليترجلا من السيارة دالفين إليها وسط تطلع نهال لكل ما يحيط بها بالتفصيل. تقدم هشام أولاً لتلحق به نهال وهي تستكشف هذا المكان الجديد عليها. وقف هشام أمام باب إحدى الشقق ليخرج المفتاح وسط ابتسامة خفيفة باتجاه نهال وهو يحدثها.
هشام: نورتي بيتك.
نهال: هي دي الشقة؟
هشام: أيوة، تعالي اتفضلي.
دلف هشام إلى الداخل ليضع حقيبة نهال فوق المنضدة الصغيرة مبتعداً باتجاه الباب مرة أخرى مردفاً قبل رحيله.
هشام: أنا جهزت لك الشقة على ذوقي، يا رب تعجبك. اكتشفي انتي بقى إللي عندك ولو احتاجتي أي حاجة يا ريت تتصلي بيا على طول.
مد هشام يده بورقة صغيرة مستكملاً.
هشام: ده رقمي وأنا ساكن في الدور إللي فوقك ده على طول.
ابتسمت نهال بامتنان مردفة:
نهال: شكراً ليك على كل حاجة.
هشام: لا، مفيش بينا شكر خالص، بس برضه متنسيش تقفلي الباب كويس، فيه كمان ترباس أنا ركبتهولك للأمان برضه.
نهال: حاضر.
هشام: سلام.
نهال: سلام.
ترك هشام نهال بشقتها الجديدة وفي داخله يتمنى ألا يتركها أبداً، لكن يجب عليه العودة إلى الجريدة مرة أخرى. بينما أخذت نهال تستكشف شقتها الجديدة، فلأول مرة يصبح لديها بيت خاص بها.
نهال: البيت بسيط ومريح أوى، وهو اشترى كل ده ليا؟
أخذت تنظر حولها بسعادة متمعنة بتفاصيل الشقة كلها، ثم اتجهت للغرفة الوحيدة بالشقة لتجد سرير كبير وخزانة لم تحظى بهم في حياتها إطلاقاً. وضعت الحقيبة وأخرجت ملابسها البسيطة وكتبها وبدلت ملابسها وخرجت إلى المطبخ لتجد المطبخ مملوء بالطعام.
نهال: ياااه، كل ده؟ ده كتير أوى، ألف حمد وشكر ليك يا رب، أنت الكريم يا رب العالمين. بس أول ما ربنا يقدرني حرد له كل حاجة، شكله هو كمان مش محتاج عبء زيادة عليه.
***
علاء.
بعدما تركته أميمة مصطحبة يامن معها، لفت نظره مجموعة من الأوراق التي قد جهزتها أميمة للتصميمات التي تقوم بها. نظر نحوها بإعجاب ليجد قصاصة من الورق موضوعة فوق سطح المكتب. أمسك بها لتتسع ابتسامته، فهو لا يدري هل تركتها أميمة سهواً أم عن قصد.
علاء: مش مهم كنتي تقصدي ولا أنا عشان ظابط شرطة أخدت بالي، المهم أني عرفت معاد الرحلة والشركة إللي انتي مسافرة معاها.
اتصل علاء على الفور بمكتب الطيران ليقوم بحجز تذكرة له أيضاً على متن نفس الرحلة التي ستسافر بها أميمة ويامن.
علاء: لما نشوف آخرة هروبك مني ده إيه، مش هسيبك إلا لما نرجع لبعض. بس دلوقتي كفاية إنك جنبي ومعايا ومعاكي ليا أجمل هدية مكنتش أتخيل أبداً أنها موجودة، يامن.
***
أميمة.
صُدمت توتشا وسيلا من قرار أميمة المفاجئ بالسفر، لكنها أوضحت لهم أن والد يامن عاد وتصالحا، لهذا ستعود إلى القاهرة، لكن صلتهما لن تنقطع وأن على سيلا وضياء إكمال العمل الذي بدأوه. لتودعهم أميمة ويامن قبل أن يغادروا، كما طلبت من سيلا أن توضح لضياء ما حدث، فهي لن تستطيع أن تشرح له ما حدث بعد مشادته مع علاء بالأمس. لتعود أميمة مرة أخرى إلى منزلها وهي ترسم قناع عدم الاهتمام بوجود علاء وأنها لا تبالي به، لتصعد إلى غرفتها مستكملة باقي اليوم بعيداً عنه، تاركة يامن لتشبثه بعلاء فور رؤيته كما حدث بالأمس تماماً.
***
بيت حورية.
بعد إصرار إخوة حورية بأن تترك غرفتها وتجلس معهم لمشاهدة فيلم جديد، انصاعت لهم حورية بامتنان لم يفعله إخوتها الصغار من محاولات لإبعاد الحزن عنها. جلست بغرفة المعيشة وسط إخوتها ووالديها، حتى مع مساوئ والدها وطمعه، إلا أنها بالفعل تفتقد وجودها معهم، تفتقد شعورها لهذا الدفء الأسري، تفتقد معنى البيت حقاً. طرقات تدق الباب لينهض والد حورية قائلاً:
أبو حورية: خليكوا انتوا، أنا هفتح الباب.
ليعود بعد قليل وقد صدحت كلمات الترحيب معلنة بقدوم زائر نحوهم.
أبو حورية: أهلاً أهلاً، اتفضلوا اتفضلوا.
ترقب الجميع في انتظار هذا الضيف القادم نحوهم، ليلقي أبو حورية على مسامعهم أسماء الزوار.
أبو حورية: يا أم حورية، دي أم عماد الله يرحمه وإسلام أخوه.
هنا انقبض قلب حورية فور سماعها أسماء الزوار. انتفض جسدها كأن القادم هو عماد نفسه مرة أخرى. انقباضات متتالية سببت آلام بمعدتها وغثيان مفاجئ، انتفاض جسدها الواضح الذي أخذت تخفيه، اضطراب تنفسها وإحساسها القوي بالبكاء، لكنها تماسكت. ذلك الشعور بالذعر لمجرد سماعها عن قدوم أحد من أهله فقط، فكيف لو كان قد عاد بنفسه مرة أخرى. ظنت أن الاضطراب الذي تحتاجه هو أقصى شعور يمكن أن تشعر به، لكنها فاجأها بأضعاف ذلك حين وقعت عيناها على أخيه إسلام فور دخوله غرفة المعيشة، فقد كان صورة أخرى من عماد، لا يختلف في هيئته وملامحه ولا حتى صوته. شعرت أنه هو، هو عماد من جديد. إحساس بالقوة والضياع، رغبة ملحة في البكاء والصراخ. لم تستطع حورية المقاومة كثيراً، ليسقط قناع التحمل لتبدأ بالبكاء. ظن الجميع أن حورية تبكي على فقدان زوجها عندما شعرت بقدوم أهله واقتراب جزء منه إليها.
سلمت والدة عماد وأخيه عليها، وجلست والدة عماد إلى جوارها.
والدة عماد بود مصطنع: كلنا خسرناه يا حبيبتي، ياااه. تعرفي وأنا جنبك كدة حاسة زي ما يكون عماد معايا والله.
نظرت إليها حورية بخضرتيها الباكيتين متمعنة في حديثها، لتتمنى لو تُقطع من نفسها بخنجر ولا يكون بها شيء يشبه عماد أبداً.
أم حورية: ربنا يصبر قلبكم يا رب، كلنا حزنا أوى على فراقه.
إسلام: فعلاً، كلنا مفتقدينه أوى.
كان صوت إسلام القريب من صوت عماد ينغرس كسكين حاد بقلب حورية.
حورية: بعد إذنكم، أصل أنا حاسة أني تعبانة شوية.
أسرعت حورية نحو غرفتها لتلحق بها والدتها على الفور وهي تنهرها على تركها إياهم بهذه الصورة.
أم حورية: مالك؟ إيه؟ هو ينفع تسيبيهم كده؟ دول جايين يزوروكى انتي. من الذوق إن انتي إللي تقعدي معاهم مش إحنا.
حورية بانهيار: مش قادرة يا ماما، مش قادرة.
أم حورية: لا برضه، ميصحش. يعني هما كمان مش حزانا زيك؟ أنا ربيتك على كده. لازم تجامليهم وتقعدي معاهم، ميصحش. الناس تقول علينا إيه؟
كعادة حورية السلبية من المواجهة، قبلت بالأمر الواقع وخرجت لهم مرة أخرى لتجلس معهم. وكلما مر الوقت تشعر بالاختناق أكثر وأكثر، ولم تشعر بالراحة إلا عندما انصرفوا، وقتها فقط استطاعت التنفس بحرية وأسرعت إلى غرفتها لترتاح فيها من مشقة هذه الزيارة.
***
اليوم التالي.
أميمة.
لملمت أميمة كل احتياجاتها وملابسها في الحقيبة الكبيرة، ولم يتبقى سوى ملابس يامن التي بغرفته، فهي لم تستطع أن تحضر حقيبته لوجود علاء طوال الوقت بتلك الغرفة مع يامن، الذي استطاع أن يعرف الكثير عما حدث لأميمة من هذا الصغير. لم تجد أميمة بداً من أن تطرق الباب عليهما حتى تستطيع أخذ ملابس يامن من الخزانة. فتح علاء باب الغرفة وتوسط بوقفته بمنتصف الباب بمقابلتها، فهو يدرك أنها تريد أن تدفعه إلى الداخل، فهذه اللحظة ينتظرها منذ الأمس، بل وتعمد البقاء بالغرفة حتى تأتي إليه مرغمة حتى لا تتأخر على موعد الطائرة.
علاء: صباح الخير.
أميمة: عن إذنك كده، وسع شويه.
ليقترب بوجهه من وجهها لترتجف بقربه وهي تشعر بضربات قلبها المتسارعة، لتلعن نفسها على ما فعلته وقرارها بالمجيء له الآن.
علاء بهمس: بقول، صباح الخيييييير.
أميمة بارتباك: صباح النور، وسع بقى.
علاء: لأ، عايزة تعدي، عدّي.
نظرت أميمة باستنكار نحو تلك المساحة الضيقة التي تركها لها لتعبر من خلالها، لتنظر له بتعجب.
أميمة: إيه دي؟ فار أنا؟ وسع كده.
حاولت أميمة إزاحة علاء عن طريقها، لكن هيهات أن تحرك ذلك الجبل من أمامها بتلك اليدين الضعيفات أمام قوته، لتنفعل من فشلها قائلة بحدة.
أميمة: ما بلاش لعب العيال ده، هنتاخر كده.
علاء: طول عمرك رشيقة يعني ولا... تكونيش تخنتي شوية ومش هتعرفي تعدي. عموما أهو يا ستي، وسعت لك.
ابتعد علاء خطوة صغيرة وهو يكظم ابتسامته من ضعفها أمامه، لتضطر أن تعبر بتحدٍ لتثبت له أنها مازالت تتمتع برشاقتها، لكنها بصعوبة عبرت من تلك المساحة التي تركها لها بقرب أرجف كلاهما معاً. كم اشتاق كل منهما للآخر. نبهت أميمة نفسها بجملة وضعتها بعقلها تذكر بها نفسها من آن لآخر أنه "خائن". لتتحرك بغضب مبتعدة عنه بسرعة وهي تضع ملابس يامن بالحقيبة بعصبية.
أميمة لنفسها: "عاوز يضغط عليا، أناني، عاوز كل حاجة، يخونى، وعايز يرجع لي عادي كده، كأنه معملش حاجة، كأن السنين مغيرتش حاجة. لااااه... ده بعده. أبداً مش هيحصل."
علاء لنفسه: "وحشتيني أوي... بس عمري ما هتخلى عنك ولازم تفهمي الحقيقة كلها، لازم أقولك إيه اللي حصل، لازم."
علاء بحزم: أميمة، أنا والله العظيم ما...
قاطعته أميمة مرة أخرى مثل كل مرة حاول أن يفهمها ما حدث.
أميمة محذرة بصرامة: قلت لك قبل كده يا علاء، متكذبش عليا. وأنا مش عايزة أعرف حاجة، عشان أنت خلاص متهمنيش فعلاً. ولو فاكر إن حركاتك دي هتخليني أسامحك يبقى انت متعرفنيش كويس. قلت لك أنا نازلة مصر عشان ابني يتربى ويعيش وسط أهله. راجعة أشوف بابا وماما إللي اتحرمت منهم واتحرموا مني بسببك. غير كده... متحلمش. ولو حاولت تعترضني أو تتكلم في إللي فات والله... والله... هبعد بجد المرة دي ولا يمكن تعرف طريقنا أبداً أبداً، فاهم؟
علاء وقد استطاعت إثارته بتلك الكلمات، فهو ليس على استعداد لفقدانهم مرة أخرى، ليحاول تهدئة أميمة التي علا صوتها ليصبح كالصراخ المرتجف، فيبدو أن مازال جرحها نازفاً منذ ذلك اليوم المشؤوم، لكنه سيصبر وينتظر وليس لديه أي سبيل آخر حتى لا تبتعد مرة أخرى وتميت قلبه مرتين وتبعد عنه وتبعده عنها وعن ابنه بعد أن وجدهما أخيراً. تراجع علاء إلى الخلف وهو يشير بكفيه لتهدأ أميمة التي احتلت بحديثها جداً، حتى أن انفعالها أصاب يامن بالخوف وبدأ يبكي لصراخ والدته بهذه الصورة، لتهدأ أميمة مقبلة على يامن الذي تناست وجوده لتطمئنه أن هذا مزاح بينهما لا أكثر. ليهبط علاء إلى الدور السفلي حاملاً حقيبة أميمة مبتعداً عنها بحزن، لكنه لن يستسلم أبداً.
***
مرت الساعات ليستقلا الطائرة معا دون أي حديث بينهما إطلاقاً، فكل ما كان بداخل نفس علاء أن تعود، وكل ما بداخل نفس أميمة أن تصمت. وبعد عدة ساعات من الصمت بينهم برحلة لم تخلو من بعض النظرات الخفية من كلا الطرفين دون أن يشعر به الآخر كما لو كانا يتناوبان، وصلا أخيراً إلى مطار القاهرة. شعرت أميمة براحة كبيرة بعودتها إلى بلدها وأمانها الأول. أوقف علاء إحدى سيارات الأجرة لتقلهم إلى بيت أهل أميمة أولاً.
***
في الطريق.
علاء: أميمة، ممكن رجاء يعني... تقعدي في شقتك؟ أنا سايبها زي ما هي على فكرة، عشان كمان أقدر أجي أشوف مينو براحتي وأنتي كمان تاخدي راحتك في بيتك.
قالها علاء بتمني أن تعود أميمة إلى بيتهم الذي تركته منذ خمس سنوات متعللاً بيامن أن يكون سبباً، لكنه يتمنى عودتها إليه، فكم اشتاق لوجودها ببيته، حتى لو لم يمكث هو به، يكفيه إحساسه بقربها منها. لكن ما لم يدركه علاء أنها كانت تتمنى هي الأخرى العودة إلى تلك الشقة، فقد قضت بها أجمل أيام حياتها على الإطلاق. تصنعت اللامبالاة في الرد وكأنها مرغمة على ذلك من أجل يامن فقط.
أميمة: طيب، تمام. أسلم على بابا وماما ونروح شقتنا أنا ويامن.
والتفتت نحو علاء وهي تحذره.
أميمة: أنا ويامن، وبس.
علاء بابتسامة: وبس.
***
هشام ونهال.
تعدلت أحوال نهال النفسية بمكوثها بتلك الشقة مستقلة بحياتها الجديدة التي بدأتها للتو كمن ولدت من جديد. مر هشام بـ نهال قبل ذهابه للجريدة يطرق بابها بنفس موعد لقائهما بنافذة المستشفى.
هشام: صباح الخير.
نهال: صباح الخير.
هشام: أنا قلت أصبح وأنا رايح الجريدة، مش محتاجة أي حاجة أجيبهالك وأنا راجع؟
نهال بخجل: تسلم.
هشام بابتسامة: سلام.
نهال: مع السلامه.
لقاء قصير لكنه ذا أثر بالغ بقلبيهما، يمدهما بجرعة قوة حتى لقاء آخر.
***
بيت أهل أميمة.
لقاء عاصف بعد غياب طويل، نعم كانوا على اتصال معها دون معرفة مكانها بالضبط، كانوا يتمنوا أن يروا أميمة ويامن عن قرب، لكن كانت أميمة دوماً تطلب ألا يتقابلوا حتى لا يبحث عنها علاء ويصل إليها وإلى يامن. تفاجئ والدا أميمة بقدومها بصحبة علاء، لتحاول أن تشرح لهم ما حدث بإيجاز.
أميمة: علاء يا بابا ضابط شاطر عرف يوصل لنا، ولما عرف إن يامن ابنه خفت ياخده مني، وقلت لنفسي خلاص هرب من إيه، أرجع لكم بقى وأبقى وسطكم.
أبو أميمة: ودلوقتي مش خايفة ياخده منك؟
أميمة: أنا أقوى من كده يا بابا.
أم أميمة: بس لو تقولي لنا عملك إيه خلاكم تسيبوا بعض بالشكل ده ويدور عليكي بالصورة دي؟
تذكرت أميمة للحظة حين عادت من الفندق بعد رؤيتها لعلاء وهند ومرورها بوالديها أنها أخبرتهم أنه حدثت مشكلة كبيرة بينهما سببت الطلاق ولم تفصح عن أي تفاصيل أخرى. ظن والديها أنها لم تفصح عن ذلك بسبب طبعها الكتوم، بينما كانت أميمة مازالت لا تصدق ولا تعي أن ما حدث حقيقة بالفعل.
أميمة: إحنا في إيه ولا في إيه يا ماما؟ أنا هرجع شقتي مع ابني وجيت أسلم عليكم قبل ما أروح هناك.
أم أميمة: خليكي معانا يا بنتي.
أميمة: لأ، دي شقتي، بيتي، هروح أعيش هناك.
أبو أميمة: على راحتك يا بنتي، بس برضه بيت أبوكي مفتوح لك دايماً.
بعد تلك الزيارة القصيرة عادت أميمة إلى بيتها بعد غياب تتلمس باشتياق كل أركانها التي مازالت كما هي كما تركتها وكأن لم يمسها غيرها بالفعل. لكنها قبل أن تدلف من باب تلك الشقة أصرت على علاء أن يظل محتفظاً بتلك المسافة بينهما وأن ما يربطهما هو يامن فقط.
رواية ذكريات مجهولة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم قوت القلوب
مرت الأيام سريعاً، فهل يبقى للذكريات أثر، أم يغير الحاضر ما تركته في نفوسنا آثار الماضي.
شهر كامل يمر.
هشام ونهال.
كان لانتقال نهال للسكن بالشقة الجديدة أثر كبير على تحسن حالتها النفسية وإقبالها على الحياة. استطاعت التركيز والعمل على تحضير نفسها للاختبار الأخير حتى تنال شهادة تستطيع بها العمل والاعتماد على نفسها. فقد أثقلت كثيراً على هشام، الذي أصبح عائلة بأكملها بالنسبة لها. تفكيره بها وباحتياجاتها التي كان يلبيها بدون طلب منها. دوماً كان يسأل عنها ويهتم بها، يحفزها للاستذكار للنجاح بالاختبار. وجوده فقط أصبح أساسياً من ضروريات حياتها، لا تستطيع الاستغناء عنه.
بتلك الفترة اقترب هشام أكثر من نهال ليدرك مدى صفائها ولين قلبها. تلك الصفات التي كان دوماً يبحث عنها طوال حياته ليجدها مجسدة في تلك الإنسانة التي كلما اقترب منها وجدها أرقى وأجمل مما كان يظن يوماً. تعلق بها وبوجودها في حياته، فلا يمر يوم دون نهال وانتظارها عودته لشرفتها لتضيء يومه بابتسامتها المتلألئة. أحبها بصدق ليقرر أن يصارحها بما يعتمل بقلبه بعد اختبارها الأخير والحصول على وظيفة مناسبة ليطلب منها الزواج. فهو يود أنه حينما يطلب هذا الطلب لا تشعر نهال بأنها قليلة الشأن، ولأجل هذا سينتظر.
***
حورية.
كانت الأيام الماضية كلها متشابهة إلا من زيارات أم عماد وأخيه التي تكررت كثيراً. لينتابها بكل زيارة لهم نفس الإحساس وشعورها بالانقباض والغثيان وضيق التنفس حتى الاختناق. حتى أنها أيقنت بأن وجود هذان الشخصان اللذان يشبهان عماد في حياتها قد سببا لها اضطراباً نفسياً أو عقدة نفسية، حتى من مجرد سماعها عنهما فقط.
تكررت زيارات سامر لبيت عمه والاطمئنان على حورية كلما سنحت له الفرصة. شعور حورية بزيارات سامر كان مختلفاً تماماً عن زيارات والدة عماد وأخيه بالمرة، بل على العكس تماماً كانت تشعر براحة كبيرة بوجوده.
***
هايدي وطارق.
أصبحت علاقتهما فاترة نوعاً ما، خاصة مع اقتراب موعد الاختبارات النهائية. فقد قرر طارق فسح المجال لهايدي لتستعد لاختباراتها بدون تشويش وقلل كثيراً من زيارته لها.
***
رحمة.
اتخذت رحمة قرارها بأن تنسى كل شيء والتفتت فقط لدراستها ومستقبلها. فلم يعد يتبقى على الاختبارات النهائية سوى أيام قليلة وتنتهي دراستها الجامعية، لتبحث بعد ذلك على وظيفة أخرى تليق بهذه الشهادة التي ستتحصل عليها.
***
هاجر وعبد الله.
كانا كعصفورين سعيدين ينتظران مرور الأيام ليجتمعا ببيت واحد. واتفق الأهل على إقامة زفافهما بعد انتهاء اختبارات هاجر ورحمة مباشرة، وهي تعتبر مجرد أيام تمر.
احتفظ عبد الله لنفسه بكل ما حدث في غربته ولم يبلغ أحد من أسرته بهذا الشأن. لكن مع اقتراب موعد زواجه قرر أن يحكي ما حدث لشريكه عمره هاجر، فهو لا يحب أن يخفي عنه شيئاً.
***
أميمة وعلاء.
تكررت زيارة علاء بحجة الاطمئنان على يامن، لكن أميمة فضلت أن تتجاهله تماماً وتتركه مع يامن. مما سبب ضيقاً لعلاء، فقد ظن أن بعودتها إلى مصر ستلين له قليلاً وتعطيه حتى الفرصة لشرح لها ما حدث ويستطيع وقتها استعادتها وعودتهما إلى بعضهما البعض. لكنها كانت دوماً تتجنبه، حتى أنها وقت زيارته تأتي بوالدتها لتقابله عنها.
بينما فضلت أميمة ذلك خوفاً من أن تضعف لقلبها لزيادة حنينها إليه بعد عودتها إلى شقتهما التي جمعت بينهما بأجمل أيام وأحلى الذكريات، بينما يرفض عقلها فكرة أن تعود إلى هذا الخائن.
***
هند.
جن جنونها فور علمها بأن أميمة قد عادت وبأن كل أحلامها للتقرب من علاء حكم عليها بالموت. وما زاد من ثورتها هو ذلك الطفل المزعوم بأنه ابن علاء الذي سيزيد من تعلق علاء بأميمة أكثر وأكثر. لكنها لم تستطع فعل أي شيء لأن علاء لم يُرجع أميمة بعد.
***
في الجامعة.
استعدت الفتيات لأداء الاختبار، اليوم بأول يوم من اختبارات آخر العام. ان
تهى وقت الاختبار لينصرف الجميع من المدرجات بعد أدائهم له، لتجد هاجر عبد الله ينتظرهما أمام البوابة الرئيسية للجامعة.
ابتسمت رحمة لوجود عبد الله، الذي تعلم يقيناً أنه لم يأت لاصطحابها إطلاقاً. فكم أحبت سعادتهما ببعضهما البعض.
رحمة: (عبد الله) … إيه إللى جابك؟
عبد الله: إيه … جاى أطمن عليكم.
رحمة (وهي تنظر بطرف عينيها باتجاه هاجر): كده … طيب … أستأذن أنا بقى عشان عايزة أروح.
عبد الله: أيوة مظبوط … أبقى سلمى لى على الحاجة.
رحمة: بقى كده … ماشي … سلام.
وانصرفت رحمة تاركة عبد الله مع هاجر.
عبد الله: عملتى إيه فى الامتحان؟
هاجر: الحمد لله.
عبد الله: طيب أميرتي عندها مانع نقعد مع بعض نشرب حاجة؟
هاجر بخجل: أميرتك معندناش مانع … بس منتأخرش.
عبد الله: مش حنتأخر … يلا بينا.
اصطحب عبد الله هاجر إلى أحد المطاعم.
هاجر: أنت مش قلت حنشرب حاجة؟
عبد الله: دى أول مرة نطلع سوا وبعدين أنا عايز أتكلم معاكى شوية.
هاجر: خير يا (عبد الله) … شكل فيه موضوع كبير.
عبد الله: أيوة … فيه حاجة حابب أقولها لك عشان أنا أصلاً مش عايز أخبى عليكى حاجة أبداً.
هنا قفز إلى ذهن هاجر ما كانت تفكر فيه، وأنه لابد وأنه تزوج أثناء اختفائه بالإمارات وحان الآن وقت الاعتراف.
هاجر بحدة: أنت إتجوزت؟
صدم عبد الله مما قالته هاجر، حتى أنه انهار ضاحكاً ولم يستطع تمالك نفسه، مما أثار الأعين المحيطة بهم.
هاجر: أنت بتضحك على إيه؟ هو أنا قلت حاجة تضحك؟
عبد الله: دة مش يضحك وبس … ده يهلك من الضحك … مش قادر يا شيخة … أنتى إيه؟ جايبه الأفكار دى منين؟ وجت على بالك إزاى أصلاً؟ ده باين حياتنا حتبقى غريبة من أولها.
هاجر بغضب: قصدك إيه؟ ها؟
عبد الله: والله أنتى مجنونة وأنا بحب جنانك ده.
احمر وجهها خجلاً.
هاجر بارتباك: برضه مجاوبتنيش؟
عبد الله: لا يا ستى متجوزتش … أنا دخلت السجن.
هاجر: الحمد لله.
اتسعت عينا عبد الله بصدمة من رد فعل هاجر، بحمدها على سجنه خوفاً من زواجه بأخرى.
عبد الله: إيه؟
تداركت هاجر نفسها: لأ … قصدي … متفهمش غلط … أنا قصدي الحمد لله إنك متجوزتش يعني.
عبد الله: لكن أدخل السجن عادي؟
هاجر: لا طبعاً … معلش بقى … كمل كمل.
وبدأ عبد الله في سرد ما حدث بالتفصيل إلى هاجر، وكيف ظلم على يد عماد الذي زج به في السجن لشهور طويلة، وقراره بالانتقام منه ومقابلة حورية وما حدث معها حتى عودته إلى وطنه مرة أخرى.
هاجر: لا إله إلا الله … كل ده حصل … أنا حسيت بكده. حسيت إنك في مشكلة وحلمت بتعبان كبير بس هربت منه. الحمد لله. كمان كان شكلك باين عليه أوى التعب والإرهاق لما رجعت.
عبد الله: الحمد لله على كل حال. ولولا كل إللى حصل ده والمبلغ إللى ادتهوني مدام حورية مكنتش أعرف أبدأ المشروع ولا أتجوز.
هاجر: فعلاً … كتر خيرها والله.
عبد الله: فعلاً.
هاجر: إحنا لازم نبقى نزورها ونشكرها.
عبد الله: أنا كنت ناوي كده بعد جوازنا إن شاء الله.
هاجر: أيوة … إيه ده … أنا اتأخرت أوى.
عبد الله: ماشي … دلوقتي بس نمشي … بس بعد جوازنا مش حسيبك دقيقة فهمتي.
ابتسمت له هاجر بخجل لينصرفا نحو المنزل مباشرة.
شعر عبد الله براحة لازاحة هذا الثقل من داخل نفسه وإخبار هاجر بكل شيء.
بينما شغل تفكير هاجر كيف امرأة مثل حورية ترتبط بشخص مثل عماد هذا.
***
بيت والد علاء.
جلست هند كتلك الأفعى التي تنثر فحيحها وسط والدي علاء وهي تحثهم على التحرك.
هند: طيب إزاي؟ فهميني يا طنط بس. يعني فجأة كده طلع له ابن وعنده أربع سنين. وإحنا نضمن منين أنه ابن علاء؟ اللي زي دي ملهاش أمان إزاي نصدقها بالسهولة دي. هو علاء يعني مش فاهم الأشكال دي كويس؟
أم علاء: يعني فكرك إنها جايبة الواد ده عشان تضحك عليه وترجع له تاني؟
هند: أكيد يا طنط. دي سوسة. مش سهلة أبداً. أنتي ناسيه إزاي هربت وسابته وهو محتاج لها.
أم علاء: عندك حق. أول ما عرفت طفشت. ولما بقى أقوى من زمان عايزة ترجع له تاني. لا. ده بُعدها.
أبو علاء: مفتكرش. دي من يوم ما رجعت مجاتش هنا ولا مرة. حتى علاء يوم ما بيروح يشوف الواد أمها بتبقى هناك.
هند: أمال أنت عايزها تبين كل حاجة كده يا عمي. دي مش سهلة نهائي. أنا خايفة بس تصبحوا تلاقوا علاء متجوزها تاني وتدبسوا انتوا في الواد ده اللي مش عارفين هو ابن مين؟
أبو علاء بحدة: ليه. مالوش أب يسمع كلمته. مهما كبر. عمره ما يكبر على أبوه. خلاص أنا أجيبه هنا وأتفاهم معاه.
أم علاء: وهو العيب عند ابننا. لا. ده العيب عند السهونة اللي هناك دي.
هند: روحي لها يا طنط. خليها تاخد الواد اللي هي جايباه ده وتغور من هنا.
أم علاء: أيوة. لازم كده.
***
بيت هايدي.
عادت هايدي إلى المنزل بعد انتهائها من الاختبار بالجامعة لتجد والدتها جالسة مع شخص ما بغرفة الصالون.
هايدي: هاى.
جيهان: إنتي جيتي يا هايدي. كويس.
ثم نظرت جيهان وهي تأشر نحو هذا الشخص الغريب الذي تراه هايدي لأول مرة.
جيهان: سلمي على أنكل شريف يا هايدي.
هايدي ببرود: هاي أنكل.
شريف: أهلاً يا حبيبتي. طيب. أستأذن أنا يا مدام جيهان. وباذن الله بيننا تليفون قريب أطمنك على اللي حصل.
جيهان: وهو كذلك. في انتظارك يا شريف بيه.
انصرف شريف وسط تتبع هايدي لهذا الرجل حتى خرج من الباب، لتلتفت نحو والدتها مستفهمة عن هذا الشخص.
هايدي: مين ده؟
جيهان بسعادة وقد رفعت حاجبها الأيمن بزهو: ده اللي حيجيب لنا السعد كله.
هايدي وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بعدم فهم: إزاي يعني؟
جيهان: معروف بقاله فترة غريب كده ومش مطمنه له خالص. وأنا محتاجة نأمن نفسنا بقرشين للزمن. فلقيت بالصدفة الأستاذ شريف. ده راجل تاجر شاطر قوي. طلبت منه يعمل صفقة مع معروف وأنا هسهل له إنه يعرف تفاصيلها كويس مقابل إنه هيديني مبلغ محترم أشيله في البنك.
هايدي: مش فاهمه. إحنا حنتجر معاه يعني؟
جيهان: تجارة إيه. وأنا ليه أدخل في تجارة يا تكسب يا تخسر. ده حيعمل صفقة وهمية ياخد منها مبلغ كويس من معروف ونقسمه سوا.
هايدي: طب ليه. ما إحنا معانا فلوس جدو في البنك؟
جيهان: الفلوس اللي في البنك اتحجز عليها. جدك أعلن إفلاسه واضطروا يحجزوا على كل فلوسه ومش حيعرف يدينا حاجة تاني. بس أوعى تجيبى سيرة لـ معروف مش عايزة شكلي يتأثر قدامه. لازم أفضل طول عمري فوق. ويبص لي وأنا فوق.
هايدي: متقلقيش. مش هقوله حاجة. بس على شرط. تغيري لي العربية؟
جيهان ضاحكة: بس كده. أوعدك أول ما أوصل للفلوس دي في إيدي حجيبلك أحسن عربية في السوق.
ابتسمت هايدي ابتسامة جانبية متسائلة لنفسها: "أستشارك في تلك الخديعة؟ وليكن. ففي النهاية يجب عليها إلا تكون خاسرة أبداً بأي صورة."
***
نهال.
مرت سلمى اليوم بـ نهال لاصطحابها لمركز الكمبيوتر الخاص بعمها لعقد الاختبار الأخير لنيل تلك الشهادة.
مركز الكمبيوتر.
عم سلمى: أهلاً أهلاً بالنابغة.
نهال: إزاي حضرتك؟
عم سلمى: تمام. الحمد لله. ها مستعدة؟
نهال: أيوة. إن شاء الله.
عم سلمى: وأنا عند وعدي. لو نجحتي في اختيار البرمجة النهارده. عندي لك فرصة في شركة كبيرة قوي.
نهال بسعادة: بجد؟
عم سلمى: أيوه بإذن الله. فيه شركتين طالبين ناس بس لازم يكونوا عدوا الاختبار ده.
نهال: بصراحة مش عارفة أشكر حضرتك إزاي أنت وسلمى ووقفتكم معايا بالصورة دي.
عم سلمى: انتي زي بنتي يا نهال. ربنا يوفقك. لكن خدي بالك الاختبار النهارده مش سهل أبداً.
نهال: عارفه. إن شاء الله أقدر.
جلست نهال على أحد أجهزة الكمبيوتر لبدء الاختبار وقد توترت أعصابها. فشلها اليوم سيهوي بها إلى القاع مرة أخرى.
مضى وقت طويل ونهال مستغرقة بتركيز في هذا الاختبار الذي سيغير مسار حياتها.
بعد دقائق من بدء الاختبار زال التوتر وأخذت تجاوب على الأسئلة المطلوبة بهدوء وتركيز. وها هي تضع آخر إجابة للسؤال الأخير، وبعده ستظهر نتيجة الاختبار، فهو موصل بالإنترنت مباشرة. فقط ضغطة زر وتعرف أين ستذهب حياتها الجديدة.
أصابت يدها رعشة باردة وهي تضغط على الزر الذي سيظهر نتيجة الاختبار والذي يجب عليها تجاوز 80% على الأقل من تلك الأسئلة الصعبة.
وبالفعل تشجعت وضغطت على الزر لتجد رسالة التهنئة بنجاحها في هذا الاختبار.
شعرت نهال بفرحة لم تشعر بمثلها في حياتها. فبهذا النجاح الذي حققته تكتب لها أول شهادة نجاح معترف بها وتستطيع بها العمل بوظيفة جيدة.
بدأت تحقق ذاتها بنجاحها في هذا الاختبار، وأخيراً أصبح لها قيمة وأنها غير نهال التي كانت عليها طوال السنوات الماضية.
أبلغت نهال عم سلمى بالنتيجة الذي سعد كثيراً لنجاحها ووعدها بتقديم أوراقها بتلك الشركات التي تحدث عنها.
***
مديرية الأمن.
مكتب طارق.
طارق: مش معقول!!! أنت فاهم المعلومات دي ممكن توصلنا لفين؟
سامر: عشان كده أول ما وصلتني قلت لازم أوريهالك.
طارق: المعلومات دي خطيرة جداً. وكل يوم بينكشف لنا معلومات أخطر من اللي قبلها.
سامر: يبقى لازم نشتغل متخفيين الفترة اللي جايه دي عشان نقدر نوقعهم كلهم.
طارق: غلط. إحنا بالنسبة لهم خلاص. بقينا معروفين جداً.
سامر: والعمل؟
طارق: لازم نزرع ما بينهم حد يقدر يبلغنا بكل المعلومات ويوصلنا للعقل المدبر.
سامر: شايف إيه يعني؟
طارق: إحنا ندخل المصدر بتاعنا إيه رأيك. وجه جديد ومش معروف؟
سامر: كويس قوي. خلاص. اعتبره حصل.
***
شقة أميمة.
تابعت يامن بعينها وهو يجلس على أرضية الغرفة يلعب بألعابه الجديدة التي أحضرها له أبيه.
يامن: حلوة قوي الألعاب دي يا مامى. صح؟
أميمة بهدوء: أيوه. صح. حلوة قوي يا مينو.
دق جرس الباب ليركض يامن مسرعاً نحو الباب بسرعة وهو يهتف.
يامن: أنااااا كوثر جت.
أميمة حاولت اللحاق بـ يامن قبل أن يفتح الباب، لكنه كان أسرع منها لتتفاجأ بزائري هذا الصباح غير المتوقعين.
نظرت نحوهم أميمة بارتباك، لا تدري كيف تعاملهم. أتعاملهم بتلك القسوة المصطنعة التي تعامل بها علاء، أم تعاملهم مثلما عاملتهم من قبل، كأهلها وعائلتها خاصة، وتلك أول مقابلة لهم منذ عودتها من تركيا.
لكن حين وقعت عيناها على تلك المجرمة التي سرقت منها زوجها، اعتدلت بثقة تخفي غضبها بداخلها لتتحلى بالثقة والصمت بنفس الوقت.
دَلفت أم علاء إلى داخل الشقة مصطحبة معها ابنتها رباب وابن أختها هند، لترمق يامن بنظرة ساخطة وهي تعبر من جواره مقتربة من أميمة.
أميمة: إزيك يا طنط؟
أم علاء: ولا إزيك ولا لكِ معايا كلام من أصله. أنا جايه أقولك كلمتين وبس.
أميمة متعجبة من أسلوب والدة علاء الفظ معها، فهي لم تكن تتعامل معها بتلك القسوة من قبل، بل كانت محبة ودودة جداً معها.
أميمة: اتفضلي.
أم علاء: شوفي بقى. أنا فاهمه تفكيرك الناقص ده وفاهمه أنتي عايزة إيه بالظبط. لكن يكون في علمك. أنسي إنك ترجعي لإبني تاني. بعد كل اللي عملتيه معاه. والندالة اللي كنتي فيها. وسبتيه في وقت صعب. دلوقتي عايزة ترجعي له تاني. ده بُعدك.
أميمة بعدم فهم: أرجع وعملت إيه؟ أنا اللي ندلت معاه؟ أنا اللي سبته في وقت صعب؟
أم علاء: اعملي عليا الحبتين دول؟ اضحكي عليا أنا كمان زي ما بتضحكي عليه بسهوكتك دي.
أميمة باستنكار: أنا مش فاهمه حاجة أبداً.
أم علاء بحدة: أنا هفهمك. تاخدي الواد اللي انتي ضاحكة عليه بيه ده ومفهماه إنه ابنه وتغوري مطرح ما كنتي ومنشوفش خلقتك دي تاني. فاهمه ولا لأ؟
شعرت أميمة بغصة من حديث والدة علاء. فكيف تظن هذا بها؟ أترد على تلك الاتهامات لها بالكذب وربما أيضاً اتهامات بشرفها، فهي لا تدرك نواياهم وما يقصدونه بالفعل.
أرادت بشدة أن تأخذ حقها، فهي ليست بالضعيفة. لكن أتلك هي الصورة التي نقلها علاء عنها؟ أنها كاذبة مستغلة. هي من أخطأت بحقه في المقام الأول، وهي من تريد استعادته بتلك الطرق الملتوية؟ أهكذا يهرب من أخطائه بإلقاء اللوم عليها بتلك الطريقة المنفرة؟ أهو بتلك الوضاعة وهي لم تدرك ذلك؟ لأجل أن يظهر بمظهر البريء الذي لا يخطئ أبداً يصورها بتلك الصورة. والآن أرسل أمه وأخته وتلك الكريهة هند لإبعادها مرة أخرى عن طريقه!
لكن كيف؟ فهو من أصر على عودتها وبقائها هنا بالشقة.
أفكار كثيرة جالت برأسها لثوانٍ بسيطة قبل أن تستجمع إرادتها وثقتها بنفسها لترد على كل الاتهامات. فهي المجني عليها هنا وليست الجانية.
أميمة: بصي يا طنط…
أم علاء: بس ولا كلمة. لمي هدومك انتي والولد ده وتطلعوا بره بيت ابني. إحنا مبنربيش عيال مش عيالنا. بررررره.
رواية ذكريات مجهولة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم قوت القلوب
أميمه…
بعد اتهام والدة علاء لها، قررت أميمه أن تستجمع إرادتها وثقتها بنفسها لترد على كل الاتهامات. فهي المجني عليها هنا وليست الجانية.
أميمه: بصي يا طنط…
أم علاء: بس ولا كلمة. لمي هدومك انتي والولد ده وتطلعوا بره بيت ابني. احنا مبنربيش عيال مش عيالنا. بررررره.
ارتبكت أميمه وهي تحاول أن تبرئ ساحتها مما اتهمت به زوراً. حاولت أن تنفي هذا الاتهام وأنها لا تدعي بأن يامن ابن علاء كذباً لمجرد أن تعود إليه، بل هو ولده بالحقيقة. وأن علاء هو من يحاسب على خيانته لها، هو وتلك السارقة التي سرقت حياتها وأحلامها وزوجها. هي من يتوجب عليها وضع كشف حساب لهما.
أميمه ثائرة: ده إبــ…
قاطعهم صوت علاء الجهوري الغاضب الذي تدركه جميعاً، ليلتفتوا بفزع باتجاهه وهو يدلف من باب الشقة الذي مازال مفتوحاً.
علاء: انتوا بتقولوا إييييييييه؟! (يامن) ده ابني. ومحدش يقدر يفتح بوقه في كده. ابني فاهمين. إبني..!!!
ثم أكمل وهو يصرخ بوجه ثلاثتهم وهو يحمي أميمه خلف ظهره، مبعداً إياها عنهن جميعاً وعن تلك الأفكار السوداوية التي يقذفونها بها.
علاء: انتوا مكفاكوش كل اللي حصل لي. جايين بتتدخلوا تاني بيني وبينها. أقسم بالله اللي حتتدخل في الموضوع ده أو يتعرض لـ(أميمه) بأي صورة ليكون آخر اللي بينه وبينه ومش حتشوفوا وشي تاني. كفايه بقى. كفاييييييه. أنا تعبت. بقالي سنين بمووووت. سيبونا في حالنا بقى. إبعدوا عنها وعني وعن إبننا. إرحمونا من أفكاركم وظنونكم دي. أنا مش عايز غير (أميمه) في الدنيا دي. (أميمه) و(يامن) وبس. يا إما هم في حياتي. يا أما أموووت. فاهمين. يا (أميمه). يا الموت.
جملة "يا أميمه يا الموت" ظلت تتردد صداها بإذن أميمه، وقد تعلق بصرها على علاء الذي وقف قبالها كما كان يقف من قبل لحمايتها من أي شخص آخر، سواء من أهله أو من غريب.
ذلك الإحساس الذي فقدته لسنوات "الأمان". الذي لا تشعر به إلا معه هو فقط. لكن كلماته تلك التي تتردد بأذنيها… ألهذه الدرجة مازال يحبها؟ وإذا كان حبه متوطن بقلبه بهذه الصورة، لم خانها؟ وما هذا الذي تفوهت به والدته منذ قليل؟
أفكار عدة تشوش بها عقلها وهي تراقب علاء ووالدته التي نكست رأسها على الفور بعد حديثه معها لتتراجع، خارجة من الشقة تلتها ابنتها بصمت مخزٍ. لترمق هند أميمه بغيظ، محاولة إفساد تلك اللحظة التي يبدو أنها ستقرب بين علاء وأميمه أكثر، بخلاف ما كانت تسعى إليه اليوم بإبعادها عنها إلى الأبد.
هند بهمس داخل أذن أميمه حتى لا يسمعها علاء أثناء تعلق بصر أميمه بعلاء بإبهار:
هند: رجعك عشان ابنك. لكن أنا حبه وقلبه. حتى شقتك دي مكانش طايقها لأنها شبهك. جاب لي شقة ثانية عايشين فيها. حتى لو حاول يرجعك. لمجرد إنك أم. ابنه. لكن حبه ليا لوحدي. وأظن إنك شفتي وعرفتي قبل كده.
رمقتها أميمه بغضب لكلماتها التي تشبه فحيح الأفاعي، لتعتدل هند وهي تبتسم بانتصار متجهة إلى الخارج، بعد أن أرسلت لعلاء قبله بالهواء لاستفزاز أميمه أكثر وأكثر.
حينها التفت علاء قلقاً يطمئن على أميمه ويامن المتشبث بساقيها، دون وعي منهم جميعاً.
علاء: أنا آسف يا (أميمه). الموقف ده مش حيتكرر تاني.
نظرت أميمه نحوه بصمت. أأتلومه على ما حدث؟ أم أن هناك شيئاً لا تعلمه وواضح من كلمات والدته؟ أم أبتعد بغضب لما قالته لها هند؟ أكره عشهم بعد رحيلها لهذا السبب، أترك شقتها ليأخذ أخرى، يترك بها ذكرياته مع تلك المستفزة المدعوة هند.
أيحب هند فعلاً؟ وهي فقط أم ولده كما قالت؟ ألهذا السبب أصر على عودتهما معه؟ نعم. وماذا سيكون غير ذلك.
علاء: (أميمه). سامعاني..؟!
أميمه بانتباه: أنت رجعتني مصر عشان (يامن). صح؟!
علاء: (يامن) ده حتة مني ومنك. لكن… أنا عايزك انتي يا (أميمه). أنتي مراتي وحبيبتي. عايزك ترجعلي تاني. أنا حياتي من غيرك ولا ليها لازمة.
لم يكن يعنيها كل كلماته المحبة الآن، بل عليها أن تتأكد من أن حديث هند صحيح أم لا.
أميمه: أنت كنت عايش فين قبل ما نرجع؟ هنا ولا عند باباك ومامتك في شقتهم..؟!!
علاء باستغراب: بتسألي ليه..؟!
أميمه: بسأل وخلاص. رد عليا وجاوبني..!!!
علاء: ولا ده ولا ده. مقدرتش أقعد هنا وأنتي مش موجودة. ولا قدرت أقعد هناك. أجرت شقة قريبة من الشغل وقعدت فيها.
هنا أدركت أميمه أن هند على حق، لتبادر بالهجوم بسلاحها الوحيد ضد علاء.
أميمه: لو سمحت. طلقني يا (علاء). أنا مش عايزة أبقى متعلقة كده. ومش عايزة أرجع لك تاني. طلقني ودلوقتي. أحسن حاخد (يامن) وامشي. أنا تعبت من قربك ده. مش عايزاك. مش عايزاااااك.
(علاء) بتحسر فقد اعتقد أن أميمه ربما تلين وتبدأ بمسامحته بعد ما حدث.
علاء بيأس: ليه. ليه تحكمي عليا بالموت. ليه..؟!!
أميمه: كفايه كلام بقى. طلقني وروح شوف حالك بعيد عني. متربطنيش بيك. أنا خليني أعيش لإبني وبس.
علاء: (أميمه) اسمعيني. أنا عارف إنك متأكده أني خونتك. لكن والله أنتي فاهمه غلط. أنا اللي اتفقت مع (هند) نمثل عليكي ونعمل كده. عشان… اا…
أميمه مقاطعة بحدة: إيه!!!! أنت فاكرني ساذجة للدرجة دي. حتضحك عليا بالصورة دي. احترم حتى ذكائي شويه!!
ثم أكملت بتهكم: قال كانوا متفقين قال. بص يا (علاء) آخر كلام عندي أنا قلته. أنا خلاص مبقتش أحبك. طلقني بقى خليني أشوف حياتي. زي ما أنت شفت حياتك. ولا أنا كمان ماليش نفس.
تملك الغضب وأعماه الغيرة بتلك اللحظة، فهو لا يستطيع أن يتخيل أن أميمه يمكن أن تكون لغيره أبداً. ليلقي بمسامعها كلماته بحدة أشبه بالتهديد.
علاء: أقسم بالله أموتك وأموت نفسي وراكي. أنتي ليا أنا وبس. ومش حطلق يا (أميمه). مش حطلق.
ليتركها بصدمة خارجاً من الشقة، مغلقاً الباب من خلفه بقوة. انتفضت لها أميمه، لتظهر ضعفها المستتر بالانهيار والبكاء. ليحتضنها يامن وهو يربت بكفيه الصغيرين على كتفها حتى لا تحزن، لتزيد من تمسكها به كقطعة البرد التي تسكن لهيب احتراق روحها.
___________________________________________
نهال….
سعادة ملأت قلبها، فهي ترى الدنيا كلها بشكل جديد، فأخيراً ستبدأ حياتها التي ظنت أنها انتهت.
خرجت من المركز بعد أدائها للاختبار الأخير، لتفاجئ بـ(هشام) يقف بانتظارها.
هشام بلهفة: ها طمنيني. عملتي إيه؟!؟
نهال: الحمد لله. نجحت فيه.
هشام: يااه. مبروك. بجد مش قادر أوصفلك أنا فرحان قد إيه. بس على فكرة أنا كنت متوقع كده. انتي إنسانة ذكية جداً.
نهال: شكراً على وقفتك جنبي يا (هشام).
هشام: لاااا. متضحكيش عليا. الموضوع ده فيه عزومة. هو انتي بتنجحي كل يوم ولا إيه. يلا بينا أنا عازمك على الغدا فأحسن مطعم فيكي يا مصر.
نهال بتردد: لكن…!!!
هشام: ولا لكن ولا ملاكنش. حنحتفل يعني حنحتفل. تمام.
نهال: تمام. طالما مُصر.
توجه هشام ونهال لإحدى المطاعم لتناول الغذاء.
طلب هشام الطعام وسط حيرة نهال، فهذه أول مرة تأتي إلى مطعم لتناول الطعام.
ارتبكت كثيراً فور دخولها هذا المكان الفخم. دارت بعينيها تتفحص المكان والطاولات المنمقة والأنوار المعلقة بصورة ديكورية مميزة. العديد من الناس يجلسون حول تلك الطاولات يتناولون طعامهم برقي واضح. لتتسائل نهال كيف ستجلس مثلهم وتتناول الطعام بتلك الصورة الأنيقة. بل وكيف ستختار الطعام من الأساس، فهي لا تفقه شيئاً عن أمور الأثرياء تلك.
أشار هشام إلى إحدى الطاولات الشاغرة ليتقدما نحوها ويشير إليها بالجلوس، لتومئ له بتوتر قبل أن تتقدم نحو المقعد لتجلس عليه، بينما جلس هشام بمقابلتها مبتسماً، ابتسامته المريحة لنفسها حين تراها على محياه.
هشام: على فكرة اعتبري نفسك في البيت، اقعدي براحتك وكلي براحتك عادي جداً. تمام.
نهال: حاضر.
قطع هشام توتر نهال بطلبه للطعام، في حين تابعته نهال بشغف كيف يطلب الطعام من هذا النادل ليذهب الأخير ملبياً لما طلبه هشام.
بدأ هشام ونهال بتناول الطعام، لتشعر بعد عدة دقائق من التوتر أن الأمر لا يستدعي كل توترها هذا، لتكمل تناول طعامها بأريحية شديدة.
أخذا يتكلمان بأمور عامة وكيف أن عم سلمى سيرسل أوراقها للشركتان للتقدم للتوظيف لدى إحداهما. هذا الخبر الذي أسعد هشام جداً.
_________________________________________
سامر….
ترجل من سيارته وعيناه معلقتان ببيت عمه وهو يطقطق أصابعه بتوتر.
سامر: أدخل ولا كفاية كده ضغط عليها. بس أنا عايز أطمن عليها.!!
ليعزم أمره بالتقدم بزيارة بيت عمه عاطف والد حوريه ليطمئن عليها كما اعتاد خلال هذا الشهر الماضي، فلم يترك أي فرصة سانحة إلا وقد ذهب لزيارتها. شهر كامل استطاع أن يكسر ذلك الحاجز بينه وبينها ببعض الحوارات البسيطة بينهم. ذلك الحاجز الذي لم يستطع كسره منذ زمن طويل، وكان سبباً في أن حوريه لم تشعر بعشقه لها منذ صغرهم. لكن آن الأوان أن تشعر به الآن أو على الأقل تشعر باهتمامه بها.
بهذه الزيارات المتكررة شعرت حوريه براحة كبيرة في وجود سامر، حتى أنها أصبحت تنتظر زياراته تلك لإحساسها بالاطمئنان بوجوده، خاصة مع طلبه لأكثر من مرة من والديها أن يفكروا براحتها بعد عودتها وحزنها على وفاة زوجها. فعلى الرغم أن ما يؤلمها ليس وفاة عماد، إلا أنها سعدت كثيراً لمجرد أن هناك من يفكر براحتها وسعادتها، خاصة من سامر ابن عمها.
_________________________________________
في المطعم….
هشام ونهال….
بعد انتهاء هشام من تناول الطعام، طلب من نهال مستأذناً إياها بالذهاب إلى المرحاض ليغسل يديه.
تركها هشام مبتعداً عن أنظارها تماماً. لكن مع مرور الوقت وتأخر هشام، بدأت نهال تشعر بالقلق.
تقدم النادل من نهال حاملاً دفتر صغير يحتوي على "كشف حساب" لتكلفة الطعام الذي تناولوه للتو. اقترب النادل ماداً يده به تجاهها قائلاً.
النادل: لو سمحتي. الفاتورة. أصل أنا لازم أسلم الشيفت بتاعي دلوقتي.
لحظات من الارتباك والتوتر اجتاحت نهال، فهي لا تملك أي نقود، فكيف ستدفع ثمن الطعام.
أخذت تنظر بالاتجاه الذي ذهب منه هشام، لكنها لم تراه.
ماذا ستفعل الآن. وأين ذهب هشام وتركها بهذه الورطة الكبيرة.
احمر وجهها من شدة اضطرابها وهي تمد يدها تجاه الدفتر الصغير، محاولة النظر إلى الرقم المكتوب في كشف الحساب الصغير الذي أعطاه لها النادل للتو.
أمسكت بالدفتر بتوتر وهي تفتحه بتوجس، كما لو أن هذا الدفتر سينفجر بوجهها.
لكنها فور أن فتحت الدفتر، وجدت ورقة دونت عليها كلمة واحدة فقط.
"تتجوزينى"
انفعال شديد أصاب قلبها لتتسارع نبضاته، وهي ترفع رأسها باتجاه النادل، لكنها وجدت هشام هو من يقف إلى جوارها مبتسماً لها، منتظراً ردها على طلبه.
لم تصدق نهال أبداً ما طلبه منها هشام. أيعقل هذا؟ أيريد الزواج منها فعلاً؟
لحظات من الصمت بينهما وهي تنظر له غير مصدقة بالفعل.
سحب هشام مقعداً إلى جوار نهال، جالساً إلى جوارها ناظراً بعينيها مباشرة، ممسكاً بكلتا يديها التي كانت متشبثة بالورقة بقوة، وقالها بهمسه الحنون بصوت لا يسمعه سوى هما الاثنان فقط.
هشام: تقبلي تتجوزيني. حبيبتي..؟!!
كان وقع الكلمات وهي تخرج من شفتيه شيئاً آخر غير كل ما تخيلته في خيالها تماماً. كاد قلبها يتمزق من شدة خفقانه بفرحة.
ابتسمت بخجل وأخفضت بصرها لترى يديه تحيطان بيديها بحنان، إحساس فريد لم تشعر به مطلقاً من قبل.
رفع هشام وجه نهال بيده بهدوء.
هشام: عايز أسمعها منك. متحرمنيش منها.!!
حركت نهال رأسها بالموافقة.
هشام: عايز أسمعها.
نهال بخجل: موافقة.
هشام: ياااا فرج الله. بحبك. حقيقي بحبك.
نهال بخجل: بس بقى الناس بتتفرج علينا.!!
هشام: ميهمنيش. أنا كل اللي يهمني في الدنيا دي أنتي وبس.
نهال بسعادة: أنا مش مصدقة نفسي. أنا مقدرش أستحمل كل الحب ده.
هشام: هو انتي لسه شفتي حاجة. بس نتجوز وأنا مش حبعد عنك دقيقة واحدة. وساعتها حوريكى بحبك قد إيه.
نهال: كل ده..؟؟
هشام: أنا لو أقدر أخترع كلمة جديدة أوصف بيها حبك اللي في قلبي كنت اخترعتها. لكن مش لاقي غير كلمة بحبك.
نهال: متكسفنيش بقى.
هشام: عموماً حضري نفسك. جوازنا بعد أسبوعين. إيه رأيك. مناسب..؟!
نهال: مناسب جداً. أنا مفيش ولا تحضيرات ولا دعوات لحد.
هشام: وأنا كمان. يبقى بإذن الله بعد أسبوعين أكون جهزت الشقة بتاعتي لو ناقصنا حاجة ونتمم الجواز.
نهال: أنا صاحية صح. أكيد مش بحلم..؟!!
هشام: أحلى حلم. من النهاردة حتتكتب لينا ذكريات جديدة. وفرحة جديدة ونبعد عن كل ذكرى زعلتنا أو كانت السبب في حزننا في يوم.
خرجت نهال من المطعم بصحبة هشام، وكأنها تحلم، فاليوم كله بالنسبة إليها أجمل أيام حياتها. فهي اليوم أخذت أول شهاداتها لتعمل بشركة كبيرة وتحقق ذاتها وستتزوج الإنسان الذي أحبته منذ أن رأته من أول مرة.
_________________________________________
بعد مرور عدة أيام…
مرت أيام وانتهت فترة الامتحانات، لتستعد كلاً من رحمه وهاجر لزفاف هاجر من عبد الله بعد أيام قليلة.
استطاع عبد الله بتجهيز أحد المحال التجارية لبيع الأدوات الكهربائية كمشروع مناسب له، مستخدماً المال الذي أعطته له حوريه. كما استطاع تأجير شقة قريبة وفرشها بأثاث مناسب لبدء حياته مع هاجر.
ساعدت رحمه عبد الله من جهة وهاجر من جهة أخرى في التجهيز لهذا الزفاف الذي انتظروه جميعاً حاملاً البهجة والفرحة بقلوبهم المنهكة.
لكن على الرغم من انشغالها دوماً بـ(عبد الله) و(هاجر)، لم تستطع منع نفسها من السؤال عن طارق والاطمئنان على أحواله دون أن يدري، فهي لا تستطيع التحكم بمكنون قلبها.
استطاعت معرفة انشغاله لأيام خارج بيته بعمل ما، لكنه عاد سالماً بعدها، فقد استطاعت معرفة كل أخباره من صديقتها نرمين التي تعمل بالمكتبة المجاورة لبيته.
_________________________________________
يوم زفاف عبد الله وهاجر.
ها هي تتجهز العروس باحتفال الجميع بها. بهذا اليوم المميز الذي يجمع بين الحبيبين.
كان زفافاً بسيطاً يجمع جميع الأهل والأحباء.
تألقت هاجر بفستانها الأبيض الناصع المتلألئ وسط صديقاتها وجيرانها، وأولهم بالطبع رحمه التي كانت في قمة سعادتها، فاليوم يتزوج أخيها من صديقة عمرها ويربطهما رباط آخر غير رباط صداقتهم.
عبد الله…
كان عبد الله سعيداً، فقد تحققت أمانيه أخيراً واجتمع بحبيبته بعد كل ما قاساه في الفترة الماضية.
بدأ الزفاف وها هما يجلسان إلى جوار بعضهما البعض، ملامح وجهيهما تدل بالفعل على ما يشعران به من سعادة.
هنأ الجميع من الحاضرين العروسين السعيدين وباركوا لهما، وبعد انتهاء حفل زفافهم البسيط أوصلوهما إلى منزلهما الجديد.
هاجر……
ربما ليسوا بالغرباء عن بعضهم البعض، لكن الخجل كان ملمحاً أساسياً بهذا المشهد الجميل.
ساعدها عبد الله على كسر هذا الحاجز بينهما ببعض الكلمات الرقيقة التي جعلت هاجر تتحدث معه، وظلا يضحكان ويتسامران حتى كسر هذا الحاجز بينهما، لتبدأ حياتهما بليلتهما المميزة ويبدآن برسم أولى خطوات حياتهما سوياً كزوجين بكل حب وتفاهم.
________________________________________
علاء….
قبض على هاتفه بعصبية، فمازال آخر موقف بينه وبين أميمه يؤثر به، فهو حتى الآن لا يستطيع تخيل أميمه لغيره ولا يستطيع تجاوز ما قالته له وطلبها للطلاق.
وما ضايقه أكثر هو رفضها التام لتصديق ما قاله لها بأنه لم يخنها وأنه اتفق مع هند على كل ما رأته.
نظر لآخر مرة باتجاه هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين، ليجيبه بعدم اكتراث.
علاء: أيوة….
سامر: إيه أيوة دي. مالك يا جدع أنت…. ؟!
علاء: (سامر). أنا مش ناقصك. فيه إيه. خلص….!!
سامر: عايز أشوفك…
علاء مقاطعاً: مش فاضي. سلام.
سامر: ما تسمع يا أخي. حتفضل لحد إمتى قافل ودانك كده..؟!
علاء بقلة صبر: إخلص يا (سامر). أنا العفاريت كلها بتتنطط في وشي.
سامر: إيه اللي حصل تاني…. أنا أصلي انشغلت عنك شوية في الشغل والمأموريات اللي ورا بعضها. فيه حاجة حصلت بينك وبين (أميمه) ولا إيه..؟ مش كنت بتقول مسألة وقت وترجعوا أحسن من الأول.
علاء: إزاي بقى..!!! وأنا ورايا الزفتة اللي اسمها (هند) اللي ما بتصدق وتلف ودان أمك وأنت عارف أنها نفسها تجوزهالي بقالها كام سنة. حتى (أميمه) أصلاً مش راضية تسمع مني حاجة خالص.
سامر: طب واللي يحل لك الموضوع ده…!!!
اعتدل علاء بجلسته منصتاً لأخيه باهتمام.
علاء: إزاي..؟!!
سامر: ملكش دعوة. أنا حروح لها بكرة عشان عندي شغل النهاردة. وحظبطلك الدنيا.
علاء: ده أنت يبقى ليك الحلاوة والله.
سامر: عد الجمايل بس. يلا. سلام.
علاء: سلام.
أغلق علاء المكالمة وقد اشتعل بداخله الأمل مرة أخرى في توضيح الحقيقة لـ(أميمه).
رواية ذكريات مجهولة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم قوت القلوب
« نزهه … »
أميمه …
لم يكن ينقصها توتر عائلة (علاء) بل يكفيها ذلك الصراع بداخلها، صراع قوى بين قلبها الذي اشتاق له وعقلها الرافض لفكرة الرضوخ لشخص باعها بأول فرصة.
بعد موقف (أم علاء) الأخير وتصدى (علاء) لها أمام عينيها، وكلمات تلك الحرباء (هند) والذي تأكدت منه من (علاء) نفسه، وإصرارها على إنهاء هذا الطلاق المعلق بينهم لم تستطع (أميمه) أن تخرج من شقتها بل فضلت بقائها لبعض الوقت تراجع نفسها وحساباتها مرة أخرى.
كما أنها ليست لها طاقة بمقابلة أحد من أهلها والتصنع بالمجاملة والابتسام وكأن شيئاً لم يكن.
التوى (يامن) غاضباً وحزن بأحد أركان غرفة المعيشة متكتفاً يرفض التحدث لـ (أميمه) إطلاقاً.
لتقترب منه (أميمه) محاولة إياه تستجدي إرضائه.
أميمه: خلاص بقى يا (مينو) … بلاش كدة.
يامن: لا … أنا عاوز أنا (توتشا) تاني أنا زهقت من هنا … أنتي كمان بتزعلي كتير … حتى بابي مش بيجي معانا زي ما كنت عاوز.
أميمه: طيب إيه رأيك نخرج بكرة …؟!!
يامن بفرحة: هنروح فين …؟!!
أميمه: أمم … نروح الملاهي .. ها إيه رأيك ..؟!
يامن: أيوة أيوة … أنا عاوز أروح الملاهي.
أميمه: طيب نهدا بقى وأوعدك بكرة نروح الملاهي وننبسط قوي.
يامن: أيوة يا مامى ….. أنا مبسوط كده.
احتضنت (أميمه) (يامن) بحنان فهو ياقوتتها الغالية ولن تسمح بما تمر به من مشاكل مع (علاء) وأهله أن تؤثر على هذا الصغير الذي يبدو أنه تأثر بالفعل مما حدث.
***
هند….
جلست بغرفتها تكمل محادثتها الهاتفية وهي تقطع بتلات الزهرة واحدة تلو الأخرى بعصبية دون أن تدري أنها تقتلها وتزيدها قبحاً بتمرير تلك الأصابع القاسية عليها.
هند: هاااااا …. فهمت يا (محمد) ولا إيه … ؟!!
محمد: ماشي يا أبله (هند) … بس دي مش شغلتي وأنتي عارفه …؟!!
هند بإحتقار: (محمد) …!!! أنت حتعملهم عليا ولا إيه … ؟!! الله …… هي أول مرة ….. ما إحنا ياما عملنا شغل مع بعض … وبتستفاد كويس أوي على فكرة ولا ناسى …؟!!
محمد يخضع: هو أنا قلت حاجة يا أبله (هند) … خلاص ماشي … اعتبره حصل … وأخبارها بالتفصيل هتبقى عندك أول بأول.
هند: الله ينور عليك …. وأنا مستنية تليفونك يوم بيوم تقولي اللي بيحصل … فاهم.
محمد: طب مفيش حاجة كده تحت الحساب .. أحسن الدنيا واقفة معايا خالص يا أبله.
هند بنفور: اللهم طولك يا روح …. بكرة يا (محمد) …. بكرة.
محمد: ماشي يا أبله .. عنينا ليكي.
أغلقت هاتفها بعصبية وهي تردف بتذمر.
هند: لما أشوف آخرتها معاكي يا (أميمه) …..
***
في اليوم التالي…
استيقظ (يامن) بنشاط كبير بوقت مبكر جداً وأخذ يوقظ والدته حتى يذهبا إلى مدينة الملاهي كما وعدته بالأمس.
أميمه بتثاقل: إيه يا (مينو) ؟!! … صاحي بدري أوي كده ليه … ؟!!
يامن: يلا نروح الملاهي.
أميمه: لسه بدري يا (مينو) … تعالى نام شوية ونصحى نروح على طول.
يامن: أنا زهقت نوم بقى.
أميمه بتملل: طيب تعالى نفطر وبعدين نشوف … دلوقتي بدري أوي …. لسه يا (مينو) مفتحوش الباب.
يامن بيأس مستسلماً: كل ده ولسه مفتحوش الباب … طيب.
جلس (يامن) بقلة صبر وقد عقد ذراعيه بحزن لاستسلامه لحديث والدته بالانتظار بينما ابتسمت (أميمه) على قلة صبر ولدها وجلسته تلك التي يشبه بها (علاء) حرفياً.
***
هشام….
استيقظ بنشاط وسعادة جالساً على مكتبه ليبدأ بتدوين كل الأحداث التي تحدث بينه وبين (نهال) بالتفصيل بدفتر ذكرياتها القديم.
عبر بكلماته عن مدى سعادته الغامرة باقتراب يوم زفافهم بعد بضعة أيام ليتوج حبهما الرائع بالزواج.
لكن قرر أولاً بالذهاب إلى عنوان خال (نهال) ليشهد على عقد الزواج ويكون ولياً لها.
***
نهال….
لم تدرك ما عليها فعله وتجهيزه لكنها أبلغت (سلمى) بزواجها لتسعد لها جداً بهذا التغير الكبير بحياتها واستقرارها بزواجها من (هشام) الذي أحبته (نهال) بالفعل وتعلقت به بشدة كما روت لها (نهال).
***
علاء…..
لم يستطع النوم مطلقاً ليقطع الغرفة مجيئاً وذهاباً من شدة قلقه وتوتره ليجلس بقوة زافراً بحدة وهو يعقد ذراعيه أمام صدره بضيق قاضباً حاجبيه بقوة.
علاء: لا اااا بقى أنا مش هقعد كده متكتف …. أنا لازم أشوف (سامر) ناوي على إيه …. مش معقول كده.
ليتصل بأخيه مستفسراً منه عما سيفعله مع (أميمه) ومتى سيذهب إليها ليحثه على الذهاب الآن على الفور وسط تملل (سامر) من تسرع أخيه لكنه يتفهم لهفته بالفعل.
***
أميمه….
بعد إلحاح (يامن) الشديد اضطرت للتجهز بهذا الصباح الباكر مصطحبة (يامن) بيدها متجهين إلى مدينة الملاهي كما وعدته بالأمس.
أغلقت باب شقتها جيداً خارجة من البناية وهي ممسكة بيد (يامن) الصغيرة وهو يقفز فرحاً من فرط سعادته بذهابه إلى الملاهي.
وقبل أن تتحرك أوقفها (سامر) الذي لم تره منذ عودتها إلى القاهرة فهذه أول مرة تلتقي به لتحاول السيطرة على انفعالاتها ظناً منها أنه سيقابلها بنفس مقابلة والدته وأخته من قبل.
تجهمت ملامحها عند رؤيته يقترب نحوها في عجالة، فمن الواضح أنه يقصدها وأتى إليها متعمداً وليس بمحض الصدفة.
سامر: (أميمه) …. إزيك … حمد الله على السلامة ولو إنها متأخرة …. بس ظروف الشغل بقى.
أميمه بتوجس: الحمد لله … عادي يا (سامر).
سامر: كنت عاوز أتكلم معاكي ضروري.
أميمه بحده: بص يا (سامر) … أنا مش مستحملة كلام تاني وأنا مطلبتش من (علاء) أننا نرجع … أنا أصلاً طلبت منه يطلقني فاإرحموني بقى وكفاية لحد كده.!!!
سامر بعدم فهم: قصدك إيه أنا مش فاهم حاجة ؟!! … وأنا هكون عاوز إنك تسيبى (علاء) وتطلقي ليه ؟!! … أنا نفسي ترجعوا زي الأول وأحسن.
أميمه بتعجب: نرجع …. !!!! على فكرة أنتوا لخبطوني جداً ومش فاهماكم بصراحة ….. عموماً سيبوني في حالي أنا وابني.
هنا انتبه (سامر) لـ (يامن) ابن أخيه ونظر إليه بحب وهو يراه نسخة مصغرة من أخيه (علاء) ويشبههم كثيراً في صغرهم.
ركز (سامر) جاثياً على إحدى ركبتيه مقترباً من (يامن).
سامر: أنت (يامن) …. أنا عمو (سامر) … أخو بابا (علاء).
يامن: عموووو …. عينك زرقاء زي بابا أهو.
سامر ضاحكاً: أيوة … زيك وزي بابا … تعالى حبيبي … تعالى.
فتح (سامر) ذراعيه على وسعهما يحتضن (يامن) ابن أخيه بحب فـ (يامن) أول حفيد بعائلتهم.
كم يشبههم كثيراً هو و (علاء)، كم يبدو طفلاً لطيفاً وعفوياً، فالطالما أحب الأطفال جداً.
شعرت (أميمه) ببعض الراحة من لقاء (سامر) بـ (يامن)، فالطالما كان (سامر) محباً حنوناً كأخ صغير لها ولـ (علاء).
(سامر) وهو ينهض ناظراً نحو (أميمه) مستكملاً حديثه إليها وهو مازال حاملاً (يامن) على ذراعه.
سامر: بصي يا (أميمه) …. أنا عايز أوضح لك شوية حاجات بعدها أنتي قرري اللي أنتي عايزاه ولو إني متأكد إنك حتسامحي (علاء) بعدها.
أميمه: لو سمحت يا (سامر) أنا مش عايزة أسمع.
سامر مقاطعاً: (علاء) كان بيموت .. كان مريض.
أميمه بصدمة: موت إيه ومريض إيه.. ؟! إمتى ده وإزاي….؟!!
سامر: (علاء) عرف أنه مريض وعنده ورم سرطاني ولأنه عارف أنتي قد إيه مرتبطة بيه ومتعلقة بيه وإن أنتي حتتأثري أوي من بعده لو مات …… فكر أنه يبعدك عنه بالقسوة دي عشان متتعبيش في بعده … أنتوا كنتوا متعلقين أوي ببعض.
فاإضطر يمثل عليكي الخيانة عشان تبعدي عنه وطبعاً دي كانت فكرة (هند) لأنها عرفت بالصدفة تعبه من الدكتورة صاحبتها اللي عملت التحليل لـ (علاء).
أميمه بعدم تصديق: أنت بتقول إيه….؟؟ استحالة طبعاً … أنا شايفة بعينيا … احترموا ذكائي شوية … يقول إنه غلط آه … بس ملهاش لازمة القصة دي كلها.
سامر: بس أنا معايا كل اللي يثبت كلامي ده.
أميمه: إيه …..؟!!!!!!
سامر: بالنسبة للتحاليل دي سهلة جداً وموجودة فعلاً لكن اللي حتثبت لك اتفاق (هند) و (علاء) معايا.
أنزل (سامر) (يامن) من فوق ذراعه ليقف الصغير إلى جوار أمه بينما أخرج (سامر) هاتف (علاء) المحطم من جيبه قائلاً.
سامر: ده تليفون (علاء) القديم اللي كنتي جايباهوله في عيد ميلاده فاكرة….؟!! للأسف كان انكسر وهو عليه كل حاجة عشان اليوم ده ولسه يا دوب اتصلح امبارح.
شوفى كده.
أمسكت (أميمه) الهاتف تقلب به بذهول.
وجدت عدة صور لتقارير طبية وأشعة تثبت مرض (علاء) بنفس توقيت معرفتها بخيانته لها.
كما وجدت فيديو لـ (هند) و (علاء) بنفس الوقت والملابس يتحدثان عن ما سيقومان به من تمثيلية لإبعاد (أميمه) عن (علاء) حتى لا تتأثر بفقدانه ذلك المصير المحتوم لذلك المرض.
كذلك وجدت حوار بتاريخ ذلك اليوم بين (هند) و (علاء) واتفاقهم على مقابلتهم بالفندق وإرسال رسالة لـ (أميمه) من رقم غريب لتصدق تماماً خيانته لها.
كل شيء بنفس التاريخ والأحداث القديمة.
هل فعل ذلك بالفعل ليبعدها عنه وأنه لم يخونها مطلقاً.
مجرد تمثيلية لتبتعد هي عنه ويبقى هو بمفرده يصارع هذا المرض اللعين.
ألهذا لم يلحق بها قبل مغادرتها وسفرها.
أكان يقصد ذلك أيضاً.
أميمه بذهول: (علاء) كان مريض سرطان.!!!!
سامر: أيوة …. قعد سنتين علاج والحمد لله قدر يهزم المرض ويرجع زي الأول وأحسن.
حاول كتير أوي لما اتعالج أنه يدور عليكي. قلب الدنيا كلها ومعرفش مكانك.
أميمه: ليه … يعمل كده ليه ……؟!!
سامر: عشان انــ……
قاطعهم (علاء) ناظراً بعينيه العاشقتين لـ (أميمه).
علاء: مكنتش هقدر أشوفك بتتعذبي وأنا بموت جنبك ….. مكنتش عايز أشوف الحزن في عينيكي.
أميمه بلوم: تقوم توجعني كل السنين دي وأنا فاكراك بتخوني ومبقتش تحبني. وليه تتعب وتكون لوحدك … ليه مدتنيش فرصة أني أكون جنبك في تعبك. ليه كنت أناني كده وأخدت قرارك لوحدك.
علاء بندم: قرار غلط دفعت تمنه خمس سنين بحالهم وأنا بتعذب وأنتي بعيد عني ومش عارف لك طريق.
أميمه معاتبة: ليه يا (علاء)؟!! … ليه تعمل فينا كده …. ليه تفرقنا بالصورة دي. أنت فاكر لما افتكر إنك بتخوني هعيش حياتي عادي وأنسالك. أنت ساكن في روحي يا (علاء) …. ليه حكمت عليا بالصورة دي وبعدتني عنك في أكتر وقت كنت محتاجني جنبك.
علاء: عشان بحبك …. يمكن وقتها مكنتش عايز أشوف حزنك لكن لما بعدتي أوي كده … حسيت أن الموت أرحم لي. الدنيا من غيرك مالهاش لازمة بالنسبة لي.
أميمه: وليه والدتك واختك متضايقين مني كده … ؟!!
علاء: لما عرفوا أني مريض وافتكروا إنك لما عرفتي بمرضي سبتيني ومشيتي وأنا مكنتش قادر أوضح اللي عملناه أنا و (هند) … كنت تعبان جداً من المرض ومن فراقك.
أميمه: أنا فهمت دلوقتي.
علاء: أرجوكي سامحيني. أنا غلطت … لكن بحبك.
أميمه: حرمتني منك كل ده من غير سبب … اتحرمت من إنك تعرف إن ليك ابن، وإنه يتولد وسطنا. إحنا خسرنا كتير أوي.
علاء: يلا نرجع زي الأول ووعد مني أعوضك عن كل اللي فات. ونربي ابننا وسطنا. سامحيني يا (أميمه).
سمحت وقتها فقط لدموعها بالانهيار باكية فراقهم الطويل واشتياقها له، ليقترب (علاء) منها ماسحاً بإبهامه دموعها التي آلمت روحه وقلبه.
علاء هامساً: سامحيني حبيبتي…. سامحيني.
لتريح (أميمه) رأسها على كتف (علاء) ملقية بآلام سنوات الشقاء الماضية.
يامن: وبعدين بقى …. أنا عايز أروح الملاهي بقى هتقفل الباب.!!!
ضحك كلاً من (أميمه) و (علاء) على عفوية (يامن) ليحمله (علاء) بحب.
علاء: يلا بينا نروح الملاهي.
ثم أمسك بكفه القوي كف (أميمه) الرقيق ضاغطاً بقوة عليه باعثاً لها برسالة اشتياقه لها لتنكس رأسها بخجل وابتسامة خجلة فوق شفاهها ليذهبا ثلاثتهم إلى مدينة الملاهي.
***
سامر….
فور وصول (علاء) انسحب (سامر) بهدوء تاركاً لهم الحرية في الحديث والعتاب ليعود إلى مكتبه منتظراً بشوق لحظة تجمعه بـ (حوريه) مثلما اجتمع (علاء) بـ (أميمه).
***
هند…..
استيقظت (هند) على مكالمة من (محمد) لتنتفض مسرعة بالإجابة على هاتفها.
هند بتساؤل: خير يا (محمد) …؟!!
محمد: أيوة يا أبله (هند) … (سامر) بيه و (علاء) بيه جم للست (أميمه) وشكلهم تصلحوا وأخذهم (علاء) بيه وراحوا الملاهي.
هند بحده: إييييه ….. إصلحوا …. وأنت عرفت إزاي …؟!!
محمد: (سامر) بيه كان جايب تليفون للست (أميمه) والظاهر كده شافت حاجات خلتها تتصالح مع (علاء) بيه.
تذكرت (هند) وقتما أقنعت (علاء) بالقيام بتلك التمثيلية لإقناع (أميمه) أن (علاء) يخونها ولم يعد يحبها ومخلص لها وإصرار (علاء) على تسجيل وتصوير كل ما قاموا به فربما يتعافى بيوم من الأيام أو تطهير لذكراه بعد رحيله.
هند بإحباط: طيب خلاص خلاص …. إقفل دلوقتي.
محمد: طيب .. اا … اللي قلنا عليه …. حاجة كده تمشي الدنيا.
(هند) بضيق من إلحاح (محمد) المستمر: طيب يا (محمد)… أروق كده وأكلمك. سلام دلوقتي. أوووف.
أغلقت هاتفها بحدة وهي تحاول السيطرة على أعصابها المنفلتة.
هند: والله عال. بقى إصلحوا … لا لا لا … لا يمكن يعدي بالساهل كده. يعني إيه (علاء) هيروح مني تاني ؟!. … لا يا ست (أميمه) ده بعدك.
***
هشام….
تقابل (هشام) مع (ناجي) خال (نهال) بمنزله بعدما عرف من (نهال) عنوانه من قبل ليحضر لها مفاجأة بحضور خالها لعقد القرآن فيزيد من سعادتها بالتفاف عائلتها بيومها المميز بدلاً من إحساسها بالوحدة واليتم.
ناجي: أيوة … أنت مين … ؟؟؟
هشام: أنا (هشام معروف) كنت عايز حضرتك في موضوع مهم.
ناجي: اتفضل.
دلف (هشام) إلى داخل البيت حيث أشار له (ناجي) بالجلوس وسط ظهور علامات التساؤل عن سبب تواجد هذا الشاب هنا.
ناجي بفضول: خير يا أستاذ (هشام) .. أي خدمة … ؟!
هشام: والله يا عمي أنا كنت عاوز أتزوج بنت أخت حضرتك الآنسة (نهال) وكنت بطلب منك تيجي تتمم كتب الكتاب بما أن حضرتك وليها. وطبعاً مش طالبين من حضرتك إلا إنك تشرفنا بس. إحنا مجهزين كل حاجة.
ناجي: (نهال) مين وزفت مين …. أنا ماليش بنات أخوات. إتكل على الله. مش باقي إلا الخدم كمان هنحضر فرحهم.!!
هشام بغضب: أنت ليه كده … مش كفاية ذلتها ورمتها طول السنين دي. يا أخي أتقي الله.
ناجي بغضب: أنت جاي تدعي عليا هنا. يلا أخويا … غور أنت وهي في ستين داهية. ناقصة مصايبكم هي. أمشي يلا.
هشام: أنا اللي غلطان، كنت فاكر إنك بني آدم وعندك قلب. بس إزاي وأنت رميتها من الأساس في الشوارع. بس متنساش إن ربنا منتقم. وأكيد حينتقم منك على اللي أنت عملته فيها. وأنا اللي بقولهالك أهو. هي ميشرفهاش إنك تكون وليها ولا تحضر فرحها.
تركه (هشام) غاضباً لكنه قرر أن يعقد قرانه بـ (نهال) بنفسها فهي قد تعدت السن القانوني وتستطيع تزويج نفسها فليس لديه سبيل آخر.
***
بيت ناجي ( خال نهال )….
بعد رحيل (هشام) جلس (ناجي) على الأريكة منكس رأسه واضعاً كفيه فوقها بأسى لتهل زوجته (ساميه) قائلة.
ساميه: مين اللي جه يا (ناجي) ….؟؟؟
ناجي بإنكسار: ده واحد عايز يتجوز (نهال). وكان عايزني أحضر كتب الكتاب.
ساميه بتوجس: وحتروح …. ؟!!
انتفض (ناجي) ثائراً من جلسته وقد تهج صوتُه الذي أخذ يحد من شدة انفعاله.
ناجي: أروح … ؟! أروح فين … ؟! أروح لـ (نهال) اللي أخدتها عيلة في بيتي عشان أبقى الوصي عليها وأخد ورثها من أبوها اللي مات وبعدين رمتها خدامة للريس بتاعي في الشغل عشان يظبطني وياخد باله مني.
أروح لها برجليا وأنا راميها وواكل حقها عشان تشمت فيا وفي اللي حصل لبناتي الثلاثة وكأن ربنا أخد لها حقها مني بعد اللي عملته فيها.!!!
ساميه بحزن: ده نصيبهم كده يا ناجي مش اااا…..
ناجي مقاطعاً: لأ يا (ساميه) …. الواد ده عنده حق … ده انتقام ربنا مني على اللي عملته معاها. واحدة اتطلقت يوم فرحها بفضيحة من كتر مشيها البطال وقلة تربيتها. جوزها وأهله رموها على باب البيت في وسط الشارع وفضحونا وطلقها ومشي وأهي مرمية في أوضتها من يومها ومش عارفين نرفع راسنا قدام حد بعد الفضيحة دي.
والتانية اختلست فلوس من العهدة وسرقتها وبلغوا عنها واترمت في السجن.
والتالتة من اللي حصل لإخواتها جوزها وأهله مسحوا بيها الأرض وكل ما تغضب نرجعها لهم تاني ما إحنا مش ناقصين تترمى هي كمان زي أختها مطلقة بعيالها دول.
وآخرتها أهو جوزها وأمه كبوا عليها الجاز وولعوا فيها ومرمية في المستشفى بين الحياة والموت.
كل ده ومش مصدقة أنه ذنب (نهال) اللي ربنا بيخلصه مننا.
جلس بإنهيار مرة أخرى بموضعه لتجلس زوجته على المقعد المقابل له منكسة رأسها هي الأخرى بخزى وآسى وندم على ما فعلوه.
يتمنوا لو أن الزمان يعود مرة أخرى ولا يأكلوا حق تلك اليتيمة ولا يقهرونها ويقسوا عليها بتلك الصورة فسبحان المنتقم الجبار.
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم قوت القلوب
لم تكن تلك هي الزيارة الوحيدة الثقيلة على قلب هشام. لكنه مجبر للقيام بتلك الزيارة أيضاً.
تقدم بضيق نحو تلك البوابة الكبيرة ليفتحها متقدماً نحو بيت والده معروف.
طرق الباب بعد تردد لتفتح له هايدي الباب ناظرة نحو هشام بدهشة لقدومه إلى البيت بعد قراره الأخير بألا يعود إلى هذا البيت مرة أخرى.
هايدي: خير.. إيه اللي جابك تاني؟ مش كنت قلت مش راجع البيت ده تاني؟
هشام: أنا مش جاي لك.. أنا عايز بابا.
زمت هايدي فمها جانبياً وهي تتنحى عن الباب تاركة هشام واقفاً بمفرده لتصعد إلى غرفتها بلا اكتراث. ليتقدم معروف نحو بهو الفيلا متطلعاً نحو هشام بتساؤل.
معروف: هشام..!!
هشام: أيوه.. هشام.. ابنك لو لسه فاكره؟
معروف: لزمته إيه الأسلوب ده؟ خير يا هشام؟
هشام وقد أحس أن ما سيعرضه على والده ثقيلاً جداً على نفسه لكنه أصبح مجبر الآن على قوله بتلك المواجهة.
هشام: أنا جاي أعزمك على فرحي.. أنا خلاص حتجوز.
اندهش معروف من هذا الخبر غير المتوقع إطلاقاً بالنسبة له. ألهذه الدرجة هو بعيد عن ولده ليأتي لدعوته كالغريب؟
لتفاجئه جيهان التي كانت تسترق السمع لهذا الحوار القصير بين هشام ومعروف قائلة.
جيهان: وجاي طبعاً عايز فلوس عشان تتجوز صح يا شاطر؟
هشام بحده: أنتي مالكيش كلام معايا.. أنا جاي لبابا وبس.
جيهان: بس يا شاطر.
ثم نظرت بحدة إلى زوجها مردفة.
جيهان: سامع يا معروف قلة أدبه معايا! إنت لازم تطرد الواد الطماع ده من هنا.. مش بييجي إلا عشان فلوس ومصلحة وبس.
معروف: استنى بس يا جيهان.. خليني أفهم كويس.. إنت حتتجوز يا هشام؟
هشام: أيوه.. ومش عايز منك حاجة.. زي ما الست دي بتقول.. أنا بعزمك تحضر فرحي.. أو على الأقل تعرف إني حتجوز.
معروف: أنا جـ...
قاطعته جيهان مرة أخرى بحدة أكبر.
جيهان: معروف!!! إنت ناوي تحضر فرح الواد ده؟ بقولك إيه.. لو حضرت له حاجة أو اديته فلوس أنا مش حقعد لك في البيت ده.. فاهم؟
ليُكظم شفتيه بحده وهو يوري وجهه بعيداً عن هشام قائلاً بضعف.
معروف: أنا مش جاي.. يا هشام.
حرك هشام عينيه بين أبيه وزوجته عائداً ببصره في النهاية نحو والده ليضحك بتهكم مردفاً بحسرة.
هشام: أنا كنت عارف إن ده اللي حيحصل.. بس كان لازم أعمل اللي عليا وأجي لحد عندك أكبرك وأعرفك ابنك اللي أنت ناسيه ناوي يعمل إيه.
وتركه خارجاً خائب الرجاء مثلما كان يتوقع تماماً. وما عليه الآن إلا أن يتزوج شبيهته ليعوضها وتعوضه عما فقدوه بتلك الأيام القاسية لتبدأ رحلتهم مع ذكرياتهم الجميلة التي سيخطونها سوياً.
***
بنهاية اليوم.. عاد علاء حاملاً يامن المستغرق في النوم من شدة إنهكه ولعبه طوال اليوم حتى وصلا إلى بنايتهم.
علاء: ادخلي انتي الأول عشان أطمن عليكي.
دلفت أميمة إلى البناية لتستقل المصعد مع علاء الذي يحمل يامن على كتفه مسترقاً النظر إليها من حين لآخر يود لو يسمعها منها ويطمئن قلبه.
فتح علاء باب المصعد متجهاً إلى شقتهما لتفتح أميمة الباب بالمفتاح متقدمة علاء الذي دلف نحو غرفة يامن ليضعه برفق فوق فراشه خالعاً له نعليه مدثراً إياه بغطائه بإحكام ليخرج مسرعاً نحو أميمة.
كانت هذه المرة تنتظره بشوق فتلك لحظتهما الأولى بمفردهما بعد أن اتضحت لها كل الحقيقة.
علاء: مش حتتكلمي بقى؟ أنا ما صدقت بقينا لوحدنا.
أميمة: متضحكش عليا.. أنا لسه زعلانه منك على اللي عملته.
علاء: خلاص بقى.. سماح.
أميمة: أوعى أوعى تفكر تبعدني عنك بالصورة دي تاني.
علاء: يعني خلاص.. حنرجع؟ وعد أني عمري ما حخبى عنك حاجة أبداً أبداً.
أميمة: خلاص.
علاء: خلاص إيه؟ هاه.. خلاص إيه؟
أميمة: خلاص بقى يا علاء.. الله.
علاء: حبيبي انتي ياللي بتتكسف.
أقبل علاء نحو أميمة ليحملها بخفة فوق ذراعيه القويتين لتنهره أميمة ضاحكة.
أميمة: بس يا علاء.. (يامن) حيصحى.
علاء: والله لو الدنيا كلها صحيت دلوقتي.. ما أنا سايبك.
لتنتهي ليلتهم السعيدة بعودة القلوب المحبة إلى ألفتها ومسكنها.
***
شقة عبد الله وهاجر.
عبد الله: يا هاجر.. فين السكر؟
هاجر: أنت بتعمل إيه عندك في المطبخ؟
عبد الله: يا هاجر يلا بس.. زمانهم جايين وملحقناش نجهز حاجة.
هاجر: متقلقش كده.. إحنا عندنا حلويات كفاية وأنا حجهز العصير أهو.
عبد الله: دي أول زيارة لأهلنا في بيتنا بعد جوازنا مش عايزها حاجة أي كلام.
هاجر: متقلقش كل حاجة جاهزة وتمام.
تذكر عبد الله شيئاً فاستدار نحو هاجر.
عبد الله: صحيح يا هاجر.. إيه رأيك نزور مدام حورية؟
هاجر: صحيح!!! الموضوع ده راح عن بالي خالص.. شوف أنت معاد مناسب ونروح.
عبد الله: خلاص كمان كام يوم كده أكون جبت بضاعة المحل نبقى نروح نزورها.. أنا معايا العنوان.
هاجر: كويس أوي.. يلا يلا.. أحسن أنا سامعة صوت مقرب من الباب شكلهم جم.
استقبل عبد الله وهاجر أهلهما في أول زيارة لهما بعد زواجهما بترحاب وشوق.
***
مرت بضعة أيام. فهذا اليوم الرائع سوف يتوج به رباط بين قلبين محبين ويتكلل بزفافهم المنتظر هشام ونهال.
نهال.
حزنت نهال فقد كانت تتمنى بيوم زفافها أن يشاركها العديد من المدعوين الفرحين بها لكنها هنا اليوم بمفردها مع صديقتها الوحيدة سلمى.
لكن سعادتها بقلبها كانت أكثر بكثير جداً من أي شيء، لأنه بداية من اليوم ستكون أسرة وعائلة مع هذا الإنسان الرائع الذي أحبته بالفعل منذ أول لحظة رأته بها. لتنحى حزنها جانباً فهشام يستحق الفرحة والسعادة فقد بذل من أجلها كل ما بوسعه فقط ليسعدها ويشعرها بالحنان والأمان.
نظرت إلى هذا الفستان اللؤلؤي رائع الجمال الذي استأجره لها هشام لترتديه اليوم لأكثر ليلة مميزة بحياتها.
كما ساعدتها سلمى بوضع بعض مساحيق التجميل والتي كانت نهال في غنى عنها من الأساس لجمالها الطبيعي الساحر الذي يغلب عليها دون الحاجة لتلك المساحيق لكنها عادة العروس.
بالنهاية أصبحت كالملائكة بفستانها اللؤلؤي وجمالها الآخاذ.
***
هشام.
تحضر هشام بشقته بصحبة بعض أصدقائه المحبين دون حضور والده لزفافه، ليصبحا هشام ونهال أشبه بيتيمين بليلة كانا يودا لو أن كل عائلتيهما ملتفين حولهما.
لكنه لم يدع كل تلك الآثار السلبية أن تؤثر على فرحته اليوم، فحتى لو كانا كاليتيمين إلا أنهما منذ الآن سيصبحا عائلة لكل منهما الآخر.
احتفل أصدقاء هشام بصديقهما حتى جهزت العروس، ليعدل هشام من حلته الرسمية السوداء واضعاً زهرة بيضاء صغيرة بعروة الجاكيت الخاص به مرتسمة على وجهه ابتسامته العذبة متجهاً إلى الدور السفلي حيث شقة نهال ليبدأوا حفل زفاف من نوع خاص.
***
شقة نهال.
توقف هشام وسط أصدقائه حينما حضر المأذون ليعقد قرآن هشام ونهال لتهل نهال بطلتها الملائكية الساحرة فتتسع ابتسامة أكثر وأكثر فقد فاز بها فهي ألماسنه الزاهية وبعينيه أجمل وأرق مخلوقة على وجه الأرض.
دقات قلبه المتماشية مع خطواتها الرقيقة الهادئة وهي تتقدم نحوه تعلن أعذب الأصوات الموسيقية بقلبه.
اقترب هشام من نهال ليمسك بيدها ويضعها على ذراعه ليجلسا على إحدى الأرائك البسيطة بشقة نهال.
التف أصدقائهما حولهما يباركون لهما ويهنئونهما بهذا الزواج، وبدأ الشيخ بعقد القرآن.
سعادة لا مثيل لها اجتاحت هشام وهو ينطق بكل حرف مردداً إياه خلف الشيخ بسعادة وفرحة لا توصف وكأن ما يقوله لم يقوله غيره من قبل.
نظرات متبادلة بين العروسين وسط خجل نهال وجرأة هشام ليتقدم نحوها ممسكاً بكفها هامساً.
هشام: يلا بينا.
نهال: بينا!! على فين؟ هو إحنا مش حنطلع شقتنا؟
هشام: لأ.
نهال: أمال حنروح فين؟
هشام: مش عايزك تفكري وأنتي معايا.. عامل لك مفاجأة.. يلا بقى يا أجمل عروسة في الدنيا.
نهال: اللي تشوفه.
انصرف أصدقاء هشام ومعهم سلمى بعد توديع هشام ونهال اللذان استقلا سيارة قد حضرها هشام أمام البيت منذ الصباح.
جلس هشام خلف المقود لتجاوره نهال متسائلة إلى أين سيذهبان فقد لاح الليل ومن المفترض بقائهم بشقتهما التي حضرها هشام لهما معاً.
نهال: بجد يا هشام حنروح فين؟
هشام: حنقضي كام يوم كده في الفيوم.. تقدرى تسميه كده شهر عسل صغير بعيد عن الزحمة والشغل ووجع الدماغ.
نهال: الله.. بجد.. كان نفسي أروح الفيوم أوي.
هشام: ولسه.. كل حاجة نفسك فيها حنحققها سوا بإذن الله.
نهال: أنا خلاص طالما جنبك مش عايزة أي حاجة تانية.
هشام: أيوه كده.. سمعيني بقى كلامك الحلو.
نهال بخجل: هشام.
هشام: يااااربى.. شفتي هشام طالعة منك حلوة إزاي؟ قوليها تاني كده.
نهال: هشام بقى.. الله.
هشام: لأ بقى.. كان إيه اللي خلاني فكرت في موضوع الفيوم ده.. أنا لسه حستنى الطريق الطويل ده.
نهال: ما إحنا مع بعض.. دي كفاية.
هشام: حقيقي والله.. كفاية بس وجودك في حياتي.
***
الفيوم.
وصل هشام ونهال إلى الفيوم فقد رتب هشام رحلة رائعة لهما ليقضيان شهر عسل يعوضهما عن أيام الشقاء والحرمان التي مرت عليهما.
وصلا إلى الفندق ثم إلى غرفتهما.
كان يوماً أشبه بالخيال أو الحلم بالنسبة لكليهما فمنذ اليوم لم يعدا أيتام بعد الآن فقد أصبح لهما عائلة محبة تحضنهما معاً.
نظرت نهال حولها لتجد غرفة هادئة تنفست بارتياح لسعادتهما القادمة ومن قربها من هذا الشخص الذي اختارته شريكاً بحياتها.
استقرا بغرفتهما لتدلف نهال إلى المرحاض لتبدل فستان زفافها بآخر باللون الأبيض تاركة شعرها الكستنائي منسدلاً بنعومة أكسبها رقة ونعومة أطاحت بعقل هشام الذي اقترب منها متغزلاً بها ليزيد من خجلها الذي أحبه.
لتنقضي ليلة من أجمل الليالي على الأحباء لبداية حياة جديدة تمحي وحدتهم التي طالما شعروا بها.
***
في اليوم التالي.
عبد الله وهاجر.
عبد الله: صباح الخير يا هاجر.
هاجر: يا صباح الخير.. قوم يلا حضرت لك الفطار قبل ما تروح المحل.
عبد الله: تسلم إيدك.. حروح أنا أطمن على الأحوال هناك وأرجع لك عشان نزور مدام حورية النهاردة زي ما اتفقنا.
هاجر: ماشي.. حجهز نفسي عقبال ما ترجع.. عندي فضول كبير أوي أشوف الست دي.
عبد الله: إنسانة طيبة ومحترمة.. ربنا يجازيها خير على اللي عملته معانا.
هاجر: فعلاً يا عبد الله.. ربنا يجعله في ميزان حسناتها يا رب.
عبد الله: حروح أنا بقى عشان متأخرش وحرجع لك على العصر كده.. تمام.
هاجر: تمام.
ليتناول عبد الله طعامه تاركاً هاجر تتجهز لتلك الزيارة المتأخرة لحورية.
***
بيت أم عماد.
أم عماد: إسلام.. حضر نفسك عشان نروح نزور المحروسة النهارده.
إسلام بتملل: هو كل شوية؟ أنا زهقت من كل الزيارات دي.. والبني آدمة دي تقيلة على قلبي بشكل.. مش طايقها.
أم عماد: طايقها مش طايقها لازم ناخد منها حق أخوك تالت ومتلت فاهم.
إسلام: حاضر.. نفسي أخلص من الموال ده بقى.
أم عماد: هانت.. باقي شهر واحد على عدتها وساعتها حنطلبها ليك وأنت وشطارتك معاها بقى.
إسلام: أما خلتها تقول حق برقبتي وتتنازل عن كل حاجة عشان أسيبها مبقاش أنا إسلام.
أم عماد: راجل وابن راجل بصحيح.
إسلام: هانت شهر بالكتير وتبقى في إيدي يا حورية.
***
هشام ونهال.
اقتربت نهال من هشام لتفتح النافذة لتتسلل أشعة الشمس على وجه هشام الذي مازال مستغرقاً في النوم ليقلق من هذا الضوء القوي.
نهال: يلا يا كسلان.
هشام ضاحكاً: إحنا حنبتديها قلق ولا إيه؟
نهال: جايين ننام إحنا.. يلا قوم.
هشام: تحت أمر الحلوين.. ها عايزة نروح فين؟
نهال: مش عارفة.. عايزة أشوف الدنيا كلها معاك.
هشام: بس كده.. يلا بينا.. اجهزى بس وأنا حاخدك نقضي اليوم في أحلى مكان في الفيوم كلها.
نهال: هوا.. ثواني أغير هدومي.
تركته نهال متوجهة نحو المرحاض بينما جلس هشام معتدلاً ليخرج من إحدى الحقائب دفتر نهال القديم ليكتب به عن أجمل ليلة قضاها بعمره. ليلة قضاها مع إنسانة فريدة حقاً ليس بجمالها فقط بل بروحها ورقتها المتناهية.
ثم أنهى وصفه لليلته بأنه لولا هذا الدفتر لما عرف السعادة.
أغلق الدفتر ووضعه بالحقيبة مرة أخرى معيداً إياها إلى مكانها.
***
مكتب طارق وسامر.
طارق متفكراً: وبعدين يا سامر.. أنت شايف إيه؟ دي عمرها ما حصلت.
سامر: ملهاش حل يا طارق.. الجهاز والورق ده لازم يتشال بعيد عن المكتب طالما فيه عميل هنا محناش عارفينه لسه ونسيب نسخة هنا كمين عشان نعرف مين اللي قدر يدخل ويفتش في الأوراق هنا؟
طارق: وفين المكان الآمن اللي نحط فيه حاجات مهمة زي دي بس؟
سامر: بقولك إيه.. أنت مش عندك خزنة في بيتك؟
طارق: أيوه.
سامر: بس كده.. يبقى لحد ما نعرف مين اللي قدر يعمل كده ويوصل لهم معلومات المراقبة اللي عاملينها عليهم ويكشفوها.. يتشالوا عندك في الخزنة في البيت الورق والجهاز والفلاشة دي.
طارق: فكرة مش بطالة برضه.. ومحدش غيري أنا وأنت اللي نعرف الكلام ده.
سامر: مظبوط.. على بركة الله.
طارق: وخطتنا اللي اتفقنا عليها؟
سامر: زي ما هي.. وحنعمل كمان نسخة احتياطي من المستندات دي عشان نقرب أكتر ونعرف نمسك بيهم كلهم.
طارق: فكرة ممتازة.. معاك.. وموضوع قضية التهريب بتاعة شريف جمال.. جالك أي معلومة عنها؟
سامر: مش باقي غير معاد التسليم بس ونطلع بحملة عليهم نمسكهم متلبسين.
طارق: مية مية.. أنت معايا طبعاً في الحملة دي.
سامر: ودي فيها كلام.. أكيد معاك.
***
في الطريق.
بعد ما استقل عبد الله وهاجر إحدى السيارات للذهاب لزيارة حورية تسائلت هاجر قائلة.
هاجر: هو ما كانش واجب تبلغها إننا رايحين لها بدل ما إحنا رايحين فجأة كده؟
عبد الله: أعمل إيه بس.. أنا مش معايا أي رقم ليها خالص مش معايا غير العنوان اللي هي كتبتهولي.
هاجر: خلاص بقى الأمر لله.
عبد الله: إحنا خلاص تقريباً وصلنا العنوان أهو.
هاجر بإندهاش: هو إيه اللي وصلنا؟ هي ساكنة هنا؟
عبد الله: أيوه.. هو ده العنوان اللي مكتوب في الورقة.
هاجر: معقول؟
ترجلت هاجر من السيارة وهي تنظر نحو البيت بتعجب أيعقل أن سيدة كـ حورية تلك المرأة التي أعطت زوجها آلاف الجنيهات كمكافأة له تقطن بهذا البيت المتواضع الفقير؟
عبد الله: يلا يا هاجر.. مالك اتسمرتي كده ليه؟
هاجر هامسة: معقول ده بيتها.. دول فقرا زينا أهو.
عبد الله: يا ستي.. إحنا مالنا.. بلاش حشرية.
هاجر: على رأيك.. أهي زيارة وخلاص.
قرع عبد الله جرس الباب ليوافقه أبو حورية ناظراً إليه بتفحص متسائلاً بداخل نفسه إن كان يعرف هؤلاء الغرباء من قبل أم لا.
عبد الله: السلام عليكم.. مدام حورية موجودة؟
أبو حورية: أيوه موجودة.. أنا أعرفك؟
عبد الله: لا يا حاج.. لو ممكن بس تقولها عبد الله من الإمارات.
أبو حورية: أهلاً وسهلاً.. اتفضلوا اتفضلوا.
دلف عبد الله وهاجر إلى الداخل ليجلسا بغرفة المعيشة المتواضعة وسط تعجبهم من المكان وأثاثه البسيط لتجوب عيناهما المنزل من الحوائط والسقف. لم يصدقا عيناهما وهما يتفحصان ذلك البيت فكيف بسيدة بهذا الثراء الفاحش تعيش بهذا البيت الفقير؟ كل هذا أثار دهشة هاجر أكثر وأكثر.
بعد قليل خرجت لهم حورية مرحبة بوجودهم بحفاوة.
حورية: السلام عليكم.
عبد الله وهاجر: وعليكم السلام.
حورية: اتفضلوا استريحوا.. متتصورش أنا سعيدة قد إيه بزيارتك دي يا أستاذ عبد الله.
عبد الله: أنا الأسعد طبعاً يا فندم.. دي هاجر.. مراتي.
رحبت حورية بـ هاجر بشدة وسط دهشة هاجر أكثر من حورية حيث وجدتها حورية إسم ومعنى، جميلة.. هادئة.. ملامحها يبدو عليها الطيبة والسكون.
هاجر: أنا مش عارفة أشكرك إزاي على اللي عملتيه مع عبد الله.. وكنتي السبب في أننا نتمم جوازنا.
حورية: متقوليش كده.. ده جميل أستاذ عبد الله في رقبتي.. دي أقل حاجة ممكن أقدمهاله والله على اللي عمله معايا.
عبد الله: انتي إنسانة طيبة وتستاهلي كل خير.
حورية: شكراً يا أستاذ عبد الله.
***
طارق وسامر.
طارق: أنا جهزت النسخة كلها وحروح على البيت على طول أشيل الورق والجهاز الخطير في الخزنة.. جاي معايا؟
سامر: لا.. أنا صلحت عربيتي خلاص.. ده غير إن طريقي مش طريقك.. أنا حعدي على حورية أطمن عليها.
طارق: مش ناوي تفاتحها بقى في موضوعكم؟
سامر: بس تخلص عدتها الأول.
طارق: ربنا يصبرك بقى.. يلا عشان نلحق نرجع.
سامر: تمام.
خرج الاثنان من المكتب حيث توجه طارق إلى منزله بينما ذهب سامر باتجاه بيت عمه أولاً.
رواية ذكريات مجهولة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم قوت القلوب
بيت أهل حوريه.
جلست حوريه مرحبة بعبد الله وزوجته بغرفة المعيشة.
حين استمعوا لطرقات تدق باب البيت، تقدم مصطفى أخو حوريه مجيباً الطارق.
استمعت حوريه إلى ترحيب أخيها بسامر، الذي ميزت صوته على الفور.
لتتقدم بلهفة وترحيب به وتدعوه للجلوس معهم جميعاً بغرفة المعيشة.
لم يقاوم سامر دعوة حوريه بالجلوس معها ومع ضيوفها الذي لا يعرفهم.
فقط يكفيه أنه يكون بالجوار ومعها بأي مكان وأي صحبة.
حوريه: تعالي. اتفضل يا سامر.
سامر: شكراً.
حوريه: ده أستاذ عبد الله. ودي مراته هاجر.
سامر: أهلاً وسهلاً.
عبد الله: أهلاً وسهلاً يا أستاذ سامر.
جلس سامر بالمقعد المجاور لعبد الله، مقابلاً لهاجر وحوريه.
ليبدأ سامر بأطراف الحديث مع عبد الله، متطرقين إلى عدة موضوعات عامة.
حتى علم عبد الله أن سامر يعمل ضابط بالشرطة.
ليستمتع عبد الله بحديث سامر عن عمله في البحث عن المجرمين والمهربين.
كان الحديث شيقاً جداً حتى أنهم لم ينتبهوا لحوريه وهاجر.
وأخذهم الحماس بالحديث الشيق لسامر.
بينما كانت حوريه وهاجر في البداية مجرد مستمعات للحوار بين عبد الله وسامر.
حتى بدأت هاجر بتوجيه حديثها إلى حوريه بسؤال يتراود إلى ذهنها منذ رؤيتها لحوريه.
هاجر: أنتي عارفه إنك محيرة جداً بالنسبة لي؟
حوريه باهتمام: أنا؟ ليه؟
هاجر: شكلك طيبة وعيلتك على قد حالها زينا يعني. كمان مساعدتك لعبد الله كان كرم أخلاق كبير قوي منك. بس يعني… متزعليش مني. جوزك ااااا؟
حوريه بانكسار: فهمت. عندك حق. أنتي عارفه يا هاجر. أنا محدش يعرف اللي بيني وبين عماد خالص. ولا أي حاجة من اللي كانت بتحصل ما بينا. ولا عارفين كنت عايشة معاه إزاي.
هاجر: ولا أهلك؟
حوريه بانكسار: ولا أهلي.
هاجر: ليه كده؟ أنتي لازم تتكلمي وتخرجي كل مشاعرك دي. لازم تفضفضي عن اللي جواكي.
حوريه: يا ريت. أنا اللي جوايا كاسرني. بس مقدرش أقول منه كلمة واحدة.
هاجر: ليه كده يا حوريه؟ لازم تتكلمي وترتاحي. انتي كده مش بتعذبي حد غير نفسك بس. أول خطوة إنك تخرجي بره مشكلتك إنك تتكلمي عنها. ولازم تتكلمي وتعبري عن مشاعرك اللي جواكي دي.
حوريه بأسى: الكلام صعب عليا قوي.
هاجر: إحنا قريبين من سن بعض. يمكن متعرفنيش كويس. بس لو حبيتي تفضفضي مش هتلاقي أحسن مني على فكرة. جربي بس ومش هتندمي.
تشككت حوريه لبعض الوقت بنفسها وأنها ليس لديها القدرة على إخراج ما بداخلها.
لكن اطمئنانها لهاجر ورؤيتها لها بملامح الطيبة التي تعلو ملامحها الهادئة جعلها تحاول أن تخرج بعضاً من مشاعرها.
لأنها بالفعل في حاجة لشخص مريح تجد به ملاذاً تبوح له ما بداخلها من صراع وخوف.
ليتجسد هذا الشخص بتلك الرقيقة هاجر.
بدأت تقص لهاجر بصوت خفيض عن طريقة زواجها من عماد من البداية.
وكيف أنه تزوجها لجمالها فقط، ليتمتع بها لبعض الوقت حتى يمل منها.
ووقتها لم تكن لندرة ماذا كان سيفعل معها.
كيف أنه رفض رفضاً تاماً أن ينجب منها أطفال وأنها لا تستحق لقب أماً لأولاده.
كيف أصر على حبسها بالبيت دون أن تخرج منه أو تكلم حتى أهلها ولو بالهاتف.
كم كان قاسي بمشاعره تجاهها.
كم سبب لها الكثير من الآلام بضربه لها لأتفه الأسباب.
كم حاول أن يقلل منها ويذلها دوماً.
صوته يرعبها.
رائحته تخنقها وتغثيها.
كم كرهته وكرهت وجوده.
شرحت لها بألم كيف كان عماد يدخرها لمتعته الشخصية فقط فور احتاجه هو.
حتى شعرت أنها لم تكن سوى عروس بلاستيكية جميلة لإشباع رغباته هو فقط.
بدون أن يبالي لها أو لمشاعرها إطلاقاً.
كيف كان يتعامل معها بحيوانية في أي وقت حتى لو كانت نائمة أو متعبة.
حتى أنها قررت الهرب منه بعد أن هددها بالقتل.
وكان هذا هو اليوم الذي قابلت فيه عبد الله وساعدها وذهب بها إلى المستشفى.
وأخذت تحمد الله الذي أكرمها بوفاة عماد وخلاصها منه.
لم تكن حوريه تريد سوى أن تخرج كل ما بداخلها.
منعت كثيراً تلك الكلمات الحبيسة بداخلها من الخروج.
فضلت الصمت فقط.
لكنها الآن وحين أتيحت لها الفرصة لم تعي أو تفكر بما تقول.
بل وجدتها فرصة سانحة لتخرج كل ما بداخلها.
أن تقص كل معاناتها مع هذا الشخص البغيض كل تلك السنوات.
تركت العنان لنفسها بالحديث ولم تتوقف لبرهة.
بل أخرجت كل ما في جعبتها مرة واحدة.
ومع ذلك كانت تتكلم بصوت منخفض حتى لا يسمعها أحد غيرهما.
في البداية حاولت حوريه السيطرة على دموعها.
لكنها بعد ذلك بدأت تتساقط في صمت مع تذكرها لحياتها مع عماد.
شعرت هاجر بأسى كبير على حوريه وحالها.
وكيف أن جمالها هذا أصبح نقمة عليها.
وعلى الرغم من غناها ومالها إلا أن هذا لم ينسيها ما حدث معها.
وترفض تماماً تلك الثروة والشركات.
فهي ما إلا مال حرام لا يخصها ولا تريده.
فكل قرش به مسمى باسمه.
وهي تريد محو ذكراه من داخلها.
لكنها لا تقدر ولا تقوى على ذلك.
هاجر: أنتي مش لوحدك يا حوريه. أنا معاكي وجنبك. يا ريت لو تعتبريني أخت وصديقة.
حوريه: يا ريت بجد تكوني ليا صديقتي زيك.
هاجر مازحة: لا وأزيدك بقى من الشعر بيت. عندي كمان واحدة صاحبتي اسمها رحمه. حتحبيها قوي قوي. أخت عبد الله. لما آجي أزورك تاني حاجي أنا وهي.
حوريه: يا ريت. بجد. أنا محتاجة صديقة تكون معايا وأفضفض لها ونتكلم سوا وأخرج من اللي أنا فيه.
هاجر: من ناحية الكلام. حتتكلمي لما تشبعي. وتطردينا كمان من كتر ما بنتدخل في حياتك. انتي خلاص. بقيتي بتاعتنا أنا ورحمه.
سامر.
أخذ سامر يتحدث مع عبد الله.
لكن هذا لم يمنعه من ملاحظة حوريته التي جاء إليها من الأساس.
لاحظ أنها تبكي.
ألم كبير يعتصر قلبه لحزنها.
كم أراد أن يجري نحوها ويضمها بين ذراعيه ليخفف عنها آلامها.
وأخذ يتساءل داخل نفسه لماذا تتحدث وهي حزينة هكذا؟
لم هي متألمة إلى هذا الحد؟
وعن أي شيء تتحدث؟
أهي تبكي فقدانها لزوجها؟
أكانت تحبه كل هذا الحب؟
انتهت الزيارة وانصرف الجميع.
لكن عقل سامر تشتت بتفكيره وتساؤله.
ترى هل حب حوريه لزوجها الراحل سيصعب عليه إيجاد طريقه لوجوده بحياتها؟
طارق.
بعد اتفاق طارق وسامر على الاحتفاظ بتلك الأوراق ببيت طارق.
عاد طارق إلى بيته حاملاً معه هذا الجهاز الصغير والأوراق التي تحتوي على تلك المعلومات الهامة ليخبئها بخزنته الخاصة.
توقف بسيارته أمام البيت الهادئ فوق العادة.
ترجل من السيارة وهو ينظر إلى تلك البوابة المفتوحة بملل ليغلقها من خلفه دالفاً إلى الداخل.
وجد والدته تجلس بمفردها تنتظره عادة كل يوم.
طارق في نفسه: والله أنتي أكتر واحدة صعبانة عليا يا أمي.
انتبهت أم طارق لوصول ولدها ليضيء يومها بقدومه.
فالبيت بغيابه صامت كالقبر.
أم طارق: طارق! أنت جيت بدري يا حبيبي.
طارق: أيوه حبيبتي. جاي معايا ورق مهم وراجع تاني.
أم طارق: طب أقوم أحضر لك الغدا بسرعة كده.
طارق: مفيش مشكلة.
صعد طارق إلى غرفته فاتحاً خزانته ليضع الجهاز والمستندات بداخلها محكماً غلقها جيداً.
أخذت تجول برأسه فكرة قد تريح نفسه وتريح والدته في نفس الوقت.
طارق: أنا لازم أكلم هايدي إننا نسرع جوازنا شوية. كفاية أمي قاعدة طول الوقت لوحدها. أهي تبقى موجودة معاها تونسها ونتلم أنا وهي مفيش داعي للتأخير أكتر من كده. هي خلاص خلصت دراستها.
عاد طارق إلى الدور السفلي لتناول الطعام مع والدته قبل أن يعود مرة أخرى إلى المكتب.
لكنه قبل مغادرته الحي فضل المرور بهايدي أولاً للتحدث معها بخصوص تقديم موعد الزفاف.
فلا داعي للتأخير كل هذه المدة الطويلة المتبقية.
شقة عبد الله وهاجر.
عبد الله: مقولتيش رأيك يا هاجر. عجبتك الزيارة ولا لأ؟
هاجر: عجبتني طبعاً. بتسأل ليه السؤال ده؟
عبد الله: أبداً. أصلنا من ساعة ما طلعنا من بيت مدام حوريه وأنتي زعلانة ومقولتيش ولا كلمة.
هاجر: بالعكس يا عبد الله. حوريه إنسانة جميلة بجد. لكن يا خسارة.
عبد الله: خسارة. ليه؟
هاجر: على رأي المثل. الحلو ما يكملش.
عبد الله: مش فاهم.
هاجر: أصلها صعبانة عليا قوي. اللي يشوفها من بعيد يقول دي ربنا رزقها بكل حاجة. مال وجمال. بس للأسف اللي يقرب منها يعرف هي قد إيه شقت في حياتها. وقد إيه هي تعبانة كده.
عبد الله: ليه يعني. جرى لها إيه عشان تصعب عليكي قوي كده؟
هاجر: عارف جوزها ده. ربنا يرحمه مطرح ما راح بقى. عمل فيها عمايل. يا ستار يا رب.
عبد الله: معقول؟ أنا برضو قلت باين عليها كده لما شفتها مرمية في الشارع.
هاجر: أمال لو عرفت اللي عمله فيها. ده فعلاً كان إنسان مريض زي ما أنت قولتلي. استنى ححكي لك.
سردت هاجر ما قصته عليها حوريه عن حياتها مع عماد وكيف قاست معه حتى يوم هروبها منه عندما قابلت عبد الله.
عبد الله: أنا قلت ده مش بني آدم فعلاً. وأنا اللي كنت مستغرب لما ظلمني واتهمني زور. وهي المفروض أقرب واحدة ليه يعمل فيها كده؟
هاجر: شفت بقى. عشان كده عايزة أنا ورحمه نبقى نروح نزورها نقرب منها أكتر.
عبد الله: فكرة جميلة جداً. وهي تستاهل كل خير.
هاجر: خلاص حبقى أقول لرحمه وأتفق معاها على يوم نزورها فيه.
طارق.
مر طارق ببيت هايدي قبل ذهابه لمكتبه مرة أخرى.
فلابد من الاتفاق معها على تعجيل الزفاف ليستقر بحياته وتبقى أنيساً لوالدته حين يغيب.
تقدم طارق نحو بيت هايدي المقابل لبيته ليطرق الباب.
قابلته الصغيرة سمر ببهجتها المعهودة.
طارق بحب: سمورة. إزيك عاملة إيه؟
سمر: الحمد لله. أنت عايز هايدي؟
طارق مازحاً: لو ممكن يعني.
سمر: آه ممكن. ادخل جوا أنا حناديها لك.
صعدت سمر لإبلاغ هايدي بوجود طارق.
بينما دلف طارق إلى داخل غرفة الاستقبال منتظراً هايدي.
هايدي باندهاش: طارق!
طارق: إزيك يا هايدي. عاملة إيه؟
هايدي: أنا كويسة. خير إيه اللي جابك من غير ما تقول كده؟
طارق بتجهم: آسف لو أزعجتكم يعني. بس كنت عايز أتكلم معاكي بموضوع مهم.
هايدي: وهو إيه اللي مهم قوي كده وميستناش؟
طارق: هايدي أنتي عارفه طبيعة شغلي وإني بغيب عن البيت كتير. وأنا ووالدتي بس اللي ساكنين في البيت. إيه رأيك نعجل معاد الفرح شوية؟
هايدي بتعالي: ياااااا سلاااام. وأنت بقى عايز تعجل معاد الفرح عشان أبقى جليسة للست والدتك.
طارق باحتقان: أنا مقصدش كده. هي عندها كل حاجة وأنتي مش حتعملي أي حاجة بس هو الونس. هي طول الوقت لوحدها. وأنا خلاص خاطب وحتجوز. فليه نأجل. ما نبقى كلنا حواليها.
هايدي بإصرار: لأ. أنت ناسي إني أصلاً عايزة أقسّم البيت عشان أبقى على راحتي.
طارق: هايدي ده كان اتفاقنا. وقلت لك كده قبل كده. وأمي أعمل فيها إيه؟
هايدي بتهكم: أظن إنها كبيرة كفاية وتقدر تاخد بالها من نفسها. مش محتاجاني في حاجة. أو صح. أختك. تبقى تيجي تقعد معاها براحتها. إنما أنا لأ.
طارق: أنا مش عارف إزاي أعجبت بيكي وعايز أرتبط بيكي. أسلوبك ده مش نافع معايا أبداً. وأنا صبرت عليكي كتير.
هايدي بانزعاج: أسلوبي! هوه ده بقى أسلوبي ومش حغيره. أنا أساساً أسلوبي ده هو أكتر حاجة بتميزني.
طارق محاولاً كظم غيظه من تعالي هايدي الفائق عن الحد.
طارق: هايدي! مش عايز أتعصب عليكي. أنا مش عارف فين المشكلة. أنا عايز نتجوز ونقرب من بعض عشان لو فيه أي خلافات بينا تدوب. ومن العدل إننا بعد ما نتجوز نونس أمي بوجودنا خصوصاً أنها مش محتاجة رعاية محتاجة ونس بس.
هايدي بحدة: مش حتجوز إلا في بيت منفصل ليا لوحدي. فهمت؟
طارق بغضب: ولو مفهمتش؟
وقفت هايدي ببرود وهي تنظر إلى طلاء أظافرها الأحمر الصارخ مستكملة حديثها مع طارق بلهجة تميل إلى فرض الرأي.
هايدي: أنا كده كده لسه محتاجة وقت كبير عشان أجهز فستاني وحاجاتي.
طارق بحزم: الفرح حيكون بعد شهرين وحنسكن مع والدتي في البيت زي ما اتفقنا. إنتهى يا هايدي. أقلمي نفسك على كده.
زاد غضب طارق وعصبيته من تصرفات هايدي وردودها المستفزة.
خاصة في تشبثها بموضوع سكنهم بمفردهم بعيداً عن والدته.
لكنه فضل الابتعاد الآن عنها بدلاً من إلقاء غضبه عليها.
فهو يعطيها عذراً واحداً فقط أنها مازالت صغيرة ولم تتعلم بعد التصرف بشكل سليم.
ليخرج طارق وهو يشعر بالغضب من هايدي ومن أسلوبها المستفز وتعاليها.
تاركاً إياها بدون حتى إلقاء السلام.
بينما ظلت هايدي ناظرة نحو الباب الذي خرج منه طارق في ذهول.
فهذه أول مرة يفرض أحدهم شيئاً عليها بهذه الصورة.
هشام ونهال.
بعد قضاء يوماً جميلاً فوق الشلالات والجلوس على شاطئ البحيرة.
يوماً آخر كالحلم لنهال.
فهي لا تصدق أنها تعيش فعلاً بالواقع وظنت أنها أكيد تحلم حلم جميل.
لكنها حتى لو كانت بالحلم لا تود الاستيقاظ منه أبداً.
عاد العروسين في آخر اليوم إلى الفندق بسعادة ليرتاحا.
ليخطا ذكرياتهما في الصباح بمكان جديد يسطران فيه ذكرى جميلة لحياتهما سوياً.
طارق.
جلس طارق بسيارته منطلقاً باتجاه مكتبه بمديرية الأمن.
سيطرت غضبه من تصرفات هايدي عليه.
فلم تعجبه أبداً تلك التصرفات الهوجاء التي قامت بها.
لمح طيف نفس الفتاة أثناء سيره.
إنها فتاة العسل "رحمه".
كانت متوجهة إلى المكتبة القريبة من بيته.
مجرد رؤيتها فقط جعلته تناسى ما حدث منذ دقائق مع هايدي.
مراقباً إياها حتى دلفت إلى داخل المكتبة.
أكمل طارق طريقه إلى العمل.
لكن ذهنه كان معلقاً برحمه وكيف يراها هادئة ومسالمة وجميلة في نفس الوقت.
رحمه.
كانت تفكر وتحلم باليوم الذي ستستلم فيه شهادة تخرجها وتبحث عن عمل آخر بشهادتها.
فأخيراً حصلت على مؤهلها الذي يؤهل لها عمل أفضل ومربح أكثر.
دلفت إلى المكتبة لمقابلة صديقتها نرمين لتطمئن على أحوال طارق كالعادة.
فيبدو أن وجود طارق بقلبها إدمان لابد من العلاج للتخلص منه.
بعد انقضاء أسبوع كامل قرر هشام ونهال استكمال عطلتهم بالإسكندرية.
حتى يصبح لهم في كل مكان يحبونه ذكرى جميلة ليعودوا بعد ذلك إلى شقتهم فيعاود هشام عمله.
استطاع عم سلمى أن يساعد نهال بالالتحاق بإحدى الوظائف التي حدثها عنها بإحدى الشركات.
لتبدأ عملها هي الأخرى مما زاد من ثقتها بنفسها.
وكأنها شخصية جديدة غير تلك نهال المستسلمة الضعيفة.
شهر آخر ينقضي.
هاجر وعبد الله.
كان التوافق سر حياتهم وحبهم وتفاهمهم وصراحتهم.
بدأت تضع خطواتها في حياتهم.
استقر مشروع عبد الله الصغير لتساعده هاجر دوماً وتقف معه يداً بيد.
حتى أصبح التعاون سمة بينهم وبدأوا يرتبان حياتهم على المشاركة بكل شيء.
لكنها حاولت من وقت لآخر أن تقوم بزيارة حوريه برفقة رحمه كما وعدتها من قبل.
رحمه.
التحقت رحمه بالعمل بشركة صغيرة حصلت منها على راتب جيد.
جعلت من عملها شغلها الشاغل حتى يملأ حياتها.
محاولة أن تبعد تفكيرها عن طارق وهايدي.
لكن في بعض الأوقات يأخذها الحنين.
وعندما تمر من أمام بيته تسترق النظر إلى البيت وكأنها تتمنى أن تراه.
لكنها سرعان ما تتدارك نفسها وتكمل طريقها للعودة إلى المنزل.
لسوء حظها أن تلك الشركة قريبة من الحي الذي يسكن به طارق أيضاً.
كونت صداقة من نوع فريد مع حوريه وهاجر بعد القيام بزيارتها عدة مرات.
لتجدها فتاة ظلمتها ظروفها هي الأخرى وتشبههم كثيراً.
وكانت لتلك الزيارات أثر طيب بنفس حوريه التي اشتاقت ليكون لها صديقة قريبة من قلبها.
ووجدته فيهما اثنتيهما هاجر ورحمه.
هايدي وطارق.
بعد آخر لقاء لهما كان طارق يتجنب لقائه بهايدي مطلقاً.
كذلك هايدي لم تحبذ رؤيته بعد ضغطه عليها بآخر لقاء لهما.
إلا أن تدخل والدته حتى تخفف من حدة خلافهم الأخير.
ولأنها لا تمانع من بقائها بمفردها في سبيل سعادة ابنها وزوجته المستقبلية حتى لو كان ذلك من وراء قلبها.
لكنها تود لو أن يتم زواج طارق بأقرب وقت لتطمئن عليه وعلى تكوينه أسرة وحياة جديدة.
كما أحثت والدة طارق ولدها على زيارة خطيبته وتجاوز ذلك الخلاف الأخير حتى لا تكون سبباً في انفصالهما.
لكن هايدي كانت تتعمد في تلك الزيارات القليلة وجود أمها أو سمر.
حتى لا يتكلمون كثيراً.
وهو وضع فضله طارق بالفعل.
طارق.
بدأ يشعر بالتسرع في اختياره لهايدي لتشاركه حياته.
لكنه لا يستطيع أن يظلمها ويتركها لمجرد أن أفكاره تختلف عن أفكارها.
بل ظن أنه يجب عليهم أن يعطوا أنفسهم فرصة للتفاهم.
خاصة وأنهم في البداية.
فقرر ألا يضغط عليها بموضوع الإسراع في الزواج حتى يتفاهموا أكثر.
حوريه وسامر.
استمرت زيارات سامر التي يقوم بها دون توضيح أي شيء لحوريه عن مشاعره.
كذلك اعتادت حوريه على زياراته المستمرة والتي تسعدها بالفعل دون أن تدري لماذا.
لتُرجع سبب ذلك لاهتمام سامر كابن عمها بها ويخاف عليها.
زادت والدة عماد وأخيه من زيارتهم لها في الفترة الأخيرة.
ولا تعلم حوريه سبب هذه الزيارات المتكررة التي لم تحبها.
لكنها كانت تضغط على نفسها لمقابلتهم دون أن تشعرهم برفضها لوجودهم في حياتها.
علاء واميمه.
عادت المياه إلى مجاريها وكأن شيئاً لم يكن.
ليعودا المحبين بحياتهم وروتينهم إلى عهدهم السابق.
فقط يزيد عليهم وجود يامن الذي أضاف روحاً جديدة على علاقتهما.
كما أعاد علاء علاقة أميمه بأبويه كما كانت في السابق.
بعد إيضاحه كل ما قام به هو وهند بعد معرفته بمرضه وقراره الخاطئ بإبعاد أميمه عنه.
لتعتذر والدة علاء من زوجة ابنها على ما بدر منها.
لتبدأ استقرار حياتهم وقيامهم بالبحث عن روضة مناسبة ليامن.
هشام ونهال.
مع عمل هشام بالجريدة خصص لنفسه غرفة بشقتهم كمكتب له يعمل بها بأوقات عودته إلى المنزل.
لم يتعارض عمل نهال مع أوقات عمل هشام.
بل كان وصولها إلى المنزل غالباً قبله بفترة كافية لإعداد الطعام واستقبال عودته.
كانت تراه دوماً يجلس بغرفة مكتبه بشقتهم يعمل كثيراً ويكتب ويدون الكثير.
وحين انتهائه يغلق باب غرفة المكتب موصداً إياها بالمفتاح الذي يملكه هو فقط.
"إجراء روتيني بحكم العادة" هكذا برر لها إغلاقه لغرفة مكتبه عندما سألته نهال.
لكنها لم تكترث لذلك مطلقاً.
فقد كان كل ما يشغلها هو زوجها المحب وحياتها الجديدة فقط.
استيقظت نهال في الصباح تتحضر للذهاب إلى العمل.
فقامت بتحضير الفطور لها ول هشام أولاً.
خرج هشام من غرفة مكتبه وعلى وجهه التجهم.
جلس ليتناول الفطور لكنه لم يتكلم كلمة واحدة.
ثم قام واستأذن من نهال وأسرع إلى خارج البيت.
شعرت نهال بضيق شديد وبدأت تتساءل في نفسها.
نهال: معقول هو ده هشام. إيه اللي حصل وغيرك قوي كده؟ أنت كنت بتبدأ يومك بضحكتك معايا. ليه بقيت ساكت قوي كده. ولا كأني موجودة؟ معقول يكون زهق مني. بس ده هو شهر واحد بس. ممكن يكون زهق في الوقت القصير قوي ده؟
شعرت نهال برغبتها في الحديث مع أي شخص لتخرج هذا الضيق الذي ملأ نفسها.
لم تجد سوى صديقتها الوحيدة سلمى.
نهال: السلام عليكم. إزيك يا سلمى.
سلمى: نهال. وحشاني قوي قوي. فينك يا بنتي؟ أيوه يا عم هشام خلاص أخدك منا.
نهال: أبداً والله. الشغل والوقت وكده بقى أنتي عارفه. أنتي عاملة إيه؟
سلمى: مال صوتك. زعلانة ولا إيه؟
تنفست نهال بضيق ثم ردت على سلمى قائلة.
نهال: مش عارفه يا سلمى. هشام اتغير قوي اليومين دول. مش عارفه ليه؟
سلمى: اتغير إزاي يعني؟
نهال: بقى مش بيتكلم معايا خالص إلا في أضيق الحدود. دايماً قاعد لوحده في أوضة المكتب. بحسه دايماً مهموم كده. لو أعرف بس إيه اللي غيره كده من ناحيتي.
سلمى: يمكن فيه شغل شاغل دماغه ولا حاجة. متبقييش قلوقة كده. المفروض إنك تتحملي ضغط شغله وتعبة. سيبيه يشتغل بحرية.
نهال: والله بعمل كده ومش بدخل عليه حتى أوضة المكتب عشان ما أش ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ث ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت تا ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ل ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثلاثون 30 - بقلم قوت القلوب
رحمه….
تحضرت للذهاب لعملها الجديد متخذه طريقها المعتاد. ظنت أن بعد تخرجها سوف تعمل بمكان مختلف وطريق مختلف، لكن ها هي تسير بنفس طريق المعرض القديم للذهاب للشركة التي تعمل بها….
مرت بنفس الحي الذي يسكن به طارق وهايدي في طريقها لتتأكد أن القدر يعارضها حتى لا تنشغل وتنسى. فيشاء الله أن عملها بنفس الطريق لترى بيته وبيتها يومياً في الصباح تارة وفى المساء تارة أخرى…
تنفست ببطء وهي تحرك رأسها برفض تام للفكرة، تجاهد نفسها كي لا تشعر بأنها مازالت حبيسة مشاعرها تجاهه.. بل تظاهرت بأنها لا تبالي فربما تنسى ذلك أو على الأقل تتناساه حتى يخرج من قلبها…..
***
انتصف النهار ليحل وقت عودة نهال من العمل. وسط تحركها مسرعة الخطوات حين اقتربت من المنزل وهي تنظر في ساعتها لتجدها الثالثة والنصف.
نهال: ياااه…. أنا اتأخرت أوى في المواصلات، يا دوب ألحق أجهز الغدا قبل ما هشام يرجع الساعة خمسة….
فتحت باب الشقة دالفة إلى داخلها لتلمح بعينيها باب غرفة مكتب هشام مفتوحاً، لتنظر بفزع وهي تشرئب برأسها محاولة رؤية من بالداخل. تسللت نهال على أطراف أصابعها بخفة لتتأكد أن من بالداخل هو هشام نفسه وليس مقتحم سارق لهم….
طلت برأسها من فتحة الباب لتجد هشام جالساً خلف مكتبه ليطمئن قلبها قليلاً بوجوده… لكن اضطراب هشام هو ما فاجأها في الحقيقة. فور ملاحظته لوجودها وإيقانه بأنها عادت من العمل، أسرع بإغلاق درج المكتب بسرعة وهو ينظر إليها بعينان متفاجئتان كمن أمسك بالجرم متلبساً….
لتتيقن نهال أن هشام يخفي عنها شيئاً بهذا الدرج، ذلك واضح جداً لها….
نهال بتعجب: مالك يا هشام…؟!!
هشام بارتباك: ااا… عادي يعني…. ولا حاجة….!!
أنهى جملته ليقف مبتعداً عن المكتب، متحركاً للخروج من غرفة المكتب لتلحقه نهال بعينيها التي رسم بها علامات للشك….
نهال بتساؤل: أنت جيت بدري يعني النهارده…؟!!
تحرك هشام معرضاً عن نهال، متهرباً من عينيها التي تلحقان به وتكشفان أسراره….
هشام: آه… كان فيه شوية شغل لازم أخلصه فرجعت عشان أخلصه….
الشك الذي ملأ كيانها بثوان قليلة جعلها تخاف، تخاف أن تخسره بعد أن وجدته، ووجدت به أنيس لها ولو حدتها وقلبها. تخشى أن يبتعد عنها فقد تعلقت به وأحبته. لم تجد سوى السؤال المباشر حلاً لها…
نهال: هشام أنت مخبي عليا إيه…؟!!
هشام باضطراب: مخبي…!! مخبي إيه…؟؟! حكون مخبي إيه يعني…. ما تقولي كلام معقول….!!!
نهال بغير تصديق: أنا عارفه…!!! مرتبك كده وزي ما تكون مخبي عليا حاجة….؟؟؟
هشام بعصبية: نهال….. أنا مبحبش الطريقة دي….
تحولت نبرة نهال من التساؤل الصريح إلى التوسل بخوف بنبرتها الحانية…
نهال: اتكلم معايا بصراحة يا هشام… أنا حاسة إن فيك حاجة….!!
هشام بتوتر وعصبية: يوووه… قلت لك مفيش مفيش… شغل مجرد شغل…. مفيش داعي بقى للشك والكلام ده….
حاولت تهدئة ثورته الغير مبررة الآن، فهو لم يكن أبداً عصبي ثائر بهذه الصورة أبداً…
نهال: طيب ومتعصب أوى كده ليه…؟!
هشام: لا… دي مش طريقة دي أبداً…. أنا ماشي….
عاد هشام إلى غرفة مكتبه موصداً إياها بالمفتاح، ليسرع بعدها خارجاً من الشقة صافقاً الباب بقوة اهتز لها كيان نهال…
نهال بضيق: مالك يا هشام… جرى لك إيه…؟؟ دي أول مرة تتكلم معايا بالصورة دي والعصبية دي… معقول زهقت مني ومبقتش تحبني….!؟!
ضاق صدر نهال بتفكيرها لتتذكر كلمات سلمى بأنه ربما مضغوط بعمله، فتحاول تهدئة نفسها بتوجهها إلى المطبخ محاولة إعداد الطعام حتى تلتهي بأي شيء هاربة من تلك الأفكار التي تعصف بها…
***
إحدى الكافيهات….
هند: دول خمس آلاف…. خلص أنت بس وأنا أديك زيهم…..
محمد: والله يا أبله الموضوع ده واقف عليا بخسارة…… بحبحيها شوية عشان المصاريف وكده….
هند بتأفف: طيب خلص بس ومش حنختلف… أنا خلاص جبت أخرى….
محمد: ولا يهمك حاجة يا أبله… ما عاش مين يزعلك… ده إحنا نمحيه من على وش الدنيا….
هند: المهم… حتنفيذ امتى….؟!
محمد: يومين كده… تتسهل بس وأديكى ألو وأقولك كله تمام…
هند: وأنا مستنية تليفونك…
محمد: أنتي تؤمري يا أبله هند…. أستأذن أنا بقى عشان ورايا مصلحة كده….
هند: ماشي يا محمد….
تركها محمد لتبقى هند جالسة بمفردها وهي تفرك يديها بغضب ثم تمسح وجهها بكفيها باضطراب وارتعاش من شدة الغضب لتقضم شفاهها بحركة عصبية وهي توعد بأن تنهي كل شيء كما تحب….
هند بحقد: لازم كل حاجة حتبقى زي ما أنا عاوزة.. وأحسن من اللي في خيالي كمان….
***
انتصف الليل…
نهال…
جلست نهال تعد ساعات غياب هشام عن البيت منذ خروجه عصر اليوم بهذه الحدة والغضب، فتلك أول مرة تحدث بينهم مشاجرة كتلك…
حاولت الاتصال به لكنه لا يجيب، حتى أنه بعد فترة أغلق هاتفه نهائياً مما زاد من ضيق نهال وقلقها…
كل ساعة تمر تزيد من ضيق صدرها، حاولت أن تفتح غرفة المكتب لكنها مغلقة بالمفتاح، فقط تريد أن تعرف ما يخفيه عنها هشام…..
دقات قلبها المضطربة وعقلها المشوش بالأفكار وتلك الهواجس التي احتلت نفسها من طول ساعات غيابه الطويلة انتهت فجأة وهي تستمع لحركة مفتاحه يفتح باب الشقة لتنتفض براحة وقلق بنفس الوقت…
نهال بعتاب: كده برضه يا هشام… تتأخر كل ده وتقلقني عليك…؟!!
هشام بحده: أنا مش طفل صغير يا نهال….!!
نهال: أنا قلقي عليك عشان بحبك… خفت يكون حصل لك حاجة بعد الشر عنك…
هشام بتجاهل: أنا تعبان وعايز أنام….
تركها هشام متجاهلاً قلقها، عابراً من جوارها ليدلف إلى غرفة نومهم وسط اندهاش نهال من معاملته لها وعدم اكتراثه بقلقها عليه بهذه الصورة لتتأكد من داخلها أن شعور هشام قد تغير من ناحيتها….
مرت الليلة عصيبة بساعاتها طويلة منع الأرق من راحة جفونها المتعبة من طول السهر، ومن يرتاح إلا خالي البال والفكر……
لكن من شدة التعب والإرهاق فبعد معاناة ساعات طوال تبحث فيها نهال عن لحظة راحة، غفت قليلاً لتستيقظ في الصباح بتثاقل وهي تفتح جفونها متحسسة ذلك الفراغ إلى جوارها لتنتفض موسعة عيناها وهي تنظر نحو ساعتها بهذا الوقت المبكر لوحدها السادسة والنصف…
لتتساءل أين ذهب هشام بهذا الوقت المبكر على غير عادته….
ظنت أنه ربما جالس بغرفة مكتبه مرة أخرى، فخرجت باحثة عنه لكنها لم تجده بالشقة إطلاقاً….
لم تستطع نهال تمالك أعصابها فارتتمت على المقعد وهي تبكي حبها الذي يضيع من بين يديها ولا تجد حلاً لذلك…
لم تستطع الذهاب إلى العمل وهي في هذه الحالة فقررت البقاء في المنزل….
***
رحمه….
استيقظت رحمه متأخرة اليوم ونظرت إلى الساعة المجاورة لها لتنهض بفزع فقد تأخرت بالنوم وسوف تتأخر على العمل اليوم كثيراً بهذه الصورة….
ارتدت ملابسها في عجالة ذاهبة إلى محطة الحافلات لاستقلال الحافلة المتجهة إلى طريقها…..
لكنها بسبب تأخيرها في الاستيقاظ اليوم فتأخرت أيضاً على موعد الحافلة واضطرت لانتظار الحافلة التالية وركبتها بصعوبة بهذا الموعد المزدحم….
بعد عناء وتوتر وصلت أخيراً إلى العمل متأخرة ما يقارب من النصف ساعة، قابلها مدير الشركة بفظاظته وغلظته المعهودين عنه ليقف أمامها متكتفاً بضيق…..
المدير: ما لسه بدري يا هانم… انتي فاكرة نفسك صاحبة الشركة…. مش شايفة الساعة كام…؟!!
رحمه باختناق: أسفة والله… غصب عني يا فندم… وأوعد حضرتك أول وآخر مرة أتأخر كده…
المدير: أسفة… وأصرفها منين أسفة دي…. التأخير بتاع النهارده ده حتعوضيه ساعات أوفر تايم زيادة النهارده… فاهمه….
رحمه بامتعاض: لكن.. !! ده أنا كده حروح متأخر أوى… ده أنا اتأخرت نص ساعة بس….
المدير: هو ده اللي عندي… يا تقعدي ساعات الأوفر تايم يا يتخصم اليوم كله من مرتبك… دي شركة خاصة… أنا مش فاتحها سبيل…
اضطرت رحمه بالقبول بهذا التحكم الظالم لمدير الشركة وتسلطه، فهي لن تتحمل خصم يوم كامل من راتبها وهو يعلم ذلك، فهذا هو أسلوبه مع الجميع ولن تستطيع الاعتراض…
***
أميمة وعلاء….
أميمة: أنا حروح أشوف بابا وماما بعد ما أوصل يامن للروضة وأنا راجعة حجيبه معايا….
علاء: خدي بالك من نفسك ومن يامن… على فكرة جات لنا مأمورية فجأة النهارده وبكرة اسكندرية….
أميمة: يومين يعني..؟!
علاء: آه… ولو فيه أي تغيير حكلمك… خلي دايماً تليفونك جنبك….
أميمة: طيب…. خلاص بقى بالمرة أروح أقعد عند بابا اليومين دول… كمان كنت عايزة أنزل أشتري لبس لـ مينو أنا وماما من المول… يبقى بالمرة بقى أروح بكرة….
علاء: مفيش مشكلة… أبقى طمنيني عليكم بس….
أميمة: تمام…. تروح وتيجي بالسلامة….
علاء: الله يسلمك… بس أخلص الشغل ده وناخد لنا إجازة أنا وأنتي ويامن ونروح مصيف قبل ما الجو يبرد….
أميمة: يااااريت….
علاء: خلاص… حضري نفسك وجهزي كل حاجة بس أرجع من السفر نسافروا كلنا سوا….
أميمة: هوه ده الكلام….
علاء: أروح أنا شغلي بقى.. سلمي لي على يامن لما يصحى….
أميمة: مع السلامة حبيبي….
ودعت أميمة علاء لتوقظ يامن وتعده للذهاب إلى روضته ثم تذهب لمنزل والديها لقضاء اليوم والمبيت هناك أيضاً حتى عودة علاء من الاسكندرية….
***
نهال..
تمر الساعات وها هو حان موعد عودة هشام من الجريدة، فقد بلغت الخامسة منذ قليل لتسمع نهال صوت حركة المفاتيح الخاصة به فتنهض من جلستها في استقبال هشام، لحظة تتمناها منذ الصباح….
توقع هشام جدال جديد بينه وبين نهال، ليسارع بالقول….
هشام بإنهاك: نهال أرجوكي أنا مش عايز أتكلم في أي حاجة دلوقتي….
نهال بحزن: هشام… إيه اللي بيجرى لنا ده… هشام قول لي بالله عليك… فيه غيري في حياتك… هو ده اللي مخليك تبعد عني كده..
هشام بتهرب: يا نهال ارحميني بقى…. مش عايز أتكلم في أي حاجة…. نهاااائي….
نهال بإنها: بس أنا من حقي أعرف إيه اللي غيرك كده من ناحيتي…!!!
التفت هشام باتجاه نهال مجيباً على سؤالها بكل قسوة لم تعهدها نهال أبداً من هشام الحنون، فهو لا يستطيع التحمل لأكثر من ذلك… سيقولها الآن….
نظر هشام نحو نهال نظرة مطولة وقد تهدجت أنفاسه بقوة ليزيح بتلك الكلمات ثقلاً من فوق صدره فقد حانت اللحظة المنتظرة….
هشام بحده: أيوه يا نهال… مبقتش أحبك…. خلاص… فهمتي وارتحتي….
صعقت نهال من رد هشام المباشر وتصريحه لها بأنه لم يعد يحبها….
هوت جالسة بصدمة فوق المقعد من خلفها، وهي مازالت معلقة عيناها بـ هشام الذي أسرع نحو غرفة مكتبه بسرعة مغلقاً الباب من خلفه….
هنا تيقنت نهال بأن مشاعره تغيرت نحوها وأحب غيرها وهذا هو سبب تغيره… لكنه لم يمر على زواجهما سوى شهر وبضعة أيام فقط….
أكان شعور شفقة ورأفة بحالها ولم يكن حب قط، وحينما استفاق من غفلته ابتعد عنها ليجد سلواه في غيرها….
أعادت مرة أخرى وحيدة يتيمه، فقدت حبيبها وزوجها بهذه السهولة… هل أصبح شكها يقيناً….
***
بيت والدا أميمة….
كوثر: وحشتني قوي يا حبيب ننآ….
مينو: الحضانة بتاعتي حلوة قوي يا ننآ….
كوثر: بجد… لا ده أنا لازم أجي وأشوفها بقى….
أميمة: يلا يا مينو نغير هدومنا….
يامن: إحنا حنقعد عند ننآ هنا على طول….؟!!
أميمة: لا يا حبيبي… لحد بكرة بس نروح المول ونشتري هدوم جديدة وبابا يكون رجع من السفر نروح بيتنا تاني….
يامن بسعادة: حنجيب هدوم جديدة…. عاوز من اللي عليها سبايدرمان….
أميمة: حاااضر… قوم بقى نغير هدومنا ومقعد مع ننآ كوثر وجدو….
يامن: حاضر….
***
مرت الساعات ليحل المساء…
رحمه…
أكملت عملها وفي نفسها غصة من تعنت هذا المدير واضطرارها للبقاء لوقت متأخر تقوم بعمل إضافي بالقوة حتى لا يخصم من راتبها البسيط، فهي بالتأكيد تحتاجه بأكمله بدون نقصان….
نظرت نحو ساعة هاتفها لتجدها وقد تجاوزت التاسعة بقليل….
أغلقت حاسوبها وعلقت حقيبتها فوق كتفها استعداداً للمغادرة مع من مهم مثلها اضطروا للبقاء بفترة مسائية بالشركة….
خرجت من مقر الشركة بعد يوم طويل زاد من إحساسها بالإرهاق والتعب ورغبة ملحة في النوم، فأخذت تحث نفسها على التيقظ والانتباه حتى تعود إلى المنزل أولاً….
بدأت تسلك طريقها المعتاد لعودتها متجهة نحو محطة استقلال الحافلات، لكنها كانت تسير ببطء شديد لشدة إرهاقها وتعبها….
أكملت طريقها وها هي تقترب من بيت طارق وهايدي، فرفعت بصرها رغماً عنها باتجاه بيت طارق….
رأته يستقل سيارته خارجاً من البيت الكبير الهادئ بعدما أقفل البوابة الحديدية خلفه، ماراً من جوارها لكنه لم ينتبه لها، لكنها رأته جيداً كان يبدو عليه أنه في عجالة. أكملت طريقها المعاكس له، فهو سار تجاه اليمين بينما أكملت هي تجاه اليسار….
أوقفتها صديقتها نرمين التي تعمل بالمكتبة القريبة تسأل عن أحوالها، لترد رحمه بدبلوماسية شديدة فقد أعياها هذا الإرهاق وقلة النوم….
بعد مرور بعض الوقت لم تصمت به نرمين للحظة واحدة، فهي بطبيعتها فتاة محبة للحديث الطويل، لكن رحمه لم تكن بذهن صافي اليوم لتجاذب أطراف الحديث معها، ففضلت الصمت مستمعة فقط اليوم حتى انتهت. تركتها نرمين لتعود رحمه بإكمال طريقها نحو محطة الحافلات، لكن لفت انتباهها ثلاثة أشخاص ملثمين يفتحون البوابة الحديدية لبيت طارق محاولين اقتحام البيت عنوة….
رحمه بانتباه: إيه ده….!!! دول أكيد حرامية!!! … داخلين يسرقوا البيت… يا خبر.. دي أم طارق جوه لوحدها…. أكيد حيأذوها……. أعمل إيه بس يا ربى…. ؟!؟
تلفتت رحمه حولها لتجد الطريق خالياً تماماً من المارة، ولم تستطع أن تجد أحداً تستنجد به ليغيث تلك السيدة من هؤلاء اللصوص، حتى نرمين التي أغلقت المكتبة منذ قليل. لم تجد بداً من الاتصال بأخيها عبد الله….
رحمه بذعر وقلق: إلحق يا عبد الله… فيه حرامية دخلوا بيت الضابط طارق اللي جنب الشغل عندي….
عبد الله بتحذير: إيه حرامية.. ملكيش أنتي دعوة يا رحمه… كفاية إنك متأخرة لحد دلوقتي…. مش ناقصة مشاكل وخوف عليكي… روحي على البيت على طول… ملكيش دعوة أنتي خالص….
رحمه بقلق: إزاي بس… ونسيب الست لوحدها كده ؟؟! …. حتموت فيها يا عبد الله…!! اتصل أنت بالشرطة وأنا رايحة لها….
عبد الله بفزع: لا يا رحمه…. متروحيش….
رحمه: مقدرش أسيبها لوحدها يا عبد الله… لو ماما ترضى تسببها كده وتمشي….. ؟!!
عبد الله: طيب خليكي عندك أنا جاي لك وحتصل بالشرطة… بس بالله عليكي بلاش حركات متهورة وخليكي زي ما أنتي في مكانك…. متدخليش… أنا حتصرف….
أنهت رحمه مكالمتها مع عبد الله بعدم اقتناع، فإنها لو انتظرت مجيء عبد الله فقد يستطيعا اللحاق بتلك السيدة وربما يؤذوها هؤلاء اللصوص لتأخذ قرارها بمساعدتها ويكن ما يكون….
تحركت رحمه ببطء دالفة إلى داخل البيت الكبير لكنها لم تر أي أحد منهم بالداخل….
نظرت رحمه حولها تستكشف المكان محاولة البحث عن أم طارق بهدوء لتنبيهها وإخراجها خارج المنزل قبل أن يشعر بهما أحد حتى مجيء الشرطة….
صوت ضجيج عالٍ أثار انتباهها نحوه آتياً من الدور العلوي لتدرك أن أحدهم بالأعلى….
وعلى أثر هذا الضجيج خرجت أم طارق من المطبخ بالدور السفلي متسائلة….
أم طارق: إيه الصوت ده…. أنت رجعت يا طارق…؟!!
هنا لاحظها أحد اللصوص ليركض باتجاه أم طارق حاملاً عصا غليظة بيده، رافعاً إياها محاولاً ضرب أم طارق بها على رأسها….
لم تتوانى رحمه للحظة عن الركض باتجاه أم طارق هي الأخرى من جانبها وأسرعت تضع جسدها الصغير ليحول بين أم طارق وهذا اللص محاولة أن تفتدي أم طارق وهي تدفعها بعيداً بذات اللحظة حتى لا يضربها هذا الرجل بتلك العصا….
ظنت رحمه أنها ستدفع أم طارق جانباً ثم تتحرك بخفة هي الأخرى مبتعدة عن مهوى تلك الضربة القوية لكنها لم تلحق أبداً، فهوت العصا على رأس رحمه لتقع فوراً على الأرض بدون حراك والدماء تتدفق من رأسها لتخضب الأرضية من أسفلها ببقعة حمراء تتسع أكثر وأكثر من أثر الدماء النازف منها….
***
نهال….
ساعات حزينة مرت على نهال محاولة انتظار أي تراجع من هشام ومحاولة تدارك خطأه بما تفوه به، لكنه لم يتحرك مطلقاً من غرفة مكتبه لتتجه بإنكسار إلى فراشها مدعية النوم لتبكي بصمت وهي تتدثر بغطائها بأحكام، متقوقعة بنفسها كما كانت دوماً تفعل كل ليلة، تبكي بصمت بمفردها….
***
بالطريق….
طارق….
طارق: أيوه يا سامر بقولك في الطريق أهو مش حأتأخر… مسافة السكة بس….
سامر: خلاص تمام مستنيك متتأخرش…. جبت الجهاز والورق اللي معاك….؟؟
طارق بتذكر: أوووف…. يا خبر أبيض…. نسيت خالص… من استعجالي نسيته خالص….
سامر: طب حاول تجيبهم لأن النسخة اللي هنا سلمناها أدلة ومحتاجين النسخة اللي معاك ضروري نشتغل عليها النهارده… كمان الخبير اللي قال جاي يفحص الجهاز زمانه على وصول….
طارق: خلاص الأمر لله حرجع للبيت أجيبهم وأجي لك على طول… أنا مش بعيد أوى عن البيت….
سامر: طيب تمام… متتأخرش عليا….
عاد طارق مرة أخرى إلى بيته لكنه لاحظ أن البوابة الكبيرة مفتوحة ليشك في الأمر، فهو متأكد أنه أغلقها جيداً عند خروجه من البيت….
هرول إلى الداخل بسرعة لتتسع عيناه بصدمة حين رأى أحد الملثمين يرفع عصا سميكة محاولاً ضرب والدته لكن فتاة ما تدخلت بينهم لتدفع والدته بعيداً وتتلقى الضربة بدلاً منها….
لم يستطع طارق تمييز هوية تلك الفتاة التي لم يستطيع اللحاق بها لتقع العصا بقوة فوق رأسها مسببة سقوطها على الأرض غارقة بسيل من الدماء حولها….
أخرج طارق سلاحه على الفور بمهنية جسورة ليصوب نحو هذا اللص مطلقا الرصاص نحوه ليصيبه إصابة مباشرة بساقه ليهوي على الفور إلى جوار الفتاة….
صوت دوى إطلاق الرصاص نبه اللصان الآخرين ليهبطا نحو الأسفل بسرعة محاولين فهم ماذا يحدث ومن أطلق الرصاص….
ليلاحظ أحدهما وجود طارق الذي لم يعلم بوجودهما بعد، ليسرع بإخراج سلاحه مصوباً إياه باتجاه طارق دون أن يراه فقد ذهب لتفقد الفتاة ووالدته المذعورة….
طلقات نارية متتالية أصابت طارق مباشرة ليترنح ساقطاً على الأرض بعدما اختل توازنه….
لم تمر سوى دقائق قليلة حتى امتلأت الأجواء بدوي صافرات سيارات الشرطة التي حاصرت محيط البيت بأكمله من جميع الاتجاهات، لكن اللصان أسرعا بالهرب قبل الإمساك بهما….
داهمت قوات الشرطة بيت طارق باحثة عن هؤلاء المجرمين لكنهم لم يجدوا سوى لص واحد فقط هو من أطلق عليه طارق الرصاص….
نظرت أم طارق حولها تحاول استيعاب ما حدث، فتلك الفتاة التي حاولت اللحاق بها ملقاة على الأرض غارقة بدمائها، وفلذة كبدها ابنها الوحيد مرتمياً على الأرض فاقداً للوعي مصاباً بساقه وصدره بطلقتين ناريتين….
أم طارق بنواح وصريخ: ااااه… ابني…. إلحقونا…. إلحقوا طارق… إلحقوا البنت…. حيروحوا مننا…. إلحقوهم بسرعة…. إسعااااف….. إسعاااااااااااف….. يا عيني عليكم يا ولاد…. آه يا وجع قلبي… اااااااه….