تحميل رواية زهرة العاصي بقلم صفاء حسني pdf
بقلم صفاء حسني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - شعرت فتاة بمغص مفاجئ في وسط المحاضرة، لكنها استحملت الألم. قبل المحاضرة التالية، خرجت. سألتها صديقتها: "رايحة فين يا زهرة؟" هزت زهرة رأسها، قائلة: "رايحة الحمام، تعبانة ومش قادرة أتكلم، كل كلمة يا زينة، بالله عليكي." ضحكت زينة، قائلة: "حاضر يا قلبي، بس متتخريش، عشان المادة اللي بعدها رخمة." هزت زهرة رأسها: "على حسب الوضع، احتمال أروح يا زينة، أشوف كده وأتصل بزياد... هو صحيح محضرِش ليه المحاضرة؟" نفخت زينة بضيق: "أنا إيه اللي عرفني؟ فكي منه يا زهرة، ده مش شبهك، ولا يكون زيكِ! إنتِ تستاهلي و...
رواية زهرة العاصي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم صفاء حسني
رد عاصي بصوت من وراء الباب، سمع صوت رجل كبير:
ـ أنا يا ابني... عمك شعبان.
فتح عاصي الباب بحذر، وطلع بره.
كان عم شعبان، وجهه بيشع برقة وحب، شايل معاه كيس مليان أكل.
الراجل ابتسم بلطف وهو بيقول:
ـ دي شوية أكل جبتلكم إياه... شوية شاي مع فطير وصاج، كله لسه طازة. قولت أجيبه قبل ما تأخر عليكم.
وشنط الهدوم الا طلبتها منى احطها فين
ابتسم عاصي ورد (بهدوء):
ـ جزاك الله خير يا عم شعبان، حطهم فى شنطة العربية عشان نمشي فى اي وقت.
كشر شعبان وساله:
ـ ليه يا ابنى بسرعة كدة؟
وضح عاصي:
ـ معلش يا عم شعبان، احنا في وضع حساس دلوقتي.
عم شعبان (بابتسامة عميقة):
ـ أعرف يا ولدي، بس مش هسيبكم تتعبوا... الراحه في الأكل الطيب. خدوا اللي محتاجينه.
اطمنت زهرة (بصوت هادي):
ـ شكراً ليك يا عم شعبان... الله يخليك.
زينة (بتشكر):
ـ ربنا يبارك فيك.
عاصي كان اخد الكيس من إيد عم شعبان، وراح على الطاولة عشان يفرغ فيه الأكل.
كان في حاجة غريبة في الجو، الكل كان في حالة من الترقب، واللحظة كانت مليانة توتر لكن كمان إحساس غريب بالأمان.
عاصي رجع للداخل، وبدأ يوزع الأكل عليهم.
زهرة كانت قاعدة على الكرسي، والهمسات الصغيرة بين عينيها وعينيه كانت تحمل مشاعر مش متوضحة، لكن في قلب كل واحد منهم كان فيه لحظة سكون، زي ما لو الزمن وقف عندهم.
عاصي (بهدوء، وهو بيحاول يكسر التوتر):
ـ كلوا، علشان تبقوا في أتم استعداد. ممكن نحتاج طاقة في الأيام اللي جاية.
زهرة لمحت نظرته، واللي كانت كفاية علشان تحس بحاجة غريبة جواها.
إحساس مش واضح، لكن حقيقي... كأنها تايهة، كأنها كل مرة بتحاول تهرب من حد تروح تقع في حضن حد تاني.
سكتت شوية، وبعدها قالت بصوت واطي، وعينيها في الأرض:
زهرة (بهمس):
ـ إحنا آسفين يا دكتور عاصي... دخلناك في دوامة، ومش عارفة إيه اللي جاي. يمكن مكاننا هنا مش صح... يمكن كان لازم نرجع عند أهلنا، أو حتى السجن أهون.
عاصي استغرب تغير نبرتها، لكنه حس بالخوف اللي في كلامها، واتكلم معاها رسمي زي ما هي بدأت:
عاصي (بهدوء، وهو واقف):
ـ متقلقيش يا آنسة زهرة، مفيش حد هيوصل للسجن. إحنا بنجمع الخيوط، وكل حاجة هتوضح قريب. وأنا معاكم خطوة بخطوة.
زهرة سكتت، وحاولت تهرب من نظرته، وبصت في طبقها.
عاصي وقف يراقبها شوية، وقلبه تقيل، مش قادر يفهم ليه بتهرب بالشكل ده.
عاصي (بصوت منخفض):
ـ أنتي كويسة يا آنسة زهرة؟ الأكل مش عاجبك؟
زهرة اتلخبطت من قربه، وشربت الشاي بسرعة.
لسانها اتلسع، بس ما نطقتش. عاصي لاحظ، لكن سكت. وبعدها، قام وراح قعد في كرسي بعيد.
زينة (بقلق):
ـ مالك يا زهرة؟ بتفكّري في إيه؟
زهرة قربت منها، وتنهدت:
زهرة (بهمس):
ـ أنا مش مرتاحة في الوضع ده... داخلة أوضتي.
قامت بهدوء، وطلعت ودخلت أوضتها، وقفلت على نفسها.
قلبها بيدق كل ما تفتكر نظرته. إزاي سمحت له يمسك إيدها؟ إزاي وفقت تيجي معاه هنا أصلاً؟ أسئلة كتير بتخبط في عقلها، والشك ماليها.
دخلت الحمام وهي مرعوبة يكون فيه كاميرات... الثقة معدومة في كل اللي حواليها.
فتحت الدش وهي لابسة هدومها، الميه نازلة على حجابها وهدومها، كأنها بتحاول تغسل التوتر والخوف اللي ماليها، وكمان بتطهر عشان تصلي.
عاصي (بصوت واطي، بيكلم زينة):
ـ ممكن تروحي تشوفي زهرة؟ واضح إنها متوترة جدًا.
فعلاً طلعت زينة عندها.
كانت زهرة خرجت من الحمام، والمية سايحة من هدومها على الأرض، والحجاب لزق في وشها، وحجابها تقيل من الميه. وقفت قدام الباب، بتبص حواليها في الأوضة، قلبها بيخبط بعنف. دورت بعينيها على أي هدوم تغيّر بيها، لكن مفيش...
قربت من الدولاب، فتحته بعصبية... مفيش ولا قطعة تخصها.
لا بيچامة، لا ترينج، ولا حتى فوتة.
زهرة (بصوت مكسور وهي بتهمس لنفسها):
ـ مش معقول... نسيت اني مجبتيش حتى هدومي؟ أنا فين؟ وليه هنا؟! وليه عملت في نفسي كدة؟!
قعدت على الأرض، ضهرها للباب الحمام ، ووشها بين إيديها.
المية كانت لسه بتنقط من هدومها، وبرودة الجو بدأت تتسلل لعظمها، بس اللي كاسرها مش البرد... ده الخوف، والضياع، وعدم الأمان.
بدأت دموعها تنزل بهدوء... الأول دمعة، بعدها التانية، وفجأة انفجرت بالبكاء.
صوت بكاها كان مكتوم، بس مرّ، كأنه طالع من جرح قديم اتفتح تاني.
كانت قعدت زهرة على الأرض، زي الطفلة اللي مستخبية من كابوس، وهدومها المبلولة لازقة في جسمها والمية بتمشي على البلاط تحتها، وبرودة البلاط بتزيد من رعشتها... بس الرعشة مش من البرد، دي من الخوف والخذلان.
زينة فتحت الباب بحذر، ووقفت لحظة تشوف المنظر... زهرة قاعدة على الأرض، منحنية، بتبكي ومش قادرة حتى تبص عليها.
اتخضت زينة من المنظر... نزلت جري على السلالم، وقلبها بيخبط.
زينة (بأنفاس متلاحقة وهي بتقرب من عاصي):
ـ دكتور. عاصي .. زهرة... زهرة.
عاصي (استغرب خوفها وسأل بهدوء):
ـ مالها؟ فى ايه؟ حصل حاجة؟!
زينة (بتحاول تلم كلامها، بس صوتها كان باين عليه الارتباك):
ـ منهارة جوا، قاعدة على الأرض، وهدومها مبلولة، واضح انها دخلت الحمام وهي لابسة هدومها، ولما خرجت ما لقتش حاجة تلبسها بعد ما استحمت... انا مرعوبة عليها بقيت تنهار من اقل حاجة.
عاصي أول ما سمع الجملة، عينه اتبدّلت... بص للباب للحظة، وبعدين من غير ما ينطق ولا كلمة، جري على العربية.
زينة وقفت مكانها مش فاهمة، وبعد دقايق، رجع عاصي وهو شايل شنطة صغيرة لونها غامق، ومدّها لها من غير ما يتكلم.
زينة (باستغراب):
ـ دي إيه؟!
عاصي (بهدوء، ونظره رايح على السلم لفوق):
ـ هدوم... كنت متوقع إنكم هتحتاجهم. وطلبت من عمى شعبان .. يجبهم.
زينة بصت له مستغربة، بس في عينها كان فيه احترام... لأنه فهم.
زينة (بهمس وهي بتاخد الشنطة):
ـ شكراً...
طلعت زينة (بصوت أهدى):
ـ زهرة... معايا هدوم ليكي، الدكتور عاصي كتر خيره عمل حسابه وبعت جابهم. تحبي أسيبهم على الباب؟
زهرة سكتت شوية، وبعدها قالت بصوت مبحوح:
ـ دخليهم... بس سيبيني لوحدي شوية.
زينة دخلت بسرعة، حطت الهدوم على الكرسي، وبصت لها بعين فيها شفقة.
كانت هتتكلم، لكن زهرة بصّت لها بعين كلها رجاء:
زهرة (بهمس):
ـ سيبيني شوية... بعدين نتكلم.
زينة خرجت، وقفلت الباب وراها بهدوء.
---
قرر محمد ان يخرج من البلد ويسافر عند عزيز ويواجهه.
وصل المكتب رحب بيه عزيز.
عزيز:
ـ تعبت نفسك يا حاج، انا كنت هجى ليك.
وقف محمد اقدم الشباك.
الشمس داخلة من الشباك، ضاربة على وشه المجعّد، والوقت ساكن إلا من أنفاسه المتقطعة. قدّامه قاعد عزيز، باين عليه التوتر والندم، لكن لسه مش فاهم الحقيقة كلها.
عزيز:
ـ تشرب أيها يا محمد؟
محمد (بصوت جهوري فيه مرارة، ولهجة صعيدي تقيلة):
ـ أنى خرجت من بلدى يا عزيز، وسايب ورايا الطين والغيط ، والناس، ... مش عشان أتفسّح، ولا أتهنّى... خرجت أدوّر على الحق، أبرّأ حفيدي اللي اتلوى ظهره من كتر الظلم، ومرات ابنك اللي راحت في حادثة متخطّطة ليها وابنك الا مات وكل ده وانت ساكت.
عزيز بيحاول يرد، بس محمد بيرفع إيده يمنعه.
محمد (بحزم):
ـ لا تقاطعني... اسمع لآخر الكلام.
أنت كنت بتقول عندك مدارس، وجامعات، وشغل نظيف... وأهو الشغل النضيف طلع غسيل وسِخ، مافيا بتبيع الموت للعيال، وغيره من الأعمال الوسخة ومين اللي بيغطي؟ أنت... يا عزيز، من غير ما تدري.
عزيز (بحيرة):
ـ بس أنا ماكنتش أعرف...
محمد (مقاطعًا، وبيقرب له بنبرة أعلى):
ـ ما تعرفش؟ تبقى مصيبة، ولو تعرف تبقى كارثة.
سعاد، بنت اخى ، اتقتلت بالحقيقة... اتخبطت من جوا، واتكسرت.
ومنصور، ولدك راجل زي الجبل، لكن بعد ما عرف ان حبيبته ماتت هى وبنتها وقع من طولُه، ولم فاق سافر يدور على إجابة، سافر بدموعه وذكرياته، رجع مكسور، ولما خبرته ان بنته عايشة وفى امان ملحقش يتهنى ... سبقته رصاص الغدر من تانى.
عزيز (بصوت مخنوق):
ـ وقتها ماكنتش لسه عارف إن هو اتجوز سعاد علاقة بالقصة دي كلها...
محمد (بيهز راسه، وبيتكلم ببطء):
ـ أنا مش جاي أعاتبك... أنا جاي أفوّقك.
المافيا دي ما خلّتش حد، ما سابتش ضهر ما طعنتهوش.
منصور ساب وصية، كتبها بدم قلبه، وخلاها توصل لعبدالله، الولد اللي من ضهر راجل، عشان يسلّمها لي، ويوصلها للي يستحق يعرف.
عزيز (بصوت واطي):
ـ وزهرة... تعرف إيه من كل ده؟
محمد (نظر له نظرة حزينة):
ـ البنت دي، دمها من دم منصور، وجدّها أنا.
ماينفعش تعيش في الضلال زيّنا. لازم نصلّح، قبل ما يجرفنا التيار كلنا.
محمد يسند على عصايته، ويبص له بعيون كلها حزم.
محمد:
ـ يا عزيز... لو ناوي تكفّر عن اللي فات، لازم تبدأ دلوقتي.
وإلا... التاريخ هيكتبك مجرم، حتى لو كنت تاجر مدارس.
---
رجع عاصي يقعد على الكنبة في الصالة، بس ماكنش شايف اللي حواليه.
عينه متعلقة بالسلم، وكأنها بتراقب كل صوت، كل حركة فوق. سحب نفس طويل، ومسح وشه بإيده. في اللحظة دي، الهدوء اللي في البيت ماكنش راحة... كان بيخبط في قلبه زي الطبول.
عاصي (بصوت داخلي، وعيونه شاخصة في الفراغ):
ـ أنا إيه اللي بيحصللي؟ ليه كل ما أقرب منها، بحس إني بخاف... بخاف عليها... وبخاف منها كمان؟
هي مش مجرد واحدة في قضية... مش ضحية... دي حطاني في وش المراية، شفت فيها حاجات كنت ناسيها.
وقف، وبدأ يمشي ببطء، إيده في جيبه، وصوته جواه بيزيد:
ـ هي مرعوبة... وأنا حاسس بده، بس مش قادر أطمنها... مش عشان مش عايز، لأ... عشان لو طمّنتها، أنا اللي هقع.
وهقع في إيه؟!
فيها؟ في الحكاية؟ ولا في اللي بيني وبينها ولسه ما اتقالش؟
وقف عند الشباك، وفتح ضلفة صغيرة، نسيم الليل دخل، خد أنفاسه معاه.
ـ زمان كنت بحط مسافة بيني وبين أي حد... ما ينفعش الدكتور يدخل عواطفه ف الشغل.
بس زهرة... زهرة مش حالة بدرسها... دي حرب داخلي، كل مرة تبصلي كأني متشاف لأول مرة.
سحب كرسي، وقعد، وشبك صوابعه قدام بقه، وسرح في السقف:
ـ يا ترى فاكرة إمتى أول مرة قربت منها؟
كانت لما خافت... ودايمًا الخوف هو اللي بيخليني أقرب.
بس النهاردة... أنا اللي خايف.
سكت لحظة، وبعدها بص لنفسه في المراية اللي قصاده، وهمس كأنه بيكلم نفسه:
ـ دكتور عاصي... لو دخلت أكتر، مش هتعرف تطلع.
واللي بينك وبينها... لو ما حسمتوش دلوقتي، هيحسمك هو.
---
نزلت زينة من فوق بهدوء. كانت ملامحها لسه فيها أثر قلق، بس المرة دي فيه لمعة فهم مختلفة ف عينيها. وقفت قدام عاصي، وهو كان مستني أي كلمة تطمنه.
عاصي (بصوت هادي):
ـ هي كويسة؟
زينة (وهي بتحاول تختار كلماتها):
ـ آه... بس... لازم تعرف حاجة يا دكتور.
عاصي بص ليها باهتمام، وزينة خدت نفسها، وابتدت تحكي وهي قاعدة قصاده.
زينة:
ـ زهرة مش زي أي بنت... دي شخصيتين في جسم واحد.
يعني مرة تلاقيها هادية، متدينة، بتحط حدود لكل حاجة، ومش بتقبل الغلط... وبعد شوية... تلاقيها طفلة، تضحك وتحكى، وتقول نكت، وتغني، وتقلش كأنها نسيت كل الهم.
ولو حست بحاجة... مثلا حب، حزن، توتر، أو حتى تضعف... هتنتقد نفسها بعدها، وتلوم نفسها إنها سمحت للمشاعر دي تدخلها.
عاصي (باندهاش بسيط):
ـ يعني... جواها صراع؟
زينة (بابتسامة خفيفة):
ـ لأ، هو مش صراع... دي زهرة.
برجها جوزاء... موليد شهر خمسة 24/5 وبرج الجوزاء عمرهم ما كانوا سهلين.
عندهم قلبين، وعقلين، وروحين في نفس الجسد.
زي زهرة كده.
مرة تلاقيها بتجري تنقذ حد، ومرة تلاقيها بتستخبى من الحياة كلها.
هي كده... بتخاف تتعلق، وبتخاف تبعد.
عاوزة تحب، لكن أول ما تحس إنها قربت... تهرب.
سكتت زينة لحظة، وبعدين كملت بنبرة أهدى:
ـ إنت قربت منها... وده بيخوفها أكتر ما بيريحها.
لو عاوز توصل لها... متضغطش عليها، متسألهاش ليه بتبعد.
خليك بس موجود... وهي هتفتحلك الباب لوحدها، بس على طريقتها.
عاصي (بهمس، وهو بيبص للسقف):
ـ أنا... مش فاهم أنا ليه مهتم كده.
زينة (بابتسامة باينة فيها الحكمة):
ـ لأنك حسيت إنها ضعيفة من وقت ما شفوتها محتاجة حد يفهمها...
زينة (بفضول):
ـ طب ما قلتليش، برجك إيه بقى؟
عاصي (ابتسم وهو بيحرك صباعه كأنه بيوزن حاجة):
ـ برج الميزان...
زينة (صوتها اتعالى وهي بتضحك):
ـ آه والله؟! طب يا بخت زهرة بيك... أصل الجوزاء والميزان عاملين زي اتنين بيكملوا بعض، حتى لو ما اعترفوش بده.
عاصي (بص لها وهو بيفكر، وقال بهدوء):
ـ يمكن علشان كده من أول مرة شفتها... حسّيت إني فاهمها حتى وهي مش بتتكلم.
تقلبها، خوفها، وحتى لما بتضحك وتحاول تخبي... كل ده مفهوم بالنسبالي.
زينة (بابتسامة فيها حنية):
ـ متتأخرش عليها، لو الجوزاء حس إن حد فاهمه، بيبدأ يصدق... بس لو حس إنه لوحده، بيهرب للأبد.
---
اقتربت زهرة من الإضاءة خافتة، وكانت هتكهرب لكن خايفة ليكون في كاميرا في اي مكان وصوت قطرات المية لسه على هدومها، والهدوء مالي المكان.
زهرة (بصوت داخلي، وعيونها في الأرض):
ـ أنا بعمل إيه هنا؟
أنا ازاي وصلت للمرحلة دي؟
إزاي سيبت قلبي لمكان يكون في رجالة؟
إزاي سبت جيت معى عاصي؟!
وقفت قدام المراية، نظرت لنفسها، بس المرة دي مكنتش شايفة وشها... كانت شايفة بنت صغيرة، تايهة، مرعوبة، بتحاول تلبس وش القوة وهي من جواها بتتهز.
زهرة (بهمس، وعنيها بتدمع):
ـ كل ما حد يقرب... بخاف.
كل ما قلبي يدق... بعقله.
كل ما أفتكر زمان... بجري.
مدت إيدها بشويش على الهدوم اللي جابتها زينة، لمست القماش كأنها بتحاول تلمس أمان مش موجود.
زهرة (بصوت داخلي):
ـ أنزل؟ طب لو نزلت، هبصله في عنيه إزاي؟ وهواجه نفسي ازاي؟
أنا مش قد الحب... ولا حتى قد نفسي...
سكتت شوية، وبعدين تنهدت، ومسحت دموعها بإيدها، وقالت وهي بتبص للمراية بصوت خافت، فيه شوية قرار:
ـ لو فضلت أهرب... عمري ما هعرف أعيش.
كفاية هروبك.
كفاية خوف.
بدأت تغير هدومها بهدوء، ونظرتها بقت أهدى، بس لسه فيها قلق... لما خلصت لبس، وقفت قدام المراية للمرة الأخيرة، وغمضت عنيها، وخدت نفس عميق.
زهرة (بهمس، وهي بتلف الحجاب):
ـ يا رب... اديني القوة.
مش عشانهم.
عشاني أنا...
صلت فرض ربنا ونزلت بهدوء، لابسة هدوم بسيطة، وشعرها مبلول تحت الحجاب، وعيونها متجنبة أي نظرة لعاصي.
سمعت آخر جملة من زينة، وشافت عاصي وهو ساكت كأنه بيخبي إحساسه... قلبها دق بسرعة، لكن دماغها لسه بتشدها للورى. قربت منهم بخطوات خفيفة، ووقفت عند باب.
زينة (وهي تلاحظ وجود زهرة وبتضحك بخبث):
ـ أهو الجوزاء وصل...
عاصي (بص ناحيتها وابتسامته هادية):
ـ أخيرًا... كنت فاكر إنك مش هتنزلي تاني.
زهرة (بصوت هادي، وهي بتتجنب عينيه):
ـ كنت محتاجة شوية وقت... بس شكلي اتأخرت.
زينة (بتضحك):
ـ مش قوي، بس عاصي كان هيبدأ يعمل مؤتمر صحفي من كتر القلق.
زهرة (نظرت لعاصي بسرعة، وبعدين بصت للأرض):
ـ معلش...
عاصي (بهدوء):
ـ ما تعتذريش، خدي راحتك في أي وقت... بس متنسيش إنك مش لوحدك.
سكتت زهرة شوية، وبعدين بصت لزينة وقالت بنبرة فيها تهرب وضحكة خفيفة:
ـ كنتوا بتتكلموا عن الأبراج؟
زينة (باندهاش مصطنع):
ـ آه يا ستي، وطلع الدكتور برج الميزان... يعني الاتنين بتوع الهوا... هوا بيكمل هوا!
زهرة (ضحكت بخفة، أول مرة من وقت طويل):
ـ هوا بيطير بعض كده يعني؟ ولا يثبتوا بعض؟
عاصي (بص لها وابتسامته فيها معنى):
ـ الاتنين، بس لما يفهموا بعض... ممكن يبنوا من الهوا ده جناحات ويطيروا سوا.
زهرة حسّت بكلامه داخل جواها زي السهم... وغمضت عنيها للحظة كأنها بتحاول تهرب من الإحساس ده... لكن قلبها بدأ يتكلم حتى لو لسه عقلها رافض.
زهرة سكتت شوية، ونظرت في عينيه... اللحظة دي كانت كفيلة تهزها من جوا.
كان فيه إحساس كبير بيكبر جواها، مش قادرة تشرحه، بس كانت حاسة بيه بيزيد بين كل نظرة وكل كلمة. مش بس ثقة... ده كان أكتر، أقوى، حاجة قلبية خافت توهم نفسها بيها زي ما حصل زمان.
عاصي لاحظ الحيرة في عينيها، وسألها بنبرة فيها دفء:
ـ أنا عارف إنك متعرفينيش كويس عشان تثقي فيا... بس؟
زهرة (بهمس):
ـ أنا واثقة فيك... بس...
عاصي لمح نظرتها، وضحك ضحكة خفيفة فيها طمأنينة، عايز يحسسها إنها مش لوحدها في اللي بيحصل، وإنه معاها في كل خطوة.
وكمان خايف يضغط عليها زي ما زينة قالت.
عاصي (بابتسامة هادية):
ـ ما تخافيش... مهما كانت المعركة، هنكسبها سوا. وهترجع حياتك.
اللحظات دي كانت مليانة بمشاعر مختلطة... خوف، أمل، وشيء بيقربهم من بعض. ساد الصمت، لكن عيونهم كانت بتهرب منه وده الا خالها بيفكر في كلام زينة وافتكر الشباب الا فى حياة زهرة زياد وكمان ابن عمه وافتكر ، اسم يتكرر في دماغه:
عاصي (نظراته لزهرة، وصوته هادي لكن فيه نبرة غيرة خفية لكن خانه التعبير ):
ـ طيب... كريم ده مين؟ فين دلوقتي؟ وليه اختفى؟ وليه ساعدك من البداية، وبعد كده سابك فجأة؟
وليه بترمي نفسك من واحد ل واحد.
رواية زهرة العاصي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم صفاء حسني
(عاصي، بصوته المرتفع، وكأنه لا يدرك أنه يفتح جرحًا قديمًا):
ـ كان عايزك تدخلي في الدوامة دي ليه؟ وبعدين تختفي؟ زي ما زياد عمل!
(زهرة، منصدمة، بصوتٍ مُتكسّر، وعينيها واسعتان من الذهول):
ـ إنت بتقول إيه؟! إنت شايفني كده؟ شايفني برمي نفسي من واحد للتاني؟ أنا مكنتش بدوّر على حد أصلاً! كل اللي قرب... بعد، وأنا كنت دايمًا لوحدي... كريم مكنش بيساعدني أنا... وزياد؟ أنا كنت غرقانة في مصيبة وهو مدّ لي إيده... بس خان، زي كل اللي في حياتي! ما ترجعش تحاسبني على جروح أنا متسببتش فيها.
(وقفت، تحاول تلملم نفسها، دموعها تلمع، لكنها عنيدة):
ـ أنا مش برمي نفسي... وإن كان على مساعدتك لي، لأ، مش عايزاها. آسفة إني دخلتكم في اللعبة دي، وعطّلت سيادتك. ممكن تسيبني وأنا هتصرف.
(زينة، كانت قد تركتِهم وخرجت لتغيّر ملابسها، ثم غسلت ملابسها وملابس زهرة. وهي نازلة تبحث عن مكان لتُنشّر فيه الملابس، سمعت الكلام، فتركت طبق الغسيل و دخلت بسرعة تدافع.)
(زينة، بحزم):
يا دكتور عاصي، زهرة مالهاش علاقة بأي حاجة أصلاً. أنا آسفة يا زهرة، أنا اللي استغليتك وجبتك معايا هنا عشان أجيب حقي من أمي وأبويا من الناس دي، لكن للأسف أنتِ اللي أُطلّتي.
(وجهت كلامها لعاصي):
ـ كريم... ساعدني أنا، لأنه ابن صاحبة أمي. كان عارف كل حاجة من زمان، مامته كانت بتحاول تساعد ماما قبل ما أمي تموت في الحادث... ولما كبرت رجعت أفتّش في الموضوع من جديد.
(زهرة، بعد لحظة سكون):
متعتذريش يا أختي، أنا ممكن كنت زعلانة الأول إنك خبيتي عليا، لكن دلوقتي محتاجة أعرف كل كبيرة وصغيرة عشان مابقاش تاركة لواحد. أنا دخلت اللعبة برضه أو غصب عني.
(زينة، تنهدت بصوتٍ واطئ، تأخذ نفسًا عميقًا):
ـ أمي، سعاد، كانت طالبة في الجامعة، قسم صحافة، هي وعمو عبد الله وعمّته نادين... ماما كانت شجاعة، بتحب الصح وبتدور على الحقيقة. وعرفت إن منصور قابلتها لما سمعها وهي بتواجه الجامعة في مؤتمر وبتطلب منهم يفتحوا عيونهم، وقتها هو استغرب، افتكرها مجنونة عشان تشوّه سمعة الجامعة اللي جدّي عزيز تعب فيها. ودخل في وسطهم، وبعد ما بحث معهم، انصدم بكل الكوارث دي: استغلال بعض المراكز الطبية في أنشطة غير قانونية... ومخدرات، لكن للأسف نشاطهم وسّع على الآخر.
(عاصي، مصدوم، يشعر بالندم، وينظر لزهرة التي تتجاهله):
يعني خالي منصور كان عارف بكل حاجة؟
(زينة، مؤكدة):
ـ أيوه... ومع بحثهم لكشف الحقيقة، نتج ما بينهم حب، واتجوزوا من بعض... ولما قربوا من الحقيقة، لقوا مصيبة أكبر...
(عاصي):
ـ مصيبة إيه؟
(زينة، بحزن):
ـ شبكة مخدرات بتشتغل جوه الجامعات والمدارس، وكان وراها ناس تقيلة... وجدي... عزيز، كان على رأسهم!
(فتحت زينة تسجيلًا بصوت منصور، أبوها، يعترف بكل شيء):
"أنا منصور عزيز الدخيلة، وده تسجيلي الأخير، عشان أنا حاسس بالغدر... اللي عرفته بيحرك جبال.
بدأت حكايتي سنة ١٩٩٥، في يوم كان الجو مشمس، شفت سعاد، وهي طالبة سنة تالتة، واقفة قدام مبنى الكلية، ماسكة ملفات، ومكتوب على وشها الإصرار. وأنا كنت، الشاب الوسيم، كنت وقتها في أوائل الثلاثينات، كنت دكتور مساعد في الكلية، بيعدي من جنبها وبيلاحظ إنها بتجادل موظف الأمن عشان تدخل قسم مغلق."
(سعاد، بحدة):
ـ القسم ده فيه أوراق بحث مهمة... إزاي تقولي مش من حقي أدخل؟!
(منصور، يتدخل بابتسامة هادية):
ـ لو محتاجة مساعدة... أنا دكتور منصور، ممكن نروح سوا؟
بصت له سعاد بنظرة متحفزة، لكنها وافقت، عشان محتاجة تدخل. ومن هنا، بدأ أول خيط بينهم.
(مرات الأيام، وقربهما من بعض. في يوم كانوا قاعدين في مكتبة الجامعة، بيطبعوا أوراق بحث عن علاقة بعض المراكز الطبية بعمليات تهريب مخدرات.)
(لقطات سرية تجمعهم وهما بيصوروا أوراق مشبوهة. وقتها انهارت لما اكتشفت إن فيه أسماء كبيرة ورا الموضوع... من ضمنهم عزيز، والدها، اللي عمرها ما كانت تتخيل يكون متورط.)
(منصور، بصوتٍ يرتعش، بعد ما قرأ تقريرًا):
ـ ده... ده توقيع بابا؟! لأ... مستحيل!
(سعاد، منصدمة، وعينيها فيها ألم):
أنا مقدّرة صدمتك... بس الأدلة قدامنا. لازم نواجه الحقيقة.
(لقطة ثانية: سعاد تبكي بعد ما أخذوا منها ملف البحث، ومنصور يحضنها ويوعدها إنه مش هيسيبها.)
(مع الوقت، ابتدى منصور يراقب شبكة المافيا بنفسه، وعرف إن فيه توزيع منظم للمخدرات جوه الجامعات والمدارس الخاصة التابعة لشركات مساهمة مع عزيز. الأنواع كانت مرعبة):
- حبوب الهلوسة تحت ستار منشطات.
- ترامادول في علب فيتامينات.
(مرات الأحداث، وانكشافهم.)
(عبد الله انتقل هو ونادين.)
(وسعاد عملت حادث، كانت مع وردة وقتها، وقبل ما تموت، وصية وردة):
قولي لمنصور، بنتي ماتت، وربيها أنتِ. عايزة بنتي تبعد عن الناس دي.
وبالفعل، وردة أخدت الطفلة، بدلتها بطفلة ميتة. لما عرفت بموت وردة والجنين اللي كانت هتولد... كنت منهار.
أنا وسعاد اكتشفنا الموضوع، وأنا كملت بعد رحيلها. كانوا ورا الحادث بتاعها. سافرت، بس ما سكتّش. اتقبض عليا، واتعذبت... بس خرجت على إيد محامية... اسمها ناديه. ده شرطها إني أتجوز منها مقابل ترجعني على مصر، عشان كان صعب وقتها. لكن لما رجعت عرفت إني عندي بنت، وعرفت إن ناديه جزء من لعبتهم عشان أكون تحت عيونهم زي ما عملوا مع بابا. وقعت أنا كمان في فخهم، لكن قررت أسيب كل حاجة لبنتي... زينة."
(وكتب وصية، وسجّل صوتًا، وبعته لأكثر اثنين بيثق فيهم: عمّه محمد اللي راعي بنته في بيته، وعبد الله صديق عمره.)
(بيكتب وصية بإيده، وكاميرا بتقرب من كلماته):
"يا زينة... إوعي تمشي ورا اللي يلمع. دوري دايمًا ورا اللي مستخبي... الحقيقة."
(عاصي، بصوتٍ مبحوح):
ـ عارفين ليه كل ده حصل؟ عشان منصور حاول يقاوم... بس تمن الحقيقة كان كبير.
(زينة، بعد سماعها لكل ذلك، تنهدت، وطلبت من جدها محمد أن يتوسط لها لدخول الجامعة تحديدًا، هي وزهرة، ووصّت بأن تبقى زهرة على علمٍ ضئيلٍ حتى تركز على مستقبلها. وعرفت مع الوقت أن الإدارة مسؤولة عن فريق كبير يوزع المخدرات، وهذا ما اكتشفَته أمها وأصدقائها: إن هناك شبكة توزع...)
(زهرة، منصدمة، ووجهها يتغير تمامًا):
ـ يعني... ياسمين؟ وزياد؟ ليادر لبيع المخدرات؟ ولما أنقذني من الشباب اللي كانوا بيضيقوني، وقتها كان عايز يوقع مدمنة جديدة؟
(زينة، تهز رأسها بوجعٍ وندم):
ـ أيوه... عشان كده كنت دايمًا أطلب منك تبعدي عنهم، لكن لطيبِتك صدّقتي قصّتهم الهبلة اللي حكوها لك، إن أهلهم سبب ضياعهم، وإنهم نفسهم يتغيروا. و ياسمين كانت بتدير جزء من التوزيع في الجامعة، وزياد كان منسق التوصيل. أنواع المخدرات اللي كانت بتتباع:
- ترامادول
- كبتاجون
- LSD
- منشطات مزيفة
- استروكس مغشوش بيقتل في أول سحبة
(عاصي، منصدم، يسألها):
ـ معنى كده المافيا دي شغالة من زمان، وخالك منصور ووالدتك سعاد اتعرفوا على نفس السبب؟ وبدأوا يقاوموا إزاي؟
(نظرت زينة لعاصي، كلما ذكرت زياد، ظهرت الغيرة في عيونه. حاول عاصي الهروب من هذا الشعور، وسأل):
طيب، واضح إن القصة كبيرة جدًا، احكي من الأول، إمتى اتعرف منصور وسعاد ببعض؟
(زينة، تنهدت بحزن):
ـ اتجوزوا في سرّ، وكانوا ناويين يعلنوا كل حاجة لما يخلصوا شغلهم. بس حصلت مصيبة... أمي اتعرضت لحادث... قالوا إن سعاد ماتت، وإن الجنين مات معاها. بس الحقيقة... أنا كنت الجنين. وكنت بين الحياة والموت في حضانة المستشفى.
(عاصي، مصدوم):
ـ يعني اللي اتقال كان كله كدب؟
(زينة، بإصرار):
ـ أمي و وردة... الست اللي ربتني كانت مع ماما قبل الحادث، هي اللي اكتشفت إني عايشة، وخبّتني عن الكل، حتى عن منصور نفسه. جدّي محمد - جدّك زهرة - هو اللي وافق يربيني معاهم... ما سألنيش يوم، ولا حسّسني إني مش منهم.
(زهرة، بدموع في عينيها):
ـ وأنتِ عارفة ده من إمتى؟
(زينة):
ـ من سنتين... لما منصور رجع من السفر، جدّي محمد قرّر يحكي له، ويبلغني مين أبويا ومين أهلي. لكن وقتها كان معاه واحدة ست... كانت باينة عليها ملاك، بس هي كانت شيطان. اكتشفت إنها من نفس العصابة اللي أمي حذرت منها زمان... وقتها، عرفت كل حاجة... وقررت أدور، وأكمّل مشوار أمي وأبويا.
(عاصي، بتركيز):
ـ وأنا وزهرة في السكة...
(زينة، بنظرة امتنان):
ـ يمكن أكون بدأت لوحدي، بس ربنا بعتليكم علشان أكمل. أنا محتاجة لكم... ومش بس علشان نكشف الحقيقة... علشان نكمل الحكاية اللي اتبدأت بحب... وانتهت بظلم.
(زهرة، قامت، غاضبة):
لكن أنتِ نسيتي إنك في مقام أختي! أو أنا كنت فاكرة كده ليه؟ استغليتيني سنتين، ودخلتيني في ٣ سنين بتجمعي فيها معلومات، تستغلي وقوفي مع دكتور فلان عشان الشرح، وأنتِ بتجمعي معلومات، طالب أو طالبة تقرب مني عشان أشرح لها حاجة، تفرح وتسيبني على عمايا يا مومنة! أنتِ أصلاً ما قولتيليش إنك حفيدة عزيز إلا من شهرين بس، لما سمعتك بالصدفة بتتكلمي أنتِ وجدّك.
(زهرة تضحك على نفسها):
كنت لما أدخل عليكم أسكت، وكنت أستغرب، ولما أسألكم تقولي بأخد رأي جدّي في حاجة، وأنتِ كنتِ بتوريه كل جديد في تحقيقاتك العظيمة.
(زينة، تحاول الدفاع عن نفسها):
أنا كده يا زهرة، كل الحكاية كنت خايفة عليكِ، خايفة حد يضركِ، ولما قرب منك زياد حذرتك ألف مرة.
(زهرة، تضحك بسخرية ووجع):
فعلاً حذرتيني، بأمارة كنتِ واقفة تتكلمي معاه في أي موضوع، والسلام عشان توقيعه ياها! أنا كل ما أفتكر حاجة أحس إني هبلة أوي.
(عاصي، يوقف العتاب):
حتى لو خبيتي عليكِ، مش وقته أي عتاب أو نقاش. ممكن غلطت إنها دخلتكِ في حرب ملكيش فيها، لكن دلوقتي لازم نخوضها... يبقى هنخوضها سوا.
(زهرة، ترفض وتنسحب):
لأ، شكرًا لكم، حربِي غير حربكم، أنتم بتحاربوا على ورث وأملاك، لكن أنا حربِي سمعتي، متهمة بقتل بنت وأنا مليش علاقة.
(عاصي، بحدة غير واضحة):
اهدى كده، وعايز أفهم دلوقتي، أنتِ عايزة تقولي إيه بالظبط؟ إزاي ملكيش علاقة، ومين دخل الدكتور كريم في الموضوع.
(زهرة، ترفع حاجبيها بدهشة):
اسألها السؤال ده مش ليا، أنا كنت بعتبر الدكتور كريم مجرد معيد في الجامعة، وكان بيساعدنا في أمور دراسية، أو ده اللي كنت فاهماه. لكن في الخفاء، حجّتهم إنه واقف مع زهرة أولي الجامعة، وفي الخفاء بيخططوا لكشف الفساد.
(عاصي، يحاول إخفاء غيرته، ويدافع عن نفسه):
أنا مقصدش حاجة... مجرد سؤال. حسيت إن أكيد ليه دور مهم، وحبيت أعرف مكانه في اللي بيحصل.
(زينة، تقترب من زهرة، وتضمها من ظهرها):
حقك عليا، أنا آسفة إني دخلتكِ في الدوامة دي.
(زهرة، ترفض التكلم معها):
أنا طالعة، وأنتم مع نفسكم اعملوا تحرياتكم.
(زهرة تتركهم وتخرج للحديقة لترتيب أفكارها. زينة تحاول التبرير):
أنا مكنتش عايزة أدخلها، أقسم بالله العظيم، وكنت دايمًا ببعدها، بس أنتَ ليه مصمم تجريح في زهرة؟ ده اللي قولتلك عليه.
(عاصي، يتنهد):
تجاهلي لي مجنّني خَلّاني أخرج عن شعوري.
(زينة، تبتسم):
ـ كريم... من ناحيتك ولا من ناحية زهرة، يا دكتور، مافيش غير اللي في دماغك.
(عاصي، يبدو عليه الارتباك):
ـ قصدك إيه؟
(زينة، بهدوء وهي تنظر له):
ـ كريم بيحبني أنا... مش زهرة. إحنا مرتبطين من زمان، بس كنا مخبيين ده لظروف خاصة.
(عاصي، بصوت هادي بعد لحظة صمت):
ـ فهمت... ربنا يوفقكم.
(زينة، بضحكة خفيفة):
ـ يا دكتور، غيرتك كانت باينة... بس متقلقش، زهرة قلبها أبيض ومشغول بحاجة تانية... يمكن حتى ما خدتش بالها!
(الكل يتجه لمكان عاصي، يدخل غرفته يأخذ دشًا يهرب من المشاعر والغيرة. وما بين نفسه):
زينة عندها حق، مستعجل على إيه؟
(يأخذ دشًا ويغيّر ملابسه، ويقف على البلكونة، يرى زهرة جالسة وحدها، من دون تفكير يقرر قطع أفكارها...)
(الإضاءة خافتة، زينة نائمة في ركن بعيد، وهدوء الليل مغطّي المكان، لكن القلق في العيون.)
(عاصي يقترب ويجلس على كرسي أمام المنضدة، من دون أن ينظر):
ـ هو كان بيحبك... صح؟
(زهرة، تتجمد مكانها):
ـ مين؟
(عاصي، ينظر لها، عينيه فيها نيران مكتومة):
ـ زياد. كان واضح... من كلامه، من نظراته... كان شايفك حاجة تخصه.
(زهرة، تنهدت):
ـ دكتور عاصي... إحنا دلوقتي في نص مصيبة، و...
(عاصي، يقطعها):
ـ جاوبيني، أنا مش بلعب. أنا محتاج أعرف... كنتِ بتحبيه؟ كنتِ شايفاه أكتر من مجرد صديق؟
(زهرة، بصوتٍ واطئ وهي تنظر للفارغ):
ـ كنت راجعة لبيت الطالبة، في يوم كنت اتأخرت في الجامعة، والجو كان بيمطر، الدنيا كانت ليل، والشارع فاضي... فجأة لقيت شوية شباب واقفين، ضحكهم مش مريح... وكلامهم كان بيكسر القلب...
(عاصي، بهدوء، من غير ما يقاطعها):
ـ حصل إيه وقتها؟
(زهرة، تكمل وهي تتنهد):
ـ كنت مرعوبة... وقلبي بيخبط في صدري، لحد ما جه زياد بالعربية، وقف، ونزل بسرعة. شدني من وسطهم، وزعق لهم بصوت يخوف... ومشي بيا لحد أول الشارع... ساعتها حسيت إني نجيت من مصيبة كانت ممكن تغيّر حياتي.
(عاصي، بصوت فيه اهتمام حقيقي):
ـ ومن ساعتها بدأ يقرب؟
(زهرة، بابتسامة حزينة):
ـ آه... أولها كان بييجي يطمن، يجيب لي حاجات، يسألني محتاجة حاجة؟ بس أنا... كنت خايفة. مكنتش مرتاحة، حاسة إنه عايز حاجة مش قادرة أحددها، فكنت دايمًا بهرب، ولا برد، ولا بفتح له مجال. سنة كاملة... وهو يحاول، وأنا... لا!
(عاصي، بصوت ساكن):
ـ ولما زهقتِ من تجاهلكِ؟
(زهرة، تضحك بمرارة):
ـ بدأ يدخلني إنه نفسه ينجح، نفسه يتغير، وإني عكس كل اللي بيقولوا عليا، إني بتكبّر عليه... وطلب مني أنقذه من ضياع مستقبله زي ما أنقذته، كنت كل مرة بقرب شوية... ألاقيه شخصيته مُنتقصة، غير سمعته المُسابقها، لكن كان عندي تحدي أغيّره، مش عارفة ليه، ممكن كنت بجرب، لو قدرت أغيّر زياد ممكن أقدر أغيّر سليم.
(عاصي، بغيرة مدفونة):
هو أنتِ حبيتي سليم؟
(زهرة، تسكت لحظة، وبعدين تبص له في عينه):
ـ لا... عمري ما حبيته. أنا بعتبره أخويا، لكن أبويا مُفروض عليا. أما زياد، كنت بساعده يتغير، لحد اليوم اللي أنت شُفتني فيه، وقتها شُفتُه مع ياسمين وفهمت إنه عمره ما يتغير. مش بس ما حبيتهوش بمعنى الحب، مجرد تحدي.
(عاصي، يقترب منها خطوة):
ـ لكن يوم ما شفتك كنتِ مكسورة وحزينة؟
(زهرة، بهدوء مكسور):
ـ عشان كنت ندامة على كل لحظة اتكلمت معاه فيها، أو سمحت يبعت رسالة وأرد عليها، عشان كنت وعدت نفسي سنين الكلية أخلصها بسلام من غير أي مشاعر، ولو كنت أعرف إن زينة أقنعتني آجي الكلية دي بالتحديد عشان انتقام كنت رفضت. أنا وفقت فقط عشان الكلية مقدمة منحة للسفر للخارج لأوائل الدفعة...
(عاصي، ينظر في عينيها شوية، وبعدين يبص بعيد):
ـ زهرة... أنا مش سهل أثق، لكن لما وثقت... وثقت فيكي. ويمكن كنت خايف إنك يبقى ليكي ماضي أنا مش جزء منه. بس دلوقتي... أنا عايز أبقى مستقبلك.
(زهرة، تتسع عينيها):
ـ بتقول إيه...؟
(عاصي، يقترب منها أكثر):
ـ بقول... إني عايز أحميكي. مش بس من اللي حواليكي... من نفسك كمان. من خوفك... ومن دموعك... ومن وجعك.
رواية زهرة العاصي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم صفاء حسني
زهرة (اتكلمت بصوت خافت، وعيناها تدمعان):ـ وأنا عمري ما حسيت بالأمان إلا لما شفتك.
لحظات بسيطة كانت كفيلة بأن أشعر بذلك.
تنهد عاصي:ـ أنا عايزك تكوني ليا يا زهرة، مش مجرد وقت أو صدفة جمعتني بكِ ثم انتهى الأمر. لا، أنا عايز حياة وعمر.
نظرت زهرة للفراغ، وقالت:ـ محدش عارف إيه اللي مكتوب، وأنا خايفة تربط حياتك بواحدى مكتوب عليها الإعدام من كل الدنيا.
وقامت وتركته، وقلبه وعقله وكل كيانه يطلب منها أن تبقى بجانبه.
في مكان آخر، يظهر شاب في أواخر العشرينيات يجلس في غرفة أنوارها خافتة.
قاعد على طرف السرير، والموبايل في إيده، بيقلّب في الأخبار.
وأول ما شاف خبر عن زهرة واتهامها في جريمة قتل، عينيه اتسعت.
كريم (بصدمة):ـ إيه ده؟! دي زهرة... صديقة زينة! إزاي؟! حصل كده؟ أنا طلبت منكِ يا زينة تبطلي نكش وراهم، أنا خلاص قربت أوصل، وبعدين مشيت هروب، كنت خايف عليكي.
بدأ يدور على رقم زينة، لكنه كان مغلقًا. حاول مرة واتنين، وهو يتنفس بسرعة، متوتر جدًا.
دقائق ومرت... مافيش حاجة حصلت. قاعد يراقب تليفونه، كل ثانية بتعدي كانت كأنها ساعة.
بعد شوية، وصلت له رسالة: "تليفونها متاح".
كريم (بصوت منخفض):ـ يا رب تكوني بخير يا زينة...
بعدها، رنّ الموبايل...
عند زينة، فتحت التليفون لتشوف آخر الأخبار، وصلها اتصال من كريم، أنه اتصل بها. فاتصلت به.
كريم، والفرحة لم تكن سعادته (اتكلم بسرعة):ـ زينة؟!
زينة (بصوت واطي ومتوتر):ـ أنا... أنا مش قادرة أطول. معاكي الشرطة بتدور علينا.
كريم:ـ إنتو فين؟! إزاي حصل كده؟! أنا مش فاهم حاجة! ليه ورطت نفسكم يا زينة؟ مش آخر مرة طلبت منك تبطلي نكش وأنا هوصل لكل الحقيقة وأنتِ تركزِي في مستقبلكِ.
زينة (بتحاول تتمالك نفسها):ـ أنا عملت كده والله يا دكتور كريم، لكن فجأة هما استلموا زهرة من مصيبة لمصيبة، كانوا شاكين إنها بنتهم. ومشيت أنا، وللأسف زهرة اتورطت في جريمة قتل، واللي حصل أكبر من كده بكثير. أنت عارف إن إحنا كنا قربنا نكشف الشبكة والناس اللي بيستغلوا الجامعة... وكل ده كان متغطي. لكن ممكن هما بدأوا يكشفوني أو عملوا كده عشان يلووا دراع جدّي محمد عشان التسجيل الصوتي، وأعترف بأبي بكل حاجة.
تنهد كريم (بصوت مكسور):ـ أنا طلبت منكِ تبعدي أنتِ وزهرة، كنت... أتصرف...
تنهدت زينة، وقاطعته:ـ أنتَ أصلاً فجأة اختفيت، ومكنتش عارفة أوصل لك، وكنت فاكرة إنك في خطر، يا دكتور كريم... إحنا نفسنا مش عارفين إيه اللي حصل فجأة، الأحداث اتطورت... بس أنا... أنا محتاجة أشوفك.
كريم (بتأثر):ـ في أي وقت، في أي مكان... قوليلي بس.
زينة (بعد لحظة تردد):ـ فيه طريق ترابي ورا مزرعة صحراوية تخص الدكتور حاتم، على ما أظن، أنتَ كنت قُلت لي كنت بتروحها زمان.
انصدم كريم، وبصوت كله غيرة:ـ دكتور حاتم؟ إيه؟ خالكِ تتعامل مع دكتور حاتم أصلاً؟
بررت زينة وقالت:ـ أنا ما اتعاملتش معه، ده الدكتور عاصي هو اللي صديقه وجابني هنا أنا وزهرة.
أندهش كريم وسألها:ـ ومين الدكتور عاصي ده كمان؟ هو أنتِ يا بنتي ناوية تخلصي على دكاترة الدفعة؟
ضحكت زينة:ـ تعالَ وأنا أفهمك كل حاجة، وبسرعة عشان هنمشي من هنا بعد شوية... لو قدرت توصل هناك، هنتقابل.
كريم (بحزم):ـ اعتبريني وصلت... خدي بالكِ من نفسك.
انتهت المكالمة، وكريم خرج بسرعة وهو بيحط سلاح صغير في جيبه...
كريم سايق العربية بسرعة، وتليفونه مفتوح على اللوكيشن، عينه مش بتفارق الشاشة.
لحظة صمت، قريبة جدًا... نظرات تقيلة، ومليانة مشاعر حقيقية.
في مكان آخر، داخل مكتب الإدارة – أوضة اجتماعات سرية – ليل.
الإضاءة خافتة، والهواء راكد… على الطاولة ملف مفتوح، فيه صورة لزينة، وزهرة، وعاصي. نادية قاعدة على الكرسي الرئيسي، لابسة شيك كالعادة، بس عنيها فيها قلق واضح، والمدير العام للجامعة واقف قدام شاشة بيعرض تسجيلات من كاميرات الجامعة.
المدير (بعصبية):ـ الموضوع خرج عن السيطرة! منصور قبل الحادث سجل وصية للبنت دي… يعني لو ظهرت رسميًا، كل حاجة هتضيع!
نادية (ببرود قاتل):ـ منصور مش هيصحى… والوصية مش هتطلع. بس البنتين دول... لازم نخليهم يختفوا قبل ما يلمّوا أوراق منصور ويكشفوا كل حاجة. عشان أنا مابقيتش عارفة مين فيهم بنته، لكن تهمة زهرة دي لمصلحتي عشان محمد الصعيدي هو اللي يعرف ويكون نقطة ضغط عليه.
أحد الحاضرين (بقلق):ـ بس زهرة اتقاضت بقضية قتل، وكلنا عارفين لو محامي شاطر ممكن يثبت إن الصورة مُركبة أو قديمة، خصوصًا توقيت دخولها الجامعة مع نيفين غير التوقيت الفعلي… الشرطة بتدور عليها في كل حتة.
ابتسمت نادية:ـ وده اللي هيساعدنا. نخلي الشرطة تعمل شغلها، حتى لو خرجت بريئة، مين يلبسها؟ طبعًا ياسمين، نُظهر وقتها كاميرات وجود ياسمين وخناقاتها معها، إحنا عملنا كده نقطة ضغط عشان أكيد كلهم هيتجمعوا، الحلف اللي بيلعب من ورانا، فنقدر نفهم هما وصلوا لأيه من معلومات، وعلى هذا الأساس نقرر… بس لازم نوصلهم قبل الشرطة.
المدير:ـ في معلومة جت من مصادرنا إنهم مستخبيين في مزرعة قديمة تبع الدكتور حاتم.
استغربت نادية (ابتسمت بمكر):ـ ممتاز... وإيه علاقة الدكتور حاتم بالموضوع؟
وضح المدير:ـ هو بيعزّ عزيز جدًا، وأكيد اتصل بيه وطلب منه مفتاح المزرعة، وهو ما يتأخرش، لكن ما أظنش يعرف حاجة، إيه رأيك؟ نبعُت بلاغ مجهول للشرطة، ونقول إن المتهمين مختبئين هناك. بس قبلهم... نكون بعتنا رجالتنا يتصرفوا، بأي طريقة.
نادية (بصوت حاد):ـ تتبعوهم فورًا… اللي يقدر يمسكهم… ما يرجعهمش.
المدير (همس):ـ المهم إن محمد ما يكونش سلّم نسخة من الوصية... ومعاها تسجيلات لمكالمات منصور قبل الحادث. لو ده وصل للصحافة، إحنا انتهينا.
نادية (بعصبية):ـ يبقى ما نوصلش للشرطة ... نوصل ليهم قبل كده.
في مكان آخر، غرفة مكتب داخل بيت صالح – جو مشحون – الليل.
صالح واقف قصاد الشباك، بيبص بعيد بعصبية. سليم داخل عليه، لابس شيك كعادته، بس عينه فيها طمع واضح.
سليم (وهو بيقفل الباب):ـ استدعيتني يا عمي؟
تنهد صالح (وهو لسه مش بيبص له):ـ بنتي… زهرة… للأسف بسبب خلافات قديمة لأبيها، اتهمت في قتل بنت صديقتها، والأمور خرجت عن السيطرة. لازم نتصرف بسرعة قبل ما توصل للحبس أو يتقال علينا فضيحة.
سليم (متمالك نفسه):ـ وأنا جاهز… بس محتاج أعرف دوري إيه؟
صالح (وهو بيقعد وبيبص له بتركيز):ـ تتجوزها. يا ولدي.
سليم (بدهشة مصطنعة):ـ نتجوز؟ بعد اللي حصل؟ دي أولاً هي مش طايقاني يا عمي! ثانيًا هي هربانة، ومحدش يعرف مكانها.
صالح (بحزم):ـ وده مش مهم… اللي يهمني دلوقتي نثبت إنها كانت معاك وقت الحادثة. والجواز يكون على الورق يعني، والّا تقرب منها لحد ما نخلصها، وممكن هي تحبك لما تليقك وقفت حدها. لو اتجوزتو، وسافرتم، تبقى الصورة باطلة، والتهمة تسقط.
سليم (بنبرة فيها خبث):ـ وهي توافق؟ البنت دي عنيدة، وكرامتها عالية… لازم طريقة تضغط بيها عليها.
صالح (بعد تفكير):ـ قلها إنها الطريقة الوحيدة تحمي بيها نفسها، وإني أنا اللي طلبت ده… وقولها لو ما سمعتش الكلام صح، أمها هتموت بالخصري عليها، ووقعت من طولها وفي المستشفى، لو عايزة تشوفها قبل ما يحصلها حاجة، المهم خليك توصل لها إنها لو احتاجت تحتمي من الدنيا، تلجأ لك.
سليم (بضحكة خفيفة):ـ أمها كمان رافضة يا عمي؟
صالح (بحدة):ـ مش مهم. المهم تنقذها يا ولدي. وبعدين أكده نتصرف. أنا عملت غلطات كتير، بس مش هسيب بنتي تقع في إيدين الناس دي… لو لازم تتجوز علشان تطلع من المصيبة، يبقى تتجوز وتخلص.
سليم (وهو بيقف):ـ تمام، هوصلها يا عمي… وهقنعها بطريقتي.
صالح (وهو بيهمس لنفسه):ـ سامحيني يا زهرة… يمكن أكون قاسي، بس اللي جاي أقسى بكثير.
كاميرات بتقفل على وش نادية، واضح إنها وضعت كاميرات في بيت زهرة، وهي بتبتسم ابتسامة سُمّ… باردة ومميتة.
كانت زهرة قاعدة على السرير في غرفتها، بتحاول تلم نفسها بعد اللي حصل. وكلام عاصي...
وعاصي ما جاش له نوم، بيفكر في زهرة وإزاي ينقذها، واقف جنب الشباك، بيراقب الطريق من بعيد.
قامت زينة وجهزت عشان تخرج. وهي نازلة شافها عاصي، نادى عليها: "زينه، رايحة فين؟"
بلعت ريقها زينة وقالت (بتهمس):ـ كريم اتصل بيا… بعد ما بعتله اللوكيشن… عايز يقابلنا ضروري.
عاصي (بتوتر):ـ كريم؟ هو عرف إزاي؟
زينة:ـ أكيد وصله الخبر، واتصل، حكيت له اللي حصل، بس هو الوحيد اللي ممكن يساعدنا من غير ما يخون. وأنا واثقة فيه.
انصدم عاصي وزعق:ـ إحنا كده في خطر، ما دام كريم مكشوف ليهم وأنتِ وصفتِ له المكان، يبقى يوصلوا لينا.
نزلت زهرة على صوتهم (بصوت خوف):ـ لو هتقابله لوحدك، يبقى لازم أكون أنا خرجت من هنا بسرعة، وكملوا أنتم انتقامكم.
وضح عاصي وهو بيهديها:ـ متخافيش يا زهرة، آه وجود كريم خطر، لكن برضه لصالحك، عشان هو يعرف يجيب الكاميرات الأصلية اللي تدل على إنكِ في اليوم ده ما روحتيش الجامعة.
كريم واقف جنب عربيته، عينه على الطريق. صوت عربية خفيف بيقرب… نزلت زينة، ووراها زهرة وعاصي.
كريم (بقلق):ـ الحمد لله إنكم بخير… أنا اتجننت لما شوفت الخبر.
زينة (بصوت مكسور):ـ مش هنلحق نحكي كتير… لازم نمشي بسرعة.
فجأة… صوت سرينة شرطة بعيد بيقرب، وأنوار زرقا بتظهر وسط الضلمة.
عاصي (بصوت عالي):ـ جوة! كله جوة المزرعة! اقفل تليفونك وارميّه، عشان كده شكّه في محله، وهما كانوا متابعين تليفونك.
بالفعل اتجه كريم ناحية ترعة، أغلق الهاتف ورمى الهاتف. وهما جروا كلهم ناحية الإسطبل القديم في المزرعة، واستخبوا ورا تلال التبن. دقائق، والشرطة اقتحمت المكان…
ضابط:ـ فتشوا كل شبر… البنت هنا، ما تسيبوش ولا زاوية.
وصلت إشارة مكان الهاتف، اتجهوا نحوه. في نفس الوقت كان وصل كريم إلى الإسطبل ودخل وراء التبن، وقال: "كل تمام"، ومسك إيد زينة:ـ ما تخافيش… مش هخليهم يقربوا منك.
الأنفاس مكتومة… خطوات الشرطة حوالين المكان… وبعد دقائق توتر طويلة، سمعوا صوت:
ضابط:ـ مفيش حاجة هنا… ممكن يكونوا هربوا. ارجعوا نراجع الكاميرات في الطريق الرئيسي. والهاتف موجود في الترعة، يبقى رموه وهما ماشيين بالعربية.
طلب الشرطة من شعبان يفتح البيت. "افتح البيت ده!"
تنهد شعبان:ـ البيت بتاع الدكتور حاتم يا فندم، ومقفول بقاله مدة.
صرخ فيه:ـ بقولك افتحه، أنتَ مبتفهمش! أو اكسره!
هزّ رأسه شعبان وفتح الباب. ونرجع فلاش باك وهما بيهربوا. طلب عاصي من عمّه شعبان:
ـ إحنا لازم نمشي من هنا، الشرطة عرفت مكاني. عاوزك ترجع البيت زي ما كان، كأني محدش قاعد فيه، لحظة وكأنه مقفول من شهور، تعرف؟
هزّ رأسه شعبان:ـ عيب عليك يا دكتور، عيونكِ.
بالفعل نفذ كل اللي طلبه.
باك. تذكرت زينة الهدوم وقالت:ـ الهدوم بتاعتنا أنا نشرتها ورا البيت.
شهقت زهرة:ـ يعني كده اتقفشنا.
الشرطة انسحبت واحدة واحدة. لكن انتبه واحد منهم للهدوم المنشورة وسأل شعبان:ـ هدوم مين ده؟
تنهد شعبان، وظهرت بنت عندها ١٥ سنة طولها زي زينة، وزوجته طولها زي زهرة.ـ هدومنا يا باشا، أنا وبنتي، الفستان بتاعي والبنطلون والتشيرت بتاع بنتي.
نظر لهم ونظر للحبل وتركهم ومشي. الكل استنشق الهواء. الكل خرج من مخبأه بهدوء، مرهقين وتعبانين.
عاصي (بصوت منخفض):ـ نتحرك… دلوقتي حالًا. على الفيوم.
زهرة (بصوت ثابت رغم التعب):ـ لازم نعرف الدكتور عبد الله يبلغ جدّي وأمي.
أتمّلت زينة:ـ يارب يكون هو الأمل الوحيد.
تحدث كريم (وهو بيشاور على عربيته):ـ تركبوا معايا… واللي ورا ورا بعض.
بدأوا يتحركوا، والليل ساكت… بس القلوب مولعة.
بعد ساعات من الخوف والهروب من أي كمين، وصولهم للفيوم – بيت الدكتور عبد الله – مزرعة هادية بعيدة عن العمران.
الجو ساكت، فيه رهبة غريبة. وصلت العربيات، ونزلوا زهرة وزينة وعاصي وكريم.
عاصي (بقلق):ـ لازم نخلي بالنا… ما نعرفش الدكتور عبد الله ممكن يكون في صفنا ولا لأ.
زهرة (بثبات):ـ ده جدّي وصّى نروح له… يبقى أكيد واثق فيه.
خبطوا على الباب… بعد لحظات، فتح راجل كبير في السن، ملامحه صارمة، لكن فيها دفء غريب.
الدكتور عبد الله (بتفاجؤ):ـ زهرة؟ زينة؟… وعاصي؟ إنتو إزاي وصلتوا لحد هنا؟!
كريم (بيبص له بترقّب):ـ دكتور عبد الله…
الدكتور ركّز في وش كريم، وعينيه وسعت… اتجمد في مكانه لحظة، وبص له كأنه شاف شبح من الماضي.
الدكتور عبد الله (بصوت متلخبط):ـ كريم؟! إنت… إنت ابن نادين؟!
كريم (بصدمة):ـ حضرتك… كنت تعرف ماما؟!
الدكتور (بصوت مخنوق):ـ أكتر من كده… أنا أبوك يا كريم.
صمت قاتل… كلهم بصوا لبعض بذهول. زينة خطت خطوة لورا، وزهرة فتحت بقها من الصدمة.
كريم (بصوت متقطع):ـ لا… لا، دي أكيد غلطة… ماما عمرها ما قالتلي!
الدكتور:ـ هي كانت بتحاول تحميك… بس دلوقتي ما عادش في وقت للأسرار.
عاصي:ـ لازم تحكي كل حاجة… دلوقتي.
الدكتور (بياخد نفس عميق):ـ تعالوا جوا… الليلة دي هتتقال فيها كل الحقايق.
الهوا كان بيعدّي بين الشجر بصوت خفيف، والفيلا واقعة في منطقة هادية، شبه مهجورة، لكن جواها الدنيا كانت مولعة.
عاصي واقف جنب اللابتوب، وزينة قاعدة على الكنبة، وزهرة بتحاول تهدي قلقها، بتتحرك رايحة جاية.
كريم (بصوت مخنوق):ـ ...! أنا ضيعته والّا إيه؟
زهرة فجأة رفعت رأسها وسألت:ـ ممكن يكون في العربية؟
زينة:ـ أيوه… ممكن يا رب يكون وقع في العربية.
زهرة (بحزم):ـ أنا هروح أدور… في العربية…
عاصي (برفض):ـ استني يا زهرة، ما ينفعش تروحي لوحدك، ده خطر…
زهرة (بنبرة هادية لكن عنيدة):ـ دي حاجة لازم أعملها بنفسي، ده دليل براءتي بعيد عن حربكم أنتم……
زهرة كانت واقفة قدام عربية كريم، المكان، هدوء قاتل. فتحت باب العربية، وبدأت تدور.
يدها وقعت على ظرف صغير تحت الكرسي، لكن قبل ما تلحق تفتحه...
صوت رجولي وراها بصوت خافت:ـ كنتِ فاكرة إنك هتروحي بعيد عني؟
استدارت ببطء، وشافت زياد واقف، عينه باينة فيها جنون.
زهرة (بصدمة):ـ أنت!! أنتَ كنت بتراقبنا؟!
زياد (بضحكة خبيثة):ـ ما قدرتِش أبعد… إنتِ مش فاهمة إني بحبك؟! بس الغلط إنك اخترتِ حد تاني…
قبل ما تلحق تصرخ، حط منديل على بؤها…
رواية زهرة العاصي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم صفاء حسني
في أحد البيوت – وقت متأخر من الليل
زياد قاعد لوحده في أوضة جانبية، بيبص في تليفونه كل شوية. فجأة، توصل له رسالة واتساب من رقم غريب.
الرسالة:
"اللي بتدور عليها في بيت في الفيوم... لو عايز تلحقها وتثبت حبك ليها قبل ما حد تاني ياخدها منك."
زياد وقف بسرعة، قلبه بيدق، ووشه اتشد.
زياد (لنفسه):
"زهرة؟... أنا جاي وهكون معاكي لآخر العمر، وهثبت لك إني هكون حمايتك..."
أخذ الجاكيت بتاعه بسرعة وخرج من غير ما يبلغ أحداً.
نرجع للواقع
الكل قاعد، كان كريم معه أدلة وزينة، والدكتور عاصي كان واخدها من حاتم وسط ورق ومستندات، بيحضّروا الأدلة النهائية...
بعد فترة، زينة:
"هي زهرة فين؟ اتأخرت ليه؟"
انصدم عاصي، الذي كان مركزاً معهم، وسألها بتوهان:
"هي راحت فين وسابتني؟"
تنهدت زينة:
"كانت بتدور على الفلاشة اللي موجودة فيها فيديوهات خروجها ودخولها من الجامعة لحد آخر يوم، كان نسيها الدكتور كريم في عربيته ولسه مرجعتش."
انتفض عاصي (بحدة):
"زهرة؟! زهرةاااااااا!!"
عاصي (وشه مصدوم):
"زهرة مش هنا... مش في أي مكان جوه البيت!"
الكل اتجمع بسرعة، وبدأت حالة توتر كبيرة، عاصي بيبص للكل، وبعدين سكت لحظة وكأن عقله بيجمع قطع البازل.
عاصي (بحسم):
"لا... دي مش صدفة... أنا حاسس إن اللي حصل ده مقصود... عشان يوصل للأدلة."
بص ناحية عبدالله، الذي كان شايل شنطة فيها أوراق.
عاصي:
"عمي عبدالله، خد الأدلة الأصلية وامشي بيها فوراً، سيب نسخ منها هنا كتمويه. لو في حد بيراقبنا، هيضيع وقته على الورق الغلط."
عبدالله (بيومئ):
"حاضر."
خرج عبدالله بسرعة، وبعدها عاصي قال:
"إحنا هنخرج ندور عليها، بس بسرعة. لو حد دخل البيت، ميلاقيش حاجة تفيده."
بيقوم يجري برا... يدور في الجنينة، حوالين العربية، مفيش.
كريم لحقه، قلّب العربية، فتّش حواليها... سكون مرعب مسيطر.
كريم (بانفعال):
"مش موجودة! اختفت!"
عاصي (بعصبية):
"لا لا لا... مستحيل... مش وقته يا زهرة!!"
زينة وقفت مكانها فجأة، عينيها ثابتة على الأرض، بتقرب بشويش...
وإيدها بترتجف وهي بتشيل ساعة معدن وقعت جنب العربية.
زينة (بصوت مهزوز):
"الساعة دي... دي بتاعة زياد..."
سكتت لحظة، ووشها اتبدّل من الخوف للغضب.
زينة (بانفعال شديد):
"أنا شفت الساعة دي في إيده... ده هو!! هو اللي خطفها!"
عاصي (بصوت غاضب ومكسور):
"معنى كده كنا تحت عينه ومراقبنا..."
كريم (بيجز على سنانه):
"هيموت... والله ما هرحمه."
زينة (بدموع):
"أنا السبب... كان لازم آخد بالي..."
عاصي (وهو بيحضن رأسه بين إيديه):
"لو جرالها حاجة... أنا هولع في الدنيا دي كلها."
الكل بيتحرك بسرعة... قلبهم مولّع، والغضب سابقهم قبل الخوف.
كل خطوة بيدوروها فيها وجع، وكل ثانية زهرة مش معاهم فيها بتزيد الرعب في قلبهم.
بعد ساعتين – الرجوع للبيت
عاصي وزينة وكريم وعبد الله بيرجعوا، أول ما بيفتحوا الباب يلاقوا الأوض متقلبة، والهدوم مبهدلة، وناس غريبة بيدوروا تحت السراير وفي الأدراج.
عاصي دخل بسرعة وشد واحد من اللي بيفتش.
عاصي (بصوت عالي):
"إنت مين؟! بتعملوا إيه هنا؟!"
الراجل حاول يهرب، لكن كريم مسكه، والتانيين جريوا برا. زينة بصت حواليها، وشافت كل حاجة متفتحة، حتى الشنطة اللي كان فيها أوراق زهرة.
زينة (بهمس):
"كانوا بيدوروا على الأدلة..."
عاصي (بغضب):
"يعني فعلاً... كل ده معمول عشان... ويسكتونا، والضحية كل مرة زهرة."
الكاميرا تقف على وش عاصي، عينه فيها وجع وغضب... وبيبدأ يجهز نفسه للمرحلة الجاية.
***
لما فاقت، لقت نفسها مرمية على سرير مشبوه، في أوضة شبه مهجورة، نور خفيف داخل من شباك صغير، وكل جسمها تقيل ومش قادرة تتحرك كويس.
زهرة بتفوق على صوت تنفّس متسارع، وبتحاول ترفع راسها، بتحس بدوخة ورجليها مش شايلينها، بتلمس راسها وهي بتحاول تفهم حصل إيه...
بتلاقي نفسها في أوضة ضلمة، نور خفيف جاي من شباك مكسور.
زهرة (بتفزع):
"مين؟! مين هناك؟!"
دخل زياد، شكله متغير، عينه كلها ظلام، ملامحه مش اللي كانت بتحبها زمان.
صوت زياد (من وراها، نبرته فيها توتر):
"فوقتي؟ كنت مستني اللحظة دي من زمان."
زهرة (مرعبة، بتقوم بصعوبة وبتبص لنفسها وتطمن على هدومها وبعد كده):
"إنت جبتني هنا إزاي؟! عملت فيا إيه؟!"
زياد (بيقرب منها):
"كنتي هربانة مني ومن كل الدنيا... بس أنا عرفت اوصلك وهكون معاكى ،واساعدك.."
رفضت زهرة وهى بتضحك بسخرية:
"تساعديني ،وانت السبب في كل الا حصل ليا"
رفض زياد اتهمها ورد عليها:
"مقدرش اعملك حاجه بالعكس انتى الحب إلا مقدرش أنساها
رفضت زهرة وهى بتضحك بسخرية
تساعديني ،وانت السبب في كل الا حصل ليا
رافض زياد اتهمها ورد عليها
مقدرش اعملك حاجه بالعكس انتى الحب إلا مقدرش أنساها
حاولت تقربي، بعدتي زهرة ..."
تنهد زياد:
"دلوقتي آنتى معايا مفيش هروب تاني."
زهرة:
"ليه عملت كده يا زياد؟ ليه جبتني هنا؟"
زياد (بصوت هادي، بيحاول يخفي ارتباكه):
"أنا آسف يا زهرة. آسف أوي. مكنتش عايز أخوفك، ولا أجرحك."
زهرة (بنبرة حازمة وهي بتحاول تمسك أعصابها):
"إنت كداب! عرفت كل حاجة... إنت كنت بتلعب بيا من الأول. عرفت إني بنت ناس مستوى، حبيت تخليني مدمنة وبعد كده سمعت كلام اللي كانوا عايزين يخلصوا عليا."
زياد (بيقرب منها بخطوات بطيئة، إيده ممدودة، لكنها مبتلمسهوش):
"عارف... عارف إني غلطت. مكنتش عايز تروح الأمور للدرجة دي. كنت خايف أخسرك، علشان كده..."
زهرة:
"كلامك ده مبيتصدقش! أنت خربت حياتي، خربت ثقتي في الكل."
(زياد بينزل إيديه، بيفهم إن كلامه مبيأثرش فيها. بيلاحظ دموعها، بيحس بألم جامد في قلبه. بيسكت، بيبص لها وهي بتحاول تسيطر على دموعها.)
زهرة (بتقطعه، صوتها عالي):
"أنا خايفة منك! خايفة منك أكتر من أي حاجة في الدنيا."
(بعد صمت طويل، زهرة بتتكلم تاني، صوتها هادي المرة دي):
"كنت معجبة بيك يا زياد. صدقت إنك هتتغير، لكن للأسف العلاقة دي هتكون السبب في سجني."
(زياد بينزل رأسه، مبيردش. بيفهم إن غروره كلّفه كل حاجة.)
زياد (واقف عند رجل السرير، صوته هادي ومرعب):
"وحشتيني يا زهرة... أنا مش قادر أنساكي، ورجعت لك علشان نبدأ من جديد."
زهرة (بصعوبة وهي بتحاول تقوم):
"إنت مجنون؟! فاكرني هصدقك بعد كل اللي عرفته؟ أنا عرفت الحقيقة... عرفت إنك كنت بتلعب بيا طول الوقت!"
(زهرة بتكمل، وهي بتشير للباب):
"أنا عايزة أمشي."
(زياد مبيحاولش يمنعها الأول. بيبص لها وهي ماشية، حاسس بخسارة كبيرة وندم. بيفهم.)
لكن (نبرته اتبدلت للعنف):
"استني! أنا الوحيد اللي هقف جنبك! وهجيب لك حقك، بس متسيبنيش أضيع من غيرك."
(بيمد إيده يحاول يمسكها وهي بتقاوم بعنف.)
زهرة (بتصرخ):
"أبعد عني يا زياد! إنت بقيت غريب ومخيف!"
قبل ما تلحق تخرج ، كان ضربها بإبرة مخدر، وكل حاجة اسودّت قدام عينيها.
زياد اتغير، وشه اتشد، عينه ولعت بالغضب، قرب منها بسرعة، ومد إيده فجأة وشد الحجاب من على رأسها بعنف.
ينفك الدبوس وينخلع الحجاب ويقع على الأرض، وشعرها الطويل يسيل على ظهرها.
اقترب منها وبدأ يسحبها بقوة،
صرخت زهرة وهى بتحاول تقومه:
"إنت بتعمل إيه؟! سيبني يا زياد!"
شدها من ذراعها ورماها على الأرض، وبعدين جرّها للسرير، وهي بتحاول تقاوم وتصرخ، لكن جسمها لسه ضعيف من تأثير المخدر.
زهرة (بتعيط وتصرخ):
"حد ينقذني! بالله عليك سيبني!"
***
في البلد عند سليم – قبل الفجر بشوية
سليم قاعد على الكرسي الجلدي، منتظر أي خبر يوصل به لزهرة، قدامه بس مش مركز. تليفونه بينوّر فجأة برسالة من رقم مجهول.
الرسالة:
"اللي المفروض تبقى مراتك، دلوقتي في حضن حبيبها القديم... لو راجل، روح شوف بعينك.
المكان: بيت أطراف الفيوم."
سليم قام واقف بسرعة، وشه اتبدّل، ملامحه اتحجّرت، والنار ولعت في عينه.
سليم (بينه وبين نفسه):
"حبيبها القديم؟! زياد؟!هي كانت معاه؟!(صوته بيوطي وبيغل):"وأنا اللي صدّقت إنك اتظلمتي... كنتي بتخدعيني من الأول؟!"
خد مفاتيحه وخرج وهو بيغلي...
يقطع بسرعة وهو راكب عربيته، السواق جنبه بيقول:
السواق:
"نروح فين يا باشا؟"
سليم (بغضب مكتوم):
"الفيوم... ومحدش يعرف إحنا رايحين فين."
في عز الليل، المكان هادي بشكل يخوف، مفيش صوت غير صوت صرصار الليل وهدير الهوا اللي بيخبط في شبابيك المكان القديم، وزهرة بتحاول تقوم زياد.
وهو بيحاول يقرب منها زياد، وظهر جداً إن زهرة في حضنه.
وفجأة الباب اتفتح، ودخل سليم، وعينه فيها نار.
كان يدور عليها، ولما لقاها في الوضع ده، قلبه ولع.
سليم (بصوت عالي):
"ابعد عنها يا حيوان!"
مسك زياد من قفاه ووقعه على الأرض، وضربه كذا بوكس لحد ما فقد وعيه. وبعدها جري على زهرة، وغطاها بجاكيته، عينه فيها قهر وغضب وشك.
سليم (بصوت بيترعش من الغضب):
"إنتي... إنتي كنتي معاه؟! هربتي معاه بإرادتك؟!"
زهرة (بدموع ومكسورة):
"والله ما حصل... هو خطفني... كنت بهرب من الشرطة ، بس هو لحقنى !"
سليم فضل ساكت لحظة، نظرته مش مفهومة... بين الغضب والحيرة.
سليم واقف مكانه، عينه على زهرة وهي منهارة، ودموعها نازلة على خدها من غير صوت. إيده بتترعش، مش عارف يصدقها ولا يصدق اللي شافه. جوه قلبه نار، بس كمان فيه وجع.
سليم (بصوت مخنوق):
"لو كنتي بريئة... ليه هربتي؟ ليه مجيتيش عندنا وإحنا اللي هنحميك طول المدة دي مع ناس غريبة؟ هو العلام غيرك اكده؟"
زهرة (بتبص له بعين مكسورة):
"كنت بهرب من الظلم... من اتهاماتكم واتهام البشر... من جواز غصب عني! كنتوا شايفيني غلطة وبتحاولوا تصلحوها بأي ثمن، حتى لو على حسابي!"
سليم سكت، وكأن الكلام دخل قلبه بالعافية. قرب منها وهو بيبص لعينيها كويس لأول مرة، وشاف الخوف، وشاف الوجع، وشاف البنت اللي اتغيرت.
سليم (بصوت أهدى):
"تعالي، نرجع البيت... وأنا هتكلم مع أبويا وأبوكي."
زهرة (بصوت واطي):
"مش هرجع لحد هيظلمني تاني... حتى لو كان أبويا."
سليم (بحزم):
"والدتك وقعت ساكتة في المستشفى وعايزة تشوفك.لو فيه ظلم، أنا اللي هوقفه. من النهاردة، أنا مسؤول عنك... غصب عن الكل، وجوازنا يكون مجرد على الورق مع الفيديو اللي معاك هنثبت لهم إنك بريئة."
صدقته زهرة وراحت معه.
***
زهرة واقفة قدام أوضة بيضا، قلبها بيدق بسرعة، مش مصدقة إن أمها وردة نور عينها ووردة حياتها…
سليم واقف جنبها، ملامحه ساكتة، بس نظرته بتطمنها.
زهرة (بصوت واطي):
"بقالك سنين قلبك مع قلبي، روحك هي روحي، ويوم ما قلبي ينكسر قلبك كمان يهتز…؟"
زهرة دخلت بخطوات بطيئة، عينيها بتلمع بالدموع وهي تشوف وردة على السرير، وملامحها باهتة بس فيها دفء قديم مألوف.
الأم (بصوت مكسور وضعيف):
"زهرررة… بنتي…"
زهرة (بدموع نازلة وهي بتقرب منها):
"ماماااا…وردة كنتي فين؟ ليه بعدتِ؟"
زهرة:
"غصب عني والله يا أمي؟"
الأم مدت إيدها المرتعشة ولمست وش بنتها:
"جدك قالي إنك كنتي في خطر مين الا اتهمك يا بت وليه … ما كنتش أقدر أستحمل تكوني في خطر، بس طول الوقت كنت بدعي لك…"
تنهدت زهرة وقالت:
"هو بابا اقترح حل إن ينكتب كتابي على سليم ونقدم قسيمة الجواز إن كنت معه ف هتقع التهمة"
نظرت لها ونظرت لسليم وبلوم:
"وانتى موافقة يا بتى"
"عشان سليم هو اللي فضّل يدور عليكي… وعشان كده وافقت تتجوزيه."
هزت راسها زهرة بالنفي (بسرعة، ودموعها بتنزل):
"لأ يا ماما… إنتي عارفة هدفي وهدفك واحد، لكن عشان أكون معاكي كان لازم أعمل كده، ولازم تكوني فرحانة؟! مش عايزة تطمني عليا؟"
الأم (بصوت مكسور):
"خايفة عليكي… خايفة قلبك يتكسر تاني… الجواز مش نجاة يا بنتي…كنت نفسي تلاقي اللي يستاهلك."
تسرح زهرة وهي تفتكر عاصي، ودموعها تنزل.
***
بعد يومين – قاعة صغيرة متزينة ببساطة
كتب الكتاب النهاردة، بس جوه زهرة مش مرتاحة… قلبها متلخبط، مش فاهمة ده فرح ولا وداع.
سليم واقف قدام المأذون، وزهرة داخلة بالفستان الأبيض البسيط، عينيها تايهة بتدور على أي ردّ فعل من أمها اللي قاعدة ورا، تعبانة، لكن مبتسمة غصب عنها.
أول ما المأذون قال "بارك الله لكما"، وبدأ الحضور يزغرطوا…
الأم حسّت بتنهيدة تقيلة خرجت منها…وقعت من الكرسي وسط الزغاريط.
زهرة (بصوت عالي ومرعوب):
"مامااااااااااااااااااااااااا!!"
الجميع بيجري… سليم بينادي على دكتور، بس كانت خلاص…
زهرة وقعت على الأرض، حضنت أمها، وصوتها بيتخنق بالبكا:
"لأ… لأ… مش كده… كنتي لسه معايا… لسه هنبقى سوا…"
سليم بيقف ساكت، ملامحه مصدومة، وقلبه بيتكسر وهو شايف زهرة بتنهار بين إيدين أمها اللي ماتت وهي بتحاول تطمنها.
***
في فيلا عاصي، فات أيام وكان يتجنن عايز يوصل لزهرة.
سلّم عبدالله وزينة كل الأوراق اللي معهم للنائب العام.
كان قاعد عاصي على الكرسي قدام المكتب، بيقلّب في ملفات، بس دماغه مش موجودة. تليفونه بيرن، بيرد بسرعة، ووشه بيتغير في لحظة.
عاصي (بصوت متوتر):
"نعم يا زينة... لقيتوها؟!"
زينة (على الطرف التاني، صوتها هادي بس حزين):
"آه... لقيتها، وهي بخير. بس... في حاجة لازم تعرفها."
عاصي (بيوقف فجأة، قلبه بيدق بسرعة):
"في إيه؟! اتكلمي."
بلعت ريقها زينة:
"زهرة اتجوزت ابن عمها سليم... كتب كتابهم كان امبارح بعد اللي حصل."
(لحظة صمت قاتل... صوت أنفاس عاصي بيعلو فجأة.)
عاصي (بصوت مش مصدق):
"كتب... إيه؟!!"
"إنتِ بتقولي إيه يا زينة؟! إزاي؟! وإمتى؟!"
زينة بتحاول توضح له (بهدوء):
"الموضوع مش سهل، ومكنش في نيتها، لكن عمي صالح هو اللي فكر الفكرة دي عشان يطلعها براءة. المهم اتصلت بيك عشان أقول لك إن والدة زهرة ماتت يوم كتب كتابها، وزهرة ضايعة. تعالي واسمع منها لو فعلاً بتحبها أو انساها."
(عاصي بيقفل التليفون بعصبية، بيرميه على المكتب، وبيمسك في ضهر الكرسي.)
عاصي (بينه وبين نفسه، بصوت مخنوق):
"اتجوزت؟!!"
"بعد كل اللي بينا؟ بعد كل لحظة كانت بتبص لي فيها وتسكت؟!
"كانت خايفة تتعلق... بس اتعلقت بغيري؟!
"لأ... لأ!!"
(بيضرب بإيده المكتب مرة، الورق بيتناثر، عينه بتلمع من الغيظ والخذلان.)
عاصي (بصوت مبحوح):
"كنت بحاول أستناكي... كنت فاكر إنك بس تايهة، لكن إنتي... رحتي لغيري؟"
(يخرج من المكتب بسرعة، يركب عربيته، وهو مش عارف رايح فين، بس قلبه مولّع كل عيونه دموع.)
***
تاني يوم اتغسلت أمها وراحوا يدفنوها، وكانت زهرة منهارة، الحضن والقلب والروح، كل حاجة ليها، الصديقة الأخت راحت فجأة من قدام عيونها.
الناس بدأت تمشي بعد ما خلص الدفن…
زهرة قاعدة على الأرض قدام القبر، لابسة أسود وحجاب اسود ، عينيها محمرة من كتر البكا، ومش قادرة تقوم.
سليم واقف بعيد، سايب لها مساحة… حاسس إن دي لحظة محدش ينفع يدخل فيها.
وفجأة…
رواية زهرة العاصي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم صفاء حسني
صوت خطوات بطيئة بيقرب…
عاصي واقف وراها، لابس بدلة سوداء، وملامحه ومشاعره متداخلة بين الحزن واللوم.
عاصي (بصوت هادي بس فيه مرارة):
ـ حتى وهي بتموت… كنتِ لوحدك ومقدرتش أكون معاكي، رغم وعدي إني أكون سندك.
زهرة (بصوت متكسر وهي لسه قاعدة على الأرض):
ـ مش بإيدي… الدنيا دايمًا بتسحب مني اللي بحبه.
عاصي (بيشد نفسه علشان ميضعفش):
ـ لأ… إنتي اللي بتهربي، وكل مرة تكسري اللي حواليكي، وبعدين تبكي على الأطلال.
زهرة (بصوت كله وجع وهي بتقوم ببطء):
ـ هو أنا اللي كسّرت؟! أنا اللي عشت سنين عشان أحقق حلمها إني أكون مهندسة شاطرة، متصورتش إن حلمي يتحول لكابوس. أنا اللي دفعت التمن في كل لحظة!
عاصي (بصوت واطي، وقلبه بيوجعه):
ـ ليه سبتيني؟ ليه وافقتي تتجوزي سليم؟!
زهرة (بعنيها المليانة دموع):
ـ كنت مجبورة، كان لازم أبرأ نفسي، ومكنش في حل غير كده…
عاصي قرب منها خطوة، ووشه حزين جدًا:
ـ كنت هجيبلك حقك، ولحد النهاردة وعدي ليك حقك وبراءتك هتظهر. وأنا عمري ما بطلت أحبك، ياريت مكنتش اتسرعت في الحلول الزائفة.
زهرة (بتهمس، وهي بتبص على القبر):
ـ بس الحلول الزائفة هي اللي خلتني أتهم بجريمة قتل…
السكوت نزل بينهم… الهوى بيعدي بهدوء حوالينهم، وزهرة بتلف وشها ناحية القبر من تاني، والدموع سايحة على خدها…
بدأ الناس بالتفرق، والهواء مشبع برائحة التراب والرطوبة. وقف عاصي بجانب سيارته، ملامحه تعكس الصدمة مما حدث. زهرة تقف بعيدة، غير قادرة على الحركة.
فجأة، يقترب سليم من عاصي بخطوات هادئة، لكن عينيه تحملان نارًا.
سليم (بصوت ثابت، فيه غل لعاصي):
ـ شكلك تأخرت يا دكتور… زهرة الآن زوجتي، وستكون لي وحدي.
عاصي (يرفع عينيه، نظراته تحمل ألمًا):
ـ لا، الورق يثبت الملكية، مهما كانت مجبورة في يوم هتتحرر… وهي لم تكن قط شيئًا تملكه.
سليم (بضحكة باردة):
ـ يبقى أنت لا تعرفها… زهرة بدور عن الأمان، وأنا الوحيد اللي كنت موجودًا وقت ما انهارت. وقت زياد خطفها، كنت فين أنت؟ أنا كنت معها.
عاصي (يخطو خطوة للأمام):
ـ وصولك ليها ما يعنيش حماية، وإنت متأكد كنت موجودًا؟ أم كنت تستغل لحظة ضعفها؟ لو كنت بتحبها، ليه استغلت موقف زي ده عشان تجبرها على الجواز؟
سليم (صوته يرتفع):
ـ كنت بحبها غصب عنك، وجوزي منها عشان محدش يلعب بيها ويخليها تهرب عنده. أنا هخليها تجبر إنها تنسي أي مشاعر تجاهك… ومن تعلقها بك، وإنت غير قادر على الاعتراف! أخذتها لأحميها منكم جميعًا!
عاصي (يهمس بصوت مكسور):
ـ سبحان الله، إنت وزياد نسخة واحدة فعلاً، زي ما زينة قالت. كل واحد فيكم يقترب منها يريد امتلاكها. فقط… أما أنا كنت أحاول فهمها، مش امتلاكها.
سليم (بحدة):
ـ وفشلت! أما أنا؟ أنا زوجها دلوقتي… سأعيش معها وستعرف قيمتي.
عاصي (نظره مستقيم):
ـ هتكون زوجها… لكن الحب عمر ما يجى بالفرض، لازم يكون بالرضا. ومهما فعلت، طول ما هي عارفة إنها مجبورة، لن تحبك أبدًا.
سليم (بعناد):
ـ الحب بيجى بعد العشرة، وعندي وقت… أما أنت؟ وقتك انتهى.
عاصي (ببرود مرير):
ـ ولو حصل لها حاجة، هكون أول واحد يقف في وشك حتى وهي معك…
ينصرف سليم كله غضب من كلام عاصي دون رد، لكن ظهره يكشف كل شيء. كان عاصي واقفًا، ينظر إلى الفراغ، وقلبه مليء بالخوف عليها.
بعيدًا قليلاً… كانت زهرة واقفة تستمع لكل كلمة. قلبها يدق بسرعة، والدموع تنهمر… لا تعرف إن كانت تبكي على أمها أم على نفسها.
بعد الجنازة – في بيت العيلة – غرفة جانبية – العصر
الجو حزين، الناس لسه بيغادروا، وصالح قاعد على كرسي متخشب من الصدمة، وزهرة قاعدة جنبه عينيها حمرا ومش بتتكلم. سليم واقف جنبهم ووشه باين عليه الحزن والتوتر، لكنه في الحقيقة بيخطط لكل حاجة.
سليم (بصوت هادي ومكسور):
ـ عمو صالح… أنا مش قادر أصدق اللي حصل، بس لازم نتصرف بسرعة. أنا خايف على زهرة من اللي جاي.
صالح (بصوت متعب):
ـ زهرة مالهاش حد غيرنا… وإنت شايف الهمّ اللي فوق دماغها. بس تعمل إيه؟ الشرطة بتطاردها، والإعلام قلب الدنيا…
سليم (بيقرب بحنية):
ـ علشان كده بقولك نوديها مكان بعيد… بيت في أطراف البلد. أنا أعرف حتة أمان، بعيد عن العيون، وهنروح إحنا التلاتة، وأنا آخد بالي منها، لحين ما تهدى الدنيا.
زهرة ترفع عينها لأول مرة وتبصله بتردد.
زهرة:
ـ إنت شايف إن ده الحل؟ أنا مش عايزة أهرب…
سليم (بحزم وحنية):
ـ مش هروب… ده حماية. لحد ما نعرف مين عدونا الحقيقي. إنتي محتاجة ترتاحي… وأنا وعدت أمك قبل ما تموت إني أحميك.
صالح يمسك إيد بنته، وعينه فيها دموع:
صالح:
ـ روحي معاه يا بنتي… سليم راجل ونعم السند، وهو ابن أخويا، مش هيأذيكي أبدًا.
زهرة تومِّي برأسها وهي مكسورة، وسليم يبتسم لنفسه ابتسامة خبيثة ماحدش شايفها… كأنه كسب أول خطوة.
اسمعي مني يا زهرة:
الشرطة هتكون في أي لحظة في كل مكان في البلدة، تعالي معي.
تهز رأسها بتوهان، قلبها مكسور على أمها ونظرة عاصي ليها.
سليم:
لازم نثبت لهم إنك كنت معايا.
تهز راسها بالرفض:
ـ أنا ممكن أحبس نفسي في الأوضة لحد ما يعد الوقت.
انزعج سليم وحاول يظهر عكس ده:
ـ ولو فتش المكان حتة حتة وفهموا اللعبة، ووعد مني قبل المحاكمة، هديك إلى القسم. ومتقلقيش، أمي معانا وأنا على وعدي، فترة بس عشان صعب تروحى دلوقتي وأنتِ مكسورة بعد وفاة والدتك.
رد الأب صالح:
ـ روحي يا بت، أنا مقدرش أسيب البلد وجدك حزين ومكسور على أمك، وكمان بيتهمني إني السبب عشان اتسرعت وجوزتكم لبعض. لازم أقعد وأفهمه إن ده لمصلحتك. صعب نغيب والناس بتجي تعزي.
توافق زهرة وتذهب تركب العربية.
يغلق سليم العربية بإحكام وينظر لها.
تشعر زهرة بشي غريبة وخوف جوها وتسأله:
ـ فين مرات عمي؟
وقبل ما تحاول تفهم، كانت العربية طارت بيها، وهو نظر لها بنظرة انتصار.
ـ سبقتنا على هناك.
بعد وقت، وصل على بيت بعيد عن البلدة.
يفتح الباب بفرحة:
ـ نورتي يا عروسة!
تدخل زهرة البيت وتبحث بعيونها وتسأله:
ـ فين مرات عمي؟
يشير سليم إلى غرفة النوم:
ـ ادخلي هنا واستريحي، يا زهرة أكيد بتجيب لوازم.
تدخل زهرة وتجلس في ركن الغرفة، تحتضن نفسها وتنظر حولها بخوف. عيونها حمراء من كثرة البكاء، وترتعش من الخوف، ولا تستطيع النوم أو الاطمئنان.
يأتي الليل وفجأة يُفتح زياد الباب بعنف.
يدخل سليم الغرفة، ويغلق الباب خلفه بعنف. تشعر زهرة بخوف شديد. يقترب سليم منها.
سليم (صوته واطي، مليء بالتوتر):
ـ عايز أعرف… الحقيقة كلها، من دون لف ودوران. ما علاقتك بالدكتور عاصي؟ وليه هو متأكد إنك بتحبيه؟ وعلاقتك مع زياد وصلت لحد فين؟
تنصدم زهرة من أسئلته.
زهرة (ببرود حزين):
ـ أنت تستجوبني؟ أنت عارف إني وافقت على الزواج فقط بطلب من أبي، وكي أرفع رأسه. ليه مصمم تشغل بالك وأنا عارفة لو قولت ليك حاجة مش هتصدقني؟ وقامت تدور على مرات عمها؟ هي مرات عمي اتأخرت ليه؟
نظر لها سليم (بصوت مهزوز):
ـ إنتي دلوقتي مراتى، أقدم الناس، وعايز أكون على نور. مقدرش أعيش على الشك… قلبي يصرخ عشان أحبك، وعقلي يقول إنك كنتِ معه برضاكِ… وأنتِ اختارت الصامتة!
تسكت زهرة، وتنظر إليه بعيون دامعة. يقترب منها بهدوء، ويمسك يدها.
تنتفض زهرة.
زهرة:
ـ طلقني يا سليم بعد الحكم، عشان يرتاح قلبك وعقلك.
يرفض سليم ويحاول التحدث بهدوء.
سليم:
ـ طلاق إيه، يا بنت الناس؟ كل غرضي هو وضع كل النقاط على السطور. لو استمرينا في العيش وأنا بشك فيك، كيف أثبت للمحاكمة إنك زوجتي؟
زهرة (بدموع):
ـ أنت لو بتحبيني بجد هتفهمني وهتعرف إني كويسة.
يقترب منها سليم ويتغير من الهدوء للحقيقة:
ـ دعيني أثبت لنفسي أنك شريفة وتستحقيني تكوني زوجتي.
تنتفض زهرة وتبتعد، وتسأله:
ـ أنا مش فاهمة، تثبت لنفسك؟ وعايز توصل لإيه وفين مرات عمي؟
يضحك سليم ضحكة مخيفة:
ـ مرات عمك مش هنا، إزاي تيجي مع عريس وعروسه؟
تخاف زهرة برعب:
ـ أريدك يا زهرة، أحتاجك، وأريد أن أتأكد أنني أنا من امتلكك، وليس أحداً آخر. وبعد ذلك، سنرى المحكمة والقضية، ربما تكونين حاملاً بطفلي، وأكون قد عششت في قلبك بعد هذه الليلة. وسنكون أسرة معًا.
تشهق زهرة بخوف شديد.
زهرة:
ـ لا يا سليم، لا تفعل ذلك بالله عليك، أقسم بالله إني شريفة.
يدفعها سليم بقوة.
ظهر سليم على حقيقته:
ـ الآن سنعرف إن كنتِ شريفة، ولا لأ.
- في أوضة عاصي –
الدنيا هادية بس فيها قلق باين في ملامحه وهو نايم على السرير، ووشه متقلب في الحلم.
كان عاصي نايم، جسمه ساكن بس جواه في دوشة… قلبه مش مرتاح من ساعة ما زهرة ما اتجوزت ، والحلم جاله فجأة، كأنه حقيقي أكتر من الحقيقة…
داخل الحلم:
الدنيا مطر… مطر كتير بيغرق الأرض والسماء سودا، والبرق بيشقها كل شوية.
في وسط المطر، ظهرت زهرة… ماشية على إيديها ورجليها، هدومها مبلولة، شعرها سايح على وشها ومكشوف، وحجابها على الارض، باين التعب والوجع على كل تفصيلة فيها…
كل ما كانت تقرب، كانت بتبص ناحيته وتصرخ:
زهرة (بتصرخ بصوت مخنوق):
ـ عاااصي!!!
ـ إلحقنييييي!!
ـ أنا هنا… مش قادرة أهرب… مش قادرة أتنفس!!
كانت بتنزف، ومياه المطر مخلوطة بالدم، جسمها بيرتعش، وعنيها بتدور عليه وسط الظلمة.
عاصي (في الحلم، بيحاول يجري ليها):
ـ زهرة!!!
ـ استني!! أنا جاي… أنا معاكِ!
بس رجله بتغرز في الأرض، كأن المطر رابطها… بيحاول يتحرك، يصرخ، بس صوته مش طالع…
وهي بتبعد، صوتها بيخفت… وبتختفي وسط المطر، وتفضل كلمة واحدة ترن في ودنه:
زهرة (بهمس بيقطع القلب):
ـ متتأخرش…
قطع الحلم – عاصي بيصحى مفزوع – قلبه بيدق بسرعة – عرقان وأنفاسه سريعة.
عاصي (بيهمس لنفسه وهو بيبص في السقف):
ـ زهرة… أنا حاسس بيكِ…
ـ مستحيل أسيبك هناك… مستحيل.
يقوم من السرير بسرعة، قلبه بيجري قبله… عارف إن الحلم ده مش مجرد كابوس، ده نداء حقيقي.
بيت الجد “الحاج محمد ” – قاعد في أوضته وسط العتمة – عينه في الأرض، حوالين منه صور وردة وزهرة.
صوت الموبايل بيرن…
الحاج محمد (بص بعين مطفية):
ـ مين بيتصل في الوقت ده…
يبص في التليفون يلاقي اسم “عاصي”، يرد بصوت مبحوح:
الحاج محمد :
ـ أيوه يا عاصي…
عاصي (صوته متوتر ومليان قلق):
ـ الحاج محمد … معلش أنا آسف إني بطلبك دلوقتي، بس أنا محتاج أعرف… زهرة فين؟
ـ حضرتك آخر مرة كلمتها؟ كانت مع مين؟
ـ زهرة فى امان عندك والا لا … وأنا متأكد إن في حاجة مش طبيعية.
الحاج محمد (بصوت مكسور، بيكلم نفسه):
ـ أنا مخبرش…
ـ مخرجتش بعد موت وردة من الأوضة…
ـ ولا حتى بصيت في عيون زهرة…
ـ كنت مقطعها… عشان اتجوزت من سليم.
ـ فاكر آخر مرة كلمتها…
ـ كنت باتهمها إنها السبب…
ـ السبب في موت الغالية… بنت الغالي…
عينه تدمع وهو بيمد إيده ياخد صورة قديمة لوردة وهي شايلة زهرة وهى صغيرة…
الموسيقى تعلى شوية – ننتقل لفلاش باك – زمن سابق
المكان: ساحة البيت، جدته وزهرة واقفين بيواجهوا بعض، الجو مشحون، نظراته قاسية ونظراتها مجروحة.
زهرة (بتقرب من جدها، عنيها مليانة دموع):
ـ إوعى تسبني إنت كمان يا جدي…
الحاج محمد (بيرفع صوته بغضب):
ـ إنتي السبب!
ـ لو ما سمعتيش كلام أبوك واتجوزتيش من الفاشل الضايع ده… ماكنّاش خسرنا وردة!
زهرة (دموعها بتنزل وهي بتترجّيه):
ـ يا جدي… أنا…
ـ أنا اتجوزت غصب عني…
ـ عشان أكون هنا معاكم، في حضن ماما…
ـ وردة… وحضنك…
ـ جيت لما هي تعبت… ولما عرفت إن تعبها كان عشان خافت عليا…
توقف لحظة، تاخد نفس، ترفع صوتها بنبرة مقهورة ومتمردة:
ـ إنت اللي السبب في كل ده!
ـ عشان تجيب حق بنتك سعاد… خلتني ظل زينة!
ـ وضحكتوا عليّا أنا… إنت وهي…
ـ وكانت النتيجة إني اتهمت في جريمة قتل…
ـ وحفيدتك زينة تاخد حقها عادي…
ـ لكن أنا؟ أنا اتسجنت!
ـ آه، إنت ظالم يا جدي…
ـ بتحاسبني إني مرة واحدة اختارت تدافع عن حقها؟
ـ رغم إني كنت ضهر لزينة!
الحاج محمد (بيصرخ بقسوة):
ـ اطلعي برا!
ـ برااااااااا!
ـ ماعيش عايز أشوف وشك، إلا لما تعقلي…
ـ وتفهمي إني ما فرّقتش بينكم!
ـ زينة عاشت في حضني على إنها يتيمة…
ـ عشان أحميها منهم!
ـ ما شافتش النور، ولا حد كان يعرف ليها أهل…
ـ والكل قال وردة اتبنتها، عشان تكون أخت لزهرة…
ـ وجايه تتهميني إني السبب؟
ـ عشان مرة واحدة قررت أساعدها تثبت هويتها؟
ـ وتكشف المجرمين اللي محوا كل دليل على وجودها؟
ـ وكتبوا شهادة موتها وهي لسه عايشة؟
ـ من إمتى كنت أناني يا بت؟!
زهرة (دموعها نازلة، صوتها هادي وواهن):
ـ يا جدي… أنا مش أنانية…
ـ أنا كنت عايزة أفهم… أكون على نور…
ـ لكن إنت خرّجتني من حساباتكم…
ـ وكنت ضحية للعبة أنا ماليش ذنب فيها…
الحاج محمد (صرخ فيها تاني):
ـ ولما روّحت تحبي وتتمعشقي في زياد؟
ـ رغم إن زينة حذرتك منه؟
ـ برضه كنت ضحية؟
ـ للأسف… إنتي اللي دخلتي نفسك في اللعبة يا بت…
ـ ولما بازت منك، بدل ما تصلّحيها…
ـ بدأتي تكسّري فيها تاني!
ـ مش عايز أشوف وشك إلا لما تطلبي الطلاق من سليم…
ـ وتكمّلي تعليمك…
ـ وتحققي حلم وردة!
نرجع للحاضر – الحاج محمد بيحضن الصورة ويبكي بصوت مكتوم.
الحاج محمد (بوجع):
ـ يا خسارة…
ـ جرحتها… وأنا اللي كان لازم أكون ضهرها…
ـ سامحيني يا زهرة…
ـ سامحيني… قبل ما تكوني إنتي كمان… ضحية.
رواية زهرة العاصي الفصل السادس عشر 16 - بقلم صفاء حسني
يهديه عاصي ويتحدث معه:
– يا حاج، زهرة محتاجاك دلوقتِ أكثر من أي وقت.
– متخليش ندمك يزيد، لسه في فرصة.
يرفع الجد رأسه، نظرة وجع وحسم في عينيه وهو يقوم واقفاً:
– كنت تعبان! كنت شايف الدنيا كلها سوداء بعد ما وردة راحت!
– زهرة كانت بتفكرني بيها، حسيت إني مش هقدر أشوفها بتتوجع أكتر.
عاصي (بهدوء، لكن بنبرة قوية):
– حضرتك فقدت سعاد غصب عنك، ووالدة زهرة ربنا اختارها. بس دلوقتِ، زهرة ممكن تروح منك وإنت سايبها بإيدك.
– زهرة كانت مستنية حضنك وسندك، مش تسليمها لسليم اللي معرفناش نيته الحقيقية لسه.
يقعد الجد على الكرسي وهو متأثر، دموع تنزل بدون صوت، دموعه بتنزل:
– انى عارف الكل حزنى على وردة، رغم أنها بنت أخي، لكن كانت زي بنتي وأكثر، كنت بشوف فيها سعاد بنتي. كانت شايلنى آكتر من أولادى، لكن ضاعت مني، جيت أحمى بنت سعاد واجيب حقها لكن وردة وزهرة، لكن معرفتش أحمي حد فيهم. متبقاش لي غير زهرة وزينة… لأ، لأ، مش هسمح لأي حد فيهم يتأذى ثاني.
الحاج محمد:
– حاضر يا دكتور يا عاصي، أنا هخرج وأشوفه. شكراً يا ابني وخالك، بالله عليك خليك قريب من زينة.
عاصي (بحدة وقلق):
– كلمني وطمني عليها بالله عليك، زينة بخير وفي أمان، المهم زهرة دلوقتِ.
زهرة مرمية على الأرض، ووجهها شاحب جداً، رجلها فيها آثار دم، والعيون متورمة. سليم انقض عليها زي الوحش، ما راعاش حزنها على أمها ولا قلبها المكسور. نزع ملابسها بقوة، وهي حاولت تهرب منه، بس هو كان أقوى منها. وقعت على الأرض واتجرحت، وهو ما هتمش بجرحها. ربط إيديها بجنزير في رجل السرير عشان ما تقدرش تقوم.
صرخت زهرة وهي بتترجاه ما يعملش فيها كده:
– أرجوك يا ابن عمي، اوعى تكسرني كده! الجواز مش بالغصب، متكسرنيش بالله عليك.
سليم ما سمعهاش:
– إنتِ مراتي، حلالي، فين الكسر ده؟ وده حقي أمتعك، وأتمتع بكل حتة في جسمك. كنت مستني اليوم ده من زمان، وكنت برقبك وأنتِ بتاخدي دش، كنت بقول لنفسي: امتى أمسك الجسم ده؟
شهقت زهرة بصدمة:
– إنت بتقول إيه؟ إمتى حصل ده؟ وإزاي أنا معرفش؟
يضحك سليم ضحك هستيري:
– ما أنا خبر إنك متعرفيش، إنتِ ناسية إن الحمام مبني من الطوب الأحمر عشان البيت الجديد، وإن أنا اللي كنت بأساعد في بناء الدار مع عمي، وكنت باخد هدومك من على الأرض قبل الغسيل عشان أشم ريحتك فيهم في أي وقت. وكنت لما أعرف إنك داخلة الحمام، أنزل من الشباك الصغير على المنور وأزيح الطوبة وأطلع عليكِ وأستمتع وأنا شايف جسمك الأبيض. لكن ما خبرتش جدّي، عرف من وين، بعتك على القاهرة غصب عن الكل، وكنت هموت وأشوفك، وصبرت سنتين، لكن النهاردة إنتِ بقيتي ملكي.
صرخت فيه زهرة:
– إنت حيوان! وجدي كان عنده حق يرفضك!
خلع سليم ملابسه ولم يبالي بصرخها، وبدأ ينزع ملابسها، وانقض عليها زي الحيوان. لما خلص، قعد جنبها، ولّع سيجارة ودخّن:
– إنتِ صدقتي يا بت عمي، وطلعتِ شريفة، بس مشبعتش منك. وهفضل أمتعك لحد ما أشبع. ووقتها هأتصل بالشرطة تاخدك، بس هكون مطمئن إنك شربتي من حبي، وإن في طفل مني في بطنك وقتها محدش يقدر يفرقنا. والله صبرت ونولت يا سليم!
سليم واقف فوقيها، عينيه مليانة برود، مش شايف غير إنها لازم تفضل له غصب عنها. يشيلها كأنها حاجة تقيلة، لا حنية ولا رحمة. كانت زهرة فقدت الوعي… جسمها بارد، وأنفسها ضعيفة… رجلها بتنزف، ووجهها كأنها جاية من سابع حرب. وسليم؟ واقف زي الجاهل، مش شايف قدامه غير غروره وملكيته الزائفة. خدها من الأرض، وسحبها لحمام بارد، حطها تحت المية من غير ما حتى يشوف هي بتتألم ولا لأ. المية نازلة على وشها، على شعرها، بتخبط في جروحها… وهي بدأت تتحرك، وعيها يرجع بشويش، بس الألم كان راجع أسرع.
زهرة (بتصرخ وهي بتفوق):
– ابعد عني يا حيوان! ابعد يا سافل!
سليم (ببرود مرعب):
– صحيتِ؟ كويس… عشان تفهمي إنك بقيتي مراتي، غصب عنك.
يشيلها من الحمام، يرجعها على السرير بالعافية، ويشد إيديها ويربطها بحبل في أطراف السرير، وهي بتحاول تقاوم، بس جسمها مش مساعدها.
زهرة (بتصرخ بأعلى صوتها، والدموع في عينيها):
– والله لأدفعك تمن كل حاجة! يا كلب! يا جبان! فاكر نفسك راجل؟ دا حتى الرجولة عيب عليك!
يقرب سليم منها، وهي تبص له بنظرة كلها نار، وجواها كأن في بركان بينفجر.
زهرة (بصوت مهزوز، لكن مليان تحدي):
– هطلقك… هطلع من تحت إيدك لو بآخر نفس فيا… وهتندم… أقسم بالله هتندم على كل لحظة قربت فيها مني غصب!
(فى الصالون): صالح قاعد بيحاول يرتاح بعد أيام الجنازة، يسمع خطوات الجد، ويقوم بسرعة. يخرج لهم الجد محمد (بصوت عالي حاد):
– زهرة فين؟!
الكل يسكت، ويبصّوا لبعض مش مصدّقين إنه اتكلم، لأنه من يوم موت وردة، قافل على نفسه كأنه بنته مش مرات ابنه.
صالح (بتوتر):
– زهرة… مع سليم، جوزها يا بوي، أخدها على بيت بعيد شوية، قال هيراعيها لحد ما عيون الشرطة تهدى…
الجد (بعصبية وحزن):
– مع سليم؟ وإنت وافقت؟! إزاي تسيب حفيدتي تروح مع سليم؟
يُعترض الإبن الأكبر عثمان:
– وماله ابني يا ولدي زين الشباب!
يصرخ فيه محمد:
– ابنك شمام وفاشل! أنا ما خبرتش ليه عملت كده في بنتك الوحيدة يا صالح… دي حفيدتي… ودمها من دمي!
صالح (يدافع عن نفسه):
– يابوي، إنت ما خبرتش هو عمل إيه! أنقذها من شخص كان خطفها، وخايف عليها… والبنت وافقت، كانت مكسورة ومحتاجة حد جنبها…
الجد (بعين مليانة دموع وكبرياء):
– محتاجة أهلها… مش حد يختار لها مصيرها! أنا سبتها مرة وندمت… بس المرة دي، مش هسكت. أنا عايز زهرة ترجع بيت جدها… حالاً! اتصل بسليم.
يُسيبهم ويمشي ناحية الباب وهو بيزعق للخادم:
– جهّز العربية! هنروح نجيب البنت دلوقتِ!
يُتنهد صالح:
– أنا ما خبرتش العنوان، اتصل بسليم.
(المكالمة الهاتفية بين صالح وسليم):
صالح:
– إنت فين إنت وزهرة؟ لازم ترجعوا أو ابعت لي العنوان، جدك عايزكم.
يخرج سليم من البيت عشان ما يسمعش زهرة بتكلم أبوها وتصرخ وتفضحه. تسمع زهرة وهو بيتكلم في التليفون، وبعد كده صوت الباب بيقفل. تتنهد و تبدأ تحاول تفك الحبل اللي مربوط بإيديها. وشها عليه آثار تعب وخوف، بس عنيها فيها إصرار:
زهرة (بهمس وهي بتحاول تحرر إيديها):
– لازم أخرج… لازم أهرب قبل ما يرجع تاني…
بصعوبة فكت الحبل، ولبست هدومها بسرعة، وهي مكسورة من الوجع. والحجاب ربطته. تحركت بهدوء، طلعت من الأوضة على المطبخ، وفتحت باب بيطلع على ممر طويل. بدأت تجري وهي بتنهج.
رد سليم ببرود:
– مراتي معايا يا عمي، إنت دلوقتِ ملكش حكم عليها.
انصدم صالح:
– سليم إنت بتقول إيه؟ لازم ترجع زهرة، أبويا بيسأل عليها.
رفض سليم:
– لسه قدمنا أسبوع العسل يا عمي، وبعد كده أرجع.
صرخ فيه صالح:
– سليم احنا اتفقنا مفيش دخلة، إلا لما تكون البنت راضية عنك، ابعت العنوان.
أغلق سليم التليفون ولم يرد عليه.
صالح (مرتعش من الغضب):
– قفل في وشي! الواد اتجنن… اتجنن فعلاً!
الحاج محمد (واقف ووجهه مليان صدمة):
– قال إيه؟
صالح (بمرارة):
– قال مراتي؟! وأنا مليش حكم عليها؟!
بدأ يُبرر صالح:
– يا حاج أنا أقسمت عليه… اتفقنا من البداية إن الجوازة دي بس عشان نحميها… مفيش دخلة… مفيش إكراه… البنت كانت تحت ضغط، كانت بتهرب من مصيبتين!
الحاج محمد (صوته بيتهدج من الغضب):
– وأنت زي الغبي… أقولك إيه أنا الغلطان إن صدقتك! سبتها معاك… وافتكرت إنك هتاخد بالك منها!
صالح (يضرب على صدره):
– أنا غلطان! غلطت في حقها! بس لسه قدامنا فرصة نلحقها…
الحاج محمد (بحسم وعينه بترتعش من النيران):
– اسمعني كويس يا صالح… لو حصل لها حاجة، سليم ده آخر يوم في عمره، ولا يهمني إنه حفيدي. خلّص كلامك… أنا خارج دلوقتِ… هجيبها برجليا حتى لو هَدّيت الدنيا!
صالح (بيخرج تليفونه بسرعة):
– أنا هكلم زينة ممكن تكون عارفة تعمل تتبع لتليفون زهرة… لازم نتحرك دلوقتِ.
الحاج محمد (صوت غاضب ومليان دموع):
– زهرة دي مش بس بنتك… دي اللي فضلت لي من الدنيا. لازم نلاقيها… ولازم نوقف سليم عند حدّه.
(بيت صالح – بعد المكالمة مع سليم): صالح واقف في نص الصالة، بيدور حوالين نفسه وهو ماسك تليفونه، صوت أنفاسه باين فيه القلق، فجأة يضغط على زر الاتصال.
صالح (بتوتر):
– آلو… زينة؟ أنا محتاجك تردي عليا بكل صراحة… إنتِ عملتي تتبع لتليفون زهرة؟ يعني تتبع أو تحديد موقع ولا حاجة؟
زينة (من الطرف التاني، متفاجئة):
– تتبع؟! لأ والله يا خالو… إحنا ملناش فى الموضوع ده، عشان كنا دايما مع بعض، لكن بعد الاحداث هى بعدت عنى فحبيت اسيب ليها وقت و الخصوصية ومكنتش بترد على تليفونات … بس… لحظة كده أكلمها من تليفون تاني…
(زينة بسرعة تفتح تليفون آخر، تحاول تتصل بزهرة، تعبير وشها بيتغير وهي بتحاول مرة واتنين)
زينة (بصوت فيه رجفة):
– يا نهار… التليفون مقفول!
صالح (بوجع فى صدره):
– مقفول؟!
زينة (بحذر):
– خالو… أنا قلقت جداً دلوقتِ… بس برضو مش هينفع نسأل الشرطة دلوقتِ، لحد ما نتأكد، مش عايزين نلبسها قضية تانية.
صالح (بعصبية مكبوتة):
– طب نعمل إيه؟ نسيبها في إيد سليم ده؟!
زينة (تفكر شوية):
– استنا … أنا أعرف حد… صاحب قديم بيشتغل في السيكيوريتي وتكنولوجيا المراقبة… ممكن يساعدنا نحدد آخر مكان كان فيه تليفون زهرة مفتوح قبل ما يتقفل.
صالح (بنبرة أمل):
– بسرعة يا زينة… لو تقدري تجيبي لنا معلومة، تبقي أنقذتيها.
(عاصي كان قاعد قدام صورة لزهرة وزينة، أول ما بيسمع صوت زينة بينهض مفزوع):
زينة (بنبرة استعجال):
– عاصي… زهرة بخطر! سليم رفض يرجعها… بيقول مراتي ومفيش حد ليه حكم عليا. لازم نتحرك… حالاً!
عاصي (بحزم):
– أنا معاكي… والله ما هسيبها لوحدها ثانية تانية!
رفضت زينة وقالت:
– إحنا منعرفش مكانها وتليفونها مقفول، لازم نعرف مكانها لكن من غير تدخل الشرطة. في واحد أنا أعرفه ليه في التعقب، هكلمه.
بعد شرح زينة للشاب، طلب منها تيجي في كافيه ويفهم منها، وفعلاً زينة قاعدة مع عاصي، والاتنين مستنيين صاحبها.
عاصي (مش قادر يقعد من القلق):
– أنا قلبي واجعني من إمبارح… حلمت بيها بتصرخ تحت المطر… وحياتي عندك يا زينة لو حصلها حاجة مش هسامح نفسي.
زينة (بهدوء وهي بتبص له):
– مش هنسيبها… بس استنى شوية، هو جاي دلوقتِ.
(يدخل شاب طويل لابس كاجوال أنيق، بيلبس نضارة، يسلم على زينة بسرعة)
الشاب (بابتسامة):
– زينة… إيه الموضوع الخطير ده؟ أول مرة تطلبي مني طلب بالشكل ده.
زينة (بجدية):
– هشرح لك كل حاجة… بس دلوقتِ عايزين نعرف آخر موقع ظهر فيه تليفون زهرة. وبأسرع وقت.
عاصي (ينظر له مباشرة):
– حياتها في خطر.
الشاب (بدأ يفتح اللابتوب المحمول من شنطته):
– تمام… ادوني رقمها، وخلوني أشتغل.
صوت خطوات تقيلة وراها. لما لفّت، لاقت سليم واقف:
سليم (ببرود):
– رايحة فين يا زهرة؟ لسه الهروب بيعجبك؟
شهقت زهرة (بصدمة):
– سليم؟! إنت… إنت ورا كل ده؟!
ضحك سليم (بيقرب منها):
– أكيد، عايزة تهربي مني وتروحي لحد فكر إنه يتقبلك بعد ما لمستك، وجسمي لمس جسمك. مفيش راجل يستحمل ده، غير كل لحظة قضيتها معاكي مصورها فيديو وبعتها لحبيب القلب الدكتور عشان يقطع الأمل ويرجع بلادك.
شهقت زهرة:
– إنت مريض، أقسم بالله مريض!
ضحك سليم (بنبرة تهديد):
– هتخرجي من عندي على المحكمة وترجعي معايا… قدام الناس وبالرضا… يا إما أقول إنك اعترفتيلي إنك قتلتِ صاحبتك! والفيديو الجميل ده يتسرب في كل بيت في البلد، وسمعت عمك هتكون في الأرض.
تنهار زهرة (بغضب ودموع):
– أرحمني، إنت أخدت شرفي وجسمي، عايز إيه تاني؟
يبتسم سليم (بابتسامة مريضة):
– أنا بحبك، وبعد ما دوقت العسل معاك مقدرش أعيش من غيرك، رغم إني شايف عاصي في عنيكِ كل ما يقرب منك. دلوقتِ مفيش حد هينقذك، ومفيش عاصي هيجي.
زهرة (بصوت مهزوز، لكنه متحدي):
– حتى لو أخدت روحي، عمري ما أكون ليكِ. أنا مش لعبة في إيدك… ومش هضعف!
شدّها سليم من دراعها وضربها بالقلم بكل قوته، وهو بيجرها في الشارع. وكانت ما بين الوعي واللاوعي، وكأنها شايفة عاصي بيمدّ إيده ينقذها من الأرض، والمطر نازل زي أول مرة شافته. ورجعها الأوضة، ورمها على السرير وقفل الباب بالمفتاح، وسابها بين الخوف… عينيها دموع، بس فيها لمعة نار.
خرج سليم من البيت وقال:
– أنا رايح أجيب أكل، عشان حبك عايز غذائي يا قمر، وأجيب لك قميص نوم وإلا اثنين، ولو بدلتِ رقصتي و رقصتي لي يبقى دلع الدلع يا مراتي!
خرج وقفل الباب. زهرة كانت لوحدها.
(البيت المعزول – الجو هادي لكن فيه ترقّب): عينيها بتلف في المكان، عقلها شغال بأقصى طاقته، وهي عارفة إن الوقت ده ممكن يكون فرصتها الوحيدة.
(بصوت داخلي زهرة):
– كل حاجة حواليّا بتقفل… بس دماغي مفتوحة. أنا مش هفضل هنا مستنية النهاية…
قامت تمشي في البيت بهدوء، قلبها بيخبط من القلق، لكنها بتحاول تمسك أعصابها. فتّشت الأدراج، لقت حاجة أشبه بسكين صغيرة مكسورة، خبتها بسرعة. عينيها لمحت الشباك، اقتربت منه لتصرخ، لكن وقعت عينيها على حائط متآكل تحت الشباك. خرجت أيدها بصعوبة من بين الحديد بتاع الشباك، وبدأت تحفر فيها بعناية. كتبت بخط صغير جداً: “زهرة هنا… ساعدوني… سليم هو اللي خطفني.”
(بصت حواليها، ركزت بدور على تليفونها كان مكسور ومرمي في درج، جربت تشغله، وفعلاً اشتغل بالعافية، الشبكة ضعيفة لكن كفاية. كتبت رسالة مختصرة ومرعبة: انا في مأزق، أحتاج المساعدة فوراً – زهرة” بعثتها لرقم عاصي اللي حافظاه كويس من غير ما تحتاج دليل. في نفس الوقت وصلت رسالة للشخص اللي بيحاول يوصل أن التليفون مفتوح.
التليفون انفتح وبعد شوية وصلت رسالة لعاصي
رواية زهرة العاصي الفصل السابع عشر 17 - بقلم صفاء حسني
في الكافيه – الجو مشحون بالتوتر
عاصي كان قاعد على الكرسي، ماسك تليفونه، قلبه بيخبط كإنه هيخرج من صدره. عيونه كانت مركزة على رسالة لسه واصلاه.
عاصي (بصوت عالي وهو بيقرأ): ـ “أنا في مأزق، أحتاج المساعدة فوراً – زهرة”
زينة (بفزع): ـ إيه؟! جتلك رسالة؟ دلوقتي حالاً؟!
عاصي (وقف بسرعة وورالها التليفون): ـ من رقم مش مسجل… بس دي زهرة… دي طريقتها في الكلام، دي استغاثة!
في نفس اللحظة، الشاب اللي قاعد جنب زينة بيبص على اللابتوب وبيصرخ:
رامي (الشاب): ـ جت الإشارة!! ـ آخر نقطة ظهر فيها تليفونها… بيت قديم، في منطقة صحراوية بعد طريق الفيوم… شايفين دي؟ (بيشاور على الخريطة) ـ الإشارة انقطعت بعدها بثلاث دقايق، بس واضح إنها كانت بتحاول توصل لأي حد.
زينة (بانفعال): ـ يبقى هي هناك! ولسه على قيد الحياة!
عاصي (بصوت حاسم): ـ مش هستنى ثانية.
رامي: ـ استنى، المكان ده بعيد ومفيش شبكة كويسة، وممكن يكونوا معاهم سلاح.
عاصي (بعزيمة): ـ أنا مش رايح أتحارب… أنا رايح أرجّع روحي.
زينة (بقلق): ـ طب لازم نبلغ حد… على الأقل نخلي الشرطة تجهز أو حد يجي بعدنا.
عاصي (بيجهز نفسه وبيشاور على التليفون): ـ هكلم الجد… لازم يعرف، وهنحتاج دعم. بس أنا لازم أكون أول حد يوصل ليها.
زينة (بهمس): ـ خليك حذر يا عاصي… زهرة مش هتستحمل تاني.
عاصي (بنظرة كلها حسم): ـ وأنا كمان مش هستحمل أفقدها.
بيت الجد محمد – البيت ساكت وهاديم
مفيش صوت وردة وعتابها لصالح، ولا صوت زهرة وهي بتغني لمامتها وتصالحها، ولا زينة وهي بتحكي معاه. البيت بقى فاضي… وحيد.
الجد محمد كان قاعد على الكنبة، ماسك صورة وردة، وعينيه كلها حزن عميق، بيكلمها بصوت واطي:
محمد (بصوت مبحوح): ـ يا وردة… يا بنتي… أنا ضيعت زهرة زي ما ضيعتك؟ ـ وزي ما ضيعت سعاد زمان… ـ وحشتني لمتكم حوالين البيت… البيت فاضي، ومرات عثمان انتي عارفاها… بضيقها، وبضيق ابنها… ـ بقيت وحيد بعدك.
فجأة، صوت التليفون بيرن. بيبص على الشاشة… رقم زينة.
محمد (بيرد بصوت مبحوح): ـ أيوه يا بنتي…
زينة (صوتها متوتر بس فيه أمل): ـ جدو! عاصي لقى أثر لزهرة… جاتله رسالة منها، وحد بيراقب تليفونها قدر يحدد مكانها!
محمد (وقف بسرعة، وعيونه اتسعت): ـ بتقولي إيه؟! هي… هي بخير؟ عملها حاجه؟ سليم…؟
زينة: ـ إن شاء الله بخير… وعاصي طالع هناك دلوقتي، رايح بنفسه.
محمد (بصوت مكسور): ـ يا رب… يا رب تكون بخير… ـ أنا كنت حاسس… إنها مش هتستلم… قلبي عمره ما كذبني فيكم.
زينة (بهدوء وحنان): ـ ادعيلهم يا جدو… ادعيلهم يرجعوا سوا.
محمد (رفع راسه للسقف، عينه دمعت): ـ يا رب… إنك قادر… نجّيها ورجّعها لحضني، كفاية وجع.
زينة: ـ أول ما نعرف حاجة هنكلمك، خلي تليفونك جنبك.
محمد: ـ حاضر يا بنتي… ربنا يسترها عليهم.
الكاميرا تقرّب من وجه الجد، ودمعة بتنزل من عينه، يضم صورة وردة لصدره ويدعي بصمت.
داخل الكافيه – زينة بتفتكر حاجة
زينة (بصوت جاد): ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا بشمهندس رامي، بس عندي طلب تاني… مهم جدًا.
رامي (بيعدل نضارته): ـ قولي يا بشمهندسة زينة، لو أقدر أساعد هعمل كده.
زينة (بتاخد نفس): ـ تقدر تخترق كاميرات… جامعة أو مستشفى؟ أي مكان فيه نظام مراقبة؟
رامي (بيكشر): ـ حسب المكان… بس ليه؟
زينة (بصوت مكسور): ـ عشان زهرة… مظلومة. حد لعب في الأدلة، وقالوا إنها كانت هناك يوم الحادث… بس كانت مخطوفة. ـ ولو ما أثبتناش، هتتحبس… والكل هيصدق إنها مجرمة.
رامي (بعد تفكير): ـ لو عندكم تاريخ وساعة، أقدر أجيب الكاميرات. ولو زهرة ما ظهرتش، نقدر نثبت إنها مش هناك.
زينة (بإصرار): ـ عندنا كل حاجة… هنجيب لك اسم المستشفى والجامعة اللي بيتهموها بيهم.
عاصي (بيقرب): ـ ومش بس كده… أنا هروح للشرطة، بس لازم يكون معانا دليل ينسف كل الأكاذيب… قبل ما أي حد يلبّسها تهمة تانية.
رامي (بحسم): ـ تمام، ادوني التفاصيل… وهشوف أقدر أوصل لإيه.
زينة (ممتنة): ـ شكراً… والله إنت أملنا دلوقتي.
الكاميرا تقرّب من شاشة اللابتوب، رامي بيبدأ يكتب أوامر، والساعة بتمر بسرعة…
عاصي بيخرج من الكافيه
الكاميرا وراه وهو بيركب عربيته، عيونه كلها لهفة ووجع. بيسوق بسرعة، الشارع فاضي قدامه… بس قلبه مليان نار.
عاصي (بانفعال): ـ ألو؟ أيوه، أنا ببلاغ عاجل… واحدة مخطوفة في بيت معزول، وعندي العنوان…
أدى كل المعلومات، وصف سليم، حذرهم من السلاح.
في الطريق – عربيات الشرطة بتقرب
الأنوار الزرقا بتشق الضلمة، القوات الخاصة نازلة بهدوء، السلاح في إيديهم.
ضابط (في اللاسلكي): ـ الهدف جوه، جاهزين للاقتحام عند الإشارة… استنوا صوت تأكيد.
جوه البيت – زهرة لوحدها
سمعت صوت عربيات من بعيد… قامت بسرعة وصرخت:
زهرة (بتصرخ): ـ حــد يسمعنيييي! أنا هنااااا!
ضابط (برا، بصرخة): ـ اقتحاااام!
الباب اتفتح، الشرطة دخلت بسرعة، سليم حاول يهرب لكنه اتقبض عليه.
لقوا زهرة مرمية على الأرض، مرهقة، بس ابتسمت لما شافت النجدة.
عاصي يدخل، بيجري عليها:
عاصي: ـ زهرة!!
مسك إيديها، بصت له بدموع:
زهرة: ـ كنت عارفة إنك هتيجي…
الشرطة تمسك سليم.
عاصي (بغضب): ـ خلاص… مش هسيبك تاني أبدًا.
سليم (مستغرب): ـ مش هتسيب مين حضرتك؟ دي مراتي! ـ وده القسيمة!
الضابط (باستغراب): ـ يعني مكنتش خاطفها؟
سليم (ساخر): ـ في حد يخطف مراته؟
عاصي (بعصبية): ـ وحد يعمل في مراته كده غير حيوان؟!
زهرة (بتتنهد بصوت مكسور): ـ أنا متهمة بجريمة قتل… اقبضوا عليا.
الكل اتصدم.
الضابط: ـ جريمة إيه؟
سليم (بغضب): ـ هو انت هتصدقها؟ دي كانت في البلد يومها… عندي القسيمة!
الضابط: ـ الكلام هناك في القسم.
سليم (بيصرخ): ـ بتاخدوها ليه؟! دي مراتي!
الضابط: ـ أمر ضبط وإحضار… في قضية قتل نيفين عصمت.
سليم (بعيونه نار): ـ عشان تهربي منّي؟! ـ اتهمتي نفسك؟!
زهرة بصت له… وتفتت في وشه… وخرجت معهم.
سليم (بيصرخ): ـ انتي مراتي… لآخر العمر!
تاكد الضابط من ملام زهرة ورد: – هى فعلا متهمة ب قضية قتل نيفين عصمت.
وسليم عيونه طالع منها نار
نظر لها سليم واقترب منها عشان تهربي منى اتهمت نفسك وهو جابلك الشرطة لكن مشي هتهرب منى
نظرت له زهرة وتفتت فى وشه وخرجت معهم صرخ سليم انتى مراتى فاهمه ولي ل اخر العمر
قدّام القسم الجو مشحون بالمشاعر
عربية الشرطة بتقف، بتنزل منها زهرة، باينة عليها مرهقة، جسمها ضعيف ووشها شاحب، بس عينيها فيها لمعة قوة. الكاميرا بتتحرك ببطء وهي نازلة، ترفع عينيها… تلاقي واقف قدام القسم: جدها الحاج محمد، وزينة، وأبوها صالح.
الحاج محمد (بصوت مكسور وهو بيجري عليها): ـ يا ضناي… يا روح جدك، سامحني يا زهرة، كنت غايب عنك وسبتك للوجع… سامحني يا بنتي.
ضمها بقلبه بقوة، دموعه بتنزل، وإيده بتترعش وهو بيحضنها كأنها آخر نفس من الدنيا.
زهرة (بدموعها وهي بتهمس): ـ وحشتني يا جدي… كتير…
يجي صالح، يبصلها بنظرة ندم، يقرب منها وهو بيكتم وجعه.
صالح (بصوت مبحوح): ـ حمد لله على سلامتك يا بنتي… .
زاحت زهرة ايده وقالت انت الا رمتنى فمتكيش تضحك عليا وترسم صورة الندم يا بوى
تقترب زينة تمسك إيد زهرة بحنان وعيونها مليانة دموع فرحة.
زينة: ـ انتي بطلة يا زهرة… محدش فينا عمل اللي انتي عملتيه… ربنا نجاكي.
في اللحظة دي، يظهر سليم، واقف بشياكة زائفة وابتسامة ساخرة، يتكلم بصوت عالي وكأنه بيستفز الكل.
سليم (ببرود): ـ متخافش يا عمّي… بنتك طلعت شريفة. وأنا اتأكدت بعنيا!
الكل يتجمد… الحاج محمد يلفله بنظرة صدمة، وصالح يصرخ فيه بعنف.
صالح (بغضب): ـ اخرس يا سليم! دي بنتي مش لعبة في إيدك… وده مش وقتك ولا مقامك!
زهرة تبصله من بعيد، عينيها فيها وجع وقرف… تتجاهله وتمشي للداخل.
زينة (بهمس لجدها): ـ يلا يا جدو، لازم ندخل معاها، النيابة هتبدأ التحقيق.
المشهد داخل القسم – مكتب وكيل النيابة – جو رسمي
زهرة قاعدة قدام وكيل النيابة، ووراها محامي ومعاها صالح وزينة. صوت التسجيل بيبدأ.
وكيل النيابة (بهدوء): ـ آنسة زهرة، هو انتى انسه والا مدام
ردت زهرة ـ انا مدام
حضرته اكمل وكيل النيابة حضرتك معترفة انك متهمة في قضية قتل . عاوزين نسمع روايتك من البداية.
زهرة تاخد نفس عميق، تبصله بعينين فيها تحدي وصبر.
زهرة: ـ هقول كل حاجة… بس المرة دي، مش هسكت تاني على الظلم.
الكاميرا تزووم على عينيها… وتبدأ تحكي.
داخل مكتب وكيل النيابة – بعد منتصف النهار، الإضاءة طبيعية، الجو مشحون بالتوتر.
وكيل النيابة (بصوت رسمي):ـ مدام زهرة، مكتوب إنك استلمتي تهديدات قبل الواقعة؟ ممكن توضحي؟
زهرة (بصوت ثابت، بس عنيها فيها لمعة حزن باين):ـ أيوه… من ياسمين. كانت بتهددني بصور مفبركة… قالتلي إنها معاها صور إباحية ليا… صور مركّبة.
(تمد إيدها ناحية شنطتها، تطلع موبايل مكسور، واضح عليه آثار الوقعة)
ـ الصور دي كانت محفوظة على الموبايل ده… الأسكرينات كلها موجودة عليه، حتى لو وقع وانكسر… لو اتشحن، ممكن يتفتح ويتطلع كل حاجة.
(المحامي بياخد الموبايل منها بسرعة، يقدّمه لوكيل النيابة)
وكيل النيابة (بياخد الموبايل ويدي أمر):ـ اعطه للكاتب… حط ده في الشاحن، عايزين ناخد منه الأدلة.
(لحظة صمت تقيلة، وكيل النيابة يراجع ورق)
وكيل النيابة (يرفع نظره لها تاني):ـ عشان كده اتخانقتي مع ياسمين ونيفين؟ ودفعتيها من فوق؟ في صورة بتدل إنك اللي قتلتِ، وانتي اعترفتي قدام الظابط.
(زهرة تتنهد بحزن، صوتها يخفت)
ـ اعترفت عشان كنت فقدت الأمل… تعبت من الهروب… كل طريق كنت بلجأ له كان نهايته أصعب من التاني.
(المحامي يتدخل بسرعة وهو بيخرج فلاشة):ـ الصور دي مزيفة… وعندنا تقرير فني يثبت كده.
(يمدّ إيده بالفلاشة لوكيل النيابة، واللي بدوره بياخدها وبيومئ للضابط يسجّلها في ملف القضية)
وكيل النيابة (بيفتح ورقة جديدة):ـ طيب… وبالنسبة لـ نيفين؟ فيه شاهد بيقول إنك أجرْتي سواق علشان يخبطها! ده حقيقي؟
زهرة (بعصبية مفاجئة ودموع بتنزل على خدها):ـ لا! لا طبعًا! أنا عمري ما أذيت حد…أنا ماعرفتش إنها السبب غير لما كنا في المستشفى… كنت بساعدها… مش بقتلها!
(سكتت، تاخد نفس وهي بتحاول تمسك نفسها)
ـ كل اللي قلته لها وقتها… إنها تبعد عني! قلت لها “كفاية أذى، كفاية حرب نفسية وتشويه!”ماطلبتش منها غير السلام… مش الانتقام.
وكيل النيابة (ببرود):ـ بس في رسالة صوتية بصوتك اتبعتت من تليفونك قبل ما تموت… وفي تسجيل فيديو.
زهرة (صوتها متكسر، بتحاول تشرح):ـ وقت ما أنقذتها، كانت مصدومة… هتجنن…طلبت تليفون وقالتلي لازم تمسح حاجات بنفسها…ادّتها الموبايل، وخرجت… بعدها جتلي مكالمة من ماما الله يرحمها…خرجت أرد، والرصيد خلص، ولما رجعت… كانت زينة وصلت.
(زينة تهز راسها بتأكيد، وكيل النيابة يسجّل المعلومة)
زهرة (تكمل وهي باين عليها الانهيار):ـ وأنا واقفة سمعتها وهي بتعترف قدام زينة…قالت إنها كانت بتمسح صور ليا من الحمّام…كانت حاطة كاميرا هناك… وياسمين هي اللي طلبت منها!كانوا بيجمعوا فيديوهات للبنات عشان يهددوهم ويستغلوهم…وأنا من الصدمة… أغمى عليا.
(المحامي يمد ورقة لوكيل النيابة)
ـ ده تقرير المستشفى… بيأكد إنها اتنقلت فورًا واتحجزت في الطوارئ… والدكتور اللي استقبلها موجود وجاهز يشهد.
(يأمر وكيل النيابة بدخول الدكتور)
(الدكتور يدخل، لابس بالطو أبيض، شكله محترم وحازم)
وكيل النيابة:ـ شوفت زهرة صالح محمد يوم ١٢/٤؟
الدكتور (بيهز راسه):ـ أيوه يا فندم… الممرضة نادتلي، قالت في بنت وقعت من طولها…روحت لقيتها في حالة انهيار عصبي…ضغطها منخفض جدًا… فاقدة الوعي…كشفنا عليها فورًا، وكان واضح إنها مرهقة جدًا…اتنقلت لغرفة العزل، واتحجزت ٢٤ ساعة للملاحظة النفسية والبدنية.
وكيل النيابة:ـ هل قالت سبب الانهيار؟
الدكتور (بصوت هادي):ـ كانت بتعيط وبتقول “اتفضحت… كانوا بيصوروني وأنا مش واخدة بالي”.كلامها كان متقطّع، بس فهمنا إنها ضحية استغلال وابتزاز…كتبنا ده في التقرير، وموجود في الملف.
(زهرة تبص في الأرض، دمعة تنزل، صالح يضم إيديه، ومحمد الجد باين عليه الغليان)
وكيل النيابة (بهدوء):ـ شكرًا يا دكتور… شهادتك هتفرق في القضية.
(يسكت لحظة، يقلب في الورق)
ـ تمام… هنرفق التهديدات دي بالتحقيق… وهنطابق كل كلامك مع الشهود.لكن… فيه حاجة مش واضحة… قسيمة الجواز مكتوب فيها نفس التاريخ… إزاي؟
(زهرة تتلبك، وشها بيتغير)
وكيل النيابة (ينظر لها مباشرة):ـ لازم تكوني صريحة… ولو عندك أي حاجة تانية، دلوقتي وقتها.
زهرة (بصوت هادي، لكنه حاسم):ـ في حاجات كتير… وهقولها كلها… بس بشرط: تاخدوا حقي.
(لحظة سكوت، وبعدين تنهيدة عميقة)
ـ وقت ما خرجت تاني يوم، سمعت خبر موت نيفين… والدنيا كلها اتقلبت عليا… كنت خايفة…
(صالح يبصلها بنظرة كلها رجاء إنها متضعفش، وعيونه بتقولها “متكسريش”)
(سليم يظهر في المشهد فجأة، بنظرة كلها تحدي وقرف)
سليم (بوقاحة):ـ عمى … خلي بنتك تقول إنها اتجوزتني برضاها، ولا أقسم بالله… هنزّل الفيديو بتاعها ع النت!وفي ناس كتير هتحب تتفرج… وسهل نركّب كذا شاب معاها!قول إيه رأيك يا عمي؟!
(صالح ينفجر، يقاطعهم بصوت عالي):ـ قبلها بأسبوعين، كان مكتوب كتابها على ابن عمها…ولما رجعت البلد وحكتلي أنا وأبويا، قررنا نجوزها ونسترها… بدل الفضيحة ووجع الدماغ.
(وكيل النيابة يستغرب، يبص لتقرير البلاغ عن الهجوم)
ـ طيب… ليه فيه بلاغ ضد سليم إنه خطفها؟إيه اللي حصل بالظبط؟
رواية زهرة العاصي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم صفاء حسني
زهرة قاعدة قدام وكيل النيابة، عينيها شاردة. بتحاول تجمع شجاعتها. زهرة لسة ساكتة، عينيها مليانة دموع، قلبها بيخبط، ولسانها مربوط. وكيل النيابة بيبص لها منتظر ردها... لكن قبل ما تنطق، صوت واضح بيقطع الصمت.
"أنا... أنا اللي بلغت الدكتور عاصي إن زهرة مخطوفة!"
الكل يلتفت ناحيتها، وزهرة ترفع عينيها لها بصدمة وامتنان في نفس الوقت.
"أيوه... سليم كان رافض يقولنا مكانه فين، ومختفي بيها من غير ما حد يعرف عنها حاجة... جدو كان قلقان عليها جدًا... وأنا كنت مش عارفة أتصرف... خفت يحصلها حاجة، والكل كان تايه... فعاصي، ابن عمتي، كان الأمل الوحيد اللي يساعدني."
وكيل النيابة ينقل نظره بينها وبين زهرة، ويبدأ يدون المعلومة. زهرة بتحس إن في حد أخيرًا واقف في صفها... بتتنفس بعمق، وتحاول تستجمع نفسها.
"تمام... نرجع للأساس، يا زهرة... دلوقتي قوليلي بوضوح... هل الجواز اللي حصل بينك وبين سليم تم بإرادتك الكاملة؟ ولا حصل إكراه أو تهديد؟"
زهرة تبص لزينة، تبص لأبوها، لجدها... ثم تبص للأرض... وبتاخد نفس عميق قبل ما تنطق.
"الصور دي متفبركة... وأنا كنت متجوزة وقتها."
"متجوزة؟! وفين الإثبات؟!"
"الإثبات معايا، دي نسخة من قسيمة الجواز، التاريخ واضح، نفس توقيت الجريمة."
"موكلتي اتجوزت رسميًا، وكانت تحت رعاية زوجها في يوم الجريمة. الصور اللي ضدها اتفبركت وركّبت عن قصد للتشهير بيها وإبعادها عن الحقيقة... الحقيقة اللي هتكشف القاتل الحقيقي لنيفين. وحقيقة أخرى، وأقدم أوراق القضية الأخرى."
زهرة كانت قاعدة، دموعها سايلة بهدوء، بس لأول مرة من شهور، كانت واثقة... إن العدل ممكن ييجي، حتى لو متأخر.
"وزيادة على كده، عندنا شهود إن سليم – زوجها – كان معاها طول الأيام اللي فاتت، قبل وبعد الوقت اللي حصلت فيه الجريمة."
"طيب والصور؟!"
"الصور دي هنبعتها للمعمل الجنائي... وهتثبت إنها متفبركة، وفي فلاتر تركيب. ده مش رأيي... ده تقرير خبير تقني مستقل، هيتقدم للمحكمة."
المحقق قفل الملف قدامه، ونظر لزهرة اللي كانت واقفة جوه القفص، ملامحها باهتة من التوتر، وعيونها بتلمع بالدموع بس بتحاول تتمالك نفسها.
"تُحال القضية للمحكمة، ويُقرر حبس المتهمة زهرة صالح محمد... خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيق."
المكان اتقلب، أصوات احتجاجات خفيفة، وزينة شهقت وهي ماسكة إيد جدها محمد، اللي وشه اتقلب وبقى باين عليه الغضب والحزن.
"سعادة النائب... موكلتي واضحة إنها ضحية مش متهمة، وبما إن التحقيق مستمر، بطلب من عدالتكم الإفراج عنها بكفالة لحين انتهاء المحاكمة."
"الطلب مرفوض... المتهمة سبق وهربت، وتم التستر عليها خارج المحافظة، والقبض عليها من هناك، وحتى لو كانت متجوزة، ميقللش من فرص عدم الثقة فيها، والتزامها بالمثول للتحقيق مرة تانية. لحد ما تُعرض أمام القضاء بشكل رسمي... هتفضل محبوسة هنا النهاردة ويتم ترحيلها لسجن النساء 15 يومًا على ذمة التحقيق حتى تعرض على القضاء."
زهرة ما قدرتش تمنع دموعها، حاولت تبين قوية، لكن قلبها وقع من جواها.
لمّا الضابط دخل عشان ياخدها، وبصت لزينة وجدها، وقالت بصوت مكسور وهي بتتحرك عشان يدخلوها سجن القسم:
"أنا مش خايفة... الحقيقة هتظهر... أنا واثقة."
وقفت لحظة في ممر القسم، تبص حواليها، لقيت جدها محمد واقف جنب زينة، وصالح أبوها واقف قدامهم، عيونهم كلها دموع، وكل واحد فيهم بيحاول يتماسك.
"يا بنتي... يا ضنايا... والله ما كنت هسيبك لو كنت عارف اللي بيحصل ده."
زينة جريت عليها ودموعها نازلة، مسكت إيديها المتكلبشة وهي بتقول:
"هتخرجي يا زهرة... والله هتخرجي، وإحنا كلنا وراكي."
لكن لحظة اللمة دي اتكسرت لما ظهر سليم وواقف بثقة، وابتسامة ساخرة على وشه.
"متقلقوش يا جماعة، مراتي بخير... هي بنفسها اعترفت إنها مراتي، يعني بالنهاية هترجعلي."
زهرة بصت له بغيظ، عيونها مليانة نار، وقالت من بين أسنانها:
"مراتي؟! ده حتى الكلمة دي كتير عليك... أقسم بالله ما هسيب حقي، ولو آخر نفس فيا."
الضابط أشار على العسكريين، وبدأوا يتحركوا بيها ناحية السجن. صالح قرب منها، حط إيده على كتفها وهو بيكتم دموعه:
"إحنا معاكي يا بنتي... لآخر نفس. وأشكرك إنك سترتينا."
هزت رأسها زهرة بالرفض: لأ يا بابا، ده مش ستر ده خوف. عاوزة حقي من سليم، لِتنسى إنك عندك بنت.
جدها محمد رفع صوته: يا زهرة... أوعي تنكسري... خليكي قوية، عشان الحق بيرجع لصاحبه.
دخلت زهرة في سجن القسم: غرفة الحجز الجماعي
الغرفة ضيقة، فيها بطاطين قديمة، جدران باهتة متآكلة، والجو خانق، ريحة العرق والمطهرات ممزوجين في الهوا. زهرة كانت قاعدة على طرف دكة، ضامة نفسها، عينيها بتتحرك بسرعة على الوجوه حواليها.
الستات حواليها ما بين اللي نايمة، واللي بتاكل، واللي بتتكلم بصوت عالي. لكن الكل كان بيرميها بنظرات... مش عارفين حكايتها.
***
اتجه عاصي وزينة لشقة رامي، الشاب المتخصص في التكنولوجيا. رامي كان قاعد على اللابتوب، شاشة قدامه فيها خريطة، وخطوط حمراء بتظهر وتختفي. زينة راحت عنده هي وعاصي ودقّت الباب. قام فتح الباب زينة وعاصي وراها، باين عليه الأمل المكسور.
"رامي... فيه جديد؟ بالله عليك قول لنا أي حاجة."
رامي بص لهم وقال: اتفضلوا الأول وبعدين نتكلم.
قعد عاصي وزينة. وبدأ يوضح لهم رامي وصل لإيه:
"لو اللي في دماغي صح... يبقى في تسجيل جوه السيرفر بتاع الكلية... الإدارة نفسها دخلت عليه وعدّلت في البيانات. بس لازم وقت أكتر شوية... وسيستم خاص مش متاح لأي حد."
عاصي بص له وقال بصوت هادي لكنه حازم: هعمل أي حاجة... هدفع اللي تطلبه، بس طلع الحقيقة. أنا مش هسيب زهرة تدفع تمن جريمة مش ذنبها.
رامي شد السماعات على ودنه وقال بابتسامة جانبية: طب قوم هات قهوة... شكلنا هنبات سوا النهاردة.
رامي بيكتب بسرعة على الكيبورد، صوته مركز وعنيه متعلقة بكل كود بيدخله.
"استنوا شوية... استنوا... آه، تمام، قدرت أرجع نسخة احتياطية من كاميرات سطح الكلية... كانت ممسوحة بس في نسخة أوتوماتيكية ماحدش خد باله منها."
زينة قربت، وعاصي قام واقف، قلبه بيخبط.
"شغّل الفيديو يا رامي."
رامي ضغط Enter... وظهر فيديو الكاميرا.
اللقطة على الشاشة: الصورة كانت من زاوية مرتفعة، سطح الكلية فاضي، بعدين ظهرت ياسمين ونيفين، واضحة المشادة بينهم، نيفين بتحاول تمشي، لكن ياسمين مسكتها من إيدها... وبعدها ظهر شخص تاني.
"استنى... مين ده؟ مين اللي طلع؟!"
"كبر الصورة..."
"ياسمين" واقفة بتزعق، ملامحها متوترة جدًا، قدامها نيفين بتدفعها وتصرخ.
"أنتِ عارفة لو يهمني الكلام ده كله، أنتِ لعبتِ بي وكان لازم أكشفك صح...!"
"مش هرحمك ـ أنا خلاص زهقت! من غبائك! أنتِ لعبة بالنار وده شغل دمرت نفسك ودمرتنى!"
ويمسكوا في بعض وبعدها لحظة... نيفين بتتزق من وراها، وتقع من على السطح... الصورة تهتز... لكن في ظل راجل واقف وبيجري بعيد قبل ما الكاميرا تفصل.
رامي عمل Zoom... وشهم اتجمد من الصدمة.
"زياد؟!"
في الفيديو: زياد بيقرب منهم، بيحاول يبعد ياسمين عن نيفين، ونيفين بتصرخ فيهم... بتحاول تضرب ياسمين، وبيبان زياد وهو بيخلصهم من بعض غصب عنه وهو بيبعدهم عن بعض يزقها نيفين بتفقد توازنها وبتقع من على الحافة.
"دي وقعت!! نيفين هي اللي وقعت... وهو ما قصدش يقتلها!"
"نيفين... اتزقت! يعني مكنش قتل عمد!"
فجأة يظهر واحد واقف على الطرف، بيشد ياسمين بعنف، وبيغطي بؤها، وبيخدرها بسرعة... وزياد بيهرب من الخوف.
"الفيديو ده ينقذ زهرة... ويدين زياد وياسمين."
"يعني زياد هرب من الخوف وياسمين انخطفت. طيب لما زياد خطف زهرة... كان عايز يساعدها والا إيه؟ وإزاي سلم زهرة لسليم؟ والا في حد بيلعب بيهم كلهم؟"
"طب ودي نوديها لمين؟ لازم النائب العام يشوفها فورًا."
"لأ، الأول... لازم نعرف زياد راح فين. وكمان ياسمين، كل حاجة هتظهر مع ظهورهم."
رامي فتح تطبيق تتبع، وبص بسرعة على الخريطة.
"لو لسة شايل الموبايل، هقدر أجيبه... استنوا..."
الشاشة اتملت بإحداثيات، ونقطة بتتحرك ببطء ناحية شارع جانبي.
"هو رايح... عنوان غريب..."
"لازم نوصله قبل ما يضيع مننا... قبل ما حد يوصله."
***
عند زهرة: كانت ماسكة مصحف صغير، كانت واحدة من السجينات سمعتها، صوتها الهادي وهي بتقرأ.
قعدت بنت تانية على مقعد المقابل، وشها فيه مكياج مبالغ فيه باين عليه إنه من أيام، شعرها منكوش، لكن ملامحها مش خبيثة، بالعكس... فيها طيبة تايهة.
البنت قربت منها، وبصوت خافت قالت:
"أول مرة أشوف واحدة هنا ماسكة مصحف... إنتِ داخلة في قضية إيه؟ قتل؟ سرقة؟ ولا...؟"
زهرة بصّتلها بعين حزينة وقالت بهدوء: اتظلمت... متسأليش أكتر من كده.
البنت اتنهدت، وسكتت لحظة... كانت هتقوم، بس الآية اللي زهرة بتقراها شدت انتباهها:
"{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}"
عين الفتاة دمعت وهي بتكمّل الآية، كان صوت زهرة فيه قهر، فيه وجع مكتوم، لكنها مصممة تكمّل. كانت بتحاول تطمّن نفسها، تتشبّث بأي نور في وسط الظلمة.
"{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ...}"
البنت حسّت بقشعريرة، صوت زهرة كان فيه صدق غريب، كأن الآيات مش بس بتتقال... دي بتتكوى بيها.
بعد ما صدقت زهرة، سألتها الفتاة (بصوت مكسور): إنتِ مصدقة إن ربنا ممكن يغفر؟ أنا... ليّا كام سنة ماشية في طريق... كله غلط.
"ربنا دايمًا فاتح بابه... إحنا اللي بنقفل قلبنا."
البنت قعدت جنبها، لأول مرة دمعة نزلت من عينها، وبصت لها بإعجاب حقيقي:
"إنتِ مش شبهنا... بس يمكن تبقي سبب نرجع نكون شبهك."
زهرة سكتت، بس ملامحها ابتدت تهدى شوية، وكأن في صوت داخلي بيقولها: لسة في أمل.
الهدوء الغريب بدأ يلف الغرفة بعد ما زهرة قرأت من المصحف، والبنات ابتدت عيونهم تلمع بحكايات ساكتة، يمكن محدش فيهم قرأها قبل كده كده... بس زهرة كانت زي النور في زنزانة كلها ظلمة.
البنت اللي من شوية كانت بتحاول تتقرب منها، ابتدت تحكي لها بصوت واطي، عن اللي خلاها توصل هنا، عن الشارع، عن الخوف، عن الرجالة اللي مايعرفوش الرحمة.
"أنا كنت بفتكر إني بعيش... بس كنت بموت كل يوم شوية. عمري ما حد قالي إن ربنا ممكن يحبني... غيرك."
ابتسمت زهرة ابتسامة صغيرة باهتة وقالت: لو عرفتي هو بيحبك قد إيه، عمرك ما هتسيبي إيديه تاني.
واحدة من السجينات التانيات بصت لهم وقالت بسخرية:
"إحنا جوه عنبر ولا حضانة؟ هو القرآن هيخرجكوا من هنا ولا إيه؟"
لكن السجانة اللي كانت واقفة على الباب بصت لها بحدة وقالت:
"خليكي في حالك يا نوسة، يمكن ربنا يرحمها أكتر مننا كلنا."
زهرة دمعت عينيها، بس قلبها حاسس إنها مش لوحدها... حتى هنا، وسط الجدران الباردة.
***
صباح اليوم التالي
زهرة بتخرج من الزنزانة وهي مكبّلة، لبسها رسمي لكنه بسيط، عيونها عليها كدمة خفيفة من الإرهاق وقلة النوم. السجينات بيودعوها بنظرات تعاطف، واحدة بتهمس: ربنا ينصرك يا بنتي... ربنا مع الحق.
العربية بتتحرك بيها للسجن، وهي جوه بتحاول تثبت نفسها، تشد في نفسها إنها قوية، بس جواها في خضة... في خوف.
وقف قدامها عاصي (بصوت حزين مكسور): كل مرة… كل مرة يا زهرة أمد إيدي ليكي…تسحبيها… وتكسريني ليه؟ قولتِ إنه جوزك! أنا بعمل كل وسعي عشان أنقذك. أنا كنت بس عايز أحميك…بس أنتِ حتى الحماية خوفتي منها. منسحب من حياتك يا زهرة…أنا راجع بلدي… بلد مش فيها وجعك.
زهرة بتحاول تنادي عليه، لكنه بيلف ويمشي… وكل خطوة منه كأنها بتخلع حتة من قلبها.
"استنى… دكتور عاصي… متسبنيش… أنا بس خفت… خفت أقول إن سليم خطفني… خفت أكسر أهلي… خفت الفضيحة… خفتك تسيبني… بس أهو سبتني برضو…"
رواية زهرة العاصي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم صفاء حسني
في شقة رامي - وقت متأخر من الليل - ضوء الشاشة منور وشه.
زينة قاعدة جنبه، وعاصي واقف وراهم بيترقب.
كان بيتابع تليفون زياد، وفي نفس الوقت قال:
"تمام... دخلت على أرشيف كاميرات المستشفى، اليوم اللي اتقال إن زهرة مكنتش فيه هناك وخرجت..."
زينة بقلق:
"لقيت حاجة؟"
رامي بيشاور على الشاشة:
"بصوا هنا... الكاميرا دي على بوابة الدخول... مفيش أي دخول باسم زهرة، حتى اللي دخلوا في الوقت ده... مفيش حد من ملامحه شبهها."
عاصي اتنفس بقوة:
"يا ولاد الحرام، عاوزين يثبتوا إنها ما كانتش هناك... الأدلة كلها ملفقة!"
بيكمل رامي وهو بيقلب الفيديو:
"استني... استني كده... في فيديو من سطح المستشفى... فيه صوت خناقة."
زينة بترفع حواجبها:
"خناقة؟!"
رامي زوّد الصوت، وبدأوا يسمعوا همسات متقطعة، وبعدها صوت خناقة واضحة.
الصوت الرجولي:
"دكتور عصام، أنا بلغت إن البنت دي خرجت مع نيفين!"
دكتور عصام غاضب:
"ما خرجتش! أنا استلمتها من الممرضة بنفسي، وكانت في حالة نفسية سيئة... وأنا سجّلت ده في الدفتر."
الصوت الثاني بهدوء مرعب:
"اسمك مش لوحدك يا دكتور... في تعاقد مع المستشفى هنا ومدام نادية وهي اللي طلبت كده، ولو ما وقّعتش التقرير الجديد، إنت عارف هتخسر إيه!"
دكتور عصام بتوتر:
"وليه عايزين تتهموا بنت صغيرة وتدخلوا فيها حوارات ملهاش ذنب فيها، يا أستاذ سامي... اللي بيحصل ده جريمة!"
عاصي عض شفايفه وهو بيقرب ناحية الشاشة، وبيقول بصوت مشدود:
"الدكتور ده ممكن يكون شاهد... لازم نوصله، تقدري تعرفي لي إن كان مازال شغال هناك ولا لأ؟"
هز راسه رامي بالتأكيد وهو بيكتب ملاحظات:
"أيوه... ودلوقتي نقدر نوصل للدكتور ده... لو اعترف رسمي، هنقلب القضية كلها."
عاصي بحسم:
"لازم أوصله، حتى لو كشفنا وراه ألف اسم... لازم نجمع كل دليل ضدهم، دي روح واحدة كانوا هيضيعوها."
الكاميرا تقرب على الشاشة، والكل ساكت، والجو مشحون بالأمل والقلق معًا.
يظهر في نفس الوقت مكان زياد في التتابع لرامي.
عبارة عن مخزن مهجور – إضاءة خافتة – صوت صرير الباب الحديدي.
ياسمين مربوطة في كرسي خشب، ووشها عليه آثار تعب وبكاء، بتتنفس بسرعة وكل حواسها مستنفرة.
فجأة الباب بيتفتح، وتدخل إضاءة خفيفة... يظهر زياد، متخفي، بيقرب منها بسرعة.
ياسمين بخوف:
"زياد؟! إنت إيه اللي جابك هنا؟ الحقني... الحقني بالله عليك."
زياد بيقرب وبيفك الحبل من إيدها بهدوء:
"اهدي يا ياسمين... أنا جيت أخرجك من هنا، بس في حاجات لازم تعرفيها قبل ما نطلع."
ياسمين بتبص له بقلق:
"إيه اللي تقصده؟"
زياد بصوت هادي بس عينه فيه غليان:
"نادية... رئيسة الشبكة بتكون... هي أمك الحقيقية."
ياسمين اتجمدت، وشها اتصدم، وكأنها مش مصدقة.
ياسمين بصوت واطي:
"بتقول إيه؟!"
زياد:
"ناديه لما خرجت منصور عزيز من السجن واتجوزت منه، كانت نفسها تقدر تجيب ولاد وعملت المستحيل عشان تكون هي الكل في الكل في الموسسة، مش مجرد لوحة شطرنج، لكن مرة من المحاولات نجحت وحصل حمل، لكن هما ضحكوا عليها واخدوا العينة المكتملة وزرعوها في رحم ولدتك اللي إنتِ عايشة معاها."
ياسمين بدموع في عينيها:
"مستحيل... مستحيل تكون هي أمي!"
زياد بيكمل وهو بيتنقل بين صدمة وهدوء:
"إنتِ ناسية إن نادية شغالة مع عصابة تجارة بشر، لكن الحقيقة طلعت أبشع... كانوا ضاحكين عليها من الأول، فاهمة؟ الحِقَن المهجنة اللي عملوها... إنها فشلت، بس خدوا العينة، وباعوها لناس بره، بمبلغ كبير. وبعد كده بقت لعبة، وبيجربوا على أطفال الشوارع، ياخدوهم على حساب جمعية لرعاية الطفل، وياخدوا عينة من بنت ومن ولد، وأول ما تتطابق يبيعوها لناس معندهمش ولاد... والكارثة إنها كانت جزء من اللعبة من غير ما تحس."
ياسمين:
"طيب ليه عايزين ينتقموا من زهرة؟ مالها زهرة؟"
وضح زياد وهو بيتنفس ببطء وبيكمل:
"زهرة ملهاش علاقة بالموضوع، هما كانوا فاكرينها بنت منصور، لكن طلعت زينة بنت عمتها هي الأساس، عشان زينة بتكون بنت منصور زيك بالظبط، وبتكون أختك يا ياسمين..."
انصدمت ياسمين، اتنهدت، وبصت على الأرض:
"أنا كنت عارفة إن أمي مش أمي، عرفت الموضوع ده لما تعبت وكانت الفصيلة مختلفة، عشان كده انهارت ومشيت الطريق ده، بقت مدمنة مخدرات وبعد كده ببيع، كنت بدور على نفسي أو أضيع، وإنت كنت عارف ومحكيتش، استغلتني زي الكل..."
اعتذر زياد وقرب منها:
"أنا كمان كنت زيك ضايع، لكن الفرق إن ربنا بعت لي النور، زهرة... لكن بندم لما خطفتها، لما كانت هتهرب، وقتها كانت بتقرأ سورة النور، وقتها سمعتها بصوتها العذب بتقرأ الآية دي، حفظتها، طالقينا:
بسم الله الرحمن الرحيم
الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35)
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال.
صدق الله العظيم
تحدث بندم:
إن ما كنتش عملت لها حاجة أو اغتصبتها، آه كنت مش في وعَيّي وقلبي موجوع إنها فضّلت عاصي عليا، لكن الآية بترن في ودني من بعد ما أخدها سليم مني، أنا كنت عايز أتفّق معاها تكون معايا وأشهد على اللي حصل وتتجوزني، وتستنّي بعد ما اعترف إني قتلت نيفين بالغلط وأنا بحوش ما بينكم، لكن لما وصلت مكانها لقيت عاصي بيتغزل فيها، ولقيتها بتعترف إنها مش حبيتنّي، قلبي وجعني، وبعد ما مشيت وفوقت على نفسي ندمت. أنا لما عرفت مكانك وصلت ليك وعايزك تكوني معايا وتنقذي نفسك وتنقذي زهرة... لازم تشهدي على كل حاجة... وتواجهي نادية."
ياسمين بصوت ضعيف:
"هشهد... حتى لو حياتي كلها راحت. بس رجعيني لأختي."
زياد:
"أوعدك، هترجعي ليهم... وهترجعي لنفسك."
أصوات خطوات سريعة، وزياد بيشد يد ياسمين، بيجروا في الظلمة، ووراهم صرخات رجال العصابة.
زياد وهمس وهو بيشدها:
"ياسمين، الطريق ده بيودي للشارع الرئيسي، فيه عربية مستنياكي هناك... امشي، وأنا هأشغلهم!"
ياسمين مرعوبة:
"لأ، تعالى معايا، هيمسكوك!"
زياد بصوت حازم:
"مش يهمني... المهم تطلعي وتفضحيهم. لو مسكوني وما رجعتش، قولي لزهرة... إني آسف... وإني حبيتها بجد، حتى لو أنا ما استاهلش ده. واديها الرسالة دي."
ياسمين بدموع:
"هقولها... وهفضحهم، أوعدك."
ياسمين بتجري بكل قوتها، شعرها منفلت ووشها متغطي بالدموع والتراب.
خلفها... صوت صرخة قوية!
زياد صوته بيوجع:
"إجري يا ياسمين!! إجري!!"
يلف بسرعة ناحية عربية العصابة، يشيل حجر كبير، يصرخ وهو بيرميه بكل قوته على الإزاز الأمامي... الإزاز بيتكسر، والعربية بتترنح، أصوات سب ولعن بتخرج من جواها.
أحد الرجال بغضب:
"أمسكه!! الواد ضرب العربية!!"
يخرج واحد منهم بسلاح، يوجهه ناحيته، ودون تردد...
"بوم!"
طلقة واحدة تشق الهواء... زياد بيتوقف لحظة... عينيه بتتسع... ينزل على الأرض فجأة، جسمه بينهار، والدم بيبدأ يسيح تحت منه.
صرخة ياسمين:
"زييييييييياد!!!"
في نفس اللحظة... توصل عربية سريعة وبتفرمل قدام المخزن، يخرج منها عاصي وهو بيجري ناحية المكان، ومعاه رامي.
رامي بيصرخ:
"ياسمين!! اركبي بسرعة!!"
عاصي بيمسك إيدها بقوة:
"لازم نخرجك من هنا... في تعزيزات جاية!"
ياسمين بعياط:
"زياد... سيبناه! ضربوه!!"
عاصي بيشدها وهو عينه بتلمع:
"وعد... هنرجع نجيبه، بس دلوقتي لازم ننقذك... شوفي حالتك!"
تركب ياسمين العربية وهي بتبص وراها على زياد، اللي جسده ساكن، وعيونه شبه مغمضة، وملامحه هادية بشكل غريب...
رامي بيسوق:
"بلغنا الإسعاف والمباحث... بس لو تأخرنا أكتر من كده هيمسكوا تاني."
ياسمين بدموع سايبة:
"هو أنقذني... زياد أنقذني!"
وضح عاصي وهو بيطمنها:
"هننقذه كمان... أوعدك. بس إنتِ لازم تعيشي عشان تحكي كل حاجة... تحكي الحقيقة."
هزت رأسها بالموافقة، لكن سألته:
"بس إنتوا عرفتو إزاي؟"
تنهد عاصي:
"كنا بنعمل تتبع على تليفون زياد بعد ما عرفنا إنه هو اللي قتل نيفين، يلا بسرعة."
تنطلق العربية في قلب الليل، ووراهم أصوات الإسعاف والشرطة بتقرب...
الكاميرا تفضل ثابتة على زياد، عينه بتترمش ببطء... ولسانه بيهمس بصوت مش مسموع:
"زهرة... سامحيني..."
عربيات الإسعاف بتوصل بسرعة، البوابة بتتفتح، يدخل المسعفين وهم شايلين زياد، جسمه مليان دم، لكن لسه فيه نبض خفيف.
الممرضة بتصرخ:
"بسرعة، نزيف داخلي! محتاج غرفة عمليات فورًا!"
الدكتور بصوت حاسم:
"جهزوا غرفة ٣! إحنا في سباق مع الوقت!"
يتنقل زياد على السرير، وتغلق أبواب غرفة العمليات.
في الخارج... عاصي واقف بوجه متوتر، بيبص لرامي وزينة، وعيونه كلها رجاء، أما ياسمين قاعدة على الكرسي، ملفوفة في بطانية، ووشها شاحب وعيونها متورمة من البكاء.
عاصي برقة:
"ياسمين... زياد عمل المستحيل عشان ينقذك. آن الأوان تحكي كل حاجة."
زينة بحنان وهي ماسكة إيدها:
"إنتِ مش لوحدك... بس لازم نقفل الصفحة دي ونكشف اللي حصل."
ياسمين تهز رأسها ببطء، وصوتها بيطلع مكسور:
"هقول... هقول كل حاجة..."
المكان: مستشفى – غرفة العمليات – نفس اللحظة
الضوء الساطع ينعكس على وجوه الأطباء، زياد نايم على ترولي العمليات، أنفاسه ضعيفة، وممرضة بتثبت جهاز النبض.
الدكتور بسرعة وحسم:
"النزيف من الكتف والصدر... نحتاج نقل دم فورًا... ضغطه بينزل!"
الممرضة:
"فصيلة دمه O موجب!"
الدكتور بتركيز:
"طيب، حد يبلغ بنك الدم... ويفتحوا صدره دلوقتي... محتاجين نوقف النزيف من الشريان!"
الموسيقى التصويرية تعلى... صوت القلب على الشاشة يبطأ... لكن الدكتور بيصرخ:
"هو شاب صغير... مش هسيبه يموت كده!"
المكان: خارج غرفة العمليات – الانتظار – بعدها بشوية
زينة واقفة قدام الحيطة، مش قادرة ترفع عينيها، دموعها بتنزل وهي مبهورة باللي سمعته.
عاصي بصوت خافت:
"زينة... مش لازم تلومي نفسك. اللي حصل من زمان... مش ذنبك."
زينة بصدمة:
"هي أختي؟ أنا ليا أخت وأنا مش عارفة؟ وهي... عاشت وحيدة وسط الناس دول؟ وأنا كنت فاكراها مجرد بنت مدلعة بتحاول تؤذيني..."
عاصي بنبرة هادية:
"ربنا بيجمع القلوب حتى بعد سنين من البُعد... إنتِ عرفتي الحقيقة، ولسه قدامكم عمر تعيشوه كأخوات."
في اللحظة دي، يخرج دكتور من غرفة العمليات. الكل بيجري عليه.
زينة بتلهث:
"طمني... زياد؟!"
الدكتور بابتسامة صغيرة:
"حالته مستقرة دلوقتي... العملية نجحت، لكن محتاج يفضل تحت المراقبة كم ساعة."
ترتاح الملامح... وزينة تنهار بالبكاء.
ياسمين من بعيد، بصوت مكسور:
"هو... أنقذني وأنا كنت سبب تعبه... أنا لازم أكفّر عن كل اللي عملته."
وفجأة ينتبه عاصي إن الدكتور هو نفس الدكتور اللي شافه في الفيديو.
تصحى زهرة من النوم مفزوعة، تلاقي نفسها في عربية الترحيلات ووصلت السجن، وإنها كانت بتحلم إن عاصي بيودعها.
كان الجو بارد، وزهرة تدخل يدوها هدوم السجن الرمادية، عينيها فيها حزن وصدمة، لسه ما استوعبتش إنها جوه زنزانة.
الباب الحديد بيقفل بصوت عالي ومرعب، وهي بتقف مكانها ساكتة، ملامحها شاحبة من التعب والقهر.
سجّانة كبيرة في السن، بنبرة فيها تعاطف:
"تعالي يا بنتي، دي هتبقى سريرك، اقعدي، وإن شاء الله كله يعدي."
زهرة بتبص لها بعينين مكسورة، بتقول بهمس:
"أنا معملتش حاجة... أنا مظلومة."
سجّانة تانية، صغيرة السن، بصوت واطي:
"إحنا عارفين... سمعنا عن قضيتك، وربنا يظهر الحق."
الليالي بتعدي ببطء، وكل يوم زهرة بتكتب في ورقة صغيرة بتحاول تفرّغ وجعها... دموعها بتنزل وهي بتفتكر نظرات عاصي، حضن جدها، ضحكة زينة، الأيام السود مع سليم، أمها الله يرحمها. مرات الأيام وهي بتركع وتسجد وتقرأ قرآن وتطلب من الله النور والنصر.
في مخزن مهجور في أطراف البلد – الليل – صوت المطر بينزل خفيف بره – سليم مربوط في كرسي حديد، والأنوار فوقه ضعيفة – رجال صالح واقفين حوالين المكان.
صالح واقف قدامه، لابس جلابية سودا، وصوته تقيل من الغضب المكتوم، وعينيه حمرا من القهر.
سليم بصوت متحشرج وهو بيحاول يفك نفسه:
"إنت بتعمل كده ليه يا عم صالح؟!"
صالح قرب منه وخبط رجله في الأرض:
"عم صالح؟! بعد ما دنّست بنتي، ولسه بتناديني عم؟! اتجوزتها عشان تنفذها واتفقنا تكون برضاها... لكن إنت دخلت عليها بالغدر... وصورتها، يا خسيس!"
سليم بتوتر:
"دي كانت مراتي... كنت بحبها!"
صالح بصوت غليظ وقاطع:
"الحب مش كده... الحب ما فيهوش كاميرا في الحمام، ولا فيديوهات تمسكها على مراتك عشان تفضل معاك، ولا سكرينات تهديد، يخربيت أم الاختراع الهباب ده إلا خرب عقولكم وخرب بيوت، فين الاحترام، ولا دمعة واحدة تنزل من بنتي."
سليم حاول يتكلم، لكن صالح رفع إيده وأمر رجاله يسكتوه.
صالح:
"كنت قايل لك... بنتي مش هتتلمس إلا لما ترضى... وإنت خالفت، وكمان بهدلتها، وهددت زينة وسكتتني عشان ما أكسرش البيت... بس خلاص... البيت وقع، وإنت هتدفع التمن."
صالح بيمشي حوالين الكرسي، بيبص له من فوق لتحت كأنه بيقرف يلمسه.
صالح:
"فاكر أول يوم جيت تطلبها؟ كنت شايفك شاب طيب، قلت يجوزها يكون هو السند بعدي ومن صلبي... ما عرفتش إنك حيوان... بتلعب بقذارة، بتصور وتساوم وتكسر... بس إنت نسيت إن زهرة بنتي، وأنا أبوها... وأبوها لما يتوجع، بيطفي الدنيا على اللي وجع بنته."
سليم بيصرخ:
"مش هتطلعوا مني بشيء! ده أنا هفضحكوا، وهشتكيكوا... إنك خطفتني!"
ضحك صالح بهدوء مرعب:
"خطف؟ يا ابني، ده إنت متصور فيديوهات إباحية لبنتي... أنا لو قطعتك حتت، الشعب هيصقف لي. وبعدين... الفضيحة الكبيرة في طريقها للمحكمة، بس قبلها... كان لازم أبص في وشك، وأقولك: "ربنا مش هيسيبك... بس أبوها سبق.""
صالح بيأمر رجاله يدوّروا على الفلاشة، والموبايلات، وكل الداتا... ويمسك موبايل سليم ويرميه في الأرض ويدوس عليه برجله.
صالح وهو خارج:
"خلّوه يومين في الضلمة... يمكن يعرف يعني إيه وجع البنت لما تكون وحدها."
رواية زهرة العاصي الفصل العشرون 20 - بقلم صفاء حسني
في زنزانة السجن – ليلاً – الإضاءة خافتة، وصوت هادئ لتلاوة القرآن يملأ المكان بحالة من السكون العميق.
كانت زهرة قاعدة في ركن الزنزانة، حضناها مصحف صغير، عينيها بتلمع من نور الآيات، وصوتها ناعم وهادي، بيدخل القلوب من غير استئذان.
قربت منها سجينة كانت اتنقلت معاها من القسم لسجن النساء، خطواتها مترددة وكلامها خرج بصوت خفيف:
"أنا بلاحظ إنك دايمًا لما بتقري قرآن… بتقري نفس السور كل مرة، هنا وكمان هناك. ممكن تقوليلي أساميهم؟"
"أكيد. كل يوم بقرأ: سورة البقرة، يس، الرحمن، الواقعة، النور، الجن، تبارك، غافر… والسور القصيرة. دي بقت ورد يومي ما ينفعش أعدّي يوم من غيره."
"بسم الله ما شاء الله… كل ده؟ كل يوم؟!"
"زمان كنت باكتفي بس بسورة النور وسورة تانية حسب اللي في قلبي.
ويوم الجمعة كنت باقرأ الكهف…
لكن دلوقتي؟ كل حرف بقى حياة…كل آية بتمدّي بإيدها وتشدّني من الغرق."
"إنتي جوّه السجن… بس روحك طايرة برّه. أنا أول مرة أشوف حد بيبص للقرآن كده."
"أنا كنت تايهة… بدوّر على حضن، على أمان…ما لقيتش غير ربنا، ولقيته في كلماته.
القرآن كان نور جوه زنزانة قلبي… قبل زنزانة السجن."
سكتت لحظة، وبعدين رفعت عينيها للسجينة وقالت:
"عارفة؟ سورة النور لو الناس خدت بالها منها… هتفهم حاجات كتير."
"فاهمة شرحها؟ وليه بالذات سورة النور؟"
"السورة دي عظيمة… فيها دعوة صريحة للعفة والطهارة، بتحذر من المحرمات والفواحش، وبتأمرنا بغض البصر وآداب الاستئذان… بتعلمنا نبني مجتمع نضيف ومتوازن."
سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتفتح المصحف:
"آية الحجاب في السورة دي… رقم ٣١، بتقول:{وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها…}صدق الله العظيم."
"يعني الآية دي بتقول إيه بالضبط؟"
"بتحثنا نغض البصر، نحفظ نفسنا من الحرام، تحظر إظهار الزينة إلا في الضرورة، تأمر بضرب الخمار لتغطية الرأس والياقات، وتحدد مين اللي ينفع نشيل قدامهم الحجاب… وكمان تحذر من لفت النظر، حتى بالأرجل أو اللبس، وتنتهي بأهم حاجة: التوبة… اللي بيرجع لربنا عمره ما يتأخر."
"أنا نفسي أبدأ من جديد… أغير حياتي… أتوب."
"وإنتي تقدري… إحنا لسه عايشين. مافيش حاجة اسمها متأخر على ربنا…اللي بيرجع له بصدق، عمره ما هيرجع بخيبة."
سكت المكان لحظة، وزهرة بدأت تردد الآية اللي كانت دايمًا بتحس بيها بالأمان:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ… الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ… الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ… يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ… زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ… يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ… نُورٌ عَلَى نُورٍ… يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ… وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ… وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
وصوتها كان كأنه نور بيشق ضلمة تقيلة…
نور على نور.
وبتتمنى تخرج إلى النور.
في المستشفى لم أتفاجأ عاصي إن نفس الدكتور في الفيديو هو الدكتور إلا بيشرف على عملية زياد.
انتظر لم دخل مكتبه.
الباب بيتفتح بعنف، ويدخل "عاصي" بسرعة، وراه "رامي" ماسك ملف كبير في إيده.
"أنا مش جاي أضيع وقت… أنا جاي أطلب منك تقف قدام ضميرك… وتشهد باللي حصل مع زهرة."
"أنا قلت كل اللي أعرفه في التحقيقات… اللي حصل اتحقق فيه!"
"التحقيقات دي؟ شوف ده… ده تفريغ الكاميرات قبل ما يتم التلاعب بيها… زهرة دخلت المستشفى واتحجزت، وده إثبات إنها ما خرجتش وقت الجريمة."
الدكتور بيبص للصور والملف، وتبدأ ملامحه تتبدل، لكن بيحاول يتمالك نفسه.
"أنا ماعرفش مين لعب في الكاميرات… دي حاجة إدارية مش طبية… أنا دوري أني أعالج."
"بس إنت سكت. سكت رغم إنك شفت البنت دي داخلة بنزيار، وخرجت تحت ضغط ناس مش من أهلك ولا من المستشفى!"
"أنا كنت مهدد… في رقاب ورايا… في ناس هتتعرض ل خطر من أي محضر!"
"وهي رقبتها مش رقبة؟! البنت اتسجنت ظلم، واتمرمغت في الطين، وانت كنت تقدر بكلمة تنقذها!"
"إنت مش مطالب تحارب لوحدك، إحنا هنا، إحنا اللي هنفضح اللعبة دي للآخر… بس نحتاجك تقول الحقيقة. بس كده."
الدكتور يبص في عنين عاصي، ويفضل ساكت لحظة… ثم ينزل برأسه بتعب.
"زهرة اتظلمت… فعلاً اتظلمت.
أنا هشهد… وهقول اللي شُفته. بس احموني من اللي ورا نادية… لأنهم لو عرفوا، حياتي وحياة مراتي في خطر."
"هتحميها بقول الحق، وإحنا هنحميك من الباقي."
يسود صمت تقيل… لكن كان صمت راجح بالكفة ناحية زهرة لأول مرة.
"ابدأ بكتابة إفادة رسمية… وماتخافش."
صالح يتصل بـ زينة (وهو بيكلم بصوت سريع):
"أنا حبسته …"
"مين يا خالى؟!"
تنهد صالح:
"سليم دلوقتي تحت ايدي … بس فيه مشكلة…"
"مشكلة إيه يا خالى؟!"
تحدث ونفسه يطلع وينزل:
"موبايله في إيدي… بس مش قادر أفتحه. عليه رمز سري… وأنا متأكد إنه فيه الفيديوهات الخاصة ببتى … بس مش عارف أوصل لحاجة."
طلبت منه زينة يستناها وهى جاية ومعها واحد.
تقفل زينة وتروح عندهم.
دخلت زينة عندهم كانت بتتكلم بحماس وهي بتبلغهم بكل اللي قاله صالح، وعينها مليانة خوف ودهشة.
"خالى صالح اتصل بي وقال انه حجز … سليم وعايز يفتح تليفونه عشان مصور زهرة فيديوهات."
انصدم عاصي كان باين عليه التوتر.
رامي يوقف فجأة، ويضحك بسخرية:
"ايه كل المصايب دي؟"
"سيبه عليا… لو فيه دليل جوه، هطلعه!"
بيت صالح – صالون صغير – صالح قاعد مرهق كان وصل والكل واصبحوا حواليه – عاصي، زينة، رامي.
رامي قاعد قدام لابتوب، موصل موبايل سليم عليه، وبيشتغل في صمت وتركيز شديد، بيكتب كودات وبيفك التشفير.
"فتحته!"
الكل يتجمع حواليه، يفضل يقلب في المحادثات، وفجأة يقف عند اسم: (نادية – خاص).
"تم تحويل المبلغ… انتظر التعليمات القادمة… ابعد زينة عن الموضوع… وخلي زهرة تختفي."
"نادية؟! نادية بعتاله فلوس؟!"
رامي يكمل، يفتح سجل التحويلات البنكية، يشوف مبالغ كبيرة دخلاله من حسابات مختلفة. بعدها يفتح تطبيق صور، يلاقوا صور لتلاميذ قدام مدارس، وصور أكياس صغيرة شبه المخدرات.
"يا نهار أبيض… ده كان بيوزع؟!"
"أيوه… شايفين دي؟ دي صور لأكتر من مدرسة في البلد… وسجل للمكالمات مع ناس معروفين في السوق السودة.
سليم مش بس خان زهرة… ده كان بيشتغل في توزيع المخدرات… من قلب المدارس!"
"ده أنا اللي كنت شايله على كتافي… وهو بيغرس في بنتي سكاكين… ابني اخى خان الكل، وباع نفسه للشيطان."
زينة تبص لعاصي، وعينيها دموع وغضب:
"إحنا لازم نكشف ده كله… ونطهّر البلد من اللي زيه. أنا مش هسكت… لا على الا عمله ل زهرة، ولا على أي بنت ممكن يكون أذاها!"
"وأنا معاكم … مش هسيب حق زهرة، ولا حق أي حد راح ضحية للكلب ده."
داخل مخزن مهجور ليل. سليم مربوط على كرسي، ووشه عليه آثار ضرب.
نور كشاف على وشه، وعاصي وصالح واقفين قدامه، ورامي في الخلف بيصور الاعتراف، وسليم بيبص لهم بعينين مكسورة وتعبانة.
الإضاءة قوية، وسليم باين عليه الإنهاك والتوتر، وصالح عينه مولعة نار، وبيصرخ بصوت عالي.
"انطــق!! مين طلب منك تصور بنتي؟! مين صاحب الرقم الغريب اللي بيتصل بيك كل شوية؟!"
سليم بيحاول يهرب بعينه، صوته بيتهز:
"أنا… أنا كنت بخاف عليكم… كنت عايز احمها … إنت مش شايف بتعمل إيه؟ كنت خايف تبهدل اسمنا!"
"واتجوزتها عشان محدش يلعب بعقلها تروح تجيب ده ويشاور على عاصي الغريب ده وتسمع حديثه."
"ماتلعبليش على حبال العيلة!! حديث الغريب ده هو الا كشفك ؟! ونسيت إني عمك؟! ده أنا مربّيك!"
"أنا ابن أخوك!! مش من الغريب وحقي احميها من الكل !!"
ضحكة قصيرة مريرة تطلع من صالح، ويميل ناحيته بنظرة مليانة خزي:
"تحميها من الكل وتدمرها انت وتفضحها انطقـ "الغريب كشفك يا ابن أخويا… الغريب هو اللي عمل تتابع على تليفونك. واكتشف إن جالك رسالة… من رقم مجهول… فيها عنوان بنتي…!!"
"انطــق… مين؟! مين اللي بعتلك؟!"
سليم يتنفض من مكانه، صوته بدأ ينهار:
"هي… الست دي… هي اللي بدأت كل حاجة… من زمان، من أيام الثانوية… قالتلي أبعد زهرة وزينة عن الجامعة… وقالتلي الجامعة دي هتدمرهم… ومن يومها وانا تحت أمرها…"
"إنت بعت بنتي… لحساب ست ما تعرفهاش… واشتغلت جاسوس في بيت أهلك؟ ده حتى الخاين بيخون أعداءه، مش دمه!!"
لحظة صمت، بعدها صالح يقف ويزعق بصوت عالي:
"ابني اخى تعاون مع العصابة… عشان يشغل زينة بعيد عن الحقيقة… وبعد ما زهرة اختفت، وصلوا ليك مكانها، وسكت… ومشيت وراهم زي كلب!!"
"إنت مش بس خنت بنتي… إنت خنت العيلة… ودمك ما بقاش بينا. وأنا اللي هسلّمك للشرطة… وهشهد عليك كأنك غريب… لأنك فعلًا غريب!"
سليم ينهار، يحاول يقرب منه، وصالح يبعد برجله الكرسي ويخرج من الأوضة، وصوته بيرن وراه:
"أنا كنت معمي… ووردة كانت شايفة… إنت وامك نفسكم تدمروا مستقبل بنتي… عشان ما تبقاش أحسن منك … لكن البنت اللي حاولتوا توقعوها… هي اللي طلعت سندي!"
"هقولكم كل حاجة… أنا غلطت… غلطت من أول لحظة وأنا فاكر إني بعمل الصح…"
"ابدأ من الأول."
"وزهرة في تالتة ثانوي… كنت برائب زهرة وهي بتسحب أوراقها من المدرسة… قابلت ست، شكلها شيك قوي بس كلامها كان غريب…"
فلاش باك – أمام المدرسة الثانوية – نهار.
سليم واقف على ناصية الشارع، بيراقب زهرة من بعيد، وفجأة ست كبيرة في السن، لابسة شيك وأنيقة، تقرب منه.
"إنتَ تقرب ل زهرة صح؟"
هز رأسه.
"آيه هى بت عمى انتى تعرفيها؟"
هزت رأسها.
"أنا مدرستها وانت واضح عليك راجل البيت وتحميها من اي حاجة صح؟"
سليم بيبصلها باستغراب.
"الجامعه اللي البنتين رايحينها دي… مش نضيفة… سمعتها وحشة… لو بتحب زينة وزهرة، ابعدهم عنها."
"بس دي جامعة تابع حد من معارف جدى وشخص محترمة… وكلنا بنحبه …"
"أنا بقولك الحقيقه اعمل المستحيل. البنات دول سترك… الجامعة دي هتضيعهم، خصوصًا زهرة… لو وقعت هناك، كل حاجة في حياتها هتبوظ."
فلاش باك – بيت صالح – ليل – بعد أيام.
صالح قاعد مع الجد محمد ووردة، وسليم بيتكلم بحماس وغضب مفتعل.
"أنا مش مرتاح للجامعة دي، البنات مكانها الدار او جامعة قريبة مش لازمة الغربة وتمشي هناك على حل شعرها … زهرة دماغها ناشفة ومصممة هى وزينة ! أنا متأكد إنها هتعمل مشاكل. اسألوا، الناس كلها بتتكلم عن البنات اللي بتتغير أول ما تدخل الجامعة دي."
الجد بيبص لوردة اللي تطلع فى العالي.
"ملكيش فيها يا سليم بتى ب ١٠٠ رجل وتقدر تعيش فى اي مكان وتحمى نفسها والجامعة ده هتديها منحة تسافر برا البلد."
سكت، صالح باين عليه التردد.
الجد بيهز رأسه بموافقة خفيفة على كلام وردة.
رجوع للواقع – المخزن – سليم لسه مربوط على الكرسي.
"كنت عايز أثبت إني راجل البيت… أثبت إن زهرة ممكن تضيع… بس أنا اللي ضيعتها فعلاً."
"وكملت بعدها بإيه؟"
"بعد ما اتخطف… ، جالي رسالة من نفس الست… بعتتلي مكانها… قالتلي إنها هناك… بس لما رُحت… زهرة كانت فى حضن الا اسمه زياد."
"وهو بيبص ل عاصي وهو بيحكى."
"قولت وقتها انها ضاعت مني وخصوصا انى الست بعتت ليا فيديو تقنعنى ان زياد اخد شرفها … وانتا الا طلبت منى أقنعها ترجع وتتجوزنى ، بس مقدرتش انسى المشهد … كنت مجروح وعايز اتاكد… ونازل عينيه على الارض."
"كنت بجيب كرامتى وكرامت العيلة وصورة الفيديو عشان اعرفها انها بخير وانها كذبة."
لحظة صمت طويلة، وسليم بيبص للأرض، وعاصي بصوته كله وجع وفجاة ضربه بالقلم:
"إنتَ غبي وجاهل مش عارف اقولك ايه … إنتَ فتحت الباب لناس يخربوا حياتكم وحياة زهرة."
صوت الباب بيتخبط بعنف، وصالح يفتحه يلاقي "أبو سليم" واقف، وشهم متوتر وعينيه فيها قلق وكبرياء مكسور.
"أنا جايلك يا صالح… مش علشان ألومك، ولا أعاتبك… أنا جايلك أطلبك ترجعلي ابني فكه ."
صالح واقف ثابت، عينيه متجمدة من القهر والخذلان، بيضحك بسخرية مرة.
"ارجعلك ابنك؟ ابنك اللي خطف بنتي؟ ابنك اللي حبسها وبهدلها؟ ابنك اللي اخدها غصب وصورها وببجاحة بيهددتنى ابنك الا اعترف انه اشتغل مع العصابة عشان يلهي زينة عن الحقيقة؟ ده إنت متعرفش نص اللي حصل."
"أنا سمعت كله كلامه ومتعهد… ان اول ما تخرج زهرة ، هيطلقها. أنا مش عايز خراب بيوت، ولا فضايح…"
"خراب بيوت إيه يا راجل؟! دي حياة بنتى اللي اتدمرت! دي بنتي اللي انكسرت وأنا واقف أتفرج! أنا اللي كنت فاكر إنك أخويا… وإنك عايز الخير ليها لكن ابوى كان عنده حق."
أبو سليم بيخفض راسه، وسكوت لحظة.
"وردة كانت شايفة اللي أنا مش شايفه… كانت بتقوللي إنك ومراتك بتكرهوها، كنتم عاوزين تدفنوها بالحياة علشان متبقاش أحسن من ولادكم! وأنا… أنا اللي ساعدتكم بإيدي، وأنا المعمى على عيني."
"ابني غلط… بس في الآخر دمنا واحد…"
"ابنك خان العِشرة… خان اسم العيلة… نسي إنه ابن أخويا… ونسي إنه في بنت كانت بتقوله ابن عمى بلاش وهى بتترجاه صدق الجهل والغباءة . هو مش بس خطفها، ده باع ضميره، وساعد الناس اللي عاوزين يدفنوا زهرة بالحياة!"
"يعني… ناوي تسلمه للشرطة؟"
"أيوه. هسلمه للشرطة. علشان لو سبته، أبقى خاين ل وردة … وخاين لزهرة… وخاين لنفسي."
"ابني اخى تعاون مع العصابة… عشان يشغل زينة بعيد عن الحقيقة… وبعد ما زهرة اختفت، وصلوا ليك مكانها، وسكت… ومشيت وراهم زي كلب!!"
"إنت مش بس خنت بنتي… إنت خنت العيلة… ودمك ما بقاش بينا. وأنا اللي هسلّمك للشرطة… وهشهد عليك كأنك غريب… لأنك فعلًا غريب!"
سليم ينهار، يحاول يقرب منه، وصالح يبعد برجله الكرسي ويخرج من الأوضة، وصوته بيرن وراه:
"أنا كنت معمي… ووردة كانت شايفة… إنت وامك نفسكم تدمروا مستقبل بنتي… عشان ما تبقاش أحسن منك … لكن البنت اللي حاولتوا توقعوها… هي اللي طلعت سندي!"
"هقولكم كل حاجة… أنا غلطت… غلطت من أول لحظة وأنا فاكر إني بعمل الصح…"
"ابدأ من الأول."
"وزهرة في تالتة ثانوي… كنت برائب زهرة وهي بتسحب أوراقها من المدرسة… قابلت ست، شكلها شيك قوي بس كلامها كان غريب…"
فلاش باك – أمام المدرسة الثانوية – نهار.
سليم واقف على ناصية الشارع، بيراقب زهرة من بعيد، وفجأة ست كبيرة في السن، لابسة شيك وأنيقة، تقرب منه.
"إنتَ تقرب ل زهرة صح؟"
هز رأسه.
"آيه هى بت عمى انتى تعرفيها؟"
هزت رأسها.
"أنا مدرستها وانت واضح عليك راجل البيت وتحميها من اي حاجة صح؟"
سليم بيبصلها باستغراب.
"الجامعه اللي البنتين رايحينها دي… مش نضيفة… سمعتها وحشة… لو بتحب زينة وزهرة، ابعدهم عنها."
"بس دي جامعة تابع حد من معارف جدى وشخص محترمة… وكلنا بنحبه …"
"أنا بقولك الحقيقه اعمل المستحيل. البنات دول سترك… الجامعة دي هتضيعهم، خصوصًا زهرة… لو وقعت هناك، كل حاجة في حياتها هتبوظ."
فلاش باك – بيت صالح – ليل – بعد أيام.
صالح قاعد مع الجد محمد ووردة، وسليم بيتكلم بحماس وغضب مفتعل.
"أنا مش مرتاح للجامعة دي، البنات مكانها الدار او جامعة قريبة مش لازمة الغربة وتمشي هناك على حل شعرها … زهرة دماغها ناشفة ومصممة هى وزينة ! أنا متأكد إنها هتعمل مشاكل. اسألوا، الناس كلها بتتكلم عن البنات اللي بتتغير أول ما تدخل الجامعة دي."
الجد بيبص لوردة اللي تطلع فى العالي.
"ملكيش فيها يا سليم بتى ب ١٠٠ رجل وتقدر تعيش فى اي مكان وتحمى نفسها والجامعة ده هتديها منحة تسافر برا البلد."
سكت، صالح باين عليه التردد.
الجد بيهز رأسه بموافقة خفيفة على كلام وردة.
رجوع للواقع – المخزن – سليم لسه مربوط على الكرسي.
"كنت عايز أثبت إني راجل البيت… أثبت إن زهرة ممكن تضيع… بس أنا اللي ضيعتها فعلاً."
"وكملت بعدها بإيه؟"
"بعد ما اتخطف… ، جالي رسالة من نفس الست… بعتتلي مكانها… قالتلي إنها هناك… بس لما رُحت… زهرة كانت فى حضن الا اسمه زياد."
"وهو بيبص ل عاصي وهو بيحكى."
"قولت وقتها انها ضاعت مني وخصوصا انى الست بعتت ليا فيديو تقنعنى ان زياد اخد شرفها … وانتا الا طلبت منى أقنعها ترجع وتتجوزنى ، بس مقدرتش انسى المشهد … كنت مجروح وعايز اتاكد… ونازل عينيه على الارض."
"كنت بجيب كرامتى وكرامت العيلة وصورة الفيديو عشان اعرفها انها بخير وانها كذبة."
لحظة صمت طويلة، وسليم بيبص للأرض، وعاصي بصوته كله وجع وفجاة ضربه بالقلم:
"إنتَ غبي وجاهل مش عارف اقولك ايه … إنتَ فتحت الباب لناس يخربوا حياتكم وحياة زهرة."