تحميل رواية «سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
*القطعة الأولى* =========== تعبت في بعدي عنك كان ناقصني حاجات كتير وحاسس برضة بيكي وعارف انك مش بخير علشان فاهمك وعارفك تملّي حبيبتي شايفك بتحني لكل ذكرى حلوة جنبك عشتها منا زيك برضة واكتر اوقات بسرح وافكر انا وانتي بعدنا ليه ملقتش اجابة جتلك منا يمكن لو حكتلك تقوليلي كسبنا ايه؟! انسابت النغمات حوله في المطعم مع الكلمات الموجعة لتزيد من نزيف روحه... ضعفاء نحن عندما "نعشق" وأكثر ضعفاً عندما "نفقد" ، فكيف وهو يعلم أنها تشاركه عذابه كما شاركته عناده؟!! لماذا جاء إلى هنا الليلة ؟! هو لا يدري بالضبط....
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثاني وخمسون 52 - بقلم سينابون
القطعة التاسعة والعشرون ج1
_محمود البنا ..ودلوقت محمد عيد ..وألوف قبلهم ..وألوف بعدهم ..البلد دي بقت بتتنفس قهر !
تكتبها ريتال على صفحتها الشخصية على الفيسبوك بينما تجلس في صالة الاستقبال في مركز جمعية "رسالة" الذي تتطوع للعمل فيه خيرياً .
تكاد تغلي غضباً وقهراً وهي تستعيد الحادثين الأخيرين ..
الأول لذاك الفتى الذي راح ضحية شهامته وهو يدافع عن إحداهن أمام أحد "البلطجية" الذي توعده بالقتل لينفذ وعيده بعدها ..
العجيب أن الحادث صار قضية رأي عام ..الناس من هنا وهناك ينتفضون ويثورون لجلب حق فتى تم تصوير عملية قتله بالصوت والصورة !!
لكن الغمامة القاتمة لا تزال تهدد بغيث القهر على الجميع ..
النفوذ العتيد قال كلمته ..ولتخرس كل الألسنة !
ومن جديد يبزغ القهر في الحادث الثاني ..
ذاك البائع الجائل الذي أجبره "الكمساري" على القفز منه وهو يسير لأنه لم يكن يملك ثمن التذكرة.. فدفعها بحياته !!
تتأفف بضجر وهي ترفع رأسها تتابع وجهاً من الوجوه البائسة لطفل دخل لتوه كي يسأل عن مساعدة ما ..
ينقبض قلبها بالمزيد من القهر وهي تتأمل هيئته الرثة ..
قدميه الحافيتين ..كعبيه المشققين ..
وسامته الطبيعية دنسها درن العوز وقسوة الناس !!
_صبّح صبّح يا عم الثورجي ..
يكتبها لها سامر برسالة خاصة فتتنهد لتكتب له بانفعال:
_هاطقّ يا سامر ..هاطقّ ..البلد دي خلاص ماعادش يتعاش فيها .
_والكلمتين بتوعك دول اللي هيخلوها يتعاش فيها ؟! صلي ع النبي كده وخفي من الكلام اللي يودي في داهية ده ..عيش نملة تاكل سكر!
يكتبها لها مع "وجه أزرق مرتعب" فتبتسم رغماً عنها لتكتب:
_بذمتك دمك مش محروق زيي؟! عاجبك الحال ده ؟!
_دعي الخلق للخالق يا آنسة .
_مش قادرة يا سامر ..مش قادرة ..حاسة إني هاتخنق لو قعدت في البلد دي سنة كمان .
_الاسطوانة المشروخة إياها ..عايزة أسافر ..انتِ فاكرة السفر ده جنة الله في الأرض مثلاً؟! ..يابنتي احنا مالناش قيمة جوة هيبقى لنا بره ؟!
_بس نعيش ..نتنفس ..احنا هنا بنموت بالحياة .
_روقي كده بس وما تقفليليش اليوم ..ده أنا قلت هتصبحي عليّ بغنوة حلوة من بتوعك .
يرسلها لها مع صورة كفين ملتصقين في وضع الرجاء فتبتسم وهي تكتب له :
_ماشي ..قوللي صحيح ..ياقوت ردت عليك ؟! أنا مارضيتش أعرفها إني عارفة .
فيتردد قليلاً وقد آثر كتمان أمر شعوره بكوْن ياقوت مرتبطة عاطفياً ليكتب :
_سيبيها براحتها أنا مش مستعجل ..وبصراحة مش متحمس .
_سها تاني؟!
ضيقها يتسرب حتى عبر برودة الحروف المكتوبة ..فيتنهد بحرارة ثم يبتسم باستغراب ..
رغم طبيعة عمله التي تفترض أن يفهم دواخل الناس ..لكنه أدرك أنه حقاً لم يكن يفهم نفسه ..
سها ..حلم العمر الطويل الذي طالما كان أسيره ..الآن بعد انقشاع الغمام صار يراه مجرد "وهم" ضلله ..
لكنه لايزال عاجزاً عن إيجاد طريقة "حقيقة" آخر !
ترسل له ريتال المزيد من علامات الاستفهام فيبتسم وهو يكتب لها :
_ما تخافيش على أخوكِ ..أنا فقت خلاص .
ترسل له علامة إعجاب مرفوعة الإبهام فيردها لها بوجه ضاحك تنتقل ضحكته إليها ..
غريبة هذه العلاقة بينهما !
جسر طويل ممدود بين الصداقة والقرابة فتكاد تشعر أنه أقرب لروحها ممن سواه ..
لهذا عادت تكتب له بعد تردد قصير :
_كنت عايزاك تساعدني في حاجة .
_ولا أعرفك !
يكتبها لها مازحاً فترسل له وجهاً غاضباً يليق بعبارتها:
_ده العشم يا جدع .
يضحك مكانه وهو يرى النقاط المتراقصة معلنة عن قرب وصول رسالة طويلة منها ..
لكنه يشعر بوخزة خفية لم يفهم سببها وهو يقرأ رسالتها بعدها :
_جايلي عريس ممتاز ..دكتور في علوم الطاقة الذرية ..ومستقر في كندا هجرة من كام سنة ..بس عمك جميل مش موافق .
_ليه؟!
ترتجف أنامله رغماً عنه وهو يكتبها شاعراٌ بضيق مجهول لتكتب له :
_ما انت عارف ..عايزني أفضل جنبه هنا ..بس أنا بصراحة شايفاها فرصة مش هتتكرر .
_الجواز مش فرصة .
_مادام مفيش حب ..يبقى نشغل عقلنا وناخد الأفضل ..وبصراحة أنا هاموت وأسافر بره البلد دي .
_وعايزة مني إيه يا ستي الطفشانة انتِ؟!
يكتبها ممازحاً ومغالباً هذا الشعور السلبي غير المبرر بداخله لترد :
_كلم بابا ..هو بيثق في رأيك .
_بس أنا كمان مش عايزك تسافري ..مين هيصبح عليّ كل يوم بغنوة حلوة غيرك ؟! مين هيستحمل جناني وأنا بحكيله عن نفسي اللي مش فاهمها ؟! وبعدين مين اللي هشتريله عرايس ؟! ده انتِ خاربة بيتي بيهم !
ورغم ظاهر عبارته المازح لكن غصة حقيقية استحكمت حلقه من فكرة سفرها هذه ..
صحيح أنها طوال الوقت تتشدق برغبتها هذه ..لكن أن تنالها حقاً ..أن تتركه وتغادر لبلد بعيد ..الفكرة نفسها تعتصر قلبه بقبضة خانقة ..
بينما بدت هي مازحة تماماً وهي ترسل له المزيد من الوجوه الضاحكة :
_شغل "الصعبانيات" ده مش لايق عليك ..وبعدين النت مخللي الكوكب كله أوضة وصالة ..لو وعدتك أفضل أصبح عليك بالأغاني من كندا ..وأستحمل جنانك في "الماسنجر" ..توعدني تقنع الحاج ؟!
يظل صامتاً للحظات يرمق الهاتف بعينين قاتمتين خلف زجاج نظارته لتعاود هي الكتابة بنفس المزاح :
_وإلا هاتجوزه وأسافر من وراكم وأجيب لكم العار .
_للدرجة دي عاجبك يعني؟!
يكتبها متعجباً من لهفتها لترد كما توقع:
_هو نفسه مش بطال ..لكن الفرصة يا سامر ..الحلم ..عارف كام باب ممكن يتفتح لي هناك ؟ وقصاده كام باب مقفول هنا ؟!
يزفر بقوة وهو يتيقن من صدق حدسه ..هي لا تريد الزواج بقدر ما تريد السفر !!
_ مش انت أخويا؟!
يبتسم عفوياً لعبارتها فيرد :
_طبعاً !
_طب ما تقابله عشان ضميرك يبقى مستريح وانت بتكلم بابا .
_آمين يا تولا.
يكتبها لها بنفس الضيق المبهم مستعيداً كنية تدليله القديم لها منذ صغرها لترسل له وجهاً مبتسماً مع عبارتها:
_آمين يا "دكترة"! حيث كده بقا حالاً أبعتلك "الاصطباحة"!
تكتبها لترسل له أحد أغاني فرقة "كايروكي " الجديدة فيبتسم بشرود وهو يفكر ..
لماذا يشعر بهذا النفور ؟!
هو كان متقبلاً لمشاعرها الدفينة نحو مروان فلماذا ينقبض قلبه الآن بهذه الصورة مع خاطبها هذا؟!
تراها فكرة سفرها وابتعادها عنه ؟!
أم أن العرض نفسه يبدو له خطراً وهي تغادر نحو مكان غريب مع رجل غريب وحدها ؟!
زفرة قصيرة تغادر حلقه وهو يحك لحيته بأنامله ليغمغم لنفسه بشرود :
_ما تبقاش سمّاوي كده وتكره لها الخير ! مش يمكن فرصة فعلاً ؟! قابله ونشوف!
======
بعض الحب كحقائب زاخرة تعدك بغنى العمر ..
لكن قدرك أن تبقى منسية على أرصفة الانتظار !
بعض الحب كفردوس ناله قلبك دون حول ولا قوة ..
لكن قدرك أن تطردك منه خطيئة !
بعض الحب كاملٌ حد الكفاية ..
ناقصٌ حد الزهد ..
فما حيلتي ولست منكِ بمكتفٍ ولا فيكِ بزاهد ؟!
بعض الحب -مثلكِ- مراوغ كقمر يختبئ خلف غيومه ..
فاعذري من سقط عنقه ألماٌ وقد ملّ النظر !
"هيثم "
=======
مظلة عشقنا كانت مثقوبة ..
فكيف أقف وسط الريح هازئة بالمطر؟!
بيميني غرامي ..وبيساري ذنبي ..
فأين -منك- أشيح بوجهي؟!
جميلة كانت زهرة حبنا إنما ..
قصيرٌ هو عمر الزهور !!
لا تلم نفسك ..
ولا تلمني ..
"مائة"جدار حجب بيننا الصرخات !
"ألف" ستار بيننا أخفى البسمات !
وذنبٌ "واحد" يبقى العمر بيننا ..
طعنة وسط الضلوع !
"شهد"
=======
خلف شاشة الماكينة المخصصة للدفع يجلس هيثم يراقبها بشرود وهي تتحرك بين أروقة المحل الكبير تساعد بعض رواده ..
ابتسامتها الصافية ..ملامحها الملائكية الفاتنة ..حيويتها التي تجعل خطواتها تكاد ترقص على الأرض ..
فيشرد ببصره وهو يتذكر أباه رغماً عنه ..
تدمع عيناه بمزيج من ألم وغضب وهو يعاود النظر نحوها لكنها تغمزه بخفة من بعيد ..
يهطل سيلها برداً وسلاماً على نيرانه فترتجف شفتاه بابتسامة واهنة ..
يحبها !
يحبها هذا الحب الذي لم يعرفه من قبل بهذه القوة !
لقد ظن أنه قد عشق داليا لكنه تجاوزها ببساطة بعدما كان بينهما فلم تترك في قلبه سوى "ندبة وردية" تمتزج بذكريات الصبا ..
لكن شعوره بشهد يختلف ..
يختلف وهو يشعر أنه صار يتنفسها كما تتنفسه !!
يراها تتقدم منه بخطوات حذرة نسبياً وهي تتلفت حولها منتهزة فرصة الخلو النسبي للمحل ..
يحتضنها بعينيه وتعانقه بكل روحها ..
تقترب أكثر لتهمس له بعذوبتها الرائقة :
_عامل إيه يا "روميو"؟!
فيبتسم وهو يميل رأسه هامساً بمراوغة :
_اشمعنا "روميو"؟!
يعلم أنه كان اللقب الذي اختارته له داليا منذ عهد بعيد ..
لهذا تعجب استخدامها هي له ..
لكنه لم يتعجب هذه النظرة المتشحة بالمرارة في عينيها رغم مرح عبارتها الظاهر :
_انت روميو وأنا جولييت ..اخترت لك الاسم ده من زمان .
_انت اللي اخترتيه ؟!
يسألها ببراءة ظاهرة ليدهشه كذبها بعدها:
_أيوة ..انت روميو بتاعي وبس ..عمرك ما حبيت حد قبلي ..ولا هتحب حد بعدي .
يعقد حاجبيه بضيق من شعوره بأن كذبتها هذه ليست الأولى ..
ولو نظر في قلبها لأدرك أنها لم تكن تشعر بأنها تكذب!
بل بأنها فقط تعيش فوق غمام حلمها الخاص بعيون مفتوحة ..
قبل أن يصفعها القدر ليسقطها فوق صخرة الواقع !
_سايبة شغلك ليه يا شهد ؟!
يقولها الكهل المسئول عن عملها بنظرة صارمة فتتنحنح بارتباك لتعتذر له بسرعة قبل أن تبتعد ..
فيرمقه هيثم بنظرة غاضبة وهو يلاحظ نظرات الرجل غير البريئة نحوها والتي ظلت تلاحقها طوال اليوم ..
نظرات لن يخطئ في تأويل سوء نواياها !
لهذا ما كاد النهار ينتصف وتخف الحركة قليلاً في المحل حتى أشار لها بكفه خفية فتقدمت نحوه لتهمس مبتسمة :
_ركز في شغلك بقا عشان ما تدفعش فرق زي امبارح ..عايزاك تبيض وشي قدام الراجل ده أنا كنت هبوس راسه لما قاللي إنه موافق تشتغل معانا .
_إيه تبوسي راسه دي؟!
يهمس لها بها بحدة فتجفل هامسة بارتباك:
_عادي يا هيثم مش حوار يعني..كلام عادي .
لكن احتقان ملامحه يزداد وهو يهمس لها بينما أصابعه تنقر على اللوح الصلب للطاولة أمامه :
_نظراته ليكِ مش عاجباني ..احنا هنسيب الشغل ده .
_بتهزر؟! انت فاكر إننا هنلاقي شغلانة في محل زي ده بالساهل؟! وبعدين نظرات إيه اللي بتتكلم عنها ..ده أد أبويا !
لم تكد تنتهي منها حتى شحبت ملامحها وهي ترمقه بنفس النظرة المرتعبة التي تثير جنونه في كل مرة يجدها تتفوه بما يمكن أن يثير نهر ذكرياته الراكد ..
لكنه هذه المرة كان يشاطرها نفس الرعب وهو يشعر بهواجسه تكاد تعتصر قلبه ..
فانتفض من مكانه ليهتف بها بانفعال :
_أنا عن نفسي هاخلص "الشفت" ده ومش هاكمل شغل هنا ..لو عايزة تكمللي هنا براحتك .
فترمقه بنظرة مترددة لتتلفت حولها هامسة :
_وطي صوتك بس ..خلاص حاضر ..نسيب الشغل هنا مادام مش مرتاح .
يعقد حاجبيه وهو يشيح بوجهه لتهمّ باسترضائه لكنها تلمح الرجل من بعيد يرمقها بنظرة صارمة فتتحرك مبتعدة لتعود لمكانها ..
فيما ظل هو لساعة كاملة بعدها يحاول السيطرة على مشاعره وهو لا يميز فارقاً بين "غيرة" و"غضب"..
كلاهما حارق ..لاسع ..كاوٍ ..
كلاهما مهلك!
يحاول الانخراط مع الوجوه والشاشة أمامه متناسياً فورة مشاعره لكن التفاتة عابرة نحو مكانها هناك تجعله يحدق فيها بريبة وهو يراها تتحدث إلى ذاك الرجل ..
هل هو شديد القرب منها حقاً أم هي فقط هواجسه ؟!
هل تضاحكه بدلالها المعهود أم أنه فقط يتوهم؟!
الدماء تغلي في عروقه وهو يرى الرجل يشير لها نحو الطابق السفلي المخصص للمخزن فتتوجه إليه وحدها تلاحقها نظراته الجائعة وهو يقف مكانه للحظات ..
قبل أن يلحق بها !
ينتفض مكانه معتذراً للزبون أمامه ثم يطلب من زميله تولي عمله قبل أن يتوجه نحو الطابق السفلي بخطوات حذرة وهو يكذّب كل ما تصرخ به ظنونه ..
الأصوات المكتومة من مكان قريب تثير المزيد من جنونه فيتحرك نحو مصدر الصوت لتتسع عيناه بصدمة وهو يرى الرجل يكمم فمها بينما يعتدي عليها !
لم يدرِ كيف وصل إليه ..
لم يشعر كيف انتزعها من بين ذراعيه ..
لم يدرك كيف أمسك كتفي الرجل بقوة ليديره نحوه فيرفع قبضته في وجهه يهم بلكمه ..
لتتوقف يده في الهواء!!
هاهنا فقط لم يعد يرى ملامح الرجل ..
بل صار يرى فيه وجه حسين ..
أبيه !!
دموع عجز..
غضب..
خزي ..
كلها تتكدس في عينيه فتتهاوى قبضته ببطء يوازي صرخة شهد الخافتة التي تجمدت في أذنيه والرجل يدفعه بقوة ليصرخ بصوت عالٌ قالباً الوضع لصالحه ..
_إيه المسخرة دي؟! عشان كده كنتِ مصممة تشغليه هنا معاكِ ..المهزلة دي مش هنا ..اطلعوا بره انتو الاتنين .
صراخه يستجلب حضور بعض العاملين من الأعلى ليرمقوا المشهد من بعيد بنظرات نهمة نحو شهد وهيثم بين فضول واحتقار ..
لكن الأخير لم يستطع البقاء أطول وهو يخترق الجمع بخطوات هادرة تاركاً إياها خلفه ..
=====
_معلّم واحنا منك نتعلم والله يا حاجة ثمر !
يهتف بها إسلام مع صفير إعجاب طويل وهو يستمع من ياقوت لما حدث عبر الهاتف لترد الأخيرة بانفعال:
_مبسوط قوي؟!
يضحك ضحكة عالية ثم يطلق همهمة مستمتعة ليردف:
_هو ده الشغل ! سعادته فاكر ييجي يقول عايزك نقوم نلفك في ورق سلوفان ونحطك قدام بيته ؟! لازم يتعب عشان يوصللك ويبقى فاهم كويس قيمتك..لازم يحس إن راسك براسه وإنه ممكن يتقبل أو يترفض زيه زي أي حد .
تصمت لعدة لحظات بعدها وهي تحاول التفكير في عواقب ما فعلته ثمر ..
وقبلها فيما جعل زين يندفع هكذا دون مقدمات ليقدم عرضه ..
ابتسامة مترددة ترتسم على شفتيها وهي تتذكر ..
_لا لعيبة ! عرفتِ تجننيه لما رميتِ الحلق وراكِ ومشيتِ ..إيّاكش بس تخلص على خير ونلبس بداله الدبلة بقا!
تهتف بها "العفريتة العابثة" بداخلها فتتنهد بعمق وهي تعترف أنها تعمدت فعلها ليلتها كي تثير جنونه خاصة وهي تعلم عن هوسه بتملكها ..
سعيدة ؟!
لا تدري ..فرحتها ناقصة وهي لا تعلم ماذا سيسفر عنه الغد !!
_سكتّ ليه يا "أبو التوت"؟! كمّل ..إيه اللي حصل بعدها مع الحاجة ثمر؟!
يقاطع بها إسلام شرودها لتزفر بقوة قائلة :
_هي جملة واحدة اللي قالتهالي بعد ما مشي وسابتني بعدها .."دموع بنتي غالية واللي يقدرها هو اللي يستاهلها" .
فيصدر همهمة استحسان ثم يضحك فجأة قائلاً:
_أنا مش صعبان عليا غير "أبو سمرة" السكّرة ..أخينا ده لو لقاه هيعمل منه بوفتيك .
لكنها تتأوه بخفوت قائلة وهي تفرك جبينها بتعب:
_مش عارفة يا إسلام ..مش عارفة ..أول مرة ما أبقاش قادرة أحدد رد فعله هيكون إيه ..بس أعتقد إنه اتغير بعد أزمته الأخرانية ..مش هيتهور .
تقولها وهي تشعر بشعورين متناقضين تماماً ..
أحدهما أن يملك زين زمام جنونه فيحسبها بعقله ويتحين فرصة مناسبة لمعاودة الحديث مع ثمر خاصة وهي تنتوي أن تخبر سامر برفضها لعرضه ..
والثاني أن ..يتهور حقاً !!
أن يشعرها بلذة جنونه وحربه من أجلها كما فعلها مع ياسمين يوماً !!
ألم يعرفها هي في البداية من أجل ذلك؟!
_مش هتقوليلي عمل إيه ليلة فرح همسة وقلبك عليه كده ؟!
ينتزعها بها من شرودها بنبرة أكثر جدية فتشعر بالخزي وهي تمتنع عن الجواب ..
لا تريد أن تحكي عن هذا الأمر بالذات كي لا يتحامل إسلام عليه أكثر ..خاصة وهي تحمل نفسها بعض اللوم في الانسياق وراء عاطفتها دون وعي ليلتها ..
لكنه أصدر همهمة قصيرة وهو يرد بتفهم :
_مش هاضغط عليكِ مادام مش عايزة تقولي ..المهم ..هو ما حاولش يتصل بيكِ من امبارح ؟!
_لأ ..وده الغريب ..أنا قلت أول ما يمشي من هنا هيكلمني أو يبعتلي رسالة ..يزعق ..يهدد ..يستفسر حتى ..بس مفيش ولا أي رد فعل .
تقولها بحيرة خانقة ليعاود سؤالها:
_انتِ هترجعي مصر امتى؟!
_مش عارفة ..لو عليا مش عايزة أرجع دلوقت ..عايزة أفضل في حضن ستي هنا شوية .
_والمركز؟!
_البركة في سامر ..ما أفتكرش هيمانع يشيل شغلي .
_عيني عليك يا أبو سمرة ..يعني ترفضي الجوازة وتدبسيه في الشغل وتلبسيه في حيطة مع زين بتاعك ده ؟! ده انت لو شارياه من "سوق عكاظ" مش هتعملي فيه كده !!
يهتف بها ضاحكاً باستنكار فتضحك رغماً عنها لتقول بحرج:
_سامر مش هيتضايق لو رفضت عرض الجواز ..سامر عامل زي الغرقان اللي بيحاول يتعلق في أي قشّاية ..أنا أو غيري مش هتفرق معاه ..هو مش فاهم هو عايز إيه ..وبصراحة هو يستاهل واحدة تحبه بجد وتعوضه العمر اللي ضيعه من غير تمن ده .
_حكيمة !..حكيمة وبتدّي حقن ..آه والله !
يقولها مقلداً مشهداً كوميدياً في مسرحية شهيرة فتضحك من جديد ضحكة قصيرة تجعله يقول بنبرة أكثر جدية :
_أيوة كده ..عايز أسمع على طول ضحكتك دي ..ما تخافيش من أي حاجة ..أنا في ضهرك .
تبتسم ابتسامة امتنان لم يرها لكنه شعر بها في نبرة صوتها بعدها :
_وانت عامل إيه مع نشوى؟!
_اهه..لا تزال مساعيها الناجحة لتكفير ذنوب العبد لله قائمة ..وأنا صابر غُلب!
يقولها بمسكنة مصطنعة لتطلق ضحكة عالية هاتفة :
_وانت الشهادة لله غلبان قوي .
يشاركها الضحك للحظات قبل أن يقول بجدية :
_حاسس إن عندها حاجة جديدة مخبياها ..بس مش عارف إيه ..الخوف اللي في عنيها بقا بزيادة ..ارتباطها بريما بقا بهوس أكتر ..بتعيط كتير وهي حاضناها حتى وهي نايمة .
_يمكن عشان تعبها الأخراني .
تقولها بتوجس ليرد بنبرة مرتابة :
_ما أفتكرش ..البنت بقت كويسة بس هي اللي بقت مش طبيعية ..مش عايز أبالغ وأقوللك بتتنفض لما تليفونها بيرنّ ..وبصراحة امبارح حاولت أقلب فيه وهي نايمة يمكن أفهم سبب ..بس المفاجأة إني لقيت سجل المكالمات كله ممسوح .
ورغم الريبة التي شاركته فيها لكنها هتفت مؤنبة :
_مش من حقك تعمل كده على فكرة ..هي من حقها تكون لها مساحتها الخاصة .
فيصدر صوتاً هازئاً ليرد :
_الكلام ده هناك ..عند "رضوى الشربيني" وجمعيات حقوق المرأة ! مراتي لازم أعرف عنها كل حاجة .
_مجتمع ذكوري متعفن .
تهتف بها بتهكم ساخر ليرد بضحكة مكتومة فضحت لها قلقه الدفين ..
فتتردد قليلاً قبل أن تسأله بحذر:
_انت بتفكر في إيه ؟! قوللي بصراحة .. ممكن يكون ..ناصر ..مثلاً ؟!
الصمت المشحون بذبذبات غضب خفية يسود بينهما للحظات
لكنها ترد بيقين :
_مستحيل ..انت متأكد زيي إن شخصية نشوى مستقيمة مش هتسمح بأي غلط ..السيناريو الوحيد اللي ممكن أتخيله إن يكون هو اللي اتصل بيها عشان يعتذر عن اللي حصل .
_ناصر ما يعملهاش ..أنا عارفه من زمان ..صحيح أنا لو شفته دلوقت ممكن أخنقه ..بس كلمة حق ..هو مش هيحاول يقرب لها بأي صورة طول ما هي مراتي .
يقولها بضيق مكتوم فتتنهد بحرارة لترد :
_جميل ..لو عايز رأيي اصبر عليها شوية وهي من نفسها هتيجي تقوللك ..هي من الناس اللي ما بتستريحش إلا في الوضوح ..وده طبع هيريحك قوي ..عشان كده ..
تقطع حديثها وهي تسمع صوتاً ما على هاتفها يجعلها تبعده لترى الشاشة ثم تقول له بقنوط:
_ده سامر ع "الويتينج" ..اقفل دلوقت لما أشوف عايز إيه ..واوعى تضحك ..
وكأنها أمرته بالعكس !!
ضحكته العالية تملأ أذنيها قبل أن تغلق الاتصال معه فتزفر بضيق ..
ثم تتنحنح بارتباك وجل وهي تفتح الاتصال مع سامر:
_خير يا سامر ؟!
_كل خير يا "شجرة الدر"! نجلاء شاورت على صورتك وهزت راسها لما سألتها عايزاها .
الحماس في صوته يربكها قليلاً فلا تفهم لأول وهلة ما يحكي عنه وسط فوضى مشاعرها الأخيرة ..
قبل أن تتذكر اسم "الحالة المشتركة" التي يعملان عليها فتصدر آهة واهنة ليكمل هو حديثه المنفعل:
_مش مصدق التطور السريع ده .
_البركة فيك يا أينشتاين ..انت اللي شخصت صح .
_بلاش تواضع يا دكتورة ..انتِ اللي حطيتِ الخطة .
يقولها بسماحته المعهودة فتبتسم لتقول بودّ:
_كان عندي حق لما قلت شغلنا سوا هيبقى مكسب .
_شغلنا ..بس؟!
ولأول مرة تشعر أنها لا تفهم نبرته ..
مزيج غريب من ضيق وارتياح!
وكأنه يدفعها لنطق ما تتلكأ في النطق به ..
لكنها تجاهلت الأمر مؤقتاً ريثما تلتقي به في المركز ..
_صعبتها عليّ يا دكتور ..ده أنا كنت عايزة أستأذنك تشيل انت الشغل لحد ما أرتاح هنا شوية ..بس كده هاضطر أرجع .
تقولها بضيق مكتوم ليرد بنفس الانفعال الحماسي:
_لا معلش ..تعالي شوفي الحالة دي بس ما صدقنا ..ولما تخف هنرتاح كلنا .
_حاضر!
تقولها باستسلام وهي تغلق معه الاتصال بتنهيدة حارقة ..
هل تجرؤ على الاعتراف أنها تخشى العودة للعاصمة ؟!
تخشى مواجهة زين الذي لا تعلم ردة فعله خاصة مع صمته المريب هذا !
_ده دكتور سامر؟!
تسمعها بصوت ثمر من خلفها فتلتفت نحوها لتومئ برأسها إيجاباً وهي تخبرها بنص مكالمته لتبتسم ثمر وهي تتقدم منها لتربت على كتفها قائلة :
_وانتِ خايفة تسافري؟!
فانحنت ياقوت لتحيط كتفي جدتها بكفيها بينما تخفي وجهها في صدرها وصمتها يفضح الجواب ..
ليصلها صوت ثمر الهادئ:
_ما تخافيش يا "بنت قلبي" ..حاسة إن الخير جاي .
فترفع إليها ياقوت عينين مرتابتين لتتسع ابتسامة ثمر مع قولها :
_هو نجح في الامتحان الأولاني لما احترم البيت اللي هو فيه وما زودش في الكلام بعد اللي قلتهوله ..يمكن لو كنت شفت في عينيه نظرة غرور كنت خفت عليكِ منه ..لكن هو عينيه كانت خايفة ..غيرته عليكِ كانت بتصرخ حتى وهو ساكت ..حمقته ما كانتش عشان "البيه" اترفض ..كانت عشان خايف يخسرك ..ناقص بس امتحانه التاني ..
ترمقها ياقوت بنظرة متسائلة لكن ابتسامتها تتشح بالكثير من الغموض وهي تعاود التربيت على كتفها قائلة :
_سيبيها لوقتها ..شوفي انتِ شغلك والناس اللي ربنا رايد يكتب لها الشفا على إيديكِ .
=======
تغادر المركز عصراً وهي تشعر بالاستغراب ..
سامر اختفى فجأة وهاتفه مغلق !!
أخبروها أنه قد خرج صباحاً من المركز ولم يعد من حينها وهو الذي تعجبته مع حماسه الذي أبداه لحضورها كي تتابع الحالة !
الحالة التي احتلت تركيزها كاملاً منذ الصباح وهي تحاول التواصل معها فتنجح مرة وتفشل مرات ..
لا يزال الطريق طويلاً كما يبدو وليس كما يظن سامر بحماسه الانفعالي المعهود ..
تتوجه نحو موقف الحافلات كي تستقل واحدة نحو شقتها ..
سيارة أجرة ؟! لماذا؟! علامَ التكلفة ؟!
ألا يكفي أنها استنزفت الكثير من مدخراتها في "حملة التطهير العرقية" التي قام بها إسلام على ملابسها ؟!
أفكارها تنقطع بشهقة خافتة وهي تشعر بالسيارة التي اقتربت منها بسرعة مجنونة لترتد عفوياً بظهرها للخلف قبل أن تميز ماهيتها ..
الزجاج المعتم ينحسر ليبدو منه وجه زين الجامد :
_اركبي .
نظرة واحدة صارمة منه لم تمكنها من فهم تعابيره قبل أن يشيح بوجهه للأمام ..
قلبها يخفق باضطراب معهود وهي تتلفت حولها ..
لقد توقعت مواجهة قريبة لكنها لم تنتظرها بهذه السرعة ..
كيف عرف أنها حضرت اليوم ؟!
هل يراقبها ؟!
لا تستبعد شيئاً كهذا !
تحسم ارتباكها لتستقل السيارة جواره فتجده يغلق زجاجها وأبوابها أوتوماتيكياً لينطلق بها بسرعة فيذكرها برهبة موقف قديم يشبه هذا بينهما ..
يتأرجح شعورها بين غضب وإشفاق على وجهه الذي بدا لها بهذا القرب شديد الغضب ..شديد الأسى ..وشديد الإنهاك ..
فتفرك كفيها وهي تشعر ببعض الذنب نحوه ..
فلتخبره أنها سترفض عرض سامر ولتنهِ الأمر !
_أنا ..
تقولها بارتباك ليقاطعها بصرامة دون أن ينظر إليها :
_ما تتكلميش لحد ما نوصل .
_نوصل فين؟!
تسأله بتوجس ليلتفت نحوها بنظرة صاعقة ناسبت هديره الصارم:
_قلت ما تتكلميش .
تكاد تصرخ باعتراض متنمر لكن هذه النظرة في عينيه تخرسها ..
لم تكن تخافه لكنها كانت تخاف هاتين العينين ..
تخافهما وهما تكتسحانها باقتدار ..
تناجيانها بضراعة ..
وتعاتبانها بقسوة !
حلقها يجف رغماً عنها فتحاول ازدراد ريقها بتوتر وهي تشيح بوجهها ..
حدسها يخبرها أنه سيذهب بها لشقتهما القديمة ..
مزيج من هوس شعوره بتملكها مع رغبته بتذكيرها بعهدهما القديم ..
لهذا لم تتعجب وقوفه أخيراً بالسيارة في نفس المكان الذي توقعته !
يترجل منها قبلها ثم يفتح لها بابها ليمسك معصمها بقوة وهو يتحرك بها نحو الأعلى ..
إعصارٌ جارف من مشاعر تكتسحها وشريط ذكرياتها بهذا المكان يمر بخاطرها من البداية للنهاية ..
تتذكر أول مرة دخلتها ليطعنها هو بفعلته ..
وآخر مرة دخلتها لتطعنه هي بفعلتها ..
وبينهما كل هذا الرصيد من المشاعر التي لم تعرفها في حياتها إلا معه ..
تسحب معصمها منه أخيراً وهي تقف معه أمام باب الشقة لترفع عينيها إليه بنظرة مزجت توجسها برجائها ..
لكنه يقابلها بتوهج "سراجي الشمس" في عينيه بهذا الغضب المكتوم قبل أن يفتح الباب ليدخلها ببعض العنف ويغلقه خلفه !
تشهق بانفعال وهي تدلف إلى الداخل فلم يكونا وحدهما!!
فهناك كان سامر الذي هب واقفاً مكانه وهو يهتف بها بانفعال:
_هم خطفوكِ انتِ كمان ؟!
وجهها يحمر بمزيج من غضب وحرج وهي تميز رجلي حراسة زين اللذين وقفا جوار سامر يرمقان الجميع بنظرات باردة ..
_هو إيه اللي بيحصل بالظبط ؟!
يسأل سامر لاهثاً بانفعال وهو يناظر زين بقلق وقد تعرف إليه ..
ليقترب منه زين وهو يمسك مرفق ياقوت بقوة فيقف بها أمامه مباشرة ..
لهجته باردة ..صارمة ..مشتعلة كألف سوط من نار:
_مش قبل ما تخطب واحدة تتأكد الأول إنها ماتخصش حد تاني ؟!
ثم يلتفت نحو ياقوت بنفس النظرة العاصفة رغم برود لهجته :
_قوليله أنا عندك إيه .
_زين لما يحب بجد هيتجنن !
تكاد تسمعها بصوت ياسمين من الماضي لكن هذا لم يشفع لهذه الثورة المندلعة بوجدانها ..
خفقاتها تتجاوز حد الجنون وهي تشعر بأنها تكاد تفقد وعيها حرجاً ..
ولو في أقصى توقعاتها تطرفاً لم تتخيله سيقدم على هذا الجنون !
الصدمة تخرسها للحظات فيرجها زين رجاً وهو يكاد يعتصر مرفقها بين أنامله :
_قوليله .
الغضب في ملامحها الآن يصارع احتقان قسماته هو فيكاد الهواء بينهما يشتعل ..
لكن سامر يقاطع الحرب الصامتة هذه بقوله :
_مفيش داعي ..أنا فهمت كل حاجة لما شفتك معاها في المركز المرة اللي فاتت ..وعرفت الرد على طلبي .
تعض ياقوت شفتها بقوة وهي تطرق برأسها الذي يكاد ينفجر غضباً ..
فيصلها استطراد سامر :
_مفيش كلام يتقال خلاص .
يقولها وهو ينقل بصره بينهما بخبرته لتلتوي شفتاه بشبه ابتسامة ..
لم يكن يشعر بالخوف المتوقع في موقف كهذا ..
لكنه كان يشعر بالإثارة من مراقبة "العشق الأهوج الغريب" في ملامح هذيْن الاثنين!!
"شجرة الدر" عاشقة !
ولا يبدو أنه عشق عادي !!
لم يتصور يوماً أن لها هذا الوجه المتوهج خلف واجهتها العملية البسيطة المعهودة ..
لكن معشوقها كذلك لا يبدو أقل منها عاطفة ..
عشقه يبدو هائجاً في عينيه الغاضبتين ..
كم يتوق لمعرفة القصة كاملة ..
هذا حقه على الأقل بعدما جفت دماؤه في عروقه طيلة الساعات السابقة التي قضاها هنا !!
فليؤجل هذا لما بعد فيبدو من النظرات المشتعلة التي يتبادلها هذين العاشقين أمامه أنهما بحاجة لحديث منفرد طويل ..
هذا لو لم يقتل أحدهما الآخر أولاً!!!
_عظيم ..مادام كده يبقى حضرتك اتفضل ..افتكر الرسالة وصلت !
يقولها زين بنبرته المحتقنة بغضبه المكتوم وهو يشير بكفه نحو الباب ..
فيتردد سامر للحظات وهو يشعر ببعض القلق على ياقوت ..
هل من الصواب أن يتركها هنا وحدها ؟!
لكنها رفعت رأسها نحوه بعينين عاصفتين هاتفة بلهاث غاضب:
_أنا آسفة يا دكتور على كل ده..اتفضل انت كفاية اللي حصل .
فتنفرج شفتاه وهو يشير نحو الباب ليرمقها بنظرة متسائلة تردها بابتسامة مشتعلة وهي تنتزع مرفقها من زين لتكتف ساعديها هاتفة:
_ما تخافش عليّ ..اطمن ..كله تمام .
لم تكد تنتهي منها حتى فوجئت بزين يقف حائلاً بينهما فلم ترَ نظرته الصارمة لسامر الذي تلفت حوله بتردد حسمه سريعاً وهو يتحرك ليغادر ..
هنا أشار زين لحارسيه إشارة خاصة ليخرجا بدورهما ولم يكادا يفعلان ليتركاهما وحدهما حتى هتفت به بثورة عارمة :
_مفيش فايدة فيك ..مش هتغيّر أسلوبك ده ؟! كل اللي يهمك تثبت ملكيتك ليّ من غير اعتبار لا لكرامتي ولا لسمعتي !
لكنه يقترب منها حتى يكاد يلاصقها ..
يحني رأسه نحوها وبحاجبين منعقدين حروفه تشتعل بثورة لا تقل عن ثورتها :
_عايزاني أعمل إيه بعد اللي جدتك قالته ؟! أقعد أتفرج وحد غيري بيقرب منك ؟! انتِ فاكرة إن ليكِ حق الاختيار ؟!
_وما أختارش ليه ؟! حقي أحسبها بعقلي قبل قلبي ..
تهتف بها بنفس النبرة الهادرة لتردف وهي تشير نحوه بسبابتها:
_لما أحب أتجوز أتجوز واحد زي سامر ..اللي زيك ..
لكنها لم تستطع إكمال عبارتها إلا بصرخة قصيرة وهي تشعر ببرودة الحائط تصفع ظهرها فجأة لتدرك أنه قد دفعها ..
قبل أن تكمم قبضته شفتيها تمنعها المزيد وسراجا الذهب في عينيه يتوهجان بلهب مخيف هذه المرة ..
_أنا عارف إنك بتقولي كده عشان ترديلي اللي قلته زمان عن ياسمين ..بس اوعي ..اوعي تفكري حتى مجرد تفكير تحطيني مع أي راجل في أي كفة ..في أي ظروف ..ولأي سبب.
تشعر برهبة حقيقية وهي تميز الجنون المشتعل في حدقتيه مع ارتجاف جسده ..
فتدمع عيناها بعجز يغلب ثورتها ..
خاصة عندما نزع قبضته عن شفتيها ليردف بنبرة متهدجة :
_أنا هنا ..وهنا ..
يشير ب"هنا" الأولى نحو صدغها وبالثانية نحو موضع قلبها ..
ثم يفعل بنفسه المثل مردفاً :
_زي ما أنتِ هنا ..وهنا !
تكتم شهقة انفعال كادت تغادر شفتيها وهي تشعر بصدرها يعلو ويهبط كمن تعدو في سباق ..
سراجا الذهب في عينيه يشتعلان بحريق هائل من غيرة ينذرها بألا تلاعب هذا الوتر الخطير يوماً أبداً !!
تغمض عينيها بعجز عن احتمال المزيد من سياط غضبه فتشعر بأنامله تزيح عنها نظارتها ببعض العنف لتلقيها جانباً ثم تمتد نحو وشاحها ليلحقه بها ..
تفتح عينيها بنظرة ارتياع وهي تشعر به يحاصرها حصاراً أقوى بكثير من حصار الجسد ..
عيناه ترمقان أذنيها بنظرة خيبة غريبة قبل أن تجده يتناول "قرط الياقوت" من جيب قميصه ليلبسها إياه بحركة سريعة أوجعتها ..
ثم يشد أذنيها معاً بقوة بين قبضتيه ليقرب وجهها نحوه هامساً بنبرة غريبة جداً بين تهديد ورجاء:
_مش هتقلعيه تاني ..أبداً !
شفتاها ترتجفان بقوة وهي تشعر أنها تكاد تتهاوى بين ذراعيه ..
كل ذرة بداخلها تلعن كل هذا الذي يفعله ..!
كل ذرة بداخلها تعشق كل هذا الذي يفعله ..!
هو مجنون ..وهي أشد جنوناً ..
فكم يليق كلاهما بصاحبه !!
لايزال يشد أذنيها بقوة قبضتيه وأنفاسه تمتزج بأنفاسها مع همسه المشتعل:
_كنتِ بتفكري في إيه وانتِ بتقلعيه وترميه وراكي ؟! هه ؟! كنتِ عايزاني أفهم إيه ؟! إنك خلاص مش ليّ؟!
فتتشوش نظراتها بغيمة من دموعها وهي ترد بهمس يشبه همسه :
_يوم ما لبستهولي قلت لي إنه بدل اعتذار مش قادر تقدمه ..طول الوقت ده كنت قابلاه ومستنية اعتذارك الصح ..لكن بعد اللي عملته ليلتها ..حسيت إن اعتذارك زي مشاعرك زي الحلق ..كلهم لازم يفضلوا مستخبيين ..في الضلمة ..وأنا مش بتاعة ضلمة يا بيه ..
دموعها تهزمها في عبارتها الأخيرة فتشعر بقبضتيه تشتدان حول أذنيها لتهتف بانفعال أكبر :
_زي ما دفنت العشرة جنيه هادفن أي حاجة تحسسني بضعفي ..هارميها تحت رجلي كأني ما شفتهاش .
_أنا اللي دفنت العشرة جنيه ..مش انتِ!
يهمس بها بانفعال ثائر لتتسع عيناها وهي تفهم عبارته بمعناها الحقيقي ..
ليس بظاهر"المنّة" بل بكل ما صرخت به حروفه من احتواء ..
من انتماء ..
من تلاشٍ لكل ما يفصل بينهما فلا هي ولا هو ..بل هو كيان واحد يضمهما معاٌ !!
كأنه يصرخ بها دون كلمات وبكل ما أوتي من قوة أن جرحها هو جرحه وشفاؤه الوحيد لديه !
_انتِ عارفة إنك لسة في عدتك؟!
بنفس الهمس المشتعل يهز بها وجهها بين قبضتيه لتتسع عيناها في ارتياع قبل أن تغمضهما بقوة ..
تعلم أن لها -شرعاً- ما يسمى ب"عدة احترازية" استوجبها حدوث الخلوة بينهما وإن لم تمكنه من نفسها ..
لكنها كانت تتمنى لو لم ينتبه هو لمثل هذا!
_أنا ممكن بكلمة واحدة ..كلمة واحدة ..أرجعك وأرجع اللي بيننا زي الأول ..ومفيش قوة على الأرض هتمنعني عنك ..
جسدها يرتجف بترقب مع كل كلمة تقصف روحها بدلالتها ولايزال همسه المشتعل يفجر ألغامه بين ربوع روحها بينما يردف :
_هنا ..هنا في نفس المكان اللي نمتِ فيه في حضني وانتِ مطمنة ..نفس المكان اللي اعترفتيلي فيه بوجع سنين ما قلتيهوش لحد قبلي ..نفس المكان اللي دمي ساح فيه وانتِ شايفة فيّ صورة ما قدرتيش تنسيها إلا بيّ أنا ..كلمة واحدة أقولها ومش مانعني عنها غير حاجة واحدة بس ..إنك تستاهلي بداية جديدة في النور المرة دي ..بداية كل اللي كان مأخرني عنها إني ..إني ..
كلماته تنقطع بفيض انفعاله الجارف وقبضتيه تتحولان لكلابتين من فولاذ ناري حول أذنيها ..
فتكتم تأوهات ألمها لكنها تعجز عن منع المزيد من فيض دموعها وهي تشعر بهذه المواجهة أقسى المواجهات التي مرت عليهما معاً ..
تحس بجبينه يلاصق جبينها دون أن تتخلى قبضتاه عن أذنيها ..
فكأنما تنتقل لوعته منه إليها ..
تشعر بجسده ينتفض أمامها وكأنما يغالب كلاماً لا يريد البوح به ..
همسه المشتعل يخفت كثيراً ..يكاد لا يسمَع..
وبنبرة متعَبة ..مستنزفة ..راجية ..يهمس أخيراً:
_افهميها من غير كلام يا ياقوت ..لأني عمري ما هاقدر أقولها .
كبرياؤه لم يقف حاجزاً بينهما هذه المرة وهي تفهم كلماته كما أرادها حتى مع عجزه عن الاعتراف بخزيه ..
تتذكر يوم أخبرها عن كوابيسه بتلك المرأة التي تخفيها عنه خلف ظهرها ..
هو يستكثرها على نفسه بعد دنس خطيئته !
ياللمفارقة!
الآن تنقلب الأدوار!!
الآن يصير "جبلها" هو الأعلى بينما يقف هو على قمة جبله يرفع إليها رأسه باشتهاء!!
الآن يعترف -دون كلمات- أن عشقها هزم غروره !!
ورويداً رويداٌ تنزاح غشاوة "عقدتها القديمة"عن عينيها فتفهم سبب كل هذا الخوف الذي يملأه ..
أنه لا يجد نفسه جديراً بها بعدما جلدته سابق خطاياه !
يبتعد بوجهه أخيراً ليتأمل عينيها بهذا القرب ..
"قمراها السجينان" أخيراً ..
أخيراٌ يتحرران ..!!
يدوران في فلك دُرّيّ يبدأ وينتهي في سماء حدقتيه !!
لم يرَ عينيها يوماً بهذا الصفاء ..بهذا التألق ..وبهذا الحنان..
كأنما تغلق رموشها على قلبه فتعصمه من كل ما يوجعه !
أنامله المرتجفة تنحسر عن أذنيها لتطوف بوجنتيها وحديث العيون بينهما يغني عن الكلام ..
قبل أن يبعدها لتشعر ببعض الخيبة لكنها تفاجأ به يضمها في عناق قوي يوازي قوة جميع أشباهه السابقة مجتمعة ..
العناق الثامن عشر ..
بنكهة "الانتماء"..
بمذاق الهويّة التي صار يجدها كلاهما في صاحبه !
وبهذا "الإعلان" بالغ الصخب ..بالغ الكتمان ..أنه لها ..وهي له !
تشعر به يرفع ذقنها نحوه فتضطرب خفقاتها أكثر وهي ترى عينيه معلقتين بشفتيها ..
لكنه يغالب نفسه بعذاب بزغ بين نظراته وهو يبعدها عنه لينتقل العذاب لحروفه التي تأرجحت بين كبت وحزم:
_كل اللي حققته في حياتي في كفة ..وانتِ في كفة ..يوم ما أرفع إيدي في إيدك قدام الناس ساعتها بس هاعترف إني وصلت لأغلى حلم اتمنيته ..أنا مالقيتش معاكي حب ..أنا معاكي لقيت نفسي ..ومستحيل بعدها أضيعكم .
لا تزال اعترافات رجل مثله بالحب تبهرها!
تزلزلها وهي لا تجد لها شبيهاً في كل ما عرفته عن حكايا العاشقين!
ربما لأنه لا يتشبث ب"تقليدية" الكلمة بل بسحر رونقها المتجدد مع كل اعتراف ..
_أفتكر دلوقت مفيش سبب يخللي جدتك ترفض ..هتروحي النهارده وتكلميها ..
يقولها وهو يتناول وشاحها ليلفه حول وجهها ..
قمرا عيناها يتنفسان حريتهما بعبير قربه ووعده ..
وسراجا الشمس في عينيه يقسمان أمامها ألا شروق ولا غروب بعد اليوم إلا في سماء غرامها ...
يقترب بوجهه أكثر ليعانق ملامحها بنظراته ثم يزدرد ريقه ببصعوبة وهو يقاوم توقه الجارف إليها ..
يقبل رأسها بعمق كأنه يمنحها المزيد من اعتذاراته غير المنطوقة فتسبل جفنيها بخجل معلنة قبولها دون شرط ..
لكن صوت رنين جرس الباب المفاجئ يجفلها فتلتفت نحوه بتساؤل ..
لينعقد حاجباه وهو يتقدم فيفتحه ولم يكد يفعل حتى ازداد انعقاد حاجبيه وهو يميز هوية الطارق الغاضب ..
إسلام !
========
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم سينابون
النصف الثاني من القطعة التاسعة والعشرين
==========
قبضته ترتفع نحو وجه زين دون مقدمات وغضبه تفضحه كل خلجاته ..
لكن زين يتفاداها بخفة ليمسك معصمه بقوة فتشهق ياقوت بانفعال ثم تندفع نحوهما بصرخة قصيرة تناشدهما التوقف ..
صرخة برّدت الكثير من جنون إسلام الذي تفحصها بنظرة سريعة منحته بعض الطمأنينة ..
ليخلص معصمه بعنف من قبضة زين مشيراً بكفه نحو الخارج مع هتافه الهادر:
_جوز التيران اللي انت حاططهم بره حراسة فيه "تلاتة" زيهم تبعي بيتعاملوا معاهم دلوقت ..هه ؟! تحب نمشيها كده استعراض عضلات ؟!
يعقد زين حاجبيه بغضب وأصوات الالتحام من الخارج تصله بوضوح ..
فيما تهتف ياقوت محاولة تهدئة الوضع:
_اهدا يا إسلام ..زين كان ..
لكن إسلام يصفق الباب خلفه بعنف ليقاطعها هادراً بعنف لم تسمعه منه من قبل :
_كان فاكر إنك زي زمان ..هيجرجرك وراه لأي مكان وهو عارف إن مالكيش حد يقف له .
تغمض ياقوت عينيها بضيق وهي تخشى عواقب هذه المواجهة ..خاصة لو وصل صداها إلى ثمر ..
فيما يكز زين على أسنانه بقوة محاولاً كظم انفعالاته ليقول بنبرته المهيمنة :
_عندي ألف رد على كلامك ده بس مش هاقوله دلوقت .
_أنا ماشفتش في حياتي بجاحة كده .
هتاف إسلام الثائر يوازي فتح ياقوت لعينيها وهي ترمقه بنظرة راجية جعلته يحاول تمالك غيظه للحظات ساد فيها الصمت ثلاثتهم ..
_هي دي بقا الشقة اللي فاكر إنك كسرت فيهت مناخير أختي ؟!
يهتف بها إسلام أخيراً وهو يدور بعينيه في المكان بنظرات مشتعلة مستهجنة ..
لكن زين يمد كفه ليحتوي يد ياقوت بقوة ثم يرفع أنفه هاتفاً بنبرة حاسمة كأنما يمزج كبرياءه هو بعزتها هي:
_دخَلِتْها وهي مراتي ..ولحد آخر لحظة في عمري مش هتبقى لغيري .
يقولها مصححاً كأنه يمنحها المكانة التي كانت وستكون لها ..ونافياً عن نفسه وعنها قبله شبهة أي امتهان .
لكن إسلام يحرر كفها منه بقوة لا تنقصه ثم يجذبها ليضم كتفيها تحت ذراعه ملوحاٌ بكفه الحر في وجه زين وبنفس النبرة المشتعلة :
_مش قرارك لوحدك ..اللي فات كوم ..واللي جاي كوم تاني ..أنا ماكنتش موجود لما اتطاولت عليها واستغليت تعب لجين عشان توصل لغرضك ..لكن دلوقت أنا هنا ..ومفيش حد هيمس شعرة من أختي إلا برضاها ..ورضايا .
يتقدم زين نحوهما خطوة ولغة جسده تفضح جنوناً على وشك الإطاحة بكل شيئ منذراً بانقلاب الوضع لكارثة ..
لكن ياقوت تنقذ الموقف وهي تتحرك لتقف بينهما فتعطي ظهرها لزين وترمق إسلام بنفس النظرة الراجية محاولة تغيير الموضوع مؤقتاً :
_انت عرفت منين إني هنا ؟!
_من الصبح بتصل بسامر موبايله مقفول وبصراحة كنت متوقع حركة غدر ومجهز رجالتي بعد اللي حكيتيهولي عن كلام الحاجة ثمر ..عديت عليكِ في المركز قالوا لي إنك لسه ماشية ..كنت لسه هتصل بيكي لقيت سامر بيكلمني وبيحكيلي اللي حصل .
كتمت ياقوت زفرتها الحانقة لتغطي وجهها بكفيها فيما هتف إسلام وهو يزيحها جانباً ليحدج زين بنظرات حارقة :
_ما فكرتش واحد زي سامر هيقول إيه وهو شايفك ساحبها وراك لحد هنا ؟!
_هيقول تخصني ..زي ما الدنيا كلها المفروض تفهم ده .
يقولها زين بصرامة حاسمة وعيناه تقدحان الشرر ليطلق إسلام صيحة مستهزئة وهو يرد بانفعال بينما يلكزه بقبضته بخفة في صدره :
_حدود علمي إن أختي حالياً حرة ..مش على ذمة حد .
_أنا طلبت إيدها من جدتها وهتوافق .
يقولها زين ببرود مشتعل وهو يرتد بظهره خطوة للخلف محاولاً كظم غضبه ليطلق إسلام صيحة هازئة أخرى ليقول بنبرة أكثر تحدياٌ :
_حدود علمي برضه إنها رفضت.
_رفضت عشان ما تعرفش اللي بيننا .
يهتف بها زين أخيراٌ بنفاد صبر ووجهه يحمر انفعالاً شاعراً بأنه يكاد يفقدها من جديد ..
لكن اليد الطولى تكون لنبرة إسلام التي تزداد بروداٌ وتحدياً :
_رفضت عشان ماتعرفش اللي بينكم ؟!! انت بجد غلبان كده ؟! فاكر الحاجة ثمر لو عرفت اللي بينكم..كله ..هتبص في وشك أصلاً؟!
_إسلام !
تهتف بها ياقوت بحزم راجٍ وهي تشعر أن زين على وشك فقد السيطرة ..
ليس غروراً هذه المرة ..إنما عجزاً وخوفاً !!
ومن مثلها يمكنه فهم شعور كهذا ؟!!
لهذا وجهت نظراتها الراجية نحو أخيها مردفة :
_ممكن نقعد ونتفاهم .
نقل إسلام نظراته المشتعلة بتحديها بينهما للحظات فاستطردت وهي تغمزه خفية :
_ممكن تتكلموا بالراحة من غير شد .
تفحصها إسلام ببصره محاولاً قراءة لغة جسدها ليستشعر أنها تخفي خيراً هذه المرة ..
وأن استجلاب زين لها هنا لم يكن تجبراً بقدر ما كان فرصة لتصحيح وضعهما الخاطئ .
لهذا ارتخت ملامحه نوعاً وهو يتقدم ليجلس بتحفز على كرسي قريب فتحرك زين بدوره ليجلس في مواجهته بنظرته الغريبة بين خوف وتحدّ ..
فيما اختارت هي الجلوس جوار إسلام الذي بادره بسؤاله :
_كلام راجل لراجل ..انت عايز إيه بالظبط ؟!
فالتمعت عينا زين بتحدّ أكبر وهو يسند مرفقيه على ركبتيه قائلاً بنبرة حاسمة :
_قلت اللي عندي للحاجة ثمر ..عايز أتجوزها .
_وأنا مش موافق .
يقولها إسلام ببرود وهو يتحرك ليجلس نفس جلسته هو فيزداد احمرار وجه زين مع تحفز ملامحه وهو ينظر لياقوت نظرة خاصة لكن إسلام بادره بهتافه الثائر:
_بتبص لها هي ليه ؟! هتتجوزك من غير رضايا مثلاً ؟!
هنا انتقلت نظرات ياقوت الراجية لزين تحاول تلجيم هذا الجنون الذي ينضح من كل خلية من جسده ..
فأغمض الأخير عينيه بقوة محاولاً السيطرة على انفعاله بشق الأنفس ليقول أخيراً ببرود مشتعل:
_وانت مش موافق ليه ؟!
_مش مستأمنك على أختي بتاريخك المشرف .
يقولها إسلام وهو يقلب شفتيه يرد له لهجته الباردة بمثلها فتسقط حروفه كالسوط على صدر زين !
كل حرف يبذر مكانه ألف غرس من وجع لايزال صداه طازجاً في وجدانه ..
فيما تكتم ياقوت شهقة انفعالها وهي تدرك أثر هذه الكلمات عليه بعدما اختبرته منه لتوها قبل مجيئ إسلام ..
اسلام الذي وقف أخيراً ليرمقه من علوّ بنظرة متحدية ..
لكن زين كذلك لم يكن بالخصم السهل وهو يتجاوز جرحه الخاص ليرد بنبرة باردة ولازال محافظاٌ على جلسته الثابتة :
_معلوماتي إن تاريخك برضه ما يقلش "شرف" عني !
اتسعت عينا ياقوت بصدمة وهي تدرك أن زين كعهده لن يترك ثغرة تخصها أو تخص أحداً لها إلا وعرفها ..
تنقل بصرها بينهما بحذر وهي تشعر بالتوتر يضخ الأدرينالين في عروقها ضخاً ..
هذا الاثنان من منهما الأخطر؟!
من منهما الأذكى؟!
من منهما الذي سيقصف جبهة صاحبه بأسرع من صاحبه ؟!
النتيجة متعادلة كثيراً كما يبدو ..
خاصة وإسلام يفرك كفيه ببرود ليميل رأسه وكأنما جهز الرد مسبقاً بسرعة بديهة لا تنقصه :
_بالظبط !..بس أنا رجعت عن الطريق ده وتبت ..ولحد ما أثق فيك زي ما أنا واثق في نفسي كده ماعنديش إخوات للجواز .
يكز زين على أسنانه بحركة بدت واضحة رغم فمه المغلق وعيناه تجابهانهما بنظرة حادة ..
ليستطرد إسلام بنفس النبرة الباردة :
_كده انت قلت اللي عندك ..وأنا قلت اللي عندي ..خالصين !
فوقفت ياقوت مكانها وهي تشعر بالتشتت بينهما لترمق زين بالمزيد من نظراتها الراجية التي تسقط برداً وسلاماً على نيران غضبه ..
قمراها "الحُرّان" يناجيانه ألا يسمح لظلمة أن تسرقهما ..ولا لغيْم أن يخفيهما ..
فيجيبها صامتاً أن : لبيكِ!
يبتلع غصة حلقه وهو يقف مكانه أخيراً ليتقدم خطوة نحو إسلام قائلاً بحسم:
_إيه الضمانات اللي عايزها ؟!
لم يكن من اليسير على رجل مثله اعتاد سطوة نفوذه أن يقف موقفاً كهذا وهو يتلقى الرفض كصفعة إهانة ..
بل ويرد بكل هذا البرود ..
لكنها وحدها تستحق أن يفعلها من أجلها !
هي فقط من يستبيح لأجلها أي قربان !!
هذا الذي كانت هي نفسها توقن به وهي ترمقه بنظرة عشق غامرة مدركة أية -خطوط حمراء- لكبريائه يتجاوزها الآن لأجلها ..
نفس الذي وصل لإسلام وهو يرمقه بنظرة متفحصة طويلة صامتاً لدقيقة كاملة ..
قبل أن يرد ببطء:
_اديني وقت أقتنع بيك ..وبعدها اتقدم تاني للحاجة ثمر .
_وقت إيه ؟! هو لسه هيتقدم وانت تقتنع ؟! انجز يا ابني ..أنا سميت ولادنا خلاص .
تهتف بها "العفريتة العابثة"داخلها باستنكار متنمر عجول بزغ فوق ملامح ياقوت بوضوح لكنها ضغطت شفتيها بقوة صاغرة لرغبة أخيها ..
فيما ضيق زين عينيه ليسأله بنبرة فائرة:
_وقت أد إيه يعني ؟!
_لحد ما أقتنع ..أسبوع اتنين ..شهر اتنين ..سنة اتنين ..انت وشطارتك .
يقولها إسلام بنبرته التي مزجت التحدي بالتسلية ليقبض زين كفيه بقوة جواره ..
لكنه فاجأه بقوله :
_موافق .
اتسعت عينا ياقوت بذهول من ردة فعله هذه فيما ارتفع حاجبا إسلام بمزيج من دهشة وإعجاب وكأنما راقه رده ..
لكنه تقدم نحوه خطوة ممعناً في استفزازه :
_ولحد ما أقوللك إني موافق ممنوع عليك تكلمها أو تشوفها ..ولو ده حصل هاعرف ..وساعتها كل كلامنا ده تبله وتشرب مَيته ..من سكات كده ساعتها تعتبر عرضك مرفوض .
فنقل زين بصره بينهما للحظات لتتركز نظراته على عيني ياقوت كأنما يخبرها صامتاً أنه يفعلها فقط لأجلها ..
قبل أن يومئ برأسه إيماءة موافقة خافتة ..
التفتت ياقوت نحو إسلام بنظرة شبه ساخطة تلقاها متجاهلاً بابتسامة كتمها وهو يجذبها من كفها الذي ضغطه براحته بقوة رفيقة ليتحرك بها مغادراً الشقة ..
ولم يكد يفتح الباب حتى سمع صوت زين الصارم خلفه :
_ولحد ما الموافقة توصلني -وهتوصلني ! - مش هاسمح لراجل غيري يقرب منها ..ساعتها مش هابقى مسئول عن رد فعلي !
فالتفت إسلام نحوه بنظرة مستهجنة ساخرة قبل أن يتحرك بياقوت التي كانت ابتسامة امتنانها آخر ما رآه زين قبل أن يصفق إسلام الباب خلفه ليغادرا ..
هنا أطلق زين زفرة ساخطة وهو يرفع وجهه للأعلى بحنق ..
لم يكن ينقصه سوى هذا المستفز كي يقف في وجه طريقه إليها ..
كأنما تنقصه العقبات!!
لكن ..لا بأس !!
هو الآخر يحتاج المزيد من الوقت كي يحصد ثمار توبته ..
كي يشعر أنه جدير بها حقاً !!
أفكاره تنقطع وهو يلمح نظارتها التي نسيتها هناك ..
فتنقلب ملامحه كلها في لحظات ..
عبوسه يستحيل لابتسامة صافية بصفاء عينيها هي ..
يتحرك نحوها بخطوات مندفعة ليتناولها بين أنامله ..
يحركها ببطء وهو يرفعها أمام عينيه يتخيل عينيها الحبيبتان تناجيانه خلفها بهذه الصورة التي تزلزل كيانه ..
فيغمض عينيه بتنهيدة قوية يزفر معها كل خوفه ..
هي له وهو لها مهما طال الطريق!
صوت رنين هاتفه يقاطع أفكاره فيطوي ذراعي النظارة ليقبلها قبلة سريعة امتزجت بابتسامة عاشقة قبل أن يضعها في جيبه بخفة ..
ثم يتحرك نحو هاتفه فيفتح الاتصال لينعقد حاجباه بشدة مع الخبر الصادم الذي تلقاه لتوه من رائد عن وفاة أمه !
======
_مش عايزة أتكلم دلوقت يا إسلام ..سيبني خمس دقايق كده أفوق .
تقولها ياقوت وهي تستقل سيارته جواره لتعود بظهرها للوراء مسندة رأسها للخلف ومردفة بهيام هامس:
_مبسوطة ..مبسوطة ..مبسوطة ..
همساتها تمتزج بابتسامتها مغمضة العينين فيتفحصها بنظرة جانبية ليقول بتهكم :
_هو شكله ظبطلك "الفولت" قبل ما آجي ..افرحي افرحي وأنا اللي كنت جاي دمي محروق وشوية شوية هاصرخ التار واللا العار..
ثم مد أنامله يشد أذنها من فوق وشاحها مردفاً :
_حسابك معايا بعدين ..إزاي توافقي تيجي معاه هنا ؟! هي دي دروسي ليكِ؟!
_آه! ...آه ! انتو كلكم مستلمين وداني ليه النهارده ؟!
تهتف بها بتوجع وهي تبعد وجهها عنه ليهتف باستنكار وقد فهم ما تعنيه :
_كلنا؟! ليه هو كان جايبك هنا يشد ودانك ؟!
جلجلت ضحكتها عالية بصفاء لم يره منها من قبل فابتسم برضا ليسألها أخيراً بجدية وهو يتفحص ملامحها بنفس الاهتمام :
_طيب ..بما إني أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك إني راجل متفتح و"سبور" فعايز أعرف بالظبط قاللك إيه قبل ما آجي .
تنهدت بحرارة هائمة لم تخجل من الشعور بها أمامه وهي تروي له ما استطاعت عن حديثها مع زين ..
جنون غيرته ..تملكه ..اعتذاره غير المنطوق ..
اعتراف حبه الذي ليس يشبهه حب ..
لتختم حديثها بقولها الذي تهدجت حروفه انفعالاً :
_ما كنتش مصدقة رد فعله معاك ..كإني قدام زين تاني ..كنت حاسة إنه بيحارب طبعه عشان خاطري ..كبيرة عندي قوي إنه يمسك نفسه عشاني .
_بس يا ماما ..بس ..هو كان يقدر يفتح بقه والغلط راكبه من ساسه لراسه ؟! قسماً بالله أنا لولا اطمنت عليكِ من نظرة عينك لا كان هيبقى فيها دم الليلة دي!
سخريته المعهودة تمتزج بحمية حقيقية تجعلها تتحرك لتربت على كتفه قائلة بتأثر:
_انتو الاتنين مسكتم نفسكم عشاني ..ما تتصورش إحساسي دلوقت إزاي ..طول العمر ده عايشة بعافر لوحدي ..مستنية الراجل اللي يرفع راسي وراس ستي ثمر قدام الدنيا كلها ..وربنا سبحانه وتعالى عوضني باتنين ..انت وهو !
يبتسم بتأثر مماثل وهو يجذبها ليعانقها بحنان قائلاً بحسم لم تغادره مشاكسته المعهودة :
_بصرف النظر عن إن ذوقك في الرجالة شبه ذوقك في الهدوم و الاتنين عايزين الحرق ..بس اللي قلتيه ده بالظبط هو اللي خلاني أتصرف معاه بالصورة دي ..لازم علاقتكم دلوقت تختلف عن بدايتها ..لازم يتعب وهو بيرفع إيده عايز يوصللك .
لكنها هزت رأسها الذي رفعته نحوه لتقول بيقين:
_صدقني هو حاسس بكده دلوقت ..شفتها في عينيه وأنا أكتر واحدة ممكن تميزها .
_برضه لازم أدوخه شوية .
يقولها بعناد وهو يبعدها ليشغل السيارة تمهيداً للانطلاق بها فتتمتم بخفوت ساخط:
_انت بتعاقبه واللا بتعاقبني أنا؟!
_بتبرطمي بتقولي إيه ؟! عللي صوتك كده .
يهتف بها محذراً بمشاكسة لتمط شفتيها باستياء فيضحك ضحكة عالية ناسبت قوله :
_مش بقوللك واقعة واقعة يعني ؟! أفصلك دلوقت ؟! هافصلك ..
يقولها محذراً ليردف بنبرة خطيرة مصطنعة :
_أنا لو منك أفكر دلوقت في ستك ثمر ..هتقولي لها إيه ؟! البيه عامل فيها رامبو وخطفك انت وسامر اللي طفش م الجوازة!
اتسعت عيناها بصدمة وهي تلتفت نحوه مدركة الورطة التي وقعت فيها ليعاود الضحك عالياً بالمزيد من الشماتة المصطنعة لكنها تمتمت بضيق حقيقي:
_ستي ثمر لو عرفت اللي بيننا هتروح فيها ..ده ما يخصنيش لوحدي ده يخص تعب لجين كمان ..
_خلاص ..مش بيقولوا (إن في المعاريض لمندوحةٌ عن الكذب)!
يقولها ضاغطاً حروفه فتبتسم لهذه المقولة القديمة التي تعني استخدام التورية لتجنب الخط الفاصل بين الحقيقة والكذب ..
_مش لايق عليك الكلام الكبير ده! ..بس معاك حق ..نمشيها مندوحة !
تهتف بها ضاحكة من جديد فيشاركها الضحك مكرراً:
_نمشيها مندوحة!
يقولها وهو ينطلق بالسيارة بسرعة أكبر تاركاً إياها غارقة في بحر أفكارها ..
وفرحتها !
تشعر أن الأيام الصادمة لن تحمل لها قلب عاشقها فحسب بل وفخر العمر كله !
=======
يراقب زين ملامحه التي تدثرت كعهده ب"قناعه المعدني" طوال مراسم الدفن بمزيج من إشفاق وحذر ..
يعلم أن رائد لم ولن يفصح عن عواطفه إلا مع شخص واحد ..
همسة!!
لكنها الآن آخر من يمكن أن يلجأ إليها ..
ليس وهو يشعر أنها شريكته في سوء المصير الذي آلت إليه أمه !
ليس وهو يخشى على وهنها المعهود أن تنتكس من فرط شعورها بالذنب!
ليس وهو يحس أن مجرد بوحه بمشاعره راحة لا يستحقها !
لهذا توجه نحوه وقد وقف أمام القبر الذي أغلق لتوه ليشد على كتفه بقوة ..فيلتفت رائد نحوه بملامحه الجامدة إلا من عينين دامعتين ..
ورجاء صامت !
هذا الذي تفهمه زين وهو يومئ له برأسه قبل أن يتحرك ليصرف الوفد المتجمع حول القبر بكلمات مقتضبة حازمة ويرحل معهم تاركاً له حرية التعبير عن مشاعره وحده ..
ولم يكد يفعل حتى جثا رائد على ركبتيه أمام القبر دافناً وجهه بين كفيه ..
وسامحاً لدموعه بالتحرر!!
لا يكاد يصدق أنها فعلتها!!
بل هو من فعلها!!
كان يعلم أن الماضي لا يزال يحكم قبضته حول عنقها لكنه لم يهتم ..
كل ما فكر فيه هو سعادته !
حقه باقتناص حلم العمر!!
قتلتها حسرة أمسها وطمعه هو في غده !!
يومان كاملان مرّا عليها وهي ميتة في بيتها لا يشعر بها أحد !!
يومان قضاهما هو متنعماً بين ذراعي عروسه !!
فأي جحود !!
الشعور المبدئي بالذنب يغلب الآن أي شعور آخر !
يرفع وجهه أخيراً ليمسحه ثم يتوجه ببصره نحو القبر بنظرات مذهولة ..
يتذكرها في آخر لقاء له بها صبيحة يوم زفافه يرجوها أن ترضى ..
يتذكر وعيدها له أن تفسد عليه ليلته ..
وصدقت!!
لم تفسد عليه ليلته فحسب بل وما بقي من عمره !!
وكيف لا ؟! وقد وصمت تاريخ زفافه برحيلها بهذه الطريقة الموجعة ؟!!
كيف ينسى ؟!
كيف ينسى؟!!
يعود إليه زين أخيراً ليرمقه بنفس النظرات الحائرة بين إشفاق وحذر ..
يعلم أن مصابه عظيم خاصة لشخصية عاطفية مثل رائد تكتم انفعالاتها خلف قناع جامد ..
لكنه -بقلب الأخ- يشفق على همسة أكثر !
همسة التي انهارت تماماً منذ سمعت الخبر وهي تحمل نفسها الذنب!!
هو نفسه يشعر بالأسى لانتهاء حياة المرأة بهذه الطريقة ..
لكنه لا يملك أن يلعن حقدها وسواد روحها الذي لازمها لآخر رحلتها !!
يربت على كتف رائد برفق فيرفع الأخير عينيه إليه بنظرة ذبيحة قبل أن ينهض واقفاً على قدميه ليقول بنبرة جامدة :
_ياللا عشان العزا .
يحاول زين اختراق حصونه طوال الساعات التالية لكنه يعلم أن لا فائدة ..
وأن الجمود الذي يزداد تراكُم ثلوجه فوق ملامحه سيبقى رفيقه لشهور إن لم يكن لسنوات ..
ويشفق عليه من انهياره الذي يوقن أنه لن يسمح لنفسه به إلا وهو وحده ..
يراه وهو يصافح الوجوه المتنوعة في سرادق العزاء -الذي أقامه في حديقة بيته- بوجه بارد ..
وجوهاً تباينت واختلفت إنما جمعها شيئ واحد ..
مزيج العتاب والازدراء!
_اتجوزت يا عريس؟! فرحت بعروستك وخليتها هي تموت بحسرتها !
يهتف بها خاله- الذي وصل لتوه - بحنق عاتب ليحتقن وجه رائد فيما يستطرد الرجل وهو يندفع نحوه مهاجماً :
_ياريت تبقى مبسوط دلوقت ..أهي مشيت وريحتك وريحت الكل !
_مالوش لازمة الكلام ده دلوقت .
يهتف بها زين بصرامة في وجه الرجل الذي ضرب كفيه ببعضهما هاتفاً بحدة :
_علامات آخر الزمان ..قتلها وواقف ياخد عزاها !
_اتفضل معايا لو سمحت .
يقولها زين بنفس الصرامة التي لا تخلو من تهذيب وهو يلاحظ الهمزات الجانبية التي انبعثت من الحضور ..قبل أن يجذب الرجل برفق من ذراعه لينتحي به جانباً محاولاً امتصاص الحقد النابض في كلماته ..
فيما بقي رائد واقفاً مكانه بجمود كأنه لا يرى ولا يشعر بكل ما يحدث ..
وداخل بيت رائد حيث خصص العزاء للنساء لم يكن حال همسة أفضل كثيراً ..
غمزات النساء حولها مع نظراتهن السوداء تكاد تحرقها حرقاً ..
_ماتت بحسرتها لما اتجوز المجنونة !
تسمعها من مكان ما فلا يمكنها تمييز القائلة ..
بل لا يمكنها رفع رأسها !
أَسوَد ..أسود ..أسود ..!
كل ما حولها تلون بالسواد هكذا فجأة وهي التي لم تكد تنهل فرحة بياض أيامها بعد !
_مش هيفرح ..ذنب مامته هيفضل في رقبته طول عمره !
تهتف بها إحدى قريبات سوزان بنشيج باكٍ حانق وهي ترمق همسة بنظرة نارية ..
لترفع إليها الأخيرة وجهاً يمزج الخوف بالذنب بالحزن ..وما أقساه من مزيج !
لكن هذا لم يشفع لدى المرأة التي هتفت بها بحقد وسط دموعها :
_يارب تخلفي ولد ويسيبك تموتي لوحدك زيها عشان تحسي بعملتك ..منك لله !
هنا تندفع بعض النسوة يهدئن المرأة المنفعلة لكن صوت زين هدر فجأة وسطهن وقد وقف عند الباب :
_ولا كلمة زيادة ..
ترفع إليه همسة عينين مستغيثتين غارقتين بدموعها وهي تشعر بالغربة وسط جمع يكاد يحرقها بنظراته ..
في "بيت الأحلام" الذي ظنت أن لن ترى فيه حزناً أبداً!
ودون وعي تنتفض واقفة لتهرع إليه فيضمها إليه بحنان يناقض الصرامة التي توهجت في نظراته قبل كلماته :
_أنا مقدر المفاجأة والمصيبة والظروف ..بس البيت ده بيت رائد ..ودي مراته ..همسة الفايد ..اللي ما يحترمش البيت وأصحابه يتفضل من غير مطرود !
صمتٌ مطبق يسود المكان بعد عبارته والرؤوس تطرق بمزيج من حزن ورهبة ..
ليسحب هو همسة نحو الخارج ..
وبالتحديد نحو "كوخها الملون" الذي أغلق بابه خلفهما لتنخرط هي في البكاء هاتفة ورأسها على كتفه :
_الحمد لله إنك جيت ..أنا حاسة إني في كابوس ..فين رائد ؟! مش عارفة أكلمه من ساعة اللي حصل ..خلليه ييجي خمس دقايق بس ..عشان خاطري .
لكنه يربت على ظهرها ليرد بحنان مشفق:
_سيبي رائد دلوقت .
_أسيبه ؟!
تهمس بها بارتياع وهي ترفع إليه عينيها ليهز رأسه هاتفاً بتعقل:
_تعالي عندي اليومين دول لحد ما الضغط اللي حواليكم يخف شوية .
لكنها لم تكن تعي شيئاً مما يقول لتتمتم بما بدا كالهذيان وهي تهز رأسها كالمغيبة :
_أسيبه ؟! أسيبه ؟!
هنا رفع زين ذقنها ليثبت عينيها في عينيه قائلاً بحزم رفيق:
_مؤقتاً يا همسة ..كام يوم بس لحد ما الانفعالات كلها تهدا .
_هو قاللك كده ؟!
تهمس بها برعب ليزفر هو بقوة هاتفاً:
_انتِ عارفة رائد في الظروف دي ما بيتكلمش ..بس أنا خايف عليكِ .
_وأنا خايفة عليه ..
تهمس بها بحرارة وهي تبتعد مردفة :
_هاسيبه لمين ؟! وإزاي؟! وأنا حاسة إني أنا السبب؟! هي قالتلي إنها هتفرق بيننا ..وهو قاللي ما أصدقهاش ..معقول؟! معقول المفروض أصدقها ؟! هاسيبه ؟! هيسيبني؟! بعد كل ده ؟!
همساتها تنقطع بفيض دموعها فيعاود زين ضمها وهو يشعر بخوف حقيقي ..
لو كان الأمر يخص دعمه هو لمنحها كل ما يملك ..
لكنه لا يعرف كيف سيتصرف رائد في هذا الموقف ..
همسة لا تزال حديثة العهد بتعافيها ويخشى أن تردها كلمة واحدة ل"نداهة عالمها" القديمة المتجبرة ..
لهذا لا يملك إلا أن يبعد كلاهما عن الآخر ريثما يستعيدا بعض صفائهما !!
_ما تخافيش من أي حاجة ..موقف صعب بس أنا واثق فيكِ إنك هتعديه !
يقولها محاولاً بث قوته إليها لترفع إليه عينين شاردتين للحظات ..
قبل أن تتمتم بمزيج غريب بين حسم ووهن :
_معاه! ..هاعديه معاه !..زي ما اتعودنا العمر كله !
=====
_رائد ..افتح.
تهتف بها همسة بصوت باكٍ أمام الغرفة التي انعزل فيها وحده عقب انتهاء مراسم العزاء مغلقاً بابها خلفه بالمفتاح لكن الصمت القصير يكون جوابه فتعاود طرق الباب بقوة أكبر مردفة :
_عشان خاطري ..عشان خاطري افتح ..
المزيد من الصمت بعدها ثم يفتح هو الباب مطرقاً برأسه هارباً من لقاء عينيها ..قبل أن يعطيها ظهره وهو يشعر أن كل خلية بداخله تئن ألماً ..
لا يريد الكلام ..لا يريد النظر ..لا يريد السمع ..بل ولا يريد الإحساس !
يتمنى في هذه اللحظة لو تملك روحه نفس القناع المعدني الذي يجيد وجهه تصنعه !
تتحرك لتقترب منه هاتفة بوجل بين فيض دموعها :
_انت زعلان مني ؟!
يغمض عينيه بالمزيد من الألم والكلمات كلها تموت على شفتيه ..
فتردف بحرارة وجسدها كله ينتفض بحدة بكائها:
_والله العظيم لو كنت أعرف إن ده هيحصل كنت رضيت أتحرم منك العمر كله .
يبتلع غصة حلقه بصعوبة وهو يبتعد عنها أكثر ..
لأول مرة في عمر هواهما يشعر أنه عاجز عن الاقتراب منها ..
هو الذي لم يعدم حيلة لفعلها عندما كانت لا تستطيع رؤيته ..بل ولا سماعه ..
والآن ..تكون هكذا ملء عينيه ..لكن بينهما ألف حاجز!
لا يلومها ..وربما لا يلوم نفسه ..
لكنه لا يجسر على الاقتراب !
_زين عايزني أروح أقعد معاه اليومين دول لحد انت ما تهدا ..
تغمغم بها بلوعة وهي تشعر بظهره المواجه لها أقسى من كل الجدران المغلقة التي عاشت تهابها !
تتمنى لو يرفض ..لو يصدر ولو همهمة اعتراض ..
لكنه بدا جامداً مكانه كأنه هو الآخر يرى هذا الأفضل ..
لها !
هو عاجز عن احتواء وجعه فماذا عن وجعها هي ؟!
كفه الآن خاوية ..فلتبتعد حتى يسترد بعض قوته كي يمكنه منحها دعمه من جديد !
صمته يطول لدقيقة كاملة مرت عليها ثوانيها كدهر فعادت تهمس برهبة غمرها العتاب:
_أروح ؟!
ظلت تكررها مرة بعد مرة كأنما ترجوه في كل مرة أن يمنعها ولو بإشارة ..
لكن تهدل كتفيه مع إطراقة رأسه منحها الخيار الأقسى الذي جعلها تمد أناملها نحو كتفه لتهتف بحرقة بين دموعها :
_خلاص؟!.. ما عدتش عايزني ؟! ..
ثم ينخفض صوتها أكثر حد الهمس:
_كرهتني؟!
لم تكد تنتهي منها حتى فوجئت به يلتفت نحوها ليجذبها بين ذراعيه بقوة آلمتها كأنه لم يحتمل منها هذا السؤال بالذات ..
رأسه مدفونٌ بين حنايا عنقها وأنفاسه اللاهبة تصلها مشبعة بوجعه ..
كل قناعات قوته تنهار فجأة وهي تسمع صوت بكائه كطفل صغير ضالّ وجد فيها أمانه ..
لم تره يوماً على هذا الحال منذ كانا صغاراً ..
وبالتحديد منذ وفاة والده ..
ليلتها هرب من الجميع ليبكي أمامها هي !!
_أنا آسفة ..حقك عليا ..قل لي أعمل إيه عشانك ..قل لي إيه يرضيك ووالله هاعمله من غير ما أفكر .
تهمس بها بمزيج براءتها وعشقها المذهل فتزداد حدة بكائه وهو يعتصرها أكثر بين ذراعيها مع همسه المتقطع بارتجافه :
_ده بالظبط الكلام اللي طول عمري نفسي أسمعه منها هي ..طول عمري كان نفسي أحس إنها فاهماني ..إني مهم عندها ..إني بره حساباتها القديمة ..كان نفسي ولو مرة واحدة أحس إنها عايزاني مبسوط ..راضي ..إنها حاسة بيا ..فرحتي فرحتها ووجعي وجعها ..لكن دي موتت نفسها يوم فرحي! ..يوم فرحي! ..كأنها لآخر لحظة بتحسسني إن سعادتي مش فارقة معاها ..
تتأوه بحرارة وهي تشعر أن الحمل هذه المرة أكبر منها بل وأكبر منه!
لا تعرف ما الذي يجب عليها فعله ..ولا إن كان حقاً يمكنها فعله ..
لكنها تركت غريزتها تقودها وإن خرجت كلماتها متلعثمة ..بسيطة ..فوضوية ..حارة.. حنون.. قوية.. و صادقة :
_أنا فاهماك ..أنا حاسة بيك ..أنت أهم حد عندي ..انت دنيتي كلها ..
تقولها وتعيدها دون ملل بينما تربت على ظهره حتى هدأت حدة بكائه مع استطراده بألم :
_ليه عملِت كده ؟! مش قادر أتخيل إزاي هانت عليها نفسها ؟! ماتت لوحدها ؟! لوحدها ..يومين بحالهم لوحدها وأنا ما أعرفش ..صورتها مش عايزة تسيبني ..بعاتبها وبتعاتبني ومش قادر أحكم مين فينا اللي ظلم التاني !
يتأوه أخيراً بخفوت فتكتم دموعها وهي تشعر بقسوة معاناته ..
جسده يترنح بها للحظة فتتشبث به مدركة مدى إعيائه لتهتف به برجاء:
_عشان خاطري تعال نام ..انت واقف على رجلك م الصبح .
_أنام؟!
يهمس بها بنبرة غريبة بين استنكار ورجاء فتتحرك به بينما تجذبه برفق نحو الفراش المجاور قائلة :
_حتى لو ما نمتش ..استريح بس ..
ينهار مستلقياً على ظهره على الفراش وكأنما لم يشعر بتعب جسده إلا في هذه اللحظة فقط !
فتستلقي جواره لتضمه إليها بصمت مكتفية بالتربيت على ظهره ..
يشعر بجفنيه يتثاقلان فيغمض عينيه ليهمس لها بعد صمت قصير:
_روحي عند زين اليومين دول .
يقولها وتشبث ذراعيه الراجي بها يناقض قوله فتتفهم أسبابه لكنها تقبل وجنته بقوة لتربت على رأسه هامسة :
_مش بعد ما قربنا هنبعد تاني ..مش بعد كل اللي عشناه سوا ..أنا هافضل معاك زي ما انت فضلت معايا طول العمر ده ..أنا واثقة إن حضنك أأمن مكان ليا زي ما حضني أريح مكان ليك ..مش ..
همساتها تنقطع وهي تشعر بانتظام أنفاسه وتراخي ذراعيه حولها ..
كأنما منحته كلماتها ما كفاه من طمأنينة لينام كما كان يرجو ..
تتنهد أخيراٌ ببعض الارتياح الذي تخلل شعورها العظيم بالذنب وهي تداعب خصلات شعره برفق متمهل لدقائق طالت حتى اطمأنت لاستغراقه التام في النوم ..
هنا منحته قبلة ناعمة على جبينه قبل أن تغادر مكانها لتخرج من الغرفة نحو الحديقة الخارجية كي تتمكن من إجراء هذا الاتصال الذي تحتاجه الآن بضراوة ..
ياقوت!
========
_هيثم !
تهتف بها جيلان بفرحة وهي تجده يدخل عليها البيت الذي فتح بابه بنفسه هذه المرة ليتقدم نحوها ..
تنتفض مكانها لتهرع إليه فيعانقها بقوة لتنساب دموعها غزيرة دون تحكم :
_طولت الغيبة المرة دي قوي يا حبيبي .
فيتحشرج صوته وهو يجد لدموعها نفس الصدى في قلبه :
_خلاص يا ماما ..أنا ..رجعت .
يقول كلمته الأخيرة بنبرة ذات مغزى فترفع وجهها إليه بفرحة عارمة لتنساب أناملها فوق وجنتيه كأنما تريد التيقن من صحة ما تشعر به :
_انت افتكرت؟! رجعت لك الذاكرة ؟!
يتردد للحظة واحدة فقط كأنما يشعر أنه بمجرد البوح بهذا فهو يقطع عنق حبه ويلقي به خلفه ..
لكنه فعلها!
يومئ برأسه إيجاباً فتنطلق ضحكاتها حارة مشعة وهي تعاود ضمه نحو صدرها هاتفة بحروف متلعثمة :
_الحمد لله ..الحمد لله ..كنت خايفة قوي ما ترجعليش ..كنت خايفة أموت لوحدي زي سوزان ..وأخسركم زي ما خسرت كل حاجة في حياتي ..
تقولها وهي تستشعر قسوة ذاك الشعور الذي عضف بها منذ علمت عن وفاة صديقتها المقربة وحدها في بيتها ..
يقولون أنها انتحرت بعدما فقدت أملها في ابنها لكنها تحفظ سوزان جيداً ..
لن تفعلها وهي في عقلها !
لكن ..ربما فقدت عقلها حقاً!
أفقدتها إياه الوحدة ..الخسارة ..الخذلان ..
ومن مثلها يمكنه الشعور بمزيج الأحاسيس اللاذع هذا عندما تجتمع معاً؟!!
_ما تعيطيش يا ماما ..أنا آسف ..أوعدك مش هابعد عنك بعد النهارده .
صوته كان متحشرجاً ..خافتاً ..بالغ الإنهاك كأنما استنزفته الساعات الماضية التي قضاها يجوب الشوارع سيراً على قدميه ..
لا يكاد يفعل شيئاً سوى النظر لموضع خطواته !!
كأنه يكاد يستصرخها أن تدله على الطريق !!
ألا يزال يجهل الطريق حقاً؟!
ألا يزال هناك متسع للحيرة ..للتردد ؟!!
لقد كان يمني نفسه بالعيش مع قلبه في جنة وهمه الخاصة ..
تماماً مثلها هي ..
ولم يعلم كلاهما أن جحيم الواقع هو منهما أقرب ..وأولى!!
كيف يصف شعوره في تلك اللحظة وهو يرى في ذاك الرجل المعتدي عليها صورة أبيه ؟!
كيف يتجاهل ذاك الهاجس الذي عصف به وقتها أنها من شجعته ؟!
أنها استدرجته كما فعلت مع حسين ..
وربما لها هذه المرة "دافع" أيضاٌ!!
السخرية السوداء تظلل الخاطر الأخير له فتلتوي شفتاه بابتسامة بمذاق الدموع ..
ضميره يجلده ..
يذكره أنه تركها وحدها هناك تتلقى لعنات الناس واتهاماتهم الباطلة ..
قلبه يلعنه ..
يستصرخه أنه مزّق كل أستار العشق التي نسجها لها طوال تلك الليالي كي يستر خلفها عورات خطيئتها ..
وحده عقله يناصره ..
يخبره أنهما فشلا في أول اختبار حقيقي وأنها أبداً لن تتخلص من وزر أبيه في عينيه ..
يؤازره وهو يدور به في فلك الحقيقة ..
هو ليس لها ..كما هي ليست له !!
_انت بتعيط يا حبيبي؟!
تهتف بها جيلان بجزع وهي تراقب خيط دموع سقط على جانب عينه ..
ليرتجف جسده وهو يخفي وجهه في تجويف عنقها كأنما يستر ضعفه في حنايا هذا العناق ..
عيناه تتعلقان بباب غرفة مكتب أبيه المغلق فيختض جسده وهو يتخيله سيخرج الآن منه كما اعتاد يشاكسه بمزاحه ويحكي له عن آخر مشاريعه "الخيرية"!!
وهم..
وهم ..
لماذا يستنكرون عليه رغبته في عيش غده في وهم ..
ألم يكن الأمس كله وهماً ؟!
_أنا عارفة انت حاسس بإيه ..طعم الغدر وحش قوي ..لدرجة إنك بتتمنى لو كنت فضلت تعيش مخدوع عمرك كله ..أرحم من إنك تعرف الحقيقة ..
تقولها بصوت ذبيح وهي تضم رأسه بقوة كأنها تمزج عنفوان ضعفه بضعفها ..
بل وتخلط هشاشة قوتها بقوته ..
كلاهما في هذه اللحظة كان توأم صاحبه في الجرح ..
_أخوك ما حسش بينا لأنه فهم من بدري ..فهم إننا عايشين جوه كدبة ..لكن أنا وانت بس اللي خدنا الضربة فجأة فوقعنا على ضهرنا ..
تقولها بمزيج القوة الواهن العجيب هذا لترفع وجهه إليها أخيراً فتهتف بنبرة أعلى وسط نشيج دموعها :
_بس أنا ماربيتكش على الضعف ده ..انت ابني أنا ..ابن جيلان ..
_وابن حسين!
يتمتم بها بمزيج من خزي وألم لكنها تهز وجهه هاتفة بالمزيد من الانفعال كأنها قطة شرسة تدافع عن صغيرها :
_ارمي الماضي ورا ضهرك ..كله ..سافر وسيب البلد دي لو هتفكرك بذنب باباك ..العمر كله لسه قدامك ..وأنا ..أنا معاك .
يهز رأسه بعجز مغمضاً عينيه مع آهة عميقة مشبعة بكل هذا الوجع الذي يصرخ بداخله ..
ليرتجف صوتها من جديد وهي تسأله بنبرة ذات مغزى:
_انت ..هتكمل مع..معاها ..حتى بعد ما الذاكرة رجعتلك ؟!
سؤالها لم يحمل استنكاراٌ بقدر ما حمل خوفها ..لوعتها ..ورجاءها !!
فيفتح عينيه وهو يفهم من تعني ليروعه مزيج مشاعرها المتلاطم على صفحة وجهها ونبرتها القوية ترتعد مع شرود عينيها:
_أنا ما شفتش حسين وهو بيخونني ..بس شفت بناته ..وشفتها هي ..عشان كده غصب عني ..غصب عني مش هاقبلهم ..هم صورة خيانته اللي عاشت حتى لو هو مات ..يمكن إخواتك يكونوا ضحايا ..ويمكن هي كمان تكون معاها حق زي ما بيقولوا وكانت عايزة تنتقم لقريبتها ..بس مش بإيدي ..مش بإيدي ..
انهارت باكية في عبارتها الأخيرة مزيحة قناع قوتها الذي كانت تتوارى خلفه ليضمها إليه بقوة وهو يكتم آهة ملتاعة كادت تغادر حلقه ..
لا يلومها ..لا يلومها وهو يستشعر نفس الإعصار الذي يكتسحه بقوته ..
نفس النار تكويهما معاٌ ..
نار تبدأ وتشتعل وتتوهج بعينين لم يعشق مثلهما في حياته.. ..
ولا ينبغي له إلا أن يكرههما كما لم يفعل في حياته !!
_اطمني يا ماما ..الموضوع ده انتهى!
يقولها بحسم يمتزج بلوعته مدركاً أنه لم يبق أمامه الخيار فتتنهد بارتياح لتقبل وجنتيه ثم تمسح وجهه هاتفة بفرح :
_احنا خلاص لقينا مشتري للبيت ..هنجيب واحد تاني نبدأ بيه حياة تانية ..ما تشيلش هم حاجة ..فاكر لما كنت صغير وكنت تيجي تشتكيلي من حاجة مضايقاك ..كنت بقوللك إيه ؟!
ابتسامة مريرة تداعب شفتيه وهو يتذكر ما تحكي عنه ليجيبها بشرود :
_بكرة هيبقى أحلى.
فتمتزج ضحكتها الانفعالية بدموعها وهي تتيقن من استعادته لذاكرته فتعاود ضمه بقوة هاتفة :
_حمدالله على سلامتك يا حبيبي ..
ثم تبعده عنها هاتفة :
_هاخلليهم يحضروا لنا الأكل ..حتى لو مش جعان ..أنا وحشني قوي إني أكل معاك .
لكنه يتنهد مطرقاً برأسه مع قوله :
_فيه مشوار مهم لازم أروحه الأول..
ترمقه بنظرة متسائلة فيهيأ إليها أن جسده ينتفض كأنما يعاند روحه كي تخرج كلماته :
_هاروح أجيب هدومي وحاجتي من هناك عشان أقفل الباب ده للأبد .
=======
تقف شهد على باب غرفة والدتها تراقب ملامحها النائمة بحنان بائس ..
لقد حاولت قدر استطاعتها تمالك انفعالاتها عقب عودتها للبيت لكن "بوصلة" قلب الأم لا يضل مؤشرها طريق أبنائها !!
لقد شعرت بحالتها وسألتها عن السبب لكنها فعلت ما تجيد القيام به عادة ..
ما يسمونه هم "كذباً" وتسميه هي "غطاء"!
غطاء يقي مثلها البرد الذي ينخر كالسوس في عظام روحها المرتعدة !!
هي لا تكذب ..هي فقط ترسم خطوط اللوحة التي تريد العيش فيها فيصرّ القدر كل مرة أن يمزق لها الورق!
تغادر الغرفة نحو شرفة صالة بيتها البسيط تراقب الشارع المظلم في هذا الوقت من الليل وقلبها يرتعد خوفاً وترقباً ..
أين عساه يكون قد ذهب؟!
هاتفه مغلق!
وكيف تركها هكذا وحدها في موقف بشع كهذا ؟!!
أمعاؤها تتقلص وهي تتذكر ما فعله بها ذاك الحقير في المحل عندما أخبرته برغبتها في ترك العمل فأظهر موافقته ليطلب منها إحضار شيء ما من المخزن ..
ولم تكد تهبط إليه حتى فوجئت به خلفها ي...
تبسط راحتها على شفتيها مقاومة شعورها بالغثيان ومحاولة كتم دموعها ..
لماذا تخلى عنها هيثم؟!
لماذا هرب بهذه الطريقة الغريبة عن طباعه الحمائية نحوها؟!
هل هو غاضبٌ منها لأنه حذرها من ذاك الرجل وطلب منها ترك العمل ؟!
لقد أطاعته دون نقاش وهو رأى بنفسه هجوم الرجل السافر عليها ..
لكنه لم يضربه ..
يده توقفت في وسط الطريق !
لماذا تركها وحدها وسطهم تتلقى لعنات ظلمهم ؟!
لماذا؟! ..لماذا ..لماذا؟!
ألف سؤال يدور بداخلها والإجابة واحدة ..
واضحة ..
لكنها لا تريد تصديقها !
ليس هكذا!!
تعلم أن حبهما لا غد له لكن ليس من العدل أن ينتهي بهذه الطريقة !!
موتٌ رحيم!!
هذا فقط هو ما صارت ترجوه لعلاقتهما!!
تشهق بانفعال وهي تراه يظهر أخيراً عند أول الشارع فتحاول قراءة ملامحه لكنه كان متهدل الكتفين مطرق الرأس متسارع الخطى كأنه يريد الخلاص من شيئ يطارده ..
تلهث بانفعال وهي تبسط راحتها على صدرها لتتحرك نحو باب الشقة فتفتحه لتجده أمامها ..
ملامحه جامدة كأنما قدت من صخر ..
وحدهما عيناه كانتا تصرخان !!
يقترب منها بخطوات بطيئة ..بطيئة ..
لكنها كانت تشعر بكل خطوة كألف واحدة إنما ..للخلف!!
هو لا يدنو ..هو يبتعد ..يتلاشى!!
حاجباه المنعقدان يبدوان لها كجناحي صقر هائج فوق عينين عاصفتين كبركان ..
فتهرب منهما عيناها نحو شفتيه ..
لعله ينطق فيكذّب شعورها هذا الذي يعتصر قلبها ..
لكن شفتيه بقيتا صامتتين ..موحشتين ..مظلمتين كقبر هجره الزائرون!
ولآخر لحظة تقاوم ..
تتشبث بفرشاتها التي ترسم لوحتها الخاصة رغم أنف الظروف ..
ترسم ابتسامة مرتعدة على شفتيها وتحاول التظاهر بالمزاح:
_ما عرفتكش كده ..من امتى يعني عندك الجري نُص الجدعنة ؟!
لكنه وقف قبالتها لا يغير من وضعه شيئاً سوى ضمه لقبضتيه جواره ..
فاقتربت منه خطوة ليشعر بنبضات قلبها الهادرة تكاد تقذف قلبها بين كفيه مع همسها الذي عجزت عن المزيد من التظاهر فيه :
_كنت فين ؟! ومشيت كده ليه ؟!
نظراتها المرتعبة تكاد تقتله فيغمض عينيه هرباً من مشاعره ..
صورة ذاك الرجل ينتهكها تجتاح ذهنه متشحة بطيف أبيه فينتفض جسده مثلها إنما ..غضباٌ !!
_ليه ما حكيتش الحقيقة وقلتلهم إنه كذاب؟! ليه ما دافعتش عني وقلتلهم إني مظلومة ؟!
_أعرف منين إنك مظلومة ؟! واحد زيه هيتجرأ عليكِ ليه في مكان أكل عيشه بالصورة دي إلا لو كنتِ انتِ اللي شجعتيه !
يهتف بها بنبرة ميتة عبر عينيه المغمضتين فتشهق بارتياع وهي تعود للخلف خطوة هاتفة :
_انت بتقول إيه ؟! انت مصدق عني كده ؟!
يالله !!
كم يود الآن لو يفتح عينيه!!
لو يعانق ملامحها للمرة الأخيرة !!
لكنه يخاف وهنه أمامها من جديد ..
يخاف هواجسه وشكوكه ..
يخاف رؤيتها خائنة ..
ويخاف أكثر رؤيتها بريئة !!
صوته الميت لايزال يغرس نصله المزدوج في قلبيهما معاً ونبرته تعلو تدريجياٌ :
_وليه لأ ؟! ..أكيد مش هتعملي كده من غير سبب ..أكيد عندك مبرر زي اللي كان عندك وانتِ بتعملي كده برضه مع ..بابا!
صرخة خافتة تطلقها وهي تعود للخلف أكثر ..
صرخة روح تحتضر!!
لم تكترث ببشاعة اتهامه ..بطغيان ادعائه ..بقسوة ظلمه ..
كل هذا لم يكن شيئاً أمام القدم التي سحقت قصر رمالها لتجعله هباء منثوراٌ !!
ها هي ذي النهاية التي طالما عاشت تتوقعها كي لا تفاجأ بقسوتها ..
لكنها تجدها هاهنا أكثر قسوة ..أكثر بطشاٌ ..أكثر وجعاٌ !!
والسؤال يحمل الجواب في باطنه ..
وكلاهما لا يعني لها سوى حكم إعدام :
_انت ..افتكرت؟!
هنا لم يستطع إغماض عينيه أكثر ففتحهما لتبدو دموع غضبه الحبيسة بينما يتقدم نحوها هاتفاٌ بحدة أججها مزيج غضبه وعجزه :
_أيوة افتكرت كل حاجة ..افتكرت الوش البريئ اللي خدعتيني بيه وانتِ بتلفي من ورايا عشان توقعي أبويا ..نفس الوش اللي شفتك بيه قدام الراجل التاني في المحل ..عايزاني أصدقك تاني إزاي ؟! آآمن لك تاني إزاي ؟! وانتِ أرخص عندك حاجة نفسك!
كلماته لم تكن مجرد حروف بل سياط ألهبت روحها وقلبها ..
تكاد تستصرخه أن يتوقف ..أن يتفهم ..
لكن دفاعاتها ماتت على شفتيها لتدثرها بالمزيد من الدموع ..
_شهد!
النداء الواهن رغم خفوته يمتزج بلوعة مرتاعة فتلتفت نحو والدتها التي وقفت مستندة على باب غرفتها ترمقهما بنظرة مصعوقة ..
جسدها المريض لا يحتمل وقفتها فتترنح مكانها وهي تشير لها بسبابة مرتجفة :
_معناه إيه اللي بيقوله ده ؟! انت ..انت ..
كلمات المرأة تتحشرج في حلقها فيتجمد هيثم مكانه وهو يشعر -لتوه- بحجم الكارثة المنتظرة ..
فيما تندفع نحوها شهد لتسند جسدها هاتفة بارتياع وسط شهقات دموعها :
_هافهمك ..والله العظيم هافهمك ..الحكاية مش ..
لكن حروفها تنقطع والمرأة تطلق أنّة ألم ممسكة بصدرها فيفيق هيثم من جموده ليهرع إليها كي يسندها معها هي ..
يحاول البحث عن كلمات تهون ما سمعته ولو كذباً لكنها تسقط مكانها بين ذراعيهما !
======
_صحيتوا امتى؟!
تهتف بها نشوى بصوت لم يغادره نعاسه وهي تناظر xxxxب الساعة التي لم تتجاوز السادسة بعد ..
فيما كان إسلام يجلس مع ريما على مائدة السفرة لتندفع الأخيرة نحوها حاملة "غنيمتها" هاتفة :
_شفتي يا مامي ؟! بابا عمللي عروسة المولد .
ترمق المجسم الورقي في يد ابنتها بنظرة غريبة لتغتصب ابتسامة بدت شديدة التكلف ثم تقول بصوت متحشرج:
_حلوة قوي ..قلتيله شكراً ؟!
ثم تلتفت نحوه لتسأله باستغراب:
_لحقت عملتها امتى دي؟!
فابتسم وهو يشير لحاسوبه المحمول قائلاً:
_مطبق من بالليل ع اليوتيوب ..بس النتيجة تستاهل ..الفنان فنان برضه .
يقولها مشيراً لنفسه بإعجاب فترتجف ابتسامتها بعاطفة حقيقية نحوه صار يميز شعاعها وسط هذا الظلام الذي يحوط مشاعرها ..
_الحقي البسي هدومك على بال ما أعمل السندوتشات ..الباص زمانه جاي .
تقولها نشوى مخاطبة صغيرتها التي لوحت بالمجسم الورقي في يدها هاتفة :
_هاوريها لأصحابي ..هاقوللهم بقا عندي بابا بيعمللي حاجات حلوة .
عبارة الصغيرة كانت عفوية تماماً لكنها جعلت عينيها هي تدمعان وهي تنحني نحوها لتضمها بقوة وقد بدت من معاناة ملامحها أنها تكتم بكاءها ..
يتفحصها ببصره للدقائق القادمة بقلق رغم مرحه الظاهري مع ريما التي ارتدت ملابسها لتمنحها هي حقيبتها ..
ثم تمشط لها شعرها بخفة فيصطحبها هو نحو الخارج كي تلحق بحافلة المدرسة ..
تراقبهما نشوى عبر الشرفة الواسعة لتدمع عيناها من جديد وهي ترى ريما تحتضنه بقوة قبل أن تلوح ب"العروسة الورقية" لزميلاتها في الحافلة التي صعدت إليها لتختفي عن ناظريها ..
قلبها يخفق بمزيج من الامتنان والذنب كعهدها معه ..
لكنها الآن تضيف لهذا المزيج مكوناً آخر ..
الخوف!
الخوف أن تفقده وتفقد نفسها الجديدة التي بدأت لتوها تعشقها معه ..
أفكارها تنقطع وهي تلاحظ أن وقفته مع مشرفة الحافلة قد طالت بينما الأخيرة تضحك وتتمايل في وقفتها بدلال أثار غيظها ..
ما بالها هذه ؟!
ألم ترَ رجالاً من قبل ؟!
وهو؟!!
لماذا يقف هكذا مستجيباً لها ؟!
لماذا لا يتركها ويصعد ؟!
غيرة حارقة تخطف نبضاتها وهي تستطيل على أطراف أصابعها فيكاد نصفها العلوي كله يتدلى من السور كأنما ستقفز نحوهما كي تقتلع عيني تلك المستفزة ..
وعينيه هو قبلها !!
هو الذي صعد أخيراً لتتلقاه بعاصفتها :
_كانت بتقوللك إيه وبتضحكوا كده ؟!
فارتفع حاجباه ليقول متسلياً:
_مش فاكر !
_هتستعبط ؟!
تقولها وقد وصلت إليه لتلكمه بخفة في كتفه فيتأوه بمبالغة هاتفاٌ :
_آه ! خلاص افتكرت ! كانت بتسألني أنا أقرب إيه لريما؟!
_وقلتلها إيه ؟!
تسأله بتشكك ليهز كتفيه متعمداً استفزازها :
_حطي نفسك مكاني ..واحدة صاروخ كده بتسألني السؤال ده هارد أقول إيه ..
ورغم أن لهجته كانت تفضح رغبته الظاهرة في مشاكستها لكنها عقدت حاجبيها بقوة وهي تشعر بسخونة قوية في جسدها كله مع استطراده :
_شفتي حلوة إزاي ؟! شفتي لون شعرها البنفسجي ده ؟! أول مرة أشوف لون الصبغة دي في مصر ..وكمان لدغة في الراء ..شفتيهاش وهي بتقول "ويما" ..طالعة منها زي "السكوّ"..
يقولها محرفاً حرف الراء ل"واو" مقلداً لكنة المرأة لتزداد ملامحها احتقاناً ..
فيزيد هو الجرعة مضيفاً:
_درجة الروج كمان لايقة قوي مع ..
تنقطع عبارته فجأة وهو يجدها دون مقدمات تندفع نحوه لتلصق شفتيها بشفتيه بينما ذراعاها يتعلقان بعنقه بقوة عاصرة !
لا ..لم تكن قبلة بقدر ما شعر بها إثبات ملكية برد فعل عصبي عنيف!
يرتد للخلف مجفلاً للحظة وهو يتشبث بها قبل أن يرد لها بضاعتها بكرم ..
أناملها تمنحه "شارة تعريفه" على عنقه فيخفق قلبه بعنف أكبر هذه المرة وهو يشعر باستجابتها هذه المرة مختلفة ..
كأنما تستمد منه صك ملكيتها له ..
كأنما تنتزع منه اعترافاً أنه لها وحدها ..
كأنما تصهر بلهيب عاطفته كل غيرتها ..
خوفها ..
تخبطها !!
كل ما فيها غريب ..مميز ..
حتى ردود فعلها على حماقاته تشعره دوماً أنها -في جانب خفي- كابنتها مجرد طفلة !!
يقرأ خوفها الصامت بقلب صار يحفظ دواخلها فيضمها نحوه في عناق قوي كأنما يمنحها اعتذاراً غير منطوق عن تعمده استفزازها ..
رغم إن ردة فعلها راقته ..راقته كثيراٌ !!
ترفع إليه أخيراً عينين دامعتين ..غامضتين ..عاتبتين ..
ومعتذرتين !
فيمنحها أروع ابتساماته ..
أنامله تتخلل خصلات شعرها وعيناه العابثتان تمزجان حنانه بمشاكسته :
_أحلى صباح ده واللا إيه ؟!
لكنها تطرق برأسها لتبتعد شاعرة بالخزي -المعهود- من نفسها ..
ها هي ذي تفقد السيطرة على انفعالاتها يوماٌ بعد يوم ..وساعة بعد ساعة ..
كسيارة فسدت مكابحها لتنحدر من حافة الهاوية !!
بعض الخشونة تتسلل لنبرتها اللاهثة وهي تهتف دون تفكير بأقرب ما خطر في بالها :
_البس دبلة .
_نعم؟!
يقولها باستنكار فتزفر بقوة محاولة السيطرة على هذه القبضة العاصرة لقلبها ..
تبتعد عنه لتعطيها ظهرها متمالكة مشاعرها المشتتة بهتافها العصبي:
_إيه الغريب؟! البس دبلة عشان الناس تعرف إنك متجوز ..عشان محدش يستغرب علاقتك بريما ..عشان مش كل واحدة مستحلية نفسها تقف تتدلع معاك ..
_وانتِ متضايقة كده ليه ؟!
يقولها بنبرة عادت إليها مشاكستها وهو يقف قبالتها مقتنصاً نظراتها المتأرجحة بين عاطفتها وانفعالها ..
لتلوح بكفيها مستعيدة طبيعتها "الشوكية"وهاتفة بعصبية :
_عشان عندي دم !..عشان مش طبيعي أسيب ست غيري تبص لواحد المفروض إنه جوزي .
لكنه يحيط خصرها بكفيه هامساً:
_سمي الحاجات بأساميها يا "شِرِس" ..
تعقد حاجبيها بتساؤل فيغمزها مردفاً:
_اسمها "غيرانة" !
تتأفف بضيق وهي تزيح كفيه عن خصرها لكنه يعاود التشبث به محتكراً نظراتها بقوله الذي ازداد دفؤه رغم اتشاحه بعبثيته المعهودة :
_قوليها ورايا ..سهلة جداً ..غيرانة عليك ..مش طايقة واحدة غيري تبص لك ..عشان انت مش جوزي وبس ..انت ..انت إيه ؟! كمللي انتِ ناصحة وهتعرفيها لوحدك !
وجهها يزداد اقتراباً لوجهها مع كل كلمة ينطقها حتى يكاد جبينه يلاصق جبينها في كلمته الأخيرة ..
ترتجف خلاياها بدغدغة لذيذة وهي تنساق خلف لحن يعزفه لها باقتدار خبير ..
لكنها تنتزع نفسها من هذا كله شاعرة بذات القبضة العاصرة تخنق قلبها أكثر .. لتبتعد أخيراً فتهتف وهي تتحاشى لقاء نظراته :
_انت صاحي رايق ..أنا هاروح أحضر الفطار عشان ورايا شغل كتير في المصنع النهارده .
تقولها وهي تتفلت من بين ذراعيه فيهتف بها بمكر:
_والدبلة ؟!
_براحتك .
تقولها بفظاظة لا تتعمدها وهي تعطيه ظهرها لتبتعد لكنه يتحرك بسرعة ليعيق طريقها فيقف قبالتها قائلاً بنبرته المشاكسة :
_أنا هالبس دبلة بس مش هالبسك دبلتي دلوقت ..عارفة ليه ؟!
السؤال الأخير يمزج عاطفته بخيبته بأمله في مزيج عجيب لا يليق إلا بغرابة علاقة كهذه ..
فترده بنظرة حملت كل هذا المزيج إنما بإضافتها هي الخاصة ..
الاعتذار مع وجع الذنب !!
وكالعادة تمارس ما تجيده في الهروب فتتجاهل سؤاله مجبورة لتتحرك نحو المطبخ تاركة إياه خلفها ..
تحاول الانشغال بتحضير الإفطار والهروب من أفكارها لكن ..
قدمت السبت مع الحد مقدما..
وحاسبت ع المشاريب ودفعت التمن ..
ولا عنب الشام طايله ولا بلح اليمن ..
الكلمات الغريبة على أذنيها تنبعث فجأة بصوتٍ عالٍ من الخارج وبلحن صاخب راقص فتبتسم رغماً عنها وهي تركز في معانيها قبل أن تسمعه يدندن معها بصوت عالٍ ..
صوته يقترب مع اقترابه وهو يدخل إليها أخيراً مخفياً كفيه خلف ظهره كمن يداري مفاجأة :
دلعتك أد ما دلعتك وزيادة ..
وشربت المر عشان خاطرك وزيادة ..
وبحبك وانت بتتقل وبتتمادى ..
تلتفت نحوه فيعلو صوته وهو يميل رأسه متصنعاً الاندماج ومكملاً :
_راضيني ..راضيني ..حبيبي راضيني..
فتتحول ابتسامتها لضحكة قصيرة مختنقة كأنما تقاوم بها انفعالاً عصبياً تداريه غير قادرة على تحمل المزيد ..
ليرفع كفه أخيراً بمفاجأته نحوها :
_عروستك! ..عملتهالك من بالليل وقلت هاخلليها مفاجأة أديهالك في نص اليوم تخفف توتر الشغل ..بس مادام طلعتِ غيّارة كده اتفضليها دلوقت..بدل ما تحقدي على ريما !
ملامحها تتجمد للحظات وهي تناظر المجسم الورقي الذي صنع شبيهه لابنتها إنما -باختلاف- فسره بقوله :
_بس معلش فيه فرق !..عروستك "كيرفي" ..وعملت فستانها بمواصفاتي المزاجية المطابقة لأعلى معايير الانحراف .
يغمزها بها بمكر فتنتبه لثوب العروس الذي كان مكشوفاً كثيراً عن ثوب عروس ابنتها المحتشم !!
كان يتوقع رداً فظاً على وقاحته كعهدها معه ..
لكنه فوجئ بها تطيل النظر لما في يده طويلاً وجسدها يرتعد ارتعادة خفيفة كأنما ذهبت في عالم آخر ..
قبل أن تدمع عيناها فتغمضهما بقوة لتكتف ساعديها كأنها تمنح نفسها دعماً لم يكفها على الأغلب ..
فهمست بخفوت وبصوت يكاد لا يسمع :
_احضنني!
عقد حاجبيه للحظة وهو يهيأ إليه أنها لم تتفوه بها ..
لكن لغة جسدها كانت تصرخ بها بصخب عبر صمتها المريب هذا !
يعانقها بقوة وهو يخفي وجهها في صدره فيفاجأ بانهيارها الباكي هائجاً دون مقدمات :
_قوللي إن كل حاجة هتبقى كويسة ..قوللي إنك هتفضل معانا ..
يعقد حاجبيه بقوة محاولاٌ احتواء انفعالاتها غير المفهومة ودموعها تكوي قلبه كياٌ !
يكاد يقسم أنها تخفي ما يقصم ظهر احتمالها ولهذا تنهار فجأة لأتفه سبب !
لتستمر همساتها الباكية :
_قول إني ما عدتش هخاف ..قول إني من حقي أفرح .
_مش لما تقوليلي انت الأول؟!
يهمس بها بحزم حنون غريب على مرحه المعهود فترفع إليه وجهها المبلل بالدموع بنظرة متسائلة مرتعبة ..
ليضع ما بيده جانباً ثم يمسح دموعها بأنامله وعيناه تتفحصان ملامحها باهتمام مردفاً:
_مخبية إيه ؟!
تنفرج شفتاها والمزيد من الخوف يحفر أخاديده على وجهها ..
لكن هذا لم يساوِ شيئاً أمام الرعب الذي تملكها مع صوت رنين هاتفها الذي صدح فجأة من الخارج ..
لكنها حاولت تمالك نفسها وهي تتحرر من ذراعيه لتندفع نحو الهاتف مغادرة المطبخ ..
لكنها لم تكد تتناوله حتى فوجئت به يلحق بها لينتزعه منها بنظرة صارمة وبحركة خاطفة !
شهقتها المكتومة توازي نظرتها المرتعبة وهي تراه يفتح الاتصال على الرقم الذي لم يكن مسجلاً باسم ..
_صباح الخير يا عروسة ..ياريت ما أكونش أزعجتك في وقت زي ده ..
الصوت الحقير المتهكم يصلها في مكانها فتحاول انتزاع الهاتف من إسلام لكنه يضع سبابته على فمه محذراً بنظرة صارمة لتنكمش على نفسها برعب ليواصل الصوت الكريه بث سمومه بمفاجأته الصاعقة :
_هساعدك تفكري كويس مادام اليومين اللي فاتوا ما كفوكيش ..ريما حبيبة بابا معايا دلوقت وطالعين ع المطار ..هتسافر معايا معززة مكرمة لحد ما المبلغ اللي اتفقنا عليه يتحط في حسابي ..غير كده تنسي خالص إن ليكِ بنت .
=======
انتهى الفصل التاسع والعشرون
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الرابع وخمسون 54 - بقلم سينابون
القطعة الثلاثون
======
_اللي انت عايزه هادفعهولك بس إياك تسافر ..وإلا وديني وما أعبد لا أجيبك ولو في آخر الدنيا ..وهاخد البنت ولو اضطريت آخد روحك قبلها .
يهتف بها إسلام بصرامة وعيناه تتابعان نشوى بقلق وقد انهارت أرضاً تصرخ صرخات قصيرة تكتمها بكفها من آنٍ لآخر ..
ليصمت الرجل على الجانب الآخر من الاتصال وكأنما فوجئ بتدخله قبل أن يقول بسماجة :
_اتكلم على أدك ! مفيش في إيدك حاجة تعملها ..بنتي وحقي أربيها في حضني بعد ما أمها اتجوزت ماهو مش معقول أسيبها لراجل غريب ..طيارتي قدامها ساعة ..انت وشطارتك ..هات الفلوس وخد البنت !
يقولها ذاكراٌ المبلغ المطلوب ثم يغلق الاتصال بعنف دون انتظار الرد الذي اعتبره مسلماً به ..
لينعقد حاجبا إسلام بمزيج من غضب وعجز ..كيف يمكنه تدبير مبلغ كهذا في ساعة ؟!
لكنه يتمالك نفسه بسرعة كعهده في المصائب فيلقي الهاتف جانباٌ ليتوجه نحو هذه المنهارة أمامه فيرفعها من ذراعيها نحوه هاتفاً بغضب خالطه الكثير من الإشفاق:
_هو ده اللي كنتِ مخبياه ؟! الزفت ده كان بيبتزك لما عرف إنك اتجوزتيني ..فاكر إن تحت القبة شيخ مع سمعة الوالد المحترمة ..وطبعاً مارضيتيش تحكيلي عشان كالعادة خفتِ أبعد وأسيبكم ؟!!
تتسع عيناها بدهشة للحظة من ذكاء استنتاجه فتمنحه نظرتها الجواب قبل أن تعود الدموع تنهمر من عينيها وهي تدرك أن أسوأ كوابيسها قد تحقق!!
ذاك الوغد الذي تذكرها وابنتها فجأة بعدما علم عن زيجتها الثانية من إسلام ..لتفاجأ به يطلب منها مبلغاً كبيراً نظير أن يسمح لها بحضانة ريما ..
الخوف الذي ملأها من ساعتها منعها من إخبار أحد محاولة إقناعه باللين أنها لا تملك هذا المبلغ ولا حتى إسلام ..
ماطلته طامعة أن ينسى الأمر بمرور الوقت خاصة وهو مقيم خارج البلاد ..
لكنها لم تتوقع أن يعود خصيصاٌ كي ينفذ فعلته الخسيسة هذه ويرحل بابنتها!!
_مش قادرة أطلب منك أكتر م اللي عملته ..مش قادرة أقوللك رجعلي بنتي ..أنا هاتصرف وأ ..
تقولها بصوت مرتجف يدعي القوة وهي تمسح دموعها بينما جسدها كله ينتفض فاضحاً هشاشة خوفها ليقاطعها وهو يهزها بعنف هاتفاً :
_بنتنا ! ريما دلوقت بنتي زي ما هي بنتك ..على جثتي يخطي بيها خطوة واحدة بره مصر !
ورغم اليقين المطمئن في صوته لكن تصوّر العكس يجعلها تنهار في البكاء من جديد ليسقط رأسها على كتفه فيربت على ظهرها هاتفاً بغيظ رغم إشفاقه :
_أشرف كمان أكيد ما يعرفش ..كالعادة اتصدرتِ للمشكلة لوحدك !
لم ينتظر جوابها الذي يعرفه يقيناً من درايته بشخصيتها ليدفعها برفق هاتفاً بعجلة :
_حسابنا بعدين ! هاغير هدومي عشان ألحق .
يقولها ليندفع نحو غرفته فتلحق به هاتفة بلهفة بين دموعها :
_هتعمل إيه ؟!
_هادبر له المبلغ .
_إزاي؟!
_هتصرف!
يهتف بها بحسم وهو ينهي ارتداء ملابسه ليربت على كتفها بسرعة فتهتف به :
_استناني هالبس وآجي معاك .
_مش دلوقت ..اصبري لحد ما أدبر أموري ومش هاروح من غيرك ما تقلقيش.
يقولها ليعاود التربيت على كتفها بخفة قبل أن يهرول بخطوات شبه راكضة نحو الخارج فتبسط راحتها المفرودة على صدرها وهي تشعر بفرط التفكير يكاد يصيبها بالجنون ..
ترفع رأسها لأعلى بدعاء حار امتزج بشهقات بكائها قبل أن تندفع نحو هاتفها لتتصل ب..أشرف!
=====
_إيه؟! امتى وإزاي؟!
يصرخ بها أشرف بارتياع فتنتفض رانيا جواره ممسكة ببطنها المنتفخ بقلق ليصلها صوته الغاضب وهو يحدث نشوى عبر الهاتف:
_دماغك ده هيوديكي في داهية ! ما قلتيش لجوزك ماشي ..لكن أنا ماقلتليش ليه ؟!
صوت بكائها العاصف على الجانب الآخر من الاتصال يرقق قلبه نوعاً فيهتف بها بعجلة :
_اقفلي دلوقت وأنا هاكلم إسلام نشوف هنتصرف إزاي .
يغلق الاتصال بعنف فتهتف به رانيا مستفسرة لتشهق بارتياع وهي تستمع للتفاصيل قبل أن تهتف باستنكار:
_الحقير! سايبهم طول السنين دي وجاي يفتكر دلوقت إن ليه بنت !
_كنت عرفت إن شغله هناك مش ماشي وظروفه مهببة..هتلاقيه لقاها فرصة يبتزها لما عرف إنها اتجوزت إسلام .
يقولها وهو يتناول ميدالية مفاتيحه وهاتفه استعداداً للخروج لتهتف به :
_وهو عرف منين؟!
_الحاجات دي ما بتستخباش ..المشكلة في الغبية اللي ما قالتلناش كل الوقت ده لحد ما ضرب ضربته الجبان .
يهتف بها بضيق نافد الصبر وهو يتوجه نحو باب الشقة لتهتف مدافعة :
_مش غبية ! انت عارف نشوى ما بتحبش تشيل حد همها ..أكيد كانت فاكرة نفسها هتحلها لوحدها ..المهم دلوقت هتعمل إيه؟!
_هاكلم إسلام وأروح له نشوف هندبر المبلغ إزاي ..
يقولها وهو يفتح الباب ليزفر بسخط مردفاً:
_المشكلة إننا حتى لو دفعناله اللي هو عايزه المرة دي مش هيبطل يبتزنا ..ده طماع أنا عارفه .
تعقد حاجبيها بقوة مدركاً صحة ما يقول فتفكر للحظات قبل أن يسري الخاطر على شفتيها فجأة :
_كلم ناصر!
_نعم!
يهتف بها باستنكار فترد بلهفة محاولة إقناعه :
_فكر بس بالعقل! ناصر جدع ..وقف جنبك أيام أزمتك ..وأنا متأكدة إنه لو عرف دلوقت هيكسر الدنيا على دماغ الراجل ده ! انت ما ينفعش تدخل البوليس في موقف زي ده لأنه أبوها ومفيش أب هيخطف بنته خصوصاً إن نشوى ما معهاش ورق قانوني يثبت الحضانة ..وكمان مفيش وقت نشوف حد تاني معرفة نكلمه ..الوقت ضيق !
يعقد حاجبيه وأنامله تعتصر الباب المفتوح هاتفاً من بين أسنانه:
_أكلمه إزاي يا رانيا بعد عملته السودة يوم الفرح ؟! ده سود وشنا قدام الناس كلها !
فتربت على كتفه مهدئة بقولها :
_دي حاجة ودي حاجة ..يمكن تكون دي فرصته يكفر عن غلطته معاكم خصوصاً إن الجوازة دي كانت هتبقى مأساة للكل والحمد لله ربنا عوضها باللي أحسن منه ..أنا متأكدة إنه مش هيتأخر لو عرف ..صدقني هو الحل الأسرع والوحيد دلوقت .
يزداد انعقاد حاجبيه للحظات وهو يفكر فتمنحه إيماءة مشجعة تجعله يزفر زفرة ساخطة قبل أن يغلق الباب بقوة متخذاً قراره و..يجري الاتصال !
=======
في سيارته ينطلق ناصر بسرعة مجنونة نحو المطار ..
منذ كلمه أشرف وهو يجري اتصالاته كي يضمن ألا يغادر ذاك الوغد بالطفلة قبل أن يلحق بهما !
ربما لم يحمل قلبه مشاعر خاصة نحو نشوى لكن مشاعره نحو أشرف لم تتغير طوال هذه السنوات ..صديق يود لو لا يخذله !
كفاه ما حدث تلك الليلة عندما تسبب في فضيحة لا يظنها ستنسى بسهولة !!
كذلك مشاعره نحو ريما كانت حقيقية تماماٌ ..بل لا يخجل من الاعتراف أنها الطفلة الوحيدة التي أثارت بداخله شوقه للأبوة وهو الذي يحاول قدر استطاعته دفن هذا الشعور لأجل سها !
سها!
اسمها يؤجج شعوره بافتقادها حد الجنون ..
وبغضبه منها حد العجز!!
لا تزال تبني في كل يوم ألف حاجز بينهما ولايزال هو يحاول هدمها !!
أفكاره تنقطع بوصوله لأرض المطار فيرصف سيارته جانباً ليعقد حاجبيه بقوة متوعدة وهو يغادر نحو صالة الانتظار ..
يقلب بصره باحثاً بين الوجوه بسرعة حتى يراها هناك ..
ريما تبكي دافنة وجهها بين كفيها !
وفي مكانها كانت ريما تشعر بالخوف وهي لا تفهم ماذا يحدث ..
عندما أخبرتها المعلمة أن والدها ينتظرها بالخارج ظنته إسلام ..
لكنها فوجئت به هو!!
يعانقها ويقبلها ليخرج بها من المدرسة زاعماً أنهما في طريقهما لنزهة ..لكنها سمعت مكالمته مع أمها !
_ريما!
يهتف بها ناصر فترفع وجهها نحوه بضيق لأول الأمر قبل أن تميز ابتسامته المطمئنة وهو ينحني ليحملها متجاهلاً أباها الذي هتف به بحدة :
_انت مين ؟! شيل إيدك عن بنتي!
لكن ناصر أشار لأحد أصدقائه بثياب الشرطة والذي تقدم منهما ليقلب الرجل بصره بينهما هاتفاً بتوجس:
_فيه إيه ؟! أنا ما عملتش حاجة ..دي بنتي ومسافرة معايا وورقنا سليم .
تجاهله ناصر تماماً وهو يقبل وجنة ريما ليقول برفق:
_هاكلم بابا كلمتين وانتِ روحي مع عمو دلوقت .
يقولها مشيراً للضابط صديقه فيصرخ والدها باستنكار:
_تروح فين ؟! الطيارة فاضل عليها ربع ساعة .
يقولها مضطرباً وهو يشعر بتفلت الخيوط من يده ..خاصة وقد اتصل به إسلام منذ خمس دقائق فقط يخبره أنه حضر المبلغ المطلوب وهو في طريقه إلى هنا ..
لكن ناصر ينزل ريما أرضاً ليشير لصاحبه برأسه قبل أن يميل على أذن ذاك الوغد هامساً بصرامة مخيفة :
_مش عايز البنت تسمع كلامنا ..سيبها تمشي معاه بالذوق أحسنلك .
يهم باعتراض صارخ لكن النظرات المتوعدة في عيني ناصر وصاحبه تبث الخوف في عروقه فيتحرك الضابط مبتعداٌ بريما لمسافة مناسبة فيما يرفع له ناصر "بطاقة عمله " بحركة مهددة فيتوجه ببصره نحوه هاتفاً بغضب:
_فيه إيه ؟! أنا مايهمنيش ظابط ولا عشرة ..دي بنتي مش خاطفها !
فيفاجئه ناصر وهو يجذبه بعنف من ياقة قميصه ليشهق الرجل بخوف مع عيني ناصر المشتعلتين بغضبه رغم برودة صوته:
_دلوقت افتكرت إن ليك بنت؟! اسمع بقا اللي عندي عشان معاد طيارتك قرب وأنا صبري قليل ..تحب ترجع الداهية اللي جيت منها بكرامتك واللا أبيتك الليلة دي في الحبس ؟! وقبل ما تفكر بحذّرك ..انت مش عارف الحبس اللي بيوصي عليك فيه ظابط بيبقى عامل إزاي .
_أنا ماعملتش حاجة ..هتحبسني ليه ؟!
يهمس بها الرجل برعب وهو يزدرد ريقه الجاف بصعوبة محاولاً تخليص ملابسه من قبضة ناصر لكن الأخير ضغط بها أكثر على صدره حتى آلمه ليعاود همسه القاسي:
_ألف تهمة وتهمة مستنية اسمك القذر يلبسها ..اللي زيك حلال فيه يتعامل بمعاملته القذرة .
تتسع عينا الرجل بخوف يزداد تدريجياً مع كلمات ناصر:
_عارف في الربع ساعة اللي فاضلالك هنا دي ممكن يتعمل كام بلاغ ضدك ؟! كام واحد يشهدوا إنك اتهجمت عليهم ؟! بلاش! ..كام تسريبة كده يطلعوا إنك بتنتمي لجماعات محظورة ..والأخيرة دي بالذات هتتروق فيها قوي!
تشحب ملامح الرجل وهو يتراجع عنه بظهره قائلاً بصوت مرتعد:
_بس ده ظلم .
فيبصق ناصر على الأرض جواره في إشارة ذات مغزى ليقلب شفتيه بازدراء:
_البجاحة ليها ناسها فعلاً .
يسمع الرجل صوت النداء معلناً وصول طيارته فيتلفت حوله بتردد يحسمه ناصر وهو يلوح بسبابته قرب عينه حتى كاد يصيبها:
_تنسى "أخت أشرف" وبنتها نهائي ! المرة الجاية مش هاديك تحذير قبل ما تلاقي نفسك في مصيبة انت مش أدها!
يقولها مشيراً لنشوى ب"أخت أشرف" كأنه يصفها عفوياً بالصفة الوحيدة التي يجدها لها في نفسه ..
وربما لأنه لا يزال عاجزاً عن نطق اسمها بعد شعوره الرهيب بالذنب نحوها ..
وربما ب"نزعة صعيدية فطرية تربى عليها صغيراٌ" أراد إبعادها -شخصياً- عن هذا الأمر وليكن للرجال فحسب!
لايزال الرجل يتلفت حوله بترقب كأنه ينتظر وصول إسلام بالمال لكن ناصر يلكمه في صدره ببعض العنف هاتفاً بازدراء:
_فاهم يا "......."؟!
ينهي سؤاله بسبة بذيئة يرتعد لها الرجل أمامه خاصة مع النظرة القاسية في عينيه ليومئ برأسه في استسلام قبل أن ينحني ليلتقط حقيبته لكن ناصر يعاود قوله بنبرة آمرة:
_استنى ! لسة الأهم !
فيعاود الاستقامة بجسده ليلتقط ناصر ورقة من جيبه ناوله إياها مع قلم :
_ده تنازل منك عن حضانة البنت ..تمضيه الأول وأنا هاوثقه بطريقتي!
فيرفع إليه الرجل عينين صاغرتين قبل أن يوقع باستسلام ليقول أخيراً بنبرة ساخطة :
_ألحق طيارتي بقا.
لكن ناصر وضع الورقة في جيبه ليقول بنبرة آمرة :
_فاضل أهم حاجة ..هتنادي ريما دلوقت وتقوللها بالحرف اللي هاقوللك عليه !
وفي مكانها وقفت ريما تناظرهما بقلق طفولي رغم محاولات الضابط اللطيفة للتواصل معها ..
لترتجف بخوف وهي ترى ناصر يشير لها أن تقترب ..
تتقدم نحوهما بارتباك وعيناها تحاولان فهم ماذا يحدث ..
لم تكن صغيرة إلى هذا الحد كي لا تفهم ما يدور ..
والدها يريد المال كي يوافق على أن تبقى مع أمها ..
ويبتعد هو من جديد !
وإلا فسيرحل ويأخذها معه بعيداً عن هنا!!
لهذا لم تصدق حنانه الزائف وهو يحملها ليقبل وجنتيها قبل أن يقول ما تلقنه من ناصر:
_أنا آسف ! انتِ بس كنتِ واحشاني وكنت عايزك تقعدي معايا شوية ..انتِ جميلة قوي وأنا بحبك ..خلليكي فاكرة كده حتى لو بعدت ..خللي بالك من ..ماما!
تدمع عيناها بشعور طفولي بالنفور ..
حتى في هذا العمر الصغير يمكنها تمييز الكذب !!
لهذا ما كاد ناصر يتلقفها منه ليحملها هو حتى دفنت وجهها الباكي في كتفه ..
فيما رمق ناصر الرجل بنظرة زاجرة تزامنت مع الإعلان الثاني عن طائرته فغادر مسرعاً تلاحقه نظرات ناصر المزدرية ..
والذي ربت على ظهر ريما برفق قبل أن يتناول هاتفه ليتصل بأشرف كي يطمئنه ..
======
_الظابط البطل أنقذني زي ما كنت دايما تحكيلي ..
تهتف بها ريما مخاطبة نشوى من بعيد وهي تفتح لهما ذراعيها بينما يتقدم ناصر نحوهما جوار أشرف حاملآ إياها ..
فيتجمد إسلام مكانه جوار نشوى وهو يشعر بحجم الصراع في داخله بين حقده على صاحبه ورغبته في شكره ..
إذا كان حاله هو ..فماذا عنها هي؟!
لقد هاتفه أشرف يخبره بما كان ويعتذر له عن إبلاغه ناصر بالأمر فلم يكترث سابقاً إلا بسلامة ريما ..
لكنه الآن وهو يشعر بالطمأنينة على الطفلة يجد القلق ينهش صدره من اتجاه آخر !
هي !
كيف تقيم الأمور في هذه اللحظة ؟!
كيف حال قلبها الذي طالما أتعبه ؟!!
عيناه تتوهان عن العالم كله وتتركزان على ملامحها في هذه اللحظة كأنما يتبين فيهما نتيجة اختبار لم يعش في حياته أقسى منه ..
يراها تتركه لتركض نحوهما فتعميه غيرته وهو لا يدري لأيهما يركض قلبها قبل نظراتها ..
لكنه يبقى مكانه مختارا خلفية المشهد ..!
يبصرها بعينين مغشيتين بجحيم عاطفته وهي تتلقف الصغيرة من بين ذراعي ناصر الذي وقف مطرقا برأسه بمزيج من خزي وحرج ..
تمطرها بقبلاتها وتعتصرها بين ذراعيها مستعيدة روحها التي ظنتها فارقتها ولن تعود ..
لكن ريما تقطع هذا اللقاء العاطفي الصاخب وهي تلتفت نحو ناصر من جديد هاتفة:
_كنت زعلانة منك بس خلاص ..انت بطلي .
فيتلقاها هذا الواقف بعيدا كصفعة على وجه غيرته ..
لو كان هذا شعور ابنتها ..فماذا عنها هي ؟!
يطرق برأسه وهو يشعر بكل ذرة في جسده تشتعل ..ثم تنطفئ !
أي جحيم هذا !
_بابا!
تهتف بها ريما وهي تتفلت من بين ذراعي نشوى لتركض إليه هو بسرعة فينحني ليحملها بين ذراعيه مخفياً صراعات ملامحه في شعر الصغيرة التي طوقته بكلا ذراعيها هاتفة بين دموعها:
_كنت عارفة إنك هتيجي وتاخدني في حضنك تاني ..انت بابا اللي عمره ما هيسيبني أبداٌ .
_أبداً ..أبداً ..
يكررها وهو يغرق وجهها بقبلاته قبل أن يعاود إخفاء وجهه في كتف الصغيرة كأنه يخفي معه كل انفعالاته ..
يزدرد ناصر ريقه بتأثر وهو يراقب الموقف بحرج ..
فيما تنهمر دموع نشوى وهي تجد خطواتها تنسحب نحو إسلام وصغيرتها ليحط ذراعاها أحدهما فوق كتفه والآخر على ظهر ابنتها ..
الرعب الذي عاشته طوال الدقائق الماضية يكفي عمراً بأكمله ..
لكنها لا تنكر لحظات السكينة التي غشيتها وهي تشعر بظله هو يحميها ..
لهفته الصادقة ..سرعة تصرفه لتدبير المبلغ المطلوب من علاء رغم أنه لم يكن يملكه ..غضبه من ذاك الوغد لأجلها ووعيده أن يلقنه درساً لو رآه ..
ربما شاء القدر أن يتصدر ناصر مشهد البطولة -كما عاشت عمرها قديماً تراه -
لكن قلبها الآن يدرك أن إسلام كان البطل الحقيقي هاهنا ..
ولو خفي دوره عن كل العيون فستظل صورته نقشاً على مقلتيها هي!
تنقطع أفكارها عندما يرفع إسلام وجهه أخيراً لتلتقي عيناهما للحظة واحدة ..
لكنها حملت مشاعر ألف دهر ..
الخوف الذي قرأته عيناها يجعل أناملها تتشبث بكتفه بقوة وهي تعض شفتيها كأنها تعتذر ..
لكنه في هذه اللحظة كان عاجزاً عن قراءة عينيها ..
وقد بدت له كطلسم جهل شفراته !
نظراته تتحول نحو ناصر الذي تقدم منهما بخطوات حاسمة ليتنحنح بخشونة وهو يستخرج الورقة من جيبه ليناولها لإسلام متحاشياً النظر لنشوى تماماً مع قوله مراعياً وجود ريما :
_ده تنازل عن حضانة البنت وما تقلقش ..اللي حصل مش هيتكرر تاني .
فيبتلع إسلام غصة حلقه وهو يهز رأسه بما يشبه الشكر عاجزاً عن فعل المزيد ..
لكن ناصر لم ينتظر ما هو أكثر بل انسحب بصمت ..
نظرات نشوى تلاحقه ..ونظرات إسلام تلاحقها هي !!
نظراتها تشيع رحيله بعينين متسعتين ..
وعيناه تصرخان بعينيها أن كفاني خذلاناٌ !
أنفاسها متلاحقة كأنما تعدو في سباق ..
وأنفاسه متجمدة حد الموت !
الدهشة ترسم أخاديدها فوق ملامحها ..
دهشة ..رآها هو انبهاراً!!
ولو قرأ ما في قلبها لأدرك أنها في هذه اللحظة بالذات كانت تشعر أنها ترى ناصر لأول مرة!
أجل ..لأول مرة ترى صورته خارج إطار"الوهم" القديم !
تراه كما هو ..
لا قديساً ولا شيطانا ..
لا فارساً ولا قرصاناً ..
لا بحراً ولا ناراً ..
بل هو هو ..
مجرد رجل يحمل من العيوب كما يحمل من الميزات ..
حتى ملامحه التي عاشت عمرها تراها أيقونة السحر الآن تراها باهتة ..
كصورة جميلة إنما ..ليست لها!
_عايزة أروح !
تقولها ريما قاطعة أفكارها لتلتفت نشوى نحوه لكنه كان يغض الطرف عنها مكتفياً بعناقه لابنتها وهو يسير بها ..
لهجته مرحة كعهدها لا تشي بهذا الصدع الذي يزداد تشققاً في جدار روحه ..
بينما كانت تسير هي كالمغيبة وصراع مشاعرها يزداد احتداماٌ ..
ترفع عينيها لأشرف الذي كان يسير جوارهما صامتاً فيرمقها بنظرة متوجسة مدركاً بحدسه أثر موقف كهذا على علاقتها بإسلام ..
بطلها القديم الذي طالما غزا أحلام "أنوثتها"عاد ليقتحم الصورة بمشهد لن تنساه "أمومتها" كذلك ..
فمن ذا القادر على المنافسة مع صورة كهذه ؟!
========
_أنا آسف!
يقولها هيثم بوجع حقيقي حفر ملامحه وهو يجلس معها على الأريكة خارج الغرفة التي احتجزت فيها والدتها في المشفى منذ وصولها ..
لترد بحسرة متوجعة بين فيض دموعها :
_لو جرالها حاجة هنبقى خالصين !
يشهق بارتياع وكأن الفكرة لم تخطر بباله ليعتصر كفها في قبضته هاتفاً بانفعال:
_انتِ فاكرة إني كنت قاصد اللي قلته ؟! إزاي تفكري ..؟!
_مش هافكر ..خلاص ..ماعدتش هافكر ..اللي بيننا خلاص انتهى .
تقاطعه بها بحسم غريب على مشهدها الواهن الهش الذي اعتصر قلبه ليغمض عينيه بقوة عن صورتها ..وعليها !
_انت مش قاصد اللي قلته ..انت عارفني كويس وواثق فيّ ..بس انت عايز تصدق إني وحشة عشان تلاقي عذر إنك تسيبني ..وأنا مدياك بدل الواحد ألف!
تقولها عبر دموعها بيقين من تحفظ خلجاته كلها فيتمتم باسمها بعذاب :
_شهد !
لكنها تسحب كفها منه لتمسح دموعها قائلة :
_مش هدافع عن نفسي تاني ..مش هاقوللك عملت إيه وليه ..ولا حتى هافكرك باللي ما عملتوش ..
تقول عبارتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى مدركة النار الحقيقية التي تشتعل لأجلها روحه ..
فيرفع إليها عينيه بالمزيد من التشتت لتردف بشبه ابتسامة :
_كنت عارفة اللي بيننا هيخلص أول ما تفتكر ..بس أنا اللي صممت أعيش الحلم للآخر ..غصب عني ..انت قربت مني بنفسك وشفت ..حياتي كلها مفيش فيها غيرك انت ..وهي!
تشير برأسها نحو الغرفة التي ترقد فيها أمها فيخفق قلبه بعنف وهو يدعو الله بكل ما أوتي من قوة أن تفيق المرأة من انتكاستها ..
لن يحتمل ذنباً كهذا!
لو كانت هي قد آذت أباه فقد كان يستحق عقابه ..
لكن هذه المرأة لا تستحق أن يصيبها سوء ..
لن يسامح نفسه لو نالها مكروه بسببه !
_روح انت استريح ..انت بقالك هنا معايا يومين ..كفاية كده .
تقول عبارتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى لكنه يهز رأسه باعتراض قائلاً باستنكار مرير:
_يعني أكون السبب في المصيبة وما أبقاش جنبك كمان ؟!
ابتسامتها في هذه اللحظة بدت له كزهرة تنبت وسط الصخر!
كيف لم ينتبه طوال هذا الوقت لقوتها الدفينة كهذه ؟!
خاصة وهي تتحدث بهذه الطريقة بالغة الرقة ..بالغة الصلابة :
_هتعدي! زي كل حاجة وحشة شفتها هتعدي! هتقوم بالسلامة وتعرف الحقيقة وتسامحني ..وأنا هارجع لحياتي ..هاشوف شغل تاني بحبه ..هاخد الكورسات اللي كنت قلتلك عليها ..واحتمال آخدها ونسافر شوية عند أعمامي في الاسكندرية وممكن أنقل الجامعة هناك ..فرصة أشوف ناس جديدة وأماكن جديدة ..الحياة مش هتقف .
لم يشعر بهذه الدمعة الكبيرة التي تجمعت في طرف عينه إلا عندما هددت بالسقوط ..
حديثها عن الرحيل يمزق قلبه بسكين بارد ..
يكاد يستصرخها ألا تفعل ..
أن تبقى هنا جواره ولو بعيدة كفاه أن يطمئن عليها من بعيد ..
لكن صوت رنين هاتفه يحمل له ما بدا وكأنه رسالة من قدره ..
رنينه برقم أمه !
يجيب الاتصال ليخبرها باقتضاب أنه لن يعود اليوم أيضاً فيروعه هذا القلق المرتاب في صوتها ..
عيناه تنتقلان بعذاب حقيقي بين نظرات شهد التي تمزج رجاءها بتفهمها ..
وبين هاتفه حيث ترجوه أمه العودة ..
فيغمض عينيه بألم عاجزاً عن اتخاذ القرار !
_فاقت!
تهتف بها الممرضة تنتزعه من هوة تردده وهي تخرج من غرفة والدتها فتنتفض شهد مكانها لتهرع إليها ويفعل هو المثل بعدما يغلق الاتصال مع أمه بكلمات سريعة ..
_حمداً لله على سلامتك ..الحمد لله ..
تكررها شهد بحرارة وسط فيض دموعها وهي تنكب على كفها تقبله ..
فيما يقف هو مكانه يرمق المرأة بنظرات آسفة قبل أن يجلس جوارها على طرف الفراش لتلتفت نحوه قائلة بصوت مرتجف لاهث وبكلمات متلعثمة :
_اللي قلته ..بنتي.. فعلاً ؟!
_اهدي يا ماما ..هاقوللك كل حاجة والله ..بس اهدي ..
تهتف بها شهد برجاء لكن المرأة تشير لها بكف مرتجف قائلة بنفس الصوت الواهن :
_اخرجي وسيبيني معاه لوحدنا .
تنطق شهد برفض سريع راجٍ لكن المرأة تصر على ما تطلبه فترمق شهد هيثم بنظرة راجية قبل أن تتحرك لتغادر الغرفة ..
_احلف على كتاب ربنا إنك تقول الحق ..وماتخافش ..أنا كويسة..
تقولها المرأة بصوت مرتجف فيقسم لها كما طلبت قبل أن يتنهد بحرارة ثم يروي لها القصة التي تبرئ ابنتها كما عرفها كاملة بتفاصيلها ..
_حسين رجائي كان هو اللي ورا قتل سيدة ؟!
تقولها المرأة أخيراً بإدراك فيومئ لها هيثم برأسه بخزي لتغمغم بعدها بأسف:
_دلوقت بس افتكرت ..النظرة الغريبة في عينها لما عرفت عن موت سيدة ..الظابط اللي جه قابلها بعدها ..الليالي اللي كانت بتسهرها ودموعها ما بتنشفش .
فأطرق بوجهه بالمزيد من الخزي ليرد:
_أنا آسف على اللي قلته ..غصب عني انفعلت واتهمتها ظلم ..
_حبيتها؟!
تسأله المرأة مباشرة بعد صمت قصير ليصمت بدوره مكتفياً بإغماض عينيه فتتأوه هي بقوة قبل أن تشير للباب قائلة :
_اندهها يا ابني ..وامشي انت ..
_لا أنا هافضل معاكم لحد ما أطمن عليكم .
يقولها بإصرار لكن المرأة تبتسم له بمرارة قائلة :
_عمر الجرح والدوا ما يبقوا في نفس الإيد ياابني ..قصتكم خلصت قبل ما تبدأ ..يعلم ربي إني اتمنيتك ليها من كتر ما حسيت إنها بتعزك..بس ما يقدر على القدرة إلا ربنا ..روح لحالك ياابني ..روح لحالك .
كلمات المرأة على بساطتها تبدو وكأنها تقطع الخيط الرفيع الأخير بينهما ..
فينهض من مكانه بتثاقل ليتحرك نحو الباب ..
يخرج لتتلقفه نظراتها الملهوفة مع هتافها:
_قلتلها إيه ؟!
_ما تخافيش ..قلت الحقيقة .
يقولها ببساطة مرة وكأن الحقيقة في حد ذاتها لا تخيف!
فأغمضت عينيها بقوة لتكتف ساعديها قائلة :
_هتمشي؟!
_هامشي !
يقولها بلهجة من أجبروه أن يسكب روحه على الأرصفة ويقف مشاهداً إراقتها ..
فتفتح عينيها لتقول له بتماسك مصطنع:
_يومين تلاتة كده وارجع بس خد حاجتك ..نكون رجعنا البيت .
تختم قولها بابتسامة بمذاق الدموع قبل أن تتحرك لتدخل الغرفة وتغلق بابها خلفها ..
فيشعر وكأنما ألف باب تغلقه روحه بينهما كذلك!
======
على مكتبه في عمله يجلس ناصر يراقب الحائط بشرود ..
ذهنه متخبطٌ بأفكاره بين "العملية الجديدة" شديدة الخطورة في عمله ..وأحداث الأمس المثيرة المتعلقة بنشوى ..
يشعر ببعض الارتياح مزيحاٌ القليل من وزر شعوره بالذنب نحوها ونحو شقيقها صديقه ..
لكنه كذلك يشعر بالخزي والحرج من إسلام ..
لا بأس!
هو كان خطأه من البداية عندما وافق سها على هواها وسيتحمل توابعه على أي حال !
صوت طرقات خافتة على الباب تقاطع أفكاره فيلتفت نحوه لتتسع عيناه بصدمة وهو يميز الطارق ..
أو بالأدق ..الطارقة !
_نشوى ..اتفضلي!
يقولها وهو يقف مكانه بنبرته العملية التي لم تخفِ تحشرج صوته فاضحة صدمته بحضورها ..
وتوجسه من سبب هذه الزيارة !
فيما تقدمت هي بخطوات بطيئة وعيناها تنتقلان بثبات بين ملامحه التي تعرفها -أو التي ظنت أنها تعرفها - وبين اسمه المكتوب على اليافتة الذهبية فوق مكتبه ..
كأنها لا تصدق أنه هو ..هو!
تجلس على الكرسي أمام مكتبه فيجلس بدوره ليتنحنح قائلاً بنفس النبرة المتحفظة :
_خير؟!
سؤاله يكشف خفية عن تعجبه لزيارتها وتود لو تكشف له السبب الحقيقي ..
_أيقونة شخصيتك هي "الهروب" ..لازم تتعلمي تواجهي ..الوهم بيكبر لنا حاجات كتير بيخللينا نديها أكتر من حقها بكتير ..الخوف ..الحب ..التقدير ..كل دي حاجات لازم نتعامل معاها بميزان حساس جداً لأنها لو خدت أكبر من حجمها هتبلعنا واحنا مش حاسين .
تسمعها في ذهنها بصوت ياقوت في محادثة سابقة لهما فتزداد يقيناً بأهمية هذه المواجهة الآن بينها وبينه ..
لن تهرب ..ستواجه !
ستواجه "وهم الحب" الذي عاشت عمرها السابق ناسكة في محرابه ..
ستواجه "سيف الخذلان" الذي سقط على عنق كبريائها ..
ستواجه "شظايا انكسارها" التي أدمت روحها لسنوات وظنت جراحها لن تندمل ..
_شكراً .
تقولها بنبرة قوية غريبة عن خنوعها المعهود أمامه فتدهشه قليلاً لكنه يطرق بوجهه قائلاً بتحفظ :
_مفيش داعي للشكر ..بالعكس ..يمكن دي كانت فرصة أقدم اعتذار مناسب عن اللي حصل مني قبل كده .
ابتسامة واهنة تزداد قوة على شفتيها رويداً رويداً مع ردها :
_أنا مش بشكرك عشان رجعت ريما ..
يرفع إليها عينيه بتوجس متسائل لتردف بنبرة أقوى:
_أنا بشكرك عشان ما حضرتش الفرح ..عشان وقفت المهزلة دي قبل ما نكملها ..عشان من غير ما تقصد فوقتني من وهم خد من عمري سنين ..وعشان بسببك عرفت يعني إيه حب حقيقي ..
يرتجف صوتها في عبارتها الأخيرة فيدرك عمن تتحدث ..
ربما لهذا عاد يطرق برأسه وهو يشعر بطيف صديقه يقف بينهما فيما تستطرد هي بحرارة تتملك حروفها :
_حب يبني ما يهدش ..يسند ما يوقعش ..حب يطمن ما يخوفش ..حب تآمنه على بكره مش يهددك بامبارح ..حب ما تحسبوش أيام لا ! مواقف ! ..حب أستاهله ويستاهلني .
يعود ليرفع عينيه إليها بنظرة خلاص!
كأنما حرره هذا الصدق -الذي يبزغ بين حروفها كالشمس- من أغلال ذنبه القديم ..
_معاكي حق .يمكن خسرت صداقتي معاه بس شهادة حق ..إسلام راجل حقيقي ويستاهل كل كلمة قلتيها وزيادة ..
يقولها ببعض العاطفة التي تتخلل لأول مرة حديثه المتحفظ المعهود معها فتعاود النظر إليه شاعرة بالمزيد من الغرابة ..
كيف يمكن أن تكون هي هي نفس الملامح ..
نفس الشخص ..نفس الصوت ..
إنما هو بعيد ..بعيد جداً عن هذا "الصنم" الذي نصبه الوهم للحب في ساحات قلبها ؟!!
الآن تنزاح الغشاوة كاملة ..
تصفو الرؤية بعد طول تشوش ..
يدرك القلب حقاً أي شفرة كانت صحيحة لفك رموزه ..
وأي لحن كانت تشتهيه آذانه ..
فلا ضلال بعد ولا تشتت ..
وقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر!
تنهض من جلستها شاعرة بانتهاء غرض الزيارة تماماٌ كما أرادته ..
منذ عادت للبيت بالأمس وهي تشعر بروحها مهتزة ..مضطربة ..
ليست هي فحسب ..
إسلام كذلك ..رغم أنه قضى ليلته نائماً معها على نفس الفراش وبينهما ريما ..
لكنها كانت تشعر أن الصغيرة ليست فقط هي ما بينهما ..
بينهما رواسب الماضي العالقة التي آن لها الآن أن تسقط في القاع إذ لا مكان لها سواه تاركةً لهما نقاء السطح !
_أنا آسف.
صوته يستوقفها عند الباب فتغمض عينيها براحة ..
ربما يكون هذا الاعتذار هو آخر ما ينقصها كي تغلق هذه الصفحة للأبد ..
كي تتخلص من نقمتها على حبه و ..تسامح!
_الحب الأول ممكن يبقى وهم ..بس المشاعر اللي عاشها القلب فيه بكل طاقته وعنفوانه أكيد حقيقة ..ولو كان إكرام الميت دفنه ..فالأولى بالحب ده إننا نودعه بما يليق ..مش بلعنات وحقد وسوء ظن ..لكن بابتسامة وتنهيدة خلاص ورضا ..ويقين إن اللي اختاره القدر أفضل .
من جديد تسمعها بصوت ياقوت فتدمع عيناها موقنة أنها كانت على صواب ..
الآن فقط توقن بكل حواسها أنها كانت كذلك !
تغادر مكتبه شاعرة بطاقة هادرة تتفجر في شرايينها ..
برغبة عارمة في العدو ..في الضحك ..في الصراخ ..
تحس وكأن بداخلها مارداً طال حبسه في قمقمه وآن له أن يتحرر ..
تبتسم مغمضة عينيها وهي تستحضر ملامح إسلام شاعرة بطوفان مشاعر يكتسح أنوثتها ..
أنوثتها التي تعترف الآن أن لم يجد العزف على أوتارها مثله ..
تفتح عينيها أخيراً وابتسامتها تتحول لضحكة مكتومة متذكرة واحداً من تعليقاته الوقحة ..
لكن ضحكتها تتجمد على شفتيها وهي تراه -حقيقة- واقفاً أمامها ..
والغضب الهائج في عينيه لا يحتاج لتأويل !
======
_إسلام!
تهتف بها وهي تتشبث بكفها في ساعده بارتباك محاولة تبرير وجودها هنا لكنه لا يمنحها الفرصة وهو يحرر ذراعه منها ليعطيها ظهره مبتعداً بخطوات شبه راكضة ...
السواد الذي ملأ عينيه في هذه اللحظة كان أكبر من أن يتجاهله !
منذ توجه لمكتبها في المصنع منذ قليل ليجده خالياً منها وهو يشعر بالنار التي تكوي صدره تمنحه الجواب المنطقي لسؤاله أين يمكن أن تكون ..
لكنه لم يتوقع أن يكون الجواب قاسياً هذا الحد ..
يراها بعينيه وهي تغادر مكتبه ..
ملامحها التي طالما اتشحت بعبوسها صارت تبتسم وتضحك!
هل كان مخطئاً من البداية في خوض حرب لم تكن له ؟!
يصل لسيارته فيستقلها لينطلق بها بسرعة فيراها عبر المرآة واقفة مكانها خلفه وملامحها تصرخ بالذنب ..
لكن هذا لم يشفع !
صورتها في المرآة تبتعد وتبتعد فيود لو يملك ذات الأثر في قلبه ..
لو يتلاشى هذا الحب الذي لم يجنِ منه سوى الخذلان !
لكن ما الذي كان يتوقعه بعد موقف الأمس؟!
"البطل" أنقذ طفلتها وأصلح بموقف واحد خطايا ماضيه كلها ..
لم تكن تحتاج منه سوى موقف بسيط كهذا كي تنسى ..
وهو؟!
هو كيف ينسى؟!
كيف ينسى عذاباته بها ولها طوال تلك الأيام السابقة ؟!
هكذا ؟!
صار كل ما منحه لها مجرد رماد تذروه الرياح؟!
يسمع هاتفه يرن باسمها لكنه يغلقه في وجهها مراراٌ ..
لم يعد يريد سماع المزيد من الأعذار ..
هو اكتفى من هذه الحرب الخاسرة !
لن يريق دماء كبريائه أكثر!
عشرات المحاولات منها لكن رده لم يتغير ..
كان يمكنه إغلاق الهاتف ببساطة لكن جزءاً بداخله كان لايزال يأنس بمحاولاتها التي توقفت أخيراٌ بعد ساعات كان الليل فيها قد أسدل ستره على المرئيات ..
يشعر بتنميل في ساقه بعد القيادة طوال هذه الساعات لكنه لم يكن يريد التوقف ..
هو فقط يريد النسيان ..التشاغل ..
فكر في الاتصال بياقوت لكنه كره شعوره بالخزي أمامها ..
يكفيه شعوره بهذا أمام نفسه !!
الخاطر الأخير يزكي المزيد من غضبه فيخبط بكفه على المقود للحظات قبل أن يعقد حاجبيه بقوة متخذاً قراره ..
المرأة لا تُنسى إلا بامرأة سواها ..
مرحباٌ بالعودة للضلال القديم !
الخاطر الأخير يحشوه رغبة فائرة تتدفق في عروقه فيتناول هاتفه ليتصل برقم ما وما كاد يسمع صوت صاحبه القديم حتى هتف بمرح مصطنع:
_إزيك يا "..." ..معلش مقصر معاك من يوم ما رجعت مصر بس أكيد سمعت عن المصايب اللي بترف فوق دماغي ..لكن الصراحة وحشتني أيام الشقاوة ..ظبطلنا ليلة حلوة كده على ذوقك ..ساعتين زمن وأكون عندك !
=======
الواحدة بعد منتصف الليل ..
أمام الشقة التي ابتاعها لياقوت والخالية الآن منها بعد ذهابها للقرية يقف أمام الباب الذي استند عليه جبينه بإرهاق كأنه لا يملك المزيد من القوة ليولج المفتاح فيه ويدخل !
اليوم كان عاصفاً بحق على رجل مثله لم يكد يلتقط أنفاسه من صراع طويل تحمّله بصبر ظهر في ملامحه الهزلية وإن ظل باطنه يصرخ بعكس كل هذا ..
والآن فقط يود لو ينسى كل شيئ ..
لو يغمض عينيه فلا يرى وزر كتفيه بل يستسلم للسقوط ..
يزفر بقوة وهو يبتعد قليلاً ليفتح الباب لكنه يشعر بظل خلفه يجعله يلتفت ..
إنها هي!
تجلس على الدرج المؤدي للطابق العلوي ورأسها المستسلم للنوم يستند على الجدار البارد ..
ينعقد حاجباه وهو يبتلع غصة حلقه ليتوجه نحوها ..
شفتاها شاحبتان ترتجفان بشدة في نومها الاضطراري هذا ..
يمد كفه برفق ليخزها في كتفها فتنتفض شاهقة مكانها لتهتف به بانفعال :
_كنت فين ؟!
لكنه لم يجب سؤالها وهو يشيح بوجهه عنها قائلاً ببرود قاس:
_انت هنا من امتى؟!
_من ساعة ما سبتني ..قلت أكيد مش هترجع بيتنا وهتيجي في الآخر مهما لفيت .
تقولها ببعض الخزي الممتزج بانفعالها فيعطيها ظهره قائلاً بنفس البرود القاسي:
_امشي دلوقت عشان مش هابقى مسئول عن أي حاجة أقولها أو اعملها .
ورغم رنة التهديد التي تسمعها منه لأول مرة بهذا العنف لكنها تحركت لتقف قبالته ..
نظراتها تقابل نظراته بقوة بعيدة تماماً عن خوفها القديم ..
_حقك تقول وتعمل اللي انت عايزه بس اسمعني الأول .
_مش عايز أسمع منك حاجة ..سمعت وشفت بما فيه الكفاية .
بروده يختلط الآن بالمرارة التي غرست نصلها في قلبها هي لتحيط ساعديه بقبضتيها بقوة قائلة بإصرار:
_هتسمعني ..وهتصدقني .
ورغم مسحة الإعجاب العابرة التي طوقت نظراته بهذه القوة النابضة في كلماتها لكن البرود عاد يكسو عينيه وهو يتحرك ليفتح باب الشقة فيدخل وتدخل هي خلفه لتغلقه خلفها ..
_أنا غلطت عشان رحت من غير ما أقوللك ..بس أنا وقتها مافكرتش غير في حاجة واحدة بس ..
تقولها بنفس النبرة القوية فيلتفت نحوها بوجه متجهم واختلاج عضلة فكه تفضح كظمه لغضبه ..
_طول عمرك معاه مابتفكريش غير في حاجة واحدة بس!
بروده المشتعل يبدو كصفعة على وجهها وخاصة بهذه الكلمات ..
فتدمع عيناها رغماً عنها وهي تتقدم نحوه ببطء ..
وبمزيج غريب من وهن وقوة تأتي حروفها مشبعة بانفعالها :
_يمكن قبل النهارده كانت حاجة مختلفة ..لكن اللي خلاني أروح المرة دي إن الصفحة دي كان لازم تتقفل ..كان لازم أشوفه بحجمه الحقيقي بعدما الأيام أثبتت لي إني كنت مغفلة ..كنت عايزة لأول مرة في حياتي أواجهه وأنا حاسة إني مش ضعيفة وفاقدة الثقة في نفسي ..بالعكس ..عندي القوة إني أروح لحد عنده وأشكره ..أحسسه إنه رجع غريب زي ما كان ..وزي ما المفروض يفضل ..
دموعها خانتها في حروفها الأخيرة لتسيل على وجنتيها فيزداد انعقاد حاجبيه وهو يرمقها بنظرة عميقة غامضة ..
والصمت الثقيل يفرض نفسه بينهما بعدها لدقيقة كاملة ..
_أول مرة تشوفني بعيط وما تمسحش دموعي ..
تقولها بعتاب واهن وهي تكتف ساعديها بينما عيناها تغرسان رجاءاتها في حدقتيه ..
لكن صوته لايزال يصلها بارداً متباعداٌ :
_عشان ماعدتش واثق إني لوحدي كفاية .
تغمض عينيها للحظة متمالكة قوتها ثم تفض اشتباك ساعديها لتستخرج من جيبها ما رفعته أمام عينيه ..
دبلة فضية !
هذه التي ألبسته إياها ثم احتضنت كفه براحتيها قبل أن ترفع إليه عينيها بنظرات قوية هادرة ناسبت اعترافها الذي جاء أخيراً:
_أنا بحبك .
تهمس بها صادقة حارة قبل أن تطبع شفتاها هديتهما الناعمة فوق شفتيه لكنها تفاجأ ببرودته !
نظرته الغامضة لم تتغير ..كذا ملامحه التي بدت وكأنها قدت من صخر !
ترتد للخلف مصدومة للحظة ثم تمسح وجهها بكفيها شاعرة بالخيبة ..
لكنها تتقبلها بعمق شعورها بأنها يجب أن تحتمل..
كما سبق واحتملها هو!
_أول مرة ما تلمسيهاش.
يقولها بنفس البرود الغريب عنه مشيراً لشامة عنقه فتهز رأسها لتهتف بنبرتها القوية:
_عشان مابقيتش محتاجة ألمسها ..مابقيتش محتاجة دليل إني مش شايفة غيرك ..الصورة المهزوزة وضحت خلاص ..مابقاش فيها إلا انت وبس ..انت ..آه ..
تنقطع عبارتها بآهة خافتة وهي تفاجأ به يسحبها بقوة نحوه ليعتصرها بين ذراعيه ..
بروده القاسي يذوب وينصهر فوق نيران شفتيها مانحاً إياها عفوه قبل عاطفته ..
يدرك أنها لن تعترف اعترافاً كهذا إلا لو كانت تعني كل كلمة ..بل كل حرف فيه ..
اعترافها الذي بدا له وكأنه بعث بعد عدم !!
قبلاته تترنح على بشرتها بما يبدو كهذيان عاشق لا يكاد يصدق هذا النعيم الذي فتح له ذراعيه !
يشعر بمذاق دموعها يكدر مذاق قبلاته فيرفع وجهه ليمسحها بأنامل مرتجفة ..
همسها الحار يخترق صدره كسهام من نار :
_اوعى تبطل تعملها ..اوعى ..خلليني طول عمري واثقة إني مهما الدنيا خذلتني هلاقي حضنك أوسع منها ..هلاقيك بتمسح دموعي وبترسم بدالها ضحكة ..ضحكة ماعرفتهاش من قلبي غير معاك .
_الحمد لله ..الحمد لله ..
يهمس بها فجأة مغمضاً عينيه بقوة وهو يغرس رأسها على صدره فتروعها دقات قلبه الهادرة بعنف تحت أذنيها ..
بينما يصلها صوته مرتجفاّ بانفعاله :
_عارفة كنت فين قبل ما آجي هنا ؟!
السؤال الحذر يسطع في عينيها فيزدرد ريقه ليعاود إغماض عينيه مخبراً إياها عن مكالمته لصديقه وعما كان ينتويه ..
تشهق بارتياع لتتراجع عنه هامسة :
_خنتني؟!
_ما قدرتش !
لم يتعدّ الفاصل بين سؤالها وجوابه ثانية واحدة كأنه نطقها في نفس اللحظة ..
كأنه خشي أن تلوث مجرد الفكرة عقلها ولو لهذا النذر اليسير !!
_رجلي اتسمرت قدام شقته ما قدرتش حتى أرن الجرس ..افتكرت إن إسلام القديم اللي اتولد من جديد ماعادش ينفع يرجع ..بيكِ أو من غيرك مش هاخسر نفسي تاني .
ورغم الفظاظة النسبية للعبارة الأخيرة لكنها رفعته في نظرها أكثر لتشتعل عيناها بوهج عاطفتها أكثر وأكثر ..
فتبتسم فجأة وهي تحيط وجنتيه براحتيها هامسة :
_الظاهر إني نشرت عدوى "الدبش"! مش المفروض في المواقف اللي زي دي تقوللي إنك شفت صورتي وحسيت إنك ما ينفعش تكون لستّ غيري وكلام في السكة دي يعني !
فيضحك ضحكة قصيرة قبل أن يغمزها هامساٌ :
_طب بمناسبة السكة دي يعني ..الشقة دي مش بتفكرك بحاجة !
تصدر همهمة قصيرة وهي تهمس بشرود عبر ابتسامتها:
_ليلة فرحنا .
_بالظبط! عليكِ ليا ليلة هنا ..وأنا رخم وعايزك تسددي ديونك دلوقت!
يقولها ثم ينحني ليحملها فجأة فتتشبث عفوياٌ بذراعيها في عنقه هاتفة باعتراض مستنكر:
_نزلني ..مش هتعرف تشيلني ..هنقع سوا ..هيجيلك انزلاق غضروفي ..آه ..
تمتزج تأوهاتها بضحكاتها القصيرة وهي تراه يتجاهل كلماتها ليتحرك حاملاً إياها نحو الغرفة المجاورة ..
ثم يضعها برفق على الفراش ليستقيم ممسكاً بظهره هاتفاً:
_عيب يا عسل ..لن نقبل التشكيك في قدراتنا بأي صورة ..سنعتبرها إهانة تستوجب الرد اللائق .
تبتسم وهي تتلفت حولها مستعيدة ذكرياتها البائسة في هذه الغرفة التي شهدت انكسارها ليلة زفافهما الكارثية ..
لكنها تعاود الالتفات نحوه بنظرة عاشقة ليجلس جوارها على طرف الفراش وعيناه تناظران عينيها بفيض عاطفته الآسر ..
_إسلام ..بلاش هنا ..خللينا نروح شقتنا أحسن !
تهمس بها برجاء فتتعجب من هذه الشعلة التي توهجت في عينيه فجأة والتي ناقضت العبث المتنامي في صوته بينما سبابته تشير لشفتيها:
_عارفة قبل "إسلام" اللي بتقوليها أول مرة دي كان ممكن أوافق ! بس دلوقت ..
يقطع عبارته فجأة فترمقه بنظرة متوجسة وهي تشعر بخلاياها كلها تتقافز ترقباٌ ..
قبل أن تنطلق ضحكتها المتفاجئة وهي تراه يميل عليها فجأة فيزيح عنها وشاحها ثم يغمزها هاتفاٌ:
_على بركة الله !
ضحكاتها التي يشعر بها لأول مرة منطلقة هذا الحد تصيب قلبه بدوار لذيذ يفقد معه كل ذرة من تعقله ..
يغيبها ويغيب معها في طوفان اكتسحهما معاٌ ..
اسمه ينبعث من بين شفتيها ك"ترنيمة خلاص" يتلوها قلب ملّ طول سجنه في منفى ..والآن يجد له وطناٌ ..
فيردها لها قلبه بهذا اللحن الخاص ..الخاص جداٌ الذي لم يعرفه إلا معها ..
اللحن الذي هدأ أخيراً وأنامله تتلمس وجهها بحنان ناقض العبث الشغوف في حروفه :
_كنت مراهن نفسي وكسبت الرهان .
_على إيه ؟!
تهمس بها بوجنتين محمرتين خجلاً وهي تظن نفسها تعرف الجواب لكنه فاجأها بقوله :
_إن "التين الشوكي" ألذ من كل البرقوق اللي دقته في حياتي .
فتتسع عيناها للحظة قبل أن تفهم ما يعنيه فتعقد حاجبيها لتقرص وجنته بقوة مؤلمة ناسبت الوعيد في عبارتها :
_طيب ..هاقوللك نصيحة أخلص بها ذمتي من ربنا عشان نبقى على نور من أولها ..لو جبت سيرة البرقوق ..لأ! لو لمّحت بس بسيرة برقوقة واحدة بعد كده ..قول على نفسك يا رحمن يا رحيم !
يتأوه بمبالغة وهو يحك وجنته بعدما تركتها هاتفاً :
_ربنا ع المفتري .
تبتسم وسط نظراتها المتوعدة القوية فتبدو له كأشهى مرة رآها فيها ..
عيناها الصافيتان خاليتان من شوائب الجرح القديم فلا تترقرقان إلا بالحب ..
وجنتاها مشتعلتان بخجل يوقن أنه خير من يشعل أحطابه ..
شفتاها صامتتان إنما صارختان بهذه العاطفة التي صار يدرك كم هو لذيذ قطافها ..
وأنفاسها دافئة متدثرة بعاطفة لا تعرف البرد ..
باختصار ..
هي جنة تقولبت في امرأة !
_أحبك وانت شرِس!
يغمزها بها بنبرته العابثة قبل أن يطوقها بين ذراعيه فتتنهد بحرارة هامسة :
_وأنا بحبك على بعضك كده يا هندسة !
مزاحها المفاجئ بعفويته يبدو غريباً على أذنيه فيرفع حاجبيه بدهشة هامساً:
_هاللا هاللا ! مش مصدق وشك الجديد ده ..مش واكل معايا ..قومي يا بنتي شوفيلنا دبشتين من بتوع زمان .
تضحك ضحكة عالية وهي تدفن وجهها في كتفه فيضمها إليه بقوة أكبر ..
قبل أن يبتسم ليقول بحنان جاد :
_عايز أنا كمان ألبسك دبلتي ..بس لما أعمللك فرح !
_فرح؟!
تهمس بها باستنكار تشوبه الكثير من اللهفة التي لم تستطع إخفاءها ..
فيتلمس وجنتيها الممتلئتين بأنامله هامساٌ :
_عاهدت نفسي أعملها من يوم فرح سيف ..مش هانسى نظرتك يومها ..كنت بس مستني أحس إنك فعلاً عايزة تكمللي معايا ..
ثم صمت لحظة ليقبل جبينها بعمق مردفاً:
_المرة دي هتلبسي الفستان الأبيض وانتِ فرحانة .
لم تستطع منع دموع انفعالها وهي تخفي وجهها في كتفه فربت على ظهرها برفق متفهما فورة مشاعرها ..
قبل أن يطبع على عنقها قبلة ناعمة ناسبت همسه :
_أنا كمان عايز الدنيا كلها تشهد على فرحتي بيكِ .
_بس إزاي؟! ما ينفعش .
تغمغم بها باعتراض وهي ترفع إليه عينيها أخيراً فيرد بابتسامة حانية وهو يمسح بقايا دموعها :
_لا ينفع !..الفرح هيبقى لحبايبنا القريبين منا بس ..ماما واخواتي وعمو علاء وفرصة نلحق سيف قبل السفر ..وأكيد أشرف وعيلة رانيا .
_هابقى مكسوفة قوي يا إسلام !
تتسع ابتسامته مع هذا الخجل المستنكر الذي لون اسمه بين شفتيها فتلمسهما بشغف هامساً :
_هتبقي عسل يا عسل!
عيناها تفيضان بهذا العشق الغامر الذي اكتسحه هادراٌ ليعاود ضمها بين ذراعيه منذراً بمعركة عاطفية جديدة قبل أن يتذكر ما يجعله يسألها بقلق:
_فين ريما؟!
لهفته القلقة تمسها بصدقها فتتيقن من صدق شعوره لتجيبه بابتسامة ممتنة :
_هتبات مع رانيا النهارده .
فيبتسم مطمئناً قبل أن يغزو العبث صوته من جديد :
_حلو قوي كده اطمنا ..قوليلي بقا احنا كنا وقفنا فين كده ..فكريني !
تضحك ضحكة قصيرة وهي تعد نفسها لتلقي المزيد من عطايا عشقه التي ترفعها ملكة فوق عرش لم تحلم بمثله يوماٌ ..
جميلٌ هو الحب الذي يرمم صدع روحنا بهذه البراعة فيعيد جدارها صلداً لامعاً كما كان ..
مهيبٌ هو الصرح الذي تبنيه عقولنا قبل قلوبنا لأناس يستحقون تشييده ..
لذيذٌ هو مذاق العِوض بعد طول مرارة الحرمان ..
وعظيمٌ هو القدر الذي يرضينا متى رضينا به !
=======
انتهى الفصل
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الخامس وخمسون 55 - بقلم سينابون
القطعة الحادية والثلاثون
=====
_الجو برد عليكِ هنا يا ستي .
تهتف بها ياقوت بجزع وقد صعدت الدرج المؤدي إلى السطح لتفاجأ بثمر هناك جالسة على الأرض وقد أمسكت مسبحتها ..
فتلتفت الأخيرة نحوها بابتسامة راضية ناسبت قولها:
_الدفا دفا القلوب يا بنت قلبي ..تعالي .
تقولها وهي تفتح لها ذراعيها فتضحك ياقوت ضحكة رائقة لم تعرفها منذ زمن بعيد لتهرع إليها فتتوسد حجرها مستلقية على الأرض ثم تنظر للقمر الذي استدار كاملاً في وضع البدر قائلة :
_معاكِ حق يا ستنا ..الدفا دفا القلوب فعلاً .
ترمقها ثمر بنظرة متفحصة ثم تزيح غطاء رأسها الذي تعمدت به ياقوت إخفاء أذنيها لتسطع لمعة الياقوت الأحمر في هذه الظلمة فتغمغم ثمر بغموض ماكر:
_رجعتِ لبستيه !
ترفع إليها ياقوت عينين مغشيتين بعاطفتها ثم تسبل جفنيها بخجل يكفيها الرد ..
من ذا الذي يحتاج للكلام في حضرة ثمر التي تكشف عيناها خفايا القلوب؟!
تماماً كما فعلت الآن وهي تمسد على شعر ياقوت لتقول بيقين خبير:
_من يوم ما شفته في ودنك أول مرة وأنا قلت ده صوت قلبك اللي دق ليه ..عشان كده لما شفتك قالعاه قلت ابن الأكابر عمل حاجة وجعتك قوي ..بس لقيته جاي على ملا وشه يطلبك مني ..قلت أقرص ودنه عشان ما يكررهاش ..لكن الظاهر إنه راضاكِ ..عمل إيه ؟!
تنهدت ياقوت بحرارة وهي تشعر بوخز الذنب من إخفائها بعض الحقيقة لكنها استمعت لنصيحة إسلام فتخيرت كلماتها بحذر:
_قابل سامر !
_كنت عارفة إنه هيعملها ..النظرة اللي كانت في عينه يومها قالت إنه هيهد الدنيا لحد ما يوصللك ..المهم طمنيني ..آذي الجدع؟!
تسألها بقلق لتبتسم ياقوت وهي تهز رأسها نفياً مجيبة :
_لا ! هو بس قالله إنه هو عايز يخطبني وإني تقريباٌ موافقة ..وبعدها كلم إسلام وطلب إيدي منه .
ضاقت عينا ثمر بتفحص مع سؤالها:
_وأخوكِ قالله إيه ؟!
عادت ياقوت تمط شفتيها وهي تتلو لها نصاً ما قاله إسلام لتلتمع عينا ثمر بترقب ..
_وهو وافق؟!
أومأت ياقوت برأسها إيجاباً لترفع ثمر عينيها للسماء للحظات شعرت بها ياقوت كدهر خاصة مع قول ثمر بعدها:
_أهه ده كان امتحانه التاني .
_ونجح فيه يا ستي؟!
تسألها بوجل لتصمت ثمر بعدها قليلاً قبل أن ترد بشرود :
_مش هاخبي عليكِ يا بنت قلبي ..من يوم ما شفته وأنا خايفة أظلمه وأشوف فيه صورة حسين ..لكن كل مرة بلاقيه يأكد ظني إنه فعلاً مش كل صوابعنا شبه بعضيها ..يعلم ربي إني ماكنتش أتمنى ليك واحد زيه في فلوسه وجاهه ..كنت مستكفية بحد يحبك لطبعك وتحبيه لطبعه..لكن ربنا سبحانه وتعالى شاء إنه يجمع حلمي وحلمك سوا ..
_يعني راضية عنه يا ستي؟!
تهتف بها ياقوت وهي تنتفض مكانها بلهفة لتضحك ثمر عبر أسنانها المكسورة قائلة بمكر العجائز:
_هاعمل إيه ماهو واقف حالك ؟!..كل ما هيتقدم لك حد هيروح ويعمل معاه زي ما عمل مع زميلك إياه .
تضحك ياقوت ضحكة عالية أطلقها قلبها قبل شفتيها وهي تشعر بفخر حقيقي جعل عينيها تدمعان وهي تميل عليها لتحتضنها بقوة هاتفة بصوت أرجفه انفعاله :
_والله العظيم ..ويشهد عليا ربنا ..ما كنت بحلم غير باللحظة دي ..حد يرفع راسي قدامك ..ويرفع راسنا سوا قدام الناس .
دموعها تخونها في كلماتها الأخيرة فتربت ثمر على ظهرها ثم تبعدها لتحتضن وجهها بين كفيها المرتجفين قائلة بنفس اليقين الخبير:
_واحد زيه لما يصبر على قولة لأ لما تيجي في وشه مرتين يبقى معناها إن اللي في قلبه أكبر من غرور فاني ..بس أخوكِ معاه حق ..سيبي الأيام تغربل شوية الحصى اللي فاضل ..ماضيه مش هين ..والشيطان بيجري من ابن آدم مجرى الدم ..واللي بييجي رخيص بيروح ببلاش ..لكن اللي بنشقى عشان نوصلله بيفضل طول العمر فوق الراس .
تهز ياقوت رأسها موافقة وهي تعود لاحتضانها بقوة فتبتسم ثمر برضا وهي تطالع السماء من جديد بدعاء صامت ..
_سايبينني تحت بغسل الصحون وقاعدين هنا؟! الأحضان والدموع دي يعني عريس ..صح ؟! قولوا صح والنبي يمكن ينوبني م الحب جانب .
هتاف رابحة العالي يقاطع المشهد فتضحك كلتاهما لتهتف ثمر باستنكار حنون:
_يا مطيورة فكري في حاجة غير الجواز اللي واكل مخك ده ..لا حول ولا قوة إلا بالله ..وبعدين قلتلك ستين مرة ماتحلفيش غير باللي خلقك .
فتضحك رابحة وهي تندفع نحوهما لتتربع جالسة هاتفة بلهفتها المعهودة :
_وهي الست ليها غير الجواز؟!
_الست! الست يا مطيورة مش اللي لسة طالعة م البيضة أول امبارح.
تهتف بها ياقوت بغيظ مرح وهي تقرص وجنة الفتاة التي تأوهت لتهتف مشاكسة :
_ما أنا مش هاستنى أوصل سنك ..ذنبي إيه أصبر كل ده ؟!
_تصبري؟! تصبري يا قليلة الحيا ؟!
تعاود بها ياقوت قرصها بمرح لتضحك ثمر قائلة :
_شوفوا البت ! بنات آخر زمن صحيح!
يتشاركن الضحك للحظات قبل أن يعلو صوت الأذان فيصمتن ليرددنه سراً قبل أن تسند ياقوت ثمر لتساعدها في الوقوف بينما الأخيرة تقول بنبرة تخللها بعض القلق:
_هاصللي الفرض وأدعي لأختك ..معرفش قلبي واكلني عليها ليه .
_ما تقلقيش يا ستي ..كلمتها أنا وإسلام ومبسوطة قوي .
_ماجابتش سيرة حماتها؟!
تسأل ثمر وهي تتوجه نحو الدرج لترد ياقوت :
_لأ ..بس صوتها كان هادي .
تومئ ثمر برأسها بحركة رتيبة قبل أن تتركهما لتهبط الدرج فتعود ياقوت نحو رابحة التي كانت منهمكة تماماً في النظر لشاشة هاتفها ..
تختطفه منها فجأة لتطالع ما فيه فتشهق رابحة وهي تغطي وجهها بخجل ..
بينما تتسع عينا ياقوت بصدمة وهي تراقب "الجروب" الذي انضمت إليه الفتاة باسمه الصاعق ..
"كيف تشقطين ذكراً"!!!!!!!
_تشقطين ذكراً؟!!! تشقطين!!! يخرب بيتك!!
تهتف بها ياقوت باستنكار فتضم الفتاة كفيها معاً في وضع التوسل هامسة:
_وطي صوتك يا دكتورة .
_وش كسوف قوي يا بنت!
_والله العظيم ما عملت حاجة ..أنا دخلت بس قلت أستفيد .
_تستفيدي من إيه ؟! هتجلطيني!
تهتف بها ياقوت بنفس الاستنكار لكنها تحكم عقلها محاولة مجاراة الفتاة في سنها الحرج هذا الذي يواجه خطورة التكنولوجيا وقد فتحته على مجالات انحراف فكري مغايرة لجيلها هي الذي كان أكثر تحفظاٌ ..
_دول شوية ولاد وبنات بيتكلموا في أي حوارات ..قلت أشوف الجو من بعيد ..وبحساب وهمي محدش عارفه ..كله في السليم وربنا !
تهتف بها رابحة برجاء لتكظم ياقوت غيظها وهي تسحبها من كفها نحو الأسفل لتلحقا بثمر ..
_هنصلي جماعة مع ستي وبعدها تحكيلي بالنص اللي بيحصل فيه ..ولو كدبتي هاعرف وهاخللي أمك تعلقك !
تقولها ياقوت بصرامة فتومئ الفتاة برأسها موافقة لتمزج الأولى شدتها باللين مردفة:
_بس لو صارحتيني بكل حاجة وماخبيتيش هساعدك في كل حاجة تطلبيها ..ونفضل أصحاب زي ما احنا .
تبتسم الفتاة بسذاجة كاشفة عن قلبها الطيب لتتنهد ياقوت وهي تعاود مناولتها هاتفها لكنها تفاجأ بأيقونة لملف خارجي سمي ب..
"الكراش حُبعمري"!!!
هكذا دون فاصل بين الكلمتين الأخيرتين !
_يا لهوي ! وده مين ده كمان ؟!
تهتف بها ياقوت وهي تفتح الملف لتفاجأ بعدة صور ل"الصالح"!
_لا يا ست ياقوت ..ده حب بريئ والله ..بشوف صوره وأطمن عليه من بعيد لبعيد بس..وطي صوتك أحسن حد يسمع!
تهمس بها رابحة بحرج وهي تتلفت حولها لتخبطها ياقوت على مؤخرة رأسها هاتفة :
_والفضيحة اللي انتِ عاملاها ع الموبايل دي ! ده انتِ ناقص تكتبي اسمه على قفاكِ!
_كتبته في قلبي!
تهمس بها بهيام مبالغ فيه وهي تضم كفيها لصدرها فتبتسم ياقوت رغماً عنها وهي تشيح بوجهها متمتمة:
_هبلة ومسكوها طبلة صحيح!
ثم تعود لتهتف بالفتاة باستنكار:
_مش خايفة التليفون يقع في إيد أبوكِ واللا أمك ؟!
_مالهمش فيه ! دول بيردوا بالعافية ع المكالمات ..وبعدين أنا عاملة كلمة سر !
تهتف بها الفتاة بفخر ساذج لتمط ياقوت شفتيها يمنة ويسرة عدة مرات بسرعة بهذه الحركة الشهيرة ...
ثم تشد الفتاة من أذنها وقد وصلتا لنهاية الدرج هامسة بنبرة محذرة :
_نصلي كده ونقعد قعدة حلوة ..تحكيلي اللي عندك وتسمعي كلامي .
فتهز الفتاة رأسها بحماس قائلة :
_وربنا المعبود كنت هاعمل كده من غير حاجة ..عايزاكي تفيديني بخبرتك ..بيقولوا الدكاترة النفسيين دول ولا اللي مخاويين ..بيعرفوا المستور ويقربوا البعيد.. ويجلبوا الحبيب .
تقول عبارتها الأخيرة بهيام مبالغ فيه لتعاود ياقوت خبطها على مؤخرة رأسها قائلة بغيظ :
_لا يا حبيبتي دي الشيخة المغربية ! لكن احنا بنلبّس الجلابية البيضا بالمشقلب وبنحدف ع العباسية ..عارفاها ؟!
تضحك الفتاة ضحكة عالية وهي تتمسح في ذراع ياقوت كهريرة صغيرة قائلة :
_شربات يا زينة الدكاترة !
_الصلاة يا بنات!
تهتف بها ثمر من غرفتها فتهرع رابحة بحركتها الطائشة المعهودة لتلحق بالعجوز فيما تتسمر ياقوت مكانها للحظات ترقبها بغيظ هامسة :
_جيل عايز إعادة تأهيل وربنا ! تشقطين ذكراٌ! وجايالي أنا أفيدها ! نشنت ونشانها رشق !
=======
_هو عامل إيه ؟!
يسألها زين بقلق وهو يقف أمامها في صالة بيتهما لترد همسة بخفوت مشيرة للغرفة الجانبية :
_ياقوت معاه دلوقت ..زياراتها بتفرق قوي ..بس هو كالعادة كتوم ..مش راضي يتكلم معاها .
تقولها لتصمت لحظة قبل أن تسند رأسها على صدره لتهمس بين دموعها :
_خايفة أضعف يا زين ..خايفة ما أقدرش أسنده زي ما سندني .
فيزدرد ريقه بتوتر ورغم أنه كان يشاركها نفس الخوف لكنه اختار مساندتها في قرارها ليربت على ظهرها قائلاً بحسم:
_انتِ فاجئتينا كلنا بالقوة اللي جواكِ ..من سنة واحدة بس لو كان حد قاللي آنك هتوصلي للمرحلة دي كنت قلت زمن المعجزات انتهى ..عشان كده واثق فيكِ ..ما تخافيش ..أنا معاكم ..رائد بس محتاج وقت ..ومحتاجك ..أكيد مش هتخذليه زي ما هو ما خذلكيش .
دفنت وجهها في صدره قليلاً ليشعر بذراعيها يشتدان حول خصره كأنما تستمد منه قوتها قبل أن ترفع إليه وجهاً باسماٌ لتسأله بحزن ملائكي:
_انت شايف إن أنا السبب؟! أنا اللي قتلتها ؟!
والجواب يأتيها من خلفها بصوت ياقوت التي خرجت لتوها لتهمس لها بخفوت مخافة أن يسمعها رائد بالداخل:
_حقدها اللي قتلها ..وهم الماضي اللي سلمت له رقبتها لآخر لحظة ..فرحتكم مش ذنب المفروض تتحاسبوا عليه ..صدقي كده يا همسة عشان تخللي رائد كمان يصدق .
تلتفت نحوها همسة لتسطع عيناها بنظرة امتنان واثقة لتسألها بلهفة:
_وافق يحكي معاكِ واللا لسة رافض؟!
أومأت ياقوت برأسها إيجاباً لتلتمع عينا همسة بالمزيد من الراحة فيما التفتت ياقوت نحو زين باشتياق فضحه قمراها "الحرّان" ليقابلهما بنظرة أكثر اشتياقاً اتشحت بطيف عابر من "غيرة" لم يستشعرها سواها !
تعرف هذا الانفعال القوي الذي يكتمه فينفر له عرق جبينه رغم برود قسماته ..
هل هذا من زعم يوماً أنه آخر رجل في العالم قد يغار عليها هي؟!
غيرة غير منطقية تماماً مع وضع رائد معها لكنها ترضي غرور أنوثتها!
بينما بدت همسة بعيدة تماماً عن كل هذا وهي تهمس ببراءتها المعهودة :
_كنت واثقة إنك هتخلليه يخرج من عزلته دي .
_ياقوت ما تتقاومش .
يقولها زين بنبرة غريبة رزينة لا تشي بالعشق الهادر المتواري خلف هذه الحروف القليلة ..
نبرة جعلت خلاياها تذوب انتشاء وخجلاً فتسبل جفنيها هاربة من شعورها ..
لتنقل همسة بصرها بينهما بابتسامة حملت بعض الارتياح قبل أن تسألها باهتمام امتزج بقلقها:
_هيفضل رافض الخروج ؟! ده حتى كلامه معايا بالعافية !
فتنحنحت ياقوت وهي تتحسس موضع نظارتها لتنتبه لعدم وجودها فترمق زين بنظرة جانبية مختلسة صاحبت ردها :
_جزء من مشكلة رائد دلوقت خوفه عليكِ انتِ ..ريّحيه من ناحيتك وهو قوي كفاية عشان يتجاوز الباقي ..
ثم ابتسمت وهي تربت على كتفها لتقول بيقين:
_صدقيني لو قلتلك اللي بيحصل دلوقت ده رغم كآبته بس أنا بعتبره امتحانك الحقيقي ..آخر محطة في طريق علاجنا ..جه الوقت اللي الأدوار فيه تتقلب ..الوردة الرقيقة المقفول عليها في صوبة إزاز عشان خايفين عليها دلوقت بتثبت للكل إنها قادرة تتكيف مع أي جو وأي ظروف ..هو محتاجك ..وانتِ محتاجة تحسي إنه محتاجك ..الحب الصحي هو اللي العلاقة فيه تبقى متبادلة زي لعبة الميزان ..مش طرف على طول بيدي والتاني ياخد .
تهز همسة رأسها بتفهم وابتسامتها المرتجفة تزداد وثوقاٌ لتشد ياقوت على كتفها أكثر مردفة :
_أكتر حاجة فرقت مع رائد إنك فضلتِ معاه ..سكوته مش بُعد عنك أد ما هو خوف عليكِ ..طمنيه وهتلاقيه واحدة واحدة بيهرب ليكي مش منك .
يرمقها زين بنظرة إعجاب تخترقها كسهم نافذ لكنها تتجاهلها محاولة تركيز نظراتها مع همسة التي قبلت وجنتها بعفوية لتهمس لها ببراءتها المعهودة :
_انتِ نعمة في حياة أي حد ..يا بخت القريبين منك .
فتبتسم لها ياقوت وهي تشير نحو الغرفة هامسة :
_ادخليله واعملي اللي اتفقنا عليه ..هامشي دلوقت عشان عندي معاد مهم في المركز وهاجيله بكرة .
_خللي زين يوصلك ..الدنيا ضلمت .
تهتف بها همسة وهي تتوجه ببصرها نحو زين الذي هز كتفيه قائلاً بنفس النبرة الرزينة :
_معنديش مانع لو وافقت .
حروفه تتشح ببعض المكر كأنما يذكرها باتفاقه مع إسلام ..
لتهتف همسة باستغراب:
_وترفض ليه ؟!
ثم تلتفت نحوها هي مردفة:
_انتِ زعلانة منه في حاجة ؟!
_لا أبداٌ ..بس مش عايزة أعطله .
تقولها ياقوت بمكر يناظر مكره فتنقل همسة بصرها بينهما بحيرة قطعها زين وهو يشير بكفه نحو ياقوت كي تتقدمه بحركة مهذبة ناسبت قوله :
_اتفضلي .
تكتم ابتسامتها وهي تسير أمامه بارتباك عجزت عن التحكم به وهي تشعر به خلفها ..
كانت تتوقع أن تلقاه اليوم ..ليس اليوم فقط بل كل مرة تزور فيها همسة ..لهذا ارتدت هذه البدلة الأنيقة التي اختارها إسلام بذوقه ..بلون ليلكيّ هادئ مع قميص أبيض ووشاح بألوان هادئة مزجت اللونين معاٌ بنقوش صغيرة غاية في الرقة ..وقد ربطته بهذه الطريقة التي تظهر فيها طرفي أذنيها بقرط الياقوت كأنها تود لو تشهد الدنيا كلها على وجوده !
_بلاها مشية العسكري دي وامشي زي الستات بقا ..جننيه كده ! شعلليه !
تهتف بها العفريتة العابثة بداخلها فتتجاهلها بإصرار لكنها تعجز عن تجاهل أمرها التالي وهي تجد نفسها تسير معه في الحديقة لتتذكر موقفاً مشابها ..
_ارمي الشنطة عشان يجيبها ..اهي فاتحة كلام وربك يرزق بالباقي!
يقف مكانه وهو يلمح حقيبتها تسقط فتتوقف بدورها لتلتفت نحوه فينحني وهو يلتقطها قبل أن يستقيم ليناظرها بعينين متوهجتين ..
كادت تهتف به بنفس العبارة التي قالتها يومها "مش مقامك يا بيه" ..
لكن هذه النظرة المشعة في عينيه أخرستها ..
اختطفت من فمها الحروف وجعلت خفقاتها تتحاوز حد الجنون ..
خاصة وهو يقطع الخطوة الفاصلة بينهما فلا يكتفي بمناولتها الحقيبة كالمرة السابقة بل يضعها بنفسه على كتفها قبل أن يميل عليها هامساً جوار أذنها بمكر داعب لهجته الرزينة :
_وقعيها ألف مرة وهاجيبها لو ده اللي هيثبتلك مقامك عندي .
يقولها ثم يستقيم فجأة كأن لم يقل شيئاً لتحمر وجنتاها بخجل بينما "عفريتتها العابثة" تسخر منها :
_اتفقستِ يا مفضوحة !
لكنها تتجاهل كلماتها مع هذا الطوفان من المشاعر الذي اكتسحها في هذه اللحظة وهي تناظر عينيه بهذا القرب ..
كبرياؤها يستصرخها أن تنكر زعمه لكن مشاعرها التي صارت حرة من كل شيئ ترسم على شفتيها ابتسامة ..
ابتسامة بعمق أملها فيه !
بينما يرمقها هو بنظرة عاشقة هوجاء تناقض كل هذه الرصانة التي ترسمها ملامحه ..
يتلقف نظراتها ببعض الدهشة وهو يشعر بهالتها الجديدة تزيد من قوة أسره ..
هالة صنعتها ثقتها فيه ..فخرها به ..وأمانها معه !
لهذا عاود السير معها إنما جوارها -لا خلفها- هذه المرة !
تشعر بكفه يلامس كفها في حركتهما -عرضاً- فتسري في جسدها قشعريرة باردة يجد هو الآخر صدى لمثلها ..
يفتح لها باب سيارته أخيراً فتستقلها قبل أن يركب بدوره ليغلق زجاج النوافذ بحركته المعهودة التي كانت تعني لها قديماً "سجن الملكية " ..
لكنها الآن تفهمها بمراده الحقيقي "خصوصية الحميمية" !
صمته يطول وصمتها كذلك قبل أن تراه يشغل "كاسيت" السيارة بهذه القصيدة الشهيرة للقيصر ..
إنما بصوته هو المسجل !!!
كأنه يقصدها هي بها وقد انتظر هذه الفرصة كي يسمعها إياها !!
قلبها يخفق بقوة مع صدى صوته الفخم بهذه الكلمات التي توقن أنه يعنيها هي بها ..
يارب قلبي لم يعد كافياً
لأن من أحبها تعادل الدنيا
فضع بصدري واحداً غيره
يكون في مساحة الدنيا
حبك يا عميقة العينين
تطرف تصوف عبادة
حبك مثل الموت والولادة
صعب بأن يعاد مرتين ..
تشعر به مع الكلمات الأخيرة يلتفت نحوها وقد كانت في هذه اللحظة أكثر هشاشة من أن تبادله النظر ..
لكن أشعة عينيه كانت تخترقها بدفئها فتبذر في روحها ألف أمل ..واعداً بألف ألف جنة ..
تسترخي في مقعدها أكثر فيصلها المزيد من صوته المسجل ..
عدي على أصابع اليدين ما يأتي
فأولاً حبيبتي أنتِ ..
وثانياً حبيبتي أنتِ ..
وثامناً وتاسعاٌ وعاشراً
حبيبتي أنتِ
تعض شفتها بخجل والكلمات -مصادفةً- تعيد إليها حساب عناقاته التي تحفظها بعددها واحداٌ تلو الآخر ..
فتحترق وجنتاها تأثراً وهي تشعر برائحة عطره تتآمر مع صوته مع كلماته مع هذه العزلة الافتراضية لهما لتغرقها فيه أكثر وأكثر ..
لكنه يوقف "الكلمات" عند هذا الحد فتود لو ترجوه أن يتركها هكذا تسري في أذنيها للأبد ..
طالما كان يخبرها عن عشقه لصوتها وهي تقرأ ..
والآن تود لو تخبره أنها هي الأخرى تذوب هياماٌ بهذه الطريقة التي ألقى بها القصيدة !
تلتفت نحوه بنظرة مستنكرة حملت طيفاً من رجاء أن يكمل ما انقطع لكنه يحدجها بنظرة جانبية مختلسة ليعاود النظر للطريق مع قوله بنبرة متحفظة لم تخلُ من مكر:
_إحساس وحش قوي لما تتعلق بحاجة ونفسك تكمل ..بس تقف غصب عنك ..هه؟!
لم تملك ابتسامتها وهي تفهم مراده !
لا فائدة !
لايزال لا ينسى ثأره ويرده واحدة بواحدة !
ستبقى سجالاتهما المميزة بقوتهما المتقاربة هذه سر العلاقة الفريدة بينهما !
جبلان سيبقيان يتصارعان في طول قمتهما للأبد!!
تشيح بوجهها عنه محاولة الانشغال بالطريق لكنها كانت تعلم أنها لا تركز في شيئ الآن قدر حساب نظراته المختلسة لها والتي لا تزال تعبرها ..وتلفها في دوار لذيذ لا ينتهي ..
تنتظر بشوق أن تأتي هذه اللحظة التي تخبره فيها بمنتهى الصراحة ..بمنتهى الوضوح ..
كمراهقة لا تفقه شيئاً في فنون الدلال أنها تحبه ..
هكذا ببساطة وحسب!
تتمنى لو تعيش معه كل عصورها المفقودة ..
لو تعيد عيش كل يوم سبقه بين ذراعيه من جديد!
الخاطر الأخير يكتسحها بشعور غامر يلجلج قوتها المعهودة معه لكنها ولأول مرة تستلذ بوهنها قربه !
ربما لأنه يشبه وهن الصغير حين يركن لأبيه يحتمي بعباءته ..
لا كوهن الضعيف الذي يخشى البطش!
_نسيت نضارتي عندك .
تغمغم بها بارتباك تقطع هذا الصمت المتعمد بينهما وهي تشيح بوجهها ليصلها صوته المهيمن متشحا بعاطفته:
_ما اسمهاش عندي ..اسمها في بيتنا .
يضغط حروف كلمته الأخيرة ببطء متعمد فتحمر وجنتاها ليبتسم هو متشربا ملامحها بنظرات عاشقة حارة ناقضت برودة صوته:
_عموما هي معايا دلوقت.
_فين؟!
تسأله وهي تلتفت نحوه لتختلط برودة صوته ببعض العبث:
_في جيبي.
_هاتها.
تقولها منتبهة لهذا الانبعاج في جيب قميصه ببعض التحفز وعيناها هي الأخرى تتشربان بملامحه التي بدت لها في هذه اللحظة أكثر وسامة ..أكثر سحرا..وأكثر قربا ..
فتزداد وتيرة العبث في صوته وهو يهز كتفيه وقد تشبثت قبضتاه بمقود السيارة :
_لو عايزاها خديها .
_زين.
تهمس بها بنبرة أذابت قلبه بل صهرته صهرا!
بهذا الخجل الذي دغدغ حواسه مذكرا إياه بمذاقها بين ذراعيه ..
بهذا العشق الذي ربما لم تبح به حروفها وإن كانت تصرخ به خلاياها بصدى يرجه رجا ..
وبهذا العتاب المستنكر الذي يجعله يرمقها بنظرة عنيدة متحدية تكاد تقسم أنه لن يرجع عما برأسه مهما كان ¡
دقيقة كاملة مرت بينهما والعناد المتفجر بالعشق يشعل الصمت بينهما ..
لتحسم هي أمرها أخيرا فتمد أناملها بخفة تلتقط نظارتها من جيبه لكنه أطبق بقبضته على كفها في موضعه!
هناك ..أمام قلبه تماما !
فتتحول نظراته لمزيج دافئ من عشق واشتهاء ..
سراجا الشمس في عينيه يتوهجان ببريق يكاد يغشي عينيها ..
وبصوت بدا وكأن لا يخرج من شفتيه ..
بل يخترق من قلبه لقلبها كشعاع من نور..ونار:
_عارفة أد إيه نفسي دلوقت إن اللحظة دي ما تخلصش؟! نفضل طول العمر كده ؟! إيدك جنب قلبي مطمناه! مونساه! ..كل دقة فيه بتلمسك ..وبتحلفلك إنه هيفضل ليك انت ..انت بس ..
آهة قصيرة خائنة تغادر شفتيها فاضحة هذا الزلزال الذي يبعثر كيانها كله مع كلماته هذه ..
ثم يلملمه!
آهة يود لو يتلقفها بين شفتيه اللتين تعلقت بهما عيناه باشتياق أحرقهما معاً ..
لكنها سحبت كفها منه لتجد كلماتها تخرج رغماً عنها مشوشة مرتبكة فظة :
_خد بالك من الطريق محدش بيعمل كده وهو سايق ..وبعدين ما تنساش وعدك لإسلام ..انت قلتله إنك مش هتكلمني لحد ما يبلغك بموافقته ..ما تستغلش الظروف .
ابتسامته الماكرة مع إشاحته بوجهه تفضح تفهمه لسبب هذه الفظاظة المفاجئة التي جابهته بها ..ليرد بصوته الذي عادت إليه نبرة تحفظه المهيمنة :
_معاكِ حق ..مش هتتكرر .
ابتسامته جعلتها تلعن وسامته الطاغية هذه والتي تبقيها دوماً على حافة بئر عميق بلا قرار لا تكاد تنتظر سوى زلة قدم كي تسقط !
_دبش ! دبش! الراجل قرب يطلع قلوب من عينيه وانتِ عاملالي فيها أبلة الناظرة ! بقا دي عيون يتقال لها لأ ..يا جاحدة ! طب بلاش عينيه ..صوته ..كلامه ..واللا ..
تترك العفريتة العابثة لعربدتها بداخلها راضية بها هذه المرة ..
ليخفق قلبها بلوعة وهي ترى الطريق يقصر منذراً بفراق وشيك وقد بدا لها مبنى المركز من بعيد ..
تتوقف سيارته فتشعر بضيق حقيقي وهي تطرق برأسها مشبكة كفيها ..
_هتسيبيه كده من غير كلمة واحدة وياعالم هتشوفيه تاني امتى ؟! انطقي يا جبلّة ..قولي أي حاجة تصبره ! وتصبرني!!
تستمع لنصيحة "العفريتة العابثة" في سابقة نادرة فتتلفت حولها لتتأكد من خلو المرآب الذي ركن به سيارته ..
ثم تشير بعينيها لنظارتها في جيبه قائلة بنبرة عجيبة تأرجحت فيها الأنصبة العادلة بين عاطفة وفظاظة ومكر :
_زي ما قلعتهالي بإيدك ..لبسهالي .
تسمع صدى ضحكته المكتومة فتنطلق بداخلها ألف زغرودة عالية وهي تسبل جفنيها لتشعر به يستخرج نظارتها من علبتها ..
ترفع إليه عينيها بقمريها "الحُرّين المحلقين في سمائه" فتراه يقرب نظارتها لشفتيه فيما بدا كقبلة خاطفة لم تستغرق ثانية لكنها نفذت لقلبها كسهم مارق ..
ثم يلبسها إياها وعيناه تجزيانها عن صيام لسانه آلاف الكلمات !
الصيام الذي بدا عاجزاً عن المزيد منه وهو يشعر بأنفاسها اللاهبة تشارك أنفاسه اشتعالها ..
_كل ما بتوحشيني بشتري كتاب ..بحتفظ بيه من غير ما أقراه وأحلم باللحظة اللي هتقريهولي فيها ..وانتِ في حضني .
همساته الدافئة تشعل أحطاب روحها فتحس وكأن خلاياها كلها تنصهر بهذا القرب المهلك ..
لكنها تهرب من خجلها بمزيج فظاظتها ومكرها فتقول وهي تبعد وجهها عنه :
_كل ما بوحشك ؟! على كده اشتريت كام كتاب لحد دلوقت؟!
فيبتسم وهو يرفع أحد حاجبيه ليبتعد بدوره مسافة كالتي ابتعدتها ثم يرد بهدير عاطفته الماكر:
_قربت اخلص المكتبة .
ضحكتها القصيرة تحلق حرة فوق شفتيها وقد بدا وكأنما أعجبها الرد ..لتقول بمكر عابث:
_خلاص ..لما تخلص المكتبة نبقى نتفاهم .
فيصدر همهمة قصيرة وهو يدرك تلذذها بعذاب انتظاره لتلتمع عيناه ببريق أكثر مكراً وهو يميل برأسه قائلاً:
_يعني مش مستعجلة انتِ كمان تعرفي حكاية "مثلث برمودا" اللي عندك واللي هنكتشف أسراره سوا؟!
_مثلث برمودا ؟! عندي أنا؟!
تسأله بحيرة ليهز رأسه مؤكداً بغموض:
_مثلث صغير كده عندك له قصة ظريفة هابقى أحكيهالك بعدين .
التمعت عيناها بفضول حائر ترجوه المزيد لكنه أشاح بوجهه مردفاً بنبرة عاد إليها مكرها :
_لما أخلص المكتبة !
تبتسم بدورها وهي تدرك أنه يرد لها بضاعتها ويتركها مثله تتحرق على صفيح ساخن من شوق وترقب ..
تغادر السيارة لترمقه بنظرة أخيرة تلقفها بعمق عاطفته وعيناه تتعلقان بقرط أذنيها بنظرة راضية ..
قبل أن يبتسم لها ابتسامته الساحرة التي ودعتها قبل رحيلها ..
تتنهد بهيام وهي تخطو بخطوات متثاقلة نحو غرفتها بالمركز كأنما تجاهد نفسها كي لا تستدير عائدة إليه ..
تصل لمكتبها أخيراً فتغلق بابه خلفها ولم تكد تفعل حتى وصلتها هذه الرسالة الصوتية تكمل لها القصيدة بصوته كما تمنت ..
كأنه يجزيها عن بخل بوحها كرماٌ !
دعي نظراتك الحمراء تقتلني
ولا تكوني معي يأساً ولا أملا..
وقاوميني بما أوتيتِ من حِيلا ..
إذا أتيتك كالبركان مشتعلا ..
أحلى الشفاه التي تعصي ..
وأسوأها تلك الشفاه التي دوماٌ تقول بلى !
======
_قالوا لي إنك شاورتِ على صورتي؟!
تقولها ياقوت مخاطبة نجلاء -حالتها الجديدة- في المركز والتي بدت غير منتبهة تماماً مع نظرة الرعب في عينيها وهي تنظر لسترة ياقوت التي كانت من جلد الثعبان المرقط ..
انتبهت ياقوت لما تعنيه نظرتها فخلعت سترتها برضا لتخرجها ثم تعود إليها ..
النظرة المرتعبة تخف حدتها فتزداد يقيناً خاصة وقد تم تشخيص حالتها المبدئي بما يسمى "التريبوفوبيا" أو فوبيا الثقوب ..
هذا الرهاب الذي لم يعترف به بعد ك"فوبيا" حقيقية إلا من خلال بعض الدراسات ..
وهو رهاب يعانيه بعض الأشخاص من رؤية الثقوب أو الدوائر المتلاصقة مختلفة الأحجام ..
كصور الفراولة ..خلايا النحل ..جلد الثعبان ..ومثلها من صور الثقوب أو الدوائر المتلاصقة ..
رهابٌ تزداد شدته وتنقص بالظروف المحيطة لكن المزيد من الضغوط قد تؤدي لاضطرابات اكتئابية حادة ..
هذا الذي يبدو أنه قد حدث مع المسكينة هذه ..
والتي تصادف أن يتم اختطافها واحتجازها في أحد "المناحل" المملوكة لأحد الخاطفين ..
ليصنع لها رهابها المعهود -مع مشهد خلايا النحل- المزيد من الاضطراب ليدخلها في حالة الخرس الهستيري هذه ..
والذي لم تتخلص منه حتى بعد إنقاذها !
هذا الاستنتاج الذي وصل إليه سامر بذكائه مشخصاً هذه الحالة الغريبة وقامت هي بوضع خطة علاج تشبه هذه التي وضعتها لهمسة من قبل ..
نفس الرهاب -مع اختلاف المسمى- والذي يرتبط بضغط شديد يجعل أثره يتفاقم هذا الحد !
_نجلاء ..سامعاني؟!
تسألها من جديد وهي تضع صورتها هي جوار وجهها لتردف:
_أنا اهه ..لو عايزاني أفضل شاوري تاني ..
ترمقها الفتاة بنظرة زائغة تتركز رويداً رويداً حول الصورة ..
قبل أن تنتقل منها إلى وجهها هي ..
سبابتها ترتفع نحوها ببطء فتبتسم ياقوت وهي تربت على كتفها قائلة :
_ممتاز ! أنا اسمي ياقوت ..إيه رأيك حلو؟!
لكن الفتاة تعود لشرودها في الصورة كأنها تميل للوهم أكثر من الواقع ..
تحاول ياقوت لدقائق اجتذابها لأي حديث لكنها تبدو عاجزة عن إيجاد المزيد من جسور التواصل بينهما ..
_مساء الخير .
يهتف بها سامر وهو يدخل عليهما وقد كان يراقب الوضع عبر النافذة الزجاجية من الخارج ..
لتلتفت نحوه الفتاة ببعض الذعر لكنه يبتسم لها قائلاً بنبرته الودود :
_أخرج وأسيب ياقوت ؟!
لكن الفتاة ترمقه بنظرة غريبة طويلة قبل أن تلتوي شفتاها بشبه ابتسامة تجعله يخرج لها عروسا بلاستيكية شبيهة بما يهديها لريتال ..
هذه التي وضعها أمام عينيها قائلاً :
_واللا نخرج احنا الاتنين ونسيب دي؟!
ابتسامة الفتاة تتسع وهي تتناول منه العروس لتحتضنها ثم تقف معطية إياهما ظهرها ..
فيشير سامر لياقوت إشارة خاصة ثم يغادران معاً ليغلقا الباب خلفهما ..
وما كاد يفعل حتى سار جوارها واضعاً كفيه في جيبه قائلاً :
_زي ما توقعت ..بتميل للصور والمجسمات أكتر من البشر الحقيقيين في الفترة دي .
_بالظبط ..ودورنا نطمنها وننزل لمستواها وبعدين نرفعها واحدة واحدة ونخلليها تتقبلنا احنا .
_خصوصاً إنها بدأت تثق فيكي وتشاور عليكي.
_وانت كمان ابتسمت لك النهارده .
_تقدم ممتاز!!
يهتف كلاهما بالعبارة الأخيرة في نفس التوقيت فيتوقفا عن المشي ليضحك كلاهما للحظات قبل أن ترفع إليه عينين مرتبكتين فقد كانت المرة الأولى التي تتحدث إليه فيها بعد واقعة زين الأخيرة ..
لكنه تقبل ارتباكها بشماتة مصطنعة ظللت نظراته قبل كلماته :
_ما قلتليش بقا حكاية زين باشا "أيبك" ده يا "شجرة الدر"؟!
تعض شفتها بخجل تكتم ابتسامتها لطرافة التشبيه قبل أن تشيح بوجهها ليردف باعتراض:
_لا ده أنا قتيل الحكاية دي النهارده ! ده أنا دمي نشف وأنا مخطوف ومش عارف هارجع للست حلاوة واللا لأ.
يقول عبارته الأخيرة بمسكنة مصطنعة فتنطلق منها ضحكة قصيرة لكنها تتنحنح لتقول بارتباك خجول:
_كنت بعالج أخته و..
_وإيه؟!
_وبعدين هي خفت و...
_وإيه ؟!
مكر سؤاله يمتزج بخجلها فترمقه بنظرة عاتبة تجعله يقهقه ضاحكاً ثم يلوح بسبابته في وجهها قائلاً:
_المهم يكون يستاهل ..معلش ..أنا ما اترفضش لأقل من وزير ..أمير ..حاجة في الرينج ده !
تكتم ضحكتها بكفها معجبة بروحه المتسامحة التي تعرفها فيضحك بدوره مردفاً:
_ياللا يا عم الله يسهلله ..
ثم يصمت لحظة ليستطرد بجدية تامة هذه المرة والشجن الغريب يلون نظراته الشاردة :
_ربنا يوفقك بجد من كل قلبي ..وادعيلي ألاقي حب زي اللي شفته في عينيكم تحت في العربية .
_انت شفتنا؟!
تهتف بها بحرج فيبتسم وهو يرد متلذذاً بهذا الوجه الجديد الذي يراه منها كمراهقة خجول :
_ما تخافيش ..المرة اللي فاتت اضطريت أقول لإسلام عشان خفت عليكِ ..بس المرة دي هاستر عليكِ احنا برضه عندنا ولايا!
_سامر!
تهتف بها باستنكار مرح فيعاود الضحك ثم يشير لها جوار رأسه بتحية عارضة قبل أن يتحرك نحو مكتبه لكنها تستوقفه بندائها قبل أن تتقدم نحوه قائلة :
_أنا آسفة ..وبجد أتمنى لك تلاقي الإنسانة اللي تستاهل قلبك الطيب .
_من بقك لباب المأذون أحسن الست حلاوة خلاص قربت تعلق يافطة على ضهري وتقول عريس للبيع !
يقولها وهو يرفع كفيه في وجه الدعاء فابتسمت له بود حقيقي لينسحب من جديد نحو غرفة مكتبه الذي أغلق بابه خلفه قبل أن تتحول ملامحه لضيق خفي وهو يزفر بقوة ..
موقف ياقوت ذكره بلقائه بهذا العريس الذي تقدم لخطبة ريتال ..
الرجل لا يعيبه شيئ حقاٌ ..
يبدو مهذباً لطيفاً مثقفاً ..فلو أضفنا لهذا مركزه العلمي والمادي فهو فرصة حقاً كما تزعم هي ..
لكنه لا يدري سبب انقباضة قلبه هذه كلما تذكر أنها ستتركه وتبتعد !
لم تفعلها طوال سنوات عمرها هذه فكيف يتركها تفعل الآن ؟!
إنها صديقته وابنته و...
وماذا؟!
هو ما عاد يفهم نفسه حقاً !!
"باب النجار مخلع"كما يقولون!!
صوت وصول رسالة على هاتفه يقاطع أفكاره فيجدها منها ..
_كلمت الحاج جميل ؟! اقنعه بقا مادام شايفه كويس !
اللهفة تطير بين حروفها فيميزها حتى دون أن ترسل المزيد من الرسوم لأكفّ متضرعة متتالية كأنها ترجوه السرعة ..
_حاضر يا ست المستعجلة !
المرح الظاهر في حروفه يناقض هذه المرارة الخفية التي يشعر بها ..
خاصة وهو يرى ضحكتها التي ارتسمت عبر حروف الرسالة :
_أيوة أبوس إيدك ..ورانا طيارة وسفر ومستقبل بيضيع!
_هتوحشني شقاوتك يا بنت الإيه !
يرسلها لها مع وجه يضحك فترده له بمثله قبل أن تنطفئ النقطة المضيئة جوار اسمها معلنة خروجها من نطاق الاتصال ..
_مالك ؟! في إيه ؟! هتكره لها الخير واللا إيه ؟! واللا يمكن غيران عشان هتسافر وانت متدبس في البلد دي ؟! واللا ..؟!
خاطر غريب تحدثه به نفسه لكنه ينفضه عن ذهنه باستنكار ..
لا ..لا ..
هي أخته ولن تخرج يوماً عن هذا الإطار!!
ربما لهذا عاد يرفع هاتفه بانفعال متعجلاً ليتصل بأبيها و..
يحاول إقناعه بالعريس كما ترغب!
=======
م البداية قلتلك ان مش دايماً يكون الحب كافي
والحياة ليها حسبة تانية ..
يومها نزلت دمعة منك فوق كتافي
قلتي حاول قولت حاضر بس اوعي متكمليش
لو هتمشي امشي حالاً لو فضلتي متبعديش
يلملم حاجياته من غرفة السطح بأنامل مرتجفة وهو يقاوم وحش الحنين الذي يدرك أنه سينال منه لا محالة ما بقي له من عمر ..
لكن ما حيلته ؟!
بعض البحار -على اتساعها- متى تعكرت فلا تعود لسابق صفوها أبداً !
وبحرهما كان إياها!
تدمع عيناه وهو ينتهي مما يفعل لترتجف شفتاه بقوة وهو ينظر للفراش يستعيد صورتها ذاك اليوم عقب عودته من زفاف لجين ..
هاهنا كانت تنتظره باكية تعلم أنه لن يعود ..
ليته لم يفعل ..
ليته اكتفى وقتها بجرح لن تزيده الأيام إلا نزفاً !
انا ماكنتش عايز أعلق نفسي بحب نهايته جروح
ليالي أبني في وهم وحلم ..
وييجي في ثانية ده كله يروح
واديني خدت نصيبي من حبيبي جرح قاسي كبير
ساعات لما الجرح بيجي بسرعة بيبقا اهون بكتير
يتلفت حوله كأنه يبحث عنها لكنه كان يعلم أنها تملك من القوة ما يكفيها لتبتعد ..
وليته كان يملك ما يماثلها من القوة كي يقترب!!
يحمل حقيبته ليغادر الغرفة ثم تهرب منه عيناه تجولان في السطح حوله ..
يسترجع نظراتها ..كلماتها ..ضحكاتها التي كان يرسمها قلبها قبل شفتيها ..
فيرتعد قلبه بداخله خوفاً!
أجل خوفاً من أن يواجه العالم من جديد دونها !
هي كانت "تربيتة الأمان" ..كما كانت "صفعة الصدمة"!
_مش عارفة بتطيق تاكل السندويتشات سخنة نار كده إزاي ؟!
_أنا اللي مش عارف بيجيلك نفس إزاي تاكليها باردة كده !
_خلاص يا عم ! نصبر وناكلها سوا نص نص !
يتذكرها من ماضيهما المشترك فيدرك أن هذا كان دوماً عهد حبهما أن يتنازل كلاهما كي يتقابلا في منتصف الطريق ..
لكن هل يجوز هذا الآن ؟!
هل بقي من الأمر ما يسمح بأي تنازل ؟!
الجواب يفرض نفسه فيمد أنامله يمسح دمعة ترددت على حافة جفنه ..
سواد الدنيا في عينيه يشبه سواد هذا الليل حوله ..
فإن كان لهذا الليل قمره ..فمن لليله هو؟!!
يهبط الدرج بخطوات متثاقلة يتذكر كم مرة شاركته فيها هبوطه بخطواتها النزقة المناقضة لبطئه هو ..
دوماً إيقاعها صاخب هائج وهو لم يرجُ في حياته سوى نغم غنوة هادئة !
م البداية قلتلك وانتي كنتي حتى رافضة تسمعيني
والنهاردة انا بسألك اعمل ايه في قلبي اللي حبك فهميني
يصل لباب شقتها فيتجاوزه بسرعة مغمضاً عينيه مخافة أن يضعف فيطرقه ..
لكنه يتوقف مكانه فجأة كأنما استوقف قلبه "نداء قلبها"!
يلتفت خلفه ببطء ليجد الباب شبه مغلق ويراها هي عبر هذا الشق "الضيق جداً" ترمقه بنظرة غامرة فائضة رغم أنه لم يميز بوضعها هذا سوى عين واحدة فقط !
حلقه يجف فجأة وهو يشعر أنه يصارع نفسه كي لا يلقي حقيبته هذه ويهرع إليها فيضمها في عناق طويل يطمئنها ويطمئن نفسه قبلها ..
لكن قدميه تسمرتا مكانهما مدركاً أن حبهما صار كهذا "الشق الضيق" الذي تبرز هي -بالكاد- من خلفه ..
لا تنقصه سوى دفعة واحدة كي يغلق بابه تماماً !
دمعة منها تترقرق لامعة وسط الظلمة النسبية للمكان فيراها على هذا البعد ..
ميزها قلبه قبل عينيه !
يشعر بحقيبته تقع أرضاً فلا يدري هل هو من أسقطها عامداٌ أم أنها فقط تشارك كل تفاصيله السقوط ..
يقترب منها بمنتهى البطء مقتنصاً نظراتها كأنه يخزنها لطول جفاف العمر القادم ..
فيرى "نصف ابتسامتها" عبر شق الباب تلتحم بخيط دموع وصل شفتها بعينها الوحيدة الظاهرة ..
ورغم أن صوتها كاد لا يسمع بهذا الهمس المختنق ..
لكنه شعر به كأنما كل حرف ينفجر كلغم داخل روحه ..
_مهما حصل بيننا افتكر إني عمري ما حبيت ولا هاحب حد غيرك .
لم تكن أول مرة يسمعها منها لكنه كان يعلم أنها ستكون "الأخيرة" !
خاصة والشق الضيق يختفي رويداً رويداً حتى يرى الباب قد أغلق تماماً أمام عينيه !
صرخة كبيرة تضج بها روحه وتكتمها شفتاه باستماتة ..
أنامله تتحسس الباب المغلق بارتجافة قوية كأنه يطارد بقاياها ..
والدمعة المتأرجحة فوق جفنه تسقط أخيراٌ على وجنته التي ألصقها بالباب ..
دقيقة ..اثنتان ..عشرة ..ستون ..
لا يدري كم ظل واقفاً مكانه هكذا كأنما لا يريد لعمره أن يعترف بزمان بعدها ..
لكن اهتزاز هاتفه في جيبه برقم أمه يعيده لمرارة واقعه ..
فيرفع رأسه أخيراً ليبتلع غصة حلق يبدو أنها ستمرر ما بقي من أيامه ..
قبل أن يتحرك ليتناول حقيبته من جديد و..يرحل !
صعب اسامحك بعد جرحك ..
واللي اصعب اني اعيش
بس عارفة ؟!
هتوحشيني..
حتى لو ماسامحتكيش
=======
_لبست "روز" اهه لوحدي..مبسوط مني بقا؟!
تقولها نشوى أمام مرآتها وهي تعدل وضع ثوبها بينما تراقب بفخر أنثوي نظراته الساخنة التي التصقت بها بينما يستند على خزانة الملابس خلفها ..
ليبتسم ابتسامة عابثة وهو يقترب منها عيناه معلقتان بسلسلتها التي تحمل صورته على جيدها فيتناولها في راحته قائلاً :
_لو عايزاني أتبسط ما تطلعيش دي بره ..خلليها جوه على طول .
يقرن قوله بفعله وهو يدخل السلسلة عبر طوق ثوبها ليخفيها فتهتف باعتراض :
_ليه بس ؟! أنا عايزة الناس كلها تشوف صورتك وأنا لابساها
ورغم "المعنى الخفي اللذيذ" الذي حملته كلماتها العفوية لكنه يهز رأسه معترضاٌ وصوته يتشح بالمزيد من العبث :
_أولاً ..صورتي وأنا حر فيها ..ومن موقعي هذا بأكد لك إني هابقى مبسوط أكتر وأنا جوه ..
لم تكتم ضحكة خجلها هذه المرة من المعنى الوقح الذي حملته عبارته لكنها لكزته في كتفه بحركة دلال أقرب منها للاعتراض ..
ليضحك بدوره وهو يشير بسبابته في حركة دائرية نحوها مردفاً :
_وثانياً ..أي سلسلة هنا هتلفت النظر لامكانياتك اللي عاملة مشكلة دي ..وأنا لا سني ولا لياقتي يسمحوالي بخناقة مع كل حد هيبص لك وأخزق له عينه !
تضحك ضحكة رائقة طويلة وهي تبسط كفيها على كتفيه لتخفي وجهها في صدره تشعر -ولأول مرة منذ سنوات تقارب عمرها ..بالشبع بل ..بالتخمة !
تخمة عاطفة تسولتها على الرصيف "الخطأ" ولم تنلها ..
فلما اتخذت مقعدها "الصحيح" وجدتها تسقط وحدها في حجرها !!
_أنا بحبك قوي .
ترفع بها عينيها إليه فيحيط خصرها بكفيه شاعراً كعهده معها أنها عندما تتحرر من قيود "قشرتها الخارجية" تبدو ك"ريما" تماماً ..
طفلة منطلقة في التعبير عن مشاعرها دون تفكير !
لهذا ابتسم وهو يقربها منه أكثر رافعاٌ حاجبه بهمسه العابث:
_بتتكلمي بجد ؟!
فتبتسم بدورها وهي تفهم مراده لتسبل جفنيها ثم تطبع على شفتيه هديتها مجيبة :
_جد الجدّ !
يغيب معها في دوامتهما الخاصة من هذا الشعور الغامر الذي لم يعرفه كلاهما إلا بين ذراعي صاحبه ..
شعور "اكتمال" بعد طول نقص!
هو الذي كان يرى فيها شارة طهره ..بداية طريقه الجديد الذي وجد فيه نفسه ..
وهي التي كانت ترى فيه عوضها عن خذلان من سبقوه ..
كأنه جاء ب"المقاس المضبوط" ليكمل هذه القطعة الناقصة في لوحة أنوثتها ..
حتى وقاحته التي كانت تجدها سافرة ..الآن تدرك أنها تضفي "اللمعة المناسبة" لأنوثتها التي طالما ظنتها باهتة شاحبة !
تبعده أخيراً لتتنهد تنهيدة طويلة ثم تهمس بدلال عاتب:
_لو سبتك لكلامك الجد مش هنروح معادنا والناس مستنية !
لكنه يعاود تقريبها منه هامساً بنبرته الرخيمة المغوية :
_هو فيه أحلى من كلام الجد ؟!
تضحك وهي تقرص وجنته بخفة لتدفعه بعزم أكبر هذه المرة ثم تعطيه ظهرها لتلتقط وشاحها ثم تعاود الالتفات نحو مرآتها قائلة :
_شكلي كويس؟! ..مش متعودة ع الناس ..التجمعات عموماً بتخليني أتوتر .
_امال هتعملي إيه في الفرح؟!
يقولها ضاحكاً لتلتفت نحوه هاتفة بتردد :
_انت لسه مصرّ ع الموضوع ده ؟!
_جدا! مستني بس لجين ترجع بالسلامة عشان اللمة تكمل .
يقولها بحسم وهو يتناول سترته ليرتديها ثم يتوجه نحوها مردفاً:
_وبعدين دول مش غرب ..ده سيف عازمنا ع الغدا في بيته ع الضيق .
_ع الضيق؟! سيف ومامته وأخوه ومراته ومراة أخوه وعمو علاء وطنط إيناس ؟!
تقولها باستنكار وهي تعد على أصابعها ليضحك هاتفاً باستدراك:
_وكان عازم ماما وهيثم كمان بس اعتذروا عشان مشغولين بالنقل للبيت الجديد .
_صعبان عليا أخوك قوي !
تقولها بإشفاق وهي تقترب منه خطوة فتفضح عيناه هو الآخر حزناً خفياً يخفيه عادة خلف مزاحه ..
لكنه لم يتكلف الادعاء هذه المرة أمامها وهو يرد بصوت متحشرج:
_هيكبر وينسى ويتعلم إن الضربة اللي ما بتموتش بتقوّي .
فترمقه بنظرة طويلة مزجت حنانها بعاطفتها لتضم رأسه لصدرها بعناق دافئ ثم تقبل رأسه هامسة :
_اللي ليه أخ زيك ما يتخافش عليه ..انت نعمة !
يبتسم لها براحة غامرة وهو يزداد يقيناً يوماً بعد يوم أنه كان محقاً إذ رأى خلف شوكية قشرتها هذا الباطن الحلو ..بل شديد الحلاوة ..
يرد لها قبلتها بمثلها ثم يعترف أنه لايزال يفاجأ بوجهها شديد العفوية هذا في كل مرة تطلق فيها سراح عاطفتها لتحلق دون قيود ..
يعترف أنه كان يحتاج لامرأة مثلها تماماً في حياته ..
امرأة يثق أنه يمكنه الاستناد عليها دون خوف ..
يلقي على كتفها حموله دون حذر ..
ويعيش بها ولها ما بقي له من عمر .
يراقبها وهي تخرج لتأتيه بريما وقد ارتدت كلتاهما ثوباً وردياً لتبدوا في عينيه كنسختين متشابهتين بل متطابقتين ..
_شفتنا واحنا لابسين زي بعض ؟!
تهتف بها ريما بحماس طفولي ثم تغمز بعينها غمزة -صارت تجيدها تماماً مثله - وهي تردف تقلده :
_شكلنا عسل يا عسل !
ضحكاتهم الثلاثة تمتزج معاٌ للحظات ..
قبل أن يتحرك نحوهما ليبسط ذراعيه حولهما فيضمهما إليه بقوة حانية ثم يغادر نحو بيت صاحبه ..
=======
_سيف! اصحى يا حبيبي الناس على وصول .
تقولها غادة بحنان بعدما دخلت الغرفة لتجده لا يزال نائماً ..
ابتسامتها تتسع وهي تتأمل ملامحه النائمة التي تعشقها ..
والتي اختزلت أمان العالم كله في عينيها!
تراه يبتسم فتظنه استيقظ لكنها تفاجأ به يهز رأسه برفق مع تمتمة شفتيه كأنه يحدث أحدهم فتعاود هزه برفق ليفتح عينيه فجأة ثم يدور بهما حوله ببعض الدهشة ..
قبل أن يجذبها نحوه ليتشبث بها بقوة أدهشتها وجعلتها تهمس له بدلالها المعهود :
_وحشتك قوي كده الساعة اللي نمتها ؟!
لكنه لم يزد على أن ربت على ظهرها برفق يناقض تشبثه القوي بها ..
لتشعر بسخونة دمعة بللت وجنتها الملتصقة بوجنته !
_سيف!
تهمس بها بجزع حنون وهي ترفع عينيها إليه لتحتضن وجنتيه براحتيها مردفة :
_فيه إيه ؟!
فيغمض عينيه بقوة وهو يهز رأسه ببطء وملامحه تفضح انفعالاً قوياً يوازي تشبثه العجيب بها ..
فتكتفي بصمتها للحظات بينما تنثر قبلاتها على وجهه حتى تشعر بذراعيه المتشنجين حولها يتراخيان قليلاً ..
تعاود الهمس باسمه في تساؤل ليجيبها عبر جفنيه المغلقين :
_شفتهم سوا ..أول مرة أشوفها معاها .
_آنجيل؟!
تسأله وهي تعرف الجواب ليرد ولايزال مغمضاً عينيه بانفعال:
_وبنتي ! ملاك يا غادة ! أول مرة أشوفها واضحة كده ..بتجري عليا بتحضنني وتبوسني ..ووراها آنجي عينيها مسامحة ..بتشيلها وتبعد بيها وهم بيشاورولي ..عمري ما شفتهم واضحين كده زي النهارده .
كانت تشعر بغيرة طبيعية تفترض في موقف كهذا لكن ..
من مثلها قد يعذره وهي التي عاشت ماضياً مشابهاً ؟!!
لهذا تفهمت هذا الانفعال الذي يعصف به ويرجف حروفه بهذه الطريقة ..
لتنحني فتضم وجهه تخفيه في حنايا عنقها مع همسها:
_الحلم ده معناه إنك سامحت نفسك أخيراً وضميرك ارتاح ..
ثم تعاود رفع عينيها لتلتقي بعينيه اللتين فتحهما أخيراً مردفة ببعض المرح الذي تحاول به احتواءه :
_ويمكن معناه إنك عايز "بيبي" ومكسوف تفاتحني مثلاً؟!
يبتسم ابتسامة مرتاحة وأنامله تتخلل خصلات شعرها ليعانقها بنظراته قائلاً :
_ما تعرفيش أد إيه بحلم باللحظة دي ..أكتر حاجة اتمنيتها في حياتي بعدك هي طفل منك .
الصدق في حروفه ينتزع كل ما كدّر مشاعرها من غيرة ليبدلها بهذا النبع الصافي من الأمان المعهود معه ..
فتقبل جبينه بنعومة قائلة :
_وأنا كمان يا حبيبي مستنياه بفارغ الصبر ..
ثم يعود إليها مرحها لتتحرر من بين ذراعيه ثم تقف هاتفة :
_عيب عليا يعني! شيبوب اتجوز وخلف "أُرطة عيال" وأنا لسة .
فيبتسم وهو يزيح عنه الغطاء ثم ينظر في الساعة قائلاً بضيق:
_اتأخرت قوي .. زمانهم جايين!
_ما تقلقش ! أنا مع طنط من الصبح في المطبخ وكله تمام ..هانيا خلعت عشان مذاكرتها بس "محسوبتك" سدادة !
تقول عبارتها الأخيرة بخشونة مصطنعة وهي تربت براحتها على جانب رقبتها فيضحك ضحكة قصيرة وهو يحيط كتفيها براحتيه قائلاً بجديته الحنون :
_عمري ما شكيت !
تهز رأسها بدلال تعلم أنه يحبه خاصة مع حركة خصلات شعرها النبيذية على كتفيها والتي امتدت إليها أنامله تداعبها قبل أن يتنحنح ليقول بحرج:
_بالمناسبة دي ماما كلمتني في حاجة ..هي ممكن تبان لك تافهة بس هي فارقة معاها .
ترمقه بنظرة متوجسة ليرد بتردد :
_بتضايق من كلمة "طنط" دي ..عايزاكِ تقوليلها يا "ماما"!
تشحب ملامحها فجأة وكأنما اختفى المرح والدلال منهما في غمضة عين ليشعر بنظراتها تزيغ قليلاً قبل أن تغمض عينيها بقوة ..
ثم لم يدرِ من أين تفجرت فجأة كل هذه الدموع التي أغرقت صدره وهو يضمها إليه !
جسدها يرتجف بقوة أخافته حقاً وجعلته يشعر بالندم على طرقه لهذا الأمر ..
يعلم أنها متحفظة تماماً في الحديث عن أمها منذ وفاتها ..
بل إنها لم تحدثه عنها بكلمة واحدة منذ أزمتها الأخيرة !
هي تجاهلت ..وهو جبن عن أن يطرق باب هذه الذكرى المفجعة لكليهما !!
لكنها الآن وهي ترتعد بين ذراعيه بهذه الهشاشة تجعله يشعر بالندم على مشاركتها تجاهل هذا الحزن الدفين بداخلها !!
_أنا آسف .
كلماته قليلة كعهده لكن لغة جسده كعهدها معه تكفيها ..
خاصة وهو يغمرها بين ذراعيه مطوقاً إياها بهذا الحنان غير المحدود ..غير المشروط ..
وبهذه القوة التي تكفيها شر خوف الخذلان !
تستسلم لبكائها للحظات بين ذراعيه وذهنها يستعيد قسرياً كل مشاهد معاناتها مع أمها وانتهاء بليلة الحادث ..
الجرح ..اللوم ..الخذلان ..ثم التعاطف والإشفاق ..
طوفان المشاعر الذي غلف علاقتها الاستثنائية بوالدتها الراحلة يعود ليكتسحها ..
لكنها تملك من القوة ما يجعلها تنهض من عثرتها بعد لحظات لتمسح دموعها بأنامل مرتجفة ..
ثم تغتصب ابتسامة ترفع بها عينيها إليه لتقول بمزيج غريب من وهن وقوة :
_فهمها إني مش هاقدر أقول الكلمة دي لحدّ ..لا هي ولا "أنّا" ..العيب مش فيهم ..العيب فيا أنا ..
ثم ابتعدت عنه ما يسمح لها أن تتحسس بطنها بأناملها لتردف بشرود :
_يمكن بعدين ..لما أسمعها تتقاللي ومعناها في وداني يتغير ..يمكن ساعتها لساني يتصالح معاها .
يرمقها بنظرة مشفقة تتبدل لألف وعد بالأمان ترجمته قوة عناقه قبل أن تغمرها قبلاته كغطاء ناعم يغشى برودة جسد سقيم ..
صوت رنين الجرس يقاطع صخب خفقاتهما فيتنحنح وهو يبعدها قائلاً بضيق مصطنع:
_طول عمره إسلام ده هادم اللذات !
ضحكتها المهلكة العالية تزيد عذابه وهي تلتقط وشاحاٌ قريباٌ لتلفه حول رأسها هاتفة بدلال عاد يغزو صوتها :
_طب روح اغسل وشك وبالذات ودانك الحمرا دي ..هتفضحنا!
=======
_ياللا يا "هنايا" الناس وصلوا!
يهتف بها رامز بمرح وهو يقبل عليها بينما هي منكبة بظهرها أمام حاسوبها المحمول فوق منضدة السفرة كعادتها ..
لتردد خلفه بشرود :
_"هنايا"؟!
_امال!! قررت أدلعك من هنا ورايح "هنايا" ..
يقولها وهو يرفعها قسراٌ من مقعدها ليديرها نحوه مردفاً بنفس المرحة :
_وكما قال المرحوم فؤاد المهندس "يا سعدي وهنايا ..يا فرشي وغطايا"!
تنطلق ضحكتها شاحبة بشحوب ملامحها فيتأمل هالاتها السوداء التي تضاعفت مؤخراً بإشفاق ليستطرد بنبرة أكثر جدية رغم مرحه المعهود :
_وبعدين في "عيون الباندا" دي بقا ؟! يتوب علينا ربنا!
_شكلي متبهدل كده ؟!
تسأله بضيق غزا نبرتها المتعبة ليبتسم وهو يحيط وجنتيها بكفيه قائلاً بجدية :
_شكلك عظيم ..ربنا هيعوض تعبك خير بإذن الله ..بكرة كل ده يهون لما نوصل للي عايزينه !
وكأنما كلماته تملك هذه القدرة السحرية التي تحولها من حال لحال ..خاصة وهو يشير لنجاحها بضمير الجمع ..
فتأخذ نفساً عميقاً تملأ به صدرها قبل أن تزفره ببطء وهي تخفي وجهها في صدره قائلة :
_هانت يا رامز ..صدقني ما عدتش عايزة أنجح عشان نفسي وبس ..لكن عشان أفرحك بصبرك عليا ..
ثم رفعت وجهها لتقبله بخفة على شفتيه مردفة :
_صبركم كلكم ..انت وطنط ..ونبيلة اللي ما زرتهاش من شهر ويامن اللي بالعافية باعرف أرد عليه في التليفون ..واخواتي اللي مش عارفة أشوفهم ..دي حتى غادة اللي طبخت الأكل مع مامتك النهارده .
فيقرص أنفها برفق هاتفاً :
_هنقعد ونتحاسب بعدين ..الناس جت ياللا .
يقولها وهو يناولها وشاحها لترتديه بسرعة قبل أن تلحق به نحو شقة سيف حيث تجمع الحضور ..
المائدة الكبيرة تضمهم جميعاً بصخب الحديث الذي ترأسه إسلام بمشاكسته المعهودة مع علاء ..
إيناس بحنان تعليقاتها الأمومي ..
هانيا التي بدت شديدة الفخر بصديقتها حقاً وهي ترى لمساتها الأنثوية المميزة في المكان حولها ..
سيف الذي بدت عيناه معلقتين بغادة وحدها وكأنه لا يرى سواها وسطهم جميعاٌ..
غادة التي بدت بقمة سعادتها وهي تتلقى فخر حماتها بها وسط الحضور ..
عائلة حقيقية يزداد أفرادها يوماً بعد يوم بمذاق العوض عن سابق الحرمان ..
وأخيراً نشوى التي كان كفها يحتضن كف إسلام في مبادرة منها هي هذه المرة !
لا ..لم يكن هذا فقط هو ما اختلف عن لقائها السابق بغادة ..
بل نظرتها التي تشبعت بالثقة وهي تشعر بالغرابة إذ لم ترَ غادة بهذه الفتنة الخيالية التي غذاها شعورها بالنقص وقتها ..
كذلك لم يعد جسدها النحيف أيقونة الفتنة بل صارت ترى امتلاء جسدها هي الأفضل مادام هو كذلك بعينيه !
هل هذا هو ما يفعله بنا الحب الحقيقي عندما يملأ فراغات النقص في روحنا فيمنحنا صورة الكمال في مرايانا ؟!
والسؤال يجيبه إسلام وهي تراه يطعم ريما الجالسة على ساقيه قبل أن يميل بجسده ليطعمها هي ثم يغمزها خفية بهذه الطريقة التي تكاد تذيب عظامها ..
فتثمل عروقها بهذا الشعور الخاص الذي يتدفق دافئاً بداخلها ..
شعور فخر امرأة بعاشقها !
الدفء الحميم يغشى جلستهم بتعليقاتهم المتباينة وضحكاتهم التي امتزجت برضا قلوب عرفت جميعها الهناءة بعد طول شقاء ..
========
ترتب لجين الأطباق بشرود على المائدة في شقة والدة عابد التي اختار هو الإقامة فيها طوال مدة مكوثهما في ماليزيا..
رغم سعادتها بعاطفة عابد التي تحيطها بهالة أمان لا تنكَر لكنها تشعر بانقباضة قلبها منذ وصلا إلى هنا ..
ربما هو شعورها أن حماتها لا تتقبلها ..
وربما هو فقط شعورها بالغربة وافتقاد ثمر وياقوت رغم جمال البلد هنا ..
وربما هي غيرة خفية تجتاحها رغماً عنها من ذكرى خطيبته السابقة ..
وربما هو كل هذا !
_سلمت يداكِ يا حوريتي.
يهتف بها عابد بصوته الحنون وهو يحيطها بذراعيه من الخلف ليطبع على عنقها قبلة ناعمة ناسبت همسه :
_لا حرمني الله صباحاً يشرق بكِ أنتِ قبل شمسه .
فتضحك وهي تستدير نحوه لتقول باستغراب:
_مش عارفة بتجيب الكلام ده منين ؟!
_يجريه قلبي على لساني ..ألم أخبركِ قبلاً أنني رزقت حبك ؟!
يقولها غير مبالغ وهو يشعر أنه حقاً وجد فيها ضالته ..
كل الصفات التي تمناها في زوجة تشاركه الطريق ..
لا يدري هل هي بركة الحب الحلال التي زينتها في عينيه فلم يعد يرى من النساء سواها ..
أم أنها حقاً فاتنة الروح خلابة التفاصيل رغم بساطة ظاهرها ..
لكن النتيجة واحدة ..
هو صار مولعاً بها حقاٌ !
الخاطر الأخير يجعله يتفرس ملامحها التي زادها خجلها المعهود فتنة فيقطف من وجنتيها قبلتين ثم يهمس لها بصدق دغدغ قلبها برقته :
_سبحان من جعلكِ جنة دنياي!
فتعض شفتها بخجل مسبلة جفنيها لتهمس له بتلعثم :
_مابعرفش أقول كلام حلو زيك ..بس والله العظيم أنا زيك كده وأكتر .
يربت على رأسها برفق وهو يهم بالرد لكنه يلمح والدته قادمة بملامح متجهمة فيتوجه نحوها ليقبل رأسها ويدها قبل أن يلقي عليها تحية الصباح مبالغاً في إكرامها ..
كان يعلم أنها لا تزال لا تتقبل زواجه من فتاة ببساطة لجين لكنه كان يأمل أن تقرب الأيام بينهما ..
_لجين استيقظت مبكرة خصيصاٌ لتجهز الإفطار ..كل هذا صنعته وحدها !
يقولها بفخر وهو يسحب الكرسي على رأس الطاولة لأمه التي جلست مكانها لتغمغم بكلمات مبهمة مع تحية صباح تقليدية فسحب كرسياً مجاوراً للجين التي جلست بارتباك قبل أن يجلس هو بينهما ليسمي الله ويبدأ في تناول نوع من "المعجنات" صنعته لجين بنفسها ..
_ذوقي هذه !
يقولها وهو يقرب قطعة منها لفم أمه التي تقبلتها منه لتلوكها في فمها ..
_أرأيت كم هي ماهرة !
_كل الفلاحين كده !
اتسعت عينا لجين بصدمة من رد المرأة الفظ لتشحب ملامحها وهي تطرق برأسها دون رد فيما رمق عابد أمه بنظرة عاتبة جعلتها تستطرد بسرعة :
_أنا قصدي إنهم بيهتموا قوي بشغل البيت وستاتهم شاطرين .
_على هذه أشهد !
يقولها عابد بنبرة مرحة يحاول بها احتواء الأمور ثم يحتضن كف لجين تحت المائدة برفق فترفع الأخيرة عينين وجلتين نحو حماتها التي كانت تتفرس ملامحها باهتمام شابه بعض الضيق الذي ضخمته عين النقص كالعادة وجعلها تعاود الإطراق برأسها متناولة طعامها بصمت ..
فيما ظل عابد يتبادل مع أمه بعض الحوارات المتشعبة ..بين مرض خاله وبعض الأشغال المتعلقة بممتلكات والده الراحل هنا لكن لجين آثرت عدم المشاركة مكتفية بدفء كفه المعانق لكفها ..
_وانتِ لبستِ النقاب امتى؟!
تنتبه أخيراً أن السؤال لها فترفع عينيها لحماتها من جديد لتجيب بتلعثم :
_بعد العمرة على طول .
_ولبستيه ليه ؟! أنا أعرف إن النقاب ده بيلبسوه اللي جمالهم ملفت قوي لدرجة إنهم يخافوا من الفتنة !
لحظات صمت قليلة تمر بينهم بعد هذا السؤال الذي كهرب الجو فجأة !!
تشعر لجين برغبة مفاجئة في البكاء كمن تلقت صفعة على وجهها ..
لكن عابد الذي يدرك حساسية الأمر لديها كفاها الرد بقوله الحازم لأمه :
_أنا أراها هكذا جميلة حد الفتنة ..وهي فعلتها لترضي ربها ثم لترضيني .
فبدا الأسف على وجه المرأة وهي تبدو كمن يغالب انفعالاً عاصفاً لا يريد البوح به ..لتقول بما يشبه الاعتذار :
_ربنا يبارك لكم يا حبيبي ..ويسعدكم ببعض .
يرمقها عابد بنظرة عاتبة أشد قوة تجعلها تخاطب لجين بقولها :
_معلش ..أنا أعصابي تعبانة اليومين دول ومش مركزة في كلامي .
فتغتصب لجين ابتسامة تعودت منذ زمن مداراة حزنها بها لتتصنع المرح بقولها :
_لا أبداً عادي ..حضرتك ما قلتيش حاجة غلط ..
ثم تقف مكانها لتنتزع كفها من كف عابد برفق مردفة:
_أنا كمان الصحيان بدري مخليني مصدعة ..هاروح آخد أي مسكن .
يراقب عابد انصرافها بنظرات ضائقة ثم يعود ليخاطب أمه بخفوت عاتب:
_لم أعهدكِ هكذا ! لماذا تتعمدين إحراجها ؟!
فتزفر بقوة ثم ينفجر انفعالها كاملاٌ محاولة عدم رفع صوتها مثله :
_انت عارف م الأول إن الجوازة دي ماكانتش على مزاجي ..
_ليس هذا هو السبب ..كنت قد أقنعتك !
يقولها متوجساً فتعاود إطلاق زفرة قصيرة قبل أن تعجز عن الكتمان فتنسكب عبراتها مع كلماتها :
_قلبي مقبوض عليك من ساعة ما وصلت هنا ..خايفة الجماعة إياهم دول يكونوا لسه حاطينك في دماغهم .
فتتسع عيناه بصدمة وكأنه نسي تماماّ هذا الأمر ليرد مأخوذاّ:
_ألم يخبرني الصالح أنه قد تم القبض عليهم جميعاّ؟!
فتومئ برأسها لترد بخوف :
_بس احنا دايماً نسمع إن اللي زي دول ما بيخلصوش ..عشان أنا كده أنا بين نارين ..عايزة أقوللك ارجع مصر وابعد عن كل ده بس مش هاقدر أرجع معاك عشان ظروف خالك ..وفي نفس الوقت مش عارفة أقوللك افضل معايا هنا .
_لا حول ولا قوة إلا بالله !
يتمتم بها مطمئناّ قلبه قبل أن يعاود الالتفات إليها ليربت على كتفها مردفاً بيقين:
_قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ..الله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين ..لا تخافي ولا تجزعي ..من توكل على الله فهو حسبه .
_ونعم بالله يا حبيبي!
تقولها وهي تجفف دموعها فيبتسم لها مردفاٌ ببعض العتاب:
_وهذا ليس مبرراً لضيقك من لجين ..هي لا ذنب لها ..لو كنتِ تريدين لي السعادة حقاً فاعلمي أن جمال طباعها هو ما يزيد تعلقي بها كل يوم أكثر من سابقه ..هي صارت فرحة عمري .
هزت رأسها بتثاقل لترد بنبرة آسفة :
_انت عارف طبعي ..مابعرفش أتعامل مع القلق ..وشدة الأعصاب بتقلب معايا بقلة ذوق ..راضيها وما تخليهاش تزعل مني .
يبتسم لها مراعياً ثم يقف ليقبل رأسها بحب قبل أن يتحرك ليذهب إلى لجين ..
هي التي كانت واقفة أمام نافذة الغرفة تطالع الفراغ بشرود ..
تستعيد كلمات المرأة التي تعيد قذفها وسط جحيم هذا الشعور ..
هذا الشعور المقيت الذي لم تعرفه منذ وفاة حسين يعاود خنقها بقبضته الفولاذية ..
شعور المهانة ..التحقير ..
القدم الخفية التي تطأ رأسها لتدفنه في الرمل !
تشعر به خلفها فتتصنع رسم ابتسامة تلتفت بها نحوه ثم تبادره قبل أن يسأل لتهتف برضا مصطنع :
_سبتها بسرعة وجيت ليه ؟! أنا مش زعلانة .
_تكذبين ؟!
يسألها باستنكار عاتباً فتمتلئ عيناها بالدموع التي تجد ملاذها على صدره بينما يطوقها بين ذراعيه مردفاً :
_أعرف أن كلماتها كانت قاسية خاصة لامرأة بحساسيتك ..لكنكِ لا تعرفين أمي ..توترها يجعلها تنطق بما لا تقصده .
_وأنا سبب التوتر ده ؟!
تهمس بها شاعرة أن قدمها تنسحب للهوة السحيقة أكثر رغم جوابه لها بعدها :
_بل أنا !
ترفع إليه عينيها بتساؤل فيبتسم شارحاً بتفهمه الحنون :
_ابنها الوحيد! ..تذبذبها بين اضطرارها للبقاء هنا مع خالي بينما أنا مقيم في مصر ..ورغبتها في عودتي لماليزيا حيث ترى لي مستقبلاً أفضل لكنها تخاف عليّ البقاء هنا .
_من إيه ؟!
تسأله بقلق لكنه يؤثر ألا ينقل التوتر إليها فيرد بمواربة :
_عندما تصبحين أماً ستعلمين أن قلق الأمهات لا سبب له كما أنه لا يفنى ولا يستحدث ..خالد خلود الدهر .
ورغم المرح الذي حاول به صبغة كلماته لكنها بقيت على حالها من انقباض القلب فأطرقت برأسها دون رد ..
ليرفع هو ذقنها نحوه معانقاٌ إياها بنظراته الحنون التي بدت لها كمطر يغسل عن روحها ما علق بها من درن أوجاعها ..
قبل أن يصلها همسه :
_تسمحين لي بالاعتذار نيابة عن أمي؟!
لم ينتظر ردها وهو يميل عليها ليغمرها بعطايا شفتيه الناعمة التي تمزج عاطفته بحنانه فتذوب بين ذراعيه مستسلمة للحن عاطفته الهادئ لعله يمحو هذا الصخب الصارخ بداخلها ..
لكنه يبعدها أخيراّ محاولاً تغيير الموضوع بسؤاله :
_تشتاقين أن تكون أماٌ ؟!
_أشتاق أن أكون أم أولادك أنت!
تنطقها -بالفصحى- دون وعي كأنما امتزجت روحها بروحه في هذه اللحظة فصارت تتحدث بلسانه !
هذا الذي شعر هو به تماماً فانتشت به جوارحه وهو يضمها نحوه أكثر هامساٌ برقة رجولية نادرة :
_صرتِ تتحدثين مثلي!
فتتسع عيناها للحظة وهي تميز لتوها ما حدث ثم تمرغ وجهها في صدره دون رد تود لو تبقى هذه اللحظة بأمانها بين ذراعيه للأبد فلا تنتهي ..
لكنه يحني رأسه ليلصق وجنته بوجنتها متنشقاٌ عبير عطرها الذي يوقن أكثر من غيره أن لم تحمله يوماً سواها ..
ثم يهمس لها بنبرته الآسرة:
_أنتِ حوريتي ..قِبلة قلبي التي لا يجوز له الالتفات عنها ..سألتكِ بالله ألا تخفي يوماٌ حزنك عني ..دعينا نتشاركه فنمحوه معاّ أو نحمله معاّ ..أنتِ وعدتني بهذا يوماٌ فلا تخلفي وعدك .
_آسفة ..
تقولها بمزيج من اعتذار وامتنان لفيض هذه العاطفة التي لم تحلم يوماً بمثلها ليرد بصوته العذب وبريق عينيه المرح يناقض الوقار الظاهر لحروفه :
_أما علمتِ بأن لكل ذنب كفارة ؟! وكفارتك إطعام مسكين بين ضلوعي لن يشبعه إلا سخاء وصالك !
تضحك لطرافة التشبيه فيذوب صدى ضحكتها بين شفتيه وهي تستسلم من جديد للحن عاطفته الذي ازداد صخباّ هذه المرة وهو ينتهي بهما فوق فراشهما ..
صخباً أنساها مؤقتاً قسوة هذا الشعور المقيت الذي عاد يكتسحها بقوته القاهرة ..
لكن هذا الكابوس الذي تراه في نوم قيلولتها يعود ليذكّرها ..
صورة حسين تطاردها ومن خلفه أناس لا تعرفهم يحملون أحجارهم ليقذفونها بها ..
تعدو وتعدو فلا تجد لها ملاذاً إلا بيت ثمر ..
البيت الذي لا تميز فيه سوى حجرة الخزين السفلية ..
وبالتحديد هذه "الجرّة الفخارية" التي نبت لها ذراعان فتحتهما لها كأنها تناديها أن لا أمان لها إلا هنا !
هنا تنجو من حجارتهم بل وتعيد قذفها نحوهم فيرتدوا عنها!!
تشهق بقوة وهي تفتح عينيها مستيقظة لتجد نفسها وحدها في الفراش ..
تنهض بتشوش محاولة تخطي أحداث الحلم الغريبة التي عادت تطبق نفس القبضة حول عنقها لتخرج من الغرفة باحثة عنه لكن الخادمة تخبرها أنه قد خرج مع أمه ..
تتناول هاتفها لتجد رسالة قصيرة منه :
_اضطررت للخروج مع أمي لشأن ما ولم أرد إزعاجك ..كوني بخير يا حوريتي .
تبتسم ببعض الارتياح وهي تعود لغرفتها لكن قدميها تتوقفان فجأة أمام باب غرفة أمه ..
تتعلقان بهذه الثريا المتلألئة التي تتدلى من السقف ..
والتي ذكرتها بكل تلك البيوت التي سرقت أصحابها ..
الكابوس ..
الأحجار المقذوفة نحوها ..
صراخ الناس الهائجين عليها ..
الجرة تفتح ذراعيها لها ..
ثم لم تشعر بنفسها وهي تتقدم نحو الغرفة كالمسحورة مستجيبة للنداء القديم الذي ظنت نفسها لن تجيبه ..
=======
_تأخرت عليكِ !
يهتف بها عابد بنبرة اعتذار وهو يدخل عليها غرفتهما لتبتسم له بارتباك مع هزة رأسها الذي قبله بحنان مردفاً :
_عذراً ..المشوار استغرق أكثر من الوقت الذي توقعته ..لكن لا بأس ..سأعوضك ! سنخرج غداً في نزهة ل ...
تنقطع عبارته مع سماعه لهذا الصخب من الخارج حيث يعلو هتاف أمه الحاد مع الخادمة فيخرج معها إليهما ليفاجأ بأمه تصرخ بالفتاة باتهام:
_أنا قالعاه بإيدي وحاطاه ع التسريحة قبل ما أخرج ودلوقت مش لاقياه .
_ما شفتوش ..بحلفلك ما شفتوش .
تقولها الخادمة ب"لغتها" باكية فيهرع إليهما مستفسراً بقلق عما حدث لتلتفت نحوه أمه هاتفة بانفعال عصبي:
_العقد اللولي بتاعي مش لاقياه .
يمتقع وجه لجين وعيناها تتشحان برعب غامض فيما تشحب ملامحه وهو يحاول نفي الخاطر الذي فرض نفسه على تفكيره رغماً عنه ليهتف بأمه مهدئاّ:
_إن بعض الظن إثم ..ابحثي عنه جيداً في غرفتك قبل أن تتهمي الفتاة ..
ثم توجه للفتاة الباكية ببصره مردفاٌ بتلعثم :
_وأنتِ عودي لغرفتك الآن .
_أنا متأكدة إني سايباه ع التسريحة قبل ما أمشي ..هيروح فين يعني ؟!
تهتف بها أمه بعصبية قبل أن تتركه لتعود إلى غرفتها فتصفق بابها خلفها بعنف ..
ليطرق هو برأسه شاعراً أنه يكاد ينفجر حرجاٌ وخوفاً!!
هل فعلتها لجين مدفوعة بمرضها الذي يعرفه ؟!
هل ضعفت أمام تصرفات أمه الحادة معها فانتكست بعد شفائها الذي أخبرته عنه ياقوت ؟!
هل يلومها الآن وهو يراها مجرد مريضة ليس عليها حرج ؟!
لا ..لن يلومها ..لكن أمه ستفعل ..
وربما يقتضي الأمر فضح سر لن يرضيها فضحه !!
يالله !!
ما هذه المصيبة ؟!!
_يارب سلم ! يارب سلم !
يهمس بها في نفسه سراً بدعاء خاشع قبل أن يلتفت للجين التي وقفت مكانها وارتعادها الظاهر يفضح ذنباً لا تبوح به ..
يتحرك نحوها ببطء محاولاً البحث عن كلماته لكن هذه النظرة المرتعبة في عينيها تقتله ..
فليمت ولا يسبب لها حرجاّ كهذا !!
لهذا تكلف ابتسامة مصطنعة وهو يربت على وجنتها قائلاً :
_ستجده بالتأكيد ..أين سيذهب؟!
فتتكلف ابتسامة شبيهة وهي تكتف ساعديها قائلة بارتباك أكد ظنونه :
_أكيد ..أكيد هتلاقيه .
يعقد حاجبيه بضيق وهو يشعر بملامحها التي يعرفها تكاد تصرخ أنها تخفي شيئاٌ فيبتلع غصة حلقه وهو يهز رأسه بلا معنى للحظات ..
قبل أن يبسط ذراعه فوق كتفيها ليدخل بها غرفتهما ثم يغلقها خلفهما ليستوقفها أمامه للحظات محاولاٌ أن يبحث عن صيغة مناسبة للسؤال لا تجرحها ..
لكنه عجز عن فعلها !
حتى في موقف كهذا كره أن يكسر صورتها في عينيه !
_عابد!
همسها المرتعب يمزج خوفها بترقبها ودقات قلبها الهادرة يكاد صوتها يصله مكانه ..
فيجذبها نحوه ليضمها إليه بقوة حانية كأنما يريد تطبيبها بهذا الأمان غير المشروط رغم الخوف الذي يملأ صدره هو من أن تكتشف أمه شيئاّ أو البديل الأسوأ أن تتهم الخادمة ظلماّ!
الصمت بينهما يفضح عجز كل منهما عن البوح بما يجيش بصدره ..
لكنه يقطعه أخيراّ وهو يتجه بها نحو الفراش قائلاً بحنانه المعهود :
_كان يوماّ حافلاً ..تعالي كي ننام والغد لناظره قريب .
يشعر بارتجاف جسدها بين ذراعيه فيغزوه الإشفاق نحوها أكثر لكنه يستلقي جوارها على الفراش ليضمها بحنوّ محاولاً اجتذابها لأحاديث أخرى فرعية..
حتى شعر بها تستسلم للنوم أخيراً ..
ظل يتأمل ملامحها الساكنة لدقائق لا يدري عددها قبل أن يغادر الغرفة كي يتوضأ ويصلي ركعتين لقضاء الحاجة ..
ولم يكد ينتهي حتى عاد لغرفتهما وقد استقر على رأي ..
يتحرك بحذر ليفتش في أرجاء الغرفة بدقة محاولاً تبين المكان الذي قد تخفي هي فيه شيئاً كهذا ..
لكنه لم يجد شيئاّ!
يرفع عينيه للسماء باستجداء فتتعلق نظراته بحقيبة السفر فوق خزانة الملابس لتلتمع عيناه بترقب ..
يحرك كرسياً قريباّ بحذر ليقف فوقه ثم يمسك بالحقيبة لينزل بها أرضاً ..
يفتحها بأنفاس لاهثة ليفتش فيها بسرعة بين حاجياتها لكنه يفاجأ بالصوت خلفه ..
_كنت عارف؟!
=======
_دماؤهم قربان لرضا الله عز وجل ..لا تخف أن تقتل منهم واحداٌ واعلم أنك بذلك تحيي ألف شعيرة من شعائر الدين التي انتهكوها ..ميّتنا شهيد وميّتهم كافر ..ميّتنا في الجنة وميّتهم في النار !
الكلمات الرنانة بصوته الخطابي والتي تمزج السم بالعسل مستخدمة تعابير من القرآن والسنة تشعل القلوب أمامه فيهتفون له بحماس ..
في هذا المكان المنعزل الجديد الذي اتخذوه قاعدة لهم ..
فيرمقه مساعده من بعيد بنظرة إعجاب قوية وهو يدرك لماذا أسموه ب"الصقر"!
يظل يراقبه من بعيد وهو يتابع هذه التدريبات القتالية التي انتهت بتدريبهم على الرماية ..
قبل أن ينفض الجمع نحو ما يشبه الثكنات العسكرية ..
ليتوجه ساعتها نحوه فيرمقه الصقر بنظرة نافذة مع قوله :
_تبدو كمن يحمل خبراً جيداً !
يومئ مساعده له برأسه إيجابا ثم يقول بنبرة ظافرة تخللتها الكراهية :
_المارق المرتد محمد عابد عاد إلى بيته .
فتلتمع عينا "الصقر" بنظرة قوية ثم تلتوي شفتاه بشبه ابتسامة :
_أعرف .
_تعرف وتتركه ؟! هل نتخلى عن ثأرنا معه ؟! لقد تسبب في إلقاء القبض على معظم جماعتنا ..لن تكون دماؤنا حرة لو تركناه يعود إلى بلاده .
يهتف بها الرجل بشراسة فيتحرك "الصقر" بسلاحه نحو أحد الأهداف البعيدة ثم يطلق رصاصته فجأة تصيب الهدف وتشق الصمت بدوي هائل ..
قبل أن يلتفت نحو مساعده ليرفع أحد حاجبيه قائلاٌ بفحيح بارد :
_بل نتركه يعود لبلاده إنما نجهز له انتقاماً يليق به ..وبنا!
======
انتهى الفصل
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السادس وخمسون 56 - بقلم سينابون
القطعة الثالثة والثلاثون
(الأخيرة)
=======
_ولادنا يا سها ..ولادنا ..ولادنا ..
الكلمات الأخيرة تدوي في أذنيها وهي تركض مع عابد في ظلمة هذه الصحراء لا يميزان وجهة لقدميهما ..
يبحثان بعينيهما عن أي مساعدة لكن صوت الفراغ هو وحده يجيب ..
قلبها يبدو وكأنه قد توقف عن العمل ..
عقلها كذلك قد توقف عن الإدراك ..
كأنها استحالت منذ لحظة الانفجار لآلة جامدة لا يعنيها سوى هدف واحد ..
المدرسة ..الأطفال!
_آه!
صرخة عابد جوارها تخترقها فتتوقف مكانها لاهثة لتجده قد سقط أرضاٌ وقد تعثر في صخرة ..
_قدمي التوت ..لا حول ولا قوة إلا بالله !
يهتف بها لاهثاٌ وهو يحاول النهوض من جديد لكنه يعود ليسقط مكانه هاتفاً بألم :
_لن أستطيع السير عليها ..قضي الأمر .
يقولها بنبرة ملتاعة وهو يتلفت حوله بعجز ليطلق صرخة أخرى ..
صرخة تضرع هذه المرة وهو يرفع عينيه للسماء بهتافه المستغيث :
_يارب لا تريني يوماً كيوم أبي ..يارب أنت لهم بالمرصاد ..يارب وعدك الذي وعدتنا ..انصر جندنا واحفظ ضعيفنا واشف صدور قوم مؤمنين .
دعاؤه يختلط ببكائه في مشهد مهيب زاده شعوره بالعجز وهو يستعيد تلك اللحظة التي علم فيها عن مقتل والده في ذاك الحادث البشع ..
فيرتعد قلبه بذعر وهو يتخيل حجم الكارثة لو نال المجرمون من المدرسة !
لهذا يصرخ بها هي برجاء أخيراً أن تستمر في طريقها لطلب أي نجدة قريبة ..
بينما تقف هي مكانها ذاهلة مشتتة -بالكاد- تراه وتسمعه ..
وكيف تفعل؟!
صورة ناصر تقف حائلة بين أهدابها وحدقتيها ..
صوته يدوي من جديد كالرعد وسط ظلمة روحها ..
_اعملي اللي تقدري عليه ..ولادنا يا سها ..ولادنا ..
تشعر بقدميها تعدوان من جديد دون إرادة منها ودون تفكير ..
البرد ينخر في عظامها وملابسها الممزقة لا تمنحها أي دعم هاهنا ..
لكنها تشعر ببرد من نوع آخر جمد الدماء في عروقها فلن تعود بعده لدفئها أبداٌ ..
ألمٌ حقيقي في صدرها يبدأ في الظهور مع تلاحق أنفاسها اللاهثة وهي تشعر أنها ستفقد وعيها تعباٌ في أي لحظة ..
لكنها تجاهد بكل ما أوتيت من قوة وهي تجر المزيد من خطواتها ..
لا تدري أي طريق تسلك ..ولا لأين تتجه ..
كل ما حولها متشابه ..
كله ظلام أسود !!
تشهق شهقة عالية وقدماها تخونانها أخيرا لتسقط أرضاٌ فتصرخ صرخة خافتة وهي تدرك ألا مفر من الاستسلام ..
ماذا يمكنها أن تفعل ؟!
فلتمت هنا ..مثله !!
الخاطر الأخير يجعلها تصرخ صرخة عالية تفجرت شظاياها في روحها ودموعها تتفجر فجأة لينتفض معها جسدها ببكائه ..
لكنها يهيأ إليها أنها تسمع صوته من جديد ..
_مفيش وقت يا سها ..قومي ..ولادنا ..ولادنا ..
فتتدفق الدماء في عروقها هادرة ولا تدري كيف انتصبت واقفة من جديد تجر خطواتها اللاهثة نحو مجهول لا تعرفه ..لكنها توقن من ضرورة أن تواصل ..
ضوء كشافي سيارة يقترب من بعيد فيبدو لها وسط هذه الظلمة الكئيبة كعيني وحش ضارٍ ..
تعدو وتعدو ملوحة بذراعيها قبل أن تزيغ عيناها وتشعر بالأرض تحتها تهتز ..
تسقط مكانها من جديد إنما وعيها كذلك يتهاوى معها هذه المرة ..
_واحدة ست ..شكلها أغمى عليها ..هدومها مقطعة ومجروحة في كذا مكان ..شكلها اتصابت في الانفجار ..ننقلها ع المستشفى ..
بالكاد تميز هذه الكلمات وما بقي من وعيها يتسرب منها ..
لكنها تدرك أن لا مجال لهذه الرفاهية ..
لهذا تجاهد نفسها لتفتح عينيها بصعوبة تهمس بصوت متحشرج :
_تليفون ..بسرعة ..
_اشربي لك بق مية بس يا بنتي وبعدها ..
_تليفووون ..
تصرخ بها بإعياء فيحوقل الرجل وهو يناولها هاتفه لتتصل بالرقم الساخن الذي أعطاها إياه ناصر ..ولم تكد تبلغ بما تعلمه حتى شهقت شهقة خافتة لتستسلم تماماً لغيبوبتها هذه المرة ..
======
_عابد في مستشفى العريش العسكري ..
يقولها زين عبر الهاتف مخاطباً ياقوت بنبرة خطيرة لتشهق الأخيرة بعنف هاتفة :
_العريش؟! ليه ؟! جراله إيه ؟!
_اسمعيني من غير انفعال ..هو كويس ..كسر خفيف في رجله ..بس عليه حراسة مشددة ..
يقولها مشفقاً عليها من هذه الأخبار لتهتف به بانفعال :
_قول اللي عندك كله يا زين ..أرجوك ما تخبيش حاجة ..
_صدقيني أنا معلوماتي مش كتير ..بس اللي فهمته إن الموضوع حساس لأعلى درجة ..فيه انفجار كبير حصل في محطة تحلية مية هناك ..وتقريباً هو المتهم فيه ..
يقولها بضيق لتنخرط في البكاء هاتفة بانهيار:
_مستحيل ..مستحيل ..منهم لله الظلمة ..عابد ..لجين ..لجين هتروح فيها.
زفرته الحارقة تصلها حارة عبر الهاتف مع هتافه بها:
_اهدي أرجوكِ..أنا ماسك نفسي بالعافية إني أجيلك ..ده مش آخر المطاف ..أنا بعمل اتصالاتي ومش ساكت ..
تشعر ببعض الأمان مع كلماته الأخيرة فتمسح دموعها لتتمالك نفسها بينما يزفر هو من جديد مردفاٌ :
_أنا بالعافية قدرت آخد تصريح زيارة ليه بس لشخص واحد بس ..مش هينفع لجين عشان ظروف حملها والسفر ..
_أروح أنا!
تهتف بها بلهفة مقاطعة ليهتف بها باستنكار عصبي:
_تروحي فين انتِ بتستهبلي؟! لو كانوا سمحوا بشخصين كنت خدتك ورحنا ..لكن مستحيل أسيبك تروحي لوحدك ..خللي إسلام هو اللي يروحله يطمن عليه ويطمننا ..لجين هتصدقه وتثق في كلامه .
دموعها تخونها من جديد فترق لهجته وهو يردف :
_ما تخافيش ..أنا معاكي ..كل اللي ممكن يتعمل هيتعمل ..خللي إسلام يكلمني وننسق سوا هنتصرف إزاي .
تغلق معه الاتصال لتتصل بإسلام وتبلغه عن الأمر ولم يكد يسمع حتى ظهر شحوبه في جوابه :
_يادي الوقعة السوده! ودي هنعمل فيها إيه دي؟!
_مش عارفة يا إسلام ..أنا خايفة قوي ..
تقولها بين دموعها لكنه يتنهد بحرارة ليحاول التخفيف عنها بقوله :
_اجمدي اجمدي ..ياما دقت ع الراس طبول ..عابد ابن حلال وربنا مش هيسيبه ..المهم طمنتِ لجين ؟!
_خايفة أقوللها ..هاطمنها من جهة ..وأقلقها م التانية .
_لا ..لا ..طمنيها وخلليها تهدا ..واديني رقم زين بتاعك ده أشوف هنعمل إيه ..
يقولها بتشتت لتهتف به باستنكار:
_إيه زين بتاعك دي؟!
_خلاص! نسيب المصيبة اللي احنا فيها ونقعد نبجل في جلالته ..اخلصي هاتي الرقم !
يهتف بها بحدة عصبية غريبة عن طبعه المرح وواشية بهذا القلق الذي يملأه فتعطيه الرقم بسرعة ليغلق هو الاتصال بينما تتردد هي قليلاً ثم تخرج إلى صالة بيت ثمر حيث جلست الأخيرة تحتضن لجين الباكية بصمت ..وجوارهما ياسمين التي أصرت على البقاء معهن هنا حتى يطمئنن جميعاً على عابد ..
_ولادي يارب ..يارب ما تسوءني في ولادي ..
لاتزال ثمر ترددها دون انقطاع فتتنهد ياقوت بحرارة وهي تتقدم منهما لتحسم أمرها بسرعة قائلة :
_زين عرف مكان عابد وإسلام رايح له .
=======
على فراشه بالمشفى يجلس عابد مجبّر الساق يرمق الحائط بنظرة قلقة ..
منذ وصوله إلى هنا وهو يشعر أنه في سجن حقيقي رغم الرفاهيات -النسبية- التي تقدم له ..
يحاول الوصول لأي معلومة عما حدث للمدرسة لكن لا أحد يرد ..
وهو يكاد يموت ذعرا!
ماذا حدث لسها؟!
لم يعرف عنها شيئاً منذ تركته هناك !
هل وصلت لشيئ؟!
لماذا يحبسونه هنا ؟!
السبب الوحيد أنهم يصدقون أنه متورط بهذا التفجير !!
لماذا لا يستجوبونه إذن وينهون هذا العذاب؟!
لجين!
دمعة حارقة تتجمع في عينه وهو لا يعرف كيف حالها الآن ..
بل يعرف!
ليست هي وحدها ..بل أمه ..ياسمين ..ثمر ..ياقوت ..
كلهم -حتماً- يكادون يفقدون عقولهم قلقاٌ عليه !!
رباه!!
رحمتك يالله !!
_لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ..اللهم رحمتك التي وسعت كل شيئ ..اللهم سُنّتك التي قد خلت في عبادك أن يخسر هنالك المبطلون ..اللهم فرجاٌ ..اللهم جبراً ..
يدعو بها سراً والدمع الخاشع يترقرق في عينيه ليقطع دعاءه صوت طرقات قوية على الباب سبقت دخول هذا الرجل الذي لا يعرفه ..
طويل القامة رياضي القوام أسود الشعر وسيم الملامح لكن له عينين خطيرتين رغم الابتسامة المهادنة على شفتيه ..
_إزيك يا عابد ..بقيت أحسن ؟!
يقولها بنبرة ودود لم تخفف هذا القلق في عيني عابد الذي زاد ارتباكه والرجل يمد له يده مصافحاً فيلمح هذا الوشم ل"الصليب" على معصمه مع استطراده معرفاً نفسه :
_المقدم باسل جرجس .
يزدرد عابد ريقه بتوتر وهو يدرك حساسية أن يتدخل ضابط مسيحي في شأن كشأنه ..
لهذا صافحه بارتباك لكن ابتسامة باسل اتسعت وهو يجلس جواره على طرف الفراش ليقول بود :
_عارف كل الأفكار السودا اللي ممكن تيجي في دماغك دلوقت ..بس أحب أطمنك ..احنا عارفين كل حاجة .
_المدرسة؟!
يسأله عابد برهبة وقلبه يخفق بجنون ليهز باسل رأسه مطمئناً بقوله :
_وقفنا التفجير في الوقت المناسب .
_الحمد لله ..الحمد لله ..
يهتف بها عابد بصوت لاهث من فرط انفعاله وقد عجز عن منع دمعة انفعاله ..
ليربت باسل على كتفه قائلاٌ بتفهم :
_كان نفسي أطمنك أكتر بس احنا نفسنا مش هنطمن إلا لما نقبض على ولاد ال(...) دول ..وخصوصاً اللي اسمه "الصقر" ده ..ولحد ده ما يحصل انت هتفضل تحت عينينا ..هنخبيك في مكان آمن تحت حراسة مشددة .
ارتفع حاجبا عابد بانفعال ليردف باسل مفسراٌ:
_انت لسه مستهدف طالما الصقر ده لسه حر ..اعتبره سجن مخفف واحمد ربنا ..شهادة مدام سها وضحت تحرياتنا بخصوصك ..كان زمانك لابس قضية مش هتخرج منها إلا على حبل المشنقة .
ذكر سها يعيد إليه ذكرى تلك الليلة الكارثية فيهتف به بتساؤل يعرف مسبقاً جوابه :
_ناصر؟!
فتغيم عينا باسل بنظرة بائسة وهو يطرق برأسه قائلاً :
_كان بطل ..ضحى عشان غيره يعيش .
فيبتلع عابد غصة حلقه وهو يعاود سؤاله بصوت متحشرج:
_زوجته ؟!
_مدام سها كويسة ..هي اللي بلغت عن التفجير وكانت السبب في إنقاذ المدرسة ..ربنا يعزيها .
يقولها باسل بحزن ليغمض عابد عينيه بدعاء خاشع لذاك البطل الذي رآه رأي العين ..
يغبطه على شهادة كهذه يحتسبه نالها بحسن نيته ولا يزكيه على الله ..
ويتمنى لو كان هو قد حظي بدور أكبر في هذا الشأن ..
لكن ..يكفيه أنه لم يشهد يوماً كيوم أبيه !
ويكفيه أن الله قد أظهر برأءته !
_عايز حاجة ؟!
يقولها باسل وهو ينهض واقفاً ليستعد للانصراف فيرفع إليه عابد عينين راجيتين وبكلمة واحدة:
_أهلي .
فيبتسم له باسل بتعاطف قائلاً :
_ولا تشيل هم ! فيه توصية جاية لك بزيارة من أخو مراتك ..بس مش هنقدر نسمح إنها تتكرر ..لكن اللي أوعدك بيه إني هابعت اللي يطمنهم كل فترة عليك ..واعتبرها هدية شخصية مني ..
_جزاك الله خيراٌ .
يقولها عابد بامتنان فيعاود باسل مصافحته بقوة أكبر هذه المرة قبل أن يقول بنبرة حازمة رغم ما شابها من ود :
_أبويا كان له جار اسمه محمد ..ما كانش جار وبس ..كان جار وصاحب وأخ ..ابن عمو محمد مات وهو صغير ..واتولدت أنا بعدها ..أبويا أصر يسميني باسل على اسم ابن عم محمد اللي مات ..ومن يوم ما اتولدت وأنا حاسس إن ليا أبّين مش أب واحد ..جرجس ومحمد ..هي دي مصر الحقيقية يا شيخ عابد ..مصر اللي عايزين يشوهوا صورتها ويحرقوها بفتن بين أهلها ..بس الرب حاميها .
تدمع عينا عابد بتأثر وهو يشد على يده ليبتسم له باسل ابتسامة أخيرة قبل أن يغادر ..
======
_يعني إيه مش هتقابلني؟! لازم أشوفها ..لازم أشوفها ..
عبر الضبابات الكثيفة التي يغرق فيها عقلها منذ يوم الحادث تسمع صوت والده يخترق هذه الظلمة ..
حبيسة الغرفة ..بل حبيسة الروح في ذكرياتها معه ..
مات !
كيف لثلاثة حروف ..ثلاثة حروف فقط أن تنحر عنقها بهذه القسوة ؟!
كيف يريدونها أن تدرك أنها فقدته للأبد ؟!
أنه لن يعود لها نادماً مستغفراٌ كما كان غرورها -الكسير- يمنيها ..
_ارجع يا ناصر وأنا اللي هاكفر عن غلطي في حقك العمر كله ..انت عمرك ما غدرت بي ..اشمعنا المرة دي خدتني غدر كده ؟! من يوم ما عرفتك ما سبتنيش ..معقول خلاص هييجي يوم تسيبني؟!
تتمتم بها بما يبدو كالهذيان وهي تتحسس إصبعها باحثة عن دبلته لكنها تتذكر أنها هي من رمتها يوماٌ ..
فعلتها ظناً منها أنه سيعود ويشتري لها أخرى بعدما يكفر عن خطئه في حقها ويعدها ألا يجرحها جرحاً كهذا من جديد ..
والآن تدرك أن طمعها في كرم حبه جعلها تفقد إحسانه ..
فلا دبلة قديمة ..ولا جديدة ..
ولا هو !
فهل أقسى من شعور الندم بعد فوات الأوان إذ يلوح الزمان بكفه أن : قُضي الأمر!
_لازم أشوفها ..لازم أشوفها ..
صوت والده يصلها من الخارج من جديد فتدرك وسط كل هذا التيه أن والديها يمنعانه رؤيتها كي لا يؤذيها ..
ليته يفعل!
ليته يزهق أنفاسها واحداً واحداٌ فتلحق به هو لعلها هناك تستجديه الغفران !
تنهض من فراشها بتثاقل يناسب وهن جسدها لتتوجه نحو خزانة ملابسها ..
هناك حيث احتفظت بثيابها الممزقة التي كانت ترتديها ليلتها ..
رفضت غسلها لتحتفظ ببقايا دمه عليها ..
آخر ما تركه لها !
ترفعها أمام عينيها ثم تضمها لصدرها بقوة لتتمتم بصوت مختنق:
_راضي عني؟! أنا أنقذت ولادنا زي ما كنت عايز ..مبسوط؟!
يهيأ إليها أنها ترى طيفه مبتسماٌ فتنهمر دموعها من عينيها غزيرة وهي تعتصر ثيابها بين راحتيها بقوة هامسة بانهيار:
_بس أنا مش مبسوطة يا ناصر ..مش راضية ..أنا خلاص عرفت إني مش عايزة غيرك ..بس بعد إيه ؟! بعد إيه ؟!
_مش هامشي غير لما أشوفها ..هي كانت آخر حد معاه قبل ما ..
صراخ والده من الخارج ينقطع بحشرجة تسمعها مكانها فتنتحب بقوة وهي تشعر أنها تصارع نفسها كي تبقى فقط واقفة على قدميها ..
تعيد ثيابها مكانها بحرص ثم تتحرك ببطء متثاقل لتغادر غرفتها ..
تسمع صياح والديها المستنكر لخروجها لكنه يبدو لها وسط هذه الضبابات كصدى بعيد ..
تشعر بوالده هو يقترب منها بسرعة ليحيط كتفيها بقبضتيه بقوة كانت لتكون مؤلمة في وقت آخر ..
تعجز عن رفع عينيها إليه مكتفية بنيل لعناته لعلها تكفر عنها بعضاً من عذابها ..
لعنات توقن أنها تستحقها !
_انتِ السبب ..انتِ السبب ..لولاكِ كان زماني شايل ابنه وشامم فيه ريحته تعوضني عن مصيبتي فيه ..انتِ السبب ..انتِ ..
صرخات الرجل الملتاعة تمتزج ببكائه في مشهد مهيب تدمع له عينا والديها فيقفان مكانهما عاجزين عن التدخل ..
قبضتاه على كتفيها ككلابتين من نار تصهرها بشعورها بالذنب أكثر ..
تغمض عينيها باستسلام تستحضر صورة- الفقيد الغالي -تستمد منها دعماً تعلم أنه لن يعود ..
فيما تتقطع كلمات الرجل أخيراً بالمزيد من دموعه الصامتة لتشعر بقبضتيه ترقان حول كتفيها ..
قبل أن تفاجأ به يجذبها بقوة ليضمها لصدره معتصراً إياها بنفس القوة مع مزيج دموعه وكلماته :
_انتِ أكتر حدّ هو حبه في الدنيا دي ..ياريتني سبته يعيش عمره القصير متهني معاكِ ..ياريتني ما شديت عليه في آخر أيامه ..هددته إنه مش هيمشي في جنازتي ولا هياخد عزايا ..مكنتش أعرف إني أنا اللي هامشي في جنازته واخد عزاه ..
"قهر الرجال" بأقسى صوره يتجلى في كلمات الرجل الذي ما رأته هي من قبل بهذه الصورة أبداٌ ..
لكن ما العجب!
وفاة ناصر كانت الضربة القاصمة لجبل جبروته وجبل عنادها هي ..
الآن فقط تشعر أنهما -هي وأباه- ربطا عقدة الحبل حول عنق ناصر بينما كلاهما يشدها من طرفه بكل قوته ..
متناسين أنه هو من كان بينهما يختنق!
بين عشقه واكتفائه بها وبين رغبته في بر أبيه !
تشعر بالرجل يربت على ظهرها بينما دموعه تمتزج بدموعها لكنها ترفع عينيها إليه صارخة بانهيار وهي تبعد نفسها عنه :
_ما تطبطبش عليا ..ما تحسسنيش إني صعبانة عليك ..أنا مااستاهلش أصعب على حد ..أنا ضيعت أجمل أيام كان ممكن أقضيها معاه ..ضيعتها بغروري وعندي ..ناصر مات وهو رامي عليا يمين الطلاق ..مات وهو يائس مني ومن جناني ..ومع ذلك مااترددش لحظة وهو بيقدمني على نفسه عشان أنا أعيش وهو ..
تنقطع أنفاسها اللاهثة للحظة تعود بعدها مع شهقة انتحاب قوية بينما تردف:
_هو يموت!
والداها يتقدمان نحوها يحاولان تهدئتها لكنها تنفلت منهما لتتوجه نحو الحائط القريب فتظل تخبط رأسها فيه بقوة مرة بعد مرة كأنما تعاقب نفسها بنفسها ..
صرخات ندمها لا تقل دوياً عن صرخات حسرتها ووجعها .
يهرع إليها والده لينتزعها قسراٌ فيعيدها بين ذراعيه محتوياً ألماً يجد في صدره توأمه ..
جسده يرتجف بخفقات قلبه المكلوم وهو يعانقها العناق الذي ود لو يمنحه لابنه في حياته ..
يصفح عنها الصفح الذي تمنى لو يصالحه به قبل رحيله ..
الآن لا يجد في نفسه لها ضغينة ولا حقداٌ ..بل -فقط- رائحة الفقيد الغالي ..
عجباً للأيام حين تدور دورتها ..فتتجمع القلوب على نفس الشيئ الذي قد كانت يوماً قد تفرقت عليه !!
=======
_ريما ..حبيبة بابا !
يفتح لها إسلام ذراعيه عقب عودته من رحلته القصيرة للعريش فتعدو لحضنه باشتياق قبل أن ترفع إليه عينين دامعتين :
_هو صحيح بطلي مات ؟! زي تيتة وجدو؟!
فتدمع عيناه بدوره وهو يخفي وجهها في صدره محاولاً تمالك شعوره ..
منذ سمع صدمة خبر وفاة ناصر وبهذه الطريقة وهو يكاد لا يصدق ...
لكنه تمالك نفسه ليقول بصوت متحشرج:
_الشهيد مش بيموت ..بيعيش فوق في السما ..دي أحسن حاجة ممكن تحصل لأي حد ..اوعي تزعلي .
تستسلم لبكاء طفولي على صدره فيربت على ظهرها برفق وهو يبحث بعينيه عن نشوى حوله ..
أين هي؟!
هل عادت للشرفة الضيقة تنعي فيها فقده ؟!
الخاطر الأخير يمزقه بغيرة منطقية لكنه يتجاوزه بعمق شعوره أنها الآن تحبه هو ..
بكاء ريما ينتزعه من شروده فيبعدها قليلاٌ ليمسح دموعها ويقبل وجنتيها برفق ثم يفتح لها التلفاز على أحد أفلامها المفضلة قائلاً بمرح مصطنع ومقلداٌ لهجة أبطال الكرتون :
_يبدو أن مهمتي الجديدة هي رسم الضحكة على وجه هذه الطفلة الباكية بعدما نجحت الأولى مع والدتها ..
فتضحك ضحكة قصيرة وهي ترسل له قبلة عبر الهواء لتنشغل نظراتها بما يعرض أمامها على الشاشة ..
فيما يطمئن هو لاندماجها فيما تراه قبل أن يتحرك نحو الشرفة الضيقة التي وجد بابها مغلقاً كما توقع ..
ينظر عبر الشقوق الضيقة له لكنه يجدها ..خالية منها !
يشعر بأناملها على كتفه من الخلف فيلتفت نحوها لكنها كانت مطرقة الرأس وقد بدا من احمرار أنفها وشفتيها أنها كانت تبكي ..
لكنها كانت تناقض هذا بابتسامة كبيرة مصطنعة وهي تهرب من عينيه :
_حمداً لله ع السلامة ..بتدور عليّا هنا ليه ؟! ماانت عارف إني ماعدتش بحب أقعد هنا ..مش اتفقنا هنقفلها بخشب ونعملها أوضة للعب ريما؟!
يعرفها حين تراوغ بالحديث كي تهرب من عينيه ..
تماماً كما تفعل الآن وهي تقبله بسرعة على وجنتيه لتعطيه ظهرها مردفة :
_بعمل لكم "كب كيك" بطريقة جديدة هيعجب ريما قوي ..غيّر هدومك على بال ما أخلص .
تبدو له وكأنها تهرب بهذه الخطوات السريعة نحو المطبخ الذي اختفت فيه من جديد ..
فيتنهد بحرارة وهو يخطو بخفة نحوه ليقف مستنداً على بابه ..
تعطيه ظهرها وهي تشغل المضرب الكهربائي للخفق ليعلو صوته ..
لكنه يشعر بانتفاضة جسدها المكتومة الواشية ببكائها ..
يتحرك نحوها بحذر ليبسط كفه على كتفها فتشهق وهي تلتفت نحوه ..
ثم تمسح دموعها بسرعة كأنه ضبطها متلبسة بجريمتها ..
محتويات الطبق السائلة تتناثر على مريلة المطبخ خاصتها مع الحركة العشوائية للمضرب الكهربائي ..
لكنه هو من يوقفه ليضعه جانباٌ بينما هي تهتف بتلعثم:
_أزوقلك بتاعتك بالشكولاتة البيضا زي كل مرة واللا حابب ..
_نشوى!
يهمس بها عاتباٌ ومنكراً لهذا البرود الذي تحاول التظاهر به مدركاً سبب ما تفعله ..
ثم يضمها لصدره بقوة مردفاٌ بألم :
_انتِ خايفة تبيني زعلك عليه ؟! ومين مازعلش عليه ؟! أنا من ساعة ما سمعت الخبر وأنا مش مصدق ..ناصر مات عشان ينقذ مدرسة فيها ألف طفل زي ريما ..مات وهو بينقذ مراته وعابد جوز أختي اللي مش متخيل كانت هتبقى حالتها إيه لو جراله حاجة ..
تنهار فجأة في نحيب مرتفع على صدره سامحة لمشاعرها بالتحرر مع هتافها الباكي:
_أنا زعلانة عليه قوي بس ..مش زي ما ممكن يتفهم ..معقول دلوقت المفروض كل ما تيجي سيرته أقول ..أقول "الله يرحمه" ؟؟!! هتصدقني لو قلتلك من ساعة ما عرفت الخبر وأنا مش شايفة غير صورته وأشرف واحنا صغيرين كأنه ..كأنه كان أخويا التاني !! مستغربة إزاي ..إزاي ممكن ..إزاي تتقلب ..
كلماتها المتلعثمة اللاهثة ترتبك بفيض مشاعرها وعجزها عن التعبير كعادتها فتقطعها ..
لكنه يربت على ظهرها برفق ليهمس لها يتفهم :
_شششش! أنا فاهم .
تمرغ وجهها في صدره بقوة ليشعر بذراعيها يتشبثان به بكل قوتها لينمحي كل أثر لغيرة طفيفة كان قد وجدها من قبل ..
فيضمها بدوره سامحاٌ لدمعة كتمها طوال الطريق أن تسقط أخيراً ..
عجباً للموت عندما يزيل ب"ممحاته السحرية" عيوب الناس لنتذكر فجأة مزاياهم ..
الآن لا يذكر من ناصر سوى وجه الصديق القديم ..
شهامته وهو ينفذ له أي خدمة طلبها منه يوماً ..
مظهره البائس في شقته المحطمة التي زاره فيها بعد زواجه هو من نشوى واللكمة التي تحملها منه صابراً مستسلماٌ بكونه يستحقها ..
موقفه البطولي يوم أعاد ريما بل وسعيه لضمان ألا يكرر والدها ابتزازهما ..
ثم..هديته الأخيرة لعابد زوج أخته !
_الله يرحمه !
يقولها أخيراً بحزن حار فتكررها خلفه بخفوت ثم ترفع له عينيها هاتفة بقلق:
_طمنت لجين ؟!
_رحتلها أول ما رجعت من عنده ..بس لجين مش هتطمن غير لما تشوفه ..لكن للأسف مش هينفع دلوقت ..خايف عليها تنهار انتِ ماتعرفيش هي متعلقة بيه أد إيه .
يقولها بنبرة متعبة غصت بالأسى لتهتف له بقوتها المعهودة التي تظهر في الشدائد وبوجه مختلف تماماً عن وجهها منذ قليل :
_ومين هيسمح لها تنهار؟! امال احنا بنعمل إيه ؟! محدش فينا هيسيبها ..أنا وريما وانت وهيثم وياسمين وياقوت وجدتها ..كلنا حواليها إيد واحدة لحد ما الغمة دي تنزاح !
شفتاه تنشقان أخيراً عن ابتسامة متعبة وهو يرمقها بنظرة عجيبة طويلة ..
ثم يدفن وجهه في تجويف كتفها مطلقاً آهة خافتة ناسبت قوله :
_عارفة عمو علاء قاللي إيه قبل ما يسافر؟! قاللي انت بالذات كنت خايف أسيبك لأني عارف إنك ما بتبينش لو زعلان ..عارف إني الكتف الوحيد اللي مش هتتكسف تحط راسك فوقه وتبكي وتشتكي..بس خلاص ماعدتش خايف عليك ..انت دلوقت عندك كتف تاني ممكن يشيل همك .
فتربت على رأسه برفق ثم تبتعد لتحيط وجهه براحتيها فتقبل جبينه بعمق كأنما تمنحه وعدها دون كلام ..
كلاهما صار لصاحبه كتفاٌ وقلباٌ وروحاٌ !
=======
في غرفة مكتبها بالمصنع تحدق نشوى في شاشة الحاسب بشرود وهي تشعر بثقل الأيام الماضية على الجميع ..
خاصة لجين التي يزداد ذبولها يوماٌ بعد يوم بين التعب المعتاد لشهور حملها الأولى وقلقها على مصير زوجها ..
صوت طرقات خافتة على الباب يقاطع أفكارها فتتنحنح لتسمح للطارق بالدخول ..
قبل أن تتسع عيناها بصدمة لتجد نفسها تقف مكانها دون أن تشعر ..
تتفرس في ملامح المرأة التي دخلت لتوها ..
_سها!
تتمتم بها مصعوقة وهي تكاد لا تتعرف عليها من فرط ما تغيرت هيئتها ..
جمالها الحيوي المشرق الآن صار باهتاٌ دون روح ..
جسدها الجميل فقد اتساقه لتصبح أشبه بهيكل عظمي أجوف ..
خصلات شعرها الشقراء تبدو مهملة باهتة تحت وشاح خفيف أسود انحسر عنها بإهمال ..
تكاد تقسم أن كل ما فيها صار أسود يعلن حداده حتى روحها !!
فمن يلومها ؟!
_وقت مناسب؟!
حتى صوتها صار أسود كئيباً بعيداً عن تلك الضحكات الواثقة التي كانت تثير غيرتها هي يوماٌ ..
لهذا لم تملك هي أن تكدست الدموع في عينيها وهي تشير لها نحو المقعد المقابل لمكتبها قائلة بصوت متحشرج:
_اتفضلي .
دقيقة تمر تلو الأخرى والصمت الكئيب يظلل كلتيهما في جلستهما ..
نشوى التي كانت تشعر بحرج -غير منطقي- هاهنا وهي متألقة اليوم زيادة عما اعتادته ببلوزتها الوردية المشرقة ووشاحها الذي مزج اللونين الوردي والأبيض وزينتها التي لا تبرزها مساحيق بل تشع بها روحها العاشقة من الداخل ..
كل هذا كان يشعر شخصية -مثلها- ببعض الذنب وهي تلمح ذبول سها الواضح أمامها ..
سخرية مشفقة تملأها في هذه اللحظة بالذات وهي تشعر بالغرابة ..
هل هذه سها التي كادت تقتلها غيرتها منها يوماٌ ؟!
كيف يمكن أن يبدل القدر المقاعد بهذه السرعة وبهذا الإتقان ..
فتكون كل منهما اليوم في هذا الموضع ؟!
السؤال ..لماذا جاءت الآن ؟! هل عاد هناك ما يقال بينهما؟!
_جاية أعتذر لك!
بنفس الاقتضاب البائس تقولها سها مطرقة الرأس فيرتفع حاجبا نشوى وهي تشعر بفقدانها القدرة على النطق ..
فيما تصمت سها للحظات بدت كسدّ طويل انهار فجأة باستطرادها الحار رغم نبرتها الفاقدة تماماٌ للحياة :
_أنا ظلمتك مرتين ..مرة لما اخترتك انتِ بالذات عشان تكوني مراته ومرة لما ضغطت عليه عشان مايروحش الفرح ..في المرتين ماشفتش غير نفسي وبس ..ما فكرتش غير في نقص جوايا كان لازم يكمل بأي صورة ..ما قدّرتش قيمة النعمة اللي في إيدي ..كان كل اللي ماليني خوف إني أخسره غصب عني فقلت أخلليها بمزاجي ..حتى لما جوازتكم اتفركشت وهو قعد بعدها يترجاني أسامح وأرجع كنت بعاقبه على صورة في خيالي أنا أول واحدة رسمتها ..صورته معاكي ..ودلوقت لما الصورة كلها كملت عرفت غلطتي ..بس للأسف بعد فوات الأوان ..
تعجز نشوى عن منع دموعها وهي تشعر أنها الآن ترى أكثر امرأة خاسرة رأتها في حياتها ..
كل أطياف غيرتها السابقة منها تستحيل الآن لطيف واحد من شفقة !!
خاصة وهي تقف أخيراٌ لتردف مطرقة الرأس :
_ياريت تقبلي أسفي واعتذاري بالنيابة عنه ..وادعيله ..ربنا يرحمه ..عايزة لما أقابله يكون فخور بيا زي ما أنا هاعيش طول عمري فخورة بيه .
تشهق نشوى كاتمة نحيبها وهي تراها تبتعد كطيف ذابل دون المزيد من الكلمات لتختفي عن ناظريها تماماٌ ..
ولم تكد تفعل حتى اندفع إسلام فجأة للداخل لتشتعل ملامحه بحمية وهو يرى دموع نشوى فيهرع إليها هاتفاً بقلق:
_كانت عايزة إيه ؟!
يقولها وهو يسحبها من ذراعيها ليوقفها ثم يضمها لصدره برفق بينما هي ترتجف بين ذراعيه ليهتف بها بلهفة تمتزج بالضيق:
_أنا غلطان..من ساعة ما شفتها داخلة وأنا قلت أمنعها بس مالحقتش ..أنا عارف طبع سها كويس ..قالتلك إيه عمل فيكِ كده ؟!
لكنها هزت رأسها لتقول عبر دموعها :
_كانت جاية تعتذر لي .
يعقد حاجبيه بصدمة وقد بدا متفاجئاً لتخبره باقتضاب عن فحوى حديثها فيتنهد بعمق وهو يربت على ظهرها قائلاً :
_لا حول ولا قوة إلا بالله ..سبحان من يغير ولا يتغير.
تعود لتهز رأسها بتأثر فيمسح دموعها متفهماٌ حزنها للحظات قبل أن يسمعها تهتف بحرارة :
_أنا سامحته وسامحتها من كل قلبي والله ..ربنا يصبرها ويعوضها خير .
يبتسم معجباً بروحها الطيبة المتسامحة هذه لكن ابتسامته يتخللها بعض الحزن الطبيعي في هذه الظروف ..
والتي جعلتها تتماسك أكثر لتبتعد فتتناول حقيبتها قائلة :
_أنا قلت لأشرف يشيل بقية شغلي النهارده عشان نروح للجين .
_بلاش انتِ عشان ريما ..كفاية أنا بروح كل يوم .
يقولها مشفقاً عليها من تعب السفر يومياً للقرية لكنها تهز رأسها بتصميم قائلة :
_لازم لجين تحس إننا كلنا حواليها دلوقت ..إيه فايدة العيلة لو مش هيشيلوا بعض في ظروف زي دي ؟!
تقولها وهي تلملم أشياءها من على المكتب لتضعها في حقيبتها فيحدق في ملامحها بعاطفة مشعة تليق بسؤاله :
_هو أنا قلتلك إني بحبك قبل كده ؟!
_كتير!
تقولها مبتسمة وسط بقايا دموعها فتبدو له بهذا المزيج الشهي بين براءة طفلة ودلال امرأة ومروءة ألف رجل ..
لهذا يعاود جذبها نحوه ليقبل جبينها بعمق هامساً بحرارة :
_عمري ما هابطل أقولها ..ربنا ما يحرمني منك .
فتتسع ابتسامتها وهي الأخرى تحاول تقليده بطمس حزنها عبر بعض المرح :
_ولا منك يا هندسة !
=======
في صالة بيت ثمر تفترش لجين سجادة صلاتها التي صارت قلما تفارقها ..
يقولون إن الابتلاء الحقيقي يصقل الإيمان كما تصقل النار الذهب فتزيح عنه خبثه وتذره نقياً كما جبلته الفطرة ..
هكذا كان شعورها منذ الأزمة ..
ربما لو كانت جابهتها قبل منحتها الأخيرة بعابد وحبه لكانت ارتدت على عقبيها خاسرة كل شيئ ..
لكنها الآن كانت تشعر -رغم سواد الليل الحالك- أنها تنتظر شمساً لو أشرقت عليها فلن تغيب بعدها أبداً ..
تسبّح على أصابعها وترسل ابتسامة واهنة لياسمين الجالسة هناك على الأريكة تهدهد يمنى برفق وترمقها هي بنظرات مشفقة داعمة لم تفارقها منذ علمت الخبر وقد أصرت أن تقيم هنا معها حتى يعود عابد ..
ليست وحدها ..أم عابد كذلك التي عادت للوطن بعد سماعها للخبر وهاهي ذي أيضاً تقيم معهم ..
وكأن بيت ثمر الذي طالما احتضن الناس في كرباتهم -بصورته الخفية في ياقوت- الآن جاء الدور ليساندوه هم في محنته ..
صوت طرقات على الباب يجعلهم جميعاً يتحفزون ..
تنهض ثمر لتفتح لكن إسلام يشير لها أن تستريح ليفتح هو الباب ..
_الشيخ أبو إدريس ..اتفضل!
تهتف بها ثمر بصوت ذابل لم يفقد إيمانه رغم كل شيئ ليتقدم الرجل مصافحاً إسلام وملقياً التحية ببصرٍ قد غضّه حياءً..
ثم يرمق لجين التي وقفت لتوها فوق سجادة صلاتها مسدلة نقابها على وجهها بنظرة راضية ليتقدم نحوها قائلاً بابتسامة سمحة :
_أبشري يا أم "المؤمن" وزوجة "العابد" ..رأيت لكِ رؤيا ما أظنها إلا خيراً .
_قول يا شيخ!
تهتف بها لجين مستبشرة فيشرد الرجل ببصره مستعيداٌ رؤياه التي يظنها حقاً :
_رأيت طائراً من نور يخرج من بطنك ليحلق حول رأسك ثم يجوب السماء طولاً وعرضاٌ يلقي الحَبّ من فمه فوق رؤوس الخلائق فيهللون ويكبرون ..يتساءلون من أين يأتي كل هذا الحَب الذي معه فيظهر عابد وبين كفيه حفنة من هذا الحَب يأخذها الطائر منه ليعود ويحلق بها بين الرؤوس فيهبهم إياها من جديد ..
_الله ! كأنها بشرة خير يا شيخنا.
تهتف بها ثمر باستحسان فيقول بدوره :
_سبحانه علام الغيوب ..أبشري يا بنتي ..فرجه قريب ..بشرنا بأن مع العسر يُسرين ..
_عابد برضه كان دايماً يقول كده .
تقولها لجين بتأثر متذكرة قول عابد المماثل فتربت ياقوت على أحد كتفيها بينما يربت هيثم على الآخر قائلاً بحنان :
_شفتي بقا ؟! ربنا بعتلك رسالة تطمنك .
فتقف ياسمين مكانها لترد باستبشار مثلهم:
_آه والله أنا كمان حاسة إن خير كبير مستنينا بعد القلق ده .
تقولها وهي تربت على كتف أم عابد التي جلست مكانها دامعة العينين تتمتم بدعواتها الصامتة ..
ولم تكد تنتهي منها حتى سمع صوت طرق الباب من جديد ليترقبوا جميعاٌ وجه الطارق الذي بدا غريباً عنهم ..
ملامحه الودودة هدأت توجسهم قليلاٌ رغم الهيبة التي بدت جلية على مظهره ..
_المقدم باسل ..جاي بخصوص عابد .
يقولها باسل وهو يدور ببصره بينهم قبل أن يتوقف أمام إسلام ليردف بنبرة أكثر وداٌ :
_مش فاكرني ؟! خرجنا سوا مرة من زمان ..أنا وانت وناصر .
_الله يرحمه .
يقولها إسلام بحزن وهو يتفرس في ملامحه ليميل باسل عليه هامساً بخفوت لم يخلُ من حرج:
_افتكر انت لوحدك اتقابلنا فين عشان مش هاقدر أقول هنا قدامهم ..
فابتسم إسلام ابتسامة شاحبة وهو يتفحص ملامحه قليلاً قبل أن يتذكره ..
كانت رحلة من رحلاتهم التي اعتادوها قبل سفره لتركيا انضم إليهم فيها باسل كضيف جديد وانتهت ب"بعض العبث"!
_مادام ابتسمت كده تبقى افتكرتني .
يقولها باسل بود لتهتف لجين به بلهفة :
_فيه جديد عن عابد ؟!
_للأسف لسه مضطرين نتحفظ عليه في مكان آمن ..أنا جاي النهارده أطمنكم عليه وقريب قوي هنقبض على الصقر ده واللي وراه ..
يقولها مطمئناً ليردف بنبرة حذرة :
_بس هنضطر نوفر حراسة قوية لكم هنا ..كلكم تقريباٌ هتبقوا تحت المراقبة وده أمان ليكم مش أكتر .
تشحب ملامح الجميع شاعرين بالخوف لكن إسلام يتدارك الموقف بقوله :
_أكيد طبعاٌ ده إجراء وقائي عشان نطمن ..شكراً يا سيادة المقدم .
_سيادة المقدم ؟! ده انت مصرّ بقا أقوللهم اتقابلنا فين .
يقولها باسل بمزيج من الاستنكار والبشاشة محاولاً كسر روح الإحباط التي تفشت في المكان ..
ليبتسم له إسلام فيربت باسل على كتفه مردفاٌ بجدية تامة هذه المرة :
_مش عايزكم تخافوا من أي حاجة ..القضية دي بالذات أنا واخدها بصورة شخصية ومش هاهدى لحد ما أقبض على الصقر ده وأحط رقبته تحت رجلي .
_ربنا ينصرنا ياابني .
تقولها ثمر بطيبتها المعهودة فيبتسم لها بودّ ثم يستخرج من جيبه هاتفاً غريب الشكل منحه لإسلام :
_خللي أختك تطمن عليه ..بس أقصى مدة خمس دقايق ..أنا عاملها على مسئوليتي .
تشرق عينا لجين بلهفة وهي تقترب منهما ليريها هو كيف تستعمل الجهاز ثم يقول بنبرة عملية :
_لو عايزة تكلميه لوحدكم مفيش مشكلة ..ماتخافيش المكالمة مش هتبقى متراقبة ..ده جهاز مخصوص عشان يمنع تتبع المكالمة أو اختراقها لمعرفة مكانه .
تتناول منه الجهاز بأنامل مرتجفة لتهرع به نحو الغرفة الجانبية فتغلق بابها خلفها لتستخدمه كما علمها ..
تنتظر لثوان بدت لها كدهر قبل أن يصلها صوته الحبيب ..
_عابد !
تهتف بها بين دموعها ليصلها صوته ليس أفضل منها حالاً ..
_لا تبكي يا حوريتي ..أنا بألف خير ..لا ينقصني إلا رؤيتك ..أنا آسف لكل ما تعانونه بسببي!
لكنها تمسح دموعها لتروي له بعجلة رؤيا الشيخ وتختمها بقولها :
_شايف الخير اللي مستنينا ؟! أنا مش زعلانة ولا قلقانة ..عارفة إنك راجع وراجع معاك الفرح كله .
ثم تمسد بطنها بأناملها لتردف بصوت هدجته دموعه :
_يا أبو "مؤمن"!
وفي مكانه كان هو يستمع إليها دامع العينين وهو يشعر بقلبه يكاد ينفطر اشتياقاً إليها وقلقاً عليها ..
بل عليهم جميعاٌ !
لكنه يستعيد تلك المواقف التي ظلله فيها حفظ الله فيشعر بالسكينة تملأ روحه رويداٌ رويداٌ ..
يستعيد رؤيا الشيخ أبي إدريس فيزداد اطمئنان قلبه ..
سيرجع ليرى ابنه ..يربيه ويعلمه من علمه حتى ينفع الدنيا بأسرها..
هل أجمل من هذه بشرى تستحق الانتظار؟!
=======
_مش فاهمة قصدك يا سامر برضه معلش ..مالها نجلاء؟!
تقولها ياقوت بحذر تخشى فهم ما يصلها من تلميحاته ليتنحنح بحرج قائلاً :
_مش عارف ..مش فاهم نفسي ..فجأة مابقتش شايفها مريضة عادية ..حاسس ناحيتها ب..
_بإيه ؟!
تسأله بعينين متسعتين ذهولاً لم يلبث أن تحول لإشفاق مع زفرته البائسة :
_مش عارف!
تفرست ملامحه للحظات باهتمام ثم نقرت بإصبعها على سطح المكتب لتقول بتعاطف :
_من ساعة ما عرفت موضوع ناصر الله يرحمه وأنا كنت متوقعة ألاقيك بتكلمني عن مشاعرك لسها ..يمكن ماكنتش هستغرب زي دلوقت وأنا شايفاك بتتكلم عن نجلاء ..
_لا سها حكاية واتقفلت وخلاص ..المشكلة دلوقت كمان في ..ريتال!
يغمغم بها بحرج لتشهق بدهشة هاتفة :
_ريتال بتاعتنا ؟!
_لا بتاعة الجيران ! أيوة ريتال قريبتي وصاحبتك !
يقولها بضيق من نفسه قبلها لتهتف به بانفعال:
_انت بتهزر؟! ماهي كانت قدامك طول عمرها ..ما حليتش في عينك غير دلوقت لما اتخطبت ؟!!
عاد يزفر ببؤس وهو يخبط رأسه في ظهر كرسيه ليقول بنبرة مشتتة :
_يمكن مش حب ..يمكن بس خوف إنها تسافر وتسيبني ..يمكن غيرة من خطيبها عشان ماعادتش بتهتم بيا زي الأول ..
_ويمكن بجد بتحبها بس ما حستش غير لما قربت تضيع من إيدك .
_يمكن!
يقولها بنفس التشتت ليفتح عينيه مردفاً :
_مش بقوللك ما عدتش فاهم نفسي .
صمتت للحظات تحاول التفكير قبل أن تتنهد لتقول برفق:
_هاكلمك بصراحة عن انطباعي ..انت بعد صدمتك في سها حاسس بفراغ عاطفي عقلك الباطن بيحاول يملاه بأي واحدة ..بصفتي صديقة هانصحك تبعد عن كل ده ..مش هاقوللك ما تبطلش تفكير لأنه مش بمزاجك ..بس حاول تغير روتين حياتك ..سافر ..غيّر جو ..قابل ناس جديدة ..خد لك أجازة كام يوم افصل من كل حاجة وبعدها شوف هتوصل لإيه ..
_والشغل؟!
_هاشيله أنا ..ماانت ياما شلته عني .
تقولها بامتنان ليسألها مشفقاً :
_في ظروفك دي ؟!
يقولها مشيراً لما يعلمه عن عابد ولجين فتغتصب ابتسامة باردة لترد :
_يااااه! ياما اشتغلت في ظروف أسوأ من كده !
_ونجلاء؟!
يقولها بتردد لترتدي ثوب مهنيتها فترد :
_ماهو بصفتي دكتورة هامنعك من النهارده تتعامل معاها..انت عارف القاعدة ..طول ماانت قريب من الحالة عاطفياً مش هاتقدر تشتغل صح ..احنا خلاص قطعنا شوط حلو في العلاج ..هي بقت بتتواصل وتشاور ..بنحاول حالياً نواجهها بالحاجة اللي بتخاف منها بالتدريج ..لحد ما توصل إنها تتكيف معاها وماتخافش وده بيحصل حالياً ..ببطء صحيح بس بيحصل ..ماعادش فاضل غير إنها تطمن تماماً فترجع تتكلم ..وده اللي أنا هاشتغل عليه الفترة الجاية ..ماتقلقش عندي فيه خبرة كويسة .
تقولها وهي تدرك تشابه حالتها مع حالة همسة في الجزئية الأخيرة فيهز رأسه موافقاً ثم يقف قائلاً:
_هاعمل بنصيحتك يا شجرة الدر ..بس قبل ما أسافر عايز أشوف سها وأطمن عليها ..اللي هي فيه مش سهل خصوصاً مع الصدمة اللي جت لها قبل كده ..يمكن ده دوري أقدر أعمل لها أي حاجة في ظروفها دي
تهز له رأسها معجبة بشهامته المعهودة ثم تقف بدورها لتغادر مكتبها نحو غرفة نجلاء التي بادرتها بابتسامة مرتبكة وهي تبدو كمن تبحث خلفها عن أحدهم ..
فسألتها ياقوت بحذر:
_بتدوري على حد ؟!
تطرق نجلاء برأسها وهي ترص عرائسها واحدة تلو الأخرى لترفع لياقوت عينيها بنظرة فهمتها الأخيرة أنها تريد سامر لكنها تجاهلتها عامدة لتجلس أمامها قائلة :
_خللينا نجرب النهارده حاجة جديدة ..
تقولها وهي تمارس معها المزيد من الأنشطة المتعلقة ببرنامجها العلاجي والذي أبدت فيه نجلاء تطوراً ملحوظاً جعل ياقوت تبتسم لها بأمل لتسألها بحذر:
_شاوري على ياقوت .
تقولها مترقبة أن تشير نجلاء على صورتها هي ككل مرة مفضّلةً الصور والمجسمات عن البشر الحقيقيين لهذا كانت فرحتها عظيمة عندما أشارت عليها هي ..
وبالتحديد حول وجهها قبل أن تعود ملامحها للجمود من جديد ..
لكن ياقوت اعتبرت هذا تقدما رائعاً اكتفت به وهي تقف لتغادر ..
لكنها ما كادت تصل للباب حتى سمعت صوتها لأول مرة منذ رأتها ..
تقول بخفوت وبصوت يكاد لا يسمع :
_سامر!
فيسقط قلب ياقوت في قدميها وهي لا تدري هل تفرح بهذا التقدم أم تقلق بشأن عاطفة ما قد تكون تغزل خيوطها بينهما خارج إطار المريضة والطبيب!
تغلق الباب خلفها برفق لتفاجأ به قد كان واقفاً خلف الزجاج يراقبهما خفية ..
تتنهد بحرارة وهي تتقدم منه لتجد نفسها مجبورة أن تخبره بما كان ..
فترتسم على شفتيه ابتسامة بائسة وهو يختلس نظرة جديدة نحو نجلاء عبر النافذة الزجاجية وصراع مشاعره الغريب يزداد احتداماً ..وغرابة !
=======
*بعد شهر ..*
_تحيا جمهورية مصر العربية ..تحيا جمهورية مصر العربية ..
صوت الأطفال يعلو بتحية العلم في فناء المدرسة الذي تقف سها في زاويته ..
عيناها معلقتان باليافتة الجديدة التي تغير فيها اسم المدرسة لاسمه الثنائي ..
"مدرسة البطل الناصر...." !
دموعها هذه المرة تحمل فرحة خفية وهي تراهم قد خلدوا اسمه في نفس المكان الذي شهد تضحيته لأجله ..
ابتسامة باهتة تطوف بشفتيها وخاطرٌ ما يراودها ..
إن كان القدر قد حرمه ابناً يمتد به ذكره فقد اختار له تعويضاً من نوع آخر ..
سيبقى هذا المكان مع كل طفل فيه يخلد اسمه بعده !
هنا عجزت عن منع دموعها من الانهيار وهي تشعر بصورته تقف حائلاً بينها وبين رؤية الأطفال ..
صورته تبتسم لها بنفس الحب الذي عرفته عمراٌ !
وبصوته الحبيب الذي افتقدته يهتف بها ..
_ولادنا يا سها ..ولادنا ..
لكنها لم تكن ملهوفة جزعة كآخر مرة سمعته ينطق بها بل يستشعرها قلبها هذه المرة راضية هانئة ..
صورته تقترب أكثر فتشعر بها تضمها ..تهدهدها ..تقبل رأسها وتواسيها ..
لكنها تختفي بسرعة اختفائه هو من حياتها ..
فلا تبقى سوى صورة الأطفال متراصين بنظام وبنفس الزي ..
ينهون آداء الطابور المدرسي فيصعدون نحو فصولهم ..
تنتبه لطفلة ما بينهم تحدق فيها بإعجاب مع رفقتها ثم يلوحن لها جميعاٌ بخجل لم يلبث أن تحول لصخب طفولي معتاد فتزجرهن المشرفة لتتوجه هي نحوهن فتعتذر منها ..
ثم تستخرج هاتفها لتلتقط لنفسها صورة بينهن ..
صورة خلفيتها يافتة المدرسة التي ستبقى تحمل اسمه ..!
======
_بلاش يا بنتي تقلبي على نفسك المواجع ..هتروحي شقتكم ليه بس؟!
تهتف بها أمها بحسرة لتبتسم سها ابتسامتها الباكية التي ماعادت تفارقها ثم ترد بشرود :
_وحشني قوي يا ماما ..عايزة ألمس أي حاجة من ريحته .
_طب استني هالبس وآجي معاكِ ..ماتروحيش لوحدك .
تهتف بها المرأة بقلق أمومي لترد سها بحسمها المعهود الذي خالطته نبرة انكسارها الجديدة :
_معلش يا ماما ..عايزة أبقى لوحدي ..
تقولها ثم تقبل رأسها لتغادر بيت والدها متجهة نحو سيارتها ..
قدماها تتسمران أمامها وهي تستعيد ذكرى قريبة له واقفاً هناك مستنداً على مقدمتها ..
لكنها تبدو لها بعيدة ..بعيدة ..كأنما ما تلا موته كان لها عمراٌ آخر !
_انتِ طالق!
تسمعها بصوته في ذاكرتها فتشعر بنفس النصل السام الذي ينغرس في صدرها ..
__أنا ماشي بس انتِ عارفة هترجعيلي إزاي ..ده لو كنتِ لسة عايزة ترجعيلي .
دموعها تغرق مقلتيها عند الخاطر الأخير لتجد نفسها تتمتم بحسرة موجعة :
_عايزة ..عايزة يا ناصر ..بس ماعدتش عارفة إزاي .
خطواتها تلين أخيراً فتستقل سيارتها نحو بيتهما الذي توقفت أمامه ..
البواب يرمقها بنظرة مشفقة تتجاهلها وهي تصعد للأعلى ..
تتذكر آخر مرة كانت فيها هنا ..
ليلة زفافه الذي لم يتم على نشوى ..
هنا على عتبة الباب استمعت لحديثه مع والده ..
الباب الذي فتحته لتعيد غلقه خلفها ثم تنظر حولها ..
المكان مظلم كظلمة روحها ..
إلا من قبس بسيط يأتي من ضوء النهار عبر النافذة ..
هذه التي فتحتها هي لتسمح للضوء كاملاً بالدخول ..
قدماها تتعثران بحطام المكان حولها والذي لايزال على حاله منذ تلك الليلة ..
عجباٌ ! ألم يحاول إصلاحه ؟!
بل فعل! لكنها هي من كانت تصرّ أن يبقى -حطام حياتهما- على حاله !!
هي التي تسببت في كل هذا الحطام لكنها عجزت عن إصلاحه !
قدماها تسوقانها نحو صورة زفافهما هناك فتتفحصها باشتياق كسير ..
تمسح الغبار من عليها بأناملها ببطء لتعود الدموع تكسو مقلتيها ..
لكنها تأخذ نفساً عميقاٌ وهي تتلفت حولها قبل أن تشمر ساعديها لتفتح الباب وتنادي البواب بصوت عالٍ ..
ولم يكد يصعد إليها حتى هتفت به بحسم لم يخلُ من حزن:
_شوف لي حد ينضف معايا الشقة ..
_والحاجات اللي اتكسرت دي ؟!
يسألها الرجل بدهشة مشفقة وهو يتلفت حوله لتتلفت بدورها حولها في شجن لم يلبث أن امتزج بنظرة عينيها الحاسمة التي ناسبت قولها :
_هاصلحها .
=======
_نورتِ البلد يا بنتي .
يقولها والد ناصر بصوت هده حزنه وهو يستقبلها في بهو بيته الواسع بقريته بعد دعوة أصر أن تلبيها ..
طوال الطريق الذي سار معها به من أول القرية ونظرات أهل القرية مع هتافاتهم تلاحقها ..
لا مشيعة بالعار كما ظن بعدما اشتهر من سابق صورها ..
بل صارت مكللة بالفخر والأخبار تصلهم سريعة كالنار في الهشيم أنها زوجة البطل الذي مات مضحياً بحياته ..لتكمل هي مسيرته فتنقذ أطفال المدرسة !
_بقالي زمان ماجتش هنا ..المكان مااتغيرش بس احنا اللي اتغيرنا .
تقولها بحسرة موجعة وهي تتلفت حولها ليضم الرجل كتفيها بذراعه قائلاً بصوت متحشرج :
_واللي شفناه قليل يا بنتي؟! ده يهد جبل!
يقولها ثم يترحم على روح ابنه فتبتسم ابتسامة بنكهة الدموع وهي تستخرج هاتفها من جيبها لتريه صورة المدرسة :
_ماتبقاش تزعل بقا لو أهل البلد ضايقوك بكلامهم إن ابنك ماجبلكش اللي يشيل اسمك ..اهه اسم حضرتك منور جنب اسمه ع المدرسة ..قوللهم مش الخلفة بس اللي بتخلد أسامينا ..ياما ناس بتخلف وولادها بتحط راسها في الوحل ..عمل البني آدم هو اللي بيخللي سيرته الحلوة تفضل ..حتى لو هو مات..
ينهنه الرجل باكياً مع كلماتها مخفياً وجهه في راحته الحرة ولايزال يضم كتفيها بذراعه الآخر فتربت على صدره وهي تشاركه البكاء للحظات قبل أن تمسح دموعها وهي تتخيل صورة ناصر من جديد ترمقهما من بعيد راضية بهذا التقارب بينهما ..
بينما يهز الرجل رأسه بأسى وهو يرفع عينيه الدامعتين إليها شاعراً بالندم ..
لو كان يعلم أن الزمان لن يمنح ابنه سوى هذا العمر القصير لتركه يعيشه متنعماً بين ذراعي امرأة أحبها ..
=======
_قبضنا ع الصقر واللي معاه ..دلوقت تقدر تخرج من هنا وترجع لحياتك .
يستعيد عابد العبارة السابقة في رأسه بصوت باسل بينما تنهب السيارة الطريق به نهباٌ مغادرة مخبأه الآمن الذي توارى فيه طوال هذه الأيام السابقة نحو المكان الذي احتجزوه فيه ..
دقات قلبه تتسارع وهو يشعر برغبة حارقة في هذه المقابلة رغم ثقلها على نفسه ..
تتوقف به السيارة أمام المبنى الشامخ الذي حلق فوقه علم مصر بألوانه الثلاث ..
ليترجل من السيارة بصحبة رفقة آمنة من رجال الشرطة ..
يستقبله باسل بوجه بشوش على باب إحدى الغرف ليقول بنبرته العملية :
_معلش ! آخر مرة هتشوف فيها وشه العكر ..حقك تملي عينك من شكله وهو متكلبش ..وبعدها نخلص احنا اجراءاتنا .
يهز له عابد رأسه بملامح منفعلة فيشير باسل نحو أحد العساكر إشارة خاصة ليتبعه عابد وهو يزدرد ريقه بتوتر شاعراً بالدماء تفور في عروقه ..
غرفة ضيقة منعدمة التهوية إلا من نافذة علوية ضيقة مسدودة بالقضبان ..
هذه التي ولج إليها ليراه هناك متكوراً على نفسه في الزاوية كجرذ حقير ..
مقيد اليدين والقدمين ممزق الثياب رث الهيئة ..
يرفع إليه الصقر عينين معتمتين بمجرد شعوره بالباب يفتح ليبادره بقوله :
_جئت شامتاً ؟! لا تفرح ..أنا سأنال الشهادة ومثلك سيعيش متكالباً على دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة .
فيعقد عابد حاجبيه بغضب وهو يتقدم منه قائلاً بانفعال:
_لاتزال تلوث العسل ب"سُمّك" يا بغيض ! مثلك سيموت تلعنه الأرض قبل السماء ..التراب الذي تلوث بدم أرقته يكاد يلفظك من باطنه ليتركك نهبة للجوارح ..مثلك يهلكون أذلاء صاغرين لأن سنة الله في عباده أن يخسر هنالك المبطلون ..ومثلي يرجو الله أن يعيش كي يعمر الأرض وينشر فيها دينه ..دينه الصحيح لا الذي ابتدعتموه لتداروا به عورات فجوركم .
_أحمق! تظن هذه النهاية ؟!
يهتف بها الصقر بغلّ أعتم ملامحه ..ليقترب عابد أكثر هاتفاً بيقين:
_الخير والشر سيصطرعان إلى قيام الساعة ..لكن الله الكريم قضى بحكمته أن ينصر أهل الحق ولو بعد حين ..هي فتنة يفلح فيها من يفلح ويخسر فيها من يخسر ..والموعد يوم الحشر لدى العليم البصير الذي لا تخفى عنه خافية ..الحَكَم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة ..الحكيم القدير الذي سن بسنته أن يشفي صدور قوم مؤمنين بمرأى من مثلك يهلكون .
_موتي لن يغير الحقيقة ..تعرف كم شخصاً مات على يدي ؟! مئات ..ألوف ..عشرات الألوف ..كلهم قرابيني إلى الجنة ..
يقولها الصقر بعينين متوهجتين ليلقي سهمه الأخير:
_وأبوك كان منهم !
هنا لم يملك عابد نفسه وهو ينحني فوقه ليعتصر رقبته بكفيه فيضحك الأول رغم ألمه بهستيرية تستفز عابد أكثر لكن العساكر يحيطونه ليوقفوه قسراً فيركل الصقر بقدمه ثم يبصق فوقه هاتفاً بصوت لاهث :
_لعنك الله في الدنيا والآخرة وجعل عذابك من صنف عملك .
يستمر الرجل بالضحك الهستيري مع قسوة ملامحه الشيطانية فيبدو كمخبول تماماً ..
فيما يتحرك العساكر بعابد ليخرجوه من الغرفة التي أغلقت خلفهم بإحكام ..
_معلش .. دي شغلته يلعب بأعصاب الناس ودماغهم .
يقولها باسل بنبرته الودود وهو يربت على كتف عابد محاولاً تهدئته ليسأله الأول باهتمام :
_كيف قبضتم عليه ؟!
_لا دي أسرار عليا ما أقدرش أطلعك عليها ..سامحني يا عابد.
يهز له عابد رأسه بتفهم وهو يعدل وضع جلبابه بعدما تركه العساكر ..
ليبتسم له باسل وهو يقول بنبرة غامضة :
_بس ممكن أقوللك خبر تاني هيبسطك قوي !
========
_حمداً لله على سلامتك يا ابني!
يهتف بها الشيخ أبو إدريس وهو يستقبله على باب بيت ثمر الذي احتشد حوله أهل القرية ليعانقه عابد بقوة هاتفاً :
_افتقدتك يا شيخي وافتقدت مجلس علمك ..
ثم يرفع إليه عينين لامعتين مردفاً بفخر حماسي:
_لكنني استغللت عزلتي في الحفظ ..لن تصدق ما أنجزته خلال هذه الأيام .
_فتح الله عليك يا بني ونفع بك .
يهتف بها الشيخ بإجلال وهو يقبل رأسه ليبتعد عابد بخجل هاتفاً:
_العفو يا شيخنا ..رأسك الأولى بالتقبيل ..
لكن الشيخ يدعو له بالبركة ثم تدمع عيناه برده :
_الحمد لله الذي نجاك من القوم الظالمين .
_الحمد لله .
يكررها عابد بخشوع قبل أن تتخطفه الأذرع تعانقه وتهنئه بالرجوع سالماٌ ..
يامن ..إسلام ..هيثم ..رجال أهل القرية الذين تراجعوا ليفسحوا له المجال كي يدخل للنساء ..
تبادره أمه بعناقها ودموعها ثم تتبعها ثمر وياسمين التي أطالت البقاء بين ذراعيه لتحتضن وجهه بين راحتيها هاتفة :
_حمدالله على سلامتك يا حبيبي ..
تقولها وهي تستخرج "ميداليته الملونة" التي كان قد أهداها لها يوماٌ من جيبها لتهتف به بانفعال:
_يشهد ربنا إن قلبي ما بطلش يدعيلك طول ما انت بعيد .
فيقبل جبينها بحنان هامساً :
_أعلم يا "وصية أبي" ..ما كان الله لينجيني إلا ببركة دعائكم ..
يقولها ثم يلتفت نحو لجين التي وقفت دامعة العينين تمسد بطنها بأنامل مرتجفة وانتفاضة جسدها تفضح انفعالها فيندفع نحوها ليعانقها بقوة ..
أنامله تنحدر لتتشابك مع أناملها على بطنها فيمسدها برقة هامساً بحب:
_لن أخبركِ كم افتقدتك سأدعكِ تشعرين بهذا وحدك ..يا أم مؤمن !
دموع فرحتها تغرق صدره فيعتصرها بين ذراعيه أكثر لتدمع عينا ياقوت مكانها وهي ترفع عينيها للسماء بالحمد ..
قبل أن تهرع إلى غرفتها لتتصل برقم زين ..
وما كادت تسمع صوته حتى هتفت به بفرحة طاغية :
_عابد رجع .
_عارف.
نبرته الرصينة كعهدها تفضح سعادته كذلك فتضحك ضحكة صافية وهي تسأله ببعض العتب:
_وما قلتليش بدري ليه ؟!
_كنت حابب تكون مفاجأة حلوة أحسن ..انتو تستاهلوا تفرحوا قوي بعد اللي شفتوه الفترة اللي فاتت .
يقولها بصدق مشاعره الذي مسها كعهده فتضحك من جديد رغماً عنها لتمعن في دلالها العاتب:
_أنا بقا كنت حابة تكون أول واحد يبشرني ..
_مممم ..يعني أنا مديون باعتذار؟!
يقولها بنبرته الرخيمة الكفيلة ببث القشعريرة على طول جسدها فتحمر وجنتاها بخجل وهي تهم بالرد ..
لكنها تشعر بالهاتف يختطف منها فجأة فتشهق وهي ترى إسلام يحادثه بنبرة سمجة :
_هو احنا مش بيننا اتفاق؟!
ترمقه بنظرة راجية وهي تربت على صدرها براحتها المبسوطة تباعاً لكنه يرفع أحد حاجبيه بعناد ..
بينما يصمت زين للحظة على الجانب الآخر متمالكاً نفسه من مفاجأة تدخله ..
ليرد أخيراً ببرود داعب نبرته المتسلية :
_أختك اللي متصلة !
فيكتم إسلام ضحكة مغتاظة وهو يلكمها في كتفها بخفة مداعبة هاتفاً له بجدية مصطنعة :
_ماشي ..هنربي بنتنا حاضر .
_إياك تكلمها نص كلمة !
يقولها زين بصرامة غافلاً عن كونه يمزح ليصمت إسلام قليلاً مستمتعاً بإثارة قلقه قبل أن يتنحنح ليقول بنبرة لانت قليلاٌ :
_ع العموم شكراً على اللي عملته مع عابد .
_لا شكر على واجب ..انتو أهلي .
يقولها زين ببرود ضاغطاً حروف كلمة أهلي ليمعن إسلام في إثارته وهو يرد سماجة :
_لسه ما بقيناش !
يقولها ثم يغلق الاتصال دون المزيد فتهتف به ياقوت باستنكار:
_أقسم بالله انت كتلة رخامة ..انت بتعامله كده ليه ؟!
فيضحك وهو يقرص وجنتها هاتفاً :
_مادام انت مدلوق كده يا "أبو التوت" يبقى لازم أنا اللي أشد ..الراجل بيقوللي أختك اللي متصلة ..خلليتي رقبتي أد السمسمة .
_سلامة رقبتك يا أخويا ! حسبي الله ونعم الوكيل فيك زي ماانت واقف حالي !
تقولها وهي ترفع سبابتها للأعلى في وضع الدعاء فيرفع حاجبيه هاتفاً بأسف مصطنع:
_بنت! بتدعي على أخوكِ الكبير؟! ما عاد فيه خشا ..ما عاد فيه تربية ..ما عاد فيه حياء .
يقولها ليضحك بمرح فتشاركه الضحك للحظات قبل أن يضمها إليه بحنان قائلاً :
_قلتيلي إن نجلاء خلاص تقريباٌ خفت ورجعت تتكلم صح ؟!
تومئ له برأسها إيجاباٌ مستعيدة أحداث الأيام السابقة التي تطورت فيها حالة نجلاء كثيراً لتستعيد قدرتها على النطق تدريجياً ..وتعاود حياتها بصورة طبيعية ..
يقولون إن اجتهادها هي هو السبب لكنها تعلم أن لسامر الفضل الأكبر في تشخيصه الصحيح ..وبعده لوالد الفتاة الذي دعمها عاطفياً بأقصى صورة ..
_الحمد لله !
تقولها برضا مدركة أثر هذا على رحلتها المهنية فتلتمع عينابقوة قائلاً:
_حلو! هو ده اللي كنت مستنيه ..سيبيني بقا أوضب لك مؤتمر صحفي حلو يرج الدنيا ..عايز اسم ياقوت سليمان ده يبقى أشهر من نار على علم ..ساعتها الروس تتساوى وأوافق إن الراجل الغامض بسلامته ده يتجوزك ..
_حبيبي يا سلمونتي ..حبيبي ..حبيبي..
تهتف بها بمرح وهي تقرص وجنتيه لتسمع استنكار نشوى على الباب :
_لا لا لا..سلمونتي وقرص خدود ده تعدي على اختصاصاتي يا آنسة ..اوعي كده من فضلك ..
تقولها وهي تندفع نحوهما لتدفعها بخشونة مصطنعة ثم تطوقه هو بذراعيها في تملك غيور فتضحك ياقوت بمرح ..
بينما تخاطبه نشوى بقولها الذي حمل نبرة التهديد :
_واللا إيه يا هندسة؟!
فيضحك ضحكة عالية ثم يميل عليها ليغمزها مجيباٌ :
_مفيش كلام بعد كلامك يا عسل!
=======
_كنتِ فين يا سها؟!
تهتف بها والدتها بلهفة وهي تفتح لها باب بيتها لترد بنبرتها الميتة المعهودة وهي تدخل لتلقي حقيبتها جانباً بإهمال :
_كنت مخنوقة شوية قلت ألف بالعربية ..الجو ..
كلماتها تنقطع وعيناها تتسعان بصدمة بينما تميزه هناك جالساً ..
لا ..مستحيل!
ناصر!!
إنه حلم !!
حلم آخر من أحلامها التي صارت تصبّرها على هذا العالم !
حلم ركضت إليه قدماها وهي تتفرس ملامحه المبتسمة القلقة بمزيج من صدمة وفرح ..
لم تكن ترى أي شيئ حولها ..
لم تكن تسمع سوى صوت تنفسه المضطرب ..
لم تكن تشم سوى رائحة عطره المميزة ..
لم تعلم كيف استقر بها المقام فوق ساقيه متشبثة بعنقه بكلي ذراعيها وهي تتمتم باسمه المختلط بدموعها ..
_ناصر ..بحلم تاني ..يارب ما أفوق زي كل يوم ..
لكنها تشعر بذراعيه يعتصران جسدها بقوة كأنه يود لو يصهرها معه في كيان واحد ..
وهمسه الحار ينسكب في أذنيها :
_مش حلم يا حبيبتي ..أنا آسف إني ما ظهرتش طول الأيام دي بس كان غصب عني ..لو ..
تشهق بصدمة تقاطع كلماته وهي ترفع عينيها من جديد نحو وجهه تتلمسه بأصابعها المرتجفة هامسة بذهول وهي تشعر أن أنفاسها تتقطع :
_مش حلم ..ماما؟!
تلتفت بتساؤل مصدوم نحو والدتها التي كانت عاجزة عن منع بكائها والتي تقدمت منهما لتربت على كتفها هاتفة بانفعال مماثل:
_أنا كمان ماصدقتش لما فتحت الباب ولقيته قدامي ..الحمد لله يابنتي ربنا كريم عالم بحالك ..كنت..
لكنها تقاطع أمها كذلك بهمسها المتقطع :
_مش حلم ..مش حلم ..
تقولها وهي تعود لتحتضن وجهه بأصابعها بقوة أكبر هذه المرة ..
بل بدت وكأنها تغرس أناملها فيه !
تشعر بذراعيه يشتدان حولها فتتسع عيناها أكثر ثم تفيضان بالدمع دون توقف وكلماتها تخرج منها متخبطة كالهذيان :
_إزاي؟! الانفجار! الجنازة ! العزا !
لكنه يمسح وجهها بكفيه ليخفيه في صدره هامساً بألم :
_هاحكيلك كل حاجة بس اهدي ..اللي حصل ..
_ناصر ..انت بجد هنا؟!
للمرة الثالثة تقاطع الحديث صارخة بدموعها كأنها لا تسمع ..
الرؤى تختلط في ذهنها فلا تميز واقعاً من خيال ..
الدم ..الانفجار ..الدخان ..النار ..
الأسوَد الكئيب الذي لوّن حياتها بعدها !!
تشعر بشفتيه الدافئيتين تلهبان وجنتها بقبلة اعتذار قوية فتكتسحها رجفة ساحقة وجسدها كله يرتعد بجنون مع تدفق دموعها ولاتزال أناملها تحفر فوق وجهه حفراً ..
ليس حلماً ..
ناصر هنا ..
عاد ..
عاد ومعه روحها ..
تسمعه يتكلم لكنها لم تكن تعي سوى أثر ذبذبات صوته الحبيبة على أوتار قلبها ..
تراه عبر غمامة دموعها فتتمنى لو لا تخونها أهدابها بإغماضة واحدة تحرمها رؤيته من جديد ..
تشعر بذراعيه حولها يمنحانها الأمان الذي افتقدته منذ رحل ..
ناصر عاد ..
عاد !
_عشان كده أنا كنت رافض اقتراحهم لما قالوا إني المفروض أختفي لحد ما يقبضوا ع المجرمين ..كنت خايف عليكِ من صدمة زي دي ..بس ..
يقولها بأسف حقيقي لكنها تقاطع كلماته من جديد كأنها لا تزال لا تصدق كونه حقيقياً لتفاجئه بصراخها المنفعل:
_ردني يا ناصر ..ردني دلوقت حالاً قبل ما تقول أي كلمة ..حالاً !
فيربت على ظهرها مهدئاً ليقول بحاجبين منعقدين كمن يخفي أمراً جللاً :
_فيه حاجات اتغيرت يا سها لازم تعرفيها الأول.
_حالاً يا ناصر ! مش هاسمع ولا كلمة قبلها ! حالاً !
صراخها الهستيري مع فيض دموعها وحفر أناملها المرتعدة على وجهه يثير المزيد من شفقته فيتردد قليلاً كأنما يقاوم صراعاً بداخله وهو يحاول تهدئة جسدها المتشنج بين ذراعيه لكنها تصرخ بها من جديد بالمزيد من الانفعال فيحسم أمره ليعلن ردها لعصمته ..
ولم يكد يتلفظ بها حتى شعر بجسدها يستكين فجأة بين ذراعيه مع ارتخاء أناملها فوق وجهه لتغمض عينيها و..
تفقد وعيها فوق صدره !
=====
تفيق من إغماءتها لتجد نفسها لا تزال بين ذراعيه المتشبثين بها وأمامها والدها يحاول طمأنة والدتها المنهارة ..
ولم يكد يميز عينيها المفتوحتين حتى حمد الله بانفعال لتدور هي بعينيها من جديد في المكان قبل أن تعود لتركز بصرها فوق ملامح ناصر الملتاعة ..
تشعر بانتفاضة جسده القلقة لتميز حينها فقط هذا الكرسي الذي يجلس عليه ..
كرسي متحرك !
تشهق بارتياع وهي تنهض لتترنح في وقفتها ثم تجلس على الأرض على ركبتيها أمامه تتلمس معدن الكرسي بأنامل مرتجفة ..
تهتف باسمه في تساؤل ليعقد حاجبيه وهو يشيح بوجهه قائلاً :
_عشان كده قلتلك اسمعي اللي حصل ..أنا ..أنا مابقتش زي الأول !
يتبادل والداها نظرات الأسى فيطرقا برأسيهما للحظات قبل أن يجذب الرجل ذراع زوجته ليبتعد بها تاركاٌ لهما حرية الحديث ..
فيما بقيت سها للحظات تتلمس معدن الكرسي بأناملها كأنها ترسمه مصعوقة بكل هذه المفاجآت ..
بينما كان هو غارقاً في شعوره المستحدث ب"العجز"!
منذ ذلك اليوم الذي اكتشف فيه ما صار إليه حاله وهو يخشى مواجهتها هي وأبيه ..
أغلى الناس عنده !
هو الذي طالما عشق نظرة الفخر في عيونهما ..
كم سيكون من العسير عليه أن ينقلب الآن لإشفاق!
ربما لهذا لم يكن يرغب في التعجل بردها لعصمته لولا ردة فعلها الهستيرية التي رآها ..
ربما لهذا وافق أفراد إدارته على اختفائه طوال تلك الفترة متهيباً من مواجهة كهذه ..
تراهما كان أهون على قلب رجل مثله ..
أن يموت شهيداً أو أن يعيش عاجزاٌ ؟!!!
دمعة حارقة تتجمع في طرف عينه واشية بمرارة هذه الغصة في حلقه فيتحاشى النظر إليها قائلاً بجمود ليس بخادع:
_زي ما انتِ شايفة ..مش هاقدر أرجع لحياتي الطبيعية بسهولة ويمكن ما أرجعش خالص ..فكري كويس قبل ما تقرري إذا كنتِ هتقدري ..
_أفكر؟!
تقاطع بها عبارته للمرة التي لا تدري عددها في هذا اللقاء الذي يبدو كالحلم وهي تستقيم مكانها لتعاود الجلوس فوق ساقيه ..
تطوق عنقه بذراعيها معانقة ملامحه بكل هذا الشوق الذي ذبحها طيلة غيابه ..
بكل هذا الندم الذي مزقها دون رحمة ..
وبكل هذا العشق الذي لم ولن تحمله لغيره !
لتهمس له أخيراٌ باستنكار عبر حرقة لهجتها الشاكية :
_أفكر في إيه ؟! إني أفضل جنبك واللا أسيبك ؟! أفكر؟! إني أعيش واللا أموت تاني؟! أفكر؟! إني أرجع لنفسي واللا أتوه زي ما كنت وانت بعيد ؟! أفكر في إيه بس ؟! ده أنا فرحتي وأنا شايفاك دلوقت بس قدامي تساوي عمري الباقي كله !
وجهها ينهار بدموعها فوق صدره الذي بدا لها كأرض وطن عادت إليها بعد طول اغتراب ..
وارتجافة جسدها تشكو إليه عذاباً قاسته وحدها دونه ..
فيكتم آهة وجعه بها ولها وهو يضمها إليه بقوة مستعيداً مذاق أنسه بها ..ليصله همسها المتقطع :
_ليك حق تسأل ماانت ماتعرفش الأيام اللي فاتت عدت عليا إزاي ..يوم ورا يوم ما كانش ليا طلب من ربنا غير إني أموت وأحصلك ..كنت مستعدة أدفع أي تمن عشان أرجع ساعة واحدة أعيشها معاك ..أتأسفلك ع اللي عملته فيك وفي نفسي ..وجاي دلوقت تقوللي أفكر ؟!
يغمض عينيه بألم وأنامله تمسح دموعها على وجهها والمزيد من العجز يطوق كلماته ..
لو كان الأمر بيده وحده لاحتكم لعقله وكبريائه فابتعد عنها حتى يعود لسابق عهده أو يتدبر أمره وحده مكفياً إياها همه ..
لكنه يعلم أنها لن تتركه يفعلها !
وهو ليس بقادر على ذبحها بفراقه من جديد !!
لهذا عادت عيناه تدمعان بهذا الصراع الفج في أعماقه وهو يحاول البحث لكليهما عن مخرج ..
لكنها تتناول كفه لتقبل باطنه بعمق ثم تهمس له برجاء منفعل:
_وحياتي عندك يا ناصر وأنا عارفة إنها غالية عندك ..ما تكرر الكلام بيننا في الموضوع ده تاني ..اطلب مني أي حاجة غير إني أسيبك تاني ..والله ما هاستحمل .
تقولها وهي تعود لتتشبث بذراعيها في عنقه بقوة أكبر ودموعها تتدفق كالسيل من جديد فيتنهد مشفقاً على حالهما معاٌ ..
ثم يمد أنامله ليمسح دموعها ولم يكد يفعلها حتى شعر بدفء شفتيها يكتسح شفتيه بقبلة اشتياق أودعتها كل هذا الكلام الذي عجزت عن البوح به ..
أنفاسه تتوقف للحظة قبل أن يعود قلبه لهديره العاصف وهو يعتصرها بين ذراعيه أكثر ليدرك في هذه اللحظة أن لا مفر ..
دواء أحدهما لن يكون إلا في كنف صاحبه !
تبتعد عنه بوجهها أخيراً وشبه ابتسامة تطوف بشفتيها في أمل وهي تقرأ بخبرتها به قراره في عينيه ..
لتهمس له بمزيج تسلطها المعهود ورجائها النادر :
_ولا يوم واحد هتسيبني فيه بعد كده .
فتنفلت منه آهة ساخنة وهو يغمض عينيه متكتماً على بقايا شعوره ومكتفياٌ بتربيتته الحنون على رأسها تمنحها وعده ..
فتبسط راحتها على صدره وهي تزدرد ريقها الجاف هاتفة بانفعال :
_احكيلي اللي حصل يومها ..إزاي خرجت من هناك !
ينعقد حاجباه وهو يستعيد أحداث تلك الليلة التي لن ينساها ما عاش ..:
_كنت عارف إنك جاي .
يقولها برضا عبر تنهيدة ألمه وهو يبصر عبر ضبابات وعيه- الذي يكاد يفقده- صورة باسل يتقدم نحوه مع رفقة معه ..
باسل الذي أطلق سبة لاعنة وهو يرى إصابة ساقيه ليهتف به بسخط بينما يفك قيوده :
_جهاز التتبع اللي كان في عربيتك كان آخر خيط وصلنا بيك ..طلعت روحي بعدها لحد ما قدرنا نوصل إنهم حاجزينكم هنا .
_روحنا كلها هتطلع دلوقت لو ما لحقناش نخرج ..
يهتف بها وهو يشير بعينيه للقنبلة هناك فيشير باسل لرفقته حيث تقدم احدهم ليحمل ناصر معه قبل أن يركضا بسرعة عبر طريق مختصر مستغلين خبرتهم بخريطة المكان ليغادروا قبل الانفجار بدقيقة واحدة ..
_مدرسة (....)! عايزين يفجروها ..الحقهم يا باسل قبل ..
كانت هذه آخر كلماته قبل أن يفقد وعيه بينهم ليسترده بعد وقت طويل مع حفنة من الحقائق ..
الأولى وحدها كانت المفرحة أنهم قد نجحوا في إنقاذ المدرسة ..
لكن ما تبقى كان كفيلاً ليدرك أن حياته بعدها لن تعود لسابق عهدها ..
وأنه يعود ليواجه العالم ب"عجزه"!
ينتهي من سرد ما حدث لها فتغمض عينيها بوجع حارق وهي تتخيل كمّ الألم الذي عاشه وحده طوال هذه الأيام ..
إذا كان قلبها يكاد ينفطر على عجزه هذا فما الحال برجل مثله اعتاد نظرات الفخر في العيون ؟!
آه لو كان الأمر بيدها لمنحته من نفسها الفداء!
لكنها لا تملك الآن سوى أن تبقى جواره ..
زوجته وصديقته وسنده كما عودته منذ سنوات !!
لهذا كتمت كل شعورها بالألم لتلون شفتيها بابتسامة واهنة وهي تربت على وجنته برفق ..
ثم تغير الموضوع لآخر برشاقة مشفقة عليه من تذكره فتهمس له برقة عاتبة :
_تليفون واحد ! كلمة واحدة كنت بردت بيها قلبي طول الأيام دي ..حرام عليك .
_غصب عني ..الأوامر كانت إني أفضل مختفي لحد ما يقبضوا عليهم ..حاولت أطلب إن حد يطمنكم لكن كانوا عايزين رد فعلكم يكون طبيعي عشان الأمان لينا كلنا ..
يقولها بنبرة اعتذار وهو يقبل جبينها برقة لتغمض عينيها بتنهيدة راحة قوية ثم تنهض عن ساقيه لتبتعد فتحضر هاتفها لتعود إليه بصورة المدرسة قائلة بصوت لايزال مرتجفاً بانفعاله :
_ولادنا .
ابتسامتها المتأرجحة بين وجع ورضا تحلق بينهما كطائر يغرد حراً بعد طول سجن ..
فيبتسم بعينين دامعتين وهو يتفحص الصورة للحظات قبل أن يقول لها باعتزاز:
_كنت فخور بيكِ وباسل بيقوللي ع اللي عملتيه .
_على كلامك انت كنت مبلغهم قبلي ..يعني انت البطل الحقيقي .
تقولها بفخر مشابه وهي تعاود الجلوس على ركبتيها أمامه على الأرض تتأمل ملامحه باشتياق لتتسع ابتسامته بقوله :
_بس انتِ ماكنتيش تعرفي ..وعملتِ اللي عليكِ للآخر .
تتناول كفيه فتتشبث بهما بكل قوتها ثم تقبلهما بحرارة واحداً تلو الآخر ولاتزال لا تصدق وجوده حياً معها لتغلبها دموعها من جديد فيربت على رأسها محاولاً التخفيف عنها بقوله ببعض المرح الذي تسرب عبره وجعه الحقيقي:
_مش كنتِ بتتضايقي عشان شغلي بياخدني منك ؟! اهه خلاص هنقضيها أعمال مكتبية .
لكنها تستشعر هذه الحسرة بين حروفه فتهتف به بعزم:
_مش هنستسلم ! هندور على أي علاج في أي مكان ولو في آخر الدنيا ..حتى لو ..
صوت رنين جرس الباب يقاطعها فيهتف بها بترقب:
_ده أكيد الحاج ..أنا كلمته قبل ما آجي هنا .
تستقيم واقفة لتركض نحو الباب كي تفتحه بينما يغمض هو عينيه بالمزيد من العجز متأهباً للمواجهة الثانية ...
_صحيح يا بنتي ؟! هو ..؟!
تنقطع كلمات العجوز وهو يرى ابنه يتقدم نحوه بكرسيه لتدمع عيناه بصدمة لأول وهلة وهو يميز إصابته قبل أن يهرع إليه لينكب بجسده فوقه في عناق طويل هاتفاً بلوعة أب:
_أحمدك يارب وأشكر فضلك ..حمدالله على سلامتك يا غالي ..والله ما مصدق إني شايفك ..سامحني يا ابني ..سامحني ..
دموعه تخونه في كلماته الأخيرة وهو يتكتم على الاعتراف بحسرته لمصاب ابنه مكتفياً بسعادته بخبر رجوعه ..
لتقترب سها منهما شاعرة بما يكابده وقد وجدت في صدرها مثله ..
لهذا وقفت تربت بأحد كفيها على كتف الرجل فيما يتشبث كفها الآخر بكتف ناصر بقوة داعمة جعلته يرفع إليها عينيه لتتلو له عيناها تراتيل اعتذاراتها ووعودها ..
معاٌ ..حتى آخر العمر ..
فلا بداية ولا منتهى إلا في رحاب عشق لا يعترف بعجز ولا تقهره ظروف .
======
يستيقظ رائد من نومه ليتلفت حوله باحثاً عنها ..
منذ أزمة وفاة والدته وقد اعتاد أن يكون وجهها أول ما يراه صباحاً ..
بل إنه لا يكاد يرى غيرها في عزلته التي اختارها هنا هذه بعيداٌ عن كل ما يحمله له الخارج من ضغوط ..
_همسة !
يناديها بلهفة وهو يبحث عنها في الطابق العلوي لكنه لا يجدها فتمتلئ نفسه بخوف مجهول وهو يهبط الدرج نحو الطابق السفلي الذي كان خالياً منها كذلك ..
قلبه يخفق بهلع وهو يخرج إلى الحديقة يتلفت حوله حتى وجدها هناك ..
تلقي بنفسها في حمام السباحة !
الخوف الذي يملأه يجعله يصرخ باسمها وهو يركض بسرعة دون تفكير ليلقي بنفسه خلفها بكامل ملابسه فتشهق وهي تلتفت نحوه لتجده يضمها نحوه بعنف هاتفاً بجزع:
_بتعملي إيه ؟!
تهز رأسها بحيرة غافلة عن مخاوفه لتجيبه :
_المية دافية قلت أعوم شوية .
فيغمض عينيه بارتياح وهو يخفف ضغط ذراعيه حولها ..
تباً لهذا الخوف الذي يملأه تجاه كل ما يخصها خاصة بعد حادثة أمه الأخيرة !
كأنه لا يكتفي بعذاب ضميره تجاه أمه فيزيده على نفسه بخوفها عليها هي من أن تعيدها الضغوط لانتكاسة لن يستطيع تداركها خاصة وهي تصر على ملازمته في عزلته الاختيارية هنا في مزاجه الكئيب هذا !
_مالك يا حبيبي؟!
تسأله بقلق وهي تربت على وجنته ليزفر وهو يحاول الاسترخاء في الماء قائلاً:
_خفت لما شفتك بتنزلي المية ..من امتى بتعمليها من غيري؟!
تساؤله الأخير لم يحمل استنكاراً عاتباً بقدر ما حمل لها المزيد من الخوف لتتذكر ما أخبرتها به ياقوت أن جزءاً عظيماً من عذابه يكمن في خوفه عليها هي ..
هذا ما حاولت التعامل معه طيلة الأيام السابقة وهي تعمل قدر استطاعتها أن تدعمه بوجودها دون أن تشعره بما يعتمل في صدرها من مشاعرها السلبية هي الأخرى ..
لهذا ابتسمت وهي تقبل وجنته برقة هامسة :
_أي حاجة بعملها معاك لها طعم تاني ..بس النهارده المية كانت مغرية ودافية ما قدرتش أقاوم .
_ما خفتيش وأنا مش معاكِ؟!
يقولها بنبرته الغريبة وهو لايزال يتشبث بها لتجيبه بما ظنت أنه يحتاج سماعه :
_انت معايا حتى وانت بعيد .
يلتفت نحوها ليعانق عينيها الحبيبتين اللتين تزدادان توهجاً كل يوم ..توهجاً بلون القوة !
فتزداد أنفاسه سكينة ويرتخي بجسده أكثر في الماء ..
فقط ذراعاه يبقيان على تشبثهما بها ..
لكنها تمسك كتفيه لتجبره على التحرك بها بهذه الحركة الدائرية في الماء ثم تفرد ذراعيها حولها هاتفة بمرح يليق ببراءتها :
_كده عمر المية ما يبقى لها شط !
يبتسم رغماً عنه وهو يتذكر ما تحكي عنه فيجاريها في حركتها سامحاً لها بالدوران سابحة بين ذراعيه وهي ترفع وجهها نحو السماء ..
تبدو له كفراشة رقيقة تحلق بنعومة ..إنما بقوة !
هكذا كان يشعر بها وهي تفاجئه بتشبث ذراعيها هي به لتقبل وجنته بقوة هامسة :
_عندي طلب .
يرمقها بنظرة متسائلة وجلة وهو يخشى ألا يتمكن من تنفيذ رغبتها لأول مرة منذ عهد بعيد ..
لهذا عاد يزفر بضيق وهو يسمعها تقول راجية :
_تروح الشغل ..وهاجي معاك .
_مش هاقدر يا همسة !
يقولها معتذراً مشيحاً بوجهه لكنها تدير وجهه نحوها هاتفة بتصميم :
_لحد امتى ؟!
يسيئ تأويل عبارتها فتتجمد ملامحه بقناعه المعدني الذي يجد نفسه يستخدمه معها رغماً عنه ..قائلاً :
_معرفش ..أنا عارف إن الظروف دي مش مناسبة ليكِ وكذا مرة قلتلك تقعدي عند زين ..انتِ مش مجبرة تستحملي ..
يقطع كلماته وهو يرى الدموع تطفر من عينيها مع نظراتها العاتبة فيفض تشابك ذراعيه حولها ليعطيها ظهره محاولاً تمالك انفعاله ..
لقد ظن الأيام ستهون مزيج الحزن والذنب الذي ينهش صدره ..
لكن عزلته هذه تزيد من فتكه به !!
وما يزيد عذابه أنه يسحبها معه نحو هذا القاع دون وعي!
لكنها تحركت لتكون قبالته تمسح دموعها بنفسها بقوتها المستحدثة لتهمس له برقتها العاشقة :
_لو مش عايز تخرج بلاش مش هازعل ..بس هافرح قوي لو وافقت .
يطيل النظر إليها للحظات وكأنما يستمد من هاتين العينين قوته ..
ثم يسحبها نحوه ليضمها برفق هامساً :
_أنا آسف.
_وأنا بحبك وعمري ما هاسيبك لوحدك تاني .
تهمس بها ببساطتها الملائكية وهي تمسد على رأسه بأمومة تبدو غريبة على ملامحها الطفولية ..
لكنه خير من يدرك أنها تبزغ في حناياها كألف شمس !
ربما لهذا استجمع بعض شتاته ليقول بتردد :
_هتيجي معايا الشغل تعملي إيه ؟!
فتضحك وهي تدرك قرب استجابته لرجائها لتهتف بحماس:
_هابص عليك ..
يبتسم رغماً عنه لصدق مشاعرها هذه فتدلل ابتسامته بشفتيها ثم تردف بنفس النبرة :
_وأقعد جنبك عشان لو احتجت حاجة ..وأشغللك "ميوزيك هادية" تروق أعصابك .
_فكرتك عن الشغل غلط خالص.
يقولها مداعباً بابتسامة باهتة وهو يقرص أنفها بخفة لتضحك وهي تهز كتفيها هاتفة :
_خلاص خدني معاك وعلمني الصح .
يبدو التردد على ملامحه فتغمر وجهه بقبلاتها باندفاع طفولي هاتفة :
_وحياتي وحياتي يا رائد .
فيتنهد باستسلام وهو يقبل رأسها قائلاً بوجل:
_بس لو ماقدرتش أكمل نرجع بسرعة .
_فوراً .
تقولها قاطعة مستغلة هذه الفرصة النادرة التي تتحينها منذ عهد بعيد ..
كانت تعلم أن رجلاً مثله لن يخرجه من حزنه سوى الانهماك في عمله الذي يحبه ..
لهذا كانت أكثر من متحمسة وهي تسبقه للخروج من حمام السباحة ثم تمد له يدها بالمنشفة في سابقة أولى لانعكاس الأوضاع فيبتسم لها وهو يجفف جسدها أولاً قبل أن يلف المنشفة حولها ثم يفعل المثل بنفسه ..
فتضحك هاتفة له بحماس:
_مرة حلقت لزين دقنه وقاللي إنك هتغير لو عرفت ..تيجي أحلق لك دقنك قبل ما نخرج .
تتسع ابتسامته وقد سره أن ينفذ لها شأناً يسيراً كهذا فتمسك بكفه وهي تركض جواره على عشب الحديقة لتندفع به نحو البيت وبالتحديد نحو حمام غرفتهما الذي دلفا إليه لتبحث عن عدة الحلاقة فتضعها أمامه على طاولة الحوض ثم تبدأ في عملها ..
يبتسم برضا وهو يراها تعتلي الطاولة جالسة أمامه ثم يتابع أناملها الرقيقة منهمكة فيما تفعله ..
يسمعها تدندن بلحن رقيق اعتادا صغاراً التغني به فتتسع ابتسامته وهو يغرق في تفاصيل ماضيهما المشرق رغم غيوم الألم التي حلت به يوماً ..
_خلصت!
تهتف بها بانتصار وهي تضع ما بيدها جانباً فيفتح عينيه وهو يتأمل صورته في المرآة ..
أكثر إشراقاً ..كعهده مع إضافاتها الساحرة لحياته !
فيمد ذراعيه لينزلها من مكانها ثم يقبل رأسها بامتنان هامساً :
_شكراً .
_خد "شاور" وأنا هانقيلك الهدوم اللي هتلبسها .
تقولها بنفس الحماس آملة أن تكون تسير على الطريق الصحيح كما أخبرتها ياقوت ..
فيهز لها رأسه موافقاٌ لتندفع خارجة تركض كطفل أوكل له الكبار مهمة جسيمة ..
وبعد ساعة كان زين يجلس في مكتبه منهمكاً بين شئون عمله وبين بعض الأمور المتعلقة بدار الفتيات التي بدأ عملها بنجاح يزيد من شعوره بالرضا عن نفسه يوماً بعد يوم ..
صوت الطرقات على الباب يقاطعه فيسمح للطارق بالدخول لتشرق ملامحه وهو يبصرهما معاً فيندفع نحوهما ليعانق همسة أولاً بسرعة ..
قبل أن يمنح رائد عناقاً مؤازراً طويلاً وهو يربت على ظهره ليقول أخيراً بودّ:
_يارب تكون قررت ترجع ..مش عايز أقولها بس فعلاً محتاس من غيرك .
يبتسم له رائد بتردد لكنه يدور بعينيه في المكان شاعراً برغبة حقيقية فعلاً في العودة لأجواء العمل ..
هذا الذي قرأه زين بذكائه ليغمز همسة بخفة ثم يخاطبه بقوله :
_عندنا اجتماع بعد ربع ساعة ..احضره معانا خد فكرة وشوف الدنيا حصل فيها إيه وانت غايب ..فرصة !
يتردد رائد قليلاً لكن زين يشد على كتفه بنظرة داعمة بينما تتأبط همسة ذراعه الآخر بدلال هاتفة :
_مش كنت عايز تغير لي فكرتي عن الشغل؟! خلاص ..هاحضره معاكم ..هاقعد بعيد ومش هاعمل صوت .
تقولها مازحة بنبرتها الطفولية وهي تضع يدها على فمها فيضحك زين ضحكة عالية وهو يداعب شعرها بخفة ليبتسم رائد وهو يجول ببصره بينهما للحظات قبل أن يأخذ قراره ل..
يعود !
======
تتلفت ياقوت حولها في القاعة الفخمة التي قرر أن ينعقد فيها هذا المؤتمر الصحفي بعينين ملتمعتين ..
تشعر بالكثير من التوتر وهي ترى الحركة الدؤوب في المكان والمنصة التي تم إعدادها هناك ..
_دي شكلها ليلة كبيرة قوي سعادتك !
يهتف بها سامر بانبهار خلفها وهو يتلفت حوله كذلك ليضحك إسلام وهو يبسط ذراعه على كتفيه هاتفاً بمرح:
_امال يا أبو سمرة ! مش قلتلكم هتبقى نقلة جامدة ..والد البنت شخصية مهمة وليه معارف مهمين في منظمات حقوقية كتير هتلاقوا مندوبينهم هنا ..الحادثة اتقلبت قضية رأي عام وعايزين يصعدوها لأعلى مستوى ..القضية كانت هتنزل على فاشوش كالعادة وحقها يضيع ..بس البنت لما خفت افتكرت تفاصيل كتير فرقت في سير القضية ..والهاشتاج بتاعها بقا أكبر تريند على تويتر ..وطبعاً الفضل في علاجها يرجع -بعد ربنا -للعظيم أينشتاين وال ..."أنيقة" شجرة الدر!
يقول عبارته الأخيرة ضاغطاً على حروفها وهو يغمز ياقوت التي كانت ترتدي سترة بالغة الأناقة من الجلد النبيذي هو من اختارها لها مع سروال أسود ووشاح بلون كريمي أضاء وجهها وقد ربطته بهذه الطريقة التي تظهر قرط أذنيها كعهدها مؤخراً ..
تبتسم وهي تمسك كف إسلام طالبة بعض الدعم وهي تتلفت حولها تراقب الحضور الذي يتزايد عدده ..
بينما الأخير يهتف بنبرته المرحة :
_التليفزيون هنا بيصور ..بكرة الزهر يلعب معاكو ومحدش يعرف يكلمكم ..بس افتكروا ساعتها العبد لله !
فيضحك سامر هاتفاً بمرح مشابه :
_ولو إني عارف إني فقري والست حلاوة دايماً تقوللي إن حظي مايل زي المشط على مراية الأقرع ..بس مفيش مانع نتفائل يا صاحبي!
يشاركه إسلام وياقوت الضحك للحظات قبل أن تستأذن منهما ياقوت لبعض شأنها ..
فيلتفت سامر نحو إسلام متسائلاً بجدية:
_عرفت إن ناصر ..؟!
فيبتسم إسلام ابتسامة صافية وهو يرد بسماحة :
_عرفت وزرته امبارح ..مابقيتش عارف أفرح عشان طلع عايش ..واللا أزعل عشان اللي حصلله ..بس أنا سألت على حالته وعرفت إن ليها علاج بره ..ماافتكرش حد طموح زيه هيقصر .
_ولا سها هتسيبه يقصر!
يقولها سامر ببعض الفخر -بقريبته- الذي استغربه في نفسه ..
غريبٌ حقاً عندما تتبدل مشاعرنا بهذه الصورة ..
فتستحيل الغيرة الخانقة على "معشوقة الوهم" لاعتزاز حقيقي ب"حب قريبته" لزوجها !
سبحان من يقلب القلوب !!
وفي مكانها كانت ياقوت تطالع هاتفها حيث أرسل لها زين عدة صور حديثة من دار الفتيات خاصته ..
تبتسم بفخر وهي تتفحصها واحدة تلو الأخرى مدركة عظم الجهد المبذول لتقدم دعماٌ حقيقياً لمثل هؤلاء ..
صورهن وهن يمارسن بعض الأنشطة في فناء الدار ..أو يتلقين بعض الدروس فيما يشبه فصولاً معدلة ..أو يحتفلن بسرور مع المشرفات ..
كلها تجعلها تشعر أن زين في سبيله للتعافي حقاً من أثر ذنبه القديم ..
الصورة الأخيرة كانت له مبتسماً وهو يقف على مدخل الدار وقد بدا اسمها خلفه مزخرفاً بفخامة ..
"الياقوت والمرجان"!
يختلج قلبها بسعادة طاغية وأناملها تتردد فيما تريد كتابته ..
_هتيجي؟!
ترسلها وهي تعلم الجواب قطعاً ..هو لم يتأخر يوماً عن مشاركتها حدثاً يخصها فكيف بهذا اليوم ؟!
_أنا وراكِ !
تشهق بدهشة وهي تتلفت خلفها لتجده جالساً في الصف الخلفي مع عدد من الحضور الذين بدا عليهم الانشغال في التحدث ..
ولم تكد عيناها تلتقي بعينيه حتى لمحت ابتسامته المشرقة تضيئ الطريق من وجهه إلى وجهها ..
فابتسمت بدورها وعيناها ترسلان له من الحب ألف نجمة !
_فيش فايدة في المدلوقة ! يا بت اتقلي!
هتاف إسلام العابث يقطع سحر اللحظة فتلتفت نحوه بسخط ليرفع أحد حاجبيه مردفاً:
_بيعمل إيه هنا ده ؟!
_معرفش ! وبعدين هو قاعد في أرض الحكومة محدش له عنده حاجة !
تقولها مازحة وهي تكزه في أنفه بسبابتها ليضحك ضحكة عالية وهو يهم بتعليق لاذع ..
لولا حضور منسقة المؤتمر التي خبطت بخفة على كتف ياقوت قائلة بحماس:
_خلاص هنبتدي ..أول حاجة هتبقى كلمتك انت ودكتور سامر ..اتفضلي معايا .
_ونجلاء؟!
تسألها ياقوت باهتمام لكن الجواب يأتيها في صورة الفتاة المبتسمة التي كانت تجلس جوار والدها في الصف الأول وتلوح لها خفية ..
تبتسم ياقوت وهي تستعيد مراحل علاج الفتاة لتشعر باعتزاز حقيقي وهي تراها قد وصلت لبر الأمان ..
تسير جوار سامر الذي لم يكن أقل منها ارتباكاٌ وهو يعتلي المنصة جوارها ..
يختلس نظرة جانبية نحو نجلاء التي كانت عيناها تفضحان تعلقها به فيشعر بالمزيد من التخبط الذي لا يفهمه ..
يستعيد صورتها وهي ترص العرائس التي يحضرها لها فيربطها رغماً عنه بريتال ..
تراه تعلق بها لهذا السبب؟!
يعترف أن فرحته بعلاجها تفوق سعادته بمجرد شفاء مريض ..
يسترجع هذه اللحظة التي رآها فيها لأول مرة -من خلف زجاج النافذة كالعادة- تتحدث مع ياقوت بطريقة طبيعية بعد تلعثم طال لأيام فيشعر بقلبه يخفق وهو يميز أن أول اسم نطقته كان اسمه ..
يختلس نظرة أخرى نحوها فيجد عينيها معلقتين به بهذه النظرة الآسرة ..
فيخفق قلبه من جديد بهذا الشعور الذي لا يفهمه ..
ريتال أم نجلاء؟!
حيرة قاتلة تدك قلبه دكاً وهو يشعر بعجزه الحقيقي عن أن يفهم نفسه ..
لكنه يتجاهله عمداً وهو يشيح ببصره عنها ..
يلقي كلمته أولاً عن تعريف المرض النفسي وضرورة التوعية به في بلدنا وعدم التنصل من تبعاته خزياً أو انتقاصاٌ ..ثم يتحدث عن مرض نجلاء بالتحديد والذي تعافت منه تماماٌ ..
لتبدأ ياقوت في إلقاء كلمتها كذلك وهي تتناول الموضوع من زاوية الاهتمام الأسري وأثره على العلاج مشيرة لدور والد نجلاء الفعال معها ..
قبل أن تعرج على خطورة قضايا الخطف التي انتشرت مؤخراً وأسبابها وطرق الحد منها من الناحية النفسية بصفتها قد درست الجانب النفسي إضافة للجانب الدوائي في العلاج ..
فعاليات المؤتمر تنتقل برشاقة من موضوع لآخر كما قد تقرر له ..
لينتقل المايكروفون لمنسقة المؤتمر التي خاطبت الحضور بقولها :
_لو فيه أي أسئلة لدكتور سامر أو دكتورة ياقوت اتفضلوا !
تنهال الأسئلة تباعاً من ممثلي كثير من القنوات الفضائية فيجيبها سامر وياقوت تباعاً ..
حتى تفاجأ ياقوت بزين يقف فتقدمه المنسقة بفخر يليق بمكانته :
_رجل الأعمال المعروف زين الفايد ..اتفضل حضرتك قول سؤالك .
يخفق قلبها بجنون وهي تشعر بالخجل يكاد يحرق وجنتيها ..
ما الذي سيفعله هذا المجنون ؟!
_دكتورة ياقوت ..تتجوزيني؟!
يقولها بنبرته المهيمنة التي يخالطها الآن عشقه الجارف الممتزج بفخره بها في هذا الموقف ..
فيسود القاعة صمت مندهش للحظة قبل أن يملأها الصخب والحضور يتبادلون الضحكات المرحة ..
بينما تكاد هي تفقد وعيها خجلاً وهي تتلفت حولها لنظرات الحضور التي طوقتها بين فخر وفضول ..
_قلتيلي مجنون ماصدقتش !
يميل بها سامر على أذنها بخفوت ليردف وهو يرى العيون محدقة بها :
_قولي حاجة خللينا نخلص ..الناس بتبص علينا .
فتعدل وضع نظارتها فوق أنفها وابتسامة عاشقة تلون شفتيها مع إيماءة موافقة تجعل القاعة تضج بالتصفيق ..
يبتسم زين بدوره وهو يهم بالجلوس لكنه يشعر بكف إسلام على كتفه وبنظرته الماكرة يهمس له :
_عرض جواز ع الهوا ! بتحرجني يعني؟!
فيرفع زين أحد حاجبيه بحركة موحية تجعل إسلام يضحك ضحكة راضية وهو يمد له يده مصافحاً بقوله :
_مبروك .
يضحك زين بدوره وهو يشد على يده مصافحاً لتثبت الكاميرا هذا المشهد كتوثيق ..
وفي مكانها بصالة البيت كانت ثمر تطالع شاشة التلفاز برضا بينما لجين تهتف بفرحة :
_شفتِ يا ستي؟! ده طلب إيدها قدام الدنيا كلها ! شكله بيحبها قوي!
فتبتسم ثمر وهي تركز بصرها على كف إسلام الذي يصافحه ظاهراً في المشهد لتقول بنبرة راضية :
_وماله ؟! مادام بالأصول محدش يقول حاجة !
تقولها لتستمع لتعليق منسقة المؤتمر التي كانت تضحك ببعض الحرج وهي تتلفت حولها قائلة :
_دكتورة ياقوت شكلها مش متميزة في شغلها بس ..إنما في حياتها كلها ..الست اللي تخللي راجل زي زين بيه يطلب إيدها بالطريقة دي تبقى أكيد تستاهل ..
الحضور يتفق على تصفيق طويل والمشهد يتركز على ياقوت التي وقفت خجلة محمرة الوجنتين لكنها كانت ترفع أنفها باعتزاز يليق بها ..
لتتنهد ثمر بارتياح وهي ترفع وجهها للسماء بحمد صامت قبل أن تتمتم بحنان :
_مبروك يا بنت قلبي ..ألف مبروك .
=======
_يعني ترقصي في حنة اخواتي الاتنين وأنا لا؟!
يقولها إسلام بسخط وهو يغلق عليهما باب الغرفة التي يبيتان فيها في بيت ثمر في الليلة السابقة لزفاف ياقوت ..
"ليلة الحنة" التي لم تقل حميمية ودفئاً عن تلك الخاصة بلجين وإن زادها شعور ثمر بالسكينة والاطمئنان فرحة فوق فرحة ..
فتضحك نشوى وهي تكمم فمه بكفها هامسة بخجل:
_هتفضحنا ! قلتلك ماعرفتش ..جربت وماعرفتش .
_ماليش فيه ! تعرفي!
يقولها بعناد فتضحك من جديد بخجل وهي تشير لريما النائمة على الفراش هامسة :
_وطي صوتك ..البنت هتصحى!
_يعني المرتين اللي أشوفك فيهم بترقصي يكونوا فيديو ع الموبايل ..ده أنا لو شاقطك من شارع جامعة الدول مش هابقى كده ..مراااتي يا ناس وعايزها ترقص لي!!
يهمس بها بغيظ وهو يقرص أذنها لتعجز عن كتم ضحكاتها وهي تتملص منه لتسأله بنبرة اتهام:
_أنا بقا عايزة أعرف مين اللي صورني فيديو في المرتين وبعتهملك !
_ارقصيلي وأنا أقوللك .
يقولها بعناد فتهتف به بنبرتها الشوكية :
_وريهملي الأول .
_ارقصيلي وأنا أوريهملك .
يقولها بنفس العناد مكتفاً ساعديه لتزداد نبرتها هجوماً :
_انت إزاي أصلاً سايبهم على موبايلك ؟!
_ارقصيلي وأنا أمسحهم .
يهتف بها بنفس الطريقة ليعلو صوتها رغماً عنها :
_ارقصيلي ارقصيلي انت عليك عفريت ..قلتلك ما برقصش قدام رجالة ..بتكسف!
تهتف بها ثم تندفع نحو الفراش جوار ريما فترفع عليها غطاءها ليزفر هو بسخط وهو يتحرك ليشاركهما الفراش متمتماً :
_كل حاجة بتكسف بتكسف ..وهي عاملالي صافيناز قدام الناس !
_بتقول حاجة ؟!
تقولها بنبرتها الشوكية ليلكزها في كتفها هاتفاٌ بتهكم ماكر:
_بقول ما شفتش في أخلاقك ! نامي نامي!
يقولها ثم يبسط راحته مفرودة في وجهها لتضحك وهي تخفي وجهها في الوسادة ثم يصله صوتها بعد قليل :
_سلمونتي!
_نعم .
يقولها ببعض الأمل أن تعدل عن رأيها لكنها تقول بدلال مستفز :
_اتغطى كويس ونام .
فيعود ليلكزها في كتفها ليعلو صوت ضحكتها من جديد ..
هذا الذي وصل ياقوت وهي تمر جوار الغرفة لتسمع بعضاً من حديثهما مصادفة فتكتم ضحكتها وهي تبحث عن ثمر ليخبرها حدسها أنها ستكون هناك فوق السطح ..
تصعد إليها فتجدها متربعة على الأرض في جلستها المفضلة ..
تتقدم نحوها لتجلس واضعة رأسها في حجرها منتظرة رقيتها الأثيرة التي ما كادت تنتهي منها حتى رفعت إليها ياقوت عينيها لتقول برضا:
_كانت ليلة حلوة قوي يا ستي ..أهل البلد كانوا مبسوطين قوي .
_الحمد لله يا بنت قلبي ..ربك كريم ..
يتهدج صوتها في عبارتها واشياً قرب بكائها فتعتدل ياقوت في جلستها لتضمها لصدرها هاتفة بجزع:
_بتعيطي يا ستي؟!
والجواب يأتيها عملياً في دموع ثمر التي أغرقت كتفها وهي تهتف بحرارة :
_لو قلت مش فرحانة أبقى بجحد نعم ربنا اللي مغرقانا ..بس غصب عني فراقك عازز عليا ..أختك اتجوزت بس ما سابتنيش ..لكن انتِ ..
تقطع عبارتها دون تكملة فتتلقف ياقوت كفها لتقبله هاتفة بانفعال:
_عمري ما أستغنى عنك يا ستي ..أنا متفقة مع زين هنزورك هنا كل جمعة زي ما كنت بعمل ..اعتبريني زي ما أنا ..بشتغل وبجيلك آخر الأسبوع ..أرمي همي على كتفك وأشاركك فرحتي ..هو أنا أقدر أعيش من غيرك ؟!
تمسح ثمر دموعها وهي ترفع كفيها بأدعيتها المعهودة لها فتبتسم ياقوت وهي تعاود الاستكانة في حجرها ..
تكتفي بسماع صوتها العجوز المتهدج الذي يحمل لها سكينة الدنيا كلها ..
ورغماً عنها ينتابها خاطر يجعلها تقول لها بخجل:
_عارفة نفسي في إيه يا ستي؟!
ترمقها المرأة بنظرة حانية وهي تمسد فوق رأسها منتظرة جوابها لترد ياقوت :
_نفسي زين يقعد نفس القعدة دي كده ..ترقيه بإيدك الطيبة وتدعيله ..هو ماطلبهاش ..بس بشوفها في عينيه كل ما بكلمه عنك ..وكل ما بيشوفك ..ده بيحبك قوي يا ستي والله .
فتنقلب ملامح ثمر الباكية لضحكة حانية تليق بردّها:
_ربنا يحبه ويحبب فيه خلقه !
تتنهد ياقوت بارتياح وهي تتناول كف جدتها لتقبله ثم تضعه على صدرها مراقبة القمر الذي بدا لها وكأنه يحمل صورة زين ..
فتقول بهيام :
_بفرح قوي لما تدعيله يا ستي ..شفتي الفستان اللي جابهولي؟! إسلام ماصدقش لما شافه ..بيقوللي أغلى فستان اتعمل في البلد .
_الغالي للغالي يا بنت قلبي .
تقولها باعتزاز فتغمض ياقوت عينيها هامسة بنفس النبرة الهائمة :
_فاكرة لما قلتيلي إن عقلي لازم يصالح قلبي وأنا بتكلم عليه ..حاساها قوي دلوقت ..ماعدتش بحبه عشان هو صورة من كل حاجة اتمنيتها في الراجل اللي عايزاه وبس ..لأ..بقيت فخورة بيه وراضية عن كل خطوة بيعملها..
ثم تتنهد بحرارة مردفة :
_قلبي وعقلي اتصالحوا يا ستي .
فتهز ثمر رأسها برضا وهي ترفع عينيها للسماء من جديد نحو القمر ..
لكنها كانت ترى فيه صورة ابنتها الراحلة ..
لقد أراد القدر أن تُحرَم رؤية ابنتها عروساً تزفها كالأخريات لكنه عوضها خير عوض في حفيدتيها ..
ترمق "صورة أشواق" علي وجه القمر بنظرة طويلة راضية وهي ترى ملامحها التي تشبه ملامح ياقوت تبتسم بارتياح ..
فتتنهد بعمق!
الآن فقط تشعر أنها أدت رسالتها مع حفيدتيها على أكمل وجه وسلمتهما لمن تستأمنه عليهما بعدها ..
فالحمد لله الذي لا تضيع ودائعه ولا يكشَف ستره ولا يخيب سائله ..
تدمع عيناها من جديد لكنها تغلقهما على دموعها تتمتم بمزيج من رضا وشجن :
_ربنا يرحمك يا أشواق!
========
"قصر الفايد"
تطالع اليافتة الذهبية الفخمة بعينين دامعتين وهي تميز كفه الممدود نحوها والذي تشبثت به لتترجل من سيارة العرس ..
ترفع عينيها للسماء فتجد "القمر الحبيب" ظاهراً مستديراً كاملاً وحوله غيومه تبدو كعرائس تزفها إليه ..
تعود بعينيها إليه لتميز سراجا الذهب يتوهجان بنظرة خاصة هذه الليلة ..
منذ سلمها له إسلام على باب مركز التجميل الشهير الذي تولى زينتها الاستثنائية لتبدو بأجمل صورة رأت فيها نفسها يوماً ..
ثوبها الأبيض تتخلله خيوط كريستالية بلمعة ذهبية تشبه وميض عينيه هو ..
كذلك طرحة العرس التي مزجت اللونين الأبيض بنقائه والذهبي بفخامته ..
كل ما فيها كان يشع تألقاٌ يبزغ من داخلها أولاً ..
لم تسمع يوماً عن عرس يشترط فيه العريس زياً موحداً للحضور لكنه فعلها لأجلها ..
كتبها في دعوة العرس أن يحضر النساء كلهن يرتدين اللون الذهبي الذي يليق بفخامة العروس!
هل يمكن أن تعشقه أكثر من هذا ؟!
تراه يرفع كفها ليقبل باطنه بهذه الحركة التي تعشقها فلا تسمع صوت الزغاريد التي انطلقت عالية من حولها ..
بل صوت خفقات قلبها المجنون به فحسب !
تخطو معه لداخل البيت الذي تزينت حديقته استعداداً لحفل الزفاف فبدت شديدة الفخامة حقاً ك"بستان ملكيّ" مما يحكون عنه في الأساطير ..
تدمع عيناها وهي تتذكر كل لحظة قضتها هنا من قبل كمجرد عابرة سبيل ..
قبل أن تصبح الآن سيدة هذا البيت!
تتأبط ذراعه بمزيج من فرح وفخر وهي تخطو وسط الجموع ..
لتكون همسة أول من تقابلها لتعانقها بقوة هاتفة :
_مبروك يا أجمل عروسة ..يا بخت زين بيكِ!
تقولها ثم تعانق زين الذي يأبى أن يترك ياقوت بل يبسط ذراعه الآخر حول همسة فيضمهما معاٌ ثم يتنهد بحرارة ..
أخيراً أضاء بيت الفايد ب"شمسيه" معاً !!
يقبل جبين همسة بعمق فتتنحى لتفسح الطريق لرائد الذي عانق زين بحرارة صامتاً كعهده لكن عينيه كانتا تفيضان بعمق ارتياحه أن وجد زين راحته المنشودة أخيراً ..
قبل أن يرمق ياقوت بنظرة طويلة راضية ليقول أخيراٌ وهو ينقل بصره بينهما :
_من أول يوم شفتك وأنا حسيت إن هيبقى لك دور كبير في البيت ده ..ماكنتش أعرف إنك هتبنيه من تاني .
يقولها بامتنان راضٍ ثم يعود ليعانق زين مربتاً على ظهره بمؤازرة اعتادها كل منهما في صاحبه .
يتقدم بها زين ليجلس معها على منصة العرس الفخمة لتبدأ موسيقا هادئة كلاسيكية في العزف تدعو العروسين لرقصة أولى ..
تتعلق بذراعيها في عنقه ليحيط خصرها بذراعيه وعيناها تجولان في الوجوه حولها رغماٌ عنها ..
العناق التاسع عشر ..
بنكهة الإشهار ..الإعلان ..الهتاف الصارخ دون شك أنه لها وهي له ..
فليشهد العالم أنها تحبه ..
فليشهد العالم أنه يحبها ..
دون مزيد من مواراة وخزي وتخفّ خلف جدران الظلام !
تتفقد نظرة ثمر الراضية ..نظرة لجين الدامعة بفرحتها ..نظرة إسلام الداعمة المرحة ..نظرة هيثم السعيدة ..نظرة سامر الودود ..نظرة رابحة الهائمة بطفولية ..نظرات بعض أهل القرية الذين أصروا على الحضور رغم بعد المسافة والتي يملؤها الاعتزاز ..
وأخيراً نظرة ياسمين المشعة بالسعادة والتي تراقبها جوار يامن الذي فضحت نظراته ضيقاً لم يستطع كبحه كأنه قد حضر رغماً عنه !
تضحك للخاطر الأخير فيغازل ضحكتها بعينيه هامساً :
_كنت فاكر إن مفيش في الدنيا أجمل من عينيكِ ..لحد ما شفت ضحكتك دي النهارده .
فتخفي وجهها في صدره بخجل لتصلها ضحكته المكتومة وهويشدد ضغط ذراعيه حولها مردفاً :
_وعد مني تفضل منورة شفايفك العمر كله !
قلبها العاشق يتلقى وعده كنبوءة فترفع قمريها الحُرّين نحوه هامسة بامتنان:
_عمرك ما خلفت وعد ادتهولي .
_ولا هتحصل!
يهمس بها بحسم وهو يقبل وجنتها برقة لتتنهد بهيام وهي تشعر بأنها تكاد تذوب بين ذراعيه ..
_لا لا لا ..خف علينا كده يا حليوة احنا لسة في أول الليلة ..مااحناش أدك !
"العفريتة العابثة" كانت تعيش أزهى عصور حريتها الآن وهي تعربد بداخلها لكنها لم تعد تتجاهلها بل صارت تسايرها باستسلام لذيذ ..
تسمع الموسيقا تنتهي فتتوقف معه لتهم بالعودة لكرسيها لكنها تشعر به يتشبث بكفها ليوقفها مكانها ..
تراه يمسك بالميكروفون فتتأهب حواسها استعداداً لما سيقوله ..
الصمت يسود الحضور وهم ينتظرون كلماته التي جاءت أخيراً رزينة لكنها دافئة بل ..مشتعلة ..
_طول العمر ده كنت محتاج واحدة زيها ..مش عشان أحب ولا عشان أتجوز ..
ثم يصمت لحظة ليردف بنبرة أكثر حرارة وسراجا الذهب في عينيه يقسمان لها ألا ظلمة بعد الآن أبداٌ :
_عشان أعيش!
تغمض عينيها بتأثر وهي تشعر به يقصد هذه الكلمات بالذات كي يمحو عن ذهنها تماماً مرارة جملة شبيهة قرنها فيها يوماً مع ياسمين ..
كفها الحر يبحث عن كفه ليعانقه بينما يصفق الحضور بصخب تميز هي فيه صوت صفير إسلام العالي ..
ثم تراه يشير لأحدهم إشارة خاصة فيتقدم نحوهما يحمل ما خطف بصرها ..
تاجٌ فخم من الذهب المرصع بماسة رقيقة وقد حفرت على قاعدته تلك العبارة التي نطقها جهراً أمام الحضور :
_قولي لهم بكل كبرياء ..يحبني كثيراٌ !
تدمع عيناها بفرحة طاغية ونظراتها تتعلق بين الكلمات المكتوبة على التاج وبين شفتيه الناطقتين بها بهذه الحرارة ..
تهم بإحناء رأسها كي يلبسها إياه لكنه يثبت ذقنها ليرفعها بإباء ونظرته تحكي لها أن رأساً كهذا لا ينحني ولا كي يلبس تاجاً !
يضعه أخيراً على رأسها ثم يقبل جبينها بعمق فيعود الحضور يصفقون مع صفير إسلام العالي كعهده ..
وأخيراً يقدم لها خاتمه الذي بدا لها عادياً قبل أن يرفعه أمامها لتتسع عيناها وهي تميز غرابته ..
يبدو كأنه يتكون من حلقة واحدة لكنها تكتشف أنه يتكون من عدة حلقات متراصة متشابكة عند مركزين في منتصف الخاتم
هذه التي فردها هو تباعاً لتشكل ما يشبه الكرة الأرضية بخارطتها ..
تشهق بانبهار وهي ترى الخاتم البسيط يتحول لنموذج مصغر للعالم ..
لقد قرأت يوماً عن خاتم ألماني قديم يشكل خريطة فلكية بهذه الفكرة التي يبدو أنه اقتبسها عنها ..
لكن هذا يبدو لها أكثر جمالاً وأناقة ..
هذا الذي قربه من عينيها ليقول لها فخوراً عبر الميكروفون :
_انتِ الدنيا كلها !
هذه المرة لم تستطع منع دموع فرحتها التي أخفتها في كتفه ليعيد هو طي حلقات الخاتم ليعيده كما كان ثم يلبسها إياه مع تصفيق الحضور الذي كان له صدى عذباً في أذنيها ..
لم تتخيل يوماً أن يكون زفافها بهذه الفخامة ..
أن يعلن حبه لها أمام الجميع بهذه الصورة ..
لكن لم العجب ..؟!
هو رجل سبقت أفعاله كلماته منذ غزل الحب أول خيوطه بينهما !
تشعر به يربت برفق على ظهرها فترفع إليه عينيها الدامعتين لينحني برأسه فيقبلهما تباعاً شاعراً أنه يتلقى بنظراتها هذه آخر صكوك غفرانه ..
يبعد الميكروفون منهياً عهد الجهر ليهمس جوار أذنها بنبرته الرخيمة :
_لسه أجمل كلام مااتقالش ..عاينه لحد ما نبقى لوحدنا .
يتحرك معها متعانقي الكفين ليعود بها لكرسييهما ..
فقرات الحفل لم تقل فخامة عن زفاف همسة وإن كانت أكثر تحفظاً بطبيعة الحال ..
الحفل الذي انتهى أخيراٌ لتقف ثمر في مواجهتهما دامعة العينين بسعادة ..
تعانق ياقوت بحرارة فتتشبث الأخيرة بها وهي تشعر أنها حققت لكلتيهما حلم حياتها ..
_راضية عني يا ستي؟!
تهمس لها بها بصوت متهدج بانفعاله لتحتضن ثمر وجهها ..
ترى في سعادتها حصاد عمرها ..
فتهمس لها بضحكة عبر أسنانها المكسورة وتجاعيد وجهها تحكي حكايات من فرح :
_ربنا يرضى عنك العمر كله يا بنت قلبي .
تقولها لتتوجه نحو زين ببصرها فينحني الأخير ليقبل كفها باحترام لكنها تبعد كفها بسرعة لتبادره بعناقها الأمومي الذي افتقد مثله طويلاً ..
قبل أن تهمس له بحرارة :
_غلاوتك بقت من غلاوتها ..أنا مش هوصيك عليها لأني لو ماكنتش متأكدة إنك هتخلليها في عينيك ماكنتش وافقت أجوزهالك ..بنتي عزيزة وانت تستاهل !
يرفع إليها عينيه بتقدير ثم يقبل رأسها ..
ستبقى هذه المرأة تبهره بكلماتها بسيطة الظاهر عميقة الباطن ..
ليدرك في كل يوم يمر أن امرأة كهذه هي من ربت "أسطورة" كياقوت !
_مبروك يا توتة !
تهتف بها لجين وهي تأخذ دورها في عناقها لتهمس في أذنها بحرارة :
_فاكرة كلامك ليا ليلة فرحي؟! افرحي يا غالية ..افرحي أد ما تقدري ..احنا شفنا كتير بس عوض ربنا أكبر .
تدمع عينا ياقوت وهي تشدد من عناقها لها شاعرة بعظم هذا المعنى ..
الآن فقط تشعر أن لحظة فرح كهذه طمست حزن العمر كله !
تسمع عابد يشكر زين بامتنان على مافعله لأجله ثم يبارك له و لها بدعاء متحفظ لكنه حمل لها صدق شعوره الطيب ..فتبتسم له بمودة حقيقية شاعرة أنه أخوها الثالث ..
بل الرابع محصية رائد الذي تقدم لتوه ليباركها مع همسة ..
_يوم فرحي قلتلك عقبالك باللي يستاهلك ..ماكنتش أعرف إنها هتتحقق بسرعة كده .
تقولها نشوى وهي تمنحها عناقها الأخوي الممتن فتربت على ظهرها قائلة بمرح:
_اللي تتجوز إسلام أكيد دعوتها مستجابة ..ليكِ الجنة يا بنتي !
تضحك نشوى بمرح وهي تحمل ريما لترفعها نحو ياقوت فتهتف لها الأولى بفخر طفولي وهي تغمزها بحركة إسلام:
_مبروك يا عسل ..أجمل عروسة "كيرفي" شفتها!
تتسع عينا ياقوت بصدمة وهي تنظر لإسلام نظرة اتهام يضحك لها عالياً مشيراً لصدره بفخر ...فيما يحمر وجه نشوى بحرج وهي تعيد ريما أرضاً ..
_مبروك يا "أبو التوت"! تاج وخاتم وحركات جامدة ..الواحد كده هيحس إنه راحت عليه !
يقولها إسلام وهو يتقدم ليعانقها بدوره فتحتضنه بكل قوتها ليلتفت هو نحو زين مردفاً بمشاكسته المعهودة :
_أنا عالجتلك ذوقها بس انت لو حسيت إنها انتكست في أي لحظة وشفت في الدولاب حاجة برتقاني هنا ..حاجة بطيخي هناك ..كلمني بس وأنا هاجي أظبطلها التردد على القناة الصح !
يضحك زين ضحكة صافية وهو يراها تلكز أخاها في كتفه ليضمها إليه قائلاً باعتزاز :
_تلبس اللي هي عايزاه ..وأنا هاخليهولها موضة !
_ياااا سيدي!
يهتف بها إسلام بمرح لتهم ياقوت برد خطفه هو من طرف لسانها وهو يبسط راحتيه في وجهها هاتفاً:
_والله ما انتِ قايلاها ..عارفها ..
ثم يرفع أنفه مقلداً حركتها وأسلوبها :
_إيش فهمك انت ؟!
تشاركه الضحك بمرح وهي ترى هيثم يتقدم مع آخر امرأة توقعت حضورها الليلة ..
أجل ..جيلان!
لم تحضر الحفل من بدايته لكنها جاءت لتوها كما يبدو !
ملامحها الجامدة تفضح ألماً حاولت إخفاءه وهي تتقدم منها لتصافحها قائلة بصوت مرتجف:
_مبروك!
الوجوم يسود بينهم للحظات مع ظهورها بطبيعة الحال لكن جيلان تبتسم وأحد كفيها يتشبث بكف إسلام بينما الآخر يتشبث بكف هيثم كأنها تعلن ابنيها خيارها الأوحد ..والأبقى!
تنظر جيلان لثمر نظرة طويلة تقبلتها الأخيرة بسماحة تليق بها ثم تهز لها وللجين رأسها بنفس الابتسامة المرتجفة قبل أن تتراجع مع إسلام الذي آثر الابتعاد بها مكتفياً بهذه التضحية التي رآها عظيمة منها ..
فيما بقي هيثم ليعانق ياقوت بدوره ثم يقبل وجنتها قائلاً بعاطفيته المعهودة :
_أجمل أخت وأشطر دكتورة وأشيك عروسة ..يابختي بيكِ .
فتربت على وجنته بحنان لينسحب هو مدركاً أمه وأخاه ..
فيما تتحفز ملامحها وهي ترى ياسمين تتقدم مع يامن ويمنى التي تلقفتها همسة كالعادة لتلاعبها ..
_مبروك يا ياقوت !
تهتف بها ياسمين وهي تعانقها بحرارة لتهمس لها بصدق:
_مش محتاجة أقوللك فرحانة أد إيه ! بجد ..هاطير م الفرح عشانك !
تبتسم لها ياقوت شاعرة بصدق إحساسها لتبتسم وهي تميز الغيظ الذي كسا ملامح يامن وهو يستجيب لكف زين الذي بادره بمصافحته فتقبلها على مضض ..
منذ موقف مروءته الأخير مع عابد في محنته وهو يشعر أنه مدين له ..
لكنه لا يستطيع نسيان الرواسب القديمة !
ربما ..بعد حين !
_خلاص ..بقينا عيلة .
يقولها يامن من بين أسنانه لتكتم ياسمين ضحكتها وكذلك ياقوت مدركتين مشاعره الحقيقية فيما يبتسم زين بتثاقل ليرد :
_أكيد ..شيئ يشرفني!
يهز له يامن رأسه بابتسامة صفراء ثم يبارك لياقوت قائلاً بفظاظته المعهودة التي خالطها الكثير من الود :
_مبروك يا "شقراط" ..ربنا يسعدك .
يقولها ليسحب ياسمين من كفها بتملك غيور مبتعداً بها ليقترب مروان وهو يحدج يامن بنظرة متسلية ردها له الأخير بلكمة في كتفه جعلته يضحك وهو يقترب من ياقوت قائلاً بتحفظه الودود :
_مبروك يا دكتورة ..تستاهلي كل خير .
_البركة فيك ..انت اللي فتحت الباب ده !
تقولها متذكرة أنه لولا ترشيح مروان لها لدى يامن لما كانت لها قصة مع زين من الأساس ..
فيضحك مروان وهو يمازحها بقوله ممسداً كتفه من أثر لكمة يامن :
_حاولي تنسي الحكاية دي وما تقوليهاش كتير قدام يامن ..العمر مش بعزقة !
يشاركهما زين الضحك بسماحة لتنقلب ملامحه لبرود منطقي وهو يرى سامر يتقدم منهما فيشيح بوجهه وهو يسمعه يحدث ياقوت:
_مبروك يا "شجرة الدر" .
تبتسم له ياقوت بمودة وهي تشعر بتحفز زين الغيور جوارها فيبتسم سامر وهو يمد يده لزين مصافحاً مع قوله :
_مبروك ..شفت الخطف بيجيب م الآخر إزاي؟!
فيبتسم له زين رغماً عنه لينسحب سامر مع مروان وهما ينخرطان في حديث ودود افتقدته صداقتهما لانشغال كل منهما بحاله ..
ينصرف الجميع فتلوح لهن بسعادة ثم تتأمل أضواء الحديقة التي بدت لها متلألئة كالفرحة التي يهيم في واديها قلبها في هذه اللحظة ..
تراه يتحرك ليقف قبالتها كأنه يغار على عينيها أن ترى سواه بعد هذه اللحظة ..
_ياللا بينا .
يقولها بنبرته الرخيمة وعيناه تتثاقلان على ملامحها بعاطفة هادرة اكتسحتها ..
لكنه هذا الاكتساح الآمن الذي يكسب الخدين حمرة ..
ويغزل فوق الشفاه بسمة ..
تتأبط ذراعه لتتحرك معه نحو الداخل شاعرةً أن هاهنا فقط ..
بدأ العمر !
=======
يقف بها في غرفتهما التي أعدها بذوقهما المشترك ليغلق بابها خلفهما ..
عيناه تطوفان فوق ملامحها بتبتل عاشق فتغمض عينيها بخجل ..
تشعر به يحتضن كفيها بكفيه ثم يلصق جبينه بجبينها ..أنفاسه بأنفاسها ..شفتيه بشفتيها ..
لم يكن يقبلها بل بقي فقط على هذا الحال لدقيقة كاملة كأنه فقط يأنس بانصهاره هذا فيها ..
_عارفة يعني إيه تعيشي عمرك كله حاسة إن ناقصك حاجة ..وأخيراً تكمل؟!
يهمس بها دون أن يغير وضعهما هذا فيشعر بكفيها يتشبثان به أكثر مع همسها الذي يشاركه اشتعاله :
_عارفة .
يبتعد بوجهه ليهم بنزع تاجها لكنها تتشبث به هامسة بلهفة راجية :
_سيبني لابساه شوية ..دي أجمل هدية جتلي في حياتي .
فيبتسم وهو يطبع على شفتيها قبلة ناعمة ليهمس لها بأروع ما يكون العشق :
_أجمل هدية جتلك تاج قلبي إداهولك من زمان ..تاج بيتلبس في العمر مرة واحدة بس وما بيتقلعش بعدها أبداً !
تدمع عيناها بمزيج من فرحة بهذه الكلمات ورهبة خفية تجتاحها بينما يداعب ملامحها بأنامله في افتتان ليرتجف جسدها فجأة وهي تلعن ظنونها التي ذكرتها في هذه اللحظة بالذات بأسوأ ليلة قضتها معه ..
تلك التي لم تذق في حياتها ذلاً كالذي عرفته فيها ..
سيارته معتمة النوافذ ..فيديو لجين ..ابتزازه القاسي ..عقد الزواج القسري ..شقته الأنيقة وتلك المرأة تجهزها له ..
ثم تنتقل خواطرها عاصفة نحو تلك الليلة التي تقاربا فيها حميمياً لتنتهي بطعنتها له فتتلون في عينيها بلون الدم !
قلبها يستحلفها أن تفتح عينيها ..
أن تبصر هذا العشق الكفيل بمحو الماضي بينهما ..
لكنها تجد نفسها رغماً عنها تغمضهما أكثر وهي تشعر بجسدها ينتفض ..
_ممكن تسيبني خمس دقايق؟! خمس دقايق بس أغير هدومي !
ارتجافة صوتها تفضح له خوفاً يتفهمه وهو يقرأ خبيئتها بخبرته العتيدة بها ..
فينحني ليقبل عينيها المغمضتين برقّة ثم يداعبهما بأنامله ليجبرها على فتحهما هامساً أمام قمريه :
_ولا ثانية الليلة دي هاسيبك فيها لوحدك ..أنا عارف فيه إيه هنا .
يقول عبارته الأخيرة وهو يشير بسبابته نحو جانب رأسها فتهتز حدقتاها بنظرة اعتذار وجلة تتلقفها ابتسامته المتفهمة وأنامله تعاود عزفها على وجنتيها :
_ما تفكريش كتير ..افتكري بس إنه لولا البداية القاسية دي ماكناش وصلنا هنا !
_زين ..أنا بحبك !
تهتف بها فجأة وهي تضم رأسه لصدرها بقوة حانية فتتسع عيناه قليلاٌ مع اعترافها الذي يسمعه بهذا الوضوح لأول مرة ..
تضطرب خفقاته وهو يسمع هدير قلبها تحت أذنه يكاد يزلزله ..
هاهنا فردوسه المفقود الذي ضل عنه طيلة هذه السنوات ..
تعويذته الأبدية نحو الخلود في عشق ساحرة كهذه ..
وجحيم الهوى الذي لا يريد أن يعفَى من لهيب احتراقه أبداً ..
أبداً !
بينما تأخذ هي نفساً عميقاٌ كأنما تمزق باعترافها هكذا كل هذا الخوف الذي يحاول نسج شباكه حولها ليرفع هو وجهه نحوها من جديد وعيناه تشتعلان كجمرتين من نار ..
فتردف هي بحرارة أكبر وعيناها تنافسان عينيه اشتعالاً :
_عارفة إن كلمة زي دي في حق راجل زيك قليلة بس ..
لكنه يقاطعها وهو يحتجز بقية حروفها بين شفتيه للحظات ساحباً معه أنفاسها ليهمس لها وقد ابتعد أخيراٌ :
_كلمة زي دي من واحدة زيك تساوي الكون بحاله .
_يا لهوووي على كلامه ياني ! أنا دخت خلاص!
تهتف بها العفريتة العابثة بداخلها فتضحك فجأة لتبسط راحتها في وجهه هامسة بخجل:
_أنا عندي اعتراف!
يرمقها بنظرة متسائلة فتكتم ضحكتها براحتها لتقول بخجل:
_أنا عندي عفريتة .
_عفريتة !
يرفع بها أحد حاجبيه بمكر مرح لتشيح بوجهها عنه هامسة بارتباك خجول :
_عفريتة كده بتطلع فجأة ..عكسي خالص ..
_عكسك إزاي؟!
يقولها بنبرة متسلية مستمتعاً بهذا الارتباك الخجول الذي يزيد فتنتها لتلوح بكفيها مجيبة :
_شقية ..جريئة ..و ..قليلة الأدب !
يضحك ضحكة عالية تسحق خفقاتها المتيمة به ثم يميل عليها ليهمس لها بنبرته المتثاقلة كمن يعلن سراً :
_أنا كمان عندي عفريت ..تيجي نعرفهم على بعض!
تنفجر فجأة في ضحكة عالية ترقص على إيقاعها روحه بينما عفريتتها العابثة تهلل منتشية بداخلها :
_تصدق بالله ؟! انت هتشوف مني أحلى شغل عشان البقين الحلوين دول ..أموت أنا في التقيل لما يتجنن !
_مش عايزة تعرفي سر مثلث برمودا اللي عندك ؟!
يقولها بمكر وهو ينزع عنها تاجها لتطلق صيحة تذمر لكنه يميل عليها ليقبل موضع قلبها هامساً بتملك رجولي آسر :
_ما احنا قلنا تاجك الحقيقي هنا !
أنفاسها تتلاحق وهي تشعر به يزيح عنها طرحتها برفق ليسدل شعرها فوق كتفيها ثم تتخلله أنامله بهيام ..
قبل أن يتحرك نحو المرآة هناك ..
يفتح سحاب ثوبها ثم يزيحه عنها برفق ليدير جانب جسدها نحو المرآة ..
ويقف هو خلفها مشيرا لتلك الشامات الصغيرة متناهية الصغر التي تشكل مثلثاً صغيراً على جانب كتفها ..
فتتسع عيناها بصدمة هاتفة بدهشة خجول :
_هو ده المثلث ؟! أول مرة آخد بالي ..
_أنا بقا هاتجنن من يوم ما شفتهم ..
يهمس بها بتثاقل وعيناه تغيمان بنظرة زلزلتها لتشعر بحلقها يجف مع هذه الرجفة التي شملتها ..
_ليه مسميه مثلث برمودا ؟!
تلقي سؤالها بوهن وهي تشعر بعباءة عاطفته تسدَل فوقها ثقيلة آمنة دافئة ..
تنظر إلى صورتهما عبر المرآة وقد ألصق ظهرها بصدره ..
ليبسط أحد راحتيه فوق موضع قلبها بينما تسبق أنامله شفتيه اللتين مالتا فوق "مثلثها الخطير" مجيباً بهمسه الشغوف:
_عشان اللي بيدخل جواه ..مفقود !
تتأوه بخفوت وهي تستقبل عناقه العشرين ..
بنكهة الانصهار ..الذوبان الحلو الذي ما عاد يفرق بين جسد وآخر أو روح وأخرى ..
الامتزاج الأبدي لاثنين في العشق صارا واحداً ..
العناق الحادي والعشرون ..
ثم ..
الثاني والعشرون ..
ثم ..
الثالث والعشرون ..
ثم ..
ال ...؟؟؟
عداد "عناقاتها" يطيش مؤشره فيعجز أخيراً عن الإحصاء !!
النكهات تتداخل وتمتزج ..
تعاطف ...احتياج...عجز...شكر....خوف...تقدير ...دعم..حماية ..استراحة ..فراق ..اشتياق ..رغبة ..خلاص ..حرمان ..تعرية ...وعد ..غيرة ..انتماء ..اشهار ..ذوبان ..
لتصنع الآن نكهة واحدة مجمعة ..
نكهة الحب الحقيقي الذي قلما نقابله في رحلة العمر الطويلة ..
فحقّ لنا متى وجدناه ألا نضيعه !
======
انتهي الفصل الثالث والثلاثون ..
تتبعه الخاتمة باذن الله
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السابع وخمسون 57 - بقلم سينابون
الخاتمة
=====
سينابون !
هكذا نحن ..مزيج من مذاق القرفة اللاذع ..و"الصوص الحلو" ..والعجين المتخمر بماء الماضي !
=====
يفتح زين عينيه صبيحة ليلة زفافهما ليتفقدها جواره لكنها لم تكن هناك ..
يدور بعينيه باحثاٌ عنها ليجدها واقفة أمام النافذة العريضة التي احتلت جداراٌ بأكمله في غرفة نومهما والتي تطل على الحديقة ..
تتسع عيناه بانبهار وهو يراها في وقفتها هذه تمثالاً مجسداً لفتنة امرأة كما يجب أن تكون ..
تبدو له في وقفتها الجانبية وقد عقدت ساعديها وزمّت شفتيها بشرود كشمس أكثر إشراقاً من هذه التي تنير الكون كله الآن ..
شعرها ينسدل فوضوياٌ ثائراٌ بطوله على ظهرها فتضطرب حواسه وهو يتذكر رائحته الفريدة التي غرق في سحرها بالأمس ..
لم تكن مجرد رائحة عطرية تجتذب رجلاٌ مثله جرب من فتنة النساء قبلها ما يكفيه وزيادة ..
لكنها كانت رائحة خاصة بها وحدها ..مزيجٌ فريد من الأصالة والتجدد ..
من البساطة والعمق ..
مزيج يبدو وكأنه لا تتقنه -في الدنيا- امرأة سواها!
ينفض عنه غطاءه بخفة وهو يتحرك نحوها بحذر كي لا يقطع شرودها المهيب الذي يزيدها سحراً هذا ..
يقف على بعد خطوة واحدة منها يختزلها بسرعة ليلصق ظهرها بصدره أخيراً مطوقاً إياها بذراعيه ليهمس جوار أذنها بنبرته الدافئة :
_لازم أتعلم أرسم !..خسارة جمالك ده ما يتخلدش في لوحة للأبد .
تبتسم وهي تستدير له بوجهها الصبوح الخالي تماماً من مساحيق زينته ..
وبقمريها اللذين ازداد تألقهما في عهد حريته الجديد لتهمس بحروف من عشق:
_صباح الخير ..المنظر من هنا جميل قوي!
_جميل؟!
يهمس بها ليصدر "همهمته الماكرة " التي تعشقها منذرة بعاصفة ستأتي بعدها ..
وقد صدق ظنها وهي تشعر بأنامله تجيد عزفها على بشرتها متناغمة مع كلماته :
_الكلمة دي ماينفعش تتوصف بيها أي حاجة غيرك وانتِ موجودة ..كل الجمال جنبك بهتان يا ياقوت ..
يهمس بها بصدق دافئ يزلزلها وشفتاه تميلان على عنقها ..
فيرتجف جسدها وهي تشعر بضغط ذراعيه حولها يشتد بهذه الطريقة الناعمة التي لا تدري كيف يجيد مزج رقتها مع قوتها بهذا الشكل ..
كيف تخبره أنها تعشق عناقه لها بهذه الطريقة عندما يسند ظهرها إلى صدره ..
ظهرها الذي ظنت يوماً أنه لن يجد سنداً يدعمه سوى "حائط" تصنعه هي بنفسها ..
والآن تجد صدره أكثر قوة ..أكثر أماناً ..أكثر دفئاً ..
فهل أجمل من هذا بديلاً؟!
تغمض عينيها بتنهيدة عميقة فيدير جسدها نحوه ليزيح عنها طرف مئزرها فيغمر "مثلثه الأثير" على كتفها بفيض عطاياه ..
بينما يهم بإلقاء المئزر جانباً بخفة لكنها تتشبث بالأخير هاتفة بمزيج من خجل وقلق :
_سيبه معلش ..لسه مش متعودة .
فيعقد حاجبيه قليلاً وهو يميز الطيف القلق الذي يتلاعب بكلماتها لكنه تغاضى عنه مؤقتاً وهو يعيد ضم مئزرها فوقها برقة ليبتسم لها بتفهم قائلاً:
_أخلليهم يحضروا لنا الفطار في الجنينة واللا هنا ؟!
فيزداد الطيف القلق تكاثفاً في عينيها وهي تغمغم :
_مش متعودة حد يحضر لي الفطار ..عموماً يعني مش متعودة أفطر ..
يتفرس ملامحها بذكاء لا ينقصه وهو يلاحظ ارتباكها الغريب ليصدر همهمته المميزة من جديد قائلاً :
_مممم ..تلاتة "مش متعودة" في أقل من دقيقة !
تتكلف ابتسامة واهنة وهي ترفع عينيها نحوه بنظرة عميقة أصابت سهمها في قلبه ..
كان يدرك -مثلها- أن أول ما سيواجه زواجهما من عقبات هو هذا الفارق الطبقي الشاسع بينهما ..
لم يكن بهذه السذاجة كي لا يدرك ما يسببه لها هذا من ارتباك ..
خاصة مع يومها الأول هنا !
بينما كانت هي تشعر -رغم العاطفة الهادرة التي أغرقها فيها منذ الأمس- أنها غريبة وسط كل هذه الفخامة الباذخة التي وجدت نفسها فيها ..
هو كان حلمها ..لكنه عندما استحال لواقع تكاد تشعر أنه يخيفها !
لقد كذبت زاعمة أنها لم تعتد تناول الإفطار ..والحقيقة أنها اعتادت هذا إنما بحميمية "خبز" ثمر الذي تعجنه اليد ..أو بساطة إفطارها في أيام عملها طوال الأسبوع في العاصمة ..
أما ما ينتظرها هنا وما رأت جانباً منه في عشاء الأمس يشعرها رغماً عنها ببعض الرهبة التي تعجبتها في نفسها !
لا ..لم تكن قلة ثقة في نفسها أو فيه ..
بل هو مجرد شعور بال ..غرابة!!
هذا الذي وصله كاملاً في نظرة عينيها التي لم يحتج سواها ..
لهذا ابتسم وهو يتناول كفها قائلاً :
_تعالي معايا ..عايزك قبل أي حاجة تشوفي مكان مهم جداً عندي.
تتحرك جواره شاعرة بالأمان يتسرب إليها رويداً رويداٌ مع دفء كفه المحتضن لكفها ليخرج بها من الغرفة إلى أخرى في آخر الرواق الطويل ..
هذه التي فتحها ليدخل بها ثم يغلقها خلفهما ..
تتسع عيناها بانبهار وهي تميز محتويات الغرفة شديدة الفخامة ..شديدة الكلاسيكية ..شديدة الاتساع ..
كأنها انتقلت لغرفة من غرف القصور القديمة ..
سجادة حمراء فاخرة ..
نجفة عملاقة تتدلى من السقف بكريستالات شديدة اللمعان ..
الأثاث نفسه كان يبدو لها وكأن كل قطعة فيه هي تحفة فنية هربت من متحف قديم ..
رباه !
هل ينقصها المزيد من رهبة الغرابة ؟!!
لكنه يضغط كفها أكثر في راحته ليتحرك بها نحو ذاك الكرسي هناك ..
كرسي بدا لها فخماً كبقية أثاث الغرفة لكنها ولسبب ما لم تفهمه كانت تشعر بهالة حميمية تطوف حوله ..
حتى قبل أن يجلسها برفق فوقه ليميل نحوها بوجهه هامساً بنبرة ذات شجن :
_ده كرسي ماما الله يرحمها ..محدش قعد عليه بعدها أبداٌ ..إلا أنتِ .
حاجباها يرتفعان بدهشة للحظة وهي تشعر بدقات قلبها تتسارع بانفعال ..
خاصة وهو يقبل رأسها باعتزاز قبل أن تفاجأ به يجلس على ركبتيه أمامها على الأرض!
تدمع عيناها بتأثر وهي تراه يسند مرفقيه على فخذيها وعيناه تغيمان بشروده :
_دي كانت قعدتي المعتادة معاها ..أحكيلها تفاصيل يومي وهي بتطبطب على راسي ..يااااه ! عارفة بقالي أد إيه مادخلتش الأوضة هنا عشان الحنين مايغلبنيش وأنا شايف كرسيها فاضي ؟! أنا نفسي مش عارف ..من زمااان ..من زمان قوي .
لم تشعر بنفسها وهي تنحني نحوه لتضم رأسه بذراعيها نحو صدرها مفتقدة كلماتها التي تاهت في خضمّ هذا الشعور الذي يكتسحها الآن بضراوة ..
فتشعر بهمسه يهدهد مخاوفها كأنه يمسحها مسحاً :
_لو على إحساسي أنا ..فانتِ مش غريبة على البيت هنا يا ياقوت ..أنا حاسس روحها فيكِ انتِ ..فاكرة لما قلتلك إني ماحسيتش إن حد خاف عليّ بعدها غيرك ؟! ده مكانك هنا ..على كرسيها ..وفي قلبي ..
لم تملك خيط الدموع الذي سال على خدها في هذه اللحظة والذي مسحته أنامله برقة وهو يعاود رفع سراجيه نحوها مردفاً بمزيج غريب من وعد ورجاء:
_ده إحساسي وهاعمل كل حاجة ممكن تتخيليها عشان يبقى إحساسك انتِ كمان .
تغمض عينيها للحظة فيقبلهما بعمق هامساً :
_واحدة واحدة يا ياقوت ..كل مرة هتقولي فيها "مش متعودة" هتلاقيني جنبك بقوللك "هنتعود" ..هنتعود سوا.
تبتسم أخيراً وهي تفتح عينيها شاعرة براحة غريبة تغمرها ..
كل مخاوفها تذروها الرياح كأن لم تكن ..
لم تعد تشعر برهبة الغربة بل تثق بوعده أنهما معاً سيتكيفان على الوضع الجديد ..
هي في بيته الفخم هنا ..وهو في بيت ثمر البسيط هناك ..
هي على كرسي أمه هنا ..وهو على حجر ثمر ترقيه هناك ..
مادامت القلوب قد تجانست فلا خوف ولا فوارق ولا غربة !
_زين!
تهمس بها بأكثر نبرة عاشقة سمعها منها يوماٌ فيرد ب"همهمته" العذبة التي تكاد تذيب عظامها لتشدد ضغط ذراعيها حول عنقه مردفة :
_لو جبنا ولد هاسميه زين ..عايزة نسخة منك تكبر قدامي ..يبقى زين ابني وزين حبيبي وجوزي وأبويا وكل حاجة .
يبتسم متأثراً بهذه اللهفة المنفعلة التي تتحدث بها ليومئ برأسه ثم يستقيم واقفاً ليوقفها معه ..
قبل أن يهمس لها بنبرته الدافئة :
_بس لو جبنا بنت مش هاسميها ياقوت ..عايزها ياقوت واحدة في حياتي ..أسطورة ما بتتكررش .
تضحك ضحكة رائقة يدللها بشفتيه للحظات ثم تتأبط ذراعه وهي تغادر معه الغرفة شاعرة أنها لن تكون آخر زياراتهما لها ..
تختار أن تتناول إفطارها معه في الحديقة ولم يكادا ينتهيان منه حتى هتفت به بلهفة :
_وريني المكتبة اللي قلت عليها هنا .
فيبتسم وهو يتحرك معها متعانقي الكفين نحو هذه الغرفة في الطابق السفلي والتي خصصها لمكتبة عظيمة ذهلت لمرآها لتهتف بانبهار:
_إيه كل ده ؟!
فيضحك وهو يرفع إحد حاجبيه هاتفاٌ بمكر لذيذ:
_مش قلتلك كل ما كنتِ بتوحشيني كنت بشتري كتاب؟!
تضحك بدورها وهي تندفع نحو الرفوف تتفحصها تباعاً بسرعة ..
ليلحق بها فيحتضن خصرها من الخلف قائلاً :
_من الحاجات اللي كان نفسي نعملها أول يوم لينا سوا هنا إنك تقريلي .
_وأنا كمان .
_هتقضوها قراية يوم الصباحية ..عوض عليا عوض الصابرين يارب!
تهتف بها "عفريتتها العابثة" بسخط متذمر لكنها تتجاهلها بضحكة مكتومة وهي تسمعه يسألها:
_هتختاري انتِ واللا اختار أنا؟!
_اختار انت الكاتب وأنا هاختار الرواية .
تقولها مرحبة بمشاركتهما القرار فيصدر همهمته اللذيذة وهو يدور بأنامله بين الكتب والروايات ليقول أخيراً:
_هاختار نرمين نحمد الله ..كويسة ومناسبة لدماغك على ما أظن ..قرأت لها ماسة وشيطان كانت معقولة ..بس تعاويذ عمران عجبتني أكتر ..
فتضحك وهي ترد بمرح:
_طبيعي تعجبك تعاويذ أكتر ..أنا بقا مغرمة بجارية في ثياب ملكية ..بعشقها ..بس روايتها الجديدة بتاعة معرض السنة دي هي "التوب" عندي.
تقولها وهي تستخرج الرواية التي بدت بغلافها الناعم شديدة الأنثوية ليصدر همهمته اللذيذة من جديد قائلاٌ :
_ما قرأتهاش ..فرصة تقريهالي بقا ..اسمها غريب قوي ..
يقولها وهو يتهجى الاسم الذي أثار دهشته ..
(كونسيلر)!
ليقرأ العبارة التي كتبت تحته :
_أحبيه كمعجزة..وانسيه كذنب!
_عجبتني قوي ..يمكن لأن البطلة تشبهني كتير في ظروف حياتي..
تقولها وهي تحتضن الرواية بشرود فيبتسم لها وهو يتحرك بها نحو الأريكة الجانبية قائلاً :
_شوقتيني .
تضحك باستمتاع وهي تراه يجلس ليفسح لها مكاناً بين ساقيه في جلستهما المعهودة ..
هذا الذي اتخذته ليطوق خصرها بذراعيه مسنداٌ ذقنه على كتفها ..ملصقاٌ ظهرها بصدره ..
لتفتح هي الرواية وتقرأ التوقيع الأول للبطلة ..
(كونسيلر!
تذكر يوم أهديتني إياه عندما شكوت لك معايرتهم لي بهالاتي السوداء؟!
يومها قلبته أنا بين أناملي بفخر امرأة أحبتك كمعجزة لا تتكرر مرتين ..
وليتها تنساك كذنب اقترفته كذلك مرتين !
مرة عندما وهبتك قلبي ..ومرة عندما تقبلته بعدما أعدتَه أنت لي ملطخاً بسواده !
ليتني أدركت وقتها أنك اكتفيت ب"تغطية" عيبي دون أن "تعالجه" ..
وأن هديتك الفاخرة لم تكن سوى كأس فارغة لن تجدي ظمآنا!)
يصدر همهمة استمتاع قصيرة وهو يهمس لها :
_كده فهمت فلسفة الاسم ..
_فعلاً مميزة ..حتى فصول الرواية مسميها "الهالات"..أول مرة أقرا الفكرة دي في رواية ..
ثم التفتت إليه لتقول ببعض الدلال:
_أنا قرات توقيع "فاطمة" البطلة اللي شبهي ..اقرا انت توقيع البطلة التانية "غنى"..انا برضه بحب صوتك وانت بتقرا
فيقبل وجنتها بخفة وهو يبدأ في قراءة توقيع البطلة الثانية ..
(طالما اعتدت هذه الهالات السوداء تحت عيني ...
قمران "أسودان" وسط ليل ملامحي "الأبيض"...
هكذا تعودت رؤيتها -كما كل حياتي- بالمقلوب!
حدثوني عن سحر "الكونسيلر" عندما يخفي "العيوب"...
الحمقى!
هي ليست "عيوباً" ...
هي "شارات" الخبرة التي منحها لنا حزنٌ ما ...وجعٌ ما ...ذنبٌ ما!
لكنني لما التقينا أدركت الكوكب الوردي الذي قبِل هبوطي على أرضه حيث لا حزن ..لا وجع ..ولا ذنب ..
معك لم أعد أكره هالاتي السوداء ولا حتى اضطررت لإخفائها ..فأنت محوتها دون الحاجة ل"كونسيلر"!)
_هه؟! إيه رأيك ؟!
تسأله باهتمام ليصدر همهمته اللذيذة وهو يضمها لصدره أكثر قائلاً باستحسان :
_بداية جيدة ..كملي ..
تسترخي بين ذراعيه وهي تعاود القراءة فيبقى يستمع إليها لدقائق طالت ..
حتى تشعر بتسارع أنفاسه جوارها مع ترنح شفتيه المتمهل فوق جانب عنقها فتتوقف عن القراءة وهي تتذكر موقفاٌ مشابهاً لهما لتلتفت نحوه هامسة بدلال :
_بتسمع بودانك مش بشفايفك ..هه؟!
ضحكته القصيرة تداعب أذنها وهي تشعر به يضمها نحوه أكثر بأحد ذراعيه بينما الآخر يتلاعب بحزام مئزرها مع همسه :
_بتعمليها إزاي؟!
ترمقه بنظرة متسائلة عما يقصده ليشتعل همسه مع لغة جسده أكثر :
_بتوحشيني وانتِ معايا .
تضحك ضحكة خجول يتلقفها بين شفتيه وهو يديرها نحوه ليضع ما بيدها جانباٌ ثم يعاود التحليق في فردوس عشقها العامر بلا قيود ..
========
تراقب سها شروده أمام صورة زفافهما على الحائط بابتسامة واسعة شابها الكثير من الحزن على حاله الجديد ..
تدرك جيداً كيف يكون شعور العجز لرجل مثله اعتاد الفخر بإنجازاته ..
لكنها تعِد نفسها قبل أن تعده أن تزيح من صدره كل ذرة لهذا الشعور !
بحق كل لحظة عذاب قضتها دونه ..
وبحق كل يوم تمنت فيه الموت ظناً أنه الوحيد الذي سيجمع بينهما ..
وبحق حياتها التي عادت لها منذ عاد !
تتحرك نحوه لتبسط كفيها على كتفيه في جلسته فوق مقعده المتحرك ليرفع إليها وجهه بابتسامة واهنة مع قوله :
_بحب صورتنا دي قوي ..
_كل صورنا مع بعض حلوة يا ناصر .
تقولها بنبرة ذات مغزى وهي تنحني على ركبتيها أمامه لتكون عيناها في مستوى عينيه ..
كفها يعانق كفه بقوة توازي قوة عشقهما ..
فيسحبها من ذراعها نحوه ليجلسها فوق ساقيه مكررا قولها بتأكيد :
_كل صورنا مع بعض حلوة يا سها .
تبتسم وهي تلقي رأسها على صدره فيضمها نحوه أكثر مقبلاً رأسها بامتنان وشاعراً بهذا المجهود المضاعف الذي تبذله معه في ظروفه الحالية ..
لقد اعتاد كونها مسئولة عنه في الوضع الطبيعي ..تنتقي له كل أشيائه وتدبر له مواعيده وتضع له خططه ..
لكن وضعه المستحدث هذا يفرض عليها المزيد من الضغوط التي تتقبلها هي دون شكوى ..
كأنما تعوض معه شعور الأمومة الذي تفتقده !
كلاهما صار الآن يكتفي بصاحبه عن الدنيا ويرى فيه منتهى غايته !
_مركز الدكتور بتاع ألمانيا اتأخر في الرد ..بس مركز أميريكا رد عليا امبارح ..بعتلهم كل الورق اللي طلبوه بس محتاجين أشعة تانية هنعملها النهارده ..لو قبلوا الحالة ممكن نسافر في خلال ..
تقولها بحماس ليقاطعها قائلاً ببعض اليأس:
_زهقت من كتر الحاجات اللي بتتعمل من غير نتيجة .
لكنها ترفع رأسها لتقول بإصرار :
_اوعى تقول كده ..احنا لسه ماعملناش حاجة ..لو فيه أمل لسه في آخر الدنيا هنروح وراه .
يتنهد وهو يهز رأسه ليدور ببصره في المكان حوله مغيراً الموضوع بقوله :
_أحسن حاجة عملتيها إني لما رجعت هنا لقيت الشقة زي الأول ..صلحتي كل اتكسر ده إزاي؟!
_بيك !
تجيبه بحرارة وهي تحتضن وجنتيه بين راحتيها هامسة له بمزيج قوتها وعشقها :
_حتى لما ما كنتش معايا فضلت الحاجة الوحيدة في حياتي اللي تستاهل أعيش عشانها ..أكتر حاجة اتأكدت منها الأيام اللي فاتت إن اللي بيننا مهما اتكسر لازم هييجي يوم ويتصلح ..
_اتغيرتِ كتير .
يهمس بها وهو يزيح خصلات شعرها عن وجهها بأنامله ليداعب ملامحها بأنامله بحب لتدير وجهها فتقبل راحة يده هامسة كأنها تصحح له :
_اتعلمت كتير .
يتنهد بارتياح غامر وهو يضم رأسها إلى صدره بقوة شاعراً بقوة غريبة تجتاحه وتبدد عنه كل غيوم يأسه التي كادت تمطر في واديه ..
سيحارب بكل طاقته لأجلها ..
سيحارب يأسه ومرضه وعجزه بل ونفسه كذلك !
هو قوي بها ..كما هي قوية به !
صوت رنين الباب يقاطع أفكاره فتنهض عن ساقيه لتعدل ملابسها بينما يتحرك هو نحو الباب بكرسيه قائلاٌ :
_ده إسلام ..كان قايللي إنه جاي .
يقولها وهو يفتح الباب لتستقبله ابتسامة إسلام المرحة مع هتافه :
_معايا ضيفة .
_بطلي!
تهتف بها ريما وهي تظهر من خلف إسلام فاتحة ذراعيها لناصر الذي تلقفها ليجلسها في حجره وقد انفرجت أساريره بفرحة حقيقية مع هتافه :
_ريما ..إيه المفاجأة الحلوة دي ؟!
يقولها بعاطفة أبوة حقيقية يستشعرها نحوها فترد ريما وهي تقبل وجنته بقوة هاتفة :
_رسمتلك رسومات كتير عشان تسليك ..هاتهم يا بابا .
يضحك إسلام وهو يدخل ليغلق الباب خلفه بأحد كفيه بينما يناوله بالآخر مظروفاً كبيراً حمل رسوم الصغيرة التي استطردت بعينين دامعتين وهي تدير بصرها بين ناصر وإسلام:
_كنت زمان زعلانة عشان أصحابي عندهم بابا معاهم وأنا معنديش ..بس دلوقت بقيت أحسن منهم ..عندي بابا وعندي بطل والاتنين بيحبوني .
يعاود ناصر ضمها نحوه بقوة فيما تقاوم سها دموع تأثرها وهي تراقب الموقف من بعيد لتتدخل أخيراً فتتقدم نحوهما مستجمعة قوتها بهتافها المرح:
_"سويتي ريما" ..وحشتيني!
تقفز ريما من على ساقيه فتتوجه نحوها لتعانقها بحرارة هاتفة :
_وانتِ كمان وحشتيني ..ورسمتك معاه ..شوفي !
تقولها لتركض نحو المظروف فتنتزعه منه بخفة لتفتحه ثم تقلب محتوياته لتستخرج لها هذه الصورة التي رسمتها بخطوط طفولية ..
_دي المدرسة ..ده سورها ..ودي اليافتة عليها اسم البطل ..ودي انتِ ماسكة ورد ..ودول ولاد كتير واقفين بالدور عشان يشكروكِ ويبوسوكِ .
تعجز سها عن منع دموعها التي اختلطت بضحكاتها وهي تتفرس الصورة بانفعال فيمد ناصر كفه ليحتضن كفها داعماً بنظرة مؤازرة تجعلها تستجمع قوتها لتنحني على ركبتيها أمام ريما فتقبلها بحنان قائلة :
_حلوة قوي زيك ..تيجي معايا المطبخ نعمل سوا آيس كريم ؟!
_أروح يا بابا ؟!
تسأل إسلام بلهفة فيضحك لها قائلاً :
_بتستأذني؟! عارف أنا الأدب ده سببه إيه..
ثم يلتفت نحو ناصر قائلاً :
_أصلي وعدتها لو قعدت مؤدبة هنا نروح الملاهي بالليل .
يبتسم ناصر بمزيج من إعجاب واحترام بشخص إسلام الذي يظهر له نقاء معدنه يوماً بعد يوم ..
خاصة عندما يردف الأخير بنبرة جدية وهو يتخذ مقعده جوار ناصر:
_عمو علاء كلمني الصبح ..قاللي إن المركز اللي في اسطنبول
قبِل الحالة وبيقول كمان إن الأمل كبير .
_بجد ؟!
تهتف بها سها بفرحة وهي تستقيم واقفة ليبتسم إسلام وهو يومئ برأسه مؤكداً فتحمد الله بصوت مسموع لتردف بصوت متهدج :
_كنا لسه محتارين ..الحمد لله كده نسافر في أقرب وقت .
_نعمل الآيس كريم بقا .
تهتف بها ريما بلهفة وهي تجذبها من ثيابها فتضحك وهي تنحني لتحملها هاتفة بسعادة :
_ده أنا هاغرقك آيس كريم ..
_أنا اللي هاعمله ..
تلوح معها ريما بسبابتها فتضحك وهي تسير بها نحو المطبخ هاتفة :
_حاضر ..هاعلمك إزاي تعمليه .
يراقبهما ناصر ببصره حتى تغيبا عن عينيه ولم تكادا تفعلان حتى يلتفت نحو إسلام قائلاً بامتنان جاد :
_مش عارف أشكرك إزاي ..وقفتك جنبي دي مش هنساها .
فيربت إسلام على ركبته قائلاً بمرحه المعهود :
_خيرك سابق يا كبير ..لولاك كان زمان "أبو نسب" راح في خبر كان .
يبتسم ناصر وهو يرمقه بنظرة طويلة عميقة شعر معها أنه استعاد بها عهد صداقتهما القديم قبل أن تعكر الظروف نهره ..
نفس الشعور الذي وصل إسلام وجعله يبتسم ليقول بالمزيد من المرح :
_الواد "باسل" ده كمان مشكلة ..من ساعة ما اتكلمنا ساعة قصة عابد دي وهو كل شوية يفكرني اتقابلنا أول مرة فين ..هيفضحنا ابن اللذينا ..
ثم يغمزه بمكر مردفاً:
_انت فاكر فين ؟!
يضحك ناصر ضحكة صافية وهو يستعيد الأيام الخوالي ثم يشير بإصبعه نحو المطبخ الذي تختفي فيه سها إشارة ذات مغزى..
فيضحك إسلام بدوره وهو يكتم فمه براحته للحظات قبل أن يغمزه من جديد وهو يميل على أذنه يغمغم بأسف مصطنع:
_راحت أيام الشقاوة..تبنا إلى الله !
ضحكاتهما تمتزج بصفاء للحظات لتنبئ عن تخلص القلوب من كدرها القديم ..
صديقان فرقهما "العدل" يوماً والآن ..تجمعهما "الرحمة".
=======
يجلس إسلام أمام مكتبه في المصنع شاعراً ببعض الملل وقد أنجز غالب عمله فيتناول هاتفه لتتلاعب به أنامله للحظات ..
قبل أن تنتابه رغبة عارمة في استفزازها ..
تعجبه هذه الروح الشرسة المحاربة التي تنتفض بداخلها كلما شعرت بالغيرة عليه ..
تعجبه وهي تشعره أنه حقاً صار "سيد قلبها"!
لهذا ضحك ضحكة متوعدة وهو يفتح أحد الملفات التي خصصها لمثل هذا النوع من الرسائل الفكاهية المنتشرة على مواقع التواصل :
_انت بتعرف ستات عليّ؟!
_هو فيه إيه ؟! انتِ رابع واحدة تشك فيّ النهارده !
يرسلها لها مكتوبة في شكل صورة ثم يضحك من جديد متخيلاً ردة فعلها ..
يعلم أنها الآن في غرفتها المجاورة له منهمكة في عملها ويحنقه -قليلاً- أن تكون منشغلة عنه !
لكنها تكتفي بإرسال "وجه يكز على أسنانه بضحكة صفراء" !
يضحك من جديد ضحكة متوعدة وهو يبحث عن رسالة أخرى تثير المزيد من غيظها ..
_انتِ مصدر قوتي .
_يا سلام ! والستات التانيين؟!
_لا دول نقطة ضعفي !
يرسلها لها من جديد مترقباً ردة فعلها فتصله رسالتها تكاد تنبض بطبيعتها "الشوكية":
_وده اسمه إيه بقا ؟!
_"بنكشك" يا بطل!
_والله ؟! طب ما تجربني كده وأنا بنكشك ؟!
يضحك ضحكة عالية وهو يترقب رسالتها التالية وعيناه كذلك تراقبان باب غرفته بلهفة ..
لا يدري لماذا يتوقع أن تقتحمها عليه الآن لتفعل به مثلما فعلت ذلك اليوم الذي شعرت فيه بالغيرة من مشرفة "الباص" الخاص بريما ..
تنهيدة مشتعلة تغادر صدره وعيناه تهيمان بلهفة بين باب الغرفة وهاتفه مترقباً رد فعلها ..
هذا الذي وصله أخيراً في "فيديو"!
_أوباااا! فيديو مرة واحدة ! يا ترى باعت إيه يا "شِرِس"؟!
يتمتم بها بترقب ملهوف وهو يفتح الفيديو المسجل لتتسع عيناه بصدمة لأول وهلة ..
قبل أن يبادر لخفض الصوت بسرعة وهو يميز اللحن الصاخب المنبعث ..
خطوة يا صاحب الخطوة ..
خطوة امشيلي لو خطوة
ده انت ع القلب ليك سطوة
نظرة مبطلبش غير نظرة ..
وانت فاهم وليك نظرة
شوف حالي شوف ايه بيجرالي ..
حبيت وبصمت بالعشرة
تشتعل عيناه وهو يميزها أمامه ترقص على هذه الأنغام في غرفة نومهما ترتدي جلباباً طويلاً ضيقاٌ مفتوحاً من الجانبين ..
تتمايل بهذه الحركات المهلكة وهي تواجه الكاميرا بنظرات مغوية ساحرة تختلف تماماً عما سبق ورآه لها من رقص أمام النساء ..
متى سجلت هذا الفيديو ؟!
يطلق زفرة ساخنة وهو يشعر باشتعال خلاياه واللحن "المدمر" مع حركاتها المغوية التي تزداد خطورة يكاد يفقده صوابه ..
خاصة وهي تقترب أكثر من الكاميرا لتغمز بعينها مقلدة بقية كلمات الأغنية بينما جسدها يتوهج أكثر بحركاتها ..
غمزة من عينك الغمزة ..
غمزة على خدك الغمزة
ده كلام حساس وليه مغزى..
نعمة رضاك علينا نعمة ..
نعمة ايام لقاك طعمة
واللي حسدنا في عينيه يعمى!
_ده أنا اللي هاعمى م الحلاوة دي أقسم بالله ..إيه ده ؟!
يهمس بها لاهثاً و "الفيديو" ينتهي بغمزتها العابثة مع "حركة خاصة" منها تعلم أنها تثير جنونه فيحرك كفه مفروداً حول وجهه طالباً الهواء ..
_لا بقا! أقسم بالله ما هاعديهالك المرة دي ..احنا هنقضيها فيديوهات يا ست نشويات انتِ واللا إيه ؟!
يهتف بها بتحفز قبل أن ينتفض مكانه ليندفع شبه راكض نحو غرفة مكتبها التي دخلها دون استئذان لتصطدم عيناه بما يراه !!
_فيه حاجة يا باشمهندس؟!
تسأله بتحفظ ماكر ليتنحنح بحرج وهو يراها تجلس على مائدة الاجتماعات وسط عدد من الموظفين فيحمر وجهه وهو يتمالك نفسه ليعتذر منهم ثم يوجه حديثه إليها بنفس التحفظ وهو يكاد يكز على أسنانه :
_آسف ..ماكنتش أعرف إنك في اجتماع .
_لسه بادئاه ..حالاٌ .
تقول كلمتها الأخيرة ببطء وصله معناه كاملاً فرفع أحد حاجبيه بتوعد ناقض التهذيب الظاهر لعبارته أمام نظرات الحضور ..
_آجي وقت تاني ..بعد إذنكم .
يقولها ليرمقها بنظرة متوعدة أخرى تردها بابتسامة متشفية ثم يخرج ليغلق الباب خلفه وما كاد يفعل حتى لكم الحائط أمامه لكمة قوية لعلها تطفئ براكينه التي أشعلتها تلك ال"شوكية" ..
_لا شوكية إيه بقا! ده احنا بقينا عايشين أزهى عصور "المَل.."!
_مالك يا إسلام ؟!
سؤال أشرف يقطع خاطره العابث فيلتفت نحوه بوجه محمر ليقول دون تفكير :
_أختك هتجنني!
فيضحك أشرف وهو يبسط ذراعه على كتفه بود ليتحرك مبتعداً معه قائلاً :
_ما تقولش إني ماحذرتكش ..أنا عملت اللي عليا وانت اللي صممت ..عموماً احنا لسه في فترة الضمان ..تحب ترجعهالي؟!
ورغم نبرته المازحة لكن كلماته وخزت قلب إسلام ليجد نفسه يرد بسرعة :
_هو أنا أقدر أعيش من غيرها ؟!
يبتسم أشرف ابتسامة راضية وهو يربت على كتفه ثم تنقلب لهجته لنبرة جدية أكثر :
_شوف الشغل الجديد اللي سبتهولك على مكتبك ..عايزه النهارده .
_جه في وقته !
يقولها إسلام باستحسان وهو يشعر بحاجته لأن يشغل نفسه عن اشتعال جوارحه بها ..
لقد كان يخشى الرتابة الطبيعية التي تتسرب للحب بعد الزواج ..
لكنه مع هذه المخلوقة الغريبة لا يكاد يشعر بذرة ملل واحدة ..
كأنه شجرة تعيش تقلب "فصولها الأربعة" تحت سمائها هي !
يعود لمكتبه محاولاً إنجاز عمله الجديد بانهماك أنساه مرور الوقت ولم يكد ينتهي حتى قفز من مقعده بشوق متحرق ليعود إلى مكتبها ..
لكنه وجده خالياً منها !!
_نشوى روحت ..قالت وراها مشاوير كتير مع ريما .
يقولها أشرف خلفه فيلتفت نحوه هاتفاً باستنكار:
_ومن امتى بيخرجوا من غيري يعني ؟!
يهز له أشرف كتفيه بحركة بسيطة مع ابتسامة مهدئة ليهز إسلام رأسه وهو يغادر الغرفة نحو مكتبه ..
يتناول هاتفه ليتصل بها لكنها تغلق الاتصال كل مرة ..
قبل أن ترسل له رسالتها ..
_أنا مع ريما بنشتري هدية لعيد ميلاد واحدة صاحبتها وبعدها هنروح لها ..اتغدى انت ..قوللي صحيح ..عرفت أنكشك ؟!
كان يعلم أنها لا تنتظر رداً على رسالتها ..
يكاد يشم رائحة مكرها اللذيذ في حروف رسالتها ..
حسناً يا "شوكية" ..
تعجبني معاركك الشهية هذه حين تنتهي ب"انتصارك المهزوم" بين ذراعيّ!!
بعد ساعات تعمدت أن تكون طويلة تعود لبيتهما مع ريما التي بحثت عنه أول ما دخلت لتجده يغط في نوم عميق ..
قبلته الصغيرة بخفة لتعود لها هامسة بأسف:
_نام من غير ما يقوللي تصبحي على خير .
_معلش ..احنا برضه اتأخرنا ..
تقولها نشوى بأسف مشابه وهي تحاول التسرية عن الصغيرة بقولها :
_عجبتك الهدوم اللي اشتريناها .
_أيوة بس كنت عايزاه يشوفها .
_الصبح أول ما يصحى وريهاله .
تقولها بمزيج من حنان وأسف وهي تشعر كذلك بتأنيب الضمير لغيابها في الخارج ورفضها الرد على اتصالاته ..
_هنام بسرعة عشان أصحى بسرعة وأصحيه .
تهتف بها ريما بلهفة وهي تتحرك معها لتؤدي طقوس نومها اليومية قبل أن تستغرق في نومها على فراشها ..
ولم تكد نشوى تطمئن لذلك حتى غادرت فراش الصغيرة لتتوجه نحو غرفتهما ..
_بلاش استهبال ..أنا عارفة إنك صاحي .
تقولها غير واثقة كما تدعي لكنها رمتها لعلها تصيب ..
لم تتغير وضعيته في الفراش وانتظام أنفاسه الرتيب يصيبها بخيبة حقيقية ..
فزفرت بحنق وهي تغلق الباب خلفها ليصدح صوته فجأة :
_بالمفتاح!
لم تفهم ما يريده لأول وهلة لتشهق متفاجئة وهي تراه يقفز فجأة أمام عينيها ليقف أمامها هامساً بنبرة آمرة بينما عيناه تتقدان بوهج لذيذ :
_اقفلي الباب بالمفتاح .
_تمثيلك بقا "fake" قوي !
تهمس بها بمكر منتصر فيهز رأسه بحركة متوعدة وهو يتحرك ليغلق الباب بالمفتاح بنفسه ..
ثم يتناول هاتفه ليلوح به في وجهها هاتفاً باستياء:
_زي رقصتك !
_ماعجبتكش؟!
_غشيمة قوي ..حد يرقص باللبس ده ؟! موضة الرقص بالجلاليب دي خلصت من أيام "نانسي" ما كانت قاعدة قدام طشت الغسيل ع السطوح !
يقولها بنفس الاستياء المصطنع مراقباً وجهها المحمر المغتاظ بتسلية راضية ..
خاصة وهي تهتف به بحدة :
_آسفين يا سيادة الخبير ..نسينا إن سعادتك على علم بال "updates" الجديدة كلها .
يضحك ضحكة عالية مستمتعاً بإثارة غيظها انتقاماً على ما فعلته به..
فتقذفه بالوسادة المجاورة هاتفة :
_ارجع نام وهات الفيديو ده ..هامسحه !
تقولها لتستغل انحناءته متفاديا الوسادة فتنتزع منه الهاتف فجأة لتتلاعب به أناملها لكنه يطوقها بذراعيه ليستعيد هاتفه ضاحكاً مع هتافه :
_اوعي! دي رقصة نادرة هشارك بيها في متحف الأثريات ..قال جلبية قال!
عيناها تدمعان بغيظ مع سخريته الماكرة فتلكمه بكلتي قبضتيها على صدره هاتفة :
_خلصت تريقة ؟! سيبني أنام بقا .
_مفيش نوم الليلة دي يا عسل .
نبرته الساخرة تتحول لهذه العابثة الرخيمة التي تصهر خلاياها لكنها تتمسك بقناعها الجامد وهي تشيح بوجهها ..
فيقذف هاتفه ع الفراش بخفة ليتم حصاره حولها فيدير وجهها نحوه هامساً :
_أول ما اتجوزنا كان فيه "بدلة رقص حمرا" في الدولاب ..راحت فين ؟!
_رميتها .
تهمس بها بشرود مغمضة عينيها وهي تستعيد ذكرى ما يحكي عنه ..
لقد اشترت تلك البدلة التي يحكي عنها قبل "زواجها المنتظر" بناصر وقتها ..
اشترتها بأكثر تصميم مغوٍ رأته ..
وكم تخيلت نفسها ترقص أمامه ..
كل الذي كان يملأ رأسها وقتها إن تبهره بمجرد "مهارة" تجيدها ..
لكنها عندما جربت عمق شعورها الحقيقي بالحب مع إسلام علمت أن الأمر يختلف!
ما حاجتها لاستعراض مهارة إذا كان هو يدلل أنوثتها طوال الوقت ؟!
ماذا يفيدها من كلمة ثناء عابرة إذا كانت ترى غزله صارخاً في عينيه كل ساعة ؟!
الآن تفهم المزيد من الفروق فتزداد يقيناً أنها لم تعشق يوماً سواه هو !!
الغريب أنه كان أمامها يفهم كل هذا وإن لم تتفوه به ..
تعجبه هاتان العينان الصريحتان ك"لجة بحر" شفافة تكشف ما تحت موجه بوضوح ..
وتعجبه أكثر سحابة عشقها "العذراء" هذه التي تعده كل مرة بزخة من مطر يُنبت ولا يُغرِق!
_سجلتِ الفيديو ده امتى؟!
يهمس بها متجاوزاً الحديث لآخر فترد بوجوم :
_من فترة ..من ساعة ما ابتديت تتظارف وكل شوية تبعت رسالة من دول ..انت عارف إن الكلام ده بيغيظني .
_عارف.
يهمس بها بمزيج عجيب من حنان ومكر وهو يرفع ذقنها نحوه ليعانق نظراتها بعينيه مذيباً كل وجومها هذا بأشعة عاطفته الدافئة فتهمس له عاتبة :
_ومادام عارف بتبعته ليه ؟!
_عشان بحب أشوفك متغاظة .
يهمس بها بحاجبين متراقصين فتبتسم رغماً عنها ليردف بنبرة أكثر دفئاً :
_طول عمري بشوف غيرة الستات خنيقة ..بس غيرتك عليّ ليها طعم تاني ..لو كنت في العادي بحبك فأنا بموت فيكِ لما بتبقي غيرانة .
_واللي يحب حد يغيظه كده ؟!
عتابها يمتزج بدلالها وهي تعرف الجواب قبل أن تسمعه منه بنفس النبرة المهلكة :
_انتِ عارفة ومتأكدة إني عمري ما هبص لواحدة تانية غيرك .
_بس برضه بغير .
_وعشان كده بموت في غيرتك لأنها مش غيرة شك وقلق ..دي غيرة حب ما عرفتيهوش بجد غير معايا .
يهمس بها بيقين من ملك مفاتحها كلها فيقرأ سطورها واضحة دون تشويش ..
لتتنهد بحرارة وهي تلصق جبينها بجبينه هامسة :
_اللي زيك بيغلبوه إزاي في الكلام ؟!
_ولزومه إيه الكلام ؟! ما تغلبني في حاجة تانية يا شرس؟!
يقولها بمكر عابث وهو يبعدها عنه قليلاً لتضحك وهي تلوح بسبابتها في وجهه قائلة بنبرة محذرة :
_انسى! أنا عارفة اللي في دماغك كويس ..بس الرقص لوحدي حاجة وقدامك حاجة تانية ..
_وتالتة وعاشرة واحنا ورانا إيه يا عسل؟!
يغمزها بها بمكر وهو يتحرك بها نحو طاولة زينتها ليفتح لها الكيس فوقها ..
ثم يستخرج منه ما رفعه أمام عينيها ..
_ايه القرف ده ؟! انت شفت لون البتاع ده قبل ما تشتريه؟! وبتعايب على ذوق أختك؟!
تهتف بها باشمئزاز مشيرة للون طلاء الشفاه بين الوردي والبرتقالي لكنه يضعه لها بنفسه هامسا بمكر:
_مش بقوللك غشيمة ! من امتى الروج بلونه؟!
_امال بإيه؟!
تهتف بها باستنكار ليسحبها نحوه هامسا بين شفتيها :
_بطعمه!
تضحك رغماً عنها وهي تدفعه بخفة لتنظر نظرة فضولية نحو محتوى الكيس الذي استخرجه ليستعرضه أمام عينيها المذهولتين ..
فهذه كانت أرق "بدلة رقص" رأتها ..إن كان يصح لمثل هذه الأشياء أن توصف بالرقة ..
تتكون من قطعتين بلون فضي هادئ مطرز بخطوط وردية لامعة ..
تختلف كثيراً عن تلك الحمراء الفجة التي رمتها قديماً !
ورغم تصميمها الذي ناسب الغرض الذي تُرتدى لأجله لكنها -للغرابة- لم تكن تشعر أنها فاضحة !
بل إنها شعرت بها نفس الشعور الذي ينتابها مع ملابسها التي يتخيرها دوماً لها ..
ناعمة ..أنثوية ..حميمية ..تشبهها في رقة باطنها كأنها صممت خصيصاً لها وحدها ..
_ما تنكريش إنها تحفة وعجبتك .
يقولها واثقاً فتمنحه ابتسامتها الجواب رغم عناد ردها بعدها :
_ولو!!
_مش عايزة تعرفي شكلها عليكِ ؟!
_لأ!
_يا بنتي استهدي بالله وقومي البسي .
يقولها مقلداً مشهداً شهيراٌ لفيلم معروف فتضحك وهي تتفلت من بين ذراعيه هاتفة :
_لأ ..قلت لأ ..
_هو أنا ماقلتلكيش؟! ..الستات لما بتقول لأ في المواقف دي بتبقى معناها أيوة ..
يقولها وهو يعاود اقترابها منها لتضحك وهي تهرب منه فتجاريه في الكلام هاتفة :
_هو أنا ما قلتلكش؟! ما أنا في المواقف دي مش زي بقية الستات !
يقطع المسافة بينهما بخطوة واحدة ثم يعاود تطويقها بذراعيه ليهمس لها بنبرته الرخيمة :
_انتِ ست الستات ..عشان خاطري بقا .
تشتعل وجنتاها بخجل فتخفي وجهها بين كفيها هامسة :
_مش هاعرف .
_يا بنتي هو أنا غريب ؟! وبعدين هاسهلهالك ..هنرقص سوا ..أعمللك فيها شكوكو بعصايته كمان ..أنا عامل حسابي على كل حاجة .
تضحك دون توقف وهي تراه يفلتها ليتناول من الجوار عصا رفيعة يديرها في الهواء للحظات بحركة بهلوانية ..
ثم يتناول هاتفه ليشغل الأغنية التي اختارتها هي من قبل هاتفاً :
_عجبني اختيارك وخصوصاً الغمزة اللي في الأغنية دي لايقة علينا ..لولا إن ريما نايمة كنت سمعتك أحلى "دي جي" ..
تعقد ساعديها دون رد مكتفية بابتسامة فيرفع حاجبه وهو يناولها البدلة قائلاً:
_ياللا بالذوق ماتخلينيش ألجأ لخطط العنف البديلة .
فتتقدم منه خطوة لتنتزع منه العصا ثم تلوح بسبابتها قائلة :
_وتبطل تبعت بوستاتك المستفزة !
_أفكر!
يغمزها بها بمكر فتعطيه ظهرها معرضة ليضحك وهو يديرها نحوه ثم يقبل وجنتها بقوة هامساٌ :
_خلاص ..نبطل يا عسل ..ولو إن الشقاوة معاك مزاج تاني .
تبتسم بنظرة انتصار لكن التردد الخجول يعاود مغازلة حدقتيها فتشير نحو زاوية الغرفة قائلة :
_اقف هناك واديني ضهرك وغمض عينيك ..ما تبصش غير لما اندهلك !
فيفعل مثلما تقول ليهتف وهو يعطيها ظهره :
_ولو إني ما وقفتش الوقفة دي من ابتدائي في زمن "التذنيب" الجميل ..بس كله يهون لعيونك يا عسل .
يسمع ضحكتها المكتومة وهو واقف مكانه يكاد يتحرق شوقاً لرؤيتها كما أراد ..
الدقائق تطول فيدرك أن خجلها لا يزال يمنعها ..
والغنوة تتكرر تلقائياً في هاتفه مرة بعد مرة فيتململ في وقفته ليهتف أخيراٌ دون أن يلتفت :
_والله يا نشوى لو كان مقلب من مقالبك واتلفتت لقيتك نمتِ لأردهالك بمقلب أغلس منه يطلع من نافوخك .
ضحكتها العالية تصدح خلفه فيبتسم شاعراً ببعض الاطمئنان ..
يسمع صوت الأغنية يتوقف فجأة فتتأهب حواسه ..
ثم يسمع همسها باسمه فيلتفت ..
تتسع عيناه بتقدير لجسدها في ردائه فلا يدري أيهما زاد الآخر فتنة وإغواء ..
يراها تحرك أحد ساقيها بحركة راقصة وهي تنقر على الأرض بالعصا عدة مرات مع تمايل خصرها الموازي كافتتاحية لرقصتها ..
فيبتسم بإعجاب وهو يراها تشغل الأغنية أخيراٌ لتقترب منه بخطواتها المتمايلة التي تماشت مع الإيقاع ..
كانت تغمض عينيها بقوة كأنها تقاوم خجلها لكن حمرة وجنتيها فضحتها ..
فاتسعت ابتسامته وهو يقترب منها بدوره ليحيط خصرها بذراعه ثم يدور بها متماشياً مع رقصتها بدوره ..
تفتح عينيها أخيراً فتتلقف نظراته المعجبة والفائرة بعاطفته فتجد المزيد من الشجاعة لتزيد من سخونة العرض ..
ضحكتها تمتزج بضحكته وهي تشعر بخجلها يستحيل لرغبة عارمة في إرضائه خاصة ونظراته تمنحها شعور الفخر الذي طالما تمنته يوماً في عيني رجل يحبها ..
أنفاسها تتلاحق مع تصاعد وتيرة حركاتها الراقصة لكنها لم تكن تشعر بتعب ..
بل كانت تشعر وكأن دقات قلبها تشاركها الرقص على نفس الإيقاع ..
بينما كان هو الآخر يشعر بأنه أخيراً امتلكها كاملة ..
سحر أنوثتها يفيض عذباٌ بين ذراعيه قطرة قطرة فلا ظمأ بعد ولا تعب ..
يتوقف اللحن في هاتفه لكن اللحن الذي يعزفه قلباهما لا يتوقف ..
ولا يكون له أن يتوقف ..
هو نغمة خالدة أقسمت الروح أن تبقى أسيرة رقصتها للأبد !
======
_يا ترى إيناس طابخة لنا إيه النهارده ؟!
يهتف بها علاء وهو يقود سيارته بسيف نحو المزرعة ليرد الأخير بفخر :
_غادة هي اللي طابخة ..ملوخية !
_ياااا سيدي ..بالأرانب؟!
_لا طبعاً ! غادة مش هتطيق تاكلهم ..ارتباطها بيهم بقا عجيب .
يقولها سيف ببعض الضيق رغم نبرته الرزينة ليقهقه علاء ضاحكاً بقوله :
_غيران يا دكتور ال ..أرانب؟!
فتحمر أذنا سيف وهو يلتفت إليه بشبه ابتسامة جعلت علاء يتنهد بعمق وهو يعاود النظر للطريق أمامه قائلاً:
_ما تتصورش فرحتي إنك قدرت تاخد البيت اللي جنبنا ونفتح الجنينتين على بعض ..إيناس كانت هتطير من الفرح ..كده كأننا تقريباً عايشين سوا .
_أنا كمان ما كنتش مصدق نفسي إنها اتيسرت في الوقت ده بالذات ..الحمد لله .
يقولها سيف برضا فيبتسم علاء وهو يقول بحنانه المعهود :
_الحمد لله إن ربنا طول في عمري لحد ما اطمنت عليك انت وغادة وإسلام ..ماتزعلش مني لو كنت قسيت عليك في فترة معينة ..ربنا عالم ده كان من خوفي عليك .
يقولها ليتذكر سيف تلك الفترة العصيبة التي سبقت زواجه من غادة ليربت على كتف الرجل قائلاً بامتنان:
_ماتقولش كده يا عمو ..حضرتك في مقام والدي الله يرحمه .
_طيب ..ده يشجعني أكلمك في حاجة كده ..
يقولها بتردد ليرمقه سيف بنظرة مشجعة فيهز علاء رأسه ليقول بحذر:
_انت بتضغط على غادة قوي في قصة الحمل ؟!
يسأله بنبرة هي أقرب للتقرير فتبدو الصدمة على وجه سيف للحظات قبل أن يقول ببعض الضيق:
_هي اشتكت ل"أنّا"؟!
_عيب عليك ..انت عارف إن غادة ما تعملهاش ..بس أنا حسيتها في كلامها ..ملهوفة بزيادة أكتر من الطبيعي ..حاسس إن الموضوع عندها بقا هوس .
يقولها علاء باستياء خالط حنانه ليتنهد سيف بحرارة قائلاٌ :
_مش هاخبي على حضرتك ..أنا مهووس أكتر منها .
يصدر علاء همهمة إدراك وهو يرمقه بنظرة متفحصة ليقول بخبرته :
_فاهم يا ابني ..انت محتاج تحس بعوض ربنا عشان تسامح نفسك على ذنبك القديم ..بس غادة مضغوطة معاك ..حاسة إنها مش قادرة تسعدك طول ما هي مش قادرة لسه تعيشك الإحساس ده .
_أنا مش قصدي أضغط عليها والله يا عمو ..أنا حتى ماعدتش بكلمها في الموضوع ده .
يقولها سيف مدافعاً ليرد الرجل بابتسامة :
_عارف يا ابن الناس الكويسين ..بس مش شرط تتكلم ..هي حاسة بيك ونفسها ترضيك ..اهدا عشان هي كمان تهدا ..الستات دول عندهم أقوى رادار مستكشف للمشاعر ..خصوصاً لو بتحبك زي غادة .
كانا قد وصلا لحدود المزرعة فابتسم سيف وهو يشكره بامتنان واعداً إياه بالعمل بنصيحته ليترجل كلاهما من السيارة ويتوجهان نحو البيت حيث استقبلتهما إيناس بحفاوتها المعهودة لتخاطب سيف بقولها :
_الجو حلو النهارده ..قلت نتغدى هنا في الجنينة .
_سايبة البنت تطبخ لوحدها وقاعدة هنا تتهوي ؟! ستات قادرة صحيح !
يهتف بها علاء بمشاكسته المعهودة لترد إيناس بشهقة عالية وهي تهتف به :
_مش هارد عليك ! بتشكك في معاملتي لبنتي؟!
_ما انتِ مستغلة الغلبانة وتلاقيها ياعيني محترمة سنك !
_سني؟! قصدك إني عجوزة يا علاء؟!
_وكركوبة كمان!
_علاء!
_إيناس!
_علااااااااااء!
تهتف بها بصوت أعلى ليتراقص حاجباه بحركة مشاكسة وهو يرد بخوف مصطنع :
_خلااااص ..تنزل المرة دي!
يبتسم سيف لمشاكستهما المعهودة ثم يستأذنهما ليتوجه نحو داخل البيت حيث وقفت غادة في المطبخ تعطيه ظهرها ..
يقف مكانه عاقداً ساعديه وهو يراقبها صامتاً بافتتان ..
شعرها النبيذي بخصلاته صواعق الفتنة تتمايل فوق ظهرها برشاقة بينما تدندن وهي تقلب الطعام في القدر بصوتها المغناج بطبيعته :
_كان يوم حبك أجمل صدفة ..لما قابلتك مرة صدفة ..
فلا يملك المزيد من الانتظار وهو يتحرك نحوها ليطوقها بذراعيه من الخلف ليهمس جوار أذنها بنبرته العاشقة التي تذيبها :
_أجمل صدفة !
تشهق للمفاجأة وهي تلتفت نحوه لتضحك ضحكتها المهلكة وهي تستدير بين ذراعيه لتقبل وجنتيه بنعومة قائلة :
_وحشتني موت .
تقولها بصوتها ذي الدلال الطبيعي ثم تطبع عدة قبلات متتابعة فوق شفتيه مردفة :
_عليك غرامة تأخير .
_وأنا مستعد أدفع!
يهمس بها بنبرة مشتعلة وهو يكاد يعتصرها بين ذراعيها لكنها تضحك ضحكتها الكارثية من جديد وهي تزيح ذراعيه عنها هامسة بدلال :
_وبعدين في ابن الناس الكويسين اللي اتعلم الشقاوة على كبر ؟!
تشتعل نظراته أكثر وعيناه تدوران على تفاصيلها بافتتان يزداد توهجه ..
خاصة وهي تعض شفتها السفلى لتسبل جفنيها قائلة :
_النهارده دخت شوية و "أنّا" خدتني ورحنا للدكتور .
_إيه ؟! ليه؟! وإزاي تروحوا لوحدكم ؟!
يهتف بها بجزع أربك حروفه لتبتسم له قائلة :
_ما تقلقش قوي كده ..هو بس قاللي إني صحتي ضعيفة شوية ..
تلتمع عيناها بشقاوة يعرفها فتنفرج شفتاه وهو يلوح لها بسبابة مرتجفة ليهتف بصوت متهدج:
_اوعي يكون اللي في بالي!
تضحك ضحكتها المهلكة من جديد وهي تبتعد عنه عدة خطوات بظهرها بينما تميل رأسها بدلال فتتراقص خصلات شعرها على كتفيها اللذين تهزهما بغنج قائلة :
_اتحايل عليّ الأول .
_غادة !
يهتف بها بانفعال صارخ بالفرحة وهو يقلص المسافة بينهما بخطوة واحدة ليضمها إليه قائلاٌ بصوت مرتجف :
_بالله عليكِ قولي ..
ثم يتذكر ما أوصاه به علاء ليغمض عينيه مقاوماٌ انفعاله وهو يردف بنفس النبرة المهتزة :
_أنا مش فارق معايا ..لو مفيش ..
_قاللي إني حامل ..
تقاطع بها عبارته بمزيج من فرح ودلال ليكتم صيحة فرحة كادت تغادر شفتيه وهو يهزها بين ذراعيه بانفعال ..
لتميل على أذنه هامسة بالمزيد من دلالها الأخاذ:
_وقاللي إنهم توأم ..
هذه المرة لم يستطع كتمان صيحته وهو يعتصرها بين ذراعيه ليغرق وجهها بقبلاته ..
_اتنين؟! اتنيييين؟! اتنين بجد ؟! ألف حمد وألف شكر ليك يارب ..مش مصدق ..
يهتف بها بانفعال شاعراً أنه يكاد يفقد وعيه من شدة الفرح ..
هل آن أوان الصفح؟!
صفحه عن نفسه وشعوره بصفح القدر عنه ؟!
رؤيا آنجيل تحتضن ابنته تعاود اكتساح ذاكرته فيخفق قلبه بعنف وهو يدور بعينيه حوله كأنه يبحث عن شيئ ما لا يعرفه ..
يشعر أن الأرض تحته تهتز فيتشبث بها بقوة تقرأ فيها عمق انفعاله الذي لا يجيد التعبير عنه بالكلمات كعهده ..
فتنبعث ضحكاتها الرنانة مع قولها بدلالها المرح:
_وقاللي كمان إني محتاجة كتير فيتامين "ب" و"ح"!
_فيتامين "ب" معروف إنما إيه فيتامين "ح" ده كمان ؟!
يقولها بصوت لايزال مرتجفاٌ فتضحك وهي تقبل وجنته تباعاً هامسة :
_ده فيتامين "ب"..
ثم تتعلق بذراعيها في عنقه لتضمه نحوها أكثر مردفة :
_وده فيتامين "ح"!
يضحك ضحكة عالية وهو يشدد قوة ضمه لها ليعود فيغرق وجهها بقبلاته هاتفاً بعينين دامعتين انفعالاٌ رغم مرح عبارته :
_كل الفيتامينات اللي عايزاها تحت أمرك ونزود كمان .
تنطلق منها ضحكة كارثية أخرى فيدور بها بين ذراعيه عدة دورات حتى تطلق صيحة اعتراض مرحة وهي تقبل أذنيه المحمرتين تباعاً لتدفعه برفق هاتفة :
_كفاية ...ماتدوخنيش زيادة ..الأكل ع النار ...أنامتفقة مع "أنّا" تسيبني أفاجئك بالخبر بس ماينفعش نتأخر عليهم أكتر من كده .
لكنه يتشبث بها بين ذراعيه بقوة للحظات تشعر فيها بارتجاف جسده المنفعل ..
لسانه منعقد لكنها تقرأ في عينيه كل ما يريد قوله ..
عينيه اللتين هجرهما "الحزن الأخرس" ليسكنهما طيف "العشق الأهوج" للأبد ..
فتربت على ظهره برقة لتهمس له بحنان :
_افرح يا سيف ..افرح من قلبك..حقنا بعد كل اللي شفناه .
ترتجف ابتسامتها بعدها واشية بانفعالها هي الأخرى فيربت على وجنتيها بحنان ثم يقبلهما بعمق هامساٌ :
_شكراً ..
_على إيه؟!
_على العمر الجديد اللي اتكتب لي معاكِ ..على الفرحة اللي ماحسيتهاش تاني إلا بيكِ .
يهمس بها بحرارة مستها لتميل رأسها وهي تكز موضع قلبه بسبابتها هامسة :
_للأبد ؟!
يضحك ضحكة صافية وهو يمد أنامله ليحتضن قلادتها بعبارتهما الأثيرة على صدرها مجيباً بإخلاص:
_حتى تحترق النجوم .
يتشاركان الضحك للحظات ليساعدها في غرف الأطباق ..
ترتدي وشاحها المعلق قريباٌ بسرعة ثم تشير هي لإيناس من نافذة المطبخ المطلة على الحديقة إشارة خاصة بينهما ..
فتندفع الأخيرة لتتوجه إليهما مع علاء الذي بادر سيف بعناقه القوي ونبرته المرحة تمتزج بتهدج انفعاله :
_شوف كنا لسه بنقول إيه من شوية ؟! مبروك يا ابني !
_مبروك يا حبيبي ! الدنيا مش سايعاني من الفرحة !
تهتف بها إيناس بانفعال جارف فيهتف بها علاء بنبرة عادت إليها مشاكستها:
_اوعي تعيطي وتقلبيها نكد ..أنا بقوللك اهه !
تضحك وسط دموعها التي تمسحها بسرعة فيرمقها سيف بنظرة حنون بينما تحتضنها غادة بقوة لتهتف هي مخاطبة سيف :
_فاكر وعدك ؟!
_فاكر يا "أنّا" ..لو ولد هنسميه هاني!
يقولها بحنان مشفق فتعود دموع إيناس للانهمار من جديد ليهتف علاء مشاكساً :
_ياللا ايابني ناكل دي لو فتحت حنفية النكد مش هنخلص .
_أنا نكدية يا علاء؟!
_فشر! ده انت أيقونة السعادة وبير الروقان ..ورمز الفرفشة عند قدماء المصريين !
يهتف بها بتهكم لينفجر الجميع بالضحك قبل أن يتحركوا ليتناولوا الطعام معاً ..
وما كادوا ينتهون حتى هتفت إيناس بلهفة :
_كلم إسلام فرحه !
_لسه كنت هامسك الموبايل اهه .
يقولها ثم يستأذن منهم ليتناول هاتفه ثم يتحرك به مبتعداً ليتصل بصديقه وما كاد إسلام يعرف حتى علا هتافه الصاخب:
_مبروك يا سيدنا! أيوه بقا شغال مِجوِز ..سيب الفرد للغلابة اللي زينا !
=======
_البيت وحشك ؟!
يسألها زين وهما يدخلان لتوهما غرفة نومهما في قصر الفايد عقب رحلة طويلة قضاها معها في نزهة شهر العسل ..
هذه التي اختارها هو حول العالم بداية من تركيا مروراً ببعض دول أوروبا وانتهاء بجزر المالديف .
تتلفت حولها ثم تتنهد بارتياح بينما تطوق عنقه بذراعيها قائلة :
_كانت رحلة حلوة قوي ..بس طعم البيت هنا حاجة تانية .
سراجا الذهب في عينيه يتوهجان كعهده مع كل كلمة تفضح شعورها بالرضا ..
فيقبل "قمريها الحرّين" بعمق عاطفته ليهمس لها بنبرته الآسرة :
_كل مكان سافرناه رحته قبل كده من قبل ما أعرفك ..بس معاكِ انتِ حسيت ليه روح تانية ..حتى البيت هنا ..
ثم يصمت لحظة ليلصقها به مردفاٌ :
_انتِ بيتي يا ياقوت ..مابقاش مهم الأماكن تختلف .
تغمض عينيها بتأثر من هذا الصدق الذي يبزغ بين حروفه كألف شمس ..
فينثر قبلاته الناعمة على وجهها هامساٌ :
_تعبانة ؟!
يسألها بقلق حنون لتفتح عينيها بجوابها :
_انت اللي معاك راح كل التعب .
يبتسم لها هذه الابتسامة الرائعة التي تدرك أنها أكبر من مجرد انفراج شفاه ..
ربما لأنها خير من يوقن أنها تخرج من قلبه ..
فتجزيه عنها بمثلها ثم تعود لتدور بعينيها في الغرفة لتتوقف نظراتها أمام هذه اللوحة في مواجهة الفراش ..
_إزاي ماخدتش بالي من اللوحة دي قبل كده ؟! هي شكلها كده من الأول؟!
تقولها ببعض الاستنكار وهي تميز لوحة لطائر أسطوري بين النسر والصقر أسود الريش لكنه أبيض الرأس له عينين ذهبيتين تشبهان عيني زين..
ومنقار حاد يستند على ما يشبه جوهرة ضخمة بحجمه كاملاٌ وقفت على حافتها المدببة ..
خلفية الصورة تبدو كفضاء عريض بلون السماء المريح ..
لكنها ولسبب ما وجدتها مقبضة !
_معقول؟! يمكن عشان كنتِ مركزة في حاجات أهم !
يقولها ببساطة وهو يتحرك بها نحو اللوحة ذات الإطار الفخم ليشير لها بفخر يناسب قوله :
_أول ما اشتغلت مع بابا أصر يعاملني زي موظف عنده ..وأول عمولة خدتها على صفقة مهمة اشتريت بيها اللوحة دي من مزاد كبير ..علقتها هنا وبتفائل قوي لما بصحى عليها كل يوم ..بحس الطائر ده هو أنا ..والجوهرة اللي ساند عليها دي هي الحلم اللي نفسي أوصلله ..حلم بوسع الدنيا كلها .
تتباطأ حروفه في كلماته الأخيرة متذكراً فترة كان يحب فيها تلقيب نفسه ب"صائد الكنوز" ..
هذا اللقب الذي يود الآن لو يصلحه ..
لو يخبرها أنها صارت كنزه الوحيد الذي لا يدري من فيهما قد اصطاد صاحبه !!
_عينيه مخوفاني ..وبنظرة طبيبة نفسية بقوللك إن اللوحة دي إسقاط من عقلك الباطن على طموحك اللا متناهي ..ولو فضلت تبص لها كتير عمرك ما هترضى بأي حاجة توصللها ..الأفضل تشيلها من هنا .
تقولها ببعض التوجس فيضحك ضحكة قصيرة وهو يواجهها بقوله :
_وأنا بثق فيكِ كطبيبة ..بس أنا بحب الصورة دي جداٌ ومستحيل أشيلها من هنا ..بتفائل بيها من زمان .
تمط شفتيها ببعض الاستياء وهي تشيح بعينيها فيعاود الضحك وهو يكتنف ذقنها بأنامله ليسألها بنبرته المهيمنة المشوبة بعاطفته :
_أعتبره استغلال سلطات لفرض الرأي بالقوة ؟!
_هو فين الاستغلال وفرض الرأي ده ؟!
تسأله باستنكار ليبتسم وهو يقرب وجهه منها حتى تمتزج أنفاسهما مع همسه الخطير:
_لما تهربي بعينيكِ دول مني ما يبقاش استغلال ؟!
تبتسم رغماٌ عنها وهي تحدق في عينيه بنظرة طويلة كأنها تنفي عنها تهمة ..
فتتسع ابتسامته وهو يطبع هدية ناعمة على شفتيها ليقول أخيراً بنبرته المهيمنة التي امتزجت بحنانه :
_يادوب ننام شوية عشان لما نصحى نروح للحاجة ..عارف إنهم واحشينك .
_قوي قوي يا زين ..إسلام وهيثم كمان واحشينني قوي ..إسلام قاللي هيعدي علينا ونسافر سوا ..
تقولها بعمق اشتياقها لهم جميعاً فيهز رأسه موافقاً وهو ينزع عنها وشاحها ليقبل قرط الياقوت في أذنيها كعهده في حركة صارت طقساً معهوداٌ ألفته ..
بل صار أيقونة الأمان لها وله !
يبدلان ملابسهما ثم يتشاركان الفراش لتتوسد صدره كعادتها فتنساب أنامله بين خصلات شعرها الداكنة ..
تحاول إغماض عينيها مستسلمة للنوم لكن عيني الطائر في اللوحة أمامها كانت لا تزال تبثها خوفاً مبهماً لا تفهمه ..
كيف لم تنتبه لهذه اللوحة من قبل وهما يعدان الغرفة قبل الزفاف ؟!
هل كانت حقاً مغيبة إلى هذا الحد ؟!
_زين!
تهمس بها بنبرة غريبة بين خوف ورجاء وعيناها مثبتتان على اللوحة أمامها ..
فيراقب نظرتها بحدسه الذكي بينما يصدر "همهمته اللذيذة" التي تهدهد مخاوفها ..
فتتردد قليلاً قبل أن تبتلع هواجسها لتغمض عينيها هامسة :
_تصبح على خير .
يقبل عينيها المغمضتين بقوة حانية ثم يشدد ضمة ذراعيه لها فتتنهد براحة وهي تستسلم للنوم على صدره ..
لم تدرِ كم ظلت نائمة لكنها عندما استيقظت أخيراً لم يكن جوارها ..
تلفتت حولها لتبحث عنه لتصطدم عيناها بمرأى الحائط قبالتها ..
لقد كان خالياً من اللوحة !!
تبتسم بغرابة وهي تغادر الفراش لتبحث عنه ..
من دراستها لشخصيته تعلم أن مثله لن يزيح لوحة تحمل مثل هذا الأثر في نفسه فقط لكي يرضيها ..
ليس تقليلاً من شأن عاطفته نحوها إنما هي -بطبيعة عملها - تفهم أن من مثله يركنون دوماً لأعمدة ثابتة لا يحبون تغييرها ..
يعتبرونها من خطوط رسمهم الرئيسية التي لولاها تتشوه لوحاتهم !!
اتسعت ابتسامتها لطرافة التشبيه الأخير وارتباطه باللوحة ذاتها ثم ارتدت مئزرها لتخرج باحثة عنه ..
كانت تشعر ببعض النشاط بعد ساعات نومها هذه رغم قصرها ..
ربما لهذا هبطت الدرج شبه راكضة لتواصل بحثها عنه ..
وأخيراً وجدته هناك في غرفة مكتبه ..
هذا الذي جلس أمامه وقد فرد اللوحة فوقه ..
_صحيتِ؟!
يسألها بابتسامة صحوة ناقضت عينيه الناعستين لتسأله باستنكار عاتب:
_معقول ما نمتش؟!
تقولها وهي تتقدم نحوه لتتسع ابتسامته وهو يرفع اللوحة أمام عينيها ليسألها وعيناه تترصدان انفعالاتها بترقب ذكي:
_هه؟! لسه عينيه مخوفاكي؟!
تعود ببصرها نحو اللوحة محاولة تبين الاختلاف ثم تتسع عيناها بصدمة وهي تميز ما فعله ..
تشير بإصبعها نحو الجوهرة المرسومة لتهتف بعجب:
_دي ؟!
_الصَدَف اللي جمعناه سوا من ع الشط في المالديف ..وبتلات الورد اللي عجبك لما جبتهولك في باريس ..
يقولها مؤكداٌ فتعود ببصرها نحو اللوحة حيث قام هو بلصق الأصداف جوار البتلات المجففة لتشغل فراغ الماسة فتملأه تماماً ..
والغريب أنها عندما تفحصت عيني الطائر هذه المرة لم تعد تراها مخيفة !!
_حاولت ألاقي حاجة تفضل تاريخ مشترك بيننا ..
يقولها مفسراً لتقترب منه أكثر قائلة بذهول:
_انت بوظت اللوحة !
فابتسم وهو يسحبها نحوه ليضع اللوحة جانباً ثم يجلسها على ساقيه ليداعب شعرها بأنامله هامساً :
_اللوحة دي بالنسبة لي مش ورق وخطوط ..اللوحة دي هي أنا ..لو مش هيبقى فيها حاجة منك تبقى ناقصة ..
يقولها ثم يعانق كفها ليتحرك به فوق موضع الجوهرة على اللوحة والذي تغطى بالصدف والبتلات ليردف :
_انتِ كنزي الحقيقي اللي هتفضل عيني عليه طول العمر .
تدمع عيناها بتأثر وهي تهمس له بصوت متهدج :
_انت ما نمتش عشان تعملها .
قبلة طويلة منه على جبينها تكون جوابه فتتنهد بعمق وهي تراه يحتضن وجنتها براحته مع سؤاله :
_لسه خايفة منها؟!
تهز رأسها نفياً وقمراها العاشقان يسطعان له بأقوى ما عرفه منهما يوماٌ ..
عشق يمتزج بخيوط أمان هو من غزلها فأحكم نسيجها ..
فنعمِ -ما- غزل و-من- لبس !
يهمس لها بنبرته الدافئة وهو يلصقها به أكثر :
_لو تعرفي النظرة اللي في عينيكِ دلوقت دي تساوي عندي إيه ..عمرك ما تخافي!
_طب أحبك أكتر من كده إيه ؟! قمرررر يا ناس قمرررر ..سيبوني عليه .
"عفريتتها العابثة" تجتاحها بنداءاتها التي تستجيب لها باستسلام مؤخراً فيفاجأ بها تحتضن وجهه بكفيها لتكتسحه شفتاها بقبلة ساخنة انصهر فيها للحظات ..
قبل أن يبعدها ليهمس لها بمكر امتزج بمرحه :
_دي العفريتة صح؟!
تكتم ضحكة خجلها كجواب بالإيجاب في صدره فيضحك ضحكة عالية ثم يرفع وجهها نحوه ليردف بنفس النبرة :
_طب مش تمهديلي عشان أنا كمان أنده العفريت بتاعي ؟!
ضحكاتها تذوب بين شفتيه وكلاهما يستسلم لجنون عاطفته المستعر ..
جنون لم يعد أحدهما يتعجبه وقد وجد في صاحبه بعثاً بعد عدم ..
هذا الذي انقطع برنين جرس الباب الخارجي فاضطر لإفلاتها من بين ذراعيه لتقفز هي من فوق ساقيه وتعدل ملابسها هاتفة :
_دول أكيد إسلام وهيثم ..أنا كنت نسيت .
يزفر زفرة مستاءة محاولاً تمالك أنفاسه اللاهثة فتبتسم له باعتذار مردفة :
_افتح لهم على ما أغير هدومي .
تقولها لتحمل اللوحة بخفة مع غمزة شقية منها ثم تندفع نحو غرفتهما لتعلقها مكانها بنفسها ثم تقبل مكان الجوهرة بقوة لتضحك ضحكة راضية ..
قبل أن تتحرك لتبدل ملابسها استعداداً للقاء أخويها ..
_أبو التووووت!!
يهتف بها إسلام بعد دقائق وهو يهب واقفاٌ مكانه ليفتح لها ذراعيه فتندفع نحوه لتعانقه بحرارة هاتفة :
_وحشتني ووحشني لسانك الطويل ده ..
تقولها وهي تلكزه في كتفه بخفة لتلتفت نحو هيثم الذي عانقها بدفء قائلاً بنبرته العاطفية التي يشوبها حزن طفيف كالعادة :
_حمدالله ع السلامة يا ياقوت .
تبتسم لهما بود ثم تجلس جوار زين الذي أدار الحديث بلباقة لا تنقصه وهو يحكي لهما عن مغامراتهما في رحلة "شهر العسل" ..
ليصدر إسلام صفيراً قصيراً وهو يقول "كلمته الشهيرة" للاستحسان :
_جامدة .
فتضحك ياقوت وهي تقوم من مكانها هاتفة :
_استنوا لما تشوفوا جبتلكم إيه !
تقولها لتغيب لدقائق ثم تعود تحمل بيدها عدة أكياس فتحت أحدهما لتستخرج منه ما رفعته أمام وجه إسلام قائلة بمكر:
_ده مخصوص ليك .
تقولها مشيرة ل"تي شيرت" رياضي من ماركة شهيرة لكنه كان بلون فوسفوري فاقع جعله يهتف باستنكار:
_فوسفوووووري! وليّ أنا !!
فتضحك هاتفة بنفس المكر المرح:
_كان أشيك لون هناك ..
ثم تلتفت نحو زين بنظرة خاصة فيقول كلاهما في نفس اللحظة :
_إيش فهمك انت ؟!
يضحك هيثم مستمتعاً بالحوار فيما ينقل إسلام بصره بينها وبين زين المبتسم ليخبط كفيه ببعضهما هاتفاً :
_بهتتي ع الراجل الكُبّرة ؟! آدي اللي كنت خايف منه !
=======
_احلويتِ قوي يا أوبرا مع إنهم بيقولوا حمل الولاد بيوحش .
تهتف بها ياقوت بمرح وهي تجلس مع شقيقتها أمام الفرن في بيت ثمر فجراٌ ..لترد لجين بفخر زاد جمال ملامحها :
_عابد كمان بيقوللي كده ..وبقا بيزعل من اسم "أوبرا" ده لولا إني قلتله إني بحبه .
تضحك ياقوت برضا وهي تدخل الصاج للفرن حيث ارتصت كرات العجين ..
بينما تردف لجين وهي تتحسس بطنها البارز ببعض القلق:
_هو طبيعي ما أحسش بحركته لحد دلوقت ؟!
فتعاود ياقوت الضحك وهي تتفحص بطنها قائلة :
_متلهوجة على إيه ؟! بكرة يصحيكِ من عز النوم وهو بيرفس فيكِ وتقوليله اتهد عايزة أنام .
فتضحك لجين بدورها وهي مستمرة في تمسيد بطنها قائلة :
_الدكتور بيطمننا عليه ..بيقول وزنه حلو ..ماقالش لسه ولد واللا بنت بس أنا مستبشرة إنه ولد ..مؤمن ..
ثم تربت على ساق ياقوت جوارها لتردف :
_عقبال عوضك انتِ كمان .
_يارب!
تهتف بها ياقوت بلهفة وهي ترفع كفيها للسماء ثم تنظر للفرن باهتمام حيث الأرغفة التي بدأت تنتفخ لتفوح رائحتها فتتشممها بتلذذ مردفة :
_هتبقى أول مرة زين ياكل عيش من إيدي ..عاملاهاله مفاجأة بعدما يرجع م الصلاة .
_وأنا اللي كنت خايفة عيشتك معاه تغيرك ؟! شكلك انتِ اللي ..آه ..آه ..ياقوت ..هنا ..
تقطع عبارتها بتأوهها الخافت الذي حمل مزيج دهشتها وانبهارها بينما أناملها تمسد بطنها ..
لتردف بصوت متهدج :
_هنا ..هنا اهه ..اهه ..بيتحرك ..
تنفرج أسارير ياقوت وهي تمد كفها بدورها لتتلمس أناملها ذاك الموضع من بطن شقيقتها لتبتسم كاتمة دموع تأثرها ..
فيما عجزت لجين عن فعل المثل وهي ترفع رأسها للأعلى قائلة بخشوع احتضن فرحتها:
_قلتها لعابد من شوية قبل ما يروح يؤم الناس للصلاة ..قلتله ادعيلي أحس بحركته ..ماكنتش عارفة إنها هتبقى قريبة كده ..ألف حمد وشكر ليك يا كريم .
تمسح ياقوت عينيها بسرعة وهي تستخدم العصا الطويلة جوارها لتقلب الأرغفة في الفرن راضية عن مظهرها الشهي لتتمتم هي الأخرى بالحمد ..
ثم تترك ما بيدها لتنهض وتمد كفها نحو شقيقتها لتساعدها على الوقوف قائلة بحنان :
_روحي انتِ ارتاحي بقا واستنيه عشان تفرحيه .
_لسه بدري ..هو بيحب يقعد لبعد الشروق في الجامع ..
تقولها لجين باعتراض لتغمزها ياقوت قائلة :
_يابنت روحي جهزي حالك كده ..دي لحظة تاريخية مش هتعدي "سادة" كده !
فتضحك لجين بخجل وهي تلكزها في كتفها قائلة :
_الجواز خلاكِ قليلة الحيا .
_لا الشهادة لله أنا مظبطاها من قبل الجواز !
تهتف بها "العفريتة العابثة" بداخلها فتنطلق ضحكتها عالية وهي تقرص وجنة لجين بخفة بينما تمسد بطنها بكفها الآخر ثم تدعو لها بالبركة لتقول أخيراً :
_خلاص روحي فرحي ستك ثمر .
_ستي ثمر ع السطوح ومحرّجة عليّ ما أطلعش هناك ..خايفة عليّ م السلم ..تقوليش طالعة برج؟!
تضحك ياقوت وهي تعاود الجلوس لتلتقط الأرغفة الساخنة فتضعها في سلة من الخوص جوارها لتهتف بها لجين باعتراض:
_لا لا ..نسيتي واللا إيه ..فرّدي العيش عشان ما يعجنش.
تطلق ياقوت شهقة اعتذار وهي تفعل ما طلبته لجين لترفع إليها عينين مذنبتين هاتفة :
_يظهر إني فعلاً نسيت ..ماتقوليش لستّك بقا .
_هاستر عليكِ حاضر! مرة من نفسي أبقى العاقلة !
تقولها لجين ضاحكة لترمقها ياقوت بنظرة عميقة وهي تأخذ كلماتها بمغزى آخر ..
كم تشعر الآن أن شقيقتها حقاً تغيرت للأفضل ..
لم تعد تلك المجروحة التي تداري ألمها خلف قناع مرح كاذب ..
بل صارت ضحكتها حقيقية ..فرحتها حقيقية ..مشاعرها حقيقية ..
كل مافيها تخلص من "الزيف" القديم ووقف فاتحاً ذراعيه لعطايا القدر !
أفكارها تنقطع بتأوه لجين التي عادت تمسد بطنها مبتسمة من جديد لتقول أخيراً :
_شكلي عايزة أرتاح بجد ..هاروح أنا.
_ماتشغليش بالك ..ارتاحي انتِ .
تقولها ياقوت وهي تهز لها رأسها ثم ترسل لها قبلة في الهواء تردها لها لجين بمثلها قبل أن تغادر نحو بيتها المقابل ..
تتنهد ياقوت برضا وهي تقلب الأرغفة الساخنة بفخر ثم تختار منها واحداً لتضعه على صينية قريبة وقفت تمسكها لتتحرك بها نحو صالة البيت تنتظر عودته كي تذيقه إياه ..
_بطلي بخل بقا ..واحد ..واحد !
تهتف بها "العفريتة العابثة" داخلها باستنكار فترد بهيام كأنها تحدثها :
_بس هو يعجبه وأنا أأكله خبزة لوحده ..
تنقطع أفكارها وهي ترى حذاءه هناك عند الباب المفتوح فتهرع نحو غرفتها حيث يقيمان هنا لكنها تجدها خالية ..
_معقول؟!
تقولها لنفسها بترقب وهي ترفع عينيها نحو السلم المؤدي لسطح البيت ثم تركض بخطوات نشيطة لتصعده ..
وما كادت تصل حتى اتسعت عيناها بقوة وهي ترى المشهد الذي طالما تمنته منذ عهد بعيد ..
فهناك على الأرض التي افترشتها ثمر جالسة فوق مفرش بسيط كان زين ممدداً ظهره على الأرض ورأسه في حجرها بينما أناملها ذات التجاعيد الحبيبة ترقيه ..
لم تستطع ياقوت منع دموعها وهي ترى أحد أمنياتها به تتحقق ..
ها هو ذا فوق نفس السطح الذي شهد حلمها به ..
يجلس جلستها الأثيرة في كنف ثمر لترقيه بأناملها الطاهرة ..
ترتجف يداها بما تحمله فتشدد من قوة إمساكها للصينية فيما تنتهي ثمر مما تفعله لترفع إليها عينيها الخبيرتين وهي تميز ما بيدها لتقول بفراستها المعهودة :
_يا بخت من كان الخباز حبيبه ..قوم ياابني شوف مراتك جايبة لك إيه .
هنا يفتح زين عينيه فجأة كأنه استيقظ لتوه من حلم غريب ..
يرقب السماء التي شق فيها الضوء ظلمة الفجر لتبدو بهذا اللون المهيب الذي كان قديماً يثير خوفه المبهم ..
لكنه الآن يستشعر قدسيته الغريبة وهي تنفذ لكل خلية من خلاياه كأنها تطهرها معها !
يرفع عينيه لثمر أولاً بنظرة ممتنة عميقة قرأتها الأخيرة بخبرتها في النفوس ثم يعتدل في جلسته ليقبل ظاهر كفها قائلاً :
_شكراٌ.
_الشكر لله ياابني ..ربنا عالم غلاوتك بقت من غلاوة ياقوت .
تقولها ثمر بحنانها المهيب وهي تتأهب لتنهض من مكانها فيحاول الوقوف بسرعة كي يسندها لكنها تمنعه قائلة :
_بحب أقف لوحدي ..دعوتي كل فجرية لرب العالمين ..مايحوجني لحد طول ما أنا عايشة .
_ربنا يديكِ الصحة وطولة العمر .
يقولها مؤثراً تنفيذ رغبتها فتتنهد بارتياح وهي تحاول الوقوف وحدها لكنها تتعثر في خطوتها الأخيرة فتستند على كتفه ليبتسم لها وهو يمسك كفها فتضحك هي ضحكة طيبة ذكرته بياقوت عندما كان يغلبها أحياناً في نزالات حواراتهما القديمة ..
هذا الذي قرأته ياقوت بخبرتها في أقرب أهل الأرض لقلبها الآن وهي تنقل بصرها بينهما بحب لتتحرك ثمر نحوها بسؤالها:
_لسه الفرن والع؟!
تهز لها ياقوت رأسها موافقة فتلتفت ثمر نحو زين قائلة :
_كل العيش من مراتك وهو سخن على بال ما أحضر لكم الفطار .
_هساعدك ياستي!
_خلليكي جنب جوزك لحد ما أنده لكم .
تقولها بنبرتها الآمرة الحنون فتمتثل ياقوت وهي تراقب انصرافها بنظرات حانية ..
ولم تكد تختفي عن ناظريها حتى ركضت نحو زين لتجلس على ركبتيها أمامه واضعة ما بيدها جانباً لتقول بلهفة :
_كانت بترقيك!
فيبتسم وهو يجذبها نحوه ليجلسها على ساقيه ثم يطوقها بذراعيه هامساً بخجل وجدته غريباً على طبعه ذي الأنفة :
_طلبتها منها وهي ما خذلتنيش .
تطلق صيحة فرحة وهي تشعر بسراجي الشمس في عينيه يتوهجان بألقٍ خاص هذه اللحظة فتقبل وجنته بقوة لتهمس له بانفعال وهي تحتضن وجهه براحتيها :
_مش ممكن تتخيل كنت مبسوطة أد إيه وأنا شايفة المنظر .
_لا ممكن !
يقولها وهو يرفع أحد حاجبيه بمكر واثق ليشدد ضغط ذراعيه حولها مردفاً :
_عينيكِ مابيعرفوش يخبوا عني حاجة .
يقولها مطيلاً النظر لقمريها اللذين تزداد فتنة حريتهما المستحدثة يوماً بعد يوم ..
فلا يدري أيهما أسعد بصاحبه ؟!
لهذا انسابت شفتاه تقبلان عينيها بعمق قبل أن يسند رأسها إلى صدره ليهمس بنبرة أثقلتها عاطفتها :
_البيت ده فيه حاجة غريبة كانها بتمص كل التعب ..كل الحزن ..كل الوجع ..حاجة مميزة ..مريحة ..من كتر ما بتخوف بتطمن ..حاجة بسيطة قوي بس فخمة قوي ..
ثم يصمت لحظة ليرفع ذقنها نحوه متلقفاً نظراتها العاشقة مع استطراده :
_باختصار ..حاجة شبهك !
تدمع عيناها بتأثر فيقبل جبينها ليردف بشرود :
_حتى الجامع هنا اللي بصلي فيه ورا عابد ..رغم إني صليت في جوامع كتير جوه مصر وبره مصر بس عمري ما عرفت إحساس زي اللي عرفته فيه ..حاجة ما تتوصفش ..كأنه سهم نور ضرب قلبك فجأة وبيتحدى أي ضلمة ممكن تسكنه تاني بعدها .
تبتسم بمزيج من عاطفة وفخر وهي تقدر له هذا الشعور لتتناول الرغيف الساخن من جوارها فتقطع له قطعة صغيرة تضعها في فمه قائلة :
_كفاية كلام وكله وهو سخن ..عايزة أعرف رأيك .
تلتمع عيناه بحنان دافق وهو يلوك الطعام في فمه لكن رأيه لم يصلها في كلمات بل في قبلة دافئة طبعها على راحتها لترجفها بشعورها الغامر به ..
تستمر في إطعامه ليتغير موضع قبلته في كل مرة بعدها ..
من كفها..لجبينها ..لوجنتيها..لأذنيها حيث قرطه الأثير ..
ثم لعنقها وما ظهر من جيدها ..
فتتلكأ أناملها وهي تتعمد أن تصغر حجم القطعة في كل مرة كي لا ينفد الرغيف بسرعة !!
لكنه في النهاية نفد ليتنهد هو بمزيج من شبع و..جوع من نوع آخر!
_لو كنت أعرف إنك هتعمل كده كنت خبزت الرغيف أكبر شوية !
بروح "العفريتة العابثة" تقولها بنبرة تهدجت بعاطفتها لتتحرك أنامله على طول ظهرها مع همسه المشتعل باستنكار مغوٍ:
_شوية؟!
_لا ..كتيييير!
تقولها بضحكة أشعلت المزيد من براكينه ليضحك بدوره ووتيرة عبثه تزداد مع سؤاله:
_العفريتة برضه؟!
_قلتلك شقية !
تهز بها كتفيها بدلال تعلم أنه يثير جنونه خاصة وهي تخرج له لسانها بهذه الطريقة المغيظة ليقترب بوجهه منها هامساً بنبرة ألهبتها:
_انسي! مهما عملت مش هتبقى بمستوى العفريت بتاعي!
تكتم ضحكتها في كتفه بخجل ليكون آخر ما تعيه حروفه التي امتزجت بعزف شفتيه على عنقها :
_واللي يحضر العفريت يستحمل أذاه .
أنامله تشتبك بأناملها وهو يسحبها معه ليسقط على ظهره وهي فوقه ..
تحاول التملص منه لأول وهلة لكنها تعجز عن مجابهة مارد جنونه الذي كان يكتسحها ككل مرة دون هوادة ..
فتستسلم له بعاطفة شاركته إياها شاكرة هذا الموقع المميز لبيت ثمر الذي يجعل السطح في عزلة عن العيون ..
لكنها تتمالك نفسها أخيراً فتهمس له برجاء لاهث:
_زين .
لم تدرِ كم مرة احتاجت لقولها كي تقمع هذه الثورة التي اندلعت في شرايينهما معاٌ لكنه استجاب أخيراٌ ليبعدها بشق الأنفس مكتفياٌ بعناقه المعتصر لها ..
لحظات كانت كافية لترسو بهما الموجة فوق شاطئ ساكن هدأت معه أنفاسه قبل أن يصلها صوته المتهدج بينما أنامله تزيح شعرها عن وجهها :
_انتِ عملتِ فيّ إيه ؟!
ترمقه بنظرة متسائلة لكن قلبها سمع الجواب قبل أذنيها :
_أنا عمري ما كنت كده ..طول عمري عارف أنا عايز إيه ..كل حلم حلمته كان زي هرم بطلعه لآخره وبعدها أدور على غيره ..لكن معاكِ انتِ بحس إني مهما وصلت ..مش هاوصل!
تبتسم له بحب وقمراها يتوهجان بهذه القوة التي لم تعرفها إلا معه ..فيتنهد وهو يغرس رأسها على صدره مردفاً :
_عطشي معاك ما بيرتويش يا ياقوت ..جنة مش هاشبع منها العمر كله .
هنا ترفع كفه الذي يحمل دبلتها لتقبلها بعمق هامسة :
_عارف ليه صممت إني أشتري دبلتك دي بالذات بفلوسي أنا ؟!
_عارف ..بس عايز أسمعها منك .
يقولها متذكراٌ إصرارها الغريب قبل زفافهما أن تشتري هي دبلته من مالها الخاص رافضة أن يقوم هو بهذا ..
لترتسم على شفتيه ابتسامة إجلال وهو يسمعها تهمس بحرارة :
_أنا مابتكسفش أقول إني بحب فلوسي قوي ..بحب كل قرش فيها كسبته بتعبي وشقايا طول العمر ده ..فلوسي مش ورق ولا حساب في بنك ..فلوسي دي عرق ودموع سنين قضيتها ببني حاجة من ولا حاجة ..حاجة اسمها ياقوت سليمان ..
تدمع عيناها مع تحشرج صوتها في عبارتها الأخيرة فيشدد ضغط ذراعيه الداعم حولها لتردف :
_وانت أجمل حلم حققته ..عشان كده بحب دبلتنا دي قوي ..عشان كده بعتبرها أغلى حاجة اشتريتها ..مش بفلوسي بس ..بعمري كله .
يتنهد بعمق رضاه عن هذه المشاعر الدافقة التي تغمر حروفها فيقبل جبينها باعتزاز لتتردد قليلاً قبل أن تقول بمزيج من رجاء وحذر:
_فيه مكان واحد بس هنا لسه عايزاك تروحه معايا .
تتوهج عيناه بنظرة متسائلة ثم تلتمعان بإدراك وهو يرد بذكاء لا ينقصه :
_عند الساقية !
يقولها بتقرير لتطلق آهة خافتة وهي تخفي وجهها في كتفه زاهدة في شرح شعورها ..
ولماذا تفعل؟!
إذا كان هو يقرأ خبيئتها ككتاب مفتوح !
لهذا لم تتعجب استطراده بحنانه الخبير :
_من ساعة ما جينا هنا وأنا مستنيكي تاخديني هناك ..
ثم يمسك كفها ليعد على أطراف أصابعها واحداً واحداٌ :
_ما كنتش هارتاح غير لما ندفن سوا كل ذكرى وحشة ..ونبدلها سوا بلحظة أحلى ..بدأناها بالعشرة جنيه ..وهنكملها لحد آخر المشوار .
تدمع عيناها بتأثر من هذا الحنان الجبار في نظراته قبل أن تشعر به يقوم من مكانه ليقف ويوقفها معه قائلاً بحسم :
_ياللا بينا عشان نلحق نرجع قبل ما الحاجة تخلص الفطار ..بس بشرط!
كان دورها لترمقه بنظرة متسائلة ليردف بحنان حازم:
_ما تعيطيش هناك.
تمنحه عيناها وعدها ثم تتركه لتبدل ملابسها فتتوقف عيناها للحظة أمام إحدى جلابيب أشواق القديمة ..
تزيغ عيناها بنظرة شجن لم تملكها لكنها لم تلبث أن تحولت لابتسامة راضية وهي ترفع وجهها لأعلى قبل أن تمتد أناملها لتتناول واحداً من ثيابها الجديدة .
تخرج إليه لتستأذن ثمر في الذهاب فترمقها بنظرة ذات مغزى وابتسامة واسعة تزين التجاعيد حول شفتيها ..
تتأبط ذراعه بفخر وهي تغادر به بيت ثمر لتتحرك به وسط نظرات أهل القرية المكبرة ..تحياتهم الصباحية لهما..ودعوات كريمة لا تنتهي بالزيارة وتناول الطعام ..
يصلان أخيراً للساقية التي بدت مكانها هذه المرة كعروس تفتح ذراعيها لها ..
فيتفحص المكان حوله باهتمام وعيناه تدوران فيه ..
يتخيل هذا الجحيم الذي عاشته هنا من ذكراتها الخانقة التي روتها له يومها في المشفى لتتقلص ملامحه بألم ..
الأرض غير الممهدة ..الحشائش التي نبتت حولها بعشوائية ..الشكل المخيف للساقية الصدئة ..
كيف تحتمل طفلة أن تهرع إلى هذا المكان وحدها هاربة من قسوة البشر ؟!
_شايف ده ؟!
تنتزعه بها من أفكاره ليقترب فيجد نقشاً صغيراً على المعدن الصدئ لجانب الساقية ل"هلال" صغير كتبت جواره اسمها "دكتورة ياقوت سليمان"..
_كنت بذاكر وأنا شايفاه قدامي ..حلمي اللي وصلتله ..
ثم تضحك وهي تشير لنقش آخر ل"شكل قلب" غُرس فيه سهماً لتردف بخجل:
_وده كان حلمي التاني ..الحب اللي يستاهلني وأستاهله ..
يبتسم وهو يحتضن كفها في راحته لتتنهد وهي ترفع رأسها للسماء تعانق السحب التي بدت لها كعرائس تشاركها فرحتها فتغمض عينيها هامسة :
_الحمد لله .
يضغط كفها في راحته وهو يشعر بها تماماً في هذه اللحظة كما يحلو له أن يصفها ..
"أسطورة"!
أسطورة امرأة صنعت من "اللحد" مهداً ..
أنبتت وسط القبور زهورها فأينعت جنة عامرة ..
وصنعت من نغمة الماضي الشاذة بصخبها لحناً متجدداٌ تسكن له الأرواح ..
_هو صحيح الميت بيحس بأهله ؟!
تسأله بصوت مرتجف ليبتسم لها ابتسامته الساحرة وهو يقترب منها خطوة داعمة لتخونها دموعها التي اختلطت بحروفها :
_ياريتها تحس فعلاً بينا ..وتعرف إننا بقينا مبسوطين وربنا عوضنا .
_وعدتيني ما تعيطيش .
يقولها غير مسرف في عتابه وكيف يفعل؟!
إذا كان هو نفسه يشعر برهبة هذه اللحظة في هذا المكان !!
لكنها تمسح دموعها بسرعة ونظرتها تحمل لها اعتذاراً كادت تتفوه به لولا أن سمعت هذا الهتاف خلفهما بفظاظة ساخرة :
_يا محاسن الصدف!
تلتفت نحو مصدر الصوت لتتسع عيناها ببعض الدهشة وهي ترى يامن يحمل يمنى مع ياسمين التي كانت تلكزه في خاصرته تنبهه لخشونة نبرته ..
فتبتسم لهما بود حقيقي هاتفة :
_أهلاً يا دكتور ..فعلاً صدفة حلوة ..
ثم تضحك لتردف ببعض الدهشة :
_مش هتبقى أول مرة نتقابل فيها عند الساقية .
وقف زين مكانه مركزاً نظراته على ياقوت وتاركاً ليامن حرية التصرف ليتقدم الأخير نحوهما مع ياسمين التي صافحت ياقوت بحرارة هاتفة :
_حمداً لله ع السلامة ..
ثم التفتت نحو يامن لتردف بحيويتها المعهودة :
_هتشوفينا هنا كتير ..يامن اشترى حتة أرض هنا جنب بيت عمه وهيبنيها ..
يبتسم يامن بما يشبه الخجل وكأنما يستحي من "شعور العودة للجذور" الذي كتمه عمراً والآن يسمح له بالطفو ليسيطر على جميع أفعاله ..
_عملها عشان خاطر يمنى ..عايزها تكبر بين هنا وبين هناك ..صح يا يمنى؟!
تقولها ياسمين مداعبة صغيرتها التي تناولتها من بين ذراعي يامن لتتلقفها منها ياقوت فتداعبها بدورها قائلة بحنان :
_كبرت خالص ما شاء الله ..شفت يا زين؟!
تقولها وهي تقرب الصغيرة من زين فتحفز يامن في وقفته ليبدو كأنما يقف على صفيح ساخن وهو يرى زين يحملها ليداعبها بدوره
لكن الأخير ما كاد يفعل حتى شرعت الصغيرة في البكاء قبل أن تتقيأ فوق قميص زين !
ضحكت ياسمين بحرج وهي تتناولها منهما لتمسح لها فمها بمحرمة ورقية هاتفة باعتذار رقيق:
_معلش لسه واكلة .
فيما يبتسم يامن بشماتة واضحة وهو يستعيد صغيرته ليربت على ظهرها فتتوقف عن البكاء وهي تمسح وجهها في صدره ..
_اتفضلوا افطروا معانا ..ستي ثمر مجهزة الفطار .
تقولها ياقوت بود وهي تمسح قميص زين بمنديلها هي الأخرى لترد ياسمين بود مماثل:
_والحاجة مراة عم يامن كمان ..معلش ..خلليها فرصة تانية ..
تقولها وهي تشعر بيامن يتشبث بكفها في تملك لتنصرف معه بعد تحية قصيرة ..
وما كادا يبتعدان حتى سمح يامن لضحكاته بالتحرر وهو يداعب الصغيرة بأن يرفعها لأعلى فتتعالى ضحكتها مع قوله :
_حبيبة بابا دي ..
ثم يلتفت لياسمين مردفاً بشماتة ساخرة :
_شفتيها وهي بترجّع عليه ؟!
تكتم ياسمين ضحكتها وهي تهز رأسها لتقول بمرح :
_مفيش فايدة ..
فيعاود الضحك باستمتاع وهو يداعب الصغيرة سائراٌ بهما بين الزرع لتسأله ياسمين بمكر :
_بس ماكانتش صدفة يا دوك ..انت قصدت تروح بينا هناك لما شفتهم ..صح؟!
_مفقوس أنا ؟!
يسألها وهو يرفع أحد حاجبيه بحركته العابثة لتضحك وهي تجيبه بسرعة:
_قوي .
ضم الصغيرة لصدره مربتاً على ظهرها لتطلق أصواتاً طفولية راضية وهي تلوح بذراعيها الصغيرتين في الهواء لتردف ياسمين بثقة :
_انت كنت عايز تروح مخصوص عشان تطمن على ياقوت .
ظل لحظات صامتاً مكتفياً بابتسامة ليلتفت نحوها أخيراً فتسأله وهي تعرف الجواب:
_واطمنت؟!
_بلاش رغي ..أنا جعان ..ياللا بسرعة عشان نلحق الفطار .
يقولها وهو يركض بالصغيرة التي علا صوت ضحكاتها فتبتسم ياسمين مدركة هروبه من الجواب لتسرع الخطا محاولة اللحاق بهما هاتفة :
_استنوني!
وفي مكانها كانت ياقوت تراقب انصرافهما بابتسامة واسعة كانت شغله هو الشاغل ..
هذه التي مسها بإبهامه بخفة ليقول بنبرته الحاسمة :
_كفاية كده هنا ..عشان ما نتأخرش ع الحاجة ..
تهز له رأسها وهي تتأبط ذراعه بقوة فخورة لتعود معه أدراجها نحو بيت ثمر شاعرة بالرضا ..
ذكرى أخرى مظلمة طمستها لتبدلها بإحدى شموس غرامه !
=======
_السلام عليكم ..اشتقتك يا حوريتي.
يهتف بها عابد وهو يفتح لها ذراعيه عقب عودته من الخارج لتندفع نحوه هاتفة بلهفة :
_اتحرك يا عابد !
يرفع حاجبيه بدهشة للحظة غير مدرك لما تعنيه خاصة وفتنتها الاستثنائية في منامتها الحريرية التي كشفت كتفيها وذراعيها ومساحة لا بأس بها من بطنها تزيغ عينيه قليلاً ..
لكنها تمسد بطنها بضحكة انفعالية تجعله يطلق آهة قصيرة قبل أن تفاجأ به ينحني جالساً على ركبتيه أمامها ليمسد بطنها بدوره هاتفاً بلهفة شغوف:
_أين ؟! أين ؟!
تضحك ولهفته تدفع المزيد من العاطفة في شرايينها لتمسد بطنها بدورها محاولة استشعار حركة جنينها التي أحستها من قبل لكن دون جدوى !
_والله اتحرك ..ياقوت كانت معايا وحست بيها ..يووووه بقا ..والله كان بيتحرك .
تهتف بها مكررة بخيبة متذمرة فيضحك وهو يقبل بطنها العاري عدة قبلات متتابعة قبل أن يستقيم واقفاً من جديد ليراقب ملامحها السمراء بافتتان بينما أنامله تتحرك على طول ذراعيها قائلاً :
_لا بأس يا فضية ..لعله نائم الآن .
تطلق زفرة خائبة وهي تعاود تمسيد بطنها فيحيط كتفيها بذراعه ليتحرك بها نحو الأريكة القريبة التي جلسا فوقها لتغمرها عاطفة نظراته التي شملتها بإعجاب لا يدعيه ..
يتخير كلماته كي يصرفها عن هذه الخيبة التي تملأ ملامحها :
_كم يليق بكِ هذا اللون ! لا أظنني رأيتك بهذه من قبل !
يقولها مشيراً لمنامتها بلونها بين الوردي القاتم والأرجواني والذي أضفى فتنة خاصة على سمرتها لتبتسم وقد نجح في مسعاه فتتورد وجنتاها مع إسبال جفنيها بقولها :
_ياقوت جابتهالي معاها ..عجبتك ؟!
_جداً..
يقولها وهو يضمها نحوه أكثر ليعاود تمسيد بطنها مردفاً بنبرته الآسرة التي يغلبها حنانه مهما اتسمت بالعبث:
_خاصةً وهي تبرز بطنك هكذا فتمنحني فرصة مداعبة طفلي.
تضحك بخجل وهي تخفي وجهها في كتفه فيداعب خصلات شعرها الناعمة المنسدلة فوق كتفيها ..
لتحتضن كفه فوق بطنها قائلة :
_أول ما حسيت بحركته قلت دي بركة دعاك لينا ..افتكرتني وانت بتصلي؟!
يصمت قليلاً فترفع عينيها نحوه بتساؤل لتحتضن هذه النظرة الرائعة في عينيه والتي امتزجت بسحر ابتسامته مع جوابه :
_منذ رأيتكِ أول مرة ولم تفارقيني في دعائي ..اختلفت الصيغة في كل مرة إنما بقي اسمك سراً في حديثي مع ربي ..كنتِ لغزاً ثم أملاً ثم فرحة ثم ابتهالاً ألا أُحرَم صحبتكِ في الدنيا ولا في جنة الآخرة .
تنفرج شفتاها في رغبة بالرد لكنها تعجز عن مجاراته في الحديث كعهدها..
فترفع كفه الحر نحو شفتيها تقبله بعمق لتقول بصوت متهدج:
_مش عارفة أرد بكلام حلو زي بتاعك ..بس ربنا عالم إني ..
تقطع عبارتها وهي تشعر بحركة جنينها تحت كفيهما المتعانقين لتصرخ بفرحة :
_اهه يا عابد ..حاسس بيه ؟! قول آه ..قول آه ..
لكنه كان عاجزاً عن النطق وهو يستشعر هذا النبض تحت أنامله ..
شديد الخفوت إنما بالغ الأثر في القلب!!
تدمع عيناه بتأثر وهو يحرك كفه فوق بطنها ملاحقاٌ هذا الشعور الرائع ..
_ماشاء الله لا قوة إلا بالله ..الحمد لله رب العالمين ..سبحان من هذا خلْقه ..اللهم إني استودعتك إياه فلا تريني فيه بأساً وأنبته نباتاً حسناً ..
يغمغم بها بخشوع فتبتسم هي برضا وهي تؤمن سراٌ لتسمعه يردف مغمض العينين :
_الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتمّ علينا نعمته .
_كنت لسه هسألك على دي النهارده !
تقولها بخجلها الذي لا يكاد يفارقها فيفتح عينيه بتساؤل لترد :
_كنت بقرأ في المصحف ووقفت قدام الآيات ..ليه ربنا سبحانه وتعالى قال "أكملت لكم دينكم" و"أتممت عليكم نعمتي" ..ليه "أكملوا العدة" و"أتموا الحج" ..إيه الفرق بين "أكمل" و"أتمّ"؟!
يبتسم وهو يربت على رأسها ليجيب :
_يعجبني تدبرك للقرآن يا حوريتي .."أكمل" تعني أن ينهى العمل على مراحل متقطعة بينها فواصل زمنية ..أما "أتم" فتعني ألا يجوز للعمل أن ينقطع حتى ينتهي ..لهذا قال تعالى "أكملوا العدة" في الصيام لأنه لو أفطر المرء بعذر فيجوز له أن يكملها في الشهور الباقية من العام بصورة متقطعة ..لكنه تعالى قال "وأتموا الحج" لأن شعائر الحج لا يجوز أن تنقطع ولو لفترة قصيرة ..كذلك قال تعالى "أكملت لكم دينكم " لأن الدين نزل على مدار ثلاثة وعشرين عاماً بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى فترات متقطعة ..فيما قال سبحانه "وأتممت عليكم نعمتي" لأن نعمه عز وجل لم تكن لتنقطع علينا أبداٌ .
تتسع عيناها بفهم مع كل حرف ينطقه بكل هذا السلاسة وبكل هذا الخشوع قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة فخور وهي تعود لتقبيل كفه بحب قائلة :
_زادك الله علماً ورزقك حسن العمل به .
_صرتِ تتحدثين مثلي ..تحاولين تقليدي ؟!
يقولها مشاكساٌ لتضحك بخجلها المعهود وقد عادت لطريقتها المعهودة مجيبة :
_وأنا أطول أقلدك ؟! والله بتطلع كده غصب عني ..محبة !
_محبة !
يكررها برضا وهو يطوقها بين ذراعيه ليقربها منه أكثر هامساً لها بأصدق ما سمعته يوماً :
_أشهد الله أني ما عرفت حباً ولا سكناً في حياتي كما تذوقته معكِ ..أخبركِ سراً ؟!
ترفع إليه عينيها المشعتين بعاطفتها ليتنهد بعمق وهو يداعب خصلات شعرها مع رده :
_تعرفين قصة أصحاب الصخرة الذين أغلق عليهم باب الغار وكيف نجا كل منهم بعمل صالح جعله سراً بينه وبين ربه؟! كلما كنت أقرأها كنت أسأل نفسي عن خبيئتي مع ربي ..عن عمل صالح أخفيته بين ضلوعي ورجوت فيه الإخلاص ..لم أكن أجد لي إلا نعمة غض البصر ..كنت أحتسبها عند الله خالصة لوجهه ..
تتسع ابتسامة إجلالها وهي تحتضن وجنته براحتها التي قبّلها برقة ليردف :
_رأيت ثمرتها في الدنيا ..في سحرك الذي يجمع بعيني كل فتنة النساء ..وأرجو من الله أن أكمل عهدي معه للآخرة .
_"تتمّ" مش "تكمل" ..واللا انت ناوي تقطع عادتك يا شيخ؟!
تقولها باستنكار غلب خجلها ليطلق ضحكة عالية شاركته فيها للحظات ..
قبل أن يقرص وجنتها بخفة قائلاً بمرح:
_غلبتِني يا أم مؤمن ..هل أعلمك لتجادليني؟!
تضحك من جديد بفخر يرسم المزيد من هالات الثقة حول وجهها لتقول وهي تمسد بطنها :
_بحب "أم مؤمن" دي لما تقولها قوي ..بس ..انت هتزعل لو جت بنت ؟!
تقولها ببعض الخشية ليبتسم بسماحة قائلاٌ:
_ومن يكره البنات؟! هن المؤنسات الغاليات ..لكنني أستبشر خيراٌ برؤيا الشيخ ..
يقولها ثم يميل على بطنها ليداعبه بأنامله قائلاٌ بمرح كأنه يخاطب ابنه :
_أخبرني أنت وأنا سأفهم ..نقرة واحدة تعني فتاة ..نقرتين تعني ولداً ..
تكتم ضحكتها بترقب وهي تنتظر معه أي حركة لتشعر بأول حركة هناك وبعدها سكون ..
فيتبادلان النظر للحظات بالمزيد من الترقب كأنهما يصدقان حقاٌ هذه اللعبة ..
_شكلها بنت !
لم تكد تقولها حتى شعرت بحركة متتابعة في بطنها كأنها نقرتين متتاليتين ..
لتعاود القول بمرح:
_لا أهه..شكله ولد .
لكن نقرة واحدة أخرى تجعلها تضحك معه من جديد قائلة :
_بيلاعبنا ..شكله هيطلع شقي .
فيطلق ضحكة مرحة وهو يعاود ضمها بين ذراعيه قائلاً:
_من شابه خاله فما ظلم .
تضحك بدورها وكلمة "خاله" التي نطقها عفوية تذكرها بعطايا القدر الكريمة التي تغمدتها مؤخراٌ ..
تتذكر ما قاله إسلام يوماً لترد عبر ضحكاتها :
_"الشيخ الفهلوي" ! إنتاج مشترك بينك وبين إسلام ..هيبقى ماحصلش..ده ..
صوت طرقات عالية على الباب يقاطع كلماتها مع الهتاف المميز بصوت الطارقة :
_افتحي يا ست لجين ..ستي ثمر عايزاكم عشان نفطر سوا ..
_دي رابحة ..افتح لها انت ..هاقوم أغير هدومي لو شافتني كده هتعمللي زفة في البلد .
تهتف بها بسرعة وهي تنهض من جواره فينهض بدوره ليهتف بها بحنان:
_تمهلي ..لا داعي للعجلة .
تبتسم له بحب وهي تغادر نحو غرفتهما لتغلق بابها خلفها فيما تحرك هو ليفتح الباب مخاطباً رابحة بقوله :
_عشر دقائق فقط وسنكون هناك .
_ماشي!
تقولها وهي تعطيه ظهرها كي تنصرف فيكاد يعود لغرفة لجين لكنه يسمع رنين هاتفه فيفتح الاتصال ليهتف بسعادة طاغية :
_الصالح! افتقدتك يا رجل ..أين كانت كل هذه الغيبة ؟!
يسمع الجواب من الطرف الآخر للاتصال فيضحك ليتحرك نحو حاسوبه المحمول الموضوع على مائدة السفرة هناك والذي فتح شاشته ليضغط أحد الأزرار فتبدو له صورة الصالح بابتسامته البشوش:
_كيف حالك أنت ؟! علمت عن مغامراتك الأخيرة عقب عودتي من السفر ..لم أكن في ماليزيا وقتها .
يتنهد عابد بحرقة لم يتمكن من إخفائها وهو يستعيد ذكرياته البائسة تلك ليرد بأسى:
_لا كتبها الله عليك ولا على أحد ..كانت كربة عظيمة يا صاحبي .
_يبتلى المرء على قدر دينه يا عابد ..احمد الله أن نجاك من القوم الظالمين .
يقولها الصالح بوجهه البشوش الذي تعمد أن يخفي فيه أساه لما علمه عما حدث لصديقه ..خاصة وملامح عابد التي يراها تفضح له أن أثر الأمر عليه لم يختف تماماً بعد ..
ليردف بضحكة صافية:
_علمت كذلك أنك ستصير أباً ..مباركٌ ..ستسميه باسمي صحيح ؟! لن تجد ..
يقطع حديثه فجأة وهو يميز هيكلها الصغير الذي أطل برأسها من خلف باب الشقة المفتوح ..
"المعتوهة"!
حمقاؤه المعتوهة التي لايزال يذكر تفاصيلها المبهجة ..
ترمقه من خلف ظهر عابد بهذه النظرة المبهورة من عينين لايزال يذكر شقاوتهما الغريبة ..
شقاوة تذكره بحلوى "المصاص" التي لايزال يحتفظ بها كذكرى من هذا البلد ..ومنها!
_هل هناك مشكلة في الاتصال ؟! أم أنك قطعت حديثك؟!
يسأله عابد غافلاً عما يحدث ليبتسم الصالح وهو يسبل جفنيه محاولاً غض بصره عن الحمقاء هذه فيكمل حديثه :
_كنت أقول أنك لن تجد اسماً أفضل من اسمي كي تسمي به ابنك .
_آه والله يا شيخ ! هو يطول اسمك واللا شكلك ..ده أنا أمي داعيالي إني شفتك النهارده ..هو البعد بيحللي كده ؟!
تهمس بها سراً بهيام وهي تمد رأسها أكثر ..ترى عابد يضحك وهو يطرق برأسه فتستغل الفرصة لتظهر نفسها أكثر وتلوح للشاشة بكفها بخفة قبل أن تعود للاختباء عندما رفع عابد رأسه ليرد بانطلاق:
_تعلم كم أود هذا يا صاحبي لكن الشيخ هنا بشرنا باسمه ..المرة القادمة أعدك أن ..
كان الصالح غافلاً عن الاستماع لبقية عبارته وهو يكتم ضحكته بصعوبة بعدما رأى تلويحها المستتر له ..
ضميره يخزه بعتاب على هذه اللهفة التي تتملكه الآن ..
لكنه يعود ليذكر نفسه ..إنها طفلة ..فقط طفلة ..
مثله تماماً عندما ..!!
يقطع أفكاره عامداً وهو يعقد حاجبيه مقاوماٌ مرارة ذكراه الخاصة ليتحاشى النظر نحو الشاشة من جديد ..
فيسيئ عابد تأويل وجومه وهو يهتف ليراضيه :
_لم أعلم أن الأمر سيضايقك هكذا .
لكنه يبتسم ليقول دون أن يرفع عينيه :
_أنا أمازحك فقط يا صديقي ..بورك لك في عطية الله ..أتمنى لو ترسل لي صورته عند ولادته .
_إن لم تحضر خصيصاً لتراه فسأسافر لك به .
يقولها عابد بحرارة ليرفع الصالح عينيه من جديد نحو الشاشة بحذر لكنها كانت قد أخفت رأسها تماماٌ ..
فقط كتفها كان يبدو له خلف الجدار الذي اختبأت خلفه ..
فيبتسم وهو يحاول استعادة روحه المشاكسة :
_بل سآتي أنا ..وأرى كيف تتصرف كأب مذعور مرتبك محمر العينين لا يعرف كيف يحمل قطعة لحم صغيرة يزعمون أنها ابنه !
يتشاركان الضحك للحظات قبل أن يشعر عابد بباب غرفتهما يفتح لتخرج منه لجين سافرة عن وجهها فيدير شاشة الحاسوب ليخاطب الصالح بقوله :
_أحدثك في وقت لاحق ..الحاجة ثمر تنتظرنا على الإفطار .
_تبيع صاحبك الذي اشتاقك لأجل الطعام؟! بئس الصاحب !
يقولها الصالح مشاكساً ليغلق الاتصال بضحكة سمحة تناقض عتابه الظاهر فيبتسم عابد وهو يتحرك نحو لجين التي هتفت بسرعة:
_ياللا عشان ما نتأخرش على ستي..
تقولها وهي تنظر نحو الباب لتردف وقد رأت كتف رابحة المتواري :
_مش هتبطلي طبعك ده يا مطيورة ؟!
يلتفت عابد بدوره ليبتسم وهو يلمح ما تحكي عنه ..
خاصة وقد ظهرت الفتاة أخيراً بملامح مذنبة ليبدو وجهها البائس مع قولها :
_الحق عليّ ..قلت أستناكي عشان ما أرجعش لستي ثمر بإيدي فاضية .
تهز لجين رأسها بيأس وهي تتوجه نحوها لتقرص وجنتها ببعض القوة هاتفة :
_وإيه كمان يا "رويتر"؟! عارفة لو نقلت حاجة لأمك أو لحد من أهل البلد عن بيتي هاعمل فيكِ إيه ؟! وريني موبايلك !
_والله ما صورت حاجة !
تهتف بها الفتاة مدافعة وهي تتأوه بدلال فتبتسم لجين وهي تضمها نحوها بحنان قائلة :
_طب ياللا عشان ما نتأخرش .
تقولها وهي تسدل نقابها على وجهها لتمسك كف عابد بإحدى قبضتيها بينما تشد بالأخرى على كف رابحة التي كانت تنظر من خلف ظهرها للشاشة المظلمة بحسرة ..
لكن ابتسامتها تعود لتغلبها وهي تتذكر ملامحه إذ رآها ..
ملامحه الوسيمة التي زادتها ابتسامته سحراً وهو يتعرف إليها ..
هو لايزال يذكرها إذن ..
من يدري؟!
ربما يهيم بها حباً كما تفعل هي!!
خاطرها المبهج يجعلها تتقافز في مشيتها لتترك كف لجين وتعدو بخطوات شبه راكضة طفولية نحو بيت ثمر المقابل ..
فترمقها لجين بنظرة حانية بينما عابد يقول بسماحة :
_فتاة هوجاء ..لكنها طيبة !
فتتنهد لجين بحرارة وهي تراقبها من بعيد لتقول بما بدا كحدس صادق من توجس:
_ماهم دول اللي يتخاف عليهم اليومين دول ..ربنا يسترها عليها .
=======
_وفي نهاية المناقشة قررت اللجنة منح الباحثة "هانيا ...." درجة الدكتوراة مع مرتبة الشرف الأولى .
تعج القاعة بالتصفيق فتدمع عينا هانيا بفخر وعيناها لا تميزان وسط الحضور سوى عينيه هو ..
هو الذي هرعت إليه دون أي تحفظ لتلقي نفسها بين ذراعيه ..
لم تكترث بالنظرات حولها ..
لم تعِ مكاناً ولا زماناً سوى أحقيته هو بأن يقطف أول ثمار نجاحها ..
هو الذي كان قلبه يخفق بانفعال مشابه وهو يضمها إليه بقوة شاعراً أن هذا الإنجاز يخصه هو قبلها !
ترفع إليه عينيها لتروعها هذه الدموع في عينيه والتي ناقضت قوله المرح :
_مبروك يا "هنايا" ..نجحنا !
تضحك وسط دموعها ثم تعاود إخفاء رأسها في ضلوعه مع كلماتها المرتجفة :
_نفسي أصرخ وسط الناس كلها أقول إنت السبب ..لولاك ما كنتش هاوصل هنا .
_وادي اللي كنت بقول عليها عاقلة ..لمي نفسك يا دكتورة بقا هتفضحينا .
هتاف يامن الذي يمزج مرحه بفظاظته خلفها يجعلها تفيق من سكرتها لتلتفت نحوه بضحكة خجول ردها بضحكة عالية تزايدت مع هتاف رامز المعترض:
_ياعم سيبنا نسترزق يا عم ..هي الكحكة في إيد اليتيم عجبة ؟! ربنا وحده عالم شقينا أد إيه لحد ما وصلنا لكده .
تشاركهم نبيلة الضحك وهي تجذب هانيا من بين ذراعي رامز لتضمها إليها بقوة ثم تهمس في أذنها بصوت أرجفه انفعاله :
_هو ده ..هو ده بالظبط الفيلم اللي كان نفسي أبقى بطلته .
ترنو إليها هانيا بعينيها الدامعتين ثم ترفع كفها نحو شفتيها تقبله بامتنان في حركة لم تفعلها من قبل ..
هذه التي وجدت صداها في قلب نبيلة التي اعتصرتها بين ذراعيها عاجزة عن منع دموعها ..
يراقبها يامن مكانه شاعراٌ أنه يراها كعهده مؤخراً بصورة "الأم" التي افتقدتها سنوات عمره الأولى ..
لم تعد تهتم بهذه التجاعيد التي صارت تهاجم وجهها بضراوة كأنها تثأر من طول تعاملها القديم معها ..
آه!
كم يود لو يصرخ بها أنه يعشق هذه الخطوط واحداً واحداٌ ..
يعشقها وهي ترسم له لوحة أمومة لم تعرف الألوان إلا متأخراٌ ..متأخراً جداٌ !!
وعلى ذكر الألوان يلتفت ل"سيدتها" جواره ..
ياسمين التي وقفت تحمل يمنى وعلى شفتيها ابتسامة تحتضن ابتسامته ..
وفي عينيها نظرة تكاد تنطق أن لن يفهمك مثلي أنا !
فيميل عليها هامساً بنبرة دافئة صارت تهذب فظاظته الفطرية :
_كل حاجة فيكِ بتحضنني ..حتى حروفك بتحضن حروفي ..يامن وياسمين ..
ثم يتناول الصغيرة من بين ذراعيها ليضمهما معهما مردفاً :
_ويمنى !
تتسع ابتسامتها وهي تسند رأسها على كتفه بنظرتها التي تشعره أن هذا العالم بأسره لم يعد يحوي غيره ..
فيردها لها بمثلها ثم يعود ليرقب سعادة هانيا برضا ..
هانيا التي وقفت تتلقى مباركات الحضور الذين توافدوا إليها بنظرات اعتزاز وكفها يتشبث بكف رامز في إشارة واضحة ..
هو ليس نجاحها وحدها ..هو نجاحهما معاٌ !!
_مبروك يا دكتورة .
تأتيها من "زميلتها المنتقبة" التي أسرّتها يوماً بتلك النصيحة النافعة والتي كانت تنظر لكفها المشتبك بكف رامز نظرة راضية فضحكت لها هانيا وهي ترد لها مباركتها بنظرة ذات مغزى جعلت الأخيرة تضحك لها بدورها بصفاء ..
_عقبالي يارب ..أنجح بس ..أنجح .
تهتف بها داليا بنزقها المعهود وهي تتقدم نحوها لتعانقها فيهتف يامن بسخريته المعهودة :
_يا فاشل يا فاشل !
يضحك مروان ضحكة عالية وهو يضم كتف داليا إليه داعماٌ ليرد عنها :
_فشر! مين دي اللي فاشلة ؟!
_خلليه خلليه ..بكرة لما أنجح هادبسه في هدية تطلع من نافوخه .
تهتف بها داليا بمشاكستها المعهودة ليرد يامن :
_والله أنا مستعد لأي حاجة بس أشوفك متخرجة كده ورافعة راسي .
_يعني كان لازم تناقشي دلوقت يا هانيا ؟! ماكنتيش عارفة تأجليها شوية؟! حاسة إني هاولد وأنا واقفة !
تهتف بها رانيا باعتراضٍ واه وهي تمسد بطنها ليضحك أشرف مخاطباٌ هانيا بقوله:
_معلوماتي الستات حملها تسع شهور بس احنا دخلنا الشهر العاشر ..شكلنا بقا وحش قوي..مش عارف ليه البنت دي محجرة جوه كده ومش عايزة تطلع .
_ماتفكرنيش إنها بنت ..بإذن الله هيطلع الدكتور حمار وشايف غلط ..أنا عايش ع الأمل ده .
يهتف بها يامن بانفعال مرح فتعلو ضحكاتهم جميعاً لترقبهم هانيا بسعادة طاغية وهي تضغط كف رامز في راحتها أكثر ..
لم تشعر بالسعادة في حياتها كما تفعل الآن ..
كأنما اعتلت قمة جبل طموحها لتلوح برايتها من فوقه ..
هل بقي من السعادة ما لم تختبره بعد ؟!
والجواب تمنحه لها اللحظة القادمة وهي تراها تدخل من باب القاعة تتأبط ذراع سيف الذي تركته لتهرع إليها بخطوات راكضة ..
فاندفعت نحوها بدورها لتعانقها هاتفة :
_غادة ! إيه المفاجأة الحلوة دي ؟!
ثم رفعت إليها عينيها الدامعتين لتردف بانفعال:
_سافرتِ مخصوص عشاني ؟! وانتِ حامل كمان ؟!
_ماكانش ينفع أسيبك لوحدك في يوم زي ده حلمنا بيه سوا من زمان .
تقولها غادة بانفعال مشابه فتضحك كلتاهما وكل منهما تشبك كفيها بكفي الأخرى على صدريهما في "حركة قديمة" اعتادتها الصديقتان منذ عهد معرفتهما الأول ..
_فخورة بيكِ قوي .
تقولها غادة عبر دموع فرحتها فتهتف هانيا بانفعال مشابه :
_أنا كمان فخورة بيكِ قوي ..
تقولها وهي تنظر لسيف الذي انسحب لتوه من عناق أمه ليتقدم منهما فيبسط راحته على كتف غادة بدعم ثم يبارك لزوجة شقيقه بكلمات مناسبة ..
شقيقه الذي اندفع نحوه ليعانقه بقوة هاتفاٌ :
_نوسع بقا للكبير ..زيارة غالية والله .
تضحك غادة وهي تنتحي بهانيا جانباً لتهتف بسعادة :
_حماتك شكلها طايرة بيكِ .
فتتوهج ملامح هانيا مع كلماتها :
_من امبارح وهي هتموت م الفرحة ..اتصلت بكل قرايبها تعزمهم ع المناقشة ..ما تتصوريش فرحتي وأنا سامعاها بتتباهى بيّ قدامهم .."الدكتورة مراة ابني" ..
تقول كلماتها الأخيرة مقلدة لكنة حماتهما ورافعة ذقنها بإباء لتضحك غادة ضحكة عالية فتمسد هانيا بطن صديقتها بخفة لتردف بنفس السعادة :
_انتِ راضيتيها بطريقتك وأنا راضيتها بطريقتي ..نبقى خالصين .
فتعود غادة للضحك للحظات ثم تميل رأسها لتقول بترقب:
_عندي مفاجأة .
ترمقها هانيا بنظرة متسائلة لتردف بضحكة عاطفية :
_طلعوا بنتين ..اتفقت مع سيف نسميهم "هانيا" و"إيناس" !
_هانيا؟! هتسمي هانيا؟!
تهتف بها هانيا بانفعال ثم تنكب عليها من جديد تعانقها لتضحك غادة دامعة العينين بتأثر من رد فعلها ثم تربت على ظهرها لتردف بامتنان دافئ:
_اخترت أقرب اسمين في الدنيا ليّ دلوقت ..لولاكِ عمري ما كنت هاوصل لبر الأمان ..
ترفع إليها هانيا عينين دامعتين تأثراٌ فتمسح غادة دموعها بسرعة هاتفة بمرح :
_مفيش عياط النهارده يا دكتورة ..اتشطري بس والحقي هاتي بنت نسميها على اسم طنط عشان ما تقفشش علينا .
_بنت تاني؟! ده كان يامن قطع علاقته بيّ !
تهتف بها هانيا لتتعالى ضحكاتهما من جديد فاضحة ارتياحاً حقيقياً لصديقتين رست سفنهما فوق المرفأ الصحيح أخيراً بعد طول سفر ..
_بنتين يا كبير ! بتنتج ب"الجوز"؟!
يهتف بها رامز بمشاكسته الوقحة كالعادة فتحمر أذنا سيف بخجله المعهود مكتفياً بابتسامة لتلكز أمهما رامز في كتفه وتنهره هاتفة :
_صلي ع النبي كده وسمي ..الله أكبر ..واتشطر انت كمان وهات لنا فردة واحدة حتى !
_أوبا! الحاجة بتحرجني وأنا بتقمص .
يقولها رامز بمسكنة مصطنعة فيضحك سيف وهو يهم برد لولا أن انطلقت صرخة رانيا في الجوار لتعلن عن الحدث المنتظر ..
======
_مناسبتين في يوم واحد ! كتير عليّ كده والله !
يهتف بها يامن بمرحه الفظ وهو يدخل إليها غرفتها في المشفى عقب ولادتها مباشرة لتتقدم إليه نبيلة بالصغيرة التي فاضت لها ملامحه حناناً ناقض غلظة قوله :
_مرحباً بكِ في "جبلاية الحريم" اللي ربنا ابتلاني بيها .
_اخس عليك يا يامن ..البنات كلهم خير .
تهتف بها نبيلة بحنان فيضحك أشرف وهو يحتضن كف زوجته حيث جلس على فراشها قائلاٌ بود:
_سيبيه يا طنط ..بكرة يتحايل عليّ عشان يشيلها وأقولله أبداٌ .
وكأنما يعانده يامن فيتناول الصغيرة من بين ذراعي أمه ليضمها لصدره بقوة حنون مع قوله :
_بس ..بس ..أنا ليّ فيها زيي زيك ..قوليله يا رانيا .
تبتسم رانيا عبر ملامحها المتعبة لتقول بصوت شاحب:
_لولا إني مش عايزة أكبرك كنت قلت إن جدها مش بس خالها .
كلماتها مع صوتها المنهك ترسم المزيد من خيوط الحنان حول ملامح يامن الذي تقدم نحوها ليسألها باهتمام:
_انتِ أحسن دلوقت ؟!
تهز له رأسها مطمئنة فيضغط أشرف كفها في راحته بحنان ليسألها :
_وعدتك انتِ اللي تسميها ..هه؟! عايزة نسميها إيه ؟!
_ما تسموش من غيري
تهتف بها داليا وهي تدخل الغرفة لتوها فتهتف بها هانيا بتحفز:
_بس يا جبانة ..لسه جاية تظهري دلوقت .
_انتِ عارفاني ما بستحملش ..كنت هاقع منكم .
تقولها بنزقها المعهود وهي تتلقف الصغيرة من يامن لترمقها بنظرات مبهورة مردفة :
_قمر قوووي ...خدي قلبي مش عاوزاه ..دي نسميها "راوند" وش!
_وده إيه راوند ده ؟! قبل الفطار واللا بعد الفطار ؟!
يقولها يامن بتهكم فظ لتلكزه ياسمين التي وقفت تحمل يمنى في خاصرته لترفع داليا أنفها هاتفة باعتزاز :
_ده اسم فارسي ..معناه حبل تعلق عليه عناقيد العنب .
_والله ما حد عايز يتعلق غيرك يا مجنونة .
يقولها يامن وهو يمط شفتيه باستياء لترد رانيا بصوتها الواهن :
_لا ..عايزة أسميها "أماليا".
_وإيه أماليا ده كمان ؟!
يسألها يامن مستنكراٌ لترد مدافعة :
_ده اسم يوناني معناه اللطيفة الجميلة .
_يااخواننا نقوا أسامي بني آدمين بقا ..إيه ده ؟!
يهتف بها باستنكار فيقول أشرف عبر ضحكاته :
_خلاص اختار انت.
يصمت للحظات مفكراً ثم يقول بحسم:
_هيسكالاتاه.
_إيه؟!
يهتف بها الجميع في آن واحد باستنكار ليقول ببراءة مصطنعة عبر تهكمه :
_ده أصله منغولي ..ومعناه العبد لله مسك الحديد تناه .
ضحكاتهم تنطلق صاخبة في نفس اللحظة لترتج بها جدران الغرفة ..
فترقبهم نبيلة مكانها وهي تزداد يقيناً في كل يوم أن هذا هو الدور الذي ضلت عنه عمراٌ لكنه الآن وجدها ليمنحها جائزة "الأوسكار" !
فرحتهم وهم ملتفون حولها بسعادتهم الراضية ونظراتهم المطمئنة تساوي لديها الدنيا وما فيها ..
_بفكر أسميها نبيلة .
تقولها رانيا بحنان أخيراً وهي تقرأ بشخصيتها المستحدثة نظرات خالتها ..
فتدمع عينا نبيلة وهي تهز كفها برفض لتقول بصوت متحشرج:
_لا لا ..نبيلة ده اسم قديم قوي ..وبعدين عايزاها تطلع زيي مثلاً؟!
هنا يتحرك يامن نحوها شاعراً بانفعالاتها الداخلية التي ماعادت تتكلف إخفاءها تحت قناع "النجمة" كالسابق ..
فينحني ليقبل جبينها باعتزاز ثم يضم كتفها لصدره بينما رانيا ترد بحرارة لا تدعيها:
_وأنا أطول تطلع زيك ؟! لولاكِ انتِ ويامن كنا ضعنا بعد وفاة بابا وماما الله يرحمهم .
تتدفق الدموع من عيني نبيلة وهي تشعر بتاريخ تقصيرها الطويل معهم يكاد يطفو للسطح من جديد لكنها تطمسه بهذه النظرات الدافئة العطوف التي تتدفق من عيونهم جميعاٌ ..
فتعاود هز كفها برفض قائلة :
_برضه لأ ..نبيلة قديم ..
ثم صمتت لحظة لتدور بعينيها بين وجوههم من جديد مردفة :
_سميها فرح ..على اسم اللي كلنا دلوقت حاسيناه بعد مرارة الأيام اللي فاتت دي كلها .
_موافقة .
تهتف بها داليا بصوت عالٍ ليتبعها الجميع واحداً تلو الآخر ..
تلتفت رانيا أخيراً نحو أشرف بعينين متسائلتين كأنما تختبر رضاه عن الاسم ..
فينحني ليقبل وجنتها بحنان قائلاً :
_مش هتبقى أول فرحة ..مامتها قبلها كانت فرحة عمري كله.
_اوعوا تكونوا سميتوها من غيري .
تهتف بها نشوى التي دخلت لتوها مع ريما فيما بقي إسلام مع مروان ورامز بالخارج ..
_بصراحة ..آه ..كنا بنفكر في فرح.
يقولها أشرف بمرح فتتلقف نشوى الصغيرة لتتفرس في ملامحها بحنان قائلة :
_حلو قوي ..سبحان الله لايق عليها كأنها اتخلقت له ..
_عقبالك .
تهتف بها رانيا لترتبك ملامح نشوى وعيناها تغيمان بنظرة غامضة بينما تتطلعان لريما التي وقفت تشد ملابسها هاتفة :
_وريها لبابا ..وريها لبابا ..
_مش لما تشوفيها إنتِ الأول .
تقولها نشوى بابتسامة مرتبكة وهي تقرب الصغيرة بحذر من ريما التي أشاحت بوجهها برفض هاتفة :
_مش هاشوفها إلا معاه ..تعالي نوريهاله أو هاروح أندهله ..
تقولها ثم تندفع للخارج لتنفذ ما تنتويه فتتنهد نشوى ونفس النظرة الغامضة تزداد كثافة في عينيها ..
يطرق إسلام الباب ليدخل مع ريما التي تجذبه من ذراعه بلهفة هاتفة :
_مارضيتش أشوفها غير معاك ..ياللا بقا ..
يبارك لرانيا بمرحه المعهود ثم يتناول الرضيعة من نشوى ليقبل وجنتها من بعيد بخفة قائلاً :
_نسخة من أشرف .
فتضحك رانيا قائلة بعفوية :
_نبيلة بتقول لما الست بتحب جوزها قوي بيطلع ابنها شبهه ..عقبال ما نشوى تجيبلك نسخة منك .
_يااااارب!
يهتف بها بلهفة وهو يقرب الرضيعة من ريما التي قبلتها بحرص لتهتف بعدها باعتراض:
_لا مش عايزة نونو شبهك ..هتحبه أكتر مني ..
فتزداد تلك النظرة الغريبة في عيني نشوى تأصلاً وهي تطيل النظر نحوهما ليهتف هو مخاطباً الصغيرة :
_عمري ما هاحب حد أكتر منك ..انتِ البريمو .
_يعني إيه بريمو؟!
_يعني..الأولى ..السوبر ستار .
يقولها مفخماً لهجته بمبالغة لتضحك ريما باستمتاع فيناول الرضيعة لرانيا ..
ثم يبسط ذراعه على كتفي نشوى التي بدت واجمة نوعاً مع ابتسامتها المرتجفة ..
فغمزها بحركته المعهودة مستغلاً انشغال رانيا بين رضيعتها وريما ليميل على أذنها هامساً :
_عقبال ماتجيبلي نسخة مني ..يا عسل .
فتزداد ابتسامتها ارتجافاً وهي ترد له لهجته بمثلها :
_اتنين منك خطر على البشرية ..نسخة واحدة يادوب ربنا يقدرني عليها!
=======
_أنا فاشلة ..فاشلة !
تهتف بها داليا لنفسها وهي تخبط رأسها في طرف طاولة المكتب عدة مرات بيأس قبل أن تعاود رفعه وهي تنظر لكتبها التي تراصت أمامها ك"قتلى حرب" !!
موعد الاختبارات النهائية يقترب وتخشى بمستوى تحصيلها الرديئ هذا أن تضطر لإعادة العام !!
_يارب أنجح وأتخرج يارب ..دي آخر سنة !
ترفع كفيها بدعاء حار ثم تحاول فتح مذكرة ما أمامها لتجتهد في التركيز لكنها تعاود إغلاقها بزفرة ضائقة ..
تدور بعينيها في الغرفة حولها والتي تحولت لما يشبه "اسطبلات" الخيل من فرط ما تعج به من فوضى ..
ليست غرفة المكتب فحسب ..الشقة كلها كذلك !!
تدمع عيناها رغماً عنها وهي تنهض محاولة ترتيب المكان لكنها لا تدري من أين تبدأ ..
فتعاود إطلاق زفرة ساخطة وهي تمسد بطنها ..
لم تتناول شيئاً منذ الصباح ..
جائعة لكنها تشعر بالكسل عن الطبخ ..
بقيت ساعة واحدة على موعد عودة مروان ..
ستطلب منه أن يتناولا العشاء بالخارج هذه الليلة ..أيضاً!!
الخاطر الأخير يكدس المزيد من دموع إحساسها بالفشل في عينيها ..
تتحرك نحو الموقد لتضع القدر ببعض الماء فوقه تاركة إياه يغلي ..
ثم تتناول من الخزانة القريبة ما فضت غلافه بسرعة لتلقيه فيه ..
_اندومي!! تاااااني؟!!!
صوته خلفها يفزعها نوعاً فتلتفت نحوه بعينيها الدامعتين اللتين مسحتهما بسرعة وهي تقول بعنادها المعهود :
_برمي أكياس البودرة والزيت عشان مضرة ..وباعملها بالجبنة الرومي بس ..جيت بدري ليه ؟!
يجذبها من ذراعها نحوه ليتفرس ملامحها ثم يسألها بابتسامته الحنون التي ناقضت مشاكسة عبارته :
_مالك يا آخرة صبري؟!
_كويسة ..زي الفل ..
تقولها هي الأخرى بنبرة تناقض هذه التكشيرة فوق ملامحها خاصة وهي تتفلت من بين ذراعيه لتقلب محتوى القدر ثم تضيف إليه الجبن فيضحك وهو يبسط ذراعه على كتفها هاتفاً :
_أيوة أيوة والاهتمام ما بيتطلبش ولو كنت مهتم كنت عرفت لوحدك والاسطوانة إياها دي .
ترمقه بنظرة جانبية مختلسة دون أن تبتسم فيزيد المزاح بقوله :
_فعلاً الحياة ليست عادلة ..يعني صاحبي الأنتيم يبقى متجوز شيف عندها بدل المطعم اتنين ..وأنا أرجع البيت ألاقي الغدا اندومي !
هنا تلتفت نحوه فجأة بنظرة حادة ودموعها الحبيسة تتحرر من مقلتيها مع كلماتها :
_أول مرة تقارنني بحد !
_داليا .
يهتف بها بجزع حقيقي وهو يجذبها بين ذراعيه في عناق دافئ للحظات ثم يربت على شعرها قائلاً :
_انتِ عارفة إني ما أقصدش ..فيه إيه يا حبيبتي ؟! مالك؟!
تستسلم لبكائها للحظات بين ذراعيه ثم ترفع إليه عينيها بشكواها:
_حاسة إني فاشلة في كل حاجة ..لا عارفة أذاكر ولا عارفة آخد بالي م البيت ..مش عايزة أخذلك وأطلع عيلة ..بس كل الحاجات دي كبيرة عليّ .
فتنهد بحرارة وهو يتحرك ليطفئ الموقد دون أن يبعدها عن ذراعيه ..
ثم تحرك بها ليجلسها على الطاولة القريبة ثم يقف أمامها فيرفع رأسها نحوه قائلاً بمزيج حنانه وقوته المعهود :
_اتعودي دايماً لما تلاقي قدامك مهمة كبيرة قسميها لمهمات صغيرة ..كل ما تعملي واحدة فيهم هتحسي بالإنجاز يحمسك للي بعدها لحد ما تتفاجئي إن الحاجة الكبيرة اللي كانت زي الجبل قدام عينيكِ دي بقت سهلة جداً ..
ثم تناول راحتها في كفه ليدور فوقها بسبابته مردفاً :
_نبتدي الأول بالحاجات اللي ممكن غيرك يعملها ..تنضيف البيت هاجيبلك واحدة تساعدك ..الأكل ..ممكن نستحمل سوا ونقضيها بأي حاجة مش مشكلة ..
تتشقق شفتاها بابتسامة مرتاحة يدللها بشفتيه للحظة ثم يكمل حديثه بنفس النبرة :
_تتبقى مذاكرتك ..ودي محدش هيقدر يعملها غيرك ..بس أوعدك أفضي نفسي كل يوم ساعتين بعد العيادة نراجع فيهم سوا ..أنا طبعاً ما أعرفش في منهجكم حاجة ..بس ممكن أسمعلك مثلاً .
تمد ذراعيها فجأة لتعانقه بقوة وهي تقفز من فوق المائدة لتغرق وجهه بقبلاتها الطفولية فتصدح ضحكته العالية في أذنها وهو يتشبث بها أكثر بينما هي تهتف بانفعال:
_انت مش ممكن ..مهما الدنيا بتقفل في وشي دايماً عندك حل ..أنا بحبك قوي قوي قوي ..
_ربنا يقدرني طول ما أنا عايش ما أشيلكيش هم حاجة أبداً .
يقولها بحنانه الدافئ فتستطيل على أطراف أصابعها لتقبل رأسه بعمق امتنانها ..
رأسه "الأصلع" الذي طالما تندرت بقبح مظهره والآن تجده مع كل يوم يزداد في عينيها قيمة وجمالاٌ ..
حبه لم يكن مجرد كلمات خبا بريقها بعد تملكها بعقد زواج ..
لكن هاهو ذا يثبت لها في كل يوم أنه جنتها على الأرض ..
دعمه واحتواؤه لا يقلان أبداً عن جموح عاطفته ..
هذه التي اختبرت قبساً منها الآن وهو يضمها نحوه ليتذوق اعتراف شفتيها بطريقته التي يعشقها وتعشقها هي مثله ..
قبل أن يبعدها ليتنهد بارتياح وهو يحتضن وجنتيها قائلاً بصدق :
_مين دي اللي تتقارن بأي ست في الدنيا ؟! ده أنا تعب يومي كله بيروح أول ما برجع لك هنا وآخدك في حضني .
تضحك بدلال عاشق وهي تحتضن كفيه على وجنتيها فيضحك بدوره هاتفاً :
_اعملي حسابي معاكِ بقا في الاندومي على بال ما آخد دش ع السريع كده ..تصبيرة ع الماشي لحد ما نخرج نتعشى بره .
عيناها تكتسيان بالخزي من جديد فيضحك وهو يداعب أنفها بسبابته مردفاً باعتزاز:
_سيبك من قصة الأكل دي خالص بكرة تبقي أشطر ست في المطبخ ..ركزي بس في مذاكرتك عايزك تخلصي من الكلية دي بقا .
تهز له رأسها بامتنان وهي تراقبه ينصرف عنها ..
تغرف الطعام "البسيط" في طبقين متشابهين ثم تضعهما على المائدة لتصنع لهما مشروباً دافئاً وتصبه كذلك في كوبين فخاريين متشابهين ..
تراه يعود إليها بمنامته بلونها الأزرق القاتم والتي تشبه منامتها كما تصر هي -بهوس- منذ تزوجا أن تتخير له كل حاجياته متطابقة مع مثيلاتها لديها متى تيسر ذلك ..
تبتسم وهي تشاركة الثرثرة لدقائق مستمعة معه لنوادر عمله الصباحي ..
والتي ختمها بقوله :
_يتوب علينا ربنا! عيال اليومين دول مش أطفال أصلاً ..الولد بكشف عليه ألاقيه مكشر وضارب بوز ..وأول ما خلصت لقيته اتلفت ناحية مامته بيقوللها هاكل سبانخ وأشرب لبن لحد ما تطلع لي عضلات أكسر بيها العيادة دي على دماغه ..
قهقهت ضاحكة وهو يقلد صوت الطفل الذي يحكي عنه ليخبط هو كفيه ببعضهما مردفاً :
_سفاح صغير!
_مش بتحب الأطفال ..اشرب بقا!
تقولها بشماتة ضاحكة ليخبط بكفه على صدره بفخر مع رده :
_مين ده ؟! وأنا سبته إلا لما بقينا أصحاب ..واتفقنا في معاد الإعادة هيجيب التاب بتاعه عشان يلعب معايا لعبته اللي بيحبها .
رمقته بنظرة فخورة طويلة وهي تربت على كفه قائلة بالانجليزية باعتزاز:
_This is my man
فابتسم لها بحب وهو يرد بمشاكسة :
_الفضل لسعادتك ..بعد ترويضك كل ده لعب عيال .
تنهدت بحرارة وهي تتذكر تاريخهما المشترك معاٌ لتقول بهيام :
_عمري ما هانسى عمري الجديد اللي اتكتب بين ايديك ..انت وهو .
تقولها وهي تخرج له لسانها بحركة دلال مغيظة بينما عيناها تشيران لحاسوبه المحمول هناك ..
فضحك وهو يرفع كفها لشفتيه يقبله هاتفاً بغيرة مصطنعة :
_هتخلليني أغير منه ..بس مش هتبقى أول مرة ..ده أنا كان هيجيلي فصام بسببك يا شيخة ..ياااااه ! كل ما افتكر نفسي وأنا بكلمك من الحساب المجهول وبقوللك "لا تتباسطي مع مروان هذا ..أنا أغار" !
جلجلت ضحكتها عالية ليردف بغيظ :
_بتضحكي؟! ده أنا كنت هاضرب نفسي بالقباقيب ع اللي كنت بعمله ده والله !
_بعد الشر عليك يا مارو!
تقولها بدلالها العذب وهي تغادر مقعدها لتعانقه بقوة طابعة قبلتيها على وجنتيه ثم تردف بعجلة :
_هاروح ألبس عشان ما نتأخرش ..نتعشى ونرجع على طول .
لكنه يقف مكانه ليبتسم قائلاً بحنان :
_لا ..هنتعشى ونتمشى شوية تغيري جو عشان تشحني طاقتك كده لبكرة ..مش عايزة تاكلي درة ؟!
_وحلبسة !
تهتف بها بلهفة طفولية فيضحك ضحكة عالية وهو يضمها نحوه بينما هي تردف بنفس النبرة :
_من عربية "حمودة" اللي مكملة تعليمها بره !
تقولها لتتفلت من بين ذراعيه راكضة نحو غرفتها حيث وقفت حائرة أمام خزانة ملابسها ..
اكتسبت الكثير من الوزن بعد الزواج بطبيعة الحال وهو ما يبدو كارثياً لامرأة مثلها ..
لهذا تلكأت أصابعها على الثياب المتراصة أمامها لتفاجأ بهاتفها يرن بهذه النغمة المميزة ..
قدام مرايتها عادي
بتتدلع براحتها ..
بستناها وبستعجلها ..
تضحكلي وأبص لها ..
تختار ألوانها تسأل ..
عن رأيي في فستانها ..
_مين اللي غير لي نغمة الموبايل؟!
تسأله بنظرة متوهجة دون أن تحتاج لجواب وهي تجد الاتصال من رقم إحدى صديقاتها لتتجاهله ..
ثم تلتفت نحوه هو لتجده يهز كتفيه قائلاٌ بابتسامة واسعة :
_أول ما سمعتها قلت ما تليقش على واحدة غيرك ..
ضحكت وهي تجد الرقم يرن من جديد لتنبعث النغمة من جديد فيرددها هو معها بصوته العذب الذي تشعر برنّته تمس وتراً بروحها لم تعرفه قبله ..
فتتنهد بهيام وهي تتخير من ملابسها طاقمين رفعتهما أمام عينيه كأنها تخيره ..
ليكمل بنفس الصوت العذب:
_طب هاختار ازاي وجمالها بيحللي الدنيا بحالها !
=======
تسير جواره متشابكي الأيدي على الرصيف يمسك كل منهما كوبه من المشروب الدافئ الحار لتطلق هي زفرة حارقة هاتفة :
_مشطشطة قوي ..
_قلتلك بلاش شطة وانتِ اللي صممتِ .
_لا لا ..ده جمالها في كده .
تهتف بها مكابرة وهي ترتشف رشفة أخرى من الكوب بعناد تدمع معها عيناها فيضحك قائلاً بإشفاق:
_بالراحة .
يقولها وهو يجدها تسحب كفها منه لتحركه حول وجهها طالبة الهواء بينما تخرج لسانها لتحركه بسرعة فاحمر وجهه وهو يمسك كفها ببعض العنف هامساً بضيق:
_دخلي لسانك احنا في الشارع .
لم تعد ملاحظاته هذه تثير ضيقها وهي تراها تنتقص من شأنها بل صارت تفهمها حقاً كما يريد لها ..
هي نجمته التي يرى فيها الكمال ولن يسمح أن ينتقصها أحدهم يوماً بدلالة عيب ..
لهذا ابتسمت له وهي تطبق شفتيها بعد اعتذار قصير ..
قبل أن تشعر برذاذ المطر الذي بدأ هطوله حولهما وجعله يقول باهتمام:
_كفاية كده ونرجع ..عارفك ما بتحبيش تمشي في الشتا ..
فتتسع ابتسامتها وهي تتأبط ذراعه بقوة لتلصق نفسها به قائلة :
_بس انت بتحبه ..وأنا معاك مابقتش أخاف منه زي الأول ..خللينا نتمشى كمان ..
يبتسم لها بعمق عاطفته ليكملا مسيرهما تحت المطر فتتنهد بحرارة وهي تشعر أنها وجدت معه الأمان الذي عاشت ترجوه عمرها كله ..
لم تعد تخشى ماضياً أو غداً ..
هو كفاها كل هذا!!
يعودان معاً لسيارته فيقودها نحو متجر ألعاب قريب توقف أمامه ليفاجئها بهديته التي عاد بها ..
_ميريدا!
تهتف بها بسعادة وهي تضم الدمية القطنية لصدرها فيضحك قائلاً:
_من غير القوس بس معلش..انتِ مش محتاجة أسلحة ..لسانك كفاية .
تلكزه في كتفه بخفة وهي تغرق الدمية بقبلاتها طوال الطريق تحت نظراته الحانية ..
السيارة تتوقف أمام البناية فيخرج لها من "تابلوه" السيارة كيساً آخر :
_هارمونيكا ..وبِلي..لا لا ..ده كده دلع النهارده ماحصلش !
تهتف بها بفرحة طفولية وهي تضم كل هذه الأشياء لصدرها فيكتنف ذقنها بأنامله ليدير وجهها نحوه هامساً :
_عجبتك الخروجة ؟!
_قوي .
تهمس بها بامتنان ليرد بنفس الحنان الدافئ :
_يعني عوضت دموع النهارده ؟!
تتسع عيناها للحظة ثم تلقي ما بيدها جانباً لتعانقه بقوة دون محاذير فيضحك هاتفاً بخشونة مصطنعة :
_مفيش فايدة ! اصبري لحد ما نطلع طيب ..هاعلم فيكِ لحد امتى بس ؟!
لكنها تتشبث بعناقه أكثر لترفع إليه عينيها هامسة :
_مش هتأسف المرة دي ..حضنك مالوش مواعيد ..خصوصاً في لحظة زي دي ..شكراً يا مروان .
تدمع عيناها دونما سبب ..
وربما لأقوى سبب!!
هذه العاطفة الهادرة التي تزأر بين جنبيها والتي كان يشاركها مثلها وهو يتنهد بحرارة ليقبل جبينها هامساً :
_أنا اللي لازم أشكرك ..زمان كنت بخاف أحلم أحسن الحلم ما يتحققش ..لكن انتِ علمتيني أفضل ورا حلمي لحد ما أحققه ..الفرحة اللي حاسسها دي ..تستاهل!
تبتسم له ابتسامة عاشقة فيرفع أحد حاجبيه بنبرة موحية :
_يتهيألي بقية الكلام الحلو ده تبقى فوق .
فتغمزه غمزة شقية وهي تعاود تناول حاجياتها
لتترجل من السيارة ويصعدان معاً نحو الأعلى ..
أحد الأبواب يفتح لتطل من خلفه طفلة صغيرة ما كادت تراه حتى تهللت أساريرها وهي تهتف باسمه ..
فتلقفها بين ذراعيه قائلاً بحنان :
_خارجة ليه في البرد ده ؟! ادخلي اتدفي .
يطل خلفها والدها ليصافحه قائلاً بود :
_كانت بتتفرج ع الشتا م البلكونة وأول ما شافتك أصرت تخرج تشوفك ..أقوللها ده الدكتور بتاع الحقنة ..تقوللي مروان جميل ..
ضحك مروان ضحكة عالية وهو يقبل الصغيرة بحنان شعرت معه داليا بالغيرة خاصة عندما امتدت عينا الصغيرة نحو ما تحمله هي لتمد ذراعيها الصغيرتين فتنتزعهما منها هاتفة :
_بتاعتي ..ميريدا !
شعر مروان بالحرج والطفلة تتشبث بهدايا داليا ليحاول والدها التدخل وانتزاعها منها لكن مروان هتف مجاملاً :
_سيبهم لها مش مشكلة ..هنجيب غيرهم ..
_لا دي حاجتي مش هاسيبها .
هتفت بها داليا بعناد يشبه عناد الصغيرة وهي تعاود انتزاع حاجياتها منها فانفجرت الأخيرة في البكاء لينقل مروان بصره بينهما بحرج لكن والد الصغيرة ينقذ الموقف فينسحب بابنته ويغلق الباب خلفه ..
يرمقها مروان بنظرة عاتبة فترمقه بنظرة أشد عتاباً وهي تركض نحو درجات السلم لتسبقه ..
وما كاد يدخل ويغلق الباب خلفه حتى هتف بها بعتاب :
_كده ؟! تعملي عقلك بعقلها ؟!
_انت إزاي توافق تديها حاجتي؟!
تهتف بها بعصبية غيور وهي تلوح بذراعيها مردفة :
_إزاي تحضنها وتبوسها كده ؟! الدلع ده ليّ أنا ..أنا بس !
تدمع عيناها في كلماتها الأخيرة فاضحة انفعالاً حقيقياٌ لا تدعيه فيهز رأسه قائلاً بنفس العتاب الآسف:
_بتغيري من طفلة يا داليا ؟!
يزداد تكاثف الدموع في عينيها ثم يفاجأ بها تلقي ما في يدها لتهرع إليه لتطوقه بكل قوتها هاتفة بنفس الانفعال :
_بغير من أي حاجة وأي حد ياخدك مني ..حنانك ودلعك ده بتاعي أنا بس ..أنا بنتك ومراتك وحبيبتك .
لم يكن يعلم في هذه اللحظة هل يبتسم لهذه العاطفة الهادرة التي تسطع كالشمس بين حروفها ..
أم ينهرها ناعتاً إياها بالحماقة !!
_يعني لو جبنا بنت ..هتغيري منها ؟!
يسألها مهادناً ومحاولاً احتواء انفعالها غير المنطقي هذا لترفع إليه عينيها هامسة بصوت متحشرج :
_يمكن عشان كده مش عاوزة دلوقت ..أنا عايزة أشبع من حبك ده ..مش عايزة حد يشاركني فيه ..
فيهز رأسه بابتسامة وإبهامه يدور ببطء على شفتيها مع همسه :
_لا أنا كده أسيب "العاشق" التاني يرد عليكِ ..يمكن هو يقنعك أحسن مني .
تبتسم وسط دموعها فتبدو كحمقاء تماماً ليبتسم بدوره وهو يمسح دموعها فتأخذ نفساً عميقاٌ قبل أن تبتعد لتتناول حاجياتها وتغادر نحو غرفتهما ..
يلحق بها ليبدل ملابسه لكنه يفاجأ بها ترتدي أحد قمصان النوم المكشوفة ..
_هتبردي !
يهتف بها ناهراٌ بمزيج حنانه وحزمه لكنها تلتصق به هاتفة بدلالها الكارثي:
_ماانت هتدفيني !
_داليا ! بلاش هزار في صحتك ..انتِ عندك امتحانات ومش وقت تعب !
يقولها بنفس الحزم الرفيق وهو يتناول منامتها الشتوية ليعطيها إياها لكنها تحركت بسرعة راكضة نحو الفراش الذي انسلت تحت غطائه لترمقه عيناها بهذه النظرة التي تمزج شقاوة الأطفال بإغواء النساء!
يبتسم رغماً عنه وهو يتقدم نحوها قائلاٌ :
_يعني مفيش فايدة ؟!
_تؤ!
تهمس بها بدلالها العابث فلا يدري أيهما سبقه إليها ..
قلبه أم قدماه ..
معركة عاطفية شديدة الصخب ينصهران بها تحت الغطاء ليضمها أخيراً في عناق طويل لم تكن ترجو أفضل منه نهاية لهذا اليوم ..
تفتح عينيها صباحاً لتجد الفراش خالياً منه ..
كعهده يغادر مبكراً رافضاً إيقاظها معه ..
تتناول هاتفها وهي تتثاءب بكسل لتتسع عيناها بترقب وهي تميز رسالة من العاشق المجهول ..
(حرامٌ في عرف حبك الغيرة ! متى علمتِ بأنكِ طفلة القلب الأولى وامرأته الأخيرة فكيف لمثلكِ أن تغار!)
تتنهد بهيام وهي تعيد قراءة رسالته لمرات ومرات قبل أن تتصل به لتقول كلمة واحدة :
_بحبك .
هذه التي ضبطت مزاجه هو طوال اليوم حتى عاد في آخره ليفاجأ بطفلة الأمس جارته تستقبله على الدرج محتضنة دمية ميريدا ..
كان قد عاهد نفسه أن يشتري لها مثلها لكنه نسي في خضم انشغاله ..
والآن يجدها تضحك له وهي تشرح له بنبرتها الطفولية أن داليا زارتها صباحاً كي تمنحها إياها ..
يبتسم باعتزاز فخور وهو يقبل الصغيرة ليتركها نحو شقته هو بالأعلى ..
والتي فتحها ليفاجأ بترتيبها غير الاستثنائي مع رائحة الطعام الشهية ..
الطعام الذي رُصّ على المائدة جوار شموع رقيقة ..
_انت جيت!
تهتف بها بنزقها المعهود وهي تندفع نحوه من الداخل لتشير لما حولها مردفة بفخر طفولي:
_خلصت مذكّرة بحالها من اللي عليّ ..وطبخت الأكل ده لوحدي ..ونضفت الريسبشن على أد ما قدرت .
يضحك بفخر حقيقي وهو يتقدم نحوها لتتنهد قائلة بامتنان :
_شفت بقا ..كلامك بيعمل المعجزات .
_انتِ اللي معجزة !
يقولها بنفس الفخر وهو يحاول عناقها لكنها تبتعد مشيرة لهيئتها المزرية بشعرها المتعرق الذي التصق بجبينها ومنامتها التي اتسخت في مواضع عدة ..
_ممنوع اللمس لحد ما أستحم وأغير هدومي ..مش طايقة نفسي..ريحتي ..
لكنه يقاطعها غير آبه بملاحظتها ليجذبها نحوه في عناق قوي قبل أن يغرق وجهها بقبلاته ..
هذه هي صغيرته التي يحبها ويفخر بها ..
والتي لا يكفيها سوى قبس من حنانه كي تتوهج كشمس!
_للدرجة دي مبسوط مني ؟!
تهتف بها بدلالها المعهود ليغيب بين شفتيها مانحاٌ إياها جواباً غير منطوق ..
هو لم يروض جياد عنادها وطيشها الجموحة فحسب ..
هو عرف كيف يوجهها للمرعى الصحيح!
فنعم العشق والعاشق!
======
بلاش بالشكل ده نمشي
طريق العمر لنهايته
ويفضل كل واحد فينا
حاسس ان شئ فايته
جمعنا الحب يوم
لكن بقينا في بعض بنعادي
وصوت العقل قال نمشي
وفيه شئ بينا بينادي
هنبعد فتره ونفكر
عشان يبقى القرار هادي..
عبر شروده في المكان الذي قد يراه للمرة الأخيرة تبدو عيناه وكأنما تعلقتا بباب غرفة مكتب أبيه ..
مغلق!
كعهده منذ الأحداث الأخيرة لم يفتح أحدهم بابه ..
فهل يجرؤ هو الآن أن يفعلها ولو للمرة الأخيرة ؟!
خطواته تسحبه نحو هناك لكنه يشعر بكف أمه يقبض على كتفه بمزيج من حنان وحسم ..هذا المزيج الذي يليق بقولها :
_بلاش! مالوش لازمة يا هيثم !
يلتفت نحوها بعينين دامعتين لترتجف ابتسامتها وهي تشير للمكان الذي تم إخلاؤه حولها ..
مما جعل لصوتها صدىً خاصاً يتردد بينهما :
_البيت ده مش جدران وعفش ..البيت ده كان كل عمري اللي فات ..فاكر إنه سهل عليّ أسيبه دلوقت ؟! ...بس أنا هاعملها ..لازم أعملها ..عشان ألحق اللي باقيلي من نفسي ..ومنكم .
فتزداد كثافة الدموع في عينيه وهو يرى أناملها تتشبث بقلادتها في عنقها ..هذه القلادة التي حملت صورته هو مع إسلام ..
_كل يوم بفكر نفسي إني ما خسرتش ..كفاية قوي إني كسبتكم انت وأخوك ..هو ده المكسب اللي محدش هيقدر أبداً يحرمني منه .
كلماتها الممتزجة بدموعها تدوي برنين حقيقي وسط المكان الخالي فتبدو له كقرع الطبول وسط جدران روحه الخربة ..
تصفق له بإجلال أن اختار برّها ..
ولا عزاء لقلب مكلوم ينزوي خائباً بحسرته بين الضلوع !
_كده كله تمام ..نقلنا كل حاجة ..لسه عايزين حاجة من هنا؟!
صوت إسلام خلفه يدوي كذلك بحشرجة حزن غريبة على طبعه المرح ..
فيلتفت نحوه هيثم ليسأله بتردد :
_هو الراجل اللي هياخده هينقل فيه على طول ؟! يعني ..مش ممكن بعد كده نقدر نزوره ؟!
فيهز إسلام رأسه نفياٌ وهو يدور ببصره في المكان الخالي حوله ليقول بنفس الصوت المتحشرج :
_خلاص ..مابقاش بيتنا!
هنا تجهش جيلان في البكاء فجأة كأنما كل القوة التي كانت تدعيها تلاشت دون مقدمات ..
رغماً عنها تتتابع عليها قبسات من عمرها السابق هاهنا فيركع قلبها استجابة ل"سيد الحنين" الذي لا يُقهر ..
سنوات من العمر كانت هنا ..
والآن تتركها خلفها مشيعة بعار لا ذنب لها فيه !!
لكنها تشعر بحصادها الحقيقي في عناق ابنيها لها ..
هذين اللذين كانا يضمانها الآن بقوة وهما يقبلان رأسها ..
أربعة أذرع تحيطها كدائرة فتمنحها الأمان الذي تحتاجه في هذه اللحظة كي ترفع وجهها من جديد ..
تبتسم وهي تقبلهما تباعاً قبل أن يتحرك ثلاثتهم ليغادروا المكان ..
يقفون جميعاً أمام باب البيت الذي فيتبادلون نفس النظرات التي يغزوها مزيج الحزن والحسرة ..
تمد جيلان كفها نحو مقبض الباب تهم بإغلاقه لكن أناملها ترتجف بقوة ودموعها تخونها من جديد ..
فيهمّ إسلام بفعلها بنفسه مشفقاً عليها من هذه التجربة القاسية ..
لكن المفاجأة أن هيثم هو من سبقه لفعلها !!
الصوت القوي للباب الذي أغلقه بعنف يجعل إسلام وجيلان يرفعان إليه عينيهما ببعض الدهشة ..
لكن ابتسامته الكسيرة التي بدت وكأنها التصقت بشفتيه تمنحهما المبرر !
يرمقه إسلام بنظرة داعمة وهو يشد على كتفه بقبضته فيما تمسك أمه كفه الآخر وهم يتحركون ليغادروا المكان نحو بيتهم الجديد ..
بيت هو أكثر بساطة بكثير لكنه يناسب هذه المرحلة ..
_المنظر من هنا جميل ..
يقولها هيثم وهو يرمق السماء التي اعتدل جوها ..فلا شمس حارقة ولا غيم مؤرق ..
صافية ..هادئة ..كما يرجو لحياته القادمة أن تكون ..
_الميزة كمان إنه جنب بيتي ..ولو إنكم كده كده هتسافروا اسطنبول بعد ما نتيجتك تطلع .
يقولها إسلام وهو يقف جواره واضعاً كفيه في جيبي سرواله بينما يرمق الأفق بشرود ..
لترد جيلان وهي تبسط ذراعيها فوق كتفيهما معاٌ قائلة :
_مش هنفضل مسافرين العمر كله ..أكيد هنرجع .
تقولها بابتسامة مرتجفة فيلتفت نحوها هيثم لتردف هي بنبرتها التي عاد إليها عنفوانها :
_ودلوقت اتفضلوا من غير مطرود شوفوا حالكم ..عايزة أوضب البيت على ذوقي .
تقولها لتغادرهما منادية الخادمة فيبتسم إسلام وهو يتحرك بشقيقه نحو الخارج قائلاٌ ببعض المرح :
_بما إننا اتطردنا سوا ..تعال بقا أغديك ..فرصة أستفرد بيك زي زمان ..واهه تغير جو عشان تعرف تذاكر .
يهز له هيثم رأسه بشرود وهو يغادر معه البيت الجديد ليتوجها نحو سيارة إسلام التي استقلها الأخير ليسأله :
_تحب مطعم معين واللا أخلليها على ذوقي؟!
ورغماً عنه ودون أي تفكير وجد نفسه يذكر له اسم المطعم الذي كان يلقاها هي فيه ..
"شهد قلبه المرّ " الذي وجد نفسه يتجرعه قطرة قطرة فلا يدري هل يمتنّ لحلاوته التي اشتهاها ..أم يلعن مذاق علقمه الذي سيبقى في فمه العمر كله ؟!!
_كويس ده يعني؟!
يسأله إسلام غافلاً عن أفكاره فيجيبه كذلك دون وعي :
_ما بستطعمش الأكل غير فيه .
يهز له شقيقه رأسه موافقاً ليتوه هيثم من جديد في شروده ..
صورتها "نصف الظاهرة" خلف باب شقتها في آخر لقاء بينهما تجتاحه ..
ربما لأنها كانت أصدق مرة رآها فيها !!
هكذا كانت في حياته ..
نصفها فقط هو ما يظهر ..فلما ظهرت بكاملها آن لها أن تختفي!!
يبتسم بمزيج من حنين وشجن وهو يتذكر حلمها الذي حكته له يوماً ..
الشمس كانت خلفهما وهما يسبحان فلما ظهرت أمامهما ..لم تجده معها !!
حب كهذا لن يعرف سوى حياة الظلال ..
أي شعاع نور يقتله !
_وصلنا!
كلمة إسلام لا تبدو له كما هي بل يراها كأنما يقرّها عقله على خاطره الأخير ..
فيتنهد بعمق وهو يغادر السيارة نحو المطعم الأثير ..
مشاهد بعينها تغزوه من ماضيهما المشترك فيراها -بعين خياله- تنتظره هناك ..
بملامحها الفاتنة البريئة ..عينيها العاشقتين ..ولسانها الذي لا يكف عن الكلام ..
يالله !!
حتى ثرثرتها الفارغة هذه قد اشتاقها!!
_هيثم باشا! فينك من زمان ؟! نفس الطلب واللا نغيّر ؟!
يسأله النادل بود حقيقي فيرمقه إسلام بنظرة إدراك فاهماً لماذا اختار هذا المكان بالذات ..
لكنه شعر بالقليل من الارتياح مع جواب شقيقه :
_لا ..هاغيّر المرة دي .
يقولها مختاراً أن يفصل عقله عن تيه روحه وقلبه في جنة ذكرياته هنا ..
يتجاوب بلسانه مع حديث إسلام ..يتناول الطعام بظاهر وجهه المبتسم ..
لكن هناك ..
هناك داخل أعمق نقطة بروحه ..
كانت هناك دمعة كبيرة يشك أن تمسحها يوماٌ يد الحياة !
_الأكل حلو فعلاً هنا كان معاك حق ..بس أنا متأكد إن فيه حتت تانية أكلها أحلى!
يقولها إسلام بنبرة ذات مغزى وقد أدرك بحدسه ما يدور في رأس شقيقه فيرد هيثم بابتسامة جانبية باهتة وهو يهم برد موارب ..
لولا أن سمع صوت رنين هاتف إسلام والذي فتح الاتصال ليرد بمرح حقيقي:
_وحْش الشاشة ! كنت مستني تفتيشك ده من الصبح ..أنا مع أخويا ..أصور نفسي وأبعتلك الصور؟!
يضحك ضحكة عالية وهو يتلقى ردها "الشوكي" ..ليرد :
_جامدة ! أموت أنا في الستات الواثقة من نفسها دي ..والله وعلامي فرَق معاكِ يا ست نشويات !
يبتسم هيثم برضا عن السعادة الحقيقية التي تلون ملامح أخاه الذي يستطرد بحنان دافق:
_عنيّا لريما ولمامة ريما ..مسافة السكة أكون عندكم .
يقولها ثم يغلق الاتصال ليهتف بهيثم :
_ريما عايزة تشوف فيلم أنيماشن في السينما ..هاعدي عليهم في المصنع ..ما تيجي معانا .
يهز له هيثم رأسه موافقاً فيتحركان معاً ليغادرا المطعم الذي رمقه هيثم بنظرة مودعة أخيرة وهو لا يدري إن كان سيملك القوة ليعود هنا يوماً ..أم لا ..
ترى كيف حالها الآن؟!
قالت إنها ستسافر لعلها ستفعلها بعد انتهاء فترة الامتحانات !
هل ستقوى على البعد حقاً ؟!
وهل سيقوى هو؟!
يلمح النادل يلوح له من بعيد ثم يغمزه بحركة خاصة قرأها قلبه أنها تخصها هي ..
تراها لا تزال تزور المكان هنا مثله تتنسم رحيق ذكرياتهما ؟!
أم أنها تبذل جهدها في التناسي مثله ؟!
خواطره تبتلعه طوال الطريق الذي قطعته السيارة نحو مصنع أشرف حيث تنتظر نشوى مع ريما ..
يرصف إسلام السيارة ليغادرها معه نحو الداخل ..
لكنهما ما كادا يتقدمان حتى فوجئا بأشرف هناك يقف ..معها !!
شهد !!
هنا!!
يعقد إسلام حاجبيه بنظرة قلقة كان لها ما يبررها وهو يرى هيثم جواره وقد شحبت ملامحه وارتجفت أنامله التي شبكها جواره فاضحةً تشنج جسده ..
فيما كان هيثم يكاد يشتعل مكانه ورؤيتها هنا مع أشرف تعيد إليه تلك الذكرى الكريهة ..
مشهدها بثوبها المكشوف تتهادى خطواتها لتستقل السيارة ..
سيارة والده التي تبتعد بهما لوجهة لا يعلمها ..
يتفصد جبينه عن عرق خفيف وهو يشعر بصراع روحه يشتد ..
بين قلبه الذي بدا وكأنه بعث برؤيتها من جديد ..
وبين جحيم ذكرياته الذي يصهره لفحه !!
وأخيراً ..يأخذ قراره فيتقدم نحوها خطوة لكن إسلام يقف أمامه وقد ازداد انعقاد حاجبيه :
_بلاش !
كلمته الصارمة بدت كرجاء أقرب منها للنصيحة ..
لكن هيثم رفع أنفه وقد اشتدت ملامحه أكثر راسماً على وجهه قناعاً من جمود ..
_ما تخافش .
يقولها فيرمقه إسلام بنظرة طويلة متفحصة قبل أن يفسح له الطريق ليراه يتوجه نحوهما ..
_هيثم!
يهتف بها أشرف بنبرة مصدومة وهو يلمحه لأول وهلة فيما لم تكن شهد أقل منه صدمة وهي تراه أمامها !
الألم الذي ذبح ملامحه لم يكن يحتاج منها لكثير فهم ...
الآن تدرك ما يدور برأسه تماماٌ ..
ذنبها سيبقى حبلاً حول عنق حبهما لا تزيد الأيام حلقته إلا ضيقاً!!
_شهد كانت جاية تسلم عليّ قبل ما تسافر .
يقولها أشرف ببعض الحرج متفهماً حساسية الموقف ليرد إسلام الذي اقترب بدوره :
_طول عمرها الآنسة شهد صاحبة واجب .
لم يستطع منع رنة التهكم الضائقة في صوته وهو يناظرها الآن ..
رغم يقينه أنها تعشق أخاه لكنه كذلك لا يستطيع منع نفسه من هذا الشعور بالضيق نحوها ..
لو تهاون فيما حدث مع أبيه بزعم أنه كان يستحق ..
فماذا عن وجع أمه بسببها؟!
وماذا عن جرح أخيه الذي لم يبرأ بعد ؟!!
هو ليس ملاكاً ليعفو عن كل هذا ..
لكن هل هي كذلك ؟!
يقطع أشرف أفكاره وهو يسحبه جانباً تاركاً لهيثم وشهد حرية الحديث بقوله :
_نشوى مستنياك مع ريما ..
يتردد إسلام قليلاً وهو لا يريد ترك أخاه وحده لهذه الدوامة من جديد لكن أشرف يجذبه ببعض العنف مردفاً :
_تعال قوللهم إنك جيت .
يستجيب له أخيراً على مضض ليتحرك مبتعداً ..
وفي مكانها كانت شهد واقفة تراقب هيثم الذي أطرق برأسه أمامها وقد عجز عن مواجهة عينيها ..
كل القوة التي ظنها في نفسه تتبخر فلا يشعر إلا بهذا الوهن الذي يجتاحه ..
_خلصتِ امتحانات ؟!
يسألها بلا معنى وكأنه لا يعرف الجواب ..
وكأنه يبحث فقط عن مدخل ليسمع صوتها ..
هذا الذي وصله متحشرجاً مع جوابها :
_لسه مخلصة ..عقبالك ..وعقبالي السنة الجاية لما أتخرج زيكم ..أنا خلاص هانقل ورقي لجامعة الاسكندرية .
_وأنا كمان هسافر تركيا بعد النتيجة .
يقولها بنفس النبرة الضائعة وقلبه يستصرخه أن يرفع عينيه نحوها لكنه كان لايزال عاجزاً عن فعلها ..
_ربنا يوفقك .
تقولها بنبرة ميتة كأنها تودعه فيزمّ شفتيه بقوة لكن الكلمة تنفلت من بينهما حارقة :
_آسف .
_آسفة .
تقولها بعد صمت لحظات كأنها تمنحه صك غفرانها ..
ذنبه يقابل ذنبها ..فمن فيهما يملك حق العتاب؟!
لهذا ازداد تحشرج صوته وهو ينكس رأسه أكثر قائلاٌ :
_ لازم أبعد .
_لازم أبعد .
تقولها فتبدو صدى لعبارته هو ..لكن لمَ العجب؟!
كلاهما في هذه اللحظة كان يخطو معصوب العينين فوق الطريق الذي اختارته له الحياة ..
فمن يملك الشجاعة كي يحيد ؟!
لكنه وجد أخيراً بعض القوة ليرفع عينيه الحمراوين محتقنتين بدمعهما نحوها ليقترب منها خطوة هامساً :
_أنا..بحبك .
يقولها دون تفكير وقد شعر أنها فرصة قلبه الأخيرة في وداع يليق بغرامه ..
لترتعش ابتسامتها وحروفها تتراقص على سيف الوجع بحديث مشابه :
_وأنا ..بحبك .
يعض شفته بقوة كادت تدميها ولايزال حديثها يبدو فقط مجرد تكرار لحديثه ..
فيشيح بوجهه هارباً من فيض نظراتها السخي لكنها تردف بعبارتها الأثيرة :
_مهما حصل بيننا افتكر ..إني عمري ما حبيت ولا هاحب حد غيرك .
يغمض عينيه بقوة وهو يود لو يفعل مثلها فيكرر لها عبارتها ..
لكن الحروف تموت على شفتيه المرتجفتين ..
الشمس صارت أمامكما يا أحمق!!
والعوْم معها في بحر العشق صار عليك حراماٌ ..
فاقنع ب"نصف ذكرى" ..ب"نصف وعد" ..ب"نصف حب"..
هي كانت ولا تزال أيقونة ال"بيْن بيْن" خلف باب موارب!!
يفتح عينيه أخيراً كي يعانقها بنظرة أخيرة لكنه لا يجدها ..
شهقة جزع تنفلت من بين شفتيه وهو يدور بجسده في المكان حوله باحثاً عنها لكنها كانت قد اختفت تماماٌ ..
يفتح ذراعيه كأنه يعانق طيفها الراحل فلا يصله صوت السكون حوله ..
ذنبٌ سيبقى العمر بينهما ..
طعنة وسط الضلوع !
و أسلم حل دلوقتي
نغيب عن بعضنا شويه
يا جابنا البعد تاني لبعض
و ردّك من جديد ليا
يا نبعد واللي بينا يعيش
جميل في عينيك و في عينيا..
اعتبرنا خدنا هدنة من عهودنا ..
كل واحد فينا قلبه يكون وحيد ..
تبقى فرصة نداوي روحنا من جروحنا ..
أو نشوف الصورة أوضح ..من بعيد ..
========
_صباح الخير !
صوت همسة الرقيق يداعب أذنه كعهده كل صباح فيفتح عينيه ليطالع نظراتها العاشقة ..
يبتسم وهو يراها تميل على وجنتيه بقبلتين ناعمتين لتتشح ابتسامته بطيف من الذنب وهو يشعر بشفتيها تتلكآن فوق ملامحه ..
هو لم يقربها -كزوج- منذ عرف عن وفاة أمه بتلك الطريقة البشعة !
شعوره بالذنب منعه التمتع بوصالها الذي اشتاقه طوال هذه السنوات ..
لكنه لم يستطع أن يفعلها !
هو اعتاد كبح جماح نفسه معها طوعاٌ من زمن لكنه الآن يشعر أن الأمر لم يعد بيده ..
ربما استعاد بعض حيويته برجوعه للعمل وباختلاطه المستحدث مع الناس..
لكنه لايزال عاجزاً عن مد كفيه نحو نجوم سعادته الكاملة بعشقهما!!
لهذا اكتفى بقبلة خاطفة لثغرها قبل أن يدفعها برفق لينهض من رقدته ويغمغم بما يشبه الاعتذار:
_عندي شغل كتير النهارده ..لازم أفوق بسرعة كده عشان أروح .
_زين قاللي إنك ممكن تاخد النهارده أجازة ..وبصراحة ..كنت حابة نقضي اليوم سوا .
تقولها ببعض الحرج وهي تشعر بتباعده الجسدي عنها..
لتتشدد ملامحه بضيق حقيقي ..
ضيق من نفسه لا منها هي ..
هذا الذي ترجمته حروفه العصبية :
_مش انتم اللي كنتم عايزينني أرجع الشغل وأحتك بالناس ؟! أنا فعلاً مابقيتش عايز أبطل شغل .
تدمع عيناها رغماً عنها حساسيةً من نبرته المنفعلة لكنها تتفهم هذا الضغط الذي يعيشه فتعتدل بجسدها لتربت على ظهره قائلة بابتسامة مرتجفة :
_أنا فعلاً فرحانة إنك رجعت تشيل الشغل زي زمان ..بس مفيهاش حاجة لو نقضي النهارده سوا ..
_اشمعنا النهارده ؟!
يسألها بالمزيد من الذنب وقد لانت نبرته فتزداد ابتسامتها ارتجافاً وهي تشير لقرط أذنيها بشكله الغريب الذي كان يراه هو فراشة وتراه هي راقصة باليه :
_معقول نسيت؟!
يعقد حاجبيه للحظات ثم تتسع عيناه بإدراك وهو يميز أنه اليوم الذي اختاراه منذ سنوات طويلة ليكون عيداً لحبهما ..
اليوم الذي اعترف لها فيه بحبه لأول مرة وأهداها هذا القرط مع سلسلته التي تحمل دلايتها نفس الشكل ..
والتي لم يرها ترتدها طوال هذا السنوات ..لكنها الآن تفعل !!
_دي الحاجة الوحيدة اللي مش فاكراها ..إزاي ولا امتى قلعتها ..بس امبارح بالصدفة وأنا بقلب في حاجتي لقيتها ..وفرحت جداٌ إني لقيتها !
تقولها بعينيها الدامعتين برقتها الملائكية المميزة فيبتسم وهو يجذبها نحوه فجأة ليطوقها بذراعيه بقوة حانية امتزجت بطيف الذنب في حروفه :
_مش عارف أقوللك إيه ! يعني دلوقت انتِ اللي بتفتكري وأنا اللي بنسى!
حروفه تنتهي بعدة قبلات متتابعة لجبينها تحمل لها اعتذاراته فترفع إليه عينيها هامسة بنفس الرقة المتسامحة :
_وأنا إيه وانت إيه ؟! مش واحد !
تقولها ليعانق ثغرها شفتيه بحرارة عاطفتها ..
فيغمض عينيه بقوة وهو يغيب معها في دوامة قصيرة اقتلعت صبره من جذوره لتلقي به على ظهره في واديها بلا حول ولا قوة ..
لكنه يشعر أخيراً بهذه الوخزة في قلبه !
يبعدها ببعض العنف لينتفض من مكانه واقفاً مع قوله بصوت لاهث :
_معلش ..الشغل كتير ولازم ..
يقطع عبارته دون إكمال وهو يندفع خارج الغرفة كأنه يهرب من طغيان عاطفته الذي يجتاحه هادراً ..
يعلم أنه يظلمها بحياتها الناقصة هذه معه بل ويظلم نفسه قبلها لكن ..ليس بيده !
تحت الماء البارد يقف مستسلماٌ لاغتساله الصباحي وهو لايدري إلى متى سيبقى عالقاً هكذا في ذنب أمه ..
أمه التي أسلمها يأسها منه لأن تزهد حياتها !
فأي عقوق هذا لو سمح لنفسه أن يبني سعادته فوق أطلال عمرها المسكوب على أرصفة خذلانها ؟!
يشعر بلهيب جسده يهدأ قليلاً تحت الماء البارد فيغلق الصنبور أخيراً ليجفف نفسه ويعاود ارتداء ملابسه عبر شروده في حالها هي الآن ..
إلى متى ستحتمل خذلانه ؟!
وأمام باب الحمام المغلق كانت هي تقف بملامح بائسة تتحسس سلسلة عنقها بأسى ..
هي ليست حانقة عليه ..
هي فقط تشعر بالعجز أمام جبل حزنه الذي لا يبدو وسط البحر سوى النذر اليسير من قمته فيما يبقى بأكمله مغموراً وسط موج كتمانه ..
تراها تشق عليه بسعيها المتواصل هذا لإذابة الجليد بينهما ؟!
ياقوت نصحتها ألا تكف عن المحاولة لكنها طلبت منها كذلك ألا تلحّ عليه كي لا يشعر بالمزيد من الذنب ..
الموازنة بين الأمرين تبدو صعبة كثيراً ..
لكن منذ متى كان ما بينهما يفتقر إلى الصعوبة ؟!
هو احتملها صابراً طوال هذه السنوات ..
أفلا تحتمل هي بضعة أشهر؟!
إنه ميعاد قلب الأدوار كما تزعم ياقوت دوماً !!
تنقطع أفكارها وهي ترى الباب أمامها يفتح فجأة ليخرج هو منه ..
ينعقد حاجباه بتفحص لملامحها بقلق فضحته عيناه لكنها بددته بابتسامتها الواسعة التي ناسبت قولها :
_حضرت لك هدومك ..البس على ما أحضر لك الفطار .
تقولها وعيناها تمنحانه الطمأنينة التي يحتاجها في هذه اللحظة ..
فترتجف على شفتيه ابتسامة اعتذار وهو يهز لها رأسه ..
لتنصرف هي بخطوات شبه راكضة كفراشة تحلق في عالمه فلا تملك إلا أن تنيره بعاطفتها .
يتناولان الإفطار سوياً ليشعر بها تتحاشى الحديث عما دار بينهما منذ قليل تماماٌ ..
يحس بها تتكلف الانفعال المرح وهي تحكي له عن آخر فيلم شاهدته ..عن آخر تجولات تسوقها ..عن حاجتها للصداقات ..
قبل أن تردف بنبرة راجية :
_كنت بفكر بعد إذنك لو ترجعها تعيش معانا هنا .
تقولها ذاكرة اسم "خادمتها"الوفية التي لازمتها طوال هذه السنوات في مرضها والتي ظن هو أنها لم تعد بحاجتها منذ تزوجا ..
_عندنا خدامة غيرها ..بلاش هي ..مش حابب تفكرك بأيام زمان ..كده كده انتِ بتشوفيها عند زين .
يقولها مبرراً لترد بمزيج خجلها ورقتها :
_هي ماكانتش مجرد خدامة ..كانت أقرب لصاحبتي ..وبصراحة أنا حاسة إني محتاجاها هنا دلوقت ..خصوصاً إنك أغلب الوقت ..
تقطع عبارتها بالمزيد من الحرج وهي تخشى أن يسيئ تأويل الأمر ..
تماماً كما فعل الآن وهو ينتفض مكانه ليهتف بانفعال :
_سكتتِ ليه ؟! كملي ..خصوصاٌ إني أغلب الوقت مشغول ومش فاضي وانتِ متذنبة هنا لوحدك .
وهذه المرة لم تستطع تكلف ابتسامة أو مداراة دمعة ..
فقط أطرقت برأسها وقد كتفت ساعديها في مشهد أدمى قلبه وهو يذكره بعهدها القديم ..
لهذا لم يشعر بنفسه وهو يجذبها من كتفيها ليوقفها أمامه لكنها بقيت مطرقة برأسها عاجزة عن مواجهة عينيه ..
ومواجهة عجزها معهما !!
_بصيلي ..
تهز رأسها قليلاٌ كأنها تناشده التمهل لترفع إليه عينيها بنظرة مزجت قوتها المستحدثة برجائها ..
نظرة لم تسعفها فيها سوى ثانية واحدة قبل أن يحط رأسها على صدره كطير ملهوف..
ليزفر بقوة وهو يشدد قوة ضمه لكتفيها هاتفاً بنفس الانفعال :
_أنا آسف ..آسف ..آسف ..بس ..
يقطع عبارته عاجزاً عن إكمالها لكنها تبسط راحتها المفرودة في وجهه تناشده التوقف ولايزال رأسها مدفوناً بين ضلوعه ..
كأنما تخبره دون كلام أنها لا تحتاج تبريراً ولا اعتذاراً ..
لا تريد سوى نعمة السكن في حضنه ..
وحدها تكفيها كل هذا الشتات الذي يلفها دونه !!
يقبل كفها المرفوع بعمق مشاعره وإحساسه بالعجز يمنعه المزيد ..
تنفرج شفتاه يبحث عن اعتذار أو ترضية تليق لكنه يعاود إطباقهما من جديد بقوة ليكتفي بقبلة لجبينها..
قبل أن يتحرك ليغادر البيت بسرعة في هروب غريب على شخص بطبعه ..
لكن الحمل على كاهله هذه المرة أكبر من قدرته ..
هو عاش شعور الذنب مع همسة طوال هذه السنوات لكنه جعله حافزه كي يعوضها عن فعلته القديمة ..
لكن ذنبه هذه المرة لا يحتمل التكفير ..
كلما تخيل أن أمه زهدت حياتها لتموت وحدها بينما هو يتنعم بين ذراعي حبيبته يلعن نفسه ألف مرة !!
يصل بسيارته إلى الشركة فيرصفها ليأخذ نفساً عميقاً وهو يعاود الاحتماء بقناعه المعدني ..
يحاول الانشغال بعمله للساعات القادمة هارباً من جحيم مشاعره ليفاجأ أخيراً بمساعدته تخبره عن إحداهن تطلب لقاءه ..
يعقد حاجبيه باستغراب مشوب بالضيق وهو يستقبل المرأة التي دخلت لتوها !
معقول؟!
لماذا جاءت هذه إلى هنا الآن؟!
لكن قناعه المعدني لم يخذله هذه المرة أيضاٌ وهو يقف ليشير لها بالجلوس قائلاً :
_أهلاً جيلان هانم ..اتفضلي .
ترمقه جيلان بنظرة طويلة مشفقة لم يفهمها وهي تقترب لتجلس على كرسي المكتب أمامه ..
فيتنحنح ليقول ببروده غير الخادع :
_خير؟!
_تفتكر جايالك ليه النهارده ؟!
تسأله بوهن غريب على طبيعتها التي يعرفها فيهز رأسه بألم تسرب رغماً عنه عبر شقوق قناعه المعدني ..
وكيف لا؟!
ومرآها هي بالذات يذكره بأمه صديقتها المقربة !!
_انت عارف إن سوزان كانت أقرب صاحبة ليا ..وأنا كمان كنت أقرب واحدة ليها ؟!
تقولها بنفس الحنان المشفق فتلتوي شفتاه بابتسامة مريرة ..
هل جاءت تلومه هي الأخرى ؟!
ولماذا الآن ؟!!
لكنها تتنهد بعمق وهي تفتح حقيبتها لتستخرج منها هاتفاً وضعته أمامه على المكتب لتقول بأسف :
_الخط القديم بتاعي كنت قافلاه من فترة قريبة ..والرقم الجديد ماكانش مع سوزان الله يرحمها ..النهارده احتجت القديم فتحته لقيت رسالة منها ..كانت بعتتهالي يوم فرحك ..يوم وفاتها .
انعقد حاجباه بانفعال فضحته أنفاسه التي تلاحقت فجأة ليهتف بحدة رغماً عنه :
_رسالة إيه ؟!
رمقته بنظرة مشفقة أخرى وهي تضغط أزرار هاتفها لتنطلق الرسالة الصوتية بصوت أمه الذي يعرفه :
_اتفرجي واتعلمي ..أنا ما أتغلبش زيك ..النهارده هارجع رائد غصب عنه ..مش هاهني المجنونة اللي اتجوزها دي على فرحة ..
يزداد انعقاد حاجبيه مع تلاحق أنفاسه حتى شعر بقلبه يكاد يخرج من صدره وبقية الرسالة ينساب بصوت الراحلة يشرح تفاصيل خطتها ..
خطتها الحقيرة !
تتسع عيناه بصدمة والرسالة تنتهي بقولها:
_لعبة وهيصدقها! ..الدكتور مطمنني .. لعبة هتخلليه يسيبها ويجيلي على ملا وشه ..اسمعي كلامي واعملي زيي ..أنا مابحطش حاجة في دماغي إلا وأوصللها .
يغمض عينيه بألم ممتزج بالغضب وهو يسمع جيلان أمامه تقول بنفس الحنان المشفق:
_لما سمعت الرسالة ماصدقتش ..كلمت الدكتور بتاعنا أكد لي كلامها ..بس قاللي إن الدوا اللي سألته عليه مش هو السبب في وفاتها زي ما اتقال في تقرير الطب الشرعي ..تقريباً اتلخبطت وخدت واحد شبهه ..
_اتلخبطت!
يتمتم بها بمرارة تكتسحه الآن بضراوة !!
هي لم تكن تنتوي انتحاراً!!
لم تزهد الحياة يأساً منه كما كان يظن !!
هي كانت تخطط ..تدبر ..تحيك مؤامراتها كما تعودت طول عمرها كي تطارد سرابها القديم ..
وهو ؟!
هو كان مجرد بيدقاً بلا قيمة في لعبتها !!
_كان ممكن ما أقوللكش ..بس إسلام حكالي عن حالتك بعد وفاتها ..صعبت عليّ تعيش بذنب مش ذنبك ..الله يرحمها بقا كانت دماغها هادياها لكده !
تقولها شاعرة بالحنق الذي لا يفيد على صديقتها الراحلة ..
حمقاء ضيعت نفسها بحقدها ..
لكنها هي لا ترضى أن تضيع ابنها البائس هذا أمامها بأن يعيش بشعوره بالذنب عمره كله !!
_ما كانش ذنبك يا رائد ..انسى بقا وعيش .
تقولها وهي تنهض واقفة لتغلق هاتفها بهذا الرقم للأبد ثم تلقيه بعدم اكتراث في حقيبتها ليرمقها هو بنظرة مشتتة وهو يهز رأسه بلا معنى ..
يراقبها تغادر ولم تكد تفعل حتى طلب من مساعدته عدم الإزعاج..
هنا فقط سمح لرأسه أخيراً أن ينهار فوق سطح مكتبه ..
جسده يرتجف بدمع لا يدري هل هو غضباً أم شفقة !!
حتى الحادث الوحيد الذي ظنه يشير لمكانته لديها كان مجرد خطة منها !!
خطة لنبذ غريمتها من الماضي فحسب!!
همسة التي استكثرت عليه فرحته بحبها رغم يقينها بمكانتها لديه !!
لم يدرِ كم مر عليه من الوقت هكذا لكنه عندما رفع رأسه أخيراً كان قد اتخذ قراره ..
كفاه ترنحاً بحديث لم يعد يفيد أحداً !
كفاه اختناقاً بذنب لم يكن له ذنب فيه !!
كفاه احتراقاٌ بنيران لم يشعلها ..ولم يطفئها ..لكنه أكثر من تلظى بها !
هو اكتفى من هذا الماضي كله !
كله!
وليبقَ الغد له ..بل لهمسة ..همسة فحسب!!
_زين ..أنا أجازة شهر !
يقولها عبر الهاتف وهو يلم حاجياته ليغادر المكتب ..
فيرد الأخير بقلق:
_خير؟! همسة كويسة؟! انت كويس؟!
_هنبقى كويسين جداً ما تقلقش ..هاخدها نسافر نغير جو .
يقولها لتصله ضحكة زين الرزينة عبر الهاتف قائلاً بارتياح :
_إن كان كده ماشي ..براحتكم خالص وماتشيلش هم الشغل .
يغلق معه الاتصال ليهرول نحو سيارته التي استقلها ليقود بأقصى سرعة لديه ..
قلبه يخفق بقوة وهو يشعر بعاطفته تتحرر من قيود الذنب ..
سينسى كل هذا !!
سيطرح خلفه الأمس وما قبل الأمس ..
ولن يفكر سوى في غد يحتضن عشقه وعشقها !
يصل أخيراً ليتناول هاتفه فيجري اتصالاً ما ...
يغادر سيارته ثم يهرع لداخل الحديقة باحثاً عنها ..
يكاد يدلف لداخل البيت لكنه يلمحها هناك عند كوخها "السحري" وقد وقفت تنفث الهواء عبر العصا الخاصة لتنبعث الفقاعات الملونة حولها فتضحك ضحكتها الطفولية غافلة عن وجوده ..
تسمع صوت باب الكوخ يغلق فتلتفت نحوه لكنه يستقبلها بعناقه قبل عينيه ..
بقبلاته قبل كلماته التي انسابت في أذنيها دافئة عاشقة :
_وحشتيني ..قوي ..
ترفع إليه عينيها ببعض الدهشة شاعرة أنه قد غادر بوجه غير هذا الذي عاد به ..
لكنه لم يمنحها الفرصة للمزيد وهو يضع ما بيدها جانباٌ ليعود فيغمرها معه بهذا البحر الهائج من عاطفته السخية ..
هذا الذي لم تختبره منذ أيام بعيدة تكاد تقارب عمر زواجهما ..
قبلاته تحمل لها اعتذارات لم تكن تحتاجها ..
لكنها كذلك كانت تحمل لها ما تحتاجه من وعود للغد !
لهذا استسلمت له بكل ذرة في كيانها العاشق وهي ترد له عطاياه بمثلها وأكثر ..
_رائد ..
تهمس بها بهيام وهي تشعر بنفسها معه يعتليان هذه الموجة الهادرة من بحر عاطفتهما الذي جرفهما تياره بأقصى عنفوانه ..
وأخيراً ..يسقطان بشِبَع على رمال السكينة!
ذراعاه يطوقانها فوق الفراش الذي شهد -لتوه- عرضاً ساحراٌ لفصل من فصول قصتهما العامرة ..
بينما همسه يصلها دافئاً حنوناً متملكاً كقلبه :
_آسف على كل الأيام اللي فاتت ..وعد مني أعوضك عن كل لحظة وجع !
تضحك ضحكة رائقة وهي ترفع عينيها لأعلى حيث السماء تبدو لها عبر فتحة الكوخ العلوية لتسأله بحيرة :
_هو حصل إيه ؟! انت ..متغير .
_ما تسأليش ..ما تفكريش ..ماتعمليش أي حاجة دلوقت غير إنك تحبيني ..وبس!
يهمس بها بحرارة مشتعلة وهو يعود ليغرق وجهها بقبلاته مردفاً :
_هنحضر شنطنا ونسافر ..شهر عسل اتأخر كتير ..بس قبلها لازم نحتفل بمناسبة النهارده ..عيدنا اللي اخترناه من زمان ..
يخفق قلبها بسعادة طاغية وهي ترى قبلاته تجتاح قرط أذنها وسلسلتها حول جيدها مع استطراده :
_مش كان نفسك تحضري عرض الباليه اللي بتحبيه ؟! حجزت لنا النهارده قبل ما نسافر ..
_بجد ؟! الله !..دي مفاجأة تجنن يا رائد ..كنت ..
همساتها تنقطع بين شفتيه ولفح العاطفة يصهر ما تبقى من حروفها ..
أناملهما تتشابك بقوة واللحن القديم الذي تضافرت نغماته بنسيج العمر يتردد بين روحيهما بمزيجه العجيب من صخب وسكن ..
"النغمة الشاذة" تسقط منه قسراً فلا يبقى سوى عذب طربه !!
======
فرنسا ..باريس ..
تتناول معه همسة الإفطار في مطعم الفندق الذي اختاره لقضاء إجازتهما ..
يبتسم وهو يحتضن ملامحها بعينيه قائلاً بحنان :
_مبسوطة هنا؟!
تضحك ضحكتها الملائكية وهي تشبك كفيها تحت ذقنها لترد بسعادة حفرت فوق ملامحها حفراً :
_فوق الوصف ..كان نفسي آجي باريس من زمان ..الجو والأماكن هنا كلها تجنن ..
تقولها وهي ترمق طبق "البيض المسلوق" الذي وضع فوق المائدة أمامهما بنظرة خاصة ..
ثم تستخرج من جيب سترتها قلماٌ ترسم به كما اعتادت فوق إحدى البيضات ..
وجهاً يضحك !!
ترفعها في وجهه بضحكة طفولية لتفاجأ بتصفيق هؤلاء الذين كانوا يحتلون المائدة المجاورة ..
تضحك من جديد وهي ترى بعض الأطفال يتقدمون نحوها ويطلبون منها رسم بيضاتهم كذلك !!
"رهبة التجمعات" تعاود غزوها بطيف شاحب وهي ترى نفسها وسط هذا الجمع تجتاحها نظراتهم ..
لكنها صارت تملك من القوة ما يؤهلها لطرح كل هذا خلف ظهرها ..
عيناها تلتمعان بسعادة حقيقية امتزجت ببراءتها وهي ترسم لهم بيضاتهم تباعاٌ ..
الضحكات التي رسمتها لا تبدو وكأنها على قشرة البيض فحسب ..
بل على وجوه كل هؤلاء الأطفال ..
ووجهه هو أيضاً !!
_ماشفتكيش بتضحكي من قلبك كده من زمان .
يقولها وهو يغادر معها المطعم محتضناٌ كتفيها بذراعه ليضمها نحوه فترفع له عينيها قائلة بفرحة عارمة :
_شفتهم كانوا فرحانين إزاي ؟! أنا فرحت كل دول!!
تقولها بدهشة كأنها لا تصدق أنها خرجت من دور "المتلقي" لتأخذ دور "المانح" ..
هذا الذي وصله بخبرته القديمة عنها ليضمها نحوه أكثر هامساً بحنان :
_هتصدقيني لو قلتلك إني شايفك زي الشمس ..القريب والبعيد منها لازم نورها هيوصله !
يعجبها التشبيه فتضحك ..
تشعر بدفء عناقه فتضحك ..
تلفحها حرارة قبلته لوجنتها بعدها فتضحك ..
يسابقها في العدو في ذاك الطريق الممهد أمام برج إيفل فتجاريه بدورها وهي تضحك!
ضحكاتها تبدو وكأنها مثل أنفاسها لا يمكنها التحكم فيها ..
ولا في هذه السعادة التي تغتسل تحت مطرها من درن أوجاع الماضي!!
تقف أخيراً لاهثة تحت مياه هذه النافورة هناك "تروكاديرو" ..
تفتح ذراعيها كطفلة تتلقى رذاذ الماء حولها فلا يملك نفسه وهو يتقدم ليعانقها ..
يدور بها عدة دورات تحت الماء الذي بللهما معاٌ لكنهما لم يهتما ..
ضحكاتهما تمتزج مع زخات الماء التي انسابت تغمرهما من جديد ..
وذاك اللحن الرومانسي الذي يعزفه أحدهم بآلته التي تشبه الجيتار في الجوار ..
يحملها أخيراً وهو يدور بها فتشعر بقدميها لا تلامسان الأرض ..
تفتح ذراعيها كأنها تحلق مكتفية بضمته القوية لها..
_فراشة تحت المطر ..زي ما كنت برسمك زمان !
يهمس بها عبر أنفاسه اللاهثة وهو يتوقف بها أخيراٌ لتمتزج ضحكاتهما دون توقف ..
تحيط وجنتيه براحتيها لتعانق نظراته بعينيها هامسة :
_الفراش بيتحرق لما بيقرب من النور ..لكن أنا ما اقدرش أعيش بعيدة عنك ..انت نوري ..وجناحاتي .
يبتسم لها بحب وهو يضمها نحوه أكثر لتطوف شفتاه فوق جبينها بقبلات من ورد ..
من مطر..
من نور!
هكذا كان شعورها بحبه طوال هذه الأيام التي قضتها معه في أيامها هنا في باريس ..
لهذا لم تشعر بالكثير من الخيبة وهي تستقل معه الطائرة عائدين إلى الوطن ..
إن كانت باريس عاصمة للحب ..
فقلبه عاصمة حبها هي!!
_زين وياقوت وحشوني! تفتكر هنلاقيهم مستنييننا في البيت ؟!
تهتف بها وهي تهبط سلم الطائرة بينما يعانق كفها كفه ليرد بابتسامة خبيرة :
_البيت؟! أراهنك هنلاقيهم مستنيينا هنا في المطار!
تضحك ضحكة رائقة وهي تتأبط ذراعه بحب لينهيا معاً الإجراءات ولم يكاد يخرجان للقاعة الخارجية حتى وجدا زين هناك ينتظرهما بابتسامته الحانية مع ياقوت ..
_زين!
تهتف بها همسة بلهفة وهي تركض نحوه ليتلقفها بين ذراعيه هاتفاً بمرح :
_باريس بتحللي كده ؟!
فتضحك ووجنتاها تحمران خجلاً بانفعالها وعاطفتها لترد ياقوت وهي تحتضنها بدورها :
_ما تكسفهاش بقا ..هي على طول حلوة .
يبتسم زين وهو يعانق رائد عناقاً طويلاً ليرمقه بنظرة متفحصة طويلة كأنه يختبر حاله ..
ليهز له رائد رأسه بحركة خفيفة وعينين ملتمعتين كأنما يمنحه الجواب مطمئناً دون كلمات ..
لا مزيد من وجع الماضي ..لا مزيد !!
سحابة عاطفة دافئة تظلل أربعتهم وهم يغادرون المطار معاً ليستقلوا سيارة زين نحو بيت رائد ..
ابتسامة راضية تكلل شفتي زين وهو يستمع لثرثرة همسة حول الرحلة مع ياقوت التي بادلته النظر في مقعدها الخلفي عبر مرآة السيارة ..
فيقارن بين صورة همسة الآن وصورة طيف شاحب قديم لها لم يعد يريد تذكره ..
هذا الذي فاض في نظرته التي قرأتها ياقوت مكانها لتبتسم له ابتسامة صافية ..
وحديث العيون بينهما يجري كنهر رائق لا توقف تدفقه أي سدود .
يصلان أخيراً لبيت رائد فتشرق ملامح همسة أكثر وهي تفتقد تفاصيل جنتهما الخاصة ..
لتستقبلها أخيراً ..
مفاجأته !!
_يااااه ! انتِ هنا !! وحشتيني !!
تهتف بها همسة بلهفة فرِحة وهي تعانق "خادمتها" الحبيبة فتهتف الأخيرة بسعادة هي الأخرى:
_ما اتأخرش عنك أبداً ..أول ما رائد بيه قاللي آجي ما كدبتش خبر .
تلتفت نحوه همسة بامتنان وهي تتذكر حديثهما منذ بضعة أيام ليرمقها بنظرة خاصة وهو يبتسم لها ابتسامة دافئة كفته الحديث ..
ربما كان مخطئاًّ بشأن هذه الخادمة عندما ظن أنها قد تعيدها لذكريات ماضيها البائسة ..
بل هو حقاً كان كذلك ..
فالسعادة التي ارتسمت على وجه همسة الآن -وهي تعاود عناقها بحب- تخبره أنها حقاً تحتاجها الآن كما احتاجتها من قبل وربما أكثر ..
لهذا مال على أذن ياقوت ليهمس لها بامتنان:
_كان معاكِ حق!
لكن زين يبسط راحة كفه بين وجهيهما بحركة غيور ليقول بمرح لا يخلو من ضيق:
_ماعادش فيه أسرار هنا!
تضحك ياقوت ضحكة عالية وهي تتفهم غيرته غير المنطقية هذه فيما يشاكسه رائد بقوله :
_تفتكر؟!
يقولها وهو يرفع أحد حاجبيه بمكر فتضحك همسة ضحكة رائقة وهي تراهما يعودان لسابق مشاكستهما القديمة ..
_الأكل جاهز !
تهتف بها الخادمة بود وهي تشير للمائدة القريبة فيجلس أربعتهم يتبادلون الحديث ..
أربعة لم تجمعهم مائدة طعام فحسب ..
بل تاريخ طويل من صراع تخطفته أبجدية المشاعر بكل حروفها ..
والآن ينتهي بحرفين فحسب ..
حاء ..وباء!
==========
بيت العز يا بيتنا
على بابك عنبتنا ..
فيها خضرة وضليلة ..
بترفرف ع العيلة ..
وبتضلل يا حليلة يا حليلة ..
من أول عتبتنا ..
يابيت العز يا بيت السعد يا بيت الفرح ..
يا بيتنا ..
تغنيها رابحة في بيت ثمر بصوتها العالي فتنضم إليها ياقوت ولجين تصفقان مع اللحن وهما تدوران حولها لتهز رابحة رأسها وتستطرد بصوت أعلى:
_يا بيت العز ..ياااااا بيتنا !
_وطي صوتك يا مطيورة ..الراجل على وصول!
تهتف بها ثمر بضيق غير حقيقي فضحته ابتسامتها الطيبة وهي تقترب منهن مردفة :
_وبعدين الأغنية دي تغنيها في بيت أبوكِ مش هنا .
فتلف الفتاة ذراعيها حول عنق ثمر بعناق حميمي هاتفة :
_تصدقي وتآمني بالله يا ستنا؟! بيتك أقرب لي من بيت أبويا!
تتسع ابتسامة العجوز الطيبة وهي تربت على ظهر الفتاة لتهتف ياقوت بمرح:
_عارفاه أنا شغل "التثبيت" ده ..تلاقيكِ عاملة عملة ومزنوقة في دعوة حلوة من ستنا !
_هو حد يستغنى عن دعوة ستي ثمر برضه ؟!
تقولها الفتاة وهي تتمسح في ثمر كهريرة مطيعة لتضحك لجين وهي تمسد بطنها البارز قائلة :
_أكيد عريس! هو انتِ واكل دماغك غير سيرة الجواز ؟!
فترفرف رابحة بأهدابها عدة مرات في حركة مستعطفة وهي تنقل بصرها بين لجين وثمر ..
لتهتف ياقوت وقد فهمت مراد الفتاة :
_ادعيلها يا ستي خللينا نخلص ..الراجل قرب يوصل وعايزين نفضي البيت للرجالة ..
_ربنا يروق بالك يا رابحة ويرزقك باللي تتمنيه .
تهتف بها ثمر أخيراً وهي ترفع كفيها لأعلى فتصفق الفتاة بكفيها كأنما نالت مرادها حقاً لتعاود الغناء بصوت عالٍ:
_يا بيت العز ..ياااااا بيتنااااا.
تخبطها ياقوت على رأسها تزامناً مع صوت طرقات الباب لتشهق لجين وهي تسدل نقابها على وجهها هاتفة :
_ده أكيد هو وصل مع إسلام ..دخلليه يا بت رابحة وأنا هاروح أنده عابد .
يتوارين جميعاً في أحد الأركان فيما تتحرك رابحة بسرعة لتفتح الباب ..
تتسع عيناها للحظة وهي تميز الطلة الوسيمة ل"باسل" الذي رمقها بنظرة متفحصة ..
_لا لا لا ..مش هاخونك أبداٌ يا حبعمري ..مهما كانت الإغراءات !
تهتف بها في نفسها بإخلاص طفولي مستحضرة صورة "الصالح" كأنما تحدثه ثم تطرق برأسها فيهتف بها إسلام بمرحه المعهود :
_سادّة الباب يا آنسة ..وسعي لو سمحتِ !
تغمغم بكلمات ساخطة غير مفهومة وهي تفسح لهما الطريق فيشير إسلام بيده نحو الداخل مخاطباً باسل بقوله :
_اتفضل يا سيدي .
_ماكانلوش لزوم التعب ده يا إسلام .
يقولها باسل ببعض الحرج وهو يتخذ مقعده ليهتف إسلام وهو يجلس بدوره :
_الحاجة ثمر من ساعة اللي حصل وهي مصرّة تعزمك هنا ع الغدا عشان تشكرك على اللي عملته مع عابد ..بس سعادتك مش فاضي.
_ولا شكر ولا حاجة ..وأنا عملت إيه يعني؟!
يقولها باسل بتواضع وعيناه تجوبان المكان بنظرة حذرة فرضتها عليه طبيعته الشخصية ..
لا يدري لماذا استجاب أخيراً لدعوة الحاجة ثمر عبر إسلام للقدوم إلى هنا ..
لعله جو القرية الذي حمل إليه ذكرياتٍ ود لو تعود ..
ذكريات تحمل له بقايا عطر ماضٍ لم يعد يحل له الحلم به !
_تاني بتطلعي فوق الشجرة لوحدك ؟! مش هتبطلي حركاتك الطايشة دي؟!
يهتف بها بسخط يناسب عنفوان سنين مراهقته الأولى لترد الفتاة المذعورة وهي تتشبث بذراعيها بين غصن الشجرة وجذعها ..
_نزلني الأول يا باسل وبعدين نتخانق ..
_اقعي يا كريستين ..اقعي عشان تتكسري وتتعلمي من غلطك ..أنا مش هانزلك !
ارتجاف صوته الخائف يناقض القسوة الظاهرة لعبارته خاصة عندما انخرطت الفتاة في البكاء هاتفة :
_وعدتني عمرك ما هتسيبني أخاف .
_ووعدتيني تبطلي طبعك المتخلف ده ..بتكابري في أي حاجة يتقاللك عليها ممنوعة ..مفيش مرة آجي هنا إلا وألاقيكِ عاملة مصيبة .
_عشان خاطري يا باسل ..هاقع خلاص!
تشهق شهقة فزع وأحد ذراعيها ينفلت من تشبثه بالغصن لكنه يبادر ليتلقفها بين ذراعيه فيسقط بثقلها معه على الأرض ..
تمتزج تأوهاتهما والخدوش الصغيرة تنال من جسديهما ..
يبادر بقول آخر يعنفها فيه لكنها تفاجئه بهذه القبلة التي طبعتها بعمق على وجنته !!
قبلتها الأولى والأخيرة التي احتفظ بسحرها طوال هذه السنوات..
والتي امتزجت -كهواها- بمذاق الألم الذي سرى في جسده وقتها ..
يتحسس وجنته غير مصدق لجرأة فعلتها لكنها تبتسم بخجل وهي تفتح كفها على ما ظلت تتشبث به :
_خالتي تريز بتقول الشجرة دي ورقها ليه سر غريب ..لو كتبنا أسامينا عليه مش هنفارق بعض أبداٌ ..عشان كده طلعت أجيب منه دي ..عشان ترجعك ليّ ..
تلين ملامحه قليلاً مع هذه الحرارة التي تتحدث بها خاصة وعيناها تتوهجان بعمق عاطفتها بينما تردف :
_كل مرة بتسافر فيها ماببقاش متأكدة إذا كنت هترجع واللا لأ ..بقول لنفسي يمكن تشوف الأحلى والأغنى مني وتشغلك عني .
_بلاش عبط ..مش محتاجة تخاريف ورق شجر عشان تبقي متأكدة إننا مش هنفارق بعض ..احنا لبعض من يوم ما اتولدنا ولحد ما أموت مش هاشوف غيرك !
يقولها بخشونة نبرته المميزة التي تفشل في مداراة عاطفته فتضحك له ضحكة سطعت في ملامحها وهي تراه ينهض من مكانه لينفض ملابسه ثم يمد لها أنامله كي يساعدها في النهوض ..
تتشبث بكفه بقوة كي تنهض وليته كان يملك القوة في كل مرة تلتها أن يقيمها من عثرتها ..
أو يحميها من السقوط !!
ترى لو كان استمع لكلامها وقتها وتركها تكتب اسميهما على ورقة الشجر هل كان ليختلف قدرهما ؟!
_سرحت في إيه يا سعادة الباشا؟!
يخرجه بها إسلام من شروده فيفيق على مرأى هذه الشجرة الضخمة التي تظهر له من بعيد عبر نافذة البيت لترتسم على شفتيه ابتسامة شاحبة وهو يحدق فيها من بعيد للحظات أخرى وقد رأى طيفها الحبيب بين غصونها وجذعها ..
قبل أن يلتفت نحوه بابتسامة باهتة :
_برضه سعادة الباشا؟! أفكرك تاني اتقابلنا فين قبل كده !
_والله كنت عارف إنك هتقول كده وقلت أنكشك !
يهتف بها إسلام ليتشاركا الضحك للحظات قبل أن يرن الجرس معلناً عن وصول عابد الذي تقدم منهما ليصافحهما بود ظاهر ..
_نورت بيتنا يا ابني .
تقولها ثمر بترحاب دافئ عبر نبرتها المميزة وهي تنضم لثلاثتهم فيبتسم باسل بحرج لم يؤثر على لباقة رده :
_منور بأصحابه يا حاجة ..ماكانلوش لزوم التعب ده .
_ده مش تعب ياابني ..دي محبة ..شكر الناس من شكر ربنا ..وانت عملت كتير عشان عابد ..ربنا يباركلك .
تقولها بطيبة وهي تشير لمائدة الطعام البسيطة التي شغلت زاوية جانبية في ركن الصالة انضم إليها أربعتهم لتتولى ثمر غرف الأطباق لهم ..
يحاول عابد مساعدتها لكنها تمنعه بحزم رقيق يتفهمه بحكم خبرته عنها ..
تحب دوماً أن تكون هي من يقوم بواجب الضيافة على أفضل وجه .
يصدح صوت جرس الباب فيتوجه نحوه إسلام ليفتح ..
_أبو نسب!
يقولها بمرح معانقاً زين الذي ابتسم برصانته المعهودة لتهتف به ثمر باعتراض ناقض ابتسامة اعتزازها:
_سبت شغلك ليه ؟! ياقوت قالت لي إنك مش فاضي!
_مش هافضّي نفسي لأغلى منكم .
يقولها زين بود وهو يتقدم منها ليقبل رأسها ثم يصافح الرجلين ليتخذ مجلسه بينهم كي يتناولوا الطعام جميعاٌ ..
تحوطهم نظرات ثمر الحانية وهي ترقبهم بفرح ..
عيناها تلتقيان بعيني زين الذي امتدح الطعام مدحاً لا يدعيه قبل أن يردف وهو يشير لعابد :
_أنا وعابد محضرين لك مفاجأة حلوة .
تلتمع عيناها بترقب فضح اكتشافها لما يعنيه فيضحك عابد قائلاٌ :
_لا مفاجآت مع فطنة "أمي"..أراهنك أنها تعلم !
يضحك زين ضحكة رائقة وهو يقول بمزيج من فخر وودّ:
_معنديش شك ..بس قلت أجرب!
يرمقهم باسل بنظرة مترقبة فيضحك إسلام وهو يقول بغيرة مصطنعة :
_يعني الحاجة حاسة وعابد مظبط وزين باشا مش شاكك ..وأنا بتنجانة في القعدة مثلاٌ ؟! ما تقولوا يا اخواننا !
_وعدت أمي برحلة الحج هذا العام ..لعل الله يرزقني الوفاء بوعدي .
يقولها عابد بسماحة لتتنهد ثمر بارتياح وهي ترفع وجهها المنفعل لأعلى متمتمة بصوت متهدج:
_الحمد لله ..الحمد لله ..عمري ما استهونت بفضل الكريم ..
_مفاجأتي بقا إننا هنسافر سوا ..أنا وانتِ وعابد ..
يقولها زين باعتزاز ليهتف إسلام بسخط :
_وأنا ابن الغسالة مثلاٌ ؟! هو أنا كل ما أرضى عنك تقلبني عليك تاني ليه ؟!
يضحك عابد ضحكة رائقة وهو يرى زين يرفع أحد حاجبيه باستفزاز ليقول ببرود مصطنع مخاطباً إسلام:
_ماكنتش أعرف إنك عايز .
_لا اعرف بقا يا أخويا !
يقولها إسلام بنفس النبرة الساخطة ليبتسم زين وهو ينظر لطبقه صامتاً بالمزيد من المشاكسة ..
فيرفع إسلام وجهه نحو ثمر هاتفاٌ :
_اوعي تسافري من غيري يا حاجة !
_ربنا يكتبهالنا سوا يا ابني إن شاء الله .
تقولها بصوت زادت رجفة انفعاله لتعتذر منهم بالدخول فيرمقهم باسل بابتسامة واسعة وهو يشعر بافتقاده لهذا الجو الحميمي منذ عهد بعيد ..
ربما منذ فقد كريستين وفقد معها هالة الخالة تريز الدافئة .
كأنما أحرق رحيلها ذاك الحقل الأخضر بروحه فلم يذر له بعدها إلا هشيماً محترقاٌ !!
وفي المطبخ وقفت ثمر تكفكف دمعها بين ذراعي ياقوت التي عانقتها بقوة متفهمة مشاعرها لتقول لها بحنان:
_بكرة أهل البلد كلهم يحكوا إن الحاجة ثمر مسافرة تحج بيت الله مع ولادها التلاتة ..شفتِ عوض ربنا يا ستي؟!
فتكتم ثمر شهقة نحيبها وهي تجفف دموعها بطرف وشاحها قائلة :
_ونعم بالله يا بنت قلبي ..بس الفرحة المرة دي كبيرة عليّ ..يعلم ربنا كم مرة دعيت مااقابلش وجه كريم إلا وأنا مكملة ديني بزيارة بيته .
تدمع عينا ياقوت عفوياً وهي تضمها بحنان أكبر متفهمة انفعالها العاطفي هذا ..
لتقول لها أخيراً بابتسامة كبيرة :
_استريحي انتِ وأنا هالم الأكل وأدخل لهم الحلو .
_جرى إيه يا دكتورة ؟! ما انتِ عارفة طبعي ..محدش يخدم ضيوفي إلا أنا ..اوعي خلاص أنا بقيت كويسة .
تقولها ثمر بتماسك وهي تكفكف بقية دمعها لتتحرك نحو الحوض القريب فتغسل وجهها تراقبها ياقوت بابتسامة اعتزاز كبيرة لم تفارق وجهها حتى انتهت الزيارة بسلام ..
_هنستناك تاني ياابني ..اللي يدخل بيتنا وياكل عيشنا وملحنا يبقى مننا .
تقولها ثمر بحنانها الفطري ليبتسم باسل بشجن وهو يرمق الشحرة الضخمة إياها عبر النافذة ليقول بشرود :
_تسلمي يا حاجة ..من زمان مااتبسطتش زي النهارده .
_كررها يا كبير ومالكش دعوة ..عليّ أنا التوصيلة !
يقولها إسلام بمرحه المعهود ليرد عابد بود :
_دع لي أنا توصيله في رحلة العودة ..لديّ شأنٌ مهم في القاهرة يستدعي السفر .
تراقبهما ثمر يغادران قبل أن تلتفت نحو زين الذي بادرها بقوله :
_روحي انتِ استريحي يا حاجة ..أكيد تعبتِ النهارده .
يقولها بحنانه الرزين لتبتسم له ثمر مع نظرة طويلة قبل أن تقترب منه خطوة لتبسط كفها على صدره قائلة :
_قل لي يا "أمي" زي عابد ..حاسة إنك من زمان عايز تقولها بس مكسوف.
تتسع عيناه للحظة ببعض الدهشة من فراستها المذهلة قبل أن تلتوي شفتاه بشبه ابتسامة ..
لا ..لم يعد هناك مجال للدهشة مع فطنة هذه العجوز !
"أمي"!!
تعلم منذ متى لم ينطق بهذه الكلمة ؟!
تعلم أثرها عليه ؟!
تعلم هذه الغصة التي تتركها في حلقه عندما يفكر فيها ؟!!
لكن ..
ألم يأن الأوان لنبذ الماضي كله ..بجرحه وخذلانه ..ومرارة فقده ؟!
لهذا أطرق بوجهه صامتاً للحظة قبل أن يرفعه نحوها بابتسامة :
_حاضر يا أمي.
تضحك له ضحكتها الطيبة شبيهة تلك الخاصة بياقوت ولا تختلف عنها سوى في أسنانها المكسورة صنيعة الزمن ..
ثم تربت على كتفه برفق لتغادر نحو غرفتها فيبتسم إسلام وهو يراقب الموقف صامتاً قبل أن يرمق زين بنظرة ذات مغزى اتسعت معها ابتسامته وهو يربت على كتفه الآخر ..
قبل أن يتحرك نحو إحدى غرف البيت حيث كانت نشوى نائمة ..
أو هكذا ظنها ..
فلم يكد يدخل الغرفة ويغلق بابها خلفه حتى فوجئ بها تطبق بكفها على عنقه من الخلف هاتفة من بين أسنانها :
_انت قابلت باسل ده أول مرة فين ؟!
_بسم الله الرحمن الرحيم ! إيه "قفا المخبرين" ده ؟! حرام عليكِ يا شيخة قطعت الخلف !
يقولها عبر أنفاسه اللاهثة لتشدد ضغط كفها حول عنقه بينما تضغط فكه بكفها الآخر هاتفة بنبرة خطيرة :
_اعترف ..قابلته أول مرة فين ؟!
_انتِ يا بنت الناس مش قلتِ هتنامي هنا عشان تعبانة وقافلة على نفسك الأوضة من ساعتها ؟! كنتِ بتتجسسي علينا !!
يقولها وهو يخلص فكه من قبضتها لتهتف به مكررة بإصرار:
_خلّص !! انجز من غير تحوير ..قابلته فين يا إسلام ؟!
_تؤ! "انجز" و"خلص"و "تحوير" !!! تأثيري بقا وحش قوي على ألفاظك !
يقولها وحاجباه يتراقصان بمشاكسة لتشدد ضغط كفها على.رقبته حتى يتأوه ضاحكاً مع هتافه :
_خلاص يا "شرس" ..هاقول ..هاقول ..
تخفف ضغط قبضتها على عنقه فيطبع على شفتيها قبلة سريعة مفاجئة مع جوابه :
_في المكتبة !
ترمقه بنظرة متشككة فيسبل جفنيه ليردف ببراءة مصطنغة :
_قبل ما نصلي الجمعة في الحسين .
_باسل مسيحي!
تقولها بغيظ وهي تعود لتشدد ضغط قبضتها فوق عنقه ليعاود التأوه قائلاً بين ضحكاته :
_هو ده اللي لفت نظرك ؟! وبالنسبة للمكتبة عادي يعني؟! أنا وش قراية برضه ؟!
تخبطه بجبهتها في جبينه بقوة فيضحك ضحكة عالية وهو يمسد جبينه قائلاً :
_هي وصلت ل"الروصية" يا شرس؟!
_انطق وماتعصبنيش!
تقولها ملوحة بقبضتها في وجهه ليضحك من جديد مستمتعاً بهذا الوجه "الشوكي" منها ثم يقول بنفس البراءة المصطنعة :
_لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم .
_ياواد يا مؤمن !
تقولها وهي تلكزه في كتفه بقبضتها ليتعالى صوت ضحكاته فتهتف به من جديد :
_أكيد سكة شمال !
_يحرم علينا الشمال بعدك يا غزال!!
يغمزها بها بمشاكسة وهو يقرص وجنتها الممتلئة فتبتسم رغماً عنها لتقول بسخط مصطنع :
_مش هتبطل طريقتك دي؟!
_وانت بجد عايزني أبطل يا عسل؟!
يعاود غمزها بها من جديد وهو يضمها نحوه لتتسع ابتسامتها وأناملها تداعب شامته الأثيرة على عنقه في جواب غير منطوق ..
ليضحك ضحكة عابثة وهو يغمغم جوار أذنها :
_فرصة نلعب لنا ماتش مصارعة من غير كبسات من ريما .
يقولها مشيراً لوجود الصغيرة لدى أشرف في هذا الوقت لتتغير ملامحها فجأة وهي تقول بصوت متحشرج :
_انت مش ملاحظ إنها عكس كل الأطفال مش مرتبطة بفرح بنت أشرف أد ما هي مرتبطة بيك ؟!
لكنه لا ينتبه لرنة صوتها الوجلة ووتيرة عبثه تزداد بتراقص أنامله :
_غيرانة من بنتك يا ست نشويات ؟!
تسبل جفنيها بعجز وهي تخشى مواجهته بمخاوفها ..
ليشعر ببرودها المفاجئ فيرفع عينيه المتفحصتين نحوها ليسألها أخيراٌ بجدية وهو يرفع ذقنها نحوه :
_فيه إيه ؟! من يوم ولادة رانيا وانتِ متغيرة ؟!
تدمع عيناها بشيئ من الذنب فتتسع عيناه بإدراك ليغمغم بجواب هو أقرب منه للسؤال:
_لو كان اللي في بالي صح هازعل منك قوي .
تخفي وجهها في صدره وذراعاها يتشبثان به بقوة عاصرة ليتنهد وهو يقبض على خصلات شعرها برفق ليرفع وجهها نحوه هامساً بعتاب حنون :
_بعد كل ده لسه مش واثقة في حبي ليكِ ولريما ؟! خايفة لو جبنا لها أخ أو أخت أفرق بينهم في المعاملة ؟!
_مش قصة ثقة ..بس ..ريما روحها فيك ..ارتباطها بيك مش معقول ..دي رافضة تعمل أي حاجة إلا وهي معاك ..أنا بتمنى من كل قلبي ربنا يكرمني بطفل منك بس ..مرعوبة ..خايفة ..
يقطع حديثها بسبابته التي وضعها على شفتيها ليهمس لها بحزم رفيق:
_لو جبنا عشر ولاد ريما هتفضل بنتي الأولانية ..أول واحدة أحس معاها بجد يعني إيه أب يخاف ويتعلق ويحب من غير سبب ..حبيتها لأنها حتة منك ..وحبيتها أكتر لأنها كل يوم كانت بتقربني ليكِ ..وبحبها كل ساعة أكتر وأكتر عشان بقت حتة مني أنا كمان .
تدمع عيناها بتأثر فتسبلهما بالمزيد من شعورها بالذنب لتغمغم أخيراً بارتباك :
_مصدقاك والله ..بس ..
_انتِ مستفزة !
يقولها فجأة بغيظ متعمداً درء وجهها -الضعيف- الذي لا يحبه هذا ..
وقد صدق حدسه عندما تحفزت ملامحها وهي تكور قبضتها في وجهه هاتفة بانفعال :
_أنا مستفزة ؟!
_وما بتفهميش ..وقليلة التقدير !!
تشهق بحدة مع عباراته التي انتهت بتكبيله لقبضتيها خلف ظهرها وهو يستطرد متعمداً هذا الاستفزاز :
_وهتفضلي كده تطلعي روحي وتنكدي عليّ وعلى نفسك من غير سبب زي أي بومة بتحترم نفسها ..
_بومة !! بومة!!
تقولها محاولة تخليص نفسها من قبضتيه أو خبط جبهته برأسها من جديد لكنه كان يتفاداها برشاقة وهو يدفعها أمامه فلم تجد إلا عضه بقوة في كتفه ليتأوه ضاحكاً ..
لكنه لم يفلتها بل دفعها بقوة ليسقطها فوق الفراش ولايزال يكبلها بقبضتيه ..
_أنا مش راضية أعلي صوتي عشان احنا في بيت الناس ..دي آخرتها ؟! أنا بومة ؟!
تهتف بها بسخط احمر له وجهها الذي طافت فوقه شفتاه بتمهل ليغمغم بنبرة مشاكسة وقد سرّه استعادتها لطبيعتها الشوكية التي يعشقها هذه :
_بومة "كيرفي" ..جامدة ..تجنن ..بس بومة برضه !
تبتسم رغماً عنها وهو يذيب سخطها -وقبله شعورها بالذنب- في لحظات ..
تحبه عندما يجيد هدهدة مشاعرها بهذه الطريقة الآسرة غير التقليدية التي يحتوي بها شعورها الدائم بالخوف وعدم الأمان ..
كم تتوق لطفل يشبهه !!
بهذه الروح المتجددة التي لا تفقد رونقها أبداً مهما توالت عليها الأحزان ..
وبهذا القلب الكبير الذي لا يجيد سوى العطاء ..
وبهذا المرح القدير على طمس أي ألم يواجهه !!
خائفة ؟!
تنكر لو زعمت العكس ..
لكنها تتوق حقاً لمنحه ما يرجوه ..
لعله كعهدها به يصهر خوفها هذا كله ليمنحها عوضاً عنه جنة من أمان !!
يتأوه بدهشة وهو يجدها تحرر نفسها فجأة منه لتمسك كتفيه بقوة ..
يفاجأ بالوضع ينقلب لتشرف هي عليه من علو بينما يستسلم هو لسعادتها بانتصارها المؤقت وهي ترفع قبضتها أمام وجهه هامسة أخيراً بيقين امرأة تدرك سلطة إغوائها :
_كنت عايز ماتش مصارعة ؟! أنا جاهزة !
لتبدأ بعدها ألذ وأشهى مباراة عرفها كلاهما يوماٌ ..!
=======
_هه؟! إيه رأيك يا عم جميل ؟!
تهتف بها ريتال في غرفتها ببيته وهي تفتح ذراعيها مستعرضة ثوبها الأبيض ليلة زفافها فتدمع عينا الرجل وهو يتقدم منها قاىلاً بصوت مرتجف:
_النهارده مش عايزك تقوليلي غير يا "بابا" ..عايزة أسمعها منك زي ما كنتِ بتقوليها وانتِ صغيرة .
تدمع عيناها بدورها وهي تتقدم لتعانقه شاعرةً بهذه الغصة في حلقها ..
_ما تصعبهاش عليّ بزيادة ..انت فاكر فراقك بالساهل ؟! رؤوف واعدني أول ما نستقر هناك نبعت ناخدك .
تقولها وهي تتشبث بأناملها في عضديه بقوة ليرد بابتسامة واهنة :
_واسيب محلّي وناسي وبلدي عشان أروح أموت في بلد غريب؟!
_بعد الشر عنك يا بابا ..ماتجيبش سيرة الموت دي بالله عليك !
تهتف بها بلوعة وهي تخفي وجهها في صدره لتتسع ابتسامة العجوز وهو يمسح دمعة كادت تسقط من عينه مع قوله :
_ياللا عشان مانتأخرش على عريسك والناس اللي بره ..
يقولها وهو يربت على ظهرها برفق فترفع عينيها نحوه شاعرة بالذنب ..
هل كانت مخطئة عندما أصرت على هذه الزيجة رغم أنها تعلم كم سيعاني بفراقها ؟!
لا !
هذا البلد الذي يتنفس ظلماً لم يعد يحتمل المزيد من جثث أبنائه !!
ستخرج لبداية جديدة بعيداً عن هنا ..
وستأخذه معها هناك ..
ليس هو فقط !!
ليتها تستطيع أن تأخذ كل أحبابها هنا معها هناك !!
وأولهم ..سامر!!
وعند الخاطر الأخير تحيد عيناها لحقائبها التي أعدتها هناك ..
وبالذات لهذه التي كدست فيها "عرائسه" التي ظل يهديها إياها طوال هذه السنوات ..
يالله!!
كم ستفتقد الشعور بهذه الأخوة الصادقة بينهما!!
صوت طرقات على الباب يقاطع أفكارها يليه دخول السيدة روح وخلفها سامر الذي كان يهتف بمرح أجاد تصنعه :
_ياللا يا عروسة ..الناس ..
تنقطع عبارته رغماً عنه ومرآها بالثوب الأبيض وهذه الفتنة الاستثنائية يخز قلبه بالمزيد من شعوره المضطرب بها ..
ليس قلبه فقط ..بل ضميره كذلك !!
كونه لا يفهم نفسه لا يبرر له مثل هذا الإحساس بامرأة لم تكن يوماً له ..
ولن تكون !!
هل هذه ريتال الصغيرة التي كبر على هذه الأخوة المزعومة بينهما ؟!
كيف الآن إذن يشعر أنه ..
أنه ماذا؟!!
_اللهم صلي على كامل النور ..قمر يا بنتي ..الله يرحمها أمك كان نفسها تعيش وتشوف اليوم ده .
تهتف بها أمه لتنتهي بدموع تأثرها فيهتف بها سامر بنفس المرح المصطنع:
_وحدي الله يا ست حلاوة وماتقلبيهاش نكد بقا ..
ثم يلتفت نحو ريتال مردفاً :
_إيه يا بت يا تولا الحلاوة دي؟! تصدقي ما عرفتكيش!
تشرق ملامحها بفرحة تزيد من عمق هذا الإحساس الغريب بصدره لكنه يتجاهله قسراً وهو يسمعها تهتف بلهفة :
_بجد حلوة ؟!
_أجمل من أي سحلية شفتها في حياتي !
يهتف بها مشاكساً كعهده معها لتلكزه أمه في صدره هاتفة باستنكار:
_يوه! اتلم يا واد انت! هتفضلوا تتناقروا زي القط والفار كده لحد امتى؟!
_سيبيه يا ست حلاوة ! بكرة يترحم على أيامي ..سايباهاله مخضّرة !
تضحك المرأة بطيبة فيما ينقل الأب نظراته الخبيرة بينها وبين سامر الذي تجهمت ملامحه مع كلماتها ليتنهد بحرارة وهو يطرق برأسه ..
فيما تكلف سامر ابتسامة مصطنعة وهو يرى فرحتها تنير ملامحها كشمس صغيرة فلا يسعه إلا أن يرجو أن تكتمل سعادتها هذه ..
يرى والدها يتأبط ذراعها ليغادر بها الغرفة نحو صالة البيت حيث حضر المدعوون مع المأذون ليعقد القران فيسير خلفهما بخطوات متباطئة ..
صوت الزغاريد يدوي حوله فلا يملك المزيد من هذا الوخز الذي لا يفهمه !!
يطيل النظر في وجه عريسها فلا يدري سر هذا الشعور الغريب الذي يتملكه نحوه الآن وكأنه سرق جزءاً من روحه ..
يرى المأذون ينتهي من إجراءاته ليبارك لهما فتزداد كثافة الزغاريد حوله تذكره بموقف مشابه ..
يلتفت هناك نحو الزاوية فيرى باقة كبيرة من الزهور باسم سها وناصر ..
حتى وهي مسافرة في تركيا معه للعلاج لا تنسى مثل هذه التفاصيل الصغيرة !!
سها ..ريتال!!
هل هو مريض حقاً بتملك ما ليس له ؟!
هل عاش طوال هذه السنوات في وهم حب سها ؟!
ماذا عن ريتال؟!
وهم أيضاٌ؟!
لا ريب أنه كذلك !!
هي أخته التي تربى على صداقتها ولم يعد يجوز أن تزيد عن هذا !!
نظراته تلتقي بنظرات العريس رؤوف فجأة فتضطرب ملامحه هو وكأنما ضبطه بجرم مشهود ..
هل اكتست نظرات رؤوف بالعدائية أم أنه فقط يتوهم؟!
هل يغار؟!
هل يشعر بإحساسه نحو ريتال؟!
هل يفهم؟!
_يا شيخ اتلهي! مش لما تفهم انت الأول!
يخاطب بها نفسه ساخراً كعهده !
سخريته هذه هي ما تهون الأمور دوماً عليه !!
_عقبالك يا موكوس! ده أنا قربت ألف ع المشايخ أشوف معمول لك عمل واللا إيه عشان يفكوه ..يمكن يمشي حالك الواقف .
تهمس بها أمه وهي تميل على أذنه ليضحك ضحكة مفتعلة عالية وهو يتهرب من الحديث بقوله :
_بيوزعوا الجاتوه ! أجيبلك كريمة واللا شيكولاتة ؟!
_هاتلي عروسة على إيدك وانت جاي وريّح قلبي!
تهتف بها المرأة بحرارة وهي ترفع كفيها في وضع الدعاء فيضحك ضحكة حقيقية هذه المرة وهو يبتعد ليخترق صفوف المدعوين في سبيله لإحضار الحلوى ..
_شجرة الدر! طول عمري أقول حظك نار ..جاية على افتتاح البوفيه !
يهتف بها بمرح وهو يبصر ياقوت تدخل من باب الشقة الضيقة لتضحك الأخيرة بارتباك قائلة :
_اتأخرت غصب عني! هاروح أبارك لريتال !
تقولها لتخترق الحشد الذي تجمع في الشقة الضيقة حتى تصل للعروس فتعانقها بحرارة مباركةً لها ..
ثم تقف مكانها تراقب سامر من بعيد بنظراتها الخبيرة ..
يمكنها تمييز هذه النظرة المشتتة التي تغيم بها ملامحه ..
نظرة رأت مثيلتها يوماً في عينيه نحو سها ..
ليست سها فحسب..
بل نجلاء كذلك !!
ياللعجب!!
الطبيب الماهر الذي يجيد تحليل النفوس عاجز عن فهم نفسه !!
لكن لماذا الدهشة ؟!
ألم تكن هي أول من آمنت أن في مهنتهم هذه قد يكون "باب النجار مخلع" كما يقولون؟!!
تراه مكانه يضاحك أمه بحماس توقن أنه مفتعل فتشعر بأسى حقيقي نحوه ..
ليس أسوأ على المرء من أن يعجز عن فهم نفسه ..
فيضيع العمر لاهثاً خلف سراب خادع!!
======
في خلال بضعة أشهر ..
_أخوك نجح ..هاعمللكم حفلة بكرة بمناسبة نجاحه وعيد ميلادك ..هاستناك انت ونشوى وريما ..تعالوا بدري.
_عنينا للوالدة باشا ..باركي لهيثم على ما أشوفه !
يقولها إسلام بود ليغلق الاتصال مع أمه ..
كان قد أتم إنجاز عمله في المصنع فغادر مكتبه ليتوجه لغرفتها لكنه وجدها مغلقة ..
زفر بضيق وهو يتناول هاتفه ليتصل بها فوصله صوتها يهتف بعجلة :
_معلش يا إسلام ..رانيا ملبوخة بفرح كالعادة وكانت محتاجاني معاها فجيت هنا مع ريما ..لو الوقت اتأخر ممكن نبات .
قالتها لتغلق الاتصال بسرعة فعاد يزفر بضيق لم يخلُ من تفهم ..
فرح الصغيرة تشغل اهتمام الجميع منذ مولدها خاصة ومناعتها الضعيفة تجعلها عرضة للكثير من الأمراض ..ورانيا بطبيعتها تهول كثيراً في الخوف عليها خاصة بعد فقدانها لجنينها السابق ..
لكنه كان يتمنى لو تتذكر نشوى يوم مولده كأمه ..يعلم أنه لم يذكر موعده لها ..لكن ألا تهتم هي لتعرفه وحدها ؟!
خبرته بالنساء أنهن يهتممن كثيراً بهذه الأمور ..
لكن منذ متى كانت هي تشبه بقية النساء؟!!
_البس يا عم قفص التين الشوكي كله ! يا "بتاع البرقوق"!
يقولها لنفسه ساخراً بتهكم وهو يغادر المصنع ليتصل بهيثم فيبارك له نجاحه ثم بياقوت ليطمئن عليها :
_ازيك يا أبو التوت ؟!..الواد هيثم عملها ونجح ..والوالدة باشا عاملاله حفلة بكرة ..لجين على آخرها مش هتعرف تسافر ..تعالي انتِ وزين بقا !
يقولها بمرحه الودود وهو يستقل سيارته ليصله صوتها المرح:
_أخبارك بقت بايتة يا "رويتر"..هيثم كلمني وقاللي م الصبح .
_الوغد! كلكم أوغاد ! مفيش أي احترام لأخوكم الكبير يا غجر!!
تجلجل ضحكتها عالية فيضحك بدوره وهو يسمعها تقول بنفس النبرة المرحة :
_أيوة كده ارجع للسانك الطويل ..دور "الدروشة" اللي كنت سايق فيه من ساعة رجوعك من الحج ده ماكانش لايق عليك .
_اخرسي !
يهتف بها باستنكار مرح فتجلجل ضحكتها من جديد ليستشعر خلالها رضاها الحقيقي الذي أثر على حياتها في الفترة الأخيرة ..
رحلة الحج هذه لم تؤتِ ثمارها على ثمر التقية فحسب بل على جميع "أولادها" معها ..
عابد الذي وجدها خطوة جديدة في درب التقرب لخالقه ومولاه بعدما ناله من شتات ..
زين الذي اعتبرها إشارة جديدة بالغفران والصفح ..
وهو الذي شعر بها محطة أخرى في طريق التغيير الذي قلب حياته رأساً على عقب !!
_المهم انتِ كويسة ؟! زين كويس؟! قوليلي لو زعلك أملص لك ودانه !
يقولها بنبرة ماكرة متوقعاً الرد :
_اتكلم على أدك ! مين ده اللي تملص ودانه ؟!
_خلاص ..خلاص ..يا داخل بين البصلة وقشرتها !
_بصلة ! ياي ! بقيت بيئة قوي ..ماعدتش من مستوايا !
_الله يرحمك يا ملكة جمال العشوائيات ..إيش فهمك انت ؟!!
يقول عبارته الأخيرة بتهكم مرققاً صوته ومقلداً لكنتها لتجلجل ضحكاتهما معاً عالية قبل أن تقول هي بنبرة عاطفية جادة :
_كل سنة وانت طيب يا أجدع أخ في الدنيا !
_انتِ كمان عرفت ؟!
يقولها ببعض الخيبة فيبدو أن زوجته المصون هي آخر من سينتبه لهذا..
لترد هي غافلة عن أفكاره :
_هيثم قاللي ان الحفلة بكرة عند مامتك لكم انتم الانتنين .
_ماشي ..متشكرين ..أشوفك غداً متألقة كده بحاجة فوسفوري من بتوعك .
يقولها بتهكم ساخر فتضحك ضحكة أخيرة وهي تغلق معه الاتصال ليبتسم هو بمودة وهو مستمر في القيادة بينما يجري اتصالاً آخر ..
_لوجي !! سمراء الشيكولاتة الفاتنة ..كيف حالكِ يازوجة العابد وأم المؤمن ؟!
يقولها بالفصحى مفخماً آداءه بهذه الطريقة التي يختصها بها بالحديث لتصله ضحكتها الرائقة مع صوتها الخجول بطبعه :
_الحمد لله رب العالمين ..إزيك انت ؟!
_زي البمب ! طمنيني ع "الشيخ الفهلوي" حبيب خاله ..هه بيلعب كورة جوه واللا طالع هادي زي أبوه ؟!
تتأوه بمزيج عجيب من تعب وراحة لتقول بنبرة مفعمة بالعاطفة :
_لا اطمن ! شكله كده شقي قوي ..ما بينيمنيش .
_جااااامد ! هو ده حبيب خاله وخليفته في الملاعب .
يهتف بها ضاحكاً لتضحك بدورها وهي ترد :
_هيثم قاللي على حفلة بكره ..بس مش هاعرف آجي .
_هيثم العاق كلمكم كلكم قبلي ! بس لما أشوفه !
يقولها بغيظ مصطنع لتضحك وهي ترد بطيبتها المعهودة :
_وهو إيه وانت إيه ؟! واحد ! ربنا ما يحرمني منكم .
_الحاجة ثمر كويسة ؟!
يسألها باهتمام عن صحة العجوز التي تأثرت نوعاً بعد رحلة الحج الأخيرة لترد لجين مطمئنة :
_الحمد لله رب العالمين ..عمري ما شفت ستي فرحانة زي اليومين دول .
_يارب دايماً .
يقولها بتنهيدة ارتياح ليردف:
_سلميلي على شيخنا وقوليله يدعيلي .
_بيدعيلك من غير حاجة ..آه ..كنت هانسى ..كل سنة وانت طيب ..عابد بيقول إن عيد الميلاد ده بدعة بس ياللا بقا .
تقولها ضاحكة بخجل ليضحك بدوره قائلاً :
_انتِ كمان عرفتِ ؟! لسه فيه حد على ضهر الكوكب ماعرفش إنه عيد ميلادي ..غير "الست نشويات"؟!!
عبارته الأخيرة يحتفظ بها لنفسه سراً بحسرة خفية ليصله صوتها الغارق بحنانه :
_ربنا يديك طولة العمر على الطاعة والعمل الصالح .
يبتسم برضا وهو يدرك المزيج الرائع الذي آلت إليه شخصية لجين بين "بساطة حكمة ثمر" و"تقوى عابد" ..
هذا المزيج الذي تضافر مع عاطفة روحها هي النقية ليجعل لها بصمة خاصة مميزة ..
لهذا اتشحت نبرته بعاطفته هو الآخر وهو ينهي معها الاتصال بقوله المرح بالفصحى المفخمة :
_جزاكِ الله خيراً يا سمراء الشيكولاتة الفاتنة ..ونفع بكِ !
صدى ضحكاتها يملأ أذنيه طوال الطريق إلى بيته وهو يشعر بالرضا عما آلت إليه أوضاع الجميع ..
ربما ما يظل يؤرقه هو حال هيثم !
رغم أنه يخفي عنهم جميعاً حزنه محاولاً التظاهر بالاندماج والمرح ..
لكنه يقرأها في دمعة حبيسة بعينيه ..
هو لم ينسَ !
ربما عندما يسافر ويختلط بدنيا أخرى كما فعل هو ..
لا بأس ..هو يجهز له هذا الأمر ولن يهدأ حتى يطمئن عليه هو الآخر !
يصل أخيراً للبناية التي يقيم فيها فيرصف سيارته ليصعد للشقة الخالية ..
أو التي ظنها خالية حتى فوجئ بها هناك بعد إغلاقه للباب تستقبله بابتسامة عاطفية حارة ناقضت صوتها القوي بطبيعته :
_عندك تأخير نص ساعة ..كنت فين ؟!
تتسع عيناه بمزيج من صدمة وانبهار وهو يميز الأجواء حوله وقد أظلمت إلا من أضواء جانبية هادئة بلون وردي أخاذ أضفت على ملامحها هي رونقاٌ ساحراً ..
ثوبها الذي ارتدته بلون أرجواني قاتم يحيط تفاصيلها بنعومة بفتحة طويلة جانبية تظهر ساقها التي التف حول كاحلها نقش الحناء بشكل "الخلخال" ..
عدسات عينيها اللاصقة بلون بنفسجي جذاب ..
وأخيراً شعرها الذي أسدلته على كتفيها بلونه الجديد ال...!!
_يا بنت الإيه ! وربنا كنت عارف إنك هتصبغيه بنفسجي من ساعة ما اتكلمنا على "مشرفة الباص"!
يهتف بها بسعادة ماكرة تراقصت بين حروفه وهو يختصر المسافة بينهما بخطوة واحدة فيطوقها بأحد ذراعيه بينما يداعب خصلات شعرها بلونها المتألق بأنامله لترفع له أحد حاجبيها هاتفة بنبرة تهديد :
_يعني لسه فاكر لون شعرها ؟! هه وإيه كمان ؟!
يتراقص حاجباه بحركتهما المشاكسة فتكتم ابتسامتها وهي تجذبه بقبضتيها من ياقة قميصه بحركة قوية وقد أدركت أنه على وشك التفوه بما يثير غيرتها ..
فبادرت بقولها :
_إياك !! إياك !! هاقلب الليلة المفترجة دي على دماغك .
فرسم على ملامحه براءة مصطنعة وهو يقول بشفتين ممطوتتين :
_ومالها الليلة دي يعني ؟! فيها حاجة مميزة ؟!
ملامحها ترتخي تدريجياً وأناملها تنتقل لوجهه تداعبه برقة مع همسها الذي خرج أخيراً عاطفياً دافئاً :
_كل سنة وانت طيب .
_آآآآه ..هو عيد ميلادي ؟!
يهتف بها بنفس البراءة المصطنعة مردفاً :
_ولا كنت واخد بالي!
_إسلام!
تقولها بنبرة محذرة وقد اشتمت الكذب في كلماته ليضحك ضحكة عالية وهو يضمها نحوه بكلي ذراعيه هامساً أمام عينيها :
_بصراحة افتكرتك مش واخدة بالك ..ماكنتش أعرف إنك عاملة مفاجأة .
_بتتكلم جد ؟!
تهمس بها بنبرة خطيرة مغوية وهي تقترب لتطبع على شفتيه هدية ناعمة يردها لها أكثر جموحاً ..
لكنها تتراجع فجأة لتضع سبابتها على شفتيه هامسة :
_مش عايزين كروَتة يا هندسة ..سيبني أكمل "البروجرام"!
_بعشق "بروجراماتك" يا عسل!
يغمزها بها بحركته المعهودة لتضحك وهي تبتعد قليلاٌ تلاحقها نظراته المشتعلة بفتنتها الاستثنائية لهذه الليلة ..
_جامدة !
يهتف بها مصفقاً بإعجاب لتضحك وهي تتقدم منه حاملة هديتها التي رفعتها أمام عينيه :
_شوف هديتي الأولانية الأول وبعدين احكم ..
تقولها وهي تتحسس سلسلتها بصورته على عنقه ليبتسم وهو يتلمس هديتها التي كانت ميدالية طبعت عليها صورة زفافهما ..
هذه التي قبَّلها هو بخفة سريعة قبل أن يقول ببعض الاستياء:
_ماحطتيش صورة لينا احنا التلاتة ليه أحسن؟!
_بجد ؟! يعني كنت عايز ريما معانا ؟!
تقولها بمزيج ترددها وخوفها الذي يثير غيظه فلم يتمالك نفسه وهو يشد أذنها ببعض القوة ليهتف وسط تأوهاتها الضاحكة :
_هاقولها لحد امتى؟! لحد امتى ؟! لكن على رأي اللي قال ..يفيد بإيه البوح لو البعيد لوح ؟!
يعلو صوت تأوهاتها الضاحك وهي تخبطه بقبضتها على كتفه لتهتف مدافعة :
_خلاص ..خلاص ..صادق يا "سلمونتي" ..صادق!
_سماح !..عشان خاطر"سلمونتي" الجامدة دي!
يهمس بها وهو يعض خدها الممتلئ بخفة لتضحك وهي تبتعد خطوة هامسة :
_مش عايز تعرف هديتي التانية ؟!
يصمت قليلاً بترقب صامت ..
قبل أن تلتمع عيناه مع رجفة صوته :
_عارفها .
_بجد ؟!
تهمس بها بخيبة متشككة ليضحك وهو يعاود اقترابه ليطوقها بين ذراعيه هامساً جوار أذنها بعبث ماكر :
_عيب عليكِ ! ده أنا حتى هندسة وشاطر قوي في الحساب ..هه ؟! نقول مبروك يا عسل؟!
تلكمه من جديد في كتفه لتهتف به بغيظ :
_مش ممكن وربنا ! مش ممكن ! حتى دي ما فوتتهاش؟! مابعرفش أفاجئك أبداً !!
ضحكته تجلجل بنبرة عالية وهو يعتصرها بين ذراعيه ليغمر وجهها بقبلاته الدافئة ..
ترفع إليه عينيها وشفتاها تهمان بالحديث لكنها تتوقف أمام لمعة دموع حقيقية في عينيه تناقض مظهره العابث هذا !!
تدمع عيناها بدورها وهي تشعر بفيض عاطفته هذه الذي يخفيه ..
تراه يخشى أن يفصح عن سعادته بإفراط فيزيد من خوفها هي بشأن ريما ؟!
لاريب أنه كذلك !!
_قول إنك مبسوط قوي وأنا مش هخاف ..أنا عارفة إنك هتفضل تحب ريما زي ..
تقولها بتأثر فتنقطع كلماتها بين شفتيه وأنامله تداعب خصلات شعرها برقة ..
بينما ارتجاف جسده يحكي دون كلمات عن فرحته الطاغية الآن ..
تشعر به يبتعد أخيراً لينحني جالساً على ركبتيه أمام بطنها فجأة ليمسده بأنامله هامساً بحرارة :
_الحمد لله ..دي كانت أول دعوة دعيتها قدام الكعبة .
تتشبث بكتفيه بقوة وأناملها تكاد تنغرس هناك شاعرة بعمق عاطفته يخرسها ..
لكنه يميل بشفتيه على كفيها يقبلهما تباعاً قبل أن ينهض بسرعة ليتناول هاتفه فتحاول منعه هاتفة :
_مفيش تليفونات الليلة دي ..ما تبوظش البروجرام ..قوللهم بكرة.
لكنه يضحك هاتفاً بلهفة :
_إلا دي! ..لازم أعرفها حالاً !
يقولها وهو يطبع على وجنتها قبلة اعتذار تنتهي بعضّة خفيفة كعهده قبل أن يفتح الاتصال ليهتف هو بلهفة فرحة :
_زغرطي يا "أنّا" ..هاني الصغير في الطريق ..فعلتُها ..فعلتُها!!!!
تبتسم نشوى بعاطفة وقد كانت تدرك أن هذا سيكون أول اتصال سيجريه ..
الأحمق!! كأنه يثق تماماً أنها تحمل ولداً !!
_بجد ؟! بجد ؟! حبيب قلب "أنّا"! مبروك أنا ..
صراخ إيناس الفرِح يصلها مكانها وقد تقطع بدموع المرأة ليهتف بها إسلام بسعادة :
_عرّفي عمو بقا إني عملتها عشان ما بطلش يعايرني من ساعة ما اتجوزت ..وقولي ل"سيدنا" ما يفرحش قوي إنه سبقني بالبنتين أنا بعون الله اللي هاجيب هاني ..دعيتها وهنولها من غير مقاطعة ..
يقولها ليصمت لحظة مردفاً بنبرة أرق:
_وعشان خاطري بطلي عياط .
_حاضر ..اهه ..بطلت .
تضحك نشوى وصوت المرأة المنفعل يصلها مكانها :
_بارك لنشوى ..خلليها تاخد بالها منه قوي ..تاكل كويس وتبطل الدايت اللي كانت عاملاه ده .
_لا أنا هامشيها على "دايت القطط"!
ترمقه نشوى بنظرة متسائلة ليردف بحاجبين متراقصين :
_تاكل وتنكر!!
تنطلق الضحكات من ثلاثتهم في نفس اللحظة ليشبك كفه الحر بكفها فترفعهما معاً نحو شفتيها تقبله بعمق ..
لا تدري كم عمراً يكفيها لتعشق رجلاً مثله كما يليق به ..
رجلاً أجاد إتقان كل دور فرضه عليه القدر بمنتهى الإتقان ..
الأخ ..الابن ..الصديق ..الزوج ..الحبيب ..
و..الأب ..
لابنهما المنتظر ولريما قبله !!
_بحبك !
تقولها أخيراً وقد أغلق الاتصال ليفتح لها باب جنته الخاصة بين ذراعيه فيهمس لها بغمزته المعهودة :
_وأنا بموت فيك يا عسل!
=======
في حفل التخرج وسط فناء الكلية تقف داليا بهذا الرداء المميز الذي اختير ليرتدوه جميعاً بلون الكشمير الهادئ ..
_الولاد ماكانوش موافقين ع اللون بس فرضنا رأينا ..النساء قادمات !! هوووووه!!
تهتف بها بنزقها المعهود ليبتسم مروان بفخر وهو يحيطها بكتفيه بينما يهتف يامن :
_المهم إنك نجحتِ ..نفسي أعرف عملتيها إزاي .
_بركات مارو الجامد !
تهتف بها وهي تسند رأسها على كتف مروان الذي اتسعت ابتسامته وهو يرى استياء يامن من تصرفها المتحرر هذا وسط هذا الجمع ليقول له مهدئاً :
_ما تحاولش! دي بالذات ماعرفتش أظبطهالها!
يضحك يامن وهو يربت على كتفه قائلاً :
_هتقوللي؟! ربنا يعينك على ما بلاك !
ثم ينتقل لها ببصره مردفاً:
_مبروك يا شحرورة !
يقولها ليسمع صوت رنين هاتفه فيفتح الاتصال لتتغضن ملامحه قليلاً قبل أن يغلق الاتصال بعنف قائلاً بحدة :
_مش ممكن ! فيه حاجة مش مظبوطة ..من امبارح والتليفون بيرن بأرقام غريبة ومعاكسات ..الغريبة ان ده تليفون الشغل مش تليفوني الشخصي .
لم يكد ينهي آخر كلماته حتى فوجئ باتصال من رقم غريب آخر لكنه أغلقه دون رد لتصطدم عيناه ب...نظرة داليا المذنبة !!
_عارفها البصة دي! هبّبتِ إيه ؟!
يقولها بفظاظته المعهودة مشيراً بسبابته لوجهها لترد وهي تلتصق بمروان أكثر كأنما تطلب منه الدعم :
_والله كان بحسن نية ! جروب بنات بس مشتركة فيه عمل مسابقة هاشتاج "قريبك شبه المشاهير" ..حطيت صورتك وصورة "أنجين أكيوريك" جنب بعض والبوست دخل على خمسين ألف لايك ..كلهم شايفينك شبهه قوي ..
احمر وجه يامن بغيظ بينما مروان يكتم ضحكته ليهتف الأول بحدة :
_وجابوا رقمي منين؟!
فتنحنحت بارتباك وهي تلتصق بمروان أكثر :
_ما أنا قلت أنفعك وأعملّك دعاية ..اديتهم رقمك وقلتلهم إنك أحسن دكتور أسنان في مصر !
_شيلها من وشي يا مروان ..شيلها من وشي!
يهتف بها يامن بانفعال وهو يغطي وجهه بكفيه ليهتف مروان بين ضحكاته :
_وهي عملت إيه يعني؟! الحق عليها جدعة بتعملّك دعاية !
لم يكد ينتهي منها حتى سمع هاتفه هو الخاص بالعمل يرن برقم غريب هو الآخر ..
فرمقها بنظرة متشككة وهو يفتح الاتصال ليستمع قليلاً قبل أن يغلقه بسرعة هاتفاً بها:
_انت حطيتِ صورتي ورقمي برضه ؟!
_جيسون ستاثام!
تقولها ذاكرة اسم ممثل يشبه مروان وهي تتراجع بظهرها عنهما ليهتف يامن ضاحكاً بتشفٍّ :
_قابل يا عم قابل !
يكتم مروان ضحكته وهو يرمقها بنظرة مستاءة لتهتف هي بنبرة مذنبة :
_ماكنتش أعرف إنها هتقلب معاكسات ..قلت بنفعكم وأجيبلكم شغل!!
_روحي يا داليا لماما والبنات الله لا يسيئك ! واللا أقوللك ..خلليكِ ماتروحيش في حتة الواحد ماعادش ضامن بلاويكِ !
يقولها يامن باستسلام انتهى بضحكة متسامحة وهو يرى مروان يعاود اقترابه منها..
لكنه عاد يسألها باهتمام لم تفارقه فظاظته المعهودة وهو يشير بسبابته نحو مروان :
_قوليلي طيب ..مين جاب لايكات أكتر أنا واللا هو ؟!
تضحك ضحكة عالية وهي تهز رأسها لتخرج لهما لسانها مغيظة معلنةً امتناعها عن الجواب الذي كانا ينتظرانه ..
حركة خاطفة منها لم تستغرق سوى ثانية واحدة قبل أن تلتفت نحو مروان هاتفة بنبرة اعتذار مرحة :
_بنات عائلات محترمات ما يطلعوش لسانهم في الشوارع والحارات !
يضحك مروان ضحكة راضية وهو يقترب منها أكثر ليفاجئه الهتاف خلفهما :
_مبروك يا داليا ..نجاح مشرف السنة دي!
تقولها دكتورة سهام بنبرة راضية وهي تلمس تغيرها الحقيقي يوماً بعد يوم ليقول زوجها دكتور ياسر جوارها :
_داليا طول عمرها بنت حلال وتستاهل .
ترمقهما داليا بنظرة عميقة مع كلمات شكر تقليدية ثم تختلس نظرة جانبية نحو مروان كأنما تستمد منه الدعم ..
هذا الذي شعر هو به وهو يمسك كفها بقوة فتغمض عينيها تتمتم بكلمات مبهمة وهي تشعر أنها أخيراٌ ألقت سواد الماضي كله خلف ظهرها وما بقي لها سوى التشبث بحبالها الجديدة كي تصعد نحو حافة الغد ..
ترى نبيلة هناك قد وصلت مع هانيا ورانيا وياسمين فتندفع نحوهن لتعرفهن إلى صديقاتها ..
نظرة عابرة منها تجعلها تلمح ياقوت تقف مع هيثم هناك ..
فتغادر رفقتها بسرعة لتتحرك نحو مروان لتسأله بنبرة استئذان لم تخلُ من دلال:
_ياقوت "اللي مش صاحبتك" واقفة مع "هيثم اللي مش صاحبي" ..تسمح لي سعادتك نروح نسلم عليهم ؟!
فيضحك مروان وهو يمسك كفها ليجيبها عملياً وهو يتحرك بها نحو ياقوت فيلقي عليها تحية ودود ثم يبارك لهيثم نجاحه ..
هيثم الذي بدا شارداً وهو يدور بعينيه في المكان حوله وقد رسم على شفتيه ابتسامة جامدة تناقض خفقان قلبه الهادر وهو يشعر بالمكان يعيد إليه ذكرياته العامرة مع "شهده المرّ" ..
تباً لهذا الحنين الذي يكاد يعتصر روحه !!
ألم تكفه كل هذه الأيام كي ينسى؟!
يعلم أنها سافرت وتركت كل هذا خلفها ..
تماماً كما يعلم أنه سيسافر وسيترك كل هذا خلفه ..
لكن ..
حياتي وهو مش فيها ..
سنين عدت رضيت بيها ..
وفاكر لو قابلت عينيه ..
عادي جداٌ ..هاعديها ..
وأديك ياللي افتكرت نسيت ..
قابلته الليلة واتهزيت ..
طب ازاي فيه حاجات بتموت ..
وتيجي الصدفة تحييها!!
كلمات الغنوة تنبعث صدفة من مكان ما تزامناً مع رؤيته المفاجئة لها هناك ..
تتوارى خلف جدار مبنى مقابل ترقبه من بعيد ..
هل هي حقاً؟!
أم أنه يتخيل وجودها من فرط ما تمناه ؟!
عيناهما تلتقيان فيشعر بجسده كله يتصلب مكانه كأنما اختفى الوجود كله من حوله ..
لاتزال كما هي ..كما عرفها ..
بل تغيرت ..تغيرت كثيراً ..
لا ..ليس جسدها الذي ازداد نحافة ..ولا وجهها الذي ازداد شحوباً ..
بل هذه النظرة في عينيها كأنما كبرت في هذه الأيام مائة عام !!
وافتكرت لما جت عيني في عينه سنيني معاه ..
وافتكرت وعد كان بيني وبينه زمان خدناه ..
وافتكرت مسكته في إيدي ..وإيدي خلاص سايباه ..
تدمع عيناه رغماً عنه فيغمضهما بقوة وهو يطرق برأسه ..
لماذا جاءت اليوم ؟!
لماذا تلقي بهذا الحجر وسط نهر حبهما الراكد فتثير زوابعه؟!
يشعر بغصة في حلقه وهو يقاوم رغبة عارمة في ترك كل هذا الجمع والركض إليها ..
ولما عجز أخيراً عن المزيد من المقاومة وجد نفسه يرفع عينيه نحوها من جديد ..
قصادي عيونه محتارة ..
يقرب واللا يتدارى ..
جه اليوم اللي أشوفه أنا فيه ..
ومانتكلمش ياخسارة !
ده صعب عليّ وأعمل إيه ..
مفيش في ايديا شيئ تاني ..
خلاص اهه اسمي شفت عينيه ..
عشان دي بجد واحشاني !
يشعر بكف والدته على كتفه فيلتفت نحوها بحدة لتستقبله بابتسامتها الواسعة غافلة عما يحدث :
_سرحان في إيه ؟! سيبنا وروح لأصحابك فرفش شوية .
ترتجف ابتسامته وهو يلتفت نحو ياقوت التي قرأت بحدسها نظرته لتتنهد بحزن حقيقي وهي تلمح شهد تقف مكانها هناك ..
شهد التي كانت تشعر في هذه اللحظة بمدى حماقتها وهي تستجيب لرغبتها في وداعه الأخير ..
لكنها كانت فرصتها الأخيرة لتراه قبل سفره ..هنا!
هنا في نفس المكان الذي شهد أجمل ذكرياتهما معاٌ !
لقد ظنت فراقهما سيسير بها في الاتجاه المغاير لما يجذبها إليه قلبها ..
لكن هاهو ذا كل يوم يمر يزيد من تعلقها به أكثر ..
رغم يأسها منه ..يبقى هو الأمل الوحيد الذي يمنحها فرحة حقيقية وسط صحراء أيامها القاحلة !!
ترى حزنه الصارخ في عينيه ..
حنينه الذي يكاد يرجه مكانه ..
لهفته التي عجز عن كتمانها عندما رآها ..
تردده الذي يوقفه مكانه ..
ثم هروبه الذي استسلم إليه ..
فتتفهم كل هذا ..
وكيف لا؟!
وهي توأمه في كل هذه المشاعر التي ابتليا بها معاً!!
تراه يرفع رأسه نحوها من جديد وعيناه تتشبثان بنظراتها تارة ..
وتناشدانها الرحيل تارة أخرى ..
فتبتسم ابتسامة بنكهة الدموع وهي تلقي إليه سهم نظرتها الأخير ..
شفتاها تتمتمان بهذه الكلمات التي لم يسمعها مكانه ..
وإن كان قلبه قد قرأها كما حفظها منها ..
(مهما حصل بيننا افتكر ..إني عمري ما حبيت ولا هاحب حد غيرك)
========
_زين باشا العظيم سايب مشاغله وبيعلمني السواقة !
تقولها ياقوت بمزيج من مرح وفخر وهي تستقل معه سيارته وقد احتلت هي كرسي القيادة في هذه البقعة المنعزلة التي اختارها لتعليمها القيادة ..
فيبتسم وهو يرد بغيرة تسربت عبر نبرته الثقيلة :
_كنتِ فاكرة إني هاسيب راجل تاني يقعد جنبك كده ويعلمك ؟!
_مش لازم راجل ..ممكن ست؟!
تقولها مراوغة وهي تقرب وجهها منه بدلال ليرفع أحد حاجبيه قائلاً :
_الستات مهما اتعلمت مابتعرفش تسوق .
_نعم!
تهتف بها باستنكار رغم يقينها أنه فقط يحاول مشاكستها فيضحك ضحكة قصيرة وهو يرفع كفها لشفتيه بقبلة ناعمة سبقت قوله بعينين متوهجتين :
_ماتخافيش ..انتِ استثناء في كل حاجة .
تبتسم بدلال وهي تقبل وجنته بخفة ثم تنتزع كفها منه لتقول بلهفة :
_طيب ..ياللا نبدأ ..أنا لسه فاكرة المبادئ الأولانية ..الأول نعمل كده ..و ..كده ..
تقرن قولها بفعلها وهي تبدأ التحرك بالسيارة بحرص فتدور بها دورة كاملة في المكان الواسع نسبياً ..
تبعتها بعدة دورات ناجحة ليمنحها تعليقاً راضياٌ يجعلها تهتف بلهفة أكبر :
_اتعلمنا كتير هنا ..نخرج بقا على الطريق ..
يظهر بعض التردد على وجهه لكنها تمارس سلطات إغوائها لتقترب منه حد امتزاج أنفاسهما قائلة :
_مش واثق فيّ ؟!
فيتنهد باستسلام وهو يقترب بجسده أكثر منها تحسباً لأي مخاطرة ثم يشير لها بكفه نحو الطريق الجانبي فتصدر صيحة انتصار وهي تضغط دواسة البنزين ببعض القوة التي جعلت السيارة تندفع للأمام فجأة بسرعة فهتف بها محذراً :
_حاسبي!
_معلش ..كله تمام اهه ..صدقني ييجي مني .
تقولها بثقة تقلل خوفه عليها تدريجياً لكنه حافظ على جلسته الوقائية جوارها متأهباً لأي حدث ..
حيث يفرد ذراعيه حولها كأنه يحوطها من بعيد بحرص دون تقييد ..
تتسع ابتسامتها بثقة وهي تتابع القيادة عبر الطريق الذي ازدحم تدريجياً بالسيارات بما جعلها تشعر قليلاً بالرهبة ..
لكنها تغلبت عليها بقولها :
_طول عمري نفسي يبقى عندي عربية بسوقها ..شكراً .
تلتفت نحوه عفوياً في كلمتها الأخيرة فلا تنتبه لهذه السيارة التي جاءت من خلفها ..
_حاسبي!
يهتف بها بجزع وهو يسيطر على عجلة القيادة بكفه بسرعة فيتحكم في اتجاه السيارة ليحيد بها في اللحظة المناسبة !
تشحب ملامحها بخوف والصدمة تلجمها فالسيارة الأخرى مرت من جوارها بسرعة عاصفة لا تدري ما الذي كانت ستفعله بها لو حدث التصادم !
لكن هذا لم يكن شيئاً أمام رد فعله هو وهي تجده يلتصق بها ليسيطر على حركة السيارة بثبات انفعالي يحسد عليه ..
السيارة التي أوقفاها أخيراٌ جانباٌ قبل أن يغمرها بين ذراعيه مخفياً وجهها في صدره الذي كاد يضج بخفقاته !!
صمته الرهيب يروعها للحظات اعتصرها فيها بين ذراعيه لتستشعر مدى خوفه عليها ..
_أنا كويسة ..آسفة ..ماكانش ينفع أتلفت ..هاركز أكتر بعد كده ..زين !
تناديه عدة مرات محاولة رفع عينيها إليه لكنه كان يتشبث بعناقها بقوة محاولاٌ تمالك أعصابه ..
وأخيراً أخذ نفساً عميقاً لينظر لعينيها..
ظنته سيعاتبها لكنه اكتفى بقوله الحاسم :
_كفاية كده النهارده ..انزلي وأنا هاسوق .
_اوعى تقول مش هتخلليني أسوق تاني !
تهتف بها باستنكار يتحول لإشفاق جارف وهي ترى ملامحه الشاحبة وعينيه الزائغتين فتغمغم بنبرة أرق:
_خلاص ..بلاش .
لكنه يرمقها بنظرة عميقة وهو يتناول كفها بقبضته يشد عليه بقوة قائلاً:
_لو سلمت لخوفي عليكِ مش هاسيبك تخرجي من البيت أصلاً ..بس أنا واثق فيكِ وعايزك تعيشي معايا كل حلم حلمتيه ..ونحققه سوا .
_فعل فاضح في الطريق العام ..ولا يهمنا !
تهتف بها العفريتة العابثة داخلها وهي تدفعها لاحتضانه من جديد بقوة لتغمر وجهه بقبلاتها السريعة فيضحك ضحكة انفعالية وهو يبتعد قليلاً هاتفاً بمرح:
_طب نأجل شغل العفاريت ده لما نروح ..عشان أنا كمان أستعرض مواهب عفاريتي .
تضحك ضحكة عالية وهي تغادر السيارة ليتبادلا المقاعد فتهتف به بسعادة حقيقية تشعر بها تطوق روحها :
_عايزة أتعشى بره بس مش عايزة جو المطاعم الشيك بتوعك دول .
_مممم ...فول وطعمية مثلاً؟!
يقولها بهمهمته اللذيذة التي تثير جنونها فتهتف به بمرح :
_أيوه بقااااا لاغيني كده ..خلليك معايا على نفس الموجة .
يضحك مستمتعاً وهو يتناول هاتفه لتتلاعب به أنامله :
_سهلة ..نشوف على "جي بي إس" أقرب مطعم فول وطعمية نضيف.
_لا لا ..جي بي إس إيه ؟!! خللي البساط أحمدي كده ..أنا عارفة مطعم كويس قريب من هنا ..هاوصفهولك ..أنا زبونة هناك وبيوجبوا معايا .
تقولها بحماس ثم تصف له الطريق فيبتسم وهو يتتبع ما تصفه حتى يتوقف بها أمام المطعم بسيط الحال الذي وصفته بقولها :
_مايغركش المنظر ..نضاف جداً ..أحلى فول ممكن تاكله ..وزيت الطعمية بيبرق ..وحشوني قوي ..
_دكتورة ياقوت ..عاش من شافك !
تهتف بها المرأة الطيبة التي خرجت من المطعم عندما لمحتها لتغادر ياقوت السيارة فتعانقها بقوة هاتفة :
_وحشتيني ..بنتك عاملة إيه ؟! وجوزك كسب القضية ؟!
يرقبها مكانه بعاطفة هادرة وهو يشعر أنه يذوب عشقاً بكل تفاصيلها البسيطة هذه ..
هذه اللهفة الصادقة التي تبديها نحو المرأة متواضعة الحال ..
وهذا المزيج النادر من البساطة والفخامة الذي لا يظن امرأة غيرها بقادرة عليه !!
_ما تشيليش هم ..ربك كريم ..حقكم هيرجع ..المهم عايزة منك شوية ساندوتشات وصاية كده ..
تقولها ياقوت ببساطة مرحة لتلتفت المرأة نحو زين فتقول بترحاب :
_اتفضل جوه يا بيه ..مش قد المقام بس تنورنا .
يشكرها بخجل يتعجبه في نفسه وهو يشعر بهذه الهالة من البساطة الودود تحيطه ..
يرى المرأة تتحرك بحماس مع فتيانها ليحضروا لهم بغيتهم قبل أن تعانقها ياقوت بحرارة هاتفة :
_موصية ستي ثمر تدعيلك ..هاجيلك قريب تبشريني بالفرج .
تدمع عينا المرأة وهي تغمرها بقبلاتها ودعواتها قبل أن تستقل ياقوت السيارة جواره أخيراً لتتفحص ملامحه قائلة :
_واخدين على بعض من زمان ..غلبانة ..جوزها نصبوا عليه في القرشين اللي حيلتهم ..وسكة المحاكم طويلة .
_فكريني بكرة بالتفاصيل وهاشوف القصة دي ..لو قدرت أعمل حاجة مش هتأخر .
يقولها وهو يعاود الانطلاق بالسيارة فتضحك هاتفة باعتزاز:
_هو ده زين الفايد العظيم اللي هافضل فخورة بيه ..
ثم تردف وهي تفتح الكيس لتفوح الرائحة أكثر :
_لو استنينا نوصل البيت هيبردوا ..حلاوتهم وهم سخنين كده ..
_خلاص ..أكليني!
يهز بها كتفيه بمزيج هيمنته وعاطفته الفريد .. فتضحك وهي تتناول إحدى الشطائر لتقربها من فمه هاتفة :
_ابتدي بالطعمية ..هه ؟! إيه رأيك ؟! استنى ..دوقها مع المخلل كمان ..
تقرن قولها بفعلها وهي تطعمه فيرمقها بنظرة عميقة وهو يشعر بلذة روحها هذه تفوق لذة الطعام في فمه ..
عالم جديد يتفتح له معها ..ويشبهها!!
طيبتها ..بساطتها ..ذكاؤها ..
وأخيراً عاطفتها هذه المتشحة بأمومة لا يمكن أن يستشعرها سواه !!
_عجبك الأكل ؟! قول وما تجاملش !
تسأله أخيراً بعدما انتهيا من طعامهما لتصلها همهمته اللذيذة تسبق سؤاله :
_ممممم ..ما أجاملش؟!
ترمقه بنظرة مترقبة فيوقف السيارة جانباً ثم يتناول كفها فيقبل باطنه بهذه الحركة التي تعشقها ليتوهج سراجا الذهب في عينيه بوميض قوله :
_كل حاجة من إيديكِ طعم تاني ..لذة خاصة بيكِ بتبدأ وتنتهي عندك انتِ بس .
قمراها الحران يتلألآن بلمعة سعادة خالصة وهي تهز كتفيها بدلال قائلة :
_يعني ممكن أطمع في طلب كمان ؟!
عيناه تمنحانها وعده فتقول بحماسة منطلقة :
_نتمشى شوية بقا بعد الأكلة الحلوة دي .
فيضحك وهو يومئ لها برأسه ليغادرا معاً سيارته ويسيران متشابكي الكفين على الرصيف القريب ..
ضحكتها تعلو فجأة فيرمقها بنظرة متسائلة لترد بمرح :
_متخيلة لو حد بيراقبك ..وشاف زين باشا العظيم وهو بياكل فول وطعمية وبعدين نزل يتمشى ع الرصيف وسط عامة الشعب ..ناقصك بس تقعد على قهوة بلدي وتبقى كملت .
فيضحك بدوره وهو يشدد ضغط قبضته حول كفها ليقول بصدق :
_زين الفايد عمره ما حس إنه مبسوط بجد أد ما هو معاكِ ..مش مهم فين وإزاي وبنعمل إيه ..المهم إن احنا سوا .
تنفرج شفتاها وكأنها ستقول شيئاً لكنها تعاود إطباقهما فيسألها بترقب:
_كنتِ عايزة تقولي إيه ؟!
_مااحنا اتفقنا هنأجل شغل العفاريت للبيت!
تقولها بمرح عابث وهي تسير جواره فيضحك ضحكة رائقة تشاركه فيها وهي ترفع وجهها للسماء حيث اكتمل القمر بدراً ..
القمر الحبيب الذي يبدو لها دوماً صديق العمر وشاهدها على حكايتها ..
والذي بدا لها الآن ضاحكاً مستبشراً كأجمل مرة رأته فيها ..
_دكتورة ياقوت!
الهتاف يأتيها من أمامها فجأة فتلتفت للفتاة لتهتف بها بود حار:
_نجلاء! إيه الصدفة الحلوة دي!!
تصافحها الفتاة بحرارة ثم تصافح زين الذي تفرس ملامحها ليزداد خجلها وهي ترد بتلعثم :
_كنت قاعدة في عربية بابا بستناه ..شفتك جيت بسرعة ..
تبتسم لها ياقوت بحنان وعين مهنيتها تتفحص الفتاة باهتمام ..
تعلم أنها تماثلت للشفاء لكن رؤيتها لما بيدها أقلقها كثيراً ..
كانت دمية مما كان يهديها إياها سامر!!
هل تعلقت به إلى هذا الحد ؟!
ويبدو أن نظرتها للدمية قد طالت فقد تمتمت الفتاة وهي تخفيها خلف ظهرها بتلعثم خجول:
_صاحبتي ..مابخرجش من غيرها .
_نجلاء!
يظهر والدها خلفها بملامح قلقة تهدأ مع رؤيته ياقوت ليصافح زين بحرارة ثم يردف مبرراً :
_قلقت لما رجعت العربية مالقيتهاش ..كنت بجيب شوية حاجات .
يقولها مشيراً لما بيده فتبتسم له ياقوت بإجلال ..
شعورها بعظم دوره كأب يصطدم بتاريخها القديم فيجعلها تقدر دوره مع ابنته أكثر ..
_فرحانة قوي إني شفتك ..سلمي على دكتور سامر .
تقولها نجلاء ببراءتها الخجول فيزداد القلق على ملامح ياقوت لكنها ترد رداً تقليدياً وهي تودعها مع أبيها ..
الفتاة لا تزال كما يبدو على تعلقها القديم بسامر ..
وربما يكون هذا شارة خطر فالمريض النفسي يكون شديد الهشاشة عقب تماثله للشفاء !
سامر!
كم تشعر بالشفقة عليه مع ما تعلمه عن حيرته وتخبطه خاصة بعد سفر ريتال !!
من قال إن دروب القلوب يسهل التنبؤ بها !!
هاهو ذا أينشتاين العظيم الذي طالما أبهرها بعبقريته الطبية في علاج مرضاه النفسيين ..
يذهلها الآن بهذا التشتت الذي يعيشه غير قادر على فهم مشاعره !!
_مش هنكمل مشي ؟! واللا تحبي نرجع؟!
ينتشلها بها زين من شرودها فتبتسم له وهي تتأبط ذراعه لتجيبه عملياً وهي تتحرك به نحو السيارة من جديد ..
_بحب أشوفها نجلاء دي!
يقولها ببساطة فتتوقف مكانها فجأة لتلتمع عيناها بطيف غيرة عابر يجعله يضحك ضحكة رائقة وهو يجذبها ليعاود السير بها مردفاً وهو يرفع أحد حاجبيه بمكر:
_بشوف فيها نجاحك ..ومش هانسى إن أشهر عرض جواز في مصر كان يوم المؤتمر الصحفي بتاعها .
_إن كان كده معلش !
تقولها بدلال وهي تراه يفتح لها باب السيارة بحركة أنيقة تجعلها تبتسم له بحب ..
ليستقلها هو بدوره وينطلق بها نحو بيتهما ..
بينما تستسلم هي لشرودها من جديد ..
سامر ..نجلاء ..
هل يمكن أن تجمع هذين معاً قصة ما؟!
=====
_الحقني يا عمو ..أنا مع غادة في المستشفى ..بيقولوا ممكن يضطروا يولدوها دلوقت !
يهتف بها سيف عبر الهاتف بقلق ليرد علاء بقلق مماثل وإن حاول طمأنته :
_مسافة الطريق هاكون عندك ..ما تخافش ..ستات كتير بتولد في السابع!
يقولها ليغلق الاتصال بسرعة فتندفع نحوه إيناس هاتفة بجزع:
_مين دي اللي هتولد في السابع؟! اوعى تكون غادة !
هتافها ينتهي بدموعها الانفعالية كعهدها وهي تبدأ في تبديل ثيابها بالفعل مع جوابه الآسف لها ..
لم تدرِ كيف نهبت سيارته الطريق نحو المشفى القريب ولا كيف استقبلت وجه سيف الذي كان شاحباً كالموتى وكفاه متشبثان بباب الغرفة الموصد في وجهه ..
لكنها شعرت بزوجها وهو يجذب سيف من كتفيه ليضمه إليه بقوة هاتفاً بحسم غريب على طبيعته المرحة :
_جرى إيه يا ولد؟! خايف كده ليه ؟! هو ربنا الكريم اللي رزقك بيهم بعد كل ده مش قادر يحفظهم لك ؟! استغفر وادعي!
فيخفي سيف وجهه الدامع في كتف الرجل الذي ربت على ظهره مردفاً بصوت مرتجف:
_هيوصلوا بالسلامة ..كلهم ..هيبقوا كويسين!!
هنا لا تملك إيناس المزيد من فيض دموعها وهي ترفع كفيها بالدعاء بلوعة ..
تسمعه وهو يحكي لعلاء تفاصيل الحالة الدقيقة فلا تبالي سوى بأن ابنتها في خطر ..
تستعيد حرقة شعورها بفقد ابنها فيلهج قلبها بالدعاء وهي تخشى أن تعيش نفس الموقف مرتين ..
لكن ..
صوت البكاء الذي انبعث بصوت رضيع يصدح من داخل الغرفة أخيراً ..
فيشهقون جميعاً ببعض الارتياح تزامناً مع فتح باب الغرفة ليظهر من خلفه الطبيب هاتفاً بالتركية :
_الرضيعان بخير ..سيحتاجان فقط أن يوضعا في الحضّانة لبعض الوقت حتى نطمئن .
_وغادة ؟!
يهتف بها ثلاثتهم في نفس اللحظة وبنفس اللهفة ليبتسم الطبيب قائلاً :
_هي محاربة حقاً ! لا أخفيكم قولاً أنني كنت أخاف عليها في أول العملية ..لكنها بدت وكأن جسدها يقاوم بشراسة كي لا يستسلم ..يمكنكم رؤيتها الآن فقد استعادت وعيها نسبياً لكنها لا تزال تحت تأثير "البنج"!
يدلفون جميعاً للداخل فيحيطون بها لتستقبلهم بابتسامة سعادة كبيرة رغم الألم الذي أحاط بوجهها الشاحب ..
تحمل رضيعتيها بوهن تخاذل معه ذراعاها ليسبقهما سيف فيحتويهن جميعاٌ ثم يقبل جبينها بعمق هامساٌ :
_الحمد لله ..كنت عارف إنك مش هتخذليني .
_فسرتلك الحلم ؟!
تهمس بها بصوتها الواهن ولاتزال مشوشة الوعي فيضحك ضحكة عالية دمعت لها عيناه وهو يشدد قوة ضمه لهن وقد تذكر ما تحكي عنه من تلك الرؤيا التي رواها لها يوماً عن انجيل وابنتها الضاحكة !
_وسع كده يا سيف! عايزة أحضنها أنا كمان !
تهتف بها إيناس وهي تدفعه برقة ليفسح لها المجال حاملاً الرضيعتين فتضمها إليها بحنان هاتفة باستنكار مصطنع:
_بقا كده ؟! ده اللي اتفقنا عليه ؟! بعد كل الأيام اللي قعدنا نخطط فيها هنستقبلهم إزاي تغفليني كده ؟! ماكانش العشم !
تضحك غادة وسط آهة توجعها لتغمغم بصوتها الواهن:
_معلش يا "أنّا"! شوفي مين فيهم تختاري تتسمى باسمك .
تقولها فيهيأ إليها أن حنان الدنيا كله قد تجمع في عيني المرأة التي تطلعت للرضيعتين للحظات طالت ..
قبل أن تقول وسط دموع فرحتها :
_أختار إيه بس؟! الاتنين أجمل من بعض ..سبحان الخلاق!!
_الحمد لله يا بنتي إنك حسنتِ النسل! كنت خايف يطلعوا شبه الولد ده ويورثوا تكشيرته !
يهتف بها علاء مشاكساً كعهده وإن فضحت نبرته المرتجفة حنان لهفته ليهتف سيف مؤكداٌ :
_وأنا برضه كنت حامل هم كده ..بس الحمد لله !
_انت قمر ..وبحبك ..بحبكم كلكم ..بناتي ..عيلتي ..عيلتي ! بقا عندي عيلة يا سيف ..
تهمس بها بصوت متقطع ..مرتجف .. منهك بين نوم ويقظة فيظهر التأثر في وجوههم جميعاً ..
خاصة عندما مدت كفها بوهن نحو إيناس لتتمتم بنفس النبرة :
_ماما!!
تتسع عينا إيناس بصدمة وهي تسمعها منها لأول مرة ..
فلم تملك نفسها وهي تنكب فوقها لتحتضنها برفق مراعية إعياءها لتهتف بين فيض دموعها :
_يا قلب ماما انتِ! حلوة قوي "ماما"من بقك يا غادة !!
تدمع عينا علاء وهو يراقب المشهد صامتاٌ فيما يبتسم سيف بإدراك وهو يتذكر حديثها معه ..
الآن فقط يوقن أنها تخلصت من رواسب ماضيها القديم ..
وصالحت هذه "الكلمة" التي أجبرتها الظروف أن تكفر بكل معانيها!!
_مش هابطل أقولها .
تتمتم بها غادة أخيراً بصوت تخفت نبرته رويداً رويداً وهي تغمض عينيها رغماً عنها مستسلمة لنعاسها الإجباري فيرمقها سيف بنظرة قلقة لكن الطبيب الذي عاود دخوله يقول بنبرة عملية :
_دعوها تستريح ..الرضيعتان كذلك تحتاجان لرعاية خاصة .
يخرجون جميعاً من الغرفة ليتصل سيف بوالدته فيخبرها على عجل ..
قبل أن يفعل المثل مع إسلام ..
ثم يتنهد أخيراً وهو ينحني في "سجدة شكر" طويلة اعتادها في كل موقف كهذا !
قبل أن ينهض من جديد كي يراقب -عبر زجاج نافذة الغرفة -وجهها الذي استكانت ملامحه بهناءة يقسم أن يحافظ لها عليها ما بقي من عمره ..
هي صك غفرانه الذي تلقاه أخيراٌ بعد طول شعوره بالذنب ..
والآن يرتشف المزيد من عطاياه بهاتين النعمتين الصغيرتين ..
فسبحان مَن هذا فضله !
=======
_حمداً لله على سلامتك ياابني ..مش مصدق إني شايفك واقف على رجليك تاني!
يهتف بها والد ناصر وهو يستقبل الأخير مع سها في المطار عقب عودتهما من تركيا في رحلة علاج امتدت لشهور ..
وانتهت كما يبدو بالشفاء!
ليهتف ناصر بحيوية منطلقة تراقصت بين حروفه :
_الحمد لله يا حاج ..ربنا كبير!
يقولها وهو يستشعر عناق والده الدافئ كما لم يفعل منذ عهد بعيد ..
طالما ظن الأمان أيقونة مميزة لعباءة أبيه هذه التي انزوى في كنفها دون شعور بالذنب هذه المرة ..
كأنما تحرر من كل هذه القيود التي كانت تمنع كليهما الشعور الكامل بهذه العلاقة الخاصة ..
بل -بالضبط- كأنه عاد هذا "الطفل"الذي بشّر "هذه العباءة" بنجاحه ..
كأنه عاد هذا "المراهق" الذي بشرها بدخول كلية الشرطة ..
والآن يعود هذا "الرجل البالغ" الذي يبشرها برجوع عافيته ..
والأهم ..رجوعه لنفسه !!
_حمداً لله على سلامتك يا بنتي.
يهتف بها الرجل وهو يعانق سها بمثل هذه الحرارة التي منحها لابنه فتدمع عيناها بتأثر وهي الأخرى تشعر أن التجربة العصيبة التي مروا بها جميعاً قد آتت ثمارها رغم كل الألم !!
تتحرك بهم السيارة لتنهب الطريق نحو بيتهما الذي اشتاقته ..
تسمعه يثرثر مع والده بهذه الحيوية المنطلقة طوال الطريق فترتسم على شفتيها ابتسامة مشرقة وهي تشرد عبر زجاج نافذة السيارة ..
تستعيد الأيام السابقة التي قضتها في تركيا معه بين علاج جراحي وتدريبات بدنية شاقة حتى عادت بعدها ساقاه لطبيعتهما بصورة شبه طبيعية ..
لا تعنيها مشقة الجهد الذي بذلاه معاٌ بقدر ما تعنيها حلاوة الحصاد الآن !
هو ..عاد !!
عاد كما كان من قبل !!
لكن هل سيعود كل شيئ بينهما لسابق عهده كذلك!!
بحلوه ومره !!
الخاطر الأخير يتزامن مع سماعها لقول والده بفخر:
_أول ما تشد حيلك كده تيجي تبارك لولاد عمك ..الاتنين خلفوا ولدين زي الفل ..الله أكبر!
تشحب ملامحها وهي تطرق برأسها شاعرة أنها تكاد تعود للدوامة القديمة ..
لكنها تشعر بكف ناصر يحتضن كفها كأنما شعر بها ..
وكلماته الدافئة تصلها ك"ثوب أمان" لا يبلى ..
_ربنا يباركلهم ..أكيد هاروح لهم بس لما أرتاح شوية ..سها كمان محتاجة ترتاح ..تعبت معايا قوي الفترة اللي فاتت ..حقها ترتاح بقا !
كلماته بدت وكأنها نبهت والده الذي ابتسم بحنان وهو يلتفت نحوها هي ليربت على ركبتها قائلاً بما يشبه الاعتذار :
_بنت أصول! تستاهل كل خير.
تتكدس الدموع في عينيها اللتين أسبلتهما لتشعر بناصر يطوق كتفيها بذراعه بحنان قائلاً :
_لو عشت عمري كله أعوضها عن وقفتها جنبي مش كفاية .
يقولها ثم يلتفت نحو والده بنظرة راجية ذات مغزى وكأنه يخبره دون كلمات أن كرم الله معه هذه المرة لا يليق به إلا الرضا!
هذا المعنى الذي وصل الرجل كاملاً وهو يهز رأسه ليرمق سها بنظرة امتنان عميقة دون أي شائبة انتقاص ..
هذه التي وجدت أثرها في قلبها لتبتسم له ابتسامة امتزجت بدمعتها ..
إنما دمعة رضا هذه المرة !
دمعة ظلت تترقرق في عينيها طوال الساعات القادمة حيث وصلوا جميعاً لبيتهما فيشاركهما الوالد الغداء بمرح افتقدته جلستهم الثلاثية من زمن بعيد ..
_يااااه ! كان واحشني أكل البلد بشكل ! وبالذات البط ..دوقي يا سها!
يهتف بها ناصر باستمتاع وهو يطعمها ليبتسم والده بحنان وهو يشعر أنه لم يره على هذا الحال من هذه الحيوية منذ زمن بعيد ..
فيقول بنبرة حانية :
_مراة عمك باعتاهولكم مخصوص عشان عارفة إن سها بتحبه ..ألف هنا .
لترد هي ببعض الخجل من نظرات والده العميقة وهي تلوك الطعام في فمها :
_كتر خيرها ..هي عارفة إني بحب أكلها .
تقولها وقد زارها طيف قديم من اهتمام عائلته المغالي بها في أيام زواجهما الأولى ..
افتخارهم بها وهذا الاعتزاز الذي كان يسكن نظراتهم نحوها ..
هذا الشعور الذي تهاوى شيئاً فشيئاً مع تقدم الأيام بها دون إنجاب ..
لكن يبدو أن الزمان يدور دورته ليعود بكفه العامر بهذا الشعور من جديد !
_أستأذن أنا بقا عشان أسيبكم تستريحوا.
يقولها والده وهو ينهض مكانه ليهتف به ناصر باعتراض:
_لسه بدري يا حاج ..اشرب الشاي طيب .
لكن الرجل يرد برضا وهو يتحرك ليغسل يده في الحمام القريب :
_دايماً عامر بيك وبمراتك ..ورايا كام مشوار هنا هاخلصهم ..وهاستناكم عندنا .
يقول عبارته الأخيرة ثم يتقدم ليعانق ناصر بقوة ليهتف به بتأثر:
_حمداً لله على سلامتك يا بطل .
يبتسم له ناصر بتقدير ليتنهد الرجل وهو يعانق سها بدوره ثم يقول لها بما يشبه الاعتذار :
_ربنا يراضي قلبك زي ما راضيتيني وراضيتيه .
فتزداد كثافة الدموع في عينيها وهي تسمعه يعود لسابق عهده من الدعاء لها ..
لهذا ما كاد يتحرك مع ناصر نحو الباب حتى تقدمت بسرعة نحو الحمام القريب تتظاهر بغسل كفيها ووجهها لكنها كانت حقاً تواري هذه الدموع ..
جميلٌ هذا الإحساس الذي يغمرها باسترداد ما افتقدته يوماً ..
لكن هل يكفي هذا الشعور ليطفئ شعلة الخوف التي تتأجج داخلها من وقت لآخر ؟!
تشعر به خلفها فترفع عينيها لتصطدم بصورته في المرآة ..
ابتسامته الساحرة التي عشقتها منذ لقائهما الأول تحتضنها قبل ذراعيه اللذين مدهما ليطوقها بهما من الخلف متظاهراً بغسل يده ..
لكنه كان يحتضن كفيها تحت الماء المنهمر ليشبك أنامله بأناملها ..
كل ما فيه الآن كان يحتضنها ..
نظراته عبر المرآة ..
ابتسامته التي تلونت بطيف عشقه ..
أصابعه التي تتخلل أصابعها برقة ..
أنفاسه التي امتزجت بأنفاسها مع هذا القرب وهو يسند ذقنه على كتفها من الخلف هامساً :
_وحشتيني .
_وحشتك ؟! احنا ماسبناش بعض من شهور ..محدش فينا تقريباٌ كان بيشوف غير التاني !
تهمس بها بصوت لا يزال يرجفه انفعاله ليهمس لها بنفس النبرة الدافئة :
_وحشني شكلك وانتِ هنا في بيتنا .
_يعني البيت اللي وحشك مش أنا .
_وهو البيت ده إيه ؟! ماهو انتِ!
يهمس بها بصدق وهو يغلق صنبور المياه لتبتسم وهي تلتقط منشفة قريبة فتجفف يديهما معاٌ ..
يحيط خصرها بكفيه ملاحظاً هذه الدموع التي يعلم أنها تخفيها ..
_اوعي تسمحي للخوف يدخل بيننا تاني ..صدقيني أنا حاسس إن ربنا كتب لي عمر جديد عشان أعوضك بيه عن اللي فات .
يهمس بها وهو يقبل جبينها بعمق فتبتسم مقدرة له تجاوزه عن الحديث عن خطئها هي بشأنه ..
لايزال يقدر كبرياءها كما عهدته !
لكنها رفعت عينيها نحوه لتهمس له بابتسامة مرتجفة :
_بلاش نتكلم في اللي فات ..محدش عارف لو اتحاسبنا بجد مين هيطلع غلطه أكبر .
يومئ برأسه موافقاً ثم يقبل وجنتها برقة ليهمس لها بحب :
_محضر لك هدية بمناسبة رجوعنا البيت .
ترفع حاجبيها بدهشة حقيقية وهي تراه يسحبها من كفها نحو الخارج حيث إحدى حقائبهم التي عادوا بها ..
والتي فتحها ليستخرج منها علبة متوسطة الحجم رفعها أمام عينيها ..
_جبتهم امتى دول ؟!
تهتف بها باستغراب فهي لم تعتد أن يهتم هو بشأن هدايا كهذه طيلة فترة زواجهما ..هي كانت من يعتني بهذا الأمر ..
فكيف فعلها في سفرهما ؟!
يبتسم ابتسامة واسعة وهو يقول بنبرة مرتاحة :
_طول عمرك واخدة بالك مني ..مش هيجرى حاجة لما آخد بالي منك المرة دي ..وصيت عليهم قبل ما نسافر عشان تبقى ذكرى لينا من هناك ..نفتكر بيها أيامنا اللي جمعتنا على المرة قبل الحلوة ..بس قصدت ما تشوفيهمش غير هنا ..
ثم يصمت لحظة ليردف بنبرة أكثر دفئاً :
_في بيتنا.
تدمع عينا بفرحة هذه المرة وهي تطالع هديته من جديد ..
زوج من الساعات -إحداهما بتصميم رجالي والأخرى تشبهها بتصميم نسائي- من ماركة مشهورة تطابق خاصته القديمة التي أهدتها له يوماً فلم يخلعها من يده ..
والتي كسرتها هي بنفسها يوماً !!
_ناصر!
تهمس بها بتأثر وقد فقدت كلماتها وهي تراه يلبسها خاصتها الأنثوية برقة ليقبل معصمها قبلة عميقة ..
قبل أن يمد لها معصمه هامساً :
_مش هتلبسيني بتاعتي؟!
تضحك بارتباك غريب على طبيعتها المسيطرة المعروفة وهي تشعر أنها تستعيد علاقتهما بأفضل مما تمنت ..
تلبسه ساعته فلا تملك دموعها وهي تستعيد تاريخهما القديم ..
انتصاراته وانكساراته ..
كسره وجبره ..
حلوه ومره ..
لكنه يمسح دموعها بأنامله برقة لتنهمر قبلاته فوق ملامحها الحبيبة هامساً بعشق لم يعرفه قلبه إلا لها :
_انتِ علمتيني إزاي ست واحدة ممكن تساوي الدنيا كلها ..احنا عرفنا الطريق خلاص ..واللي يعرف الطريق مش هيتوه تاني .
======
_إيه رأيك ؟!
تهتف بها ياقوت بترقب وهي تدور حول نفسها أمام مرآة غرفتهما مستعرضة ثوبها الذي تستعد للخروج به ..
بلون الكراميل الداكن مع وشاح بدرجة أفتح قليلاً ..يحتضن جسدها باحتشام لكنها تبدو به شديدة الأناقة ..
أو ربما هو سحرها هي في عينيه ..!
همهمته "اللذيذة" تسبق جوابه وهو يغمرها بين ذراعيه بواحد من عناقاته التي تظنها لن تفقد أبداً مذاقها السحري هذا ..
_أنا آخر واحد في الدنيا ممكن تسأليه عن رأيه في شكلك ..انتِ يا إما جميلة ..أو جميلة جداً ..أو جميلة جداً جداً ..أو جميلة فوق الوصف ..المهم إنك في كل أحوالك أيقونة جمال !
تضحك ضحكة عالية وهي تطوق عنقه بذراعيها هامسة بدلال:
_يعني هاشرف زين بيه الفايد العظيم في حفلة النهارده ؟!
_هم اللي هيتشرفوا بحضورك يا دكتور !
يقولها باعتزاز حقيقي لتتنحنح مغمغمة بخجل:
_آخر حفلة حضرتها معاك أحرجتك لأني ماكنتش فاهمة شريكتك الفرنسية دي .
فيهز كتفيه ليقول ببساطة :
_وليه ما تقوليش هي اللي تبقى محرجة إنها مش فاهمة عربي!!
تبتسم له بامتنان عاشق وهي تدرك أنه -كعهدها به- يجتاز معها كل العقبات التي يمكن أن تضعها الفوارق الطبقية بينهما ..
لم يشعرها للحظة واحدة منذ تزوجها أنها لا تناسب هذا العالم الجديد الذي وجدت نفسها منغمسة فيه ..
بل إنه يشعرها في كل مرة يجتاحها إحساسها ببعض النقص أنها حقاً شمس عالمه التي يدور حولها !!
لهذا تأبطت ذراعه بفخر وهي تغادر معه غرفتهما ليهبطا الدرج نحو الخارج حيث أقلتهما سيارته نحو إحدى القاعات الفخمة التي أقيم فيها هذا الحفل حيث شركاؤه الجدد من المستثمرين الأجانب ..
لا تنكر أن مثل هذه الحفلات تثير حفيظتها وتصيبها بالاختناق ..
لكنها تعلم أنها جزء من عمله !
خاصة وهو يدير الأمور بذكائه المعهود فيتحفظ عما تراه هي تجاوزاتٍ دينية أو أخلاقية دون أن يحرج مرافقيه .
يصلان أخيراً فتشعر بالعيون تتمركز حولهما بهذه النظرات التي لم تعد تخيفها ..
هو منحها هذه الثقة التي توجت ملامحها وهي تخترق الصفوف بكبرياء يليق بها ..
تستجيب ل"البروتوكول" التقليدي لمثل هذه الحفلات والذي انتهى بجلوسه مع شركائه على مائدة كبيرة ضمتهم سوياً ..
تتركهم يتناقشون مؤثرة الصمت والمراقبة بطبيعة أكسبها إياها عملها ..
ليفاجئها سؤال شريكته الفرنسية بلغتها :
_كيف حالك ؟! ازددتِ جمالاً عن آخر مرة رأيتكِ فيها ..عفواً ..نسيت أنكِ لا تتحدثين الفرنسية !
يكاد زين يميل عليها ليترجم لها عبارتها لكنها تفاجئه بردها على المرأة بفرنسية سليمة المخارج :
_شكراً لإطرائك سيدتي ..صرت أجيد الفرنسية !
ترفع المرأة حاجبيها برضا فتتبادلان حديثاً قصيراً بينما يرمقها زين بنظرة مزجت اعتزازه بعتابه الماكر ..
الذي عبر عنه وهو يختلي بهما في غرفتهما أخيراً عقب عودتهما ..
_ما قلتليش ليه إنك اتعلمتيها؟!
يسألها وهو يزيح عنها وشاحها ليميل على قرطي أذنيها فيقبلهما بحركته المعهودة ..
لتهمس له بدلال ماكر:
_وانت فاكر إني هابطل أفاجئك؟!
يضحك باستمتاع وهو يعتصرها بين ذراعيه ليهمس أمام قمريها الحُرين :
_اوعي تبطلي تفاجئيني ! مش قلتلك ..عطشي معاكِ مابيرتويش ..جنة مش هاشبع منها العمر كله !!
فتضحك بدلال وهي تحيط وجنتيه براحتيها هامسة :
_كورس مكثف بقاله شهرين ..عشان عملت حساب موقف زي ده ..عايزاك تكون على طول فخور بيّ زي ما أنا فخورة بيك !
يضحك باستهانة وأنامله تتحرك على طول ظهرها بهذه الحركة التملكية التي تشعرها أنه يود لو يصهرها بين ضلوعه للأبد ..
_وانتِ فاكرة حاجة زي كده بس هي اللي ممكن تخليني فخور بيكِ؟! انتِ ماتعرفيش صورتك في عيني شكلها إيه !
_إيه ؟!
تهمس بها بدلال تستزيد من فيض كلماته الذي يأسرها هذا ليتنهد بحرارة وشفتاه تطوفان فوق وجهها بتبتل عاشق :
_انتِ الكلام اللي مايتقالش ..واللحن اللي ما يتغناش ..الأسطورة اللي من جمالها مستكتر تبقى حقيقة ..
تشتعل جوارحها بهذه العاطفة التي تسكب النيران في شرايينها وهمساته تتوقف عند حدود شفتيها :
_انتِ الحب اللي رجعلي نفسي ..فالعدل بيقول إني بقية العمر أفضل كلي ليه.
======
_وبعدين بقا ؟!
تهمس بها ياقوت لنفسها بضيق وهي تنفض عنها غطاءها على فراشها الخالي منه في غرفتهما بعد سفر زين لعمل مهم ..
لم تتصور أن تفتقده بهذه الطريقة وفي خضم انشغالها هي الأخرى بعملها ..
لكنها تشعر حقاً أنها تختنق !!
تتناول هاتفها لتتصل به لكن الاتصال يغلق بعد قليل لتصلها رسالة مكتوبة مسجلة "سأتصل بك لاحقاً"..
تعقد حاجبيها بغضب هي أول من تدرك أنه ليس منطقياً خاصة مع اختلاف التوقيت في البلد الذي سافر إليه ..
لابد أنه الآن في اجتماع مهم لهذا لا يستطيع الرد ..
لكنها لا تملك دفع هذه القبضة التي تعتصر قلبها وهي تشعر بقسوة الليلة الأولى التي تقضيها بعيدة عنه منذ زواجهما ..
خاصة وهو لم يهاتفها منذ ساعات تراها هي طويلة !
_أنا هنام ..لما سعادتك تفضى ما تتصلش عشان ما تقلقنيش من النوم ..أنا كمان عندي شغل مهم الصبح بدري!
لا تدري لماذا تسرعت بإرسالها بهذه الصورة لكنها فورة شعورها التي عصفت بها في هذه اللحظة تضخم لها شعورها أنه يتجاهلها لشيئ يراه أهم منها ..
دمعت عيناها وهي ترقب الهاتف في يدها للحظات تنتظر منه رداً لم يصل!
تنهدت بضيق وهي تكاد تلقي هاتفها جانباً لولا أن رن برقم ثمر ..
وكأنما الغالية تشعر بها !!
_مش جايلك نوم يا "بنت قلبي"؟! أول ليلة تباتيها لوحدك !
تقولها ثمر بفطنتها متفهمة مشاعر حفيدتها التي ردت بصوت متحشرج:
_أنا كويسة يا ستي ماتقلقيش .
ضحكة ثمر الماكرة تعلو في أذنيها فتبتسم هي بدورها وهي تسألها باهتمام عن صحتها لترد ثمر برضا:
_فضله كبير ..ونعمه مغرقاني ..
ثم تصمت لحظة لتسألها بترقب ملهوف:
_مفيش حاجة حلوة في الطريق ؟!
سؤالها يزيد من ضيق ياقوت لكنها تتفهم رغبة ثمر المغالية في أن "ترى عوضها" بطفل كما تخبرها دوماً ..
خاصة والمجتمع القروي يعتبر تخطي المرأة للثلاثين دون إنجاب كارثة !
لا تنكر أنها تشعر بالقليل من القلق هي الأخرى لكنها ابتلعت مخاوفها لترد بمرح مصطنع :
_لو فيه حاجة انتِ أول واحدة هابشرها ! وبعدين ده حظ ابن لجين عشان لما يشرف بالسلامة مايبقاش على الحجر غيره !
_ربنا يطعمك وما يحرمك يابنت قلبي ..خدي بالك من حالك ..وسلميلي على الغالي .
تقولها ثمر بحنانها المعهود لتختم الاتصال بدعواتها التي لا تنقطع والتي تجد دوماٌ أثرها في روح ياقوت ..
ربما لهذا هدأت فورة مشاعرها تدريجياً وهي تستعيد اللفظ الذي خصت به ثمر زين ..
"الغالي"!
تبتسم ابتسامة بمذاق الحنين وهي تتحسس موضعه الخالي على الفراش جوارها عندما أعلن هاتفها عن وصول رسالة ..
_إياك تنامي قبل ما أكلمك ..عشر دقايق وهافضى .
تتسع ابتسامتها وهي ترى بعض الحروف مكتوبة بصورة خاطئة واشية بسرعته في كتابتها ..
هذه الابتسامة التي اتسعت على مدار عشر دقائق بالضبط بعدها لتسمع صوت الاتصال الذي تجاهلته عامدة بنظرة ماكرة ..
مرة تلو مرة تلو مرة ..
_ردي..أنا عارف إنك ما نمتيش!
يرسلها لها مكتوبة فتشم رائحة غضبه عبر الكلمات لتجنح للسلم أخيراً فتفتح الاتصال لتصلها تنهيدته الحارقة :
_مش عرضت عليكِ تيجي معايا وانتِ رفضتِ عشان شغلك ؟!
_هاجي معاك أعمل إيه ؟! أباجورة في الفندق لحد ما تخلص ؟! أنا كمان عندي شغلي وناس مصيرها مرهون بيّ !
تقولها بعناد مكابر ليرد بحدة :
_خلاص ..زعلانة ليه إني مشغول ومش عارف أكلمك ؟!
_أنا مش زعلانة ..أنا عايزة أنام .
تقولها بالمزيد من المكابرة لتزداد حدة صوته :
_تمام ..تصبحي على خير .
تنتفض مكانها وهي تتوقع أن يغلق الاتصال مع هذه الشحنات السلبية المتزايدة بينهما ..
لكنه لم يفعل !
فقط بقي على صمته الذي طال لدقيقة كاملة ..
_وحشتني!
كادت تهمس بها بلوعة لعلها تذيب هذا الصمت بينهما لكنها أطبقت شفتيها بقوة تمنع نفسها التفوه بها ..
لا ..ليس دلالاً ..!
لكنها كانت تشعر في هذه اللحظة بحاجتها العارمة أن يحتويها هو ..
لهذا دمعت عيناها وهي تسمع صوته يرق أخيراً بقوله :
_وانتِ كمان وحشتيني!
وكأنه سمعها رغم أنها لم تنطقها !!
_أول مرة أكره السفر كده ..وأكره نفسي عشان احترمت رغبتك وماخدتكيش معايا ..غلطة مش هتتكرر .
نبرته تمزج هيمنته المعهودة بفيض مشاعره الذي يجيد إغراقها كالمعتاد ..
فتتراقص حروفها بمزيج من اشتياق ومشاكسة :
_مش بمزاجك على فكرة .
_يا بت لمي الدور ..الراجل مشتاق وعنده لوعةٌ لكن مثله لا يذاع له سرّ ..ذيعي انتِ بقا !
تهتف بها العفريتة العابثة داخلها لتضحك ضحكة قصيرة وهي تسمع زمجرة اعتراضه فتقول بدلال :
_بس أنا موافقاك المرة دي ..غلطة مش هتتكرر .
تنهيدته الحارقة تصلها مشتعلة عبر هذا البعد ليغلف الحنان نبرته المهيمنة :
_احكيلي يومك كان عامل إيه ..بالتفصيل !
_انت فاضي؟!
تسأله بمكر وتعلم الجواب من ذكرى مشابهة لهما :
_أفضى!
ضحكتها الراضية تذيب كل الحواجز الوهمية بينهما قبل أن تمضي تروي له تفاصيل يومها كما اعتادت منذ زواجهما ..
والتي انتهت بذكر مكالمة ثمر وسلامها الذي أرسلته إليه ..
ليتنهد من جديد قائلاً :
_حاسس إني سايبكم من سنين ..هاقفل معاكِ وأكلمها مادام لسة صاحية .
تبتسم بتقدير لهذه العاطفة الخاصة التي يكنها لثمر فترسل له قبلة عبر الهاتف تثير المزيد من جنونه فيهتف بها بعتاب:
_وبعدين معاكِ ؟! خلليني أعرف أعدي اليومين دول هنا !
تضحك ضحكة صافية وهي تسترخي على السرير أكثر لتنظر ل"لوحة الطائر" المعلقة أمامها بإضافتها الجديدة التي شملت ذكرياتهما معاٌ ..
فتتنهد قائلة برضا:
_قاعدة دلوقت على السرير وببص للوحة بتاعتك وبقول ..
_بتاعتنا!
يقاطعها بها مصححا عبارتها بحسمه المعهود فتضحك قائلة :
_مفيش فايدة فيك ! ما بتعديش حاجة أبداً ..
_أبداً !
يقولها بعناده اللذيذ الذي يجعلها تعشقه أكثر فتتنهد لتقول بهيام :
_ببص لها وبستغرب إزاي دلوقت بحبها قوي كده ..إزاي بقت أول حاجة أفتح عيني عليها ..خصوصاً دلوقت وانت بعيد ..
ثم تصمت لحظة لتردف بصوت أكثر تأثراً :
_لولا خوفي تتبهدل كنت خدتها في حضني وأنا نايمة لحد ما ترجع بالسلامة .
_أنا عملت حسابي ..وبعتلك اللي يفكرك بيّ وياخد باله منك لحد ما أرجع .
يقولها بمزيج مكره الغامض لتسأله بحيرة عما يقصد فيرد بعد ضحكة قصيرة :
_لو حساباتي مظبوطة ..هتخبط على الباب دلوقت !
_همسة !
تهتف بها بإدراك وهي تسمع صوت طرق الباب الذي هرعت إليه لتفتحه فتجد همسة أمامها فاتحة ذراعيها بقولها بملائكيتها المعهودة :
_آسفة على التطفل ..بس زين طلب مني ما أسيبكيش لوحدك .
تضحك ياقوت ضحكة عالية وهي تضمها بقوة ولا يزال الهاتف على أذنها ..
فيبتسم مكانه شاعراً بقلبه يخفق بعنف ..
كعهده في كل مرة تجتمع فيها شمسا عالمه معاٌ ..
حتى وهو بعيد !!
_ده زين؟!
تهتف بها همسة فتومئ لها برأسها لتختطف منها الهاتف قائلة له ببراءتها المعهودة :
_جيت في معادي اهه ..وسايبة رائد على نار ..بيقوللك مردودة لك ..وأول مرة هيسافر فيها ويسيبني هيخللي ياقوت تبات معايا ..بس أنا قلتله إني عمري ما هاسيبه يسافر لوحده .
_جرى إيه يا هموس؟! انتِ جاية تصفي النفوس واللا إيه ؟!
تقولها ياقوت بمزيج من مرح وحرج لتضحك همسة وهي تغطي شفتيها براحتها هاتفة :
_مش قصدي والله بس أنا فاضية ..لكن انتِ مشغولة ..
وجهها يحمر بانفعاله فتضحك لها ياقوت بتسامح وهي تتناول منها الهاتف لتقول همسة بحرج:
_هاغير هدومي على ما تخلصوا كلام .
تقولها مفسحةً لهما المجال الحديث فتراقبها ياقوت وهي تغادر نحو غرفتها التي خصها لها زين شاعرة بارتياح كبير ..
_شكراً !
تهمس بها له أخيراً بنبرة فاضت بعاطفتها فيرد :
_عشان ؟!
_عشان ما سبتنيش أنام زعلانة ..وعشان همسة ..وعشان عمرك ما خذلتني سواء كنت معايا أو بعيد ..وعشان ..دخلت حياتي!
_ياقوت!
لم يتفوه بسواها لكنها سمعت فيها كل ما تود سماعه ..
قرأت فيها كل سطور عاطفته ..اشتياقه ..ولهفته ..
وتلقفت بين حروفها كل هدايا وعوده لها بأن يبقى لها هكذا طول العمر ..
_كل كلامي معاكِ فقير ..هاستنى لما أرجع وأكلمك بطريقتي ..
_طريقتنا!
تقولها بحسم يشبه حسمه كأنما ترد له بضاعته ..
فتنطلق ضحكتهما معاً في نفس اللحظة بما كان أجمل نهاية للاتصال ..
ترى همسة أخيراً تقبل عليها وقد بدلت ملابسها لأخرى مريحة فتحتضنها لتسألها بود :
_فاكرة حواديتنا ؟!
_ودي تتنسي؟!
تقولها همسة بامتنان وهي تقبل وجنتها لتسيرا سوياً نحو الفراش الذي تشاركاه ..
لتطلب منها همسة حكاية خيالية معينة كانت ترويها لها أثناء فترة علاجها ..
هذه التي بدأت ياقوت في سردها بينما همسة تستجيب لها بتعابير وجهها الحالمة كأنما هي أول مرة تسمعها ..
يستمران في الثرثرة حتى يطلع الفجر فتستسلم همسة للنوم أخيراً وكذلك ياقوت توشك أن تفعل مثلها ..
لكنها تتذكر شيئاً ما يجعلها تغادر الغرفة بخطوات حذرة للغرفة المجاورة التي أغلقت بابها خلفها ..
تتذكر هذه المرة التي أرسل لها قصيدة بصوته ..
فتجدها فرصتها لترد له هديته ..
تعلم أنه يعشق لهجتها القروية المتثاقلة عندما تستسلم لها لهذا تخيرت له خصيصاً هذه الكلمات ..
سبحان ما زان حسنه ورسمه ..
دي الناس بيتغنوا باسمه ..
ورد وطرح قبل مواسمه ..
من غير لا زرع ولا سقاية ..
يابوي على جماله رواية ..
شربات عنب يروي رواية ..
عطشانة جابني على عمايا ..
ومشيت وقلبي يا ناس غالي..
وفي مكانه كان هو يستمع لكلماتها بلكنتها الخاصة فتتزين شفتاه بضحكة مستمتعة ..
يهاتفها من جديد دون تردد وهو يشعر أنه يشتاقها بحديثه معها أكثر وأكثر:
_انتِ عارفة أد إيه بعشقك لما بتتكلمي بطريقتك دي ؟!
_عارفة .
تهمس بها بثقة عبر نبرتها الناعسة وقد عادت لفراشها من جديد لتختلس نظرة جانبية نحو همسة النائمة فيصلها رده :
_سبحان من مصبرني أفضل هنا يومين كمان ..
ثم يتنهد ليردف بحنان :
_نامي بقا عندك شغل بكرة .
_زين ..
_مممم
همهمته "اللذيذة" تدغدغ حواسها فيسترخي جسدها أكثر وهي تستسلم لنعاسها هامسة بين يقظة ومنام:
_بحبك .
يبتسم مكانه وهو يشعر بالكلمة السحرية منها تحمله لجنته الأثيرة خاصتها ..
جنة لم يستشعر نعيمها إلا بين ذراعيها ..
هي فقط من بين نساء العالمين ..
فكانت له بداية الدنيا وآخرها!
========
"دار الياقوت والمرجان"
يتطلع طويلاً للافتة الفخمة التي تزين مدخل المكان وابتسامة شاحبة تزين شفتيه ..
هذا الصرح الذي يزداد تضخماً يوماً بعد يوم فيمنحه هذا الشعور الرائق أن توبته قد قبلت ..
يدلف إلى الداخل ليقوم بتفتيش مفاجئ اعتاده منذ افتتح المكان فلا يخفى عليه أن الفساد قد يطال أماكن كهذه لو لم تنله أعين الرقابة ..
النتيجة كانت مرضية تماماً وهو يرى الأوضاع شبه مثالية كما يبتغي ..
صور الفتيات اللاتي كنّ يبتسمن له بامتنان تتتابع في ذهنه بوميض متقطع لكن صورة "تلك الراحلة" تبقى قاسماً مشتركاً بينهن ..
لا ..لم تعد صورتها القبيحة بلسعة السوط التي كان يستشعرها تحرق صدره كل مرة كأنها أول مرة ..
بل صورتها الأولى التي التقاها بها أول مرة ..بذاك النقاء وتلك البراءة التي ود لو يحافظن جميعاً عليها فلا تدنسها يد ..أي يد !!
قلبه يسبق لسانه في دعوات لها بالرحمة يرجو لو تستجاب ..
وله هو بالغفران الذي يشعر أنه قاب قوسين منه أو أدنى!
_أقوللهم يحضروا لسيادتك القهوة في مكتبك ؟!
يقولها مدير الدار بترحاب فيشير له برأسه موافقاً قبل يتحرك معه نحو الغرفة المنشودة ..
يتناقشان قليلاً بشأن الميزانية الجديدة للدار والتي زادها زين راضياً ليقطع النقاش صوت طرقات ..
وجه ياقوت الحبيب يطل له فتتهلل ملامحه لهذه المفاجأة فيما يقف الرجل مكانه مرحباً بها قبل أن يخرج تاركاً لهما حرية الحديث..
_أكيد المفاجأة الحلوة دي ليها سبب!
يقولها بحب وهو يتقدم نحوها ليطوقها بذراعيه لكن هذه الدموع التي تكدست في عينيها تصطدم بنظراته ..
_ياقوت ؟!
يهمس بها بقلق متسائل وأنامله تحتضن وجنتها لترتجف شفتاها بهمسها :
_قول انت !..مش دايماً بتعرف تقرا اللي هنا ..وهنا ..
تقولها وهي تحتضن كفه بأناملها لتشير به نحو رأسها أولاً ..
ثم تتحرك به لموضع قلبها ..
فيعقد حاجبيه بالمزيد من القلق ..
لكن ابتسامتها تتسع وهي تهبط بكفيهما المتعانقين نحو بطنها لتهمس أخيراً :
_وهنا !!
تتجمد ملامحه للحظات قبل أن تنفرج شفتاه عن صيحة قصيرة خافتة وعيناه تنتقلان من وجهها لبطنها بصدمة ..
قبل أن يمتد ذراعاه ليضمها لصدره بقوة وشفتاه تتمتمان بكلمات لم تتبينها ..
تضحك دامعة العينين وهي تعانق خصره بذراعيها بنفس القوة هاتفة :
_هو ده الوش اللي مستنية أشوفه منك ..مش متخيلة هتبقى أب شكله إيه !
يضحك بدوره ولايزال عاجزاً عن النطق لترفع إليه عينيها فتفاجأ بسراجي الشمس في عينيه يتوهجان كما لم ترهما من قبل ..
هذا الوهج الصافي الذي لا تشوبه شائبة ..
_ياربي! ياربي! كنت فاكر إن مفيش فرحة في الدنيا هتغطي على فرحتي بيكِ وانتِ في حضني ..بس فرحتي دلوقت بيكم انتم الاتنين ..حاجة كده شبه ..
تتلجلج حروفه مع ارتجاف صوته بل رعشة جسده كله وهو يبدو لها في هذه اللحظة بعيداً تماماً عن إطار الفخامة الذي طالما يحيط به ..
خاصة وهو يردف بسعادة طفل وجد ضالته في أبويه وسط الزحام :
_لا ..لا ..مالهاش شبه ..مالهاش!!
كلماته تنتهي على حدود بشرتها وهدايا شفتيه تحلق فوقها فتمتزج بضحكاتها وهي تتعلق بذراعيها في عنقه هاتفة :
_فعلاً مالهاش ..أنا طايرة من ساعة ما عرفت ..ماستنتش لما نتقابل وجيتلك هنا .
تنهيدته الحارقة تصلها عميقة وهو يفرد ذراعيه حوله ليقول بنفس الصوت المتحشرج المختنق بعاطفته :
_كأن ربنا له حكمة اني أعرف الخبر ده هنا ..هنا بالذات !!
تتسع عيناها بصدمة للحظة من هذا الإدراك الأخير لتبتسم وهي تشدد ضغط ذراعيها حوله قائلة :
_ربنا كريم وعوضه كبير على قولة ستي ثمر .
_عرّفتيها؟!
يسألها وهو يعاود ضمها نحوه عارفاً الجواب الذي منحته إياه ببعض الخجل :
_ماقدرتش أمسك نفسي أول ما عرفت ..كنت عايزة أفرحها هي أول واحدة !
يضحك بتسامح مدركاً قيمة ثمر لديها فتضحك بدورها وهي تقبل وجنته هامسة بدلال:
_موصلالك رسالة ..بتقوللك مبروك.. ياغالي !
يضحك بسعادة غامرة وأنامله تداعب قرط أذنيها بحركته المعهودة فتتنهد بشرود قائلة :
_يااااه لو ربنا يحقق لي حلمي ويكون زين الصغير ..صورة منك تكبر قدامي يوم بيوم .
تقولها وأناملها تدور فوق ملامحه الحبيبة بعشق جارف كأنما ترسمها فيتناولها ليقبل أطرافها واحداً واحداً مع همسه :
_مش فارق معايا غير إنه هيكون منك انتِ ..حتة من روحي وروحك ..حبل تاني يربط بيننا العمر كله .
تضحك من جديد بسعادة وهي تحرك أناملها في الهواء كأنما تكتبها هاتفة بفخر:
_زين زين الفايد ..حاجة كده آخر فخامة ..
يضحك ضحكة رائقة وهو يهم بالرد لولا أن يرن هاتفها برقم إسلام فتفتح الاتصال لتهتف بفرحة :
_عندي ليك حتة مفاجأة .
_حامل!
يهتف بها على الجانب الآخر من الاتصال فتهتف به بشك :
_لجين قالتلك !
_إيه ده بجد ؟! يعني خمنت صح؟! طول عمري أقول فيّ شيئ لله وبلقطها وهي طايرة!.. مبروك يا أبو التوت !!
يهتف بها بمرح فتضحك هاتفة بمرح مشابه :
_الدنيا فجأة كده اتملت عيال .
_اه بس ادعي ربنا لو جبتِ بنت ماتورثش ذوقك الخزعبلي ده ..تبقى الأطفال كلها ب"توأوأ" ودي وسطهم بتقول :إيش فهمك انت !!
يضحك زين ضحكة عالية وصوت إسلام العالي يصله مكانه فيتناول منها الهاتف ليقول له مشاكساً:
_وانت فاكر بنت زين الفايد واللا ابنه هيبقوا زي أحد ؟!
_أهلاً أبو نسب! مبروك عليك يا راجل يا كُبّرة! أنا من دلوقت بخلي مسئوليتي عن أي جينات فوسفوري في النونو المنتظر .
ضحكات ثلاثتهم تنطلق في نفس اللحظة بينما زين يضمها لكتفه والمزاح الرائق ينساب بينهم واشياً بصفاء القلوب ..
فرحة تلو فرحة ..
وعوضٌ بعد عوض ..
والأرواح الظمأى ترتشف أخيراً كأس هناءتها قطرة قطرة ..
=======
_برافو يا ريمااااا ..ياللاااااا ...أسرع!!
يهتف بها إسلام بحماس وهو يجلس في مدرجات المشجعين في النادي جوار نشوى يشهدون هذا السباق الذي أقامته المدرسة للأطفال ..
_قربت تبقى الأولى يا إسلام ..هانت اهه!
تهتف بها نشوى بحماس مشابه فيقف مكانه ليرفع صوته أكثر مع صفيره الطويل :
_ريماااااا ...أسرع!
تبتسم له الطفلة وهي تلتفت نحوه ليرفع كفه المقبوض في وضع حماسي يزيد نشاط الصغيرة ..
يظل يهتف بحماس أكبر لكنه يفاجأ بها تتباطأ فجأة قبل نهاية السباق ..
لتحصد المركز الثاني!!
_ليه؟! ليه ؟! تعبت ؟! معقول الحساسبة تكون رجعتلها تاني؟!
تهتف بها نشوى بجزع وهي تقف مكانها لكنه يشير لها بيده مطمئناً مع قوله بحاجبين منعقدين :
_فيه حاجة مش مظبوطة ! مش تعب ! ريما عملتها بمزاجها ..قصدت تخسر !
_معقول؟! تكون بتعاقبنا عشان حكاية "البيبي" ؟! قلتلك تعلقها بيك مش طبيعي!
تقولها بضيق شديد فيرمقها بنظرة وجلة وهو الآخر يشعر بخوفه من نفس الشيئ !!
هل فعلتها الصغيرة عقاباً لهما حقاً؟!
يساعد نشوى في هبوط المدرجات بحذر ثم يندفع معها نحو ريما التي وقفت مبتسمة وهي تراقب لجنة السباق تعطي رفيقتها جائزة المركز الأول ..
بينما تحصد هي جائزة المركز الثاني !
_بابا! مامي!
تهتف بها ريما بفخر طفولي وهي تندفع نحوهما بجائزتها فيتلقفها إسلام بين ذراعيه ليهتف بمرح محاولاً إخفاء مشاعره السلبية :
_عاش يا بطل!
_زعلانين عشان ما طلعتش الأولى؟!
تسألهما الصغيرة بترقب فتقبلها نشوى بحنان هاتفة :
_مش مهم ..انتِ عملتِ اللي عليكِ .
تتسع ابتسامة ريما وهي تقلب بصرها بينهما للحظات ..
فيجلس إسلام على ركبة واحدة أمامها ليقول بابتسامة واسعة :
_قولي الحقيقة وريما مش بتكدب على بابا ..انتِ قصدتِ تخسري صح ؟!
يظهر التردد على وجه ريما قليلاً ثم تلتفت لرفيقتها التي حصدت المركز الأول وقد وقفت جوار أمها هناك ..
لتعود ببصرها إليه قائلة بمزيج من حزن وفخر:
_لانا زيي زمان ..ماعندهاش بابا ..كنت عايزاها تفرح مع مامتها ..أنا دلوقت عندي بابا ..مش مهم الجايزة الأولى .
ترتخي ملامح نشوى بارتياح عظيم وهي تنحني لتعانق صغيرتها فيما يضحك إسلام وهو يحمل ريما ليقف ويتحرك بها هاتفاً بمرح:
_هي دي تربيتي! تستاهلي الهدية اللي تحبيها بس بعد ما نروح نطمن ع النونو!
تصفق الصغيرة بكفيها بحرارة وهي تقبل وجنته بقوة فتبتسم نشوى وهي ترمقهما بنظرة حانية ..
يتحركون معاً نحو سيارة إسلام التي استقلوها نحو عيادة طبيبتها النسائية ..
على فراش الكشف تستلقي نشوى أمام الطبيبة التي كانت تحرك جهازها الصغير على بطنها لترمق صورة الجنين في الشاشة أمامها بنظرة راضية ..
_ده أخويا؟!
تهتف بها ريما بلهفة طفولية فيبتسم إسلام وهو يشعر بقلبه يخفق بهذا الشعور الخاص ..الخاص جداٌ ..
بينما يراقب الشاشة بدوره فيعجز عن الرد إلا عن إيماءة خفيفة ..
فتعاود الصغيرة هتافها بحيرة :
_وده جالها منين ده ؟!
تكتم نشوى ضحكتها وهي تتبادل نظرة خاصة مع إسلام الذي كان يكتم تعليقاٌ ساخراً يوشك أن يبوح به ..
_بس مش شبهك ولا حاجة ..أنا شبهك أكتر .
تقولها ريما وهي تقترب من الشاشة أكثر تتفحصها لتطلق الطبيبة ضحكة عالية وهي تلاحظ ثياب الصغيرة التي كانت مطابقة تماماً لثياب إسلام ..
قميص سماوي وسروال من الجينز وحذاء رياضي من نفس الماركة وبنفس اللون الكحلي ..
مع غطاء رأس رياضي بلون كحلي كذلك!!
_هتفضل تجيبلي هدوم زيك عشان أبقى شبهك أكتر؟!
تسأله ريما برجاء طفولي فيبتسم بحنان وهو يحملها بين ذراعيه ليقبل وجنتها قائلاً بحنان:
_كل ما هاحبك أكتر هتبقي شبهي أكتر ..وأنا بحبك كل يوم أكتر من اللي قبله .
تتنهد نشوى تنهيدة ارتياح طويلة تصله مكانه فيلتفت نحوها ليغمزها غمزته الساحرة التي تخترق قلبها كشعاع نور!
ابتسامة رضا تحلق فوق شفتيها وهما يغادران عيادة الطبيبة نحو بيت والدته الجديد حيث دعتهما لتناول الطعام معها وهيثم ..
_أخوك بيخلص شوية ورق عشان السفر ..معلش هاجوعكم شوية ونستناه عشان ناكل سوا ..سيبولي الحلوة دي ألعب معاها واستريحوا في أوضتكم ..نشوى زمانها تعبانة .
تهتف بها جيلان بعد استقبالها الدافئ لهما فتبتسم لها نشوى بامتنان وكفها يعانق كف إسلام بشعورها الذي يزداد عمقاً مع حماتها يوماً بعد يوم ..
خاصة بعد انتقال الأخيرة لهذا البيت الجديد ..
ربما هو ليس بفخامة البيت السابق لكن نشوى تشعر معه بألفة حميمية أكثر ..
لهذا ما كادت تختلي به في غرفته الجديدة حتى التفتت نحوه بقولها :
_مش عايزة أكون قليلة الذوق ..بس أنا حابة بيتكم ده أكتر ..أنا عارفة إن يمكن البيت القديم شايل لكم ذكريات حلوة بس ..
تقطع عبارتها عاجزة عن إكمالها وقد خشيت أن تثير زوابع الجرح القديم ..
لكنه يتأوه بعمق وهو لا يتكلف إخفاء وجعه أمامها فيغمغم بعينين مغمضتين:
_مش عايز أفكر ولا أفتكر ..فيه حاجات في حياتنا كده لازم تعدي ..بالذوق بالعافية تعدي ..عشان نعرف نكمل ..
يقولها ثم يفتح عينيه لها بنظرة عميقة مردفاً:
_ده اللي نفسي هيثم يفهمه ..كل التوهة اللي هو عايشها دي هتعدي ..هتيجي أيام حلوة بعدها تنسيه مرارتها ..هيقوم زي ما وقع .
تبتسم له ابتسامة واسعة تتحول لضحكة عالية وهي تتعلق بذراعيها في عنقه هامسة :
_لما بشوفك بتتكلم كده مابصدقش نفسي !
_الجد مش لايق عليّ ياعسل؟!
يغمزها بها مشاكساً وهو يخيط خصرها بكفيه لتتنهد بهيام هامسة بصدق مسّه :
_كل حاجة لايقة عليك ..فاكر لما كلمتك مرة عن إحساسي بحضن بابا وحضن أشرف ..يومها سألتني عن حضنك انت ماعرفتش أجاوب ..
_ودلوقت هتجاوبي؟!
يهمس بها بعينين أججتهما عاطفتهما وهو يضمها إليه أكثر لتومئ له برأسها هامسة :
_دنيا بحالها بتتفتح لي بين إيديك ..لما بتحضنني بحس بكل حاجة وعكسها ..فرحانة بيك وزعلانة على العمر اللي ضاع من غيرك ..مطمنة بيك وخايفة عليك ..شايفاك شقاوة ابني وأمان أبويا ..انت أجمل حاجة في كل حاجة .
تتسع عيناه بدهشة للحظات وهو يرمقها بنظرات عميقة ..
لا ..لم يدهشه إحساسها بقدر ما أدهشته هذه الكلمات التي انبعثت منها سلسة بانسياب ناعم ..
بتدفق بوح هادر لا توقفه سدود ..
بإخلاص امرأة يوقن أنه أهم انتصاراتها !
_مش بقوللك حظي حلو في الستات!
يهمس بها بنبرة غريبة تشبه شخصه بين عمق وعبث وهو يشير لشامة عنقه بخفة ..
فتضحك وهي تميل عليها تقبلها عدة قبلات متتابعة لتغمزه هي هذه المرة !
ضحكاتهما تمتزج بعدها وهي تدور بعينيها في الغرفة للحظات قبل أن تسأله باهتمام :
_فين صندوقك الأسود ؟! اوعى يكون ضاع وانتم بتنقلوا الحاجة !
لكنه يضحك بانطلاق وقد سرّه أن تشاركه هذا الاهتمام فيتحرك لينحني جالساً فوق ركبتيه تحت فراشه الجديد ..
ثم يستخرج الحقيبة الثقيلة يجرها جراٌ ليفتحها أمام عينيها قائلاً :
_ده ما يضيعش! ده أنا روحي كلها هنا !
تتأوه ببعض الألم وهي تحاول الجلوس مثله لكنها تمسك بطنها لتجلس على طرف الفراش قائلة بنبرة اعتذار:
_مش هاعرف أنزل وأقعد زيك كده .
_نطلع لك احنا يا بطل!
يغمزها بها بحركته المعهودة وهو يحمل الحقيبة ليضعها فوق الفراش ثم يجلس جوارها مستعرضاً محتوياتها الجديدة ..
فتهتف بسعادة وهي تميزها:
_زودت حاجات لينا؟!
_طبعا! دبدوب ريما اللي غضبت عليه ..توكة من بتوعها ..فستانها اللي صغر عليها ..فرد شراباتي اللي بتضيع في فجوة غسالتك الزمنية للأبد ..
تضحك ضحكة عالية وهي تتأمل هذه المحتويات معه لتشهق هاتفة فجأة وهي تميز خصلات شعر بلونها البنفسجي فتهتف باستنكار:
_ده شعري؟!
_قصيته وانتِ نايمة !
يتنحنح بها وهو يفرد كفيه في وجهها مهدئاً لتضع كفها على رأسها بحركة عفوية هاتفة :
_من غير ما أحس؟! بتسرق شعري؟!
يبتسم ببعض الذنب وهو يقول مفسراٌ :
_حاجة بسيطة من الطروف ..بصراحة كنت حابب أحتفظ بيهم ..زي ما بحب كل حاجة بحس إنك بتعمليها مخصوص عشاني!!
تقبض كفها في وضع اللكم وهي تقربه من وجهه فلا تدري هل تضربه غيظاٌ ..أم تعانقه حباً !!
هذا الرجل!!
ألا حدّ لجنونه ؟!
_سماح بقا يا ست نشويات !! دول حتى مقصفين ..شوفي!
يهتف بها محاولاً إغاظتها فتشهق بحدة هاتفة :
_أنا شعري مقصف؟!
_مش قوي ..بس ..آه!!
يتأوه مازحاً وهو يراها تشده من ياقة قميصه نحوها لتهتف به بانفعال:
_وإيه كمان مش عاجبك ؟! أظن هتعايرني إني تخنت ؟!
يعود برأسه للوراء يتفحصها في قميصها الذي تباعدت أزراره عند منطقة الصدر ليقول بنبرة عابثة :
_هي الفجوة يصعب تجاهلها الصراحة ..قلتلك بلاش قمصان ..لا وضعك ولا امكانياتك يسمحوا بالرفاهيات دي!!
تنقطع كلماته وهو يشعر بها تدفعه للخلف فيسقط على ظهره على الفراش متأوهاً باستمتاع ..
بينما تلقي هي نفسها فوقه لتجثم فوق صدره بثقلها هاتفة :
_وإيه كمان ؟! أدوس أكتر ؟! أدوس؟!
تهتف بها وهي تضغط بساعدها فوق صدره فيستمر بتأوهه الضاحك هاتفاً بين أنفاسه اللاهثة :
_بالراحة علينا يا وحش ! احنا مش أدك !
_اتأسف الأول!
_بأي طريقة ؟!
يغمزها بها بنبرته العابثة فتضحك وهي تغمزه بدورها مقلدة مشهداً في فيلم شهير:
_أربعة اتنين أربعة !
_على بركة الله !
ضحكاتهما تمتزج بعدها مع هذا اللقاء العاصف الذي انصهرت فيه خلاياهما بكل عنفوانها ..
وجوارهما كانت حقيبته العزيزة يهيأ إليه أنها تبتسم لهما كشاهد على هذا الحب الذي وجده كلاهما بعد طول تعب ..
فما أجمل الغرس ..وما ألذ الحصاد !
======
_السلام عليكم ورحمة الله ..السلام عليكم ورحمة الله .
تراقبه لجين وهو يسلم من صلاته بعينين فائضتين بعاطفتها وهي تراه يرفع كفيه بالدعاء مغمضاً عينيه بخشوع ..
لم تسمع كلماته مكانها لكنها كانت تستشعر هذه القدسية التي تحوطها كلما رأته يصلي قيام الليل ..
تنتظره حتى ينتهي من دعائه فيلتفت نحوها بابتسامته المشرقة وهو ينهض مكانه فتتقدم نحوه بمشيتها المتثاقلة وبطنها البارز في شهر حملها الأخير ..
يمسك كفها ليجلس جوارها على الأريكة فتبادره بسؤالها :
_ليه بتغير مكان صلاتك كل مرة كده ؟! مش الأحسن يبقى مكان واحد ؟!
فتتسع ابتسامته وهو يقول باستبشار :
_تعرفين هذه الآية عن وصف الكافرين : (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين )..فسرها أهل العلم أن الكافر لا تبكي عليه أرض ولا سماء فيما أن المؤمن يبكي عليه مُصلّاه من الأرض ومصعد عمله من السماء كما قال علي وابن عباس رضي الله عنهما ..ومما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت ..لهذا أتعمد أن أخص كل مكان جديد أزوره بركعتين من صلاتي ..وأغير موضع سجودي كل مرة عساه يشهد لي يوم القيامة .
_ربنا يباركلك ويرضى عنك .
تقولها باعتزاز وهي تسند رأسها على كتفه فيضحك وهو يحيطها بذراعيه قائلاً :
_وعنكِ يا حوريتي !
تتأوه بوجع حقيقي يشعره بالتعاطف نحوها فيمد أنامله يمسد بطنها بخفة مع رقيته المعتادة لها ..
فتبتسم أخيراً وهي تبسط كفها الأسمر فوق كفه الأبيض وقد بدا التناقض بين لونيهما واضحاً لتقول ببعض التردد :
_هو ينفع أدعي ربنا إن خلفتي كلها تبقى ولاد ؟!
_عجباً ! ولماذا تضيقين واسعاً ؟! إذا كان ربنا الكريم فلماذا نبخل على أنفسنا ؟!
يقولها بتعجب فتعض شفتها وهي تسبل جفنيها قائلة بخجل:
_أصلك ما تعرفش كنت مرعوبة إزاي أخلف بنت وتطلع شبهي ..
ثم تطلق ضحكة مكتومة مع استطرادها :
_دايماٌ حاملة هم يعايروها هنا بلونها زيي ..أو يقولولها ما طلعتش حلوة زيك !
لكنه يهز رأسه بأسف متفهماً عقدتها القديمة هذه والمقارنة التي كانت تخضع لها طيلة هذه السنوات بينها وبين ياقوت بالذات ..
ليرفع ذقنها نحوه هامساً بحنان مراعٍ:
_لا تسأمين من تكرارها ولا أمل من الرد! ..أنا أحب السمراوات وأثق أن العالم يمتلئ بمن يشاركني هذا الذوق ..أحب ملامحك هذه خاصةً وأراها فتنتي الخاصة التي لا أرغب أن يشاركني فيها أحدهم ..وأحب روحكِ الحلوة هذه التي تزيدكِ جمالاً ..وأتمنى لو يرزقنا الله ابنة تشبهكِ شكلاٌ وروحاً فأرى ملامحكِ الحبيبة تزداد ازدحاماً في كل ما حولي ..ليتها تملأ الدنيا كلها فلا أرى سواها !
تضحك بهناءة صادقة فتنتهي ضحكاتها بتوجع حقيقي وهي تحتضن كفه على بطنها لكنها تتجاهل ألمها لتهمس له بحب:
_انت مش بس حليت أيامي ..انت حليت صورتي في مرايتي ..مشتاقة قوي أشوف ابننا هيطلع شكله إيه ..
_سيكون أجمل طفلٍ رأيتِه في حياتك ..ثقي بي!
يقولها بيقين وهو يقبل جبينها برقة شاعراً بتأوهات ألمها تزداد فيسألها بقلق:
_أنتِ بخير؟!
تصرخ صرخة قصيرة مفاجئة وهي تشعر بتقلصات بطنها تزداد فينتفض مكانه هاتفاً :
_أستدعي الطبيبة ؟!
_هاتلي ستي ثمر الأول ..شكلي خلاص ..آه ..آه ..
صرخات توجعها تزداد علواً فيهرع نحو ثمر أولاً لتذهب إليها ثم يستدعي الطبيبة التي وصلت بسرعة لتفحص لجين وقد استقرت الأخيرة بين ذراعي ثمر التي لم يكف لسانها عن الدعاء..
_أتصل بعربة الإسعاف؟!
يسأل الطبيبة بقلق لتجيبه الأخيرة بهدوء :
_مش مستاهلة يا شيخ ..الراس في الحوض ..قربنا اهه بس هي تشد حيلها .
_اخرج صلي وادعيلي يا عابد .
تهتف بها لجين وسط صرخاتها ووجهها يغرق في بركة من الدموع والعرق فيتردد قليلاً وهو يرى ممرضتين مساعدتين يدلفان للداخل لمساعدة الطبيبة التي هتفت به مطمئنة :
_اسمع كلامها وما تقلقش ..الوضع طبيعي جداً .
تدمع عيناه بقلق مع كل صرخة تطلقها لجين حارقة وتدفنها في صدر ثمر التي هتفت تطمئنه بدورها :
_ماتخافش كده ياابني ..انت فاكر الضنى بييجي بالساهل ؟! صلي وادعيلها يجعل لها ساعة سهلة .
يرمقهن بنظرة قلقة أخيرة ولسانه يسبقه بالتسبيح كعهده عندما تشتد به الأمور قبل أن يخرج من الغرفة ليتوضأ ويستقبل القبلة ..
ركعتان من صلاة الحاجة قصيرتان خفيفتان لم يكد ينتهي من التسليم فيهما حتى سمع ..
يالله !!
إنه صوت بكاء الرضيع!!
ينهض بسرعة وقلبه يكاد يقفز بين قدميه حتى يتعثر في مشيته لكنه يستعيد توازنه بسرعة وهو يدلف بسرعة للداخل من جديد ..
تتسع عيناه بانفعال يكدسهما بدموع تأثر حقيقية وهو يرى الرضيع بين يدي ثمر تهتف به بصوت أرجفه انفعاله :
_سبحان الله ! وكأن الأيام بتعيد نفسها ! من تلاتين سنة كنت شايلة لجين وياقوت بين ايديا كده !
يحمد الله بصوت مسموع وهو يتقدم نحو لجين التي استرخت ملامحها بعد التعب لتقول بصوت غلبه إعياؤه :
_كده خلاص؟! وصل ؟!
_ماشاء الله ..أسهل ولادة شفتها ..ربنا يبارك !
تهتف بها الطبيبة وهي تربت على وجنتها ليتقدم منها عابد فيتناول الرضيع من ذراعي ثمر ..
يتفرس ملامحه المنمنمة بعينين جائعتين لكل هذه التفاصيل البريئة ..
يردد الأذان في أذنه اليمنى كما تعلم من السنة ليكون أول ما يتلقاه هو التوحيد ..
فتبتسم ثمر وهي تناوله تمرة ل"يحنكه" بها ..
_وروهولي بقا ..عايزة أشوفه .
_لقد استجاب ربي دعائي ..يشبهكِ أنتِ حوريتي !
يقولها عابد بفرحة غامرة وهو يقترب منها ليقرب الرضيع منها فتتأوه بخفوت وهي تضمه إليها هامسة :
_أنا حلوة كده ؟!
تقولها وقلبها يخفق بداخلها بعنف مع مرأى ابنها ..
كان يشبهها حقاً كأنه نسخة مصغرة لكن بشرته كانت شديدة البياض كأنما هي هالة من النور تحيط به !!
_حلو قوي يا ستي ..حلو قوي يا عابد !
تهمس بها بتأثر عبر دموع فرحتها فيضمها عابد إليه مقبلاً رأسها بحنان فيما تضحك ثمر وهي تحمد الله بصوت مسموع ..
فيما تعاود لجين هتافها :
_هو ما بيفتحش عينيه ليه ؟! عايزة أشوفه مفتح !
تتحرك ثمر نحوهما لتداعب ذقن الرضيع بحركة خبيرة قائلة بحنان :
_بكرة تقوليله نام مالحقتش أرتاح .
تتأوه لجين بخفوت وهي ترى الرضيع يفتح عينيه مع فمه الصغير يحركه يمنة ويسرة كأنما يبحث عن طعام ثم يبدأ في البكاء فتضحك ثمر هاتفة :
_مستعجل على رزقه قوي ! جربي ترضعيه !
تشعر لجين بارتباك المرة الأولى لكنها تتحامل على ألمها لتحاول فيما تهتف ثمر بفرحة عارمة وهي تتأهب لتغادر الغرفة :
_هاكلم أختك أقوللها ..
_وإسلام كمان يا ستي ..محلفني حتى لو عملتها وش الفجر أعرفه ..كأن قلبه كان حاسس!
فيضحك عابد وهو يتناول هاتفه قائلاً :
_دعيه لي ..
يقولها وهو يتصل برقم إسلام الذي رد بسرعة لا تتفق مع تأخر الوقت :
_ما تقولش "شيكولاتايتي" فقست!!
صوته الناعس يتراقص بلهفة تجعل عابد ولجين يضحكان في نفس اللحظة والأول يقول بارتياح:
_الحمد لله رب العالمين ..وصل "الشيخ الفهلوي" و أختك بخير .
_اللهم صلي ع النبي! حبيب خاله وصل!! بقيت خال يا ناس !! مسافة السكة أكون عندكم.
_لا تتعب نفسك الآن ..تمهل و...!
لم يمهله إسلام بقية الرد وهو يغلق الاتصال بسرعة لتهتف لجين بصوت منهك :
_ما تحاولش! ده ملهوف عليه أكتر مني!
_أخوكِ يحبكِ كثيراً !
يقولها مستخدماً كلمة "أخوكِ" هذه مدركاً قيمة شعورها هي بها فتتأوه بمزيج من تعب وارتياح وهي تنظر لصغيرها على صدرها ..
قبل أن تخفي وجهها في كتفه هو كأنما تتيقن من كل هذه السعادة التي تعيشها ..
الحلم الذي تحقق كاملاً كما تمنته !!
فيما تناول هو هاتفه ليتصل بياسمين التي ما كادت تفتح الاتصال في هذا الوقت المتأخر حتى هتفت بقلق:
_لجين كويسة ؟!
_مؤمن وصل!
يقولها بفرحة طاغية تجعلها تطلق عدة صيحات فرحة أيقظت يامن جوارها فتناول الهاتف منها ليصيح به بصوت ناعس امتزج بفرحته هو الآخر:
_مبروك يا أبو نسب !! ماقلتش بدري ليه كنا جينا من ساعتها !
_لقد حدث الأمر فجأة ..تعلم هذه الأمور!
_لا معلش احنا ما كناش زي حد ! مش بتاع مفاجآت أنا!!بنتي كانت ممشياها تسع شهور باليوم ..أستاذة تفاصيل زي أبوها !!
يقولها يامن بفخر لتمتزج ضحكاتهم جميعاً فيما تختطف منه ياسمين الهاتف لتخاطب أخاها بقولها :
_اديني لجين بسرعة .
يضع الهاتف على أذن لجين لتهتف بها ياسمين بحنان:
_مبروك يا لوجي ..هنلبس ونجيلك حالاً ..قوليلي محتاجة إيه أجيبهولك من هنا؟!
تبتسم لجين بامتنان لهذه الأخوة الصادقة التي تبديها لها فتشكرها برقتها المعهودة لتغلق معها الاتصال ..
ولم تكد تفعل حتى دخلت ثمر وبيدها هاتفها تناوله لها هاتفة :
_طمني أختك ..عايزة تسمع صوتك !
_حمدالله على سلامتك يا أوبرا ..كده تعمليها من غيري؟! كنت استنيتِ يوم أكون فيه عندكم !
تهتف بها ياقوت بلهفة فضحها صوتها لترد لجين بصوتها المنهك :
_اسكتي بقا يا توتة ..لحد دلوقت مش مصدقة ..كل حاجة حصلت بسرعة كأنه حلم .
_طمنتيني! ستي ثمر بتقول أسهل ولادة شافتها ! عقبالي يارب! الولد شكل مين ؟! ستي ثمر بتقول شبهك قوي بس مخدش مني أي حاجة ؟! لون عنيا ..شعري ..طرطوفة مناخيري حتى!!
كلمات ياقوت تتقافز بلهفة فرح عارفة تجد صداها في قلب شقيقتها التي تضحك ضحكة تزيد وجعها فتتأوه بألم لتهتف ياقوت بجزع:
_قلب أختك ! انتِ كويسة ؟!
تصمت للحظة تنقل بصرها بين وجه عابد الصارخ بفرحته ووجه ثمر المكتسي بالرضا وأخيراً ..وجه رضيعها الذي استسلم للنوم على صدرها لترد بصوت أرجفه انفعاله :
_كويسة؟! ...عمري ما كنت كويسة زي دلوقت!
=====
_فطار "السينوريتا" زي زمان !
يقولها أشرف بنبرته العاشقة التي لم تتغير طوال هذه السنوات وهو يحمل صينية الإفطار بمحتوياتها ليضعها فوق ساقي رانيا التي تمطأت فوق الفراش بدلال وهي ترمق رضيعتها النائمة جوارها بنظرة حذرة ..
ثم تعود ببصرها نحوه لتتعلق بذراعيها بعنقه هامسة :
_"السينيوريتا" بقت "سينيورا" يا "سينيور" أشرف ! ومعاها بنوتة كمان !!
تقولها مشيرة لأن اللفظ الأول يستخدم للآنسات باللغة الأسبانية...فيما يشير الثاني للمتزوجات فيضحك وهو يطبع قبلة خفيفة على شفتيها ليجلس قبالتها على طرف الفراش هامساً بنبرته الدافئة :
_مهما كبرتِ هتفضلي في عينيّ البنوتة الصغيرة اللي كانت بتلعب معايا على السلم ..مفيش يوم في عمري إلا ومتلون بيكِ .
تتنهد بهيام ثم تقبل وجنته بحرارة راضية عن هذا الفيض الغامر من عاطفته والذي لا يكون له أن يجف أبداً ..
تتلقف عطايا دلاله بسعادة وهما يتشاركان الطعام بحذر مخافة أن تتيقظ الصغيرة ..
ولم يكادا ينتهيان منه حتى فاجأها بهذه الأوراق التي تناولها من مكان قريب ليقول لها بعينين لامعتين :
_مفاجأة !!
تتسع عيناها بترقب وهي تتفحص الأوراق لتتجهم ملامحها قليلاً قبل أن تعاود رفع عينيها إليه قائلة ببعض الضيق:
_شقة جديدة باسمي ؟! ليه يا أشرف؟!
_حقك!
يقولها بحسم وهو يزيح الأوراق جانباً ليتناول كفها بين راحتيه مردفاً بامتنان:
_انتِ بعتي دهبك وشقتك القديمة عشان تساعديني وقت أزمتي ..ودلوقت الحمد لله المصنع وقف على رجله وربنا كرمنا آخر كرم ..يبقى ليه لأ؟!
_بس أنا عايزة نفضل عايشين هنا!
تهمس بها بعينين دامعتين وهي تدور بنظراتها في الغرفة حولها ..
_البيت ده غالي عندي قوي ..ده مش بس البيت اللي انت كبرت فيه ..أنا كمان عشت هنا أجمل أيام عمري مع عمو وطنط الله يرحمهم ..الأوضة دي مش أوضتك لوحدك ..ياما حلمت زمان أدخلها وأشاركك فيها ..البيت ده هو اللي اتولد فيه حبنا زمان ..وهو اللي رجعنا لبعض لما الدنيا خدتنا ..أنا مش عايزة أسيبه لأ !
صوتها يتهدج برجفة مشاعرها فيغمرها بين ذراعيه ليتخلل شعرها بأنامله متسائلاً باهتمام:
_يعني مش متضايقة إنه قديم ؟!
لكنها ترفع إليه عينيها الصادقتين بابتسامة كبيرة امتزجت بهمسها الصادق:
_مااسمهاش قديم ..اسمها أصيل ..زي اللي بيننا يا أشرف!
ضحكته القصيرة تتلون بعشقه وهو يزيد قوة ضمه لها لتردف هي بنبرة أكثر ارتياحاً :
_يامن بقاله فترة بيعرض عليّ يساعدنا نشوف شقة تانية بس أنا اللي كنت برفض ..أنا حقيقي بتفائل بالبيت ده ..خصوصاً بعد ما هي جت .
تقول عبارتها الأخيرة وهي تلتفت نحو الرضيعة النائمة فيبتسم وهو يهز رأسه موافقاٌ ..
ثم يمسك راحتها بأحد كفيه بينما يتشبث الآخر برقّة بكف صغيرته المنمنم بحركة موحية ..
هاهنا يجد كيف اكتمل طريقهما بعد طول عثرات !!
تتنهد وهي تتفرس ملامح الصغيرة النائمة بدورها هامسة :
_شفت جميلة إزاي ؟!
فتتسع ابتسامته وهو يلتفت نحوها لتلتقي عيناهما بنظرة عميقة ..سبقت همسه بجملته الأثيرة التي كانت تخصها هي يوماً ..والآن يتغنى بها لها ولابنتها معاٌ :
_ما يتحكيش عليها !
=======
يصعد رامز الدرج المؤدي لشقة أمه ولم يكد يتوقف أمام بابها حتى فوجئ بها تفتحه لتجذبه من كفه نحو الداخل فشهق بدهشة هاتفاٌ :
_خير يا حاجة ؟! إيه القفشة الجامدة دي؟!
فتبتسم المرأة بوجه محمر لترمقه بنظرة غريبة لم يفهمها ..
قبل أن تحرك شفتيها المزمومتين يمنة ويسرة بتتابع بهذه الحركة الشهيرة لتهمس له :
_مراتك اتغيرت قوي !
يكتم ضحكته متصنعاً الجدية وهو يحيط كتفيها بذراعه ليهمس لها كمن ينتظر سماع سر خطير :
_إيه اللي حصل؟! أنا راجل شقيان في الشغل طول النهار ..رسيني إيه اللي بيجرا من ورايا !
فتكرر أمه نفس الحركة بشفتيها وهي ترفع رأسها لأعلى لتعاود همسها :
_خبطت عليها من شوية والظاهر افتكرتني انت ..فتحت لي الباب ..و ...ياريتها ما فتحت !
هذه المرة كتم ضحكته بكفه متوقعاً المشهد الذي رأته أمه والذي تستقبله به هانيا كل مساء عقب عودته من عمله ..
لتهتف أمه بمزيج من استنكار وحرج :
_بقا دي اللي كنت بتحايل عليها تلبس بجامة لايقة على بعضها وتسرح شعرها قبل ما انت تيجي ؟! ده أنا كنت في نص هدومي وأنا ..
ضحكته العالية تجلجل في أذنها فتقطع حديثها وهي تلكزه في كتفه هاتفة :
_بتضحك ؟! ارتحت لما بهتت عليها بقلة أدبك ؟! أنا قلتلك تغيرها مش تشقلبها !!
_اهدي بس يا ست الكل واوصفيلي شفتي إيه ..وبالتفصيل لو سمحت ..عشان أنا بحب التفاصيل!!
يقولها بنبرته العابثة فتلكزه في كتفه من جديد وهي تهتف به باستنكار :
_بس بلاش قلة حيا !
_يا حلو انت غيران ! فكرتك بالذي مضى مع الحاج !!
يهتف بها بنفس النبرة وهو يرفع أحد حاجبيه فتغطي المرأة وجهها بكفيها هاتفة بمزيج من استنكار وخجل:
_أنا غلطانة إني بتكلم معاك ! المحترم سافر مع مراته وسابوا لي قليل الحيا !
فيضحك وهو يدغدغها في خاصرتها بخفة هاتفاً :
_وانتِ تستغني عن قلة أدبي برضه يا ست الحبايب؟! ده أنا اللي عامل للبيت حسّ!
_بس يا ولد !
تهتف بها وسط ضحكاتها وهو مستمر في دغدغتها رغماً عنها هاتفاً :
_أبداٌ !! قوليلي الأول شفتي إيه وبالتفصيل!!
تتمالك المرأة ضحكاتها أخيراً وهي تلهث مبتعدة عنه لتجلس على أحد الأرائك ..
لترمقه بنظرة عميقة أخيراً قائلة بحنان جاد :
_ربنا يسعدك يا حبيبي ويهنيكم .
_يعني مش هتقوليلي؟!
يمط بها شفتيه بخيبة مصطنعة لتمصمص شفتيها هاتفة بنبرة عاد إليها مزاحها :
_ياخبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش! اطلع شوف بنفسك !
_ربنا يبشرك بالخير يا وش السعد انتِ !
يقولها وهو يحيط وجهها براحتيه ليقبل رأسها بقوة مبالغ فيها فتتأوه لتدفعه باعتراض ..
تراه يندفع للخارج شبه راكض حتى يتعثر في أحد درجات السلم فتهتف به باستنكار مازح:
_على مهلك يا شملول! وبطلوا هبد ورزع!
_ما ننضفش المراتب يعني؟!
يهتف بها ضاحكاً ببراءة مصطنعة فتمتم باستنكار:
_قليل الحيا!
تقولها لتغلق الباب فيتحول استنكارها لضحكة راضية طويلة ..
ثم دعاء رفعت بيه كفيها :
_ربنا يهدي سركم ويرزقكم بالولد الصالح !
وفي شقتهما فتح هو الباب ليغلقه خلفه بسرعة منادياً إياها :
_اظهر وبان عليك الأمان ..أنا لوحدي!
يقولها ملاحظاً جو الشقة بإضاءته الهادئة ووجبته المفضلة التي رصت أطباقها على المائدة ..
لتظهر هي بوجه أحمر خجول من خلف الستارة الجانبية التي أخفت جسدها هاتفة:
_شفت اللي حصل!!
تجلجل ضحكته عالية مع هتافه وهو يتقدم نحوها:
_يافضيحتك يا بسطويسي! أمي شافتك كده !!
يقولها مشيراً لمنامتها الحريرية الحمراء التي تشبه ثوب بحر من قطعتين لتلكزه في كتفه هاتفة :
_اضحك ..اضحك ..ماهو مش انت اللي اتقفشت !!
فيعاود الضحك بصوت أعلى وهو يضمها نحوه ليقبل وجنتيها هامساً بحنان :
_سيبك انتِ! الحاجة زمانها طايرة م الفرحة ..قلبها اطمن ان ابنها هايص ..ده انتِ كنتِ منشفاها علينا يا شيخة !! الستّ كانت قربت تشك إني متجوز واحد صاحبي!!
يخبطها في جبينها بجبهته في عبارته الأخيرة فتضحك بخجل وهي تخفي وجهها في كتفه ..
لكنه يرفع ذقنها نحوه هامساً بعينين لامعتين :
_هتصدقيني لو قلتلك إن أسعد لحظة في حياتي دلوقت بقت لما برجع البيت وألاقيكِ مستنياني ؟! مهما الشغل طلع روحي بصبر نفسي إني هارجع حضنك آخر اليوم !
_وأنا كمان ! بستنى اليوم يخلص عشان أرجعلك .
تقولها وهي تجذبه من كفه نحو مائدة الطعام التي أعدتها هاتفة :
_اغسل إيدك وغير هدومك على ما أكون غرفت الشوربة .
_لسان عصفور؟!
يسألها بمرح لترد بمرح مشابه :
_طلبات سعادتك أوامر .
ضحكاتهما الراضية تتشارك بهناءة طوال تناولهما للطعام تتخللها تعليقاته العابثة التي صارت تردها له بمثلها ..
فيضحك هاتفاً باستمتاع:
_بقيت خلبوص كبير يا دكتور ..الله يرحم بسطويسي وأيامه .
تضحك بدورها وهي تجمع الأطباق الخالية لتعيدها للمطبخ هاتفة :
_من عاشر القوم !
يساعدها في جمع الأطباق ثم يلحق بها نحو المطبخ ليحيط خصرها بكفيه هامساٌ بنبرته العابثة :
_الأكلة الحلوة دي والجو الهايل ده ..والبجامة اللي تجنن دي ..مش ناقصهم غير حاجة واحدة بس!
فتومئ برأسها إيجاباً وهي تميل على أذنه هامسة بنفس النبرة العابثة :
_دور "بلاي ستاشن"!
_أحبك وانت فاهمني!!
يهتف بها مصفقاً بكفيه باستمتاع لتضحك بدورها وهي تحيط خصره بذراعيها من الخلف فتدفعه برفق نحو غرفة المعيشة حيث يلعبان هذه اللعبة التي تنتهي دوماٌ بغير ما ابتدأت !!
يتخذ مجلسه ليفسح لها مكاناً بين ذراعيه فتتناول الذراع البلاستيكي لتبدأ اللعبة قائلة بدلال :
_ركز كويس عشان المرة دي ناوية اغلبك !
_وإيه الجديد ما كل مرة بتغلبيني!
يهمس بها بنبرته العابثة وأنامله تتلاعب بالذراع بدوره محاولاٌ التركيز في الشاشة أمامه ..
ليردف بعينين انشغلتا باللعبة أخيراٌ :
_بس شكلي هاغلبك فعلاً المرة دي!
يقولها بلهجة انتصار وهو يحرز بعض التقدم فتهتف وهي تحاول التركيز بدورها :
_ما تتغرش ..احنا لسه في الأول..أوف!
تصدر صيحة استياء يقابلها هو بصيحة انتصار وهو مستمر في حصاد فوزه عبر الجولات القادمة ..
لتلتفت هي نحوه برأسها أخيراً هامسة :
_هنسميه إيه ؟!
يلتفت نحوها بتشتت وهو لا يفهم ما تحكي عنه ..لتميل بجسدها للخلف ملصقة نفسها به أكثر مردفة بدلال:
_ادعي يطلع ولد ..لو كانت بنت يامن هيا.....آه !
تنقطع كلماتها وهي تراه يدير جسدها نحوه ببعض العنف هاتفاً بصدمة :
_ده بجد واللا بتشتتيني عشان تكسبي؟!
تهز كتفيها بجواب صامت وابتسامتها الغارقة بسعادتها تكفيه فيتأوه بقوة وهو يلقي ما بيده جانباً بعدم اكتراث ليعتصرها بين ذراعيه هاتفاً بفرحة عارمة :
_ياقلبك ! وقاعدة بتلاعبيني كده وسايباني على عمايا من ساعتها!!
_مبروك يا حبيبي!!
تهمس بها وهي تلقي ما بيدها بدورها لتحيط وجهه براحتيها مردفة :
_مبسوط ؟!
_جداً ! لا ..بس ..مش مصدق ..خدتيني على خوانة يا دكتورة !!
يهتف بها بانفعال دافق وهو يميل بها بحرص ليشرف فوقها بجسده فوق الأريكة متلمساً ملامح وجهها بأنامله المرتجفة ..
لتهمس له بتأثر :
_ما كنتش عايزة أبين لك ..بس طول الأيام اللي فاتت كنت بتمناه من ربنا ..فرحانة جداً ..جداً ..يمكن أكتر من فرحتي بالدكتوراة !
فيضحك ضحكة انفعالية عالية وهو يقترب من وجهها هامساً بنبرته التي عاد إليها عبثها :
_طب يعني انتِ فرحانة وأنا فرحان ..الفرعون العاشق يحتفل بقا!!
ترفع سبابتها في وجهه محذرة ومنبهة للوضع الجديد فيخبط وجهه براحته المفرودة وهو يبتعد عنها هاتفاً باستنكار:
_يعني إيه ؟! مفيش "بلاي ستاشن" !! ده أنا أروح فيكم في داهية !!
تعلو ضحكاتها رنانة وهي تنهض مكانها لتهتف بشماتة مرحة :
_افرح بقا بالدور اللي كسبته النهارده ..مين عالم هنلعب تاني امتى؟!
يرمقها ببؤس مصطنع فتهم بتقبيل وجنته لولا أن صدح هاتفها برقم نبيلة فهتفت به وهي تهرول نحو الخارج :
_هافرحهم بقا ..لسه ما عرفتش حد !
_باركيلي يا بيللا ..ربنا يستر وماتبقاش البنت التالتة ..يامن هيعلقنا!!
يسمع صياحها الفرح من الخارج فيبتسم بسعادة وهو لايزال لا يستوعب الخبر ..
يتنهد ببعض الحسرة وهو يرمق أرض الغرفة بغيظ هامساً لنفسه :
_آدي آخرة القر يا أم رامز !! إياكش تكوني مبسوطة لا عاد هيبقى فيه رزع ولا هبد !!
========
أمام الشاليه الخاص بهما في ذاك المكان المنعزل يراقبها يامن بافتتان وقد أجلست يمنى فوق أحد الكراسي على الشاطئ وجوارها هذه الدمية الضخمة بشكل دب كبير ..
"مشمش" آخر اشتراه لها عابد هذه المرة ليبقي على ذكرى والدهما الراحل في حياتهما معاً !
تمسك بيدها آلة الكمان الخاصة بها وتبدأ في العزف مغمضة العينين ..
يبتسم ابتسامة عاشقة وهو يرمقها بهذه النظرة التي لم يعرفها لسواها ..
سيدة الألوان ..التي بدلت بأطيافها سواد عالمه ..
امرأة الفوضى ..التي خرجت بصخبها عن وتيرته المملة ..
عروس البحر ..التي لم تظهر لإنسيّ دونه ..
عذابه وجنته ..
ناره ونوره ..
تعويذته السحرية التي ألقيت على صنمه الحجري لتعيده أميراٌ بمملكة الحب!
عطر ياسمينه الذي فاح وسط صحرائه القاحلة فأدمنه للأبد !
عزفها يحمله لذكرى تلك الليلة التي سمعه فيها لأول مرة ..
عندما تهاوت كل تلك الحصون بينهما ليرتشف رحيق أنوثتها قطرة قطرة ..
ربما لهذا كان يشعر الآن بهذه النيران التي تشتعل في أوردته ..
والتي زادتها ملامحها الهائمة مغمضة العينين توهجاً !!
_ششششش ! نامت !
يهمس بها بحذر وهو يراقب الصغيرة التي انقلبت على ظهرها فبدا الدب الكبير كأنه يحتضنها ..
ربما لهذا دمعت عينا ياسمين وهي تتذكر والدها ..
لقد لقي حتفه وهو في طريقه ليحضر لها مثله ..
لكن القدر عوضها بآخر ..أحضره عابد !!
تحمل الصغيرة بحرص لتتحرك بها نحو البيت حيث وضعتها في فراشها الصغير ..
ولم تكد تخرج من الغرفة حتى وجدته أمامها يحتضن خصرها بكفيه هامساً بعينين متقدتين:
_النهارده كنتِ بتعزفي بضمير قوي!
تتنهد بحرارة وهي تخفي وجهها في صدره هامسة :
_مشهد واحد خلّى عمري كله يدور قدام عينيا ..الدبدوب وبابا وعابد ..الكمانجا وماما ..انت بقميصك الأبيض ..ويمنى بيننا ..عارف إحساسك لما تعيش طول عمرك متبعتر ..كل حتة منك في ناحية ..وفي لحظة تحس إنك خلاص ..اتجمعت في كيان واحد من تاني ..هو ده إحساسي دلوقت!
تهمس بها بصوتها الآسر الذي يبدو له وكأنه لا ينتمي لهذا العالم ..
صوتها الذي يبدو له منطلقاً شديد الحيوية ..كأنما يحمل حماس الدنيا كلها بين حروفه !!
_شكراً عشان وافقت تجيبنا هنا النهارده في الفالانتاين .
تهمس بها بدلال وهي تسحبه من كفه نحو الغرفة المجاورة فيهتف دون وعي وقد غلبته طبيعته الفظة :
_ولا فالانتاين ولا بتاع! ماليش أنا في الشغل ده ..هو يوم نفع اخده أجازة من العيادة فاخدته .
تضحك ضحكة رائقة تشعل خلاياه أكثر وهي تبسط راحتيها فوق صدره هامسة بحروف من عشق:
_برضه هاقوللك ..شكراً يا طيب .
يبتسم لها بتلك الطريقة التي تذيب عظامها لكنها تبتعد خطوة لتغمغم بدلال :
_يعني مش فارق معاك مفاجأتي؟!
_اهه ! نشوف!
يقولها بخشونة ماكرة فتضحك ضحكة عالية وهي تدير ظهره لها قسراً هاتفة :
_خلاص! غمض عينيك وما تبصش غير لما أقوللك !
يفعل مثلما طلبت وابتسامة ترقب كبيرة تحلق فوق شفتيه ..
لايزال سحرها يجد أثرها في نفسه مهما مرت الأيام ..
شمس عذراء تشرق كل يوم ..له وحده !!
_خلاص يا طيب .
يلتفت نحوها لتتسع عيناه بتقدير وهو يميز قميصها الأحمر القصير الذي التصق بنصفها العلوي وانتفش نصفه السفلي القصير بهذا التصميم الذي يناسبها كثيراً ..
وبهذه الشرائط التي تشده من الخلف والتي تعلم هي كم يحبها ..
ربما لأنها تمنحه راحة التملك بعد التشابك !!
تدور حول نفسها ببطء مثير ثم تعطيه ظهرها فينتبه لتوه لرسم الحناء الذي امتد من معصمها مروراً بذراعها وانتهاء بتلك الندبة قاسية الماضي هناك ..حيث رسم هناك شكل القلب الشهير ..
فيتذكر ذاك الموقف بينهما من الماضي ..:
_خسارة إنك ما خلتهمش يرسموا لك دراعك بالحنة في البلد ...كانت هتعمل شغل جامد مع لون بشرتك ده.
يتناول ذراعها ليفرده أمامه ثم يدور على معصمها بسبابته مردفاً بنبرة زاد شغفها:
_تخيلي لو رسمنا هنا وردة كده ...يطلع منها خط طويل كده ...وينتهي بورقة شجر كده ...وكده...وكده...
كان يتحدث بينما يرسم بإصبعه ما يتحدث عنه ...
حتى وصل لأعلى ذراعها وكتفها وبالتحديد عند تلك الندبة هناك ...
والتي استقر عليها إصبعه للحظات قبل أن يهمس بحرارة أكبر:
_وهنا بقى نرسم قلب ...قلب كبير ...محبش غيري ...زي ما بتقولي.
يفيق من نشوة الذكرى على مرآها وهي تتقدم منه كأنما تكمل له ذكراه بهمسها الدافئ:
_ماحبش ولا هيحب حد غيرك .
يتنهد بعمق وهو يسير بإصبعه بتمهل فوق رسم الحناء خاصتها والذي رسمته تماماً كما وصفه لها ذاك اليوم ..
لينتهي بذاك القلب فوق ندبة كتفها من الخلف و الذي استقرت فوقه شفتاه بقبلات عميقة متتابعة وهو يضمها إليه بحرارة هامساً :
_وبتتكلمي عن عيد حب ؟! كل يوم معاك عيد حب .
=======
في مطعمها الذي حمل رمز "الياء" خاصتها بطريقة رسمه المميزة حيث ينثني طرفه ليصنع شكل القلب الشهير وقفت ياسمين جوار يامن الذي خاطب ياسمين بقوله :
_كانت فكرة حلوة إنك تعملي حفلة هنا وتجمعي فيها الكل بمناسبة وصول الشيخ مؤمن !
_فرحانة جداً ..شايف شكلهم حلو ازاي وهم كلهم متجمعين !
تهتف بها بسعادة طاغية وهي تراهم وقد ازدحم بهم المطعم تقريباً ..
المائدة الأولى تشغلها ثمر ،ياقوت ،زين ،رابحة ..
تليها أخرى تشغلها هانيا ورامز..
وأخرى رانيا وأشرف ..
وعلى أخرى داليا ومروان ..
وبين الموائد الثلاث الأخيرة كانت نبيلة تتحرك برشاقة تفوق سنوات عمرها وبفرحة زهو حقيقي ما عادت تخفى على أحد ..
على مائدة في الجانب الأيمن يجلس إسلام وريما فوق ساقيه وجوارهما نشوى ببطنها المنتفخ ..
تجاورهما مائدة سيف الذي عاد في إجازة قصيرة مع غادة وطفلتيهما ..
وعلى مائدة في الجانب الأيسر يجلس رائد مع همسة التي كان وجهها يشع بفرحة حقيقية وهي تلاعب يمنى الصغيرة على حجرها ..
تجاورها مائدة ناصر الذي استقر جوار سها متعانقي الكفين ..
وفي المنتصف كان عابد مع لجين والرضيع الذي أعدت له ياسمين مهداً مميزاً زينته بنفسها بالبالونات السماوية والفضية ..
وقد انبعث من الجوانب صوت إنشاد دون موسيقا تخيرته ياسمين ملائماً لطبيعة عابد ولائقاً بهذه المناسبة ..
_حلوة قوي العقيقة دي ..وأحلى من اللي عملناها ليمنى كمان !
يهمس بها يامن لها برضا وهو يدور بعينيه في المكان حوله لتلتفت له ياسمين هامسة بغموض ماكر:
_مين عالم ؟! مش يمكن عقيقة ياسين تبقى أحلى منهم هم الاتنين؟!
تتسع عيناه بصدمة للحظة قبل أن يضيقهما بتساؤل لكنها تضحك ضحكة عابثة وهي تغمزه هامسة :
_مفيش تصريحات لحد ما الحفلة تخلص ..
ثم مالت عليه مردفة:
_اعتبره عقاب على مكالمة لندن اللي ماقلتليش عليها !
تقولها بعتاب خفيف فيرد بفظاظته المعهودة التي خالطها طيف اعتذاره :
_محسساني كده إنك قفشتيني في شقة مفروشة !! قلتلك ضميري كان واجعني عشان ظلمت سيلين واتصلت بيها أعتذر لها .
ابتسامتها تتأرجح بين عتاب وإشفاق وهي تدرك أن ذنب ابنه الراحل لا يزال يؤرقه ..ربما هذا ما شفع له أخيراً وهي تستجيب للهفة سؤاله :
_قولي بقا !
_أقول إيه ؟!
تهمس بها بدلال عابث وهي تمسد بطنها المسطح فيزمجر هاتفاً بنفس اللهفة المحتدة :
_ياسمين !!
_بتزعق ليه يا "مانّو"؟!
تهتف بها نبيلة خلفهما فيلتفت نحوها هاتفاً بغيظ :
_كام مرة قلت بلاش "مانو" دي!! بقيت شحط كبير معايا بنت وشكل التاني جاي في الطريق!
_بجد !! ياسمين انتِ ؟!!
تهتف بها بحرارة وهي تطوق ياسمين بذراعيها فتضحك الأخيرة هاتفة :
_عشان خاطرك انتِ يا بيللا هاعترف ..ولو اني كنت عايزة أعذبه شوية !!
_مبرووووك يا مانو ..مبروك!!
تهتف بها نبيلة وهي تحيط وجهه بكفيها لتقبل وجنتيه اللتين احمرتا انفعالاً وهو يلاحظ نظرات الجمع له فيكز على أسنانه بغيظ تحول لابتسامة حقيقية كبيرة وهو يعانق أمه بقوة شاعراً بفيض مشاعرها الذي ترجمته حروفها الملهوفة :
_هاروح أفرح البنات !
يراقبها بعينين شبعتين من هذه اللهفة الأمومية التي طالما اشتاقها في سنوات عمره الأولى والآن تغمره كشمس لا يُنكَر ضياؤها ..
قبل أن يلتفت نحو ياسمين فيعانق كفها براحتيه هامساً بعينين لامعتين وبرجفة صوت فضحت حقيقة مشاعره :
_بجد ؟! الفرحة اللي حاسسها دلوقت دي بجد ؟!
تدمع عيناها بتأثر وهي تهز له رأسها لتفاجأ به على غير عادت يتناسى تحفظه و يعانقها!!
يعانقها وسط كل هذا الحضور!!!
تكتم آهة انفعالها في صدره المقابل لها والذي كان الآن يكاد ينتفض بصدى دقاته مع همسه المنفعل:
_المرة دي هاعيشه معاكِ يوم بيوم ..ساعة بساعة ..مش هتفوتني أي تفاصيل!
تبتسم وسط خيط من الدموع وهي تستعيد ذكرى حملها الأول مدركةً ما يعنيه بكلماته هذه ..
لكنها ترفع وجهها نحوه أخيراً لتضحك ضحكة انفعالية ناسبت قولها :
_مفيش فايدة ..يامن حمدي يعني هوس التفاصيل!!
_دي مش أي تفاصيل!! دي ..حكايتنا و ..عمرنا!
يهمس بها بنفس الانفعال فيلتقي "نهرا العسل" في العيون بصفاء متجانس ..
قبل أن ينتبه لنظرات الناس حولهما وضحكة مروان التي وصلته عبر هذا البعد ليفلتها من ذراعيه هامساً لها بنبرة عادت إليها فظاظتها العصبية :
_اتفضلي! آدي آخرة تصرفاتك! مش كنتِ تقوليلي في بيتنا بدل الفضايح دي!!
تضحك ضحكة رائقة وهي تتأبط ذراعه لتقاطعها مساعدتها التي تقدمت منها هاتفة بفرحة :
_شفتي الخبر الحلو ده ؟!
تقولها مشيرة لشاشة هاتفها فتنظر نحوها ياسمين لتلتمع عيناها بفرحة هاتفة :
_واااااو!!! شفت يا يامن ؟! هاشتاج "سينابون تجمعنا" بقى تريند واحد على تويتر !! المطعم بقى أشهر من نار على علم !
يرمقها بنظرة متسائلة فترد وسط ضحكات فرحتها :
_ده هاشتاج طلعته زبونة سكر عندي فلسطينية اسمها مرام من يومين ..معجبة جداٌ بالسينابون بتاعنا ..ماكنتش متوقعة إنه يوصل للرقم ده في الوقت القصير ده .
فيمط شفتيه مع رفعة أحد حاجبيه ليقول:
_واشمعنا مطعم سينابون يعني؟! خللي مرام دي تعمللنا هاشتاج للمطعم ده كمان !
_لا يا طيب!! سينابون الأصل!
_بقا كده ؟!
_معلش بقا! "بزنس إز بزنس"!
تهتف بها بمرح فيضحك وهو يجاريها المزاح فخوراً بإنجازاتهما ..
وعلى مائدته التي يجلس فوقها وحيداً ينهي سامر طعامه ليتفحص الوجوه المتباينة حوله بغبطة ..
يناظر فرحة عابد وامرأته بالرضيع وانشغالهما بالتقاط الصور فيبتسم ابتسامة باهتة وهو يتذكر شجاراته شبه اليومية مع أمه لأجل شأن الزواج هذا ..
لا ينكر أنها تحضر له فتيات أكثر من لائقات لكن كيف يفعلها وهو لايزال لا يفهم نفسه !!
جزء منه يشعر أنه فقد بعض روحه مع ريتال بسفرها ..لكنه لا ينكر سعادته لأجل رضاها -الظاهر- هناك ..
وجزء آخر غريب متمرد لايزال يرى في نجلاء شعلة متوهجة لعاطفة لا يمكنه تفسيرها رغم مضي كل هذه الأشهر على لقائه الأخير بها ..
هل يمكنه القول أن صورة ريتال ونجلاء تتماوجان داخل عقله بانسيابية ناعمة ..تمتزجان ..تنصهران ..فلا يكاد يميز إحداهما من الأخرى ..
رغم الفارق الشاسع بين الشخصيتين ..تبقى "العروس البلاستيكية" أيقونة مشتركة بينهما ..
والعجيب أن صورة سها القديمة توارت تماماً منذ يقينه أنها لم تكن سوى وهم صاغه خياله !!
تبا!
يبدو أنه مريض بالتعلق بما ليس له ..لا يمكنه وصف نفسه الآن سوى بهذا !!
يتنهد بعمق وهو يتناول هاتفه ليتفحص الحساب الخاص بريتال ..آخر مشاركة منها كانت منذ أيام تقارب الشهر ..
_تجري الرياح كما تجري سفينتنا ..نحن الرياح ونحن البحر والسفن !
يبتسم بعينين دامعتين وهو يفتقد روحها المقاتلة هذه ..
عساها تكون راضية بهذا المجتمع الجديد الذي هربت إليه من كل ما كرهته في هذا الوطن !
يترك لها تعليقاً محايداً لا ينتظر له رداً ليفاجأ برسالة تصله من رقم غريب ..
_دكتور سامر ..إزيك ؟!
يتفحص الصورة المرافقة لمرسلها فتتسع عيناه بمزيج من دهشة وسعادة خفية لم يدرِ مصدرها ..
خاصة وهو يراها تحتضن إحدى عرائسه التي كان قد أهداها لها يوماً في رحلة علاجها معه ..
أجل ..نجلاء!!
تزيغ عيناه قليلاً و"الصورتان" تتشوشان في عقله من جديد فلا يدري حقيقةً أي امرأة يراها ..
هي ..أم ريتال؟!!
_آسفة لو بزعجك ..بس ..لقيت بروفايلك صدفة ..وكنت ..
كلماتها تتقطع واشية بارتباكها فتتشنج أنامله وهو يشعر بالصراع مع وجه مهنيته ..
كل ذرة تعقل بداخله تناشده ألا يعطيها أملاً خاصة وهو يستشعر ميلها العاطفي نحوه ..
هذا الميل الذي لا يدري إن كان يشاركها فيه أم أنه فقط يتوهم !!
ربما لهذا آثر عدم الرد على رسالتها مغلقاً على نفسه وعليها هذا الباب !
_أما نشوف آخرتها يا "ملطشة القلوب"!
يهمس بها لنفسه ساخراً وهو يضع هاتفه في جيبه بحركة عصبية ومسدلاً ستاره على هذه الحيرة التي تبدو وكأنها لا تنتهي !
وعلى المائدة المجاورة له جلست جيلان وهيثم الذي بدا شارداً مشتتاً كعهده مؤخراً حيث وضعت الأولى كفها فوق كفه قائلة بحنان :
_وبعدين في السرحان ده ؟! مش قلنا بكرة هيبقى أحلى؟! حد يبقى مسافر بكره اسطنبول ومكشر كده ؟!
_سيبيه يا هانم ! بكره برقوق اسطنبول ينسيه اسمه !
يهتف بها إسلام خلفهما لتلتفت نحوه بابتسامة واسعة قائلة بلهجتها الأرستقراطية :
_سيب أخوك في حاله ..هو مالوش في الحاجات دي !
_قوليله يا طنط ! هو فاكر الناس كلها زيه !
تقولها نشوى بنبرة متوعدة وقد استمعت لعبارته ليلتفت إسلام نحوها هاتفاً بخوف مصطنع:
_اوبا!! كبسة !!
_ماله بقا برقوق مصر يا هندسة ؟!
تقولها بنفس النبرة المهددة فيرفع راحتيه في وجهها هاتفاً بمقطع من أغنية شهيرة :
_وعهد الله سكر محلي محطوط على كريمة ! هو فيه أحلى من كده ؟!
كلماته تنتهي بغمزته الحبيبة فتضحك ضحكة رائقة وهي تجده يحتضن كفها بحنو ..ليعاود التفاته نحو هيثم قائلاً بجدية هذه المرة :
_جهزت كل حاجة عشان السفر؟! بكرة تسافروا بالسلامة مع سيف وغادة ..عمو علاء هناك محضر كل حاجة ..ممكن تستلم شغلك من أول الشهر .
يرفع له هيثم ملامح ممتنة لم تخلُ من رواسب حزن قديم ..
يعلم أن الظروف تمنحه يداٌ تنتشله من الغرق في فرصة نادرة لا تتاح بسهولة ..
لكن ماذا عساه يصنع بهذه الندبة التي يظنها لن تبرأ في قلبه أبداٌ ؟!
من يدري؟!
لعل العلاج في البعد كما يزعمون!!
لعله يجد في المنفى وطناٌ!!
_فين ريما؟!
يسألها إسلام باهتمام لتشير بسبابتها لمائدة ما هناك دون أن تلتفت بعينيها عنه ليبتسم وهو يربت على كفها ..
قبل أن يتركهم ليتوجه نحو "صغيرته" التي كانت واقفة بين ناصر وسها تهتف للأول بفرحة عارمة :
_مبسوطة قوي عشان خفيت ..كنت بدعيلك يا بطلي!
فيضحك ناصر وهو يقبّل وجنتها بخفة ليداعب شعرها بأنامله قائلاٌ :
_عشان كده خفيت بسرعة !
_وكنت بدعيلك كمان ترجعي بسرعة عشان نعمل "آيس كريم" سوا تاني .
تخاطب بها سها التي ضحكت بحنان وهي تحمل الصغيرة لتجلسها فوق ركبتيها قائلة :
_بس كده ؟! تعالي بكرة ونعمل كتير ..وكمان أوريكِ اللعبة اللي جبتهالك ..هاعلمك نعمل بيها "أكسسوريز" حلوة ليكِ ولعرايسك .
_عارفاها! اللي فيها خرز كتير ملون دي ..شفتها عند صاحبتي وكنت عايزة زيها!
تهتف بها ريما بانبهار طفولي ليرد إسلام خلفها:
_وماقلتليش ليه ؟!
_صعبت عليا تصرف فلوس كتير ..ياعسل!
_يا سلاااام! بتفكريني بواحدة أعرفها! نفس جينات "عم دهب" دي كده !
يقولها إسلام مختلساٌ نظرة جانبية نحو ياقوت الجالسة بعيداٌ وقد انخرطت مع لجين في حديث جانبي ..
ليضحك ناصر باستمتاع قائلاٌ:
_تربيتك واضحة ..بشبه أنا على "يا عسل" والغمزة دي !
_امال! ولسه !!
يهتف بها إسلام بمرح وهو يحمل ريما فجأة ليجلسها فوق كتفيه فتتمايل الصغيرة بحركة راقصة شديدة الليونة تجعلهم يرمقونها بانبهار ..
قبل أن يضعها إسلام أرضاٌ ليفتح ذراعيه قائلاً بفخر:
_آخر عروض فرقة إسلام وريما المسرحية !
تتعالى ضحكاتهم معاً ليلتفت نحوهم أشرف الجالس على مائدته مع رانيا الحاملة لصغيرتها ..
والتي تميل عليه هامسة :
_مين يصدق بعد كل ده حكاية نشوى وناصر وإسلام تخلص كده ؟!
فيبتسم وهو يقول بتعقله المتسامح:
_ومين يصدق إن إسلام نفسه يقبل وجود الحاجة ثمر وبناتها في حياته بعد اللي حصل ؟! أو اننا نقبل وجوده في حياتنا وهو ابن حسين رجائي ؟! كل حقيقة في الدنيا ليها وشين ..والعاقل اللي ياخد الوش الحلو ويرمي الوحش وراه .
_عشان كده بحبك !
تهمس بها بهيام وهي تسند رأسها على كتفه فتتسع ابتسامته وهو يقبل رأسها بتقدير هامساً :
_ماينفعش نطلب من الناس تسامحنا لو كنا احنا نفسنا مش هنقدر نسامح .
تهز رأسها موافقة ثم تضحك وهي تشير برأسها نحو نبيلة التي وقفت تضاحك داليا وهانيا هناك ..لتقول بمرح:
_كلنا فرحانين قوي عشان يامن ..يارب يطلع ولد ..أصله ياحرام من ساعة ما عرف إن هانيا كمان حامل في بنت وهو هيطقّ من جمهورية التاء المربوطة اللي حواليه دي!
يضحك بدوره وهو يلتفت لتصطدم نظراته بإسلام الذي يحمل ريما ويتحرك بها نحو سيف الجالس هناك فيقول برضا:
_إسلام مهتم بريما بزيادة من ساعة حمل نشوى .
_هو ده الصح ..عشان البنت ما تغيرش ..إسلام ده هدية الدنيا لنشوى ..هدية تستاهلها بجد .
يهز رأسه موافقاً وهو يرمق إسلام بنظرة إعجاب طويلة ..
إسلام الذي كان الآن ينزل ريما أرضاً أمام سيف الذي حمل أحد الرضيعتين ..بينما حملت غادة الأخرى ليخاطب ريما بقوله :
_ياللا ..زي مسابقات مجلات الكرتون ..طلعي سبع اختلافات بين الصورتين!
تضحك غادة ضحكتها الكارثية فيرمقها سيف بنظرة محذرة بينما يبتسم ليخاطب صديقه بقوله :
_مش قوي كده على فكرة ..بعرف أفرق بينهم ..وعمك علاء و"أنّا" كمان ..انت بس اللي مستجد !
_مممممم..الظاهر إن الواحد بقا "شيش بيش" فعلاً ..أنا شايفهم نسختين !
يقولها إسلام بمرحه المعهود لتهتف ريما بلهجة انتصار :
_لا فيه فرق ..النونو دي بقها أكبر ..وعندها "واوا" هنا!
تقولها مشيرة لوحمة وردية شاحبة متناهية الصغر زينت جبهة أحد الرضيعتين ليهتف إسلام بانبهار:
_يا أروبة ..شفتيها إزاي دي؟!
ثم يقبل وجنتها بقوة ليرفعها بين ذراعيه في الهواء فجأة مردفاً :
_تربيتي!
يضحك سيف برضا وهو يميز السعادة الخالصة التي يحسها في نظرات صديقه والتي يظنه يستحقها بعد كل ما ناله في ماضيه ..
نفس الشعور الذي انتاب إسلام وهو يرمق الرضيعتين بنظرة طويلة ..
صديقه الذي عاش سنوات مقيداً بأغلال ذنب فقده لحبيبته وابنته ..الآن ترسم فرشاة القدر له العوض بحبيبة أخرى وابنتين لا ابنة واحدة ..
كذلك غادة التي عاشت عمرها السابق تفتقد الأهل والسند ..
الآن ترسم لها نفس الفرشاة القدرية لوحة كاملة من السعادة ..
فما أجمل الجبر الجميل بعد طول كسر!!
_باربي!
تهتف بها همسة على مائدتها وهي تلاعب يمنى الصغيرة التي كانت تضحك لها فتقبلها الأولى مردفة بحنان :
_كبرتِ خالص ..
ثم تنظر نحو رائد لتردف بنظرة شاردة :
_بقت بتمشي .. أول مرة شلتها بين ايديا كانت لسه مولودة ..يااااه ..فاكرة اليوم كأنه لسه امبارح .
يبتسم لها بإشفاق وهو يربت على رأس الصغيرة وقد تذكر بدوره ذاك الحادث الذي كان -رغم صعوبته- ذروة الانفراجة للجميع ..
_نفسي يبقى عندنا "بيبي" حلو زيها ..تفتكر هانفع أبقى أم ؟!
تقولها بتردد وهي تخشى آثار مرضها القديم لكنه يميل نحوها ليحتضن كفها بين راحتيه هامساٌ بنبرته التي تمزج قوتها بحنانها :
_هتبقي أحسن أم في الدنيا ..صدقيني وأنا في السن ده عمري ما حسيت الإحساس ده غير معاكِ انتِ وبس!
تدمع عيناها بتأثر وهي تدرك ما يعنيه ..
رغم تحفظه عن الحديث في الأمر بعدما أخبرها بما فعلته أمه قبل وفاتها لكنها تعلم أنه سيبقى غصة في قلبه طوال عمره ..
_انت كمان هتبقى أحسن أب في الدنيا .
تقولها ببراءتها المعهودة القادرة على إذابة همومه كلها فيبتسم وهو يلاعب الصغيرة فوق ساقيها للحظات ..
قبل أن يلتفت نحو زين الذي يجلس على المائدة المجاورة وقد انخرط في الحديث مع ياقوت فبدا منشغلاً بها عن كل الحضور ..
ليقول بنبرة راضية :
_خدتِ بالك زين اتغير ازاي بعد حمل ياقوت؟!
فتصدر همهمة موافقة وهي تنظر نحوهما بدورها لتجيبه بحنان:
_حساه بقا مطمن أكتر ..مرتاح ..عينيه بتضحك قبل شفايفه ..
ثم تصمت لحظة لترفع وجهها نحو الأعلى مردفة بنبرة دعاء:
_عقبالي يارب!
تتسع ابتسامته وهو يشاركها نفس الدعاء بينما يلاعب الصغيرة لتبدو له ضحكتها بعدها كبشرى بالقبول ..
وفي مكانهما كانت ياقوت ترقب لجين وثمر بنظرة حانية لتخاطب زين بقولها :
_كنت خايفة على ستي ثمر من السفر ..بس يظهر الفرحة بتقوي القلب فعلاً زي ما بيقولوا.
فيضحك وهو يضمها نحوه بذراعه بهذه الحركة التملكية ..لتلتفت نحوه مردفة بحب:
_الحفلة دي شوقتني لزين الصغير ..مش قادرة أصبر لحد ما أشيله بين ايديا .
تقولها وهي تمسد بطنها فيبتسم وهو يهمس لها بنبرته التي تمزج عاطفته بهيمنته :
_يشرف هو بس وأعملله حفلة تحكي عنها مصر كلها !
تتنهد بارتياح وهي تأنس لدفء عناقه لتشبك أناملها بأنامله بحركة موحية فتتسع ابتسامته وهو يضمها نحوه أكثر ..
وفي مكانها كانت لجين تهدهد الرضيع الباكي بين ذراعيها ليهتف بها عابد وهو يتناوله منها :
_دعيه لي .
تبتسم بتعجب وهي ترى بكاء الرضيع يهدأ رويداً رويداً بين ذراعي عابد الذي كان يتمتم في أذنه بما لم تسمعه ..
ولا تدري هل كان يهيأ إليها أم أن الرضيع حقاً صار يبتسم!
_سبحان الله !
تهتف بها أم عابد وهي تلاحظ بدورها ما حدث لتردف بحنان :
_انت برضه وانت صغير ماكنتش بتسكت كده إلا في حضن باباك ..الله يرحمه .
يبتسم عابد ببعض الشجن وهو يدعو بالرحمة لأبيه بينما تلاعب أمه الرضيع لتهتف بعفوية :
_شبه لجين قوي ..زي القمر .
فتبتسم لجين بفرحة وهذا المعنى الذي لمسته يزيد من ثقتها المستحدثة بنفسها ..
لقد صار اسمها بين الناس يقترن بالجمال ..أخيراٌ!!
_مش كان أصول جوزك يعزم صاحبه يفرح بالولد ؟!
تهمس بها رابحة في أذن لجين التي حمدت ارتداءها للنقاب تداري به ضحكتها وهي تلتفت نحوها لتهمس لها بعتاب مرح:
_مفيش فايدة فيكِ!
_الحق عليّ بقول على الأصول!
تهتف بها رابحة بتذمر فتلكزها لجين في خاصرتها لتنسحب الأخيرة بعيداً وهي تتمتم بسخط :
_كنت مستنياه ! ولابسة الحتة اللي ع الحبل!!
تقولها وهي تخرج هاتفها من جيبها لتلتقط لنفسها صورة بحكم هوسها المعهود ..أتبعتها بعدة صور للحضور ..
ولما شعرت بالملل وجدت نفسها تفتح حساب الصالح الالكتروني لتطالع آخر منشوراته ..
منشور جديد له يطلب من أصدقائه الدعاء لأنه أصيب بنزلة البرد ..
فتضحك في نفسها وهي تهمس له بهيام كأنه يسمعها:
_الف سلامة عليك ..مش كنت اتجوزتني كان زماني بسلقلك فرخة واللا بعصر لك شوية برتقان !!
ثم تتنهد بالمزيد من الهيام مردفة :
_مسير الحي يتلاقى يا "حبعمري"!!
_سبحان من إذا أعطى أدهش بالعطاء!
تتمتم بها ثمر لنفسها وهي تراقبهم من بعيد بعينين فائضتين بالرضا ..
لا تزال توقن أن الصبر الجميل لن يرد إلا بعِوض أجمل !!
وأن المِحن تحمل في قلبها المنح !!
وأن المعطي الكريم يرزق من لا حيلة له حتى يتعجب أصحاب الحيل!!
فسبحان من هذه حكمته ..وهذا عطاؤه !!
وفي مكانه وقف مروان يربت على كتف يامن هاتفاً بمرح:
_مبروك يا أبو اليمن !
_لا اتقل كده وما تباركش دلوقت! هاخد صدمة عمري لو طلعت تاء مربوطة تانية !
يقولها يامن بمسكنة مصطنعة ليهتف رامز جواره بمرح:
_كان بودي أخفف عنك يا أبو نسب ..بس وقع المحظور !
فتغطي هانيا وجهها بكفيها هاتفة :
_ماسورة بنات وضربت في العيلة !
_الحمد لله ! نصيبي وقسمتي!! اللهم لا اعتراض !
يهتف بها يامن بنفس المسكنة المصطنعة لتتعالى ضحكاتهم بينما يبحث مروان حوله متسائلاً :
_فين داليا؟!
والجواب يأتيه أسرع مما توقع وهو يراها تتوسط قاعة المطعم تصفق بكفيها بقوة لتجذب نظر الحضور الذين صمتوا فجأة ليلتفتوا نحوها ..
فتنحنحت لتجلي صوتها ثم هتفت بصوتها الجهوري:
_بالمناسبة الحلوة دي ..مروان هيغنيلنا اغنية للذكرى بصوته الجميل ..ومن غير موسيقا .
تقول عبارتها الأخيرة ملوحة بسبابتها مشيرة لتحفظ عابد الذي أطرق بوجهه بابتسامة متسامحة ..
ليحمر وجه مروان خجلاً وغيظاٌ فيما قهقه يامن ضاحكاً ليميل عليه هامساً بعبارته المعهودة :
_والله يا واد وعرفت تنقي! ..قابل يا عم ..قابل!
يزم مروان شفتيه وهو يشعر بنظرات الحضور تتمركز حوله فتصفق داليا مكانها ليقلدها الجميع ..
ولا يجد بداً من الاستجابة !!
_حسابنا بعدين !
يهمس بها في أذنها بعدما اقترب منها لترمقه بنظرة اعتذار مشاكسة فيردف بنفس الهمس الخفيض:
_محرومة أسبوع من صباحات العاشق المجهول!
تضحك ضحكتها الحيوية وهي تهمس له بدورها قبل أن تبتعد لتفسح له المكان :
_مش هاهون عليك !
يبتسم رغماً عنه وهو يراقب انصرافها بنظراته العاشقة لينتبه لتوه للمأزق الذي هو فيه ..
أي أغنية سيختار؟!
والكلمات تقفز لذهنه فجأة كأنها تليق تماماً بهذا الجمع الذين كتبت قصصهم نهاية صراع بين نشوة الحب وقسوة الماضي ..
لسه في الأيام أمل مستنيينه
طول ما في الأيام في ناس عايشين عشانها
لسه للأحلام بقية مكملينها
طول ما في احساس قلوبنا مصدقينه
لسه في الأيام أمل مستنيينه
طول ما في قدامنا سكة يتمشيلها
واما تنزل دمعة لاقيين ناس تشيلها
طول ما لسه العمر بيصالح سنينه!
صوته العذب يصدح بها فيرسم البسمة على الوجوه ..
والمعاني تصطدم صدفة بحكايا القلوب ..
طول ما لسه في ناس بنتدفى بحنانها
والحاجات الحلوة واخدين بالنا منها
وحكايات الحب لسه بنقرا عنها
طول ما لسه الليل في عشاق سهرانينه
لو في اوقات عدوا بخسارة علينا
لو في ناس حوالينا بسببها اتأذينا
لو في لمحة حزن متشافة ف عنينا
باللي بينا كل دا مستحملينه.
كفوف العاشقين تتشابك ..
والنظرات تلتقي فاضحة عشقاً ليس له نهاية ..
دقات القلوب لا تزال تتراقص على صدى الكلمات ..
والابتسامة الهانئة هي القاسم المشترك فوق الملامح المتباينة ..
لسه في الايام امل مستنيينه
طول ما اسمك كل يوم بنطق حروفه
وطول ما بكره مسيري على حسك هشوفه
طول ما انا طريقي عنيك منورينه
طول ما لسه في ناس بنتدفى بحنانها
والحاجات الحلوة واخدين بالنا منها
وحكايات الحب لسه بنقرا عنها
طول ما لسه الليل في عشاق سهرانينه
لسه في الأيام أمل مستنيينه
=======
تمت ..
أو ربما لم تتم !!
هذه الحكايات هي صوت البيوت ..ونبض الشوارع ..
همسات القلوب الراضية بعد طول صرخات الصخب ..
ولذة الجبر الذي جاء بعد طول كسر ..
هي تنهيدة ارتياح ..ونقطة فرح وضعت أخيراً في منتهى سطر حزن طويل .
ومثل هذه الحكايات لا تنتهي ..ولا يكون لها أن تنتهي !!
سينابون ..هكذا نحن ..مزيج من مذاق القرفة اللاذع و"الصوص" الحلو ..والعجين المتخمر بماء الماضي !
٢٠١٨ بدأت كتابتها فبراير
٢٠٢٠وختمت فبراير
نرمين نحمدالله
هذه الرواية تضمنت بعض الأحداث الحقيقية التي عاصرها المجتمع المصري في نفس فترة كتابة الأحداث مثل حادث محطة القطار وبعض حالات الانتحار والحوادث الفردية..برجاء الدعاء للضحايا بالرحمة ولأهلهم بالصبر ...
كذلك تضمنت الرواية بعض المواقف الكوميدية المنتشرة على التواصل الاجتماعي لإكساب الأحداث المزيد من الواقعية ..
إهداء
إلى رجل يساوي كل العالم
إلى رجل دللني كابنته ..
وتعلق بي كأمه ..
واحترمني كمعلمته ..
وأحبني كامرأته ..
إلى رجل يستحق أن يقال عليه .."رجل"!
=======
اهداء خاص
====
إلى روح أمي وجدتيّ من استلهمت منهن شخصية ثمر ..
رحمكن الله جميعاً عسى الله أن يجمعنا في جنته دون ستبقة عذاب أو مناقشة حساب .
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الخامس وخمسون 55 - بقلم سينابون
القطعة الثانية والثلاثون
======
_كنت عارف؟!
صوتها الغارق في خزيه ..في خوفه ..وفي يأسه يجعله يلتفت نحوها بنظرة مصدومة ..
لكنه يلقي ما بيده جانباً لينهض متجهاً نحوها بنظرة لا تقل عنها خوفاً وان امتزج بحنانه المعهود ..
نظرة تلقفتها عيناها بما يشبه تشبث الغريق بطوق نجاته ..
قبل أن تشعر بجسدها كله مغموراً بين ذراعيه !
خفقات قلبه تشارك فؤادها جنونه والصمت الثقيل يفرض نفسه بينهما إلا من صوت أنفاسهما اللاهثة ..
يربت على ظهرها برفق محاولاً السيطرة على انفعاله وانفعالها معاٌ ..
ثم يقطع الصمت أخيراً بهمسه :
_لا تخافي ..أنا معك على أي حال ..لن يغير شيئٌ ما بيننا ..أي شيئ!
اليقين الراسخ الذي يلون حروفه كان كل ما تحتاجه لتهدأ خفقاتها الملتاعة قليلاً قبل أن ترفع له عينيها بتساؤلها :
_عارف من امتى؟!
فيغمض عينيه للحظة ثم يعاود فتحهما ليرد سؤالها بسؤال :
_هل هو وقت المصارحة ..لكلينا ؟!
تدرك ما يقصده من خلف سؤاله فتمنحه وعدها الصامت وهي تحاول قدر استطاعتها كتم دموعها كي لا تثنيه عن المضيّ فيما يريد الاعتراف به ..
فيأخذ نفساً عميقاً وهو يدعو الله سراً أن يلهمه قول ما يساعدها لا ما يزيد خزيها هذا .
يحكي لها عن رؤيته لها ذاك اليوم في بيت الشيخ ثم سماعه اعترافها له ..
ثم عن رؤياه التي شاهدها فيها بثوب عروس يناولها فيها طرحتها كي يكمل سترها ..
فتتسع عيناها بصدمة مع سؤالها:
_طول الوقت ده كنت عارف ؟! وقابل ؟!
ابتسامته الرائقة تهدهد خوفها وهو يربت على رأسها بقوله :
_إذا كان الله يرفع عنا الحساب عما استُكرهنا عليه ؟! فمن أنا كي أنصّب نفسي القاضي والجلاد ؟!
ثم يشرد ببصره ليردف بنبرة أكثر شجناٌ :
_ومادام هو وقت المصارحة فلنكشف كل الأوراق ..لا تظنيني بهذه المثالية التي يوحي بها مظهري الملتزم ..يوماً ما كدت أفقد نفسي في طريق قلّ من يعود منه سالماً ..كدت ألوث يدي بدم أبرياء !
تشهق بخوف وهي تتفحص ملامحه بعدم تصديق ليروي لها تفاصيل علاقته بذاك التنظيم الذي كاد يجر قدمه لهذه الهوة السحيقة لولا الحادث الذي أردي فيه والده قتيلاً ..
يزداد تكاثف الدموع في عينيها لكنها لا تزال تقاومها باستماتة ..
وقد كان دورها هي هذه المرة لتربت على ظهره بأنامل مرتجفة وهي تلمح هذا الحزن القاهر على وجهه لأول مرة يلوث سماحة ملامحه المعهودة..
_يعني فيه خطر عليك ؟!
تسأله برعب جمد ملامحها ليبتسم لها مطمئناٌ :
_لا تخافي ..أظن هذه الصفحة قد طويت للأبد ..
تحاول التمسك بهذه السكينة التي تغمر حروفه داحضة مخاوفها من هذه الناحية فتشعر به يتشبث بها أكثر وهو يستطرد بصدق دافئ:
_لهذا لا أبالغ لو قلت أن روحي رأتك قبل عيني ..كنت أميز داخلك صرخة صامتة تود لو يطلقون لها العنان لكنهم يخرسونها قهراً ..أستقرئ هذا الشعور الجليّ بالذنب الذي لا حيلة لنا فيه ..رأيتك وجهي الأبيض ..توأمي في عذاب لا يحس به إلا من ذاق وجعه ..وخفت عليكِ وجهي الأسود ..ذاك الذي كنت أرجم به غيري يوماً وكأنني بلا خطيئة ..
ثم صمت لحظة يزدرد ريقه متمالكاً انفعاله ليحيط وجنتيها براحتيه متطلعاً لعينيها قبل أن يسألها بوجل :
_لهذا أستحلفك أن تقولي الحقيقة ولا تخافي ..ولا تخجلي ..أنا مرآتك وسترك وظهر أمانك ..والله لا أخذلكِ أبداٌ مادام قلبي ينبض!
هنا فقط انهارت كل مقاومتها لتغرق دموعها صدره فيتأوه بخفوت وصوته يتحشرج بسؤاله :
_أنتِ فعلتها ؟!
تصمت للحظات تمر عليه طويلة حقاً قبل أن تهز رأسها على صدره نفياً فيحمد الله سراً مراعاة لها ..
بينما هي تهمس بين شهقات نحيبها :
_لما بسرق ما بكونش في وعيي ..ما بكونش شايفة غير حاجة بتبرق ..بتبرق قوي ..بتفكرني بحسين رجائي ..ما بكونش سامعة غير صوت جوايا بيقوللي احرميهم زي ما انت اتحرمتِ ..عمري ما عرفت أرد على كلمة وحشة اتقالتلي أو نظرة حد دبحني بيها ..كنت بضحك وأعمل نفسي مش هاممني ..كنت من جوايا ببقى عايزة أدافع ..آخد حقي ..بس آخده بإيه ؟! واحدة زيي تملك إيه ؟! في إيدها إيه ؟!
تدمع عيناه بتأثر وهو يشدد من قوة ضمته لها لكنها ترفع إليه عينيها لتردف بابتسامة باكية :
_بس النهارده أنا عندي كتير ..عندي انت ..اخواتي ..وفوق كل ده إحساسي إن ربنا راضي عني عشان مسخر لي كل ده ..عندي عين بقت تشوف الموجود مش اللي ناقص ..ولسان بيحمد ربنا ع اللي في إيدي مش طمعان في المحروم منه ..
ثم صمتت لحظة تلتقط أنفاسها لتغمض عينيها بقولها:
_وعندي قلب راضي ..راضي وفرحان قوي بعوض ربنا ..قلب سليم ماعادش مريض .
لم يشعر بنفسه وهو يميل عليها ليغرق وجهها بقبلاته ..
كلماتها على بساطتها ترفعها درجات ودرجات في عينيه ..
فتضحك ضحكة مكتومة بدت بائسة وسط كل هذه الدموع وهي تبعد وجهها عنه لتكمل فيض بوحها :
_أنا فعلاً دخلت أوضتها ..شفت العقد ومسكته بإيدي ..كنت خلاص هاخرج بيه من الأوضة وأنا حاسة بنفس الطعم الحلو اللي بيملاني كل مرة ..بس لقيتني فجأة وقفت مكاني ..الطعم الحلو بقا مر ..مر قوي علقم ..يمكن عشان شفتك انت قدامي بعينيك المليانة حب ..يمكن شفت إسلام وهيثم وحنيتهم اللي جت بعد شوق عمر ..يمكن شفت ياقوت ووعدي ليها إني مش هاخذلها ..يمكن شفت ستي ثمر وخوفي عليها ..ويمكن قبل كل ده شفت صورتي في المراية ..صورة ما بقتش ألاقيها وحشة زي زمان ..بالعكس بقت حلوة ..حلوة قوي ..بيكم كلكم !
_سبحانه من إذا أعطى أدهش بالعطاء ..الحمد لله !
يتمتم بها بخشوع وهو يعاود ضمها إليه فتتمتم بها مثله سراً قبل أن تعض شفتها لتهمس بتلعثم :
_أنا رميته من إيدي ومش فاكرة وقع فين ..لما سمعت والدتك بتقول مش لاقياه خفت أتكلم تعرف إني دخلت أوضتها وتسألني كنت بعمل إيه هناك ..وخفت تظلم الشغالة الغلبانة ..مابقيتش عارفة أعمل إيه .
فتنهد بحرارة ليبتسم لها مطمئناٌ :
_لا بأس ..غداً أبحث عنه بنفسي في الغرفة حتى أجده .
_زعلان مني؟!
تسأله بوجل مذنب لكنه يقبل رأسها بتقدير مجيباً :
_بل فخورٌ بكِ يا فضية ..ألا تعلمين أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر ..فما بالكِ بمن يصارع مرضه حتى يهزمه ..
ثم صمت لحظة ليداعب أنفها بأنفه مردفاٌ :
_كنتِ حوريتي ..فصرتِ بطلتي !
_عابد !
تهمس باسمه بهيام وهي عاجزة عن الرد فيضحك بابتهاج ليسمع صوت الأذان لصلاة الفجر فيردده معها بخشوع قبل أن يبتعد ليتجه نحو الحمام القريب فيتوضأ بسرعة ثم يقصد خزانة ملابسه كي يبدل ثيابه استعداداً للخروج للصلاة ..
فلحقت به تساعده بسرعة قائلة بنبرة اعتذار :
_آسفة ..ضيعت عليك القيام الليلة دي .
_لا بأس ..كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاته قيام الليل يعوضه صبيحة اليوم الذي يليه .
يقولها وهو يتم ارتداء ثيابه ليربت على رأسها برفق فهتفت به تودعه :
_هتصلي بيا الضحى جماعة لما ترجع .
فابتسم وهو يشير لها موافقاً متذكراً حديثهما عن هذا الأمر ورغبته دوماً رغم التزامه بالصلاة في المسجد أن يجعل لبيته نصيباً من صلاته ..
تتحرك لتتوضأ ثم ترفع عينيها في دعاء خاشع يمتلئ بالحمد لتؤدي صلاتها بدورها وتطيل ركوعها وسجودها شاعرة بأنها تتشبث أكثر بأستارها النورانية تمحو بها المزيد والمزيد من ظلماتها ..
حتى إذا ما انتهت مكثت مكانها تتذكر نصيحة ثمر لها عقب كل صلاة :أن تمكث مكانها تذكر الله بدعاء أهل الجنة (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) ولا تكون كالعبد الآبق الذي ينتظر انتهاء الصلاة كي يفر لأمر الدنيا !
تراه يعود أخيراً يتقدم نحوها ثم يتربع جالساٌ أمامها .. ليجذبها نحوه ثم يريح رأسها في حجره ل..يرقيها !
تبتسم بارتياح غامر وهي تشعر بحركته هذه تذكرها بثمر ..
فأتم ما يفعله ليقول بسماحته وبدعوته التي صارت تتبرك بها منه:
_أدام الله سرورك ..هنيئاً لقلب يستحق الفرح .
تفتح شفتيها وهي تهم بالرد لكن صوت طرقات خافتة على الباب المغلق يقاطعها مع صوت أمه :
_عابد ؟! انت صاحي ؟!
تشحب ملامحها رغماٌ عنها وهي تنهض من رقدتها بارتباك لكنه يشير لها بيده مطمئناّ ثم ينهض بدوره ليوقفها معه ..
قبل أن يتحرك نحو الباب ليفتحه ..
_لقيته !
تقولها أمه مبتسمة ليضحك هو بارتياح ناظراً للعقد في يدها بينما الأولى تردف بنبرة حانية :
_العقد ده بالذات له معزة عندي لأنه كان أول هدية من باباك الله يرحمه .
_رحمه الله وجمعنا به في جنته .
يتمتم بها ببعض الأسى فتتقدم أمه خطوتين داخل الغرفة وقد لمحت لجين تقف خلفه وجلة بإسدال صلاتها الذي أضفى على ملامحها نورانية محببة ..
تبتسم لها بما يشبه الاعتذار عن سابق معاملتها القاسية ثم تقترب منها أكثر لتلبسها العقد قائلة :
_اعتبريه اعتذار مني عن إني ماقدرتش أحضر فرحكم ..مش هلاقي هدية أغلى من دي أديهالك .
تدمع عينا لجين وهي تلتفت نحو عابد الذي تقدم منهما ليبسط ذراعيه حولهما معاً مانحاً لكل منهما قبلة على التوالي وبادئاّ بأمه التي تراجعت قائلة :
_ناموا انتو بقا ..تصبحوا على خير .
تقولها لتخرج مغلقة الباب خلفها برفق لتبسط لجين راحتها على شفتيها قائلة بانفعال وهي عاجزة عن منع دموعها التي عادت لجريانها :
_شفت اللي حصل ؟! انت مصدق؟!
فيبتسم لفرحتها ثم يتحسس العقد على جيدها قائلاٌ :
_ومن لا يصدق وعد الكريم الذي وعد بأنه مع كل عسرٍ يُسرَين ؟!..إن مع العسر يسراٌ ..إن مع العسر يسراً .
يقولها بيقين ينتقل منه إليها فتضحك ضحكة رائقة وهي ترفع عينيها للسماء بالحمد الذي كان يشاركها هو إياه ..
قبل أن تقول له برقّة :
_ده وقت "الوِرد" بتاعك ..مش هاضيع عليك القيام والوِرد كمان .
كانت تعلم أنه يختص هذا الوقت بقراءة ورده من القرآن وحده في الشرفة كي يستفتح يومه بهذه الطاعة ..
فابتسم وهو يربت على كتفها قائلاٌ :
_ستنامين؟!
_هاستناك .
تقولها وهي تهز رأسها نفياٌ لتتسع ابتسامته ثم يتركها ويغادر نحو الشرفة القريبة ..
يعود بعد قليل فيجدها جالسة أمام مرآتها وقد ارتدت ما هو كفيلٌ بخلب لبه ..
تمشط شعرها الأسود الطويل بدلال خجول وهي تنظر إليه عبر المرآة ..
قبل أن تمتد أناملها نحو زجاجة العطر التي خصها هي بها تهم باستخدامها ..
لكنه يسرع إليها لينحني فوقها فيمسك كفها بأحد كفيه وذراعه الآخر يضم ظهرها إلى صدره هامساً جوار أذنها بحرارة :
_لازلتِ تخطئين طريقة وضعك العطر يا فضية ..ولازلت أتوق كل مرة لتعليمك الطريقة الصحيحة .
=======
_وحشتيني يا "أوبرا"!
تقولها ياقوت بحنان صادق وهي تشاركها تشكيل أقراص العجين وقد جلست كلتاهما متربعة في صالة بيت ثمر التي انهمكت في شأن ما بالمطبخ لتميل لجين على شقيقتها هامسة :
_عايزة أحكيلك حاجة مهمة حصلت هناك ..
تقولها ثم تندفع تحكي لها بخفوت عما جرى لها هناك في ماليزيا وتجربتها الأخيرة مع مرضها لتتهلل أسارير ياقوت وهي تميل عليها تقبل وجنتها بقوة هامسة :
_الله أكبر عليكِ ..هو ده ! فرحتيني قوي !
فتبتسم لها لجين ببعض الخجل وهي تختلس نظرة نحو باب المطبخ تتأكد أن ثمر لا تسمع ..
لتعود إليها ببصرها هامسة :
_دلوقت اتأكدت إني خفيت خلاص ..والله ما هتصدقي يا توتا ..كأن الدنيا اتقلبت في غمضة عين ..حتى أمه اللي كانت مصدرالي الوش الخشب من يوم ما شافتني لقيتها اتعدلت معايا ..
تبتسم ياقوت وهي تحدق في عقد اللؤلؤ الذي يزين جيد شقيقتها ثم تضع كرة العجين التي في يدها مكانها على الصينية لتصنع أخرى وهي تهمس لها باعتزاز :
_تستاهلي الخير كله ..هم الحموات أغلبهم كده ..الحمد لله مش هيبقى عندي حما .
قالت عبارتها الأخيرة عفوياً لترفع لجين حاجبيها ثم تهمس لها بمكر :
_هااا؟! قلتيلي !! هو فيه حاجة غايبة عني ما أعرفهاش .
_حاجاااات!
تهز بها ياقوت كتفيها بمرح ماكر فتضحك لجين ضحكة عالية وهي تشعر بملامح ياقوت قد أشرقت أكثر كأنها قد عادت طفلة !
خاصة ووجنتاها تحمران مع ضحكتها الخجول فتهمس لها لجين بلهفة :
_كنت حاسة والله ..قولي بقا ما تبقيش بايخة ..هو مين وفين وإزاي ؟!
_شششش! وطي صوتك ..رابحة لو سمعت حاجة هتقلبه فرح بلدي وتفضحنا !
تضحك لجين عالياً مع عبارتها فتتنهد ياقوت بحرارة وهي تشعر لأول مرة أنها لا تخجل من البوح لشقيقتها بكل شيئ عن علاقتها بزين ..منذ البداية ..
كانت لجين تنصت إليها باهتمام وعيناها تتسعان بذهول مع التفاصيل حتى شعرت بخفقات قلبها تتسارع مع كل هذه الأحداث التي عايشتها شقيقتها وحدها ..
لتقاطعها في منتصف الحكاية وهي تميل عليها لتحتضنها بقوة هامسة :
_يا قلب أختك ! كل ده شفتيه لوحدك وأوله كان بسببي !
_إيدك والعجين يا أوبرا ..هتبهدلي البجامة انتِ عارفة دي بكام ؟!
تهتف بها ياقوت باستنكار فترفع لجين حاجبيها بدهشة ثم تضحك كلتاهما عالياٌ قبل أن تمد الأولى ذراعيها فتعانق لجين بقوة هامسة :
_اصبري عليا ..ماهي بقت فل وعشرة ..اسمعي الباقي ..
تقولها وهي تبتعد لتحكي لها بقية الحكاية التي تابعتها لجين بشغف ..
قبل أن تنهيها ياقوت بقولها مع تنهيدة حارة هائمة :
_بس يا ستي ..واهه أخوكي واقف حالي وحاله من يومها ..والجدع يا عيني صابر ما بيشتكيش ..
تضحك لجين ضحكة عالية تقابلها ياقوت بنظرة عاتبة مرحة فتكتمها براحتها لتهمس لها بمرح:
_اعذريني بس مش مصدقة إنك لقيتِ أخيراً راجل تتكلمي عنه كده ..ده أنا كنت قربت أشك إن معمول لك عمل .
_ماهو مش أي راجل ..ده زين الفايد ..حاجة كده تقول للقمر اقف وأنا أقعد مكانك ..لا ! ده يخللي الناس كده تنسى شكل القمر أصلاٌ أول ما تشوفه .
تهمس بها بهيام فخور ملوحة بذراعيها فتضحك لجين من جديد وهي تهز رأسها بعدم تصديق ..
لكنها كانت أكثر من راضية بهذه الهالة الجديدة التي تحيط شقيقتها ..
هالة من الاطمئنان والراحة بعيدة تماماً عن مثلث ألمها وتحفزها وخوفها السابق ..
_انتو بترغوا وسايبين العجين ؟! الفرن حمي ..اخلصوا .
تهتف بها ثمر وهي تتقدم نحوهما فتجدّ كلتاهما فيما تفعله لتردف ثمر مخاطبة ياقوت :
_شوفيلي حاجة ألبسها في فرح أخوكِ اللي عايز يعمله تاني ده .
_بجد يا ستي هتروحي؟!
تهتف بها كلتاهما في نفس اللحظة لتضحك ثمر عبر أسنانها المكسورة وهي تعدل وضع وشاحها على رأسها قائلة :
_هنروح لأعز منه يعني ؟!
_بس انتِ بتتعبي م السفر يا ستي!
تقولها ياقوت باستنكار مشفق لتبتسم ثمر مجيبة :
_الجدع الله يبارك له مش مقصر معانا في حاجة ..وربنا بعته عوض ليكم في وقته تمام ..يبقى فرحته فرحتنا ونروح له ولو على رموش عينينا !
_طول عمرك صاحبة واجب يا ستنا!
تهتف بها لجين بإجلال وهي تضع آخر كرة من العجين مكانها ثم تنهض بسرعة كي تحمل الصينية نحو الداخل ..
لكنها تترنح فجأة مكانها فتقف ياقوت بسرعة لتسندها ثم تنتزع الصينية منها هاتفة :
_على مهلك ..فيه إيه ؟!
لكن ملامح ثمر تشرق فجأة وهي تتقدم نحوهما لتتفرس وجه لجين بفراستها ثم تهتف لها بترقب:
_بشريني يا بنت قلبي وقولي إن اللي في بالي صح .
فيحمر وجه لجين وهي تومئ برأسها إيجاباً ليلهج لسان ثمر بالحمد فيما تنقل ياقوت بصرها بينهما بدهشة للحظات قبل أن تهتف بفرحة :
_حامل!! حامل يا أوبرا وما قلتليش !!
تقولها وهي تخبطها في كتفها برفق ثم تعانقها بقوة لكن ثمر تبعدها هاتفة بحنان :
_بالراحة على أختك ..تعالي يا بنت قلبي في حضني ..اللهم بارك ..اللهم بارك ..
تقولها وهي تضم لجين برفق لترقيها في هذا الوضع فتبتسم لجين صامتة حتى تنتهي ثم ترفع إليها عينيها قائلة :
_عايزاه ولد يا ستي عشان خاطرك انتِ .
_ولد واللا بنت كله بركة ونعمة ..الحمد ليك يا صاحب الفضل.
تهتف بها ثمر برضا وهي ترفع كفيها للسماء فتراقبهما ياقوت دامعة العينين وهي تشعر بطوفان الفرحة الذي يكتسحهن جميعاً في هذه اللحظة ..
كأنما أراد لهن القدر أن يغتسلن من وجع الماضي كله بغمسة في بحر النعمة الذي لا ينفد ..
تعلم أن ثمر عاشت -مثلهن- تفتقد السند الذكوري في حياتها لهذا كانت تشارك شقيقتها نفس الأمنية أن يكون أول أولادها -من زين- ذكراّ!
_ياشيخة اتنيلي ! مش لما تبقوا تتجوزوا الأول ! ده أنا حاسة إن القيامة هتقوم وانتو مقضيينها من بعيد لبعيد !
تهتف بها "عفريتتها العابثة" بسخط متذمر فتضحك ضحكة عالية وهي تتجاهلها كعهدها لتخاطب لجين بقولها:
_اخترتِ الاسم ؟!
_لو بنت هاسميها ثمر ..ولو ولد عابد عايز يسميه مؤمن .
تقولها لجين بخجل يمتزج بفرحتها وهي تمسد بطنها لتضحك ثمر من جديد وهي ترفع كفيها للسماء في وضع الدعاء ..
ثم تضم حفيدتيها لصدره بحنان قبل أن تبعدهما هاتفة :
_ياللا ع المطبخ بقا ..اتأخرنا .
تسير كلتاهما خلفها فينهمكن في الخبز قبل أن يصدح صوت هاتف ياقوت معلناً عن وصول رسالة ..
تنتزعه بخفة من جيبها لتجدها من زين ..
تتسع عيناها لأول وهلة قبل أن تكتم ابتسامتها كي لا تلاحظ ثمر ..
لكن لجين تنتبه فتميل رأسها جوارها كي تقرأ فترتسم على شفتيها نفس الابتسامة الواسعة ثم تلتقي عيناهما الضاحكتان والمتلذذتان بما قرأتاه للتو من اقتباسه من الشعر القديم:
لك الثلثان من قلبي ..وثلثا ثلثه الباقي ..
وثلثا ثلث ما بقي ..وباقي الثلث والباقي ..
========
_قمر يا مامي!
تهتف بها ريما وهي تقف أمامها في غرفة "الكوافير" لتبتسم نشوى بسعادة يكاد يرقص لها قلبها ..
تتأمل ثوبها الذي يشبه ثوب ريما تماماٌ -كما اختاره هو- بتفصيلته التي تحتضن حناياها بضيق مقبول مظهراً جمال جسدها مع ذيل طويل يكاد يسير خلفها ..
لونه الأبيض الذي يميل للكريمي ..مع خيط رفيع من الزهور الوردية التفت حول عنقه ثم سارت في خيط انسيابي ناعم على جانبه بتموج لتزداد كثافة في منطقة الذيل فحولته -شبه كاملاّ- للون وردي خلاب ..
طرحة الرأس كانت بلون الثوب مع تاج من الزهور الطبيعية بلون الورد منحها مظهراٌ أقل سناً بكثير ..
خاصة مع زينتها الناعمة التي لم تتكلفها المرأة هاهنا ..
ورغماً عنها تطوف بذهنها صورة باهتة ل"ثوب أصفر قديم"
مزقته لشرائط يوم خذلها من ظنته حبيبها ..
فتقارنه الآن بهذا الثوب الخلاب لتجد المقارنة حقاً مجحفة !!
شتان بين الثرى والثريا كما يقولون !!
_بابا هيفرح قوي !
تهتف بها ريما بسعادة وهي تحتضن خصرها فتضمها نشوى بقوة لتنحني نحوها قائلة بمرح حيوي اكتسبته من عشرتها معه :
_طب اخرجي اندهيله عشان يكون أول واحد يشوفني .
تضحك ريما بحماس وهي ترفع لها إبهامها بهذه الحركة الشهيرة فتستقيم نشوى مكانها وهي تبسط راحتها على صدرها شاعرة بالإثارة وكأنها أول ليلة زفاف لها ..
تتعمد أن تعطي ظهرها للباب فيهيأ إليها أن الدقائق تمر في عدوها ثقيلة كالساعات حتى تسمع صوت الباب يفتح وتشم رائحة عطره المميزة التي صار أنفها يميزها ولو وسط الزحام ..
تزداد خفقاتها جنوناٌ وهي تشعر به يقترب كأنما كل ما بينهما لم يكن ..
وكأنها تعيش حقاً إحساس عروس عذراء تجرب فرحتها هذه لأول مرة ..
تشعر بسبابته تنقر كتفها من الخلف بخفة فتنفلت منها آهة خافتة وهي تستدير نحوه ببطء ..
عيناها تتلقفان نظراته بعطش امرأة صارت تستسقي من نبع عشقه مذاق أنوثتها ..
تتسع عيناه قليلاً وهما تدوران على ملامحها ثم تمسح تفاصيل جسدها بنظرات هائمة ..
معه فقط تعلمت كيف يمكن أن تكون "النظرة" ك"عناق"!
أن تحتويها بهذه الهالة الخفية ..تحيطها بهذه الغلالة الشفافة غير المرئية ..تضمها بذراعين من نور ..لتزرعها فوق أعلى سماوات الحب ..
_قول حاجة تطمني بقا ..مش متعودة عليك ساكت كده .
تغمغم بها بارتباك خجول وهي تستند بكفيها على صدره مخفية وجهها في كتفه لتشعر بذراعيه يضمهانها بقوة لم تستشعرها بهذا الجموح من قبل حتى كادت تشعر أنها التصقت به للأبد ..
يهزها بين ذراعيه يمنة ويسرة برفق بينما همسه المشتعل يكاد يذيب أوصالها :
_هاقول إيه واللا إيه ؟! الجمال اللي أنا شايفه ده مالوش غير رد واحد ..
يهمس بها ثم يرفع ذقنها نحوه ليستخرج منديلاً من جيبه يمسح به زينة شفتيها لتطلق صيحة تذمر محاولة الابتعاد بوجهها ..
لكنه يثبت رأسها مكانه بقوة قبل أن يجتاحها بإعصار عاطفته الذي لا يبقي ولا يذر ..
الإعصار الذي لم تقاومه طويلاً وهي الأخرى تشعر بأنها تحتاجه ..
هو علمها كيف يمكن أن يكون في منتهى الاستسلام منتهى الانتصار ..
في منتهى الوهن منتهى القوة ..
في منتهى الدلال منتهى السلطة ..
هو علمها كيف توازن بين المتناقضات لترسم معه -وله- لوحة الكمال الخاصة بهما !!
لكنها تفيق من سحره أخيراٌ لتدفعه ببعض العنف هامسة :
_انت مجنون ؟! أي حد ممكن يدخل علينا دلوقت !
_ما يدخل! أنا متجوزك بدل المرة اتنين زيادة توكيد ..مفيش حد له حاجة عندي !
يغمزها بها بحركته المعهودة فتطلق ضحكة رائقة وهي تغرس نظراتها في عينيه لتهمس له بهيام:
_شكراً عشان المرة الأولانية ..وألف شكراٌ عشان المرة التانية ..ماتعرفش أنا حاسة بإيه دلوقت ..طايرة !
فيبتسم وهو يعدل لها ثوبها هامساٌ بوقاحته المعهودة :
_احتفظي بس بالروح الحلوة دي لحد ما نروح ..هنسرب ريما عند أشرف الليلة دي ..وبعدها نشوف البروجرام اللي محضرهولك ..
_بروجراماتك كترت يا هندسة !
تهمس بها ضاحكة بدلال وهي تقرص وجنته بخفة ليعاود غمزها بخفة مع رده :
_صلي ع النبي كده ما يحسد المال إلا أصحابه ..اللهم زيد وبارك يا عسل !
تعاود الضحك من جديد وهي تتفلت من بين ذراعيه لتتناول أحمر الشفاه كي تعيد طلاء شفتيها ..
لكنه ينتزعها منها ليضعها لها بنفسه ببطء متعمد قبل أن يزفر بقوة هاتفاٌ وهو يعيد مسحه :
_تؤ! لا ..لا ..والله ما هينفع !
_هو إيه اللي مش هين...!
تنقطع حروفها بين شفتيه وهو يعاود هجومه من جديد بقوة أكبر لكنها تدفعه بعتاب هامسة :
_وبعدين معاك ؟! الناس زمانها بتقول علينا إيه بره ؟!
_ما تحطيش البتاع ده ! كفاية إني سامحلك تلبسي الفستان بإمكانياتك دي ..الود ودي ألبسك شوال .
يهتف بها بسخط وهو يبتعد عنها مرغماٌ لكنها تحيط خاصرتها بكفيها في وضع استعراضي لتهتف بثقة مستحدثة هو من علمها إياها :
_حتى لو لبست شوال هيبقى شكلي يجنن ..الرك ع القالب يا هندسة !
فيخبط وجهه براحتيه ليقول ببؤس مصطنع:
_هاقول إيه ؟! علامي وتربيتي ! اللي يشوفك وأنا مستلمك قطة مغمضة ع المفتاح ما يشوفكيش دلوقت ..
ضحكتها العالية تصدح في أذنه وهي تقترب منه لترد بمرح يشبه مرحه :
_أبقاك الله زخراً لكل القطط المغمضة وجعلك نبراساً لقلة الأدب ..
لكنها تعاود قرص وجنته بغيرة لتبدو كمن يتدارك خطأه :
_لا لا ..كل القطط المغمضة إيه ؟! هي قطة واحدة وفتحت خلاص ..هه؟! قلت إيه يا عسل؟!
حاجباه يتراقصان في رد مشاكس ثم يضحك منتشياٌ بهذه الهالة الجديدة حولها وهو يهم برد وقح لكن صوت طرقات على الباب يقاطعه مع دخول "الكوافيرة" قائلة ببعض الحرج:
_جاهزين؟!
تتأبط نشوى ذراعه بفخر خجول وهي تغادر معه الغرفة لتلحق بهما ريما مع رانيا وأشرف الذي عانقها بقوة وهو يشعر أن شقيقته أخيراٌ قد وجدت أمانها ..
يتحركون نحو سيارته فيستقبله سيف معانقاٌ بحرارة وجواره غادة التي كانت تكاد تقسم في هذه اللحظة أنها ترى امرأة أخرى غير نشوى التي تعرفها ..
امرأة أكثر تألقاٌ وتوهجاّ وسحراً !!
لكن ..ما العجب؟!
ألم تجرب هي نفس عصا الحب السحرية مع سيف؟!
لهذا تعانقها بدفء أخوي ثم تقول لها برقتها الطبيعية :
_ما شاء الله ..حلوة قوي!
_حلوة بس ؟! دي قمر !
كانت هذه جيلان التي خرجت من سيارة العرس التي يتولى قيادتها هيثم لتتوجه نحوهما فتقبل جبين إسلام بحنان ..
قبل أن تحيط كتفي نشوى بكفيها قائلة بفخر حنون:
_ليه حق ابني يعمل فرح من جديد مادام العروسة كل يوم بتحلو كده .
تضحك نشوى بخجل وهي تشعر بشهادة حماتها هذه تعزز ثقتها في نفسها أكثر خاصة والأخيرة تميل عليها لتقبل جبينها بخفة هامسة :
_ربنا يسعدكم .
تستقل معه سيارة العرس التي زينت بالزهور الوردية كما طلب إسلام ليتوجه الجميع نحو القاعة الصغيرة التي يقام فيها الحفل ..
تستقبلهما ياقوت عند الباب بثوبها الذي اختارته بلون أصفر ليموني جعله يهمس في أذنها وهو يكز على أسنانه :
_مفيش فايدة ! ده لون تلبسيه في فرحي ؟! منك لله يا بعيدة !
فتضحك وهي تميل عليه هامسة بدورها :
_اللموني موضة إيش فهمك انت ؟!
يخبطها بخفة على مؤخرة رأسها ثم يضمها إليه بحنان فتهتف له بفرحة صادقة :
_مبروك يا عريس ..
ثم تتجه ببصرها نحو نشوى المبتسمة مردفة :
_مبروك يا عروسة .
تبادرها نشوى بالعناق وهي تستشعر أهمية الدور الذي لعبته في حياتهما الأيام السابقة لتهتف بها بصدق:
_عقبالك باللي يستاهلك .
العبارة تقذف باسم زين لخاطرها وإن كان لا يغادر قلبها أبداً لكنها تتجاهل هذا لتخاطب إسلام بقولها :
_عندي ليك مفاجأة ..ستي ثمر جوة أصرت تحضر عشان ..
تقطع ياقوت عبارتها وهي تنتبه لجيلان التي تقدمت نحوهم بملامح جامدة ليلتفت نحوها إسلام بدوره مدركاً سبب رد فعل ياقوت ..
لكنه يعود إليها ببصره ليقول مطمئناٌ :
_ما تقلقيش من ماما ..أنا معرفها إنكم كلكم جايين .
تهز رأسها وهي تتلاشى النظر نحو جيلان التي تجاهلتها بدورها وهي تدلف إلى داخل القاعة ..
برغم كل شيئ تبقى هناك رواسب لا تنسى!!
الخاطر الأخير نفسه هو الذي كان يجول بذهن هيثم وهو يراقب الموقف من بعيد كعهده مؤخراٌ ..
يجلس في زاوية القاعة البعيدة فيتفرس ملامح أمه التي تتبدل بين فرحتها بإسلام وضيقها الذي لم تستطع مداراته وهي ترى ثمر وحفيدتيها هناك ..
لا يلومها ..وكيف يفعل؟!
وهو نفسه لم يستطع تجاوز ما فعلته شهد !!
ربما تقبل أختيه وثمر لأنه اعتبرهما مجرد ضحايا ..
لكن عندما يتدخل شبح "الخيانة" فمن الصعب أن يصفو بئر الحب!!
ذكرياته معها تتكالب عليه خاصة مع رؤية إسلام وزوجته لكنه يقاومها بكل قوته وهو ينهض من مكانه محاولاً الاندماج مع المدعوين قليلي العدد ..
_خليفتي في الملاعب! أيوة بقاااا ..الله عليك يا حبيب والديك !
يهتف بها علاء مشاكساٌ وهو يعانق إسلام مكانه فتهتف إيناس جواره :
_فشر! قال خليفتك قال؟! إيش جاب خفة دمه لرخامتك انت؟! بطل تماحيك في القمر ده !
يضحك إسلام وهو يصافحها هاتفاّ بفخر مصطنع:
_أيوة بقا يا "أنّا" ..عايزين دعمك الحلو ده الليلة دي ..صيّتوني كده قدام المدام .
يقولها وهو يجذب نشوى نحوه ليلصقها به فتضحك الأخيرة هاتفة بمرح:
_انت مش محتاج صيت يا هندسة ..صيتك واصل من زمان والله !
يتشاركون الضحك للحظات قبل أن يميز إسلام وجود عابد جوار لجين وثمر فيتجه نحوهم ليقبل رأس ثمر بإجلال مقدراٌ مجيئها رغم ظروفها الصحية ..
ثم يعانق لجين بحنان قائلاً بمرح :
_حمدالله ع السلامة ..مبروك ع "العكروت" الصغير ..يوصل بس كده وسلميهولي ..سيبك من أبوه ده ..جو المشايخ ده ما يربيش عيال اليومين دول .
يقول عبارته الأخيرة وهو يلكز عابد في خاصرته مشاكساً ليضحك الأول بسماحة هاتفاّ:
_معك حق ..أنا أعلمه الأخلاق ..وأنت تعلمه "الفهلوة" ..فيصير نموذجاً يحتذى ل"الشيخ الفهلوي" !
_حلاوتك في الألش بالفصحى يا شيخ ! هو ده !
يهتف بها إسلام بمرح ضاحكاً ثم يميل على عابد قائلاً:
_أنا راعيت وجودك وقلتلهم بلاش أغاني ..بس هاستسمحك يا مولانا في أول أغنية ..ده واجب تركي أصحابي عاملينهولي مخصوص ..وما قدرش أكسفهم .
يبتسم له عابد بسماحة وهو يربت على كتفه قائلاً :
_بارك الله لك .
يغادرهم إسلام ليجلس معها على منصة العرس فتجلس ريما وسطهم على الأريكة لتلتفت نحوه هاتفة :
_هنرقص الرقصة اللي علمتهالي؟!
_أيوة يا أروبة ..هي هي اللي رقصناها في فرح أنكل سيف !
يقولها لتبدأ الموسيقا المميزة في العزف قبل أن يتجمع الرجال من الحضور حوله لتأدية رقصة "الزيبك" من الفلكلور التركي كما فعل ليلة زفاف سيف الذي كان أول من عانقه ليبدأ معه الرقصة ..
سيف ، أشرف، يامن ،مروان،رامز ، هيثم ،
كلهم يلتفون في حلقة حول إسلام الذي بدأ الرقصة بمهارته المعهودة وأمامه ريما تشاركه إياها كما علمها ..
ترمقهم جيلان من بعيد بسعادة غامرة وهي تشعر بأنهم في،سبيلهم لتجاوز الماضي خاصة مع قرارها الصائب بالانتقال لبيت جديد مع هيثم ..
تحين منها التفاتة نحو ثمر وحفيدتيها فتشعر بغصة في حلقها ..
وبمذاق الخيانة يسمم كيانها من جديد ..
لكن نظرة واحدة لوجه إسلام الضاحك مع هيثم الذي يشاركه الرقص يجعلها تطرق برأسها محاولة التغاضي عن المزيد من الخوض في بحار الماضي ..
تنهض من مكانها مستجمعة شجاعتها ..
ستذهب إليهم وتلقي بتحية عابرة إكراماً لابنيها فحسب !
لكنها تعود لتجلس على كرسيها شاعرة بصعوبة هذا ..
بل باستحالته !!
وفي مكانها كانت ياقوت تراقب الوضع برضا غامر ..
ابتسامة ثمر الوقورة وهي تجلس جوارها تربت على ركبتها من آن لآخر ..
فرحة لجين التي تكاد تصرخ ولو تحت نقابها وكف عابد لا يكاد يفارق كفها ..
جنون إسلام الراقص الذي يفضح فرحة حقيقية لم تعد تشوبها شائبة ..
يبقى هم هيثم الذي يبدو محفوراً على ملامحه رغم حركاته الراقصة التي يجاري بها الجمع المتحلق ..
لهذا ما كادت الرقصة تنتهي لينفض الجمع ويبدأ توزيع الطعام على المدعوين ..
حتى بحثت عنه لتجده يقف وحده في شرفة القاعة القصية ..
_وبعدين يا هيثم ؟!
تسأله مشفقة وهي تربت على كتفه ليلتفت نحوها بابتسامة مصطنعة قائلاً:
_وبعدين إيه ؟! ما أنا زي الفل أهه !
_لو كل واحد بقا كويس عشان بيعرف يقول إنه كويس ماكانش حد غلب !
تقولها بإشفاق عاتب وهي تنظر في عمق عينيه اللتين أغمضهما هارباٌ لتردف بنبرة قوية :
_أنا قلتلك م الأول محدش هيلومك على أي قرار هتاخده ..بس ما ترقصش ع السلم ..وانت خدت قرارك ..صحيح مااخبيش عليك ..كان نفسي حبك ليها ينتصر ..كان نفسي تحارب الدنيا بيها وليها ..بس أنا عارفة إن الزمن ده مش زمن رومنسيات فارغة وإن حكم القدر كتير بيبقى أقوى مننا ..
_هنساها؟!
صوته المرتعش عبر عينيه المغمضتين يثير المزيد من إشفاقها ..
خاصة بهذه النبرة التي نطقها بها بين استنكار ورجاء ..
لكنها ترتدي قناع مهنيتها الذي تحتاجه هاهنا لتشدد الضغط على كتفيه بقبضتيها كأنها تنقل قوتها منها إليه هاتفة :
_مش هاكدب عليك وأقوللك آه ..لا مش هتنساها ..هتفتكرها في كل طريق جمعكم ..في كل غنوة سمعتوها من بعض ..في كل حلم اتمنيتوا تحققوه سوا ولقيت نفسك بتحققه لوحدك ..هتفتكرها لما تشوف غيرها بنات حلوين وتلاقي نفسك بتقارنها بيهم ..مرة هي تكسب ومرة هم يكسبوا ..بس الأكيد إن ولا واحدة فيهم هتوصل لمكانتها في قلبك ..
_بتصعبيها عليا يا ياقوت !
يهمس بها عاتباً ومقاطعاً حديثها هذا الذي يثير شجونه ..
لكنها تعاود الضغط على كتفيه هاتفة بنفس القوة :
_لازم تبقى عارف إنت هتواجه إيه عشان تقدر تقاوم ..حبها يمكن يكون عظيم لدرجة إنك مش هتقابل زيه في حياتك أبداٌ ..لكن الحب لوحده مش كفاية ..ومادام انت اخترت يبقى ما تندمش ..كمل طريقك زي ما ضميرك طاوعك ..انت بدّيت رضا والدتك على قلبك ..وبيني وبينك بعد موقفك يوم ما الراجل اتحرش بيها في المحل أنا بقيت خايفة عليها منك ..كده الرؤيا بانت ..الشك اللي ملاك يومها كان هيفضل بينكم ..فخلاص بقا ..اعتبرها كانت حلم جميل ..بس محدش بيعيش عمره نايم بيحلم ..اصحى بقا يا هيثم ..اصحى وكمل حياتك .
_اهه دماغك دي اللي مصبراني على ذوقك العفش!
يهتف بها إسلام -الذي ظهر فجأة على الباب- باستحسان وقد بدا أنه قد سمع حديثهما ..
قبل أن يقترب منهما ليربت على كتف هيثم قائلاٌ بمرح:
_اسمع كلامها ياابني ..انت عارف الكلمتين اللي قالتهملك دول بيتدفع فيهم كام في الجلسة بره ؟!
_قل أعوذ برب الفلق ! انت باصصلي في رزقي يا جدع..أعوذ بالله !
تهتف بها باستنكار مرح وهي تبسط راحتها في وجهه بوضع "التخميس" الشهير ليضحك ثلاثتهم للحظات ..
قبل أن يقول إسلام بجدية تامة مخاطباً شقيقه :
_مش عايز أتكلم في الموضوع ده معاك تاني ..لو عايز رأيي انت محتاج تبعد ..عمو علاء مسافر مع سيف تركيا كمان كام يوم ..لو حابب ممكن تسافر لهم انت وماما غيروا جو ..ولو عجبتك الدنيا هناك ممكن أدبر لك شغل في أجازة الصيف ..هه إيه رأيك ؟!
يهز هيثم رأسه باستحسان لم يمحُ الهم من ملامحه لكنه عانق شقيقه هاتفاً بابتسامة واهنة :
_ياللا بقا ادخل يا عريس ..أحسن يقولوا طفشت !
يقولها وهو يدفعه ليعود به إلى الداخل بينما تبقى ياقوت مكانها في الشرفة ترمقهما من بعيد بنظرة عميقة قبل أن تدير ظهرها لترمق السماء بشرود ..
القمر العزيز يبدو لها كحبيب لا يغادرها أينما حلت ..
تماماً مثله هو ..زين !
زين؟!
هل هي سيارته حقاٌ أم أنها تتوهم ؟!
تستطيل بجسدها عبر سور الشرفة محاولة تبين السيارة التي اصطفت بفخامة تليق بصاحبها أمام مدخل القاعة لكن الزجاج المعتم حال بين رؤيتها المزيد ..
هو هنا ؟!
والجواب يأتيها في رسالة على هاتفها بصورة !
صورتها هي ترتدي نفس الثوب الذي تلبسه الآن وتعانق إسلام !
المجنون!!!!!
لن يكف عن غيرته مع كل عناق تمنحه لغيره !!
ألم يفعل المثل يوم خروج ثمر من السجن ليرسل لها صورتها وهي تعانقها كذلك !!
_ياختي جنانه حلووو! اتجوزيه بقا يا بت وارحميه وارحميني.
"العفريتة العابثة" بداخلها تكاد ترقص منتشية لكنها تقمعها كعادتها وهي تبحث عما يمكن أن ترسله له ..
لكنها لم تجد سوى أن تكتب :
_شكراً عشان كل مرة كنت بحتاج فيها إنك تشاركني لحظة مهمة في حياتي ماكنتش أبداٌ بتخذلني .
تنتظر طويلاً هذه المرة وهي تنقل بصرها بين هاتفها وسيارته مغلقة النوافذ ..
أو التي كانت مغلقة النوافذ ..
فهاهي ذي نافذته الأمامية تفتح ليطل وجهه خلفها يرمقها مكانه بنظرته العاشقة العميقة ..
قبل أن تصلها رسالته مكتوبة وعيناه تناجيان عينيها عبر هذا البعد :
_عمري ماحسيتها حاجة ممكن تشكريني عليها ..تفاصيلك مهما كانت صغيرة بالنسبة لي دنيا بحالها بتمنى أعيشها معاكي ..هافضل مستني اليوم اللي ما يكونش فيه بيني وبينك أي حواجز ولا حتى كاميرا ..أحضن كل نَفَس فيكي قبل ما يخرج منك ..أحضن كل كلمة هتقوليها قبل ما تفارق شفايفك ..أحضن كل حلم هتتمنيه قبل ما نحققه سوا ..وأحضن كل نظرة من عينيكي العندية قوي ..الدافية قوي ..الخطيرة قوي ..والطيبة قوي قوي ..
تظل تنقل بصرها لدقائق طويلة بين كلماته المكتوبة ووجهه البعيد نسبياٌ والذي يطل لها عبر هذا البعد فتشعر بسخونة قوية تكاد تذيب أوصالها ولا تقوى على تحملها ..
تعطي ظهرها للسور لتبسط راحتها على صدرها محاولة تهدئة خفقات قلبها ..
قبل أن تنتقل ببصرها نحو باب القاعة مميزة صورة إسلام من بعيد فتهمس له من بعيد بغيظ :
_منك لله يا إسلام ! ناس هايصة وناس لايصة صحيح!
لم تكد تتم عبارتها حتى وجدته يشير لها كي تأتي فابتلعت خيبتها وهي تعود ببصرها نحو زين ترمقه بنظرة مودعة أخيرة ..
قبل أن تعاود الدخول لتجد إسلام قد بدأ في التقاط الصور ..
واحدة تلو أخرى ..
لكن ما دغدغ قلبها حقاً هي تلك الصورة الأخيرة التي أصر أن تكون لأربعتهم فحسب ..
هو في المنتصف يبسط ذراعيه فوقها هي ولجين بينما يجلس هيثم على ركبته أمامه يرفع إليه وجهه بابتسامة بينما يمسك أحد كفيه بيد ياقوت والآخر بيد لجين ..
هذه الصورة التي لو كان لها أن تحمل عنواناً لكان ..
"إخوة دائماٌ رغم الظروف!"
=======
_اتفضلي يا عروسة !
يهمس بها بنبرته الرخيمة وهو يغلق باب شقتهما خلفه لتلتفت إليه بابتسامة واسعة ..
هذه التي تحسستها أنامله وهو يهمس لها :
_هو ده رهاني.
_رهانك ؟!
تسأله هامسة فيميل عليها ليقبل شفتيها بخفة عدة قبلات متتابعة ثم ينتقل لعينيها فيقبلهما بنفس الطريقة هامساٌ :
_الفرحة اللي في عينيكي وعلى شفايفك ..هي دي رهاني اللي كسبته !
تفتح عينيها لتتسع ابتسامتها رويداٌ رويداٌ حتى تتحول لضحكة قصيرة كأنما تصدق له على ما يقول ..
فيرفع أناملها ليقبلها واحداً واحداٌ ثم يستخرج من جيبه حلقة ذهبية يضعها في بنصرها ليهمس بين شفتيها :
_دلوقت بس ألبسك دبلتي وأنا مطمن !
تتنهد بعمق وهي تشعر به يضمها إليه بقوة حانية فتضطرب خفقاتها بهذا الشعور اللذيذ الذي صار شفرتها الخاصة معه ..
تتذكر حسرتها ليلة زفاف غادة ..
هذه النظرة التي ارتجتها ..
هذا الثوب الذي تمنت ارتداءه على جسد ينبض بالفرحة ..
هذا الحب الذي حلمت به بكل جوارحها ..
والآن يأتيها كل هذا ملوناً بطيفه هو !!
تشعر به يزيح عنها طرحتها ليسدل شعرها على كتفيها وعيناه تشتعلان بهذه النظرة التي تشعل أحطاب أنوثتها ..
انامله تعرف الطريق لسحاب ثوبها لكنها تدفعه برفق مشيرة بسبابتها في حركة محذرة تجعل عينيه يلتمعان بترقب ..
خاصة وهي تتعلق بذراعيها في عنقه هامسة بدلال فريد تخصه به وحده :
_انت فاكر إن انت لوحدك بتاع "البروجرامات"؟! أنا كمان عندي بروجرام !
يضحك ضحكة عالية وهو يبعدها ليصفق بكفيه هاتفاً بلهجته الساخرة المرحة :
_قلب المؤمن دليله !..كنت حاسس إنها هتبقى ليلة هنا وسرور ..اتفضلي يا ست نشويات ..ابهريني!
تضحك بدورها وهي تبتعد عنه بظهرها بينما ترمقه بنظراتها التي صارت تشبه عينيه في عبثهما ..
قبل أن تدخل غرفتهما لتغلق بابها خلفها ..
فيتنهد وهو يفرك كفيه بتحفز ثم يخلع سترته ورابطة عنقه ليتحرك نحو الغرفة ثم يقف ملاصقاً للباب ..
_اخلص يا شرِس ..أمي موصياني أنام بدري !
يهتف بها بنبرته العابثة وهو يطرق على الباب بما يشبه قرع الطبول ..
لتصله ضحكتها العابثة من الداخل مع عبارتها التي تتشبه بطريقة حديثه :
_اتقل تاخد نضيفة يا "سلمونتي"!
يضحك عالياً وهو يخبط جبينه في الباب عدة مرات معجباٌ بروحها هذه ..
قبل أن يشعر بالباب يفتح ليفاجأ بطلّتها المبهرة بهذا القميص الذي جمع اللونين الأسود والوردي ..
وبهذا التصميم الذي أظهر مفاتنها بإغواء متعمد ..
صفير إعجاب طويل يطلقه وهو يخبط بكفه على رأسه هاتفاً بمرحه المعهود الذي لم يخفِ اشتعال جوارحه تأثراً بها:
_واعرة جوي يا بوي!
فتضحك ضحكة عالية وهي تقترب منه ببطء متعمد ..
لتقلد غمزته بحركة بدت له مهلكة منها هي بالذات خاصة مع همسها بغنج:
_تعال نشوف بروجرام مين هيكسب ..يا عسل!
======
_شفتي المجرم وهو نايم زي الملايكة ؟! اللي يشوفه كده ما يشوفش الزن اللي مسهرني بيه طول الليل !
تهتف بها إحداهن في النادي وهي ترفع هاتفها أمام صديقتها تريها صورة ابنها الرضيع فتبتسم الأخيرة هاتفة بانبهار:
_سكر قوي ..بس هو فين ؟! سبتيه مع مين ؟!
_مع ماما ..زهقت من الحبسة بيه ..قلت أفك معاكم ساعتين هنا.
تقولها الأولى بملل لتهتف الأخرى باستحسان:
_كويس إنك ماجبتيهوش ..خافي عليه يتحسد وما تخرجيش بيه كتير ..
تلوح صديقتها بكفها بلامبالاة هاتفة :
_سها فين ؟!
_زمانها جاية ..خبي بقا موبايلك ده وإياك توريها صورة ابنك .
_إيه ؟! بلاش أفورة ! سها هتحسد ابني يعني؟!
تهتف بها باستنكار لترد الأخرى متلبسة دور الناصحة :
_وما تحسدوش ليه ؟! واحدة مابتخلفش وجوزها كان هيتجوز عليها عشان كده ودلوقت خلاص سابها ويمكن يطلقها..خبي خبي الموبايل ده اسمعي الكلام !
تقف سها خلفهما بذهول وعيناها تقدحان الشرر !
كلماتهما تجلدها بسياط ظنت نفسها اعتادتها لكنها تكتشف كل مرة أن ألمها يزيد لا ينقص!
هاتان هما أعز صديقاتها !!
أعز صديقاتها!!
يتحدثن عنها بهذه الطريقة وكأنها منبوذة محرومة يخفن نظراتها !!
الجرح النازف بروحها يفتت خلاياها ألماٌ وهي تشعر بالمزيد من الانهيار ..
منذ اختارت- بإرادتها - ألا تسامح ناصر وأن تعاقبه هجراً كي لا يكرر فعلته وهي تشعر أنها تعاقب نفسها معه !
تتظاهر بالقوة أللامبالية أمام الجميع لكنها توقن بداخلها أنها تحترق كشمعة لن يفتقد ضوءها أحد !
الجرح الذي تأبى الاعتراف به وتترجمه شخصيتها العنيدة لحدة متنمرة كهذه التي ظهرت على ملامحها الآن وهي تتقدم نحوهما لتنتزع الهاتف من يد صديقتها أم الرضيع فتقذفه بعنف جانباً ليتهشم تحت صرخات صديقتها المصعوقة بما تفعله هي :
_سها ! انتِ عملتِ إيه ؟!
لكنها تمسك الأخرى من ياقة قميصها لتجذبه بعنف كاد يمزقه وهي تهتف بها بشراسة تناقض الدموع التي جرت على وجنتيها كالسيل :
_مش سها اللي تحسد ! جوزي اللي بتتكلموا عنه ده بيموت في التراب اللي بمشي عليه ..أنا اللي رافضة أرجع له مش هو ..أنا اللي اتحايلت عليه يتجوز عشان يراضي والده ..أنا اللي اخترتهاله ..أنا اللي خليته يسيبها ليلة فرحهم ..وأنا اللي دلوقت رافضة أكمل معاه ..شوفي نفسك يا ناقصة انتِ وهي!
_انت اتجننتِ رسمي ! سيبيها !
تهتف بها الأخرى شاعرة بالإهانة خاصة مع صراخ سها العالي الذي أحرجهما لتحاول تخليص الأولى منها فيلتف حولهن بعض رواد النادي ..
الأولى التي احمر وجهها حرجاً وغضباً فلم تجد إلا أن تجرحها بالمزيد :
_انتِ مصدقة نفسك ؟! فاكرة إنه كان بيسمع كلامك ؟! ده يبقى جبار بجد لو أقنعك بكده ؟! وحتى لو اللي بتقوليه صح ..تبقي غبية ..اللي تفرط في جوزها لواحدة تانية تستاهل اللي يجرالها ..آه !
كلماتها تنتهي بصفعة سها القوية لها والتي ردتها لها -من كانت صديقتها- بمثلها وقد كان هذا آخر ما وعته الأخيرة قبل أن تشعر بالأيادي تحول بينهن لتبعدها عنهما ..
تهرول نحو سيارتها خارج النادي بخطوات متعثرة زادها كعب حذائها العالي تعثراٌ ..
تشعر بالعيون التي طالما لاحقتها إعجاباً الآن تلاحقها شفقة وشماتة !
عاجزة عن منع انهمار دموعها فترى حارس البوابة يمد لها محرمة ورقية لكنها تدفعه بخشونة كادت تسقطه لتعدو نحو سيارتها فتغلق نوافذها المعتمة ثم تنكب على المقود تسكب المزيد من دموعها ..
هذه هي نظرتهم إليها !
هذا ما يخفونه خلف واجهتهم المشفقة والمراعية !
كلهم يرونها ناقصة محرومة يخافون أن تحسد نعمتهم !
يرونها كسيرة ذليلة هجرها زوجها لغيرها!!
يرونها صارت مجرد سلعة راكدة في سوق النساء!!
ترفع عينيها أخيراً نحو مرآة السيارة فتفاجأ بوجهها المنتفخ من أثر البكاء وقد تلطخ بزينتها لتبدو لها ملامحها كمسخ مشوه ..
مسخ لا يختلف كثيراٌ عما تشعر بروحها قد آلت إليه !
ناصر!
كم تفتقده الآن!
وكم تلعنه !!
كم تود لو تعانقه ..لو تلقي على صدره آهاتها فيحتويها كما كان دوماً يفعل في مواقف كهذه ..
وكم تود لو تصفعه ..لو ترد له هذا العذاب الذي تحترق به أضعافاٌ ..
هو داؤها ..ودواؤها ..
هو حاميها ..وجلادها ..
كيف ترجو الشفاء من نفس اليد التي بدأت بالجرح ؟!
صوت طرقات على زجاج سيارتها يقطع أفكارها فتمسح بقايا دموعها مستعيدة قناعها المتنمر وهي تلتفت نحو الطارق تكاد تصرخ به ..
لكنها تفاجأ بإحداهن -ممن تعرفت عليها مؤخراً وتعمقت علاقتهما إلى حد ما- تفتح الباب لتنضم إليها قائلة بنبرة قوية:
_سيبك منهم ..كويس قوي إن وشهم الحقيقي بان ..غيرانين منك عشان ولا واحدة فيهم عندها اللي عندك !
فتهز رأسها وهي تدرك لماذا تقاربت كثيراً مع هذه المرأة بالذات مؤخراً ..ربما لأنها تسمعها بالضبط ما تود سماعه ..
خاصة وهي تشد على كتفها هي لتردف بنبرة أكثر قوة :
_كويس قوي إنك خدتي حقك بإيدك عشان كل واحدة تعرف مقامها قبل ما تكلمك ..انتِ لا ناقصة إيد ولا رجل ..هم اللي متخلفين ..بلا ولاد بلا وجع قلب ..يعني هي اللي عندها ولاد جوزها ما بيسيبهاش ؟! كلهم صنف نمرود تندب في عينه رصاصة .
تتنهد بحرارة وهي تشيح بوجهها شاعرة ببعض المواساة من حديثها فتبتسم الأولى وهي تغلق بابها لتهتف بها بنبرة حماسية :
_سيبيلي نفسك وأنا هاظبطلك المود ..هاسهرك سهرة تجنن زي كل مرة!
_فين؟!
تسألها سها ببعض الفتور وهي تشغل سيارتها لتهتف الأولى بغمزة مرحة :
_مكان أول مرة نروحه ..بس فكي نفسك كده وبلاش عقد ..
ثم ضحكت وهي تبعثر لها خصلات شعرها لتزيد من مظهره الفوضوي مردفة بحماس مغوٍ:
_انتِ عايزة تنسي ..وأنا هاخلليكِ تنسي ..دوسي ع الرابع بقا وسمعيني جمال ضحكتك !
======
_هايل يا ناصر ! الداخلية كلها مالهاش سيرة غير عمليتك الأخيرة ..نقطة بيضا تانية في ملفك !
يهتف بها مديره بفخر وهو يجلس أمامه على مكتب الأول فيبتسم ناصر ابتسامة باهتة لم تخلُ من شجن وحروفه تشرح السبب:
_كان نفسي بس تخلص نضيفة من غير دم .
_كنت هتعمل إيه يعني وزعيمهم رافع مسدسه في وشك ؟! بالعكس انت كالعادة اتصرفت بأكبر ثبات انفعالي ممكن ..قتلك ليه كان دفاع عن النفس وبشهادة كل اللي معاك .
يقولها مديره مدافعاً فيهز ناصر رأسه قائلاٌ بتبجيل:
_أي أوامر تانية معاليك ؟!
_لا يا بطل ..روح بيتك واستريح بقا يومين ..يحق لك بعد تعب الأيام اللي فاتوا .
يقولها مديره باعتزاز وقد سره كثيراً أن ينجز ناصر مهمته الأخيرة بمهارته المعهودة رغم خطورتها ..
فيتحرك ناصر ليغادر لكن الأول يستوقفه بندائه ..
قبل أن يغادر مقعده ليتوجه نحوه ثم يربت على كتفه ليقول بشفقة لم تخلُ من عتاب:
_انت ظابط شاطر ..بس يصعب عليا قوي ماتبقاش بالحزم والنجاح ده في بيتك .
_قصدك إيه معاليك؟!
يسأله ناصر بمواربة وهو يدعو الله سراٌ ألا يكون شأن تلك "الصور المخزية" لسها قد تسرب لكن مديره يهز رأسه بأسف مجيباً :
_انت سيد العارفين ..الناس بتحب الفضايح وفي بلدنا بتنتشر بسرعة الصاروخ ..
يغمض عينيه بحرج وهو يستعيد شعوره عندما وجد هذه الصور لها وقد انتشرت على مواقع التواصل ..
صوراً لها وهي تحتسي الخمر ثم ترقص بثياب مكشوفة !
لا يدري من التقط لها هذه الصور ولا كيف تجرأت هي لتفعلها ..
إنها لم تقرب الخمر يوماٌ !
المزيد من السقوط في بئر الوحل وهو عاجز عن فعل أي شيئ!
لو استسلم لحميته الصعيدية لطلقها دون رجعة حفاظاً على اسمه وسمعته خاصة بعد أفعالها الأخيرة ..
لكنه لا يجرؤ على فعلها ..
ليس وهو يشعر أنه هو السبب وأنه فقط يدفع ثمن أخطائه !
_أنا عارف سها كويس ..شفتها معاك أكتر من مرة ..ومتأكد إنها مش وحشة زي ما هو باين ..بس برضه عارف الناس بتحكم إزاي ..حل المشكلة بسرعة يا ناصر ..انت ظابط ناجح واللي زيك بتكون العين عليه ومستنيين له أي غلطة ..خليك حازم زي ما عرفتك ..الجراح الشاطر هو اللي يقدر يحدد امتى يضطر للبتر لو فقد الأمل في العلاج .
يقولها الرجل بحزم لم يخلُ من شفقة فيحمر وجه ناصر غضباً لم يستطع كبحه وتجلى في دمعة كبيرة غشت عينيه ..
لكن تبجيله للرجل يجعله يغمغم بصوت متحشرج :
_شكراٌ لنصيحة معاليك ..بعد إذنك .
يرمقه الرجل بنظرة آسفة تذبح كبرياءه أكثر وهو يغادر مطأطأ الرأس نحو مكتبه هو ..
_عفارم يا ناصر باشا!
_مبروك عليك ..فيها ترقية دي !
_مايجيبها إلا رجالها يا بطل !
التهاني تصادفه في طريقه لكنه لا يكاد يميز أصحابها ..
يرسم على شفتيه ابتسامة باردة تشبه صقيع روحه في هذه اللحظة ليتجاوزهم بهدوء محاذراً النظر لعيونهم ..
أجل ..كان يعلم أن عيونهم لن تحمل نفس الفخر الذي تلهج به الألسنة ..
عيونهم ستجلده بالفضيحة التي تسببت هي له بها ..
ضابط كفء لكنه زوجٌ (....)!!
اللفظة المناسبة هاهنا يعجز عن نطقها ولو بينه وبين نفسه فيتركها حقل ألغام تنفجر داخله واحداٌ تلو الآخر !
يصل لغرفته فيغلق بابها خلفه ليتحرك نحو مكتبه الذي جلس عليه وما كاد يفعل حتى رن هاتفه باسم والده ..
يشهق بلهفة لم ينكرها فقد كانت المرة الأولى التي يفعلها منذ ليلة زواجه الكارثية ..
ثم يفتح الاتصال ليرد بسرعة :
_إزيك يا حاج ؟! أخيراً رضيت عني ؟!
لكن صوت الرجل يأتيه هائجاً ثائراً كما لم يسمعه من قبل :
_رضيت عنك ؟! هي دي الست اللي انت معادي أبوك وعيلتك عشانها ؟! عمامك وولادهم روسهم في الطين من ساعة ما الصور دي اتشافت والبلد كلها مالهاش سيرة غير سعادة الظابط ال(...) اللي سايب مراته دايرة على حل شعرها .
السبة البذيئة التي أطلقها والده تصيب صدره كرصاصة خاصة والرجل يستطرد بنفس الهياج المنفعل:
_قسماً برب العزة لو ما رميت عليها اليمين واتجوزت اللي تجيب اللي يشيل اسمك لا انت ابني ولا أعرفك ..بيتي ومالي وأرضي حرام عليك ..وهاوصي أهل البلد لا تدفنني ولا تاخد عزايا ..هاقوللهم ابني مات ..انت فاهم ؟!
يغلق الاتصال بعنف لكن ناصر يبقي الهاتف في يده للحظات وقد التهمه شروده البائس ..
كل الأصوات تدعوه لطلاقها ..
كلها عدا قلبه ..وضميره !!
ربما لأنه أكثر من يفهمها ..
أكثر من يدرك أن كل ما تفعله هذا ليس سوى طريقتها الخاصة في الصراخ !!
قديماً كانت تسمح له باحتواء صرخاتها هذه بدفء عناقه ..
لكنهما الآن قد طردا من جنتهما بنقمة طمعهما !!
فأي عقاب!!
صوت طرقات على الباب يقاطع أفكاره فيلتفت نحوه ليدخل أحد العساكر بمظروف ما وضعه أمامه قائلاً :
_اللي طلبته يا فندم !
فيشير له بالانصراف وهو يفتح المظروف ليتطلع لمحتوياته قبل أن تتسع عيناه بصدمة ..
لقد صدق حدسه بشأن العملية الأخيرة التي ظن أنه قد أنجزها ..
الأمر أكبر من قضية مخدرات !!
لكنه لا يملك المزيد من الأدلة على سوى هذا ..
فكيف يتصرف ؟!
يفكر قليلاً ثم يأتيه الجواب في اسم بعينه ..
"باسل جرجس" ..
صديقه في قسم مكافحة الإرهاب والضابط الوحيد الذي يثق بأنه سيتدبر أمراً كهذا !!
لهذا نحى صراعاته الشخصية جانباٌ ليتصل برقمه وما كاد يسمع صوته حتى هتف به بنبرة خطيرة :
_باسل ..عندي معلومات خطيرة بس مش كافية ..العملية الأخيرة اللي عملتها ..أكيد سمعت عنها ..العصابة ماكانش آخرها مخدرات وبس ..دول مجرد دراع من تنظيم شكله إرهابي وله غرض في عملية قريبة ..هابعتلك المعلومات اللي عندي واعمل تحرياتك ..هو خيط رفيع بس أنا عارف إنك هتكمل وتوصل .
======
_كانت قاهرة القلوب فصارت قاهرة قلوب أبنائها .
تكتبها ريتال على حسابها وهي تقوم بمشاركة فيديو انتحار ذاك الطالب في كلية الهندسة والذي ألقى نفسه من فوق برج القاهرة يأساً وضيقاً من حياته ..
فيزفر سامر بقوة وهو يتصل برقمها دون أن يكتفي بمحادثة مكتوبة كعهده منذ علم عن موافقة والدها على الزواج وقرب رحيلها ..
كأنه يجمع من صوتها زاداً يكفيه للأيام القادمة !!
تشبيه غريب يجعله يتساءل عن حقيقة مشاعره نحوها ..
فيسخر من نفسه كعهده قائلاً :
_ملطشة القلوب صحيح ! هو انت ياابني ما بتحلاش في عينك إلا الواحدة اللي مش ليك ..سها وبعدين ياقوت ودلوقت ريتال ..ريتال؟! أختك الصغيرة !
_أيوة يا سامر!
صوتها المنفعل وهي تفتح الاتصال يفضح لها ثورتها كعهدها في مثل هذه المواقف فيشعر بالشفقة نحوها لكنه يتشبث بسخريته المعهودة :
_مش لقينا اللي ندبسك فيه ونجوزهولك ؟! لزومه إيه بقا النكد ده ! المفروض التايم لاين بتاعك دلوقت يبقى ورد ودباديب .
يسمع صوت بكائها على الجانب الآخر للاتصال فيرق له قلبه ليردف بنبرة أكثر ليناٌ :
_انت عارفة إن اللي بيحصل دلوقت ده أكبر غلط ؟! منظمات الصحة النفسية بتحذر دايماٌ من الإعلان عن حالات الانتحار وبتنصح بالتكتم عليها عشان الموضوع مايبقاش حافز لغيرهم يقلدهم ..فيه حاجة غريبة بقت تخللي الناس بتصدر طاقة سلبية لبعض ..الحزن معدي زي الفرح بالظبط ..
_شاف إيه ده عشان يخسر دنيته وآخرته ؟!
تهتف بها عبر دموعها كأنها لم تسمع كل ما قاله ليرد بجدية تلبستها طبيعة عمله :
_مش هافتي وأقول حرام وحلال ..بس اللي أنا متأكد منه إن اللي بينتحر ده ما بيبقاش في وعيه ساعتها ..أغلبهم ما بيبقاش يائس من رحمة ربنا بس بيبقى يائس من حزنه وظروفه ..احنا في زمن زادت فيه الضغوطات ..كل حاجة حوالينا بقت جدران بتطبق على نفسنا ..ربنا وحده العالم بيه وبكل اللي زيه ..ادعيله بالرحمة ده اللي هينفعه .
_الله يرحمه .
تتمتم بها عبر دموعها فيحاول تصنع المرح ليجذبها بعيداً عن كآبتها بقوله :
_وبعدين يا ستي أديكي سايبة البلد باللي فيها .
_سايباها بس هاسيب فيها روحي ..بابا وانت وأهلي وأصحابي .
_إيه ؟! غيرتِ رأيك ؟!
يقولها ببعض الأمل الذي كرهه في نفسه لترد بتردد :
_لأ ..مش بالظبط ..بس ..
_حبتيه ؟!
يسألها بوجل وصمتها يكويه بجواب لا يريد سماعه لترد هي أخيراً :
_هو إحساس تاني ..مش شبه إحساسي مع مروان ..إحساس مستقر هادي منظم شبه الرسم بالمسطرة ..يمكن عشان كده مطمنة أكتر .
_ربنا يسعدك .
يقولها صادقاً رغم هذه الغصة في حلقه فتتنهد بحرارة لتصمت للحظات قبل أن تهتف فجأة :
_طب اقفل بقا عشان هو ع الويتينج ..ب"يأفلم" لو ما ردتش على طول .
يشعر بغيرة خفية وهو يراها تغلق الاتصال بسرعة لكنه يبتلع مرارة حلقه وهو يحاول تذكير نفسه بمكانتها لديه ..
هي أخته الصغيرة فحسب !
يغادر مكتبه في المركز ليتوجه نحو غرفة نجلاء فيقف يراقبها عبر النافذة الزجاجية كعهده قبل دخوله ..
تبدو له كطفلة كبيرة وهي تلاعب عروستها فيتنهد بعمق ثم يطرق الباب ليدخل ..
لا تبدو أنها قد شعرت به في البداية لكنها يتقدم نحوها أكثر هاتفاً باسمها فجأة يختبر استجابتها للأصوات المحيطة ..
فتلتفت نحوه بحدة تجعله يبتسم ..
تطور جديد لحالتها التي كانت ترفض الاستجابة للمؤثرات كأنها لا تسمع !
_معايا عروسة جديدة ..تحبي تشوفيها؟!
عيناها تلتمعان بقوة ناظرة ليده التي اختفت في جيبه قبل أن يخرجها ..
ابتسامة كبيرة تحلق فوق شفتيها لكنها تتجمد عندما تشاهد ثوب العروسة الذي كان مرقطاً يحيي عقدتها من الثقوب المتلاصقة !
كان يدرك الصراع الذي تعيشه بين شيئ تحبه وشيئ تمقته لكنه كان يسير على خط العلاج الذي وضعه مع ياقوت بوضعها هي تحت تأثير المحفز الذي تخاف منه تدريجياً على فترات كي يتلاشى أثره الكريه عليها ..
لهذا كان أكثر من راضٍ وهو يراها تمد يدها بسرعة لتنزع عن العروسة ثوبها ببعض العنف تلقيه تحت قدميها وتضم العروسة نحو صدرها ..
قبل هذا كانت تكتفي بالصراخ وتغطية وجهها !
_برافو عليكِ ..هاجيبلك بكرة واحدة كمان .
يقولها باستحسان لكنها لم تكن تنظر إليه ولازالت كعهدها تفضل معايشة المجسمات عن البشر الحقيقيين ..
ومع هذا ابتسم برضا وهو يغادر غرفتها ليغلق بابها خلفه ..
يراقبها عبر زجاج النافذة فيراها تختلس نظرة جانبية نحوه منحته المزيد من الرضا ..
شفاء هذه الحالة بالذات سيكون انتصاراً مدوياً له ولياقوت ..
لعله يضفي البريق على حياته الباهتة بشعوره أنه يمنح غيره السعادة التي حرم هو منها !
يغادر المركز ليتمشى قليلاً في الشوارع مراقباً وجوه الناس بشرود ..
لسعة البرد المحببة تمنحه شعوراً بالانتعاش ..
رائحة شواء محببة تداعب أنفه فيلتفت نحو المطعم القريب ثم ينتهي به الحال وقد اشترى وجبة عشاء له ولأمه ..
_مساء الفل يا ست حلاوة ..كباب وكفتة يستاهلوا بقك .
يهتف بها وهو يدخل البيت ليغلق الباب خلفه فتتوجه إليه المرأة بخطوات متثاقلة وهي تضم شالها الأسود عليها هاتفة :
_ومكلف نفسك ليه يا ابني ؟!
_المهم تتبسطي كده ومزاجك يحلو !
يقولها وهو يفض اللفافة على المائدة ليستخرج محتوياتها فتمصمص شفتيها هاتفة باستياء:
_انت عارف اللي يبسطني بس عامل ودن من طين وودن من عجين .
يضحك بمواربة وهو يعلم أنها ستثير ذات الموضوع عن زواجه ..
بينما هي تردف مثيرة شجونه دون أن تدري:
_ريتال بنت عمك اهه ..هتتجوز ..ماعادش فاضل غيرك انت في العيلة عامل زي قرد قطع ..حسرة عليا وعلى بختي ..
يضع قطعة من اللحم في فمها مقاطعاً عبارتها فتضحك بطيبة وهي تلوكها في فمها هاتفة :
_شوفوا الواد ! بتسكتني بالأكل فاكرني عيلة ؟!
_ده انتِ ست الستات !
يقولها مداعباٌ وهو يغمس لها أحد أصابع الكفتة بالطحينة ليطعمها من جديد فتلتمع عيناها بحنان قائلة :
_وحق جلال الله ربنا هيراضيك ..بس انت اسمع كلامي .
_إيدي على كتفك .
يقولها مستسلماً فتشرح له ظروف العروس الجديدة التي اختارتها له لكنه يشرد عنها ببصره شاعراٌ بالخواء ..
عبث!
يشعر أن حياته كلها ضرب من العبث !!
ليس أسوأ على الإنسان من ألا يفهم نفسه فيتخبط في تيهه وحيرته !
_قلت إيه ؟!
تسأله أخيراً بلهفة فيزفر بقوة وهو يشيح بوجهه لتسأله بتوجس:
_انت لسه بتفكر في سها؟!
ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه وتسيئ هي تأويلها لتردف بانفعال:
_انت ماشفتش فضيحة صورها الأخرانية ؟! ده انت تحمد ربنا إنه نجدك من واحدة زي دي!
يمسح يديه ليخلع نظارته ثم يمسد عينيه بقوة قائلاً بإرهاق:
_مشكلتكم إنكم بتتعاملوا مع سها إنها شخصية سوية ..سها بعد ليلة جواز ناصر عاملة زي البني آدم الدايخ اللي غصب عنه دماغه بتخبط في أي حيطة ..كل تصرفاتها المفروض محدش يحاسبها عليها ..هي نفسها أول واحدة هتندم عليها لما تقعد وتراجع نفسها ..
_بتدافع عنها ؟! يبقى لسة عينك منها يا موكوس!!
تهتف بها أمه بلوعة مستنكرة فيبتسم وهو ينظر إليها مطمئناٌ :
_لا يامه ..اطمني ..أنا خلاص شلتها من دماغي بس هي كلمة حق قلتها ..ولعلمك أنا أول واحد متأكد إن سها دلوقت مالهاش دوا غير ناصر .
_ياخويا! ماهم بيقولوا حفيان وراها وهي مش راضية ترجعله !
تقولها ملوحة بكفها في استهجان ليعاود ارتداء نظارته قائلاً :
_يمكن دي المشكلة ..يمكن ده الوقت إنه يجرب معاها طريقة تانية ..
_تانية واللا تالتة ربنا يهني سعيد بسعيدة ..المهم عندي تتجوز وأشوف عوضك قبل ما أموت ..
تهتف بها بتذمر وهي تترك المائدة كطفلة غاضبة تلاحقها نظراته المشفقة مع ابتسامته اليائسة ..
يلم بقايا الطعام شاعراً أنه قد فقد شهيته ..
يتوجه لغرفته ليبدل ثيابه ثم يستلقي على الفراش ..
أفكار هائجة تتناطحه من كل اتجاه ..
سها وشعوره بحاجتها إليه كطبيب لا كعاشق أو حتى قريب ..
ريتال التي يشعر بإحساس غريب نحوها يختلف تماماً عن شعوره المعهود بها ..
لكن الغريب والمذهل حقاً ..
أنه عندما استسلم للنوم أخيراً لم تشغل أحلامه سوى عينين واسعتين بريئتين ..وخطيرتين في ذات الوقت ..
عينين كانتا تقتربان منه بتؤدة ..فيشعر بهما تكتسحانه ..
ثم تبتعدان فيشعر أنه قد فقد معهما جزءاً من روحه ..
عينين يعرفهما لكنه لم يميز صاحبتهما إلا عندما استيقظ من نومه ..
ليجد نفسه يتمتم بذعر مصعوقاٌ :
_نجلاء! اهه ده اللي كان ناقصك يا "ملطشة القلوب"!
=======
_انتِ رايحة فين مش باباكِ قال مفيش خروج ؟!
تهتف بها والدتها بعصبية وهي تقف أمام باب البيت تمنعها الخروج لترد بانفعال مماثل:
_أنا مش صغيرة ..ومش في سجن .
_وعشان مش صغيرة لازم تحترمي سنك وتحترمينا مش كفاية فضيحة الصور !
تهتف بها أمها وهي تحاول منعها من الخروج لكنها تزيحها جانباً هاتفة بنبرة متمردة :
_أنا حرة ..أعيش حياتي بمزاجي .
تحاول أمها إثناءها عما برأسها العنيد لكنها تصر على الخروج بملامح متجهمة لا مبالية ..
تهبط الدرج شبه راكضة وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر ..
هي لا تعلم لماذا تفعل هذا ..
ولا ماذا تريد أن تثبت ..
لا تعرف ماذا تنتظر ..
بل ماذا ينتظرها !
كل ما تعرفه أنها لا تريد البقاء وحدها متدثرة بغطاء "الأنثى الناقصة" التي يعيرونها بذنب ليس لها يد فيه !
تعلم أن فضيحة الصور الأخيرة تطاردها ..
فضيحة ضربها لصديقتها في النادي تطاردها ...
فضيحة هجران زوجها لها ورغبته الزواج بأخرى تطاردها ..
لكنها تتعلم الهرب من كل هذا ..
وستنجح ..
ستنجح بنفس الطريقة التي اعتادتها في كل أمور حياتها !
هي أقوى منهم ومن كل شيئ!!
الدموع التي تغرق وجهها تناقض الخاطر الأخير لكنها تمسحها بسرعة وهي تتجاوز المدخل وعيون البواب وبعض الجيران الفضولية لتتوجه نحو سيارتها ..
لكنها تفاجأ به مستنداً على مقدمتها عاقداً ساعديه يناظرها بعينين اعتادت ألمهما لكن الجديد هاهنا كانت هذه النظرة ..
نظرة وداع وشيك !
قرأها قلبها فكذبته وهي تتقدم نحوه بنظرات تصارعها الاشتياق والعناد بنفس الكثافة فلم يجد أحدهما غلبة على صاحبه !
_انت ما بتزهقش ؟! قلت لك خلاص احنا انتهينا !
نبرتها الحادة كانت تتخللها الآن هشاشة مرتجفة لكنها كانت تقاومها بكل ما أوتيت من قوة ..
تشعر كأنها على "مسرح كبير"تحيطها عيون الناس ..
تقذفها بالانتقاص ولا تريد سوى أن ترد لهم قذفهم بمثله .
تراه يومئ برأسه صامتاً فيرتجف قلبها بذعر وهي تتبين أنها المرة الأولى التي يوافقها فيها على رأيها ..
هل ..
هل يريد القول أن ما بينهما انتهى كذلك ؟!
جسدها يرتعد بوهن تكرهه فتكتف ساعديها بقوة وهي تتلفت حولها ..
يهيأ إليها أن عيون المارة جميعاً قد التصقت بها ..
المسرح الكبير يتسع ويتسع ..
النظرات لا تزال تقذفها بسهامها ..
وهي ..
هي وحدها !!
_اسمعيني لآخر مرة .
يقولها بنبرة غريبة على أذنيها ..
"كفنٌ أسود" يملأ ناظريها منذراً بدفن ميت لن يبعث ..
منذ متى يكون الكفن أسود؟!
فقط ..عندما تلحق الميت لعنته ..
وحبهما لا يفتقر لهذا !!
دموعها تغرق وجنتيها من جديد ..
تحرقها بهذا الألم الكاوي ..
لكنها لا ترى سوى ستار "المسرح الكبير" يسدل ببطء ..
فتكره أن يكون مشهد ضعفها هو النهاية !!
_مش هاسمع منك ولا كلمة غير لما تطلقني .
يهيأ إليها أنها تسمع "تصفيق الحضور" إعجاباً بهذه القوة ل"المرأة الناقصة" ..
لكن كلمته تهوي فوق رأسها كمطرقة ثقيلة :
_انتِ طالق!
تغمض عينيها بقوة وأصابع قدميها عبر صندلها المكشوف تتشبث بالأرض تحتها بقوة كأنها تتأكد أنها واقفة ..لم تقع !
لكنها على "المسرح الكبير" كانت ترى نفسها ساقطة على ظهرها ..
الستار مسدل ..
وصياح الجماهير المستاءة يذم آداءها الفاشل ..
الأضواء العلوية تبدو لها كعيون وحوش غاضبة ..
ثم صمت ..وصمت ..وظلمة !
_ممكن دلوقت تسمعيني !
هل كان يسأل أم يرجو ؟!
لا يهم ..لم يعد يهم ..
هو فعلها !
_انت طلقتني؟!
تشير نحوه بسبابتها بعينين زائغتين كأنها لا تصدق ..
فيغمض عينيه بقوة عن صورتها ليتجاهل سؤالها قائلاٌ :
_معاك حق تستغربي ..لو كان حد قاللي إني ممكن أفرط فيكي قبل ماروحي تفارقني كنت قلت عليه مجنون ..بس الحقيقة إن كل واحد فينا دلوقت بيموت التاني بالبطيئ ..انتِ عايزة تعاقبيني بإنك تحرميني منك ..وأنا هاسمحلك تعاقبيني يمكن ساعتها ترجعي لنفسك .
لكنها لم تبدُ وكأنها سمعت شيئاً مما يقول ..
فقط سبابتها كانت لا تزال على ارتجافتها تتمتم من جديد :
_انت ..طلقتني؟!
يفتح عينيه على دمعة مختنقة احترقت بها مقلتاه وهو يتشبث بكفيه في موضعهما من مقدمة السيارة كأنه يجاهد نفسه كي لا يضم خوفها هذا كعهده ..
لم يعد يثق في قدرته على منحها أي شيئ سوى الألم !
وكذلك هي !
_هاقولهالك ألف مرة أنا غلطت ..بس انتِ غلطتِ قبلي ..ليه مش عايزة تعترفي ؟! ليه مصرة تدبحينا سوا بالشكل ده ؟!
_انت ..طلقتني؟!
كأنها نغمة مبرمجة ثابتة تتردد على لسانها بصخب يمنعها سماعه ..
عيناها الزائغتان تميزان طفلاً صغيراً يسير وسط والديه في الطريق فترفع نظراتها لأمه ..
تراها بعينها ضمن جمهور "المسرح الكبير" تلعنها بنقصها متشفية في فقدها ..
لكنه كان يستشعر كل هذه الفوضى بداخلها ..
كل هذه النيران التي حذرها يوماً منها فلم تستجب زاعمة أنها ستمنحه الكمال ..
والآن يقف كلاهما على رصيف يأسه خاوي اليدين مفلساٌ يتسول بقايا عهد عشق مضى!
يعتدل في وقفته أخيراٌ ثم يقترب منها خطوة لكنها لم تكن تشعر بأي قرب ..
تشم رائحة عطر هي من اختارته يوماٌ ..
ترى ثياباً هي من انتقتها له ..
خصلات شعره هذه هي من اختارت له من يقصها ..
ذقنه الحليقة هي من اختارت نوعية ماكينة الحلاقة ونوع ال"كريم" ..
حتى ملامحه هذه هي من منحتها الوهج يوماٌ ..
هو لها ..ملكها ..يخصها ..كيف يمكن أن يزعم يوماً أحدهم شيئاً غير هذا ؟!
_أنا ماشي بس انتِ عارفة هترجعيلي إزاي ..ده لو كنتِ لسة عايزة ترجعيلي .
يقولها بعتاب متحسر وهو يلقي عليها نظرة أخيرة قبل أن يتحرك ليغادر تلاحقه نظراتها المصعوقة ..
لقد فعلها حقاٌ!
كيف استطاع ؟!
هل كان الحبل بينهما واهناً حقاً كما يزعمون ؟!
وماذا سيقويه؟!
إذا كانت هي لن تحمل طفله يوماٌ ؟!
تترنح مكانها وهي تشعر بالأرض حولها تدور ..
_عايزة حاجة يا ست سها؟!
صوت البواب المشفق خلفها يترجمه عقلها كشماتة ..
فتتحامل على نفسها لتركب السيارة متجاهلة عبارته ..
تنطلق بها شاعرة بتشوش الرؤية أمام عينيها اللتين لم تكونا تميزان وسط الشوارع إلا "صور الأطفال"!!
تكاد تعدهم عداً وهي تتمنى واحداً ..
واحداً فقط مثل هؤلاء يجبر كسر أنوثتها !!
رنين هاتفها يصدح فتتناوله بتشوش لتجدها صديقتها الجديدة التي أبدت انزعاجها من حالتها الغريبة لتسألها عن مكانها ثم ترجوها التوقف كي لا تقود في حالتها هذه ..
دقائق قليلة تمر بعدها ثم تلحق بها لتستقل السيارة جوارها وتضمها بين ذراعيها لتنتحب سها بصوت عالٍ فتربت هي على ظهرها ..
قبل أن تشعر الأولى برائحة غريبة نفاذة تغزو أنفها لتميز هذا البخاخ الصغير في يدها هي ..
وعيها يتسرب منها رغماً عنها فتنتظر المرأة حتى تفقده تماماً بين ذراعيها ثم تعيدها لتسندها على ظهر كرسيها برفق ..
قبل أن تتناول هاتفها لتتصل برقم ما ثم تقول بنبرة ظافرة :
_تمّ ! الحلوة معايا هاجيبها وأجيلكم .
=======
يتأمل يامن ملامحها النائمة -على الأريكة بصالة بيته- بعشق جارف وهو يرى يمنى الصغيرة جوارها مستيقظة فاتحة عينيها الواسعتين وتداعب الهواء بذراعيها مصدرة صوتها اللذيذ الذي يداعب قلبه بسحر خاص بها ..بها وحدها !
_شششش..ماما نايمة ..أول مرة ماتبقاش صاحية تستقبلني وأنا راجع من العيادة ..عملتِ فيها إيه طول النهار ؟! اعترفي!
يغلظ صوته قليلاً في كلمته الأخيرة فتقلب الصغيرة شفتيها وقد تقلصت ملامحها كأنها على وشك البكاء ..
لكنه يضحك لها ثم يداعب وجنتها بوجنته مردفاً وكأنها ستفهمه :
_دقني بتشوكك ؟! واللا بتحبيها زي ماما ؟!
والجواب يأتيه عملياً في ضحكة الصغيرة التي أشرقت ملامحها من جديد ..
ضحكة جعلته يطلق شبيهتها ثم يضمها لصدره مطلقاً تنهيدة رضا ..
قبل أن يتحرك بها نحو المطبخ القريب قائلاً:
_شكلك جعانة زيي ..تعالي ناكل سوا ..
دقائق قليلة تمر لتنتهي بهما وقد أرقدها في كرسيها المهتز واضعاً "الببرونة" في فمها قبل أن يجلس على كرسيه جوارها أمام مائدة المطبخ ليبدأ في تناول طعامه الذي سخنه لنفسه ..
_راحت أيام الدلع! عارفة مامتك اللي نايمة زي القتيل بره دي ؟! كانت زمان تستناني عشان آجي ألاقي الأكل لا سخن قوي ولا بارد قوي ..دلوقت خلاص راحت عليا ..صعبت عليك ؟!
يقولها بابتسامة لونت ملامحه وجعلت الصغيرة تفلت "الببرونة" لتضحك له ضحكة امتزجت بقطرات من اللبن فبدت له كملاك صغير ..
أزاح طعامه جانباً وهو يلتفت نحوها بكليته ليستمر في هزها برفق وعيناه تشردان في الفراغ ..
ابنه الراحل ..
ذنبه الذي لا يدري كيف سيكفر عنه ..
يستحضر صورته فيجده يشبه يمنى كثيراٌ ..
لكنه كان أكثر شبهاً به هو ، لا مزيجاً بينه وبين ياسمين كيمنى!
وسيلين التي ظلمها كذلك بشكوكه فيها بهذا الشأن !
_يمنى معاك ؟!
صوت ياسمين الناعس ينتزعه من شروده وهو يحمل ذعرها وقد استيقظت من نومها فلم تجد الصغيرة جوارها ..
فيشير لها بسبابته أن تصمت وقد أدرك نوم الصغيرة ..
ينهض ليتوجه نحوها فتعانقه بقوة هامسة :
_معلش ..كنت مقتولة من التعب ..معرفش نمت إزاي .
_لسه كنت بشتكي لبنتك ..بقوللها راحت عليا من يوم ما جت ! نسيتيني!
يهمس بها عاتباً فتبتسم وهي تحتضن وجنتيه براحتيها هامسة :
_عمري! انت أول ابن قلبي عرفه ..والأولاني دايماٌ أغلى!
يبتسم لها بهذه الطريقة التي تذيبها فتستطيل على أطراف أصابعها لتقبله بنعومة على وجنته ..ثم تبتعد بسرعة هامسة :
_هاحضر لك الأكل .
_أنا سخنته بس ..
صوت رنين هاتفها من الخارج يقاطعه فتشهق وهي تركض نحوه هاتفة :
_هيصحيها ..ما صدقت نامت .
يضحك وهو يلحق بها فيراها تفتح الاتصال لتقول بودّ:
_لوجي ..إزيك يا عروستنا ؟! واللا نقول يا مامي خلاص مادام الرؤيا ثبتت ؟!
يبتسم بود مشابه وهو يقترب منها أكثر لكنه يعقد حاجبيه وهو يرى ملامح ياسمين تتغير بينما صوت لجين المنفعل يصله بوضوح:
_عابد جالك ؟! سافر القاهرة النهارده الصبح وماقالليش ليه ..ومن ساعتها بكلمه تليفونه مقفول .
_لا ..ما شفتوش ولا كلمني .
تقولها ياسمين بقلق لتهتف لجين بارتباك:
_لو جالك أو عرفتِ أي حاجة كلميني !
تغلق معها الاتصال ثم تلتفت نحو يامن الذي كان يحاول الاتصال بعابد بدوره لكن النتيجة كانت كما هي ..
الهاتف مغلق!
=======
سيارة ناصر تنهب الطريق نهباً نحو المكان الذي أخبروه أنهم سيكونون فيه ..
ظلمة الليل حوله تكاد تضيئ من شعلة عينيه الهائجتين بغضب وهو يتذكر المكالمة التي وصلته منذ قليل ..
_سها عندنا ..تعال خدها بس لوحدك ..أي حركة غدر انت فاهم ممكن توصل لإيه ..
_عايزين إيه ؟!
_لما تيجي هنتفاهم ..أكيد مش هنختلف.
كالمجنون ظل بعدها وهو يهاتف والدتها لتخبره أنها لم تعد للبيت منذ خرجت..
حاول التقصي عن مصدر المكالمة لكنه لم يصل لشيئ ..
لم يحتمل مخاطرة أن يبلغ أحدهم أو يطلب عوناٌ وقد أدرك أن من يختطف زوجة ضابط شرطة لن يكون بهذا الغباء ..
بل من المؤكد أنه يستند لدعم قوي .
سينفذ له ما يريدونه ربما كان الأمر فقط مجرد فدية مالية ؟!
فدية مالية!!
الخاطر الأخير بدا له ساذجاً بل شديد السذاجة خاصة وهو يوقن أن طبيعة عمله تجعل له الكثير من الأعداء ..
لكنه كذلك كان يوقن أنه سيدفع أي ثمن كي يعيدها هي سالمة !!
يصل للمكان المطلوب على الطريق الصحراوي فيركن سيارته أينما أخبروه ثم يتوغل في الصحراء المجاورة نحو ما يشبه بيتاً خشبياً كانوا قد وصفوه له ..
يدور حوله مستكشفاً لدقائق وهو يمسك مسدسه في وضع متحفز ثم يقترب من النافذة المضيئة يمد رأسه ببطء نحو الداخل متفحصاً المكان الذي تبين أنه خالٍ تماماً قبل أن ..
صوت انفجار قريب يشق سكون الليل حوله فيكاد قلبه يتوقف انفعالاً وهو يصرخ بجنون:
_سها!
لكنه يتبين أنها سيارته هو تشتعل من بعيد في مكانها فيدرك أن الأوغاد قد فعلوها ..
يشعر بشيئ ثقيل يهوي على رأسه من الخلف فيلتفت بسرعة مصوباً مسدسه نحو من أمامه ..
لكن ضربة أخرى تهوي أثقل من سابقتها فتطيش رصاصته ليسمع صوتها مزلزلاً في أذنيه ..
وقد كان هذا آخر ما وعاه قبل أن يفقد وعيه تماماٌ وقلبه يخفق باسم واحد لم يعد يعنيه غيره ..
سها!
========
_ما تقلقيش يا لجين ..هيظهر بإذن الله !
يقولها إسلام وقد تحلقوا جميعاً حول لجين الباكية في صالة بيت ثمر ..
نبرته القلقة تناقض الطمأنينة التي يحاول بثها فيها ..
ليهتف هيثم جواره بجزع:
_معقول ما قالكيش أي حاجة عن نيته قبل ما يسافر ؟!
_قال مشوار مهم وهايقوللي لما ..لما يرجع .
تنتحب من جديد مع كلمتها الأخيرة وهي تهز رأسها فتربت ياقوت على أحد كتفيها بينما تربت رابحة على الآخر ..
_يارب ما تسوءني في "ولادي" يارب ..ولادي يارب!
تهتف بها ثمر بحرارة رافعة كفيها في وضع الدعاء فتلتفت ياقوت نحوها والدموع تتكدس في عينيها ..
ثمر كانت دوماً تقولها "بناتي" ..
والآن تضيف إليها عابد موحية أنه قد صار يحمل لها نفس المكانة ..
قلبها يخزها بقوة وهي تستحضر صورة زين ..
كعهدها يكون أول من يخطر بالها عندما تريد الشعور بالأمان ..
لهذا انسلت خفية من بينهم لتتوجه نحو غرفتها وتتناول هاتفها كي تتصل به وما كادت تسمع صوته حتى انهارت مقاومتها لتنتحب بقوة فيهتف بها بقلق:
_مالك يا ياقوت؟!
صوته الحنون المهيمن كان وحده يكفيها ليمنحها بعض الأمان الذي يهدهد خوفها لكن بكاءها لم ينقطع بعدها للحظات كادت تطير صوابه وهو يعاود هتافه بجزع أكبر:
_ردي عليا ..انتِ كويسة ؟! الحاجة كويسة ؟!
تمالكت بكاءها بصعوبة لتشرح له الوضع بخفوت شديد وبكلمات سريعة فاستغرق لحظات ليستوعب قبل أن يسألها :
_انتو شاكين إن الجماعة اللي كان متورط معاها هم اللي ورا اختفاءه ؟!
_ده إحساسي ! عابد مالوش عداوات ..وإسلام خلى معارفه يسألوا عليه في الأقسام والمستشفيات مفيش خبر عنه ..
_طب اقفلي دلوقت ..هاعمل اتصالاتي وأحاول أوصل لحاجة ..طمني الحاجة ثمر ..وما تخافيش .
يقولها باقتضاب ثم يغلق الاتصال فتتنهد بحرارة وهي ترفع عينيها في دعاء مبتهل ..
قبل أن تمسح وجهها كي لا تخرج على ثمر بهذه الدموع ..
لكنها تفاجأ بكف إسلام على كتفها يسألها بابتسامة شاحبة :
_بلغتيه التقرير ؟!
تلتفت نحوه بسرعة لتصطدم بعينيه الدامعتين المناقضتين للمرح الشاحب بعبارته ..
فتضمه إليها بقوة وهي تشعر بحاجة كليهما لهذا العناق مغمغمة بين دموعها :
_يمكن يقدر يعمل حاجة ..لو عابد جراله حاجة أختك هتروح فيها !
فيزدرد ريقه بتوتر وهو يسألها :
_انتِ شاكة في اللي أنا شاكك فيه ؟!
ترفع إليه عينيها بنظرة وجلة وكلاهما يصل لهذا الحدس أن شأن اختفائه مرتبط بهذه الجماعة التي كان ينتمي إليها ..
فتومئ برأسها لتقول بخفوت:
_الغريب لو كانوا هم ..ليه استنوا يرجع مصر ؟! ماهو كان في ماليزيا ؟!
_يمكن حاولوا هناك وما عرفوش ..ويمكن ..
_يمكن إيه ؟!
_مش عارف ..دماغي واقف مش قادر أفكر ..بقول يمكن ..
رنين هاتفه يقاطع كلامه فيتناوله بسرعة وقد رآه رقم أشرف ..
ولا يدري لماذا انتابه حدس ما أنه قد استعان به ودياً كما فعل المرة السابقة مع ريما ..
لهذا فتح الاتصال بسرعة وما كاد يفعل حتى وصله صوت أشرف اللاهث:
_ناصر موبايله مقفول رحت له مكتبه لقيت الداخلية مقلوبة ..هو ومراته مختفيين ومحدش يعرف مكانهم ..المصيبة أنهم شاكين في عابد وفاكرينه لسه تبع التنظيم إياه لأن ناصر من كام يوم كان طالب تحريات عنه !
=======
صداع غريب يكتسح رأسه فيحاول تمسيد جبهته لكنه يشعر بيديه مكبلتين ..
كذلك قدميه كانتا مربوطتين بإحكام جعله يشعر بتنميل خفيف فيهما ..
يحاول فتح عينيه لكنه يشعر أن جفنيه ثقيلين كجبلين ..
هو مربوط على كرسي ما ..
لكن أين هو؟!
رائحة عطنة تتسلل لأنفه فتتغضن ملامحه وهو يحاول إرهاف سمعه ..
صوت بكاء امرأة جواره يجعله يرهف السمع أكثر ليصله همسها المتحسر باسمه ..
_سها!
يفتح عينيه فجأة بهتافه كأنما استعاد وعيه فجأة لينقبض قلبه بترقب وهو يراها أمامه مقيدة مثله على كرسي ..
وجوارها ..
عابد !
زوج أخت إسلام الذي كان يريد جمع معلومات عنه ظناً منه أنه لايزال متورطاً مع هذا التنظيم ..
لكنه مقيد مثلهما على كرسيه !
ما الذي يحدث هنا؟!
_حمداً لله على سلامة الباشا ..ألف لا بأس عليك !
الهتاف القاسي المتشفي يشق الصمت فجأة فيلتفت نحوه بحدة زادت من وجع رأسه لكنه يميز ملامح الرجل ..
إنه ابن زعيم العصابة الذي أرداه قتيلاً في عمليته الأخيرة ..
هذا يفسر الحكاية كلها إذن ..
يريد الانتقام لأبيه لكن ماذا عن عابد ؟!
_معلش المكان مش قد المقام ..بس احنا هننقلك لحتة أحسن بكتير ..فوووق ..هه ؟!
يهتف بها الرجل بلهجة قميئة ساخرة وهو يشير للسماء ضاحكاً بتهكم ..
فيعقد ناصر حاجبيه وهو يختلس نظرة جانبية نحو سها المنهارة ليقول بصوت لم يفقد بأسه :
_سيبها هي ..تارك خده مني أنا .
_تاري هاخده م الكل يا باشا ..ما تشغلش بالك انت ..خسارة إنك مش هتشوف اللي هيحصل ..بس أنا مايخلصنيش ..هاحكيهولك لقطة لقطة ..
يقولها الرجل ببطء متشفّ قاسٍ قبض قلب ناصر أكثر خاصة والأول يردف مشيراً حوله :
_الأول أعرفك احنا فين ..احنا في محطة مَية ..
ثم يميل عليه ليردف بنبرة أكثر خطورة :
_في سينا!
_سينا!
تصرخ بها سها بلوعة وقد بدت هي الأخرى جاهلة تماماً بما حدث لها بعد فقدانها الوعي في سيارتها ..
بينما كز ناصر على أسنانه وهو يود لو يكون حدسه مخطئاً ..
لو لا يكونوا حقاً بهذه الدناءة !!
_ماذا يحدث هنا؟!
صوت عابد القلق ينبعث أخيراً وهو الآخر لا يفهم ما الذي يجري حوله ..
لقد جاء إلى القاهرة بعد مكالمة هاتفية من أحدهم ذكر له أنه كان صديق أبيه الراحل ويطلب منه أن يسلمه شيئاٌ قد تركه له ..
لم يشك بالرجل خاصة وهو يعرف أن والده حقاً له صديق مقرب بهذا الاسم ..
لكنه ما كاد يصل للشقة التي ذكر له عنوانها ويستقبله العجوز حتى فوجئ بغطاء ثقيل يسقط على رأسه وبخبطة قوية أفقدته وعيه الذي لم يسترده إلا هنا !
_لا ده انت بالذات نجم الحفلة ..الكبير محضر لك مفاجآت هتعجبك قوي .
يهتف بها الرجل بسخرية قميئة مخاطباً عابد الذي هتف به وهو يحاول تخليص معصميه من قيودهما دون جدوى :
_من تقصد ؟!
_أنا يا محمد ..هل نسيتني؟!
صوت "الصقر" الذي صدح فجأة يخلع قلب عابد وهو يتذكر ماضيهما المشترك ..
لا ..لا يصدق أن يعيش هذا الكابوس من جديد ..
يقترب الصقر منه فيغوص قلبه في ضلوعه أكثر وأكثر ..
كيف ظن يوماً أن قلباً بهذا السواد قد يعينه في طريقه إلى الجنة ؟!
كيف ظن يوماً أن عينين بهذه القسوة قد بكيتا من خشية الله ؟!
بل كيف ظن يوماً أن يداً تمسك السلاح لتزهق به الأرواح هي يد ارتفعت بدعائها للسماء؟!
_مرحباً بالابن الضال ..لا تعرف كم انتظرت هذه اللحظة كي أعد لك المصير الذي تستحقه كي تكون عبرة لمن ينشق عنا ..المرتد حده القتل كما تعلم أيها الشيخ !
القسوة الباردة تقطر من حروفه فيبتسم الرجل الأول بشراسة ملوحاٌ بذراعيه حوله قائلاً:
_كده قشطة قوي ..كلنا اتعرفنا على بعضينا ..أنا عن نفسي ماليش تار غير مع حضرة الظابط ..هاخللي الدنيا كلها تتحاكى عن جزاء اللي قتل أبويا ..
ثم يستخرج مسدسه من جيبه ليصوبه نحو ناصر مردفاٌ بغلّ:
_ودي دفعة تحت الحساب !
صرخات سها الملتاعة تدوي في أذنه مع هذا الألم الرهيب الذي شعر به في ساقيه إذ أطلق عليهما ذاك الوغد رصاصتين متتاليتين ..
يكز ناصر على أسنانه مقاوماً الصراخ فيتفصد جبينه عن عرق غزير مع ارتجافة جسده لكن الرجل يعاود الانحناء نحوه هاتفاً بنبرة تقطر كراهية :
_ماسك نفسك ليه يا باشا ؟! صرّخ وقول إنك بتتوجع ..يمكن ناري ع المرحوم تبرد شوية !
لكن ناصر يبصق في وجهه فجأة فيتراجع ليمسح وجهه وعيناه تقدحان الشرر ..
قبل أن يتوجه نحو سها ليجذبها من شعرها فتصرخ من جديد مع هتاف الوغد :
_ما كنتش عايز أعملها بس عشان حركتك دي هاوريك فيلم هيعجبك قوي .
يقولها وهو يدفع كرسي سها ليسقط أرضاً بها فتتوالى صرخاتها وهي تحاول تحريك قدميها ويديها المربوطة دون جدوى ..
قبل أن يمد يديه يمزق عنها ملابسها لكن صوت "الصقر" يعلو صارماً :
_توقف ..لم يعد هناك وقت .
تلتفت العيون كلها مع عبارته نحو الناحية التي أشار إليها لتتعالى شهقات عابد وسها بينما يزداد ارتعاد جسد ناصر وهو يعقد حاجبيه بمزيد من ألم ورعب ..
فهناك على أحد الأعمدة كانت قنبلة مثبتة يشير توقيتها الزمني أن ما تبقى على انفجارها هو ثلاثون دقيقة فحسب !
_لعنكم الله ! لعنكم الله !
يصرخ بها عابد بقهر وهو يحاول تخليص نفسه من قيوده فيلتفت نحوه الصقر بعينيه الحادتين مزاولاً ما يجيده :
_الله لا يلعننا ..الله ينصرنا لأننا جنده ..وأنت ومن مثلك تستحقون أن تذوقوا نار الدنيا قبل الآخرة .
_كفاك كذباً ! لم نعد في واحدة من محاضراتك الآثمة التي تقلب فيها الحقائق وتزور فيها الدين .
_أي دين أيها الشيخ ؟! دينك غير ديني ..ديني يضعني دوماً على القمة منتصراً بينما دينك لا يورثك سوى المهانة والهزيمة ..
ثم يمسك ذقن عابد يهزها بقوة مع استطراده المفعم بالكراهية :
_بعد نصف ساعة فقط ينفجر هذا المكان بمن فيه ..انشققت أنت عنا لكن هذه العملية ستحمل توقيعك أمام الجميع ..وبينما يكون انتباههم كلهم مسلطاٌ هنا ..نكون نحن هناك حيث هدفنا الآخر الأكثر دوياٌ ..
تتسع عينا عابد بارتياع مع هذه التفاصيل ليصرخ بحرقة مع استطراد "الصقر":
_مدرسة (....) الابتدائية !
_مدرسة أطفال يا ولاد ال"....."!!
يصرخ بها ناصر كأسد حبيس وهو يشعر أنه على وشك فقدان وعيه ألماً ..
لكن الصقر تجاهله تماماّ موجهاً كلامه نحو عابد :
_كلما كان الهدف أكبر كلما كان الصيت أعلى دوياٌ ..أرأيت قيمتك عندي أيها الشيخ ؟! عملية ضخمة ستخلد باسمك أنت ..مُت قرير العين يا رجل .
يقولها ليترك ذقن عابد بعنف فيصرخ الأخير بحرقة :
_أطفال !! أطفال أيها الوحوش!!
لكن صرخاته لا تلاقي أي صدى بينما الرجلان يرمقانهم بنظرة شامتة أخيرة قبل أن يركضا ليغادرا المكان الذي أوشك أن يتحول لقطعة من جحيم ..
_ناصر !
تصرخ بها سها بانهيار وهي عاجزة عن الحركة مكانها فيهتف بها عبر أنّات ألمه المكتومة التي جعلت صوته لاهثاً :
_ما تخافيش ..
ثم يتوجه نحو عابد مخاطباً :
_أنا آسف إني شكيت فيك في الأول ..كنت فاكرك معاهم ..المهم دلوقت هم رابطيننا بحبل بلاستيك مش هنعرف نفكه ..الحل الوحيد إنك تتحرك بالكرسي لحد العمود اللي هناك وتحاول تكسر دراعاته ..بسرعة يا عابد ..
يتحرك عابد بالكرسي كما طلب منه بصعوبة حتى يصل للعمود القريب فيضرب به الحائط محاولاً تكسيره لكن الأمر لم يكن يسيراّ ..
_كمان يا عابد ..اضرب أجمد ..دراع واحد بس يتفك وهتنجح .
فيحاول عابد من جديد تركيز قوة دفعه على مسند الكرسي الذي بدا ملتصقاً به وهو يخبطه بعنف أكبر في الحائط من جديد مرة تلو مرة ..
حتى تهشم مقعد الكرسي ليشعر بذراعه يتحرر ..فيهتف لاهثاّ:
_الحمد لله !
_الصفيحة اللي هناك دي ..اتصرف بغطاها وفك نفسك وسها .
لم يكن الفعل سهلاً كالقول لكن عابد يفعلها أخيراٌ بقبضتين صار الدم يتفجر منهما بغزارة ليحرر نفسه وسها ..
قبل أن يتحرك نحو ناصر محاولاً تحريره كذلك ..
لكن ناصر يشير بعينيه نحو القنبلة هناك قائلاٌ بصوت لاهث وهو يكاد يفقد وعيه :
_ماعادش غير عشر دقايق والمكان ينفجر ..مش هاتقدروا تتحركوا بيا وأنا كده ..سيبوني وامشوا .
_لا ..لا ...مش هاتحرك خطوة من غيرك !
تصرخ بها سها بانهيار وهي تنكب فوقه بجسدها لكنه يكتم صرخة ألمه بصعوبة قائلاً بسرعة جعلته يلهث :
_لازم تخرجوا من هنا عشان تبلغوا عن المدرسة المقصودة ويلحقوا ولاد ال"..." قبل ما يعملوها ! انتو الأمل الوحيد دلوقت !
يتجمد عابد مكانه وهو ينظر لساقي ناصر المصابتين شاعراّ أنه في صراع رهيب ..
لن يستطيع تركه وحده هنا ..
لكن انفجار القنبلة لن يحتاج سوى لدقائق ..
إنها ليست حياته وسها وحدهما ..بل حياة مئات من الأطفال على الجانب الآخر ..
_مفيش وقت يا شيخ ..اخرجوا بسرعة واتصل بالرقم ده (....)...ده خط ساخن هيوصلك باللي هيقدر يتصرف ..خدها وامشوا بسرعة ..
يتحدث ناصر بعجلة تناسب ضيق الوقت عبر أنفاسه اللاهثة وقد تحول وجهه لبركة من عرق ..
_لا يا ناصر ..سيبه هو يمشي وأنا هافضل معاك ..مش هاسيبك .
تصرخ بها سها وهي تحاول تحرير قيوده لكنه يصرخ بها بحدة :
_المدرسة يا سها ! اعتبري كل طفل فيهم ابننا اللي ما خلفناهوش ..روحي معاه واعملوا اللي تقدروا عليه ..خدها يا عابد ..أنا اللي بقوللك خدها واجري بسرعة من هنا ماعادش وقت..انت لسه ماتعرفش هتخرج من هنا إزاي ..
تنهمر دموعها غزيرة وهي تتشبث به فيغمض عينيه بقوة ليهمس لها :
_قولي للحاج أنا آسف ..كان نفسي أحقق أمله وأجيب له اللي يشيل اسمه عشان كنت عامل حساب يوم زي ده ..بس اللي هو مافهموش إنك انتِ ..انتِ كل ولادي !
_أنا آسفة ..أنا آسفة ..
تصرخ بها بين دموعها وهي تتشبث به أكثر لكنه يصرخ بعابد بحدة :
_خدها وامشي ..ياللا ...
فيتحرك عابد بسرعة ليبعدها عنه فتقاومه صارخة :
_سيبني معاه ..هنموت سوا زي ما عشنا سوا ..سيبني ..
_خدها وابعد !
يصرخ بها ناصر من جديد وهو يشعر أن المرئيات تهتز أمامه منذراٌ بفقدان وعيه ..
فيتحرك عابد بها يكاد يجرها جراً تحت صرخات مقاومتها ..
قلبها يكاد يتوقف رعباٌ وهي لا تميز حقيقة من خيال ..
لا ..هذا ليس واقعاٌ ..إنه كابوس ..
تصرخ باسمه بهستيرية وهي تتشبث بصورته التي تتباعد ..
كذلك هتافه المتكرر يتلاشى رويداٌ رويداّ مع ابتعادهما :
_المدرسة ..ولادنا يا سها ..ولادنا ..ولادنا ..
صوته يغيب عن أذنيها أخيراّ وهي عاجزة عن إدراك الوضع ..
تشعر بذراعي عابد تكبلانها بقوة تمنعها العودة إليه وهو يتحرك بها غير مدرك لأبعاد المكان ..
_يارب سلم ..لا إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ..يارب يارب ..
يهمس بها سراّ مع خيط من الدموع عجز أن يمنعه وهو لا يعرف كيف يغادر المكان ..
لم يشعر بالعجز في حياته كما يشعر الآن وهو يترك الرجل خلفه يعاني مصيره وحده لكن ما حيلته ؟!
يستجيب لحدسه وهو يتحرك بها عبر أروقة متداخلة ليجد نفسه معها أخيراّ في العراء ..
صحراء واسعة مظلمة قاسية كقسوة قلوب اختبرها لتوه ..
يتلفت حوله بخوف محاولاٌ البحث عن مساعدة وهو يشعر بها تكاد تسقط فاقدة لوعيها بين ذراعيه ..فيهتف بها لاهثاٌ برجاء:
_بالله عليكِ لا تحملينا ما لا نطيق ..اجري معي ..لا تدعي تضحيته هو هذه تذهب هباء !
تقف مكانها شاخصة البصر كالميتة لاهثة كمن تكاد تفقد روحها ..
لا تبدو كأنها تعي شيئاٌ مما يقول لكنه يجذبها من ذراعها ليجبرها على العدو معه مبتعديْن عن المكان ..
وأخيراٌ ..
صوت انفجار!!
صوت انفجار يدوي خلفهما ويجعلهما يسقطان على وجهيهما فجأة لتشعر بمذاق الرمل المبلل بالماء والدم في فمها ..
وبمذاق حارق كاوٍ في روحها كلها ..
تلتفت خلفها غير مصدقة فترى ألسنة اللهب تبدو كأذرعة وحوش ..
وفوقها دخان أسود كثيف يرتفع للسماء فيبدو لها وكأنه يرتفع بروحه معه ..
_ناااااااصر..
صرختها تدوي وسط سكون الصحراء فيردها الصدى أضعافاً ..
قبل أن يفرض الصمت المهيب نفسه و الفقد الغادر يبسط جناحيه القاسيين حولها ..
فلا كلام بعد ..ولا ندم ..
======
انتهى الفصل الثاني والثلاثون
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الرابع وخمسون 54 - بقلم سينابون
القطعة الحادية والثلاثون
=====
_الجو برد عليكِ هنا يا ستي .
تهتف بها ياقوت بجزع وقد صعدت الدرج المؤدي إلى السطح لتفاجأ بثمر هناك جالسة على الأرض وقد أمسكت مسبحتها ..
فتلتفت الأخيرة نحوها بابتسامة راضية ناسبت قولها:
_الدفا دفا القلوب يا بنت قلبي ..تعالي .
تقولها وهي تفتح لها ذراعيها فتضحك ياقوت ضحكة رائقة لم تعرفها منذ زمن بعيد لتهرع إليها فتتوسد حجرها مستلقية على الأرض ثم تنظر للقمر الذي استدار كاملاً في وضع البدر قائلة :
_معاكِ حق يا ستنا ..الدفا دفا القلوب فعلاً .
ترمقها ثمر بنظرة متفحصة ثم تزيح غطاء رأسها الذي تعمدت به ياقوت إخفاء أذنيها لتسطع لمعة الياقوت الأحمر في هذه الظلمة فتغمغم ثمر بغموض ماكر:
_رجعتِ لبستيه !
ترفع إليها ياقوت عينين مغشيتين بعاطفتها ثم تسبل جفنيها بخجل يكفيها الرد ..
من ذا الذي يحتاج للكلام في حضرة ثمر التي تكشف عيناها خفايا القلوب؟!
تماماً كما فعلت الآن وهي تمسد على شعر ياقوت لتقول بيقين خبير:
_من يوم ما شفته في ودنك أول مرة وأنا قلت ده صوت قلبك اللي دق ليه ..عشان كده لما شفتك قالعاه قلت ابن الأكابر عمل حاجة وجعتك قوي ..بس لقيته جاي على ملا وشه يطلبك مني ..قلت أقرص ودنه عشان ما يكررهاش ..لكن الظاهر إنه راضاكِ ..عمل إيه ؟!
تنهدت ياقوت بحرارة وهي تشعر بوخز الذنب من إخفائها بعض الحقيقة لكنها استمعت لنصيحة إسلام فتخيرت كلماتها بحذر:
_قابل سامر !
_كنت عارفة إنه هيعملها ..النظرة اللي كانت في عينه يومها قالت إنه هيهد الدنيا لحد ما يوصللك ..المهم طمنيني ..آذي الجدع؟!
تسألها بقلق لتبتسم ياقوت وهي تهز رأسها نفياً مجيبة :
_لا ! هو بس قالله إنه هو عايز يخطبني وإني تقريباٌ موافقة ..وبعدها كلم إسلام وطلب إيدي منه .
ضاقت عينا ثمر بتفحص مع سؤالها:
_وأخوكِ قالله إيه ؟!
عادت ياقوت تمط شفتيها وهي تتلو لها نصاً ما قاله إسلام لتلتمع عينا ثمر بترقب ..
_وهو وافق؟!
أومأت ياقوت برأسها إيجاباً لترفع ثمر عينيها للسماء للحظات شعرت بها ياقوت كدهر خاصة مع قول ثمر بعدها:
_أهه ده كان امتحانه التاني .
_ونجح فيه يا ستي؟!
تسألها بوجل لتصمت ثمر بعدها قليلاً قبل أن ترد بشرود :
_مش هاخبي عليكِ يا بنت قلبي ..من يوم ما شفته وأنا خايفة أظلمه وأشوف فيه صورة حسين ..لكن كل مرة بلاقيه يأكد ظني إنه فعلاً مش كل صوابعنا شبه بعضيها ..يعلم ربي إني ماكنتش أتمنى ليك واحد زيه في فلوسه وجاهه ..كنت مستكفية بحد يحبك لطبعك وتحبيه لطبعه..لكن ربنا سبحانه وتعالى شاء إنه يجمع حلمي وحلمك سوا ..
_يعني راضية عنه يا ستي؟!
تهتف بها ياقوت وهي تنتفض مكانها بلهفة لتضحك ثمر عبر أسنانها المكسورة قائلة بمكر العجائز:
_هاعمل إيه ماهو واقف حالك ؟!..كل ما هيتقدم لك حد هيروح ويعمل معاه زي ما عمل مع زميلك إياه .
تضحك ياقوت ضحكة عالية أطلقها قلبها قبل شفتيها وهي تشعر بفخر حقيقي جعل عينيها تدمعان وهي تميل عليها لتحتضنها بقوة هاتفة بصوت أرجفه انفعاله :
_والله العظيم ..ويشهد عليا ربنا ..ما كنت بحلم غير باللحظة دي ..حد يرفع راسي قدامك ..ويرفع راسنا سوا قدام الناس .
دموعها تخونها في كلماتها الأخيرة فتربت ثمر على ظهرها ثم تبعدها لتحتضن وجهها بين كفيها المرتجفين قائلة بنفس اليقين الخبير:
_واحد زيه لما يصبر على قولة لأ لما تيجي في وشه مرتين يبقى معناها إن اللي في قلبه أكبر من غرور فاني ..بس أخوكِ معاه حق ..سيبي الأيام تغربل شوية الحصى اللي فاضل ..ماضيه مش هين ..والشيطان بيجري من ابن آدم مجرى الدم ..واللي بييجي رخيص بيروح ببلاش ..لكن اللي بنشقى عشان نوصلله بيفضل طول العمر فوق الراس .
تهز ياقوت رأسها موافقة وهي تعود لاحتضانها بقوة فتبتسم ثمر برضا وهي تطالع السماء من جديد بدعاء صامت ..
_سايبينني تحت بغسل الصحون وقاعدين هنا؟! الأحضان والدموع دي يعني عريس ..صح ؟! قولوا صح والنبي يمكن ينوبني م الحب جانب .
هتاف رابحة العالي يقاطع المشهد فتضحك كلتاهما لتهتف ثمر باستنكار حنون:
_يا مطيورة فكري في حاجة غير الجواز اللي واكل مخك ده ..لا حول ولا قوة إلا بالله ..وبعدين قلتلك ستين مرة ماتحلفيش غير باللي خلقك .
فتضحك رابحة وهي تندفع نحوهما لتتربع جالسة هاتفة بلهفتها المعهودة :
_وهي الست ليها غير الجواز؟!
_الست! الست يا مطيورة مش اللي لسة طالعة م البيضة أول امبارح.
تهتف بها ياقوت بغيظ مرح وهي تقرص وجنة الفتاة التي تأوهت لتهتف مشاكسة :
_ما أنا مش هاستنى أوصل سنك ..ذنبي إيه أصبر كل ده ؟!
_تصبري؟! تصبري يا قليلة الحيا ؟!
تعاود بها ياقوت قرصها بمرح لتضحك ثمر قائلة :
_شوفوا البت ! بنات آخر زمن صحيح!
يتشاركن الضحك للحظات قبل أن يعلو صوت الأذان فيصمتن ليرددنه سراً قبل أن تسند ياقوت ثمر لتساعدها في الوقوف بينما الأخيرة تقول بنبرة تخللها بعض القلق:
_هاصللي الفرض وأدعي لأختك ..معرفش قلبي واكلني عليها ليه .
_ما تقلقيش يا ستي ..كلمتها أنا وإسلام ومبسوطة قوي .
_ماجابتش سيرة حماتها؟!
تسأل ثمر وهي تتوجه نحو الدرج لترد ياقوت :
_لأ ..بس صوتها كان هادي .
تومئ ثمر برأسها بحركة رتيبة قبل أن تتركهما لتهبط الدرج فتعود ياقوت نحو رابحة التي كانت منهمكة تماماً في النظر لشاشة هاتفها ..
تختطفه منها فجأة لتطالع ما فيه فتشهق رابحة وهي تغطي وجهها بخجل ..
بينما تتسع عينا ياقوت بصدمة وهي تراقب "الجروب" الذي انضمت إليه الفتاة باسمه الصاعق ..
"كيف تشقطين ذكراً"!!!!!!!
_تشقطين ذكراً؟!!! تشقطين!!! يخرب بيتك!!
تهتف بها ياقوت باستنكار فتضم الفتاة كفيها معاً في وضع التوسل هامسة:
_وطي صوتك يا دكتورة .
_وش كسوف قوي يا بنت!
_والله العظيم ما عملت حاجة ..أنا دخلت بس قلت أستفيد .
_تستفيدي من إيه ؟! هتجلطيني!
تهتف بها ياقوت بنفس الاستنكار لكنها تحكم عقلها محاولة مجاراة الفتاة في سنها الحرج هذا الذي يواجه خطورة التكنولوجيا وقد فتحته على مجالات انحراف فكري مغايرة لجيلها هي الذي كان أكثر تحفظاٌ ..
_دول شوية ولاد وبنات بيتكلموا في أي حوارات ..قلت أشوف الجو من بعيد ..وبحساب وهمي محدش عارفه ..كله في السليم وربنا !
تهتف بها رابحة برجاء لتكظم ياقوت غيظها وهي تسحبها من كفها نحو الأسفل لتلحقا بثمر ..
_هنصلي جماعة مع ستي وبعدها تحكيلي بالنص اللي بيحصل فيه ..ولو كدبتي هاعرف وهاخللي أمك تعلقك !
تقولها ياقوت بصرامة فتومئ الفتاة برأسها موافقة لتمزج الأولى شدتها باللين مردفة:
_بس لو صارحتيني بكل حاجة وماخبيتيش هساعدك في كل حاجة تطلبيها ..ونفضل أصحاب زي ما احنا .
تبتسم الفتاة بسذاجة كاشفة عن قلبها الطيب لتتنهد ياقوت وهي تعاود مناولتها هاتفها لكنها تفاجأ بأيقونة لملف خارجي سمي ب..
"الكراش حُبعمري"!!!
هكذا دون فاصل بين الكلمتين الأخيرتين !
_يا لهوي ! وده مين ده كمان ؟!
تهتف بها ياقوت وهي تفتح الملف لتفاجأ بعدة صور ل"الصالح"!
_لا يا ست ياقوت ..ده حب بريئ والله ..بشوف صوره وأطمن عليه من بعيد لبعيد بس..وطي صوتك أحسن حد يسمع!
تهمس بها رابحة بحرج وهي تتلفت حولها لتخبطها ياقوت على مؤخرة رأسها هاتفة :
_والفضيحة اللي انتِ عاملاها ع الموبايل دي ! ده انتِ ناقص تكتبي اسمه على قفاكِ!
_كتبته في قلبي!
تهمس بها بهيام مبالغ فيه وهي تضم كفيها لصدرها فتبتسم ياقوت رغماً عنها وهي تشيح بوجهها متمتمة:
_هبلة ومسكوها طبلة صحيح!
ثم تعود لتهتف بالفتاة باستنكار:
_مش خايفة التليفون يقع في إيد أبوكِ واللا أمك ؟!
_مالهمش فيه ! دول بيردوا بالعافية ع المكالمات ..وبعدين أنا عاملة كلمة سر !
تهتف بها الفتاة بفخر ساذج لتمط ياقوت شفتيها يمنة ويسرة عدة مرات بسرعة بهذه الحركة الشهيرة ...
ثم تشد الفتاة من أذنها وقد وصلتا لنهاية الدرج هامسة بنبرة محذرة :
_نصلي كده ونقعد قعدة حلوة ..تحكيلي اللي عندك وتسمعي كلامي .
فتهز الفتاة رأسها بحماس قائلة :
_وربنا المعبود كنت هاعمل كده من غير حاجة ..عايزاكي تفيديني بخبرتك ..بيقولوا الدكاترة النفسيين دول ولا اللي مخاويين ..بيعرفوا المستور ويقربوا البعيد.. ويجلبوا الحبيب .
تقول عبارتها الأخيرة بهيام مبالغ فيه لتعاود ياقوت خبطها على مؤخرة رأسها قائلة بغيظ :
_لا يا حبيبتي دي الشيخة المغربية ! لكن احنا بنلبّس الجلابية البيضا بالمشقلب وبنحدف ع العباسية ..عارفاها ؟!
تضحك الفتاة ضحكة عالية وهي تتمسح في ذراع ياقوت كهريرة صغيرة قائلة :
_شربات يا زينة الدكاترة !
_الصلاة يا بنات!
تهتف بها ثمر من غرفتها فتهرع رابحة بحركتها الطائشة المعهودة لتلحق بالعجوز فيما تتسمر ياقوت مكانها للحظات ترقبها بغيظ هامسة :
_جيل عايز إعادة تأهيل وربنا ! تشقطين ذكراٌ! وجايالي أنا أفيدها ! نشنت ونشانها رشق !
=======
_هو عامل إيه ؟!
يسألها زين بقلق وهو يقف أمامها في صالة بيتهما لترد همسة بخفوت مشيرة للغرفة الجانبية :
_ياقوت معاه دلوقت ..زياراتها بتفرق قوي ..بس هو كالعادة كتوم ..مش راضي يتكلم معاها .
تقولها لتصمت لحظة قبل أن تسند رأسها على صدره لتهمس بين دموعها :
_خايفة أضعف يا زين ..خايفة ما أقدرش أسنده زي ما سندني .
فيزدرد ريقه بتوتر ورغم أنه كان يشاركها نفس الخوف لكنه اختار مساندتها في قرارها ليربت على ظهرها قائلاً بحسم:
_انتِ فاجئتينا كلنا بالقوة اللي جواكِ ..من سنة واحدة بس لو كان حد قاللي آنك هتوصلي للمرحلة دي كنت قلت زمن المعجزات انتهى ..عشان كده واثق فيكِ ..ما تخافيش ..أنا معاكم ..رائد بس محتاج وقت ..ومحتاجك ..أكيد مش هتخذليه زي ما هو ما خذلكيش .
دفنت وجهها في صدره قليلاً ليشعر بذراعيها يشتدان حول خصره كأنما تستمد منه قوتها قبل أن ترفع إليه وجهاً باسماٌ لتسأله بحزن ملائكي:
_انت شايف إن أنا السبب؟! أنا اللي قتلتها ؟!
والجواب يأتيها من خلفها بصوت ياقوت التي خرجت لتوها لتهمس لها بخفوت مخافة أن يسمعها رائد بالداخل:
_حقدها اللي قتلها ..وهم الماضي اللي سلمت له رقبتها لآخر لحظة ..فرحتكم مش ذنب المفروض تتحاسبوا عليه ..صدقي كده يا همسة عشان تخللي رائد كمان يصدق .
تلتفت نحوها همسة لتسطع عيناها بنظرة امتنان واثقة لتسألها بلهفة:
_وافق يحكي معاكِ واللا لسة رافض؟!
أومأت ياقوت برأسها إيجاباً لتلتمع عينا همسة بالمزيد من الراحة فيما التفتت ياقوت نحو زين باشتياق فضحه قمراها "الحرّان" ليقابلهما بنظرة أكثر اشتياقاً اتشحت بطيف عابر من "غيرة" لم يستشعرها سواها !
تعرف هذا الانفعال القوي الذي يكتمه فينفر له عرق جبينه رغم برود قسماته ..
هل هذا من زعم يوماً أنه آخر رجل في العالم قد يغار عليها هي؟!
غيرة غير منطقية تماماً مع وضع رائد معها لكنها ترضي غرور أنوثتها!
بينما بدت همسة بعيدة تماماً عن كل هذا وهي تهمس ببراءتها المعهودة :
_كنت واثقة إنك هتخلليه يخرج من عزلته دي .
_ياقوت ما تتقاومش .
يقولها زين بنبرة غريبة رزينة لا تشي بالعشق الهادر المتواري خلف هذه الحروف القليلة ..
نبرة جعلت خلاياها تذوب انتشاء وخجلاً فتسبل جفنيها هاربة من شعورها ..
لتنقل همسة بصرها بينهما بابتسامة حملت بعض الارتياح قبل أن تسألها باهتمام امتزج بقلقها:
_هيفضل رافض الخروج ؟! ده حتى كلامه معايا بالعافية !
فتنحنحت ياقوت وهي تتحسس موضع نظارتها لتنتبه لعدم وجودها فترمق زين بنظرة جانبية مختلسة صاحبت ردها :
_جزء من مشكلة رائد دلوقت خوفه عليكِ انتِ ..ريّحيه من ناحيتك وهو قوي كفاية عشان يتجاوز الباقي ..
ثم ابتسمت وهي تربت على كتفها لتقول بيقين:
_صدقيني لو قلتلك اللي بيحصل دلوقت ده رغم كآبته بس أنا بعتبره امتحانك الحقيقي ..آخر محطة في طريق علاجنا ..جه الوقت اللي الأدوار فيه تتقلب ..الوردة الرقيقة المقفول عليها في صوبة إزاز عشان خايفين عليها دلوقت بتثبت للكل إنها قادرة تتكيف مع أي جو وأي ظروف ..هو محتاجك ..وانتِ محتاجة تحسي إنه محتاجك ..الحب الصحي هو اللي العلاقة فيه تبقى متبادلة زي لعبة الميزان ..مش طرف على طول بيدي والتاني ياخد .
تهز همسة رأسها بتفهم وابتسامتها المرتجفة تزداد وثوقاٌ لتشد ياقوت على كتفها أكثر مردفة :
_أكتر حاجة فرقت مع رائد إنك فضلتِ معاه ..سكوته مش بُعد عنك أد ما هو خوف عليكِ ..طمنيه وهتلاقيه واحدة واحدة بيهرب ليكي مش منك .
يرمقها زين بنظرة إعجاب تخترقها كسهم نافذ لكنها تتجاهلها محاولة تركيز نظراتها مع همسة التي قبلت وجنتها بعفوية لتهمس لها ببراءتها المعهودة :
_انتِ نعمة في حياة أي حد ..يا بخت القريبين منك .
فتبتسم لها ياقوت وهي تشير نحو الغرفة هامسة :
_ادخليله واعملي اللي اتفقنا عليه ..هامشي دلوقت عشان عندي معاد مهم في المركز وهاجيله بكرة .
_خللي زين يوصلك ..الدنيا ضلمت .
تهتف بها همسة وهي تتوجه ببصرها نحو زين الذي هز كتفيه قائلاً بنفس النبرة الرزينة :
_معنديش مانع لو وافقت .
حروفه تتشح ببعض المكر كأنما يذكرها باتفاقه مع إسلام ..
لتهتف همسة باستغراب:
_وترفض ليه ؟!
ثم تلتفت نحوها هي مردفة:
_انتِ زعلانة منه في حاجة ؟!
_لا أبداٌ ..بس مش عايزة أعطله .
تقولها ياقوت بمكر يناظر مكره فتنقل همسة بصرها بينهما بحيرة قطعها زين وهو يشير بكفه نحو ياقوت كي تتقدمه بحركة مهذبة ناسبت قوله :
_اتفضلي .
تكتم ابتسامتها وهي تسير أمامه بارتباك عجزت عن التحكم به وهي تشعر به خلفها ..
كانت تتوقع أن تلقاه اليوم ..ليس اليوم فقط بل كل مرة تزور فيها همسة ..لهذا ارتدت هذه البدلة الأنيقة التي اختارها إسلام بذوقه ..بلون ليلكيّ هادئ مع قميص أبيض ووشاح بألوان هادئة مزجت اللونين معاٌ بنقوش صغيرة غاية في الرقة ..وقد ربطته بهذه الطريقة التي تظهر فيها طرفي أذنيها بقرط الياقوت كأنها تود لو تشهد الدنيا كلها على وجوده !
_بلاها مشية العسكري دي وامشي زي الستات بقا ..جننيه كده ! شعلليه !
تهتف بها العفريتة العابثة بداخلها فتتجاهلها بإصرار لكنها تعجز عن تجاهل أمرها التالي وهي تجد نفسها تسير معه في الحديقة لتتذكر موقفاً مشابها ..
_ارمي الشنطة عشان يجيبها ..اهي فاتحة كلام وربك يرزق بالباقي!
يقف مكانه وهو يلمح حقيبتها تسقط فتتوقف بدورها لتلتفت نحوه فينحني وهو يلتقطها قبل أن يستقيم ليناظرها بعينين متوهجتين ..
كادت تهتف به بنفس العبارة التي قالتها يومها "مش مقامك يا بيه" ..
لكن هذه النظرة المشعة في عينيه أخرستها ..
اختطفت من فمها الحروف وجعلت خفقاتها تتحاوز حد الجنون ..
خاصة وهو يقطع الخطوة الفاصلة بينهما فلا يكتفي بمناولتها الحقيبة كالمرة السابقة بل يضعها بنفسه على كتفها قبل أن يميل عليها هامساً جوار أذنها بمكر داعب لهجته الرزينة :
_وقعيها ألف مرة وهاجيبها لو ده اللي هيثبتلك مقامك عندي .
يقولها ثم يستقيم فجأة كأن لم يقل شيئاً لتحمر وجنتاها بخجل بينما "عفريتتها العابثة" تسخر منها :
_اتفقستِ يا مفضوحة !
لكنها تتجاهل كلماتها مع هذا الطوفان من المشاعر الذي اكتسحها في هذه اللحظة وهي تناظر عينيه بهذا القرب ..
كبرياؤها يستصرخها أن تنكر زعمه لكن مشاعرها التي صارت حرة من كل شيئ ترسم على شفتيها ابتسامة ..
ابتسامة بعمق أملها فيه !
بينما يرمقها هو بنظرة عاشقة هوجاء تناقض كل هذه الرصانة التي ترسمها ملامحه ..
يتلقف نظراتها ببعض الدهشة وهو يشعر بهالتها الجديدة تزيد من قوة أسره ..
هالة صنعتها ثقتها فيه ..فخرها به ..وأمانها معه !
لهذا عاود السير معها إنما جوارها -لا خلفها- هذه المرة !
تشعر بكفه يلامس كفها في حركتهما -عرضاً- فتسري في جسدها قشعريرة باردة يجد هو الآخر صدى لمثلها ..
يفتح لها باب سيارته أخيراً فتستقلها قبل أن يركب بدوره ليغلق زجاج النوافذ بحركته المعهودة التي كانت تعني لها قديماً "سجن الملكية " ..
لكنها الآن تفهمها بمراده الحقيقي "خصوصية الحميمية" !
صمته يطول وصمتها كذلك قبل أن تراه يشغل "كاسيت" السيارة بهذه القصيدة الشهيرة للقيصر ..
إنما بصوته هو المسجل !!!
كأنه يقصدها هي بها وقد انتظر هذه الفرصة كي يسمعها إياها !!
قلبها يخفق بقوة مع صدى صوته الفخم بهذه الكلمات التي توقن أنه يعنيها هي بها ..
يارب قلبي لم يعد كافياً
لأن من أحبها تعادل الدنيا
فضع بصدري واحداً غيره
يكون في مساحة الدنيا
حبك يا عميقة العينين
تطرف تصوف عبادة
حبك مثل الموت والولادة
صعب بأن يعاد مرتين ..
تشعر به مع الكلمات الأخيرة يلتفت نحوها وقد كانت في هذه اللحظة أكثر هشاشة من أن تبادله النظر ..
لكن أشعة عينيه كانت تخترقها بدفئها فتبذر في روحها ألف أمل ..واعداً بألف ألف جنة ..
تسترخي في مقعدها أكثر فيصلها المزيد من صوته المسجل ..
عدي على أصابع اليدين ما يأتي
فأولاً حبيبتي أنتِ ..
وثانياً حبيبتي أنتِ ..
وثامناً وتاسعاٌ وعاشراً
حبيبتي أنتِ
تعض شفتها بخجل والكلمات -مصادفةً- تعيد إليها حساب عناقاته التي تحفظها بعددها واحداٌ تلو الآخر ..
فتحترق وجنتاها تأثراً وهي تشعر برائحة عطره تتآمر مع صوته مع كلماته مع هذه العزلة الافتراضية لهما لتغرقها فيه أكثر وأكثر ..
لكنه يوقف "الكلمات" عند هذا الحد فتود لو ترجوه أن يتركها هكذا تسري في أذنيها للأبد ..
طالما كان يخبرها عن عشقه لصوتها وهي تقرأ ..
والآن تود لو تخبره أنها هي الأخرى تذوب هياماٌ بهذه الطريقة التي ألقى بها القصيدة !
تلتفت نحوه بنظرة مستنكرة حملت طيفاً من رجاء أن يكمل ما انقطع لكنه يحدجها بنظرة جانبية مختلسة ليعاود النظر للطريق مع قوله بنبرة متحفظة لم تخلُ من مكر:
_إحساس وحش قوي لما تتعلق بحاجة ونفسك تكمل ..بس تقف غصب عنك ..هه؟!
لم تملك ابتسامتها وهي تفهم مراده !
لا فائدة !
لايزال لا ينسى ثأره ويرده واحدة بواحدة !
ستبقى سجالاتهما المميزة بقوتهما المتقاربة هذه سر العلاقة الفريدة بينهما !
جبلان سيبقيان يتصارعان في طول قمتهما للأبد!!
تشيح بوجهها عنه محاولة الانشغال بالطريق لكنها كانت تعلم أنها لا تركز في شيئ الآن قدر حساب نظراته المختلسة لها والتي لا تزال تعبرها ..وتلفها في دوار لذيذ لا ينتهي ..
تنتظر بشوق أن تأتي هذه اللحظة التي تخبره فيها بمنتهى الصراحة ..بمنتهى الوضوح ..
كمراهقة لا تفقه شيئاً في فنون الدلال أنها تحبه ..
هكذا ببساطة وحسب!
تتمنى لو تعيش معه كل عصورها المفقودة ..
لو تعيد عيش كل يوم سبقه بين ذراعيه من جديد!
الخاطر الأخير يكتسحها بشعور غامر يلجلج قوتها المعهودة معه لكنها ولأول مرة تستلذ بوهنها قربه !
ربما لأنه يشبه وهن الصغير حين يركن لأبيه يحتمي بعباءته ..
لا كوهن الضعيف الذي يخشى البطش!
_نسيت نضارتي عندك .
تغمغم بها بارتباك تقطع هذا الصمت المتعمد بينهما وهي تشيح بوجهها ليصلها صوته المهيمن متشحا بعاطفته:
_ما اسمهاش عندي ..اسمها في بيتنا .
يضغط حروف كلمته الأخيرة ببطء متعمد فتحمر وجنتاها ليبتسم هو متشربا ملامحها بنظرات عاشقة حارة ناقضت برودة صوته:
_عموما هي معايا دلوقت.
_فين؟!
تسأله وهي تلتفت نحوه لتختلط برودة صوته ببعض العبث:
_في جيبي.
_هاتها.
تقولها منتبهة لهذا الانبعاج في جيب قميصه ببعض التحفز وعيناها هي الأخرى تتشربان بملامحه التي بدت لها في هذه اللحظة أكثر وسامة ..أكثر سحرا..وأكثر قربا ..
فتزداد وتيرة العبث في صوته وهو يهز كتفيه وقد تشبثت قبضتاه بمقود السيارة :
_لو عايزاها خديها .
_زين.
تهمس بها بنبرة أذابت قلبه بل صهرته صهرا!
بهذا الخجل الذي دغدغ حواسه مذكرا إياه بمذاقها بين ذراعيه ..
بهذا العشق الذي ربما لم تبح به حروفها وإن كانت تصرخ به خلاياها بصدى يرجه رجا ..
وبهذا العتاب المستنكر الذي يجعله يرمقها بنظرة عنيدة متحدية تكاد تقسم أنه لن يرجع عما برأسه مهما كان ¡
دقيقة كاملة مرت بينهما والعناد المتفجر بالعشق يشعل الصمت بينهما ..
لتحسم هي أمرها أخيرا فتمد أناملها بخفة تلتقط نظارتها من جيبه لكنه أطبق بقبضته على كفها في موضعه!
هناك ..أمام قلبه تماما !
فتتحول نظراته لمزيج دافئ من عشق واشتهاء ..
سراجا الشمس في عينيه يتوهجان ببريق يكاد يغشي عينيها ..
وبصوت بدا وكأن لا يخرج من شفتيه ..
بل يخترق من قلبه لقلبها كشعاع من نور..ونار:
_عارفة أد إيه نفسي دلوقت إن اللحظة دي ما تخلصش؟! نفضل طول العمر كده ؟! إيدك جنب قلبي مطمناه! مونساه! ..كل دقة فيه بتلمسك ..وبتحلفلك إنه هيفضل ليك انت ..انت بس ..
آهة قصيرة خائنة تغادر شفتيها فاضحة هذا الزلزال الذي يبعثر كيانها كله مع كلماته هذه ..
ثم يلملمه!
آهة يود لو يتلقفها بين شفتيه اللتين تعلقت بهما عيناه باشتياق أحرقهما معاً ..
لكنها سحبت كفها منه لتجد كلماتها تخرج رغماً عنها مشوشة مرتبكة فظة :
_خد بالك من الطريق محدش بيعمل كده وهو سايق ..وبعدين ما تنساش وعدك لإسلام ..انت قلتله إنك مش هتكلمني لحد ما يبلغك بموافقته ..ما تستغلش الظروف .
ابتسامته الماكرة مع إشاحته بوجهه تفضح تفهمه لسبب هذه الفظاظة المفاجئة التي جابهته بها ..ليرد بصوته الذي عادت إليه نبرة تحفظه المهيمنة :
_معاكِ حق ..مش هتتكرر .
ابتسامته جعلتها تلعن وسامته الطاغية هذه والتي تبقيها دوماً على حافة بئر عميق بلا قرار لا تكاد تنتظر سوى زلة قدم كي تسقط !
_دبش ! دبش! الراجل قرب يطلع قلوب من عينيه وانتِ عاملالي فيها أبلة الناظرة ! بقا دي عيون يتقال لها لأ ..يا جاحدة ! طب بلاش عينيه ..صوته ..كلامه ..واللا ..
تترك العفريتة العابثة لعربدتها بداخلها راضية بها هذه المرة ..
ليخفق قلبها بلوعة وهي ترى الطريق يقصر منذراً بفراق وشيك وقد بدا لها مبنى المركز من بعيد ..
تتوقف سيارته فتشعر بضيق حقيقي وهي تطرق برأسها مشبكة كفيها ..
_هتسيبيه كده من غير كلمة واحدة وياعالم هتشوفيه تاني امتى ؟! انطقي يا جبلّة ..قولي أي حاجة تصبره ! وتصبرني!!
تستمع لنصيحة "العفريتة العابثة" في سابقة نادرة فتتلفت حولها لتتأكد من خلو المرآب الذي ركن به سيارته ..
ثم تشير بعينيها لنظارتها في جيبه قائلة بنبرة عجيبة تأرجحت فيها الأنصبة العادلة بين عاطفة وفظاظة ومكر :
_زي ما قلعتهالي بإيدك ..لبسهالي .
تسمع صدى ضحكته المكتومة فتنطلق بداخلها ألف زغرودة عالية وهي تسبل جفنيها لتشعر به يستخرج نظارتها من علبتها ..
ترفع إليه عينيها بقمريها "الحُرّين المحلقين في سمائه" فتراه يقرب نظارتها لشفتيه فيما بدا كقبلة خاطفة لم تستغرق ثانية لكنها نفذت لقلبها كسهم مارق ..
ثم يلبسها إياها وعيناه تجزيانها عن صيام لسانه آلاف الكلمات !
الصيام الذي بدا عاجزاً عن المزيد منه وهو يشعر بأنفاسها اللاهبة تشارك أنفاسه اشتعالها ..
_كل ما بتوحشيني بشتري كتاب ..بحتفظ بيه من غير ما أقراه وأحلم باللحظة اللي هتقريهولي فيها ..وانتِ في حضني .
همساته الدافئة تشعل أحطاب روحها فتحس وكأن خلاياها كلها تنصهر بهذا القرب المهلك ..
لكنها تهرب من خجلها بمزيج فظاظتها ومكرها فتقول وهي تبعد وجهها عنه :
_كل ما بوحشك ؟! على كده اشتريت كام كتاب لحد دلوقت؟!
فيبتسم وهو يرفع أحد حاجبيه ليبتعد بدوره مسافة كالتي ابتعدتها ثم يرد بهدير عاطفته الماكر:
_قربت اخلص المكتبة .
ضحكتها القصيرة تحلق حرة فوق شفتيها وقد بدا وكأنما أعجبها الرد ..لتقول بمكر عابث:
_خلاص ..لما تخلص المكتبة نبقى نتفاهم .
فيصدر همهمة قصيرة وهو يدرك تلذذها بعذاب انتظاره لتلتمع عيناه ببريق أكثر مكراً وهو يميل برأسه قائلاً:
_يعني مش مستعجلة انتِ كمان تعرفي حكاية "مثلث برمودا" اللي عندك واللي هنكتشف أسراره سوا؟!
_مثلث برمودا ؟! عندي أنا؟!
تسأله بحيرة ليهز رأسه مؤكداً بغموض:
_مثلث صغير كده عندك له قصة ظريفة هابقى أحكيهالك بعدين .
التمعت عيناها بفضول حائر ترجوه المزيد لكنه أشاح بوجهه مردفاً بنبرة عاد إليها مكرها :
_لما أخلص المكتبة !
تبتسم بدورها وهي تدرك أنه يرد لها بضاعتها ويتركها مثله تتحرق على صفيح ساخن من شوق وترقب ..
تغادر السيارة لترمقه بنظرة أخيرة تلقفها بعمق عاطفته وعيناه تتعلقان بقرط أذنيها بنظرة راضية ..
قبل أن يبتسم لها ابتسامته الساحرة التي ودعتها قبل رحيلها ..
تتنهد بهيام وهي تخطو بخطوات متثاقلة نحو غرفتها بالمركز كأنما تجاهد نفسها كي لا تستدير عائدة إليه ..
تصل لمكتبها أخيراً فتغلق بابه خلفها ولم تكد تفعل حتى وصلتها هذه الرسالة الصوتية تكمل لها القصيدة بصوته كما تمنت ..
كأنه يجزيها عن بخل بوحها كرماٌ !
دعي نظراتك الحمراء تقتلني
ولا تكوني معي يأساً ولا أملا..
وقاوميني بما أوتيتِ من حِيلا ..
إذا أتيتك كالبركان مشتعلا ..
أحلى الشفاه التي تعصي ..
وأسوأها تلك الشفاه التي دوماٌ تقول بلى !
======
_قالوا لي إنك شاورتِ على صورتي؟!
تقولها ياقوت مخاطبة نجلاء -حالتها الجديدة- في المركز والتي بدت غير منتبهة تماماً مع نظرة الرعب في عينيها وهي تنظر لسترة ياقوت التي كانت من جلد الثعبان المرقط ..
انتبهت ياقوت لما تعنيه نظرتها فخلعت سترتها برضا لتخرجها ثم تعود إليها ..
النظرة المرتعبة تخف حدتها فتزداد يقيناً خاصة وقد تم تشخيص حالتها المبدئي بما يسمى "التريبوفوبيا" أو فوبيا الثقوب ..
هذا الرهاب الذي لم يعترف به بعد ك"فوبيا" حقيقية إلا من خلال بعض الدراسات ..
وهو رهاب يعانيه بعض الأشخاص من رؤية الثقوب أو الدوائر المتلاصقة مختلفة الأحجام ..
كصور الفراولة ..خلايا النحل ..جلد الثعبان ..ومثلها من صور الثقوب أو الدوائر المتلاصقة ..
رهابٌ تزداد شدته وتنقص بالظروف المحيطة لكن المزيد من الضغوط قد تؤدي لاضطرابات اكتئابية حادة ..
هذا الذي يبدو أنه قد حدث مع المسكينة هذه ..
والتي تصادف أن يتم اختطافها واحتجازها في أحد "المناحل" المملوكة لأحد الخاطفين ..
ليصنع لها رهابها المعهود -مع مشهد خلايا النحل- المزيد من الاضطراب ليدخلها في حالة الخرس الهستيري هذه ..
والذي لم تتخلص منه حتى بعد إنقاذها !
هذا الاستنتاج الذي وصل إليه سامر بذكائه مشخصاً هذه الحالة الغريبة وقامت هي بوضع خطة علاج تشبه هذه التي وضعتها لهمسة من قبل ..
نفس الرهاب -مع اختلاف المسمى- والذي يرتبط بضغط شديد يجعل أثره يتفاقم هذا الحد !
_نجلاء ..سامعاني؟!
تسألها من جديد وهي تضع صورتها هي جوار وجهها لتردف:
_أنا اهه ..لو عايزاني أفضل شاوري تاني ..
ترمقها الفتاة بنظرة زائغة تتركز رويداً رويداً حول الصورة ..
قبل أن تنتقل منها إلى وجهها هي ..
سبابتها ترتفع نحوها ببطء فتبتسم ياقوت وهي تربت على كتفها قائلة :
_ممتاز ! أنا اسمي ياقوت ..إيه رأيك حلو؟!
لكن الفتاة تعود لشرودها في الصورة كأنها تميل للوهم أكثر من الواقع ..
تحاول ياقوت لدقائق اجتذابها لأي حديث لكنها تبدو عاجزة عن إيجاد المزيد من جسور التواصل بينهما ..
_مساء الخير .
يهتف بها سامر وهو يدخل عليهما وقد كان يراقب الوضع عبر النافذة الزجاجية من الخارج ..
لتلتفت نحوه الفتاة ببعض الذعر لكنه يبتسم لها قائلاً بنبرته الودود :
_أخرج وأسيب ياقوت ؟!
لكن الفتاة ترمقه بنظرة غريبة طويلة قبل أن تلتوي شفتاها بشبه ابتسامة تجعله يخرج لها عروسا بلاستيكية شبيهة بما يهديها لريتال ..
هذه التي وضعها أمام عينيها قائلاً :
_واللا نخرج احنا الاتنين ونسيب دي؟!
ابتسامة الفتاة تتسع وهي تتناول منه العروس لتحتضنها ثم تقف معطية إياهما ظهرها ..
فيشير سامر لياقوت إشارة خاصة ثم يغادران معاً ليغلقا الباب خلفهما ..
وما كاد يفعل حتى سار جوارها واضعاً كفيه في جيبه قائلاً :
_زي ما توقعت ..بتميل للصور والمجسمات أكتر من البشر الحقيقيين في الفترة دي .
_بالظبط ..ودورنا نطمنها وننزل لمستواها وبعدين نرفعها واحدة واحدة ونخلليها تتقبلنا احنا .
_خصوصاً إنها بدأت تثق فيكي وتشاور عليكي.
_وانت كمان ابتسمت لك النهارده .
_تقدم ممتاز!!
يهتف كلاهما بالعبارة الأخيرة في نفس التوقيت فيتوقفا عن المشي ليضحك كلاهما للحظات قبل أن ترفع إليه عينين مرتبكتين فقد كانت المرة الأولى التي تتحدث إليه فيها بعد واقعة زين الأخيرة ..
لكنه تقبل ارتباكها بشماتة مصطنعة ظللت نظراته قبل كلماته :
_ما قلتليش بقا حكاية زين باشا "أيبك" ده يا "شجرة الدر"؟!
تعض شفتها بخجل تكتم ابتسامتها لطرافة التشبيه قبل أن تشيح بوجهها ليردف باعتراض:
_لا ده أنا قتيل الحكاية دي النهارده ! ده أنا دمي نشف وأنا مخطوف ومش عارف هارجع للست حلاوة واللا لأ.
يقول عبارته الأخيرة بمسكنة مصطنعة فتنطلق منها ضحكة قصيرة لكنها تتنحنح لتقول بارتباك خجول:
_كنت بعالج أخته و..
_وإيه؟!
_وبعدين هي خفت و...
_وإيه ؟!
مكر سؤاله يمتزج بخجلها فترمقه بنظرة عاتبة تجعله يقهقه ضاحكاً ثم يلوح بسبابته في وجهها قائلاً:
_المهم يكون يستاهل ..معلش ..أنا ما اترفضش لأقل من وزير ..أمير ..حاجة في الرينج ده !
تكتم ضحكتها بكفها معجبة بروحه المتسامحة التي تعرفها فيضحك بدوره مردفاً:
_ياللا يا عم الله يسهلله ..
ثم يصمت لحظة ليستطرد بجدية تامة هذه المرة والشجن الغريب يلون نظراته الشاردة :
_ربنا يوفقك بجد من كل قلبي ..وادعيلي ألاقي حب زي اللي شفته في عينيكم تحت في العربية .
_انت شفتنا؟!
تهتف بها بحرج فيبتسم وهو يرد متلذذاً بهذا الوجه الجديد الذي يراه منها كمراهقة خجول :
_ما تخافيش ..المرة اللي فاتت اضطريت أقول لإسلام عشان خفت عليكِ ..بس المرة دي هاستر عليكِ احنا برضه عندنا ولايا!
_سامر!
تهتف بها باستنكار مرح فيعاود الضحك ثم يشير لها جوار رأسه بتحية عارضة قبل أن يتحرك نحو مكتبه لكنها تستوقفه بندائها قبل أن تتقدم نحوه قائلة :
_أنا آسفة ..وبجد أتمنى لك تلاقي الإنسانة اللي تستاهل قلبك الطيب .
_من بقك لباب المأذون أحسن الست حلاوة خلاص قربت تعلق يافطة على ضهري وتقول عريس للبيع !
يقولها وهو يرفع كفيه في وجه الدعاء فابتسمت له بود حقيقي لينسحب من جديد نحو غرفة مكتبه الذي أغلق بابه خلفه قبل أن تتحول ملامحه لضيق خفي وهو يزفر بقوة ..
موقف ياقوت ذكره بلقائه بهذا العريس الذي تقدم لخطبة ريتال ..
الرجل لا يعيبه شيئ حقاٌ ..
يبدو مهذباً لطيفاً مثقفاً ..فلو أضفنا لهذا مركزه العلمي والمادي فهو فرصة حقاً كما تزعم هي ..
لكنه لا يدري سبب انقباضة قلبه هذه كلما تذكر أنها ستتركه وتبتعد !
لم تفعلها طوال سنوات عمرها هذه فكيف يتركها تفعل الآن ؟!
إنها صديقته وابنته و...
وماذا؟!
هو ما عاد يفهم نفسه حقاً !!
"باب النجار مخلع"كما يقولون!!
صوت وصول رسالة على هاتفه يقاطع أفكاره فيجدها منها ..
_كلمت الحاج جميل ؟! اقنعه بقا مادام شايفه كويس !
اللهفة تطير بين حروفها فيميزها حتى دون أن ترسل المزيد من الرسوم لأكفّ متضرعة متتالية كأنها ترجوه السرعة ..
_حاضر يا ست المستعجلة !
المرح الظاهر في حروفه يناقض هذه المرارة الخفية التي يشعر بها ..
خاصة وهو يرى ضحكتها التي ارتسمت عبر حروف الرسالة :
_أيوة أبوس إيدك ..ورانا طيارة وسفر ومستقبل بيضيع!
_هتوحشني شقاوتك يا بنت الإيه !
يرسلها لها مع وجه يضحك فترده له بمثله قبل أن تنطفئ النقطة المضيئة جوار اسمها معلنة خروجها من نطاق الاتصال ..
_مالك ؟! في إيه ؟! هتكره لها الخير واللا إيه ؟! واللا يمكن غيران عشان هتسافر وانت متدبس في البلد دي ؟! واللا ..؟!
خاطر غريب تحدثه به نفسه لكنه ينفضه عن ذهنه باستنكار ..
لا ..لا ..
هي أخته ولن تخرج يوماً عن هذا الإطار!!
ربما لهذا عاد يرفع هاتفه بانفعال متعجلاً ليتصل بأبيها و..
يحاول إقناعه بالعريس كما ترغب!
=======
م البداية قلتلك ان مش دايماً يكون الحب كافي
والحياة ليها حسبة تانية ..
يومها نزلت دمعة منك فوق كتافي
قلتي حاول قولت حاضر بس اوعي متكمليش
لو هتمشي امشي حالاً لو فضلتي متبعديش
يلملم حاجياته من غرفة السطح بأنامل مرتجفة وهو يقاوم وحش الحنين الذي يدرك أنه سينال منه لا محالة ما بقي له من عمر ..
لكن ما حيلته ؟!
بعض البحار -على اتساعها- متى تعكرت فلا تعود لسابق صفوها أبداً !
وبحرهما كان إياها!
تدمع عيناه وهو ينتهي مما يفعل لترتجف شفتاه بقوة وهو ينظر للفراش يستعيد صورتها ذاك اليوم عقب عودته من زفاف لجين ..
هاهنا كانت تنتظره باكية تعلم أنه لن يعود ..
ليته لم يفعل ..
ليته اكتفى وقتها بجرح لن تزيده الأيام إلا نزفاً !
انا ماكنتش عايز أعلق نفسي بحب نهايته جروح
ليالي أبني في وهم وحلم ..
وييجي في ثانية ده كله يروح
واديني خدت نصيبي من حبيبي جرح قاسي كبير
ساعات لما الجرح بيجي بسرعة بيبقا اهون بكتير
يتلفت حوله كأنه يبحث عنها لكنه كان يعلم أنها تملك من القوة ما يكفيها لتبتعد ..
وليته كان يملك ما يماثلها من القوة كي يقترب!!
يحمل حقيبته ليغادر الغرفة ثم تهرب منه عيناه تجولان في السطح حوله ..
يسترجع نظراتها ..كلماتها ..ضحكاتها التي كان يرسمها قلبها قبل شفتيها ..
فيرتعد قلبه بداخله خوفاً!
أجل خوفاً من أن يواجه العالم من جديد دونها !
هي كانت "تربيتة الأمان" ..كما كانت "صفعة الصدمة"!
_مش عارفة بتطيق تاكل السندويتشات سخنة نار كده إزاي ؟!
_أنا اللي مش عارف بيجيلك نفس إزاي تاكليها باردة كده !
_خلاص يا عم ! نصبر وناكلها سوا نص نص !
يتذكرها من ماضيهما المشترك فيدرك أن هذا كان دوماً عهد حبهما أن يتنازل كلاهما كي يتقابلا في منتصف الطريق ..
لكن هل يجوز هذا الآن ؟!
هل بقي من الأمر ما يسمح بأي تنازل ؟!
الجواب يفرض نفسه فيمد أنامله يمسح دمعة ترددت على حافة جفنه ..
سواد الدنيا في عينيه يشبه سواد هذا الليل حوله ..
فإن كان لهذا الليل قمره ..فمن لليله هو؟!!
يهبط الدرج بخطوات متثاقلة يتذكر كم مرة شاركته فيها هبوطه بخطواتها النزقة المناقضة لبطئه هو ..
دوماً إيقاعها صاخب هائج وهو لم يرجُ في حياته سوى نغم غنوة هادئة !
م البداية قلتلك وانتي كنتي حتى رافضة تسمعيني
والنهاردة انا بسألك اعمل ايه في قلبي اللي حبك فهميني
يصل لباب شقتها فيتجاوزه بسرعة مغمضاً عينيه مخافة أن يضعف فيطرقه ..
لكنه يتوقف مكانه فجأة كأنما استوقف قلبه "نداء قلبها"!
يلتفت خلفه ببطء ليجد الباب شبه مغلق ويراها هي عبر هذا الشق "الضيق جداً" ترمقه بنظرة غامرة فائضة رغم أنه لم يميز بوضعها هذا سوى عين واحدة فقط !
حلقه يجف فجأة وهو يشعر أنه يصارع نفسه كي لا يلقي حقيبته هذه ويهرع إليها فيضمها في عناق طويل يطمئنها ويطمئن نفسه قبلها ..
لكن قدميه تسمرتا مكانهما مدركاً أن حبهما صار كهذا "الشق الضيق" الذي تبرز هي -بالكاد- من خلفه ..
لا تنقصه سوى دفعة واحدة كي يغلق بابه تماماً !
دمعة منها تترقرق لامعة وسط الظلمة النسبية للمكان فيراها على هذا البعد ..
ميزها قلبه قبل عينيه !
يشعر بحقيبته تقع أرضاً فلا يدري هل هو من أسقطها عامداٌ أم أنها فقط تشارك كل تفاصيله السقوط ..
يقترب منها بمنتهى البطء مقتنصاً نظراتها كأنه يخزنها لطول جفاف العمر القادم ..
فيرى "نصف ابتسامتها" عبر شق الباب تلتحم بخيط دموع وصل شفتها بعينها الوحيدة الظاهرة ..
ورغم أن صوتها كاد لا يسمع بهذا الهمس المختنق ..
لكنه شعر به كأنما كل حرف ينفجر كلغم داخل روحه ..
_مهما حصل بيننا افتكر إني عمري ما حبيت ولا هاحب حد غيرك .
لم تكن أول مرة يسمعها منها لكنه كان يعلم أنها ستكون "الأخيرة" !
خاصة والشق الضيق يختفي رويداً رويداً حتى يرى الباب قد أغلق تماماً أمام عينيه !
صرخة كبيرة تضج بها روحه وتكتمها شفتاه باستماتة ..
أنامله تتحسس الباب المغلق بارتجافة قوية كأنه يطارد بقاياها ..
والدمعة المتأرجحة فوق جفنه تسقط أخيراٌ على وجنته التي ألصقها بالباب ..
دقيقة ..اثنتان ..عشرة ..ستون ..
لا يدري كم ظل واقفاً مكانه هكذا كأنما لا يريد لعمره أن يعترف بزمان بعدها ..
لكن اهتزاز هاتفه في جيبه برقم أمه يعيده لمرارة واقعه ..
فيرفع رأسه أخيراً ليبتلع غصة حلق يبدو أنها ستمرر ما بقي من أيامه ..
قبل أن يتحرك ليتناول حقيبته من جديد و..يرحل !
صعب اسامحك بعد جرحك ..
واللي اصعب اني اعيش
بس عارفة ؟!
هتوحشيني..
حتى لو ماسامحتكيش
=======
_لبست "روز" اهه لوحدي..مبسوط مني بقا؟!
تقولها نشوى أمام مرآتها وهي تعدل وضع ثوبها بينما تراقب بفخر أنثوي نظراته الساخنة التي التصقت بها بينما يستند على خزانة الملابس خلفها ..
ليبتسم ابتسامة عابثة وهو يقترب منها عيناه معلقتان بسلسلتها التي تحمل صورته على جيدها فيتناولها في راحته قائلاً :
_لو عايزاني أتبسط ما تطلعيش دي بره ..خلليها جوه على طول .
يقرن قوله بفعله وهو يدخل السلسلة عبر طوق ثوبها ليخفيها فتهتف باعتراض :
_ليه بس ؟! أنا عايزة الناس كلها تشوف صورتك وأنا لابساها
ورغم "المعنى الخفي اللذيذ" الذي حملته كلماتها العفوية لكنه يهز رأسه معترضاٌ وصوته يتشح بالمزيد من العبث :
_أولاً ..صورتي وأنا حر فيها ..ومن موقعي هذا بأكد لك إني هابقى مبسوط أكتر وأنا جوه ..
لم تكتم ضحكة خجلها هذه المرة من المعنى الوقح الذي حملته عبارته لكنها لكزته في كتفه بحركة دلال أقرب منها للاعتراض ..
ليضحك بدوره وهو يشير بسبابته في حركة دائرية نحوها مردفاً :
_وثانياً ..أي سلسلة هنا هتلفت النظر لامكانياتك اللي عاملة مشكلة دي ..وأنا لا سني ولا لياقتي يسمحوالي بخناقة مع كل حد هيبص لك وأخزق له عينه !
تضحك ضحكة رائقة طويلة وهي تبسط كفيها على كتفيه لتخفي وجهها في صدره تشعر -ولأول مرة منذ سنوات تقارب عمرها ..بالشبع بل ..بالتخمة !
تخمة عاطفة تسولتها على الرصيف "الخطأ" ولم تنلها ..
فلما اتخذت مقعدها "الصحيح" وجدتها تسقط وحدها في حجرها !!
_أنا بحبك قوي .
ترفع بها عينيها إليه فيحيط خصرها بكفيه شاعراً كعهده معها أنها عندما تتحرر من قيود "قشرتها الخارجية" تبدو ك"ريما" تماماً ..
طفلة منطلقة في التعبير عن مشاعرها دون تفكير !
لهذا ابتسم وهو يقربها منه أكثر رافعاٌ حاجبه بهمسه العابث:
_بتتكلمي بجد ؟!
فتبتسم بدورها وهي تفهم مراده لتسبل جفنيها ثم تطبع على شفتيه هديتها مجيبة :
_جد الجدّ !
يغيب معها في دوامتهما الخاصة من هذا الشعور الغامر الذي لم يعرفه كلاهما إلا بين ذراعي صاحبه ..
شعور "اكتمال" بعد طول نقص!
هو الذي كان يرى فيها شارة طهره ..بداية طريقه الجديد الذي وجد فيه نفسه ..
وهي التي كانت ترى فيه عوضها عن خذلان من سبقوه ..
كأنه جاء ب"المقاس المضبوط" ليكمل هذه القطعة الناقصة في لوحة أنوثتها ..
حتى وقاحته التي كانت تجدها سافرة ..الآن تدرك أنها تضفي "اللمعة المناسبة" لأنوثتها التي طالما ظنتها باهتة شاحبة !
تبعده أخيراً لتتنهد تنهيدة طويلة ثم تهمس بدلال عاتب:
_لو سبتك لكلامك الجد مش هنروح معادنا والناس مستنية !
لكنه يعاود تقريبها منه هامساً بنبرته الرخيمة المغوية :
_هو فيه أحلى من كلام الجد ؟!
تضحك وهي تقرص وجنته بخفة لتدفعه بعزم أكبر هذه المرة ثم تعطيه ظهرها لتلتقط وشاحها ثم تعاود الالتفات نحو مرآتها قائلة :
_شكلي كويس؟! ..مش متعودة ع الناس ..التجمعات عموماً بتخليني أتوتر .
_امال هتعملي إيه في الفرح؟!
يقولها ضاحكاً لتلتفت نحوه هاتفة بتردد :
_انت لسه مصرّ ع الموضوع ده ؟!
_جدا! مستني بس لجين ترجع بالسلامة عشان اللمة تكمل .
يقولها بحسم وهو يتناول سترته ليرتديها ثم يتوجه نحوها مردفاً:
_وبعدين دول مش غرب ..ده سيف عازمنا ع الغدا في بيته ع الضيق .
_ع الضيق؟! سيف ومامته وأخوه ومراته ومراة أخوه وعمو علاء وطنط إيناس ؟!
تقولها باستنكار وهي تعد على أصابعها ليضحك هاتفاً باستدراك:
_وكان عازم ماما وهيثم كمان بس اعتذروا عشان مشغولين بالنقل للبيت الجديد .
_صعبان عليا أخوك قوي !
تقولها بإشفاق وهي تقترب منه خطوة فتفضح عيناه هو الآخر حزناً خفياً يخفيه عادة خلف مزاحه ..
لكنه لم يتكلف الادعاء هذه المرة أمامها وهو يرد بصوت متحشرج:
_هيكبر وينسى ويتعلم إن الضربة اللي ما بتموتش بتقوّي .
فترمقه بنظرة طويلة مزجت حنانها بعاطفتها لتضم رأسه لصدرها بعناق دافئ ثم تقبل رأسه هامسة :
_اللي ليه أخ زيك ما يتخافش عليه ..انت نعمة !
يبتسم لها براحة غامرة وهو يزداد يقيناً يوماً بعد يوم أنه كان محقاً إذ رأى خلف شوكية قشرتها هذا الباطن الحلو ..بل شديد الحلاوة ..
يرد لها قبلتها بمثلها ثم يعترف أنه لايزال يفاجأ بوجهها شديد العفوية هذا في كل مرة تطلق فيها سراح عاطفتها لتحلق دون قيود ..
يعترف أنه كان يحتاج لامرأة مثلها تماماً في حياته ..
امرأة يثق أنه يمكنه الاستناد عليها دون خوف ..
يلقي على كتفها حموله دون حذر ..
ويعيش بها ولها ما بقي له من عمر .
يراقبها وهي تخرج لتأتيه بريما وقد ارتدت كلتاهما ثوباً وردياً لتبدوا في عينيه كنسختين متشابهتين بل متطابقتين ..
_شفتنا واحنا لابسين زي بعض ؟!
تهتف بها ريما بحماس طفولي ثم تغمز بعينها غمزة -صارت تجيدها تماماً مثله - وهي تردف تقلده :
_شكلنا عسل يا عسل !
ضحكاتهم الثلاثة تمتزج معاٌ للحظات ..
قبل أن يتحرك نحوهما ليبسط ذراعيه حولهما فيضمهما إليه بقوة حانية ثم يغادر نحو بيت صاحبه ..
=======
_سيف! اصحى يا حبيبي الناس على وصول .
تقولها غادة بحنان بعدما دخلت الغرفة لتجده لا يزال نائماً ..
ابتسامتها تتسع وهي تتأمل ملامحه النائمة التي تعشقها ..
والتي اختزلت أمان العالم كله في عينيها!
تراه يبتسم فتظنه استيقظ لكنها تفاجأ به يهز رأسه برفق مع تمتمة شفتيه كأنه يحدث أحدهم فتعاود هزه برفق ليفتح عينيه فجأة ثم يدور بهما حوله ببعض الدهشة ..
قبل أن يجذبها نحوه ليتشبث بها بقوة أدهشتها وجعلتها تهمس له بدلالها المعهود :
_وحشتك قوي كده الساعة اللي نمتها ؟!
لكنه لم يزد على أن ربت على ظهرها برفق يناقض تشبثه القوي بها ..
لتشعر بسخونة دمعة بللت وجنتها الملتصقة بوجنته !
_سيف!
تهمس بها بجزع حنون وهي ترفع عينيها إليه لتحتضن وجنتيه براحتيها مردفة :
_فيه إيه ؟!
فيغمض عينيه بقوة وهو يهز رأسه ببطء وملامحه تفضح انفعالاً قوياً يوازي تشبثه العجيب بها ..
فتكتفي بصمتها للحظات بينما تنثر قبلاتها على وجهه حتى تشعر بذراعيه المتشنجين حولها يتراخيان قليلاً ..
تعاود الهمس باسمه في تساؤل ليجيبها عبر جفنيه المغلقين :
_شفتهم سوا ..أول مرة أشوفها معاها .
_آنجيل؟!
تسأله وهي تعرف الجواب ليرد ولايزال مغمضاً عينيه بانفعال:
_وبنتي ! ملاك يا غادة ! أول مرة أشوفها واضحة كده ..بتجري عليا بتحضنني وتبوسني ..ووراها آنجي عينيها مسامحة ..بتشيلها وتبعد بيها وهم بيشاورولي ..عمري ما شفتهم واضحين كده زي النهارده .
كانت تشعر بغيرة طبيعية تفترض في موقف كهذا لكن ..
من مثلها قد يعذره وهي التي عاشت ماضياً مشابهاً ؟!!
لهذا تفهمت هذا الانفعال الذي يعصف به ويرجف حروفه بهذه الطريقة ..
لتنحني فتضم وجهه تخفيه في حنايا عنقها مع همسها:
_الحلم ده معناه إنك سامحت نفسك أخيراً وضميرك ارتاح ..
ثم تعاود رفع عينيها لتلتقي بعينيه اللتين فتحهما أخيراً مردفة ببعض المرح الذي تحاول به احتواءه :
_ويمكن معناه إنك عايز "بيبي" ومكسوف تفاتحني مثلاً؟!
يبتسم ابتسامة مرتاحة وأنامله تتخلل خصلات شعرها ليعانقها بنظراته قائلاً :
_ما تعرفيش أد إيه بحلم باللحظة دي ..أكتر حاجة اتمنيتها في حياتي بعدك هي طفل منك .
الصدق في حروفه ينتزع كل ما كدّر مشاعرها من غيرة ليبدلها بهذا النبع الصافي من الأمان المعهود معه ..
فتقبل جبينه بنعومة قائلة :
_وأنا كمان يا حبيبي مستنياه بفارغ الصبر ..
ثم يعود إليها مرحها لتتحرر من بين ذراعيه ثم تقف هاتفة :
_عيب عليا يعني! شيبوب اتجوز وخلف "أُرطة عيال" وأنا لسة .
فيبتسم وهو يزيح عنه الغطاء ثم ينظر في الساعة قائلاً بضيق:
_اتأخرت قوي .. زمانهم جايين!
_ما تقلقش ! أنا مع طنط من الصبح في المطبخ وكله تمام ..هانيا خلعت عشان مذاكرتها بس "محسوبتك" سدادة !
تقول عبارتها الأخيرة بخشونة مصطنعة وهي تربت براحتها على جانب رقبتها فيضحك ضحكة قصيرة وهو يحيط كتفيها براحتيه قائلاً بجديته الحنون :
_عمري ما شكيت !
تهز رأسها بدلال تعلم أنه يحبه خاصة مع حركة خصلات شعرها النبيذية على كتفيها والتي امتدت إليها أنامله تداعبها قبل أن يتنحنح ليقول بحرج:
_بالمناسبة دي ماما كلمتني في حاجة ..هي ممكن تبان لك تافهة بس هي فارقة معاها .
ترمقه بنظرة متوجسة ليرد بتردد :
_بتضايق من كلمة "طنط" دي ..عايزاكِ تقوليلها يا "ماما"!
تشحب ملامحها فجأة وكأنما اختفى المرح والدلال منهما في غمضة عين ليشعر بنظراتها تزيغ قليلاً قبل أن تغمض عينيها بقوة ..
ثم لم يدرِ من أين تفجرت فجأة كل هذه الدموع التي أغرقت صدره وهو يضمها إليه !
جسدها يرتجف بقوة أخافته حقاً وجعلته يشعر بالندم على طرقه لهذا الأمر ..
يعلم أنها متحفظة تماماً في الحديث عن أمها منذ وفاتها ..
بل إنها لم تحدثه عنها بكلمة واحدة منذ أزمتها الأخيرة !
هي تجاهلت ..وهو جبن عن أن يطرق باب هذه الذكرى المفجعة لكليهما !!
لكنها الآن وهي ترتعد بين ذراعيه بهذه الهشاشة تجعله يشعر بالندم على مشاركتها تجاهل هذا الحزن الدفين بداخلها !!
_أنا آسف .
كلماته قليلة كعهده لكن لغة جسده كعهدها معه تكفيها ..
خاصة وهو يغمرها بين ذراعيه مطوقاً إياها بهذا الحنان غير المحدود ..غير المشروط ..
وبهذه القوة التي تكفيها شر خوف الخذلان !
تستسلم لبكائها للحظات بين ذراعيه وذهنها يستعيد قسرياً كل مشاهد معاناتها مع أمها وانتهاء بليلة الحادث ..
الجرح ..اللوم ..الخذلان ..ثم التعاطف والإشفاق ..
طوفان المشاعر الذي غلف علاقتها الاستثنائية بوالدتها الراحلة يعود ليكتسحها ..
لكنها تملك من القوة ما يجعلها تنهض من عثرتها بعد لحظات لتمسح دموعها بأنامل مرتجفة ..
ثم تغتصب ابتسامة ترفع بها عينيها إليه لتقول بمزيج غريب من وهن وقوة :
_فهمها إني مش هاقدر أقول الكلمة دي لحدّ ..لا هي ولا "أنّا" ..العيب مش فيهم ..العيب فيا أنا ..
ثم ابتعدت عنه ما يسمح لها أن تتحسس بطنها بأناملها لتردف بشرود :
_يمكن بعدين ..لما أسمعها تتقاللي ومعناها في وداني يتغير ..يمكن ساعتها لساني يتصالح معاها .
يرمقها بنظرة مشفقة تتبدل لألف وعد بالأمان ترجمته قوة عناقه قبل أن تغمرها قبلاته كغطاء ناعم يغشى برودة جسد سقيم ..
صوت رنين الجرس يقاطع صخب خفقاتهما فيتنحنح وهو يبعدها قائلاً بضيق مصطنع:
_طول عمره إسلام ده هادم اللذات !
ضحكتها المهلكة العالية تزيد عذابه وهي تلتقط وشاحاٌ قريباٌ لتلفه حول رأسها هاتفة بدلال عاد يغزو صوتها :
_طب روح اغسل وشك وبالذات ودانك الحمرا دي ..هتفضحنا!
=======
_ياللا يا "هنايا" الناس وصلوا!
يهتف بها رامز بمرح وهو يقبل عليها بينما هي منكبة بظهرها أمام حاسوبها المحمول فوق منضدة السفرة كعادتها ..
لتردد خلفه بشرود :
_"هنايا"؟!
_امال!! قررت أدلعك من هنا ورايح "هنايا" ..
يقولها وهو يرفعها قسراٌ من مقعدها ليديرها نحوه مردفاً بنفس المرحة :
_وكما قال المرحوم فؤاد المهندس "يا سعدي وهنايا ..يا فرشي وغطايا"!
تنطلق ضحكتها شاحبة بشحوب ملامحها فيتأمل هالاتها السوداء التي تضاعفت مؤخراً بإشفاق ليستطرد بنبرة أكثر جدية رغم مرحه المعهود :
_وبعدين في "عيون الباندا" دي بقا ؟! يتوب علينا ربنا!
_شكلي متبهدل كده ؟!
تسأله بضيق غزا نبرتها المتعبة ليبتسم وهو يحيط وجنتيها بكفيه قائلاً بجدية :
_شكلك عظيم ..ربنا هيعوض تعبك خير بإذن الله ..بكرة كل ده يهون لما نوصل للي عايزينه !
وكأنما كلماته تملك هذه القدرة السحرية التي تحولها من حال لحال ..خاصة وهو يشير لنجاحها بضمير الجمع ..
فتأخذ نفساً عميقاً تملأ به صدرها قبل أن تزفره ببطء وهي تخفي وجهها في صدره قائلة :
_هانت يا رامز ..صدقني ما عدتش عايزة أنجح عشان نفسي وبس ..لكن عشان أفرحك بصبرك عليا ..
ثم رفعت وجهها لتقبله بخفة على شفتيه مردفة :
_صبركم كلكم ..انت وطنط ..ونبيلة اللي ما زرتهاش من شهر ويامن اللي بالعافية باعرف أرد عليه في التليفون ..واخواتي اللي مش عارفة أشوفهم ..دي حتى غادة اللي طبخت الأكل مع مامتك النهارده .
فيقرص أنفها برفق هاتفاً :
_هنقعد ونتحاسب بعدين ..الناس جت ياللا .
يقولها وهو يناولها وشاحها لترتديه بسرعة قبل أن تلحق به نحو شقة سيف حيث تجمع الحضور ..
المائدة الكبيرة تضمهم جميعاً بصخب الحديث الذي ترأسه إسلام بمشاكسته المعهودة مع علاء ..
إيناس بحنان تعليقاتها الأمومي ..
هانيا التي بدت شديدة الفخر بصديقتها حقاً وهي ترى لمساتها الأنثوية المميزة في المكان حولها ..
سيف الذي بدت عيناه معلقتين بغادة وحدها وكأنه لا يرى سواها وسطهم جميعاٌ..
غادة التي بدت بقمة سعادتها وهي تتلقى فخر حماتها بها وسط الحضور ..
عائلة حقيقية يزداد أفرادها يوماً بعد يوم بمذاق العوض عن سابق الحرمان ..
وأخيراً نشوى التي كان كفها يحتضن كف إسلام في مبادرة منها هي هذه المرة !
لا ..لم يكن هذا فقط هو ما اختلف عن لقائها السابق بغادة ..
بل نظرتها التي تشبعت بالثقة وهي تشعر بالغرابة إذ لم ترَ غادة بهذه الفتنة الخيالية التي غذاها شعورها بالنقص وقتها ..
كذلك لم يعد جسدها النحيف أيقونة الفتنة بل صارت ترى امتلاء جسدها هي الأفضل مادام هو كذلك بعينيه !
هل هذا هو ما يفعله بنا الحب الحقيقي عندما يملأ فراغات النقص في روحنا فيمنحنا صورة الكمال في مرايانا ؟!
والسؤال يجيبه إسلام وهي تراه يطعم ريما الجالسة على ساقيه قبل أن يميل بجسده ليطعمها هي ثم يغمزها خفية بهذه الطريقة التي تكاد تذيب عظامها ..
فتثمل عروقها بهذا الشعور الخاص الذي يتدفق دافئاً بداخلها ..
شعور فخر امرأة بعاشقها !
الدفء الحميم يغشى جلستهم بتعليقاتهم المتباينة وضحكاتهم التي امتزجت برضا قلوب عرفت جميعها الهناءة بعد طول شقاء ..
========
ترتب لجين الأطباق بشرود على المائدة في شقة والدة عابد التي اختار هو الإقامة فيها طوال مدة مكوثهما في ماليزيا..
رغم سعادتها بعاطفة عابد التي تحيطها بهالة أمان لا تنكَر لكنها تشعر بانقباضة قلبها منذ وصلا إلى هنا ..
ربما هو شعورها أن حماتها لا تتقبلها ..
وربما هو فقط شعورها بالغربة وافتقاد ثمر وياقوت رغم جمال البلد هنا ..
وربما هي غيرة خفية تجتاحها رغماً عنها من ذكرى خطيبته السابقة ..
وربما هو كل هذا !
_سلمت يداكِ يا حوريتي.
يهتف بها عابد بصوته الحنون وهو يحيطها بذراعيه من الخلف ليطبع على عنقها قبلة ناعمة ناسبت همسه :
_لا حرمني الله صباحاً يشرق بكِ أنتِ قبل شمسه .
فتضحك وهي تستدير نحوه لتقول باستغراب:
_مش عارفة بتجيب الكلام ده منين ؟!
_يجريه قلبي على لساني ..ألم أخبركِ قبلاً أنني رزقت حبك ؟!
يقولها غير مبالغ وهو يشعر أنه حقاً وجد فيها ضالته ..
كل الصفات التي تمناها في زوجة تشاركه الطريق ..
لا يدري هل هي بركة الحب الحلال التي زينتها في عينيه فلم يعد يرى من النساء سواها ..
أم أنها حقاً فاتنة الروح خلابة التفاصيل رغم بساطة ظاهرها ..
لكن النتيجة واحدة ..
هو صار مولعاً بها حقاٌ !
الخاطر الأخير يجعله يتفرس ملامحها التي زادها خجلها المعهود فتنة فيقطف من وجنتيها قبلتين ثم يهمس لها بصدق دغدغ قلبها برقته :
_سبحان من جعلكِ جنة دنياي!
فتعض شفتها بخجل مسبلة جفنيها لتهمس له بتلعثم :
_مابعرفش أقول كلام حلو زيك ..بس والله العظيم أنا زيك كده وأكتر .
يربت على رأسها برفق وهو يهم بالرد لكنه يلمح والدته قادمة بملامح متجهمة فيتوجه نحوها ليقبل رأسها ويدها قبل أن يلقي عليها تحية الصباح مبالغاً في إكرامها ..
كان يعلم أنها لا تزال لا تتقبل زواجه من فتاة ببساطة لجين لكنه كان يأمل أن تقرب الأيام بينهما ..
_لجين استيقظت مبكرة خصيصاٌ لتجهز الإفطار ..كل هذا صنعته وحدها !
يقولها بفخر وهو يسحب الكرسي على رأس الطاولة لأمه التي جلست مكانها لتغمغم بكلمات مبهمة مع تحية صباح تقليدية فسحب كرسياً مجاوراً للجين التي جلست بارتباك قبل أن يجلس هو بينهما ليسمي الله ويبدأ في تناول نوع من "المعجنات" صنعته لجين بنفسها ..
_ذوقي هذه !
يقولها وهو يقرب قطعة منها لفم أمه التي تقبلتها منه لتلوكها في فمها ..
_أرأيت كم هي ماهرة !
_كل الفلاحين كده !
اتسعت عينا لجين بصدمة من رد المرأة الفظ لتشحب ملامحها وهي تطرق برأسها دون رد فيما رمق عابد أمه بنظرة عاتبة جعلتها تستطرد بسرعة :
_أنا قصدي إنهم بيهتموا قوي بشغل البيت وستاتهم شاطرين .
_على هذه أشهد !
يقولها عابد بنبرة مرحة يحاول بها احتواء الأمور ثم يحتضن كف لجين تحت المائدة برفق فترفع الأخيرة عينين وجلتين نحو حماتها التي كانت تتفرس ملامحها باهتمام شابه بعض الضيق الذي ضخمته عين النقص كالعادة وجعلها تعاود الإطراق برأسها متناولة طعامها بصمت ..
فيما ظل عابد يتبادل مع أمه بعض الحوارات المتشعبة ..بين مرض خاله وبعض الأشغال المتعلقة بممتلكات والده الراحل هنا لكن لجين آثرت عدم المشاركة مكتفية بدفء كفه المعانق لكفها ..
_وانتِ لبستِ النقاب امتى؟!
تنتبه أخيراً أن السؤال لها فترفع عينيها لحماتها من جديد لتجيب بتلعثم :
_بعد العمرة على طول .
_ولبستيه ليه ؟! أنا أعرف إن النقاب ده بيلبسوه اللي جمالهم ملفت قوي لدرجة إنهم يخافوا من الفتنة !
لحظات صمت قليلة تمر بينهم بعد هذا السؤال الذي كهرب الجو فجأة !!
تشعر لجين برغبة مفاجئة في البكاء كمن تلقت صفعة على وجهها ..
لكن عابد الذي يدرك حساسية الأمر لديها كفاها الرد بقوله الحازم لأمه :
_أنا أراها هكذا جميلة حد الفتنة ..وهي فعلتها لترضي ربها ثم لترضيني .
فبدا الأسف على وجه المرأة وهي تبدو كمن يغالب انفعالاً عاصفاً لا يريد البوح به ..لتقول بما يشبه الاعتذار :
_ربنا يبارك لكم يا حبيبي ..ويسعدكم ببعض .
يرمقها عابد بنظرة عاتبة أشد قوة تجعلها تخاطب لجين بقولها :
_معلش ..أنا أعصابي تعبانة اليومين دول ومش مركزة في كلامي .
فتغتصب لجين ابتسامة تعودت منذ زمن مداراة حزنها بها لتتصنع المرح بقولها :
_لا أبداً عادي ..حضرتك ما قلتيش حاجة غلط ..
ثم تقف مكانها لتنتزع كفها من كف عابد برفق مردفة:
_أنا كمان الصحيان بدري مخليني مصدعة ..هاروح آخد أي مسكن .
يراقب عابد انصرافها بنظرات ضائقة ثم يعود ليخاطب أمه بخفوت عاتب:
_لم أعهدكِ هكذا ! لماذا تتعمدين إحراجها ؟!
فتزفر بقوة ثم ينفجر انفعالها كاملاٌ محاولة عدم رفع صوتها مثله :
_انت عارف م الأول إن الجوازة دي ماكانتش على مزاجي ..
_ليس هذا هو السبب ..كنت قد أقنعتك !
يقولها متوجساً فتعاود إطلاق زفرة قصيرة قبل أن تعجز عن الكتمان فتنسكب عبراتها مع كلماتها :
_قلبي مقبوض عليك من ساعة ما وصلت هنا ..خايفة الجماعة إياهم دول يكونوا لسه حاطينك في دماغهم .
فتتسع عيناه بصدمة وكأنه نسي تماماّ هذا الأمر ليرد مأخوذاّ:
_ألم يخبرني الصالح أنه قد تم القبض عليهم جميعاّ؟!
فتومئ برأسها لترد بخوف :
_بس احنا دايماً نسمع إن اللي زي دول ما بيخلصوش ..عشان أنا كده أنا بين نارين ..عايزة أقوللك ارجع مصر وابعد عن كل ده بس مش هاقدر أرجع معاك عشان ظروف خالك ..وفي نفس الوقت مش عارفة أقوللك افضل معايا هنا .
_لا حول ولا قوة إلا بالله !
يتمتم بها مطمئناّ قلبه قبل أن يعاود الالتفات إليها ليربت على كتفها مردفاً بيقين:
_قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ..الله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين ..لا تخافي ولا تجزعي ..من توكل على الله فهو حسبه .
_ونعم بالله يا حبيبي!
تقولها وهي تجفف دموعها فيبتسم لها مردفاٌ ببعض العتاب:
_وهذا ليس مبرراً لضيقك من لجين ..هي لا ذنب لها ..لو كنتِ تريدين لي السعادة حقاً فاعلمي أن جمال طباعها هو ما يزيد تعلقي بها كل يوم أكثر من سابقه ..هي صارت فرحة عمري .
هزت رأسها بتثاقل لترد بنبرة آسفة :
_انت عارف طبعي ..مابعرفش أتعامل مع القلق ..وشدة الأعصاب بتقلب معايا بقلة ذوق ..راضيها وما تخليهاش تزعل مني .
يبتسم لها مراعياً ثم يقف ليقبل رأسها بحب قبل أن يتحرك ليذهب إلى لجين ..
هي التي كانت واقفة أمام نافذة الغرفة تطالع الفراغ بشرود ..
تستعيد كلمات المرأة التي تعيد قذفها وسط جحيم هذا الشعور ..
هذا الشعور المقيت الذي لم تعرفه منذ وفاة حسين يعاود خنقها بقبضته الفولاذية ..
شعور المهانة ..التحقير ..
القدم الخفية التي تطأ رأسها لتدفنه في الرمل !
تشعر به خلفها فتتصنع رسم ابتسامة تلتفت بها نحوه ثم تبادره قبل أن يسأل لتهتف برضا مصطنع :
_سبتها بسرعة وجيت ليه ؟! أنا مش زعلانة .
_تكذبين ؟!
يسألها باستنكار عاتباً فتمتلئ عيناها بالدموع التي تجد ملاذها على صدره بينما يطوقها بين ذراعيه مردفاً :
_أعرف أن كلماتها كانت قاسية خاصة لامرأة بحساسيتك ..لكنكِ لا تعرفين أمي ..توترها يجعلها تنطق بما لا تقصده .
_وأنا سبب التوتر ده ؟!
تهمس بها شاعرة أن قدمها تنسحب للهوة السحيقة أكثر رغم جوابه لها بعدها :
_بل أنا !
ترفع إليه عينيها بتساؤل فيبتسم شارحاً بتفهمه الحنون :
_ابنها الوحيد! ..تذبذبها بين اضطرارها للبقاء هنا مع خالي بينما أنا مقيم في مصر ..ورغبتها في عودتي لماليزيا حيث ترى لي مستقبلاً أفضل لكنها تخاف عليّ البقاء هنا .
_من إيه ؟!
تسأله بقلق لكنه يؤثر ألا ينقل التوتر إليها فيرد بمواربة :
_عندما تصبحين أماً ستعلمين أن قلق الأمهات لا سبب له كما أنه لا يفنى ولا يستحدث ..خالد خلود الدهر .
ورغم المرح الذي حاول به صبغة كلماته لكنها بقيت على حالها من انقباض القلب فأطرقت برأسها دون رد ..
ليرفع هو ذقنها نحوه معانقاٌ إياها بنظراته الحنون التي بدت لها كمطر يغسل عن روحها ما علق بها من درن أوجاعها ..
قبل أن يصلها همسه :
_تسمحين لي بالاعتذار نيابة عن أمي؟!
لم ينتظر ردها وهو يميل عليها ليغمرها بعطايا شفتيه الناعمة التي تمزج عاطفته بحنانه فتذوب بين ذراعيه مستسلمة للحن عاطفته الهادئ لعله يمحو هذا الصخب الصارخ بداخلها ..
لكنه يبعدها أخيراّ محاولاً تغيير الموضوع بسؤاله :
_تشتاقين أن تكون أماٌ ؟!
_أشتاق أن أكون أم أولادك أنت!
تنطقها -بالفصحى- دون وعي كأنما امتزجت روحها بروحه في هذه اللحظة فصارت تتحدث بلسانه !
هذا الذي شعر هو به تماماً فانتشت به جوارحه وهو يضمها نحوه أكثر هامساٌ برقة رجولية نادرة :
_صرتِ تتحدثين مثلي!
فتتسع عيناها للحظة وهي تميز لتوها ما حدث ثم تمرغ وجهها في صدره دون رد تود لو تبقى هذه اللحظة بأمانها بين ذراعيه للأبد فلا تنتهي ..
لكنه يحني رأسه ليلصق وجنته بوجنتها متنشقاٌ عبير عطرها الذي يوقن أكثر من غيره أن لم تحمله يوماً سواها ..
ثم يهمس لها بنبرته الآسرة:
_أنتِ حوريتي ..قِبلة قلبي التي لا يجوز له الالتفات عنها ..سألتكِ بالله ألا تخفي يوماٌ حزنك عني ..دعينا نتشاركه فنمحوه معاّ أو نحمله معاّ ..أنتِ وعدتني بهذا يوماٌ فلا تخلفي وعدك .
_آسفة ..
تقولها بمزيج من اعتذار وامتنان لفيض هذه العاطفة التي لم تحلم يوماً بمثلها ليرد بصوته العذب وبريق عينيه المرح يناقض الوقار الظاهر لحروفه :
_أما علمتِ بأن لكل ذنب كفارة ؟! وكفارتك إطعام مسكين بين ضلوعي لن يشبعه إلا سخاء وصالك !
تضحك لطرافة التشبيه فيذوب صدى ضحكتها بين شفتيه وهي تستسلم من جديد للحن عاطفته الذي ازداد صخباّ هذه المرة وهو ينتهي بهما فوق فراشهما ..
صخباً أنساها مؤقتاً قسوة هذا الشعور المقيت الذي عاد يكتسحها بقوته القاهرة ..
لكن هذا الكابوس الذي تراه في نوم قيلولتها يعود ليذكّرها ..
صورة حسين تطاردها ومن خلفه أناس لا تعرفهم يحملون أحجارهم ليقذفونها بها ..
تعدو وتعدو فلا تجد لها ملاذاً إلا بيت ثمر ..
البيت الذي لا تميز فيه سوى حجرة الخزين السفلية ..
وبالتحديد هذه "الجرّة الفخارية" التي نبت لها ذراعان فتحتهما لها كأنها تناديها أن لا أمان لها إلا هنا !
هنا تنجو من حجارتهم بل وتعيد قذفها نحوهم فيرتدوا عنها!!
تشهق بقوة وهي تفتح عينيها مستيقظة لتجد نفسها وحدها في الفراش ..
تنهض بتشوش محاولة تخطي أحداث الحلم الغريبة التي عادت تطبق نفس القبضة حول عنقها لتخرج من الغرفة باحثة عنه لكن الخادمة تخبرها أنه قد خرج مع أمه ..
تتناول هاتفها لتجد رسالة قصيرة منه :
_اضطررت للخروج مع أمي لشأن ما ولم أرد إزعاجك ..كوني بخير يا حوريتي .
تبتسم ببعض الارتياح وهي تعود لغرفتها لكن قدميها تتوقفان فجأة أمام باب غرفة أمه ..
تتعلقان بهذه الثريا المتلألئة التي تتدلى من السقف ..
والتي ذكرتها بكل تلك البيوت التي سرقت أصحابها ..
الكابوس ..
الأحجار المقذوفة نحوها ..
صراخ الناس الهائجين عليها ..
الجرة تفتح ذراعيها لها ..
ثم لم تشعر بنفسها وهي تتقدم نحو الغرفة كالمسحورة مستجيبة للنداء القديم الذي ظنت نفسها لن تجيبه ..
=======
_تأخرت عليكِ !
يهتف بها عابد بنبرة اعتذار وهو يدخل عليها غرفتهما لتبتسم له بارتباك مع هزة رأسها الذي قبله بحنان مردفاً :
_عذراً ..المشوار استغرق أكثر من الوقت الذي توقعته ..لكن لا بأس ..سأعوضك ! سنخرج غداً في نزهة ل ...
تنقطع عبارته مع سماعه لهذا الصخب من الخارج حيث يعلو هتاف أمه الحاد مع الخادمة فيخرج معها إليهما ليفاجأ بأمه تصرخ بالفتاة باتهام:
_أنا قالعاه بإيدي وحاطاه ع التسريحة قبل ما أخرج ودلوقت مش لاقياه .
_ما شفتوش ..بحلفلك ما شفتوش .
تقولها الخادمة ب"لغتها" باكية فيهرع إليهما مستفسراً بقلق عما حدث لتلتفت نحوه أمه هاتفة بانفعال عصبي:
_العقد اللولي بتاعي مش لاقياه .
يمتقع وجه لجين وعيناها تتشحان برعب غامض فيما تشحب ملامحه وهو يحاول نفي الخاطر الذي فرض نفسه على تفكيره رغماً عنه ليهتف بأمه مهدئاّ:
_إن بعض الظن إثم ..ابحثي عنه جيداً في غرفتك قبل أن تتهمي الفتاة ..
ثم توجه للفتاة الباكية ببصره مردفاٌ بتلعثم :
_وأنتِ عودي لغرفتك الآن .
_أنا متأكدة إني سايباه ع التسريحة قبل ما أمشي ..هيروح فين يعني ؟!
تهتف بها أمه بعصبية قبل أن تتركه لتعود إلى غرفتها فتصفق بابها خلفها بعنف ..
ليطرق هو برأسه شاعراً أنه يكاد ينفجر حرجاٌ وخوفاً!!
هل فعلتها لجين مدفوعة بمرضها الذي يعرفه ؟!
هل ضعفت أمام تصرفات أمه الحادة معها فانتكست بعد شفائها الذي أخبرته عنه ياقوت ؟!
هل يلومها الآن وهو يراها مجرد مريضة ليس عليها حرج ؟!
لا ..لن يلومها ..لكن أمه ستفعل ..
وربما يقتضي الأمر فضح سر لن يرضيها فضحه !!
يالله !!
ما هذه المصيبة ؟!!
_يارب سلم ! يارب سلم !
يهمس بها في نفسه سراً بدعاء خاشع قبل أن يلتفت للجين التي وقفت مكانها وارتعادها الظاهر يفضح ذنباً لا تبوح به ..
يتحرك نحوها ببطء محاولاً البحث عن كلماته لكن هذه النظرة المرتعبة في عينيها تقتله ..
فليمت ولا يسبب لها حرجاّ كهذا !!
لهذا تكلف ابتسامة مصطنعة وهو يربت على وجنتها قائلاً :
_ستجده بالتأكيد ..أين سيذهب؟!
فتتكلف ابتسامة شبيهة وهي تكتف ساعديها قائلة بارتباك أكد ظنونه :
_أكيد ..أكيد هتلاقيه .
يعقد حاجبيه بضيق وهو يشعر بملامحها التي يعرفها تكاد تصرخ أنها تخفي شيئاٌ فيبتلع غصة حلقه وهو يهز رأسه بلا معنى للحظات ..
قبل أن يبسط ذراعه فوق كتفيها ليدخل بها غرفتهما ثم يغلقها خلفهما ليستوقفها أمامه للحظات محاولاٌ أن يبحث عن صيغة مناسبة للسؤال لا تجرحها ..
لكنه عجز عن فعلها !
حتى في موقف كهذا كره أن يكسر صورتها في عينيه !
_عابد!
همسها المرتعب يمزج خوفها بترقبها ودقات قلبها الهادرة يكاد صوتها يصله مكانه ..
فيجذبها نحوه ليضمها إليه بقوة حانية كأنما يريد تطبيبها بهذا الأمان غير المشروط رغم الخوف الذي يملأ صدره هو من أن تكتشف أمه شيئاّ أو البديل الأسوأ أن تتهم الخادمة ظلماّ!
الصمت بينهما يفضح عجز كل منهما عن البوح بما يجيش بصدره ..
لكنه يقطعه أخيراّ وهو يتجه بها نحو الفراش قائلاً بحنانه المعهود :
_كان يوماّ حافلاً ..تعالي كي ننام والغد لناظره قريب .
يشعر بارتجاف جسدها بين ذراعيه فيغزوه الإشفاق نحوها أكثر لكنه يستلقي جوارها على الفراش ليضمها بحنوّ محاولاً اجتذابها لأحاديث أخرى فرعية..
حتى شعر بها تستسلم للنوم أخيراً ..
ظل يتأمل ملامحها الساكنة لدقائق لا يدري عددها قبل أن يغادر الغرفة كي يتوضأ ويصلي ركعتين لقضاء الحاجة ..
ولم يكد ينتهي حتى عاد لغرفتهما وقد استقر على رأي ..
يتحرك بحذر ليفتش في أرجاء الغرفة بدقة محاولاً تبين المكان الذي قد تخفي هي فيه شيئاً كهذا ..
لكنه لم يجد شيئاّ!
يرفع عينيه للسماء باستجداء فتتعلق نظراته بحقيبة السفر فوق خزانة الملابس لتلتمع عيناه بترقب ..
يحرك كرسياً قريباّ بحذر ليقف فوقه ثم يمسك بالحقيبة لينزل بها أرضاً ..
يفتحها بأنفاس لاهثة ليفتش فيها بسرعة بين حاجياتها لكنه يفاجأ بالصوت خلفه ..
_كنت عارف؟!
=======
_دماؤهم قربان لرضا الله عز وجل ..لا تخف أن تقتل منهم واحداٌ واعلم أنك بذلك تحيي ألف شعيرة من شعائر الدين التي انتهكوها ..ميّتنا شهيد وميّتهم كافر ..ميّتنا في الجنة وميّتهم في النار !
الكلمات الرنانة بصوته الخطابي والتي تمزج السم بالعسل مستخدمة تعابير من القرآن والسنة تشعل القلوب أمامه فيهتفون له بحماس ..
في هذا المكان المنعزل الجديد الذي اتخذوه قاعدة لهم ..
فيرمقه مساعده من بعيد بنظرة إعجاب قوية وهو يدرك لماذا أسموه ب"الصقر"!
يظل يراقبه من بعيد وهو يتابع هذه التدريبات القتالية التي انتهت بتدريبهم على الرماية ..
قبل أن ينفض الجمع نحو ما يشبه الثكنات العسكرية ..
ليتوجه ساعتها نحوه فيرمقه الصقر بنظرة نافذة مع قوله :
_تبدو كمن يحمل خبراً جيداً !
يومئ مساعده له برأسه إيجابا ثم يقول بنبرة ظافرة تخللتها الكراهية :
_المارق المرتد محمد عابد عاد إلى بيته .
فتلتمع عينا "الصقر" بنظرة قوية ثم تلتوي شفتاه بشبه ابتسامة :
_أعرف .
_تعرف وتتركه ؟! هل نتخلى عن ثأرنا معه ؟! لقد تسبب في إلقاء القبض على معظم جماعتنا ..لن تكون دماؤنا حرة لو تركناه يعود إلى بلاده .
يهتف بها الرجل بشراسة فيتحرك "الصقر" بسلاحه نحو أحد الأهداف البعيدة ثم يطلق رصاصته فجأة تصيب الهدف وتشق الصمت بدوي هائل ..
قبل أن يلتفت نحو مساعده ليرفع أحد حاجبيه قائلاٌ بفحيح بارد :
_بل نتركه يعود لبلاده إنما نجهز له انتقاماً يليق به ..وبنا!
======
انتهى الفصل
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم سينابون
القطعة الثلاثون
======
_اللي انت عايزه هادفعهولك بس إياك تسافر ..وإلا وديني وما أعبد لا أجيبك ولو في آخر الدنيا ..وهاخد البنت ولو اضطريت آخد روحك قبلها .
يهتف بها إسلام بصرامة وعيناه تتابعان نشوى بقلق وقد انهارت أرضاً تصرخ صرخات قصيرة تكتمها بكفها من آنٍ لآخر ..
ليصمت الرجل على الجانب الآخر من الاتصال وكأنما فوجئ بتدخله قبل أن يقول بسماجة :
_اتكلم على أدك ! مفيش في إيدك حاجة تعملها ..بنتي وحقي أربيها في حضني بعد ما أمها اتجوزت ماهو مش معقول أسيبها لراجل غريب ..طيارتي قدامها ساعة ..انت وشطارتك ..هات الفلوس وخد البنت !
يقولها ذاكراٌ المبلغ المطلوب ثم يغلق الاتصال بعنف دون انتظار الرد الذي اعتبره مسلماً به ..
لينعقد حاجبا إسلام بمزيج من غضب وعجز ..كيف يمكنه تدبير مبلغ كهذا في ساعة ؟!
لكنه يتمالك نفسه بسرعة كعهده في المصائب فيلقي الهاتف جانباٌ ليتوجه نحو هذه المنهارة أمامه فيرفعها من ذراعيها نحوه هاتفاً بغضب خالطه الكثير من الإشفاق:
_هو ده اللي كنتِ مخبياه ؟! الزفت ده كان بيبتزك لما عرف إنك اتجوزتيني ..فاكر إن تحت القبة شيخ مع سمعة الوالد المحترمة ..وطبعاً مارضيتيش تحكيلي عشان كالعادة خفتِ أبعد وأسيبكم ؟!!
تتسع عيناها بدهشة للحظة من ذكاء استنتاجه فتمنحه نظرتها الجواب قبل أن تعود الدموع تنهمر من عينيها وهي تدرك أن أسوأ كوابيسها قد تحقق!!
ذاك الوغد الذي تذكرها وابنتها فجأة بعدما علم عن زيجتها الثانية من إسلام ..لتفاجأ به يطلب منها مبلغاً كبيراً نظير أن يسمح لها بحضانة ريما ..
الخوف الذي ملأها من ساعتها منعها من إخبار أحد محاولة إقناعه باللين أنها لا تملك هذا المبلغ ولا حتى إسلام ..
ماطلته طامعة أن ينسى الأمر بمرور الوقت خاصة وهو مقيم خارج البلاد ..
لكنها لم تتوقع أن يعود خصيصاٌ كي ينفذ فعلته الخسيسة هذه ويرحل بابنتها!!
_مش قادرة أطلب منك أكتر م اللي عملته ..مش قادرة أقوللك رجعلي بنتي ..أنا هاتصرف وأ ..
تقولها بصوت مرتجف يدعي القوة وهي تمسح دموعها بينما جسدها كله ينتفض فاضحاً هشاشة خوفها ليقاطعها وهو يهزها بعنف هاتفاً :
_بنتنا ! ريما دلوقت بنتي زي ما هي بنتك ..على جثتي يخطي بيها خطوة واحدة بره مصر !
ورغم اليقين المطمئن في صوته لكن تصوّر العكس يجعلها تنهار في البكاء من جديد ليسقط رأسها على كتفه فيربت على ظهرها هاتفاً بغيظ رغم إشفاقه :
_أشرف كمان أكيد ما يعرفش ..كالعادة اتصدرتِ للمشكلة لوحدك !
لم ينتظر جوابها الذي يعرفه يقيناً من درايته بشخصيتها ليدفعها برفق هاتفاً بعجلة :
_حسابنا بعدين ! هاغير هدومي عشان ألحق .
يقولها ليندفع نحو غرفته فتلحق به هاتفة بلهفة بين دموعها :
_هتعمل إيه ؟!
_هادبر له المبلغ .
_إزاي؟!
_هتصرف!
يهتف بها بحسم وهو ينهي ارتداء ملابسه ليربت على كتفها بسرعة فتهتف به :
_استناني هالبس وآجي معاك .
_مش دلوقت ..اصبري لحد ما أدبر أموري ومش هاروح من غيرك ما تقلقيش.
يقولها ليعاود التربيت على كتفها بخفة قبل أن يهرول بخطوات شبه راكضة نحو الخارج فتبسط راحتها المفرودة على صدرها وهي تشعر بفرط التفكير يكاد يصيبها بالجنون ..
ترفع رأسها لأعلى بدعاء حار امتزج بشهقات بكائها قبل أن تندفع نحو هاتفها لتتصل ب..أشرف!
=====
_إيه؟! امتى وإزاي؟!
يصرخ بها أشرف بارتياع فتنتفض رانيا جواره ممسكة ببطنها المنتفخ بقلق ليصلها صوته الغاضب وهو يحدث نشوى عبر الهاتف:
_دماغك ده هيوديكي في داهية ! ما قلتيش لجوزك ماشي ..لكن أنا ماقلتليش ليه ؟!
صوت بكائها العاصف على الجانب الآخر من الاتصال يرقق قلبه نوعاً فيهتف بها بعجلة :
_اقفلي دلوقت وأنا هاكلم إسلام نشوف هنتصرف إزاي .
يغلق الاتصال بعنف فتهتف به رانيا مستفسرة لتشهق بارتياع وهي تستمع للتفاصيل قبل أن تهتف باستنكار:
_الحقير! سايبهم طول السنين دي وجاي يفتكر دلوقت إن ليه بنت !
_كنت عرفت إن شغله هناك مش ماشي وظروفه مهببة..هتلاقيه لقاها فرصة يبتزها لما عرف إنها اتجوزت إسلام .
يقولها وهو يتناول ميدالية مفاتيحه وهاتفه استعداداً للخروج لتهتف به :
_وهو عرف منين؟!
_الحاجات دي ما بتستخباش ..المشكلة في الغبية اللي ما قالتلناش كل الوقت ده لحد ما ضرب ضربته الجبان .
يهتف بها بضيق نافد الصبر وهو يتوجه نحو باب الشقة لتهتف مدافعة :
_مش غبية ! انت عارف نشوى ما بتحبش تشيل حد همها ..أكيد كانت فاكرة نفسها هتحلها لوحدها ..المهم دلوقت هتعمل إيه؟!
_هاكلم إسلام وأروح له نشوف هندبر المبلغ إزاي ..
يقولها وهو يفتح الباب ليزفر بسخط مردفاً:
_المشكلة إننا حتى لو دفعناله اللي هو عايزه المرة دي مش هيبطل يبتزنا ..ده طماع أنا عارفه .
تعقد حاجبيها بقوة مدركاً صحة ما يقول فتفكر للحظات قبل أن يسري الخاطر على شفتيها فجأة :
_كلم ناصر!
_نعم!
يهتف بها باستنكار فترد بلهفة محاولة إقناعه :
_فكر بس بالعقل! ناصر جدع ..وقف جنبك أيام أزمتك ..وأنا متأكدة إنه لو عرف دلوقت هيكسر الدنيا على دماغ الراجل ده ! انت ما ينفعش تدخل البوليس في موقف زي ده لأنه أبوها ومفيش أب هيخطف بنته خصوصاً إن نشوى ما معهاش ورق قانوني يثبت الحضانة ..وكمان مفيش وقت نشوف حد تاني معرفة نكلمه ..الوقت ضيق !
يعقد حاجبيه وأنامله تعتصر الباب المفتوح هاتفاً من بين أسنانه:
_أكلمه إزاي يا رانيا بعد عملته السودة يوم الفرح ؟! ده سود وشنا قدام الناس كلها !
فتربت على كتفه مهدئة بقولها :
_دي حاجة ودي حاجة ..يمكن تكون دي فرصته يكفر عن غلطته معاكم خصوصاً إن الجوازة دي كانت هتبقى مأساة للكل والحمد لله ربنا عوضها باللي أحسن منه ..أنا متأكدة إنه مش هيتأخر لو عرف ..صدقني هو الحل الأسرع والوحيد دلوقت .
يزداد انعقاد حاجبيه للحظات وهو يفكر فتمنحه إيماءة مشجعة تجعله يزفر زفرة ساخطة قبل أن يغلق الباب بقوة متخذاً قراره و..يجري الاتصال !
=======
في سيارته ينطلق ناصر بسرعة مجنونة نحو المطار ..
منذ كلمه أشرف وهو يجري اتصالاته كي يضمن ألا يغادر ذاك الوغد بالطفلة قبل أن يلحق بهما !
ربما لم يحمل قلبه مشاعر خاصة نحو نشوى لكن مشاعره نحو أشرف لم تتغير طوال هذه السنوات ..صديق يود لو لا يخذله !
كفاه ما حدث تلك الليلة عندما تسبب في فضيحة لا يظنها ستنسى بسهولة !!
كذلك مشاعره نحو ريما كانت حقيقية تماماٌ ..بل لا يخجل من الاعتراف أنها الطفلة الوحيدة التي أثارت بداخله شوقه للأبوة وهو الذي يحاول قدر استطاعته دفن هذا الشعور لأجل سها !
سها!
اسمها يؤجج شعوره بافتقادها حد الجنون ..
وبغضبه منها حد العجز!!
لا تزال تبني في كل يوم ألف حاجز بينهما ولايزال هو يحاول هدمها !!
أفكاره تنقطع بوصوله لأرض المطار فيرصف سيارته جانباً ليعقد حاجبيه بقوة متوعدة وهو يغادر نحو صالة الانتظار ..
يقلب بصره باحثاً بين الوجوه بسرعة حتى يراها هناك ..
ريما تبكي دافنة وجهها بين كفيها !
وفي مكانها كانت ريما تشعر بالخوف وهي لا تفهم ماذا يحدث ..
عندما أخبرتها المعلمة أن والدها ينتظرها بالخارج ظنته إسلام ..
لكنها فوجئت به هو!!
يعانقها ويقبلها ليخرج بها من المدرسة زاعماً أنهما في طريقهما لنزهة ..لكنها سمعت مكالمته مع أمها !
_ريما!
يهتف بها ناصر فترفع وجهها نحوه بضيق لأول الأمر قبل أن تميز ابتسامته المطمئنة وهو ينحني ليحملها متجاهلاً أباها الذي هتف به بحدة :
_انت مين ؟! شيل إيدك عن بنتي!
لكن ناصر أشار لأحد أصدقائه بثياب الشرطة والذي تقدم منهما ليقلب الرجل بصره بينهما هاتفاً بتوجس:
_فيه إيه ؟! أنا ما عملتش حاجة ..دي بنتي ومسافرة معايا وورقنا سليم .
تجاهله ناصر تماماً وهو يقبل وجنة ريما ليقول برفق:
_هاكلم بابا كلمتين وانتِ روحي مع عمو دلوقت .
يقولها مشيراً للضابط صديقه فيصرخ والدها باستنكار:
_تروح فين ؟! الطيارة فاضل عليها ربع ساعة .
يقولها مضطرباً وهو يشعر بتفلت الخيوط من يده ..خاصة وقد اتصل به إسلام منذ خمس دقائق فقط يخبره أنه حضر المبلغ المطلوب وهو في طريقه إلى هنا ..
لكن ناصر ينزل ريما أرضاً ليشير لصاحبه برأسه قبل أن يميل على أذن ذاك الوغد هامساً بصرامة مخيفة :
_مش عايز البنت تسمع كلامنا ..سيبها تمشي معاه بالذوق أحسنلك .
يهم باعتراض صارخ لكن النظرات المتوعدة في عيني ناصر وصاحبه تبث الخوف في عروقه فيتحرك الضابط مبتعداٌ بريما لمسافة مناسبة فيما يرفع له ناصر "بطاقة عمله " بحركة مهددة فيتوجه ببصره نحوه هاتفاً بغضب:
_فيه إيه ؟! أنا مايهمنيش ظابط ولا عشرة ..دي بنتي مش خاطفها !
فيفاجئه ناصر وهو يجذبه بعنف من ياقة قميصه ليشهق الرجل بخوف مع عيني ناصر المشتعلتين بغضبه رغم برودة صوته:
_دلوقت افتكرت إن ليك بنت؟! اسمع بقا اللي عندي عشان معاد طيارتك قرب وأنا صبري قليل ..تحب ترجع الداهية اللي جيت منها بكرامتك واللا أبيتك الليلة دي في الحبس ؟! وقبل ما تفكر بحذّرك ..انت مش عارف الحبس اللي بيوصي عليك فيه ظابط بيبقى عامل إزاي .
_أنا ماعملتش حاجة ..هتحبسني ليه ؟!
يهمس بها الرجل برعب وهو يزدرد ريقه الجاف بصعوبة محاولاً تخليص ملابسه من قبضة ناصر لكن الأخير ضغط بها أكثر على صدره حتى آلمه ليعاود همسه القاسي:
_ألف تهمة وتهمة مستنية اسمك القذر يلبسها ..اللي زيك حلال فيه يتعامل بمعاملته القذرة .
تتسع عينا الرجل بخوف يزداد تدريجياً مع كلمات ناصر:
_عارف في الربع ساعة اللي فاضلالك هنا دي ممكن يتعمل كام بلاغ ضدك ؟! كام واحد يشهدوا إنك اتهجمت عليهم ؟! بلاش! ..كام تسريبة كده يطلعوا إنك بتنتمي لجماعات محظورة ..والأخيرة دي بالذات هتتروق فيها قوي!
تشحب ملامح الرجل وهو يتراجع عنه بظهره قائلاً بصوت مرتعد:
_بس ده ظلم .
فيبصق ناصر على الأرض جواره في إشارة ذات مغزى ليقلب شفتيه بازدراء:
_البجاحة ليها ناسها فعلاً .
يسمع الرجل صوت النداء معلناً وصول طيارته فيتلفت حوله بتردد يحسمه ناصر وهو يلوح بسبابته قرب عينه حتى كاد يصيبها:
_تنسى "أخت أشرف" وبنتها نهائي ! المرة الجاية مش هاديك تحذير قبل ما تلاقي نفسك في مصيبة انت مش أدها!
يقولها مشيراً لنشوى ب"أخت أشرف" كأنه يصفها عفوياً بالصفة الوحيدة التي يجدها لها في نفسه ..
وربما لأنه لا يزال عاجزاً عن نطق اسمها بعد شعوره الرهيب بالذنب نحوها ..
وربما ب"نزعة صعيدية فطرية تربى عليها صغيراٌ" أراد إبعادها -شخصياً- عن هذا الأمر وليكن للرجال فحسب!
لايزال الرجل يتلفت حوله بترقب كأنه ينتظر وصول إسلام بالمال لكن ناصر يلكمه في صدره ببعض العنف هاتفاً بازدراء:
_فاهم يا "......."؟!
ينهي سؤاله بسبة بذيئة يرتعد لها الرجل أمامه خاصة مع النظرة القاسية في عينيه ليومئ برأسه في استسلام قبل أن ينحني ليلتقط حقيبته لكن ناصر يعاود قوله بنبرة آمرة:
_استنى ! لسة الأهم !
فيعاود الاستقامة بجسده ليلتقط ناصر ورقة من جيبه ناوله إياها مع قلم :
_ده تنازل منك عن حضانة البنت ..تمضيه الأول وأنا هاوثقه بطريقتي!
فيرفع إليه الرجل عينين صاغرتين قبل أن يوقع باستسلام ليقول أخيراً بنبرة ساخطة :
_ألحق طيارتي بقا.
لكن ناصر وضع الورقة في جيبه ليقول بنبرة آمرة :
_فاضل أهم حاجة ..هتنادي ريما دلوقت وتقوللها بالحرف اللي هاقوللك عليه !
وفي مكانها وقفت ريما تناظرهما بقلق طفولي رغم محاولات الضابط اللطيفة للتواصل معها ..
لترتجف بخوف وهي ترى ناصر يشير لها أن تقترب ..
تتقدم نحوهما بارتباك وعيناها تحاولان فهم ماذا يحدث ..
لم تكن صغيرة إلى هذا الحد كي لا تفهم ما يدور ..
والدها يريد المال كي يوافق على أن تبقى مع أمها ..
ويبتعد هو من جديد !
وإلا فسيرحل ويأخذها معه بعيداً عن هنا!!
لهذا لم تصدق حنانه الزائف وهو يحملها ليقبل وجنتيها قبل أن يقول ما تلقنه من ناصر:
_أنا آسف ! انتِ بس كنتِ واحشاني وكنت عايزك تقعدي معايا شوية ..انتِ جميلة قوي وأنا بحبك ..خلليكي فاكرة كده حتى لو بعدت ..خللي بالك من ..ماما!
تدمع عيناها بشعور طفولي بالنفور ..
حتى في هذا العمر الصغير يمكنها تمييز الكذب !!
لهذا ما كاد ناصر يتلقفها منه ليحملها هو حتى دفنت وجهها الباكي في كتفه ..
فيما رمق ناصر الرجل بنظرة زاجرة تزامنت مع الإعلان الثاني عن طائرته فغادر مسرعاً تلاحقه نظرات ناصر المزدرية ..
والذي ربت على ظهر ريما برفق قبل أن يتناول هاتفه ليتصل بأشرف كي يطمئنه ..
======
_الظابط البطل أنقذني زي ما كنت دايما تحكيلي ..
تهتف بها ريما مخاطبة نشوى من بعيد وهي تفتح لهما ذراعيها بينما يتقدم ناصر نحوهما جوار أشرف حاملآ إياها ..
فيتجمد إسلام مكانه جوار نشوى وهو يشعر بحجم الصراع في داخله بين حقده على صاحبه ورغبته في شكره ..
إذا كان حاله هو ..فماذا عنها هي؟!
لقد هاتفه أشرف يخبره بما كان ويعتذر له عن إبلاغه ناصر بالأمر فلم يكترث سابقاً إلا بسلامة ريما ..
لكنه الآن وهو يشعر بالطمأنينة على الطفلة يجد القلق ينهش صدره من اتجاه آخر !
هي !
كيف تقيم الأمور في هذه اللحظة ؟!
كيف حال قلبها الذي طالما أتعبه ؟!!
عيناه تتوهان عن العالم كله وتتركزان على ملامحها في هذه اللحظة كأنما يتبين فيهما نتيجة اختبار لم يعش في حياته أقسى منه ..
يراها تتركه لتركض نحوهما فتعميه غيرته وهو لا يدري لأيهما يركض قلبها قبل نظراتها ..
لكنه يبقى مكانه مختارا خلفية المشهد ..!
يبصرها بعينين مغشيتين بجحيم عاطفته وهي تتلقف الصغيرة من بين ذراعي ناصر الذي وقف مطرقا برأسه بمزيج من خزي وحرج ..
تمطرها بقبلاتها وتعتصرها بين ذراعيها مستعيدة روحها التي ظنتها فارقتها ولن تعود ..
لكن ريما تقطع هذا اللقاء العاطفي الصاخب وهي تلتفت نحو ناصر من جديد هاتفة:
_كنت زعلانة منك بس خلاص ..انت بطلي .
فيتلقاها هذا الواقف بعيدا كصفعة على وجه غيرته ..
لو كان هذا شعور ابنتها ..فماذا عنها هي ؟!
يطرق برأسه وهو يشعر بكل ذرة في جسده تشتعل ..ثم تنطفئ !
أي جحيم هذا !
_بابا!
تهتف بها ريما وهي تتفلت من بين ذراعي نشوى لتركض إليه هو بسرعة فينحني ليحملها بين ذراعيه مخفياً صراعات ملامحه في شعر الصغيرة التي طوقته بكلا ذراعيها هاتفة بين دموعها:
_كنت عارفة إنك هتيجي وتاخدني في حضنك تاني ..انت بابا اللي عمره ما هيسيبني أبداٌ .
_أبداً ..أبداً ..
يكررها وهو يغرق وجهها بقبلاته قبل أن يعاود إخفاء وجهه في كتف الصغيرة كأنه يخفي معه كل انفعالاته ..
يزدرد ناصر ريقه بتأثر وهو يراقب الموقف بحرج ..
فيما تنهمر دموع نشوى وهي تجد خطواتها تنسحب نحو إسلام وصغيرتها ليحط ذراعاها أحدهما فوق كتفه والآخر على ظهر ابنتها ..
الرعب الذي عاشته طوال الدقائق الماضية يكفي عمراً بأكمله ..
لكنها لا تنكر لحظات السكينة التي غشيتها وهي تشعر بظله هو يحميها ..
لهفته الصادقة ..سرعة تصرفه لتدبير المبلغ المطلوب من علاء رغم أنه لم يكن يملكه ..غضبه من ذاك الوغد لأجلها ووعيده أن يلقنه درساً لو رآه ..
ربما شاء القدر أن يتصدر ناصر مشهد البطولة -كما عاشت عمرها قديماً تراه -
لكن قلبها الآن يدرك أن إسلام كان البطل الحقيقي هاهنا ..
ولو خفي دوره عن كل العيون فستظل صورته نقشاً على مقلتيها هي!
تنقطع أفكارها عندما يرفع إسلام وجهه أخيراً لتلتقي عيناهما للحظة واحدة ..
لكنها حملت مشاعر ألف دهر ..
الخوف الذي قرأته عيناها يجعل أناملها تتشبث بكتفه بقوة وهي تعض شفتيها كأنها تعتذر ..
لكنه في هذه اللحظة كان عاجزاً عن قراءة عينيها ..
وقد بدت له كطلسم جهل شفراته !
نظراته تتحول نحو ناصر الذي تقدم منهما بخطوات حاسمة ليتنحنح بخشونة وهو يستخرج الورقة من جيبه ليناولها لإسلام متحاشياً النظر لنشوى تماماً مع قوله مراعياً وجود ريما :
_ده تنازل عن حضانة البنت وما تقلقش ..اللي حصل مش هيتكرر تاني .
فيبتلع إسلام غصة حلقه وهو يهز رأسه بما يشبه الشكر عاجزاً عن فعل المزيد ..
لكن ناصر لم ينتظر ما هو أكثر بل انسحب بصمت ..
نظرات نشوى تلاحقه ..ونظرات إسلام تلاحقها هي !!
نظراتها تشيع رحيله بعينين متسعتين ..
وعيناه تصرخان بعينيها أن كفاني خذلاناٌ !
أنفاسها متلاحقة كأنما تعدو في سباق ..
وأنفاسه متجمدة حد الموت !
الدهشة ترسم أخاديدها فوق ملامحها ..
دهشة ..رآها هو انبهاراً!!
ولو قرأ ما في قلبها لأدرك أنها في هذه اللحظة بالذات كانت تشعر أنها ترى ناصر لأول مرة!
أجل ..لأول مرة ترى صورته خارج إطار"الوهم" القديم !
تراه كما هو ..
لا قديساً ولا شيطانا ..
لا فارساً ولا قرصاناً ..
لا بحراً ولا ناراً ..
بل هو هو ..
مجرد رجل يحمل من العيوب كما يحمل من الميزات ..
حتى ملامحه التي عاشت عمرها تراها أيقونة السحر الآن تراها باهتة ..
كصورة جميلة إنما ..ليست لها!
_عايزة أروح !
تقولها ريما قاطعة أفكارها لتلتفت نشوى نحوه لكنه كان يغض الطرف عنها مكتفياً بعناقه لابنتها وهو يسير بها ..
لهجته مرحة كعهدها لا تشي بهذا الصدع الذي يزداد تشققاً في جدار روحه ..
بينما كانت تسير هي كالمغيبة وصراع مشاعرها يزداد احتداماٌ ..
ترفع عينيها لأشرف الذي كان يسير جوارهما صامتاً فيرمقها بنظرة متوجسة مدركاً بحدسه أثر موقف كهذا على علاقتها بإسلام ..
بطلها القديم الذي طالما غزا أحلام "أنوثتها"عاد ليقتحم الصورة بمشهد لن تنساه "أمومتها" كذلك ..
فمن ذا القادر على المنافسة مع صورة كهذه ؟!
========
_أنا آسف!
يقولها هيثم بوجع حقيقي حفر ملامحه وهو يجلس معها على الأريكة خارج الغرفة التي احتجزت فيها والدتها في المشفى منذ وصولها ..
لترد بحسرة متوجعة بين فيض دموعها :
_لو جرالها حاجة هنبقى خالصين !
يشهق بارتياع وكأن الفكرة لم تخطر بباله ليعتصر كفها في قبضته هاتفاً بانفعال:
_انتِ فاكرة إني كنت قاصد اللي قلته ؟! إزاي تفكري ..؟!
_مش هافكر ..خلاص ..ماعدتش هافكر ..اللي بيننا خلاص انتهى .
تقاطعه بها بحسم غريب على مشهدها الواهن الهش الذي اعتصر قلبه ليغمض عينيه بقوة عن صورتها ..وعليها !
_انت مش قاصد اللي قلته ..انت عارفني كويس وواثق فيّ ..بس انت عايز تصدق إني وحشة عشان تلاقي عذر إنك تسيبني ..وأنا مدياك بدل الواحد ألف!
تقولها عبر دموعها بيقين من تحفظ خلجاته كلها فيتمتم باسمها بعذاب :
_شهد !
لكنها تسحب كفها منه لتمسح دموعها قائلة :
_مش هدافع عن نفسي تاني ..مش هاقوللك عملت إيه وليه ..ولا حتى هافكرك باللي ما عملتوش ..
تقول عبارتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى مدركة النار الحقيقية التي تشتعل لأجلها روحه ..
فيرفع إليها عينيه بالمزيد من التشتت لتردف بشبه ابتسامة :
_كنت عارفة اللي بيننا هيخلص أول ما تفتكر ..بس أنا اللي صممت أعيش الحلم للآخر ..غصب عني ..انت قربت مني بنفسك وشفت ..حياتي كلها مفيش فيها غيرك انت ..وهي!
تشير برأسها نحو الغرفة التي ترقد فيها أمها فيخفق قلبه بعنف وهو يدعو الله بكل ما أوتي من قوة أن تفيق المرأة من انتكاستها ..
لن يحتمل ذنباً كهذا!
لو كانت هي قد آذت أباه فقد كان يستحق عقابه ..
لكن هذه المرأة لا تستحق أن يصيبها سوء ..
لن يسامح نفسه لو نالها مكروه بسببه !
_روح انت استريح ..انت بقالك هنا معايا يومين ..كفاية كده .
تقول عبارتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى لكنه يهز رأسه باعتراض قائلاً باستنكار مرير:
_يعني أكون السبب في المصيبة وما أبقاش جنبك كمان ؟!
ابتسامتها في هذه اللحظة بدت له كزهرة تنبت وسط الصخر!
كيف لم ينتبه طوال هذا الوقت لقوتها الدفينة كهذه ؟!
خاصة وهي تتحدث بهذه الطريقة بالغة الرقة ..بالغة الصلابة :
_هتعدي! زي كل حاجة وحشة شفتها هتعدي! هتقوم بالسلامة وتعرف الحقيقة وتسامحني ..وأنا هارجع لحياتي ..هاشوف شغل تاني بحبه ..هاخد الكورسات اللي كنت قلتلك عليها ..واحتمال آخدها ونسافر شوية عند أعمامي في الاسكندرية وممكن أنقل الجامعة هناك ..فرصة أشوف ناس جديدة وأماكن جديدة ..الحياة مش هتقف .
لم يشعر بهذه الدمعة الكبيرة التي تجمعت في طرف عينه إلا عندما هددت بالسقوط ..
حديثها عن الرحيل يمزق قلبه بسكين بارد ..
يكاد يستصرخها ألا تفعل ..
أن تبقى هنا جواره ولو بعيدة كفاه أن يطمئن عليها من بعيد ..
لكن صوت رنين هاتفه يحمل له ما بدا وكأنه رسالة من قدره ..
رنينه برقم أمه !
يجيب الاتصال ليخبرها باقتضاب أنه لن يعود اليوم أيضاً فيروعه هذا القلق المرتاب في صوتها ..
عيناه تنتقلان بعذاب حقيقي بين نظرات شهد التي تمزج رجاءها بتفهمها ..
وبين هاتفه حيث ترجوه أمه العودة ..
فيغمض عينيه بألم عاجزاً عن اتخاذ القرار !
_فاقت!
تهتف بها الممرضة تنتزعه من هوة تردده وهي تخرج من غرفة والدتها فتنتفض شهد مكانها لتهرع إليها ويفعل هو المثل بعدما يغلق الاتصال مع أمه بكلمات سريعة ..
_حمداً لله على سلامتك ..الحمد لله ..
تكررها شهد بحرارة وسط فيض دموعها وهي تنكب على كفها تقبله ..
فيما يقف هو مكانه يرمق المرأة بنظرات آسفة قبل أن يجلس جوارها على طرف الفراش لتلتفت نحوه قائلة بصوت مرتجف لاهث وبكلمات متلعثمة :
_اللي قلته ..بنتي.. فعلاً ؟!
_اهدي يا ماما ..هاقوللك كل حاجة والله ..بس اهدي ..
تهتف بها شهد برجاء لكن المرأة تشير لها بكف مرتجف قائلة بنفس الصوت الواهن :
_اخرجي وسيبيني معاه لوحدنا .
تنطق شهد برفض سريع راجٍ لكن المرأة تصر على ما تطلبه فترمق شهد هيثم بنظرة راجية قبل أن تتحرك لتغادر الغرفة ..
_احلف على كتاب ربنا إنك تقول الحق ..وماتخافش ..أنا كويسة..
تقولها المرأة بصوت مرتجف فيقسم لها كما طلبت قبل أن يتنهد بحرارة ثم يروي لها القصة التي تبرئ ابنتها كما عرفها كاملة بتفاصيلها ..
_حسين رجائي كان هو اللي ورا قتل سيدة ؟!
تقولها المرأة أخيراً بإدراك فيومئ لها هيثم برأسه بخزي لتغمغم بعدها بأسف:
_دلوقت بس افتكرت ..النظرة الغريبة في عينها لما عرفت عن موت سيدة ..الظابط اللي جه قابلها بعدها ..الليالي اللي كانت بتسهرها ودموعها ما بتنشفش .
فأطرق بوجهه بالمزيد من الخزي ليرد:
_أنا آسف على اللي قلته ..غصب عني انفعلت واتهمتها ظلم ..
_حبيتها؟!
تسأله المرأة مباشرة بعد صمت قصير ليصمت بدوره مكتفياً بإغماض عينيه فتتأوه هي بقوة قبل أن تشير للباب قائلة :
_اندهها يا ابني ..وامشي انت ..
_لا أنا هافضل معاكم لحد ما أطمن عليكم .
يقولها بإصرار لكن المرأة تبتسم له بمرارة قائلة :
_عمر الجرح والدوا ما يبقوا في نفس الإيد ياابني ..قصتكم خلصت قبل ما تبدأ ..يعلم ربي إني اتمنيتك ليها من كتر ما حسيت إنها بتعزك..بس ما يقدر على القدرة إلا ربنا ..روح لحالك ياابني ..روح لحالك .
كلمات المرأة على بساطتها تبدو وكأنها تقطع الخيط الرفيع الأخير بينهما ..
فينهض من مكانه بتثاقل ليتحرك نحو الباب ..
يخرج لتتلقفه نظراتها الملهوفة مع هتافها:
_قلتلها إيه ؟!
_ما تخافيش ..قلت الحقيقة .
يقولها ببساطة مرة وكأن الحقيقة في حد ذاتها لا تخيف!
فأغمضت عينيها بقوة لتكتف ساعديها قائلة :
_هتمشي؟!
_هامشي !
يقولها بلهجة من أجبروه أن يسكب روحه على الأرصفة ويقف مشاهداً إراقتها ..
فتفتح عينيها لتقول له بتماسك مصطنع:
_يومين تلاتة كده وارجع بس خد حاجتك ..نكون رجعنا البيت .
تختم قولها بابتسامة بمذاق الدموع قبل أن تتحرك لتدخل الغرفة وتغلق بابها خلفها ..
فيشعر وكأنما ألف باب تغلقه روحه بينهما كذلك!
======
على مكتبه في عمله يجلس ناصر يراقب الحائط بشرود ..
ذهنه متخبطٌ بأفكاره بين "العملية الجديدة" شديدة الخطورة في عمله ..وأحداث الأمس المثيرة المتعلقة بنشوى ..
يشعر ببعض الارتياح مزيحاٌ القليل من وزر شعوره بالذنب نحوها ونحو شقيقها صديقه ..
لكنه كذلك يشعر بالخزي والحرج من إسلام ..
لا بأس!
هو كان خطأه من البداية عندما وافق سها على هواها وسيتحمل توابعه على أي حال !
صوت طرقات خافتة على الباب تقاطع أفكاره فيلتفت نحوه لتتسع عيناه بصدمة وهو يميز الطارق ..
أو بالأدق ..الطارقة !
_نشوى ..اتفضلي!
يقولها وهو يقف مكانه بنبرته العملية التي لم تخفِ تحشرج صوته فاضحة صدمته بحضورها ..
وتوجسه من سبب هذه الزيارة !
فيما تقدمت هي بخطوات بطيئة وعيناها تنتقلان بثبات بين ملامحه التي تعرفها -أو التي ظنت أنها تعرفها - وبين اسمه المكتوب على اليافتة الذهبية فوق مكتبه ..
كأنها لا تصدق أنه هو ..هو!
تجلس على الكرسي أمام مكتبه فيجلس بدوره ليتنحنح قائلاً بنفس النبرة المتحفظة :
_خير؟!
سؤاله يكشف خفية عن تعجبه لزيارتها وتود لو تكشف له السبب الحقيقي ..
_أيقونة شخصيتك هي "الهروب" ..لازم تتعلمي تواجهي ..الوهم بيكبر لنا حاجات كتير بيخللينا نديها أكتر من حقها بكتير ..الخوف ..الحب ..التقدير ..كل دي حاجات لازم نتعامل معاها بميزان حساس جداً لأنها لو خدت أكبر من حجمها هتبلعنا واحنا مش حاسين .
تسمعها في ذهنها بصوت ياقوت في محادثة سابقة لهما فتزداد يقيناً بأهمية هذه المواجهة الآن بينها وبينه ..
لن تهرب ..ستواجه !
ستواجه "وهم الحب" الذي عاشت عمرها السابق ناسكة في محرابه ..
ستواجه "سيف الخذلان" الذي سقط على عنق كبريائها ..
ستواجه "شظايا انكسارها" التي أدمت روحها لسنوات وظنت جراحها لن تندمل ..
_شكراً .
تقولها بنبرة قوية غريبة عن خنوعها المعهود أمامه فتدهشه قليلاً لكنه يطرق بوجهه قائلاً بتحفظ :
_مفيش داعي للشكر ..بالعكس ..يمكن دي كانت فرصة أقدم اعتذار مناسب عن اللي حصل مني قبل كده .
ابتسامة واهنة تزداد قوة على شفتيها رويداً رويداً مع ردها :
_أنا مش بشكرك عشان رجعت ريما ..
يرفع إليها عينيه بتوجس متسائل لتردف بنبرة أقوى:
_أنا بشكرك عشان ما حضرتش الفرح ..عشان وقفت المهزلة دي قبل ما نكملها ..عشان من غير ما تقصد فوقتني من وهم خد من عمري سنين ..وعشان بسببك عرفت يعني إيه حب حقيقي ..
يرتجف صوتها في عبارتها الأخيرة فيدرك عمن تتحدث ..
ربما لهذا عاد يطرق برأسه وهو يشعر بطيف صديقه يقف بينهما فيما تستطرد هي بحرارة تتملك حروفها :
_حب يبني ما يهدش ..يسند ما يوقعش ..حب يطمن ما يخوفش ..حب تآمنه على بكره مش يهددك بامبارح ..حب ما تحسبوش أيام لا ! مواقف ! ..حب أستاهله ويستاهلني .
يعود ليرفع عينيه إليها بنظرة خلاص!
كأنما حرره هذا الصدق -الذي يبزغ بين حروفها كالشمس- من أغلال ذنبه القديم ..
_معاكي حق .يمكن خسرت صداقتي معاه بس شهادة حق ..إسلام راجل حقيقي ويستاهل كل كلمة قلتيها وزيادة ..
يقولها ببعض العاطفة التي تتخلل لأول مرة حديثه المتحفظ المعهود معها فتعاود النظر إليه شاعرة بالمزيد من الغرابة ..
كيف يمكن أن تكون هي هي نفس الملامح ..
نفس الشخص ..نفس الصوت ..
إنما هو بعيد ..بعيد جداً عن هذا "الصنم" الذي نصبه الوهم للحب في ساحات قلبها ؟!!
الآن تنزاح الغشاوة كاملة ..
تصفو الرؤية بعد طول تشوش ..
يدرك القلب حقاً أي شفرة كانت صحيحة لفك رموزه ..
وأي لحن كانت تشتهيه آذانه ..
فلا ضلال بعد ولا تشتت ..
وقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر!
تنهض من جلستها شاعرة بانتهاء غرض الزيارة تماماٌ كما أرادته ..
منذ عادت للبيت بالأمس وهي تشعر بروحها مهتزة ..مضطربة ..
ليست هي فحسب ..
إسلام كذلك ..رغم أنه قضى ليلته نائماً معها على نفس الفراش وبينهما ريما ..
لكنها كانت تشعر أن الصغيرة ليست فقط هي ما بينهما ..
بينهما رواسب الماضي العالقة التي آن لها الآن أن تسقط في القاع إذ لا مكان لها سواه تاركةً لهما نقاء السطح !
_أنا آسف.
صوته يستوقفها عند الباب فتغمض عينيها براحة ..
ربما يكون هذا الاعتذار هو آخر ما ينقصها كي تغلق هذه الصفحة للأبد ..
كي تتخلص من نقمتها على حبه و ..تسامح!
_الحب الأول ممكن يبقى وهم ..بس المشاعر اللي عاشها القلب فيه بكل طاقته وعنفوانه أكيد حقيقة ..ولو كان إكرام الميت دفنه ..فالأولى بالحب ده إننا نودعه بما يليق ..مش بلعنات وحقد وسوء ظن ..لكن بابتسامة وتنهيدة خلاص ورضا ..ويقين إن اللي اختاره القدر أفضل .
من جديد تسمعها بصوت ياقوت فتدمع عيناها موقنة أنها كانت على صواب ..
الآن فقط توقن بكل حواسها أنها كانت كذلك !
تغادر مكتبه شاعرة بطاقة هادرة تتفجر في شرايينها ..
برغبة عارمة في العدو ..في الضحك ..في الصراخ ..
تحس وكأن بداخلها مارداً طال حبسه في قمقمه وآن له أن يتحرر ..
تبتسم مغمضة عينيها وهي تستحضر ملامح إسلام شاعرة بطوفان مشاعر يكتسح أنوثتها ..
أنوثتها التي تعترف الآن أن لم يجد العزف على أوتارها مثله ..
تفتح عينيها أخيراً وابتسامتها تتحول لضحكة مكتومة متذكرة واحداً من تعليقاته الوقحة ..
لكن ضحكتها تتجمد على شفتيها وهي تراه -حقيقة- واقفاً أمامها ..
والغضب الهائج في عينيه لا يحتاج لتأويل !
======
_إسلام!
تهتف بها وهي تتشبث بكفها في ساعده بارتباك محاولة تبرير وجودها هنا لكنه لا يمنحها الفرصة وهو يحرر ذراعه منها ليعطيها ظهره مبتعداً بخطوات شبه راكضة ...
السواد الذي ملأ عينيه في هذه اللحظة كان أكبر من أن يتجاهله !
منذ توجه لمكتبها في المصنع منذ قليل ليجده خالياً منها وهو يشعر بالنار التي تكوي صدره تمنحه الجواب المنطقي لسؤاله أين يمكن أن تكون ..
لكنه لم يتوقع أن يكون الجواب قاسياً هذا الحد ..
يراها بعينيه وهي تغادر مكتبه ..
ملامحها التي طالما اتشحت بعبوسها صارت تبتسم وتضحك!
هل كان مخطئاً من البداية في خوض حرب لم تكن له ؟!
يصل لسيارته فيستقلها لينطلق بها بسرعة فيراها عبر المرآة واقفة مكانها خلفه وملامحها تصرخ بالذنب ..
لكن هذا لم يشفع !
صورتها في المرآة تبتعد وتبتعد فيود لو يملك ذات الأثر في قلبه ..
لو يتلاشى هذا الحب الذي لم يجنِ منه سوى الخذلان !
لكن ما الذي كان يتوقعه بعد موقف الأمس؟!
"البطل" أنقذ طفلتها وأصلح بموقف واحد خطايا ماضيه كلها ..
لم تكن تحتاج منه سوى موقف بسيط كهذا كي تنسى ..
وهو؟!
هو كيف ينسى؟!
كيف ينسى عذاباته بها ولها طوال تلك الأيام السابقة ؟!
هكذا ؟!
صار كل ما منحه لها مجرد رماد تذروه الرياح؟!
يسمع هاتفه يرن باسمها لكنه يغلقه في وجهها مراراٌ ..
لم يعد يريد سماع المزيد من الأعذار ..
هو اكتفى من هذه الحرب الخاسرة !
لن يريق دماء كبريائه أكثر!
عشرات المحاولات منها لكن رده لم يتغير ..
كان يمكنه إغلاق الهاتف ببساطة لكن جزءاً بداخله كان لايزال يأنس بمحاولاتها التي توقفت أخيراٌ بعد ساعات كان الليل فيها قد أسدل ستره على المرئيات ..
يشعر بتنميل في ساقه بعد القيادة طوال هذه الساعات لكنه لم يكن يريد التوقف ..
هو فقط يريد النسيان ..التشاغل ..
فكر في الاتصال بياقوت لكنه كره شعوره بالخزي أمامها ..
يكفيه شعوره بهذا أمام نفسه !!
الخاطر الأخير يزكي المزيد من غضبه فيخبط بكفه على المقود للحظات قبل أن يعقد حاجبيه بقوة متخذاً قراره ..
المرأة لا تُنسى إلا بامرأة سواها ..
مرحباٌ بالعودة للضلال القديم !
الخاطر الأخير يحشوه رغبة فائرة تتدفق في عروقه فيتناول هاتفه ليتصل برقم ما وما كاد يسمع صوت صاحبه القديم حتى هتف بمرح مصطنع:
_إزيك يا "..." ..معلش مقصر معاك من يوم ما رجعت مصر بس أكيد سمعت عن المصايب اللي بترف فوق دماغي ..لكن الصراحة وحشتني أيام الشقاوة ..ظبطلنا ليلة حلوة كده على ذوقك ..ساعتين زمن وأكون عندك !
=======
الواحدة بعد منتصف الليل ..
أمام الشقة التي ابتاعها لياقوت والخالية الآن منها بعد ذهابها للقرية يقف أمام الباب الذي استند عليه جبينه بإرهاق كأنه لا يملك المزيد من القوة ليولج المفتاح فيه ويدخل !
اليوم كان عاصفاً بحق على رجل مثله لم يكد يلتقط أنفاسه من صراع طويل تحمّله بصبر ظهر في ملامحه الهزلية وإن ظل باطنه يصرخ بعكس كل هذا ..
والآن فقط يود لو ينسى كل شيئ ..
لو يغمض عينيه فلا يرى وزر كتفيه بل يستسلم للسقوط ..
يزفر بقوة وهو يبتعد قليلاً ليفتح الباب لكنه يشعر بظل خلفه يجعله يلتفت ..
إنها هي!
تجلس على الدرج المؤدي للطابق العلوي ورأسها المستسلم للنوم يستند على الجدار البارد ..
ينعقد حاجباه وهو يبتلع غصة حلقه ليتوجه نحوها ..
شفتاها شاحبتان ترتجفان بشدة في نومها الاضطراري هذا ..
يمد كفه برفق ليخزها في كتفها فتنتفض شاهقة مكانها لتهتف به بانفعال :
_كنت فين ؟!
لكنه لم يجب سؤالها وهو يشيح بوجهه عنها قائلاً ببرود قاس:
_انت هنا من امتى؟!
_من ساعة ما سبتني ..قلت أكيد مش هترجع بيتنا وهتيجي في الآخر مهما لفيت .
تقولها ببعض الخزي الممتزج بانفعالها فيعطيها ظهره قائلاً بنفس البرود القاسي:
_امشي دلوقت عشان مش هابقى مسئول عن أي حاجة أقولها أو اعملها .
ورغم رنة التهديد التي تسمعها منه لأول مرة بهذا العنف لكنها تحركت لتقف قبالته ..
نظراتها تقابل نظراته بقوة بعيدة تماماً عن خوفها القديم ..
_حقك تقول وتعمل اللي انت عايزه بس اسمعني الأول .
_مش عايز أسمع منك حاجة ..سمعت وشفت بما فيه الكفاية .
بروده يختلط الآن بالمرارة التي غرست نصلها في قلبها هي لتحيط ساعديه بقبضتيها بقوة قائلة بإصرار:
_هتسمعني ..وهتصدقني .
ورغم مسحة الإعجاب العابرة التي طوقت نظراته بهذه القوة النابضة في كلماتها لكن البرود عاد يكسو عينيه وهو يتحرك ليفتح باب الشقة فيدخل وتدخل هي خلفه لتغلقه خلفها ..
_أنا غلطت عشان رحت من غير ما أقوللك ..بس أنا وقتها مافكرتش غير في حاجة واحدة بس ..
تقولها بنفس النبرة القوية فيلتفت نحوها بوجه متجهم واختلاج عضلة فكه تفضح كظمه لغضبه ..
_طول عمرك معاه مابتفكريش غير في حاجة واحدة بس!
بروده المشتعل يبدو كصفعة على وجهها وخاصة بهذه الكلمات ..
فتدمع عيناها رغماً عنها وهي تتقدم نحوه ببطء ..
وبمزيج غريب من وهن وقوة تأتي حروفها مشبعة بانفعالها :
_يمكن قبل النهارده كانت حاجة مختلفة ..لكن اللي خلاني أروح المرة دي إن الصفحة دي كان لازم تتقفل ..كان لازم أشوفه بحجمه الحقيقي بعدما الأيام أثبتت لي إني كنت مغفلة ..كنت عايزة لأول مرة في حياتي أواجهه وأنا حاسة إني مش ضعيفة وفاقدة الثقة في نفسي ..بالعكس ..عندي القوة إني أروح لحد عنده وأشكره ..أحسسه إنه رجع غريب زي ما كان ..وزي ما المفروض يفضل ..
دموعها خانتها في حروفها الأخيرة لتسيل على وجنتيها فيزداد انعقاد حاجبيه وهو يرمقها بنظرة عميقة غامضة ..
والصمت الثقيل يفرض نفسه بينهما بعدها لدقيقة كاملة ..
_أول مرة تشوفني بعيط وما تمسحش دموعي ..
تقولها بعتاب واهن وهي تكتف ساعديها بينما عيناها تغرسان رجاءاتها في حدقتيه ..
لكن صوته لايزال يصلها بارداً متباعداٌ :
_عشان ماعدتش واثق إني لوحدي كفاية .
تغمض عينيها للحظة متمالكة قوتها ثم تفض اشتباك ساعديها لتستخرج من جيبها ما رفعته أمام عينيه ..
دبلة فضية !
هذه التي ألبسته إياها ثم احتضنت كفه براحتيها قبل أن ترفع إليه عينيها بنظرات قوية هادرة ناسبت اعترافها الذي جاء أخيراً:
_أنا بحبك .
تهمس بها صادقة حارة قبل أن تطبع شفتاها هديتهما الناعمة فوق شفتيه لكنها تفاجأ ببرودته !
نظرته الغامضة لم تتغير ..كذا ملامحه التي بدت وكأنها قدت من صخر !
ترتد للخلف مصدومة للحظة ثم تمسح وجهها بكفيها شاعرة بالخيبة ..
لكنها تتقبلها بعمق شعورها بأنها يجب أن تحتمل..
كما سبق واحتملها هو!
_أول مرة ما تلمسيهاش.
يقولها بنفس البرود الغريب عنه مشيراً لشامة عنقه فتهز رأسها لتهتف بنبرتها القوية:
_عشان مابقيتش محتاجة ألمسها ..مابقيتش محتاجة دليل إني مش شايفة غيرك ..الصورة المهزوزة وضحت خلاص ..مابقاش فيها إلا انت وبس ..انت ..آه ..
تنقطع عبارتها بآهة خافتة وهي تفاجأ به يسحبها بقوة نحوه ليعتصرها بين ذراعيه ..
بروده القاسي يذوب وينصهر فوق نيران شفتيها مانحاً إياها عفوه قبل عاطفته ..
يدرك أنها لن تعترف اعترافاً كهذا إلا لو كانت تعني كل كلمة ..بل كل حرف فيه ..
اعترافها الذي بدا له وكأنه بعث بعد عدم !!
قبلاته تترنح على بشرتها بما يبدو كهذيان عاشق لا يكاد يصدق هذا النعيم الذي فتح له ذراعيه !
يشعر بمذاق دموعها يكدر مذاق قبلاته فيرفع وجهه ليمسحها بأنامل مرتجفة ..
همسها الحار يخترق صدره كسهام من نار :
_اوعى تبطل تعملها ..اوعى ..خلليني طول عمري واثقة إني مهما الدنيا خذلتني هلاقي حضنك أوسع منها ..هلاقيك بتمسح دموعي وبترسم بدالها ضحكة ..ضحكة ماعرفتهاش من قلبي غير معاك .
_الحمد لله ..الحمد لله ..
يهمس بها فجأة مغمضاً عينيه بقوة وهو يغرس رأسها على صدره فتروعها دقات قلبه الهادرة بعنف تحت أذنيها ..
بينما يصلها صوته مرتجفاّ بانفعاله :
_عارفة كنت فين قبل ما آجي هنا ؟!
السؤال الحذر يسطع في عينيها فيزدرد ريقه ليعاود إغماض عينيه مخبراً إياها عن مكالمته لصديقه وعما كان ينتويه ..
تشهق بارتياع لتتراجع عنه هامسة :
_خنتني؟!
_ما قدرتش !
لم يتعدّ الفاصل بين سؤالها وجوابه ثانية واحدة كأنه نطقها في نفس اللحظة ..
كأنه خشي أن تلوث مجرد الفكرة عقلها ولو لهذا النذر اليسير !!
_رجلي اتسمرت قدام شقته ما قدرتش حتى أرن الجرس ..افتكرت إن إسلام القديم اللي اتولد من جديد ماعادش ينفع يرجع ..بيكِ أو من غيرك مش هاخسر نفسي تاني .
ورغم الفظاظة النسبية للعبارة الأخيرة لكنها رفعته في نظرها أكثر لتشتعل عيناها بوهج عاطفتها أكثر وأكثر ..
فتبتسم فجأة وهي تحيط وجنتيه براحتيها هامسة :
_الظاهر إني نشرت عدوى "الدبش"! مش المفروض في المواقف اللي زي دي تقوللي إنك شفت صورتي وحسيت إنك ما ينفعش تكون لستّ غيري وكلام في السكة دي يعني !
فيضحك ضحكة قصيرة قبل أن يغمزها هامساٌ :
_طب بمناسبة السكة دي يعني ..الشقة دي مش بتفكرك بحاجة !
تصدر همهمة قصيرة وهي تهمس بشرود عبر ابتسامتها:
_ليلة فرحنا .
_بالظبط! عليكِ ليا ليلة هنا ..وأنا رخم وعايزك تسددي ديونك دلوقت!
يقولها ثم ينحني ليحملها فجأة فتتشبث عفوياٌ بذراعيها في عنقه هاتفة باعتراض مستنكر:
_نزلني ..مش هتعرف تشيلني ..هنقع سوا ..هيجيلك انزلاق غضروفي ..آه ..
تمتزج تأوهاتها بضحكاتها القصيرة وهي تراه يتجاهل كلماتها ليتحرك حاملاً إياها نحو الغرفة المجاورة ..
ثم يضعها برفق على الفراش ليستقيم ممسكاً بظهره هاتفاً:
_عيب يا عسل ..لن نقبل التشكيك في قدراتنا بأي صورة ..سنعتبرها إهانة تستوجب الرد اللائق .
تبتسم وهي تتلفت حولها مستعيدة ذكرياتها البائسة في هذه الغرفة التي شهدت انكسارها ليلة زفافهما الكارثية ..
لكنها تعاود الالتفات نحوه بنظرة عاشقة ليجلس جوارها على طرف الفراش وعيناه تناظران عينيها بفيض عاطفته الآسر ..
_إسلام ..بلاش هنا ..خللينا نروح شقتنا أحسن !
تهمس بها برجاء فتتعجب من هذه الشعلة التي توهجت في عينيه فجأة والتي ناقضت العبث المتنامي في صوته بينما سبابته تشير لشفتيها:
_عارفة قبل "إسلام" اللي بتقوليها أول مرة دي كان ممكن أوافق ! بس دلوقت ..
يقطع عبارته فجأة فترمقه بنظرة متوجسة وهي تشعر بخلاياها كلها تتقافز ترقباٌ ..
قبل أن تنطلق ضحكتها المتفاجئة وهي تراه يميل عليها فجأة فيزيح عنها وشاحها ثم يغمزها هاتفاٌ:
_على بركة الله !
ضحكاتها التي يشعر بها لأول مرة منطلقة هذا الحد تصيب قلبه بدوار لذيذ يفقد معه كل ذرة من تعقله ..
يغيبها ويغيب معها في طوفان اكتسحهما معاٌ ..
اسمه ينبعث من بين شفتيها ك"ترنيمة خلاص" يتلوها قلب ملّ طول سجنه في منفى ..والآن يجد له وطناٌ ..
فيردها لها قلبه بهذا اللحن الخاص ..الخاص جداٌ الذي لم يعرفه إلا معها ..
اللحن الذي هدأ أخيراً وأنامله تتلمس وجهها بحنان ناقض العبث الشغوف في حروفه :
_كنت مراهن نفسي وكسبت الرهان .
_على إيه ؟!
تهمس بها بوجنتين محمرتين خجلاً وهي تظن نفسها تعرف الجواب لكنه فاجأها بقوله :
_إن "التين الشوكي" ألذ من كل البرقوق اللي دقته في حياتي .
فتتسع عيناها للحظة قبل أن تفهم ما يعنيه فتعقد حاجبيها لتقرص وجنته بقوة مؤلمة ناسبت الوعيد في عبارتها :
_طيب ..هاقوللك نصيحة أخلص بها ذمتي من ربنا عشان نبقى على نور من أولها ..لو جبت سيرة البرقوق ..لأ! لو لمّحت بس بسيرة برقوقة واحدة بعد كده ..قول على نفسك يا رحمن يا رحيم !
يتأوه بمبالغة وهو يحك وجنته بعدما تركتها هاتفاً :
_ربنا ع المفتري .
تبتسم وسط نظراتها المتوعدة القوية فتبدو له كأشهى مرة رآها فيها ..
عيناها الصافيتان خاليتان من شوائب الجرح القديم فلا تترقرقان إلا بالحب ..
وجنتاها مشتعلتان بخجل يوقن أنه خير من يشعل أحطابه ..
شفتاها صامتتان إنما صارختان بهذه العاطفة التي صار يدرك كم هو لذيذ قطافها ..
وأنفاسها دافئة متدثرة بعاطفة لا تعرف البرد ..
باختصار ..
هي جنة تقولبت في امرأة !
_أحبك وانت شرِس!
يغمزها بها بنبرته العابثة قبل أن يطوقها بين ذراعيه فتتنهد بحرارة هامسة :
_وأنا بحبك على بعضك كده يا هندسة !
مزاحها المفاجئ بعفويته يبدو غريباً على أذنيه فيرفع حاجبيه بدهشة هامساً:
_هاللا هاللا ! مش مصدق وشك الجديد ده ..مش واكل معايا ..قومي يا بنتي شوفيلنا دبشتين من بتوع زمان .
تضحك ضحكة عالية وهي تدفن وجهها في كتفه فيضمها إليه بقوة أكبر ..
قبل أن يبتسم ليقول بحنان جاد :
_عايز أنا كمان ألبسك دبلتي ..بس لما أعمللك فرح !
_فرح؟!
تهمس بها باستنكار تشوبه الكثير من اللهفة التي لم تستطع إخفاءها ..
فيتلمس وجنتيها الممتلئتين بأنامله هامساٌ :
_عاهدت نفسي أعملها من يوم فرح سيف ..مش هانسى نظرتك يومها ..كنت بس مستني أحس إنك فعلاً عايزة تكمللي معايا ..
ثم صمت لحظة ليقبل جبينها بعمق مردفاً:
_المرة دي هتلبسي الفستان الأبيض وانتِ فرحانة .
لم تستطع منع دموع انفعالها وهي تخفي وجهها في كتفه فربت على ظهرها برفق متفهما فورة مشاعرها ..
قبل أن يطبع على عنقها قبلة ناعمة ناسبت همسه :
_أنا كمان عايز الدنيا كلها تشهد على فرحتي بيكِ .
_بس إزاي؟! ما ينفعش .
تغمغم بها باعتراض وهي ترفع إليه عينيها أخيراً فيرد بابتسامة حانية وهو يمسح بقايا دموعها :
_لا ينفع !..الفرح هيبقى لحبايبنا القريبين منا بس ..ماما واخواتي وعمو علاء وفرصة نلحق سيف قبل السفر ..وأكيد أشرف وعيلة رانيا .
_هابقى مكسوفة قوي يا إسلام !
تتسع ابتسامته مع هذا الخجل المستنكر الذي لون اسمه بين شفتيها فتلمسهما بشغف هامساً :
_هتبقي عسل يا عسل!
عيناها تفيضان بهذا العشق الغامر الذي اكتسحه هادراٌ ليعاود ضمها بين ذراعيه منذراً بمعركة عاطفية جديدة قبل أن يتذكر ما يجعله يسألها بقلق:
_فين ريما؟!
لهفته القلقة تمسها بصدقها فتتيقن من صدق شعوره لتجيبه بابتسامة ممتنة :
_هتبات مع رانيا النهارده .
فيبتسم مطمئناً قبل أن يغزو العبث صوته من جديد :
_حلو قوي كده اطمنا ..قوليلي بقا احنا كنا وقفنا فين كده ..فكريني !
تضحك ضحكة قصيرة وهي تعد نفسها لتلقي المزيد من عطايا عشقه التي ترفعها ملكة فوق عرش لم تحلم بمثله يوماٌ ..
جميلٌ هو الحب الذي يرمم صدع روحنا بهذه البراعة فيعيد جدارها صلداً لامعاً كما كان ..
مهيبٌ هو الصرح الذي تبنيه عقولنا قبل قلوبنا لأناس يستحقون تشييده ..
لذيذٌ هو مذاق العِوض بعد طول مرارة الحرمان ..
وعظيمٌ هو القدر الذي يرضينا متى رضينا به !
=======
انتهى الفصل
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثاني وخمسون 52 - بقلم سينابون
النصف الثاني من القطعة التاسعة والعشرين
==========
قبضته ترتفع نحو وجه زين دون مقدمات وغضبه تفضحه كل خلجاته ..
لكن زين يتفاداها بخفة ليمسك معصمه بقوة فتشهق ياقوت بانفعال ثم تندفع نحوهما بصرخة قصيرة تناشدهما التوقف ..
صرخة برّدت الكثير من جنون إسلام الذي تفحصها بنظرة سريعة منحته بعض الطمأنينة ..
ليخلص معصمه بعنف من قبضة زين مشيراً بكفه نحو الخارج مع هتافه الهادر:
_جوز التيران اللي انت حاططهم بره حراسة فيه "تلاتة" زيهم تبعي بيتعاملوا معاهم دلوقت ..هه ؟! تحب نمشيها كده استعراض عضلات ؟!
يعقد زين حاجبيه بغضب وأصوات الالتحام من الخارج تصله بوضوح ..
فيما تهتف ياقوت محاولة تهدئة الوضع:
_اهدا يا إسلام ..زين كان ..
لكن إسلام يصفق الباب خلفه بعنف ليقاطعها هادراً بعنف لم تسمعه منه من قبل :
_كان فاكر إنك زي زمان ..هيجرجرك وراه لأي مكان وهو عارف إن مالكيش حد يقف له .
تغمض ياقوت عينيها بضيق وهي تخشى عواقب هذه المواجهة ..خاصة لو وصل صداها إلى ثمر ..
فيما يكز زين على أسنانه بقوة محاولاً كظم انفعالاته ليقول بنبرته المهيمنة :
_عندي ألف رد على كلامك ده بس مش هاقوله دلوقت .
_أنا ماشفتش في حياتي بجاحة كده .
هتاف إسلام الثائر يوازي فتح ياقوت لعينيها وهي ترمقه بنظرة راجية جعلته يحاول تمالك غيظه للحظات ساد فيها الصمت ثلاثتهم ..
_هي دي بقا الشقة اللي فاكر إنك كسرت فيهت مناخير أختي ؟!
يهتف بها إسلام أخيراً وهو يدور بعينيه في المكان بنظرات مشتعلة مستهجنة ..
لكن زين يمد كفه ليحتوي يد ياقوت بقوة ثم يرفع أنفه هاتفاً بنبرة حاسمة كأنما يمزج كبرياءه هو بعزتها هي:
_دخَلِتْها وهي مراتي ..ولحد آخر لحظة في عمري مش هتبقى لغيري .
يقولها مصححاً كأنه يمنحها المكانة التي كانت وستكون لها ..ونافياً عن نفسه وعنها قبله شبهة أي امتهان .
لكن إسلام يحرر كفها منه بقوة لا تنقصه ثم يجذبها ليضم كتفيها تحت ذراعه ملوحاٌ بكفه الحر في وجه زين وبنفس النبرة المشتعلة :
_مش قرارك لوحدك ..اللي فات كوم ..واللي جاي كوم تاني ..أنا ماكنتش موجود لما اتطاولت عليها واستغليت تعب لجين عشان توصل لغرضك ..لكن دلوقت أنا هنا ..ومفيش حد هيمس شعرة من أختي إلا برضاها ..ورضايا .
يتقدم زين نحوهما خطوة ولغة جسده تفضح جنوناً على وشك الإطاحة بكل شيئ منذراً بانقلاب الوضع لكارثة ..
لكن ياقوت تنقذ الموقف وهي تتحرك لتقف بينهما فتعطي ظهرها لزين وترمق إسلام بنفس النظرة الراجية محاولة تغيير الموضوع مؤقتاً :
_انت عرفت منين إني هنا ؟!
_من الصبح بتصل بسامر موبايله مقفول وبصراحة كنت متوقع حركة غدر ومجهز رجالتي بعد اللي حكيتيهولي عن كلام الحاجة ثمر ..عديت عليكِ في المركز قالوا لي إنك لسه ماشية ..كنت لسه هتصل بيكي لقيت سامر بيكلمني وبيحكيلي اللي حصل .
كتمت ياقوت زفرتها الحانقة لتغطي وجهها بكفيها فيما هتف إسلام وهو يزيحها جانباً ليحدج زين بنظرات حارقة :
_ما فكرتش واحد زي سامر هيقول إيه وهو شايفك ساحبها وراك لحد هنا ؟!
_هيقول تخصني ..زي ما الدنيا كلها المفروض تفهم ده .
يقولها زين بصرامة حاسمة وعيناه تقدحان الشرر ليطلق إسلام صيحة مستهزئة وهو يرد بانفعال بينما يلكزه بقبضته بخفة في صدره :
_حدود علمي إن أختي حالياً حرة ..مش على ذمة حد .
_أنا طلبت إيدها من جدتها وهتوافق .
يقولها زين ببرود مشتعل وهو يرتد بظهره خطوة للخلف محاولاً كظم غضبه ليطلق إسلام صيحة هازئة أخرى ليقول بنبرة أكثر تحدياٌ :
_حدود علمي برضه إنها رفضت.
_رفضت عشان ما تعرفش اللي بيننا .
يهتف بها زين أخيراٌ بنفاد صبر ووجهه يحمر انفعالاً شاعراً بأنه يكاد يفقدها من جديد ..
لكن اليد الطولى تكون لنبرة إسلام التي تزداد بروداٌ وتحدياً :
_رفضت عشان ماتعرفش اللي بينكم ؟!! انت بجد غلبان كده ؟! فاكر الحاجة ثمر لو عرفت اللي بينكم..كله ..هتبص في وشك أصلاً؟!
_إسلام !
تهتف بها ياقوت بحزم راجٍ وهي تشعر أن زين على وشك فقد السيطرة ..
ليس غروراً هذه المرة ..إنما عجزاً وخوفاً !!
ومن مثلها يمكنه فهم شعور كهذا ؟!!
لهذا وجهت نظراتها الراجية نحو أخيها مردفة :
_ممكن نقعد ونتفاهم .
نقل إسلام نظراته المشتعلة بتحديها بينهما للحظات فاستطردت وهي تغمزه خفية :
_ممكن تتكلموا بالراحة من غير شد .
تفحصها إسلام ببصره محاولاً قراءة لغة جسدها ليستشعر أنها تخفي خيراً هذه المرة ..
وأن استجلاب زين لها هنا لم يكن تجبراً بقدر ما كان فرصة لتصحيح وضعهما الخاطئ .
لهذا ارتخت ملامحه نوعاً وهو يتقدم ليجلس بتحفز على كرسي قريب فتحرك زين بدوره ليجلس في مواجهته بنظرته الغريبة بين خوف وتحدّ ..
فيما اختارت هي الجلوس جوار إسلام الذي بادره بسؤاله :
_كلام راجل لراجل ..انت عايز إيه بالظبط ؟!
فالتمعت عينا زين بتحدّ أكبر وهو يسند مرفقيه على ركبتيه قائلاً بنبرة حاسمة :
_قلت اللي عندي للحاجة ثمر ..عايز أتجوزها .
_وأنا مش موافق .
يقولها إسلام ببرود وهو يتحرك ليجلس نفس جلسته هو فيزداد احمرار وجه زين مع تحفز ملامحه وهو ينظر لياقوت نظرة خاصة لكن إسلام بادره بهتافه الثائر:
_بتبص لها هي ليه ؟! هتتجوزك من غير رضايا مثلاً ؟!
هنا انتقلت نظرات ياقوت الراجية لزين تحاول تلجيم هذا الجنون الذي ينضح من كل خلية من جسده ..
فأغمض الأخير عينيه بقوة محاولاً السيطرة على انفعاله بشق الأنفس ليقول أخيراً ببرود مشتعل:
_وانت مش موافق ليه ؟!
_مش مستأمنك على أختي بتاريخك المشرف .
يقولها إسلام وهو يقلب شفتيه يرد له لهجته الباردة بمثلها فتسقط حروفه كالسوط على صدر زين !
كل حرف يبذر مكانه ألف غرس من وجع لايزال صداه طازجاً في وجدانه ..
فيما تكتم ياقوت شهقة انفعالها وهي تدرك أثر هذه الكلمات عليه بعدما اختبرته منه لتوها قبل مجيئ إسلام ..
اسلام الذي وقف أخيراً ليرمقه من علوّ بنظرة متحدية ..
لكن زين كذلك لم يكن بالخصم السهل وهو يتجاوز جرحه الخاص ليرد بنبرة باردة ولازال محافظاٌ على جلسته الثابتة :
_معلوماتي إن تاريخك برضه ما يقلش "شرف" عني !
اتسعت عينا ياقوت بصدمة وهي تدرك أن زين كعهده لن يترك ثغرة تخصها أو تخص أحداً لها إلا وعرفها ..
تنقل بصرها بينهما بحذر وهي تشعر بالتوتر يضخ الأدرينالين في عروقها ضخاً ..
هذا الاثنان من منهما الأخطر؟!
من منهما الأذكى؟!
من منهما الذي سيقصف جبهة صاحبه بأسرع من صاحبه ؟!
النتيجة متعادلة كثيراً كما يبدو ..
خاصة وإسلام يفرك كفيه ببرود ليميل رأسه وكأنما جهز الرد مسبقاً بسرعة بديهة لا تنقصه :
_بالظبط !..بس أنا رجعت عن الطريق ده وتبت ..ولحد ما أثق فيك زي ما أنا واثق في نفسي كده ماعنديش إخوات للجواز .
يكز زين على أسنانه بحركة بدت واضحة رغم فمه المغلق وعيناه تجابهانهما بنظرة حادة ..
ليستطرد إسلام بنفس النبرة الباردة :
_كده انت قلت اللي عندك ..وأنا قلت اللي عندي ..خالصين !
فوقفت ياقوت مكانها وهي تشعر بالتشتت بينهما لترمق زين بالمزيد من نظراتها الراجية التي تسقط برداً وسلاماً على نيران غضبه ..
قمراها "الحُرّان" يناجيانه ألا يسمح لظلمة أن تسرقهما ..ولا لغيْم أن يخفيهما ..
فيجيبها صامتاً أن : لبيكِ!
يبتلع غصة حلقه وهو يقف مكانه أخيراً ليتقدم خطوة نحو إسلام قائلاً بحسم:
_إيه الضمانات اللي عايزها ؟!
لم يكن من اليسير على رجل مثله اعتاد سطوة نفوذه أن يقف موقفاً كهذا وهو يتلقى الرفض كصفعة إهانة ..
بل ويرد بكل هذا البرود ..
لكنها وحدها تستحق أن يفعلها من أجلها !
هي فقط من يستبيح لأجلها أي قربان !!
هذا الذي كانت هي نفسها توقن به وهي ترمقه بنظرة عشق غامرة مدركة أية -خطوط حمراء- لكبريائه يتجاوزها الآن لأجلها ..
نفس الذي وصل لإسلام وهو يرمقه بنظرة متفحصة طويلة صامتاً لدقيقة كاملة ..
قبل أن يرد ببطء:
_اديني وقت أقتنع بيك ..وبعدها اتقدم تاني للحاجة ثمر .
_وقت إيه ؟! هو لسه هيتقدم وانت تقتنع ؟! انجز يا ابني ..أنا سميت ولادنا خلاص .
تهتف بها "العفريتة العابثة"داخلها باستنكار متنمر عجول بزغ فوق ملامح ياقوت بوضوح لكنها ضغطت شفتيها بقوة صاغرة لرغبة أخيها ..
فيما ضيق زين عينيه ليسأله بنبرة فائرة:
_وقت أد إيه يعني ؟!
_لحد ما أقتنع ..أسبوع اتنين ..شهر اتنين ..سنة اتنين ..انت وشطارتك .
يقولها إسلام بنبرته التي مزجت التحدي بالتسلية ليقبض زين كفيه بقوة جواره ..
لكنه فاجأه بقوله :
_موافق .
اتسعت عينا ياقوت بذهول من ردة فعله هذه فيما ارتفع حاجبا إسلام بمزيج من دهشة وإعجاب وكأنما راقه رده ..
لكنه تقدم نحوه خطوة ممعناً في استفزازه :
_ولحد ما أقوللك إني موافق ممنوع عليك تكلمها أو تشوفها ..ولو ده حصل هاعرف ..وساعتها كل كلامنا ده تبله وتشرب مَيته ..من سكات كده ساعتها تعتبر عرضك مرفوض .
فنقل زين بصره بينهما للحظات لتتركز نظراته على عيني ياقوت كأنما يخبرها صامتاً أنه يفعلها فقط لأجلها ..
قبل أن يومئ برأسه إيماءة موافقة خافتة ..
التفتت ياقوت نحو إسلام بنظرة شبه ساخطة تلقاها متجاهلاً بابتسامة كتمها وهو يجذبها من كفها الذي ضغطه براحته بقوة رفيقة ليتحرك بها مغادراً الشقة ..
ولم يكد يفتح الباب حتى سمع صوت زين الصارم خلفه :
_ولحد ما الموافقة توصلني -وهتوصلني ! - مش هاسمح لراجل غيري يقرب منها ..ساعتها مش هابقى مسئول عن رد فعلي !
فالتفت إسلام نحوه بنظرة مستهجنة ساخرة قبل أن يتحرك بياقوت التي كانت ابتسامة امتنانها آخر ما رآه زين قبل أن يصفق إسلام الباب خلفه ليغادرا ..
هنا أطلق زين زفرة ساخطة وهو يرفع وجهه للأعلى بحنق ..
لم يكن ينقصه سوى هذا المستفز كي يقف في وجه طريقه إليها ..
كأنما تنقصه العقبات!!
لكن ..لا بأس !!
هو الآخر يحتاج المزيد من الوقت كي يحصد ثمار توبته ..
كي يشعر أنه جدير بها حقاً !!
أفكاره تنقطع وهو يلمح نظارتها التي نسيتها هناك ..
فتنقلب ملامحه كلها في لحظات ..
عبوسه يستحيل لابتسامة صافية بصفاء عينيها هي ..
يتحرك نحوها بخطوات مندفعة ليتناولها بين أنامله ..
يحركها ببطء وهو يرفعها أمام عينيه يتخيل عينيها الحبيبتان تناجيانه خلفها بهذه الصورة التي تزلزل كيانه ..
فيغمض عينيه بتنهيدة قوية يزفر معها كل خوفه ..
هي له وهو لها مهما طال الطريق!
صوت رنين هاتفه يقاطع أفكاره فيطوي ذراعي النظارة ليقبلها قبلة سريعة امتزجت بابتسامة عاشقة قبل أن يضعها في جيبه بخفة ..
ثم يتحرك نحو هاتفه فيفتح الاتصال لينعقد حاجباه بشدة مع الخبر الصادم الذي تلقاه لتوه من رائد عن وفاة أمه !
======
_مش عايزة أتكلم دلوقت يا إسلام ..سيبني خمس دقايق كده أفوق .
تقولها ياقوت وهي تستقل سيارته جواره لتعود بظهرها للوراء مسندة رأسها للخلف ومردفة بهيام هامس:
_مبسوطة ..مبسوطة ..مبسوطة ..
همساتها تمتزج بابتسامتها مغمضة العينين فيتفحصها بنظرة جانبية ليقول بتهكم :
_هو شكله ظبطلك "الفولت" قبل ما آجي ..افرحي افرحي وأنا اللي كنت جاي دمي محروق وشوية شوية هاصرخ التار واللا العار..
ثم مد أنامله يشد أذنها من فوق وشاحها مردفاً :
_حسابك معايا بعدين ..إزاي توافقي تيجي معاه هنا ؟! هي دي دروسي ليكِ؟!
_آه! ...آه ! انتو كلكم مستلمين وداني ليه النهارده ؟!
تهتف بها بتوجع وهي تبعد وجهها عنه ليهتف باستنكار وقد فهم ما تعنيه :
_كلنا؟! ليه هو كان جايبك هنا يشد ودانك ؟!
جلجلت ضحكتها عالية بصفاء لم يره منها من قبل فابتسم برضا ليسألها أخيراً بجدية وهو يتفحص ملامحها بنفس الاهتمام :
_طيب ..بما إني أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك إني راجل متفتح و"سبور" فعايز أعرف بالظبط قاللك إيه قبل ما آجي .
تنهدت بحرارة هائمة لم تخجل من الشعور بها أمامه وهي تروي له ما استطاعت عن حديثها مع زين ..
جنون غيرته ..تملكه ..اعتذاره غير المنطوق ..
اعتراف حبه الذي ليس يشبهه حب ..
لتختم حديثها بقولها الذي تهدجت حروفه انفعالاً :
_ما كنتش مصدقة رد فعله معاك ..كإني قدام زين تاني ..كنت حاسة إنه بيحارب طبعه عشان خاطري ..كبيرة عندي قوي إنه يمسك نفسه عشاني .
_بس يا ماما ..بس ..هو كان يقدر يفتح بقه والغلط راكبه من ساسه لراسه ؟! قسماً بالله أنا لولا اطمنت عليكِ من نظرة عينك لا كان هيبقى فيها دم الليلة دي!
سخريته المعهودة تمتزج بحمية حقيقية تجعلها تتحرك لتربت على كتفه قائلة بتأثر:
_انتو الاتنين مسكتم نفسكم عشاني ..ما تتصورش إحساسي دلوقت إزاي ..طول العمر ده عايشة بعافر لوحدي ..مستنية الراجل اللي يرفع راسي وراس ستي ثمر قدام الدنيا كلها ..وربنا سبحانه وتعالى عوضني باتنين ..انت وهو !
يبتسم بتأثر مماثل وهو يجذبها ليعانقها بحنان قائلاً بحسم لم تغادره مشاكسته المعهودة :
_بصرف النظر عن إن ذوقك في الرجالة شبه ذوقك في الهدوم و الاتنين عايزين الحرق ..بس اللي قلتيه ده بالظبط هو اللي خلاني أتصرف معاه بالصورة دي ..لازم علاقتكم دلوقت تختلف عن بدايتها ..لازم يتعب وهو بيرفع إيده عايز يوصللك .
لكنها هزت رأسها الذي رفعته نحوه لتقول بيقين:
_صدقني هو حاسس بكده دلوقت ..شفتها في عينيه وأنا أكتر واحدة ممكن تميزها .
_برضه لازم أدوخه شوية .
يقولها بعناد وهو يبعدها ليشغل السيارة تمهيداً للانطلاق بها فتتمتم بخفوت ساخط:
_انت بتعاقبه واللا بتعاقبني أنا؟!
_بتبرطمي بتقولي إيه ؟! عللي صوتك كده .
يهتف بها محذراً بمشاكسة لتمط شفتيها باستياء فيضحك ضحكة عالية ناسبت قوله :
_مش بقوللك واقعة واقعة يعني ؟! أفصلك دلوقت ؟! هافصلك ..
يقولها محذراً ليردف بنبرة خطيرة مصطنعة :
_أنا لو منك أفكر دلوقت في ستك ثمر ..هتقولي لها إيه ؟! البيه عامل فيها رامبو وخطفك انت وسامر اللي طفش م الجوازة!
اتسعت عيناها بصدمة وهي تلتفت نحوه مدركة الورطة التي وقعت فيها ليعاود الضحك عالياً بالمزيد من الشماتة المصطنعة لكنها تمتمت بضيق حقيقي:
_ستي ثمر لو عرفت اللي بيننا هتروح فيها ..ده ما يخصنيش لوحدي ده يخص تعب لجين كمان ..
_خلاص ..مش بيقولوا (إن في المعاريض لمندوحةٌ عن الكذب)!
يقولها ضاغطاً حروفه فتبتسم لهذه المقولة القديمة التي تعني استخدام التورية لتجنب الخط الفاصل بين الحقيقة والكذب ..
_مش لايق عليك الكلام الكبير ده! ..بس معاك حق ..نمشيها مندوحة !
تهتف بها ضاحكة من جديد فيشاركها الضحك مكرراً:
_نمشيها مندوحة!
يقولها وهو ينطلق بالسيارة بسرعة أكبر تاركاً إياها غارقة في بحر أفكارها ..
وفرحتها !
تشعر أن الأيام الصادمة لن تحمل لها قلب عاشقها فحسب بل وفخر العمر كله !
=======
يراقب زين ملامحه التي تدثرت كعهده ب"قناعه المعدني" طوال مراسم الدفن بمزيج من إشفاق وحذر ..
يعلم أن رائد لم ولن يفصح عن عواطفه إلا مع شخص واحد ..
همسة!!
لكنها الآن آخر من يمكن أن يلجأ إليها ..
ليس وهو يشعر أنها شريكته في سوء المصير الذي آلت إليه أمه !
ليس وهو يخشى على وهنها المعهود أن تنتكس من فرط شعورها بالذنب!
ليس وهو يحس أن مجرد بوحه بمشاعره راحة لا يستحقها !
لهذا توجه نحوه وقد وقف أمام القبر الذي أغلق لتوه ليشد على كتفه بقوة ..فيلتفت رائد نحوه بملامحه الجامدة إلا من عينين دامعتين ..
ورجاء صامت !
هذا الذي تفهمه زين وهو يومئ له برأسه قبل أن يتحرك ليصرف الوفد المتجمع حول القبر بكلمات مقتضبة حازمة ويرحل معهم تاركاً له حرية التعبير عن مشاعره وحده ..
ولم يكد يفعل حتى جثا رائد على ركبتيه أمام القبر دافناً وجهه بين كفيه ..
وسامحاً لدموعه بالتحرر!!
لا يكاد يصدق أنها فعلتها!!
بل هو من فعلها!!
كان يعلم أن الماضي لا يزال يحكم قبضته حول عنقها لكنه لم يهتم ..
كل ما فكر فيه هو سعادته !
حقه باقتناص حلم العمر!!
قتلتها حسرة أمسها وطمعه هو في غده !!
يومان كاملان مرّا عليها وهي ميتة في بيتها لا يشعر بها أحد !!
يومان قضاهما هو متنعماً بين ذراعي عروسه !!
فأي جحود !!
الشعور المبدئي بالذنب يغلب الآن أي شعور آخر !
يرفع وجهه أخيراً ليمسحه ثم يتوجه ببصره نحو القبر بنظرات مذهولة ..
يتذكرها في آخر لقاء له بها صبيحة يوم زفافه يرجوها أن ترضى ..
يتذكر وعيدها له أن تفسد عليه ليلته ..
وصدقت!!
لم تفسد عليه ليلته فحسب بل وما بقي من عمره !!
وكيف لا ؟! وقد وصمت تاريخ زفافه برحيلها بهذه الطريقة الموجعة ؟!!
كيف ينسى ؟!
كيف ينسى؟!!
يعود إليه زين أخيراً ليرمقه بنفس النظرات الحائرة بين إشفاق وحذر ..
يعلم أن مصابه عظيم خاصة لشخصية عاطفية مثل رائد تكتم انفعالاتها خلف قناع جامد ..
لكنه -بقلب الأخ- يشفق على همسة أكثر !
همسة التي انهارت تماماً منذ سمعت الخبر وهي تحمل نفسها الذنب!!
هو نفسه يشعر بالأسى لانتهاء حياة المرأة بهذه الطريقة ..
لكنه لا يملك أن يلعن حقدها وسواد روحها الذي لازمها لآخر رحلتها !!
يربت على كتف رائد برفق فيرفع الأخير عينيه إليه بنظرة ذبيحة قبل أن ينهض واقفاً على قدميه ليقول بنبرة جامدة :
_ياللا عشان العزا .
يحاول زين اختراق حصونه طوال الساعات التالية لكنه يعلم أن لا فائدة ..
وأن الجمود الذي يزداد تراكُم ثلوجه فوق ملامحه سيبقى رفيقه لشهور إن لم يكن لسنوات ..
ويشفق عليه من انهياره الذي يوقن أنه لن يسمح لنفسه به إلا وهو وحده ..
يراه وهو يصافح الوجوه المتنوعة في سرادق العزاء -الذي أقامه في حديقة بيته- بوجه بارد ..
وجوهاً تباينت واختلفت إنما جمعها شيئ واحد ..
مزيج العتاب والازدراء!
_اتجوزت يا عريس؟! فرحت بعروستك وخليتها هي تموت بحسرتها !
يهتف بها خاله- الذي وصل لتوه - بحنق عاتب ليحتقن وجه رائد فيما يستطرد الرجل وهو يندفع نحوه مهاجماً :
_ياريت تبقى مبسوط دلوقت ..أهي مشيت وريحتك وريحت الكل !
_مالوش لازمة الكلام ده دلوقت .
يهتف بها زين بصرامة في وجه الرجل الذي ضرب كفيه ببعضهما هاتفاً بحدة :
_علامات آخر الزمان ..قتلها وواقف ياخد عزاها !
_اتفضل معايا لو سمحت .
يقولها زين بنفس الصرامة التي لا تخلو من تهذيب وهو يلاحظ الهمزات الجانبية التي انبعثت من الحضور ..قبل أن يجذب الرجل برفق من ذراعه لينتحي به جانباً محاولاً امتصاص الحقد النابض في كلماته ..
فيما بقي رائد واقفاً مكانه بجمود كأنه لا يرى ولا يشعر بكل ما يحدث ..
وداخل بيت رائد حيث خصص العزاء للنساء لم يكن حال همسة أفضل كثيراً ..
غمزات النساء حولها مع نظراتهن السوداء تكاد تحرقها حرقاً ..
_ماتت بحسرتها لما اتجوز المجنونة !
تسمعها من مكان ما فلا يمكنها تمييز القائلة ..
بل لا يمكنها رفع رأسها !
أَسوَد ..أسود ..أسود ..!
كل ما حولها تلون بالسواد هكذا فجأة وهي التي لم تكد تنهل فرحة بياض أيامها بعد !
_مش هيفرح ..ذنب مامته هيفضل في رقبته طول عمره !
تهتف بها إحدى قريبات سوزان بنشيج باكٍ حانق وهي ترمق همسة بنظرة نارية ..
لترفع إليها الأخيرة وجهاً يمزج الخوف بالذنب بالحزن ..وما أقساه من مزيج !
لكن هذا لم يشفع لدى المرأة التي هتفت بها بحقد وسط دموعها :
_يارب تخلفي ولد ويسيبك تموتي لوحدك زيها عشان تحسي بعملتك ..منك لله !
هنا تندفع بعض النسوة يهدئن المرأة المنفعلة لكن صوت زين هدر فجأة وسطهن وقد وقف عند الباب :
_ولا كلمة زيادة ..
ترفع إليه همسة عينين مستغيثتين غارقتين بدموعها وهي تشعر بالغربة وسط جمع يكاد يحرقها بنظراته ..
في "بيت الأحلام" الذي ظنت أن لن ترى فيه حزناً أبداً!
ودون وعي تنتفض واقفة لتهرع إليه فيضمها إليه بحنان يناقض الصرامة التي توهجت في نظراته قبل كلماته :
_أنا مقدر المفاجأة والمصيبة والظروف ..بس البيت ده بيت رائد ..ودي مراته ..همسة الفايد ..اللي ما يحترمش البيت وأصحابه يتفضل من غير مطرود !
صمتٌ مطبق يسود المكان بعد عبارته والرؤوس تطرق بمزيج من حزن ورهبة ..
ليسحب هو همسة نحو الخارج ..
وبالتحديد نحو "كوخها الملون" الذي أغلق بابه خلفهما لتنخرط هي في البكاء هاتفة ورأسها على كتفه :
_الحمد لله إنك جيت ..أنا حاسة إني في كابوس ..فين رائد ؟! مش عارفة أكلمه من ساعة اللي حصل ..خلليه ييجي خمس دقايق بس ..عشان خاطري .
لكنه يربت على ظهرها ليرد بحنان مشفق:
_سيبي رائد دلوقت .
_أسيبه ؟!
تهمس بها بارتياع وهي ترفع إليه عينيها ليهز رأسه هاتفاً بتعقل:
_تعالي عندي اليومين دول لحد ما الضغط اللي حواليكم يخف شوية .
لكنها لم تكن تعي شيئاً مما يقول لتتمتم بما بدا كالهذيان وهي تهز رأسها كالمغيبة :
_أسيبه ؟! أسيبه ؟!
هنا رفع زين ذقنها ليثبت عينيها في عينيه قائلاً بحزم رفيق:
_مؤقتاً يا همسة ..كام يوم بس لحد ما الانفعالات كلها تهدا .
_هو قاللك كده ؟!
تهمس بها برعب ليزفر هو بقوة هاتفاً:
_انتِ عارفة رائد في الظروف دي ما بيتكلمش ..بس أنا خايف عليكِ .
_وأنا خايفة عليه ..
تهمس بها بحرارة وهي تبتعد مردفة :
_هاسيبه لمين ؟! وإزاي؟! وأنا حاسة إني أنا السبب؟! هي قالتلي إنها هتفرق بيننا ..وهو قاللي ما أصدقهاش ..معقول؟! معقول المفروض أصدقها ؟! هاسيبه ؟! هيسيبني؟! بعد كل ده ؟!
همساتها تنقطع بفيض دموعها فيعاود زين ضمها وهو يشعر بخوف حقيقي ..
لو كان الأمر يخص دعمه هو لمنحها كل ما يملك ..
لكنه لا يعرف كيف سيتصرف رائد في هذا الموقف ..
همسة لا تزال حديثة العهد بتعافيها ويخشى أن تردها كلمة واحدة ل"نداهة عالمها" القديمة المتجبرة ..
لهذا لا يملك إلا أن يبعد كلاهما عن الآخر ريثما يستعيدا بعض صفائهما !!
_ما تخافيش من أي حاجة ..موقف صعب بس أنا واثق فيكِ إنك هتعديه !
يقولها محاولاً بث قوته إليها لترفع إليه عينين شاردتين للحظات ..
قبل أن تتمتم بمزيج غريب بين حسم ووهن :
_معاه! ..هاعديه معاه !..زي ما اتعودنا العمر كله !
=====
_رائد ..افتح.
تهتف بها همسة بصوت باكٍ أمام الغرفة التي انعزل فيها وحده عقب انتهاء مراسم العزاء مغلقاً بابها خلفه بالمفتاح لكن الصمت القصير يكون جوابه فتعاود طرق الباب بقوة أكبر مردفة :
_عشان خاطري ..عشان خاطري افتح ..
المزيد من الصمت بعدها ثم يفتح هو الباب مطرقاً برأسه هارباً من لقاء عينيها ..قبل أن يعطيها ظهره وهو يشعر أن كل خلية بداخله تئن ألماً ..
لا يريد الكلام ..لا يريد النظر ..لا يريد السمع ..بل ولا يريد الإحساس !
يتمنى في هذه اللحظة لو تملك روحه نفس القناع المعدني الذي يجيد وجهه تصنعه !
تتحرك لتقترب منه هاتفة بوجل بين فيض دموعها :
_انت زعلان مني ؟!
يغمض عينيه بالمزيد من الألم والكلمات كلها تموت على شفتيه ..
فتردف بحرارة وجسدها كله ينتفض بحدة بكائها:
_والله العظيم لو كنت أعرف إن ده هيحصل كنت رضيت أتحرم منك العمر كله .
يبتلع غصة حلقه بصعوبة وهو يبتعد عنها أكثر ..
لأول مرة في عمر هواهما يشعر أنه عاجز عن الاقتراب منها ..
هو الذي لم يعدم حيلة لفعلها عندما كانت لا تستطيع رؤيته ..بل ولا سماعه ..
والآن ..تكون هكذا ملء عينيه ..لكن بينهما ألف حاجز!
لا يلومها ..وربما لا يلوم نفسه ..
لكنه لا يجسر على الاقتراب !
_زين عايزني أروح أقعد معاه اليومين دول لحد انت ما تهدا ..
تغمغم بها بلوعة وهي تشعر بظهره المواجه لها أقسى من كل الجدران المغلقة التي عاشت تهابها !
تتمنى لو يرفض ..لو يصدر ولو همهمة اعتراض ..
لكنه بدا جامداً مكانه كأنه هو الآخر يرى هذا الأفضل ..
لها !
هو عاجز عن احتواء وجعه فماذا عن وجعها هي ؟!
كفه الآن خاوية ..فلتبتعد حتى يسترد بعض قوته كي يمكنه منحها دعمه من جديد !
صمته يطول لدقيقة كاملة مرت عليها ثوانيها كدهر فعادت تهمس برهبة غمرها العتاب:
_أروح ؟!
ظلت تكررها مرة بعد مرة كأنما ترجوه في كل مرة أن يمنعها ولو بإشارة ..
لكن تهدل كتفيه مع إطراقة رأسه منحها الخيار الأقسى الذي جعلها تمد أناملها نحو كتفه لتهتف بحرقة بين دموعها :
_خلاص؟!.. ما عدتش عايزني ؟! ..
ثم ينخفض صوتها أكثر حد الهمس:
_كرهتني؟!
لم تكد تنتهي منها حتى فوجئت به يلتفت نحوها ليجذبها بين ذراعيه بقوة آلمتها كأنه لم يحتمل منها هذا السؤال بالذات ..
رأسه مدفونٌ بين حنايا عنقها وأنفاسه اللاهبة تصلها مشبعة بوجعه ..
كل قناعات قوته تنهار فجأة وهي تسمع صوت بكائه كطفل صغير ضالّ وجد فيها أمانه ..
لم تره يوماً على هذا الحال منذ كانا صغاراً ..
وبالتحديد منذ وفاة والده ..
ليلتها هرب من الجميع ليبكي أمامها هي !!
_أنا آسفة ..حقك عليا ..قل لي أعمل إيه عشانك ..قل لي إيه يرضيك ووالله هاعمله من غير ما أفكر .
تهمس بها بمزيج براءتها وعشقها المذهل فتزداد حدة بكائه وهو يعتصرها أكثر بين ذراعيها مع همسه المتقطع بارتجافه :
_ده بالظبط الكلام اللي طول عمري نفسي أسمعه منها هي ..طول عمري كان نفسي أحس إنها فاهماني ..إني مهم عندها ..إني بره حساباتها القديمة ..كان نفسي ولو مرة واحدة أحس إنها عايزاني مبسوط ..راضي ..إنها حاسة بيا ..فرحتي فرحتها ووجعي وجعها ..لكن دي موتت نفسها يوم فرحي! ..يوم فرحي! ..كأنها لآخر لحظة بتحسسني إن سعادتي مش فارقة معاها ..
تتأوه بحرارة وهي تشعر أن الحمل هذه المرة أكبر منها بل وأكبر منه!
لا تعرف ما الذي يجب عليها فعله ..ولا إن كان حقاً يمكنها فعله ..
لكنها تركت غريزتها تقودها وإن خرجت كلماتها متلعثمة ..بسيطة ..فوضوية ..حارة.. حنون.. قوية.. و صادقة :
_أنا فاهماك ..أنا حاسة بيك ..أنت أهم حد عندي ..انت دنيتي كلها ..
تقولها وتعيدها دون ملل بينما تربت على ظهره حتى هدأت حدة بكائه مع استطراده بألم :
_ليه عملِت كده ؟! مش قادر أتخيل إزاي هانت عليها نفسها ؟! ماتت لوحدها ؟! لوحدها ..يومين بحالهم لوحدها وأنا ما أعرفش ..صورتها مش عايزة تسيبني ..بعاتبها وبتعاتبني ومش قادر أحكم مين فينا اللي ظلم التاني !
يتأوه أخيراً بخفوت فتكتم دموعها وهي تشعر بقسوة معاناته ..
جسده يترنح بها للحظة فتتشبث به مدركة مدى إعيائه لتهتف به برجاء:
_عشان خاطري تعال نام ..انت واقف على رجلك م الصبح .
_أنام؟!
يهمس بها بنبرة غريبة بين استنكار ورجاء فتتحرك به بينما تجذبه برفق نحو الفراش المجاور قائلة :
_حتى لو ما نمتش ..استريح بس ..
ينهار مستلقياً على ظهره على الفراش وكأنما لم يشعر بتعب جسده إلا في هذه اللحظة فقط !
فتستلقي جواره لتضمه إليها بصمت مكتفية بالتربيت على ظهره ..
يشعر بجفنيه يتثاقلان فيغمض عينيه ليهمس لها بعد صمت قصير:
_روحي عند زين اليومين دول .
يقولها وتشبث ذراعيه الراجي بها يناقض قوله فتتفهم أسبابه لكنها تقبل وجنته بقوة لتربت على رأسه هامسة :
_مش بعد ما قربنا هنبعد تاني ..مش بعد كل اللي عشناه سوا ..أنا هافضل معاك زي ما انت فضلت معايا طول العمر ده ..أنا واثقة إن حضنك أأمن مكان ليا زي ما حضني أريح مكان ليك ..مش ..
همساتها تنقطع وهي تشعر بانتظام أنفاسه وتراخي ذراعيه حولها ..
كأنما منحته كلماتها ما كفاه من طمأنينة لينام كما كان يرجو ..
تتنهد أخيراٌ ببعض الارتياح الذي تخلل شعورها العظيم بالذنب وهي تداعب خصلات شعره برفق متمهل لدقائق طالت حتى اطمأنت لاستغراقه التام في النوم ..
هنا منحته قبلة ناعمة على جبينه قبل أن تغادر مكانها لتخرج من الغرفة نحو الحديقة الخارجية كي تتمكن من إجراء هذا الاتصال الذي تحتاجه الآن بضراوة ..
ياقوت!
========
_هيثم !
تهتف بها جيلان بفرحة وهي تجده يدخل عليها البيت الذي فتح بابه بنفسه هذه المرة ليتقدم نحوها ..
تنتفض مكانها لتهرع إليه فيعانقها بقوة لتنساب دموعها غزيرة دون تحكم :
_طولت الغيبة المرة دي قوي يا حبيبي .
فيتحشرج صوته وهو يجد لدموعها نفس الصدى في قلبه :
_خلاص يا ماما ..أنا ..رجعت .
يقول كلمته الأخيرة بنبرة ذات مغزى فترفع وجهها إليه بفرحة عارمة لتنساب أناملها فوق وجنتيه كأنما تريد التيقن من صحة ما تشعر به :
_انت افتكرت؟! رجعت لك الذاكرة ؟!
يتردد للحظة واحدة فقط كأنما يشعر أنه بمجرد البوح بهذا فهو يقطع عنق حبه ويلقي به خلفه ..
لكنه فعلها!
يومئ برأسه إيجاباً فتنطلق ضحكاتها حارة مشعة وهي تعاود ضمه نحو صدرها هاتفة بحروف متلعثمة :
_الحمد لله ..الحمد لله ..كنت خايفة قوي ما ترجعليش ..كنت خايفة أموت لوحدي زي سوزان ..وأخسركم زي ما خسرت كل حاجة في حياتي ..
تقولها وهي تستشعر قسوة ذاك الشعور الذي عضف بها منذ علمت عن وفاة صديقتها المقربة وحدها في بيتها ..
يقولون أنها انتحرت بعدما فقدت أملها في ابنها لكنها تحفظ سوزان جيداً ..
لن تفعلها وهي في عقلها !
لكن ..ربما فقدت عقلها حقاً!
أفقدتها إياه الوحدة ..الخسارة ..الخذلان ..
ومن مثلها يمكنه الشعور بمزيج الأحاسيس اللاذع هذا عندما تجتمع معاً؟!!
_ما تعيطيش يا ماما ..أنا آسف ..أوعدك مش هابعد عنك بعد النهارده .
صوته كان متحشرجاً ..خافتاً ..بالغ الإنهاك كأنما استنزفته الساعات الماضية التي قضاها يجوب الشوارع سيراً على قدميه ..
لا يكاد يفعل شيئاً سوى النظر لموضع خطواته !!
كأنه يكاد يستصرخها أن تدله على الطريق !!
ألا يزال يجهل الطريق حقاً؟!
ألا يزال هناك متسع للحيرة ..للتردد ؟!!
لقد كان يمني نفسه بالعيش مع قلبه في جنة وهمه الخاصة ..
تماماً مثلها هي ..
ولم يعلم كلاهما أن جحيم الواقع هو منهما أقرب ..وأولى!!
كيف يصف شعوره في تلك اللحظة وهو يرى في ذاك الرجل المعتدي عليها صورة أبيه ؟!
كيف يتجاهل ذاك الهاجس الذي عصف به وقتها أنها من شجعته ؟!
أنها استدرجته كما فعلت مع حسين ..
وربما لها هذه المرة "دافع" أيضاٌ!!
السخرية السوداء تظلل الخاطر الأخير له فتلتوي شفتاه بابتسامة بمذاق الدموع ..
ضميره يجلده ..
يذكره أنه تركها وحدها هناك تتلقى لعنات الناس واتهاماتهم الباطلة ..
قلبه يلعنه ..
يستصرخه أنه مزّق كل أستار العشق التي نسجها لها طوال تلك الليالي كي يستر خلفها عورات خطيئتها ..
وحده عقله يناصره ..
يخبره أنهما فشلا في أول اختبار حقيقي وأنها أبداً لن تتخلص من وزر أبيه في عينيه ..
يؤازره وهو يدور به في فلك الحقيقة ..
هو ليس لها ..كما هي ليست له !!
_انت بتعيط يا حبيبي؟!
تهتف بها جيلان بجزع وهي تراقب خيط دموع سقط على جانب عينه ..
ليرتجف جسده وهو يخفي وجهه في تجويف عنقها كأنما يستر ضعفه في حنايا هذا العناق ..
عيناه تتعلقان بباب غرفة مكتب أبيه المغلق فيختض جسده وهو يتخيله سيخرج الآن منه كما اعتاد يشاكسه بمزاحه ويحكي له عن آخر مشاريعه "الخيرية"!!
وهم..
وهم ..
لماذا يستنكرون عليه رغبته في عيش غده في وهم ..
ألم يكن الأمس كله وهماً ؟!
_أنا عارفة انت حاسس بإيه ..طعم الغدر وحش قوي ..لدرجة إنك بتتمنى لو كنت فضلت تعيش مخدوع عمرك كله ..أرحم من إنك تعرف الحقيقة ..
تقولها بصوت ذبيح وهي تضم رأسه بقوة كأنها تمزج عنفوان ضعفه بضعفها ..
بل وتخلط هشاشة قوتها بقوته ..
كلاهما في هذه اللحظة كان توأم صاحبه في الجرح ..
_أخوك ما حسش بينا لأنه فهم من بدري ..فهم إننا عايشين جوه كدبة ..لكن أنا وانت بس اللي خدنا الضربة فجأة فوقعنا على ضهرنا ..
تقولها بمزيج القوة الواهن العجيب هذا لترفع وجهه إليها أخيراً فتهتف بنبرة أعلى وسط نشيج دموعها :
_بس أنا ماربيتكش على الضعف ده ..انت ابني أنا ..ابن جيلان ..
_وابن حسين!
يتمتم بها بمزيج من خزي وألم لكنها تهز وجهه هاتفة بالمزيد من الانفعال كأنها قطة شرسة تدافع عن صغيرها :
_ارمي الماضي ورا ضهرك ..كله ..سافر وسيب البلد دي لو هتفكرك بذنب باباك ..العمر كله لسه قدامك ..وأنا ..أنا معاك .
يهز رأسه بعجز مغمضاً عينيه مع آهة عميقة مشبعة بكل هذا الوجع الذي يصرخ بداخله ..
ليرتجف صوتها من جديد وهي تسأله بنبرة ذات مغزى:
_انت ..هتكمل مع..معاها ..حتى بعد ما الذاكرة رجعتلك ؟!
سؤالها لم يحمل استنكاراٌ بقدر ما حمل خوفها ..لوعتها ..ورجاءها !!
فيفتح عينيه وهو يفهم من تعني ليروعه مزيج مشاعرها المتلاطم على صفحة وجهها ونبرتها القوية ترتعد مع شرود عينيها:
_أنا ما شفتش حسين وهو بيخونني ..بس شفت بناته ..وشفتها هي ..عشان كده غصب عني ..غصب عني مش هاقبلهم ..هم صورة خيانته اللي عاشت حتى لو هو مات ..يمكن إخواتك يكونوا ضحايا ..ويمكن هي كمان تكون معاها حق زي ما بيقولوا وكانت عايزة تنتقم لقريبتها ..بس مش بإيدي ..مش بإيدي ..
انهارت باكية في عبارتها الأخيرة مزيحة قناع قوتها الذي كانت تتوارى خلفه ليضمها إليه بقوة وهو يكتم آهة ملتاعة كادت تغادر حلقه ..
لا يلومها ..لا يلومها وهو يستشعر نفس الإعصار الذي يكتسحه بقوته ..
نفس النار تكويهما معاٌ ..
نار تبدأ وتشتعل وتتوهج بعينين لم يعشق مثلهما في حياته.. ..
ولا ينبغي له إلا أن يكرههما كما لم يفعل في حياته !!
_اطمني يا ماما ..الموضوع ده انتهى!
يقولها بحسم يمتزج بلوعته مدركاً أنه لم يبق أمامه الخيار فتتنهد بارتياح لتقبل وجنتيه ثم تمسح وجهه هاتفة بفرح :
_احنا خلاص لقينا مشتري للبيت ..هنجيب واحد تاني نبدأ بيه حياة تانية ..ما تشيلش هم حاجة ..فاكر لما كنت صغير وكنت تيجي تشتكيلي من حاجة مضايقاك ..كنت بقوللك إيه ؟!
ابتسامة مريرة تداعب شفتيه وهو يتذكر ما تحكي عنه ليجيبها بشرود :
_بكرة هيبقى أحلى.
فتمتزج ضحكتها الانفعالية بدموعها وهي تتيقن من استعادته لذاكرته فتعاود ضمه بقوة هاتفة :
_حمدالله على سلامتك يا حبيبي ..
ثم تبعده عنها هاتفة :
_هاخلليهم يحضروا لنا الأكل ..حتى لو مش جعان ..أنا وحشني قوي إني أكل معاك .
لكنه يتنهد مطرقاً برأسه مع قوله :
_فيه مشوار مهم لازم أروحه الأول..
ترمقه بنظرة متسائلة فيهيأ إليها أن جسده ينتفض كأنما يعاند روحه كي تخرج كلماته :
_هاروح أجيب هدومي وحاجتي من هناك عشان أقفل الباب ده للأبد .
=======
تقف شهد على باب غرفة والدتها تراقب ملامحها النائمة بحنان بائس ..
لقد حاولت قدر استطاعتها تمالك انفعالاتها عقب عودتها للبيت لكن "بوصلة" قلب الأم لا يضل مؤشرها طريق أبنائها !!
لقد شعرت بحالتها وسألتها عن السبب لكنها فعلت ما تجيد القيام به عادة ..
ما يسمونه هم "كذباً" وتسميه هي "غطاء"!
غطاء يقي مثلها البرد الذي ينخر كالسوس في عظام روحها المرتعدة !!
هي لا تكذب ..هي فقط ترسم خطوط اللوحة التي تريد العيش فيها فيصرّ القدر كل مرة أن يمزق لها الورق!
تغادر الغرفة نحو شرفة صالة بيتها البسيط تراقب الشارع المظلم في هذا الوقت من الليل وقلبها يرتعد خوفاً وترقباً ..
أين عساه يكون قد ذهب؟!
هاتفه مغلق!
وكيف تركها هكذا وحدها في موقف بشع كهذا ؟!!
أمعاؤها تتقلص وهي تتذكر ما فعله بها ذاك الحقير في المحل عندما أخبرته برغبتها في ترك العمل فأظهر موافقته ليطلب منها إحضار شيء ما من المخزن ..
ولم تكد تهبط إليه حتى فوجئت به خلفها ي...
تبسط راحتها على شفتيها مقاومة شعورها بالغثيان ومحاولة كتم دموعها ..
لماذا تخلى عنها هيثم؟!
لماذا هرب بهذه الطريقة الغريبة عن طباعه الحمائية نحوها؟!
هل هو غاضبٌ منها لأنه حذرها من ذاك الرجل وطلب منها ترك العمل ؟!
لقد أطاعته دون نقاش وهو رأى بنفسه هجوم الرجل السافر عليها ..
لكنه لم يضربه ..
يده توقفت في وسط الطريق !
لماذا تركها وحدها وسطهم تتلقى لعنات ظلمهم ؟!
لماذا؟! ..لماذا ..لماذا؟!
ألف سؤال يدور بداخلها والإجابة واحدة ..
واضحة ..
لكنها لا تريد تصديقها !
ليس هكذا!!
تعلم أن حبهما لا غد له لكن ليس من العدل أن ينتهي بهذه الطريقة !!
موتٌ رحيم!!
هذا فقط هو ما صارت ترجوه لعلاقتهما!!
تشهق بانفعال وهي تراه يظهر أخيراً عند أول الشارع فتحاول قراءة ملامحه لكنه كان متهدل الكتفين مطرق الرأس متسارع الخطى كأنه يريد الخلاص من شيئ يطارده ..
تلهث بانفعال وهي تبسط راحتها على صدرها لتتحرك نحو باب الشقة فتفتحه لتجده أمامها ..
ملامحه جامدة كأنما قدت من صخر ..
وحدهما عيناه كانتا تصرخان !!
يقترب منها بخطوات بطيئة ..بطيئة ..
لكنها كانت تشعر بكل خطوة كألف واحدة إنما ..للخلف!!
هو لا يدنو ..هو يبتعد ..يتلاشى!!
حاجباه المنعقدان يبدوان لها كجناحي صقر هائج فوق عينين عاصفتين كبركان ..
فتهرب منهما عيناها نحو شفتيه ..
لعله ينطق فيكذّب شعورها هذا الذي يعتصر قلبها ..
لكن شفتيه بقيتا صامتتين ..موحشتين ..مظلمتين كقبر هجره الزائرون!
ولآخر لحظة تقاوم ..
تتشبث بفرشاتها التي ترسم لوحتها الخاصة رغم أنف الظروف ..
ترسم ابتسامة مرتعدة على شفتيها وتحاول التظاهر بالمزاح:
_ما عرفتكش كده ..من امتى يعني عندك الجري نُص الجدعنة ؟!
لكنه وقف قبالتها لا يغير من وضعه شيئاً سوى ضمه لقبضتيه جواره ..
فاقتربت منه خطوة ليشعر بنبضات قلبها الهادرة تكاد تقذف قلبها بين كفيه مع همسها الذي عجزت عن المزيد من التظاهر فيه :
_كنت فين ؟! ومشيت كده ليه ؟!
نظراتها المرتعبة تكاد تقتله فيغمض عينيه هرباً من مشاعره ..
صورة ذاك الرجل ينتهكها تجتاح ذهنه متشحة بطيف أبيه فينتفض جسده مثلها إنما ..غضباٌ !!
_ليه ما حكيتش الحقيقة وقلتلهم إنه كذاب؟! ليه ما دافعتش عني وقلتلهم إني مظلومة ؟!
_أعرف منين إنك مظلومة ؟! واحد زيه هيتجرأ عليكِ ليه في مكان أكل عيشه بالصورة دي إلا لو كنتِ انتِ اللي شجعتيه !
يهتف بها بنبرة ميتة عبر عينيه المغمضتين فتشهق بارتياع وهي تعود للخلف خطوة هاتفة :
_انت بتقول إيه ؟! انت مصدق عني كده ؟!
يالله !!
كم يود الآن لو يفتح عينيه!!
لو يعانق ملامحها للمرة الأخيرة !!
لكنه يخاف وهنه أمامها من جديد ..
يخاف هواجسه وشكوكه ..
يخاف رؤيتها خائنة ..
ويخاف أكثر رؤيتها بريئة !!
صوته الميت لايزال يغرس نصله المزدوج في قلبيهما معاً ونبرته تعلو تدريجياٌ :
_وليه لأ ؟! ..أكيد مش هتعملي كده من غير سبب ..أكيد عندك مبرر زي اللي كان عندك وانتِ بتعملي كده برضه مع ..بابا!
صرخة خافتة تطلقها وهي تعود للخلف أكثر ..
صرخة روح تحتضر!!
لم تكترث ببشاعة اتهامه ..بطغيان ادعائه ..بقسوة ظلمه ..
كل هذا لم يكن شيئاً أمام القدم التي سحقت قصر رمالها لتجعله هباء منثوراٌ !!
ها هي ذي النهاية التي طالما عاشت تتوقعها كي لا تفاجأ بقسوتها ..
لكنها تجدها هاهنا أكثر قسوة ..أكثر بطشاٌ ..أكثر وجعاٌ !!
والسؤال يحمل الجواب في باطنه ..
وكلاهما لا يعني لها سوى حكم إعدام :
_انت ..افتكرت؟!
هنا لم يستطع إغماض عينيه أكثر ففتحهما لتبدو دموع غضبه الحبيسة بينما يتقدم نحوها هاتفاٌ بحدة أججها مزيج غضبه وعجزه :
_أيوة افتكرت كل حاجة ..افتكرت الوش البريئ اللي خدعتيني بيه وانتِ بتلفي من ورايا عشان توقعي أبويا ..نفس الوش اللي شفتك بيه قدام الراجل التاني في المحل ..عايزاني أصدقك تاني إزاي ؟! آآمن لك تاني إزاي ؟! وانتِ أرخص عندك حاجة نفسك!
كلماته لم تكن مجرد حروف بل سياط ألهبت روحها وقلبها ..
تكاد تستصرخه أن يتوقف ..أن يتفهم ..
لكن دفاعاتها ماتت على شفتيها لتدثرها بالمزيد من الدموع ..
_شهد!
النداء الواهن رغم خفوته يمتزج بلوعة مرتاعة فتلتفت نحو والدتها التي وقفت مستندة على باب غرفتها ترمقهما بنظرة مصعوقة ..
جسدها المريض لا يحتمل وقفتها فتترنح مكانها وهي تشير لها بسبابة مرتجفة :
_معناه إيه اللي بيقوله ده ؟! انت ..انت ..
كلمات المرأة تتحشرج في حلقها فيتجمد هيثم مكانه وهو يشعر -لتوه- بحجم الكارثة المنتظرة ..
فيما تندفع نحوها شهد لتسند جسدها هاتفة بارتياع وسط شهقات دموعها :
_هافهمك ..والله العظيم هافهمك ..الحكاية مش ..
لكن حروفها تنقطع والمرأة تطلق أنّة ألم ممسكة بصدرها فيفيق هيثم من جموده ليهرع إليها كي يسندها معها هي ..
يحاول البحث عن كلمات تهون ما سمعته ولو كذباً لكنها تسقط مكانها بين ذراعيهما !
======
_صحيتوا امتى؟!
تهتف بها نشوى بصوت لم يغادره نعاسه وهي تناظر xxxxب الساعة التي لم تتجاوز السادسة بعد ..
فيما كان إسلام يجلس مع ريما على مائدة السفرة لتندفع الأخيرة نحوها حاملة "غنيمتها" هاتفة :
_شفتي يا مامي ؟! بابا عمللي عروسة المولد .
ترمق المجسم الورقي في يد ابنتها بنظرة غريبة لتغتصب ابتسامة بدت شديدة التكلف ثم تقول بصوت متحشرج:
_حلوة قوي ..قلتيله شكراً ؟!
ثم تلتفت نحوه لتسأله باستغراب:
_لحقت عملتها امتى دي؟!
فابتسم وهو يشير لحاسوبه المحمول قائلاً:
_مطبق من بالليل ع اليوتيوب ..بس النتيجة تستاهل ..الفنان فنان برضه .
يقولها مشيراً لنفسه بإعجاب فترتجف ابتسامتها بعاطفة حقيقية نحوه صار يميز شعاعها وسط هذا الظلام الذي يحوط مشاعرها ..
_الحقي البسي هدومك على بال ما أعمل السندوتشات ..الباص زمانه جاي .
تقولها نشوى مخاطبة صغيرتها التي لوحت بالمجسم الورقي في يدها هاتفة :
_هاوريها لأصحابي ..هاقوللهم بقا عندي بابا بيعمللي حاجات حلوة .
عبارة الصغيرة كانت عفوية تماماً لكنها جعلت عينيها هي تدمعان وهي تنحني نحوها لتضمها بقوة وقد بدت من معاناة ملامحها أنها تكتم بكاءها ..
يتفحصها ببصره للدقائق القادمة بقلق رغم مرحه الظاهري مع ريما التي ارتدت ملابسها لتمنحها هي حقيبتها ..
ثم تمشط لها شعرها بخفة فيصطحبها هو نحو الخارج كي تلحق بحافلة المدرسة ..
تراقبهما نشوى عبر الشرفة الواسعة لتدمع عيناها من جديد وهي ترى ريما تحتضنه بقوة قبل أن تلوح ب"العروسة الورقية" لزميلاتها في الحافلة التي صعدت إليها لتختفي عن ناظريها ..
قلبها يخفق بمزيج من الامتنان والذنب كعهدها معه ..
لكنها الآن تضيف لهذا المزيج مكوناً آخر ..
الخوف!
الخوف أن تفقده وتفقد نفسها الجديدة التي بدأت لتوها تعشقها معه ..
أفكارها تنقطع وهي تلاحظ أن وقفته مع مشرفة الحافلة قد طالت بينما الأخيرة تضحك وتتمايل في وقفتها بدلال أثار غيظها ..
ما بالها هذه ؟!
ألم ترَ رجالاً من قبل ؟!
وهو؟!!
لماذا يقف هكذا مستجيباً لها ؟!
لماذا لا يتركها ويصعد ؟!
غيرة حارقة تخطف نبضاتها وهي تستطيل على أطراف أصابعها فيكاد نصفها العلوي كله يتدلى من السور كأنما ستقفز نحوهما كي تقتلع عيني تلك المستفزة ..
وعينيه هو قبلها !!
هو الذي صعد أخيراً لتتلقاه بعاصفتها :
_كانت بتقوللك إيه وبتضحكوا كده ؟!
فارتفع حاجباه ليقول متسلياً:
_مش فاكر !
_هتستعبط ؟!
تقولها وقد وصلت إليه لتلكمه بخفة في كتفه فيتأوه بمبالغة هاتفاٌ :
_آه ! خلاص افتكرت ! كانت بتسألني أنا أقرب إيه لريما؟!
_وقلتلها إيه ؟!
تسأله بتشكك ليهز كتفيه متعمداً استفزازها :
_حطي نفسك مكاني ..واحدة صاروخ كده بتسألني السؤال ده هارد أقول إيه ..
ورغم أن لهجته كانت تفضح رغبته الظاهرة في مشاكستها لكنها عقدت حاجبيها بقوة وهي تشعر بسخونة قوية في جسدها كله مع استطراده :
_شفتي حلوة إزاي ؟! شفتي لون شعرها البنفسجي ده ؟! أول مرة أشوف لون الصبغة دي في مصر ..وكمان لدغة في الراء ..شفتيهاش وهي بتقول "ويما" ..طالعة منها زي "السكوّ"..
يقولها محرفاً حرف الراء ل"واو" مقلداً لكنة المرأة لتزداد ملامحها احتقاناً ..
فيزيد هو الجرعة مضيفاً:
_درجة الروج كمان لايقة قوي مع ..
تنقطع عبارته فجأة وهو يجدها دون مقدمات تندفع نحوه لتلصق شفتيها بشفتيه بينما ذراعاها يتعلقان بعنقه بقوة عاصرة !
لا ..لم تكن قبلة بقدر ما شعر بها إثبات ملكية برد فعل عصبي عنيف!
يرتد للخلف مجفلاً للحظة وهو يتشبث بها قبل أن يرد لها بضاعتها بكرم ..
أناملها تمنحه "شارة تعريفه" على عنقه فيخفق قلبه بعنف أكبر هذه المرة وهو يشعر باستجابتها هذه المرة مختلفة ..
كأنما تستمد منه صك ملكيتها له ..
كأنما تنتزع منه اعترافاً أنه لها وحدها ..
كأنما تصهر بلهيب عاطفته كل غيرتها ..
خوفها ..
تخبطها !!
كل ما فيها غريب ..مميز ..
حتى ردود فعلها على حماقاته تشعره دوماً أنها -في جانب خفي- كابنتها مجرد طفلة !!
يقرأ خوفها الصامت بقلب صار يحفظ دواخلها فيضمها نحوه في عناق قوي كأنما يمنحها اعتذاراً غير منطوق عن تعمده استفزازها ..
رغم إن ردة فعلها راقته ..راقته كثيراٌ !!
ترفع إليه أخيراً عينين دامعتين ..غامضتين ..عاتبتين ..
ومعتذرتين !
فيمنحها أروع ابتساماته ..
أنامله تتخلل خصلات شعرها وعيناه العابثتان تمزجان حنانه بمشاكسته :
_أحلى صباح ده واللا إيه ؟!
لكنها تطرق برأسها لتبتعد شاعرة بالخزي -المعهود- من نفسها ..
ها هي ذي تفقد السيطرة على انفعالاتها يوماٌ بعد يوم ..وساعة بعد ساعة ..
كسيارة فسدت مكابحها لتنحدر من حافة الهاوية !!
بعض الخشونة تتسلل لنبرتها اللاهثة وهي تهتف دون تفكير بأقرب ما خطر في بالها :
_البس دبلة .
_نعم؟!
يقولها باستنكار فتزفر بقوة محاولة السيطرة على هذه القبضة العاصرة لقلبها ..
تبتعد عنه لتعطيها ظهرها متمالكة مشاعرها المشتتة بهتافها العصبي:
_إيه الغريب؟! البس دبلة عشان الناس تعرف إنك متجوز ..عشان محدش يستغرب علاقتك بريما ..عشان مش كل واحدة مستحلية نفسها تقف تتدلع معاك ..
_وانتِ متضايقة كده ليه ؟!
يقولها بنبرة عادت إليها مشاكستها وهو يقف قبالتها مقتنصاً نظراتها المتأرجحة بين عاطفتها وانفعالها ..
لتلوح بكفيها مستعيدة طبيعتها "الشوكية"وهاتفة بعصبية :
_عشان عندي دم !..عشان مش طبيعي أسيب ست غيري تبص لواحد المفروض إنه جوزي .
لكنه يحيط خصرها بكفيه هامساً:
_سمي الحاجات بأساميها يا "شِرِس" ..
تعقد حاجبيها بتساؤل فيغمزها مردفاً:
_اسمها "غيرانة" !
تتأفف بضيق وهي تزيح كفيه عن خصرها لكنه يعاود التشبث به محتكراً نظراتها بقوله الذي ازداد دفؤه رغم اتشاحه بعبثيته المعهودة :
_قوليها ورايا ..سهلة جداً ..غيرانة عليك ..مش طايقة واحدة غيري تبص لك ..عشان انت مش جوزي وبس ..انت ..انت إيه ؟! كمللي انتِ ناصحة وهتعرفيها لوحدك !
وجهها يزداد اقتراباً لوجهها مع كل كلمة ينطقها حتى يكاد جبينه يلاصق جبينها في كلمته الأخيرة ..
ترتجف خلاياها بدغدغة لذيذة وهي تنساق خلف لحن يعزفه لها باقتدار خبير ..
لكنها تنتزع نفسها من هذا كله شاعرة بذات القبضة العاصرة تخنق قلبها أكثر .. لتبتعد أخيراً فتهتف وهي تتحاشى لقاء نظراته :
_انت صاحي رايق ..أنا هاروح أحضر الفطار عشان ورايا شغل كتير في المصنع النهارده .
تقولها وهي تتفلت من بين ذراعيه فيهتف بها بمكر:
_والدبلة ؟!
_براحتك .
تقولها بفظاظة لا تتعمدها وهي تعطيه ظهرها لتبتعد لكنه يتحرك بسرعة ليعيق طريقها فيقف قبالتها قائلاً بنبرته المشاكسة :
_أنا هالبس دبلة بس مش هالبسك دبلتي دلوقت ..عارفة ليه ؟!
السؤال الأخير يمزج عاطفته بخيبته بأمله في مزيج عجيب لا يليق إلا بغرابة علاقة كهذه ..
فترده بنظرة حملت كل هذا المزيج إنما بإضافتها هي الخاصة ..
الاعتذار مع وجع الذنب !!
وكالعادة تمارس ما تجيده في الهروب فتتجاهل سؤاله مجبورة لتتحرك نحو المطبخ تاركة إياه خلفها ..
تحاول الانشغال بتحضير الإفطار والهروب من أفكارها لكن ..
قدمت السبت مع الحد مقدما..
وحاسبت ع المشاريب ودفعت التمن ..
ولا عنب الشام طايله ولا بلح اليمن ..
الكلمات الغريبة على أذنيها تنبعث فجأة بصوتٍ عالٍ من الخارج وبلحن صاخب راقص فتبتسم رغماً عنها وهي تركز في معانيها قبل أن تسمعه يدندن معها بصوت عالٍ ..
صوته يقترب مع اقترابه وهو يدخل إليها أخيراً مخفياً كفيه خلف ظهره كمن يداري مفاجأة :
دلعتك أد ما دلعتك وزيادة ..
وشربت المر عشان خاطرك وزيادة ..
وبحبك وانت بتتقل وبتتمادى ..
تلتفت نحوه فيعلو صوته وهو يميل رأسه متصنعاً الاندماج ومكملاً :
_راضيني ..راضيني ..حبيبي راضيني..
فتتحول ابتسامتها لضحكة قصيرة مختنقة كأنما تقاوم بها انفعالاً عصبياً تداريه غير قادرة على تحمل المزيد ..
ليرفع كفه أخيراً بمفاجأته نحوها :
_عروستك! ..عملتهالك من بالليل وقلت هاخلليها مفاجأة أديهالك في نص اليوم تخفف توتر الشغل ..بس مادام طلعتِ غيّارة كده اتفضليها دلوقت..بدل ما تحقدي على ريما !
ملامحها تتجمد للحظات وهي تناظر المجسم الورقي الذي صنع شبيهه لابنتها إنما -باختلاف- فسره بقوله :
_بس معلش فيه فرق !..عروستك "كيرفي" ..وعملت فستانها بمواصفاتي المزاجية المطابقة لأعلى معايير الانحراف .
يغمزها بها بمكر فتنتبه لثوب العروس الذي كان مكشوفاً كثيراً عن ثوب عروس ابنتها المحتشم !!
كان يتوقع رداً فظاً على وقاحته كعهدها معه ..
لكنه فوجئ بها تطيل النظر لما في يده طويلاً وجسدها يرتعد ارتعادة خفيفة كأنما ذهبت في عالم آخر ..
قبل أن تدمع عيناها فتغمضهما بقوة لتكتف ساعديها كأنها تمنح نفسها دعماً لم يكفها على الأغلب ..
فهمست بخفوت وبصوت يكاد لا يسمع :
_احضنني!
عقد حاجبيه للحظة وهو يهيأ إليه أنها لم تتفوه بها ..
لكن لغة جسدها كانت تصرخ بها بصخب عبر صمتها المريب هذا !
يعانقها بقوة وهو يخفي وجهها في صدره فيفاجأ بانهيارها الباكي هائجاً دون مقدمات :
_قوللي إن كل حاجة هتبقى كويسة ..قوللي إنك هتفضل معانا ..
يعقد حاجبيه بقوة محاولاٌ احتواء انفعالاتها غير المفهومة ودموعها تكوي قلبه كياٌ !
يكاد يقسم أنها تخفي ما يقصم ظهر احتمالها ولهذا تنهار فجأة لأتفه سبب !
لتستمر همساتها الباكية :
_قول إني ما عدتش هخاف ..قول إني من حقي أفرح .
_مش لما تقوليلي انت الأول؟!
يهمس بها بحزم حنون غريب على مرحه المعهود فترفع إليه وجهها المبلل بالدموع بنظرة متسائلة مرتعبة ..
ليضع ما بيده جانباً ثم يمسح دموعها بأنامله وعيناه تتفحصان ملامحها باهتمام مردفاً:
_مخبية إيه ؟!
تنفرج شفتاها والمزيد من الخوف يحفر أخاديده على وجهها ..
لكن هذا لم يساوِ شيئاً أمام الرعب الذي تملكها مع صوت رنين هاتفها الذي صدح فجأة من الخارج ..
لكنها حاولت تمالك نفسها وهي تتحرر من ذراعيه لتندفع نحو الهاتف مغادرة المطبخ ..
لكنها لم تكد تتناوله حتى فوجئت به يلحق بها لينتزعه منها بنظرة صارمة وبحركة خاطفة !
شهقتها المكتومة توازي نظرتها المرتعبة وهي تراه يفتح الاتصال على الرقم الذي لم يكن مسجلاً باسم ..
_صباح الخير يا عروسة ..ياريت ما أكونش أزعجتك في وقت زي ده ..
الصوت الحقير المتهكم يصلها في مكانها فتحاول انتزاع الهاتف من إسلام لكنه يضع سبابته على فمه محذراً بنظرة صارمة لتنكمش على نفسها برعب ليواصل الصوت الكريه بث سمومه بمفاجأته الصاعقة :
_هساعدك تفكري كويس مادام اليومين اللي فاتوا ما كفوكيش ..ريما حبيبة بابا معايا دلوقت وطالعين ع المطار ..هتسافر معايا معززة مكرمة لحد ما المبلغ اللي اتفقنا عليه يتحط في حسابي ..غير كده تنسي خالص إن ليكِ بنت .
=======
انتهى الفصل التاسع والعشرون