تحميل رواية تراتيل الهوى بقلم ديانا ماريا pdf
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"حامل يعني إيه؟ أنت مجنون! دي لسة آنسة!" رد الطبيب بتوتر محاولًا مُدراة الموقف. "والله حضرتك ده التشخيص بتاعي أنا كشفت عليها وهى حامل فعلا ويمكن داخلة على الشهر التالت كمان." جمدته الصدمة مكانه ولم يستطع حتى الرد على الطبيب الذي لاحظ الموقف الحرج فانسحب بهدوء. أما هو، أطاحت الصدمة به وكادت تشل عقله. ابنته المتعلمة، المثقفة، الجميلة والتي على خُلق ودين حامل دون زواج! حين استوعب الكلمة أخيرًا، استدار بسرعة وأسرع لغرفتها وهو يفتح الباب بأقوى ما عنده ليصطدم الباب بالحائط. كانت جالسة على سريرها المجا...
رواية تراتيل الهوى الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ديانا ماريا
انتفض تاج وسروة ونظروا بذعر لعمتها التي تقف على باب المطبخ.
لوحت بالكبشة التي في يدها وهي تضحك بخجل ووجهها احمر من الإحراج.
"اه منكم يا ولاد ما كنتم في شقتكم ولا استنوا تدخلوا الأوضة حتى!"
ثم عادت للمطبخ بسرعة.
حدقت سروة بغيظ إلى تاج الذي بدأ يضحك.
ضربته على صدره بقبضة يداها بينما يعلو صوت ضحكته أكثر.
"عجبك كدة!"
ثم نهضت لتدخل غرفتها.
نهض وتبعها.
استدارت فجأة ودعست على قدم تاج بحذائها ذو الكعب العالي.
صرخ تاج بدهشة وهو ينظر إليها.
ركضت ودلفت بسرعة إلى الغرفة وهي تغلق الباب في وجه تاج الذي لحقها حتى أنه اصطدم بأنفه.
فصاح بألم ثم أمسك أنفه.
"فينا من الحركات دي يعني!"
استندت سروة على الباب وشبكت ذراعيها وهي تقول بنبرة شامتة.
"أيوا علشان تتعلم تحطني في مواقف محرجة بعد كدة إزاي!"
ضحك بسخرية.
"ياسلام؟ وفين الإحراج بقى كنت اتمسكنا بفعل فاضح في الطريق العام ولا إيه؟"
نفخت بغضب وردت عليه بحدة.
"لا يا خفيف بس أنت شوفت عمتو شافتنا واتحرجت إزاي."
رد تاج باستهزاء.
"عمتك محرومة من الرومانسيات من فترة طويلة فهتتكسف لو شافت اتنين ماسكين إيد بعض عادي."
نهرته سروة بغضب.
"تاج عيب كدة، خلاص أنا مش هفتح امشي."
اختفى المزاح من صوته وتحدث بجدية.
"لا مش همشي يا سروة اطلعي نكمل كلامنا إحنا مخلصناش، لازم ترجعي معايا."
ردت سروة بعناد.
"لا خلصنا أنا مش هرجع يا تاج لو سمحت سيبني على راحتي أفكر أنا محتاجة أهدى."
ضرب بيده إلى الباب بنفاذ صبر.
"طب افتحي ده الأول علشان نتكلم وش لوش كدة أنا مش هخطفك يعني!"
فتحت الباب فاستغل الفرصة ودلف بسرعة ثم اغلقه وراءه.
تراجعت سروة للوراء وهي تقول بحذر.
"طب قفلت الباب كدة ليه ما تتكلم عادي."
انتبه تاج لنبرتها وابتسم والخبث يلمع بعينيه.
"وفيها إيه لما نقفل الباب؟ عايز شوية خصوصية مش أكتر ولا أنتِ خايفة؟"
رفعت سروة حاجبها وقالت ببرود.
"هخاف من إيه يعني؟"
قال تاج بجدية.
"المهم يا سروة أنتِ ليه مش راضية ترجعي معايا؟ لسة مش مصدقاني؟"
تنهدت سروة وقالت بقلة حيلة.
"الحكاية مش أني مش مصدقاك أنا مصدقاك يا تاج بس محتاجة شوية وقت أفكر فعلا في كل حاجة وأرتب لحياتي كلها من جديد متنساش أني ناسية شغلي خالص."
تقدم تاج ناحيتها ووضع يداه على كتفيها قائلًا بتشجيع.
"كنت عايز أكلمك في الموضوع ده برضو أنه لازم تفكري ترجعي شغلك تاني أنا مش ناسي أنه عندك طموح حابة تحققيه لسة."
رفعت رأسها له وابتسمت ثم قالت بصدق.
"صدقني محتاجة وقت أنا هفضل هنا فترة وأنت كمان لازم تفكر وتاخد وقت صدقني."
تنهد تاج ورغم عدم رضاه إلا أنه أومأ برأسه موافقًا.
فجأة نظر لها بمكر وفتح ذراعيه.
"طب أنا ماشي دلوقتي مش عايز تسلمي على جوزك قبل ما يمشي؟"
حدقت إليه وإلى ذراعيه بتردد قبل أن تتقدم بتردد إليهما.
فضمها له بقوة وهو يدفن وجهه في عنقها.
لفت سروة ذراعيها حول عنقه وهي تضمه في المقابل وتريح رأسها على كتفه.
لدقائق بقيا على هذا الوضع إلا أن رفع تاج رأسه وطبع قبلة حارة على خدها.
فأغمضت سروة عينيها بتأثر.
ابتعد وهو يقول بصوت أجش.
"أنا همشي عايزة حاجة؟"
هزت رأسها وعيناها تتأملانه بولة حتى غادر.
فجلست على سريرها.
وضعت يدها على قلبها الذي ينبض بسرعة.
هل أحبته فعلا؟ أم كل ذلك تعلق وامتنان لما فعله من أجلها؟
لا تعلم.
كل ما تعلمه أنها تريد قربه وإكمال حياتها معه.
شغل تاج تفكيرها بقية اليوم حتى عندما كانت تجلس وتنظم أمور عملها كانت تفكر به وتبتسم.
وصلتها رسالة على هاتفها فرفعتها لتجدها من تاج.
كان نصها "بتفكري فيا صح؟"
رمت الهاتف بهلع وهي تتسائل بدهشة كيف علم أنها تفكر به؟
ضحكت على غبائها.
بالتأكيد هو يمزح ولا يعلم بحق أنها جالسة تفكر به!
ردت عليه وقضت بقية اليوم تتحدث معه ويتبادلان الرسائل والمزاح.
استمر الأمر على هذا المنوال بقية الأيام فكانا يتحدثان بالساعات سواء مكالمات على الهاتف أو تبادل رسائل على مواقع التواصل الإجتماعي.
كان تاج يشاكسها أغلب الوقت بطريقة تجعلها تضحك.
وقد اكتشفت أنه قادر على المزاح وقول الطرائف والسخرية من بعض المواقف الجدية التي تحدث معه.
فأصبح جزء لا يتجزأ من يومها.
كان يأتي أحيانًا ليتناول الإفطار أو الغداء معهم مع ظن والدها وعمتها أنه يذهب للعمل ولا يعتد إلا في أوقات متأخرة أو يقضي ليلته به.
فلم يستغربوا هذا الوضع.
كان مجرد وجوده سبب كافي لسعادتها ورسم الابتسامة على وجهها وهدوء روحها حتى وإن كان لمدة قصيرة.
استيقظت في الصباح وبعثت رسالة كالمعتاد له.
ثم استعدت للذهاب لمكان عملها حتى تُعد الترتيبات اللازمة لعودتها.
رحب بها الجميع مما بعث فيها شعورًا من المودة والراحة.
أنهت الترتيبات اللازمة لعودتها ثم عادت لمنزلها بعد الظهيرة بقليل.
فتحت هاتفها ولاحظت أن تاج لم يرد على رسالتها بعد.
فقطبت باستغراب.
اتصلت به فلم يرد.
تساءلت بين نفسها بحيرة أين يمكن يكون ولماذا لم يرد.
أخبرت نفسها أنه ربما مشغول في عمله ولم ينتبه للهاتف.
فلم تُقلق نفسها كثيرًا.
إلا أن بمرور الوقت وانتهاء النهار انتابها القلق حين اتصلت عليه مرات متكررة ولم يرد.
حين حل المساء ولم يرد تاج على أي إتصال أو رسالة تجد شيئًا تفعله إلا ترتدي ثيابها وتذهب لمنزله على الفور.
فتحت الباب بالمفتاح الاحتياطي الذي أصر تاج على وجوده معها.
وجدت الشقة مظلمة وباردة.
نادته وهي تدخل للشقة وتبحث بعينيها في أرجائها.
تقدمت لغرفة النوم وفتحتها لتجدها مظلمة أيضًا.
فمدت يدها لمفتاح النور وأضاءته.
خطت إلى الداخل ببطء ثم توقفت مكانها فجأة.
اتسعت عيونها بذهول وهتفت بهلع.
"تاج!"
رواية تراتيل الهوى الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ديانا ماريا
ركضت سروة بسرعة وجلست على ركبتيها أمام سرير تاج.
صاحت بهلع والقلق ينهش قلبها: مالك يا تاج؟
كان تاج مستلقي على السرير، وجهه أحمر ومتعرق بشدة، كما ينتفض جسده ويأخذ أنفاسه بصعوبة.
وضعت يدها على جبهته وصُدمت من حرارته المرتفعة: ده أنت مولع نار!
نهضت بسرعة من مكانها وركضت للحمام. أحضرت طبق واسع وملأته بالماء مع بضعة مكعبات من الثلج ومعه منشفة نظيفة. بحثت عن قطعة قماش صغيرة لتستخدمها في وضع الكمادات لتاج.
عادت للغرفة بسرعة ولاحظت أن تاج مازال بملابس الخروج. ففكرت بحيرة والشعور بالذنب ينهش قلبها: منذ متى وهو مريض دون أن يعلم أحد؟
استجمعت قوتها وهي تشده حتى ينهض وتتمكن من أن تخلع عنه سترته، ولكن دون فائدة. فجسد تاج العضلي ثقيل، لا يسع قوة سروة الأضعف أن تُمكنها من جعله ينهض لوحدها. إلا أنها لم تيأس، فأدارته على جانبه وخلعت ذراعه اليمنى من السترة، ثم كررت فعلتها مع ذراعه اليسرى وشدت السترة من تحته.
رمتها جانبًا وهي تزفر بشدة ودثرته بالغطاء. ثم على الفور بدأت في صنع كمادات باردة ووضعها على جبينه. ثم بللت المنشفة وبدأت تُمررها على ذراعيه بتمهل وهي تتأمله بشوق مصحوب بالحزن على حاله. فهى لم ترى تاج مريضًا وبهذا الشكل منذ وقت طويل، تعودت على رؤيته قويًا يقف على قدميه بشموخ.
رفعت يدها الأخرى ومررتها في شعره بشوق. عيناها تتأمله بخوف وقلق والشعور بالذنب يغمرها لأنها لم تتحرك قبل الآن وتشعر بالقلق مُبكرًا. فمن الواضح أنه مريض منذ وقت ليس بقليل ولم يشعر به أحد. تلوى قلبها حزنًا، فبعد كل ما فعله من أجلها لم تكن بجانبه حين مرض واحتاج للمساعدة.
بدأ ينتفض مرة أخرى فسارعت إليه بلهفة وحاولت تدفئته. إلا أنه بقى يرتعش. فنظرت له سروة بقلة حيلة وهي تشعر بالعجز. حين فكرت فجأة، فنهضت على الفور واستقلت جانبه على الناحية الأخرى وضَمته إليها وهي تضم رأسه وتمسح عليها بحنان لعله يهدأ. هدأ بعض قليل واستكان في أحضانه. فزفرت بارتياح وهي تحمد الله.
أراحته على الوسادة مجددًا ونامت على جانبها مقابله وهي تتأمله. رفعت يدها ومررتها على خده بحنان. تأملت ملامحه وهي تتسائل: هل كان دائمًا وسيمًا بهذا الشكل وهي لم تنتبه؟ أم أن الحب هو من يُغير الملامح في عيون الحبيب؟ فتصبح الملامح محببة مهما كانت صفاتها؟
هفا قلبها اشتياقًا لقربه الذي تشعر أنها حُرمت منه رغم أن ذلك لم يتعد أيام ورغم أنها كانت تراه كل يوم. وإذا كان لديها أي شك في مشاعرها سابقًا، فالآن تأكدت منها بشكل تام، أنها واقعة في حبه بالكامل، بشدة.
وبـ يأس تام وتأمل من كل قلبها أن يحبها هو أيضًا ولو نصف ما تحبه. رغم أنها لم تتوقع في يوم من الأيام أن تقع في الحب بهذه الطريقة، فكانت دائمًا ما تعتبره ضعفًا وتنفر منه. إلا أنها حين وقعت في حب تاج تغيرت تلك الفكرة كليًا، فأصبحت حتى تحب ذلك الضعف. لقد رآها تاج في أسوأ حالاتها وكان هو من مد يده لها في عز ضعفها وأعطاها القوة لتحارب وتُكمل، فلم تعد تعتبر ذلك ضعفًا بل قوة يعطيها لك الحب حتى تستطيع أن تُحب من كل قلبك حتى وإن اعتقدت أنك لم تعد تصلُح للحب!
اقتربت منه وقبلت جبينه ووضعت في قُبلتها تلك كل ما تحمله من مشاعر قلق وحب له. بقيت بجانبه طوال الليل حتى اطمئنت أن الحرارة انخفضت ولم يعد يتشنج أو يرتجف، فارتاحت وغفت إلى جانبه بتعب.
استيقظت وهي تشعر بأنفاس حارة تحيط بوجهها. ففتحت عيناها ووجدت نفسها تنظر مباشرة لعيون تاج الناعسة.
تيقظت بالكامل وهي تقول بلهفة: عامل إيه دلوقتي يا تاج؟ بقيت كو...
لم يُمهلها أن تُكمل جُملتها واقترب منها وهو يُقبلها بقوة وشغف وقد وضع يده وراء رأسها يشدها إليه. فتحت سروة عينيها على وسعها من الذهول. حاولت الابتعاد عنه من الدهشة، إلا أن يده شدت على رأسها وهو يُثبتها في مكانها. في النهاية استسلمت سروة وهي تُغمض عيناها وتستجيب له بحب. بعد قليل ازدادت جرأة تاج ويده تهبط لكتفها، فابتعدت سروة عنه بسرعة وهي تجلس على السرير وتتنفس بسرعة.
حاولت النهوض فأمسك تاج بذراعها ويسألها بصوت مبحوح: رايحة فين؟
قالت بارتباك: ه..هعملك أكل أنت تعبان ولازم تأكل. جيت لقيتك سخن وعملت لك كمادات وغطيتك و...
أدركت أنها تثرثر مثل البلهاء فصمتت وهي تنهض.
قال لها تاج بتعب: مش عايز أكل. تعالي اقعدي.
قالت بتوتر وهى تتحاشى النظر إليه: لا طبعًا لازم تأكل. حد شاور يفوقك لحد ما الأكل يجهز.
خرجت من الغرفة على عجل ودلفت للمطبخ. استندت إلى رخامة المطبخ وهي تخفي وجهها بين يديها. لماذا قبلها تاج؟ لم هناك أي تواصل بينهم منذ تلك الليلة بشكل صريح غير الملامسات العادية في السلام أو قُبلة على الخد بين الحين والآخر، ولكن لم يحاول الاقتراب منها بشكل جدي كما حصل منذ قليل.
أخبرت نفسها ألا تتأمل كثيرًا، ربما تلك مجرد هلوسة من المرض. بدأت تحضر الطعام وتُعد حساء الخضار من أجلها. كان تقطع الخضار ولم تنتبه إلا بذراعين يحيطان بخصرها، فانتفضت بذعر وكتمت صرخة كانت على وشك أن تنطلق من الخوف. دفن تاج وجهه في عنقها، فارتفعت نبضات قلب سروة وتصارعت أنفاسها.
قالت سروة بتلعثم: ااا... أنت بتعمل إيه؟
رد تاج بصوت منخفض: بعمل إيه يعني؟
ازدردت ريقها بصعوبة وقالت بعتاب: على فكرة خضتني. أفرض كنت اتعورت ولا حاجة؟
رفع رأسه وأمسك السكين من يدها ووضعها على منضدة المطبخ ثم أدار سروة له.
علت ابتسامة ثغره وقال بنعومة: تتخضي من إيه؟ هو فيه حد غريب معانا؟ وبعدين أنا جوزك يعني.
ارتبكت أكثر من حديثه الذي لم تعتد عليه، ولكن قالت بوجه مستاء: خلاص يلا روح أقعد لحد ما أخلص الأكل.
كان قد انتهى من الاستحمام للتو وارتدى تيشرت رمادي وبنطال أسود وشعره مازال مبللًا بشكل خفيف.
قال بصوت رخيم: لا أنا عايز معاكِ هنا حاسس بالملل لوحدي، إيه رأيك أساعدك؟
نظرت له بريبة فابتسم لها ببراءة. أومأت برأسها فتناول السكين يُكمل تقطيع الخضار بينما تُجهز سروة بقية الأشياء. فجأة انطلقت منه صيحة ألم حين جرح إصبعه بالخطأ، فأسرعت سروة إليه بهلع وهي تمسك إصبعه وترى الجرح.
نظرت له وقالت بلوم: مش قولتلك ارتاح. أنت لسة تعبان شوف عورت نفسك!
بقي ينظر لها وهي تمسك بيده وتنظف وتضمد جرحه باهتمام كبير رغم أن جرح إصبعه لم يكن عميقًا.
حين انتهت رفعت رأسها له وقالت بجدية كبيرة: يلا روح أقعد لحد ما أخلص الأكل ومتتحركش علشان تأكل وبعدها تاخد العلاج وتنام شوية.
لم يرد عليها وهو يتأملها. فـ عبست باستغراب: مالك؟
على غفلة اقترب منها وهو يحيط جسدها بذراعيه ويضمها له بشدة ويدفن وجهه في شعرها.
سرت قشعريرة في جسد سروة بينما بقت جامدة مكانها.
قال تاج بصوت أجش: وحشتيني.
رواية تراتيل الهوى الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ديانا ماريا
سرت قشعريرة في جسد سروة بالكامل، وبقيت متجمدة بين أحضانه.
تابع تاج باشتياق: وحشني وجودك في البيت بجد، القعدة فيه من غيرك مش حلوة خالص.
خفق قلبها بشدة بين أضلُعها وذهولها يزداد من حديثه الذي تسمعه منه لأول مرة، ابتعد عنها وهو يبتسم بحنو: نورتِ البيت و..
صمت لثانية وكان على وشك أن يُكمل حين رن هاتفه فاضطر لتركها وهو يتأفف وذهب ليرد عليه.
أسندت سروة نفسها قبل أن تقع، ابتسمت بدهشة، تُرجع شعرها وراء أُذنها، تتسائل بين نفسها منذ متى وتاج يظهر لها مثل تلك المشاعر؟ هل يُعقل أنه يشعر بشيء حقيقي اتجاهها أم أن ذلك مجرد تعود ومودة يُكنها لها؟
عاد تاج بعد قليل وقد تبدلت قسمات وجهه وأضحت هادئة يشوبها بعض العبوس ووقف إلى جانبها يراقبها بهدوء.
استغربت سروة ولكنها لم تعلق على الأمر، تابعت حتى انتهت من إعداد الطعام.
جلس تاج في غرفة المعيشة يتناول الطعام ولكن ارتعشت يده قليلا بينما يرفع الملعقة لفمه فأخفضها للطبق مجددًا وهو يتأفف بضيق.
اقتربت سروة منها وجلست بجانبه وهي تمسك بالمعلقة وترفعها لفمه.
ناظرها تاج باستغراب فابتسمت له وهي تهز رأسها، فتح فمه فأطعمته بحب دون ملل حتى انتهى ورفع يده يوقفها.
قال تاج بتذمر: كفاية شبعت يا سروة.
اعترضت سروة بعدم تصديق: شبعت إيه ده أنت مكلتش حاجة!
ابتسم ورد بخفة: لا صدقيني كلت وشبعت مش قادر تاني.
تنهدت وهي تحمل الصينية للمطبخ ثم أحضرت له دوائه وقامت بقياس حرارته وتأكدت أنها طبيعية.
نهض تاج وقال بهدوء: أنا هلبس ورايح مشوار مهم، رَوحي أنتِ هخلص واجي لك.
نهضت سروة على الفور تقول باعتراض: مشوار إيه! أنت تعبان ولازم ترتاح على الأقل كام يوم في السرير مش تخرج!
رد تاج بجدية: دي حاجة مهمة يا سروة لازم أروح صدقيني هروح وبعدها هرتاح زي ما أنتِ عايزة.
حاولت إقناعه مجددا: بس يا تاج...
رفع يده ووضعها على شفتيه بينما وضع يده الأخرى على كتفها قائلا بحزم ولكن بنبرة لطيفة: صدقيني مينفعش يتأجل، وأنا وعدتك أهو هخلص وارتاح.
توترت من فعلته البسيطة ورغم عدم اقتناعها إلا أنها استسلمت عن الجدال معه وأومأت برأسها بعدم رضا.
ارتدى ملابسه واستعد ليوصلها أولًا، اقترحت عليه سروة أن تقود هي ولكنه رفض وأصر أنه يستطيع وليس متعب لتلك الدرجة، كان تاج يقود بهدوء وثبات رغم آثار التعب الظاهرة على وجهه.
قالت سروة فجأة تقطع الصمت: صحيح أنا هروح أغير هدومي أنا كمان وأروح الشغل فيه شوية حاجات بخلصها علشان أرجع الشغل.
نظر لها تاج بغموض وقال بنبرة مبهمة: أنتِ هترجعي الشغل قريب أوي؟ يعني بكرة مثلا؟
هزت رأسها: لا يمكن كمان أسبوع ولا حاجة بس بقالي كتير بعيدة فلازم اظبط أموري وأشوف الدنيا الأول أنت فاهم يعني.
أومأ تاج دون أن يرد وأكمل قيادة، بقوا صامتين بقية الطريق.
حين هبطت من السيارة ناداها فعادت له وهي تنحني على نافذة السيارة.
أخبرها تاج بنبرة صارمة: لما تخلصي كلميني هاجي اخدك تمام؟
ردت بهدوء: تمام، مع السلامة.
صعدت على الفور للشقة، حين ولجت رأت عمتها تحدق إليها بذهول.
قالت عمتها بذهول: سروة! أنا فكرتك نايمة مرضيتش أدخل اصحيكِ، كنتِ فين بدري كدة؟
توترت سروة وابتسمت بارتباك وهي تجيب: ااه... تاج تعب يا عمتو فجأة وأنا كنت معاه.
تقدمت عمتها إليها بقلق: تاج؟ حصل له إيه؟ أخباره إيه دلوقتي؟
ابتسمت سروة لتطمئنها: متخافيش هي كانت حمى وبقى كويس دلوقتي.
تنهدت عمتها براحة ولكنها قطبت بحيرة: أمال هو فين مجاش معاكِ ليه؟ أنتِ سيبتيه لوحده؟
هزت رأسها بالنفي: لا طبعا يا عمتو هو قال عنده مشوار مهم ولازم يروحه ووصلني على هنا الأول بعدين مشي.
قالت عمتها بتفهم: تمام
ثم تنهدت: تعالي يا سروة عايزة أتكلم معاكِ.
ذهبت سروة معها ليجلسوا وهي تتسائل في نفسها بتوتر ماذا تريد عمتها منها.
صمتت عمتها لوهلة قبل ترفع عيناها المليئة بالندم لسروة: أنا آسفة يا بنتي لو معاملتي معاكِ مكنتش تمام لما تاج دخل السجن بس أنا اتضايقت واتصدمت من اللي حصل وده كان رد فعل مني تلقائي أنا مقصدتش اجرحك والله، ربنا يعلم معزتك عندي أد إيه.
لمعت عيون سروة بالدموع تأثرًا وقالت بسرعة لتريح عمتها من الشعور بالذنب: لا ياعمتو متفكريش كدة أنا مزعلتش منك خالص، أنتِ معاكِ حق في اللي عملتيه زي أي أم هتحس لما ابنها يدخل السجن وممكن حياته تتدمر وطبعا هتبقي عايزة له أحسن واحدة مش واحدة...
ثم توقفت عن الكلام وغصة ألم تسد حلقها فسارعت عمتها تقول بعتاب: لا طبعا إيه اللي بتقوليه ده! هو أنا هلاقي لتاج أحسن منك فين؟ تصدقي بالله يا حبيبتي أنا طول عمري نفسي أنتِ وتاج تبقوا لبعض حتى اللي حصل ده مغيرش حاجة بس حكاية السجن دي شتتت عقلي شوية متزعليش مني، أوعي تقولي على نفسك كدة ده أنت أحسن البنات.
ابتسمت سروة بين دموعها وقالت لعمتها بامتنان: شكرا يا عمتو.
ضمتها عمتها إليها وقالت بحنان: شكرا على إيه يا عبيطة ده أنتِ بنتي والله.
أغمضت عيناها براحة بين أحضان عمتها وقد حُل أمر كان عالق بينهم ويؤرق سروة من وقت لآخر تفكر أن عمتها تُحملها ذنب تاج ولم تعد تحبها.
ابتعدت عنها وهي تمسح دموعها وتقول بتساؤل: أمال بابا فين؟
ضحكت عمتها بخفة: ما صدق يرجع الشغل قعدت اتحايل عليه يرتاح شوية كمان يقولي بقيت كويس والقعدة هي اللي بتمرضني.
ضحكت سروة وقالت بسعادة: أنا مبسوطة أنه رجع لشغله تاني، صحيح أنا كمان هغير علشان أروح الشغل أرتب أموري وتاج هيعدي ياخدني.
مسحت على شعرها بحنان: ربنا يسعدكم يا حبيبتي ويهدي سركم.
ذهبت سروة للعمل ورتبت أمورها ثم اتصلت بتاج لتخبره أنها ستمر على صديقة لها تعمل في مستشفى قريبة وأعطته العنوان.
حين دلفت سروة نهضت الطبيبة بترحاب: أهلا يا مدام سروة عاملة إيه؟
ابتسمت سروة لها ومدت يدها لتُسلم ثم جلست أمامها.
قالت الطبيبة بهدوء: أخبارك إيه؟
تنهدت سروة وهي تفكر ثم قالت بحيرة: مش عارفة، مش عارفة بجد!
عقدت الطبيبة حاجبيها وقالت: ممكن توضيح أكتر؟
شردت سروة وهي تجيب: يعني حاسة حياتي بدأت تتظبط شوية وهرجع لشغلي قريب وعلاقتي ببابا بقت زي زمان وأحسن حتى اتصافينا أنا وعمتو بس...
ثم صمتت بتردد فحثتها الطبيبة بتشجيع لتُكمل: بس إيه؟ طب وزوج حضرتك تاج؟ فين من كل ده؟
نظرت سروة إليها واستطاعت عيناها أن تعكس مخاوفها والطريقة التي تشعر بها حيال تاج فقالت الطبيب بلطف: أنتِ خايفة صح؟
اخفضت سروة عينيها إلى الأرض وفركت يديها بتوتر.
قالت بصوت خافت فضح مخاوفها: جدا.....على قد ما أنا مبسوطة على قد ما أنا خايفة.
سألتها الطبيبة بنبرة ذات مغزى لتُخرج ما في داخلها: طب هل لمخاوفك دي أساس من الصحة ولا هي مجرد مخاوف؟
لم تجد سروة إجابة تعطيها للطبيبة فتنهدت الطبيبة ثم قالت بجدية: طيب مدام سروة أنا متفهمة جدا وقلقك لكن أنتِ إنسانة واعية وناضجة لازم تفرقي بين الخوف اللي ليه أسباب مبني عليها والخوف اللي بيعمل حاجز بينك وبين أنك تتخطي الماضي وتعيشي في الحاضر.
استمعت لها سروة باهتمام وتركيز فتابعت: أنتِ حكيتِ لي اللي حصل بينك وبين جوزك المرة الأخيرة اللي قربتوا فيها من بعض.
ظهر الألم على وجه سروة فأكملت: طبعا أنتِ خايفة جدا حاجة زي دي تتكرر وتحسي بالرفض من ناحيته ده خوف مفهوم بس ملوش أساس من الصحة لأسباب كتيرة منها أنه جوزك متمسك بيكِ وعايزك وحاول يبين لك بكل الطرق الحقيقة دي صح ولا لا؟
أومأت سروة دون تردد وكلام الطبيبة يتردد في رأسها فابتسمت الطبيبة وتابعت حديثها: طالما كدة يبقى مفيش داعي أنك تخافي من تكرار ردة الفعل وزي ماهو شرح لك فعلا دي كانت صدمة مش نفور فعلي منك لأنه لو كان نفور مكنش حاول معاكِ تاني وكان وافق على الطلاق حل ليكِ وليه قبل منك لكن واضح أنه متأكد من قراره ومشاعره، اللي حصل في الماضي هو في الماضي يا مدام سروة أنتِ دلوقتي في الحاضر وقدامك المستقبل كله متسمحيش للماضي اللي راح يأثر على اللي جاي، ادي نفسك فرصة وعيشي الحاضر بدون خوف ولا قلق وادي لجوازك فرصة، اللي حصلك مش سهل طبعًا لكن بفضل الله ودعم جوزك قدرتِ تتخطيه علشان كدة لازم تدفنيه للأبد ومتسمحيش لعقلك أنه يرجعه تاني، لازم تقدري قيمة نفسك وتفهمي أنه مكنش ذنبك ولا علشان حصلك كدة فده بيقلل منك بالعكس أنتِ مش ظالمة أنتِ مظلومة اتظلمتِ وعلشان كدة ليكِ ثواب كبير عند ربنا للظلم اللي وقع عليكِ، لازم تبصي في المرايا كل يوم وتحي نفسك أنها قدرت تصمد على كل الصعاب دي اللي مش أي حد يستحملها علشان كدة أنتِ قيمتك عالية أوي ولازم ترجعي تقدري نفسك من تاني زي الأول واللي حصل كان عثرة في طريق حياتك مش نهاية ليها، جوزك بيقدرك يا مدام سروة وبيمد لك إيده بكل ثقة، يا ترى ردك عليه هيكون إيه؟
بقى كلام الطبيبة يتردد في رأس سروة بعد خروجها، كانت تسير شاردة وهي تفكر، بالفعل لو كان تاج ينفر منها لم يكن ليتكبد عناء ومشقة محاولة إقناعها بإكمال زواجهم حتى محاولاته طوال الفترة الماضية في التقرب منها، وضعت يدها على شفتيها، وتقربه منها في الصباح يثبت ذلك أيضا، هل تستطيع أن تدع الخوف عنها وتطرده من قلبها وتترك نفسها بالفعل لتحب تاج بالكامل دون خوف؟ لتتقدم في علاقتهم بثقة؟ لتعيش معه دون قلق أو تفكير زائد في الماضي؟
كانت شاردة فلم تنتبه إلا وهي تصطدم بشخص عابر.
قالت سروة باعتذار وهي تنظر ترفع رأسها: أنا آسفة أوي مخدتش بالي.
أمسك الشخص بيدها فحدقت له سروة باستغراب ممزوج بالذهول لجرأته.
قال بخبث: ولا يهمك يا جميل هو أنا أطول اخبط في قمر كدة كل يوم؟
حاولت سروة افلات يدها وأجابت بانزعاج: لو سمحت بلاش الكلام ده وسيب إيدي.
لم يفلتها الشخص بل شد على يدها أكثر بمكر: ليه بس يا قمر أنا زعلتك في حاجة ما تيجي بس نقعد في مكان شوية مع بعض.
ازداد ضيق سروة وهي تشد يدها منه دون فائدة وصاحت به بحدة: قولتلك سيب إيدي بدل ما أناديلك الأمن أنت مبتفهمش!
أتى صوت من وراء الرجل يقول بغضب: هي مش قالتلك تسيب إيدها يا******.
نظرت سروة وراء الرجل لتجد تاج يتقدم إليهم بخطوات سريعة، عيناه تلمع بشراسة وقسمات وجهه مُظلمة بالغضب الشديد، استدار الرجل وعلى غفلة منه رفع تاج يده بسرعة وهبط بلكمة قوية على وجه الرجل الذي وقع أرضًا وهو يصرخ ويمسك بوجهه الذي ينزف فتراجعت سروة للوراء وهي تصرخ وقد وضعت يديها على فمها.
رواية تراتيل الهوى الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ديانا ماريا
لم يكتفِ تاج بذلك، بل انحنى على الرجل ورفعه من ثيابه وأعطاه لكمة أخرى على فمه بكل قوته.
أمسك الرجل بفمه الملئ بالدماء وهو يصرخ بتوسل:
أنا آسف والله ارحمني.
بدأ الجميع يتجمع حتى يرى ما يحدث، وسروة تراقب بارتجاف. لكمه تاج مجددًا بغضب عارم متسببًا في كسر أسنانه الأمامية، ثم ركله في بطنه.
حين رأت سروة أن تاج على وشك أن يتسبب لنفسه بمشكلة كبيرة، أسرعت وأمسكته من ذراعه.
قالت سروة برجاء:
تاج سيبه بالله عليك.
استدار تاج لها وعيناه تلمع بعنف. قسمات وجهه قست أكثر من طلبها وقال باهتياج ممزوج بالاستنكار:
اسيبه!
عاد يحدق إليه بحقد وكور قبضة يده بشدة:
الحيوان ده كان بيضايقك وماسك إيدك وعايزاني اسيبه!
ازدردت ريقها بصعوبة من مظهره الغاضب المستنكر، لأنه كان واضح أنه لن يستمع إليها. ولكنها حاولت أن تشرح له:
أنت عاقبته خلاص بس علشان ميحصلش مشاكل أكتر من كدة لأنك ضربته جامد و..
ازداد لمعان عيونه بالغضب من حديثها وظهر السخط جليًا على وجهه. وهو ينهرها بحدة:
اسكتِ أنتِ!
انتفضت من صراخه عليها وصمتت وهي تنظر حولها. شعرت بالإهانة لأنه وبخها أمام الناس، وحبست الدموع التي تجمعت في عينيها وأبقت وجهها جامد.
زفر تاج بحدة ثم استدار للرجل الواقع على الأرض. انكمش برعب على ذاته خوفًا من أن يضربه تاج مجددًا وتوسله بخوف:
سيبني أبوس إيدك والله ماهعمل كدة تاني أنا غلطان.
بصق تاج عليه باحتقار ثم التفت وأمسك يد سروة بقوة وشدها معه وغادروا المكان.
صعد إلى السيارة بضيق. جلست سروة إلى جانبه بصمت وهي تحدق أمامها. كان يقود السيارة يختلس النظرات إليها. حتى تنهد وقد هدأ غضبه. كان يشعر بالانزعاج من نفسه لأنه صرخ عليها وأمام الناس. يعلم أنها تشعر بالإهانة الآن، وأيضًا لاحظ خوفها وصمتها حين صرخ عليها مما زاد في ضيقه. مد يده وتناول يدها الموضوعة بجانبها.
قال بنبرة هادئة:
أنا آسف يا سروة، مقصدتش أزعق فيكِ هناك بس غضبي عماني.
لم تُجب سروة ولم تنظر له. فرفع يدها لشفتيه وقبلها برقة. أدارت رأسها له على الفور لتجده يبتسم لها بلطف:
حقك عليا أنا كنت متعصب مكنش قصدي.
رق قلبها رغم عنها وظهر الحزن على وجهها حتى تُظهر له بالفعل أنها مستاء. فأوقف تاج السيارة على جانب الطريق.
قالت بتوتر:
وقفت هنا ليه؟
التفت لها بجسده يقول بجدية وعيناه تلمعان بابتسامة:
مش هنمشي من هنا وأنتِ زعلانة مني لازم أصالحك الأول.
زمت شفتيها وقالت باستياء:
مفكرتش في ده ليه قبل ما تزعق لي قدام الناس؟
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال لها بنعومة:
أنا آسف بس كنت مضايق شوية.
جالت ببصرها في كل ناحية ما عداه حتى قالت بهدوء:
خلاص مش زعلانة.
انعقد حاجبيه بعدم اقتناع:
مش حاسس أنها من قلبك.
زفرت سروة وقالت بتذمر:
خلاص قولتلك مش زعلانة بجد.
اقترب منها فجأة وقبلها من خدها برقة. فحدقت إليه سروة بذهول وقد احمر وجهها.
التوى ثغره بابتسامة عابثة:
خلاص كدة ممكن أصدق أنك مبقتيش زعلانة.
ضحكت فقال تاج برضى:
كدة تمام أوي.
عاد مكانه وقبل أن يعيد تشغيل السيارة قال بجدية:
مش عايزك تخافي تاني أنا لاحظت ده لما زعقت في المستشفى. عاتبيني بس متخافيش مني ولا من أي حد.
حدقت إليه بامتنان وهي تومأ برأسها. استدارت حتى لا تفضحها عيناها وتكشف الحب الذي تشعر به ويزداد كل لحظة اتجاهه.
عاد يقود مرة في هدوء حين قطع الصمت قائلا:
عايزك تلمي هدومك لما تروحي دلوقتي يا سروة وتاخدي إجازة من شغلك.
قطبت بحيرة وفكرت هل يريد عودتها للمنزل اليوم؟ ردت بتساؤل:
ليه؟
ابتسم ابتسامة جانبية:
علشان هنسافر.
رفعت حاجبيها بذهول وهتفت:
هنسافر! فين؟
نظر لها بجانب عينه بمكر:
شهر عسل.
فتحت فمها بصدمة واتسعت عيناها. فرفع تاج يده وأغلق فمها وهو يضحك على مظهرها المصدوم. فأغلقت بارتباك.
قالت بحيرة ممزوجة بالضيق:
تاج فهمني أنا مش فاهمة حاجة خالص.
ضحك تاج بخفة:
إيه اللي مش مفهوم؟ هنروح أنا وأنتِ شهر عسل زي أي اتنين متجوزين. إحنا ماخدناش راحة خالص من كل حاجة حصلت. دلوقتي مفيش حاجة تمنع ناخد وقت لنفسنا شوية ونستجم مع بعض. ولا أنتِ إيه رأيك؟
لم تستطع أن تكتم ابتسامتها والفرح ينتشر في أوصالها مما تسمعه منه. لقد شعرت بالسعادة من تفكيره بها وأنه يريد وقتًا يمضيه لوحدهما. فأومأت برأسها والإبتسامة على وجهها كفيلة بالرد.
حين عادوا للمنزل جلس تاج مع والدته وأخبرها بخططه. بينما سروة تجمع أغراضها في الداخل. سُعدت والدته وأخبرته أنه أَحسن التفكير في ذلك، فهما يحتاجان لإجازة لوحدهما يبتعدان فيها عن جميع الضغوط ويبقوا وقتهم وتفكيرهم لأنفسهم فقط.
خرجت سروة مع حقيبتها. فنهض تاج وودع والدته ثم حَمل حقيبة سروة وهبطوا للسيارة. حين كان يضع حقيبتها وجدت حقيبة بالفعل هناك. فعلمت أنه قد أعد كل شيء مسبقًا. وتذكرت كلام الطبيب عن تقبُل تاج لها ورغبته بها وأنها الآن من عليها أن تقضي على مخاوفها وتتقدم دون خوف في علاقتهم.
قالت سروة بفضول:
صحيح مقولتليش إحنا رايحين فين؟
نظر لها تاج بخبث:
مش عارف أقولك من دلوقتي ولا أخليها مفاجأة لحد ما نوصل.
عبست سروة بدلال وقالت:
قولي علشان خاطري أنت عارف مش هقدر أقعد كدة من غير ما أعرف.
ضحك تاج ورد:
خلاص هقولك رايحين دهب.
ردت سروة بضحكة دهشة:
دهب! بس اشمعنا؟
رفع كتفيه:
مدينة جميلة والجو فيها حلو ليه لا؟
ابتسمت موافقة على حديثه واكتفت بالصمت بقية الطريق حتى غفت دون أن تشعر. استيقظت على يد تاج تربت عليها برفق.
فتحت عيناها ونظرت حولها بنعاس ثم اعتدلت وقالت لتاج بعدم تصديق:
وصلنا! امتى؟
حدقت لتاج الذي تمطى بتعب وظهرت على وجهه علامات الإرهاق:
لسة واصلين حالا.
قالت وهي تشعر بالذنب لأنها نامت وتركته:
أنت سوقت كل ده لوحدك؟ طب كنت صحيني أسوق عنك شوية.
ابتسم بتعب:
محبيتش أصحيكِ لأنه كان باين عليكِ مرهقة.
اعترضت بحنق:
بس أنت اللي تعبان مش أنا وفي الآخر أنا اللي نمت وأنت سوقت كل الساعات دي لوحدك والطريق طويل.
لاحظت أنه متعب فوبخت نفسها لأنها ترهقه أكثر ولم تجادل معه أكثر من ذلك. ركن السيارة بجانب الكوخ الذي استأجره. هبطت سروة وهي تحدق إليه وإلى المكان بانبهار. حين دلفوا إلى الكوخ تفحصت سروة المكان برضى.
وضع تاج الحقائب أرضا وجال بها يُريها المكان. حتى وصلوا لغرفة نوم فقال بهدوء:
دي أوضتك واللي جنبها أوضتي علطول.
توترت سروة واحتارت لأمره ولكنها فهمت أنه لا يضغط عليها ويتركها على راحتها. خرجوا من الغرفة وأخبرها تاج أنه سيستحم ويرتاح قليلا ولها حرية التصرف كما تشاء. ففعلت المثل وارتدت ملابس مريحة تجلس بها.
خرجت وتفقدت المكان حتى وصلت للمطبخ ووجدت أنه مُجهز بكل ما يحتاجونه. جلست لوحدها في غرفة المعيشة تشاهد التلفاز. حين خرج تاج من غرفته وقد بدل ملابسه هو أيضًا مرتديًا بنطال من الجينز وتيشرت من درجات الأخضر مبرزًا لون عينيه.
اقترح على سروة الذهاب في جولة مشيًا على الأقدام فوافقت على الفور. كانت يتمشيان بهدوء وفي لحظة مد تاج يده وأمسك بيدها. فلاحت ابتسامة رقيقة على وجهها الذي لمع بالارتياح وقد ذهب عنه الإرهاق والحزن الذي رافقه طويلًا. حل المساء ووجدا أنهما جائعين فعادا للكوخ.
قال تاج بمرح ليشاكسها:
يا ترى هنأكل إيه؟ صحيح بتعرفي تطبخي يا سروة؟ أنا عمري ما سألتك.
توقفت سروة وقالت فجأة:
لا.
ظهر الارتباك عليها فضحك تاج وتقدم لها وهو يضع يديه على كتفيها:
طيب عادي مفيهاش حاجة أنا بعرف. وتابع بغرور مصطنع: وهعملك أحلى عشا هتأكليه في حياتك غيري هدومك بس وتعالي هكون جهزت كل حاجة.
أومأت له وانطلقت لغرفتها حتى تبدل ملابسها. فتحت خزانتها ووقفت أمامها بحيرة. حين لمعت فكرة في رأسها فجأة. مدت يدها وتناولت فستان من الخزانة وهي تنظر له بتردد. ضمته لصدرها وهي تفكر قبل أن تحسم أمرها أخيرًا.
كان تاج قد انتهى من تحضير الطعام وتجهيز المائدة. كان يصب العصير وعلى وشك مناداة سروة حين خرجت سروة من غرفتها.
تعلقت عينا تاج بها طويلًا مما تسبب في خجلها وزيادة توترها. كانت ترتدي فستان جميل قصير من الحرير لونه يميل للازرق الداكن مما أبرز جمال لون بشرتها. وقد أسدلت شعرها على كتفيها ووضعت بعض الكحل في عينيها وأحمر شفاه بلون خفيف. ورغم بساطة مظهرها إلا أن جمالها كان طاغي. كان تاج شارد بها ولم ينتبه أن الكوب قد امتلأ بالعصير حتى فاض على مفرش المائدة.
قالت سروة بسرعة:
حاسب.
انتبه تاج على الفور وتوقف عما يفعله وقال بارتباك وهو يضحك بتوتر:
إيه اللي عملته ده! ثانيا همسحه علطول تعالي اقعدي.
عاد للمطبخ حتى يحضر منشفة. أما هي جلست وقد أحست بخيبة الأمل لأنه لم يعلق على مظهرها ولو بكلمة. حين عاد مسح آثار ما فعل ثم جلس أمامها وقد أخفض إضاءة الغرفة مكتفيا بإضاءة الشموع التي على المائدة.
أشار لها تاج وقال بحيرة:
مبتأكليش ليه؟ مش عاجبك؟
هزت رأسها وقالت بتوتر:
لا طبعًا جميل تسلم إيدك.
ثم صمتت فقال تاج بابتسامة وعيناه تتفحصانها بإعجاب:
على فكرة شكلك زي القمر.
ابتسمت سروة بخجل وأخفضت بصرها للطبق أمامها:
شكرا.
تناولوا الطعام وعيناي تاج لم تفارقها وتحدثا بتناغم حتى أنهم تناقشوا في شتى الأمور. ووجدت سروة أنها تتمتع بالتحدث مع تاج حتى لو اختلفوا في الرأي.
بعد أن انتهوا من العشاء انتقلوا للجلوس على الأريكة.
قالت سروة بضحك وهي تضع يدها على بطنها:
أنا عمري ما أكلت كدة تسلم إيدك.
رد تاج بحنو:
بالهنا على قلبك كُلي براحتك.
تثاءبت سروة بتعب واستندت برأسها على يدها. فقال تاج بحنان:
لو تعبانة قومي نامي يلا.
هزت رأسها بنعاس:
اه فعلا عايزة أنام خالص.
نهضت فنهض تاج معها مما وترها. رافقها حتى غرفتها. وقفت أمام الباب وهي تفرك يديها بتوتر. رفعت رأسها له وقالت بابتسامة:
شكرا يا تاج اليوم النهاردة كان حلو أوي.
علت ابتسامة ثغره ثم اختفت ابتسامته وهو يحدق إليها بشدة وعيناه مظلمتان من شدة المشاعر. أخفض وجهه نحوها ببطء حتى يترك لها الفرصة إن أرادت أن ترفض. ولكنها لم تتحرك حتى قَبلها تاج بشغف فأغمضت عيناها تستجيب له بكل كيانها. وضع يده خلف رأسها والآخر ضمها إليه من ظهرها. كان يقبلها بحرارة فطوقت سروة عنقه تتعلق به. حتى ابتعد فجأة.
حدقت إليه بتشوش فقال بجدية:
أنا مش هعمل حاجة أنتِ مش عايزاها ولا مستعدة ليها.
رغم الخوف الباقي داخلها من تكرار ماحدث ليلة الحفل إلا أنها جمعت شجاعتها وقالت بثقة:
بس أنا واثقة أنا عايزة إيه ومستعدة.
لم يُمهلها فرصة أكثر من ذلك فضمها له بقوة وهو يقبلها بشدة. ابتعد عنها لثانية وهو يلتقط أنفاسه. فنظر لها بابتسامة وقال بأنفاس لاهثة:
وأنا متأكد أنا عايز إيه بس بسألك لآخر مرة متأكدة؟
أومأت له دون تردد ولكنها تجمدت فجأة بين ذراعيه. فقبض وسألها:
مالك؟
رفعت عيناها له بتوتر وترددت قبل أن تقول:
أنا... أنا مش عايزة اخلف دلوقتي.
رفع رأسه بصدمة وابتعد عنها على الفور قائلا بحدة:
ليه؟
حاولت شرح موقفها بتوتر:
حاول تفهمني لأسباب كتير عندي منها أني عايزة أظبط حياتي الأول وأبقى مستعدة نفسيا للموضوع ده. متنساش أني لسة بنتقدم في علاقتنا وبنحاول نفهم بعض. أنا لسة بتعافى نفسيا وبرجع لحياتي من تاني. وكمان طول عمري شايفة تأجيل الخلفة أول الجواز من أحسن القرارات لحد ما كل واحد ياخد على طباع شريكه ويعيشوا حياتهم شوية.
فكر قليلا في حديثها واسترخت ملامح وجهه. ثم تنهد وهو يوافقها:
تمام موافق.
خشيت أن تكون ضايقته. فاقتربت منه وهي تضع يدها على خده:
اضايقت؟
وضع يده فوق يدها وابتسم لها:
لا استغربت بس ومعاكِ حق.
تابع وعيناه تلمعان بمكر:
لازم نعيش حياتنا شوية. يلا نكمل اللي كنا بنعمله؟
احمر وجهها خجلا وازدادت نبضات قلبها بقوة. رفعها بين ذراعيه فشهقت وهي تتعلق به. ضحك تاج فأخفت سروة وجهها في عنقه وهو يتقدم بها نحو الغرفة.
بعد بعض الوقت كانت سروة مستلقية على السرير على ظهرها وتاج بجانبها على جانبه يحدق إليها. بدت السعادة جلية في عينيها والراحة والرضى على وجهها. مسح تاج على وجنتها بحنان وهو يسألها بصوت رخيم:
حاسة بأيه؟
أغمضت سروة عينيها على لمسة يدها ثم فتحتها وأجابت بصوت هادئ مختلط بالنعاس:
مش عارفة هبقى ببالغ لو قولتلك دلوقتي أني حاسة بالكمال؟ مقدرش أقول السعادة لأني اللي حاسة بيه أعمق من السعادة بكتير أوي.
صمتت لثانية وتابعت:
ممكن أقول الرضى والراحة.
نظرت لعيونه وأكملت بنبرة خافتة رقيقة وهي ترفع يدها وتضعها على خده:
والأمان، حاسة بمشاعر كتير أوي مش عارفة أوصفها كلها.
أدار تاج شفتيه وقبل باطن يدها فشعرت بالحرارة تسري في أنحاء جسدها. شدها له وهو ينام على ظهره فأراحت رأسها على صدره. بينما وضع يده خلف ظهرها يضمها له. ويده الحُرة أمسكت بيدها وشبك أصابعه بها. تلك الراحة والسلام اللذان شعرت بهما سروة كانا كفيلان لأن تغفى بأمان. بينما أحضان تاج الذي راقبها حتى غفت فقبل أعلى رأسها بحنان قبل أن ينام هو أيضا وابتسامة رضا وسعادة تعلو ثغره.
انقضت بقية الأيام على نفس المنوال لم يكونا يفترقان دقيقة. يقضيان النهار في التجوال في المكان أو السباحة أو حتى المزاح والركض على الرمال. والليل يستمتعان بأمسية هادئة في التحدت معًا أو مشاهدة التلفاز أو الخروج للجلوس على الشاطئ والاستمتاع بمظهر القمر. انقضت ثلاثة أسابيع كانت الأسعد في حياة سروة. لم تفارقها ابتسامتها قط وقد توردت وجنتاها بالصحة والعافية واستعاد وجهها رونقه وعيناها لمعتها بالحيوية والحياة. فكان كل وقت تقضيه مع تاج هو سعادة لها. لقد توقفت في آخر لحظة عدة مرات أن تبوح له بحبها. لا يمكنها أن تخاطر تلك المخاطرة وهو لم يقل لها أي شيء خشية أن تكون تلك مشاعرها هي فقط. فصمتت.
انتهت الإجازة وعادوا إلى شقتهم. رغم رغبة سروة وتاج أن يقضوا أسبوع آخر إلا عمل تاج حال دون ذلك. وكان يجب عليه العودة فورا. وأيضا رأت سروة أن من الأفضل أن تعود لعملها هي أيضًا.
كانت نائمة بتعب لأنهم قد عادوا أمس فقط. حتى أنها لم تفرغ حقائبهم. سمعت صوت جرس الباب يرن لمدة فعقدت حاجبيها بانزعاج واستغربت أن تاج لم يفتح طوال هذا الوقت. فتحت عيناها بضيق لتجد أنها وحدها. جلست بدهشة على السرير وهي تنادي تاج وتبحث عنه بعينيها. نهضت من السرير وخرجت من الغرفة. خمنت أنه ذهب لعمله وتركها نائمة فابتسمت. عاد جرس الباب يرن فارتدت سروة روبها المنزلي على عجل وذهبت لتفتح الباب بحنق.
حين فتحت الباب توسعت عيونها بصدمة واشتدت يدها على الباب وهي تهتف بعدم تصديق:
أنتِ!
رواية تراتيل الهوى الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ديانا ماريا
كانت سروة تراقب بانفعال روفان التي تناظرها بابتسامة مستفزة.
قالت روفان باستفزاز: إيه ده لسة فاكراني؟ معاكِ حق ما أنا متنسيش بسهولة برضو.
رمقتها سروة بنظرات انزعاج يكتنفها النفور وهي تتذكر ما فعلته بها ليلة الحفل وقالت بحدة: أنتِ مين؟ وعايزة مني إيه؟
دلفت روفان للمنزل فأوقفتها سروة وهي تُمسك ذراعها بقوة: أنا مسمحتلكيش تدخلي!
نظرت لها روفان بغيظ وأفلتت يدها وهي تبتسم مجددًا بخبث: عايزة تعرفي أنا مين؟ طبعًا أوي أوي أنا حبيبة تاج اللي سابني علشان يتجوزك وينقذك من فضيحتك.
أكدت على آخر كلماتها فنظرت لها سروة بعدم تصديق والغضب ينتشر في أوردتها من وقاحتها وصاحت بها بعصبية: أنتِ كدابة! تاج ملوش علاقة بيكِ.
رفع روفان حاجبها وقالت بصوت بارد: متأكدة؟
توقفت سروة مكانها والأفكار تتداخل في رأسها بجنون، كان صدرها يعلو ويهبط بانفعال يرفض قلبها تصديق ما يسمعه وأن هذه الإنسانة التي تمتلك أخلاق بشعة كانت حبيبة لتاج ولكن عقلها بمنطقية أجاب عليها أن ذلك يشرح سبب أذيتها لها بفضح سرها أمام الجميع تلك الليلة، تذكرت أن تاج تغيرت قسمات وجهه حين دلفت روفان للحفل وأيضًا كان يعرفها! هي لم تسأله أبدًا لأنها انشغلت بنفسها وعلاقتها مع تاج فنسيت ذلك الأمر تمامًا.
حين رأت روفان أن حديثها بدأ يأتي مفعوله، اقتربت من سروة وأخرجت هاتفها.
أعطته لها وهي تقول بلؤم: لو مش مصدقاني خدي ده الدليل، صورنا طول السنين اللي كنا فيها مع بعض.
نظرت سروة للهاتف وكأنه شيء سام لا ترغب في لمسه إلا أنها ورغمًا عنها وجدت نفسها تمد يدها وتتناول الهاتف منها، حين طالعت صورة تاج مع روفان شعرت كأن سكين قد غُرز في قلبها، كانت روفان تراقبها بابتسامة متشفية فكتفت ذراعيها وتقدمت تدور حولها وهي تقول بنبرة حاقدة بينما سروة تُشاهد بقية الصور: كنا بنحب بعض ومع بعض بقالنا تلت سنين، وعدني أول ما ننزل على مصر هيقول لمامته علشان يجي يتقدم لي ويتجوزني بس اضطر يرجع بدري عني فجأة وأنا اتأخرت شوية، رجعت الاقيه بيقولي أنه اتجوز! تخيلي كدة حبيبك بيقولك أنه اتجوز! طبعًا زعلت ورفضت اسمعه أصل هيكون عنده تفسير إيه؟
ثم توقفت أمام سروة مباشرة تحدق سروة بنظرات جارحة: لحد ما عرفت حكايتك ساعتها فهمت هو عمل كدة ليه واتجوزك!
تجمدت سروة من شعورها بالإهانة بينما تتابع روفان بمكر وعيناها تلمعان: ندمت ساعتها أني مسمعتلوش وهو بيتحايل عليا ويترجاني أسمعه وافضل معاه بس طبعًا أنتِ الغيرة إزاي بتعمي وأنا غيرتي عمتني لحد ما عرفت الحقيقة.
كانت روفان سعيدة من داخلها لأثر حديثها الذي تراه أمامها على سروة فقالت تنفث سمها الأخير: فضل يقولي غصب عني ويترجاني أسمعه وأنه مش عايز يخسرني بس أنا مشيت بس عارفة رجعت ليه؟ علشان مقدرتش أنساه وعرفت أخيرًا السبب الحقيقي وليه عمل كدة خصوصًا أنه لسة بيحبني، دلوقتي عرفتِ ليه أنا عملت كدة في الحفلة؟ أنا مكنتش عايزة أذيكِ لحاجة شخصية بيني وبينك بس أنتِ عارفة الغيرة بتعمل إيه بقى!
بقيت سروة تحدق إليها بعيون تطفح بالألم وعدم التصديق وروفان تراقبها بشماتة حتى تغيرت قسمات وجهها الجمود وسيطر البرود على عينيها، استغربت روفان منها فقد توقعت أن تنهار كليًا أمامها.
قالت سروة بنصف ابتسامة باردة: وبعدين؟ متوقعة مني أقول إيه بعد القصة اللطيفة دي؟
اتسعت عيون روفان بذهول من ردة فعل سروة التي لم تتوقعها على الإطلاق.
ضحكت سورة باستهزاء: إيه؟ كنتِ متوقعة إيه؟ أقولك خديه يلا ولا استنى ألفه في هدية الأول؟
جاء دور لسروة لتبتسم بثقة: كل اللي قولتيه ده ولا فارق معايا عارفة ليه؟ علشان كل ده ماضي وانتهى خلاص وإذا كان تاج اتجوزني للسبب اللي قولتيه فدلوقتي إحنا مع بعض بإرادتنا ورغبتنا وتاج نفسه اللي عرض عليا أنه عايز يكمل حياته معايا.
جزت روفان على أسنانها بغضب وراقبت بغيظ سروة تُكمل بدلال وهي تلف خصلة من شعرها حول إصبعها: مقدرش أقولك تاج بيعاملني إزاي لأنها حاجة خاصة بين المتجوزين بس أقدر أقولك أنه عايشين أحلى أيام حياتنا كفاية أنه تاج عايزني أنا.
واقتربت بوجهها منها وهي تنظر لعيونها مباشرة وتقول بثبات: وبيحبني أنا.
كادت روفان تنفجر من شدة الحنق والغيظ اللذان تشعر بهما لفشل خطتها وانعكاسها عليها، تغير تعبير وجهها الحقد وقالت بتهديد: هتندمي وهتعرفي أنه بيحبني أنا ولا يمكن ينساني!
رمقتها سروة من أعلى لأسفل وقالت ببرود: خلصتِ؟ ياريت تمشي علشان شوفتك عكرت لي مزاجي على الصبح.
نظرت لها روفان بكره قبل أن تنزع هاتفها منها بغل وتنطلق خارجة من الشقة في نفس الوقت أغلقت سروة الباب خلفها بقوة.
نزعت قناع القوة الذي وضعته أمام روفان وهي تجلس على الأريكة تسترجع حديثها والصور التي رأتها، شعرت بالغيرة تنهش قلبها وهي تفكر أن روفان كانت حبيبته أنه أحبها هي ووعدها بالزواج إلا أن أزمة سروة تدخلت لتُفرق بينهما.
هل مازال تاج يحبها؟ هل حينما يكونان معا يتخيلها تاج روفان؟
لم تتحمل تلك الفكرة حتى شعرت بالغثيان منها فوضعت يدها على معدتها تشد عليها حتى تهدأ.
انهمرت الدموع من عينيها وهي ترفع يدها المرتعشة تغطي فمها، لم تتوقع أن تاج أحب فتاة أخرى، لم تطرأ تلك الفكرة على بالها أبدًا، كانت الأسئلة التي تدور في رأسها تعذبها، هل مازال يحب روفان؟ هل يفكر بها حين يكون وحيدًا؟ أو معها؟ هل أحبها هي ولو قليلا أم أنه حسب كلامه مازال هذا زواج عقل بالنسبة له ولم يخفق قلبه لأجلها ولو لمرة؟
عادت تفكر مرة أخرى أنه هو من اختار إكمال حياته معها لقد كانت أمامه الفرصة بعد موت عصام أن ينفصل عنها ولكنه من عرض عليها استمرار الزواج بالتأكيد يشعر بشيء ما نحوها!
تعبت من تلك الأفكار التي سببت لها الصداع وقررت أخيرًا أنها ستنسى ما حدث اليوم ولن تأتي على ذكره أمام تاج، إن حياتهم معًا تسير بشكل جيد وهما سعداء ولن تخرب صفو حياتهم وتجعل حقد روفان الجلي ينتصر فهي كما قالت ماضي وستظل ماضي.
إلا أنها لم تستطع العودة لطبيعتها طوال اليوم، حين عاد تاج من العمل كانت ماتزال تجلس مكانها شاردة بوجه شاحب، حين رآها أسرع إليها وجلس أمامها يقول بقلق: مالك يا سورة قاعدة كدة ليه ووشك أصفر أنتِ تعبانة؟
كان يتفحصها بعيون قلقة فأجابت بهدوء: اه بخير بس لسة مفطرتش علشان كدة هتلاقي وشي شاحب شوية.
تنهد براحة وقال بعتاب: طب ليه لحد دلوقتي مفطرتيش ينفع كدة! ده ميعاد غدا على فكرة.
نظر ناحية المطبخ وقال بمرح: يا ترى حضرتِ لينا حاجة نأكلها ولا نأكل برة؟
ابتسمت ابتسامة باهتة فعقد حاجبيه باستغراب: زعلتِ ولا إيه؟ أنا بهزر معاكِ.
هزت رأسها وهي تجيب بهدوء: لا مزعلتش بس أنا مبعرفش اطبخ ومعرفتش أعمل كدة متزعلش مني.
ابتسم بحنان وقَبل جبينها: أكيد مش هزعل منك على سبب تافه زي ده.
ثم تابع بمزاح: كنتِ حتى اعملي لنا شوربة زي اللي عملتيها يوم ما كنت تعبان كانت حلوة على فكرة.
ابتسمت فقال وهو ينهض ويشدها معه بحماس: يلا نقوم نعمل الأكل سوا وأنا هقولك تعملي إيه.
بقيت شاردة أثناء تحضير الطعام حتى أنها كانت تجرح نفسها في مرة لولا لحقها تاج بسرعة وهو ينزع السكين من يدها وقد صاح: حاسبي!
انتفضت وهي تنظر له ثم تنتبه لمقصده فقال بتعجب ممزوج بالاستياء: كنتِ هتعوري نفسك، أنتِ كنتِ سرحانة في إيه!
قالت بتوتر: مفيش حاجة عادي.
تنهد تاج وقال بهدوء: طيب روحي اقعدي وأنا هكمل.
أحست بالاستياء من نفسها وأصرت على مساعدته فأعطاه مهام بعيدًا عن استخدام السكين.
انقضى اليوم وبقيت هى مازالت على حالتها الغريبة حتى أنها لم تستجب له كالعادة فابتعد عنها وهو يقول بتعجب: مالك يا سروة؟
نظرت له بحيرة: مالي؟
قطب تاج ورد بانزعاج: سرحانة، ذهنك مش حاضر معايا، فيكِ إيه؟ أنتِ تعبانة؟
اعتدلت ونظرت له بعيون لامعة من الدموع وردت بصوت متحشرج: أنا آسفة يا تاج، أنا بس هتلاقيني مرهقة شوية لسة من السفر مش قصدي.
كان محتارا في أمرها ولكنه حين رأى دموعها اقترب منها وضمها لصدره قائلا بتريث وهدوء: لو تعبانة قوليلي إنما أنتِ طول اليوم سرحانة وحالتك غريبة، لو فيه حاجة شاغلة بالك أحكي لي.
ردت عليه بسرعة تنكر: لا مفيش حاجة أنا بس مرهقة شوية.
مسح على شعرها بيد حانية وقال: خلاص يلا ننام.
ثم ابتعد عنها ليخلدوا إلى النوم، لم ترده أن يبتعد عنها وخشيت أن يستاء أو تترك له الفرصة ليفكر في روفان فشدته إليها مرة أخرى وهي تقول بلهفة: لا متسبنيش.
نظر لها بدهشة ولف ذراعيه حولها وهو يقول بحنان: متخافيش مش هسيبك أبدا يا حبيبتي.
هل أنا بالفعل حبيبتك؟ كانت على وشك أن تسأله ذلك بشوق إلا أنها آثرت الصمت وهو يقترب منها مرة أخرى.
في اليوم التالي كانت تجلس وحيدة في الشقة لم يتوقف دماغها عن التفكير برغم كل ما أخبرت به نفسها إلا أن المخاوف والشكوك القديمة عادت لتظهر مرة أخرى على السطح، أيقظها من أفكارها صوت وصول رسالة على هاتفها ففتحتها لتجد رقمًا غريبًا قد بعث لها رسالة نصها"مش قولتلك بيحبني وهيختارني أنا"ثم تحتها رسالة مسجلة صوتيًا فتحتها بترقب لتتجمد مكانها وهي تسمع صوت تاج وهو يقول: مش أنتِ اللي مرضتيش تسمعيني؟ رغم أني تحايلت عليكِ تسمعيني وأنا بحاول افهمك أنا عملت كدة ليه؟ إيه اللي اضطرني أعمل كدة! ليه اتجوزت واحدة غيرك وأنا بحبك أنتِ!
سقط الهاتف من يدها وهي تحدق أمامها بصدمة وعدم تصديق، سمعت صوت وصول رسالة فجثت على الأرض بسرعة والتقطته لترى صورة وصلت تظهر روفان وتاج جالسين سويًا وروفان تُمسك بيد تاج وتبتسم، اشتدت قبضة سروة على الهاتف قبل أن ترميه في الأرض مُطلقة صرخة أثنى جريحة.
عًلى صوتها وهي تتنفس كأنها لا تستطيع أن تتنفس بشكل طبيعي، وضعت يدها على حنجرتها، تشعر بأن هناك من يُطبق على حنجرتها ويقوم بخنقها، تدفقت دموعها ساخنة على وجهها، كان تاج بالفعل من يجلس معها ولم تكن هذه صورة قديمة، لقد كانت هذه ملابسه التي كان يرتديها في الصباح قبل أن يخرج من المنزل!
تذكرت بتشوش أنهم كانوا يتناولون طعام الإفطار حين رن هاتفه فجأة فتوتر وأغلقه دون أن يرد، فحدقت إليه سروة بشك ولكنها كانت تخبر نفسها أن كل تلك أوهام لا أساس لها من الصحة وهذا تصرف طبيعي، إذا لم تكن أوهام! كانت محقة في مخاوفها! ألم يكاد يفتك بقلبها حين تذكرت حديث روفان بأنه يحبها هي ويبقى مع سروة للشفقة فقط.
كل تلك العواطف والشغف اللذان تشاركوه كانت كذبة؟ كل تلك المشاعر التي ملأت كيانها؟ كل تلك الأوقات السعيدة معًا لم تعني شيئا له؟ تجعدت ملامح وجهها بألم واستندت بيدها على مسند الأريكة لأنها شعرت بالدوار يهاجمها.
رن هاتف سروة فناظرته بإحساس مخدر، كانت عمتها من تتصل بها فرفعت الهاتف لتجيب عليه وقالت بجمود: نعم يا عمتو؟
قالت عمتها بلطف: ازيك يا حبيبتي عاملة إيه؟
ردت سروة بنفس النبرة: بخير الحمد لله وأنتِ أخبارك؟ وأخبار بابا؟
ضحكت عمتها وقالت بحماس: إحنا الحمد لله كويسين المهم حمدا لله على السلامة يا حبيبتي بمناسبة رجوعكم أنا عازماكِ أنتِ وتاج على الغدا النهاردة، أنا كلمت تاج وقولتله ودلوقتي بقولك متتأخريش تمام؟
لم تنتظر ردها وأغلقت الخط فنظرت سروة بعيون لا يظهر فيها أي شعور للهاتف، حاليا تشعر أن كل أحاسيسها تجمدت ولم تعد تشعر بشيء، بقيت مكانها لفترة تحدق للحائط بشعور من الفراغ يسيطر عليها ووجه خالي من التعابير، نهضت بوجوم كالإنسان الآلي تبدل ملابسها حتى تذهب لبيت والدها وفي ذهنها فقط منظر تاج وروفان، لم تنتبه إلى ملامح تاج المتجهمة، لم تلتقط أُذُناها نبرة تاج التهكمية في الرسالة الصوتية فقط ما رأته وسمعته هو تاج ويعترف بحبه لامرأة أخرى وأنه أُجبر على الزواج منها وتاج يجلس معها وهي تُمسك بيده.
قبل ذلك الوقت بقليل استطاع تاج أخيرا أن يصل لروفان التي كانت قد اختفت بعد الحفل مباشرة وانشغل هو بعدها في شهر عسله، ردت على مكالمته وقد أغراها الظن أنه يبحث عنها لأنه يريد الاعتذار والعودة لها فوافقت على مقابلته وانتظرت في المقهى وقد استأجرت شخصًا حتى يلتقط لها صورًا مع تاج في اللحظة المناسبة.
حين وصل تاج ابتسمت روفان بانتصار، ولكن كانت تلك الابتسامة تتقلص باقتراب تاج منها حيث لا تبشر ملامح وجهه بالخير أبدًا.
جلس تاج أمامها وهو يحدق إليها بتعابير غامضة ولم ينطق بكلمة.
رمت روفان شعرها للخلف بدلال: ها عايزني في إيه بقى؟ مش كنت نهيت اللي بيننا؟
استند تاج بيديه على الطاولة وقال بصوت هادئ لسبب ما أثار القلق داخل روفان: جيت أسألك سؤال واحد قبل أي حاجة.
قطبت روفان وقالت بفضول: إيه؟
قال تاج بنبرة جافة وهو يركز نظراته عليها: ليه؟ عملتِ كدة ليه؟
ابتسمت روفان بخبث وتظاهرت بالتفكير قبل أن ترد: يمكن علشان برد حقي؟
قبض على يده بشدة ولكنه مازال مُتمسكا بالهدوء: حقك؟ في إيه بالضبط؟
أصدرت روفان صوتًا يدل على الامتعاض وأجابت باستنكار: حقي فيك طبعا! أنت نسيت كنا مع بعض لسنين ووعدتني هتتجوزني واجي ألاقيك اتجوزت!
تحول وجه تاج للتجهم وقال بتهكم: بس أنتِ اللي اخترتِ ولا نسيتِ؟ تحبي أفكرك إزاي فضلتِ رحلة سخيفة مع صحابك عليا!
اعترضت روفان: بس أنا مكنش قصدي وأنت عارف.
هدر تاج بعصبية وعيناه تلمعان بغضب عنيف: قصدك مش قصدك الموضوع خلص وانتهى ساعتها!
تابع مستهزئًا بها: مش أنتِ اللي مرضتيش تسمعيني؟ رغم أني تحايلت عليكِ تسمعيني وأنا بحاول افهمك أنا عملت كدة ليه؟ إيه اللي اضطرني أعمل كدة! ليه اتجوزت واحدة غيرك وأنا بحبك أنتِ!
مدت يدها تمسك بيده تتوسل له بعيناها: بس أنا ندمت ورجعت لك تاني ليه مش راضي تسامحني وتصدقني؟ أنا متأكدة أنك لسة بتحبني.
نظرت بجانب عينيها حتى تعطي إشارة للمصور ثم عادت تبتسم له باستعطاف: أنا لسة بحبك يا تاج.
نفض يده منها ومسحها باشمئزاز كأنه يمسح عنه شيئا قذرا عنها فانزعجت روفان كثيرا.
شبكت ذراعيها وأرجعت ظهرها للوراء وهي تقول بغرور: مش قولتلك مسيرك هترجع لي وأديك زهقت من الزبالة اللي معاك وجيت لي برجلك.
ابتسم تاج ابتسامة غير مريحة ثم أسند بذراعيه على الطاولة وهو يشير لروفان بيده حتى تقترب منه فاقتربت روفان بحيرة، وفجأة باغتها تاج وأمسك بفكها بيده يضغط عليه بشدة حتى صاحت روفان من الألم وهي تشعر أن فكها على وشك أن يتحطم.
أقترب تاج بوجهه منها عيناه تلمع بشكل مُخيف وقسمات وجهه كلها مشدودة و قال بصوت أثار الخوف في قلب روفان: اللي أنتِ بتتكلمي عنها دي تبقى مراتي، أحسن منك ومن عشرة زيك، غبائك صور لك أني ممكن اسيبها هي علشان أرجع لك أنتِ؟ وأنا حذرتك قبل كدة لو فكرتِ بس سيرتها تيجي على لسانك هتدفعي التمن غالي وأنا بوفي بوعودي علطول علشان كدة جيت احاسبك بس.
حاولت روفان الكلام بارتباك وهي تحدق إليه بخوف: ق...قصدك إيه؟
تركها تاج وهو يدفعها للوراء فرفعت روفان يدها لفكها تدلكه وهي ترمقه بغيظ.
علت ابتسامة ثغر تاج وادعى التفكير مُقلدا لها ثم أردف ببراءة مصطنعة: ولا حاجة بس متستغربيش لما تلاقي نفسك مرفوضة في رسالة الدكتوراه والدكاترة بيرفضوا يدوكي الشهادة والإقرار بتاعك وبيمنعوا مناقشتك في أي مكان تاني.
توسعت عيون روفان بصدمة: أنت بتقول إيه؟
رفع كتفيه وباب بتساؤل مزيف: إيه بقول حاجة غريبة؟
قهقه تاج ضاحكًا وأردف: صحيح قبل ما انسى كمان والدك عرف كل حاجة.
كاد قلب روفان يتوقف خوفًا وهتفت: بابا!
أومأ تاج برأسه وأجاب بنظرة ماكرة: اه محمود بيه الشربيني اللي مش بيحب الغلط أبدا حتى لو كان من بنته الوحيدة المدلعة!
ابتلعت روفان ريقها بصعوبة فتاج محق رغم تدليل والدها لها حد الفساد وتركها على راحتها وتحقيق كل رغباتها إلا أنه لا يقبل بأي خطأ يمكن أن يؤثر على سمعته وهو صارم في هذه الأمور.
تغيرت قسمات وجه تاج وقال بازدراء: تتخيلي صدمته كانت عاملة إزاي لما يعرف اللي بنته عملته والانحطاط اللي وصلت ليه، تتخيلي ردة فعله لما عرف أنها بتلاحق رجل متجوز!
تحولت ملامح روفان للحقد الشديد ولمع الكره في عينيها وهي تهتف به: كل ده علشانها هي! نسيتني وبتعمل فيا كدة علشانها! ليه؟ كانت أحسن مني في إيه؟ دي حتى...
لم يُمهلها تاج أن تتابع حديثها وضرب على الطاولة بقوة افزعت روفان هادرًا بحدة: مش هكرر كلامي تاني متفكريش تجيبي سيرتها على لسانك! أيوا كل ده علشانها وأكتر كمان، عقلك المريض مصورلك أنها بسبب اللي حصل أقل منك بالعكس هى أحسن منك بمراحل ومفيش حاجة تنقصها ولا تعيبها أبدا.
همست روفان بألم ممزوج بالتساؤل وهي تخشى من إجابة سؤالها أكثر من أي شيء: بتحبها؟
اقترب تاج بوجهه منه وقد التوى ثغره بابتسامة عذبة وعيناه تلمعان بشوق لتذكرها مُجيبا بوله مختلطة بالعشق: بعشق التراب اللي بتمشي عليه، عرفت يعني إيه حب حقيقي معاها، قبلها ده كان مجرد لعب.
ازداد الكره والحقد داخل روفان وظهر جليًا وجهها وعيونها المليئة بالغل فنهض تاج وهو يحدق إليها بتشفي ثم قال محذرا وقد رفع سبابته: هحذرك لآخر مرة، آخر مرة أشوفك في حياتي كلها وتحاولي تقربي مني أو من سروة.
ثم ضحك باستخفاف: ده لما تلاقي وقت بعد ما تطلعي من مصايبك دي.
ثم غادر وقد ارتدى نظارته الشمسية، راقبته روفان بقهر حتى اختفى عن أنظارها فضربت الطاولة بقبضتيها بسخط وهي تهمس بحرقة: مش هسيبك تتهنى يا تاج مش بعد اللي عملته فيا اسيبك تتهنى معاها!
أدركت أنها خسرت تاج للأبد وزاد ذلك من رغبة الانتقام داخلها لتضرب ضربة أخيرة، لن تخرج من حياته بسلام هكذا!
أخرجت هاتفها بسرعة وهي تبتسم بانتصار حين رأت تسجيل الحديث بينها وبين تاج، استمعت له حتى وصلت لمرادها واقتطعت الجزء الذي تريده ثم اتصلت بالشخص الذي استأجرته، أخبرها أنه التقط بعض الصور فطلبت منه إرسالها فورا، فحصت الصور حتى وصلت للصورة التي تبغيها، كان رقم سروة بحوزتها للوقت المناسب وها قد وصل الوقت المناسب فأرسلت لها كل ذلك، أغلقت هاتفها بارتياح وابتسمت وقد ظهر الشر واضحًا في عينيها.
همست لنفسها بغل: حتى لو مكنتش ليا مش هسيبها تتهنى بيك أبدا!
حين غادر تاج لم يشعر بمزاج للعمل حينها اتصلت والدتها لتخبرها بدعوة الغداء فقرر الذهاب لها والجلوس معها لحين مجئ سروة.
استقبلته والدتها بالترحاب والاشتياق.
ابتعدت عن حضنه وهي تقول بحنان: وحشتني يا حبيبي عامل إيه؟
ابتسم لها تاج بمحبة: الحمدلله يا ماما طمنيني عنك؟
جلسوا سويا ووالدته تقول بحماس: والله الحمدلله، أنا مبسوطة برجوعك حتى خالك هيستأذن بدري علشان يجي ونتجمع كلنا سوا.
أومأ تاج وهو يحدق أمامه مبتسما، قالت والدته بتلهف: عامل إيه أنت وسروة يا حبيبي؟
ازدادت ابتسامة تاج اتساعا وأجاب بنعومة: الحمدلله أمورنا بخير.
قالت والدته بشوق عفوي للأم: عقبال ما أفرح بخلقتك يا حبيبي، إيه مفيش حاجة كدة ولا كدة؟
ضحك تاج بشدة لعفوية والدته ورد قائلا: لا يا حبيبتي لسة بدري إحنا مش مستعجلين.
تنهدت والدته وهي تهز رأسها بتفهم، شردت مع نفسها قبل أن تقول بتعجب: سبحان الله بجد.
التفت تاج لها باستغراب: بتقولي حاجة يا ماما؟
نظرت له والدته ضاحكة وهي تقول: بفكر سبحان الله اللي يشوفك من كام شهر ميشوفكش دلوقتي.
أومأ تاج بابتسامة خفيفة ولم يرد وهو يفكر أيضا متعجبا فيما حدث وتدابير الله.
قالت والدته بمزاح محاولة تقليده: فاكر يومها وأنت بتقولي ليه ياماما وأنا ذنبي إيه حياتي ومستقبلي هيتدمروا!
ضحكت وهي تتابع: اللي يشوف وشك ساعتها كنت بقيت اصفر زي الليمونة وأنت رافض و.....
توقفت عن الكلام فجأة وقد رفعت رأسها لأعلى تنظر وراء تاج بعيون متسعة فعقد تاج حاجبيه باستغراب ثم أدار رأسه بحيرة ليعتلي وجهه الذهول وقد رأى سروة تقف على باب الشقة، ملامح وجهها تنطق بالحسرة يخالطها عدم التصديق وتحدق إليه بعينان ممتلئة بالألم والخذلان!
رواية تراتيل الهوى الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ديانا ماريا
تجمد الدم في عروق تاج ونهض قائلا بتوتر: سروة اسمعيني قبل ما تقولي أي حاجة.
هزت رأسها، كان الأمر أشبه بحريق في القلب. نظرات عيناها كانت تتوجه فقط نحو تاج، تلومانه بخيبة أمل وخذلان. نهضت عمتها بسرعة تقول بارتباك متلهف: سروة متفهميش غلط يا حبيبتي، مش قصدي والله أنا…
لم تنتظر سروة لسماع المزيد، استدارت على الفور وغادرت تركض على السلم، تتمنى لو بمعجزة ما تختفي. لحقها تاج فورا. كانت تركض على السلم تتمنى ألا يصلها. حاول تاج أن يصل لها وهو يناديها، إلا أنها أسرعت وأوقفت سيارة أجرة وأمرت التاكسي أن ينطلق بأقصى سرعة. نظر أسرع تاج نحو سيارته وصعد إليها وانطلق يلحق سيارة الأجرة.
ضرب على المقود بعنف يلعن سوء الحظ الذي صادف مجيء سروة في نفس وقت كلام والدته عن رفضه الزواج منها في البداية. ضغط على دواسة البنزين حتى يلحقها.
في سيارة الأجرة، كانت سروة جامدة، لا شيء يدل على ما تعانيه إلا عيناها ودموعها المحبوسة داخلهما ترفض النزول. في تلك اللحظة التي سمعت عمتها تتحدث كيف شعر تاج بالنسبة للزواج منها وظن أنه سيدمر مستقبله وحياته. تقسم أنها في تلك اللحظة سمعت صوت تحطم قلبها.
كان تاج يحاول الوصول لسيارة الأجرة التي فرقت بينها وبينه عدة سيارات، ويدعو أن تستمع سروة له. أغلق قبضته على المقود بشدة وهو يجز على أسنانه. لقد وصلت علاقته بسروة الآن إلى نقطة مصيرية، لكن كيف ستستمع له؟ لقد عمل جاهداً في جعلها تصدق أنه يرغب في إكمال حياته معها برغبته، ولكن الآن لا شيء سيجعلها تصدق أنه اختارها بعقله… وبقلبه أيضاً.
فجأة ظهرت سيارة أمامه أوقفته تنضم للطريق، فضغط تاج على المكابح على الفور حتى يتفادى الاصطدام. أصدرت إطارات سيارته صوتاً حاداً وهي تحتك بالأرض. فضرب بيديه على المقود بغيظ وغضب شديد، ثم أدار السيارة مرة أخرى وانطلق ليلحق بسروة.
وصلت سروة للمنزل فصعدت بسرعة وهي تركض لغرفة النوم وتغلق الباب ورائها بالمفتاح، ثم رمت حقيبتها على الأرض وألقت بنفسها على السرير وهي تخبئ وجهها في الوسادة وتنفجر في البكاء بصوت مكتوم.
وصل تاج بعدها بدقائق وصعد بسرعة ثم تقدم لغرفة النوم وهو يناديها. حاول فتح الباب ليجده مغلقاً بالمفتاح. طرق على الباب طرقات قوية وهو يقول برجاء: سروة افتحي الباب خلينا نتكلم.
علت شهقاتها فدفنت وجهها أكثر في الوسادة. سمع تاج صوت بكائها الذي مزق قلبه، كان يشعر بالعجز وبالذنب أمام بكائها الذي تسبب فيه دون قصد. ولكن عليها أن تستمع إليه.
طرق مرة أخرى بقوة على الباب وهو يقول بتوسل: سروة افتحي بالله عليكِ، افتحي واسمعيني صدقيني أنتِ فاهمة غلط، ماما مكنش قصدها اللي أنتِ فهمتيه أبداً.
رفعت رأسها من الوسادة وصاحت به بقهر: أنا أخيرا فهمت صح! ليه تعمل فيا كدة؟ ليه؟ امشي مش عايزة أشوفك ولا أسمع صوتك!
ثم دفنت وجهها مرة أخرى في الوسادة وهي منهارة تماماً. تنهد تاج بضيق وحزن ووقف حائراً لا يعلم ماذا يفعل وما هو الصواب في حالتها. يمكنه أن يجد المفتاح الإضافي أو يكسر حتى الباب، ولكنه لا يعلم كيف ستكون ردة فعلها أو حالتها. ابتعد عن الباب لأنه لم يعد يتحمل صوت بكائها الذي يشعره بالاختناق والعجز، وهو يأمل أن تهدأ بعد قليل حتى يتمكن من الحديث معها.
كانت تستعيد في ذاكرتها حديث عمتها مراراً وتكراراً، كل مرة يؤلمها قلبها أكثر. اعتدلت على ظهرها فتساقطت الدموع من جانبي عيناها.
همست بحرقة ممزوجة بالمرارة: ليه؟ ده أنا حبيتك أكتر من نفسي، طلعت بالنسبة لك حِمل تقيل كدة وبدمر حياتك ومستقبلك؟ يعني حتى قلبك مدقش ليا ولا مرة! طلعت ليها هي زي ما قالت! طب وأنا؟
عادت دموعها تنهمر أكثر من السابق وألم قلبها يكاد يفتك بها. فوضعت يدها عليه عله يرحمها ويهدأ قليلاً.
انقضى اليوم على ذلك الحال حتى حل المساء. كلما حاول تاج أن يطلب من سروة أن تفتح حتى لتأكل قليلاً، تصرخ به بانهيار أن يذهب ويبتعد عنها وأنها لا تريد أن تراه. فيعود تاج لمكانه مجدداً حتى نفذ صبره. فنهض وهو مصمم على أن يجعلها تفتح الباب حتى وإن قام بكسره.
دق الباب وهو يقول بنفاذ صبر: سروة افتحي لو سمحتِ، أنا مش همشي غير لما تفتحي، متضطرنيش اكسر الباب.
لم تكن هناك أي إجابة. فدق الباب مجدداً وحين لم يجد أي إجابة منها، أقترب بإذنه من الباب ليسمع لأي صوت قادم من الداخل. كان الجو هادئ بشكل مريب. ففكر فجأة بقلق، هل يمكن أن يكون حدث لها شيء؟
أخرج المفتاح الاحتياطي بسرعة يفتح الباب بخوف، وهو يدعو ألا يكون حدث لها مكروه، وإلا لن يسامح نفسه أبداً.
حين فتح الباب ولج بخطوات واسعة ثم توقف مكانه وقد رآها نائمة على السرير. أغلق عيونه وهو يزفر بارتياح. أغلق الباب برفق وتقدم إليها ثم جلس على السرير أمامها.
تأملها بعيون حزينة وهو يشاهد الدموع التي جفت على وجهها. اعتدل وهو يتمدد بجانبها ويدثرهما بالغطاء. وضع يده أسفل وجهه وهو يستلقي على جانبه ويستمر في تأملها. قلبه يتألم من أجلها. لم يرد أبداً أن يكون السبب في أذيتها يوماً. لقد عمل جاهداً حتى تصل علاقتهما لهذه المرحلة ويستطيع أن يجعل سروة تثق به. لقد انهدم كل ما عمل لأجله في لحظة غير متوقعة.
رفع يده يمسح بها على وجنتها بشوق، إلا أنه قطب حين وجد أن حرارتها مرتفعة قليلاً. في تلك اللحظة فتحت سروة عينيها التي يظهر عليها التعب.
تغيرت نظرات سروة المتعبة إلى العتاب واللوم وامتلأت عيونها بالدموع.
قالت بصوت مرهق: ليه يا تاج؟ ليه تجرحني بالشكل ده؟
كان تاج على وشك الرد عليها والدفاع عن نفسه، ولكنه لاحظ شيئاً غريباً بها. كانت تفتح عيونها وتغلقها بتعب، ثم تحدثت مرة أخرى كأنها تهلوس من كثرة البكاء والضغط النفسي: أنا مكنتش متوقعة أني عبئ تقيل عليك بالشكل ده.
حاول التحدث إلا أنها وضعت إصبعها على شفتيه وهي تتابع بمرارة: أنا كنت غبية لما فكرت أنك ممكن تحبني زي ما أنا بحبك.
اتسعت عيون تاج وخفق قلبه بشدة. وضع يده وأبعد إصبعها وهو يرد بلهفة: بس أنتِ مش غلطانة يا سروة، أنا… أنا بحبك فعلاً.
هزت رأسها برفض وهي تقول بألم ممزوج بالحرقة: مش لازم تشفق عليا وتقول الكلام، أنا عارفة أنه قلبك مش ليا.
أقترب بوجهه منها وهمس لها بعاطفة جياشة: بصي في عيوني يا سروة وأنتِ تعرفي. أنا عيوني عمرها ما كدبت عليكِ، هتشوفي فيها أني بعشقك مش بحبك بس.
أغمضت عيونها بقوة ترفض النظر في عيونه أو تصديق ما يقوله. فكر سريعا فيما يمكن أن يثبت لها أنه يحبها هي.
اقترب منها سريعا يمطر أنحاء وجهها بقبلاته الحارة وهو يغرس أصابعه في شعرها يقربها منه. أغمضت سروة عينيها باستسلام، لم تقاومه. لقد أرادت أن تشعر بقربه للمرة الأخيرة. برغم كل ما حدث، كان قلبها ضعيفاً اتجاهه يرغب بتلقي الحب منه لآخر مرة. أرادت ذكرى أخيرة لها تبقيها معها لتؤنس وحشتها في الليالي القادمة بدونه. أرادت أن تودعه وتكون بقربه قبل أن تفترق عنه إلى الأبد.
في الصباح تحرك تاج في نومه وهو يمد يده حتى يشد سروة لحضنه، إلا أنه وجد المكان فارغاً فعقد حاجبيه باستغراب وفتح عيناه ليجد أن المكان فارغ. نهض وهو يبحث عنها في أرجاء الغرفة. ظن أنها في الحمام، فناداها دون إجابة، فنهض وطرق على الباب. لم يأته رد، ففتح الباب ليجد أنه فارغ. ازدادت حيرته. أكمل بقية بحثه في أرجاء الشقة ولم يجد لها أثراً. فكر بحيرة أن يمكن أن تكون ذهبت.
ضرب بيده على جبينه بخفة وهو يفكر: بالتأكيد ذهبت لبيت والدها. فعاد لغرفة النوم حتى يرتدي ملابسه ويذهب إلى هناك بسرعة. بالتأكيد هي مازالت غاضبة منه.
توقف أمام منضدة الزينة حين لمح ورقة عليها. رفع الورقة وفتحها لينقبض قلبه وهو يقرأ محتواها المُتمثل في كلمتين: "متدورش عليا".
اضطربت أنفاسه وهو يستوعب المعنى الحقيقي للكلمات وهمس بصوت مختنق: مصدقتنيش!
بعد مرور خمس أسابيع، كان تاج يجلس في مكان عمله شارداً أمامه، ولم يكن هذا مستغرباً فقد كانت هذه حالته منذ اختفاء سروة. بعدما قرأ تلك الورقة، ألقاها في القمامة ثم ارتدى ملابسه وهو يرفض طريقة سروة في الهروب وصمم على جعلها تستمع إليه. لن يسمح لها بهدم حياتهما سوياً بهذه السهولة. إلا أن مخططه ذهب أدراج الرياح حين لم يجد سروة في منزل والدها، بل وصدم حين علم أن لا أحد منهم يعلم مكانها. كاد يجن جنونه وهو يبحث عنها في كل مكان يعرفه ولا يجدها. شعر بأنه على وشك أن يفقد عقله من شدة القلق عليها، كما كان والدها ووالدته. حين وصلت منها رسالة بعد اختفائها بأيام لوالدها تطمئنه عليها وتطلب منه ألا يبحث عنها، وهي ستعود حين ترى الوقت ملائماً.
لم يقتنع تاج بذلك وأكمل بحثه عنها دون جدوى، حتى أنه وظف أناس ماهرين ليجدوها. وها قد مرت خمسة أسابيع دون أثر لها. زفر بشدة وهو يستند بذراعيه على المكتب ويُخفي وجهه بين يديه بارهاق.
رفع وجهه بتعب حين رأى هاتفه يرن. رد بسرعة وهو بلهفة: ها عرفت حاجة؟
استمع للطرف الآخر قبل أن يرد بغضب: خمس أسابيع، كل ده ومش عارف تلاقي مكانها أو أي معلومة عنها. هتكون راحت فين؟ اختفت من على وشك الأرض!
تابع بعصبية: خلاص أقفل!
أغلق هاتفه وألقاه على المكتب بعصبية. ضرب بقبضه بقوة وهو يتسائل بحرقة: هتكوني روحتِ فين بس! للدرجة دي مش عايزة تشوفيني!
رن هاتفه مجددا فتنهد وهو يرد على والدته التي قالت بحماس: تاج، سروة رجعت!
انتفض تاج ونهض من مكانه وهو يقول بعدم تصديق: بتتكلمي بجد يا ماما؟
أكدت والدته بسعادة: اه والله، هي هنا دلوقتي لسة واصلة.
قال بارتباك: ط.. طيب أنا جاي حالا.
أغلق الهاتف بسرعة وخرج من المكان هو يسرع لسيارته. قاد وهو يشعر بسعادة ممزوجة بالتوتر والترقب للقائهما بعد كل هذا الوقت. أين كانت يا ترى؟ هل هي بخير؟ أهم شيء لديه أن يتأكد من سلامتها، ثم سيكون لديه حساب معها على اختفائها بهذا الشكل المقلق.
وصل وصعد السلم بلهفة يدفعه الاشتياق لرؤيتها وقد استبد به الشوق. حين ولج للمنزل ورآها، توقف مكانه. كانت تجلس بجانب والدها تتبادل الحديث معه، تضحك. كانت تبدو مشرقة ومليئة بالحيوية عكسه هو الذي بهت وجهه ووجدت الهالات السوداء مكانها تحت عينيه من السهر قلقاً عليها، وقد انخفض وزنه قليلاً بسبب انعدام شهيته أغلب الوقت.
حين رأته سروة، تغيرت قسمات وجهها وتحولت للجمود وظهر في عينيها البرود. تقدم نحوها تاج بتردد. فنهضت سروة. رفع تاج ذراعيه ليحتضنها، إلا أنها صدمته حين مدت يدها وأمسكت بيده تسلم عليه ببرود.
كانت عيون تاج تحدق إليها بعدم تصديق، ولكنه تدارك الموقف وسلم عليها. كانت والدته تجلس بجانبها ولكن صامتة متوترة لعدم احتكاكها بسروة منذ آخر مرة، فلم تجد الفرصة لتوضح سوء الفهم.
قال تاج بجدية: عايز أتكلم معاكِ ضروري.
رفعت سروة كتفيها: تمام، هريح شوية ونتكلم.
أمسكها من ذراعها وهو يقول بصرامة: لا دلوقتي، أنا قولت ضروري.
ثم دون أن يترك لها فرصة للرد شدها معه لغرفة نومها.
ولج بها للداخل فنزعت ذراعها من قبضته وهي تقول بغضب: إيه اللي أنت بتعمله ده؟
أغلق الباب ثم استدار لها وفي عيونه تحذير. تحدث بجدية: دلوقتي عايزك تقوليلي كنتِ فين؟
رفعت سروة حاجبها: و ده يخصك أو يهمك في إيه؟
رفع حاجبيه بعدم تصديق وفغر فمه بدهشة: يهمني في إيه؟ أنتِ بتهزري ولا بتتكلمي بجد؟
ابتسمت سروة ببرود: لا طبعاً بتكلم بجد، شايفين بهزر فين؟
اشتدت تعابير تاج وقال بغضب ساخر: يخصني أني جوزك مثلاً؟ اللي سبتيه أكتر من شهر ميعرفش أنتِ فين!
شبكت ذراعيها أمام صدرها وقالت بثقة: بالنسبة أني كنت فين دي حاجة تخصني فعلاً، أما بالنسبة لجوزي ده على وشك أنه يتغير.
قطب تاج بعدم فهم: يعني إيه؟
أجابته سورة بوجوم: طلقني.
حدق إليه تاج بصدمة وقد تذكر سبب خلافهما وتركها له. تقدم منها يمسك بذراعيها وهو يقول بتوتر: سروة أنتِ فهمتِ غلط ولازم تسمعيني، مش معقول تهدي حياتنا كلها على سوء تفاهم.
تحولت ملامح سروة للغضب الشديد وهي تتذكر صورته وحديثه مع روفان وقالت بحدة: فهمت غلط؟ فهمت غلط في إيه؟ أنك اتجوزتنب غصب عنك؟ ولا أنك كنت شايف ده هيدمر حياتك ومستقبلك؟ مش ده الكلام اللي سمعته من عمتي نفسها؟ ولا أنت كنت بتحب واحدة تانية وهي هي نفس البنت اللي كانت في الحفلة!
تراجع تاج بذهول وهو لم يتوقع يوماً أن تعلم سروة عن علاقته بروفان، بل وأنها هي من كانت في الحفل: أنتِ عرفتِ منين؟
ابتسمت سروة بسخرية رغم الألم الحارق داخلها: مش مهم عرفت منين، المهم دي الحقيقة مش كدة؟
حاول تاج تبرير موقفه والدفاع عن نفسه لأنه لم يتوقع أن يكون في هذا الموقف في يوم من الأيام وقال بثبات: بس ده كان ماضي قبل ما اتجوزك ومات واندفن من يوم ما اتجوزتك وطلبت منك نكمل حياتنا مع بعض.
اغتاظت سروة منه بشدة وقالت بتهكم: صحيح، بأمارة لما ورحت تقابلها وأحنا متجوزين! وتعاتبها ليه مسمعتكش لما حاولت تبرر لها أنك اتجوزت واحدة غيرها وأنت بتحبها هي.
رغم تظاهرها بالتماسك، إلا أن صوتها ارتعش قليلاً في نهاية الكلام والألم داخلها يزداد وهي تستعيد تلك الكلمات.
كان ذهول تاج يزداد، فكيف علمت بكل هذا؟ لمعت فكرة في رأسه فجأة، بالتأكيد روفان! ربما أرادت الانتقام للمرة الأخيرة لأنه فضل سروة عليها.
أسرع لسروة التي تفاجئت وأمسك بوجهها بين يديها يقول برجاء صادق: سروة اسمعيني بالله عليكِ، أنا فعلاً روحت يومها اقابلها لكن علشان احذرها متقربش مننا تاني وتخرج من حياتنا مش زي ما أنتِ فاكرة، الكلام اللي بتقوليه ده مكنش عتاب ليها ده كان استهزاء بيها والله.
تابع بصوت أجش: صدقيني روفان مبقاش لها وجود في حياتي ولا قلبي من ساعة ما اتجوزتك، ومن ساعة ما طلبت منك نكمل مع بعض مفيش غيرك في قلبي أنا بحبك أنتِ.
أمسكت بيده ونزعتها بعنف وهي تقول بشراسة: كداب! أنت كداب أنا مش مصدقاك!
تصلبت ملامح وجهه وقال بحدة: أنا مبكدبش يا سروة ولا مضطر أكدب عليكِ في حاجة زي دي.
ردت بجمود: على العموم مش هتفرق، أنا عايزة أطلق.
حاول مجددا أن يجعلها تستمتع إليه وقال بعدم رضا: سروة أنا بحبك بجد، أنتِ ليه مش راضية تصدقي؟
صرخت به سروة بعصبية: علشان أنت كداب أنت مبتحبنيش! طلقني أنا بقولك طلقني أنت إيه معندكش دم!
تحكم في غضبه وهو يقول بتحذير: مش هحذرك تاني، أنا مش كداب، أنا باقي عليكِ علشان كدة بحاول أصلح اللي أنتِ عايزة تهديه.
قالت سروة باستفزاز وكبرياء: متتعبش نفسك، أنا مقبلش أكمل مع واحد شايفني مجرد عالة عليه ومكمل معايا عطف بس.
رد تاج باهتياج: برضو بتقولي عالة!
ردت سروة بانفعال: أيوا وأنا عايزة أطلق منك، ليه مش راضي تطلقني وتسيبني في حالي بقى! طلقني هو أنت مبتحسش! مش عايزة أكمل معاك هو بالعافية!
غادر الانفعال وجه تاج تاركًا ملامح جامدة.
قال بهدوء: لا مش بالعافية، أنا هنفذ لك رغبتك وأطلقك زي ما أنتِ عايزة.
ثم التفت وخرج من الغرفة. انهار قناع القوة الذي كانت تتسلح به سروة وجلست على السرير وهي تبكي وتضم نفسها. مهما تظاهرت بالقوة من داخلها، مازالت ضعيفة للغاية أمامه. رغم أنها من استفزته ليوافق على الطلاق، إلا أنه حين وافق بالفعل كأنه طعنة اخترقت قلبها.
لم يعد ذلك اليوم وقد علم والدها وعمتها بالاجواء المتوترة بينهم منذ اختفاء سروة. في اليوم التالي أتى تاج، فأخفت سروة توترها وهي تتجاهل وجوده رغم أنها تستمع بإنصات لما يتحدث به مع والدته ووالدها.
جلسوا لتناول الطعام وفجأة قال تاج بهدوء: عايز أتكلم معاكم في موضوع مهم. استمع له نصير وسميحة باهتمام، بينما لم ترفع سروة بصرها عن طبقها.
قال تاج بجدية: أنا مسافر.
حدقوا إليه بصدمة بينما تجمدت سروة وهي تناظر الطبق الذي أمامها.
قالت والدته بذهول: هتسافر؟ فين وليه؟
أمسك تاج بيدها ورد بنعومة: شغل يا حبيبتي، جالي فرصة شغل واستقرار هناك. عرضها عليا دكتور هناك وأنا رفضتها في الأول، بعدين لما أصر عليا كام مرة وافقت لما لقيتها فرصة كويسة.
أنهى حديثه وهو ينظر لسروة بقصد، ثم عاد يحدق لوالدته التي قالت بنبرة مرتجفة وهي على وشك البكاء: يعني الفرصة دي متنفعش هنا؟ لازم تسافر وتسيبنا؟
ربت على يدها وقال بحنان: اه هتبقى فرصة كويسة جدا ليا، معلش يا ست الكل.
نظرت سميحة لسروة بعتاب فأشاحت سروة بوجهها بعيداً.
قال نصير بجدية وهو لا يريد التدخل بينه وبين ابنته: ربنا يوفقك يابني، بس وحياتك هنا؟
نظر له تاج وقال بحزم: أنا مليش حياة هنا يا خالو.
صمت نصير وهو لا يدري بما يرد. شعرت سروة بالاختناق من رده فنهضت وهي تقول بجمود: عن إذنكم.
سارت لغرفتها تتبعها نظرات تاج. حين دلفت لغرفتها تسارعت أنفاسها وهي لا تصدق أنه سيسافر. سيتركها ولن تتمكن من رؤيته! حتى وإن افترقا كانت تطمع في رؤيته وبقائه قريباً منها بسبب القرابة التي بينهما، ولكنه الآن سينهي كل هذا بسفره وخروجه من حياتها.
جلست على سريرها وهي تضم ركبتيها لصدرها، تحدق أمامها بعيون تلمع بالدموع دون أن تنهمر وهي تخبر نفسها أن ذلك أفضل. لقد انتهت حياتهما معاً وهذا القرار هو الأصلح لهما.
إلا أن قلبها رفض الإقرار بهذا الكلام وبكى لفراقه. احنت وجهها ودموعها تنهمر بصمت على وجهها. شعرت بشخص يفتح الباب ويولج للغرفة فرفعت رأسها بسرعة لتجد نفسها في مواجهة عمتها.
مسحت دموعها بسرعة وهي تقول بتوتر: عمتو، فيه حاجة ولا إيه؟
اقتربت عمتها وجلست أمامها وهي تقول بجفاء: هتسبيه يسافر؟
ردت سروة متصنعة الجهل: هو مين؟
زفرت عمتها بحنق وردت: سروة مش وقته اللي بتعمليه ده، أنتِ عارفة كويس قصدي، هتسيبي تاج يسافر؟
قالت سروة ببرود: عمتو أنا مبقاش ليا علاقة بحياة تاج، أنتِ عارفة كويس أنه خلاص طرقنا افترقت.
ردت عمتها بتهكم: والدموع دي كانت علشان مين؟
توترت سروة وحاولت تجنب النظر لها: دموع إيه؟ أنا مكنتش بعيط أنا بس مخنوقة شوية.
ردت عمتها بإصرار: مخنوقة علشان تاج مسافر.
نظرت لها سروة وقالت بحدة: عمتو لو سمحتِ الموضوع ده اتقفل خلاص.
نظرت لها عمتها في عيونها مباشرة وقالت بتحدي: تقدري تبصي في عنيا وتقولي أنك مش بتحبيه؟
اخفضت سروة نظراتها وقد عجز لسانها أن ينطق وينكر ما تقوله. فقالت بصوت منخفض متألم: بس هو مش بيحبني، هو بيشفق عليا وأنا كرامتي متسمحليش أكمل معاه وهو مش بيحبني.
تنهدت عمتها وقالت بعدم تصديق لما تسمعه: مين قالك أنه مش بيحبك؟ لو على الكلام الاهبل اللي سمعتيه مني انسيه خالص، الحكاية دي كانت قبل ما يتجوزك.
ثم تابعت بحكمة وجدية: أنتِ مشوفتيهوش كان عامل ازاي وأنتِ مش هنا؟ مكنش بياكل ولا بينام من قلقه عليكِ يا ترى أنتِ فين وبتعملي إيه يا ترى كويسة ولا فيكِ حاجة، سايب كل حاجة في حياته ومش وراه هم غير أنه يدور عليكِ. وقبل كل ده المفروض تكوني عرفتِ لوحدك أد إيه بيحبك، مخدتيش بالك من معاملته ليكِ؟ من لمعة عيونه لما بيشوفك؟ اختياره يكمل معاكِ حياته كلها بإرادته؟ طب حتى كزوج وزوجة المفروض تكوني بتحسي بشغفه ناحيتك؟ إيه كل ده ميعرفكيش أنه بيحبك واد إيه هو بيحبك؟
كانت ملامح سروة تُظهر الصراع الذي يدور بداخلها.
فقالت عمتها بلوم وهي تنهض: على العموم مفيش داعي للكلام طالما أنتِ رافضة تسمعي ومصرة تهدي حياتكم سوا بسبب أوهام ملهاش داعي. بتفضلي الخوف على أنك تواجهي بشجاعة، خليكِ في خوفك ده بس مترجعيش تندمي بعدين!
ثم خرجت من الغرفة وتركت سروة في عذابها بين عقلها وقلبها والصراع الذي يدور بداخلها. رفضت الخروج من غرفتها بقية اليوم، حتى حين حاول والدها الكلام معها تظاهرت بالنوم، إلا أن عيناها لم تذق طعم النوم.
في اليوم التالي كانت جالسة في غرفتها مازالت على وضعها، حين دلفت عمتها للغرفة وقالت بجمود رغم وجهها الملئ بالدموع: تاج سافر.
تسمرت سروة مكانها تنظر لها بعدم استيعاب.
نطقت بتلعثم: س.سافر؟
أومأت عمتها. فنظرت أمامها وصدرها يعلو ويهبط بانفعال. لماذا تشعر وكأن هناك شخص ضربها بشدة على رأسها؟ كأن قلبها انتُزع وسُلب منها؟ لقد سافر تاج؟ سافر قبل أن تراه وتُشبع عيناها من رؤيته؟ سافر قبل أن تودعه؟
وضعت يدها على بطنها وهي تشد عليها وتفكر باختناق. سافر قبل أن تخبره أنها تحمل داخلها جزء منه؟ تحمل داخلها طفله!
تدافعت الذكريات في رأسها منذ بداية زواجها من تاج وعمله بحقيقة ماحدث لها، وقوفه بجانبه ودعمه لها طوال الوقت، تضحيته من أجلها، دخوله السجن بدلاً منها والمخاطرة بحياته ومستقبله، الحياة الهانئة التي عاشوها معاً في شهر العسل.
بعد أن زالت الغشاوة عن عينيها، تتذكر الآن أن تاج كانت أمامه الفرصة ذلك اليوم ليعود إلى روفان وعاد إليها! لقد اختارها هي!
انهمرت دموعها وهي تدرك الحقيقة التي اعمت نفسها عنها قصداً لأنها كانت خائفة من أن تصدق، خائفة وقليلة الثقة في نفسها وترفض أن تصدق أنه يحبها! لذلك كانت تختبئ تحت ستار اللوم له. لقد كان من السهل أن تعلق فشل العلاقة عليه هو بدلاً من أن تخوض التجربة بنفسها.
نهضت بسرعة وهي تقول بلهفة: هو مشي امتى يا عمتو؟
نظرت لها عمتها بتعجب: من ساعتين كدة، طايرته الساعة اتنين.
نظرت سروة الساعة لتجدها الواحدة ظهراً.
نظرت لعمتها بتحفز: تفتكري هلحقه؟
حدقت إليها عمتها بدهشة للحظات قبل أن تبتسم بفرح: اه ربنا يوفقك حاولي.
ارتدت ملابسها في أقل من دقيقتين ثم خرجت وهبطت السلم وهي تدعو الله بأن تلحقه. ركبت سيارة الأجرة وهي تتوسل للسائق بأن يسرع بأقصى ما عنده.
كانت تدعو طوال الطريق بتضرع بأن تلحق به قبل أن يسافر. كانت معدتها تؤلمها من الخوف والترقب. كانت تنظر الساعة كل ثانية تقريباً حتى وصلت أخيراً فاندفعت تركض إلى المطار. في البداية رفض الضابط أن يدخلها بدون جواز سفرها، ولكن سروة توسلته وهي تبكي وقد شرحت له موقفها. فسمح لها بالدخول.
ركضت وهي تتلفت برأسها في كل مكان باحثة عنه أو حتى عن طيفه. بحثت في مكان تقريباً حتى توقفت مكانها وهي تسمع نداء إقلاع طائرته. توقفت مكانها وهي تريد البكاء بأعلى صوتها، إلا أنها انتحبت بصمت وهي تدرك أنها خسرت تاج. خرجت من المطار بخطوات بطيئة منكسة الرأس بحزن مرير حتى توقفت وهي تسمع صوتاً يناديها.
تجمدت مكانها بعدم تصديق ثم التفتت ببطء وهي تشعر أنها تحلم.
اتسعت عيونها بذهول وهي ترى تاج أمامها على مسافة منها، يمسك بحقيبة.
حدقت عيناه إليها بحب ممزوج بالشوق وهو يقول باستسلام: مقدرتش.... مقدرتش أسافر وأسيبك، مقدرتش أبعد عنك.
انهمرت دموع سروة هذه المرة بارتياح وهي تضحك بسعادة ثم ركضت لأحضانه. احتضنته سروة وهي تلف ذراعيها حول عنقه وتدفن رأسها في عنقه. استقبلتها ذراعي تاج الذي لف ذراعيه حولها واحتضنها بشدة وهو يرفعها من على الأرض ضاحكاً تغمر ملامحه البهجة والسعادة.