تحميل رواية زهرة العاصي بقلم صفاء حسني pdf
بقلم صفاء حسني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - شعرت فتاة بمغص مفاجئ في وسط المحاضرة، لكنها استحملت الألم. قبل المحاضرة التالية، خرجت. سألتها صديقتها: "رايحة فين يا زهرة؟" هزت زهرة رأسها، قائلة: "رايحة الحمام، تعبانة ومش قادرة أتكلم، كل كلمة يا زينة، بالله عليكي." ضحكت زينة، قائلة: "حاضر يا قلبي، بس متتخريش، عشان المادة اللي بعدها رخمة." هزت زهرة رأسها: "على حسب الوضع، احتمال أروح يا زينة، أشوف كده وأتصل بزياد... هو صحيح محضرِش ليه المحاضرة؟" نفخت زينة بضيق: "أنا إيه اللي عرفني؟ فكي منه يا زهرة، ده مش شبهك، ولا يكون زيكِ! إنتِ تستاهلي و...
رواية زهرة العاصي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم صفاء حسني
"يعني... ناوي تسلمه للشرطة؟"
"أيوه. هسلمه للشرطة. علشان لو سبته، أبقى خاين لوردة... وخاين لزهرة... وخاين لنفسي."
لحظة صمت طويلة... كأن الزمن وقف.
الكل ساكت، والنَفَس مكتوم في الصدر.
"سليم غلط... بس يفضل ابني. أنا ما ربتوش كده... بس شكله ضِعِف، ووقع في طريق مش طريقنا."
"وأنا كمان ما ربيتش بنتي عشان ابنك يظلمها... ممكن جاهلي عمنا وكنت فاكر إن ستر البنت أهم من التعليم لكن ربنا أداني الدرس على إيد ابنك."
(يبص سليم في الأرض، ملامحه منكسرة):
"أنا مستحقش السماح... بس كنت بتمنى إن اللي ضيّعني يرجعني."
"اللي ضيّعك طمعك... واللي يرجعك الحقيقة. وهتقولها كلها... بالتفصيل. يوم المحكمة، قدام الكل."
"أنا هجهز كل الورق، وأبلغ النيابة بالحضور. واللى حصل ده... مش هيسكت عليه حد."
(يبص أبو سليم لابنه، وعينه مليانة وجع):
"كنت شايفك ضهري في الكِبَر... طلعت سكّيني في الضهر."
(ينزل سليم على ركبته قدامه):
"سامحني يا بوي... أنا ما أستاهلش نظرة من عينك... بس الكل عارف إني بحب زهرة وكنت نفسي أوصلها بأي طريقة... أنا بحب زهرة."
(بصوت متقطّع صالح):
"انت فاهم الحب غلط انت بتحب نفسك لكن مش هعتب عليك لأنى أنا كنت السبب... إنها تتوجع، بس بنتي قوية مهما انكسرت هتقف على رجليها. وإنت؟ كسرت نفسك بإيدك."
"أنا هكلم الظابط نبيل... يجيله هنا يستلم سليم، ومعاه كل التسجيلات. والباقي على النيابة."
(يمسك أبو سليم إيد صالح):
"أنا آسف... مش على اللي عمله بس... على إننا مقدرتش أكون أخ ليك، وكان لازم أقف جنبك من الأول."
"ولا أنا كنت شايف الحقيقة... بس ربنا بيكشفها في الوقت المناسب."
رمى سليم نظرة أخيرة لوشوشهم... كان فيه خوف، ندم، وأمل صغير.
"قولوا لزهرة... إني آسف. وإني مستعد أنى أطلقها....... لو هتخرجوني من هنا."
(يحط عاصي إيده على كتفه):
"بتلعب بينا تاني عشان تعرف تخرج منها... في التحقيق هطلقها غصب عنك."
وبيدخل الظابط "نبيل" بعد ما استدعاه عاصي... ومعاه القوة. بيتم تسليم سليم رسمي، وبيبدأ طريق جديد... طريق الحقيقة.
---
في ممر المستشفى – الساعة قريبة من الفجر، والدنيا هادية بشكل يخوف، غير صوت خطوات خفيفة وممرضة بتعدي كل شوية.
ياسمين كان قاعدة على كُرسي صغير قدام غرفة العناية، ضهرها منحني لقدّام، إيديها مشبوكة، وعينيها مش ثابتة على حاجة... قلبها هناك مع زياد.
تقوم فجأة وتوقف ممرضة كانت ماشية بالعربية الصغيرة:
"ممكن تطمنيني على المريض اللي جوه...؟"
(نظرت الممرضة فيها احترام وحذر):
"هو قدامه 24 ساعة تحت المراقبة يا فندم... بعد كده نقدر نحدد، يعدي منها ولا لأ."
(تهز ياسمين راسها بهدوء، وتقول شكرًا بصوت واطي وترجع تقعد).
تقعد على الكرسي... تمسك أطراف الجاكيت كأنها بتستغفر أو بتداري رعشة.
شريط حياته قدام عينيها، بيتقلب زي فيلم قديم، كل لحظة، كل ضحكة، كل دمعة.
(صوت داخلي جواها، بهدوء وكأنه بيحكي الحكاية):
"كان ممكن يهرب، بس هو ماهربش. كان ممكن يكرهني... بس في عز وجلعه، اختارني. كان ممكن يسبني وينتقم مني عشان كنت السبب إن زهرة تسيبه، بس هو أنقذني وما بين الحياة والموت عشاني."
ترفع عينيها للسقف، كأنها بتستنى إشارة... ثم تطلع نفس طويل وتحط إيديها على ركبها، وتقوم بحسم.
"لازم أواجها... كفاية خوف... كفاية صمت. هروح لنادية، وهقول كل حاجة. مش عشاني... عشانه هو."
وتقرار تخرج من المستشفى، الهوا بيحرّك شعرها، بس عينيها ثابتة، ووشها فيه لمعة قرار صعب اتاخد، بس خلاص... مفيش رجوع.
.......................
بعد ما انقبض على سليم رجع عاصي وزينة ورامي للمستشفى عشان يطمنوا زياد فاق والا لسه.
عاصي في المستشفى، الساعة داخلة على الفجر، والمكان ساكت.
دخلت تدور زينة على ياسمين وتسأل الممرضة فين الانسه ياسمين إلا كانت قاعدة هنا.
نظرت الممرضة يمين ويسار وردت:
"كانت هنا من شوية حضرتك سألتيني عن المريض ولم عرفت إن العملية خلصت وانه تحت المراقبة مشيت."
انصدمت زينة بصوت عالي وهو متلخبطة:
"يعني إيه سابت المستشفى؟! يعني إيه؟! فين راحت؟!"
(واقفة الممرضة ووشه شاحب):
"معرفش... اختفت، مفيش حد شافها."
كانت زينة صوتها بيتهز من الصدمة:
"و زياد؟! سابته؟! ده كان آخر أمل لو زياد مفقش هي تنقذ زهرة!"
يسمع عاصي زينة ينصدم (بعصبية وهو يضرب المكتب بإيده):
"آنا منبه الامن متخرجش لأي سبب.. وسابتني وراحت فين. كانت وعدتني... وعدتني إنها هتعرف وتقول كل حاجة... بس اختفت."
"ما كانش ينفع نسيبها لوحدها! دي ياسمين! مش أي حد ملهاش كلمة...!"
كان عاصي متوتر يوطي صوته بس عنيف:
"عارف! وبلعن نفسي ألف مرة إني سبّتها حتى دقيقة! بس كنت فاكر إن خلاص... إنها هتوفي بوعدها، وإنها مش هتهرب تاني!"
(بدموع بتبدأ تلمع في عينيها):
"ده معناه... إننا رجعنا تاني للمجهول؟ رجعنا لنقطة الصفر؟"
(يبص لها بمرارة):
"أسوأ من الصفر يا زينة... لإن كل مرة نوصل لحاجة، الدنيا تقفل من ناحية تانية.........."
في أوضة فخمة في بيت نادية – بالليل – نادية لابسة فستان غامق، قاعدة على كرسي واسع، ضحكتها عالية، ماسكة كوباية وبتضحك بقسوة.
(وهي بتضحك بصوت عالي):
"كله وقع في بعضه... زهرة، وزياد، وسليم، وعاصي... حتى ياسمين، بنت الشوارع دي، صدقتني... وأنا اللي جمّعت اللعبة... محدش يقدر يوقعني!"
فجأة الباب يتفتح بعنف.
(بصوت عالي وهي داخلة):
"لا، في واحدة بس تقدر توقعك... أنا."
نادية تتجمد مكانها، ترفع عينيها تلاقي ياسمين واقفة قدامها، عينيها كلها نار، ومسكة مسدس صغير.
(بتهز راسها ببطء):
"أنتي... جيتي ليه؟ ما كنت خلاص موتِ آنتي وزياد وانتهيت منك."
(ضحكت ياسمين، وبتقرب منها ببطء):
"يعني عادي إنك تقتل بنتك وانتهيت منها؟ طول عمري بدور على أمي...، بس مش مصدقة إن الشيطان اللي بوظ حياتي... هي أمي."
نادية وشها بيتبدل، بتقوم واقفة وهي بتقرب منها بحذر.
(بصوت مبحوح):
"أنتي... أنتي بتقولي إيه؟!"
(بدموع ونار):
"أيوه... أنا بنتك. فاكرة منصور؟ فاكرة سعاد؟ فاكرة لما أنقذت منصور من الحبس وطلبت منه يتجوزك ولم عرفت إن هو عنده بنت كنت هتجنني تجيب طفل منه؟ أنا بنت الجريمة..."
نادية تتجمد، أول مرة وشها يخاف، تتراجع خطوة وهي مش قادرة تتكلم...
(بصوت هادي لكنه مرعب):
"كنت طول عمري بقول أمي لـ واحدة تانية لحد ما كبرت وعرفت إن تم شراء من أم باعتنا وأنا في بطنها اتنازلت عن أمومتها وباعت رحمها بالجنين اللي في... بس طلع أمي... ماتت فيها الإنسانية."
(بضحكة خفيفة ومليانة استهزاء):
"انتي بتضحكي على نفسك... بنتي؟! أنا ما خلفتش... أنا عملت كل التحاليل والحقن، ومافيش مرة نجحت."
(بتبتسم):
"اللي بلغني... ضمير زياد. كان نفسه يتوب، وكان نفسه يكشفك... وأنا هكمل اللي بدأه."
(سكتة لحظة، وبعدين بتمسك طرف الكرسي بتاع نادية):
"أيوه... ما نجحتش. بس تعرفي ليه؟ مش لأنك ما تقدريش... عشان العصابة اللي انتي بتشتغلي معاهم ضحكوا عليكي."
نادية بترمش، لأول مرة علامات الشك تظهر على وشها.
(تكمل وهي بتطلع ورقة من جيبها):
"دي صورة من تقرير المستشفى اللي كنتي بتروحيها سرًّا... الحقنة كانت فاضية يا نادية. كانوا بيبيعوا ليكي أمل مزيف، وبيحقنوا الستات بحقن مفيهاش غير ميه وملح."
(بصوت واطي وهي بتاخد الورقة):
"كدابين... كلهم كدابين!"
(بابتسامة مريرة):
"لكن جالهم بيعة كبيرة وملوش غيرك يجرب فيك التجارب دي. منصور هو اللي وافق على الحقنة لم طلبت منه اتاخدت العينة... وفعلا اتحقنت وبعد فترة حصل حمل لكن ضحكوا عليك والدكتور بلغك إن الرحم حدث فيه ورم من كتر تجارب الحقن المهجري وفعلا أخدوا رحمك وأنا في وحطوه في بطن واحدة تانية الناس اللي فضلت تشتغل معاهم... في القذارة هما اللي حرموك وأنا لما عرفت إني مجرد تجربة ومعرفش مين أهلي دخلت في سكة المخدرات وبعد كدة ، أبيع مخدرات... أبيع ضميري... عشان أوصل للحقيقة كان لازم أدخل وسطهم عشان أعرف مين أمي طلعت هي رئيسة العصابة."
(بتنزل راسها لأول مرة، جسمها كله متجمد):
"مستحيل... مستحيل تكوني بنتي..."
(بهدوء):
"صدقي أو لا... أنا آخر فرصة كان ممكن يبقى ليكي قلب."
وبعد قليل جات الشرطة واخدت نادية. مرات الأيام وجيه يوم المحكمة وعاصي وزينة معاهم أدلة لكن ناقص اعتراف ياسمين.
يوم المحكمة.
البوابة الحديدية اتفتحت، وخرجت زهرة وهي لابسة الزي الرسمي للمحبوسين، إيديها متكلبشة من قدام، عيونها باينة فيها السهر والوجع، بس فيها كمان قوة رغم الضعف.
وقفت لحظة على باب السجن، تبص حواليها، لقيت جدها محمد واقف جنب زينة، وصالح أبوها واقف قدامهم. اقترب منها يطمنها.
"جبتلك حقك يا بنتي."
(بصت له بصدمة):
"خدتلي حقي إزاي؟"
(اتنهد، وعيونه بصت في الفراغ، وكأنه بيرجع للمشهد قدامه):
"لما هددتني ابن أخي… وشُفت صورتك ودمعتك في الفيديو ده… قلبي اتحرق… ساعتها ما بقيتش صالح… بقيت أبو زهرة، اللي اتكسرت قدامه… جبت رجالتنا، وكمّنا له، وخطفناه من بيته زي الكلاب، وربطناه في مخزن بعيد عن عيون الناس… خليه يعرف يعني إيه خوف… ويعني إيه بنت تنام وهي مش عارفة هتصحى على إيه!"
(مصدومة):
"عملت فيه كده؟!"
(بحسم):
"ده أقل من اللي يستاهله … عرفت إنه مصورك، وإنه كان بيهددني كمان ، وإنه حتى ما احترم اسمي ولا كلمته معى … قلبت المكان، وخدت كل حاجة… الفلاشة، الموبايلات، الصور… ومسحتهم بإيدي! ده غير إنه اعترف بكل حاجة… قدامي النيابة ومسجون دلوقتي ويجي يعترف بكل حاجه."
زهرة سابت دموعها تنزل، مش عارفة تحكي ولا تعاتب، قربت من أبوها وحضنته، حضن البنت المكسورة اللي لقت ضهرها أخيرًا.
(وهو بيطبطب عليها):
"كنت خايف أوصل متأخر… بس وعدتك يا زهرة… والله ما هسيبك لوحدك تاني أبدًا."
---
عيونهم كلها دموع، وكل واحد فيهم بيحاول يتماسك.
كانت بتبحث بعيونها على عاصي لكن مكنش موجود.
ركبت عربية الترحيلات مرة أخرى.
بتوصل زهرة للمحاكمة، يدخلها العسكري جوه القفص الحديدي في القاعة، المكان بيهز قلبها... بتبص في كل الاتجاهات... لقيت جدها واقف، وعينيه فيها دموع، زينة ماسكة إيد صالح اللي باين عليه الانهيار، بس بيحاول يثبت.
الكل ساكت... اللحظة تقيلة.
صوت الحاجب: القضية رقم (٣٢٤٥)... زهرة صالح محمد الصعيدي.
كل العيون اتجهت للقفص.
زهرة وقفت، وظهرها مفرود رغم التعب، رفعت راسها والدموع محبوسة في عينيها... قلبها بيخبط.
الباب اتفتح... ودخل القاضي.
---
الباب الخشبي الكبير اتفتح، ودخل القاضي بخطوات هادئة لكن واثقة... سكون رهيب غطى القاعة، حتى صوت الأنفاس بقى مسموع.
(بصوت حازم):
"المتهمة... زهرة صالح محمد الصعيدي."
زهرة وقفت، صوت السلاسل خبط في الحديد، قلبها بيخبط في صدرها، رفعت راسها وبصت للقاضي.
"أنتي متهمة بقتل بنت صديقة ليك، نيفين الشرقاوي... إيه ردّك؟"
زهرة خدت نفس عميق، كانت متوترة، بس حاولت تتحكم في ارتعاش صوتها.
"أنا... أنا مش مجرمة يا سيادة القاضي. أنا كنت ضحية، ضحية خوف وتهديد واستغلال."
"وضّحي أكتر... التهديد كان من مين؟"
"ياسمين خليل... كانت بتهددني بصور خاصة، صور اتاخدتلي من غير علمي، عشان تسكتني، عشان أبعد وأمشي وأسكت عن اللي كنت عارفاه."
(بدهشة):
"صور؟ تهديد؟... وإيه علاقتها بحادث نيفين؟"
"نيفين كانت طرف في اللعبة دي، بس أنا اتورطت... وكنت هناك لما اتخبطت بالعربية، بس والله مليش علاقة كنت بكلم أمي وأنا في البلكونة في بيت الطلاب لم شفتها وقعت وخرجت ليها. بعد شوية طلبت المشرفة أروح معاها المستشفى وفعلا روحت... ولما دخلنا المستشفى، سمعتها بتعترف إنها كانت بتمسح صور اتاخدتلي بكاميرا كانت محطوطة في الحمام... كانت ياسمين باعتاها عشان يصوروا البنات ويهددوهم بعدين يجبرهم ل يسمعوا كلامهم أو يفضحوهم."
(ينظر للملف):
"في تقرير طبي بيقول إنك دخلتي في إغماء يوم الحادث، ده صحيح؟"
(بصوت مرتجف):
"أيوه، من الصدمة وقعت واتنقلت على غرفة طوارئ، والدكتور كشف عليا."
(المحامي يخرج ورقة من الملف ويقدمها للنيابة):
"ده تقرير المستشفى وقتها، بيثبت إن زهرة اتنقلت فورًا على المستشفى وتم حجزها في غرفة الطوارئ… الدكتور اللي استقبلها موجود وممكن يشهد."
الدكتور واقف، لابس بالطو أبيض، واضح عليه الحزم والاحترام.
(القاضي يطلب منه):
"اقسم بالله العظيم أقول الحق."
(الدكتور):
"فعلاً يا سيادة القاضي، زهرة وصلت في حالة انهيار عصبي، وكان واضح إنها تعرضت لضغط نفسي شديد... عملنا لها كشف شامل واتأكدنا إنها كانت في حالة إغماء لفترة، وأثبتنا ده في التقرير المقدم لسيادتكم."
(أكمل المحامي ووضع توقيت موت نيفين مع وقت وجود زهرة في المستشفى):
"وده تقرير يثبت إن في نفس التوقيت كانت هي لسه في المستشفى ونيفين خرجت."
(سأل القاضي الدكتور):
"ممكن توصف الحالة بالظبط؟"
(هز راسه الدكتور):
"أيوه يا فندم، انسه زهرة وصلت لنا في حالة انهيار عصبي… ضغطها كان منخفض جدًا، وكانت فاقدة الوعي… كشفنا عليها فورًا، وكان واضح إنها مصدومة، جسمها مرهق، وفي علامات إجهاد شديد… اتنقلت على غرفة العزل وتم حجزها 24 ساعة للمتابعة النفسية والبدنية."
(طلب وكيل النيابة يسأل الدكتور، سمح ليه القاضي):
"هل قالت سبب الانهيار؟"
(الدكتور):
"وقتها كانت بتبكي وبتقول "اتفضحت… كانوا بيصوروني وأنا مش واخدة بالي". كلامها كان متقطع بس فهمنا إنها ضحية استغلال وابتزاز… كتبنا ده في التقرير الطبي، وموجود في الملف اللي قدمه المحامي."
زهرة تبص للأرض، ودمعة تنزل من عينها، صالح أبوها يضم إيديه بقوة والجد محمد يغلي من جوه.
(بهدوء):
"شكراً يا دكتور… شهادتك هتكون فارقة في القضية."
همهمات خفيفة من القاعة... القاضي بهدوء يشير بالصمت.
(القاضي):
"المتهمة... هل في وقائع تانية محتاجة توضحيها قبل ما نسمع باقي الشهادات؟"
زهرة وقفت لحظة... دموعها قربت تنزل، صوتها خرج مبحوح:
"أنا اتكتب كتابي بعد الحادثة يا فندم. بعد ما خرجت من المستشفى قررت أسافر لكن عشان أبويا خاف عليا اعتقدت لم يتم كتب كتابي بتاريخ قديم يعرف يخرجني منها وأمي مستحملتش ومكنتش، موافقة على كل ده وقعت من طولها وماتت يوم الحنة وبعد كتب الكتاب، وللأسف نفس الشخص اللي اتجوزني هو كمان خطفني... كان المفروض اتجوزت على ورق بس، عشان محدش يشك، وكانوا بيهددوني لو اتكلمت... كنت خايفة، بس خلاص... مش هسكت تاني."
(بهدوء):
"دلوقتي انتي كذبتي في التحقيق وقولتي انك اتجوزتي سليم تم بإرادتك الكاملة؟ ودلوقتي بتقولي حصل إكراه و تهديد؟"
زهرة تبص لزينة، تبص لأبوها، لجدها... ثم تبص للأرض... وبتاخد نفس عميق قبل ما تنطق.
(تبص في الأرض، عينيها مغروقة دموع، صوتها بيرتعش لكنها بتتكلم بكل شجاعة):
"لا... مكنش برضاي... مكنتش موافقة... هو وعدني... وعدني إن الجواز هيكون على الورق بس، لحد ما المحكمة تخلص، وأنا... أنا صدقته... صدقت إن في حد أخيرًا هيسندني... بس هو خان الوعد."
الكل ساكت، وهدوء قاتل بيخيم على القاعة. زهرة تكمل وهي بتحاول تمسك نفسها:
"في أول ليلة... حاول يقنعني إني مراته... وأنا كنت بترجاه... قلتله لأ... أنا مش مستعدة، وده مش اتفاقنا... بس هو... هو غصبني... وبعدها... كان كل يوم بيوجعني أكتر... مش بس في جسمي... في قلبي، في روحي. قفل عليا الباب... منعني من التليفون... من الناس... من نفسي."
سكتت لحظة، عينيها لفت على الموجودين، وصوتها بقى أهدى لكنه مليان كسر:
"كنت بقول لنفسي يمكن حد يجي وينقذني لكن قررت أسلم نفسي ... ... لأن كل يوم كان أسوأ من اللي قبله. كل يوم كنت بنزف... وبسكت."
(تتنفس بعمق وتكمل):
"بعت رسالة ل دكتور عاصي بمكاني وطلبت منه ينقذني ولم جات الشرطة اعترفت بجريمة القتل عشان أهرب منه. أنا هنا مش عشان آخد تعاطف حد... أنا هنا عشان أقول كفاية... عشان قولت لا ل ياسمين. اتحرمت من أماني وهربت هنا وهناك... بس مش هسيب حقي، ولا هسكت تاني. معه فيديوهات مصورها ليا وهو بيغتصبني و بيهددني إني منطقش لكن أنا لازم أدفع عن نفسي. آه أنا غلط إني هربت لم عرفت غلط إني سمعت كلام أبويا وكسرت كلام جدي بعترف."
(تحدث المحامي):
"ده اعتراف من سليم يثبت إن كلام زهرة صح وكمان اكتشفنا انه."
زينة بتبص لها بدموع، وجدو محمد يطاطي برأسه وهو بيعيط في صمت، وصالح حاطط إيده على وشه مكسور.
(بهدوء):
"كل كلمة قلتيها هتتاخد بمحمل الجد... ولو في تقارير طبية أو شهود هتدعم اللي قلتيه، هيتفتح تحقيق شامل فورًا."
محامي زهرة (بيقف بثقة):
"سيدي القاضي، لدينا شاهدة جديدة... كانت مختفية قسرًا، وهربت من أيدي العصابة اللي حاولت تقتلها... اسمها: ياسمين حسين."
زهرة قاعدة مكان المتهمة، تعبانة، ووشها شاحب، والجلسة هادية. المحامي بيطلب دخول شاهدة مفاجأة.
رواية زهرة العاصي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم صفاء حسني
الباب يتفتح... وياسمين تدخل.
الناس تهمهم، القاضي يطلب الهدوء.
ياسمين (بصوت قوي):
أنا ياسمين، وكنت واحدة من الناس اللي العصابة جندتهم وهددتهم بعد الحادثة. العصابة أخدتنا وحبستني... بس زياد ساعدني أهرب، ودفع حياته عشان أجي هنا النهاردة وهو موجود ما بين الحياة والموت في المستشفى.
تطلع فلاشة من جيبها، تسلمها للقاضي. ده كل حاجة تخص شغلهم.
ينظر عاصي لوجه زهرة وهي سعيدة لما دخلت ياسمين. رغم كانت مستغربة إن ياسمين بتقول الكلام ده، ونظرت لعاصي ولزينة بامتنان، ويتذكر هو وزينة.
فلاش باك
بيت "عزيز" – الصالون القديم، مليان ذكريات وصور على الحيطان.
زينة رايحة جاية، توترها باين على ملامحها. وعاصي واقف جنبها، بيحاول يهدّيها، لكن عينه على الباب اللي وراه منتظر رجوع ياسمين.
زينة (بقلق):
عاصي... تفتكر ياسمين ممكن تكون خافت؟ لكن هي وعدتنا... وهي عارفة إن شهادتها مهمة جداً في القضية، من غيرها كل حاجة ممكن تضيع.
عاصي (بصوت هادي لكنه متوتر):
لا، ياسمين مش هتخلف وعدها... بس أكيد في حاجة في دماغها، ده إحساسي. أو إلا بتمناها شخصية ياسمين القديمة تخون وتكذب وتلعب. لكن شخصية ياسمين الجديدة حبيبها كان يموت قدام عينيها.
وفي اللحظة دي، بيقف عزيز قدامهم... إيده بترتعش، ووشه شاحب، كأنه شاف شبح الماضي بيرجع يواجهه بالحقيقة اللي متخبي من سنين. وبيسأل.
عزيز (بصوت واطي، مهزوز):
زينة... بتقولي إيه؟ أختك وبنت مين؟ هي سعاد كانت اتجوزت بعد منصور؟
زينة بتبص له، عينيها مليانة دموع وغضب متراكم. بتقطعه بنظرة حاسمة، وبتقرب خطوة، صوتها بيترجف بس مليان قوة:
زينة:
صباح الخير يا جدو... كويس إنك أخيرًا بدأت تفوق من الغيبوبة اللي كنت فيها.
بتقرب أكتر، وكلامها بيدوي وسط السكوت اللي لفّ المكان:
زينة:
تعرف إنك السبب في الدوامة دي كلها؟ من أولها لآخرها! وثقت في صاحبك سميحي وصدقته ودي كانت النتيجة. ابنك اتجوز سعاد... من وراك... وأنا اتولدت... وعشت حياتي مع راجل تاني بقوله يا جدي... ونادية؟ نادية اللي كسرتك، مسكت ضعفك وسيطرت عليك... أنت وبابا وعشان تخرجه من السجن اتحكمت فيكم. لكن هي كمان ربنا عاقبها وأخد منها الطفلة إلا كانت نفسها تكون معها وتكون من عاصي. وعشان افتكرت إنها ومعرفتيش حبت تموتني بالحياة ومسحت أي دليل اني عايشة. لكن سبحان الله مدبر الكون هي محيت كل حاجة عني وربنا بعت ليها الا يحرمها من ضناها ويتربى في حضن غيرها. لكن آخرين طلعت عند أختي، لكن للأسف ممكن تتسجن.
سأله الجد عزيز وهو مستغرب:
أنا إلا اعرفه إن نادية مبتخلفش، ازي بقي عندها بنت؟ والا لعبة بتلعبها جديد؟
هزت راسها زينة بالنفي:
هي قصة طويلة وغريبة، آه. نادية كانت نفسها تخلف عشان تكش على كل حاجة، وعملت المستحيل. مكنش في أمل، فلجأت للحقن المجهري، وحصل حمل. لكن العصابة خافت من انشغال نادية في أولاد فحرمتها من حقها وسرقوا الجنين إلا اتكون في رحمها ونقله لناس تانية بفلوس. وطبعاً العينة من بابا منصور يبقى ياسمين أختي حفيدتك... مدّ إيدك بدل ما تفضل تندم.
عزيز بيحط إيده على صدره، وكأنه بيتنفس بصعوبة، دموع بتنزل من عينه من غير ما يحس. بيتراجع خطوة لورا، والندم بيكوّن جبل فوق ضهره.
عزيز:
أنا... ضيّعتكم... ابني، وبنتي، سابوني،... وضاعت زهرة. حفيدة صديقي عشان فكر يساعدني. وقبلكم ابني منصور ومشفتش حفيدتي. ونادية لازم تتعاقب هي وابوها سميحي. عشان هما سبب في كل الجرائم الا حصلت.
زينة (بصوت ناعم لكنه حاسم):
بإذن الله أنا عندي يقين يكون في لسه فرصة... وانت استغل الفرصة يا جدي لازم تقدر تصلح، كل حاجة وتبدأ من جديد.
عزيز (بصوت منكسر):
أنا كنت مغيب... كنت شايف اللي نادية وسميحى بيقول هو الصح...
زينة (بحدة وهي بتقرب منه خطوة):
نادية طلعت هي رئيسة عصابة... نادية كانت بتستغل البنات... دي كمان كانت مخبية عنك إن عندك حفيدة إلا هي أنا!
أنا شفت كل حاجة بنفسي... وسمعت اعتراف نادية في التسجيل... وزياد دلوقتي بين الحياة والموت عشان حمى ياسمين من رجالها.
عزيز يرفع راسه والدموع في عينيه، صوته بيرتعش بين الندم والرغبة في التصحيح:
عزيز:
خديني ليها يا زينة... أنا لازم أشوفها... لازم أطلب منها السماح... ولازم أساعدها... المرة دي مش هسكت.
زينة (بدموعها وهي بتهز راسها):
ياسمين اختفت مرة تاني ومش عارفة راحت فين، وخايفة لتكون ياسمين خطفتها مرة تانية.
عزيز (وقف بسرعة، صوته فيه تصميم لأول مرة):
مش هخليها تدفع التمن لوحدها... اللي حصل لازم يتصلّح... حتى لو آخر حاجة أعملها في حياتي. أنا رايح ل نادية.
عاصي بيمد إيده على كتف عزيز، بيبص له بنظرة فيها أمل باهت لكنه حقيقي:
عاصي:
كلنا تعبنا... بس الوقت ده مش وقت لوم، وقت نختار نقف جنب الصح.
عزيز يهز راسه، بيبلع دموعه، وبصوت مبحوح:
عزيز:
خدوني عند نادية اتفق معاها لكن حفيدتي ترجع وزهرة تخرج من السجن.
مكتب المحامي –
عاصي (بلهفة):
أيوه... أستاذ سامي؟! في جديد؟
المحامي (بنبرة جادة):
أيوه يا دكتور... ياسمين وصلت دلوقتي مكتب النائب العام... ومعاها محاميها.
عاصي (بصوت عالي، متفاجئ):
إيه؟! ياسمين؟! راحت من نفسها؟!
المحامي:
أيوه... شكلها رايحة تعترف بحاجة مهمة... الوضع حساس جداً، ولازم تكونوا هناك.
عاصي وهو بيقفل التليفون بسرعة وبيكلم زينة وعزيز:
زينة! المحامي اتصل بيا... ياسمين عند النائب العام!
زينة (باندهاش وقلق):
إزاي؟! راحت لوحدها؟!
عاصي (بحركة سريعة وهو بياخد مفاتيحه):
لازم نروح دلوقتي حالا.
طلب عزيز
خدوني معاكو.
زينة (بدهشة):
إنت... عايز تيجي؟
عزيز (بإصرار):
عايز أشوف حفيدتي... عايز أقولها إني كنت غلطان... إني ندمان... أنا مش هسمح إنهم يسجنوها زي زهرة.
عاصي (بيبص له للحظة، وبعدين بيهز راسه):
يلا بينا.
يركبوا العربية، عاصي سايق بسرعة، زينة جنبه، وعزيز في الكنبة الورانية، ماسك صورة ل منصور وهو صغير.
عزيز (بيهمس لنفسه):
سامحني يا منصور... يمكن أقدر آخد أول خطوة في طريق الغفران.
مكتب النائب العام – قاعة الانتظار برا مكتب التحقيقات، الجو مشحون، رجال أمن واقفين، ومحامي ياسمين بيكلم بهدوء مع سكرتيرة النائب.
الباب بيتفتح، ويدخل عاصي بسرعة ومعاه زينة، وعزيز ماشي وراهم بخطوات تقيلة بس مليانة شوق ولهفة.
عاصي (بقلق وهو بيقرب من المحامي):
فين ياسمين؟ جوه؟
المحامي (بهمس):
أيوه... جوه مع وكيل النيابة، بدأت تحكي كل حاجة... بصراحة، شجاعة جداً.
زينة (بصوت مبحوح من التوتر):
طب نقدر نشوفها؟ نطمن عليها؟
المحامي:
لسه شوية... بس لما تخرج، أكيد هتحتاجكم جنبها.
عزيز واقف ساكت، عنيه مثبتة على باب المكتب، وكل عضلة في وشه بتقول قد إيه جواه نار... نار ندم، ولهفة، وخوف.
عزيز (بصوت مهزوز):
هي جوه؟... حفيدتي؟
زينة (بتحاول تمسك دموعها):
ياسمين محتاجة تشوفك... عشان تعرف إن الدنيا لسه فيها رجوع... فيها ناس بتحبها... فيها جَدو.
اللحظة بتعدّي بصمت، وبعدها الباب بيفتح، وياسمين بتخرج، ملامحها متغيرة... تعب وارتياح في نفس الوقت. عينيها تقابل عيني زينة، وبعدين تقع عينيه على عاصي... ثم تثبت على عزيز.
عزيز بيبص لها... وشه بيترعش، ودمعة بتنزل رغمًا عنه:
عزيز (بصوت واطي وهو بيقرب):
ياسمين... أنا... أنا جدك... يا بنت منصور.
ياسمين (بصوت مبحوح، بعد صمت):
جدّي؟!
عزيز يهز راسه، ويوطي بعينيه وهو بيحاول يقرب منها بخطوة بسيطة:
أنا آسف... آسف على كل لحظة سبناكم فيها، آسف على اللي حصل ... آسف إني كنت غايب... وكنت السبب.
ياسمين بتبصله، جواها زلزال مشاعر، بس عينيها بتلمع بدموع مختلفة... مش دموع وجع، لكن دموع بنت شافت حضن كانت مستنياه طول عمرها.
ياسمين (بهمس):
انت ملكش ذنب يا جدي، وأنا لما عرفت إني لي أهلي تاني كنت بدوّر عليكم من غير ما أعرفكم...
عزيز بيمد إيده، وهي بتاخدها بعد لحظة صمت، وبتحضنه... حضن مليان وجع سنين، وغفران بيبدأ، وأمل جديد بيطلع.
وكيل النيابة (بحزم):
آنسة ياسمين، مستعدين لتسجيل أقوالك؟ هل مستعدة تحكي الحقيقة كاملة عن زهرة وعن العصابة؟
ياسمين (بنَفَس عميق):
أيوه، مستعدة. زهرة بريئة... واللي حصل معاها كان جزء من خطة أكبر... العصابة دي كانت بتستغل البنات... بيصوروا فيديوهات سرية في الحمامات، تحت إشراف ناس من جوه الجامعة ... وأنا... أنا كنت واحدة منهم.
زينة تنظر لها بفخر وتمسك إيديها:
أنا فخورة بيكي يا ياسمين، كملي.
تبتسم ياسمين (بتكمل):
واللي لازم تعرفوه... إن نادية، رئيسة مجلس الجامعة، هي رئيسة العصابة، وبتكون للأسف... أمي... وأنا بنت منصور... أنا وزينة.
صدمة بتظهر على الجميع، ووكيل النيابة بيبص لهم بدهشة.
وياسمين بتتكلم:
الفلاشة دي فيها تسجيلات من جوه المخزن، وفيها لحظة ضرب النار على زياد، وصوته وهو بيقول لي كل حاجة. وفيها كمان اعتراف نادية.
سأل وكيل النيابة:
وفين زياد؟
تنهدت:
ما بين الحياة والموت في المستشفى.
نائب العام يشاور على الفلاشة ويديها للمختص:
تحفظوا عليها، ونبص فيها فوراً. واللي بتقوليه ده... خطير جداً يا آنسة ياسمين، وهنحتاج تكملي كل التفاصيل. ومش هينفع تخرجي قبل ما نثبت كل ده بالأدلة.
ياسمين تهز راسها بالموافقة، ونبرة صوتها تهدى شوية:
أنا مش جاية أهرب... أنا جاية أتحرر. من سنين عايشة في كدب وخوف... زهرة شالت ذنبي، وزياد دفع التمن... كفاية.
النائب (بنبرة جدية):
هيتم القبض على نادية فور مراجعة التسجيلات. وهيُفتح تحقيق رسمي في إدارة الجامعة والمستشفى وكل من له علاقة باللي حصل. والأنسة زهرة... هنتابع موقفها بعد ما نثبت براءتها.
ياسمين:
زهرة مالهاش ذنب، كانت دايماً ضد اللي بيحصل... وحاولت تغيرني. لكن أنا كنت غبية... مكنتش عارفة إن اليوم ده هييجي، يوم ربنا يفضح فيه كل ظالم.
زينة تمسك إيد ياسمين بقوة، وعاصي واقف في الخلف، باصص لياسمين كأنه بيشوفها لأول مرة، وفي عينيه نظرة امتنان ووجع. فجأة طلع عنده بدل بنت خال لا بنتين الدنيا لعبت بيهم.
يبص لزهرة، يلاقيها بتبص على ياسمين وهي عينيها بتدمع... لكن فيها راحة.
يؤمر القاضي دخول ياسمين القفص جانب زهرة.
بالفعل تدخل "ياسمين" وهي واقفة في القفص، ملامحها باهتة من التعب، وعينيها مليانة ندم. صوتها يرتعش وهي بتتكلم قدام القاضي والمحامين والحضور.
طلب القاضي تتكلم:
قول والله العظيم أقول الحق.
ياسمين (بصوت متكسر):
والله العظيم أقول الحق. أنا كنت واحدة منهم، من الشبكة اللي ورا كل حاجة... يوم وقوع نيفين في الجامعة أخدوني وحبسوني عشان الوحيدة عارفة أسرارهم.
بدأت تحكى ياسمين.
القاضي (بهدوء شديد لكن بنبرة صارمة):
النيابة العامة، إيه ردكم على الكلام ده؟
النيابة تبتدي تقلب في الورق، ويظهر إنها عندها ملف كامل بدأت توصله من الأدلة اللي اتجمعت مؤخراً، بينهم تسجيل صوتي بين نادية وأحد المتورطين.
محامي الدفاع:
سيدي القاضي، بناءً على شهادة الشاهدة، والأدلة الجديدة، نطلب تبرئة موكلتي زهرة ناصر فوراً.
القاضي (بعد لحظات من الصمت):
المحكمة ترفع الجلسة للمداولة.
زهرة وقفت جوه القفص، عينيها على الأرض، دموعها بتنزل بدون صوت...
عاصي قام، ومشي ناحيتها... بصّ لها من بعيد... ولأول مرة، عينيهم اتقابلوا، لكن بين كل الصراخ، ظهر السلام في عينيهم.
زهرة كانت واقفة، جسدها متجمد، وعيونها مش بتتحرك، سكتة، وكل اللي حواليها بيتهز. صدى كلام ياسمين بيرن في ودانها، وبعدين فجأة، تنهيدة طلعت من صدرها، وجسمها وقع على الأرض في لحظة.
زينة (بزعيق وذعر):
زهرة!! حد ينادي إسعاف!! بسرعة!
كل القاعة اتقلبت، عاصي بيجري ليها، وشه شاحب، بيحاول يفيقها، لكن عيونها مغمضة وجسمها بارد.
عاصي (بصوت مخنوق):
اصحي يا زهرة... بالله عليكي...
الإسعاف وصلت، شالوها بحرص، وزينة ماسكة إيدها، وعاصي جنبهم متوتر، عينه ما بتسيبهاش لحظة.
في المستشفى - بعد ساعات
في غرفة فحص هادية، والدكتور بيخرج وهو ماسك ملف، وعينه فيها حزن واضح، بيبص لعاصي وزينة.
الدكتور (بصوت هادي لكن صارم):
الحالة مستقرة، بس... فيه حاجات لازم تعرفوها.
عاصي (بقلق):
خير يا دكتور؟!
الدكتور (يتنفس بعمق):
الفحوصات وضّحت إن زهرة كانت بتتعرض لضغط نفسي وجسدي كبير... فيه آثار عنف واضح في العلاقة، وجروح قديمة وحديثة... و... للأسف، دي علامات اغتصاب متكرر.
زينة دمعت، وإيدها على بُقها من الصدمة، وعاصي وشه شحب أكتر، إيده اتشدت بعنف.
الدكتور (مكمّل):
كمان وزنها نازل جداً، باين إنها مش بتاكل كويس بقالها فترة... جسدها منهك، وأقل حاجة كانت ممكن تقتلها. هي محتاجة وقت طويل تتعافى، مش بس جسدياً... لكن نفسياً كمان. ومع التوتر حصلها نزيف.
الدكتور (يتنفس بعمق):
الفحوصات وضّحت إن زهرة كانت بتتعرض لضغط نفسي وجسدي كبير... فيه آثار عنف واضح في العلاقة، وجروح قديمة وحديثة... و... للأسف، دي علامات اغتصاب متكرر.
زينة دمعت، وإيدها على بُقها من الصدمة، وعاصي وشه شحب أكتر، إيده اتشدت بعنف.
زينة وقفت مصدومة، وشها اتجمد، وإيدها نزلت من على بُقها ببطء، وكأن الكلام مش قادر يستقر في عقلها.
زينة (بهمس مبحوح):
كانت... حامل؟
الدكتور (بيهز راسه بأسف):
آه... في بداية الحمل. بس للأسف، الضغط والتعذيب النفسي... والنزيف اللي حصل كان بسبب الانهيار اللي مرت بيه.
عاصي حس بدوخة، ساب الحيطة اللي كان مسنود عليها، وقعد على الكرسي، عينيه مليانة دموع مش قادر يخبّيها، صوته طلع منه متقطع:
عاصي:
يعني... كانت بتتحمّل كل ده لوحدها؟ كانت حامل... وأنا مش عارف؟!
زينة قربت منه، حطت إيدها على كتفه، وهي بتحاول تبكي من غير صوت، بس قلبها كان بيصرخ.
زينة:
إحنا كلنا سبناها... كلنا ظلمناها.
الدكتور (بصوت أهدى شوية):
هي دلوقتي تحت ملاحظة خاصة... حطيناها في غرفة هادية، بعيد عن أي توتر... بس محتاجة دعم، محتاجة إحساس بالأمان اللي فقدته.
عاصي رفع راسه، نظر للدكتور بعين فيها نار، مش غضب بس... نار ندم وقهر:
عاصي:
أنا عايز أشوفها... حتى من بعيد... مش هتكلم... بس عايز أطمن إنها لسه بتنفس.
الدكتور (بتفهم):
هشوف لو ممكن نرتب حاجة، بس لازم يكون في هدوء تام. أي ضغط جديد ممكن يأذيها.
زينة (بصوت واطي):
ولو فاقت... إحنا مش هنسيبها لحظة. المرة دي مش هنمشي... حتى لو هي مش قادرة تبص في وشنا.
سادت لحظة صمت... لحظة تقيلة كأنها بتلخّص كل الوجع اللي مرّت بيه زهرة... وابتدت تبان دموع حقيقية على وشوش اتأخرت تفهمها، وتحس بيها.
بعد أيام تم تحديد جلسة ل نطق الحكم.
قاعة المحكمة الهدوء بيسيطر، عيون الناس معلقة على القاضي، الكل واقف... عاصي ماسك إيد زينة، وياسمين جنبهم، قلبها بيرفص في صدرها، والجد محمد قاعد، باصص لقدّامه بتوتر.
القاضي (بصوت واضح وحازم):
بعد الاطلاع على الأدلة المقدمة، والاستماع لشهادات الشهود، والاطلاع على الفلاشة المقدمة من المدعوة ياسمين منصور... قررت المحكمة:
براءة زهرة صالح محمد من كافة التهم المنسوبة إليها.
يُرفع عنها الحجز الاحترازي، مع توصية بتوفير الرعاية النفسية والطبية اللازمة لها.
والحكم على ياسمين بالسجن لمدة سنتين.
الكل مصدوم ونظرة حزن في عيون الجميع.
لكن يكمل القاضي:
لمدة سنتين مع إيقاف التنفيذ ودفع غرامة مالية لأنها شاهدة واعترفت بكل حاجة. وحكم على نادية بالسجن مدى الحياة وعلى سميحي حكم غيابي بالسجن مدى الحياة.
همسات في القاعة، صوت تنفّس مرتاح من زينة، وياسمين بتبكي بس بابتسامة باهتة.
عاصي (بهمس):
اتنصفت يا زهرة... أخيرًا.
– غرفة زهرة، الإضاءة هادية، زهرة نايمة على سرير أبيض، وشها شاحب، وعينيها مغمضة لكن نَفَسها منتظم. الممرضة بتفتح الباب بهدوء، وياسمين داخلة بإيدها ظرف صغير.
الممرضة:
ممنوع تقعدي كتير... حالتها لسه مش مستقرة.
تهز ياسمين راسها وتدخل، تقرب من زهرة وتقعد جنبها، وتشد الغطا عليها بلطف.
ياسمين (بصوت واطي):
اتبرّيتي يا زهرة... المحكمة قالت كلمتها. أنا آسفة إني اتأخرت، بس صدقيني... كنت بحارب. زياد كمان حارب... وده... ده كان آخر حاجة كتبها ليكي.
تمد ياسمين إيدها وتحط ظرف صغير تحت إيد زهرة، وتحط قبلة على جبينها وتمشي بهدوء.
قدّام باب غرفة زهرة في المستشفى – إضاءة هادية، صوت جهاز نبض شغال من جوه. ياسمين ماشية بخطوات هادية ناحية الباب، في إيدها ورد أبيض، وفِي وشها علامات قلق وحزن. فجأة، يظهر عاصي من الجهة التانية. بيبص لها... صمت لحظات.
عاصي (بصوت هادي فيه لهفة):
أخبارها إيه؟
ياسمين (توقف وتبص له):
لسه نايمة... التعب كاسرها. بس... سبتلها رسالة من زياد... لازم تقراها.
عاصي وشه اتجمّد، عينه وسعت، ونفسه اتكتم للحظة.
عاصي (بحدة خفيفة):
ليه؟ ليه تفتحي الجروح؟
ياسمين بصت له، ونزلت عينها، وبعدين رفعت راسها وقالت بوجع خافي:
أنا مش بفتحها... أنا بسيب لها حرية تقفلها بنفسها. لو قرت الرسالة، واتأثرت، وحنت لذكراه... يبقى زياد لسه جوه قلبها، وساعتها... أنا وانت... ملناش مكان.
عاصي يبلع ريقه بصعوبة، وكأن الكلام خبطه في قلبه.
ياسمين (تكمل، وهي بتحط الورد على الترابيزة جنب الباب):
بس لو قطّعت الرسالة... وسابت ذكراه وراها، ساعتها هتعرف إن قلبها اختارك انت. أنا مش عاوزة آخد مكان مش بتاعي يا عاصي... عاوزة أرجع ل زياد عشان أقف معه وأستناها أو هي هترجع وأنا أختفي ومش عاوزاك تعيش على أمل كداب. هي اللي لازم تختار.
عاصي يبص لباب الغرفة، ونظراته كلها خوف من الجواب، من الماضي، ومن الاختيار.
عاصي (بهمس):
وأنا... هقدر أستنى؟
ياسمين (بابتسامة حزينة):
لو بتحبها... استنى. وإن محبتهاش... متوجعش قلبك.
تسيبه وتمشي تدخل الغرفة إلا فيها زياد، وهو واقف متسمر مكانه، عينه على الباب، وقلبه مربوط بين ورقة... وماضي... ومستقبل لسه مجهول.
زهرة تفتح عينيها ببطء، تتنهد، تبص حواليها وهي تايهة شوية... تلاحظ الظرف.
زهرة (بصوت واطي مبحوح):
ده إيه؟...
تمد إيدها ببطء، تفتح الظرف، تسحب الورقة، وتبدأ تقرا... الكاميرا تقرب على وشها وهي كأنها بتسمع صوت زياد جوه دماغها بيقرا الرسالة، كأنها صوته فعلاً:
لزهرة...
أنا مش بكتب الرسالة دي عشان تلومي نفسك، ولا عشان تسامحيني... أنا بكتبها لأن دي يمكن أول مرة في حياتي أتكلم بجد، وأطلع اللي في قلبي من غير خوف ولا تمثيل.
أنا طول عمري كنت تايه... من وانا طفل، وأنا بشوف الناس بتتخلّى. أمي أول واحدة، سابتني واتجوزت في محافظة تانية، وأبويا كمل حياته كأن ماكنتش موجود. كل واحد فيهم افتكر إن التاني بيهتم، وف الآخر سيبوني لجدي وجدتي، اللي حبوني بزيادة... بس سابوني هما كمان، بس المرة دي بالموت.
كنت في ثانوي، وحيد، مش لاقي حد يسألني: "محتاج حاجة؟ تعبان؟ بتذاكر؟". دخلت المدرسة الخاصة اللي كانوا بيبعتوا مصاريفها وهم مش عارفين أنا بعمل فيها إيه. وأنا كنت بعرف أضحك، أضحك على المدرسين، على صحابي، وعلى نفسي.
مافيش حد فيهم كان يعرف إن الطفل اللي بيضحك في الفصل هو نفسه اللي بيروح ينام جعان، أو بيقضي الليل خايف من بكرة.
لما اتعرفت بالعصابة، كنت فاكرهم أصحاب... ناس هتسندني، لكن طلعوا أكتر ناس علموني إن الدنيا دي مافيهاش رحمة. جرّوني لطريق مش بتاعي، بس أنا كنت ضعيف، ووقعت... وأنا عارف إن ده مش مبرر.
بس لما عرفتك، زهرة... كنت بحاول أكون بني آدم، لأول مرة في حياتي حسيت إن ممكن يكون ليا فرصة تانية. إنك شايفاني إنسان، مش مجرم، مش تايه، مش غلطة حد.
يا زهرة... لو قريتي الرسالة دي، يبقى أنا مش جنبك، بس قلبي لسه معاك. أنا آسف إني معرفتش أحميكي من البداية... بس كنت عارف إنك أقوى مني.
متنسيش تضحكي... ولا ترجعي لورا.
لو الحياة ادتنا فرصة تانية، هكون مستنيك... وإن مجتش، على الأقل هكون اتعلمت أحبك صح.
بحبك،
زياد.
أنا بحبك... كنت بتمنى أتغير عشانك، أكون كويس، أكون زي ما إنتِ تستاهلي.
بس يمكن كنت متأخر... ويمكن العالم ده ما بيسمحش لناس زيي إنهم يكونوا كويسين.
لو الرسالة دي وصلتك، افتكريني للحظة بس، إنسان كان نفسه يعيش صح، بس اتخلق في المكان الغلط، في الزمن الغلط.
زياد.
في اللحظة دي... يتفتح الباب بهدوء.
رواية زهرة العاصي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم صفاء حسني
باب الأوضة بيتفتح ببطء، وتدخل ممرضة شايلة طبق صغير فيه دوا.
تشوف زهرة عاصي وهو واقف بيتكلم مع ياسمين.
تنهدت وترجع فلاش باك.
زهرة قاعدة على السرير، وشها شاحب بس عينيها فيها راحة. زينة تدخل تقعد جنبها، ماسكة إيديها وبتكلمها بحنان.
زينة (بصوت هادي ومليان حب):
بصيلي يا زهرة... أول ما تخرجي من هنا، هتيجي تقعدي معايا في القاهرة، عند جدو عزيز... مش هسيبك لحظة. هنبدأ من جديد... هنعيش زى ما كنا زمان ، بس جت اللحظة أقف معك زى ما وقفت معايا.
زهرة ابتسمت، ونزلت دمعة من عينها، ضغطت على إيد زينة بحنان.
زهرة (بصوت مكسور):
لو الدنيا ادتني فرصة... أكيد هعمل كده، بس أهم حاجة دلوقتي إنك تكوني بخير... وتخلي بالك من نفسك.
زينة (بلهفة):
وإنتي كمان... متوعدينيش بحاجة وتروحي تسيبيني، أنا خلاص مش هستحمل فراق تاني.
زهرة تهرب بعينيها، تحضن زينة بحب وسكوت، ودموعها بتنزل في صمت.
بعد قليل بعد ما تنسحب زينة قررت زهرة تروح عند الدكتور شريف مع مساندة الممرضة.
زهرة قاعدة قدامه، ظهرها مفرود لكن عينيها فيها رجفة، بتحاول تلم نفسها.
يرحب بيها الدكتور ويسألها.
الدكتور شريف:
آنتى ليه خرجت يا بنتي، كنت بعت ليا وجيت ليك.
تنهدت زهرة بصوت باين فيه القهر:
دكتور... أنا عاوزة أعرف الحقيقة. كل ما أسأل حد يقوللي ارتاحي... محدش بيقولي حصل إيه! أنا ليه وقعت؟ وليه جسمي مش قادر يرجع ل طبيعته؟ وليه جدى مصمم انى لازم اسافر.
الدكتور شريف بياخد نفس طويل، ويحاول يوزن كلماته.
الدكتور شريف (بهدوء):
يا زهرة... اللي حصل معاكي مش بسيط. إنتي كنتِ حامل في الأسابيع الأولى... ومع الضغط والتوتر، حصل نزيف وسقوط.
زهرة بتشهق، بتحط إيدها على بطنها، مش مصدقة.
الدكتور شريف (مكمل):
غير كده... بسبب الاعتداءات اللي اتعرضتي ليها، عندك مشاكل في الجهاز التناسلي، وفي التهابات مزمنة لازم تتعالج بدقة. جسمك مرهق... غير السحن وعدم الغذء وانتى حامل غير نفسيتك أكتر. لازم وقت طويل للعلاج، ومينفعش تدخلي أي علاقة دلوقتي، لا جسديًا ولا عاطفيًا. لازم تعيدي بناء نفسك من الأول. وده الا اتكلمت بيه مع جدك.
فلاش باك.
محمد (بصوت مبحوح):
عارف يا شريف .. عمري ما حسيت إني ضعيف زي دلوقتي.
شريف (بهدوء):
الحمد لله إنها طلعت براءة، وربنا رجعلك حفيدتك.
محمد (بيهز راسه):
آه... بس أنا خسرت بنتي من زمان... وخسرت حفيدتي في لحظة جهل، وسكوت... يمكن دي فرصتي الأخيرة أصلّح اللي كسرته.
شريف (مستغرب):
عايز تعمل إيه يا أبو صالح؟
محمد (بصوت حاسم لأول مرة):
عايزك تسافر بيها برا... بعد ما تخرج من المستشفى وتقدر تتحرك... تبعدها عن الوجع ده كله. هفتح لها طريق جديد... حلم وردة كان تكمل تعليمها، وزهرة تستحق تحقق الحلم ده.
شريف (متردد):
بس ده قرار كبير... وصالح؟ مش هيقبل. وكمان عاصي وزينة عملوا المستحيل عشان اليوم ده ..
محمد (نظرة قهر وحزن):
أنا اللي ضيعتهم... وأنا اللي هحميها دلوقتي. عاصي قلبه متعلّق بيها، بس قلبه كمان اتسبب في وجعها... لو بتحبه، الأيام هترجعهم لبعض... بس دلوقتي، لازم تبعد عن الكل... تسترد نفسها. عايز أحقق حلم أمها... تسافر وتتعالج وكمان تتعلم برا، وتبدأ من جديد. الطيارة تطلع أول ما حالتها تسمح... وده وعد جد لحفيدته.
باك.
الدكتور شريف:
و أنا شايف إن جدك عنده حق.
زهرة بتقوم من على الكرسي وهي مصدومة، عينيها كلها وجع وصراع، بتحاول تستوعب الكلام.
زهرة (بهمس):
يعني... حتى الأمومة... اتحرمت منها؟
الدكتور شريف بيطالعها بنظرة فيها حزن وصراحة، ومابيقدرش يرد.
الدكتور شريف:
فى الوقت الحالي مقدرش اديك امل لكن ممكن مع الايام والسنين تكونة جاهزة.
بعد كده ترجع زهرة للغرفة وتطلب من ياسمين زيارتها بالفعل تانى يوم.
تظهر الإضاءة الخفيفة، زهرة قاعدة على السرير، وشها شاحب، لكنها بتحاول تبان قوية. ياسمين واقفة قدامها.
ياسمين:
طلبت منى اجى خير يا زهرة.
تبلع ريقها زهرة في عينيها قلق واضح:
عاوزة عاصي يرجع بلده وحياته ويشوف غيري كفايه الا عمله عشانى ومحدش يقدر يساعدنى غيرك يا ياسمين.
ياسمين (بهمس):
متأكدة من اللي بتقوليه ده؟ إنتي بتحبيه... ولسه في وقت.
زهرة:
وليه انا.
زهرة (بصوت هادي بس قلبه بيصرخ):
عشان لو طلبت من زينة هترفض انا عارفها اه بحبه... لكن لازم بسيبه.
ياسمين:
بس ده ظلم ليكي وليه! عاصي يستاهل يعرف الحقيقة... يستاهل يعرف إنك بتحبيه.
زهرة (بتبتسم ابتسامة موجوعة):
لكن مش ذنبه يعيش مع واحده اغتصبت وممكن صعب تكون في يوم ام لازم يتجوز واحدة تستاهله.
زهرة:
وهيعرف بيها يعمل إيه؟ يبصلي كل يوم ويفتكر إن الست اللي بيحبها كانت ضحية ...ويفتكر منظرها وهي مكسورة... لا يا ياسمين، الراجل لما يعرف ماضي الست اللي بيحبها بالشكل ده، عمره ما هيقدر يعيش معاها طبيعي... حتى لو بيقول غير كده.
ياسمين (بحزن):
بس هو مش زي غيره... ده وقف جمبك، ده قاتل الدنيا علشانك.
زهرة (نظرتها مليانة وجع وحنين):
وعلشان كده مش هربطه بيا وأنا مكسورة... أنا دلوقتي متدمرة من جوايا، مش جاهزة أكون لحد، ولا ينفعني حد... لازم اقولي له إني موعدتوش... قولي له إن اللي بينا خلص.
ياسمين (بدموع):
وإنتي كده بتموّتيه.
زهرة (بنبرة حزينة):
لا انا الا بموت هو هيعيش ويلقي غيري لكن لو كملنا على جرح... لازم يصدق انى لسه قلبي راح لزياد، عشان يفهم إحنا مالناش مكان لبعض ...دخلي جوى الشك وعرفيه انك اديتى ليا الجواب ولو قطعت الجواب، يبقى قلبها معاك... قولي ليه ساعتها ابقى سيب له القرار.
زهرة تمسك بإيد ياسمين، وتبصلها بعيون فيها ضعف الحب وقوّة التضحية.
زهرة (بهمس):
بس ما ترجعيش ليه... ما تقولهوش الحقيقة... أنا اللي اخترت... والاختيار ده عشان هو يعيش... مش علشاني.
باك.
زهرة (بصوت مخنوق):
عشان هتنفذ الخطة: ساعديني أقوم... لو سمحتي، لازم أروحله.
الممرضة بتقرب بسرعة، تسندها بحذر، وزهرة بتقوم على رجلها بصعوبة. ملامحها فيها ألم جسدي، لكن عينيها كلها لهفة.
كانت ياسمين سابت عاصي ويرجع يدخل أوضتها، يلاقي السرير فاضي.
عاصي (بصوت قلق):
زهرة موجودة فين؟ أنا جاي أطمن عليها.
الممرضة:
كانت بتسأل من شوية عن غرفة مريض اسمه زياد... يمكن تكون راحت الناحية دي.
عاصي وشه بيتجمد، كأن الزمن وقف بيه، خطواته بتتباطأ، وكل مشاعره بتتخبط جواه. ينسحب بهدوء، ... قلبه بيتقبض.
المشهد – ممر المستشفى.
زهرة ماشية بتتأني، بتسند على الممرضة، وجهها شاحب بس عينيها فيها إصرار.
الممرضة (بتشاور على باب جنبهم):
دي غرفة زياد، حضرتك...
زهرة (تهز راسها بحزن):
لا... مش دلوقتي. خديني عند الدكتور شريف... لو سمحتي.
الممرضة بتهز راسها بالموافقة، وبيكملوا طريقهم.
مكتب الدكتور شريف.
تطلع زهرة من المكتب، ماشية في الممر، دموعها نازلة بس في صمت... وبعيد في آخر الكوريدور.
سليم طالع من عربية الشرطة بعد ما أخد "إخلاء سبيل"، ماشي بخطوات تقيلة، عينه فيها نار، قلبه مليان حقد، بيقرب من باب المستشفى وبيسأل عن أوضة زهرة، ولما يوصل، بيلاقيها قاعدة لوحدها، تعبانة لكن قوية كانت منتظرة تقابل الدكتور شريف.
سليم (بصوت واطي، متماسك):
مساء الخير يا مراتى...؟
زهرة بترفع عينيها ببطء، ملامحها فيها وجع وقوة في نفس الوقت، بتقف على رجلها رغم الألم، وبترد بكل برود:
زهرة:
الدم اللى كان بيربطنا مات... زي الجنين اللى كان نفسك تزرعه جوايا بالعافية ما مات. أنا مبقتش مراتك براءتك أقدم طلاقي ... والمحكمة حكمتلي بالطلاق عشان الضرر، يعني وجودك هنا مالوش لازمة.
سليم (مشدود، بيحاول يبان متماسك):
لسه في العدة... ولسه من حقي، إني...
ويضحك بخبث:
إني ضحكت على المحامي.
فلاش باك.
المحامي (بصوت هادي لكن حاسم):
بص يا سليم… القضية بقت خرسانه عليك، بس في ثغرة قانونية ممكن نستخدمها.
سليم (يرفع حاجبه):
خير؟
المحامي (بهدوء):
لو طلّقت زهرة… طلاق واضح وصريح… ده ممكن يتفسّر إنك ندمان وبتحاول تصحّح غلطك، وده هيحسّن موقفك قدام النيابة… عشان عمك يشهد معك وقتها ويسحب البلاغ الا مقدمه وفي فرصة يخفّفوا عنك أو يخرجوك بكفالة.
سليم (يضحك بسخرية):
يعني أرمي يمين الطلاق… وأنجو؟
المحامي (ببرود):
دي مش نجاة… دي خطوة. الباقي في إيدهم.
سليم يضحك، يقوم من على الكرسي، ويمسك ورقة، ويكتب:
"أُشهد أني طلّقت زوجتي زهرة طلقة أولى، طلقة واضحة وصريحة."
سليم (بخبث ما بين نفسه):
طلقه أولى؟ تمام… يبقى ليا رجعة، صح؟ دي فرصتي أرجعها وقت ما أحب.
باك.
سليم (بنبرة استعراض):
أنا كنت أذكى من الكل… رميت اليمين قدام المحامي… وخرجت. وسبت لنفسي باب مفتوح. عارفة ليه؟ عشان هرجعلك غصب عن الكل، وعن نفسك.
زهرة (ترفع عنيها وتضحك ضحكة باردة):
تفتكرني غبية؟ أو فاكرة الطلاق مجرد كلمة؟ أنا خلت المحامي يضيف ورقة تانية… وإنت مضيت عليها.
سليم (وجهه يتلبّك):
إيه…؟
زهرة (بحسم):
طلق بائن لا رجعة فيه. يعني لا عدّة تنفعك، ولا رجعة ليك. ولا وجودك.
سليم يترنّح لحظة، وشه يتقلّب من الصدمة… يحاول يتكلم… لكن زهرة تقوم من مكانها، تمشي ناحيته، تبص له في عنيه وهي بتقول ببرود:
زهرة (بصوت منخفض بس قاطع):
صلة الدم دي ماتت مع الجنين. وكل شيء بينّا مات… حتى فرصة الرجوع. حقوقك كلها ضاعت لما اتعاملت معايا كإني غنيمة... ولو مفكرتش تبعد عني... أنا اللي هحاربك بطريقتك.
بتقرب منه خطوة، عينيها بتلمع بالغضب، بتخرج تليفونها من جنبها، وتفتحه على تسجيل بصوته، بيقول فيه بوضوح:
تسجيل سليم (صوته واضح):
أنا كنت بتفرج عليك وانتى بتستحمى... أيوه، آنتى وكل بنات البلد... دي متعتي.
زهرة تبصله وهي بتقول بتحدي:
التسجيل ده، هنزلها على جروب البلد، لو شوفتك تاني هنا... وساعتها شوف البلد هتخليك تعيش لحظة واحدة بعدها ولا لا عشان استغلت مهنيتك فى البناء وعملت لنفسك عين تشوف بيها كل بنات وستات البلد.
سليم كان واقف قدام زهرة، إيده متشنجة، ووشه بيحمر من الغضب، عينيه بتغلي نار، لكنه ما بينطقش... لف وشه، خد نفس عميق، وبدأ يمشي بخطوات سريعة فيها غيظ مكتوم. وقف قدام ممرضة وسألها بصوت خافت بس لاذع:
سليم:
هي مستنية حد هنا؟
الممرضة رفعت راسها وقالت ببساطة:
سمعتها بتتكلم إنها داخلة تزور شاب اسمه زياد.
داخل مكتب الدكتور شريف.
زهرة داخلة بخطواتها الهادية اللي وراها عاصفة، وقلبها تقيل، لكن عينيها فيها قرار.
زهرة (بحسم):
أنا موافقة... عاوزة أسافر. كفاية وجع... كفاية مطاردة من سليم، وكفاية بلد كل حتة فيها بتنزف ذكرة موجعة.
الدكتور شريف هز راسه بتفهم وابتسامة هادية فيها دعم:
أنا فعلًا راسلت المستشفى الخاصة في الجامعة اللي هتكملي فيها دراستك. هتكوني هناك في رعاية كاملة... هتتعالجي، ولما الدراسة تبدأ، ترجعي تكملي سنتك الأخيرة.
ممر المستشفى.
سليم بيتمشى بعصبية، بيشد في نفسه، وفجأة... لمح عاصي جاي من آخر الممر، باين عليه التعب والسهر، لكن عينيه بتدور على زهرة.
سليم وقف، ابتسم ضحكة خبيثة، وقرر يسمّه الكلام:
سليم (ببرود وقسوة):
يعني دورت وسهرت وحبستنى .. بس نسيت تراقب قلبها. أنا طلّقتها آه... بس هي لسه في العدة وممكن ارجعها عشان ضحكت على المحامى لكن الا قهرني انها ... لسه بتدخل أوضة زياد، حبيبها.
(قرب خطوة)
مجهودك كله راح على الفاضي يا دكتور حبيت واحدة ملطوط فى الأول والأخير هى شيلتى إم إنت ازى هتستحمل.
عاصي واقف، الكلام نزل على قلبه زي السكاكين، عينيه بتتحرك لا إراديًا ناحيه باب غرفة زياد... ووشه بيتجمد.
سليم سابه ومشي، والضحكة الخبيثة مازالت على وشه، وعنيه فيها غل مسموم.
قدام غرفة زياد.
الهدوء يلف المكان، ريحة المطهّرات تقيلة، والأنوار خافتة… باب الغرفة بيتفتح بهدوء… تدخل زهرة، خطواتها بطيئة، لكن جواها ألف عاصفة.
في ستارة كبيرة فاصلة بين السرير وباب الغرفة… زهرة تقف ناحيته، تبص من بعيد من غير ما تشوف زياد مباشرة.
عنّيها بتترعش، وبتاخد نفس عميق… لكنها ما تنطقش، تفضل واقفة ساكتة، وتهز راسها لياسمين اللي كانت واقفة مستنياها جوّه.
الجو ساكن، صوت أجهزة الرعاية في الخلفية بيكسر الصمت.
زهرة وقفة إمام زجاج غرفة العنايه ، بتبص لياسمين اللى عنيها فيها وجع وتعب سنين.
زهرة (بصوت هادي، مشوب بالقلق):
أخباره إيه دلوقتي؟
ياسمين (هزّت راسها، صوتها بيترعش من الوجع):
لسّه تحت الرعاية... نفسي يفوق من الغيبوبة... ساعديني يا زهرة... لو سمع صوتك، يمكن... يمكن يفوق.
زهرة (بتتشدّ، نظرتها بتتلخبط، تسأل باستغراب):
عندك استعداد يفوق... على أمل حب تاني؟ غيرك؟
ياسمين (نظرتها بقت قوية رغم الدموع، تهز راسها بهدوء):
اتعلمت التضحية... منك. يفوق وأنا معاه... مش هسيبه... طريقي وطريقه واحد من زمان. وانتِ... مسافرة.
زهرة (تنزل عينها، تحاول تلم مشاعرها):
و... عاصي؟
ياسمين (بتتنهد، تكمل بصوت حزين لكن حاسم):
لو سمع كلامك... فعلاً ممكن يبعد. هو مستني برا.
(يظهر زياد في سريره، يبدو عليه علامات الضعف والإرهاق، لكن عينيه مغلقتان.)
زهرة (تقترب منه بهدوء، تمسك يده):
زياد، اسمعني كويس. أنا آسفة، آسفة على كل حاجة. على كل ألم سبّبتُه لك. كنت غبية، عمياء، ما شفتش قيمة حبك الحقيقي. لكن دلوقتي، بعد كل اللي حصل، فهمت. فهمت قيمة كل لحظة قضيناها سوا، فهمت قيمة تضحيتك، فهمت قيمة حبك النقي. (تمسح دموعها، تنظر إليه بحنان): أنا عايزة تشوفني، عايزة تشوفني قوية، متغيرة. أنا هعيش حياتي صح، هكفر عن أخطائي. مش هخليك تندم على حبك ليا، أبداً. أنا هبقى زهرة جديدة، زهرة أقوى، زهرة تستحق حبك. (تنظر إلى ياسمين التي تقف بجانبها، تبتسم لها بضعف): ياسمين، أنتِ قوية، أنتِ تستحقين السعادة. أنا متأكدة إن زياد هيقدرك، هيقدر تضحيتك، هيقدر حبك. ابقي جنبه، دعميه، خليه يحس بوجودك. (تُمسك أيد ياسمين وتحطها على يد زياد بقوة، تنظر إليه بعيون مليئة بالأمل): اعترف بحبك يا ياسمين خلي حبك هو إلا يفوقه مش حب حد تآني.
تعترف ياسمين بكل ثقة:
زياد، أنا بحبك، بجد بحبك. افوق، من أجلنا، من أجل حبنا، من أجل مستقبلنا. فوق، وحارب الوجع، وحارب الهزيمة. عيش حياتك، عيشها صح، أنا ياسمين. أنا هكون هنا، دائماً. هكون هنا، لأجل حبنا.
(تغادر زهرة وهي تبكي بصمت، تاركة ياسمين مع زياد، تُلمس ياسمين يد زياد برفق، وتُهمس له بكلماتٍ مُطمئنة، مُعبّرة عن حبها ودعمها له.)
عاصي واقف قدام الباب، قلبه بيدق بسرعة، وكلمات سليم لسه بتلف في دماغه وكلمات زهرة إلا سمعه وهو داخل ... وفجأة...
رواية زهرة العاصي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم صفاء حسني
الباب بيتفتح، وزهرة بتخرج بنفسها، وبتتعمد تبان وكأنها كانت جوا عند زياد.
سكتوا لحظة… الهواء بقى تقيل، والعيون بتتكلم قبل اللسان.
عاصي (بصوت مخنوق):
ـ “كنتي… عنده؟”
زهرة سكتت، رفعت راسها بصعوبة، ملامحها متحجرة، لكن قلبها بيتقطع.
عاصي (بألم):
ـ “لسه بتفكري فيه؟”
زهرة ابتسمت ابتسامة فيها مرارة:
زهرة (بسخرية هادية):
ـ “أنا؟ لا…”
سأله عاصي لو في أمل بسيط.
“مبقيتيش تحبيه مجرد شفقة صح؟”
هزت راسها زهرة.
مش عارفه أحدد إن كان شفقة أو لا، لكن كل اللي اعرفه إن يمكن أكون حاسة بالذنب عشان كنت السبب فيما هو فيه.
بس ليه بتسأل؟ يفرق إيه معاك؟
عاصي (صوته بيعلى غصب عنه):
ـ “وإحنا؟! ماكانش بينا حاجة؟! كل لحظة، كل وجع، كل خطوة خطيتها عشانك؟!”
زهرة (ببرود يغلف وجعها):
ـ “إنت وعدتني ترجعلي حقي… وفعلاً وفيت. بس أنا؟”
تبلع ريقها وتكمل.
“أنا موعدتكش بحاجة يا دكتور… ولا اتفقت نكمل. إنت رجعت حق جدك وأنا خرجت براءة.”
عاصي (بصوت مهزوم):
ـ “يعني… دي النهاية؟”
زهرة (بصوت ثابت يخفي انفجار داخلي):
ـ “إحنا خلصنا المطلوب. رحلتك من البداية تجيب حق جدك وأنا دخلت في اللعبة عشان جدي وزينة دخلوني فيها. يعني مش براضي. وأنا شايفة إن… كل واحد يرجع لحياته.”
“أنا ليا تعليمي وحياتي قبل ما كل ده حصل، وإنت ارجع بلدك جامعتك وشغلك اللي عطلت نفسك فيهم.”
عاصي يفضل واقف مكانه، عينيه بتلمع من الصدمة، لكن ما بينطقش… وزهرة تديله ضهرها وتمشي بخطوة تقيلة، لكنها ثابتة…
الممر فاضي إلا من صوت خطواتها… وصوت قلبه بيتكسر جوا صدره.
يمشي عاصي وتدخل زهرة الأوضة، والباب يتقفل وراه وتطلع على السرير…
زهرة عنيها بتدمّع، صدرها بينقبض، وبتشد الغطا عليها وهي بتشهق شهقة مكتومة، فجأة الجهاز بيرن، ضربات قلبها بتزيد، والدكاترة بيجروا للغرفة.
ينقذوا زهرة بأعجوبة.
لكن الدكتور شريف يخبي الخبر عن الكل ماعدا محمد.
طلب محمد من شريف يعجل ميعاد السفر.
لازم تبعد زهرة عن أي توتر.
يأكد د. شريف:
سيارة الإسعاف جاهزة هتطلع على طول على المطار.
بعد ساعة.
تظهر زهرة وهي محمولة على نقالة طبية، بجانبها الدكتور شريف، والجد محمد واقف بيودعها، يبص لها ويشد على إيدها بحنان.
ينزل دموع محمد وبهمس:
ـ ” أنا مش ببعدك عن أحبابك. أنا وعد وردة بنت اخويا إنك هتكمل تعليمك، كانت بتحلم تشوفي النور… إنتي النور يا زهرة. إوعي تبصي ورا تاني.”
تطلع زهرة رسالتين مكتوبين بالايد.
واحدة باسم زينة والتاني باسم بابا.
“أديني جواب لزينة وللبابا صالح يا جدو، إوعى تنسى.”
يهز راسه محمد وهو حاسس إن روحه بتطلع منه لكن مجبر.
“كلميني يا زهرة فيديو على طول يا ابنتي ومتزعليش مني.”
تهز راسها زهرة.
“حاضر يا جدو، أزعل منك ليه؟ أنا عارفة يا جدو إنك عندك حق، أنا لازم أرجع زهرة بتاعت زمان قوي صحي وجسديا ونفسيا أحقق حلم مامتي.”
تُشال للطائرة، ونظرة أمل صغيرة بتبان في وشها وسط الوجع.
—داخل الطائرة / لحظة الإقلاع—
الجو هادي، صوت الطيارة بيعلو تدريجيًا، والأنوار الخافتة بتدي إحساس بالغُربة اللي جوا القلب.
زهرة قاعدة جنب الشباك، باصة على السما، والعيون تايهة، قلبها مش معاها…
بنت جانبها تحط السماعة في ودانها، لكن الصوت عالي وصلها.
تدوس “تشغيل اغنيه “…
“في احساس ماليني وفي خوف ودموع في عيني مش قادر اداريها”
البنت تسأل زهرة:
“تحبي تسمعي معايا؟”
هزت راسها زهرة بالموافقة.
وتحط البنت سماعة ليها وسماعة لـ زهرة وتشغل الأغنية.
“ظروف معنداني بتجبرني حبيبي انساك”
“ظروف كتير تاني بتمنعني اكون وياك”
“في احساس ماليني وفي خوف ودموع في عيني مش قادر اداريها”
“ظروف معنداني بتجبرني حبيبي انساك”
“ظروف كتير تاني بتمنعني اكون وياك”
“مش هنكر حقيقية حاجات حلوه وبريئه حسيت معاك بيها”
نفس اللحظة…
في القاهرة – عاصي بعد ما ساب زهرة كان بيلف بعربيته لحد ما وصل أقدم نهر النيل.
مكنش فاهم كلام زهرة، بتقوله صريح العبارة مفيش حاجة بيني وبين أي حد، لا انت ولا زياد.
طيب كلام الحب والوعد اللي كانت بتقوله جوه.
ركن عربيته، جنب النيل، يده على الدريكسيون…
يشغّل الراديو…
وتبدأ نفس الأغنية تصدح قدّامه:
“طبيعي تتغير عشان بعدها شوفت عذاب”
“طبيعي هتتغير ما دام بسهولة كده بتسيب”
“تعبت معاك حقيقي خلاص كلامي كاني انا ما قولتوش”
“شوف اللي وصلنا ليه شوف لو بينا حاجة تشفعلنا نكمل”
“في مين يعيش راضي وهو خسارة مش مبسوط”
“في مين يموت عادي ومين يرضى لي اعيش مكبوت”
“عقارب ثواني وشوف كام حد تاني كان زيي اتحمل”
“سنين وانا عايش لكن شايل في قلبي كتير سنين بقول جايز اشوف منك ولو يوم خير”
“تعبت معاك حقيقي خلاص كلامي كاني انا ما قولتوش”
“ما صحاش عمره فيك احساس ضميرك حتى ما لقيتهوش”
كانت زهرة عينها بتدمّع، تبص على السما، كأنها بتفتش عن ذكرياته فوق السحاب…
وعاصي قاعد في العربية وبيبص للنيل، بيشوف انعكاس نفسه المكسورة في الميّه…
وكلمات الأغنية بتعبر عن احساسهم المكسورة.
“في إحساس ماليني… وفي خوف ودموع في عيني… مش قادر أداريها…”
عنيها بتتلمع، وتبدأ دمعة تنزل على خدها ببطء، مش بتحاول تمسحها… بتسيبها تمشي.
“ظروف معنداني… بتجبرني حبيبي أنساك…”
وشه بيوجع، عينيه بتلمع، دمعة نازلة من غير صوت… إيده بتشد على الدركسيون، وبيبص لقدامه في اللاشيء.
زهرة بتفكر في عاصي، ولقطة لعاصي بيتخيلها وهي بتضحك…
“ظروف كتير تاني… بتمنعني أكون وياك…”
زهرة تبص للسما من الشباك، تحط إيديها على بطنها لا إراديًا، كأنها بتودّع، تهمس لنفسها: “كان نفسي…”
عاصي يسند راسه على الكرسي، عينه بتقفل، والذكريات بتعدي في خياله: ضحكتها، خوفها،، نظرة عنيها ليه.
“مش هنكر حقيقة… حاجات حلوة وبريئة… حسيت معاك بيها…”
اللي اتنين في مسارين مختلفين… بس نفس الوجع، نفس الأغنية، نفس الحب… اللي اضطرّوا يبعدوا عنه.
زينة كانت قاعدة في الصالون، بتستعد عشان تزور زهرة وفرحانة إنها احتمال هتخرج النهاردة.
صوت جرس الباب يقطع الصمت…
قامت بسرعة، فتحت الباب، ولقت الجد محمد واقف، وشه مليان وجع لكنه ثابت.
زينة (بتلهث):
ـ “جدو محمد! إنت سبت زهرة لوحدها ليه؟ إنت طلبت إنت اللي تقعد معاها النهاردة، ولا عملت لي مفاجأة وجايبها معاك؟”
“وتنظر للخلف العربية جاية صح؟ خير؟ في إيه؟ هي زهرة حصلها حاجة؟ أنا هروح عندها.”
مد إيده بهدوء، وفيها ظرف صغير، وعينيه مكسورة:
الجد محمد (بصوت مبحوح):
ـ “سافرت يا زينة… من بدري. قلت أوصل لك الرسالة دي بإيدي. قالت إنها مش عايزة تودّع حد… وسابتك أمانة في رقبتي.”
اتسعت عيون زينة، خدت الظرف بإيد بترتعش، قلبها دق بعنف، وهي بتفتح الورقة، صوت أنفاسها بيزيد، وبتبدأ تقرأ.
كل ما كانت تقرأ سطر، عينها بتدمع أكتر، ملامحها بتتغير ما بين الصدمة والإنكار والحزن…
“زينة…”
“عارفة إنك دلوقتي زعلانة، ومش فاهمة أنا ليه مشيت من غير ما أقولك، يمكن حتى بتحسي إني خذلتك أو إني جبانة… بس الحقيقة يا زينة، أنا كنت خايفة أضعف قدامك، قدام حضنك اللي كان أول حضن حسيت فيه بالأمان. كنتِ أختي التوأم وصديقتي. أنا مش ناسية لما كان حد يشوفني يقول توأم رغم إنك أكبر مني، مش عارفة قد إيه شهور أو سنة. كل اللي أعرفه ووقتها ماما كانت في شغل قاعدة في تقريبا سنة ولما رجعت هي وجدي الكل قال إنها جابت بنت ونفس اليوم ماما اكتشفت إنها حامل وفاتت شهور. لحد ما ماما جابتني، وأنا وعيت على الدنيا كنت أختي الكبيرة زي ما الكل عارف ولما كبرنا شوية في سادس ابتدائي كان وقتها مطبق عليك نظام خمس سنين وأنا يطبق عليا ست سنين فقررت إنك متحضريش امتحان سنة خمس وأخد خمسة معايا وستة وبقي السنين ومن وقتها ملهاش حساب بقينا نقول إحنا توأم إحنا أخوات لحد ما…”
تنهدت زينة وحست إنها مقدرتش تجيب سيرته.
كملت:
“لحد الخسيس سليم قال للكل إننا مش أخوات وإن ماما وردة متبنيني وإني مش بنت العيلة. أكملت زهرة. ورغم كده مفرقش معايا. لكن اللي كسرنا وبعدنا إنك من يوم ما عرفت الحقيقة وبقيت تسعى تعرف الحقيقة ومن غيري. أنا مش بلومك رغم إنك السبب من البداية في البعد ده، لكن أنا مشيت عشان أنا اللي محتاجة أتعالج، أتعالج من اللي شوفته واتكسر جوايا، من نظرات الناس اللي كل ما يشوفوني يفتكروا البنت اللي كانوا بيقولوا عنها مجرمة… أنا مشيت عشان أبعد عن الوجع اللي كل ما أشوفه في عينين الكل بحس إني السبب فيه.”
تنهدت زينة…
أكملت زهرة:
“إنتي أختي، ويمكن معرفتش أقولها بصوت عالي قبل كده، بس أنا بحبك، وعمري ما حسيت بالانتماء غير لما لقيتك جمبي. سامحيني إني ما استنيتش، سامحيني إني خدت القرار لوحدي. كان صعب أجى أعيش معاك وهو موجود في نفس المكان. صعب أهرب منه وأنا برمي نفسي لحضنه. لو سألك عاصي قوليله – – إني كنت بحاول أسيبه يعيش، مش علشاني، علشانه هو. وقولي لي كل يوم إنك قوية، لأنك فعلاً كده… وإوعي تعيشي حياتك تانية في صراعات، وعلى الفكرة الحرب دي… كسبتيها بالحب. لما توصلك الرسالة دي، هكون في مكان جديد، بحاول أبدأ من الأول… وهفضل أستنى اليوم اللي نضحك فيه على كل ده، وإنتي بتقوليلي: “مش قلت لك يا زهرة إننا هنبقى بخير؟” خليكي دايمًا النور اللي مفيش عتمة تطفّيه. أختك… زهرة 🌸”
زينة (بصوت مكسور تصرخ):
“زهرة…”
تفتح التليفون وتسجل صوت على الوتس:
“إزاي تسيبني؟ إزاي؟ أنا اللي لسه من يومين بقولك إني فخورة بيكي… كنتي محتاجة ضهر، وزعلت إن سبتك تمشي لوحدك. اليوم المشؤم ده وقولت هنرجع زي الأول توأم مش هنفترق. لكن إنت؟ “يعني خلاص؟ هتمشي كده وتسيبلي كل حاجة، وتروحي من غير حتى حضن؟ أنا قريت رسالتك، وكل كلمة فيها دخلت قلبي زي السكينة… بس مش عشان وجعتني، عشان فكرتني إنك دايمًا بتفكري في الكل قبلك. كان نفسي أزعق، أصرخ، أقولك إنك غلط، بس للأسف… أنا مفيش فيا غير فخر، بإنك أختي، وبإنك اخترتي تبعدي مش عشان تهربي، لأ… عشان تحمي اللي بتحبيهم. بس أنا هقولك على حاجة، حتى لو بعدتي، انتي لسه هنا… في البيت، في الضحكة، في الذكريات، وفي قلبي. أنا مش هقبل إنك تفضلي لوحدك… وعد، أول ما تهدي وتتعافي، هتكلميني فيديو وهنحكي كل تفصيل حياتنا زي ما كبرنا… ولم ترجعي أحضنك الحضن اللي استنيته، وأقولك: “وحشتيني يا زهرة… قوي.” خلي بالك من نفسك… وإوعي تنسي، إنك مهما بعدتي، لسه ليكي ناس مستنيينك، وبيحبوكي.”
بعتت الرسالة وبتتكلم وهي مخنوقة:
“ليه يا جدو كنت أكون معها؟ ليه سبتها تكون لوحدها؟”
الجد محمد (بهدوء وندم):
ـ “هي اللي اختارت، وكان لازم أحترم اختيارها… يمكن ده أقل حاجة أعملها بعد كل اللي سببناه يحصل.”
سكت لحظة، وبص ناحيتها:
الجد محمد (بيكمل):
ـ “سابت لك أمانة تانية… قالت لي لو حد سألك عنها، قول لهم زهرة بدأت من جديد، بس قلبها لسه معاهم… وإنها مش هتنسى اللي وقفوا جنبها، حتى لو سابتهم.”
زينة (بدموع حارة):
ـ “أنا مش مسامحة نفسي… بس لازم أكون قد الرسالة دي. وهستناها… مهما طال الوقت.”
ماسكة الرسالة على صدرها، وعنيها بتبص للسقف، كأنها بتشوف فيها ملامح زهرة… بينما الجد محمد بيخرج بهدوء من البيت، وخطواته تقيلة كأنها شايلة عمر من الذكريات.
زينة قاعدة على الكنبة، ماسكة في إيدها ورقة صغيرة كانت زهرة كاتبة فيها وداع مختصر. عيونها مليانة دموع بس بتحاول تتماسك.
تدخل ياسمين بخطوات هادية، وشها متغير.
“مالك يا زينة؟ سمعت صوتك من شوية.”
زينة (بغضب مكتوم):
ـ “سافرت يا ياسمين؟ سافرت كده… من غير كلمة… من غير ما تبص لينا؟”
ياسمين (بصوت هادي):
ـ “زهرة لما بتحب… بتعرف تسيب.”
زينة (بتبص لها بحدة):
ـ “وإنتي عرفتي إزاي؟ كنتي معاها في الخطة؟ كنتي بتخططي مع أختي تبعد عني وعن عاصي؟!”
“هي الغيرة وصلت معاك لكده؟”
ياسمين (بتقرب منها وبتبصلها بعين صادقة):
ـ “كنت معاها عشان فهمت… فهمت إن في حب بيتعب… وفي حب لازم يتساب عشان يفضل نضيف. هي كانت شايفة إن وجودها معاه هيأذيه أكتر ما يسعده.”
—في الممر المؤدي لأوضة زينة – الليل—
رجع عاصي وقرار إنه يسافر. طالع بهدوء لأوضته، عشان ياخد شنطته في إيده، شكله مرهق وتعبان نفسيًا، وناوي يمشي من غير ما يودع حد… هو خلاص قرر يبعد عن كل الذكريات.
وهو معدّي قدام أوضة زينة، بيقف فجأة… بيسمع صوت زينة جوه، صوتها متكسر بالحزن، وبيسمع كمان صوت ياسمين… بيقف مكانه، بيقرب شويه، الباب مش مقفول كويس… وبيسمع كل حاجة:
زينة (جوا الأوضة):
“إنتي حقودة يا ياسمين؟ كنت فاكرة إني اتغيرت لكن قلبك زي ما هو. وافقت على خطته وإنها تبعد ومتقوليش لي؟”
تنهدت ياسمين بوجع.
ـ ” آه منكرش كنت بكرهها… كنت بشوفها نقطة سودا في حياتنا… بس النهارده… أنا مش عارفة أقول إيه… البنت دي خدت قرار أنا نفسي معرفتش أخده… فكرت في غيرها أكتر من نفسها.”
وحكت اللي حصل واتفاقها والجواب.
زينة (بدموع):
ـ “وسابتني… وأنا أول مرة أحس إني مفتقداها بجد…”
عاصي بيقف متجمد، عينه بتدمع، الشنطة بتقع من إيده وهو لسه واقف يسمع…
زينة (بهمس):
ـ “سامحيني يا زهرة… عالظلم… وعلى التأخير…”
عاصي ياخد نفس عميق، عينه على الأرض، قلبه بيندب داخله… بيرجع ضهره للحائط، ويسند عليه، وصوته واطي جوه نفسه:
عاصي (بصوت مهموس):
ـ “يعني هي بعدت… عشان أنا؟ كنت فاكرها بتحب زياد عشان كده قولت أبعد. عشان هي فاكرة ماضيها. طيب مين اللي كان بيتكلم مع زياد؟”
تحدثت ياسمين:
“أنا اللي كنت بعبر عن كل اللي جوا. هي اتفقت معايا إنك تسمع الكلام ده فتقطع الأمل.”
صرخ عاصي:
“يعني هي سابتني عشان أعيش؟ فاكرة كده إني عايش؟”
تحدثت ياسمين:
“زهرة مش ملاك، بس كانت إنسانة حقيقية… سابتك عشان تشوفك واقف على رجليك… كانت عارفة إنك محتاج واحدة تانية، واحدة ماضيها ما يكسرش مستقبلك…”
يتنهد ويمسح دموعه بسرعة… ويمشي بالشنطة، لكن المرة دي مش للسفر… بيرجع على أوضته، يحط الشنطة، ويبص لنفسه في المراية، ويقول:
عاصي:
ـ “أنا مش هسيبها… حتى لو هربت لأخر الدنيا، أنا لازم أقولها كل اللي في قلبي… أقولها متخافيش أنا متقبلك بكل ماضيك متقبل تكوني مراتي… حبيبتي… واللي بعدت عشاني… ماينفعش أضيعها.”
—داخل عاصي العربية وبدأ يسوق للبلد—
الطريق طويل، ، وعاصي سايق لوحده، المزيكا هادية في الخلفية، عينه على الطريق بس عقله بيغوص جوه ذكرياته.
كاميرا بتتنقل ما بين ملامحه الساكتة ووميض من الفلاش باك:
(فلاش باك 1)
أول مرة شاف زهرة، وهي قاعدة على الأرض، عينيها حزينة بس فيها تحدي، وهو بيبصلها وهو مش فاهم مالها.
(فلاش باك 2)
لما وقفها وهي مبلولة من المطر، وكانت خايفة من تهديد ياسمين ونظرت عينها محدش عارفها، وهو حس إنه عايز يحميها حتى من نفسها.
(فلاش باك 3)
لما وقفت قدامه وقالت له “أنا مش ملاك… بس أنا مش لعبة تخلصوا مصلحتكم على حسابي يا دكتور.”
(فلاش باك 4)
ضحكتها أول مرة تضحك، وعيونها اللي دايمًا فيها وجع بس بتحاول تخبيه.
عاصي (بيكلم نفسه بصوت واطي وهو سايق):
ـ “كانت بتضحك… بس ضحكتها ما كانتش كاملة… كانت دايمًا بتحارب عشان تفضل واقفة… زهرة مش ضعيفة، لأ… دي أقوى واحدة شفتها في حياتي.”
كانت العربية بتميل على جنب الطريق، ويسند راسه على الدركسيون لحظة، وبعدين يتنهد ويكمل السواقة وهو بيكمل بصوت داخلي:
ـ “كانت خايفة مني؟ ولا خايفة عليا؟ كانت عايزة تهرب مني؟ ولا تهرب بيّا؟ بس اللي متأكد منه… إن قلبي من يومها، عمره ما اختار غيرها.”
—الجو في البيت هادي بس مليان مشاعر، الجد محمد قاعد على كرسيه القديم، باصص في صورة لوردة وبيحضنها كأنها لسه بتتنفس من خلالها. بتدق الساعة، وبيدخل عندالجد محمد داخل، صوته هادي لكن مليان وجع:
محمد (بنبرة تقيلة):
ـ “صالح… أنا جيت أسلمك حاجة من بنتك.”
صالح بيرفع عينه باستغراب، وهو حاسس بقلق جواه:
صالح:
ـ “زهرة؟ مالها؟ حصلها حاجة؟ مش كانت هتقعد عند زينة الفترة دي؟”
محمد بيقرب ويمد له ظرف صغير، مطوي كويس، وعليه بخط إيدها: (لبابا…)
محمد (نبرة فيها مرارة):
ـ “زهرة سافرت… سابت البلد… وسابت لك الرسالة دي.”
الهدوء بيخيم، صالح بيشد الظرف بإيد بترتعش، قلبه بينبض بسرعة… بيبص لمحمد، مش قادر يسأله، وعنيه بتلمع، ويفتح الرسالة…
(صوت زهرة الداخلي بيبدأ يتقال بصوتها وهي بتقرا جواه):
**”أبويا… معرفش أبدأ كلامي إزاي… يمكن لأنك عمرك ما علمتني أكتب لك…”**
الكلمات بتقع على صالح زي السكاكين، وكل كلمة بتخبط في قلبه… بيبدأ يرجع بدماغه لكل موقف، لكل ليلة سابها فيها، لكل دمعة كانت بتنزل منها وسابها لوحدها…
“أنا بنتك… اللي كنت بتشوفها عيب… وإن السترة أحسن من التعليم. زهرة اللي كنت معتبره الكابوس اللي حصل لي، في حياتك وكرهتني عشان أمي معرفتش تجيب لك الولد بعد. فاكرة كام مرة ضربتني… مش عشان تحميني، عشان تسكتني…”
دموعه بتغلبه، بيقوم واقف، بيمشي خطوتين وبيوقع الورقة من إيده، بس بيرجع يلمها بسرعة كأنه ماسك على روحها…
**”بس رغم كل ده… سامحتك. مش عشانك… عشان قلبي. أنا ماشية، مش هربانة… رايحة أبدأ من جديد… بعيد عنك، وعن كل حد أذاني. ممكن آخر حاجة عملتها صح إنك آخرين عرفت إن الجواز مش ستر، ممكن البنت تقع في إيد واحد هو اللي يفضحها أو يشغلها وهو قاعد في البيت شبيه الرجال ويسيبها تتعرض لمضايقتي ده وهمست ده وهو نطع في البيت. الجواز بيكون ستر لم يكون الاختيار بالقلب والعقل واتجوز رجل يعتبرني كل حاجة في حياته أمه أخته وحبيبته مش معتبرني غنيمة ياخد مزاجه منه …”**
صالح بيرتجف، عينه على الأرض، والورقة بين إيده، وبيهمس بصوت متكسر:
صالح:
ـ “أنا السبب… أنا اللي ضيعتها…”
محمد بيقرب منه ويحط إيده على كتفه:
محمد:
ـ “ضيّعت البنت اللي كانت بتحبك رغم كل حاجة… بس يمكن لسه قدامك وقت تراجع نفسك… وتحاول تصلح.”
“الا فسده يا صالح”
رواية زهرة العاصي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم صفاء حسني
صالح واقف مكانه، والرسالة بين إيديه... بس كل الحروف بقت سكاكين في قلبه.
الكاميرا بتزوّم على الورقة وهي بتتهز من رعشة إيده... والمشهد ينتهي على دمعة نزلت من عينه أخيرًا... بس بعد ما زهرة مشيت.
عاصي بينزل من العربية، بيخبط على باب البيت، يفتح له الجد محمد، ملامحه هادية، بس عنيه فيها تعب سنين.
بيت الجد محمد
صباح بدري، صوت العصافير والخرفان، والنسمة رايقة.
عاصي واقف قدام محمد، بعد ما سافر مخصوص وجاي من الطريق عليه التراب، تعبان لكنه مصمم، عنيه فيها لهفة وتعب.
الجد محمد (بهدوء):
أهلاً يا دكتور... عرفت إنك هتيجي.
عاصي بيبصله بعين كلها لهفة وحزن، صوته واطي لكنه حاسم:
عاصي (بصرخة):
جدي... زهرة فين؟! أنا عايز أشوفها... أرجوك قولي راحت فين؟!
محمد (بيبص له بهدوء وندم):
راحت تدور على نفسها... سيبها توصل، لو كانت من نصيبك، هترجع لك.
عاصي (بنبرة جادة لكن موجوعة):
أنا عرفت إنك الوحيد عارف مكانها، أو على الأقل بتكلمك... أنا مش طالب منك غير مكانها، حتى لو هسافر آخر الدنيا عشانها.
محمد (قاعد على المصطبة، حاطط الطاقية على رجله وبيبص له من فوق النظارة):
ليه؟ ما يمكن زهرة اختارت تمشي... يمكن خلاص قفلت الصفحة.
عاصي يهز راسه بقوة، وعينه بتلمع:
أنا لو ماشية بإيدي... كنت سبتها من زمان. بس قلبي؟... هو اللي مش عارف ينساها.
محمد ياخد نفس عميق، يقوم واقف، ويحط إيده على كتف عاصي:
تبقى تثبتلي انك فعلا تستحمل...
ابتسم الجد وقال:
تيجي تعيش هنا شوية. تلبس جلابية، وتنزل معايا الغيط. تزرع وتتعامل مع أهل البلد... ووقت ما ألاقيك استحملت، وقلبي قاللي إنك تستاهل، أقولك عن عنوانها.
عاصي (متفاجئ):
إيه؟ جلابية؟ وغيط؟!
محمد يضحك ضحكة خفيفة، لكن عنيه فيها جد:
ده الشرط... تعيش في يا بلدنا عشان توصل لزهرة!
عاصي يضحك رغماً عنه، ثم يسكت شوية ويفكر... وبعدين يهز راسه بالموافقة:
اتعلمت عشان أعلم الناس... ودلوقتي هلبس الجلابية عشان أعلم نفسي إن الحب محتاج تضحية.
---
أول يوم في المستشفى الخاصة التابعة للجامعة في أوروبا - الساعة ٩ الصبح.
الكاميرا بطيئة وهي بتعدي من بوابة المستشفى... مكان شكله هادي، أشبه بفندق كبير، الورد مزروع على الجانبين، والنخل عالي، والجو مشمس بس فيه نسمة برد خفيفة.
عربية بتقف قدام الباب الرئيسي، السواق بيفتح الباب، وزهرة بتنزل... لابسة ملابس مريحة، طرحة خفيفة على راسها، باين على ملامحها التعب... بس كمان فيه هدوء غريب، كأنها سلّمت.
يخرج لها شاب عشريني، وسيم، لبناني، لابس يونيفورم إداري بسيط، باسمه على صدره: "جمال".
جمال (بابتسامة دافية):
حضرتك زهرة؟ أهلًا وسهلًا... إحنا مستنيينك من الصبح، أنا جمال، مسؤول استقبال المرضى في قسم العلاج النفسي والدوائي.
زهرة تهز راسها بابتسامة خفيفة، تايهة شوية من كتر اللي حصل، بس بتحاول تمشي خطوات ثابتة.
جمال (وهو بيمشي قدامها):
الدكتور عصام هيشوفك بعد ساعتين، بس الأول هتعدي على قسم التقييم المبدئي... وبعدها تروحي غرفتك، ترتاحي شوية قبل أول جلسة.
زهرة وهي ماشية في الممر الطويل، عنيها بتبص على المرضى التانيين... شباب وبنات، كل واحد في دنيته، بتبص على رسمة على الحيطة مكتوب تحتها: "الوجع مش نهاية القصة... ده أول سطر في الشفاء."
توصل قدام أوضة صغيرة مكتوب عليها:
"المعالجة النفسية - د. نادين الحاج"
جمال يفتح الباب بابتسامة:
دي أول خطوة يا زهرة... مع د. نادين، وهتكون معاكي طول الخطة العلاجية.
زهرة تدخل... تلاقي ستّ أربعينية، شكلها رايق، ملامحها هادية، لابسة أبيض بسيط، وبتقوم من مكانها بابتسامة حنونة.
د. نادين:
أهلًا يا زهرة... كنت مستنياكي.
زهرة تقعد قدامها، ووشها مش قادر يخبي الوجع... تحاول تبص ناحيتها، لكن عنيها بتتهرب.
نادين (بنبرة دافية):
هنا مفيش أسئلة صعبة... ومفيش أحكام. إحنا هنا عشان نسمع، نخف، ونعيش من أول وجديد.
زهرة تهمس، والدمعة تلمع في عنيها:
أنا تعبت قوي يا دكتورة...
نادين (بهدوء):
وإحنا هنا عشان نتعب سوا... ونقوم سوا.
في الأوضة بهدوء، يظهر صوت عزف على صوت البيانو. تقف الدكتورة وزهرة ومن وراء الزجاج تشوف شاب قاعد بيعزف.
سألتها زهرة:
لحنه حلو آوي، هو مريض هنا؟
ابتسمت الدكتورة:
هو مريض وقصته فيها شبه من قصتك. وييجي الوقت تسمعها منه. المهم حبيبتي، اللي هطلبه منك دلوقتي بس إنك تطمني، لإننا هنتكلم مع بعض بأسلوب يحافظ على مشاعرك أولًا، ويحترم الوجع اللي جوّك يا زهرة، ويوصل إحساسك وجرحك من غير ما نخوض في تفاصيل مؤذية أو جارحة. هنركز على الصدمة، الألم، التأثير النفسي، والحماية اللي بتتحاول تبنيها حوالين نفسها.
تعالى نبدأ أول جلسة علاج نفسي.
- ضوء خافت - موسيقى ناعمة جداً.
زهرة قاعدة قدام د. نادين، ووشها هادي بس عنيها بتلمع بحزن مكبوت... بتفرك في صوابع إيديها، بتحاول تلهي قلبها عن الكلام.
نادين (بصوت ناعم):
إحنا هنا عشانك... مش عشان اللي حصل. اللي حصل ده جزء منك... مش هو إنتي.
زهرة تبص بعيد، وسكون غريب يملأ الأوضة، ثم تبدأ بصوت ضعيف... كأنها بتحفر جوّا نفسها.
زهرة (بهمس):
لما وفقت على جوازه كنت فاكرة إني في أمان... وسط اللي اسمهم أهلي. بس كان فيه ضلمة بتستخبى ورا كل ضحكة، كل عيد، كل لمّة...
عنيها تتملي دموع، تحاول تمنعها تنزل... تكمل بصوت بيترعش:
كان إبن عمي... وكنت ساكتة... مش عشان كنت راضية... بس عشان كنت مش فاهمة. فاكرة إزاي السقف كان بيلف حواليا، وإزاي صوتي ما كانش بيطلع... كإني كنت جوّا قفص، والهوى ما بقاش يدخل صدري...
نادين (تسجل ملاحظات بهدوء، ونظرتها فيها رحمة):
وده أول يوم قلتي فيه الكلمة بصوتك... اغتصبك؟
زهرة تتهز، لكن تهز راسها بنعم، وتقول بصوت مكبوت بالحشرجة:
آه... سرق مني كل حاجة... مش جسمي بس... حتى النوم... حتى الضحك... كنت لما أنام، أحس إني عريانة، وكل ما أغمض عيني، أحس إيده على رقبتي. رغم كنت في السجن يعني بعيد عنه لكن بحس إنه قدام عيني بيلمسني..
نادين (بنبرة حنونة):
وإنتي قمتيه ووقفتي على حيلك؟ رغم كل ده... إنتي هنا دلوقتي، وده انتصار.
زهرة (بدموع بتنزل أول مرة من غير مقاومة):
أنا كنت خايفة أحكي... خايفة بابا يقولوا غلطتي. خايفة الناس يحبّوه أكتر مني، ويصدقوه هو. والحجة جوزك ويعمل اللي هو عاوزه.
زهرة (بصوت محشور):
عارفة أكتر حاجة وجعتني؟ إني صدقت إني السبب... إني مسمعتش كلام أمي، ولا كلام جدي، ولا حتى صوت عاصي اللي ندهني وأنا خارجة اليوم ده...
زهرة بتكتم شهقة في صدرها، تكمل بصوت فيه ندم ومرارة:
خرجت لوحدي... فاكرة إني قوية، بس كنت ماشية برجلي للجحيم. اتحدفت من حضن زياد... لإيدين سليم. من خيانة... لذل. من كدب... لكسر.
بتضحك ضحكة وجع، تمسح دمعتها وهي بتكمل:
عاصي فاكر إني رجعت لزياد... للي أول واحد ذبحني... ذبحني لما خانني مع ياسمين، ولما رجع تاني يحاول ياخدني غصب... ما كانش حب، كان أنانية مغلفة بكلام حنين.
بتكتم دموعها في إيديها، بس صوتها بيوصل لأوج الحزن:
فطبيعي... طبيعي اللي من دمي، من لحمي، اللي شايفني ضعيفة... يصدق أي كذبة، ويعمل فيا زيه... ويمكن أبشع. بس أنا مش السبب... أنا كنت الضحية، والنهارده... أنا أول مرة أقولها بصوتي.
زهرة سكتة، عينيها شاخصة ناحية الشباك، لسه صوتها بيرتجف من الاعترافات...
الدكتورة نادين (بابتسامة هادية ونبرة فيها دفء واحتواء):
برافو عليكي يا زهرة... انتي أقوى من اللي كنتي فاكرها. وأهم خطوة عملتيها... إنك شلتي الغشاوة وشوفتي نفسك، عرفتي إمتى غلطتي... وإزاي. وده أول طريق الحرية... حرية من الذنب والجلد والندم.
زهرة تبص ناحيتها بعين فيها دمعة خفيفة، بس فيها قوة ظهرت لأول مرة من جواها.
الدكتورة نادين (بنبرة تحليلية لطيفة):
بس قوليلي... لو رجع شريط الزمن، لو اليوم ده... خرجتي وانتي سامعة كلام عاصي، أو خرج معاكي... تفتكري كان إيه حصل؟ تخيلي معايا يا زهرة...
الضوء يتغير شوية، وزهرة تغمض عينيها... الموسيقى هادية تبدأ تدخل، ويبدأ مشهد الفلاش باك في خيالها.
🎞️ فلاش باك - نفس اليوم اللي حصل فيه الاعتداء - الشارع - الليل
زهرة خارجة من البيت، لابسة نفس اللبس، لكن وراها صوت عاصي بيناديها:
عاصي (بحزم وقلق):
زهرة! استني... مش هتروحي لوحدك، أنا جاي معاكي.
بصت له، وقتها قلبها كان مشوش، بس في الخيال، بتبتسم له وتقول:
حاضر خليك جنبي... حاسس إني خايفة ومش عارفة من إيه.
عاصي يمد إيده، وهي تمسكها، ويمشوا سوا في الحديقة وتوصل للعربية وتلاقي الفلاشة ويكون معها دليل يحميها. يظهر زياد ويمسكه عاصي ويعترف إنه هو اللي قتل نيفين بالغلط.
ووقتها مافيش خطف، مافيش عنف، مافيش سليم. أمي كانت فضلت عايشة. مافيش اغتصاب... بس فيه أمان... فيه صوت عاصي، ضحكته، وجوده، وحمايته. وأمي.
زهرة تفتح عينيها... نفس الدمعة فيهم، بس نزلت بهدوء.
زهرة (بصوت مخنوق):
مكنش حصل حاجة... كنت ممكن أعيش، مش أنكسر. مكنتش اتأذيتش، كنت شوفتني بعيون مختلفة... مش كضحية.
الدكتورة نادين (بحنية):
وهو ده الفرق بين القوة والعند... القوة بتعرف تختار، العند بيقفل عينيه ويمشي... حتى لو عارف النهاية.
زهرة:
وأنا... مش هقفل عيني تاني.
خلصت زهرة وتدخل أوضة - بعد الجلسة بساعات.
زهرة قاعدة عند الشباك، لابسة أبيض، شعرها مربوط، وعنيها معلقة في السما... بيدها ورقة بترسم فيها خطوط عشوائية، عنيها غرقانة في أفكار.
زهرة قاعدة لوحدها، في إيدها الموبايل... بييجي إشعار من جدها.
تفتح الصورة... وتتبصم جوا عنيها:
عاصي، لابس جلابية سودة، واقف جنب شجرة مانجا، ضاحك بضحكة خفيفة لكن عنيه فيها حنين... وفي الصورة كمان الجد محمد واقف جنبه، عامل حركة بإيده كأنه بيقول "شوفته؟!"
زهرة تبص للصورة، تضحك... بس ضحكة باكية... وتحط إيدها على قلبها:
هو ده اللي كنت فاكره هيرجع حياته وينسينا وانسها... بس كل مرة بشوفه... قلبي بيتعلّق بيه أكتر. ليه يا جدي؟
رنّ الموبايل، زهرة تبص للشاشة... "جدو محمد".
زهرة (بابتسامة دافية):
ألو، يا حبيبي يا جدو... طمني؟
محمد (بصوته الهادي):
أنا تمام يا بنتي... بس مش أنا اللي محتاج تطمني عليه.
زهرة (بهمس):
هو اتغير كده إزاي؟
محمد:
هو مكنش محتاج يتغير... هو بس كان محتاج يثبتلك إن قلبه مش هيتقفل من حبك. وده عمله.
زهرة (بتبلع ريقها):
هو بيعمل إيه عندك وليه مرجعش لحياته؟ هو كويس؟
محمد (بضحكة صغيرة):
علشان متمسكة بيك وعارف إن محدش يعرف مكانك غيرك ف لعبت لعبة معه وطلبت منه يقعد معايا في البلد منه يونسني البيت بقى فاضي من غيركم يا بت ومنه بيتعلم عاداتنا.
سألته زهرة بلهفة وخوف:
إنت إلا طلبت منه يلبس الجلابية ويطلع على الشجرة وينازل الفواكه يا جدي؟
وضحك الجد وقال:
ومش بس كده، دلوقتي بيتعلم يركب حمار... ولسه بيفرق بين البصل والتوم. بس حلف إنه هيكمل... قاللي: هلبس الجلابية وأزرع... لحد ما ترضى عليا تعرفني مكان زهرة. لكن أنا مش هبعت له مكانك غير لما تكوني إنتي عايزة تشوفي.
زهرة (بصوت مخنوق):
أنا... لسه محتارة يا جدو.
محمد:
براحتك يا بنتي... بس اوعي تضيعيه لو قلبك لسه معه.
زهرة تسكت، عينيها بتدمع، وتهمس:
سلملي عليه...
تقفل معه.
---
في مكان آخر في كافيه هادي على النيل، الجو دافي ونسمات خفيفة، الدنيا قبل المغرب بشوية، الشمس بتغيب بهدوء.
زينة لابسة فستان بسيط لون باستيل، شعرها سايب بحرية، بتضحك بخجل وهي بتشرب عصيرها.
كريم قاعد قدامها، لابس قميص أبيض وبنطلون جينز، إيده على الترابيزة، وعينيه عليها كلها حب.
كريم (وهو بيبص لها بنظرة فيها توتر وشوق):
زينة... أنا كنت ناوي أقولك من بدري، بس كل مرة كنت بخاف أفسد اللحظة... بس خلاص، المرة دي لازم أقولها.
زينة (بابتسامة متوترة):
إيه يا كريم؟ شكلك هتقول خبر مرعب ولا حاجة...
كريم (يضحك، وبعدين ياخد نفس طويل):
أنا بحبك يا زينة... وعاوز أكمل معاكِ حياتي. أنا ما عرفتش طعم الراحة إلا وإنتِ جنبي، ولا فهمت يعني إيه أمان غير لما لقيتك بتسندي حتى من غير ما أطلب.
زينة (وشها بيتحوّل لدهشة، وبعدين خدودها تحمر):
كريم... إنت بتتكلم بجد؟
كريم (بيقوم من مكانه وبيطلع خاتم بسيط من جيبه، وبيقول بنبرة راكبة على دقات القلب):
مش بس بجد... ده أنا من يوم ما عرفتك، وأنا شايفك مراتي... مش بس حبيبتي... هتوافقي تبقي مراتي؟
زينة (الدموع بتنور عينيها، وبتحط إيدها على وشها):
ياااه... إنت جبتلي الكلام من قلبي... آه يا كريم... موافقة... طبعًا موافقة.
كريم يلبّسها الخاتم، وهي بتضحك وسط دموع فرحة، والناس في الكافيه بيصفقوا بلطف، والشمس بتغيب على ابتسامتهم.
---
تأتي يوم تحضر زهرة الجلسة الثانية.
زهرة قاعدة، ظهرها مفرود بس عينيها فيها وجع ساكن... الدكتورة نادين بتلاحظ التغيير، بس بتسكت لحظة تستنى الكلام يطلع لوحده.
زهرة (بهمس):
هربت... مش عشانه مابحبوش، بس عشان خايفة عليه... خايفة يكون وجودي سبب في كسره، في فشله، في تعبه. أنا عندي وجع لوحدي... بس مش هستحمل أشوفه بيتوجع عشاني.
الدكتورة نادين (بصرامة لأول مرة):
يعني قررتي تهربي؟ وتقدري مصيره من غيره؟ وإنتي شايفة إنك بتحميه؟ اللي بيحب مبيسيبش... واللي بيهرب، بيخاف يواجه نفسه مش التاني.
زهرة (بدمعة خفيفة):
كنت حاسة إني لعنة... لو فضل معايا، هيدفع التمن. كنت عايزة يختار حياة أسهل... أروح وأسيبه فرصة يبدأ من جديد.
الدكتورة نادين:
وإنتي عارفة إنك قررتي تسيبيه يختار من غير ما يكون موجود؟ الحب مش دايم سهل، بس الاختيار من حقه... مش حقك لوحدك.
---
خلصت زهرة الجلسة وبقت مستعدة تتكلم مع زينة واتصلت بيها.
مكالمة فيديو بين زينة وزهرة، زهرة قاعدة في أوضتها الجديدة، شكلها هادي بس عينيها فيها تعب، وزينة في بيتها في القاهرة، قاعدة على الكنبة وشكلها مبسوط وفرحان.
زهرة (بصوت خفيف):
وحشتيني أوي...
زينة (بحماس):
انتي فين يا مجرمة؟! ده حتى سبتيني من غير ولا وداع!
زهرة (بتضحك وسط دموع):
كنت محتاجة أهرب حتى من صوتك... بس دايمًا صوتك بيرجعني.
زينة:
طب قوليلي... فيه إيه؟ شوية كده بقيتِ زهرة الهاربة من قلوب الكل؟
زهرة (بهدوء):
عاصي عند جدي.
ضحكت زينة:
طبعا عارفة. وعندى خبر كمان حلو.
سألتها زهرة بلهفة:
قولي خير.
زينة (بنبرة كلها حماس وفرحة):
بصّي يا زهرة... أنا كنت ناوية أقولك من يوم ما حصل، بس استنيت لحد ما تهدي شوية...
(تضحك بخفة)
كريم طلب إيدي، رسمي، وعيلته كمان موافقين، و... وأنا وافقت.
أيوه... قال إنه مش هيجبرني، بس هيفضل مستني. كريم ده كان أكتر شخص حس بيا من غير ما أتكلم، شافني بعد كل حاجة واتقبلني... لم عرف إن أهلك اتبنونى ولم عرف مين أهلى وانى عاوزة اثبت هويتى حارب معايا... بس قلبي خايف لو أهله ميتقبلونيش في حياتهم؟... رغم أنا دلوقتي بقيت عايش في حتة تانية.
زهرة (بصوت حنين):
انتي بتحاولي تهربي من قلبك... بس قلبك مش هيسيبك.
ضحكت زينة:
هو كلامك ده لي والا لنفسك؟
زهرة (بتهمس):
كل ما أقول نسيته... ألاقي صورته في قلبي بتكبر أكتر.
زينة:
طب لو لسه بتحبيه... متأخريش القرار، متبقيش انتي اللي سبب في وجعك ووجعه.
زهرة (بسكون):
ادعيلي يا زينة... عشان أعرف أختار قلبي مش خوفي.
زهرة (بتبتسم بنعومة رغم الألم في صوتها):
فرحتلك من قلبي يا زينة... تستاهلي كل خير، وربنا يسعدك يا حبيبتي.
زينة (بتميل شوية ناحية الشاشة، وكأنها بتقرب منها):
بس عارفة إيه اللي خلاني أحب كريم أكتر؟ لما عرف كل اللي حصل معايا وأمن بقصتي وحلف إن يجيبلي حقي ولازم اثبت هويتي.... ما اتغيرش، ما عملش نفسه مش شايف، بالعكس، قالّي:
(وفضل يمدح فيك إن رغم إنك مكنش ليك علاقة بس قبلت تقف قدام المدفع لحد ما كشفتهم كلهم. وقالي كمان.. أنا لو في مكانها كان زماني انتهيت، مش وقفت على رجلي تاني. وقالّي إنه لو كان مكان عاصي... مكنش سابك تمشي، كان حارب الدنيا كلها علشانك.
زهرة (صمت، وبعدين صوتها يخرج هامس):
عارفة يا زينة... يمكن عاصي عمل كده فعلاً، بس أنا... أنا اللي خفت عليه، خفت أكون وجع ليه طول عمره، زي ما كنت وجع لنفسي.
زينة (بحنية):
بس فيه فرق بين الخوف والحب... وأحيانًا بنخاف من الحب نفسه... بس كريم خلاني أفهم إن اللي بيحب بجد، بيتحمل دلوقتي راسه مرفوعة وهو بيقول ل أهله أنا مين وبنت مين من غير خجل. وفى مقابلة يوم الخميس الجاي أهله هيزورونا... وعلى فكرة عاصي؟ كان بيتحمل كتير، وإنتِ الوحيدة اللي مخبية عنه مشاعرك. زي ما أنا كنت زمان.
زهرة (تبتسم والدمعة على خدها):
هو لسه هناك؟
زينة (بابتسامة خبيثة):
لسه... ولسه في الجلابية كمان! وجدك بيصوره ويبعتهالك كل يوم، صح؟
زهرة (تضحك بخفة لأول مرة من فترة):
أهو... شكله اتحوّل لفلاح محترف.
زينة (بمزاح):
يبقى فاضل إنتِ... ترجعي وتشوفيها بعيون غير الخوف.
وأنا هدخل على الجولة التانية أهل كريم...
سألتها زهرة: هما احتمال مش يوافقوا لمجرد محدش كان يعرف مين أهلك. طيب أهل عاصي يعملوا إيه لو عرفوا إنه بيحب واحدة مطلقة وكانت متهمة بجريمة قتل واحتمال متخلفش.
رواية زهرة العاصي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم صفاء حسني
في كافيه هادئ، جلس رامي أمام حاسوبه المحمول يحتسي قهوته. دقّت ساعة يده، وقبل أن يقوم، جلس أمامه عاصي بوجه مرهق وعينين مصممتين.
"فينك أخيرًا شفتكم. أنا قلت مصلحتكم خلصت معايا ونسيتوني؟" قال رامي بابتسامة خفيفة.
ابتسم عاصي بهدوء وقال: "المرة دي جاية للمصالحة. أنا محتاجك تعلمني أراقب مكالمة فيديو، تعلمني أتتبع الإشارة، أعرف المكان اللي الطرف التاني بيتكلم منه."
تفاجأ رامي ورجع بظهره على الكرسي: "يعني إيه؟ حد بعتلك مكالمة فيديو؟"
"لأ، زهرة بتكلم جدها فيديو. أنا عايز أكون جاهز. لو زهرة كلمت جدي تاني، أنا عايز أعرف هي فين، قبل ما تسكت تاني وتختفي." قال عاصي بنبرة هادية لكن وراها نار.
"عاصي، اللي إنت بتطلبه ده مش لعبة. يعني هتتجسس، وهتدخل منطقة رمادية." قال رامي بنبرة جد.
"أنا مش طالب أأذيها، أنا طالب أوصلها. زهرة تعبت كفاية، وهربت عشان تحميني، بس أنا مش عاوز حمايتها، أنا عاوزها هي." قال عاصي واضعًا يده على الطاولة وبصوت واطٍ. سكت لحظة وعيناه تلمعان. "وأنا عارف إنها مش هتسمح لي أرجع بسهولة، بس على الأقل أعرف مكانها، وأبقى قدامها لما تحتاجني."
بعد لحظة تفكير، قال رامي: "طيب... أنا هعلمك. بس بشرط..."
"شرط؟" قال عاصي بنبرة قلقة.
"لو لقيتها... متقتحمْش حياتها كده. تستأذن الأول. ولو قالت لأ... تحترم ده." قال رامي بنظرة تركيز.
---
"هما... أهل كريم احتمال يوافقوا واحتمال لأ؟ لمجرد إن محدش كان يعرف مين أهلك؟ مع إنك بنت ناس وأشرف من مليون... بس نظرة المجتمع؟" قالت زهرة بنبرة صادقة فيها خضة.
سكتت زينة لحظة ونظرت في الأرض: "أنا فكرت في ده... كتير. بس لما شفت كريم واقف زي جبل قدامي... عرفت إن الرضا مش بييجي من الناس. رضا ربنا... وقلبي، بس."
"طيب... أهل عاصي؟ لو عرفوا إنه بيحب واحدة... مطلقة، وكانت متهمة بجريمة قتل، واحتمال... متخلفش؟ هيعملوا إيه؟" قالت زهرة تبلع ريقها وعيناها تلمعان.
"هي*عملوا اللي هما عايزينه... بس السؤال الحقيقي: هو عاصي هيعمل إيه؟ لو هو شايف إنك عبء... يبقى ما يستاهلكيش من الأول. ولو بيحبك بجد... هيقف قدام الدنيا كلها عشانك." قالت زينة تنظر لها بهدوء لكن في صوتها قوة.
"بس أنا مش عايزاه يدفع التمن... مش مستعدة أكون السبب في حرب بينه وبين أهله." قالت زهرة.
مدت زينة يدها وأخذت يد زهرة في هدوء: "مش الحب اللي بيولّع حروب... السكوت هو اللي بيكسر. سيبيه هو يختار، ووقتها... انتي اختاري قلبك. متنسيش... انتي مش بس كنتِ متهمة، انتي كنتِ ضحية... وناجية."
"أنا تعبت من كوني قضية... نفسي أكون بس... بنت عادية بتحب وبتتحب." قالت زهرة وعيناها تدمعان.
"وهو... شافك كده من أول يوم. فاكرة أول مرة، كان شايف الحقيقة، مش التهم." قالت زينة بابتسامة فيها حنية.
---
وقف عاصي أمام باب البيت وهو ماسك شنطة صغيرة فيها هدوم. وجهه فيه نظرة تعب وحيرة. أخذ نفسًا طويلاً، وفتح الباب بالمفتاح الذي معه بهدوء.
مشى إلى الداخل، خطواته بطيئة... متردد، وعيناه تدور في المكان كأنه يبحث عن ذكرى.
وصل ناحية غرفة المكتب التي كان الجد يستخدمها. الباب موارب، وفيه نور بسيط صادر من الداخل.
وقف مكانه... رأى انعكاسًا على المرآة الصغيرة التي فوق التسريحة – زينة جالسة، أمام حاسوب محمول، وتتحدث في مكالمة فيديو. صوتها واضح، لكنها لا تراه.
"أنا عارفة إن أهله ممكن يكونوا عائق... يعني، إنتي شايفة، أنا إيه بالنسبالهم؟ مطلقة، متهمة، ومش متأكدة حتى ممكن هتخلف ولا لأ." قالت زهرة منكسرة على المرآة – صوتها هادئ لكن فيه مرارة. سكتت لحظة وتنفست بعمق. "بس... مش قادرة أطلب منه يختارني لو أهله مش موافقين، أنا مش ناقصة وجع تاني."
"يبقى البعد أهم من القرب."
وقف قلب عاصي. اتسعت عيناه، وأخذ خطوة صغيرة للأمام، لكنه وقف مرة أخرى، صوته الداخلي يصرخ، لكن لسانه ساكت.
الكلمات تتردد في أذنيه: "أهله ممكن يكونوا عائق..."
نظر إلى الأعلى كأنه يستجمع شجاعته، وبعد ثوانٍ عاد يمشي بهدوء بعيدًا عن الباب، دون أن تراه زينة. وقف في الحديقة، أخرج هاتفه واتصل برقم...
"مساء الخير يا ماما... محتاج أقعد معاك ومع بابا ضروري. في موضوع مهم... ومينفعش يستنى." قال عاصي بنبرة مصممة.
---
جلس عاصي على الأريكة، يمسك الهاتف ووجهه يبدو عليه التردد... فتح الرسائل وبدأ يكتب رسالة لأمه.
"أنا لازم أروح لهم… لازم أكلمهم عن زهرة… اللي جاي مش سهل، ومينفعش أبص ورايا من غير ما أواجه ده." قال عاصي بصوت داخلي، بنبرة تفكير.
ضغط على زر الاتصال، المكالمة طالت قليلاً حتى ردت واحدة من خادمات البيت.
"أهلًا أستاذ عاصي، اشتقتلك كتير… بس العيلة مش هون." قالت الخادمة بلهجة لبنانية ناعمة.
وقف عاصي فجأة، وقلبه يدق: "مش هون؟ راحوا على وين؟"
"مدام سارة ومستر كنان سافروا من كام يوم… قالتلي إنها رايحة تزور صديقة قديمة إلها بتركيا، ببلدة صغيرة اسمها 'صافران بولو'… مكان كتير حلو وهادي."
"تركيا؟! من غير ما يقولولي؟" قال عاصي بدهشة وتوتر.
"قالت إنك مشغول… وإنها فترة صغيرة وراجعين." قالت الخادمة بهدوء.
أغلق عاصي المكالمة، وعاد ليجلس ببطء، عيناه متعلقة بنقطة في الفراغ.
"صافران بولو… طب حتى السفر ما بقى سهل. بس يمكن… يمكن دي علامة… يمكن لازم أروح لحد عندهم… قبل ما يفوت الأوان." قال عاصي بهم*س.
فتح الحاسوب المحمول بسرعة، وبدأ يبحث عن رحلات الطيران، أصابعه ترتعش من التوتر، لكن عينه فيها عزيمة قوية.
"أنا مش هخلي الزمن أو المسافات توقفني… لو دي آخر محطة توصلني ليها… أنا رايح." قال عاصي بصوت حاسم.
---
مرت الأيام.
**الجلسة الثالثة**
زهرة ساكتة، تفرك في يديها، كطفلة خائفة تتكلم... اقتربت منها الدكتورة بنظرة حنونة.
"حاسة بإيه دلوقتي؟" قالت الدكتورة نادين.
"ذنب... زي اللي يسرق حلم حد ويهرب. بس كنت متأكدة إن حبه ليا هيخلص بيه لنفس الطريق اللي أنا جيت منه... وجع، خيانة، جروح." قالت زهرة بصوت مكسور.
"بس هو مش زي اللي خد*وك، ولا خانك، هو كان سند... وإنتي أول ما لقيتي سند... جريتي."
"جريت عشانه... بس آه، كنت خايفة... يمكن أكتر من اللازم."
---
في بيت الجد عزيز، في القاهرة – الصالة مرتبة، وفيها طابع ريفي بسيط. بعد العصر، الجو فيه هدوء متوتر. الحضور: كريم ووالدته (مدام ليلى) ووالده (الأستاذ سامي)، زينة وجدها عزيز، الجد محمد (جد زهرة) حضر مخصوص للزيارة.
"نورتونا يا جماعة، البيت بيتكم." قال الجد عزيز بابتسامة فيها هيبة وترحاب.
"ده شرف لينا يا حاج، والحقيقة كريم أصرّ إننا نيجي رسمي، وده أقل واجب." قال الأستاذ سامي بأدب.
"أنا ما طلبتش منكم غير اللي بحبها... ومش شايف قلبي في حد غيرها." قال كريم وهو ينظر لزينة بنظرة دافئة.
"ربنا يقدم الخير يا كريم." قالت زينة وهي تخفض عينيها، وشها يحمر.
"معلش يا زينة، ممكن أسأل سؤال؟ مين والدتك؟ أصلنا معرفناش عنها حاجة؟" قالت مدام ليلى بابتسامة رسمية، لكن فيها فضول.
ساد صمت ثقيل في المكان... زينة تشد في طرف يدها، والجد عزيز ينظر للجد محمد الذي قرر الرد.
"زينة بنت بنتي... بنتي الوحيدة، ماتت وهي بتولدها... وأنا اللي ربيتها مع جوز بنتي، الحاج عزيز." قال الجد محمد بصوت هادئ لكن حاسم.
"بس مدام حفيدك... ما اعترفش بيها ليه طول الوقت؟ يعني، ليه الكل بيقول إنها يتيمة؟" قالت مدام ليلى برفع حاجب وابتسامة شبه ساخرة.
زاد التوتر، وزينة تحس بكهرباء في جسمها، تنظر لأرضها، ووشها يحمر من الإحراج.
"مكنتش محتاج أقول إني جدها عشان أثبت قيمتها... هي اتربت وسط رجالة، واتعلمت الكرامة من سكوتي مش من لقبي. وأنا جيت النهارده عشان أكون شاهد، مش مجرد ضيف." قال الجد محمد بنظراته الحادة، لكن صوته هادئ.
"وكل كلمة كان ساكت عنها... هي اللي عملت من زينة البنت اللي انتو شايفينها. بنتنا، مش محتاجة لقب... محتاجة ناس تحبها وتحترمها." قال الجد عزيز بهدوء لكنه مليء بالمعاني.
"وأنا عايزها زي ما هي... بتاريخها، بحياتها، بكل تفاصيلها. ولو ده مش عاجب أي حد، يبقى أنا اللي مش مناسب ليكم." قال كريم بصوت واثق وهو يمسك بيد زينة.
"واضح إنك واخد قرارك خلاص..." تنهدت مدام ليلى.
"وإحنا جايين نفرح... مش نحاسب." قال الأستاذ سامي بهدوء.
هدأ الجو تدريجيًا... زينة ترفع عينيها لجدها محمد، تجده ينظر إليها بنظرة فخر وسند.
---
**🎬 الجلسة الرابعة: الحقيقة المؤلمة**
"عارفة يا زهرة... أحيانًا بنفكر إن التضحية حب، بس في الحقيقة... هي هروب. حبك الحقيقي ليه... كان يخليكي تحاربي، مش تسيبيه لوحده يحارب ذكرياتك." قالت الدكتورة نادين بحدة ناعمة.
"أنا ما كنتش جاهزة، ماينفعش أكون في حضن حد وأنا كل ما أقفل عيني، أشوف ماضيي بيصرخ. ماينفعش أكون لحب جديد، ولسه قلبي بينزف القديم." قالت زهرة بصوت واطٍ.
"بس دلوقتي إنتي بدأتي تطهري جرحك... وكل خطوة بتاخديها ناحية الشفاء، هي كمان خطوة ناحيته، لو لسه واقف مستنيك."
---
باب المستشفى الرئيسي، سيدة ترتدي جاكيت بسيط وحقيبة كتف جلد، خطواتها واثقة لكن ملامحها فيها تركيز وهدوء.
"لو سمحتي، أنا كنت جاية أشوف الدكتورة نادين. قالتلي أعدي عليها هنا النهاردة." قالت بلهجة مهذبة.
"اسمك إيه حضرتك؟" سألت الممرضة بابتسامة بسيطة وهي تنظر في دفتر المواعيد.
"قولي ليها الدكتورة سارة عزيز لو سمحتي." قالت السيدة وهي تبتسم.
"الدكتورة نادين لسه في جلسة دلوقتي، تحبي تنتظريها شوية في الكافيه؟ هو ورا الجناح ده على طول." هزت رأسها الممرضة.
"ماشي، شكرًا ليكي." قالت سارة بابتسامة خفيفة.
"هبلغها حالاً إنك وصلت، وأول ما تخلص هتيجي لحضرتك." قالت الممرضة وهي تقوم.
أومأت سارة برأسها ومشت بخطوات هادئة ناحية الكافيه. الكاميرا تتبعها وهي تمر في ممر المستشفى، هدوء عام في المكان، ناس قليلة تمشي بهدوء، موسيقى هادئة جدًا في الخلفية. وهي تمشي سمعت صوت أنين يشبه البكاء.
كانت قد انتهت زهرة من الجلسة ولجأت إلى الله ساجدة على سجادة الصلاة، دموعها تنزل وهي تدعو، ملامحها فيها خضوع وتسليم… بعد قليل انتهت، طوت السجادة بهدوء، وحملت مصحفًا صغيرًا وخرجت إلى الحديقة.
جلست على طرف دائرة زرع، فتحت المصحف، وبدأت تقرأ بصوت خافت، بخشوع.
"مش غريبة تكوني قريبة كده من رب الكون… وهنا؟" قالت سارة بابتسامة خفيفة وهي تنظر إليها.
نظرت إليها زهرة، ضحكت بخجل وهدوء، صوتها فيه صدق دافئ.
"فعلاً… ربنا هو أكتر واحد لازم نرجع له… وقت ما نحس إن مفيش أمل… أو مفيش ضهر. بس أنا مش هنا لأني فقدت الأمل… أنا هنا… مش معنى كده إني ملقتش حد أتكلم معاه وأنا جوه الزحمة."
"طيب… ليه آنتي هنا؟" قالت سارة مقتربة وجالسة بجانبها.
"عشان أسيب فرصة لشاب يشوف غيري… هربت منه… عشان هو رفض يسيبني." قالت زهرة وهي تبتسم بهدوء ونظرتها على ورق المصحف.
"وليه تهربي منه… مادام بيحبك كده؟" قالت سارة مستغربة.
"حضرتك عندك أولاد؟" قالت زهرة تنظر إليها وتتنهد.
"عندي… ولد وبنت. ابني دكتور في جامعة في مصر… وبنتي بتدرس في أوروبا." قالت سارة تهز رأسها بابتسامة فخورة.
"ربنا يبارك فيهم يا رب." قالت زهرة بصدق.
وبعد لحظة صمت، نظرت إليها بعين حزينة وقالت بنبرة مكسورة: "تقبلي ابنك يحب واحدة… كانت متجوزة… وجوزها اغتصبها؟ وجرحت في رحمها؟ وحملت… وسقطت؟ واتسجنت في جريمة قتل؟"
سكتت سارة، عيناها تلمعان، تنهدت وهي تحاول الرد، لكنها لم تستطع.
"عشان كده… آنتي جيتي هنا؟" قالت سارة بصوت واطٍ.
"أنا اتثبتت براءتي… وفي نفس اليوم… عرفت إني حامل… وسقطت. وكان في شاب… بيحبني… آمن ببراءتي… عمل المستحيل عشان يطلعني. بس… معرفتش أربطه بيا… ولا أخليه يعيش القرار ده… يختار بيني وبين أهله." قالت زهرة.
---
مدت سارة يدها وربتت على كتف زهرة بحنان أمومي، دموعها في عينيها.
"آنتي قلبك طيب… ومع ربنا… وأنا متأكدة إنك هتكوني زهرة في أي بيت. ومهما كانت الظروف اللي مريتي بيها… هتلاقي قلوب بتحبك بجد. أنا عن نفسي… حبيتك لله… وبعد اللي سمعته… أتمنى تبقي من نصيب ابني. لأني اتعلمت منك درس النهاردة… إن الأم كانت بنت… وكانت ممكن تبقى مكانك… بس بننسى… بننسى لما نبقى أم… وبنخاف زيادة، ونظلم."
"شكراً على المجاملة… بس أنا مش هحط نفسي في اختبار… يمكن أنجح… ويمكن لأ… فاهماني؟" قالت زهرة بصوت خافت وضحكة خفيفة من غير فرحة.
ابتسمت سارة بحزن، ونظرت للمصحف الذي في يد زهرة، وسكتت، لكن في عينيها احترام كبير لها. تركتها.
و**تتجه سارة عند كافيه المستشفى،** نظرت حولها، اختارت طاولة بجانب الشباك، جلست و**أخرجت دفترًا صغيرًا من حقيبتها،** فتحته ونظرت فيه، كتبت ملاحظة صغيرة كأنها تجهز نفسها للجلسة.
خبطت الممرضة على باب مكتب نادين، دخلت بهدوء وقالت بهمس وهي تبتسم: "دكتورة نادين، دكتورة سارة وصلت، وبتنتظر حضرتك في الكافيه."
ابتسمت نادين وأومأت برأسها: "تمام، شكراً ليكي."
"مش معقول أخيرًا النور نور! سارة بنفسها!" قالت نادين وهي تتجه إليها بابتسامة دافئة وهي ماشية ناحيتها.
"نادين! والله واحشاني من آخر مؤتمر شفناك فيه." قالت سارة وهي ترفع رأسها وتضحك بخفة.
جلست نادين قبالتها وفردت يديها على الطاولة بحماس بسيط. "إنتي اللي واحشتيني يا بنتي! قلت أدعيلك تشاركيني في الجلسات، لقيتك بتتحققيلي زيارة كده من السما."
"بصراحة لما قلتِلي عن النموذج اللي عندك هنا… اتحمست. محتاجة أرجع أشتغل في الجو اللي فيه إنسانية أكتر من الورق. وكمان تركي ومدينة صافران بولو جميلة زي دي، أنا عن نفسي نفسيتي ارتاحت فيها." قالت سارة بابتسامة ناعمة.
أومأت نادين برأسها وملامحها فيها جدية. "وعندنا هنا حالة بجد تستحق المراقبة والدعم. اسمها زهرة. داخلة في مرحلة مهمة، ومحتاجة سند ناعم وعقل فاهم زيك."
"إيه اللي بيميزها؟" قالت سارة وهي ترفع حاجبها باهتمام.
"واجِهت صدمات متتالية، من كل الاتجاهات. بس لسه فيها أمل... فيه نور تحت الرماد. ودي مش حاجة بتشوفيها كل يوم." قالت نادين وهي تأخذ نفسًا عميقًا.
"حابة أقابلها. بس مش من باب الاستشارة، من باب المشاركة. لو تحبي أدخل معاك الجلسة النهاردة." قالت سارة بصوت فيه حنية وفضول.
ضحكت نادين بهدوء: "ده كان هدفي من الأول. تعالي نبدأ الجلسة مع بعض ونشوف تأثيرك هيكون إزاي. بكرة الجلسة لكن ممكن إنتي تتجولي في المكان."
هزت رأسها سارة بالتأكيد.
"حبيبي، اشتقت إليك… إيه الغيبة دي؟ يا عمري، مصر أخدت مني." قالت سارة وهي تبتسم وترد على المكالمة.
الكاميرا تنتقل إلى عاصي الذي يظهر على الطرف الآخر من المكالمة، مبتسمًا بخفة وهو في مكان ما، يتحدث بحب.
"ما أنا دايمًا بتكلم معاكي يا أمي وعارفة كل كبيرة وصغيرة… لكن إنتِ سافرت فين؟ وليه ما قلتِ لي؟" قال عاصي بصوت دافئ وعاطفي.
ابتسمت سارة بخفة، وابتسامتها تحولت إلى لهجة لبنانية خفيفة. "جيت أحضر مع صديقي لي عزيز فتح مشفى للمرضى النفسيين في تركيا، كانت عاوزة تاخد رأيي في شوية حالات عندها وطريقة العلاج. وابوك راح لتوأم روحه." قالت وهي تتكلم بلهجة لبنانية.
ضحك عاصي على الطرف الآخر من الهاتف.
"صح! طبعًا هي تشتاق ليها كتير. أما أنا ميسأل عني؟ طيب، هترجعي إمتى؟" قال عاصي بضحكة صغيرة.
هزت سارة رأسها بابتسامة حزينة. "بإذن الله، أخلص وأجي، أنا وابوك وعيون على القاهرة. نفسي أشوف أبوي وبنات أخوي… إلا طلعوا من تحت الأرض. كنت زمان نفسي علاقتي تكون حلوة مع عصام وأبوي، لكن ما تصورتش إن أخوي يكون عنده بنتين ويعيشوا كل واحد في عالم تاني. دول محتاجين جلسات نفسية، وكمان تأهيل."
ضحك عاصي من الطرف الآخر.
"حبيبتي كمان عاوزة منك ده." قال عاصي بمزاح.
ضحكت سارة بخفة، لكنها تفاجأت وابتسمت بحيرة.
"حبيبتك؟ إنت حبيت؟ هي مين؟" قالت سارة مستغربة.
في اللحظة التي بدأت فيها سارة الاستفسار، ظهر شيء غريب أمامها، وهي تكاد تتعثر في سلك كهربائي مكشوف. بسرعة، ظهر شخص آخر، وأمسك بيدها.
"حسبي، لو سمحتِ، خلي بالك." قالت زهرة بابتسامة هادئة، وهي تمسك يد سارة بلطف.
رواية زهرة العاصي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم صفاء حسني
رواية زهرة العاصي الفصل السابع و العشرون 27 - بقلم صفاء حسني
زهرة العاصي الكاتبة صفاء حسنى
الفصل 27
حديقة المستشفى - وقت الغداء، الجو مشمس والهواء عليل، الزرع محاوط المكان، والناس قاعدة في الكافيه اللي على بسين صغير بيطل عليه حمام السباحة
كانت سارة ماشية بتكلم في التليفون، عيونها مش مركّزة في الأرض، وخطوتها ماشية ناحية منطقة فيها صندوق كهرباء مكشوف وسلك نازل منه وواصل لحد طرف البسين، الوضع خطر لكن مش باين للعين بسهولة
زهرة كانت لسه خارجة من الكافتيريا، ماسكة صينيتها فيها طبق أكل وعلبة عصير، ماشية بنفس الطريق
وفي لحظة، شافت سارة ماشية في اتجاه السلك!
🧕🏻 زهرة (بصوت عالي متوتر):
"مدام خدي بالك! استني!"
(رمت الصينية على الأرض وجريت بكل قوتها، وهي بتشاور على السلك المكشوف اللي مايل نحية البسين. سارة كانت على بعد خطوة صغيرة منه، ولا حاسة بأي حاجة)
📞 سارة (على التليفون):
"آه حبيبي... مين حبيبتك ده ..."
(فجأة زهرة تمسك إيد سارة بقوة، وتشدها ناحية الوراء، لحظة إنقاذ لكنها مش محسوبة، وإيد زهرة تلمس الصندوق الكهربائي من الجنب)
⚡ صوت شرارة قوية وضربة كهرباء عنيفة تهز المكان...
زهرة تقع على الأرض وهي جسدها بيتهز من الكهرباء، صراخ بيملأ المكان، الناس بتقوم من أماكنها، الممرضة بتجري من جوه، الدكتور المناوب بيصرخ ينده على الإسعاف
👩🏻⚕️ سارة (مصدومة، بتترعش):
"لاااااااااا...!!"
(بتبص لإيدها اللي زهرة كانت ماسكاها، وبصت لوشها اللي بدأ يتغير لونه، وباين إنها فقدت الوعي، وكل دا حصل في لحظة. التليفون بتاع سارة بيقع جنب رجليها)
الممرضة تجري وتحاول تفتح النفس لزهرة، وتحطها على جنب... الدكتور بيطلب فورا عربية إسعاف لمستشفى متخصص في الصدمات الكهربائية القريبة.
🚑 عربية الإسعاف توصل بسرعة، ويحطوا زهرة على النقالة، جهاز تنظيم ضربات القلب شغال، والنبض ضعيف.
👩🏻⚕️ سارة (وهي قاعدة على الكرسي، إيديها متشابكة على صدرها، بتنهج):
"أنا... أنا اللي كان ممكن أكون مكانها...
كانت أنقذتني... من غير ما تعرفني حتى..."
بصت للدكتور اللي واقف بيطمنها، والدموع في عينيها
👩🏻⚕️ "لو كانت بعدت لحظة... كنت أنا اللي في العربية دي دلوقتي كنت أنا نايمة مكانها "
👩⚕️ الممرضة:
"دكتورة نادين! حصل حادث في الحديقة... حالة كهرباء شديدة... جت بعربية إسعاف ولسه بيدخلوها الإنعاش، بيقولوا كانت بتحاول تنقذ حد!"
👩⚕️ نادين (مرعوبة):
"إيه؟! مين؟ مين اللي اتكهرب؟!"
(تقوم بسرعة وتجري ناحية الطوارئ)
(نادين توصل لقسم الطوارئ، تلاقي الدكتور عصام واقف مع المدير العام وبيتكلموا مع الفريق الطبي، والدكاترة بيتحركوا حوالين السرير، وفي حالة استنفار)
👩⚕️ نادين (بصوت عالي):
"فين الحالة؟ اسمها إيه؟!"
👨⚕️ ممرض:
"الاسم زهرة... زهرة صالح محمد "
زهرة العاصي الكاتبة صفاء حسنى
(تجمدت نادين، عيونها توسعت من الصدمة، خطواتها تقيلة وهي ماشية للسرير تشوفها، ولما شافتها، اتسمرت مكانها)
👩⚕️ نادين (بصدمة وهمس):
"مش ممكن... دي زهرة...! دي هي!"
(في نفس اللحظة تيجي سارة، ملامحها باينه عليها الصدمة والدموع، تقابل نادين)
👩🏻⚕️ سارة (منهارة):
"نادين... البنت دي... البنت دي ضحت بنفسها عشاني... أنا كنت هقع على السلك وهي شدتني، أنقذتني وهي ما تعرفنيش حتى..."
(المدير بيبدأ يتكلم مع عصام، وتبدأ تحقيقات فورية حوالين الكابل المكشوف والإهمال)
👨⚕️ المدير العام:
"دى كارثة... سلك كهرباء مكشوف عند حمام السباحة؟ ده إهمال يعرّض حياة كل الموجودين هنا للخطر! لازم يتحقق في الموضوع فورًا."
(وفجأة... سارة تبص لعصام، ملامحه لفتت نظرها، وشه، طريقه وقفته، صوته... تبطأ في خطواتها وهي بتقرب، قلبها بيدق بسرعة)
👩🏻⚕️ سارة (بصدمة ودهشة):
"مش معقول... أخويا؟! عصام؟!"
(عصام يلف ليها، مستغرب تمامًا، بيقرب منها وهو مش فاهم)
👨⚕️ عصام:
"حضرتك بخير؟ محتاجة دكتور؟"
نادين تدخل بسرعة تحاول تسيطر على الموقف
👩⚕️ نادين:
"أكيد الصدمة مأثرة على الدكتورة سارة... تعالي معايا يا سارة، نرتاح شوية"
👩🏻⚕️ سارة (بصوت عالي، وهي تمسك وش عصام):
"مش ممكن... مش معقول... أخويا لسه عايش؟! إنت موت من ١٥ سنة في انفجار عربية! إزاي؟!"
(عصام يبعد بإيده، ووشه يبان عليه الارتباك والوجع)
👨⚕️ عصام (بتنهيدة):
"أنا... أنا فعلاً عملت حادثة من سنين... صحيت بعدها ومافتكرتش أي حاجة عن حياتي... نادين لقتني مصاب وقدرت تنقذني... وساعدتني أبدأ من جديد... بس أنا مش فاكر أنا كنت مين..."
(سارة تنهار، تحط إيدها على وشها وتعيط من الصدمة، بصوت مختنق):
👩🏻⚕️ سارة:
"يعني أخويا كان عايش وأنا ماكنتش أعرف؟! سنين وأنا بدعيلك... بالرحمة وبابا موجوعة ..."
👩⚕️ نادين (بحنان):
"تعالي معايا جوه يا سارة، نهدى ونتكلم... وفي حاجة لازم تشوفيها"
👩🏻⚕️ سارة:
"بس البنت اللي أنقذتني؟! حصلها إيه؟!"
👩⚕️ نادين (بابتسامة فيها دموع):
"اسمها زهرة... زهرة اللي أنقذتك يا سارة..."
(سارة قاعدة على الكنبة في مكتب نادين، متوترة، عيونها شايلة دموع كتير، إيديها في حضنها، بتحاول تستوعب اللي حصل... نادين واقفة قصادها، ماسكة مج بميّة، وبتناولها)
👩⚕️ نادين:
"اشربي بس الأول يا سارة... أنا عارفة إن اليوم كان صعب، بس لازم تعرفي كل حاجة بهدوء"
👩🏻⚕️ سارة (بصوت مهزوز):
"إنتي قولتيلي إن جوزك اسمه عصام... مش كده؟"
👩⚕️ نادين (بتتنهد):
"أيوه... عصام... قابلته من ١٤ سنة تقريبًا، وقتها كان في حادثة كبيرة، إصابة في الدماغ... فقد الذاكرة، مكنش فاكر أي حاجة عن حياته اللي قبل الحادثة..."
👩🏻⚕️ سارة (وشها بيشد، بتقوم من مكانها):
"وانتي... وانتي ما حاولتيش تعرفي أهله؟ تسألي هو كان مين؟"
👩⚕️ نادين:
"حاولت كتير، بس الحادثة كانت في منطقة نائية، ومفيش أي أوراق تثبت هويته... حبيته وهو فقدان الذاكرة فضلت سنين نسأل وبعت كده سافرت بيه ل لبنان وبعد كده جيت هنا وهو لما أقطع الامل قالي انا اعتبرك كل حاجه ليا ... واتجوزته... وساعدته يبدأ حياة جديدة"
(سارة دموعها بتنزل، بتقرب منها وبتبص في عينيها):
👩🏻⚕️ سارة:
"هو عنده علامة تحت دراعه الشمال... جرح كبير كان زمانه عمله وهو صغير... وكان بيحب يرسم، ويروح البحر... وكان دايمًا يقولي إن نفسيته بتروق وهو بيسمع صوت المية..."
(نادين بتتجمد مكانها، وعنيها توسعت):
👩⚕️ نادين (بصوت خافت):
"آه... آه... فعلاً عنده الجرح ده... ولسه بيرسم... حتى مكتبه كله اسكتشات"
(سارة دموعها تغلبها، بتقعد تاني وهي بتبكي)
👩🏻⚕️ سارة:
"يبقى هو... هو أخويا... عصام... اللي افتكرته مات من ١٥ سنة... كنت بدعيله كل يوم... وقلبي عمره ما صدق إنه مات"
(نادين تقرب منها، تحط إيدها على كتفها بحنان، وعيونها باينه فيها صدمة وفرحة مع حزن):
👩⚕️ نادين:
"هو فعلاً مالوش أي ذكرى من الماضي... بس ممكن نفتّحله باب للحقيقة... ونجمعكم تاني"
👩🏻⚕️ سارة:
"أنا مش مصدقة... كنت بشتاقله وأنا حتى مش عارفة إن كان لسه عايش... دلوقتي لقيته... وفي نفس اللحظة دي بنت غريبة أنقذت حياتي..."
(نادين بتاخد نفس طويل):
"البنت الغريبة دي مش غريبة... دي بقت جزء من حياتنا... زهرة أنقذت روحك، ويمكن ربنا بعتك هنا عشان ترجعي روح أخوكي" واحتمال فى حد عارف ان عصام كان أخوكى وإلا حصل بفعل فاعل عشان متعرفيش إنه أخوكى
يدخل عصام ويسمع كلامهم يقعد على الكرسي، ملامحه شاردة، تطلع سارة صورة ل عصام
صورة قديمة
👨⚕️ عصام (بيرفع عينه، صوته فيه ارتباك وفضول):
"حضرتك... سارة؟"
👩🏻⚕️ سارة (بحزن ودموع):
"مش حضرتك... أنا أختك يا عصام... سارة... اختك اللي اتقطعت من الدنيا من يوم الحادثة دي..."
(عصام بيبص لها بذهول، دموعه بتلمع، بيقوم يقف قدامها، بس متردد):
👨⚕️ عصام:
"بس... أنا مش فاكر أي حاجة... ولا حتى عن نفسي..."
👩🏻⚕️ سارة:
"أنا هفكرك... هحكيلك كل حاجة... اسمعني بس"
(بيقعدوا على الكنبة... سارة بتبدأ تحكي، بإحساس):
👩🏻⚕️ سارة:
"إنت كنت متجوز سعاد، كانت بنت بسيطة بتحبك من قلبها، وخلفت منك بنت ... زينة... لكن للأسف دخلت حياتك واحدة خبيثة، اسمها نادية لم اتسجنت فى أوربا ... غرّتك، وقربتلك... كانت بتكره سعاد، وبتغير منها معرفتكش إنك عندك بنت لكن إنت لم رجعت ل مصر عرفت إن نادية السبب وعرفت انها السبب في موت سعاد وعرفت إنك عندك بنت ..."
(عصام بيشد بإيده على ركبه، ملامحه بدأت تتغير كأنه عقله بيحاول يتذكر):
👨⚕️ عصام:
"نادية... الاسم ده بيرن في ودني..."
👩🏻⚕️ سارة (تكمل وهي بتحبس دموعها):
"، وهي اللي دبرت الحادثة اللي قالوا فيها إنك مت وقبلها كرهتك فيا عشان انا حبيت كنان واتجوزته اصاله لبنانى ومش عارفه عملت إيه غسلت دماغك إنت وبابا وكرهتكم فيا ... وفضلنا سنين بعيد عنكم لكن قبل ما تموت انت زرتنى وقولت لي سامحنى وطلبت منى اودكم وبعد كده عرفت بخبر موتك قلبى اتقطع نصدق إنك راح، وكنت كل يوم بدعيلك، وقلبي بيقولي إنك عايش"
(عصام بيقوم يمشي خطوتين، عينه على الأرض، صوته واطي):
👨⚕️ عصام:
"يعني... عندي بنت ؟ وبقالهم سنين من غيري؟"
👩🏻⚕️ سارة (بتقرب منه):
"عندك بنت تأنى اسمها ياسمين ده بنت نادية وقصتها مش فاهمها آوى لكن بابا هو إلا يعرف هو وعاصي ...
(عصام قاعد على الكرسي، ملامحه شاردة، ماسك صورة قديمة جابتها له نادين من شنطة سارة، فيها سارة وهو صغيرين... الباب بيخبط بخفة، وتدخل سارة بخطوات مترددة)
👨⚕️ عصام (بيرفع عينه، صوته فيه ارتباك وفضول):
"حضرتك... سارة؟"
👩🏻⚕️ سارة (بحزن ودموع):
"مش حضرتك... أنا أختك يا عصام... سارة... اختك اللي اتقطعت من الدنيا من يوم الحادثة دي..."
زهرة العاصي الكاتبة صفاء حسنى
(عصام بيبص لها بذهول، دموعه بتلمع، بيقوم يقف قدامها، بس متردد):
👨⚕️ عصام:
"بس... أنا مش فاكر أي حاجة... ولا حتى عن نفسي..."
👩🏻⚕️ سارة:
"أنا هفكرك... هحكيلك كل حاجة... اسمعني بس"
(بيقعدوا على الكنبة... سارة بتبدأ تحكي، بإحساس):
👩🏻⚕️ سارة:
"إنت كنت متجوز سعاد، كانت بنت بسيطة بتحبك من قلبها، وخلفت منك بنتين... رنا وزينة... لكن للأسف دخلت حياتك واحدة خبيثة، اسمها نادية... غرّتك، وقربتلك... كانت بتكره سعاد، وبتغير منها..."
(عصام بيشد بإيده على ركبه، ملامحه بدأت تتغير كأنه عقله بيحاول يتذكر):
👨⚕️ عصام:
"نادية... الاسم ده بيرن في ودني..."
👩🏻⚕️ سارة (تكمل وهي بتحبس دموعها):
"نادية دي لعبت عليك، وبعدت بينك وبين مراتك وبناتك، وهي اللي دبرت الحادثة اللي قالوا فيها إنك مت... وفضلنا سنين نصدق إنك راح، وكنت كل يوم بدعيلك، وقلبي بيقولي إنك عايش"
(عصام بيقوم يمشي خطوتين، عينه على الأرض، صوته واطي):
👨⚕️ عصام:
"يعني... عندي بنتين؟ وبقالهم سنين من غيري؟"
(عصام بيسكت شوية، وبعدين يقول بصوت مكسور):
👨⚕️ عصام:
"كل ده ضاع مني... سنين من عمري، من حب ولادي... وكنت بعيد عنهم... وناس كانت بتلعب بيا وأنا مش داري..."
👩🏻⚕️ سارة (بتحضنه):
"بس لسه في وقت... ربنا رجعك... علشان تعوضهم... ترجع أبوهم... وتاخد حقك وحقهم"
(عصام بيبكي لأول مرة من سنين، وبيقول):
👨⚕️ عصام:
"أنا لازم أشوفهم... لازم أقابل بناتي... لازم أضمهم لحضني"
زهرة العاصي الكاتبة صفاء حسنى
(زينة قاعدة على الكرسي الخشب وسط الجنينة، فستانها بسيط، شعرها ملموم، بس عينيها فيها زعل... بتبص على الباب كأنها مستنية حد... وفجأة يدخل عاصي، لابس كاجوال بس شكله متوتر)
👩🏻 زينة (بصوت هادي لكن فيه عتاب):
"إنت جيت؟"
👨🏻🦱 عاصي (بياخد نفس عميق):
"كان لازم أجي، حتى لو متأخر..."
👩🏻 زينة (وقفت، بصوتها المكسور):
"طب ليه مجيتش بدري؟ ليه مكنتش معايا وقت ما كل الناس كانت حواليا؟ يوم زي ده... كنت محتاجاك جنبي"
(عاصي يقرب منها، ملامحه حزينة، صوته فيه تأنيب):
👨🏻🦱 عاصي:
"أنا آسف... كنت بحاول أكلم ماما... من وقت طويل وهي سايبة بيروت، وسفرت فجأة... ولما كلمتها أخيرًا، قالتلي إنها رايحة مستشفى في تركيا تساعد صديقتها الدكتورة نادين، لكن وهي هناك حصلت حاجة... حاجة خلت قلبي يقع"
👩🏻 زينة (بقلق):
"خير؟ حصل لها إيه؟"
عاصي مش عارف لسه هتصل بيها
قاعدين الدكتورة نادين وعصام وسارة، بيتكلموا سوا. فجأة، رن تليفون المستشفى، وردت الدكتورة نادين على المكالمة. اتغيرت ملامحها للقلق والاهتمام.
وقبل ما يرد، بيرن موبايله... عاصي يبص عليه، يرد بسرعة):
📞
👨🏻🦱 عاصي:
"ماما؟ طمنيني، إنتي بخير؟"
👩🏻🦱 سارة (بصوت مرهق لكنه مطمئن):
"أنا بخير يا عاصي... الحمد لله...
"مفيش... كنت هقع في كابل كهربا جنب البسين، والبنت أنقذتنى اتصابت بصعقة كهربا ونقلوها للمستشفى..."
(عاصي انفزع ):
:
"يا نهار أبيض... مين البنت دي؟"
ردت سارة فى حاجه تأنى يا أبنى
. عصام... أخويا... خالك طلع عايشة أبو زينة... كان عايش وافتكرنا إنه مات من 15 سنة... وطلع فقد الذاكرة وكان شريك نادين في المستشفى... بس دلوقتي عرفنا الحقيقة ..."
عاصي اتصدم، وبدأ يحلل الموقف بسرعة. فكر إن الناس اللي كانوا بيحاولوا يسيطروا على كل حاجة كانوا عارفين إن خاله عايش، وكانوا بيحاولوا يتخلصوا منه.
قاطعت نادين كلامهم وقالت: "لازم نروح المستشفى دلوقتي، فيه حالة طارئة محتاجة وجودنا". قاموا كلهم بسرعة، واستعدوا يروحوا المستشفى.
(
(عاصي قاعد على الكرسي من الصدمة، وزينة لسه مش فاهمة وبتقرب):
👩🏻 زينة:
"في إيه؟ مين اللي كان بيتكلم؟"
(عاصي رفع عينه ليها، ووشه مشوش لكن فيه لمعة فهم):
👨🏻🦱 عاصي (بصوت مبحوح):
"كان اتصال من ماما... و... زينة فى خبر أنا مش عارف استوعبه ... أبوكي عايش"
(زينة سابت نفسها تقع على الكرسي، عنيها تدمع):
👩🏻 زينة (بهمس):
"بابا ؟... عايش؟!"
(يسود الصمت لحظات... غير لمعة الدموع في عينيهم، ودقات قلبهم اللي بتعلي في اللحظة)
(عاصي مد إيده، مسك إيدها):
👨🏻🦱 عاصي:
"القدر دايمًا بيرجع اللي ضاع... حتى لو بعد سنين"
[: وصلت الدكتورة سارة ونادين إلى المستشفى، وذهبتا إلى غرفة زهرة.
قابلهم الطبيب
الدكتور : "اتعرضتي لصاعقة كهربائية، بس الحمدلله الصاعقة مكنش قوية أوي، وربنا ستر. كان في لحظة قلبك وقف، بس قدر الله وما شاء فعل".
الدكتورة سارة بدموع : "
انقذتنى أنا مش عارفه لو كنت اتعرضت أنا للصاعق الكهرباء كان إيه إلا حصلي
شرح الدكتور
لما الإنسان يتعرض لصاعقة كهربائية، بيحصل تدمير للأنسجة والخلايا. الصاعقة بتسبب حروق داخلية وخارجية، وبتأثر على القلب والجهاز العصبي. لو الصاعقة قوية، ممكن تسبب توقف القلب أو تنفس غير منتظم. بس في حالت زهرة ، الحمدلله، الصاعقة مكنتش قوية أوي، واتقدمنا الإسعافات اللازمة بسرعة".
قابلتهم الممرضة (بابتسامة تخفي القلق): ـ "
انا الا اتصلت بيكم الحمد لله، زهرة صحت."
نادين (مبتهجة لكن بتعب): ـ "إيه؟! الحمد لله، يعني هي بخير؟"
سارة (بتنفس عميق): ـ "يلا بينا، لازم نتأكد."
تدخل الدكتورة سارة ونادين بسرعة، بينما الممرضة تفتح الباب لهم. زهرة مستلقية على السرير، مغمضة العينين ولكن تنبض بصوت خافت. سارة تقترب منها بهدوء، وتلمس يدها برفق.
سارة (بهمسات): ـ إنتي بخير يا بنتى ؟"
🧕🏻زهرة (بصوت ضعيف لكن واضح): ـ "آه... أنا بخير ."
نادين (بتنهد): ـ "حاسه بيها طمنيني عليكي ؟"
🧕🏻زهرة (بصوت خافت، مبتسمة): ـ "أحسن... الحمد لله... بس... كنت خايفة... كنت حاسة إني ممكن أروح."
سارة (بتفكير): ـ "الحمد لله، ليه رميت نفسك في الخطر... الصاعق الكهربائي كان ممكن يكون أقوى من كده... لقدر الله، كان قلبك ممكن يقف."
نادين (مبتهجة مع دمعة في عيونها): ـ "إحنا محظوظين، الحمد لله على كل شيء."
🧕🏻زهرة (بتبتسم بصعوبة): ـ "أنتوا... انتوا جايتوا علشان تتابعوني؟"
سارة (بنظرة مليئة بالحنان): ـ "آنتى أنقذتني روحى وعشان كدة هنكون معاك. وإنتي دلوقتي في أيد أمينة."
نادين (بحزم): ـ "إحنا هنطمن عليك ونشوف حالتك عن كثب. مش هنسيبك لحد ما تتعافي."
🧕🏻زهرة (بتأمل في وجوههم بتعب، ثم تتنهد): ـ "
متشكرنيش اللي على الا حصل ده... كله بيبقى حكمة من ربك .. ورغم كل حاجة... أنا عاوزة أكون بخير وارجع عند جدى
"
نادين (برفق): ـ "كلنا بنمر بمراحل صعبة في الحياة، لكن زي ما شفتي النهاردة، ربنا موجود، وكلنا هنا علشانك."
سارة (بتطمئنها): ـ "إحنا هنا علشان نساعدك، ونمشي معاك في كل خطوة وانا اتابع معاكى كل الجلسات الباقي نامى وارتاحي ."
🧕🏻زهرة تغلق عينيها وتستسلم للنوم مع شعور بالراحة، وتعرف أن هناك من يهتم بها.
مكتب ضيق، مكتوب عليه "مكتب التحقيقات"). بيقعد المحقق على مكتبه، بيشرب قهوة، بيرن جرس التليفون. بيرد المحقق)
ألو... أيوة يا أفندم... إيه الحكاية دي؟..
المتصل
متقدم . شكوى ضد مستشفى نفسي؟...
رد المحقق
طب استنى أكتب البيانات... تمام... هروح هناك حالا... مع السلامة.
(بيقوم المحقق من على مكتبه، بيلبس جاكيته، بيخرج من المكتب. بيوصل المستشفى، . بيشوف ناس كتير واقفة برة، بتتكلم بصوت عالي. بيقرب منهم المحقق)
المحقق: (بصوت هادي) صباح الخير، في إيه كل ده؟
مريض 1: (بصوت مبحوح) يا باشا، اللي بيحصل هنا مفيش كلام عليه! إهمال، قلة اهتمام، مبياكلوكيش كويس، مبيدوكيش علاجك، بيسيبوكي تتعذب!
مريض 2: أيوة يا باشا، حنا بنموت هنا بالبطيء! مفيش رعاية صحية، مفيش دكاترة كويسين، كلها كلام!
مريض 3: يا باشا، أنا شوفت بأم عيني واحد منهم بيضرب مريض تاني! والله العظيم!
(بيقرب المحقق أكتر، بيسمع كلام المرضى، بيلاحظ علامات الإهمال على المكان. بيشوف واحد من الممرضين بيجري بعيد)
المحقق: (بصوت حازم) اهدوا كلكم، أنا هأخد بياناتكم كلها، وهشوف بنفسي اللي بيحصل هنا. محدش هيقدر يهرب من العقاب. دلوقتي، عايز كل واحد فيكم يجي يكتب اسمه ورقم تلفونه ويشرح شكواه بالتفصيل. مفهوم؟
(بيبدأ المرضى يكتبوا بياناتهم، المحقق بيبص حواليه، بيلاحظ الوضع الكارثي للمستشفى، بيقرر التحقيق بشكل أعمق)
يوصل الخبر عند عصام والدكتورة نادين
تتبع
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية زهرة العاصي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم صفاء حسني
عصام واقف قدام الشباك، ماسك فنجان قهوة بإيده، ووشه فيه قلق واضح.
نادين قاعدة على المكتب، بتراجع ملفات، لكن عينيها بتروح وتيجي ناحية عصام.
يدخل أحد الموظفين بسرعة، صوته متوتر:
الموظف: دكتور عصام! دكتورة نادين! لازم تعرفوا... المحقق وصل وبيحقق في شكاوى المرضى!
(نظرة صدمة بتظهر على وش نادين، عصام بيبص له بتركيز)
نادين (بحدة): شكاوى إيه؟! وإزاي توصل لمحضر تحقيق من غير ما نعرف؟
الموظف (بتوتر): المرضى اشتكوا رسمي، في ضرب وإهمال وعدم صرف علاج! والموضوع كبر جدًا، والظابط نازل بنفسه يحقق بنفسه!
(عصام بيحط الفنجان على الترابيزة، وبيتحرك بسرعة)
عصام: لازم نتصرف حالًا... نروح نشوف بنفسنا. إحنا لسه مستلمين الإدارة من كام شهر، واللي بيحصل ده ممكن يهدّ كل حاجة!
نادين: وخصوصًا إن زهرة لسه خارجة من حادث صعق كهربائي جوه المستشفى... لو ربطوا ده بالإهمال، الموضوع هيبقى كرسة.
(بيتبادلوا نظرات قلقة، بياخدوا نفس عميق ويتحركوا بسرعة ناحية ساحة المستشفى)
---
في ساحة المستشفى، تجمع المرضى والمحقق واقف ومعاه أوراق، بيقابل عصام ونادين.
المحقق (بحزم): حضرتك الدكتور عصام؟ والدكتورة نادين؟
عصام: أيوه يا فندم، أنا المسؤول الإداري، ودي دكتورة نادين المديرة الطبية.
المحقق (بياخدهم على جنب): جايلي بلاغات رسمية من أكتر من مريض عن إهمال جسيم، وضرب، وعدم صرف علاج، وحادثة صعق كهربائي حصلت من كام ساعة!
نادين (بتحاول تهدي): يا فندم إحنا بنراجع كل الإجراءات، وفي تحقيق داخلي شغال، وحادثة الكهرباء كنا لسه في طريقنا نبلغ عنها رسميًا...
المحقق (بحدة): مفيش حاجة اسمها لسه... ده مستشفى للطبي النفسي يعني الراحة والاسترخاء لازم يبقى أمان قبل أي علاج...
واللي حصل ده ممكن يدخل ناس السجن.
(عصام بيشد نفسه، بيركز بعينيه)
عصام (بهدوء حذر): أنا مش هقول غير كلمة واحدة يا فندم... لو في حد جوه بيشتغل ضدنا أو ليه يد في اللي حصل، إحنا أول ناس هنسلمه بإيدينا.
(المحقق بيبص له بتركيز، ويبدأ يدون ملاحظات)
المحقق: لو كنتوا فعلاً مش طرف في الإهمال... لازم تساعدوني نكشف الطرف الحقيقي.
واللعبة... لسه ما خلصتش.
عصام هز رأسه.
عصام: مش فاهم تقصد إيه حضرتك.
المحقق ابتسم بخبث.
المحقق: اصلك مصري... والمصريين يعرف عنهم الإهمال.
ابتسمت نادين وبكل ثقة باللهجة التركية تحدثت.
نادين: لكن أنا أصلي تركي وصاحبة المستشفى، وكل العاملين في المستشفى من تركيا، ودول أخرى مثل لبناني وسوري، وايضا المرضي مصري وعراقي وسوري ولبناني كل بلد تاتى هنا للاستشفاء والاسترخاء والبحث عن الهدوء وزيارة اسطنبول واذا بحثت في سجلت كل مكان في تركيا هتلاقي عدد زائرين تركي عراب اكثر من أوربا والدراما التركي أكثر امكان نجحت فيها الدول العربية، تحددين مصر، وكانت مصدر للسياحة هنا ومن يدبلج اعملنا هما العربي ف برجاء شوف عملك واسأل كل من موجود.
اتجهوا الي ساحة المستشفى.
المحقق واقف قدام طاولة، حوالين منه طاقم المستشفى، الدكتور عصام، والدكتورة نادين، وبعض المرضى الحقيقيين. الأوراق متفرّدة قدامه، ونظراته بتتحول من التوتر للدهشة.
المحقق (بتساؤل): طيب خلونا نراجع تاني...
كل الأسماء اللي قدمت الشكاوى مكتوبة هنا، لكن في حاجة غريبة...
مريض 1 (بهدوء): يا باشا، إحنا فعلاً اشتكينا زمان، لكن بعد الدكتور عصام والدكتورة نادين مسكوا الإدارة، كل حاجة اتغيرت.
مريضة 2: أيوه، بقينا بناخد علاجنا في مواعيده، والأكل اتحسّن، وفي جلسات نفسية كويسة.
مريض 3 (بيقولها بثقة): واللي حصل لزهرة حادث... ومش أول ولا آخر حادث يحصل في أي مستشفى... بس مفيش إهمال متعمد يا باشا.
المحقق (بيرفع عينه ببطء من الورق): استنوا... الأسماء اللي قدمت البلاغات مش موجودة في ملفات المرضى أصلًا!
نادين (بصوت هادي): إحنا اتأكدنا إن ماحدش بالمواصفات دي مقيد في ملفاتنا... ولا عمره اتعالج هنا!
عصام (بتفكير): ده معناه إن في حد بيحاول يوقع المستشفى ويشوّه سمعته... ودي مش أول مرة نحس إن في طرف تالت بيتدخل.
(المحقق يهز رأسه ببطء)
المحقق (بحسم): هفتح تحقيق جنائي موسّع في البلاغات الكيدية... واللي ورا البلاغات دي لازم يتكشف.
بعد الانتهاء قعدة هادية في مكتب صغير داخل المستشفى، سارة قاعدة جنب نادين، وعصام قدامهم، والجو فيه خليط من الدهشة والحنين.
سارة (بتبص في عيونهم وهي مترددة): بس سؤال مهم... إنتو متأكدين إن محدش ممكن يربط بين عصام اللي واقف قدامي... وأخويا منصور؟
يعني، لو في حد بيتابع، أو بيحاول يلزقلكم أي تهمة من اللي حصلت في المستشفى أو قبليها، مش ممكن يعرف الحقيقة؟
نادين (بتغمض عينيها بتنهيدة): إحنا عمرنا ما أخفينا حاجة، بس ما كناش عارفين الاسم الحقيقي... لما لقيناه، كان عنده وشم صغير في إيده، مكتوب عليه ‘عصام’ أو رسمة شكلها كده...
سارة (بتضحك بمرارة وبتقاطعها): آه... الرسمة دي أنا اللي رسمتها! كان عنده حوالي خمس سنين... وقتها أمي أصرت تسميه 'منصور' عشان اسم جدي، بس أنا... أنا كنت متعلقة بصاحب ليا في المدرسة، اسمه عصام، كان شاطر وأنيق، ومن وقتها فضلت أنادي أخويا بـ‘عصام’، ولما خفت أنسى اسمه وسط كل اللي حصل، رسمت اسمه بإيدي على جلده... بألوان حبر صعب تروح، وكل شوية أرجع ألوّن عليه من تاني.
نادين (بتبص لسارة بدهشة): يعني ده مش وشم تاتو حقيقي؟!
سارة (بضحكة خفيفة وسط دموع الذكريات): لا... ده كان وعد مني لنفسي، إن حتى لو الدنيا كلها نسيته... أنا هفضل شايلة اسمه على جلده.
عصام (بصوت فيه حنان): وحققتي حلمك، لما عملولي بطاقة الهوية... خلوها باسم 'عصام' فعلاً، وأنا حبيته... الاسم ده بقيت حاسس إنه ليّا بجد.
سارة (بابتسامة حزينة): عصام اللي أنا اخترته... بقى هو اللي رجع لي أخويا، منصور عاش في الورق... بس عصام هو اللي كبر في قلبي.
يسود الصمت للحظة، الكل متأثر، والذكريات بتملى الجو دفء وحزن جميل.
زهرة بتخرج من الباب الرئيسي ببطء، ملامحها فيها ضعف لكن وراها قوة... نادين وسارة معها دعم بابتسامة، وفى الخلف الدكتور عصام واقف بيطمن عليها.
نادين: مشوارك لسه طويل يا زهرة، بس بداية جديدة مستنياكي... وإحنا هنفضل دايمًا سند ليكي.
(زهرة تبتسم وتدمع عيونها، وتهز راسها بامتنان)
---
المشهد التالي – صالة الجلسات الجماعية
الكراسي مترتبة بشكل منتظم، المرضى قاعدين في هدوء، الدكتور عصام بيبدأ الجلسة، والدكتورة نادين جنبه، وسارة بتسجل الملاحظات.
عصام (بنبرة هادية وحازمة): النهاردة أول يوم في مرحلة جديدة... إحنا مش بس بنعالج، إحنا بنبني أمل من جديد...
أنا عايز أشكر كل مريض فضل معانا، وشارك وساعدنا نعدي المحنة.
نادين: الجلسة دي عشان نسمعكم، كل صوت مهم، وكل تجربة ليها قيمة.
(الكاميرا تتنقل بين الوجوه – فيهم خوف، وأمل، واستعداد للكلام)
الدكتور عصام (بصوت هادي ومليان احتواء): "النهاردة أول جلسة بعد التغيير الكبير اللي حصل... ووجودنا هنا مش صدفة... كل واحد فيكم ليه قصة، ليه وجع، لكن كمان ليه أمل. وده اللى جينا نحييه جوا كل حد هنا."
الدكتورة نادين (بابتسامة دافية): "هنبدأ النهاردة نسمع بعض، بدون أحكام... كل واحد يقدر يتكلم أو حتى يسكت لو مش مستعد."
المريض الأول – “ليلى” من المغرب
(بصوت هادي، لكن عيونها بتلمع دموع): "أنا كنت فاكرة إن اللى حصل في بيتنا ملوش علاج... أبويا كان بيقول إن الاكتئاب للضعاف... وأنا كنت بموت بالبطيء... جالي هنا حزن كبير، لكن كمان راحة... عرفت إن ربنا مش بيكرهني... أنا بس كنت محتاجة حد يسمعني."
المريض الثاني – “عدنان” من سوريا
(نبرة صوته فيها تعب سنين): "أنا شوفت الموت بعيوني... حرب... تهجير... فقد... بس لما وصلت هنا، وسمعت قصص الناس، حسّيت إني مش لحالي."
المريض الثالث – “سلمى” من العراق
"أنا جيت هنا بعد محاولتي التانية للانتحار... كنت فاكرة إني فاشلة... لحد ما الدكتورة نادين قالتلي: يمكن الفشل الحقيقي إنك ما تحاوليش تعيش تاني."
المريض الرابع – “آدم” من لبنان
(شعره طويل، وبيمسك البيانو على رجله): "أنا كنت بعزف لكل الناس... بس نسيت أعزف لنفسي. حبيبتي ماتت... وأنا اعتبرت الموسيقى هي القاتل. لكن لما سمعت زهرة بتتكلم عن الغفران، قررت أغني ليها... مش ضدها."
آدم (نبرته هادية لكن كل كلمة فيها وجع): "أنا اسمي آدم... كنت بعزف بيانو، والمزيكا كانت كل حياتي... حبيتها زي ما حبيتها هي..."
زهرة (بصوت واطي لكنها حادة): "وهي حبتك... لكن المجتمع ما حبّهاش."
آدم (يكمل): "كنا بنروح الأوبرا سوا، نغني ونحلم نعمل أوركسترا صغيرة... سوا..."
زهرة (بنبرة فيها مرارة): "بس الحلم مش ليه مكان وسط ناس بتحاكم البنت عشان بتحب... وتدفنها وهى عايشة."
آدم (ينزل عينيه شوية): "في يوم كانت راجعة لوحدها... شباب هجموا عليها... خدوا منها كل حاجة..."
زهرة (بصوت عالي فجأة، تنفجر): "وانت كنت فين؟ـ لما الدنيا خدت منها الأمان؟ـ لما الهمّة غرقت في عيونها؟ـ كنت هتعمل إيه لو حكتلك؟ـ كنت هتصدق؟ـ ولا كنت هتبص لها زي الباقي؟"
آدم (بصوت مهزوز): "هي مقدرتش تواجهنى ، ولا نفسها حتى... وانتحرت."
زهرة (عينيها بتلمع، صوتها بيكسر): "أنا مش بقول هي صح إنها انتحرت...ـ بس هي اتقتلت قبل ما تموت...ـ الظلم اللي بتسكت عليه الناس... هو اللي قتلها."
سارة بتبص على زهرة، شايفة المواجهة الحقيقية بين القلب والوجع، وسايباها تطلع اللي جواها.
آدم (يحاول يدافع بهدوء): "أنا قعدت شهور شايف إن المزيكا هي السبب... سبت البيانو، وكرهت كل صوت..."
زهرة (بضحكة مرة): "وأنا كرهت وشي،ـ كرهت اسمي،ـ كرهت نَفَسي،ـ عشان قالولي: إنتي السبب.ـ عشان خفت أقول... فاتحاسب."
آدم (بنبرة مكسورة): "بس جيت هنا... وفهمت إن الناس... هما السبب."
زهرة (بهمس شديد، بس بيخبط فـ قلب سارة): "الناس؟ـ ولا اللي سكتوا؟ـ ولا اللي هربوا؟ـ ولا اللي حبّوا وسابوا؟ـ ولا اللي صدّقوا الكذبة؟"
آدم يسكت، مش قادر يرد، وزهرة تنزل راسها للحظة.
سارة (بصوت واطي، لكن فيه رهبة): "اللي حصل هنا... مش اعتراف، دي كانت صرخة...ـ وصرخة زي دي... بتغير مصير كامل."
الكل ساكت. وسارة تبص في عيون زهرة.
مريض تركي – “أمير”
(يتكلم بتركي وعصام يترجم): "أنا كنت عايش في خوف... بس لما شفت زهرة وهي بتخاطر بحياتها عشان تنقذ غيرها، فهمت إن الشجاعة مش إنك متخافش... لكن إنك تتحرك رغم خوفك."
أنا اسمي يارا تركيا: "كنت شايلة مسؤولية إخواتي من وأنا عندي ١٣ سنة... ماما ماتت وبابا كان دايمًا غايب. كبرت بدري، نسيت إني بنت، نسيت أعيش، نسيت أحب. لما قررت أحب، الشخص الوحيد اللي وثقت فيه، سرقني... مش فلوس... سرق الثقة اللي بنيتها بشق الأنفس."
نادين: "إيه أكتر حاجة وجعتك؟"
يارا (بابتسامة حزينة): "إني لما حكيت... محدش صدقني. قالولي: إنتي طول عمرك قوية... إزاي يحصل فيكي كده؟"
زهرة تنظر ليها. عينيهم يتقابلوا للحظة، وكل واحدة فيهم شايفة جزء من نفسها في التانية.
---
أسمى آسر (شاب صوته مكسور من لبنان): "أنا اتربيت على إني لازم أبقى راجل... يعني ما عيّطش، ما أضعفش، ما اشتكيش. بس وأنا عندي ١٦ سنة، واحد من قرايبي اتحرش بيا... فضلت ساكت سنين. لما اتكلمت، اتقال عني شاذ... اتقال إني بدوّر على شُهرة!"
عصام: "وإنت ساكت، كنت بتقول إيه لنفسك؟"
آسر (بهمس): "كنت بقول... يمكن أنا السبب. بس الحقيقة؟ إني ماكنتش السبب... بس كنت الضحية اللى ساكتة."
زهرة تحس بإيدها بتترج من الوجع اللي بتشاركها فيه من غير ما تنطق.
---
سلمى (بهدوء): "أنا من مصر اتحرش بيا خالِي... وماما كانت عارفة... وقالتلي: ما تفضحيش البيت. فضلت ساكتة... وبتكسر كل يوم. وأكتر يوم كرهت فيه نفسي، يوم لبست فستان فرحي... مقدرتش اغمى عليا ودخلت فى أزمة نفسي وجوزى سأل عن احسن مكان للعلاج ووصل لهنا هو مستنى أكون كويسة واخرج ليه لكن لحد دلوقتي... مش عارفة أصدق إن في راجل ممكن يحبني بجد."
زهرة تسمع الكلام، وتحس قلبها بينهار جواها. بس بيقوى من برة، بتحط إيدها على ركبتها كأنها بتحضن نفسها.
---
تامر (بصوت هادي): "أنا أسمى تامر من الاردن مش هتكلم كضحية... أنا هتكلم كغلطت... كنت بخون، بكدب، بلعب بمشاعر بنات كتير. ولما واحدة واجهتني... كسرتها بكلامي... بعدها سمعت إنها حاولت تنتحر."
نادين: "وجيت هنا ليه؟"
تامر: "عشان كل ليلة بشوف وشها في منامي... وعايز يوم ربنا يرحمني... يمكن أسامح نفسي لو قدرت."
"أنا اسمي جميلة... جاية من البلد إن محدش يقدر يجيب إسمها فى أي مكان ل يتحظر أو صفحته تتقفل لكن كل الناس عارفة انا من فين أنا مش بعيط عشان ضاعت طفولتي، أنا بعيط عشان خايفة أنسى طعمها..."
العيون كلها تتجه لها، زهرة تمسك طرف الجاكيت من التوتر.
جميلة (تتنفس بصعوبة): "أنا عرفت أخرج... بس أهلي... أطفال كتير ، بنات بلدي، إخواتي... كل يوم بيموتوا. كل يوم جنازة. ومفيش حد بيحميهم. في وقت... صدقت إنهم أقوى من كل شيء... حتى الموت."
سكتت. والدموع بدأت تنزل على خدها، صوتها يرتعش وهي بتكمل: "لكن أنا مش قوية... أنا بتهز كل ليلة... عشان خايفة ييجي يوم، أنسى وجوههم."
زهرة تقوم من مكانها فجأة، عينيها بتلمع بدموع غيظ، لكن في جواها نور مختلف.
زهرة (بحدة وإيمان): "استغفري ربنا قبل ما تنطقي الكلمة دي! مش معنى إن ربنا سايبهم يتجبروا... يبقوا هما صح! ولا إنكموا غلط!"
القاعة تسكت، وعيون سارة بتراقب زهرة وهي بتقف كأنها منارة وسط الظلام.
زهرة (بصوت عالي مهزوز، لكنها قوية): "ربنا سايبهم... يحفروا جُحرهم بإيديهم. وكل اللي ماتوا... مكانهم في جنة الخلد. من غير حساب، من غير سؤال، من غير خوف."
تلتفت لجميلة، بخفة دموعها وهي بتقول بهدوء: "عارفة مين لازم يخاف؟ إحنا... إحنا اللي لسه عايشين. إحنا اللي هنتحاسب على سكوتنا، على يأسنا، على استسلامنا."
الكل يسكت، ملامح الحضور بتتغيّر، كأنهم اتلسعوا من كلامها.
جميلة (بهمس): "فعلاً... إحنا نسيناهم، ووجعنا خدنا لنفسنا."
مريض آخر (من لبنان): "وإحنا وجعنا كأننا مركز العالم... بس في اللي فقدوا وطن."
سارة (بصوت دافي من مكانها): "النهارده، كلنا افتكرنا... و كل واحد فينا، هيتحاسب على اللي نسيه."
(زهرة قاعدة في الخلف، وعيونها مليانة دموع، لكن في نور طالع منها. سارة قاعدة جنبها، بتحط إيدها على كتفها.)
الدكتور عصام (بصوت مبحوح بالعاطفة): "أنتو مش مرضى... أنتو ناجين. وكل واحد هنا، مهما كانت بلده، أو لغته... هو شاهد على قوة الإنسان."
الدكتورة نادين (بهدوء): "الرحلة لسه طويلة، لكن الخطوة الأولى اتاخدت... وإحنا معاكم... لحد آخر الطريق."
---
في بيت الجد محمد - مساء هادي، صوت الأذان بعيد، والجد قاعد بيكلم زهرة فيديو.
لم تنتهِ زهرة من الجلسة، وردت عليه.
الجد محمد (بصوت هادي ومليان حنان بلهفة): "كل ده يا بنتي مش بتردي بالك اسبوع مش بتسالي قلبي كان موخوش عليك ... طمني قلبي عليكي، وإنتي هناك عامله إيه؟"
رواية زهرة العاصي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم صفاء حسني
الجد محمد: “كل ده يا بنتي مش بتردي؟ بقالك أسبوع مش بتسألي… قلبي كان موحوش عليك… طمني قلبي عليكي، وإنتي هناك عاملة إيه؟”
زهرة تبص في الأرض، عينيها بتلمع شوية دموع، لكن صوتها بييجي ثابت ومكتمَل بالحزن.
زهرة: “أنا كويسة يا جدو… والله كويسة… بس محتاجة وقت… أنا بحاول أضبط نفسي… أتعالج… أفهمني…”
الجد: “أنا فاهمك يا بنتي… بس اللي زيك مايتسابش لوحده… أنا وانتِ عارفين… إن في قلوب شايلالك حب كبير… وفي قلب… واحد لسه مستني تردي عليه…”
تسكت زهرة، تبلع ريقها، لكن مش قادرة ترد.
عاصي واقف في الصالة، باصص لتليفون جده، فيه برنامج التتبع شغال، والمكالمة شغالة، وكل كلمه زهرة بتقولها بتدخل قلبه زي السهام.
عاصي (بصوت داخلي): “أنا اللي سايبك لوحدك… وأنا اللي كنت لازم أسمعك قبل ما أصدقك…”
زهرة: “جدو… إنت عارف أنا ليه مش برجع… مش بخاف من حد… أنا بخاف أكون عبء… عليه… على أي حد يحبني… بخاف يكون وجودي يعوره…”
الجد محمد: “البعد هو اللي بيعور يا زهرة… والحب مش عبء… الحب ستر وونس… مش وجع… وأنتي يا بنتي… قلبك طيب أوي، يستاهل اللي يطبطب عليه مش يسيبه…”
عاصي يقفل الموبايل، عينه تدمع، ويمسك شنطته بسرعة.
عاصي: “اللي بيحب بيدور… وأنا مش هرجع غير وهي في حضني.”
زهرة: “لو بتحبني فعلاً… هتلاقيني.”
ويقرب عاصي من البلكونة عشان يرد علي كلام زهرة ويغنى بصوت عالي وهو بيعمل نفسه بيسقي الشجر:
“والله صعيب جرح الهوا
آه يا عيني على الهوا
والله صعيب جرح الهوا
عسنا في ليلة وإحنا في حضن الشوق حبايب
صحينا، نادينا، روحنا لقيتك عني غايب
عسنا في ليلة وإحنا في حضن الشوق حبايب
صحينا، نادينا، روحنا لقيتك عني غايب
سلمولي ع اللي غايب سلمولي
قد إيه أنا قلبي دايب سلمولي
(سلمولي ع اللي غايب سلمولي)
قد إيه أنا قلبي دايب سلمولي
ع اللي غايب سلمولي
آه يا عيني على الهوا
والله صعيب جرح الهوا
آه يا عيني على الهوا
والله صعيب جرح الهوا
حبيبي لسه اسمك ع الشجر مكتوب يا حبيبي، حبيبي
حبيبي لسه شايف في القمر صورتك يا حبيبي
هنت عليك ولا ناسيني، قوللي يا غايب عن عينيه
هنت عليك ولا ناسيني، قوللي يا غايب عن عينيه
عسنا في ليلة وإحنا في حضن الشوق حبايب
صحينا، نادينا، روحنا لقيتك عني غايب
سلمولي ع اللي غايب سلمولي
قد إيه أنا قلبي دايب سلمولي
(سلمولي ع اللي غايب سلمولي)
قد إيه أنا قلبي دايب سلمولي
ع اللي غايب سلمولي
آه يا عيني على الهوا
والله صعيب جرح الهوا
وآه يا عيني على الهوا
والله صعيب جرح الهوا
الليالي ليه نضيع حبنا ونضيع يا حبيبي ليالي
الليالي اللي باقية في عمرنا والعمر غالي
هنت عليك ولا ناسيني قوللي يا غايب عن عينيه
هنت عليك ولا ناسيني قوللي يا غايب عن عينيه
عسنا في ليلة وإحنا في حضن الشوق حبايب
صحينا، نادينا، روحنا لقيتك عني غايب
سلمولي ع اللي غايب سلمولي
قد إيه أنا قلبي دايب سلمولي
(سلمولي ع اللي غايب سلمولي)
قد إيه أنا قلبي دايب سلمولي
ع اللي غايب سلمولي”
كانت زهرة سمعى صوت عاصي وهو بيغني من بعيد. ملامحها ارتاحت، واترسمت على وشها ابتسامة خفيفة، وهي بتهمس:
زهرة: “لسه صوته زي ما هو… ريح قلبي من غير ما أشوفه.”
تلفت ناحيّة جدها اللي قاعد على الكنبة بيشرب شاي، وبيتكلم معه فيديو.
وسألته بخفة فيها لمعة شوق.
زهرة: “هو الدكتور عاصي… لسه موجود؟”
ضحك الجد محمد، وهزّ راسه وهو يقول بإعجاب:
الجد: “دكتور إيه بس يا بت… ده بقى مزارع قد الدنيا. بيلف في الغيط زي رجالة البلد، يزرع ويحصد ويحرث.”
شهقت زهرة بدهشة، وانفتح فيها باب السؤال:
زهرة: “مزارع! إزاي يعني يا جدو؟!”
ابتسم الجد وهو يحكي بنبرة حنين:
الجد: “لم رفضت أقولّه على مكانك، معرفش إزاي… بس لقيته بييجي كل يوم، يقعد معايا، ينزل مع أبوكي الغيط، يرجع يسألني عليكي… وأنا قلبي وجعني، كنت بكلمك وهو واقف يسمع، وما اتكلمش… بس عنيه كانت بترد، كل مرة. وبعد كده… ماقدرتش، بقيت أنا اللي أكلمه وأحكيله عنك، عشان أطمنه.”
زهرة بصّت في الأرض، خجلانة من مشاعرها اللي بتجري ناحيته، وسألت بسرعة تحاول تغيّر الموضوع:
زهرة: “طيب… زينة أخبارها إيه؟ وياسمين؟”
ضحك الجد وهو فاهم محاولة الهروب:
الجد: “زينة… انخطبت للدكتور كريم، وبيجهزوا للجواز. أما ياسمين… عملت المستحيل، قدرت تخرج زياد بعد ما شهدت إنه كان دفاع عن النفس، وده خلى المحكومية سنتين بس.”
زهرة شدت نفس عميق، ولسانها اتعقد شوية، لكن الجد كمل:
الجد: “أهل نيفين سامحوا، وقالوا إن الذنب ذنبهم… مش ذنبكم. أمها قالتلي: إحنا اللي قتلناها… مش هم. رموها وسافروا، وسبوها وحيدة.”
سكت الجد لحظة، وبص لزهرة اللي كانت بتسند خدها على إيدها وبتتهرب من كل حاجة، إلا صوت عاصي اللي اختفى فجأة.
زهرة: “هو… صوته اختفى.”
الجد بصّ عليها، ساب لها لحظتها، ما ردش… وسابها تغوص في سكوتها.
زهرة قفلت المكالمة مع جدها، وسابت الموبايل على الكومود. اتلفتت ناحية الشباك كأنها مستنية حاجة تظهر… لكن مفيش. قامت، دخلت السرير بهدوء، وشدت الغطا على جسمها، وهي بتهمس لنفسها.
زهرة: “مش ههرب… بس برضه مش هرجع غير لما أكون أنا… اللي نفسي تعرفها.”
بتغمض عينيها، وتبدأ تحلم… وصوت عاصي وهو بيغني بيرجع يتردد في ودنها، كأن قلبها بيردده قبل ما عقلها يسمعه.
فى النهار نسمع صوت المضيفة بيعلو داخل الطيارة.
المضيفة: “سيداتى وسادتى، نرحب بكم على متن رحلتنا المتجهة إلى تركيا…”
الكاميرا تقرب من عاصي، قاعد جنب الشباك، باصص على السحاب، وعينيه فيها لهفة وقلق.
عاصي (بصوت داخلي): “أنا عرفت إنك في تركيا… في مستشفى نفسي هناك. والغريبة… إن أمي تعرف ناس هناك، صدفة؟ يمكن… بس ربنا بيبعَت الصدف علشان نوصل للي بنحبه. هدخل على أمي، أطمن عليها… وأشوف خالي منصور اللي طلع عايش… وبعد كده، تساعدنى اوصل ليك، مش هسيبك تضيع مني تاني.”
***
عاصي نازل من الأوتوبيس، ماشي في ممر طويل وسط خضرة كثيفة، هدومه بسيطة، شنطة صغيرة على ضهره، ومشيته متوترة لكن فيها أمل.
بيسأل ممرضة كانت واقفة على باب المستشفى:
عاصي: “لو سمحتي… الدكتورة سارة هنا؟”
الممرضة تبص له بلُطف، وتبتسم وهي بترد:
الممرضة: “أيوه، موجودة، حضرتك قريب ليها؟”
بيبلع ريقه بصعوبة، ويرد وهو بيحاول يخبي ارتباكه:
عاصي: “أنا… ابنها.”
الممرضة: “أيوه، عندها جلسة في الحديقة الخلفية. ممكن تروح من هنا.”
عاصي يومي برأسه، وقلبه بيدق بسرعة… بياخد أنفاس متقطعة وهو ماشي، الكاميرا تقرب من وِشه… فيه رهبة وفضول ولهفة كلها في عينه... بنشوف زهرة قاعدة على كرسي خشب تحت ظل شجرة، وسارة جنبها، ونادين على الجهة المقابلة… الجو هادي، مليان صدق.
زهرة: “أنا بحبه…”
سارة ترفع عينيها عليها بهدوء، ونادين تبص ناحيتها بتشجيع.
زهرة: “وأكتر لحظة كسرتني…مش لم سليم لمسني…ولا لم زياد خانني…اللحظة اللي وجعتني بجد…هي لما شُفته واقف…ومصدق اللي شافه بعينه…من غير ما يسأل قلبي.”
سارة تبص لها بتأثر، ونادين تميل لقدام:
الدكتورة نادين: “وساعتها؟ كنتي عاوزة ترجعي له؟”
زهرة: “كنت…بس مش دلوقتي.عايزة أرجع لنفسي الأول…أرمم اللي وقع،أطمن إني واقفة على رجلي مش على حُبّ.ولو فضِل موجود بعد كده؟يبقى أرجع له وأنا كاملة… مش مكسورة.”
الشمس كانت بدها تغرب، والجو فيه نسمة خفيفة، والورد حوالين الجلسة مفتح بلونه الناعم كأنه سامع الكلام اللي بيتقال.
نادين: “طيب يا زهرة… أنتى جاهزة تقوليها بصوت عالي؟تحكي اللي جوه قلبك؟”
زهرة: “أنا…أنا من أول لحظة سمعت صوته وهو بيغني…كنت حاسة إن نفسي هيرجع لي،قلبي كان بيخبط في صدري كأنه عايز يهرب…يبوس إيده…ويقول له: وحشتني.”
سارة: “يبقى بتحبيه؟”
زهرة: “اشتقتله…اشتقت للونس اللي بيحس بيه وأنا ساكتة،ولنظرة عينه اللي بترجعني إنسانة مش ضحية.بس…لسه مش عارفة ده حب،ولا احتياج،ولا أمل بترجّع ليه قلبي.”
نادين: “الحب مفيهوش تعريف ثابت يا زهرة…بس لو كل ما بتفتكريه بتحسي إنك أقوى،يبقى ده حب.”
في نفس اللحظة، يوصل عاصي للحافة الخلفية للحديقة… بيقف على مسافة، وبيسمع الكلام… نظرة الصدمة بتترسم على وِشه.
الكاميرا تمشي على وشه وهو بيستوعب كل كلمة… قلبه بيخبط جامد، بيشد نفس عميق…
عاصي (بهمس لنفسه): “يعني… كانت بتبعد… علشاني؟!”
نظرات زهرة لسه في الأرض… سارة بتحط إيدها على إيدها بحنان… ونادين تبتسم بخفة.
***
زهرة تقوم من مكانها بعد الجلسة، بتودّع سارة ونادين بابتسامة خفيفة. تمشي بخطوات هادية ناحية الممشى الجانبي للحديقة، والهوا بيحرّك طرحتها برقة.
… لسه واقف وبيبص عليها، وكل خطوة منها بتوجعه، بس بيخاف يواجهها…
وفجأة… زهرة تحس إن في حد بيراقبها، تبص ناحيته، لكنه يتراجع خطوة للوراء يستخبى ورا شجرة.
اللحظة بتتجمد… عنيها تلف سريع وملحقتش تشوفه… لكنها حاسة… قلبها دق فجأة.
زهرة: “معقول…؟!”
وفجأة، تيجي السكرتيره.
السكرتيرة: “أنا آسفة يا دكتورة نادين… بس…”
نادين: “من إمتى يا نازلي بتدخلي وسط الجلسات كده؟!”
وفي نفس اللحظة… كان “عاصي” واقف على بُعد خطوات،واقف متجمّد،عنينه ثابتة،كأنه رجع يتنفس بعد غيبوبة طويلة.
عينه وقعت على “زهرة”…والكلمات اللي قالتها كانت لسه بتترن في ودنه:
> “اشتقتله… نفسي ارجع عنده لكن خايفه أكون انانى …”
سارة لمحت،نادت بهدوء.
سارة: “عاصي؟!”
زهرة رفعت راسها بسرعة…وعينها اتقابلت مع عينه،صمت لحظة…الهوى بس هو اللي بيتكلم.
عاصي: “كنتي بتتكلمي عني؟”
زهرة اتلخبطت، قامت واقفة وهي مش عارفة تقول إيه،لكن سارة اتفجأت.
سارة: “عاصي حبيبي وصلت امتى”
عاصي كان واقف متجمّد… ولما زهرة رفعت عينيها ناحيته واتأكد إنها شافته، اندفع ناحيتها كأنه أخيرًا لقى قلبه اللي كان تايه.
عاصي: “أنا تعبت… شهور مشتاق فيها صوتك…كل ما أحاول أنسى، ألاقيك في كل تفصيلة في يومي.كنت بضيع… كنت بختنق من غيرك.أنا مجنون بيكِ يا زهرة… مجنون، وملهوف أوصل لك!”
بيمد إيده عشان يضمّها، وقبل ما يلمسها… زهرة ترفع إيدها بسرعة وتلطشه بالقلم!
زهرة: “حرام!حرام تلمسني!لا يجوز!”
الصوت كان عالي، واللحظة اتجمدت… عاصي واقف، ملامحه بين صدمة ووجع وذهول.
عاصي: “إنتي مجنونة؟أقسم بالله… مجنونة رسمي!”
سارة كانت واقفة بتتابع المشهد، ووشها فيه مزيج بين دهشة وضحكة مكبوتة، فجأة قالت بنبرة خفيفة:
سارة: “آه يعني… أنتم تعرفوا بعض؟وأيوة، طبعًا مجنونة، ما هي موجودة في مستشفى نفسي يا دكتور عاصي!”
نادين تمسك نفسها بالعافية عشان متضحكش، وزهرة تحاول تسيطر على نفسها، بس وشها كله احمرار.
زهرة: “أنا آسفة… بس… لا يجوز تقرب منى ، مش بسهولة… كل حاجه جوايا لسه مش متصلحة.”
عاصي: “أنا ماجيتش عشان آخدك…جيت عشان أسمع منك الكلمة اللي تخلي قلبي يهدى،جيت عشان لو حتى مش عايزاني،أعرف إنك بخير.”
زهرة تبص له بعنيها، وسكوتها كان أصدق من ألف كلمة…
سارة تهمس لنادين:
سارة: “ده فيلم كامل مش جلسة علاج… إحنا في مسلسل سوري ولا إيه؟!”
الجميع يبتسم، ولكن القلب الوحيد اللي لسه بيرتعش… هو قلب “زهرة”
تنسحب بسرعة وقالت.
زهرة: “استأذن حضرتكم رايحة ارتاح شويه”
***
بعد ما زهرة جرت على غرفتها بخجل…
عاصي واقف مكانه، ولسه بيبص في الاتجاه اللي اختفت فيه زهرة، قلبه بيرجع يدق بنفس الدقة اللي كان ناسيها من شهور. بياخد نفس عميق، وبعدين يلتفت ناحية سارة ونادين.
عاصي: “هو أنا جيت هنا عشان أتعالج أنا كمان ولا إيه؟”
سارة: “يمكن… بس العلاج هنا بيبدأ من القلب قبل العقل.”
نادين: “وعلى فكرة… زهرة لسه في بداية الطريق. مشوارها طويل، ومفيهوش حد تاني غيرها، إلا لو هي اختارت.”
عاصي يهز راسه، عنيه لسه رايحة على الباب اللي خرجت منه زهرة.
عاصي: “أنا ماجيتش أطلب منها حاجة… أنا جيت أتأكد إنها لسه موجودة… إنها عايشة، مش مجرد شبح وجع في قلبي.”
سارة: “وإزاي وصلت هنا؟”
عاصي يفكر شوية، وبعدين يقعد ويحكي:
عاصي: “من يوم ما سابت مصر… وأنا بدور. جدي محمد كان عنيد، وزهرة أذكى مما كنت متوقع.بس رامى ساعدني، وقدرت أربط خيوط صغيرة ببعض،وأول ما عرفت إن أمي سافرت تركيا، وصدفة إنها في نفس المكان…قلت لنفسي: يمكن القدر بيرتب لنا فرصة أخيرة…مش عشان نرجع لبعض…بس عشان ما نضيعش من بعض تاني.”
نادين: “والقدر رتب أكتر من كده… زهرة جات هنا بالصدفة، بس كل خطوة ليها كانت هروب… لحد ما وصلت للمكان اللي المفروض تواجه فيه كل حاجه.”
عاصي: “وأنا؟ أستناها؟”
سارة تقرب منه، تحط إيدها على كتفه بلطف.
سارة: “استناها، بس من غير ضغط…اللي جوه زهرة مش سهل،ويمكن لما تخرج من هنا، تبقى مستعدة تفتح قلبها… بس لازم تكون صابر ومستنيها برا الباب مش جواه.”
عاصي يهز راسه بتفهم، وبعدين يقوم.
عاصي: “هروح أتمشى شوية في الحديقة… يمكن أسيب جوه قلبي مساحة جديدة.”
***
زهرة قاعدة لوحدها على الكرسي الخشبي القديم، قدامها شجرة زيتون، والمصحف في إيديها، لكن عينيها مش على الورق… عينيها سرحانة في الطيور الراجعة لعشها.
زهرة: “يارب… لو هو فعلاً ليا،رجعهولي بطريقه ما تكسرنيش تاني.”
فجأة قطع شرودها صوت خطوات وراها، ناعم وواثق… مش بتبص، لكنها حاسة بيه.
رواية زهرة العاصي الفصل الثلاثون 30 - بقلم صفاء حسني
قطع شروده عاصي، مخاطبًا من غير أن يقترب:
“كل ما الشمس بتغرب، بتفكرني بيكي… ساعة الغروب دي، فيها نفس السكوت اللي في عنيكي.”
زهرة لفت وشها ناحية الصوت، تلقاه واقف وراها بخطوات، لكن سايب مسافة محترمة. بتحس بقلبها بيرتعش، بس بتحاول تسيطر على نفسها.
زهرة، بنبرة هادية:
“الغروب… دايمًا بيقول للنهار: استريح. ويمكن أنا كمان… محتاجة أستريح شوية.”
عاصي قرب خطوة بسيطة، لسه سايب المسافة، وبص في نفس الاتجاه اللي بتبص فيه.
عاصي، بابتسامة خفيفة:
“أنا مش مستعجل. مش طالب منك غير الوقت… وإنك تبقي بخير، حتى لو مش جنبي.”
زهرة بصت له، عينيها بتلمع، بس فيها صراع بين الحنين والخوف.
زهرة:
“أنا بتعلم من أول وجديد… أصدق إن فيه حب، من غير ما يكون وراه وجع.”
عاصي نزل بعينيه شوية، وبعدها بص لها من بعيد.
عاصي:
“أنا مش جاي أديكي وجع… أنا جاي أطبطب على كل وجعك القديم… حتى لو من بعيد.”
سكون لحظات، والنسيم عدّي، والشجر يتهز كأن الكون بيطبطب معاهم.
زهرة شاورّت على الكرسي اللي جنبها، بهدوء.
زهرة:
“بس من بعيد… اقعد هنا. مش مستعدة أقرب… بس مش عاوزاك تبعد تاني.”
عاصي قعد، عينيه عليها، وقلبه بيردد: “أنا لسه هنا…”
***
زهرة قاعدة على الكرسي الخشبي، لسه بتستوعب اللي حصل في آخر يومين، وعاصي جنبيها، مسيب مسافة بسيطة بينهم… لكن بين كل خطوة وكلمة، في كتير مشاعر.
عاصي مد إيده في جيبه، طلع ظرف كبير ومعاه تذكرة طيران مطوية وأوراق فيها ختم رسمي، ويده اترعشت بسيطة وهو بيقدمها ليها.
عاصي، بهدوء وصدق:
“دي مش هدية… دي فرصة، يمكن تتأخر، بس مجتش متأخرة.”
بصلها وكمل:
“كل ده خاص بقبولك في جامعة خارج البلد، تخصصك… نفس القسم اللي كنتي بتحلمي تكلمي فيه رسالتك. ده مكان إقامة، وده الجدول، والتأشيرة، وكل حاجة…”
زهرة مدت إيدها بتردد، خدت الورق، قلبت فيه بسرعة، عينيها بتتهز، وبصت له باستغراب، وقلبها بيضرب.
زهرة، بدهشة، صوتها مكسور:
“إيه ده؟ وليه؟ ليه دلوقتي؟”
عاصي اتنهد، ونبرة صوته فيها دفء وعتاب حنين:
“فاكرة لما قلتيلي زمان إنك مشيتي من حلمك؟ اتهمتيني أنا وزينة إننا السبب، وإن الجامعة ضاعت، والسجن أكل أوراقك ومستقبلك… أنا ساعتها صدقتك… ووجعتني، بس قلبي عمره ما نسي إنك كنتي بتحلمي تكبري، مش تهربي.”
زهرة لمّت الورق في حضنها، عينيها بتدمع وهي بتصرخ… الصوت مش عالي، بس كله وجع دفين.
زهرة، بصوت مكتوم:
“شايف إن الجامعة كانت حلمها؟ أنا… أنا كسرت حلمها لما وافقت على سليم… كسرتها لما ماتت وهي مقهورة مني… كسرتها أكتر لما سليم خطفني وأنا ماشية على عزاءها… أنا… حتى مالحقتش آخدها بالحضن وأقولها سامحيني…”
بلعت ريقها بصعوبة، صوتها يرجّف:
“أنا كسرت أمّي ألف مرة… ومش متخيلة حد يرجع يصدق إني أستحق أبدأ من جديد.”
عاصي قرب منها شوية، صوته واطي وحنون جدًا.
عاصي:
“أنا آسف… لو وجعتك… بس أنا هنا… عشان أكون سند، مش شوك. جدك وصاني، قبل الحب التعليم… إنك ترجعي قوية، تقفي على رجلك من تاني، وتمشي طريق أمّك، مش تهربي منه.”
زهرة بصت له بعنيها، فيها وجع… وفيها بداية رجوع الثقة.
زهرة، بهمس:
“أنا… مش عارفة إذا كنت أقدر… بس أول مرة… أحس إني مش لوحدي.”
عاصي ابتسم، ومد إيده، مش يلمسها… بس فتحها ليها.
عاصي:
“وإنتي مش لوحدك… بس القرار دايمًا ليكي.”
***
فناء المستشفى – صباح جديد – الشمس بتطبطب على الوجوه، الهواء نضيف، فيه حركة غير معتادة، الكل متجمع حوالين زهرة.
زهرة لابسة لبس سفر بسيط وأنيق، شنطة ضهر صغيرة، وحقيبة يد، وقلبها متقلب بين الفرحة والخوف والحنين.
نادين قربت منها، حضنتها بحنان.
“أنا فخورة بيكي… وده مش وداع، ده بداية.”
سارة بابتسامة فخورة.
“وإحنا مستنيينك ترجعيلنا دكتورة كبيرة… ومُلهمة زي ما أنتي دلوقتي.”
زهرة ابتسمت وهي بتحضنهم، وبعدين قربت من جميلة اللي عينيها مليانة دموع، بس بتحاول تضحك.
زهرة، بصوت مليان شغف ودموع:
“عارفة يا جميلة… البلد اللي هسافر أدرس فيها، هي نفسها اللي بتدعم التكنولوجيا اللي بيتزيف بيها الحق… وعلشان كده أنا رايحة أتعلم كل حاجة… أتعلم إزاي أفهم ده… وأغيره.”
توقفت لحظة، بصت في عيون الحضور، عينيها بتبرق.
زهرة، بصوت ثابت وواثق:
“عاوزين يوم من الأيام يكون عندنا موقع… مش تابع ليهم، موقع اسمه “صوتنا”، إحنا بس اللي نكتبه… عننا، بصوتنا، من غير ما حد يزوّرنا، ولا يبدّل وجعنا بكلام مزيف.”
جميلة بكت وهي بتضحك وشدت إيد زهرة.
“وهتسميه فيس ل وحدنا؟”
زهرة ضحكت من قلبها، وهزت راسها.
“بالظبط… ويبقى حلمنا الكبير، إننا نعمل مواقع ومجلات وقنوات هدفها التوعية مش التسويق، هدفها الحقيقة مش الربح.”
زهرة، بشغف:
“لازم يبقى عندنا علماء ذرة، وكيمياء، وفيزياء ورياضيات… مفكرين، مشاعل علم، ناس ماتبعش ضميرها بكنوز الدنيا… ناس تكشف الفساد، وتقول كلمة حق من غير خوف.”
سارة، بتدمع.
“أنتي مش بس زهرة… أنتي بذرة، وهتكبري في كل أرض تروحيها.”
زهرة بصت لعاصي اللي واقف من بعيد، عينيه فيها أمان وصمت، وعيونه بتكلمها، هزت راسها له باحترام وابتسامة صغيرة، وكأنها بتقول له: “أنا جاهزة أبدأ، استناني وأنا راجعة.”
الكل سقف، جميلة حضنت زهرة مرة كمان، وقالت لها:
“متنسيش تكتبي عني في الموقع بتاعنا… وقولي إني صاحبة أجمل قصة تعافي في الشرق الأوسط.”
الضحك عم الجو، والكاميرا تتابع زهرة وهي ماشية للباب، بخطوة ثابتة، على أمل جديد… وقلبها شايل حلم مش بس ليها، لكن لأمة كاملة.
***
مدخل الجامعة – صباح مشمس – علم البلد بيرفرف – وزهرة واقفة قدام بوابة الجامعة، عينيها فيها رهبة وفرحة.
زهرة لابسة لبس بسيط، شنطة ضهر، ووشها منور بنور الحلم اللي كان بعيد، ودلوقتي بقى واقع.
زهرة، بتهمس لنفسها وهي بتبص حوالينها:
“كنت دايمًا بشوف المكان ده على الإنترنت… وفى قلبي دايمًا إحساس إني هكون هنا… بس ماكنتش متأكدة إمتى ولا إزاي…”
تدخل من البوابة… وتبدأ يوم طويل من الاستكشاف. تقابل طلبة من العراق، المغرب، فلسطين، لبنان، السودان، ومصريين كمان. لكن العرب في أي مكان بيعرفوا بعض بيرحبوا.
اقتربت طالبة لبنانية، بابتسامة:
“بملابسك ده يبقي بتتكلمي عربية؟ أنا من لبنان وانتي؟”
ابتسمت زهرة.
“أنا من مصر. أهلاً بيكي.”
ابتسمت الطالبة.
“أهلاً فيكي، أول مرة بتدرسي هون؟”
زهرة، بابتسامة فيها رهبة وفرحة:
“أيوه… بس حاسة إن المكان مش غريب… حسيته دايمًا في أحلامي.”
بعد يوم طويل… تروح لمكان السكن الجامعي… أوضتها بسيطة، سرير، مكتب، شباك بيطل على حديقة داخلية، تحط شنطتها وتتنفس بعمق.
زهرة، بصوت هادي:
“أنا وصلت… وأنا هكمل… وهحقق حلم ماما.”
***
قاعة الاختبار – الساعة 8 صباحًا – ورق الامتحان بيتوزع – صوت الدكتور المشرف بلهجة أجنبية:
“ده اختبار تحديد المستوى… هيحدد قبولكم في التخصص… بالتوفيق للجميع.”
الامتحان بيبدأ… ووش زهرة بيتشد أول ربع ساعة… صعوبة الأسئلة مرعبة… لكن بعد كام دقيقة تبتدي تفتكر دراستها القديمة… كتبها… محاولاتها.
زهرة، بهمس:
“أنا مش جاية أضيع وقت… أنا جاية أكمل الطريق اللي كنت هكمله من زمان…”
تبدأ تجاوب بثقة… ومع نهاية الوقت… تكون خلصت الورقة بابتسامة رضا.
***
بعد ساعات من الانتظار…
يتم إعلان النتائج – الممر الرئيسي في الجامعة – صوت طالبة بيقرا اسم زهرة:
“زهرة صالح محمد… من مصر… متفوقة! أعلى الدرجات في اختبار القبول!”
زهرة عينيها تدمع من الفرحة… تبص للسما وتقول:
“شكراً يا ماما… دي أول خطوة بس…”
***
أول يوم في المحاضرات – زهرة قاعدة في المدرج، دفتر جديد، ألم جديد، وشغف حقيقي.
يدخل الدكتور الأول… يشرح ويمشي… ثم الثاني… الكل بيركز… المحاضرات قوية… زهرة بتكتب كل كلمة.
الساعة توصل 3 عصرًا… والقاعة تتهامس فجأة.
طالبة ورا زهرة، بصوت متحمس:
“الدكتور الجاي ده وحش المجال… كان مختفي بقاله شهور… ولسه راجع النهارده…”
زهرة، تسأل وهي مش مركزة:
“مين؟”
الباب يفتح… صوت خطوات هادية داخل القاعة… الطلبة كلها تبص ناحيته.
زهرة ترفع وشها… وشها يتغير… وقلبها يضرب… عينيها تتسع… وبتشهق بصوت واطي.
“عاصي؟!”
هو بنفسه… لابس بدلة رسمية، إزاز نظارته بيتلألأ، واقف بثقة وهو بيبص للطلبة… وعينه تعدي على زهرة… تسكن لحظة… لكنه يكمل كلامه كأنه ما شافهاش.
عاصي، بصوت رزين:
“أنا الدكتور عاصي كنان… وهكون المشرف الأكاديمي على مشروع التخرج… وهنبدأ النهارده أول خطوة في رحلتكم…”
الكاميرا تركز على وش زهرة، اللي ما بين الدهشة والذهول والفرحة، وقلبها بيرجع يدق.
زهرة وقفة قدامه، عينها هربانة، صوتها واطي، لكن مليان مشاعر كانت مستخبية سنين.
زهرة، بهمس وهي تبص له:
“يعني حتى هنا… قدرت توصل لي؟”
سكتت لحظة، وبصت على الأرض، تكمل بصوت أكتر حنان.
“كنت فاكرة إنك نسيت… بس الحقيقة… على قد زعلي إنك هنا على قد إنك وحشتني كل حاجة فيك، حتى سكوتك…”
عاصي كان واقف قدامها، وبيكتم وجع شهور، لكن عينيه كانت بتلمع بالحنين، ويهمس في سره كأنه بيرد على نبضها.
عاصي، لنفسه:
“أنا جبتك هنا… نفس المكان اللي بشتغل فيه، عشان تكوني تحت عيني، أطمن إنك بخير… وأتابع خطواتك من بعيد… بس وعدتك، ووعدت نفسي، إني مش هفرض نفسي عليك… ولا هطلب غير اللي قلبك يختاره… بحرية.”
يبص لها، ويكمل بصوت هادي، لكن صادق.
وهي خارجة وقفها عاصي دقيقة وهو بيهمس:
“أنا مش هنا عشان أعطلك… ولا ألخبطلك مستقبلك… أنا هنا… عشان لما تبصي وراكي، تلاقيني واقف… مش مستني منك حاجة، غير إنك تكوني بخير.”
زهرة ترفع عينيها ليه، وبصوت بين الرجفة والصدق.
مع نفسها:
“أنا لسه بتعلم… إني أسمح لنفسي أكون سعيدة… بس وجودك… بيهون كتير.”
وترد عليه.
“ضحكت عليا وخلفت الوعد، لكن بعد إذنك تعامليني زي أي حد هنا ممكن.”
يهز راسه بالتأكيد وياخد أوراقه ويخرج.
***
صالح قاعد في الصالة، قدامه صينية شاي بردان، والنور الخفيف من المصباح بيتسلل فوق وشه المتعب. عيونه باينة فيها الوحدة، والحزن الساكن.
يدخل عليه أبوه “الجد محمد”، بيبص عليه وهو ساكت، حاسس إنه فيه حاجة تقيلة على صدر ابنه.
الجد محمد، بصوت هادي:
“مالك يا صالح؟ بقالك ساعة سرحان… مش دي عادة ناس الغيط اللي بيناموا أول الليل؟”
صالح يبتسم ابتسامة باهتة، ويشاور له يقعد جنبه.
صالح، بصوت مخنوق:
“بابا… أنا عاوز أقولك على حاجة… يمكن تتفاجئ، ويمكن تزعل… بس بلاش تقاطعني لحد ما أخلص.”
الجد محمد يهز راسه بالإيجاب، ويقرب بإيده من كتف ابنه، يشجعه يتكلم.
صالح:
“أنا حبيت وردة من أول ما شفتها… وعمري ما فكرت أتجوز عليها، ولا حتى حلمت بحاجة غيرها… لكن السنين عدّت، وأنا كل يوم أستناها تقول لي: “مبروك يا صالح… هتبقى أب “.”
الجد ياخد نفس طويل، ويسكت.
صالح، بيكمل بصوت مكسور:
“خفت أجرحها… خفت أقولها وعيونها تتملي دموع… وكنت راضي، وقانع، ومشيت أموري… لحد ما زهرة جات، قلت خلاص… دي بنتنا، اللي من نور عينيها هنعيش، ونكبر سوا… لكن حتى هي راحت.”
الجد محمد، بهدوء:
“هي ما راحتش… هي بتحاول تلاقي نفسها، وبعدها هترجع، إن شاء الله.”
صالح، بعين فيها دموع:
“أنا مش هصبر أكتر من كده… أنا راجل في آخر العمر، ووحيد… عثمان سافر وهرب بعد ما سليم فضحهم، ومحدش بيسأل علينا… وأنا كل ليلة بنام في بيت فاضي.”
الجد محمد، بحزن:
“يعني… قررت تتجوز؟”
صالح، بهمس وندم:
“آه… بس مش عشان نقص… عشان أعيش الباقي من عمري، وأنا حاسس إني مش لوحدي… بعد موت وردة؟ لو رجعت. زهرة.. هقولها الحقيقة، مش هخبي.”
الجد محمد يسند ضهره على الكنبة، وعينيه تلمع بالحزن، لكنه يهز راسه بمعنى “افعل ما تراه صح”.
الجد محمد:
“أنا مش همنعك… ولا هزعل… بس اوعى تنسى تترحم على وردة لأنها حبتك حب مش عادي… ولو كنت هتجوز، لازم تكون قد قرارك… وقد قلبك.”
صالح يحط إيده على صدره، ويمسح دمعة نزلت على خده.
صالح:
“بدعي ربنا يسامحني… ولو لي في العمر باقي، أتمنى أعيش يوم واحد أب، تاني قبل ما أمشي.”
***
بعد مرور أسبوع من البداية.
زهرة قاعدة في الصف الرابع، دفترها مفتوح، وعينيها على السبورة… لكن قلبها مشغول.
عاصي واقف قدام الشاشة، بيشرح بنبرة هادية واحترافية، متجاهل وجودها تمامًا… لا نظرة، لا تلميح… ولا حتى مرور عابر للعيون.
عاصي، بثقة وهو بيشرح:
“الاختراق الأخلاقي أو الـ Ethical Hacking، هو ببساطة: استخدام نفس أدوات وتقنيات الهاكرز، بس بهدف الحماية مش التدمير… إحنا بنحاول نعرف إزاي موقع إلكتروني ممكن يُخترق، عشان نحميه… وده بيحتاج مش بس مهارة… لكن أخلاق، مسئولية، وضمير صاحي.”
زهرة تكتب كل كلمة، بس عينيها على حرف صوته… على نبرة الحماس وهو بيتكلم عن مجاله، وعلى البرود المقصود اللي بيتعامل بيه معاها.
إحدى الطالبات، بهمس للبنت اللي جنبها:
“بجد الدكتور عاصي عبقري… طريقته في الشرح تخليك تحبي المجال، حتى لو عمرك ما فهمتيه.”
طالبة تانية، بضحكة صغيرة:
“مش بس عبقري… هو كمان غامض… عمره ما بيبص لحد… مايعرفش كلمة مجاملة… وفيه حاجة في عيونه… كأنها حزينة… بس قوية.”
زهرة تسمع كلام البنات… قلبها بيتشد أكتر… بتحاول تبين إنها عادية… لكن بتحس بوخز في صدرها.
بعد انتهاء المحاضرة، الطلبة كلها بتقف تسأله، وهو يرد بابتسامة بسيطة… ولما تيجي زهرة تقوم، هو يبص ناحيتها لحظة… لكنها تدّي له ضهرها وتمشي، وكأنها ما شافتوش.
يتجمد مكانه لحظة… لكنه ما يتحركش.
***
المشهد التالي: داخل الكافيتيريا الجامعية – زهرة قاعدة مع بنت فلسطينية وبنت مغربية، بيكلموها.
سلمى (من غزة):
“بصراحة زهرة، شكلك بتحبي المجال ده من قلبك، بتحسي بيه صح؟”
زهرة، بابتسامة:
“يمكن عشان بحس إن ورا كل معلومة هنا… قدرة على إنقاذ ناس… أو فضح ظالم… أو حتى حماية فكرة من السرقة.”
ليلى (من المغرب):
“الدكتور عاصي قال جملة خلتني أبكي يومها، قال: أكتر ناس محتاجين الحماية مش مواقع البنوك… لكن الحقيقة.”
زهرة تبص لبعيد… وتهمس في سرّها.
الهواء بيهز طرف طرحتها، وهي بتهمس لنفسها من غير ما حد يسمع.
زهرة، بهمس في سرّها:
“زي ما كان دايمًا بيحميني… أنا كمان لسه بدوّر على أمان… بس هو الأمان ولا الخوف؟ هو الونس… ولا الغياب إللي بيحمي؟”
شرودها يتقطع بصوت شاب بيقرب منها، شكله لطيف، بس نظرته جريئة شوية.
الشاب، بابتسامة هادية:
“هاي… أنا لاحظت إنك كتير لوحدك هنا… ممكن أتعرف؟”
زهرة تندهش، وتبص له بسرعة، تحاول تخبي ارتباكها، ترد بصوت منخفض.
زهرة:
“أنا… لسه جديدة هنا، وبحب الهدوء بس.”
الشاب يبتسم، ويقعد على الطرف التاني من المقعد.
الشاب:
“أنا كمان كنت كده أول ما جيت… بس الصُحبة بتساعد… خصوصًا لما تكون جميلة زيك.”
في نفس اللحظة… من بعيد، عاصي كان واقف ورا زجاج مبنى الإدارة، بيتابع المشهد من بعيد، عينه اتحولت لهدوء ناري، وبيكتم غيرته.