تحميل رواية زهرة العاصي بقلم صفاء حسني pdf
بقلم صفاء حسني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - شعرت فتاة بمغص مفاجئ في وسط المحاضرة، لكنها استحملت الألم. قبل المحاضرة التالية، خرجت. سألتها صديقتها: "رايحة فين يا زهرة؟" هزت زهرة رأسها، قائلة: "رايحة الحمام، تعبانة ومش قادرة أتكلم، كل كلمة يا زينة، بالله عليكي." ضحكت زينة، قائلة: "حاضر يا قلبي، بس متتخريش، عشان المادة اللي بعدها رخمة." هزت زهرة رأسها: "على حسب الوضع، احتمال أروح يا زينة، أشوف كده وأتصل بزياد... هو صحيح محضرِش ليه المحاضرة؟" نفخت زينة بضيق: "أنا إيه اللي عرفني؟ فكي منه يا زهرة، ده مش شبهك، ولا يكون زيكِ! إنتِ تستاهلي و...
رواية زهرة العاصي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم صفاء حسني
كانت زهرة واقفة تتكلم بخجل مع زميلها، تمر لحظات من الصمت. وفجأة يعود صوت البنات اللاتي انسحبن من قليل، راجعين ومعهن أشياء، ويضحكن ويتكلمن بصوت واضح.
البنت 1 (بصوت عالٍ وهي ترى الشاب يحاول إيقاع زهرة):
"هو أنت لسه بتجري ورا البنات يا يونسر؟ بطل بقى، زهرة دي مش زي أي حد. دي مش لوحدها أصلاً، عندها أصحاب بيخافوا عليها وبيحبوها!"
يوسف:
"أنا كنت بسأل زهرة، لو تحبي نكمل مشروع التدريب سوا؟ آوى محتاجة مساعدة؟"
زهرة (بلبلة خفيفة):
"ممم... لا شكراً، أنا هظبطه بنفسي، بس لو احتجت هبلغك."
يوسف (بإصرار):
"مافيش إحراج، إحنا زمايل يعني."
زهرة، تحس بنظرة كأنها واخداها في ضهرها، تلف بعينيها حوالين المكان، تراه من بعيد يتابع من الشباك، واقف، وساكت، وعيناه مليئة بكل الكلام الذي لا يقدر قوله.
زهرة (بهمس جواها):
"حتى وأنت بعيد... بتحميني بنظرتك. بس أنا لسه مش عارفة... أحمي نفسي من إحساسي بيك إزاي؟"
زهرة (في سرها):
"هو شايفني، بس ساكت. هو وعدني ما يقربش، بس مش قادر ياخد خطوة وأنا مش عارفة أعمل إيه وأنا شايفة خوفه وحيرته."
تلف بسرعة، تبص لزميلها وتقول:
زهرة (بصوت متردد):
"أنا آسفة... هستأذن شوية."
تتحرك خطوات سريعة على الممر، قلبها يدق، ومخها مش عارف هي رايحة تقول إيه، بس حاسة إنها لازم تروح. بتوصل لباب المكتب، ترفع إيدها تخبط، بس مفيش وقت. تفتح الباب بهدوء وتدخل.
كان عاصي يمشي رايح جاي في المكتب، خطواته سريعة وقلقة. إيده في جيبه، وعينه مش ثابتة. فجأة يقف، يبص من الشباك، يرى زهرة من بعيد تتكلم مع زميلها في الكلية. يضحكون، وهي تقلب في ورق معها وتشرح لهم حاجة. لكن نظرة الشاب ليست بسيطة.
عاصي (يهمس لنفسه وهو يشد شعره):
"عادي، زميلها، بيشتغلوا على مشروع، مش أكتر. بس ليه ضحكتها مش عادية؟ ليه كل ما بشوفها بتتكلم مع حد، بحس إني عايز أروح أقولها: خلي بالك؟"
يكمل مشيته رايح جاي، بس المرة دي أسرع، باين عليه توتر وغيرة صامتة تغلي جواه.
عاصي (واقف مكانه ويكلم نفسه):
"يعني أنا اللي وعدتها إني أديها مساحتها، أنا اللي قلت هسيبها تبني نفسها. طب ليه قلبي بيتشد كده كل ما بتتكلم حد؟ هي حرة، وهي قوية، بس أنا... أنا مش قادر أتعامل مع فكرة إن حد غيري يشوف نورها."
عاصي (في سره):
"يعني كل ما تبصي لحد غيري أفضل كده على نار؟ أنا اللي قلت أديها المساحة، أنا اللي وعدت نفسي أكون راجل كبير وعاقل، بس طلعت طفل بيغير وبيتحرق من جوه كل مرة تضحكي لحد غيري."
(يسند ظهره على الحيطة، يغمض عينيه، بيحاول يستجمع أعصابه، لكن قلبه بيخونه)
"هي زهرة، بس مش أي زهرة، دي زهرتي أنا. اللي كل يوم بتثبتلي إنها أقوى من أي وجع. وأنا؟ أنا مجرد راجل بيحبها، وبيحاول يتعلم إزاي يكون على قد حبها."
عاصي كان لسه قاعد مكانه، حاسس بخطواتها، يرفع عينه، ويرى زهرة واقفة قدامه. صمت مفاجئ يسيطر.
يقف فجأة، يحط إيده على دماغه، كأن تفكيره وجعه، ويتنهد بعمق، وبعدين يقعد على الكرسي.
يحط كوعه على المكتب، ويسند راسه بإيده، ويبص قدامه بشرود.
عاصي (بنبرة داخلية مهزوزة):
"أنا لازم أتعلم أثق فيها، واثق في نفسي. أنا مش بحبها وبس، أنا لازم أحبها بالطريقة اللي تديها أمان مش سجن."
عند باب المكتب تقطع شروده دقة الباب.
زهرة (تهمس وهي واقفة قدامه):
"ينفع أدخل؟"
عاصي (يقوم وهو متفاجئ، لكن صوته هادي):
"إيه؟ حصل حاجة؟"
"الباب مفتوح، وأنتي مش محتاجة إذن."
زهرة (بصوت واطٍ مرتبك):
"مفيش، يعني، مش عارفة. كنت شايفك بتبص علينا من الشباك، خفت تكون متضايق، ولا يمكن أنا اللي كنت خايفة؟"
عاصي يقرب منها شوية، بس بيحافظ على المسافة. بيحاول يكون متزن، رغم إنه جواه بركان.
عاصي (بنبرة فيها صراع):
"أنا مش من حقي أزعل. قلتلك من الأول، ليكي حريتك. بس الصراحة، لما بشوفك بتضحكي مع حد، بحس إن قلبي بيغير حتى لو مش لازم."
زهرة تبص له، وتحاول تبين القوة، لكن عينيها بتلمع بنقطة وجع حنونة.
(زهرة تدخل، تقفل الباب وراها، تقف ساكتة شوية، وبعدين تقول):
"كنت جاية أقولك، أنا مابحبش أبرر، بس اللي شوفته من شوية ما كانش حاجة تستدعي نظرة زي دي."
عاصي (يرفع عينه، نظرة مباشرة فيها شوق مكتوم):
"أنا اللي لازم أعتذر. عيني مش ملكي، بس قلبي كمان مش مطاوعني."
زهرة (بصوت متأثر):
"أنا هنا عشان أتعلم، أكون أقوى، مش عشان أرجع أتوجع من نظراتك وسكوتك."
عاصي (بهدوء):
"وعدتك إني مش هضغط، وهفضل عند وعدي. بس لو قلبي اتكلم، ماتلومهوش، ده لسه متعلق بواحدة، وعدته إنها مش هتبص لحد تاني، بس أول ما بدأت تتنفس، ابتدت تخطف قلوب الناس كلها."
زهرة (بهمسة):
"ولو رجعتلك؟"
عاصي (بنظرة فيها حب مكبوت):
"يبقى أنا عشت تاني."
زهرة:
"وإنت لما بتبعد، قلبي بيتشد أكتر. مش عايزك تراقبني، بس كمان مش عايزك تمشي. أنا أصلاً... معرفش أرتاح غير وانت حواليا."
عاصي يتنهد، يبص في عينيها، ويبتسم ابتسامة خفيفة لكنها صادقة.
عاصي:
"كل مرة بنهرب من بعض، بنرجع لنفس النقطة. بس المرة دي، نفسي نكمل لآخر السطر."
زهرة تنزل عينيها، وتقول بهمس:
زهرة:
"بس السطر لسه فاضل فيه شوية وجع. ممكن تستنى عليا لحد ما أكتبه كله؟"
عاصي (بصوت واثق وناعم):
"هستنى، وهسيبلك القلم. بس وعديني لما توصلي للنقطة، تكوني لسه شايفاني."
يبتسموا الاتنين، ومش لازم أحضان ولا لمس، لأن العيون في اللحظة دي قالت كل حاجة.
نهار دافئ، والشمس بتلمع على بوابة السجن. الباب الحديدي بيتفتح ببطء، وصوت خطوات تقيلة بيقرب. زياد خارج، ملامحه متغيرة، شعره أطول شوية، ودقنه مشذبة على السريع. عيونه فيها حزن سنين، بس كمان فيها نور خفيف، نور الحرية.
واقف قدام البوابة، بياخد نفس عميق كأنه أول نفس من شهور. بيلف وشه ناحية اليمين، يلاقيها، ياسمين.
كانت واقفة على بعد خطوات، لابسة جينز وبسيطة جدًا، وشها كله دموع بس ضحكتها واسعة قوي، جواها ارتباك وفرحة مش قادرة تخبيها.
ياسمين (بهمس باكي):
"زياد..."
زياد يوقف مكانه، عينه بتلمع، ما بين الذهول والخوف، كأنه مش مصدق إنها لسه مستنياه.
زياد (بصوت مبحوح):
"كنتي... فعلاً هنا؟"
تجري عليه ياسمين، مش بتفكر، مش بتتردد. حضنته بكل وجعها، بكل شوقها. هو اتجمد لحظة، وبعدين لف دراعه حواليها، كأنه بيحضن الحياة نفسها.
ياسمين (من غير ما تسيبه):
"وحشتني... وحشتنا... وكنت مستنية اللحظة دي من يوم ما دخلت. بس مكنتش مصدقة إنك هتخرج."
زياد (بصوت هادي):
"ماكنتش مصدق إن حد لسه بيحبني..."
ياسمين (بضحكة باكية):
"مش بس بحبك... أنا متأكدة إنك ضحية، حتى لو الناس ما صدقتش، أنا صدقت. وقلبي فضل جنبك."
يسيبها شوية ويمسك إيديها الاتنين، ويبص في عينيها.
زياد:
"أنا طالع إنسان جديد. مش هغلط تاني، ومش هسيبك تاني. ولو هبدأ حياتي من أول وجديد، عايز أبدأها بيكي."
ابتسمت ياسمين بخجل، وتشد إيده تمشي بيه بعيد عن بوابة السجن.
بعد خروجه من السجن، أنا عايز أزور قبر نيفين.
هزت رأسها ياسمين بالتأكيد وراحوا مع بعض.
مقابر بسيطة، شجر ناشف بيهتز بهوا خفيف، وزياد واقف قدام قبر نيفين، حاطط وردة بيضة على التراب، وعيونه مليانة ندم.
المشهد صامت شوية، مفيش غير صوت خطواته، وهو بيقرب من القبر، ويحط الورد، ويركع على ركبته قدامه. يخرج نفس طويل، ويحط إيده على الحجر.
زياد (بصوت متكسر):
"نيفين... معرفش لو روحك هتغفر لي، ولا لا. ولو ربنا هيسامحني، بس... أنا هنا النهاردة عشان أقولك كل اللي مكنتش عارف أقوله وأنا جوه، ولا حتى قبل كده."
يسكت لحظة، عينه بتدمع، ويرجع يكمل.
زياد:
"مكنتش سبب موتك، بس كنت سبب سكوتي. كنت جبان، وضيعت حقي وحقك. كنت خايف أواجه اللي عملوه فيكي، كنت تايه، ضايع..."
يقرب إيده من التراب ويكمل.
زياد:
"بس خلاص، اتسجنت، واتعلمت، وقسيت، واتولدت من جديد. وياسمين فضلت جنبي، وعرفتني يعني إيه الحب الحقيقي. بس إنتِ... إنتِ هتفضلي جرح مفتوح في قلبي، لحد يوم ما نتحاسب قدام ربنا كلنا."
يقوم من على الأرض، ويمسح التراب من على هدومه، ويتنهد تنهيدة طويلة.
زياد (بهمس):
"ادعيلي تسامحيني، وادعيلي أبقى بني آدم يستحق يعيش بسلام."
يمشي زياد، بس كل خطوة بياخدها من القبر، بتكون بداية لغفران جديد. ملامحه فيها ندم، بس كمان فيها تصميم إنه يكون إنسان أحسن.
سألته ياسمين عايز تروح فين.
رد زياد: "نزور أهل نيفين. ده وعد وعدته لنفسي."
بيت أهل نيفين، مساءً، الإضاءة هادئة.
الباب يُفتح بهدوء. زياد واقف على العتبة، ملامحه باهتة، عينه فيها وجع سنين، وياسمين جنبه، إيديهم مش متشابكة، بس القرب بينهم واضح. الأم تطلع تبص، وبعدين الأب يخرج وراه. اللحظة بتكون صامتة ومليانة ارتباك.
زياد (بصوت منخفض، وعينه في الأرض):
"مكنتش أتخيل إني هقابلكم تاني. بس جيت عشان أقول كلمتين، من القلب."
سكون. الأب يهز رأسه، كأنه بيقول له: "كمّل."
زياد (يتنهد، ونبرة صوته تهتز):
"أنا غلطت. غلطت كتير. وضيّعت بنتكم، وضعت نفسي، وضيعت ناس تانية. بس السجن علّمني، وزهرة... زهرة فتحت عنيا على إن فيه ناس لسه نضيفة في الدنيا، ناس زيها، بيضحوا عشان كلمة حق، حتى لو العالم كله ضدهم."
ياسمين تبص له، عينيها فيها دموع فخر وحزن في نفس الوقت.
زياد (ينظر للأب والأم):
"أنا النهاردة طالع من السجن بس مش نفس زياد. أنا تايب. وبتمنى تسامحوني، مش بس عشان نيفين الله يرحمها، لكن عشان أنا عايز أعيش بقية عمري إنسان حقيقي."
الأب يقرب خطوة، والأم عينيها بتدمع، بس ما بتتكلمش.
زياد (يكمل والندم مالي صوته):
"أنا وياسمين... عايزين نبدأ من جديد، والنهاردة جايين نطلب منكم تكونوا شاهدين على بداية دي. نكتب كتابنا في وجودكم، ونعتبركم أهل لينا. يمكن مقدرش أعوضكم، لكن وعد، إنكم تشوفوا مننا خير."
الأم تبص لياسمين، تدمع وتفتح دراعها ليها. وياسمين ترتمي في حضنها، دموعها بتنزل بحرارة.
الأم (بصوت متكسر):
"نيفين ماتت. بس لو كانت هنا، كانت هتسامحك، لأنها كانت طيبة. الله يسامحك يا ابني، وربنا يثبتك."
الأب (بحزم طيب):
"لو كنت فاكر إننا كرهناك، تبقى غلطان. إحنا كرهنا نفسنا. جرينا ورا الفلوس كانت النتيجة بنتنا ضاعت. وأهو ربنا رجّع لك عقلك، ومحدش معصوم."
زياد يغمض عينه والدموع تنزل. يمد إيده للأب، والأب يسلم عليه بحزم.
زياد (بصوت مبحوح):
"متشكر... على إنكم سبب إن الحكم يتخفف، وإن ضميري يرتاح. وعارف إن زهرة مش هنا، بس هي كانت السبب. وعمري ما هنسى."
ياسمين تبص له، وتقول بهمس وهي ماسكة إيده:
ياسمين:
"إحنا هنبدأ من أول وجديد... مع بعض."
الأب يدخل أوضته بهدوء، وبعد لحظات يرجع شايل ملف كبير، يمدّه لزياد.
زياد (باستغراب):
"إيه ده؟"
الأب (نبرته هادية لكن حاسمة):
"دي أوراق شركة. اشتريتها من فترة، وكنت ناوي أفتحها لبنتي. بس نصيبها تروح. وعلى رأيي: اللي يسامح، لازم يساعد كمان."
زياد (يتلبك):
"بس... بس يا عم الحج. أنا مش جاهز، ولسه خارج من..."
الأب (يقاطعه):
"مش عايز أسمع ماضيك تاني. سمعته كفاية. أنا مش بديك صدقة، أنا بديلك فرصة تثبت إنك فعلاً اتغيرت. وإنك تستاهل بنتي ياسمين وتجعل لحياتي روح."
زياد يبص للورق، وعيناه تتملي دموع، وبصوت مهزوز بيقول:
زياد:
"أنا هثبتلك ده. هخلي الشركة دي تكبر، وتكون سبب رزق لناس غيري. وتكون فخر ليك ول نيفين. ولنفسي قبل أي حد."
الأم (بابتسامة دافئة):
"الماضي مش بيتنسي يا زياد. بس ممكن نختار نعيشه إزاي بعد كده."
ياسمين تمسك إيده، وتبص له بثقة:
ياسمين:
"وأنا هكون جنبك في كل خطوة. بس إياك تضعف تاني، أو تتهرب. المواجهة هي أول طريق الغفران."
زياد (يهز رأسه):
"وعد. دي بداية جديدة، مش بس لحياتي، لكن لضميري كمان."
بيت الحج محمد، جو ريفي بسيط، الشمس قربت تغرب، والدخان طالع من براد الشاي على المصطبة. الحج محمد قاعد ماسك سبحة في إيده، ووشه فيه ملامح تفكير عميق.
يقطع شروده صوت خبط على الباب.
أحد الشباب (من رجال عمّه):
"يا حاج محمد. معلش يا عم، عندي خبر مهم. بس لازم تقعد قبل ما تسمعه."
الحج محمد يرمقه باستغراب، بيقوم واقف وهو بيعدل جلبابه.
"قول، هو في إيه؟ خير؟"
الشاب (بتردد):
"ابنك... بلغ عن حد للشرطة. شافه بعينه وهو بيوزع مخدرات قدام المركز الزراعي."
الحج محمد (بعصبية):
"وإيه علاقة ده بيا؟!"
الشاب (ينزل عينه):
"اللي شافه... كان سليم."
صمت رهيب. الحج محمد يتجمد مكانه، عينه بتترج، وإيده توقع السبحة من غير ما يحس.
الحج محمد (بصوت مخنوق):
"سليم؟ إبن ولدي؟!"
الشاب:
"أيوه. هرب لما شاف ابنك، بس كان في ناس صوروه. والموضوع وصل للنيابة."
الحج محمد يقعد على أول حجر جنب الحيط، وهو بيحاول يلم نفسه.
الحج منصور (بصوت مبحوح):
"أنا سكت، وسندته، وقلت يمكن يتصلح. بس ده طلع عار. مش بس خان بنتي، ده خاننا كلنا."
بعد شوية.
يخرج من بيته، ينادي على جاره الكبير، وعلى الراجل اللي كان بيخطب له واحدة من البلد، ويقول لهم بكل حسم:
الحج محمد:
"بلغوا الناس إني أطلق سليم من زهرة. مش هينفع أبدأ."
الناس واقفين مصدومين. صوت أذان المغرب يعلو، والحج منصور يرفع عينه للسماء.
ليلة كتب كتاب صالح، والد زهرة، وسط فرحة بسيطة من أهل البلد، زغروطة هنا وضحكة هناك، وولاد بيلعبوا حوالين الكراسي البلاستيك والفرش المفروش في الحوش الكبير.
الحاج محمد واقف جنب ابنه صالح، بيمضوا على قسيمة الجواز، والعروسة قاعدة في هدوء وسط الستات، والناس بتبارك.
كل حاجة كانت ماشية طبيعي. لحد ما اتفتح باب البيت فجأة بصوت عنيف.
ظهر سليم، هدومه متبهدلة، عينه حمراء، ووشه متقلب، ويده مرفوعة. فيها مسدس.
سليم (بيصرخ بصوت مفجوع ومجنون):
"بـتتجوز يا شيب؟! بعد ما طلقتني من بنتك وسفرتها برّا؟! بتتجوز وانت عارف إن بنتك ماشية على حل شعرها؟!"
الناس كلها قامت فجأة، الستات صرخن، العروسة وقعت في حضن أمها، والرجالة اتحركت تحوش، لكن سليم كان بيهدد أي حد يقرب.
سليم (بصوت هادر):
"اللي يقرب أضربه. أنا مش هسكت. مش بعد ما رميتوني زي الكلب، والبنت اللي كانت لي بقيت بعيد عني واجبرتوني أطلقها وسافرتها. أنا اللي كنت لازم يتعملي فرح كده."
صالح واقف، وشه مش باين عليه أي خوف، لكن الجد محمد اتحرك خطوة قدام، ووشه مليان غضب مكتوم.
الحاج محمد (بصوت ثابت):
"خليك فاكر إنك كنت وصمة عار، ووشك ده مش مفروض يدخل البلد دي تاني. ولو رجّالتك جابتك، يبقى تتدفع التمن."
سليم (بجنون):
"كلكم هتموتوا... كلكم..."
وفي اللحظة دي.
صوت طلق ناري بيشق الليل. والناس تصرخ، في دوشة، وفيه اللي بيجري، وفيه اللي بيقع.
والكاميرا تتجمد على وش الجد محمد، وهو بيبص لتحت. والدم بيبدأ يظهر في طرف جلابيته.
الطلق الناري رجّ المكان. صوت صرخة عالية خرجت من واحدة من الستات، وسليم واقف بيتنفس بصعوبة، إيده لسه مرفوعة بالمسدس.
كل الناس بصت للجد محمد، الواقف ثابت زي الجبل. لكن الدم بيقطر من طرف جلابيته.
الحاج محمد (بصوت هادي لكن مخنوق):
"الرصاصة دي... مش أول ألم يعدّي عليّا. بس أوعدك... هتكون آخر وجع منك يا سليم."
الناس اتجمعت حواليه، وصالح جري ناحيته وهو بيصرخ:
صالح:
"يابااااا!!"
سليم واقف، ملامحه تهتز، كأنه مش مصدق اللي عمله. صوته واطي وهو بيقول:
سليم (بتمتمة):
"ماكنتش... ماكنتش أقصد أأذيك. كنت عايز أرجع اللي راح مني. كنت بحبها..."
وفجأة، ييجي صوت عربية شرطة وهي بتفرمل جامد قدام البيت، وأصوات صياح وضباط بينزلوا.
ضابط (بصوت عالي):
"محدش يتحرك! سلم السلاح يا سليم. إنت مطلوب في قضايا مخدرات وهروب من العدالة!"
سليم يبص حواليه، عينه تدور على الوجوه، كأنه بيدور على مخرج. لكن مفيش، الأرض ضاقت عليه.
رواية زهرة العاصي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم صفاء حسني
صالح شايل أبوه في حضنه، والناس بتحاول توقف الدم، بينما الجد محمد بيتمتم بهدوء:
الجد محمد:
ـ "قولوا لزهرة... إن جدها كان راجل... وهو اللي باعها وكان يدفع التمن."
الكلمات دي نزلت على قلب صالح زي السكينة، ولحظة دخول الإسعاف، سليم كان بيتكتف، والناس كلها بتبص له بنظرات قهر واحتقار.
الإضاءة ضعيفة... ممرات المستشفى الريفي بسيطة، فيها أصوات أجهزة بتشتغل... الكاميرا تمر على عيون قلقانة... زينة قاعدة على طرف الكرسي، إيدها بين إيدي الجد عزيز، وياسمين واقفة بتتكلم في التليفون.
الليل ساكن، "ياسمين" قاعدة على كرسي في المستشفى.
ياسمين (بصوت دافي):
ـ "أيوه يا زياد؟ طمني... حصل جديد؟"
زياد (صوته جاد، لكنه حنون):
ـ "لسه راجع من النيابة... سليم خلاص، اتأكدت كل البلاغات ضده، والتحقيقات ماشية بشكل سريع، لأنه متورط في قضايا تانية غير المخدرات... كان تحت المراقبة من فترة طويلة."
ياسمين (بدهشة):
ـ "يعني ماكنش مجرد صدفة إنه يظهر يوم كتب كتاب عم صالح ؟"
زياد (بيتنهد):
ـ "بالعكس... كان ناوي يعمل حاجة كبيرة، أما عثمان عم زهرة ومراته؟ منهارين... بيحاولوا يفهموا إزاي واحد من عيلتهم يوصل للدرجة دي."
ياسمين (بحزن):
ـ "هو كان فاسد من جوه من زمان... بس كانوا بيغضوا الطرف...أنا حاسة إن دي نهاية مرحلة، وبداية جديدة لينا كلنا."
زياد (بهدوء):
ـ "أنا مش ناسي إنك السبب في خروجي من اللي كنت فيه... وكمان..."
يسكت شوية، كأنه بيحاول يختار كلماته عشان ما يجرحها.
ـ "...وكمان زهرة هي اللي خرجت الشر اللي جوانا... هزتنا... أنا مش عارف إزاي كنت وحش كده."
ياسمين تبتسم، ابتسامة دافية، عينيها فيها فهم وحنين:
ياسمين:
ـ "وأنا مش ناسية إن هي اللي علمتني أحبك من غير ما أستنى مقابل...قالت لي: دعمك ليه ووقوفك جنبه مش بينسيك اللي عمله،بس بيرجع لك قلبك الحقيقي...رجعتني أصدق إن التوبة ممكن تغير البني آدم...أنا فخورة بيك يا زياد."
زياد ياخد نفس عميق، عينه تدمع شوية من غير ما يبين:
زياد:
ـ "هي كانت البداية...بس إنتي... إنتي اللي كملت الرحلة."
ياسمين تقعد ، تبص قدامها شوية، وبصوت فيه لمعة وجع وأمل:
ياسمين:
ـ "عارف وقت ما أنقذتني من العصابة؟أنا كنت عارفة إنك عملت كده عشان تطلع زهرة بريئة...بس لما حكيت لي اللي حصل في نادية...وإزاي حرموها من طفلها عشان تفضل في شغلهم الوسخ...احتقرت نفسي أوي، حسيتني كنت على حافة نفس الجريمة."
ـ "بس لما دخلت الإنعاش، وأنا واقفة مستنية تطلع...وعرفت إني حامل...قررت...مش هكون زيهم،مش هكرر نفس الغلط،هبدأ من جديد،عشان الطفل ده،وعشانك،وعشاني."
يصمتوا شوية... صمت مليان أمان، وتفاهم... صوت أنفاسهم بس هو اللي ماشي في الخط.
زياد (بصوت واطي):
ـ "أنا جنبك... وابنى يتربي في الحلال فى حضن أمه وابوه واصلي كتير ل ربنا يسامحني واعوض في كل حاجه وحشة عشتها وجنب كل اللي نضفوا قلبهم من اللي فات...وزمان هيتنسى، واللي جاي أجمل."
كان زياد بيتكلم في التليفون ، لكن فجأة صوت صريخ وخبط جاي من ...
صوت رجالة:
ـ "اقف مكانك! ما تهربش!"
صرخات، دوشة، خطوات بتجري، وزياد بسرعة بيقوم واقف...
ياسمين (بقلق وهي ماسكة الموبايل):
ـ "إيه الدوشة دي؟ فيه إيه عندك ؟"
زياد يخرج براء القسم، يشوف رجال الشرطة بيجروا في الشارع، وأصوات أوامر واضحة.، ويتكلم مع واحد من الظباط اللي واقفين.
زياد (بصوت قلق):
ـ "خير يا حضرة الظابط؟! في إيه؟"
الظابط يقرب منه، وبيتكلم بصوت هادي بس فيه حزن:
الظابط:
ـ "سليم عثمان محمد الصعيدي... وهو بيترحّل حاول يهرب...جري منّا في لحظة فوضى...اضطرينا نطلق عليه النار."
شهقت ياسمين من الصدمة وهي لسه على التليفون، دمعة نزلت على خدها:
ياسمين (بهمس):
ـ "سليم؟!"
زياد سكت لحظة، قلبه واجع من الصدمة، عنيه شاخصة للشارع، والظابط بيكمّل:
الظابط:
ـ "للأسف... فارق الحياة."
زياد يتنهد، ويبص للسما هو وياسمين وكأنهم بتسألوا السؤال اللي جواهم:
زياد (بصوت مكسور):
ـ "كان ممكن نهايتنا تبقى كده...نفس الطريق... نفس النهاية...لو ما لقيناش نور ربنا... ولا زهرة ورامى والدكتور كريم"
ياسمين تبكي بصوت خافت، تحس بالخوف، تحس بقيمة الفرصة التانية، تحس إن الشر لو ما اتوقفش في الوقت المناسب... ممكن ياخد الروح قبل ما تتوب.
وزينة وجدوا عزيز وغفران اهل نيفين
يسود الصمت... لكن الصدمة فضلت محفورة جواهم... واللحظة علمتهم أكتر من أي موعظة.
قطع شروطهم خروج الدكتور من غرفة الطوارئ):
ـ "الحمد لله، الرصاصة سطحية... بس لازم يفضل تحت الملاحظة كام ساعة، عشان عمره وحالته الصحية."
الكل يتنفس بارتياح، وزينة تبكي وهي بتحضن يد جدها.
بعد ما يفوق تدخل زينة بلهفة :
ـ "كنت هتروح مننا يا جدي... قلبي كان هيقف!"
الجد محمد (يحط إيده على كتفها):
ـ "ربنا ستر... لسه عندنا حاجات نخلصها قبل ما نمشي."
ياسمين تقفل المكالمة، تمسح دموعها بصوت مخنوق:
ياسمين:
ـ "زياد بلغني حالًا... سليم حاول يهرب، وكان معاه سلاح... الشرطة حاصرته... ولما حاول يضرب، ضربوه... ومات في ساعتها."
الكل يسكت فجأة... لحظة صمت تقيلة جدًا، فيها ارتباك ومشاعر متداخلة... الجد محمد يسمع الكلام وهو على سريره، يتنهّد ويغمض عينيه.
الجد محمد (بصوت مبحوح):
ـ "اللي زرعه... حصد نتيجته... بس زهرة... متعرفش دلوقتي."
زينة (بدهشة):
ـ "بس يا جدي... لازم تعرف! سليم سبب كل اللي حصلها..."
الجد محمد (بحزم رغم ضعفه):
ـ "أنا قلت... لأ! زهرة حالتها لسه بتتوازن... كفاية اللي شافته... متجيبولهاش خبر موته دلوقتي. سيبوها تكمل حلمها... ."
الكل يبص لبعض وميقدروش يعترضوا...
ياسمين تقرب من الجد وتبوس إيده.
ياسمين (بصوت مبحوح، وهي بتبص له في عينه):
ـ "ربنا يخليك لينا يا جدي...ممكن أكون مش حفيدتك،ولا من العيلة،وممكن كلكم شاكّين فيّا عشان علاقتي القديمة مع زهرة...بس أنا اتغيّرت، والله اتغيّرت."
يسكت الكل، وهي تكمل بنبرة فيها كسرة قلب:
ياسمين:
ـ "هي السبب...كلامها كان زي المشرط...آه، بيجرح،بس بيشيل الورم،بيفتح القلب...أنا كنت بضحك عليها،كنت باستهزأ بيها لم قالتلي 'لسه عندك فرصة تختاري الستر وتقربي من ربنا'...كنت معميّة، غبية،بسمع أوامر وبس...لكن الأيام...علمتني، وربنا هداني...وهي مسجونة،ربنا سخّرها لينا."
تصمت لحظة، وبصوت يرتجف تكمّل:
ياسمين:
ـ "كلنا لفينا حواليها...عشان نبرّاها بس هي كانت الصح الوحيدة،اللي شايفة...اللي ماشية في النور."
الجد محمد عنيه تدمع، وهي تقرّب منه خطوة:
ياسمين (بحزن عميق):
ـ "والا كان السبب في إنها تفقد ثقتها،وكنت من اللي ضغطوا عليها،زى سليم وكنا بنشوف الدنيا من فتحة ضيقة...بس ربنا كبير،وهو اللي كتب النهاية دي...واللي طهّرنا بيها."
تنزل دمعتها، وتبص في الأرض:
ياسمين:
ـ "عاوزاكم تسامحوني...
الجد محمد يقف، ويمد إيده يهزّها بلُطف...
الجد (بصوت فيه حنية):
ـ "اللي يتوب،ربنا يسامحه،وإحنا كمان...مسامحينك يا بنتي... ربنا يثبّتك."
تنهار ياسمين في حضنه، والكل يدمع من المشهد، لحظة غفران حقيقية بعد سنين من الوجع.
"زهرة" وهي قاعدة على دكة في ساحة الجامعة، ضهرها للكل، عينيها شايلة قلق كبير... في إيدها المصحف، وبتهمس بدعاء وهي بتاخد نفس عميق.
زهرة (في سرها وهي بتبص للسماء):
ـ "يارب... إني وكلتك على قلبي، على تعبي، على غربتي... وعلى جدي...مش عارفة ليه قلبي واجعني، بس أنا واثقة إنك مش هتسيبني لحالي، ولا هتسيب حد فيهم يتألم..."
تدخل طالبة تنادي باسمها، وتقولها إن الامتحان قرب يبدأ... زهرة تهز راسها، وتدخل اللجنة... المشهد يتنقل وهي بتكتب، مركزة، بس كل شوية تبص في الساعة... عينيها مش مرتاحة.
بعد الامتحان تطلع بسرعة من القاعة، وتفتح الموبايل، تتصل بجدو محمد... مرة ورا التانية... مفيش رد.
زهرة (بهمس قلقان):
ـ "إنت عمر تليفونك ما قفل في وشي كده... يارب يكون بخير..."
تبعت رسالة صوتية، لكن الإشعار يطلع "لم يتم التسليم"...
تفكر لحظة، وبسرعة تبعت رسالة صوتية لـ زينة.
كان عاصي فى مكتبه جاله تليفون من زينة (بقلق):
ـ "ألو يا زينة؟ خير؟ صوتك غريب!"
زينة (بصوت مخنوق وفيه رعشة):
ـ "عاصي... في حاجه حصلت... سليم ظهر تاني."
عاصي (قام واقف مكانه، صوته اتغير):
ـ "إيه؟ سليم؟ فين؟ عمل إيه؟"
زينة (بتحاول تسيطر على دموعها):
ـ "ظهر يوم كتب كتاب عم صالح ... كان هربان من الشرطة...دخل علينا بالسلاح، وكان هيقتل عمى صالح .... الرصاصة جاءت فى جدى محمد ، لكن الحمد الله كانت سطحية، نقلناه المستشفى وهو بخير دلوقتي... وسليم؟ مات، الشرطة ضربته بعد ما حاول يهرب."
عاصي (صوته واطي من الصدمة):
ـ "يا رب.. كل ده يحصل وأنا مش موجود "
زينة (بتتنهد):
ـ "شكله كان مترصد، ويمكن عرف من حد...المهم دلوقتي إن جدو محمد بخير، بس مش عاوزين زهرة تعرف... جدك قال نخبي عليها لحد ما تخلص امتحاناتها... نفسيتها مش مستحملة."
عاصي (بغصة):
ـ "وأنا ماكنتش جمبه ولا جنبكم...وفعل لو زهرة عرفت هتقرر ترجع وفى إمتحانتها ، ربنا ستر."
زينة (بصوت حنين):
ـ "مش مهم كنت فين يا عاصي، المهم إنك معها دلوقتي وهي حاسة بيك، حتى لو فى مسافة ما بينكم... بس صدقني، بتتغير، وبتقوى."
عاصي (بهدوء ممزوج بالعزيمة):
ـ "أنا هجاي... أول ما تخلص امتحاناتها، هرجع بيها، وهكون جمبكم...كل حاجة كانت بتضيع، بس دلوقتي وقت الترميم."
زينة (بابتسامة حزينة وهي بتتكلم في موبايلها):
ـ "وإحنا جاهزين...الدنيا بتعلم،والقلوب اللي صفت لازم تبدأ من أول سطر."
تسكت لحظة، وبعدين تقول بسرعة وانفعال:
ـ "أهم حاجة...أنا هكلمها فيديو دلوقتي،ولازم تكون جنبها...اعمل أي حاجة عشان متعرفش اللي حصل عن جدك...لو شكت بس، ممكن تنهار!"
عاصي شد نفسه، عينه بتلمع بالقلق، وصوته منخفض بس حاسم:
ـ "هروح دلوقتي... اقفلي انتي، وخليني أتحرك."
زينة:
ـ "اقفل دلوقتي وروح عندها بالله عليك!"
هز رأسه، وقال:
ـ "حاضر."
يقفل المكالمة بسرعة، ويخرج من مكتبه وهو شبه بيجري...الممرات فاضية إلا من أصوات خطواته السريعة، يدخل سكشن... مش هي هناك، يفتح باب المدرج... مفيش، يسأل بنت طالعة:
عاصي (بقلق):
ـ "لو سمحتي... الدفعة اللي فيها زهرة كانت فين دلوقتي؟"
البنت (بتفكر):
ـ "أظن شوفتها في الكافيتريا تحت... كانت قاعدة لوحدها."
قلبه دق، جرى على السلالم، نفسه بيدق، وعرق خفيف على جبينه...
أول ما دخل الكافيتريا... لمحها من بعيد، قاعدة جنب الشباك، في ضوء نازل على وشها، ماسكة موبايلها، وبتبص فيه بتوتر.
ـ "زينة... بالله عليكي، طمنيني على جدو، أنا قلبي مش مرتاح، بقالي أيام بحاول أكلمه... قوليلي إنكم بخير."
بعد شوية ترد زينة برسالة صوتية تطمنها:
زينة (بصوت طبيعي):
ـ "يا بنتي اطمّني، تليفونه باظ ولسه في الصيانة، بس هو زي الفل، حتى بيقعد يزعق عشان مش بيعرف يتواصل معاكي. لو عايزة، كلّميه من تليفوني فيديو بعد شوية؟"
زهرة تتنفس براحة شوية، وترد:
زهرة:
ـ "أيوه... عايزة أشوفه، ضروري، قلبي محتاج أشوفه دلوقتي."
"زينة" بتبص على الجد محمد وهو نايم على سرير المستشفى، ماسك مسبحته، ووشه هادي... وبتعض شفايفها بحيرة.
قرب منها بخطوات سريعة، وقبل ما تلاحظ وجوده... مد إيده بلُطف، حطها على الكرسي جنبها، وصوته هادي لكنه حاسم:
عاصي:
ـ "لو هتفتحي الفيديو دلوقتي...ممكن تسمحيلي أكون جنبك؟"
زهرة اتفاجئت، رفعت عينيها له، ولسانها اتلجم من الصدمة... قلبها حس بيه قبل ما يفهم عقلها هو جاي ليه.
في اللحظة دي، بيرن الموبايل... واسم زينة بيظهر على الشاشة... وزهرة بتبص لعاصي باستفهام.
زهرة (بصوت واطي):
ـ "هو في حاجة؟"
عاصي (بيحاول يخبي ارتباكه، بس عينه باينة فيها التوسل):
ـ "لا...انتى ناسي ان جدك موصينى عليك عايز اطمنه"
كانت مسك زهرة الموبايل بإيد، وعينيها بتلمع من الشوق... الشاشة تفتح على "الجد محمد"، قاعد في غرفة شكلها غريب، الإضاءة ناعمة، بس الخلفية مش مألوفة...
زهرة (بضحكة خفيفة):
ـ "ياااه، نور الدنيا كلها!فينك يا جدّي؟ بقالك أيام قافل، وحشتني."
الجد محمد (بصوت هادي ومحب):
ـ "كنت بدعيلك، وبدعي إن ربنا يفرح قلبك، ويكرمك بحياتك الجديدة...إنتي بخير يا بنتي؟"
زهرة (بهمس):
ـ "أنا بخير بس... المكان اللي وراك مش بيتنا يا جدي...إنت بتكلمني منين؟"
الجد يسرح لحظة... يتنهد، وبصوت مطمّن:
ردت زينة وقالت
هو هنا في القاهرة اقعد معايا انا وجدى عزيز انتى ناسي فرحى قرب
زهرة تبتلع ريقها، وشكوكها بتزيد، لكن بتسكت... فجأة، يمسك إيدها عاصي برفق، ويبص في عيونها، وهي لسه مدهوشة.
عاصي (بصوت دافي):
ـ "مساء الخير يا جدو...أنا عند حفيدتك، وعندي طلب..."
الجد محمد على الشاشة يبتسم رغم ضعفه.
أتفضل يا أبنى
عاصي:
ـ "ممكن أطلب إيد زهرة؟أنا مش جاي آخدها منكم...أنا جاي أطلبها منك...ومنها."
زهرة تفضل سكتة، الدموع في عينيها، مش عارفة ترد، عينيها راحت من جدها لعاصي، وكل اللي جواها بيتصارع: الحب، الخوف، الحنين، والتصديق.
الجد محمد (بابتسامة كبيرة):
ـ "أنا قلبي كان مطمن ليك من زمان...بس كنت مستني اللحظة دي،وربنا جمعكم،فخليها تكون بداية جديدة...قلبين بيتعلموا يعيشوا... مع بعض."
زهرة تبص لعاصي، وتهمس وتصدم الجميع
ـ "أنا مش جاهزة أتجوز دلوقتي...
رواية زهرة العاصي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم صفاء حسني
زهرة تبص لعاصي، وتهمس وتصدم الجميع.
"أنا مش جاهزة أتجوز دلوقتي... لكن جاهزة أصدق إن في حد فعلاً... مستني القلب لما يتصلح."
عاصي (بابتسامة):
"وأنا جاهز أستنى... طول ما انتي معايا، كل حاجة تستاهل الانتظار."
زهرة بصّت له، والدموع لمعت في عينيها، صوتها كان بيترجف وهي بتهمس:
"ليه بتحبني كده؟ ليه مستحملني كل الوقت ده؟ ليه مزهقتش؟... ولا مليت؟"
عاصي قرب خطوة، لكن وقف مكانه... عينه فيها شوق، وفيها وجع، بس كمان فيها إصرار مش بيتهز:
"عشان معرفتش أكون غير وأنا بحبك... كل مرة كنت بفتكر إنك ضيعتي منّي، كنت بحس إن فيّ حاجة بتموت... بس لما برجع أشوفك، حتى لو بتبعدي، كنت بحس إني لسه حي."
زهرة دموعها نزلت، مش عارفة ترد... إيدها كانت بتترعش وهي بتحاول تخبيها في الجيب بتاع الجاكت.
عاصي (بهدوء مؤلم):
"أنا مكنتش مستني كلمة "بحبك" عشان أطمن... كنت مستني اللحظة اللي تبصيلي فيها وأنا شايف في عينيكي أمان، مش خوف..."
يسكت لحظة، وبعدين يكمل بصوت واطي قوي، كأنه بيكلم قلبها مش ودنها:
"مش مهم نتجوز دلوقتي... لكن مهم نكمل الرحلة سوا، نصلّح كل حاجة، حتى لو كانت واحدة واحدة... أنا مستعد... بس إنتي، مستعدة تفتحي الباب؟ ولو بشق صغير؟"
زهرة تبص له، بس المرة دي، عنيها مفيهاش بس دموع... فيها لمعة أمل، خيط نور صغير بين الخوف والتصديق.
ترد وهي بتحاول تسيطر على رعشة صوتها:
"لو لسه واقف، أنا هافتح الباب... بس استحملني وأنا باتنفس من تاني."
عاصي ابتسم... ابتسامة كانت أهدى من السلام، وأعمق من الحب، كأنه لقى نفسه أخيرًا بعد ما ضاع فيها.
***
في باحة المستشفى الريفي – ظهراً – الجو دافئ والنسيم بيحمل ريحة مطر قديم ولسه الأرض ندية.
خرج الحاج محمد على كرسي متحرك، ملامحه هادية لكن فيها أثر تعب، لابس جلابية نظيفة وبطنية خفيفة على رُكبته.
واقفين في استقباله صالح ابنه، وعلى وشه ابتسامة حنين وتقدير، وبجنبه سماح، زوجته الجديدة، ست جميلة في آخر التلاتينات، ملامحها فيها وقار وطيبة، لابسة عباية سادة وبسيطة، وبتمسك بإيد بنت صغيرة عمرها حوالي ١٠ سنين، عيونها فيها لمعة براءة وابتسامة خجولة.
سماح (وهي تحني راسها للجد بهدوء):
"الحمد لله على سلامتك يا حاج محمد... نورت بيتك من تاني."
الجد محمد (بابتسامة خفيفة ودمعة فرحة في عينه):
"الله يسلمك يا بنتي... وبيتكم منور بأصلك الطيب."
صالح (يمسك بإيد أبوه بحنان):
"دي سماح يا بوي... بنت الشيخ عبد الرحمن، جبر الله خاطرها، وكانت أرملة، وربنا أراد يتصلح الحال... ودي بنتها فريدة، قلبها طيب زي أمها، وأنا ناوي أربيها زي ما ربيتنا."
الجد يبص للبنت الصغيرة، ويتأمل ملامحها البريئة... كانه شايف زهرة وهي صغيرة، نفس النظرة، نفس الخجل، نفس لمعة الطيبة.
الجد محمد (وهو يفتح دراعه لفريدة):
"تعالي يا بنتي... من النهاردة أنتي حفيدتي زَيّ زهرة... واللي يوجعك يوجع قلبي."
فريدة ترتمي في حضنه، وتدمع عينه وهو يحتضنها... في لحظة إنسانية صادقة.
وفجأة، ييجي عثمان، ومعاه مراته هالة، ملامحهم باهتة من الندم، لكنه متماسك، ورافع راسه برجولة فيها توبة.
عثمان (بصوت مكسور):
"يا حاج... يمكن اتأخرت، لكن جاي أطلب السماح... أنا ومراتي غلطنا كتير، فيك، وفي زهرة، وفي ابننا... عاوز أطلب منك تربي حفيدي زي ما ربيت زهرة... علمتنا إن البنت لما تتعلم وتتحب، تبقى درع لنفسها وللي حواليها... وعاوز أربي ابني على نفس الطريق."
هالة (بصوت خافت ودموع في عينيها):
"أنا مش جاية أبرر، جاية أطلب بس تديني فرصة أكون أم حقيقية... لابني وبنتي... تحت ظلك وتوجيهك."
الجد محمد يبص ليهم لحظة بصمت... بعدين يومي برأسه، وصوته ييجي فيه دفء وحسم.
الجد محمد:
"المغفرة مش ضعف... ربنا نفسه بيغفر، وأنا عبد من عباده... تعالوا نبدأ من أول وجديد، بشرط... مفيش يوم يعدي من غير ما تعلموا عيالكم يعني إيه رحمة، ويعني إيه ضهر."
يتجمعوا حواليه، سماح تمسك فريدة، وصالح يبوس راس أبوه، وعثمان يقعد جنب رجليه، كأنهم بيرجعوا لجذرهم التاني.
***
تدخل نعيمة مامت نيفين لمكتب زياد، لابسة محتشم ووشها هادي، ملامحها متغيرة.
نعيمة (بصوت فيه ندم):
"زياد... أنا عارفة إن طلبي غريب، بس لو تقدر... تاخدني أزور الحاج محمد."
زياد (بيرفع راسه من الورق، مستغرب):
"جدي زهرة ؟ ليه؟"
نعيمة (بتاخد نفس عميق):
"أنا مش مرتاحة... من ساعة المحكمة وكلامي ليه وهو قاعد مطاطي راسه وعيونه فيها وجع... مقدرتش أنسى شكله. عاوزة أطلب منه السماح... وأبوس إيده لو وافق."
زياد (بيهز راسه بإعجاب واحترام):
"والله ما توقعت منك الكلام ده... بس ياريت ناس كتير يكون عندها الشجاعة تعترف وتصلح."
نعيمة (بصوت حنين):
"أنا زهرة جرحتها كتير... بس علمتني أكتر. نفسي أفتح صفحة جديدة... مش بس معاهم... مع نفسي."
زياد (بابتسامة هادية):
"طب يلا... عندي خبر صغير كمان محتاج أعلنه عند جدي... بس نخليها مفاجأة."
الجد محمد قاعد على كرسيه المفضل، عينيه فيها حكمة وتعب.
زياد واقف جانب ياسمين، ملامحهم متحمسة.
نعيمة جاية ومعاها شنطة بسيطة، لابسة أسود وعلى وشها ملامح ندم.
زينة موجودة.
نعيمة (بصوت هادي مكسور، وهي بتبص للجد):
"جيت أطمن عليك يا حاج محمد... وأقولك... أنا آسفة."
الجد محمد (بهدوء، يرفع نظره ليها):
(فلاش باك)
زهرة واقفة جوه القفص، ملامحها منهارة بس بتحاول تتماسك.
نعيمة، أم نيفين، واقفة قدام القاضي، عيونها محمرة ووشها مشحون بالغضب والوجع.
نعيمة (بصوت عالي، مكسور من جوه):
"هي دي؟ هي دي اللي كنت بحسبها بنتي التانية؟ دخلت بيتنا، أكلت من أكلنا، نامت وسط ولادي... وفي الآخر ترجعلي بنتي ملفوفة في كفن؟!"
زهرة (بصوت مبحوح):
"ما قتلتهاش... نفسي تصدقيني... أنا ونيفين كنا أكتر من إخوات... دي كانت ضهري..."
نعيمة (تصرخ وهي بتعيط):
"لو كنتي بتحبيها كنتي حميتيها! كنت قولتي الحقيقة من الأول... لكن سكتّي، وضيّعتي كل حاجة!"
زهرة (بدموع بتنزل على خدها):
"أنا سكت... عشان كانت مهددة... كنت خايفة عليها أكتر من نفسي، والله..."
نعيمة (بصوت مرتعش، وهي تبص ناحيه الجد محمد):
"والراجل الكبير اللي واقف هناك... أنا كنت بحسبك جدها بس، طلعت حارس على وجعنا! ما حاميتهاش... ما قلناش فين راحت، ولا عملتوا إيه عشان تطلعوا الحقيقة!"
الجد محمد (بصوت هادي، بعين فيها وجع الدنيا):
"أنا لحد النهاردة ما نمتش ليلة كاملة... بس هافضل أقولها... زهرة بريئة، ونفسي ربنا يبين الحق."
نعيمة (بصوت بيكسر القاعة):
"أنا مش طالبة غير حاجة واحدة... لو في ضمير، لو في عدل... تدّيني حق بنتي!"
زهرة تنهار جوه القفص، تقع على الأرض وهي بتشهق:
زهرة:
"نفسي الدنيا تفهم... أنا اتحبست ظلم... واللي قتلها لسه حرّ."
الأنفاس تتقطع في القاعة، الكل ساكت، وكل عين بتدمع... بس ماحدش قادر يمد إيده ويخرج الحقيقة.
(باك)
"آنتي كنت قاسية على حفيدة طول أيام الجلسات وشتيمة واهانة."
نعيمة (عينها تدمع):
"أنا منكرش ... ان قلت كلام كان سكين في قلبك وقلب زهرة... قلت إنها بنت عار... وإنك ربيتها على كدب! لكن وقتها مكنش اعرف انى بنتى هى الا كانت معه، صور ل زهرة عشان تفضحها مكنتش اعرف ان ياسمين وزياد كانوا بيحاولوا يتكلموا معها، وميقصدوش يقتلوها وانى بنت من الاساس كانت واخده مخدر كتير."
الكل يسكت. حتى زينة وقفت، متأثرة، وعيون زياد تدمع بهدوء.
الجد محمد (ينظر لها بابتسامة حزينة):
"كلمة الغلط لو خرجت من وجع، بتتشال لما القلب يطيب... بس في ناس وجعتني وسكت... وإنتي على الأقل رجعتي."
زياد (بصوت ثابت ومليان حنية، بعد ما شاف الصلح بيتحقق):
"بما إن القلوب بتتصافى... أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان... وقررت أكتب كتابي على ياسمين... وعايز جدي محمد، وجدي عزيز، وعم حسين، يكونوا الشهود."
الكل يتفاجئ، بس مفيش حد يعترض. لحظة مفعمة بالصدق.
الجد محمد (بابتسامة فخر):
"اللي اتخلق من الندم، وعاش على الصدق، يستاهل يفتح بيت فيه رضا وسلام... اتفضلوا، خلوا الدنيا تفرح ولو يوم."
***
نعيمة (بهمس وهي تبص لياسمين):
"أنا غلطت فيك مرتين... مرة لما صدقت كدب غيري، ومرة لما ماصدقتش قلبك... بس انتي سمّعتيني صوت ربنا جوه قلبي."
ياسمين (بدمعة فرح):
"وأنا كمان... ربنا سمحني بيكم."
***
في بيت الحاج محمد، في الريف، بساحة كبيرة قدام البيت، متزينه بفوانيس بسيطة، وأنوار صفرا دافية. صوت قرآن هادي بيصدح في الخلفية.
الكل موجود، الجد محمد قاعد على الكرسي الخشبي المعتاد، جنبه الجد عزيز، وعلى الطرف الآخر عم حسين – والد نيفين – بنظرة فيها رضا ومسامحة. زهرة قاعدة جنب زينة وكريم، وعاصي واقف وراها مبتسم، وسارة ونادين بيحضنوا اللحظة بنظراتهم.
زياد واقف قدام الشيخ، لابس جلابية نضيفة ووشه فيه خجل وهيبة. ياسمين داخلة من جوه البيت، لابسة فستان بسيط، أبيض ناعم، وشعرها مربوط ضفيرة، فيها وردة بيضا.
زياد (بصوت واثق لكنه دافي):
"كنت عايز اللحظة دي تبقى قدام الناس اللي شافتني في أسوأ وقت... وساعدوني أكون إنسان جديد... جدي محمد... جدي عزيز... وعم حسين، اللي رغم كل حاجة، شاف فيا ابن ممكن يبدأ من جديد."
الشيخ يفتح كتاب القران، ويبدأ في الإجراءات. الكل ساكت، بيدعي من قلبه.
الشيخ:
"زياد بن صالح، تقبل ياسمين بنت عبد الرحمن على سنة الله ورسوله؟"
زياد (بابتسامة مليانة دموع):
"أقبل... أقبلها زوجة وسند، على طاعة الله، ووعد مني إني أكون لها ستر ودعم."
ياسمين تبص له بعنيها، ودمعة تنزل بس بسرعة تمسحها، وتهز رأسها بالموافقة.
الشيخ:
"بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."
الكل يفرح، الحاج محمد يقوم بالعافية من مكانه، ويمد إيده على راس زياد:
الجد محمد (بصوت متأثر):
"كنت بدعي اليوم ده ييجي... مش بس عشان تتجوز، لكن عشان أعرف إنك بقيت راجل بحق... راجل يستحق بنتنا ياسمين."
الجد عزيز يضحك، ويمد إيده يسلم عليه:
الجد عزيز:
"وأنا أول شاهد... على توبة حقيقية... وبداية تستاهلها."
عم حسين يتقدم ويحضن زياد:
"مافيش حاجة بترجع اللي راح، بس في حاجات بتتصلّح... وأنا شاهد على دي واحدة منهم."
التكبيرات تملأ المكان، صوت الزغاريد يعلو، وزهرة تبص لعاصي وهمسها يتقال في قلبه:
***
(فلاش باك)
ليل هادي، القمر باين من الشباك، وزهرة نايمة على جنبها، عينيها مغمضة بس ملامحها مبتسمة بخفة...
في الحلم...
زهرة واقفة في وسط قاعة كبيرة كلها زرع وألوان بيضا، ناس حوالينها بتضحك، وفستان بسيط أبيض ناعم عليها...
صوت ضحكة صغيرة بيكسر الهدوء...
بصّت حواليها، لقت طفلة صغيرة شعرها كستنائي بتجري عليها، ترتمي في حضنها وتقول:
"ماماااااا!"
عاصي واقف بعيد، لابس بدلة، عنيه عليها، وابتسامته مكسّرة القلب من الحُب...
زهرة تبص له وتقول:
"أنا حلمت قبل كده إنك بعيد... بس النهاردة، أنا متأكدة إنك دايمًا كنت قريب..."
عاصي يمد إيده لها، والطفلة تفضل ماسكة إيد مامتها...
زهرة (بهمس لنفسها):
"لو ده حلم... أنا مش عايزة أصحى."
وفي اللحظة دي... صوت المنبّه بيرن...
زهرة تفتح عينيها، تبص للسقف، وتلمس خدها اللي عليه دمعة دافية.
زهرة (بابتسامة هادية):
"هكمل الطريق... وأحارب عشانه... وعشانّي."
***
في شقة صغيرة على الطراز الحديث – الإضاءة ناعمة، وصوت موسيقى فيروز في الخلفية – كرتين كبار مفتوحين في الأرض، وزينة قاعدة على الأرض وسط المفارش وهي بتطويهم وتبتسم بحب.
كريم واقف على السلم الخشب، بيعلّق ستارة جديدة للصالون. بيبص لها وبيضحك وهو بيعدّل القماش.
كريم (بحماس):
"بصراحة أنا مبسوط أوي بالشقة دي... فيها روحنا إحنا، مشوارنا من أوله."
زينة (وهي بترتب كُتب):
"آه... وهيبقى فيها مستقبلنا كمان. كل حاجة هنا بتقول إننا اتنين قرروا يبدأوا صح."
تقوم زينة، وتتمشى ناحيته، تمسك طرف الستارة وتساعده يظبطها، وبعدين تبص له بابتسامة مشبعة بالأمان.
زينة:
"على فكرة... قرارك تشارك زياد في الشركة بتاعة والد نيفين بعد ما غيرتوا نشاطها لتكنولوجيا... كان أذكى حاجة عملتها."
كريم (بيهز راسه):
"هو المستقبل كده، يا زينة... التكنولوجيا مش بس تطور، دي كمان وعي، وتحكم، وسلاح... لازم نكون موجودين فيه بقوة."
لكن الا شجعنا الصراحة عاصي.
(فلاش باك)
كريم (بابتسامة واسعة):
"بالمناسبة يا عاصي، إن شاء الله هنجهز شقتنا قريب... نفسي تدوق أول فنجان قهوة معانا في بيتنا، إنت وزهرة كمان."
عاصي (من قلبه):
"دي دعوة ما تتفوتش... بس بشرط، القهوة تبقى على المزاج! وهباركلكوا هناك، في مصر."
كريم (بحماس):
"هي مصر فعلا ناقصها حد زيك والله... محتاجين شباب زيك، ودماغك الجامدة في التكنولوجيا."
عاصي يضحك، لكنه بيقلب جدي فجأة، عينيه بتلمع بشيء من الفكرة اللي بدأت تتكوّن.
عاصي:
"عارف يا كريم... الفترة اللي فاتت كنت بفكر... ليه منفتحش شركة هناك؟ نبدأ من أرضنا؟ بدل ما كل شغلنا يبقى في أوروبا. نرجع نعمل حاجة لبلدنا."
كريم (عينه بتلمع):
"وإيه اللي مانعنا؟ الشركة اللي كانت بتاعة والد نيفين، زياد خلاص اشتراها، وكان بيقول عاوز يحوّل نشاطها لتقني بدل استثمار تقليدي."
عاصي يسكت لحظة، ويفكر.
رواية زهرة العاصي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم صفاء حسني
تحدث عاصي بعد تفكير ثم يقول له بنبرة حاسمة.
عاصي:
ـ "يبقى نبدأ المشروع سوا... أنا أجيب خطة تطوير، وإنت تبقى المدير التنفيذي، وزياد معانا شريك. عايزين نفتح شركة تبني مواقع، تحمي بيانات، وتدرب الشباب على الأمن السيبراني."
كريم (بابتسامة كبيرة):
ـ "وتكون أول خطوة نرجع بيها سمعة البلد في العلم... ونخلق جيل بيفهم التكنولوجيا مش بس بيستهلكها."
عاصي:
ـ "وشركتنا يكون اسمها... "زهرة "... لأن كل حاجة عظيمة بدأت بزهرة ."
كريم يهز راسه بإعجاب.
كريم:
ـ "أنا معاك... قلبًا وقالبًا."
وكمان زياد عنده شركة لسه مستلمها من والد نيفين كان يفتحها ل مجال نشوفه.
هز رأسه عاصي أكيد اتصل بيه وكمان رامي عنده خبرة حلوة اخلي يشركنا.
الصوت بيرن... عاصي بيعمل مكالمة جماعية بالفيديو، وبيظهر زياد على الشاشة، قاعد في مكتبه، شكله مركز ومرتب، لكن أول ما شاف عاصي وكريم بيتصلوا، استغرب وقلبه دق بسرعة.
زياد (بنبرة فيها قلق خفيف):
ـ "سلام عليكم... خير؟ مكالمة جماعية كده مرة واحدة؟"
عاصي (بهدوء وابتسامة):
ـ "أيوة يا عم الخير، إحنا بنخطط نعمل مصيبة... بس مصيبة حلوة! شركتك بقت شغلنا الشاغل."
زياد (يتنحنح ويفرد ضهره):
ـ "شركتي؟ لا يا باشا... دي شركة نيفين، وأبوها، وأنا مؤتمن عليها، مش لعبة! هقولكم بصراحة، أي خطوة فيها لازم نبلغ العم عبد المجيد، ولو وافق... يبقى خير وبركة."
كريم (بهدوء):
ـ "وإحنا مقدرين ده... وعارفين قيمه في اللي عمله معاك ومغفرته ليك، بس الفكرة مش بس نشتغل، الفكرة نبدأ حلم جديد... نخلق بيه جيل جديد."
عاصي (بحماس هادي):
ـ "وزياد، إنت أكتر واحد عارف يعني إيه تتحول من ظلمة لنور... إحنا مش بنلعب، دي زهرة."
استغرب زياد انه ذكر اسم زهرة مش فاهم. واضح كريم اسم الموقع نسميه زهرة عشان يكون أول زهرة بالمعرفة.
عاصي (بابتسامة حماس):
ـ "أنا شايف إن اللحظة دي مثالية... دلوقتي إحنا مش بس أخوات، بقينا فريق... كل واحد منا مر بحاجة علمته يعني إيه نكون في ظهر بعض، وجه الوقت نرد الجميل لبلادنا."
زياد (بصوت واثق):
ـ "الفكرة اللي اقترحتها... لما قلنا نبدأ مشروع تكنولوجي عربي حقيقي، مش بس نسخة من جوجل ولا من أي منصة، عايزين نأسس كيان عربي... مش تابع لحد."
رامي (بلهجته الساخره المعتادة):
ـ "بس هنعمل ده إزاي؟ إحنا بنحلم ننافس عمالقة الإنترنت! منين التمويل؟ مين يدعم؟ ومين يصدق إن مجموعة شباب من بلاد مختلفة يقدروا يعملوا ده؟"
كريم (بهدوء وقناعة):
ـ "المشكلة مش في الفلوس... ولا في الدعم. المشكلة في النية والنية موجودة. إحنا عندنا الخبرة... وأنا وزياد وإنتو كل واحد فينا اشتغل على نفسه."
عاصي (بيكمل):
ـ "إحنا هنبدأ من تحت، نطور منصة تعليمية وتوعوية... بتجمع بين الذكاء الاصطناعي، الحماية الإلكترونية، والأخلاقيات. والهدف الأساسي: شباب عربي واعي... فاهم يعني إيه تقنية، ويعني إيه ما يبيعش بياناته ولا ضميره."
زياد (بصوت هادي):
ـ "وفي نفس الوقت، نخلق فرص شغل... مشاريع، تطبيقات، دورات، نقوي الاقتصاد الرقمي في بلادنا ونكسر احتكار الغرب للمعلومة."
رامي (بحماس وهو بيرفع كوباية الشاي):
ـ "يعني هنبدأ بجوجل عربي... بس بدل ما يبيعوا ولادنا، إحنا نحميهم... ونعلمهم."
كريم (وهو بيبص ليهم):
ـ "نسميه إيه بقى؟"
عاصي (بابتسامة):
ـ "نسميه زهرة عشان يكون أول زهرة تتزرع في طريق التنوير..."
زياد يسكت لحظة... يلمح صورته مع ياسمين على المكتب، وصورة قديمة لنفين وهي بتضحك.
زياد (بصوت أهدى):
ـ "لو هنعمل ده بضمير، وبأمانة... وأنا أكون الضامن، يبقى أتكلم مع العم عبد المجيد وأفهمه كل حاجة. ولو وافق... نتوكل على الله."
عاصي (بصوت دافي):
ـ "وكل خطوة هتتعمل بإسم الناس اللي علمتنا الغفران، وأدونا فرصة تانية."
زياد يبتسم لأول مرة.
زياد:
ـ "تمام... نبدأ نحضر كل حاجة. بس أول اجتماع هيكون على أرض مصر... نكتب الحلم بإيدينا."
ـ "أحلى حاجة إننا دخلنا من باب بعيد عن العصابة. طول عمري كان نفسي أشتغل في حاجة ليها معنى، حاجة تسيب أثر."
كريم (بياخد نفس عميق وهو بيبص لها):
ـ "وإحنا هنسيب أثر... وهنعمل شغل نضف بيه الساحة اللي كان فيها ناس بتستغل العلم للخراب. دلوقتي وقت البناء."
تقترب زينة من كريم تلمس كفّه بلطف، وتهمس وهي بتحط رأسها على كتفه.
يغلق الهاتف كريم معهم وينظر لها بحب.
تبتسم زينة بحب:
ـ "أنا فخورة بيك، يا كريم... وبينا. وسبحان الله زياد وياسمين كمان، اللي بيبدأ من الصفر بإيمان حقيقي."
كريم (بابتسامة دافية):
ـ "وإنتي نور البيت... وعمود شركتنا الصغيرة، اللي بتكبر كل يوم."
تضحك وهي بتشده من إيده ناحية الصالون.
زينة:
ـ "تعالى بقى... لسه فضلنا نركّب النجفة، ونفرش السجادة... وبعدها أقدملك أول فنجان قهوة في بيتنا."
يحضنها كريم بحنان وهو بيهمس.
كريم:
ـ "وفي يوم هنحضّر أول اجتماع في الشركة... ونقول: هنا كانت البداية."
الصوت بيرن... عاصي بيعمل مكالمة جماعية بالفيديو، وبيظهر زياد على الشاشة، قاعد في مكتبه، شكله مركز ومرتب، لكن أول ما شاف عاصي وكريم بيتصلوا، استغرب وقلبه دق بسرعة.
زياد (بنبرة فيها قلق خفيف):
ـ "سلام عليكم... خير؟ مكالمة جماعية كده مرة واحدة؟"
عاصي (بهدوء وابتسامة):
ـ "أيوة يا عم الخير، إحنا بنخطط نعمل مصيبة... بس مصيبة حلوة! شركتك بقت شغلنا الشاغل."
زياد (يتنحنح ويفرد ضهره):
ـ "شركتي؟ لا يا باشا... دي شركة نيفين، وأبوها، وأنا مؤتمن عليها، مش لعبة! هقولكم بصراحة، أي خطوة فيها لازم نبلغ العم عبد المجيد، ولو وافق... يبقى خير وبركة."
كريم (بهدوء):
ـ "وإحنا مقدرين ده... وعارفين قيمه في اللي عمله معاك ومغفرته ليك، بس الفكرة مش بس نشتغل، الفكرة نبدأ حلم جديد... نخلق بيه جيل جديد."
عاصي (بحماس هادي):
ـ "وزياد، إنت أكتر واحد عارف يعني إيه تتحول من ظلمة لنور... إحنا مش بنلعب، دي زهرة."
استغرب زياد انه ذكر اسم زهرة مش فاهم. واضح كريم اسم الموقع نسميه زهرة عشان يكون أول زهرة بالمعرفة.
عاصي (بابتسامة حماس):
ـ "أنا شايف إن اللحظة دي مثالية... دلوقتي إحنا مش بس أخوات، بقينا فريق... كل واحد منا مر بحاجة علمته يعني إيه نكون في ظهر بعض، وجه الوقت نرد الجميل لبلادنا."
زياد (بصوت واثق):
ـ "الفكرة اللي اقترحتها... لما قلنا نبدأ مشروع تكنولوجي عربي حقيقي، مش بس نسخة من جوجل ولا من أي منصة، عايزين نأسس كيان عربي... مش تابع لحد."
رامي (بلهجته الساخره المعتادة):
ـ "بس هنعمل ده إزاي؟ إحنا بنحلم ننافس عمالقة الإنترنت! منين التمويل؟ مين يدعم؟ ومين يصدق إن مجموعة شباب من بلاد مختلفة يقدروا يعملوا ده؟"
كريم (بهدوء وقناعة):
ـ "المشكلة مش في الفلوس... ولا في الدعم. المشكلة في النية والنية موجودة. إحنا عندنا الخبرة... وأنا وزياد وإنتو كل واحد فينا اشتغل على نفسه."
عاصي (بيكمل):
ـ "إحنا هنبدأ من تحت، نطور منصة تعليمية وتوعوية... بتجمع بين الذكاء الاصطناعي، الحماية الإلكترونية، والأخلاقيات. والهدف الأساسي: شباب عربي واعي... فاهم يعني إيه تقنية، ويعني إيه ما يبيعش بياناته ولا ضميره."
زياد (بصوت هادي):
ـ "وفي نفس الوقت، نخلق فرص شغل... مشاريع، تطبيقات، دورات، نقوي الاقتصاد الرقمي في بلادنا ونكسر احتكار الغرب للمعلومة."
رامي (بحماس وهو بيرفع كوباية الشاي):
ـ "يعني هنبدأ بجوجل عربي... بس بدل ما يبيعوا ولادنا، إحنا نحميهم... ونعلمهم."
كريم (وهو بيبص ليهم):
ـ "نسميه إيه بقى؟"
عاصي (بابتسامة):
ـ "نسميه زهرة عشان يكون أول زهرة تتزرع في طريق التنوير..."
زياد يسكت لحظة... يلمح صورته مع ياسمين على المكتب، وصورة قديمة لنفين وهي بتضحك.
زياد (بصوت أهدى):
ـ "لو هنعمل ده بضمير، وبأمانة... وأنا أكون الضامن، يبقى أتكلم مع العم عبد المجيد وأفهمه كل حاجة. ولو وافق... نتوكل على الله."
عاصي (بصوت دافي):
ـ "وكل خطوة هتتعمل بإسم الناس اللي علمتنا الغفران، وأدونا فرصة تانية."
زياد يبتسم لأول مرة.
زياد:
ـ "تمام... نبدأ نحضر كل حاجة. بس أول اجتماع هيكون على أرض مصر... نكتب الحلم بإيدينا."
ـ "أحلى حاجة إننا دخلنا من باب بعيد عن العصابة. طول عمري كان نفسي أشتغل في حاجة ليها معنى، حاجة تسيب أثر."
كريم (بياخد نفس عميق وهو بيبص لها):
ـ "وإحنا هنسيب أثر... وهنعمل شغل نضف بيه الساحة اللي كان فيها ناس بتستغل العلم للخراب. دلوقتي وقت البناء."
تقترب زينة من كريم تلمس كفّه بلطف، وتهمس وهي بتحط رأسها على كتفه.
يغلق الهاتف كريم معهم وينظر لها بحب.
تبتسم زينة بحب:
ـ "أنا فخورة بيك، يا كريم... وبينا. وسبحان الله زياد وياسمين كمان، اللي بيبدأ من الصفر بإيمان حقيقي."
كريم (بابتسامة دافية):
ـ "وإنتي نور البيت... وعمود شركتنا الصغيرة، اللي بتكبر كل يوم."
تضحك وهي بتشده من إيده ناحية الصالون.
زينة:
ـ "تعالى بقى... لسه فضلنا نركّب النجفة، ونفرش السجادة... وبعدها أقدملك أول فنجان قهوة في بيتنا."
يحضنها كريم بحنان وهو بيهمس.
كريم:
ـ "وفي يوم هنحضّر أول اجتماع في الشركة... ونقول: هنا كانت البداية."
مرات الايام الهدوء مالي المكان، وطلبة كتير بتراجع محاضرات. زهرة قاعدة لوحدها على ترابيزة ناحية الشباك، وعينيها على كتاب، بس ذهنها مش مع السطور... بتحاول تركز، لكن قلبها بيقرا كلام تاني.
زهرة (في سرّها وهي بتقلب الورق):
ـ "هو ليه لم بيعدي من قدامي كل يوم؟... كل مرة أحس إني عاوزة أقوم وأقول تعالى أنا بحبك ... بس مابعملش؟"
في اللحظة دي، بيظهر عاصي على بُعد خطوات... بيعدي، وبص عليها بسرعة من غير ما يبين إنه شايفها... لكن في اللحظة اللي بيعدي فيها، بيرجع خطوة، ويحط قدامها كوب كابتشينو عليه اسمها بخط إيده.
عاصي (بصوت هادي):
ـ "عارفة إنك بتحبيه من غير سكر... زيّك، بتحبي كل حاجة من غير إضافات... صافية."
بيكمل طريقه، وما بيستناش رد.
زهرة تبص للكوب، وبعدين تقربه من وشها وهي تهمس:
زهرة (بهمس):
ـ "وأنا بحبك... من غير شروط."
تبتسم، وتحط الكوب جنب الكتاب... تكمل قراءة، لكن قلبها المرة دي مش تايه، قلبها لقى عنوان.
فضل عاصي يتابع معها واي حاجه تقف فيها يشرحها ليها.
زهرة كانت قاعدة على السور، شنطتها جنبها، وبتتفرج على الغروب... كانت ساكتة، بس عنيها بتحكي كتير.
عاصي جه من وراها بهدوء، وقف شوية يراقبها من بعيد... بعدين قرب، وقعد جنبها من غير كلام.
عاصي (بصوت هادي):
ـ "كل مرة بشوفك فيها ساكتة... بحس إنك بتكلمي السما، مش بتفكري."
زهرة (من غير ما تبص له):
ـ "وأنا كل مرة تقعد جنبي فيها... بحس إني مش لوحدي، حتى لو ما قلتش ولا كلمة."
يسكتوا لحظة، بس قلبهم بيتكلم...
عاصي (بصوت أهدى):
ـ "أنا بحبك يا زهرة... مش بحبك عشانك حلوة، ولا شجاعة، ولا قوية... أنا بحبك عشانك إنتي... بعنادك، بخوفك، بدموعك، بضحكتك اللي لما تطلع... أنا بنسى الدنيا."
زهرة (بابتسامة مرتعشة):
ـ "وأنا... أنا مش بعرف أقول كلام حلو... بس كل حاجة جوايا بتتغير لما تبقى جنبي."
يمد إيده، بس ميقربش منها، يستنى...
عاصي (بهدوء):
ـ "ينفع أمسك إيدك؟ بس إمتى ما قولتي لي... “خلاص”؟"
تبص له، وعنيها فيها دموع خفيفة... ترفع إيدها ببطء، وتلمس صوابعه، بس بهدوء شديد كأنها بتطمن قلبها قبل ما تطمن إيده.
زهرة (بهمس):
ـ "مش جاهزة أقول “خلاص”... بس قلبي بدأ يصدق... إنك عمرك ما كنت بتنسحب... حتى وأنا بدفعك بعيد."
يبص لها، يبتسم...
عاصي (بنبرة فيها وعد):
ـ "أنا مش همشي... ومهما خدتي وقتك، هفضل أستناك... بس لو اتأخرتي قوي... هحاول أجي أدور عليكي... في قلبك."
اقترب وقت الامتحانات وكان الكافتيريا زحمة كالعادة، طلبة بيذاكروا، وناس بتضحك، وأصوات القهوة بتتعمل في الخلفية.
لكن في ركن هادي، بعيد شوية عن الدوشة... كان عاصي قاعد على الطاولة، قدامه أوراق وكتاب كبير مفتوح.
وزهرة قاعدة جنبه، ماسكة القلم، ومركزة جدًا في الشرح اللي بيقوله.
عاصي (بصوت هادي وبابتسامة خفيفة):
ـ "شوفي هنا... المعادلة دي بتعتمد على الهاكرز إزاي يخترقوا نظام وهمي، مش حقيقي... يعني وهم بنظّروا، بيكشفوا ضعفك من غير ما يلمسوك فعلًا."
زهرة (بحماس):
ـ "آه فهمت... يعني ده الجزء اللي لازم أركز فيه في بحثي!"
عاصي (بعينيه مليانين فخر):
ـ "فهمتيها من أول مرة... برافو!"
البنات على طاولة قريبة كانوا بيراقبوا المشهد من بعيد، بينهم همسات وتساؤلات:
طالبة ١ (بدهشة):
ـ "هو الدكتور عاصي قاعد يذاكر معاها؟!"
طالبة ٢ (بفضول):
ـ "شكلهم قريبين من بعض... بتهيألي بيحبها ؟"
طالبة 3 تقولهم:
الدكتور عاصي طلب أيد زهرة من جدها وانها سمعت الحديث وهما فى الكافتيريا.
عاصي سمع الكلام، ورفع عينه بابتسامة وهدوء:
عاصي (بصوت واثق وهو بيبص للطلبة بيأكد المعلومات):
ـ "فعلا طلبت أيده، وهتكون شريكتي في كل حاجة."
صوت خفيف من البنات: "آآآآه ربنا يسعدكم!" – "أحلى دكتور وأحلى عروسة".
زهرة (همستله وهي وشها محمر):
ـ "ليه قلت كده؟ إحنا متفقين إننا مش نعلن حاجة دلوقتي..."
عاصي (بصوت واطي وهو بيبص في عينيها):
ـ "عشان أنتي تستاهلي الناس تشوفك مكانك، تستاهلي حب حقيقي، وأمان، مفيهوش خوف ولا سر."
زهرة سكتت، لكن قلبها بيخبط بسرعة، حسّت بخجل، بس كمان... حسّت إنها مش لوحدها.
بعد مرور شهور – قاعة الاحتفالات في الجامعة.
زهرة واقفة على المسرح، بتستلم شهادة التكريم من رئيس الجامعة، وسط تصفيق كبير.
رئيس الجامعة:
ـ "الطالبة زهرة محمد، تفوقت في المجال الإلكتروني، وقدّمت مشروع تخرّج مشرف، بنفتخر بيه."
عاصي واقف في الصفوف الأولى، بيصفق بحرارة، وعيونه فيها دمعة فخر مش قادر يخبيها.
زهرة (وهي ماسكة الشهادة، وبتبص ناحيته):
ـ "الفضل لله... وللي آمن بيا وأنا كنت ببدأ من الصفر."
نزلت من على المسرح، وهو استقبلها بنظرة كلها حب وأمان...
عاصي (بهمس):
ـ "دي أول خطوة... ولسه المشوار قدامنا طويل... سوا."
وسط بودابست – في شارع جانبي هادي، فيه كافيهات ومحلات كتب صغيرة.
الوقت: قبل المغرب – الدنيا شبه ساكنة، وريحة القهوة بتفوح من المحلات.
زهرة كانت خارجة من الجامعة، لابسة بلوفر أبيض بسيط، وشنطتها فيها ورق كتير من المحاضرات...
بتتفاجئ بعاصي واقف عند زاوية شارع، لابس جاكيت جلد ووشه متغطي بنص ابتسامة خبيثة.
زهرة (مستغربة):
ـ "إنت بتعمل إيه هنا؟ مش المفروض عندك سيمنار؟"
عاصي (بثقة):
ـ "أجّلته... عشان في مفاجأة صغيرة مستنياكي."
يمد إيده ليها، وهي تمسكها بخجل وفضول، ويمشوا في شارع ضيق مرصوف بالحجر، لحد ما يوصلوا قدام محل صغير واجهته خشب قديم، وفوقه يفطة مكتوب عليها بخط إيد:
“Light of Truth – مكتبة وقهوة ثقافية عربية”
زهرة تبص له، ملامحها مش فاهمة...
عاصي (بحماس):
ـ "إحنا دايمًا بنقول إن المعرفة هي البداية... وده أول مشروع لينا سوا. مكتبة عربية في قلب أوروبا، فيها كتب، إنترنت، وجلسات نقاش وحوارات، وكل محتوى بيحكي الحقيقة زي ما أنتِ حلمتي."
زهرة عنيها تمتلئ دموع، تمشي جوه المكان وهي مش مصدقة...
الكتب بترص على الرفوف، في ركن معمول لجلسات قراءة، وفيه لوجو بسيط على الحيطة: "لكل صوت حقيقي... لازم مكان يسمعه."
زهرة (بهمس):
ـ "إنت... عملت كل ده؟"
عاصي (قريب منها):
ـ "لأ، إحنا اللي هنعمله سوا. كل كتاب هتختاريه، كل جلسة هتنظميها... كل فكرة طلعتي بيها من الألم، ليها مكان هنا. وده... جزء من حلمك."
زهرة (بصوت مرتعش):
ـ "أنا... حاسة إني بين حلمين... واحد كنت فاكرة هيفضل مستحيل، والتاني واقف قصادي بيقول لي: يلا نبدأ."
عاصي (بهدوء):
ـ "يبقى نبدأ، دلوقتي... سوا."
تمسك إيده وتبتسم، ولأول مرة، تحس إن الماضي اتحول لطاقة... وإن الحلم مش بس بيتحقق، ده بيتشارك.
اقترب منها عاصي وقالها انسي ترجع مصر قبل ما افرجك على. البلد إلا إحنا فيها. نفسي اخدك وفرجك على بودابست – وقت الغروب – مع ضفة نهر الدانوب.
السماء شبه وردية، والهوى عليل، والأنوار لم تبدأ تنور بهدوء فوق جسر السلسلة، والمدينة كلها شبه لوحة فنية متحركة...
كل ده وانتى فى حضنى ومعايا.
هزت راسها زهرة بالموافقة وهى ماشية جنب عاصي، لابسة بالطو كريمي خفيف، وشال رمادي ملتف حوالين رقبتها، وحجابها.
زهرة (بابتسامة شبه خجلانة):
ـ "أنا من يوم ما جيت هنا مفكرتش اخرج فيها .. متصورتش حلوة كدة كأنى ماشية في حلم مش شارع..."
عاصي (نظره ناحيتها، وعينيه فيها حنية كبيرة):
ـ "أنا الحلم بالنسبالي هو اللي ماشي جنبي."
تضحك وهي تحاول تبص بعيد، تهرب من نظرة عينه، بس قلبها بيضحك بصوت أعلى من ابتسامتها.
يمشوا سوا لحد ما يقفوا على سور النهر، تحتهم الميا بترقص على أنوار المدينة، والقلعة القديمة باينه فوق التلة، عامله خلفية روائية لأي مشهد حب.
عاصي (بصوت واطي وهو بيبصلها):
ـ "كنت دايمًا بدور على مكان يطمن قلبي... افتكرت إني هلاقيه في بلد، جامعة، شغل، نجاح... بس لما مشيت جنبك النهارده، فهمت إن مكاني كان دايمًا جنبك."
زهرة (بصوت مهزوز من جوّاها):
ـ "وأنا كل ما كنت أفتكر إن مفيش حد يقدر يفهمني... ألاقيك بتقرأني من غير ما أتكلم."
يسكتوا شوية، والهدوء بينهم أصدق من أي كلام...
وبعد لحظة، عاصي يمد إيده بهدوء، وهي تبص له، وبعيونها نفس الرعشة القديمة... بس المرة دي، تقرب وتحط إيدها في إيده.
عاصي (بهمس):
ـ "خدي وقتك... بس أوعديني إننا نكمل المشوار ده سوا، خطوة بخطوة."
زهرة (بصوت ناعم):
ـ "أوعدك... بس تمشي جنبي، مش قدامي."
عاصي:
ـ "وأنا عمري ما سبقتك... أنا بس كنت بستنى اللحظة اللي تمسكي إيدي بإرادتك."
تأنى يوم فى ساحة الجامعة الهادية، الأشجار حوالين المكان، والجو ربيعي عليل.
زهرة واقفة قدام المبنى الرئيسي، لابسة جاكيت خفيف، وحاملة شنطة كتف صغيرة، بتودع كل ركن من المكان بعينيها.
صديقتها مريم (من لبنان) وهي بتحضنها بحرارة:
ـ "مش هخليكي تمشي بسهولة يا زهرة... من أول يوم شفتك فيه، حسّيت إنك هتكوني ملهمة في حياتي... وكنتِ فعلًا."
زهرة (بصوت فيه رعشة خفيفة من التأثر):
ـ "أنا اللي اتعلمت منكم كلكم... كل واحد منكم كان قصة... وأنا شلت القصص دي معايا في قلبي."
جميلة (من غزة):
ـ "هتوحشيني... بس فخورة إنك راجعة عشان تبني وتنوري."
سليم (طالب من المغرب):
ـ "زهرة... أنا عمري ما نسيت كلامك في أول جلسة، لما قلتي: (مش لازم نكون كبار عشان نعمل حاجة كبيرة)... الكلمة دي غيّرتني."
زهرة تبتسم وهي عينيها بتلمع بالدموع، تبص وراها تلاقي عاصي واقف بيودع مجموعة من الطلاب.
واحد من الطلاب (مازحًا):
ـ "يا دكتور عاصي، مش عايزينك تمشي! إحنا لسه متعودناش إنك بترجع مصر!"
عاصي (بابتسامة دافية):
ـ "مصر بلدي... بس وجودكم هنا علمني إن العلم له وطن أوسع من الحدود. هفتقد نقاشاتنا... وسؤالي المعتاد: (فين الحماس؟!)"
*الكل يضحك، وزهرة تبص له من بعيد، وتحس بقلبها بيهدى...
داخل الطيارة – مقاعد درجة رجال الأعمال – الجو هادي وفيه موسيقى ناعمة شغالة في الخلفية.
زهرة كانت قاعدة جنب الشباك، لابسة جاكيت بنى بسيط، وحجابها المتنساق مع فستانها ، وبتبص على الغيوم من بعيد وهي بتحاول تهدى توترها من أول زيارة ليها لمصر بعد كل اللي فات.
عاصي قاعد جنبها، بيقرأ في ملف صغير بين إيده، مركز جدًا، لكنه كل شوية يبص لها من طرف عينه... لحد ما تفتح الطيارة أبوابها للركاب الجدد من محطة ترانزيت، وتدخل ست أنيقة في أواخر التلاتينات.
الست (بصوت مبتهج):
ـ "يا نهار أبيض! عاصي؟ عاصي كنان السمري مش معقول ؟!"
عاصي رفع راسه بسرعة، وابتسم بحرارة:
عاصي:
ـ "بسنت! مش معقول! سنين والله..."
بسرعة وقفت قدامه، واحتضنته بحميمية أخوية، وزهرة بدأت تتفاجأ وتشيل سماعاتها بهدوء وهي بتراقب المشهد.
رواية زهرة العاصي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم صفاء حسني
في بيت الجد "محمد" - الهدوء مشوب بالحذر... زهرة لسه خارجة من الصدمة بعد ما شافت "نعيمة" و"حسين" داخلين عليهم. الكل ساكت، وسكينة توتر ممدودة في الهواء.
زهرة (بصوت مهزوز وهي بتبص في الأرض):
أنتم هنا؟
نعيمة (بابتسامة مصطنعة، تمثل الرقة):
كنا لازم نيجي، مش عشان روح نيفين ترتاح... وعشان نعتذر على كل إهانة حصلت مني ليك واتهمك إنك السبب في موت بنتي.
حسين (بصوت هادي وملامح حزينة):
الظلم بيكسر... بس الجهل بيكسر أكتر... يمكن كنا جهلة بحقيقتكم... وبحق بنتكم.
زهرة تبص لجداها ومحاولة تفهم الحقيقة من ورا الكلام، لكن قلبها مش مطمّن. تحس إن في حاجة مش راكبة. تشوف نظرة حسين اللي بتتغير بسرعة وهو يبص في المكان، كأنّه بيهرب من حاجة أو بيقيم المكان.
زهرة (تسأل بهدوء):
أنتم جيتوا عشان تعتذروا مني ولا لسبب تاني؟
نعيمة (بنبرة مصطنعة):
كنا بس عاوزين نقول... إننا آسفين.
زهرة هزت راسها انسحبت بهدوء. غسلت وشّها، ورجعت من غرفتها وقعدت على الكرسي اللي جنب الشباك. من المكان ده تقدر تبص على القعدة من بعيد، من غير ما حد يحس. عينيها ثابتة على عاصي، وعلى حسين ونعيمة وهم بيهزوا راسهم ويبتسموا... لكن حاجة جواها مش مريحاها.
زهرة (في سرّها، وهي بتكتم شهقة جوة صدرها):
في حاجة مش طبعية... الهدوء ده مش طبيعي، وكأنهم حافظين كل كلمة... ونعيمة؟ بتضحك وبتقول يا بنتي؟! دي من شهور كانت بتصرخ في المحكمة وتقول عليّا قاتلة صاحبتها!
تسند راسها على الحيطة، وتفكر... وتفتكر الحلم اللي شافته في الطيارة... نفس الضحك، نفس النار، نفس الشعور بالخطر... وتبدأ أنفاسها تتسرّع.
زهرة (بهمس):
مش لازم أتهوّر... بس قلبي مش مرتاح، وأنا عمر قلبي ما كذب عليّا.
في الوقت ده، عاصي بيرفع عينه، وكأنه حس إنها بتبص عليه. عينه تقابل عينها، يلاحظ توترها، يلمح الارتباك في وشّها... لكن ما يطولش النظرة، ويكمّل كلامه.
عاصي (وهو بيرجع يبص للملف):
بكرة يوم كبير، وبنرحب بأي دعم حقيقي... بس الدعم اللي من القلب، مش دعم بيتركن في صور أو ورق.
زهرة تكتم دمعة، وتقوم تقفل الشباك بهدوء... وتاخد نفس عميق.
زهرة (بصوت واطي جدًا):
أنا مش هسكت لو حسّيت إن في حاجة ممكن تأذي حد تاني... مش بعد كل اللي حصل، ومش بعد كل اللي خسرته.
تخرج من أوضتها، بخطوات هادية لكن وراها قرار... قرار إنها تفتح عينيها أكتر، وتفهم إيه اللي بيحصل حوالين عاصي ومشروعه، وخصوصًا الناس اللي بتحاول تدخل حياته من باب "الدعم".
بعد ما مشي حسين ونعيمة من بيت الجد محمد، زهرة كانت واقفة عند الشباك، عينها بتتابع ضوء العربية وهو بيختفي، وقلبها بيدق بسرعة. خدت نفس عميق، وقررت تطلع تقول ل عاصي.
عاصي كان قاعد على الترابيزة بيقلب في أوراق المشروع، وبيراجع بعض البيانات على اللابتوب، لما سمع خبط خفيف على الباب.
عاصي (يرفع عينه):
ادخلي.
تدخل زهرة، خطواتها هادية لكن ملامحها مش مرتاحة.
زهرة (بصوت ناعم لكنه حاسم):
هما جُم من القاهرة لحد هنا... بس عشان ياخدوا رأيك في الافتتاح؟
عاصي يرفع حواجبه بدهشة، يحاول يفهم المغزى.
عاصي (بهدوء):
وفيها إيه لما يجوا؟ الشركة دي هتكون بينا وبينهم، فطبيعي يحبوا يعرفوا تفاصيل قبل ما نبدأ رسمي.
زهرة تهز راسها وتنزل عينيها شوية، وكأن قلبها بيشدها للي مش منطقي في الموضوع.
زهرة (بتنهيدة):
هو... إنت محتاج فلوس؟
عاصي يسيب القلم من إيده، ويبص لها باستغراب.
عاصي:
فلوس؟ مش فاهم تقصدي إيه؟
زهرة (بصوت مرتبك لكنه صادق):
يعني... محتاج تمويل عشان المشروع؟ ولا تقدر تبدأ من تحت؟ يعني بشقة صغيرة، بأجهزة بسيطة... مش محتاج شركة فخمة ومبنى وافتتاح ضخم. مش هنبيع منتجات... أنت محتاج عقول، مهندسين شطار، مش مكاتب جلد وديكورات.
عاصي يفضل ساكت لحظة، بيهز رجله بتوتر ويفكر، لكن زهرة تكمل، وقلبها بيحكي قبل لسانها.
زهرة (بحزم وحزن):
أنا مش ضد الحلم الكبير... بس ضد اللي يحاول يشتريه مننا. مش مرتاحة لوجودهم... قلبي مش مرتاح، ومش عارفة ليه. مرة واحدة يسامحوا على دم بنتهم، إنت شايف ده منطقي؟ بترجاك، بالله عليك، فكر تاني... قبل ما يدخلوا معانا حاجة ممكن تبقى سبب ضياع كل حاجة.
سكون... عاصي يبص لها بعينيه، فيها دهشة وامتنان، وفي نفس الوقت صراع داخلي بين طموحه وإحساسها.
عاصي (بصوت واطي):
أنا كنت فاكر إن الحلم محتاج دعم... بس واضح إن أكتر حاجة محتاجها... حد بيخاف عليه من جوه.
زهرة تبص له، وبهدوء تقول.
زهرة:
أنا مش عايزة غير أشوفك ناجح... بس مش على حساب روحك، ولا مشروعك، ولا قلبك.
وانت معاك فريق كلهم متخرجين من نفس القسم، ياسمين و زياد وزينة ورمى وكريم وفي زملاء تأنى كتير ممكن نعلمهم إلا اكتسبنا ب التعليم.
أرسالها عاصي عن سبب خوفها وتحكى الحلم إلا بيتقرر معها.
وفي نفس الوقت ليلًا، في أوضة ضلمة، نور الشاشة بس هو اللي منوّر المكان. حسين قاعد على كرسي، ماسك الموبايل، ووشه متوتر، وعرق خفيف ظاهر على جبينه. جنبه نعيمة، بتتابع المكالمة بكل تركيز.
(صوت راجل غامض من التليفون - الصوت مش واضح ومشوّش)
المجهول (بحدة):
لازم تخلصوا عليهم... كلهم. دفعة واحدة. المشروع ده ماينفعش يشوف النور... وخصوصًا زهرة وعاصي. عندهم خبرة كبيرة يعني يقدرو ينجحوا.
حسين (بقلق وتردد):
إزاي؟! دي أرواح بني آدمين... وشقي عمري كله يضيع ورا الانتقام، فاهمنى ازى أحرق حلمهم؟! ده حلم ناس، وناس ساعدونا وانت الا طلبت مننا نسامحهم.
المجهول (بصوت أكثر تحكم):
هنعوّضك... أضعاف اللي خسرتوا. بس أوعى تنسى إن حلمهم ده هيهدّ سوقنا... وهيفتح عيون كتير. وما تنساش بنتك يا حسين... بنتك اللي دفنت وانت مش قادر تعمل لها عزاء... ياسمين وزهرة، سبب اللي حصل، وصحابها كمان. مش كفاية تمثيل!
نعيمة (بصوت خافت لكن حاد):
لكن انا كنت فاكرة لم قولت لينا نقبل اعتذرهم ونبرا زياد ونسامح ياسمين ،عشان نبوظ شغلهم ... و نمسح كل حاجة لكن مش حريق وموت؟
المجهول (ببرود قاتل):
بكرى في الافتتاح... المكان كله لازم يتصفى كلمة ومش اقررها وفلوس الشركة وتعويض دم بنتكم + أخد التار منهم كلهم كفيل ان قلبكم يرتاح.
يسود الصمت لحظة، حسين يبص لنعيمة، وعينه فيها رعب... وندم... لكن كأن الشر رجع يخنقه من تاني.
نعيمة (بصوت مرّ):
أكيد فى أفكار تأنى غير الموت بلاش يكون ده آخر الطريق؟
المجهول:
هو ده الطريقة الوحيد... عشان وجعك يبقى له معنى.
(المكالمة تقفل... وتسيب السكون القاتل يلف المكان... حسين يقوم، يروح للشباك، ويبص في السواد برّه، وعينه تدمع.)
حسين (بصوت واطي):
هو ده الانتقام؟... ولا إحنا اللي اتحرقنا من جوه؟
الباب الخشبي يتفتح بهدوء... وتدخل سارة، لابسة فستان بسيطة بلون هادي. وراها كنان زوجه ، واقف جنبها، ماسك إيدها، عيونه بتدور على ملامح الرجل اللي سمع عنه كتير... ومقابلش منه غير الغضب والرفض.
عزيز كان قاعد على الكرسي الهزاز، لكن أول ما شافها... قام ببطء، عنيه اتملت دموع من غير ما ينطق.
سارة (بصوت متهدج):
بابا...
عزيز ماستحملش، فتح دراعاته بحنان الدنيا كله، وهي جريت عليه كأنها لسه بنته الصغيرة، حضنها حضن طويل سنين بتتدارك فيه.
عزيز (يبكي):
سامحيني يا بنتي... سامحيني ع الغربة اللي حوّشتها جواكي، والبعد اللي زرعته بينا. أنا كنت فاكرك بعيد، لكن قلبي كان موجوع كل يوم.
سارة (وهي تبكي):
أنا كمان يا بابا... كل يوم كنت بتمنى أرجع الحضن ده.
يبص عزيز ناحية كنان، ويقرب منه، يمد له إيده برجولة وانكسار في نفس الوقت.
عزيز:
أنا آسف يا كنان... ظلمتك كتير، واتسرعت في حكمي، وأكتر حاجة ندمت عليها إني كنت احرم بنتي من راجل زيك ...مكنتش عارف إن كل الناس حواليّ بيكدبوا عليّا... وأنا كنت العايش في كذبة ابنك إلا من صلبك هو إلا انقذني.
كنان ياخد إيده، ويحضنه برفق.
كنان (بابتسامة دافية):
كفاية إنك عرفت الحقيقة، والقلوب الصافية عمرها ما بتقفل الباب على الندم.
سارة تبص حوالين البيت، وتضحك ببكاء.
سارة:
رجعت يا بيتنا... ورجعت يا بابا.
ليل هادي... الكل نايم، والنجوم معلقة في السما، لكن عاصي كان صاحي... قاعد على السطوح، شايل راسه بإيده، وصوابع رجله بتتحرك بعصبية على الأرض.
عاصي (يفكر في سره):
حلم؟ ولا نبوءة؟ قلبها بيخاف... وأنا؟ قلبي عاوز يصدقها، بس عقلي بيرفض.
ينهض، يمسك موبايله، ويبدأ يتصل بخاله عصام.
عاصي (بقلق):
خالو... آسف إني بكلمك دلوقتي، بس محتاج رأيك في حاجة مهمة.
عصام (بصوت هادي ونايم نص صاحي):
خير يا عاصي؟
عاصي:
لو حد حلم إن في مصيبة جاية، وكنت حاسس إنها ممكن تكون حقيقية... تاخد كلامه جد؟
عصام (بعد تفكير):
على حسب مين اللي حلم... لو إنسان حساس ، واحلامه بيتحقق يبقى لازم تسمعها كويس. لإن ممكن يكون الحلم مش حلم... يكون إحساس... ربنا بيرسله في شكل حلم.
ثم يتصل بالدكتورة نادين.
عاصي:
دكتورة نادين، ممكن أسألك حاجة بخصوص زهرة؟
نادين (بهدوء):
اسأل يا عاصي.
عاصي:
هي بتاخد أدوية؟ هل ممكن تعمل كوابيس؟
نادين:
أه ممكن، بس زهرة من النوع اللي أحلامها بتيجي من إحساسها، مش من دوائها. لو حلمت بحاجة، فكر فيها... لأن اللاوعي عندها واعي أكتر من ناس كتير وهي صاحية.
يقفل معه وهو في حيرة.
وأخيرًا، يركب العربية و يروح على بيته جده عزيز فى القاهرة.
يدخل عاصي، ولسه أثر التوتر باين في ملامحه، لكنه بيتحول لدهشة دافئة أول ما يشوف سارة بتفتح الباب، عينيها بتلمع بالدموع من الفرح.
سارة (بحنان وقلق):
مالك يا ابني؟ شكلك مهموم!
عاصي (بلهفة):
انتي جيتي؟ وبابا رجع معاكي؟
تبتسم سارة وتطبطب على كتفه.
سارة:
يعني أسيبك في يوم زي ده؟ دا بيتنا بيلم تاني يا عاصي.
ينزل عاصي بسرعة، يلاقي أبوه قاعد مع الجد عزيز، ضحكتهم بتملأ البلكونة، وريحة الشاي بالنعناع ماليه المكان.
عاصي (بصوت مبحوح):
بابا...
يقوم كنان من مكانه ويفتح له حضنه، وعاصي بيحضنه كأن سنين الوحشة بتسيب قلبه في اللحظة دي.
بعد وقت يسأل عاصي (بصوت هادي):
ممكن الحلم يكون إنذار؟
الكل يسكت، ويبصوا له، وسارة تقعد جنبه بهدوء.
سارة:
احكي يا عاصي... حلم إيه؟
يحكي لهم عن حلم زهرة... عن النار، عن الضحك اللي فيه شماتة، وعن إحساسها اللي ما كانش مطمن.
عاصي:
أنا كنت مستغرب خوفها من فكرة الشركة... بس لما حكيت لي الحلم، حسيت إنه مش مجرد كابوس... حسيت إنه رسالة.
وخصوصا لما سالتنى " إنت شايف إن أي مشروع محتاج تمويل كبير في الأول؟"
عزيز (بيهز راسه):
اللي محتاجه المشروع يا ولدي هو النية الطيبة، والعقول اللي بتشتغل بضمير... والفلوس عمرها ما كانت ضمانة، لكن القلوب الصافية هي اللي بتبني وتكبر.
سارة:
لو زهرة قلبها مش مرتاح، ماينفعش نتجاهل ده... خلي حلمها يبقى علامة، مش خوف.
عاصي (بهدوء):
أنا قررت... نبدأ صغير، من مكان بسيط، ونبني المشروع بعرقنا، مش بفلوس ناس مش واثقين في نيتهم.
سكت الكل لحظة، وبصوا لبعض... كانت لحظة اتخاذ قرار، لحظة انتقال من حلم ممكن يتحول لكارثة، لحلم حقيقي مبني على ثقة ومحبة.
الجد عزيز (بابتسامة فخورة):
أهو ده العقل... ودي البداية الصح.
في اللحظة دي تدخل زينة وياسمين عليهم، شايلين صينية فيها شاي وكحك معمول بإيد سارة.
زينة (بضحكة):
لو بابا كمان يرجع يبقى أحلامنا كلها اتحققت.
سارة (وهي بتضحك):
هيجي هو ونادين بكرة، وعدوني... ما هو يوم فرح زياد وياسمين لازم يكونوا موجودين.
الضحك يملأ البيت... لكن عاصي يفضل ساكت شوية، وعينيه فيها شرود.
زينة (بضحكة):
فيه اجتماع مهم واحنا مش فيه؟ ولا إنتوا بتخططوا وناويين تسيبونا برّه الحكاية؟
ياسمين (وهي تقعد جنب عاصي):
ولا تكونوا بتتكلموا عن الحلم اللي زهرة شافته؟
يبصلهم عاصي، وعينيه فيها امتنان.
عاصي (بهمس):
آه... بس عرفتي إزاي؟
تنهدت ياسمين، ونظرتها راحت بعيد، كأنها بتسترجع اللحظة.
ياسمين (بهدوء):
اتصلت بيّ وسألتني... قالتلي: "إزاي سامحتيني بالسرعة دي؟"
(فلاش باك)
نعيمة (بصوت مرتعش في التليفون):
أنا محتاجة أقابلك... فيه حاجات لازم أعرفها عن اللي حصل لنيفين... وعن زياد.
انتقلت الكاميرا لمكان اللقاء... قعدة بسيطة في حديقة صغيرة. نعيمة قعدت قدام ياسمين، وشكلها كان تعبان من الزمن، لكن عنيها فيها ندم. وحكت كل إلا حصل.
نعيمة (بصوت صادق):
اللي حصل لبنتي مش ذنب زياد... يمكن ذنبي أنا. شغلنا، ودوامتنا، وانشغالنا... خلانا نغلط، وندفع بناتنا التمن. يوم الحادثة... كلنا كنا غايبين، بس أنا اللي كنت المفروض أكون موجودة. ولو في حد يستحق العقاب... فأنا.
مرت أيام، وزيارة ورا زيارة، الكلمة الطيبة مسحت جزء من وجع القلب... وياسمين، بعد ما سمعت وعاشت معاها اللحظات، بدأت تسامح... مش بس عشان نعيمة، لكن عشان نيفين، وعشان نفسها.
الفلاش باك ينتهي، ونرجع لياسمين اللي بتكمل كلامها:
ياسمين (بابتسامة حزينة):
ماقدرتش أكرهها... لقيت فيها أم تايهة، بتدور على خلاصها... فسامحتها، واعتبرتها بنتي زي نيفين.
وبعد كده زهرة حكتيلي عن حلمها.
تنهد عاصي.
وأنا مصدق إحساس زهرة... وقررت أبدأ من تحت، من الأول... من قلبي وعقلي، مش من تمويل غريب.
زينة (بحزم وابتسامة):
وأنا معاكم... وهنعمل خطة تسويق للمشروع بنفسنا... المشروع ده هيبقى علامة لبلدنا، ووجهة لطلاب العلم من كل حتة.
ياسمين (بحماس):
وإحنا عندنا شباب كتير، ومواهب أكتر... وكل اللي محتاجينه دعم وإدارة نضيفة. المشروع ده هنبنيه بإيدينا، مش بفلوس مشبوهة.
يبصلهم الجد عزيز بفخر، ويهز راسه.
عزيز:
اللّي شايفه قدامي... هو مستقبل نظيف، مليان نور.
سارة (بعين بتلمع):
وكل حلم نظيف، ربنا بيكمله.
يسود صمت بسيط، صمت مفيهوش غير راحة النفس... الكل حاسس إن القرار اللي خدوه هو البداية الحقيقة.
عاصي (بابتسامة خفيفة):
زهرة كانت السبب في إننا نفتّح عنينا... والحلم اللي خوفها، هو اللي أنقذنا.
وفي الخلفية، الكاميرا تتنقل على لمّة العيلة، كأن الحياة أخيرًا بدأت ترجع لمكانها الصحيح.
الأب (بصوت مليان حكمة):
المشروع محتاج نية صافية، وتخطيط. الفلوس تيجي بعدين. بس لو دخل في نيتك شركاء قلبهم مش نضيف... المشروع يتوسّخ حتى لو نجح.
في كافيه صغير، عاصي، زياد، كريم، ورامي مجتمعين حوالين ترابيزة، وأمامهم اللابتوب ورسومات المشروع.
عاصي (بنبرة حازمة):
قررنا نرجع عن فكرة الشركة الكبيرة، خصوصًا بعد تحذير زهرة... حسينا إن في حاجة مش مضمونة.
زياد (باستغراب):
بس إزاي؟! كنا خلاص على وشك الافتتاح! إيه اللي غير رأيكم؟
رامي:
مش بس حلم زهرة.. في حاجات مش مريحة بتحصل، تفاصيل صغيرة بس بتقول إننا مترقبين، وممكن في حد مستهدفنا.
كريم (بهدوء):
احنا مش هنلغي الحلم... هنبدأه من مكان تاني... خطوة بخطوة.
زياد (بعد صمت وتفكير):
أنا عندي شقة العزوبية... كانت فاضية وبفكر أبيعها، بس دلوقتي... إيه رأيكم نبدأ منها؟ نجهزها تبقى مقر المشروع.
الكل بصله بفرحة وانبهار، وعاصي قام وسلّمه بإيده.
عاصي:
أنت مش بس شريك... أنت أخ حقيقي.
انتقلوا للشقة، وابتدوا ينقلوا الأجهزة، الكمبيوترات، الشاشات، الكابلات، من باب خلفي للشركة والكل متحمس. ياسمين وزينة بيشاركوا في التجهيز، وبيتحول المكان لخلية نحل.
رامي:
التمويه؟
كريم:
اتفقنا نسيب الشركة مفتوحة عادي، والناس تشوف زينة هناك، كأنها بتجهز للافتتاح... بس في الحقيقة، هنخرج من الباب الخلفي، ونكمل شغلنا هنا.
وفعلا يتم التنفيذ.
نعيمة وحسين بيتابعوا الشركة من بعيد، ومعاهم المجهول في عربية سودة.
المجهول:
الليلة هننهي كل حاجة... جاهزين؟
حسين (ببرود):
جاهزين.
في اللحظة دي، يدخل فريق "التمويه" من الباب الأمامي، ويتم تفعيل خطة التفجير.
الكل شغال، زهرة بتتابع عن بعد، فجأة تليفون كريم يرن.
كريم (بقلق):
فيه حريق في الشركة!
عاصي (وهو بيقف بسرعة):
مين جوه؟
رامي:
ولا حد... كله تمويه! الحمد لله.
لكن الكاميرا تنتقل لباب سري في الشركة الكل يخرج منه ، وفى نفس اللحظة المفاجئة:
يدخل حسين ونعيمة والرجل المجهول عشان يزرعوا الانفجارت.
لكن باب الشركة يتقفل إلكترونيًا!
صوت إنذار... وانفجار ضخم يهز المكان.
الجد محمد يتوتر وكمان عزيز وصالح.
الكل بيتفرج على الخبر في التلفزيون، والقلوب بتقف. لكن في لحظة، زياد بيبعت ڤيديو مباشر.
زياد (مبتسم وهو بيصور الكل في الشقة البديلة):
احنا بخير... والحمد لله... كل ده بفضل زهرة!
الكل يتنفس الصعداء... والدموع تملأ العيون.
الجد محمد:
سبحان اللي بيحمي عباده من حيث لا يحتسبوا... زهرة دي نعمة من ربنا.
بعد أيام.
قاعة كبيرة بتلمع بالأضواء، مزينة بالورد الأبيض والدهبي، فيها مرايات بطول الحيطان، وسلالم نازلة على الجانبين، والستارة الستان ورا الكوشة بتتهز من الهوا الخفيف اللي داخل من فتحة سقف مفتوحة. الفرحة مالية القاعة... بس في جنب هادي، محجوز لتجهيز العرايس.
في الغرفة الجانبية للقاعة، البنات بيستعدوا.
زينة كانت قدام مراية طويلة، لابسة فستان نبيتي غامق بأكمام طويلة وتطريز هادي حوالين الخصر والصدر، شعرها مرفوع لفوق وطرحتها متعلقة على ضهرها برقة.
زينة (بضحكة):
أنا دايمًا بحب البساطه... بس النهارده، حبيتني بزيادة.
ياسمين لابسة فستان فضي مطرّز بنعومة، طرحته لونها قريب من لون الفستان، نازلة على جنب كتفها، وشها فيه نور، وابتسامة خفيفة كأنها بتقول: "أنا وصلت."
أما زهرة... كانت واقفة قدام المراية الكبيرة، وسط الكل، بهدوء ووقار.
فستان أبيض محتشم، واسع ومنسدل بنعومة، بدون أي بهرجة، تطريزه بسيط حوالين الأكمام والصدر.
طرحة من الشيفون السادة، نازلة تغطي شعرها وكتفها، مربوطة ببساطة على شكل حجاب شرعي.
وشها فيه سلام داخلي، وهدوء نادر.
بسنت (واحدة من صحبات الجامعة):
يا بنتي... انتي مش شبه أي حد هنا.
زهرة (بابتسامة صافية):
مش لازم أبقى شبه حد... أنا شبه دعوة أمي، ورضا ربنا، والبنت اللي اتعلمت إنها تفضل واقفة مهما الدنيا وقعتها.
زينة بصوت هادي:
عارفة يا زهرة... لو في يوم اتمنى أكون زي حد، فده هيكون إنتي.
ياسمين (بدمعة فرح):
ربنا يكتبلك كل الخير اللي بتستحقيه.
يدخل الجد محمد القاعة، بعكازه، ومعاه الجد عزيز... يقفوا يبصوا على البنات، وعيونهم تدمع.
الجد محمد (بصوت مبحوح):
يوم ميتنسيش... يوم بيجمع فيه الفرحة... والستر... والحلم اللي بقى حقيقه.
الكاميرا تبتعد شوية، وزهرة واقفة في وسط البنات... كل واحدة جميلة بشكل مختلف، لكن هي... كانت النور اللي بيطمن القلب، كانت بنت "زهرة العاصي"... اللي بدأت من العتمة، ولبست النور.
كتب كتاب زياد وياسمين، والكل بيضحك ويهلل، وبعدها ييجي دور كريم وزينة.
الشيخ (بصوت واضح):
وبكده تمّت البركة على بيتين جديدين، وربنا يجعلهم من السعداء الصالحين.
يبدأ الكل يوزع جاتوا و وعصير، والفرحة تملأ القلوب.
فجأة... عاصي يوقف، ويقرب من الشيخ وهو ماسك إيد الجد محمد، بنظرة كلها رجولة وصدق.
عاصي (بصوت هادي، لكنه بيخبط في القلب):
أنا كمان عندي طلب... طالما القلوب اجتمعت... وكتبنا صفحة جديدة... أطلب إيد زهرة بنتك يا حاج... مش بس عشان بحبها، لكن عشان قلبي عمره ما استقر غير وهي فيه.
زهرة تتجمد في مكانها، ووشها يحمر، والكل يلف يبص لها.
الجد محمد (بابتسامة فيها رضا كبير):
يكمل عاصي:
ولو ما وافقتش دلوقتي، هفضل أستنى لحد ما تقول (نعم) بإيدها وقلبها.
زهرة تبص لعاصي، وعنيها تلمع، وسكوتها ماكانش رفض... كان ارتجاف قلبها من الفرحة.
الشيخ يضحك:
يعني نكمل الثلاثة كتب كتاب في يوم واحد؟ ماشاء الله... يوم تاريخي!
زهرة (بهمس، وهي تبص للأرض):
طالما حضرتك مستني قلبي، يبقى نكتب كتابنا... بس على حب، وصبر، ورضا.
المأذون قاعد، قدامه الأوراق الرسمية، بيبدأ كلامه بصوت ودي ومليان بركة.
المأذون بابتسامة دافئة:
نبدأ بسم الله... ونصلي على النبي عليه الصلاة والسلام.
الناس ترد بصوت جماعي:
اللهم صلي وسلم وبارك عليه.
المأذون:
معانا دلوقتي عريسنا الجميل الأستاذ عاصي محمد عزيز، والعروسة الطيبة المحترمة زهرة صالح منصور محمد. وربنا يتمم بخير يا رب.
يبص لعاصي ويقول بنبرة رسمية محببة:
المأذون:
ياريت يا أستاذ عاصي تسلّمني صورة البطاقة وصورتين شخصية... وكمان من العروسة، لو سمحت.
عاصي يبتسم، يطلع من جيبه ظرف صغير، يسلمه للمأذون... وزهرة تمد إيدها بهدوء وتسلمه صورها، بصوت واطي.
زهرة (بهمس):
اتفضل يا مولانا.
المأذون ياخد الورق، يرتبه على مهله، وبعدين يرفع عينه ويفتح الدفتر، ويبدأ الكلام الجاد والرسمي اللي الكل حافظه بس دايمًا بيبكيهم.
المأذون (بصوت هادي مليان رهبة):
يا أستاذ عاصي... بتقبل السيدة زهرة على سنة الله ورسوله، زوجةً لك شرعًا وقانونًا، على الصداق المسمى بينكم؟
عاصي يبتسم، وبصوت ثابت يرد.
عاصي:
أيوه، بقبل.
المأذون يبص لزهرة، اللي عنيها مكسوفة... لكن فيها فرحة مخبيها العالم كله، وبيقول بنعومة.
المأذون:
وإنتِ يا زهرة، بتقبلي الأستاذ عاصي زوجًا ليكي، على سنة الله ورسوله، وعلى المهر المسمى بينكم؟
زهرة تبص لعاصي بسرعة، عينيها تغرق حب، وبصوت واطي مكسوف.
زهرة:
أيوه، بقبل.
الكل يفرح، وتبدأ الزغاريط، والمأذون يضحك وهو بيكتب ويقول.
المأذون:
اللهم بارك لهما، وبارك عليهما، واجمع بينهما في خير... كتبنا الكتاب، وزي ما بيقولوا... ألف مبروك يا عريس، ويا عروسة.
الحاج محمد يرفع إيده بدعاء.
الحاج محمد:
ربنا يجعل أيامكم كلها فرح وسكينة... ويبارك فيك يا زهرة يا بنتي، وفيك يا عاصي يا ولدي.
تكبيرات تطلع من الحضور، والفرحة تعلى، ودموع الجد محمد تنزل من الفرح.
عاصي (بصوت منخفض وهو يقرب منها):
أخيرًا... بقيتي على اسمي، وعلى قلبي، من غير خوف.
الكاميرا تبتعد بهدوء... وسط أضواء الزينة... وأصوات الفرح... وزهرة تبتسم والكل حواليها بيهتف:
مبروك يا زهرة... مبروك يا عاصي!
رواية زهرة العاصي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم صفاء حسني
الكاميرا تبتعد بهدوء... وسط أضواء الزينة... وأصوات الفرح... وزهرة تبتسم والكل حواليها بيهتف:
"مبروك يا زهرة... مبروك يا عاصي!"زهرة العاصي الكاتبة صفاء حسنىانتظروا حلقة خاصة ليلة الفرح واحداث جميله