تحميل رواية ذكريات مجهولة بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ليتني كنت أعيش بدون ذكرى. ليتني أُولد من جديد. ليتني أبدأ أيامي بصفحة بيضاء لم تُلوث بخطوط. فأُعيد بها ذكرياتي وأحلامي. سأرسمها حينها بعبير الفرحة. سأبنيها بركيزة من فولاذ. لن أتخلى عن بهجتي. فقط لو جائتني الفرصة. فاليوم أنا حبيسة ذكرى داخل قضبانها الحديدية. أحاطتني بسور منيع من الذكريات. أيامي تمر وساعاتي تمر. وأبقى وحدي في . فالذكريات لها قوة تحفر في القلوب. من قال إن الماضي يُنسى؟ فالذكرى تبقى ويبقى أثرها. فنظن عبثاً أنها قد مُحيت من ذاكرتنا. لكن يمر العمر والأيام. نقابل وجوهاً ونفارق وجوهاً....
رواية ذكريات مجهولة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب
المستشفى …
جلست (نهال) تتأمل باقة الأزهار فى سعادة لم تشعر بمثلها طوال حياتها.
سلمى: (نهال) …. قلقتيني عليكِ .!!!
نهال: ليه ..؟!!
سلمى: بقالي وقت بخبط على الباب وإنتِ مش بتردي …
نهال: مسمعتش خالص …
سلمى: اللــــه … إيه الورد الجميل دة ….؟؟
نهال: مش عارفه …. حد بعته النهاردة… بس مش عارفه يطلع مين ..؟
سلمى وهى تغمز بإحدى عينيها: يمكن مُعجب …
نهال: مُعجب …. معجب بمين … بيا أنا..؟!! ليه …؟؟
سلمى: وليه لأ …!! إنتِ بنت رقيقة وطيبة وجميلة إيه إللى يمنع يعني إن حد يعجب بيكِ ويحبك …
نهال: إنتِ إللى جميلة وبتقولي كدة عشان صاحبتي …
سلمى: أكيد لأ … إنتِ بس متواضعة زيادة عن اللزوم …. المهم أقعدى بقى أقولك عملت إيه مع عمي ….
نهال بحماس: قولي …. فرحيني …
شرحت لها (سلمى) كل التفاصيل التى أوضحها لها عمها.
سلمى: ممكن تروحي بكرة تعملي أول إختبار وبعد كدة نحدد الإتنين التانيين لما تخلصي الكورس على الإنترنت وجبت لك اللاب توب بتاعي تشتغلي عليه إيه رأيك ….؟
نهال بسعادة: أنا بحبك أوى يا (سلمى) … ربنا عوضني بيكِ بجد ….
سلمى: يلا بلاش كسل وإدخلي الموقع ده عشان تشوفي حتمتحني فى إيه …
نهال: إن شاء الله … كمان أنا أعرف حاجات كتير أوى حتسهل عليا إنى أفهم الكورس وأستعد للإمتحانات ….
سلمى: وعمي كمان وعدني لو عديتي من الثلاث إمتحانات حيلاقي لك وظيفة كويسة …
نهال بإمتنان: ياااااه … ألف حمد وشكر لك يا رب .. زى ما أكون بتولد من أول وجديد .. كأنها بداية جديدة لحياتي …
سلمى: وانتِ تستاهلي كل الخير … أنا حروح الشغل دلوقتِ وأنتِ إستعدي بقى للإمتحان … حعدي عليكِ بكرة نروح سوا …
نهال: إن شاء الله حتلاقيني مستعدة…
***
أسدل ستار الليل بعد نهار قاسي تحاملت فيه على قلبها حتى خلت بنفسها بغرفتها الصغيرة.
رحمه….
ضمت أصابعها بأسى مسنده إياها فوق شفتيها وهى تجلس متكوره فوق فراشها بعدما دلفت إلى غرفتها وأظلمت أنوارها.
تذكرت أول يوم رأته به وكان بداية حبها ، ذاك اليوم منذ عامين أثناء لقاءها بـ(نرمين) فى المكتبة المواجهة لـ بيته.
أخذها سحر هذا الأسمر منذ أن وقعت عيناها عليه وهو يقف مسندًا إلى سيارته ينظر نحو ساعته ينتظر أخته (هدى).
تمكن من قلبها برجولته وهيبته من أول نظرة.
رحمه: (نرمين) … مين دة… ؟!؟
نرمين: ده (طارق) باشا … ظابط أمن دوله إنما إيه … يالهوى … ساكن هنا فى البيت دة مع أمه واخته ….
رحمه: هى دى أخته؟!!
نرمين: أيوة … طيبة أوى وجدعة كدة … كل يوم تعدي عليا وتشترى حاجات من المكتبة وساعات بتيجى بس تقف معايا شوية … حبيتها أوى بصراحة .. وهو أخوها الوحيد ملهاش غيره ….
ظلت (نرمين) تتحدث عنه وعن بطولاته التى سردتها له أخته حتى رأته (رحمه) بطل لا يقارن.
تعلق به قلبها دون أن يدري هو عنها. تقابلت معه صدفة عدة مرات كانت ترتجف بقربه لرؤيته فقط لكن لم تتحدث معه يومًا.
يومًا بعد يوم وصدفة بعد صدفة لاحظت به إنسانية وطيبة قلب خاصة بالتعامل مع الناس من حولها ، أعجبت بتصرفاته ومواقفه التى كانت تقصها عليها (نرمين) دون أن تدرك أنها تثبت حبه بقلبها أكثر وأكثر.
عامين لاحقت كل أخباره يوميًا من تلك الفتاة والتى علمت كل تلك الأخبار من (هدى) أخته أثناء مرورها بها. لكن اليوم وبعد سماعها خبر إرتباطه بـ (هايدى) جفى عيناها النوم من آلامها التى تشعر بها فقد ضاع منها حب عمرها حتى أنه لا يعلم بحبها له وهي مجرد أيام ويتم إعلان الإرتباط الرسمى بين (طارق) و(هايدي) ونهاية حبها له إلى الأبد.
***
هاجر…
جلست مع أسرتها لتناول الطعام بنهاية هذا اليوم الشاق ولا تعلم لماذا لاتستطيع إخراج (عبد الله) من قلبها ومن فكرها بعد غيبته الطويلة هذه. وما يزيدها إحساسها بأنها تشعر بأنه قريب منها.
هاجر فى نفسها: ” يا ترى ممكن أسمع عنك خبر قريب يطمني عليك …؟!! قلبي بيقولي إن خلاص هانت … يااارب … بس أطمن عليه …. حتى لو نسيني …. حتى لو حب غيري …. بس أطمن عليه و انه بخير …..”
أم هاجر: مش بتاكلي ليه يا (هاجر) ….؟
إنتبهت (هاجر) لأمها مردفة وهي تتناول لقمتها بسرعة.
هاجر: لا أبدًا … بأكل أهو يا ماما. مفيش حاجة ….
***
صباح جديد مشرق على البعض مثقل على الآخرين.
تركيا….
إرسمت أخيرًا الضحكة على وجه (أميمه) عندما رأت (يامن) يضحك ويركض بينهم بعد وعكته بالأمس لتشعر بالراحة لرؤيته بصحة جيدة.
دلف (ضيا) من الباب بعدما طرقه عدة مرات لتفتح له (سيلا) الباب وكأن (سيلا) هى من إختصت بفتح هذا الباب له فلم يصادف ولو مرة فتحت له (أميمه) الباب مطلقًا.
ضيا: صباح الخير …
الجميع: صباح الخير.
ضيا: (مينو) …. تعالى …
فتح (ضيا) ذراعيه على وسعهما مؤشرًا لـ(يامن) باللجوء إلى أحضانه سعيدًا بتحسنه بصورة كبيرة.
أسرع (يامن) نحو (ضيا) ليضمه ضيا بحب مقبلا رأسه.
ضيا: أيوة كدة …. ده (مينو) القوي ….
يامن: أنا قوي جدًا كمان …
ضيا: طبعًا طبعًا ….
إبتعد (يامن) عن (ضيا) وهو يمسك بيد (توتشا) ناظرًا نحو أمه و(ضيا) و(سيلا).
يامن: أنا حلعب مع آنآ (توتشا) …. إشتغلوا إشتغلوا ….
إبتسموا جميعًا على فراسة هذا الصغير وإتقاد ذهنه رغم صغر سنه. لكن (اميمه) تراه يعطيها أمرًا بقوة كما كان يفعل أبيه معها.
حركت رأسها نافضه ذكرى (علاء) عن ذهنها لترحب ب(ضيا).
اميمه: أهلا يا (ضيا) … ها فيه جديد …..؟
ضيا: أيوة …. كمان عشر أيام عندنا ديفيليه( عرض ) مهم فى أنقرة …. قبل الديفيله(العرض) بتاع الشركة الراعية لازم نكون مجهزين كل التصميمات. تمام ….
اميمه: أكيد …. مش كدة يا (سيلا)…؟
سيلا: أساسًا مش باقي شغل كتير ونكون جاهزين للديفيله( العرض ) الأول بتاع أنقرة ….
ضيا: وعمومًا أنا كل يوم حشتغل معاكم ساعه مثلاً قبل المكتب عشان ننجز شوية ….
سيلا: طيب إبدأوا إنتوا وأنا ححضر لكم القهوة وآجي على طول …..
تابع (ضيا) (سيلا) حتى إختفت رؤيتها من أمام عينيه لينظر نحو (أميمه) متأهبًا للحديث.
ضيا بإرتباك ملحوظ: (أميمه) …. أنا… اااا…..
اميمه: مالك يا (ضيا) …. فيه مشكلة ….؟
ضيا: لا أبدًا …. أصل أنا كنت عايز أكلمك فى موضوع مهم أوى …
اميمه: موضوع …. موضوع إيه …. خير…؟
ضيا: كنت عايز أفاتحك فى موضوع خاص.
شعرت (أميمه) بالإضطراب حين ذكر (ضيا) كلمه ” موضوع خاص” لترد بتهرب.
اميمه: ااا… خلينا نأجل الموضوعات الخاصة لبعد الديفيليه …. مش عايزة حاجة تعطلنا عنه ….
ضيا: أفهم من كدة إن دة وعد أننا نقعد مع بعض براحتنا وأقولك على الموضوع إللى شاغلني ….
اميمه بتهرب: أه … طبعًا طبعًا …. حقوم أشوف (سيلا) إتأخرت ليه ….
أسرعت (اميمه) لاحقه بـ(سيلا) بالمطبخ لتعود بصحبتها وهما حاملتان القهوة والحلويات ليبدأوا العمل على الفور بدون تأخير.
***
هاجر….
أخذت تتقلب على فراشها وكأنها تنازع الموت. تتألم بصراخ مكتوم. لتنهض من نومتها فزعه تنطق بإسم “عبد الله”.
دارت عيناها بالغرفه لتتأكد أنها بغرفتها وأن ما رأته كان مجرد حلم. لا ليس حلمًا بل كابوس مفزع.
إستعاذت بالله من الشيطان الرجيم وهي تحاول ضبط تنفسها المضطرب متذكره أحداث هذا الحلم المفزع.
فقد رأت (عبد الله) يبتعد عنها بطريق طويل يلحقه ثعبان مهول يقترب منه بسرعة وبدون وعى منه سيلتف حوله سيقتله. حاولت الصراخ بإسم (عبد الله) لكن صوتها لم يخرج من حنجرتها شعرت بالعجز وقلة الحيلة فهو بعيد عنها ولا يستمع إليها وهذا الثعبان سيقتله إن لم ينتبه له.
هاجر: أسترها من عندك يا رب …. إحفظه يا رب من كل شر وسوء …. يا رب أستودعك (عبد الله) من كل شر.
بدأت يومها بالفعل لكن مازال أثر هذا الحلم عليها طاغي بقلق وخوف. مرت بـ(رحمه) للذهاب للجامعة لتطل لها (رحمه) بحال ليس ببعيد عن حال صديقتها.
رحمه وهى تنظر من النافذة ملبية نداء (هاجر) التى تأخرت عليها اليوم.
رحمه: أيوة يا (هاجر) ….
هاجر: إنتِ لسه مجهزتيش …. حنتأخر ….!!
رحمه بوهن: مش رايحه الكلية النهاردة …. روحي إنتِ ….
هاجر بضيق: وأنا كمان ماليش نفس أروح …. أنا طالعه أقعد معاكِ شوية وأروح.
رحمه: تعالي تعالي.
وأشارت لها بيدها من النافذة مرحبة بوجودها إلى جوارها. تصرف ليس بالغريب على (هاجر) فهما إلى جانب بعضهما البعض منذ الطفولة.
***
نهال….
لم تصدق (نهال) عيناها وهى ترى الباقة الثانية من الزهور البيضاء تتقدم نحوها تحملها إحدى الممرضات التى إرسمت على وجهها إبتسامة. لاتدري إن كانت سعيدة لحصول (نهال) أخيرًا على أى إهتمام أم تحمل بداخلها ولو بعضًا من الغيره من هذا الإهتمام المفاجئ بتلك الفتاة يختفى خلف هذه الإبتسامة الغير معلوم سببها لـ(نهال).
الممرضه: بوكيه ورد تاني أهو …. يا بختك يا ستي.
نهال: معقول …. ورد أبيض تاني …. !!!
أسرعت (نهال) تحمل الباقة كأنها تعانقها كشخص أراد زيارتها والإطمئنان عليها.
أخذت تتلمس أوراق إحدى الزهور الناعمة لتتسائل بداخل نفسها.
نهال: ” و إللي بيبعت لي الورد عارف منين إنى بحب اللون الأبيض … ومش مرة واحدة .. لأ … يومين ورا بعض …. ”
قطع سيل أفكارها صوت (سلمى) متسائله بسعادة نابع من صوتها المرِح.
سلمى: إيه دة …؟؟! ورد تاني …. ؟!! يا سيدي يا سيدي …. لا … دة إحنا نحسد بقى ….!!
نهال بفرحة: بعت تاني يا (سلمى) …. بعت تاني …
سلمى بحنان وهى تربت على كتف (نهال) فوق شعرها الكستنائي الطويل: وإنتِ تستاهلي أحلي من كدة كمان …. يا رب يكون إللي فى بالي ….
نهال بتساؤل: إنتِ تعرفيه …؟!!
سلمى نافيه: لأ … بس يمكن حد وقع على بوزه ومحدش سمى عليه وبيبعت لك مرسال الهوى.
نهال: بس لو فعلا كدة … يبقى ذكي وحساس لأنه عجبني أوى .. والطريقة عجبتني أوى …. ده ورد أبيض … يعني عارف إنى بحبه ….
سلمى مدركة: تصدقي صح … عرف منين انك بتحبي اللون الأبيض كدة ؟! دة الظاهر يعرفك أوى ….
نهال: تفتكري يكون (أحمد) …. ويكون عرف مكاني هنا …؟!!
سلمى: ما أظنش …. (أحمد) دة لا متربي ولا شاف ذوق …. لكن ده حد رومانسي وعنده ذوق.
نهال: يا ترى مين …؟!
سلمى: طيب نقوم نروح لعمى نعمل الإختبار الأول وبعدين نبقى نفكر فى صاحب الوردة البيضاء.
نهال ضاحكة: أيوة … صاحب الوردة البيضاء ….
***
الإمارات….
ليلة طويلة تمر على (حوريه) لتستجمع قوتها جالسة فى إنتظار إستيقاظ (عماد) فيجب أن تبلغه بقرارها الذى سيغير حياتها أو هكذا فكرت.
يحب أن تناقشه وتتكلم معه لتعبر عما بداخلها بقوة ولو لمرة واحدة.
جلست متحمله آلامها المتكرر غير عابئة بها فيجب أن تضع النقاط فوق الحروف مع هذا القاسي المتغطرس.
على الرغم من تزايد الألم عن الأيام الماضية إلا أن آلامها الداخلية أكبر بكثير وخوفها من التحدث مع (عماد) أكبر وأكبر.
إستيقظ (عماد) متجهًا نحو المرحاض دون الإلتفات لـ(حوريه) على الإطلاق.
أنهى (عماد) إغتساله الصباحى مرتديًا ملابسه مقتربًا من المنضدة الموضوعه عليها حقيبته فى إنتظار أن تناولها له (حوريه) قبل خروجه كالعادة إلى عمله.
حوريه: (عماد) … عاوزة أتكلم معاك فى موضوع مهم.
عماد: تاااني … إنتِ إيه غبيه مبتفهميش …. إنتِ مفيش حاجه عندك مهمه …. وأنا مش فاضي لك …
حوريه: لا عندي … وعايزاك تسمعني.
عماد بعدم إكتراث: مش فاضي لك … غوري دلوقتِ من قدامي … اه …. وأرجع ألاقي البيت جاهز والسلم متلمع بلاش شغل قلة الضمير دى.
حوريه: يا (عماد) إسمع بس.
عماد بغضب أرجف (حوريه) بنظراته الحارقة وصوته المدوى: إخرسي …. أنا نازل …. وآجى الآقيكى محضره لى شنطتي عشان مسافر.
تركها تعاني ألآمها الجسدية والنفسية لكنها كانت مصممة على التحدث معه هذا المساء وقبل سفره.
بدأت (حوريه) تنظف البيت كما إعتادت وحتى يمر الوقت ليعود (عماد) لتفاتحه فى قرارها الذى إتخذته.
***
علاء….
بعد عدة جولات وزيارات للوزير بفرنسا تحدد موعد العودة فى الغد ليطمئن قلب (علاء) لعودته إلى بلده وبالقرب من محبوبته التى لا يدرك مكانها.
***
المباحث العامة.
طارق: يا ساتر يا رب … بـ أكره جدًا موضوع التقارير والحاجات الكتابية دى.
سامر: وإنت بقى عايز حياتك كلها مغامرات … مش كفاية الأيام إللى فاتت … موحشكش شغل المكتب شوية.
طارق: أنا فعلاً بحب أى حاجة فى الميدان … لكن شغل المكاتب دة مش بتاعي خالص … أنا مش عارف نويت أتجوز إزاى وأنا ممكن أغيب بالأيام فى عملية واحدة.
سامر: ما هو دة لازم تفهمه لعروستك كويس عشان متتفاجئش.
طارق: بعد الخطوبة أوضح لها كل حاجة … عشان تفهم طبيعة شغلى وتقدرها.
سامر: أنت حددت الخطوبة كمان يومين خلاص مظبوط ؟!!
طارق: أيوة … وطبعًا أنت و(علاء) لازم تحضروا …. فاهم دة أمر يا حضرة الضابط.
سامر ضاحكًا: أكيد يا باشا …. ربنا يهنيك.
طارق: عقبالك يا (سامر) ويفك أسرك أنت و أخوك.
سامر: مش باين …. أنا قلبي مقفول عليها وبس مهما كانت بعيد عني ومش طايلها. وأخويا أنت عارف إللى هو فيه.
طارق متعجبًا: دة مش حب … دة عذاب … مالكم إيه إللى صابكم ومش راضي حالكم يتعدل. هو فيه حد يتعلق بحد للدرجة دى.
سامر: أمال أنت حتخطب وتتجوز إزاي … ؟!!
طارق: بنت كويسة وبنت ناس طيبين وخلاص. مسألة راحة يعني.
سامر: بكرة تحبها وتبقى مش قادر تعدي يومك من غير ما تشوفها وتطمن عليها. يومك ميكملش غير بيها. ولما تبعد عنك تبقى زينا كدة.
طارق مدعيًا الخوف: يا شيخ الشر بره وبعيد. أنا أبقى زيكم كدة.!!! لا يا باشا … أنا أقوى من كدة.
سامر بتهكم: حنشوف.
***
رحمه وهاجر.
تواسيها أم تواسي نفسها فكلاهما مكسورة القلب لكنها مازالت تعيش على أمل اللقاء. لقد تحطم أملها الذى بُعثر فى الهواء. فقبل أن تبدأ قصتها كتب لها النهاية.
هاجر: أنا حاسه بيكِ … عارفة الخنقة إللى إنتِ فيها. عارفه أنه ضاع من إيدك. بس إنتِ أصلاً مكنتيش تعرفيه. ولا هو حتى أتكلم معاكِ. متظلميش نفسك فى وضع هو محسش بيه أصلاً.
رحمه: كان نفسي الزمن يجمعنا ويحس باللى جوايا. أكتر من سنتين وأنا متابعة كل حاجة تخصه عرفت عنه كل تفاصيله. حبيته من غير ما يحس بيا ولا حتى ياخد باله مني. عارفة إن أنا إللى غلطانه وإن الحب من طرف واحد إنتحار بس كان جوايا أمل.
هاجر: أدعي ربنا يقوي قلبك ويكتب لك الصالح سواء معاه أو مع غيره.
رحمه: مش قادرة أتخيل غيره فى قلبي. ده مش حب مراهقة ولا طياري. أنا قلبي بجد مفيهوش غيره. تفكيري مفيهوش غيره. حياتى كلها كانت مجرد أشوفه وشفته وسمعت عنه وإطمنت عليه. مع كل مأمورية بيطلعها قلبي بيقف لحد ما أشوفه بخير. ولما إنجرح مرة قلبي كان هو إللى بينزف. بس دايمًا كنت بخبي جوايا ورا ضحكتي.
شعرت (هاجر) وكأن (رحمه) تصف حالها وحبها لـ(عبد الله). حبها الحبيس المكتوم داخل ضلوعها. حتى خوفها وقلقها لا تستطيع البوح بهم.
مدركه تمامًا إحساس رحمه. لكنها ستبوح لها وستفهمها فهي أختها قبل أن تكون صديقتها. ستتفهم حبها لأخيها الغائب وخجلها من أن يعرف أهله بذلك الحب الدفين فقد أراد أن يبلغهم هو أولاً بذلك لكن الأيام حالت دون ذلك بغيابه وإختفاءه.
هاجر بحرج: (رحمه)…أنا عايزة أقول لك حاجة. ؟!!
(رحمه) توجست قلقًا من طريقة (هاجر) بالحديث فيبدو أنها تخفي شيئًا ما عنها. شيئًا كبيًرا بعد.
رحمه: مالك يا (هاجر) …؟!!
هاجر: إنتِ حتحسي بيا. أنا مكنتش عايزة أتكلم وحبست الموضوع دة جوايا زيك بالضبط. بس إنتِ حتفهميني.
رحمه: قولى يا (هاجر). …. قلقتيني.!!!
هاجر: (عبد الله) …. أخوكِ.
إنتفضت (رحمه) بإنتباه نحو (هاجر).
رحمه: ماله. …. إنتِ عرفتي عنه حاجة …..؟!!
(هاجر) وهى تخرج الورقة الوحيدة التى تركها لها (عبد الله) قبل رحيله. لتمد يدها بإتجاه (رحمه) كأنها جرم تعترف به.
أمسكت (رحمه) بالورقه لتجد خطاب من (عبد الله) معترفًا بحبه لـ(هاجر) ووعد منها بزواجها حين عودته وطلب منها الإنتظار حتى يحين إجتماعهما بعودته.
رحمه بسعادة: (عبد الله) ….. طيب مقاليش ليه. وانتِ مقولتليش ليه …؟!!
هاجر: كنت مستنيه يرجع ويقولكم.
رحمه: بتحبيه يا (هاجر) …؟!!
هاجر: أوى يا (رحمه). …. حموت فى غيابه. .. نفسي أطمن بس عليه. …. حتى…ااا…
رحمه: حتى إيه..؟!!
هاجر بإنكسار: حتى لو كان إتغير من ناحيتي أو عرف غيري.
رحمه: يبقى متعرفيش (عبد الله). …. (عبد الله) مش كدة. …. (عبد الله) بيحب بقلبه كله. …. (عبد الله) شبهك صافي. طيب. …. عمره ما ينسى أبدًا. …. ولا ينسى حبيبه ولا ينسى عدوه. …. طول عمره صريح وواضح وميحبش الغلط.
هاجر: عارفاه. …. بس مش عارفه الدنيا حواليه عملت فيه إيه؟!!
رحمه: يرجع بس بالسلامة وحتشوفي يا (هاجر).
هاجر: يا رب. …. أحسن أنا تعبت وماما ضاغطه عليا بجوازى من (خالد) وعايزين يعملوا الخطوبة بعد شهرين بالكتير. وأنا مقدرش. …. حب (عبد الله) جوايا. …. مقدرش أنساه بالسهولة دى.
إقتربت (رحمه) من (هاجر) لتحتضنها مواسية إياها لتواسي نفسها هى الأخرى ليجتمعا بظروفهما وحياتهما وكسر قلبيهما معا.
***
عبد الله……
لملم (عبد الله) متعلقاته بحقيبة صغيرة أعطاها له آمر السجن ليستعد لخروجه اليوم فى المساء.
إلتف حوله بعض المساجين لتوديعه فقد لمسوا منه الصدق وطيبه الأصل. وما أخرجه من السجن إلا حفظه لكتاب الله ليضعه ذلك بمنزلة كبيرة لديهم ويزيد من إحترامهم له.
عزوز: والله بنشتاق لك يا (عبد الله).
عبد الله: حقيقى وأنا كمان يا (عبد العزيز). …. ربنا يخفف عنكم يا رب.
عزوز ناصحًا: روح لأهلك وما فيه داعي للإنتقام وأنا أخوك.
عبد الله: أنا أخدت قراري خلاص يا (عزوز).
عزيز: الله يحرسك. …. ويسلم راسك. … إحترس منه.
عبد الله: أنا صاحب حق. …. وإن شاء الله ربنا حيقف معايا.
عزيز: ربنا يسلمك بإذن الله. …. وما تنسانا.
زين….
عبد الله: زين.
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب
المستشفى.
عادت نهال بصحبة سلمى من المركز الخاص بعمها بعد أداء الاختبار الأول.
نهال: أنا مش مصدقة يا سلمى. أنا فعلاً جبت المستوى ده. مكنتش متخيلة.
سلمى: عمي انبهرب بيكي يا نهال. انتِ ذكية قوي ما شاء الله عليكي. ده حيساعدك في المرحلة التانية من الكورس حيكون أسهل عليكي جدًا.
نهال: مش عارفة أشكركم إزاي. حتى عمك ساعدني كتير قوي.
سلمى: وعشان قدرتك العالية دي الاختبار التاني كمان أسبوعين بس.
نهال: كأني بحلم بجد. ياااه على كرم ربنا.
سلمى: الحمد لله. أروح أنا ألحق مناوبتي أحسن اتأخرت. وحبقى أرجع لك لما أخلص شغل.
نهال: ماشي.
تركتها سلمى بروح جديدة تتملك منها. فقد شعرت بأنها نهال جديدة بها شيء تغير يدفعها للارتقاء بنفسها. لم يعد مجرد كلمات بالحبر على الورق بل يتحقق ليصبح واقعًا وحياة.
قبلت وردتها البيضاء ممتنة لها وكأنها ساعدتها فيما وصلت إليه اليوم أو كانت كبشرى لها ببداية حياة جديدة منذ رؤيتها لتلك الورود.
***
في المساء.
هند.
قبعت بغرفتها تفكر بعلاء وأن عليها استرداده مرة أخرى.
هند: "ما هو لما يلاقي مني الاهتمام بيه متواصل حيرجع تاني وينسى كل الأوهام اللي في دماغه دي. أميمة خلاص. كفاية عليها كده. الوقت ده وقتي أنا ومش حاسيبه يضيع من إيدي زي المرة اللي فاتت."
أمسكت بهاتفها لتضع الشريحة الجديدة التي أحضرتها. فهي تعلم بأن علاء لن يرد على مكالمتها. فقامت بشراء خط جديد للهاتف ليرد عليها. ووقتها لن تضيع فرصتها بالحديث معه وستحدثه مباشرة بمشاعرها وتوضح له اهتمامها به.
هند: النهاردة عيد ميلاده وأكيد محدش انتبه له. لما يلاقي مني الاهتمام ده أكيد حيفرق معاه.
أرسلت له رسالة برقمها الجديد بمناسبة يوم ميلاده.
هند: حبيبي. كل سنة وانت طيب. يا أغلى الناس. عارفة مفيش غيري حيفتكر إن النهاردة عيد ميلادك. عشان محدش بيحبك قدي.
وجلست تنتظر رده على رسالتها بشغف.
***
فرنسا.
انتبه علاء لصوت رسالة نصية وصلت على هاتفه. ليتملل بجلسته رافعًا الهاتف أمام وجهه ليقرأ الرسالة.
اعتدل بلهفة عندما وجد رسالة من رقم مجهول. ليظن أنها أميمة. ربما يكون رق قلبها له أخيرًا وتذكرت هذا اليوم.
أخذ يعيد قراءة الرسالة مرات ومرات عديدة غير مصدقًا لما يراه.
علاء متمتمًا: معقول. أميمة. حبيبتي. أخيرًا. يااااه. ياه يا قلبي. وحشتيني.
لم يستطع الاتصال. فجميع أفراد طاقمه يعملون حوله. فإضطر لإرسال رسالة كرد عليها. تمنى لو استطاع أن يستمع إلى صوتها.
أراد لو يملئ اشتياق قلبه بتنهيدة منها بكلمة واحدة يسمعها من شفتيها.
لكنه اضطر لإرسال الرسالة فقط ردًا على معشوقته وياسمينة قلبه.
هند.
فور أن صدح الهاتف بنغمة رسالة واردة. أسرعت تلتقط هاتفها لقراءة رده. ذلك الرد الذي لم تتوقعه إطلاقًا.
علاء: وحشتيني قوي قوي يا روح وحياة قلب علاء. وحشتيني قوي يا أميمة.
ألقت الهاتف بعصبية فوق الفراش وهي تكتم بغيظها كلماتها.
هند: أميمة برضة. هي الدنيا كلها بتلف حوالين أميمة بس. أووف.
أغلقت الهاتف بغضب. فهي كانت تود إثبات حبها له عندما يتصل ويجدها هي من تذكرت. ولكنه ظن أنها غريمتها لتفسد كل مخططاتها. فهي لن تبلغه أنها هند وليست أميمة. فوقتها لن يرد عليها مرة أخرى. ولن تكمل بأنها أميمة وتفسد كل شي وتحيي حبه لها من جديد.
علاء.
أنتظر كثيرًا لم يجد ردًا لرسالته. ليقطع قلقه وانتظاره باتصال ينهي هذه الحالة. حتى لو بوسط الفريق فلن يضيع هذه الفرصة.
لكن الإحباط كان حليفه. عندما وجد الهاتف مغلقًا. أعاد المحاولة للعديد من المرات لكن نفس النتيجة.
لم يجد بُد من إرسال رقم الهاتف إلى سامر. ليبحث له عن موقع الاتصال لمعرفة مكان أميمة. ليولد أمل بداخله من جديد بالاقتراب من الوصول إليها.
فربما عندما يعود بالغد يستطيع إيجاد عنوان لها ويجدها. وتعود البسمة مرة أخرى إلى قلبه وحياته.
***
عبد الله.
حمل حقيبته الصغيرة خارجًا من أسوار هذا المكان المقيت الذي سلبه روحه لشهور عديدة. حسبها يومًا بيوم وليلة بليلة.
أدرك بالفعل مقولة "ياما في الحبس مظاليم". وليلة المظلوم طويلة وقاسية.
رائحة الحرية مختلفة. سينطلق أخيرًا حرًا. لن تطبق زنزانة فوق أنفاسه مثل كل ليلة.
اليوم يكلل سعادته بخروجه بتلقين ذلك الظالم درسًا. اليوم سينتقم ممن قهره ظلمًا وافتراء.
استقل سيارة أجرة لتذهب به نحو بيت هذا الرجل الذي كان سببًا في دخوله للسجن. فلن يتأخر مرة أخرى عن أخذ حقه ممن ظلمه.
***
حورية.
مرت ساعات اليوم سريعًا. لم تستطع الانتهاء من تنظيف كافة أرجاء البيت بسبب آلامها المتزايدة بصورة كبيرة اليوم. حتى مع تناولها عدة أقراص مسكنة إلا أن الألم مازال قويًا للغاية.
ارتدت جلباب فضفاض. فربما يشعرها بالراحة من تلك الآلام المتوالية بصورة قوية وتزداد حدة مع مرور الوقت.
مرغمة تكمل أعمالها دون راحة لالتقاط الأنفاس.
أمسكت زجاجة من الزيت المستخدم كملمع للخشب وبعض الأنتيكات الممزوجة بين الخشب والنحاس لتبدأ بتلميعها ببطء وسط تأوهاتها المكتومة. تحاول أن تزيد من سرعتها قبل وصول عماد.
نظرت خلفها للتأكد من أنها لم تترك أي بقعة لم تلمعها جيدًا بالجانب الخشبي للسلم الرخامي. لتهدأ نفسها المتوترة قليلاً مستكملة باقي عملها.
تهدج قلبها لتتزايد ضرباتها وسط شعورها بالاختناق. كما لو أن الهواء سحب من حولها بمجرد سماعها لصوت محرك سيارة عماد. اقترب من البيت لتترقب صوت إقفال البوابة الكبيرة تعلن بحضور عماد من العمل.
(جاء مبكرًا). هذا كل ما جال بتفكيرها. لم جاء مبكرًا. حضرت كثيرًا كلماتها لتلقيها اليوم على مسامعه. لكنها نثرت مع الرياح حين استمعت لاقتراب أصوات قدميه صاعدة الدرجات بقوة لتعلنه خلفها.
ابتلعت ريقها بارتجاف وهي تلتفت نحو عماد الذي يرمقها بنظرات اشمئزاز تفحصها من رأسها لاخمص قدميها.
حورية: عماد!!! ااا حمدا لله على السلامة.
عماد باستياء: إيه القرف اللي انتِ لابساه ده؟!!
حورية: كنت بلمع الخشب بتاع السلم زي ما قلت لي. وهدومي كويسة أهي.؟!!
عماد: كويسة!!!! دي هدوم تقابلي بيها جوزك آخر اليوم وهو راجع من شغله.!!!
حورية: أصل بطني وجعاني شوية.
عماد: خلاص. خلاص. كفاية تمثيل بقى ماليش دماغ للقرف ده.
استجمعت حورية شجاعتها وردت عليه. فهذه فرصة لن تتكرر وستبلغه الآن.
حورية بارتجاف فهي لأول مرة ستتكلم وتواجه: أنا. أنا. مش بمثل. أنا تعبانة فعلاً. أنا. مش بعمل كدة عشان تقلق أو. عشان تهتم. وطالما بنتكلم بقى أخيرًا عايزاك تسمعني بقى في اللي كنت حقولهولك الصبح.
عماد: إنجزي. عايز أخد شنطتي وأمشي أنا مسافر دلوقتي.
استجمعت قوتها للمرة الثانية. ستقول كل ما لديها الآن ولن تتراجع أو تتوقف.
حورية بشجاعة واهية: أنا استحملت منك العصبية والإهانة والضرب. استحملت كل حاجة من غير ما أفهم انت ليه بتعاملني كدة؟؟!
عماد: عشان انتِ متستاهليش غير كدة. انتِ أهلك باعوكِ ليا بالفلوس. وأنا اشتريت. صفقة ولازم أكسب فيها. يعني تبقي تحت رجلي منين ما أفكر. تنفذي بس طلباتي. أنا لسه ماخدتش حقي في كل اللي دفعته فيكِ. اشتريت عروسة حلوة لمزاجي.
شعرت حورية بصدمة ألم وانكسار من كلمات عماد الجارحة. كيف؟ كيف فعلها أهلها؟ كيف أضاعوا كرامتها واعتبروها سلعة مربحة تدر المال؟ لماذا حطوا من قدرها؟ تعلم أن ظروفهم المادية تكاد تكون معدومة. لكن ذلك ليس سببًا ليبخسوا بها بهذه الصورة.
كسروا نفسها وحطوا من قدرها ليأتي هو ويكمل على بقاياها. دومًا ما أحست أنها بالنسبة له لا شئ. لكنها كانت تأمل دومًا بأن تتغير معاملته معها.
حورية بانكسار: حتى لو أهلي ظلموني يوم ما اتجوزتك عشان الفلوس اللي أخدوها. بس انت ليه حكمت عليا بالسرعة دي؟ ليه حارمني من إن يكون ليا طفل؟ ليه تمنعني ثلاث سنين إني أكون أم؟ وأنك تكون أب؟ مش يمكن الطفل ده يقرب ما بينا!!!
عماد: أم؟؟؟ انتِ أم؟؟؟
ليكمل مردفًا بتهكم واستخفاف بحورية: لا يمكن طبعًا. مين انتِ عشان تكوني أم لأولادي.
حورية: أنا في الأول وفي الآخر مراتك. ولا نسيت؟!!
عماد ساخرًا: انتِ مصدقة نفسك. انتِ واحدة من الشارع. الحاجة الوحيدة اللي عجبتني فيكِ شكلك الحلو. انتِ هنا عشان مزاجي. وبس. ويوم ما أفكر في أطفال. استحالة تبقى انتِ أمهم. انتِ أخرك كدة.
إهانات متوالية تحطم روحها كما تحطم كل شئ آخر بحياتها. لتثور بقوة. فلن تبقى ذليلة هذا المتعجرف الذي يظن أنه سيتحكم بها وبحياتها لمجرد امتلاكه للمال.
هي تعلم جيدًا أنها لا تحبه ولم تشعر بحبه أيضًا. لم يكن بينهم أي شيء مشترك مثلما يكون بين أي زوجين.
طعنها طعنة كبيرة في نفسها المحطمة. تسللت من عيونها دمعة حزن على نفسها وعلى حياتها معه. لم يفكر فيها بهذه الطريقة المتعجرفة. كيف يكون الفقر سببًا فيما يحدث لها. وكيف يكون المال سببًا في ما يفعله عماد معها.
شعرت بدوار من كلمات عماد الجارحة. لكنها قررت الصمود واستكمال حديثها.
حورية: طـ..طـ….. طلقني.
عماد: تصدقي ضحكتيني. انتِ فاكرة انه بمزاجك ولا إيه؟!! لاااا. لما أنا أعوز أطلقك حطلقك. غير كدة انتِ حتفضلي مرمية هنا تحت رجلي.
وأشار بإصبعه السبابة بقوة فوق حذائه مهينًا لها ولرغباتها.
حورية بتحدي: حتطلقني. ودلوقتي أحسن لك.!!!
تقدم عماد نحو حورية بعصبية ودفعها إلى الخلف لتصطدم بقوة بالحائط. ومازال جسدها يرتجف بالكامل من ذعرها الشديد من مواجهة عماد التي تفوق قدرتها ونفسها.
دفعة عماد القوية لحورية أفلتت زجاجة زيت التلميع من يدها لتسقط من بين كفها على السلم الرخامي. لتنكسر الزجاجة محدثة صوت تكسير قوي. لم يختلف عما يحدث بداخلها من تهشيم وحطام.
عماد من بين أسنانه: أو. إيه. حتعملي إيه يا حورية. وريني.؟!!
***
علاء.
بعدما أرسل لسامر رقم الهاتف الذي أرسل له الرسالة منذ قليل للبحث عن صاحبة. جلس يتذكر عند عودته تلك الليلة المشؤومة لشقته. ليجد كل شيء بالشقة أصبح باهتًا لا حياة فيه. لمجرد عدم تواجدها به. فهي من كانت تضخ فيه الروح بوجودها وضحكتها.
تلك الخزانة الخاوية من كل أغراضها وملابسها حزينة على صاحبتها. لم يجد سوى ذلك الشال الوردي. ويبدو أنها قد نسيته في خضم أحداث تلك الليلة القاسية عليهم جميعًا.
أمسك علاء بالشال ليشتم رائحة الياسمين بها. ليدرك أن القدر ترك له ذكرى تربت على قلبه بفراقها.
لكنه عندما دلف إلى المطبخ وجد كعكة الشوكولاتة التي قد حضرتها له بمناسبة يوم ميلاده. تلك الكعكة التي لم يستطيع تذوق طعمها هي وكل مثيلاتها منذ ذلك اليوم. ولن يتذوقها إلا من صنع يديها فقط.
علاء: بس نرجع. وعد مني أعوضك عن كل اللي اتحرمتي منه. وإللي اتحرمت أنا منه في غيابك. وناكل سوا كيك الشكولاتة اللي بنحبها.
***
حورية.
كرهت نفسها لدرجة. ستتحمل كل أنواع العقاب الآن في سبيل أن تتخلص منه.
ستتحمل كل أنواع العقاب الآن في سبيل أن تتخلص منه.
ستتحمل غضبه وصراخه.
ستتحمل إهاناته ولكماته وضرباته المبرحة.
ستتحمل كل شيء الآن. لقد اتخذت طريق اللا رجعة. إما الحرية وإما الموت.
تهدجت أنفاس حورية وهي تتحاشى نظرات عماد النارية. مع قربه لها بتلك الصورة. فقد كادت تشعر بلفحات أنفاسه النارية تلهب بوجهها. وهو محاوطها بيده المستندة على الحائط من خلفها.
حورية: مش. عايزة أعيش معاك. طلقني. طلقني وخليني أروح لحالي. ولو ليا أي حق عندك متنازلة عنه. بس سيبني في حالي. مش طايقاك.
أثارت غضبه وحنقه. لن تكون بنت الفقراء هي من تتشرط وتتدلل وتطاع. لن تأخذ ما تريده أبدًا. ليس هو من سيلوي ذراعه ليفعل شيء رغمًا عنه. لن يتركها إلا بموتها. فهي ملك له. هو فقط. ولن يتركها مهما كلفه الأمر. حتى لو كلفه ذلك حياتها. فهي إما له وإما للقبر.
لحظات صمت استمع بها عماد لحديث حورية. ليصفعها بقوة مرات متتالية. فلم يعد يعي بتصرفاته. فقد خرج تمامًا عن شعوره. ليحتد بالضرب المتوالي حتى تصمت نهائيًا. فعليها أن تأخذ جزائها على جرأتها وتطاولها ذاك.
سال الدماء من أنفها وفمها. لتختلط بدموع ألمها وتهشيم روحها. لكنها ظلت تبعث برسائل من داخلها للثبات والقوة للتخلص منه.
عماد: إخرسي. إخرسي خالص. مش عماد العشماوي اللي تتلوي دراعه. مش أنا يا ماما.
حورية بانفعال: حهرب منك ومش حتعرف توصل لي. كدة كدة مش حتطولني. طلقني بكرامتك أحسن.
عماد باستهزاء من قوة حورية الواهية التي يدركها عماد تمامًا: انتِ فاكرة نفسك في مصر. انتِ هنا في مملكتي. في الإمارات. مش حتعرفي تتحركي خطوة واحدة من غير اذني. ولو رجلك خطت عتبة الباب. حقتلك. بأيدي دي حقتلك.
شعرت حورية بالعجز. كيف ستهرب منه. يبدو أنه لن يتركها بسهولة. ولن تبقى معه بعد الآن. سيقتلها. هي تدرك ذلك فعلاً. تستشعر ذلك حقًا في كل نفس وحركة يقترب بهما منها. تشعر بالبغض والثأر بنظراته الحارقة. سيقتلها.
لكنها تستسلم للموت أفضل من أن تستسلم وترضخ له ولحياتها الذليلة معه.
تهدجت أنفاسها وهي تجلس فوق الأريكة ببطء. في حين تعداها عماد دالفًا إلى الغرفة لتجهيز بقية أغراضه للسفر.
عماد لنفسه: ححبسها هنا. لحد ما أرجع ولازم أتصرف معاها. لازم أعلمها الأدب. حتى لو قتلتها وخلصت منها.
***
تركيا.
تذمر يامن بقدمه الصغيرة لينحي وجهه بالأتجاه المقابل مبتعدًا بتذمر عن والدته وهو يقبض بين حاجبيه بغضب وعدم رضا. لتضيء عيناه الزرقاوتين بحدة.
أميمة: زعلان ليه بس.؟!!
يامن: مش عاوز الكيك دي. أنا بحب الشيكولاتة. مش بحب كيك الكريمة دي.
أميمة: مينو. انت عارف إني مش بحب كيك الشيكولاتة.
يامن: بس أنا بحبها.
سيلا: لحظة. لحظة. أولاً. انتوا ليه بتحتفلوا النهاردة بعيد ميلاد مينو.؟!! مش ضيا حيعمل حفلة كبيرة بعد الديفيله.؟!!
أميمة: ااا. أصل أنا مينفعش أعدي اليوم من غير احتفال.
سيلا: طيب. وهو فيه حد بيكره كيك الشيكولاتة. انتِ غريبة جدًا.!!!
أميمة: مش بقدر أكلها. مش بقدر.!!!
توتشا: مينو. خلاص. النهاردة نحتفل بكيك الكريمة ويوم الحفلة الكبيرة نحتفل بكيك شيكولا. تمام.
يامن: تمام.
لم تستطع أميمة إخبارهم لمَ ترفض كيك الشيكولاتة التي لم تحب سواها. لكنها لا تستطيع تذوقها منذ تلك الليلة. ولم تستطع مع ذلك أن يمر اليوم بدون احتفال. فمن أجمل الصدف أن اليوم عيد ميلادهم معًا. لتحتفل به كل عام دون أن يدرك أحد.
***
حورية.
انهارت باكية لا تصدق ما يحدث لها. تتمنى وأن ما تشعر به مجرد حلم سيء وأنها ستستيقظ لتجد نفسها بين أهلها ولم تعرف عماد قط.
لكن أخرجها مما هي فيه آلامها المتزايدة. فهي لا تستطيع تحملها بعد الآن.
نظرت نحو الغرفة حيث دلف إليها عماد منذ قليل. لم تجده. فيبدو أنه بداخل المرحاض. تسللت بهدوء بقدميها العاريتين لتهبط درجات السلم. وهي تلتفت بين الحين والآخر حتى لا يشعر بها عماد.
سارت على أطراف أصابعها. وهي تتحاشى شظايا الزجاج المنكسر المبعثرة فوق درجات السلم. حتى لا تجرح قدميها التي انجرحت بالفعل إثر شظايا الزجاج الحادة.
هبطت درجات السلم. وفور أن وضعت قدمها على الأرض. التوت أحشائها بألم رهيب. لتنثني ألمًا محاولة التنفس بعد أن حبست أنفاسها من شدة الألم.
تحركت بضع خطوات تود أن تصرخ بالنجدة. لكنها تخشى أن يشعر بها عماد.
تقدمت نحو البوابة الزجاجية لتحمل خُفي حذائها لتلبسهما بقدميها. لتستمع لصوت خطوات عماد أعلى السلم. مرتجفة ذعرًا. فتحت مقبض الباب بسرعة. فلم يغلقه عماد هذه المرة بسبب سفره المفاجئ. فقد أتى فقط ليأخذ حقيبته التي جهزتها له. فما جاء إلا ليأخذها فقط.
بذعر شديد فتحت البوابة. وهي تتلفت لتتأكد من أن عماد لم يدرك بعد أنها قد خرجت من البوابة.
وفور خروجها لم تصدق حورية أنها خرجت حية. سائلة على قدميها من هذا السجن العتيد.
حاولت الإسراع بخطاها. لكن الألم لا يحتمل. آلام متزايدة ببطنها وجروح غائرة بقدميها. ارتعاش جسدها. وهي تبكي وتتلفت بكل لحظة خلفها. خشية أن يلحق بها جعلها تبكي. تبكي ألمًا وانكسارًا وحسرة. تبكي فرحة بالحرية.
لكنه سيلحقها. بالتأكيد سيلحقها إذا لم تتحرك سريعًا. لكن قبل أن تبتعد سمعت صوته صارخًا باسمها بغلظة من داخل البيت.
عماد: حووووووريــــه!!!!!
لقد أدرك هروبها. سيلحق بها. سيقتلها.
اتخذت خطواتها أكثر سرعة. لكن ألمها كان أشد. لم تستطيع التحمل لتهوي أرضًا مغشيًا عليها على الطريق أمام البيت.
***
***
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب
« لست أنا ..؟؟! »
عبد الله …..
تابع أضواء المحلات والسيارات المارة على جانب الطريق أثناء سير السيارة، يتنفس طعم الحرية ليصل بعد وقت طويل إلى بيت هذا الظالم.
توقفت السيارة ليمد يده ببعض المال للسائق مترجلاً منها ناظرًا نحو البيت بغضب، فـ للانتقام غشاوة تعمى القلوب.
غمغم (عبد الله) فى نفسه.
عبد الله: والله وجه وقت الحساب.
حمل حقيبته واضعًا إياها فوق كتفه وهو ينظر إلى سلاحه الأبيض “السكين” الذي اشتراه للتو، فأنقاذه من ذاك الظالم أعمى عينيه وسيطر على كل جوارحه ولم يعد يفكر بشيء آخر، فقد توقفت حياته عند دخوله السجن بسبب بطش وافتراء هذا الطاغي المتجبر.
اتخذ بضعة خطوات دالفًا نحو البيت الكبير ليلاحظ كتلة ما ملقاة بإهمال أمام البيت.
تقدم نحوها ليجدها سيدة ما ترتدي جلباب منزلي يغطي شعرها الطويل وكل ملامح وجهها.
اقترب منها محاولاً مساعدتها ليجدها زوجة هذا المتغطرس والتي كان يراها من وقت لآخر عند إيصال زوجها إلى البيت من قبل.
عبد الله: يا مدام….. يا مدام….!!!
لم تتحرك (حوريه) من موضعها مطلقًا ليحاول إفاقتها لكنها كانت غائبة تمامًا عن الوعي.
كما يبدو على وجهها آثار دماء وبعض التورم ولا يبدو أنها بخير على الإطلاق.
لطالما شعر (عبد الله) بأن زوجته تلك ينبع من عينيها نظرة انكسار حزينة وأحس بالرفق تجاهها.
نظر نحوها ثم رفع رأسه باتجاه البيت متململاً بتردد، هل يسعفها أم يكمل طريق حريته وانتقامه.
ليغلب على قلبه اللين وأصله الطيب لينهض حاملاً حوريه محاولاً إسعافها بسرعة.
أشار إلى إحدى سيارات الأجرة المارة على الطريق ليتوقف جانبًا، ليقترب (عبد الله) من السيارة واضعًا (حوريه) على الأريكة الخلفية للسيارة وأغلق الباب بإحكام ليجلس بالمقعد المجاور للسائق طالبًا منه أن يوصلهم لأقرب مستشفى.
تحركت السيارة وعيناه ما زالت مثبتة على البيت لضياع فرصته للانتقام لكنه سيعود.
بالتأكيد سيعود ليصفي حسابه المعلق مع (عماد) فيما بعد.
***
المستشفى….
توقفت السيارة أمام مبنى المستشفى الضخم ليترجل (عبد الله) طالبًا من المسعفين إحضار مقعد متحرك ذوي العجلات لوضع (حوريه) عليه.
ليتسابق المسعفون في سرعة لتلبية طلب (عبد الله).
تم دفع المقعد من قبل أحد المسعفين إلى داخل غرفة الطوارئ ليلحق بهم (عبد الله) ليظن الجميع أنها زوجته.
لم يستطع (عبد الله) تركها بمفردها بهذه الحالة مضطرًا ليبقى مؤجلاً لقاءه مع (عماد) لوقت آخر.
طلب منه موظف الاستعلامات بيانات (حوريه) ليحاول (عبد الله) تذكر اسمها الغائب عن ذهنه تمامًا ليبلغهم بما حدث ويعطيهم بياناته مؤقتًا حتى يستطيع إحضار هويتها.
جلس بضيق يطقطق بأصابعه على فرصته المهدورة فقد كان قاب قوسين من تحقيق غايته وشفاء روحه لكن ظهرت له (حوريه) من العدم.
عبد الله متمتمًا: هي شكلها غلبانة وطيبة غير جوزها خالص…. ملهاش ذنب إني أسيبها تعبانة كده…. بس أكيد راجع له…. مش أنا اللي أسيب حقي منك يا (عماد)…. مسيري راجع لك….
تقدم منه أحد الأطباء محدثًا إياه بتجهم.
الدكتور: كنت محتاج توقيعك هنا….
عبد الله: توقيعي أنا…. على إيه….؟!!
الدكتور: المدام حصل لها انفجار في الزائدة الدودية ولازم نعمل لها عملية استئصال حالاً وإلا حالتها تبقى في خطر…. وده إخطار بالموافقة على إجراء العملية…. انتوا اتأخرتوا قوي….
(عبد الله) حرك رأسه بالموافقة على الفور فهذا الأمر لا يمكن تأخيره حتى لو لم يكن مسؤولاً عنها إلا أنها يجب أن تخضع لهذه الجراحة العاجلة على الفور.
ليوقع الإقرار بذلك حرصًا على حياتها مضطرًا للبقاء معها بالمستشفى فهو يدرك أنها وحيدة مثله بالغربة بعيدًا عن أهلها فهو لن يبلغ ذلك الوحش بما أصاب زوجته فيبدو على ملامحها وآثار الدماء أن طغيانه قد أصابها هي أيضًا.
عبد الله: راجع لك يا (عماد)…. بس بعد ما أطمن على المسكينة دي…. ودي أكيد حاجة متعرفهاش اسمها شهامة….
انتظر (عبد الله) حتى تخرج (حوريه) من غرفة العمليات ويطمئن عليها أولاً فلو أن زوجها يهتم كان ساعدها بالأساس واصطحبها إلى المستشفى قبل أن تصل حالتها لهذه الدرجة الخطيرة.
***
بيت معروف…
تجمع أهل الأسرتين ببيت (معروف) بالموعد المحدد لهم.
نظر (معروف) باتجاه (طارق) ووالدته مرحبًا بهم بحفاوة.
معروف: شرفتونا يا جماعة والله….
طارق: ربنا يبارك فيك يا عمي…. أظن إحنا اتفقنا على كل حاجة إن شاء الله عشان الخطوبة….
جيهان: مظبوط يا (طارق).. لكن باقي نشوف حتعزموا مين في الخطوبة…. مش أي حد يدخل بيت (معروف حسان)….!!
(طارق) بثقة متحليًا ببعض الضيق من تعالِ (والدة هايدي) بهذه الصورة.
طارق: اتأكدي يا طنط إن اللي نعرفهم مش أي حد…. لأن إحنا مش قليلين طبعًا….
جيهان: أكيد طبعًا انت فهمت إيه….؟! أنا قصدي بس نعرف المدعوين من ناحيتكم…. ولا إيه يا (معروف)….؟!
نظرت (جيهان) نحو (معروف) لتحثه على التصرف وتصليح الأمر حتى لا تتسبب بأي مشكلة مع (طارق) الآن وتفسد هذه الزيجة.
معروف بإرتباك: أه طبعًا يا (طارق) يا ابني…. إحنا فاهمين طبعًا إن ضيوفك أحسن ناس…. أمال إيه….
طارق بإقتضاب: مفهوم مفهوم…. بإذن الله بعد بكرة في المعاد حروح لـ(هايدي) بالعربية….
معروف: على خيرة الله…. نقرأ الفاتحة بقى واحنا متجمعين كلنا كده….
ارتفعت أيديهم جميعًا لقراءة الفاتحة بصمت لترتسم ابتسامة خفيفة على محيا (هايدي) ووالدتها و(أم طارق) وابنتها (هدى) بينما أكمل (طارق) و(معروف) و(زوج هدى) قراءة الفاتحة بجدية تامة ليبارك الجميع للعروسين بعدها مباشرة ليعلن ارتباطهما رسميًا الآن.
***
بعد انتهاء ليل طويل ليأتي الصباح برياحه الباردة وأجوائه الملبدة بالغيوم كنفوس أصحابها.
توارت الشمس خلف السحب لتخفي أشعتها الحارة مثلما أخفوا حرقة مشاعرهم داخل قلوبهم لتغيم على ملامحهم الجمود والانطفاء كالجو المحيط بهم.
في الجامعة…..
هايدي: خطوبتي بكرة يا بنات متتأخروش بقى مستنياكم كلكم….
رقيه: ألف مبروك يا (هايدي)…. قريتوا الفاتحة خلاص….؟!!
هايدي: أيوة…. بكرة الخطوبة عندنا في البيت…. عاملة حفلة كبيرة لازم كلكم تحضروا….
نظرت (هاجر) نحو صديقتها أولاً قبل أن تتفوه بكلمة لتلاحظ محاولة (رحمة) في السيطرة على جمود ملامحها وكأنها لم تتأثر لهذا الخبر لتعيد نظرتها نحو (هايدي) محاولة رسم ابتسامة مصطنعة على وجهها وهي تبارك لها.
هاجر: مبروك يا (هايدي)…. حددتوا الخطوبة بسرعة قوي….؟!
هايدي بغرور: وهو مين ده اللي يعرف (هايدي) ويقدر يبعد عنها…. ميقدرش يا بنتي…. مش أنا اللي يعرفني ويستحمل بعده عني….
هاجر: ربنا يسعدكم….
لأكثر من مرة حاولت (رحمة) التفوه بأي كلمة لكن كل الكلمات تتحشرج بحلقها دون قدرتها على النطق بحرف واحد.
لكم كانت تلك الكلمات صعبة عليها لكنها تمالكت نفسها لتسيطر على انفعالاتها وحزنها متحلية بقوة زائفة وهي توجه كلماتها نحو (هايدي) المنتظرة بترقب كلمات (رحمة).
رحمة: مبروك يا (هايدي)….
هايدي: ياااه…. أخيرًا…. كنت فاكرة إنك مش هتقدري تقوليهالي أبدًا….!!!
رحمة: ليه يعني….؟! أنا مش قليلة الذوق….
هايدي باستهزاء: هتحضري حفلة الخطوبة طبعًا…. أوف…. نسيت صحيح…. إنك بتشتغلي بالليل….!!
رحمة: بالضبط كده…. للأسف عندي شغل…. معنديش وقت للحفلات…. بعد إذنكم….
لم تكن تلك المواجهة بسيطة على (رحمة) التي حاولت بكل قوتها ألا تظهر ضعفها وحزنها أمام أعين (هايدي) الشامته، ويجب عليها الابتعاد الآن قائلة لنفسها “في النهاية لست أنا من اختارها”.
فضلت (رحمة) الهرب من هذا التجمع بعذر الذهاب إلى المحاضرة فضلاً عن بقائها مع تلك المتنمرة الحاقدة.
لا تعلم سبب لتحدي (هايدي) لها طوال الوقت فلولا أن هذا هو تعامل (هايدي) معها منذ أن عرفتها لظنت أنها تعلم بعشقها المتيم لـ(طارق) وتتشمت بها.
لكن هذه طبيعة تعامل (هايدي) معها بدون سبب منذ بداية معرفتهم ببعضهما البعض.
لحقت (هاجر) بصديقتها لتتجها نحو المدرج لتشد على كف صديقتها مؤازرة إياها لتشعرها أنها إلى جوارها وتعلم تمامًا هذا الصراع بداخلها حتى تظهر بهذا التماسك وعدم الاهتمام.
***
علاء….
وصل (علاء) هو وفريقه إلى أرض الوطن بعدما أدوا عملهم على أكمل وجه بمرافقة الوزير برحلته إلى فرنسا ليعود بموكبه إلى مقر سكنه ليحدد (علاء) أفراد الحراسة بهذا الوقت تاركًا إياهم تحت ملاحظة الضابط (أحمد) ليسرع بمقابلة أخيه (سامر) على الفور فلم يستطع الصبر والانتظار أكثر من ذلك.
***
سامر….
أغمض عينيه بقوة محاولاً بث روح النشاط بداخله وهو ينظر نحو السماء الملبدة بالغيوم في هذا الصباح الشتوي البارد.
شعر بانقباض قلبه وضيق روحه منذ استيقاظه هذا الصباح لا يدرك لهما سببًا واضحًا، ليرجع ذلك لإيحاء الغيوم بحالة من القتامة والحزن لغياب ضوء الشمس المبهج.
على الرغم من حبه لفصل الشتاء الممطر وأجوائه الباردة إلا أنه اليوم يخيم عليه الحزن وضيق النفس.
توجه نحو مكتبه ليبدأ عمله محاولاً تناسي هذا الإحساس بالانقباض وأن هناك شعور سيء يجتاحه وأن مكروه ما سيحدث ليستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وظنونه التي تبث في روحه الحزن.
طارق: صباح الخير يا (سامر)….
سامر باقتضاب: صباح الخير….
طارق متسائلاً: مالك…. حاجة مضايقاك….؟!!
سامر: لا أبدًا…. حاسس بخنقة كده…. يمكن عشان الجو مقفول شوية….
طارق: مين ده اللي بيتكلم…. محب الشتاء بيقول الجو مقفول…. ما أنت طول عمرك بتقول بتحب الغيوم والمطر….!!!
سامر: مش عارف…. من ساعة ما قمت من النوم حاسس نفسي مخنوق وقلبي مقبوض كده….
طارق: بلاش تشاؤم على الصبح الله يكرمك…. ده أنا خطوبتي بكرة….
سامر: أه صحيح…. مبروك مقدمًا يا باشا….
طارق: أيوة كده…. بلاش غم وحياة والديك….
سامر بابتسامة زائفة: حاضر….
طرق باب المكتب ليدلف (علاء) بلهفة مقابلاً (سامر) و(طارق) قاطعًا حديثهم.
علاء: إزيكم…. ها إيه الأخبار….؟!!
طارق متعجبًا: إيه ده…. وكالة من غير بواب…. هو يعني عشان أخوك في المكتب….؟!
علاء: (طارق)…. اصبر كده الله لا يسيئك….
طارق: أمممم…. شكل الموضوع مهم…. طيب أروح أنا أقابل اللواء (عاطف) وانتوا شوفوا حتقولوا إيه…. سلام….
علاء: سلام….
طارق: أه صحيح…. متنساش بكرة حفلة خطوبتي لازم تحضر….
علاء: حاضر حاضر…. مبروك…. روح بقى….
تمتم (طارق) بمزاح وهو يخرج من المكتب محاولاً تقليل التوتر الذي يشعر به الأخوان (سامر) و(علاء) هذا الصباح.
طارق: ده إيه الراجل الغريب ده بيكرشني من مكتبي على الصبح….
(علاء) وهو يستند بكفيه فوق مكتب (سامر) بتوتر لا يطيق الانتظار لأكثر من ذلك.
علاء: رد عليا بقى…. إيه وصلت للعنوان….؟!!
أشفق (سامر) على أخيه فما سيبلغه به الآن لن يريحه على الإطلاق بل سيزيد من إحباطه وحزنه هو الآخر.
كم يود لو أنه يجد (أميمة) ويكون سببًا في سعادة أخيه ويحقق له ما لم يقدر هو على تحقيقه لنفسه ولقائه بمحبوبته واجتماعهما سويًا.
تهرب (سامر) من نظرات (علاء) المحدقة بوجهه كاشفًا لكل ما يخبئه عنه وكأن عيناه الثاقبتان استطاعا إدراك ما بداخله ونفاذه بشفافية إلى مكنونات نفسه.
علاء: ملقتهاش…. صح….؟!!
ارتمى (علاء) على المقعد المقابل لمكتب (سامر) ليهم (سامر) بالتوضيح لأخيه المثقل بصراع نفسه لضياعها من بين يديه.
سامر: مطلعش رقمها يا (علاء)…. مش رقم (أميمة) أصلاً…. مش هي….
علاء بيأس: مش رقمها…. إزاي…. دي هي الوحيدة اللي بتفتكر اليوم ده…. أكيد هي….
سامر: لأ يا (علاء)…. ده رقم (هند) بنت خالتك….
وقف (علاء) بضيق فقد بائت كل أحلامه بلقائها بالضياع.
أوهام رسمها بخياله فقط وهي مازالت مستحيلة الوصول.
علاء بإحباط: (هند)….!!! عايزة إيه مني الست زفتة دي…. تعبت…. كنت فاكر إني خلاص…. وصلت لها…. أتريني لسه بعيد…. بعيد أوي….
(سامر) محاولاً تخفيف وطأة الضغط على أخيه.
سامر: إن شاء الله حتلاقيها وتتجمعوا تاني…. خلي أملك في الله كبير….
علاء بألم: ياااارب….
***
في المستشفى بالإمارات..
انتهت العملية الجراحية لـ(حوريه) ليطمئن الطبيب (عبد الله) عن حالتها.
الدكتور: الحمد لله ربنا ستر وقدرنا نلحقها على آخر وقت قبل ما تنفجر فعلاً….
عبد الله: الحمد لله…. وحالتها إيه يا دكتور….؟!!
الدكتور: هي لسه تحت تأثير المخدر حتدخل غرفة الإفاقة وبعدها تتنقل غرفة عادية…. اطمن خالص الحالة مستقرة….
عبد الله: شكرًا يا دكتور….
اتقدت بذهن (عبد الله) فكرة طائشة بعودته إلى بيت (عماد) لينهي ما قد أتى إليه من الأساس مستغلاً فترة إفاقة (حوريه).
أسرع راكضًا من المستشفى مستقلاً إحدى سيارات الأجرة طالبًا منه الإسراع للحاق بالوصول إلى شخص ما.
تحفز (عبد الله) لملاقاة (عماد) أخيرًا ترجل من السيارة متقدمًا نحو البيت الذي مازال على وضعه منذ تركه حاملاً (حوريه) إلى المشفى.
تعجب (عبد الله) فالبوابة مفتوحة على عكس عادتهم التي يعرفها جيدًا عن (عماد) فهو لا يترك الباب مفتوحًا قط.
زاد تعجبه وصول إحدى السيارات التابعة لشركته متوقفًا أمام المنزل ليترجل السائق ناظرًا نحو (عبد الله) المتقدم نحو المنزل بخطوات حذرة.
للحظة تذكر (عبد الله) نفسه ببداية عمله مع (عماد) فهذا الشخص مغترب هو الآخر وربما يعاد معه ما فعله (عماد) به، ولم لا فهو إنسان معدوم الضمير نرجسي لا يهمه سوى نفسه فقط.
السائق: إنت مين….؟!!
عبد الله: أنا كنت جاي أقابل (عماد) بيه ضروري….
السائق: أيوة أيوة…. أنا (شريف) سواق (عماد) بيه قالي أجي له الصبح بدري على الشركة عشان أوصله المطار بس لما رحت هناك قالولي أجي هنا لأنه اتأخر ولسه مطلعش من البيت…. عمومًا حتلاقيه طالع دلوقتي من البيت…. أقف استناه معايا….
عبد الله بتساؤل: بس الباب مفتوح…. يكون خرج أو حاجة….؟؟!
السائق: مش عارف والله بس البيه منبه عليا مدخلش أبدًا….
عبد الله: طيب نستنى شوية يمكن ينزل….
قلق (عبد الله) من هذا الوضع أيمكن أن يكون قد لحق به وبزوجته إلى المستشفى تاركًا الباب مفتوحًا.
ولم لا فهي زوجته في النهاية.
ربما قلق عليها أو تتبعها.
***
حوريه….
فتحت عينيها بوهن وهي تستكشف المكان من حولها.
ارتجفت خوفًا أين هي الآن….؟!!
وماذا حدث لها، الآم تجتاح رأسها من ضربات (عماد) القاسية لتتذكر بذعر.
حوريه: (عماد)….!!! أنا كنت بهرب من (عماد)…. إيه اللي جابني هنا….؟!!
اقتربت منها إحدى الممرضات تتحدث بلكنة شامية.
لتنتفض (حوريه) من قربها منها محاولة الابتعاد عنها بخوف تملكها.
الممرضة: الحمد لله على سلامتك…. كيفك الحين…. بدك شي….؟!!
حركت (حوريه) رأسها نفيًا بخوف لتهمس متسائلة بقلق.
حوريه: أنا فين….؟!
الممرضة: إنتِ بالمستشفى…. والله كنتي بتموتين الزايدة كانت بتنفجر لولا ستر الله….
حوريه: الزايدة…. و…. ااا….. أنا جيت هنا إزاي…. مين اللي جابني….؟!!
الممرضة: زوجك…. جابك لهون ولما تطمن عليكِ فل….
تيبست كل أطرافها من شدة الخوف عندما علمت أن من أحضرها إلى المستشفى هو زوجها.
غمغمت حوريه لنفسها: جوزي…. معقول…. يعني (عماد) وصل لي وجابني هنا…. يعني ممكن يرجع ويخلص عليا زي ما قال…. أنا لازم أهرب منه…. لازم….
حاولت حوريه أن تنهض لكن موضع الجراحة آلمها للغاية أثناء نهوضها لتدفعها الممرضة برفق إلى الخلف لإعادتها إلى موضعها على السرير بتحذير.
الممرضة: شوي شوي…. لوين بدك تروحين…. بعدك مجروحة ما بيصير….
حوريه بألم: فعلاً مجروحة…. مجروحة أوي….!!!
الممرضة: بزيد لك المسكن بلكي تنامين شوى بتتحسنين لين ما بيرجع زوجك….
(حوريه) وقد بدأ يؤثر بها المسكن لتدور رأسها مرة أخرى مستسلمة لنعاسه القوي راضخة لما سيحدث لها من (عماد) فقد فقدت كل قوتها وبقيت تحت سيطرته الآن.
***
علاء…
ابتعد (علاء) كثيراً ليختلي بنفسه بعيدًا عن الجميع ليقف بسيارته بمنطقة خاوية صارخًا بكل قوته فشوق خمس سنوات يحضر بقلبه منذ وصوله تلك الرسالة المزيفة التي ظن أنها منها.
تعلق بأمل واهٍ برؤيتها وضمها إليه فكم اشتاق لها ولوجودها بحياته ورائحتها العطرة.
سقطت كل آماله أرضًا، تحطمت كل قواه بلحظة فقد انتظرها ولم يصل إليها.
لم يجد سوى الهاتف يفرغ به غضبه ليتصل بـ(هند) على الفور.
لم تصدق (هند) عيناها حين رأت (علاء) يتصل بها على رقمها الأصلي لتنهض من نومتها بسعادة ممسكة بالهاتف الذي وضعته على أذنها قبل أن ترقص ملامحها فرحًا بسماعها لصوته الشجي.
هند: (علاااء)…. إزيك….؟!
علاء بغضب: إنتِ عايزة مني إيه….؟!…. إبعدي عني بقى…. بتتصلي بيا ليه…. بتبعتيلي رسايل ليييييه….
أدركت (هند) أنه قد عرف أنها هي من أرسلت تلك الرسالة له.
هند: ليه….!! مش عارف ليه…. عشان بحبك يا (علاء)…. عشان أنا اللي فاكرة كل تفاصيلك يا (علاء)….
علاء: وأنا مش عايز الحب ده…. أنا مش بحبك يا (هند) ولا عمري ححبك ولا ححب غيرك…. أنا قلبي مفيهوش غير (أميمة)…. (أميمة) وبس….
هند بغضب: (أميمة)…. وهى فين (أميمة)…. (أميمة) راحت خلاص…. (أميمة) سابتك وهربت…. زمانها مرمية في حضن غيرك وأنت لسه عايش في الوهم…. فوق بقى يا (علاء) وشوف مين اللي بيحبك وشاريك بجد…. إنت فاكر إنك لو لقيتها حتلاقيها قاعدة مستنياك عايشة في ذكريات الماضي…. إنت بس اللي حابس نفسك فيها…. فوق يا (علاء) بقى فوق….
ضغطت بكل قوتها على جرحه المفتوح.
أفكار سوداء كان دومًا يبعدها عن تفكيره بقوة فهو لن يتخيل (أميمة) مع غيره أبدًا.
(أميمة) أحبته هو مالك قلبها لن تتنازل بسهولة عن حبها هو يدرك ذلك جيدًا.
لكن ماذا لو نسيته بالفعل؟؟….
أفكار سوداء كان يبعدها عن تفكيره بقوة فهو لن يتخيلها مع غيره أبدًا….
إنها أحبته هو … مالك قلبها لن تتنازل بسهولة عن حبها هو يدرك ذلك جيدًا … لكن ماذا لو نسيته بالفعل؟؟ ….
ماذا لو أصبحت لغيره الآن ….( لاااااااااا ….)
لا يقدر تخيل ذلك، فهذا القوي الذي لا يخشى شيئًا تسقطه هذه الفكرة في غياهب المجهول….
تطيح به تمامًا … تهشم كل قلاعه وتغرقه دون منقذ….
أغلق مكالمته مع (هند) بدون أي رد على هجومها المستفز ليلقي بالهاتف أرضًا محطمًا إياه ليستند بانهيار فوق مقدمة سيارته متمتمًا بعشق.
علاء: لا يا (أميمة)… أوعي تعملي فيا كده…. أنا غلطت واتسرعت بس محبتش غيرك…. ولا ححب غيرك…. كفاية بعد بقى…. قتلتيني بغيابك….
***
حوريه….
استلقت بألم فوق سرير المستشفى تغفو لدقائق ثم تعي لدقائق أخرى فمازال أثر ذلك المخدر يؤثر بها.
انتبهت بفزع على صوت الباب يفتح عنوة بقسوة شعرت بها قبل أن ترى هذا مقبلًا نحوها.
اتسعت عيناها الفزعتان برؤيته وهو يقترب نحوها بتلك العينان السوداوتين المقتضبتان نحوها بشرر.
همست بخوف: (عماد)…!!
عماد: أيوة (عماد)… كنتِ فاكرة إنك حتهربي مني…. قلت لك أنا آخد روحك الأول….
حوريه ببكاء: (عماد) الله يخليك…. سيبني…. سيبني يا (عماد)….
عماد بحده: حسيبك…. بس مش دلوقتِ…. لما آخد روحك الأول زي ما طلعتي روحي….
أطبق (عماد) يداه القويتين فوق عنق (حوريه) محاولاً خنقها وزهق روحها على يديه.
ألم رهيب تشعر به وقد ضاق تنفسها وهي تحاول التحرر من يديه المطبقتان على مجرى تنفسها لكن قوته أكبر بكثير منها.
حاولت الصراخ بكل ما أوتيت من قوة لكنها لم تستطع فقد شعرت بانهيار قواها بتلك اللحظة وهي ترى عيناه التي اتسعتا بملامح الفرحة والابتسامة وهي تنازع الموت بين يديه.
أغمضت عينيها باستسلام فقد حانت نهايتها لتفتح عينيها فجأة ثم…….
رواية ذكريات مجهولة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب
« فتاة العسل… »
حوريه…
أطبق (عماد) يداه القويتين فوق عنق (حوريه) محاولاً خنقها وزهق روحها على يديه… ألم رهيب تشعر به وقد ضاق تنفسها وهي تحاول التحرر من يديه المطبقتان على مجرى تنفسها لكن قوته أكبر بكثير منها… حاولت الصراخ بكل ما أوتيت من قوة لكنها لم تستطع فقد شعرت بانهيار قواها بتلك اللحظة وهي ترى عيناه التي اتسعت بملامح الفرحة والإبتسامة وهي تنازع الموت بين يديه… أغمضت عيناها بإستسلام فقد حانت نهايتها لتفتح عيناها فجأة ثم نظرت حولها ولم تجده… رفعت جسدها وهي تتلفت باحثة عن (عماد) وهي تتحسس أثر يده القوية فوق عنقها وسط تسارع أنفاسها لتدرك أن ما مرت به ما هو إلا حلم مخيف…
حوريه: أستغفر الله العظيم… كابوس… كابوس… الحمد لله…
ثم رددت بخوف: بس هو لو جه فعلاً حيموتني… أنا عارفة… ومش قادرة أمشي… حلها من عندك يا رب… يااااااااا رب.
__________________________________________
عبد الله…
اضطرب من هذا الانتظار الطويل ليحفز (عبد الله) هذا الشاب للدخول إلى البيت للتأكد من أن (عماد) مازال بالداخل، فربما لحقهم إلى المستشفى فيتوجب عليه الذهاب إليه للقاءه المنتظر…
عبد الله: (شريف)… بقولك إيه…. ما تدخل تطمن كدة… أنا أصلي مستعجل وعايز أمشي….
السائق: أحسن يقول كلمتين ملهمش لازمة وهو لسانه طويل….
عبد الله بأسى: عارف… عارف… بس أهو تتأكد بدل واقفتك دي….
السائق بقلة حيلة: الأمر لله….
تقدم السائق نحو البيت ليدلف إلى الداخل، يغيب عن نظر (عبد الله) لثوانٍ قليلة ليخرج إليه بوجه شاحب مذعورا، يركض باتجاه (عبد الله) الذي تحفز بقلق لرؤيته يخرج بهذا الشكل المفزع….
عبد الله: فيه إيه…؟!!
السائق: إلحق… يا نهار أسود… يا نهار أسود….
عبد الله: وحد الله…. إيه اللي حصل بس…. زعق لك ولا إيه…؟!!
السائق: (عماد) بيه…. ااااا….اااااا..
أخذ يشير بارتجاف نحو البيت مما يدل على حدث عظيم بالداخل، أثار ذلك قلق (عبد الله) ليحثه على الحديث عما رآه وسبب له تلك الفزعة…
عبد الله: إيه اللي حصل له…؟؟!
السائق: تعالى… تعالى…
لم يجد (عبد الله) بُد من أن يدلف إلى الداخل مع السائق لتفقد (عماد) وما حدث له بالداخل…
تقدم السائق الطريق ليحجب الرؤية عن عينا (عبد الله) حين استدار إليه فزعًا يفغر فاه بقوة….
السائق: شوف….!!!
تحرك السائق إلى اليمين قليلاً ليظهر (عماد) ملقى على الأرض غارقًا في بركة من الدماء، عيناه مفتوحتان مثبتتان يبدو أنه قد فارق الحياة…
صُدم (عبد الله) لرؤيته فما زال للموت رهبة حتى مع العدو…
عبد الله: لا حول ولا قوة إلا بالله…. إنا لله وإنا إليه راجعون….
تقدم خطوتين حتى أصبح إلى جوار (عماد) ليغلق عيناه الجاحظتان وهو يهمس…
عبد الله: فين قوتك دلوقتي اللي كنت بتتباهى بيها…. سبحان الله…. حقيقي ربنا هو المنتقم…. إنت دلوقتي في دار الحق…. والله وكيلي وحسبي على اللي عملته فيا وظلمك ليا….
استقام (عبد الله) وهو ينظر بعدم تصديق نحو السائق قائلاً…
عبد الله: اتصل بالشرطة تيجي ضروري…
السائق: أه…. أه طبعًا…. لازم أتصل بالشرطة….
أبلغ السائق عما حدث لـ(عماد) لتطلب منه الشرطة البقاء لحين حضورهم والذى لم يلبث دقائق قليلة لتعم سيارات الشرطة والإسعاف باحة المنزل لمعاينة الواقعة والتحقيق في هذا الحادث…
وبعد المعاينة وتصوير الحادث بكل تفاصيله تم نقل جثمان (عماد) والتحفظ على كل من السائق و(عبد الله) لإتمام التحقيقات، أصيب (عبد الله) بحالة من القلق، فهو حتى بمماته سيلحق به الأذى…
__________________________________________
تركيا….
أمسكت برشاش الماء لتسقي نبتة الياسمين خاصتها فهي عاشقة للياسمين برقته وعذوبته لتقطع (سيلا) خلوتها بصوتها المميز…
سيلا: تعرفي إنك شبهها أوي…!!
اميمه: شبه إيه…؟!
سيلا: الياسمينة دي… بحسها شبهك…. رقيقة وهادية زيك… كمان نفس البرفيوم بتاعك…
اميمه: كان نفسي بابا يسميني ياسمين من كتر ما بحبه….
سيلا: عارفة إنتِ فيكِ حاجة كمان واضحة أوي…!!!
(أميمه) وهي تضيق عيناها بتساؤل عن ذلك الشئ المميز بها…
اميمه: إيه بقى…؟!؟
سيلا: أقولك… إنك مش بتحبي التغيير… يعني ثابتة على أكلات بتحبيها.. حاجات بتعمليها.. البرفيوم بتاعك مثلاً…
و…
اميمه وهي تستدير بالكامل وهي تضع كفيها بتعجب فوق خصرها…
اميمه: وإيه… كملي…؟!!
سيلا: وبتحبي نفس اللي بتحبيه مهما اتظاهرتي إنك مش بتحبيه…
ارتبكت (أميمه) من كلمات (سيلا) لتجفل عيناها باضطراب وهي تستنكر كل ما قالته (سيلا) بتهرب رافضة ذلك قطعًا…
اميمه: لا طبعًا… إنتِ ولا تعرفي عني أي حاجة…. أنا بتغير وبنسى وبحب وأكره وبحب التغيير….
سيلا: إنتِ واضحة وضوح الشمس… بتضحكي عليا ولا على نفسك….
اميمه: أنا اتغيرت… وبتغير… مش ثابتة على حاجة أبدااااااا…
(سيلا) ضاغطة على (أميمه) لتعترف بحبها لهذا المجهول صاحب الذكريات وقصة الحب العاشقة بين الحبيبين والتي لا يمكن أن تنتهي هذه النهاية بفراق كل منهما…
سيلا: بتتغيري وبتحبي التغيير… هاه…. يعني ممكن توافقي بـ(ضيا)….؟!؟
اميمه بتجهم: ماله (ضيا)…؟!!
سيلا: (ضيا) بيحبك يا (أميمه) إنتِ مش حاسة ولا إيه…؟!؟
هزمتها (سيلا) للمرة الثانية بصدمتها بالواقع الذي ترفضه تمامًا، تتهرب منه دومًا دون مصارحة نفسها بهذه الحقيقة الموجعة… هي تدرك أن تقرب (ضيا) إليها ليس بدافع الصداقة أو الإخوة لكنها تكذب نفسها بأنه كذلك…
اميمه: أنا داخلة أشوف (مينو)… لازم يتغدى دلوقتي…
تركتها (أميمه) وقد كشفت لها (سيلا) عن نقاط حاولت أن تتناساها وكأنها غير موجودة بالمرة…
___________________________________________
نهال…
لليوم الثالث على التوالي يصل إلى (نهال) باقة الزهور البيضاء لتستشعر رسائل منبعثة إليها بوجود من يساندها ويرسل لها تحيته وأشواقه كل يوم…
وضعت تلك الباقة الصغيرة إلى جوار الباقتين السابقتين لها والتي تعتني بهم كأطفالها الصغار…
جلست فوق مقعدها لتشعر بأنها تعيش بحديقة غناء لتتصفح جهاز الحاسوب “اللاب توب” مستكملة استذكارها استعدادًا للاختبار المقبل لتغلق الجهاز من وقت لآخر ناظرة من النافذة على عالمها الذي تحبه لمراقبة المارة والسيارات العابرة على الطريق أمامها…
___________________________________________
في المساء…
طوت (رحمه) آخر قطعة بيدها لوضعها على الرف بعناية وهي تنادي (هاجر) لتحثها على الانتهاء استعدادًا لنهاية يوم عملهما ليعودوا إلى المنزل…
رحمه: أنا خلصت… ها… قربتي…؟!
هاجر: خلاص أهو…. يلا بينا….
رحمه: طيب أنا عايزة أعدي على السوبر ماركت اللي في آخر الشارع أجيب لماما من عنده عسل نحل أحسن صدرها تعبها أوي من قعدة الشباك امبارح والهواء كان شديد….
هاجر بأسف: يا حبيبتي يا خالتي… تعبت أوي من بعد (عبد الله)…
غمزت (رحمه) تجاه (هاجر) وهي تردف قائلة…
رحمه: مش لوحدها…
خجلت (هاجر) من تلميح (رحمه) بتأثرها بغياب (عبد الله)…
هاجر: (رحمه)… متخلينيش أندم إني قلت لك…!!!
رحمه ضاحكة: خلاص خلاص… إيه الكسوف ده كله… يلا بينا طيب عشان منتأخرش….
تحركتا نحو السوبر ماركت يتناولون أطراف الحديث لتظهر أمامهم (عمة هاجر) صدفة…
هاجر بتفاجئ: عمتي!!!…. إزيك… بتعملي إيه هنا….؟!
عمة هاجر: كنت جايه لك شوية المحل… إيه دة أنا اتأخرت ولا إيه.. ؟!.
هاجر: ده إحنا كنا هنجيب حاجة من السوبر ماركت ونروح على طول….
عمة هاجر: طيب كنت عايزاكِ في كلمتين يا (هاجر)….
(هاجر) وهي تدرك سبب هذا اللقاء الذي ليس محض الصدفة فقد أتت اليوم للحديث عن خطوبتها لـ(خالد) التي تؤجلها كلما استطاعت…
أدركت (رحمه) ذلك لتفسح لهما المجال بالحديث قائلة…
رحمه: طيب خدوا راحتكم أنا هروح أنا أجيب العسل وأرجع لكم تاني…
عمة هاجر: وماله حبيبتي براحتك….
لتنتهز (عمة هاجر) الفرصة بالالحاح على القيام بخطوبة ولو بسيطة في القريب وسط رفض (هاجر) التام لكل هذا الضغط المستمر…
دَلفت (رحمه) إلى داخل السوبر ماركت الكبير تبحث عن نوع العسل المناسب لامكانياتها المادية والمفيد لوالدتها بنفس الوقت لتتمعن في اختيار الإناء الزجاجي المناسب لها…
__________________________________________
طارق…
دق هاتفه أثناء عودته إلى البيت ليضع الهاتف على مكبر الصوت أثناء قيادته للسيارة في طري
قه عودته…
طارق: أيوة يا ماما… أنا جاي في السكة أهو….
ام طارق: طيب هاتلي معاك شوية طلبات للبيت من السوبر ماركت وأنت جاي…
طارق: حاضر… ابعتيلي كل اللي انتِ محتاجاه وأنا حجيبه معايا….
ام طارق: ماشي حبيبي….
أنهى (طارق) المكالمة لتصله رسالة من والدته بها طلبات المنزل التي طلبت منه إحضارها ليتوقف أمام السوبر ماركت القريب من بيتهم لقضاءها…
تابعت (هاجر) (طارق) بعينيها دالفا إلى داخل السوبر ماركت الذي تتواجد به (رحمه)…
حاولت كثيرًا التهرب من تشبث عمتها بها لأخبار (رحمه) والخروج بها من هذا المكان قبل لقاءها به لكن عمتها لم تتيح لها تلك الفرصة أبدًا، لتقف بتوتر وعيناها معلقتان على باب الخروج في انتظار خروج (رحمه) وسط كلمات عمتها التي لا تنتهي…
بداخل السوبر ماركت…
حمل (طارق) سلة بلاستيكية ليضع بها الطلبات التي تحتاجها والدته عندما دق هاتفه مرة أخرى…
وضع هاتفه على أذنه يسنده بكتفه وهو ينتقي أحد العلب من فوق الرفوف…
طارق: أيوة يا ماما…. حالاً أهو…. إيه كمان… لا.. قولي بالمرة… أنا لو دخلت البيت مش طالع تاني… آه…. أيوة…
أخذت والدته تضيف بعض الأغراض التي تحتاجها لينصت (طارق) لها وهي تعدد الأغراض وتصفها له باختيار أنواع معينة دون غيرها…
رحمه…
استطاعت أخيرًا الوصول لأحد العبوات المناسبة لتحملها بيدها فهي لم تستخدم تلك السلات البلاستيكية الموضوعة ببداية المتجر فهي لن تشتري سوى غرض واحد فقط…
لكنها فوجئت بصدمة قوية حينما استدارت فجأة بنفس الوقت الذي استدار به (طارق) مصطدمًا بـ(رحمه) دون وعي منه أثناء حديثه بالهاتف مع والدته…
سقط إناء العسل الزجاجي على الأرض ليتحطم تمامًا مناثرًا العسل حوله محدثًا بقعة كبيرة تتحرك حول شظايا الزجاج…
صدمة مزدوجة لـ(رحمه) ما بين قربها ولقائها به وبين صدمتها بتحطيم هذا الإناء الباهظ الثمن بالنسبة إليها وعليها دفعه على الرغم من أنها لن تستخدمه…
تهربت من رؤيته بجلوسها تلتقط قطع الزجاج المنكسرة فوق الارضية لتختلس نظرها إليه وهي ترفع وجهها ببطء نحوه فترى مدى طوله وقوته ذلك الأسمر الجذاب لتلقي بنظرات يملؤها اللوم والعتاب دون التفوه بكلمة فقط لمعة عيناها الحزينة…
طارق…
لم ينتبه لاصطدامه بها ليلتفت إليها تاركًا هاتفه وسلته على الأرض وهو يتأسف لما فعله…
طارق: آسف فعلاً ماخدتش بالي والله….
بصمت تام ودون رد سوى بتلك النظرة المعاتبة من تلك الفتاة ذات العيون الساحرة…
انتفض من داخله لهذه النظرة الحزينة التي تعلو عيناها وهي تنظر له أثناء لملمتها لقطع الزجاج المكسور…
اضطربت نفسه فجأة أعاد ذلك لارتباك الموقف ليس إلا، لينحني بالقرب من (رحمه) ينهيها عن فعل ذلك…
طارق: حتتعوري كدة…. سيبيه من إيدك الإزاز اتكسر….
رحمه بهمس: هو فعلاً انكسر….
هام (طارق) بههمستها الحزينة وهو ينظر نحو عينيهاتمعن بلحظات من الثبات بينهم لتطبق عيناها بسرعة قبل أن تتساقط دمعتها الحزينة… لكنها بقربه… كانت تتمنى أن تكون بقربه، وها هي الآن لا يفصل بينهما إلا سنتيمترات قليلة…
قطع شرودهما الصامت صوت عامل السوبر ماركت…
العامل: بعد اذنك يا آنسة…. إحنا هنضف دة… سيبيه من إيدك….
تركته (رحمه) بآلية ومازالت عيناها معلقتان بعينا طارق الذي شعر بأن هذه الفتاة بها شئ غريب للغاية…
توجهت نحو موظف السوبر ماركت وهي تخرج المال من حقيبتها لتدفع ثمن إناء العسل الذي لن تأخذه وترحل حين أسرع (طارق) واضعًا يده فوق المال رافضًا أن تدفعه…
طارق: أنا السبب… أنا اللي هدفع… شيلي فلوسك….
لم ترد (رحمه) سوى بنظرات معاتبة أخرى، ليخرج (طارق) مبلغ من المال ليدفع ثمن مشترياته بالإضافة إلى ثمن العسل المسكوب…
نَكَست (رحمه) رأسها بحزن لتخرج من السوبر ماركت بتجهم ممسكة بالنقود بقبضتها لتتجه نحو (هاجر) بآلية لتستأذن (هاجر) من عمتها لتسير إلى جوار (رحمه) بطريقهم إلى البيت…
حمل (طارق) أغراضه واضعًا إياها بالسيارة ومازالت (رحمه) بعتابها الصامت تشغل عقله ولا تستطيع صورتها المعاتبة أن تغيب عن عيناه…
هاجر: إنتِ شوفتيه….؟!
رحمه: أيوة….!!
هاجر: قالك حاجة…. قولتيله حاجة…؟!
رحمه باقتضاب: لأ… ولا حاجة…. اتكسر برطمان العسل وهو دفع تمنه عشان هو اللي خبطني….
هاجر: بس كدة…؟!!
رحمه: أيوة… بس كدة…!!
هاجر: وده يعمل فيكِ كدة….
رحمه: متشغليش بالك…. يلا نروح…
__________________________________________
الإمارات… مركز الشرطة…
توالت الأسئلة من الضابط لـ(عبد الله) ورفيقه عن وجودهم بهذا الوقت ببيت (عماد) لاستكمال التحقيقات ومعرفة إذا كان هناك أي شبهة جنائية في وفاة (عماد العشماوي) بهذه الصورة…
الضابط: وين زوجته الحين يا (عبد الله) …؟!!
عبد الله: بعد ما لقيتها مغمى عليها وتعبانة بالصورة دي وصلتها المستشفى ولما رجعت لقيت
ه زي ما حضرتك شفت حتى الأخ (شريف) كان معايا وشايف بنفسه…
الضابط: وشنو السبب اللي رجعك ؟؟!
عبد الله: عشان… اا… أبلغه أن زوجته تعبانة وعملت عملية….
الضابط: مفهوم مفهوم…. من أقوالكم وتقرير الطبيب الشرعي اللي معي أقر بصورة مبدئية انه حادث…
عبد الله: حادث!!!… يعني مش شبهة جنائية الحمد لله…
الضابط: الظاهر إن (عماد) كان مستعجل شوى وما درى بالزيت اللي كان واقع على السلم الرخام فإتزحلق ورأسه تخبطت وانجرحت من سقوطه كل السلالم ونزف حتى توفى رحمة الله عليه… ما لحقه المسعفون…
همس عبد الله بارتياح: الحمد لله…
شعر (عبد الله) بالراحة وستر الله له فلولا وجود السائق بهذا الوقت لربما اتهم بقتل (عماد) وأن ذهابه مع زوجته أبعد عنه شبهة القتل التي ربما كان قضى بقية عمره بالسجن بسببها…
أثار بقية حديث الضابط له الشك والريبة حيث أردف قائلاً…
الضابط: كان لازم نتأكد من أقوالكم للي صار لأن المستفيد الوحيد لموت (عماد) هو زوجته السيدة (حوريه)…
عبد الله باندهاش: المستفيد الوحيد… إزاي ده…؟؟!
الضابط: الأستاذ (عماد) رحمة الله عليه كان مسجل كل أملاكه باسم زوجته حتى الحسابات البنكية كلها باسمها وكان له التوكيل والوصاية بالإدارة… ظني أنه منشان يتهرب من الضرائب… وبكذا تكون زوجته هي المستفيدة لكل أمواله بعد وفاته…
عبد الله بتجهم: أيوة… أيوة… هو خلاص كدة ولا حضرتك عايزنا في حاجة تاني….
الضابط: لا… خلاص… تفضلوا أنتم…
انتهى التحقيق مع (عبد الله) ليغادر مركز الشرطة وقد أصاب الشك قلبه أيمكن أن تكون هي من قتلته، فمن الواضح أنها كانت تركض مسرعة كالمذعورة من شئ ما لكن فقدت وعيها بعد ذلك… أطمعت بماله فقتلته وهربت وهو من ساعدها على ذلك…
لينتبه (عبد الله) لنفسه مؤنبًا إياها على تلك الأفكار…
عبد الله: وأنا يعني زعلان عليه وعايز أجيب له حقه… مش هو ده الظالم اللي كنت رايح انتقم منه، لكن الانتقام جه من المنتقم الجبار، مش فارق هو مات لوحده ولا هي قتلته، المهم إن ربنا نجاني من كل ده لما ساعدتها… ألف حمد وشكر ليك يا رب… ألف حمد وشكر ليك يا رب…
انصرف (عبد الله) متجهًا نحو المستشفى التي توجد بها (حوريه) ليتأكد أنه ليس لديها علاقة بموت زوجها وربما ليشكرها فلولا أنه بقى معها بالمستشفى لكان من الممكن اتهامه بقتل (عماد) ودفعه من فوق السلم…
__________________________________________
بيت رحمه…
ليلة ممطرة زادت رياحها الباردة من قسوتها بعد نهار ملبد بالغيوم…
جلست تنظر من النافذة متنفسها الوحيد في انتظار عودة الغائب…
عاد (إبراهيم) والد رحمه من صلاة العشاء ليجدها جالسة نفس جلستها التي أتعبتها وأمرضتها… تحملت هذا البرد القارس لربما تكحل عيناها برؤيته عائدًا فلا يؤلم القلب سوى فراق الابن…
ابراهيم: الوقت اتأخر… الدنيا برد عليكِ…. ادخلي ارتاحي بقى وتدفي شوية…
ام رحمه: يمكن ييجي يا (إبراهيم)… يمكن ييجي….!!؟
ابراهيم: وهو لو جه وانتِ تعبانة كدة حيبقى مبسوط يعني…. ولا قعدتك في الشباك هي اللي حترجعه….
ام رحمه: من وجع قلبي على غيابه نفسي أشوفه هل عليا ويطمن قلبي عليه…. يا ريته ما سافر….
ابراهيم: كل واحد بياخد نصيبه…
أنهى جملته بهدوء ليثني زوجته عن جلستها بهذا البرد القارس بإظهار قوة تحمل مواريا كسرته التي يشعر بها بداخله لفراق ولده (عبد الله)…
أغلقت (أم رحمه) النافذة وهي ترى (رحمه) عائدة بصحبة (هاجر) من عملها بالمعرض لتستند على كف زوجها الممدودة لها طالبًا منها الابتعاد عن النافذة…
تحركت بضع خطوات ومازالت عيناها متعلقان بزجاج النافذة فربما ترى طيف ولدها مقتربًا من البيت…
جلست على الأريكة وهي تدثر قدميها ببطانية تدفئ بها جسدها المرتجف من البرد فهي لم تشعر بالبرودة إلا عندما انتبهت لها…
دَلفت (رحمه) ترتدي قناع الرضا والابتسامة تشق وجهها الصغير فلن تزيد إرهاق قلوبهم بفراق (عبد الله) بكونها حزينة لأي سبب، حتى إذا كان أمرًا هينًا فيكفيهما ما فيه…
رحمه بمزاح: إزيكووووا….
ابراهيم: اتأخرتي ليه يا بنتي الجو تلج بره..؟!
رحمه: مش عقبال ما خلصنا شغل يا بابا… مالك يا ماما… سقعانة ولا إيه؟!؟
نظرت (رحمه) لوالدتها بعينان معاتبتان…
رحمه: انتِ برضه كنتي قاعدة في الهوا…؟!!
ابراهيم: لسه يا دوب مخليها تقفله وتيجي تقعد وسطينا….
رحمه: أحسن حاجة عملتها يا بابا… كدة برضه يا ماما… حتتعبب كدة زيادة….
ام رحمه: ما أنا بتدفى أهو… تعالي أقعدي أدفيكي معايا….
رحمه: لاااااا… هدخل أنا أغير هدومي وأحضر العشا نأكل كلنا مع بعض…
ام رحمه: ماشي يا بنتي… اخواتك كلوا وناموا أصلهم كانوا صاحيين بدري أوي…
رحمه بمزاح: أحلى حاجة… ناكل إحنا الثلاثة بس ونظبط نفسنا… ثواني وجاية لكم….
ثم وضعت كفها على كتف والدتها قائلة بأمل…
رحمه: حيرجع يا ماما…. إن شاء الله (عبد الله) حيرجع…
ام رحمه: يا رب يا بنتي… غيابه وجعني أوي…
رحمه: ربنا حيطمنا قريب إن شاء الله… أروح أنا أحضر العشا الخصوصي وأرجع لكم…
رواية ذكريات مجهولة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
بعد عدة محاولات فاشلة للإفاقة، فكلما فتحت عيناها تشعر بثقلهم مرة أخرى.
لتفيق في النهاية وهي تحاول الاعتدال قليلاً، مسندة رقبتها على الوسادة في صمت.
تابعت بعينيها أحد اللوحات الطبية المعلقة على الحائط، تتمعن في تفاصيلها بدون أي هدف.
جالت بتفكيرها في عماد وما سيفعله معها بعدما أمسك بها هاربة من بيته بهذه الصورة.
أأعود لحياتها المهينة الذليلة معه مرة أخرى؟
كيف ستتحمل كل تلك القسوة خاصة بعد مواجهتها الأخيرة معه؟
طرق الباب لتدلف الممرضة، ترسم ابتسامة عملية تجاه حوريه وهي تتابع سير المغذي الذي يصل لكفها خارقًا إياه ليمدها بالتغذية والأدوية اللازمة لتحسن حالتها.
الممرضة بتساؤل: أحسن شوية؟
حوريه: الحمد لله.
الممرضة: زوجك بالباب بده يدخل يتطمن عليكِ. والله هادي أول مرة بشوف زوج بيستأذن يتطمن على زوجته!
إرتعبت حوريه فور سماعها خبر وجود عماد واقفًا خارج الباب، لتتسع عيناها برعب وقد بدأ جسدها يرتجف.
دوار رهيب اجتاح رأسها وشعور بالغثيان طغى على معدتها وهي تهمس بارتعاش.
حوريه: جـ… جـ…. جوزي…!!!
لحظات من الارتجاف والخوف فصلت بين حوريه وبين طرقات متتالية على الباب.
شعرت بقلبها ينتفض مع كل طرقة، بهم بألم.
تعلق بصرها بباب الغرفة وهي تنتظر دخول عماد منه.
حاولت السماح له بالدخول، لكن صوتها أخذ يتقطع لتشعر ببرودة تسير بأوصالها مسببة ارتجاف شديد بجسدها.
لتغشى نفسها، أأستفقد الوعي مرة أخرى أم ماذا؟
الممرضة بقلق: اهدى شوية… شو باك…!!! تعبانة شي؟
صمتت حوريه وهي ما زالت تطالع الباب الذي عاد للطرق مرة أخرى.
لتسمح له الممرضة بالدخول وهي تزيد من جرعة المسكن، ظنًا منها أن انتفاضة حوريه بسبب ألم جرحها.
الممرضة: إدخل.
دلف عبد الله إلى الغرفة وهو ينكس عيناه بعيدًا عن حوريه الممدة فوق الفراش.
الممرضة: ها… كيفك الحين…. أحسن شوية؟
أومأت حوريه رأسها بصمت وهي تتفحص ذلك الشاب الذي دلف لغرفتها للتو.
لحظات مرت وهي تحاول معرفة من هذا الشاب الذي يدعي أنه زوجها، ريثما خرجت الممرضة من الغرفة مغلقة الباب من أثرها.
حوريه بتساؤل: انت مين…؟؟ وليه قلت إنك جوزي…؟؟!
عبد الله: أنا عبد الله… كنت شغال سواق عندكم من كام شهر.
حوريه: مش عارفاك أوي…. طيب ليه قلت لهم إنك جوزي…؟!!
عبد الله: لما رحت لكم البيت لقيتك واقعة في الأرض ومغمي عليكِ. جبتك هنا وهم افتكروا إني جوزك.
حوريه بدهشة: انت اللي جبتني هنا… مش عماد…؟!!
عبد الله: انتِ كنتِ فاكرة عماد هو اللي جابك؟
حوريه: أيوه… لما قالولي جوزك جابك المستشفى افتكرته هو اللي جابني هنا.
ثم أردفت مستكملة بحزن:
حوريه: قال يعني ممكن يفكر فيا وفي صحتي ويلحقني على المستشفى قبل ما أموت….!!!!
شعر عبد الله بالصدق بكلامها وأنها من الواضح أنها لا تعرف شيئًا عما حدث لزوجها، وأن ظنه أنها هي من قتلته ظن خاطئ منه تمامًا.
عبد الله: أنا آسف إني أبلغك بالخبر ده…. بس… عماد اتوفى.
مفاجأة لا تصدق، فغرت حوريه فاها لتعلو عيناها اندهاش واضح وعدم تصديق.
هل يمكن أن يموت؟
هل هو مثل كل البشر قهره الموت واختفى من الوجود بهذه السهولة؟
كم لله قدره ينساه المرء فيتجبر ويقسو ويظلم وينسى يوم لقائه برب العالمين الذي لا يغفل ولا ينام، يرد حق المظلومين ويجبر المنكسرين.
حاولت استيعاب فكرة موته بغير تصديق أنها حررت من ذله بهذه السهولة، ففي لحظة كان كل شيء قد انتهى.
حوريه بعدم تصديق: لأ طبعًا…. عماد مات…. معقولة دي؟…. إزاي…. مش مصدقة…. مش مصدقة أبدًا…..!!
عبد الله: تقريبًا كان فيه زيت واقع على السلم الرخام وازاز مكسور وهو كان بيجري أو حاجة وشايل شنطته فااتزحلق ووقع. اتخبط في رأسه ونزف كتير وانجرح من الازاز في جسمه كله كان بينزف. ولأن مفيش حد في البيت خالص محدش حس بيه وملحقناهوش.
غمغمت حوريه بداخلها: "يعني رفضك تجيب حد يساعدني عشان تذلني سبب موتك… كان زمان حد لحقك… بس ربنا منتقم… جاب لي حقي منك."
سقطت دمعة من عيني حوريه على خلاصها منه والنجاة بحياتها.
توقع عبد الله أن دموع حوريه ما هي إلا حزنًا على فقدها زوجها، ليفاجئ برفع يديها إلى السماء وسط بكائها لتتسع ابتسامتها قائلة.
حوريه: الحمد لله رب العالمين…. قد إيه انت رحيم بعبادك يا رب…. ألف حمد وشكر ليك يا رب…. ألف حمد وشكر ليك يا رب.
اندهش عبد الله كثيرًا من رد فعلها وتردد في سؤالها عن سبب فرحتها بدلاً من حزنها عليه.
عبد الله بإندهاش: إنتِ مبسوطة؟
حوريه مبررة: متفهمنيش غلط… بس هو ظلمني وقهرني… كان بيذلني ورفض يطلقني وأروح لحالي. حسيت فجأة إن ربنا نصفني وجاب لي حقي منه. أنا مش شمتانه فيه…. بس فرحانه إني بقيت حرة وهو مش في حياتي.
عبد الله: فاهمك كويس…. مش انتِ لوحدك اللي ظلمك.
حوريه بعدم فهم: قصدك إيه؟
عبد الله: جوزك ظلمني واتهمني زور ودخلني السجن…. وكنت جاي له امبارح أصفي حسابي معاه وأنتقم منه. لكن ربنا قادر وخلصنا منه. ولو مكنتش ساعدتك وجينا هنا كان ممكن اتهم بقتله. الحمد لله رب العالمين.
***
يومين قضاهما هشام مختبئًا عن الأنظار بداخل غرفة الفندق، ليخرج بعدها متوجهًا إلى مطار جون كينيدي للحاق بطائرته المتجهة إلى القاهرة اليوم.
أنهى كافة الإجراءات جالسًا بصالة الانتظار مترقبًا لإعلان موعد إقلاع الطائرة.
جلس يتأمل الدفتر الذي فتح له بابًا جديدًا وشغفًا للتعرف على هذه الفتاة، فهو لا ينكر أنها أثرت في نفسه من مجرد كلمات مكتوبة.
أصبح لديه شغف للتعرف عليها والتقرب منها.
شعر أنها شبيهة روحه كيفما كانت ملامحها.
هشام: "يا ترى شكلك إيه؟!…. مع أنه مش فارق معايا بس حاسس إنك إنسانة رقيقة أوي. وبالرغم من أن الدنيا كانت قاسية معاكِ أوي كدة إلا إنك ولا كرهتي حد ولا حقدتي على حد. كان كل اللي يهمك بس تخرجي من اللي انتِ فيه. أنا عارف أن المرض اللي جالك ده بيقضي على كل ملامح الأنوثة والجمال بس كل ده ميهمنيش. المهم أشوفك وأقرب منك."
سمع هشام نداء برقم البوابة والرحلة التي سيسافر إليها، فحمل حقيبته وضبط قبعته وتوجه إليها لينتظر مرور الساعات الطويلة للوصول إلى أرض الوطن.
***
في الصباح.
بعد مرور ساعات ثقال، يأتي الصباح بنوره لتنقشع الغيوم وتسطع شمس الشتاء الدافئة لتغير بالنفوس وطأة حزنها، وأخرى تتمنى مرور الساعات لانتهاء اليوم، ليمر يوم جديد بحياتها المتماثلة.
مديرية الأمن، مكتب طارق.
حرك طارق أصابعه بتوتر فوق سطح المكتب، ممسكًا بقلمه بطرف أصابعه ليديره عدة مرات.
وما زال مشهد الأمس مؤثرًا في نفسه، كلما انشغل بأمر ما عاد إلى ذهنه صورتها الحزينة المعاتبة.
طارق: كل ده عشان برطمان عسل….؟؟!! للدرجة دي كان مأثر فيها أنه انكسر. طيب ما أنا دفعت تمنه. كانت بتبص لي كدة ليه؟ البنت دي فيها حاجة… مش عارف إيه… بس فيها حاجة.
سامر: لا حول ولا قوة إلا بالله. أنت بتكلم نفسك. اتجننت من قبل ما تتجوز. أمال سبت إيه للمتجوزين اللي ماشيين يكلموا نفسهم في الشارع.
طارق: اااه…. جاي أسليك أنا على الصبح. بقولك إيه…. أنا كدة كدة ماشي بدري. وخلصت الشغل. خليك لوحدك بقى. أنا رايح أستعد للخطوبة. مستنيك أنت وأخوك متتأخروش.
سامر مازحًا: مقبولة منك. ماشي يا عريس.
تناول طارق مفاتيحه من فوق سطح المكتب خارجًا من مكتبه متجهًا إلى البيت ليستعد لحفل خطوبته على هايدي بالمساء.
***
مكتب الوزير.
تمم علاء على أوضاع جميع رجاله بالمجموعة، ليدلف إلى مكتب الوزير الذي طلب حضوره بصورة عاجلة.
علاء: صباح الخير يا فندم.
الوزير: أهلاً يا علاء. اتفضل أقعد.
جلس علاء برسمية منتظرًا التوجيهات الجديدة التي سيطلبها منه الوزير، فهذه الأيام له برنامج حافل بالزيارات الخاصة بالصناعة والمشروعات الجديدة.
الوزير: خلال الأسبوع ده عايزك تجهز الرجالة بتوعك في زيارات لأسوان والنوبة، بعدها عندنا زيارة لتركيا الأسبوع الجاي. حضر لها كويس ومدير مكتبي هيديلك خط السير بالزيارات كاملة تطلع عليها عشان تجهز المجموعة اللي معاك وأي احتياجات لازمة.
علاء: تحت أمرك يا فندم. كله تحت السيطرة إن شاء الله.
الوزير: ثقتي دائمًا فيك في محلها. اتفضل انت.
علاء: شكرًا يا فندم. بعد إذنك.
أكمل علاء عمله بالاطلاع على سجل الزيارات المرتقبة لتجهيز الترتيبات الخاصة بذلك، ليكون ذلك سببًا في انغماسه بالعمل لربما يتناسى ما حدث وضياع الأمل.
***
هشام.
بقي بضعة ساعات قليلة ليصل إلى مطار القاهرة، ليضع غطاء العينين فوق خاصته مستمتعًا ببعض الراحة قبل عودته إلى العمل مباشرة فور وصوله.
***
نهال.
مع انقشاع الغيوم، نظرت بصفاء من نافذتها تتنفس عبير الصباح، قبل أن تبدأ بتصفح بقية أجزاء الكورس الذي تدرسه قبل موعد اختبارها الأسبوع المقبل.
***
أميمة.
كثفت عملها مع سيلا وضيا، لتوشك تصميماتها على الانتهاء مع وضع الرتوش الأخيرة لإظهار عملهم قبل عرض عملهم على الشركة.
فهذه فرصة لن تعوض بالعمل معها، فهي من أكبر الشركات بتركيا لتصميم الأزياء العالمية لما لها من إنتاج ضخم واشتراك دائم في معارض ومؤتمرات عالمية للإنتاج.
فرصة ستحدث نقلة نوعية كبيرة لها ولفريق عملها البسيط في وضع أقدامهم بعمل الأزياء العالمي.
***
حوريه وعبد الله.
طال حديث حوريه وعبد الله، الذي قص على حوريه قصته الحزينة مع عماد وكيف أوقع به ظلمه وسواد قلبه.
استمعت إليه حوريه بإنصات مقدرة شعوره بالقهر من ذلك الطاغية.
كيف استطاع أن يهنأ بحياته ومنامه وهو من أوقع ذلك الظلم والافتراء على عبد الله بدون وجه حق.
كان كل لفظ يتلفظ به عبد الله ليصف به معاناته وحرمانه من حريته التي سلبت منه عنوة بسبب عماد، وكأنه يصف حالها معه.
لقد استطاع عبد الله وصف شعوره بدقة لحوريه لتبقى كلماته كمن يصف حالتها وحياتها البائسة معه.
لم يكن لحوريه أي تعبير سوى إيماءات خفيفة وابتسامات حزينة.
فمهما حاولت وصف ما حدث معها لن يظهر مدى قهرها وذلها لها.
فضلت الصمت، فهي لن تبحث الآن عن نظرات الشفقة والتعاطف.
فلداوي جراحها بنفسها، فقد استطاع عماد تحطيمها بالكامل قبل أن يرحل عن عالمها البغيض.
عبد الله: لكن حقيقي ربنا بعتك ليا نجده. لو كنت طاوعت الشيطان وقابلته الله أعلم كان حيصبح مكاني فين دلوقتي. كان زماني خسرت كل حاجة.
حوريه: الحمد لله. أستاذ عبد الله… ممكن أطلب منك طلب.
عبد الله: أؤمرينيني. خير؟
حوريه بأسى: رجعني مصر.
عبد الله بتفهم: أكيد طبعًا. تقومي بس بالسلامة ونرجع سوا.
حوريه: شكرًا يا أستاذ عبد الله على اللي عملته معايا.
عبد الله: المهم صحتك وسلامتك. أنا مش هسألك عماد عمل معاكِ إيه لأنه واضح من كسرتك والحزن اللي مالي عينك إن ظلمه ليكِ كان أقوى من ظلمه ليا بكتير. لكن الأيام كفيلة تنسيكِ كل ده وترجعي لأهلك وحبايبك.
حوريه: مش حقدر أنسى. بس أنا محتاجة أسيب البلد دي. أنا كرهتها. حاسة كل حاجة فيها بتفكرني بيه.
عبد الله: شدي حيلك بس وإن شاء الله نرجع سوا. هاسيبك بقى ترتاحي وأستأذن أنا.
حوريه: حقدر أوصل لك إزاي؟
عبد الله: أنا للأسف مش معايا تليفون خالص. بإذن الله هاشتري تليفون جديد وأديكِ رقمه وأتصل بأهلي أطمنهم عليا.
حوريه: إن شاء الله.
عبد الله: أنا همشي دلوقتي وأجيلك بكرة إن شاء الله.
انصرف عبد الله وأصبح كل ما يفكر به الآن ويشغل تفكيره هو ما هو عذره الذي سيقدمه لوالديه عن هذا الغياب القسري الذي أجبر عليه طوال هذه الشهور الطويلة.
***
بيت رحمه.
"إنه اليوم" قالتها بداخل نفسها فور أن فتحت عينيها.
جلست للحظات بتجهم دون حراك تتمنى لو أن تقضي بقية يومها مغيبة بأي وسيلة.
فهذا اليوم لن يمر على قلبها بسلام.
إنه يوم إعلان إسدال الستار عن حبها وأملها الذي كانت تعيش من أجله، لكنها مجبرة على التماسك والاستكمال.
ليس ذلك فقط، بل وبوجه بشوش غير مكترث أيضًا.
رحمه: القوة من عندك يا رب.
نهضت من فراشها لتعد الطعام قبل استيقاظ الجميع كعادتها.
خرجت نحو غرفة المعيشة لتجد والدتها متشبثة بالنافذة تتمعن في الطريق.
(رحمه) باشفاق على والدتها وما أصابها بعد غياب عبد الله، تتمنى أن يأتيها بأي خبر منه حتى ترتاح والدتها من هذا الشقاء وحسرة قلبها.
رحمه: برضه يا ماما؟
أم رحمه: قلبي بيقولي جاي يا رحمه. حلمت بيه امبارح وهو بيضحك وفاتح لي دراعاته.
رحمه بتمني: يا رب يا ماما. يا رب يطمنا عليه عن قريب. ادخلي بقى من البرد.
أم رحمه: خليني شوية. يمكن ييجي وأنا واقفة.
رحمه: على راحتك يا ماما. هاحضر الفطار الأول وبعدين نتجمع كلنا.
قاطع حديثهم رنين هاتف رحمه، لتنظر نحو والدتها بقلق.
رحمه: أستر يا رب. مين اللي بيرن بدري أوي كده؟
أمسكت رحمه بالهاتف لتجد رقمًا طويلاً غريبًا.
رحمه: السلام عليكم.
عبد الله: ياااااه يا بنت اللذينة. وحشني صوتك أوي.
امتلاأت عينا رحمه بالدموع واستدارت نحو والدتها بعيون باكية وابتسامة تتسع تدريجيًا لتنطق صارخة بفرحة.
رحمه بقوة: عبد الله……!!!
لم تشعر أم رحمه بنفسها إلا وهي تتسابق مهرولة لتسحب الهاتف من يد رحمه، لتتشنف مستمعة إلى صوت وأنفاس ولدها الذي كادت أن تموت شوقًا لسماع صوته والاطمئنان عليه.
أم رحمه: ابني. حبيبي. نور عيني. انت فين يا عبد الله. انت فين يا حبيبي.
ولم تنتظر إجابة عبد الله، بل استمرت بالحديث والبكاء في نفس الوقت.
عبد الله: وحشاني أوي يا ماما.
أم رحمه: يا حبيبي يا ابني. وحشتني أوي. وحشتنا كلنا.
تفاجأت أم رحمه بسحب الهاتف من يدها بلهفة ملتفتة بعينيها من ذا الذي يستطيع فعل هذا، وجميعهم مدركون كيف تنتظر تلك اللحظة لتجد زوجها إبراهيم يضع الهاتف قرب أذنيه وقد امتلأ وجهه بالدموع اشتياقًا لولدهم الغالي، ذلك الشعور الذي واراه عنهم جميعًا متظاهرًا بالتماسك وفي داخله صراع يكاد ينهيه، لكنه مجبر ليشد من أذرهم جميعًا بغياب ولده الكبير.
إبراهيم: عبد الله. غبت أوي يا عبد الله.
عبد الله: بابا. انت بتعيط يا بابا. حقك عليا.
إبراهيم: المهم إنك بخير يا ابني. المهم إنك بخير.
عبد الله: أنا راجع يا بابا. قريب أوي هارجع. بس عندي شوية إجراءات بس أخلصها وأجي على طول.
إبراهيم: تيجي بالسلامة يا ابني.
أم رحمه: هات بقى يا إبراهيم. أنا ما صدقت سمعت صوته.
وسحبت مرة أخرى أم رحمه الهاتف من يد زوجها وهي تستمع لعبد الله، ناظرة نحو زوجها الذي خر ساجدًا شكرًا لله على سلامته.
لتبتسم بسعادة مستكملة حديثها مع عبد الله، متابعة فرحة إبراهيم بعينيها.
أم رحمه: تيجي على طول. أنا قلبي وجعني عليك.
عبد الله: حاضر يا ست الكل. أخلص أوراقي بس وحتلاقيني قدامك. اديني بقى الأستاذة رحمه.
(أم رحمه) وهي تشير لـ(رحمه) بالهاتف مردفة.
أم رحمه: كلمي أخوك يا رحمه.
تقدمت رحمه ممسكة بالهاتف في فرحة أنستها سبب عبوسها منذ الصباح.
رحمه: أيوة يا عبد الله.
عبد الله: أمك وأبوكِ كويسين يا رحمه. أنا قلقان عليهم أوي.
رحمه: اطمن. هم دلوقتي بقوا كويسين أوي أوي الحمد لله.
عبد الله: الحمد لله. طيب اااا… كنت عايز أطمن. عليكم يعني وعلى إخواتك والناس وكدة.
بفراسة استطاعت رحمه فهم مقصد عبد الله ورغبته في الاطمئنان على هاجر وأحوالها بعد غيابه، لتتحرك بالهاتف نحو غرفتها الصغيرة خافضة حدة صوتها قليلاً.
رحمه: ااااه. قصدك هاجر.
دق قلب عبد الله فور سماع اسم محبوبته ليبتسم بسعادة.
عبد الله: انتِ عرفتي؟
رحمه: ولو أن ده مش وقت عتاب عشان خبيتوا عليا. بس اطمن. هي كويسة. ومستنياك. بس أنجز بقى أحسن مغصوبة على جوازها من ابن عمتها اللي اسمه خالد ده.
إنتفض عبد الله بقلق.
عبد الله: خالد مين؟ هاجر دي بتاعتي أنا.
رحمه: أيوة كدة. هو ده أخويا حبيبي.
عبد الله: بلغيها إني راجع. بس تصبر عليا شوية لأني راجع على الحميد المجيد. مش معايا جنية واحد.
رحمه: يا خبر يا عبد الله بعد الغياب ده كله.
عبد الله: حبقى أحكي لك كل حاجة لما أرجع. ده أنا انكتب لي عمر جديد يا رحمه.
رحمه: مش مهم الفلوس. المهم إنك بخير. وهي لو بتحبك حتصبر عليك متقلقش.
عبد الله: بلغيها سلامي. ولاخواتك اللي أكيد نايمين دول. سلام بقى أنا بتكلم دولي.
رحمه ضاحكة: مع السلامة. ترجع لنا بالسلامة يا عبد الله.
عادت رحمه إلى والديها الفرحين باطمئنانهم على عبد الله.
أم رحمه: يلا نحضر الفطار وصحي إخواتك أنا حاسة إني جعانة أوي.
إبراهيم: ومين سمعك. كأن صوته فتح نفسنا من تاني.
ابتسمت رحمه فقد عادت البسمة والفرحة للبيت من جديد وذهبت لتجهز لهم الإفطار.
تناولوا جميعًا الطعام وقد غمرتهم الطمأنينة والسعادة بعد غياب.
رواية ذكريات مجهولة الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب
«اشتياق…»
جهزت أميمة التصميمات ووضعتها داخل أحد المغلفات لتنتهي من الجزء الأول والصعب التحضير لهذا الاجتماع بعد أسبوع من الآن.
تقدمت توتشا باتجاه الباب لتفتحه بعدما دق جرس الباب منذ قليل.
توتشا: دي أكيد سيلا… ملحقتش تجيب البقالة زي عادتها…
لتتسع ابتسامة توتشا برؤيتها لـ ضيا بدلاً من سيلا التي خرجت منذ فترة قصيرة لشراء بعض الاحتياجات من أحد محلات البقالة القريبة من البيت.
توتشا: ضيا… صباح الخير…
ضيا: صباح الخير أبله توتشا…
توتشا: ادخل أميمة بتشتغل وسيلا زمانها جايه…
ضيا، وقد ارتسمت على وجهه السعادة، فأخيرًا سينفرد بأميمة ولو لبعض الوقت قبل مجيء سيلا.
تقدم ضيا نحو أميمة الغارقة بالعمل فلم تنتبه للقادم حين تقدم ضيا نحوها ودقات قلبه تتسارع بشدة كلما اقترب من تلك الجميلة معشوقة قلبه.
تبًا لكل انتظار يشق نفسه… لا، لن ينتظر أكثر من ذلك… سيبوح لها بحبه، فإن في الانتظار عذاب ومشقة… لن يستطيع أن يتحمل أن تكون قريبة منه وبعيدة عنه في نفس الوقت.
وهذا هو الوقت المناسب… فلن يتأخر بعد الآن.
تقدم نحو أميمة المولية ظهرها إليه ليقترب هامسًا بجوار أذنها بهمسة أرجفتها اضطرابًا وخوفًا.
ضيا: وحشتيني…
التفتت أميمة نحو ضيا وقد اتسعت عيناها بشدة فاغرة فاها بصدمة.
لقد تفوه بها ولن يتوقف، فليكمل وليكن ما يكون… فأما قريب محب أو يبتعد نهائيًا، فلن يتحمل هذا العذاب أكثر من ذلك.
ابتلعت أميمة ريقها بتوتر وهي تنظر نحو ضيا المتفرس بوجهها بنظرة أربكتها.
أميمة: ااا… ضيا…!!! انت جيت إمتى…؟!!
ضيا: دلوقتي… أخيرًا جيت… ومستنيكِ…
أميمة: اا… قصدك إيه…؟!
أعادت أميمة خصلة متمردة من شعرها خلف أذنها بتوتر زاد من جاذبيتها وهي تتهرب بعينيها بعيدًا عن نظرات ضيا المحدقة.
ضيا: مش قادر أبقى بعيد عنك أكتر من كده يا أميمة… أنا… أنا بحبك يا أميمة…
صعقت أميمة من تصريحه لها.
نعم شعرت بمشاعره، تهربت منها كلما حاول الاقتراب، تصنعت عدم الفهم واللامبالاة، لكنه نطقها صريحة الآن، ماذا تفعل؟! وكيف تجيبه؟!
ارتعشت يديها الباردة لتضم كفيها بعضهما ببعض بتوتر. لا تريد… لا تريد حبه ولا تريد أيضًا أن تجيب. تود لو أن تنشق الأرض وتبلعها وكأن شيئًا لم يحدث.
تمنت لو أن أمرًا ما يحدث ينقذها من هذا الموقف السخيف.
لتطل سيلا من خلف كتفي ضيا معلقة عيناها بأميمة وكأنها تكشفها أمام نفسها وأنها ما زالت تحب علاء كما قالت لها، كما أوضحت نظراتها وهي ترفع حاجبها بمعنى ألم أقل لك أنه يحبك.
أميمة بارتباك: ضيا… إحنا ااااا… أصل…
ضيا: مالك يا أميمة… إيه المشكلة…؟!!
أميمة: لا… بس… ااه… الشغل… مش قلنا لما نقدم الشغل…
ضيا: وايه اللي يمنع الشغل في كده…؟!
نظرت أميمة نحو سيلا وكأنها تتوسل إليها بالتدخل لإخراجها من هذا الموقف المحرج، فهي لا تريد أن تكسر بقلب ضيا وفي نفس الوقت لا تشعر تجاهه بأي مشاعر إطلاقًا، فهو أخ وصديق فقط.
فهمت سيلا ما تقصده أميمة لتصيح بضيا مفاجئة إياه.
سيلا: انت جيت… يلا يلا… مش عاوزين خدماتك… خلصنا الشغل…
تفاجأ ضيا بوصول سيلا فقد كان كل تركيزه منصبًا على أميمة.
ضيا: انتِ جيتي…؟؟!
سيلا: أيوة… جيت…
ضيا: ما أنا جاي عشان الشغل اللي خلص ده… وبقول يلا نخرج يوم نستريح شوية من الضغط اللي إحنا فيه ده وبكرة نكمل تحضير الباقي…
سيلا: نخرج… كلنا… ؟!!
ضيا: أيوة… عشان مينو كمان…
أنهى جملته وهو ينظر نحو أميمة، فهو يدرك تمامًا أن يامن هو نقطة ضعفها الوحيدة.
ابتسمت أميمة بتوتر لتومئ لهما بالموافقة لأجل ذلك الصغير الذي أضطر للحبس بالمنزل خلال فترة عملهم وانشغالها عنه.
لكن ضيا لن يضيع هذه الفرصة بسهولة. أقترب هامسًا لأميمة حتى لا تنتبه سيلا لحديثه قائلاً:
ضيا: أميمة أنا بحبك وعايز أتوزجك… وقبل ما تتسرعي فكري كويس لأن محدش حيحبك ولا حيحب مينو قدي… حستنى ردك…
رجفة ارتباك ونظرة قلق كانا ردًا على طلب ضيا دون أن ينتبه هو لذلك.
لتستعد هي ويامن لقضاء يومهم برفقة ضيا وسيلا وتوتشا محاولة الهرب في كل فرصة حاول ضيا التحدث بها معها.
***
هايدي…
بعد اختيارها لفستان صارخ مكشوف باللون الأحمر حددت موعد مع أخصائية التجميل، فهي نجمة حفل اليوم ويجب أن تكون متألقة فوق العادة.
تركت والدتها وزوج والدتها ليقوموا بالإشراف على الطاقم الذي تم التعاقد معه لتجهيز البيت اليوم من تزيين وترتيب ليظهر بأفضل صورة تليق بحفل خطوبة هايدي مدللتهم اليوم، بينما توجهت هي إلى صالون التجميل لتستعد بروية قبل حضور طارق لأصطحابها في المساء.
***
الجامعة…
تجمعت الفتيات بغياب هايدي اليوم، لحضور محاضرتهم الوحيدة والتي انتهت للتو.
التفتت رقية لتكمل بنفس العنجهية التي تتحلى بها هايدي، وكأنها تركت اليوم مثيلتها لتكمل على رحمه وهاجر بتكبر مبالغ فيه.
رقية: ها يا بنات… حضرتوا نفسكم لخطوبة هايدي…؟!!
بسملة: أنا عن نفسي محضرة كل حاجة وحطلع على البيوتي سنتر عشان أكون معاها زي ما اتفقتنا…
رقية: وأنا كمان حخلي السواق يعدي عليكِ ونروح سوا… وإنتوا… برضه مش جايين الخطوبة… ما تيجو تفرحوا وتاكلوا جاتوه…
كادت رحمه أن تنفجر بتلك المتعجرفة، لكنها لن تحط من قدرها مع أمثالهم، فيكفي معرفتهم إلى هذا القدر، فهم لم يتوانوا بأي فرصة حتى يحطوا من قدرها هي وهاجر.
بالفعل هم فقراء، لكن لديهم عزة نفس تغنيهم عن أموال وكنوز الدنيا.
رحمه: أنا وهاجر عندنا شغل… روحي انتِ إلحقي لك حتة جاتوه… ويا ريت تروحي بدري قبل ما المعازيم يخلصوه… أنا مروحة يا هاجر… جايه معايا…
هاجر، وهي ترمق رقية باشمئزاز من طريقتها المستفزة معهما، لتتركا هؤلاء الفتيات لما يليق بهن وهن يكملن بالطريق الذي يليق بهن.
هاجر: جدعة… كنت عايزة أقوم ألطشها قلم…
رحمه: ولا تستاهل على فكرة ولا هي ولا صاحبتها…
هاجر، مواسية رحمه، فهي تدرك تمامًا كسرة قلبها.
هاجر: متزعليش انتِ بس…
رحمه: متفكريش… إلا قوليلي… مفيش أحلام جديدة النهاردة…؟!!
هاجر: رحمه… وبعدين بقى… كل شوية حتتريقي عليا…
رحمه، وهي تثير شوق هاجر لمعرفة آخر الأخبار، فاليوم أتت كل منهما بمفردها إلى الجامعة ولم تخبر هاجر بعد بمكالمة عبد الله هذا الصباح.
رحمه: أبدًا… ولا بتريق ولا حاجة… أصل يعني فيه خبر كده…
هاجر، بتلهف وهي تستدير لتوقف رحمه لمواجهتها للتأكد مما تشعر به، وأن رحمه تحمل خبرًا عن أخيها وتخفيه عنها.
هاجر: فيه خبر عن عبد الله… صح…؟؟!
رحمه، وهي تعبث بأصابعها مماطلة هاجر قليلاً، والتي ثارت بحدة من طريقة رحمه ولعبها بأعصابها.
رحمه: يعني…!!
توجست هاجر من رد رحمه ولا تستطيع التنبؤ هل هو خير أم شر.
هاجر: رحمه انطقي أبوس إيدك بقى…؟!
رحمه: عبد الله كلمنا الصبح وراجع قريب يا هاجر…
رفعت هاجر رأسها بارتياح متأوهة وهي تمسح وجهها الذي تبلل بدموع الفرح.
هاجر: يااااه… أخيرًا… ألف حمد وشكر ليك يا رب…
ثم اعتدلت مستفهمة من رحمه عما حدث بالتفصيل في مكالمة عبد الله.
هاجر: احكي لي المكالمة كلها بالتفصيل الممل…
رحمه: مش تعرفي الرسالة اللي سلي لك الأول…
هاجر باشتياق: رسالة… ليا أنا… هو قال لك رسالة ليا…!!!
رحمه: طبعًا… بيقول لك استنيه هو راجع لك بس ظروفه وحشة شوية ومعهوش فلوس خالص…
ثارت هاجر بوجه رحمه مردفة.
هاجر: فلوس إيييييه… مش مهم فلوس… المهم إنه راجع… أي حاجة تانية مقدور عليها بس يرجع…
لم تتوانى رحمه في ضم هاجر إلى أحضانها، فأخيها عبد الله محظوظ جدًا بهذه الفتاة ولن يستطيع إيجاد مثيله لها أبدًا، فهاجر أختها التي لم تلدها أمها.
***
الإمارات، المستشفى…
ثلاث سنوات مرت عليها برفقة عماد… ثلاث سنوات سُجنت داخل هذا السجن المبهر، لكنها لم تستطع النوم مثلما نامت بالمستشفى.
يالها من راحة وسكينة.
قلقت من نومها على إثر ضوء سطع فوق عينيها مباشرة لتفتح عينيها وهي تضع كفها أمام عينيها مباشرة لتمنع تسلط الضوء المزعج أمام مقلتيها الخضراوتين.
شعرت بأن أحدهم بجوارها… تشعر به وبأنفاسه القريبة.
حاولت فتح عينيها أكثر لرؤية هذا الشخص القريب منها، تكاد حرارة أنفاسه تخترق وجنتيها.
لتنتفض من شدة قربه بفزع وهي ترجف مذعورة.
حورية: عـ عـ عماد… إزاى… أنت… أنت… مش… مُت…!!!
عماد، بغضب وهو يقبض حاجبيه ناظرًا بحدة تكاد عيناه تشعان لهيبًا من حدة نظراته القوية التي تشعر وكأنها طلقات من الرصاص تخترقها وتقتلها.
عماد: ده بُعدك… انتِ فاكرة إنك خلاص… خلصتي مني… أنا حفضل معاكِ… مش حتقدري تخلصي مني… أبدًا أبدًا… وقبل ما تسيبيني حاخد روحك الأول…
وقبل ما تسيبيني حاخد روحك الأول…
وللمرة الثانية تشعر بقبضتيه القويتين فوق عنقها محاولاً خنقها لدرجة أنها شعرت بأنه سيكسر عنقه بين يديه.
شعرت باحتباس أنفاسها وهي ترتجف ببرودة تسري بجسدها لتدرك أنها نهايتها، لتحاول الصراخ بـ عماد تستجديه أن يتركها.
حورية: لااا… بالله عليك… إبعد عني… إبعد عني… إبعد عنـــــــــي……!!!
أفاقت حورية بانتفاضة من نومتها لتتأكد أنها مازالت بالمستشفى وما رأته ما هو إلا مجرد كابوس مفزع آخر.
كذكرى معه مجرد كابوس مفزع.
حورية، مغمغمة: لحد إمتى حتبقى كابوس في حياتي… إمتي حرتاح منك…؟!!
بهذه اللحظة تأكدت حورية أن عماد جرح لن يندمل وذكرى لن تمحى، فقد وُصمت بلعنة تسمى عماد، حتى بعد مماته ما زال رعبها منه متأصلًا بأوداجها.
طرق الباب بطرقات خفيفة.
حورية: اتفضل…
عبد الله، وهو يفتح الباب بهدوء.
عبد الله: صباح الخير…
حورية: صباح الخير يا أستاذ عبد الله… اتفضل…
عبد الله: أخبارك إيه النهاردة…؟؟؟
امتعضت حورية إجابتها وهي تنطق بما لا تشعر به، فلا داعي لإثارة الشفقة خاصة من هذا الشاب الذي أضاع عماد من عمره ما يقرب من عام بسبب ظلمه، فهو ليس مطالبًا بحمل أثقالها هي أيضًا، فيكفيه ما مر به.
حورية: الحمد لله…
عبد الله، وهو يجلس على المقعد متابعًا رد فعل حورية قبل نطقه بهذا الخبر.
عبد الله: انتِ عرفتي إن عماد كتب كل ثروته باسمك…. ؟!!
حورية، بعدم تصديق: باسمي أنا…. ليه…. واشمعنى أنا…. أكيد فيه حاجة غلط طبعًا..!!
عبد الله: لا فعلاً هو عمل كده… يمكن كان بيهرب من الضرائب…
حورية، بسخرية: مش بعيد… وهو عمل إيه مظبوط….!!!
عبد الله: هو انتِ مكنتيش تعرفي..؟؟!
حورية: لأ… أبدًا… أول مرة أسمع منك الكلام ده…
عبد الله: مفيش مرة مضيتي أي ورق مثلاً…. ؟!!
حورية، بتذكر: يمكن ااااا…. مرة واحدة قالي عشان ورق إقامتي هنا وجاب لي ورق مضيت عليه… يمكن هو ده….؟!
عبد الله، بتفهم: أيوة… أكيد هو… عمل لنفسه توكيل سجل بيه كل أملاكه باسمك عشان يتهرب من دفع الضرائب… وكمان عشان المهربات اللي بيدخلها متبقاش باسمه ويبقى مفيش عليه أي شبهة خالص…
حورية: بس أنا مش عاوزاها الفلوس دي….
عبد الله: دي فلوسك… مينفعش تسيبيها… عمومًا أنا وصلت من شوية للمحامي وبلغني إن إجراءات البيع وتحويل الفلوس لمصر قدامها أسبوع على الأقل…
حورية: أنا مش عايزة الفلوس… أنا عايزة أرجع لأهلي….
عبد الله: أسبوع بس نخلص الإجراءات وتكوني بقيتي كويسة شوية وتقدري تسافري…
حورية: أسبوع بحاله… أنا حاسة إن كل حاجة هنا بتخنقني… كل حاجة بتفكرني بيه…
عبد الله: اللي خلاكي تصبري سنين… اصبري كمان سبع أيام…
حورية: الأمر لله…
***
هشام…
ساعات طويلة مرت وحان موعد هبوط الطائرة بمطار القاهرة بعد عناء رحلة طويلة استغرقت عدة ساعات.
هبطت الطائرة على المدرج وها هو يعود مشتاقًا إلى أرض الوطن، غير مصدق لما أنجزه في سفرته هذه.
وغير مصدق أنه يفصله عن نهال مجرد شوارع وطرقات وساعات قليلة حتى يراها، فهو متلهف بشوق بالفعل لرؤيتها دون أن يدرك سببًا حقيقيًا لذلك.
ربما يكون أشفق على حالها الذي كان أصعب من حاله، فهو لديه أسرة لم يشعر بوجودها يومًا، فكان وحيدًا مثلها وكان يشعر بالفعل بكل كلمة كتبتها.
خرج هشام من المطار بعدما أنهى إجراءات الخروج.
استقل سيارة أجرة متوجهًا إلى شقته التي يستأجرها بوسط البلد.
لم يغب كثيرًا، لكن كل شبر بها اشتاق إليه.
ولأول مرة جلس صامتًا في السيارة لا يتكلم أو يبدأ أي حوار، فقط أراد الصمت ومشاهدة الطريق الذي يزدحم بالسيارات المارة على الجانبين بهذا الوقت من النهار.
وصل إلى البناية التي يسكن بها صاعدًا نحو شقته الصغيرة.
دلف إلى داخل غرفة مكتبه واضعًا حقيبة أوراقه، مخرجًا جهاز الحاسوب وبعض أقراص الكمبيوتر ليضع بعضها فوق مكتبه واضعًا البقية بحقيبة أخرى صغيرة.
لكنه قبل أن يخرج من الشقة متجهًا نحو الجريدة التي يعمل بها، أخرج دفتر الذكريات الخاص بـ نهال واضعًا إياه فوق سطح المكتب، ممسكًا بقلمه وشرع بالكتابة بصفحة فارغة من الصفحات الكثيرة التي تركتها نهال دون تدوين بها أي ذكريات ليكتب:
“لقد وصلت اليوم إلى القاهرة، ربما لأول مرة أكون مشتاقًا للعودة إلى هنا لمجرد فقط أن أراك يا نهال.
أود بالفعل مقابلتك… ترى ماذا سأفعل عندما أراك وماذا ستفعلين أنتِ…؟؟
أسئلة كثيرة تجوب بذهني، إجابتها فقط ستكون عندك في القريب وسيشهد عليها هذا الدفتر.
(هشام)”
انصرف هشام متوجهًا نحو مقر الجريدة التي يعمل بها تاركًا دفتر الذكريات.
***
حورية…
نظرت حورية بامتنان وهي تمد يدها باتجاه يد الممرضة الممتدة نحوها بهاتف صغير.
حورية: شكرًا بجد…
الممرضة: ما في داعي… بتركك الحين وبرجع لك تاني…
حورية: تمام…
خرجت الممرضة لتدق حورية رقمًا حفظته عن ظهر قلب، تمنت لو كانت واتتها الفرصة من قبل لدقه.
لحظات تستمع لصوت الاتصال قبل أن يقطعه صوت والدتها التي اشتاقت إليها روحها بالفعل.
أم حورية: ألو…
حورية: ماما… !!!
أم حورية، وقد أدركت أن ابنتها هي صاحبة هذا الاتصال الذي اشتاقت له منذ سنوات.
أم حورية: حورية… بنتي… وحشتيني يا بنتي… كل دي غيبة…!!
حورية: غصب عني يا ماما… مكنتش عارفة أتصل بيكم… عماد… ااا…
أم حورية: عارفه يا بنتي… جوزك كان دايمًا بيقول لنا إنه من خوفه وغيرته عليكِ مش جايب لك تليفون…
حورية بدهشة: هو قال لكم كده…؟؟!
أم حورية: أمال… لما كنا نتصل عليه كان بيقول لنا كده… راجل ولا كل الرجاله صحيح…
صمتت حورية وهي تخفي بداخلها كذب عماد، فلا داعي للحديث الآن عما كان يفعله معها، وليس لديها قدرة على التحدث، بل تفضل أن تبقى كل ما تشعر به حبيس بداخلها.
أخذت حورية نفسًا عميقًا قبل أن تحاول أن تخبر والدتها بأن عماد تعرض لحادث وتوفى وهي بالمستشفى الآن إثر خضوعها لعملية استئصال الزائدة الدودية.
حورية: ماما… كنت عايزة أقول لكم إن…. إن….
حاولت حورية النطق بهذه الكلمة التي ما زالت غير مصدقة لها أبدًا.
حورية: ماما… عماد مات…
أم حورية بصدمة: إيه….!!
***
في المساء…
زفر سامر بنفاذ صبر وهو يدق على أخيه علاء محاولاً الاتصال به للمرة العشرين على التوالي وما زال هاتفه مغلقًا، ليتجه مباشرة إلى مقر عمله لمقابلته، فهو لا يترك العمل إلا للذهاب مباشرة إلى النوم وليس قبل ذلك.
أوقف سامر سيارته ليُطلع أحد الضباط المكلفين بحراسة الوزير بأنه يريد مقابلة الضابط علاء لأمر هام.
انتظر سامر بضيق متكئًا على مقدمة سيارته ينظر نحو ساعته بتوتر، فما بقي إلا القليل ويتحرك طارق بعروسته نحو بيت حماه لبداية الحفل، وما زال علاء مختفيًا عن أنظاره منذ عودته من فرنسا.
علاء، متعجبًا: سامر…!!! خير… جاي هنا ليه…؟!!
سامر: لا يا شيخ… ده أنا غلبت أرن عليك تليفونك على طول مقفول…
تذكر علاء تحطيمه للهاتف بعد مكالمته لـ هند والتي أغارت بها فوق جرحه لتضع نصب عينيه صورة يكرهها عن أميمة وبعدها عنه.
علاء، بلا مبالاة: كسرته…
سامر بصدمة: نعم…!!! كسرته…!!!
علاء بحدة: اللي حصل بقى… إيه حتحاسبني…؟؟؟
لاحظ سامر حزن أخيه وضيق صدره ليتأكد أن بالأمر شيء عن أميمة.
سامر: لا مش ححاسبك ولا حاجة… بس انت نسيت اللي عليه… !!!
هنا تذكر علاء ما حفظه على ذلك الهاتف كدليل قوي على إثبات حبه وإخلاصه لـ أميمة، منتظرًا عودتها ليثبت لها أنه لم يخونها وأن قلبه لم يدق إلا لها.
اتسعت عيناه مذهولاً… كيف نسي ذلك… لقد تحطم الهاتف بشدة من قوة ارتطامه بالأرض لحظة غضبه وانفعاله من هند.
علاء بتحسر: لاااااااااا… أنا نسيت… إزاى نسيت ده… إزاى..؟!!
سامر: بالراحة على نفسك طيب… هات التليفون أحاول أوديه عند حد يصلحهولك…
علاء برجاء: يا ريت يا سامر… يا ريت…
أسرع علاء راكضًا نحو سيارته المصفوفة بالجهة المقابلة ليحضر حطام الهاتف ليعطيه لـ سامر، ربما يستطيع أحدهم إصلاحه.
ليغمغم علاء بضيق: ده على أساس إني حلاقيها وحشرح لها كل اللي حصل…
سامر بحنو: بإذن الله تلاقيها… ربك كريم…
علاء بانتباه: انت جيت ليه…. ؟!؟
سامر: خطوبة طارق يا باشا… انت نسيت…!!!
تململ علاء من دوامته التي يعيش بها، يكاد ينسى كل شيء حوله تمامًا.
علاء: أوووه… نسيت خالص… معملتش حسابي و أحمد كمان نزل راحة يعني مقدرش أمشي دلوقتِ…
سامر بتفهم: خلاص حصل خير… أنا حبلغ طارق… وأروح أنا بقى أحسن كدة ولا أنا ولا أنت حنروح…
علاء: عمومًا بارك له نيابة عني لحد ما أشوفه…
سامر: تمام… يلا ألحق أنا أروح له… سلام…
علاء: سلام….
حمل سامر هاتف علاء المحطم متجهًا نحو سيارته التي انطلق بها على الفور للحاق بـ طارق.
***
حورية…
بعدما أنهت حورية مكالمتها مع والديها وإخوانها بعد إجهاد كبير وهي تستمع بأذنيها لحزنهم جميعًا على فقدان عماد بهذه الصورة، دون التفوه سوى بكلمات بسيطة مجاراة لهم برسمية.
هي تدرك عيوبهم جميعًا، لكنهم في النهاية أهلها، وقد اشتاقت إليهم.
التمست لهم العذر لحزنهم على وفاة عماد، فهم ليس لديهم أدنى فكرة عن تعامل عماد معها.
كم كان قاسي القلب، متعمد الإهانة والضرب، ظالم إلى أبعد الحدود، وأنانٍ بكل شيء.
لم يكن هذا وقتًا مناسبًا لتصف لهم معاملته معها، ولا وقت عتاب عن تركهم لها بهذه الصورة طوال ثلاث سنوات، فقط أخبرتهم بما حدث وأخبرتهم أنها ما زالت بالمستشفى، واطمأنت عليهم بكلمات بسيطة مقتضبة لحين عودتها إليهم.
***
بأحد أحياء القاهرة…
بإحدى البنايات الكبيرة ذات المدخل الرخامي الباهر… جلس شاب بأوائل الثلاثينيات يعبث بهاتفه غير مكترث بما يجول حول، واضعًا قدميه فوق الطاولة الزجاجية التي تتوسط الغرفة، لينتبه لصوت والدته الباكي.
” إلحقني يا إسلام…. مصيبة…. مصيبة…”
إسلام: مالك يا ماما…. إيه اللي حصل…؟!!
قالها إسلام وهو يلقي بالهاتف فوق الأريكة التي يجلس عليها منتفضًا بقلق، هب واقفًا لمعرفة وقع تلك “المصيبة” التي تفوهت بها والدته للتو.
هوت فوق أحد المقاعد وهي تبكي بحرقة ولوعة.
أم عماد: أخوك عماد…. ماااااات…. مات يا إسلام….
جلس إسلام بصدمة على المقعد المجاور لها مردفًا.
إسلام: مات…!! مات إزاى…. هو إيه الكلام ده…. مين قالك كده..؟!!
أم عماد: المحامي….. المحامي بتاعه لسه قافل معايا دلوقتِ وقال لي الخبر الشؤم ده… أخوك راح…. راح يا إسلام….
إسلام بصدمة: مش قادر أصدق اللي بسمعه… عماد…. عماد يموت كده…!!
يتبع…
رواية ذكريات مجهولة الفصل السابع عشر 17 - بقلم قوت القلوب
« بريق ألماس.. »
شقة أم عماد …
مازالا (أم عماد) وإبنها (إسلام) تحت وقع صدمتهم بموت (عماد) المفاجئ فلم يصدقا ما حدث له بغربته بعيدًا عنهم …
إستكملت (أم عماد) نحيبها على فراق ولدها …
أم عماد: أاااااه يا حبيبي ….. مات يا قلب أمه فى غربته وحيدفنوه هناك …. كان إيه بس إللى رماك على الغربة دى وتموت كدة بعيد عني … يا ريته كان سمع كلامي ورجع يعيش معانا فى مصر ….
إسلام بإحتقار: ما هى لازم بنت الفقر إللي معاه دى هي إللى كانت عايزة تكمل هناك …. طبعًا … حتلاقي فين عز وغنى زى إللي كان معيشها فيهم …..!!!
أم عماد: طبعًا هى السبب … وإلا كنا شفناها حتى مرة فى زيارة معاه … لكن دى كانت فى جرة وطلعت لبرة … من يوم فرحهم وسفرهم مشفناش وشها …. طبعًا ما إحنا مش قد المقام بقى ….!!!
إسلام : أنا عارف بس (عماد) إتجوزها ليه ….؟؟؟. دى لا تليق بينا ولا بعيلتنا خالص … نسب عره …
أم عماد: أنا عارفة النوعية دى …. كل إللي يهمها الفلوس … شوف (عماد) كان قوي إزاى … بس قدرت توقعه السهتانه دى ….
إسلام: طب المحامي مقالكيش حاجة عن فلوسه وشغله إللي هناك …؟!!
أم عماد ساخرة: فلوسه ..!!!! ما هي دى المصيبة الكبيرة ….
إسلام: ليه ..؟!
ام عماد: أخوك طلع كاتب لها كل حاجة بيع وشرا ….
هب (إسلام) واقفًا بغضب لتتطابق ملامحه مع أخيه الكبير (عماد) بنفس الحدة والنظرات المخيفة والعيون اللامعة ….
إسلام: نعـــــــم …… !!!!!! كتب لها كل حاجة …. دة إتجنن دة ولا إيه قبل ما يموت …. !!!!
أم عماد: مش بقولك …. دى مش سهله أبدًا …. كل إللى يهمها الفلوس … مش بعيد تكون هي إللى قتلته ….
إسلام بغيظ : وربنا لأقتلها بإيديا دول …
أم عماد: وحيفيد بإيه قتلها …. إحنا عايزين فلوسنا …. حقنا …..
إسلام: ودة حنرجعه إزاى بقى …. ؟!!
أم عماد: إتجوزها ….
إسلام: إيه …؟! أتجوزها ….. لا يمكن طبعًا ….
__________________________________________
الجريدة ….
تقابل (هشام) مع زملائه اللذين رحبوا بقدومه بحرارة فـ (هشام) محبوب جدًا بين زملائه ….
راضى :حمد الله على سلامتك …. ها …. جبت معلومات كويسة ….؟!!
هشام بفخر: جداااا .. حتتفاجئ يا (راضى) .. معلومات حتغير كل حاجة فى الموضوع بتاعنا …
راضى: ميه ميه …. وأنا كمان لقيت هنا خيوط حتوصلنا للى إحنا بندور عليه …
هشام : حلو أوي …. كدة بقى نتقابل آخر اليوم عشان نرتب كل حاجة عشان الموضوع دة ….
راضى : وهو كذلك …. فين بقى ….؟؟؟
هشام: عندي فى الشقة … عشان محدش يزعجنا ….
راضى ضاحكًا : قصدك يعنى أن إبني الصغير مش بيخلينا نقول كلمتين على بعض …
هشام ضاحكًا : أيوة ….. كمان أنت عارف أنا قاعد لوحدي …..
راضى: خلاص …. حعدي عليك بالليل …
هشام: صحيح كنت حنسي ….. أخبار الورد إيه … ؟!
راضى بمكر : إيه حكاية الورد وصاحبة الورد دى معاك ..؟!
هشام : أبدًا …. قريبتى من بعيد بس ….
راضى: اااه …. عمومًا اإطمن …. زى ما وصيتني …. كل يوم بوكيه ورد أبيض …
هشام : شكرًا يا (راضى) …
راضى: على إيه بس ….
هشام : طيب حروح أنا أريح شوية وعدى عليا لما تخلص الشغل بقى ..
راضى: ماشي … مع السلامة ..
___________________________________________
طارق….
إستعد (طارق) بسعادة وقد إرتدى حلة سوداء وقميص أبيض أعطاه وسامه أبرزت بها سحره الأسمر …..
هدى: بسم الله ما شاء الله …. ملبستش البدله الميري بتاعتك ليه بدل الكلاسيك دى …؟!
(طارق) وهو يختال بنفسه أمام المرآة …
طارق: خليها فى الفرح …
هدى : ربنا يتمم لك على خير ….
طارق: حسبقكم أنا أجيب العروسة من البيوتي سنتر وإنتوا حصلوني على هناك بقى إنتِ وجوزك وماما ونروح كلنا على بيتهم سوا …
هدى: إن شاء الله … ألف مبروك .. أنا فرحانة أوى … أخيرًا خطبت ….
طارق: متنقيش فيها بس …
ترك (طارق) هدى وتوجه نحو صالون التجميل الذى قد أرسلت له (هدى) عنوانه بعدما أبلغتها (هايدى) بمكانه ….
توقف السائق أمام صالون التجميل ليترجل (طارق) من السيارة دالفًا نحو الداخل كما طُلب منه لإصطحاب العروس …
دخوله المهيب أثار تفحص العيون بذلك الشاب القوي بإصطحاب عروسته الجميلة ….
توقف (طارق) لبرهة محاولاً إستيعاب ما يراه أمام عيناه …
لم يكن يتخيل أن إختيار (هايدى) لفستانها كان مخجلاً إلى هذا الحد ….
فستان ذو لون أحمر صارخ مكشوف بصورة مقززة ، زاد من غثيان طلتها وضع كمية كبيرة من مساحيق التجميل يكاد لا يدرك بالفعل ملامحها الحقيقية خاصة مع وضع عدسات ملونه مفزعة أكثر منها جذابة ….
طارق بتجهم: إيه دة …؟!
هايدى: هو إيه اللى إيه دة ….!!! المفروض تقولي كلمتين حلوين ..!!! شكلك حلو … قمر … مبروك يا عروسة .. حاجة كدة … مش إيه دة … !!!
قالتها (هايدى) وهى تسخر من طريقة (طارق) معها…
طارق: إنتِ بتتكلمي بجد …. إنتِ حتمشي فى الشارع معايا كدة … والناس حتشوفك كدة ….؟!
هايدى: طبعًا … دى الموضة … وأنا عروسة .. وخد بالك أنا ملحقتش أختار كويس الوقت كان ضيق أوى ..
كاد (طارق) أن يصرخ بها غاضبًا ويخرج تاركًا تلك الملونه عائدًا إلى المنزل لكنه وجد أخته (هدى) وأمه قد لحقتا به مثلما إتفقا …
إستدار (طارق) منصرفًا يزفر بغضب لاعنًا إختياره المتسرع ….
أحست والدته بما سيفعله (طارق) تاركًا الفتاة ليلة خطبتها لتقف قباله بترجي ….
أم طارق: (طارق) … عشان خاطر أمك … عدي الليلة على خير …
(طارق) بغضب وهو يأشر بيده باتجاه (هايدى) التى وقفت تطالع تصرف (طارق) متكتفه بضيق فمن الواضح أنه سيحاول فرض تحكماته عليها من أول يوم وذلك ما ترفضه نهائيًا …
طارق : إنتِ مش شايفه عامله زى البلياتشو إزاى ولابسه إيه ..؟؟ !!!!! أنا مراتي تلبس كدة قدام الناس …
إمتعضت (أم طارق) شفتها بإضطراب فهو محق لا شك بذلك لكن زواجه أملها بعد إنتظار طويل …
أم طارق: حنطلع على العربية على طول وهناك أهلها وأصحابها .. عشان خاطري …. عدي الليلة يا (طارق) …. لو ليا غلاوة ….
كظم (طارق) غيظه من (هايدى) مصطحبها إلى منزلهم إرضاءًا فقط لوالدته ….
طارق: إتفضلوا … عشان خاطرك إنتِ بس يا ماما ….
وإضطر إلى إستكمال هذه الليلة على مضض لأجل والدته فقط ..
___________________________________________
هشام..
بعدما أنهى كل أعماله بالجريدة إستقل سيارة أجرة مرة أخرى لكن هذه المره ذاهبًا نحو المستشفى …
فأخيرًا أصبحت رؤيته لـ(نهال) وشيكه جدًا فقد أصبحت رؤياها هدفًا له لما أثارته كلماتها فى نفسه متشوقًا بالفعل لمعرفة صاحبة هذا الدفتر الذى أثار فضوله ..
__________________________________________
المستشفى …..
إنتهت (نهال) من متابعة جزء آخر من المعلومات التى أرسلها لها (عم سلمى) لإستذكارها لهذا الإختبار القادم بعد أسبوع ..
تناولت طعامها بشهية وإزداد وزنها بصورة ملحوظة جدًا خاصة مع بدايه إطلالتها
لحياتها الجديدة ….
رتبت بعض الأوراق التى كتبت بها بعض الملاحظات وهى تشعر بسعادة لما تقوم به
وإحساسها أن ما تفعله سيرقي من شأنها فقد خسرت التعليم ولكنها لن تترك تلك الفرصة التى آتتها أخيرًا ، فهى على إستعداد تام أيضًا لإستكمال تعليمها فور أن تستقر فى عمل تستطيع أن تجني منه مالاً ، فطموحها ليس له حدود …
بعد مضى بعض الوقت أحست بتعب بعيناها فقررت أن ترتاح قليلا …
وضعت الحاسوب “اللاب توب” جانبًا لتنظر من نافذتها كوقت مستقطع تلتمس به بعض الراحة …
داعبت النسمات الباردة شعرها الثائر وهي تستنشق نسيم الهواء البارد المنعش …
____________________________________________
هشام …
توقفت السياره أمام بوابة المستشفى ليترجل هشام منها وعيناه معلقتان بالحائط الخرساني(السور) المحيط بالمستشفى …
إقترب (هشام) وكأنه يفحص أثر سقوط الدفتر بهذه الرقعة فيبدو أن هذا هو المكان الذى وصفته له أخته (سمر) حيث وجد به أصدقائها الدفتر …
هشام بتمعن: لو فعلاً لقوه هنا يبقى أكيد أوضتها قريبة يعني … أوضة من إللي على الشارع دول ….
تشدق (هشام) برأسه ناظرًا نحو النوافذ المتراصة إلى جانب بعضهما البعض بحيرة فجميعهم يتشابهون …
هشام : أعرف منين بقى هى فين بالظبط … دة كلهم شكل بعض … كمان حدخل بصفتي إيه أسأل عليها … بس هى أكيد مريضة ونحيفة … يعنى ممكن أعرفها لو شفتها من أى شباك من دول ….
قطع أفكاره إطلاله فتاة رقيقة فاتنة تنظر من النافذة تنير كقطعة من الألماس البراقة
النقية كل ما فيها ينبض ويشع بالجمال والرقة ….
سلبت روحه من نظرته الأولى لها ونسي تمامًا ما جاء من أجله ….
طار فى الخيال مع طيف هذه الفاتنة ، لقد أخرجته بسحرها من كل تفكيره وكل ما يحيط به وظن أنها أكيد خيال وليست حقيقة فهى كالملاك ، ملامحها الهادئة الفريدة تشع صفاء ونعومة ….
تعلقت عيناه بها وهى تنظر نحو السماء الصافية وهى تستنشق بعمق نسمات الهواء لتجول بنظراتها نحو الطريق والسيارات المارة ، تتابع بعيناها رؤيتهم وكأنها تشاهد فيلما مسليًا وليس نظرة من النافذة …
رؤية إستمتاعها فقط كان كافيًا بشرود (هشام) بها وهي تتابع كل التفاصيل حولها مرسمة على شفاها تلك الإبتسامة الخفيفة التى سلبت روحه بلحظة واحدة ..
وضع يداه بجيبي بنطاله ليستكمل شرودة بملامحها الرقيقة تناسى أنه متواجد بالفعل ويحدق بها بشدة ….
تحركت (نهال) بعينيها هنا وهناك حتى إستقرت على هذا الشاب المتوقف أمام سور المستشفى ينظر نحوها بتمعن تلوح على شفتيه إبتسامة بلهاء …
شابًا وسيمًا ذو شعر أسود متناثر بفوضى محببه يرتدي قميصه الكاروه وجاكيت بدون أكمام حاملاً حقيبة جلدية صغيرة فوق كتفه ….
يبدو كأحد الفنانين أو شئ من هذا القبيل ، أبعدت عيناها قليلاً لتعيد نظرها نحوه مرة أخرى رغمًا عنها لتجده مازال محدقًا نحوها بصورة غريبة ….
أخذت تنظر إلى نفسها وملابسها لمحاولة تدارك سبب تحديقه بها على هذا النحو …
أبها شئ فى غير محله أو غير مضبوط ….
فلم تجد شئ فملابسها بسيطة وعادية جدًا لا يخولها شئ هزت كتفيها مستنكرة وهي تقلب شفتيها كالأطفال معيدة نظرها نحوه لتجده مازال على نفس وضعه ….
حتى أطلقت إحدى السيارات نفيرًا عاليًا جعله يقفز من مكانه من الفزع بسبب صوت بوقها العالي دون أن ينتبه له ، مما أثار ضحكتها بصوت عالٍ جدًا على رد فعله المضحك لتتراجع نحو المقعد جالسة تستكمل ضحكاتها التى لا تستطيع أن توقفها حتى الآن فكلما هدأت تذكرت ملامحه المفزوعة لتضحك مرة أخرى لتصيبها هيستيريا الضحك …
هشام …
لم يشعر بنفسه إلا وصوت بوق إحدى السيارات يخترق أذنيه ويهز كيانه لينتفض قافزاً من مكانه مفزوعاً من هذا الصوت المفاجئ …
لكن ضحكتها البريئة جعلته يضحك على نفسه وما فعله منذ قليل ..
هشام لنفسه : ضحكتك حلوة أوى …. انتِ روحتي فين بس …؟!!
نظر (هشام) نحو ساعته ليتذكر موعده مع (راضى) ليسرع بالذهاب حتى لا يتأخر …
لكن إبتسامته لم تفارق وجهه كلما تذكر وجهها الضاحك ليكتفي بتلك الإبتسامة لهذا اليوم ويعاود للقاء (نهال) بوقت آخر حتى لا يتأخر على صديقه ….
بعدما تمالكت (نهال) نفسها وضحكاتها الصاخبة عادت مرة أخرى تنظر بإتجاه (هشام) لكنها لم تجده … فقد رحل ….
نهال بإحباط : يااااااه … مشي … طبعًا …. ما أنا بضحكتي السخيفة دى أحرجت الراجل …. بس مين دة …. وماله كان بيبص ناحيتي أوى كدة ….. أووووف … وأنا مالي … إيه يهمنى أنا …. خليني فى المذاكرة أحسن …..
__________________________________________
شقه أم عماد…
أم عماد : فهمت يا (إسلام) … دة حقنا وفلوسنا وحق أخوك … مينفعش البت دى تاخد الجمل بما حمل …
إسلام رافضًا بحدة: إنتِ عايزاني أنا (إسلام العشماوي) أتجوز بنت الفقر إللى إسمها (حوريه) دى …. يعنى بعد كل دة ملاقيش غير دى أتجوزها ..!!!!
(أم عماد) محاولة إقناع ولدها أن هذا هو القرار الصائب لإستعادة أموال (عماد) ….
أم عماد: ما هي خلاص مبقتش فقيرة … ما هى حتاخد فلوس أخوك كلها أهو …. وإحنا أولى بفلوسه … ولا إيه … ؟!!
تمعن (إسلام) بحديث والدته وربما تكون قد أصابت فى تفكيرها … فتلك المستغلة ستستحوذ على كل أموال أخيه دون وجه حق ….
إسلام: ماشي …. وساعتها والله لأطلع على جتتها القديم والجديد … بس قوليلي … حنقعنها إزاى توافق على الجواز …؟!!
أم عماد: أهلها طماعين متقلقش من الحته دى … أول ما يعرفوا إنك عاوزها هم إللي حيجروا وراك عشان الخير يبقى خيرين …. بس انت بقى حاول تميل دماغها …
إسلام: أميل دماغها إزاى …. دة أنا من دلوقتِ مش طايق أبص فى وشها …
أم عماد: لازم يا (إسلام) … انت مش طفل صغير وتقدر تسيطر على أعصابك ….
إسلام بضيق: طيب طيب … المحامي قالك حتيجي إمتى مصر …؟!!
أم عماد:بعد أسبوع كدة ….
إسلام: اوووف …. طيب نستنى تشريف الهانم …
_________________________________________
تركيا….
بأسى وضعت كفيها على جبهتها منكسة رأسها بحيرة جل ما تريده هو الخروج من هذا المأزق الذى وضعت به دون خسارة (ضيا) فهو رجل شهم وصديق وفى … طالما ساعدها وساندها لخمس سنوات دون تراخي أو تقاعس ، لكن عشقها السجين بقلبها لن ينطق بحب غيره هو فقط ، حتى مع طلاقها منه وبُعدها عنه إلا أنها ستعيش على ذكرى حلوة عاشت بها معه لتربى إبنه وترى طيفه به ….
إنتبهت على صوت (سيلا) الذى قطع صمت غرفة المعيشة الساكنة بعد خلود (يامن) و(توتشا) إلى النوم فور عودتهم من الخارج مباشرة ….
سيلا: بتفكري فيه …؟!؟
أميمه بفزع: هو مين …؟!!
سيلا : (ضيا) …!!!
أطلقت (اميمه) زفير إرتياح وأنها غير مكشوفة إلى (سيلا) إلى هذه الدرجة ….
اميمه: اا… آه … (ضيا)…
سيلا: عايزة رأيى … (ضيا) إنسان مفيش منه بيحبك وحيخاف عليكِ وعلى (مينو) زى عنيه … وأنتِ عايشه لوحدك محتاجه حد يونسك ويساعدك … ومتزعليش مني يعني …. حتى بابا (يامن) أيوة إتطلقتم بس كان المفروض يتحمل المسؤولية معاكِ لكننا منعرفهوش ولا نعرف هو فين وبيعمل إيه دلوقتِ … دة عمره ما سأل عليكِ أو عليه .. هو مش إبنه برضه ….؟؟!!!
زاغت عينا (أميمه) منصته لحديث (سيلا) تود لو تصرخ بأنه لا يعلم مكانها وإلا بالتأكيد كان توصل لها …. والأقسى من ذلك أنه لا يعلم بأن له إبن من الأساس ليبحث عنه ويأتي إليه …..
لتنكسر عيناها نحو الأسفل لتتذكر خيانته وعدم قدرتها أن تبقى هناك فلم تكن لتستطيع أن تبقى بالقرب منه …
أميمه لنفسها ” يا ريتني عرفت أكرهه مكنتش هربت بعيد … لكن عشان بحبه مقدرش أكون قريبة منه وأضعف عشان أسامحه ونرجع تاني …. أنا مقدرش أسامح فى الخيانة أبدًا …. يا ريت أنساه … ساعتها مكنتش حلاقي أحسن من (ضيا) …. بس أحبه إزاى وأنا بحب (علاء) …. مش راضي يخرج من جوايا … وكل ما أفتكر إنى نسيته ألاقي نفسي بحبه أكتر من الأول خصوصًا وأنا شايفة (يامن) نسخه منه …. أنسى إزاى بس يا ربي … أنسى إزاى ….؟!!
سيلا: (أميمه)…!!! انتِ مش بتردى عليا ليه …؟؟!
أميمه بتهرب: مش وقته يا (سيلا) … أنا تعبانه وعايزة أنام …. حطلع أنام مع (مينو) أحسن يصحى ميلاقينيش …..
تركتها (أميمه) صاعدة نحو الدور العلوى كما لاحقتها (سيلا) بعيناها رافضه إستسلام (أميمه) حبيسه الماضي … فيجب أن تمضى بحياتها قدما متناسية الماضي خلف ظهرها … وسوف تساعدها على ذلك ….
__________________________________________
شقه هشام…..
جلس على الأريكة ملقيًا بمفاتيحه وحقيبته على المنضدة وأرجع رأسه إلى الخلف ليسترجع ما حدث منذ قليل ليتذكر تلك الألماسة المتألقة التى رآها بالمستشفى …
إبتسم عندما تذكر ضحكتها وقت فزعه ليرتب صدفة اليوم بعقله ….
هشام: معقول … بقى يشغلني دفتر الذكريات عشان آجى وأشوف القمر دى … معقول يكون النصيب مرتب لى كدة …. إنى آجى عشان أتعرف على (نهال) ألاقى الملاك دى فى طريقي …. معقول ….!!!
ليرتب أحداث حياته بالأيام الماضية وشغفه بقراءة تلك اليوميات وحرصه على العودة للتعرف إلى (نهال) بأنها مجرد صدفة تسوقه لرؤية تلك الفتاة التى خطفت أنفاسه من أول وهله وجعلته ينسى نفسه وينسى (نهال) ورؤيتها ….
لم يجد سوى الدفتر ليفضى إليه بكلماته عما حدث اليوم ليسرد ذلك بالدفتر الذى كان سبباً فى لقاءها بالصدفة المقدرة ….
طرق الباب بعد قليل معلنًا وصول (راضى) إلى شقه (هشام) ….
هشام: أهلاً أهلاً … إتفضل يا (راضى) ….
راضى: انت كنت خارج ولا إيه ….؟!!
هشام: لا … أنا لسه جاي …. تعالى أقعد عندى كميه معلومات خطيرة لازم تعرفها ونشوف حننشر إيه الأول …
راضى: وريني بس انت إللى وصلت ليه ونرتب واحدة واحدة … شكلها حتبقى خبطة إنما إيه …. حترج الدنيا …
هشام: أنت بتقول فيها …. أنا وصلت لمعلومات تودى حبل المشنقة ….
راضى: يلا … هات ما عندك …. وريني …
نهض (هشام) ليحضر حاسوبه ويطلع (راضى) على كل المعلومات التى توصل إليها ليكمل نقاشه مع (راضى) الذى صعق من كم المعلومات وخطورتها …
___________________________________________
طارق وهايدى….
بعد حديث مطول مع والدته وأخته (هدى) أنها ربما أخطأت بالفعل فى إختيارها لذلك الفستان لكنه لا ينسى أنها عروس ومازالت صغيرة وربما خانها الإختيار … ويجب عليه التحلى بالصبر وكشف رأيه لـ(هايدى) بصورة لطيفة فهم لم يتعرفا إلى بعض بعد ، وبالتأكيد ستتفهم (هايدى) رأى (طارق) لكنه الآن يجب ألا يفسد فرحتهما وينهى الليلة على خير ….
ليحاول (طارق) أن يمرر حديثهما وكأنه يقتنع بهذا السبب الواهي لتمر الليلة بدون عقبات وبالتأكيد سيوضح ذلك لـ(هايدى) فيما بعد ليكون لبسها أكثر إلتزامًا ووقارًا ….
أوقف السائق السيارة أمام بيتيهما المتقابلان ليترجلا من السيارة يحاوطهم الأصدقاء والأقارب معلنين وصول العروس والعريس لتبدأ مراسم الإحتفال إعلانا بقدومهم ….
تعلقت (هايدى) بذراع (طارق) لتبتسم بخيلاء للجميع فهى العروس المتوجة اليوم …
…
رواية ذكريات مجهولة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم قوت القلوب
انتهتا (رحمه) و(هاجر) من عملهما اليوم لتتخذا طريق العودة مثل العادة.
ثقلت خطواتها كلما اقتربت من بيت (طارق) و(هايدي) فهي لابد وأن تعبر طريقها من هناك للوصول إلى موقف الحافلات بآخر الشارع.
لم يكن الطريق الطويل هو المؤلم، بل كانت تلك الأصوات الصادحة والزينات المعلقة على بيت (هايدي) الدالة على الفرحة، لكنها كانت كالخناجر القاتلة بقلب (رحمه).
وقعت عيناها عليهما وهما يتوسطان الجميع بفرحة وابتسامة، لتلوح بعينيها رغمًا عنها غيمة حزن ولمعة انكسار ووداع بنفس اللحظة.
رأتهما (هايدي) لتزيد من تشبثها بذراع (طارق) أكثر وهي ترفع حاجبها بتعالى، بابتسامة متهكمة نحو (رحمه) وكأنها لن تصل يومًا لما هي به الآن.
لاحظ (طارق) نظرات (هايدي) وهي تتغنى باتجاه بعيد لتثير فضوله لملاحقة لمن تلك النظرات العجيبة.
أدار وجهه بنفس الاتجاه ليراها هي.
هي نفس فتاة العسل، ومازالت تعلو عيناها نظرات مبهمة غير مفهومة تجاهه وتجاه (هايدي).
طارق لنفسه: مين دي؟ وإيه حكاية نظرتها الغريبة دي؟ ليه حاسس إنها زعلانة مني وبتلومني؟
تعلقت عيناه بتلك الحسناء الحزينة صاحبة "برطمان العسل" حتى انتبه لحديث (هايدي) الموجه إليه تنبهه بأن عليهم التحرك للداخل الآن.
هايدي: يلا يا (طارق)... المفروض ندخل البيت دلوقتِ.
طارق بانتباه: هاه... آه... حاضر... حاضر...
ليدلف الجميع إلى داخل البيت تاركين عيون (رحمه) تلاحقهم حتى غابوا جميعًا عن الأنظار.
رحمه مردفة بحزن: يلا يا (هاجر)... نروح إحنا بقى... المولد انفض خلاص.
ربتت (هاجر) على كف صديقتها ليكمللا طريقهما إلى المنزل بصمت مبتعدات عن هذا المكان الخانق.
***
بيت معروف.
امتلأ البيت عن آخره بالمدعوين للاحتفال بهذه المناسبة السعيدة.
ها هي الأضواء المتلألئة تملأ البيت عن آخره.
المدعوين يقفون ويجلسون يضحكون ويتهامسون وينظرون لتألق العروسين لهذه الليلة الرائعة.
جلست (أم طارق) وأخته (هدى) إلى جوار (جيهان) والدة هايدي والصغيرة (سمر) ويحيط بهم ما استطاعوا دعوتهم من أهلهم وأصدقائهم وأصدقاء العروسين.
تألقت الموسيقى التي هدأت وتقدم (طارق) و(هايدي) للجلوس على المقاعد التي أعدت خصيصا لهما.
أحاطت بهم بعض الأنوار الصغيرة والورد الأحمر معطيا رونقا وبهجة مفرحة.
تقدمت (رقيه) نحو (هايدي) تساعدها في تضبيط جلستها للظهور بأفضل وضع تجاه المدعوين.
وسط العديد والعديد من المدعوين وقف (سامر) بسعادة بالغة يلوح لصديقه (طارق) مباركًا له بتحية عسكرية أعادت لـ(طارق) ابتسامته بعدما شغلت (فتاة العسل) تفكيره لبعض الوقت منذ رؤيتها بالخارج.
تقدمت (أم طارق) نحو ولدها بعلبة فخمة كبيرة لتعطيها لـ(طارق) ليقدم هذا الطقم الذهبي المرصع بالياقوت للعروس.
وسط تبريكات الجميع.
قُضيت الليلة التي كانت أغلبها ابتسامات ومجاملات بين الجميع، حتى بدأ المدعوين بالانصراف ومن بينهم (سامر) بعدما بارك لـ(طارق) ولعروسته.
أمالت (هدى) على أخيها قائلة:
هدى: تاخد عروستك بقى وتتعشوا في المطعم أنا وجوزي حجزنا ليكم هناك هدية خطوبتكم.
طارق: متشكرين يا ست (هدى)... عقبال أولادك.
ثم أعاد بصره نحو (هايدي) قائلاً بلطف محاولا ألا يكون فظا بأول حديث لهما:
طارق: بس يا ريت تلبسي جاكيت أو شال كده مش حينفع نخرج بالمنظر ده.
امتعضت (هايدي) فمها جانبًا بتذمر وهي تجيب (طارق) بضيق من بين أسنانها التي صكتها بغضب:
هايدي: من أولها تحكمات كده... أوووف... حاضر.
زفر (طارق) محاولا التماسك لآخر وقت صبرًا على تلك المدللة.
طارق بمزاح ممزوج بجدية:
طارق: أمرك لله بقى... ضابط حتعملي إيه؟
لتضع (هايدي) وشاح صوفي أبيض اللون على كتفيها ليصطحبها (طارق) إلى المطعم لتناول العشاء.
***
سامر.
خرج من بيت (أهل هايدي) بعد حضوره حفل خطوبة (طارق) ليفاجئ بأحدهم ينادى باسمه من خلفه قبل أن يستقل سيارته.
"سااامر... سااامر..."
التفت إليه (سامر) متعجبًا.
سامر: (راضى)...!!! جاي منين متأخر كده؟
راضي: كنت عند واحد صاحبي... انت أخبارك إيه؟ بقالي كتير أوي مشفتكش.
سامر ضاحكًا: الحمد لله... زي ما أنا... بس مش عوايدك السهر لحد دلوقتِ أنا عارفك.
راضي: صاحبي كان جاي من السفر وكنا بنناقش شوية حاجات في الشغل.
سامر: ربنا يوفقك... وأخبارك إيه وولادك عاملين إيه؟
راضي: مالك بتتكلم زي الغريب ليه كده؟ عايز تسأل على عيالي تيجي وتطمن عليهم ولا نسيت إنك ابن خالي؟
سامر: غصب عني والله... دايمًا مشغول يا (راضى).
راضي: الله يكون في عونك.
سامر: وأخبار عمتي وجوز عمتي إيه؟
راضي بتذكر: فكرتني... ده أنا لازم أعدي عليهم أخدهم من بيت خالي (عاطف).
دق قلب (سامر) فور سماعه ذكر بيت عمه (عاطف) ومرور طيف (حوريه) ابنته عمه أمام ناظريه.
سامر: خير... غريبة الزيارات بتاعتكم المتأخرة دي... مش عوايدكم يعني؟
راضي: انت معرفتش بإللي حصل ولا إيه؟
(سامر) وقد اعتراه الخوف فور سماعه تساؤل (راضي) المبهم.
سامر: إيه؟ حد... ااااااا... تعبان ولا... جرى له حاجة؟
راضي: (عماد) جوز بنت عمك (حوريه)... تعيش انت... وهي كام يوم وترجع مصر.
اتسعت عينا (سامر) بصدمة غير مصدقًا.
دق قلبه بشدة، ارتجف جسده بالكامل وكأنها عودة الروح إليه مرة أخرى.
أيعقل هذا؟
لينطق هامسًا بعشق دون وعي منه:
سامر: (حوريه)... (حوريه) راجعه!!!
ليتدارك نفسه على الفور قبل أن يلفت انتباه (راضي) له.
صدمة مفرحة تدق بقلبه.
أيمكن أن يسعد بموت أحدهم إلى هذا الحد؟
(حوريه) ستعود... وأصبحت حرة من جديد.
أيمكن أن يعوض ما خسره بعودتها مرة أخرى؟
أسيحيا أمل فُقد من جديد.
اضطراب بداخله جعله يداري ابتسامته خلف قناع حزين فهذه لحظة موت وفراق للحياة ومن غير اللائق أن يظهر فرحته بهذا الشكل.
سامر: معقول... لا إله إلا الله.
راضي: وصلني في سكتك بقى عشان كنت عايزك في موضع تاني مهم أوي... وكويس أن أنا شفتك بالصدفة.
سامر: ده أنا إلى مش مصدق أني شفتك واتكلمت معاك والله.
ليستقلا سيارة (سامر) الذي انطلق على الفور.
***
علاء.
تقدم (أحمد) من (علاء) معتذرًا له على تأخيره.
أحمد: والله يا (علاء) زياد ابني تعبان مقدرتش أسيبه وهو تعبان كده.
علاء: جرى إيه يا (أحمد)... خلاص الموضوع ميستاهلش... كنت محتاج راحة وأخدتها... ابقى ردها لي عاد يعني.
أحمد: بس اطلب انت وأنا مكانك وقت ما تحب.
ربت (علاء) باقتضاب على كتف (أحمد) وهو يسأله عن حال ابنه الآن.
علاء: ولا يهمك... ملحوقة... المهم (زياد) أخباره إيه؟
أحمد: أحسن الحمد لله.
علاء: الحمد لله... حطلع أنا على البيت أنام عشان مش عارف أفتح عيني من التعب... سلام.
أحمد: سلام.
تركه (علاء) ليهبط درجات السلم مستقلا سيارته وهو يتجه نحو شقته القريبة ليرتاح قليلا.
لاحت طيف (أميمه) أمام عينيه وقد امتلأت عيناها بدموع وانكسار حزين.
تذكر تلك النظرات التي لن ينساها أبدًا وهي تطلب منه أن يطلقها.
ليتردد صدى كلماتها بأذنيه.
أميمه: طلقني يا (علاء)... طلقني...
وتقفز كلمات (هند) القاسية مرددة بأن (أميمه) لن تعود بل وأنها لابد وقد تزوجت من آخر بعدما تركته فمثلها لن توقف حياتها على الذكريات.
علاء بأسى: لا... (أميمه) لا يمكن تنساني... مهما حصل بينا... لا يمكن تنساني.
نعم قد مر خمس سنوات لكنه يعلم (أميمه) جيدا وأنها ستظل على العهد بينهم، فعشقهما لم يكن بعلاقة عابرة، بل كان متأصل بالروح لا ينتهي أبدا مهما حدث بينهما.
***
المطعم.
جلس (طارق) و(هايدي) ومعهم الصغيرة (سمر) لتناول العشاء بأحد المطاعم الفاخرة والتي أهدتهم (هدى) دعوة لهذا العشاء كهدية للعروسين.
أول حديث خاص بينهم فقد لفتت (هايدي) انتباه (طارق) كفتاة جميلة تهتم بأناقتها وحسن مظهرها وعدم الاختلاط مع بقية الجيران بالحي جعلتها مميزة بالنسبة له للتقدم لخطبتها دون أن يسبق له الحديث معها إطلاقا.
طارق: أعذريني يا (هايدي)... أنا مكنتش أحب أني أفرض رأيي من أولها كده بس الفستان مينفعش وميلقش إنك تلبسيه نهائي.
هايدي بتعالي: ميلقش؟!!! متنساش إني ملحقتش أجهز فستان مناسب وعملنا الخطوبة على طول... كان لازم يكون الفستان يليق بـ(هايدي الشوري)... مش أي حاجة يعني.
طارق: أظن اني لو مستعجل عشان نرتبط دي مش حاجة تزعل أبدا.
هايدي: أكيد لأ... بس أكيد برضه في الجواز مش حتستعجل كده... أنا عايزة أحضر لكل حاجة كويس أوي... خصوصا اختيار البيت إللي حنسكن فيه والفرش بتاعه.
طارق: البيت؟ ما إحنا اتفقنا مع عمي (معروف) إننا حنسكن في بيتنا مع ماما... والبيت كبير جدا ومفيهوش عيب.
(هايدي) بتملل وهي تزم شفتيها:
هايدي: عموما إحنا لسه بدري على الكلام ده وحتى لو سكنا فيه لازم نوضبه عشان يليق بيا طبعًا.
طارق: في دي بقى... عندك حق.
هايدي: بس يكون في علمك من الأول... إحنا حتبقى لينا حياتنا الخاصة... يعني نقسم البيت جزء لينا وجزء لوالدتك... أنا عايزة أعيش لوحدي.
طارق بحزم: قصدك إيه؟ أنا والدتي وضحت كل حاجة من الأول ومحدش فيكم اعترض واتكلمنا أننا حنعيش في نفس البيت معاها.
هايدي بدلال: (طارق)... أنا عايزة آخد راحتي وأعمل إللي أحبه في بيتي؟
طارق: لو كان قصدك إنها حتتدخل أو حتضايقك فمتقلقيش من الموضوع ده خالص... وشغل البيت فيه ناس بتعمله لكن نفصل نفسنا عنها ليه وهي محتاجة ونس معاها وأنا بغيب كتير.
هايدي: عموما الكلام ده مش وقته دلوقتي... خلينا نتكلم في الموضوع ده بعدين.
طارق: يكون أحسن برضه.
رفعت (هايدي) قائمة الطعام وأخذت تختار أصناف الطعام التي يتناولونها بينما اكتفى (طارق) بتناول الطعام وسط مجاملات بسيطة لـ(هايدي) حينما تتحدث ليقوم بعد ذلك بإعادة (هايدي) و(سمر) إلى البيت ويذهب مباشرة إلى بيته ليستريح قبل ذهابه للعمل في الصباح دون الشعور بغبطة العريس التي يسمع دومًا عنها.
***
سامر.
مع ظلام الليل الذي كادت ليلته أن تنتهي جلس (سامر) محدقًا بصورة (حوريه) غير مصدق لما حدث.
سامر: يااااااااه... مش قادر أصدق إني ممكن دلوقتي أفكر فيكِ من غير ما أحس بالذنب... أخيرًا ممكن يكون ليا الحق في إني أفكر فيكِ... أوعدك إني مش حاسيبك تضيعي من إيدي المرة دي أبدااااااا مهما حصل... حتى لو حاربت الدنيا كلها عشانك.
***
مشاعر خفية تقبع بالقلوب، منها ما يحزن ومنها ما يفرح.
هل يمكن للقلب المجروح أن يشفى جرحه؟
هل يخرج القلب مكنون سعادته التي وجب عليه إخفاؤها؟
لكنها القلوب... تحمل ما لا يبوح به المرء.
تخفي بين طياته ما لا نعرفه، مختلف تماما عما نراه.
فكل شيء يتوارى داخل دهاليز القلوب.
فرفقا بقلوب البشر.
***
بعد مرور أسبوع كامل.
تركيا.
هرولت (سيلا) بتعجل وهي تحمل أحد الملفات الكبيرة التي غلفت بحقيبة من القماش لتحفظ كل التصميمات بداخلها.
سيلا: يلا يا (أميمه)... حنتأخر كده!
(أميمه) وهي تهبط درجات السلم الجانبي وهي تعدل من وضع حقيبتها على كتفها.
اميمه: خلاص أهو... ها... إيه رأيك؟
أطلقت (سيلا) صافرة تعجب وهي تنظر نحو (أميمه) التي ارتدت حلة رسمية رمادية ذات تنورة وكنزة بيضاء لتظهر بوقار ورسمية تناسب بالفعل هذا الاجتماع الهام لعرض تصميماتها المميزة على تلك الشركة العالمية.
سيلا: روعة... حلوة أوي فكرة الفورمال ده... مخلياكي زي سيدات الأعمال بتوع التليفزيون... وكمان شعرك اللي مرفوع ده مديكِ كده رسمية أوي.
أميمه بتوتر: قلقانة أوي يا (سيلا).
سيلا: طول عمرك قوية... ده إحنا بنتقوى بيكي.
اميمه: ربنا يستر بقى.
سيلا: يلا بقى حنتأخر على معاد الطيارة... (ضيا) كمان واقف بره.
تشدقت (أميمه) بنظرها نحو الأعلى بقلق.
اميمه: قلقانة أوي أسيب (يامن)... أول مرة أسيبه وأسافر.
سيلا: ده هو النهاردة نخلص الميتنج (الاجتماع) وخلاص... متكبريش الموضوع بقى... وبعدين هو حيقعد مع ماما.
أميمه: عارفه... يمكن دي الحاجة الوحيدة اللي مطمناني... لأن قلبي مقبوض أوي وخايفة أوي أوي.
سيلا: ده بس عشان الناس إللي حنقابلهم ناس كبيرة أوي... بس أكيد حيعجبهم الشغل.
اميمه: يا رب.
سيلا: يلا بينا عشان نلحق معاد الطيارة.
أسرعت (سيلا) و(أميمه) لمقابلة (ضيا) خارج المنزل ليتوجهوا ثلاثتهم إلى المطار للذهاب إلى أنقرة وسط ارتباك (اميمه) وتهربها من أي مواجهة ثانية مع (ضيا) منذ ذلك اليوم.
***
علاء.
أعطى تعليماته الأخيرة قبل استقلال الطائرة المستعدة للإقلاع قبل وصول السيد الوزير لحضور اجتماعه اليوم بمثيله التركي بأنقرة.
مع حضور الوزير إلى المطار رافقه (علاء) و(أحمد) وبعض من أفضل الضباط لتوفير الحماية للوزير أثناء سفره بقيادة (علاء) الصارمة.
أقلعت الطائرة لتهبط بعد عدة ساعات بمطار أنقرة وسط استقبال لائق للوزير ومن معه ليتجه بعد ذلك إلى قاعة المؤتمرات لحضور اجتماع أولى مع وزير الصناعة التركي على هامش أحد المهرجانات الصناعية الضخمة والتي تضم العديد من رواد مجالات الصناعة المختلفة بهذا المهرجان.
***
مكتب المباحث العامة.
طارق: أنت فاهم أهمية المعلومات دي إيه... إحنا لازم نحط خطة المراقبة كويس أوي.
سامر: أكيد طبعًا... عشان كده فرغت لك كل المعلومات في الملف ده عشان ندرسه كويس ونحدد إيه إللي المفروض نعمله بالضبط.
طارق: لازم نكمل المعلومات دي من مصادرنا ونراقب كل خطوة يتحركوا بيها.
سامر: مظبوط.
طارق: بس قولي... إيه الحماس إللي مخلي عنيك تلمع كده ده؟
سامر: ده مش حماس... ده أنا الروح بترجع لي خلاص.
طارق: مش فاهم حاجة!
سامر: خلينا بس في الشغل دلوقتي وبعدين ححكي لك كل حاجة.
طارق: تمام.
***
هشام.
أسبوع كامل يمر وسط انشغاله بالجريدة ليعود بوقت متأخر ناظرا نحو نافذة الألماسة لكنه لا يراها.
تتوق بشدة لرؤيتها مرة أخرى وتناسى بالفعل موضوع (نهال).
مقتنعا أن دفتر الذكريات ما كان إلا وسيلة لمقابلة تلك الألماسة المتألقة كما أسماها.
أصر (هشام) اليوم على الذهاب مبكرا أولا باتجاه المستشفى على أن يعود إلى الجريدة بعد ذلك.
سار بمحاذاة السور لينظر لا إراديا إلى نفس النافذة فور وصوله.
تعلقت عيناه بها ليلاحظ حركة بالداخل ليزداد انتباهه يتوق لمعرفة من بالداخل.
لتتحقق أمنيته مرة أخرى وتظهر ألماسته تتلألأ بداخلها.
***
نهال.
حتى لو أرادت التأخر بالنوم فلن تقدر فهي ملزمة بمواعيد صارمة للمستشفى للاستيقاظ والنوم.
حتى مواعيد الطعام لا تهاون بها.
بعد تناول فطورها أخذت تتصفح أحد الكتب التي أحضرتها لها (سلمى) لتقرأ قليلا به.
أصابها الفتور لتنهض من جلستها لتنظر قليلا من نافذتها على الحياة كالعادة.
لكنها فوجئت بهذا الشاب مرة أخرى.
ذلك الفنان في نظرها كما تخيلته في عمله.
نظرت نحوه باندهاش وهي تتساءل.
نهال: مين ده؟ وليه بيبص على الأوضة عندي؟
بينما ارتسمت ابتسامته الجذابة فور رؤيتها لتتلاقى نظراتهم بين تساؤل واشتياق ودقة قلب.
هشام: يا ترى إنتِ ليه في المستشفى... عندك إيه؟
مر شاب من جانبه يحمل باقة الزهور البيضاء كتلك التي يرسلها إلى (نهال).
لينتبه (هشام) متذكرا (نهال) والباقات التي يرسلها.
تتبع (هشام) هذا الشاب بنظراته حتى دلف إلى المستشفى.
رفع بصره بعدها ليجد ألماسته هي الأخرى تتبع هذا الشاب ببصرها بلهفة لتدلف بعدها إلى الداخل بعجالة.
انتبه (هشام) لنفسه بعدما اختفت الفتاة من أمام عيناه.
إنه هنا ليبحث عن (نهال).
دلف (هشام) إلى داخل المستشفى ليسأل عن (نهال) فقد تأخر كثيرا في السؤال عنها.
هشام: لو سمحت الورد ده لمريضة هنا اسمها (نهال)؟
الموظف: أيوة يا فندم... هي كل يوم بييجي لها ورد أبيض.
هشام: ممكن أعرف رقم الغرفة لو سمحت؟
الموظف: 605 في القسم الخيري حضرتك.
هشام: شكرًا.
أسرع (هشام) تجاه الغرفة التي تأخر كثيرا على زيارتها فقد أنسته تلك الساحرة كل شيء.
لاحظ إحدى الممرضات تحمل باقة الورد ليتبعها (هشام) فهو يدرك بالفعل لمن تلك الباقة.
اقترب (هشام) من الغرفة وقبل أن يدق باب الغرفة وجده مفتوحا لتعلق عيناه باندهاش تجلى على ملامحه بعدم تصديق.
أنها هي... بالفعل هي.
تتقدم لتحمل الباقة بمنتهى السعادة وبحرص شديد.
هشام في نفسه: معقوله... دي (نهال)... هي نفسها اااا... ده ولا الأفلام... حقيقي مش مصدق عنيا.
تسمر بدون حراك وهو يتابع تفحصها وملامستها لإحدى الزهور برقة، تتلمس إحداهم بوجنتها الممتلئة الوردية.
تشابهت بالفعل مع الزهرة البيضاء بنقائها ورقتها وعذوبتها ليدق قلب هشام بقوة وهو يراها تبتسم للزهرة فرحة بلقاها، تلك الابتسامة التي سرقت قلبه.
عندما شعر بالممرضة تخرج من الغرفة أسرع بالابتعاد عن الغرفة، لا يدرك سبب ذلك، لكنه أسرع حتى لا تراه وأسرع بعجالة خارجا من المستشفى.
بعدما استلمت (نهال) باقة الورد وضعتها فوق المنضدة وأسرعت نحو الشباك لتنظر هل مازال هذا الشاب واقفا أم رحل مرة أخرى مثل المرة الماضية؟
تجهمت بحزن لرحيله لتجلس باستسلام محاولة قراءة الكتاب الذي ترى عباراته وكلماته دون أن تعي منه شيئا فقد شعرت بالحزن دون سبب لذلك.
هشام.
تحرك مسرعا يسير في الشوارع كأنه يطير لا يصدق ما تراه عينيه الآن.
هشام: معقول... هي دي (نهال)... دي غير ما اتخيلتها خالص... إزاي بس قدرت تتحمل كل إللي حصل لها ده كله ولسه برقتها وبرائتها دي؟
كان يبتسم لا إراديا لمجرد التفكير في أن (نهال) التي يشعر بأن بينهما رابط خفي وانجذاب بدون حتى أن يراها هي من خطفت قلبه منذ أن وقعت عيناه عليها.
خيل له وأنه يراها أمامه بكل خطواته حتى وجد نفسه مباشرة أمام الجريدة.
أكمل عمله ومازال يراها نصب عينيه وكان صورتها امتزجت بعينيه كأنها قطعة منها.
تلك الألماسة صاحبة الوردة البيضاء كقلبها.
***
الإمارات.
عبد الله: حمد الله على سلامتك... تحبي أوصلك البيت؟
فزعت (حوريه) من فكرة عودتها إلى ذلك السجن لتقاطع (عبد الله) بسرعة وقد ملئ عيناها الخوف.
حوريه: لأ... لأ... حروح أي فندق لحد معاد السفر.
عبد الله: زي ما تحبي... عموما هو السفر اتأجل يومين بس.
حوريه بتفهم: إن شاء الله... معلش يا أستاذ (عبد الله)... أنا تقلت عليك خالص... أعذرني.
عبد الله: متقوليش كده... إحنا اخوات.
حوريه: مش عارفه والله لولا ربنا وقفك في طريقي كنت عملت إيه؟... أنا معرفش أي حاجة في البلد دي خالص.
عبد الله: زي ما أنا كنت سبب في أني أكون جنبك... أنتِ كمان وجودك أنقذ حياتي ومستقبلي... اعتبرنا متعادلين.
حوريه: صح.
رواية ذكريات مجهولة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم قوت القلوب
الجامعة …
نظرت نحو رحمه وهاجر الجالسات بزاوية بعيدة عن رقيه وهايدي لتتسائل بتعجب …
بسمله : هو انتوا مبتكلموش بعض … بقالي كام يوم شيفاهم لوحدهم وانتوا لوحدكم …؟!
هايدى: ناس غياظة … مقدروش يستحملوا إنى إتخطبت راحوا واخدين جنب براحتهم بقى ….
بسمله : غريبة … مع ان رحمه وهاجر بنات كويسين أوى .. و…
رقيه مقاطعه: بس بس … وهم الفقر دول يعرفوا إيه عن الناس الكويسة … خليكِ فى حالك يا بسمله ….
تركتهم بسمله دون تعليق على أسلوب رقيه الفظ فهذا أسلوبها الذى لا يتغير …
هايدى: شفتي مش طايقاني إزاى من ساعة الخطوبة ..؟!!
رقيه : طبعا يا بنتي … وهى تطول تنافسك … من غيرتها منك …
هايدى ضاحكة: أخدتى بالك منها وهي مقهورة يوم الخطوبة …..
رقيه ضاحكه : اااه ……. كانت فظيعة ….
هايدى: ولسه … عشان تعرف مقامها … أنا فين وهى فين … أنا يوم ما إتخطبت … إتخطبت لظابط لكن هي بقى …. شوفي مين يرضى بيها …!!
رقيه: على رأيك ….
بزاوية بعيدة عن هايدى و رقيه …
رحمه: عبد الله راجع كمان يومين …
هاجر: أخيرًا يا رحمه …. أنا مستنيه اليوم دة بفارغ الصبر ..
رحمه: أيوة .. بس مش هو ييجي من هنا وتبهدليني معاكِ أكتر ما أنا متبهدله ..
هاجر: حعمل إيه بس يا رحمه …. غصب عنى والله .. كل يوم بنام متأخر ومش بعرف أصحى بدري …
رحمه: بس أنا إتعودت نيجي سوا كل يوم … أنا بقالي يومين باجي لوحدي وإنتِ تحصليني ….
هاجر: ححاول أضبط المواعيد …
رحمه: يا ريت يا أختي ..
تركيا….
ساعد كلا من سيلا و ضيا بشرح كل ما عرضته أميمه باللغة التركية على مسامع رئيس الشركة ليعجب بعملهم الجماعي وفكرهم المختلف والمبدع ليصافحهم معلنًا موافقته على إنضمام شركتهم الصغيرة لشركته الضخمة منذ الآن مما أسعدهم وكلل عملهم بالتوفيق …
إستأذنت أميمه للذهاب مصاحبة فريق عملها البسيط إلى خارج قاعة الإجتماع ….
سيلا بحماس: واااااو … مش مصدقة … خلاص يا أميمه حلمنا حيتحقق …
ضيا: حقيقي تعبتي ونتيجة تعبك بدأت تظهر يا أميمه …
أميمه بسعاده لإنجازها الكبير اليوم ….
اميمه: شكرًا ليكم … عملتوا معايا مجهود كبير أوى ….
سيلا: طيب يلا نتغدى بقى … أحسن أنا مُت من الجوع …
ضيا: فيه هنا مطعم حلو أوى فى الفندق … إيه رأيكم …؟!!
أميمه: مفيش مانع … بس بشرط … على حسابي بقى المرة دى …
سيلا بمزاح: على حسابك على حسابه مش مهم … المهم آكل …
ضحكا كلاً من أميمه و ضيا على خفة ظل سيلا التى دوما كانت تخرجهم من توترهم الدائم بمزاحها المستمر …
علاء….
مع ختام كلمة الوزير بالمؤتمر الخاص بمهرجان الصناعات تحركت مجموعة الحراسة مصطحبة الوزير إلى خارج الفندق يترأسهم علاء ….
خرجوا من القاعة ليتموا عملهم ناظرًا يمينًا ويسارًا أثناء خروج الوزير بصحبة الوزير التركي ….
عبروا الردهة الكبيرة للفندق إستعدادًا لمغادرته حين وقف رجال الأمن يمنعون باقى الزوار من التحرك حتى خروج مجموعات الحراسة أولاً ….
تفاجئ علاء برائحه دغدغت أنفاسه …. رائحة يدركها جيدًا ….
علاء هامسًا: ياسمين ….!!
وبغير مهنية إستدار علاء بإتجاه مصدر تلك الرائحة ليرى شبح خيالها عابرًا نحو داخل الفندق برفقة آخرين …
(علاء) بإرتجاف أصاب قلبه بقوة كادت دقاته أن تخرج قلبه من داخله من شدة ضرباته المتتالية ….
علاء: أميمه ….!!!
رأى ياسمينته ترتدى حلة رسمية رمادية رافعة شعرها بوقار كسيدات أعمال الطبقات الراقية ….
نعم لم يرى وجهها قط لكن قلبه أشار إليها انها هي … بالتأكيد هي … قلبه لن يغفلها ويتوه عنها إطلاقًا …..
أمسك بذراع أحمد دون أن يزيح عيناه عن من ظن أنها أميمه محاولاً التأكد أنها أميمه بالفعل …
علاء: كمل مكاني …. كمل مكاني يا أحمد ….
احمد بدهشة : انت رايح فين ؟! …. مينفعش كدة … حتتجازى ….؟؟!
(علاء) تاركًا أحمد دون رد ليركض خلف شبح أميمه التى رآها منذ قليل فقد إختفت عن ناظريه تمامًا….
هشام……
أسبوع يمر وما كان من هشام إلا أن يمر يوميًا بالمستشفى ليقف بنفس الموضع لمحاولة رؤية نهال مثلما فعل فى المرات السابقة حتى أصبحت رؤيته لها من روتينه الأساسي باليوم …
أحس برؤيتها بأمل جديد بالحياة فقط رآه بداخل عينيها عندما تقع عيناه عليها كل صباح ومساء ….
رؤيتها أصبح إدمان له ، لم يفكر ولم يريد سوى رؤية هذه النظرات التى تعلو وجهها عند رؤيته كل يوم بنفس الموعد حتى أنه لاحظ أنها تنتظره أيضًا ….
تلاشت جرأته تمامًا فى لقاء فعلي بينهم ليكتفى بنظرة من خلال النافذة …
تعجب هشام من حاله فعلى الرغم أن مهنته هي صياغة الكلمات إلا أنها تضيع كلها هباءًا عند رؤيتها فيظل الصمت يكسو لقاءهما ، لكن حديث الأعين قال الكثير ….
ينهي هشام يومه بزيارة دفتر الذكريات ليخط به كلماته وإحساسه كل يوم تجاه نهال التى سيطرت عليه كاملاً بلقاءهما الصامت دون التفوه بكلمه واحدة … لقاء ألماسته المتوهجة من خلال النافذة …
نهال….
منذ ذلك اليوم وهى تراه يوميًا يقف قبالة نافذتها محدقًا نحوها …
رسالة غامضة بعينيه يرسلها لها كل صباح ومساء …
تلك الرسالة التى علقت بقلبها وإحساسها فأصبحت فى إنتظار طلته اليوميه بنفس التوقيت …
إنتظار يحي بداخلها تشبث كبير بحياتها الجديدة لتزيد من تعلقها بمروره وشعورها بأن هناك رابط خفى يربطها بهذا الفنان الغامض ….
دومًا ما تشعر بسعادتها حين تراه واقفًا ينظر تجاه نافذتها ، فضولها يعتمل بداخلها تود لو تنكشف أسراره وتدرك سبب مجيئه كل يوم بهذا الشكل ، لكنها تعود وتنفض تلك الأفكار عن مخيلتها فهى لا تريد سوى رؤيته وطلته نحوها فقط ، فبداخلها لهفة كأنها تعرفه منذ سنوات طويلة ولا تريد خسارة هذا الإحساس بأى شكل من الأشكال …
اميمه…..
تجولت بعيناها بتوتر يمينًا ويسارًا ، تشعر بأن هناك شئ ما يسبب لها هذا الإضطراب …
حتى أن قلبها أخذ يخفق بشدة دون سبب لذلك ….
خطواتها المغيبة إلى جوار سيلا و ضيا وهما متجهين نحو مطعم الفندق لا تستطيع تمييز أى حديث تسمعه منهم …
(سيلا) وهى تتأبط ذراع (أميمه) المرتجفة …
سيلا: مالك يا أميمه … وشك مصفر كدة ليه …؟؟؟
نظرت نحوها أميمه بذهول … ألـهذه الدرجة يظهر إضطرابها وبهتانها ….
اميمه: مش عارفه …. حاسه قلبي مخطوف كدة ….
سيلا: ليه بس … ما الدنيا ماشيه تمام أهو …..؟!!
اميمه: يمكن قلقت على مينو ….
سيلا: بس كدة …. تعالي نقعد الأول ونتصل على ماما ونطمن عليه ….
أومأت أميمه رأسها عدة مرات منصاعة لما قالته لها سيلا ….
أشار ضيا بإتجاههم قائلاً …
ضيا : فيه مكان فاضي هناك أهو … يلا نقعد عشان أنا جعان جدًا ….
تحركتا كلا من أميمه و سيلا خلف ضيا المتوجه نحو إحدى الطاولات الشاغرة يسبقهما للإشارة لهما نحوها ….
علقت اميمه حقيبتها الجلدية الصغيرة والتى تضع بها أوراقها على ذراع المقعد الجانبي لتضع حقيبه الحاسوب “اللاب توب” على المقعد الشاغر المجاور لها بينما جلست سيلا على يمينها وإضطر ضيا للجلوس بمقابلتهم ناظرًا نحو أميمه التى إمتقع وجهها أكثر وأكثر وإزاداد إضطرابها بدون سبب ….
ضيا بقلق: أميمه ….!!! إنتِ كويسه ….؟! شكلك تعبانه ؟!
أميمه بإختناق : لأ… أبدًا … قلقانه بس شويه على مينو …
سيلا: حتصل بماما على طول أهو …. إطمني …
دقت سيلا على السيدة توتشا للإطمئنان على يامن الذى وجدته أميمه نائمًا لتنهي سيلا هذا الاتصال السريع ناظرة نحو أميمه لتشعرها بالأمان لقلقها المتزايد على هذا الصغير بدون داعي ….
سيلا: كله تمام أهو … و مينو نايم ومرتاح … خلاص بقى مفيش داعي للقلق ……
أميمه: اه… اه…
لتدور كلمات كثيرة بداخل عقل أميمه ….
أميمه لنفسها ” يامن كويس أهو .. أمال مالي قلبي حيقف ليه كدة …. حاسه إن فيه حاجة حتحصل .. قلبي مقبوض … مش مرتاحه خالص …”
جالت مرة أخرى بعيناها بتوتر لتصيب كلاً من سيلا و ضيا بقلق لتوترها المتزايد ….
اميمه: لالالاا ….. أنا مش مرتاحه خالص .. يلا بينا ….
ضيا: إيه إللي حصل بس …. أقعدي بس ناكل ونمشى على طول ….
اميمه: لا … قلبي مقبوض … حاسة أنى مخنوقة ….
سيلا: اهدى شويه يا أميمه …. الدنيا تمام خالص …. مفيش داعى للتوتر دة ….
اميمه: لا… مش قادرة …. عايزة أروح … عايزة أمشي دلوقتِ ….!!!!
ضيا: لسه فيه وقت على معاد الطيارة ….!؟؟
اميمه: مش مهم … نطلع من المكان المخنوق دة الأول ….
إستسلم ضيا و سيلا لطلب أميمه لينهضوا جميعًا مجبرين ليشعروها بالراحة من هذا الإضطراب الذى إجتاح نفسها ….
ضيا: فيه باب من هنا … تعالوا نطلع منه بدل ما نرجع كل دة …
سيلا: تمام …
عادت سيلا لتحمل حقيبه الحاسوب “اللاب توب” الخاص بـ(أميمه) لتوجه حديثها نحوها …
سيلا: هاتي اللاب توب دة وتعالي نتمشى أنا وإنتِ كدة يمكن تهدي ….
نهضت أميمه ومازال شعورها بالتوتر يزداد مما زاد من خفقان قلبها بشدة أيضًا….
تحرك ثلاثتهم نحو الخارج عن طريق الباب الخلفي للفندق ….
علاء….
ركض علاء محاولاً تتبع شبح خيال أميمه الذى راوده منذ قليل ليجول فى دوائر مضطربة باحثًا عنها فى كل مكان بعيناه المتعطشة لرؤيتها ….
دقات قلبه التى تسارعت بقوة كلما أقترب نحو مكان تواجدت به منذ قليل ….
أسرع نحو قاعة المطعم الخاص بالفندق وسط تعثرات عديدة لتحرك المارين من حوله بكثرة بعد خروج الوزراء ليمنع تحركه بسهولة للوصول إليها …
توقف لبرهة وقد تسلطت عيناه نحوها وهي جالسة إلى جوار شاب وفتاة ….
شُلت كل حركته وهو ينظر نحوها بشوق كاد أن يهشم قلبه صدره خارجًا منه ليعتنقها بلهفة إشتياق وعشق ….
ذلك القوى الذى تحطم بوجودها لتسرى رجفه بداخله وهو يتابع حركتها وهى تزيح خصلتها الثائرة خلف أذنيها ، ذلك ما تقوم به عندما تضطرب أو تتوتر ….
ها هى حبيبته لا يفصلها بينها وبينه سوى عدة أمتار ….
راحة لقلبه المنهك فقد وجدها أخيرًا ….
لقد عادت إليه الحياه مرة أخرى … فقط يكفيه رؤيتها ….
بعد لحظات إستكانة بسيطة حاول علاء التوجه نحوها يملؤه الشوق والحنين …. والندم …
لكن عثرات عدة حالت بينه وبينها بسبب إصطدامه ببعض الأشخاص من شدة توتره خاصة عندما رآها تنهض مع من معها لتختفي مرة أخرى عن ناظريه محاولاً الركض خلفها بأمل اللحاق بها ..
أميمه….
أوقف ضيا إحدى السيارات لإستقلالها ليتجهوا نحو المطار بسرعة حتى تستطيع أميمه أن ترتاح قليلاً مما أصابها فجأة ….
علاء….
بعد معاناة من الوصول إليها لم يلحق بها ليجتاحه اليأس فقد فقدها مرة أخرى كمن يقبض على الماء الذى إنساب من بين يديه و بقيت يداه فارغتان …..
حاول اللحاق بالسيارة دون جدوى …. أخذ يبحث عن سيارة أجرة أخرى ليستقلها لكنه لم يجد سيارة فى القريب ليهبط جاثيًا على ركبتيه بحسرة ليصرخ بتأوه مؤلم لبُعدها من جديد ….
علاء بألم : ااااااااااااااااه …..
لينكس رأسه بإنكسار وحزن بلحظه صمت أبلغ من الكلام …
بعد مرور بعض الوقت مسح علاء وجهه بكفيه ليضعهما فوق رأسه بتحسر محاولاً التماسك والنهوض مرة أخرى عائدًا إلى الفندق بخذلان ….
طارق….
بعدما إنتهت ليلة خطبته الطويلة التى أظهرت بعض الصفات بـهايدى جعلته يشك بتسرعه فى الإختيار بهذه الصورة قبل أن يعرفها جيدًا ويتأكد من طباعها ….
إلا أنه أصر أن يعطيها الفرصة كاملة فهي أيضا لم تعرفه أو تعرف طباعه بعد وربما تتغير بها بعض الأفكار مع مرور الوقت وتوثيق معرفتهم ببعضهم البعض …
لكن لم تكن هناك فرصة للتقابل خلال الأسبوع المنصرم لإنشغال طارق ببعض الأعمال الهامة ومتابعو أحد أفراد تنظيم عصابي كبير …
سامر…..
نظر نحو ساعة الحائط المعلقة بالمكتب مرة أخرى متسائلاً …
سامر: هو الوقت مش بيعدي ليه بس…. هانت …. هانت أوى …. كلها كام ساعة و(حوريه) توصل بالسلامة …. ياااه يا حوريه … مكنتش متخيل إنك وحشاني أوى كدة بجد … ثلاث سنين … ثلاث سنين يا حبيبتي عدوا كأنهم عمر تاني …. بس خلاص … مش باقى إلا كام ساعة بس ….
حوريه….
قبعت بالفندق لأسبوع كامل حتى تستعيد عافيتها بعد إجرائها لهذه العملية الجراحية …
ربما يكون هذا هو السبب الظاهري لكنها بداخلها أصبحت تخشى أن تتعامل مع أى شخص ربما يتشابه مع عماد … أو ربما يعود عماد مرة أخرى فهى غير مصدقة بعد أنه قد مات وتركها بهذه السهولة ….
كانت تراه بصحوها ونومها وكأنه مات وترك لعنته تحاوطها وتسلب روحها …
لم تصدق حوريه نفسها بأنها ستعود اليوم إلى بلدها وأمانها وعائلتها فهى تشعر بأنها طائر محلق بحرية بعد سجن طويل …
حوريه: عمري ما حكرر غلطتي تاني … عمري ما حفكر حتى إنى أكرر نفس التجربة تانى أبدًا …. كلهم فى الأول زى بعض … وبعد كدة بيبقوا عماد …
رجفة أصابتها بذعر لحظة تذكرها له وذكر إسمه لتطل عيناه القاتمتان أمام مرآها وهو يضيقهما غضبًا لتظهر لمعانهما المخيف لتشعر بألم صفعة لها ، تلك الصفعة التى تهوى على الأرض كلما صفعها بها من قوتها الغاشمة ، صفعة كانت هى دائمًا الرد الأول على أى كلمة تتفوه بها ….
وضعت حوريه يدها على وجنتها وكأنها صفعت منه للتو لتجلس بهدوء على طرف الفراش تتحسر على ما آلت إليه حالتها بعدما كانت إشراقة إبتسامتها تنير عتمة الكون كله …
إستطاع أن يكسرها بالفعل …. كسر لن ينجبر أبدًا …
علاء….
حرك قدماه ببطء دالفًا إلى داخل الفندق مرة أخرى مارًا بقاعه المطعم لترتفع عيناه بحسرة نحو الطاولة التى كانت تجلس عليها منذ قليل ….
إبتلع ريقه بألم وهو يتخيلها مازالت جالسة تنتظره ليضيق عيناه وهو ينظر نحو الطاولة ليجد أن هناك شئ معلق بذراع المقعد ….
إقترب بلهفة منتزعه ينظر نحوه بشدة متفحصا إياه …
حقيبة جلدية صغيرة ذات ذراع طويل تبسم علاء بسعادة وهو يتذكر تلك الحقيبة التى أهداها لها بيوم ميلادها ، تلك الحقيبة التى صنعت خصيصًا لها ونقش عليها حرفي إسميهما بالإنجليزية …
تمسك علاء بالحقيبة بقوة متلهفًا لصاحبتها وهو يدنيها منه لتفوح منها عطر الياسمين ، عشقه الذى يذكره بها …..
جلس على المقعد مسندًا على الطاولة ليفتح الحقيبة التى كانت تحتوى على بعض الأوراق فقط …
أخذ يتفحص محتوى الأوراق ليستاء جدًا منها ضاربًا بيده بقوة وعصبية فوق المنضدة ، أفزع المحيطين به داخل المطعم ….
تشدق برأسه باحثًا بعينيه كمن يبحث عن فريسته ليطل نحو أحدهم كمن وجد ضالته ليطلب منه بالإنجليزية الإقتراب منه قليلاً ….
تقدم الشاب نحو علاء بعد طلب الأخير له متسائلاً إذا كان يستطيع أن يساعده بشئ ….
ليتحدث معه علاء بإنجليزية طليقة ….
علاء: رجاء … هل من الممكن أن توضح لي ماذا كتب بتلك الأوراق … فهى مكتوبة بالتركيه وأنا لا أجيدها على الإطلاق …
الشاب: حسنًا ….
نظر الشاب إلى الأوراق متفهمًا محتواها بدقة قبل أن يردف قائلاً …
الشاب: هذه أوراق عن إجتماع مع إحدى الشركات الخاصة بتصنيع الملابس ودور الأزياء … هذا الإجتماع كان بتاريخ اليوم … فى مهرجان الصناعة المقام هنا بأنقرة …
علاء: و …. ما إسم صاحبة الدعوة من فضلك …؟!!
الشاب: أميمه السكرى …
تراقص قلبه فرحا … انها هي …. نعم … هي ياسمينته … حبيبته …
علاء: هل لك أن توضح لى عنوانها بالتفصيل … اااا… لأعيد إليها حقيبتها .. من فضلك …
الشاب بتفهم: حسنًا …. هذا العنوان بإسطنبول …. ها هو …. ذلك هو العنوان بالتفصيل …..
وأشار الشاب بإتجاه خانة العنوان الموضح بالأوراق وهو يمد يده بها إلى علاء الذى أسرع بإلتقاطه وكأنه يمسك بأمله الوحيد بين يديه …
فأخيرًا فرصة ولن يضيعها … سيستعيد حبيبته … تلك فرصته الأخيرة …
أميمه….
أفاقت أميمه من غيمتها التى أحاطت بها لتدرك فجأة أن حقيبتها ليست معها …..
أميمه بفزع: شنطتي …؟!!! شنطتي فين ..؟!!
سيلا : مش عارفه …. هى مش معاكِ …؟!!
اميمه: لأ …. لاااااااااااا …. باين نسيتها فى المطعم ….
ضيا: إحنا خلاص فى المطار …. مش معقول حنرجع تاني … هى فيها إيه …؟!!
اميمه: الفاكسات بتاعه الميتنج …. وكدة ….
ضيا: يعنى ورق مش مهم أوى … خلاص إحنا حضرنا الميتنج وكله تمام ….
اميمه بحزن: بس ….. الشنطة ….. أنا بحب الشنطه دى ….
نظر ضيا بحب بإتجاه أميمه التى تأثرت جداً بفقدانها لحقيبتها …..
ضيا: حجيب لك أحسن منها ….
إبتلعت أميمه ريقها بألم وهى توارى حزنها لفقدها لحقيبتها بالخصوص ….
اميمه: أصل… الشنطة دى كانت عزيزة على قلبي أوى ….
ضيا: فداكِ …. الدنيا كلها فداكِ …..
تراجعت أميمه بضع خطوات لتجلس بجوار سيلا بإحباط ….
لم تستطع أن توضح لهم لماذا تحب تلك الحقيبة ولم حزنت لفقدانها …. أستفقدها هى أيضًا مثلما فقدت كل شي يخصهما معًا ….
أحان وقت الإبتعاد عن كل ما يخصه الآن …..هل هي النهاية …أهذه هى ذكرياتها الأخيرة معه … ستضيع كلها …
علاء….
أسرع باللحاق بفريقه المصاحب للوزير وقد ملأه الأمل ، فقد علم أخيرًا مكانها وسيصل إليها قريبًا …
احمد: دة مش تصرف مسؤول أبدًا يا علاء … أنت فاهم شغلنا وأهميته … مكنش ينفع تمشى بالصورة دى ..
(علاء) غير مبالي بحديث أحمد على الإطلاق …
علاء: الوزير … سأل عني ….؟!!
احمد: أيوة وفهمته أننا كان لازم نتمم إجراءات هناك وإنك بقيت عشان كدة .. عد الجمايل …
علاء بإمتنان: شكرًا يا أحمد … بجد كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة لي …..
احمد: عدت على خير الحمد لله … وأنت برضه ليك عندى جميل ولازم أرده يوم تعب زياد إبني …
علاء: شكرًا يا أحمد … طيب أنا داخل لمعالى الوزير محتاج أكلمه ضرورى ….
احمد: ماشى …
أسرع علاء لمقابلة الوزير ليطلب منه إجازة إستثنائية لقضاء موضوع هام للغاية … خاصة وهو لم يطلب أى إجازة من أى نوع منذ سنوات …
وبالفعل وافق على منحه تلك الإجازة القصيرة فهو ضابط ممتاز ويستحق أن يلبى طلبه فورًا …
ليترك علاء قيادة المجموعة إلى أحمد ليبدأ طريقه لإعادة أميمه ….
رواية ذكريات مجهولة الفصل العشرون 20 - بقلم قوت القلوب
« عاشق ….»
الإمارات…
أنهت (حوريه) تحضيرها لحقائبها لتغلق آخر حقيبة ثم جلست فى إنتظار قدوم (عبد الله) لأصطحابها إلى المطار.
دق هاتفها برقم (عبد الله) الجديد لتلتقطه على الفور.
حوريه: ألو … أيوة يا أستاذ (عبد الله) …. أنا جاهزة خلاص.
أنا جاهزة خلاص.
تمام حقابلك فى الريسبشن تحت.
مع السلامة.
ربما إعتبرت (حوريه) (عبد الله) أخ صغير لها أو شريك بظلم (عماد) لهما لتطمئن له بصورة كبيرة بعكس الخوف الساكن بداخلها تجاه بقية الناس.
حملت (حوريه) إحدى الحقائب الصغيرة طالبة من أحد العاملين بالفندق موافاتها ببقية الحقائب.
إستقلت المصعد تريد الإبتعاد وبسرعة عن تلك المدينة لتتخلص من كل شئ يذكرها بـ(عماد).
فكل خطوة تخطوها اليوم تبتعد بها عن هذا المكان وهذه المدينة التى تذكرها به.
حتى نسمة هوائها وكأنه يملكها تشعر بأنفاسه مازالت محيطه بها لتأتيها فرصتها للهرب من كل ذلك بالعودة إلى القاهرة.
قابلت (عبد الله) أمام الفندق ليستقلا السيارة متجهين مباشرة نحو المطار للحاق برحلتهم.
ما أن وصلوا إلى المطار توجهوا مباشرة نحو صالة المغادرة لإنهاء معاملات السفر ليجلسوا بإنتظار الصعود إلى الطائرة.
تمر الدقائق ببطء شديد للهفة كل منهما بالعودة إلى أحضان أهله وبلده.
كلاً منهما أعياه الإشتياق والغياب الطويل.
وها هو النداء الذى إنتظروا سماعه منذ وصولهما إلى تلك المدينة يعلن عن التوجه للصعود إلى الطائرة المتجهة إلى القاهرة.
تسارع قلبيهما قبل خطواتهما نحو سلم الطائرة.
فبمجرد أن جلسوا على مقاعدهم وإعتراهم شعور غريب بالراحة والسكينة كما لو كان ذلك المقعد جزء من وطنهم الغالي.
شعر (عبد الله) بمسؤولية كبيرة ليصل بهذه السيده إلى أهلها فقد أحس بالفعل بوحدتها وقلة حيلتها.
أحس بفرحتها للخلاص من زوج كهذا الرجل الظالم فقرر مساعدتها حتى النهاية.
وها هو جالس على مقعده بالطائرة التى ستعود به إلى أرض الوطن بعد كل هذا الغياب.
الجامعة.
بعدما تأخرت (هاجر) مرة أخرى سبقتها (رحمه) إلى الجامعه لتتصل (هاجر) بها متحدثه بأسف.
هاجر: والله غصب عني … مش عارفه مالي اليومين دول.
أنا خلاص أهو مقربة خالص … إستنيني بس قدام البوابة عايزة إشتري كتاب الدكتورة (ماجدة).
رحمه: يعني مش كفاية جايه متأخرة كمان حتدوخيني معاكِ.
هاجر: معلش بقى … هو أنا ليا غيرك.
رحمه: الأمر لله.
أنا واقفه أهو متأخريش بقى.
هاجر: مسافة السكة والله.
أنا خلاص أهو قربت.
لم تستطع (رحمه) أن ترفض طلب (هاجر) فوقفت قليلاً بإنتظارها فما هي إلا مجرد دقائق بسيطة ولن تضرها شيء.
لم تكن لتتوقع ذلك مطلقاً فتلك السيارة الحمراء التى تحفظ لوحتها عن ظهر قلب أخذت تقترب رويدًا رويدًا بإتجاهها لينتفض قلبها بإقترابها.
رحمه فى نفسها: دي عربيته.
بتظهر تاني ليه دلوقتِ قدامي.
ثبتت بلا حراك وعيناها معلقتان بتلك السيارة وهى ترى (هايدى) جالسه إلى جواره بمنتهى الخيلاء.
لتنهر نفسها قائله.
رحمه: جري إيه يا (رحمه).
مش قولتي خلاص حتطلعيه من تفكيرك.
مالك ضعفتي مرة واحدة كدة.
امسكي نفسك شويه.
طارق.
عند خروجه من المنزل فى الصباح لاحظ (هايدى) تقف إلى جوار سيارتها المعطلة بحنق وهى تزفر بضيق.
طارق: (هايدى).
واقفه ليه كدة.
هايدى بعصبيه: يعني مش شايف.
العربية عطلانة ولازم أروح الكلية ضرورى.
طارق: بسيطة أوى.
تعالي أوصلك فى طريقي ونشوف حد يصلح العربية بعدين.
هايدى: بجد.
طيب … يلا بينا.
ليتحرك (طارق) بالسيارة بإتجاه الجامعة.
ظلت (هايدى) طوال الطريق تتكلم عن ذوقها فى إختيار الألوان وكيفية التناسق بين الألوان وبعضها.
ربما يكون الموضوع ذو إهتمام بالنسبه للفتيات لكنه لم يجذب (طارق) نحوه لكنه فضل الإستماع إليها إلى النهاية حتى لا يكون من الأشخاص الذين يفرضون أذواقهم على الحوار فيجب أن يترك لها مساحة أن تتكلم عما تحب.
مر الوقت بسرعة وها هم يصلون بالقرب من بوابة الجامعة.
لكن فور إقترابه وجد نفس الفتاة.
(فتاة العسل).
نظرتها المنكسره أثارت تساؤلاته مرة أخرى بداخله.
طارق لنفسه: ليه كل ما أشوفها أحسها زى ما تكون فيها حاجة مش راضيه تقولها.
كلام محبوس جواها.
وكأني أنا السبب فى الحزن إللي مالي عنيها ده.
تعلقت عيناه بـ(رحمه) أثناء توقفها بالسيارة.
ليؤلمها رؤيتهما معًا فتنحى عيناها عنهما محاوله إبعاد نظرها لأبعد مكان هروبًا من رؤيتهما.
ترجلت (هايدى) من السيارة وتوجهت نحو الداخل لكنها قبل دخولها رمقت (رحمه) بنظرة إشمئزاز منها جعلت (طارق) رغما عنه ينظر بفضول متعجبًا لطريقة (هايدى) معها فهو لا يدرك علاقة (هايدى) بتلك الفتاة.
أزاح كل تلك الأفكار المتزاحمة فى رأسه ليتوجه نحو عمله على وجه السرعة.
رحمه.
بالتأكيد تريد أن تتحكم بمشاعرها وأن تحاول نسيانه لأن تعلقها الزائد به لن يجلب لها سوى المشاكل بالمستقبل فقط.
لهذا وجب عليها أن تتخذ قرارها بقوة لكن ذلك لن يمنعها الآن من أن تنظر إليه أثناء رحيله مبتعدًا نظرة وداع أخيرة.
تلك النظرة التى لاحظها (طارق) رغمًا عنه وهو ينظر بمرآة السيارة الخلفية أثناء سيره مبتعدًا لتبقى صورتها عالقة بذهنه لا يستطيع أن يبعدها عنه نهائيًا.
إقتربت (هاجر) من (رحمه) الغائبة بشرود عجيب.
هاجر: (رحمه).
فيه إيه.
رحمه بهدوء: كان هنا.
هاجر: هو مين.
رحمه: (طارق).
هاجر: كفاية بقى.
حرام عليكِ نفسك.
رحمه: بحاول والله.
بحاول أنساه.
بس صعب أوى.
هاجر: بس إنتِ قوية.
ولا لازم تقدري.
رحمه بحزن: يا ريت أقدر.
ياريت.
ياريت أنساه.
بعد مرور ساعات.
أنهت (نهال) إختبارها الثاني بتفوق أيضًا أثار إعجاب (عم سلمى) بشدة.
وأكسب (نهال) ثقة بقدراتها ونفسها أكثر وأكثر.
نجاحها اليوم زاد من حافزها لتغير حياتها التى إتسمت بالخضوع للظروف.
لكنها ستغيرها بمشيئة الله وقدراتها وتميزها فى هذا المجال.
بحثت بعيناها عن (سلمى) التى وعدتها بالإنتظار خارج المركز حين بدأت إختبارها قبل بضعة ساعات فقد حان موعد عودتها إلى المستشفى مرة أخرى.
صدمها رؤيته.
هو نفسه.
ذلك الفنان الذى يقف دائمًا أمام نافذتها بالمستشفى.
لتتسائل فى نفسها.
نهال: ده هو.
يا ترى إيه إللي جابه هنا.
معقول تكون صدفة.
إنتبه (هشام) لخروجها من المركز ليتقدم نحوها بخطوات هادئة وإبتسامة خفيفة توسطت ملامحه.
توتر وإضطراب إجتاح (نهال) مع كل خطوة يخطوها نحوها لتتحول إلى إرتباك شديد ولا تدرى ماذا تفعل الآن.
أتبقى تنتظر قربه.
أم تهرب مبتعده عنه فهى لا تدري ما نواياه تجاهها وماذا يريد منها.
بجرأة تقدم (هشام) ليعرفها بنفسه.
هشام: صباح الخير.
أنا (هشام).
أومأت (نهال) رأسها بخجل دون رد لتبحث بإرتباك عن (سلمى) لتنتشلها من توترها وتبتعد بها عنه.
هشام: صاحبتك دخلت مكتب عمها.
ممكن أتكلم معاكِ شوية.
بُهتت (نهال) باحثة عن كلماتها الضائعة وقتما أقترب منها (هشام).
نهال: أنا.
هشام: أيوة إنتِ.
ممكن أتكلم معاكِ وأتعرف عليكِ.
وأعرفك بنفسي.
نهال: أيوة … بس … ااا.
هشام: متقلقيش.
مش حأخرك.
أول ما تطلع صاحبتك حمشي على طول.
نهال بتردد: إتفضل.
هشام: أنا عارف إسمك كويس.
وكنت باجي لك المستشفى مخصوص عشان أشوفك.
بس كنت حابب أقرب منك وأتعرف عليكِ أكتر.
نهال بفضول: وعرفت إسمى منين.
هشام بإرتباك: من… ااا.
من المستشفى.
نهال بتفهم: أيوة.
أيوة.
هشام: أنا بشتغل صحفي فى جريدة.
نهال بعفوية: أنا قلت كدة.
شكلك فنان أو حاجة زي كدة.
هشام ضاحكًا: تصدقي سمعت وصف ليا كتير أوى لكن فنان دى جديدة.
نهال بقلق: ضايقتك.
هشام: أبدًا أبدًا.
دي عجبتني أوى.
نهال: انت عايز مني إيه.
هشام: تصدقيني لو قلت لك مش عارف.
حابب أجي وأطمن عليكِ.
هو إنتِ لسه تعبانه.
نهال: لا.
الحمد لله خلاص.
بقيت كويسه خالص.
هشام: طيب ليه قاعدة فى المستشفى لحد دلوقتِ.
نهال ببراءة وعفوية: معنديش مكان أروح له.
ولا حتي معايا فلوس.
كم هي نقية وبريئة بصورة لم يكن ليتخيلها (هشام).
طريقتها وردها يشبه براءة الأطفال.
يبدو أن خبراتها قليله جدًا.
براءة لا تناسب عالمنا المستغل.
هشام: البيت إللي أنا ساكن فيه.
فيه شقة صغيرة فاضيه.
حكلم لك صاحب البيت وتسكني فيها.
(نهال) برفض قاطع.
نهال: لا طبعا.
قلت لك مش معايا فلوس حسكن إزاي فيها.
هشام: أنا حسلفك ولما يبقى معاكِ رديهم.
ماشي.
سلام بقى صاحبتك جايه أهي.
وقبل أن ترفض إقتراحه أسرع مبتعدًا حتى لا يعطيها فرصة الرفض بينما لحقتها (سلمى) من خلفها قائله.
سلمى: إيه دة.
خلصتي الإختبار الصعب دة.
نهال: هاه.
أه.
مش صعب ولا حاجة.
سلمى: هانت يا (نهال).
باقي لك واحد كمان وتاخدي الشهادة بتاعة الكورس الصعب دة.
نهال: يا رب.
سلمى: يلا نرجع بقى أحسن خلاص معاد مناوبتي قربت.
أميمه.
بإرهاق شديد عادت إلى منزلها لتجثو فاتحة ذراعيها لهذا المقبل راكضًا بإتجاهها.
يامن: ماااااامي.
ضمته بشدة وهى تلتمس به الراحة والطمأنينة فهى التى تحتاج لهم الآن ولا تجدهم إلا بعناق هذا الصغير.
أميمه: وحشتني خالص.
يامن: شفتي أنا كبرت إزاي.
آنا (توتشا) قالت لي إنى كبرت.
ولازم أروح المدرسة.
إنفرجت أساريرها بعد تجهم وإختناق شعرت بهما بعيدًا عن هذا الكائن اللطيف.
أميمه: إنت دلوقتِ عندك أربع سنين لما تبدأ المدرسة لازم أقدم فيها وتروح السنة الجديدة.
يامن: وأجيب شنطة.
أميمه: وتجيب شنطة.
تذكرت حقيبتها التى ضاعت منها بالفندق ليحل التجهم مرة أخرى على ملامحها ليطبق (يامن) بكفيه الصغيرين يحاوط وجهها لتنظر نحوه.
يامن: متخافيش.
أنا حروح المدرسة شوية بس وأروح تاني.
آنا (توتشا) قالتلي.
(أميمه) وهى تنهض حاملة (يامن) بأحضانها.
أميمه: أصل انت حتوحشني جااامد.
يامن: متخافيش.
متخافيش.
حملت (سيلا) حقائب الأوراق والحاسوب لتضعهم فوق المكتب ثم توجهت نحو غرفتها للراحة من عناء هذا اليوم المرهق بينما جلست (أميمه) بصحبة (يامن) و(توتشا) بعد إنصراف (ضيا) لتلتهي بوجودهم عما حدث معها من ضيق نفس وقلق اليوم.
علاء.
توجه إلى أحد مكاتب تأجير السيارات مستأجرًا سيارة ليسافر بها بإتجاه إسطنبول للبحث عن عنوان (أميمه) الذى وجده بالأوراق.
قاد سيارته المستأجرة متخيلاً وجه (أميمه) ينظر نحوه طوال الطريق ليشعر بنسائم الرياح تدب في أوصاله من جديد فبعد حرمان خمس سنوات سيراها الليلة.
سامر.
أسند رأسه فوق عجلة القيادة لتشتعل رأسه حرارة من توتره الشديد تارة ومن حرارة الشمس الساطعة تارة أخرى.
دقائق فاصلة لتبدأ حياة بلون آخر.
إنها رياح الفرصة الثانية.
فرصة لا تأتي مرتين إلا لمن وفر حظه بالدنيا.
رفع رأسه وهو يمسح بكفه فوق جبهته المتعرقة بغرابة فما زالت أجواء الشتاء مسيطرة على الرغم من سطوع الشمس لكن بداخله نيران تشتعل.
نيران شوق وحنين.
جلس منتظر سطوع شمس حياته التى طالما إنتظرها.
بداخل مطار القاهرة الدولي.
بدأ الركاب فى إنهاء إجراءات الخروج متوقفين بإزدحام حول السير الآلى لإلتقاط حقائبهم إستعدادًا للخروج إلى أرض الوطن بحنين خاص بداخل كل منهم.
لم تصدق (حوريه) نفسها أنها بعد كل هذا العناء والحرمان تطئ هذه الأرض مرة ثانية.
ها هى هنا.
تنظر إلى وجوه الناس حولها كم إشتاقت لرؤيتهم كم إشتاقت لرؤية كل الناس.
كم إشتاقت لهذا البلد وكم إشتاقت وفاض حنينها لأهلها.
بالقرب من السير المتحرك وقف (عبد الله) منتظر إستلام حقائبهم الواحدة تلو الأخرى حيث أشارت له (حوريه) على حقائبها حاملاً معهم حقيبته الوحيدة.
نظرت نحوه (حوريه) بإمتنان فقد ساعدها بالفعل في الخلاص من سجنها الروحي بتلك البلد.
حوريه: الحمد لله.
مش عارفه يا أستاذ (عبد الله) أقولك إيه ولا إيه أشكرك بيه على كل إللي عملته عشاني.
انت رجعتلي روحي من تاني.
عبد الله: مدام (حوريه).
مفيش داعي للشكر.
والله ربنا العالم أنا اعتبرتك زي (رحمه) أختي بالضبط.
وفى أى وقت لو إحتاجتي أى حاجة أنا تحت أمرك.
حوريه: حقيقي انت نعم الأخ.
وعشان إحنا أخوات أنا ممكن أديك الهدية دى تقبلها مني.
هدية من أخت لأخوها.
عبد الله رافضاً: لا.
لا طبعًا.
حوريه مقاطعة إياه: أرجوك.
دي هدية مش أكتر.
والنبى قبل الهدية.
عبد الله: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد.
حاضر.
شكرًا.
مدت (حوريه) يدها تجاه (عبد الله) بعلبة هدايا ليتناولها منها (عبد الله) بخجل شديد.
لم يكن يريد منها أى مقابل لما فعله معها لكنها أصرت على قبوله هدية منها.
عبد الله: وبقولها لك تاني.
أنا زي أخوكِ لو إحتاجتي لأى حاجة أنا موجود.
ولما أجيب خط تليفون مصرى حعدي عليكِ في العنوان إللى إديتيهولي أديكِ الرقم.
حوريه: وأنا حكون في إنتظارك أكيد.
ربنا يوفقك ويحقق لك كل أمانيك.
عبد الله: مع السلامة.
أشوفك دايمًا بخير.
كانت تلك كلماتهم المودعة ليبحث كلاً منهما عن طريقه الخاص لإستنشاق حريته.
حمل (عبد الله) حقيبته خارجًا من المطار بينما لحقته (حوريه) باحثة عن أهلها الذين أخبرتهم بموعد وصولها لعلها تجدهم الآن وتطفئ نيران شوقها إليهم.
تابع (سامر) بشغف رؤية المسافرين وهم يخرجون من بوابة الخروج ليتأهب لرؤيتها خاصة وهو يرى عمه وإبن عمه (مصطفى) مازالا ينتظران وصولها.
أهلت (حوريه) نحوهما كالشمس الغائبة لتنير الكون كله بوجودها.
ترجل (سامر) من السيارة وقد تعلقت عيناه بها.
دق قلبه بعنف لرؤياها.
ليهمس بشوق عاشق.
سامر: (حوريه).
ياااه.
وحشتيني أوى أوى.
كان نفسي أكون واقف في استقبالك.
لكن مفيش عندي غير الصبر.
بس الصبر.
وعمري ما حسيبك تضيعي مني تاني أبدًا.
بس دلوقتِ كفاية عليا إنك موجودة هنا جنبي.
ليتنفس (سامر) عشقا بتلك (الحوريه).
سامر: أنتِ زي ما أنتِ.
نفس عنيكِ البريئة.
نفس هدوئك وإبتسامتك.
مفيش حاجة إتغيرت فيكِ.
ليغيب (سامر) عن واقعه بخياله بوصول حبيبته التى إشتاق لرؤيتها بعد غياب طويل.
حوريه.
لن تحاول العتاب وإلقاء اللوم عليه فهى هنا الآن وهى تشتاق إليه لتقترب منه وقد إمتلأت عيناها بدموعها لتلقي بنفسها بداخل أحضان والدها إشتياقا وحبًا.
أرادت أن تلقي بكل همومها المثقلة فوق كتفيها وأن تتناسى كل ما حدث لها.
وأن تشعر بوجودها معهم أنها بأمان مرة أخرى.
ابو حوريه: حمد الله على السلامة يا بنتي.
البقاء لله.
ربنا يخفف عنك حزنك ويرحمه برحمته.
تلجمت (حوريه) ولم تستطع الرد.
كيف تقول له أن دموعها ليست دموع حزن قط.
لم ولن تكن حزينة على فقدانها لزوجها لكنها لن تتكلم ستفضل الصمت وان تأسر حزنها في نفسها كما إعتادت دائمًا.
فقط يكفيها أنها هنا معهم.
مصطفى: وحشتنيا أوى يا (حوريه).
كفكفت (حوريه) دمعها وهى تحتضن أخيها تتلمس به رائحة الأمان التى تحتاج إليها بوسطهم.
مصطفى: ليه يا (حوريه) مكنتيش بتنزلي في الأجازات مع (عماد).
كنتِ بتوحشيني أوى.
حوريه: المهم إني معاكم دلوقتِ.
ياااه.
أنت كبرت أوى يا (مصطفى).
مصطفى: أيوة.
أنا دلوقتي في الثانوية العامة.
حوريه بفخر: بجد.
يااااه.
الأيام جرت أوى.
ماما عامله إيه.
مجيش معاكم ليه.
وحشاني أوى هي و(حازم).
مصطفى: ماما مستنياكِ في البيت.
يلا بينا نركب ونوصلهم على طول.
حوريه بإبتسامه: يلا.
حمل (مصطفى) حقائب حوريه ليضعها بتلك السيارة المستأجرة لإقلالها من المطار ليتجهوا مباشرة نحو بيت عائله (حوريه).
ليحرك (سامر) سيارته عائدًا إلى العمل بعد إطمئنانه ورؤيته لحوريه ووصولها بالسلامة أخيرًا.
عبد الله.
إستقل إحدى سيارات الأجرة عائدًا بطريقه إلى البيت بمفرده فهو لم يخبرهم بموعد وصول الطائرة خوفًا من أى طارئ يعوق عودته ويكون سببًا بحزنهم مرة أخرى.
أمسك (عبد الله) الهدية التى أعطتها له (حوريه) بفضول لمعرفة محتواها.
فتح العلبة ليجد ظرف مغلق وورقة مطوية موضوعة فوق الظرف بعناية.
أمسك بالورقة أولاً ليجد بها بعض الكلمات كتبتها له (حوريه) ليقرأها بعيناه أثناء سير السيارة بالطريق.
﴿ أنا عارفه كويس إللي عمله (عماد) معاك وأنه السبب فى دخولك السجن ، ضيع من عمرك سنه مقدرتش فيهم تشتغل أو تعمل إللي كان نفسك فيه بسببه ….دة مش تعويض دى هدية بسيطة تعمل بيها مشروع صغير تبدأ بيه حياتك وتحاول تنسى إللي حصل لك في السنة دى … ولو إنى عارفه كويس أن الظلم مبيتنسيش … (حوريه) ﴾
نظر (عبد الله) بنظرة خاطفة إلى الظرف الموضوع بالعلبة ليجد مبلغ مالي كبير وضعته له (حوريه) بالدولار.
لم يدرك أيتضايق من إعطائها المال له أم يسعد الآن بهذا العوض من رب العالمين عن حرمانه وظلمه.
فهو لا يملك من المال شيئًا حتى تذكرة الطائرة (حوريه) هي من دفعت ثمنها له.
إرسمت ابتسامة خفيفة فوق شفتيه حامدًا لله على كل شئ.
فحتى لو لم يزج به في السجن لم يكن ليقدر أن يتحصل على ربع هذا المال أبدًا.
فسبحان من يكون العوض منه رحمة.
سبحان من له حكمة بأقدارنا.
فكيف يكن لنا إختيار الواقع لو إطلعنا على الغيب.