تحميل رواية تراتيل الهوى بقلم ديانا ماريا pdf
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"حامل يعني إيه؟ أنت مجنون! دي لسة آنسة!" رد الطبيب بتوتر محاولًا مُدراة الموقف. "والله حضرتك ده التشخيص بتاعي أنا كشفت عليها وهى حامل فعلا ويمكن داخلة على الشهر التالت كمان." جمدته الصدمة مكانه ولم يستطع حتى الرد على الطبيب الذي لاحظ الموقف الحرج فانسحب بهدوء. أما هو، أطاحت الصدمة به وكادت تشل عقله. ابنته المتعلمة، المثقفة، الجميلة والتي على خُلق ودين حامل دون زواج! حين استوعب الكلمة أخيرًا، استدار بسرعة وأسرع لغرفتها وهو يفتح الباب بأقوى ما عنده ليصطدم الباب بالحائط. كانت جالسة على سريرها المجا...
رواية تراتيل الهوى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ديانا ماريا
انطلق تاج بسيارته إلى مكان لقائه بروفان.
كان طوال الطريق يركز بصره على الطريق، والأفكار تعصف برأسه عن كيف سيتمكن من إخبار روفان بزواجه وكيف ستكون ردة فعلها. اشتدت يده على عجلة القيادة بسبب توتره. نفخ بضيق قبل أن يزيد السرعة ليصل في الوقت المناسب ويرتب الأفكار والحديث في عقله، ويأمل أن تمر تلك المقابلة بأقل الخسائر الممكنة.
وصل للمكان قبل الموعد بدقائق، فركن سيارته ثم هبط ليدخل إلى المكان ويختار طاولة بعيدة عن الأنظار يجلس عليها وينتظر وصول روفان.
كان شاردًا ينظر إلى الأرض حين وقع عليه ظل، فرفع رأسه ليجد روفان أمامه. كانت جميلة ترتدي فستانًا من اللون الأزرق الداكن وتضع زينة وجهها بإتقان كالمعتاد.
نهض عن مقعده وهو يبتسم لها ويمد يده. نظرت روفان ليده بعدم رضى وقالت بعتاب:
"يعني ده استقبالك ليا بعد كل المدة دي؟"
تقدمت نحوه وتعلقت يديها بكتفيه وهي تقبل خده. أبتعد تاج بانزعاج حاول أن يخفيه وأشار لها بأن تجلس.
جلست أمامه وهي متعجبة من تصرفاته وبروده معها.
بقي تاج صامتًا يفرك يديه بتوتر، حين قاطعت روفان الصمت قائلة بتعجب:
"مالك يا تاج مش على بعضك ليه؟ وساكت كدة ليه؟"
ازدرد ريقه بتوتر قبل أن يجيب:
"فيه حاجة مهمة عايز أقولك عليها يا روفان."
ابتسمت بحماس وهي تنحني للأمام ناحيته:
"أكيد قولت لمامتك على موضوع جوازنا صح؟"
هز رأسه بالنفي، فعقدت حاجبيها بحيرة:
"أمال فيه إيه؟"
أغمض عينيه للحظة قبل أن يفتحها وهو يحدق إليها بثبات ويُصرح أخيراً بجدية ممزوجة بالحسم:
"أنا اتجوزت."
عقدت روفان حاجبيها بشدة وهي تحدق إليه بعدم استيعاب كأنه يتكلم حديثاً بلغة غريبة عنها، قبل أن يصدر عنها ضحكة عظمى تصديقاً.
"أ... أنت إيه؟ إيه الهزار البايخ ده يا تاج؟"
أجاب تاج بنبرة قوية لا مجال للشك في جديتها:
"ده مش هزار يا روفان، أنا فعلاً اتجوزت من فترة."
حدقت إليه روفان بعيون متسعة وقد عجزت عن الرد لثوانٍ قبل أن تضرب يديها على الطاولة بعنف وهي تنهض منحنية نحوه وعينيها تقدح شراراً من الغضب الشديد والانفعال مسيطر على قسمات وجهها:
"أنت أحسن لك تكون بتهزر يا تاج! أنت اتجوزت؟ اتجوزت حد غيري؟ يعني كنت بتخدعني وبتضحك؟?"
تنهد تاج لأنه يعلم أن الأمر لن يكون سهلاً وحاول الإجابة بهدوء لأنه يقدر صدمتها:
"لا مكنتش بخدعك روفان، وربما شاهد عليّ بكده، بس فيه ظروف اضطرتني اتجوز، صدقيني أنا مخونتكيش."
هزت رأسها بإنكار وهي لازالت لا تصدق ما سمعته، حتى قالت بلؤم وعينيها تلمع بالجنون وملامح الاشمئزاز تسيطر على وجهها:
"أكيد مامتك الحرباية دي هي اللي خليتك تتجوز علشان تبعدنا عن بعض، ما أنا عارفة خبث الأمهات!"
انتفض تاج من مكانه فوراً وهو يصيح بها بحدة:
"روفان! الزمي حدودك، إيه دخل ماما في الموضوع دلوقتي؟"
أكملت روفان بحقد:
"أكيد محبتش أنك تتجوزني وكان لازم تتجوز قريبتك علشان هي ترضى، أنا عارفة خبث ولؤم الأمهات ده كويس أوي!"
تحكم في غضبه بصعوبة قصوى وهو يقبض على يده بشدة وقال بنبرة تحذيرية:
"آخر مرة هقولك خدي بالك من كلامك ومتجيبش سيرة ماما بالطريقة دي تاني، أنتِ فاهمة؟"
صرخت به بقهر:
"أمال عايزني أعمل إيه لما أعرف أنك اتجوزت! علشان بس اتأخرت عليك شهر تتجوز!"
تحولت ملامح تاج لملامح ثلجية لا تُظهر أي تعبيرات وقال ببرود:
"والله أنتِ لما أخيرك بيني وبين رحلة تافهة مع أصحابك وأقولك محتاجك تيجي بسرعة، وأنتِ تختاري الرحلة التافهة يبقى ده اختيارك أنتِ!"
نظرت له بعدم تصديق وهي ترد بغيظ:
"أنت كدة بتعاقبني علشان اخترت أروح مع أصحابي ومجيتش مصر!"
قال بهدوء:
"لا بس يمكن لو كنتِ جيتي ساعتها وعرفتِ الوضع مكنتش اتجوزت، أو على الأقل تتفهمي اللي أنا فيه."
قبضت على يديها وهي تمنع نفسها عن ضربه لشدة حنقها:
"أتفهم؟ لا حلوة النكتة دي، أتفهم إيه!"
نظر تاج حوله قبل أن يعيد بصره لروفان ويقول بأمر:
"اقعدي الناس بتتفرج علينا."
صرخت روفان بصوت أعلى مليء بالغضب:
"متخليهم يتفرجوا علشان يعرفوا البيه اللي وعدني بالجواز وأول ما سافر اتجوز واحدة تانية غيري!"
أخذ تاج نفساً عميقاً حتى يتحكم في غضبه، حدجها بنظرات سمرتها مكانها وهو يقول بجمود:
"الظاهر أني كنت غلطان لما فكرت أنك هتسمعيني، على العموم واضح أنه مش هيبقى فيه مجال للتفاهم بيننا. أنا لاحظت في الفترة الأخيرة قد إيه شخصياتنا وأهدافنا مختلفة عن بعض وده اللي وصلنا لطريق مسدود بيننا. أنا بتمنالك السعادة في حياتك وتلاقي شخص يحبك وتحبيه أحسن مني. مع السلامة."
أخذ هاتفه ومفاتيحه عن الطاولة وهو يغادر مبتعداً، بينما روفان تصرخ به حتى يعود دون أن يلتفت لها حتى.
ضربت روفان الطاولة مرة أخرى بغيظ، عيناها مليئة بالكراهية. تشعر بالمهانة لأن تاج تركها وتزوج أخرى عليها. من تكون تلك التي استطاعت الإيقاع به وأخذه منها؟ هل هي أجمل منها؟ مستحيل! هل هي أغنى منها؟ لماذا فضلها عليها؟ من هي في المقام الأول؟
همست من بين أسنانها بتوعد:
"أنا هوريك يا تاج، مش هسيبك تتهنى أنت واللي خدتك مني أبداً!"
كانت سروة في المنزل تحضر الطعام حتى يعود تاج. شردت بأفكارها رغمًا عنها وهي تتذكر والدها. دمعت عيناها من الحزن وهي تتنهد والأسى يغمر قلبها. كما مرة شعرت بأن هذه الحياة لا تُطاق ولا تُحتمل، حتى أنها دونت تلك الجملة في مذكراتها بعد الحادثة بفترة من شدة بؤسها. تتذكر تفاصيل ما كتبت تمامًا حين تكابلت عليها تلك الظروف، خصوصًا حين علم والدها بحملها وردة فعلها، وتقرير زواجها من تاج، وشعرت بأنها منبوذة من الجميع.
"لا تُحتمل هذه الحياة، لم أعد أحتملها أو أتقبل وجودي بها."
كانت قد خطت تلك الكلمات بالضبط في مذكراتها بقلب يقطر ألمًا، ثم تذكرت تاج وابتسمت دون أن تشعر، برغم قسوته عليها في البداية بسبب تصديقه لعصام، إلا وأنه بعد انهيارها ومعرفته بالحقيقة فهو يحيطها بكامل عنايته ودعمه.
سمعت صوت إغلاق الباب فتوترت لثانية قبل أن ترسم ابتسامة على وجهها وتخرج لتستقبله. ولكن قبل ذلك عدلت مظهرها وشعرها سريعًا حتى تتأكد أن مظهرها مهندم، دون أن تحاول فهم غايتها من فعل ذلك.
خرجت من المطبخ وهي تخطو نحو الصالة القريبة من الباب حتى وقفت مكانها فجأة. اختفت الابتسامة عن وجهها واتسعت عيونها بصدمة. شحب وجهها بشدة، وتسارعت دقات قلبها حتى شعرت بجسدها يرتعش وقدميها متجمدان مكانهما كأن هناك مغناطيس لا تستطيع أن تحركهما.
ابتسم عصام بخبث وهو يرمقها بنظرات انتفض لها قلبها:
"إيه يا حبيبتي مالك كدة؟ ده أنا حتى قولت أني وحشتك زي ما أنتِ وحشتيني، علشان كدة حبيت أشوفك."
رواية تراتيل الهوى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ديانا ماريا
انتفضت سروة بقوة وهى تراه أمامها يقف وهو يرمقها بنظرات قذرة وابتسامته الخبيثة على وجهه التي تؤكد انتصاره عليها.
ارتعش فمها وهى تحاول الكلام بتلعثم:
ااا...اا أنت دخلت هنا إزاي؟ و...عرفت مكاني منين؟
ضحك عصام بصوت عالي فانكمشت سروة على نفسها وهى تناظره باشمئزاز ممزوج بالخوف، تقدم ناحيتها فتراجعت سروة للوراء بخوف تلقائيًا.
قال عصام بمكر:
ودي حاجة تفوت عليا طبعا؟ أنتِ لسة متعرفنيش ولا إيه يا حبيبتي أنا لما بعوز حاجة بوصلها.
تذكر عصام حين هرب من تاج وهبط إلى الشارع، وجد صديقه الذي أتى معه ينتظره وقد صُدم من مظهر عصام والدم يغمر وجهه وملابسه، أسرع يسنده ثم يبتعد به عن العمارة بناءًا على طلب عصام حتى يساعده في الصعود للدراجة النارية التي أتوا بها، حينها وقبل أن يذهبوا لمح عصام تاج يهبط ويصعد إلى سيارته فأمر صديقه بأن يتبع تلك السيارة بدون أن يلاحظ صاحبها لأنه يعلم بأنه إذا تتبع تاج سيعلم مكان سروة وما فعله به تاج أجج به رغبة الانتقام ولكن هذه المرة من تاج فإذا قام بأذية سروة فذلك سيؤلم تاج بشدة خاصة في كبريائه كرجل، حين وصل تاج للعمارة التي يسكن بها مع سروة اختبأ عصام مع رفيقه بعيدًا ثم أمره بالانطلاق حتى يضمد جروحه وكان يراقب المكان كل يوم ولكن لسوء حظه لم يخرج تاج مُطلقًا لمدة ثلاثة أيام حتى رآه قد خرج أخيرا فانتهز تلك الفرصة وصعد إلى الشقة حتى ينفرد بسروة لوحدها ولم يفُته أمر فتح الشقة بل استعان بخبرته في فتح الأبواب دون مفاتيح لأن عصام له سوابق في سرقة المنازل.
وضع يديه على خصره وهو يسألها ببراءة زائفة:
ها إيه رأيك فيا بقى؟
لم ترد سروة وهى تشعر بأنفاسها تضيق في صدرها، تتمنى لو أن ما تراه أمامها مجرد كابوس بشع سوف تستيقظ منه في أي لحظة ولكن لأن ما نتمناه غالبًا لا يتحقق فكان هذا الواقع أبشع من أي تخيل لديها.
كان على وشك التقدم نحوها حين رفعت إصبعها تقول بتحذير رغم نبرة صوتها المرتجفة:
أوعى تقرب مني، مش هيحصل خير أنا بحذرك أهو.
إلا أن عصام ابتسم بتهكم وتحرك نحوها بسرعة فركضت سروة وهى تصرخ وتوجهت نحو غرفة النوم بسرعة.
ولجت للغرفة وهى تحاول أن تغلق الباب بسرعة إلا أن عصام لحق بها وكان ورائها مباشرة واستطاع أن يضع يده بين الباب والحائط قبل أن تغلقه، ثم دفعه بقوة ليفتحه، كانت سروة على وشك الوقوع إلى الوراء إلا أنها تمسكت بحافة منضدة كانت قريبة منها.
تطلعت إليه بخوف وقلبها ينبض بقوة من الرعب ومن ملامح وجهه التي لا تُبشر بالخير، خطى عصام للداخل بخطوات بطيئة بعد أن أغلق الباب خلفه:
شكلك بتحبي اللعب وأنا كمان بحبه أوي، بحب ألعب معاكِ.
اندفع نحوها بينما صرخت سروة وهى تشعر بجسدها تُشل حركته بالكامل، دفعها على السرير وهو ينحني فوقها ويمسك بيديها حتى يثبتها بجانب رأسها.
قاومته سروة بأقصى ما عندها وهى تحاول دفعه عنه، أدارت رأسها واقتربت من يده التي تمسكها وقامت بغرز أسنانها فيها وعضته بشراسة، صرخ عصام من الألم وهو يبعد يده بسرعة عنها فاستغلت الفرصة وضربته في بطنه بقدمها.
انحنى عصام على الأرض يتأوه من الألم فنهضت سروة في لمح البصر وركضت نحو المطبخ، عادت إلى الغرفة ووقفت أمام عصام تمسك بسكين في يدها.
هدرت بصوت مشبع بالكراهية والحقد:
هموتك لو حاولت تعمل معايا حاجة تاني أنت فاهم! هموتك وارتاح!
رفع عصام رأسه وهو يضحك ثم استقام وحدق إليها باستهزاء:
طب سيبي السكينة دي من إيدك علشان ممكن تعورك.
ظهر الجنون جليًا في عيون سروة تحدجه بنظرات شرسة الانتقام يلوح أمامها بكل حرية وقد تجمعت كل ذكريات ومرارة الأشهر الفائتة في عقلها وردت بعنف:
اللعبة دي هى اللي هتكون سبب موتك على إيدي، هدفعك تمن تدمير حياتي.
زمجر عصام بغلظة:
أنا معنديش وقت للعب العيال ده! مرة جوزك مرة أنتِ هتدفعوني التمن؟ إيه كنت مديون بكام يعني؟
في لحظة باغتها واندفع نحوها يحاول أن ينتزع السكين منها إلا أن سروة سبقته وقد فاجئها تهوره فصرخت وهى تغرز السكين على الفور في صدره.
جحظت عيون عصام بشدة لدرجة كادت تخرج من مكانهما وهو يخفض رأسه ويرى السكين مُستقرة في صدره، تهاوى على الأرض ببطء وهو يأن، الألم يسيطر على قسمات وجهه، عيناه مُعلقتان بسروة بعدم تصديق حتى وقع، وضعت سروة يديها على فمها بذهول وهى تحدق إليه، وضع يده على صدره أسفل السكين ورفع رأسه ينظر لها حتى تهاوت يده بجانبه وأرجع رأسه إلى الوراء وأغمض عينيه.
جثت سروة على ركبتيها أمامه ويديها وكل ما فيها يرتعش، تسارعت أنفاسها وهى ترى سكونه وشحوب وجهه، فجأة أطلقت ضحكة عالية، كانت ضحكة جافة للغاية ولكنها انطلقت منها بدون سيطرة، وضعت يدها على عنقها وهى مازالت تضحك حتى انهمرت دموعها على خديها بشدة، توقفت عن الضحك وهى تقترب منه.
نظرت له بتشفي وهى تتحدث بنبرة شامتة:
شوفت كانت نهايتك إزاي؟ شوفت اللعبة دي عملت فيك إيه؟ شوفت سروة اللي حاولت تستقوى عليها مرة تانية عملت فيك إيه!
تابعت بصوت محتقن وصدرها يهيج من الانفعال:
دي اخرتها! آخرة شرفي وحياتي اللي اتدمروا على إيدك! آخرة خيبة أمل بابا فيا لدرجة أنه مبقاش يبص في وشي لحد ما اعتبرني ميتة! ده جزاء أني مبقتش قادرة أشوف نفسي في عيون أي حد حتى في المرايا إلا أني عاصية! جزاء أيام وليالي الخوف والضعف والوحدة وأنا مش قادرة أنطق ولا أتكلم! مبقاش عندي لا حاضر ولا مستقبل بسببك! كنت جاي تتجرأ عليا مرة تانية؟ كنت عايز المرة دي تبقى نهايتي؟ طب شوفت أنا عملت فيك إيه بقى؟
وضعت يديها على وجهها وهى تحرك رأسها بهيستيريا وصوت بكائها يعلو حتى أضحى شهقات أشبه بالصراخ.
في ذلك الوقت كان تاج قد وصل وقبل أن يفتح الباب استمع لصوت بكاء سروة وصراخها فأصابه القلق الشديد، فتح الباب بسرعة وهو ينظر في أرجاء الشقة بخوف حتى أيقن أن مصدر الصراخ من غرفة النوم فركض إليها بسرعة وهو يهتف باسمها.
توقف تاج فجأة على عتبة غرفة النوم وقد تصنم مكانه من المشهد الذي أمامه، طالعت عيناه المنظر بصدمة، عصام ملقى على الأرض وسكين في صدره والدماء منتشرة حوله وسروة جاثية على رُكبتيها أمامه وهى تبكي بانهيار.
أفاق من ذهوله بسرعة وهو يتخطى عصام حتى ركع أمامه سروة وهو يمسكها من كتفيها بقلق:
سروة حصل إيه؟ قوليلي عملك حاجة؟
رفعت سروة عينيها المتورمة من البكاء ووجهها مليئ بالدموع، قالت بصوت مرتجف وضعيف:
قتلته يا تاج، كان جاي عايز يكسرني ويضيعني مرة تانية كان ناوي على نهايتي المرة دي فقتلته!
صدم تاج وهو يرنو ببصره لعصام ثم ترك سروة واتجه اليه، وضع يده على عنقه حتى يستشعر نبضه الذي كان ضعيفًا للغاية كما كان شحوب وجهه يحاكي شحوب الأموات.
تركه وعاد إلى سروة وقد أتخذ قراره في أقل من ثانية، كانت ماتزال تُحرك رأسها وهى تهلوس، نظراتها مُثبتة على عصام الممدد أمامها، وضع يديه على وجهها يرفع عيونها إليه ويقول بجدية:
سروة اسمعيني حالًا مفيش وقت، البوليس هيجي وكلامي وكلامك هيبقى واحد، دخل يتهجم عليكِ فأنا شوفته ومستحملتش جيبت سكينة من المطبخ وهجمت عليه.
اتسعت حدقتيها عقب حديثه وهى تهز رأسها ترفض أن تستوعب معنى كلماته، لوهلة عجزت عن الرد عليه حتى قالت برفض قاطع:
لا مستحيل يا تاج مستحيل أخليك تعمل حاجة زي دي!
هزها بقوة وهو يهتف بها بتصلب:
مفيش وقت للكلام ده!
قاطعته سروة بصوت مقهور:
وأنت ذنبك إيه تتحمل مسؤولية حاجة زي دي! أنت ملكش ذنب من البداية في أي حاجة ودلوقتي مش هسمح لك تضيع نفسك دي فعلتي وأنا لازم أتحمل مسؤوليتها!
نهرها تاج الدين بحدة:
لا مش هخليه يدمر حياتك أكتر من كدة، أنا لما أقول إني عملت هتبقى قضية شرف مش هاخد فيها يوم واحد ومفيش هتأثر عليا اسمعي الكلام من سكات.
تجعدت ملامح وجهها بألم وهى مازالت ترفض الذي يقوله، ضمها تاج إليه وهو يشدد ذراعيه حولها فألقت سروة ذراعيها حول عنقه تعانقه بقوة وهى تهمس بحسرة:
لامتى هتفضل تحاسب نفسك على أفعالي أنا؟ إزاي اسيبك تضيع نفسك بسهولة كدة علشان حاجة أنت معملتهاش؟
أبتعد تاج عنها وقد ابتسم ببهوت:
متخافيش عليا أنا قدها وأكتر كمان، المهم تسمعي كلامها أنا عارف حلها كويس.
التفتت تاج ومد يده نحو السكين المطعون بها عصام وتناول في يده حتى يثبت بصماته عليها بدلًا من بصمات سروة ثم ألقاها بجانبه وهو يرمقه بنظرات محتقرة.
ثم نهض وأخرج هاتفه من جيبه وهو يتصل برقم الشرطة، ما إن رد عليه الطرف الآخر حتى قال تاج بصوت قاتم:
أنا عايز أبلغ عن جريمة قتل حصلت في بيني، حرامي دخل بيتي وحاول يتهجم على مراتي علشان كدة ضربته بالسكينة وقتلته، العنوان**********.
أغلق الخط وهو يتلفت وراءه وهو يتنهد بانهاك، اقترب منها سروة يهدئها ويؤكد عليه أن تتبع خطته ولا تفعل شيئًا عكس ما يقوله حتى سمع صفارة سيارة رجال الشرطة فنهض على الفور وأمسك بالسكين استعداد لدخولهم.
صعد رجال الشرطة واقتحموا الشقة التي كانت مفتوحة بالأساس ثم دخلوا للغرفة وبعد معاينة سريعة من الضابط ورؤيته لتاج الواقف أمامه ممسكًا بالسكين مقابل عصام المُلقي أرضًا غارقًا في دمائه، وسروة التي تجثم على الأرض تائهة وتحدق أمامها بنظرات فارغة.
أشار الضابط للعسكري الذي بجانبه نحو تاج الذي يقف بثبات وقسمات وجهه تغمُرها الجمود الكُلي، يأمره بقسوة:
روح حط الكلبشات في إيده وهاتوه ورايا يلا على البوكس.
تقدم العسكري نحو تاج وقد ضم يديه وراء ظهره فوقعت السكين منها ثم قيده بالأصفاد وقبل أن يقوده للخارج نهضت سروة عن الأرض وقد استعادت وعيها ووقفت أمامه وهى تتعلق بقميصه، تتوسله بعيونها أن يتراجع عما يفعله ويدعها تواجه ذنبها بنفسها إلا أن عيون تاج ناشدتها بإصرار وصرامة أن تبقى صامتة وتُبقي الأمور على وضعها الحالي.
ابتسم ابتسامة محاولًا من خلالها أن يبث الطمأنينة بها واقترب منها برأسه بسرعة وقبلها من جبينها ثم حدق إلى عيونها وهمس لها بصوت رخيم:
متخافيش ومتقلقيش عليا، أنا راجع لك على خير.
ثم قاده العسكري طاعة لأوامر الضابط الذي صاح به بصرامة بعد أن أتت الإسعاف ونقلت عصام خارجًا، بقيت نظرات سروة متعلقة بتاج حتى اختفى، وضعت يدها على رأسها والدوار يهاجمها وقد بدأ جسدها يظهر تأثرها بأحداث هذا اليوم العصيب.
استندت بيدها على حافة السرير ثم وقعت على الأرض وهى تتنفس بصعوبة، ولجت إحدى الجارات التي رأت رجال الشرطة يقوموا باقتياد تاج للخارج وهى تولج للشقة بدهشة وحيرة حتى لمحت وهى تسير سروة واقعة على الأرض فأسرعت إليها.
قامت بإسنادها وهى تقول بعطف:
يا حبيبتي يا بنتي مالك؟ حصل إيه؟
لم تستطع سروة أن ترد من شدة الإعياء الذي تشعر به فنادت جارتها على جارة أخرى هبت لتساعدها على إسناد سروة وقد أخذوها إلى بيت الجارة الأولى، كانت سروة بين الوعي وعدمه وقد أجلسوها على إحدى الارائك ثم سارعوا لتحضير مشروب لها، بقيت تهز رأسها وتلتفت يمينًا ويسارًا بوهن.
كانت السيدة تمسح على وجهها بالماء حتى تساعدها على استعادة وعيها دون فائدة حتى همست سروة بصوت ضعيف واهن قبل أن تفقد الوعي كما ينادي بحرقة من أعماق قلبه:
تاج!
رواية تراتيل الهوى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ديانا ماريا
في نفس الوقت كانت سميحة تساعد نصير على تناول الطعام حين شعرت بنغزة مفاجئة في قلبها وفجأة سقطت الملعقة من يدها في طبق الحساء مسببة تناثر بضعة قطرات منه خارج الطبق.
ناظرها نصير باستغراب: مالك يا سميحة؟
وضعت سميحة يدها على قلبها وهى تقول بقلق ممزوج بالتعجب: مش عارفة يا نصير فجأة كدة قلبي وجعني ومش مطمنة.
تنهد نصير وعيناه تشرد أمامه، عاد ببصره لسميحة التي كانت شاردة أمامها بقلق.
قال بصوت متردد منخفض: س...سميحة هو أنتِ تعرفي أخبار عن...عن سروة؟
نطق الإسم وهو يشعر بغصة تؤلم حلقه، تطلعت له سميحة بحزن ووضعت يدها على يده: متخافش يا نصير تاج بيطمني عليها علطول، هو مستني بس وضعها يبقى كويس وهيجبهالك هنا.
تجمعت الدموع في عيون نصير وتهدج صوته حين تكلم بخزي كأنه يلوم ذاته: هقابلها بأنهي وش يا سميحة؟ هقولها إيه؟ هقدر أحط عيني في عينها إزاي؟ ياترى هتقدر تنسى أنها وقفت قدامي وأنا بقول عليها ميتة يا سميحة؟
أجهش بالبكاء فاحتضنته سميحة وهى تواسيه بعطف ممزوج بالحزن: اه والله كل حاجة هتبقى كويسة وسروة هترجع لحضنك تاني، أنت عارف سروة مبتحبش في الدنيا حد قدك، وأنت كان ليك عذرك لما عرفت بس المهم أنه الحقيقة اتكشفت خلاص.
تنهد نصير بحرقة قلب أب مكلوم على ابنته: اه لو أعرف هو مين اللي عمل فيها كدة كنت قتلته وشربت من دمه!
ردت سميحة بفزع: لا يا نصير أنت عايز تضيع عمرك على واحد خسيس زي ده! إن شاء الله بكرة البوليس يجيبه وحق سروة يرجع.
حدق نصير إلى سميحة بامتنان ممزوج بالخجل: فضلك أنتِ وابنك كبير أوي يا سميحة لولاكم بعد ربنا معرفش كان ممكن يحصل إيه.
عقدت سميحة حاجبيها بعدم إعجاب للحديث الذي تسمعه وردت بعتاب: فضل؟ فضل إيه اللي بين الأخوات ده بس! وبعدين احنا معملناش حاجة، تاج وسروة دلوقتي خلاص متجوزين وتاج عارف كل حاجة هى بقت مراته فواجبه يقف جنبها.
وكأنها انتبهت لأمر ما فتابعت: صحيح ده أنا مكلمتش تاج من امبارح هتصل أشوف الأخبار وبالمرة نطمن عليهم.
نهضت بسرعة لتحضر هاتفها وتتصل بتاج إلا أن لهفتها وانتظارها تحولوا للقلق حين وجدت أن هاتف تلج مغلق، حاولت مرة أخرى ليُعطي نفس النتيجة فهمست لنفسها بتوتر: جيب العواقب سليمة يارب، أنا قلبي بيوجعني من الصبح.
أفاقت سروة توزع نظراتها بإرهاق وتستوعب أين هى، حين عادت الذكريات لها وتذكرت ماحدث قبل أن تفقد الوعي هبت على الفور واقفة مما أدى لاصابتها بالدوار فتوقفت وهى تستند على حافة الأريكة، ولجت الجارة للغرفة وأسرعت إليها تساندها بقلق: اقعدي يا حبيبتي أنتِ واقفة ليه؟ أنتِ لسة تعبانة.
استندت سروة بيدها في يد المرأة حتى تستعيد توازنها ثم قالت بجمود: شكرا بس أنا لازم أمشي.
سألتها المرأة بحيرة: وهتروحي فين بس في حالتك دي؟
تشدقت سروة بإيجاز وهى تحدق إليها بثبات: هروح لجوزي.
ثم شكرت المرأة مرة أخرى قبل أن تتحامل على نفسها وتسير للشقة مرة أخرى، توقفت مترددة للحظات على باب الشقة قبل أن تتذكر تضحية تاج من أجلها، شددت على يدها وتقدمت لغرفة النوم بخطوات ثابتة، لم تنظر لمكان عصام أو الدماء بس توجهت مباشرة للخزانة وبدلت ملابسها، بدلت ملابسها وهى تنظر لنفسها في المرآة، كانت تمشط شعرها وعيونها تحدق لانعكاسها في المرآة، يجب عليها أن تتوقف عن ذلك الضعف الذي سيطر عليها وتبعده عنها، يجب أن تستعيد سيطرتها على نفسها وحياتها مرة أخرى وتعود سروة القوية مجددًا وإن لم يكن من أجلها فلأجل تاج الذي يحارب من حريته ومستقبله الآن.
أخذت حقيبتها وخرجت من الشقة، لم تدري إلى أين عليها أن تتوجه، فهل تذهب لتاج مباشرة أو تذهب لعمتها وتُعلمها بما حدث، حين تذكرت والدها شعرت بالتردد يعود لها، إلا أنها أخبرت ذاتها إن ذلك أمرُ طارئ وستخبر عمتها دون أن يراها والدها.
توجهت إليهم والتوتر يسيطر عليها طول الطريق، دمعت عيناها ولكنها مسحت دموعها بقوة، يجب أن تكون قوية لأجل تاج، حين وصلت تطلعت للمبنى الذي تسكن به هى ووالدها بألم وحسرة، المكان الذي كان دائمًا ملاذًا لها وبها كل ذكرياتها السعيدة.
صعدت السلالم بسرعة وطرقت الباب منتظرة، فتحت عمتها وهى تحدق إليها بدهشة: سروة!
أومأت سروة برأسها قبل أن تقول بهدوء: عايزاكِ في حاجة مهمة يا عمتو.
كانت سميحة مازالت تحدق إليها بعدم تصديق ثم نظرت حولها وهى تتسائل باستغراب: أمال فين تاج؟
شحب وجه سروة وتزايدت نبضات قلبها وهى لا تعلم كيف ستخبرها إلا أنها قبل أن تتكلم قاطعها خروج والدها من غرفته وهو يوجه حديثه لسميحة بنبرة عادية: مين اللي جه يا سميحة؟
توقف حين رأى سروة أمامه، ارتبكت سروة وأشاحت بنظراتها بعيدًا وهى لا تجرؤ على النظر إلى والدها.
قالت سروة بتوتر: أنا... أنا ماشية.
ثم استدارت لتغادر إلا أن صوت نصير أوقفها مكانها وهو يقول بصوت عالي: استني!
تجمدت سروة مكانها وأغمضت عينيها بقوة تفرك يديها بعصبية.
تقدم نصير بخطوات بطيئة وهو يقول بصوت مرتجف: أدخلي.
كانت سميحة تنظر لكليهما بإشفاق فسحبت سروة من ذراعها وأدخلتها إلى الشقة وأغلقت الباب حتى لا يرى أحد من الجيران ما يحدث.
وقفت سروة أمام والدها الذي تقدم حتى أصبح أمامها،مازالت تُغمض عينيها خائفة مما قد تراه في نظراتها من ازدراء لها.
رفع نصير يد مرتجفة وضعها أسفل ذقن سروة ورفع وجهها إليه.
قال بصوت متحشرج: المفروض أنا اللي ميبقاش ليا عين ابص في وشك يا بنتي بعد اللي حصل وقولته وعملته، المفروض أنتِ اللي ترفعي رأسك وأنا أوطيها لأني مسمعتكيش، دلوقتي أنا اللي خايف ابص في عينيكِ ملاقيش أي حاجة ليا تاني يا بنتي.
فتحت سروة عينيها وهى تنظر لوالدها بعدم تصديق، كلماته ونظرات عيونه أزالت أخر مخاوف لديها بعدم قبوله لها، صوته المرتجف وعينيه الدامعتان اللتان تنظرات إليها بندم أذابت الجليد الذي يغلف روحها لوقت طويل.
ارتمت في أحضانه تضمه بقوة وهى تنهار بين ذراعيه اللذان كانت في شوق لهما: بابا!
احتضنها نصير بشدة إليها وهو يقول بندم: سامحيني يا بنتي، أنا مش عارف إزاي محسيتش بيكِ كل ده عيشتيه لوحدك وأنا مش داري عنك.
هزت سروة رأسها بقوة: متحملش نفسك ذنب حاجة يا بابا، أنا مكنتش عايزة اقلقك ولا أزعلك مقدرتش أقف قدامك وأواجهك بحاجة زي دي، دي كانت غلطتي أنا.
مسح على شعرها بحنان وهو يقبل قمة رأسها من بين دموعه المنهمرة، بقيا على ذلك الوضع لفترة وسميحة تناظرهما بمزيج من الفرح والعطف على حالهم حتى ابتعدت سروة وهى تمسح دموعها.
سألت سميحة فجأة بنبرة متوجسة وهى تلاحظ غياب تاج: صحيح يا سروة تاج فين؟ مجاش معاكِ ليه؟
تجمدت يد سروة مكانها قبل أن تُكمل مسح دموعها، ازدردت ريقها بصعوبة ورفعت بصرها لعمتها.
أطلقت سروة تنهيدة قبل أن تجيبها بنبرة قاتمة: تاج اتقبض عليه النهاردة.
رواية تراتيل الهوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ديانا ماريا
شهقت سميحة: اتقبض عليه؟ ليه؟
نظرت لوالدها ثم إلى عمتها قبل أن تقول بتمهل: علشان قتل واحد.
ضربت سميحة على صدرها وعيناها تتسعان من شدة الصدمة: يادي المصيبة!
ردد نصير بعدم تصديق: قتل واحد! إزاي؟
ترددت سروة لوهلة هل تخبرهم الحقيقة أم كما أخبرها تاج أن تقول ولكنها شعرت بنفسها جبانة في تلك اللحظات فانطلقت الكلمات من فمها دون ترتيب: قتل اللي عمل فيا كدة، حاول يتهجم عليا تاني وتاج مش موجود ولما وصل شافه وحصل اللي حصل.
كانت صدمة كل من سميحة ونصير تزداد مع كل كلمة تخرج من فم سروة حتى إذا انتهت ضربت سميحة بقوة على وجهها: يا حبيبي يابني!
لم تجرؤ سروة على النظر إلى عمتها حتى لا تنهار وتعترف بكل شيء، بقيت واقفة تحدق إلى الأرض ثم رفعت رأسها تحاول الكلام بصوت ثابت: لازم نروح له دلوقتي ياعمتو أنا جاهزة.
التفتت لوالدها تسأله بقلق: حضرتك هتقدر تيجي يا بابا؟
رد والدها بصلابة: طبعا ده سؤال! حتى لو مش قادر هدوس على نفسي وأجي علشان خاطر تاج دلوقتي هو محتاجنا كلنا.
استدار نصير وبخطوات بطيئة سار لغرفة النوم حتى يبدل ملابسه فالتفتت سروة لترى عمتها مازالت تقف مكانها تحدق إلى الفراغ بعيون حمراء من الدموع يظهر على وجهها ألم أُم مكلومة على ابنها.
رفعت سروة يدها بروية حتى وصلت لكتف عمتها وهى تقول بخفوت: عمتو مش هتلبسي؟
انتفضت عمتها التي كانت شاردة ونظرت لها بجفاء: هروح ألبس علشان أشوف ابني اللي هيضيع مني ده فين.
غادرت دون كلمة زيادة فتماسكت سروة وهى تحدث نفسها بأن عمتها محقة في جفائها لم تعتب عليها أو تستنكر تصرفها، بل هى تفعل كما كانت أي أم ستفعل لأجل ابنها، فماذا استفادت هى أو تاج من الوضع الحالي بل لقد تأذوا كثيرًا خصوصًا تاج.
في تلك الأثناء كان تاج محتجزًا في مركز الشرطة وقد وضعوه في غرفة لوحده حتى يأتي الضابط ويبدأ التحقيق معه.
دلف الضابط للغرفة فرفع تاج رأسه لا تظهر أي مشاعر عليه، أغلق الضابط الباب ورائه ثم سحب كرسي وجلس أمامه.
وضع الضابط يديه على الطاولة وهو يميل للإمام قائلًا بهدوء: ها؟ حابب أسمع منك اللي حصل.
رفع تاج حاجبه وقال ببرود: مش حضرتك سمعت مني مرة؟ هتسمع مني إيه تاني؟
ابتسم الضابط ابتسامة جانبية مجيبًا بتعجب: تفاصيل اللي حصل مثلا؟ أنت عارف أنه الوضع اللي أنت فيه مش سهل، الرجل اللي ضربته حالته خطيرة جدا واحتمال في أي لحظة يموت.
تصلبت ملامح وجه تاج كليًا وحدجه بنظرات حادة: مفيش تفاصيل أكتر من أنه الحيوان ده استغل أني مش موجود ودخل يتهجم على مراتي وأنا لما شوفته زي أي رجل دمي حُر عملت اللازم يموت ولا يغور في داهية أنا ميهمنيش!
استشفى الضابط من حديث تاج وملامحه ما أراد وبحديثه وقسمات وجهه الغاضبة تاكد من صدق حديثه فتنهد: تمام الأمور هتمشي طبيعي لحد ما توصلنا أخبار من المستشفى عن وضع الرجل، هتتحجز هنا معانا لحد ما تنتهي التحقيقات.
أومأ تاج برأسه دون أن يرد فنادى الضابط على العسكري الذي بالخارج وأمره باصطحاب تاج إلى الزنزانة حتى يستدعيه مرة أخرى.
وصلت سروة مع عائلتها إلى مركز الشرطة ليشاهدوا تاج في تلك اللحظة يقتاده العسكري من يده الموضوعة في الأصفاد، توقف تاج بدهشة وقد رآهم، في تلك لم تشعر سروة بنفسها إلا وقدماها تتحرك من مكانها وهى تركض حتى وصلت إلى تاج الذي عانقته بقوة وقد أحكمت ذراعيها حول عنقه.
ضمها تاج إليه بيد واحدة حسب ما يستطيع بسبب يده المقيدة الأخرى وهو يدفن وجهه في شعرها، سمع شهقاتها المنخفضة وصوتها النادم يهمس في أذنه: سامحيني أنا السبب في كل اللي أنت فيه ده.
شدد من احتضانه لها ثم ابتعد عنها وهو يبتسم: مش قولنا هنبطل الكلام ده؟ أنتِ مراتي وده واجبي فاهمة؟
لم تدري سروة لماذا سماعه يدعوها زوجته فعل بها الأفاعيل وقد تسارعت نبضات قلبها وشردت نظراتها في وجهه، الحرارة تغزوها داخليًا حتى انتبهت بسبب عمتها التي تقدمت تعانق تاج وتبكي.
قالت سميحة بحسرة: عامل إيه يا حبيبي؟
ابتسم تاج لها حتى تطمئن: متخافيش يا ماما أنا كويس يا حبيبتي.
انتبه تاج لوجود خاله فنظر لسروة نظرة ذات مغزى قبل أن تبتسم له وهى تومأ برأسها فلمعت عينا تاج بالسعادة.
قال نصير بقلق: عامل إيه يا تاج؟ إحنا كلمنا المحامي وأحنا جايين متقلقش.
قال تاج بامتنان لخاله: أنا بخير يا خالي ومتقلقش القضية مش هتحتاج محامي.
حدق إلى عيون سروة بنظرة تفهمها هى فقط وهو يقول بجدية: أنا عملت اللي المفروض يتعمل مع واحد زي ده ومحدش هيحاسبني أكيد على واجبي.
قال العسكري بحدة: إحنا هنفضل واقفين طول النهار؟ يلا قدامي!
أمسكته سميحة من ذراعه تتمسك بها بلوعة فنظر لها تاج بعطف: هرجع لك علطول يا ماما باذن الله متقلقيش.
ثم أخذه العسكري بعيدا فانهمرت دموع سميحة وهى تستند على كتف نصير بينما تابعت عيون سروة تاج حتى اختفى عن بصرها، تشعر بشيء ثقيل يجثم على صدرها وهى تراه في هذا الوضع وبسببها هى.
استدارت لوالدها وعمتها وقالت بجدية بعد أن سيطرت على مشاعرها: أنا هدخل للضابط علشان أتكلم معاه أكيد محتاجين شهادتي في الموضوع.
لم تنظر لها سميحة بينما أومأ لها والدها فتحركت حتى وصلت لغرفة الضابط وطلبت من العسكري الدخول وأخبرته من هى ولماذا تريده.
دلفت للغرفة بعد أن قام العسكري باستدعائها بناءً على أوامر الضابط.
ولجت سروة إلى غرفة وجلست استجابة لدعوة ضابط الشرطة.
قال لها بجدية: أهلا يا مدام سروة، إحنا كنا لسة هنستدعي حضرتك للشهادة علشان نبدأ التحقيقات الرسمية.
ازدردت ريقها وتحدثت بإيجاز: وأنا جيت علشان كدة يا حضرة الضابط.
شبك الضابط أصابعه ببعضها على الطاولة أمامه وسألها بحسم: ممكن تحكي لي اللي حصل من البداية؟
كانت سروة على وشك الرد حين رن الهاتف فرفع يده يعتذر منها حتى يرد، حين رد على الهاتف تغيرت ملامح وجهه قليلًا وعبس يقول بفهم: اه تمام خلاص فهمت.
أغلق الهاتف وهو يتنهد ثم وجه نظراته لسروة موجهًا كلماته بصوت قاتم: دي كانت المستشفى اللي انتقل عليها الرجل اللي ضربه جوز حضرتك..
صمت لثانية قبل أن يتابع بوجوم: وصلني خبر دلوقتي أنه مات متأثر بالإصابة بتاعته.
رواية تراتيل الهوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ديانا ماريا
انتفض جسد سروة بالكامل واتسعت عيناها من الصدمة كما جف حلقها بشدة محاولًا استيعاب ما يقوله. خفق قلبها بقوة وبدت عاجزة عن التصديق.
نظرت للضابط ثم أمامها وتزداد وتيرة سرعة تنفسها حتى بات صدرها يعلو ويهبط بشدة. وضعت يدها على قلبها لأنها شعرت بنفسها تختنق.
نهض الضابط من مكانه وهو منعقد الحاجبين بتعجب:
"حضرتك كويسة يا مدام؟"
تسارعت أنفاس سروة بشكل غير طبيعي وقد شعرت بشيء يسد حلقها يمنعها من الرد. نادى الطبيب بصرامة على العسكري وطلب منه إحضار كوب ماء حين رأى حالتها.
جلس أمامها وهو يقول باهتمام:
"يا مدام أهدي لو سمحتِ."
سقطت الدموع من عيني سروة التي تحدق أمامها دون أن تنتبه لأي شيء حولها، فقط تفكر في موت عصام الذي سيزيد من موقف تاج سوءًا.
همست بصوت مبحوح تتحكم بها الهستيريا:
"تاج! تاج كدة هيضيع وكله بسببي! تاج هيضيع بسببي!"
لم يستطع الضابط سماع حديثها فانحنى للأمام وهو يقول بتساؤل:
"بتقولي إيه؟"
رفعت بصرها له ولكنها لم تكن تراه من الأساس، بل تابعت بنبرة حسرة ممزوجة بالندم:
"تاج هيضيع بسببي! كل ده بسببي! كل حاجة حصلت بسببي أنا!"
ازدادت حيرة الضابط وقد انعقد حاجبيه باستغراب بسبب كلماتها. راوده بعض الشك فسألها بنبرة تغلب عليها الجدية الممزوجة بالحذر:
"ليه بسببك؟"
توقفت سروة عن هذيانها واتسعت عيناها قليلا وهي تحدق للضابط وكأنها استوعبت وجوده أمامها. لم تدري هل تبُح بالحقيقة حتى تنقذ تاج أم أن هذا سيزيد الوضع سوءًا مما هو عليه، ثم تذكرت وعد تاج الذي طالبها بها قبل أن تأتي الشرطة وكيف سيرتب الأمر بشكل لن يُعاقب عليه، فإذا هى اعترفت الآن تكون قد قامت بهدم كل شيء.
رفعت بصرها للضابط ومسحت دموعها وهي تقول بتوتر حاولت إخفائه:
"قصدي.. أنه يعني هو قتله علشاني واتسجن، فلو مكنش قتله بسببي مكنش بقى ده موقفه دلوقتي."
تابعت بحزن:
"هو دلوقتي هيحصل إيه يا حضرة الضابط؟ جوزي هيحكموا عليه؟"
تراجع الضابط وقد بدأ يفكر بشكل أعمق في القضية التي أمامه. وضع ساق في الأخرى وأراح يده على المكتب الذي بجانبه وهو يجيبها بهدوء:
"لا الموضوع مش بالشكل ده يا مدام سروة. مبدئيًا إحنا حققنا مع جوزك ودلوقتي ده دورك في الشهادة، بعدين لازم نفرغ كاميرات المراقبة اللي لقيناها في العمارة عندكم. وبعد كل التحقيقات دي لو ثبت صحة كلامكم أنه دي جريمة شرف وهو قتله دفاع عنك هياخد براءة أو حُكم مخفف مع إيقاف التنفيذ، إنما لو مثبتش كدة بقى...."
ترك بقية حديثه مُعلقًا عن قصد فسألته سروة والخوف يغزو قلبها:
"هيبقى إيه؟"
تابع وهو يحدق إليها بتركيز يحاول أن يستشفي منها أي تعبير:
"التحقيقات هتطول وممكن يتحكم عليه زي أي جريمة قتل عادية ودي حكمها المؤبد أو الإعدام."
شحب وجه سروة حتى أصبح أبيض كالأشباح وارتعشت شفتيها. فنهض الضابط مجددًا:
"حضرتك بخير؟ أطلب لك دكتور؟"
هزت رأسها بالنفي. وفي تلك اللحظة دخل العسكري مع كوب الماء فأصر الضابط على سروة أن تشرب منه قليلًا فشربت بعد إصرار تحاول تهدئة ضربات قلبها.
شعر الضابط بالشفقة حين رأى حالتها فحاول طمئنتها:
"متخافيش يا مدام، مش حضرتك متأكدة من براءة جوزك؟ وأنها جريمة شرف مش مدبرة؟"
اندفعت سروة تقول بيأس:
"والله برئ، هو عمل كدة علشاني. عمل كدة لأنه كان بيحاول يعمل..ي...."
ثم انقطع حديثها وأجهشت بالبكاء وهى تضع يدها على فمها. أشفق الضابط على حالتها فقد كان يظهر عليها الصدق ولكن مازال أمامه التحقيقات حتى يصدق. فتنهد ثم بعد أن هدأت سروة وأدلت بإفادتها حسب ما أوصاها تاج فقالت أنها كانت تحضر الغداء وزوجها خارج المنزل حين تسلل عصام للمنزل وحاول التهجم عليها. وفي أثناء ذلك عاد تاج وقد ثارت ثائرته حين رأى ذلك المشهد فأسرع وطعنه. لم يكن ذلك الكلام كذبًا كليا على الأقل الجزء الأول منه.
خرجت بعدها وهى تسير بتعب خارج الغرفة بعد أن أخبرها الضابط أنهم سيحتجزون تاج لحين فحص كاميرات المراقبة واكتمال التحقيقات.
أسرع إليها والدها وعمتها حين رأوها تخرج. قالت عمتها بقلق:
"ها الظابط قالك إيه؟ تاج هيخرج امتى؟"
شعرت سروة أن قدميها لا تحملانها فرفعت يدها تريد أن تستند على أي شيء فأسندها والدها إليه.
رفعت عيون متعبة لعمتها وردت بصوت خافت:
"هيفضل لحد ما يكملوا تحقيقات ويشوفوا كاميرات المراقبة."
ردت عمتها بحزن ممتزج باللوعة:
"يعني تاج هيفضل هنا؟ في المكان ده؟"
تحولت نظراتها للعتاب الممزوج بالقهر فأخفضت سروة عيناها للأرض. استدارت عمتها وغادرت دون كلمة فضمها والدها له يقول بحنان:
"متزعليش يا حبيبتي باذن الله كل حاجة هتكون بخير."
أومأت برأسها دون أن تكون لها القدرة على الرد وخرجا سويًا. فكانت سميحة واقفة في الخارج تنتظرهما ولكنها ترفض النظر لسروة.
عادوا إلى المنزل جميعًا فدلفت سروة لغرفتها على الفور وأغلقت الباب ورائها. جالت ببصرها لغرفتها القديمة ثم رمت حقيبتها من على كتفها على الأرض وتقدمت نحو السرير وتمددت عليه.
كانت تحدق للحائط بشرود، قلبها يهتف حزنًا على تاج الذي ربما يُقضى على حياته كلها من أجلها، تاج ذلك الشاب الناجح، الواثق من نفسه، والمتعلم الذي له مستقبل باهر في مجال عمله ودراسته أو كان له. فبسبب تلك الحادثة ربما يتم القضاء كليًا على أحلامه. لطالما كان تاج طوال حياتهما على قدر غموضه ولكن لا يخفى حبه للحياة على من حوله وتطلعاته للمستقبل وطموحه. حتى أن سروة كانت معجبة بقوة شخصيته وتفكيره والآن أين هو بسببها هى؟
لم تدر متى غفت ولكنها كانت فجأة تركض في مكان غريب ومخيف مليئ بالضباب. كانت تائهة وخائفة حتى توقفت تلهث لتلتقط أنفاسها وهى تنتحي قليلا وتستند بيديها على ركبتيها.
حين وقع ظل عليها رفعت بصرها لتجد عصام أمامها. كان يقف ويبتسم ابتسامة دبت الرعب في قلبها وملابسه مليئة بالدماء. جف حلقها وهى تتراجع للوراء وهو يتقدم نحوها. حاولت أن تُخرج أي صوت أو تستنجد بأحد دون فائدة حتى نجحت في القول بصوت مبحوح:
"ت...تاج!"
ارتفع صوتها أكثر وهى تنادي بذعر عيناها تراقب تقدم عصام نحوها وابتسامته الشريرة تزداد اتساعًا كما أن عيناه متسعتان بشكل مُخيف.
كان قلبها يخفق بقوة فنادت تاج بصوت أعلى حتى سمعت صوتًا فاستدارت خلفها لتجد تاج يقف بعيدًا عنها.
نظرت لعصام قبل أن تلتفت وتركض ناحية تاج وهى تمد يدها ولكن كلما اقتربت لتاج زادت المسافة بينهما فزادت سرعتها وهى تناديه. كان ابتعاده يزيد عنها حتى اختفى فوقعت على الأرض تبكي بعد أن بح صوتها.
رأت الظل يُلقي بآثاره عليها مرة أخرى فأدارت رأسها بحذر. كان عصام يقف ورائها مباشرة وقد ابتسم حتى ظهرت جميع أسنانه ينظر لها بجنون. في لحظة رفع يده لأعلى ليظهر بها سكين فشهقت بسروة قبل أن يهبط بيده بسرعة لتصرخ سروة بأعلى صوتها.
استقامت فجأة وهى تصرخ لتجد أنها مازالت في غرفتها في بيت والدها وقد كانت تحلم. زفرت بشدة وهى تمسح على وجهها. فُتح الباب وولج والدها بسرعة للغرفة وهو يقول بقلق:
"مالك يا حبيبتي؟ سمعناكِ بتصرخي من برة."
جلس بجانبها على السرير. يلاحظ ارتجاف جسدها لف ذراعيه حولها يضمها لصدره.
كانت عمتها تقف على الباب تحدق بسروة بخليط من القلق والاستياء المخفي.
قالت بهدوء:
"هروح أعملها حاجة تشربها."
كانت مغمضة العينين في احضان والدها. هدأت بعض الشيء ولكنها مازالت تتذكر الكابوس المرعب بكل تفاصيله إلا أن أحضان والدها الدافئة كانت كالبلسم لقلبها. رفعت يدها تحتضن والدها بدورها وهى تقول باشتياق:
"وحشني حضنك أوي يا بابا."
ضمها والدها أكثر وهو يقبل رأسها بحنان ممزوج بالندم:
"ومش هتبعدي عنه أبدا يا حبيبتي طول ما ربنا كاتب لي عمر."
شددت من ذراعيها حوله بخوف:
"بعيد الشر عليك، ربنا يحفظك ليا يارب."
ولجت عمتها للغرفة تحمل كوبُا من العصير فتناولته سروة ثم عادت إلى أحضان والدها الذي قرأ عليها بعض آيات من القرآن حتى هدأت ونامت مرة أخرى فانسحبوا بهدوء من الغرفة.
في تلك الأثناء وبعد التحقيقات الرسمية وفحص كاميرات المراقبة رأى الضابط تاج يهبط من المنزل ثم بعدها بعشرة دقائق عصام يتسلل إلى المنزل عن طريق فتح الباب بشيء حجمه في مُنتهى الصِغر مكان المفتاح. بعدها بمدة زمنية عاد تاج وقد ظهر أثناء فتحه للباب أنه توقف للحظة قبل أن يدخل بسرعة بطريقة توحي بشيء غير طبيعي في الداخل. بعدها وصول الشرطة.
أوقف الضابط تسجيل الفيديو وهو يفكر. فالتسجيل الذي أمامه يثبت صدق حديث تاج وسروة كما أنه بعد بحثه الدقيق في خلفية تاج قد وجد أنه ليس من نوعية الأشخاص الذين يرتكبون جريمة بهذا الشكل. فخلفية تاج الذي يأتي من عائلة محترمة للغاية ذات سمعة طيبة وتعليمه العالي الذي أكمله في الخارج وطبيعة شخصيته الراقية توحي بمدى صعوبة إرتكاب جريمة كهذه إلا إذا كان له دافع قوي لها. كما أن بعد التدقيق في خلفية عصام أيضًا اكتشف سهولة تصديق ادعاء كهذا في حقه. كان ملف عصام لدى الشرطة يوضح أنه مجرم مُسجل لديه العديد من السوابق والاتهامات كالسرقة ومحاولات الاعتداء وغيرها الكثير، وهو ما يثبت صحة الكلام عن ماحدث ذلك اليوم وباكتمال رؤيته للموقف تنهد الضابط وهو يجمع كل الأدلة التي بين يديه.
في اليوم التالي استيقظت سروة تشعر بجميع جسدها يؤلمها ولكنها تحاملت على نفسها وهي تنهض لأجل أن تذهب لتاج. ارتدت ملابسها وخرجت ووجدت عمتها ووالدها يجلسون معًا.
قال والدها بدهشة:
"لابسة على فين كدة يا بنتي من الصبح؟"
ردت سروة بهدوء:
"رايحة القسم لتاج يا بابا."
لم تتكلم عمتها بينما قال والدها باستغراب:
"بدري كدة؟ طب اقعدي وهنقوم كلنا نروح مع بعض كمان شوية."
هزت رأسها بالنفي وهي تقول بإصرار:
"لا معلش أنا هروح وأنتوا تعالوا براحتكم."
قبل أن تتحرك رن هاتفها برقم غريب فحدقت إليه بعبوس ثم ردت ببرود:
"أيوا مين معايا؟"
تغيرت قسمات وجهها وقالت باهتمام ممزوج باللهفة:
"أيوا أنا سروة في إيه؟"
نهض والدها وعمتها يراقبونها باهتمام وفضول.
أضاءت عيون سروة وظهرت الدهشة الممزوجة بالفرح على وجهها وهي تتابع بلهفة:
"حضرتك بتتكلم بجد؟ يعني ده هيحصل؟ هيخرج النهاردة!"
نظروا لها بذهول ثم حدقا ببعضهما بفرح حتى أغلقت سروة الهاتف وهى تضحك بعدم تصديق.
قالت عمتها بلهفة:
"مين اللي كلمك يا سروة؟ الكلام عن تاج؟"
أومأت سروة برأسها تحدق إلى عمتها وقد دمعت عيناها تأثرًا:
"أيوا هيخرج النهاردة براءة لأنها جريمة شرف والأدلة أثبتت كدة علشان كدة مش هيتحاكم فيها."
تنهد الجميع براحة وسعادة وقد سارعت سروة لاحتضان والدها بفرح ثم حين ابتعدت عنه والتفتت لعمتها وقفت فجأة وتقلصت حجم ابتسامتها.
ابتسمت عمتها بجفاء:
"أنا هدخل ألبس علشان نروح نجيبه."
ثم دخلت لغرفتها فربت والد سروة على كتفها يواسيها فابتسمت له وهى تربت على يده.
وصلوا لقسم الشرطة وانتظروا في الخارج إنتهاء الإجراءات لحين خروج تاج. حين أخيرا ظهر تاج يخرج من قسم الشرطة اتسعت ابتسامة سروة ولمعت عيونها وهي تشاهده يتقدم نحوه. رغم التعب والارهاق الظاهر عليه إلا أنه كان مبتسم وهو يتقدم نحوهم.
كان أول من تقدم لتاج هى سميحة وقد عانقته بقوة وهي تبكي. ضمها تاج وهدأها حتى هدأت وابتعدت تضع يديها على وجهه تنظر فيه وتتفحصه بشوق وحنان أمومي. ثم سلم تاج على خاله بحرارة ويتحدثان بود يؤجل والد سروة الحديث المهم حين يصبحان في المنزل. ثم التفت تاج لسروة التي مازالت تنظر له وتبتسم فقط.
شيء غريب أو خفقة قلب بشكل جديد، هذا ما كانت تشعر به داخلها. تتسابق دقات قلبها في الإعلان عن فرحتها. رؤيته أمامها سالمًا ملأتها سعادة. كان تاج ينظر لها بابتسامة مستغربة لأنها مازالت تقف ولم تتقدم لتسُلم عليه. حين تحركت نحوه سروة بلاوعي مدفوعة بشيء داخلها يحثها ويحركها. وقفت أمامه، رفعت قدميها من على الأرض ثم لفت ذارعيها حول رقبته ودفنت رأسها في عنقه وهي تغمض عينيها بقوة يسيطر على كامل حواسها إحساس غير مألوف ينتابها لأول مرة.
رواية تراتيل الهوى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ديانا ماريا
تجمد تاج مكانه وقد علت وجهه إمارات الذهول، إلا أنه سرعان ما ابتسم مدركًا أن تصرفاتها نابعة من شعور الراحة الذي تشعر به لأنها لم تتسبب في سجنه. فرفع ذراعيه ولفهما حولها. ابتسم والدها وهو يراهم، بينما بقت تعابير عمتها غامضة.
كانت سروة تسبح في عالم آخر مغمضة العينين، شعور من السلام يعتمل داخلها. حتى أفاقت وفتحت عينيها وهي تنتبه أنها أطالت معانقة تاج. فابتعدت مبتسمة بحرج، تبعد شعرها وراء أذنها.
"ااه... حمدًا على السلامة."
ازدادت ابتسامة تاج اتساعًا.
"الله يسلمك."
ثم نظر للمكان حوله بضيق.
"يلا نمشي من هنا، عايز أخد شاور وأرتاح."
غادروا جميعًا وعادوا للمنزل. فدلف تاج على الفور لغرفته القديمة حتى يستحم ويزيل آثار تعب السجن من عليه. بينما بدأت سميحة تحضر له الطعام حتى يأكل، وولج نصير لغرفته ليرتاح وينام قليلًا.
كانت سروة تجلس في غرفتها على سريرها تفكر بتوتر. أنها ترغب في التحدث إلى تاج، ترغب في شكره على صنيعه الذي فعله من أجلها. كما أنها يجب أن تتحدث معه أيضًا، فمازالت لا تستوعب كيف أقدم على تلك الخطوة الصعبة. لم تستطع الانتظار أكثر من ذلك. فنهضت وخطت بخطوات سريعة حتى غرفة تاج وفتحت الباب دون أن تطرقه. لم تجده في الغرفة. فنظرت في أرجائها بحيرة وهي تغلق الباب ورائها.
كانت على وشك مناداته حين خرج تاج من حمام الغرفة بعد أن استحم. كان يجفف شعره بمنشفة صغيرة ولم ينتبه لوجود سروة في البداية. تجمدت سروة مكانها، خفق قلبها بقوة لرؤيتها تاج عاري الصدر.
وقفت متجمدة مكانها تحاول الكلام دون أن يخرج منها حرف واحد. حين رفع تاج رأسه ورآها. عقد حاجبيه باستغراب.
"سروة؟ فيه حاجة؟"
ازدردت ريقها بصعوبة وقد احمر وجهها بشدة. قالت بارتباك.
"ا..اا... أنا آسفة."
ثم استدارت وهي تلعن نفسها وخرجت من الغرفة بسرعة البرق. أسرعت لغرفتها وارتمت على السرير وهي تزفر بقوة وتحاول تهدئة نبضات قلبها. أغمضت عينيها بشدة توبي نفسها وغبائها. فكان ينبغي أن تطرق الباب قبل أن تدخل، وكان يجب أن تخرج بسرعة بدل أن تقف كالبلهاء كما فعلت. جلست على السرير وهي تضع يديها على خديها المشتعلتين تقرصهما بخفة تفكر كيف ستتخلص من إحراج ذلك الموقف وكيف ستقابل تاج دون أن تشعر بالإحراج.
بعد قليل نادت عمتها للغداء. فخرجت وهي تتحاشى النظر لتاج. وحين رأت أن موقفه عاديًا ولم يعر اهتمامًا لما حدث، ارتاحت. ومر الغداء بصمت وسلام عليهم. كان اليوم هادئ بشكل ما لأن تاج كان مُتعبًا. فلم تجد سروة الوقت لتتحدث إليه. وانشغل كل منهم بعمله الطبيعي. فانشغلت عمتها بالمطبخ. كما أن والدها جلس يتابع التلفاز مع تاج الذي استأذن منه بعد قليل ليدخل غرفته وينام بعض الوقت. فجلست سروة في غرفتها بملل. فكرت فجأة في المستقبل وكيف ستتابع حياتها بعد الآن. لقد تخلصت من أكبر عقبة في حياتها. ولكن آثارها مازالت موجودة. وهي تعلم أنها ستكون موجودة دائمًا. ولكن يجب عليها الآن أن تبدأ في التفكير في نفسها.
كانت تتحدث بينها وبين نفسها أنها يجب أن تفك في عملها الذي أهملته طوال الأشهر الماضية. تنهدت وقد تعبت من كثرة التفكير. وقد قررت أن تترك الأيام تمضي كما هي حتى تشعر أنها أصبحت أفضل حالًا لتخطط للمستقبل.
ذهب الجميع للنوم في الليل. إلا أن نفس الكابوس عاد يرواد سروة مجددًا. فكانت تصرخ في نومها وجهها مُتعرق بشدة وتتحرك كأنها تهرب من شخص ما. استيقظ الجميع على صُراخها وتوجهوا لغرفتها. كان أول من توجه لها هو والدها. بعد أن استيقظت وجلست تلهث كأنها كانت تركض لفترة طويلة.
احتضنها والدها بقلق وهو يشعر برجفة جسدها.
"مالك يا بنتي؟ إيه حكاية الكوابيس اللي بقت تجي لك دي."
تقدم تاج وجلس على الناحية الأخرى من السرير. وأخذ سروة من حضن والدها لحضنه هو. رفع بصره لوالدها يطمئنه بابتسامة.
"هتلاقيه شوية ضغط من الحاجات اللي حصلت يا خالو، أرتاح أنت وماما وأنا هفضل معاها."
نظر له خاله بتردد. ثم نظر لسروة التي هدأت وأغمضت عينيها ورأسها تستريح على صدر تاج. فنهض. ثم خرج هو وسميحة.
عدل تاج من وضعيته. فرجع للوراء حتى استند بظهره إلى ظهر السرير ويُريح سروة على صدره. يده وراء ظهرها. بينما هي تضع رأسها قرب عنقه.
مسح على شعرها بحنان وصمت ينتظرها أن تهدأ. حتى فتحت عيناها أخيرًا ونظرت أمامها بشرود.
"تفتكر هيجي يوم وكل ده هيبقى مجرد ذكرى؟"
رد تاج بصوت رخيم.
"أكيد....كل حاجة مع مرور الوقت بتبقى ذكرى بعيدة. حتى الوحشة لما بنفكر فيها بننساها علطول علشان منفتكرش الفترة السيئة من حياتنا."
اختنق صوتها.
"بس أنا مش حاسة بكده يا تاج، بالعكس حاسة أنه بيسيطر عليا لدرجة أنه بيخنقني."
أمسك بيدها وهو يشد عليها قائلًا لُيحفزها.
"علشان كده مش لازم تسمحي للماضي أنه يسيطر على حياتك، لازم تنتصري عليه. خلاص الماضي انتهى وعدى وأنتِ اللي موجودة وتقدري تحددي الحاضر والمستقبل. متدمريش اللي جاي علشان خاطر اللي راح."
ردت سروة وشعور الذنب يملأ قلبها.
"المشكلة أنك اتأذيت معايا في حاجة مش ذنبك! اتعاقبت على حاجة معملتهاش وأنا مش قادرة أسامح نفسي أني كنت جبانة وسيبتك تعمل كده."
أخذ تاج نفسًا عميًقا وهو يرد بجدية ممزوجة بالعتاب.
"وأنا قولتلك اللي عملته ده كان الصح وواجبي وأي رجل في مكاني كان هيعمله. متفضليش تحسسي نفسك بالذنب، أنا اللي اخترت أعمل كده ومش ندمان."
رفعت رأسها من على صدره لتنظر له قائلة بضيق.
"بس أنت مكنتش مضطر لكده ومستقبل..."
قطعت كلامها حين رأت أن المسافة بين وجهيهما لا تتعدى الانش الواحد. يكاد أنفها يلتصق بأنفه. صمتت وعيونها تحدق في عيونه. ترك تاج يدها وارتفعت يده حتى وضعها على وجنتها يمسح عليها برقة. كانا مايزالان يحدقان إلى بعضهما. تحرك تاج قليلًا للأمام فتحركت سروة أيضًا حتى التقت شفاههما أخيرًا.
فجأة ابتعدت سروة عنه بقوة وأدارت ظهرها له. فانتفض تاج من على السرير وخرج بسرعة من الغرفة. كانت تجلس محدقة أمامها بعينان مُتسعتان لا تصدق ما حدث للتو.
رواية تراتيل الهوى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ديانا ماريا
كانت سروة مازالت تحدق أمامها بصدمة ولا تستوعب ما حدث الآن.
ارتفعت يدها المرتعشة ولمست شفتيها بعدم تصديق.
هل ما حدث كان حقيقة بالفعل؟ لم يكن حلمًا أو خيالًا؟
قفزت من مكانها تذرع الغرفة مجيئًا وإيابًا بتوتر حتى توقفت مكانها.
فركت يديها ببعضهما تسأل نفسها كيف حدث ذلك بينهما؟ وكيف تقاربا بذلك الشكل؟
لابد أن ذلك كان نتيجة تأثير الأجواء المتوترة التي عاشوها.
أقنعت نفسها بذلك وهي تهز رأسها بقوة فهي وتاج كانا طوال عمرهما مثل الإخوة، وإن كانا متزوجين الآن فذلك لسبب معين فقط وليس زواجًا عاديًا أو حتى لأنه يراها بنظرة غير ذلك.
يراها كامرأة.
التفتت ببطء لمرآتها، تطلعت لنفسها ثم تقدمت تتأمل هيئتها في المرآة.
شعرت بأنها ترى نفسها بصورة غير التي اعتادت عليها طوال الأشهر الماضية.
فلم تكن تحدق إلى المرآة وتكره ما تراه أمامها من انكسار وضعف، حتى أنها أضحت ترى نفسها دميمة الشكل.
ولكن الآن تتغير رؤيتها وتعود لترى نفسها بشكلها الأصلي الطبيعي.
مررت يدها على شعرها الطويل ثم على وجهها.
إنها جميلة ومازالت جميلة، ولكن الأحداث أضفت على ملامحها التعب والإرهاق.
ولكن كل تلك أمور مؤقتة.
فجأة تسألت بينها وبين نفسها: هل يراها تاج جميلة؟
نفضت تلك الأفكار عنها بسرعة، فما يهمها إن رآها تاج جميلة أم لا؟
تذمرت بحنق حين فكرت كيف ستواجهه غدًا.
فإذا كانت تعتقد أن ما حدث في منتصف اليوم إحراج، فها هي تتعلم المعنى الحقيقي للإحراج.
عادت تجلس على السرير تتذكر القبلة التي حدثت منذ قليل.
هذه المرة ظهرت ابتسامة لا شعوريًا على وجهها وإحساس من الدفء يتسلل إليها.
حتى تمددت على السرير واحتضنت وسادتها شاردة فيها مرارًا وتكرارًا لتنام دون أن تشعر.
ولكن هذه المرة بدون كوابيس تؤرق مضجعها.
في ذلك الوقت ولج تاج إلى غرفته وأغلق الباب بحدة محدثًا ضجة خفيفة.
أنفاسه تتسارع يحدق أمامه بعدم تصديق.
كيف تجرأ وقبل سروة؟ لِمَ فعلها من الأساس؟
جلس على سريره وهو يمسح بوجهه ثم تمدد بجسده ونظراته محدقة إلى سقف الغرفة.
لقد كان آخر شيء ممكن أن يخطر على باله يومًا أن يحدث ما يغير علاقته بسروة.
فكيف سيحدق إلى وجهها؟
شعر بالضيق من نفسه أنه لا يرغب بأن تعتقد سروة أو تشعر بأنها استغل ضعفها وانتهز الفرصة لنفسه أو أنه كان يدعمها لشيء في نفسه غير مساندتها.
تنهد بشدة وأغمض عينيه قبل أن تطرأ فكرة مفاجئة على باله.
تيقظ واعتدل في جلسته وقد أخذت تلك الفكرة كل اهتمامه وظهر على وجهه الجدية التامة.
فلم تذق عيناه النوم إلا بعد وقت طويل.
في الصباح استيقظت سروة تشعر بالنشاط على غير عادتها، فنهضت واستحمت ومشطت شعرها بعناية.
حين انتهت ترددت في الخروج.
احمر وجهها لا تعلم كيف ستواجه تلك بعد أمس، ولكنها قررت بأنها ستتصرف بطبيعتها.
ومادام هو لم يذكر أي شيء عن الموضوع فلن تذكره هي أيضًا.
خرجت لتجد والدها وتاج جالسين في غرفة المعيشة.
فاحمرت وجنتاها رغم عنها، ولكنها تقدمت وقالت بابتسامة ونبرة هادئة: صباح الخير.
ابتسم لها والدها بحنان: صباح الخير يا حبيبتي.
ابتسمت سروة لوالدها ثم نظرت لتاج الذي كان ينظر للتلفاز ورد عليها بصوت منخفض دون أن ينظر لها.
انتبه والدها أنها مازالت واقفة فقال بتعجب: واقفة ليه يا حبيبتي؟ تعالي اقعدي.
حدقت سروة إلى والدها وابتسمت بتوتر: ااه حاضر يا بابا.
جلست بجانب والدها بينما تاج يجلس في الأريكة المجاورة لهم.
نظرت سروة في أرجاء الغرفة وقالت بتساؤل: أمال عمتو فين؟
رد والدها بنبرة عادية: بتحضر الفطار جوا.
أومأت سروة برأسها بتفهم ثم قالت بحيرة: طب أقوم أساعدها؟
ضحك والدها بخفة: لا يا حبيبتي هي خلاص خلصت وبعدين من امتى وأنتِ بتفكري تدخلي المطبخ أصلا؟
ابتسمت له ثم عادت تحدق إلى تاج الذي مازال ينظر إلى هاتفه ولا يشارك معاهم في الحديث وشعرت ببعض الاستياء من موقفه.
رن هاتفه فنهض ليرد عليه وخرج إلى الشرفة.
فجلست سروة مع والدها بصمت.
بعد قليل عاد وقد انتهت عمتها من إعداد الإفطار فجلسوا سويًا يتناولوا الطعام.
حين قالت عمتها فجأة توجه حديثها للجميع: صحيح أنا كنت عايزة أتكلم في حاجة مهمة.
توجهت أنظار الجميع لها فتابعت بنبرة مريبة وهي تنقل نظراتها بين تاج وسروة: طبعا الفترة اللي فاتت مش محتاجة أتكلم فيها والحمدلله عدت على خير والمشاكل اللي إحنا فيها خلصت وحياتنا رجعت طبيعية تاني.
فكل واحد لازم يرجع لحياته الطبيعية ويشوف طريقه بقى.
حدق إليها الجميع بحيرة فأكملت بجدية: يعني مبقاش فيه داعي جواز تاج وسروة يستمر ده كان حل مؤقت لحد ما المشكلة تتحل واتحلت خلاص.
دلوقتي تاج لازم يطلق سروة وكل واحد يشوف حياته!
رواية تراتيل الهوى الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ديانا ماريا
عم الصمت على الجميع وسقطت الملعقة من يد سروة التي تنظر لعمتها بصدمة.
عقد نصير حاجبيه مجيبًا باستغراب:
وإيه جاب وقت الكلام ده دلوقتي يا سميحة؟
رفعت سميحة كتفيها وقالت بصوت جاف:
أنه خلاص المشكلة اللي كنا عاملين عليها كل ده خلصت وكل واحد يقدر يروح لحاله ويشوف حياته أحسن، مشكلة سروة اتحلت وتقدر تكمل حياتها براحتها، تاج يشوف حاله وحياته اللي اتعطلت من ساعة ما جه.
نهضت سروة عن الطاولة وهي تقول بهدوء مصطنع:
عن إذنكم.
ثم ذهبت لغرفتها بينما رن هاتف والدها فاعتذر ونهض هو أيضًا وهو ينتهد بانزعاج.
استند تاج بمرفقيه على الطاولة وشبك يديه ببعضهما والتفت بوجهه لوالدته يقول بهدوء:
ليه؟
ردت سميحة عاقدة حاجبيها بتعجب:
ليه إيه؟
رفع تاج حاجبه ورد بجدية:
والله؟ طيب ليه قولتِ اللي قولتيه دلوقتي؟
أشاحت سميحة ببصرها بضيق:
وإيه الغلط في اللي أنا قولته؟ مش ده الصح والمفروض؟ أنت اتجوزتها علشان تساعدها وهي مبقتش محتاجة مساعدة مش لازم تنتبه لنفسك وتشوف حياتك اللي وقفت دي.
ظهر عدم التصديق على وجه تاج وقال بدهشة:
مش فاهمك! مش فاهمك بجد! إيه اللي غير موقفك كدة؟
تابع بجدية:
أنا ملاحظ الموضوع ده من ساعة من امبارح يا ماما بس قولت عادي هتلاقيكِ مضايقة علشاني إنما أنا ملاحظ فعلا أنه موقفك ناحية سروة مبقاش زي الأول، ومستغرب بجد مش دي سروة اللي أنتِ كنت مصرة عليا اتجوزها وكنتِ أول واحدة مبسوطة بالموضوع ده.
نهضت سميحة بعصبية وقد ظهر على وجهها الانفعال وبدأت تجمع أطباق الطعام:
أيوا بس ده كان علشان خاطر أخويا وعلشان خاطر تساعدها إيه لازمه تفضل في الجوازة دي؟ مش كفاية حياتك اللي وقفت خالص! ومستقبلك.... مستقبلك اللي هيتدمر بسبب دخولك السجن.
تهدج صوتها مع آخر كلماتها وارتعشت يدها وهي تمسك بالطبق فنهض تاج ومد يده يأخذه منها ثم يضع يديه على كتفيها حتى يجعلها تلتفت له ثم مسح دموعها التي انهمرت على وجنتيها بحنان.
قال تاج بنبرة جدية ممزوجة بالعتاب:
وتفتكري اللي عملتيه ده الصح؟ أنتِ مخدتيش بالك سروة اتجرحت إزاي؟ وخالو اتحرج إزاي؟ مهما كان سبب الجوازة دي وتمت إزاي ده مبقاش مهم خلاص المهم أنها مش لعبة في ثانية هنركبها وفي ثانية هنفكها.
أخذ نفسًا عميًقا قبل أن يتابع بصلابة:
أولًا يا ماما حياتي موقفتش ولا حاجة حياتي موجودة وزي ماهي ولا مستقبلي اتدمر كمان بسبب السجن أنا خرجت براءة يعني دي مش هتأثر على حاجة في مستقبلي وحتى لو أثرت أنا مش ندمان على اللي أنا عملته أنا عملت اللي أي رجل مكاني كان هيعمله علشان يجيب حق مراته وبنت خاله قبل أي حاجة أنتِ متخيلة أني أدخل ألاقيه بيحاول يكرر فعلته القذرة مرة تانية؟ هو لو مكنش مات أنا كنت قتلته ألف مرة ومرة ولو رجع بيا الزمن مش هغير حاجة في اللي حصلت.
ثم نظر في عيونها بصرامة:
كلامك مكنش وقته ولا لزومه سروة لسة بتبدأ تفوق لنفسها وتتخطى الماضي مكنش ينفع تفكريها كل شوية بمشكلتها وتحس أنها عبئ أما حكاية جوازنا فهو مش حاجة نتناقش فيها بالشكل ده ولا يخص حد غيري أنا وسروة.
قالت سميحة بصدمة:
يعني أنت ممكن تقرر تكمل معاها؟
رد تاج بغموض:
وليه لا؟ لسة هنشوف الموضوع ده بس في الوقت المناسب.
قالت سميحة باعتراض:
إزاي بس يا تاج يعني..
قاطعها تاج بتصميم ممزوج بالحزم:
يعني مصير جوازنا أنا وسروة إحنا اللي هنقرره بنفسنا، ولو سمحتِ يا ماما لازم تحترمي خصوصيتنا وقرارنا دي بقت حياتنا مع بعض إحنا اللي هنقرر نعمل فيها إيه.
تنهدت سميحة وهزت رأسها باستسلام فابتسم لها وقَبل جبينها ومازحها:
يلا شوفي هتعملي لينا غدا إيه علشان سروة تكمل أكلها اللي سابته.
ابتسمت له وهي تحدق إليه بحنان:
ربنا يريح قلبك يابني ويسعدك.
كانت سروة قد دلفت لغرفتها ولكنها كانت تشعر بالضيق لدرجة صعب عليها أن تجلس فوقفت أمام شباك غرفتها، لا تعرف لما تضايقت لذلك الحد من ذكر عمتها للطلاق ولكنها تشعر بشيء يشبه الاختناق يقبض على قلبها بشدة.
دمعت عيناها رغمًا عنها فزفرت بضيق، إن عمتها محقة بالتأكيد لقد أوقف تاج حياته من أجلها وكرس نفسه لمشاكلها حتى كاد ذلك يقضي على مستقبله، يجب عليه الآن أن يلتفت لنفسه ولحياته وفي يوم ما يجد فتاة ليحبها ويتزوجها.
عند ذلك التفكير زادت الغصة في حلقها وشعرت كأن هناك ما يقبض على قلبها فالتفتت وهي تفكر أنها يجب هي أيضًا أن تعود لحياتها الطبيعية، نعم ستعود لعملها مرة أخرى وطموحها وتدفن به كل أحزانها وهمومها وقبل كل ذلك يجب عليها أن تستشير طبيبة نفسية لتساعدها في التلغب على أزمتها وتخطيها وتتخلص من تلك الكوابيس التي تؤرق مضجعها.
سمعت طرق على الباب فقالت بصوت متوتر وهي تمسح دموعها بسرعة:
اتفضل.
فُتح الباب وظهر تاج فقالت سروة بارتباك:
فيه حاجة يا تاج؟
رد تاج بهدوء:
كنت عايز أتكلم معاكِ شوية.
أشارت له بالدخول بتوتر:
اتفضل.
ولج للداخل ثم أغلق الباب ورائه فزاد توتر وارتباك سروة من الموقف كما أنها لم تنسى إحراجها من الليلة الماضية، جلس على السرير فوقفت مكانها بحرج.
ربت تاج على المكان بجانبه يحثها:
تعالي اقعدي لو سمحتِ متفضليش واقفة.
تقدمت بتردد حتى جلست بجانبه وقد احمر وجهها خجلا.
قالت بصوت خافت:
نعم في إيه؟
صمت تاج لدقيقة وهو يحدق أمامه قبل أن يتلفت لها يقول بهدوء:
أنا عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم جدًا اترددت قبل ما أكلمك وفكرت وفي النهاية قررت أخلي كل حاجة واضحة وأسيب لك حرية الإختيار.
حدقت إليه سروة بحيرة وتساؤل:
في إيه؟
أخذ نفسًا عميًقا ورد عليها بجدية مع بعض الرقة لتخفيف توتر الموقف:
سروة إيه رأيك نكمل مع بعض؟
عقدت سروة حاجبيها بعدم فهم:
إزاي مش فاهمة؟
ضحك تاج بخفة قبل أن يرد:
قصدي نكمل حياتنا مع بعض، يعني جوازنا يبقى جواز حقيقي زي أي جواز عادي ونفضل مع بعض.
اتسعت عيون سروة بصدمة وفتحت فمها بذهول ثم تمالكت نفسها وهي ترد بكبرياء:
ودي شفقة ولا عطف؟
رد بصرامة:
ولا ده ولا ده، دي حاجة جت على بالي من فترة وكنت مستني الوقت المناسب اللي افاتحك فيه بس نتيجة للي حصل من شوية ده بقى الوقت المناسب.
همست بصوت متحشرج:
طب ليه؟
رفع حاجبيه وقال بثبات:
وليه لا؟ الصراحة أنا بعد تفكير لقيت أنه جواز العقل أحسن من جواز الحب بكتير وبما أنه مفيش حد بحبه ولا أنتِ عندك حد بتحبيه ليه منجربش ونحاول؟
في تلك اللحظة تذكرت حين كان يهينها قبل أن يتزوجا ويخبرها أن هناك من يحب ولكنها صمتت وهي تسمعه يتابع بلطف:
الجواز اللي قايم على الاحترام والتقدير والمودة والرحمة ممكن يدوم وينجح أكتر بالنسبة لي وشخصياتنا شبه بعض حتى طموحاتنا شبه بعض فده بالنسبة لي أساس كويس ممكن نبني عليه مستقبل ده لو أنتِ وافقتِ طبعا.
هزت رأسها بحيرة وردت بصوت خافت يشوبه اليأس:
تقدر تختار حد تاني، فيه أحس....
قاطعها بصرامة:
أنتِ الأحسن، أنا هديكِ وقت تفكري مش عايز استعجلك بس فيه حفلة بعد أسبوع معمولة على شرفي أنا وشوية من زمايلي اللي كانوا بيدرسوا دكتوراه كمان احتفالًا بينا فلو وافقتِ هتيجي معايا الحفلة وأعرفك على الناس بشكل رسمي أنك مراتي، لأنه محدش يعرف أني اتجوزت وكمان في أي حالة من الاتنين مينفعش أعيش هنا تاني فأنا اشتريت شقة برة كنت قايل لواحد صاحبي عليها وهمضي عقدها النهاردة.
نهض فتابعته ببصرها وهو يقول بابتسامة:
هسيبكِ تفكري براحتك.
التفتت ليغادر فنظرت سروة للأرض بشرود ولكن على حين غفلة عاد لها ووضع يده تحت ذقنها ورفع وجهها له ثم طبع قبلة على شفتيها، ابتعد عنها وهو يبتسم بخفة:
ويمكن دي تساعدك تقرري.
ثم تركها وغادر الغرفة تاركًا إياها في صدمتها، وضعت يدها على شفتيها بذهول وظهر طيف ابتسامة على وجهها، تذكرت كلماته وتصارعت داخلها الحيرة.
شيء فشيء شعرت بشعور من السعادة يتسلل إليها فتمددت على السرير وهي تضحك وتبكي في الوقت ذاته، مازال عقلها يستوعب أن تاج يريدها زوجة له، همس صوت داخلها بأن تلك ربما مجرد شفقة ولكن عارضه آخر فأنه ليس مضطرًا لذلك فلقد أدى أكثر من المفترض عليه نحوها وليس مضطرًا أن يضحي بحياته كلها إن لم يكن يرغب فعلا في اتخاذها زوجة رسمية.
مرت ثلاثة أيام وهي تفكر وفي تلك الأثناء لم ترى تاج إلا قليلاً بسبب انشغاله وخروجه من المنزل أغلب الوقت وحتى حين يلتقيان كان تاج يتصرف بشكل طبيعي تمامًا ففهمت أنه لا يرغب في أن تشعر بالتوتر أو بالضغط عليها وزاد شعورها بالامتنان نحوه.
حتى وجدت نفسها في ليلة تنتظر رجوع تاج للمنزل وحتى حين تأخر الوقت لم تنم لأنها كانت متحمسة لتخبره بقرارها.
حين سمعت صوت الباب الخارجي نهضت بسرعة وخرجت من الغرفة ليظهر تاج الذي يبدو عليه التعب.
ظهرت الدهشة عليه لرؤيتها مازالت مستيقظة وقال بتعجب:
فيه حاجة يا سروة؟ لسة صاحية ليه؟
خطت ناحيته حتى وصلت أمامه وقالت بتوتر:
الصراحة مقدرتش أنام إلا لما أقولك، أنا فكرت وقررت يا تاج.
تيقظ تاج على الفور وظهر الاهتمام في عينيه منتظرًا إجابتها.
فركت يديها بتوتر وارتباك وهي لا تجرؤ على النظر في عينيه إلا أنها استجمعت شجاعتها وقالت وهي تحدق إليه:
أنا موافقة.
اصابه الذهول لدرجة شكت بأن تلك الإجابة التي كان يريدها ولكنه ضحك وهو يتقدم إليها ويحتضنها بين ذراعيه بقوة.
قال تاج بنبرة ارتياح ممزوجة بالرضى:
تعرفي كنت بدأت أقلق أنك هترفضي بس ريحتيني.
احمر وجه سروة من الخجل وابتسمت، ابتعد تاج عنها يقول بابتسامة واسعة:
من بكرة جهزي حاجتك علشان ننقل على الشقة الجديدة علشان نرتب أمورنا.
أومأت سروة برأسها وهي تبتسم له ابتسامة صغيرة، اقترب تاج منها فازداد التوتر والترقب داخل سروة وأغمضت عينيها بلهفة إلا أنها عادت تفتحها باستغراب حين قبلها أعلى رأسها قائلا بنعومة:
تصبحي على خير.
ناظرته بعدم فهم وحيرة فوضع يديه على جانبي وجهها يقول بنبرة هادئة متفهمة:
لسة قدامنا طريق طويل مش عايزين نستعجل فيه على حاجة إحنا معانا الوقت نتعرف على بعض أكتر ونرتاح لبعض وأنتِ ترتاحي وتتعودي على الوضع ومش هنعمل حاجة أنتِ لسة مش مستعدة ليها.
في تلك اللحظة شعرت سروة بالامتنان يملأ قلبها ولم تستطع الكلام بسبب تأثرها وحدقت إليه بعيون دامعة مليئة بالامتنان وبشيء..... يشبه الحب!
في اليوم التالي أخبرا والدها وعمتها بقرارهما، كان رد فعل والدها أن استقبل الخبر بفرح بينما استقبله عمتها بتقبل وابتسامة هادئة، انتقلا بعدها للشقة الجديدة التي اشتراها تاج وكانت جاهزة من كل شيء، أخبر تاج سروة أن بإمكانها أن تغير مالا يعجبها ولكن سروة أخبرته أن كل شيء يعجبها ولا داعي للتغيير كما تركها على راحتها بأن نام في غرفة أخرى حتى لا تشعر بالحرج ويتركها على راحتها لحين تكون مستعدة، بدأت سروة تتقبل وضعها الجديد بل وتحبه والأيام التي مضت مع تاج وتعارفهما الذي يبدأ من جديد وروية كشريكي حياة وليس مجرد أقارب يترك أثره الدافئ في قلبها.
أتى يوم الحفلة فاستعدت سروة على أكمل وجه وارتدت فستان أنيق من اللون الأسود وتركت شعرها منسدلًا مع وضعها زينة خفيفة لوجهها فأبرز ذلك جمالها البهي، حين رآها في طلتها البهية الأنيقة لم يستطع إخفاء الانبهار من عينيه ومدحها بكلمات رقيقة مما أدى لخجل سروة وقد احمرت بخجل مضفيًا على وجهها براءة محببة.
وصلوا إلى الحفل في الموعد وقد عرف تاج الجميع سروة على أنها زوجته مما سبب صدمة للجميع ولكن استحسانًا فبرغم عتاب ولوم البعض إلا أنهم هنئوه على حسن اختياره لسروة مما أسعد سروة وزاد من ثقتها في نفسها وقد برر تاج ذلك بأن الأمر حدث بسرعة وكان غير متوقع.
كان الحفل يسير على مايرام وتاج يتحدث مع زميل له بينما سروة تقف بجانبه تراقبه بابتسامة حين اختفت الابتسامة عن وجهه وهو يرى روفان تدخل إلى الحفل، تعكر مزاجه وأشاح بوجهه حين رأى روفان تركز نظراتها عليه وحاول تجاهل وجودها، شعرت سروة بتغير مزاج تاج وقد عبس وجهه ولكنها لم تفهم ما حدث.
بعد قليل وقفت روفان في منتصف صالة الحفل وهي تضرب على الكأس الذي في يدها بشوكة حتى ينتبه لها الناس، حين صمت الجميع وانتبهوا لها.
ابتسمت وعيناها تقع على تاج الذي لم ينظر ناحيتها وسروة تحدق إليها بحيرة.
قالت روفان بمرح وصوت عالي:
دلوقتي إحنا مش بس بنحتفل بنجاح السادة الزملاء لا وكمان بحضور الدكتور تاج الدين وحرمه المصون.
لمعت عيناها بالانتقام وهي تُتابع بتحدي:
المدام اللي كانت حامل قبل الجواز من واحد غيره!
رواية تراتيل الهوى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ديانا ماريا
صدم الجميع وشهق البعض، بينما صُعق تاج وسروة التي تجمدت مكانها. شعرت كأن دلوًا من الماء المثلج سُكب عليها. ناظرت روفان التي تنظر لها بخبث، كأنها ما زالت تستوعب ما سمعته. أما تاج، فصُدم بشدة واتسعت عيناه، فكيف عرفت روفان أمرًا سريًا وحساسًا كهذا؟
شعر برجفة سروة بجانبه فأفاق من صدمته بسرعة. قست ملامح وجهه، وظهرت الشراسة عليها، هادرًا بحدة:
"إيه الكلام الفارغ ده؟ أنتِ إزاي تتجرئي تقولي حاجة زي دي على مراتي؟ أنتِ اتجننتِ؟"
أمالت روفان رأسها جانبًا، تحدق إلى سروة بتشفٍ من مظهرها، ثم ردت على تاج ببراءة مصطنعة:
"ليه هو أنا قولت حاجة غلط؟ مش دي الحقيقة؟"
تقدم تاج خطوة للأمام، يحكم على قبضة يده بشدة، والحنق والغضب يملآن صوته ووجهه، يقول من بين أسنانه:
"طعنك في شرف مراتي ده مش هيعدي بالساهل. هندمك على كل كلمة كدب قولتيها دلوقتي في حق مراتي!"
اغتاظت روفان من دفاع تاج الشرس عن سروة، كما لم تتوقع منه، فتابعت بحنق غير واعية بما تقوله:
"كدب؟ هو إيه اللي كدب؟ أنها كانت حامل قبل الجواز؟ ولا أن أبوها دخل المستشفى بسببها وبسبب فضيحتها؟ وأنها واحدة******"
شهق الجميع من اللفظ الذي أطلقته روفان على سروة، فاحمرت عيون تاج من شدة الغضب، وتغيرت ملامح وجهه حتى غدت عنيفة. وغلت دماءه في عروقه، حتى أن روفان خافت منه وانتبهت لزلة لسانها الكبيرة.
تقدم تاج بخطوات واسعة نحو روفان، فتراجعت خطوة للخلف. وفي لحظة مباغتة، رفع يده لأعلى وهوى بها على وجهها بصفعة قوية، حتى أنها صرخت بألم وقد مال وجهها للناحية الأخرى.
أمسك روفان من ذراعها بقسوة، حتى أن آهة خافتة أفلتت منها من الألم. رفع تاج ذقنه لأعلى، ووجه بصره للجميع، وهو يتحدث بصوت عالٍ واثق يملؤه الكبرياء:
"الكل هنا يسمع ويركز كويس في كلامي. مراتي اللي هي في نفس الوقت بنت خالي أشرف من الشرف نفسه."
ثم حدق لروفان التي تضع يدها على جانب وجهها بألم، وأكمل حديثه من بين أسنانه:
"وواحدة زيك تيجي تقول عليها كلام زبالة وتحاول تشوه سمعتها قدام الناس دي حاجة أنا مش هسمح بيها ولا هعديها أبدًا! أنا أقطع لسانك قبل ما تفتحي بوقك مرة تانية علشان تقولي نص كلمة عليها!"
هزها بعنف كالدمية، مُتابعًا بنبرة تهديد:
"واللي حصل النهاردة أنا مش هعديها، وهرفع عليكِ قضية تشهير علشان تتأدبي، وميخطرش على بالك تفكري فيها، مش بس تجيبي سيرتها!"
وضعت روفان يدها الأخرى على ذراعها من المكان الذي يُمسكها تاج، لأنه بدأ يؤلمها بشدة، تحاول الإفلات منه وهي تقول بعدم تصديق ممزوج باهتياج:
"أنت بتمد إيدك عليا يا تاج؟ بتمد إيدك عليا وبتقولي أنا الكلام ده!"
هزها تاج بقوة أكبر قائلًا باحتقار:
"وأقطع لك لسانك قولتلك مرة. عُقد النقص اللي عندك تروحي تطلعيها في مكان تاني وعلى حد تاني، مش على مراتي! واللي عملتيه النهاردة ميثبتش غير أنك واحدة مريضة محتاجة تروحي تتعالجي."
ثم تركها وهو يدفعها حتى كادت تقع. التفت تاج جانبه وهو يوجه حديثه لأحد الأشخاص بجانبه بحدة:
"جرى إيه يا رفيق؟ أنا جاي الحفلة اتهان أنا ومراتي ولا إيه؟ لو أعرف كدة مكنتش جيت."
استدار وذهب لسروة يمسكها من ذراعها:
"يلا نمشي."
لحق به رفيق على الفور وهو يمسكه من ذراعه ليوقفه:
"رايح فين يا تاج؟ أنت بتهزر يعني. صدقني والله مكنتش أعرف أنه حاجة زي دي هتحصل."
ثم نظر رفيق لروفان بصرامة:
"أنا معزمتش حضرتك، ولو سمحتِ بعد الدوشة والإزعاج اللي عملتيهم في الحفلة، أنا بطلب منك تمشي. وجودك مش مُرحب بيه."
نظرت روفان حولها، وقد رأت ذلها ينعكس في عيون الأشخاص الذين يناظروها بغضب واستياء، كما أن تاج أذلها بضربها وحديثه عنها أمام الجميع. اشتعل الحقد داخلها أكثر، ولكنها تعلم موقفها الخاسر. فالتفتت وغادرت.
تنفس الجميع الصعداء من رحيلها الذي وتر الأجواء، ولكن الجو مازال متوترًا، فما قالته وما حدث ليس سهلًا.
استدار تاج لسروة أخيرًا ليجدها صامتة، لا يظهر على وجهها أي تعبير. حاول التقدم منها، إلا أن تجمع النسوة حولها منعه. فلقد اجتمعت حولها النساء محاولين التخفيف والترفيه عنها بعد ما حدث، وقد أقنعهن موقف وحديث تاج، كما أن بعضهن كان يعلم بالعلاقة التي تجمع روفان وتاج، فصدقن أن تلك الفعلة فقط حتى تنتقم روفان لنفسها.
لم يكن يستمع تاج لحديث صديقه، فقد كان قلقًا على سروة التي لم تبدِ أي ردة فعل. نظر لها مرة أخرى ليجدها غير متجاوبة مع النساء. وفي لحظة، التقت عيناه بعينيها التي قرأ فيهما التوسل للمغادرة. فاستأذن من صديقه واعتذر عن متابعة الحفل، وأخذها وغادروا.
طوال طريق العودة لم تتحدث سروة، بل كانت صامتة تحدق أمامه. نظرات تاج تراقبها بقلق. مد يده ليُمسك بيدها التي بجانبها ليجدها باردة كالجليد، فشدد عليها حتى يبعث فيها بعض الدفء. نظرت بجانب عينيها ليده التي تضم يدها، ثم عاد تنظر للأمام بصمت. كانت سروة في عالم آخر، تشعر بقلبها يكاد ينفجر من شدة الألم، وحلقها يسده كتلة ضخمة تمنعها من الكلام وتخنقها.
وصلا للمنزل، فهبطت من السيارة على الفور دون انتظاره. تنهد وهو يتبعها. فور أن فتح باب المنزل، توجهت على الفور دون كلمة إلى غرفتها. فأغلق تاج الباب ورائه ثم تبعها. لم يُرد تركها بمفردها لأنه لم يرتح لصمتها.
كانت تجلس على سريرها، فتقدم وجلس بجانبها وهو يضع يده على ظهرها.
حاول الكلام بنبرة هادئة:
"سروة أنا آسف."
استقام ظهرها على الفور وتصلب جسدها، فتابع بفتور متذكرًا روفان:
"اللي حصل النهاردة بسببي أنا عارف، بس أنا هندمها ومش ه...."
قاطعته وهي تدير وجهها له، فصمت تاج وقد اتسعت عيناه ذهولًا مما رآه في عينيها. كانت تحدق إليه بعينين تنضحان بالعذاب والألم، فتأوه تاج بندم:
"سروة أنا آس-"
رفعت يدها أمام وجهه ترد بصوت مبحوح:
"أوعى! أوعى تقولي أنك آسف!"
تابعت وهي تحدق أمامها تضحك باستهزاء:
"هتتأسف على إيه ها؟ ده أنا اللي المفروض أتأسف لك! أنا اللي أحرجتك يا تاج."
نهض تاج ورد بغضب:
"لا طبعًا إيه الهبل ده!"
هزت رأسها بقوة:
"هي دي الحقيقة، متحاولش تنكر!"
تفجرت الدموع التي كانت حبيسة عينيها وهي تُكمل بحسرة ممزوجة بالحيرة:
"أنا بس عندي سؤال واحد، ليه؟ أنا عملت فيها إيه علشان تعمل فيا كدة؟ أنا أذيتها في إيه علشان تأذيني بالشكل البشع ده؟"
توتر تاج ولم يعرف بماذا يجيبها. صمتت سروة لثانية قبل أن تضع يديها على وجهها وهي تنفجر ببكاء حار، صوتها يعلو وتشهق بانهيار مثل الطفل الصغير، حتى أن صوت بكائها مزق قلب تاج الذي وقف عاجزًا أمامها لثانية قبل أن يجلس ويضمها لصدره بقوة.
ضمها وهو يمسح على شعرها بحنان يُهدئها، والنار تشتعل في قلبه عليها، حتى أنه توعد لروفان مرة أخرى على ما فعلته بها لتعود لنقطة الصفر بعد أن تحسنت حالتها. رفعت سروة وجهها المحمر والملئ بالدموع لتاج تهمس بحرقة:
"أنا ليه بيحصل معايا كدة يا تاج؟ أنا عملت إيه لكل ده؟ أنا مستاهلش كدة، والله العظيم ما أستاهل كدة."
رد على الفور مؤكدًا بحنان صارم:
"طبعًا متستاهليش كدة. أنتِ تستاهلي أحلى حاجة في الدنيا يا سروة. متخليش تصرفات ناس مش سوية وحقودة زي دي تعمل فيكِ كدة. متخافيش، أنا جبت لك حقك ومحدش هيتجرأ يجيب سيرتك أو سيرة اللي حصل."
تنهدت سروة ولم تتحدث وهي تريح رأسها بتعب على صدره. قال تاج وهو يبعدها وينهض:
"هجيب لك ماية."
أمسكت سروة بيده وهي تشده، فجلس أمامها على ركبتيه. حدقت إليه بعيون متورمة من البكاء قبل أن تقترب منه وتضع جبينها على جبينها هامسة برجاء:
"ممكن نفضل كدة شوية؟ لو سمحت."
رغم استغراب تاج، إلا أنه رضخ لطلبها، فأغمضت سروة عيناها براحة. ابتسم تاج وهو يغمض عينيه هو أيضًا. فتحت سروة عيناها وهي تتأمل وجه تاج. شعرت بقلبها يتضخم بشعور هي لا تعرفه، أو بالأصح لا ترغب في معرفته أو فهمه. مستكينة بقربه ووجوده، والنظر له يدفئ قلبها. اقتربت سروة منه وقَبلته برقة وهي تضع يدها على جانب وجهه.
فتح تاج عيناه على وسعهما من الصدمة، فابتعدت سروة مبتسمة بمزيج من الخجل والنعومة. عيناها تنطق بما لم يستطع لسانها النطق به.
كأن التواصل بالعيون هي لغة تحاورهما، فهمها تاج قبل أن يهز رأسه لها كأنه يتأكد من موافقته، فأومأت وحرارة وجهها تشتد من الخجل. ابتسم عندها بحنان ووضع يديه على وجهها وقبلها برقة ممتزجة بنعومة، سرعان ما تحولت للشغف، وسروة تتجاوب معه بعد أن وضعت يديها خلف عنقه.
كان كل شيء يسير على ما يرام وطبيعيًا، حتى عقد تاج حاجبيه فجأة، ولمحات من الماضي تعود إلى عقله على هيئة ذكريات. لقطات من مقطع الفيديو الذي شاهده على هاتف عصام، مظهر سروة واقتراب عصام منها تظهر أمام عيناه المنغلقتين، فشعر بشيء يقبض على قلبه ويخنقه. فتركت يداه وجه سروة وهو يبتعد عنها بقوة وحدة، ناظرها بعيون متسعة من الصدمة وهو يلهث بشدة!
رواية تراتيل الهوى الفصل الثلاثون 30 - بقلم ديانا ماريا
حدقت سروة لتاج للحظات باستغراب، قبل أن تملأ مقلتي عيناها دموع حبيسة. شعرت كأن هناك ما يشطر روحها لنصفين من شدة الألم الذي عصف بكيانها كله.
استطاع تاج أن يفهم ما تفكر به، لذلك تحدث بسرعة ليبرر موقفه:
"سروة! اسمعيني بس متفهميش غلط. الموضوع أنه..."
لم يجد ما يقوله، فصمت بحيرة لأنه هو نفسه لم يفهم ما حدث معه. زاد صمته الأمر سوءً بالنسبة لسروة، التي أحست وكأن هناك داخلها شيء يموت من موقفه.
رفعت حاجبها تتحدث بنبرة مهزوزة تحمل داخلها كبرياء جريحة:
"أقولك أنا إيه هو الموضوع؟ الموضوع أنك جبرت على نفسك تكمل مع واحدة مش عايزها ولا حاببها، علشان كدة متقبلتش قربك منها وحسيت بالقرف."
أنكر تاج على الفور هذا الاتهام الظالم بالنسبة له باستنكار:
"لا طبعا! أنتِ بتقولي إيه! صدقيني الموضوع مش كدة خالص، أنا عمري ما أحس بالقرف منك أبدا! أنا بس..."
قاطعته سروة والدموع تطفر من عينيها تهتف بحرقة:
"أنت إيه ها؟ قولي أنت إيه؟ ليه مسبتنيش في حالي ومشيت؟ ليه قولتلي نكمل مع بعض وأنت مش قادر تتقبلني؟ أقولك أنك قررت تعطف على البنت المسكينة اللي مش هتلاقي حد يقبل بيها وقررت تكمل معاها، بس لما جه وقت زي ده مقدرتش تقرب مني. أنت مشوفتش نفسك اتكهربت إزاي! علشان طبعا مفيش رجل يقبل على نفسه حاجة زي دي صح؟"
تحجرت ملامح تاج وتحولت للجمود الكلي، وعيناه تناظرها بتحذير ظهر واضحًا في نبرة صوته رغم هدوئها:
"اسكتي يا سروة."
ابتسمت سروة باستهزاء وسط الدموع التي تغرق وجهها:
"أسكت ليه؟ مش هي دي الحقيقة؟ الحقيقة اللي حاولت تنساها وترميها ورا ضهرك وطلعت في وقت الاختبار الحقيقي لأنها كانت دايما جواك!"
اشتدت ملامح وجهه وازداد التحذير في عينيه وهو يقول من بين أسنانه:
"بقولك اسكتي."
ضحكت بسخرية والألم الذي داخلها كان أكبر من أن يجعلها تصمت عما ستقوله. وقفت أمامه بتحدي، ملامح وجهها هادئة إلا من الانفعال الذي يظهر من خلال عذاب عيناها. قالت بصوت جامد:
"الحقيقة أن مفيش رجل يقدر يقرب لواحدة مُستعملة!"
في تلك اللحظة جن جنون تاج تمامًا من إثارة الأعصاب التي مارستها سروة عليه، رغم أنه يرى كل اتهاماتها مجحفة. فاندفع نحوها بغضب جنوني وأمسكها من ذراعها، ويده الأخرى تُمسك ذقنها وتضغط عليه بشدة حتى أنه آلمها وشعرت أن أسنانها ستتحطم. صاح بها:
"اسكتي أنتِ مبتفهميش! عمالة أقولك اسكتي اسكتي!"
أمسكت سروة بيده التي تمسك بذقنها تحاول إبعادها، التحدي يظهر في عيناها بينما ترد بصوت قاتم:
"اسكت ليه؟ مش دي الحقيقة؟ حبيت تعطف عليا وعلى بابا، ولأنه مفيش حد هيقبل قولت تكمل جِميلك وتشيل الليلة كلها، بس أنا هريحك من ده كله."
عقد حاجبيه بحيرة والغضب مازال يسيطر على ملامحه:
"يعني إيه؟"
أخيراً نجحت في إزاحة يده ودفعها بعيدًا، فابتعدت عنه وهي بكبرياء، نظرات عيناها تقابل عيناه بقوة:
"يعني طلقني."
رد على الفور برفض قاطع:
"مستحيل! مش هطلقك، شيلي الهبل ده من دماغك."
وقفت أمامه بقامة شامخة ورفعت ذقنها وهي تحدق إليه بنظرات ثابتة وتنطق بكل برود:
"وأنا مش هكمل في وضع حاسة فيه بعدم التقبل، أنا عارفة نفسي وبرغم كل اللي حصل لسة عارفة أن ليها قيمة وأنت بنفسك عارف كدة، يبقى أنا مستاهلش وضع زي ده. كل واحد يروح لحاله وربنا يعوضك ببنت الحلال اللي تسعدك وتحبها وتتقبلها."
أكدت على آخر كلمة بشدة حتى أن تاج بقى يحدق إليها دون أن يتكلم، ثم استدار وغادر الغرفة وأغلق الباب وراءه.
حين غادر، انهار قناع القوة التي كانت تضعه سروة على وجهها وخرج كل شيء حبسته داخلها أمام تاج. فارتعشت والدموع تنهمر من عينيها وهي تشعر برغبة في التقيؤ، حتى أنها وضعت يدها على معدتها وصوت أنفاسها مسموع في الغرفة من شدة الانفعال.
ألقت بنفسها على السرير تبكي وتكتم صوت بكائها وشهقاتها في الوسادة. رفعت وجهها من الوسادة وهي تضمها لها ويدها تقبض عليها بشدة. كان صرخت يعلو ويهبط من شدة البكاء ووجهها أحمر ملطخ بالدموع.
همست لنفسها بمرارة:
"ليه؟ ليه خليتني أحبك؟"
تكسر صوتها وهي تتابع:
"ليه خليتني أحبك كدة؟ ليه محبتنيش؟"
عاد تاج لغرفته وهو يصفق الباب خلفه بقوة. مرر يديه في شعره بشدة يكاد يقتلعه بين يديه من الغضب.
ماذا دهاه ليتصرف بهذا الشكل الأحمق؟ لماذا خطرت تلك الذكريات على باله وفي هذا الوقت بالتحديد؟
لن ينسى أبداً نظرة سروة له، لقد اعتقدت أنه يرفضها ويشمئز منها، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة! تأوه بانزعاج وهو يضع يده خلف عنقه. يدرك أنه جرحها بتصرفه غير المقصود. كيف سيشرح لها الآن ويجعلها تفهم أنه لم يبتعد إلا لصدمته مما تذكره وليس رفضاً لها؟
رمى نفسه على السرير وهو ينهد بتعب. لقد كانت أحداث هذه الليلة أشبه بالكابوس، بداية من روفان حتى ما حدث منذ قليل. بالتفكير فيما حدث في الحفل، عقد حاجبيه وهو يتساءل كيف علمت روفان بتلك المعلومات الحساسة والخاصة عن سروة؟ يجب أن يتحرى عن الأمر بسرعة ليكتشف كيف علمت، ولا يجب أن يمرر لها فعلتها الدنيئة أبداً.
أغمض عينيه وتفكيره يعود لسروة مرة أخرى. ملأ الضيق قلبه وهو يفكر في حالتها الآن، فمهما تظاهرت بالقوة، يعلم أنها تألمت ومازالت تتألم. يجب عليه أن يحاول بكل جهده حتى يحل الأمر في الغد، ولكن عليه أن يتركها تهدأ أولاً.
في الصباح، استيقظ تاج وذهب لغرفة سروة حتى يتحدث معها. طرق الباب دون إجابة عدة مرات، فولج لغرفة ليجدها فارغة. بحث في أرجائها بحيرة. في بداية الأمر اعتقد أنها ربما في الحمام، ولكن حين شاهد باب الخزانة شبه مفتوح، فذهب ليتفقد الأمر واكتشف أن الخزانة فارغة من ملابس سروة. فهم أنها جمعت ملابسها وغادرت لبيت والدها، فتنهد وهو يغلق الخزانة.
لم ينتظر، بل بدل ملابسه على الفور وانطلق لبيت خاله. فتحت له الباب والدته التي احتضنته وهي تقول ببشاشة:
"حبيبي أخيرا جيت! أنا سألت سروة عليك قالت إنها سبقتك وأنت هتخلص حاجة في شغلك وتيجي."
علت ابتسامة ثغر تاج وهو يبادلها العناق ويقبل رأسها، أكد على كلام سروة قبل أن يسأل والدته عنها.
أشارت له سميحة وهي تغلق الباب وراءه:
"جوا مع نصير، تعالى أقعد معانا."
حين لمحته سروة يدخل، اختفت الابتسامة عن وجهها وتوترت، حتى أن تاج شعر بهذا حين جلس في الأريكة المقابلة للتي تجلس عليها من ناحية اليسار.
تحاشت سروة النظر له رغم أن عيون تاج لم تفارقها حتى وهو يتحدث إلى خاله.
قال نصير بجدية:
"سروة قالتلي أنها هتقعد هنا فترة علشان أنت هتبقى مشغول الفترة الجاية."
استطاع تاج أن يبقي ملامح وجهه محايدة رغم دهشته. توسلته عينا سروة، فرد بابتسامة:
"اه يا خالي، فيه حاجات مهمة الفترة الجاية في شغلي لازم تخلص وممكن أتأخر أو أبات برة ومش عايز سروة تكون لوحدها، هقلق عليها."
أومأ خاله بموافقة وعلى وجهه الرضا. حين استأذن خاله ليذهب لغرفته وولجت والدته للمطبخ، نهض تاج ليجلس بجانب سروة التي وقفت على الفور، ولكن أوقفتها يد تاج التي أمسكت بذراعها وشدها لتجلس مجدداً.
قال تاج بصرامة:
"لو سمحتِ اقعدي علشان نتكلم."
قالت سروة بوجوم وهي مازالت تنظر أمامها:
"مفيش حاجة نتكلم فيها خلاص، أعتقد أننا وضحنا كل حاجة امبارح."
رفع تاج حاجبه ورد بنبرة باردة:
"والله أنا مش فاكر أني وضحت حاجة، أنتِ مدتنيش فرصة أقول حاجة أصلاً."
أدارت سروة وجهها له تتطلع إليه بجمود رغم كل المشاعر التي تعتمل داخلها، وتابعت قائلة:
"لأنه مفيش حاجة تتقال تاني، إحنا وصلنا لطريق مسدود وأحسن حل أننا نطلق."
رد تاج بجدية كبيرة لا تتناسب مع قوله:
"ده عند أم ترتر."
ارتفع حاجبا سروة بدهشة واتسعت عيناها، بينما بقى تاج ينظر لها بنفس الجدية وقد كتف ذراعيه وظهر على وجهه العناد. انطلقت منها ضحكة عفوية بغير قصد، وقد بدا كالطفل الصغير بمظهره العفوي. استرخت ملامح تاج وهو يبتسم لها أيضاً. انتبهت سروة فكشرت ملامحها.
هتف تاج باعتراض:
"بتكشري ليه دلوقتي؟ على فكرة دمي خفيف واتحب أهون عليكِ تسيبني؟"
التوى قلبها حباً، ولمح تاج الضعف في عينيها فاستغل الفرصة واقترب منها. وضع يده على كتفها فتوترت سروة. اقترب بوجهه من وجهها فازدادت الحرارة داخلها وأشاحت بوجهها للناحية الأخرى.
همس تاج بنبرة ناعمة:
"بعدين أنا زعلان منك، يعني أصحى وأدور عليكِ الاقيكِ مشيتِ ولميتِ هدومك كمان؟ من غير ما نتكلم ولا تسمعيني حتى؟"
حاولت السيطرة على صوتها إلا أنه خرج مرتجفاً وهي ترد:
"ملوش فايدة الكلام في حاجة منتهية دي، مشاعرك وأنا متفهماها وصدقني مش زعلانة منك. أنت ضحيت علشاني كتير وأنا هفضل ممتنة ليك طول العمر، إنما أنت مش مضطر تكمل معايا فعلاً."
قال تاج بلامبالاة:
"خلصتِ؟"
ارتبكت سروة من قربه الشديد منها وارتفعت نبضات قلبها، ردت بتلعثم:
"ا...اه خلصت."
أمرها بنبرة صارمة:
"سروة بصي لي."
أغمضت عيناها بقوة وهي تهز رأسها بالرفض، فحثها مرة أخرى بإلحاح:
"سروة فتحي عيونك وبصي في عيوني لو سمحتِ."
ببطء فتحت عيونها واستدارت له بخوف مما يمكن أن تراه في عينيه ولا تتحمله، إلا أنها لم تجد ما يحزنها أو يقلقها، بل على العكس وجدت عيونه مليئة باللطف والتفهم والرقة.
قال بكل ما يحمله من صدق داخله ظهرت في صوته:
"أنا مش مشمئز منك ولا رافضك يا سروة، بالعكس تماماً. أنا عمري ما هعرض عليكِ نكمل حياتنا مع بعض إلا وأنا حابب قربك. أنتِ متخيلة حياتنا كلها سوا مش مجرد نزوة، فأنا عارف أنا بعمل إيه كويس. اللي حصل امبارح ده مجرد صدمة من ذكريات أنا فكرت نفسي ناسيها، اتصدمت أنها رجعت لي وفي الوقت ده بالذات، فدي كانت ردة فعل تلقائي مني. أنا مش رافضك يا سروة، بالعكس أنا عايزك."
ازدردت ريقها وهي تنظر أمامها بحيرة. لقد وجدت الصدق في عيونه مع كل كلمة يتفوه بها، ولكن هناك شيء داخلها مازال مُتألم وخائف من أخذ أي خطوة ولكن يرغب بشدة في تصديقه. على الناحية الأخرى، كرهت ضعفها نحوه ومن مجرد كلمة تجد نفسها تميل إليه وقلبها يميل لتصديق ما يقوله لها.
انتفضت فجأة على يده التي تمسح على وجنتها بحنان، فحدقت إليه وقلبها ينبض بقوة بين أضلعها. استند بجبينه على جبينها وهو يُرجع شعرها وراء أُذنها، فوضعت يدها على يده وهي تغمض عيناها كارهة لاستسلام قلبها له وعدم تمكنها من مقاومته رغم الألم الباقي داخلها.
انتفضوا فجأة بذعر على صوت يهتف بهم:
"أنتوا بتعملوا إيه!"