تحميل رواية «سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
*القطعة الأولى* =========== تعبت في بعدي عنك كان ناقصني حاجات كتير وحاسس برضة بيكي وعارف انك مش بخير علشان فاهمك وعارفك تملّي حبيبتي شايفك بتحني لكل ذكرى حلوة جنبك عشتها منا زيك برضة واكتر اوقات بسرح وافكر انا وانتي بعدنا ليه ملقتش اجابة جتلك منا يمكن لو حكتلك تقوليلي كسبنا ايه؟! انسابت النغمات حوله في المطعم مع الكلمات الموجعة لتزيد من نزيف روحه... ضعفاء نحن عندما "نعشق" وأكثر ضعفاً عندما "نفقد" ، فكيف وهو يعلم أنها تشاركه عذابه كما شاركته عناده؟!! لماذا جاء إلى هنا الليلة ؟! هو لا يدري بالضبط....
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم سينابون
القطعة التاسعة عشرة
=========
_لا ..لا ...!!
يصرخ بها رائد بغضب وهو يدرك أخيراً ما حدث ..
همسة اختطفت !!
هنا ؟!
من بيتها ..من بيته ..
بيته الذي بناه ليكون قلعة تحميها ؟!!
صراخه الغاضب يعلو وهو يستقل سيارته أول الأمر يدور بها كالمجنون عشوائياً حول البيت كأنه يبحث عن أي خيط قد يقوده إليها ..
لكنه يعود خاوي الكفين ليفرغ ثورته في طاقم حرسه ..
تساؤلاته الحانقة لا تجد جواباً يرضيها ..
والقبضة الباردة تعتصر قلبه أكثر وأكثر ..
همسة اختطفت وهو نائم !!
كيف لم يشعر؟!
كيف لم ينبئه قلبه الذي يبدو وكأنما ضبطت دقاته على نغم دقاتها هي؟!
كيف؟!!
خطواته تنتهي به عند فراشها في الكوخ ..
هذا الذي انهار أمامه جسده أخيراً بعد طول صراخه الانفعالي ..
يتخيلها مكانها هاهنا كالعادة ..
ثم يتخيل رعبها وهم يأخذونها قسراً ..
بل يتخيل الأسوأ ..
ما الذي سيفعلونه بها ؟!
سيحبسونها على أقل تقدير دون مراعاة لحالتها !!
يقبض يده على صدره بقوة شاعراً بتلاحق أنفاسه المختنقة ..
الدم يضرب رأسه بقوة فيرفع أنامله نحو أنفه لتروعه هذه القطرات النازفة من دمه ..
يشعر بالعالم حوله يدور به فيكاد يستسلم لهذا الدوار ..
لا!!
يهتف بها عالية كأنما يحارب نفسه بنفسه !!
انهياره الآن أنانية !!
ترف لن يسمح به حتى يستعيدها !!
هي الأولى الآن بكل لحظة تركيز !!
فقط عندما يستعيدها سيسمح لنفسه وقتها أن ينهار بكل خلاياه لكن ..بين ذراعيها ..
ستلملمه ..كما بعثرته !!
لهذا تحامل على نفسه ليقف مترنحاً أخيراً وهو يتحاشى النظر من جديد نحو فراشها ..
يخرج من الكوخ بسرعة بعدما مشطته عيناه لعله يعثر على أي أثر يقوده لمعلومة ..
لكنه يصطدم بوجه زين المرتاع أمامه :
_يعني بجد ؟!
يهدر بها زين بعنف وعيناه تشتعلان بغضب ملتاع بينما تدوران حوله كأنما تكذبان ما لا يريد تصديقه ..
قبل أن يجذب رائد بقبضتيه نحوه ليصرخ بجنون عاصف :
_كانت هنا في حمايتك ..إيه اللي حصل ؟!
لكن رائد استعاد "قناعه المعدني" الذي يدرك الآن أنه يحتاجه أكثر من أي وقت مضى ..
زين بطبيعته المهيمنة الانفعالية قد يفسد الأمور ..
وهو يحتاج لكل ذرة تركيز كي يصل إليها !!
لهذا احتمل ثورة زين العاصفة وهو يرجه بين ذراعيه مكرراً تهديدات عديدة يفرغ بها لعنات غضبه ..
لكن رنين هاتف الأخير يوقفه ليدفع رائد عنه بعنف قبل أن يفتح الاتصال ..
عيناه تتسعان بجنون جعل رائد ينتزعه منه ليضغط زر تكبير الصوت وقد أخبره حدسه أن الأمر يخص همسة ..
فتشتعل أنفاس كليهما أخيراً بالمزيد من الغضب وكلمات الاتصال تسكب المزيد من الوقود فوق حطب القلق ..
=======
_كنت حاسة ..كنت حاسة ..سيلين ..والدم ..قلتلكم ..قلتلكم ..ماصدقتونيش !!
صرخت بها ياسمين بانهيار عقب إفاقتها في المشفى ليحاول يامن تهدئتها دون جدوى :
_سيلين في لندن ومالهاش علاقة باللي بيحصل أنا متأكد ..اللي عمل كده حد تاني ..هنعرفه ونرجعها .
كان يهتف بها وهو يحاول احتواء ضمة جسدها المتشنج على الفراش ...
منذ سمع الخبر وهو يشعر أن جسده كله أصيب بالشلل ..
هل هو عقاب السماء له على تفريطه في ابنه من سيلين ؟!
لن يحتمل فقداً جديداً هذه المرة !
ليقول مدير المشفى بحرج بينما يختلس النظر للضابط الذي يتولى التحقيق جوارهم :
_أنا آسف جداً ..دي أول مرة تحصل حاجة زي دي عندنا ..أوعدكم اننا هنتعاون بكل صورة مع البوليس عشان نوصل للمجرم اللي عمل كده !
_الممرضة اللي خدرتهم دي تبقى مين ؟!
يسأله يامن معقود الحاجبين بجسد متشنج يحاول التحكم في انفعالاته .. ليرد الرجل بحرج أكبر :
_لسة مستلمة شغلها هنا من كام يوم ..واختفت بعد الموضوع ده !
_أنا هاوديكم في داهية كلكم لو بنتي ما رجعتش !
صرخ بها يامن أخيراً بلوعة عجز عن كتمانها بعد أن حاول التجلد طوال هذه الساعات الماضية لأجل ألا تنهار ياسمين ..
ياسمين التي عادت لنحيبها المرتفع وهي تخفي وجهها في كتفه هاتفة بين دموعها :
_رجعلي بنتنا يا يامن ..أنا لسه ما شبعتش من حضنها !
_نعرف بس مين عملها ..التحريات شغالة ع الممرضة دي وهتجيب اللي وراها ..
يهتف بها الضابط بنبرة حازمة ليفاجأوا بالصوت الرصين للرجل الذي وقف على باب الغرفة :
_أنا عارف مين وراها !
=======
_زين!
هتفت بها ياسمين بلوعة وهي ترقب زين الواقف عند الباب بنظرات ملهوفة ..
زين الذي بدا شاحب الملامح حد الموت بينما حافظ رائد جواره على قناعه المعدني بقوة أكبر مدركاً حاجته المتزايدة إليه الآن بالذات ..
ليس لأجله ..بل لأجل همسة التي سيفتديها بروحه لو اقتضى الأمر ..
حتى ولو كانت روحه تتفتت قطعة قطعة كما الآن وهو يتصورها سجينة وحدها ..
حتى وهو يتنشق أنفاساً كاللهيب فيجبر نفسه أن يزفرها صقيعية كي لا يضعف في هذه اللحظات التي تحتاج هي فيها لكل ذرة من قوته ..
_يامن!!
صرخت بها ياسمين وهي تراقب الأخير الذي اندفع نحو زين كالقذيفة رافعاً قبضته في وضع الضرب :
_انت اللي عملتها يا ...
السبة البذيئة التي أطلقها تتوقف مع قبضته بفعل قبضة رائد الذي كز على أسنانه بقوة ليقول ببرود مشتعل:
_همسة كمان اتخطفت ..هو واحد اللي ورا خطفهم الاتنين ..
_مين؟!
يهتف بها الضابط باهتمام ليتبادل زين مع رائد نظرة خاصة قبل أن يتحرك الأخير لينتحي بالضابط جانباً خارج الغرفة ..
فيما تقدم زين ليهمس جوار أذن يامن باقتضاب :
_المعلومات اللي رائد بيقولهاله مش صحيحة ..بس انا مش هخاطر بتدخل البوليس في الموضوع ..هاعمللهم اللي هم عايزينه !
اتسعت عينا يامن بارتياع لتصرخ ياسمين وهي تغادر الفراش نحوهما مقاومة آلام جسدها الذي لم يسترد عافيته بعد :
_بتقولله إيه ؟! بنتي جرالها حاجة ؟!
_اهدي ..يمنى كويسة ..وهمسة كمان ..
تحشرج صوت زين في عبارته الأخيرة ليرمقه يامن بنظرة متشككة للحظة قبل أن ينسف شحوب وجه زين كل هواجسه ..
هذا رجل مطعون بكل قسوة !!
طعنة مشتركة لهما هذه المرة !!
_مين ؟!
يغمغم بها يامن وهو يختلس النظر نحو رائد الذي ابتعد مع الضابط وهو يشير لزين إشارة ذات مغزى ..
لترتجف شفتا الأخير وهو يتذكر الاتصال المجهول الذي تلقاه منذ ساعات ..
بصوت رامي أولاً ...
_إزيك يا زين بيه ؟! فاكر التعبان اللطيف اللي حطيته جنبي وأنا متكتف ؟! أحب أطمنك إن فيه واحد زيه تمام دلوقت بيلف حوالين أختك الغالية وبنت ياسمين هانم ...
ضحكته الوحشية المستمتعة تنهي عبارته وتقبض قلب زين بهذا الرعب الذي لم يعرفه من قبل ..
بهذا الغضب الذي يود معه لو يحطم رأسه بيديه العاريتين ..
وبهذا العجز وهو يخشى أن يصيب همسة أي خدش بسببه هو ...
كيف جرؤ رامي على فعلها؟!
هذا ليس تخطيطه ..بل وليست قدراته !!
من الذي خلفه ويحالفه ضده هو ؟!!
والجواب يأتيه لاحقاً ..
وبصوت امرأة يذكره لكنه لا يمكنه تمييزه ..
_إزيك يا "صياد"؟! عرفت آخر أخبار أسهم شركتك في البورصة ؟! خسارة كبيييرة ..بس مش أكبر من خسارة همسة ..و..النونو بنت آخر عشيقة ليك ..عارفاك عاقل مش هتتهور ..في المعاد اللي أحدده هتيجي لحد عندي ..لوحدك ..ولما أقول لوحدك يبقى مفيناش من غدر ..أوعدك لو سمعت الكلام أسيبهم عايشين لحد ما نصفي اللي بيننا .
_مين يا زين؟!
تعاود ياسمين الصراخ بها هذه المرة ليجذبها يامن لصدره مهدئاً وهو يحاول كتمان انفعاله بدوره ..
فيرفع زين بصره إليها بنظرة زائغة غريبة عن سيطرته المعهودة ..
نظرة زادت رعبها لتنتفض مكانها وهي تسمع صوت وصول رسالة على هاتفها الذي هرعت إليه لعلها تتلقى منه خبراً ..
صرخة قصيرة أطلقتها وهي تميز صورة للرضيعة نائمة من رقم مجهول تلته رسالة ..
_ابقي خللي زين واللا يامن دول ينفعوكي ..يا "..."!
_رامي!
تمتمت بها برعب وهي تميز انتهاء العبارة بلفظة أجنبية"مهينة" كان يخصها بها أثناء زواجه منها ..
ليختطف منها يامن الهاتف قبل أن يلقيه جانباً ليعدو باتجاه باب الغرفة متأهباً للخروج ..
لا يفهم السر الذي يربط اختطاف يمنى بهمسة هذه ..
لكن يبدو أنه الحقير رامي خطط لهذا كي ينتقم منهم جميعاً ..
الدافع يبدو له واهياً ..لكنه سيصل إليه ويعتصر عنقه بين أصابعه ليزهق أنفاسه واحداً واحداً نكالاً بما فعله بياسمين بالأمس ..ويمنى اليوم !!
لكن زين وقف في طريقه ليقول بنبرة حازمة رغم تحشرج صوته :
_ماتضيعش وقتك ..الجبان مستخبي وقلبت الدنيا عليه مش لاقيه..بس أنا عارف مين اللي وراه وهارجعهم الاتنين ..ماتقلقش .
_وانا هاقف مستنيك تتحرك ..اوعى !
يهدر بها يامن بعنف وهو يحاول إزاحته من طريقه لكن زين بقي راسخاً في مكانه يناظره بعينين صارمتين ..
وملامح ارتسم عليها الصراع جلياً بين غضب وخوف يمزقانه ..
وأخيراً ..
نبرة صوته التي مزجت صرامتها بشقائها بينما قبضتاه تحاوطان كتفي يامن بقوة :
_مش هاسمح بأي غلطة انفعالية تتسبب في أذاهم ..اللي خطفتهم عايزاني أنا ..وأنا هانفذ لها كل اللي هي عايزاه .
_مش فاهمة حاجة ..هو مش رامي؟!
تهتف بها ياسمين بانهيار باكٍ ليرد زين بعينين مشتعلتين غضباً:
_رامي ده كلب سهل يتشد بأي عضمة ..ده مش تخطيطه ولا إمكانياته ..هي استغلته عشان توصل لنقط ضعفي أنا .
_هي مين؟!
هدر بها يامن بعنف وهو ينزع قبضتيه عن كتفيه بخشونة لتعود نبرة زين للتحشرج:
_لسه ماعرفتهاش .
همهمة يامن العصبية المتهكمة حملت الكثير من المرارة وهو الآخر يشعر بالعجز ..
لكن زين تمالك نفسه بقوة يحسد عليها ليقلب بصره بينهما قائلاً :
_قسماً برب العزة لادفعهم هم الاتنين تمن اللي عملوه ..بس الأول أطمن على همسة ويمنى .
عادت ياسمين تنخرط في بكائها الهستيري وهي تتهاوى جالسة على طرف الفراش فتوجه يامن نحوها ليحتويها بين ذراعيه وكل ذرة من جسده تنضح بهذا المزيج الرهيب بين الغضب والعجز ..
_كل اللي بطلبه منكم دلوقت تثقوا فيا ..كلنا في مركب واحد ..رامي مكنش عايز غير إنه يتشفى في ياسمين وحقق غرضه ..لكن اللي باقي يخصني أنا مع الست دي ..
يقولها زين بعينين غائمتين وهو يشعر بتفتت جبال قوته داخل روحه ذرة ذرة ..
فيرمقه يامن بنظرة طويلة ضائقة وهو لا يدري بماذا يرد ..
الأمر شديد الحساسية ولن يقبل بذرة خطأ ..
لكن هل يمكنه حقاً الثقة بزين هذا ؟!
وما البديل ؟!!
خاطر أهوج ينتابه بإبلاغ الشرطة وترك الأمر لها خيراً من الاستسلام للمتعجرف هذا أمامه ..
لكنه يعود للتراجع عنه بسرعة ..
خاصة و"مظهر زين" الواقف أمامه الآن يختلف كثيراً عن الصورة القديمة التي كان يراه فيها ...
هذا رجل سيفعل أي شيء كي يسترد أخته ..ومعها ابنته هو مادامتا سوياً !
لهذا زفر أخيراً زفرة مشتعلة ووجهه المحمر بانفعاله ينافس حرارة كلماته :
_لو عايزني أثق فيك يبقى ما تتحركش خطوة من غير ما أعرفها ..
منحه زين وعده بإيماءة رأس قبل أن يردف أخيراً بحسم :
_أوعدكم هارجعهم هم الاتنين مهما كان التمن .
=======
تفتح همسة عينيها لتتلفت حولها برعب ..
مكان غريب ..رائحة غريبة ..نافذة بعيدة ذات قضبان ..
هل عادت القضبان ؟!!
الخاطر الأخير يملأها رعباً وهي تتلفت حولها بصرخات فزع متقطعة ..
هي تذكر مكاناً يشبه هذا ..
ماذا كان ؟!!
صرخة أخرى تطلقها وومضات خاطفة من الماضي تعود لتقتحم ذهنها بقسوة ..
هروبها مع رائد ..
عقد قرانهما ..
غضب والدها الذي وجدها ..
عقابه القاسي لها بعدها بحبسها ..
أجل ..أجل ..حبسها في مكان يشبه هذا !!
عدة صرخات متقطعة بعدها تغادر حلقها فتمزق روحها أكثر ..
والذكرى تحملها لماضٍ أبعد ..
أكثر عمقاً ..وألماً ..
مكان يشبه هذا لكنه أكثر ضيقاً ..
أكثر بكثير ..
محبوسة فيه ..لكن ليست وحدها ..
هناك جسد هامد جوارها كان ينبض لها يوماً بكل الحياة ..
جسد أمها !!
دموعها تنهمر أكثر وأنفاسها المتلاحقة تقطعها صرخاتها القصيرة لتجد نفسها تعدو نحو النافذة القريبة ..
تتنشق الهواء القادم من الخارج بلهفة جائعة وقبضتاها الرقيقتان تحاولان هز القضبان دون جدوى ..
_ماما ..بابا ..زين ..رائد ..
صرخاتها تتحول لتمتمات استغاثة خافتة والصور تتداخل من جديد بذهنها ..
"نداهة عالمها" القاهرة تحاول جذبها من جديد لدوامتها اللامتناهية حيث أمانها المزعوم ..
حيث لا ذكرى ولا ماضٍ ..
فتستجيب لها باستسلام وألم ذراعيها المتشنجان حول القضبان يتشارك مع ألم حنجرتها التي بحت من الصراخ ليجعلها تتهاوى جالسة مكانها بانهيار ..
لن تتذكر ..
لن تعود لعالمهم البغيض ..
ستبقى بأمان مالم تسترجع المزيد ..
ستستسلم للنسيان من جديد ..
دورة خلف دورة في متاهات عالمها المتشابك تسحبها للهاوية أكثر ..
فتنجرف لها طواعية بكل طاقتها لولا ..!!
صوت بكاء رضيع يقطع هذا الصمت حولها!!
تظنه وهماً في البداية قبل أن تستجيب له جوارحها دونما إرادة ..
تقف بعينين متسعتين انفعالاً وهي تتحرك نحوه كالمسحورة ..
إنه رضيع حقاً ..
بل رضيعة !
قميصها وردي ناعم بهذا اللون الذي تحبه ..
ابتسامتها تتحول لضحكة بريئة عالية تمتزج بدموعها وهي تمد ذراعيها لتحملها ..
تهدهدها برفق وعيناها المتسعتان تتفحصان ملامح الصغيرة بانبهار ..
منذ متى لم ترَ طفلاً ؟!
منذ متى لم ترَ أحداً خارج عالمها المحدود ؟!
بكاء الصغيرة يزداد وهي تمص إصبعها ..
فتتلفت هي حولها بعجز ..
"نداهة" عالمها القاهرة تجذبها للابتعاد عن كل هذا ..
للهرب بعيداً بعيداً نحو عالم بلا ظلم ..بلا قهر ..بلا قضبان ..
لكن شعورها باحتياج الصغيرة لها يزكي بداخلها رغبة مغايرة ب"المقاومة"..
بالصمود لأجل هذه الروح البريئة الواهنة التي تشبهها ..
_خايفة ؟!
تحدث بها الصغيرة وهي تهزها برفق بين ذراعيها أكثر لعلها تهدأ ..قبل أن تردف بنبرتها البريئة الشاردة :
_كنت زيك في يوم ..برضه خايفة ..بس ..
تقطع عبارتها وومضات أخرى من ذاكرتها تعاود القصف لكن بسند داعم هذه المرة ..
الدبوسان المعدنيان ..
قرط راقصة الباليه ..
فقاعاتها الوردية ..
ملمس موج ناعم لبحر بلا شاطئ ..
بيتها الذي رسمته قديماً قطعة قطعة ..
وأخيراً ..حبيب يظل ب"لا صورة" لكن حضوره الطاغي يجتاح ذاكرتها ليشعرها بالاحتواء ..
بالأمان رغم البعد !!
_رائد!
تهمس بها باستغاثة من جديد وهي تتلفت حولها ..
هل تعيده عصابة عينيها هذه المرة ؟!
من أين لها بواحدة ؟!!
أفكارها المشتتة تنقطع عندما يفتح الباب لتشهق بذعر وهي تضم الرضيعة لصدرها أكثر ..
مشهد رجلين ضخمين يدخلان يجعلها تتسمر مكانها بذعر ..
صرخاتها تنحبس بحلقها وهي تضم الصغيرة نحوها أكثر وأكثر ..
_ماتخافيش ..ماتخافيش !!
لا تدري هل تقولها لنفسها أم لها هي ..
تتحرك بها للخلف ورغبتها في مقاومة خوفها تزداد ..
ستحميها ..
ستحميها ..
ستمنحها ما لم يمنحه لها هي أحد !!
_هاتيها!
يهتف بها أحد الرجلين بغلظة وهو يتقدم منها لكنها تهز رأسها رفضاً بقوة تناقض مظهر دموعها الواهنة..
فيطلق الرجل ضحكة متهكمة قصيرة وهو يرفع قبضته في وجهها هاتفاً :
_خسارة الطعامة دي في الجنان ..الواحد من زمان ماشافش ستات نضيفة كده .
الرعب يجمد جسدها لكنها تتشبث بالصغيرة أكثر ..
نظرات الرجل نحوها تزداد حقارة وهي تتجول على طول جسدها ..
لكن رفيقه يصيح به بخشونة :
_حط لهم الأكل واخلص ..التعليمات ما نلمسهمش لحد ما تيجي لنا الإشارة .
يعض الأول شفته السفلى بحركة موحية ونظراته القذرة تصيب منها لكنه يضطر لامتثال الأمر وهو يغيب لبضع دقائق ليعود بما يحمله ويضعه فوق منضدة قريبة ..
_خدي واخرسي البنت اللي بتعيط دي قلبت دماغنا .
يقولها ليختفي أخيراً عن ناظريها مغلقاً الباب خلفهما فتتنهد بارتياح وهي تتحرك نحو "الببرونة" التي وضعوها هناك جوار بعض الطعام ..
تبتسم رغماً عنها ببراءة وهي تزيح غطاءها متمتمة :
_باربي ! هاسميكي ..باربي ..
تقولها وهي تجلس على الفراش القريب لتضعها في فم الصغيرة التي رفضتها لأول وهلة قبل أن يجبرها الجوع على التقامها ..
وأخيراً يهدأ بكاؤها نوعاً فتتفحص همسة ملامحها بغرابة قبل أن تعاود التلفت حولها ..
_مين دول؟! احنا هنا ..ليه ؟!
تهمس بها بقلق اجتاح نبرتها لكنها عاودت النظر للصغيرة التي استكانت في حضنها فتبدلت ملامحها لأخرى حانية وهي تهمس لها ببراءة :
_أنا معاكي ..هاحميكي..مش هنام ..ماتخافيش .
والغريب أن الصغيرة بدت وكأنها وجدت في هذا العناق ما منحها بعض الأمان لتعود للنوم بعد دقائق ..
فاتسعت ابتسامة همسة وهي تضعها جانباً برفق ..
قبل أن تتحرك لتضع "الببرونة" فوق المائدة فتصطدم عيناها بمرأى الطعام الذي جلبوه ..
"بيض مسلوق" !
ضحكة قصيرة تطلقها وهي تتناول إحداها متذكرة هواية رسمها ..
قبل أن تعود ملامحها للابتئاس وهي تتلفت حولها ..
_رائد ..انت هنا؟!
تهتف بها منادية وهي تغطي عينيها بكفيها كأنها تستدعيه ..
مرة تلو مرة لكن ..لا مجيب !!
الإحباط يكاد يسلمها لنداهة عالمها من جديد ..
لكنها تقاومه بكل ما أوتيت من قوة ..
وأخيراً ترفع كفيها عن عينيها لتعاود التلفت حولها ..
وحدسٌ بداخلها يخبرها أنها عندما تراه من جديد فلن تكون معصوبة العينين هذه المرة !
=====
_لو زين عرف إني ساعدتك هيقتلني !
تهتف بها سكرتيرته لتلك المرأة التي نفثت دخان سيجارتها بعمق لترد :
_ماتخافيش ..مش هايعيش لحد مايلحق يعمل حاجة !
انقبض قلب سكرتيرته بإشفاق أظهر بعض التردد على ملامحها لتبتسم المرأة بسخرية هاتفة :
_إيه ؟! صعبان عليكِ دلوقت؟! ومكنش صعبان عليكي وانت بتقبضي مني قصاد المعلومات اللي بتجيبيها؟!
_شغله حاجة وحياته حاجة تانية !
تغمغم بها السكرتيرة بضيق وهي تشيح بوجهها لتطلق المرأة ضحكة أخرى ساخرة سبقت تساؤلها:
_اوعي تكوني حبيتيه ؟!
ثم غامت عيناها بمرارة داكنة مع استطرادها :
_ماهو ده اللي بيعرف يعمله دايماً ..صياد زي ما بيحب يسمي نفسه ..فاكر قلوب الناس لعبة في إيده ..عمرهم ..حياتهم ..كل ده مش مهم مادام خد غرضه وخلاص ..
صوتها يتحشرج في آخر كلماتها لتعاود السكرتيرة النظر إليها بإشفاق لم يلبث أن تحول لخوف حقيقي مع الشراسة التي تلبستها هي أمامها :
_بس وديني وما أعبد لأخلليه يدوق الذل اللي ماشافوش ..قبل ما أطلع روحه بإيدي .
شحب وجه سكرتيرته وهي تشعر أن الأمر خرج عن إطار توقعاتها ليخرج صوتها مرتجفاً :
_احنا ما اتفقناش على قتل ..أنا ساعدتك بس عشان قلتي خسارة في شغله ..كنت محروقة منه لأنه طالع فيها ومش شايفني ..لكن ..
نظرة المرأة القاسية كانت رادعة بما يكفي لتبتلع السكرتيرة بقية عبارتها ..
خاصة عندما مالت المرأة نحوها قائلة بنبرة مهددة :
_الحاجات دي مفيهاش وسط ..يا معايا يا عليا ..لو انتِ مش معايا قولي عشان أتصرف ..بس ..هتزعلي !
فارتجف جسدها لترد بسرعة والخوف يلون كلماتها :
_معاكي طبعاً .
ترمقها المرأة بنظرة مزدرية كادت تحرقها مكانها لتلحقها بقولها:
_كده اتفاقنا تم ..فلوسك معاكي يا شاطرة ..سكة السلامة..
قالتها ثم أشارت لها بعينيها لتنصرف فتنفست الصعداء لكنها ما كادت تعطيها ظهرها حتى سمعت استطرادها خلفها :
_آه ..بمناسبة قلبك الرهيف اللي حن فجأة ده ..خللي لسانك جوه بقك عشان ما يتقطعش .
فعادت ببصرها نحوها لترمقها بنظرة خائفة قبل أن تومئ برأسها مطيعة لتهرول بعدها شبه راكضة مغادرة الغرفة ..
هنا بدأت ملامح المرأة تلين رويداً رويداً لتتحول شراستها لألم خالص وهي تفتح حقيبتها لتستخرج منها صورة !
صورة لفتاة جامعية ترتدي زي تخرجها مبتسمة وتواجه الكاميرا بفخر ..
صورة حقيقية امتزجت بصورة أخرى نسجها خيالها لعجوز يمسك صدره بألم والخزي يغزو تجاعيد وجهه قبل أن يسقط صريعاً !!
وبين الصورتين حياة كاملة عاشتها بقلب "طاهر" قبل أن تقرر أخيراً أن تدنسه !!
هذا العالم ليس للأنقياء !!
هي غابة تحتلها الضواري وإن لم تكن صائداً فستكون الفريسة !!
ومع الخاطر الأخير اتقدت عيناها بالمزيد من الشراسة وهي تأخذ نفساً من سيجارتها لتنفثه ببطء هامسة :
_ماعدتش صابرة على إني أشوف وشك دلوقت يا زين ..
ثم رفعت هاتفها أمام وجهها مردفة بمرارة خالطت شراستها بمزيج مدهش :
_خللينا نخلص!
======
تقف خلفه في حديقة بيت رائد بعدما علمت الخبر الصاعق الذي اعتصر قلبها ..
رائد اتصل بها ليطمئن على حالة همسة كيف ستكون بعد كارثة الخطف هذه..
والحقيقة أنها لا تعلم الجواب ..
الوضع الغريب قد يسبب لها انتكاسة قوية ..
وقد يأتي بصدمة عكسية تساعد في استردادها لبعض ذاكرتها ..
ولا يمكنها الجزم بأيهما أقرب ..
تماما كما لا يمكنها الجزم الآن أيهما أكثر قلقاً ...
رائد خلف قناعه المعدني الصارم ..
أم هذا الذي أمامها والذي يختلط قلقه بشعوره الرهيب بالذنب ..
تراقب هامته التي طالما اعتدتها مرفوعة وقد انحنت الآن في وقفته أمام كوخ همسة الخالي منها ..
تشعر بهذه اللوعة التي تكاد تذيب أوصاله وتشاركه مثلها ..
همسة لم تكن لديها مجرد حالة ..
همسة صورة تشبهها في مرآة الظلم !
روح تطابقها في رفض الواقع ..
وإن كانت همسة اختارت الهروب فيما اختارت هي الصمود والمواجهة !!
_هتروح لها ؟!
تسأله أخيراً وقد استجمعت شجاعتها لتقترب منه أكثر فيلتفت نحوها بحدة لحظة ..
يفتح ذراعيه فجأة بنظرة احتياج صارخة في عينيه وهو يتقدم منها خطوة كأنما يهم باحتضانها ..
قبل أن يتوقف في آخر لحظة ليغمض عينيه بقوة كأنما يقاوم شعوراً جارفاً بداخله فيما بقي ذراعاه كأنما يحلقان حولها قبل أن يتراخيا جانباً ببطء ..
_زين !
كانت المرة الثانية التي يسمع فيها اسمه من بين شفتيها ..
وإن كانت المرة الأولى صادمة بتبعاتها ..
فهذه لا تقل عنها وطأة !!
نفس الإحساس الكاسح الذي يشعله ويطفئه في اللحظة آلاف المرات !!
لكن ردة فعله جاءت صادمة لكليهما وهو يعتصر كتفيها بقبضتيه هاتفاً بثورة :
_جيتي ليه ؟! امشي من هنا حالاً ..واوعي تيجي لحد ما أنا اللي أطلب منك !
نظراتها الحائرة تعلن رفضها بتحدٍّ ليعاود صراخه فيها:
_مش عايز حد يشوفك معايا ..أنا بقيت لعنة لكل اللي حواليا .
ورغم الألم الذي تبثه فيها قبضتاه وهما تعتصران كتفيها ..
رغم صراخه الهادر وملامحه التي بدت مخيفة صارمة ..
لكنها قرأت بشعورها "الأمومي" به هذه النظرة النابضة في عينيه ..
نظرة احتياج تتشبث ..تتضرع ..تناديها أن تبقى ..
ومن هي كي لا تمتثل؟!
_مش هامشي .
تهمس بها بحسم عبر غلالة من الدموع ليعاود صراخه الهادر بنداء أحد الحراس...
لكنها قطعت نداءه :
_مش هامشي حتى لو طردتني بالعافية .
نبرتها الصارمة كانت تناقض خيطين من الدموع سالا على وجنتيها وجعلا قبضتيه تتراخيان عن كتفيها ليطرق برأسه صامتاً بعجز زلزلها ..
كانت المرة الأولى التي تراه فيها بعيداً عن سطوة هيمنته المعهودة ..
تعلم أنه خسر كثيراً في عمله ..
تعلم أنه يحمل نفسه ذنب اختطاف همسة ويمنى ..
وتعلم -دون غرور- أن خسارته لها هي لا تقل عنهما فداحة !!
تعلم وتشفق عليه من هذا الزلزال الذي نسف جباله كلها فجأة ..
لهذا خرج صوتها بمزيج من عقلها وعاطفتها :
_ماتروحلهاش ..سيب البوليس يشوف شغله ..واحدة بالغل ده أكيد مش هتبقى ناوية لك على خير .
لكنه يزفر بقوة وهو يعطيها ظهره ليعاود التطلع لكوخ همسة الخالي :
_ماينفعش أخاطر المرة دي ولو بنسبة واحد في المية ..مفيش قدامي غير إني أعمللها اللي هي عايزاه .
تحاول ابتلاع غصة حلقها المريرة وهي تشعر بخوفها عليه يكاد يشل أطرافها ..
لكنها تحاول السيطرة على أفكارها بهتافها:
_طب اهدا وحاول تفتكر ..ممكن تبقى مين ..أكيد واحدة أذيتها قوي لدرجة إنها عايزة تنتقم ..مين ؟!
_كتير.
قالها باقتضاب وبكلمة واحدة لكنها بدت وكأنها حملت ندم العالم كله !!
شريط ماضيه يمر الآن أمامه فيجد العديدات من "طرائد الصياد"..
واحدٌ آخر من جبال غروره تنسفه الذكرى تلو الذكرى ..
الذنب تلو الذنب !!
فيما كانت هي عالقة بين غضبها منه ..وعليه !!
أي سواد حمله ماضيه كي ينبت غابة من الأشواك كهذه ؟!!
والجواب يأتيها في ذكرى ليلتها الأولى معه ..
تلك المرأة التي جهزتها بخبرة من لم تكن تلك مرتها الأولى!!
صوت رنين هاتفه يقاطع أفكارها ليجفلهما معاً قبل أن تراه يفتح الاتصال ليستمع قليلاً قبل أن يغلقه بحسم ..
وأخيراً يلتفت نحوها لتدرك من نظرته أنه ذاهبٌ الآن ..لمصيره !!
المسافة بينهما تتناقص وسراجا الذهب في عينيه يتوهجان بلمعة متراقصة بين بريق وخفوت ..
_قولي إنك مسامحاني ..على كل حاجة عملتها .
تكاد تقسم أنها لم تسمع صوته من قبل بهذه النبرة الصافية ..
كأنما روحه هي التي تحكي لا لسانه ..
ربما لهذا لم تشعر بفيض دموعها الذي أغرق وجنتيها وخفقات قلبها تتقافز بجنون ..
لتنطق هي الأخرى بروحها قبل لسانها :
_مسامحاك ..بس مش هسامحك لو مارجعتش .
فيسبل جفنيه وعضلة فكه ترتعش لتخطف من دقاتها دقة !
الرعب الذي يملأها الآن يجعلها تهتف بقوة بين دموعها :
_أنا واثقة فيك ..واثقة إنك هترجع ..هترجع معاهم هم الاتنين .
لكنه عاد يرفع عينيه إليها بنظرة طويلة بدت وكأنها تعانقها ..
تغمرها بهذا الفيض الآسر الذي لم تعرفه إلا معه ..
لم تشعر بأنامله التي امتدت بخفة تمسح دموعها للمرة التي لا تعرف عددها ..
لم تشعر بكفه الذي احتضن كفه ثم ألصقه بصدره ..
لم تشعر حتى بشفتيه اللتين انحنى بهما رأسه ليقبل ظاهر كفها فوق موضع قلبه ..
كل حواسها تعطلت إلا من سماع همسه الآسر وقتها :
_اتنين بس يستاهلوا أضحي بحياتي عشانهم ..همسة ..وأنتِ!
كان وسيظل أجمل وأقوى اعتراف بالحب سمعته ..
لقد تساءلت طويلاً كيف سيعبر رجل مثله عن الحب..
كيف سيختار كلماته ..
وهاهو ذا لم يخذلها !!
وأخيراً عاد إليها إدراكها لتسحب كفها منه بسرعة وهي تستعيد شعورها بالزمان والمكان ..
قبل أن تراه يبتعد بخطوات شبه راكضة لتهم باللحاق به لولا أن أوقفها رائد ب"قناعه المعدني" الذي لايزال يحافظ عليه باستماتة :
_ما تقلقيش ..كله تحت السيطرة .
ترفع عينيها إليها بشك والقلق يحفر أخاديده فوق ملامحها ..
لكنه يتلقى اتصالاً يجعله يبتعد قليلاً ليستمع قبل أن تلتمع عيناه بترقب ..
قبل أن يغادرها هو الآخر بخطوات شبه راكضة نحو سيارة قريبة مع بضعة حراس ..
تهز رأسها بعجز محاولة مقاومة هذه الوخزة في صدرها ..
ثم ترفع رأسها للسماء بدعاء خاشع ..
هنا تتذكر ثمر فتتناول هاتفها لتتمالك نفسها متحكمة في نبرة صوتها ولم يكد يصلها صوت ثمر الحاني بعد تحية تقليدية حتى بادرتها بقولها الراجي :
_ادعيلي يا ستي ..ادعيلي ربنا يطمن قلبي .
صمت ثمر بعدها يفضح قلقها الذي عبرت عنه بسؤال صريح ..لتتردد ياقوت قليلاً قبل أن تخبرها بما حدث باقتضاب فتصمت ثمر بعدها للحظات سبقت سؤالها:
_غريبة ..مش دي أخته اللي كان حابسها في أوضة بره بيته ومستعر منها ..دلوقت رايح يفديها بروحه ؟!
_هو مش وحش يا ستي ..والله قلبه طيب ..ادعيله يرجع بيهم سالمين ..
صوتها يتهدج بعدها ببكاء عجزت عن كتمه لتصلها تنهيدة ثمر قبل صوتها القلق المختلط بحزمه :
_ربنا يرد كل حي ل"أهله" بالسلامة .
ضغطت حروف "أهله" هذه بحركة ذات مغزى كأنما تنبه ياقوت من جديد لحقيقة وضعها منه ..
فعضت ياقوت شفتها بقوة وهي تتحسس موضع قرطه خلف حجابها ..
ترفع أناملها التي لا تزال تحمل مذاق شفتيه نحو عينيها بشعور رهيب بالانتماء ..
لو لم تكن هي "أهله"..فمن ؟!
لكن إحساسها بالذنب يطغى أخيراً على كل هذا وهي تعود لتخفي عن ثمر من جديد متاهة شعورها به ..
صوت دعاء ثمر الخاشع يصلها أخيراً ليهدهد مخاوفها وهي ترفع رأسها معه للسماء من جديد ..
وقلبها يخفق بدعوة دعوة واحدة ..
أن يعود سالماً ..ومعه الرهينتان !
========
_إزاي طاوعتك ورجعنا البيت من غيرها ؟!
تهتف بها ياسمين وسط دموع انهيارها بينما يامن يسند جسدها إلى كتفه حتى أجلسها فوق الأريكة في صالة بيتهما ..
هناك حيث جمعهم المصاب جميعاً ليتبادلوا نظرات مشفقة قلقة بينما يامن يطمئنها بقوله :
_رائد معايا خطوة بخطوة ع التليفون ..ماتخافيش ..هو مطمن جداً إنهم كويسين وهيرجعوا .
_ما بتعرفش تكدب يا طيب .
ينهمر معها المزيد من دموعها فيضمها لصدره مبتلعاً غصة حلقه مع جوابه :
_هترجع يا ياسمين ..مش معقول بعد كل ده نتحرم منها كده .
ربت مروان على كتفه بمؤازرة وهو أكثر من يشعر بما يعانيه يامن ..
ليس فقط فقدانه الصغيرة لكنه إحساسه أنه انتقام الله منه على تفريطه في ابنه الراحل من سيلين ...
بينما عاد البقية يتبادلون نظرات بائسة ليكون عابد أول من يقطع الصمت بقوله :
_هيا نصلي معاً ونكثف الدعاء ..توضأوا وأنا سأؤمكم .
اصطفوا خلفه بعد دقائق عدا ياسمين التي جلست مكانها تراقبهم بنظرات زائغة ثم ترفع رأسها للسماء بالدعاء ..
ليؤمهم بصوته الخاشع وكل منهم يغيب في عالمه الخاص مع ربه يناجيه ..
يامن الذي عاد سلطان وساوسه يحاول بسط نفوذه على روحه ..
يوسوس له بعدم القبول ..بغلبة سوء الظن بنفسه على حسن ظنه بربه ..
فيستسلم له للحظات بقنوط قبل أن يعود لمقاومته بكل ما أوتي من قوة ..
لن يعود لهذا الطريق ..لن يعود !!
_اللهم عاملني بما أنت أهله ..وليس بما أنا أهله ..
يكررها في دعائه دون ملل حتى يشعر بغلبة حسن ظنه بالله على ما سواه !!
نبيلة التي أجهشت بالبكاء كما لم تفعل من قبل ..لاتزال رائحة الصغيرة عالقة بأنفها ..لاتزال فرحتها الطاغية بها تظلل روحها بعد مصابها في حفيدها السابق ..
_يارب ..اقبلني على ذنوبي ..سامحني لو مش حافظة حاجة أدعي بيها ..بس انت أعلم بقلبي ..تبت يارب ..عهد عليّ ما أرجعش لأي حاجة تغضبك ..بس رجع ليامن بنته ..رجع لنا روحنا يارب ..انت عالم روحنا فيها ..
كلماتها على بساطتها كانت تقرع صدرها بعنف في سجودها ..لتستشعر "لذة التائب العائد" التي يحكون عنها ..
ظلمة إغلاق عينيها في السجود يتخللها نور لا تدري مبعثه ..إنما تدرك أثره في قبول ترتجيه..
عابد الذي كثف دعاءه بأفضل ما رأى :
_اللهم إني أسألك بحق أتقى عمل في صحيفتي ألهمتني فيه الإخلاص حتى تقبلته مني أن ترد لنا ضالتنا...يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع عليّ ضالتي ..
مروان ورامز وأشرف كانوا كذلك يلهجون بالدعاء وخلفهن نساؤهن وقد وحدت الأزمة صفهم كعائلة ..
يسلم عابد من صلاته فيسلمون خلفه قبل أن يعاود كل منهم تضرعه الصامت ..
صوت رنين هاتف يامن يصدح أخيراً ليتلقفه بلهفة وقد تعرف رقم رائد ثم يفتح الاتصال ..
=====
_مش قلنا مش هنبلغ البوليس؟!
يهمس بها يامن في أذن رائد وهو يلتقي به أمام شقة رامي ملاحظاً الرجلين معه ليرد رائد همساً كذلك :
_أنا قلت كده لزين عشان انفعالاته تبقى طبيعية قدام الست اللي رايح يقابلها وماتشكش في حاجة ..لكن احنا معانا مساعدة من جهة أمنية عليا..رامي دلوقت تحت عينيهم خطوة بخطوة ..مستنيين بس غلطة منه تحطنا على أول الطريق ...زين كمان والست دي تحت عينينا بس مش عايزين نتهور عشان مانسمحش بأي غلطة .
رمقه يامن بنظرة داهشة لم تخلُ من تقدير وهو يشعر نحوه بإعجاب خفي ..
رباطة جأشه رغم مصابه تبهره خاصة وهو يبدو وكأنما يتحرك كآلة لا هدف لها سوى إنقاذ همسة وابنته هو ..
تماماً كما فعل الآن وهو يتحرك نحو صالة الشقة التي اقتحموها بهدوء ليتفحص هو محتوياتها باهتمام لعله يصل لأي أثر ..
حاسوبه المحمول هناك يقترب منه يحاول فتحه ..
_ليه كلمة سر ..اتصرفوا .
يقولها لأحد مرافقيه الذي جلس أمام الحاسوب،يحاول اختراقه حتى نجح أخيراً ..
فحرّكه رائد نحوه ليتفحص محتوياته باهتمام ..
حتى توقف بصره أمام أحد الملفات المرسلة حديثاً ..
فتحه بسرعة لتضيق عيناه بتركيز وهو يتبين تفاصيله ..
هذا إذن ما يفسر خسارات شركتهم المتوالية حديثاً !!
_فيه وسطنا خاين في الشركة بيبعتله التفاصيل دي .
يهتف بها أخيراً وهو يرفع رأسه قبل أن يعمل عقله بسرعة محاولاً حصر شكوكه في بضعة أفراد ..
لكن المعلومات المرسلة ببياناتها لم تبقِ في خانة شكوكه إلا اسم واحد ..
"السكرتيرة"!
========
_رائد بيه .
تهتف بها بدهشة وهي تستقبله في منزلها -الذي تقيم فيه وحدها- لأول مرة ..
ليرد بابتسامة باردة عبر قناعه المعدني :
_ممكن أدخل؟!
_طبعاً ..طبعاً ..اتفضل !
تقولها وهي تفسح له الطريق لتغلق الباب خلفه ولم تكد تفعل حتى فوجئت بقبضته تعتصر عنقها لتلصق ظهرها بالحائط خلفها فشهقت برعب صارخة :
_فيه إيه ؟!
_وطي صوتك ومن غير كلام كتير ..همسة فين ؟!
يقولها بهذه النبرة الباردة التي اشتركت مع نظرته القاسية لتصنع مزيجاً مرعباً في عينيها ..
_مااعرفش حاجة والله ..إزاي تشك إني ..آه !
عبارتها تختنق كأنفاسها وهو يشدد ضغط قبضته على رقبتها أكثر ..
_مابكرهش أد الغباء ..طالما وصلتلك يبقى متأكد إنك وراها ..ماتضيعيش وقتي ..مع همسة بالذات ماليش خطوط حمرا لأي حد .
دموعها تنهمر غزيرة مع ألم ضغطه المتزايد على عنقها وأنفاسها تصل حد الحشرجة لتهتف أخيراً:
_هاقول بس توعدني تحميني .
ضاقت عيناه بقسوة أكثر للحظات قبل أن يحرر رقبتها لتلهث هي بعنف محاولة تلقف أنفاسها قبل أن تنهمر كلماتها ملطخة بدموعها :
_مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده ..هي فهمتني إنها عايزة تنتقم منه وتخسره شغله وبس ..
_هي مين؟!
_مااعرفش اسمها ..بس هي واحدة كان يعرفها زين بيه وواضح إنها بتحبه وهو غدر بيها ..
تقولها لاهثة الأنفاس عبر نظراتها المرتاعة ليعاود سؤالها بسرعة:
_وفين همسة والبنت الصغيرة ؟!
ترددت قليلاً وهي تتذكر تهديدات تلك المرأة لها لكنه عاد يعتصر رقبتها بعنف مفاجئ لتلهث هاتفة بانهيار:
_مااعرفش المكان بالضبط ..بس سمعت حد من رجالتهم بيتكلم على مخزن على طريق (....) الصحراوي ..بس فين بالضبط مااعرفش ..والله العظيم ده كل اللي اعرفه .
رمقها بنظرة متفحصة أخيرة ليدرك بخبرته أن هذه حقاً آخر حدود معلوماتها ..
فأطلقها من يده ليعاود فتح باب الباب الذي دخل منه رجاله ومرافقوه ليتحفظوا عليها..
_وصلت لإيه ؟!
يهتف بها يامن بلهفة جزعة ليخبره بالتطورات قبل أن يغادرا معاً نحو السيارة بالأسفل ..
ولم يكادا يفعلان حتى وصلت رائد مكالمة منتظرة تلقاها بعينين قلقتين ليلتفت نحو يامن قائلاً عبر قناعه المعدني:
_رامي راح دلوقت مخزن ع الطريق الصحراوي زي ما هي قالت ..زي ما توقعت ..الغبي اول مااطمن إن زين راح لها لوحده ابتدى يغلط ويتخلى عن حذره ..
قالها ليشغل مفتاح السيارة مشيراً إشارة خاصة للسيارتين خلفه كي تتبعانه ..
فانعقد حاجبا يامن بقوة ليقول عبر صوته المتحشرج:
_أدينا عرفنا المكان ..بس المهم نوصل في الوقت المناسب .
فحدجه رائد بنظرة جانبية ملتاعة ونفس الخاطر يراوده ..
التوقيت المناسب !
=====
_يعني إيه مش هتدخلني؟!
يهتف بها رامي بغطرسة أمام أحد الحراس الواقفين أمام الغرفة الجانبية المحتجزة فيها الرهينتين في المخزن ..
ليجيبه الحارس ببرود :
_دي أوامر الهانم ..محدش ييجي ناحيتهم .
_بس أنا ..
يهتف بها رامي بانفعال ليقاطعه الرجل بنفس البرود :
_ولا حتى سيادتك .
يرمقه رامي بنظرة ضائقة وهو يشعر بالغيظ ..
يود لو يرضي مزاجه السادي برؤية هاتين الضعيفتين في يده ..
يسترجع ما فعله زين به يوماً ويريد لو يرده له أضعافاً ..
خاصة مع الجميلة أخته هذه والتي تبدو كقطعة بسكويت هشة ناعمة سيسعده كثيراً أن يحطمها !
لكن هاهي ذي المرأة الغريبة قد أصدرت أوامرها ألا يقترب منهما كأنها كانت تعلم نواياه ..
من يراها وهي تستجيب لطقوسه الشاذة في الفراش لا يصدق هذا الوجه الآخر المسيطر لها ..
ترى ما الذي تفعله بزين وهو وحده معها الآن ؟!
ابتسامة متشفية ترتسم على شفتيه وتمنحه الجواب ..
لن يخرج من لقائها حياً !!
خواطره تنقطع وقد بدا وكأن المكان قد تحول لقطعة من الجحيم فجأة بهذا الوابل من الرصاص خلفه فيندفع جانباً بسرعة ليختبئ خلف أحد الصناديق الضخمة لتميز عيناه برعب هذا الجمع من الرجال الذين اقتحموا المخزن بسرعة احترافية ..
عيناه تشتعلان بغضب وهو يشعر بقرب سقوطه لكن تحرك الحارس للغرفة أرضاه بهتافه لرفقائه:
_الأوامر نقتلهم سوا لو حد اتدخل !
يبتسم بتشفٍّ وهو يراه يتجاهل إطلاق النار المتبادل بين رفقائه والمقتحمين ليفتح الغرفة موقناً مما سيحدث ..
لو سقط فلن يسقط وحده ..
زين وياسمين سيذوقان مرارة الخسران معه ..
بل بأفدح منه !!
لهذا انكمش أكثر في مكانه لتبدو له نافذة جانبية منزوية يدرك أين ستوصله ..
هذه التي تحرك نحوها بخفة خلف الصناديق مستتراً عن الجحيم الدائر حوله ..
قبل أن ينجح بخفة في القفز عبرها نحو الخارج !
يطلق زفرة ارتياح امتزجت بالكثير من الترقب وهو يتحرك بخفة لينحني ويتحرك زاحفاً على ركبتيه محاولاً الابتعاد عن المكان ..ليفاجأ بقدمي رجل تواجهانه !
_اقف!
يهتف بها أحد الرجال من فريق رائد لكنه يتناول عصا قريبة بسرعة ليعرقل بها قدميه فيسقط جواره قبل أن يهب هو واقفاً ليركض هارباّ..
صوت الرصاص خلفه يلاحقه لكنه يتخذ مساراً منحنياً كي يصعب التصويب عليه قبل أن يلمح سيارته التي فتحها بسرعة ليقفز فيها وينطلق بها بسرعة هارباً ..
زفرة مشتعلة تغادر صدره وهو يشعر بالغضب ..
هذه اللعينة لم تكن بارعة تماماً كما أوهمته ..
هاهو ذا الداهية رائد يصل لمكان همسة ..
لكن لا بأس ..
لن يجدها حية ..هذا هو عزاؤه على أي حال!!
أما هو فسيهرب ..
سيترك هذا البلد بأسره ..
لقد كان يعد العدة لهذا منذ وقت قريب وقد آن أوان التنفيذ !!
يفتح تابلوه السيارة المجاور يطمئن لوجود جواز سفره قبل أن يتلفت خلفه مطمئناً أن لم يتبعه أحد ..
ابتسامة ارتياح ترتسم على شفتيه الخبيثتين للحظة قبل أن تتحول لنظرة رعب وهو يعود ببصره نحو الأمام ليصطدم بالسيارة التي تواجهه في الجانب المقابل بحمولتها من أسياخ الحديد ..
يحاول ضغط مكابح سيارته بسرعة لكن ..
فات الأوان !!
صوت الاصطدام الضخم يدوي في أذنيه قبل أن تخفت أنفاسه للأبد ..
بمشهد يقسم من يراه أن لم يرَ أبشع منه ..
أسياخ الحديد اخترقت جسده بقوة الاصطدام لتعبر من الجانب الآخر ..
الشهود يتجمعون حول مشهد الجثة المهيب وهم يخبطون أكفهم ببعضها ..
بينما السؤال يحلق حول الرؤوس ..
ماذا فعل هذا الرجل كي يستحق ميتة بشعة كهذه ؟!!
======
_ما تخافيش ..ما تخافيش !
تهتف بها همسة وهي تحتضن يمنى بين ذراعيها تحت الفراش الذي اضطرت للاختباء تحته عندما سمعت صوت إطلاق النار بالخارج ..
تحمد الله أنه مفتوح الجانبين من الأسفل وإلا لما سمحت لها عقدتها بالمكوث هناك ..
تكتم أنين خوفها وهي تضم الصغيرة الساكنة تهدهدها لتشهق برعب عندما سمعت صوت الباب يفتح ..
ترى عبر مكانها قدمي الرجل تقتربان من الفراش فتكتم صرختها بقوة لكن الصغيرة بدأت في البكاء لتنخرط هي الأخرى فيه ..
لكنها بقيت تهدهد الصغيرة وقد شعرت أن هذا الكيان الضئيل يحتاجها هي ..
وأنها وحدها من بقيت لتحميها ..
هذا الذي وجد أثره فيها لتعاود الهمس للصغيرة :
_ما تخافيش ..ما تخافيش ..
ترى قدمين آخرين يقفزان عبر الغرفة لتشعر بالحارس يتقهقهر للخلف بينما يصرخ بألم ..
هل جاءت نجدة ؟!
هنا تجد الجرأة لتمد رأسها قليلاً وما كادت تتبين ملامح رائد حتى أفلتت منها صرخة عالية لم تملكها ..
نداهة عالمها القاهرة تعاود سحبها لهذا العالم من جديد ..
لكن بكاء الصغيرة بين ذراعيها كان يدعوها للتشبث أكثر بهذا العالم ..
لن تتركها وحدها مثلما تركوها هي صغيرة !!
صرخاتها العالية تتباعد وهي تخوض صراعاً عظيماً بين عالمين يتنازعانها الآن بضراوة ..
لكنها عبر كل هذا تفتح عينيها لترى رائد من جديد ..
بنظرة أخرى هذه المرة ..
نظرتها لبطل ينقذها !!
تراه وهو يصارع الحارس ليخبطه بمسدسه على جانب فكه فيسقطه قبل أن يجثم فوقه بثقل جسده ليكيل له اللكمات قبل أن ينتزعه يامن من مكانه صارخاً :
_كفاية كده هيموت في إيدك .
يقولها وقد أدهشه انفعال رائد المفاجئ هذا بعد طول تشبثه بقناعه المعدني ..
لا يعرف أن رائد فقد كل صوابه عندما سمع صوت صراخ همسة منذ لحظات مدركاً السبب ..
إنها رأته هو!!
هو أدرك منذ اللحظة الأولى أنها مختبئة تحت الفراش ..
تماماً كما يدرك على أي حال سيجدها بعد أن رأت ملامحه !!
جسده كله يفور بتلك الرغبة البدائية في القتل وهو يفرغ ثورته كاملة في جسد الرجل تحته لكن يامن ينجح في إيقافه بعدما فقد الحارس وعيه ليقفز يامن بخفة بعدها فينحني على ركبتيه تحت الفراش وصوت بكاء الصغيرة يكاد يوقف قلبه ..
ترفع همسة عينيها إليه بخوف لكنه يتفهمه مع حالتها ليقول عبر أنفاسه اللاهثة :
_ماتخافيش ..هاتيها ..أنا باباها .
ترمقه همسة بنظرة أخرى خائفة قبل أن تناوله الصغيرة لتغادر مكانها تحت الفراش ..
ولم يكد يامن يتناولها منها حتى تفحصها ببصره بسرعة كي يطمئن على سلامتها ثم ضمها لصدره بقوة مغمضاً عينيه ..
قبل أن يرفع عينيه نحو الأعلى بوضع الدعاء :
_كنت عارف يارب انك كريم قوي .
يهمس بها سراً داحضاً بها كل أثر لوساوسه القديمة التي طالما نالت منه ..
الآن يغلب "حسن ظنه" بربه كل شيء!
قبل أن يتناول هاتفه بسرعة كي يطمئن ياسمين :
_رجعت ..معايا ..في حضني ..والله في حضني .
يصرخ بها بفرحة طاغية وهو يسمع بكاءها من الجانب الآخر للاتصال ليعلو بكاء الصغيرة من جديد جواره فيهتف لياسمين عبر الهاتف :
_سامعة ..أهه ..كويسة ..كويسة جداً .
يقولها ليخرج أخيراً بسرعة مختلساً نظرة جانبية نحو رائد وقد آثر ترك مساحة من الخصوصية له ..
فيما وقفت همسة مكانها بصرخاتها القصيرة التي عجزت عن التحكم فيها وهي تقبض كفيها حول شفتيها ..
ليهرع نحوها رائد يعتصرها بين ذراعيه بقوة انفعال الساعات الماضية ..
القناع المتماسك يتشقق عنه فينهار على ركبتيه أخيراً وهو يسقط معها لكنه يتشبث بها بكل قوته سامحاً لكل انفعالاته بالتحرر ..
تشعر بدمعه يكوي وجنتها الملتصقة بوجنته مع همسه المتهدج عبر أنفاسه المتلاحقة :
_ما تصرخيش ..مش هاخلليكي تشوفيني تاني ..بس ماتصرخيش .
تحاول رفع رأسها نحوه لكنه يثبته بقوة على صدره هامساً بذات النبرة المختنقة :
_شوية بس يا حبيبتي ..آخد نفسي ..
يقولها عبر أنفاسها التي تلاحقت حد الألم لينتبه وقتها فقط أنها لم تتشنج فاقدة وعيها كعهدها كلما تراه ..
صرخاتها قصيرة متقطعة لا طويلة متتابعة كالسابق ..
فهل يعني هذا شيئاّ؟!
يمد أنامله المرتجفة نحو جيبه محضراً عصابة عينيها التي جهزها قبل مجيئه ..
_غمضي عينك ..
يهمس بها عبر أنفاسه اللاهثة وهو يخفف ضغط كفه فوق رأسها على صدره ..
يبتعد قليلاً بوجهه والرعب الممتزج بالترقب يجعل شعيرات جسده تنتصب انفعالاً ليبصرها أخيراً مغمضة العينين وقد هدأت صرخاتها ..
فيطلق زفرة ارتياح وهو يرفع العصابة نحو عينيها لكنها تفتحهما فجأة لتلتقي نظراتهما عبر هذا القرب !!
جسده ينتفض بلوعة متهيئاّ للمزيد من الصرخات ..
لكن شفتيها بقيتا منطبقتين ..
نظراتها نحوه بدت وكأنها تمر بمحطات عمريهما واحدة واحدة ..
بداية بالانبهار الطفولي ..
الارتياح..الأنس ..الإعجاب ..الحب ..الاحتياج ..
الاستغاثة ..الخذلان ..العتاب ..
ثم العتاب ..ثم العتاب ..
وآه من هذه الأخيرة التي ذبحته بقسوتها !!
_انتِ ..شايفاني؟!
يهمس بها عبر صوته المبحوح وهو لا يصدق أنه يعانق نظراتها أخيراً دون حواجز ..
دون صراخ ..
حدقتاها الحبيبتان تتمايلان يمنة ويسرة ..تحتلان العالم كله حوله فلا يرى سواهما ..
_شايفاني؟!
يكررها بنفس البحة التي تبدو وكأنه سيلفظ روحه خلفها ..
فتومئ برأسها ولاتزال نظراتها عالقة به ..
_عارفاني ؟! أنا ..
_رائد !
تكملها له هي وهي تعاود دفن رأسها في صدره فيتأوه بقوة وهو ينحني برأسه فوقها يدفن وجهه في عنقها ..
ذراعاه يتحركان على طول ظهرها يلصقها به أكثر كأنما يود لو يخفيها بين ضلوعه ..
يحاول النطق بأي شيء لكنه يعجز إلا عن تأوهاته المختنقة وهو غارق في هذا العناق حتى النخاع ..
لقد عادت ..
ملاك عالمه رجع ..
ليس معصوب العينين هذه المرة ..
إنما تراه ويراها ..
الخاطرالأخير يبدو له كالهذيان فيعاود رفع ذقنها نحوه لتلتقي عيناهما من جديد ..
فيبتسم وهو يميل على عينيها يقبلهما بعمق قبل أن يأخذ نفساً عميقاً يتمالك به نفسه ليهمس لها أخيراً :
_أنا رائد اللي عمره ما حب ولا هيحب غيرك ..اللي كان مستعد يدفع حياته كلها عشان ترجعي تشوفيه ويشوفك ..بصيلي يا همسة ..بصيلي قوي ..وحشني قوي أشوف عينيكي قريبين كده ..
لكنها تغمض عينيها بقوة لتنهمر دموعها بعدها وقد عادت إليها ذكرياتها كاملة ..
بتلك الليلة التي خذلها فيها ليرتبط بغيرها ..
بوصفه لها بالجنون ..
وبصراخه أنه لا يريدها ..
لكنه يدرك بحدسه ما يدور بذهنها فيتمالك نفسه ليقف أخيراً ويوقفها معه ..
_هنتكلم ونتعاتب وهاقبل منك أي عقاب ..المهم نبقى سوا ..
يهمس بها وهو ممزق بين فرحته بعودتها وبين خوفه من العتاب الصارخ في عينيها ..
لكنه يتلفت حوله ليجد أحد الضباط يشير له إشارة خاصة بضرورة خروجهما ..
فيسير بها يضمها لكتفه بكلي ذراعيه وهو يشعر أن وزراً ثقيلاً قد سقط عن كاهله ..
همسة عادت ..
وبقي فقط أن يعود قلبها ليثق به بعد زلته !
=====
يصعد زين الدرج نحو الشقة التي وصفتها له بهذه البناية المنعزلة والتي بدت له كمنفى ..
عيناه تضيقان كثيراً وهو يميز باب الشقة لكنه لم يحمل له أي ذكريات ..
مَن هذه التي ظهرت فجأة من الماضي بسيفها الغادر ؟!
أي طريدة كانت من ضحاياه ؟!
موج هادر من ندم يجتاحه وهو يود في هذه اللحظة لو لم يملك ماضياً كهذا ..
لو لم تتحكم فيه عقدته القديمة إلى هذا الحد ..
تتردد أنامله قليلاً قبل أن يطرق الباب ..
ترى كيف حال همسة والرضيعة الآن ؟!
وإلى ماذا وصل رائد ؟!
لا هاتف معه ..
هكذا كانت أوامرها له في الاتصال الأخير !!
يُفتح الباب أخيراً ليرفع عينيه بترقب نحوها ..
فيصطدم أول ما يصطدم بابتسامتها القاسية شديدة الشراسة وهي تفتح له ذراعها على طوله ..
_أهلاً بالصياد !
يغرس نظراته الحانقة في عينيها وهو يدلف إلى الداخل لتتسع ابتسامتها الشرسة وهي تغلق الباب خلفه بالمفتاح قبل أن تتحرك لتقذفه من النافذة ..
ينعقد حاجباه بقوة من مغزى حركتها لكنها تضحك ضحكة عالية غير متزنة وهي تلوح بذراعيها هاتفة :
_محدش فينا هيخرج من هنا ..
ثم غمزته بحركة كانت لتبدو شديدة العبث لولا هذا الموقف الغريب الذي هما فيه :
_أنا وانت ..وبس ..إلى مالا نهاية !
ينعقد حاجباه أكثر وهو يحاول تذكر هذه الملامح ..
شعرها الغجري الثائر بلونه المصبوغ ..
عيناها المكحلتان بإفراط ..
شفتاها المزينتان بطلاء ذهبي لامع يمنح طلتها المزيد من الشراسة خاصة مع هذه الظلال الدخانية السوداء حول عينيها ..
وأخيراً ..ثوبها شديد القصر الذي بالكاد يغطي مفاتنها ولا ترتدي سواه !!
_شكلك مش فاكرني ..وهتحتاج أفكرك !
تقولها بهذه النبرة الشرسة التي خالطها الآن طيف من المرارة ..
لكنه يتمالك نفسه ليقول بنبرته المهيمنة :
_قبل أي حاجة ..همسة ويمنى يرجعوا ..وبعدها هاعمللك اللي انتِ عايزاه ..
ضحكتها العصبية العالية تقاطع عبارته وتستمر للحظات كاد يفقد فيها أعصابه ..
لكنه حافظ على برود ملامحه بينما تقدمت هي منه بخطوات بطيئة :
_مش تقعد الأول؟!
قالتها وهي تجذب له كرسياً خاصاً ذا ظهر طويل فعاد ليرمقها بنظرة طويلة متفحصة قبل أن يجلس ..
هنا تحركت هي بخفة تدور حوله لتتناول ما رفعته أمام عينيه ..
وارتجفت له روحه بقسوة ..
"أساور معدنية"!!
_تسمح لي؟!
تهمس بها بإغواء وهي تنحني بجذعها مقتربة منه ليشيح بوجهه عنها باشمئزاز أثارها لتعاود الاستقامة بجسدها قائلة بصرامة شرسة مفاجئة :
_اقلع قميصك !
احمر وجهه بغضب وهو يقبض كفيه جواره ..
يكاد يقسم أن هذه المرأة أمامه ليست متزنة ..
لكن ..ما حيلته ؟!
حياة همسة والرضيعة على المحك !!
_انت أذكى من إنك تعترض ..راجل سوق زيك عارف أكيد امتى يقبل الخسارة .
كز على أسنانه بغضب وكل كلمة قالتها تبدو وكأنها تجلده به ..
الخسارة !!
هذا العلقم الذي ملأ كأسه أخيراً ليتجرعه قطرة قطرة !!
لهذا لم يفكر كثيراً وهو يحل أزرار قميصه محاولاً فهم ما ترمي إليه بما تفعله ..
هل تنتوي تعذيبه ؟!!
ماذا لو باغتها الآن ليغلبها بقوة جسده مجبراً إياها على البوح بما تعلمه ؟!!
لكن يبدو أنها قرأت أفكاره عندما تحركت لتتناول جهازاً لاسلكياً ما رفعته أمام وجهه :
_بياخدوا مني إشارة بكلمة سر كل ساعة ..لو ما وصلتلهمش في معادها ..هيقتلوهم الاتنين ..نصيحة بلاش تغامر !
عاد يكز على أسنانه بغضب وهو يلقي قميصه جانباً لتقترب هي منه بخطوات بطيئة قاتلة قبل أن تقيد معصميه خلف ظهره لتهمس جوار أذنه :
_كده بقا ممكن نتعرف ..عارفة إنك عايز تفتكرني ..
أدار وجهه نحوها بسرعة لتلتقي عيناهما على هذا القرب ..
فيلمح عبر شراسة نظراتها هذه المرارة الممتزجة بالألم ..
هل آذاها إلى هذا الحد ؟!
ولا يذكر أيضاً ؟!
إلى هذا الحد كان بشعاً ؟!!
لكنها الآن كانت أكثر بشاعة وهي تفاجئه بتقييد قدميه كذلك إلى الكرسي قبل أن تستقيم بجسدها لاهثة الأنفاس :
_عظيم ..كده نبدأ الحفلة !
قطرات من عرق خفيف تتجمع على جبينه وهو يشعر بالإهانة التي لم يذقها رجل مثله من قبل ..
لكن هذا لم يكن أسوأ عذاباته ..
بل مزيج شعوره بالقلق والذنب!!
لهذا راقبها بتوجس وهو يراها تتحرك نحو المطبخ المقابل قبل أن يدرك مرادها وهو يراها تفتح مكابس الغاز!!
وجهه الشاحب لم يكن يخشى النهاية فقد كان يتوقع شيئاً كهذا منذ وافق على القدوم هنا ..
لكن قلبه سقط بين قدميه رعباً عندما وجدها تقترب أخيراً لترفع الجهاز اللاسلكي الذي لوحت به بإشارة ذات مغزى قبل أن تلقيه من النافذة التي أغلقتها بإحكام خلفها هاتفة :
_هنموت سوا ..بس الأقسى من إنك تموت إنك هتعيش الدقايق اللي فاضلة وانت مش عارف مصير أختك .
صرخة هائلة يطلقها وهو يحاول تخليص نفسه من قيوده ..
صرخة قابلتها هي بضحكة عالية مختلة جعلته يطلق عدة سبابات متوالية وتهديدات بدت هزلية في موقفه هذا ..
_كده بقا ممكن نتعرف ..فاكر دي ؟!
تقولها وهي تستخرج من جيب قميصها صورتها الأثيرة لتضعها أمام عينيه ..
بزي تخرجها اللامع ..ابتسامتها البريئة ..حجابها المتحفظ ..عيناها المشعتان بالأمل وحب الحياة ..
هو الآن يذكرها ..
لكن أين تلك من هذه ؟!!
هذه التي تقف الآن أمامه كنار تحرق من حولها وتحترق قبلهم !!
هذه التي تشير الآن لجسدها شبه العاري لتقول بنبرة ميتة ..ميتة تماماً :
_فرق كبير ..صحيح ؟!!
يشيح بوجهه عنها وهو يشعر بدقات قلبه تتقافز حد الألم ..
حد الجنون ..
هل هناك أقسى من أن يواجه المرء مسخ ذنوبه وجهاً لوجه ؟!!
لكنها تحكم قبضتها على فكه لتدير وجهه نحوها هاتفة بشراسة عادت تجتاح كلماتها :
_ما تشوف يا صياد ..الفرق بين صورتين ممكن يعمل إيه !!
تقولها ثم تشير لجسدها الذي تغير لونه في بضع مواضع وحمل بعض الندوب في أخرى لتردف بنبرة شاردة غارقة في المزيد من الألم :
_بنت حلوة مؤدبة على أد حالها وقعت في طريقها ..شافت فيك الأمير اللي هيخطفها على حصانه ..صدقت كلامك وقالت تقرب ..تجرب ..تخطف الحلم اللي مد لها دراعاته ..لكن الصياد مالوش عزيز ..والصيد عنه كيف ومزاج ..وساعة الجد فص ملح وداب ..ولما جت ساعة العتاب قلتلي طمعانة فيك ..وإن اللي زيي مقامها ليلة وورقة عرفي ..
يغمض عينيه بألم والتفاصيل الدقيقة التي لم تذكرها تتوالى على ذهنه تباعاً ..
تجلده بسياط الندم ..
هل كان حقاً بهذه البشاعة ؟!!
مهلاً ..مهلاً ..
لايزال السيل يعلو أكثر وأكثر ..
_مشيت وسبتني وراك ..عيطت ليلة اتنين تلاتة ..وقلت هانسى وهابدأ من جديد ..قلت باب القلب ده نقفله وأفوق لأبويا اللي مالوش غيري ..أفرحه الفرحة اللي عمري ما هاعرفها ..ماعملتش حسابي إن السكينة اللي غرستها انت في قلبي لسه مااتشالتش ..لسه بذرتها كانت موجودة ..يوم عادي رحت فيه مشوار ..دخت ووقعت في الشارع ..أبويا جري ع المستشفى اللي نقلوني فيها ..وهناك سمع الخبر ..بنتك حامل يا حاج ..بس ..ماسمعش حاجة تانية بعدها ..قلبه وقف زي دنيتي بعدما خاب أمله فيا ..
حلقه يجف أكثر وهو يكاد يرجوها التوقف ..
أي وزر هذا الذي عاش يحمله طوال هذه السنوات دون أن يدري؟!
أي عقيدة غاشمة اعتنقها وهو يحترف صيد مالا يحل له ؟!!
وأي عقاب ينتظره بعد كل هذا ؟!!
رائحة الغاز تصله الآن بوضوح ليدرك قرب النهاية بينما تعاود هي الالتفات نحوه لتقول بنبرة عادت إليها شراستها :
_قتلت ابني بإيدي قبل ما يشوف الدنيا ..كان لازم أوصل وأبقى راسي براسك عشان أعرف أنتقم ..عملت كل حاجة ممكن تتعمل ..بعت اللي ماكانش حيلتي غيره ..انت حطيتني على أول طريق وأنا كملته للآخر ..وبقيت فيه أستاذة !
كلمتها الأخيرة تختلط بسعالها ورائحة الغاز تنال منها هي الأخرى ..
لكنها تشير أخيراً لندوب جسدها قائلة :
_كنت بصبر نفسي إن كل ضربة هاخدها بعدك هردهالك في يوم م الأيام ..كنت براقبك من بعيد لحد ما عرفت رامي ..سافل بس غبي ..هو اللي عرفني مداخلك وقاللي على أختك ..قاللي كمان على طليقته اللي كنت عايز تتجوزها ..اتفقنا سوا ..بس قبل ما أنفذ انتقامي كان لازم أدوقك الخوف ..أخنقك بيه ..عرفت مين كان بيضرب عليك نار بس من غير ما يقتلك ؟! مين دوقك طعم الموت قبل ما تشوفه بعينك ؟!
سعالها يزداد مع اشتداد رائحة الغاز فتضحك ضحكة مختلة سبقت قولها:
_متعة! إحساسي بخوفك كان متعة ..بس خلاص تعبت ..تعبت وعايزة أرتاح يا صياد !
_آسف!
يقولها صادقاً عبر غلالة من ندم حقيقي لتضحك ضحكة ساخرة سبقت فيضاً من دموع رافق صراخها بعدها:
_آسف؟! آسف دي هترجع لي أبويا؟! شرفي؟! عمري؟! هترجعلي نفسي؟!
يغمض عينيه بوجع كان يمزق الآن كل خلية من جسده خاصة وضحكاتها المختلة تعاود شق سمعه :
_مابقيتش فقيرة وطمعانة ..عارف بقى عندي أد إيه ؟! عارف تليفون مني ممكن يوصلني لفين ؟! الروس اتساوت يا صياد ..والطريق كان صعب قوي بس ..سهل قوي!!
يحاول فتح عينيه لكنه يعجز عن فعلها ..
ما عاد قادراً على مجابهة هذا المسخ الذي صنعته يداه ..
الوحش الذي أطلقه هو من عقاله ..
طيف شاحب لياقوت يداعب خياله فيحمد لنفسه أنه لم يؤذها كما فعل بمن سبقنها ..
على الأقل خرجت هي من عالمه ناجية !!
صرخة عنيفة يطلقها وهو يشعر بلسعة سوط مفاجئة على صدره !!
هذه التي أجبرته أن يفتح عينيه ليجدها أمامه تمسك السوط بقبضتها المرتجفة وصوتها يتقطع بسعاله :
_عايزة آخر حاجة أسمعها ..قبل ما نموت ..صوتك وانت بتصرخ ..صرخ قوي ..علي صوتك ..يمكن النار اللي في قلبي تبرد !
كلماتها تنتهي بضربة أخرى ..ثم أخرى ..
لكنه تحكم في صرخاته لتنفجر شظاياها بداخله ..
تنسف جبال غروره واحداً تلو الآخر ..
أنفاسه تختنق بهذه الرائحة التي تحمل نكهة الموت فيسعل بدوره مدركاً قرب النهاية ..
ليشعر بها أخيراً تترنح فيرفع وجهه نحوها ليتهاوى جسدها أمام عينيه ..
يراها من علوّ ترفع عينيها الشاحبتين وقد ظللتهما غمامة الموت ..
تبتسم وكأنها ترى أحدهم وتحادثه بما بدا كالهذيان :
_خدت تارنا ياابا ..راضي عني ؟! مش عايزة أقابلك وانت زعلان !!
ابتسامتها تذبل كعينيها اللتين أغمضتهما أخيراٌ بينما تقبض بكفها على السوط كأنما تعلن اختيارها النهائي الذي دفعت ثمنه ..الانتقام !!
يشعر بقبضة باردة تعتصر قلبه وأنفاسه هو الآخر تتلاحق بجنون ..
كان يتوقع أنه لن يخرج من هنا حياٌ لكنها قتلته حقاً قبل أن يموت!!
قتلته بهذه الصورة التي منحتها له في مرآة ضميره ..
وليتها لم يفعل !!
رأسه يتثاقل وهو يشعر أنه يجاهد لالتقاط أنفاسه ..
لكن عذابه الحقيقي هاهنا كان في تمزقه بين صورة هذه التي لفظت أنفاسها أمامه ..
وبين قلقه على همسة ويمنى أن يحملهما ذنبه لنفس المصير !!
المرئيات تتشوش في عينيه ليوقن أكثر من قرب النهاية ..
ياقوت ..
يهمس باسمها متذكراً آخر قبلة طبعها على أناملها ..
أسطورته التي ود لو يعيش حتى يكتب لها المزيد من الحكايات ..
صوت طرقات عنيفة على الباب يجتاح سمعه لكنه لا يجد القوة ليصرخ ..
يشعر بمن يقتحم المكان لكنه يغرق في نوبة أخرى من السعال قبل أن يميز عبر غيابات ذهنه وجه رائد ينحني فوقه بجزع ..
تساؤله القلق يقفز عبر مقلتيه ولا يملك النطق به لكن رائد يمنحه نظرة مطمئنة وهو يفك قيد معصميه ..
ليتهاوى رأسه فوق صدره مستسلماً لغيبوبة إجبارية يدرك أنه -لو أفاق- منها فلن يعود أبداً كما كان ..
الصياد كفر بعقيدته ويطلب اعتناق أخرى بعد تطهير ..
الآن فقط نسفت جباله حوله كاملة لتذروها الرياح هباء منثوراً ..
========
انتهى الفصل التاسع عشر ..
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الأربعون 40 - بقلم سينابون
القطعة الثامنة عشرة
======
_غادة !
تهتف بها إيناس بلهفة وسط دموعها وهي تلتقي بالأخيرة في مبنى النيابة لتعانقها بقوة وجسدها ينتفض ببكائها ..
فيما بدت غادة متماسكة تماماً وهي ترفع رأسها نحوهم ..
علاء بنظراته الحنون المحتوية ..
هانيا بنظراتها ذات الحمية ..
رامز بنظراته الداعمة ..
إسلام بنظراته المشفقة والذي لم يتركهم لحظة منذ سمع الخبر ..
وأخيراً سيف الذي بدت نظراته مزيجاً من هذا كله ..
وإن اتشحت كعادتها بخليط "الذنب والحب"!!
_اتكلمي يا غادة ..قولي الحقيقة كلها ..قولي اللي كان بيحصل من زمان وافضحيه قدام الدنيا كلها.. مادام البجح بيتهمك إنك زقيتيه عشان ظبطك بتسرقي فلوسه !
تهتف بها هانيا بحميتها المعهودة وبسخط له ما يبرره بعد الأحداث الأخيرة ..
فالرجل الذي أثرت به السقطة لتصيبه بشلل في أطرافه لم يعتبر بما كان ..بل وجدها فرصته للانتقام منها واتهامها زوراً ..
_ما تخافيش يا بنتي ..احنا وكّلنا محامي كبير وربنا أكبر من الكل .
يقولها علاء بنبرة متهدجة وقد بدت ملامح الهرم على وجهه فجأة فلم يكن مصابه بها هي بالذات سهلاً وقد اعتبرها حقاً ابنته ..
_المشكلة إن مفيش دليل على كلامك ..مفيش أي دليل ..كلمتك قصاد كلمته ومفيش حاجة ملموسة نثبت بيها اللي حصل ..خصوصاً إن والدتك ..الله يرحمها ..
قطع إسلام حديثه بعجز وهو يهز رأسه محاولاً العثور على مخرج ..
لكن ابتسامة غادة الواثقة قابلت كل عباراتهم بقوة مستحدثة لا تدعيها ..
قوة ناسبت قولها بعدها وأناملها تداعب "دبلة أحمد" في إصبعها بحركتها المعهودة التي عادت تشعر بحاجتها إليها الآن :
_أنا مش خايفة ..أنا عملت اللي كان المفروض أعمله من زمان ..وأي نتيجة هاقبلها مهما كان الوضع ..
تقولها وهي تتذكر بيت المكعبات القديم ..
رائحة الفراولة الخانقة ..
الأرنب المذعور الذي ربته في صدرها عمراً ..
لكن كل لم يعد له وجود !!
هي قهرت عقدتها القديمة والحادث الأخير خير برهان ..
لكن نبرتها ارتجفت نوعاً وهي تطرق برأسها لتخونها دموعها باستطرادها :
_أنا بس صعبان عليا الست اللي ماتت بقهرتها وهي شايفة المنظر ده قدام عينيها .
تبادلوا جميعاً نظرات مفعمة الانفعالات وهم يدركون صعوبة الموقف الذي عاشته ..
خاصة ودموعها تفضح هشاشة حقيقية وسط هذه القوة التي تحاول التشبث بها أمامهم !
هنا تقدم سيف الذي كان محافظاً على صمته كعهده منذ بدأ الحوار ليقترب منها أكثر ..
كفه يمتد ليحتضن راحتها اليسرى بحركة أجفلتها لترفع عينيها أخيراً نحوه ..
"الحزن الأخرس" في حدقتيه كان يتوهج
الآن بألف مشعل ..
يصدح بألف جرس ..
لكنه كان يمتزج بإعصار عاطفة هادرة لا يبقي ولا يذر...
جسدها يرتجف لا عن وهن ..
فلم تكن لتسمح لهذه الكلمة أن تغزو قاموسها أبداً من جديد ..
لكنه شعورها بحركة أنامله الصامتة على كفها ..
تنزع عنها "دبلة أحمد"!!
عيناها تتسعان بصدمة أكبر والسؤال فيهما لا يحتاج لجواب ..
_أنا عارف هي بالنسبة لك إيه ..بس لو ماكنتش أد حركة زي دي مكنتش عملتها .
بصوته الرجولي القوي يقولها فتشعر وكأنما منحها أمان العالم كله في كلمات !!
خاصة عندما مسدت سبابته موضع الدبلة في بنصرها مع استطراده بنفس القوة :
_وعد مني هتخرجي من هنا بأقرب وقت ..ولو كانت دي آخر حاجة هاعملها في حياتي .
عيناها تمتلئان بالدموع وقلبها يخفق داخل صدرها بجنون ..
عبارته لم تكن مجرد حمية رجولية ..ولا حتى موقف شهامة ..
بل كانت مع هذه النظرة "الثمينة" في عينيه أبلغ اعتراف حب سمعته !!
لهذا انفلتت منها أنّة خافتة وهي تراقب دبلة أحمد التي استقرت في راحته بنظرة عميقة ..
قبل أن تعاود رفع عينيها إليه لتتلقى عهود عشقه واحداً واحداً ..
الكون كله بدا وكأنه خلا إلا منهما ..
لم يقل أحبك لكنها سمعتها حرفاً حرفاً ..
تذوقتها قطرة قطرة ..
حتى كفها الذي تركه أخيراً بدا وكأنه لن ينسى لمسته هذه للأبد ..
لمسة منحتها صك ملكيته ..وانتهى الأمر !
======
_هتروح فين يا سيف؟! روح ياابني ارتاح شوية .
يسأله علاء باهتمام عقب انتهاء لقائهم بغادة ليرد سيف بعزم :
_روّحوا انتم يا عمو ..رامز هياخدكم عندنا في البيت على ما بال ما ارجع ..
_برضه ماقلتليش رايح فين !
يعيدها بقلق ليرد سيف بشرود :
_لازم أدور على دليل يبرأ غادة ..أكيد الحكاية مش هتخلص كده .
_أنا جاي معاك .
يقولها إسلام مؤازراً وهو يشد على كتفه ليرمقه سيف بنظرة مترددة لكن إسلام هز رأسه قائلاً بنبرة مازحة لعله يخفف أجواء التوتر الجاثمة عليهم جميعاً :
_ما وحشكش جو "لوريل وهاردي" ؟! مش كنت دايماً أنا المخ وانت العضلات ؟!
ابتسامة شاحبة تطوف على شفتيه وهو يربت على كتف صديقه ليرمقهما علاء بنظرة راضية لم تخلُ من قلق قبل أن يلوح لهما بسبابته قائلاً:
_ما تعملوش حاجة من ورايا ..وانا من ناحيتي هاخللي المحامي يشوفلنا سكة مع الرجل الندل ده ..لو ديّته فلوس ياخدها ع الجزمة ويسيب بنتنا في حالها .
يهزان رأسيهما بموافقة قبل أن يتحركا معاً نحو سيارة إسلام التي استقلها ليركب سيف جواره فيبادره الأول بقوله :
_جه في بالك نفس اللي فكرت فيه ؟!
_اللي هو إيه ؟!
يسأله سيف بحذر ليرد إسلام وهو يركز بصره في الطريق :
_من كلام غادة الموضوع كان فيه شد وجذب وصريخ ..أكيد حد من الجيران سمع حاجة !
احمر وجه سيف غضباً وهو يقبض كفيه جواره بينما يكز على أسنانه بقوة ..
كلما تخيل بشاعة الموقف يكاد يسيطر على نفسه بصعوبة كي لا يذهب للرجل ويقتله بنفسه !!
والأدهى أنه اكتشف أنه كان يستغلها منذ طفولتها ..
الحقير!!
هذا إذن سبب بعدها عن والدتها !!
سبب سفرها بعيداً وعدم رغبتها في العودة لبلدها !!
وهو الذي كان يسأل نفسه عن سر هروبها غير المعلن لتعيش مع علاء وإيناس تاركة أسرتها !!
_عمي علاء بيقول إنك مغرمة
بالأرانب ...اشمعنا الأرانب مش الخيل مثلاً؟!
_يمكن عشان عشت فترة طويلة من عمري أرنب ...خايف ...ضعيف ...بيهرب ويستخبى .
_وما عدتيش.
_وما عدتش !
يتذكر هذه المحادثة بينهما أول ما التقاها ليفهم الآن ما كانت تعنيه ..وتعانيه !!
عيناه تدمعان قهراً وهو يود لو يعود بها كل هذه السنوات ..
لو يضمها لصدره ..يحميها بين ذراعيه فلا يصيبها أي سوء ..
لو يخفيها عن العالم كله فيغرقها تدليلاً ينسيها عذاب كل هذه السنوات !!
لو ..لو ..
ألف وعد يقسم لنفسه أن يحققه لها فقط لو يخرجها مما هي فيه!!
_أنا عارف إن الوضع صعب بس يمكن ده امتحانك الحقيقي معاها ..غادة تستاهل تحارب عشانها ..وانت محتاج تحس إنك عملتلها حاجة ..يمكن ساعتها عقدتك بالذنب تخف !
يقولها إسلام بحسن درايته بصديقه ليلتفت نحوه سيف بنظرة عميقة اختصرت كل
كلامه كعادته..
قبل أن يربت على كفه مكتفياً بصمته طوال الطريق ..
يصلان أخيراً للبناية حيث موضع الحادث ثم يترجلان من السيارة ليصعدا الدرج نحو الطابق المنشود ..
الشقق كلها خالية للأسف من ساكنيها ..
إلا الشقة المقابلة لشقة زوج أمها !
هذه التي طرقها سيف بقوة ليزيحه إسلام جانباّ مع همسه :
_بلاش بعضلاتك دي تاخد الطلعة الأولانية محدش هيفتح لنا ..سيبني انا شكلي غلبان !
ابتسم سيف ابتسامة شاحبة وهو ينفذ له رغبته ليرسم إسلام ابتسامة دبلوماسية على وجهه وهو يعاود الطرق ..
امرأة متوجسة الملامح تفتح له الباب وخلفها ابنتاها ..
فتاتان بسن المراهقة ترمقانه بفضول ..
_كنت عايز أسأل حضرتك عن حاجة بخصوص الحادثة اللي حصلت .
يقولها إسلام بنبرة مهذبة لترتعد ملامح المرأة وهي ترمق ابنتيها بنظرة خائفة سبقت قولها :
_ما شفتش حاجة ..اللي اعرفه قلته في النيابة !
تقولها وهي تهم بإغلاق الباب من جديد ..
لكن سيف يتحرك ليعاود فتحه هاتفاً بحزم أضفى المزيد من الهيبة على هيئته الغليظة :
_خللينا نتكلم ..أنا متأكد إنك شفتِ أو سمعتِ غادة ع الأقل وهي بتصرخ .
_ما سمعتش وماشفتش !
تقولها المرأة بعصبية تنفي صدقها لكن ابنتيها تقدمتا منها لتنظرا لها نظرة خاصة ..
نظرة بدت وكأنها لمست شيئاً ما بداخلها جعلها تتراجع لتفسح لهما الطريق كي يدخلا وتغلق الباب خلفهما ..
تشير لهما بالجلوس ثم تجلس بدورها لتفرك كفيها قائلة بتوتر:
_أنا عندي بنات والراجل ده مفتري ومحدش هايقدر عليه .
_وعشان عندك بنات يبقى المفروض يصعب عليكِ وضع غادة ..ذنبها إيه ؟!
يقولها إسلام برفق محاولاً السيطرة على غضب سيف الذي قد يفسد الأمور ..
عادت المرأة تتبادل مع ابنتيها نظرات قلقة ..
لتعاود قولها بتردد :
_احنا طول عمرنا عايشين جنب الحيط ..لا بنحب نعمل مشاكل ولا نيجي ناحيتها .
هنا تحرك سيف ليتقدم بجذعه نحوها وعيناه الدامعتان تتناقضان بغرابة مع مظهره المهيب:
_أنا جاي من السفر عشان غادة ..كل يوم بلعن نفسي عشان اتأخرت عليها ..لولا ترددي وجبني كان زمانها دلوقت معايا ومحدش قدر يأذيها ..
ثم ارتجفت نبرته أكثر وهو يبتلع غصة مريرة في حلقه ليردف :
_أنا خسرت مراتي قبلها وراحت مني برضه بسببي ..أرجوكِ ماتخلينيش أعيش نفس الحكاية مرتين ..لو تعرفي حاجة قوليها ..مابقوللكيش اكدبي ..بس اشهدي بالحق ..كلمتك مش هتنقذ غادة وبس ..هتنقذ كام روح تانية متعلقين فيها ..أرجوكِ !
دمعت عينا المرأة من صدق اللهجة المعذبة التي كان يتحدث بها ..
بينما ازدرد إسلام ريقه بتوتر وهو يكاد يقسم أنه لم يسمع سيف يتحدث بهذه الطريقة من قبل ..
حتى عن انجيل !!
دوماً كان صموتاً كتوماً ككهف غائر متشح بغموضه ..
لكن أن يفيض بركان بوحه هكذا وأمام امرأة غريبة عنه ليحاكيها بما يشبه الرجاء فهو يعني أن شعوره نحو غادة بلغ حداً لم تصل إليه امرأة قبلها !
_قولي يا ماما ..ماتخافيش !
تهتف بها أحد الفتاتين لتحسم المرأة قرارها وهي تحكي لهما ما رأته عيناها ذاك اليوم عبر نافذة المطبخ لديها والتي تطل على
صالة بيت الرجل قبل أن تنهي حديثها بقولها :
_طول عمره مفتري وعينه زايغة ..ده أنا منبهة ع البنات لو شافوه ع السلم ما يطلعوش ..ولا حتى السلام منه يردوا عليه !
تبادل إسلام وسيف نظرات ارتياح نسبية قبل أن يعود إليها سيف ببصره قائلاً بنبرة راجية :
_هتشهدي بالكلام ده ؟!
تعود المرأة لترددها قليلاً وقد غلبتها طبيعتها الجبانة قبل أن تحسم أمرها بنظرات ابنتيها لها ..
لتقول أخيراً بحسم :
_هاشهد !
=======
يدخل شقته أخيراً سامحاً لنفسه ببعض الراحة ..
يروي لعلاء وإيناس ما حدث باقتضاب قبل أن يعود إلى غرفته ..
يغلق بابها خلفه لتتعلق عيناه بفراشه ..
هذا الذي توجهت نحوه خطواته قبل أن تتحسسه أنامله برهبة قدسية وهو يتخيلها هنا ..
هنا ؟!
هي كانت هنا ؟!!
جسده يشتعل بحرارة عاطفته المتقدة نحوها وقلبه يبدو وكأنه لن يستعيد اتزان خفقاته إلا بها ..
يخلع عنه قميصه ليلقيه جانباً بإهمال فيفاجأ بالصوت المعدني لارتطام شيء ما ..
ابتسامة واهنة ترتسم على شفتيه وهو ينحني ليتناول دبلة أحمد يقلبها بين أنامله برهبة مستشعراً قيمة أن تكون الآن معه هو ..
قبل أن يستخرج ميداليتها من جيبه بكفه
الآخر ليقرأ ما نقش عليها بصوت عالٍ :
_حتى تحترق النجوم .
يغمض عينيه وكفاه يضغطان ما بهما بقوة ..
يتشبث بهما تشبثه بالحياة نفسها ..
قبل أن يعاود فتح عينيه لتدورا على مكتبته ..
شيء آخر مشترك جمع بينهما يوماً ويقسم أن لن يكون الأخير ..
جسده المتهالك يتهاوى أخيراً على فراشه ولايزال كفاه متشبثين بغنيمتيهما ..
جفناه ينسدلان رغماً عنه بتعب بعد بضعة أيام لم يذق فيها طعم النوم ..
ابتسامة واهنة تغزو شفتيه بين يقظة ومنام وهو يمد ذراعيه ليحتضن وسادة يتخيل فيها رائحة عطرها ..
وبضع خصلات نبيذية تتراقص بدلال على كتفه هو ..
وشفتين مكتنزتين تهمسان له أحبك ..
فيردها لها عشراً ومائة ..بل وألفاً !
=====
ترمق داليا ملامحه النائمة بهيام امتزج ببعض الدهشة وسبابتها تدور على وجهه كأنها ترسمه ..
هل هذا هو "الأصلع القبيح" الذي صرخت يوماً بكراهيتها له ؟!
كيف صارت نفس الملامح تحمل لها دفئاً لذيذاً يرج قلبها بهذا الصخب ؟!
كيف صارت تعشق أن تستيقظ قبله لتملأ عينيها من هذه القسمات التي تبدو لها كقطعة من الجنة ؟!
تتنهد بهيام وهي تميل ببطء نحوه لتطبع هدية ناعمة على وجنته قبل أن تتحرك ببطء لتغادر الفراش نحو المطبخ ..
ستعد له اليوم فطوراً مميزاً ..
وصفة تعلمتها من ياسمين وتأمل أن تفلح ...
تفتح الثلاجة لتستخرج بعض محتوياتها وتضعها جانباً ..
الوصفة كانت لنوع من المعجنات المحشوة
بالجبن ..
لهذا شعرت بالارتباك وهي ترى العجين قد التصق بكفيها أول الأمر قبل أن تحاول تحريرهما منه ..
_هي قالت بنعجن بمية واللا زيت ..يكونش لبن ؟! هاحط كله ..وهو ورزقه بقا !!
تحدث بها نفسها بصوت مسموع وهي تشعر بفخر مستحدث من دخولها المطبخ للطهي ..
_ونحشيها كده...ونلفها كده...وندخللها الفرن ..لا لا ..اصبري ..
تهتف بها لنفسها من جديد بصوت عال قبل أن تحاول التذكر ..
_بنسيبها تخمر الأول يا فالحة !
تقولها أخيراً باستحسان وهي تغطي الوعاء لتضعه جانباً قبل أن ترتدي مريولة المطبخ الحمراء المنقطة بالأبيض لتتوجه نحو الحوض القريب تغسل ما اتسخ من الأواني ..
لتبدأ في الدندنة :
يا هناه اللي هترضي عليه ويا بخته اللي تعيش ليه
تلاقيه شاف الايام ورد وقت ما عينيك بصوله
يا هناه اللي هترضي عليه ده انت بكلمه تخليه
غير باقي الناس وعايش احساس حب علي أصوله
يا هناه اللي انت بتبقي معاه
والناس جنبك شايفاه
واحن كلام يتقال وياه
يا هناااااااه
كانت تغنيها بصوت منخفض نسبياً لكنها اندمجت مع اللحن لتنطق "هناه " الأخيرة بصوت عالٍ جداً لتفاجأ بكفه على رقبتها يجذبها نحوه مع صوته المتحشرج بأثر النوم :
_قلتلك كام مرة ما تغنيش في المطبخ ..ما تغنيش عموماً !!
فتضحك وهي تتأوه بدلال من ضغط كفه على رقبته هاتفة :
_لزومه إيه بس "قفا المخبرين" ده ع الصبح ..وبعدين أنا بغنيلك يا حبيبي!
_صوتك وحش يا داليا ..قلتلك ألف مرة صوتك وحش .
يقولها مشاكساً وهو يداعب جبينها بجبينه لتهتف باعتراض:
_هتقوللي زي يامن إن صوتي مسرسع؟! وبعدين انت مش بتحبني يبقى تستحملني؟!
_طب أنا بحبك ..وداني وودان الجيران في المناطق المجاورة ذنبهم إيه ؟!
يهتف بها بنفس النبرة المشاكسة لتشهق بغضب طفولي وهي تبتعد عنه لتحلق خصرها بكفيها هاتفة :
_هي دي رومنسية شهر العسل ؟! اروح بقا للعاشق المجهول يدلعني مادام طالبة مع سيادتك رخامة !
فتجلجل ضحكته عالية وهو ينزع عنها مريولة المطبخ ليضمها نحوه ثم يرفعها عن
الأرض فتحلق ساقيها حول خصره كطفلة ..
بينما هو يهمس أمام شفتيها بدفء مشاكس:
_يعني ماطلعتش رومنسي ؟! خيبت أملك قوي ؟!
تنساب عطايا عشقه بعدها على بشرتها سخية ناعمة ..ثم هادرة مشتعلة لتطلق همهمة خافتة تسبق همسها جوار أذنه :
_مش قوي ..يعني ييجي منك .
يشدد ضغط ذراعيه حولها فتتأوه بدلال لتضحك وهي تحرر نفسها من بين ذراعيه لتهبط بقدميها أرضاّ وهي تتوجه نحو الوعاء القريب هاتفة بنزقها المعهود :
_هاعمللك فطار يهوس ..بكرة أنافس ياسمين بمطعم جديد .
_ياخوفي! هي الطوارئ في مستشفى إيه النهاردة ؟!
يهتف بها مشاكساً من جديد وهو يقترب منها لترفع هي الغطاء من على القدر فتفاجأ بالعجين قد تخمر بأكثر مما توقعت حتى التصق بالغطاء..هل وضعت الكثير من الخميرة ؟!!! أين الخطأ؟!
تحاول تخليص العجين من الغطاء فيلتصق بكفيها لتطلق سبة عالية سبقت هتافها العصبي الذي زاده صوت ضحكاته :
_بطّل ضحك وامشي دلوقت على ما أشوف اللي في إيدي .
لكنه تقدم أكثر ليضع كفيه معاً في العجين ثم يحاول التعامل معه هاتفاً :
_الدقيق قليل يا شيف ..عشان كده العجينة ملزقة ..انتِ واثقة م المقادير ؟!
نظرتها المذنبة الطفولية منحته الجواب ليطلق ضحكة عالية وهو يلطخ وجنتيها بقطعة من العجين هاتفاً :
_انتِ مش بتاعة مطبخ ..الكار ده مش كارك يا بنتي ..ياللا ياللا البسي وتعالي أفطرك بره !
تحركت نحو الحوض القريب كي تغسل كفيها لكنه تولى هذا بنفسه في حركة مراعية حنون مستها وأنامله تشتبك أخيراً بأناملها ..قبل أن ينتقل لوجهها يغسله كذلك ..
لتلتفت نحو وجهه القريب منها هامسة بمزيج دلالها وعاطفتها :
_هتفضل تدلعني كده لحد امتى ؟!
_لآخر يوم في عمري ..يا مجنونة .
يقولها وهو يجفف كفيها ووجهها بمنشفة قريبة لتمط شفتيها باستياء هاتفة :
_برضه مجنونة ؟!
لكنه أحاط وجهها براحتيه قائلاً بنبرة مرحة :
_وانتِ فاكرة يعني اني اتولدت عاقل كده ؟! طب اقوللك حاجة ..وانا صغير كنت فاكر إن "الكوليسترول" دي بلد ..وان جملة "خالي من الكوليسترول"اللي بتتكتب دي واحد هو اللي كاتبها وبيتفشخر إن خاله من بلد الكوليسترول ..آه بجد ..وكنت كل مااشوف حاجة مكتوب عليها كده اتغاظ وارميها في الزبالة ..واقول المغرور ده مايستاهلش نشتري منه حاجة ..وماما تستغرب الحاجة بتروح فين ..ماتعرفش ان عندها عاهة في البيت !
كانت ضحكاتها تجلجل مدوية مع كل كلمة يزيدها ..
فيجد صداها في قلبه العاشق ليشاركها إياها للحظات قبل أن يتنهد وهو يضم رأسها لصدره هامساٌ بجدية:
_عارفة يا داليا ؟! في يوم من الأيام ضحكتك دي بس كانت أكبر حلم عندي ..
ثم رفع ذقنها نحوه ليعانق عينيها بنظرات فاضت غراماٌ مردفاً :
_كل مرة بتبقي في حضني ببقى حاسس إني خلاص ماعدتش عايز حاجة من الدنيا ..انتِ بنتي وحبيبتي وصاحبتي ..متزعليش لما أقوللك مجنونة ..انت ألذ وأجمل مجنونة في الدنيا كلها ..اوعي..اوعي تعقلي أبداً !
همساته تنقطع بين شفتيها لتتعلق بعنقه بكل قوتها مستشعرة دفء هذه العاطفة التي لم تحلم بمثلها يوماً ..
تشعر به يحملها بين ذراعيه من جديد ليعود بها إلى غرفتهما ..
يمددها فوق فراشهما لتظللها أنفاسه أخيراً بينما يزيح خصلات شعرها من على وجهها ..
فتهمس معانقة نظراته المشتعلة بعاطفته :
_كل مرة ببقى عايزة أقوللك بحبك بلاقيها بتتقلب "شكراً وآسفة"..آسفة على كل لحظة من عمري ضاعت بعيد عنك..وشكراً عشان ماسمحتليش أضيع اللي باقي من غيرك .
فيغمض عينيه بتأثر من كلماتها بسيطة المعنى عميقة الأثر ..
ليقترب منها أكثر مداعباً شفتيها بسبابته :
_كنتِ بتغني بتقولي إيه بقا؟!
لكنها زمت شفتيها كطفلة غاضبة لتتذكر :
_مش قلت صوتي وحش ؟!
_عشان تحرّمي تغني في المطبخ وصوتك يعلا وحدّ يسمعه !
يهمس بها بنبرة مؤنبة ناقضت حنان
قبلاته ..
فابتسمت لتهمس بدلال عاتب:
_مش هتبطل طريقتك دي ؟! اللي ماربتوش الأيام والليالي يربيه مروان !
ضحكته الرائقة تصدح في أذنيها وهي تشعر به يغمرها بين ذراعيه متجاوزاً عبارتها .. قبل أن يصلها همسه :
_قولي بقا ..كنتِ بتغني إيه ؟!
_يا هناه اللي هترضى عليه ..ويابخته اللي تعيش ليه ..
تهمس بها بهيام لتذوب بقية حروفها بين ذراعيه وهي تتلقى جموح عاطفته لترد له عطايا عشقه بمثلها ..
عالمٌ خلف عالم يفتح لها أبوابه فتنطلق فيه حرة محلقة بحب ..
ليس يشبهه حب!
_مش قلت هنفطر بره ؟!
تهمس بها باعتراض فجأة قاطعة سحر اللحظة ..
فيزفر بقوة وهو يرتفع عنها ليقذفها
بالوسادة برفق عاتباٌ قبل أن يعود ليبثها غرامه وهمسه يتأرجح بين غيظ وعاطفة :
_مش لما نفطر جوه الأول!
======
على حافة حوض السباحة تقف بثوب سباحتها الوردي كحورية ناعمة ..
شعرها الأسود يتطاير بانسيابية حول
ملامحها الفاتنة بجمالها الطفولي ..فلا يعيب الصورة سوى عصابة عينيها !
ابتسامتها الهانئة تمنحه بعض العوض وهي تبسط راحتيها على صدره العاري فتشعر بكل خفقة يبثها قلبه نحوها ..
_جاهزة ؟!
يهمس لها بها بصوته القادر وحده على حملها لهذا العالم الذي تحبه ..
فتومئ برأسها لتتعلق بذراعيها في عنقه فيحتضن خصرها براحتيه قبل أن يبدأ في العد :
_واحد ..اتنين ..تلاتة ..
ومع الرقم الأخير يحملها ليقفز بها في الماء لتشهق شهقة عالية وهي تزيد تشبثها بعنقه ..
تشعر بالماء حولها يلسعها ببرودة منعشة فتطلق صيحة عالية تجعله يهمس بقلق:
_خايفة ؟!
وجوابها يكون أبسط ما يكون ..وأعمق ما يكون !
_أنا معاك .
فتزداد خفقاته جنوناً وهو يلصقها به أكثر ..
يدفن أنفه في حنايا عنقها يتلمس عطراً لن تشاركها فيه سواها ..
عطر براءة ممتزجة بعشقه !
_وفيت بوعدي أهه ؟! مش كان نفسك نعوم سوا .
يهمس بها وهو يحرك ذراعه حولهما سامحاً لهما بالحركة فتتجمد ابتسامتها لذكرى معينة تجتاحها خاطفة مع همسها الشارد :
_الشط ..بعيد ؟!
كلماتها تعيده لتلك الذكرى الخاصة بينهما عندما كانا صغاراً ..
على أحد شواطئ الاسكندرية تقف جواره كأجمل طفلة رآها لكنها كانت تخاف البحر ..
زين تركها ليسبح وحده فبقيت هي مكانها تراقب الموج بتردد ..
هنا تقدم هو ليمسك يدها وينزل بها إلى الماء ..
كانت خائفة أول الأمر لكنها لم تلبث أن استجمعت شجاعتها وهي تسبح جواره ..
_كفاية كده ..مش عايزين نبعد ..
قالها خائفاً عليها لكنها فاجأته بقولها المنطلق وقتها وسط ضحكاتها الصافية :
_عايزة أفضل أعوم على طول ..عايزة بحر مالوش شط ..بس خلليك ماسك إيدي .
كانت هذه أول مرة يشعر فيها بقيمته عندها قبل أن تتعمق علاقتهما بعدها يوماً بعد يوم ..
لهذا تنهد الآن وهو يبعدها برفق ليمسك بيدها بنفس الطريقة كيومها قائلاً :
_مفيش شط ..عومي زي ما تحبي يا همسة ..أنا معاكي .
ضحكتها تغرد في أذنيه صافية كما كانت يومها وهي تضغط كفه وقد بدت وكأنما تراودها الآن نفس الذكرى ..
تتحرك بسلاسة وهي تضرب الماء بقدميها ..
تدور وتدور في حلقات تمسك كفه بأحد كفيها بينما ذراعها الآخر تفتحه على آخره كأنما تحتضن به العالم كله ..
صيحاتها الفرحة العالية تملأ الفضاء حولهما كأنما تشهد الدنيا على سعادتها ..
لم تكن ترى حقيقةً أي شيء ..
لكن "عين خيالها" كانت تبصر جنة حقيقية هاهنا ..
يدها الممسكة بها تجعل ضرباتها للماء أقوى ولحن قديم يملأ أذنيها بصوته ..
ما حاجتها الآن لعينيها وهي ترى بحبه كل الصور ؟!
تشعر به أخيراً يحرر يده منها فينقبض قلبها ببعض الخوف ..
لكنه يحيط خصرها براحتيه ليعاود تقريبها منه ..
أنفاسهما تتعانق من جديد لتشعر بمذاق شفتيه على بشرتها ..
فتمد أناملها ببطء تتلمس ملامح وجهه كأنها ترسمها ..
_عايزة ..أشوفك .
تهمس بها برجاء بين "عذوبة" و"عذاب"!
ولا تدري كيف تذبحه حروفها ..
هو الذي كان الآن يتمزق برغبته فيها وهو يشعر بها بين ذراعيه أقرب ما تكون ..
وأبعد ما تكون !!
جسده كله متشنج بقوة حرمانه بينما تعاود هي رجاءها مرة تلو مرة ..
فلا يجد سبيلاً لإسكات شفتيها إلا هذه القبلة الطويلة التي غابا فيها عن العالم بأسره ..
قبل أن يشعر بها تبتعد لتمد أناملها نحو عصابتها تحاول خلعها..
_لا!
يهتف بها بجزع وهو يحيط أناملها بقبضتيه ..
لترتجف شفتاها وهي تهز رأسها للحظات سبقت نزول دموعها على وجنتيها ..
عذاب!!
عذاب!!
عذاب خالص يعيشه معها بهذه الصورة لكنه لا يجرؤ على أن يسمح لها برؤيته من جديد !!
دموعها توازي أخرى تجمعت في عينيه اللتين أغمضهما وهو يعاود ضمها نحوه ليربت على ظهرها قائلاً بنبرة متماسكة :
_كفاية كده النهارده عشان ما تبرديش .
ثم أبعدها ما يكفي ليمسح دموعها بأنامله مردفاً :
_لما ترجعي أوضتك هتلاقي هدية حلوة بتحبيها .
قالها ليقبل جبينها أخيراً بقوة قبل أن يتحرك بها من جديد ليغادرا حوض السباحة ..
تشعر به يجفف جسدها بالمنشفة قبل أن يقبل جبينها من جديد لتشعر به يبتعد من جديد ..
الخادمة تسحبها من كفها نحو الكوخ لتنزع عنها عصابتها قبل أن تساعدها في الاغتسال وتبديل ملابسها ..
تتحرك بعدها نحو مرآتها لتمشط شعرها فتستوقفها هذه العلبة الصغيرة هناك ..
ضحكة رائقة تغادر شفتيها وهي تميز محتواها لتهتف بلهفة :
_بابلز!
تفتحها بسرعة لتستخرج العصا المنتهية بحلقتيها والتي نفخت فيها لتنبعث الفقاعات الملونة حولها ..
صيحاتها الفرحة توازي قفزاتها الطفولية وهي تدور حول نفسها مطاردة فقاعاتها الملونة التي ملأت الغرفة ..
_رائد ..رائد ..بحبك !
تهتف بها وسط صيحاتها الفرحة لتجد صداها في قلبه بينما يراقبها خفية عبر النافذة بعينين مزجتا الرضا بالذنب القديم ..
قبل أن يطرق برأسه ليبتعد بخطوات متثاقلة ..
أما لهذا العذاب من آخر ؟!
=======
لم نكن لنفترق ..
ولم نكن لنلتقي ..
فبقينا كطيور محلقة في سماء أبدية..فقدت وطنها القديم ووجهتها الجديدة ..
لم نكن لنفترق ..
ولم نكن لنلتقي ..
فبقينا كابتسامة تترنح على شفاه متشققة بين وعد أمل ووعيد خذلان ..
لم نكن لنفترق ..
ولم نكن لنلتقي ..
فبقينا كزهرة حمراء أهداها عاشق ..وزهدها حبيب ..فمزقها طفل عابث تحت قدميه ..
لم نكن لنفترق ..
ولم نكن لنلتقي ..
فأي فردوس أضعناه ؟!
وأي جحيم ولجناه ؟!
وأي رمادية ذبحنا بها ألواننا ؟!!
لم نكن لنفترق ..
ولم نكن لنلتقي ..
فأنت مني القريب البعيد ..
وانا منك المنجية المهلكة..
جبلان من الأضداد كنا ولم نزل ..
فهنيئاً لنا الشتات بعد طول سكن ..
أجل ..
لم نكن لنلتقي ..ولم نكن لنفترق!!
"نرمين نحمدالله "
======
بخطوات متثاقلة تسير ياقوت في حديقة بيت رائد الذي استقبلها بحفاوة ليدلف معها إلى الداخل ..
قلبها يتقافز بين ضلوعها بترقب وقد ميزت وجود سيارة زين بالخارج ..
لكنها ترفع رأسها لتلتمع نظرة التحدي الواثقة في عينيها ..
هي استعادت حريتها ..كرامتها ..وبرأت من الجرح القديم ..
لن تقبع مكانها في انتظار رجل زهدها ..
فليمضِ كل منهما في طريقه الذي يليق به ..
ولا عزاء لخفقات القلوب!!
_همسة مستنياكي .
يقولها رائد وهو يتوقف أمام باب كوخ همسة ليبتسم لها بمؤازرة فهزت رأسها لتفتح الباب وتدخل ..
ولم تكد تفعل حتى صرخت همسة بفرحة لتهرع إليها لتعانقها هاتفة :
_وحشتيني !
فتنهدت بعمق مطمئنة للمزيد من تقدم
حالتها وهي تضمها نحوها أكثر بحنان لتربت على شعرها الجميل قائلة :
_وانتِ كمان ..بس هاعوضك النهاردة ..هاقعد معاك كتير .
صفقت همسة بسعادة أشرقت لها ملامحها فابتسمت ياقوت وهي تلمس تطور حالتها أكثر ..
لتتقدم منها فتنظر نحو المائدة القريبة حيث وضعت سلة من البيض ..تناولت منه واحدة لتمنحها إياها قائلة :
_وريني هترسمي إيه !
فابتسمت همسة وهي تجلس على كرسيها لترسم ..
عيناً ..عيناً أخرى ..أنفاً..
ثم تلكأت ابتسامتها رويداً وهي تتلفت حولها كأنها تبحث عن شيء ما ..قبل أن تبتئس ملامحها نوعاً وهي ترسم "نصف ابتسامة"!
هزت ياقوت رأسها بتفهم وعيناها الذكيتان تتابعان تطور الحالة ..
قبل أن تتناول منها البيضة لتضعها جانباً ..
ثم سحبت كرسياً جوارها لتسألها :
_ليه ما بتكمليش رسم الضحكة للآخر ؟!
_عشان ..هو ..مش موجود .
تجيبها همسة ببراءتها البائسة لترد ياقوت :
_بس انتِ حاسة إنه معاكِ ..حواليكِ ..صح؟!
هنا عادت لهمسة ابتسامتها وهي تشرد ببصرها قائلة :
_دايماً .
_صوته بيريحك لما بتسمعيه ؟!
تسألها بترقب لتتسع ابتسامة همسة مجيبة بنفس الشرود :
_قوي .
_مش فاكرة أي حاجة عن شكله ..ممكن توصفيهولي؟!
وسؤالها كان هذه المرة أكثر حذراً وهي تخشى أن يتهاوى سد الماضي فينبعث منه فيضان الذكرى هادراً دون رادع ..
لكن همسة تغمض عينيها لتصمت طويلاً قبل أن تهز رأسها نفياً بعجز ..
_صورته ..ضاعت !
تقولها أخيراً بنفس البراءة البائسة وهي تفتح عينيها مع كفيها الخاليين كأنما تشكو إليها !!
ولا تدري ياقوت لماذا دمعت عيناها في هذه اللحظة لتجد نفسها تمد كفيها هي نحوها لتحتضن راحتيها بقوة هامسة :
_هنرجّعها سوا ..أوعدك ..هخلليكي تشوفيه زي ما بتسمعيه .
فابتسمت همسة من جديد وهي ترمقها بنظرة حب نقية قبل أن تهمس لها برجاء:
_اقريلي .
ومع الكلمة تجتاح ياقوت عاصفة من الذكرى وهي تسمعها بطنين مدوٍ في خيالها لكن ..بصوت آخر!!
صوته هو!!
تغمض عينيها بحنين وهي تتذكر جلستها بين ذراعيه ..
هذا الإحساس الفريد الذي غمرها يوماً بأن ظهرها صار له سند !
هذا الهسيس الناعم لأنفاسه يصدح جوار أذنها وكيف في بضع ثوانٍ فقط يلتحم بدقات قلبها ليعزفا معاً على نفس الإيقاع ..
_لو مش هتسمع أبطل قراية .
_بسمع بوداني مش بشفايفي!
ذكرى أخرى تغلفها بابتسامة ودمعة !!
مزيج مدهش يطوقها فتغمض عينيها بقوة قبل أن تعاود فتحهما بنفس النظرة المتحدية ..
لا ..لن تضعف نحوه من جديد !!
هو اختار عالمه دونها ..فليهنأ به ..
هو لم يكن فارسها على أي حال !!
_مسسسسم ...نفسي فيه ..وأقول "إخيه"!!
مداخلة حامية من "العفريتة العابثة" التي عادت تعربد بين جنباتها ..كأنما استعادتها مع "قوتها الجديدة " التي ارتدت بحريتها !
لكنها تجاوزت عن كل هذا لترتدي قناع مهنيتها من جديد ..
تتناول كتاباً قريباً ترفعه أمام عينيها لتقرأ لهمسة بصوت عالٍ ..
همسة التي عادت للشرود مع حكاياتها الخيالية لدقائق طالت كثيراً ..
لكنها أعلنت أخيراً تململها غير المعهود وهي تعاود التلفت حولها ..
فابتسمت ياقوت شاعرة بالمزيد من التقدم ..
هي لم تعد تنجذب لعالم الخيال بقدر ما صارت راغبة في البحث عن رائد في العالم الحقيقي حولها ..في الامتزاج به ..
وقريباً ..الاكتفاء به !
"نداهة" عالمها القاهرة لم يعد لها نفس السلطان القديم !
_تحبي نخرج الجنينة ؟!
تسألها ياقوت وهي تتفحص ملامحها باهتمام مهني ..
اللهفة ..الفرح ..الأمل ..
كل هذه المشاعر التي تراقصت على ملامح همسة وهي تعدو نحو باب لم يعد مغلقاً ..
تخرج نحو الحديقة لتدور حول نفسها فاردة ذراعيها ..
ترفع وجهها للسماء معانقة زرقتها مع بياض سحبها ..
والابتسامة تتحول لضحكة ..ثم عدة ضحكات عالية ..
سبقت احتضانها لياقوت التي لحقت بها ..
قبل أن تقبلها همسة على وجنتها بحب لتشير بإصبعها نحو نافذة البيت الداخلي هاتفة :
_زين .
ارتجفت ياقوت لحظة لوقع الاسم وهي تنظر نحو ما أشارت إليه لتلتقي عيناها بعينيه للحظة سبقت إشاحتها بوجهها !
قلبها يخفق بجنون لكن نظرة التحدي تعاود سكنى عينيها !
وفي مكانه كان هو يراقبهما عبر النافذة شاعراً أنه يبذل مجهوداً خرافياً كي يبقي قدميه ملتصقتين بالأرض ..
كي لا يعدو نحوهما فيضمهما سوياً في عناق طويل مستعيداً هذا التوازن الذي غاب عن عالمه منذ غابتا ..
عيناه تتعلقان طويلاً بضحكات همسة الصافية ..
قبل أن تحيدان رغماً عنه لملامح ياقوت التي اشتاقها حد الجنون !!
عقله يأمره بالصبر ..
بمنحها ومنحه الفرصة كي يلتئم الجرح القديم قبل أن يأخذ القرار المصيري ..
فيطيعه قانعاً بنظراته المختلسة نحوها ..
لكن ..
وما إن التقت عيناها بعينيه حتى عاد مارد جنونه يعربد بين جنباته ومطيحاً بأي تعقل ..
لحظة واحدة التقت فيها النظرات عبر هذا البعد لكنها نسفت واحداً من جبال صموده ..
ليجد نفسه يغادر مكمنه نحوهما ..
يقترب منهما بخطوات "ظاهرها"الرصانة و"باطنها" ألف هرولة !
لم يعرف يوماً بطئاً يشبه لهفة العجلة كما يعرف الآن سيره نحوها !!!
_زين !
تعاود همسة الهتاف بها قبل أن تحط على صدره بلهفة ..
فيضمها إليه بكل قوة جسده عدا ..عينيه !!
عينيه كانتا متعلقتين بهذه التي وقفت مكانها تراقبهما عبر نظارتها التي عاودت ارتداءها كأنها تعلن عودة أسوارها الحصينة أمامه ..
ابتسامة مهنية بنكهة التحدي ارتسمت على شفتيها ليقرأها هو واضحة تماماٌ ..
ابتسامة تلت نظرة "عاشقة" تفحصته بلهفة "أمومية" دافئة رغم كل هذا البرود الذي تدعيه ..
ورغم استشعاره لمقاومتها الظاهرة لمشاعرها القديمة نحوه ..
لكنه كان راضياً عن بداية تعافيها من جرحه القديم على أي حال .
الغافلة تظن نفسها تداري مشاعرها عنه خلف ابتسامة باردة ..
ولا تدري أن خلف نظارتها هذه قمرين سجينين يستصرخانه دوماً أن لا محرر لهما غيره ..
وسيفعل!
يقسم أنه يوماً ما سيفعل!!
وفي مكانها رسمت ياقوت ابتسامتها ببراعة تداري هذا البركان الذي يحرقها بحممه ..
سراجا الذهب في عينيه يلتمعان بتلك النظرة التي أسرتها منذ أول لقاء ..
لم يلقِ إليها بتحية ..ولا بكلمة واحدة ..
لكنها كانت تشعر أن هذا العناق أمامها يخصها هي!!
تغمض عينيها على الخاطر الأخير فترى نفسها بين ذراعيه ..
كأنها لم تعد ترى لهما وضعاً إلا في عناق يجبر به كلاهما كسر صاحبه !!
لكنها تعاود فتحهما من جديد بسرعة مستنكفة أن تعود لهذا الضعف ..
لهذا تناولت هاتفها بسرعة تجري اتصالا ما ..
قبل أن تقترب من همسة لترد له تجاهلاً بتجاهل فتخاطبها بقولها :
_هامشي أنا دلوقت ..وأجيلك بكرة .
ابتعدت همسة عن زين لتتشبث بذراعها هاتفة بتلعثم :
_بدري ..قلتِ ..هتقعدي كتير .
لكن ياقوت ابتسمت وهي تنظر في ساعتها :
_معلش ..افتكرت معاد مهم كنت ناسياه ..نعوضها بكره ..
ابتأست ملامح همسة لكن ياقوت تناولت عصابتها هي من جيب منامتها لتلفها حول عينيها برفق قائلة :
_أنا هامشي ..بس هو هيفضل معاكي .
تقولها وهي تشير لرائد المختبئ قريباً خلسة فيتقدم نحوهما ليمسك كف همسة التي ضحكت ضحكة عالية مفاجئة وهي تشعر بوجوده ..
قبل أن تلقي بنفسها بين ذراعيه !!
تتحرك ياقوت لتغادر مستمرة في التجاهل له لكنها كانت تشعر وكأنما نبتت لها عينان في ظهرها ..
عينان تريانه بكل وضوح يسير خلفها ..
يحافظ على خطوة واحدة بينهما لو توقفتها هي واستدارت لوجدت نفسها أمامه تكاد
تلاصقه ..
وجنتاها تتضرجان بحمرة لم تملكها لكنها تقمع هذا الشعور بالخجل بفورة غضب تريد إذكاءها ..
لم تكره يوماّ ك"أنصاف الحلول"ولايزال هو يصر على التراقص بها فوق حبل ال"بين بين"!
تتعثر دون وعي فتسقط حقيبتها منها وقبل أن تفكر في التقاطها تجده هو ينحني ليسبقها فيلتقطها قبل أن تجده أمامها يمد كفه بحقيبتها ..
يناظرها ب"سراجي الذهب "المتوهجين ببريق يبقى دوماً مكتسحاً !!
_مش مقامك تعملها يا ..بيه !
بأنفها المرفوع ..ذقنها الشامخ ..وابتسامتها المتحدية حديثة العهد تقولها وهي تتناولها منه لتعيدها لكتفها ..
فتتسع عيناه قليلاً وهما تدوران فوق ملامحها باشتياق ذبح قلبه ذبحاً فيضطر لأن يقبض كفيه بقوة جواره كأنما يخشى المزيد من تهوره ..
هو لم يكن ينتوي أن يقترب منها اليوم فلماذا فعل؟!
وكيف غابت عنه سيطرته -المشهود لها- هكذا ؟!
قطرات من عرق خفيف تغزو جبينه وعيناه تحيدان لموضع قرطه المختبئ خلف أذنيها مستعيداً مذاق قبلاته هاهنا ..
تراها لا تزال ترتديه ؟!
بالتأكيد تفعل!
ولماذا "بالتأكيد" هذه ؟!
مع امرأة هذه لا ثوابت !!
هي وحدها من يمكنها زلزلة عرش غروره
فلا يعرف جواباً لسؤاله !!
لهذا اهتزت نبرة صوته المهيمنة دوماً ليرد بخفوت تلون بعاطفته :
_بس مقامك انتِ تتعمل عشانك ..
ثم انخفض صوته أكثر حد الهمس:
_يا ياقوت !
_ياختاااي ..يااا أحلى ياقوت في عمري ...ورجعنا لأيام الشقاوة ..ما تحنّي بقا يا بت هو يعني كان ضربك بالنار ؟! بس اقوللك ..اتقلي التقل صنعة ..بس برضه مش قوي ..هيجنني ابن اللذينا !
لم تلم "عفريتتها العابثة" هذه المرة وهي تشعر برعشة جسدها تجعلها تسبل جفنيها هاربة من لقاء نظراته ..
عقلها "الذكي" لم يغفل عن إشارته في ندائه لها باسمها المجرد مقابل لفظة "بيه" التي لفظتها كأنها تعاقبه بها !!
تماماً كما لم يغفل قلبها عن ملاحظة انقباض كفيه المتشنج جواره بدلالته التي وصلتها كاملة ..
لكن تبقى الحواجز بينهما أقوى من كل هذا ..
ولا عزاء لقلب تعلق بمن ليس له !
_هاوصلك!
الهيمنة الممتزجة باللطف المميزة له تعود لتغزو صوته فيما لم يبدُ كعرض مهذب بل كأمر واقع ..
لكنها كانت فرصتها لتستعيد ابتسامتها الباردة المتحدية :
_شكراً ..إسلام مستنيني بره هيوصلني .
ضاقت عيناه بغضب مكتوم انتشرت ذبذباته بينهما عنيفة وهو يتبين سر هذه المكالمة التي أجرتها منذ دقائق ..
قمراها السجينان يعودان للاختباء خلف غيومها فيشعر بالمزيد من التخبط ..
أنامله تستسلم لمارد جنونه أخيراً فتمتد نحو نظارتها تكاد تخلعها ..
لكنها تقرأ حركته بخبرتها الذكية به فتتراجع بجذعها للخلف مانعة إياه مما يريد ..
مزيج الغضب والجنون يلونان عينيه بصبغة أكثر جاذبية خاصة لعينين تفهمانه مثلها ..
فتتسع ابتسامتها المتحدية وهي تعدل وضع نظارتها على أنفها بحركة ذات مغزى قبل أن تعطيه ظهرها لتبتعد دون أن تلتفت !!
يكز على أسنانه بقوة وهو يعاود اعتصار قبضتيه جواره بينما يراها تبتعد أكثر ليفتح لها الحارس البوابة قبل أن يعاود إغلاقها خلفها لتختفي عن ناظريه تماماً ..
فيزداد شعوره بهذه البرودة التي خلفتها وراءها ..
وأي برودة !
======
_وشك مورد يا توتة ..قابلتيه هناك ؟!
يقولها إسلام بفراسته المعهودة وهو يقود بها سيارته في رحلة الرجوع وقد خالط مرحه الكثير من الاستياء بطبيعة الحال ..
لتطرق برأسها مستدعية قناع قوتها بقولها:
_طبيعي أقابله هناك لحد ما اخلص علاج أخته ..وبعدها كل واحد يروح لحاله .
_مش مقتنع باللي بيحصل ده ..بس واثق في دماغك .
يقولها بنفس الاستياء لتتنهد بحرارة وهي تشيح بوجهها ..
فعاد يهتف بحمية أكبر:
_قاللك حاجة ضايقتك ؟!
فهزت رأسها نفياً دون رد قبل أن تتردد قليلاً لتحكي له أنه كان السبب فيما حدث
لجيلان ..
لكنه فاجأها بضحكة مكتومة وهو يلتفت نحوها قائلاً بنبرته المرحة التي لا تزال ممتزجة بالضيق:
_كنت مراهن نفسي إنه هو ..ابن اللعيبة !
_أنا آسفة ..صدقني عملها من ورايا ..
قالتها مبررة وهي تستشعر حرج الموقف فجيلان تبقى أمه رغم كل شيء ..
لكنه زفر بقوة ليشرد ببصره في الطريق قائلاً:
_في علاقتنا المكعبلة دي لازم نفصل الخيوط عشان نعرف نعيش ..وبعيد عن أنها تبقى أمي ..بس حركته دي معناها إنه فعلاً بيحبك .
_أنا متأكدة إنه بيحبني ..
قالتها بحسم وهي تعود للإطراق برأسها لتردف:
_بس ده مش كفاية لواحد زيه مع واحدة زيي .
رمقها بنظرة مشفقة طويلة وهو يشعر أن جرم أبيه في حقها هي وشقيقتها كان أكبر كثيراً مما يمكن احتماله ..
لو لم تكن هي ابنة حسين رجائي بكل ذنوبه وخطاياه لكانت لها فرصة مع هذا الرجل الذي أحبته وأحبها ..
لكن ..لا تزال هناك فرصة لتحسين الوضع ..
_أنا خدتلك شقة قريبة من المركز ..ما تخافيش عملت عقد الإيجار باسمك المرة دي تحسباً لأي حركات نص كم من الست الوالدة ولو اني مااظنهاش تكررها ..
قالها ببعض المرح الذي عاد لنبراته ..قبل أن يردف:
_وبالنسبة للمركز خلاص بدأت في الإجراءات ..وفي أقرب وقت هنعمل الافتتاح ..بس كنت عايز أسألك لو اخترتِ حد معين من زمايلك يبقا معاكِ .
_في بالي كام اسم بثق فيهم ..هاكلمهم ونتفق .
قالتها بنبرتها المهنية التي غزاها المزيد من الطموح ..
ليردف هو باستحسان:
_عظيم جداً ..فيه واحد كمان ممكن نضيفه ..صاحبي وقابلته صدفة في فرح قريب ..اسمه سامر ..سامر مرزوق.
فرفعت حاجبيها بدهشة هاتفة :
_سامر مرزوق!
_تعرفيه ؟!
سألها باهتمام لتجيبه بابتسامة استحسان:
_طبعاً ..كان دفعتي بس ماشفتوش من زمان ..لكن سمعت إنه شغال في مركز كبير وعمل اسم حلو .
_سابه من فترة وبيدور على شغل تاني ..وبصراحة لما قابلته في الفرح عرضت عليه الموضوع مبدئياً ..بس قلت آخد رأيك الأول .
قالها بالمزيد من الرضا لترد هي بابتسامة ودود :
_سامر مش محتاج رأي ..شاب مكافح وحفر في الصخر لحد ما وصل للي هو فيه ..بس اللي أعرفه إنه كان ناوي يسافر بعد الماجستير ..ما سافرش ليه ده جت له فرص حلوة جداً !
سألته باهتمام ليرد بنبرة آسفة :
_والدته تعبانة ومارضيش يسيبها لوحدها ..وهو مالوش اخوات .
فابتسمت لترد بإعجاب:
_مش بقوللك سامر مش عايز رأي ..
ثم تناولت هاتفها لتتصل برقم ما وما إن فتح الاتصال حتى هتفت بعد تحية تقليدية :
_قولي لابن عمك يجهز للمنافسة ..أنا وهو هنبقى زملا في مركز واحد ..قوليله إني مش ناسية تار الحالة اللي خطفها مني أول ما اتخرجنا ..وشايلاها له !
ضحكتها الرائقة وهي تتلقى الرد أطربت قلب إسلام حقاً وهو يشعر أنها صارت أفضل حالاً ..
فيما استجابت هي لثرثرة معهودة مع صديقتها على الهاتف قبل أن تغلق معها الاتصال لتلتفت نحوه هاتفة بمرح:
_كده تستنى منه تليفون يقوللك إنه موافق وفي أقرب فرصة ..مش هيضيع فرصةالتحدي معايا .
فتفرس ملامحها ليسألها بمكر:
_شكلكم معرفة قديمة ..أطلع أنا منها بقا .
لكنها ابتسمت لتقول بشرود :
_كانت أحلى أيام ..ياريتها دامت ..أنا وهو كنا أشطر اتنين في الجروب بتاعنا ..كنا بنقسم المواد بيننا هو يبيّض نص المحاضرات وانا النص التاني ..كان مسميني شجرة الدر وكنت مسمياه اينشتاين ..وبعدما اتخرجنا اتدربنا سوا فترة في مركز معروف ..بس بعدها انا سبت المركز ومن ساعتها ما اعرفش اخباره إلا من صاحبتي اللي هي قريبته..كان ..
انقطعت عبارتها عندما رن هاتفه ليضحك ضحكة عالية وهو يشير نحوها بالهاتف دون أن يفتح الاتصال:
_ده هو!! لا ده انت سرك باتع ..معقول لحقت قريبته تكلمه !!
فضحكت لتقول بود أشرقت له ملامحها:
_طب افتح ورد عليه !
_أيوه يا أبو سمرة !
يقولها وهو يفتح الاتصال بضحكة قصيرة ليقابله صوت سامر على الجانب الآخر من الاتصال :
_انت طلعت أخو ياقوت سليمان بجد ؟! إزاي؟!
فضحك إسلام وهو يغمز ياقوت جواره هاتفاً:
_أيوه يا عم أينشتاين ..شجرة الدر جنبي أهه وبتسلم عليك !
رمقته ياقوت بنظرة خجلة عاتبة خاصة عندما تناهى لسمعها صوت ضحكات سامر من الجانب الآخر للاتصال ..
والتي سبقت قوله :
_قوللها والله زمان يا دوك ..خلاص يا عم ..أنا معاكم في المركز ده ..ليا تار قديم مع اختك وهاخلصه !
_أيوه بقا ..هو ده الشغل ..وزي ما بيقولوا : رُب صدفة خير إن شاء الله ..هاكلمك أول ما أبدأ ونتفق ..
قالها إسلام مخاطباً الرجل الذي بدا شديد الود وهو يقول أخيراً بنبرة مهذبة :
_بلغ دكتورة ياقوت سلامي ..وقل لها إني وافقت مخصوص عشانها .
_اخس عليك ! ولد ! وأنا كيس جوافة يعني ؟! ماليش اعتبار عندك ؟!
ضحكت ياقوت بانطلاق وهي تلكز إسلام بكفها في كتفه ليغمزها الأخير من جديد قبل أن يغلق الاتصال معه ليلتفت نحوها هاتفاً :
_شفتي الندل؟! بيقول وافق مخصوص عشانك ..وأنا كنت هابوس إيده في الفرح ويقوللي مابشتغلش مع مبتدئين .
فابتسمت وهي تشعر بحنين جارف للأيام القديمة لتقول بشرود :
_أنا مبسوطة جداً إني هاشتغل معاه تاني ..سامر دماغه نضيفة ومكسب لأي مكان يشتغل فيه .
رمقها إسلام بنظرة متفحصة وهو يشعر ببعض الحيرة ..
لو لم يكن يعلم أنها غارقة في حب زين هذا لظنها عالقة مع سامر ..
سامر الذي التقاه مصادفة في زفاف داليا شقيقة زوجة أشرف بينما كان يتحدث مع ناصر وزوجته !
ورغم اضطراب علاقته المستحدث بناصر لكن هذا لم يؤثر على الود الذي يستشعره نحو سامر الذي هو قريب سها ..
هو اعتاد الفصل في هذه الأشياء ..
تعلم درسه هذا بأقسى الصور ..
والجالسة جواره الآن خير دليل!!
_وصلنا!
هتف بها وهو يوقف السيارة أمام الفندق الذي استأجر لها غرفة فيه ..فابتسمت وهي ترمقه بنظرة مشرقة ليلتفت نحوها مستديراً نحوها بكل جسده مع قوله :
_الشقة محتاجة بس تتفرش عشان تعرفي تقعدي فيها مع لجين ..وأنا هحاول أوزع وقتي بينكم وبين هيثم وماما ..
ثم تنهد ليردف بمسكنة مصطنعة :
_ده انا لو متجوز اتنين مش هيمرمطوني كده !
ضحكت ضحكة عالية وهي تربت على كفه بتعاطف قبل أن تغادر السيارة ملوحة له بكفها ليغمزها من جديد هاتفاً:
_سلام يا ..شجرة الدر !
=======
في مكتبها بالمصنع تجلس نشوى شاردة وهي تشعر بحيرتها تزداد مع تقدم الوضع بينها وبين ناصر ..
لا تزال مترددة في منحه موافقة نهائية والغريب أنه لا يتعجلها !
عقلها يحدثها أن هذا طبيعي كي لا يضغط عليها خاصة مع ظروفه التي لن توافق عليها أي امرأة ..
لكن قلبها "المراهق" يتمنى لو يفعلها ..
لو يتعجلها !
لو يشعرها أنه يشتاق قربها كما تشتاق قربه !
_مامي ..هالعب كمان جيم ..
تهتف بها ريما التي تصطحبها هي اليوم استثنائياً للعمل وهي ترفع "التابلت" الخاص بها ..
فتجيبها بذهن شارد وهي تتذكر كيف تعلقت الصغيرة بناصر في هذا الوقت القصير ..
كيف شغل هو فراغاً تركه أبوها زاهداً منذ سنوات ..
ليس فقط بهداياه ونزهاته المتعددة لها ..بل بهذه العاطفة السخية التي يغدقها عليها هو ..وزوجته !
زوجته !!
زوجته !!
نفس المرارة تصب كئوسها في حلقها وهي تتذكر وضعهم الغريب الذي قد يكون مثالياً حقاً كما يزعم هو ..
لكنها هي تستشعره شاذاٌ !!
صوت طرقات على الباب يقاطع أفكارها ..
_صباح الخير .
يقولها إسلام وهو يدخل لتتهلل أساريره وهو يفاجأ بالصغيرة التي تقدم منها ليصافحها بحرارة هاتفاٌ :
_أهلاً أهلاً ..اسمك إيه يا حلوة ؟!
_ريما ..جريد وَن ..(....)سكول !
تقولها الصغيرة بنفس التيمة التي تحفظها كأنها نشيد فيضحك ضحكة عالية وهو ينحني على ركبتيه أمامها مقلداً طريقتها :
_اسلام .."جريد زيرو" .."نو سكول"!
يقولها ملوحاً بكفيه أمام وجهها بحركات طريفة جعلت الصغيرة تضحك هاتفة :
_كل الكبار "نو سكول"..أنا عايزة أكبر عشان أبقى "نو سكول" زيكم !
_والله واحنا نفسنا نصغر ونرجع ال"سكول"!
يهتف بها بمسكنته المصطنعة وهو يمد يده في جيبه ليستخرج قطعة من الشيكولاتة منحها إياها :
_حظك ! كنت جايبها لأختي بتموت في الشيكولاتة .
_آخدها يا مامي ؟!
تسأل نشوى التي بقيت ترمقهما بنظرة مغتاظة لتهتف بحدة :
_قوليله ميرسي يا أنكل ..خلليها لأختك !
لكنه التفت نحوها بابتسامته المغيظة الباردة :
_هاجيبلها غيرها !
ردت له ابتسامته بأخرى سمجة قبل أن تلتفت نحو صغيرتها قائلة بحزم :
_روحي لخالو أشرف دلوقت يا ريما .
ترددت الصغيرة قليلاً قبل أن تنفذ أمرها لكن إسلام هتف بها بمرح:
_مفيش بوسة وشكراً ليا ؟!
فضحكت ريما وهي تميل على وجنتيه بقبلتين هاتفة :
_اتنين بوسة ..واتنين شكراً !
_كريمة زي خالو ..الحمد لله إنك ما طلعتيش لناس تانيين !
يقولها إسلام بنبرة ذات مغزى لتتحرك الصغيرة مغادرة بخطوات راكضة فيما استقام هو واقفاً ليواجه نشوى التي بادرته بقولها الجاف:
_مش معلمة بنتي تبوس وتحضن أي حد م الشارع ..ياريت اللي حصل ما يتكررش !
_ما هو أنا مش م الشارع ..أنا من قنا ..آه حقيقي ..الوالد الله يرحمه كان له أصول من هناك !
يقولها بتظارف بارد لتكتم ابتسامتها بصعوبة هاتفة بنبرة أكثر حدة :
_عايز إيه ؟!
لكنه صمت ليرمقها بنظرة متفحصة طويلة أربكت أنوثتها قبل أن يقول بنبرة رخيمة :
_بيقولوا لو الراجل اهتم بزيادة بطفل يبقى معجب بالست اللي جنبه !
فتمالكت نفسها لتتلفت حولها قائلة ببرود :
_بس أنا مش شايفة رجالة في الأوضة !
كانت تعلم أن عبارتها مهينة بأكثر مما تحتمل علاقتهما ..
لكنه صار يمثل عليها ضغطاً إضافياً بهذه العدائية التي تحملها نحوه والتي لا تجد لها مبرراً مقنعاً !!
خاصة مع تلميحاته السخيفة التي تزداد وطأتها بكونه معجباً بها ..
إذا كان هو جريئاً فهي وقحة ولن تمرر له
قولاً أو فعلاً !
_و همّ فين الستات ؟!
يرد لها إهانتها بمثلها بسرعة بديهة لا تنقصه قبل أن يستطرد بنفس الابتسامة المغيظة :
_دي مجرد جملة قريتها وافتكرتها !
تكز على أسنانها بقوة لتهب واقفة مكانها وهي تهتف به بغيظ مكتوم :
_لتاني مرة بسألك ..جااااي لييييه ؟!
فاتسعت ابتسامته المغيظة وهو يتقدم ليجلس بأريحية على الكرسي أمام مكتبها :
_عايز أجازة أسبوع عشان مشغول بمشروع خاص بيا أنا وأختي .
_أسبوع؟!
تهتف بها بغلظة وهي تعاود الجلوس على مكتبها لترمقه بنظرة حادة..
فمال نحوها بجذعها هاتفاً بنفس النبرة الرخيمة التي يدرك أثرها في النساء:
_نخلليهم خمس أيام عشان الناس اللي هاوحشها !
احمر وجهها بغيظ وهي تشعر بارتفاع ضغط دمها حقاً لتهتف به بنفاد صبر :
_خد لك شهرين تلاتة ..والأحسن لو تقعد في بيتكم وتريحنا منك خالص!
فابتسم وهو يعتدل واقفاً ليعدل وضع ياقة قميصه بينما يرفع أحد حاجبيه بمكر هاتفاً :
_على بركة الله ..يبقى يومين وراجع !
يقولها ليغمزها بمكر في حركة وجدتها منه هو بالذات شديدة الجاذبية ..
ربما لهذا تقدمت منه لتصرخ في وجهه بانفعال:
_انت يا أستاذ انت تحترم نفسك لما تكلمني ..انت ازاي تغمزلي كده ؟!
_أنا غمزت ؟! أبداً ..دي بس عيني الشمال بترف م الصبح ..ربنا يستر ما بتفائلش لما بتعمل كده !
يقولها بمسكنته المصطنعة ولغة جسده تنضح بمزيج آسر بين شقاوة طفولية وجرأة رجولية ..
مزيج وجد أثره فيها رغماً عنها لتجد نفسها لأول مرة تتفحص ملامحه ..
هل هو وسيم حقاً كل يوم هكذا أم أنها فقط لم تكن تنتبه ؟!
الخاطر الأخير يجعلها تنتفض شاعرة
بالخطورة لتهتف به بالمزيد من الحدة :
_اتفضل امشي .
_امضيلي الأجازة .
يقولها بنبرة رخيمة عاد إليها سحره الرجولي وهو يمد يده بالورقة نحوها..
لتنتزعها منه كي توقعها بأنامل مرتجفة قبل أن تعيدها إليه ..
فعاد يرمقها بنظرة متفحصة طويلة وهو يشعر نحوها بنفس الانجذاب الذي يزداد يوماً بعد يوم ..
ليس فقط كونها مختلفة تماماً عن أي نوع صادفه من النساء بطبيعتها "التين شوكية" هذه ..
بل هذا الشعور المتزايد بالشفقة نحوها ..
من يراها هنا في المصنع بشخصيتها الكاسحة لا يصدق هذا الوهن الذي رآه منها مع ناصر ..
أي شيء يمكن أن يوهن امرأة كهذه ؟!
الحب؟!
هل تحب ناصر حقاً ؟!
الخاطر الأخير يصيبه بالضيق وهو يكاد يصرخ فيها أنها ستكون أغبى امرأة في العالم لو وافقت عليه بظروفه هذه ..
وأنها تستحق أكثر من نصف رجل ..
لكن ما سلطته هاهنا ؟!
هو مجرد متطفل غير مرغوب فيه لديها !!
لهذا مط شفتيه بحركة استياء قبل أن يعاود غمزته الماكرة لها عمداً -وقد شعر بأثرها عليها -:
_سلام يا أستاذة ..وادعي لعيني تخف!
يزداد احمرار وجهها المغتاظ وهي تراقب ظهره المنصرف لتمسك بأقرب ما طالته يداها كأنها ستقذفه فيه ..
قبل أن تتمالك نفسها لتهمس من بين أسنانها :
_هيشلّني !
تزفر بحنق مبالغ فيه لتتهاوى جالسة على كرسيها ..
انفعالاتها صارت متطرفة حقاً هذه الأيام وكيف لا ؟!
وضغط "الماضي الذي عاد" تزداد وطأته أكثر ..
فيفقدها التوازن أكثر وأكثر..
تفتح هاتفها لتتفقد حساب ناصر كما تعودت ..
دوما منشوراته جدية تميل لناحية سياسية معينة بحكم وظيفته ..
لكنه اليوم كتب هذا !
_محظوظ أنا بكِ ..بهذا الحب الذي لم تفقده الأيام أثره ..بهذا السحر الذي تجددين به عمري ..وبهذه الابتسامة التي لم أعرفها صادقة هكذا إلا عندما التقينا !
عيناها تتسعان قليلاً وهي تعيد قراءتها مرة تلو مرة ..
قلبها يتقافز بين ضلوعها فرحاً أنه يقصدها هي ..
لكن عقلها يتدخل ..ألا يحتمل أنه يعني زوجته ؟!
تعيد القراءة لعلها تجد بين السطور إشارة تريحها ..
لكن لا جدوى ..نفس الحيرة ..نفس الحيرة !!
لكنها تبتسم أخيراً وهي تميز تاريخ اليوم ..
الغد يوافق تاريخ يوم مولده ..
طيف عابر من "أيام مراهقتها" يداهمها إذ كيف تمنت طويلاً وقتها لو يمكنها إهداؤه شيئاً يذكره بها طوال الوقت ..
ابتسامتها تتسع وهي تستجمع شجاعتها لتهاتفه فيصلها صوته الآسر مميزاً بدفء مستحدث :
_إزيك يا نشوى ..كنت لسه هاكلمك .
عبارة بسيطة لكن قلبها تلقاها كهدية عيد فتهدج صوتها لتسأله :
_كنت عايز حاجة ؟!
_لا ..كنت هاطمن عليك بس .
قلبها يخفق بقوة وهي تشعر أنها يمكنها الآن حسم قرارها ..
معه هو فقط ..أقل القليل يكفيها!!
لهذا توردت وجنتاها بخجل مع قولها :
_كنت عايزة أقابلك بكرة .
شعرت بتردده قليلاً ليخفت بريق الفرحة في قلبها لكنه عاد ليرد :
_ماشي ..الساعة تمانية يناسبك ؟!
_تمام ..
قالتها بالمزيد من الخجل الذي امتزج ببعض الحزم هذه المرة وهي تلقي شرطها الذي فاح منه عتاب خفي:
_بس المرة دي ..لوحدنا .
======
_انتِ اللي غلطانة يا سها !
تهتف بها أمها بعتاب عبر الهاتف وهي تستمع منها لتردف ؛
_فيه واحدة عاقلة تعمل اللي عملتيه ؟! الراجل ماكانش عايز يتجوز وعاند أبوه عشانك ..تقومي انتِ اللي تطلعيها في دماغه وتختاريهاله كمان .
_بمزاجي أحسن ما يبقى غصب عني !
تقولها مبررة بقوة مناقضة لهذا الوهن الذي صار يتمكن منها أكثر وأكثر كلما تقدمت
علاقة ناصر ونشوى ..
_انتِ فاكرة إنه عشان ماحبهاش زمان ممكن ما يحبهاش دلوقت ؟! ضامنة قوي إنك تفضلي لوحدك في قلبه طول العمر ؟!
تعاود أمها جلدها بها فتنساب دموعها الصامتة على وجنتيها بينما الأولى تعاود عتابها :
_اسمعي كلامي ..لو اتجوزها وخلفت له ابن غصب عنه قلبه هيميل ليها أكتر ..وساعتها هتبقي انتِ اللي جنيتي على نفسك ..انتِ ..
_أنا بتقطع ومحدش حاسس بيا ..
تصرخ بها فجأة مقاطعة حديث أمها لتنهمر دموعها مختلطة بكلماتها :
_قدامه هو مضطرة أبين أني مبسوطة ومش فارق معايا ..وقدامها هي أبين إني واثقة في نفسي ومش غيرانة ..وقدامكم أبين إني لسه زي ما انا ماسكة الخيوط كلها في إيدي ..بس أنا من جوايا هاموت م الخوف يا ماما ..خايفة ييجي اليوم اللي اخسره بسبب حاجة ماليش ذنب فيها ..والده مش هاسيبيه وأنا عارفة ..يبقى إيه البديل ؟! إيه البديل ؟!
تنهار بعدها في بكاء متصل لينقبض قلب أمها وهي تشعر بما كانت تخفيه من ألم طوال هذه الأيام خلف واجهتها القوية ..
_اهدي يا بنتي ..اهدي عشان خاطري ..أنا
هالبس وأجيلك .
تهتف بها أمها بجزع لتمسح سها دموعها وهي ترد عبر شهقاتها المكتومة :
_ماتقلقيش ..أنا هابقى كويسة ..ناصر زمانه جاي ..النهاردة عيد ميلاده وهانحتفل بيه سوا زي كل سنة .
_مش بتقولي رايح يقابلها ؟!
تسألها أمها بتوجس لتصرخ هي من جديد :
_ماهو مش هيتأخر معاها ..هيرجع لي أكيد ..أكيد هيرجعلي .
تحاول أمها تهدئتها ببعض العبارات لكنها هي تغلق معها الاتصال بنفاد صبر ..
قبل أن تتصل بناصر لتتفجر كلماتها تباعاٌ :
_هتروحوا فين ؟! ...روحوا مطعم (.....)
_هتطلبوا إيه ع العشا ؟! ...ماتنساش إنك بتتعب من المقليات خلليك في المشاوي.
_هتقعدوا أد إيه ؟!.. ساعة كفاية .
_هتتكلموا في إيه ؟! ...ما تحكيش كتير ..سيبها هي تتكلم .
كان يواجه سيل أسئلتها العصبية -التي تجيبها بنفسها- بتفهم محاولاً احتواء غيرتها لكنه شعر بصوتها يرتجف في السؤال الأخير الذي لم تجبه هي بنفسها هذه المرة :
_هترجعلي ؟!
فارتفع حاجباه بدهشة للحظة مدركاً ما خلف السؤال قبل أن تستطرد هي بما وجدته مناسباً لإكمال تساؤلها مدارية تخوفاتها :
_هترجعلي.. امتى؟!
زفرته المشتعلة تصلها عبر الهاتف وهو يشعر بما تعانيه وتصر بعناد أن تداريه عنه ..
لكنها تسيئ فهمه لتهتف بعصبية :
_خلاص يا ناصر ..لو السؤال ده ضايقك كده ما تردش..تعال وقت ما تحب !
تقولها لتغلق الاتصال معه دون انتظار رده قبل أن تغلق هاتفها كذلك لتتهاوى باكية على فراشها ..
سيذهب إليها ..وحدهما هذه المرة ..
تستعيد ذكرى اللقاءين اللذين جمعاها بهما ..
وتسمح أخيراً لسيول غيرتها أن تعبر عن نفسها ..
مشهد ناصر وهو يحمل ريما بينما الأخيرة تقبله ..
هذه النظرة التي لم تلمحها في عينيه أبداً من قبل ..
نظرة حنان أبوي ينتظر ..
ينتظر شاطئاً حقيقياً ترسو عليه سفينته !!
يلومونها ؟!
علامَ؟!
على حبها له ؟! على قدرها أن تكون أنثى ناقصة في مجتمع كهذا ؟!
أم على أنها اختارت "أهون الضررين" ..
اختارت له المرأة التي ظنت أنها لن تثير "دخان" غيرتها ..
ولم تدرِ أنها في كل الأحوال ستحترق !!
لم تدرِ كم ظلت تبكي على فراشها لكنها وقفت أخيراً لتمسح دموعها ..
آن وقت ارتداء القناع !
تتوجه نحو الحمام القريب لتعيد ضبط زينتها ..
قبل أن تتحرك نحو خزانة ملابسها لترتدي أبهى قمصانها ..
عطرها المثير الذي تعرف أثره عليه ..
تتفقد الحفل الصغير الذي أعدته لهما وحدهما ..
الشموع الحمراء ككل عام ..
زهوره التي يحبها ..
والكعكة التي تحمل صورتهما معاً حتى ولو كان عيد ميلاده وحده ..
وأخيراً هديته التي اختارتها له هذا العام مميزة بعمق احتياجها لها ..
تذكرتي سفر لمكان بعيد يكونان فيه وحدهما ..
هو وهي فقط !!
الدقائق تمر في عدوها كالساعات ..
لم تمضِ أكثر من ساعة لكنها تشعر وكأن كل دقيقة فيها تحرقها ..
تحرقها وهي تتصوره معها ..
تتصور نظراتها العاشقة له ..
هل يصبر الرجل على نظرات أنثى عاشقة حتى ولو كان يزهدها ؟!
التساؤل الأخير يغرس النصل في صدرها أكثر ..
لتراه أخيراً يدخل عبر باب الغرفة وملامحه لا تقل صراعاً عن ملامحها ..
ورغم أنها اعتادت أن تكون هي بادئته بالعناق عقب وصوله لكنها في هذه اللحظة بدت وكأنها تنتظر برهاناً !
برهاناً كهذا الذي منحه إياها وهو يهرع إليها ليضمها لصدره بقوة قبل أن يهمس لها عاتباً :
_أنا قلت كام مرة إن حركة قفل التليفون دي بتعصبني ؟!
ابتسامتها المتصنعة ترتجف ككذبتها :
_فصل شحن !
_سها!
يهمس بها بعتاب أكبر وهو يشد جسدها نحوه أكثر ..
لكنها تجاهلت الأمر بكبريائها المعهود لتتسع ابتسامتها الكاذبة وهي تسأله :
_اتبسطت ع العشا معاها ؟!
أطبق شفتيه بقوة وعيناه تتراقصان بين عتب وإشفاق ..
حتى "طبيعته العملية " المعهودة خذلته هاهنا وهو يشعر أنه ضعيف حقاً أمام هذا
الألم الكبير الذي يجعلها تعانيه ..
_أكيد جابتلك هدية ..وريني جابتلك إيه !
هنا أشاح بوجهه الذي ظللته ملامح الذنب ليبتعد عنها خطوة معطياً إياها ظهره .. فاتسعت عيناها قليلاً بتوجس ..
ما الذي يجعل عينيه تحملان هذه النظرة المستغفرة ؟!!
فانحدرت نظراتها تتفحصه باهتمام لتتوقف أمام معصمه ..
هذه الساعة هدية نشوى ؟!!
أين ساعتها هي؟!!
_انت قلعت ساعتي عشان تلبس بتاعتها ؟!
تتمتم بها مصعوقة ليلتفت نحوها مبرراً بضيق:
_هي فاجأتني بالموضوع وماقدرتش أحرجها ..لقيتها فجأة بتقلعني التانية وبتلبسني دي ..وأنا ..
_قلّعتك ساعتي؟!
لا تزال تتمتم بها بنفس النبرة الملتاعة موشية بقرب الانهيار ..
ليتقدم هو منها معتصراً كتفيها بقبضتيه هاتفاً :
_ما تكبريش الموضوع ..هي ماتعرفش أنها ساعتك ..كل الحكاية إنها جابت هدية وحبت تشوفني لابسها ..
لكنها كانت تتمتم مصعوقة بما بدا كالهذيان :
_خليتها تقلّعك ساعتي وتلبّسك بتاعتها ؟!
انعقد حاجباه بغضب وهو يهم بالرد لولا أن انتفض جسدها بين ذراعيه كالمحمومة لتنهار باكية ...
السد الصلب الذي احتمت خلفه طوال هذه الأيام يتهاوى الآن أمامه ليشهدها لأول مرة بهذا الانهيار ..
يتجمد للحظات مبهوتاً وهو يرى الموقف تافهاً لا يستحق من شخصية قوية مثلها هذا الانهيار ..
لكنه يندفع أخيراً بقوة عاطفته ليطوقها بين ذراعيه محتوياً جسدها المرتجف ببكائه هاتفاٌ :
_اهدي يا سها ..ماحصلش حاجة عشان كل ده ..أنا ماعملتش حاجة من وراك..كل خطوة كانت بعلمك ..حتى المطعم انت اللي اخترتيه ..
لكن كلماتها كانت تسكب الوقود فوق غيرتها أكثر ..
هي التي فعلت حقاً ..
لكن هل يخفف هذا الجرح ؟!
هل يطفئ هذه النار التي تشتعل بين ضلوعها ؟!
تحاول التماسك ب"رفعة رأس" لكن دموع انهيارها تغلبها من جديد ليشعر بها تكاد تسقط بين ذراعيه ..
هنا لم يتمالك نفسه وهو يبعدها ليخلع الساعة عن معصمه بعنف ثم يطيح بها لتصطدم بالحائط فتسقط متهشمة تحت قدميهما ..
قبل أن يحيط وجهها بكفيه يمسح دموعه بإبهاميه بعصبية عنيفة فجرها انفعاله ..
ليتملك شفتيها أخيراً بقبلة عميقة سحبت أنفاسهما معاً للحظات ..
وتخللتها همساته الحارة بصدق :
_بحبك ..والله العظيم ماحبيت ولا هاحب غيرك .
والكلمات لم تعد وحدها تكفيها كالسابق ..
شيء ما قد فُقِد !
_اللي بنعمله ده جنان ..لسه الفرصة قدامنا نوقف كل ده ..احنا التلاتة هنخرج خسرانين .
كاد يهتف بها بوازع من ضمير وهو يشعر أنه ينساق نحو هذه الهاوية التي ستودي
بثلاثتهم ..
لكن "طبيعته العملية" لا تزال تحكم سيطرتها على تصرفاته ..
لهذا استبدل كلماته بأخرى يدرك أين ستنتهي :
_كلمة أخيرة يا سها وهاسمعها منك مهما كانت ..قوليلي كمل في الجوازة دي أو ما تكملش .
يهتف بها أخيراً عبر أنفاسه اللاهثة وهو يبعد وجهها ليتلقف نظراتها الزائغة ..
لكنها استعادت قناع تماسكها لتغمغم بما توقعه :
_كمل يا ناصر .
قالتها وهي ترمق الساعة المكسورة تحت قدميها بنظرات ذبيحة ..
والسؤال يطرح نفسه من جديد ..
مع كل خطوة يخطوها ثلاثتهم في هذا الطريق ما الذي سيتهشم بعد ؟!
غصتها تخنق حلقها وهي تنسحب من بين ذراعيه لتهمس برجاء غريب على طبيعتها القوية :
_عشان خاطري ..عشان خاطري سيبني الليلة دي لوحدي ..وأنا هابقى كويسة .
انعقد حاجباه بضيق وهو يراها تختفي من أمام ناظريه لتغلق باب الغرفة الجانبية عليها ..
فأطلق زفرة ساخطة وهو يتلفت حوله نحو مراسم الحفل الذي فسد !
لأول مرة منذ تزوجها يقضيان ليلة كهذه متباعدين ..
يتحرك نحو الكعكة التي حملت صورتهما معاٌ كالعادة والتي تجددها هي كل عام بأخرى حديثة العهد ..
فينقبض قلبه بشعور قاسٍ ..
هل ستكون واحدة أخرى هنا في نفس الليلة من العام القادم ؟!
=======
_الشقة حلوة قوي يا توتا !
هتفت بها لجين بسعادة وهي تتجول في الشقة الجديدة التي فرشها إسلام ..
لترد ياقوت برضا بينما تمدد قدميها على
الأريكة في الصالة :
_وميزتها إنها قريبة من المركز ..
ثم تنهدت بارتياح لتهمس وكأنها تحدث نفسها :
_شكل الدنيا هتضحك لنا واللا إيه ؟!
ضحكت لجين وهي تتقدم منها أخيراً لتجلس على الكرسي جوارها هاتفة :
_جدع قوي إسلام ده ..وهيثم كمان ..أنا مش مصدقة عينيا إننا نرتاح كده بعد الشقا اللي شفناه .
_ربنا كريم على قولة ستك ثمر ..المهم طمنيني إنتِ عاملة إيه في العلاج ؟!
لم تكن ياقوت تحتاج لهذا السؤال فهي تتابع مع طبيبتها الحالة أولاً بأول ..
الطبيبة التي أخبرتها أن حادثة قتل حسين
بالجرة نفسها التي كانت تخفي فيها المسروقات تبدو وكأنها هدية من السماء في حالتها هذه !
الصدمة التي تبعت قتله بنفس آداة إخفاء مسروقاتها جعلتها تشعر بمفهوم "الثأر" ..
ربما لهذا لم تعد تشعر بنفس الغبن القديم ..
صارت متقبلة أكثر لنفسها ..وخصوصاً مع الدعم العاطفي المستحدث الذي يمنحه له أخواها ..
الحالة تتحسن ..بل في طريقها للشفاء !
لهذا لم تتعجب ابتسامة لجين الراضية وهي ترد ببعض الحرج:
_ماشي الحال ..المهم ستي ثمر ماتعرفش .
_مش هتعرف ..ماتخافيش ..اللي يستره ربه ما يفضحوش عبد .
تقولها ياقوت بيقين وهي تسترجع مأساتها الخاصة لتضحك لجين ضحكة عالية سبقت قولها :
_بقيتي بتتكلمي زي ستي ثمر تمام .
_وأنا أطول يا "أوبرا"؟! ستك دي مدرسة !
هتفت بها ياقوت باعتزاز ليقاطعها صوت الجرس فانتفضت من مكانها هاتفة :
_ده أكيد إسلام جايب الغدا ..هاموت م الجوع !
تحركت لتفتح الباب الذي دخل منه إسلام ليلقي التحية على لجين قبل أن يناول ياقوت ما بيده هاتفاً بأنفاسه اللاهثة :
_ده الغدا ..حطيه هنا على ما اجيب بقية الحاجات !
_حاجات إيه ؟!
تسأله ليلوح بكفه دون رد ..فيما اختطفت لجين منها كيس الطعام لتبدأ في رصه على المائدة ..
بينما وقفت ياقوت تنتظر عودة إسلام الذي وصل حاملاٌ كيسين ضخمين وضعهما جانباً قبل أن يغلق الباب خلفه هاتفاً :
_غذوني بقا يا اخواننا ..أنا فطست اليومين دول .
تعالت ضحكات ياقوت ولجين بينما تربت الأولى على كتفه برفق لتدفعه نحو المائدة هاتفة :
_لا التغذية دي عايزة ستي ثمر ..تعال لنا انت بس البلد يوم كده وأوعدك نرجعك زايد خمسة كيلو ع الأقل .
_نفسي والله ..بس ستك ثمر لو شافتني ممكن تعملني كفتة .
يقولها وهو يجلس على المائدة ببعض الحرج الممتزج بمرحه مستشعراً دقة موقف أبيه منها ..
لتهتف لجين باعتراض:
_أبداٌ والله ..ده ستي دي مفيش أطيب منها ..دي نفسها تشوفك وتشكرك كمان عشان صاحبك وصى عليها .
_صاحبي مين ؟!
يقولها بفم مليئ بالطعام لترد ياقوت :
_ظابط اسمه ناصر !
ظهر الاستياء على وجه إسلام مع ذكر الاسم ليمضغ الطعام بسرعة مع همهمة ضائقة ..
قبل أن يقول بمرحه المعهود :
_طب خلصوا الأكل بسرعة عشان جايب لكم هدوم تحضروا بيها الافتتاح !
_بجد ؟! ده أنا كنت ناسية خالص!
تهتف بها لجين بسعادة لتعدل ياقوت وضع نظارتها على أنفها قائلة باعتدادها المعهود :
_أنا بقا محضرة نفسي ..أشيك بدلة في مصر .
رمقها إسلام بنظرة متشككة وهو يكتم ضحكته ليقول وهو يضع لها المزيد من الطعام في طبقها :
_بصراحة أنا كنت عايز أكلمك في الموضوع ده من زمان .
_موضوع إيه ؟!
تسأله باهتمام ليتبادل نظرات محرجة مع لجين التي هزت كتفيها بجبن ..
فيحاول هو انتقاء عباراته :
_إيه رأيك تخلليني مستشارك الفني في موضوع اللبس ده الأيام اللي جاية ؟!
_وأنا ذوقي وحش؟!
تهتف بها بتنمر عبر فمها المليئ بالطعام ليبتسم هاتفاً بمشاكسة :
_هو مش وحش يا توتة ..هو مفيش ذوق أساساً !
شهقتها المستنكرة تجعلها تغص بالطعام فيناولها كوباً من الماء مردفاً بنفس النبرة المشاكسة :
_حبيبتي ستايل لبسك ده بطلوه من التسعينات .
_تسعينات ؟!
تهتف بها باستنكار عقب شربها للماء ليرد هو ملوحاً بكفه :
_أو تمانينات مش فاكر !!
جلجلت ضحكة لجين التي كتمتها وياقوت ترمقها بنظرة زاجرة ..
قبل أن تلتفت نحوه قائلة بأنف مرتفع :
_ماتخافش ..المرة دي مااستنش
الأوكازيونات ..وجبت أشيك وأغلى حاجة في (.....).
تبادل مع لجين نظرة بائسة وهو يميز اسم المحل البسيط الذي ذكرته ..
قبل أن يمط شفتيه باستياء جعلها تنتفض من مكانها هاتفة :
_لا بقا ..ده أنا أقوم أغسل إيدي وأفرجك عشان تنبهر .
وضعت لجين كفها على شفتيها تكتم ضحكتها ..
فيما تنهد هو بصبر منتظراً مفاجأتها التي غابت قليلاً لتعاود الظهور بها ..
تتسع عيناه قليلاً وهو يميز اللون البرتقالي الفاقع الذي اختارته لبدلتها ..
والذي تزامن مع ألوان الوشاح التي لا تقل عنه بشاعة !
_اللون ده مع لون عينيا بيعمل شغل ..برتقاني مع أخضر بقا وكده !
قالتها ياقوت باعتزاز مبالغ فيه وهي تشير حول وجهها باستعراض ..
فأخفت لجين رأسها تحت المائدة تكتم ضحكاتها عاجزة عن التوقف مع رد فعل
إسلام المصدوم ..
والذي وقف مكانه ليتوجه نحوها هاتفاً :
_انتِ كنتِ هتحضري الافتتاح بدي؟!
_مش عاجباك دي ؟! انت عارف بكام ؟!
تهتف بها مدافعة ليطرق برأسه للحظات قبل أن يتناولها منها ليضعها جانباً برفق..
قبل أن يحيط وجنتيها براحتيه هاتفاً برجاء مصطنع :
_أبوس إيدك يا شيخة ..أبوسك انتِ شخصياً ..خلليكي انتِ في العلم ..وسيبيلي أنا الطلعة بتاعة الشكل دي ..انتِ حلوة وييجي منك والله ..عايزة بس شوية ..شوية ..
_شوية إيه ؟!
تهتف بها بعينين مهددتين ليحاول البحث عن لفظ مناسب :
_شوية هندمة ..سيبيلي نفسك بس ..وأنا هاعمل منك فاشونست.
مطت شفتيها بعدم اقتناع وهي تزيح كفيه عن وجهها لتتوجه نحو الكيسين عند الباب ..
فتحت أحدهما لتستخرج منه بدلتها التي اختارها لها ..
بسيطة التصميم بلون كريمي هادئ ..مع وشاح بلون الفستق الفاتح ..
_عادية ! لا لون ولا شياكة ..بس ماشي ..إيه ده ؟! إيه ده ؟! هو ده تمنها بجد واللا الكود بتاعها ؟!
هتفت بالعبارة الأخيرة بارتياع لتعلو ضحكته وهو يراقب ملامحها الملتاعة بينما تستطرد :
_والله حرام عليكِ ..تدفع كل ده في بدلة ؟! ده تمنها بس يجوّز اتنين في بلدنا !
لكنه جذب أذنها برفق مشاكساً مع هتافه :
_بصي بقا ..جو "عم دهب" اللي عايشالي فيه ده ماعادش ينفع ..فكي الكيس يا آنسة "كريمة" .
ضحكات لجين في الخلفية تثير استفزازها أكثر لتحرر نفسها منه هاتفة باستنكار :
_انت اللي سَفيه !..اللي زيك المفروض يتحجر عليه ..عارف لو ..
صوت رنين هاتفها يقاطعها فترمقه بنظرة مغتاظة قابلها بضحكة أخرى وهو يراها تتفقد الهاتف لتقول بملامح لانت نوعاً :
_ده سامر .
_طب ردي يا شجرة الدر!
يغمزها بها كعهده قبل أن يتحرك ليعاود الجلوس على المائدة ..
بينما فتحت هي الاتصال ليصلها صوت سامر الذي يمزج تهذيبه بالود القديم
كالعادة :
_مساء الخير يا ياقوت ..كنت عايزك في كام استفسار كده بخصوص المركز ..
تبتسم وهي تتلقى استفساراته لتجيبها بتحفظ ..
تعلم أنه قد يتحسس من موقفها الآن وهي تعتبر مديرة المكان بعد طول منافستهما القديمة ..
لكنها تثق كذلك في حسن تقديره ..
تتذكر عندما التقته بالأمس بمقر المركز لأول مرة منذ سنوات طويلة ..
شكله تغير كثيراً ..لايزال يحمل نفس الملامح الطيبة الهادئة لكنه بدا لها أكثر حزناً ووقاراً ..
ترى كيف رآها هو ؟!
قديماً لم تزد علاقتهما عن مجرد زمالة قوية لم تتطور حتى لصداقة فقد كانت بنشأتها القروية أكثر تحفظاً من هذا ..
لكنها بالأمس لمحت في عينيه إعجاباً قوياً لم تدرِ مبعثه ..هل هو نجاحها الذي وصلت إليه في عملها ..
أم يتعدى الأمر هذا !
كانت تعلم أنه يحب إحدى قريباته تدعى سها ولم يتزوجها لفروق طبقية ..
لكنها لا تستطيع الجزم أن هذا سبب تأخر زواجه حتى الآن ..
لماذا يشغلها أمره الآن ؟!
ربما لأنه يشبهها كثيراً في رحلة كفاح بدأها كلاهما من الصفر حتى وصل لما يحسده عليه كثيرون ..
لكن ما هي واثقة منه تماماً أنها مرتاحة كثيراً لعملهما الآن معاً ..
لهذا اتسعت ابتسامتها وهو يقول أخيراً بارتياح :
_كده تمام قوي ..نجهز بقا عشان نعيد أمجادنا القديمة .
_ربنا يكرم ..متحمسة جداً وخايفة أكتر .
تقولها بتوجس معتاد لكن صوته يأتيها دافئاً يمنحها المزيد من الأمل :
_ياقوت سليمان ما بتخافش ..لما بتحط حاجة في دماغها بتوصل .
تبتسم وهي تشعر أنها تحتاج سماع هذا الآن حقاً لتغلق معه الاتصال بنظرات شاردة ..
تشعر أن المركز الجديد هذا سيكون نقطة فاصلة في تاريخها ..
جبلها الجديد الذي لن تتخلى عن صعود قمته ..
لكن بقواعدها الجديدة هذه المرة !
=======
حفل الافتتاح كان مميزاً حقاً !
حرص إسلام أن يبدو بأرقى صورة وقد دعا إليه جميع معارفه وأصدقائه ..
كذلك ياقوت التي اعتبرته محطة انطلاقتها الجديدة .
_مش دي الطرحة اللي جبتها .. برضه حطيتي "التاتش" بتاعك !
همس بها إسلام بغيظ وهو يميل عليها عندما استقبلها أمام الباب متفاجئاً بوشاحها البرتقالي الفاقع الذي ارتدته مع البدلة الكريمية ..
لتهمس له مبررة :
_قلتلك البرتقاني مع لون عنيا بيعمل شغل ..ايش فهمك انت ؟!
خبط كفه بجبهته في يأس لتبتسم وهي تخطو معه إلى الداخل ..
تشعر بالمزيد من الثقة وهي ترى دعم إسلام جوارها ..
وتتمنى لو كانت ثمر هي الأخرى هنا ..
منعتها صحتها الواهنة من الحضور فلم تعد تحتمل مشقة السفر ..
لكنها وعدتها بحفل شبيه تقيمه لها في القرية عند عودتها !
عيناها تلتقيان بعيني يامن الذي حضر لتوه مع ياسمين وعابد فتضحك بسعادة وهي تتقدم نحوهما لتصافحهما بود شاكرة لهما الحضور..
لكنها تستشعر شيئاً ما غامضاً بنظرات عابد
بالذات نحو لجين التي وقفت منزوية هناك بركن قصي تراقب الحضور بمزيج من فرحة وخجل ..
شيئاً لم يمكنها تفسيره لكن حدسها لم يخطئه .
مروان هناك مع داليا يتقدم نحوها ليهنئها بحفاوة ..لم تتعجب حضوره فقد كان صديقاً لسامر منذ سنوات ..
تبحث بعينيها عن إسلام لتجده منخرطاً في الحديث مع علاء وسيف ..يبدو أنها قضية تلك المرأة غادة التي حكى لها عنها والتي توشك أن تنفرج أزمتها ..
تتمنى لو حضر هيثم كذلك لكنهم لا يزالون يمنعونه الخروج خشية أن تنكشف له الحقيقة ..
لا بأس ..غداً تحل كل الأمور !
الخاطر الأخير تستدعيه بابتسامة وهي تعاود تفحص الحضور بشرود ..
المكان كان مزدحماً حقاً لكن قلبها لم يكن يرجو من الحضور إلا واحداً ..
واحداً لم يأتِ ولا تظنه سيفعل ..
اكتفى بزهور أرسلها !
هذه الذي وقفت هي أمامها دامعة العينين وقد شعرت أن سعادتها انطفأت فجأة برؤيتها ..
هل هذا ما بقي بينهما ؟!
زهور وبطاقة !
ترفع البطاقة المرسلة معها لكنها كانت خالية إلا من اسمه مع ..
ثلاثة عشر نقطة !!
ابتسامة شاحبة تلون شفتيها وهي تتذكرها بعدد عناقاته المحسوسة ..
إذن كان يعدها عداً مثلها ؟!
الغافل لا يدري أن هناك واحداً زائداٌ أحسته هي رغم هذا البعد !!
الدموع تتكدس في عينيها أكثر وهي لاتزال متخشبة أمام زهوره التي لم ترغب أن يراها سواها ..
لهذا حملتها أخيراً لتتوجه بها نحو غرفة مكتبها الخاصة ..
هذه التي فتحتها لتضع الزهور على منضدة جانبية جوار مكتبها ..
قبل أن تعتدل بجسدها تراقبها بشرود ..
هذا هو -بالضبط- مقامها عنده !
هدية رومنسية ناعمة يرسلها لكن ..في الظل!
اليوم بالذات كانت تريده هنا ..حتى ولو رحل بعدها لعالمه الذي توقن أنها لن تنتمي يوماً إليه !
دمعة خائنة تتسرب من طرف عينيها وهي تشعر أن الخيط الذي جمعهما يوماً يزداد وهنه يوماً بعد يوم ..
_لو أعرف إنك هتحطيهم هنا كنت مليتلك المكتب ورد .
تشهق بانفعال وهي تميز صوته خلفها لتلتفت ..
ليس بجسدها فحسب بل بروحها كلها !!
عيناها تعانقان عينيه بهذه النظرة التي تثير جنونه حتى وهي سجينة خلف زجاج نظارتها ..
المفاجأة تلجم لسانها فلا تجد رداً !
هو جاء هنا ؟!
إبهامه يمسح دمعتها الخائنة بخفة قبل أن يلتقط كفه راحتها بما بدا كمصافحة لكنها وحدها كانت تشعر بحركة إبهامه العاشقة على ظاهر كفها ..
يدور ..ويدور ..
لتدور هي معه مغيبة للحظات نسيت فيها كل شيء إلا شعورها أنه هو هنا ..معها ..
نسيت الحضور بالخارج ..والجلبة التي تكاد تصم الآذان ..
فلم تعد تسمع إلا هذا اللحن الذي يتراقص عليه قلباهما معاً بنفس الإيقاع ..
حتى ابتسامتها التي عاهدت نفسها أن تتلون معه بالتحدي وجدتها الآن غير قادرة سوى على صبغة واحدة ..
بالحب!
_ما عزمتينيش ..بس ماكانش ينفع ماابقاش معاك النهارده ..مبروك .
يهمس بها بهذه النبرة المهلكة التي تتلاعب بدقاتها بينما كفه يضغط راحتها أكثر ..
فتغمض عينيها هاربة من هذا الإعصار الذي يكتسحها ..
هو الآخر كان غارقاً بهذا الجنون الذي ما عاد يملك معه حولاً ولا قوة ..
حتى الصباح فقط كانت خطته أن يرسل لها الزهور فحسب ..
لكنه وجد نفسه مدفوعاً بقوة غير مرئية كي يأتي إلى هنا ..
إحساس ساحق ينتابه الآن كعهده معها فيبذل مجهوداً خارقاً كي لا يضمها إلى صدره..
يصهرها بهذا اللهيب الذي يحترق به -في غيابها- مرة..
و-في قربها- مرات ومرات !!
_العظيمة شجرة الدر أين أنتِ؟!
هتاف سامر المتباسط على الباب يقطع سحر اللحظة بينهما فتنتفض ياقوت مكانها تحاول سحب كفها منه لكنه لم يفلته وهو يتوجه ببصره نحو سامر الذي
تنحنح قائلاً بحرج :
_آسف ..كنت فاكرك لوحدك ..بس ماما عايزة تسلم عليكِ قبل ما تمشي ..هستناكي .
توردت وجنتاها بمزيج من خجل وحرج وهي تشعر بنظرة زين الحارقة تلاحقه حتى غادر ..
لتحاول سحب كفها منه من جديد هامسة بحدة :
_سيب إيدي .
لكنه التفت نحوها هي هامساً بلهجة خطيرة وكفه يكاد يسحق كفها في يده :
_مين ده بقا اللي واخد عليكي قوي كده ؟!
الغيرة المشتعلة في حدقتيه ترضي كبرياءها الأنثوي ..
لكن شعورها "الأمومي" الغريب نحوه يجعلها تجيب بسرعة :
_ده زميلي من أيام الجامعة وبيشتغل معايا هنا ..سيب إيدي.
تقول عبارتها الأخيرة بالمزيد من الصرامة وعيناها تعودان للغرق في الدموع من جديد ..
فيترك كفها أخيراً لكن أنامله ترتفع نحو وجهها ليسألها بنفس النبرة الخطيرة بين غضب وغيرة :
_انتِ لسه لابسة الحلق ؟!
لكنها ابتعدت عن مرمى أنامله لتهمس بنفس الخفوت الحاد :
_مش من حقك تعرف ..خلاص ..افهم بقا ..اللي بيننا خلص ..خلص .
شهقة باكية تغادر حلقها مع آخر كلمة لينعقد حاجباه بغضب هادر وغيرة مجنونة رأت جانباً منها ذات يوم عندما ظن أن هناك شيئاً ما يربطها برائد ..
لكنها هربت من هذا كله وهي تغادر الغرفة بسرعة تاركة كل هذا خلفها ..
_ما شاء الله ..قمر !
تقولها المرأة -أم سامر- وهي تعانقها بود استجابت له ياقوت محاولة تهدئة نفسها عقب الموقف السابق ..
لكنها بقيت تختلس النظر نحو زين الذي وقف مكانه يراقب بعينين مشتعلتين ..
لتبتسم لها ياقوت مجاملة قبل أن تتنهد بارتياح وهي ترى رائد يظهر أخيراً هناك بنظراته الحذرة ..
فأسرعت إليه لتنتحي به جانباً بانفعال جعله يسألها بقلق:
_فيه إيه يا ياقوت ؟! ألف مبروك الأول .
_الله يبارك فيك ..زين هنا ..وإسلام لو شافه ممكن تحصل مشكلة ..خلليه يمشي .
قالتها بأنفاس متقطعة وهي تحاول البحث عن زين ببصرها من جديد وسط الحضور ..
لكن الجواب وصلها من خلفها تماماً حيث فوجئت به هو نفسه يميل عليها هامساً في أذنها بخطورة :
_اللي بيننا ماخلصش ومش هايخلص ..افتكري ده كويس عشان أنا مابسامحش أي حد يقرب من حاجة تخصني .
ورغم الأنفة المعتدة التي ظللت نظرتها المتحدية نحوه بعدها لكنها لم تستطع منع ارتعادة خوف حقيقية سرت في جسدها من نظراته ..
ليرقب رائد الوضع بحذر وهو لا يفهم ما يحدث ..
وما كاد يهم بإقناع زين بالمغادرة حتى وجد الأخير يغادر المكان فجأة كقذيفة ..
تلاحقه نظرات ياقوت التي لا تزال عالقة به رغم كل شيء !
=======
في شقتها تجلس نبيلة وحدها شاردة ببصرها ..
البيت صار خالياً وقد استقل كل من يامن وبنات خالته بحياته..
ابتسامة شاردة تحلق فوق شفتيها وهي تشعر بالرضا ..
يوماً ما كانوا جميعاً هنا حولها ..
تحمل وزرهم جميعاً بعقدة غرستها هي في نفس كل منهم ..
والآن تشعر أن الوزر قد انزاح بعدما تحرر كل منهم من عقدته ليعود لحياته ..
لكن ..
هل آن الأوان أن تتجرع هي كأس وحدتها ؟!
صوت هاتفها يقاطع شرودها برقم ما فترمقه بنظرة مترددة غامضة ..
قبل أن تقرر تجاهل الاتصال !!
تفتح التلفاز لتقع عيناها مصادفة على أحد أفلامها القديمة ..
ابتسامة حنين طبيعية ترتسم فوق شفتيها وهي تستعيد مجدها السابق ..
لكنها امتزجت بالكثير من الندم وهي تزداد يقيناً أن عمرها السابق كله كان ..خدعة !
وأن الحقيقة الوحيدة فيه كانت يامن ..والبنات !!
لهذا أغلقت التلفاز بحسم لتعاود التلفت نحو الجدران حولها ..
تخشى أن تموت وحيدة !
طالما راودها هذا الكابوس مراراً يزكيه شعورها بالذنب نحوهم ..
لكنها ..
صوت هاتفها بنفس الرقم يعاود الرنين من جديد فترمقه بنفس النظرة الغامضة لتقرر تجاهله هذه المرة أيضاً !!
تتناول هاتفها لتتفحص صور زفاف داليا ..
صورتها وهي مبتسمة تعانق مروان ..
صورة يامن جوار ياسمين وقد تعانق كفاهما فوق بطنها البارز ..
صورة هانيا المتألقة جوار رامز يضمها لصدره ..
صورة رانيا تبتسم بثقة وهي تحيط عنق أشرف بذراعيها من الخلف ..
وأخيراً صورة لها هي وسطهم جميعاً بينما يتحلقون حولها ..
هذا هو الإنجاز الحقيقي ..
دور البطولة الذي ظنت يوماً أنها لن تلعبه ..
واليوم تجده الوحيد الذي يليق بها!
صوت رنين جرس الباب هذه المرة هو ما يقاطع أفكارها فتترك الهاتف لتتحرك وتفتح الباب ..
_إزيك يا بيللا ..قلنا نقضي النهارده معاكي ..يامن واخد أجازة من العيادة .
تهتف بها ياسمين بنبرتها الودود وهي تعانقها لتبتسم بيللا وهي تتحرك لتعانق يامن المبتسم بدوره قائلة :
_جيتوا في وقتكم ..كنت لسه هابدا أبكي ع الأطلال .
_كنت حاسس ..وقلت هتعيشي دور أمينة رزق وتقلبيها دراما ..ألحق نفسي أحسن !
هتف بها يامن بمزاحه المعهود وهو يضمها لصدره بعناق يزداد دفؤه يوماً بعد يوم ..
كأنه يعوض معها كل ساعات أمومته التي افتقدها ..
_حظكم حلو ..الغدا لسه سخن .
قالتها نبيلة بابتسامة عريضة ليهتف كلاهما بعينين متسعتين ارتياعاً وبنفس اللحظة :
_مسقعة ؟!!
لكنها هزت رأسها نفياً لترد بفخر :
_دي أكلة هندي بس حطيت عليها التاتش المصري فطلعت وااااو .
مط يامن شفتيه باستياء مستسلم لتكتم ياسمين ابتسامتها وهي تلحق بها لكن نبيلة أوقفتها بحركة من يدها هاتفة :
_روحي انتِ اقعدي جنب جوزك ..أنا اللي هاحضر السفرة .
فابتسمت وهي تعود إليه لتجلس جواره على الأريكة مربتة على كتفه مع قولها بخفوت :
_الحمدلله إنها مش مسقعة ..قضا أخف من قضا .
فضحك ضحكة خافتة وهو يضمها نحوه ليقبل رأسها هامساً لها بشرود :
_هي عارفة وحاسة إني بحب آكل من إيديها ..مش مهم نوع الأكل ..المهم إنها هي اللي عاملاه عشاني .
اتسعت ابتسامتها مدركة ما يعنيه هذا الأمر لكليهما ..
قبل أن تشعر بحركة يمنى تزداد صخباً لتتأوه بقوة وهي تمسد بطنها قائلة :
_بنتك بتلعب كورة جوة .
فضحك ضحكة عالية وهو يتناول الريموت جواره ليفتح التلفاز قائلاً :
_فكرتيني ..أبو صلاح بيلعب دلوقت ..وشكله هيولع الدنيا .
_فاكر لما تنبأت له بمستقبل جبار ؟! أهه طلعت لي نظرة ..عشان ماتقولليش الستات مالهاش إلا المطبخ !
قالتها بعتاب مازح ليقبل وجنتها بخفة قبل أن ينخرط في التركيز بالمباراة الدائرة ..
فتناولت هي الأخرى هاتفها لتقلب فيه لدقائق قبل أن ينسحب اهتمامها كاملاً لفيديوهات الطهي الخاصة ب"بوراك" التركي ..
_مين اللي بتتفرجي عليه ومبتسمة كده؟!
يسألها بغيرة جلية وهو ينصرف عن المباراة ليشاهد ما لفت انتباهها هكذا ..
_ده بوراك ! معقول ما تعرفوش ؟! رهيب ..أول ما اشوف فيديو ليه تلقائي ببتسم .
_والله ؟!
هتف بها باستنكار فظ وهو يختطف منها الهاتف ليغلقه بحسم فتهتف جواره باعتراض:
_هات الموبايل يا يامن ..ماانت مشغول بالماتش .
_انا اتشغل بالماتش وحضرتك تتشغلي بيا ..مش بالأخ اللي بيحشي الخرفان ورق عنب ده !!
يهتف بها باستنكار يفوح غيرة لتكتم ابتسامتها قائلة بنفس النبرة المعترضة :
_ده شغل يا دوك ..وده زميل عمل ..بجد بستفيد من وصفاته !
_شوفي سالي فؤاد واللا منال العالم ..ولو
طالبة تشوفي رجالة شوفي الشيف شربيني ..ماله الشيف شربيني ؟! هي بس عقدة الخواجة !
ضحكتها العالية تكون جوابها وهي تنهض من جواره بصعوبة عندما هتفت نبيلة بفخر :
_السفرة جاهزة .
جو عائلي حميم قضاه ثلاثتهم بعدها يتبادلون المزاح حتى انتهوا من تناول الطعام ..
لتتردد نبيلة قليلاً وهي ترى هاتفها يعاود الرنين بنفس الرقم ..
قبل أن تخاطب يامن الذي عاد ينشغل بمتابعة الشوط الثاني من المباراة بقولها :
_فيه موضوع كده كنت عايزة أتكلم معاك فيه .
_مممم؟!
يهمهم بها وعيناه متعلقتان بالشاشة لتستطرد هي بارتباك :
_هو موضوع اتأخر ..بس ..
_خير...عايزة تحجّي ؟!
يقاطع بها ترددها لتهز رأسها نفياً ليعاود سؤاله ورأسه يتابع حركات الكرة أمامه :
_قررتي تتحجبي ؟!
يقولها بنصف تركيز لتصمت قليلاً قبل أن تفجر قنبلتها :
_(.....)عرض عليا الجواز .
قالتها ذاكرة اسم مخرج وممثل شهير ليبدو عليه أنه لم يسمع لأول وهلة قبل أن يلتفت نحوها بحدة هاتفاً :
_نعم ؟!
تحركت ياسمين لتلتصق به محاولة تهدئته وهي تكتم ضحكتها باستماتة ..
لترفع نبيلة ذقنها بشموخ قائلة :
_هو صرح لي انه بيحبني من أيام ما عملنا سوا فيلم (....) لكن أنا وقتها مكنتش بفكر في الارتباط ..وبعدها عملنا فيلم (.....) اللي كان آخر فيلم مثلته ..وقتها كرر عرضه تاني بس ..
_خلاص يا فنانة ! مش نادي السينما هو ! انتِ صحيح عايزة تتجوزي ؟!
يهتف بها بعصبية احمر لها وجهه لترد نبيلة بنفس الشموخ :
_أنا ببلغك بس بعرضه .
_وياترى العرض للجواز بس ؟! واللا عايزة ترجعي تمثلي كمان ؟!
يسألها بنفس الحدة لترد وهي ترفع ذقنها :
_هو بصراحة عرض الاتنين ..شايف ان جمهوري بعد الفترة دي كلها مشتاق يتفرج عليا من جديد .
كز يامن على أسنانه بقوة وهو يشعر بالدم يضرب في رأسه ..
لكنه كظم غيظه كما تعود معها لتخرج كلماته مختنقة بغضبه :
_انتِ حرة ..أنا عمري ما اتدخلت في قراراتك .
يقولها ليعاود الالتفات نحو المباراة بملامح متجهمة لكن بيللا تغمز ياسمين بمشاكسة قبل أن تقول بنفس النبرة الشامخة :
_أنا رفضت !
ملامحه المتجهمة تلين فجأة وهو يتوجه ببصره نحوها لتردف هي بنبرة أكثر دفئاٌ :
_أنا خلاص عرفت دوري الحقيقي ..هنا ..وسطكم .
ابتسامته تتسع رويداً رويداً ثم تتحول لضحكة صافية وهو يقوم من مكانه لينحني نحوها هاتفاً بمشاكسة :
_بتلاعبيني يا بيللا ؟!
_كبرت ع اللعب يا مانو ؟!
تقولها بمكر وهي تداعب وجنتيه بحركة تعلم أنها تثير غيظه في المعتاد ..لكنه هذه المرة تقبلها بعمق حرمانه الطويل منها ..
والآن يشعر أنه قد حان وقت التعويض ..
لهذا انحنى أكثر ليضم رأسها نحو صدره قبل أن يجلس جوارها لكنها رفعت رأسها لتضمه هي بحنان قائلة :
_كمل الماتش بقا برواقة ..
يبتسم بارتياح وهو يشعر بمذاق عناقها
الأمومي يزداد حلاوة هذه المرة ..
فيغمض عينيه باستمتاع قبل أن يعاود فتحهما لتلتقي نظراته بنظرات ياسمين المتفهمة ..
وحبل الشعور بينهما لا يحتاج لكلمات ..
صوت الصخب من التلفاز جواره معلناً وصول هدف يقاطع أفكاره فينتبه له بكل حواسه ..
قبل أن تصله صرخة أخرى لكن ..من ياسمين هذه المرة ..
صرخة تلتها أخريات وهي تمسك بطنها بقوة ..
يبدو أنه موعد وصول يمنى ..
يمنى يامن عبد الرحيم حمدي.
======
أفاقت من تأثير المخدر لتبتسم وهي ترى وجهه أمامها ..
أنفاسه تظللها وهمسه الدافئ يمتزج بسحر عينيه العسلي :
_حمداً لله ع السلامة .
_هي فين ؟!
تهمس بها بلهفة عبر حلقها الجاف لتأتي نبيلة تحملها هاتفة بفرحة طاغية :
_قمر ..نسخة من يامن وهو صغير !
_أنا مناخيري كانت كبيرة كده ؟!
يقولها مشاكساً لترد نبيلة بنفس الفرحة
الأمومية :
_بجد يا يامن ..كإني شايفاك انت ليلتها ..
ثم وضعتها بحرص على صدر ياسمين مردفة بإشفاق:
_معلش ..عارفة إنك تعبانة بس لازم ترضعيها دلوقت على طول .
تتسع عينا ياسمين بانبهار وهي تتأمل هذا الكائن المنمنم على صدرها ..
أنفاسها تتلاحق وهي تشعر بحلاوة أن يتحقق الحلم ..
عيناها تدمعان وهي تتفحص ملامح الصغيرة التي استقرت على نهدها تلتقمه ..
لتغمض عينيها غارقة بهذا الإحساس الذي تجربه لأول مرة ..
والذي يهون فداه أي ألم !!
_واخدة عنيا وشفايفك ..مناخيري ولون شعرك ..قسمة العدل اهه ..مش قلتلك بنتي دكتوراة تفاصيل !
يقولها يامن وهو يتحرك ليجلس جوارها يحيطها بأحد ذراعيه بينما يسند الصغيرة
بالآخر ..
لترفع عينيها الدامعتين نحوه هامسة بصوت مختنق :
_جميلة قوي ..قوي يا يامن!
تنخرط بعدها في بكاء انفعالي لم تعرف سببه ليشدد ضمته الرفيقة حولها متفهماً عمق شعورها الذي يشاركها مثله ..
لتتقدم نبيلة منهما قائلة بإشفاق :
_ماتعيطيش كده بيقولوا بيعكر اللبن ..انا هاخدها أحاول أنيمها برضعة الأعشاب اللي الدكتور كتبها على ما تاخدي نفسك .
يبتسم يامن بتقدير وهو يشعر بالوجه
الأمومي لنبيلة يزداد وضوحاً ..
حتى لهجتها صارت تفتقد للكنة النجمة المميزة ..صارت أكثر بساطة ..وحميمية !!
وما كادت نبيلة تخرج بالصغيرة التي تهدهدها برفق ليخفت صوت بكائها تدريجياٌ ..
حتى مال على وجنة ياسمين يقبلها بعمق هامساً :
_مكنتش أعرف إنكم بتتعبوا في الولادة قوي كده ..الدكتور مكانش راضي يدخللني معاكي ..بس أنا عملت مشكلة .
ثم تخلل أناملها بأنامله مردفاً :
_كانت أجمل لحظة في حياتي وأنا شايفها بعيني بتخرج للدنيا .
فترفع عينيها نحوه لتنتبه أخيراً لما يرتديه ..
هذا الذي اتسعت عيناها له بصدمة مع همسها :
_القميص الأبيض ؟! أخيراً ..لبسته !
همساتها تنتهي بضحكة انفعالية مكتومة وهي تتذكر عمر هذا القميص الذي اشترته له منذ سنوات آملة في أن تراه يوماً يرتدي لوناً غير الأسود ..
ليضمها نحوه برفق مداعباً وجنتها بأنامله مع همسه الدافئ:
_لو مكنتش هالبسه النهارده هالبسه امتى ؟!
_حلو عليك الأبيض ..قوي ..قوي ..
تهمس بها وسط فيض دموعها وهي تخفي دموعها في صدره ليغرق وجنتها الظاهرة بقبلاته متفهماً هذا الاعصار من المشاعر الذي يجتاحهما الآن معاً ..
من كان يصدق أن يلتقي النقيضان هكذا بعد هذه الرحلة الطويلة من العذاب والشك
والألم ؟!
رجل الأسوَد وامرأة الألوان أخيراً وجدا سماء بيضاء مشتركة يحلقان فيها معاً!
_هه يا ستي ؟! لسه فيه حاجة في أحلامك ما اتحققتش ؟!
يهمس بها وأنامله لا تزال تربت على وجنتها بحنان لتعاود رفع عينيها نحوه هامسة بعبارتهما الخالدة :
_شكراً يا طيب .
هنا لم يستطع المقاومة وهو يميل على شفتيها بقبلة ناعمة طويلة كأنما يذيب روحه في روحها ليمتزجا معاً ..
دموع سعادتها تجد أرضاً مشتركة بين بشرتيهما الملتصقتين كأنما تحكي للعالم عن قصة حبهما الرائعة هذه ..
وأنامله التي تشتبك بأناملها تمنحها بعد العهد عهداً ..
وبعد الوعد وعداً ..
يرفع رأسه أخيراً ليمسح ما بقي من دموعها وهمسه ينافس خفقاته عشقاً :
_ماعدتش عايز أشوف دموع في عينيكي ..كفاية بقا .
ترتجف ابتسامتها وهي تومئ برأسها لتلتفت من جديد نحو الباب الذي فتح من جديد لتدخل منه نبيلة حاملة الصغيرة وخلفها "الثلاث بنات"!
هانيا ورانيا وداليا !
_مبروك يا يامن !
الثلاثة قلنها في نفس اللحظة وهن يندفعن نحوه ليهتف هو ضاحكاً بصوت عال :
_كده بقيت رسمي ..راجل وست ستات !
تنطلق ضحكاتهن معاً عالية ليعلو معها بكاء الصغيرة كأنما تدلي بدلوها في هذا المشهد ..
يمنى التي تحرك يامن ليهدهدها برفق ويسير بها نحو ياسمين ..
_مش عايز أبوسها كتير ..خايف دقني تشوكها !
يقولها لتطرق كلماتها "ذكرى" خاصة بينهما فتبتسم وعيناها تجددان عهود عشق لا يبلى ..
والرد يصلها منه كما كان أول مرة :
_بتهزر ؟! ما الحب إلا للحبيب الملتحي !
=======
_بتقول إيه يا عابد ؟! مين دي اللي عايز تتجوزها ؟!
تهتف بها أمه باستنكار في شقتها التي تقيم فيها في القاهرة منذ عودتها -المؤقتة - من
ماليزيا ..
ليرد عابد بصبر :
_تمهلي يا أمي ..الفتاة رائعة حقاً ..تعلمين أنني انتقائي كثيراً بشأن النساء ..ولم يتعلق قلبي إلا بخطيبتي السابقة رحمها الله ..لهذا كوني واثقة من اختياري .
_اختيار إيه ؟! بتقول أبوها مين وأمها مين ؟!
تهتف بها بنفس الاستنكار وهي تتهاوى
جالسة على الأريكة ليجلس هو جوارها مربتاً على ركبتها مع قوله :
_أخبرتكِ أيضاً أن جدتها ربتها وشقيقتها على أفضل وجه ..والله سبحانه وتعالى يقول "ولا تزر وازرة وزر أخرى".
_وإيه يجبرك يا ابني ؟! ما الدنيا مليانة بنات !
تقولها بعدم اقتناع لتجتاحه ابتسامة شاردة وهو يتذكر المرة القريبة التي رآها فيها في افتتاح المركز الخاص بياقوت ..
ملامحها المميزة بجمال -خاص- في عينيه ..
مزيج الخجل والطيبة المشع في عينيها ..
وهذه النظرة البسيطة جداً ..العميقة جداً ..التي كانت ترمق بها الوجوه حولها ..
كأنها روح هائمة مهمشة لا يشعر بها أحد لكنها تبقى محتفظة بسحر خاص لا يفهم سره ..
إنما يدرك أثره !
_الأرواح جنود مجندة ..ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف ..وأنا ألفت روحها يا أمي .
يقولها أخيراً بحسم لتتنهد المرأة وهي تتفرس ملامحه لتقول بعتاب :
_دايماً واجع قلبي عليك ..مش كفاية اللي حصل بسبب دماغك الغريبة دي يا عابد ؟!
لكنه يطرق برأسه وذنب والده القديم لا يزال يطوق عنقه ..
قبل أن يتناول كفها يقبله باحترام وعيناه تناجيان أمومتها :
_بالله عليكِ ..لا تذكري هذا الشأن ثانية ..
الأمر هذه المرة مختلف .
تفرست ملامحه بحيرة مشبعة بالخيبة وهي لا تدري كيف تتصرف معه ..
هو لم يعد صغيراً ..
وطبيعته القديمة المتطرفة تجعلها تشعر
بالخوف عليه أكثر ..
تخشى أن ترفض فيفعلها رغماً عنها ..
لكن ..ما البديل؟!
كيف تقبل زيجة شائنة كهذه ؟!!
لكنها استجابت لصوت العقل الذي دعاها للتريث ..ربما يغير هو رأيه عندما يقترب أكثر من هذه الفتاة مدركاً عظم الفوارق بينهما !!
لهذا تنهدت أخيراً لتقول بنبرة ضائقة :
_خلاص ..خللينا نقعد مع أهلها ونشوف ..اللي فيه الخير يقدمه ربنا .
ابتسم بارتياح وهو ينهض ليقبل رأسها قبل أن ينظر في ساعته ليقول بنبرة لانت كثيراً :
_هيا بنا لنزور ياسمين ..لا أطيق صبراً لرؤية الصغيرة ..
وبعد ساعة كان يصطحبها للمشفى حيث غرفة ياسمين ..
وبينما انتحت أمه بنبيلة جانباً يتحدثان ..
اقترب هو ليجلس على طرف فراش ياسمين ليحمل عنها الصغيرة ويداعب ذقنها بحنان قائلاً :
_ما شاء الله لا قوة إلا بالله ..بورك في الموهوب وشكرتم الواهب وبلغت أشدها ورزقتم برها .
يقولها بالدعاء المأثور ليقبل جبين الصغيرة برقة قبل أن يعيدها لياسمين التي هتفت به بمرح:
_قول الحق ..شبهي أنا أكتر واللا يامن أكتر .
_أحسها تشبهك أكثر .
يقولها ليرضيها فتضحك له هاتفة بعفوية :
_أجدع أخ في الدنيا ..
ثم التفتت نحو أمه تتيقن من انشغالها بالحديث لتميل عليه هو هامسة :
_كلمتها ؟!
أومأ برأسه إيجاباً ليهمس لها بخفوت :
_وافقت لكن على مضض ..ومع هذا فلازلت أستبشر بلقائها بالحاجة ثمر ..هذه المرأة تجد أثرها في قلب كل من تحدثه .
ابتسمت له بإشفاق وهي تخشى عليه عواقب هذه التجربة لتعاود الهمس له ناصحة :
_صلي استخارة وربنا ييسر لك الخير .
_لا أكف عن فعلها ..اطمئني .
يقولها ببشاشة قبل أن يستخرج من جيبه سلسلة ذهبية وضعها حول عنق الصغيرة برفق مردفاً :
_لا أعلم إن كان ذوقي سيعجبك .
_تجنن يا عابد ..تسلم إيدك .
تقولها وهي تعدل وضعها حول رقبة الصغيرة النائمة ..
ليفاجئها بقوله :
_وهذه هديتك أنتِ يا "وصية أبي"!
تتسع عيناها قليلاً وهي تميز ميدالية ملونة تشبه هذه التي أهداها لها يوماً وفقدتها ..
فابتسمت وهي تتناولها منه لتميل على وجنته تقبلها قائلة :
_شكراً ..أوعدك مش هاضيعها المرة دي .
يبتسم بدوره وهو يتذكر رؤيا "الصالح" التي رآها لوالده ..
وكيف منحه فيها ميدالية تشبه هذه كأنما يوصيه بها !!
_عايزين نعمل عقيقة ليمنى أول ما أشد حيلي كده .
تقولها ياسمين وهي تعاود تفرس ملامح الصغيرة النائمة قبل أن تغيم ملامحها بشرود بائس ناسب قولها :
_كان نفسي بابا يبقى معانا دلوقت ويفرح بيها وسطنا .
فيغمض عينيه بأسي يقاومه ليربت على كتفها قائلاً :
_عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ..موته كان فاجعة لكنه جمعنا بهذه الطريقة التي لم تجمعنا في حياته ..فسبحان من يدبر الأمر .
======
الضوء الأحمر في الغرفة يمنحها المزيد من
الإثارة لما يُعد !
صوت أغنية أجنبية ماجنة يأتي من مكان ما ليشتعل له الجسد برغبة فائرة ..
يتفقد "أدوات متعته" على الفراش منتظراً حضورها ..
يشعر بعطرها خلفه فيستدير ليرمقها بنظرة تقييمية راضية ..
بل أكثر من راضية !!
ابتسامتها التي أشعلته منذ أول لقاء لهما تحدث نفس الأثر الآن ..
خاصة عندما تتقدم ببطء مغوٍ لتركع على ركبتيها فوق الفراش ..
عيناه تتوهجان بهذا البريق الوحشي ليطلق زمجرة هادرة أثارتها قبل أن يغيب كلاهما في ممارسة شاذة اعتادها كلاهما ووجد فيها متعة تناقض الفطرة لكن من يهتم ؟!
مادام عبداً لشهوات جسده !!
دقيقة خلف دقيقة تشعل المنحنى حتى يصل لذروته قبل أن تعلن الأنفاس اللاهثة نهاية الرحلة ..
_رامي.
تهمس بها أخيراً بغنج ليفك قيد معصميها ببطء متأملاً برضا هذه الآثار الحمراء التي تركها على بشرتها ..
لكنها لم تبد ضائقة ..
الألم صار يمتزج بالمتعة فلا تكاد تعرف فارقاً بينهما !
_بتعمل إيه ؟!
تسأله وهي تراه يتأهب ليتمدد نائماً على الفراش فيمط شفتيه باستياء وهو ينهض قائلاً :
_مش هتصرفي نظر بقا عن الشرط ده ؟! فيها إيه يعني لما أنام هنا ؟!
النظرة الخانعة "المدروسة" في عينيها تتحول لأخرى شرسة تخيفه حقاً خاصة مع همسها البطيئ :
_انت تاخد اللي بديهولك وبس ..اكتر من كده ..هتزعل !
نبرة التهديد التي حلقت فوق آخر كلماتها وجدت أثرها فيه لينقذ كرامته بابتسامة هازئة قبل أن يتحرك ليغادر الفراش ويرتدي ملابسه ..
نظراتها المزدرية تودعه حتى باب الغرفة قبل أن تسمع صوت الباب الخارجي للشقة يغلق ..
هنا تسمح لنفسها أن تبصق بقوة جوارها قبل أن تغادر الفراش بدورها لتتوجه نحو الحمام القريب ..
نظراتها تواجه جسدها العاري الذي احمرت بعض مواضعه بجمود اعتادته ..
قبل أن تسمح لسيل الماء المنهمر أن يخفف عنها هذه الحرارة التي تكاد تحرقها ..
لا فائدة يا شقية !!
النيران التي تنبعث من الداخل لا يطفئها ماء ..
لا يطفئها إلا لهب يشبهها !!
عيناها تلتمعان ببريق قاسٍ وهي تتحرك لتجفف جسدها قبل أن تعود لفراشها مستلقية عليه ..
تتناول إحدى سجائرها لتشعلها قبل أن تنفث دخانها ببطء ..
صورة بعينها تغزو خيالها فيرتجف لها قلبها بمرارة الذكرى ..
قلبها الذي مررت فوق موضعه سبابتها الآن وهي تهمس من بين أسنانها :
_زين !
والاسم تتبعه لسعة من سيجارتها كأنما تريد محاكاة هذا الحريق الذي يشعله اسمه في صدرها ..
لتسحقها تحت قدميها بغل كما تنتوي أن تفعل به هو!!
شفتاها تتلونان بابتسامة قاسية لانت لها
ملامحها رويداً رويداً وهي تتابع xxxxب الساعة أمامها ..
لتهمس أخيراً بضحكة عصبية بمذاق
الانتصار وهي تراهما يشيران لمنتصف الليل :
_بس! دلوقت تبدأ الحفلة !
ومع كلماتها يتوازى الحدثان في التوقيت ..
ففي غرفة ياسمين بالمشفى تدخل إحدى الممرضات لترمق ياسمين ونبيلة اللتين بدا نومهما غير طبيعي بنظرة راضية ماكرة قبل أن تقترب أكثر لتحمل الرضيعة وتخرج بها لتسلمها إلى أحدهم منفذة مهمتها ..
وفي كوخ همسة حيث استلقت الأخيرة نائمة تتحرك القدمان الغريبتان لتقتربا منها بحرص ..
قطعة قماش مبللة بمخدر ما توضع على أنفها قبل أن يُحمل جسدها نحو سيارة قريبة وقفت أمام البيت ..
صوت إطلاق نار متبادل بين بعض الحراس والمختطفين لكن النتيجة تحسم لصالح المبادر ..
والمبادر هذه المرة كان يبتسم مكانه بظفر ..
الغنيمتان جاهزتان معاً كما خُطط للأمر ..
همسة و..يمنى!
========
انتهى الفصل الثامن عشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم سينابون
القطعة السابعة عشرة
=======
_صباح الخير يا دكتور .
تقولها ياقوت بنبرة حاولت أن تكون متماسكة وهي تميز ملامح يامن التي امتزج إشفاقها بغضبها خاصة مع وجود ياسمين جواره ..
والتي اندفعت نحوها لتضمها بقوة هاتفة بود حقيقي:
_حمداً لله على سلامتك يا ياقوت ..من يوم اللي حصل واحنا مش عارفين نقابلك ..ولما عرفنا إن الحاجة خرجت بالسلامة قلنا نيجي لك هنا .
_أنا كويسة قوي الحمدلله .
تقولها باعتدادها المعهود محاولة دفع هذا الحرج الذي تشعر به ..كلهم الآن يعلمون عن علاقتها بزين ..يعلمون في أي وضع كانا عندما جرحته في عنقه ..
ياللخزي!
_ليه ما قلتليش الحقيقة ؟!
يهتف بها يامن بحدة فتحركت ياسمين لتقف جواره ثم أمسكت ذراعه بحركة مهدئة ..
بينما ياقوت تحاول استعادة قناع مهنيتها وسط هذه الظروف :
_حقيقة إيه ؟!
_إن الحيوان ده كان بيهددك بأختك عشان يوصل لياسمين ؟!
يهدر بها يامن بنفس الحدة لتغمض ياقوت عينيها بقوة بينما ياسمين تحاول تلطيف
الأجواء:
_رائد قال ليامن على كل حاجة ..بس احنا عايزين نسمع الحقيقة منك .
لكن ياقوت أخذت نفساً عميقاً لتفتح عينيها أخيراً مخاطبة يامن بنبرتها المعتدة :
_الموضوع ده ماعادش يخصك ولا ياسمين بأي حاجة ..بقا يخصني أنا وأختي ..وكتر الكلام فيه هيجيب شوشرة احنا في غنى عنها .
_يعني إيه يخصك والندل ده بيأذيكي بسببي؟!هو فاكر إن ماوراكيش حد ؟!
_هو خلاص ..طلقني !
تقولها بنفس النبرة القوية التي يشهد الله كم جاهدت لتكون بهذا الهدوء ..
ليتجمد يامن من المفاجأة للحظات قبل أن يتبادل مع ياسمين نظرات دهشة سبقت قوله المتشكك:
_بالسهولة دي؟!
_بتثق فيّ يا دكتور ؟!
تسأله بنبرتها المعتدة ليرد بفظاظته المعهودة :
_يتهيالي عدينا السؤال ده من زمان .
هنا تقدمت منه ياقوت خطوة لتعقد ساعديها مردفة بنبرة عملية لاتزال تجيد بها فصل مشاعرها الشخصية :
_شخصية زين مش وحشة زي ما انت فاهم ..بني آدم له ميزات وعيوب .
_دي مصايب مش عيوب!
يهدر بها بانفعال ملوحاً بكفه لترد ياقوت بنفس التماسك العملي:
_راجل سوق ..اتعود يلف ويدور حوالين اللي هو عايزه ..بس لما اتأكد إن ياسمين سعيدة معاك خلاص بعِد عنها نهائي .
لكنه بدا غير مقتنع وهو يهتف بها بانفعال:
_امال اللي حصل ليلتها ..
_اللي حصل ليلتها يخصني لوحدي ..وأنا مش حابة حياتي الخاصة تبقى مشاع !
تقولها بصرامة معتدة مقاطعة سؤاله ليزفر بحنق بينما ياسمين تراقبهما صامتة محاولة ربط الخيوط لتقول أخيراً بود لا تدعيه :
_احنا مش عايزين نتدخل في حياتك الخاصة ..احنا بس عايزين نطمن عليكِ .
فارتجفت ابتسامة ياقوت مع دموعها التي عادت تتكدس في عينيها لكنها شددت ضغط ذراعيها حولها لترد :
_اطمنوا ..أنا كويسة جداً ..والموضوع ده خلص ..نهائي!
فتقدم منها يامن خطوة ليقول بحمائيته المعهودة :
_ماشي ..هاصدقك إنه خلص ..بس لو رجع الندل ده يضايقك ...
_زين مش ندل !
تقاطعه بها بحمائيتها هي الأخرى لمعشوق روحها ..
فأجفل يامن للحظة قبل أن يعود لنبرتها بعض الهدوء:
_انت مصرّ تدخلني في تفاصيل شخصية ..بس ماشي ..زين وقف جنبي في مواقف كتير مكنتش هعديها من غيره ..الحقيقة غير ما هي باينة لك .
_إيه طلع ملاك وأنا مش واخد بالي؟!
يهتف بها بفظاظته الخشنة لترد بنفس
الابتسامة المرتجفة :
_مفيش بيننا ملايكة ولا شياطين يا دكتور ..بس كلنا محطات في حياة بعض ..ومحطته كانت مهمة قوي في حياتي .
تحشرج صوتها في عبارتها الأخيرة واشياً برغبتها في البكاء..
لتتسع عينا يامن وهو يحاول تكذيب هذه
الإشارات التي تصله منها ..
هل أحبته ؟!
وهو الذي ظنها عاقلة ؟!
_عموماً أنا مش محتاج أفكرك إني جنبك لو احتجتيني في أي وقت .
هذا العرض الذي كان ظاهره الفظاظة بينما تعلم هي أي حنان حمائي يخفيه في باطنه...
لهذا اتسعت ابتسامتها المرتجفة وهي ترمقه بنظرة ممتنة ..
ليتنحنح هو مخاطباً ياسمين بقوله :
_ياللا عشان ما نتأخرش على عمي ..مش هايفطروا من غيرنا .
منحته ياسمين إيماءة موافقة ثم مالت على ياقوت تصافحها لتهمس في أذنها -خفية-بخفوت شديد :
_فاكرة لما قلت لك زين لما يحب هيتجنن ؟!
ارتجف جسد ياقوت وهي تفهم ما تعنيه..
لتزداد كثافة الدموع في عينيها فعادت ياسمين لمواجهتها بهزة رأس ذات مغزى كأنما تمنحها تقريراً غير منطوق ..
لكنها -ياقوت- أشاحت بوجهها هاربة من فيض المشاعر الذي يكتسحها الآن بجنون ..
ليجذب يامن ياسمين من كفها في طريقهما للمغادرة ..
لكن وجه ياقوت "الطبيبة" يعاود رسم ألوانه فتستوقفه بندائها فجأة ..
قبل أن تشير للشمس التي قطعت شوطاً طويلاً في رحلة شروقها خلفها قائلة بنبرتها المهنية :
_انت اتعودت تيجي هنا عند الساقية ساعة العصاري وقت الغروب ..المرة دي مختلفة ..زي ما كل حاجة بقت مختلفة ..ياريتك تفهم ده كويس.
ظل يتفرس فيها للحظات كأنه يتدبر هذا المعنى الذي تريد الإيحاء له به ..
قبل أن تشق ابتسامة واهنة شفتيه مع المغزى الذي وصله من عبارتها ..
حقاً ..
فارق كبير بين الغروب القديم ..
وهذا الشروق الذي يظللهم -جميعاً- الآن بدفء وعوده ..
========
_أنت تعرف ياقوت حفيدة الحاجة ثمر ؟! رأيتكما واقفيْن معها ؟!
يسأله عابد باهتمام وهو ينتحي به جانباً مع ياسمين التي سألته بدهشة :
_وانت عرفت ياقوت منين ؟! وتهمك في إيه ؟!
فابتسم ليقول بحسم :
_أريد خطبة شقيقتها !
ألجمتهما المفاجأة للحظات قبل أن يتبادلا النظر ونفس الخاطر يراودهما ..
مرض لجين بالسرقة !!
_ما الأمر؟! لماذا لا تبدوان مرحبين ؟!
يسألهما بقلق ليرد يامن ببعض الحرج:
_الحاجة ثمر سمعتها هنا زي الدهب وأي حد يتمنى يناسبها طبعاً ..بس ..اشمعنا لجين مش ياقوت مثلاً ؟!
لكن عابد بسط كفيه ليقول بهدوء:
_رأيتها ..أعجبتني ..واستخرت الله لأجدني مستريحاً لخطبتها ..كنت أنتظر فقط خروج الحاجة ثمر كي أفاتحها في الأمر .
عاد يامن يتبادل مع ياسمين نظرات قلقة لكن الأخيرة حسمت ترددها لتسأله :
_انت مصرّ فعلاً يعني عليها هي بالذات ؟!
_نعم ..هي بالذات .
قالها بحسم لتتحفز وقفتها فرمقها يامن بنظرة محذرة لكنها عادت تقول بانفعال:
_طيب ..انت شيخ وعارف ربنا ..هاقوللك حاجة بس تحلف إن مفيش حد يعرفها غيرك ..أنا بقولهالك بس عشان تصرف نظر عن الجوازة دي .
مط يامن شفتيه باستياء مشيحاً بوجهه ..
لكنها وجدت واجبها كأخته أن تحذره من مرض لجين ..
لهذا كانت صدمتها كبيرة عندما أطرق برأسه للحظات سبقت قوله بعدها وهو يرفعه بحسم :
_أنا أعرف عن هذا الأمر ..ولازلت مصراً على خطبتها .
_عارف؟!
هتف بها يامن وياسمين بنفس اللحظة ليهز عابد رأسه بنفس الحسم وهو يرفع كفه في مواجهتهما:
_لا مزيد من التفاصيل! ..هو مرض كغيره يستجيب للعلاج ..أنا قرأت عن الأمر كثيراً واستشرت بعض الأطباء واطمأن قلبي لخطبتها .
_معقول يا عابد ؟! الموضوع ده مفيهوش هزار ..أنا معنديش تحفظ على البنت نفسها ..بس انت مستعد تدخل تجربة شائكة زي دي ؟! الفروق بينكم مش مادية وبس ..انت عارف إنها أكبر منك في السن؟!
تقولها ياسمين بتوجس من مستقبل هذه
العلاقة التي تراها غريبة تماماً وغير منطقية ..
ليرد عابد بملامح سمحة :
_أعلم ..لكنني أشعر بارتياح كبير لهذا
الأمر ..وأنا اعتدت الثقة في قلبي .
فعادت تتبادل مع يامن نظرات قلقة للحظات قبل أن يتقدم الأخير منه لتنشق شفتاه عن ابتسامة واسعة وهو يشد بقبضته على كتفه قائلاً:
_مبروك يا "أبو نسب".
ضحك عابد قائلاً:
_لا تبارك قبل أن توافق الحاجة ثمر أولاً ..لقد أرسلت لأمي أخبرها عن الأمر كي تأتي معي .
فهزت ياسمين رأسها قائلة باعتراض:
_والدتك مش هتوافق يا عابد ..أنا فاهمة دماغها كويس ..حتى لو ماعرفتش تعب لجين .
لكن عابد عاد يقول بيقين :
_يدبرها مقلب القلوب كيف يشاء .
فضحك يامن وهو يعاود التربيت على كتفه هاتفاً بمرحه المعهود :
_اتجوزها ياابني ده كفاية أختها شقراط ..وأهه نضمن نتعالج ببلاش كلنا ..حد طايل في الزمان ده يناسب دكتور نفسي ؟!
======
يصعد سيف الدرج نحو شقة قريبة آنجيل بخطوات متثاقلة كأنما يريد معها تأجيل قراره ..
لا يزال عالقاً بين ذنب قديم يريد تكفيره بأي صورة ..
وبين غد يفتح له ذراعيه في رحاب امرأة تتملك قلبه كل يوم أكثر من سابقه ..
امرأة منحته دليل عاطفتها في آخر مرة التقته فيها ..
لكنه لايزال عاجزاً عن الرد !!
يرفع أنامله ليطرق الباب لكنه يوقفها مكانها ..
لقد أتى الليلة يخبرها أنه يعد العدة ليتزوجا غداً ..
يعلم أنه غاب عنها طويلاً الأيام الماضية لكن التردد كان سيد قراره ..
والآن جاء يحسم الأمر لصالح "الذنب القديم"!!
الوقت متأخر نوعاً ليلاً ولم يسبق له زيارتها في وقت كهذا ..
لكنه يكاد يجن من فرط هذا الصراع الذي يعيشه ..
ويريد حسمه الآن بأي صورة !
أنامله التي توقفت في طريقها لا تزال عاجزة عن الطرق ..
بينما كفه الآخر يخونه ليتحسس ميدالية غادة في جيبه ..
بل يعتصرها اعتصاراً كأنما يتشبث بها رغم البعد !!
وشتان الآن بين كف وكف !!
كف واهن متردد يعده بالراحة من الوزر القديم ..
وكف قوي واثق يستصرخه النجاة بما بقي من العمر ..
يخبط رأسه برفق على الباب أمامه تتنازعه صورتان ..
صورة آنجيل الشاحبة تتسرب من بين ذراعيه بنظرتها العاتبة ..
وصورة غادة بفتنتها المعهودة تبتسم له بحب..
ورغماً عنه يتخاذل الكف الأول المرفوع رويداً رويداً ليسقط جواره بينما يزداد الثاني اعتصاراً للميدالية في جيبه ..
يرفع رأسه عن الباب يرمقه بنظرة آسفة مدركاً أنه لايزال عاجزاً عن فعلها ..
يتراجع بظهره ليهبط الدرج شاعراً بالسخط من نفسه وهو لايزال مطوقاّ..
مكبلاً ..
كأنما قدره أن يحرم قلبه السعادة ..
ومن يدري ..ربما لا يستحقها رجل مثله يحمل هذا الذنب على كاهله ..
_وقف عندك... ما بينفع تطلع معي لفوق
ما بيكفي انك ركبت راسك وجيت لهون؟!
يسمعها بصوت قريبة انجيل فيمد رأسه عبر الطابق الأول الذي يفصله عن قاع الدرج ليجدها هناك تحدث أحدهم ..
أليس هذا هو "البلطجي" الذي زعمت أنه يغازلها وكاد يقتحم شقتها طالبة منه هو أن يتزوجها - صورياً- ليحميها منه ؟!
_اشتقتلك يا حلوي!
يهتف بها الرجل الضخم الذي يرافقها وهو يحاول إحاطتها بذراعيه لتدفعه بدلال وهي تتلفت حولها :
_لك اهدى وروق يا مجنون.. ما قلنا نصبر شوي لبين ما تستوي الطبخة.
_ما عاد فيي اصبر .
يهتف بها بالمزيد من اللهفة ويداه تتجرآن أكثر فوق جسدها الذي كشفه ثوبها بسخاء يراه سيف لأول مرة سافراٌ هكذا ..
هل كانت تتصنع ستر ثيابها أمامه هو؟!
_لو رضيت انك تتزوجني وتكتب ابننا باسمك ما كنت اضطريت اعمل هالتمثيلية على الاجدب التاني.. بس شو اقول وشو احكي ؟! .. جبان وخايف من ولية نعمتك التانيي!
_ايييي...ما تذكريني بالبومة هي؟! هاي لو شمت ريحة خبر اني بعرفك رح تطلع روحي!
تمط شفتيها باستياء وهي تستمع لرده السابق فتعطيه ظهرها هاتفة :
_رجال ما بتجي الا بالعين الحمرا..
وانا لاني طيبِة يضيع حقي.
تقولها بغنج مثير ليلصقها الرجل بالحائط القريب مستغلاً ظلمة المكان النسبية لتعيث أنامله فساداً فوق جسدها :
_مانك سهلِة أبدا .. بتعرفي طريقتك هي شو بتساوي فيني..بحبك كتير ..
_وانا ما بحب غيرك.. بس نصبر شوي لحتى تم هالزيجة وبعدا نشوف.
_ما بتحمل حدا غيري يلمسك.
_بس مرة وحدي ليصدق ان الولد يلي ببطني منه هوي وبعدا بوعدك ما رح كون غير لإلك وحدك!
يشعر سيف بالدم يغلي في عروقه وهو يفاجأ بالمشهد الصادم ..
كانت تخدعه !!
تستغل عقدة ذنبه بهذه الحقارة كي تداري عهرها !!!
لم يشعر بنفسه وهو يهبط الدرج بخطوات راكضة ليجذب الرجل الضخم أمامها فيلكمه في أنفه بعنف قبل أن يطرحه أرضاً ليجثم فوقه مفرغاً فيه شحنات غضبه كلها ..
_اتركه يا سيف هوي خلاص ما عاد رح يضايقني ..شفت بعينك كيف عم يتهجم عليي ..شفت اننا لازم نتزوج كرمال
تحميني!
تقولها مستمرة في تمثيليتها لكنه ينتهي من الرجل الذي أفقده وعيه تقريباّ..
لينهض مواجهاّ إياها ..
يمد أنامله نحو زر الإضاءة الذي وجده قريباً ليشعله ..
فيرى وجهها بهذا الوضوح كما لم يره من قبل ..
عاهرة !!
كاد يسلم اسمه لعاهرة !!
هل هذا ما كان سيقوده إليه قيد الذنب القديم !!
_أنا سمعت كلامكم ..وعرفت حقيقتك !
يقولها وسط أنفاسه اللاهثة وجسده يرتجف غضباً ..
لتصرخ وهي تغطي وجهها هاتفة بمسكنة :
_بس افهم مني الحقيقة ..ما تئذيني بس اسمع مني.
لكنه لا يملك إلا أن يبصق في وجهها قبل أن يتمالك نفسه ليمنع نفسه بالكاد من صفعها ..
خطواته تتعثر بعدها وهو لا يدري أين يذهب ..
الغضب المشتعل بداخله يعوي كذئب جائع يقتات على كرامته الذبيحة ..
مغفل !!
هكذا وصفته تلك المرأة ليدرك أنه حقاً كذلك !!
كيف أعمته عقدته إلى هذا الحد ؟!
كيف لم يلحظ خبثها وسط الإشارات التي كان يمنحها له علاء فلم يصدقها ؟!
كيف كان هكذا فريسة سهلة لوحش "ذنب الماضي" يقتات عليه حتى كاد يقتله ؟!
لم يدر كيف انقضى الليل وهو يجوب الشوارع يقود سيارته كالمجنون ..
لم تصدمه بشاعة المرأة بقدر ما صدمه رأيها فيه ..
والذي يراه هو نفسه الآن !!
مغفل!!
غبي!!
يضرب بقبضته على المقود للحظات ..
قبل أن يجد نفسه يهرع للمكان الأخير الذي يمكن أن يحتويه الآن ..
"قبر آنجيل"!!
هذا الذي ركع أمامه على ركبتيه ليهمس لها كأنما تسمعه :
_أنا آسف ..عارف إنها كلمة مش هترجع اللي كان ..بس خلاص ..ماعدتش قادر أعيش شايل ذنبك أكتر من كده ..أنا كنت مستعد عشان خاطرك أضحي بعمري ..وبالانسانة الوحيدة اللي حبيتها بعدك ..بس دلوقت بس فهمت ..ان ده ماكانش هيبقى الدرس اللي المفروض أتعلمه ..وان الدرس اللي بجد ..اني ماافرطش في حد حبني وحبيته ..مش هاغلط الغلطة دي تاني يا انجي..هارجع لغادة ..هاحبها الحب اللي ماقدرتش احبهولك ..هاديلها الأمان اللي ماقدرتش اديهولك ..يمكن لو شفت في عينيها الفرحة اللي ماشفتهاش في عينيكي ..ساعتها بس اقدر اسامح نفسي !
عيناه تدمعان بقوة فيقبض كفيه وهو يطرق برأسه ليدعو لآنجيل صامتاً ..
قبل أن يغادر القبر بخطوات متثاقلة نحو وجهته الأخيرة ..
"البازار"!
ولم يكد علاء يلمحه بهيئته المشعثة
وملامحه الدامية بعد عراكه مع الرجل
بالأمس حتى هب مكانه هاتفاً بجزع:
_سيف! إيه اللي حصل ياابني ؟!
لكنه تقدم ليتهاوى جالساً على المقعد أمامه ..مغمضاً عينيه ليقول بنبرة منهكة :
_أنا هارجع معاكم مصر خلاص ..
ثم ارتجفت شفتاه بشبه ابتسامة وهو يستعيد طيف غادة الفاتن متحسساً ميداليتها في جيبه ليردف بنبرة وجدت راحتها أخيراً :
_هارجع لغادة .
=====
في شقة بيللا يجلس مروان ينتظر داليا التي خرجت إليه هاتفة بنزقها المعهود :
_اتأخرت عليك ؟! معلش ..هالبس الشوز بس !
قالتها وهي تتقافز على ساق واحدة ارتدت فردة حذائها بينما تحشر قدمها في الثانية ليبتسم وهو يفتح لها ذراعيه :
_طب سلمي عليّ الأول !
اندفعت كعاصفة بين ذراعيه لتغرق وجهه بقبلاتها السريعة هاتفة :
_أهه سلمت ..ياللا بقا عشان نلحق ..لازم ألف المحلات كلها وأختار أحسن فستان .
_مش عارفة ليه مش عايزة نبعت نجيبه من بره ..دي السنة دي باريس منزلة موديلات تهبل !
قالتها بيللا وهي تنضم إليهما مصافحة مروان لتهتف داليا باعتراض:
_مالهاش لزوم المصاريف الكتير ..احنا أولى بيها ..
ثم عقدت ساعديها بدلال حول عنق مروان مردفة :
_وبعدين أنا كده كده هابقى أحلى عروسة في أي فستان ..صح يا مروان ؟!
_طبعاً !
قالها وهو يقبل جبينها باعتزاز فابتسمت
بيللا ليغلب حنانها الأمومي قشرة النجمة بقولها:
_ربنا يسعدكم ..ياللا عشان ما تتأخروش !
تتحرك داليا جواره لتستقل سيارته وما كادت تفعل حتى هتفت بدلالها المعهود :
_غنيلي !
_نعم ! أؤمر يا عم القمور !
قهقهت ضاحكة وهي تميز استنكاره المرح لتستدير نحوه بجسدها هاتفة :
_يامن قاللي إن صوتك حلو ..وبصراحة هاموت وأسمعك بتغنيلي .
_هنا؟! في الشارع؟!
_ممممم ..عندك حق ..ممكن أتهور وأحضنك وتبقى فضيحة ..خلليها ليوم الفرح ..بس ..اعمللي الأغنية مفاجأة .
_واضح إني أنا اللي هاتهور ..وهاتبقى فضيحة !
شهقت بحدة وهي تفاجأ به يندفع ليغمرها بين ذراعيه للحظة واحدة شعرت بها تحمل مشاعر ألف عام ..
قبل أن يبعدها بتنهيدة حارة :
_هونها يارب !
ابتسمت بخجل مناقض تماماً لهذه الجرأة التي تدعيها معه لتعتدل بجلستها في مقعدها مكتفية بمراقبته بينما يقود ووجهه المحمر يكشف عمق تأثره بها ..
_انت عارف إني حافظة شكل إيدك من ساعة الصورة إياها ؟!
قالتها وهي تدور بطرف سبابتها على ظاهر كفه مروراً بعروقه البارزة ليهتف بها بصوت متحشرج:
_اتشغلي في أي حاجة دلوقت يا داليا وسيبيني أسوق ..لو عايزانا نعيش ليوم الفرح !
فزمت شفتيها كطفلة غاضبة وهي تعيد أناملها جوارها قبل أن تعود لها طبيعتها الفضولية ففتحت تابلوه السيارة أمامها تفتش محتوياته ..
قبل أن ترفع ورقة ما كتب فيها اسم ياقوت عدة مرات مع العديد من علامات الاستفهام !
هذه التي قذفتها بنزق في وجهه هاتفة بعصبية :
_ياقوت ؟! تاني؟! وقف العربية دي حالاً وفهمني ...كااااتب اسمها ليييييييه ؟! ليييييه؟!
وصل هتافها حد الصراخ في كلمتها الأخيرة فأوقف السيارة ليحيط كتفيها بقبضتيه هاتفاً بحدة :
_ما تصرخيش ..افهمي الأول !
_اتفضل ..فهمني..مش دي صاحبتك اللي شفتها في المستشفى يوم الحادثة ؟!
تحشرج صوتها ووجهها يحمر بالمزيد من
الانفعال فكز على أسنانه بقوة وهو لا يدري كيف يتصرف ..
هو لا يدري لماذا لم يمزق هذه الورقة ليلتها ..
تلك الليلة الكارثية التي عثروا فيها على جسد زين النازف بشقته ..ساعتها كان أكثر ما يشغل باله هو مدى العلاقة بين ياقوت وزين هذا ..فاستسلم لعادته القديمة بكتابة أفكاره كي يرتبها ..ولم يخطر بباله أن تقع ورقته في يد حبيبته المجنونة هذه !!
_انت بتفكر فيها ؟! عاجباك ؟! شايفها مناسبة لسنك مش عيلة زيي ؟! واللا شايفها أجمل مني؟!
دموعها ترافق كلماتها في مزيج آلم قلبه ليشدد ضغط كفيه على كتفيها قائلاً :
_بس يا مجنونة .
ازدادت وتيرة بكائها فزفر بنفاد صبر ليضم رأسها لكتفه هامساً:
_أيوة مجنونة ..انتِ آخر ست في الدنيا ممكن تغير ..مش بعد كل اللي عرفتيه عن حبي ليكي ..المفروض دلوقت تكوني باصمة بالعشرة إني مابشوفش غيرك .
استكانت لهذا الحنان الفائض بين حروفه لكنها رفعت إليه عينيها الدامعتين هامسة :
_امال كاتب اسمها كتير كده ليه ؟!
ظهر التردد على ملامحه ليحاول الرد باقتضاب:
_كانت واقعة في مشكلة !
_وانت حليتهالها ؟!
أشاح بوجهه دون رد لتهتف :
_ممكن تحسسني إنك واثق فيّ وتقوللي الحقيقة من غير لف ولا دوران ..مش انت بتقول إني اتغيرت وبقيت كائن مسئول يعتمد عليه ؟!
ازداد التردد في ملامحه للحظات لكنه حسمه ليخبرها بما كان ليلتها ..كان يعلم أن جزءاً من احتواء طبيعتها المتمردة أن تشعر أن من حولها يمنحونها ثقتهم ..لهذا لم يتعجب أن مسحت دموعها بنفسها أخيراً وهي تبتعد عنه هاتفة بإدراك:
_عارفاه طبعاً الراجل بتاع الفيديو المتفبرك ده اللي يامن طلق بسببه ياسمين ..موقف غريب فعلاً ..بس الأغرب رد فعل يامن ..معقول صدقها كده بسهولة ؟!
_يامن اتغير .
_حقيقي ..بس المهم ياقوت دي وصلت لفين وعملت إيه ؟! ..وزين ده ممكن يقرب منها أو من ياسمين تاني؟!
_ساعتها يامن هيقتله وضميره مستريح ..
هتف بها بغيظ ليردف ملوحاً بسبابته في وجهها :
_خلاص عرفتِ ..نقفل بقا الموضوع ده ..احنا خلاص اطمنا إنه طلق ياقوت وسابها لحالها .
أومأت برأسها موافقة ليعيد تشغيل السيارة منطلقاً بها لتهمس به بعد صمت قصير :
_شكراً .
ابتسم بحنان وهو يختلس نظرة جانبية نحوها ليرد :
_هو انتِ هتقلبيها دراما على طول كده أول ما تطق في دماغك أي حاجة ؟!
_مش انت حبتني وأنا كده ؟! عايزني أتغير؟!
تهمس بها بدلال وهي تحتضن ذراعه بذراعيها ملقية رأسها على كتفه لتشعر بتشدد عضلاته مع حركتها بينما يهتف ببؤس :
_أنا مش عايز غير تلات حاجات ..أولا ..تعقلي ..
_مممم؟!
_وثانياً ..تبطلي تتدلعي بحلاوتك اللي تجنن دي ..
_ممممم؟!
والهمهمة ترافقها ضحكة كارثية منها جعلته يتفادى السيارة القادمة في مواجهته بصعوبة لتشهق بحدة بينما هو يزفر مكملاً عبارته :
_وأعرف أكمل بأعصابي التلفانة دي ليوم الفرح !
جلجلت ضحكتها عالية وهي تبتعد عنه لتستقر أخيراً في مقعدها مؤثرة السلامة ..
ساعتان بعدها قضاها معها يحاولان اختيار ثوب مناسب لتفاجئه أخيراً بأحدهم ..
_يجنن يا مروان ..مفتوح شوية بس نسده ب"كاش مايوه"!
_كاش إيه ؟!
_كاش مايوه !
_مايوه آه !
يقولها ليجذبها من معصمها نحوه هامساً في أذنها :
_مش عايز استعباط ..ده فستان فرح واللا قميص نوم ؟!
_هو يبان عريان بس هاقفله ..عشان خاطري ..دي ليلة العمر ومش هتتكرر ..طب ..شوفه عليّ الأول !
لكنه يتناول واحداً آخر طويل
الأكمام ..مغلق الصدر ..منعدم التطريز إلا من حزام عريض على الخصر ليناولها إياه :
_ماله ده ؟! رقيق ومحترم !
_إيه ده ؟! أنا رايحة أتجوز واللا أحج ؟!
تهتف بها باستنكار ليرمقها بنظرة صارمة جعلتها تأخذ الثوبين معها نحو غرفة القياس :
_خلاص ..هاقيسهم الاتنين .
وقف خارج غرفة القياس مترقباٌ وهو يشعر بقرب حدوث مشكلة بسبب قصة الثوب هذا ..
_مروان !
يسمع نداءها خلف الستار فيمد رأسه لتتسع عيناه بانبهار وهو يجدها ترتدي الثوب
الأول ..
الثوب الذي بدا كارثياً حقاً بفتحة صدره المثلثة التي تظهر مفاتنها المكتنزة ..وفتحة الظهر المشابهة التي تطول كثيراً حتى تصل لحدود خصرها !
الثوب نفسه كان يلتصق بها كأنما يحتضن جسدها بنعومة ..لينتهي بذيل طويل ..طويل جداً خلفها ..وقد طرز بزهور رقيقة من اللؤلؤ والماسات الصغيرة ..
_شفت يجنن إزاي ؟!قول إنك غيرت رأيك وهناخده !
حلقه يجف وهو يشعر بأن فتنتها تكاد تفقدها صوابه حقاً ..
فيدخل إليها ليغلق الستار خلفه بإحكام ..قبل أن يستدير نحوها لتصب عيناه العشق في عينيها صباً :
_هناخده !
_بجد يا مروان ؟! فعلاً ده ما يتسابش ..أوعدك هقفله خالص ومش هيبان مني حاجة مع الحجاب !
_لا مش هتقفليه !
يهمس بها بصوت أججته عاطفته وهو يقترب أكثر ..أنامله تستريح على خصرها بينما يضمها لصدره فاحمرت وجنتاها بخجل وهي تشعر بتقاربهما يزكي عاطفتها هي الأخرى ..
_إزاي؟!
_ده هتلبسيه ليّ لوحدي لما نروح بيتنا ..أنا وبس اللي أشوفك بيه !
يهمس بها بهيام وأنامله تطوف فوق ظهرها بين رغبة وتقديس ..ليرتجف جسدها بين ذراعيه وهي تسبل جفنيها غارقة في هذا الشعور اللذيذ الذي يدوخها ..وعاجزة عن مقابلة فيض عشقه في نظراته :
_يعني هنجيب فستانين ؟!
تسأله محاولة السيطرة على نفسها لتشعر بشفتيه على وجنتها:
_واحد ليّ ..
ثم الوجنة الأخرى:
_وواحد للعاشق المجهول !
تشعر بوجنتيها تكادان تحترقان ..بل جسدها كله يكاد ينصهر خاصة عندما شعرت بشفتيه تعانقان شفتيها وهو يقربها منه أكثر ..
_خلاص البروفة يا آنسة ؟!
الهتاف من الخارج يجفلهما معاٌ ..فتبتعد عنه هاتفة لمن بالخارج:
_دقيقة واحدة .
يطلق زفرة حارة وهو يحرك كفه حول وجهه طالباً الهواء قبل أن يهتف بها بغيظ :
_مش بقوللك ماعدتش عايز غير تلات حاجات !
لتزيد ضحكاتها المهلكة بعدها غيظه أكثر ...فيخرج وهو يحكم إغلاق الستار خلفه من جديد ليضرب أحد كفيه بالآخر هامساً لنفسه :
_مالهاش حل ..ماهو يا تعقل هي ..يااتجنن أنا !
======
أمام بوابة بيت الفايد يقف بعد عودته بعد المشفى يراقب اليافتة بشرود ..
فخامتها تذكره بذوق أمه
الكلاسيكي الراقي ..
والاسم يحمل إليه هيبة أبيه الكاسحة ..
هذه التي يظنها يوماً لم تزل إلا بخطإ واحد ..
زواجه الثاني!
خطواته تتوغل نحو الداخل أكثر ..
نظرة طويلة نحو الملحق الخارجي حيث غرفة همسة التي صارت
خالية منها ..
نافذتها المفتوحة التي تفتقد رفيقة سنوات ..
ابتسامة شاحبة تظلل شفتيه وهو يجبر قدميه على الولوج أكثر ..
هناك نحو ذاك الممشى الجانبي في الحديقة حيث شاركته ياقوت السير دوماً ..
يستعيد صورتها ذاك اليوم بهيئتها الهزلية ..
نظارتها المربعة ..تنورتها القديمة ..وبلوزتها المهلهلة ..
ملامح رائقة بصفاء قلبها ..وشفتين مهلكتين بقوة فتنتها ..
وعينان ..عينان بحجم الكون كله !!
آهة خافتة تغادر حلقه وهو يشعر أن بيته ..لم يعد بيته ..
لماذا لم يخرج من المشفى نحو شقتهما يتلمس هناك بقايا منها ؟!
لكن هل يجرؤ على العودة هناك حقاً بعدما كان هناك ؟!
نفس النظرة الغامضة تلتمع في عينيه وهو يشعر بوجوب اتخاذ القرار الصعب ..
بيت الفايد لن ينير إلا بشمسَيْ عالمه ..
شمسين لن تشرقا يوماً خلف الظلال ..
إنما مقامهما سماء دون غيوم ..
وإن كان يعلم كيف يعيد همسة ..فهل يملك الثقة نفسها نحو ياقوت ؟!
زفرة حارقة تغادر حلقه وهو يغالب ألم جسده باستراحة نالها على أريكة قريبة ..فكيف يغالب ألم قلبه ؟!
_حمداً لله ع السلامة يازين .
يقولها رائد "الشاهد الصامت" على أوجاعه فيلتفت نحوه ليقول بنبرته المهيمنة :
_الله يسلمك ..ارجع انت بقا لهمسة عشان ما تقلقش ..وأنا أول ما أفوق هاجي لها ..أخبار الشغل إيه ؟!
بدا بعض التردد على وجه رائد الذي اخترق قناعه المعدني طيف من قلق جعل زين يضيق عينيه بتساؤل :
_فيه حاجة مش تمام ؟!
_مشاكل خفيفة ..ما تشغلش بالك .
يقولها رائد متوقعاً منه المزيد من
الاستفسارات لكن زين بدا شديد الزهد حقاً في سماع أي شيء الآن ..
_لو فيه حاجة اعمل اجتماع مع مجلس
الإدارة وسووها .
فاتسعت عينا رائد بدهشة وهو يشعر بغرابة قريبه ..
منذ متى يترك زين الفايد قراراً لمجلس
الإدارة يتخذه وحده دونه ؟!
هل هو حقاً متعَبٌ إلى هذا الحد ؟!
_عايز أناااام .
يقولها زين عبر نبرته المرهقة وهو يعيد رأسه للخلف ليرمقه رائد بنظرة مشفقة وهو يمد له كفه مساعداً ..
هذا الذي اتكأ عليه زين لينهض لولا دخول الخادمة تحمل طلب أحدهم لزيارته ..
ولم يكد يسمع الاسم حتى اتسعت عيناه بصدمة ..
ياسمين ذو الفقار هنا ..تريد مقابلته !
=====
_نورتِ بيتك من تاني .
يهمس بها يامن لها وهو يفتح لها بوابة بيتهما الداخلية لتدلف إلى الداخل ..
عيناها تطاردان أطياف ذكرياتهما الخاصة هنا فتقسم أن تعيدها جميعاً دون تفريط هذه المرة ..
_كان بودي أشيلك ..بس الوضع حالياً حرج !
يقولها مشيراً لانتفاخ بطنها البارز في شهرها التاسع الذي بدأ لتوه ..
فتبتسم وهي ترد مزاحه بهمسها الدافئ:
_شايلني في قلبك يا طيب .
يرد لها ابتسامتها بمثلها وهو يحتضن كفها براحته ليصعد بها نحو الأعلى ..
يفتح لها باب غرفتهما التي لم تلجها منذ تلك الليلة البعيدة ..
ذكريات سوداء بلون أثاثها تعاود تلطيخ ذهنها رغماً عنها ..
لكن لون الجدران الأبيض يتسق وهذا الشعور الجارف في أعماقها ..
فتلتفت له هامسة:
_احضنني !
لم يكن يحتاج منها هذا الأمر الراجي وهو يشعر بحاجة كليهما لفعله الآن ..
لأن يلتصق كل منهما بصاحبه متذوقاً نكهة الراحة في آخر الطريق ..
لهذا ضمها إليه بقوة حانية وهو يستعيد ذكرياتهما الهانئة معاً منذ البداية ..
امرأة الألوان ..
ساحرة الفوضى ..
عروس البحر ..
سيدة عالمه التي قلبته رأساً على عقب!!
_فيه هدية منك مستنيكي تلبسّيهالي !
يقولها فترمقه بنظرة متسائلة ليتحرك مبتعداً كي يفتح أحد الأدراج الجانبية مستخرجاً ما يعنيه ..
تلك الساعة السوداء التي طبعت صورتهما على "المينا" الخاصة بها ..
_عشان أتأكد إن مفيش ثانية من عمري هتعدي غير واحنا سوا!
يقولها بصوت أرجفته عاطفته مذكراً إياها بكلماتها الخاصة التي كتبتها ..
وهو يستعيد المرة الأولى التي رأى فيها هديتها هنا ..
لتغمض هي عينيها بقوة كأنما صدمتها الذكرى هي الأخرى قبل أن تتحرك نحوه بنظرات فاضت بعاطفتها ..
تتناولها منه لتلفها حول معصمه بأنامل مرتجفة قبل أن ترفع ساعده نحوه تقبل معصمه ..
هناك عند عرقه النابض تترك لرحلة شفتيها مُستقرّاً كأنما تبثه عشقها يجري في دمه ..
فيتناول وجهها بين راحتيه لتعانق نظراته عينيها ..
ألَق العسل فيهما يعود لصفائه بعد طول تعكر ..
والابتسامة الهانئة على شفتيها تنطق بألف ألف أحبك ..
ألف اعتراف تلقفته شفتاه ليردها لها بمثله ..
يزيح عنها حجابها برفق لتعرف أنامله طريقها بين خصلات شعرها ..
انشغال شفتيه لم يعرقل مهارة أنامله في صنع جديلته التي طالما تمنى صنعها ..
والآن يجعلها تشهد في كل يوم عهد غرامهما الجديد ..
_عايزك تعزفي لي النهارده ع الكمانجا ..لسه عاينهالك هنا من يومها ..فاكرة أول ليلة عزفتي لي فيها هنا ؟!
يهمس بها بعينين لامعتين فتتسع عيناها وكأنما نسيت ما يحكي عنه ..
لكنه يتحرك ليفتح تلك الخزانة الجانبية فيستخرجها لها مع ذاك الثوب الذي فرده أمام عينيها :
_ اخترته نفس اللون بتاع فستان ليلتها ..بس راعيت اختلاف المقاس .
تضحك رغماً عنها وهي تميز اللون
الأرجواني للثوب القصير بسيط التصميم الذي يناسب منحنيات جسدها مع الحمل ..
فتطلق صيحة إعجاب قصيرة قبل أن تدمع عيناها انفعالاً وهي تتلمس الكمان بين أنامله :
_ياااااه يا طيب ..ماتعرفش وحشني العزف عليها أد إيه .
_طب ياللا ..غيري هدومك وأنا مستنيكي .
يغمزها به بعبثه الفظّ الذي لا يليق
إلا به ..
فتضحك ضحكة صافية وهي تتحرك
بالثوب نحو الحمام القريب ..
تبدل ثيابها وهي تشعر بذكرى الليلة الأولى بينهما تطوقها ..
تغمرها بعبق بنفسج يشبه لون ثوبها الذي اختار لونه ..
تتزين له كأجمل مرة تود لو يراها فيها ..
تخرج إليه حافية القدمين كتلك الليلة ..
تتلمس أناملها بطنها كأنما تتفقد ثمرة عشقهما ..
قبل أن تخطو إليه لتجلس جواره على
الأريكة الجانبية تتفحص ملامحه الحبيبة وقد جلس عاري الجذع إلا من سروال منامته الأسود كعهده فيبدو لها كأوسم مرة رأته فيها ..
يناولها الكمان برفق فتأخذ نفساً عميقاً لتبدأ أناملها التراقص باللحن الشجيّ ..
عزف الكمان لديها لم يكن مجرد هواية ..
بل استرداد هوية !
كان ذكرى والدتها ..ابتسامة فخرها بها ..
والآن يحمل لها شعوراً آخر باكتمالها معه هو !!
كيف تخبره كم كانت تحتاج هذا العزف كي ترسخ قدماها أكثر في أرضها الجديدة ؟!
تغمض عينيها باستمتاع حقيقي وهي تترك روحها محلقة بين ربوع ماضٍ رحبة ..
وأطياف غد ملونة بأطياف قوس قزح كخاتمه ..
ينتهي اللحن فتفتح عينيها لتعانق نظراته ..
قبل أن تترك الكمان لتلقي رأسها على صدره متعلقة بذراعيها في عنقه ..
_كل حاجة فيكِ بتحضنني ..حتى اسمك ..يامن وياسمين ..كأن حروفك بتحضن حروفي .
يهمس بها بعاطفة انصهرت بها همساته وهو يشدد ضغط ذراعيه حولها ليرتجف جسدها للذكرى فترفع وجهها نحوه هامسة:
_انت كمان بقيت بتحضنني بكل ما فيك .
_لآخر يوم في عمري .
يهمس بها بنكهة الوعد فتغيم عيناها بنظرة مشتتة التقطها بخبرته القديمة بها ..
ليطبع على شفتيها هدية ناعمة سبقت همسه وأنامله تستريح على وجنتها :
_مخبية عني إيه ؟!
تسبل جفنيها للحظات ليصلها همسه :
_لما عينيكي بتهرب مني كده بعرف إن فيه حاجة واقفة بيننا .
لكنها تستجمع شجاعتها أخيراً لتعاود مواجهته بعنفوان نظراتها :
_فعلاً ..بصراحة ..أنا رحت لزين النهاردة .
======
ظل للحظات غير مستوعب عبارتها قبل أن يردد خلفها :
_رحتِ لمين؟!
الخوف يتملكها للحظة واحدة ..
لكن الرباط الغليظ الذي يزداد سمكه بينهما يوماً بعد يوم يجعلها تضغط براحتها على صدره الذي كان ينبض الآن بجنون هاتفة :
_الصفحة دي كان لازم تتقفل بقا يا يامن ..ماكنتش هاقدر أكمل حياتي عادي وأنا حاسة إن فيه حاجات لسه متعلقة ..خصوصاً بعد موقف ياقوت وأذاها بسببي .
احمر وجهه بانفعال وهو يحاول كظم غيظه كي لا يؤذيها عائداً لنقطة الصفر بينهما من جديد ..
لكنها استجمعت كل شجاعتها لتضغط براحتها صدره أكثر مردفة :
_ماكنتش لوحدي ...داليا كانت معايا .
_داليا ؟! بنت خالتي؟!
يهتف بها باستنكار لترد بعنفوان مدافع:
_هي صاحبة الفكرة وبصراحة أنا كنت مترددة ..مروان حكالها اللي حصل وهي كلمتني ..قالتلي إن زين لازم يشوف مني أنا وقفة قوية عشان محدش تاني يتأذي بسببي ..رحناله المستشفى لقيناه خرج ..فرحناله البيت .
_البيت ؟! انتِ وداليا؟!
هدر بها بحدة وجسده ينتفض مكانه بحركة أجفلتها لتهتف به بصوت مرتجف:
_أرجوك يا يامن ..اسمعني للآخر ..أنا كان ممكن مااقوللكش بس أنا مش عايزة أخبي عنك حاجة .
خبط بقبضته على الأريكة جوارها ليصرخ بها بغضب :
_المفروض تقوليلي قبل ما تروحي ..مش بعدها .
_ماكنتش هتوافق ..وأنا كان لازم أحط حد للموضوع ده .
أشاح بوجهه بانفعال فضحه ارتجاف جسده الذي كان يرتج الآن لكنها لم تغادر رحاب حضنه مكتفية بصمتها بينما تستعيد تفاصيل لقائها بزين ..
_اتفضلي يا ياسمين .
صوته كان منهكاً تماماً يختلف عن نبرة "اللطف الممتزج بالهيمنة "التي اعتادتها منه ..
لا ..الأمر لم يكن فقط إرهاق جسده ..بل شعرت وكأن روحه كذلك مستنزفة ..
_داليا بنت خالة يامن .
تقولها مشيرة نحو داليا التي تنمرت
ملامحها وهي تتفحصه بدورها ..
مظهره يمزج جاذبية كاسحة بهيبة مطلقة يجعلها تقسم أنها لم ترَ رجلاً مثله من قبل ..هل هذا رجلٌ خرج من المشفى لتوه ؟!
لكن أفكارها تنقطع وهي تميز وجود رائد الذي وقف يراقب الوضع بتحفز رغم قناعه المعدني على وجهه ..
كلاهما مميز بهيبة طاغية تشعرها
بالقشعريرة !
_مروان هيعلقك لو عرف إن قاعدة تبحلقي للرجالة كده ولا زينات صدقي في الأفلام القديمة !
تزجرها بها نفسها سراً فتتجاهل أفكارها لتلتفت ببصرها نحو ياسمين ..
_هم موضوعين اتنين هنقفلهم ..وبعدها هاسيبك ترتاح .
تقولها ياسمين بصرامة امتزجت برقتها الفطرية ..
لتلتمع عينا زين بومضة ذكاء خاطفة سبقت قوله بنفس الصرامة :
_اعتبريهم اتقفلوا !
اتسعت عينا داليا بانبهار وهي تميز طريقته الغريبة في إدارة الحوار وكأنما استنكف أن تكون الكلمة الأولى فيه لياسمين .
ياسمين التي لم تتعجب رده ..فقد كانت تدرك أنه من الذكاء كي لا يسألها عن تفاصيل ما تعنيه ..
لهذا تنهدت بحرارة وهي ترقق لهجتها بقولها:
_يبقى مافضلش غير إني أشكرك على كل مرة وقفت فيها جنبي ..
هز رأسه بشبه ابتسامة لتردف هي بنبرة ذات مغزى:
_وأوصيك على ياقوت .
عيناه تتسعان قليلاً وهو يشعر في هذه اللحظة أنها سبرت أغوار روحه بسحر صداقتهما القديم ..
والحقيقة أنها كانت في نفس اللحظة تزداد يقيناً من حدسها ..
زين يحب ياقوت حقاً !
هذا البريق المتوهج -الحيّ -في عينيه عندما ذكرت اسمها يختلف كثيراً عن نظراته القديمة الجليدية نحوها هي ..
هو رغبها هي كرفيقة طريق ..لكن قلبه اختار ياقوت كتوأم روح !
هذا الذي وجدته الفائدة الحقيقية المنشودة من هذه الزيارة ..
لهذا تأهبت كي تغادر لتودعه بقولها :
_لما بنحب بجد مابنقدرش نجبر رجلينا تمشي إلا في طريق واحد ..يااما نهاودها ..يااما هنفضل واقفين .
لم يدرِ هل تتحدث بها عن نفسها ..أم عنه هو ..لكنها كانت نصيحة مثالية على أي حال !
_عملتي إيه هناك ؟!
ينتزعها بها يامن من شرودها لتتنحنح مستعيدة تماسكها ..
ثم تروي له باقتضاب تفاصيل اللقاء القصير فيهتف بحدة :
_أيوة برضه مافهمتش كان لزومه إيه !
_ممكن تهدا وأنا أكمل ؟!
يزفر بقوة وهو يعاود الإشاحة بوجهه لتردف هي:
_زين مش وحش زي ماانت فاهم ..وحمائي جداً للي يخصوه ..هو لما قرب من ياقوت كان كل تفكيره إنه يحميني منك فاكر إنك عايز ترجعني وبتضغط عليّ ب"البيبي" ..كل اللي عمله كان عشان وعده لي إنه مش هيخللي حد يحرمني من بنتي ..عشان كده كان لازم يسمعها مني صريحة إني بحبك وعايزة أكمل معاك ..وإني بحله من وعده وماعدتش محتاجة حمايته !
شعر بعروقه تكاد تنفجر غضباً وهي تسمعه تتحدث عنه بهذه الطريقة لكنها استطردت بنفس العنفوان:
_كان ممكن أحترم غيرتك ومااقوللكش كل الكلام ده لولا إن ياقوت دخلت في المعادلة ..وإحساسي إنهم هم الاتنين بيحبوا بعض بجد ..عشان كده مش عايزاك تبقى متحامل على علاقتهم لإني واثقة إنهم هيكمللوها ..زين مش هيسيبها تضيع من إيده وأنا شبه متأكدة إنه طلقها عشان يرجع يتجوزها في النور مش في الضلمة .
عاد يلتفت نحوها بحدة وهو يشعر بغرابة هذا الذي تحكيه ليحافظ على صمته دقائق طويلة بعدها استكانت هي فيها برأسها على صدره لتهمس أخيراً بنبرة أكثر هدوءاً :
_أوعدك تكون دي آخر حاجة أعملها من غير إذنك ..بس الصفحة دي مكنش ينفع تتقفل غير كده .
لكنه بقي صامتاً يفكر في كلماتها ويستعيد معها حديث ياقوت عن زين هذا ..
هل هو متحامل عليه حقاٌ ؟!
لكن ولو!
سيبقى يكره هذا الرجل ولا يطيقه ولو أجمعت الدنيا أنه من الأولياء الصالحين !!
_هتفضل ساكت كده كتير ؟! دي أول ليلة لينا هنا بعد الشهور دي؟!
تهمس بها بدلال عاتب وهي تمرر سبابتها على لحيته ولاتزال تسند رأسها على صدره ..
لكنه بقي محافظاً على ملامحه الصامتة الغاضبة ..
_خلاص بقا يا طيب !
تهمس بها بالمزيد من الغنج الذي يليق بها وهي تسبغ عطايا عشقها على بشرته لكنه تناول وجهها أخيراً بين راحتيه ليهمس أمام عينيها بحزم :
_هاعديها المرة دي ماشي ..بس سيرة الراجل ده ماعادتش تيجي بيننا ..تمسحيه من دماغك بأستيكة ..انتِ ماتعرفيش أنا ماسك نفسي عنه إزاي !
تومئ برأسها شاكرة تفهمه النادر لتمنحه أجمل ابتساماتها ..
فيبتسم بدوره وهو يميل نحوها معيداً عهد عشقهما القديم في نفس الغرفة التي شهدت أبهى عصوره ..
الليل يشتعل بصخب العاشقين بعد انقشاع الغيوم جميعها ..
وما أجمل السكن بعد طول صراخ ...
======
_هانيا !! أنا رجعت يا أهل الدار !!
يهتف بها رامز بمرحه المعهود وهو يلقي حقيبة سفره جانباً ..
لكن الصمت المريب حوله في الشقة يربكه ..
ليس الصمت فقط ..بل الظلام !!
الظلام المطبق إلا من شموع ذهبية صغيرة تصنع طريقاً إلى غرفة نومهما ..
ابتسامة ذاهلة ترتسم على شفتيه وهو يتتبع مسار الشموع بعدم تصديق ..حتى يصل لباب غرفتهما الموارب ..
يفتحه ببطء لتتسع عيناه أكثر مع انفراجة شفتيه وهو يميزها أمامه ..
هي؟!
هل هي حقاً ؟!!
لا ..لا ..مستحيل!!!
كانت تبدو كشمس صغيرة وسط ظلام الغرفة إلا من شموعها الذهبية ..وتلك اللمعة الذهبية لقميص نومها ..
قميص نومها ؟!!
نعم ..هذا الذي احتضن تفاصيل جسدها بنعومة ..بفتحة صدر واسعة انحدرت عن مفاتنها ..
طويل جداً يكاد يلامس الأرض لكن فتحته الجانبية تصل لحدود خصرها مبرزة رشاقة ساقها على طولها ..
يقترب منها مأخوذاً وعيناه تدوران على تفاصيلها بلهفة عاشقة ..
عيناه تحاولان قراءة عينيها لكنها كانت تسبلهما بقوة وهي تشبك كفيها معاٌ كأنما تبذل مجهوداً خرافياً لتظهر أمامه هكذا ..
أنامله تحط على خصرها بوله ولازال يحاول اقتناص نظراتها ..فتفتح عينيها أخيراً محاولة استجماع شجاعتها ..
يرفع ذقنها نحوه هامساً بصوت متهدج :
_أنا بحلم ؟!
ابتسامتها تخضب وجنتيها وهي تهز رأسها نفياٌ ببطء مغوٍ ..
ليردف وأنامله تجيد عزفها على بشرتها ..
_يبقى مت ودخلت الجنة !
_بعد الشر عليك !
تهمس بها بجزع وأناملها ترتفع لشفتيه فيقبلهما بقوة قبل أن تنسحب عيناه لكتفيها ..
هذين اللتين تلمستهما أنامله بعدم تصديق وهو يميز نعومتهما ..
نعومتهما ؟!!
_هانيا؟!
يسألها ذاهلاً مجفلاٌ وقد ارتد للخلف فجأة لترد وقلبها يخفق بقوة :
_عملت عملية التجميل !
_لوحدك ؟! من غيري؟!
يهتف بها باستنكار بعد صمت قصير مشفقاً عليها من خوض تجربة كهذه وحدها ..
فترتجف ابتسامتها مع خيط من الدموع
سال على خدها :
_عملتها ..عشانك !
_عشاني؟! عملتيها عشاني ؟! عشان تبقى حلوة في عيني؟!
يهتف بها بنفس النبرة الذاهلة فتخفي وجهها في صدره وجسدها ينتفض باعتراف صريح ..
الآن فقط يمكنها القول أنها تحررت من عقدتها القديمة ..
حررها هو بحبه ..
وحررت نفسها بسطوة شعورها أنها تريد أن ترضيه !!
تريد الشعور بهذا الجسد الذي سخطت عليه عمراً دافنة أنوثته تحت أطلال ماضٍ قديم ..
واليوم تريد استعادة زهوها بها أمام معشوقها !!
_ليه ما قلتليش ؟!
يسألها وهو يلصق وجنته بوجنتها على صدره بينما يضم جسدها نحوه بقوة شعوره ..
_كنت ..كنت خايفة العملية ماتنجحش!
صوتها المرتجف يثير حميته فيعاود رفع ذقنها نحوه هامساً بانفعال:
_انتِ عارفة إنه مكنش فارق معايا .
_بس كان فارق معايا أنا !
_اشمعنا دلوقت بالذات ؟!
_عشان فهمت وحسيت ..حسيت إن حبي ليك مش هيبقى كامل طول ما انا غرقانة في عقدتي القديمة ..حسيت أد إيه انت بتحبني ومتمسك بيّ تحت أي ظرف ..ومابقتش خايفة حبي ليك يضعفني قدامك ..حسيت إني خلاص ..بقيت حابة أشوف نفسي حلوة في عينيك ..من غير مااحس إنه عيب!
تهمس بها بعمق عاطفتها ليتأوه بقوة وهو يشدد ضغط ذراعيه حولها ..
عيناه تدمعان وقلبه يضخ الدم في عروقه بقوة تكاد تصيبه بالجنون ..
أن يسمع منها ..منها هي بالذات هذه الكلمات ..
أن يشعر بها بهذه النعومة ..بهذه الرقة ..
بهذه الأنوثة ..
وبهذا العشق بين ذراعيه ..
لهو النعيم بعينه !!
يريح جبينه على جبينها لتستشعر خفقاته هادرة تحت كفيها المبسوطين على صدره ..
_عارفة ؟! أنا مش عايز أعمل حاجة دلوقت غير إننا نفضل سوا كده للأبد ..
فتبتسم وهي تميز حرارة شعوره ..
لكنه يبتعد عنها فجأة هاتفاً:
_لا ! أنا كذاب ..أنا عايز أعمل حاجات كتير قوي دلوقت!
تضحك ضحكة عالية وهي تراه يحل أزرار قميصه ليخلعه عنه بسرعة ...
قبل أن يجذبها من معصمها مردفاً بانفعال:
_بس أولاً ..هنفتح كل أنوار الشقة ..كلها ..شرطك القديم ده بقا تنسيه خاااالص !
_رامز !
تهتف بها باستنكار وهي تراه يجذبها خلفه ليفتح الأنوار جميعها قبل أن يعود بها إلى غرفتهما ليفتح آخر الأنوار ..
يرمقها بنظرة طويلة متفحصة وقد بدت له في هذه اللحظة كأجمل مرة رآها فيها ..
بل أجمل مما حلم يوماً !!
شعرها الجميل ينسدل على كتفيها بعيداً عن "الكحكة المعتادة"..
وجسدها يتوهج ببريق أنوثة تستصرخه هو وحده ..
خاصة بهذا اللون الآسر الذي طالما داعب
أحلامه !!
تكتف جسدها من جديد بساعديها وهي تسبل جفنيها شاعرة بأنها تكاد تحترق ..
لكنه يجذبها من كفها نحو المرآة ليقف خلفها ..
يضم خصرها فيلصق ظهرها بصدره هامساً وهو يخاطبها عبر المرآة :
_بصي كويس ..أحب أعرفك بأجمل ست في الدنيا ..واللي خلاص عيني ما بقتش تشوف غيرها ..هه..إيه رأيك في ذوقي؟! شفتي جميلة إزاي ؟!
يهمس بها ببطء مغوٍ وأنامله تتحرك على بشرتها ..
تشاركه رحلة طويلة مستعيداً كل خبرته لدغدغة أنوثتها وهو يشعر بهذه اللحظة حاسمة حقاً في علاقتهما ..
يشعر كم تحتاج الآن لأن ترى نفسها هكذا ..
بهذه الفتنة الصارخة ..
بهذا العشق المتأجج ..
وبهذه اللهفة التي تكتسحهما معاً ..
بينما تغمض هي عينيها لأول وهلة عاجزة عن مواجهة صورتها هكذا في المرآة ..
لا تكاد تصدق أنها هزمت الهاجس القديم ..
أنها استعادت بهاء جسد تود منحه له كاملاً دون قيود ..
لكن همسه يصلها دافئاً ..مشعلاً إياها أكثر :
_افتحي عينيكِ ..شوفي أد إيه انتِ جميلة ..وفي عينيا أجمل !
شعورها يكاد يتفجر بين جنباتها كألف لغم ..
بخفقات قلبه الهادر خلف ظهرها مع همسه الذي لا تدري كيف يؤرجها هكذا بين نيران عشق ونعيم سكينة لم تشعر بها من قبل هكذا إلا بين ذراعيه ..
لهذا تجد الجرأة لتفتح عينيها أخيراً فتقابل عينيه في المرآة ..
مشهد قديم مظلم ل"بيللا" في موقف مشابه يحاول اقتحام الصورة ..
لكنها صارت تملك من القوة ما يمكنها من ردعه ..
هذا المشهد يخصها هي ..
هي وحدها ..!!
لرجل لم تعشق سواه ولم يعشق هو غيرها ..
رجل ستمنحه الروح والقلب والجسد ..كما منحها هو من قبل كل هذا !!
ولا عيب ..
لا عيب ولا حرج !!
لا عيب ..ولا حرج!!
الخاطر الأخير يكسبها المزيد من الجرأة فتتشابك أناملها بأنامله على بشرتها لتنساب عطايا عشقه سخية بين شفتيه ..
تحاول الاستدارة نحوه لكنه يمنعها ..
يشد ظهرها نحوه بقوة أكبر كأنما يريد أن يرسخ المشهد بعينيها أكثر وأكثر ..
مدركاً أنه هاهنا فقط يدحض عقدتها القديمة ..
اللحن العاصف بينهما تزداد وتيرة صخبه فتستجيب له بكل جوارحها ..
ترى نفسها معه عبر المرآة فتشعر بخجل فطري ..
وليس خزي مرضيّ ..
ترى عاشقين يتشاركان لذة محللة دون ما يبرر الشعور بالانتقاص..
وترى نفسها كما وصفها تماماً ..
امرأة جميلة ..لكنها بعينيه أجمل !
تشعر بقميصها أخيراً يسقط تحت قدميها لكن ليس وحده ..
معه تسقط بقايا هواجسها القديمة لتستقبل معه عهد عشق جديد ..
دون حواجز هذه المرة ..
دون أي حواجز!
======
_مش جايلي نوم !
يرسلها لها مروان على هاتفها ..ليتبعها برسالة من حساب "العاشق المجهول":
_كيف ينام من تكونين غداً عروسه ؟! وكيف تغفل العين والقلب يتقافز بين الضلوع فرحاً بكِ ..كنتِ حلماً بعيداً جميلاً واليوم صرتِ حقيقة قريبة أجمل ..وبينهما لازلت طفلاٌ يتعلم أبجدية غرامك ..بدأها بألف أحبك ..وينهيها ..بياء ..ياء نداء للقريبة أبداٌ مهما تباعدت السبل ..للحبيبة أبداً مهما تشابكت الظروف ..وللمليكة التي احتلت كل عصوري وبسطت على أزمنتي جبروت سلطانها !
تبتسم وهي تقرأها على فراشها لتضطرب خفقاتها بزلزال لطيف صار يخصه هو وحده ..
فترد على "العاشق المجهول":
_أنت أيضاً سيد كل عصوري .
وترد عليه ك"مروان":
_أنا كمان مش جايلي نوم ..متوترة قوي وخايفة ..أول مرة من زمان أفتح دولابي وأحضن فستان العيد القديم بتاعي زي زمان .
لم يصلها رد لدقائق طالت فعادت ترسل إليه :
_انت زعلت مني ؟! مش قصدي إنك مقصر معايا ولا حاجة بس غصب عني حاسة إني خايفة قوي .
لا رد أيضاً !!
شعرت بالتوجس وهي تتصل به هذه المرة ليفاجئها الرنين الرتيب ولا رد أيضاً ..
_رد يا مروان ..خلاص ماقصدتش أضايقك .
ترسلها مرة تلو الأخرى فتزداد توجساً مع عدم الرد أيضاً ...
لتصلها رسالته أخيراً ..
_أنا قدام الباب ..افتحي!
ظلت تتفحص الكلمات لبضع ثوانٍ بعدم تصديق قبل أن تغادر غرفتها عدواً لتفتح باب الشقة فتجده أمامها ..
هيئته تبدو مشعثة تماماً بما يناسب رجلاً غادر بيته بأقصى سرعته ..
تبتسم فيجذب كفيها بين كفيه ليقربها منه هامساً بلهجته المميزة التي تمزج حزم رجولته بحنانه :
_ماقدرتش أستنى لحظة واحدة وانتِ بتقولي رجعتِ تحضني فستانك القديم .
تدمع عيناها فجأة وهي تلقي نفسها بين ذراعيه لتطوق خاصرته بكل قوتها ..
فيربت على ظهرها برفق وهو يتحرك بها ليدخل مغلقاً الباب خلفه برفق ..
_لو يامن صحي دلوقت وشافني هتبقى مذبحة ولا بتاعة القلعة .
يقولها مسرياً عنها ومحاولاً احتواء ردة فعلها المتطرفة التي يتفهمها ..
فتكتم ضحكتها في كتفه لترفع وجهها نحوه هامسة :
_كل مرة بتفاجئني إنك أقرب ليّ من كل حد حتى من نفسي .
_امال خايفة ليه ؟!
يهمس بها وهو يحتوي وجهها بين راحتيه ..
لتهمس له وعيناها تدوران على ملامحه بعشق جارف:
_عشان كل ده حلو ..حلو قوي لدرجة إني مااستاهلوش ..كل ماافتكر نفسي زمان ..بحس ..
_شششش..أنا حبيت داليا زمان ..وبموت في داليا دلوقت ..
يقاطعها بها واضعاً سبابته على شفتيها ..قبل أن يقبل جبينها مردفاً :
_كل يوم بتثبتيلي إنك اتعلمتي من دروس زمان ..وإني كان عندي حق أستناكي في آخر الطريق ده مهما طال ..وآخرها كان موقفك مع زين وياسمين ..داليا بتاعة زمان خلاص اتعلمت تبقى مسئولة وتراعي اللي حواليها زي ما بتراعي نفسها ..
ثم انتقلت شفتاه لوجنتيها مع همسه :
_داليا بتاعة دلوقت تستاهل كل لحظة حب حوشتهالها العمر ده ..
_مروان !
تهمس بها بحرارة أذابتهما معاً لتشعر بشفتيه تنجذبان لشفتيها ..
لكنها شهقت فجأة عندما سمعت صوت باب إحدى الغرف يفتح!
ففتح هو باب الشقة بسرعة ليخرج وتغلقه هي خلفه لتستند عليه بظهرها ..
_واقفة ع الباب زي الشحاتين كده ليه ؟!
يسألها يامن الذي كان قد قرر أن يبيت ليلته هنا معها هي وبيللا كدعم مناسب لهما في ليلة كهذه ..
صوته كان ناعساً وهو يميز وقفتها الغريبة ..لتتلعثم حروفها :
_كنت ..عطشانة ..
_آه ..وبتشربي م القُلّة اللي ع الباب ..واللا بعتتي تشتري مية ديليفري؟!
يسألها بالمزيد من الشك وهو يقترب أكثر ليميز أنفه رائحة عطر مروان المميز فتلتمع عيناه بفهم سبق قوله الساخر:
_آآه ...قلتيلي بقا عطشانة ..وعمك "السقّا" كان مواعدك ع الباب؟!
احمرت وجنتاها بخجل لترد بالمزيد من التلعثم :
_سقا إيه ؟! مش فاهمة ..عموماً أنا شربت ..تصبح على خير .
قالتها وهي تهرول نحو غرفتها تلاحقها ضحكاته الخشنة :
_اتهدي يا شحرورة ونامي ..وابقي خديلك إزازة مية حطيها جنبك.
يقولها ساخراً قبل أن يتحرك ليتناول هاتفه ويتصل بمروان ولم يكد يسمع صوته حتى هتف به بنفس النبرة الساخرة :
_طب كنت ادخل نعمللك شاي .
_أنا أعصابي على آخرها ومش ناقصك يا يامن .
يهتف بها مروان بتوتر يداري حرجه ليستمر يامن في مزاحه :
_ليه يا عريس؟! ده حتى عروستنا ست العاقلين مجرجراك وش الفجر لبيتها ليلة فرحكم لغرض لا يعلمه إلا الله ..فرحان فيك بشكل !!
يقولها ضاحكاً بصوتٍ عالٍ ليستفز مروان أكثر الذي هتف به بمزاح خشن :
_هي دي وقفتك جنبي ليلة فرحي يا صاحبي ؟!
فيضحك يامن من جديد هاتفاً بوقاحة هذه المرة :
_ماهو لو مكنش الباشا هيتجوز بنت خالتي كنت وجبت معاك بنصايحي الذهبية بحكم خبراتي العامرة في المواضيع دي ..بس انت عارف بقا الموضوع دلوقت محرج .
_اخرس يا يامن ..أنا غلطان أصلاً إني كلمتك.
_أنا اللي مكلمك بالمناسبة بعد ما اكتشفت تعدّيك السافر على حرمات بيتي يا وغد ..زمان كانت بتطير فيها رقاب دي يا ولد !
هتف بها يامن بنفس المزاح المشاكس ليكتم مروان ضحكته وهو يرد :
_من بكرة هتبقى في بيتي ومش هارجعهالكم تاني أبداً ..وانت بالذات لو عُزت تشوفها مش هادخللك !
ورغم أنه كان يمزح لكن العبارة وخزت قلب يامن حقاً مع مكانة داليا بالذات لديه ..
لهذا غص حلقه غصة حقيقية ليصمت قليلاً ..
قبل أن يقول بجدية تامة تسربت منها عاطفته السخية :
_خللي بالك منها يا مروان ..مهما عملت ماتزعلهاش .
فابتسم مروان وهو يشعر بحقيقة مشاعر صديقه ..وكيف يعتبر نفسه أبا داليا حقاً وليس مجرد ابن خالتها !!
_في عنيا يا كبير ..اطمن انت بقا وخش نام .
_أخش أنام أكيد ؟! مش هاصحى على صوتك عند الباب تاني يعني ؟!
يقولها يامن بنبرة عاد إليها مزاحها ليختم
الاتصال بضحكته العالية قبل أن يتوجه نحو غرفة داليا التي طرقها ليهتف من خلف الباب :
_نمتي يا عطشانة واللا لسة ؟!
فتكتم ضحكتها لترد بشقاوتها المعهودة :
_نمت وبحلم ومغطية رجليا عشان "العاوّ"!
_ماشاء الله ..زينة البنات اللي رافعة راسي ومشرفاني ..هو أنا خلفت إلا داليا ؟!
يهتف بها مشاكساً قبل أن تسمع صوت خطواته يبتعد فتبتسم بسعادة حقيقية وهي تعانق وسادتها ..
قبل أن ترسل لمروان رسالتها الأخيرة لهذه الليلة :
_فكرت في الأغنية اللي هاتغنيهالي بكرة ؟!
لكنه يرد برسالة غامضة تلاعبت بخيالاتها ..
_خلليها مفاجأة !
=========
أحبك...
أحبك...
أحبك...
كلمة بقالها أيام وليالي تدوب فيا
عايزة تروحلك وانتي بعيدة...
بعيدة عليا..
والكلمة اللي أنا عايش بيها
رح دوب كل الشوق فيها
وحقولها وأعدها وغنيها
حقول أحبك حقول أحبك
واعيش أحبك أعيش أحبك
أحبك ...أحبك ياااااا حياة قلبي..
تدمع عيناها وهي تستمع لصوته عبر الميكروفون فوق منصة العرس يردد كلمات هذه الغنوة ..
لقد قضت ليلتها تفكر أي لحن سيختار ..
ورغم أنها لم تحب الكلاسيكيات يوماً وكانت تصفها دوماً بكلمتها "خنيقة"...
لكن هذا اللحن مسها ..وربما الكلمات ..
وربما لأنه هو من يغنيها ..
بصبغته الفريدة التي تلون كل شيء بطيفه الساحر ..
كان يغني أمام الحضور وعيناه لا تغادران عينيها ..كأنما لا يرى في هذه اللحظة سواها ..هي فحسب!!
بكرة خلاص هاقوللها ..
روحي لها ..قلبي لها ..عقلي لها ..
وهاقوللها هي الهنا ..هي المنى كل المنى ..
هي حياتي كلها ..
بحبها ..بحبها !!
تشهق للمفاجأة وهي تراه ينهي اللحن
الأخير بأن يضم خصرها نحوه ليرفعها ويدور بها ..فتتشبث بعنقه وسط تصفيق الحضور وصفيرهم العالي ..
لتهمس في أذنه بما سمعه هو وحده :
_وأنا بموت فيك !
تشعر بصخب دقاته تحت كفيها اللذين بسطتهما على صدره وهو يخفضها أرضاً أخيراً ..ليقبل وجنتها بعمق ..
لكنه لم يترك "الميكروفون" من يده وهو يشير نحو منظم الحفل إشارة خاصة قبل أن يخاطبها عبر الميكروفون :
_ودي مفاجأتي اللي محضرهالك من سنين مش عارف عددها ..
تتسع عيناها بترقب وهي تلاحظ انخفاض
الإضاءة في القاعة لتراقب الشاشة هناك والتي بدأت في عرض مفاجأته التي خطفت قلبها !!
العشرات من الصور لها في مراحلها العمرية المختلفة وبأوضاع مختلفة ..
طفلة بشعرها المشعث ..تعدو تارة ..وترسم تارة ..تضحك تارة ..وتعبس تارة ..صورة بضفيرة كستنائية تحتضن بعض الكتب ..صورتها المرسومة وهي تجلس على السلم محتضنة ثوبها ..صورة وهي تخرج لسانها بشقاوة عذبة ..صورة لها وهي تتشاجر مع أحد الصبية ..ثم عدة صور لها في مراحل متقدمة من دراستها ..لتنتهي بصور عقد قرانهما ..ثم صورة لها التقطاها حديثاً وهي بين ذراعيه !!
كانت كثافة الدموع في عينيها تزداد مع كل صورة وكأنما تشعر أنه حقاً ملك عمرها كله ..
أمسه وغده ..
قلبها يتقافز بين ضلوعها بجنون فلا تجد لها ملجئاً إلا صدره تدفن فيه دموع تأثرها !!
الأضواء تعود من جديد مع صفير الحضور وتصفيقهم لكنها لا تشعر إلا بحاجتها له وحده ..
تسكب دموعها بين ذراعيه مع رجفة جسدها التي احتواها بحنان وهو يبعد الميكروفون جانباً ليهمس في أذنها :
_بتعيطي ليه دلوقت ؟! ماعجبتكيش؟!
كان يعلم الجواب لكن سماعه منها مع رجفتها اللذيذة هذه بين ذراعيه شيء آخر :
_عجبني جداً ..انت تجنن .
صوتها المرتجف بدموعها يجعله يبتسم وهو يضمها نحوه أكثر هامساً:
_هو أنا فلوسي حرام يا بنتي ؟! أدفع أد كده ل"الميكب ارتسيت" عشان تبوظي الشغل في أول الليلة !
تضحك وسط دموعها وهي تخبطه بكفها على صدره ليتأوه بمبالغة فترفع وجهها نحوه أخيراً ..لتميز ما صنعته زينتها بقميصه الأبيض !!!
_بوظتلك القميص!!
تهمس بها ببعض الخجل وهي تمسح عينيها دون حذر ..لكنه يبتسم وهو يضمها نحوه أكثر هامساً بهيام :
_بس صلحتيلي العمر كله !!
وفي مكانه على المائدة كان يامن يراقبهما بحنان وهذا "الفيديو" الذي صنعه مروان يقع في قلبه موقعاً عظيماً ..كأنما يعيد له ذكرياته الخاصة ..
_عفارم عليه الولد مروان ده ..شكله حبّيب كبير !
تهتف بها بيللا باستحسان وهي تصفق بكفيها لترد ياسمين بفرحة مشعة :
_هو وداليا يستاهلوا السعادة دي ..
ثم مسدت بطنها بأناملها مردفة :
_اوعي يا يمنى تعمليها وتقرري توصلي النهاردة وتبوظيلنا الفرح .
لكن يامن يهتف وهو يشبك أنامله بأناملها فوق بطنها :
_فشر! دي بنت يامن حمدي ..يعني ماجستير نظام ..دكتوراة تفاصيل ..رئيس قسم جودة ..هم تسع شهور يعني تسع شهور ..لا يوم زايد ولا يوم ناقص .
_حرام عليك يا يامن ..
أنا خلاص استويت ..عايزاها تيجي بقا .
تهتف بها ياسمين ببؤس مصطنع لكنه يهز سبابته نفياً هاتفاً :
_عيب يا ماما ..كده بتلعبي في جيناتي وأنا مااسمحلكيش!!
تنطلق ضحكاتهما عالية تشاركهما فيها نبيلة التي كانت تتنهد بارتياح وهي تراقب هانيا ورامز اللذين استقرا على مائدتهما القريبة جوار أشرف ورانيا التي بدت عليها السعادة بحملها الجديد مع هذه الثقة النابضة التي كانت تشع بملامحها ..
كيف تصف هذه السعادة التي تشعر بها أخيراً وهي ترى القدر قد منحها الدور الذي بخلت به على نفسها طويلاً ..
دور البطولة كأم !!
بينما كان يامن يشعر بنفس الاطمئنان وهو يدور بعينيه على بنات خالته جميعاً ..
قبل أن يميل على ياسمين ليسألها باهتمام:
_انتِ لسه بتحسي إنك بتشوفي سيلين ؟!
سؤالها يصدمها للحظة وكأنما نست هذا الأمر مع أحداث الأيام السابقة ..
لتشحب ملامحها وهي تستعيد منظر لباس الطفل الملوث بالدم والذي وجدته في سيارتها ..
_لا ..خالص ..بس انت شفت معايا اللي كان في العربية !
تقولها بقلق ليقبل وجنتها وهو يضمها نحوه مطمئناٌ بقوله:
_اللي ع الهدوم ده مكنش دم ..ده صبغة حمرا ..مقلب سخيف ممكن يكون أي حد
عامله ..ماتشغليش بالك ..أنا متأكد إن سيلين في لندن ..واتجوزت كمان .
انفرجت شفتاها قليلاً وهي تستكين على صدره ..
إذن رؤيتها لسيلين كانت محض هواجس ..
لهذا اختفت بانشغالها وشعورها المستحدث مع يامن بالأمان ..
وتبقى قصة القميص الملوث هذه مجرد مقلب..
لماذا تشعر إذن أن الأمر يفوق هذا ؟!
تشعر بأنامله تتشابك بأناملها كأنما يدفع عنها هواجسها ..
فتبتسم وهي تميز خاتميه في إصبعيه ..
كلاهما يقسم لها أن هذا الرجل لن يكون إلا لها ..هي فقط !
فتتسع ابتسامتها وهي تميزكذلك لمعة خاتمه الملون في إصبعها يتراقص بفتنة تحت الأضواء ..
لتتنهد أخيراً بارتياح وهي تمسد بطنها بأناملها الحرة ..
وعلى مائدة مجاورة كانت نشوى تجلس مع ابنتها ريما تراقب باب الدخول بعيني دامعتين ..
لقد تأخر ناصر ..
تراه لن يأتي ؟!
هو وعدها بالحضور بعدما دعته هي كي تظهر معه في هذا الحفل تمهيداً لإعلان
علاقتهما للجميع رغم اعتراض أشرف ..
_أروح أرقص مع العروسة يا مامي ؟!
تسألها ريما لترد بنصف تركيز مراقبة حركات الصغيرة المبتعدة ..
هي لا تفهم نفسها !!
تشعر أن بداخلها امرأتين متناقضتين !!
إحداهما متنمرة متمردة تريد إثبات ذاتها فحسب ..
والثانية هشة واهنة لا تريد سوى ضمة حنون من رجل أحبته !!
رجل كهذا الذي دخل الآن أخيراً من باب القاعة بوسامة كاسحة وأناقة لا تليق إلا به ..
قلبها يخفق له هذه الخفقة "المراهقة" القديمة التي ترسم على شفتيها ابتسامة لهفة ..
ابتسامة ولدت وماتت في نفس اللحظة وهي تميز وجود سها جواره !!
كيانها يشتعل بغيرة هوجاء وهي تميز فتنتها المعهودة ..قوامها الممشوق الذي زاده ثوبها الأسود الأنيق جاذبية ..شعرها الذي رفعته بتصفيفة منمقة لتترك بعض خصلاته الفاتحة تتموج حول وجهها ..وجهها الجميل الذي زينته برقة ...وأخيراً كفيهما المتشابكين وسط الزحام !!
لماذا أحضرها معه هذه المرة أيضاً ؟!
ما الذي يريد أن يثبته لها ؟!
أنها راضية بوضعهما الجديد ؟!
هي اقتنعت بهذا منذ المرة السابقة ..فما الداعي لزيادة التأكيد ..؟!
إلا إذا كان غرضه الحقيقي أن يشعرها بمكانة زوجته عنده !!
ملامحها تنطفئ فجأة وهي تطرق بوجهها ببؤس ..
والخفقة "المراهقة" تتحول لأخرى "خائبة" حاولت مداراتها بقناع قوتها المعهود ..
تشعر بهما يقتربان فترفع رأسها نحوهما ..عيناها تلتقيان بعيني أشرف الذي يرمقها بنظرة تمزج ضيقه بإشفاقه فتواجهه بابتسامة مصطنعة وهي تقف مكانها لتصافحهما ..
_مساء الخير ..مبروك !
تقولها سها وهي تمد لها كفها بنظرة متفحصة كأنما تخضعها لمقارنة أنثوية معهودة فتشعر نشوى بالخزي أكثر مدركة نتيجة المقارنة ..
لكن ظهور ريما في خلفية الصورة يغير النظرة تماماً !!
فلم تكد تظهر خلفهما حتى التفت نحوها ناصر ليبتسم وهو يحملها بين ذراعيه هاتفاً :
_أهلا بجميلة الجميلات ..وحشتيني !
تعانقه الصغيرة بقوة فيرتجف قلب نشوى وهي تشعر أخيراً أنها تملك ما يجعل كفتها تميل في الميزان !!
خاصة عندما علت ضحكة ناصر والصغيرة تقبله بشقاوة طفولية هاتفة :
_ريحتك لمون ..هارسمك وألونك بالأصفر .
لكن سها تتدخل لتحمل الصغيرة عنه فتقبلها بحنان هاتفة :
_وأنا ريحتي إيه ؟!
فتغمض الصغيرة عينيها كأنها تتشممها بقوة لتهتف أخيراً وهي تفتح ذراعيها :
_ريحتك بكل الورد ..كله ..هارسمك وألونك بألوان الطيف ..انتِ جميلة قوي زي باربي!
_أوووه ..سويتي!
تهتف بها سها وهي تقبل الصغيرة لتداعب شعرها بأناملها ..فتشعر نشوى بالغيرة من جديد وهي تستشعر غرابة الوضع الذي هي فيه ..
يمد ناصر يده لمصافحتها فيلتفت له قلبها "المراهق" قبل عينيها . .
تشعر به يضغط كفها ببعض القوة فتفاجأ بذبذبة جسدها تستجيب!!
زوجها السابق كان يصفها بالبرودة ..
وربما كان هذا أحد أسباب فشل زواجهما ..
طالما كانت تستشعر معه أنها تقف على أرض جليدية ..تمنحه جسداً بلا شعور ..
ربما لهذا تستشعر الآن قيمة ناصر بهذا الدفء الذي دغدغ به أنوثتها ..
لهذا لم يكن غريباً أن احمرت وجنتاها بقوة أثارت هذه المرأة أمامها رغم ادعائها البرود ..
سها!!
سها التي شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها وهي تراها تحمر خجلاً من مصافحة بينما خيالها يدفع إليها أوتوماتيكياً بالمزيد من المشاهد العاطفية بينهما فتتقلص معدتها بانقباض ..
أي جحيم هذا الذي توشك أن تعيشه بل وتزعم عنه رضاً؟!
_واقفين ليه ؟! اتفضلوا اقعدوا !
يقولها أشرف بنبرة مهذبة لم تخلُ من ضيق وهو يشعر بهذا الجحيم الذي لا يعرف سبباً عاقلاً يجعل هؤلاء الثلاثة يلقون أنفسهم به !!
لكن رانيا تتقدم لتربت على ظهره بإشارة داعمة قبل أن تحيي الجميع برقة لتسحبه هو بعيداً قائلة بعدها بتعقل :
_سيبها لوحدها معاهم عشان تقدر تقيم التجربة .
لكنه يرمق نشوى التي بدت مشتتة زائغة العينين بنظرة حانقة ناسبت قوله :
_خايف عليها قوي ..خايف تختار غلط مرتين .
لكنها تهز رأسها قائلة بابتسامة هادئة :
_ماتخافش عليها ..نشوى عاقلة .
_بس جرح زمان لسه معلم فيها !
يقولها آسفاً دون أن يدري إلى أي مدى كان مصيباٌ ..
فعلى المائدة كانت نشوى مغيبة تماماً بذكريات مراهقتها مع ناصر ..
خلليك فاكرني ..
ياللي بجمالك وبعيونك دول آسرني ..
خلليك فاكرني ..
وإن حس قلبك يوم بقلبي ..
ابقى زرني ..
اللحن ينبعث على المسرح فيذكرها بعهدهما القديم ..
كيف كانت ترتجي منه ولو نظرة ..
كيف انكسرت روحها عندما لفظها يوماً لتعيش بعده حياة معوجة ..
وكيف يمكن أن تستقيم حياتها به من جديد الآن !
_شايف مين هناك ؟! ده سامر ..هاروح أسلم عليه !
تهتف بها سها بعفوية وهي تغادر المنضدة لتشعر نشوى بالكثير من الراحة لهذا ..
هذه الراحة التي تخلخلت كثيراً وهي
تلاحظ تغير ملامح ناصر للضيق وهو يتابع زوجته بعينين كأنما التصقتا بها !!
_انتم متعودين تروحوا سوا كل مكان كده؟ !
تقولها بعتاب خفي ليلتفت نحوها بحدة
لأول وهلة ..
قبل أن يتنحنح ليقول بهدوء:
_سها صاحبتي قبل ما تبقى مراتي ..عارفة عني كل تفاصيلي ..هي اللي بتنظم لي وقتي ومواعيدي ..تقريباً مابعرفش أتحرك خطوة من غيرها .
مخالب الغيرة تعاود نهشها بقوة ليبدو هذا جلياً في عينيها ..
_انت بتقوللي كده عشان أغير ؟!
تسأله بنبرة مرتجفة نما فيها طيف تنمر مستحدث ليرد بنفس النبرة العملية :
_بقوللك كده عشان تقدري الوضع كويس ومايحصلش مشاكل بعدين ..مش عايزك في أي وقت تجرحيها وأنا متأكد إنها مش هتحاول تجرحك ..الدنيا كلها عارفة أنا بحبها أد إيه ..لكن حقي إني أتجوز تاني ..وهي موافقاني على ده ..
يزداد الضيق في ملامحها أكثر ..
لكنه كان من الذكاء أن يدير دفة الحوار ..
ويعلم أنه معها فقط تكفيه ابتسامة وعبارة غزل ..
_انتِ جميلة قوي النهاردة ..الأحمر حلو قوي عليكِ !
لم يكن مخطئاً في تقديره وعبارته تلقيها من أقصى اليمين لأقصى اليسار ..
تداعب الوتر المنسيّ في قيثارة أنوثتها فتطلق هذا اللحن الذي لم يعرفه قلبها لرجل غيره ..
شفتاها تتجملان بابتسامة ..وقلبها يتزين بخفقاته ..
وعيناها تتكحلان بهذه النظرة المعجبة في عينيه ..
كل هذا يمنحها أملاً في الغد !!
لكنه لم يلبث أن حاد ببصره عنها من جديد مراقباً زوجته التي انخرطت في حديث طويل مع المدعو سامر هذا وقد بدت منشغلة عنه حقاً ..
_بعد إذنك ..دقيقة واحدة !
يقولها غير منتظر ردها قبل أن يتجه نحوهما تلاحقه نظراتها المترقبة ..
قبل أن تغمض عينيها بألم وهي تراه يبسط كفه على ظهر سها في حركة ملكية واضحة طوال حديث ثلاثتهم هناك ..كأنه يدحض بهذا غيرته !!
_غريب قوي ناصر ده !
تلتفت بحدة نحو مصدر الصوت لتجد إسلام واقفاً جوارها يضع كفيه في جيبي سرواله مردفاً :
_قليل قوي لما الواحد يلاقي راجل بيحب مراته كده .
_انت إيه اللي جابك هنا ؟!
تهتف بها بحدة متطرفة فجرتها مشاعرها المهيضة ليسحب الكرسي أمامها دون استئذان قائلاً :
_أشرف عمل الدعوة عامة للمصنع كله .
_بس محدش جه غيرك .
تهتف بها بغيظ ليهز كتفيه هاتفاً ببرود ظللته ابتسامة :
_أنا راجل ذوق ومابكسفش حد .
تغضنت ملامحها بازدراء وهي تود صفعه ..!
لا تدري لماذا يتملكها هذا الشعور دوماً كلما تراه ..
منذ ابتلاها أشرف به في المصنع وهو يثير حنقها ..
صحيح أنه ماهر في عمله حد العبقرية لكنها لازالت غير قادرة على نسيان ماضي أبيه !!
تستشعر أن في الأمر خدعة ما ..
فليس من الطبيعي في هذا الزمان أن يفعل رجل مثل ما فعل هو بهذه المثالية كي يصحح خطأ والده !!
ابتسامته الباردة مع نظراته المتفحصة لها تزيد غيظها منه لكنها وجدتها فرصة ..لمَ؟!
لتثير غيرة ناصر ..ربما !!
هو هرع إلى زوجته بمجرد أن رآها تحدث أحدهم ..فهل سيفعل المثل معها ؟!!
وأمامها كان هو يتفحصها باهتمام يناقض ابتسامته الباردة ..
هو كان ماراً بالمصادفة قريباً من هنا ليرى ناصر وزوجته فيتذكر دعوة أشرف لزفاف أخت زوجته ..
هذه الدعوة التي لم يكن ينتوي تلبيتها ..
لولا رغبته في استكشاف هذه العلاقة الغريبة التي يمكن أن تجمع ناصر بنشوى ..
وازداد فضوله ضراوة وهو يراه يجالسها هاهنا منذ قليل ..زوجته تتركه معها ..ليسرّ إليها بكلمات تجعل وجنتيها تحمران خجلاً ..
أي "حمار" يمر من هنا سيدرك أن هذه الغافلة المتنمرة شبيهة "التين الشوكي"معجبة بذاك الضابط الوسيم ..
لكن ثمة مشكلة بسيطة أنه متزوج !
متزوج من امرأة يحبها بجنون كما يعلم !!
فما العلاقة المريبة التي يدور حولها كل هذا ؟!
_هو ناصر عايز يتجوزك ؟!
يسألها مباشرة دون مواربة لتجحظ عيناها بدهشة هاتفة :
_هو قاللك ؟!
فابتسم ابتسامة مغيظة ليرفع حاجبيه مجيباً :
_انتِ اللي قلتيلي !
احمر وجهها بغضب وهي تود في هذه اللحظة كعهدها أيضاً أن تصفعه !!
لكن ..لماذا ؟!
أليس من المفترض أن يعلم الجميع عن الأمر؟!
ألم تدعُ ناصر هنا لهذا السبب ؟!
لماذا الآن تشعر بالخزي من اكتشاف هذا المتحذلق للأمر ؟!
_انت بتتدخل في حاجات كتير
مالكش فيها ..ولازم تفهم إن وجودك معايا دلوقت زي وجودك عندي في المصنع ..غير مرغوب فيه !
تهتف بها لاهثة الأنفاس بفظاظة لكنه أشار بعينيه نحو ناصر الواقف هناك ليقول بابتسامته المستفزة :
_لو مكنتيش عايزاني أقعد كنتِ رفضتِ م
الأول ..بس واضح إنك كنتِ عايزة تقارني رد فعله مع مراته برد فعله معاكِ .
اتسعت عيناها بصدمة مع شهقتها وهي تشعر به قد قرأ أفكارها ببساطة ..
ليضحك وهو يقف مشيراً لها بسبابته ووسطاه جوار رأسه بتحية تشبه تحية الكشافة ليهتف أخيراً :
_نصيحة خبير في الأمور العاطفية بلاش السكة دي ..خسرانة !
احمر وجهها بانفعال وهي تشعر بمزيج ذكائه وجرأته يفقدها قدرتها على النطق ..
فانفرجت شفتاها تبحث عن إهانة مناسبة لكنه أشار نحو منصة العرس ليهتف وهو يبتعد دون أن ينتظر ردها :
_أوبااا ..العريس هيغني تاني ..ألحق أنا "أشروف" بقا أبارك له قبل الزحمة .
تلاحقه بنظراتها مغتاظة وهي تود لو تقذفه بالمزهرية أمامها ..
"أشروف"!!!
يقولها كأنه صديق قديم وليس ابن الرجل الذي دمر مستقبل أخيها من قبل !!
تعاود التفاتها نحو ناصر الذي بقي واقفاً مكانه رغم رؤيته لإسلام يتحدث معها فتلتمع الحسرة الخائبة في عينيها لتطغى على أي شعور آخر ..
وعلى المسرح كان مروان يهمس لداليا بينما يحتضن راحتها على كتفه :
_حضّرت أغنيتين ..سمعتِ بتاعتي ..ولسه بتاعة العاشق المجهول ..
فتطلق ضحكة مستمتعة وهي تتأهب للسماع بكل جوارحها ..
ليبدأ هو غناء اللحن الذي اختاره :
يدك التي حطت على كتفي
كحمامة نزلت لكي تشرب
عندي تساوي ألف أمنية
ياليتها تبقى ولا تذهب
الشمس نائمة على كتفي
قبّلتها ألفاً ..ألفاً ولم أتعب !
يقرن قوله بفعله في العبارة الأخيرة فيتعالى الصفير والتصفيق للحضور من جديد ...
فتخفي وجهها في صدره شاعرة أنها الآن حقاً تملك الدنيا بين كفيها !!
======
_مبروك يا شحرورة ..لو الولد ده قل أدبه كلميني أربيه !
يهتف بها يامن مشاكساً وهو يودعهما أمام باب شقتهما ليخبط كتف مروان بقبضته ..
لكن الأخير دفعه بكلي قبضتيه هاتفاً بمشاكسة مشابهة :
_ياللا يا بابا ..بيتك بيتك ..خلااااص ..القطة دي بقت تبعي .
تضحك داليا بمرح وهي تتابع مزاحهما الذي امتد لما يشبه عراكاً بالأيدي ..
انتهى بقول يامن وهو يضع رأس مروان بين ساعده وزنده هامساً جوار أذنه بصوت خفيض:
_مش عايز أضغط عليك قوي ..عشان لو الليلة مكملتش ماتلبسهاش فيّ !
لكن مروان حرر نفسه بسرعة ليرد له حركته بحركة مفاجئة لاوياً ذراعه خلف ظهره :
_عيب يا كبير ..ده احنا بنروح نفس الجيم .
قهقه يامن ضاحكاً وهو يحرر نفسه منه ليربت على وجنته هاتفاً :
_لا كده اطمنت عليك .
احمر وجه داليا بخجل وهي تشعر أن همس يامن كان يحمل شيئاً من الوقاحة..
بينما تقدم منها يامن لتتحول ملامحه لحنانها المعهود قبل أن يقول لها بجدية :
_مبروك يا ست البنات .
دمعت عيناها وهي تشعر به حقاً في هذه اللحظة كأب يسلم ابنته لزوجها ..
هذا المشهد الذي حسدت عليه ياسمين يوماً ..
والآن تعيشه بمنتهى الروعة !
فامتدت ذراعاها تهمان بعناقه لكن مروان جذبها نحوه هاتفاً :
_جرى إيه يا آنسة ؟! احترمي وقفتي حتى!
_شفتي ؟! بيقوللك آنسة في ليلة زي دي !! قلت جوازة مضروبة محدش صدقني !
يهتف بها يامن مشيراً بسبابته نحو مروان الذي جذب داليا لداخل الشقة قائلاً بينما يغلق الباب خلفه :
_الله يبارك فيك يا دوك ..خللينا نشوفك !
ثم عاد يفتح الباب مردفاً :
_ومش عايز ألاقيك ع الباب م الصبح ..مش هافتح لك !
يقولها ليعاود إغلاق الباب بعنف ليضحك يامن وهو يخبط الباب بقبضته مرة أخيرة قبل أن يهبط الدرج مغادراً .
وبالداخل تقدم هو من داليا الغارقة في ضحكاتها ليبتسم وهو ينزع عنها حجابها
قائلاً :
_جاهزة ؟!
فتتسع عيناها بحرج لتهمس مصدومة :
_لإيه ؟!
_هنصلي! دماغك راح فين ؟!
يقولها ببراءة مصطنعة لتضحك وهي تستدير لتعطيه ظهرها هاتفة بمشاكسة شقية :
_طب ساعدني أقلع الفستان .
_ماهو أنا لو ساعدتك تقلعيه مش هنصلي !
يهمس بها في أذنها بجرأة احمرت لها وجنتاها لتجد نفسها تهرع نحو غرفتهما لتخلعه بنفسها ..
قبل أن ترتدي -ما انتوت ارتداءه- لهذه الليلة ثم تحركت نحو الحمام القريب تزيل زينتها وتتوضأ ..
تخرج إليه بإسدال صلاتها فيبتسم بحنان وهو يتقدم نحو مكان قريب ليؤمها للصلاة ..
ولم يكد ينتهي حتى التفت ليضع أنامله على جبينها ..
اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه ..وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه
فتعبس ملامحها وهي تزيح أنامله عنها هاتفة بتنمر :
_اشمعنا بتقوللي كده ؟! أنا عملت إيه ؟!
فيضحك ضحكة عالية وهو يجذبها لحضنه هاتفاً بينما يعضّ وجنتها الممتلئة برفق:
_يا مجنونة ..ده دعاء بيتقال ليلة الدخلة ..للستات كلها ..مش للمجانين اللي زيك بس !
تتأوه بدلال وهي تحرر نفسها منه لتهب واقفة وضحكاتها تغرد في أذنيه ليقف بدوره ثم يجذبها من كفها نحو الشرفة القريبة قائلاً :
_فيه مفاجأة هنا ..ما شفتيهاش !
ترمقه بنظرة متسائلة فيفتح الشرفة لتفاجأ
بالأرجوحة الكبيرة المعلقة هناك والتي اندفعت نحوها لتجلس عليها هاتفة بانبهار :
_رهييييبة ..مش ممكن ..من زمان كان نفسي في واحدة زي دي ..عرفت منين إني هاموت عليها ؟!
يميل رأسه بحركة ذات مغزى قائلاً :
_أحلام سيادتك أوامر ..
ثم أردف بمكر عابث:
_ليها أغراض في الشقاوة برضه ..هاعلمهالك بعدين !
هزت رأسها بمزيج براءة وعدم فهم لا
تدعيه...
ثم ابتسمت وهي تعيد قدميها للأرض قبل أن تعدو نحوه لتتعلق بعنقه هاتفة بدلالها العاشق:
_مالكش حل !
تقرنها بقبلة على وجنته فيسحبها للداخل قبل أن يميل على شفتيها بلقاء حار لفحهما معاً ..
لتشعر برغبتها في الانسحاب من أمامه !!
تعدو بخفة نحو غرفتهما فيلحق هو بها ليخلع عنه قميصه قبل أن يحتويها بين ذراعيه هامساً :
_حرام عليكِ ..مش كفاية كده جري وراكِ؟!
ترتجف بين ذراعيه وهي تشعر بحرارة عاطفته تفوق قدرتها على التحمل ..
خوف طبيعي يعصف بها ممتزجاً بخجل عفتها بينما يخلع عنها إسدال الصلاة ..
خجل يجعلها تغمض عينيها ..
لكن شقاوتها الطفوليه المعهودة تدفعها لأن تفتحهما متفحصة أثر ما يراه عليه ..
نظرته المبهورة ..أنفاسه اللاهثة ..ارتعاش سبابته التي يشير بها نحوها بينما يصمت للحظات طالت ..قبل أن يهمس لها بصوت مبحوح:
_مين اللي اختار لك القميص ده ؟!
فتعود للخلف شاعرة ببعض الخوف يعاود اجتياحها ..لكنها تجيبه :
_أنا !
يقترب منها ببطء يجعلها تعود للخلف أكثر مع سؤاله التالي :
_عامدة متعمدة ؟!
تبتسم رغماً عنها لتطلق شهقة عالية وهي تتعثر في الفراش خلفه لتسقط فوقه قبل أن تشعر بأنفاسه تظللها ..
_ردي ..عامدة متعمدة ؟!
صدرها يعلو ويهبط بانفعال لكن طبيعتها المشاكسة تجعلها تهز رأسها إيجاباً هاتفة
بدلالها المعهود :
_عاجبك واللا مش عاجبك !!
_ممممم ..والله كنت محضر بروجرام هايل يبدأ بفستان الفرح التاني اللي اشتريناه ..
يقولها وهو يدور بسبابته على ملامحها ..
ليردف وهو يقربها منه أكثر :
_بس مادام اخترتِ ده يبقى تستحملي نتيجة اختيارك !
قلبها يرتج بقوة وهي تغمض عينيها تتلقى عطايا عشقه بمزيج من لذة وخوف !!
خوف يطفو على السطح فجأة وهي تستعيد ذكرى تلك الليلة التي كاد فيها ذاك الرجل يغتصبها لولا أن أنقذها !!
رغماً عنها يقفز المشهد لمخيلتها فيرتج جسدها بانفعال مرتعب لا تملكه ..
فتهمس عبر شهقات صدرها :
_كفاية يا مروان ..أنا خايفة !
يرفع عينيه إليها ليروعه شحوب ملامحها المفاجئ ..وهذه الرعدة التي تسري من جسدها نحوه ..
مع هذه الدموع التي تسربت عبر جفنيها المغلقين ..
_افتحي عينيكي ..
يهمس بها بقلق امتزج بحنانه وهو يعتدل في جلسته فيشعر بالهدوء يعود إليها تدريجياّ عقب ابتعاده ..
يجذبها من ذراعها نحوه لتعتدل بدورها فيضمها لصدره وهو يشعر بالغرابة ..
_دي تاني مرة تكرري الكلمة دي من امبارح ..خايفة مني؟!
يهمس بها برفق قلق وهو يربت على ظهرها ليصله همسها المبحوح :
_مش منك ..
_امال ..؟!
يقطع تساؤله بإدراك وهو يفطن أخيراً لسر تقلبها المفاجئ هذا ..
هي روت له تفاصيل تلك الليلة الكارثية عندما كانت تظنه "العاشق المجهول" ..
لكنها تجنبت تماماً الحديث عما كان من ذاك الحيوان وقتها ..
كيف لم ينتبه أن ليلة كهذه ستبقى تحمل لها أثراّ كهذا الذي يراه في ملامحها ؟!
ربما لأنها لم تتطرق إليها يوماٌ في حديث ..
منعها خزيها ..وخوفها !!
_بصي في عيني ..
يهمس بها بحنان وهو يرفع ذقنها نحوه مغالباً فورة عاطفته نحوها لتهز رأسها بعجز وهي تمعن في إغلاق جفنيها ..
_يعني كنتِ شجاعة قوي وانتِ بتختاري قميص زي ده ؟! ودلوقتِ خلاص ..خايفة !
يهتف بها بنبرته المرحة محاولاً تخفيف بعض الضغط عنها ..
لتبتسم وهي تعاود إخفاء وجهها في صدره ..
فتنهد بعمق ليربت على ظهرها هامساٌ وكأنما يخاطب طفلة :
_طيب ..بصراحة كده ؟! انتِ خايفة من الموضوع نفسه ؟! واللا خايفة على صورتك في عيني لو افتكرت ليلتها ؟!
تدرك حينها أنه وصل لسر هذا الذي يجتاح كيانها ..
فتشعر بالكثير من الامتنان له أن أعفاها من التفاصيل ..
تتردد قليلاً وهي تشعر بالمزيد من الخزي والخوف ..
لترفع له سبابته ووسطاها كجواب غير منطوق ..ولاتزال تخفي وجهها في صدره ..
يضحك ضحكة مطمئنة وهو يتناول كفها يقبل باطنه قبل أن يميل بها ليعيد إسناد جسدها على الفراش ..
فينظر إليها من علو ..بينما أنامله تداعب وجنتيها برفق :
_ليه ما كلمتنيش في الموضوع ده قبل النهارده ؟! لو كنت فاكر إنه مأثر فيكي كده كنا حليناه من بدري ..بدل ما نضيع الليلة المفترجة دي !
مزيج من الانفعالات يغمرها وهي تشعر
بالخزي يطوقها ..
لكنه يميل نحوها ليتخلل شعرها بأنامله هامساٌ برقة أكبر :
_لو كنتِ خايفة من صورتك في عيني ..تبقي لسه مافهمتيش داليا عندي تبقى إيه ..ولو قلقانة من الموضوع نفسه ..فانتِ متجوزة واحد كل همه في الدنيا يسعدك وبيخاف عليكِ أكتر من نفسه !
كلماته على بساطتها كان لها مفعول السحر في روحها ..
لهذا وجدت نفسها تفتح عينيها أخيراً ..
لكنها عاودت إغلاقهما عفوياّ وهي تراه ينحني ليقبلهما بعمق عدة مرات ..
قبل أن يضمها إليه من جديد برقة هامساً في أذنها :
_بحبك يا مجنونة ..بحبك في كل حالاتك.
ابتسامة صغيرة تنبت على شفتيها وهي تستجيب لزخات الأمان في عناقه الدافئ ..
تتسع رويداّ رويداً وهي تراه يدلل أنوثتها بمراعاة ساكباٌ في أذنيها أروع عبارات الغزل ..
وهذه الحرارة المشعة لعاطفتها تظللها غيمة كبيرة من أمان هو فقط سره !!
ابتسامة تشتعل أخيراً كألف شمس صغيرة وهي ترد له عطايا عشقه بمثلها ..
الحواجز بينهما تذوب ..
تذوب ..
تذوب ..
والخوف يتهاوى برياح عاطفة تجتاحهما فيستسلمان لدوران لا نهائي ..
وأخيراً ..لا يبقى سوى خفقات قلب هادرة ..
تتذوق اكتفاء سعادتها قطرة ..قطرة !
=====
تغادر جيلان مبنى النيابة بعينين زائغتين وهي تتلفت حولها شاعرة بأن قدميها لا تكادان تحملانها ..
هل كان هذا الكابوس حقيقياً ؟!
_معلش يا ماما ..الحمدلله إنها خلصت على كده .
يقولها إسلام بتوتر امتزج بإشفاقه وهو يراقب ملامحها التي بدت وكأنما اكتسحها الهرم فجأة بعد أحداث الأيام السابقة ..
الحكاية بدأت ببلاغ قدمته إحدى السيدات بخصوص "مركز التجميل" الذي تمتلكه تتهمهم فيه باستخدام مواد غير مطابقة للمواصفات تسببت في حروق لوجهها ..
لتجد نفسها تدور في دوامة من التحقيقات تسببت في التحفظ عليها بالسجن !!
هي ..جيلان هانم ..تقضي سبعة ليالٍ كاملة في الحبس كالمجرمين !!
_روحني ع البيت بسرعة !
قالتها ملاحظة عدسة كاميرا صحفية تلتقط لها صورة ما فأحكمت وضع نظارتها الشمسية على وجهها لتستقل سيارته جواره ..
_الموضوع ده غريب جداً ..بدأ فجأة وخلص فجأة كده ..منين الست تبلغ ..وبعد كام يوم تتنازل عن البلاغ والحكاية تتلم بقدرة قادر !
يقولها إسلام بشك حذر وهو يلتفت نحوها مردفاً:
_انتِ رأيك إيه ؟! ليكِ عداوات مع حد مُهم ؟!
تشرد ببصرها والهمّ يلون ملامحها بينما تهز رأسها بحيرة :
_أبداٌ ..
ثم تنهدت بألم لتسأله:
_اوعى يكون أخوك عرف حاجة ؟! هو مش ناقص!
هز رأسه بحركة مطمئنة وشعوره بالإشفاق نحوها يتزايد بينما يرد:
_قلت له إنك مسافرة كام يوم تغيري جو .
تأوهت بقوة لتنخرط فجأة في بكاء هستيري صارخة :
_إيه اللي بيحصللي ده يا ربي؟! فجأة كده حياتي كلها بقت كابوس ..إيه المرمطة اللي شفتها دي؟! عملت إيه في دنيتي عشان كل ده ؟!
يتنهد بألم وهو يضمها نحوه بذراعه بحنان هاتفاً :
_اهدي يا ماما ..نحمد ربنا إنها جت على أد كده ..أنا من زمان مكنتش مرتاح لفكرة "البيوتي سنتر" ده ..مشاكله كتير وانتِ ماعدتيش فاضياله !
_هو السنتر وبس؟! أنا كأني صحيت م النوم لقيت حياتي اتقلبت ..الراجل اللي كانت الدنيا كلها بتحسدني على حبه ..ولادي اللي طلعت بيهم م الدنيا ..صورتي وشكلي قدام الناس ..كل ده في لحظة ..يروح مني كده !
تهتف بها بين شهقات نحيبها ليشدد ضمته الحنون لها ..
ورغم ضيقه ببعض تصرفاتها لكنه كان يشعر حقاٌ بالإشفاق نحوها ..
هي لم تكن أكثر من امرأة استيقظت فجأة لتجد عمرها كله مجرد فقاعة زائفة !!
لهذا تنهد أخيراً قائلاً بنفس النبرة المشفقة :
_مالهم ولادك بس ؟! هيثم هيخف بإذن الله حالة مؤقتة وهتروح ..وأنا جنبك أهه !
تستجيب لسيل دموعها الصامت بعدها وهي تشعر كمن سقطت من علياء هرمها لتجد نفسها جثة ممددة فوق سفحه ..
حياتها كلها صارت هشيماً تذروه الرياح ..
وأخيراً أزمة حبسها هذه ..قصمت ظهرها حقاً !!
تشعر بتوقف السيارة فتلتفت نحو إسلام الذي بادرها بقوله :
_اهدي شوية عشان خاطر هيثم ..مش عايزينه ياخد باله من حاجة .
تومئ برأسها مطيعة لتمسح دموعها وهي تغادر السيارة نحو بيتهما ..
لقاؤها الدافئ بهيثم يبدد بعض كآبتها قبل أن تخلو بنفسها في غرفتها ..
ولم تكد تفعل حتى فوجئت برقم غريب يرن على هاتفها ..
تجاهلته مراراً قبل أن تضطر أخيراً للرد ..
_ليلة سجن ياقوت تساوي أكتر من سبع ليالي ..بس أنا عديتها المرة دي!
الصوت الغريب المهيمن يصلها فيرجفها ببرودته الصارمة لتدرك أنه من كان خلف ما حدث لها ..
_انت مين؟!
تهتف بها بحدة لكنه يتجاهل الرد ..
_شيليها من دماغك عشان مااحطكيش أنا في دماغي ..واديكي شفتي اللي بحطه في دماغي بيحصلله إيه !
اقشعر جسدها بخوف حقيقي وهي تشعر أنها صارت حقاً واهنة دون أي سند ..
فتجمدت كلماتها دون رد ..
_آه ..كنت هانسى ..
صوته المهيمن يقاطع شرودها لتتأهب حواسها وهي تنتظر بقية حديثه :
_الشقة اللي خليتيها تخرج منها مطرودة قدام الناس بكرة الصبح تكتبيها باسمها ..هابعت حد من طرفي يستلم العقد ..وتمنها هيوصلك كامل .
انفرجت شفتاها بذهول وهي لا تدري بماذا ترد أمام صوت الرجل الذي يبدو بهذا الجبروت ..
_قولي موافقة يا هانم ..عشان ماافسرش سكوتك إنه رفض وأتصرف على الأساس ده .
صوته بدا شديد التهذيب رغم نبرة التهديد التي جمدتها مكانها ..
هي تعرف من مثله جيداً ..
قديماً كان حسين نفسه واحداً منهم ..يأمر فيطاع ولا راد لأمره ..
لهذا لم تجادل طويلاً وهي تجد نفسها تغمغم :
_ماشي .
_عظيم جداً ..كنت عارف إنك ذكية وهتفهمي الوضع كويس!
يغلق بها زين الاتصال لتلقي الهاتف جانباٌ وتنخرط في البكاء من جديد متهاوية على
الأرض تنعي خساراتها ..
وشاعرة بالمزيد من الضآلة !
======
_مش كفاية كده يا ياقوت وترجعي مصر بقا ؟!
يقولها إسلام عبر الهاتف فترتجف شفتاها وهي تعاود تحسس القرط الأحمر في أذنها ..
كيف تخبره أنها تجبن عن العودة ؟!
أنها تريد أمانها هنا في حضن ثمر ؟!
وأنها تخشى أن يخذلها قلبها باشتياقها ؟!
_سيبني شوية يا إسلام !
تقولها باعتداد لم ينل منه ضعف روحها ليزفر زفرة مشتعلة جعلتها تسأله باهتمام :
_انت مالك؟! هيثم كويس؟!
لكنه يتردد قليلاً ليخبرها عما حدث لأمه خلال الأيام السابقة وشكوكه عن الأمر ..
فتتسع عيناها بشك ..
هل يمكن أن يكون ما تفكر فيه حقيقياٌ ؟!
_وماعرفتوش مين ورا الحكاية دي؟!
_للأسف لا ..انتِ عارفة البلد دي ماشية إزاي !
يقولها باستياء لتشرد ببصرها للحظات ولاتزال تتحسس القرط في أذنيها ..قبل أن تقول أخيراً :
_سيبها لله .
_تعالي يا ياقوت ..هيثم ما بيبطلش يسأل عليكِ ..ماتستسلميش لضعفك ده ..صدقيني علاجك في الشغل ..خللينا نبدأ نأسس المركز بتاعنا ونشوف حالنا بقا كفاية اللي راح .
تتردد قليلاً لتمنحه رداً مموهاً قبل أن تغلق الاتصال و تعاود التفكير فيما حكاه لها ..
هل فعلها زين حقاً ؟!
والجواب يصلها بعد دقائق في صورة منه على هاتفها لعقد ملكية الشقة التي تسببت جيلان في طردها منها بفضيحة ليلة سجنها الكارثية !!
لهذا اتسعت لها عيناها بصدمة وهي تفهم كل شيء ..
_الشقة بقت بتاعتك رسمي ..هاسيبلك العقد مع رائد ..تقدري تاخديه أول ماترجعي لجلسات همسة .
كلامه كان شديد العملية مناقضاً تماماً لكل هذه المشاعر التي تكتسحها الآن ..
زين انتقم لها !
أخذ حقها ممن ظلمها ورد لها صفعتها عشراً !!
لم تجرب هذا الشعور أبداً من قبل ..
طوال عمرها وهي تجابه الدنيا محاربة شريفة وحدها ..
سيفها بأحد ذراعيها وبالآخر تحيط ثمر ولجين تحميهما غدرات الزمن ..
والآن يأتي هو ليشعرها أنه هناك ..
في ظهرها ..حولها ..يتوعد كل من تسول له نفسه أن يؤذيها !
قلبها يخفق بجنون وهي تشعر بحاجتها الماسة الآن أن تراه ..
تلقي بنفسها بين ذراعيه معانقة هذا الأمان الخصب الذي يمنحه لها عشق رجل مثله !
لكن عقلها يعيد موازنة المعادلة بحسابات أخرى ..
زين لفظها من عالمه ..قد تتفهم دوافعه وتحترمها ..
لكنها ستبقى غصة في قلبها العمر كله !!
_انت عارف إني مش هاقبل حاجة مادفعتش تمنها.
ترسلها له مكتوبة ليرد برسالة مكتوبة كذلك :
_عارف ..بس كان لازم انتِ كمان تعرفي إني مش هاسمح لحد يأذيكيِ وأنا عايش .
الدموع التي حملت اسمه تملأ عينيها ..
والقلب الذي يخفق له يقرع صدرها بعنف ..
وإن كانت لا سلطان لها على الأولى ولا الثاني ..
فلها كل السلطان على كلماتها التي خرجت بنكهة النهاية :
_ماعدتش تشغل نفسك بيّ ..دايرتنا خلاص اتفتحت وخرجنا منها ..
والرد يتأخر كثيراً هذه المرة ..قبل أن تصلها كلمته المكتوبة الوحيدة :
_ارجعي .
تعقد حاجبيها بغضب وهي لا تدري كيف تفهم كلمته ..
إلى أين ترجع ؟! وإلامَ ترجع ؟! بل إلى من ترجع ؟!
هل يظنها -بغروره- طوع أمره تذهب وترجع كيف شاء؟!
جسدها ينتفض مكانه وهي تشعر برغبة عارمة في تكسير هاتفها ..لعلها تتخلص من هذه الحرب التي يزجها فيها هذا الرجل دون هوادة ..
_همسة محتاجالك ..كمللي الطريق لآخره .
تكاد تسمعها بصوته الآسر وهو يعاود إرسالها مكتوبة فتغمض عينيها بوجع دون أن تجد رداً هذه المرة ..
هاتفها يرن من جديد بعدها لكن برقم رائد هذه المرة يطمئن عليها ..
قبل أن تستمع لما جعل جسدها كله يرتجف من جديد وهي تميز صوت همسة الملائكي :
_وحشتيني ..ارجعي .
كلهم يناشدونها الرجوع للعاصمة ولايعلمون أي جحيم تخشاه هناك ..
لقد عاشت عمرها كله "جبلاً راسخاً" يناطح سواد العالم بصلابة قمته ..
واليوم تشعر كأنما نسف هذا الجبل نسفاً بينما هي مضطرة للمواجهة من جديد ..
تغلق الاتصال بوعد جديد مموه لتعود لشرودها ..
صوت طرقات خافتة على الباب يقاطع أفكارها فتغلق الاتصال مع همسة بسرعة لتجد ثمر تدخل حاملة صينية قديمة رصت فوقها بعض القطع من "البطاطا المشوية" ..وخلفها لجين بملامحها السمحة ..ورابحة بشقاوتها الطفولية المعهودة ..
_لقيناكي حابسة نفسك في أوضتك ..قلنا نيجي احنا .
تقولها ثمر بعتاب حنون وهي تتربع لتجلس على الأرض بوهن ..
_ريحة البطاطا مهفهفة يا ستنا ..كل حاجة من إيدك ليها طعم تاني ..
تهتف بها رابحة وهي تتناول إحدى القطع تقشرها بلهفة لتضحك لجين وهي تشاركهم المجلس لتجذب ياقوت من ثوبها :
_اقعدي يا توتة وكلي معانا ..وحشتني لمتنا !
فتبتسم ياقوت ابتسامة صافية حقيقية وهي تشاركهم الجلسة ..
ترى ثمر تقشر لها قطعة من "البطاطا" لتناولها إياها بنظرة حانية ..
تسمع صخب رابحة المستسلمة دوماً لثرثرتها ..
وتشعر بحب لجين الصافي الذي يترجمه مرحها لدعابات لطيفة ..
فتأخذ نفساً عميقاً وهي تغمض عينيها لتأخذ قرارها:
هل كانت تسأل نفسها كيف ستواجه العالم بعدما نسف جبلها؟!
بحب هؤلاء هي كانت وستكون ..
ياقوت سليمان ستبني جبلها ثانية ..إنما بقواعد جديدة هذه المرة ..
ولمسة القرط بعدها كانت بنكهة مغايرة ..
نكهة التحدي!
=======
_عمو علاء!
تهتف بها غادة بترحاب وهي تستقبله في البيت قبل أن تجذبها إيناس لحضنها هاتفة بحنانها المعهود وسط أنفاسها اللاهثة :
_وحشتينا قوي !
تستجيب لعناقها باحتياج كاسح وهي تشعر بأن روحها ردت إليها معهما ..
قبل أن تهمس إيناس لها خفية بخفوت:
_سيف كمان رجع معانا ..عشانك.
تتسع عيناها بصدمة للحظة قبل أن تسمع صوت زوج أمها خلفها يهتف بود مصطنع :
_اهلاً أهلاً ..اتفضلوا ..
ثم يرمق إيناس اللاهثة بنظرة متفحصة كريهة سبقت قوله :
_معلش سلمنا
عالي ..لو نقدر كنا ركبنا لكم أسانسير مخصوص .
قلبها ينقبض بلوعة وهي تخشى أن يحرجها أمامهم ..
لكنه يتقدم ليصافحهم بتهذيب مصطنع مقدماً لهم واجب الضيافة بنفسه ..
ومع هذا ظل علاء يرمقه بنظرة متوجسة وهو يشعر بخبرته أن هذا الرجل يظهر
خلاف ما يبطن ..
_أنا قررت أنقل شغلي هنا في القاهرة ..عمك والد أحمد صحته بقت مش عاجباني ..ومحتاج أكون جنبه !
يقولها علاء مراوغاً مخفياً سببه الحقيقي في العودة لمصر ..
فتبتسم هي له قائلة بارتياح:
_عظيم يا عمو ..كده ممكن أنا كمان أرجع أشتغل مع حضرتك !
_والست اللي جوه دي هتسيبيها لمين ؟!
يهتف بها زوج أمها بفظاظة أظهرها طبعه الحقيقي لتلتفت غادة نحوه هاتفة :
_ما تقلقش ..أنا هاخد أمي معايا في أي حتة أروحها .
يحمر وجهه بانفعال لكنه يعود ليضيق عينيه هاتفاً بلهجة عاد إليها ودها المصطنع:
_مش القصد يا بنتي ..بس والدتك محتاجة رعاية ..وانتِ مش محتاجة شغل !
فتكز غادة على أسنانها بغضب وهي تلعنه سراً قبل أن تعود للالتفات نحو إيناس قائلة :
_وحشتيني قوي يا أنّا ..أخبار صحتك إيه ؟!
تتجاوب إيناس معها في حديث ودي
ملاحظة نظرات الرجل القميئة لها ..والتي جعلتها لا إرادياّ تسحب تنورتها لأسفل ..
بينما هتف علاء بضيق :
_احنا مش هنتقل عليكِ الزيارة دي ..هاستناكي بكرة بإذن الله عشان نشوف قصة الشغل دي .
_هو الشغل ده هيبقى في القاهرة ؟!
يسأله الرجل ليرد علاء بهدوء:
_أيوة .
_طب وهاتقعد هي فين ؟!
يعاود سؤاله كمن يهتم ..ليرد علاء بنفس النبرة :
_هاوفر لها سكن مناسب هي والحاجة !
_آآه ..بس أنا مش عايز مراتي تسيب بيتي .
يهتف بها الرجل بسماجة ..
لتشحب ملامح غادة وهي ترد :
_محدش هيراعي أمي غيري .
_يبقى تقعدي بيها هنا وبلاها قصة الشغل دي !
يهتف بها الرجل بنفس النبرة المستفزة ليردف :
_وبعدين شغل إيه وليه ؟! هو أنا قصرت معاكي في حاجة يا بنتي ؟!
تشعر بالدم يغلي في عروقها وهي تراه مصراً على الظهور بهذا المظهر أمامهما ..
فيمنعها العودة إليهما!
ترمقه بنظرة مشتعلة لتتجاهل قوله وهي تقول لعلاء باعتداد :
_هاكلم حضرتك في الموضوع ده بكرة يا عمو ونتفاهم .
_طب يا جماعة نورتونا !
يقولها الرجل بفظاظة صريحة هذه المرة ليحمر وجه إيناس بحرج وهي تشعر وكأنه يطردهما ..
بينما وقف علاء ليرمق غادة بنظرة ذات مغزى ناسبت قوله :
_هاستناكي يا غادة ...نستأذن احنا بقا عشان ورانا مشاوير ..ألف سلامة للحاجة .
وقفت غادة بدورها وهي تلعن الظروف التي جعلتها رهينة لفُجر هذا الرجل ..
لتصافحهما من جديد بحرارة وعيناها
تحملان اعتذاراً ..واستغاثة !!
لكن علاء رمقها بنظرة مطمئنة قبل أن تعانقها إيناس بحرارة لتغادر خلف زوجها مجبورة ..
ولم تكد غادة تغلق الباب خلفهما حتى التفتت نحو الرجل هاتفة بحدة :
_انت إيه ؟! لا عندك ضمير ولا شفقة ..سيبني بقا أنا وأمي نتنفس بعيد عنك !
تقولها غافلة عن عيني أمها التي كانت تراقبهما عبر باب غرفتها المفتوح ..
ممددة الجسد على الفراش بلا حول ولا قوة ..
بينما يتقدم الرجل من غادة ليمسك ذراعيها بعنف هاتفاً :
_عايزة تهربي مني تاني بعد ما رجعتيلي برجليكي ؟!
_اخرس ..أنا مارجعتلكش انت ..أنا رجعت
لأمي !
تهتف بها بحدة وهي ترى جرأته تفوق الحد هذه المرة ..
منذ عودتها وهو يحاول اصطيادها وحدها كي ينال منها ..
وهو ما لم تمكنه منه على أي حال ..
لكن أن يتجرأ ليمسكها هكذا ووالدتها تراقب فهذا يعني أنه وصل حداً آخر من السفالة ..
_سيبني يا حيوان ..أمي صاحية ..حرام عليك ..ماتخلينيش أصوت وألم علينا الجيران !
تهتف بها بضراوة وهي تحاول التملص منه لكنه يكتم فمها بأحد قبضتيه قبل أن يحملها من خصرها نحو الغرفة ..
نفس الغرفة التي تنام أمها على أحد فراشيها ..
تتلوى بين ذراعيه وهي تحاول عض كفه الممسك بها ..
لكنه يتغلب عليها بقوته فتحاول ركله أسفل بطنه وتنجح في مسعاها ليطلق هو آهة
عالية ليفلتها مرغماً ..
تتحرر من بين ذراعيه لتطلق صرخة عالية وهي تحاول الفرار من مرمى ذراعيه ..
لكنه يحاصرها في زاوية الغرفة ليخلع عنها حجابها ثم يحاول خلع قميص منامتها بينما يعاود تكميم فمها ..
_كفاية تقل بقا ..من ساعة ما جيتي وأنا صابر عليكي وبقول مسيرها تحن لزمان ..فاكرة زمان يا حلوة ؟! المرة دي هتبقى أحسن ..ماعدتيش خام زي الأول.
بمنتهى القذارة يقولها وهو يحاصرها بثقل جسده ..
وخلفه أمها تراقب المشهد بعينين جاحظتين ..
الدهشة ..الصدمة..الاستنكار ..القهر ..
ثم الندم !!
كل هذه المشاعر تكتسحها بجنون وهي تميز بشاعة هذا الذي يحدث ..
صرخة عالية تطلقها روحها غير مسموعة لكنها تفتت كيانها كله وهي تشعر أخيراً بحجم الجرم الذي ارتكبته في حق ابنتها ..
وهاهو ذا الرجل الذي باعت الدنيا لأجله ..
يتجاسر لينتهك ابنتها ..وأمام عينيها !!
دموع العجز تتسرب من عينيها وهي تحاول تحريك جسدها دون جدوى ..
تحاول الصراخ دون نتيجة ..
يالسخرية !!
لقد عاشت عمرها السابق تسمع وترى وتتحرك لكنها فقدت نعمة "الشعور "..
نعمة التمييز بين الحق والباطل ..
بين الذهب والتراب !!
والآن ..تستعيد هذا الشعور ..
لكن مع عجزها ..عجزها التام عن فعل أي شيء!!!
دموعها تنهمر أكثر..
وصراخ غادة المكتوم مع المنظر أمامها يجعل دقات قلبها تتقافز حد الجنون ..
حد الألم ..
جبينها يتعرق وهي ترفع وجهها للسماء بدعاء أخير ..
تستدعي كل ذرة من قوتها كي تتحرك ..
أو حتى تصرخ طلباً لأي نجدة ..
لكن محاولتها لا تزيدها إلا عجزاً ..
سيل الدموع ينعي قهرها ..
والألم الذي يشق صدرها تزداد ضراوته ..
عيناها تغيمان بتلك النظرة التي تدرك بعدها أن العالم لن يعود كما كان ..
لكنها عبر الغمامة الأخيرة ترى غادة تنجح في دفعه عنها بقوة لتضم ثيابها فوقها..
قبل أن يتعثر هو ليسقط بكامل ثقله للخلف عبر النافذة الزجاجية التي تسمع صوت تهشمها ممتزجاً بصرخته الطويلة ..
والتي يهيأ إليها أنه سيصمت بعدها للأبد ..
فتبتسم "ابتسامة خلاص"أخيرة تتزامن مع دموعها الحارة ..
ونظرتها النادمة نحو غادة ..
ثم رفعة عينيها المستغفرة للسماء ..
قبل أن تغمضهما تماماٌ ..
وقلبها يلفظ آخر دقاته طالباً العفو !
======
انتهي الفصل السابع عشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم سينابون
القطعة السادسة عشرة
=======
_أخيراً افتكرت إن ليك أم ؟!
تهتف بها سوزان بسخط وهي تستقبل رائد في بيتها لكنه يغلق الباب خلفه وملامحه تنبض بغضب كاسح :
_ليه ؟!
_ليه إيه ؟!
تسأله شاعرة بقرب ثورة بركانه وقد صدق حدسها عندما وجدته يهدر بانفعال غريب على قناعه المعدني المعهود :
_ليه تعملي كده في ياقوت ؟! ذنبها إيه ؟!
يتوهج وجهها ببريق شرس يناقض البراءة المصطنعة بحروفها :
_عملت إيه ؟!
يتحكم في انفعاله بشق الأنفس وهو منها يقترب منها ليمتزج غضبه بيأسه برجائه في خليط غريب:
_أنا فاهمك كويس زي ما فاهم جيلان هانم وعارف إنها مش ممكن هتعمل فيها كده من نفسها ..دماغها مش هتوديها للسكة دي ..انتِ قصدتِ تأذي ياقوت عشان تبعديها عن علاج همسة !
كان يمكنها الإنكار ببساطة لكنها هتفت به بحقد:
_أيوة ..ومش هابطل أبعدك عنها طول ما فيّ نفس ..مش هاسمح لمستقبل ابني يضيع !
_ابنك ؟! صحيح فارق معاكِ ابنك ؟! لو هاماكي سعادتي كنتِ حسيتي من زمان إنها مش هتبقى غير مع همسة وبس ..لكن انتِ مش شايفة قدامك غير الماضي ..مش شايفة غير عمي اللي سابك واتجوز بعدها مرتين ..حقدك القديم عاميكي ومش مخللليكي شايفة في همسة غير صورة النقص فيكِ انتِ !
هتف بها بثورة عارمة وهو يشعر أنه قد فقد آخر حدود احتماله ..مشهد همسة بأنينها الموجع عقب زيارتها ..مشهد ياقوت ملقاة على فراشها منهارة بلا حول ولا قوة عقب ليلة قضتها في السجن ..كلاهما يضع نصله في قلبه وهو يشعر أنه عاجز عن حماية كلتيهما والسبب ..السبب حقد قديم !!
_انت ؟! انت إزاي تكلمني كده ؟!
تهتف بها مصعوقة وهي تشعر أنه خرج بعيداً عن طوره المتحفظ معها ..لكن ما وضع النصل السام في قلبها حقاً هو أنه لمس الحقيقة العارية التي حاولت طمسها طوال هذه السنوات ...
_البنت دي خلاص أكلت عقلك لدرجة هتخسرك أمك ؟! عمك مين اللي ..اللي سابني و...و...معقول ..معقول بعد كل السنين دي هابقى لسه فاكراه ؟!
الغصة التي خنقت آخر حروفها بالبكاء كذّبت ما كانت تريد الإيحاء به ..
الدموع تتقافز لعينيها غزيرة وهي تستعيد لحظة بعينها توقف بعدها عمرها عن الدوران ..لحظة هجرها ذاك الرجل ليفسخ خطبتهما زاعماً أنها لا ترضيه ! يومها لم يطعن قلبها فحسب بل كبرياءها كذلك ..أقسمت ساعتها أن ترده إليها زاحفاً على ركبتيه ..نصبت شباكها حول أخيه ضعيف الشخصية تظن أنها بهذا تثير غيرته ..لكنه تزوج بعدها ببساطة كأن ليس لها وجود واضطرت هي لأن تكمل الطريق الذي سارته لآخره ..كانت تقارن بين زوجته وبينها فتجد نفسها الأفضل لهذا لم تكد تعلم بظروف مرضها الذي أقعدها حتى صرخت فرحاً وهي تعد نفسها للعودة إليه ..لم تأبه بكونها متزوجة من رجل وتربي طفله ..فالنداء القديم لقلبها العاشق كان لايزال يدوي بين جنباتها ..لكنه طعنها للمرة الثانية وهو يختار تلك المرأة عديمة القيمة التي تزوجها خفية لينجب منها طفلة ..
كأنه يخبرها من جديد أنها لا تليق به ..وأن أي امرأة من الشارع ستفضلها قيمة لديه ..وأن عمرها الذي ضاع وهي
تلاحقه سيبقى يتسرب من بين أناملها حتى يتلاشى !
_مش معقول بعد كل السنين دي ولاده يطلعوا هم الكسبانين ويخطفوا مني ابني ..مش هيجرحني وهو عايش وهو ميت !!
تتمتم بها بحرقة وهي تبسط راحتها المرتجفة على صدرها فيزفر بقوة وهو عالق بين شفقته نحوها وبين غيظه منها ..لو كان بيده أن يمحو هذا الأمس ..أن يقتلعه اقتلاعاً من جذوره ..لفعلها لكن كيف ؟!!
يتقدم نحوها خطوة وقد لانت ملامحه نوعاً ليحيط كتفيها بقبضتيه هاتفاً بألم راجٍ:
_مرة واحدة بس فكري فيّ قبل ما تفكري في نفسك! ..مرة واحدة بس حسي بالوجع اللي جوايا وأنا عايش بذنب انسانة ماحبتش ولا هاحب غيرها ..مرة واحدة بس حسسيني إنك أمي وإني ابنك مش مجرد سكة لتصفية حساباتك القديمة .
كلماته تحفر نهراً من الدموع على وجنتيها وهي تشعر بحقيقتها عارية ملطخة ..فيرتجف جسدها بين ذراعيه وهي تحاول استعادة قناع جبروتها :
_لو مش عاجباك أمك اتفضل اخرج ..روح لها ..ضيع عمرك ورا وهم زي ما أنا ضيعت عمري ..بكرة تفوق وتندم !
فرمقها بنظرة طويلة آسفة وهو يشعر أنه يتحدث بلغة غير لغتها ..
وأنها أبداً لن تزيح عن معتقدها ..
لهذا أزاح كفيه عنها ببطء ليعود لوجهه قناعه المعدني وهو يتحرك مبتعداً مع كلماته الحازمة :
_طالما مفيش فايدة من كلامي يبقى
مالوش لازمة ..بس اعرفي إن همسة وياقوت في حمايتي ..وساعة الحق مش هاعرف قريب ولا غريب .
قالها ليخرج صافقاً الباب خلفه بقوة لتتهاوى هي على مقعدها تمسك قلبها الذي يعوي بألم ..
ومذاق الخسارة يجري في عروقها مجرى الدم !
======
_رايحين فين يا مامي؟!
تسألها ريما بفضول طفولي بينما نشوى تتوقف بسيارتها أمام المطعم حيث سيكون لقاؤها بناصر ..
تشرد ببصرها وهي تتذكر ذاك اليوم الذي تلقت فيه عرضه لتحلق من حينها في سماء رمادية مفتقدة أرضاً ترسو عليها ..
لم تمنحه ردها وقتها في تدلل متوقع ..لكنها تعلم أنها ستوافق!!
بروح "مراهقة" تستعيد حلمها القديم به تبتسم وهي تشعر وكأنما يمنحها عمرها الذي ضاع ..وكأنما يمحو الماضي بوجعه ليعيد لها سنوات ظنتها ماتت ..
وبروح "امرأة" تشعر بالزهو وهي تراه أخيراً يفطن لأنوثتها فيفضلها على زوجته ويختارها لتكمل معه عمره ..
وبروح "عاشقة" تشعر بالغيرة وهي لا تدري كيف سيكون الوضع مع رجل تتقاسمه امرأتان ..
وبروح "أم" تشعر بالخوف على طفلتها من مغبّة هذا كله !!
لكن ما يهدئ الهاجس الأخير أنه طلب لقاءها اليوم مع ريما كي يزيد الألفة بينهما !
_مامي ..سرحانة في إيه ؟!
هتاف ريما القلق ينتزعها من شرودها فتلتفت نحوها بمزيج مشاعرها قبل أن تسألها بخجل خضب وجنتيها:
_مامي حلوة النهاردة ؟!
_أول مرة تسأليني عن شكلك !
تقولها الطفلة ببراءة لكنها تصدمها بهذه الحقيقة ..هي زهدت مظهرها منذ زمن ..منذ وأدت أنوثتها بيدها راضية بنصيبها في الرجال ..
_الأصفر حلو قوي عليكي ..مخلليكي شبه الشمس ..
ملحوظة طفلتها تعيدها لثوب أصفر "قديم" أحضرته خصيصاً كي تقابله به ذاك اليوم الذي اعترفت له فيه بحبها وظل راقداً في خزانة ملابسها بعدها كشرائط مزقتها بيديها حينها ..واليوم تختار نفس اللون لمقابلته ..
كأنما يعود الماضي فقط ب"لون ثوب"!!
تراقب وجهها في مرآة السيارة ..عيناها السوداوان اللتان أجادت رسمهما ..
أنفها الكبير نسبياًّ لكنه يناسب استدارة وجهها ..
شفتاها اللتان تظنهما أجمل في ملامحها باكتنازهما المثير وهذه الشامة المميزة في طرف السفلى منهما ..
لم تكن جميلة بمعتقدات مجتمع شرقي يراها عادية الملامح ..لكنها الآن فقط ..ترى نفسها جميلة ..وكيف لا ؟!
و"فارس الماضي" عاد لأجلها كي يحملها على جواده نحو الحاضر والغد ؟!
لهذا ازداد تورد وجنتيها وهي تغادر سيارتها لتتشابك أناملها مع طفلتها وهي تدخل معها إلى المطعم ..
يخفق قلبها الذي تشعر وكأنه عاد من سباته برؤية ملامحه الوسيمة ..لكنها تتجمد فجأة مكانها وهي ترى تلك المرأة جواره ..والتي وقف هو ليعرفها بها ..
_سها ..مراتي!
======
هيئ إليها أن الدماء انسحبت من جسدها كله قبل أن تعود فجأة لتضخ في رأسها !!
هل ملك من الجرأة ما جعله يحضرها معه هنا ؟!
صفعة يتلقاها وعيها تليها صفعة إدراكها لجمال المرأة الصارخ أمامها ..جمال نقي لا تشوبه شائبة ..خاصة وشعرها الأشقر الطبيعي ينسدل بإغواء على كتفيها وقميصها قصير الأكمام يبرز نعومة بشرتها
اللامعة ..
أي مقارنة تصلح بينهما هاهنا ؟!
حلقها يجف وهي تود لو تستعيد هذه اللحظة فقط قناع قوتها الذي تواجه به العالم وقت ضعفها ..لكنها لا تملك الآن إلا ترنح قلبها الدائخ بين عواصف عاطفته ..
خاصة عندما امتدت أنامل سها بحركة بدت عفوية لتضعها على ذراع ناصر كأنما تعلن ملكيتها له ..
حركة شعرت بها وكأنما تركلها هي بعيداً لولا هذه الابتسامة التي حافظت عليها سها بتماسك تحسد عليه وهي تشير لها برقة نحو المقعد المقابل لناصر:
_اتفضلوا اقعدوا .
تهاوت نشوى على المقعد شاعرة أن الهواء قد انسحب من حولها ..لم تتصور أن تكون المواجهة الأولى بينهما هكذا ..
ماذا كنتِ تتوقعين إذن يا بلهاء ؟!
الرجل لم يخدعك ..وهاهو ذا يحضر زوجته كي يثبت لكِ أن الأمور ستكون مطمئنة ..احمدي الله على وضع مثالي كهذا تحسدكِ عليه الكثيرات !!
_مامي ..وجعتيني!
لم تشعر أنها كانت تضغط كف ابنتها بقوة إلا عندما سمعت هتاف الصغيرة الأخير فرفعت إليها عينين مشتتين لكن سها فتحت ذراعيها مخاطبة الصغيرة بقولها الذي فاحت فيه دلال أنوثتها :
_"سويتي جيرل"..اسمك إيه ؟! تحبي نتعرف؟!
شعرت نشوى بكف الصغيرة يتملص منها بسرعة لتتجه نحو سها التي احتضنتها بقوة وهي تمشط شعرها بأناملها بينما الصغيرة تهتف بفخر طفولي:
_ريما .."جريد وان" ..(.....)سكول .
_وااااو .
تهتف بها سها بانفعال مبالغ قبل أن تمد كفها المرتجف نحو نشوى مصافحة بقولها :
_أهلاً بيكي .
رمقتها نشوى بنظرة زائغة وهي تنتبه أن ناصر لم يذكر لها صفتها هي ولا اسمها مكتفياً بتعريف سها فقط إليها ..ما الذي يعنيه هذا ؟! تراها لا تعلم ؟!
لكن سها ابتسمت وكأنها تقرأ خواطرها :
_عارفة إن الوضع مش تقليدي بس احنا كبار كفاية عشان نفهم اختياراتنا ..أنا بحب ناصر جداً .. عايزة سعادته اللي مش هتكمل معايا أنا وبس ..وعشان كده وافقت إنه يتجوز تاني ومعنديش مشكلة في كده .
رمقتها نشوى بنظرة مصدومة وهي تتفحص ملامحها ..ابتسامتها الرقيقة وهذا الكلام المنمق الذي تفوهت به يناقض هذا الدمع الذي تجمع في عينيها ..يناقض رجفة أناملها التي عادت تحط فوق ذراع ناصر بتملك ..وتناقض هذه النظرة الخائفة التي أسبلت عليها جفنيها كأنما تخشى أن تفتضح ..
_هو ممكن راجل يتجوز اتنين ؟!
تسأل ريما بفضول طفولي وهي تنقل بصرها بينهم لكن سها وقفت مكانها ليبدو لنشوى جسدها الممشوق الذي أظهرته ثيابها الأنيقة كأبهى ما يكون بينما تخاطب الصغيرة بقولها :
_نسيب كلام الكبار للكبار ونروح احنا نلعب ..تعالي أوريكي ال"كيدز إيريا" هنا ..تجنن ..هتتبسطي موت !
هتفت بها وهي تنحني برشاقة لتحمل الصغيرة التي تعلقت بعنقها وهي تسأل نشوى:
_أروح يا مامي؟!
لم تستطع نشوى إلا أن تومئ برأسها وعيناها تراقبان سها بينما تتحرك برشاقة فاتنة تحمل صغيرتها هي ..قبل أن تحيد ببصرها نحوه لتجد عينيه هو الآخر متعلقتين بهما ..ترى من تحوز اهتمامه الآن أكثر سها أم ريما ؟!
ما تثق به أنها ليست هي على أي حال !
_ممكن ..أفهم ؟!
تغمغم بها بارتباك شاعرة بتقلص معدتها توتراً ..خاصة عندما التفت نحوها بعينين كانتا "بطلتي ماضيها" ..
_تفهمي إيه ؟!
_الوضع ده ..طبيعي؟!
تغمغم بها بارتباك ليبتسم ابتسامته الحازمة مع رده العقلاني:
_أكيد مش طبيعي ..مثالي زيادة عن اللزوم ..بس هي دي سها ..بتعرف تفصل مشاعرها وقت الجد وتختار الأنسب .
شعرت أن وجنتيها تكادان تحترقان انفعالاً فأسندت جبهتها على أناملها المتشابكة تهرب من مواجهته ..
هو كعادته أمامها بمنتهى القوة ..
وهي كعادتها أمامه بمنتهى الضعف!
لا تذكر أنها هربت من شيء في حياتها كما هربت من ذكرى ماضٍ تخصه ..
كأنما عقدتها معه كانت دوماً "الهروب"!
الهروب منه ..يوم جرحها ..
والهروب الآن إليه ..كي يداوي هذا الجرح الذي لن يجيد غيره مداواته !
_مستغربة ليه كده ؟! كنتِ متوقعة حرب مسلسلات زي "الحاج متولي" ؟!
لا متخافيش ..سها عقلها كبير وقلبها أكبر .
يقولها بنفس النبرة المحايدة فتشعر بكيانها يتهاوى أكثر ..ليس هذا هو اللقاء الذي تنتظره ..
ليس هذا هو الرجل الذي تنتظره ..
ليس هذا هو الكلام الذي تنتظره ..
أين التعويض عن حلم الأمس ؟!
أين الوعد بفرحة الغد ؟!
لهذا جاء ردها بعمق معاناتها وهي ترفع عينيها نحوه أخيراً :
_اخترتني أنا ليه ؟!
وهو الذي هرب بعينيه هذه المرة في سابقة وجدتها غريبة لرجل بقوته ..
_سؤال غريب ! كلك مميزات بالنسبة لي ..أخت صاحبي ..مؤدبة ..محترمة ..و ..ظروفك مناسبة ليّ!
ورغم اللطف الذي حاول به كسوة كلماته لكنها كانت تشعر بها وكأنما تطعنها طعناً ..
خاصة عندما مال بجذعه للأمام ليقترب منها أكثر محتكراً نظراتها :
_وبتحبيني !
همسه الذي بدا شديد الثقة ..شديد الجاذبية حد الفتك مع ماضيهما المشترك يزلزلها ..
لهذا تذبذبت نبرة صوتها فاضحة هشاشتها وهي تسأله :
_كل ده كان موجود زمان ..إيه الجديد ؟!
هنا أطرق هو برأسه وهو يخشى هذا السؤال بالذات ..
كم يتمنى في هذه اللحظة لو تكون هي أكثر خبثاً فتفهم الحقيقة وحدها بدلاً من هذا الوجه الساذج الذي تقابله به ..
كم يود لو يضع حداً للأمر بعمليته المعهودة فيخبرها أنها لن تكون أكثر من وعاء لطفله وأن زوجته فقط هي من تملك قلبه ثم يترك لها حرية الاختيار ..
لكنه كان أكثر مكراً من أن يفعل ..
وربما ..أكثر جبناً !!
لهذا جاء جوابه مراوغاً مثله :
_فيه حاجات مابنعرفش قيمتها إلا لما بتروح من إيدينا .
قلبها -الأحمق- يتلقاها كمكافأة بعد كل هذا الضغط السابق فتتسع عيناها بقوة كأنما تود اختزان صورته بهذا الاعتراف -غير الكامل -!
لكنه يهرب من لقاء عينيها وهو يعود برأسه للخلف ..حيث سها وريما اللتان كانتا منسجمتين تماماً في منطقة الألعاب ..
بينما تراقبه هي بعينين متعلقتين قبل أن تشعر بجسده يتحفز مكانه وهو يضم قبضتيه بقوة لتلاحظ ما أثار انتباهه ..
فهناك كانت سها تتقافز على المنصة مع ريما لتبدو الأولى شديدة الحيوية بضحكاتها العالية التي اجتذبت أنظار الحضور جميعاً ..
_ثانية واحدة !
هتف بها بانفعال مكتوم وهو يهب واقفاً مكانه لتراه يتوجه نحوهما قبل أن يشير بكفه نحو سها التي تقدمت نحوه فمال على أذنها هامساً بما جعلها تضع كفها على شفتيها كأنما تعتذر ..قبل أن تطبع قبلة خفيفة على وجنته !!!
شعرت بالدم يفور في عروقها وهي ترى غضبه يتحول في ثوانٍ ليمنحها ابتسامة دافئة قبل أن ينحني ليحمل ريما ويسير بهما فيتوجهون جميعاً نحوها !!
مهزلة !!
ما هذا العبث ؟!
لم تتخيل أبداً أن يكون الوضع هكذا !!
إذن ماذا تخيلتِ؟!
أن يأتيكِ بعد كل هذه السنوات نادماً مستغفراً طالباً رضاكِ وهو يخبركِ أنه فضّلك على زوجته ؟!
ارفضي هذا العرض لو بقيت لك ذرة كرامة ..وعودي لصومعتك المحرمة على الرجال !
كان هذا صراخ عقلها المحتج لكن قلبها كان يتراقص بين ضلوعها يستصرخها أن تمنحه الفرصة ..
أن ترقّع ثوب أنوثتها بهذا الحلم القديم ..
أن ترضى بأي خانة يضعها فيها مادامت لا تملك المزيد من الفرص ..
أن تصبر ..فقط قليلاً ..لعلها تحتل وحدها قلبه كاملاً !
وبين هذا وذاك كانت خيوط "أنانيتها" تغزل بعض خيوطها ب"ورقتها الرابحة":
عندما تتزوجه وتنجب له طفله ستكون في عينيه بالتأكيد أفضل منها ..
ويبدو أن النسيج الأخير كان من القوة بمكان ليرسم على شفتيها شبه ابتسامة وهي ترفع رأسها نحوهم من جديد بنظرة أكثر ثقة ..
ستقتنص حلمها هذه المرة ..وستصنع من هزيمة الأمس انتصار الغد !
========
_صباح الحب يا سنيوريتا!
يهمس بها أشرف بحنانه المعهود وهي تشعر بذراعيه يطوقان خصرها ليرفع جسدها نحوه مغرقاً وجهه بقبلاته ..
ابتسامتها تمتزج بهمهمات اعتراض واهٍ لم تلبث أن اختفت وهي الأخرى تتعلق بعنقه بذراعيها بقوة تشاركه نشوة عشقه بجنون أكبر جعله يطلق ضحكة قصيرة قبل أن يبعدها ليهمس أمام عينيها :
_حبيبي بقا شقي قوي .
_تلميذتك ياافندم.
تهمس بها بدلال امتزج بقوتها -المستحدثة - ليشدد ضغط ذراعيه حولها بينما يهمس في أذنها :
_تلميذتي وصاحبتي وحبيبة عمري ..لآخر يوم في عمري .
أنفاسهما تمتزج لتنصهر سوياً بلهيب عشق ولد معهما صغاراً وسيتحدى كل شيء ليهرما معاً على شاطئيه ..
_أشرف!
تهمس بها بصوت لم يحتل قلبه غيره ليبتعد قليلاً ما يمكنه من احتضان وجهها براحتيه ..
_قلبه وروحه وعمره كله !
_سامحتني؟!
لا تزال تسأله -كل صباح- كأنها لا تصدق هذه السعادة التي عادت ترفل فيها معه ..ليهز رأسه وهو يداعب أنفها بأنفه :
_هتفضلي تسألي كل يوم وأجاوبك نفس
الإجابة ..قلبي معاكي مظبوط على موجة واحدة ..بيحبك وبس!
ثم تنهد بأسى ليرتجف همسه :
_أنا بقا لأول مرة هسألك ..انتِ سامحتيني فعلاً على ابننا اللي راح ؟!
فتبتسم ابتسامة غامضة وهي تدفعه برفق لتتمطأ هامسة بدلال :
_ما بلاش نتكلم في الماضي .
يرقبها ببعض الدهشة وهو يلاحظ حيويتها الزائدة لهذا اليوم فكاد يسألها لولا أن غادرت الفراش قائلة بمرح صار يظلل شخصيتها الجديدة :
_عندنا شغل كتير النهاردة ..يادوب نلحق نفطر ..نشوى منبهة عليّ ما نتأخرش .
قالتها لتهرول مسرعة نحو الحمام القريب فنهض بدوره ليبدل ملابسه قبل أن يسمع صرختها الفرحة !
انتفض مكانه ليجدها تعود إليه ممسكة ذاك الشيء بين أناملها :
_حامل يا أشرف ..حاااااامل !
وجهه يتجمد من المفاجأة للحظات قبل أن يجدها تحط على صدره كطير ملهوف هاتفة وسط دموعها :
_شفت كرم ربنا لما بيعوضنا كل اللي خسرناه !
يتأوه بقوة شعوره وهو يرفع وجهه لأعلى
بالحمد بصوت مرتفع ثم يبعدها ليحتضن وجنتيها هاتفاً بصوت متحشرج وعينين دامعتين فرحاً :
_ده اللي كنتِ مخبياه عني ؟!
_يعني كنت شاكك إني مخبية حاجة ؟!
تهتف بها بدلال امتزج بسعادتها ليقرص وجنتها مداعباً ..
فتأوهت لتردف:
_كنت شاكة بس ماحبتش أقوللك إلا لما أتأكد !
قالتها ثم تحسست بطنها المسطح بأنامل مرتجفة وعيناها تزيغان بشرود كأنما تذكرت فقدها القديم ..
قبل أن تهز رأسها بقوة تنفض عنها كل ألم الماضي ..
هذا الذي وازى قبلته الناعمة على جبهتها قبل أن يهمس بين شفتيها :
_مبروك يا حبيبة عمري ..مبروك ..
مباركاته امتزجت بعطايا شفتيه التي استسلمت لها قليلاً قبل أن تئن باعتراض هاتفة :
_الشغل يا أشرف ..هنتأخر .
_ناخد أجازة النهاردة ونحتفل ب"البيبي"!
يهمس بها بنبرة مغرية لكنها تصدر همهمة اعتراض لتتفلت من بين ذراعيه هاتفة باستنكار:
_هنكسل من أولها ؟! لا يا بابا ..عايزة ابني ييجي يلاقي مصنع باباه أكبر مصنع في البلد .
لفظة "بابا" هذه تدغدغ روحه بلذة مستحدثة فيضحك بفرحة حقيقية هاتفاً باستياء مصطنع:
_كلام ال"ماما" يمشي ..بقيتِ مستبدة زي ابن خالتك .
فابتعدت عنه ضاحكة لتتناول هاتفها مع قولها :
_فكرتني ..لازم أفرح يامن وبيلا
الأول ..وانت كمان روح فرح نشوى !
يتحرك ليطرق باب غرفة نشوى التي خرجت منها بوجه فضح سهرها الطويل
بالأمس هاتفة بقلق:
_خير يا أشرف بتزعقوا ليه ؟!
_رانيا حامل !
يقولها بفرحته الطاغية لتطلق صيحة عالية قبل أن تتبدل ملامحها لحنان خالص وهي تحتضنه هاتفة :
_مبروك يا حبيبي ألف مبروك .
يضمها برفق للحظات قبل أن يتفرس
ملامحها ليسألها بعتاب امتزج بحنانه :
_عقبال ما اطمن عليكِ .
كانت تفهم هذه النظرة العاتبة في عينيه ..فلم يزل غير راضٍ عن موافقتها "المبدئية"على عرض ناصر وقد توقع أن ترفضه دون جدال..
لهذا تحفزت ملامحها وهي تقول بعناد :
_قريب هتقوللي برضه مبروك .
_يعني خلاص وافقتِ عليه كلام نهائي ؟!
العناد في ملامحها يتحول لحيرة حقيقية مع سؤاله المباشر لتطرق برأسها فيربت على كتفها ليقول برفق:
_مش هاقدر أحكم على قلبك مادام لسة بتحبيه ..بس السؤال انتِ فعلاً لسة بتحبيه؟!
رفعت إليه عينين زائغتين بين "قناع قوة" تصر على مداراة وهنها به وبين "حيرة" تعيث بين جنباتها وجعاٌ ..
حيرة كان يستشعرها هو جلية حتى مع محاولتها إخفائها ليتنهد قائلاً بحزم أكبر:
_انتِ تستاهلي أحسن من "نص راجل"..فكري كويس قبل ما تدخلي نفسك في مثلث شائك زي ده ..خصوصاً إني عارف هو بيحب مراته أد إيه .
عبارته الأخيرة تخز صدرها بمزيج من غيرة وتحدٍّ ..
فتدفعها طبيعتها المتنمرة لترد بحدة :
_لو بيحبها كده ماكانش فكر يتقدم لي ..وهي لو بتحبه بصحيح مكنتش هتقدر تستحمل وضع زي ده ..واضح إن حبهم ده تمثيل ..ديكور قدام الناس .
_ده اللي بتقنعي بيه نفسك عشان توافقي على وضع زي ده ؟!
يسألها بضيق محاولاً كظم انفعالاته لكنها أشاحت بوجهها لتتخطى الأمر هاتفة :
_بارك لرانيا على ما ألبس ..عندنا شغل كتير النهاردة .
محاولتها للهروب كانت شديدة الوضوح فزفر بضيق وهو يشاهد باب غرفتها يغلق في وجهه قبل أن يعود لغرفته لتستقبله رانيا على بابها قائلة بتفهم :
_ماتضايقش نفسك ..انت عارف نشوى عنيدة ومابتسمعش كلمة غير من دماغها .
_ماهو ده اللي مجنني ..واحدة بشخصيتها دي تقبل وضع زي ده ليه ؟! وإزاي؟!
هتف بها بضيق لتبتسم هي قائلة :
_الموضوع له زاويتين ..الأولى إحساسها إنها بترجع معاه الماضي اللي كان نفسها تعيشه ..والتانية رد اعتبار لكرامتها إنه بعد السنين دي رجع يتقدم لها بعد رفضه ليها زمان.
_كرامتها ؟! وفين كرامتها وهو متجوزها بس عشان يخلف منها والدنيا كلها عارفة إنه بيموت في مراته ؟!
يهتف بها باستنكار وهو يدلف للداخل خافضاً صوته أكثر ، لتتبعه هي قائلة :
_هي مش عايزة تصدق إنه كده ..وبصراحة صاحبك أناني جداً ..إزاي بيحب مراته زي ما بتقول وراضي يجرحها بالشكل ده ؟! يعني لو كان هو اللي مابيخلفش كان هيبقى مبسوط لو اختارت تسيبه وتروح لراجل تاني ؟! ده حتى ده كان هيبقى أهون م اللي ناوي يعمله إنه يجمعهم سوا على ذمته .
قالتها بضيق شاركها فيه للحظات قبل أن تتنهد لتبسط راحتها على صدره لتردف:
_عموماً ..أختك عنيدة والضغط معاها بيقلب بالعكس ..سيبلها حرية القرار بس حاول تأخر الجواز على أد ما تقدر ..يمكن هي نفسها تكتشف حقيقة الفخ اللي هي رايحة له برجليها ..وما تقلقش أنا هافضل جنبها خطوة بخطوة احنا بقينا قريبين من بعض قوي .
رمقها بنظرة طويلة يتفكر في حديثها قبل أن تلتوي شفتاه بشبه ابتسامة وهو يجذبها ليقربها منه هامساً بدلاله الحنون :
_حبيبي كبر وخرج من شرنقته وخلاص بقا بيعرف يراقب ويخطط .
فضحكت بفخر وهي تمرغ وجهها في صدره هامسة :
_حبيبك كبر واتعلم .. اتعلم يبقى سندك زي ما انت سنده .
=======
_عاملة إيه عندك يا غادة ؟!..هاموت م القلق عليكِ !
غمغمت بها هانيا بجزع محاولة أن تخفض صوتها كي لا يسمعها رامز الجالس هناك بغرفة نومهما القريبة ..
لتصلها تنهيدة غادة الحارقة قبل ردها الذي أقلقها أكثر:
_ماتخافيش عليّ ..أنا ماعدتش زي زمان وقادرة أدافع عن نفسي كويس .
_الحيوان ده بيحاول يضايقك ؟!
تسألها هانيا بنبرة أشد خفوتاً لتصمت غادة في جواب غير منطوق سبق قولها الصريح:
_عمو علاء هيوصل في خلال كام يوم ..هحاول أدبر سكن تاني ليّ
ولأمي ..ماافتكرش إنه هيفضل متمسك بيها في حالتها دي .
زفرت هانيا بحنق لتهتف بحميتها المعهودة :
_شقة سيف لسه موجودة لو تحبي ..
_لا!
هتفت بها غادة قاطعة وهي تستعيد لقاءهما الأخير في المطار ..
لا تدري أي جنون دفعها لتعبر له عن مشاعرها بتلك الطريقة ..
لا ..لم يكن جنوناً بل أملاً !
أملاً أن تنقذه من هذا القيد الذي يصر أن يكبل نفسه به ..وقد فشلت !
فهاهو ذا من حينها لم يصلها منه أي رد !
_مش عايزة تقوليلي إيه اللي حصل بينكم في اسطنبول؟!
تسألها هانيا بنفس الحنان القلق لكن غادة كانت تصر أن تحترم خصوصيته لهذا قالت بقنوط :
_يظهر كان بيتهيألي بس إن فيه في قلبه حاجة ناحيتي ..ربنا يوفقه .
_لا ..أنا شفتها في عينيه يوم ما جيتلك ..هو فعلاً بيح..
تهتف بها هانيا بإصرار لتقاطعها غادة هاتفة :
_خلاص يا هانيا ..ماعادلوش لازمة
الكلام ده ..مين عارف هاقدر أرجع اسطنبول تاني واللا لا ؟! ..ماما محتاجالي وماينفعش أتخلى عنها .
صمتت هانيا بقهر وهي تشعر بحمل صديقتها الثقيل ..لقد عاشت عمرها تعاني بسبب أنانية أم لا تستحق هذا اللقب ..والآن تضطر غادة لإيقاف حياتها كي تحمل وزرها وحدها !
لهذا عادت تزفر بقوة هاتفة :
_ماتشيليش هم ..أنا هادبر لك سكن وشغل هنا .
لم ترَ ابتسامة غادة لكنها شعرت بها في صوتها الممتن :
_انتِ اللي ماتشيليش همي ..عمو علاء مش هايسيبني لحظة ..أنا عارفة إنه أول ما يوصل هيحلها .
_جميل قوي الراجل ده .
تقولها هانيا بامتنان صادق لترد غادة بعمق عاطفتها نحو الرجل:
_جميل بس؟! ده عظييييم ..صدقيني ماكنتش أتمنى أب وأم أحن منه هو وإيناس .
قالتها غادة بعاطفة دافئة ليظهر صوت زوج أمها في الخلفية :
_يادي القرف ! وسختِ الملاية تاني ؟! عملت إيه في دنيتي عشان ربنا يبتليني بيكِ ..قومي يا غادة هانم غيري لأمك هدومها ..وشوفي القرف ده ..مش طايق ريحة الأوضة .
تدمع عينا هانيا وهي تشعر بما تعانيه صديقتها وحدها هناك ..لكن غادة بدت متماسكة وهي ترد بقوة لا تدعيها :
_هاقفل معاكِ دلوقت ..نتكلم بعدين .
زفرت هانيا بسخط وهي تغلق الاتصال مع غادة بسباب مرتفع لذاك الحيوان زوج أمها ..
قبل أن تتحرك بخطوات متثاقلة نحو غرفة نومها حيث وقف رامز يعد حقيبته استعداداً للسفر ..
_مادام البوز التمام اتضرب ..يبقى كنتِ بتكلمي غادة .
يقولها بمرح محاولاً التسرية عنها فتقترب منه لتريح رأسها على صدره هامسة :
_صعب قوي اللي هي فيه ..مابتلحقش تفوق .
_أنا ممكن أساعد بس إديني "جرين لايت".
قالها بجدية تامة لكنها هزت رأسها لتهمس وذراعاها يتشددان حول خاصرته أكثر:
_عرضت عليها رفضت ..مستنية عمو علاء ..بس أنا مش هاستحمل أقف متكتفة كده ..لو الوضع فضل كده هأجر شقة في بورسعيد وأفضل جنبها مادام هي رافضة تيجي هنا .
_ده على أساس إنك متجوزة "دكر بط" هايسيبك تتنططي هنا وهناك كده براحتك ؟!
هتف بها باستنكار ليفاجأ بها تنفجر في بكاء عنيف لا يتناسب مع الموقف !
أجفل للحظات وهو يشعر بانتفاضتها بين ذراعيه قبل أن يضمها بقوة أكبر ليقبل رأسها هامساً :
_فيه إيه يا هانيا ؟! القصة مش قصة غادة وبس ..انتِ بقالك كام يوم مش على طبيعتك وحاسس إنك مخبية عني حاجة .
ظلت مستسلمة لبكائها بين ذراعيه للحظات احتملها هو متفهماً قبل أن يصله صوتها المتحشرج بدموعها :
_ضغط الرسالة من ناحية ..وحكاية سفرك كل شوية بعد الترقية الجديدة ..و ...
صمتت بعدها قليلاً لتقطع عبارتها ..فعاد يسألها باهتمام :
_وإيه ؟!
قالها وهو يرفع ذقنها نحوه لتغمض عينيها بجواب سبقته تنهيدة حارة :
_حاسة إني متكتفة ..مش قادرة أسعد الناس اللي بحبهم .
_قصدك غادة بس واللا حد تاني؟!
يسألها وقد عرف الجواب !
لا تزال تشوهات جسدها تقف عائقاً بينهما ..لايزال يشعر بها عاجزة عن منحه مفاتيح أنوثتها ..
قديماً كانت تفعلها طوعاً ..والآن بعد الحادث تفعلها قسراً ..
وكلاهما يجد ندبته في صدرها كما هي في صدره !
_لو تقصديني فهافضل أقوللك ومش هازهق ..مجرد وجودي جنبي فرحة بحمد ربنا عليها ..انتِ مش محتاجة تعملي حاجة عشان تسعديني ..
الصدق النابض بين حروفه يجعلها تعاود فتح عينيها لتعانق نظراته العاشقة ..فمنحها قبلة ناعمة على شفتيها ليردف :
_سفري غصب عني ..ومش قادر أقوللك تعالي معايا عشان ما أعطلكيش عن المذاكرة ..
يقولها بأسف فابتسمت بامتنان ليبتسم بدوره مردفاً بمرح:
_زمايلي بيتريقوا عليّ لأني أكتر واحد ببقى مستعجل يخلص شغله عشان يروّح ..كل شوية يقولولي هي مدلعاك للدرجة دي مش قادر على بعدها ..ياللا الصيت ولا الغنى يا بسطويسي!
ضحكت رغماٌ عنها فمسح دموعها بإبهاميه ليفيض حنانه وسط مرح مزاحه كالعادة :
_أجيبلك إيه معايا المرة دي ؟!..هدايا المرة اللي فاتت مالبستيهاش .
عبارته الأخيرة لم تحمل عتاباً بقدر ما حملت تفهمه لتحفظها المعهود من ارتداء الثياب المكشوفة ..
لهذا عاد صوتها يتحشرج وهي تهرب من لقاء عينيه :
_مش بيننا اتفاق ؟!انت عارف طبعي .
_برضه مش هيأس ..مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة !
قالها وهو يعض شفته السفلى فعادت تضحك بخجل وهي تخفي وجهها في صدره ليضحك بدوره هاتفاً وهو يشير لنفسه :
_حلوة بصّة حمدي الوزير دي ؟! أجنن في
الإجرام ..صح؟!
_مفيش فايدة فيك ..نفسي أتكلم معاك مرة وماتقلبهاش مسخرة .
_هو فيه أحلى م المسخرة ؟!
يغمزها بها بمكر وهو يرفع وجهها نحوه قسراً ..
فتضحك من جديد ليقبل وجنتها هامساً بجدية هذه المرة :
_ربنا ما يحرمني من ضحكتك دي ..متعرفيش بطمن أد إيه لما بشوفك بتضحكي .
فترمقه بنظرة ممتنة قبل أن تستطيل على أطراف أصابعها لتغرس هدايا عشقها على وجهه ..
_بحبك ..بحبك ..بحبك .
لاتزال تقولها بملء فيها ..
بل بملء روحها ..
تقولها وهي تعلم كم يحب سماعها ..كما تحب هي قولها !
لتصلها تنهيدته الحارة قبل أن يبعدها هامساً بصوت هدجته عاطفته :
_واحدة "بحبك" كمان وهاطنش الست الغلبانة اللي تحت اللي مستنياني أديها الحقنة دي وأقعد جنبك هنا نلعب
"بلايستاشن"!
غمزته الماكرة صاحبت عبارته الأخيرة فابتسمت بفخر امرأة تدرك أثر أنوثتها في رجلها ..
ليستطرد هو بينما يبتعد بظهره ملوحاً بكفيه بحركة مضحكة :
_هانزللها خمس دقايق بس وأرجعلك ..اوعى تنام يا بسطويسي ..ماتسيبنيش أسافر ونفسي في "البلايستاشن" .
ضحكاتها المشعة بعاطفتها تودعه لتلتمع عيناها بعمق شعورها للحظات قبل أن تغيم نظراتها بشرود!!
خطواتها تتجه نحو حقيبتها الموضوعة هناك ..
نظرة غامضة مفعمة بالقلق تجتاح عينيها وهي تستخرج منها بطاقة ما رفعتها أمام وجهها ..
قبل أن تزم شفتيها بعزم وهي تعيدها مكانها بسرعة وعيناها تتلونان بالمزيد من الغموض .
=======
انت اول كل حاجة ..
والبداية في كل شيء ..
حب اول مره ييجي ..
لما قلبي كان بريء
انت اول كل حاجه ..
وانت عارف كنت ايه
وانت اول حد يمشي ..
ودمعتي تنزل عليه.
الكلمات تبدو متشابكة تماماً بنسيج روحها وهي تنبعث بلحنها في سيارة إسلام الذي يقودها بها نحو المحامي الخاص بزين
لإتمام الطلاق ...
_انتِ كويسة ؟!
يسألها إسلام بقلق ملاحظاً تيبس جسدها لتجيبه بشرود كأنها في عالم آخر :
_مش عارفة كان حلم واللا كابوس ..بس
خلاص مش هتفرق ..كام دقيقة واصحى منه !
_حبتيه ؟!
يسألها قارئاً الجواب في عينيها المغمضتين ولاتزال كلمات الأغنية تضغط على جرحها النازف ..
كنت اول كل حاجه بتجرَى ليا
كنت اول روح بتلمس حاجه فيا
كنت اول حب ييجي ونفسي يفضل
كنت اول فرحه بتمناها تكمل
يمد أنامله ليربت على كفها قائلاً بحنان يشوبه الكثير من الضيق:
_الحكاية معقدة قوي يا ياقوت ..أنا نفسي مش عارف المفروض رد فعلي من زين ده يبقى إيه ..أروح أضربه على استغلاله ليكي وللجين ..واللا أشكره ع اللي عمله بعدها .
_أنا ماعدتش عايزة أفكر ..عايزة حضن ستي ثمر أنام فيه وبس .
تقولها بنبرة واهنة عبر عينيها المغمضتين لكنه ضغط كفها براحته بقوة هاتفاً :
_لا معلش ..أنا هاسيبك يومين تلاتة كده تفوقي وبعدين هاجي آخدك من إيدك نشوف ورانا إيه ..عندنا مشروع عايزين نبدأه ..لما نخرج من عند المحامي هاطلع بيكي على المكان اللي اخترته تقوليلي رأيك فيه .
كانت أغلب كلماته تفلت منها وهي لا تزال غارقة في كلمات الأغنية ..
اللي يعرف م البداية النهاية.. هتبقى فين
مش هيغلط في اختياره ..بس نعرف ده منين ..
كنت آخر مرة آآمن..قوللي آآمن بس مين؟! ..
مفتكرش أحب تاني ..صعب أغلط مرتين..
سيارته تتوقف في المكان المنشود فتفتح عينيها أخيراً لتترجل منها ..
تستدعي كل ذرة من قوتها لتصعد معه إلى هناك ..
ورقة ما ناولها لها إسلام بعد معاينتها ليطمئن فارتجفت أناملها وهي توقع ..
هكذا ..انتهى الأمر ببساطة !!
وعلى فراشه بالمشفى تلقى زين رسالة محاميه يخبره بانتهاء الأمر فانقبض قلبه بهذا الشعور الذي يقاومه منذ أفاق من غيبوبته الأخيرة ..
كان يمكنه أن يجعله طلاقاً عادياً ويحضر المأذون معها إلى المشفى هنا ..
لكنه -ببساطة- كان يخاف!
لأول مرة يشعر بالخوف أن يتجابن عن قرار أخذه ..
لكنه كان أكثر من يعلم أنه لن يستطيع التفريط فيها وهي أمام عينيه !
أنامله تمتد لتمسد صدره ..
هناك ..
حيث كانت هي بالأمس تلقي حمولها بين ذراعيه ..
يستحضر صورة "القمرين السجينين" في عينيها يستصرخانه أن يحررهما ..
يسمع اعتراف قلب بخلت به الشفاه ..
ويتذوق عذوبة كأس لم تسكبه بين عروقه امرأة سواها !
لماذا أفلتها من بين يديه ؟!
أي "صياد خائب" هو ؟!
والحقيقة تصفعه بقوتها ..
عندما يحرر الصياد طريدته ..فليعلم أنه عشقها !
وأنه ما تركها إلا ليستعيدها حرة !
_اللي بيننا ما بدأش بورقة عشان ينتهي بورقة .
يرسلها لها -بصوته- غير مكتوبة كأنما شعر بحاجتها أن تسمعها منه الآن ..
والغريب أنها سمعتها قبل أن يرسلها!
سمعتها بقلب أدرك أيّ وقعٍ كان لخطواته في صحراء ذلك الرجل ..
أي حاجة كانت لغيث عاطفته ..
أي تضرعٍ لبراءة مناجاته ..
لكن كل هذا لم يكن يكفي رجلاً مثله ليكمل به الطريق!!
لهذا لم ترسل رداً مكتفية بصمت تنتوي أن يطول .
يرمقها إسلام بنظرة مشفقة وهو يشعر
بالعجز ..!
مشاعرها نحو ذاك الرجل تبدو شديدة الوضوح ..لكنه يعلم أن لا مستقبل لهما إلا في كتب الحكايات ..
-على الأقل في وضعها الحالي-...
لكنه يقسم لنفسه أن يغير لها هذا الوضع !
لهذا اصطحبها لمطعم قريب تناولا فيه الغداء وسط شرود نظراتها قبل أن يتوجها للمكان الذي اختاره ليكون مركزاً جديداً خاصاً بها ..
_مركز ياقوت للصحة النفسية ..إيه رأيك ؟!
يسألها وهو يلوح بإبهامه وسبابته كأنما يرسم خطاً عريضاً لتلتمع عيناها بجذوة من الطموح القديم ..
لم تلبث أن انطفأت وهي تطرق برأسها ليتقدم هو منها ويرفع ذقنها نحوه هاتفاً بحميّة ساخرة :
_جرى إيه يا بنت ؟! إيه اللي جرى للبؤس اللي على وشك ده ؟! ماكانش طلاق على سجن على غزّة سكينة على شوية مغامرات وحبشتكانات ..انشفي كده امال!
تبتسم رغماً عنها هذه الابتسامة التي امتزجت بدموعها فيتنهد بحرارة ليقول بجدية تامة :
_انتِ بطلة ..لو بعد كل ده لسة واقفة على رجليكِ.
_ومين قاللك إني واقفة ؟!
تتمتم بها بوهن غريب على طبيعتها المعهودة ليرد بإصرار كأنما يغرس حروفه في روحها غرساً:
_واقفة ..وقريب قوي هتطيري لحلمك وتمسكيه بإيدك ..ده وعد مني ..من أخوكِ!
اللفظ الأخير فعل بها الأفاعيل خاصة وهي تشعر بكفه يحط على كتفها بمؤازرة قوية احتاجها كلاهما في هذه اللحظة التي التقت فيها العيون بحديث حمل خبايا القلوب ..
_انت جدع قوي يا باشمهندس!
تقولها أخيراً بنبرة عادت إليها بعض حيويتها ليبتسم متسائلاً:
_يعني نقول مبروك ؟!
أومأت برأسها موافقة ولا تدري أي سعادة زرعتها بداخله وهو يشعر أخيراً بالرضا عن نفسه ..
كان يحتاج اليوم بالذات أن يمنح لها أملاً كهذا وقد فعل!
لكن لا يزال الكثير ليفعله معها ومع شقيقتها ربما وقتها فقط يسامح نفسه على ما كان ..
لهذا ما كاد يصل بها للفندق الذي حجز لها فيها غرفة حتى خاطبها بقوله :
_حاولي تنامي كويس النهارده عشان بكرة هيبقى يوم تاريخي .
فاغتصبت ابتسامة واهنة وهي تغادره ...
لتلتمع عيناه هو بغضب نما رويداً رويداً وهو يعيد تشغيل السيارة نحو وجهته التي يؤجلها منذ بضعة أيام ..وقد حان وقتها !
======
_ياقوت مابقتش تيجي ليه ؟!
يسأله هيثم بتشتت وهو يشعر بفقدان التوازن في هذا العالم الغريب الذي لا يذكر عنه أي شيئ ..
ليرد إسلام باقتضاب:
_مسافرة يومين وهترجع ..هتكلمك بالليل .
كانا يجلسان معاً في غرفة هيثم ببيت
والدهما ليتلفت هيثم حوله قائلاً بضيق:
_أنا حاسس إني في سجن ..ليه مش عايزينني أخرج ؟!
لكن إسلام يربت على كتفيه برفق قائلاً بإشفاق:
_دي أوامر الدكتور ..وبعدين حاول تفتكر ذكرياتك هنا الأول وبعدين نشوف حكاية خروجك دي .
فصمت هيثم قليلاٌ وهو يعاود التلفت حوله لعله يذكر أي شيئ لكن نظراته الخاوية عادت هباء ..
_هو بابا مات إزاي؟!
_حادثة عربية .
قالها إسلام متحكماً في نبرة صوته الكاذبة ومحاولاً كتمان الواقع المخزي إشفاقاً على أخيه ..
كان يعلم أنه سيعلم الحقيقة عاجلاً أو
آجلاً لكنه كان يؤخر هذا الثقل الجاثم على صدورهم جميعاً ..
_ماتفكرش كتير ..ريح عقلك واسمع كلام الدكتور ..
يقولها أخيراً بحزم حانٍ ليرمقه إسلام بنفس النظرة المشتتة قائلاً:
_عايز أشوف ياقوت ..برتاح في الكلام معاها .
هنا توجه إسلام ببصره نحو الباب حيث كانت والدته تقف ممتقعة الوجه ليرد بنبرة ضائقة :
_أكيد هاخلليك تكلمها ..احنا اخوات مالناش غير بعض !
عقدت جيلان حاجبيها بغضب مكتوم ليقف إسلام مخاطباً أخاه :
_حاول تسترخي خالص وما تفكرش كتير ..
زفر هيثم بحيرة وهو يراقب رحيل شقيقه لتزداد لمعة الفضول في عينيه وهو يرى النظرات المتشاحنة الغاضبة بين
إسلام وأمه ..
لهذا تتبعهما خلسة ليقف أعلى الدرج في ركن خفي فيأتيه صوت أمه الغاضب أسفل الدرج :
_هاتفضل مخاصمني كده كتير ؟!
_مخاصمني كلمة "شيك" قوي يا جيلان هانم مقارنة باللي حاسس بيه دلوقت .
انعقد حاحبا هيثم بالمزيد من الفضول خاصة عندما هتفت أمه بغطرسة :
_كل ده عشان الجربوعة اللي اسمها ياقوت دي ؟! عايزني أقبل ببساطة كده إنها تدخل البيت وسطك انت وأخوك كأنها واحدة مننا ؟!
_هي فعلاً مننا ..ولو مش هتدخل البيت ده هاشوف بيت يجمعنا كلنا وينفع هي تدخله .
_انت بتهددني يا ولد ؟!
تهتف بها بانفعال ليرد هو ببرود مصطنع:
_العفو يا جيلان هانم ..أنا بس بافكرك إني خلاص اتعودت ع العيشة لوحدي من غيركم ..لكن مش هاقبل أبداً إني أفرط في لحمي ودمي .
_ما تنرفزنيش وتقول لحمي ودمي ..دول
ولاد خدامة ما يساووش حاجة !
تصرخ بها بجنون ليهدر بها بحدة مشابهة :
_بنت الخدامة اللي مش عاجباكي قلبها أكبر من قلبك اللي رضي تسجنيها ظلم في الوقت اللي هي فيه بتعمل جهدها عشان تعالج ابنك ..يبقى مين يسوى ومين ما يسواش !
تصمت جيلان وقد ألجمتها كلماته ليحمر وجهها بانفعال طاغٍ وهي تراها المرة الأولى التي يتجرأ فيها على إهانتها بهذا الشكل ..لكن إسلام لم ينتظر أكثر ليغادر تاركاً إياها خلفه تغلي غضباً ..وخزياً !
فيما ازداد انعقاد حاجبي هيثم وهو يشعر
بالنفور ..
هم أخبروه أن ياقوت أخته غير الشقيقة ولديه واحدة أخرى لكنه لا يعرف المزيد من التفاصيل ..
لماذا فعلت بها أمه هذا ؟! لماذا تؤذيها إلى هذا الحد ؟!
مشهد غابر قديم يطفو لذاكرته أخيراً..
صورة بطاقة هوية يمسكها هو في يده
ذاهلاٌ ببيت قديم..
فتاة سمراء تبكي وهي تسحبها منه لتعدو على الدرج ..يلحق بها لكنها تختفي ..وخلفها ..تظهر شهد !
هذه الفتاة التي رآها في المشفى تزعم أنها حبيبته !!
صداع هائل يعصف برأسه فيكتم تأوهه وهو يعود إلى غرفته ..
مزيج من السعادة بأول مشهد يعود إليه من ذاكرته ..
والحيرة لأنه لا يذكر ملابساته ..
زفرة حارقة يصدرها وهو يتوجه نحو هاتفه الذي مسحت كل أرقامه ..من فعلها ؟! لاريب أنهم فعلوها ..لكن لماذا ؟!
لماذا لا يتركونه يتصل بأصدقائه لعلهم يمنحونه المزيد من المعلومات المساعدة ؟!
لا بأس ..هو حصل على رقم شهد في آخر مرة زارته في المشفى ..
اتصل بالرقم بأنامل مرتجفة وهو لا يدري ما الذي يريد أن يصل إليه ..
كل رؤاه مشوشة زائغة ..
كل عالمه غريب ..حتى أهله !
_هيثم !
صوتها المشبع بلهفتها العاشقة يرسم ابتسامة حقيقية على شفتيه وسط كل هذه الرمادية التي يحياها ..
_إزيك ؟!
يسألها بارتباك لترد بعفوية محببة :
_إزيك انت ؟! كويس ؟! أنا مش مصدقة إنك رجعت تكلمني !
يصمت قليلاً وهو لا يدري كيف يبدأ معها حواراً ..لكنها تعاود القول بنفس اللهفة العاطفية :
_اتكلم ..قول أي حاجة ..أنا سامعاك .
حرارة عاطفتها تصل قلبه صادقة رغم كل هذا الشتات الذي يدور فيه فتتسع ابتسامته وهو يقول بنفس الارتباك :
_أنا بزعجك ؟! ده وقت مناسب أكلمك ؟!
_أي وقت ليك مناسب ..ماتقلقش .
تصريحها المفتوح يثلج صدره فتهدأ أنفاسه قليلاً ليعاود القول بنفس النبرة المشتتة :
_أنا افتكرت ..حاجة .
لو كان بإمكانه أن يرى شحوب وجهها لحظتها لتملكه الإشفاق عليها ..خاصة عندما ارتجفت نبرتها :
_افتكرت إيه ؟!
روى لها تفاصيل المشهد الذي طفا لذاكرته فتنفست الصعداء ثم ترددت قليلاً لتخبره باقتضاب :
_يومها كنت معايا ..كانت أول مرة تكتشف
بالصدفة إن عندك أخت لما شفنا بطاقتها واتأكدنا من الاسم .
هز رأسه باستغراب:
_صدفة ؟!
عاد ضميرها يخزها بالذنب وهي تكذب عليه للمرة الثانية لكنها كانت عاجزة عن منحه الحقيقة ..لهذا عادت تقول :
_ماتشغلش بالك بالقصة دي ..الموضوع معقد ..انت عارف الوضع بيبقى محرج لما الزوجة بتكتشف إن جوزها كان متجوز قبلها ومخلف كمان .
_بس ماما آذتها .
يقولها بتشتت وهو يحكي لها ما الذي سمعه بين إسلام وأمه لتشهق بانفعال هاتفة :
_سجنتها ؟!
_افتكر الموضوع ما طولش ..لأن إسلام
قاللي هتكلمني بالليل .
يقولها بنفس التشتت لتزفر بانفعال وهي تشعر بالخوف ..
جيلان هانم فعلت هذا بأختهما ..فما الذي قد تفعله بها هي ؟!
لكنها حاولت التحكم في توترها لتقول له مواسية :
_ما تضغطش على نفسك تعرف كل حاجة مرة واحدة ..خدها بالتدريج .
صوتها الرقيق الممتزج بعاطفتها التي يستشعرها صادقة يداعب قلبه فيبتسم وهو يقول بالمزيد من الارتباك :
_ممكن تحكيلي كمان عنك ..عننا ..يمكن أقدر أفتكر حاجة !
ولو يعلم أنها كانت أفضل لحظاتها عندما تتحدث معه عن ذكرياتهما ..
عن لقاءاتهما في الجامعة ..صباحاتهما التي تبدأ بتناول القهوة هناك ..ثم بعض الشطائر التي تحبها هي باردة ويحبها هو شديدة السخونة ..
فينتهي الأمر أن يتنازل كل منهما قليلاً ليصبرا بعض الوقت ويتناولاها "بين بين" ..
كأنما كان هذا عهد علاقتهما دوماً أن يقبلا التنازل كي يتقابلا في منتصف الطريق!!
_معلش ..هاضطر أقفل دلوقت عشان عندي معاد مع ماما عند الدكتور .
تقولها باعتذار رقيق ليجد نفسه يرد عفوياً:
_ماشي يا "سكر"!
تشحب ملامحها في مكانها وقلبها يخفق بجنون مع هذه اللفظة التحببية التي كان يخصها بها ..
جزء بداخلها يكاد يرقص فرحاً وهي تسمعه منه من جديد بهذا اللطف القديم ..
بينما يرتجف الجزء الآخر رعباً مخافة أن تعود له الذكرى ..بالذاكرة !!
_سكتتي ليه فجأة كده ؟!
يسألها بقلق ملاحظاً تلاحق أنفاسها اللاهثة عبر الهاتف لترد ببطء مرتبك امتزج بخجلها :
_أصل انت كنت دايماً بتقوللي يا "سكر" دي لما بتحب تصالحني .
_كنت بزعللك كتير ؟!
يسألها بنفس الارتباك وهو يحاول استعادة أي ذكرى أخرى ..
لترد بشجن لم يفهمه :
_كنت بتزعلني كتير بس كنت بتعرف تصالحني ..لكن أنا مازعلتكش غير مرة واحدة وماعرفتش وقتها أصالحك .
كلماتها على بساطتها تمس قلبه بشعور غريب ..لكنه صادق ..
هي تحبه حقاً ..روحه تستشعر هذا جلياً دون تدليس ..
لكنه لا يزال يشعر بحاجز غير مرئي بينهما ..
حاجز يختلف عما يشعر به مع إسلام أو
والدته أو أي ممن يفترض أن تجمعه بهم صلة ..
لا ..ليس فقدانه الذاكرة فحسب ..
هناك شيء آخر!!
روحه تعود للتحليق في سمائه الرمادية عظيمة الضباب ..
فيعود الصداع ليكتنف رأسه ..
لكنه يتشبث بآخر كلماتها ليسألها بإصرار:
_زعلتيني في إيه ؟! وليه ما رضتش أصالحك ؟!
لكنها تصمت قليلاً ليصله ردها المرتجف :
_بعدين نتكلم ..معلش ..مستعجلة .
تقولها لتغلق الاتصال بعدها بسرعة تاركة إياه يعود لدوامته ولايزال برأسه العديد من التساؤلات دون جواب .
=======
لم يكن مشهد خروجها من السجن أقل هيبة من مشهد ترحيلها إليه !
كانت تسير وسط جموع الناس مرفوعة الرأس تحتضن حفيدتيها بكلي ذراعيها وحولها تكبيرات الناس وهتافاتهم تحوطها كملكة منتصرة ..
"ثمر" لم يكن مجرد اسم ..بل حصاد !
حصاد تقوى وإيمان وتورع ..ورجاء ممن لا يخيب راجيه !
كان أول ما فعلته عند عودتها للقرية أن ذهبت تزور قبر ابنتها هناك ..
تتلمس بابه المغلق بأنامل برزت عروقها بكل قطرة دم نبضت قديماّ بالخزي ..والآن تنبض
بالعزة ..بنشوة القصاص!
وفي آخر اليوم الحافل الذي استسلمت فيه لجين للنوم مبكراً ..
كانت هي تختلي بياقوت فوق سطح البيت في جلستهما التي افتقدتها كلتاهما بنفس القدر ..
ياقوت تلقي رأسها في حجرها مستسلمة لرقيتها المعهودة ..
تتشبث بأناملها في جلبابها بقوة تتنشق فيه عبير أمان افتقدته ..
ولم تجده بعدها إلا في كنف رجل لم تعد تنتمي لعالمه !
_من امتى بتلبسي حلق يا دكتورة ؟!
تسألها ثمر بنبرة غامضة مشيرة لقرطها من الياقوت فارتجفت ابتسامة حفيدتها وهي تغمض عينيها بقوة ..
كانت تعلم أن ثمر لن تخفى عليها ملاحظة كهذه ..
لكنها لم تقوَ على خلعه من أذنيها ..
قرطه اخترق لحم أذنها ..كما اخترق هواه قلبها ..ولن يخرج أحدهما إلا مع آخر نفس تلفظه روحها !
_لو جاوبت هاكدب عليكي يا ستي ..وأنا مش عايزة أكدب !
الألم الذي يذبح حروفها وجد صداه في قلب العجوز التي حاوطت رأسها في حجرها بذراعيها كأنها تحميها ..
لتردف ياقوت وهي تجد الجرأة أخيراً لتفتح عينيها مردفة :
_كل اللي عايزاكي تبقي متأكدة منه إن بناتك حافظين العهد اللي بينهم وبينك ..راسك هيفضل دايماً مرفوع ..وديل توبنا هيفضل طاهر.
هزت ثمر رأسها للحظات وقد أنبأتها حكمتها ألا تضع الفتاة تحت مزيد من الضغوط ..
فأصدرت همهمة خافتة وهي ترفع وجهها للسماء للحظات سبقت قولها :
_اسمه زين الفايد ؟!
انتفضت ياقوت مكانها وهي تسمع الاسم منها لتنهض من رقدتها فتقابلها بملامح شاحبة ..
هي لم تذكر اسم زين أمام جدتها مكتفية فقط بشرح الظروف حوله ..كيف عرفته ؟!
_مأمور السجن قاللي آخر يوم على اسمه ..
قاللي إنه هو اللي موصي عليّ هناك ..هو وضابط تاني اسمه ناصر بيقولوا صاحب ابن حسين رجائي .
اعتدلت ياقوت في جلستها لتطرق برأسها متجاهلة شطر الحديث الأول
ومتشبثة بالثاني:
_إسلام فعلاً طلع جدع قوي ..وقف جنبنا كتير الأيام اللي فاتت ..ووصى صاحبه عليكِ ..وكمان هيفتح معايا المشروع اللي كلمتك عليه .
لكن محاولتها لم تنطلِ على العجوز التي غمغمت بحزم أكبر:
_وزين ده بقا الجدع بتاع مصر اللي بتعالجي أخته ؟!
_ماكسرتش كلمتك يا ستي ..يعلم ربنا بيته ده ما عتبتوش بعد ما أمرتيني ..أنا لسه بعالج أخته فعلاً بس ..مش في بيته !
قالتها لتعطي ثمر ما يكفيها من التفاصيل بشأن رائد وهمسة محتفظة بسر زواجها من زين لنفسها فلم تشأ فضح لجين على أي
حال ..
_ماقدرتش أخذل حالة ربنا جعلني سبب في شفاها ..وكده كده هي بقت بعيد عنه ومبسوطة في بيت جوزها .
ختمت بها حديثها وهي تجاهد كي تخفي ارتجافة أناملها لتتفحصها ثمر طويلاً قبل أن تقول بنفس الغموض:
_يعني هو حفظ جميلك في أخته ورده فيّ أنا ؟! واجب نتشكره بقا !
_شُكْرِنا إننا نكمل مشوارنا مع أخته لحد ما تخف خالص ..ساعتها كل واحد هيروح لحاله والوشوش مش هتتقابل تاني !
دموعها امتزجت بحروفها في خليط قبض قلب العجوز خاصة عندما عادت تنهار بين ذراعيها في عناق ملهوف يليق بكلماتها :
_وحشتيني قوي يا ستي ..كنت ضايعة من غيرك ..ضايعة حتى من نفسي ..ادعيلي أرجع لها بقا ..خايفة ..خايفة قوي مااعرفش أرجع .
جسدها ينتفض برعشة بكائها فتضمها العجوز بقوة وحاجباها ينعقدان بقلق ..لم ترها يوماً بهذا الحال !!
_لسه قلبك رايده وموجوع بيه ؟!
تقولها ثمر بما هو أقرب للجواب منه للسؤال ..
فتنفرج شفتا ياقوت بجواب على حافة الكذب ..
لكنها تعود لتطبقهما بقوة مع زخة أخرى من الدموع جعلت ثمر تصدر همهمة أخرى سبقت قولها :
_واللا بلاش السؤال ده كمان عشان ما تكدبيش ؟!
أصدرت ياقوت آهة عالية دفنتها في كتف العجوز الذي مرغت فيه وجهها..
لتحوقل الأخيرة بصوت مسموع قبل أن تبعدها لتحيط وجهها بأناملها قائلة بصوتها المهيب :
_الراجل اللي ينزل دموع عينك ما يستاهلكيش ..ربنا بيقلب القلوب وحكمه فيها مالناش فيه ..لكن صوت العقل ده بتاعنا احنا ..والعقل بيقول : الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح ..
عضت ياقوت شفتها بألم لتردف ثمر بنفس النبرة :
_العقل بيقول إن المية والزيت ما بيختلطوش ..وإنك بعد الشقا ده كله عايزة واحد يرفع راسك وسط الخلق ..يمشي إيدك في إيده ومش مستعر منك ..حد يشوف قلبك قبل وشك ..يحس بروحك قبل جسمك ..مايهموش ماضيك ولا اسمك ..انتِ بس اللي تهميه ..زين ده بقا هيعمل كده ؟!
تسبل ياقوت جفنيها بالمزيد من الوجع فتتنهد ثمر قائلة :
_ده استعر من أخته اللي من دمه وحبسها طول السنين دي في أوضة بره بيته..مستنياه ييجي ويرفع راسك انتِ؟!
ابتسامة ساخرة منغمسة بالمرارة تجتاح شفتي ياقوت التي هزت رأسها متمتمة بوهن :
_ماعدتش مستنية حاجة يا ستي ..خلاص ..ماعدتش مستنية حاجة .
_تبقي مش بنتي !
تهتف بها ثمر بعنفوان وهي تهز جسد ياقوت المرتجف بين ذراعيها بقوة فتية ناسبت حروفها :
_أنا ماربتكيش عشان تقعي في نص الطريق ..بنت ثمر كيف النخلة واقفة مكانها ما بتتزعزعش ..تميل مع الريح بس ما تقعش ..يحدفوها بالطوب ماينزلش منها غير الرُّطَب ..وجذعها ناشف يخربش أي إيد طرية لو اتسجرت تهوب ناحيته ..فوقي يا دكتورة ..ما تحسسنيش إن العمر اللي فات ده ضيعته هدر .
وكأنما هذه الكلمات هي ما كانت تحتاجه ياقوت الآن بالضبط كي تنهض من هذه العثرة ..
كي تنفض عنها رداء خنوعها لتعود لها قوتها من جديد ..
نظراتها تعود للتوهج بتلك الطريقة التي جعلت ثمر تبتسم ابتسامة واهنة عبر أسنانها المكسورة شاعرة بهذا التغيير ..
لتتجاوز هذا الأمر متعمدة وتغير الحديث
لآخر:
_بتقولي طلع لكم بدل
الأخ اتنين ..حلو ..فضل ونعمة من الكريم ..المركز اللي بتقولي عليه ده فرصة ما تضيعيهاش ..اشتغلي بإيديكي وسنانك واحفري في الصخر لحد ما تخللي الناس مش فاكرة غير اسمك انتِ وبس من غير كمالة ..ياقوت وبس!
بدا لها كلامها شبيهاً بكلام قاله لها زين يوماً ..يالله !!
الذكرى تبدو وكأنها منذ أعواااام !!
لكنها نفضت الخاطر الأخير بنفس قوتها المستعادة لتجفف دموعها بنفسها وهي تومئ برأسها هامسة :
_معك حق يا ستنا .
ابتسمت لها العجوز بحنان وهي تضم رأسها لصدرها هامسة :
_ربنا هيراضيكم يا بنات قلبي ..مستبشرة خير في وجه الكريم ..
ثم أبعدتها قليلاً مردفة :
_قومي بقا الحقي نامي لك ساعتين وهاصحيكي انتِ وأختك على
صلاة الفجر ..عايزين نخبز "قبابير بالسكر" ونوزعها ع البلد كلها حلاوة خروجي م السجن وشكر لكرم ربنا اللي محاوطنا بستره .
ابتسمت ياقوت مع إيماءة طاعة وهي تنهض من جوارها لتتوجه نحو غرفتها لتستوقفها عبارة ثمر خلفها:
_كمللي علاج أخته زي ما انتِ عايزة ..بس ماتخلليش رجلك تغرز أكتر في طين أرض مش بتاعتها .
فتنهدت ياقوت بحرارة لتعود لغرفتها
فتستلقي على فراشها ..
تراقب السقف بشرود ..
قلبها يتمرغ في نعيم ذكرياتها العامرة معه ..
وعقلها يتشبث بحبال حديث ثمر باستماتة ..
وبينهما هي عالقة وسط جنة ونار!
صوت رسالة على هاتفها يجعلها تنتفض مكانها وهي تستشعر بحدسها أنه هو مرسلها ..
_أصريت أخرج من المستشفى النهارده عشان ماافوتش موقف زي ده وأكون جنبك فيه ..
تتسع عيناها بصدمة وهي تشاهد الفيديو الذي أرسله لها بعدها ..
فيديو يصور لحظة خروج ثمر واستقبال الجميع لها ..
ثم مجموعة من الصور لها هي !!
صورة خلف صورة بنفس المشهد ..
عناقها الأول لثمر فور لقائهما بعد خروجها!!
ظل يرسل الصورة الأخيرة لها مرة تلو مرة كأنما يخبرها -دون كلام- في كل مرة أنه "يشتاق" منها عناقاً كهذا ..
أنه "يغار" من عناق كهذا ..
أنه "تغير" يوماٌ بعناق كهذا ..
وأنه س"يعيش" لأجل عناق كهذا !!
مرة تلو مرة حتى لم تعد تدرك كم أرسلها ..
عشرين ..ثلاثين ..خمسين ..مائة مرة !!
وفي كل مرة كانت تستشعر أنها تقترب منه أكثر ..
تستعيد رائحة عطره ..شعورها بصلابة صدره ..
صوت هدير قلبه ..ملمس ذقنه الخشنة الذي يناقض نعومة لمساته ..
أجل ..الآن كانت تعانقه رغم كل هذا البعد ..
العناق "الرابع عشر" الذي لم يكن مرئياً بقدر ما تشعره محسوساً ..
وكيف لا ؟!
وهو يرج قلبها رجاً بهذا "الزلزال الآمن" بين وعد ..ووعيد !!
بنكهة "الحرمان" هذه المرة ..
بلسعة برد ترجف جسداً لم يجد دفئه
إلا معه ..
بماذا ترد ؟!
هل ترجوه أن يتوقف ..أن يرحم هذا الضعف الذي لا ترتضيه امرأة مثلها ؟!
أم تهمس له فقط أن :عُدْ!
وهي تعلم أنها لو فعلتها فستجده هاهنا أمام بيتها !
لكن ..كم سيبقى بعدها قبل أن يفطن لخطئه ويعود لطريقه ؟!
لا فائدة يا وردية الحلم ..
يا سوداء الماضي ..
يا ذهبية التاج بالكبرياء ..
حب كهذا نكرمه بأن نورده لحْده ..ثم ندفنه بهدوء !
لهذا أغلقت هاتفها بعدها بحسم لتضعه تحت وسادتها ..
متجاهلة عينين خائنتين نامتا على صورته ..وقلب جعله -كعهده - بطل
أحلامه !
======
_اعجني حلو يا بنت ..أعصابك سايبة كده ليه ؟!
تهتف بها ثمر وهي تخاطب لجين ثم تلتفت نحو ياقوت مردفة :
_ما تحميش الفرن قوي .
تبتسم ياقوت وهي تأخذ مكانها وسطهن لتهتف رابحة بفضولها المعهود :
_احكي لنا ع السجن يا ستنا ..زي ما بنشوفه في التلفزيون !
لكزتها لجين في خاصرتها لكن ثمر رمقت ياقوت بنظرة خاصة وهي تكور قطعة العجين على راحتها المفرودة :
_سجني كان خمس نجوم زي ما بيقولوا في التلفزيون...البركة في اللي كان موصي عليّ .
_مين يا ستنا؟!
_بطّلي رغي يا بت وإلا هارجعك لأمك .
تهتف بها ثمر مخاطبة رابحة التي ضحكت ملء شدقيها هاتفة :
_فرحتي برجعتك وسطينا ما تتوصفش ..أمي بتقول جميلك هيفضل في رقبتنا العمر كله .
_إياك بس تركزي كده وتبطلي تنطيط وتسيبي المخروب اللي واكل دماغك ده .
قالتها ثمر ملاحظة بارتياح أن صغر سن الفتاة جعلها تتجاوز الكارثة التي كانت على وشك الحدوث لها لتحمد الله سراً ..
قبل أن تراقب بأسى شرود ياقوت التي بدت غائبة عن عالمهم كله ..
_هاتي يا مايلة ..هتبوظي العجين .
هتفت بها ثمر مخاطبة رابحة التي تذمرت وهي تطلب منها فرصة ثانية لكن ثمر هتفت فيهن بنبرتها الآمرة :
_قوموا كلكم خلاص ..مش عايزة حد يساعدني ..نضفوا الدار أكيد هيجيلنا ناس ياما النهاردة .
هرولت لجين مع رابحة تنفذان أمرها فيما تلكأت ياقوت قليلاً لتقول بصوت متحشرج :
_بعد إذنك يا ستي ..عايزة أروح شوية عند الساقية القديمة .
_تاني يا بنت أشواق؟!
تقولها باستنكار حنون لكن ياقوت تبتسم ابتسامة شاحبة وهي تكتف ساعديها مطرقة برأسها:
_دي آخر مرة يا ستي .
ترمقها ثمر بنظرة متفحصة وهي تشعر
بالمزيد من الغرابة ..
تعرف كم ترتبط هذه الساقية القديمة لدى ياقوت بذكرى أمها الراحلة ..
لكن لماذا تصف زيارتها لها هذه المرة
بالأخيرة ؟!
لكنها استسلمت لتعقلها المعهود محتفظة لها بحريتها كما عودتها لتشير لها بكفها في إشارة مقتضبة .
وعند الساقية القديمة وقفت ياقوت تراقب طلوع الشمس بعينين ضارعتين ..
لم ترتدِ جلباب أمها هذه المرة كأنما أيقنت أنها أبداً ..أبداً لن تكون مثلها ..
لم تعد بحاجة لما يذكرها بالجرح القديم كي لا تزل قدمها ..
هي عرفت بالطريقة الأقسى أنها لن تكون أشواق أخرى !
_لو اللي حصللي ليلتها تمن إننا ندفن ذكرى بشعة زي دي ..زي ما دفننا العشرة جنيه ..فأنا راضي !
تسمعها بصوته الآسر كما كانت بين ذراعيه في آخر عناق لها فترتسم على شفتيها ابتسامة ..
ابتسامة تقدسه ..وتلعنه !!
ما كان أغناها عن كل هذا الجحيم الذي ألقاها فيه دون ذنب منها !!
ما كان أغناها عن رجل يدخل حياتها ليغرس علمه فوق أراضيها ثم يرحل زاعماً أنه يمنحها حريتها ..
أي حرية تمنح لعاشق تلون عالمه بصبغة معشوقه فما ترك خلفه مكاناً للون آخر ؟!!
_كنت حاسس إني هلاقيكِ هنا !
والهتاف يأتيها من خلفها لينتزعها من شرودها فتلتفت لتتجمد ملامحها بصدمة..
وتبدأ المواجهة !
========
انتهى الفصل السادس عشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم سينابون
القطعة الخامسة عشرة
=========
اشتعل الغضب في عينيه وهو يتابع المشهد مصدوماً ....
سارقة؟!!
حفيدة المرأة الصالحة سارقة !!
كان قد حضر لاستفتاء الشيخ في بعض أموره ليسترعي انتباهه في البداية -عبر النافذة -مشهد لجين الجالسة وحدها بملامح واجمة استجلبت شفقته ...
قبل أن يفاجأ بالفاجعة !!!
بريئة المظهر هذه تسرق الشيخ!!
كز على أسنانه بغضب وهو لا يدري كيف يتصرف لتتسع عيناه أكثر وهو يراها تمسح دموعاً تهطل على وجنتيها بحرقة فضحتها ملامحها البائسة !
_عابد ...أنا هنا!
نداء الشيخ من بعيد في ركنه المخصص بحديقة البيت ينتزعه من شرود أفكاره ليتنحنح بحرج وهو يتحرك نحوه بخطوات مهرولة ...
كان الشيخ جالساً فيما يسمونه "تعريشة" خشبية واسعة جعلها محلاً لجلسات ورده اليومي من القرآن
أو
لاستقبال من يريد أن يستفتيه من أهل البلدة ...
ولم يكد يرى ملامح عابد المتجهمة حتى وضع مصحفه جانباً برفق ليسأله بقلق :
_مالك ؟!
تردد عابد قليلاً بينما يفكر ...
هل يستر فعلتها أم يفضحها كي يأخذ الشيخ وأهل بيته حذرهم منها ؟!
لو كانت مجرد سارقة فلماذا كانت تبكي بهذه الحرقة بعدما فعلتها ؟!
حتى ولو كانت محتاجة للمال لماذا لم تستقرض الشيخ بدلاً من سرقته ؟!
لا!
لن تأخذه بها رأفة في دين الله !
لو تهاون هذه المرة فربما تسرق ما هو أعظم !!
لهذا انفرجت شفتاه وهو على وشك البوح بما رآه لكنه لا يدري أي إلهام قذف ذاك المشهد في خاطره ...
مشهده هو عقب وفاة والده وكأس الخمر في يده بينما أحد الغواني تهم بعناقه !
هذا المشهد الذي أنقذه منه "الصالح" وقتها ليعتبره وقتها طوق نجاة وتذكرة لقلب ضل الطريق!!
هذا الذي جعله يعاود إطباق شفتيه بعزم وقد اتخذ قراره بالستر عليها !!
ربما لو عاملها بمنطقه المتشدد القديم لما رضي بأقل من أن تقطع يدها ...
لكنه الآن صار يدرك ما يتعدى "ظاهر" التشريع ليهتم أكثر ب"باطنه"!
لهذا تجاهل الأمر عمداً ليسأل الشيخ في مسألة فقهية كانت تقلقه من فترة وكأنما هي سبب حضوره ...
أشار له الشيخ بالجلوس جواره وهو يستفيض في شرح مسألته لكن ذهن عابد كان منشغلاً بتلك "السارقة الباكية " التي عجز أن يزيحها عن خاطره ...
مزيج متوازن عجيب من الشفقة ،الفضول ،والازدراء يجتاحه نحوها فلا يدري كيف يصف شعوره ...
لكن ...
هل يجرؤ على جلدها بالذنب وهو الذي جرب فتنة الزلل؟!
_السلام عليكم .
صوتها المرتبك ينتزعه من شروده ليلتفت نحوها بدهشة وكأنما قفزت من أفكاره ...
بينما ازداد ارتباكها وهي تميز وجوده فتردف بخجل :
_كنت فاكراك لوحدك يا شيخنا ...هاجي وقت تاني .
لكن عابد هب واقفاً مكانه ليطرق برأسه مخاطباً شيخه بقوله :
_سآتي أنا في وقت لاحق ...عذراً يا شيخنا .
أشار له الشيخ موافقاً ليتحرك هو مغادراً وقد عجز أن يرفع بصره نحوها من جديد ...
لكن رغبة ملحّة بصدره جعلته يقدم على فعل شيئ لم يتصور نفسه يوماً بفاعله ...
لقد دار حول "التعريشة" ليقف في ركن خفي يستمع لما جاءت لأجله "تلك السارقة الباكية"...
ضميره يخزه للحظات مذكراً إياه بخطإ ما يفعله لكنه يبرره لنفسه برغبته في حماية الشيخ وأهله من تلك المرأة لو ثبتت عليها تهمتها ...
لهذا أرهف سمعه يستمع ...
بينما كانت لجين هناك جالسة قبالة الشيخ رابطة الجأش للحظات قبل أن تغلبها دموعها التي عادت تنهمر من جديد والتي فسرها الشيخ بقلقها على ثمر فمضى يدعو لها بتفريج كربها ...
لكن لجين مسحت دموعها لتخفي وجهها في وشاحها خزياً مع قولها :
_هسألك على حاجة ياشيخنا بس عهد الله بيننا ما تفضح سري لأي مخلوق ...أنا ما اتسجرتش أقوللك لولا خوفي إن ربنا يكون بيعاقبني في ستي ثمر ...ويكون اللي حصللها ده ذنبي أنا !
رمقها الشيخ بنظرة قلقة متوجسة لكنه منحها وعده فرفعت رأسها من جديد نحوه قبل أن تقوم من مكانها لتضع "فردة الحلق" المسروقة في كفه إزاء نظراته المندهشة ....
_أنا حرامية ...سرقت ده من عندكم .
تقولها بين سيل دموعها الذي لم ينقطع ليحوقل الشيخ بصوت مرتفع ...
قبل أن يردف بنبرة خبيرة :
_اقعدي واتكلمي يا بنتي ...الموضوع شكله غير ما هو باين .
فعادت للجلوس مكانها لتخبره عن "مرضها" بحروف باكية ...
عن هذا الإحساس الغريب الذي يتملكها ب"نشوة" السرقة والذي يتحول لشعور رهيب بالخزي بعدها
فلا تشعر إلا وهي تتخلص مما سرقته ...
عن مفاجأة ياقوت بالأمر وعن الطبيبة التي بدأت
بعلاجها لكن الجلسات انقطعت بمصابهم في ثمر ...
وعن خوفها أن تكون نكبتهم الآن عقاباً من الله لها على ذنبها !!
ظل الشيخ يستمع لها صابراً لدقائق طالت قبل أن يستغفر الله جهراً لترقّ لهجته بقوله :
_الله سبحانه وتعالى أرحم بنا من أنفسنا ...إذا كان ده مرض زي ما بتقولي فليس عليكِ حرج ...الابتلاء مش عقاب ...الابتلاء للّي يفهمه منحة من ربنا عشان نرجع له بعد ما شردنا ...فاطمني يا بنتي وشيلي الوساوس دي من دماغك ...خدي بالأسباب وارجعي لجلساتك مع الدكتورة بس خللي قلبك متعلق برحمة وقدرة اللي خلقه وإن هو بس اللي بإيده تفريج الكرب .
مسحت لجين دموعها وهي تشعر براحة غامرة من حديث الشيخ الذي أردف بابتسامته الصبوح وهو يطرق برأسه :
_ابتلاؤك كبير ...لكن اعلمي أن الله إذا أحب عبداً
ابتلاه ...والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "يُبتلى المرء على قدر دينه ،ومايزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على
الأرض وليس عليه خطيئة ...وفي رواية أخرى "حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة"...فاصبري واحتسبي.
ابتسمت لجين لأول مرة منذ بدأ اللقاء لتعاود مسح دموعها مع قولها المرتجف:
_الله يبارك لك يا شيخنا ...كلامك ريحني وطمن قلبي ...بس هو لازم عشان ربنا يسامحني أقول لستي ثمر ؟!
فعاود الدعاء لها بتفريج الكرب قبل أن يردف ببصيرته :
_لا...من حسن الأدب مع الله عز وجل ألا نفضح ستره ...ياريت ماتعرفوهاش...ست بسنها ومرضها وعزة نفسها ممكن ما تستحملش تعرف...الجهل ساعات نعمة يابنتي .
أومأت رابحة برأسها وقد وافق حديثه هواها لتقف مكانها معاودة شكره قبل أن تعود أدراجها لرابحة وأمها بداخل البيت ...
وفي مكانه ظل عابد مختبئاً للحظات بعد رحيلها قبل أن يغادر مكمنه بخطوات حذرة يتلفت حوله حتى خرج ...
يتفكر في حديثها بشرود وهو يسترجع كل كلمة أوصاه بها "الصالح" يوماً ...
الدرس الذي تعلمه من خبرته الأليمة السابقة...
أن الأمور لا تبدو دوماً بظاهرها !!
لهذا حمد الله سراً أن لم يتسرع بفضحها ...
قبل أن يعود لبيت عم يامن حيث يقيم ليتكئ مستنداً على فراشه ...
ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه وهو يشعر بقلبه يخفق لأجل تلك "السارقة" خفقة خاصة ...
أجل ...ربما لم تسرق "قرط الشيخ" لكنها فيما يبدو سرقت نبضة من قلبه لن يعود بها لانتظام دقاته !!
هذا الشعور الغريب غير المنطقي لهذه الألفة التي وجدها في صدره نحوها ...
ربما هي مجرد شفقة لما عرفه قدراً عن ماضيها ومرضها ...
ربما هي فقط ألفته لملامحها التي تشبه عزيزة رحلت ...
وربما لأنه رأى فيها صورة نفسه القديمة التي افتقدت يداً تمتد إليها بالسند ...
وربما هو كل هذا !!
ابتسامته تتسع والخواطر تتقاذفه لتسلمه لنوم قصير ...
رؤيا ناعمة تداعب خلايا عقله يراها فيها بثوب أبيض ساتر طويل إنما ينقصها وشاحها ...
هذا الذي وجده هو بين أنامله فتحرك نحوها ليضعه فوق رأسها فترفع إليه عينيها بابتسامة هامسة :
_أكملت الستر يا شيخ!
يفتح عينيه فجأة على صوت الأذان القريب فينتبه من نومته مستعيداً هذه الراحة الغامرة لهذه الرؤيا القريبة ...
تراها إشارة ما؟!
هو اعتاد احترام إشارات القدر!!
لهذا استغفر الله بخفوت وهو يردد الآذان خلف المؤذن ليقوم ويتوضأ استعداداً للخروج للصلاة التي ما كاد يفرغ منها حتى وجد "قراراً ما" يقفز لعقله !
هذا الذي سيجعله غايته في "صلاة استخارة" طوال
الأيام القادمة...
حتى يأذن الله بعودة ثمر !
=========
ترددت شوشو في وقفتها أمام باب غرفته قبل أن تسأل الممرضة جوارها :
_متأكدة إنه سأل عليّ؟!
فابتسمت المرأة لترد بخبث:
_مش عليكِ بالضبط ...هو أصلاً مش فاكر حد ...بس سأل ع اللي بتبعت الورد كل يوم !
فأطرقت شوشو برأسها للحظات قبل أن تسألها باهتمام دون أن تنسى دس بعض النقود في جيبها كما تفعل يومياً نظير الاطمئنان عليه قبل أن يزوره أحد من أهله :
_الدكاترة ماقالوش هيفتكر امتى؟!
لكن الممرضة تحسست جيبها مطمئنة على حصيلتها لتجيبها بما تعلمه :
_هم مخبيين عليه مصيبة أبوه وبيحاولوا يفكروه
بالباقي بس ...أخته دكتورة ياقوت بتزوره كل يوم واقترحت عليهم امبارح يخرجوه من هنا ويرجعوه بيتهم النهارده عشان يفتكر ...بس أخوه الكبير خايف عليه من الصدمة لو خرج وعرف إن أبوه مات ...
ثم مصمصت شفتيها لتردف :
_حكاية ولا في الأفلام !! والغريب بقا إن "جدة" أخته دي هي اللي قتلت أبوه لما كان عايز ...
استمرت الممرضة في ثرثرتها المعهودة التي غابت عنها شوشو وهي تشرد ببصرها ...
إذن من المحتمل أن يغادر هيثم المشفى اليوم وساعتها لن تتمكن من رؤيته يومياً خلسة كما تفعل
الآن ...
حتى هذه الدقائق المختلسة ستحرم منها !!
لقد رضيت بهبة القدر المؤقتة هذه لعلها تتزود بقربه قبل طول صيام ...
وهاهي ذي رغبته في رؤيتها تمنحها المزيد من المتعة المسروقة ...
لهذا ما كادت تنتهي الممرضة تنتهي من ثرثرتها حتى هتفت بها برجاء :
_هادخلله خمس دقايق بس لوحدنا ...راقبي الطريق عشان لو حد من أهله جه .
فغمزتها المرأة غمزة ماكرة قبل أن تتركها لتطرق هي الباب قبل أن تدخل ...
ملامحه الحبيبة التي تعشقها تواجهها بحيرة صارت مرادفه في كل ما ومن حوله ...
من الصعب أن يستيقظ المرء فجأة ليجد نفسه لا يذكر شيئاً ...حتى نفسه !
كان واقفاً أمام النافذة يراقب حديقة المشفى قبل دخولها والآن يشعر بجمالها الهادئ هذا أكثر راحة لعينيه من المشهد الذي كان يراه ...
لهذا رمقها بنظرة طويلة لعله يتبين صلته بها قبل أن يسألها باهتمام:
_انتِ تعرفيني؟!
فارتجفت ابتسامتها مع دموعها التي تجمعت في عينيها :
_طبعاً .
ضيق عينيه للحظات والعاطفة المشعة في محياها الجميل تجعل حدسه يسألها :
_انتِ اللي بتبعتي الورد كل يوم ؟!
أومأت برأسها بخجل حقيقي لا تدعيه وهي تشعر بغرابة الموقف !!
أن تقابل حبيبها بعد تاريخ طويل بينهما فلا يذكر عنها شيئاً !!
كأنما حقاً تكتب بداية جديدة ناصعة البياض لقصة لم يكن لها أبداً أن تكتمل !!
بينما أشرقت ملامح وجهه ببراءة حائرة وهو يشير لها بالجلوس لتجلس قبالته بخجل مشبكة أناملها في حجرها مما استجلب ابتسامة نقية لشفتيه مع قوله الآسف:
_بيقولوا اسمي هيثم حسين ...بيحاولوا يفكروني بس دماغي فاضي ...ممسوح بأستيكة ...ماتزعليش لو ماافتكرتكيش ...أنا حتى أهلي مش فاكرهم .
عضت على شفتها بقوة كاتمة انفعالها وهي تود لو
تصرخ به أنها لا تريده أن يتذكرها ...
ليته يتذكر كل شيئ وينساها هي ...
لعل القدر يكتب لهما بداية أخرى!!
_بيقولوا الحادثة ماكانتش قوية بس أنا اللي رافض أفتكر ...غريبة صح؟!
_فعلاً ماكانتش قوية .
قالتها بتشوش ليسألها باهتمام وهو ينحني بجذعه ليقترب منها متفحصاً ملامحها أكثر:
_وانتِ عرفتِ منين ؟! آآه...معقول انتِ اللي قالوا إنها نقلتني هنا؟!!
"الخوف المتشح بالذنب" يظلل عينيها في نظرة بدت له غريبة ...وآسرة !!
خاصة عندما أومأت برأسها إيجاباً ليبتسم هو ابتسامة مشرقة ناسبت قوله :
_ده أنا على كده مديون لك بحياتي بقا !
وجدت ابتسامته صداها في ابتسامة مشابهة على شفتيها لتجد نفسها تقول دون تدبير :
_كنت يومها ...معايا .
انعقد حاحباه يتفحص ملامحها أكثر قبل أن يسألها بتشوش:
_أنا آسف جداً ...كان المفروض أسألك عن اسمك من الأول بس موضوع الأسماء ده مش فارق معايا ...حتى اللي بعرف أساميهم مش بفتكرهم ...
_شهد .
قالتها بمواربة وقد خشيت أن يحمل له اسم "شوشو" أي ذكرى تعيد له الماضي ...
فظل يكرر الاسم لحظات وكأنه يحاول استعادة أي تاريخ معه ...
قبل أن يهز رأسه بأسف... لتهتف هي بلهفة :
_مش فاكر أي حاجة عني ؟! خالص؟!
عاد يهز رأسه أسفاً لتدهشه اللمعة الفرحة التي تألقت في عينيها ...
والتي جعلته يغمغم بحذر ولازال ذهنه مشوشاً :
_مش عايز أبقى قليل الذوق بس أنا فعلاً مش فاكر أي حاجة تخصك...تخصنا ...ممكن تحاولي تفكريني؟!
انفرجت شفتاها للحظة وتاريخها الطويل معه ينساب في ذهنها من أول لحظة التقته فيها ليجتذب قلبها بسحر "الحب الأول" الذي وضع فيه بصمته ...
إلى تلك اللحظة التي اعترف لها فيها بحبه ورغبته في خطبتها لكن بعد فوات الأوان !!
يريدها أن تُذكّره ؟!
فلتفعل!!
ستقتطع من قصتهما هذه ال"بقع السوداء" التي لم تلطخها يدها ولا يده ...
وستمنحه فقط أطياف عشقهما الملونة دون سواها ...
لا تعلم إلى أين سيوصلها هذا لكن لا بأس ...
هي مجرد "أيام متعة مسروقة" ستتزود بها قبل صيام الهجر الطويل...
لهذا مضت تحكي له بابتسامة دامعة عن ذكرياتهما معاً ...
في أغرب لقاء قد يعيشه عاشقان !!
وكيف لا ؟!
وجزء بداخلها يطارد هذه الابتسامة الشاحبة على شفتيه والتي تتمدد مع سيل كلماتها بشغف كأنما يسعدها فقط أن يصادف هذا صدى لديه ...
بينما جزء آخر يستصرخها أن تحذر...أن تتمهل ...بل أن تصمت ...فلا تدري ما الذي قد يحدث لو صادفت كلماتها ما يجعل ذاكرته تعود لتعود معها ترانيم النهاية !!
وبين هذا وذاك كانت ملامحها كما ملامحه ترقص رقصة بائسة على لحن مشوش قاطعته طرقات الباب ...
الطرقات التي جعلتها تقفز من مكانها قفزاً ليهتف هو بها :
_خفتِ كده ليه ؟!
النبرة الحنون المطمئنة خاصته لا تزال كما هي ...
حتى ولو لم يذكرها !!
لهذا فاضت عيناها بالدمع وهي تشيح بوجهها عندما فتح الباب لتدخل منه ...
"ياقوت"!
=======
_احنا بعيد عن هيثم دلوقت ...ممكن أعرف بقا الحقيقة بصراحة .
قالتها ياقوت ببعض الحزم وهي تختلي بشوشو في أحد الأروقة الجانبية للمشفى عقب خروجهما من غرفة هيثم ...
هيثم الذي لايزال يدهش ياقوت حقاً بشخصه الغريب تماماً عن تركيبة أبيه ...
ربما لهذا كان أكثرهم انهياراً بعدما حدث ...
عقله -البريئ - رفض تصديق حقيقة كون عالمه كله مجرد خدعة !!
ربما لهذا تشعر أن عاطفتها -الأخوية- نحوه تمتزج بنوع من الأمومة ليس فقط لصغر سنه عنها ...
لهذا -وبقلب أم قلق- عادت تسأل شوشو الصامتة تماماً :
_أنا شفتك يوم تحقيق النيابة...وبحسبة بسيطة كده أقدر أعرف إنك انتِ زميلة هيثم اللي ساعدت في القبض على حسين رجائي ...صح؟!
لم يكن هناك مجال للإنكار لهذا أومأت شوشو برأسها إيجاباً قبل أن تنهمر دموعها بصمت مذنب ...
فتفحصتها ياقوت ببصرها للحظات وهي تحاول ربط الخيوط بذكائها كالمعتاد قبل أن تسألها مشيرة بعينيها لدموعها بحذر:
_ذنب واللا حب؟!
ورغم بساطة تركيب السؤال لكنه مس المعضلة الحقيقية لهذه الباكية أمامها والتي رفعت إليها عينين فائضتين بالجواب ...
فتنهدت ياقوت بحرارة وقد أغناها حدسها عن السؤال عن التفاصيل ...
يبدو أن هذه الفتاة تورطت في حب هيثم حباً حقيقياً رغم ما كانت تنتويه بأبيه ...
هكذا حدثت نفسها قبل أن تجد شوشو أخيراً كلماتها لتغمغم بصدق حار:
_أرجوكِ ما تقوليش لهيثم حاجة...أنا عارفة إنه يوم ما ترجع له الذاكرة مش هيعرفني تاني ...عارفة إن فيه حب ينفع يكمل وحب ما ينفعش...بس غصب عني ...غصب عني طمعانة أعيش معاه أي لحظة ينفع أعيشها حتى لو كدب...حتى لو عارفة إن آخرها فراق ...
كلماتها كانت تضغط بقوة على جرح ياقوت النازف خاصة بعد سفر زين منذ أسبوع مضى دون أي كلمة بينهما ...
لتشرد ببصرها للحظات وأناملها تداعب -خفية- قرطه الثمين من فوق وشاحها ...
منذ نعومة أظفارها وهي لم ترتدي واحداً كبقية الفتيات ...
ثمر التي كانت تخشى عليها من جمالها الأخاذ كانت تبعدها دوماً عن أي زينة وقد صادف هذا هوىً لديها هي ...
فلم تكن تربط جمالها في عيون الرجال إلا بصورة من اثنتين ...
أمير فارس لا يراها إلا "بعين العشق" فلن تعنيه المظاهر...
أو وغد طامع لا يراها إلا "بعين الشهوة" فلن تمنحه بغيته في تبهرج ...
والآن يأتي -هو- ببساطة ليقف على حد الشعرة بين
الاثنين ...
فلا هو "المنقذ" ولا "الطامع"...
إنما مجرد "عابر سبيل" تقاطعت بهما الطرق ومصيرهما إلى فراق ...
ومع هذا لن تنسى له أنه كان أول من وضع قرطاً في أذنيها !!
ابتسامة متشحة بالشجن طافت فوق شفتيها وهي تعود بنظراتها المشفقة نحو شوشو وقد أدركت كم هما متشابهتان في حظيهما العاثر بالحب
...
ربما لهذا وجدت في نفسها الكثير من الدعم لها ...
_أكلمك على إني "أخته"؟! واللا "الدكتورة" بتاعته ؟!
تسألها بنبرة محايدة محاولة إزاحة عواطفها جانباً لترمقها شوشو بنظرة راجية جعلتها تردف بينما تكتف ساعديها :
_طيب...لو هنتكلم إني الدكتورة بتاعته وبس ...هاقوللك وجودك مهم جداً عشان يفتكر ...احنا عايزينه يفتكر كل حاجة بس بالتدريج عشان الصدمة ما تضروش أكتر من كده ...لكن لو افتكرت إنه أخويا ...فيصعب عليّ قوي أغشه وأخبي عليه خصوصاً إن الوضع بيننا زي ما انتِ عارفاه ومحتاجين نبني الثقة بيننا من الأول ...
شحب وجه شوشو مع مغزى كلماتها الأخيرة لكن ياقوت ابتسمت ابتسامة شاحبة لتردف :
_إلا إذا ....
_إلا إذا إيه ؟!
سألتها شوشو بترقب لتتسع ابتسامة ياقوت
بإجابتها وهي تفك ارتباط ساعديها لتربت على كتفها :
_إلا إذا أكدتيلي فعلاً إنك بتحبيه لدرجة إنك هتفضلي مصلحته على مصلحتك في أي مرحلة من مراحل العلاج .
_أوعدك...والله العظيم مش هاعمل حاجة بعد كده
إلا اللي فيه مصلحته هو وبس ...حتى لو قلتيلي دلوقت أبعد وماعدتش أكلمه مش هاتشوفي وشي تاني .
هتفت بها شوشو بإخلاص وسط دموعها لتهز ياقوت رأسها باستحسان قبل أن تقول بنبرة مشفقة :
_مش عارفة أقوللك إيه ...حكايتكم فعلاً صعب تكمل ...لو نسي اللي عملتيه في أبوه مش هينسى إنك خدعتيه وخبيتي عليه ...لكن ممكن ...ممكن تكون حكاية فقدانه للذاكرة دي هدية ربنا لكم انتم
الاتنين ...خلليه يعرفك من أول وجديد ...زودي الرصيد الحلو اللي يشفع للي فات ...اعملي تاريخ جديد بينكم يمكن يمحي التاريخ القديم ...
_تفتكري ...ممكن ؟!
تسألها شوشو بتشكك لتلتوي شفتا ياقوت بابتسامة شاحبة ناسبت قولها :
_ممكن ...كل شيئ ممكن ...بس حتى لو ماحصلش ...كفاية إنك من جواكي هتبقي حاسة إنك عملتي اللي عليكي ...
ثم لمحت إسلام قادماً من بعيد مع والدته في موعدهما اليومي المعتاد فتنحت بها جانباً كي تمعن في الاختباء عن ناظريهما مردفة بنبرة ازداد اشفاقها :
_وماتنسيش "جيلان" هانم دي قصة تانية لوحدها...حربك مش هتبقى سهلة أبداً !
=========
وقف إسلام يراقبها بأسى على باب المطبخ في الشقة التي وفرها لها كسكن مؤقت بعدما علم عن ظروفها الأخيرة...
الأيام السابقة -على قصرها- لكنها قربت كثيراً بينهما خاصة وهو يتفقد في رعايتها لهيثم ما أعطاه انطباعاً عن مهارتها في عملها وطيبة قلبها رغم مضايقات أمه -المتوقعة- لها .
كم تثير إعجابه بهذه الطلة القوية الصامدة التي خدعته لأول وهلة قبل أن ينتبه أنها تداري بها هشاشة روحها ...
لهذا يشعر برغبة حقيقية في التقرب منها أكثر ليس فقط لحمايتها بغريزة الأخوة إنما "للتعلم" منها !
_اتفضل...يارب يعجبك طبيخي .
قالتها أخيراً بمرح شاحب تقاطع بها شروده وهي تحمل طبقين من المكرونة نقلتهما نحو المائدة الجانبية في زاوية المطبخ...
فتحرك بدوره نحو الموقد ليقلب الدجاجة التي كانت تقوم بتحميرها ...
تطايرت بعض قطرات الزيت المشتعل على ذراعه فهتفت هي بجزع:
_حاسب...هاقلب أنا .
لكنه ضحك ضحكة قصيرة وخوفها -العفوي- يحمل له شعوراً صادقاً بالأخوة قصيرة العهد بينهما ...
_ما تخافيش ...محسوبك مدقدق قوي في شغل المطبخ...دي من ميزات عيشة العزوبية ...لو كنت فاضي النهارده كنت طبخت لك أنا .
ابتسمت بارتياح حقيقي للهجته البسيطة غير المتكلفة وقد مر بها نفس الشعور المستحدث بهذه
الأخوة والذي لا تزال تتعامل معه بحذر ...
ربما لأنها تخشى تصديقه !
أجل ...رغم ما يبديه نحوها إسلام من لطف مخالفاً نهج والدته المتعجرفة لكنها -كعهدها- تخاف التعلق بما لا تضمن بقاءه ...
تماماً كما كانت مع ...زين !!
كانت ؟!
هل صارت حقاً تتحدث عنه بصيغة الماضي وكأنه لن يعود ؟!!
الخاطر الأخير يستبدل ابتسامتها بدمعة كبيرة سقطت على طرف عينيها وانتبه هو لها فأغلق الموقد بسرعة ليتقدم منها خطوة ...
يحيط كتفيها بكفيه قائلاً:
_معلش...الأيام اللي فاتت كانت صعبة علينا كلنا ...بس عندي أمل في اللي جاي .
قالها وهو يشعر بها حقيقة بكل جوارحه ...
فبرغم سواد البلاء الذي عاشه في الأيام السابقة لكنه احتسبه ك"صفعة إفاقة"!!
مرضه الذي بدأ رحلة علاجه منذ عاد وكاد يمتثل للشفاء التام الآن ...
شقيقه الذي كان بلاؤه رحمة لعله لا يعاصر معهم -برقّة طباعه - هذه المحنة العصيبة ...
حتى الخسارة المادية اعتبرها دافعاً للبحث عن عمل جديد ...
هذا الذي فكر فيه بصوت مرتفع :
_كنت عايز أكلمك في موضوع ...أنا عندي مبلغ كويس من فلوس شغلي أنا ...إيه رأيك لو تشاركيني ونعمل سوا مركز تأهيل نفسي خاص بيكي انت بدل اللي سبتيه ؟!
اتسعت عيناها بصدمة للحظة من سخاء العرض قبل أن يتجول خليط من مشاعر فوق ملامحها ...
مشاعر بدأت بالذهول ...ثم الرضا...
الامتنان ...وأخيراً ...الرفض ...
الرفض الذي قرأه هو في عينيها متفهماً سببه ليقول مؤكداً:
_دي فلوسي أنا صدقيني ...مالهاش أي علاقة
بفلوسه الحرام ....عشان خاطري يا ياقوت ...اديني فرصة أصلح اللي فات .
رمقته بنظرة طويلة مترددة وشفتاها ترتجفان بانفعال ...
أين أنتِ يا ثمر؟!
أين رأيك في كل هذا ؟!
أين صدرك أرمي عليه حمولي ؟!
أين جلبابك أخفي في طياته وجهي وأحكي ...
أنا ...صار لي أخ ...
بل اثنان !!
معجزة جاد بها القدر بعد طول منع ...
لكن تبقى بالروح غصة مبعثها فراقك !!
_مش هاقدر أفكر في حاجة قبل ما ستي تخرج
بالسلامة ...عموماً شكراً.
ورغم جفاف عبارتها الظاهر لكنه صار يفهم أي عاطفة جياشة تختفي خلف هذه الواجهة الصلبة ...
لهذا ابتسم بلطف وهو يربت على كتفيها قبل أن يتركها ليتحرك نحو الموقد فيكمل ما بدأه ...
يجلس أمامها أخيراً يتناولان الغداء ليبدأ الثرثرة بقوله :
_حلوة المكرونة بس معجنة شوية ...جربي تحطي معلقة زيت في المية وهي بتغلي .
هنا ضحكت ضحكة صافية وهي تتناول الشوكة لتتناول الطعام وتجاريه في الحوار:
_لا واضح إنك خبرة فعلاً .
_امال !
قالها وهو يقطع الدجاجة أمامها ليقسمها متسائلاً:
_بتحبي الصدر واللا الورك ؟!
_أي حاجة !
_خدي الصدر ...مابحبوش!
قالها ممازحاً وهو يعطيها نصيبها لتزول المزيد من الحواجز بينهما بضحكتها القصيرة قبل أن تتفحص ملامحه باهتمام لتسأله :
_ماعرفتش عنك غير إنك مهندس كمبيوتر وكنت بتشتغل في تركيا ...ناوي على إيه هتفضل هنا واللا هتسافر؟!
لكنه يلوك الطعام في فمه ليقول بمرح مصطنع:
_التاريخ المشرف للوالد مش هيسمح بفرص كتير ...وبصراحة حاسس إن في رقبتي دين نفسي أسده ...
_دين إيه ؟!
_لا دي لفة طويلة ...بس مفيش مانع ندردش ...صاحبي الأنتيم اللي زي أخويا اسمه سيف ...أخوه اسمه رامز ...أخو مراته يبقى أشرف ...أشرف ده بقا عنده مصنع لعب أطفال ...واحد خربهوله واستغله عشان يهرب المخدرات في اللعب ...
_طب وانت مالك ؟!
سألته باستغراب ليرد بسخريته المريرة المميزة :
_ماهو اللي خربهوله يبقى السيد الوالد !
اتسعت عيناها بإدراك للحظة قبل أن تهز رأسها لترد بإدراك آسف:
_خلاص وصلت ...
ثم عادت تقول بترقب:
_وانت بقا عايز تساعد أشرف ده عشان خاطر
علاقته بصاحبك ...؟!
فتنهد بأسف ليقول بجدية تامة عبر شروده :
_مش أشرف بس ...لو بإيدي أعمل حاجة لأي حد اتأذى بسبب "السم الهاري" اللي كان "هو" بيوزعه ع الناس ما كنتش اتأخرت ...اسم حسين رجائي بقا وصمة عار على جبيننا كلنا ...لو كنت بفكر بعقليتي القديمة كنت استسهلت ورجعت تركيا من غير تفكير ...بس الأيام اللي فاتت علمتني إن الهروب مش حل ...وإن المواجهة هي الطريق
الأقصر ...عشان كده قررت أفضل هنا ...
ثم عاد إليها ببصره ليردف بابتسامة حنون :
_ماعدتش هاهرب!
ابتسامة إعجاب طافت حول محياها الشاحب لتتسع ابتسامته باستطراده :
_غريب قوي إن الواحد بعد العمر ده يكتشف إن عنده أختين ...وبمناسبة "كرسي الاعتراف المكروني" ده أحب أنتهزها فرصة وتعرفيني انتِ كمان عن نفسك .
شعور غامر بالحميمية ينتابها الآن وهي تشعر بنفسها تعدو بقلبها -لا تحبو كما يأمرها عقلها- في إحساسها الصادق بأخوّته !!
ربما لأنها تحتاج هذا الشعور الآن بضراوة مع هذا الخواء الذي تركه "زين" برحيله ...
يسألها أخوها أن تعرفه عن نفسها ؟!
هل تبالغ لو قالت أنها ما عادت تذكر نفسها دون "زين"!!
أنها لا تذكر كيف كانت أيامها قبله !!
أن عمرها كله يساوي فقط عشر "عناقات"!!
لهذا تنهدت بحرارة محاولة كتم شعورها وهي تعود للثرثرة معه مكتفية بدفء هذه العلاقة التي جاد بها القدر دون موعد ...
كعوض -غير كافٍ- عن حب يائس!!
ومقنعةً نفسها أن ما سقط من أعمدة روحها قد تقيمه الأيام بعد فراقهما ...
غافلة عن أنها وهي في فورة قسَمها على تجاوز أسوار حبه هذه كانت أناملها تتلاعب خلسة بقرطه في أذنيها !!
========
_لسه مُصرّ ع المقابلة دي؟!
قالها رامز ببعض الإشفاق مخاطباً إسلام وهو يقود به سيارته نحو مصنع أشرف ...
رغم قصر معرفته بإسلام لكن وصايا سيف -أخيه- المتكررة له عبر الهاتف جعلته يصر أن يكون له دور في مأساة هذا الرجل الذي انقلبت حياته فجأة بفعل أبيه ...
لهذا ما كاد يطلب منه إسلام مقابلة أشرف حتى سعى لهذا رغم اقتناعه بحرج الموقف ...
_طبعاً مصر ...عارف لما تبقى عايز تعمل حاجة بس عشان تعاند نفسك ؟! عشان تثبت لروحك إنك اتغيرت فعلاً مش كلام ...الأيام اللي فاتت كانت صعبة قوي عليّ ...خلقت مني واحد تاني...واحد مش عايز يرجع للي كان فيه ...ولأني عارف إن
إسلام القديم عمره ما كان هيعمل حاجة زي كده وكان هيستسهل يهرب ويسيب الجمل بما حمل ...فأنا دلوقت مصرّ إني أعمل العكس .
قالها إسلام بنبرته المتحررة التي يجيد بها التعبير عن نفسه كعادته ليبتسم رامز وهو يعود ببصره للطريق قائلاً :
_من كتر ما سيف بيوصيني عليك حسسني إنك شخصية ضعيفة ...بس أنا شايف العكس ...عموماً بحييك على جرأتك دي قليل قوي اللي ممكن يعمل كده الزمان ده ...
ثم عاد يلتفت نحوه مردفاً:
_أشرف كمان مقدر الموقف ده منك جداً ...ونفسه يقابلك ...بصراحة هو حاسس كمان بالذنب إن ممكن يكون بسببه علاقتك بناصر صاحبك اتهزت !
لكن إسلام ابتسم ساخراً كعادته ليرد :
_من كتر اللي خسرته الأيام اللي فاتت ماعدتش بحسبها ...اللي يهمني بجد اللي جاي .
فربت رامز على كتفه بحركة مؤازرة خاطفة قبل أن يسأله بحذر :
_بس مش شايف إنها غريبة شوية إنك تعرض عليه تشتغل مهندس بسيط في مصنعه ؟! يعني ...أفتكر ممكن تعمل مشروع كويس خاص بيك أحسن من كده !
_المشروع هاعمله فعلاً بس مع أختي ...يعني جزء من الدين القديم ...تقدر تقول كده إني حاسس إني مش هاقدر أبدأ حياة جديدة إلا لو حسيت إني وفيت ديوني القديمة .
قالها إسلام بنبرته الحاسمة التي لم تخلُ من مرارة بينما توقف رامز بسيارته أمام مصنع أشرف ليلتفت نحوه قائلاً بتقدير حقيقي رغم نبرته المازحة :
_سيف ده حظه في صحابه الرجالة حلو رغم إن حظه في الستات "نيلة" ...تعرفش وانت شاطر كده تقنعه يتجوز بقا عشان خاطر الحاجة اللي هتموت وتشوف عياله دي؟!
فابتسم إسلام محافظاً على سر صديقه لتجتاحه صورة خاطفة لغادة تنهد معها بحرارة ليرد :
_سيف يستاهل كل خير ...ماتعرفش يمكن الزمن عاين له أحسن نصيب بس كله بأوان !
قالها بمرارة مشوبة بالخزي اكتسحت ملامحه بعدها وهو يغادر السيارة مع رامز نحو الداخل للقاء أشرف ...
ورغم الودّ الذي ساد هذا اللقاء الثلاثي والذي حرص فيه أشرف على مشاعر إسلام بنبله المعهود ،
فتجنب الحديث عن الماضي تماماً متفهماً رغبة
الأخير في تصحيح خطإ أبيه ...
لكن وخز الخزي الذي كان يستشعره إسلام ك"عزيز قوم ذَلّ" كان أكبر من أن يتجاهله ...
_هه يا باشمهندس ...تحب تبدأ شغلك امتى؟!
قالها أشرف ببشاشته المعهودة ليرد إسلام بابتسامة مريرة :
_لو عليّ عايز أبدأ من امبارح يمكن الواحد ينسى نفسه في الشغل ...بس الظروف ملخبطة زي ما انت عارف وهيثم محتاج عناية خاصة بعدما خرج من المستشفى خصوصاً إننا بنحاول نخبي عليه الكارثة الأخيرة دي لحد ما الذاكرة ترجع له ...إخواتي البنات كمان عندهم مشاكلهم ...فاديني فرصة كده كام يوم أظبط الأمور وأرجعلك تكون ...
صوت طرقات قوية على الباب تقاطع كلامه قبل أن تفتحه نشوى التي دخلت هاتفة باندفاع:
_انت فين يا أشرف م الصبح عايزة....
انقطعت كلماتها وهي تنتبه لوجود رامز الذي هتف بها مشاكساً كعهده :
_أستاذة نشوى على طول حامية كده !
فابتسمت لتقول معتذرة :
_آسفة يا رامز كنت فاكراه لوحده ...م الصبح بتصل بيه ومابيردش .
ابتسامتها الرقيقة تركت صداها في إسلام -كعهده-مع أي "تاء مربوطة" تمر في طريقه !!
أجل ...
"بتاع البرقوق" لم يفقد ذائقته الخاصة بالنساء بعد رغم عهده الحديث بالتوبة مع كثرة المغريات ...
وآخرها تلك الطبيبة التي تعالجه هنا والتي لمس في كلماتها وعوداً جريئة غير منطوقة لكنه تجاهلها بعزم حسد نفسه عليه !!
لا ...لن يعود لذاك الطريق الماجن وقد وجد بداية لهذا الدرب القويم ...
ومع هذا وجد نفسه يتفحص نشوى بنظرة ذكورية تقييمية من بقايا "العهد البائد " لترتسم ابتسامة رضا على شفتيه وهو يستمع لحديثها الذي استطردت فيه بعدها مع أشرف بنبرتها العملية المسترجلة نوعاً ...
قصيرة القامة نوعاً ..خمرية البشرة عادية الملامح بجمال "مقبول"...
لكن "منحنياتها الأنثوية" تمنحها درجة "الامتياز" في عيني خبير مثله ...
فبادرته نفسه "العابثة" بتعليقها التقييمي لها كأنثى:
_مش برقوقة لا !..."برتقالة بلدي"؟! برضه لا! شكلها قالب على "تين شوكي" وأنا أموت في الحاجات المخربشة دي!
_اهدي ع الشغل شوية مش هايطير ...أعرفك الأول
بالباشمهندس إسلام ...هيشتغل معانا قريب.
قالها أشرف وهو يزيح الملف الذي أعطته هي له جانباً ليشير بكفه نحو إسلام الذي التفتت هي نحوه بنظرة عابرة لتقول باقتضاب :
_تشرفنا ...
ثم تنمرت لهجتها نوعاً لتردف بصلاحيات منصبها الجديد في المصنع -وقد ساءها أن يتخذ أشرف قراراً بتعيين أحدهم دون مشاورتها- غافلة عن حقيقة شخصيته :
_احنا بنحاول نوفر في الميزانية حالياً ومش بنشغل حد إلا لو محتاجين له ...رامز عارف أنا بحترمه أد إيه بس لو دي بس واسطتك في الشغل مش هتنفعك هنا...ابعتلي ال"سي في" بتاعك ع الميل وهنرد عليك في خلال أسبوعين .
_أنا مضيت العقد يا نشوى...باشمهندس إسلام معانا خلاص .
قالها أشرف بحزم مشوب بالعتاب لها إذ أحرجته هكذا لتلتفت هي نحوه بحركة عصبية ...
فتنحنح إسلام ليقول بنبرة شابها بعض التحدي وكأنما راقه استفزازها:
_إسلام حسين رجائي .
_إيه ؟! حسين رجائي؟!
هتفت بها مصدومة للحظات وهي تنقل بصرها بينهم جميعاً تريد التيقن مما سمعته ...
قبل أن تردف بنبرتها العصبية :
_ده تشابه أسماء ؟! صح؟!
ليرد أشرف بحرج محاولاً تدارك الموقف :
_هاشرح لك بعدين .
_طيب نقوم احنا بقا !
قالها رامز مستشعراً الذبذبات العدائية التي نقلتها النظرات بين نشوى وإسلام الذي -رغم حرج الموقف- راقته ردود فعل هذه "المتنمرة" أمامه ...
المتنمرة التي احمر وجهها غيظاً وظنّه أنه لولا وجود رامز لطردته شر طردة !
هل يلومها ؟!
لا ...ربما لو مكان مكانها لفعل المزيد !!
لكنه وجدها "تحدياً جديداً" لامرأة يريد تغيير نظرتها فيه ...
وربما لو نجح لاستطاع تغيير نظرة الجميع له !!
لهذا وقف بدوره مع رامز يقابل نظراتها النارية بابتسامة باردة بينما يستمع لاعتراضات أشرف الذي تشبث -ذوقياً- ببقائهما لمدة أطول ...
هنا سمعوا صوت طرق الباب من جديد ليصبح اللقاء الخماسي أكثر إثارة بدخول ...
"ناصر"!
========
_إسلام !
هتف بها ناصر بدهشة وهو يتعرف على وجه صديقه هاهنا بالذات ...
ليبتسم إسلام ابتسامته الساخرة المميزة بينما يرد :
_الدنيا طلعت صغيرة قوي ...يا "صاحبي"!
ضغط حروف الكلمة الأخيرة ببطء ذي مغزى بينما يراقب بذكائه ردة فعل نشوى إذ رأت ناصر ...
ملامحها التي كانت متنمرة -لتوها- تحولت لأخرى مرتبكة يشوبها خزي لا يستشعره إلا من مر بها بحرقة مثله هو!!
لهذا ازداد تحفز ملامحه وهو يراها تهم بالانصراف لكن ناصر استوقفها بقوله :
_استني يا نشوى من فضلك ...أنا كنت عايز أشرف في موضوع يخصك ويهمني تبقى موجودة .
تململ رامز في وقفته وهو يشعر بالحرج الذي شاركه فيه أشرف وهو يشير لإسلام قائلاً بنبرة ودود :
_باشمهندس إسلام هيشتغل معانا يا ناصر .
فارتفع حاجبا ناصر بدهشة للحظة قبل أن ترتخي
ملامحه بإدراك متفهماً ما يريد إسلام فعله لهذا تقدم منه يربت على كتفه قائلاً:
_تبقوا كسبتوا فعلاً.
رمقه إسلام بنظرة طويلة حملت مشاعره نحوه بهذا المزيج المتوازن من العتاب والخزي ...
قبل أن يتجاهل عبارته مراقباً ملامح نشوى التي ازداد ارتباكها منذ أعلن ناصر أنه يريد التحدث
لأشرف بشأنها ...
ربما لو لم يكن يعلم أن صديقه متزوج من امرأة يحبها لظن الأمر يتعلق بعرض زواج !!
لكزه رامز في خاصرته خفية في إشارة بوجوب انصرافهما فاستجاب له ليصافح أشرف بقوة ...
قبل أن ينتقل لنشوى التي مد لها يده لتصافحه بارتباك بينما تختلس نظرة جانبية لناصر زادت من يقينه هو أن الأمور بينهما تحمل أكثر من الظاهر بكثير ...
لهذا كانت مصافحته الأخيرة لناصر تحمل الكثير من التحفز وهو يقول بنبرته الساخرة كالعادة :
_ابقى خللينا نشوفك...عنوان بيتنا زي زمان !
عبارته التي وخزت قلب ناصر بشعور الذنب من جديد وهو يشيح بوجهه ...
ليزفر أخيراً بانفعال بعد خروجهما وهو يفكر للمرة
الأخيرة بالتراجع عما جاء لأجله ...
إنه حتى لم يرتضِ أن يذهب لبيت أشرف -كما اقتضى العرف في شئون كهذه - كأنما يريد أن يمنح نفسه فرصة الانسحاب في آخر لحظة ...
_مالوش داعي التأخير يا ناصر ...وبعدين انت زعلان ليه ؟! أنا راضية وموافقة ...حد طايل مراته تخطب له ؟!!
يسمعها بصوت سها كما ودعته بها صباحاً تدعي الرضا لكنه يدرك بداخله أنها كعهدها تريد أن تكون المبادِرة بزمام الأمور ...
تختار ولا يُختار لها !!
اختيارها الذي بدا له هذه المرة منطقياً إذ تنتقي له امرأة توقن أنه لا يحمل أي مشاعر نحوها ...
لكنه كذلك لا ينكر أنه يحمل بعض الأنانية !!
لو كانت نشوى ستمنحه الطفل المنشود ...
فماذا سيمنحها هو؟!!
عقله يخدعه بدعوى غرور منطقه العملي أنه سيحقق لها حلمها
بالزواج منه ...
لكن صوت ضميره الخفي يستصرخه أنه لن يحقق لها حلماً كما يزعم ...
بل سيمنحها بعد عسير مخاضٍ مجرد جنين مشوه !!
_خير يا ناصر ؟!
ينتزعها بها أشرف من شروده وهو يشير له
بالجلوس فتحرك نحو أحد الأرائك بينما تحركت نشوى بحركة لا إرادية تلتصق بأشرف كأنما تستمد منه دعماً ...
ما الذي يريده بشأنها ؟!
ولماذا كان يقف يراقبها وابنتها ذلك اليوم من خلف زجاج المطعم ؟!
وما سر هذه النظرات الغامضة التي يواجهها بها منذ عاد القدر يجمع بينهما ؟!
ولماذا ترتجف روحها بهذه الطريقة كلما رأته كأنما عادت مراهقة ترى فيه كل العالم ...
ألازالت حقاً تحبه ؟!
قلبها يخفق بقوة كأنما يمنحها جواباً لا تدري صدقه من كذبه ...
بينما يصرخ بها عقلها أنها فقط تشعر بالخزي أمامه !!
الخزي من رفض حبها القديم الذي أعلنته له ...
الخزي من فشل اختيارها لرجل بعده ...
الخزي من وضعها كمطلقة بائسة ترعى طفلتها وحدها في مقابل وضعه هو كزوج يعشق التراب الذي تسير عليه زوجته كما يعلم الجميع عنهما !!
لهذا تشعر أنها مهما تعاظمت قيمتها ستبقى مجرد "قزمة" في عينيه !!
ترى ماهو الأمر الذي يخصها ويريد الحديث مع أشرف بشأنه ؟!
هل جاء لها بعريس من طرفه ؟!
ربما ...
ربما يرى هذا حلاً لتكفير ذنبه القديم معها وتحسيناً لصورتها المستحدثة في عينيه كامرأة فاشلة !!
ليته لا يكون كذلك !!
لو فعلها فسيذبحها حقاً بنصل بارد بعد كل هذه السنوات التي بالكاد تعافت فيها من جرحه القديم !!
لكن ما لم تتوقعه حقاً وجعلها تشهق للمفاجأة هو رده الصادم :
_من غير مقدمات ...عايز أتجوز نشوى.
========
بعد أسبوعين ...
_ما أنا كنت عندك من يومين يا ماما !
هتف بها رائد عبر الهاتف مخاطباً أمه وهو يقف في صالة البيت الداخلي له مع همسة ...
ليصله ردها الهستيري كالعادة :
_يومين ؟! وفيها إيه لما تجيلي كل يوم ؟! انت قاعد عندك بتعمل إيه أصلاً؟! هتفضل تضيع عمرك وانت بتحرس الست هانم ؟!
ورغم ضيقه بما تقول لكنه كظم غيظه ليهتف بها مهدئاً:
_اهدي بس يا حبيبتي ...أنا خلاص صفيت أموري مع زين وهارجع أشتغل معاه ...اعتبريني في أجازة...مش انتِ اللي كنتِ بتتحايلي عليّ دايماً آخد أجازة م الشغل وأفك عن نفسي ؟!
_تفك عن نفسك واللا تنسى نفسك ؟!
تهتف بها بذات الاستنكار العصبي ليصمت هو للحظات بينما يزيح الستار عن النافذة أمامه ليرى همسة تخرج من الكوخ تسير جوار الخادمة ...
ابتسامتها المشرقة تنير ملامحها ...
عيناها الواسعتان اللتان حُرّمت عليه رؤيتهما من قريب ترنوان للسماء الصافية وهي تفتح ذراعيها على اتساعهما كأنما تحتضن الكون ...الكون كله ...
خطواتها تتقافز برشاقة وهي تدور حول نفسها كحورية أسطورية فرت من جنان النور لا تعرف شيئاً عن دنس أهل الأرض ...
لهذا لم يملك ابتسامته هو الآخر ليتنهد بحرارة بينما يجيب أمه أخيراً:
_لو تهمك سعادتي فأنا بحلفلك ...عمري ما كنت مبسوط زي ما أنا دلوقت ...أرجوكِ يا ماما سيبيني أكفر عن ذنبي للآخر ...همسة كل يوم بتتحسن وقريب قوي هترجع زي زمان ...
ثم صمت لحظة ليردف برجاء اخترق نبرته الحازمة :
_ما تضغطيش عليّ بخوفي عليكِ ...انتِ عارفة إن ضغطك عالي ومابتستحمليش انفعال ...بس غصب عني مااقدرش أسيبها هي كمان دلوقت .
صوت زفرتها الحانقة يكون جوابها الوحيد قبل أن تغلق الاتصال في وجهه فيطرق برأسه بأسى وهو يشعر بأن الهوة بينه وبين أمه تزداد عمقاً يوماً بعد يوم ...
لولا خوفه من مرضها لكان موقفه معها أكثر حسماً لكنه يعلم أن أي انفعال قد يؤذي حياتها لهذا يحاول قدر استطاعته موازنة الأمور ...
صوت ضحكة همسة العالية يصله مكانه فيرفع وجهه من جديد...
لتعود الابتسامة لشفتيه وهو يرى الخادمة تجاريها عدواً في الحديقة فيما بدا كسباق كسبته همسة التي انثنت على جذعها أخيراً بضحكة ظافرة وسط أنفاسها اللاهثة في مشهد ذكره بتاريخهما القديم ...
ابتسامته تتسع وهو يراها تعود لشرودها فجأة لتستقيم بجذعها من جديد وكأنما نفس الخاطر راودها ...
هل تفتقد ماضيهما كما يفتقده ؟!
يعقد حاجبيه بترقب وهو يراقب ملامحها خفية خلف الستار ليجدها تتلفت حولها كأنما تبحث عنه ...
قبل أن تضع كفها في جيب سروالها لتستخرج منه عصابة عينيها التي وضعتها بنفسها كأنها... تناديه !!
النداء الذي لم يستغرق بضع ثوان حتى شعرت بعطره يداعب حواسها لتعود لها ابتسامتها وهي تفتح ذراعيها على اتساعهما من جديد ...
_رائد !
تهمس بها بتلك الطريقة التي تذيب فؤاده ليختصر المسافة بينهما ...يضمها بين ذراعيه ويدور بها بضع دورات ...
صوت ضحكاتها الرقيقة يغرد من جديد في أذنيه فيضحك بدوره قبل أن يسقط بها أرضاً ليجلسها بين ذراعيه ...
رأسها يستقر بين ذراعه وصدره يهدهدها كالرضيع بينما تثني ساقيها لتتكور في كنفه...
قبل أن يتناول زهرة من جانبه داعب ببتلاتها باطن قدميها لتغرد ضحكاتها من جديد وهي تحاول إبعاد ساقيها بينما تخفي وجهها في صدره ...
_فاكرة أول مرة عملنا فيها كده ؟!
يهمس بها في أذنها وشفتاه تغازلان وجنتها الناعمة لتصمت للحظات كأنها تجاهد للتذكر قبل أن تهمس له بخفوت :
_يوم شم النسيم...حفلة ...بيت بابا ...
يبتسم بأمل وهو يعود ليداعب باطن قدمها لكن برقّة أكبر هذه المرة ...
يود لو ينطلق لسانها بالحديث كالسابق لا مجرد كلمات متقطعة كهذه ...
لكن لا بأس !!
_الوردة كان لونها إيه ؟!
يسألها وأنامله تداعب وجنتها بينما يثبت رأسها على صدره لتصمت قليلاً كأنها تجاهد للتذكر قبل أن تتمتم بخفوت :
_"روز"!
قبلته الناعمة على شفتيها بدت كمكافأة على تذكرها ...
مكافأة شجعتها لتفاجأه بتفاصيل الموقف كله يومها ...
كيف تركت الحفل لتهرب إلى الحديقة كي تلتقي به سراً ...كيف دارت حول نفسها وهي تريه ثوبها الوردي بتفصيلته شديدة الأنوثة ...وكيف قطف لها زهرة بنفس لون الثوب ليضعها في شعرها لكنها تهربت منه عدواً ليلحق بها فيسقطان -تماماً كما الآن- ...
ينخلع كعب حذائها فيشاكسها وهو يرميه بعيداً قبل أن يبدأ في دغدغة باطن قدمها بزهرته ...
قلبه يخفق بجنون وهو يستعيد هذه الذكرى بصوتها ...
لا يكاد يصدق هذه السعادة التي تجتاحه وهو يشعر بها بين ذراعيه تتحدث إليه هكذا ...
لهذا شدد من قوة ضمه لها لينثر هدايا شفتيه فوق بشرتها ...
قبل أن يقبل عينيها فوق عصابتها هامساً بنبرة ذائبة :
_فاكرة وقتها كنت بحبك أد إيه ؟!
همهمتها الناعمة تجيب بخجل يلون وجنتيها فيتناول راحتها ليبسطها على صدره بينما يهمس أمام شفتيها بما سمعه قلبها قبل أذنيها:
_أنا بقا بحبك دلوقت أد وقتها ألف مرة !
تمرغ وجهها في صدره وضحكتها تغرد من جديد فيضحك بدوره وهو ينظر في ساعته مرغماً ...
إنه موعد حضور ياقوت اليومي الذي لا تخلفه !!
يرمق البوابة من بعيد بنظرة خاطفة ليلمحها تفتح بينما ظلها الواثق يقترب ...
يلوح لها بكفه فتبتسم برضا وهي تطالع جلستهما الهانئة بشرود...
قبل أن ترى همسة تقفز بحيوية من بين ذراعيه
لتصلها كلماتها المتقطعة :
_تلعب؟! اجري انت ...هامسكك وأنا... مغمضة ؟!
تتسع ابتسامتها وهي تراهما يلعبان بهذه الطريقة فلم تشعر بنفسها وهي تتناول هاتفها لتصور هذا "الفيديو" لهما وترسله ..."إليه"!!
أجل ...زين!!
لماذا فعلتها رغم أنه لم يحاول مهاتفتها مرة واحدة منذ سافر كأنه يؤكد لها أنها حقاً النهاية ؟!
ربما ...لأنها -بعين مهنيتها- تريد أن تثبت له تطور الحالة ...
ربما ...لأنها -بعين إنسانيتها- توقن أنه يشتاق رؤية أخته سعيدة هكذا خاصة في سفره ...
وربما ...لأنها -بعين قلبها - تريد أن تشعر أنه -مهما ابتعد - قريب!!
الخاطر الأخير يوجع روحها بهذا الوخز المؤلم وهي تطالع هاتفها بترقب ...
لقد رأى رسالتها لكنه ...لم يرد !!
"رسالة صامتة" وصلتها واضحة لتضعها جوار شبيهاتها فتكمل مشهد النهاية المنتظر!!
عيناها تمتلئان بالدموع وهي تشعر بالمزيد من
الانهيار بينما تتسلل أناملها خفية تتحسس قرطه في أذنها ...
لقد دفن ورقة "العشر جنيهات" زاعماً أنه يقتل ذكرى موجعة...
ليمنحها عوضاً عنها ذكرى أشد وجعاً ...
أناملها لم تعد تتحسس ذاك الموضع في صدرها حقاً لكنها صارت تتلمس موضع قرطه في أذنيها ...
وكأنما كتب عليها أن تبقى للقلب ندبة وجع يتحسسها في كل حين !!
تغمض عينيها بألم وهي تتخيل جلسة في حجر ثمر اشتاقتها حد الجنون ...
لا بأس !!
الحلم كان أروع من أن يتحقق على أي حال !!
صوت ضحكات همسة ينتزعها من شرودها فتعاود فتح عينيها كأنها تنفض عنها ضعفها بقوة تتناقص يوماً بعد يوم ...
لكنها ستقاوم لآخر رمق !!!
وفي مكانه كان زين يطالع هاتفه بعينين جامدتين تناقضان هذا الحريق المستعر بصدره !!
شبه ابتسامة تكلل شفتيه لمرأى همسة الضاحكة بين ذراعي رائد ...
مشهد مشرق يوحي ب"وهج البداية" لهمسة لكنه رغماً عنه يحمل له "ذبول نهايته " معها ...هي !!
هي التي صار يصحو كل يوم كي يعقد في حبل فراقهما عقدة فوق عقدة لعله يوصد الباب في وجه قلب يعانده بجنون !!
قلب لم يعد يرى سوى صورتها في جميع وجوه النساء !!
هذا القلب الذي يستحلفه الآن أن يهاتفها ...
مجرد لمسة للشاشة تحمل إليه صوتاً بات عشقه هوساً ...
هوساً يجتاح يقظته قبل أحلامه ...
لكنه يقاوم كل هذا بعناد رجل طالما تباهى بقهر مشاعره !
لهذا تلاعبت أنامله بالشاشة ليتجاهل فيديو همسة مؤقتاً ...
لكنه عينيه اصطدمتا ببقية الفيديوهات على هاتفه ...
وبالتحديد -اثنان - منهما ...
الأول - القديم - له مع ياسمين يساوي "فضيحة"...
والثاني- الحديث- ل"ياقوت" ليلة حادثة القطار و
أهل بلدتها يستقبلونها في شبه مظاهرة عاطفية تساوي "تاج شرف"...
فكم بينهما؟!!
يزفر زفرة قصيرة وهو يمسح "الفيديو الأول" بسرعة تساوي سرعة تقبله لخسارة ياسمين ...
بينما تتلكأ أنامله ببطء على الثاني ليجد نفسه عوضاً عن أن يمسحه يعيد تشغيله من جديد ...
مرة تلو مرة دون ملل ...
وفي كل مرة يستعيد صورتها ب"قمرين سجينين" في عينيها يستصرخانه أن يحررهما ...
القرار لايزال صعباً على رجل اختار العقل سيداً على القلب ...
فباغته القلب بثورة عصية !!
تنهيدة حارقة تغادر صدره وهو يعيد الهاتف بحسم لجيبه ...
أي "ياقوت" يجب أن يرى؟!
ابنة الخادمة والمجرم التي تطاردها الفضيحة ونظرات الناس؟!
أم الطبيبة الذكية الحاذقة التي يفتخر بها كل من عرفها ؟!!
بل والسؤال الأقوى...
أي "زين" هو؟!!
الابن الذي عاش عمره يشمئز من ضعف والده باتباعه نزوات قلبه ويكره أن يحذو حذوه ؟!
أم الرجل الذي وجد "كل نسائه" في امرأة بعينها ؟!
امرأة هزت عرش رجل طالما زعم أنه لا يُقهَر؟!
ربما لو عرف الإجابة عن أسئلته هذه لكان القرار المنتظر أكثر يسراً ...
لكنه لايزال يدور في متاهات ماضٍ لوث حاضره ...
فكيف يكون الغد إلا لغزاً غامضاً ؟!
=======
عاد زين من سفره إلى هنا رأساً وكأنما قلبه يخبره أنه لن يجد راحته إلا في مكان يحمل عبقها ...
تتردد أنامله وهو يضع المفتاح مكانه في ثقب الباب...
ماذا لو وجدها هنا ؟!
ماذا لو كانت عادت هي الأخرى تترقب مجيئه ؟!!
ابتسامة مريرة تمنحه الجواب وهو يفتح الباب أخيراً ليصطدم بمشهد الشقة البارد ...
رائحتها تملأ المكان حتى وهو يعلم أنها لا تتعطر!!
رائحتها لا يدركها أنفه إنما يستشعرها قلبه بما تمنحه إياه من سكينة ...
تعلمون شعور الصمت المفاجئ بعد طول صخب؟!!
هكذا بالضبط هو وصف إحساسه بالأنس بها ...
هذه بالضبط ...رائحتها ...
رائحتها التي لن تشبهها فيها امرأة ولن تشترى بكل أموال الأرض!!
يزفر بقوة وهو يغلق الباب خلفه ليتوجه نحو
الأريكة القريبة ...
هنا حيث قرأت بين ذراعيه له أول كتاب ...
وحيث شرب ما أعدته له بيديها ...
وحيث ظن أنه امتلكها كشعاع شمس يغشي عينيك فيملأ الكون حولك لكنك تدرك فجأة أن أصابعك أبداً لن تناله !!
يقف أخيراً ليتجول في الشقة الخالية...
الغرفة المقيتة التي كسرت مرآتها ...
الغرفة الأخرى التي بقي كل شيئ فيها لا يزال يحمل ذكريات ليلتهما الأخيرة هنا ...
كيف نامت بين ذراعيه ليجمعهما دفء الحلم ....
وكيف استيقظ كلاهما بعدها على برودة الحقيقة !!
افتقدها ؟!!
لا...لم يكن شعوره مجرد افتقاد ...
ولا حتى مكاناً بأكمله تركته بروحه شاغراً بعد رحيلها ...
بل كان يشعر أنه هو بأكمله قد انصهر بغيابها ليتحول لآخر !!
آخر هان في عينيه كل ما يملكه سواها ...
وصارت هي المغنم الحقيقي!!
هل هكذا شعر أبوه وهو يستهين بحياته لأجل امرأة ؟!
ألهذا استخف به وبأمه كي يتبع قلبه ؟!
القلب الذي يخفض جبين الرجال؟!!
يعقد حاجبيه بشدة والصراع القديم يعاود سحق روحه ...
الصراع الذي لم يعشه من قبل مع ياسمين رغم اعترافه لها بالحب ...
ربما لأن ياسمين بصفاتها لم تكن تناقض مواصفاته القياسية في امرأة يريد إعلانها كزوجة !!
وربما لأنه وقتها ما كان يعرف معنى شعور كهذا الذي يكتسحه بجنون مع ياقوت !!
علاقته بياسمين كانت سهلة القيادة...سهلة السيطرة ...كذلك كانت سهلة الإنهاء!!
لكنه هذه المرة يشعر كأنما تنجرف به عربته من علوّ ليهوي دون تحكم ...
دون حول ولا قوة !!
قلبه يناحر عقله بضراوة لم يعرفها قبلاً ...
وهو الشريد بينهما ...
لقد ظن السفر سيحسم الأمر لصالح أحدهما ...
لكنه لم يزد قلبه إلا تعلقاً ...
ولم يزد عقله إلا عناداً ...
فأين المفر؟!
========
متكئة على الأريكة بإرهاق تحاول الخلاص من أفكارها الخانقة ...
ثمر وحالها المقبض في السجن لولا الأمل بقرب خروجها ...
لجين ومرضها الغريب ...
هيثم وعلاقتها التي تحاول توطيدها به رغم حساسية الوضع مع والدته التي تظهر كراهيتها لها كلما رأتها لولا تدخل إسلام في كل مرة لتلطيف الوضع ...
عملها بين المركز القديم الذي لفظها والمركز الجديد الذي يعرضه عليها إسلام ...
وأخيراً...
هو!!
هو الذي تشعر بحبه ك"مخدر" أساءت استخدامه حتى أدمنت أثره !!
تتلفت حولها في المكان فينتابها حنين غريب لشقته "هو"!!
رغم أن هذه تماثلها في الأناقة لكنها باردة ...موحشة ...
كتمثال بلا روح!!
تماماً كحياتها كلها الآن !!
صوت رنين الجرس يقاطع أفكارها فتبتسم ابتسامة حقيقية وهي تتوقعه "إسلام"!!
إسلام الذي صار في أيام قليلة هو النسمة الوحيدة الباردة في جحيم حياتها الذي تعاصره هذا !!
لهذا هبت من مكانها لتضع عليها وشاحها احتياطياً ثم فتحت الباب بلهفة لتتسع عيناها بصدمة وهي تطالع الوجوه الغريبة أمامها بينما تميز في أحدهم زي رجال الشرطة ...
_الشقة دي بتاعتك ؟!
يسألها أحدهم بفظاظة لتجيبه بارتباك :
_لا ...بس ...
عجزت عن إيجاد وصف مناسب والموقف كله يثير ذعرها...
ليقاطعها الرجل بنفس الفظاظة :
_ملبوخة كده ليه ؟! بتاعتك واللا مش بتاعتك ؟! معاكِ عقد تمليك ؟! عقد إيجار؟! واللا صفتك إيه هنا؟!
صعد الدم لرأسها من لهجة الضابط المهينة لتهتف بانفعال:
_دي شقة أخويا وهو سايبهالي؟!
_أخوكِ؟!
هتف بها الضابط بازدراء ليشير للرجل جواره والذي تقدم منها ليجذبها بعنف من ذراعها نحو الخارج فهتفت وهي تحاول تخليص نفسها منه ...
_سيب دراعي ...هو في أيه ؟!
_فيه إنك بجحة !! أصحاب الشقة دي مقدمين بلاغ إنك واضعة يدك عليها بلطجة وكمان سارقة منها مبلغ كبير ...اتفضلي معايا يا "بتاعة أخويا"!!
اللهجة الحادة المهينة التي نطقها بها ألجمت لسانها وهي تتلفت حولها مصدومة ...
ما الذي يحدث ؟!
هل خدعها إسلام؟!
هل كان يستدرجها لينتقم منها بهذه الطريقة ؟!!
بماذا ستبرئ نفسها ؟!!
هي لا تملك عقد إيجار ولا مايثبت سبب وجودها في هذا المكان ...
والأدهى أنها لا تعلم من هم أصحاب الشقة هؤلاء؟!
لقد وثقت في إسلام عندما أخبرها أنه وفر لها سكناً وافترضت أنها له !!
ما الذي يحدث ؟!
وأين يذهبون بها ؟!
الأسئلة تتوالى من بين شفتيها تباعاً تصرخ بها في وجه الضابط الذي لم يكبد نفسه عناء الرد عليها بينما رجاله يسحبونها قسراً ليهبطوا بها الدرج نحو سيارة الشرطة ...
صراخها الحاد ينكمش رويداً رويداً وهي تطالع وجوه الناس الذين فتحوا أبواب شققهم يطالعونها بفضول ...
والذين تجمعوا حول سيارة الشرطة التي دفعوها فيها دفعاً كجوال بلا قيمة !!
بلا قيمة !!
بلا قيمة !!
هكذا كانت تشعر ودموعها المتجمدة على وجنتيها تبصر النظرات المستهينة المزدرية في عيون من حولها ...
الآن فقط ينهار ما بقي من قناع قوتها ...
الآن تنسى "ياقوت سليمان" ولا تبقى سوى "ابنة الخادمة والمجرم"!!
هاتفها في جيب تنورتها لكنها لا تقوى على إخراجه ...
بمن عساها تستغيث ؟!!
إذا كان إسلام من فعلها !!
لكن ...لا !!
هي لن تخطئ فهم الناس إلى هذا الحد !!
إذن ...ماذا يحدث ؟!
وأين يذهبون بها ؟!!
الرحلة القاسية تنتهي بها في زنزانة ضيقة مع وجوه مشبوهة تأملتها بفضول قاسٍ ...
وتأملتها هي في البداية بصدمة...
صدمة تحولت لرعب ..ثم لانهيار.. ثم لخواء!!
خواء امتص روحها وهي تلتصق بالقضبان محاولة تجاهل ما يدور خلفها...
تحاول تنفس الهواء بالخارج تقنع نفسها أن النجدة قريبة ...
هل هكذا تشعر ثمر في سجنها ؟!
هل هو نفس الشعور بالهوان ...بالظلم ...بالقهر ؟!!
الوقت يمر ولمزات النساء حولها تكاد تعريها من ثيابها ...
إحداهن تقترب منها وهي تلوك قطعة من العلك في فمها بتلك الطريقة المستفزة لتجذبها من قميصها هاتفة بلهجة أثارت اشمئزازها :
_جاية في إيه يا حلوة ؟! شكلك كده مش بتاعة آداب ...
_واللا يمكن دي الموضة الجديدة ...رجالة اليومين دول ذوقهم بقا "..."!!
تتسع عيناها بصدمة والألفاظ النابية التي تخدش أذنها تكاد تصيبها بذبحة صدرية ...
هي حقاً هنا ؟!!
ياقوت سليمان هنا ؟!!
وسط هؤلاء يسخرون منها كما شاءوا؟!
وحدها ...وحدها تماماً يتخبطها الموج دون سند !!
_بالراحة عليها يا جماعة ...دي مهما كان "وليّة مكسورة الجناح " زيينا!!
تهتف بها إحداهن لتتبعها بضحكة رقيعة ساخرة كانت لتثير اشمئزازها في أي وقت ...
لكنها الآن تشعر بها وكأنها جرس تنبيه أخير أن وقت "الأمل الكاذب" قد انتهى ...
أن الجبل الذي عاشت عمرها تصعده خطوة خطوة حتى كادت تصل لقمته الآن تنحدر منه نحو الهاوية ...
الكذبة التي عاشتها أنها تصنع اسمها ومكانتها لم تكن سوى فقاعة وهمية انفجرت فجأة لتذكرها ...
تذكرها أنها بعد طول تحليق هوت ...
لتبدو لها الحقيقة العارية أنها في هذا العالم ...
بلا قيمة ...
بلا قيمة حقاً!!
=======
_باقول كفاية عليها كده وأروح أخرجها ؟!
قالتها جيلان عبر الهاتف بتردد وهي تتلفت حولها خشية أن يسمعها هيثم أو إسلام ...
لترد سوزان عبر الجانب الآخر من الاتصال :
_فعلاً كفاية ...ده لوي دراع بس عشان تعرف قيمتها كويس وتفهم إن اللي زيها حشرة تتداس في أي وقت .
قالتها سوزان بغلّ واضح وهي تسترجع كيف كانت هذه فكرتها التي حرضت عليها جيلان ...
ياقوت هذه يجب أن تبتعد عن همسة !!
لن تسمح لها أن تستمر في هذه التمثيلية السخيفة التي يقوم فيها ابنها رائد بدور البطولة دافناً عمره ومصلحته بين أنقاض وهم !!
_خايفة إسلام لما يعرف ياخد مني موقف ...ماعرفش البنت دي قدرت إزاي تخلليه يتعلق بيها كده هو وأخوه !
غمغمت بها جيلان وقد بدأت تشعر بعواقب فعلتها التي دفعتها إليها صديقتها واتبعتها هي بواعز من شعورها بالحقد تجاه ياقوت ...
الصورة الحية المجسدة لخيانة رجل ضاع معه عمرها -السابق- بخديعة و-الآتي- بفضيحة !!!
_ماهو عشان كده كان لازم نكسر شوكتها ونعرفها مقامها ...لو داخلة طمعانة فيكم وفاكرة إنها هتميّل دماغ الولدين بحدوتة زمان يبقى تنسى ! اسمعي
كلامي الصنف اللي زي دي يخاف ما يختشيش!!
هتفت بها سوزان بنبرتها الهستيرية لتردف بعينين متوهجتين حقداً:
_انتِ تروحي دلوقت وتخرجيها ...قولي للضابط إنك لقيتي الفلوس وإن إسلام هو اللي دخلها الشقة وانتِ ماكنتيش تعرفي ...بس بعدها تاخديها على جنب وتعملي اللي اتفقنا عليه ...اكسري رجلها من بيتك ...لا مش من بيتك بس ...من البلد كلها ...خلليها ترجع بلدهم تشوف لها كام غنمة ترعاها ...هي دي قيمتها اللي لازم تعرفها ...وهدديها لو ماسمعتش الكلام إن اللي حصل ده هيتكرر بأفظع منه ...
ثم ضحكت ضحكة محتقرة لتنهي حديثها بقولها الساخر:
_"الست الدكتورة" اللي فاكرة نفسها هتصلح الكون !!
=======
وقفت ياسمين في الركن الخاص بها في المطعم تراقب العاملين بشرود ...
أحداث الأيام السابقة غريبة حقاً !!
لقد استمعت لنصيحة ياقوت وصارحت يامن بشأن هواجسها !
يامن الذي بدا مصدوماً في البداية قبل أن يسعى للتأكد من الخبر ...
والنتيجة ...لا شيئ!!
هي مجرد واهمة !!
سيلين ليست في مصر أصلاً!!
هل ترضيها هذه النتيجة ؟!!
الغريب أن لا!
هلاوسها هذه تزداد ضراوة مع اقتراب موعد ولادتها والمصيبة أنها لا تصدق أنها مجرد هلاوس!
إنها ترى سيلين حقاً!
تراها تتوعدها بعينيها ونظراتها لبطنها المنتفخ كأنما تترصدها وطفلتها بانتقام !!
ياقوت؟!
لقد أخبرتها هي عما اكتشفه يامن بذعر لتهون عليها الأمور بزعمها أن ما مرت به صعب حقاً ولا بأس أن تكون هذه من تبعاته ...
اقترحت عليها بعض الجلسات التي استجابت لها كمجرد ثرثرة في النادي دون اقتناع حقيقي ...
لا يمكن أن تكون قد وصلت إلى هذه الدرجة من الهلوسة !!
صوت رنين هاتفها يقاطع أفكارها فتبتسم وهي تتعرف إلى هوية المتصل ...
_إزيك يا عابد ؟! لو كنت أعرف إن البلد هتاخدك مننا كده ماكنتش وافقت يامن ع اللي عمله !
قالتها باشتياق حقيقي ليرد بود مماثل:
_أنا أيضاً افتقدتك ...كيف حالك ؟!ألم تصل الصغيرة بعد ؟!
لم يعد تحدثه بالفصحى يدهشها بل صار أيقونة مميزة ل"تدين حقيقي" تلمسه في أفعاله وليس مجرد "مظهر خارجي" كالسابق ...
لهذا ضحكت وهي تجاريه في طريقة حديثه
بالفصحى:
_نعم ...لم تصل بعد ...لازلت في الشهر الثامن ...النساء يلدن في شهرهن التاسع لو كنت تفطن لمثل هذه الأمور!
ضحكته العالية تطرب صدرها فتجزيه بمثلها لتعاود سؤاله بحذر مشفق:
_والدتك أخبارها إيه ؟!
_بخير ...تريد مني العودة لماليزيا لكنني أحاول إقناعها بالبقاء هنا مدة أطول ...أحببت صحبة الشيخ وأجواء القرية هنا .
جوابه يفضح لها ارتياحاً حقيقياً اطمأنت له روحها فصمتت للحظات لتعاود قولها بحنان راجٍ:
_ادعيلي يا عابد ...محتاجة دعاءك قوي!
_أنتِ بخير؟! هل آتِ إليكِ؟!
يهتف بها بجزع مستشعراً القلق في نبراتها لترد بضحكة مصطنعة :
_لو عليّ هتدلع عليك وأقوللك تعال ...بس حقيقي مش عايزة أتعبك ع الفاضي ...لكن اعمل حسابك من أول الشهر التاسع هاعلن حالة الطوارئ وأطالب الجميع باستنفار عام وقهري!
قالتها بدلالها الفطري الذي قابله هو بحنانه :
_لا تقلقي يا "وصية أبي" ...يكفيني منك نداء واحد !
ابتسمت برجفة قلب ذات شجن وهي تسمع منه هذا اللقب الذي صار يميزها به منذ التقاها بعد وفاة أبيه ...
وقد حكى لها عن رؤيا صديقه "الصالح" بمشهد أبيه وهو يحمل في يده "الميدالية الكريستالية الملونة"...وكيف اعتبرها من يومها وصية والده التي لن يفرط فيها أبداً!!
لهذا أغلقت معه الاتصال بقلب مطمئن لتعود لمراقبة عملها ...
الغريب أن هلاوسها ب"سيلين" اختفت تماماً بعدها كأنما "يذكيها" الفراغ و"يطفئها" شعورها بالحب ممن حولها كما أخبرتها ياقوت قريباً!
لهذا شعرت بالكثير من الارتياح وهي تغادر المطعم لتستقل سيارتها نحو بيت بيللا التي اقترب موعد عيد ميلادها...
هذا الذي تذكرته وهي تفكر في المرور على أحد المحلات كي تفاجئها بهدية تليق بها ...
لكنها ما كادت توقف السيارة جانباً حتى حانت منها التفاتة عابرة لمقعد السيارة الخلفي لتصرخ فجأة بهلع !!
صرخة كان لها ما يبررها وهي ترى لباس رضيع قد تلوث كله بالدم !!
==========
_رد يا يامن ...رد !!
هتفت بها بين صرخات بكائها المكتومة بينما تتحاشى النظر للخلف ولازالت قابعة في سيارتها ...
تمسك هاتفها بيسراها بينما كفها الأيمن يمسد بطنها برعب تتلمس حركة صغيرتها كأنما تريد التيقن من أنها بخير !!
_لا بقا!!!
صرخت بها بعجز وهي تخبط هاتفها بالمقعد جوارها بعدما أدركت أن هاتف يامن خارج التغطية !!
جسدها كله يختض بهلع وهي تختلس نظرة أخرى للمقعد الخلفي لم تزدها إلا رعباً !!
تهيؤات؟!!
هلاوس؟!!
حقاً؟!!
انهمرت دموعها غزيرة وهي تشعر بالرعب يجمد أطرافها ...
تمد أناملها ببطء مرتعب نحو المقعد الخلفي لتتحسس القماش الملطخ بالدم بينما تغمض عينيها ولاتزال غير قادرة على رؤيته من جديد ...
وهم ؟!!
هل هو حقاً وهم ؟!!
لا!!
إنها تستشعر خامة القماش الناعمة !!
هل أصيبت بالجنون حقاً؟!
تتلفت حولها بعجز وهي تحاول الاتصال بيامن من جديد ولما عجزت وجدت ملامحها تتجمد فجأة وهي تدرك أين هي ...
إنها قريبة تماماً من بيت ياقوت الذي عرفته يوماً ...
لا مجال لتفكير ...
فلتذهب إليها ولترَ بنفسها إن كانت هذه حقاً مجرد هلاوس!!
=======
بعدما حدث وفي هذا الوقت المتأخر من الليل لم تجد لها ملاذاً إلا شقته !
هذه التي أقسمت على نفسها ألا تدخلها أبداً !
لكن ما حيلتها وقد صارت نفسها الآن أهون عليها من أي وقت مضى؟!
عزاؤها أنه -هو- ليس فيها ...
ستقضي ليلتها ها هنا وتغادر صباحاً في أقرب قطار لقريتها ...
ستترك كل شيئ خلفها هنا لعلها هناك تلملم شظايا روحها المكسورة ...
بقايا "قناع قوتها " يمنحها بعض التماسك الذي
تلاشى سريعاً بمجرد أن أغلقت الباب خلفها ...
عيناها تجوبان المكان تستعيدان كل ذكرى تركها هنا ...
كيف يمكن أن يختزل العمر في دقائق؟!
أن يختزل الكون في بضعة أمتار؟!
أن تختزل المشاعر -كل المشاعر- في ضمة عناق؟!!
وأن يختزل اليأس في مكان خلا منه !!
لكن ...هل كان هو حقاً أملاً؟!
أم أنه فقط أثر الفراق الذي ينتزع من الأشياء قشرة سوادها ليغرينا بما فقدناه...فافتقدناه ؟!!
آهة خافتة تشق صدرها شقاً وهي تتذكر أنه لم يحدثها بكلمة منذ سفره ...
إنه حتى لم يطمئن منها على أخته !
لكن لما العجب؟!
هو اتبع درب العقل وكان من الذكاء ألا يتوه في دروب قلب اختار لظبيانه المرعى الخطأ!!
تعلم أنه أحبها!
لم يقلها لسانه لكنها سمعتها منه ألف مرة ...وبألف وعد ...
تماماً كما تعلم أنها أحبته ...
أنه كان "الأول" في كل شيئ...
أول حب خفق له قلبها بتمرد عاصٍ...
أول لمسة لجسد تفتحت تحت شمسه براعم أنوثته ...
وأول حلم يراوغها بمكر وقد ارتدى قناع "الحقيقة"...
لكن ...
آن لل"الجواد الآبق" أن يتلقى سوط وجعه كي لا يعود للهرب من السياج!!
الخاطر الأخير أجرى المزيد من الدموع على وجنتيها لتخلع عنها حجابها فتصطدم عيناها بمرأى وجهها في مرآة قريبة ...
وجهها الذي كادت تنسى تفاصيله منذ ألبسها بيديه ذاك "القرط"!!
لونه الأحمر الصارخ يترقرق في عينيها بلون الحب والألم !
أجل تماماً مثله !!
اختار هديته لتخترق لحم أذنها بذاك المزيج من
الألم والحميمية ...
اختارها قريبة معذّبة ...لكنها مغرية ...كهواه !!
خطواتها تنسحب نحو غرفة المكتبة التي لا تدري كيف صارت تألفها هكذا كأنما عاشت فيها ألف عمر ...
نظراتها تتلكأ على أريكة شاركها فوقها النوم يوماً كعاشقين ...
قبل أن توقظهما صحوة الإدراك !!
على الأرض مستقرة تلك الرواية منذ ليلتها ...
"نحن لا نزرع الشوك "...
أجل ...لا نزرعه ...ولا نريد حصاده ...لكنه يستعمر
الأرض تحت خطواتنا رغماً عنا ...
فأين المفر؟!
تتحرك ببطء نحو المكتب الفخم هناك ...
تستند على حافته بكفيها مطرقة الرأس ...
جسدها الذي أرهقها إعياؤه يكاد يستحلفها جلسة على الأريكة لكنها لم تستطع ...
لم يعد القلب الجريح يحتمل سهم اشتياق غادر ...
ولا ثوب الكبرياء يحتمل المزيد من "الرقع"!!
ستقضي ليلتها واقفة هكذا ...
لعلها تمرن نفسها بعده ألا تقع !!
لعلها تخدع هذا القلب أن له بعده غداٌ ...!
لم تدرِ كم ظلت واقفة مكانها تجتر ذكريات عناقاتهما واحداً واحداً...
لو يدرك أي خراب سيتركه في روحها برحيله لما فعلها ...
لكنها تعلمت بالطريقة الأقسى أنّا مهما ارتجينا لن نعيش العمر كله حالمين ...
_ياقوت!
هل سمعت صوته حقاً؟!
أم أن عقلها صار أشد بؤساً من قلبها حتى يخدعها بضلالاته ؟!
التفتت لتجده هناك واقفاً عند باب الغرفة يرمقها بنفس الذهول المصدوم كأنما لا يصدق هو الآخر أنها هنا ...
لحظة من الصمت المشحون بمشاعرهما مرت بينهما قبل أن يختصر هو الطريق بينهما لتجد نفسها من جديد بين ذراعيه ...
العناق الحادي عشر ...
بمذاق "الاشتياق"!!
الاشتياق الذي أذابهما معاً وهو يشعر بها لأول مرة تبادله عناقه !!
أجل ...ذراعاها كانا يتعلقان بعنقه بقوة توازي ضعفها هي الآن !!
قوة جعلته يكاد يعتصرها بين ذراعيه وهو يستعيد مرارة كل لحظة قضاها دونها ...
لم تكن وحدها من يستعيد مذاقات عناقاتهما واحداً تلو الآخر ...
هو أيضاً كان يحترق بنيران فقدٍ تفحمت معها روحه فلم تزهر إلا عندما رآها من جديد ...
هنا !
وأي دلالة أعظم من أن يجدها ...هنا ؟!
كأنهما قالبان من ثلج جمدهما الكبرياء وأذابهما لفح الحنين!!
_لو قلتلك وحشتيني ...هتصدقيني ؟!
يهمس بها بنبرته القوية التي زادتها مشاعره ثقلاً بينما يردف :
_وحشتيني لدرجة إني قابل إن حياتي كلها تتقلب عشانك !!
لكنها لم تكن -تستمع- فضلاً عن أن -تصدق-!!
"أحداث الساعات الأخيرة" كانت كالقطرة التي فاض بها البئر !
الوهن الذي ينخر في روحها كالسوس لم يدع مجالاً لأي قوة !!
تهديد "جيلان" العاصف منذ قليل يصيب هدفاً بكبريائها الذي أذلوه !!
صوتها الملطخ بحقدها لايزال يدوي في أذنها من ساعتها عقب خروجها من القسم ...
_أنا اللي خرجتك من هنا زي ما دخلتك ...اعرفي قيمتك بقا وارجعي بلدك يا شاطرة ...مالكيش دعوة بولادي ...المرة دي قرصة ودن خفيفة...المرة الجاية أوعدك تشرفي مع جدتك في نفس الزنزانة لحد ما تعفني هناك .
فلتنظر للجانب الوحيد المشرق هاهنا ...
إسلام لم يخدعها ...
هي لم تخطئ قراءة حنانه على أي حال !
لكن لتدرك قيمتها حقاً ولتتوقف عن الركض في مضمار ليس لها !!
لهذا بقيت صامتة ك"ليل صحراء" في كنفه....
فقط دموعها كانت تترجم كل هذا بينما ترتجف بقوة بين ذراعيه ليبعدها عنه أخيراً وقد ساءه صمتها هذا ليهمس بقلق:
_بتعيطي كده ليه ؟! وإيه اللي جابك هنا الليلة دي ؟! أنا رجعت من السفر امبارح على هنا ومالقيتكيش !
لكنها ترفع إليه عينين ذابلتين ولازالت لا تصدق هذا كله ...
كأنما مصائب الأيام السابقة كلها قد انزاحت غشاوتها عنها الآن فقط ...
وقد صار السقوط فريضة !!
_أنا تعبت ...تعبت قوي يا زين.
بلسان "غير لسانها" تقولها كأنما نزفتها روحها في غفلة عن سيطرتها المعهودة ...
نزفتها بآخر "جناح" قصوه لها منذ ساعات !!
لتجتاحه كلماتها كإعصار!!!
ليس فقط من النبرة الذبيحة التي ظللت حروفها ...
بل من "اسمه" الذي يسمعه منها لأول مرة ...!
لا...
لم يكن مجرد نداء لاسمه !
وكيف وهي تنطقه ك"تميمة" تلوذ بها من ضعفها ...
ك"لحن يائس" تدرك أن لن يسمعه سواهما ...
بل ك"استغاثة غريق" يلفظ معها آخر أنفاسه !
ومن هو كي لا يلبي؟!!
جسدها يكاد يتهاوى بين ذراعيه بهذه الرجفة القاتلة وعيناه تتشبثان بنظراتها بمزيج من رجاء وقلق ...
مارد "جنونه" الذي طالما تباهى بقدرته على إلجامه
الآن يتحرر ليعربد بين حنايا روحه ...
فيرجها رجاً بين ذراعيه هامساً بها بأنفاس لاهثة :
_قوليه تاني ...قوليه !
لم تكن تعي ما يقول!
ذهنها الغائب ارتاح في غيبوبة اختيارية فر إليها عقلها بعد عجزه عن الصمود ...
فقط شفتاها انفرجتا ببطء و"القمران السجينان" في عينيها يبزغان له كأوضح مرة يراهما فيهما ...
دون غيوم !!
هنا فقد سيطرته تماماً على مارد جنونه وشفتاه تطاردان بقايا "تعويذة اسمه" على شفتيها ...
العناق "الثاني عشر"...
بمذاق الرغبة الحسية الخالصة هذه المرة !!
لم يشعر أبداً في حياته بهكذا امرأة تثير حواسه حد هذا الجنون !!
انصهاره بها لم يشبه ولو من بعيد أي إحساس مشابه ذاقه ...
كأنما هاهنا فقط أدرك اللذة التي اشتهاها في كل النساء!!
بينما ازداد تهاويها بين ذراعيه ك"جبل" نسفوه -لتوه!!
تتلقى عاطفته الجموح ب"اشتعال منطفئ"...أو "انطفاء مشتعل" !!
كأنما انفصلت في ثانية ل"جسد" يشاطره نشوته ...
و"روح" هائمة تتلقفها الذكريات تتلظى بجحيمها دون معين ...
لكن المشهد القديم يطفو للسطح فتهوي مشاهده
كالسياط تجلدها ...
السكين ...
الجلباب الأحمر ...
الوشاح الممزق ...
السكين ...
الأصابع الغليظة ...
الصوت الثمل ...
السكين...
الساعة المكسورة ...
السكين ...
السكين ...
السكين !!!
ليلتها كانت عائدة من لعبها بالخارج ...
طفلة ذات عشر سنوات لاتزال براءتها تكلل ملامحها ...
اندفعت نحو غرفة ثمر ذات الباب الموارب لتفاجأ بأمها تبكي وهي تحكي لثمر عن واقعة تلك الليلة التي انتهكها فيها حسين ...
تروي لها التفاصيل تبرئ نفسها ...
فاختبأت خلف الباب تستمع بفضول تحول لرعب ...
كيف حاول في البداية إغراءها بذاك الجلباب الأحمر الذي أهداها إياه وطلب منها ارتداءه لكنها رفضت ...
كيف انتهز فرصة غياب زوجته ليختلي بها في مطبخ بيته ...ينقض عليها ...يمزق وشاحها وقد أفقدته الخمر عقله ...
كيف حاولت المقاومة بدفعه لكنه دفعها بدوره لترتطم بالحائط فتسقط الساعة الجدارية من مكانها ...
وتسقط هي معها ...
تلمح سكين المطبخ في متناول يدها ...لكنها تجبن عن فعلها!!
_ليه ما قتلتوش بالسكينة ؟! ليه ما غرزتهاش في صدره زي ما غرز عاري في صدري وصدر بناتي العمر كله ؟! والله يامّه لو رجعت بي الأيام كنت عملتها وماندمتش ...بس هو نصيبه يعيش ...وأنا وبناتي نتدفن بالحياة !
كلمات أشواق التي صارحت بها أمها انحفرت في ذاكرتها ليلتها ...
تخدش براءة طفلة لم تتعرف على هذا النوع من
العلاقات إلا بأسوأ وجوهه ...
لم تشعر بنفسها ليلتها إلا وهي تهرب من بيت ثمر للساقية القديمة تختبئ خلفها ...
تستعيد المشهد بذهنها قسراً لا طوعاً ولا تدري أنه لن يغادر مخيلتها ماعاشت ...
خاصة وقد كانت هذه آخر ليلة عاشتها أشواق!!
أجل ...وجدوها صبيحتها ميتة في فراشها كأنما قتلها "قهر الاعتراف"!
أو كأنما أرادت استجداء غفران ثمر وقد شعرت بدنو أجلها !!!
لهذا ظل المشهد الأليم مرادفاً لنهاية "أشواق" في ذهنها ...
يقرع الأجراس بين دهاليز روحها كي لا تنسى ...
كي لا تسقط ...
طوال عمرها وهي تتهمها بالتقصير ...بالتخاذل ...
لو لم تضعف حينها لما نالهن ما نالهن !!
وعيها يعود إليها الآن جزئياً لتشعر فجأة بعريها هي !!
كيف سقط قميصها لتجتاحها لمساته بهذا الشعور الحارق ؟!!
جسدها "الخائن" يستجيب بأناته ...
وعقلها الذي استرد بعض شتاته يصرخ بها أن أفيقي!!
_لا ...زين ...لا...!
تكررها بصوت مرتجف لم يعد يفرق ماضياً من حاضر ...
بل لم يعد يميز شخصاً من آخر ...
هي ياقوت أم أشواق؟!
هو زين أم حسين؟!
بينما لم يكن هو قادراً على كبح جماح جنونه وتكرارها لاسمه يشعره بها قريبة كما لم تكن من قبل ...
ولو أدرك الحقيقة لفهم أنها لم تكن يوماً أبعد منه
الآن ...
وأن استجابتها لم تكن رغبة بل سقوطاً!!!
كفاها يتخاذلان عن صدره أخيراً لتستند بهما على حافة المكتب خلفها ...
عقلها لا يزال يصرخ بها أن تقاوم ...
فتجاهد نفسها كي تفيق ...
أناملها تتعثر ب"فتاحة الخطابات" هناك فيراها عقلها بعين الماضي ...
"السكين "!
الصور تتداخل في ذهنها والمقاومة "الواهية " تتحول لأخرى شرسة وهي لا تدري أي صورة ترى ...
فقط عندما سمعت صرخته المكتومة أدركت ما اقترفته يداها ...
لتتلاشى كل الصور فجأة فلا تميز أخيراً إلا صورته وقد سقط أمامها والدم ينزف من عنقه حيث أصابته فتاحة الخطابات !!
تشهق شهقة عالية كأنما هي من ذبحت !!
جسدها يتجمد بصدمته وكأنما فارقتها الحياة ...
__مش حقيقي ...ده كابوس ...كابوس!!
تتمتم بها بانهيار وجسدها يرتد لانتفاضته قبل أن تتحرك كالمغيبة لترتدي قميصها وتعدو مغادرة الشقة هاربة -مما تظنه-كابوساً يطاردها ...
بعد دقائق عبر الباب المفتوح ...
تدخل ياسمين بعدما طرقت الجرس لتتقدم نحو الداخل بحذر وهي تنادي باسم ياقوت ...
قطرات من الدم على الأرض لفتت انتباهها لينقبض قلبها بجزع وهي تفتش في المكان ...
قبل أن ينقبض قلبها برعب والصدمة تلجمها مكانها عندما تتبين هوية الجسد النازف أمامها !!
========
الصدمة تجمدها مكانها للحظات لتحيط بطنها بكفيها بحركة حماية غريزية ...
زين ؟!
هنا ؟!
لماذا؟!
ومن الذي فعل به هذا ؟!
هل تكون ياقوت ؟!
كيف؟!
والأهم ماذا ستفعل هي الآن ؟!!
رنين هاتفها برقم يامن يخرجها نسبياً من صدمتها فتتأمله برعب ...
يامن ...
ماذا ستكون ردة فعله لو أخبرته ...
هل سيصدقها ؟!
نظرة عابرة لجسد زين عاري الجذع تقبض قلبها أكثر بشعور بالرعب ...
تستعيد مشاهد الفيديو بجزع ملتاع وتتصور استنتاج يامن لو رآه الآن ...
لكن ماذا عن زين الذي ينزف هذا ؟!!
هل ستتركه يموت ؟!!
لحظات تردد طالت قبل أن تحسمها مضطرة ...
تفتح الاتصال لتجيب بسرعة:
_الحقني يا يامن ...بسرعة...
_انتِ فين ؟!
دموعها المنهمرة تختلط بحروفها وهي تهتف بانهيار:
_مش هتصدقني ...مش هتصدق ...
_انتِ فييييين؟!
يصرخ بها بقلق لتحكي له الحكاية بحروف متلعثمة ليغلق الاتصال في وجهها بسرعة ...
قبل أن تجده أمامها في دقائق مرت عليها كدهور وهي لا تدري ماذا سيحدث ...
تستقبله بملامحها المصدومة مع مروان الذي تصادف وجوده معه عندما كانت تهاتفه ...
نظراتهما تلتقي للحظات مشتعلة هادرة ليزيحها هو جانباً يطالع المنظر بغضب ...
قبل أن ينحني مروان فوق جسد زين يتفحصه بسرعة بينما تناول يامن هاتفه ليتصل بنجدة سريعة ...
صوت نشيجها المكتوم أمامه يجعله يرفع عينيها إليه وسلطان وساوسه يعاود بسط سلطانه ...
حكايتها عن أن هذه شقة ياقوت تبدو صعبة التصديق ...
لو أن هذه شقة ياقوت ما الذي يفعله زين هذا هنا عاري الجذع هكذا ؟!!
مشاهد متفرقة من "الفيديو القديم" تعاود غزو مخيلته فيكاد يفقد عقله ...
لكن ...لا!!
لن يعود لهذه الدوامة من جديد !!
لن يكفر بهذا العهد الجديد الذي أخذه على نفسه ...
ياسمين هي "مركز" إيمانه وما حولها مجرد دوائر تلتف مراوغة ...
هي وحدها "الحقيقة" وما دونها زيف مهما تشوشت الصورة !!
الصراع صعب...
لكنه سيحسمه !
ولو كان هذا اختبارهما الأخير فسيجتازه بجدارة !!
لهذا عقد حاجبيه بعزم وهو يستقيم بجسده ليتقدم منها عبر نظراتها الزائغة التي تفضح رعبها ...
لكنه ضمها إليه بقوة مهدئاً ليصلهما قول مروان المطمئن الذي حاول فيه كظم انفعالاته بعد تعامله
الأوليّ مع جرح زين النازف:
_ماتخافوش الإصابة مش خطيرة قوي...غالباً هو أغمى عليه عشان اتخبط في الكنبة دي مش من النزيف .
لكن يامن هتف مخاطباً ياسمين بحزم :
_أنا طلبت الإسعاف عموماً بس انتِ لازم تمشي حالاً.
_أمشي إزاي ؟! لا مش...
_ياسمين ...اسمعي الكلام !
صرخ بها هادراً لتفضح لها هذا الصراع الداخلي الذي يقاومه فتصرخ به هي بدورها :
_انت مش مصدقني ومش هتصدقني ...بس أنا مش جبانة عشان أهرب من حاجة ماعملتهاش .
نقل مروان بصره بينهما بتوتر وهو يدرك صعوبة الموقف على يامن إزاء تاريخهما المشترك مع زين ...
لكن يامن أطلق نزيف انفعاله في زفرة ساخطة قبل أن يعاود ضمها إليه محاولاً السيطرة على انفعالهما معاً:
_لو مش مصدقك ماكنتش فضلت هنا ثانية واحدة ...كنت هربت زي زمان ...لكن الوضع صعب دلوقت ووجودك هنا هيأزمه ...عشان خاطري ...عشان خاطر يمنى ...روحي دلوقت وأنا هاتصرف .
_يامن معاه حق يا ياسمين ...الحقيقة كده كده هتبان ...بس وجودك انت بالذات هيصحي اللي فات وهيدخلك في إشاعات مالهاش لزوم .
هتف بها مروان بحسم مدركاً خطورة الموقف على جميع الأطراف ...
ياقوت وزين ؟!!
ما الذي جمع هذه بذاك ؟!!!
_مفيش وقت ياللا !!
هتف بها يامن بحزم صارم فرفعت عينيها إليها بتردد لكن النظرة التي مزجت القلق بالرجاء في عينيه جعلتها تحسم أمرها ...
يامن يثق بها!
يؤمن بها !!
يكذب عينيه في مشهد رهيب كهذا ليصدقها هي !!
هل هذا صحيح ؟!
أم أنها فقط مجرد دعوى كاذبة ؟!
انقباضة مؤلمة في بطنها جعلتها تطلق آهة ألم خافتة وهي تضع كفها عليه ...
_وصلها يا مروان ...ماينفعش تروح لوحدها دلوقت في حالتها دي ...أنا اللي هافضل هنا .
هتف بها يامن بجزع ليتردد مروان للحظات في تركه هنا يواجه الموقف وحده...
لكنه كان يدرك أن حاجة يامن في إبعاد ياسمين أقوى لهذا ربت على كتفه مؤازراً مع قوله :
_هاوصللها وأرجعلك .
قالها ليتحرك مع ياسمين التي رمقت يامن بنظرة طويلة تدفقت بمشاعرها الصاخبة نحوه لتغادر مرغمةً وهي تشعر بآلام بطنها تزداد ...
وفي مكانه وقف يامن يراقب جسد زين بتشتت وصراع نفسه يزداد احتداماً ...
لكنه زفر أخيراً بقوة وهو يغادر الغرفة نحو الخارج يتفحص المكان ...
لو كانت هذه شقة ياقوت فما التفسير لما حدث ؟!
هل هي من فعلت بزين هذا ثم هربت ؟!
جسده العاري لا يترك له سوى تفسير واحد خاصة مع فكرته السلبية عنه !!
أطلق سبة خافتة وهو يتحرك في المكان محاولاً البحث عن أي شيئ يخصها ...
لا شيئ!!
عيناه تصطدمان أخيراً بوشاحها ذي الألوان الفاقعة المميزة الذي يعرفه والذي وجده ملقياً هناك أمام الباب ...
يبدو أن هروبها السريع أفقدها إدراك شيئ كهذا !!
صوت سارينة الإسعاف يصله مكانه فيقلب الوشاح بين يديه للحظات ...
ياسمين لم تكذب!!
ياقوت كانت هنا حقاً !!
كز على أسنانه بغضب وهو يعاود السباب بخفوت قبل أن يأخذ قراره ليطوي الوشاح ويخفيه في جيب سترته قبل وصول أحدهم ...
========
_ما تجيبش سيرة ياقوت في التحقيق ...
قالها رائد بحزم راجٍ مخاطباً يامن الذي انتحى به جانباً في المشفى الذي نقل إليه زين ...
رائد الذي تحرك فوراً بمجرد أن أخبره الحرس الشخصي لزين عن الأمر والذي كان ينتظره أسفل العمارة حسب أوامره .
رمقه يامن بنظرة متفحصة سبقت قوله المقتضب:
_كده كده مكنتش هجيب سيرتها .
تبادل الاثنان نظرة متوترة قبل أن يشيح رائد بوجهه وهو يشعر بالغضب ...
عندما أخبروه بما حدث هرع إلى هنا ليستنتج بذكائه ما كان ...
لكن ما لم يستوعبه هو تصرف ياقوت المتطرف هذا !!
هو يعرف زين جيداً ...
يعرف أنه لم يكن ليرغمها على فعل شيئ غصباً !!
فأي انفعال أوصلها لهذه الدرجة من الانفلات ؟!!
المصيبة أن هاتفها اللعين لا يرد !!
خرجت هاربة دون وشاحها وحقيبتها لكن يبدو أنها تحتفظ كعهدها بهاتفها في جيبها ...
فلماذا لا تجيب ؟!
حدسه يخبره أنها ليست بخير ...
أنها ربما الآن تحتاج المساعدة أكثر من زين نفسه الذي طمأنه الأطباء أن الإصابة ليست خطيرة لكن تزامنها مع جرح الرصاصة القريب يجعله بحاجة للمكوث هنا بعض الوقت حتى يسترد عافيته .
_ياقوت تعرفه منين؟!
سؤال يامن ينتزعه من شروده ليرمقه بنظرة طويلة صامتة ...
يبدو أنه قد آن أوان رد الجميل !!
خاصة أن يامن هذا يوحي بالثقة وهو لا يريد به إساءة الظن بها !!
لهذا زفر زفرة قصيرة ليرد :
_أنا هاقوللك الحقيقة بس تفضل سر بيننا ...ياقوت ماتستاهلش تتبهدل في حوار زي ده ...وأنا عن نفسي هاحل مشكلة التحقيق وشهادة بواب العمارة ...هاقول إنه ممكن يكون هجوم من نفس الناس اللي ضربت علينا نار قبل كده .
عقد يامن حاجبيه بقوة وهو يمنحه وعده لتتسع عيناه بصدمة مع سماع التفاصيل ...
زين تتبع ياقوت لأجل ياسمين في البداية عبر
علاجها لأخته ...قبل أن يجبرها على الزواج منه سراً مستغلاً مرض شقيقتها هي!!
_قريبك ده ندل ويستاهل أكتر م اللي جراله ...خسارة إن ياقوت ماكملتش وخلصت عليه !
هتف بها يامن بانفعال غاضب ليرد رائد محاولاً تلطيف الموقف:
_مش هدافع عنه دلوقت بس مافتكرش الوضع ده هيطول ...زين أكيد هيصلحه أول ما يفوق .
_غصب عنه هيصلحه ...هو فاكرها غلبانة ومالهاش حد ؟! قسماً بالله لو ...
عاد يامن يهتف بها بانفعال ليقاطعه رائد بقوله محاولاً تهدئته :
_اهدا يا دكتور ...مش عايزين شوشرة...الفضيحة دلوقت مش في مصلحة ياقوت نفسها ...أوعدك وعد شخصي الموضوع يتحل أول ما يفوق ...الحاجات دي لازم تتحسب بالعقل .
احمر وجه يامن بانفعاله الساخط وهو يحمد الله سراً أن انتهى الموقف هكذا بأقل قدر من الخسائر ...
لكن هل انتهى حقاً ؟!
ماذا عن ياقوت ؟!
أين هي وكيف حالها الآن ؟!
وياسمين ؟!
هل حقاً ترى ما تراه أم أنها فقط مجرد هلاوس ؟!!
لهذا زفر بقنوط أخيراً وهو يلوح في وجه رائد بسبابته هاتفاً :
_أنا هاصبر لحد ما ياقوت تظهر وأتفاهم معاها ...وقريبك الندل ده حسابه تقل معايا قوي ...فهمه يحلها بالذوق وإلا ورب الكعبة أطلع عليه القديم والجديد !
=======
في شقة والدتها القديمة تفرش سجادة الصلاة لتؤدي صلاة خاشعة تتضرع إلى الله أن يمر الموقف على خير ...
دموعها تغرق وجنتيها وهي تشعر بانفعالات هذه الليلة تكاد تفقدها صوابها ...
آلام بطنها هدأت قليلاً لكنها لا تزال تستشعر هذه الوخزة في صدرها ...
مروان طمأنها على مصير زين لكن يامن لا يرد على اتصالها ...
تراه غضب منها لأنها أتت إلى هنا بدلاً من أن تعود لشقة بيللا كما يفترض؟!!
أم أنه لا يزال يرزح تحت وطأة وساوسه ؟!!
صوت جرس الباب يقاطع أفكارها فتتحرك ببطء لتفتحه ...
لا ريب أنه يامن !!
يالله !!
كم تخاف هذه المواجهة !
لو خذلها هذه المرة فلن تلومه !!
لهذا ما كادت تفتح الباب حتى أغمضت عينيها بقوة كأنها تخاف اتهام نظراته ...
لكنه أزاحها برفق ليدخل ويغلق الباب خلفه متسائلاً بنبرة عاتبة :
_إيه اللي خلاكي تروحي على هنا ؟!
_كنت مدياك فرصة تفكر!
قالتها ولا تزال تغمض عينيها خشية مواجهة نظرة شك تعيدهما لنقطة الصفر ...
لكنه اقترب منها ليحيط خصرها بساعده فيضمها نحوه هامساً :
_في إيه ؟!
هنا لم تستطع منع شهقاتها الباكية وهي تخفي وجهها في صدره فربت على ظهرها مهدئاً قبل أن يرفع ذقنها نحوه ليردف بنبرة واثقة :
_لو كنت شاكك فيكِ للحظة ماكنتش وصلت لحد باب بيته ...كنت عملت زي ما عملت زمان وطلقتك غيابي من غير حتى ما أفكر ...
ثم ابتسم ابتسامة شاحبة وهو يمسح دموعها بأنامله ليردف :
_مش انتِ بس اللي كنتِ خايفة مانعديش امتحان صعب زي ده ...أنا كمان كنت مرعوب أرجع للدوامة دي تاني بعدما صدقت إني خلصت منها ...المرة دي بجد حسيت إني فعلاً خفيت ...إن وساوس زمان ماعادلهاش أي وجود ...وحتى لو كان المنظر أصعب من كده ألف مرة كنت هاكدب عنيا وأصدقك انتِ!
ابتسامته الشاحبة تنتقل إليها لتهمس بانفعال:
_ياقوت كان معاها حق لما قالتلي أصارحك بكل حاجة وماعدتش أخبي ...
ثم شهقت لتهتف بإدراك والحقائق تختلط في ذهنها المتوتر :
_ياقوت ؟! صحيح!! هي فعلاً كانت هناك ؟!!
فتنهد بحرارة وهو يستخرج وشاح ياقوت من جيبه ليفرده أمام عينيها المستنكرتين ...
قبل أن يحكي لها كل ما عرفه ...
لتهتف أخيراً بذهول :
_مش ممكن !! ياقوت مراته ؟!مراته ؟!!
_ماتعصبنيش وتكرريها !! يشمّ نفسه بس وأخلليه يطلقها ال"...." ده !!
هتف بها بحدة مطلقاً سبة عابرة والموقف كله يجعل الدماء تغلي في عروقه ...
فانفرجت شفتاها وهي على وشك قول شيئ تراجعت عنه بحكمة ...
تريد الدفاع عن زين لكن هذا ليس موضعه !!
أجل ...هي تفهم زين جيداً ...
من المستحيل أن يكون بهذه البشاعة التي يحكي عنها يامن ...
قد تصدق أنه يسعى خلف ياقوت لأجل تخليصها من يامن مادام يظنها كارهة له ...
لكن أن يستغل مرض شقيقتها ليجبرها على الزواج منه !!
أن يغصبها على علاقة معه فلا تجد سوى الدم كي تنقذ نفسها منه !!
لا لا لا ...
هذا الأمر لن يتقبله عقلها أبداً !!
لابد أن تعرف الحقيقة من ياقوت !!
لهذا هتفت به بانفعال وهي تتحرك لتحضر هاتفها :
_ياقوت فين دلوقت ؟! لازم نعرف اللي حصللها !
_ما تتعبيش نفسك ...تليفونها ما بيردش .
هتف بها بضيق وهو يستعيد قرابة مائة محاولة حاول فيها الاتصال بها دون جدوى ....
لتهز رأسها بضيق مشابه بينما أردف هو وهو يستعيد الدقائق السابقة :
_وبالمناسبة أنا عديت شفت عربيتك ...
فارتفع حاجباها بترقب وكانت قد نسيت شأن ما دفعها للذهاب لياقوت أصلاً ...
فمضت تمسد بطنها قلقة لتهتف بصوت مرتجف:
_بهلوس؟!
لكنه هز رأسه نفياً ليقول بشرود :
_أنا شفت اللي شفتيه ...بس برضه متأكد إن سيلين مش في مصر ...فيه حاجة لسه غامضة !
قالها وهو يسترجع المشهد الذي رآه في سيارتها وجعله يعذرها في انهيارها وذهابها المفاجئ لياقوت ...
إذا كان هو قد شعر بانقباضة صدره وهو يرى المنظر ...
لكن السؤال هنا ...
ما الذي يحدث بالضبط ؟!
تغاضى عن خواطره القلقة مؤقتاً وهو يراقب شحوب ملامحها ...
ليتقدم منها ويضمها إليه بحنان هامساً :
_أياً ما كان اللي بيحصل أوعدك مش هاسمح بحاجة تأذيكِ أو تأذي بنتنا ...اطمني ...
"اطمني"!
مجرد كلمة من خمسة أحرف لكنها -وللعجب- حملت لها أمان العالم كله !!
فلم تشعر بنفسها وهي تخفي وجهها في صدره كأنها ترمي الدنيا كلها خلف ظهرها وتستقبل دنياها الخاصة بين ذراعيه !!
تنسى هذه الليلة العصيبة بكوارثها وتذوب بهذه العاطفة التي تشع كشمس دافئة بين ذراعيه ...
_الليلة دي كانت صعبة قوي ...تعالي استريحي .
يهمس بها بحنانه المعهود وهو يتحرك بها نحو غرفة النوم هناك ليمددها برفق فوق الفراش ...
قبل أن يميل على بطنها بقبلة ناعمة بينما يربت عليه بقوله :
_البنت دي شافت كمية مغامرات معاكِ تخلليها تطلع المفتش كرومبو !
فانفلتت منها ضحكة قصيرة صافية جعلته يتنهد بارتياح وهو يتمدد جوارها على طرف الفراش قبل أن يضمها إليه ليسند رأسه على صدرها هامساً :
_هنفضل متلطمين في بيوت الناس كده ؟! شوية عند الست والدتي وشوية عند الست والدتك ؟!مش نرجع بيتنا بقا يمكن النحس يتفك !
كانت تعلم أنه يحاول التسرية عنها بمزاحه هذا رغم ما عاناه بدوره من قلق لهذه الليلة العصيبة ...
وقد كان هذا يساوي لديها ألف كلمة غزل!!
الآن فقط يمكنها الاطمئنان لما بقي لهما من عمر!!
يامن تخلص من سلطان وساوسه حقاً !!
لو كان أحدهم أخبرها أن ليلة كهذه ستنتهي بها بين ذراعيه لاتهمته بالجنون ...
لكنها الآن فقط تشعر أنهما قد وصلا سوياً لبر
الأمان ...
أن رباط الحب الذي اشتد وثاقه في قلبها منذ سنوات الآن يجد مثيله في قلبه هو ...
الآن يمكنها الوثوق أنهما التقيا فلن يفترقا...!!
_يامن !
_مممم؟!
_شكراً يا طيب!
تهمس بها بنبرة تدفقت بعاطفتها بينما تقبل جبينه بعمق ليرفع إليها عينيه بهمسه :
_دلوقت بس حاسس إني سامعها منك دافية زي زمان ...عارفة ؟! الليلة دي عايزة حدوتة من بتوعك ...مش عايز غير إني أنام على صوتك وبس!
قالها وهو يمسد بطنها برفق بينما يحمد الله سراً أن هدأت الأمور بعد انفعال الساعات السابقة ...
بينما ضمت هي رأسه بذراعيها لتسند ذقنها عليه وتبدأ في الرواية ...
حتى استسلم كلاهما للنوم ...
يشرق الصباح عليه فيجد الفراش خالياً منها ...
ينعقد حاجباه بخوف وأحداث الليلة السابقة لا تزال تؤرقه ...
فيندفع للخارج ليجدها واقفة في المطبخ ...
_عملتلك سينابون كراميل ...عارف بقالي أد إيه ما عملتوش؟!
تهتف بها بنبرة مشرقة تذيب مخاوفه ...
فيتقدم نحوها بابتسامة تليق بقوله :
_والله زمان يا شيف!
يقولها وهو يجمع لها شعرها على جانب كتفها ليبدأ في صنع جديلته الأثيرة لها قبل أن يطبع على شفتيها قبلة عميقة سبقت همسه الدافئ:
_بحبك .
عيناها تدمعان من فرط شعورها لتنثر قبلاتها الناعمة فوق وجهه قبل أن تسحبه من ذراعه لذاك
الإصيص من الزرع هناك حيث كانت قد دفنت خاتمه ...
هذا الذي استخرجته الآن لترفعه أمام وجهه هامسة بكل الأمان الذي صار يغرسه بين ضلوعها :
_دلوقت بس ممكن أرجع ألبسه ومااقلعوش تاني أبداً ...دلوقت بس ممكن نرجع بيتنا !
=======
_والله العظيم ماعملت لها حاجة ...انا لقيتها وقعت قدام العربية لوحدها !
هتف بها سائق السيارة أمام إسلام وهو يقف معه أمام الغرفة التي نقلت إليها ياقوت في المشفى ليرمقها إسلام من خلف نافذة الغرفة الزجاجية بنظرة مرتعبة وهو يرى الدم الذي لوث ذيل تنورتها ...
عجباً !!
جسدها ليس مجروحاً ...
مجرد كدمة خفيفة إثر سقوطها أمام السيارة فمن أين أتى هذا الدم ؟!
والأغرب ...أين وشاحها ؟!
ما الذي يجعلها تخرج هكذا دون حجاب ؟!
هل هي صدمتها بما فعلته أمه ؟!!
تباً!!
لقد كاد يفقد عقله عندما أخبره الجيران بالفضيحة التي حدثت في غيابه !!
لم يتصور أبداً أن تجرؤ والدته على فعل شيئ كهذا !!
لكنه لن يمررها لها أبداً !!
_لو جرالها حاجة هاوديك في داهية ...مابتفوقوش وانتو سايقين ليه ؟! وفين طرحتها ؟! انطق عملت فيها إيه !!
صرخ بها إسلام بحدة وهو يمسك بتلابيب الرجل ليرد الرجل مدافعاً:
_يمين الله ما عملت حاجة ...هي كانت كده ...أنا ضربت كلاكس عشان تقف بس هي كانت سرحانة في وادي تاني ...وأول ما العربية وقفت لقيتها فجأة وقعت ...دورت على أي حاجة تثبت شخصيتها
مالقيتش غير تليفونها ...جربت كل الأرقام لحد ما رقمك رد ...وبعدين جبتها دوغري على هنا !
قالها محاولاً درء التهمة عن نفسه ليخرج الطبيب من الغرفة فيحاول تخليصه من يد إسلام قائلاً :
_شكله معاه حق ...اللي عندها ده صدمة عصبية !
توقف إسلام عن قتال الرجل ليلتفت للطبيب بقلق بينما الأخير يردف بنبرة آسفة :
_هنضطر نحجزها هنا كام يوم لحد ما نطمن ...مافتكرش هتقدر تتكلم دلوقت .
=======
مادامت كل الطرق لا تؤدي إليكِ ...
فلتبقيْ أنتِ عصفوراً "على الشجرة" خيراً من أن تكوني في يدي!
مادمتُ "السجين" بقبو ذنبي ...
فلتبقيْ أنتِ المحلقة في سماء بلا قضبان ...
مادام ما بيننا ثرياً ك"جنة"...فقيراً ك"سراب"...
فليبقَ مستحيلاً ك"ثمرة محرمة"!
مادمتِ أنتِ أنتِ...ومادمتُ أنا أنا ...
فلنبقَ نسير في طريقين متوازيين ...أبداً أبداً لا يلتقيان!
"سيف"!
========
من قال إن "المتوازيان" لا يلتقيان؟!
كم جلست مبتسمة أرى القدر يدور بهما فيتقاطعان ...ينصهران...ثم -بغرابة- يمتزجان
فلا ينفصلان !
من قال إن السجين بقبو ذنبه سيموت مرجوماً بخطيئته ؟!
أو أن السراب "المظلوم" دوماً خادع؟!
هاتِ يدك واسأل مثلي عن جميل هدايا القدر...
لا يزال خلف الغيوم طريق...
ولا يزال في العمر عمر...
و"الحلم" العتيق لا يزال ينتظر تأويلاً...!
"غادة"
=========
_الست قريبة آنجيل دي مش مريحاني!
هتفت بها إيناس صباحاً وهي تعدل لغادة وضع حجابها أمام المرآة بحركة أمومية خالصة جعلت
الأخيرة تقبل وجنتها بحنان قبل أن تنتبه لكلماتها فتسألها بقلق:
_ليه؟! سيف بيقول إنها غلبانة ...ومساعدته ليها بتخفف ذنب آنجيل عن كتافه .
لكن إيناس تمط شفتيها باستياء لترد :
_ده لو في حدود الطبيعي ...لكن دي تقريباً ما صدقت ...ماعدناش عارفين نتلم عليه ...وبصراحة ...حاسة إنها بترسم على حاجة أكبر .
_زي إيه ؟!
سألتها غادة وشعور القلق ينتقل إليها وقد انتبهت لسبب تباعد زياراته عنهم مؤخراً ...
لترد إيناس بضيق:
_ربنا يخلف ظني ...بس إحساسي إنها عايزة تورطه في جوازة ...لابسة له وش الغلبانة اللي كل الرجالة طمعانة فيها ...وبتضغط على نقطة إنها خايفة تقع في واحد معندوش ضمير وتموت بحسرتها زي آنجيل .
اتسعت عينا غادة بارتياع وهي تدرك خطورة الوضع!!
سيف لم يتعافَ تماماً من شعوره بالذنب نحو زوجته السابقة ...
ووجود قريبتها هذه -كما تصفها إيناس- ربما يجعله يضعف بدافع النخوة ورد الدين!!
لكن ...هل يصل الأمر به لهذه الدرجة ؟!
حد أنه يضحي بمستقبله ويتزوج امرأة لا يحبها !!
_صباح الخير!
يقولها علاء بمرح قبل أن يلاحظ وجوم كلتيهما فيمط شفتيه باستياء ليخاطب غادة بقوله :
_مادام وش الجميل متعكر كده يبقى هي كلمتك في الموضوع إياه ...
ثم التفت نحو إيناس معاتباً بقوله :
_مش قلنا بلاش؟!
لكن غادة تتصنع ابتسامة باردة لتهتف متكلفة المرح وقد ساءتها ملاحظتهم لمشاعرها الخفية نحو سيف:
_الموضوع مش مستاهل ...سيف مش عيل صغير عشان نختار له قراراته ...بالعكس ...أنا شايفة إن جوازه من قريبة آنجيل دي ممكن يكون حل عقدته ...وممكن ربنا يسعدهم سوا ...إيه المشكلة ؟!
تبادل علاء وإيناس نظرات غير مقتنعة لتردف غادة متظاهرة بتجاهل الموضوع:
_مش عايزين نكد ع الصبح ...أنا ماصدقت حضرتك وافقت أرجع أنزل معاك "البازار "...وحشني بجد وحبستي هنا هتقتلني .
فامتثل علاء لرغبتها غير المنطوقة وهو يفسح لها الطريق بكفه هاتفاً بنبرته المرحة :
_اتفضلي ...بس ماتعيطيش م الزحمة آخر اليوم ...
الأيام دي موسم شغل ناااار .
_قدها وقدود ياعمو !!
هتفت بها وهي تتناول حقيبتها الصغيرة لتودع إيناس بقبلتين سريعتين متجاهلة نظراتها المتحسرة قبل أن تتحرك لتلحق بعلاء...
دعابات الرجل المشاكسة تخرجها مؤقتاً من حالة الضيق التي تقبض صدرها ...
لكن شرودها يعاود التهام أفكارها طوال الطريق ...
سيف لا يزال مكبلاً !!
حتى وهي تدرك أنه يحبها لكن خطواته لاتزال راسخة بأرض ذنبه القديم ...
والآن زادتها تلك المرأة رسوخاً !!
ترى لو اضطرته الظروف أن يختار بينهما ...أيهما سيختار؟!
من الواضح أنه اختار فعلاً ...
وغيابه طيلة الأيام السابقة خير دليل!!
الخاطر الأخير يملأها غيظاً لكنها لا تملك ما تفعله ...
هو لايزال يحرث الأرض الخطأ ويتعجب أن لا حصاد !!
نحت خواطرها السلبية جانباً طوال النهار محاولة إلهاء نفسها بالعمل ...
لكن اليوم ما كاد ينتهي حتى فوجئت به أمامها في البازار ...
ملامحه شديدة الإرهاق كأنه لم يذق النوم منذ ليال...
وعيناه ...
آه من عينيه هاتين!!
نظرتهما التي تستفز كل ذرة حنان بداخلها إزاء هذا "الحزن الأخرس" في حدقتيهما !!
هاتان اللتان كانتا تناجيان عينيها الآن بمزيج حائر هربت منه سريعاً وهي تسمع هتاف علاء المرحب خلفها :
_أهلاً بابن الناس الكويسين ...تعال عشان أملص لك ودانك .
ابتسمت رغماً عنها مع مشاكسات علاء له لترقب
بالمزيد من الخجل أذنيه المحمرتين اللتين صارتا تشكلان لها نوعاً من "الهوس"!!
كيف يكون هذا "الخجول" أخا رامز؟!!
_ماسلمتش على غادة ليه ؟!
يسأله علاء بمكر فيلتفت الاثنان نحو بعضهما بدهشة ...
هل حقاً لم يسلم عليها ؟!!
لماذا شعر كلاهما إذن أن العيون تبادلت من التحية ما يفوق المصافحة ...وما يجاوز العناق؟!!
لهذا ازداد احمرار أذنيه هو ليكون أول من يقطع تواصلهما البصري هذا بقوله الخافت :
_آسف...مخدتش بالي ...إزيك يا غادة ؟!
منحته رداً تقليدياً هادئاً لتتركهما خلفها داخل البازار قبل أن تفسح لهما مجالاً من الخصوصية محاولة التشاغل بحركة البيع حولها في السوق ...
بينما كان سيف يختلس نظرات خفية نحوها وهو يشعر بثقل الأمر الذي جاء لأجله ...
لكن لا مفر!!
القدر يمنحه الآن الفرصة الذهبية لكي يزيح عن كاهله وزر آنجيل ...
فكيف يرفضها؟!
قريبتها البائسة تعاني وحدتها وتسلط بعض الأوغاد الطامعين في امرأة جميلة فقيرة تعيش هنا وحدها ...
حتى أن أحدهم اقتحم منزلها منذ أيام وكاد ينتهكها لولا استغاثتها بالجيران ...
لهذا لم يستطع الرفض وهو يراها بعدها تعرض عليه الزواج منها ولو على الورق فقط كي تحافظ على نفسها !!
ساعتها رأى فيها صورة آنجيل الشاحبة تناجيه بعينيها الراجيتين كما كانت في آخر ليلة رآها فيها ...
فكيف يصمد ؟!!
_أنا هاتجوز!
قنبلته التي تفجرت فجأة في المكان جعلت علاء يرمقه بنظرة آسفة بينما دوى سقوط تحفة ما كانت تمسكها غادة -مساعدة بها أحد الزبائن في اختيار بغيته -لتهوي متهشمة على الأرض!
_آسفة .
تمتمت بها غادة بارتباك معتذرة للزبون أمامها ليغادر علاء مقعده ويتقدم نحوها ليزيح البقايا المكسورة جانباً..
قبل أن يمنح غادة نظرة خاصة مواسية صامتة استفزتها أكثر لتغتصب ابتسامة باردة متكلفة المرح:
_الظاهر نزولي الشغل جه عليك بخسارة ...ماكنت قاعدة في المزرعة كافية خيري شري !
قالتها وقد عز عليها أن تبدو متأثرة بالخبر إلى هذه الدرجة ...
ليتنهد علاء بحرارة وهو ينقل بصره بينهما بغيظ ...
لو كان الأمر بيده لسلمهما من يديهما بنفسه إلى أقرب مأذون كي يزوجهما قسراً مادام كلاهما من الغباء أن يتقدم ليصرح بمشاعره نحو الآخر ...
لكن لماذا يلوم غادة ؟!
اللوم كله على هذا الأخرق الذي لايزال يحبس نفسه بسجن ذنبه القديم !!
لهذا تقدم نحو سيف ليهتف بضيق غاضب:
_ده قرار واللا جاي تاخد رأيي؟!
فتنهد سيف بحرارة ليطرق برأسه قائلاً :
_ماينفعش أتخلى عنها في محنتها والبلطجي ده كل شوية بيهددها ...دي ما صدقت أظهر في حياتها عشان أخلصها منه ...هاسيبها تموت زي آنجيل ؟!!
_فوق بقااا ...فوووق ...هي مش آنجيل ...وآنجيل مش هترجع خلاص ...غلطة وغلطتها زمان وندمت عليها ...هتضيع اللي باقي من عمرك عشانها ؟!! تعرف إيه عن قريبتها دي عشان عايز تتجوزها؟! تعرف إيه عن ماضيها غير إنها قريبتها ؟!
وقف سيف مبهوتاً أمام ثورة العم علاء التي يراها
لأول مرة هادرة هكذا بينما الرجل يردف بنبرة أكثر انفعالاً:
_وياترى هتقول لأهلك في مصر إنك اتجوزتها واللا هتتجوزها هنا في السر زي آنجيل زمان؟! خلاص؟! الجواز عندك بقا لعبة ؟! مابقيتش قادر تميز الست اللي ممكن تشيل اسمك وتآمنها تربي عيالك ؟!! تحب أقوللك عرفت إيه عنها واللا نخللي الطابق مستور أحسن؟!
لكن سيف الذي أخذته العزة بالإثم هب واقفاً مكانه وقد استنزفته انفعالات الأيام السابقة ليهدر بحدة :
_أنا مش صغير يا عمو ...أنا جيت عشان بقدر حضرتك وبحترمك وببلغك عشان تبقى معايا في الصورة ...لكن قراري خدته خلاص!
الصمت المشحون يسود بينهما للحظات بينما استرعى هتافهما انتباه بعض الزبائن الذين لم يفهموا اللغة بطبيعة الحال لتحاول غادة احتواء الموقف بما تعلمته من بعض المرادفات التركية البسيطة ...
بينما تغلي مراجل الغضب القلق في روحها!!
لم ترَ علاء يوماً غاضباً هكذا إلا تلك الليلة التي أهانها فيها سيف في بيته ليطرده وقتها!!
لهذا لم تتعجب ردة فعله عندما تحولت نبرته الثائرة لأخرى باردة متباعدة :
_مادام خدت قرارك خلاص يبقى ماقداميش غير إني أقوللك مبروك ...
ثم دمعت عيناه بما خلع قلب سيف والرجل يردف بنبرة هزها انفعالها:
_بس اعمل حسابك ...لو ده حصل هاعتبر ابن تاني ليا مات .
قالها علاء ملوحاً بسبابته المرتجفة في وجهه لتزداد ملامح سيف شحوباً وقد فهم تهديده المستتر ...
قبل أن يتحرك ليغادر البازار بخطوات عصبية ...
هنا تقدم علاء لينهار جالساً على كرسيه بألم فتقدمت منه غادة قائلة بنبرة مشفقة :
_قسيت عليه قوي يا عمو ...انت عارف إنت و"أنّا" عنده إيه ...ليه كده ؟!
فالتفت نحوها قائلاً بأسى:
_عشان يفوق لعمره اللي بيضيعه ...عشان يحس بقيمة اللي بيخسره ...سيف ده ابني اللي ماخلفتوش ...مش هاقف متكتف وأنا شايف واحدة زي دي بتستغله بماضيه ...الجوازة دي مش هتتم ...ولو ركب دماغه وعملها مش هاعرفه تاني!!
_هو معذور يا عمو ...لو كان الموضوع بالسهولة دي كان قدر ينساها من يومها ...سيف شهم والمرة دي الموضوع مش بس إحساسه بالذنب ...لكن واضح إن قريبتها دي بتضغط عليه كمان .
قالتها محاولة كتمان خيبتها ليتنهد علاء بحسرة
لازمتهما معاً بقية اليوم الذي ما كاد ينتهي بغادة في غرفتها حتى استسلمت لفيض دموعها وهي تشعر بمذاق الخسارة ...
سيف خسر معركته في حرب نفسه ...
استسلم لوحش الذنب يمص دمه لآخر قطرة !!
رنين هاتفها يقاطع أفكارها وقد بدت لها أي مكالمة مقبضة في هذا التوقيت من الليل خاصة والرقم لوالدتها ...
لكنها تمالكت قوتها لتفتح الاتصال ...
وتتلقى الخبر المؤسف!
======
في ساحة المطار وقفت تودع علاء وإيناس الباكية بحرارة لتهتف معانقة إياها:
_غصب عني يا "أنّا"...ماتصعبيهاش عليّ بقا!!
قالتها لا تتمالك دموعها وهي تشعر أنها ستترك روحها هنا ...
لكن ما حيلتها ؟!
والدتها أصيبت في حادث فقدت معه قدرتها على
الكلام والحركة ...
وحان وقت دورها الذي لن تتخلى عنه مهما كان ماضيهما المشترك مليئاً بالقصور!!
_بطلوا عياط ...كلها كام يوم وننزل احنا كمان مصر أكون دبرت أموري هنا .
قالها علاء محاولاً منح نفسه وإياهما السلوان على هذه الأيام القصيرة ليردف وهو يخاطب غادة بقوله :
_أنا فتحت لك حساب باسمك عشان لو احتجت أي حاجة لحد ما أنزل .
_ليه كده يا عمو؟!
هتفت بها غادة باستنكار ليقاطعها الرجل هاتفاً:
_شششش...انتِ بنتي ...ولولا إني مزنوق في شغل هنا ماكنتش سبتك خطوة واحدة ...لكن معلش ...كلها كام يوم وأجيلك نشوف هندبر موضوع والدتك إزاي .
فابتسمت غادة بامتنان وقد ودت في هذه اللحظة لو كان يحل لها أن تمنحه عناقاً يوازي مشاعرها
بالأبوة نحوه ...
تماماً كهذا الذي عاودت منحه لإيناس هاتفة :
_خللي بالك من صحتك يا "أنّا" ...ومن "شيبوب"...الغلبان ده هاوحشه قوي ...
قالتها محاولة صبغ لهجتها بالمرح لكن عبارتها جعلت "أنّا" تهتف بقلب مرتجف:
_بتقوليها كده ليه ؟! انتِ مش ناوية ترجعي؟!!
انهمرت دموعها بعدها لتشاركها غادة إياها في مشهد مؤثر قاطعه علاء بهتافه الذي تعمد صبغته
بالمرح:
_نكد المصريين ده بطلوه بقا ...فضحتونا قدام
الأجانب!
فرفعت غادة إليه عينيها بابتسامة حانية قبل أن تصطدم بوجه "سيف" خلفه ...
هل جاء هو الآخر يودعها ؟!
_أنا اللي قلتله ...صعب عليا تسافري من غير ما تشوفوا بعض!
همست بها إيناس في أذنها بخفوت مفسرة ليرتجف جسدها في وقفته ...
لماذا فعلتها ؟!
لماذا تزيد من تصعيب الأمر عليها؟!
بل وعليه؟!!
لكن ...لعل سفرها هذا منحة القدر لها كي تنساه !
مادام اختار طريقاً يريح ضميره فلا تملك إلا الدعاء له بالخير ...
هو لم يعدها بشيئ ...
ولولا اعترافه السري لها في غيبوبتها لما علمت عن شعوره شيئاً !!
فعلامَ تلومه ؟!!
على شهامته التي أحبته لأجلها ؟!
شعرت بإيناس تسحب علاء الممتعض جانباً كي تخلي لسيف مساحة من خصوصيةالحديث معها ...
فازدادت ارتجافة جسدها لتضم ياقة قميصها حول عنقها بينما تقدم سيف نحوها بهاتين العينين اللتين تغنيان عن أي حديث ...
_هترجعي؟!
كلمته الوحيدة حملت كل مشاعره في هذه اللحظة وقد أطلقها كصرخة غريق ...
يعلم أنه ربما قد أحرق كل قواربه معها بذاك القرار
الأخير الذي اتخذه ...
لكنه لم يملك سواه !!
تماماً كما لم تملك هي الرد سوى ببقايا دموعها التي خذلتها في هذه اللحظة وهي تشعر أنها توشك أن تفقد الجنة التي منحها لها القدر هنا ...
وللحظة واحدة ...
شعرت أنها تفقد نفسها من جديد !!
أنها تعود مجرد أرنب مذعور ...طفلة تبكي "بيت مكعباتها" المكسور ...
لكنها انتفضت من حزنها كالعنقاء وهي تأخذ نفساً عميقاً استعادت به قوتها لتصطنع ابتسامة مرحة تليق بقولها:
_شفت تصاريف القدر ؟! كان المفروض تسافروا قبلي وكنت بتسألني هانزل مصر واللا هافضل هنا ...آديني هاسبقكم !
نبرتها المرحة لم تخدعه وهو يشعر بها تداري خوفاً عظيماً في عينين يقسم الآن أنه لم يعد يعشق سواهما !!
عينين تصرخان به أن تحرك ..انطلق...اعدُ...بل حلّق ...
لكن كيف وهو مكبل اليدين والقدمين ؟!!
_غادة...أنا ...
همسه البائس يتعثر على ضفتي لسانه كالعادة فلا يسعفه لكنها تقرأ كعهدها اعترافاً كالشمس يبزغ في عينيه ...
ويبزغ معه اعتذار بمذاق الوداع!!
هو اختار أن ينهزم ...
أن يقدم بقية العمر قرباناً للذنب القديم !!
لهذا أسبلت جفنيها بيأس يشبه يأسه لتغمغم بخفوت :
_انت سيف ...زي ما عرفتك ومش هتتغير ...الحاجة الوحيدة اللي هاطلبها منك إنك ترتاح بقا...طالما اخترت امشي ورا اختيارك للآخر وماتبصش للي خسرته ...أسوأ حاجة ممكن نعملها في حياتنا إننا نعيش العمر كله بنتمرجح على سلمة مكسورة اسمها "لو..."!!..لا عارفين نطلع ولا ننزل ...ارتاح بقا يا سيف مادام عملت اللي يرضي ضميرك .
أغمض عينيه بألم وهو يقاوم رغبة عارمة أن يحتجزها الآن بين ذراعيه فلا تغيب شمس عينيها عن عينيه أبداً ...
لكن صورة تلك المرأة قريبة آنجي تعاود اقتحام ذاكرته برجائها المتذلل له منذ أيام ...
وبلكنتها المميزة لبنات بلدها والتي تشبه لكنة آنجي كذلك ...
_اتزوجني ولو عالورق بس كرمال تحميني منه ...
طمعان فيا لاني وحدانية ومالي حدا ...بيرضيك أموت لوحدي في الغربة متل آنجيل ؟! بيرضيك يضيع شبابي متلا؟!
فيفتح عينيه فجأة كأنما يهرب من هذا الصراع بأعماقه ...
الصراع الذي قرأته هي لتهتف بنفس الابتسامة مدعية المرح:
_ بس ابقى افتكر إني أنا السبب في الجوازة دي ...أنا اللي اقترحت عليك تحول شعورك بالذنب ناحية آنجيل لحاجة إيجابية ...ماعرفش بقا هتدعيلي واللا تدعي عليّ .
الدموع المترقرقة في عينيها تجاهد للسقوط كانت تناقض هذا المرح المتكلف الذي تحاول به استيعاب حزنها ...
بينما ظل هو يتأمل ملامحها للحظات قبل أن يخرج من جيبه ما منحه لها صامتاً ...
ميداليتان ...
كتب على أحدهما "للأبد؟"
وعلى الثانية "حتى تحترق النجوم!"
أجل ...إنها العبارة الأثيرة ل"رفعت" و"ماجي" بطلا سلسلة "ماوراء الطبيعة" الشهيرة للعراب والتي تشاركا هما عشقها !!
البطلان اللذان لم يكتب لهما القدر وصال المتقاربين لينتهي بهما الأمر عاشقين لكن متباعدين ...
وفي كل مرة كانت البطلة تسأله "للأبد؟" ستحبني
للأبد؟
كان يرد بإيمان ..."حتى تحترق النجوم"!!
أغمضت عينيها بقوة وهي تقبض كفيها على هديته التي أوجعت قلبها بمعناها ...
بينما هو يقول بصوته المتحشرج:
_أول ما شفتهم افتكرتك ...في يوم من الأيام هتقابلي حد يستاهل تديله واحدة منهم والتانية تبقى معاكي ...حد يستاهل تفرحيه ويفرحك .
وفي هذه اللحظة بالذات ودت لو تصفعه !!
أجل ...تصفعه ثم تضمه بقوة ناعتة إياه ب"أغبى أهل الأرض"...و"أطيب أهل الأرض"!!
لهذا أشاحت بوجهها للحظات ولاتزال تقبض يدها على هديته ...
قبل أن تلمح علاء يشير لساعته مدركة وجوب الرحيل ...
هنا رمقته بنظرة قصيرة حملت كل مشاعرها قبل أن تغادره مع علاء وإيناس ليتحركوا نحو البوابة
الأخيرة بينما ظل هو واقفاً مكانه يراقب ظهرها بنظرات متحسرة...
هل توقفت مكانها أم أنه فقط يهيأ إليه ؟!!
نعم...توقفت !!
لم يكد الإدراك الأخير يصله حتى فوجئ بها تعدو نحوه ليجد نفسه يعدو إليها هو الآخر ...
قبل أن يشعر بإحدى "الميداليتين" تستقر في كفه هو في رسالة منها لا تحتمل خطأ التفسير !
ظل مصدوماً مكانه للحظات لكنها لم تمنحه المزيد من الوقت وهي تعدو من جديد في الاتجاه الآخر لتختفي عن ناظريه وتذوب بين الجموع ...
شهقة ملتاعة غادرت حلقه وهو يفتح كفه على "اعترافها غير المنطوق" الذي تركته له ...
"حتى تحترق النجوم"!!
يقرأها بصوتها العذب ذي الدلال الفطري فيذوب لها قلبه وهو يتلفت حوله لا يصدق أنها اختفت هكذا بسرعة بعدما فعلتها !!
========
وقف إسلام يراقب وجهها النائم بفعل المسكنات وقد بدت له خلف الأغطية ككيان ضئيل هش يحاول الجميع دهسه دون رحمة ...
ضحية من هذه ؟!
أبيه الذي كان من بدأ هذه المأساة ؟!
أم أمه وصديقتها التي ختمتها بفعلتها الشائنة ؟!!
لكن ...هل يعفي نفسه من المسئولية ؟!
ربما لو كان قد قام بدوره نحوها ونحو شقيقتها منذ علم عنهما لكفاهما هذا المصير!!
رنين هاتفه برقم لجين ينتزعه من شروده فيلتقطه ليحاول تمالك الحزن في صوته كي لا تشعر تلك البائسة بما تعانيه شقيقتها :
_أيوة يا لجين ...إزيك ...ياقوت كويسة بس عندها شغل في مكان مفيهوش شبكة ...لا ماتقلقيش ...أنا كنت عندها امبارح ...
قالها ليستمع إليها قليلاً قبل أن يعقد حاجبيه ليقول مطمئناً إياها :
_عارف إن جلسة الحاجة بعد كام يوم ...ماتخافيش ...أنا وياقوت متابعين مع المحامي ...
_زين ...زين...
تمتمات ياقوت تجعله ينهي المكالمة سريعاً ليجلس جوارها على طرف الفراش مربتاً على خدها برفق قبل أن يراها تفتح عينيها تتأمل المكان حولها بوعي أخيراً بعد ثلاثة أيام كاملة مرت بها غائبة تماماً عن هذا العالم ...
_حمداً لله ع السلامة ...
تميز صوت إسلام فتفتح عينيها على اتساعهما قبل أن تشهق بقوة لتنتفض مكانها ...
_تليفوني ...فين تليفوني؟!
تهتف بها بلوعة وهي تحاول تجميع شتات ذهنها ليرد هو مهدئاً:
_تليفونك قفلته من يوم اللي حصل .
_هو إيه اللي حصل ؟!
تسأله بعينين زائغتين ليرد هو بحذر:
_ماهو ده اللي عايز أعرفه ...رحتِ فين بعد اللي ماما عملته ؟! وإيه تفسير الدم على هدومك وخروجك الشارع من غير حجاب؟!
_دم ؟! دم ؟! يعني صحيح ؟! زين ...زين ...هاتلي تليفوني يا إسلام بسرعة !!
تهتف بها بارتياع وهي تنفض عنها غطاءها لكنه يحيط كتفيها بقبضتيه هاتفاً بصرامة :
_ماينفعش تقومي دلوقت إلا لما الدكتور يسمح ...فهميني مين زين ده وإيه اللي حصل ؟!!
لكنها تنفض كفيه عنها لتهتف بانهيار:
_مش وقت أسئلة يا إسلام ...أطمن عليه
الأول ...سيبني أقوم ....سيبني ...
هتافها يتحول لصراخ هادر فيحاول تهدئتها دون جدوى قبل أن يشعر بتجمد ملامحها وهي تنظر لشيئ ما خلفه ...
فالتفت خلفه ليجد هذا الرجل مهيب الهيئة الذي لا يعرفه ...
_رائد !...طمنني ...زين ؟
لم تستطع إكمال عبارتها وشحوب ملامحها يزداد لينقل إسلام بصره بينهما بقلق حذر وقد آثر الصمت كي يفهم ...
يبدو أن ياقوت متورطة بشأن خطير !!
_زين كويس ما تخافيش ...بقا أحسن .
قالها رائد مشفقاً على هيئتها التي بدت ذابلة
كالموتى خاصة عندما هتفت بصوتها المبحوح :
_يعني أنا عملتها بجد ؟! أنا ...أنا ....
انهارت بعدها في بكاء ارتجف معه جسدها من جديد ...
ليعاود إسلام ضمها إليه في دعم صامت رغم كونه لا يفهم شيئاً ...
_اهدي يا ياقوت ...كلنا عارفين إن الموضوع كان خارج عن إرادتك حتى زين نفسه ...
هتف بها رائد بحنان مشفق وهو ينقل بصره بينها وبين إسلام بحذر فلايزال لا يعرف حدود علم أخيها عن الأمر ...
ورغم أن زين لايزال يرفض الحديث عن الأمر من وقتها -إلا من رجائه له عقب إفاقته أن يبعدها هي عن أي شبهة-
لكنه كان يعلم أن زين يفهمها بالقدر الكافي كي يدرك أنها لم تكن في وعيها حقاً ...
وانهيارها هذا خير دليل !!
_لو كويس بجد خلليني أسمع صوته !
هتفت بها بانهيار أدهش الرجلين أمامها وهما يريان منها هذا "الوجه" لأول مرة !!
أين هذه من "ياقوت سليمان" الحديدية التي طالما أبهرتهما برباطة جأشها ؟!!
لهذا تبادل كلاهما النظرات الآسفة قبل أن يتناول رائد هاتفه ليتصل برقم زين ويعطيها الهاتف الذي تناولته منه بأنامل مرتجفة ...
_أيوة يا رائد !
صوته رغم شحوب نبرته يجعل ملامحها تتجمد للحظة قبل أن تعود لانهيارها الباكي...
_رائد ؟!
يهتف بها زين بشك لكن رائد يستعيد هاتفه ليخاطب زين بقوله :
_هاكلمك بعدين !
قالها مغلقاً الاتصال بل وهاتفه مدركاً أن زين لن يهدأ حتى يفهم ...
بينما دخلت الممرضة أخيراً لتحقنها بحقنة أخرى مهدئة استرخت بعدها في مكانها لتطالعهما بشرود وهي تشعر بنفسها في كابوس!!
لا!!
لم يكن كابوساً!!
هي حقاً طعنته !!
بل طعنت صورة "حسين" فيه !!
انتقمت من كل ما فعلته بها الدنيا فيه هو !!
آآه !!
تخرج من صدرها حارقة ملتاعة لتدفن وجهها بين كفيها هاتفة بألم :
_مش قادرة أصدق إني عملت كده ! مش قادرة أصدق إني خذلت نفسي للدرجة دي !!
لكن رائد تقدم منها ليهتف بحرارة مشفقاً :
_خذلتِ نفسك ؟! ده لو جبل كان اتهد !! أنا عرفت اللي حصل ليلتها ...ومقدر الظروف اللي خليتك توصلي لكده ...ماتحمليش نفسك فوق طاقتها .
ليلتقط إسلام منه الخيط -رغم جهله بالتفاصيل -فيهتف بها هو الآخر بينما يشد بقبضتيه على كفيها مؤازراً:
_كلنا جنبك يا ياقوت بس انتِ شدي حيلك واهدي ...أزمة وهتعدي!
نقلت بصرها بينهما بامتنان عبر دموعها قبل أن تغلق عينيها لتستند برأسها على وسادتها ...
فتنهد رائد بحرارة ليقول بمروءة لا يدعيها :
_أنا هاسيبك ترتاحي دلوقت وهاعدي عليككي بعدين ...مش محتاج أفكرك إن في رقبتي دين ليكي هاعيش العمر كله أوفيه .
فارتجفت شفتاها وقد عجزت عن منحه نظرة امتنان حقيقي شعرت به وقتها ...
لينسحب هو بهدوء تاركاً المجال لإسلام الذي سألها بحذر:
_لو محتاجة تتكلمي أنا سامع ...ولو عايزة تخبي مش هاضغط عليكِ ...
لكنها في هذه اللحظة بالذات كانت تود لو تصرخ لا تحكي ...
لو تتخلص من هذا الحمل الذي ثقل على ظهرها ...
لو تنزف بين دموعها حكايتها معه لعلها ...ترتاح!!
لهذا تشبث كفاها به بقوة وهي تحكي له حكايتها معه ...
لينعقد حاجباه بغضب وهو يهتف بحدة والدم يغلي في عروقه حمية لأجلها :
_كل ده ومخبية عليّ ؟!
لكنها مسحت دموعها لتغمغم بوهن غريب على طبيعتها :
_عشان خاطري يا إسلام ...ده موضوع خاص بي ما تتدخلش فيه ...هو كده كده هيطلقني والموضوع هيخلص من غير شوشرة ...جلسة ستي بعد كام يوم وبعدها كلنا هنرتاح ...هارجع البلد ومش هاجي هنا تاني !
_هتنفذي لجيلان هانم اللي هي عايزاه ؟! لا يا ياقوت ...أنا اللي هاقوللك لأ!
هتف بها بحزم وهو يلوح بسبابته في وجهها مردفاً بانفعال :
_أنا اللي هاقف قصادها وقصاد أي حد يمسّك ...المركز بتاعنا هنعمله سوا ومحدش هيتعرض لك ...الظلم اللي شفتيه انتِ ولجين زمان مش هيتعاد تاني ...على جثتي...
ثم كز على أسنانه ليردف بنفس النبرة :
_والبيه المحترم ده هاحترم خصوصيتك واسيبك تتعاملي معاه ...بس لو الموضوع ما خلصش زي ما أنا عايز أنا بقا اللي هاقف له !
======
_هي عاملة إيه ؟!
يسأله زين في غرفته بالمشفى بملامحه الغامضة التي لا تفصح عن شيئ منذ أفاق من الحادث ...
ليخبره رائد بتفاصيل ما حدث ...
وسبب انهيار ياقوت ليلتها بعد الساعات التي قضتها في الحبس إزاء ما فعلته بها زوجة أبيها ...
لكن ملامحه بقيت على غموضها بينما ينهي رائد حديثه بقوله :
_اللي هي ما تعرفوش إن جيلان دي صاحبة ماما ...أنا شبه متأكد إن لها يد في اللي حصل !
هنا التمع الغضب في عيني زين للحظة قبل أن تعود ملامحه لغموضها وهو يتجاهل الأمر بسؤاله :
_الشغل عامل إيه ؟!
رمقه رائد بنظرة متفحصة مشفقة وهو يدرك بحدسه أنه ...يهرب!!
هذه المنطقة بالذات تظل محظورة لدى "زين الفايد" الذي يخاف التعبير عن مشاعره !!
يخاف حقيقة لا مجازاً !!
ويداري هذا خلف هذه الواجهة الصلبة لرجل يتخذ
عقله سيداً !!
لكنه احترم "نقطة ضعفه" هذه ليجاريه في الحديث كما أراد ...
قبل أن يأخذ استعداده ليغادر ...
لكنه توقف قليلاً عند الباب ليلتفت له بقوله الذي مزج عتابه بإشفاقه :
_أنا قلت لك ما تكسرهاش ...طلقها يا زين وخلليها ترجع لنفسها ...يمكن ساعتها تسامح نفسك ع اللي عملته فيها !
لوهلة هيئ إليه أن العينين القويتين أمامه ارتجفتا بوهن ...
الشفتين موزونتي الكلام تنفرجان بعجز ...
الملامح الغامضة الصلبة تلين بألم ...
قبل أن يختفي هذا كله فجأة ليعود كل شيئ لأصله بينما يهتف به زين ببرود :
_اخرج يا رائد واقفل الباب وراك .
=======
تفتح باب غرفته بالمشفى لتدخل وتغلقه خلفها ...
تلتقي عيناهما للحظات فلا تبدو الدهشة عليه كأنما كان ينتظرها ...
ملامحه الغامضة تستقبلها ببرود لم يدهشها بعد ما كان ...
حتى صمته المهيب لم يثر حفيظتها وهي تتقدم بخطوات متمهلة لتجلس على الكرسي جوار فراشه ...
تطرق برأسها مشبكة أناملها في حجرها وجسدها
يرتعش برهبة مستعيداً ذكرى ليلتهما الأخيرة ...
لم تستعد كامل عافيتها بعد ...
لا تزال أطرافها الباردة ترتجف عاجزة عن التحكم بها ...
لايزال ذهنها مشوشاً متأرجحاً بين حقيقة وخيال ...
لا تزال دموعها رفيقة المشوار الطويل تغزل معها ثوب انهيارها الآن ...
ولا يزال قلبها يلعنها على فعلتها حتى وإن لم تقصدها تلك الليلة !!
بينما كان هو يناظرها بعينين غامضتين وهو يحتضن أدق تفاصيلها كعهده ...
يراقب ملامحها الشاحبة ...هيئتها الذابلة...جسدها المرتجف ...
بمزيج من أسف وندم !!
الصمت المشحون يطول بينهما لدقيقة كاملة قبل أن تقطعه هي بقولها وهي ترفع عينيها إليه بينما تلوح بكفيها بعجز عزيز على امرأة مثلها :
_محتاجة... أشرح ؟!
لم تكن تعلم هل تسأله أم ترجوه !!
لهذا كانت أكثر من شاكرة عندما سمعت صوته المتحشرج يعلو بقوله :
_لأ!
كلمته اليتيمة عادت تفجر الدمع في عينيها فأخفت وجهها بين كفيها لتطرق به وقد ارتجف جسدها ببكائها ...
فوصلها صوته الذي لم تشعر يوماً بغموضه كما الآن :
_انتِ ليلتها ما كنتيش شايفاني أنا ...ولا حتى كنتِ شايفة نفسك ...انتِ كنتِ شايفة السيناريو القديم لحسين وأشواق بيتكرر قدامك ...
بكاؤها يتحول لأنّات خافتة وهي لا تدري بماذا ترد ...
هو يفهمها هذا الحد الذي لا تحتاج معه للشرح ...
لكن هذا لا ينفي حاجتها لاعتذار ...
_أنا آسفة .
تغمغم بها بين دموعها ولازالت عاجزة عن إزاحة كفيها عن وجهها ...
ليصلها صوته بنفس النبرة الغامضة :
_أنا اللي آسف ...انتِ ما دبحتنيش ليلتها زي ما كنتِ عايزة ...بس أنا اللي دبحتك باللي عملته !
هنا ترفع وجهها نحوه بنظرة حارة وشفتاها تنفرجان بعجز ...
"القمران السجينان" في عينيها ينزفان بوجع امتزج بحروفها ...
_انت ماغصبتنيش ليلتها ...كانت أول مرة في حياتي اضعف كده ...بس لو عايز تتأسفلي بجد نفذ لي اخر طلب هاطلبه منك ...
نظراته الغامضة مع صمته القصير تبدو لها كجبل جليدي تصطدم به نظراتها لتردف هي بنبرة حاولت جعلها أقوى:
_جدتي جلستها بعد بكرة ...والمحامي طمنني إنها هتطلع بعدها..مش عايزة أحط عيني في عينها وانا حاسة اني لسه بكدب عليها ...عايزة احس اني استاهل حضنها بعد الغيبة دي ...
يغمض عينيه بعدها متوقعاً كلمتها التالية بعد المقدمة هذه :
_طلقني .
إيماءة قبول سريعة كانت جوابه قبل أن يفتح عينيه بقوله :
_المحامي بتاعي هيخلص الموضوع ده بكرة ماتقلقيش .
يقولها بنفس النبرة الغريبة على أذنيها لتهمس بخفوت :
_دلوقت بس ممكن أقوللك ...شكرا...
قالتها وشريط ذكرياتهما يمر أمامها ساعة بساعة ...
لحظة بلحظة ...
فترتجف شفتاها أكثر بهمسها :
_شكرا على كل مرة وقفت جنبي فيها بقصد أو من غير قصد.
لم يرد عليها وهو يشيح بوجهه فوقفت مكانها تتأهب للمغادرة ...
آلاف الكلمات يغرسها قلبها علي لسانها لكنها تموت على الشفاه الجافة ...
فلتمت أيها الحلم الغريب ...
نكس على أرض اليأس راياتك فقد جاءت رياح القدر بما لاتشتهيه سفينتك المثقوبة !
تعطيه ظهرها لتغادر لكن أنامله تتلقف راحة يدها فجأة تتشبث بها للحظات ...
فتستدير لتواجه عينيه بعينيها الدامعتين ثم لم تشعر وهي تنحني فجأة لتلقي بنفسها بين ذراعيه ...
العناق الثالث عشر والذي تراه هي الأخير ...
بمذاق "الخلاص" هذه المرة !!
الخلاص لها وله من هذه الدوامة التي ابتلعتهما معاً ليعود كل منهما لطريقه ...
وكعادته "عناقه"يفتح لها كل أبواب "البوح"المحرم على من سواه !!
إذا كان هو اللقاء الأخير فلتحكي له عن أبشع ذكرى احترق بها صدرها طوال هذه السنوات ...
وجعلتها تؤذيه ذاك اليوم ...
لهذا وجدت نفسها تحكي له عن السكين...الوشاح الممزق ...الساعة المكسورة ...
التفاصيل التي لم تتخيل يوماً أن ترويها لأحدهم !!
بينما كان هو يشعر بجبال جليده تنهار لتذوب بلفح أنفاسها ...
لم يستغرب كلماتها بل وربما كان يتوقع مثلها خاصة وهو يسترجع الرعب الذي اكتسح ملامحها عندما أخبرها لأول مرة أنه يريدها للعمل في بيته ...
الرعب الذي أدهشه وقتها ...والآن يتفهمه !
لكن ما زلزله حقاً أن تبادره هي بالعناق هذه المرة ...
أن تتحرر من ثقل ذكرى بشعة كهذه بين ذراعيه ...
وأن تمنحه ثقتها في لقاء يبدو أنه الأخير بينهما !!
ربما لو كانت امرأة سواها لظنها تريد إعادة وصالهما بموقفها هذا ...
لكن مع "أسطورة " كياقوت ...فبوحها هذا لا يعني سوى ثقتها أنها تضع النقطة الخاتمة لسطر حكايتها معه !
هذا ما فاضت به نظراتها بعدها وهي تنتبه من فورة عاطفتها لتصطدم عيناها بمرأى أثر جرحه على رقبته ...
جرحه الذي أطالت النظر له كثيراً ليقرأ هو بعينيها ما لم تجسر على البوح به من أسف ولوعة...
قبل أن تهمس بابتسامة مكابرة :
_في يوم م الأيام كنت فاكرة إني أنا اللي هعالجك...مكنتش أعرف إنك انت اللي هتعالجني من عقدة أشواق ...الدكتورة الشاطرة في نهاية المطاف طلعت برضه عيانة ...عيانة بماضي خرب روحها من غير ما تحس ...
ثم مسحت بقايا دموعها لتتسع ابتسامتها المكابرة باستطرادها :
_لكن خلاص خفيت ... دلوقت بقيت متأكدة إني عمري ما هابقى زيها حتى لو اتحطيت في نفس الظروف .
_لو اللي حصللي ليلتها تمن إن الذكرى دي تتدفن ... زي ما دفنّا العشرة جنيه ...فأنا راضي !
عيناها تتسعان للحظة كأنما تحاول استيعاب هذا الكم من المشاعر الذي حوته كلماته القليلة ...
قبل أن ترتجف شفتاها وهي تغمضهما بقوة ...
ما جدوى المشاعر ها هنا ؟!
لا محل لها أبداً من الإعراب!!
هو لقاء الوداع ...
فليكن الأصدق...الأدفأ ...والأجمل!!
لهذا اغتصبت ابتسامة باهتة على شفتيها لتعاود فتح عينيها بقولها :
_قلت لك وانت ماصدقتنيش...الرهان المرة دي ماكانش لايق عليك...لا هو قيمتك ولا انت قيمته .
لكنه يشدد ضغط ذراعه حولها ليقترب بوجهه من وجهها معانقاً ملامحها بأنفاسه ...
ارتجاف شفتيها يزداد فيود لو يحتويهما بما يليق ...
لكنه يحيد عن مطمع قلبه فيهما ليقبل عينيها ...
حيث قمراها السجينان لايزالان يحتجبان حول غيوم من ألم لكن مطر العشق الذي يهطل حولهما لايزال يمنح المشهد بعض الأمل !!
شفتاه تنتقلان أخيراً لجبينها الذي ودعه بقبلة اعتزاز قبل أن يهمس أمام شفتيها :
_ما كانش رهان يا ياقوت ...ما كانش رهان!
ابتسامتها "الباكية" تتسع وهي تبتعد بجسدها أخيراً لتعاود الوقوف ...
ترمقه بنظرة أخيرة قبل أن تأخذ طريقها نحو الباب الذي ما كادت تصل إليه حتى سمعت صوته خلفها بنفس النبرة الغامضة :
_مش معنى إني هاطلقك إني هاخرج من حياتك ...لسه بيننا حاجات كتير ...همسة مش أولها ولا آخرها .
لكنها تستدير نحوه بابتسامة لا تدري هازئة أم متحسرة ...
قبل أن تغادر الغرفة مغلقة الباب خلفها في جواب غير منطوق لحديثه ...
حيث بدا كلاهما وقد تحرر من متاهة دورانه في حلقات الماضي ...
ويبقى مذاق القرفة اللاذع للسينابون ...
=======
انتهى الفصل الخامس عشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم سينابون
القطعة الرابعة عشرة
=====
عيناها تتسعان بارتياع مع مرآها لدمه الذي يغطي ثيابها ...
قبل أن تتمالك نفسها لتدرك أن الجرح هناك في أعلى ذراعه .
نبضات قلبها تتسارع بجنون بينما تراه يكتم ألمه وهو يتفحصها بعينيه متسائلاً بلهفة قلقة :
_انتِ كويسة ؟!
فارتجفت شفتاها للحظات وهي تشعر برغبة عارمة في البكاء بين ذراعيه لكن طبيعتها الخاصة جعلت ملامحها تتجمد رغم انتفاض جسدها وهي تبعده عنها لتسنده برفق على ظهر كرسيه متحاشية نظراته ...
هو الذي تناول هاتفه بسرعة بكفه السليم قبل أن تسمعه يجري اتصالاً مع أحدهم يخبره عن الأمر ويطلب منه سرعة الحضور بنجدة...
فضولها يحشوها بالكثير من الأسئلة لكن قلقها عليه كان أكبر ...
خوفها من فقده كان أكبر ...
وإحساسها الطاغي أنه لم يفكر للحظة وهو يفتديها بجسده كان أكبر وأكبر!!
لكن هذه الصدمات المتتالية التي اجتاحتها في وقت قليل كانت تجعلها كالمغيبة التي تتحرك بآلية ...
تعدو وتعدو ...لأنها تدرك أنها لو توقفت فستقع!!
تتفحص الجرح بخبرتها المحدودة مدركة أنه يكتم عنها تأوهات ألمه قبل أن تمد أناملها نحو وشاح رأسها تهم بخلعه قبل أن يمنعها هو بذراعه السليم :
_بتعملي إيه ؟!
بنبرة جامدة عملية بعيدة تماماً عن انهيارها الداخلي تجيبه بأنفاس لاهثة :
_هاحاول أوقف النزيف لحد ما الإسعاف ييجي .
لكنه يهتف بها بصرامة وهو يكز على أسنانه من فرط الألم :
_سيبي طرحتك وخدي القميص بتاعي ...انتِ مش هاتفضلي معايا أصلاً لحد ما ييجوا .
لم تنتبه للشطر الثاني من عبارته وهي تخلع عنه قميصه بحرص لتنفلت منه آهة متوجعة فلقت قلبها لكنها تماسكت بقوة تحسد عليها وهي تمزقه بعنف لتحيط به جرح ذراعه محاولة إيقاف نزف ذراعه ...
ولم تكد تنتهي مما تفعله حتى فوجئت به يعيد تشغيل السيارة بذراعه السليم لينطلق بها تحت هتافها المندهش:
_هتسوق إزاي كده ؟!
لكنه لا يجيبها ومزيج الألم مع الغضب الهادر يغشي ملامحه لبضع دقائق ...
الغضب من نفسه ومما حدث !!
هو استهان مؤخراً بالخروج مع حراسته خاصةً فيما يتعلق بشأن خروجه معها هي!
هل هو خوفه على نفسه أن تنكشف علاقتهما فيتسرب الخبر ؟!
أم هو خوفه عليها هي أن ينال هذا الأمر من سمعتها ؟!!
أياً ما كان ...لن يسامح نفسه على أن أقحمها في الأمر بهذه الصورة !!
بينما راقبته هي بمزيج من استنكار وقلق قبل أن تجده يوقف السيارة من جديد على أول الطريق العامر نسبياً مقارنة بسابقه ... ليهتف بها صارماً:
_خدي أي عربية توصللك ...مش عايز حد يشوفك معايا ...الموضوع هيبقى فيه تحقيق ومش عايز اسمك ييجي في الموضوع.
_انت عايزني أسيبك بتنزف لوحدك وأمشي ؟! مش ...
_اسمعي الكلام ...قلتلك امشي انتِ دلوقت !
صرخ بها بعنف أجفلها وهي يميل نحوها ليفتح لها بابها فصرخت بعنف مشابه انهمرت معه كل الدموع التي كانت تحاول كبحها:
_مش هامشي ...مش هامشي إلا لما ...
"أطمّن عليك" التي عجزت عن أن تكملها بلسانها وصلت قلبه حارقة موجعة بمذاق دموعها...
ليزفر بقوة قبل أن ترق لهجته نوعاً وهي يقول لها بمزيج من أمر ورجاء:
_الجرح مش خطير ...لكن وجودك معايا دلوقت هو اللي ممكن يبقى خطير ...ما تخافيش عليّ...كلها دقايق والدنيا هتتقلب هنا ...
ثم انحنى ليلتقط المفتاح الذي كان قد سقط منها في دواسة السيارة في غمرة الأحداث السابقة ليعاود إعطاءه لها مردفاً بنفس النبرة :
_استنيني في شقتنا ...عارف إن عندك أسئلة كتير بس مش هاقدر أرد عليها دلوقت ...ياللا يا ياقوت بسرعة .
انتهت عبارته بآهة مكتومة جعلتها تتردد قليلاً قبل أن تمنحه عيناها نظرة كفَتْه!!
الخضار النابض فيهما كان يترقرق الآن بومض عاطفة أنارتهما كالبرق وسط ظلام ليل كاحل ...
كان يدرك أن خلف تماسكها الظاهري العجيب هذا جدراً يوشك أن ينقضّ لكنها تقيمه بقوة امرأة لا تقبل السقوط ...
تماماً كما كان يدرك أن خوفها عليه لن تفضحه كلمة ولا لمسة ...
إنما تصرف كهذا الذي فعلته بعدها وهي تغادر سيارته لتشير لسيارة أجرة قريبة وجدها تتوقف على مقربة منه لتقبع هي فيها ترمقه من بعيد بنظرات مترقبة حتى وصلت نجدته التي كان ينتظرها ...
نظرة أخيرة تبادلتها عيناهما بدفء غريب وسط هذا الجو المشحون ...
قبل أن يتحرك كل منهما ليمضي في طريقه على وعد بلقاء قريب !
======
ترتجف أناملها الممسكة بالمفتاح بقوة وهي تفتح باب الشقة لتدخل ...
نظرتها المتشحة بالانكسار ...الصارخة بالألم ...تدور وتدور في أرجاء المكان قبل أن تصفع الباب خلفها بقوة شعورها الآن !!
تتقدم نحو الداخل بخطوات ذبيحة وهي تهز رأسها بعدم تصديق ...
ماذا حدث؟!
كيف انقلب عالمها كله هكذا فجأة ؟!
كيف عادت لنقطة الصفر ...بل أقل من الصفر!!
الآن فقدت كل أعمدة اتزانها لتهوي في بئر بلا قرار ...
والدمع العزيز لا يزال رفيق الرحلة الوفي !
ما الذي تبكيه الآن بالضبط ؟!
فقدانها لثمر؟!
فضيحتها بأبيها ؟!
مصاب هيثم ؟!
ضياع عملها ؟!
قلقها على ...زين؟!
السؤال الأخير وحده يحمل تحته الكثير من علامات الاستفهام ...
تعلم أن جرحه ليس خطيراً لكن ما يدريها ما الذي سيفعله به أولئك وماذا يريدون منه ؟!
بل والأهم...من هم هؤلاء وما علاقته بهم كي تدفعهم لفعل كهذا ؟!
تنهيدة حارقة يضخها صدرها بوجع وهي تتذكر لحظة طوقها بذراعيه يفتديها بنفسه ...
ولحظة أن ابتعد عن ناظريها وهم يحاولون إسعافه !
اللحظة الأولى التي جعلتها تدرك كم هما قريبان ...حد الحميمية ...
واللحظة الثانية التي ذكرتها كم هما بعيدان ...حد الغربة !
وبينهما لا تزال هي تتمزق بألف سوط يهوي على ظهر كبريائها وقلبه معاً !
أما من محيص؟!!
خطواتها تتوقف أمام غرفة النوم الكريهة ...
تلج إليها بفتور وهي تشعر أن كل ذرة بداخلها تتفتت ...
تتبعثر ...
ثم تتطاير كما الرماد تذروه الرياح !!
نظرة خائفة بل مذعورة للمرآة جوارها فلا تمنحها صورة حقيقية لنفسها ...
بل صورتها في تلك الليلة المشئومة...
عارية ...مهانة ...ذليلة ...
فلا تملك نفسها وهي تقذف المرآة بأقرب ما نالته يداها لتتحطم بصوت أجفلها قبل أن تنتبه لما فعلته ...
كيف هاودته فيما طلبه منها؟!
كيف ستتمكن من البقاء هنا؟!
هنا ...حيث ذبح كبرياءها بمنتهى القسوة ؟!!
لكن غصة مريرة في حلقها تسكب العذاب بين حناياها ...
أين عساها تذهب؟! ولمن ؟!
حتى لو نحّت نداءات قلبها جانباً...
هو قدم لها العرض الذي لن تستطيع الآن رفضه !!
لهذا أطرقت برأسها بعجز استنزف ما بقي من قوتها قبل أن تغادر الغرفة الكريهة نحو مجاورتها ...
غرفة أصغر حجماً لكنها تبقى واسعة حقاً بمكتبة كبيرة تحتل جدراً كاملاً ...
مكتباً جانبياً فخماً يليق بصاحبه ...
وأريكة وثيرة شديدة الضخامة ...
تصلح ك...فراش؟!
نعم ...هكذا اتخذت قرارها أن تكون هذه الغرفة محل إقامتها التي تنتوي قصر أجلها هنا ...
قدماها تحملانها نحو الأريكة التي تهالكت جالسة عليها قبل أن تتناول هاتفها من جيب سترتها لتخبر رائد عما حدث ...
كتوماً كعهده كان ...لكنها اشتمت رائحة القلق في نبراته قبل أن يغلق الاتصال معها بسرعة واعداً إياها باللحاق به وإخبارها بالمستجدات ...
مكالمة أخرى للجين اطمأنت فيها عليها وعلى رابحة البائسة ...
ثم دقائق طويلة من الانتظار مرت كدهور وهي تنتظر خبراً يطمئنها ...
رقم رائد يظهر أخيراً فتفتحه بلهفة ليصلها صوت زين لا رائد :
_أنا كويس ما تخافيش ....جرح سطحي بس هاقعد هنا في المستشفى يومين ...أول ما أخرج هاجيلك...ماتقلقيش على جدتك...المحامي بتاعي هيكلمك بكرة عشان يدبر لك زيارة زي ما وعدتك .
صوته المقتضب كان يحمل في أذنيها هذه المرة نغمة مختلفة دافئة حتى وهو يغلق الاتصال بسرعة دون أن ينتظر ردها ...
نغمة أثارها غروره المعهود وهو يتحدث بهذا اليقين عن خوفها عليه !
أثارها حنانه الخفي وهو يطمئنها أن غيابه لن يطول ...
أثارها وعده الدافئ أن تكون هي أول وجهة له عقب خروجه ...
وأثارتها حميته الداعمة وهو يتذكر "مصابها" وسط ألم "مصابه هو" فيدبر لها أمر زيارة ثمر !!
ربما لهذا ظلت ترمق الهاتف بنظرة مستجدية للحظات كأنما ترجوه أن يعيد اتصالاً ...
تحتاج حقاً للمزيد "منه" كي تلملم هذا الشتات الرهيب الذي يكاد يبتلع روحها ...
حتى إذا ما يأست سمحت لجسدها أخيراً أن يستلقي على الأريكة لتنطلق منها آهة وجع عالية أودعتها كل مشاعرها ...
توقعت أن ينال نوم الإرهاق منها لكنها بقيت لساعات تحدق في السقف بشرود ...
تتذكر عبارته يوم أخبرها أن رائد قد أنقذ حياته ذات مرة ...
تراه يتعرض كثيراً لأمور كهذه ؟!
لهذا لا يتحرك غالباً دون حراسة ؟!
الخاطر الأخير يقبض قلبها بذعر حقيقي وهي تتذكر مذاق عناقاته واحداً واحداً ...
تعاطف...احتياج...عجز...شكر...احتواء...تقدير ...دعم...وأخيراً ...حماية بل فداء !!
ماذا لو فقدت كل هذا فجأة كما امتلكته فجأة ؟!
ماذا لو جرى القدر بحساباته العملية المفترضة ليفترق كل منهما في طريقه ؟!
ماذا لو تسرب الماء من بين أنامل الظمآن بعدما أغرى شفتيه بالرِيّ؟!!
تغمض عينيها بألم ولازال الصراع القديم يمزقها ...
تستجدي النوم فلا يجيب ...
صوت رسالة على هاتفها يرحمها أخيراً من كل هذا فتنتبه لظلمة المكان حولها بعدما جن الليل دون أن تشعر ...
لتلتوي شفتاها بشبه ابتسامة وهي تقرأ رسالته :
_لو ما كنتيش نمتِ نامي وما تقلقيش ...ما تشيليش هم حاجة وأنا معاكِ!
=======
اليافتة المميزة بحرف "الياء" الأثير الذي ينثني طرفه بشكل القلب الشهير تعود لتومض بعد طول ظلمة !!
احتفال كبير بمطعمهما الذي عاودا افتتاحه لتتوج ابتسامة ياسمين ثغرها بارتباك لا يزال يشوبه بعض الحذر من نظرات المدعوين ...
لكن ابتسامة يامن المطمئنة مع احتضانه لكتفيها بذراعه تمنحها المزيد من الاسترخاء ...
تراها تكون النهاية السعيدة لقصتهما حقاً؟!!
_استعجلتِ على الافتتاح ليه ؟! مش كنتِ تأجليه لبعد الولادة ؟!
سألتها نبيلة وهي ترمق ملامحها المرهقة بنظرة مشفقة لترد ياسمين ببشاشة وهي تمسد بطنها :
_عشان نلحق نوقفه على رجليه من جديد قبل ما يمنى توصل ...عايزاها تيجي تلاقيه أشهر مطعم في مصر !
الحماسة التي تتحدث بها جعلت يامن يشدد برفق من ضمته لها لترمقهما نبيلة بنظرة راضية قبل أن تقول بنبرة تسرب إليها غرور النجمة المعهود :
_طبيعي يبقى أشهر مطعم في مصر لما يعرفوا حماتك تبقى مين ...الناس كلها هتحب تيجي تتفرج يمكن يقدروا يقابلوني .
همهمة ساخطة مبهمة كانت رد يامن الذي أشاح بوجهه لتطلق ياسمين ضحكة عالية وهي ترى رد نبيلة المتحفز عليه :
_هتنكر ؟!
ثم التفتت نحو ياسمين لتردف بنفس النبرة :
_انتِ عارفة إن أنا الممثلة الوحيدة في مصر اللي خدت لقب نجمة شباك لمدة عشر سنين ورا بعض مهما كان البطل اللي قصادي ...
ثم لوحت بكفها لتذكر اسم ممثل شهير بينما تردف :
_ ( .....)نفسه لما مثل معايا اتحط اسمي الأول قبل اسمه ...يومها عمل مشكلة وقال إزاااي ...بس المنتج وقفه عند حده ...قالله فوووق ...دي بيللا ...يعني كلنا نقف ورا وهي اللي تبقى قدام !
همهمة أخرى ساخطة من يامن الذي بدا وكأنها ليست المرة الأولى التي يستمع منها لهذه الحكاية خاصة واسم النجم الذي تحكي عنه لايزال يدوي كالطبل في الوسط الفني ...
بينما عادت ياسمين تضحك ضحكة قصيرة كتمتها بكفها لتقول بدبلوماسية :
_طبعاً يا بيللا ...مصر كلها عمرها ما هتنسى مجدك الفني .
ابتسمت نبيلة برضا قبل أن ترمق يامن الساخط بنظرة متسلية لتغادرهما بعدها وهي تتحرك وسط المدعوين بخطوات رشيقة فضحت فرحتها الحقيقية ...
_الحاجة أم يامن قلبت بيللا تاني وباعتك في أول مطب !
همست بها ياسمين في أذنه مشاكسة ليرد بمسكنة مصطنعة :
_ع الأقل الفستان المرة دي طويل وبكمام ...ده في حد ذاته تقدم مبشر جداً .
_امال لو فاجأتك واتحجبت بقا ؟!
_لا ...ده أنا ممكن أموت م الفرحة !
قالها ساخراً بنبرته العابثة لتغرد ضحكتها في أذنيه من جديد !
ابتسامة عاشقة...ثم تنهيدة ارتياح غمرته وهو يدور ببصره بين الحضور ...
هانيا التي تبدو شديدة السعادة جوار رامز الذي يبدو وكأنه يمازحها بمشاكساته المعهودة ...
رانيا التي لم يترك أشرف كفها من يده بينما يستمع إليها باهتمام وهي تتحدث بلهجة ظاهرها قوة الحماسة في مشهد لم يعد يستغربه بعد تغيرات شخصيتها الجديدة ...
داليا التي انفرد بها مروان في أحد الأركان وقد وقفت تستمع إليه بهيام مستكين فاض في عينين طالما صرختا قديماً بالتمرد ...
وأخيراً نبيلة التي وقفت مثله تراقبهن من بعيد ودمعة راضية تسيل من طرف عينيها فلا تبالي أن أفسدت زينتها !!
_سرحان في إيه يا طيب ؟!
سؤال ياسمين المرح ينتزعه من تأملاته ليلتفت نحوها فيهتف فجأة :
_تيجي نهرب؟!
_عايزني أخطفك تاني؟!
_المرة دي ...أنا اللي هاخطفك !
يقولها بعاطفة تدفقت عبر مرح الحديث وهو يجذبها من كفها ليغادر معها المكان خلسة تظللهما ضحكاتها الخافتة ...
ولم تكد تستقل السيارة جواره حتى تأوهت بمزيج من ارتياح وترقب قبل أن تسند ظهرها لكرسيها مغمضة عينيها وهمسها المشع بعاطفتها يعانقه :
_هتوديني فين ؟!
_وبعدين؟! مش قلنا المخطوف المؤدب يتخطف وهو ساكت !
ضحكتها القصيرة تتزامن مع استرجاعهما معاً لذكرى مشابهة قبل أن تحين منها التفاتة لجانب الطريق عفوياً ...
ليشحب وجهها فجأة مع شهقة مرتعبة وهي ترى ذاك ال...وجه !!
========
_مالك ؟!
يسألها بتوجس وهو يحاول النظر نحو وجهتها ليتبين سر ردة فعلها هذه لكنه لا يميز شيئاً وسط هذه الظلمة ...
بينما امتقع وجهها هي للحظات قبل أن تتمالك نفسها لترد بابتسامة مرتبكة :
_اتهيالي إني شفت كلب ...انت عارف بخاف منهم .
يرمقها بنظرة طويلة متفحصة والشك يعاود نثر بذوره في أرض روحه الخصبة ...
بينما يراقب صدرها الذي يعلو ويهبط بانفعال لكنه يقاومه بقوة لم تعد تجهده ليتناول راحتها بكفه قائلاً بنبرة هادئة شابها بعض الضيق:
_أنا عارف إنك بتكدبي بس مش هاضغط عليكي مادام مش عايزة تقولي .
اتسعت عيناها بدهشة من ردة فعله هذه التي لم تتوقعها وإن كانت أراحتها كثيراً هذه المرة ...
الراحة التي ازدادت وهي تراه يربت على كفها برفق قبل أن يشغل السيارة ليبتعد بها عن المكان ...
تختلس نظرات مرتعبة نحو مكان ذاك "الوجه" الذي رأته لكنه اختفى فجأة كأن لم يكن !!
هل كانت تتوهم ؟!!
حاولت الاسترخاء في مقعدها وعيناها ترمقان جانب وجهه الشارد من آن لآخر لكنه بدا غائباً تماماً عنها ...
هذا الشعور الذي طوق جسدها بصقيع مؤلم وهي تشعر أنهما يبتعدان من جديد ...
هي كذبت ...وهو يعلم أنها فعلت ...
لكنها لم تستطع إخباره بما -أو بالأدق- بمن رأته !!
انقطعت أفكارها عندما انتبهت لوجهة سيارته فالتوت شفتاها بابتسامة حنين رغماً عنها وهي تشعر ببعض السكينة تتسرب للقلب الملتاع ...
تغمض عينيها محاولة استعادة صفاء روحها حتى تشعر بتوقف حركة السيارة التي غادرها هو ليقف مستنداً على مقدمتها يراقب المكان حوله بشرود ...
ابتسامة دافئة تترنح على شفتيها وهي تلحق به لتقف قبالته قبل أن تبسط كفيها على صدره هامسة :
_جبتنا هنا ليه دلوقت؟!
كانت تعلم أنه مكانه المفضل الذي يقصده عندما يود الخلوة مع نفسه في حزنه ...
هذا المكان الذي قلدته في ارتياده كعادتها في اقتفاء آثاره ...
صوت الهواء حولها يقطع السكون في هذا التوقيت من الليل فيرتجف جسدها الذي ضمه هو إليه قبل أن يقبل رأسها بعمق لتشعر به يغمرها بكليته مع همسه الذي اشتعل بحرارة بوحه :
_واحنا النهارده في الحفلة افتكرت ...افتكرت آخر مرة جيت فيها هنا بعد ما كلمتك وقتها وقلتيلي إن ابننا مات ...جيت هنا وأنا حاسس إن خلاص حياتي كلها ضاعت...مش حياتي أنا وبس ...مستقبل البنات كمان ...حسيت إن الذنب هيفضل في رقبتي العمر كله ...مهما حاولت أقف هيرجع يوقعني تاني ...لسه فاكر لحظتها وأنا قاعد هنا...هنا بالضبط...بحط التراب على راسي كأني بحارب كل وساوسي ...كأني عايز أدفن يامن القديم ...
رفعت عينيها الدامعتين إليه بتأثر لترتجف شفتاه للحظات قبل أن تظللهما ابتسامة راضية مع زفرته التي حملت الكثير من الارتياح أخيراً:
_والنهارده بس ...النهارده واحنا في الحفلة ...شايفك جنبي في حضني من تاني قدام الناس كلها ...
ثم انحدرت أنامله نحو بطنها تمسده برقة أرجفتها مع استطراده :
_ومعانا يمنى ...مستنيينها تيجي بكل الفرحة اللي تنسينا العذاب اللي فات ...حواليا أمي والبنات ...كل واحدة خلاص اطمنت عليها مع راجل يصونها وتصونه ...لحظتها بس ...حسيت إن فعلاً يامن القديم كان لازم يتدفن تحت التراب عشان يفوق ...حسيت إن كل لحظة عذاب عشتها كانت تستاهل ...ومستعد أدفع أدها ألف مرة ...مادام النتيجة هتبقى فرحة زي اللي حسيتها النهاردة !
لم تملك خط الدموع الذي سال على وجنتيها لتتلقفه شفتاه بحنان قبل أن تغازلها أنفاسه قبل قبلاته :
_خلاص! ممنوع العياط لخمسين سنة قدام ...كفاية اللي شفناه قبل كده ...العمر اللي باقي يادوب ...نضحك ونحب ...وبس!
ذابت في لهيب عناقه للحظات والصمت بينهما ينسج خيوطاً أبلغ من أي حديث ...
هذا القلب الذي تمنته تتراقص دقاته بين ضلوعها هي ...
هل هي النهاية السعيدة حقاً؟!
هل آن لها أن تستريح ؟!
أم أن كل ما تعيشه الآن معه مجرد هدنة في حربها الطويلة للفوز به ؟!
السؤال يبقى معلقاً بينهما وطيف شاحب ل"الوجه" الذي رأته منذ قليل يعود ليملأ رأسها بهواجسه !!
لكنها تحاول تجاهل هذا لتهمس له :
_الجو برد هنا ...ياللا نرجع .
_أدفيكي؟!
همسه العابث يدلل أنوثتها لكنها تدفعه برفق هاتفة :
_دفيني في البيت..مش هنا !
لكنه يتناول كفها في راحته هامساً بجدية هذه المرة :
_قصدك أنهي بيت ؟!
تغيرت ملامحها للحظة وهي تتنبه لمغزى سؤاله إذ لا تزال غير قادرة على العودة لبيتهما القديم ...
لهذا ازدردت ريقها بارتباك لتهمس له :
_مش عايزة أبقى بايخة بس فعلاً مش قادرة أرجع بيتنا دلوقت ...غصب عني يا يامن والله .
دمعت عيناها في عبارتها الأخيرة فمنحها ابتسامة مطمئنة وعيناه تطوفان على ملامحها بتفحص ...
"الجزء العاشق للتفاصيل" بداخله يود لو يستنطقها عما رأته منذ دقائق ورفضت البوح به ...
لكن "الجزء الكاره لماضيه" يصرخ به أن يتعلم مما كان ...أن يمنحها ثقته ودعمه راضياً بخطواتها البطيئة نحوه مادام يثق أنها في النهاية لن تكون إلا بين ذراعيه !!
لهذا ربت على رأسها برفق ليعاود هتافه المرح:
_ماشي ...بس أنا كده كده رايح أجيب شوية حاجات ...ابقي استنيني في العربية بقا ...يا "نخلة"!!
قالها مشيراً لفارق الطول بينهما مردفاً :
_لازم أقعد يعني عشان تبقي في مستوايا ؟! اوعي تجيبيلي بنت أوزعة زيك ...أنا بحذرك أهه ...مش كل شوية هاوطي أدور على واحدة فيكم .
لكزته بكفها في صدره ضاحكة فقام واقفاً ليحيطها بذراعه قبل أن يستقلا معاً سيارته نحو بيتهما القديم تحيطهما دعاباته المشاكسة التي لم تتوقف طوال الطريق ...
والتي كانت تحتاجها حقاً كي تخفف عنها هذا الخوف المبهم الذي تشعر به ...
ولم يكد يتوقف أمام باب البيت حتى شعرت بقلبها يكاد يقفز اشتياقاً ...ورعباً!!
كل ذكرياتها في هذا المكان تتوالى في عينيها تباعاً ك"فردوس مفقود" قبل أن تأتي ذكرى آخر ليلة هنا لتلقي بها في جحيم غادر!!
_مش هتأخر ...هاسيب الباب مفتوح لو حبيتي تحصليني .
قالها وهو يميل عليها ليقبل وجنتها بنعومة قبل أن يغادر السيارة نحو البيت بينما بقيت هي تراقب ظهره المنصرف للحظات بتردد قبل أن تشيح بوجهها نحو الجانب الآخر كأنها تفر من ذكرياتها المهلكة هذه ...
لحظات مرت بها بطيئة كدهور قبل أن تجد نفسها تترجل من السيارة لتدخل ...
أناملها تمسد بطنها كأنما تستمد من جنينها المزيد من القوة وهي تلج نحو الحديقة ...
ابتسامة بمذاق الدموع تغزو شفتيها وهي تتذكر كل صباحاتهما هنا ...
كيف قهرت طباعه لتقنعه بتناول الإفطار على الأرض هنا لأول مرة ...
كيف استلقيا معاً يومها على ظهريهما يرقبان سحب السماء وكلاهما يراها بعين طبعه ...
كيف صنع لها من الإطارات القديمة الملونة هذه المجموعة الرائعة هناك ...
وأخيراً...الأرجوحة !!
إعصار بارد يجتاح قلبها هذه اللحظة وقدماها تنسحبان نحو الأرجوحة هناك ...
هذه التي صنعها بهذا الارتفاع كي لا يمكنها الصعود دون أن يرفعها هو!!
هذه التي شهدت لحظات تدليله الغامر لها ...
وهذه -أيضاً- التي سقطت من فوقها آخر مرة ليرقبها هو من علو بازدراء دون أن يمد لها يداً!!!
شهقت بعنف عندما شعرت بكفه على كتفها من الخلف فالتفتت نحوه ليقرأ مشاعرها على وجهها وكأن كل ما دار بذهنها قد سكن أفكاره هو قبلها !!
_عملتلك واحدة غيرها ...هناك !
يقولها وهو يشير للاتجاه الآخر من الحديقة فالتفتت نحو البقعة المنشودة لتتحرك نحوها بخطوات لاتزال مدفوعة بارتباكها ...
الإطار الملون للأرجوحة الجديدة يبدو زاهياً أكثر بألوانه ...
لكن ما أعجبها حقاً هو ارتفاعها المناسب لها ...تماماً !!
هذا الذي عبر عنه هو بقوله :
_عملتها أقصر عشان تطلعي وقت ما تحبي ...حتى لو كنت مش معاك.
فالتفتت نحوه لتطوق عنقه بذراعيها بلهفة قبل أن تسكب دموعها على صدره متمتمة :
_لو هتسيبني تاني قوللي من دلوقت ...لو فيه احتمال واحد في المليون بس عرفني ...مش عايزة أرجع تاني أتسند على جدار يقع بيا .
لكنه ضمها بقوة بين ذراعيه لينثر قبلاته على وجهها الذي مسح دموعه بأنامله قبل أن يرفع لها ظاهر كفيه ب"خاتميْه" معاً ليهمس لها :
_بين الاتنين حكاية عمر ماعرفتش قيمته إلا بيكي ...مهما حصل بيننا عمري ماهابعد تاني .
عيناها تتفحصان ملامحه بترقب وكأنما تطارد سراب وعده هذا بين نظراته ...
قبل أن تعاود دفن وجهها في صدره ليرفعها أخيراً فوق الأرجوحة الجديدة التي حركها بحرص بها ...
تبتعد ...تقترب... فيقترب منها مدللاً شفتيها بشفتيه قبل أن يدفعها برفق لتبتعد وتقترب من جديد بنفس الوتيرة الناعمة ...
وكأنما يخبرها بلا كلمات أنها مهما ابتعدت ...
ستعود بين ذراعيه !!!
ينزلها أخيراً برفق بعدما قبل بطنها بنعومة ليقول مخاطباً ابنته :
_عجبتك المرجيحة يا يمنى؟! لو شفتي أوضتك بقا هتنبهري!!
_أوضتها؟!
_أوضتك سابقاً! غيرت دهانها وعملت لها شوية ديكورات ...جناااان...
قالها مبالغاً بحركة تمثيلية ليميل رأسه بمكر مردفاً:
_مش عايز أضغط عليكي وأقوللك ادخلي اتفرجي ...بلاش...بلاش...انتِ مش عايزة !!
فابتسمت وهي تخبطه بخفة على صدره هاتفة :
_نصاب! بتعرف تلوي دراعي !
_العفو يا فندم ...سلامة دراع سيادتك .
قالها وحاجباه يتراقصان بمشاكسة فزفرت زفرة قصيرة سبقت قولها :
_هادخل أتفرج وأمري لله .
أطلق صفير انتصار طويل أجفلها للحظة قبل أن تغرد ضحكتها عالية وهي تتأبط ذراعه لتخطو معه نحو الداخل ...
صالة البيت الدافئة ...المطبخ القريب الذي لا يزال يحمل لمساتها ...
وأخيراً ...غرفتها التي دخلتها لتجده قد غير لون الطلاء إذ قسم الغرفة طولياً لنصفين ...أحدهما بالوردي والآخر بالسماوي ...
واستبدل فراشها الكبير بفراشين صغيرين ...
السقف قد ازدان سقفه بمجسمات ملونة لكواكب ونجوم ...
وفي زاوية الغرفة كانت هناك عربة صغيرة لرضيع تدلت من سقفها الكثير من الألعاب الملونة...
بينما امتلأت الغرفة عن آخرها بالبالونات ...
هذا الذي جعلها تشهق بانبهار وهي تدور بعينيها في المكان هاتفة :
_ذوقك يهبل يا يامن ...مش عارفة أقوللك إيه ...
ثم اندفعت نحو الفراش الوردي هاتفة :
_ده بتاع يمنى...
ثم نحو السماوي مردفة :
_وده بتاع ياسين!!
_ياسين مين؟!
هتف بها باستنكار فظ لتضحك هاتفة بعفوية :
_ابننا اللي هنجيبه بعدها ...هو أنا ماقلتلكش ؟!
_لا والله .. ماحصلش نصيب ...بس كويس إنك عرفتيني عشان أعمل حسابي !
تشاركا الضحك بعدها للحظات قبل أن تتقدم منه من جديد لتطوق عنقه بذراعيها هاتفة بعد تنهيدة ارتياح :
_أد ما كنت خايفة أرجع هنا ...أد ما أنا طايرة دلوقت .
_كلامك ده عندي بالدنيا كلها ...أفهم من كده إنك وافقتِ ترجعي هنا ؟!
نظراتها المترددة اتشحت بالخوف من جديد لتمنحه عيناها الجواب فهز رأسه بتفهم قبل أن يقبل جبينها بعمق مردفاً بأسف مصطنع:
_ حتى لو وافقتِ ترجعي ...الحاجة "أم يامن" مش هتسيبنا إلا لما تشيل يمنى على إيديها .
ابتسمت بنكهة الامتنان وهي تعود لتخفي وجهها في صدره راضية بهذا الأمان غير المشروط الذي يمنحه لها ...
والذي تهدده الآن صورة هذا "الوجه" الذي رأته الليلة ...
هنا فقط طفا الاسم على سطح ذهنها وهي تشعر بحاجتها للتحدث الآن معها هي بالذات ...
أجل ...ياقوت!!
=========
_آسفة جداً ...عارفة إن التوقيت مش مناسب ...
قالتها ياسمين بمزيج من حرج وأسف وهي تجلس أمام ياقوت في النادي الذي اختارته الأخيرة للقائهما عقب تلقيها اتصالاً من الأولى تطلب منها ضرورة لقائها .
صحيحٌ أنها ترددت كثيراً قبل أن توافق على لقائها في ظروفها السوداوية هذه ...لكنها وجدت نفسها أخيراً تقبل ...
لماذا؟!
هل هو طبعها المعهود بالهرب من آلامها في عملها الذي تحبه ...
في تناسي مشاكلها بالغوص في مشاكل الآخرين؟!
أم هي رغبتها الصادقة في الاطمئنان على مريض تكن له معزة خاصة كيامن ؟!
ولعله لا هذا ولا ذاك ...
بل هي رغبتها الدفينة في لقاء امرأة تعرف عن "رجلها" أكثر مما تعرفه هي !!
رجلها؟!
هل اعترفت ب"زين" كرجلها إذن؟!!
هزة رأسها النافية باستنكار للخاطر الأخير جاءت مناسبة تماماً للرد على حديث ياسمين السابق فابتسمت الأخيرة لتستطرد بنبرة مرتبكة :
_يامن حاول يكلمك كتير بس ماعرفش يوصللك ...أنا عارفة إن الموقف صعب بس احنا معاكي ...بإذن الله الحاجة هتخرج من القضية بسهولة ...أنا ممكن أوكل لك محامي أعرفه شاطر جداً .
فتفرست ياقوت ملامحها بذكائها المعهود لتتجاهل مقولتها محاولة تناسي مأساتها الخاصة لترد بعد صمت قصير :
_متشكرة ...بس ما افتكرش إنك طلبتِ تقابليني عشان كده بس ...أعتقد فيه حاجة جدت بينك وبين يامن .
_عرفتِ إزاي؟!
سألتها ياسمين باعتراف صريح بحسن استنتاجها لتشير نحوها ياقوت برأسها مجيبة بنبرتها العملية رغم صوتها المتهالك :
_رعشة إيدك...صوتك المرتبك ...عينيكي بتلف في المكان ...كأنك بتدوري على حد أو خايفة تشوفي حد .
فابتسمت ياسمين لتعدل مقدمة حجابها بارتباك قائلة :
_فعلاً...بصراحة...الموضوع مربك ومش عارفة أشرحه لحد غيرك !
رمقتها ياقوت بنظرة مشجعة فتنحنحت ياسمين قائلة :
_سيلين!
_مين سيلين؟!
سألتها ياقوت بتشتت لتجيبها :
_طليقة يامن ...من ساعة ما رجعت مصر وأنا بحس إني بشوفها كتير ...في كل مكان بروحه ...آخرها ليلة افتتاح المطعم بتاعنا .
_بتحسي إنك بتشوفيها ؟!
سألتها ياقوت ببطء حذر محاولة التيقن من صحة استنتاجها لترد ياسمين بحيرة قلقة :
_ماهو ده اللي مجنني ...مش قادرة أحدد إذا كان ده حقيقي فعلاً واللا وهم في دماغي ...مش قادرة أبطل تفكير ...وشها على طول في دماغي ...الجديد بقا هي الكوابيس ...بشوفها بتخنق بنتي وبتقوللي ده العدل إنها تموت زي ابنها هي ما مات !!
اتسعت عينا ياقوت بإدراك محاولة استيعاب الموقف لتسألها بعدها باهتمام :
_انتِ قلتِ ليامن ؟!
لكن ياسمين هزت رأسها نفياً لترد بانفعال :
_خفت ! يامن مش ناقص إحساس بالذنب ...ده ما صدق يحس إن دنيته اتظبطت تاني ...
قالتها ثم حكت لها عما حدث تلك الليلة عندما هيئ إليها أنها قد رأت سيلين ورد فعل يامن وقتها لتقول ياقوت بنبرتها العملية :
_ممتاز ...يعني هو كان عارف إنك بتكدبي ومع ذلك ماضغطش عليكِ ...
أومأت ياسمين برأسها إيجاباً لتردف ياقوت بتردد :
_بس ممكن يكون دماغه راح لحد تاني ...
_زي مين؟!
_زين ...مثلاً!
قالتها ياقوت بنبرة مهنية حاولت فيها إزاحة مشاعرها جانباً لترد ياسمين بنفس القلق:
_معاك حق ...بس زين مش هيحاول يكلمني إلا لو حس إني محتاجة مساعدته ...من يوم ما رجعت ليامن ماحاولش حتى يتصل بي.
_وده مضايقك؟!
لم تستطع منع شعورها المقيت بالغيرة في هذه اللحظة حتى عندما هتفت ياسمين باستنكار:
_طبعاً لا ...بالعكس ...ظهور زين دلوقت ممكن يخللي يامن يرجع ينتكس.
_لا ...ماتخافيش!
قالتها ياقوت بثقة لتعدل وضع نظارتها فوق عينيها مردفة بنفس النبرة المهنية :
_يامن كل يوم بيثبت إنه فعلاً اتغير عشان هو عايز يتغير ...عن نفسي أفضل تحصل بينكم مواجهة ثلاثية في أي موقف عشان نتأكد إن يامن خلاص اتعالج تماماٌ ...بس عملياً الموضوع هيبقى صعب جداً عليكم انتو الثلاثة .
فأومأت ياسمين برأسها موافقة لتستطرد ياقوت :
_انتِ غلطتي إنك كدبتي عليه ليلتها ...يامن محتاج يحس إنك واثقة فيه عشان هو كمان يثق في نفسه ...محتاج حد يحارب وساوسه معاه وما يبقاش لوحده ...خلليكي كتاب مفتوح قدامه...صدقيني ...ده الطريق الوحيد مع واحد بشخصيته دلوقت .
_يعني أقولله ؟!
عادت ياسمين تسألها بحذر لترد ياقوت بثقة :
_قوليله وخلليه يتأكد إذا كانت فعلاً هنا وبتراقبك...أو ده كله مجرد هلاوس من عقلك الباطن عشان إحساسك بالذنب ...وبناء على ذلك احنا هنتصرف ...لكن كونك تخبي عليه ده ضرر ليكي وليه .
ابتسمت ياسمين بارتياح مقتنعة برأيها لتشكرها بإسهاب قبل أن تغادرا معاً النادي لتقول ياسمين بتردد :
_سمعنا إنك سبتِ المركز...بإذن الله يكون موضوع مؤقت ...حقيقي انت دكتورة شاطرة جداً وتستاهلي كل خير .
ابتسمت لها ياقوت مجاملة قبل أن تعرض عليها ياسمين توصيلها للبيت بسيارتها ...
هذا العرض الذي تقبلته ياقوت على مضض وهي تحاول تجنيب شعورها الذي يتضخم بالغيرة ...
ياسمين أنثى بكل معنى الكلمة !!
جمالها...صوتها ...أناقتها ...حركاتها ...
فلو أضفنا لهذا تألق طلتها الأرستقراطية ...فالمحصلة امرأة استثنائية حقاً!!
كيف تملك إذن ألا تقارن نفسها بها ؟!!
معذور هو إن تعلق بها فمثلها تليق به ...
لكن هي؟!!
توقفت ياسمين أمام العنوان الذي وصفته هي لها لتدور ببصرها حولها متسائلة :
_انتِ ساكنة هنا؟!
أشارت لها ياقوت نحو مدخل البيت وعيناها تترصدان كل انفعالات وجه ياسمين وكأنها تتبين إن كانت تعلم أن هذه شقته ...
لكن ياسمين بدت بريئة تماماً وهي تقول بعفوية صاغت ابتسامتها:
_بيت جميل .
فتنهدت ياقوت بما لم تدرِ هل هو ارتياح أم خيبة !!
هل تفرح لأنها لا تعرف شقته هذه ؟!
أم أنها كانت لديه أكبر من أن تعلم عن شيئ تافه كهذا ؟!!
_ماتقلقيش ...هابعتلك رقم المحامي وعنوانه ...وهاوصيه عليكِ...كلنا معاكي ...وربنا قبل الكل !
قالتها ياسمين مؤازرة بروحها الحلوة فلم تملك ياقوت إلا أن ابتسمت لها شاكرة لترد بمهنيتها المعهودة :
_وأنا كمان هاستنى منك تليفون تطمنيني وصلتوا لإيه في موضوع سيلين .
قالتها لتغادر سيارتها نحو البيت لتعود ياقوت فتلقي نظرة خلفية على سيارتها الفارهة تغادر ...
وذهنها ينسحب عفوياً لهذا الذي يشغل عقلها ...
ويشغل قلبها قبله !!
========
_ستي ثمر!
ترتمي بين ذراعيها باشتياق قبل أن تغمر كفيها بالقبلات بعدما سمح لهما الرجل المسئول بالسجن بهذه الزيارة في مكتبه ...
_عاملة إيه انتِ وأختك ؟!
تسألها ثمر بقلق وقد بدت شاحبة الوجه بملابس السجن لتجيبها ياقوت محاولة التماسك:
_كلنا كويسين مش ناقصنا غيرك يا ستي.
_ورابحة ؟!
_بخير يا ستنا ...كلنا بخير...ماتقلقيش...أنا وكلت لك أكبر محامي ...وناس معرفة وصوا عليك هنا عشان تبقي مرتاحة .
هزت ثمر رأسها لتتفحص ملامحها بخبرتها قبل أن تقول ببطء:
_قالولي حد مهم قوي موصي علي هنا .
فارتبكت ملامح ياقوت لترد بسرعة :
_ربنا كبير ...حالة عندي كنت بعالجها ولها قرايب مهمين ...لما قصدتهم مااتأخروش.
همهمة خافتة كانت جواب ثمر قبل أن تسألها فجأة :
_ده البيه بتاع مصر؟!
لكن ياقوت حافظت على ملامحها لترد بثبات رغم كراهيتها للكذب عليها :
_أنا وعدتك إني هاقطع علاقتي بيه يا ستي ...خلاص ...المهم طمنيني عليكي انت عاملة إيه ؟
هنا عادت ثمر ترمق وجهها بنظراتها الغامضة وكأنما تبينت كذبتها في عينيها قبل أن تغمغم بخشوع:
_لله الأمر من قبل ومن بعد ...
ثم ابتسمت لتردف برضا:
_شفت رؤيا خير لأمك الله يرحمها ...كانت محنية إيديها وبتبصلي وبتضحك ...أول مرة أشوفها في منامي بتضحك من يوم ماراحت للي خلقها .
ظهر التأثر على وجه ياقوت وهي تهم بسؤال آخر لكن الرجل عاد يدخل ليعتذر لهم عن انتهاء مدة الزيارة ...
فارتمت ياقوت بين ذراعي جدتها من جديد لتهمس لها بين دموعها :
_بيقولوا اننا بنتحرم من النعم اللي ما بنقدرش قيمتها ...بس أنا طول عمري عارفة إن حضنك ده أكبر نعمة ياستي ...ربنا مش هيحرمني منه أبداً .
فابتسمت المرأة الصابرة لتقول بصوتها المهيب عبر أسنانها المكسورة وكأنها تمنحها وصية غير مباشرة :
_أنا عايشة طول ماانتو حافظين اللي علمتهولكم ...مش هاموت إلا لو نسيتوه ...حطيها حلقة في ودنك وفكري بيها أختك ...ربنا هو الحافظ !
========
_أجيلك؟!
رسالته بكلمته الوحيدة زلزلتها !
قلبها يقرأها بنكهة الوعد ...وكبرياؤها يتلقاها بمعنى الاستئذان !!
وبينهما روح عطشى مستعدة لتلقيها بأي صورة فقط لتطمئن عليه !!
يومان مرا بها كإعصار اجتاحها دون رحمة !!
لكنها لا تزال تتشبث ببقايا "بابها المخلوع " ...
تمنحه موافقتها مكتوبة برسالة كذلك قبل أن تذهب لتبدل ملابسها ...
لكنها لم تكد تخطو خطوة حتى سمعت طرق الباب !
عيناها تتسعان بارتياع مترقب وهي تتوجه بسرعة نحو العين السحرية لتجده هو!
هل كان يرسل رسالته وهو أمام الباب ؟!
سؤالها الأخير بدا واضحاً في عينيها المستنكرتين وهي تفتح الباب له ليجيبه بابتسامته التي تمزج الغرور بالعاطفة :
_استأذنتك زي ما وعدتك .
عيناها تنجذبان دون وعي لذراعه المضمد فتستعيد بشاعة ذكريات تلك الليلة ...
بينما عيناه هو تجريان على تفاصيلها هي بجموح ...
كانت ترتدي واحدة من جلابيب أمها المزركشة قديمة الطراز والتي اعتادت أن ترتديها كي لا تنسى ...
وما أحوجها لهذا الآن!!
ورغم هيئتها الهزلية هذه مع ملامحها شديدة الإرهاق بدت في عينيه شديدة التفرد خاصة والقمران السجينان في عينيها يتألقان مع لمعة شعرها الداكن بمزيج آسر ...
_واضح إنك قلقانة عليا لدرجة إنك نسيتِ وفتحت الباب من غير حجاب!
يقوها بنبرته التي تمزج غروره بعاطفته لترتبك ملامحها وهي تضع يدها عفوياً على شعرها قبل أن تنتبه لما ترتديه !!
تباً!
ألم تكن في طريقها لتبدل ثيابها ؟!
ماذا جرى يا ياقوت؟!
منذ متى تهتمين بجمالك في عيون الرجال؟!
خبئي جواهرك لمن يستحقها ...
ولا تتبعي سبيل "أشواق"!!
قشعريرة باردة تتملك جسدها مع هذا الخاطر الأخير لكنها تتجاهلها كما تتجاهل عبارته لتفسح له الطريق وتصفق الباب بعنف!
قلبها يرتج بهذا اللحن الخاص بينهما والذي تزداد وتيرته كلما وجدت نفسها معه وحدهما ..
هذا الذي حاولت التغلب عليه وهي تنأى ببصرها عنه بينما هو يجلس على الأريكة لتنفلت منه آهة مكتومة جعلتها ترفع عينيها نحوه بحنان قلق بخلت به كلماتها ...
لكن ابتسامته الدافئة قرأت شعورها المرتبك على ملامحها قبل أن يسألها باهتمام :
_قابلتِ جدتك ؟!
إيماءة خافتة كانت جوابها بينما تسبل جفنيها لترد باقتضاب:
_قالتلي إنهم بيعاملوها كويس هناك فعلاً أحسن م الباقيين .
_ما تقلقيش...قريب قوي هتخرج وترجع بيتها .
قالها مطمئناً لترد هي ولا تزال هي واقفة مكانها عاجزة عن النظر نحوه :
_همسة كمان بتتحسن ...قريب قوي هترجع تقبل تعيش وسطنا...
ثم تلعثمت نبرتها نوعاً لتصحح خطأها بسرعة :
_وسطكم...بطريقة طبيعية !
عقد حاجبيه بضيق وهو يشعر أنها تضع صنيعه مع جدتها أمام صنيعها مع أخته ...
خاصة عندما استطردت بنبرة عملية :
_يفضل ما تخليهاش تشوفك اليومين دول عشان ما تقلقش ...أنا هابررلها غيابك بأي حاجة ...لو شافتك هتسأل حصل ليه وازاي وممكن ده يخوفها أكتر .
_وانتِ مش عايزة تعرفي ده حصل ليه ؟!
يسألها بترقب ماكر لكنها تهز كتفيها لترد بنفس النبرة العملية :
_شيئ ما يخصنيش...اللي بيننا همسة وبس!
همهمة قصيرة تغادر شفتيه فلا تدري ضائقة هي أم مترقبة ...
قبل أن يتنهد بحرارة وهو يعود بظهره للخلف مغمضاً عينيه مما استفز أمومتها لتقول بنبرة رقت نوعاً:
_انت خرجت م المستشفى على هنا ليه ؟! مش كان الأولى تروح بيتك تستريح؟!
_ما انا بستريح ...هنا .
يغمغم بها مغمض العينين لتضبط نفسها متلبسة باختلاس النظر لملامحه المرهقة ...والوسيمة !!
لعنت نفسها سراً للخاطر الأخير لتعود للهجتها فظاظتها وهي تسأله بينما تغض بصرها عنه :
_تشرب إيه ؟!
قالتها وكأنها تذكره أنه مجرد ضيف هاهنا مادامت هي قد ارتضت البقاء ...
لكن صمته يؤرقها للحظات قبل أن يفتح عينيه بابتسامة خافتة :
_اختاري لي على ذوقك .
زفرت زفرة قصيرة وهي تغادره نحو المطبخ القريب لتحضر له كوباً من عصير البرتقال الطازج الذي انحنت لتضعه أمامه قبل أن تستقيم واقفة من جديد وقد حافظت على مسافة مناسبة بينهما ...
يرتشف العصير بتلذذ صامت وعيناه الماكرتان تغازلانها بنظرات ما عادت تخطئ تأويلها ...
لكن شفتيه تجزيانها عن صمتها المتجافي بمثله !
قبل أن يضع الكوب الفارغ جانباً ليفتح حديثاً بقوله :
_وجود رائد نفعنا في التحقيق...قال إن هو اللي كان راكب معايا ...
_والتحقيق وصل لإيه ؟!
سألته بقلق لم تستطع إخفاءه ليرد بمكر ساخر:
_مش قلتِ ما يهمكيش؟!
نظرتها الساخطة تستجلب ابتسامة واسعة لشفتيه حلقت فوق قلبها هي كطير من الجنة ...
لكنها حافظت على جمود ملامحها لتتجاهل عبارته قائلة بنبرتها العملية :
_قلت لي إن رائد أنقذ حياتك مرة ...لو هم نفس اللي استهدفوك المرة دي فرأيي إنهم مش عايزين يقتلوك ...هم بيخوفوك بس ...لو كانوا عايزين يعملوها كانوا يقدروا بسهولة جداً خصوصاً مع المفاجأة .
فالتمعت عيناه بإعجاب حقيقي وقد راقه أن تصل مثله لهذا الاستنتاج قبل أن يهز كتفيه ليقول ببساطة :
_ما تشغليش بالك .
أغاظتها البساطة التي يتحدث بها وكأنه ليس في خطر لكن حسن فراستها جعلها تستقرئ في طبيعته ما يمنعه من الاعتراف بخوف ...
هي تعلم أن دنيا رجال الأعمال هذه لا تخلو من مخاطر لكن أن يصل الأمر للدم ...
فهذا هو ما يثير اشمئزازها حقاً !!
لهذا هتفت به بحدة مفاجئة:
_والله كان ممكن مااشغلش بالي لو حضرتك ما تفضلتش ودخلتني غصب عني في حياتك دي...ما سألتش نفسك لو كان جرالك حاجة واتفضحت قصة جوازنا كان هيبقى شكلي إيه ؟! بس ليه تفكر وتشغل بالك مادام كل اللي يهمك مصلحتك وبس؟!
العينان الماكرتان تنكسران بموج من ألم قبل أن يغمضهما بقوة ...
هي محقة في حدتها ولو تمادت أكثر لما لامها ...
إنه لم يعاتب نفسه في حياته كما يفعل منذ ذاك اليوم وهو يتصور ما لو كان أصابها هي مكروه بسببه !
لكنه كعهده لا يزال عاجزاً معها عن التراجع ...
أو حتى عن اعتذار لا يليق بذنبه العظيم معها !!
بينما شعرت هي بسخافة ما قالته خاصة مع الألم الواضح على ملامحه فارتجفت شفتاها بتوتر لتغمغم :
_عموماً مش وقته الكلام ده ...روّح دلوقت وارتاح .
هنا فتح عينيه لتغزل النظرات الدافئة سبيلها بينهما رغم ما يبدو من ظاهر الجو المشحون ...
قبل أن يتوهج سراجا الذهب في عينيه بتساؤله :
_ممكن تقريلي شوية ؟!
صرخت ملامحها بالاستنكار الذي صمتت عنه شفتاها ليردف هو بابتسامة شاردة :
_ممكن يبان لك طلب غريب ...بس حقيقي صوتك بياخدني دنيا تانية ...دنيا محتاجها تفصلني عن كل الضغوط اللي حواليّ...
ثم ارتجفت شفتاه بطيف من الذنب مع استطراده :
_لو رفضتِ هامشي بهدوء ومن غير تردد .
كادت تهتف برفض قاطع وصراع مشاعرها المحتدم يخرج أسوأ ما فيها ...
لكن ....خدعها قلبها!!
خدعها متذرعاً بمهنيتها وأنها ليست سوى أمام رجل مريض!!
خدعها متحججاً بشفقتها وامتنانها لرجل افتداها بنفسه !!
خدعها متوارياً خلف جدار من قوة طالما تشدقت بامتلاكها غافلةً عن ثغرات الضعف التي تجتاحها يوماً بعد يوم !!
_عايزني أقرالك إيه ؟!
غريبة كانت نبرتها وهي تنطقها !
لم تكن المهادنة المطيعة ...ولا الساخرة المستنكرة ...
بل كانت زائغة...متعثرة ...تماماً كروحها الآن !!
_المكتبة عندك جوه ...اختاري اللي انت عايزاه .
جوابه اللبق ألقى الكرة في ملعبها لترمقه بنظرة مشتتة نوعاً قبل أن تعطيه ظهرها لتتوجه نحو الغرفة التي صارت لها ...
قدماها تتوقفان أمام المكتبة الكبيرة حائرة فيما ستختاره ...
بينما تردد هو للحظات قبل أن يلحق بها بخطوات متمهلة ...
عيناه تختلسان النظر لغرفة النوم المجاورة فينعقد حاجباه بقوة مع مشهد المرآة المكسورة ...
والسرير المرتب الذي يبدو أن لا أحد قد استخدمه !!
قبل أن يتحرك نحو غرفة المكتبة ليصدمه منظر الغطاء الذي تم طيّه بعناية على جانب الأريكة !!
_انتِ بتنامي هنا؟!
صوته خلفها أجفلها لتلتفت نحوه بمزيج من غضب وارتباك لكن نظرته المطمئنة التي امتزجت بالكثير من الأسف وهو يدرك مغزى فعلتها جعلتها تتجاهل سؤاله وهي تعود ببصرها نحو الكتب هناك متظاهرة بالبرود ...
فيما ظل هو يتأملها ببصره آسفاً للحظات قبل أن يقترب منها ببطء لتفاجأ به خلفها فالتفتت نحوه بحدة ليقترب من وجهها بوجهه هامساً أخيراً باعتذار قاهراً معه نداء العزة الآثم :
_مش عارف ممكن أعتذر لك إزاي ...أي كلام هيبقى صغير قوي قدام اللي خليتك تحسي بيه ليلتها .
عيناها تتسعان للحظة بانفعال واعتذاره البسيط -المعقد - هذا يربك فكرتها السابقة عنه ...
لهذا ارتجف جسدها لا تدري بأثر قربه...نظراته...أم بأثر هذا الشعور الذي يجتاحها الآن نحوه ...
الشعور الذي قاومته بكل قوتها وهي تسبل جفنيها مغمغمة بإرهاق تسلل عبر النبرة القوية :
_أنا كمان آسفة لو ما قدرتش أشكرك...انت فديتني بنفسك يومها ...وساعدت جدتي في محنتها...أنا عمري ما كنت مهزوزة أد اليومين دول ...يمكن لما يعدوا على خير وأرجع تاني لحضن ستي ثمر أقدر أوزن الأمور صح .
نبرتها المرتجفة بين وهن وقوة اخترقت صدره بهذا الإغواء غير المتعمد الذي لا تشبهها فيه أي امرأة !!
كل ذرة فيه تناشده المزيد من الاقتراب ...
الغرق في هذا الدفء المشع منها دون رغبة في النجاة ...
شفتاه تقطعان السبيل بينهما بشوق لهذين القمرين السجينين في عينيها ...
لعل لقاءهما يحررهما !!
لكنهما تتوقفان بعزم لتحيدان عن وجهتهما نحو جبينها الذي توجته أخيراً قبلة اعتذاره !
انتفض جسدها لملامسته لتعود وقفتها لتحفزها لكنه تحرك مبتعداً ليجلس على الأريكة التي تتخذها هي فراشاً وكأنه أبى إلا أن يلون كل ما يخصها بطيفه !!
رمقته بنظرة طويلة زائغة وهي تشعر أنها تهوي في هذا البئر السحيق أكثر وأكثر ...
تكاد ترجوه الابتعاد ...وتكاد تتوسله القرب!!
وجوهه العديدة تتمايل وتدور بها في دوامة فتخلق معها وجوهاً عديدة لها هي الأخرى...
فمتى تقف عجلة الدوران ليقابل كل منهما الآخر بوجه واحد يستحق الآخر؟!!
تنهيدة حارقة تغادر صدرها قبل أن تعطيه ظهرها لتتناول الكتاب الذي اختارته ...
والذي تحركت به نحوه ليرمقها هو بنظرة راجية ذات مغزى وهو يفتح لها ذراعه السليمة مفسحاً لها مكاناً بين ساقيه بهذه الجِلسة الحميمية التي تركت أثرها بينهما منذ المرة الأولى ...
لم تفاجئها حركته المتوقعة بقدر ما فاجأتها استجابتها !!
كأنما الفعل المهيب الذي كانت تستنكفه صار الآن مجرد عادة !!
أناملها تستسلم لكفه الممدود وهو يجذبها برفق هذه المرة ليجلسها بين ذراعيه ...
ذراعه السليمة تحيط بخصرها من الخلف بمزيج متوازن من تشبث ورفق ...
فيما ذراعه المصابة جوارها تذكرها بتلك اللحظة التي سمعت فيها اعترافاً غالياً -غير منطوق- بمكانتها لديه ...
وكيف لا وقد افتداها بنفسه ؟!!
ساقاه تطوقان ساقيها فتشعر وكأنما اندمجا معاً في جسد واحد ...
مذاق عناقاتهما السابقة كلها يتوالى متبايناً أخاذاً في ذاكرتها ...
لتختمه بمذاق العناق التاسع هذا ...
مذاق "الاستراحة"!!
أجل ...كلاهما الآن كان أشبه بمحارب يحتاج فقط لهدنة قبل أن تطحنه رحى القتال من جديد !!
ربما لهذا سمحت لجسدها أن يستكين بين ذراعيه بهذا الاستسلام الذي شعر هو بها ليضم جسدها نحوه برفق أكبر ...
قبل أن ينتبه لعنوان الكتاب الذي اختارته ...
_نحن لا نزرع الشوك !
همس بها ببعض الدهشة من اختيارها ليجيبه صوتها المنهك الذي احتله شروده :
_أكتر رواية حبيت نهايتها الواقعية ...الخدامة لما حبت سيدها هو حبها بس ما اتجوزهاش...الموت هو الحاجة الوحيدة اللي جمعت بينهم ...لكن طول ما هم عايشين فضلت الخدامة خدامة والسيد سيد ...زمان كنت بتضايق قوي من نهايتها ...كنت بقول لو قابلت الكاتب هسأله ليه ما خلتش الحب يهون الفروق اللي بينهم؟! ...بس كل ما كنت بكبر كنت بفهم إن هي دي النهاية الوحيدة اللي ممكن العقل يقبلها .
نبرتها الانهزامية كانت بعيدة تماماً عن نبض العزة الذي طالما كان يتراقص بين حروفها ...
هذه النبرة التي أثارت حميته ليقترب بشفتيه من أذنيها مسنداً ذقنه على كتفها مع همسه القوي :
_هو فعلاً حبها وعاش ندمان إنه مااتجوزهاش ...هي اللي اتخبّطت كتير قبل ما تختار الطريق الصح .
أطرقت برأسها بعدم اقتناع قبل أن تبدأ في القراءة ...
أو بالأدق ...في الهروب!!
الانسحاب البطيئ لهذا العالم الخيالي من المشاعر حيث تخلع نعليها وتركض حافية بين حقوله ...
صوتها يعلو ويهبط في تناغم لم تتعمده لكنه كان يفعل الأفاعيل بقلبه هو حولها ...
لم يكذب حين قال إنه يحتاج صوتها هذا !!
تشعر برأسه يتثاقل على كتفها فتخفض صوتها قليلاً لتدرك أخيراً من تباطئ أنفاسه المنتظمة أنه قد.... نام !!
ابتسامة خافتة شقت طريقها نحو ثغرها المنهك ودون أن تشعر وجدت رأسها يميل ليستند على كتفه ...
قبل أن تسقط في النوم هي الأخرى ...
النوم الذي لم تذقه منذ مصابها بثمر ...إلا الآن بين ذراعيه !!
=====
فتح عينيه فجأة وهو يشعر بتنميل في ذراعه السليمة حيث سقط رأسها على أعلاه ليشعر بالدهشة لأول وهلة قبل أن تحلق ابتسامة راضية على شفتيه ...
هي نامت بين ذراعيه !
هكذا ببساطة ؟!
شعوره بهذا القرب منها ألهب الدماء بين عروقه خاصة وطوق جلبابها -الغريب هذا - ينحسر عن عنقها الطويل وجزء من كتفها لتبدو له بشرته الناعمة ساحرة ...بل أخاذة ...
المزيد من الجنون يجتاحه مع مرأى ثلاث شامات متناهية الصغر تصنع مثلثاً صغيراً على طرف كتفها المقابل لصدره فلا يشعر بشفتيه وهما تنحدران فوقها بخفة تتذوقانها قبل أن يحاول إزاحة طوق الثوب أكثر بأنفه محاولاً استكشاف المزيد دون تغيير جلستهما هذه ...
يستحضر صورتها ب-تلك الليلة الكارثية- وقد أشرقت شموس أنوثتها التي طالما تخفيها وسط ظلام تحفظها معه ..فيزداد خفقان قلبه وتعلو وتيرة الجنون على الشفاه الجامحة...
لكنه يتوقف فجأة !
يتوقف ليرمق جانب وجهها النائم المقابل له بنظرة مستاءة آسفة وقد كره أن يستغل نومها لينال منها شيئاً دون رضاها .
هي لم تكن لتستسلم للنوم بين ذراعيه هكذا إلا لو كانت تأتمنه وهو لم يخن يوماً من استأمنه !
المقاومة صعبة حقاً خاصة ومظهرها المستسلم هذا بين ذراعيه في نومها -والبعيد عن تنمرها المعتاد -يمنح ملامحها المزيد من الجاذبية الكاسحة ...
لهذا لم يشعر بنفسه وذراعه السليمة التي تطوق خصرها تزيد من قوة ضمها نحوه كأنما يريد غرسها بين ضلوعه في ردة فعل لاستجابة جسده الحسية لها...
زفرة حارقة تغادر صدره أخيراً ليلفح لهيبها بشرتها هي خاصة مع ضغط ذراعه على خصرها فتنتبه فجأة من نومتها لترمقه بنظرة مشتتة ...
"القمران السجينان" في عينيها يبدوان أكثر تألقاً بهذا القرب خاصة وأهدابها الثرية ترفرف حولهما باضطراب فيحتاج ما يفوق قوة احتماله كي يسيطر على نفسه ...
لهذا أغمض عينيه بقوة وهو يزيح ذراعه عنها لتعدل هي جلستها فتبتعد عنه مسافة مناسبة قائلة بارتباك صوت لايزال متعثراً بنعاسه :
_احنا نمنا ؟!
فيفتح عينيه ببطء ليطالع ملامحها المرهقة لبرهة وقد حمد لها ابتعادها هذا عنه قبل أن يفقد سيطرته... ليهمس أخيراً بنبرة ذات مغزى:
_احنا ...صحينا.
عيناها تستكشفان ملامحه بذكائها المعهود وكأنما تقرأ ما يريد قوله قبل أن تتنحنح بخجل فطري لون وجنتيها لتشيح بوجهها ...
فابتسم وهو يحاول استدراجها لسبب استسلامها للنوم بين ذراعيه هكذا بقوله:
_معلش ...المسكنات اللي باخدها بتخلليني أنام من غير ما أحس ...شكلي صعبت عليكِ ما حبتيش تقلقيني .
تغاضت عن طيف المكر في نبرته الرخيمة الآسرة و الذي لاح حول كلماته الأخيرة لتحاول استعادة توازنها قائلة بصوت متحشرج :
_أنا كمان نمت غصب عني ...بقالي تلات أيام تقريباً ما نمتش ...
قالتها ثم هبت واقفة تعطيه ظهرها مكتفة ساعديها كأنما تريد الفرار من هذا المارد الذي يعيث فساداً في جنبات صدرها ...
ليقف هو بدوره وقد انفلتت منه أنّة متوجعة خافتة جعلتها تتذكر مصابه فاختلست نظرة جانبية نحوه لتعود لصوتها لهجتها العملية الجافة :
_المفروض تروّح ترتاح .
لكنه اقترب منها متجاهلاً جفاف عبارتها ليرفع أنامله ببطء نحو وجهها وعيناه الآسرتان تجذبان نظراتها بغموض غيّبها لثوانٍ مع همسه الذي فاجأها:
_مش لابسة حلق ليه ؟!
لم تدرك ما يقوله لبرهة إلا عندما شعرت بسبابته تسير ببطء متمهل حارق فوق حافة أذنها كأنها ترسمها ...
فأغمضت عينيها بقوة وهذه القشعريرة الباردة تسري في جسدها متزامنة مع رقصات سبابته التي استمرت في سيرها بطول عنقها حتى وصلت لجيدها ...
ففتحت عينيها فجأة لتبتعد عنه خطوة للخلف قبل أن تأخذ نفساً عميقاً لترد بنفس النبرة الجافة :
_مابحبش المظاهر .
_بس الستات كلها بتحب الزينة .
كلماته لم تحمل استنكاراً بل بدا وكأنه يسحب بحبل رفيع دلواً من بئر كتمانها العميق ...
هذا الذي فاضت به كلماتها بعدها :
_زينتي مش في جمال ولبس ...زينتي في عقلي وطموحي .
_يوم ما هتحبي بتجد ...هتدوري إزاي تتزيني للراجل اللي اخترتيه .
صوته الرخيم بكلماته التي تداعب وتر أنوثة خفية بداخلها لم ينجح في تغيير نبرة صوتها التي حملت الكثير من التحدي مع استطرادها:
_ما بقولهاش كده ...بقول لما اختار راجل أحبه هختاره عشان محدش غيره قدر يشوف زينتي اللي مخبياها.
ابتسامته تتسع وعيناه تلتمعان أكثر مع هذا الشعور الذي يتضخم بصدره أكثر ليقترب منها خطوة قبل أن يهمس بنفس النبرة التي تسربت منها رغماً عنه عاطفته الخفية :
_يعني هتختاريه عشان هو اختارك وبس ؟!
شرود غريب يظلل ملامحها المنهكة قبل أن يصله صوتها الكسير رغم عزته :
_انت عايز توصل لإيه ؟!
فاقترب منها خطوة أخرى ليحتكر نظراتها بهمسه الدافئ:
_مؤقتاً ...عايزك تسمحيلي ألبسك حلق !
ابتسامة ساخرة تظلل شفتيها اللتين زمتهما بعدها بقوة لتغمض عينيها بتساؤلها :
_وبعدين؟!
_تسمحيلي أقرب منك أكتر ...
قوله يتزامن مع خطوة أخرى نحوها ليردف ومرأى عينيها المغمضتين يثيره أكثر :
_ممكن تقوليلي شايفاني إزاي؟!
صمت قصير ساد بينهما حتى ظنها لن ترد ...
لتصله كلماتها بعدها شديدة الأثر كأنما كل حرف منها يثقب روحه بنقش لن يزول:
_شايفاك بير مهجور غويط متغطي بورق شجر...اللي يبص له من بعيد يتخدع فيه مايفوقش غير وهو بيقع ...
كاد يرد على عبارتها لكنه خشي أن يفسد لحظة اعتراف نادرة كهذه ...
فاكتفى بصمته يستمع لما تبقى من بوحها ولاتزال مغمضة العينين :
_شايفاك عكسي قوي ...بس شبهي قوي ...نفس حِمل الماضي اللي شايلينه على ظهرنا...لا عارفين نرميه ورانا ونكمل طريقنا...ولا قادرين نكمل سكّتنا بيه ...فواقفين مكاننا وفاكرين اننا ماشيين ...ومستغربين ان الطريق كل شوية بيطول !
تعبيرها كان شديد البساطة ...شديد العمق ...تماماً مثلها !!
أي جاذبية هذه التي تملكها امرأة كهذه فلا يشعر بنفسه في كل لحظة إلا وهو يغرق بها أكثر!!!
شعوره بها واضح...صارخ...لا يحتاج تأويل ...
لكنه ينكره بغرور رجل يصرّ أن يراه مجرد "إحساس مبهم "!!!
لهذا وجد لسانه ينزلق بما ظن أنه ينجيه :
_ممكن نبقى... أصحاب !
الكلمة الأخيرة تلكأت بها شفتاه لا بدافع المكر بل بدافع الحيرة !
العجز "الغريب" على رجل طالما أعجبته قدرات ذاته !!
لهذا طعنته كلماتها بعدها في الصميم :
_أصحاب؟! مش دي نفس اللعبة اللي لعبتها مع ياسمين قبل ما... ؟!
قطعت كلماتها بازدراء دون أن تكملها ...
فانعقد حاجباه بغضب للحظة ثم اختصر المسافة بينهما ليحيط مؤخرة عنقها بكفه قبل أن يقرب وجهها منه بسرعة جعلتها تشهق بخوف لم تملكه ...
ليهمس من بين أسنانه :
_أولاً ...أنا ما كنتش بلعب مع ياسمين ...أنا فعلاً كنت عايز أتجوزها ...
تباً لهذه الغيرة التي تحرق الآن صدرها بلا رحمة !!
اعترافه الحار بهذه الصورة ...بهذا العنف وهو يقربها منه -بجسدها- لم يكن يزيد -قلبها- إلا شعوراً بالبعد ...
كأنما صارت منه ما بين المشرق والمغرب!!
لهذا عادت تغمض عينيها بقوة تخفي رقرقة دموعهما غافلة عن فضيحة ارتجاف جسدها الصارخ بمشاعره ...
لكن هذه الدمعة الخائنة تسربت عبر أهدابها لتظل سجينة هناك على طرف جفنها ...
هذه التي مسحها هو الآن بطرف إبهامه ولايزال يطوق مؤخرة عنقها براحته ...
ليهمس لها أخيراً بنبرة أكثر رقة...أكثر دفئاً...وأكثر صدقاً :
_ثانياً...ما تقارنيش نفسك بأي ست تانية ...لأني عمري ...عمري ما حسيت مع أي واحدة اللي حسيته معاكي .
شفتاها ترتجفان بهذه الطريقة المغرية التي تكاد تذهب بعقله خاصة وهي تغمض عينيها هرباً ...
أجل ...هو كان من الذكاء أن يدرك كم تجاهد نفسها لتهرب منه ...
تماماً كما كان من العزم أن يقترب هو منها !
أما هي فكانت تشعر أنها على وشك السقوط بعد سماع اعترافه ...
بهذه الحرارة...وبهذا القرب!!
السقوط الذي لن تسمح به أبداً لو صدقت أضغاث قلبها هذه !!
_اخرج ...دلوقت...يا اما ...هاخرج أنا .
صوتها القوي يجاهد كي يغادر شفتيها وسط أنفاسها اللاهثة ليشعر بالشفقة نحوها ...
ربما لو كانت في ظروف غير هذه لاستمتع بنزالهما المعهود ...
لكنه يدرك أن تقاربهما هذا يحرقها كما يحرقه !
لهذا زفر زفرة عالية وهو يطلق سراحها أخيراً قبل أن يجذبها من مرفقها ليتوجه بها نحو الأريكة التي دفعها لتجلس فوقها برفق وسط نظراتها المترقبة ...
ثم مد يده يناولها الغطاء هناك قائلاً بنبرة عاد إليها تسلطها :
_نامي كويس عشان تقدري ع اليوم بكرة ...هاعدي عليك العصر نروح لهمسة ...ممكن تروحي لهيثم الصبح .
فأشاحت بوجهها عنه كأنما قد ساءها أن يملي عليها أمراً قبل أن تسمع صوت خطواته يبتعد لينتهي الأمر بصوت الباب الخارجي يغلق !
هنا فقط سمحت لجسدها المتشنج أن يسترخي على الأريكة لتدثر نفسها بالغطاء ...
عطره اللعين يحتل كل ذرات الهواء حولها فيمتزج بأنفاسها اللاهثة ...
وشعور رهيب ب"البرد" يجتاحها وهي تسترجع لذة دفء عناقه ...
تغمض عينيها بقوة على صورته بينما كلماته تعاود الطفو على سطح هواجسها ...
"عمري ما حسيت مع أي واحدة اللي حسيته معاكي"...
تراه كان يعنيها حقاً ؟!
أم أنها "عبارة ما " تشبه ما سمعته "أشواق" قديماً فصدقتها لتسقط بعدها في قاع بلا قرار؟!!
======
تقف في بهو البيت المتسع عقب عودتها من المشفى- حيث هيثم الفاقد لذاكرته -ترمق المكان حولها بذهول لم تغادره صدمته بعد ...
هي "جيلان هانم" التي كان يتحدث القاصي والداني عن حب زوجها لها ...
عن النعيم الذي ترتع فيه !!
الآن صار كل هذا هباء منثوراً!!
هي لم تكن أكثر من مغفلة مخدوعة !!
انهمرت دموعها بعدها بحرقة وهي تنهار على أقرب مقعد لا تدري ما الذي تبكيه بالضبط...
زوجها ...خيانته ...رحيله بهذه الفضيحة المدوية ؟!
ابنها ومصابه ؟!
أم هذه "الدنيا الوردية الكاملة" التي طردت منها بركلة قدم لتجد نفسها مجرد خاسرة مخدوعة !!
كانت تحتاج الآن للحديث مع أحدهم ولم تجد أقرب من صديقتها المفضلة التي تسر إليها بحديثها لهذا تناولت هاتفها لتتصل بها وما كادت تسمع صوتها حتى هتفت بين دموعها:
_انتِ فين يا سوزان وسايباني في المصايب دي لوحدي؟!
زفرة سوزان الحارقة تصلها عبر الهاتف لترد بقنوط بعد اعتذار مناسب:
_ومين سمعك ؟! أنا كمان في مصيبة !!
الصديقتان تتبادلان الأحاديث والسلوان لدقائق طالت وكل منهما تبوح للأخرى بمصيبتها التي تراها ...
حتى ظهر اسم ياقوت عرضاً في حديث جيلان لتلتمع عينا سوزان وهي تتذكر تلك الطبيبة المتعجرفة - كما تراها - لتسأل صديقتها بحذر:
_قلتيلي بنت جوزك اللي ظهرت فجأة دي بتشتغل إيه ؟!
_ما تقوليش بنته دي بتعصبني !!
صرخت بها جيلان بعصبية لتهدئها سوزان باعتذارها قبل أن تلتمع عيناها بإدراك وهي تستمع من صديقتها لما أكد لها الحقيقة ...
إذن ياقوت هذه ابنة حسين من الخادمة !!
ابتسامة ساخرة متشفية ترتسم على شفتيها وهذه المفاجأة تمنحها ورقة رابحة !
لكنها حافظت على هدوء نبرتها وهي تغلق الاتصال مع جيلان بكلمات مواساة واعدة إياها بزيارة قريبة ...
قبل أن تتسع ابتسامتها وهي تتناول حقيبتها القريبة وقد قررت الخروج في زيارة كانت تراها ثقيلة الظل على قلبها ...
لكن الآن ...المعلومات الأخيرة ستزيدها إثارة !!
======
_حمداً لله على سلامتك !
قالتها سوزان بينما زين يستقبلها في "بيت الفايد" ببرود لم تتعجبه بعد موقفهما الأخير ليرد هو بنبرة أظهرت تحفزه :
_الله يسلمك .
رده البارد يزيد حماستها لما جاءت لأجله لكنها تتعمد تأجيل الأمر بسؤالها:
_ماعرفتش مين اللي ورا الحكاية دي؟!
_لسه...بس أكيد هاعرفه !
بنفس البرود يجيب وهو يكاد يوقن أن خلف زيارتها هذه شيئاً ...
خاصة عندما هتفت بعجرفتها القاسية :
_لازم تعرفه ...لو مش عشانك فعشان رائد اللي بتصادف كل مرة ويبقى معاك .
زفر زفرة ساخطة وهو يدرك إلى أي طريق يقود هذا الحوار ...
هكذا إذن ؟!
هي جاءت تلومه على تورط ابنها معه في شأن كهذا ؟!
بينما كانت هي تشعر ب"الغُبن" وهي ترى كيف صار ابنها فجأة الضحية ...
هو يعمل لأجل زين ...يخاطر معه بحياته...وفي النهاية يتزوج أخته العليلة ليربط مصيره بها ...
وكأنما أنجبته ليكون كبش الفداء لزين هذا !!
ألا يكفي ما فعله أبوه بها قديماً والآن يأتي ابنه ليقتطف حصاد كل هذه السنوات وحده ويخرج ابنها "من المولد بلا حمص" كما يقولون إلا من زوجة معيبة تكاد تذهب بعقله هو الآخر!!
_اطمني ...رائد خلاص ما عادش بيشتغل معايا .
قالها محاولاً دفع اتهامها لترد بنفس الغطرسة :
_مجرد جوازه من أختك دي هيخلليه دايماً في دايرة وجودك...لو فعلاً عايزني أطمن عليه خلليه يطلقها .
_أخلليه يطلقها ؟! هو أنا اللي خليته يتجوزها؟! ابن حضرتك مش قاصر يا سوزان هانم ...ولو فيه حد متضرر من الجوازة دي المفروض أبقى أنا مش انتِ ...لكن أنا مضطر أقبلها عشان مصلحة همسة وعلاجها .
قالها بنبرته الباردة المسيطرة لترد هي بسخرية :
_آه ! علااااجها؟! ومين بقا اللي أفتى إن علاجها مع ابني ؟! الدكتورة "الجربوعة" دي!!
احمر وجه زين غضباً ليصرخ بها بانفعال :
_قلت لك قبل كده ماتغلطيش في ياقوت ...كلمة زيادة وهاعتبر الحوار منتهي.
عبارته كانت تلميحاً واضحاً بالطرد لكنها تجاهلت هذه الإهانة وانفعاله هذا يؤكد صحة حدسها ...
لتهتف بما جاءت حقاً لأجله :
_وانت بقا عارف كل حاجة عن الدكتورة "العظيمة"دي؟! عارف إنها بنت حرام لحسين رجائي من خدامته قبل ما يكتب لها ورقة ويرميها في وشها ؟! عارف مين هو حسين ده ؟! فلوسه منين ؟! ومات إزاي ؟! عارف إن جدتها قتلته وهي دلوقت في السجن ؟! هي دي بقا الدكتورة المحترمة اللي انت سايبها تدخل بيت ابني عشان تعالج أختك ؟!
الغضب يلجمه للحظات وهو عاجز عن الرد ...
لتلتمع عيناها بانتصار خفي وهي تشعر بتفوقها !!
لو كانت هذه الطبيبة من المهارة حقاً أن تعالج همسة فلن تسمح لها بالمزيد !!
ابنها لن يبقى مع همسة هذه ولو على جثتها !!
_حتى لو اللي بتقوليه ده صح ...ده ما يعيبش ياقوت نفسها في حاجة ...اللي يهمني إنها تعالج همسة وبس...وأظن ده نجحت وبتنجح فيه .
قالها ببرود مشتعل محاولاً السيطرة على أعصابه لترمقه هي بنظرة طويلة متفحصة قبل أن تداعب أناملها خصلات شعرها الأصفر المصبوغ
بقولها :
_ياريت فعلاً يبقى كل اللي هامّك إنها تعالج همسة وبس ...واللي في بالي مايكونش صحيح !
كز على أسنانه بقوة لتخرج كلماته قاسية فظة :
_من امتى زين الفايد بيسمح لحد يتدخل في حياته ؟!
_أنا مش حد ...أنا مراة عمك ...وابني يبقى جوز أختك ...انت اللي شبكتني مع "البنت دي" في دايرة واحدة ...وحقي أقول مش عايزاها تعالج همسة ...مش مآمنة واحدة بالسمعة دي على "مراة ابني"!!
ضغطت بحقد واضح على حروف العبارة الأخيرة ليرفع زين سبابته في وجهها قائلاً بنفس النبرة :
_أنا لحد دلوقت محترم قرابتنا يا هانم ...لكن موضوع همسة وياقوت ده خط أحمر بالنسبة لي ...مش هاسمح فيه بحرف واحد زيادة .
ثم نظر في ساعته ليردف بنبرة أكثر برودة :
_مضطر أمشي دلوقت عشان عندي معاد مهم مع الوزير ...لو حابة تفضلي هنا البيت بيتك طبعاً .
عبارته كانت تحمل معنى الطرد الصريح هذه المرة لكنها ابتسمت ببرود وهي تقترب منه لترد ببرود مماثل:
_طبعاً البيت بيتي ...وبيت مراة ابني ...
تحكم زين في انفعاله بالمزيد من العسر ليرمقها بنظرة مشتعلة قبل أن يراقبها وهي تعطيه ظهرها لتغادر لكنها توقفت للحظة قبل أن تلتفت نحوه لترد بتهكم قاس:
_ما تنساش يا "زين بيه" وانت عندك معاد مهم مع الوزير ...إن ظهورك مع واحدة زي ياقوت دي- اللي جيت معاها في عربيتك على بيت رائد يومها- ممكن يدخللك في إشاعات مالهاش لزوم ...ممكن الجديد يصحي القديم...يعني ...مثلاً ...يقولوا ...الولد طلع لأبوه ...ضحكت عليه بنت "هلفوتة" عشان تطلع منه بقرشين ...أبوك اتورط زمان ببنت كانت فضيحة العمر كله ...ياريتك تتعلم انت بقا وما تتورطش.
كانت من الذكاء أن تدرك أنها تصيب نقطة ضعفه القديمة في مقتل !!
ملامحه التي تجمدت ...جسده الذي تصلب ...وعيناه اللتان غابتا في الفراغ للحظات ...
كل هذا جعلها ترقق لهجتها لتردف بتعاطف مصطنع :
_كلام الناس مابيرحمش ...والإشاعة لما بتطلع ما بتقفش!
انتبه من شروده ليرمقها بنظرة مشتعلة إزاء تهديدها المستتر لكنها منحته ابتسامة كريهة أخرى قبل أن تتركه لتغادر دون أن تلتفت .
بينما وقف هو مكانه بعدها يرمق الفراغ بنفس النظرة المشتتة ...
حديث المرأة البغيض على قسوته يحمل الكثير من الصحة !
ماذا يريد من ياقوت ؟!
وما آخر هذا الشعور المبهم الذي يحمله نحوها ؟!
هل يريدها زوجة ؟!
زوجة حقيقية يواجه بها الجميع !!
سيدة لهذا البيت تدخله عروساً مزينة على مرأى من الدنيا كلها !!
قلبه يرتجف بسعادة خفية لهذا الخاطر ...
لكن عقله يقف له بالمرصاد !!
حسابات المنطق تختلف كثيراً عن أحاديث القلوب "الخائبة " هذه !!
ياقوت لن تكون يوماً نجمة لعالمه ...
هي مجرد غزال شارد وجد حاجته في مراعيه ولن يرتاح كلاهما إلا لو عاد لعالمه ...
"الدائرة المغلقة" التي وجد كلاهما نفسه فيها مع صاحبه يجب أن تفتح يوماً ...
زفرة حانقة ترافق خاطره الأخير الذي قبض قلبه بشعور كرهه ...
ممزق هو بين إحساس يختبره معها لأول مرة بهذا العمق الذي لم تسبقها إليه امرأة من بين نساء العالمين ...
وبين براهين عقل لم تخنه يوماً حساباته الذكية ...
ولما كان الصراع بينهما أقوى من أن يحتمله حتى رجل مثله ...
أخذ قراره الأخير بالسفر في هدنة قصيرة لعل قطاره بعدها يصل للمحطة الصحيحة !
========
راقبت ياقوت جانب وجهه الشارد بتفحص وهي تقف معه في كوخ همسة الذي غادرته الأخيرة معصوبة العينين لتسير في نزهة في الحديقة مع رائد .
رائد الذي تعمد أن يبتعد بها كي يتيح لهما مساحة من الخصوصية أدرك بحدسه أنهما يحتاجانها خاصة مع خبر سفر زين الذي برره له بضرورة لأجل العمل .
_همسة بتتحسن كل يوم أكتر من الأول .
غمغمت بها بخفوت وهي تناوله "بيضة" رسمت عليها وجهاً يضحك لكن دون أن تكتمل ضحكته التي تركتها معلقة في المنتصف!
هذه التي التفت نحوها هو ليتناولها منها متأملاً إياها ثم وضعها جانباً ببطء متمهل قبل أن يرفع إليها عينيه بنظرة غريبة لم تميزها فيهما من قبل ...
اعتذار ...عجز...غضب...
مثلث غريب تدرك جيداً أي قسوة تخفيها أضلاعه لهذا لانت ملامحها نوعاً وهي تسأله بقلق:
_شكلك مش طبيعي...فيه جديد ؟!
قالتها وقد ظنت أن الأمر يتعلق بهذا الحادث الذي تعرض له قريباً لكنه بقي يرمقها بهذه النظرة "الكارثية" للحظات قبل أن يغمغم :
_أكتر حاجة حاولت أحافظ عليها طول عمري إن حياتي مايبقاش فيها جديد ...ماكرهتش أبداً أد المفاجآت...عشان كده كل حاجة عملتها كنت بعرف أخطط لها صح ...صح جداً ...
النبرة التي كان يتحدث بها لم تكن تحمل غروراً متوقعاً كما يفترض...
بل كانت تنضح بنكهة "خسارة" خفية لم تفهمها ...
ربما هذا الذي جعلها تقترب منه خطوة لتهمس له بالمزيد من القلق:
_فيه إيه ؟!
حروفها المرتجفة على قلتها أرجفت قلبه بقوة شعوره بخوفها عليه ...
لهذا التوت شفتاه بما يشبه الابتسامة وهو يسألها بنفس النبرة الغريبة :
_خايفة عليّ؟!
كان يعلم أن سؤاله سيبقى معلقاً بلا جواب مع خبرته بطبيعتها الكتومة ...
لهذا تقبل الصمت بينهما للحظات قبل أن يعود لشروده مع قوله :
_آخر ست خافت عليّ كانت والدتي الله يرحمها ...كنت بتخنق جداً من خوفها ده ...ماتاكلش ده...ماتلبسش ده ....ارتاح عشان ماتتعبش...ماكنتش بقدر أفهم علاقة الحب بالخوف ...لحد ما هي اللي تعبت وجربت إني أنا اللي أخاف عليها ...أنا اللي بقيت أقوللها ماتاكليش ده ...ما تلبسيش ده...ارتاحي عشان ما تتعبيش ...
كلماته وخزت جانب أمومتها الذي تستشعره جلياً نحوه ...
خاصة عندما اتسعت -شبه الابتسامة- على شفتيه مع استطراده :
_بس بعدها اتعلمت إن خوفها وخوفي ماعملوش حاجة ...إن حسابات القلب دايماً خسرانة ...هي حبت والدي وادته حياتها ...وهو حب غيرها واداها حياته ...الاتنين خسروا لما سمعوا صوت قلبهم وبس...عشان كده لو فيه حاجة في حياتي خلتني أنجح وأوصل فهي إني عمري ما سمعت غير صوت حسابات عقلي وبس!
_أول مرة نتفق في حاجة .
قالتها باستحسان مصطنع رغم هذه القبضة الباردة التي تعتصر قلبها وتخبرها أن ثمة شيئاً ما ليس على مايرام ...
شيئاً يتعلق بها هي!!
هل يقصدها بحديثه ؟!!
عيناهما تعاودان اللقاء بهذا الحديث غزير المعاني الذي تبخل عنه الشفاه ...
قبل أن تشعر بأنامله تقترب من وجهها لتزيح عنها حجابها برقة فتحفزت خلاياها لما سيفعله ...
يخرج من جيبه علبة صغيرة يفتحها أمام عينيها لترى هذا القرط الفخم بلون الياقوت ...
هذا الذي ألبسها إياه وسط دوامة شعورها الغامض المقبض الذي اكتنفها وقتها والذي لولاه لرفضت هديته دون تردد !!
ترمقه بنظرة مشتتة وهي تشعر أنها تفقد معه جزءاً من نفسها يوماً بعد يوم ...
كهف غائر في حدقتيه يجتذب خطواتها لتتوه فيه دون دليل !!
بينما ظل هو يتأمل القرط في أذنيها للحظات قبل أن تشعر بذراعاه تجتذبانها نحو صدره فجأة !
العناق العاشر ...
بأي مذاق هذه المرة !!
لماذا تشعر أنه بنكهة "الفراق"؟!!
أجل ...ذراعاه كانتا تعتصرانها بهذه الطريقة وكأنه يحفر ملامحها بين ضلوعه مدخراً عبقها لليالي فراق آتية !
خاصة عندما تجرأت شفتاه لتقبل "قرطه" فوق أذنيها بهذه الطريقة التي أشعرتها وكأنها أثمن كنوزه ...
قبلته لم تكن عميقة حارة بل اتشحت برهبة خفية كأنما تلامس شفتاه شيئاً يقدسه ...ويخافه !!
ارتجف جسدها بقوة قبل أن تبعده بكفها لتعطيه ظهرها وهي تعدل وضع حجابها من جديد مراقبة الباب بخوف ...
هذا الشعور -القاتل- لامرأة بعزتها والذي جعلها تلتفت نحوه لتهتف بحدة :
_ممكن تراعي المكان اللي احنا فيه ؟! ممكن تبطل تلمسني كأن ده من حقك ؟!
ثم امتدت أناملها تحت حجابها كأنما تهم بخلع قرطه لكنه قبض على كفيها براحتيه ليهمس لها أخيراً بنبرة أخافتها :
_فعلاً مش من حقي ...أرجوكِ ما تقليعهوش ...
ثم لحظة ليردف :
_الدايرة اللي بيننا خلاص...قربت تتفتح ...قريب قوي هتكوني حرة ...خلليه ذكرى منى تفكرك باعتذار لحد دلوقت مش قادر أقدمه صح.
امتلأت عيناها بالدموع التي وجدت صداها في عينيه هو الآخر قبل أن يشيح كل منهما بوجهه ولايزال كفاه يقبضان على كفيها ...
هل قالها حقاً؟!
هل سيطلق سراحها من هذا "القفص الماسي" الذي اعتقلها فيه ؟!
هل ستتخلص من هذا الإحساس الرهيب بالخزي وتواجه ثمر مرفوعة الرأس من جديد ؟!
هل انتصرت على سلطان غروره وهوسه بتملكها ؟!!
لماذا إذن تشعر بغصة الهزيمة في حلقها وكأن الشمس لن تشرق في عالمها بعده ؟!!
لا!!
لن تسمح لهذا الوهن أن يتملك منها أكثر!!!
الرجل يتحدث عن حسابات العقل والمنطق لا عن كلام القلوب "الخائب" بزعمه ...
هو محق وهي تشكر له هذا على أي حال !!
لهذا استدعت كل ذرة قوة تملكها لتحرر كفيها منه قبل أن تقول له برضا مصطنع:
_كويس جداً...متشكرة إنك احترمت كلمتك رغم كل شيئ ...هتطلقني امتى؟!
لهجتها العملية لم تخدعه وهو يراقب "القمرين السجينين" في عينيها يعاودان اختباءهما حول غيوم من ألم ...
ألم لم يكن يقل عن وجع صدره هو الذي تجاهله ليقول بنبرة باردة :
_أنا مسافر شهر برة مصر ...لما أرجع هاكلمك ونخلص الموضوع ...بس هاتفضلي تكمللي علاج همسة عادي .
فاغتصبت ابتسامة باردة لتزيد من شعورها المتصنع بالرضا قائلة :
_أكيد طبعاً ...
ثم تنحنحت لتبتلع غصة حلقها بينما تتحرك لتفتح حقيبتها وتستخرج منها مفتاحي الشقة اللذين ناولتهما له قائلة :
_أخويا وفر لي سكن مناسب ...مابقيتش محتاجاها ...شكراً .
قالتها متذكرة حديثها الصباحي مع إسلام -بعد زيارتها لهيثم في المشفى- والذي عرض عليها شقة قريبة بعدما علم عن ظروف عملها الذي تركته ...
فاكتسح الضيق ملامحه لوهلة قبل أن يعود ليكسو وجهه بالبرود قائلاً:
_مادام لسه مراتي يبقى خلليهم معاكي للظروف ...أنا مش هابقى هنا وما اضمنش تحتاجيها في أي وقت .
قالها وهو يفتح كفها ليقذف فيهما المفتاحين بعصبية تناقض هذا الصقيع على ملامحه لكنها ابتسمت بنفس البرود لترد له المفتاحين بنفس الحركة قائلة :
_جلسة جدتي بعد شهر ...المحامي بيقول إن الحكم هيبقى من أول جلسة بإذن الله ...الوقت ده هاقعده مع إخواتي هنا ...يعني ماعدتش هحتاجها ...خلاص.
قالتها بصوت مكتوم وشى بقرب استسلامها للبكاء قبل أن تردف وهي تشيح بوجهها :
_هاخرج أشوف همسة عشان أمشي .
خطواتها المهرولة سبقت محاولة اعتراضه لتخرج من الكوخ تاركة إياه وحده يراقب ظهرها المنصرف بنظرات تأرجحت بين رغبته فيها ورغبته عنها ...
يتأمل المفتاحين في يده بنظرة طويلة قبل أن يتحرك ليضع أحدهما في حقيبتها المفتوحة ...
بينما تردد قليلاً ليضع الآخر في ...جيبه هو!!
=======
كان يتابع آخر أخبار الحادث الإرهابي الذي راح ضحيته الكثير من المسلمين في "نيوزيلاندا" إثر هجوم قاده متطرف إرهابي على مسجدين هناك .
هذه الحادثة التي تشغل باله منذ وقوعها من أسبوع كامل لتعيده لجو أسود قديم ظن أنه قد نسيه !!
لا يزال شعور الذنب يطوقه لكنه يحاول جاهداً مقاومته بحمد الله أنه لم يتورط أكثر!!
صوت الأذان من المسجد القريب لبيت عم يامن يقاطع أفكاره فيلقي هاتفه جانباً قبل أن يتحرك بسرعة ليغادر البيت نحوه ...
_الشيخ عابد سيؤمنا الليلة !
قالها الشيخ أبو إدريس بحفاوة يستقبله في المسجد مع جمع المصلين ليشعر عابد بهذا المزيج من الاعتزاز والخجل نحو هذا الشيخ الجليل الذي تعلم منه الكثير حقاً منذ قدم إلى هنا ...
لهذا هتف بارتباك واضح:
_كيف أؤمهم وأنت بفضلك بيننا يا شيخنا ؟!
لكن الشيخ ربت على كتفه ليقول بتواضعه الجم :
_لا فضل بيننا إلا بالتقوى والتقوى محلها القلب الذي لا يفطن لسره إلا خالقه ...تقدم للإمامة يا بنيّ فشيخك اليوم مريض.
سمع عابد صوت الأذان الثاني ينادي لإقامة الصلاة جواره فتقدم لموقع الإمام قبل أن يشرع في الصلاة ولايزال ذاك الحادث الإرهابي يسرق منه خشوع أفكاره فيجاهده تارة وينتصر تارة...
لهذا ما كاد يسلم من الصلاة حتى أطال السجود بخشوع مفرغاً خواطر روحه في دعائه ...
وأخيراً رفع رأسه ليلتقي بنظرات شيخه الحكيمة قبل أن ينتبه لخلو المسجد إلا منهما بعدما غادر المصلون ...
_كيف حالك هنا يا عابد ؟!
سؤال شيخه يهيج شجونه فيتنهد بحرارة وهو يتربع في جلسته ليرد بما يؤرق ذهنه من أفكار تفاعل معها الشيخ بإجاباته ليختم حديثه بقوله :
_كنت أعلم أن هذا الحادث سيكون له أثره الخاص في نفسك أنت بالذات ...قلت في نفسي سبحان من يدبر الأمر ...وكأنه رسالة لك ولمن يفكر يوماً مثلك أن التطرف لا دين له ...وأن عجلة الدم عندما تدور لا تفرق بين مذنب و بريئ ...لهذا كان حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء ...
أومأ عابد برأسه موافقاً ليعاود سؤال الشيخ عن بعض الشبهات التي كانوا يلقونها على مسامعه يوماً ليرد الشيخ بعلمه وفطنته عليها بأدلته بما صح من الكتاب والسنة ...
حتى افتر ثغر عابد عن ابتسامة راضية قبل أن يميل على شيخه ليقبل رأسه بإجلال قائلاً:
_بارك الله في علمك يا ...
_انجدني يا شيخ !! انجدني!!
هتاف رابحة التي دخلت لتوها المسجد يقاطع عبارته فيرتفع حاجباه بدهشة للحظة وهو يراها تندفع عدواً لتنكب على كفي الشيخ تقبلهما بين دموعها الراجية ...
_محدش غيرك هينجدني!
سحب الشيخ كفيه منها ليستغفر بصوت مسموع قبل أن يحاول تهدئة صراخ الفتاة البائسة والتي يعلم الجميع عن مأساتها بعدما حدث ...
_رابحة ...مش قلتلك ما تجيش هنا!
هتاف لجين الملتاع يصدح فجأة وقد وقفت على باب المسجد من الخارج تلطم خدها برفق وهي تتلفت حولها ليلتفت نحوها عابد ملتقطاً تفاصيل ملامحها قبل أن يغض بصره وقد غلبه فضوله خاصة عندما هتفت رابحة بين دموعها :
_أهلي عايزين يجوزوني غصب لراجل أكبر من أبويا ...بيقولوا سترة ليا بعد الفضيحة اللي حصلت ...أنا ذنبي إيه يا شيخنا ؟! والله ده ظلم !!
حوقل الشيخ بأسف وهو يقوم من مجلسه ليخاطب الفتاة وقد رقق لهجته ليردف بالعامية -يسيرة الفهم - على الفتاة :
_ما تسيبيش البيت كده تاني أبداً مهما حصل ...أهلك خايفين عليك بس دماغهم مش جايبهم غير لكده ...ما تقلقيش يا بنتي ربك يدبرها من عنده ...وأنا لي كلام مع أبوك ...الصباح رباح.
مسحت رابحة دموعها وقد منحها وعد الشيخ الكثير من السكينة فهي تدرك عظم منزلته عند أبيها ...
بينما تحرك الشيخ ليغادر المسجد معها نحو لجين التي وقفت مكانها تراقبهما بوجه سوده همه ...
_مفيش أخبار عن الحاجة ثمر؟!
سألها الشيخ باهتمام لترد بصوت متحشرج:
_ياقوت زارتها بتقول كويسة ...بس ...ادعيلها ياشيخنا!
انهارت بنحيبها المرتفع بعدها ليتنهد الشيخ بأسف وهو يرفع صوته بالدعاء لها ...
فيما انتبه عابد لحقيقة شخصيتها بعدما سمعه !
هذه إذن إحدى حفيدتي الحاجة ثمر التي عرف قصتها من يامن!!
المرأة الصالحة التي لا حديث لأهل البلدة منذ مصابها إلا عن فضائلها !!
والتي ساق لها القدر ذاك المجرم في عقر دارها لتقتله بيديها نكالاً على القديم والجديد!!
نظرة فضولية أخرى نحو لجين جعلت ابتسامة خافتة تتسرب لشفتيه وملامحها تذكره بخطيبته الماليزية الراحلة ...
ذاك الجمال المميز بسمار البشرة وضيق العينين مع الشفاه التي تميل للغلظة...
لقد ظن أنه لن يقابل ملامح كهذه هنا في مصر لكن يبدو أن هذا البلد يتميز بتباين الملامح كما كان والده رحمه الله يخبره دوماً !
لاحظ أنه أطال النظر نحوها فعاد يغض بصره من جديد ليسمع وصايا الشيخ لها ولرابحة الصغيرة بالصبر وحسن الظن بالله ...
قبل أن ترحلا معاً نحو بيت رابحة الذي فهم من حديثهما أن لجين تقيم معها فيه أغلب الوقت كي تعتني بالفتاة بعدما حدث لها ...
ابتسامته تتسع بالمزيد من التقدير لهذه المرأة التي صار يعرف الكثير عن مأساتها ...
قبل أن ينهض من مقامه وقد قرر أن يصلي ركعتين لقضاء الحاجة ...
لأجل تفريج الكرب عن المرأة التي ألقى الله محبتها في قلوب الجميع ...
ثمر!
=======
_خلاص بقا يا رابحة...الشيخ كلم أبوكي ورجع عن اللي في دماغه ...بتعيطي لسه ليه ؟!
هتفت بها لجين بتعاطف لرابحة وهما تجلسان في غرفة الأخيرة التي مسحت دموعها لتهطل أخرى بينما تهتف بألم :
_صعبان عليا نفسي قوي ...أمي ما بتكلمنيش من يوم اللي حصل كأني عاملة عملة...وأبويا مابيخرجش م الدار من كسوفه من أهل البلد ...كل ده والراجل المجرم ده - الله يجحمه مطرح ما راح - مالحقش يعمل حاجة وحشة...امال لو كان ..؟!
قطعت عبارتها وهي ترى أثر كلماتها على وجه لجين لتردف متدراكة نفسها وهي تربت على كتفيها بكفيها هي :
_ما تآخذنيش ماقصدتش أزعلك والله ...قاعدة أشتم ونسيت إنه برضه أبوكِ...ما انتو اللي حكايتكم مكعبلة...
استمرت الفتاة في ثرثرتها الطفولية التي غابت عنها لجين بشرودها وهي تسترجع ذاك المشهد المهيب ...
لحظة رأت "الجرّة المهشمة" جوار جسد حسين الميت !!
الجرة التي كانت تخبئ فيها ما تسرقه يداها في غمرة شعورها المَرضي.
"الجزاء من جنس العمل"!
ابتسامة ساخرة خفيفة تطوف على شفتيها والخاطر السابق يراودها ...
مرضها لم يكن سوى انعكاس لذنب حسين القديم فجاءت نهايته بنفس الأداة التي كانت تستخدمها هي لتستر بها عورة فعلها!!
مرضها الذي لا تدري كيف ستتخلص منه بعدما توقفت عن حضور الجلسات مع طبيبتها ...
كل الحياة توقفت بغياب ثمر ...ولن تعود حتى تعود !!
_بس شفتِ الشيخ عابد كان بيبص لي إزاي وأنا عند الشيخ أبو إدريس؟!
سؤال الفتاة الأحمق ينتزعها من شرودها لترمقها بنظرة مستنكرة بينما الأولي تهتف بلهفة طفولية ولايزال وجهها محمراً من أثر البكاء:
_شفتي جميل إزاي؟! شبه اللي اسمه "سامي يوسف" اللي بيغني ...أحلى بكتير من قريب عن الصورة اللي كنت واخداها له ؟!تفتكري ممكن أصعب عليه بعد اللي حصل وييجي يتقدملي عشان ينجدني من كلام الناس؟!
ضربت لجين كفيها ببعضهما في تعجب من هذه الساذجة التي تنقلب مشاعرها بهذه البساطة لكنها تحاول تبرير ذلك بصغر سنها ...
لهذا هتفت بها بنبرة محذرة :
_انتِ في إيه واللا في إيه يا أم مخ لاسع انتِ؟! ....لسه بتشتكي إن أمك وأبوك واخدين منك جنب وبرضه دماغك الطاقّة دي مش راكزة ؟!
زمت رابحة شفتيها بحركة طفولية بائسة لتصمت للحظات مبتلعة عبارة حمقاء أخرى كانت ستقولها ...
فابتسمت لجين بحنان وهي تضمها لصدرها بقوة مربتة على شعرها مع قولها :
_ماتستعجليش الحاجة قبل أوانها ...انتِ لسه صغيرة ...
ثم ابتعدت بوجهها لتنظر في عيني الفتاة ناصحة باستطرادها:
_لهوجتك هي اللي دايماً مضيعاكي...تعالي نتفق...قبل ما تعملي أي حاجة فكري فيها وعدي لحد عشرة ...ماشي؟!
فمطت رابحة شفتيها باستياء للحظات قبل أن تومئ برأسها موافقة ...
لتهتف بعدها فجأة :
_تفتكري عنده كام سنة ؟!
_هو مين؟!
_الشيخ عابد !
هتفت بها رابحة بلهفتها الطفولية لتزفر لجين بنفاد صبر وهي تهيئ نفسها لسماع المزيد من حماقاتها المراهقة والتي رحمتها منها طرقات على الباب سبقت دخول "الست أفكار" لهما بصينية الطعام التي تناولتها منها لجين لتهتف بها برجاء:
_صالحي رابحة بقا يا خالتي ...حرام ...عيلة وغلطت .
ثم دمعت عيناها لتردف بالمزيد من شعورها بالدنب:
_أنا اللي غلطانة وشايلة ذنب ده كله ...لو ماكنتش ...
انخرطت بعدها في نشيج حار لتتنهد المرأة الطيبة بحرارة قبل أن تضمها لصدرها هاتفة بطيبة :
_أمر الله ونفد يا بنتي ...ربنا بس يفك كرب ستك وترجع لنا بالسلامة ...
ثم التفتت نحو ابنتها لتردف بغيظ :
_المجنونة بنت المجانين دي هي السبب...كل مرة توقعنا في مصيبة من ورا عمايلها السودة .
هنا انتفضت رابحة من فراشها لتتوجه نحو رأس أمها تقبله مع هتافها الراجي:
_عشان خاطري سامحيني ...
ظلت ترددها بلهجتها الطفولية حتى حنت المرأة لتضمها لصدرها بقوة فابتسمت لجين ببعض الارتياح قبل أن تخاطب "أفكار" بقولها:
_الله يكرمك شيلوا فكرة جوازها دلوقت دي من دماغكم .
_لا ما خلاص...الشيخ أبو إدريس كلم أبوها وخلاه يغير دماغه ...
ثم تنهدت لتقول بحيرة :
_بالمناسبة ...الحاجة مراة الشيخ أبو إدريس عايزانا نتغدى معاها النهارده ...مش عارفة نروح واللا إيه ؟!
_نروح ...نروح ...!!
هتفت بها رابحة باستحسان ل-غرض في نفسها - أدركته لجين ببساطة لتكتم ابتسامتها وهي ترد :
_ما تروحوش ليه ؟! انتو مش عاملين عملة عشان تستخبوا...لو كانت ستي ثمر هنا كانت هتقوللكم كده .
عادت عيناها تدمعان في قولها الأخير لتربت المرأة على ظهرها بتعاطف قائلة:
_يبقى تيجي معانا ...الحاجة عزمتنا كلنا .
حاولت لجين التملص لكن كلتيهما ضغطت عليها لتوافق فوجدت نفسها بعد ساعات في بيت الشيخ الكبير الذي استقبلتهن فيه زوجته بحفاوة قبل أن تدعوهن لتناول الطعام ...
كانت المرة الأولى التي تدخل فيها بيت الشيخ لكنها كانت تسمع أهل القرية يتحدثون عن فخامته من الداخل مقارنة ببيوتهم هم البسيطة ...
وكيف كان هذا مثار جدال بين الشيخ الميال بطبيعته للزهد وزوجته التي لم تكن غضاضة في هذا مادام الله قد وسع رزقهما بفضله !
_شفتِ البيت وجماله ؟! اوعدنا يارب!!
همست بها رابحة جوار أذنها على مائدة الطعام لتغمزها بنظرة زاجرة بينما انشغلت زوجة الشيخ مع "أفكار" في حديث جانبي حاولت فيه الأولى نقل نصائح الشيخ لها ...
الجلسة كانت هادئة نوعاً مع حديث زوجة الشيخ الودود لولا هذه الغصة التي وجدتها لجين في حلقها وهي تشعر بالغربة عن كل هذا ...
إحساسها في غياب ثمر كشجرة اجتثوها من جذورها ليلقوها في عرض الطريق ...
والأسوأ أنها تحمل نفسها ذنب هذا كله !!
هذا الشعور الذي جعلها تغادر مائدة الطعام سريعاً لتعود للجلوس على الأريكة في صالة البيت الواسعة تتأمل المكان بشرود ...وصوت حديثهن القريب يصلها دون تركيز ...
قطعة ذهبية لامعة ملقاة على الأرض تسترعي انتباهها فجأة في مجلسها فتتوهج عيناها بهذا البريق الخطر ...
لم تكن أكثر من "فردة حلق" لكنها لم تستطع مقاومة دائها اللعين لتجد نفسها تتحرك كالمغيبة لتتلقفها بسرعة حذرة قبل أن تخفيها في جيبها مستشعرة هذه النشوة الغامرة التي تملأها بعد كل فعل كهذا ...
تمد رأسها نحوهن تطمئن أن لا أحد قد انتبه لفعلتها قبل أن تعود لتسترخي في مكانها وقد بدأ شعور الذنب يزحف إليها من جديد ...
غافلة عن عينين هناك كانتا تراقبان المشهد بغضب من الخارج عبر النافذة المفتوحة ...
عيني "عابد"!!
========
انتهى الفصل الرابع عشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم سينابون
القطعة الثالثة عشرة
======
_أنا مش صعبان عليّ اللي ماتوا أد ما صعبان عليّ اللي هيفضلوا عايشين وجسمهم متشوه كده !
هتف بها رامز بإشفاق عفوي بينما يتابع مع هانيا ووالدته أخبار أحداث انفجار محطة القطار الأخير في بيت الأخيرة التي غمزته بخفة لينتبه لوقع كلماته...
كلماته التي شحب لها وجه هانيا وهي ترفع ياقة بلوزتها الطويلة تتأكد من أنها تداري رقبتها !
_ربنا يرحمهم برحمته ...اقلب بقا القناة دي ...كفاية كده !
هتفت بها والدته وهي تعاود غمزه خفية ليغير القناة نحو أخرى تعرض مسلسلاً ترفيهياً ...
قبل أن يزدرد ريقه بتوتر وهو يمد كفه نحو راحة هانيا التي قبضتها جوارها بحركة دفاعية لم تتعمدها ...
بينما كفها الآخر متشنج حول ياقة بلوزتها كأنما تخشى أن تنكشف "عورة نقصها"!
عيناها تمتلئان بدموع حبيسة والمشاهد الحية التي رأتها لحداث الانفجار تعيد إليها ذكرى حادثها هي الخاص فينقبض قلبها برعب مسترجعة تلك اللحظات العصيبة ...
هذا الذي شعر هو به ليمد ذراعه قسراً فيحتضن كتفيها ضاماً إياها نحوه بينما يجلسان على الأريكة ليتصنع المرح بقوله :
_حلو قوي المسلسل ده ...قليل قوي لما بقيت بشوف حاجة محترمة في التليفزيون .
فالتقطت والدته منه طرف الخيط وقد أشفقت أمومتها على هانيا لتقول بانطلاق:
_ده أنا متابعاه على قناتين من كتر ما بحبه ...واحدة فيهم سابقة بكام حلقة ...لسه هيحلو أكتر ...
_انت اللي كل يوم تحلو أكتر يا جميل ...خسارة الحاج مشي وساب الحلويات دي كلها !
هتف بها رامز مشاكساً وهو يمد ذراعه الحر نحو وجنة أمه يداعبها لتضحك ضحكة قصيرة سبقت هتافها :
_طول عمرك بكاش وبتاع كلام ...أما أشوف هتجيبلي إيه في عيد الأم اللي قرب.
_بدعة ! عيد الأم بدعة يا حاجة ...رجس من عمل الشيطان !
هتف بها بخشوع مصطنع لتخبطه أمه على كتفه هاتفة باستنكار:
_هي الأعياد تيجي لحد عندي وتبقى بدعة ؟! واللا الإيمان ما بينورش وشك إلا لما تحب تقفلها في وشي أنا ؟! بس هاقول إيه ؟! نصاب من يومك !
هتفت بها وهي تلوح بكفيها في وجهه ليضحك ضحكة عالية وهو يميل نحوها ليقبل رأسها بقوله :
_عيوني ليكي يا ست الكل...عيد أم ده إيه بس ؟! انتِ يتعمللك كل يوم عيد !
قالها ليغرق وجهها بعدها بقبلاته العفوية لتضحك المرأة ضحكة صافية وهي تتفلت منه هاتفة وسط ضحكاتها :
_مش بقوللك نصاب ؟! سيبني يا ولد ...عيب كده !
ابتسمت هانيا بشحوب وهي تتابع مزاحهما المعتاد ملاحظة أنه لايزال يتشبث بها هي بذراعه بينما يشاكس أمه التي هتفت أخيراً:
_هاقوم أعمللكم فشار .
لكنها تحررت من ذراعه لتقف هي قائلة بسرعة :
_هاعمله أنا يا "طنط"...خلليكي مرتاحة !
قالتها لتهرول نحو المطبخ القريب وكأنما تريد فسحة من هروب تحتاجه في هذه اللحظة كي تستعيد تماسكها ...
جملة رامز العفوية تتردد في ذهنها فيبالغ عقلها في تقديرها ...
_صعبان عليّ اللي هيفضلوا عايشين وجسمهم متشوه كده ..
إلى هذا الحد يراها هي مثيرة للشفقة ؟!
إلى هذه الدرجة ينفر منها ؟!!
كل هذا وهي حريصة على إخفاء أثر حروقها عنه حتى في أشد لحظاتهما خصوصية ...
فكيف إذن لو رأى؟!!
ازداد تكاثف الدموع في عينيها وهي تستخرج القِدر المعدني من موضعه لتضعه على النار قبل أن تصب فوقه القليل من الزيت مع الذُرة بشرود ...
تعترف أنه منذ رجوعها إليه يبذل قصارى جهده كي يسعدها ...
لكن ماذا عساها تصنع بهذا الخوف الذي يسكنها ؟!
ماذا عساها تفعل بهذا الهاجس الذي لا يلبث يوسوس لها أن سعادتها هذه مجرد هدنة مؤقتة لحرب تنتظرها بهزيمة قاسية ؟!!
شهقت بعنف عندما تقافزت بعض حبوب الذرة في القدر بفعل الحرارة لتشعر به خلفها يمد ذراعه ليضع الغطاء على القدر هاتفاً بمشاكسة :
_بتعملي فشار من غير ما تغطي الحلة يا فاشلة ؟!
فالتفتت نحوه بابتسامة مصطنعة ليعلو الصوت من القدر حولهما بينما هو يغمض عينيه باستمتاع هاتفاً:
_من أعظم متع الطفولة كانت سماع صوت الفشار وهو "بيطأطأ" كده ...متعة لا تفوقها سوى فرقعة "البُمب" في رمضان !
اتسعت ابتسامتها عفوياً لتطرق برأسها لكنه رفع ذقنها نحوه ليسألها بجدية هذه المرات :
_مالك ؟! اوعي تكوني اتضايقتِ من تعليقي!
هزت رأسها نفياً كاذبة وهي تتحاشى نظراته ليقترب بوجهه من وجهها هامساً بمشاكسة :
_الكداب بيروح النار يا بسطويسي!
ضحكتها القصيرة تحولت فجأة لنحيب مرتفع وهي تدفن وجهها في صدره ليعقد هو حاجبيه قبل أن يضمها إليه بقوة هامساً بقلق:
_للدرجة دي؟! أنا آسف يا حبيبتي ...والله ما قصدت ...أنا غلطان إني خليتك تشوفي المناظر دي م الأول ...غبي...كان لازم أفهم إني هتفكرك بالحادثة !
قالها مؤنباً نفسه وهو يغمر وجهها بقبلات اعتذاره لتهز هي رأسها بينما يمسح دموعها هاتفاً بجزع:
_ما تبقيش حساسة قوي كده ...خلاص بقا ...كلمتين ماعملتش حسابهم .
أومأت برأسها بتفهم وأناملها تتوجه عفوياً لياقة بلوزتها في حركة أرجفت قلبه فلم يشعر بنفسه وهو يجذبها ليلصقها بالحائط القريب قبل أن يزيح تلك الياقة اللعينة ببعض العنف لتستقر قبلاته هناك فوق ما تظنه نقطة ضعفها !!
تأوهت بخفوت وهي تحاول دفعه مع همسها الراجي:
_ما تبصش يا رامز ...ما تبصش !
قالتها وهي تحاول تغطية عينيه بأناملها لكنه سيطر على كفيها بقبضتيه قبل أن يعود ليغرس غرامه فوق بشرتها هامساً بحرارة :
_انتِ أغبى دكتورة شفتها في حياتي ...لو بعد كل ده مش قادرة تحسي أد إيه بحبك ومش شايف في الدنيا غيرك !
فأغمضت عينيها بألم لتهمس من بين دموعها :
_غصب عني يا رامز ...غصب ...
انقطعت عبارتها بين شفتيه لتغيب في جنة عاطفته للحظات سبقت همسه الواثق لها :
_حتى لو كلامي خانني المفروض قلبك انتِ مايخوننيش ...هو عارف انتِ عندي إيه .
ترتجف شفتاها بابتسامة واهنة وهي تشعر بأنامله تتحسس موضع قلبها كأنما يبرهن على صدق كلماته فتغمض عينيها من جديد لتعاود إخفاء رأسها في صدره ...
_الفشار يا ولاد !
شهقتها العنيفة تتزامن مع رائحة الشياط وهتاف والدته من الخارج ليضحك رامز وهو يتحرك ليغلق الموقد قبل أن يرفع الغطاء لتصطدم عيناه بالمشهد ...
فالتفت نحو هانيا بنظرة مذنبة لم تخلُ من مرح ...
قبل أن يتنحنح ليهتف بصوت عالٍ:
_عملناهولك بطعم الفحم يا حاجة !! اطردينا على شقتنا بقا!
========
استيقظت هانيا من نومها على صوت منبهها الذي ضبطته قبلاً قبل أن ترمق جسده النائم جوارها بنظرة راضية حملت الكثير من الامتنان ...
منذ ذاك الموقف الأخير بينهما وهو يزيد من دلاله الرقيق لها محتوياً ألم ذكرياتها بتفهم شكرته له ...
لكنها لا تزال تشعر بهذه القبضة الباردة التي تعتصر قلبها ...
خوفاً ...قلقاً...وترقباً !!
خاصة مع ملاحظتها لانشغاله المبالغ فيه -مؤخراً- بهاتفه المحمول...
تعلم أنه يعشق الألعاب الاليكترونية لكن ...
هل يقتصر الأمر على هذا فحسب؟!
تنهدت بحرارة وهي تنفض الهاجس الأخير عنها لتغادر الفراش نحو الحمام القريب الذي أغلقته خلفها بالمفتاح ...
تنزع عنها ملابسها تتأهب للاغتسال وهي تعطي ظهرها للمرآة كعهدها خشية أن تصطدم عيناها برؤية تشوهات بشرتها ...
قبل أن تتردد قليلاً وهي تستدير نحوها ببطء ...
تغمض عينيها للوهلة الأولى بقوة وقشعريرة باردة تتملكها لكنها تتجرأ أخيراً لتفتحهما قبل أن تلفت انتباهها هذه "اللطخة الحمراء" على المرآة !
اقتربت بجسدها أكثر تحاول تمييزها لتبتسم بإدراك وهي تميز خطه ...
_بحبك!
اتسعت ابتسامتها وحمرة وجنتيها المنتشية تمنحها جمالاً خاصاً في عينيها ينسيها بشاعة منظر الحرق ...
عجباً له من رجل يجيد "هدهدة طفولتها"..."تدليل أنوثتها" ..و"ترويض عقلها"!
حركة بسيطة كهذه تكفيها كي تنفض عنها هواجس شياطينها !!
لهذا تنهدت بالكثير من الارتياح قبل أن تتجه نحو حوض الاستحمام لتترك للماء الساخن بقية المهمة !!
طرقاته الخافتة على الباب تجفلها لتهتف بعفوية:
_مين؟!
_الفرعون العاشق!! عجباً لكم أيها المصريون تسألون أسئلة عجيبة...هو حد ساكن معاك غيري يا بسطويسي؟!
هتافه المرح يأتيها عابثاً من خلف الباب مع محاولته البائسة لفتحه التي سبقت قوله :
_قافلة على نفسك بالمفتاح ليه ؟! بايتة جنب جوزك واللا في محطة مصر؟!
ضحكتها القصيرة تصله مكانه وهي تجفف جسدها بالمنشفة تهيؤاً لارتداء ملابسها ...
لكن فكرة جريئة انتابتها وجعلتها تعاود النظر للمرآة ببعض التردد ...
قبل أن تلف المنشفة حول جسدها لتحضر أخرى وتلفها حول رقبتها مخفية أثر الحرق ...
عادت تنظر للمرآة بحياء مراهقة لكن "الكلمة الحمراء" ذات المفعول السحري على المرآة جعلتها تكتسب المزيد من الجرأة لتخرج وتفتح الباب هاتفة بغضب مصطنع تداري به خجلها:
_بتبوظ قلم "الروج" بتاعي عشان تكتب ع المراية ؟! ما تقولها وتخلص!
_الحق عليّ كنت عايزها تبقى أول كلمة تصحي عليها م النوم ...فتحس...
انقطعت عبارته وهو يلتفت نحوها من مكانه ثم ارتفع حاجباه بدهشة للحظات من هيئتها هذه !!!
قطع المسافة بينهما بقفزة واحدة قبل أن يحيط كتفيها بقبضتيه ليهتف بتأثر مصطنع:
_ياااااه يا عبد الصمد !! أخيراً عشت وشفت المنظر ده ...مراتي خارجة من الحمام ملفوفة بفوطة...
ضحكت بخجل لتدفن وجهها بين كفيها بينما هو يردف بنفس النبرة :
_خايف أسوق فيها وأطمع أشوفك في قميص نوم !
_فشر!
هتفت بها باستنكار وهي ترفع كفيها عن وجهها ليهز هو رأسه بينما يخبطها بخفة على رأسها :
_ده العشم برضه يا بسطويسي!
كتمت ضحكات خجلها وهي تدفعه لتعود لغرفتهما بينما تسمع صوته خلفها يعلو بمشاكسته :
_المفروض أقول "واثق الخطا يمشي ملكاً" بس في حالتك دي ما ينفعش يتقاللك غير "أسد يالا فيه إيه"!!
قهقهت ضاحكة وهي تخفي وجهها المحمر خجلاً لتسمع صوت باب الحمام يغلق خلفه قبل أن تهرول هي لمرآة غرفتها لتتطلع لنفسها ببعض الدهشة لا تكاد تصدق أنها تجرأت وخرجت هكذا أمامه !!
شيئ من "الخزي القديم" ينتابها و"صورة بعينها" تغزو مخيلتها لكنها صارت تملك من القوة ما جعلها تطردها عن ذهنها قبل أن تتنهد ببعض الضيق لتتوجه نحو خزانة ملابسها عائدة لارتداء منامة ساترة !
تلك التي خرجت بها من الغرفة لتتوجه نحو مائدة الفرة حيث رصت كتبها كالعادة مع حاسوبها المحمول الذي فتحته لتعاود مذاكرتها ...
_ربنا يعينك .
قالها مؤازراً بعد دقائق بينما يربت على كتفيها من الخلف وهو يتفهم اضطرارها للاستيقاظ في هذا الوقت من الليل ...
لترفع إليه عينيها وهي تربت على كفيه :
_ادخل انت كمل نوم .
لكنه تحرك ليستلقي على الأريكة المجاورة لها قبل أن يخرج هاتفه من سروال منامته قائلاً :
_لا أنا هافضل جنبك هنا ومش هاعمل صوت ...عارف إنك بتخافي تسهري لوحدك .
ابتسمت بامتنان رغم ظاهر عبارتها المعترضة :
_انت عندك شغل بدري الصبح ...لكن أنا فاضية .
_شششششش....انت صاحية تذاكري واللا تتخانقي؟! ركزي في حالك وسيبيني في حالي!
هتف بها وأنامله تتلاعب بهاتفه فلم تدرِ هل أنار وجهه بفعل إضاءة شاشته أم هو أثر قلبها هي على عينيها المغرمتين به ؟!!
لهذا رمقته بنظرة عاشقة أخيرة قبل أن تعود لتنشغل بمذاكرتها لكثير من الوقت بعدها ...
هذا الذي قطعته عبارته فجأة :
_عندي ليكِ مفاجأة حلوة بس كنت مأجلها للصبح ...أقولها دلوقت وخلاص؟!
فابتسمت بترقب وهي تدير وجهها نحوه بتساؤل ليهتف بابتسامة عريضة :
_أنا اترقيت !
أطلقت صيحة فرحة وهي تغادر مقعدها لتتوجه نحوه قبل أن تحتضنه بقوة هاتفة بسعادة :
_مبروك يا حبيبي ...تستاهل كل خير .
فربت على وجنتها قائلاً بحماس حقيقي:
_عقبال ما نفرح بالدكتوراة بتاعتك ...ساعتها بجد هتبقى الدنيا مش سايعاني .
ضحكت وهي تقبل جبينه باعتزاز ليسألها هو بتردد :
_مديري في الشغل عامل لي حفلة بكرة في بيته مخصوص بالمناسبة دي ...هتقدري تيجي معايا واللا مشغولة ؟!
_طبعاً هاجي!
قالتها وهي تسند رأسها على كتفه لتحرك كفها فوق صدره فمسد شعرها بأنامله هامساً بعد تثاؤب قصير :
_طب قومي كملي مذاكرة بقا عشان كده هتنيميني .
ابتسمت وهي تطبع على وجنته قبلة ناعمة قبل أن تعود لمذاكرتها التي تخللتها نظراتها الدافئة نحوه ...
هو الذي تثاقل جفناه أخيراً ليستسلم للنوم مكانه فتنهدت بحرارة وهي ترمقه بنظرة طويلة مغرمة ...
لقد تساءلت كثيراً عن معنى الحب الذي يروون عنه ...
لكنها الآن تراه بقلبها قبل عينيها ...
لو لم يكن ما يفعله هذا هو الحب ...فماذا يكون ؟!
======
تدندن بلحن لا تدري من حيث اجتاحها وهي تتطلع لصورتها في مرآة غرفة نومهما ...
ترتدي الثوب الذي اختارته لحضور الحفل المنتظر والذي انتقته بلون أخضر داكن أعجبها ...
لكنه فاجأها عندما دخل الغرفة لتوه حاملاً ما بدا لها كثوب مغطى معلق على شماعة !
التفتت نحوه هاتفة باستغراب:
_ده إيه يا رامز؟! أنا خلاص لبست !
_اقلعي!
قالها وهو يهز كتفيه بغمزة عابثة لتلكزه في كتفه قبل أن تهتف باستنكار:
_ضيع في وقتنا كمان ...أنا ما صدقت لقيت وقت فاضي عشان أحضر الحفلة دي !
لكنه فتح سحاب الغلاف المغطي للثوب معه ببطء ليستمتع بنظراتها المنبهرة وهي تتطلع نحوه قبل أن تهتف بانبهار:
_وااااااو ....إيه الجمال ده ؟!
فابتسم وهو يناولها إياه ليهمس أمام عينيها بنبرة دافئة :
_ماتعرفيش أد إيه بعشق اللون "الدهبي" ده عليكِ...أول ماشفته في المحل ما قدرتش أقاوم .
التمعت عيناها بعاطفة زادت بريقهما وهي تبتسم لتعاود تفحص الثوب هاتفة :
_يارب يطلع المقاس مضبوط ...الوقت مش هيستحمل عطلة .
لكنه رفع أحد حاجبيه ليقول بثقة :
_طبعاً مظبوط ...هو ممكن بس يطلع طويل شوية وهتحتاجي تلبسي كعب ...
ثم نظر في ساعته مردفاً بعجلة :
_ياللا بقا بسرعة ...هاستناكي تفاجئيني بيه في العربية !
قالها ليطبع قبلة سريعة على وجنتها قبل أن يغادر الغرفة مدركاً "عقدتها العتيقة" من تبديل ملابسها أمامه ...
بينما خلعت هي ثوبها "الذي اختارته" لترتدي ثوباً اشتهى -هو- رؤيتها فيه !!
تبتسم باعتزاز وهي تغلق سحابه لتجد مقاسه ملائماً تماماً ...
ليس المقاس فحسب بل تصميمه الذي يناسب جسدها وذوقها معاً في انسيابية ناعمة ...
ومع وشاح بلون يمزج الذهبي بالأسود بدا وجهها شديد الجاذبية حقاً ...
الجاذبية التي منحتها الكثير من الثقة وهي تتحرك لتلحق به في حذائها ذي الكعب العالي ...
صورة منعكسة لها في مرآة جانبية تخز قلبها بذكرى مشابهة لليلة كهذه ...
نفس لون الثوب ...نفس الحذاء ...ربما نفس الجمع المنتظر ...
لكن اليوم ...لا غادة ...
بل ...ولا هانيا القديمة كذلك !!
تشعر بقبضة باردة تعتصر قلبها وهي تتذكر ما سمعته -ليلتها- عن شبهة علاقة رامز بصديقتها لكنها تهز رأسها برفض وهي تهبط الدرج بشرود ...
لقد أصرت على حضور الحفل الليلة رغم انشغالها ليس فقط لأجل أن تسعده بفخرها به ...
بل لأنها تحتاج حقاً لهذه المواجهة كي ترضي كبرياءها ...
تريد أن تظهر من جديد معه كزوجين عاشقين ...يدها في يده ...
قدمها تجاور قدمه خطوة بخطوة ...
انتصارها الذي لا تدري كيف فرطت فيه يوماً !!
انقطعت أفكارها عندما وصلت للسيارة لتستقبلها عيناه بنظرة ألهبت أنوثتها ...
عيناه اللتان انحدرتا على طول جسدها بإعجاب قبل أن يطلق صفيراً قصيراً تناقض مع قوله المشاكس:
_والله ييجي منك يا بسطويسي...سيبلي انت نفسك بس وأنا هافك عقدك كلها ...
ثم مال نحوها ليهمس بمكر بينما يلصق سبابته بإبهامه في حركة ذات مغزى:
_طب قوللي بس فيه أمل ...واحد في المليون ...أعيش وأشوفك باللون ده في قميص نوم ؟!
ابتسمت بخجل وهي تشيح بوجهها ليلكزها في كتفها مردفاً بهتاف مرح:
_يافرج الله !! يبقى فيه !
_رامز ...فات ربع ساعة وباقي لك في ذمتي ساعتين إلا ربع ...انجز بقا عشان نلحق .
قالتها بنبرة عادت إليها عفويتها التي تقارب الفظاظة فتنهد بحرارة لضم كفيه في وضع الرجاء هاتفاً:
_طب عشان خاطري ...كرامة للفستان الحلو ده ...كمللي الليلة بعيد عن كرامات الأخ بسطويسي ...ماشي؟!
فضحكت برقة لم تتكلفها وهي تومئ برأسها موافقة قبل أن يتحرك بها هو إلى بيت مديره حيث يقام الحفل ...
نفس الطيف الشاحب من "الذكرى المشابهة" يجتاحه هو لكنه يبتسم ليمسك راحتها بيده بإصرار في حركة تركت أثرها في قلبيهما معاً ...
وفي حديقة بيت مديره حيث يقام الحفل وقفت يارا تستعرض ثوبها العاري أمام صديقتها قائلة بفخر:
_شفتي الفستان يهبل إزاي؟! ثلاث أرباع رجالة الحفلة عينهم هتطلع عليّ.
فضحكت صديقتها وهي تتأملها ببعض الحسد قائلة :
_معاك حق ...
ثم لكزتها في خاصرتها وهي ترى رامز يدخل مشبكاً أنامله بأنامل هانيا لتردف مغيظة إياها:
_وادي واحد م الربع الباقي اللي مش هياخد باله !
تنمرت ملامح يارا بحقد وهي ترى دخول رامز الذي حوّل أبصار الجميع نحوه ليلتفوا جميعاً حوله ...
بينما كان بصرها هي متعلقاً بهانيا التي بدت فاتنة حقاً رغم حجابها وثوبها المتحفظ ...
لهذا قالت مخاطبة صديقتها بغيرة واضحة :
_نفسي أعرف فيها إيه "المحروقة" دي عشان تطير عقله كده ؟!
_القلب وما يعشق!
هتفت بها صديقتها وهي تهز كتفيها لترد هي بحقد :
_يعشق؟! اللي زي رامز ده ما يعرفش يثبت على طريق واحد كتير ...هو بس تلاقي ضميره وجعه بعد اللي حصللها عشان كده رجعها ...لكن وحياتك شهر اتنين بالكتير وهيرجع يحن للذي مضى .
رفعت صديقتها حاجبيها بعدم اقتناع مما زاد غيظها لتردف بانفعال أكبر:
_طب والله كبرتيها في دماغي أطربقها على دماغهم النهارده زي ما عملت الحفلة اللي فاتت ...وإن كانت عدت يومها مش هتعدي المرة دي !
_هتعملي إيه يا مجنونة ؟!
_هتشوفي.
قالتها بعزم رسم الشر على ملامحها قبل أن تميل على أذنها لتعطيها تفاصيل خطتها ...
وفي مكانها كانت هانيا تشعر بالفخر وهي تقف جوار رامز الذي لم لم يترك كفها من يده ...
خاصة مع عبارات الإكبار التي منحه إياها مديره وهو يتحدث عنه أمام زملائه لتبتسم وهي تجد نفسها دون وعي تلتصق به أكثر ...
لهذا اتسعت ابتسامتها الواثقة التي احتلت شفتيها لدقائق طويلة بعدها وهي تتبادل الحديث بلباقة مع بعض زميلاته اللاتي تحلقن فجأة حولها لتضطر لسحب كفها من يده ...
لم تدرِ إلى متى طال انشغالها عنه لكنها تلفتت حولها فجأة لتجده قد اختفى!
بحثت بعينيها عنه في أرجاء الحديقة لكنها لم تعثر له على أثر ...
_لو بتدوري على رامز ...شفته رايح هناك .
قالتها صديقة يارا تنفذ مخططهما وهي تشير نحو بقعة ما منعزلة خافتة الأضواء نوعاً هناك في خلفية الحديقة لترمقها هانيا بنظرة متشككة ...
قبل أن تأخذ طريقها للمكان المنشود ...
_برضه ما فهمتش عايزة إيه مخليكي واخداني على جنب كده زي المشبوهين !
يقولها رامز بنفاد صبر لترد يارا بصوتها المغوي:
_عايزة أرجع اللي كان بيننا ...ومش هازهق مهما قلت لي لأ.
فابتسم ليرد ساخراً :
_وهو إيه اللي كان بيننا معلش يمكن مش واخد بالي ...
لكنها لمحت ظلاً ما يقترب فاستعدت لتقترب منه باسطة كفيها على صدره هاتفة بصوت تعمدت جعله مسموعاً ل"الظل المنشود":
_نسيت كل مشاعر زمان ؟!
فابتعد بجسده بسرعة ليهتف بها بغلظة مستنكرة:
_إياك تلمسيني ...انتِ مجنونة عشان تجيبيني هنا في حفلة مراتي حاضراها عشان تكرري كلامك السخيف كده ؟!
_يعني هو ده بس المانع؟! إنها هنا؟! تحب نكمل كلامنا وقت تاني؟!
تقولها بنفس النبرة المغوية وهي تختلس نظرة نحو مكان "الظل" ليرد هو بصرامة :
_لآخر مرة هاقوللك ابعدي عني ...اللي بيننا كان مجرد تسلية قبل الجواز وراح لحاله ...لو ستات الدنيا كلها قدام هانيا هاختارها هي وبس ...انتِ فاهمة ؟!
لكنها لم تسمح لعبارته الواثقة أن تهدم خطتها فرفعت صوتها أكثر بهتافها :
_قال يعني مخلص ليها قوي ؟! الشركة كلها عارفة اللي كان بينك وبين صاحبتها !
فاحمر وجهه غضباً مع رده :
_كفاية سفالة وافترا بقا ...انتِ عارفة إن غادة أشرف من ألف زيك ...وعارفة كمان الإشاعات دي مين اللي كان له مصلحة يطلعها !
شعورها أن خطتها لم تفلح جعلها تطيح بضرباتها العشوائية لعلها تحقق أي هدف:
_عاجبك فيها إيه "المحروقة" دي؟! الناس كلها بتتكلم إن الحادثة شوهت جسمها ...هتفضل عامل فيها الفارس النبيل لحد امتى ؟! رحت واللا جيت راجل زي بقية الرجالة عايز مزاجه وبس ...شهرين تلاتة وهتزهق منها ...وساعتها أراهنك هتيجي تترمي في حضني أنا !
_يارا!
الهتاف الصارم أجفلها لتلتفت نحو الظل الذي اقترب ...
والذي لم يكن ظل "هانيا" بل ...المدير نفسه !!
شحب وجهها برعب وكأنها كانت قد نسيت في غمرة انفعالاتها أنها في بيته هو ...
بينما تقدم الرجل بملامح متجهمة ليتوجه نحوهما فهتفت بمسكنة مصطنعة وهي تشير نحو رامز:
_كويس إن حضرتك جيت وشفت بنفسك...بيطاردني في كل حتة وعايزني ...
_كفاية كدب ...أنا سمعت كل حاجة ....
قالها الرجل بنبرة صارمة وهو يضع كفه على كتف رامز الذي وقف هادئاً بابتسامة واثقة بينما الأول يردف :
_بكرة الصبح استقالتك تبقى على مكتبي ...ما يشرفنيش واحدة زيك تفضل معانا ...
انهارت يارا باكية وهي تكرر رجاءات متتابعة للرجل الذي طردها حرفياً قبل أن يعرض عنها ليخاطب رامز بقوله :
_ارجع انت لمراتك قبل ما تحس بحاجة .
أومأ رامز برأسه وهو يتحرك مبتعداً عنهما وابتسامته الظافرة تملأ وجهه ...
لقد قلب سحرها عليها !!
منذ وجدها تستغل ابتعاد هانيا لتتقرب منه طالبة منه التحدث في مكان خفي وهو يدرك أنها تعد خطة ما للإفساد بينهما ...
لهذا طاوعها رغبة في أن يدير الأمر لصالحه مع هانيا ...لكن القدر ساعده بمنحة إضافية عندما نالت عقابها باستماع مديره للأمر كذلك ...
لهذا لم يكد يبتعد قليلاً حتى مال جانباً نحو إحدى الأشجار لتلتقي عيناه بعيني هانيا الزائغتين فيوقن تماماً من أنها استمعت للحديث ...
ملامحها الشاحبة تصرخ بألف سؤال ...لكنه جذبها من ذراعه نحوه قائلاً :
_كفاية كده ...الساعتين بتوعي قربوا يخلصوا!
عيناها الجميتان تمتلئان بالدموع لكنها تتشبث بكفيها في كفه قائلة بثبات رغم ارتجاف صوتها:
_هنكمل الحفلة لآخرها ...حقك تفرح بنجاحك وأفرح بيه معاك.
لكنه رمقها بنظرة مغرمة وهو يهمس أمام عينيها بدفء:
_فرحتي معاكِ انتِ خلاص حسيتها ومش عايز غيرها !
أشاحت بوجهها عنه وهي تخشى أن تفضحها دموعها أكثر أمام الحضور فأحاط كتفيها بذراعه ليتحرك معها مغادرين المكان ...
ولم يكادا يستقلان سيارته حتى فوجئ بها ترتمي على صدره لتحيط خصره بذراعيها هاتفة بين دموعها :
_"الكلبة" دي هي اللي سمعتها يوم الحفلة اللي فاتت وأنا في الحمام بتتكلم عن علاقتك بغادة ...هي اللي سممت أفكاري وقتها .
فارتفع حاجباه بدهشة للحظة وهو يتذكر ما تحكي عنه ثم ابتسم وهو يرفع وجهها ليمسح دموعها قائلاً برفق:
_انسي بقا اللي فات ...صفحة واتقفلت ...الحمدلله إن كيدها اترد لها هي .
_انت كنت عارف إني واقفة وسامعاك ؟! عشان كده قلت اللي قلته !
سألته بتشكك وسط دموعها ليصدر همهمة قصيرة سبقت قوله المشاكس:
_مممممم....انتِ عارفة إن كذب الزوج على الزوجة حلال؟!
ابتسمت وهي تخبطه على صدره ليردف بنبرة تمثيلية :
_أبداً يا حياتي...ما كنتش أعرف إنك واقفة ...بس أنا قلت اللي بقوله لكل واحدة بتحاول تستدرجني للرذيلة...
ثم غمزها مردفاً:
_وانتِ عارفة إني بموت فيها ...بس معاك انت بس !
ضحكت وسط دموعها التي مسحها هو بأنامله ليردف أخيراً بجدية بينما يغرس نظرات عشقه في عينيها :
_أنا كنت شاكك إنك واقفة وسامعة ...كانت مخاطرة مش محسوبة لإني ماكنتش أعرف ممكن تتمادى لحد فين ...بس كنت عايزك تسمعي بودانك ... صدقيني الكلام ده قلته لها حتى وانت مش موجودة ...أنا بحبك يا هانيا ...عمري ما عرفت معنى الكلمة دي إلا معاكِ...وكل يوم بتأكد إني مش هاعرفها تاني مع واحدة غيرك ...
أغمضت عينيها بقوة وأناملها تتحسس رقبتها فوق حجابها فمال بوجهه يقبل مكانها هامساً:
_انتِ أجمل واحدة في عنيا ...مش بقولها مجاملة ولا حتى حب ...بس كل ما افتكر ليلة الحادثة وأنا بجري زي المجنون بدعي بس إنك تكوني لسه عايشة بحس إن مجرد وجودك دلوقت جنبي نعمة تستاهل أعيش العمر كله أحمد ربنا عليها .
لم يكد يتم كلمته حتى فوجئ بشفتيها تقطعان حديثه بحرارة شغوف في فعل لم تبادر به من قبل أبداً ...
أناملها تتلمسه بهذه الطريقة وكأنه أثمن كنوزها ...أولها وآخرها...
وصوت أناتها الخفيضة يدوي في أذنيه كرعد ...
وتتلقفه روحه العطشى كمطر!!
فارتد للخلف مجفلاً للحظة قبل أن يأخذ نفساً عميقاً ليشغل السيارة قائلاً بسرعة :
_ثانية واحدة وهافقد السيطرة ويتقبض علينا بفعل فاضح في الطريق العام ...
ثم خبطها بخفة على مؤخرة رأسها ليردف بغيظ:
_لحظات التجلي لي بتحْبَك لك في أماكن غريبة ...عارفة لو رجعنا البيت قلبتِ بسطويسي ...هاقلب لك "فرج" في"الكرنك"!
قهقهت ضاحكة وهي تعود لتسند ظهرها على كرسيها فتنهد بحرارة قبل أن يغمزها هامساً :
_ليلتنا فل إن شاء الله.
=====
تركيا ...
اسطنبول ...
تجلس غادة على العشب في المزرعة في جانب خفي تمدد قدميها أمامها بينما تحتضن أحد الأرانب الذي تمسد فراءه بشرود ...
تتنهد بضيق لا تعرف سببه ...أو بالأدق ...تعرفه إنما تتجاهله !!
الأجواء حولها كلها مضجرة ...
علاء صار يخشى عليها صحبته في البازار ويؤجل عودتها للعمل معه بزعم أنها لا تزال تحتاج الراحة ...
وخبر والد إسلام الذي قتِل بفضيحة عقب هروبه من جريمة مشينة لايزال يؤرق علاء وإيناس اللذين يشعران بالأسى لمصابه ول-غيابه- قبله !
أجل ...سفر إسلام وغياب سيف بعدها دونما مبرر يجعلهما يشعران بالوحدة التي تحاول هي تخفيفها بجهد مضاعف...
كل هذا مشاع ويعرفه الجميع ...
لكن الذي يخصها هي وحدها ولا يعرفه أحد أنها حقاً ...تفتقده !
لا تدري هل هو الفراغ الذي يجعلها تستعيد مواقفهما معاً من البداية فتسترجعها كشريط مستمر دون توقف متلذذة بمعانيه...
أم هو إلحاح هانيا التي لا تتوقف عن الحديث معها عن الأمر وكأنما صارت غاية حياتها أن تجمعهما معاً ...
لا ...لا ...
ستكون أكثر صدقاً مع نفسها لتعترف ...
أنه تمكن من سد فراغٍ بروحها طالما تعطش لرجل مثله...
رجل لا يعنيه جمالها بقدر ما تجذبه روحها ...
رجل يحميها حتى من نفسه...
يحترمها ككيان قبل أن يشتهيها كأنثى ...!!
انقطعت أفكارها عندما قفز الأرنب من على ساقيها فجأة ليعدو فابتسمت وهي تنهض لتعدو خلفه لولا أن استوقفها صوت إيناس الذي صدح فجأة :
_شفتي مين جه أخيراً النهارده !
تلتفت نحوها عفوياً لتجده أمامها ...
يبتسم بهذه الطريقة الخجول وقد بدا لها شكله غريباً إذ حلق رأسه كاملاً ...
فابتسمت بدورها وهي تعدل وضع حجابها على شعرها بينما إيناس تهتف بسعادة وهي تقلب بصرها بينهما :
_عاجبك كده ؟! راح يعمل عمرة من غير ما يقوللنا ...وأنا أقول اختفى فجأة كده فين !
_هم كام يوم اللي عرفت آخدهم أجازة يا أنّا...والله الموضوع اتيسر كده فجأة وبسرعة .
قالها معتذراً للمرأة التي دعت له بالقبول قبل أن تسأله باهتمام قلق:
_إسلام عامل إيه ؟! كل ما أكلمه بيهزر بطريقته اللي انت عارفها وما بيرضاش يبين حاجة ...طمنني عليه يا سيف!
فأطرق برأسه قائلاً بأسف:
_ربنا يكون في عونه ...الموضوع مش سهل أبداً خصوصاً بعد اللي حصل لأخوه كمان ...بس أنا وصيت رامز يبقى معاه وشرحت له الموضوع ...وفي أول فرصة أقدر آخد أجازة طويلة هانزل له !
شعرت غادة بضيق خفي للعبارة الأخيرة جعلها تطرق برأسها بينما إيناس تهتف بلهفة:
_وأنا هاجي معاك ...قلبي مش مطاوعني أسيبه في اللي هو فيه لوحده ...
تحشرج صوتها في عبارتها الأخيرة فاضحاً رغبتها في البكاء فربت سيف على كتفها قائلاً :
_انت كمان وحشتيه قوي ...أوعدك نسافر له قريب .
كفكفت دمعها لتبتسم بشحوب وعيناها تتفحصانه بحنان أمومي قائلة بعتاب رقيق:
_وانت خاسس كده ليه ؟! ما بتاكلش!
فضحك ضحكة قصيرة ناسبت رده :
_دايماً شايفاني خاسس ومحتاج تغذية يا "أنّا"!
_طب والله خاسس ووشك مخطوف ...اقعد هنا مع غادة على بال ما أحضر الأكل...
هتفت بها بحماس أنساها حزنها السابق ليبتسم هو موافقاً بينما تحدثت غادة لأول مرة منذ بدأ الحوار بقولها دون أن تنظر إليه :
_خلليكي انتِ معاه يا "أنّا"...أنا اللي هاحضر الأكل.
نبرتها الضائقة كانت مفضوحة لكليهما لكن إيناس هتفت بسرعة :
_هو جاي ياكل من إيدي أنا ...أنا اللي عارفة الأكل اللي بيحبه !
قالتها لتغادرهما بسرعة دون أن تمنحها فرصة الاعتراض فتجهمت ملامح غادة بالمزيد من الضيق وهي تطرق برأسها ...
إنه لم يوجه إليها كلمة واحدة منذ دخل !!
ولا حتى تحية !!
والآن تتركهما إيناس بهذه الطريقة التي تبدو وكأنها فرضتها عليه ...
لا...لن تبقى!
ستعود لغرفتها أو ستذهب لتساعد إيناس في المطبخ!
_إزيك يا غادة ؟!
سؤاله المفاجئ يطيح بكل ما كانت تفكر به خاصة وهو يحمل لها لهفة اشتياق لم تخطئها أذناها ...
ترفع عينيها إليه ببطء لتصطدم بابتسامته الخجول التي تمتزج بحمرة أنفه وأذنيه المميزة ...
فلا تملك إلا أن تمنحه ابتسامة مماثلة !!
يقترب منها مأخوذاً بجمالها الذي يبدو هكذا في ضوء الشمس ك"شمس أخرى"!!
عيناها تلتمعان بتلك الشقاوة اللطيفة التي تناقض تحفظ كلماتها وهي ترد :
_الحمدلله...إزيك انت؟! حمداً لله ع السلامة !
فتتسع ابتسامته وعيناه تتوهجان بحنان دافق امتزج بامتنان حروفه :
_كانت نصيحة كويسة منك...أنا رحت عملت عمرة لآنجي...حقيقي الموضوع ده فرق معايا كتير .
زمت شفتيها بمزيج شعورها المتناقض في هذه اللحظة ...
جزء منها يشعر بالسعادة لهذا الارتياح الذي يغشى ملامحَ طالما اكتسحها الذنب ...
لكنها لا تملك هذا الجزء الآخر الذي يشعر بغيرة خفية غير منطقية !!
غيرة ؟!
لقد تطرفت مشاعرها حقاً هذه المرة !!
لهذا قاومت شعورها بكل ما أوتيت من قوة لترتجف ابتسامتها وهي تشيح بوجهها قائلة :
_الحمدلله ... افتكرت تدعيلي بقا هناك ؟!
_كتير ...جداً.
عبارته حملت من الدفء الصادق ما جعل قلبها يرتج مكانه وكأنما أسمعها حديث غزل!!
لهذا تسربت الحمرة لوجنتيها أكثر وصوتها يرتجف رغماً عنها بسؤالها :
_دعيتلي بإيه ؟!
صمته يطول بعد سؤالها فتضطر لترفع عينيها إليه فيجتاحها "الحزن الأخرس" في حدقتيه من جديد ...
والذي تلون الآن بعاطفة كاسحة :
_دعيتلك تفرحي ...تفرحي قوي لحد ما تنسي كل حزن عشتيه !
امتلأت عيناها بالدموع فجأة وعبارته ترده لآخر رؤيا رأتها لأحمد عقب إفاقتها من الحادث ...
الدموع التي وجدتها تسيل دون وعي على وجنتيها فمسحتها بأنامل مرتجفة ليهتف هو بها بجزع:
_أنا آسف ...ما قصدتش أفكرك ...أنا بس...
لكنها تقاطعه بقولها الشارد :
_لا أبداً...أنا بس افتكرت آخر حلم حلمته بأحمد الله يرحمه ...كان بيقوللي برضه افرحي .
و"الغيرة" هذه المرة تحظى بنصيبها معه هو وعبارتها توصد الطريق في وجه أمله "الوليد" بها ...
بل ...من يدري ربما ...تفتحه ؟!!
لهذا ترددت كلماته وعيناه تطوقان ملامحها بعاطفته ليغير الموضوع بقوله :
_كان معاكِ حق ...أنا غرقت في إحساسي بالذنب ونسيت واجبي ناحيتها ...امبارح زرت قريبتها الوحيدة اللي كانت ساكنة معاها هنا ...تقريباً من يوم الوفاة ما كنتش شفتها ...بس عاهدت نفسي أراعيها وأشوف طلباتها ولو مرة كل شهر ...يمكن ده يكون جزء من رد الدين اللي عليا ليها .
شفتاها تكافآنه بابتسامة رضا قبل أن تتلفت حولها لتجد الأرنب المشاكس يدور حولها قبل أن يعاود الركض بعيداٌ ...
لكنه هو يركض خلفه ليلاحقه قبل أن يمسكه عائداً إليها به فتتحول ابتسامتها لضحكة عفوية وهي تتلقفه منه لتمسد ظهره بأناملها قائلة بمرح تغلبت به على مشاعر الشجن السابقة :
_شيبوب بيغير لما بيلاقيني بكلم أي حد ...حتى "أنّا"!
فضحك بدوره وهو يرى الأرنب الأبيض يهز رأسه مستمتعاً بمداعبة أناملها وكأنما يصدّق على كلامها ليوجه الحديث للأرنب "شيبوب" وهو يحني رأسه نحوه :
_امال لو كنت "عنتر" كنت عملت إيه ؟!
ضحكتها العالية المميزة تعاود عزفها على أوتار قلبه لكنه يعاود حديثه مع "الأرنب" بسؤاله :
_طب تسمح لي أقدم لها الهدية اللي جايبهالها واللا هتعضني؟!
_هدية إيه ؟!
تسأله غادة بترقب ليشير هو نحو الخارج قائلاً بابتسامته الخجول :
_سايبها في العربية ...ثواني أجيبها .
التمعت عيناها بفضول وهي تتابعه يغادر وذهنها منشغل بهذا التغيير الذي تشعر به معه ...
ليس فقط في كسر دائرة تحفظه نحوها بل فيه هو نفسه !!
كأنما تحررت روحه -نوعاً- من قيود الذنب وبدأت طريقها في التحليق!!
ترى أي هدية سيختارها لها ؟!!
اتسعت عيناها بترقب وهي تراقب عودته بهذا الصندوق الكبير الذي وضعه أمامها على الأرض قبل أن يرفع رأسه نحوها قائلاً بابتسامته الخجول:
_كلامنا سوا عن روايات رفعت اسماعيل رجعني لأيام حلوة ...بعتّ اشتريت السلسلة كلها بالأعداد الأصلية أون لاين ...وجبت منها نسختين واحدة ليا وواحدة ليكي ...قلت منها تسليكي مادام ماعدتيش بتروحي البازار ومنها تفكرك بأيام جميلة مش هتتكرر.
فأشرقت ملامحها أكثر وهي تجلس على ركبتيها أمام الصندوق لتضع "شيبوب" جانباً قبل أن تفتحه بلهفة مع هتافها المنطلق :
_مش ممكن ...في وقتهم بجد والله ...ما تتصورش فرحتي بيهم ...كل غلاف من دول حكاية أيام عشتها وأنا بقراها ...رفعت وعزت وماجي ولوسيفر و...شوف دي كمان ..فاكرها ..الأم مارشا؟!!
ضحكاتها تعلو من جديد وهي تعدد أسماء أبطال هذه السلسلة الرائعة للعراب "ما وراء الطبيعة" فيضحك بدوره وهو يجلس على ركبتيه أمام الصندوق بدوره ليرفع واحداً من الكتيبات أمامها هاتفاً بعفوية :
_العدد ده ما نيمنيش لما قراته ...كنت حاسس إن "الجاثوم" هيخنقني لو نمت !
_أنا كمان ...كنت حاسة إني بسمع أصوات غريبة بعد ما قريته ...واللا العدد بتاع (......)...
استمر حديث الذكريات بينهما بعدها لدقائق عن قراءاتهما هذه تتخلله ضحكاتهما التي أثلجت صدر إيناس وهي تتقدم منهما أخيراً لتهتف بحنان :
_بتعملوا إيه ؟!
_شفتي سيف جابلي إيه يا "أنّا"؟!
السعادة التي كانت تتقافز بين كلماتها كانت كافية ليملأ الرضا نظراته ...
الرضا الذي جعل إيناس تنقل بصرها بينهما لتقول ببعض المكر:
_طول عمره لماح وبيعرف مدخل اللي قدامه .
لم تنتبه غادة لعبارتها وهي تحاول إبعاد شيبوب الذي كان يدس رأسه بين الكتيبات وكأنه يريد إفسادها غيرة حقاً ...
بينما احمر وجه سيف خجلاً كالعادة ليرمق إيناس بنظرة عاتبة جعلتها تضحك ضحكة طويلة سبقت قولها :
_ممكن تكمل جميلك وتطلع الكرتونة الحلوة دي أوضة غادة...بس بسرعة عشان حضرت الأكل.
نهض سيف ليقف مكانه ويحمل الصندوق تتبعه غادة التي لكزتها إيناس في كتفها خفية بحركة موحية لترد غادة بابتسامة خجول معاتبة ...
بينما تحرك سيف نحو الداخل وقلبه يرتجف بنبض غريب ...
هو يعرف أن غادة الآن تشغل غرفة الراحل هاني التي طالما دخلها من قبل دون محاذير ...
والآن يعود لدخولها بشعور متناقض هو مزيج من الحزن مع ذكرى الفقيد ...
واللهفة لرؤية كيف صارت بعد ما سكنتها هي !!
لكن طبيعته الخجول المتحفظة جعلته يسألها بنفس حمرة الوجه التي صارت تستلذها كثيراً ...
_هينفع أدخل ؟!
ارتباكه اللذيذ يصيب منها ...يجعلها تشعر حقاً أنها تقف أمام نموذج مختلف من الرجال ...
رجل يعرف كيف يغرس فيها الأمان قبل الحب ...
الاحترام قبل العاطفة ...
وما أحوجها لهذا !!
لكن ما بالها تشعر به هذه المرة مختلفاً ؟!
تشعر وكأنه قد تحرر -نوعاً- من قيوده ؟!!
يخطو نحوها بحبو حذر ...بعدما ملت وقوفه الساكن !!
الخاطر الأخير يجعلها تشير للغرفة ببعض الترقب قائلة :
_اتفضل طبعاً ...معلش تعبتك .
يدلف إلى الداخل ليضع ما بيده على المكتب المقابل للفراش فتلحقه هي شاكرة لتشير حولها قائلة :
_الأوضة زي ما هي من أيام هاني الله يرحمه ..أكيد وحشتك..."أنّا" دايماً تقول إن قعدتكم كانت على طول هنا .
_فعلاً ...الله يرحمه .
قالها بأسى حقيقي جعلها تشعر بالإشفاق نحوه لهذا غيرت الموضوع بقولها :
_هدية هايلة يا سيف ...من زمان ما جاليش هدية حلوة كده...شكراً بجد .
امتنانها الصادق الممتزج بدلالها الفطري لامس قلبه بدفء غامر ليجد نفسه دون وعي يقترب منها خطوة قائلاً :
_أنا اللي لازم أشكرك .
_عشان؟!
تهمس بها بتساؤل رقيق ووجهها يرتفع نحوه ...
العينان تتبادلان الحديث بما صمتت عنه الشفاه ...
لم تكن المرة الأولى التي تشعر هي به معه بهذه الشفافية ...
كأنما تقرأ مشاعره على صفحة بيضاء دون زيف أو مواراة ...
لكنها كانت المرة الأولى التي يطارد هو فيها سرابه في عينيها ...
ينقّب فيها عن كنز عاطفة تخفيها هي له ...
يريد دليلاً يتمناه لكن يخشاه ...
إسلام أفسح له الطريق ...لكن هل زلّت كل العقبات حقاً ؟!!
_انت بتعمل إيه هنا ؟!
صوت العم علاء على باب الغرفة يجعلهما ينتفضان مكانهما لتبتسم غادة بخجل بينما علاء يضع كفه على صدره في حركة تمثيلية مردفاً :
_سيف ؟! وغادة ؟! وفي بيتي؟! ياللسماء !! العار !! الدم!!
ضحكات غادة الخجول تعلو لتغطي على حرج الموقف فتتجه نحوه قائلة بمرح مشاكس:
_ريح نفسك يا عمو ...مش هتلبسني لأي حد معدي عشان تخلص مني ...أنا قاعدة هنا على قلبكم !
_يعني مفيش أمل الولد ده يلبسها؟!
يقولها بمسكنة مصطنعة وهو يشير نحو سيف الذي منعه خجله عن مشاركتهما المزاح فاكتفى بابتسامة واسعة بينما غادة تردف بنفس الأسف التمثيلي :
_لا للأسف ...أنا والبيتزا بتاعتي هنفضل كابسين على نفسكم هنا !
قالتها وهي تخبط بقبضتها على راحتها المفرودة في ذاك الوضع الشهير لتتعالى ضحكاتهم جميعاً مع إيناس التي دخلت لتهتف بحنان ماكر:
_سيف جابلها شوية كتب عشان تتشغل بيهم عن البيتزا اللي مش عاجباك.
فابتسم علاء متهكماً وهو يشير لرأس سيف الحليق بقوله :
_هم شوية الشعر اللي كانوا مداريين ع الأفكار النيرة دي ...من ساعة ما جابها ع الزيرو كده وعندي أمل في اللي جاي ...
ثم تقدم نحو سيف ليربت على كتفه مردفاً بجدية هذه المرة :
_حمداً لله ع السلامة ياابني ...وحشتني قوي ...تقبل الله .
هنا تقدم سيف ليعانقه بحنان صادق ثم قبّل كتفه ليرد برصانته الدافئة :
_منا ومنكم يا عمو ...حضرتك كمان وحشتني قوي .
_مادام وحشتك بقا ما ترفضش فكرتي ...واحد صاحبي من "إغدير" عازمنا نقضي عيد النيروز هناك ...ما تيجي معانا براسك دي ...فرصة قبل ما شعرك يطلع ويغطي أفكارك الحلوة تاني!
قالها علاء بنبرته التي عاد إليها مرحه ليضحك سيف مع رده المرحّب ...
قبل أن تسأله غادة بفضول:
_إيه عيد النيروز ده بيعملوا فيه إيه ؟!
لكن إيناس تجذبها من ذراعها لتهتف بهم بحزم :
_كملوا كلام ع الأكل ...لو برد مش هارجع أسخنه !
======
_داليا!
هتف بها مروان بدهشة وهو يفتح باب شقته ليجدها أمامه فابتسمت لتهتف بملامح مشرقة عبر شقاوتها المعهودة :
_كبسة ! عندك حد ؟!
ضحك ضحكة عالية وهو يفسح لها الطريق قائلاً بمرح:
_اتفضل يا سيادة المفتش ...شوف بنفسك !
ضحكت بدورها وهي تدلف إلى الداخل لتتفحص المكان حولها فأغلق الباب خلفها ليحتضن خصرها بكفيه هامساً بعاطفته الدافئة :
_ممكن أعرف سبب الزيارة المفاجئة دي !
فتعلقت بذراعيها في عنقه لتهمس بشقاوتها التي امتزجت بعاطفتها :
_كنت بقلب امبارح في رسايل "العاشق المجهول" لقيت النهاردة تاريخ أول رسالة بعتهالي ...قلت آجي أحتفل معاه بالمناسبة الحلوة دي ...
ثم استطالت على أطراف أصابعها لتطبع قبلة ناعمة على وجنته مردفة :
_كل سنة وانت معايا .
انتفض قلبه بقوة عاطفته وهو يضمها نحوه أكثر هامساً بين شفتيها :
_انت مش معايا ...انتِ جوايا .
تأوهت بخفوت لتمرغ وجهها في صدره هامسة بهيام :
_نفسي أعرف بتجيب الكلام الحلو ده منين ...
ثم عادت ترفع وجهها نحوه مردفة :
_أقوللك سر ؟!
همهمته الخافتة حلقت فوق شفتيها بنعومة لتستطرد برقة عذبة :
_أنا كنت خايفة أحب عشان ما أزهقش...كنت خايفة أسلم قلبي لواحد بس ما يبقاش كفاية لكل المشاعر اللي عايزة أعيشها...لكل الأحلام اللي نفسي أحققها ...كنت بشوف الارتباط خنقة وملل ...بس ...انت ...
قطعت عبارتها عاجزة عن إيجاد رد مناسب ...
فاحتضن وجنتيها براحتيه ليهمس بترقب :
_أنا إيه ؟!
_انت خطفتني ...مابحسش أبداً إني زهقانة وأنا معاك...بالعكس ...بعيش معاك حاجات عمري ما اتمنيتها ولو في أحلامي.
_تؤ...لسه فايتك كتييير .
يقولها ببعض العبث لتضحك ضحكة عالية مزجت خجلها بشقاوتها الطفولية في مزيج غريب لا يليق بسواها ...
ثم تفلتت من بين ذراعيه لتتجه نحو مائدة السفرة التي وضع عليها حاسوبه المحمول قبل أن تشير للوحة ذات المربعات المتداخلة هاتفة بمرح:
_أهه اللوحة التي فضحتك.
فضحك وهو يتجه نحو اللوحة ليقبلها بخفة هاتفاً :
_أحلى فضيحة !
عادت تضحك بمرح وهي تقفز لتجلس متربعة فوق المائدة قبل أن تدير الحاسوب نحوها لتهتف بهيام :
_اسكت انت بقا وخلليني أقابل حبيبي ده ...
ثم شهقت لتردف باستنكار:
_انت عامل باسوورد ؟!
فضحك وهو يقفز ليجلس جوارها على طرف المائدة قبل أن يزيح حجابها عن شعرها بحركة خاطفة ليقرص أذنها هاتفاً بمكر:
_وريني هتقابلي حبيبك ده بقا إزاي من غيري !
_مروان ...مارو ...بليييييز ...عايزة أشوف الكواليس ...عشان خاطري ...
هتفت بها برجاء طفولي وهي ترفع راحتيها الملتصقتين أمام وجهه بذاك الوضع الشهير ...
ليضحك ضحكة عالية ثم أدار الحاسوب نحوه ليفتحه فيبرز لها محادثاتهما القديمة بذاك "الحساب الاليكتروني" الآخر ...
قبل أن يحتضن كتفيها بذراعه ليضمها نحوه ...
تنهدت بهيام وهي تستعرض كلماته التي تحفظها تقريباً لكن أن تراها الآن ...في بيته ...
وهي بين ذراعيه ...لهو مذاق آخر له لذة مضاعفة !
لذة تعاظمت كثيراً وهي تسمعه جوارها يقرؤها لها بصوته واحدة واحدة كلحن فريد يميزه هو وحده فيرقص له قلبها طرباً ...
لهذا أسندت رأسها على صدره تتنعم بهذا الدفء الخالص الذي تمتزج فيه كلماته بقربه ...
قبل أن تشعر بأنامله تتخلل منابت شعرها مع همسه الدافئ :
_عندي "فولدر" كمان لازم تشوفيه .
فتحت عينيها بترقب تنتظر لتتسعا بعدها بانبهار وهي تجد مجموعة من الصور القديمة لها ...بل لهما معاً ...في طفولتها !!
ضحكت باستمتاع وهي تراقب أولاها لما بدا كحفل "عيد ميلاد قديم" مميز بطقوس هذه الفترة ...
زجاجات الكوكاكولا الصغيرة بشعارها الأبيض ..."التورتات" منزلية الصنع...الكاسيت القديم بحجمه وشكله المميز في خلفية الصورة ...والمروحة إياها ذات القاعدة العريضة والثلاث ريشات ...
التصفيفة واحدة للفتيات بغُرّة جبين عريضة وضفيرتين ...
بينما الفتيان يضحكون بتلك الطريقة التي تنبئ عن مستقبل "سفاحين"!!
_دي هانيا ورانيا ...وده يامن ...دي أنا ...يا خبر!!! كنت وحشة كده ليه ؟! وده ...انت ؟!
ضحكت ضحكة عالية وهي تشير للفتى الذي وقف مرتبكاً بنظارته وشعره الأشعث ليضحك بدوره وهو يشير للصورة هاتفاً :
_كان عندي شعر أهه ...بس هي عوامل التعرية اللي وصلتني لكده !
_كده اطمنت على مستقبل ولادنا !
هتفت بها بمرح ليضمها إليه أكثر قبل أن يداعب وجنتها بأنامله هامساً :
_حلوة قوي "ولادنا" دي وهي طالعة منك عفوية كده .
فابتسمت بوجنتين محمرتين زادتا عذوبة ملامحها لتسأله بفضول:
_عايز ولاد كتير؟!
_جداً.
هتف بها دون تفكير ليرد مفسراً :
_أنا اتربيت ابن وحيد وكانت تجربة سيئة جداً...عايز ولاد كتير على أد ما تقدري .
_بتحب الولاد واللا البنات ؟!
_لو بنات شبهك ...بلاش!
شهقت باستنكار ليضحك ضحكة عالية قبل أن يعاود قرص أذنها هامساً بعتاب حنون :
_داليا واحدة كفاية ...استنزفت كل طاقتي ...واحدة تانية شبهك وهاسرح ورا المجاذيب في الشوارع .
علا صوت ضحكاتهما المشتركة للحظات قبل أن تعود لتستعرض معه بقية الصور والتي انتهت بعدة صور "مرسومة" لا حقيقية...
كلها لفتاة تبكي على الدرج وتحتضن ثوباً أبيض!
_دي ...أنا؟!
تمتمت بها بتأثر وهي تستعرض الصور التي حملت نفس الفكرة في كل رسم وإن اختلفت الخطوط ...
ليرد هو ببعض الشرود وقد عادت أنامله تعبث في شعرها :
_كل مرة كنت بفكر فيها أبعد عنك ...صورة زي دي كانت بترجعني ...صورة بنوتة كبرت قدامي يوم بيوم ...مهما كبرت جواها طفلة بتعيط مش هتلاقي أحن من حضني عليها .
_مروان!
همست بها بتأثر وهي تستدير لترفع ذراعيها فتتعلق بعنقه...
تغرق وجهه بقبلاتها التي امتزجت بدموع انفعالها مع همسها :
_كل مرة بحس فيها أد إيه بتحبني بلاقي دماغي مشلول ...بحس بالذنب لكل الوجع اللي سببتهولك .
لكنه أبعد وجهها الذي احتضنه براحتيه ليمسح دموعها بإبهاميه هامساً:
_كل الوجع ده ما يساويش حاجة وانتِ دلوقت معايا ...مش مجرد بنوتة صغيرة بتغلط وبسامحها ...لا...واحدة جديدة بحترم دماغها وتفكيرها .
فابتسمت وهي تغمض عينيها لتتنهد بحرارة بينما تسند رأسها على صدره هامسة بمشاكسة طفولية :
_هااااح...طب كفاية كده ...الحب هيولع في الدرة ...
ثم انتفضت بعفوية لتشير للحاسوب متسائلة :
_فيه حاجة تانية لسه ماشفتهاش!
لكنه غمزها بمكر هاتفاً:
_يووووه...ياما في الجراب يا حاوي ...بس مش دلوقت!
التمعت عيناها بانبهار طفولي لتضحك ضحكة عالية وهي تخبط بكفيها على ساقيها المتشابكتين هاتفة :
_الله عليك يا مروان يا جااامد....هو ده الشغل!!
انتهت عبارتها بتصفيقة خفيفة جعلته يطلق قهقهة عالية قطعها صوت رنين هاتفه الذي جعله يقول بمرح:
_أراهنك إن ده يامن ...قرون الاستشعار بتاعة غلاسته لازم تقطع اللحظات الحلوة !
فابتسمت وهي تفك تشابك ساقيها لتقفز من فوق المائدة على الأرض بينما وقف هو ليتناول هو هاتفه يطالع الرقم قائلاً:
_ظلمته ! دي الدكتورة سهام .
اتسعت ابتسامتها نوعاً وهي تقترب منه لتسمعه يفتح الاتصال بتحية تقليدية ثم استمع قليلاً للمرأة التي كانت تعتذر عن عدم قدرتها على حضور عقد القران ...
قبل أن يرد بهدوء:
_لا يا دكتورة مش زعلان أبداً ...عذركم معاكم...أنا عارف إن تعب دكتور ياسر ملخبط الدنيا عندكم ...والموضوع أصلاً جه بسرعة ....تتعوض في الفرح باذن الله ...
ثم صمت قليلاً يستمع ليردف وهو ينظر لداليا :
_ولا داليا كمان زعلانة ...هي معايا هنا أهه ...باركيلها بنفسك !
_هنا فين ؟!
صوت سهام المتحفز وصل داليا التي انعقد حاجباها بارتباك بينما مروان يرد :
_هنا عندي في البيت .
_لوحدها؟!
صيحتها المستنكرة كانت أكثر وضوحاً هذه المرة فاحمر وجه داليا بمزيج من ضيق وذنب ...لكن مروان رد باقتضاب :
_آه لوحدها ...تحبي حضرتك تباركيلها بنفسك ؟!
توتر الجو فجأة وداليا تتناول منه الهاتف لتجد كلمات المرأة المهنئة متحفظة باردة كما توقعت لكنها ردت بتماسك مصطنع قبل أن تنهي الاتصال لتعطيه الهاتف قائلة بوجوم :
_أنا هامشي .
قالتها وهي تعدل وضع حجابها على رأسها لتتحرك بسرعة نحو الباب لكنه لحق بها ليمسك ذراعها هاتفاً :
_استني رايحة فين ؟!
لكنها نفضت ذراعه عنها هاتفة بعصبية :
_خارجة عشان ما ابقاش قليلة الحيا وقاعدة معاك هنا لوحدنا .
مط شفتيه باستياء ليحاول تهدئتها بقوله :
_الست ماقالتش حاجة...هي بس ...
_وانت كنت عايزها كمان تقول ؟!
هتفت بها بنفس النبرة العصبية وهي تفتح الباب فزفر زفرة قصيرة ليربت على وجنتها قائلاً برفق:
_عشان خاطري اهدي واسمعيني ...ما تبوظيش اليوم الحلو ده عشان حاجات ما تستاهلش ...
ثم مد يده يتناول مفاتيح سيارته ليعطيها لها مردفاً:
_استنيني في العربية هاغير هدومي ونخرج نكمل بقية اليوم سوا .
انتزعتها منه بحركة عصبية دون رد لتهبط الدرج بخطوات راكضة فضحت غضبها قبل أن تستقر في سيارته وهي تشعر بمزيج من الضيق والخزي...
لماذا يجب أن تكون أفعالها دوماً مشبوهة ؟!
لماذا يصرون أن يضعوا تصرفاتها العفوية في إطار من "الخطأ"؟!
لعنة الماضي هذه لن تغادرها أبداً ؟!!
انقطعت أفكارها عندما شعرت به يستقل السيارة جوارها قبل أن يكتنف راحتها بين كفيه ليقول لها برفقه الصبور :
_أنا عارف بتفكري في إيه ...ممكن تبصيلي وتسمعيني ؟!
امتلأت عيناها اللتان رفعتهما نحوه بالدموع فجأة ليتنهد هو قائلاً بنفس النبرة :
_أنا اللي غلطان المرة دي ...اتكلمت بعفوية زي ما انتِ اتصرفتِ بعفوية ونسيت إن الموقف ممكن يتفهم غلط ...وأنا حتى لو حافظت عليكِ الناس دايماً ليها الظاهر ...عشان كده هنتفق إنك ما تجيليش البيت لوحدك تاني ...مش عدم ثقة في نفسي ولا فيكِ ...بس عشان محدش يبصلك بس بصة تضايقك زي دلوقت ...
ثم رفع كفها لشفتيه بقبلة ناعمة مردفاً بحنان :
_خلاص بقا فكيها كده ...
ارتجفت شفتاها بشبه ابتسامة وهي تشيح بوجهها ...
لا تعرف كيف يجيد تغيير تردد قنواتها بهذا الإتقان ...
ربما لو كان حدث نفس الموقف قديماً لما هاودتها طبيعتها المتمردة في طاعة ...
لكن معه هو ...تفعلها...ليس فقط طوعاً وحباً ...
بل رغبة في كمال تستحقه معشوقته !!
_ينفع تزعلي كده في "مولد سيدي العاشق المجهول" ؟!
سؤاله المشاكس يستجلب ضحكة خرجت منها رغماً عنها لتعيد التفاتها نحوه بقول عادت له نبرة مزاحه :
_شي لله يا سيدنا .
فضحك أخيراً بارتياح وهو يترك كفها ليشغل السيارة هاتفاً بمرح:
_أيوة كده الروح الفرفوشة عادت ...عندنا بروجرام هايل ل"ست البنات" النهارده ...شوفي عايزة تروحي فين وأنا معاكِ.
لكنها تأبطت ذراعه بشقاوتها المعهودة هاتفة :
_لا ياعم ...أنا بقيت مؤدبة وبسمع الكلام وبس ...شوف عايز توديني فين !
_ياسيدي ع الأخلاق العالية ...ما بتفائلش بالمقدمة الحلوة دي غالباً بتقلب بقفش !
هتف بها بتوجس مصطنع لتتعالى ضحكاتهما معاً بعدها قبل أن يقول لها بجدية هذه المرة :
_إيه رأيك ؟! عايز أكلم يامن نقدم معاد الفرح!
_فرح ؟! بدري كده ؟!
هتفت بها باستنكار ليلتفت نحوها قائلاً بعتاب دافئ:
_بدري؟! انتِ عارفة بقالي كام سنة مستنيكي؟!
حمرة وجنتيها الشهية تعاود احتلال ملامحها لتصمت للحظات قبل أن تهز كتفيها بابتسامة ناسبت قولها المشاكس:
_خلاص ...صعبت عليّ...موافقة وأمري لله ...هتشيلوني الحمل بدري ...ياصغيرة ع الهم يا لوزة !
جلجلت ضحكته الصافية بعدها قبل أن يقبل رأسها بعمق ليهتف بوعد امتزج بنبرته العابثة :
_مين دي اللي تشيل الهم وأنا عايش ؟!
ثم انحنى برأسه يقبل رأسها مردفاً :
_بكرة أشبعك دلع يخليكي تندمي على كل يوم عشتيه من غيري!
=======
استيقظت رانيا من نومها تتفقده جوارها لكنها لم تجده فنهضت لتغادر الفراش ...
نشوى ذهبت إلى المصنع كعادتها وريما في مدرستها بينما لا يزالان يتمتعان هما بإجازة "شهر عسل" اقترحته شقيقته ووافقتها هي عليه ...
لكن لأسبوع واحد فقط كما قررت هي!!
علاقتها الجديدة به مبهرة ...
وكأنه ليس الرجل الذي عشقته عمرها كله !!
فارق كبير بين أن تكون مجرد "ظل" وأن تكون "الشمس" ذاتها!!
هكذا تشعر الآن وهي تتعمد أن تأخذ هي بناصية قراراتهما لتريه أي محاربة قوية صارت!!
وصلت المطبخ لتجده هناك واقفاً يعطيها ظهره بينما يصب لها مشروبها الصباحي المفضل من "الكاكاو"...
فتحركت بخفة نحوه لتتعلق بعنقه من الخلف قبل أن ترفع ساقيها لتحلقهما حول خصره في حركة طفولية طالما عشقها منها !!
ضحكته الراضية تملأ أذنيها وهو يستدير بوجهه نحوها قائلاً بحنان:
_صباح الخير .
طبعت قبلة ناعمة على عنقه قبل أن تسند رأسها على كتفه هامسة :
_صباح الحب .
_نمتِ كويس؟!
_ياااااه...ده أنا ماعرفتش أنام إلا لما رجعت في حضنك .
تهمس بها بنفس النبرة الهائمة لتستقر بقدميها على الأرض من جديد قبل أن يديرها هو بين ذراعيه ليحتضن خصرها بكفيه هامساً :
_كل ما أفتكر سواد الأيام اللي فاتت ...الدوامة اللي غرقت فيها من غير ما أحس ...أخاف لا يكون كل ده حلم حلو هاصحى منه على حقيقة مُرّة...انتِ بجد ...معايا؟!
شفتاها تطوفان فوق بشرته بتبتل عاشق وكأنما تمنحه الدليل قبل أن تفيض عيناها ببوح شفتيها:
_عمري ما كنت أنا إلا وأنا معاك...لما بنبعد بتغرب حتى عن نفسي .
ابتسامته الراضية تكلل شفتيه قبل أن يقبل جبينها باعتزاز ليشير لما كان يصنعه بقوله :
_فاكرة فطار "السينيوريتا" بتاع زمان ؟! كاكاو ...سابليه مربى ...حلاوة بالقشطة...
_وزيتون مخلل عشان نفسي ما تجزعش.
العبارة الأخيرة قالاها سوياً بذات الوقت ليضحكا معاً قبل أن تقبل كتفه المقابل لها بعمق هامسة :
_كل يوم معاك كنز من تفاصيل حب كبر معانا ...وهنحكيه لولادنا .
فابتسم وهو يتحرك ليرص الأطباق على المائدة القريبة التي شاركته فيها ليبدآ معاً في تناول الإفطار ...
وما كاد ينتهيان حتى بادرته بسؤالها وهي ترتشف رشفة من مشروبها :
_كنت عايزة أسألك عن حاجة غريبة لاحظتها .
همهمته المترقبة كانت رده لتتردد قليلاً قبل أن تسأله بترقب:
_نشوى وناصر ؟
اتسعت عيناه بارتباك للحظة قبل أن تلتوي شفتاه بابتسامة مراوغة :
_واضح إنك اتغيرتِ ! فضول الستات ده عمره ما كان طبعك .
قالها بنبرة شابها بعض الحرج الذي زاد لهفتها للمعرفة فهتفت وهي تمد كفها الحر لتحتضن كفه :
_ده مش فضول ستات ...بس أنا خلاص خرجت م القوقعة اللي كنت دافنة نفسي فيها ...نشوى قربت مني قوي اليومين اللي فاتوا ...شفت فيها أبعاد كتير ماكنتش ملاحظاها قبل كده ...مقابلتها مع ناصر ده ماكانتش عادية ...كلامه معاها حسيته غريب ...وبعدين إزاي صاحبك وما حضرش فرحنا ؟!...أنا مش فاكرة إني شفته قبل كده !
فتنهد بحرارة ليضع كوبه جانباً قبل أن يشبك أصابعه ليقول بشرود :
_الحكاية بصراحة محرجة عشان كده مابحبش أفتكرها ...ناصر كان صاحبي من كام سنة...اتعرفت عليه أول ما اتخرجت في رحلة مع ناس قرايبنا...وبعدها علاقتنا اتحسنت كتير ...كان بيجيلنا هنا وماما الله يرحمها كانت بتحبه قوي ...بس ...
ثم صمت لحظات بتردد يتخير كلماته ليردف بحرج أكبر:
_مش هي لوحدها اللي حبته !
اتسعت عيناها بإدراك وهي تفهم ما يرمي إليه ليستطرد هو بأسف:
_انتِ عارفة طبيعة نشوى ...حامية زي السيف حتى في مشاعرها ...مافكرتش قبل ما تروح له وتعترف له بنفسها إنها بتحبه وعايزة ترتبط بيه !
شهقت رانيا بدهشة للحظة قبل أن تبتسم لتهز رأسها بقولها :
_لا ...لا...مش غريبة على نشوى فعلاً ...بس ...هو ...كان رد فعله إيه ؟! ماتقولش إنه خان صداقتكم !
اكتسح الضيق ملامحه أكثر وهو يجيب:
_بالعكس ...رد فعل ناصر علاه في نظري لأنه رفض مشاعرها وقتها باحترام ...قاللها إنه مش مستعد للارتباط وإنه بيعتبرها زي أخته ...وده سبب إنه بعِد عني بعدها وعلاقتنا اتقطعت بالتدريج لحد ما القضية رجعت تجمع بيننا تاني ...
_ونشوى عملت إيه وقتها؟!
_بمنتهى التهور وافقت على أول عريس جالها بعدها عشان تعند مع نفسها ...ورغم إن هو بنفسه سأل على طليقها ده قبل الجواز وقاللي إنه مش مرتاح له بس ده بالذات اللي خلاها تتمسك بالجوازة أكتر وتعند معانا كلنا .
هزت رانيا رأسها بأسف وهي تستعيد صورة نشوى في لقائها الأخير معه ...
كم بدت مضطربة واهنة -على عكس طبيعتها المسيطرة- وكأنما تتذوق خساراتها كلها من جديد بمرآه ...
تراها لا تزال تحبه ؟!
وهو؟!
هي شعرت أن نظراته نحوها تحمل أكثر مما يفترَض...
ألا يمكن أن تحمل الأيام القادمة لهما بعض الأمل؟!!
ترجمت خاطرها الأخير لتساؤل مسموع لكن أشرف ابتسم ابتسامة باهتة وهو يرفع عينيه نحوها بالجواب الصادم:
_ناصر ...متجوز!
=======
جلست على مكتبها في المصنع تراقب فنجان قهوتها بشرود ...
_سادة...ماعدتش بشربها زيادة زي زمان ...
عبارته -التي ذكرها في مقابلته الأخيرة لها هنا- تطفو من العدم فوق سطح أفكارها فينقبض قلبها بلوعة حارقة ...
كأن الأيام لم تمر ...
لا يزال هو هو ...الفارس الوسيم ببذلته الرسمية الذي خطف قلبها منذ أول يوم رأته فيه ...
الحزم القاسي في ملامحه الذي عشقته وهي تتصوره يذوب تحت قدميها ...
لم تدرك وقتها أن عمرها هو ما سينصهر في جحيم أضرمته يداه...
وستكون أكثر صدقاً مع نفسها لتعترف ...ويداها معه !!
عيناها تدمعان وهي تتذكر لقاءهما الأخير هنا ...
نظراته العاتبة المتعجرفة إليها وكأنها طفلة ضيعت نفسها ولم تستمع لنصيحة الكبار ...
جلسته المسيطرة التي طالما مستها هيبتها والآن تزيد شعورها بهوان نفسها ...
كلماته عن "الفئران التي هي أول من يغادر السفينة الغارقة"!!
محق هو !!
طليقها لم يكن أكثر من مجرد فأر غادر سفينتهما المثقوبة ليسلمها وابنتها للغرق بعده ...
لكن ...هيهات !!
لن تسمح لنفسها بأن تهوي في هذا البئر من جديد ...
هي اكتفت بنصيبها من الرجال في عالمها ...
و"الحلم القديم" لن يرقّع ثوب الحاضر الممزق!!
عيناها تدمعان بشرود وهي تتذكر ذاك اليوم الذي ذهبت فيه بقدميها إليه تبوح له بمشاعرها ...
الثوب "الأصفر" الذي اشترته خصيصاً لذاك اللقاء ...
والذي لم ترتدِه أبداً بعدها !!
تركته مكوماً كشرائط ممزقة في قاع دولابها القديم ذكرى سوداء منسية !!
منسيّة ؟!
تراها حقاً منسية ؟!
يقولون إن المرأة لا تنسى أول رجل أحبته...
ولا أول رجل خذلها ...
وهو كان "كليهما" معاً ...فكيف تزعم له نسياناً ؟!
تمد إصبعها تتلمس فنجان قهوتها الذي برد فتلتوي شفتاها بابتسامة تشبه برودتها ...
قبل أن تتنهد بحرارة لتتناول حقيبتها وتتأهب للمغادرة ...
هي -رغم كل شيئ- لم تخرج خالية الوفاض من هذه الحياة ...
لديها شقيقها وابنتها ...
ابنتها التي قررت أن تعوض هي غياب أبيها عنها وتمنحها السعادة التي حُرمت هي منها ...
هو دورها الذي اختاره لها القدر ...وارتضته هي صبراً !!
لهذا تناولت هاتفها لتتصل بالمطعم المنشود الذي حجزت قاعته لتقيم حفلاً لريما وصديقاتها الأطفال ...
قبل أن تتحرك لتغادر المصنع نحو مدرسة الصغيرة حيث صحبتها هي و بعض رفيقاتها إلى هناك ...
وقفت في الزاوية تصور الحفل اللطيف بكاميرا هاتفها بينما عيناها تلتمعان بسعادة حقيقية وهي ترى رقص الفتيات مع عمال المطعم الذين ارتدوا وجوه الدمى الضخمة ...
بينما الموسيقا الصاخبة تنبعث حولهم لتزيد من ضحكاتهم البريئة !!
ضحكات كانت تجد صداها في روحها التي استبدلت أنوثتها بنبض أمومتها ...
وليست بنادمة على هذا البدل !!
الموسيقا تتوقف لتجلس ريما مع رفيقاتها يتناولن الطعام بينما وقفت هي في نفس الزاوية تراقبهن من بعيد بحنان ...
شيئ ما يدفعها لتلتفت شاعرة أن هناك من يراقبها ...
وقد صدق حدسها عندما وجدته عبر زجاج واجهة المطعم واقفاً يراقب المنظر من بعيد بعينين لم تتبين حقيقة نظراتهما تحت نظارته الشمسية ...
لكن وقفته المهيمنة لم تفقد أثر جاذبيتها عليها وهي تراه يضع كفيه في جيبي سرواله بهذه الأناقة المميزة التي خطفت قلبها يوماً ...
_ناصر!
شفتاها تتمتمان باسمه بدهشة دون وعي تتعجب من وقفته الغريبة هذه ...
ربما لو لم تكن تعلم أنه يحب زوجته كثيراً كما سمعت من شقيقها لشكّت أنه يريد...
يريد ماذا ؟!
هو زهدها وهي عزباء عاشقة ترجو وصاله ...
فهل سيرغبها الآن وهي مطلقة تحمل عبء طفلة على كتفها ؟!!
ابتسامة مريرة يمر طيفها عبر شفتيها قبل أن تشيح بوجهها للحظات تطمئن فيها على ابنتها ...
وما كادت تعيد الالتفات نحو المكان الذي كان فيه حتى كان قد اختفى تماماً ...
======
_سها!
هتف بها منادياً وهو يدلف إلى شقته بعدما أغلق الباب خلفه ...
قلبه يخفق بجزع وهو يتبين أنها المرة الأولى التي لا يجدها تستقبله عقب عودته إلى البيت ...
"مؤشرات النهاية" هذه تخنق روحه بتلك القبضة المعتصرة التي لا يجيد الفكاك منها ...
وشعوره هذا يزيد من غضبة عجزه ...
يحبها؟!
هو لم يحب امرأة سواها !!
وكيف لا وقد هبطت عليه من عليائها كنجمة سقطت في حجره !!
جمالها الأرستقراطي المميز والواشي بأصولها التركية ...
روحها الرقيقة الملائكية بتلك الشعرة التي تجيد التراقص بين الطاعة والدعم ...بين الضعف والقوة ...
وأخيراً ...عشقها العظيم له والذي تزيده الأيام قوة ...
كل هذا يجعله يدرك أي محظوظ كان عندما وضعها القدر في طريقه ...
حتى مع "عيبها" الذي تراه هي مصيبتها ...
لكنه لا يشاركها الرأي ...
هي "كاملة" بعينيه ولو انتقصها العالم أجمع !!
_ناصر.
غمغمت بها وهي تظهر أخيراً من خلف الستار الجانبي لتهرع إليه فيضمها إليه بقوة قبل أن يبعدها ليتفحص ملامحها قائلاً بعتاب تخلل ملامحه القاسية :
_برضه كنت بتعيطي؟!
ابتسامتها ترتعش على شفتين برقة الورد لتدمع عيناها من جديد مع قولها المطمئن :
_احنا اتفقنا على إيه ؟! فترة صعبة وهنعديها ...هو ده امتحاننا الحقيقي .
عقد حاجبيه بقوة وهو يزفر بقوة ليشيح عنها بوجهه ...
فارتجف صوتها أكثر وهي تسأله :
_قابلتها زي ما اتفقنا؟!
أفلتها من بين ذراعيه ليتجه نحو النافذة التي فتحها ليطل منها طالباً بعض الهواء ...قبل أن يقول بضيق:
_رحت بس ما قدرتش أكلمها ...
ثم هز رأسه ليردف بانفعال ساخط :
_إيه الغباء اللي عايزانا نعمله ده ؟! إزاي عايزاني أتجوز ؟! وبتختاريها لي كمان ؟! مين قاللك إني عايز عيال ؟! قدر ربنا وراضي بيه ...هنتعب نفسنا وندخل الدايرة دي ليه ؟!
فتحركت لتقترب منه قبل أن تبسط كفها على ظهره لترد بتماسك يدرك أنه مصطنع :
_انت كده كده هتعملها ...يبقى بمزاجي أحسن ما يبقى من ورا ظهري!
_تاني هترجعي للكلام بالطريقة دي ؟! برضه مصرة إني ممكن أحب واحدة تانية ؟!
يهتف بها مستنكراً وهو يلتفت نحوها لترد عبر دموعها التي عادت تسيل على وجنتيها بينما تهز رأسها نفياً قائلة :
_أنا عارفة إنك مش هتحب واحدة تانية غيري ...بس كمان عارفة إنك مش هينفع تكتفي بيّ ...وعشان أقصر عليك الطريق ...أنا سمعت كلامك مع والدك الحاج في آخر زيارة ليه هنا .
شحب وجهه بارتياع وهو يتذكر هذه المحادثة التي تحكي عنها ...
والتي انتهت بقول أبيه الصارم ...
_ما بقوللكش طلقها بس الشرع حلل الجواز التاني للأسباب اللي زي دي ...آخر كلام عندي لو ما شلتش ابنك اللي من صلبك بعد سنة م النهاردة لا انت ابني ولا أعرفك .
_أنا عارفة انت بتحب والدك أد إيه وصعب عليك تعصى أوامره ...وكمان مقدرة حقك إنك تشيل ابن ليك ولو من واحدة غيري ...أنا اخترت نشوى دي عشان حكيتلي زمان حكايتك معاها ...أفتكر ده هيخلليها تقبل الوضع من غير مشاكل كتير بيننا .
غمغمت بها بصلابة يدرك أنها مصطنعة فضغط على أسنانه بقوة وهو يحيط كتفيها بقبضتيه قائلاً :
_انتِ بتتكلمي بالساهل كده عشان لسة ع البر ...هتستحملي وقت الجد تشوفيني معاها حتى وانتِ متأكدة إني ما بحبهاش؟! فاكرة إنك هتفرحي لما تعرفي إنها حامل مني ؟! المشاكل اللي فاكراها مش هتبقى كتير دي مش هتبقى مشاكل ...دي هتبقى نار بتاكلنا أنا وانتِ ...وهي كمان ...
فدفنت وجهها في صدره وهي تتشبث بخصره بذراعيها لتغمغم بين دفقات دموعها :
_نصيبي وراضية بيه ...احنا جربنا كل الحلول الممكنة ومافيش حاجة جابت نتيجة ...أنا عمري ما هابقى أم ...انت ذنبك إيه ؟!
ثم رفعت رأسها نحوه لتردف بنبرة أقوى:
_برضايا أحسن ما يبقى غصب عني ...ودلوقت أحسن من بعدين ...لو انت صبرت والدك مش هيصبر .
قالتها لتغادره بخطوات مندفعة نحو غرفتهما ليلحق هو بها لكنها سبقته لتغلق الباب خلفها بالمفتاح هاتفة من ورائه :
_سيبني دلوقت يا ناصر ...أنا هابقى كويسة ...لو عايز ترضيني كلم والدك وراضيه ...قولله إنك هتعمل اللي هو عايزه .
زفر زفرة ساخطة وهو يطرق الباب بعدها طالباً منها فتحه لكنها رفضت بإصرار جعله يغادر البيت كله إلى سيارته التي ظل يجوب بها الشوارع غير مدرك لوجهته ...
جزء من "طبيعته العملية" يوافقها فيما تزعم أنها تريده ...
هو حقه على أي حال ...
نشوى لن ترفض عرضاً كهذا إن لم يكن لظروف طلاقها وامتنانها لمساعدته أخيها ...فلأجل حبها القديم له ...
لكنه لا يستسيغ فعلها حتى ولو طلبتها منه سها بنفسها ...
ماذا عن والده ؟!!
هو العقبة الحقيقية هاهنا !!
أصوله الصعيدية التي تفتخر بإنجاب الذكور لن تتقبل أن ينتهي نسل العائلة عند ابنه الوحيد ...
آه!!
الخيار صعب ...
لكن من قال إن حياتنا كلها ميسرة سهلة؟!
فليسلك الطريق الذي يرتضيه عقله والذي ارتضته سها قبله كرامة لأبيه ...
سيحدث أشرف بشأن نشوى في أقرب فرصة ...
وليقطع على نفسه طريق هذا التردد !!
======
تركيا ...
ولاية إغدير ...
في حديقة بيت صديقه "التركيّ"يجلس العم علاء مع إيناس وغادة وسيف الذي بدا وجهه مشرقاً حقاً وهو يتفحص جمال المكان حوله ..
يحتفل أهالي ولاية إغدير شرقي تركيا، بالنوروز الذي يوافق 21 مارس وفق طقوس على سبعة مراحل تشمل "الصيام عن الكلام السيء"، و"التنظيف"، و"عيد الموتى"، و"زيارة المسنين والمرضى"، و"يوم الطفل" و"يوم الشباب" و" الألوان السبعة".
ويبدأ الصيام عن الألفاظ السيئة، قبل اسبوعين من العيد، إذ يسعى الأهالي إلى نسيان آلام ومشاكل العام الماضي، وتحقيق المصالحة بين المتخاصمين.
ومع حلول النوروز، يبدأ الناس تنظيف حدائق منزلهم، وتجمع النفايات في منطقة معينة، وتضرم النيران فيها.
ويقفز الأهالي من فوق ألسنة اللهب، حيث يعتقدون أن المشاكل تحترق في تلك النار..
ويعد "عيد الموتى" من أبرز الطقوس، إذ يبدأ الأهالي بالتوجه إلى القبور قبيل الاحتفال بالعيد، ويقومون بتنظيف المقابر.
وعقب غسل القبور المزينة بالورود، تقرأ آيات من القرآن الكريم، وتوزع مأكولات على الزوار.
وبعد الانتهاء من عيد الموتى، تبدأ زيارة المسنين والمرضى، وبعدها تنظم فعاليات مختلفة من أجل الشباب والأطفال.
أما طبق الألوان السبعة فهو طبق خاص يعد من سبعة أنواع من الفواكه أوالمكسرات، ويقوم بإعداده الأشخاص الأكبر سنا في العائلة، ويقدم للأصدقاء والجيران والأقارب، خلال تبادل الزيارات بمناسبة العيد.
ويجري تقديم طبق "الألوان السبعة" على مدار ثلاثة أيام، إيمانا بأن هذه الخطوة، توطد العلاقات بين الجيران والأصدقاء.
هذا الذي قدمته الطفلة لغادة بينما تقول بالتركية :
_حلو ...مثلك !
ضحكت غادة وهي تقبل وجنة الصغيرة بحنان قبل أن يهتف علاء مخاطباً صديقه :
_كل عام وانت بخير .
_وأنتم بخير ...عيد النيروز هنا له طقوسه الخاصة التي ستستمتعون بها أكثر في الشوارع ...هناك حديقة عامة قريبة ...يمكننا التوجه نحوها مشياً على الأقدام ...هكذا نستمتع أكثر ...
قالها الرجل ب"التركية" التي فهمت غادة ما يكفيها من كلماتها ليبتسم سيف هاتفاً باستحسان :
_فكرة جيدة ...هيا بنا .
_سآخذ زوجتي الجميلة نستعيد ذكرياتنا وحدنا .
هتف بها العم علاء لصديقه فاحمر وجه إيناس بخجل خاصة عندما غمغم صديقه ببضع عبارات مجاملة قبل أن يدعو زوجته هو لفعل المثل ...
لتجد غادة نفسها تسير عفوياً جوار سيف في هذا الموكب القصير الذي زاده تجمع بعض الأطفال المتقافزين حولهم بهجة وانطلاقاً ...
ضحكاتها ذات النغم المميز تطرب قلب هذا الذي يسير جوارها فيبتسم عفوياً وهو يختلس نظرات جانبية نحوها ...
السماء الصافية ...ألوان الطبيعة التي بدت وكأنها خرجت في "كرنفال" تنافسي تثير عجب الناظرين ...
أصوات البهجة حوله تتجسد في ضحكات عالية متباينة المصادر ...
وأخيراً ...
جمالها "هي" الذي يطغى على كل هذا ...
_شكلك فرحانة .
لم يجد أكثر من هاتين الكلمتين يبدأ بهما حديثه معها لتلتفت نحوه هاتفة بعفوية :
_جداً ...ماكنتش متخيلة الجو هنا هيبقى بالجمال ده .
فابتسم وهو يتعمد أن يتلكأ في خطواته نوعاً كي يبتعد بها عن الموكب وكأنه شعر بسعادة خاصة أن يحتجز "هالتها" الخاصة له وحده ولو لدقائق ...
_وانت مش فرحان ؟!
سؤالها الذي حمل حناناً خفياً داعب جانباً ما بأوتار روحه جعل ابتسامته تتحول لضحكة قصيرة خجول مع قوله وهو يضع كفيه في جيبي سرواله بينما يرفع رأسه للسماء فوقه :
_الجو فعلاً حلو جداً ...كنت محتاج الأجازة دي .
قالها لينتبه لها وهي تركل حصاة صغيرة بقدمها لتتدحرج بعيداً فيجدها تعدو نحوها لتركلها من جديد ...
ضحك عفوياً وهو يعدو بدوره نحو الحصاة نفسها ليركلها في الاتجاه المعاكس فعلا صوت ضحكاتها وهي تلحق بها لتطيح بها نحوه من جديد فيما بدا كمباراة استمرت لدقائق بينهما قبل أن تنهيها هي بقولها بين أنفاسها اللاهثة :
_كفاية كده ...تعبت !
ورغم السعادة الصارخة في ملامحها لكنه لم يملك شعوره بالقلق حيالها متذكراً جرحها القريب ليجد نفسه يهرع نحوها هاتفاً بلهفة جزعة :
_أنا آسف جداً ...الموقف خدني وما افتكرتش إنك تعبانة .
خفق قلبها بقوة عاطفتها وهي تمنحه أجمل ابتساماتها قائلة :
_ما يبقاش قلبك خفيف كده يا دوك ...تعب عادي م الجري ...ما تقلقش...
ثم جلست على الرصيف المقابل بعفوية مردفة :
_نفسي تتخلص من إحساسك بالذنب ده ناحية الناس كلها .
فجلس جوارها محافظاً على مسافة مناسبة بينهما ليطرق برأسه مشبكاً أصابعه ...
كم يود الآن لو يخبرها أنه ليس مجرد شعور بالذنب ...
بل هو تعلُق روحه بروحها الذي يزداد يوماً بعد يوم ...
كم يود لو كان يملك جراءة التعبير ليخبرها ما الذي تعنيه له ضحكاتها ...كلماتها العفوية ...بل حتى حفيف خطواتها على الأرض ...
لكنه لا يزال مكبلاً بقيده القديم !!
الغريب أنها كانت جواره تستمع لكل كلمة جبن هو عن النطق بها !!
لم تكن يوماً خبيرة بالرجال لكنها كانت تستشعره بفطرتها ...
لهذا لم تشعر بالكثير من الإحباط بل تعمدت بدأ الحديث من جديد بقولها:
_انت فعلاً هتنزل مصر قريب ؟!
فتنهد بحرارة ليرفع بصره للطريق أمامه مجيباً بشرود :
_أكيد ...لو مش عشان أقف جنب إسلام فعشان أمي ...كل فترة تلح عليّ أنزل وأنا بتحجج بكلام فارغ ...بس الحقيقة نزول مصر بقى حمل تقيل قوي عليّ...
_عشان بتوحشك اسطنبول بذكرياتها ؟!
سألته غير غافلة عن مشاعر الغيرة الوليدة التي صارت تجتاحها من ماضيه ...
ليهز هو رأسه وهو يقول بنفس الشرود البائس:
_مش بس كده ...بس كمان بتصعب عليّ أمي وهي بتحاول تقنعني كل مرة بالجواز وأنا مش قادر أصارحها بالسبب الحقيقي اللي مانعني .
فأطلقت همهمة متفهمة ليلتفت هو نحوها متسائلاً باهتمام :
_لو عمو علاء و"أنّا" نزلوا معايا المرة الجاية ...انتِ هتنزلي معانا واللا هتفضلي لوحدك هنا ؟!
ارتجفت شفتاها بوهن زلزل قلبه خاصة وهو يخطف الشقاوة الطفولية من عينيها الجميلتين ليبذر مكانها الألم ...
_مش عارفة ...مابحبش أفكر في الحاجة كتير قبل ما تحصل ..
عبارتها المموهة لم تمنحه الرضا ليعاود قوله بإلحاح :
_ممكن تعذري فضولي وتقوليلي ...ليه انتِ ووالدتك بعاد عن بعض كده ؟!
عضت شفتها السفلى بقوة وكلماته تقذف بها في الجحيم القديم ...
لكنها نهضت واقفة وهي تكتف ساعديها قائلة ببساطة مصطنعة :
_هي شايفة إنها أدت رسالتها ناحيتي ...ربتني وعلمتني وجوزتني ...ودلوقت حقها تعيش لها يومين حلوين مع جوزها !
قالتها محاولة تخفيف الحقائق لكنه انتفض واقفاً بدوره هاتفاً بحمية :
_بس ده مش مبرر إنها تسيبك كده .
_انت مش شايفه مبرر ...هي شايفاه كده ...كل حاجة في الدنيا ممكن نشوفها بأكتر من طريقة حسب زاوية تفكيرنا.
قالتها بنفس البساطة المصطنعة وهي تتحرك خطوتين معاودة السير ليتحرك هو جوارها مستشعراً المزيد من الأسى نحوها ...
_أمي كانت دايماً تقول مش كل ست ينفع تبقى أم .
قالها بأسف حقيقي لترفع عينيها نحوه ...
وأخيراً يجد الجرأة ليعانق نظراتها بنظراته دون مزيد من الهروب ...
فقط عاطفته تقابل عاطفتها بحرارة أذابت روحيهما معاً ...
عناق دافئ لا تعترف به الأجساد...وحدها القلوب تميزه !!
_حاسس إنك هتبقى أم حنينة قوي .
لم يفكر فيها وهو يقولها كأنما ظنها مجرد أضغاث حديث مما يموج بها قلبه كعادته ...
لكنها مستها بصدقها لترد بشرود عبر ضحكة قصيرة :
_عمري ما فكرت في موضوع الأطفال ده ...حتى وأنا مع أحمد الله يرحمه ...كإني كنت حاسة إن ماليش نصيب فيه !
_ليه بتقولي كده ؟! لسه العمر كله قدامك .
يقولها بنفس النبرة الدافئة لتلتفت نحوه من جديد قائلة بعتاب رقيق:
_ممكن أسمع نصيحتك لو وعدتني انت كمان تنفذها ...
_الوضع مختلف يا غادة ...أنتِ حرة ...لكن أنا مربوط بذنبي !
قالها بقنوط وهو يطرق برأسه لكنها تحركت لتقترب منه خطوة قائلة بحرارة :
_ذنبك خلاص مابقاش مكتفك زي الأول ...يوم ورا يوم هتلاقيك بتكفر عنه بس بالطريقة الصح ...مش الغلط ...
فعاد يرفع عينيه نحوها من جديد بابتسامة شقت طريقها على شفتيه رويداً رويداً وحديث العيون بينهما يعاود تدفقه الصامت ...
قبل أن يغمغم هو بتحفظه المعهود :
_انتِ ...انتِ...مريحة !
ضحكتها المرحة تخترق قلبه قبل أذنيه وهي تعد له على أصابعها هاتفة بمرح :
_مرة تقوللي انتِ "كويسة" ومرة "مريحة" ...لا أنا كده هاتغر!
روحها الحلوة التي صارت معذبته تعاود بسط سلطانها عليه لتتسع ابتسامته على شفتيه وهو يسبل جفنيه بمزيج رجولته وخجله الآسر:
_تستاهلي أحسن من كده بس أنا... مابعرفش ...أعبر!
بوحُه المرتبك الذي تعتبره بعض النساء عيباً صادف المرأة الصحيحة هذه المرة !
هي التي كان يخفق قلبها الآن بجنون وهي تشعر بوجنتيها تكادان تحترقان من فرط خجلها ...
ومع هذا لم تكن ترغب في الابتعاد بل في المزيد من القرب من هذا الرجل الذي لا تدري كيف تزداد خطواته رسوخاً نحو قلبها بهذه السرعة !!
أفكارها تنقطع عندما رأت طفلة صغيرة تقترب منهما بابتسامة حلوة لتقدم لكل منهما زهرة ...
فتناولت خاصتها منها لتنحني وتمنحها قبلة ...
لكنها ما كادت ترفع رأسها نحوه حتى فوجئت به يمنحها هي زهرته وعيناه تصرخان بهذا الذي صمت عنه لسانه ...
لكنه وصل قلبها تاماً دون نقصان ...
هذا الذي تظلمه الحروف وتغبنه الكلمات حقه ...
هذا الذي يسمونه ..."الحب"!
=======
_هو كويس ...بس الحادثة عملت له فقدان مؤقت للذاكرة .
قالها الطبيب بالمشفى خارج غرفة هيثم أمام إسلام الذي وصل -لتوه- من المطار ليجد هذه الكارثة في انتظاره !!
انهارت جيلان في البكاء وهي تنعي مصائبها التي تتوالى واحدة تلو الأخرى ...
بينما تماسك إسلام ليسأل الطبيب بتوجس:
_والحالة هتفضل كده لحد امتى ؟!
فتنحنح الرجل ليقول بإشفاق :
_والدته حكت لي عن تفاصيل المشاكل اللي اتعرض لها مؤخراً ...المخ البشري معقد جداً ...ممكن يكون فقدانه للداكرة حيلة دفاعية من المخ عشان يحجب عنه ذكريات هو مش عايز يعيشها ...عموماً ما تقلقش ...أغلب الحالات بترجع لها الذاكرة تدريجياً بس عامل الوقت هو المختلف!
_ممكن نشوفه ؟!
هتف بها إسلام متسائلاً ليرد الطبيب بالإيجاب قبل أن يسمح لهما بالدخول لهيثم الذي رمقهما بنظرة خاوية كأنه لم يرهما من قبل ...
ولم يكد الطبيب يبتعد لبضع خطوات حتى فوجئ بهذه التي تقدمت منه لتسأله بين دموعها :
_هيبقى كويس؟!
_مش انتِ اللي جبتيه هنا بعد الحادثة ؟!
سألها الطبيب متذكراً هيئتها المثيرة للشفقة وهي تصل به فاقد الوعي إلى المشفى هنا ...
لترد بإيماءة خافتة وهي تتذكر كيف مرت بها الساعات السابقة ...
كيف اجتث قلبها من مكانه وهي ترى تلك السيارة تطيح بجسده قبل أن يسقط على الأرض غارقاً بدمائه ...
وكيف ماتت ألف مرة وهي تشعر بالذنب إذ كل ما يحدث له هذا بسببها هي !!
_اهدي يا بنتي ...وبطلي عياط ...انتِ تقربي له إيه ؟!
سألها الرجل مشفقاً أمام انهيارها الباكي لتهز رأسها بعجز دون أن تملك الجواب ...
فتنهد الرجل ليعيد على مسامعها ما قاله لإسلام وأمه ...
هذا الذي جعل ملامحها تتجمد فجأة قبل أن تغمغم بصوت خنقه بكاؤه :
_ماعادش فاكر حاجة ؟! خالص؟!
_مسألة مؤقتة ...بإذن الله يفتكر كل حاجة قريب .
قالها محاولاً تهوين الأمور عليها لكنه فوجئ بشبح ابتسامة طاف على ملامحها الشاحبة قبل أن ترمقه بنظرة زائغة لتغادر المكان بخطوات مرتبكة...
هو لم يعد يذكر شيئاً!!
لا اسمه ولا ماضيه...
والأهم ...
لا تاريخ والده ولا استغلالها هي له هو !!
هل هي منحة القدر لها؟!
هل يمكنها الآن الولوج لعالمه من جديد ببطاقة تعارف أخرى؟!
لكن ...ماذا لو تذكر بعدها الحقيقة ؟!
صرخة صامتة تنبعث بروحها ولا تتجاوز شفتيها ...
لكن نظرة عزم حلقت ببعض الأمل في عينيها وهي تقف أخيراً على سلم المشفى ...
غداً ستعود إليه لتجد فرصتها في الحديث معه وحده ...
ستغتنم الفرصة هذه وتعيش حلمها الوردي معه -ولو كذباً- للنهاية التي ستخطها أقدارهما ...
ربما وقتها فقط تتركه غير طامعة بالمزيد!
=======
مظاهرة جماهيرية !
هذا أبسط ما يمثله حادث نقل ثمر من بلدتها للتحقيق معها !!
أهل القرية الذين خرجوا خلفها رجالاً ونساء بل وبعض الأطفال يلاحقونها بسيارات كبيرة احتشدوا فيها حشداً ...
إجلالاً للعجوز التي عاشت عمرها وسطهم تزرع الحب والإيمان أينما حلت ...
التي كانت تغسل موتاهم دونما مقابل لتمنح نفسها قبلهم العبرة والعظة...
التي تقبلت قضاء ربها في مصاب ابنتها ووهبت عمرها لحفيدتيها بعدها ...
والتي -أخيراً- دافعت بحياتها عن ابنتهم الصغيرة رابحة التي -كاد- ذاك الوغد يهتك شرفها كما فعل ب"أشواق" قديماً !
لهذا لم يكن غريباً أن يحتشدوا بهذه الصورة خارج مبنى النيابة حيث يتم التحقيق في مشهد مهيب ...
ثمر ليست متهمة...
ثمر صارت رمزاً!!
هذا ما فكر به الضابط الذي يتولى التحقيق وهو يتابع مفردات القضية أمامه والتي لا يدري إلى أين ستنتهي ...
قبل أن يحيد ببصره نحو ثمر ليلقي عليها أسئلته وهو يشعر سراً بالإعجاب من رباطة جأشها رغم كبر سنها وما ينتظرها من في الأيام القادمة.
وخارج غرفة التحقيق وقفت لجين تبكي بانهيار على كتف ياقوت التي كانت تحاول الثبات لآخر لحظة ...
لو سقطت الآن فمن سيكون لثمر ولجين ؟!
لهذا اشتدت ملامحها وهي ترج لجين بين ذراعيها قائلة بصرامة :
_امسكي نفسك وما تخلليش ستّك تشوفك كده ...ما تزوديش حملها .
لكن لجين تهتف رغماً عنها بين شهقات بكائها:
_أنا السبب ...أنا اللي خفت منه ورضيت أدخلله البيت ...طول عمري مابيجيش ورايا غير المصايب ...
ثم انتفضت هاتفة بانهيار:
_أنا هاقوللهم إني أنا اللي خبيته عندنا وأنا اللي قتلته ...أنا هاستحمل السجن لكن ستي ثمر مش هتستحمل .
قالتها وهي تندفع نحو غرفة التحقيق لكن ياقوت جذبتها من ذراعها لتمسك كتفيها بقوة قائلة بنبرة ظاهرها القوة وباطنها الألم :
_ما ينفعش...أهل البلد كلهم شهدوا على ستي ثمر وهي بتعترف ...ورابحة كمان شهدت معاها ...خلاص !
_خلاص؟! يعني إيه خلاص؟! هيشنقوها؟! هتروح بلاش في واحد زي ده ؟!
هتفت بها لجين بارتياع لترتجف نظرات ياقوت التي تجاهد كي تبدو بهذا الثبات قبل أن تبتلع غصة حلقها لتقول بيقين لا تدري من حيث أتاها:
_ربنا مش هيضيعها ...هييسر لها الأمر من حيث لا تدري ولا تحتسب ...مش هي كانت دايماً تقول كده ؟!
_كانت ؟! ما تقوليش كانت دي ...ما تقوليهاش !!
هتفت بها لجين بالمزيد من الانهيار لتضمها ياقوت لصدرها بقوة فتمتزج دموعهما معاً !!
ومن بعيد وقف هو يراقبهما بشرود بعدما اجتاحته الحقيقة الأخيرة بمقتل أبيه بهذه الطريقة المخزية ...
نبضات قلبه تدوي هادرة في أذنيه وهذا الإحساس الغريب يكتسحه ...
مزيج من الضيق ...الإشفاق...الغضب...والذنب!!
ربما لو لم يهرب قديماً من مسئوليته تجاه الأمر ...
ربما لو كان قد واجه والده بعلمه بالحقيقة...
ربما لو كان قد تقرب منهما كما حاول هيثم...
لكانت الأمور الآن مختلفة !!
هيثم؟!!
صورته وهو طريح الفراش بعد الحادث لا تكاد تغادر مخيلته !!
شجارهما الأخير في آخر مكالمة بينهما لايزال يدوي في أذنيه ...
يتهمه بالجبن والتخاذل ...
أما آن الأوان أن يصلح الوضع ؟!!
يتقدم نحوهما فيرتجف قلبه أكثر وهو يضع نفسه مكانيهما بعدما علم الحقيقة كلها ...
جاءتا إلى هذه الدنيا بمجرد خطأ من أبيه دفعتا وحدهما ثمنه من البداية للنهاية...
أبيه الذي لم يكتفِ بأخطائه طوال حياته لينهيها بهذه الجريمة البشعة التي كاد يرتكبها ...
اغتصاب طفلة !!!
أي قلب أسود كان يحمله هذا الرجل الذي خدع الجميع طوال هذه السنوات ؟!!
لكن ...هل يملك الجرأة ليلومه ؟!!
ألم يعش هو بنفس الأنانية والفحش يبعثر عمره على طاولات اللذة دونما حساب لضمير ؟!!
والآن ينهار عالمه كله حوله وكأنما آن الأوان أن يسدد فواتير الماضي كاملة !!
تلتفت نحوه ياقوت بترقب وهي لا تعرف من هو ...
لكن نظرات عينيه تشتعل بحديث صاخب صمت عنه لسانه للحظات قبل أن تنفرج شفتاه بالاسم الذي لا يمثل له الآن أي شرف ...
لكنه مضطر للبوح به ...
_إسلام حسين رجائي.
تشهق لجين بانفعال وهي ترفع رأسها بدموعها من على كتف شقيقتها لتلتفت نحوه ...
إن كانت رؤيتها لأخيها الصغير أخافتها في أول مرة...
لكن رؤيتها لهذا "الأكبر" -وفي هذه الظروف بالذات- تكاد تقتلها رعباً!!
لماذا جاء الآن ؟!
يريد الانتقام لأبيه ؟!
نفس الخاطر الذي راود ياقوت وجعلها تشعر ك"أسد مكبّل"!!
ثمر لم تشعرهن يوماً بأي ضعف !!
رغم الفقر والظروف كانت كل واحدة منهن تمشي وسط الناس بفخر وعزة ...
والآن تتزلزل هذه الأرض تحتهن جميعاً لتدرك حقيقةً إلى أي مدى هن مستضعفات !!
ربما كان هذا المبرر للهجتها الخشنة بينما تخاطب من يدعونه أخاها :
_عايز إيه ؟!
لكن إسلام ابتسم ابتسامته الساخرة وهو يعيد خصلات شعره للوراء بحركة ظاهرها عبث وباطنها خواء !!
ماذا يريد ؟!!
سؤال صعب ...والجواب أصعب!!
عيناه تنتقلان بين الشقيقتين بدهشة ممزوجة بالألم !!
إحداهما سمراء البشرة تشبه أباه كثيراً لولا هذا الطيف البريئ الطفولي في عينيها اللتين حفرتا شعوراً عميقاً بقلبه بالحميّة نحوها ...
ربما لأنها الأضعف بينهما !!
والأخرى بيضاء البشرة مبهرة الجمال لا يعرف من تشبه ...لكن ملامحها المتنمرة القوية تثير بداخله نفس الحمية ...
ربما لأنه يدرك حجم هذا الألم الذي تحتاج أن تطحَن تحت عجلاته كي -تبدو- بكل هذه القوة بينما هي حقاً بكل هذا الوهن !!
لهذا تأخر جوابه قليلاً ما جعل ياقوت تهتف بذات التنمر :
_قبل ما تتعصب وتتحمق لأبوك اللي اتقتل اعرف الأول اتقتل ليه وفين وإزاي ...هو اللي جه لحد عندنا ولو كان الأمر بإيدي وقتها كنت بعدته عن حياتنا زي ما عشنا طول عمرنا بعيد عنه وعن كل اللي يخصه .
_بس خلاص ...ماعادش ينفع تبقوا بعيد .
اللهجة الساخرة المريرة التي تميز طريقة حديثه جعلت عبارته تحمل معنى مزدوجاً للشقيقتين اللتين تبادلتا نظرات حائرة ...
قبل أن يقترب هو منهما أكثر ليبسط كفه الأيمن على كتف لجين والأيسر على كتف ياقوت مع استطراده :
_لو هو فرط في دمه ولحمه وهو عايش فأنا مش هافرط فيه بعد ما مات .
كلماته غير المتوقعة جاءت كنسمة باردة وسط هذا الجحيم الذي فتح على مصراعيه في وجهيهما فجأة ...
لهذا لم تملك لجين شهقات بكائها وهي تلقي رأسها على كتف ياقوت من جديد ولايزال كفه يحط بقوة مؤازرة على كتفها ...
بينما أغمضت ياقوت عينيها بقوة وشفتاها ترتجفان فاضحتين رغبتها التي لم تستجب لها في البكاء...
لا وقت للضعف الآن ...
لامجال للهشاشة ...
يوماً ما ستتذكر هذه اللحظة جيداً وتبكي حلاوة شجنها ...
لكن ليس الآن ...
ليس وعالمها مهدد بفقد شمسه ...ثمر !!
لهذا دفنت فيض مشاعرها كله لتتجمد ملامحها وهي تقول بنبرة حاسمة :
_اللي عايز يكرمنا دلوقت يكرمنا في الست اللي جوه دي ...الست دي هي كل اللي باقي لنا في الدنيا ...معرفش ممكن تعمل إيه ...بس مش هاعترف بيك ولا بأخوك لو ستي ثمر اتأذت من ورا حسين ده تاني .
اتسعت عينا لجين بصدمة وهي ترفع وجهها لشقيقتها !
لا تصدق أن يكون هذا رد فعلها على تصرفه !!
ترفض هذا الغيث وهما اللتان عاشتا هذا العمر ترتجيان ولو قطرة !!
لكن إسلام أشاح بوجهه ليقول بأسى هزم اللكنة الساخرة :
_أخويا خلاص مش هيقدر يعمل أي حاجة دلوقت .
تبادلت ياقوت ولجين النظرات القلقة قبل أن تسأله الأخيرة عبر دموعها :
_ماله ؟!
لتتسع عيناهما بارتياع وهو يخبرهما عن الحادث الأخير ...
دموع لجين تعاود تدفقها وهي تشعر أنه حتى الفرحة الوحيدة التي حملتها لها الأيام السابقة قد اقتنصتها الغربان لتحلق بها بعيداً ...
بينما لا تزال ياقوت تحافظ على ثباتها الظاهري وهي تسأله بمهنية عن الوضع الطبي ليجيبها بما يعلمه منهياً الحديث بقوله :
_هو مش فاكر أي حاجة واحنا أكيد هانخبي عليه اللي حصل دلوقت ...رغم زعلي عليه بس باقول يمكن رحمة من ربنا إنه فعلاً ينسى كل ده .
هنا التقت عينا ياقوت وإسلام بمزيج غريب من مشاعر ...
أوله شتات وآخره دفء!!
دفء غريب سرى بينهما لتشعر به يشد بكفيه على كتفيهما معاً في حركة موحية قبل أن يقطع المشهد فتح باب الغرفة لتخرج منه ثمر ...
الشقيقتان تندفعان نحوها ليضمهما صدرها في عناق قبل أن تبعدهما الأيادي عنها ...
دموعهما تنهمر وهما تشاهدانها تبتعد مع الحارسين ووصيتها تسبقها :
_خللوا بالكو من بعض ...أمر الله نفد وأنا راضية بيه .
يتبعهما إسلام وقلبه يرتج بهذا المشهد المهيب الذي رآه بعدها ...
الحشد الذي تجمع حول سيارة الترحيلات التي تقود ثمر إلى السجن ...
والذي ذابت وسطه شقيقتاه تماماً !!
الدموع الحارة من عشرات النساء وهتافات الرجال الذين يحاول الأمن تفريقهم ...
و-أخيراً- هذه النظرة العميقة الراضية من تلك العجوز التي يبتعد وجهها مع تحرك السيارة ...
هذا المشهد الذي جعله يدرك في بضع ثوانٌ قيمة حياة المرء الحقيقية !
لقد مات حسين رجائي بكل جاهه وعزه فلم تلاحقه سوى الفضيحة ولعنات أبنائه ...
بينما هذه المرأة على بساطة حالها تكاد ترتج الأرض كلها لمصيبتها !
فأي حياة عاشها ذاك وهذه كي تنتهي بهما المصائر هكذا ؟!
يشعر بكف يوضع على كتفه فيلتفت ليجده...
ناصر!!
صديق قديم بوجه حمل الحزم القاسي كعهده وإن كان هذه المرة ممتزجاً بالكثير من الخزي !
الخزي الذي قابله هو بابتسامته الساخرة كالعادة وهو يزيح كفه عنه كتفه ببعض العنف ...
قبل أن يعطيه ظهره ليقول من خلف كتفيه بذات التهكم المرير:
_اعذرني إني مش طايق أشوف وشك دلوقت ...اديني يومين تلاته كده قبل ما تفكر تكلمني ...
_إسلام ...قدر موقفي ...أنا ...
هتف بها ناصر مدافعاً بانفعال ليقاطعه إسلام بقوله دون أن ينظر إليه :
_كلام الأفلام وشغل الواجب والضمير و"البُقّين" إياهم دول مالهمش لزوم دلوقت ...اعتبرني سمعتهم ونفض الليلة !
زفر ناصر زفرة ساخطة وإن كان يتوقع رد الفعل هذا منه ...
إسلام وإن تفهم موقفه لكن شعوره بالخزي والغضب سيبقى قائماً بينهما !!
لهذا تحرك ليقف قبالته قائلاً بصوته القوي الذي حمل أسفه :
_أنا مقدر موقفك بس انت كمان قدر موقفي ...الموضوع كله كان أكبر مننا احنا الاتنين .
قالها غير قادر على منع شعوره بالخزي أمام صديقه !
والده هذا الذي كان هو وراء القبض عليه طالما أكل هو في بيته !
صداقته لإسلام ربما لم تكن قوية لكنها لم تكن عابرة ...
فقد تشاركا الكثير من الذكريات عبر سنوات لم تكن بالقليلة ...
صداقتهما لم تكن واهنة سهلة التجاوز كأشرف ...
بل كانت ولا تزال تحمل أثرها في القلب .
لكن إسلام لم يكن في وضع يسمح له بالتفهم أو حتى المناقشة ...
لهذا رمقه بنظرة منهَكة طويلة قبل أن ينهي الحديث بقوله :
_لو عايز تخدم صاحبك اخدمه في الست الغلبانة دي....اللي راح راح وبهدلتها هي مش هتفيدنا بحاجة .
فارتفع حاجبا ناصر بدهشة وهو يتابع انصرافه عقب انتهائه من عبارته ...
لقد توقع أن يكون رد فعله مغايراً تماماً لهذا ...
لكن يبدو أن الحقيقة كانت أقوى من الصدمة ...
منكوبة حقاً هذه العائلة !!
القشرة الزائفة تلاشت ليتحول عز السنوات السابقة لخزي منتظر ...
لكن من يدري لعلها بداية لميلاد جديد لكل منهم!
"اختلاف" إسلام الآن خير دليل ...لكن السؤال هنا...
هل يمكن أن تعود صداقتهما حقاً ؟!
=======
يزورون القبور ليطلبوا الرحمة لساكنيها ...
فمالها اليوم جاءت لتلعنه ؟!
يرتدون السواد حداداً لكنها ترتديه اليوم يأساً...
حتى نظارتها التي ترتديها اعتزازاً بدلالتها اليوم خلعتها حزناٌ ..لا عليه بل على "ثمر"!!
مشهدها ووجهها يختفي تدريجياً في تلك السيارة عبر نافذة من القضبان لا يكاد يغادر مخيلتها ...
وصيتها لها ولشقيقتها بدت وكأنها وصية وداع !
ثمر وحدها من تستحق مكانة الأم والأب معاً في حياتها التي لم تعرف غيرها!!
ثمر التي قتلها -هو- بفعلته قديماً فلم يعاقبه أحد ...
واليوم يريدون لها عقاباً لأنها فقط اقتصت منه !!
لأنها منعته أن يقدم للعالم "أشواق" أخرى!!
أي ظلمٍ هذا ؟!
أي ظلم !!
تراقب اسمه المنقوش ب"أناقة" على اللوح الخرساني أمامها فتترنح ابتسامة ساخرة على شفتيها بطعم المرّ...
ماذا جنت من هذا الاسم إلا العار؟!!
عاشت عمرها كله تحاول دفنه تحت أنقاض بنت فوقها قصر مجدها ...
ولم تحسب أنه يوم ينهض كالعنقاء من تحت رماده سيهدم معه كل شيئ!!
مجرد اسم "ألصقوه" بها ظانين أنه يعصمها العار فكان هو "كل العار"!!
لماذا جاءت اليوم هنا؟!
لا تدري!!
هي وجدت قدميها مدفوعتين كي تشاهد نهاية الحكاية التي عاشت تفاصيلها بحجم عمرها كله ...
الآن ...حسين و"الخادمة" صارا سواء تحت التراب!!
فلا مقام ولا نسب !!
تشعر برائحة عطره تفوح خلفها لكنها لا تلتفت ...
هل تجرؤ على الاعتراف أنها وسط كل هذا كانت تنتظره ؟!!
اتصالاته لم تنقطع منذ تلك الليلة لكنها لم تكن تجيب ...
لم تكن تريد اقترابه الذي يشعرها بالخزي أكثر !
في كل مرة تشعر فيه أن "ياقوت سليمان" قد اقتربت من لمس نجوم مجدها ...
تكتشف أن قدميها مربوطتان بحجر يشدهما للقاع ...
حجر يذكّرها أنها "ياقوت حسين رجائي"!
فبأي وجه تلقاه وهي ترى فيه أطياف صورة "حسين" المتجبرة...
وفي نفسها -مهما أنكرت- مجرد صورة ل "أشواق" منتهَكة دونما ذنب جنته إلا ضعفها !!
الفضيحة الأخيرة تركت وصمة أخرى على الجبين الناصع ...
هي لم تعد فقط ابنة الخادمة التي أغواها سيدها ...
بل ابنة المجرم تاجر المخدرات المغتصب الذي قتلته جدتها متلبساً بجريمته !!
حكاية طريفة ستبقى مضغة في الأفواه لوقت طويل !!
بينما وقف زين مكانه يراقب جلستها بعينين مزجتا اشتياقه بالأسف!!
تهدل كتفيها ...إطراق رأسها ...سواد ثيابها ...
ورغم أنه كان لا يرى عينيها من مكانه لكن ارتجاف جسدها وشى له بانهيار بكائها !!
هذه الجلسة التي ذكرته بياسمين في ذات الموضع ...
وقتها لم يستطع إلا أن يمد لها كفاً رفضته ...واستنكف بكبريائه أن يعاود مدّه ...
لكن ...الآن شعوره مختلف !!
ياقوت ليست مجرد صورة ل"قوة امرأة أبهرته" كياسمين ...
بل هي "روح" و"ريح"!
"روحٌ"طوقته هالتها التي تسربت لمسامّه كما السحر ...و"ريحٌ" اجتاحته لتهوي به من علياء جواده فيسقط على ظهره في واديها!!
هو عشق "القوة" في كل امرأة أعجبته قبلاً ...
لكن معها -هي- هو مغرمٌ بكل التفاصيل!!
أي امرأة هذه التي يحمل ضعفها كل هذه الهيبة ؟!!
لهذا لم يشعر بنفسه وهو يتقدم منها أكثر ليقبض -بحنوّ- على كتفيها قبل أن يرفعها نحوه وكأنما تخبرها عيناه بلا كلمات أن هذه الجلسة لا تليق بها !
من مثلها لا يجثو على ركبتيه أمام المصائب بل يتلقاها واقفاً!
تغمض عينيها بقوة ليتسرب منهما الدمع الفاضح فلا تدري هل يرتجف جسدها ببكائها أم بأثر قربه ...
لا تدري كم مرة رآها باكية ...لكن ما تثق به أنه هو الرجل الوحيد الذي هتك ستر دموعها ليستبيح رؤيتها هكذا دون أن تملك مقاومة ...
مزيجٌ غريب من "الحميمية" و"الكراهية" له الآن ما يبرره !!
أنامله تنتقل من كتفيها لوجهها تمسح الدمع عنه فتفتح عينيها ببطء ...
نظراتها واهنة...كسيرة ... ذبيحة ...
وكأنما الشعلة التي خطفت "قبساً من الشمس" فيهما قد انطفأت!
نظراته دافئة...محتوية...مؤازرة...
وكأنما يعدها أن لو طلبت "الشمس" نفسها فسيضعها بين كفيها!
جسدها مرتجف ...شبه متهاوٍ ...كأنما صار السقوط هو القُربان المنتظر على مذبح البقاء !
وجسده ثابت راسخ في مكانه كأنما يمنحها من قوته هو ألف فداء!!
كلماتها تائهة...مفقودة ...
لتأتيها كلماته نبوءة...بشرى ...ودليلاً ...
_كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن ...بكرة هيخللي كل اللي خسرتيه يبقى مكسب .
ابتسامتها المتشنجة بين سخرية ومرارة كانت الجواب لكنه نظر حوله ليسألها :
_لسه عايزة تفضلي هنا ؟!
ظلت ملامحها جامدة للحظات كأنما لا تعرف الجواب قبل أن تهز رأسها ببطء فيما لم تدرِ هل هو جواب بالنفي أم الإيجاب ...
فأزاح كفيه عن كتفيها ليستخرج من حافظته ما رفعه أمام عينيها للحظات اتسعت فيها عيناها بمزيج من صدمة وترقب ...
قبل أن ينحني بجذعه ليدفن ما بيديه في التراب جوار قبر أبيها تماماً!!
أجل ...إنها ورقة "العشر جنيهات" القديمة !!
لماذا يدفنها ؟!
إنها جزء من تاريخها ومستقبلها ...
إنها تحتاجها !!
تحتاج أن تبقى حرقة ذكراها جمرة في روحها تذّكرها دوماً كي لا تنسى!!
كي لا تضعف!!
لهذا انحنت بدورها تضع كفها فوق كفيه تمنعه وقد ماتت الكلمات على شفتيها الذابلتين لكنه التفت نحوها ليقول بحسم :
_انسيها بقا...وانسيه !
شيئ من التمرد يغزو العينين الكسيرتين لكنهما تعودان بألم عاجز لسجنهما القديم فيعود ليستقيم بجذعه نافضاً كفيه قبل أن يقول بنبرته الحاسمة :
_كده ممكن نمشي.
ترمقه بنظرة مشتتة ولاتزال منحنية بجسدها بينما مشهد ثمر وسط رجال الشرطة تصعد سيارة الترحيلات يعاود بسط سلطانه القاسي على قلبها ...
ماذا ستفعل امرأة بسنها ومرضها بين السجينات ؟!
لو تحملت يوماً ...أسبوعاً...شهراً...
كيف ستحتمل ما هو أكثر؟!
هذا لو اقتصرت العقوبة على السجن !!
قشعريرة باردة تسري على طول جسدها فينقبض لها قلبها وهي تتصور الأسوأ!!
تترنح مكانها وهي تحاول الاستقامة من انحنائها لكنه يسند كتفيها بذراعه ليخرج بها من المكان وقد غامت عيناها بالدموع من جديد ...
تشعر بسيارته تتحرك بهما فتراقب المرئيات بشرود عبر شريط من ذكريات الماضي وهواجس الغد ...
جسدها يرتجف من جديد ببرد تشعر به يأتي من الداخل لا من الخارج ...
صقيع يجمد حناياها كلها وتجعلها بأكملها عاجزة عن الحركة ...بل عن التفكير ...
_ياقوت!
تسمعه يناديها يحاول استخراجها من هذا البئر العميق الذي دفنت فيه روحها ...
لكنها لا تقوى على الالتفات نحوه ...
لاتزال تراقب الطريق بشرود عبر غمامة الدموع ...
تشعر بأصابعه الدافئة تحتضن برد أناملها فترتجف جفونها بين فتح وإغلاق...
_هتروحي فين دلوقت ؟!
_معرفش!
كلمة واحدة من بضعة أحرف لكنها وصفت له كم الشتات الرهيب الذي يتقاذفها الآن !!
خاصة عندما طال صمتها للحظات سبقت قولها بنبرة ميتة فقدت كل أثر للحياة :
_المركز؟! مش هاينفع... حتى لو اتجرأت أروح ...هيسألوا ألف سؤال مش هلاقي له رد ...البلد ؟! ....برضه مش هاينفع ...هادخل البيت إزاي ...وهي...هي مش فيه ؟!
انهارت بدموعها في عبارتها الأخيرة لتدفن وجهها بين كفيها وكأنها تريد عزلة عن هذا العالم ...
وعنه !!
هنا أوقف هو السيارة فجأة جانباً لتشعر هي به يقترب ...
"العناق السابع" بمذاق "السند" هذه المرة !!
الدعم...الاحتواء ...
القوة الحانية عندما تعدك بالبطش بكل من وما يهددك !!
هذا الذي فاض بين كلماته وهو يربت على ظهرها هامساً بنبرته المهيمنة التي امتزجت بحنان تسرب عبر شقوق روحها :
_اعتبريها مسألة وقت والحاجة هترجع بيتها ...أنا هاجيبلها أكبر محامي في البلد ...الحكم هيبقى من أول جلسة ...دي حالة دفاع عن الشرف واضحة ...ولو حاملة هم السجن لحد معاد الجلسة برضه ما تقلقيش...أنا ليّ معارف هناك ...أكلها ودواها هيوصلوا لها كأنها في بيتها ...ومحدش هناك هيضايقها ولو بكلمة....
ثم ألصق وجنته بوجنتها ليختفي وجهها كله في رحابه مردفاً :
_وده وعد مني .
لكنها ترفع عينيها إليه بطيف شاحب كسير لم يرضه هو من عينين بهذه العزة ...
فرفع كفها لشفتيه ببطء قبل أن تستقر فوقه شفتاه ب"قبلة"!
قبلة زلزلتها بقدر ما أرجفت جسدها وقلبها قبله !!
لم يقبّل "ظاهر" كفها بهذه الحركة "الأرستقراطية" الباردة التي طالما كانت تثير نفورها ...
بل مست شفتيه "باطنه" بمزيج من حنوّ وقوة فيما لم يبدُ لها كمجرد كقبلة ...
بل ك"عطاء غيث" يبدأ كقطرة ويعدك بالمزيد !!
لكن كبريائها لايزال يقف له بالمرصاد ...
لهذا ارتسم الغضب على ملامحها وهي تحاول سحب كفها منه هاتفة بنبرة عاد إليها عنفوانها :
_ما اتعودتش آخد حاجة من غير ما أدفع تمنها .
لكنه يتشبث بكفها بقوة بقدر ما آلمتها ...أراحتها !!
ولا يزال المزيج المتناقض الذي تغوص فيه مشاعرها يمزقها !!
خاصة عندما توهج سراجا الذهب في عينيه مع رده :
_التمن دفعتيه من زمان ومقدم كمان...انتِ نسيتِ اللي عملتيه مع همسة ؟!
همسة ؟!
لا يزال يصر أن هذا ما يجمعهما ...فحسب!!
يظنها حمقاء لا تعي إلى أين تصب أفعاله ؟!!
"ابن الأكابر" تعلق بها !
يظنها رهانه الجديد الذي صار الآن أكثر هشاشة وضعفاً مما يغريه بالفوز به !
أفكار عقلها تناحرها بطغيان آسر لكن طيفاً من القلب يقتحم الصورة على استحياء ...
يستحلفها أن تثق بحدسه القديم ...
أن تخفض راية الحرب هذه ولو لساعة واحدة ...
ساعة واحدة تعيش فيها هدنة وسط هذا الدمار الذي تحياه !!
ساعة واحدة تطفئ فيها كل أضواء الإنذار هذه ...تصم فيها عن كل هذا الضجيج ...
فلا ترى ولا تسمع إلا صوت روحها ...وروحه !!
_كنتِ عند قبره ليه ؟!
سؤاله المفاجئ ينتشلها من صراعها لتبتسم بسخرية وسط دموعها الشاردة :
_هتصدقني لو قلتلك زعلت عليه بس مش بالمعنى الدارج؟!
أنامله تعاود التربيت على ظهرها برفق ولا يزال يضمها بين ذراعيه دون أن يقاطعها بكلماته بينما هي تردف بنفس الشرود المرير :
_عارف لما تعيش حياتك كلها عشان هدف عايز توصلله وفجأة يروح ؟! خلاص ...ما عادش فيه حسين رجائي عايزة أثبت له أني نجحت من غيره ...ماعادش فيه حد عايزة أكافح عشان أحط راسي براسه ...مات قبل ما أشوف في عينيه النظرة اللي اتمنيتها العمر ده كله ...النظرة اللي تقوللي إنه ندمان إنه فرط فينا زمان ...
ثم أغمضت عينيها بقوة لتردف بين دموع عادت تدفقها :
_كان نفسي يديني فرصة أسامحه ...عارف ؟! كنت ساعات أسرح مع نفسي أتخيله واقع في أزمة والدنيا كلها اتخلت عنه ...وأنا وأختي نقف جنبه ...نحسسه باللي خسره فيندم ويردنا لحضنه ...بس كنت أرجع وأقول لنفسي الحنية ما بتتشراش...واللي فرقته سنين مش هتلمّه ساعة ...ماتصدقش إن فيه بنت ما بتحبش أبوها ...ما بتتمناش حضنه...أنا في عز ما كنت بكرهه كنت بحبه...في عز ما كنت ببعد عنه كنت بستناه ...ودلوقت أهه راح وياريته راح لوحده ده خد ستّي في الرجلين ...
تردد قليلاً ثم ضم رأسها لكتفه الذي انفطرت عليه شهقات بكائها بعدها :
_أنا مستعدة أخسر أي حاجة في حياتي إلا ستي ثمر ...والله العظيم...والله العظيم كنت هاقول إني أنا اللي قتلته عشان أفديها بنفسي بس هي اللي اتسرعت وشهدت البلد كلها ...حبيبتي كانت طول السنين دي عايشة وشايلة عارها على إيدها وما صدقت ترميه وتاخد بتارها !
لكنه يضمها لصدره أكثر وهو يهمس لها بما يوقن أنها تحتاج سماعه :
_مش قلتلك بكرة تعرفي إن كل اللي خسرتيه مكسب ...جدتك هتخرج من الموضوع ده كله رافعة راسها ...والناس هتتأكد إنكم مالكوش أي دخل بماضيه...صفحة وهتتقفل يا ياقوت ...هتتقفل وتنسيها بكل مرّها ووجعها ...صدقيني لو عايزة تنسي هتنسي .
استسلمت لبكائها للحظات على كتفه قبل أن يرفع وجهها نحوه قائلاً بنبرته التي تمزج الود بالهيمنة :
_جدتك هاخلليكي تزوريها في أقرب وقت وتطمني عليها بنفسك ...وأنا مش هيعدي يوم لحد معاد الجلسة إلا وأنا باعتلها اللي يطمننا عليها هناك.
ترددت قليلاً ونفسها تسول له شكراً لكنها لم تستطع !
لا تزال خبايا الصدور عالقة بينهما !!
لهذا نأت بجسدها عنه مكتفية بإشاحتها لوجهها عنه وكأن العناق -الذائب بحميمية البوح بينهما منذ قليل- لم يكن !!
فتنهد هو بحرارة قبل أن يعاود تشغيل السيارة بقوله :
_مادام مش عارفة تروحي فين ...خلليني أنا أقرر .
_لا.
تقولها بنبرة عاد إليها بعض العنفوان لتردف دون أن تنظر إليه :
_الشغل هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخرجني م اللي أنا فيه...والحالة الوحيدة اللي ممكن أتعامل معاها دلوقت بره المركز هي همسة .
فارتفع حاجباه بدهشة للحظة قبل أن تلين شفتاه بابتسامة إعجاب!!
هذا هو "شكرها غير المنطوق" له !!
امرأة مثلها لن تفرغ كلمات الثناء على مسامعه لهذا سترد له صنيعه بطريقتها !!!
لكن من يخبرها أنه لا يفعلها كمعروف ينتظر رده ...
بل كمجرد خطوة لإرضائها ...
لاعتذار لايزال هو الآخر عاجزاً عن البوح به !!
أجل إن كانت هي تشكر -بطريقتها- فهو الآخر يعتذر -بطريقته -!!
لهذا اتسعت ابتسامته أخيراً وهو يعاود تشغيل السيارة في طريقه لبيت رائد الذي لا يدري هل من الرشد أن يواجهه الآن ...
أم لا يزال سيكتفي بالمراقبة من بعيد ؟!!
=======
_ماما!
يهتف بها رائد بصدمة وهو يفاجأ بها عند بوابة البيت يمنعها حارس الأمن من الدخول لتجيبه هي بعصبيتها الهستيرية :
_كويس قوي إنك فاكر إن لسه عندك أم ...كنت هتفضل مخبي عليا لحد امتى إنك هنا مع البنت دي ؟!
شحب وجه رائد وهو يشعر بالخوف ...
لو وصلت إليه أمه فسيعرف زين حتماٌ ولن يضمن رد فعله !!
_عرفتي المكان إزاي؟!
يسألها بقلق وهو يتابع خطواتها المندفعة للداخل لتجيبه بنفس النبرة العصبية :
_صاحبك قاللي بعد ما لقى ضغطي علي وكنت هاروح فيها ...
ثم تلفتت حولها تراقب المكان بحسرة غاضبة مردفة :
_كل ده عامله عشانها ؟! هي مجنونة وانت أجن منها !!
صراخها العصبي يزيد انفعاله فيهتف بها مشيراً لداخل البيت :
_تعالي ندخل نتكلم جوه يا ماما ...همسة ممكن تسمعنا !
لكنها تعاود صراخها العصبي ورؤيتها لكوخ همسة القريب تزيد غضبتها :
_انت فعلاً اتجننت !! تودي نفسك في داهية عشان بنت زي دي ؟! مش عارف زين ممكن يعمل فيك إيه ؟!
_مش هيقدر يعمل حاجة ...مش هاسيب همسة مهما حصل .
يقولها بحزم قلق وهو يجذبها برفق كي يدخلها للبيت لكنها تنفض ذراعيه عنها هاتفة :
_مش بقوللك عقلك راح خلاص...سايب شغلك وحالك وقاعد هنا جنب واحدة مجنونة ...طب هي حياتها وقفت ...لكن انت توقف حياتك ليه ؟!
_همسة مش مجنونة ...أنا السبب في اللي حصللها ...وأقل حاجة أعملها إني أصلح غلطي!
يهتف بها مدافعاً لتصرخ هي به بينما تكزه بسبابتها في صدغه :
_تقوم تخطفها وتقعدها عنها غصب ؟! بصفتك إيه ؟!
_مراتي...مراتي يا ماما !!
صرخ بها هو الآخر بانفعال لتتجمد ملامح المرأة بصدمة قبل أن تتراجع خطوتين للخلف مكررة بذهول :
_مراتك ؟! مش ممكن ...
ثم هزت رأسها لتهتف باستنكار:
_مأذون مين ده اللي رضي يجوزك واحدة مجنونة ؟! العقد ده باطل !
لكنه زفر بسخط ليقترب منها مصارحاً ببقية الحقيقة :
_همسة مراتي من يوم ما هربنا سوا زمان ...بس أنا ماقدرتش أقول من وقتها .
شهقتها الملتاعة تسابق كفها الذي تحسس رأسها لتهتف وقد بدت على وشك فقدان الوعي:
_يادي المصيبة ...يادي المصيبة !!
_اهدي يا ماما عشان ضغطك ما يعلاش ...أرجوكِ ادخلي معايا جوه .
هتف بها بقلق راجٍ وهو ممزق بين خوفه الحقيقي على أمه التي يدرك أين يمكن أن يوصلها انفعال كهذا وبين همسة التي يخشى أن تكون قد وعت شيئاً من هذا ...
خاصة عندما ظهرت له الخادمة تفتح باب الكوخ لتشير لفمها محذرة بهلع...
فازدرد ريقه بتوتر ليسحب أمه برفق نحو البيت محاولاً تهدئتها ...
وفي مكانها كانت همسة تجلس معصوبة العينين أمام النافذة والصراخ الغاضب يصلها من الخارج بصوت لم تسمعه منذ زمن بعيد ...
قلبها يخفق بجنون وهي لا تكاد تعي من الصراخ إلا كلمات بعينها ...
مجنونة...
مراتي ...
هربنا سوا...
مجنونة ...مجنونة....مجنونة !!
الكلمة الأخيرة تتكرر بدوي منتظم في جنبات عقلها فترفع ركبتيها لصدرها على كرسيها تحتضنهما بذراعيها لتسند عليهما وجهها مع أنّات خافتة موجعة جعلت خادمتها تهرع نحوها تحاول تهدئتها ...
لكن "نداهة" عالمها القاهرة عاودت سحبها لذاك الجانب المظلم الذي لم تفق منه سوى عندما شمت رائحة عطره ...
عطره الذي اكتسح حجبها السوداء لتنتفض مكانها فجأة وهي تهرع نحوه ...
لا تراه بعينيها لكن قلبها يميز إيقاع حضوره ...
ذراعاها يتعلقان بعنقه بأقصى قوتها فيضمها نحوه وهو يكاد يبكي عجزاً!!!
هو -بالكاد - تمكن من تهدئة أمه الغاضبة التي رجاها البقاء بداخل البيت ليتمكن من الخروج إليها هي ليجدها في هذه الحال !!
صوت أنينها الموجع يكاد يشق أذنيه وهي تمرغ وجهها في عنقه كأنما تشكو إليه بصمت فينعقد لسانه في حلقه وهو يخشى الكلام!!
يخشى ألا تتقبل صوته من جديد بعدما سمعته !!
لهذا اكتفى باحتضانه الصامت لها مع تربيت شفتيه المتبتل على وجنتيها بينما همسها المتضرع يذبحه ...
_رائد...خايفة...
كلمتان فقط لكنهما زلزلتا قلبه بمعناهما وهما تبددان خوفه من انتكاستها لتنساب كلماته في أذنيها بينما ذراعاه يتحركان على طول ظهرها كأنه يود لو يلتصق بها في كيان واحد فلا يفرقهما شيئ:
_ما تخافيش يا حبيبتي ...أنا معاكِ...خلاص مفيش حاجة في الدنيا ممكن تبعدنا تاني .
دموعها الحارة تلهب بشرته فيبعد وجهها قليلاً ليمسحها بأنامل مرتجفة هامساً بصوت جاهد ليكون هادئاً:
_بتعيطي ليه ؟! مفيش حاجة حصلت ...لسه انتِ في بيتك...معايا...لسه عندنا كل الحاجات الحلوة اللي بتحبيها ...اللي عملتها مخصوص عشانك انتِ بس...
ثم أخذ نفساً عميقاً يتمالك به انفعاله ليردف وشفتاه تدللان شفتيها :
_تحبي تنزلي البيسين زي ما وعدتك امبارح ؟!
يشعر بجسدها يستكين نوعاً فيتنهد ببعض الارتياح وهو يربت على وجنتيها هامساً :
_هننزل سوا عشان ما تخافيش ...بس توعديني تبطلي عياط ...اتفقنا؟!
إيماءتها الخافتة تمنحه جواباً مرضياً فيبتعد بجسده عنها لكن ذراعيها يتشنجان حول عنقه أكثر فيعاود ضمها إليه هامساً :
_بس الجو النهارده برد عليكي ...ممكن بلاش "مايوه "ونبل رجلينا بس ؟!
زمة شفتيها الغاضبة بطفولية ترد إليه بعض السكينة فيضحك ضحكة قصيرة أفرغ فيها توتره لينحني فيحملها فجأة !!
ضحكاتها التي عادت لصفائها وكأنما تبدلت مشاعرها في لحظات تسكره بصوتها العذب وهو يتحرك بها ليتوجه نحو المسبح القريب الذي استقر بها جالساً على طرفه قبل أن يمدد ساقيها أمامه لتلامس الماء ...
تعاود الضحك بطفولية وجسدها يقشعر من البرودة المفاجئة لتتعلق بذراعيها في عنقه أكثر ...
فيضحك بدوره وهو يشدد ضغط ذراعيه على خصرها هامساً في أذنيها بحنان :
_بكرة الجو هيبقى أحسن ...هاعوم بيكِ زي ما اتفقنا .
تبتسم ابتسامة نقية وهي تحاول مد ساقها في الماء أكثر دون أن تتفلت من ذراعيه فيبتسم بدوره وهو يشعر أنها تستعيد روحها الشقية المغامرة من جديد ...
يتأوه بخفوت وهو يضمها نحوه أكثر ليسند رأسها على صدره محاولاً التغلب على قلقه ليسألها بحذر:
_اوصفيلي المنظر حواليكي يا همسة...شايفة إيه ؟!
يسألها ولا أمل لديه في الجواب مع ما يعرفه عن ندرة كلامها ...
لكنه كان يريد بحق في هذه اللحظة أن يعرف كيف تشعر ...
كيف ترى ما حولها حتى وهي معصوبة العينين ...
لهذا ارتجف جسده بقوة مع جوابها ...
_جنة !
آهة عميقة تنبعث من صدره وهو يعتصرها بين ضلوعه بينما يحني رأسه على رأسها ...
آهة هي مزيج من تعب وراحة...
من خوف وأمان ...
من ذنب عاش عمراً يتلظى بجحيمه والآن يبدو له صك الغفران قريباً ...
قريباً جداً ...بقربها هي!!!
_فعلاً جنة يا حبيبتي ...جنة بتبدأ وتنتهي عندك انت وبس...جنة بتبنيها ضحكتك ...لمستك...كلامك اللي بتقوليه واللي حتى مابتقوليهوش ...بس بحسه بقلبي اللي ملكتيه ...اوعي تخافي حبيبتي وأنا معاكي...عمري كله فداكِ.
الصدق الحار الذي ذابت به كلماته يغمرها بدفئه فتسحب ساقها من الماء لتلتصق بكليتها به ...
تنكمش بين ذراعيه أكثر وكأنما تجد بغيتها من الأمان بين ضلوعه ...
تمرغ وجهها في صدره بينما ترفع أناملها تتحسس ملامح وجهه كأنما تعيد رسمها ...
لينبعث همسها من جديد كأعذب لحن في أذنيه :
_ماعدتش خايفة.
عيناه تدمعان بتأثر وهو يقبل وجنتها بعمق قبل أن تحين منه التفاتة قلقة نحو مبنى البيت القريب حيث تنتظره مواجهة ساخنة مع أمه لا يدري أين ستنتهي لكن ما يثق به أن الأولوية لهمسة ...
هي فقط دون سواها !
بينما كانت أمه في النافذة تراقب جلستهما بعينين مشتعلتين غضباً وحقداً !!
"ابنة الخائن والأفعى" نجحت في الاستحواذ على قلب ابنها حتى وهي في هذا الحال المتدني ...
خاطر بعمله ومستقبله كي ينعزل بها في مكان كهذا ...
لكنها لن تسمح لها ...وله !!
ابنها يستحق من هي أفضل من فتاة وضيعة فاقدة الأهلية كهذه ...
وإن كان هو لا يعرف مصلحته فهي تعرفها ...
هذه الزيجة-التي يزعمها- لن تستمر ...ولو على رقبتها !!
======
_اوف! ده اللي عملت حسابه !
هتف بها زين بقلق غاضب وهو يتوقف أمام البوابة الخارجية لبيت رائد وقد تعرف على سيارتها لتسأله ياقوت بتوتر:
_فيه إيه ؟!
_سوزان هنا!
هتف بها باقتضاب وهو يغادر السيارة متجهاً بخطوات شبه راكضة نحو البوابة لتهرع هي خلفه هاتفة :
_سوزان مين ؟!
_والدة رائد !
جوابه ينقل الغضب القلق إليها وهي تتصور تأثير وجودها على همسة في هذا التوقيت لتلحق به هاتفة بانفعال عبر أنفاسها اللاهثة :
_ما تقلقش رائد مش هيخللي حد يأذيها ...
حدجها بنظرة غاضبة لتردف هي بنفس الانفعال وهي تشير لحارس البوابة :
_أنا واثقة فيه وعارفة إنه هيتصرف كويس .
كز على أسنانه بغضب وهو يشاهد البوابة تفتح ليطل وجه رائد من خلفها فتتسع عيناه بصدمة للحظة وهو يرى زين أمامه ...
قبل أن يرمق ياقوت بنظرة متهمة عاصفة جعلتها تهتف مدافعة بعصبية :
_ما تبصليش ...هو عرف لوحده وكان مسيره يعرف ...المهم دلوقت والدتك عملت إيه مع همسة ؟!
زفر رائد بسخط وهو يحكي لها عن الأمر لينهي الحديث بقوله :
_همسة نايمة دلوقت بعدما الموقف عدى بس ماما لسه جوه ...مصرة إن الوضع ده ما يستمرش وإني أرجع معاها البيت .
_أنا سكتت ع الوضع ده عشان كان في مصلحة همسة لكن مادام الأمور وصلت لكده فأنا ...
هتف بها زين بانفعال ليقاطعه رائد بهتافه الثائر:
_مالكش تسكت أو ما تسكتش ...همسة مراتي ومش هتسيب بيتي إلا على جثتي.
_ما تستفزنيش أقلب الترابيزة على دماغك يا رائد ...أنا ماسك نفسي بالعافية !
صرخ بها زين بانفعال بعيد عن بروده المعهود لتدرك ياقوت أن الأمور توشك أن تخرج عن السيطرة قريباً لهذا وقفت بينهما لترفع كفيها هاتفة بصرامة :
_أموركم العائلية دي تحلوها بعدين ...اللي يهمني دلوقت هي همسة والكلمة الأولى والأخيرة لي أنا ...وأنا بقول إنها هتفضل هنا مع رائد ...
رمقها زين بنظرة مشتعلة لتلتفت هي نحو رائد مردفة بنفس الصرامة :
_بشرط توعدني إن مفيش حد يضايقها هنا ...لأن ده لو حصل فأنا اللي هامشيها من هنا بنفسي .
زفر رائد زفرة ساخطة وهو يشيح بوجهه لكن زين تخطاه ليتوجه نحو الداخل بخطوات راكضة فتحرك مع ياقوت ليلحقا به ...
ولم يكد يدلف إلى داخل البيت حتى استقبلته سوزان بملامح عاصفة ناسبت هتافها الثائر:
_الوضع ده لازم يتصلح يا زين ...لو مش عشان ابني فعشان سمعة أختك اللي هتبقى في الأرض لو الناس عرفت إنها هنا معاه ...خلليه يطلقها ورجع أختك لبيتك ويا دار ما دخلك شر !
لكن زين يأخذ نفساً عميقاً لتعود ملامحه لبرودها القاسي مع قوله :
_ياريت حضرتك تتفضلي بره...والبيت ده ما تدخليهوش تاني .
اتسعت عينا ياقوت بترقب وهي تشعر للحظة بالإشفاق نحو المرأة التي ازداد احمرار وجهها مع هتافها وهي تشير لرائد :
_انت بتطردني من بيت ابني ؟!
اشتعل وجه رائد بالمزيج من الغضب والعجز وهو لا يدري بماذا يرد ...
ولا كيف سيتصرف لو استيقظت همسة ليصل لسمعها كل هذا ...
لكن ياقوت تقدمت من المرأة لتقول برباطة جأش زادتها مهنيتها قوة :
_بعد إذن حضرتك ...أنا ياقوت سليمان الدكتورة المسئولة عن حالة همسة ...
رمقتها المرأة بنظرة مستهينة وهي تتفحصها من أسفل لأعلى بهيئتها الهزلية لتشير لها بسبابتها هاتفة بازدراء:
_انتِ بقا اللي هتعالجيها ؟!
فتحرك زين ليقف خلف ياقوت تماماً في دعم واضح هاتفاً بنبرته المهيمنة :
_ياقوت فعلاً عملت اللي محدش قبلها عمله ...واللي يتكلم معاها يعاملها باحترام تستاهله .
نقلت المرأة بصرها بينهما للحظات وقد أخبرها حدسها الأنثوي أن شيئاً ما يدور بينهما أكبر من كونها مجرد طبيبة ...
نظراتهما تحمل معاني أكبر مما يفترَض!
لكن ...أيعقل أن ينجذب زين لامرأة كهذه ؟!
وما يمنع ؟!
ألم يفعل مثلها أبوه يوماً ؟!
لهذا نفثت حقدها القديم في وجهيهما معاً وهي تهتف بنفس العصبية الساخرة :
_ومحموق عليها قوي كده ليه دي كمان ؟! معقول يكون اللي في بالي صح ؟!
احمر وجه زين بانفعال نفرت له عروق جبينه خاصة عندما نقلت سبابتها بينهما مردفة :
_وليه لا؟! من شابه أباه فما ظلم !!
العبارة القاسية ارتدت في صدره ...وصدر ياقوت قبله !!
الآن فقط تدرك أنها صورة من "ماضيه المشوه " كما هو كذلك صورة ممسوخة لماضٍ مشابه لديها!!
هي ...أمام زوجة أبيه...
وهو ...أمام والدها ...
فيالسخرية الوضع!!
ربما في ظروف أخرى غير هذه لكانت دفعتها طبيعتها النارية لرد إهانة المرأة بمثلها لكن ...الآن !
الآن يمنعها انكسار روحها بمصابها في ثمر من الانتصار لأي شيئ ولو لكبريائها العزيز ...
لهذا ما كادت تشعر بتقدم زين العصبي نحو المرأة وانفراج شفتيه المنذر بهجوم قاسٍ تعرفه حتى بادرت هي لتقف بينهما ...
قبل أن تخاطب سوزان بنبرة لم تفقد قوتها رغم كل شيئ:
_من غير جدال ومشاكل جانبية أنا بطلب منك بصورة انسانية وبحكم مهنتي إنك تمشي من هنا لإن وجودك ممكن يسبب لها انتكاسة واحنا ما صدقنا حالتها تتحسن .
زفر رائد بقوة وهو يشعر أنه محاصر بين جميع الأطراف ...
يعلم أن والدته تمادت كثيراً بحديثها لكنه لا يملك أن يطردها من بيته ...
ياقوت استجدت انسانيتها ...لعله التصرف الصحيح الآن!
بينما توهجت عينا سوزان بنظرة مشتعلة ليراودها ذهنها بما جعلها تهدأ قليلاٌ قبل أن تقول لزين بنبرة مستفزة :
_ع العموم ابني مش هيخسر حاجة ...حتى لو اتجوز واحدة مجنونة ...نصيبها في ورث أبوها هيعوضه !
_ماما!
صرخ بها رائد باستنكار وهو يشعر أن "السيناريو" القديم على وشك أن يعاد بحذافيره باختلاف أن زين من يقف الآن وليس أباه...
لكن المرأة صرخت بابنها بعصبيتها الهستيرية :
_أنا خارجة وسايباهالك ...بكرة تندم ع الجنان اللي انت فيه ده .
قالتها وهي تسحب حقيبتها لتغادر بخطوات مندفعة لتصطدم بالخادمة التي دلفت لتوها للداخل تخبرهم باستيقاظ همسة ...
فتنحنحت ياقوت لتنقل بصرها بين "الأسدين الجريحين" اللذين كانا في هذه اللحظة على وشك الصراع فتقول بصرامة لم تخلُ من طيبتها المعهودة :
_أنا هاروح لهمسة وانتو صفوا اللي بينكم ...بس حطوها هي في الأول قبل أي حسابات ...لو جرالها حاجة محدش فيكم هيسامح نفسه .
قالتها ثم رمقت زين بنظرة ذات مغزى لتغادر بعدها مع الخادمة نحو الكوخ الخارجي الذي تشغله همسة ...
بينما وقف كلاهما يناظر الآخر بنظرات مشتعلة حملت ما حملته من التناقض الذي جعل زين يقترب منه ليجذبه من قميصه فجأة نحوه ليغمغم من بين أسنانه :
_انت عارف أنا عايز دلوقت أعمل فيك إيه ؟! طول السنين اللي فاتت دي وانت مستغفلني ...مديك الأمان وانت تضربني في ظهري ...رغم انك اكتر واحد عارف ان دي الحاجة اللي ما بسامحش فيها !
لكن رائد نفض ذراعه عنه ليهتف بعينين متقدتين :
_لو بطلت تشوف بعينيك أبعد من زين بيه العظيم اللي الدنيا كلها المفروض تلف حواليه هتفهم إني ما عملتش أي حاجة إلا وحاطط همسة بس قدام عيني ...يمكن غلطت زمان لما هربت بيها لكن كل السنين دي بكفر عن ذنبي ...ومش هاسمح لأي حد ..أي حد يحرمني منها تاني .
هنا ضاقت عينا زين وهو يستعيد ما ذكرته سوزان منذ قليل ليقول ببرودة صوته القاسية :
_ماشي...واهي معاك...وريني هتحافظ عليها إزاي ...
كز رائد على أسنانه بقوة ليردف زين بنفس النبرة :
_وابقى بلغ الست والدتك إني أنا الوصي على ورث همسة ...لحد ما تخف بالسلامة وتاخده بنفسها ...يعني أختي مش مطمع لأي حد !
_وانت عارف كويس إني مش طمعان فيها ...زي ماانت عارف كويس مين اللي ظلمها من الأول للآخر ...بس انت بتكابر عشان ماتعترفش ...
هتف بها رائد بحدة وهو يشير نحوه بسبابته ليردف بنبرة أقسى:
_زي ما بتكابر طول السنين دي وانت بتقنع نفسك ان اللي بتديهولها كفاية ...انك الاخ الحنين اللي مفيش زيه ...وان مفيش حاجة تتعمل اكتر م اللي بتعمله ...لكن الحقيقة جواك وانت عارفها ...انت لسه مشيلها الذنب القديم ...لسه شايف في حياتها موت والدتك زمان ...
_كفاية !
صرخ بها زين بانفعال ليصرخ فيه رائد بدوره :
_لا مش كفاية وان كان كلامنا المرة اللي فاتت مافوقكش يمكن يفوقك المرة دي ...أنا ما خطفتش همسة ...أنا خدت حقها وحقي اننا نعيش بره السجن اللي عملتهولها وسكتّ بيه ضميرك ...همسة ليها حق في بيت الفايد زيها زيك بالضبط ...حقها تدخله وتعيش فيه مش تفضل منبوذة في أوضة براه...حقها تطلع للنور والناس تشوفها معاك مش تتحبس لوحدها ...حقها اللي خلاص ماعادتش محتاجاه وهي دلوقت في بيتي ...في بيتها ...وان كنت مكسوف تطلعها للناس وتقول انها اختك فانا مش هتكسف أقول للدنيا كلها انها مراتي .
كلماته لم تكن مجرد كلمات !!
بل كانت نصالاً قاسية تمزق قلب هذا الذي يقف أمامه يدعي الشموخ بمكابرة !!
هو محق !!
للأسف محق!!
كل كلمة بل كل حرف قاله عرّى له حقيقة ذنبه !!
ذنبه الذي لايزال يخجل من الاعتراف به !!
لهذا غص حلقه بمرارته وهو يتحرك ليعطي رائد ظهره قبل أن يتحرك نحو النافذة القريبة ...
عيناه تصطدمان بذاك الكوخ المزهر هناك فيجد نفسه دون وعي يقارنه بغرفتها الكئيبة في بيت الفايد ...
شعور رهيب بالخزي يجتاحه وهو يشعر ب"التقزم"في هذا الموقف ...
ماذا فعل هو لهمسة كي يتبجح ويعاتب رائد ؟!
رائد الذي تقدمت حالتها معه في أيام ما لم تحققه في سنوات بقائها معه !!
رائد الذي واجه لأجلها والدته ...بل وواجهه هو قبلها ...
في حين عاش هو عمره يشعر بالخزي منها باطناً وإن أظهر عكس ذلك !!
لكن كبرياءه الغاشم جعله يقول بنبرة صقيعية حادة :
_هتقول للناس انها مراتك إزاي دلوقت ؟! هتفضح إنك هربت بيها زمان ؟! هي دي الطريقة اللي هترفع بيها راسها دلوقت زي ما بتقول؟!
أطرق رائد برأسه وهو يدرك أن زين -كعهده- يجيد اختراق الثغرات ...
إعلان زواجه بهمسة الآن بهذه الطريقة لن يزيد موقفهما إلا سوءاً !!
لهذا تحرك نحو زين ليقترب منه بخطوات متثاقلة وعيناه تحطان بدورهما على ذات الكوخ بالخارج صامتاً للحظات ...
قبل أن يقول له بنبرة متثاقلة :
_يوم ما اتجوزنا وعدتها إني ما ألمسهاش إلا لو أعلنت جوازنا قدام الناس كلها ...
ثم أغمض عينيه ليردف :
_وأنا لسه عند وعدي !
فالتفت نحوه زين بحدة وكلامه الأخير يؤكد صدق ظنه بنُبل قريبه رغم كل شيئ!
إذن همسة لا تزال عذراء !
حافظ عليها كل هذه السنوات لأجل وعد قطعه لها ألا ينالها إلا مرفوعة الرأس!
حتى وهي الآن في بيته لايزال قادراً على حمايتها حتى من نفسه !
من هو كي يأتي الآن ويحرمه منها ؟!!
لقد ظن أنه يفعلها -تفضلاً- منه لأجل مصلحة أخته...
لكنه يعترف الآن فقط أن رائد يستحق أن تبقى معه لأجل خاطره هو !!
هذا الإدراك الأخير الذي منعه كبرياؤه من الاعتراف به كذلك ليعاود الإشاحة بوجهه قائلاً بصوت هدّه انفعاله :
_يبقى تحافظ على وعدك لحد ما تخف ونقدر نعلن للناس جوازكم ...ولحد ده ما يحصل هاسمح لها تفضل هنا بس من غير ما أي مخلوق يدخل لها ...ولا حتى والدتك .
تنهد رائد بمزيج من تعب وارتياح وهو يشعر بأن أحداث اليوم العصيبة استنزفته تماماً ...
خبرته بزين تؤكد له أن حديثه الأخير بمثابة وعد لن يخلفه ...
زين صار في جانبه وهو مكسب عظيم في معركته لنيل أميرته ...
لكن تبقى العراقيل كثيرة ...
لن تكون أمه أولها ولا آخرها !!
لهذا صمت طويلاً قبل أن يضع كفه على كتف زين الذي التفت نحوه ليبادره رائد بسؤاله المفاجئ:
_اتجوزت ياقوت ليه ؟!
اتسعت عينا زين بصدمة وهو لا يستوعب السؤال لأول وهلة ...
قبل أن تلتوي شفتا رائد بابتسامة ماكرة ناسبت قوله :
_انت أذكى من إنك تكدب عليّ أنا بالذات في حاجة زي كده .
فالتمعت عينا زين بغضب للحظات قبل أن ترتخي ملامحه عائدة لبرودها المعهود مع جوابه :
_وعشان بحترم ذكاءك وذكائي مش هارد ع السؤال ...
ثم شرد ببصره مردفاً ببطء :
_لأني ...ببساطة...ماعرفش !
_بس أنا عارف!
يقولها رائد بنفس النبرة الماكرة ليزيح زين كفه عن كتفه ببرود دون رد ...
لكن لهجة رائد تغيرت للكثير من الرجاء الممتزج بتحذير خفي :
_ياقوت مش زي غيرها ...لو مش هتحافظ عليها ماتكسرهاش .
ورغم أن العبارة وخزت قلبه بتأنيب خفي لكنه تعمد تغيير الموضوع بقوله الصارم :
_اتصرف مع والدتك وخلليها تمسك لسانها ...أي شوشرة على همسة مش هتسامح فيها .
فزفر رائد بقوة قبل أن يومئ برأسه وقد أنبأته خبرته به أنه لن يسمح بالمزيد من الحديث عن "الموضوع الآخر"!
وفي مكانها وقفت همسة لاهثة عقب الكابوس الرهيب الذي رأته في نومها تتلفت حولها بخوف ...
تود لو تعصب عينيها كي يعود فارسها مع عناق بمذاق الأمان ...
لكن حتى هذا تجبن عنه الآن !!
لهذا لم تكد تلمح الباب يفتح لتدخل منه ياقوت حتى اندفعت نحوها تطوقها بذراعيها بقوة كادت تسقطها أرضاً !!
هنا لم تستطع ياقوت منع دموعها وهي تشعر بعناق همسة هذه المرة يحمل لها طعماً آخر ...
كم تشفق عليها ...وكم تغبطها !!
تشفق عليها من ماضٍ يشبه ماضيها ...وتغبطها على قوة عاشق -كرائد- لم تحظَ هي بمثله!!
قديماً كانت تجد نفسها أكثر حظاً منها هي ب"ثمر"...
لكن الآن ؟! الآن !!
لم تملك دموعها عند الخاطر الأخير ودرع "مهنيتها" الذي طالما تحامت خلفه يسقط تحت قدميها لتجد نفسها تضم همسة بقوة وسط شهقات بكائها التي علا صوتها للحظات لم تشعر هي بها حتى سمعت همسة تسألها بصوتها البريئ:
_بتعيطي ليه ؟!
ربما لو كانت ترى الأمور الآن بعين "مهنيتها" لابتسمت فخراً بتقدم الحالة حد وصولها هذا الإدراك والاهتمام ...
لكن انهيارها الداخلي غير المسبوق جعلها تخفي وجهها في كتف همسة لتغمغم بين دموعها :
_انتِ كويسة ؟!
لكن همسة ربتت على ظهرها برفق لتعاود سؤالها بنفس النبرة البطيئة :
_بتعيطي ...ليه ؟! أنا...صاحبتك !
هنا لم تملك ياقوت نحيبها المرتفع وهي تشدد قوة عناقها لها هامسة بانهيار :
_حد عزيز عليّ قوي غاب عني ...ادعيلي يرجع لي .
ورغم أن ما فعلته لم يكن ينتمي بأي حال لقواعد مهنيتها ...
لكن تجاوب همسة الصادق معها منحها العزاء وهي تربت على ظهرها قبل أن ترفع وجهها للسماء بتمتمة شفتيها التي بدت كدعاء صادق بريئ جعل ياقوت تبتسم ببعض الأمل ...
قبل أن تشعر بذراعه -هو- على خصرها !!!
أجل...أحد ذراعيه كان يستريح الآن على خصرها هي بينما الآخر يطوق خصر همسة التي فوجئت به لتلتفت نحوه قبل أن تطلق صيحة عالية قبل أن تترك ياقوت لتتعلق بعنقه هو !!
ثانية واحدة...أو ربما بضع ثوانٍ شغلها هذا العناق الثلاثي الذي زلزلها قبل أن تبتعد عنه منتفضة وهي تتلفت حولها تطمئن ألا أحد رآها!!
ثانية واحدة...أو ربما بضع ثوانٍ ...من أمان "مختلس" سبق شعورها بالخزي !!
ثانية واحدة...أو ربما بضع ثوانٍ ...تشبه شعورها الخاص جداً به...
شهياً كثمرة محرمة...لكنه خادع كسراب!
ثانية واحدة أو ربما بضع ثوانٍ لخصت حكايتها- التي تدرك أنها قصيرة العمر- معه !
لهذا أطرقت بوجهها تمسح دموعها بأناملها وربما لو رفعت عينيها إليه لرأت في نظراته ما يرضيها !!
قلبه كان يخفق بجنون مضطرب بين لقائه الدافئ بهمسة التي اشتاقها ...
وبين فورة إحساسه التي اجتاحته عندما رأى عناقهما معاً منذ قليل في صورة أخبرته أنهما -معاً- صارتا أغلى ما في حياته قيمة !!
_زين...وحشتني!
تنتزعه بها همسة من اجتياح مشاعره ليضمها لصدره أكثر هامساً لها بحنان :
_وانتِ كمان وحشتيني قوي ...ووحشتني حكاياتنا بتاعة زمان ...
ثم ابتعد بوجهه ليحتضن وجنتيها بين راحتيه مردفاً بابتسامة :
_انتِ مبسوطة هنا ؟!
_قوي!
الجواب السريع مع لمعة عينيها منحه الكثير من الرضا ليقبل جبينها بعمق قبل أن يجذبها ليجلسها على كرسيها فيجلس قبالتها على ركبتيه في جلستهما المعهودة ليقول لها بينما يحتضن كفها بين راحتيه :
_عندي حاجات كتير عايز أقولهالك .
ضحكتها الصافية تعلو ببراءة وقد نسيت كل ما بقي من رواسب كوابيسها لتستمع إليه باهتمام لم ينل منه شرودها الذي اعتاده من قبل في جلسات مشابهة...
"ندّاهة" عالمها القاهرة لم يعد لها نفس السلطان القديم كالسابق !!
هذا الذي شعر به جلياً هذه المرة ليثلج صدره وهو يدرك أنها حقاً تتحسن هنا ...
حديثه ينتقل من موضوع لآخر ولمعة عينيها المتلهفة الغريبة عن شرودها القديم تزيد من سعادته ...
عيناه تنتقلان خلسة لياقوت التي وقفت مكانها ترقبهما بعينين شاردتين وملامح أرهقها التعب ...
متى نامت هذه آخر مرة ؟!
متى ارتاحت منذ وقوع تلك الكارثة ؟!!
إعياء جسدها الواضح يمنحه الجواب فيتنحنح بخفوت ليقف مكانه قبل أن يخاطب همسة بقوله الحاني:
_هاضطر أمشي دلوقت وهاجيلك تاني .
لكن همسة تنظر لياقوت نظرة مشفقة قبل أن تهمس بخفوت :
_وانتِ ؟!
ياقوت التي ارتجفت شفتاها بشبه ابتسامة وهي تجلي صوتها لتقول بنبرة منهكة :
_ما تقلقيش ...هاجيلك كل يوم باذن الله .
ابتسامة همسة الراضية تشرق في محياها وهي تودعهما قبل أن تعود إلى كرسيها لتعصب عينيها من جديد في انتظار "طيفها العاشق"!
بينما عادت ياقوت لشرودها وهي تستقل معه سيارته في طريقهما للعودة ...
لا تزال لا تعرف أين تذهب ...
لجين عادت للقرية كي تكون جوار رابحة وأهلها بعدما حدث ...
رغم أن القدر أنقذ الفتاة بيد ثمر في اللحظة الأخيرة لكنها تبقى مجرد طفلة تعرضت لأقسى تجربة قد تعرفها يوماً ...
لهذا أصرت لجين ألا تتركها بينما لا تزال هي عاجزة عن العودة للقرية دون ثمر!!
صوت هاتفها يقاطع أفكارها فتنتفض مكانها وهي تجده رقم مدير المركز...
تفتح الاتصال لترد بصوت شاحب لكن عبارات الرجل جاءت قاطعة ...
_أجازة مفتوحة لحد ما تخلصي مشاكلك...أنا مقدر ظروفك بس انتِ عارفة إن الدكتور في الأول والآخر سمعة...ربنا يوفقك .
تغلق الاتصال بأنامل مرتعدة وكل كلمة منها تصلها كصفعة على وجهها ...
ليصلها صوته المؤازر جوارها وقد أدرك ما الذي قد تفعله بها محادثة كهذه :
_كده أحسن عشان تتفرغي لهمسة....وهيثم كمان ...أنا عرفت اللي حصل له .
لم تشعر بالدهشة من معرفته للخبر فقد بدا لها كثير الاهتمام حقاً بكل ما يخصها ...
وربما لأنها عطلت شعورها بأي شيئ ...
حتى الخسارة !
لهذا عادت تستند برأسها المثقل بهمه وتعبه لظهر كرسيها دون رد ليستخرج هو من جيبه مفتاحاً منحه لها قائلاً:
_ده مفتاح "شقتنا" التاني...كده المفتاحين معاكي عشان تبقي مطمنة ...اعتبريها بتاعتك وخدي راحتك فيها ...وأنا لو جيت هستاذنك قبلها .
فالتفتت نحوه هاتفة باستنكار:
_انت بتقول إيه ؟! انت عايزني أعيش في شقتك ؟!
لكنه أوقف السيارة جانباً ليلتقت نحوها بملامح صارمة معتقلاً نظراتها بعينيه التي وازنتا الحزم بالعاطفة :
_أكلمك بطريقتي وأفكرك إنك حالياً مراتي ولو على الورق وإنها "شقتنا" مش "شقتي"؟! واللا أكلمك بطريقتك وأقوللك إن صوت العقل دلوقت يحكم إنك لازم تفضلي في مكان مستقر قريب من همسة وهيثم ؟!
_أنا هاتصرف بعيد عنك !
هتفت بها بمكابرة وعيناها تزيغان في الفراغ بشعور رهيب بالعجز ...
لكنه تنهد بحرارة ليرتكز بمرفقه على مقود السيارة بينما يقترب بوجهه منها قائلاً بنفس النبرة :
_اعتبريني مأجرهالك قصاد علاج همسة...أفتكر الأتعاب بتاعتك تغطي الإيجار وزيادة ...صح ؟!
انفرجت شفتاها وهي على وشك الاعتراض من جديد لكن المزيد من شعور العجز جعلها تغمض عينيها بقهر قبل أن تشيح بوجهها ليردف هو بنبرة أكثر رفقاً:
_اعتبريها شقتك وانتِ حرة التصرف فيها ...زي ما قلتلك ...لو جيت -وأكيد هاجي- هستأذنك قبلها .
فالتفتت نحوه لتحدجه بنظرة كسيرة رغم ما حملته من حدة :
_متأكد إنهم مفتاحين بس ؟! مش هلاقي الست إياها في يوم قاعدة هناك مستنية توضبني أو توضب غيري عشان تليق ب"البيه"؟!
انعقد حاجباه بشدة وهو يدرك أن أحداث تلك الليلة البشعة لن تغادر مخيلتها يوماً ...
ولا يلومها كثيراً لهذا !!
لهذا كان دوره ليشيح هو بوجهه هذه المرة قائلاً بخشونة لم يتعمدها :
_أنا مش مجبور أكدب في حاجة زي كده ...طالما قلتلك ...
عبارته تنقطع بصوت إطلاق نار قريب لتطلق هي صيحة رعب وهي تتلفت حولها لترى السيارة التي تقترب منهم ...
وقد كان هذا آخر ما رأته قبل أن تشعر به يجذبها نحوه ليطوقها بذراعيه قبل أن ينحني فوقها بجسده يحميها من طلقات الرصاص ...
"العناق الثامن" بمذاق "الحماية" هذه المرة !
لهذا جاء إحساسها به بقوة الحياة نفسها !!
صرخاتها المكتومة لا تنقطع وقلبها يكاد يتوقف رعباً حتى شعرت بالسكون حولها فجأة فرفعت رأسها أخيراً لتجد السيارة قد اختفت فجأة كما ظهرت فجأة ...
قبل أن تتلون عيناها بلون دمه هو أمامها !
========
انتهى الفصل الثالث عشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم سينابون
القطعة الثانية عشرة
=======
"سينابون"!!
حقاً ...هكذا نحن ...مزيج من مذاق القرفة اللاذع و"الصوص" الحلو ...
والعجين المتخمر بماء الماضي!
========
تخطو ياقوت داخل الحديقة بقدمين مرتجفتين من فرط تأثرها بجمال المكان ...
رائد لم يبنِ لهمسة بيتاً بل صنع لها عالماً بأكمله هنا !!
الحديقة الواسعة ...الكوخ المستدير بنوافذه المزينة بالزهور ...
المبنى ذو الطابقين بالغ الأناقة والرقة ...
المسبح الواسع ...
وما هذا أيضاً ؟!
غرفة للألعاب مفتوحة السقف !!
_همسة طول عمرها بتحب المراجيح ...لعبة الميزان دي عندها عشق ياما لعبناها سوا زمان ...والزحليقة ...والعُقلة دي ...كنت بفهمها زمان تلعبها كتير عشان تطوَل !
قالها رائد بنبرته ذات الشجن التي امتزجت ببعض المرح في عبارته الأخيرة وهو يلاحظ دهشة ياقوت لغرفة الألعاب ...
فالتفتت نحوه لتقول بابتسامتها الطيبة :
_ياريت لكل مريض عندي ألاقي حد بيحبه زيك كده ...هيسهل مهمتي كتير .
فتنهد بحرارة ليطرق برأسه وهو يسير جوارها متجهيْن نحو كوخ همسة قائلاً :
_ماتتصوريش فرحتي لما لقيتني بتكلم وهي بتسمعني عادي ...حسيت وقتها إن قلبي هيقف ...حسيت إني ممكن أرجع أسامح نفسي ع اللي عملته زمان ...بس لما رجِعت تصرخ أول ما شافتني ...
قطع عبارته دون أن يكملها بقنوط تفهمته هي لتقول بنبرتها المهنية :
_من ناحيتي بعتبر ده تطور ممتاز ...مش أي حالة زي حالتها هتوصلله ...انت عملت في كام يوم اللي ما قدروش يعملوه في كام سنة ...همسة كانت فعلاً محتاجاك .
فارتسمت على شفتيه ابتسامة تقدير وهو يلاحظ تواضعها الذي منعها نسب أي فضل لنفسها ...ليقول بامتنان وافر:
_تعرفي ؟! أول مرة شفتك فيها سألت نفسي يا ترى هتكوني نعمة العيلة دي واللا نقمتها ؟!
رفعت حاجبيها بترقب تنتظر تكملة عبارته ليجيبها باحترام حقيقي:
_وكل يوم بلاقي الإجابة أوضح ...مش بس تأثيرك على همسة...لكن كمان كنتِ سبب إني أتجرأ وأقف قصاد زين ...بالمناسبة ...هو عامل إيه معاكي؟!
_عمله اسود !
هتفت بها "العفريتة الساخطة" بداخلها لتترجم هي العبارة بما يليق:
_مفيش جديد ...ماتشغلش بالك أنا هاتصرف ...
ثم تصنعت الانبهار لتغير الموضوع بقولها :
_يااااه...الكوخ من قريّب رهيب ...كأنه خارج من قصة خيالية !
_هتقريلها حاجة النهاردة ؟!
سؤاله البريئ أعاد لها ذكرى مشتعلة للقائها الأخير مع زين حتى كادت ترد بالنفي ...
لكن قناع مهنيتها عاد يتملك زمام الأمور بقولها :
_ممكن ...لما أشوفها هاحدد .
_هاستخبى ورا الشجرة هنا .
قالها ببعض الأسف وهو يأخذ مكانه القريب فرمقته بنظرة مشفقة قبل أن تتوجه بخطوات ثابتة نحو الملاك الذي لم يعد سجيناً ...
وفي مكانها كانت همسة تجلس معصوبة العينين على كرسيها ...
لا ...لم يعصب أحد عينيها بل هي من فعلت !!
كأنما تيقنت أن "الطيف العاشق" لن يظهر إلا لو كانت لا تراه...
وهي تريد حضوره ...
تشتاق عطره ...لمساته...همساته الحانية بصوته الذي تذكره رفيق عمرها ...
تشعر بالباب يفتح فتتأهب حواسها ...
لا ...ليس هو ...ليس عطره...
إنها هي ...
"حورية الخيال" التي تروي لها الحكايا !!
هل عادت ؟!!
تبتسم وهي تقف مكانها لتتقدم نحوها ياقوت بابتسامة حب لا تدعيه ...
عناقها يسابق كلماتها وهي تضمها لصدرها بلهفة ...
لهفة شاركتها إياها همسة التي تشبثت بحضنها بقوة وأبت تركها للحظات طالت ...
هذا الذي أرجف قلب ياقوت مستشعرة مكانتها لديها لتسألها بنبرة عاطفية لم تخل من حذر :
_وحشتيني يا همسة ...أنا وحشتك ؟!
تومئ برأسها إيجاباً لتعاود ياقوت القول:
_طيب شيلي الرباط من على عينيكي عشان تشوفيني .
لكن همسة تهز رأسها رفضاً لتتساءل ياقوت بصبر :
_ليه ؟!
لم تكن تطمح كثيراً في رد مع علمها بقلة كلامها لهذا شعرت بالرضا مع جواب همسة الخافت :
_عشان ييجي...هو بييجي لما بخبي عنيا...وبيسيبني لما بفتّح !
أغمضت ياقوت عينيها بتأثر لتمسك كتفيها وتجلسها مكانها قبل أن تجلس جوارها لتسألها :
_وانتِ عايزاه ييجي؟!
إيماءة بالإيجاب كانت الرد ...
_فاكرة عنه إيه ؟!
_بيحبني...بحبه .
همساتها المتلعثمة كانت أكثر من مرضية لياقوت التي قالت بأمل :
_وإيه كمان ؟!
تنفرج شفتا همسة وكأنها على وشك الرد لكن نداهة عالمها القاهرة تعاود جذبها لتشيح بوجهها دون رد ...
_همسة !
تناديها ياقوت بترقب لكنها لا تتلقى رداً فتمط شفتيها باستياء قبل أن تخرج من حقيبتها كتاباً لتبدأ في قراءته لها ...
ابتسامة همسة الوليدة تحبو على شفتيها برقة قبل أن تتقافز برشاقة لتتحول لضحكة قصيرة مع توالي الصفحات ...
فتلتمع عينا ياقوت بحنان وهي تراقب ملامحها مشفقة ...
قبل أن تقوم لتقبل رأسها بعمق :
_هاضطر أمشي دلوقت عشان ورايا شغل...هاجيلك تاني.
لكن همسة تتشبث بذراعها بقوة دون صوت للحظات قبل أن تهمس أخيراً:
_زين.
كلمة واحدة ضربت صدر ياقوت كحجر ثقيل وهي تعترف في نفسها أنه يملك حقاً هذا التأثير الجليل في أخته ...
هي تفتقده رغم أنها تعيش فيما يشبه الجنة هنا!
_وحشك ؟!
تسألها بإشفاق لتجيبها بإيماءة رأس مع جوابها المتلعثم:
_انتو...دايماً ...سوا!
ثلاث كلمات لم تقصد همسة بهما إلا أنها كانت تراهما سوياً في أغلب زيارات ياقوت لها ...
لكن الحروف لاقت صدى خاصاً في قلب ياقوت التي تلقاها قلبها البائس ك"نبوءة"...
وعقلها المشتعل ك"لعنة"...
وروحها المتمردة ك"قرار واجب العصيان"!!
لهذا ازدردت ريقها بتوتر وهي تحاول دفع كل هذه الأفكار عن رأسها لتعود لقناع مهنيتها :
_هييجي قريب يشوفك ...انتِ كمان وحشتيه قوي .
لكن وجه همسة يعود لترتخي ملامحه في غياهب الشرود البعيد ...
فتتنهد ياقوت بحرارة قبل أن تخرج من الكوخ لتتوجه نحو ذاك المختبئ هناك ...
_عاملة إيه ؟! كويسة ؟!
يسألها بقلق لترد بابتسامة طيبة تميزها:
_رابطة عينيها مخصوص عشان مستنياك ...عارف ده معناه إيه ؟!
عيناه تتسعان بدهشة للحظة قبل أن تلتمعا بتأثر خنق كلماته لتردف هي بانفعال حماسي:
_همسة بدأت تحارب نفسها بنفسها ...بدأت تاخد نفس الجبهة معانا عشان ترجع لعالمنا ...بقت بتربط عينيها وتشيل الرباط بمزاجها ...برغبتها مش مستسلمة لإرادة حد ...عارف معنى إنك تزرع الرغبة في مريض بحالتها ده إنجاز شكله إيه ؟!!
دمعت عيناه مع ارتجاف شفتيه قبل أن يرفع وجهه للسماء فيما لم تدرِ هل هو مجرد هروب من ضعفه أمامها ...
أم دعاء متضرع لربٍ لا يخيب راجيه !!!
_ادخل لها ...أكيد عندك حاجات كتير زي "الدبوسين" تفكرها بيها ...خللي الماضي بوابة للمستقبل ...هو ده علاجها وعلاجك .
قالتها بيقين ليخفض بصره نحوها بنظرة ممتنة قبل أن يغادرها لتراه من مكانها يفتح الباب ليدخل ...
يجثو على ركبتيه أمام "معصوبة العينين" ليستخرج من جيب قميصه عقداً من الفل لفه حول رقبتها ...
ثم تناول من جيب قميصه ما بدا كدبلة وضعها في إصبعها قبل أن يهمس في أذنها بما لم تسمعه هي لكنها رأت أثره على همسة التي مدت ذراعيها تحتضنه بقوة قبل أن تنحني بوجهها لتقبل وجنته ...
فاحمرت وجنتاها بخجل وهي تعطيهما ظهرها لتغادر المكان بابتسامة راضية شوهها طيف زين الذي اقتحمها بغزو مسيطر ...
هي وعدته أن ترد له أخته قبل رحيلها من عالمه ...
وها هي ذي توشك على تنفيذ ما عاهدت به...
فهل يفي هو الآخر بوعده ؟!
========
_مش في سريرك ليه ؟! برضه ما بتسمعيش الكلام ؟!
هتفت بها إيناس باستنكار لغادة التي وقفت في المزرعة أمام الأرانب تراقبها بحنان قبل أن تلتفت لإيناس قائلة برقتها الفطرية :
_زهقت من السرير يا "أنّا" ...سيبيني هنا شوية أشم هوا .
ربتت إيناس على كتفها ثم جذبت لها كرسياً وضعته جوارها قائلة :
_خلاص اقعدي ما تقفيش .
_أوامرك يا ست الكل .
قالتها غادة بمرح لتجلس فضحكت إيناس لتنحني مقبلة رأسها قبل أن تجذب كرسياً آخر وتجلس جوارها متسائلة :
_مش ملاحظة إن سيف ما زارناش من ساعة ما خرجتِ م المستشفى ؟! مع إنه ما سابناش ولا يوم واحنا هناك !!
ارتبكت ملامح غادة وهي تود لو تخبرها أنها أحوج لمعرفة السبب منها !!
هذا التقارب الغريب الذي اكتسحهما بعد حادثتها الأخيرة تحول فجأة لقطيعة لا تفهم سببها!!
تراه لا يزال يشعر بالذنب تجاه آنجيل ؟!!
هل لا يزال يحرم على قلبه الحياة كما "كانت" تفعل هي بعد أحمد ؟!!
"كانت"؟!!
هل يعني هذا أن رأيها قد تغير؟!!
الخاطر الأخير يملأها بالضيق المشوب بالذنب وهي تسترجع حوارها مع هانيا عندما كانت هنا قبل رحيلها ...
_مش عايزة تقوليلي حاجة عن سيف؟!
تسألها هانيا بمكر لترد هي بمكر مشابه :
_حاجة زي إيه ؟!
_عيب يا دودا ...ده احنا دافنينه سوا !
تغمزها بها هانيا لتبتسم بخجل ناسب جوابها :
_لو فيه حاجة هاقوللك .
_ما هو فيه !
تقولها هانيا بإصرار لتردف:
_لو انت غلسة وهاتخبي فأنا أغلس منك وهاعرف ...ياللا اعترفي!
ابتسامتها الخجول تتسع وهي تحكي لها عن اعترافه لها في غيبوبتها وهو يظنها لا تسمع ...
قالتها متحاشية تماماً ذكر أي شيئ يشير لماضيه مع آنجيل ...
هو سره الخاص الذي لن تفضحه ولو لصديقتها .
_أوووه ...يعني "النفري" ده وقع خلاص؟!
هتفت بها هانيا لتردف بحماس :
_والله كنت حاسة ...من ساعة ما كلمنا يقوللنا وصوته بيرتعش وأنا قلت ده سحر غادة الجامد !
ضحكت غادة ضحكة آلمت جرحها لتردف هانيا بنفس الحماس:
_ياااه يا غادة ...تخيلي لو بعد العمر ده نبقى سلايف ...ويرجع هو مصر وتعيشي معايا في نفس البيت !
ورغم أن الكلام لامس صداه في قلب غادة لكنها هزت رأسها قائلة :
_ما تخليش دماغك يروح لبعيد ...هو لسه ماخدش أي خطوة ...ممكن يكون اعترافه وقتها مجرد انفعال مش أكتر ...ويمكن أكون أنا اللي كنت بخرف وفهمت غلط...وحتى لو ده حقيقي ...تفتكري حماتك هترضى بواحدة بظروفي لابنها اللي قعد ده كله من غير جواز؟!
ظهر الاستياء على وجه هانيا قليلاً وهي تدرك في نفسها صحة الجزء الأخير من الكلام على الأقل ...
لكنها كذلك كانت تدرك قوة تأثير سيف على والدته لهذا هتفت مسرعة :
_بلاش كلام فارغ ...ظروفك إيه ما انتِ زي الفل ؟! وبعدين سيف بالذات كلمته عند مامته ما بتتردش ...لو قال حاجة ...هيعملها!
_ده لو قال !
قالتها غادة ببعض القنوط لتضحك هانيا ضحكة عالية سبقت قولها الماكر:
_يعني ده المانع دلوقت بس؟! نعتبر موافقتك موجودة ؟! تحصيل حاصل يعني!!!
_سرحتي في إيه مخلليكي مبتسمة الابتسامة الحلوة دي؟!
سألتها إيناس لتنتزعها من شرودها فالتفتت نحوها لتتسع ابتسامتها لثوانٍ قبل أن تغير الموضوع بقولها المشاكس :
_بفكر أعمل لعمو علاء بيتزا تخلليه يحرّم يسيبني في البيت ويرجعني أروح معاه البازار تاني!
ضحكت إيناس ضحكة صافية لتلوح بكفها هاتفة:
_لا...ما تحاوليش...كل حاجة منك على قلبه زي العسل!
_ممممم...هنغير يا أنّا؟!
سألتها تشاكسها بمرح لتتنهد إيناس وهي تقترب منها لتضم كتفيها بذراعها قائلة بشرود بائس:
_سبحان من عوضنا بيكِ...عارفة يا غادة ؟! بعد موت هاني الله يرحمه قلت البيت ده مش هيدخله ضحك تاني أبداً...عمك علاء اللي ما بيبطلش هزار دلوقت ده كان يقعد مخبي وجعه طول النهار وأصحى بالليل على صوت نهنهته وهو مخبي وشه في المخدة وبيكلم هاني كأنه شايفه...كنت بقول لنفسي هي شوية أيام قليلة هنقضيها ونحصله ...بس بعد ما ربنا بعتك لينا حسيت إنك فعلاً العوض اللي كنا مستنيينه !
دمعت عينا غادة بتأثر لترفع إليها عينيها بقولها:
_امال أنا أقول إيه ؟! أنا عمري ما عشت إحساس أب وأم إلا معاكي ومع عمو ...ربنا عالم إني كنت يتيمة لحد ما لقيتكم .
فتنهدت إيناس بحرارة وهي تضمها إليها أكثر لتسألها بتردد :
_والدتك لسه ما بتكلمكيش؟!
لكن غادة هزت رأسها نفياً لتقول بابتسامة باكية :
_هي خلاص شالتني من حساباتها ...أجمل حاجة عملتهالها إني سافرت وشلت حملي عنها ...كلمتها من كام يوم بعد ما فقت من الحادثة بس مارضيتش أقوللها ...
ثم أطرقت برأسها في خزي مقهور لتردف:
_عايزة الحقيقة اللي تكسف؟! هي اللي ما ادتنيش فرصة أقوللها ...قفلِت معايا بسرعة كأنها خايفة أرجع أشيلها حملها تاني !
احمر وجه إيناس بغضب مغتاظ وهي تكتم سباباً تود لو تطلقه !!
له في خلقه شئون!!
أي قلب "أم" هذا الذي يلفظ ابنته هكذا ؟!!
لكنها لم تشأ مضايقتها أكثر فعادت تربت على كتفها لتقول بابتسامة راضية :
_ده من حظنا احنا عشان تبقي وسطنا ...
ثم أخرجت هاتفها من جيبها لتردف بحماس:
_هاكلم سيف وإسلام ييجوا يتغدوا معانا ...سيف كان قايل لي لما أعمل ملوخية بالأرانب أقوله.
تحفز جسد غادة بلهفة لم تخفَ على عيني إيناس التي تهللت أساريرها وهي تسمع صوت سيف على الهاتف لتقول بحنانها الغامر:
_وحشتني يا قلب "أنّا"...ما بتجيش ليه ؟!
وعلى الجانب الآخر من الاتصال كان هو يقاوم استسلامه لنداء قلبه بعد مواجهته الأخيرة مع إسلام الذي قاطعه تماماً بعدها ...
لكنه يعذره!
لو كان مكانه لفعل مثله وأكثر!!
لهذا أخذ قراره ببتر هذه العلاقة التي لا يستحقها على أي حال !!
_مشغول قوي يا "أنّا"...معلش .
_عاملالك الأرانب اللي بتحبها ...أظن ده إغراء ما يتقاومش!
يبتسم ساخراً بمرارة وهو يود الاعتراف أن "كل ما في المزرعة" صار إغراء لا يقاوَم...
لكنه سيفعل!!
بكل ما أوتي من قوة سيفعل!!
_خلليها مرة تانية ...قولي لإسلام هو ممكن يبقى فاضي.
قالها مدفوعاً بعقدة الذنب كعهده لترد المرأة بعتاب حنون:
_هو كمان بطّل ييجي ...خلاص ما عاد ليش حق فيكم .
_ما تقوليش كده يا "أنّا"...انتِ عارفة انتِ عندنا إيه .
بعاطفته المخلصة يقولها فيسمعها تدعو له قبل أن تتأهب لإغلاق الاتصال ...
يتردد قليلاً قبل أن يسألها بصوت خرج منه مرتجفاً:
_غادة...كويسة؟!
_خدها سلم عليها بنفسك!
تقولها إيناس لتقذف الهاتف في كف غادة دون أن تمنح أياً منهما الفرصة للتراجع ...
صوتها المغناج بطبيعته يعاود عزفه الخاص على وتر بقلبه...
وتر صار يخصها هي ...هي وحدها !!
_إزيك يا سيف؟!
يغمض عينيه بقوة مستحضراً صورتها ...
لا ليست صورتها الشاحبة في المشفى ...
ولا صورتها المتحفظة في المزرعة ...
بل صورتها التي أسرت قلبه منذ رآها ...
خصلات شعرها النبيذية تتراقص حول وجهها الفاتن وضحكتها تنافس رقصها في الإغواء...
صورة لا يدري هل كرهها وقتها لأنها ذكرته بماضي آنجيل ...
أم لأنه تمنى ساعتها لو تكون كل هذه الفتنة ملكه هو !!
والآن يشتهيها بقدر ما كرهها ...
هي "امرأة المتناقضات" التي لم يقابل في حياته أنثى مثلها تجبره أن يحب فيها كل شيئ و "ضدّه"!!
قوتها وضعفها ...
تباعدها وتدانيها ...
دلالها الفطري دون ميوعة و تحفظها المحتشم دون خشونة ...
قلبها الذي "تفكر" به... و"عقلها" الذي به تغلف عاطفتها ...
تبادل عجيب للسلطات لا تكاد تتقنه امرأة عرفها سواها !!
امرأة ليست له للأسف!
_سيف؟!
صوتها المعذّب ينتشله من فردوس عاطفته ليعيده لجحيم الذنب ...
لهذا خرج صوته مرتعشاً بين هذا وذاك :
_إزيك يا غادة ؟! صحتك عاملة إيه ؟!
هل تبالغ لو قالت إن ذبذبة لهفته اكتسحتها حتى مع صوته المقتضب الغارق بتحفظه ؟!
اكتسحتها حد أن وجنتيها احمرتا خجلاً حاولت مداراته بتصنع المرح:
_مزعّل "أنّا" ليه ؟! بتقول دي أول مرة تطلب فيها منك تيجي وما ترضاش !
_غصب عني يا غادة ...غصب عني .
تهدج صوته فضح لها عاطفة يجاهد ليخفيها فخفق قلبها بقوة وهي لا تزال تتصنع المرح :
_انت الخسران !
_أكيد...أنا الخسران !
انقبض قلبها بلوعة اخترقتها عبر هذه المسافة وهي تشعر أن عبارته تحمل أكثر بكثير من بساطتها الظاهرة ...
لا يزال يرضى بالخسارة ؟!!
لا يزال هائماً مكبلاً بسماء ذنب توهمه بالتحليق !!
لكن ماذا عساها تصنع؟!
مادام يرتضي الفراق فهنيئاً له به !!
لهذا جفت لهجتها نوعاً وهي تغلق معه الاتصال لتناول إيناس الهاتف قائلة ببساطة تكلفتها :
_ياللا عشان نلحق نحضر الغدا .
قالتها وهي تتحرك لتغادر فرمقتها إيناس بنظرة متفحصة وهي تخشى تصديق ما يخبره به قلبها ...
غادة عالقة بالمنتصف بين سيف وإسلام !!
ليت الصديقين لا تفرقهما امرأة !!
وفي مكانه ظل سيف يتشبث بالهاتف بين أنامله للحظات وكأنما يتعقب آخر ما بقي له منها ..
ثم وضعه جانباً بقنوط ليتجه نحو المطبخ وقد تذكر أنه لم يأكل شيئاً منذ الأمس!!
يتحرك بآلية وهو يحضر لنفسه بعض الشطائر مقنعاً نفسه أن ما يفعله هو الصواب ...
حياته توقفت منذ زمن فلماذا يحثها الآن على الدوران ؟!!
أفكاره تنقطع بوخز ألم والسكين يجرح أصابعه لكنه يبقى يراقب الدم بشرود ...
ابتسامة واهنة تداعب شفتيه وهو يتذكر أن مثل هذا الدم الآن يجري في عروقها هي ...
حسناً...لعل هذا عزاؤه رغم كل شيئ ...
مهما افترقا سيبقى بداخلها "بعضٌ " منه ...
كما سيبقى بداخله "بعضٌ" منها ...
علامَ يحزن ؟! ولماذا يحارب ؟!
هي بكليتها لم تكن سوى حلم أجمل من أن يتحقق!
======
"المصائب لا تأتي فرادى"!!
هكذا فكر إسلام وهو يراقب بذعر نتيجة التحليل الذي تسلمه منذ قليل بعد صدمته قريبة العهد بخبر إلقاء القبض على أبيه !
زفر زفرة ساخطة وهو ينتقل ببصره لهذا الطفح الجلدي زهري اللون على بشرة كفيه مع هذه البقع البيضاء داخل فمه .
كيف حدث هذا ؟!
كيف تخلى عن حذره المعهود الذي ظنه سينجيه ؟!!
لابد أن تلك الساقطة نقلته له عبر لقاءاتهما الجنسية التي زادت مؤخراً !!
قلبه ينقبض بشعور هائل بالاشمئزاز من نفسه ليزيد رنين هاتفه من خنقة روحه ...
_أيوة يا ماما ...ما اتأخرتش ولا حاجة...انتِ فاكراني في بلد أبويا هاقوللهم أنزل هينزلوني؟!
هتافه الساخط الذي أججه انفعاله يلاقي دموعها المنهمرة على الجانب الآخر من الاتصال فيزفر بقوة من جديد مردفاً بنبرة أكثر رفقاً:
_أنا آسف يا ماما...ما قصدتش أزعق...أعصابي مشدودة والخبر كان صدمة .
قالها وهو يتهالك جالساً على فراشه مسترجعاً تلك اللحظة التي علم فيها عن إلقاء القبض على أبيه بتهمة الاتجار في المخدرات!!
إلى الآن لايزال لا يصدق!!
هو -بالكاد- تقبل حقيقة زواجه وإنجابه من الخادمة ...
ظنها مجرد نزوة عابرة وخطأ لم يمكنه إصلاحه...
لم يحسب أن قمة الجبل الجليدي التي ظهرت فوق السطح تخفي قاعاً عميقاً متشعباً بهذا السواد !
أمه وهيثم لايزالان ينكران متشبثين بسراب براءته لكنه هو لا يفعل!
حدسٌ بداخله يخبره أن الواجهة الأنيقة لرجل الأعمال والخير لم تكن سوى قشرة خادعة !!
لكن ماذا عساه يصنع؟!
يهرب؟!
هو عاش عمره الماضي كله يهرب!
يهرب من أي مسئولية...من أي خطإ ...حتى أخطاؤه هو !!
لكن الآن ...
ألا يزال ترف الهرب خياراً مباحاً؟!!
_ارجع بسرعة يا إسلام ...ماعادش لنا غيرك ...أخوك مصدوم ومنهار من ساعة اللي حصل وخايفة يجراله حاجة .
تقولها جيلان -أمه- بنبرة راجية غريبة على اعتدادها المعهود ليدرك أي مصيبة خلفها حسين وراءه !
_ماتقلقيش يا ماما...هارجع في أقرب طيارة ...خللي بالك من نفسك ومن هيثم .
يغلق بها الاتصال قبل أن يلقي هاتفه جواره ...
يدفن وجهه بين كفيه وهو يشعر أن أبواب الدنيا كلها قد غلقت في وجهه فجأة !!
"بتاع البرقوق" الذي كان يعيش حياته طولاً وعرضاً ...
النساء ...المال ...الجاه...السمعة...
كل هذا صار في عينيه حفنة من تراب!!
رنين باب شقته يقاطع أفكاره فلا يحتاج لمعرفة الطارق ...
صديقه لن يتركه بعدما علم الخبر!!
لهذا تقدم بخطوات متهالكة يفتح الباب الذي أطل منه وجه سيف الجزع:
_الكلام اللي قاله عمو علاء ده بجد ؟!
أومأ إسلام برأسه مجيباً قبل أن يفسح له المجال ليدخل فعاد سيف يهتف بانفعال:
_أكيد فيه غلط...ممكن حد منافس يكون ملفقهاله !
لكن إسلام ابتسم ساخراً ليرد بمرارة :
_نفسي أبقى متفائل زيك كده ...بس للأسف الجو كله بيقول مش متلفقة .
اكفهر وجه سيف بحزن حقيقي وهو يؤازر كتفي صديقه بكفيه قائلاً :
_مش عارف أقوللك إيه في المصيبة دي بس أنا معاك في أي حاجة...انت مسافر امتى؟!
_يومين بالكتير !
_اصبر شوية وآخد أجازة وأنزل معاك ...ماينفعش تبقى لوحدك .
هتف بها سيف مشفقاً عليه من مواجهة أمر كهذا دون سند خاصة وهو يدرك طبيعة صديقه الاتكالية الميالة للدّعة ...
لكن إسلام ربت على كفيه فوق كتفيه قائلاً :
_غالباً مش هاقدر أرجع تاني هنا قريب ...خلليك انت جنب عم علاء و"أنّا"..بلاش يحسوا إن الدنيا فجأة فضيت حواليهم .
رمقه سيف بنظرة حائرة مشتتة وهو لا يدري كيف يساعده في أزمة كهذه ...
لكنه وجد الفكرة تطفو لذهنه فجأة :
_رامز هناك هاكلمه وأخلليه يبقى معاك خطوة بخطوة .
فابتسم إسلام ليرد بنفس السخرية المريرة :
_هو أنا ما قلتلكش ؟! مش السيد الوالد يبقى الراس الكبيرة ورا خراب مصنع عديل رامز...شفت الدنيا ضيقة إزاي؟!
اتسعت عينا سيف بصدمة ليتراجع للخلف خطوة ...
مصنع أشرف زوج شقيقة هانيا !!
لقد أخبرته أمه وقتها لكنه الآن يربط الأمرين معاً!!
يالله ...كيف سيطلب من رامز مساعدة إسلام ؟!
بأي وجه ؟!!
_ما تشيلش همي يا صاحبي ...يظهر إن الدنيا خلاص بتوريني وشها التاني .
قالها إسلام بقنوط وهو يتحرك ليعطيه ظهره لكن سيف تحرك ليقف قبالته قائلاً بحزم :
_أنا مش صاحبك يا إسلام ...أنا أخوك ...مش بعد السنين دي لسه هافكرك ؟!
ثم ارتجفت حروفه بشعوره بالذنب ليردف:
_ولو لسة زعلان من موضوع غادة فأنا من يومها ما عتبتش المزرعة ...ولو عايزني ما أروحش هناك مش...
_وهاتقدر ؟!
قاطعه بها إسلام بذات التهكم المرير ليهتف سيف بنبرة كاذبة فاح فيها شعوره بالذنب:
_الموضوع مش كبير زي ما انت فاهم...الظاهر إنها بس فكرتني بآنجيل لكن أنا الحقيقة مش ...
قطع عبارته عاجزاً عن إكمال الكذب وهو يدرك أن إسلام في هذه الظروف لن يحتمل المزيد من الخذلان ...
لكن إسلام صمت قليلاً ليربت هو على كتفه قائلاً بصدق يدحض كذب صديقه :
_غادة مش لايقة عليّ ...زي ما أنا مش لايق عليها ...أنا اللي لازم أبقى بره المعادلة مش انت ...
كاد سيف يهتف باعتراض لكن إسلام أردف بنبرة عاد إليها تهكمها المرير:
_مش هنتعازم يا صاحبي! ...هي اختارتك ...وبصراحة...المفروض أشكرها على كده ...لما بنبعد بنشوف الصورة أوضح...دلوقت أقدر أحكم إني ما حبتهاش...أنا "بتاع برقوق" واللا نسيت ؟! اللي زيي مايعرفش يحب ...كبيره يتنطط من واحدة للتانية ...وغادة ما تستاهلش مني كده .
عقد سيف حاجبيه وهو يشعر أن النبرة اليائسة لصديقه تخفي حولها حملاً أكبر بكثير من أن يتحمله وحده ...
تراها مصيبة والده فحسب؟!
أم أنه يخفي شيئاً آخر؟!!
لكن إسلام أخفى كفيه المصابين خلف ظهره بخزي خفيّ مردفاً:
_يمكن سفري في الوقت ده هو الاختيار المناسب لينا كلنا...ودلوقت دورك انت تخرج من دايرة الماضي اللي عشت طول السنين دي حابس نفسك فيها ...
ثم ابتسم ابتسامة مختلفة هذه المرة حملت ما حملت من الرجاء واليأس ...لينهي الحديث بقوله :
_لو عايز فعلاً ترضي صاحبك افرح يا سيف ...افرح وفرّحها...ارمي ذنب زمان ورا ظهرك احنا مش هنعيش مرتين .
=======
_اللهم عامله بفضلك لا بعدلك وبإحسانك لا بميزانك ...أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله...اجمعني معه تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك !
غمغم بها عابد داعياً بصوت مسموع أمام قبر أبيه لتنخرط ياسمين جواره في البكاء فضمها لصدره بحنان ثم قبل رأسها قائلاً:
_بكاؤنا لن ينفعه الآن ...الدعاء أولى .
كفكفت ياسمين دمعها وهي تتمتم بالدعاء سراً قبل أن تشعر بيامن يجذبها من ذراعها بغيرة استشعرتها ليحيط كتفيها بذراعه بحمية مع قوله :
_ياللا عشان نلحق القطر ...عمي مستنينا من بدري .
قالها ليتحرك ثلاثتهم مغادرين منطقة المقابر التي أصر عابد على زيارتها قبل مغادرته العاصمة حيث توجهوا نحو سيارة يامن التي استقلها نحو محطة القطار ...
ورغم شعوره بغيرة غير منطقية من عابد الذي لا يتقبل إلى الآن تقاربه هذا مع ياسمين لكنه كان يعترف أن له هالة دافئة محببة ...
لهذا نظر إليه عبر مرآة السيارة الأمامية قائلاً بودّ:
_عمي هيفرح بيك قوي ...وكلم لك الشيخ (أبو إدريس) بنفسه عشان تنضم للحلقة بتاعته ...هناك كمان (كُتّاب) ممكن تحفّظ فيه الأطفال القرآن لو فاضي ...
ثم ابتسم ليردف بحرج:
_خايف تفتكرني "بطرّقك" بالذوق يا "أبو نسب"...لو ما عجبكش الحال هناك قول وما تتكسفش .
لكن عابد هتف باستحسان خلفه :
_الشيخ (أبو إدريس) تقصده الدنيا كلها لطلب العلم...أوصاني شيخي في ماليزيا بصحبته ...أظنني سأكون مرتاحاً هناك ...المشكلة الوحيدة في أمي لكنني أعرف كيف أسترضيها .
فضحك يامن ليمازحه بقوله :
_بس بقوللك إيه من أولها ...ما تاخدش في بالك لو مراة عمي استغربت طريقة كلامك...عندنا ما بيتكلموش فصحى إلا في المسلسلات المدبلجة .
فابتسم عابد بتفهم لتهتف ياسمين مدافعة :
_زمان برضه كنت بستغربها منه بس دلوقت خدت عليها ...بالعكس بدات أحبها منه ...
ثم مسدت بطنها بأناملها كأنها تخاطب ابنتها بقولها :
_هاعلمها ليمنى أول ما تتكلم .
_من غير ما تعلميها ...هي قناة كرتون واحدة تتابعها أسبوع وهتلاقيها قلبت الشيخ الفصيح زي أخوكِ كده بالضبط !
ضحك عابد ضحكة صافية وهو يستمع لمشاكسة يامن لها طوال الطريق مدركاً أن يامن سلك الطريق الصحيح حقاً لقلب أخته ...
ربما هذا ما يشعره بسكينة عذبة تملأ قلبه رغم رهبته من هذه الرحلة التي لا يعلم أين ستنتهي به ...
وفي القطار ركب يامن جوار ياسمين بينما استقل عابد الكرسي خلفهما ليستخرج مصحفه مستغلاً المسافة في استرجاع حفظه ...
فيما ضم يامن ياسمين لصدره ليهمس لها بوجع صبغ حروفه رغماً عنه :
_جيت هنا مرة من غيرك ...ما تعرفيش كنت حاسس بإيه وقتها .
_بإيه ؟!
تستنطقه بترقب وعيناها تتشبثان بعشق صافٍ تسكبه نظراته مع همسه :
_مش هاقدر أوصفلك...بس كفاية أقوللك إني عاهدت نفسي وقتها ما أرجعش إلا بيكِ.
_كان عندك أمل أرجع؟! وأنا اللي كنت عايشة بقول لنفسي مستحيل!
همست بها مغمضة العينين بألم لكنه احتضن كفها بين راحتيه ليهمس بعاطفة زلزلتها:
_الأمل ده هو اللي خلاني فضلت واقف على رجلي ...دنيتي كلها كانت واقفة مستنياكي.
فتحت عينيها تتلقف عطايا عشقه في عينين طالما أرهقتها أشعتهما العسلية بين "دفء" و"احتراق"...
شيئ ما لا يزال عالقاً بينهما ...
شيئ؟!
بل أشياء!!
لن تغرها هذه الهدنة التي منحها لها القدر فلاتزال هناك خطوة هامة يجب أن تسيرها نحوه ...
وخطوات تنتظر منه هو أن يعدو بها نحوها ...
هذا الخاطر الذي ظل يؤرقها طوال الطريق ...
ليقطعه صوت صافرة القطار معلناً الوصول ...
القرية الحبيبة من جديد ...
لعل نسيمها يبرد ما أشعلته الأيام !
======
_عمك ومراته مبسوطين بينا قوي ...
قالتها ياسمين برضا وهي تقف في نافذة الغرفة إياها تراقب شمس الأصيل تتمايل بإنهاك خلف الساقية القديمة ...
فابتسم وهو يربت على ظهرها قائلاً:
_ماتعرفيش بيحبوكِ أد إيه ...المرة اللي فاتت عمي حمدي كان هاين عليه يحلفني ما أرجعش إلا بيكِ.
لكنها أغمضت عينيها بقوة عن مرارة ذكرى فراقهما لتغير الموضوع بقولها :
_عابد كمان شكله مبسوط قوي ...من ساعة ما وصلنا والابتسامة ما فارقتش وشه.
_ولسه لما يقابل الشيخ بعد صلاة المغرب ...هيدعيلي .
_شكراً يا طيب .
همست بها وهي تعود ببصرها نحوه ليحتوي وجهها بين راحتيه هامساً:
_لسة مش حاسسها زي بتاعة زمان ...لسه ياسمين ما رجعتليش كلها .
فازدردت ريقها بارتباك لتغمض عينيها هاربة من نظراته ...
كلمات ياقوت تطفو رغماً عنها لمخيلتها ...
_صدمة وفاة والدك هزت معتقداتك شوية ...خلتك تنزلي من برج عالي اسمه ياسمين مابتغلطش وما بتسامحش اللي يغلط ...لكن لسه محتاجة تقفي مع نفسك أكتر ...تعترفي بعيوبها ...غلطها ...وتتقبلي فكرة إن غيرك كمان ممكن يغلط وتسامحيه زي ماانت عايزة تسامحي نفسك ...فكرتي مثلاً وإنتِ بتلومي يامن على إنه اتخلى عنك تلومي نفسك إنك كذبتي ...إنك أصلاً ضعفتِ قدام ...زين ...ده ؟!!
_سرحانة في إيه ؟!
يهمس بها وهو يداعب أنفها بأنفه بحركة حميمية لتفتح عينيها بنظرة تحمل شتاتها ...
لكنه حمل "القُلّة الفخارية" القريبة ليشرب منها ثم ناولها إياها ليهمس مداعباً :
_اشربي ...عشان تجري ورايا .
ظلت ترمقه بنظرة غريبة لم يفهمها وهي تدرك مغزى حركته هذه...
يامن قهر سلطان وساوسه حقاً؟!
أم لا يزال هناك كامناً ينتظر كالعنقاء بعثاً من وسط الرماد ؟!!
_طول عمري بجري وراك .
تغمغم بها بابتسامة آلمت قلبه بمرارتها ليضع ما بيده جانباً قبل أن يحيط خصرها بكفيه ليغرس نظراته في عينيها هامساً:
_واللي باقي من عمري هيبقى عشانك وبيكِ.
لكنها أشاحت بوجهها لترتجف شفتاها بهمسها :
_عايزة أحكي لك ...بس ...مش حدوتة من بتوع زمان ...عايزة...عايزة أتكلم ...
سالت دموعها على وجنتيها في عبارتها الأخيرة لكنه مسحها بأنامله ليهمس بحنان طوقها:
_يااااه ...من يوم ما رجعتِ وأنا مستني تقوليها ...مستنيكي تتكلمي.
_هتستحمل كلامي ؟!
_ياما استحملتيني!
_هتصدقه ؟!
_ماعدتش بصدق غيره !
_هترجع تبعد ؟!
_عمري!
همسته الأخيرة امتزجت بعزف شفتيه على شفتيها وهو يلصقها به كأنما يمنحها مع القول فعلاً ...
لكنها أخفت وجهها في صدره لتهمس برجاء:
_اوعدني ما تقاطعنيش لحد ما أخلص ...ولا تخليني أبص لعينيك .
فأحاط رأسها بكفه يلصقها بصدره أكثر وكأنما يمنحها ما طلبت ...
قلبه يخبره أنها ستحكي عن الجرح القديم ...
لا شيئ سوى هذا يجعلها تخشى لقاء عينيه ...
وقد صدق ظنه عندما تفجر بوحها بأول قنبلة :
_زين كدب عليك...قاللك نص الحقيقة بس عشان يرفع عني الغلط ...ليلتها أنا اللي رحتله ...دورت عليه بنفسي لحد مالقيته...ماشفتش لا قيم ولا أخلاق ولا ضمير ...ماشفتش غير وجع رامي اللي كنت عايزة أردهوله...لحد دلوقت مش مصدقة إني قدرت أعملها ...ياسمين ما طلعتش مثالية وقوية زي ما كانت فاهمة ومفهمة الناس ...طلعت ضعيفة ووقعت في الغلط اللي عمرها ما كانت تفكر تقع فيه...
صمتت للحظات بعدها لكنها لم تستطع رفع عينيها إليه...
لو فعلتها فستجبن عن البقية ...
وهي تريد إكمال اعترافها الممتزج بشهقات دموعها لعلها تزيح الوزر كاملاً عن كتفيها ...
_ولما جالي ماليزيا ما رفضتوش ...بالعكس...قلت له إني محتاجة إنه يحبني ...كنت عارفة إني بغلط بس كنت بتحدى كل حاجة ممكن تفكرني إني خسرتك ...كل ما كنت انت بتوحشني كنت ببعتهاله هو ...كل كلمة اتمنيت أسمعها منك كنت بستناها على لسانه هو ...الحاجة الوحيدة اللي ما استحملتهاش منه إنه يلمسني ولو حتى بسلام إيد ...بس حتى دي...حتى دي كان ممكن أعملها عِند وتحدي عشان أكسر قلبي ...
شعرت بجسده يتحفز بانفعال حولها لكنها لم تقوَ على رفع عينيها إليه ...
فقط شددت ذراعيها حول خصره لتردف :
_كل ده وأنا بلف في دايرة ورا دايرة عشان أهرب من مركز واحد بيقوللي إني غلط ...ويمكن لو كنت قربت منه واعترفت بيه ماكنتش لفيت كل ده !
انتهت كلماتها بالمزيد من دموعها لتشعر بخفقات قلبه تهدأ رويداً رويداً ...
لكن قلبها هي كان ينتفض بقوة خوفه رغم ارتياحها ارتياح من ألقى صخرة الذنب عن صدره ...
ماذا عساه سيفعل بعد كلماتها هذه وقد أدانت نفسها بنفسها؟!
هل سيبقى على الوعد الذي منحه إياها منذ قليل ؟!
_خلصتي ؟!
همسه المحايد يصلها فتخفي وجهها في صدره أكثر لا تدري خزياً أم طلب أمان !!
لكنه يرفعه بنفسه نحوه قبل أن يهمس لها دون مواربة :
_مين قاللك إني صدقت "الزفت" ده في كل اللي قاله ؟! الحاجة اللي صدق فيها إنك قاومتي في الآخر وضربتيه ...أنا حافظ تعابير وشك كلها ...من أول لحظة شفت الفيديو وأنا عارف إنك ماكنتيش مغصوبة ...عارف إنك ضعفتِ وغلطتِ بس فقتِ ...الحاجة الوحيدة اللي كنت مستنيها إنك انتِ تعترفي بده ...مش عشاني لأ...عشانك انتِ ...عشان دي كانت أول خطوة إن ياسمين ترجع لنفسها و...ترجعلي !
رمقته بنظرة مصعوقة للحظات لا تكاد تصدق ...
خاصة عندما استطرد بنبرة لم تخلُ من مرارة :
_صدقيني لو قلتلك إني حتى مش بلومك إنك كدبتِ علي لما سألتك عنه...لما بفتكر نفسي زمان...بفتكر شكوكي حتى في أقرب الناس ...بلاقي إنك حتى لو كنتِ قلتيلي الحقيقة ماكنتش هاصدقك ...
_يعني ...مسامحني؟!
همست بها بين دموعها ليقبل جبينها بعمق هامساً:
_مفيش بيننا أسامحك وتسامحيني ...انتِ مني وأنا منك .
لم يكد ينهيها حتى انسابت قبلاتها تغرق وجهه بتلك الطريقة التي تمزج عفوية الطفولية بإغواء النساء ...
قبلاتها لم تكن مجرد تراقص شفاه عابث فوق بشرته لكنها كانت "صكوك غفران" توقّعها روحها منه وإليه ...
كانت تحتاج هذا الاعتراف حقاً ...
هذه المكاشفة ...
أن تعرّي عيوبها لنفسها قبله ...
أن تعترف بزلاتها لعلها تسامح نفسها وتقبل أن يسامحها ...
لم يعد ما بينهما مجرد "هبة" امرأة "مثالية" لرجل لا يقبل الزلل ...
بل "عطاء" متبادل يمنح فيه كلاهما الآخر بقدر ما يأخذ ...
لهذا انسابت عطايا عشقه تغمرها بين ذراعيه هو الآخر ...
"ساحرته" عادت تبسط تعاويذها على أرض عالم لم يعترف بغيرها ملكته ...
والجسدان يشتعلان بلقاء أزكته نيران القلوب ...ونورها!!
لقاء قطعته طرقات على باب الغرفة لتتراجع ياسمين عنه بينما يهتف بضيق:
_مين؟!
والصوت الطفولي يأتيه راجياً فيبتسم لها هامساً بمشاكسة :
_الواد ده غلس ومش هيمشي ...هافتح بس ما تطوليش معاه .
ابتسمت بدورها وهي تراه يتقدم ليفتح الباب للطفل الذي دخل بابتسامة مرتبكة حاملاً لوحته ...
فهتف به يامن بحنان :
_مش وعدتك أرجع بيها عشان تشوف الصورة ؟!
ضحكت ياسمين ضحكة صافية وهي تفتح ذراعيها للصغير الذي تقدم نحوها فارداً ورقته في وجهها بزهو طفولي ...
لتهتف بعد عناق قصير له :
_يا ربي ع الطعامة! الحلوة دي أنا ؟!
_انتِ أحلى!
يقولها الصغير وهو يقبل وجنتها فتضحك وهي تغرق وجهه بقبلاتها مدركة غيرة يامن من تصرف كهذا ...
لكنها أخرجت له لسانها في خفية من الصغير الذي هتف بحماس طفولي:
_لو عجبتك هاتي تمنها .
ضحكتها الصافية التي أزالت بقايا دموعها تعلو بصوتها :
_عايز إيه ؟!
فيشير الصغير لبطنها قائلاً :
_أمي بتقول هتجيبي بنت ...لو طلعت شبهك جوزيهالي .
خبطه يامن على قفاه بحركة مشاكسة هاتفاً:
_ولو طلعت شبهي أنا.
_خليهالك.
يجيبه الصغير وهو يمسد مؤخرة رقبته بغيظ لتعاود ياسمين ضحكاتها المنطلقة وهي تضم الصغير في عناق جديد لتخاطب يامن من خلف كتفي الطفل بقولها:
_هتطلع أجمل مني ...وأجمل منه ...هتبقى أجمل بنت في الدنيا .
فتلتمع عينا يامن بحنان أرجف جسده وهو يتصور نفسه يحمل ابنته ...
عجباً !
كيف فرّ من هذا الشعور يوماً مع ابنه الراحل ككابوس فظيع ؟!
وكيف يرجوه الآن كمعجزة ؟!
هل هو فارق الأم ؟!
أم الفارق في روحه هو التي عادت لفطرتها بعدما شوهها الخذلان ؟!!
_هاجمع الولاد بكره عند الساقية وتحكيلنا حدوتة .
قالها الصغير بعدما سمع صوت أمه تناديه من الخارج فقبلت وجنته لتمنحه وعدها قبل أن يختفي من أمام ناظريها ويامن يغلق الباب خلفه ب"المفتاح"!!
_شفت حلوة إزاي؟!
تسأله مشيرة لرسم الصبي لكنه يتقدم منها ليزيح ما بيدها جانباً قبل أن يهمس بعينين عابثتين وأنامل أكثر عبثاً :
_أنا حالياً مش شايف غير حاجة واحدة بس حلوة !
_ما وحشتكش حواديتي ؟!
تهمس بها بخجل وهي تشعر به يدفعها برفق نحو الفراش لتستلقي على ظهرها بينما يشرف هو عليها من علوّ هامساً بنفس المكر العابث:
_وحشتني حواديتي أنا أكتر!
تغمض عينيها على فيض العشق في عينيه لتشعر به يغرقها مع همسه الذي زاد اشتعاله :
_أحكي؟!
فتزكيه هي أكثر بهمسها المغوي:
_احكي يا "شهريار".
=======
_أهلاً يا عابد .
يقولها الشيخ "أبو إدريس" في المسجد الكبير الخاص بالقرية ليتهلل وجه عابد بقوله :
_لقاؤك شرف لي يا شيخنا ...طوال رحلتي إلى هنا وأنا أحلم أن أدرس في علم "الحديث" على يديك !
فابتسم الشيخ بتواضع ليسأله باهتمام :
_ما قرابتك ب"الحاج حمدي"؟!
_هو عم زوج أختي!
قالها عابد ببساطة لتتسع ابتسامة الشيخ بقوله ببعض الاستغراب:
_قرابة بعيدة على أن تترك بلدك وتأتي إلى هنا .
تردد عابد قليلاً ثم حكى له قصته تحت بصر الشيخ الذي كان يستمع إليه بالكثير من الأسى ...
لينهي عابد الحديث بقوله :
_أظنها نعمة من الله أن يمنحني حياة أخرى هنا بعيداً عن الضغوط التي عشتها هناك .
_نعم الرأي يا ابني ...نعم الرأي...
ثم عاد يسأله باهتمام :
_تحفظ القرآن كله ؟!
_ومعي "إجازة"بتحفيظه .
قالها عابد مع إيماءة رأس متواضعة فظهر الاستحسان على وجه الشيخ الذي قام من مجلسه ليقوم عابد بدوره مع قول الأول:
_إذن تُعلّم وتتعلم ...أحتاجك هنا في "الكُتّاب" صباحاً...ونبدأ دروسنا مع بقية طلاب الحلقة في المساء .
قالها الشيخ وهو يخرج معه من المسجد ليبدأ في ارتداء نعله قبل أن يسمعه عابد يهتف فجأة بحبور :
_ست ثمر !
التفت عابد بفضول وهو يرتدي حذاءه بدوره متعجباً من هذه المرأة العجوز التي بش لها الشيخ هكذا مع بساطة مظهرها ...
لكنها ما كادت تقترب منهما حتى فطن لهذه الهيبة الفطرية التي تحوطها ....
مع هذا الحنان الفائض في عينيها ...مزيج غريب لم يقابله كثيراً بين البشر !
_إزيك يا مولانا ؟!
تسأله ثمر بنبرتها الحنون ليجيبها الشيخ عفوياً قبل أن يخاطب عابد بقوله :
_"الست ثمر" أم الكل هنا ...واجبٌ لكلمتها السمع والطاعة.
ثم أشار لعابد مخاطباً ثمر :
_عابد ...قريب الحاج حمدي ...ضيفنا وتلميذي.
تفرسته ثمر بعينين متفحصتين للحظات قبل أن تمنحه بعض دعواتها الصادقة لتنخرط بعدها في حديث مع الشيخ عن بعض الفتاوى التي طلبتها منها بعض النساء واستحيين من سؤال الشيخ عنها بأنفسهن
_السلام عليكم .
قالها يامن وهو ينضم إليهم ليصافح الشيخ باحترام قبل أن يغلبه مزاحه :
_"أبو نسَب" عامل معاك إيه يا شيخنا؟! نسيبه هنا واللا نرجعه مصر بكرتونته ؟!
فابتسم الشيخ وهو يربت على كتف عابد باعتزاز مع بضع عبارات مجاملة ...
قبل أن ينتبه يامن للمرأة التي أشار لها الشيخ بقوله :
_الست ثمر .
فارتفع حاجبا يامن بدهشة للحظة وهو يراها لأول مرة قبل أن يبتسم ليقول بإجلال حقيقي:
_أهلاً يا ستنا ...سيرتك الحلوة مسمعة في كل حتة.
نظرات ثمر المتفحصة تشمله وهي تشعر أنه يخفي شيئاٌ بشأنها خاصة عندما اتسعت ابتسامته ببعض الحرج وهو يشيح بوجهه عنها مفكراً...
لاريب أنها كانت تشبه ياقوت كثيراً في شبابها ...
نفس العينين الذكيتين الملتمعتين بالطيبة !!
لكن هل يملك الجرأة ليخبرها أين التقى بحفيدتها ؟!
بالطبع لا!!
لهذا سحب عابد من ذراعه ليستأذن منهما بنبرة مهذبة قبل أن ينصرفا تلاحقهما نظرات ثمر المتفحصة ...
والتي غمغمت بما بدا كالنبوءة :
_شكلهم ولاد حلال ...الخير على قدوم الواردين .
=======
_ادخلي يا رابحة .
قالتها ثمر بودّ وهي تفتح الباب للفتاة ذات الأربعة عشر ربيعاً ...
ابنة "الست أفكار "..."مورّدة العرسان الأولى" في القرية ...
والتي لا تبرح تقدم لحفيدتيها عريساً جديداً من آن لآخر غير يائسة ...
رغم أن الوضع يبقى كما هو كل مرة ...
ياقوت ترفض الجميع ولجين...لجين يزهدها الجميع!
_إزيك يا ست ثمر ...أمي باعتاني أشوفك عايزة حاجة ؟!
قالتها الفتاة وعيناها الفضوليتان تجوبان المكان حولها كعهدها فابتسمت ثمر قائلة بمرح:
_أمك مزوداها قوي في القلق عليا من يوم ما تعبت آخر مرة...قولي لها مش هاموت وقاعدة على قلبها .
_بعيد الشر عنك يا ستنا ...أمي بتحبك وانت عارفة .
قالتها الفتاة بجزع حقيقي لتضحك ثمر عبر أسنانها المكسورة لتتوجه نحو مطبخها الصغير هاتفة :
_اتغديتي يا بت ؟!
_خيرك سابق يا ستنا.
تقولها رابحة تتبعها للمطبخ باستسلام فهي تدرك أن من يدخل بيت ثمر يجب أن ينال "واجب ضيافته" أولاً...
وبالنسبة إليها هي ف"إطعامها" غاية مقدسة لدى ثمر التي تراها دوماً هزيلة نحيفة الجسد !
_بطاطس بالتقلية وورك فرخة يستاهلوا بقك.
قالتها ثمر وهي تضع لها الطبق على "الطبلية" المستديرة لتهتف رابحة باعتراض واه ...
لكن ثمر تخاطبها كطفلة بقولها :
_كُلي عشان تتدوّري و"خرّاط الصبايا" يخرطك!
فتتورد وجنتا الفتاة بخجل ناقض ما فعلته بعدها وهي تضم ثوبها بشدة حول جسدها لتظهر براعم أنوثتها مع هتافها الراجي:
_كبروا شوية يا ست ثمر ؟! قولي آه .
لكن ثمر تخبطها بخفة في صدرها لتهتف زاجرة رغم ضحكتها :
_اتحشمي يا بت...جيل إيه المهبب ده ؟!
لكن الفتاة تخرج هاتفها من جيبها لتضبطه بوضع التصوير قبل أن تزم شفتيها فيما يسمونه "بوز البطّة" تمهيداً لالتقاط صورة ...
_ارمي المخروب اللي هابلك ليل ونهار ده ...واقعدي كلي .
قالتها ثمر ناهرة لكن الفتاة تلاعبت قليلاً بهاتفها قبل أن تريها منه صورة بعينها مع هتافها المتحمس:
_شفتِ الشيخ الجديد اللي جه البلد للشيخ أبو إدريس؟! شفتِ حليوة إزاي؟!
_شفته !
قالتها ثمر وهي تعطيها ظهرها لتفرد بعض أوراق النعناع الأخضر فوق خرقة نظيفة تحركت بها نحو نافذة صغيرة في المطبخ لتضعها هناك تمهيداً لتجفيفه بينما الفتاة تلاحقها بثرثرتها :
_بيقولوا غني قوي ...متربي بره وأهله ناس أكابر من مصر ...ومش خاطب ولا متجوز ...كل ستات البلد حاطين عينهم عليه لبناتهم...أهه ده العريس اللي كامل مكمل يا ستنا .
_ما كامل إلا محمد !
قالتها ثمر وهي تعاود لكز الفتاة في كتفها لتتأوه الأخيرة هاتفة بفخر ساذج:
_أول ما شفته صوّرته على غفلة ...انتِ عارفة كام واحدة طلبوا مني صورته دي ؟! أنا الوحيدة اللي معايا .
_يابت اتلمي ...هي أمك جايبة لك المخروب ده عشان تبوظي بيه دماغك ؟!
هتفت بها ثمر باستنكار لكن الفتاة تعاود ثرثرتها العابثة :
_أول ما شفته قلت يارب يبقى من نصيب دكتورة ياقوت ...أو ست لجين...دي تبقى طاقة القدر اتفتحت لهم يا ستنا.
_ما تسكتي شوية يا بت ...هو أنا بناتي بايرين ؟!
تقولها ثمر بنفاد صبر وهي تعود لداخل المطبخ بينما الفتاة لا تتركها بهتافها العابث :
_العفو يا ستنا ...ماهو لو مش هاتاخديه لواحدة فيهم هادعي يبقى من نصيبي ...
ثم رفعت كفيها للسماء بدعائها:
_يارب يبور وما يلاقيش اللي ترضى بيه لحد ما أكبر سنتين تلاتة بس!
ضحكت ثمر لدعوتها للحظات قبل أن تجلس متربعة على الأرض فضحكت الفتاة بدورها وهي تجلس جوارها على الطبلية لتتناول ملعقة من الطعام تلوكها في فمها الذي عجزت عن كبح ثرثرته :
_عارفة الشيخ عابد ده يبقى مين ؟! يبقى قريب دكتور يامن ابن أخو الحاج حمدي ...اللي هو مين ؟! ابن الحاج عبد الرحيم الله يرحمه ...والممثلة المشهورة بيللا ...ياه يا ستنا لو تيجي هي كمان هنا وأتصور معاها ؟!
قالتها وهي تعبث بهاتفها بما يقارب الهوس فمطت ثمر شفتيها باستياء لتهتف بها :
_هو لسانك ده ما بيفصلش رغي ؟! انتِ جاية تساعديني واللا تدوشيني؟! كُلي من سكات.
لكن الفتاة تضحك وهي تشير لقطعة الدجاج هاتفة بدلع :
_طب نثريلي الفراخ يا ستنا ...من إيديكي بتحلو !
_بكّاشة صحيح !
قالتها ثمر باستياء لم يتمكن من إخفاء حنانها وهي تقطع له نصيبها من الدجاج لتضعه في طبقها مردفة :
_مالكيش حجة ...كلي بقا.
_وتدعيلي يبور وأتجوزه أنا يا ستنا ؟!!
تسألها بلهفة وهي تميل على وجنة ثمر تقبلها بقوة جعلت الأخيرة تضحك من سذاجتها لتقول باستسلام :
_هادعيلك بالطيب ...بس كلي .
هنا تبتسم الفتاة وهي ترفع هاتفها لتلتقط لهما صورة مفاجئة قبل أن تنكب على الطعام لتتناوله تحيطها نظرات ثمر الحانية ...
فتاة طيبة كأمها تملأ عليها وحدتها في تلك الأيام التي تكون فيها وحدها مع سفر لجين وياقوت ...
حماستها ونزقها تذكرها بياقوت عندما كانت في سنها لكن الأخيرة لم تكن تشتهي الزواج ...
ولا تزال!!
على عكس لجين التي تريده لا رغبة بل "ستراً"...
ستراً من عيون الناس التي تتهمها بذنب لم ترتكبه !!
انقطعت أفكارها برنين هاتفها المحمول الذي -بالكاد- تجيد استخدامه بعد إلحاح ياقوت المستمر كي تطمئن عليها ...
فقامت من مكانها بصعوبة تناسب سنها ومرضها وما كادت تفعل حتى ترنحت قليلاً لتتشبث رابحة بكفها بسرعة وهي تقوم لتسندها هاتفة بجزع:
_مالك يا ستي ؟!
لكن ثمر تمسك رأسها بوجع لتغمغم بصوت منهك :
_هاتي التليفون.
كان الرنين قد انقطع فهتفت رابحة برجاء وهي تسندها لتتوجه بها نحو فراشها :
_هبات معاكي الليلة دي ...لا ...هاقول لأمي وأبات معاكي لحد ما البنات يرجعوا ...عشان خاطري يا ستي ...هاخد بالي من أكلك ودواكِ.
أومأت ثمر برأسها في استجابة لتغمغم :
_بنت حلال...أنا فعلاً نسيت دوايا النهارده...روحي هاتيه .
غادرتها الفتاة لتحضر لها بغيتها عندما عاد هاتفها جوارها للرنين فتناولته ليصدمها الخبر من ياقوت ...
(لقد تم القبض على حسين بتهمة الاتجار في المخدرات...لكنه...هرب! )
=======
_أبو ياقوت ؟! معقول؟!
يهتف بها يامن بدهشة مستنكرة وهو يجلس في صالة بيت عمه حيث أخبره بالنبأ الذي انتشر في القرية انتشار النار في الهشيم ...
دهشته التي جعلت عمه يسأله باهتمام :
_انت تعرفها منين ؟!
فتبادل هو وياسمين نظرات ذات مغزى أدهشت عابد كذلك الذي كان يراقبهم صامتاً خاصة عندما قال يامن بارتباك :
_واحد صاحبي كان بيتعالج عندها من أزمة نفسية...بيقول شاطرة جداً.
لكن عمه لم ينتبه لارتباكه وهو يرتشف الشاي ليقول بأسف:
_فعلاً شاطرة وبنت أصول هي وأختها ...تربية الحاجة ثمر اللي الكل بيتحاكى بيها ...منه لله أبوهم دايماً فاضحهم وكاسر عينهم .
_ما الحكاية ؟! أنا قابلت ثمر هذه عند الشيخ "أبو إدريس"!
سأل عابد بفضول ليمنحه العم حمدي تفاصيل حكاية ياقوت ولجين من البداية ...
الحكاية التي استغرب تفاصيلها قليلاً في البداية قبل أن تتحول دهشته لإعجاب آسف علق به على الحكاية :
_امرأة رائعة بحق ...لكن ما ذنب البنتين في جرم أبيهما ؟!
_مالهمش ذنب يا شيخ ...والبلد كلها صغيرها قبل كبيرها بيعمل للست ثمر وبناتها ألف حساب ...بس الأمر ما يسلمش ...الجديد هيقوّم القديم واللي اتنسى الناس هترجع تفتكره ...لا حول ولا قوة إلا بالله .
هتف بها العم حمدي بأسف ليعقد يامن حاجبيه بضيق قبل أن يميل على أذن ياسمين هامساً :
_هاقوم أكلمها أشوف لو عايزة حاجة.
ورغم شعورها بغيرة خفية لكنها قامت من جلستها لتستأذن العم وعابد وتصعد مع يامن نحو غرفتهما ...
تراقبه بتفحص وهو يتناول هاتفه ليتصل بها لكنه كان مغلقاً ...
زفرته الغاضبة تفضح حميته لتقترب منه قائلة :
_أكيد متضايقة ومش هتفتح تليفونها دلوقت ...اصبر شوية .
رمقها بنظرة ضائقة قبل أن يهتف بانفعال:
_انتِ ما تعرفيش حاجة زي دي ممكن تعمل في واحدة زي ياقوت إيه ...بعد ما خلاص الناس كانت نسيت الفضيحة القديمة ...منه لله أبوهم ده .
ولم يكد ينهي كلماته حتى رن هاتفه ليجد الاتصال من رانيا يصدمه بالخبر وهو يجمع خيوط المعلومات ...
حسين رجائي الذي كان خلف قضية مصنع أشرف ...
هو ذات الرجل والد ياقوت !!
_وأشرف فين دلوقت ؟!
يسألها بتشتت ليصله صوتها المنفعل:
_لحد دلوقت ما شفتوش بس نشوى قالتلي إن هو ساعد البوليس في القبض عليه ...عشان كده كان مختفي طول الفترة اللي فاتت .
عقد يامن حاجبيه وياسمين ترمقه بنظرة قلقة لكنه على ربت على كتفها مهدئاً ليقول مخاطباً رانيا :
_ما تقلقيش ...احنا خلاص راجعين .
قالها لينهي الاتصال قبل أن يحكي لياسمين التي ابتدرته بقولها :
_موقفك مع ياقوت دلوقت هايبقى محرج جداً ...جوز رانيا قصاد باباها !!
لكنه زفر بقوة هاتفاً :
_ده على أساس إنها طايقة أبوها ده من أصله ؟!
_برضه الأمر ما يسلمش ...عموماً تعال نرجع مصر وبعدين نشوف هنعمل إيه .
قالتها بحيرة قلقة وذهنها مشتت بين عابد الذي اتخذ قراره بالبقاء هنا ،وياقوت التي تشعر الآن بشفقة هائلة نحوها ...
تعلم أن حمية يامن ستجعله يريد العودة للعاصمة والحقيقة أنها تشاركه الرغبة ...
كم تشعر الآن أن ياقوت تشبهها ...
ماضٍ مشوه لطخ الحاضر والغد ...
نقاومه فننتصر مرة وننهزم مرات ...
"سينابون"!!
حقاً ...هكذا نحن ...مزيج من مذاق القرفة اللاذع و"الصوص" الحلو ...
والعجين المتخمر بماء الماضي!
=====
_مفيش أخبار عن أشرف ؟!
سألتها رانيا وهي تدخل عليها غرفة مكتبها في المصنع الذي بدأ لتوه يقف على قدميه من جديد بتدبير نشوى التي رفعت إليها الآن عينيها بابتسامة فرحة مجيبة بغموض :
_يعني ...ممكن النهارده تبقى فيه مفاجأة كويسة !
_زي إيه ؟!
هتفت بها رانيا بلهفة لتنظر نشوى في ساعتها قائلة بمرح زين ملامحها العابسة أغلب الوقت :
_اصبري وهتعرفيها .
طرقات خافتة على الباب جعلت كلتيهما تلتفت نحوه ليفتح ويظهر من خلفه الرجلان ...
أشرف وهذا الرجل الذي تراه رانيا لأول مرة ...
بينما كانت نشوى تعرفه منذ سنوات تقارب عمر صداقته لشقيقها ...
ناصر شفيق...
ضابط الشرطة الذي ساعد أشرف في مهمته بعدما أخرجه من المصحة .
_أشرف!
كلتاهما قالتها لكن نشوى هي من اندفعت لتطوقه بذراعيها بقوة ودموعها تفضح عاطفتها التي صارت تكبتها مؤخراً عن عيون الناس ...
بينما وقفت رانيا مكانها مصدومة ومشاعرها تتخبط بها في دوامة من انفعالات ...
اشتياق...لهفة...فرحة...أمان مسافر عاد له وطنه بعدما اغتصبوه منه ...
كل هذا كان منطقياً ...
لكن الغريب حقاً كان هذا الغضب الذي ملأها وهي تشعر بالغربة...
بالنبذ ...
أنها كانت "آخر من يعلم"!!
ك"أصمّ يقف وحيداً في حفل زفاف"!!
لكن ...أليس في هذا نوع من العدالة ؟!
ألم تكن هذه مكانتها التي اختارتها قديماً...
مجرد مفعول به في جملة كان هو دوماً "فاعلها"؟!!
هل يحق لها الآن الغضب ؟!!
إذا كان لا يحق لها ...فماذا عن الصمت ؟!!
الصمت الصارخ بانفعالاتها وعيناها تواجهان عيني أشرف الذي كان يتوجه الآن نحوها ...
كفه يمتد لكفها بمصافحة ليست كمصافحة !!
أنامله تضغط أناملها بقوة حانية وإبهامه يداعب العرق النابض في معصمها بهذه الحركة الخاصة التي يدرك كلاهما كم كانت تعشقها ...ولا تزال !
أنفاسه تتلاحق ووجهه يتقارب منها لتصب نظراته الشوق في عينيها صباً ...
فتسيل دموعها على وجنتيها وهي تشعر بالمزيد من الغضب ...
الغضب من نفسها ...ومنه !!
بعد كل ما بينهما يلتقيان هكذا كالغرباء !!
لم يأتمنها طوال الأيام السابقة على سره ورضي بأن يحلق وحيداً بعيداً عن السرب كعهده ...
والآن يعود يظنها لا تزال الخانعة التي لا تستطيع اتخاذ قرار !!
يظهر لها هكذا فجأة كزائر وهي التي انتظرت اقتحامه كعاشق!
لهذا سحبت كفها منه لتشيح بوجهها متمتمة بين دموعها :
_حمداً لله ع السلامة.
عقد حاجبيه وهو يشعر بأن شيئاً ما فيها قد تغير ...
نشوى أخبرته الكثير عن دعم رانيا لها ومساعدتها إياها طوال الأيام السابقة...
لكنه لم يصدق أن "هريرته" الناعمة تفقدت أخيراً مخالبها لتبرزها وقت الشدة ...
غضبها لا يزال غير مفهوم بالنسبة إليه ...
هو جنّبها المشاكل كعهده طوال عمريهما فلماذا الآن تعترض؟!!
_أنا آسف إننا قلقناكم باختفاء أشرف بس دي كانت مصلحة القضية أولاً ورغبته هو ثانياً.
قالها ناصر بلباقة مقاطعاً الصمت في المكان لتتفحصه رانيا ببصرها ...
صورة مثالية لضابط شرطة ممشوق القوام عريض المنكبين ...
وسيم بهذه الطريقة التي يتخيرون بها نجوم السينما ...
لكن ثمة حزم قاسٍ يبزغ في نظراته لم تستطع طبيعتها الوديعة تقبله ...
حزم بدا في استطراده بعدها :
_صحيح هو قدر هرب بسرعة ما تخيلنهاش كأنه كان عامل حساب اليوم ده ...بس مش هيقدر كتير ...احنا قطعنا صوابع إيديه كلها والباقيين مش هيقدروا يعملواله حاجة ...
ثم ابتسم ليردف وهو ينظر لنشوى نظرة خاصة :
_زي ما بيقولوا "الفئران أول من يغادر السفينة الغارقة"!
هل ارتجفت نظرات نشوى التي طالما عهدتها قوية أم أنها فقط تتوهم ؟!!
لا ...كفّاها كذلك يرتجفان قبل أن تخفيهما خلف ظهرها وحديث العيون بينها وبين ناصر يفضح ما هو أكبر بكثير من التحفظ البادي بينهما !!
_تشربوا إيه ؟!
هتفت بها نشوى مغالبة ارتباكها وهي تشير لهما بالجلوس ...
وبينما كان أشرف غارقاً بكليته في تفاصيل رانيا التي ذابت بين غضب واشتياق ...
كان ناصر ينظر لنشوى نفس النظرة الخاصة مع إجابته وهو يجلس على الأريكة الجانبية بأريحية ناسبت قوله :
_قهوة ...
ثم تهدج صوته نوعاً بنبرة ذات مغزى مع استطراده :
_سادة...ماعدتش بشربها زيادة زي زمان.
هنا تحرك أشرف ليواجه ناصر بنظرة عاتبة تعجبتها رانيا خاصة مع شحوب وجه نشوى التي جلست على كرسي مكتبها مطرقة برأسها بينما أشرف يضغط الزر ليطلب لهم هو بنفسه ..
_مش تسيب نشوى تفرح شوية بدور المدير الجديد ؟! من أولها هتفرض سلطاتك كده ؟! ما تزعلهاش ...لما بتزعل بتاخد قرارات متسرعة .
عقدت رانيا حاجبيها وهي تسمعها من ناصر بلهجة غريبة مزجت المرارة بمرح حاول تصنعه لتجد أشرف وقد احمر وجهه ليهتف بانفعال تعجبته :
_نشوى دماغها يوزن بلد ...ولو ماكنتش واثق في كده ماكنتش سبت لها كل حاجة وأنا مطمن .
فنقلت بصرها بينهم بتفحص وهي تشعر بالمزيد من الغرابة ...
نشوى التي أطرقت بوجهها الشاحب ولغة جسدها تفضح توتراً ملحوظاً...
أشرف الذي تحرك ليحيط كتفي شقيقته بذراعه وكأنما يمنحها دعماً لا تدري سببه ...
وأخيراً ناصر الذي أطرق قليلاً برأسه هو الآخر للحظات قبل أن يرفعه بقوله الذي لا يزال يتعمد صبغة حزمه بالمرح :
_أكيد ...وأنا لسه هاعرفها؟!
هكذا إذن ؟!
يبدو أنه يعرفها منذ زمن بعيد ...
لكن لماذا لا تبدو معرفة سطحية ؟!!
_أكبر مشكلة واقع فيها دلوقت هي رجوع إسلام...مش عارف هاحط وشي في وشه إزاي .
قالها ناصر بما ظهر وكأنه فقط يغير الموضوع أمام نظرات أشرف العاتبة والذي زفر بحرارة قائلاً:
_هيفهم إنه واجبك ...ومش معنى إنك صاحبه إنك تخالف ضميرك.
_مين إسلام ؟!
سألت رانيا في محاولة لكشف بعض ألغاز هذه الجلسة ليرد ناصر بابتسامة لم تكسر هالة الحزم القاسي حول ملامحه :
_صاحبي من زمان بس هو سافر اسطنبول من فترة...وللصدف السعيدة يبقى ابن حسين رجائي .
أصدرت رانيا همهمة تفهم لتسأله باهتمام :
_وإزاي قدرتم توقعوه ؟!
فيجيبها أشرف هذه المرة :
_فاكرة الست اللي اسمها سيدة ؟! كانت اتقتلت من فترة بعد ما كشفوا إنها عرفتني الحقيقة...الست دي قريبتها كانت زميلة ابن حسين التاني في الجامعة...ولد اسمه هيثم شكله محترم برضه وبعيد عن سكة أبوه...أنا عرفت أقنعها تقرّب من حسين أكتر عشان تكشفه وهي شافتها فرصة تنتقم لدم قريبتها اللي راح هدر ...وفعلاً قدرت تزرع جهاز تصنت في مكتبه من غير ما يحس ...ولما اطمن خالص ورجع لشغله القذر اصطادوه متلبس .
_وقع في شر أعماله ...مين يقول داهية زي ده توقعه واحدة ست ؟!
تقولها رانيا بتشفّ ملتاع ليرد ناصر وهو يختلس نظرة نحو نشوى التي لا تزال مطرقة الرأس عازفة عن المشاركة :
_ما تستهونيش بالستات ...لما بيحطوا حاجة في دماغهم ما بيهدوش إلا لما بيوصلوا .
هل رمقته نشوى بنظرة عاتبة أم أنها فقط يهيأ إليها ؟!
تباً!
حديث العيون بين ثلاثتهم يبدو لها شاذاً مشحوناً وكأنها الطرف الغريب هنا !!
الخاطر الأخير يملأها بالمزيد من الغضب لهذا الوضع الذي تبدو فيه حقاً بلا دور!!
لهذا أشاحت بوجهها لتتحرك نحو الباب قائلة بضيق :
_عن إذنكم ...هامشي أنا ...
ثم التفتت نحو نشوى بقولها :
_أظن بعد رجوع أشرف مش هتحتاجيلي ...وعموماً لو عايزة حاجة كلميني .
قالتها لتخرج مغلقة الباب خلفها بسرعة فتحرك أشرف ليلحق بها تاركاً خلفه زوجاً من العيون تتناحران بالمزيج من العتاب والذنب ...
وإن كان الصمت لا يزال يطوقهما !!
وإلى الغرفة المجاورة دخلت رانيا لتجذب حقيبتها تأهباً للرحيل عندما شعرت به خلفها يغلق الباب فالتفتت نحوه لتهتف دون أن تنظر إليه :
_مش عايزة أتكلم دلوقت يا أشرف .
_ليه ؟!
يقولها برفقه الحليم وهو يقترب منها أكثر ليستمر هتافها المعرض عن لقاء نظراته :
_عشان لو اتكلمت كلامي مش هيعجبك ...مش بعد كل الأيام اللي اتحرمت فيها منك دي هنتخانق أول ما أشوفك .
ارتجف صوتها في عبارتها الأخيرة واشياً بقرب بكائها فاقترب منها أكثر ليحتضن كفيها بكفيه هامساً :
_عارفة وحشتيني أد إيه ؟!
تغمض عينيها بقوة لتنساب دموعها حارة قبل أن تسحب كفيها منه بعنف ...
لكن لتطوق رقبته بذراعيها ملصقة وجنتها بوجنته مع همسها الباكي:
_هنت عليك تسيبني كل ده من غير حتى ما تطمني؟! بتردهالي عشان غلطت قبلك وبعدت ؟! من امتى بتعاقبني كده ؟!
فضمها بقوة نحوه ليهتف بحنان عاد يهدهد أحزانها :
_أقسم بالله ما فكرت فيها كده ...انتِ عارفة إنك انتِ بالذات مهما عملتِ قلبي ما يعرفش معاكِ غير إنه يسامح...كل اللي كان في بالي إني أرجع لنفسي قبل ما أرجع لك ...أطمن إني ماعدتش هاضعف وأرجع للقرف ده تاني ...ماكنتش هسامح نفسي إني ضيعت ابننا إلا لو خدت حقه وحقك بإيدي ...
ثم ابتعد قليلاً ليمسح دموعها بأنامله مردفاً بنبرة أرق:
_مكنتيش بتغيبي عن بالي لحظة واحدة ...بس كنت براقبك من بعيد ...فرحان بحبيبتي الجديدة ...ماخبيش عليكِ إني في الأول كنت خايف تخذليني ...بس كل يوم كان بيعدي كنت بكتشف إن اللي حصل كان لازم يحصل عشان احنا الاتنين نتغير .
_هترجعلي يا أشرف ....والليلة دي ...هاكلم يامن حالاً وأقولله يتفق مع المأذون !
هتفت بها بنزق غريب على طبيعتها الخانعة القديمة ليرفع حاجبيه بدهشة قبل أن يطلق ضحكة عالية سبقت قوله :
_هلّا هلّا ...وبقينا بناخد قرارات وندي أوامر كمان ؟!
_أيوة ...ومش هاسمحلك تأجل حتى يوم واحد !
تقولها بانفعال غاضب صنع مع حمرة خديها مزيجاً شهياً فتنهد بحرارة ليلصق جبينه بجبينها هامساً :
_ومين هيستحمل يأجل ساعة واحدة ؟!
لكنه عاد يبتعد بوجهه ليسألها بترقب امتزج بالكثير من الامتنان :
_بس عارفة إننا هنبدأ من الصفر المرة دي ؟! عشان حبيبتي الجدعة باعت شقتنا وادت فلوسها لأختي ترجع بيها المصنع ...عندك استعداد نعيش في بيت بابا القديم مع نشوى وبنتها ؟!
_في أي حتة المهم أبقى معاك .
قالتها بعاطفة امتزجت بعزم غريب على طبيعتها التي يعرفها فابتسم بقرارة نفسه مدركاً حجم التغيير الذي نالها ...
والذي كافأه بقبلة تقدير على جبينها فابتسمت أخيراً وهي تبتعد عنه لتمسح بقايا دموعها ...
قبل أن تضع حقيبتها على كتفها لتهتف بنفس النغمة الجديدة على أذنيه :
_حيث كده بقا سيبني أجهز نفسي ...وانت كمان جهز نفسك .
_لإيه ؟!
يقولها بمكر عابث لتلكزه في كتفه هاتفة:
_لاستجواب شديد اللهجة الليلة دي تعترف لي فيه بكل حاجة حصلت من يوم ما سبتني ...وبالتفصيل !
فضحك وهو يرد بحنانه المعهود :
_طلبات الغالية أوامر .
يرتجف جسدها تأثراً بهذه العاطفة التي عادت تشرق أخيراً بين عينيهما لتهمس له بين أمر ورجاء:
_اوعدني من النهارده مفيش حاجة هتستخبى عني .
فيرفع كفها لشفتيه يقبل أصابعها واحداً واحداً قبل أن يهمس بعشق أذابهما معاً :
_كل نفَس بيخرج مني وعد ...إني كلي منك وليكي.
========
_فستان فرح جديد ؟! دي هانيا بمناخيرها اللي في السما ماعملتهاش!
هتفت بها داليا بدهشة وهي تجد رانيا تفاجئها في غرفتها تطلب منها صحبتها لشراء الثوب....
فضحكت الأخيرة لترد بمزيج من خجل وفرح:
_عايزاه يفرح بجد يا داليا بعد شقا الأيام اللي فاتت...عايزاه يحس إنه قدام واحدة جديدة اتغيرت بسببه وعشانه...نفسي نعوض اللي فات ونبدأ من أول وجديد .
فغمزتها داليا بمكر هاتفة :
_سيدي يا سيدي ! وقال أنا رحت لهانيا عشان تعلمني الدلع ! طلعت النمرة غلط ...قولي انتِ بقا يا خبرة ...منك نستفيد !
لكن رانيا قبلت وجنتها بضحكة قصيرة لتهتف بتعجل :
_هاقوللك كل اللي انتِ عايزاه بس خللينا نخلص ...ماعادش فاضل غير كام ساعة ...تعرفي بيوتي سنتر قريب؟!
_حافظاهم واحد واحد ...أنت تسأل والكمبيوتر داليا يجيب!
هتفت بها داليا بمرح فخور وهي تهب من فراشها لتردف بغمزة عابثة :
_بس افتكري الجمايل دي !
فابتسمت رانيا بسعادة حقيقية راقبتها داليا برضا ...
رغم أنها -رانيا- هي الأكبر سناً منها لكنها كانت دوماً تشعر بأنها تشفق عليها كابنتها ...
ربما لطبيعة الأولى الخانعة التي كانت دوماً تعايش الأمور ككتكوت يغرق في شبر ماء!!!
لكن الأزمة الأخيرة صنعت منهن جميعاً نماذج مختلفة حقاً !!
بالذات رانيا التي نفضت ضعفها كله وراءها لتسند زوجها في أزمته !!
وفي المساء تجمعت العائلة لعقد قران جديد ...
لم تستطع فيه نبيلة كبح جماح زغرودتها التي شقت الأجواء وهي تشعر بالاطمئنان على آخر البنات !!
زغرودة ابتسمت لها ياسمين وهي الأخرى تشعر بالسعادة لرانيا بالذات !
رانيا التي لم تكن حاضرة !!
أين ذهبت ؟!
نفس السؤال الذي ألقاه أشرف عقب مغادرة المأذون لتجيب داليا هاتفة بانطلاق:
_سبقتك ع البيت !
_نعم ؟!
هتف بها يامن باستنكار حرج لتكتم ياسمين ضحكتها فيما عجزت نبيلة عن فعلها لتخرج منها عالية راضية مع تعليقها العابث:
_البنت مش عايزة تضيع وقت !
احمر وجه يامن بالمزيد من الحرج ليتقدم كل من مروان ورامز يربتان على كتفه والأول يهتف بنبرة محذرة:
_اهدا وما تبوظش الليلة ...حصل خير!
فكز يامن على أسنانه وهو يمسك موضع قلبه مغمغماً باستنكار وهو يدور ببصره بين داليا وهانيا :
_هتجلطوني أقسم بالله ...ثلاث مصايب وابتليت بيهم !
_أربعة يا "مانّو"!
قالتها نبيلة ممازحة وهي تشير لنفسها فزفر بسخط ليتوجه ببصره نحو أشرف المرتبك هاتفاً بفظاظته المعهودة :
_حيث إن العروسة "بنت الناس" سبقتك ع البيت ...فأنا حاليا دوري كأي "راس كرنبة" بالضبط...تقدر تتفضل وتحصلها .
قالها وهو يشير له بكفه نحو باب البيت مردفاً:
_ولما تفوق كده عايزين نتكلم شوية .
فاعتذر له أشرف عاجزاً عن كتم ضحكته ليقوم مغادراً لكنه ما كاد يصل للباب حتى استوقفه يامن بندائه ...
قبل أن يتوجه نحوه ليضمه في عناق قصير سبق قوله الذي انحدرت عنه غلالة فظاظته :
_أولاً مبروك...وثانياً...لك عليّ حق اعتذار ...
ابتسم له أشرف بتسامح وهو يربت على عضده ليبتسم يامن مردفاً بنبرة فاح منها ندمه :
_كنت فاكر إني بحافظ عليها ...بس ...
لكن أشرف قاطع عبارته بقوله المهذب:
_من غير تبرير يا دكتور ...بلاش نتكلم في اللي فات .
أومأ يامن برأسه موافقاً قبل أن يشير بإصبعه نحو رامز ومروان أن يأتيا ...
وما كادا يفعلان حتى ضم هو أربعتهم في حلقة ليهتف بغيظ :
_شوفوا بقا أنا جبت آخري ...كل واحد فيكم خد واحدة ملزوم بيها ...اعتبروا البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل ...
ثم التفت نحو داليا وهانيا مردفاً بنفس الغيظ :
_شلة "العازبات الفاتنات" دي تتفض ونغير اسمها بقا !
انطلقت ضحكاتهم عالية فيما عادت نبيلة تطلق زغرودة أخرى استقبلها يامن بزفرة جديدة ساخطة جعلت الجميع يلتفون حوله لتهدئته !!
وفي البيت -الذي غادرته نشوى الليلة لتقيم مع ريما لدى إحدى صديقاتها كي تمنحهما بعض الخصوصية -وقفت رانيا أمام مرآة الصالة تتأمل شكلها بمزيج من رضا وخجل ...
تعلم أنها ستثير ضجة بفعلتها هذه لكنها كانت تتعمدها !!
أجل ...هي تريد هذه المرة مختلفة !
تريد أن يشعر هو أنها الآن صاحبة الخطوة الأولى ...
أنها لم تعد الصنم الكامن في موضعه ...
الطفل المذعور المختبئ في جلباب أحبته ...
الهريرة الناعمة التي نسوا أن يخبروها أن لها مخالب...
هي الآن تملك القوة لاتخاذ قرار تدافع عنه بعمرها كله...
وهل أعظم منه هو قرار؟!!
تسمع صوت مفتاحه في الباب فتتراجع قليلاً بحذر ...
عيناه تحطان عليها فتتسعان قليلاً بانبهار ...اشتياق...لهفة....
قبل أن يتراجع كل هذا لتكتسحهما عاطفة بحجم عمره كله !!
ثوبها الأبيض المطرز الذي يختلف كثيراً عن ثوب زفافها الأول المتحفظ ...
فهذا يكشف عن ذراعيها وصدرها وبعض ساقيها بتلك القصّة التي تقصر في ذيل مقدمته مظهرة إلى ما فوق ركبتيها ...
ثم تنحدر بسلاسة لتطول على الجانبين والخلف بتموجات مذهلة !!
_إيه رأيك ؟!
تسأله بدلال وهي تخطو نحوه لتبسط كفيها على صدره فيرفعهما ليلثمهما بشفتيه هامساً ب"الترنيمة القديمة":
_ما يتحكيش عليها !
تغمض عينيها بحنين جارف لهذه "الغنوة" التي طالما ظللت عشقهما القديم ...
ليكملها هو همساً بين شفتيها :
_كان حلم عمري اللي لقيته ...كان كل شيئ اتمنيته ...حبيتها كده زي ما هيّ ...ضحكتها مش ضحكة عادية ...توصفها تلاقيها ...ما يتحكيش عليها !
_لسه فاكر؟!
تهمس بها وأناملها تتحسس وجنتيه باشتياق لم تكن تحسبه هائلاً هكذا وهو يكاد يودي بدقات قلبها ...
ليمس شفتيها بشفتيه مساً خفيفاً هامساً :
_انتِ العمر يا رانيا ...هو العمر يتنسي؟!
فترتجف بين ذراعيه وشريط ذكرياتهما يمر أمام عينيها لحظة لحظة ...
"طفلة"تشاركه ألعابه...
"مراهقة" تقاسمه عشقه...
و"امرأة" تحتمي برجولته !!
_عارف ليه قصدت الليلة دي أسبقك على هنا ؟!
همست بها بنبرة تهدجت بانفعالها ليقبل وجنتيها وجبينها مع همسه :
_عارف بس عايز أسمعها منك .
تتلألأ الدموع في عينيها وفيض مشاعرها الغامر يغرقها مع همسها:
_يمكن عشان أحسسك إني اتغيرت...يمكن عشان أنا نفسي أحس إني خدت قرار لوحدي ومسئولة عنه ...ويمكن عشان ...عشان أعتذر !
دمعة حارقة تسيل من طرف عينيها وهي تتذكر معاناته بعد هجرها الطويل له ...
دمعة تلقفتها شفتاه لتنحدر في خط قصير نحو شفتيها مع همسه المستنكر:
_تعتذري؟! انتِ مش بس مراتي ولا حبيبتي ...انتِ بنتي ...بنتي اللي مهما عملت قلبي كبر بحبها وهيموت عليه .
تنهيدتها التي مزجت ارتياحها بفورة عاطفتها تصل أذنيه كأعذب لحن ...
فتتلكأ شفتاه بين فردوس البسمات والقبل ...
والهمس الدافئ يعاود غزل خيوط العشق بينهما :
_واللي مهما قلت عنها ...ما يتحكيش عليها .
========
أتعْلم يا "لذة الوجع" و"وجع اللذة"؟!!
يا "كابوساً بعد حلم بعد كابوس"؟!!
يا "طوق زهور أصبح حول العنق مشنقة"؟!!
يوماً ما س-تغادر- عالمي الذي "أزهر"بك و"تصحّر"بك ...
نهراً فاض وجف في عهدك عشرات المرات ...
يوماً ما س-أغادر- عالمك الذي زدته أنا فقراً وغنى ...
فقراً "عني" وغنى بكل ما دوني !!
يوماً ما ستغادر وأغادر ...
لكن شيئاً منا سيبقى في "المنتصف اللا محسوس " بيننا ...
شيئ حلو ...كلذة عناق...
مر ...كعلقم خيبة...
حارق...كدمعة رحيل ...
لكنه صادق...كابتسامة رضيع!
"ياقوت"
=======
على مكتبها في غرفتها بالمركز تجلس دافنة وجهها بين ذراعيها المتشابكين ...
لا رفيق لها في مصيبتها الأخيرة سوى دموعها !!
الحقيقة ظهرت أخيراً أمام الجميع ليدركوا من هو أبوها بأسوأ طريقة ممكنة !!
"استدعاء للتحقيق في النيابة" بعد هروبه !!!
استدعاء وصلها هنا على المركز ليظهر "اسمه" الذي طالما طمسته !!
هي لم تعد "ياقوت سليمان" ...
عادت لنقطة الصفر ...
"ياقوت حسين رجائي" ...المجرم الهارب!
طرقات مساعدتها التي تميزها على الباب تصلها لتجلي صوتها المتحشرج هاتفة :
_الغي المواعيد كلها ...أنا ماشية !
لكن الباب يفتح فجأة لترفع رأسها بغضب لم يلبث أن تحول لصدمة وهي ترى وجه زين خلف مساعدتها التي هتفت به بضيق:
_سمعتها بنفسك ؟! كل المواعيد ...
لكنه لم يمهلها الفرصة لتكمل عندما دخل الغرفة ليغلق الباب خلفه !
عيناه تجريان على وجهها الذي لم يحتج أن يطلب منها خلع نظارته هذه المرة ...إذ كيف تبكي امرأة بنظارتها ؟!!
دموعها هذه المرة لم تكن تترك أثرها على "وجهها" فحسب...
على "قلبه" فحسب ...
بل على "روحها" التي تبدو له الآن مطفأة كما لم يرها يوماً !!
عندما سمع الخبر في البداية توقع أن يراها راضية شامتة لكن علمه بهروب الرجل جعله يدرك أي فضيحة سيتركها خلفه !
لهذا وجد نفسه يهرع إلى هنا في خطوة لم يحسب نتائجها ...
أي حساب؟!
لقد طاشت في علاقته بهذه المرأة كل الحسابات !!!
أما هي فظلت ترمقه بعينين مصدومتين للحظات كأنها لا تصدق وجوده هنا الآن ...
جزء بداخلها يكاد ينتفض يصرخ به أن ارحل ...
لا ينقصني مرأى المزيد من خساراتي على وجهك !
جزء آخر يصرخ بها هي أن تماسكي ...لا تظهري أمامه ضعفاً ...أي ضعف ولو بمسمى "الرفض"!
وجزء آخر هزيل ...هزيل كما الحلم الذي طاردت سرابه يوماً في عينيه ...يربت على جروح روحها مذكراً إياها بمذاق "عناقه"!
أتعلم يا "لذة الوجع" و"وجع اللذة"؟!!
يا "كابوساً بعد حلم بعد كابوس"؟!!
يا "طوق زهور أصبح حول العنق مشنقة"؟!!
يوماً ما س-تغادر- عالمي الذي أزهر بك وتصحر بك ...
فاض وجف في عهدك عشرات المرات ...
يوماً ما س-أغادر- عالمك الذي زدته أنا فقراً وغنى ...
فقراً "عني" وغنى بكل ما دوني !!
يوماً ما ستغادر وأغادر ...
لكن شيئاً منا سيبقى في "المنتصف اللا محسوس " بيننا ...
شيئ حلو ...كلذة عناق...
مر ...كعلقم خيبة...
حارق...كدمعة رحيل ...
لكنه صادق...كابتسامة رضيع!
قدماه تقصران الطريق بينهما لتجده على بعد أنفاسها يشرف عليها من علو ...
حتى في مصيبتها هذه لن تسمح له -ولنفسها قبله - أن يكون منها بهذه المكانة بين أعلى وأسفل!
لهذا وقفت تناطحه رأساً برأس ...
عيناها الدامعتان تتألقان ببريق عزة لم تفقده ...
"القمران السجينان" يتواريان خلف غيوم ألم تكبته ...
_جاي ليه ؟!
لم تستطع رؤية عينيه بعد سؤالها بل أغمضت عينيها بسرعة ...
تراها مثلاً كانت تخشى الجواب ؟!!
تخشى أن يضع لبنة أخرى في صرح "كراهيتها" له ...
أو ربما "العكس"؟!!
تخشى "جبروته" أم تخشى "وهنها"؟!!
في هذه اللحظة بالذات ...
لو استطاعت أن ترجوه الرحيل فستفعلها !!
وأمامها كان هو يقبض كفيه جواره بقوة وعيناه تترصدان تفاصيلها كمن يفك طلاسم تعويذة ذهبت بعقله ...
لو استسلم ل"عقيدة الصياد" فلماذا لا يشعر برضا عن ضعف "طريدته" في موقف كهذا ؟!
ولو استسلم ل"ضمير انسانيته" فلماذا يشعر بالعجز المقيت هذا عن مساعدتها ؟!!
ربما لأنه يعلم أن مجرد وجوده في حياتها بهذه الطريقة ليس إلا نصلاً جديداً يغرسه في عنق هذا الكبرياء !!
ابتعاده "فريضة واجبة" لكنه ليس عليها بقادر!
_أكيد عرفت الخبر ...عرفت إنهم بعتولي استدعا رسمي هنا ؟! كل المركز عرف دلوقت أنا مين ومين أبويا ...وبكرة كل الناس هتعرف ...إشاعة واحدة لعلاقة زين بيه العظيم مع واحدة زيي ممكن تهز صورتك ...برضه لسه مش عايز ...
سيل كلماتها بين عنفوان عزتها ومرارتها ينقطع فجأة بين ذراعيه !!
جواب سؤالها الذي لم تكمله يصلها لا بين شفاه ولسان بل في تشبث حضن !
عبر عينيها المغمضتين ...ذراعيها المتخشبين ...قدميها الراسختين في الأرض ...
ورأسها الذي يثبته هو بكفه على صدره ...تعاود دموعها فيضانها الصامت !!
العناق "الثالث"!!
هل بلغ بها البؤس حد أنها صارت تعد عناقاته واحداً واحداً؟!!
وكيف لا تفعل وكل منها له مذاق لا يشبه صاحبه ؟!
أولها كان عناق تعاطف ...ثانيها كان عناق احتياج...
لكن هذا يبدو وكأنه عناق عجز !!
ربما لو أجادت فهم لغة خفقاته لأدركت أنه لم يشعر في حياته كلها بالعجز كما يفعل الآن !!
كيف وهو يود لو يمحو عنها خزي ماضٍ أزكى هو -بفعلته معها- حاضره وغده ؟!!
ألا يتركها وشأنها ؟!
مستحيل!
ألا يقرّبها ب-عز- تستحقه ؟!
بأي صفة؟!
هي أخبرته أن كل الجسور بينهما مهدومة...
فهل يملك القوة ليحلق نحوها طائراً ؟!!
لم يكن جواب سؤاله إلا أن شدد ضغط ذراعيه حولها برفق أكثر لعله يلمح منها أي استجابة...
لكنها لم تستسلم ...ولم تقاوم !!
وقفت متخشبة جامدة تتلقى عطيّته كما تفعل بكل مصائب حياتها !!
وهل من مصيبة أعظم من رجل كهذا في طريق امرأة مثلها؟!!
لماذا يعانقها ؟!
لماذا يفعل؟!
لماذا لا يلقي في وجهها واحدة من عبارات جبروته التي ستلائم جداً موقفها الآن ؟!
لماذا لا يحاول خداعها بعبارة مجاملة يجيدها متلون مثله ؟!
بل ...لماذا لا يتكلم ؟!
منذ دخل الغرفة وهو ملثمٌ خلف صمته ...وكم تكره هذا اللثام !!
لهذا رفعت وجهها نحوه لتقول بنفس النبرة الجامدة التي لم تخدعه :
_وبعدين؟! هتفضل تضيع وقتك كده كتير ؟!
_وانتِ هتفضلي تمثلي إنه مش فارق معاكي كده كتير؟!
همسه الذي مزج مكره بإشفاقه استفزها لتهتف بانفعال رج جسدها بين ذراعيه :
_أنا ما بمثلش إنه مش فارق ...هو فعلاً مش فارق ....إيه يعني ؟! إيه يعني ؟!
ظلت تكرر عبارتها الأخيرة بنبرة خفتت تدريجياً لتنهار آخر حروفها بدفقة من دموعها تلقاها هو على صدره ليربت على ظهرها للحظات قبل أن يبعدها ليهز كتفيها بقوة بما كان واثقاً أنها تحتاج سماعه :
_بتعيطي ليه ؟! خايفة من إيه ؟! مين حسين رجائي في حياتك ؟! انتِ ياقوت سليمان ...ياقوت اللي حفرت في الصخر لحد ما عملت اسمها بنفسها ماستنتش حد يديهولها ...الناس هتتكلم النهارده وتنسى بكرة ...واللي هيفضل بس هو صورة ياقوت اللي هترسمها بنفسها مش بإيد حد .
عيناه القويتان تغرسان نظراتهما وسط دموع قمريها السجينين ...
غيم نقي من حنان لم يتكلفه اخترق قلبها بصدقه ...
هي تعبت حقاً!
تعبت من أن ترشد الناس لسبل صلاح أرواحهم وهي مجرد ضالة هائمة في غياهب ماض يبتلعها ...
"باب النجار مخلع" كما يقولون !!
وهي في هذه اللحظة لم تكن أفضل من نجار ماهر هشموا له بابه كاملاً وتركوه وحده في العراء!!
_ليه ده يحصل دلوقت ؟! وبالشكل ده ؟! أنا عمري ما كنت عايزة منه حاجة ...طول حياتي بخبي اسمه حتى مش عايزاه...فلوسه كنت بشتغل أي شغلانة ولو بسيطة ومتعبة عشان ما أمدش إيدي عليها ...ودلوقت اسمه يرجع يوسخ اسمي كده ؟! القصة الجديدة هتفكر الناس بالقديم ...وبنات الخدامة مش هيشفعلهم تعب ولا شرف ...كان نفسي أشمت فيه وأقول حق أمي وحقنا رجع ...لكن هو لسه بيغلط واحنا بندفع التمن ...بندفعه من سمعتنا وشرفنا ...
ثم مسحت دموعها لتبتسم ساخرة مستطردة بمرارة :
_دول هيصادروا فلوسي اللي في البنك زي ما عملوا مع ولاده التانيين ...فلوسي اللي جمعتها بتعبي وشقايا واستخسرتها في نفسي عشان أحوشها لجهاز لجين أو علاج ستي ثمر ...حتى الصفر اللي بدات منه هياخدوه مني...شفت ظلم أكتر من كده ؟!
وجع حروفها يمزق قلبه لكنه يدرك بعقله أنها لا تحتاج الآن تعاطفه ...
بل دعمه ...لهذا عاد يهز كتفيها كأنه ينتزعها انتزاعاً من دوامة يأسها هذه :
_اللي زيك يعملوا ألف صفر ويبدأوا منه من جديد ...فكري كويس شوفي انتِ نجحتي ليه هتلاقي نفسك ماخسرتيش حاجة...لسة انتِ ياقوت ...لسة حواليكي لجين وثمر ...لسة جواكِ نفس الروح الطيبة والعقل الذكي والطموح اللي هيوصللك لأعلى مكان تتمنيه ...
ثم ارتجفت شفتاه بابتسامته ليجد نفسه دون وعي يقربها منه أكثر هامساً أمام عينيها :
_فاكرة لما قلتيلي إن اللي زيك الضربة ما بتموتوش ...بتدوخه بس وبيرجع يقف على رجليه تاني ؟!
عيناها تتوهان في زحام المشاعر الذي فاضت به عيناه بجنون فوضوي...
العينان الماكرتان كانتا تتلونان الآن بأطياف من حنان ...يقين ...إعجاب لن تبالغ كثيراً لو منحته مسمى أكبر ...
عالم تود لو تغرق فيه بكليتها لكن ...
منذ متى تستجيب هي لما تشتهيه ؟!!
لهذا أغمضت عينيها بقوة تقاوم غزو نظراته هذه قبل أن تزيح كفيه عن ذراعيها لتتحرك مبتعدة ...
تأخذ نفساً عميقاً ولا تنكر أنها كانت تحتاج حقاً سماع هذه الكلمات ...
وستكون أكثر صدقاً مع نفسها لتعترف أنها منه هو بالذات لها مذاق مختلف !
_لو كنت انت حد تاني كنت شكرتك على كلامك ...بس أنا عارفة إن اللي زيك ما بيعترفش إلا بلغة المصالح ...هه يا بيه ؟! وقفة الجدعنة بتاعتك دي عايز قصادها إيه ؟!
قالتها وهي فقط لا تدوس على قلبها بل على فطرتها الطيبة التي تثق أنه ليس كما تقول ...
لكنها لم تكن لتسمح لنفسها وبالذات في هذه الظروف أن تهوي في هذا الدرك أكثر !!!
وربما هذا ما كان يحتاجه هو الآخر ليعاود الاستمتاع بنزالهما الماكر من جديد ...
من النادر حقاً أن يقابل امرأة يجابه ذكاءها ك-نِدّ - ويشتهيها ك-أنثى-!
لا تزال ردود أفعالها مبهرة وسط كل الظروف ...
هي حقاً حجر من ياقوت !!
_اللي عايزه هاخده ماتقلقيش .
يقولها بمكر واثق مدركاً أنه يثير غيظها وهو يتحرك ليقف قبالتها واضعاً كفيه في جيبي سرواله قبل أن يردف بابتسامة ماكرة :
_دي نقطة مشتركة بيننا ...احنا الاتنين بنعرف نوصل للي عايزينه...عشان كده من الأفضل إننا الاتنين نعوز نفس الحاجة .
فالتمعت عيناها بنظرة متحدية وكأنما نفضت عنها رداء ضعفها السابق لترد ببطء:
_توقيت غلط للاستعراض يا بيه ...انت ناسي رهاناتك الخسرانة ؟!
فاتسعت ابتسامته الماكرة وهو يقترب منها أكثر ليميل على أذنها بهمسه :
_جميل قوي البيت اللي عامله رائد لهمسة ...بس المشوار كان بعيد عليكي.
شحب وجهها فجأة لتتجمد مكانها وقلبها يخفق بجزع ...
كيف غفلت عن أنه قد يراقبها ؟!!
كيف غاب عنها أمر بديهي كهذا ؟!!
لو تدخل بجبروته في الأمر الآن فستنتكس حالة همسة !!
لهذا وجدت نفسها تهتف فيه بغضب:
_إياك تقرب ناحيتها وإلا قسماً بالله العظيم لاهاسيب الحالة و...
سبابته على شفتيها تقاطع سيلها الحاد ليقول بنفس النبرة الواثقة التي اختلطت الآن بشيئ من المرارة :
_لو كنت عايز آخدها كنت خدتها ووديته هو ورا الشمس ...بس أنا سايبها هناك بمزاجي .
تنفست الصعداء وملامحها ترتخي بارتياح لتشيح بوجهها للحظات سبقت قولها الذي عادت إليه نبرتها المهنية :
_هي بتتحسن ...وجودها معاه فرق كتير ...الحل م الأول ماكانش ببعدها عنه ...بالعكس ...علاج همسة الحقيقي في إحساسها بإنه جنبها ...مااتخلاش عنها ...كل لحظة بتحس فيها بده بتزود رغبتها إنها ترجع تتواصل مع عالمنا تاني .
_ياريت تكون فعلاً كويسة ...ما تعرفيش مسكت نفسي إزاي عشان ما أدمرش رائد بعد اللي عمله ...ما تعرفيش بحس بإيه لما برجع البيت ومش بلاقيها ...ياريت النتيجة تكون تستاهل كل ده .
_انت كمان وحشتها ...سألت عليك ...ووعدتها أخلليك تشوفها ...
قالتها بنفس النبرة المهنية ثم ترددت قليلاً لتختلس نظرة نحوه مردفة :
_فيه خبر حلو ...هي فعلاً بقت تتقبل صوته ...بس من غير ما تشوفه.
اتسعت عيناه بصدمة للحظات قبل أن يبتسم ابتسامة صافية هاتفاً :
_معقول؟!
أومأت برأسها إيجاباً لتسبل جفنيها قائلة :
_أنا كمان ماكنتش مصدقة...تطور عظيم جداً...وعندي أمل كبير لو فضل ماشي معاها في نفس الطريق تتقبل تشوفه كمان ...المسألة...
انقطعت عبارتها هذه المرة بشهقتها وهي تجده يضمها في عناق مفاجئ !!
العناق "الرابع"!!
بمذاق "الشكر" هذه المرة !!
الشكر الذي فاضت به نظراته وهو يبتعد بوجهه عن جسدها المتخشب أخيراً ليتحول لمعنى آخر أعمق فاض في العينين الماكرتين ...
معنى جعل نظراته تتكدس حول "شفتيها" اللتين ارتجفتا بقوة مع شعورها باقترابه ...
_إياك !
هتفت بها صارمة وهي تحاول الابتعاد عن مرمى ذراعيه لكنه تشبث بها أكثر وهو يبتعد بوجهه ممتثلاً لرغبتها...
لتعود الابتسامة المتراقصة لشفتيه مع همسه :
_مش عارف أشكرك إزاي .
_انت عارف!
قالتها بغيظ لتتسع ابتسامته بقوله :
_بيننا اتفاق.
_انت مصدق نفسك ؟! أنا لا اتفقت ولا وافقت ...انت خدت كل حاجة غصب واقتدار زي ما بتعمل في حياتك كلها .
هتفت بها بقهر أعاد الدموع لعينيها ليرتخي ذراعاه حولها في حركة موحية قبل أن يهمس لها بنبرة لم تفهمها :
_يمكن في يوم تفهمي إني أنا كمان كنت مغصوب زيك ...امتى وإزاي وليه لقيتني معاكي في دايرة مقفولة مش عارف .
_افتحها .
هتفت بها بنبرة ألانها شعورها بأنها تخاطب الجزء الخاص ب"إنسانيته" هذه المرة ...
ليخفق قلبها بجنون وهي تراه يطرق برأسه صامتاً ...
رباه !!
هل سيفعلها الآن ؟!
سيمنحها حريتها ويصلح هذا الخطأ ؟!!
يبدو أنه سيفعل !!
لو أطلقها من يده فستبقى طوال عمرها تشكر له هذا الصنيع !!
كاذبة !!
لو فعلها فستظل تلعنه ما بقي له من حياتها !!
يالله !!
إذا كانت هي بهذه الحيرة ...بهذا الشتات ...فماذا عنه هو ؟!!
ارتجف جسدها بقشعريرة باردة وهي تراقب ملامحه كمن ينتظر نتيجة اختبار ...
راسبة أو ناجحة ...
هي في الحالتين خاسرة ...فهل أشد من هذا ظلم ؟!!
رأته يرفع إليها عينيه بسراجين من ذهب توهجا بدفء غمرها وكأنه يستقرئ في عينيها ما عجزت عن البوح به ...
قبل أن يهمس لها أخيراً :
_هافتحها ... ويمكن انتِ اللي تفتحيها ...بس الأكيد إن وقت ده ما يحصل مش هابقى راضي ...ولا انتِ كمان !
العبارة المموهة لم تمنحها الكثير مماكانت تنشده لهذا التمعت عيناها بتحدّ ناسب عبارتها :
_رهان جديد هتخسره .
الابتسامة الماكرة المشبعة بمرارتها تعاود التراقص على شفتيه وعيناه تردان لها التحدي بمثله ...
قبل أن يعطيها ظهره لينصرف وما كاد يمسك مقبض الباب حتى تذكر ما جعله يسألها باهتمام :
_استدعا النيابة امتى؟!
_بكرة الصبح ...وبعدها هاسافر البلد ...هحاول أرجع بدري عشان جلسات همسة .
قالتها بنبرة عادت إليها مهنيتها وهي تتحرك لتجلس على مكتبها ...
فابتسم ليقول بنبرته المميزة التي تمزج الود بالهيمنة :
_ما تتأخريش هناك.
رمقته بنظرة مستهينة وهي تعاود ارتداء نظارتها ليردف بنفس النبرة :
_هابعتلك محامي الصبح.
_مش محتاجاه !
هتفت بها بغيظ كأنما تقذفها في وجهه لكنه لم ينتظر ردها وهو يخرج صافقاً الباب خلفه ...
تاركاً إياها تتخبط بين جدران مشاعرها نحوه ...
ثلجٌ ونار !
هكذا ببساطة ملخص علاقتها به !
========
وقفت خارج الغرفة في مبنى النيابة حيث سيتم التحقيق ...
عيناها تحيدان هناك لتلك المرأة التي ترمقها بنظرة غل والتي تقف أمام شاب يبدو أنه ابنها ...
لاريب أنه أخوها العزيز و "الهانم" أمه !!
"الهانم" التي احمر وجهها ببكاء بدا وكأنه زاد فوق عمرها عمراً ...
رغم أناقة ملبسها ...جمال ملامحها ...الهيبة الأرستقراطية التي ترتسم على ملامحها ...
لكن طيف "الانكسار الذليل" على وجهها لم تكن لتخطئه عين راءٍ!
ومن مثلها يمكنه تمييزه ؟!!
شماتة ؟!!
لا ...نعم...أو ربما!!
الأمر معقد كثيراً على أن تجد تصنيفاً لشعورها الآن !!
انقطعت أفكارها عندما وجدت المرأة تندفع فجأة نحوها لتجذبها من ذراعها هاتفة بغل:
_اوعي تفتكري إن ليكي أو لأختك أي حقوق عندنا ...مش عايزة أشوف وش واحدة فيكم...ترجعوا تستخبوا في جحوركم زي الفيران زي ما عشتوا طول عمركم .
_ماما!
هتف بها هيثم باستنكار وهو يخلص ياقوت من ذراعها ...
ياقوت التي رفعت أنفها لتقول باعتدادها المعهود :
_حقوق؟! لو كنا عزنا زمان كنا هنعوز دلوقت ...جوزك ده احنا اللي متبريين منه مش هو .
لكن هيثم رمقها بنظرة متعاطفة ليقول بين اعتذار ومرارة :
_معلش...ماما أعصابها تعبانة ...كلامها مش محسوب.
رمقته جيلان بنظرة مغتاظة قبل أن تسمع صوت الرجل يدعوها للدخول فترددت للحظات قبل أن تتحرك لتدخل تلاحقها نظرات هيثم التي تمزج صدمتها بخزيها ...
تأملته ياقوت بعينين متفحصتين وهي تشعر أنه يختلف عن أبيه ...
تسترجع ما حكته لها لجين عن موقفه معها لتربط هذا بما حدث الآن ...
لتزداد فكرتها رسوخاً عندما وجدته يلتفت نحوها بعينين ذابلتين تتفحصان ملامحها قبل أن يمد لها كفه بما تدرك أنه يفوق كثيراً معنى المصافحة !!!
جسدها يتخشب لوهلة متفاجئة بصنيعه قبل أن يرتجف كاملاً وهي تتفحصه بنظرة أكثر إنسانية ...
قلبها يتقافز بصدرها من فرط انفعاله وعقلها ينقله من خانة "ابن حسين" ل"خانة أخيها"!!
فخ؟!
هل يكون لُطفه هذا مجرد فخ؟!!
لا ..هي لن تخطئ قراءة نظراته التي تفيض مرارة وخزياً و...حناناً!
لهذا وجدت أناملها دون وعي تمتد لمصافحته قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة متهكمة مريرة ناسبت قوله :
_معرفش بيقولوا إيه في الظروف دي ...وعمري ما كنت أتصور إني ممكن أتحط فيها ...بس ...أنا ...
تلجلجت كلماته بانفعاله الذي بدا على صفحة وجهه مما جعلها تشفق عليه ...
لتأتي بقية كلماته كما توقعتها :
_أنا آسف ع اللي ماما قالته...هي اتصدمت زينا ...بابا أكيد بريئ وحد ملفق له التهمة دي ...هو ما هربش عشان مذنب لكن ممكن حد ساعده عشان يثبت براءته ويرجع ...مش كده ؟!
تأملته بنظرة مشفقة وهي تتفهم هذا الشتات في ملامحه !!
المسكين لا يزال يعاني حالة "الإنكار بعد الصدمة" ...
لا يدرك أنه لم يكن يعيش إلا في فقاعة وردية من وهم !!
ينتظر عودة أبيه "الفارس" بدليل براءته ولا يعلم أنه هرب كنذل جبان تاركاً جواده يدهسهم جميعاً تحت حوافره !
تنفرج شفتاها وهي تود لو تهتف له بما يجعله يفيق من وهمه الخادع لكنها تشعر بكفه يضغط كفها في احتياج صامت أخرسها !!
شفقتها الممتزجة بحنانها جعلتها تهز رأسها عاجزة عن منحه صدمة جديدة !
طالما كان الوهم أرحم من الحقيقة فلا تلوموا الواهمين !
لهذا أغمضت عينيها بقوة وهي لا تدري بماذا ترد ...
جزء "بَشريّ" منها يشعر بالشماتة ...بلذة القصاص ...عائلته الآن تذوق الخزي الذي ذاقته وعائلتها عمرهم كله !
لكن جزءاً آخر بطبيعتها الطيبة يغلبها لتنظر إليه النظرة المناسبة ...
ما ذنبه ؟!!
هو مثلها مجرد ضحية لأب فاسد ...هي وأختها دفعتا الثمن قديماً وهو وأخوه سيذوقان المثل غداً ...
فأي شماتة هنا ؟!
هل يشمت المرء في صورة مرآته ؟!!
لهذا شدت على كفه هي الأخرى فلم تدرِ أيهما يتشبث بالآخر أكثر لتعاود تفحصه بعينين مختلفتين ...
هذا إذن أخوها الصغير ؟!!
عيناها تمتلئان بالدموع و"اللفظ الغريب" على روحها يقصفها قصفاً !!
لماذا تأخرت لجين ؟!
إنها تحتاجها معها الآن لعلها تشاركها هذه اللحظة...
هذا الوجع...هذا "الاكتشاف" الخطير كما كانتا تفعلان في صغرهما عندما تتقاسمان المفاجآت !!
تشعر بها خلفها فتلتفت نحوها دون أن تترك كفه ...
عيناها الدامعتان تتلقفان نظرات الخوف القلق في عيني شقيقتها ...
كأنما الثانية تسألها عما يحدث لتجيبها الأولى: ألا تخافي !!
عينا هيثم تحطان على لجين التي لا تزال ترمقه بنفس النظرة المذعورة كما رآها في المرة السابقة فيبتلع غصة حلقه المريرة ...
قبل أن يمد كفه الآخر ليمسك كفها في مشهد مهيب ل"ثلاثة" تشابكت أكفهم كإخوة بعد كل هذا العمر!!
========
_عملتي إيه جوه ؟! ومين الراجل اللي دخل معاكي ده ؟!
سألتها لجين وهما تغادران معاً مبنى النيابة لتجيبها ياقوت باقتضاب:
_ده محامي باعته واحد معرفة ...بإذن الله خير ما تقلقيش.
قالتها وهي تشكر زين سراً على إرساله للرجل الذي نفعها كثيراً في إفادتها هناك ...
لكنها مع هذا لم ترد على اتصالات الأول التي يمطرها بها من أول النهار !!
قلبها لا يحتمل كل هذا القدر من الانفعال ...
ألا يكفيها لقاؤها بهيثم ؟!
وكأنما قرأت لجين أفكارها لتقول بانفعال أرجف حروفها وهي تسير جوارها في الطريق :
_شفتِ هيثم ده جدع إزاي ؟! ده طلع راحلي المعمل من كام يوم عشان يسأل عليا ويقابلني .
فابتسمت ياقوت وهي تتذكر نظراته الحنون نحوهما ...وعده لهما أن يصحح خطأ أبيه...رجاءه الحار لهما أن تسمحا له بأن يتواصل معهما في هذه الظروف ...
_معقول بعد العمر ده يبقى لنا أخ يا توتة ؟!
سألتها لجين بفرحة وجلة جاهدت لتطفو فوق سطح كل هذا البؤس لتضمها ياقوت بذراعها قائلة بابتسامة شاردة :
_ستك ثمر دايماً تقولها "إن مع العسر يسراً"...
ثم نظرت في ساعتها لتردف:
_ياللا عشان نلحق القطر .
لكن لجين توقفت مكانها لتقول باستياء:
_مش هاقدر آجي معاكي ...مارضوش يدوني أجازة في المعمل النهارده ...روحي انت وهاحصللك آخر النهار .
هزت ياقوت رأسها باستسلام قبل أن تعانقها بقوة ليصدح هاتف لجين برنينه فرفعته لتقول لشقيقتها بارتباك :
_ده هيثم .
_ردي!
هتفت بها ياقوت بسرعة لتفتح لجين الاتصال فيزداد ارتباك ملامحها مع ما تسمعه ...
قبل أن تضغط بإصبعها على الشاشة ما يمنعه من سماعها فتسأل ياقوت بلهفة :
_عايز يعزمنا ع الغدا ويتكلم معانا .
فابتسمت ياقوت وهي تتناول منها الهاتف لتقول له بنبرة ودود :
_معلش أنا مسافرة دلوقت ...لكن ممكن لجين ...هاسيبك تتفق معاها .
احمر وجه لجين انفعالاً وهي تشعر بغرابة الموقف ...
لترمق ياقوت بنظرة متسائلة فهمتها الأخيرة لتطمئنها بقولها :
_ما تقلقيش من ستك ثمر ...أنا هافهمها وهي مش هتعترض ...عمرها ما هتبقى قطاعة أرحام .
فارتخت ملامح لجين لتعاود محادثته كي يتفقا على التفاصيل ...
ولم تكد تغلق الاتصال حتى هتفت بسعادة طفولية :
_مش مصدقة يا توتة...أخيراً هيبقى لنا سند ...أخ يقف في ظهرنا ...
ثم عبست ملامحها لتردف :
_والله هيثم ده خسارة في أبوه !
_كلنا خسارة فيه يا أوبرا!
هتفت بها ياقوت بغيظ قبل أن تردف ببعض القلق:
_ما لاحظتيش إن ابنه التاني مش موجود ؟!
_عرفت إنه مسافر بس أكيد هييجي في الظروف دي ...تفتكري هيبقى حنين زي هيثم كده ؟!
سألتها لجين بتوجس لتهز ياقوت كتفيها بجهل قبل أن تزفر لتقول بنبرة منهكة :
_سيبي بكرة لبكرة...كفاية علينا قلق اليومين اللي فاتوا ...عارفة يا أوبرا أكتر حاجة نفسي فيها دلوقت إيه ؟!
_حضن ستي ثمر!
أجابتها لجين بتفهم نادر تتشاركان فيه لتبتسم ياقوت مغمضة عينيها مع ردها:
_بالضبط! نفسي أرمي كل همومي ورا ظهري وأستخبى دلوقت في حضنها ...تقعدني في حجرها ...ترقيني وتضفر لي شعري ...يمكن وقتها الواحد يرجع يشحن طاقته عشان البلاوي اللي جاية.
_بلاوي؟!
هتفت بها لجين باستنكار لتلكزها في كتفها مردفة:
_فال الله ولا فالك ...ما تقوليش كده عشان قلبي بيتقبض!
فاتسعت ابتسامة ياقوت وهي ترمق شقيقتها بنظرة مشفقة ...
كم تود لو تطمئنها أن الأمور ستسير على ما يرام لكن حدساً ما بداخلها يخبرها أن الأيام القادمة ستكون أصعب ...
حدساً لم يفارقها بعدما فارقتها لتأخذ طريقها نحو محطة القطار ...
عيناها الطيبتان تجوبان الوجوه في الزحام حولها حيث وقفت تنتظر القطار ...
هاتفها يرن من جديد برقم زين لكنها تتجاهله عمداً ...
هي في طريقها لقريتها حيث موضع سكينتها ولا تريد المزيد من الشتات الذي يبثه فيها حديثه ...
لكن ماذا لو ...؟!!
صوت الانفجار القريب يقطع أفكارها فجأة !!
جسدها ينتفض وآخر ما تراه هو صورة النار !!
======
_برضه جيتي؟!
هتف بها مروان في المشفى الذي تطوع فيه لإسعاف المصابين في الحادث بصوت لايزال يرجفه انفعاله أمام داليا التي هتفت بانفعال مشابه :
_عايزة أتبرع بالدم زيهم ...أساعدك في أي حاجة .
زفر بانفعال وهو يشعر بالإشفاق عليها من رؤية هذه الحالات التي تصل كل بضع دقائق ...
ليعاود قوله :
_عايزة تتبرعي بالدم ماشي ...اتبرعي وروّحي!
_لا ...هافضل معاك وأعمل أي حاجة تطلبوها مني .
هتفت بها بعنادها الذي امتزج الآن بشيئ من حس المسئولية ليعاود نظراته الغاضبة المشفقة نحوها لكنها لم تتراجع ...
الوقت يمر بها وهي تتحرك معه هو وزملائه يداً بيد تساعدهم بما تعلمته في دورة إسعافات أولية كانت قد حصلت عليها ...
دموعها لا تتوقف عن الهطول لكنها تتصنع التماسك وهي تتخيل نفسها في ذات الموضع !!
يالله !!!
هل هكذا قد تكون الحياة قصيرة ؟!!
_ياقوت!
هتف بها مروان وهو يلمحها تتحرك مع بعض زملائهم تساعد في إسعاف الحالات لتشير له بيدها في تحية مقتضبة قبل أن تمضي في طريقها وقد بدت من هيئتها المنهكة أنها سبقته في الحضور إلى هنا !
رمقته داليا بنظرة حانقة لتهتف بغيرة دون وعي :
_مين ياقوت دي؟!
فالتفت نحوها هاتفاً بغيظ :
_انتِ في إيه واللا في إيه ؟! ياللا...
قاطع أحد زملائه عبارته وهو يجذبه من ذراعه نحو الداخل كي يتفحص إحدى الحالات ...
ورغم أن تخصصه لم يكن مفيداً كثيراً هاهنا لكنه استفاد من معلومات سنوات دراسته الأولى ...
الحالات تتوالى على عينيه تباعاً بعدها فلا يكاد يميز لها عدداً !!
يالله !!
كل هؤلاء؟!
التاريخ لن ينسى يوماً كهذا !
بل سيفعل كما نسي من قبل !!
منصب يُسلَم من واحد لآخر ولا عزاء لفقير لا تُسمع له صرخة ولا ترى له دمعة ...فهل لدمه ثمن ؟!!
الخاطر الأخير يملأه غضباً وقهراً طوال الساعات التي قضاها بعدها حتى غادر المشفى ليلاً معها وجسده ينافس عقله في إنهاكه !!
_عاملة إيه دلوقت ؟!
سألها بتشتت وهو يستقل سيارته جوارها في طريقهما لبيتها لكنها كانت تطرق بوجهها صامتة فصمت قليلاً يفكر قبل أن يهتف باستنكار :
_اوعي تكوني مقموصة عشان موضوع ياقوت ؟!
لكنها انخرطت فجأة في بكاء هستيري جعله يزفر بقوة قبل أن يمد ذراعيه ليضمها لصدره برفق مربتاً على ظهرها مع قوله الرفيق:
_معلش...أنا عارف إن اليوم كان صعب عليكي ...عشان كده قلتلك امشي م الصبح .
ظلت غارقة بين شهقات نحيبها للحظات قبل أن تهتف بانفعال:
_مش النهارده بس...كل يوم بكتشف إن الدنيا بقت وحشة قوي ...تخيل هيثم صاحبي من ابتدائي ...كبر معايا سنة بسنة ...باباه طلع الراس الكبيرة ورا قضية مصنع أشرف ...أول ما عرفت وكلمته كان مصدوم...منهار....في ثانية واحدة دنيته اتقلبت ...
_كلمتيه فين ؟!
سألها بضيق وعيناه تفضحان غضباً مكتوماً لتجيبه بضيق مشابه :
_في التليفون .
_من غير ما تقوليلي؟!
_وأنا هستأذنك عشان أكلم صاحبي؟! ما انت سلمت على صاحبتك في المستشفى!
هتفت بها باستنكار وهي تبتعد عن مرمى ذراعيه ليكز على أسنانه بغضب هاتفاً:
_انتِ بتقارني إيه بإيه ؟! مش صاحبك ده اللي مراة عمي شافتك في حضنه في الكلية ؟!
اتسعت عيناها بارتياع وهي تشعر أن كلماتها ذابت على شفتيها ...
هل يعيرها بأخطاء الماضي ؟!
هل هذه صورتها في عينيه بعدما ظنتها قد تغيرت ؟!
بينما لم يكد هو يلفظ آخر كلماته حتى انتبه لوقعها عليها لكنه لم يكن في مزاج يسمح له باسترضائها !!
توتر الساعات الماضية كلها جعل قلبه كله يتقافز على صفيح ساخن ...والآن تزيده هي بتصرفاتها الطائشة !!
صديقها ابن تاجر المخدرات الذي لا يعرف شيئاً عن حقيقة شخصيته والذي تهاتفه دون إذنه !!
لكنها قاطعت أفكاره عندما غادرت السيارة فجأة لتندفع نحو أقرب سيارة أجرة لتغيب عن ناظريه قبل أن يدرك ما الذي تفعله !!
الحمقاء الطائشة !
خبط على مقود سيارته بكفه بضع مرات مطلقاً صيحة غاضبة قبل أن يأخذ قراره ليتركها هذه الليلة حتى يهدأ كلاهما ...
فاقترابه الآن لن يزيد كليهما إلا اشتعالاً!!!
أما هي فلم تستطع منع دموعها طوال الطريق حتى وصلت لبيتها حيث استقبلتها نبيلة بقلق لتضمها لصدرها برفق هاتفة :
_قلتلك ما تروحيش ...مش هتستحملي المناظر هناك .
لكن داليا هتفت بين دموعها :
_ولما كله يقعد في بيته مين هيساعد الناس يا بيللا؟!
قالتها ثم عادت تنخرط في بكائها لا تجد مجالاً للشرح أو الجدال...
اليوم العصيب بكل أحداثه ينتهي بهذا الموقف مع مروان ...
دوماً يخذلها بصورتها القديمة في رأسه !
ستظل دوماً بعينيه الطفلة المذنبة!!
صوت رنين الباب يصدح فتفتحه نبيلة لتجد وجه مروان خلفه متشحاً بين حرج وتعب ...
_مالها داليا يا دكتور ؟!
هتفت بها بلهفة قلقة ولاتزال داليا تبكي على كتفها لكنه جذب الأخيرة من ذراعها برفق ليضمها لصدره هو بقوة مقبلاً رأسها مع همسه :
_حقك عليا.
رمقتهما نبيلة بنظرات متوجسة لكنها أدركت أنه قد أغضبها والآن يسترضيها لهذا آثرت تركهما وحدهما ...
ولم تكد تفعل حتى ضمها مروان بقوة أكبر ...
ثم قبل وجنتها بعمق ليرفع وجهها نحوه هامساً بعتاب :
_ينفع تسيبيني وتجري في الشارع كده ؟!
_ولما أنا وحشة جيت ورايا ليه ؟! كنت سيبني أتفلق!
هتفت بها بصوت متقطع من شدة البكاء جعله يلعن نفسه سراً بينما هي تستطرد بين شهقاتها الباكية :
_ولو بتشك فيّ مش هينفع نكمل مع بعض ...انت ...
انقطعت عبارتها عندما مس شفتيها بشفتيه مساً خفيفاً ليثبت رأسها فوق صدره قائلاً بعتاب رقيق:
_ بعد كل اللي بيننا تقوليلي مش هنكمل ؟! هو العمر يكمل إلا بيكي ؟!
عاد جسدها يرتجف ببكائه فربت على ظهرها برفق للحظات حتى هدأ بكاؤها ثم عاد يرفع ذقنها نحوه قائلاً:
_"بشك فيكِ" دي كلمة كبيرة قوي ...ما تليقش بيكي ولا بيّ...اسمها "بغير عليكِ"...دي الكلمة اللي ما تليقش على أي ست في دنيتي غيرك...أيوة بغير عليكِ ومش هابطل أغير ...بخاف عليكِ ومش هابطل أخاف...عايزاني أعمل إيه وانتِ بتقوليلي إنك بتكلمي ابن تاجر مخدرات ؟!
ثم قبل جبينها بعمق مردفاً:
_بس أنا لازم أعتذر فعلاً عن اللي قلته ...ماكانش ينفع أتكلم في اللي فات .
ارتخت ملامحها نوعاً بعد اعتذاره لتقول مبررة :
_هيثم صاحبي وعمره ما اتخلى عني في أي موقف .
لكنه تمالك غيرته قائلاً :
_مفيش صحوبية بين ولد وبنت وانتِ نفسك شايفة إنها قلبت معاه حب ...يبقى ليه تدخلي نفسك جوه علاقة شائكة كده ؟!
قالها بصبر مدركاً أن عقليتها لن تتقبل فرض الرأي بل الإقناع ...
لهذا تفهم ترددها ليردف بنبرة محايدة :
_وجودك جنبه دلوقت مش هيساعده بالعكس ...هايفكره بأنه خسرك وهيزود الحمل عليه ...ده طبعاً لو فرضنا إنه ضحية زي ما بتقولي ومايعرفش حاجة عن بلاوي أبوه .
أومأت برأسها وقد أقنعه منطقها ليعاود القول بنبرة عاتبة :
_وبعدين كل ده كوم وإنك ما تقوليليش ده كوم تاني ...هي دي الصحوبية اللي بيننا؟!
_أنا آسفة .
همست بها بنبرة مذنبة والدموع تعود لتملأ عينيها فابتسم وهو يتلفت حوله ليقول بمكر عابث:
_ماشي ...أنا طيب وابن حلال وبتصالح بسهولة ...اتفضلي صالحيني .
فابتسمت بخجل شهي ناقض تراقص شفتيها الطفولي على وجنتيه بعدها لتتسع ابتسامته قبل أن يقول بجدية :
_مهما حصل بيننا مش عايزنا نرجع لنقطة الصفر كل ما نختلف...أنا حبيت داليا القديمة بكل عيوبها ...وفخور بداليا الجديدة بكل ميزاتها ...ما تحطيش في دماغك غير كده .
فتنهدت بارتياح لتسند رأسها على صدره هامسة :
_شكراً عشان ما سبتنيش أنام زعلانة .
لكنه ضمها لصدره أكثر هامساً بنبرة فاضت بعاطفته :
_وعمري ما هاعملها ...مهما حصل بيننا سواء كنتِ الغلطانة أو أنا ...وعد مني ما تناميش زعلانة بسببي أبداً.
ضحكت لأول مرة منذ بدأ الحوار لتشدد هي الأخرى لف ذراعيها حول خصره قبل أن ترفع إليه عينيها بقولها العابث:
_انت كده صالحتني ؟! ناقص "هو" يصالحني ...
ثم غمزت بعينيها مردفة :
_بالفصحى!
فضحك بدوره وهو يقرب وجهه منها أكثر لتتلاصق أنفاسهما مع همسه الماكر:
_صالحتك خلاص يعني؟! متأكدة ؟! مش محتاج أبذل مجهود زيادة ؟!
_حلاوتك!
انتفض كلاهما مكانه لتبتعد عنه بسرعة وهي تسمع الهتاف المستنكر بصوت يامن الذي فتح باب الشقة لتوه عائداً ...
قبل أن يغلقه بعنف ليردف بسخريته الحادة :
_بتعملوا إيه ؟! وفين نبيلة وسايبة الفيلم الحلو ده شغال لوحده هنا ؟!
غطت داليا وجهها بكفيها لتعدو نحو غرفتها وتغلقها خلفها فيما تقدم منه مروان ليقول بتنهيدة متعبة :
_بجد اليوم مش ناقصك ! اهدا كده وقول هديت !
_بتزعق ليه يا يامن ؟!
هتفت بها نبيلة التي تقدمت نحوهما تنقل بصرها بينهما لكن يامن لكز مروان في كتفه هاتفاً بفظاظته الساخرة :
_ماعدتش تيجي هنا غير وأنا موجود ...مش هلاقي فرصة أحسن من اليومين دول عشان أحفل عليك !
فضحكت نبيلة ضحكة عالية وهي تستنتج ما حدث ليلكزه مروان بدوره في كتفه هاتفاً :
_مردودة لك يا كبير .
بينما وقفت داليا خلف باب غرفتها تستمع للحوار كاتمة ضحكاتها بكفها ...
قبل أن تسمع صوت باب الشقة يغلَق معلناً عن رحيله !!
تنهدت بحرارة وهي تتحرك لتبدل ملابسها قبل أن تتهاوى متهالكة على فراشها ...
عيناها تنغلقان رغماً عنها من فرط الإرهاق لكن حواسها تتأهب عندما تسمع صوت رسالة على هاتفها ...
"عاشقها الذي لم يعد مجهولاً " يصالحها كما وعدها ...
_لو تعلمين كم تبدين شهية في غضبك لرجوتني في كل مرة أن أغضبك ...
لو تدركين أي عالم رحب يحتويني بعناقك لما جعلتني أفارق ذراعيكِ...
لو تشعرين بجنون خفقاتي إذ تمتزج أنفاسنا لما قويتِ على الابتعاد ...
اغضبي مدللتي ...ثوري ...تمنعي...ثم اصفحي ...وصالحي ...
أي ملكةٍ أنتِ إن لم تفعليها ؟!
أي رجلٍ أنا إن لم بعشقك تكبّليه ؟!
وأي عمرٍ هذا يكفي كي أعيش كل عصورك ...
يا أول تاريخي ...وآخره ؟!
========
خرجت ليلاً من المشفى الذي تطوعت فيه منذ وقت الحادث لإسعاف المصابين وهي تشعر أنها تكاد تفقد وعيها حزناً وإرهاقاً.
المشاهد التي رأتها لن تغادر مخيلتها ما عاشت !!
النار التي صنعت فجأة حولها جحيماً حياً لا تكاد تذكر كيف نجت منه !!
الموت الذي كان قاب قوسين أو أدنى منها !!
الموت الذي نظنه ضيفاً بعيداً يفاجئنا دوماً دون موعد !!
كم وجهاً رأته كان يحمل للغد آمالاً لم يدركها ؟!!
كم عيناً كانت تحلم بالمستقبل ليخبو وميضها فجأة ؟!
كم حبيباً غادر ليترك خلفه قلوباً تفحمت بوجع الفراق؟!!
والأسوأ...كم جسداً سيبقى حياٌ يحمل ندوب بشاعة حادث كهذا ؟!!
أما للظلم نهاية في هذا البلد ؟!!
أما للأرواح من ثمن ؟!!
وحدهم الكادحون يدفعون الثمن !!!
لكن ما يمنحها العزاء هو هذا الزحام حولها ممن جاءوا وفوداً يتبرعون بالدم للمصابين ...
هذه هي "مصر الحقيقية"!!
مهما تفشى "الأسوَد" في لوحتها يطغى عليه بياض شعب أصيل!!
انقطعت أفكارها برنين هاتفها الذي فتحته لتوها بعد إغلاقها له طوال النهار عقب أن طمأنت لجين وثمر عليها ...
زين!
هل من الحكمة أن تتجاهل اتصاله الآن أيضاً؟!!
فتحت الاتصال بعد عدة محاولات للتردد ليصلها صوته صارخاً بانفعال رج جسدها مكانه :
_انتِ كويسة؟!
صوتها يخرج رغماً عنها شاحباً منهكاً مع جوابها :
_الحمدلله ...خرجت من المستشفى دلوقت ...كنت...
_ انتِ فين دلوقت بالضبط؟!
صراخه يقاطع عبارتها لتبعد أذنيها عن الهاتف قليلاً قبل أن تجيبه ليستمر صراخه الهائج:
_إياكي تتحركي من مكانك لحد ما آجي ...إياكي!
قلبها ينتفض بقوة انفعاله لتتحرك فتستند على حائط أحد المباني القريبة محاولة تمالك إرهاقها ...
لماذا تنتظره ؟!
هل أرهبها صراخه ؟!
أم تراها استشعرت بقلبها ما يعنيه هذا الصراخ ؟!!
ماذا ؟!
تراه خشي أن يفقدها فيفقد خيطاً مهماً في علاج أخته ؟!
أم تراه خاف إن حدث لها مكروه أن يتورط اسمه معها فتنكشف حقيقة زواجهما ؟!!
عقلها يغذيها بخواطره السابقة لكن قلبها يتدخل ليدلي بدلوه على استحياء ...
هذا ليس صراخ "غاضب" ...هذا صراخ"عاشق"!!
عاشق؟!!
ابتسامة ساخرة مريرة ترتسم على شفتيها وعبارته ترن في أذنيها بذكرى الليلة المقيتة ...
_لما أحب أتجوز أتجوز واحدة زي ياسمين ...اللي زيك أصطادها وبس!
جسدها ينتفض ليس فقط للذكرى بل لمرأى سيارته معتمة النوافذ التي توقفت أمامها الآن ...
كيف وصل بهذه السرعة ؟!
تحركت لتفتح الباب متأهبة لنوبة جديدة من صراخه الذي أرادت تفسيره بغضبه من تجاهلها اتصالاته...فقط دون المزيد !!
لكنها ما كادت تستقل السيارة جواره حتى شهقت بحدة وهي تجده يجذبها بعنف ليعتصرها بين ذراعيه !
آهة مكتومة أطلقتها وهي تشعر بألم حقيقي من هذا العناق الذي يكاد يحطم ضلوعها !!
العناق "الخامس"!!
بأي مذاق هذه المرة ؟!!
مذاق "الخوف"!!
الخوف من أن يفقدها!!
يصرخ بها قلبها بانتشاء لكنها لا تجد الوقت لمجادلات عقلها ...
كلها في هذه اللحظة كانت أوهن من أن تفعل أو تقول أي شيئ!!!
بينما لم يكن هو يشعر بما يفعله وعقله مع قلبه يتوهان في غيبوبة أزكتها انفعالات الساعات السابقة...
منذ سمع الخبر وهو كالمجنون يحاول الاتصال بها دون جدوى!!
خيالاته السوداء تصور له أن يفقدها كأمه...أو كهمسة !!
صاعقة ضربته وقتها وهو يعترف لنفسه أن مشاعره نحوها لم تعد تحتاج لتأويل ...
هو لم يعرف شعوراً كهذا مع امرأة سبقتها !!
هل وقع في فخ العشق حقاً؟!
آهة أخرى منها جعلته يفيق من فورة انفعاله ليخفف ضغط ذراعيه حولها خاصة عندما همست بوهن غريب على صوتها المعتد :
_ممكن تسيبني ؟! أنا تعبانة جداً وم الصبح واقفة على رجلي؟!
_أسيبك ؟! انتِ عارفة كام اتصال عملته م الصبح عشان أعرف مكانك ؟! عارفة من ساعتها بادور في كام حتة ومش عارف ...
صراخه المنفعل ينقطع بغصة حلق ابتلعها ليعاود تشديد ضغط ذراعيه حولها لكنها كتمت تأوهها هذه المرة ...
أجل ...هو شعورها بالذنب الذي تعرفه معه لأول مرة !!
وكيف لا تفعل؟!
وهي تقرأ في العينين اللتين طالما نازلت مكرهما خوفاً طفولياً مس أمومتها !!
غريب!!
أجل ...غريب أن ينتابها هذا الشعور مع رجل كهذا ...لكنها حقاً تشعر بصدقه !!
لهذا أغمضت عينيها بتعب حقيقي جعل جسدها يستكين بين ذراعيه بإنهاك شعر هو به ليبعدها مرغماً فأسندت ظهرها على كرسيها لتصمت للحظات وهي تشعر بالصمت المشحون حولهما يصرخ بألف كلمة...
ألف كلمة تسمعها هي دون أن يقولها ...
لكنها تجبر قلبها أن يصمّ عنها !!
صداع رأسها يكاد يفلقه لكن رفرفة المترنح بين ضلوعها تطغى على كل ألم ...
ووسط كل هذا عقل يصرخ ألا تستجيب!!
حرب ضروس تعيشها في كل لحظة معه ...
أما من استراحة محارب؟!!
أناملها تمتد رغماً عنها تتحسس مكان العشرة جنيهات الخالي وكأنها تتلمس منها دعماً مفقوداً ...
لكنه يشعر بما تعنيه حركتها فيتلقف أناملها ليجذبها نحوه هو في إشارة موحية...
وعيناه تحفران فوق الملامح المنهكة نظرات من نار!!
لهذا ترددت قليلاً قبل أن تختلس نظرة نحوه قائلة :
_مضطرة أمشي دلوقت...ستي ثمر مش هتنام الليلة دي إلا وأنا في حضنها .
_لا!
هتف بها صارمة وأنامله تعتصر كفها أكثر لتهتف بغضب أججه إنهاكها:
_يعني إيه لا ؟! أنا كده كده كنت مسافرة ...أنا مش مستنية إذنك.
_وأنا مش هاسيبك تبعدي بعد اليوم المشحون ده عشان أقعد كام يوم كمان ما أشوفكيش !
هتف بها بغضب عفوي جعله لا يتبين ما تعنيه كلماته إلا عندما رأى اتساع عينيها المصدومتين ...
شفتاها ترتجفان بقوة ونظراتها تهرب من لقاء نظراته...
هل يمارس الآن سحره عليها ؟!
هل يظنها "أشواق" أخرى سترضخ للحلم بالأمير الوسيم ؟!
صدقت يوم شبهته ب"الساحر" يختفي خلف بللورته يظن نفسه يقرأ مصائر الناس ويحددها !!
ربما لهذا تحفزت في جلستها لتهتف بانفعال دمعت له عيناها:
_ماتخلينيش أكرهك أكتر من كده ...انت ما اشترتنيش ...لحد ستي ثمر ومالكش عندي دية ولا اتفاق ...هسافر يعني هسافر .
عيناه تتوهجان بتحدٍّ أخافها لوهلة قبل أن يشيح بوجهه للحظات سبقت تركه لكفها ...
ورغم شعورها ببعض الخيبة من عودة كفها البارد خالياً لكنها رفعت أنفها باعتداد تتأهب لمغادرة السيارة ...
لولا أن سمعت صوت مفتاحه يعود ليشغل السيارة من جديد !!
_انت رايح فين ؟!
_هاوصللك !
قالها قاطعة دون أن ينظر إليها فرمقت جانب وجهه بحذر وهي تتأهب للاعتراض ...
لكن جانباً من التعقل جعلها تجنح لبعض الطاعة فتقول له بنبرة لانت نوعاً:
_وصّلني لحد مكان مناسب زي المرة اللي فاتت وبعدها هاكمل لوحدي .
لكنه لم يرد عليها بل لم ينظر حتى وهي تشعر بصدغه المقابل لنظراتها يكاد ينفجر من فرط ما يكز على أسنانه !!
زفرت بمزيج من سخط وتعب قبل أن تسترخي في كرسيها أكثر لتجد جفنيها يتثاقلان رغماً عنها ...
بعض مشاهد من يومها الكارثي تجتاحها بين صحوة ومنام فينعقد حاجباها بألم ...
قبل أن تراودها ذكرى نسيمية باردة لبقايا كلماته التي رددها منذ قليل ...
فتتلون شفتاها بابتسامة باهتة !
وفي -شبه وعيها - هذا تسمع صوته بعيداً جداً يسألها إن كانت جائعة !
جائعة ؟!
هي فقط تريد النوم لعلها ترحم من جحيم عقلها هذا !!
تشعر به يوقف السيارة ثم يقترب ليخلع عنها نظارتها لكنها لم تكن تملك القوة لفتح جفنيها حتى ...
ماذا يفعل؟!
إنه يعيد مقعدها للخلف أكثر ببطء كأنه يخشى أن يوقظها ليمنحها المزيد من الاسترخاء الذي كانت تحتاجه حقاً لتغيب عن وعيها تماماً بعدها !!
وفي مكانه كان هو يراقب ملامحها النائمة بشعور غريب !!
ربما لو كانت أي امرأة أخرى تنام مكانها هكذا لاعتبرها حالة قصوى من إغواء!!
لكن هذه "الهالة القدسية" التي تحوطها تجعله يناظرها برهبة متشحة بعاطفته...
إنها -ببساطة - بطلة !!
بطولة لم تستمدها من مال أو جاه أو نسب ...
بل من شخصها هي النادر!!
لا يصدق أنها وسط مأساتها هي الخاصة وبعد خروجها من النيابة ملطخة بعار أبيها تتناسى كل هذا لتتطوع في خدمة أناس لا تعرفهم !!
تقف كملاك يبسط جناحيه وسط دخان الموت لتقدم لهم معونة !!
هل يغبطها على قلبها ؟!
نعم ...يغبطها حد أنه الآن يود امتلاكه لنفسه !!
ابتسامة خافتة تترنح على شفتيها في نومها فيرجف لها قلبه...
ماذا تراها رأت كي تبتسم كهذا ؟!
هل يملك من الغرور أن يتصورها تحلم به ؟!!
نعم...يملك ما يكفي ويفيض!!
لهذا هدأ قلبه أخيراً بعد انفعال الساعات الماضية ليرمقها بنظرة أخيرة قبل أن يعيد تشغيل السيارة لينطلق بها بسرعة منخفضة وكأنه لا يريد الوصول و...تركها...!
وما كاد يصل للمكان المنشود حتى نظر إليها بتردد كارهاً إيقاظها ...
لكنها شعرت بتوقف السيارة ففتحت عينيها فجأة لتنهض من نومتها بفزع لأول وهلة...
قبل أن تقع عيناها عليه ليعود لها وعيها ...
_كفاية كده ...هانزل هنا .
قالتها بفظاظة هاربة من لقاء نظراته لتتلفت حولها مردفة:
_فين نظارتي؟!
فتناولها من جواره ليلبسها إياها بنفسه قبل أن يهتف بنبرة آمرة :
_مش هتتأخري .
رمقته بنظرة استهانة دون رد ليقسو صوته أكثر باستطراد أخافها :
_تليفونك لو اتقفل دقيقة واحدة أو ما رديتيش عليا هتشوفي مني وش ماشفتيهوش قبل كده !
اشتعلت عيناها بغضب احمر له وجهها بما بدا له أكثر إثارة...
لكنها عادت تشيح به لتضع أناملها على مقبض السيارة كي تغادر وما كادت تفعل حتى فوجئت به يقبض على كفها المجاور له ليجذبها نحوه ...
العناق "السادس"!!
لا تزال تعدها عداً ربما لأنها تدرك أنها ستُحرم منها قريباً!!
تراه بأي مذاق هذه المرة ؟!
بمذاق "التقدير"!
أجل عيناه كانتا تفيضان باعتزاز يسهل على امرأة مثلها تمييزه !!
لهذا أغمضت عينيها بسرعة هاربة من فيض مشاعرها الذي يجتاحها الآن لتشعر به يقترب أكثر فتحفز جسدها بقوة لتجده ...
ماذا ؟!
يقبل رأسها !!
شفتاه لم تتجرآ إلا على "قماش"وشاح رأسها تطبعان فوقه علامات احترامه !!
جسدها يرتجف بقوة بين ذراعيه وهي تشعر بأنها تكاد تتهاوى!!
وهن لا يليق بها ...أبداً!
لهذا دفعته ببعض العنف لتغادر السيارة وتتجه نحو المكان المنشود حيث بقي هو مكانه يراقبها حتى انحشر جسدها الضئيل في ذاك "الميكروباص".
وفي مكانها كانت هي تتلفت خلفها من زجاج النافذة تشاهد سيارته تتبعها ...
لماذا لم يغادر فحسب؟!
شعور دافئ يدغدغ أنوثتها وهي تستعيد لحظات هذه الليلة معه ...
قلبها يفرق أكاليل النصر بين الضلوع ...
كل دقة تغني بلحن انتصار تنكره لكنها ...تتمناه !!
ترجلت أخيراً لتخطو نحو مدخل القرية حيث التف حولها الناس بهتافاتهم القلقة ...
النساء يتلقفنها بين أذرعهن والرجال تعلو أصواتهم بحمد الله على سلامتها !!
سيرة "حسين المجرم الهارب" توارت تماماً خلف قلقهم الصادق على "ابنتهم"!!
أجل ...هكذا كان شعورها تماماً والأحضان الدافئة تغمرها براحة غطت تعب اليوم الطويل ...
وأخيراً عناق "لجين" و"ثمر"!!
ثمر التي رفعت رأسها للسماء لتهتف بصوت أرجف قلوب الحاضرين جميعاً:
_شفتوا يا بلد ؟! ربنا مش هيسوءني في بناتي أبداً ...بنتي خطت وسط النار وماجرالهاش حاجة ...ده وعد ربي وأنا مصدقاه !!
ثم تلت قوله تعالى :
_وليخشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ..
لتصمت للحظة وصوتها يرتجف ببكاء اخترق نبرتها القوية مزلزلاً إياهم :
_وأنا عشت عمري بتقي ربنا ومستنية عوضه في بناتي .
صوت التهليل يعلو في أذنيها لكنها لا تميز سوى خفقات صدر جدتها تحت أذنيها ...
خفقات تدعو الله ألا يحرمها منها أبداً !
لهذا استجابت لدفء هذا العناق ما بقي لها من هذه الليلة العصيبة لينتهي بها المقام في سرير جدتها نائمة في حضنها كما وعدتها ...
صوت رسالة يقطع صمت الغرفة حولها فتنظر لجدتها النائمة بحذر قبل أن تفتحها لتجد كلمته...
_أمشي؟!
اتسعت عيناها بصدمة وهي لا تفهم مراده لأول وهلة قبل أن تنتفض من الفراش لتهرول نحو النافذة الخارجية للبيت ...
سيارته !!
هنا؟!
طوال هذا الوقت ؟!!
_انت لسه هنا ليه ؟!
أرسلتها له بنبرة فضحت غضبها وشعورها بالذنب نحو ثمر التي تخفي عنها الحقيقة يمنعها محادثته شفهياً ...
ليبتسم هو مكانه ويرسل:
_كنت بطمن إنك كويسة بعد مظاهرة الأحضان اللي دخلتيها ...صوّرتها فيديو هاحتفظ بيه عندي ...منظر يستاهل تفتخري بيه ...هه ؟! شفتي بيحبوكي إزاي ؟! لا فرق معاهم حسين ولا غيره ...نفس المشهد هتشوفيه بنفس الحب لما ترجعي المركز ...الناس وقت الجد مش هتفتكر غير ياقوت الإنسانة...وبس!
خفق قلبها بارتياح رسم بسمة صادقة على شفتيها لكنها عاودت إرسال رسالة حاسمة :
_امشي دلوقت ...وإياك تيجي هنا تاني ...ولو حد من أهل البلد سألك انت مين اعمل تايه ...الموضوع ده مافيهوش هزار .
لم يرد عليها لكنها سمعت صوت دوران محرك سيارته فشعرت بمزيج متوقع من راحة رحيله ووجعه !!
ظلت ممسكة الهاتف بين كفيها لتصعد الدرج نحو سطح البيت ...
القمر هلال هذه الليلة !!
طالما كرهت هذا الوضع له وكأنه "مكسور"!!
لكنها ببعض الأمل تود لو تراه يجاهد كي يبزغ كاملاً في النهاية !!
بدر ...هكذا يستحق بعد محاربة كل هذه الظلمة !!
الوقت يمر بها وهي عاجزة عن النوم رغم إرهاق الليل الطويل ...
ماذا عساها تنتظر ؟!
رسالة منه مثلاً ؟!
رسالة كهذه ؟!
_تصبحي على خير .
رسالة لن ترد عليها إلا بابتسامة لن يراها وبرجفة قلب لن يشعر بها !!
لكنه "العنيد" لا يمل :
_أول ما ترجعي لازم أخلليكي تقريلي كتاب مهم جداً !
الدم يضرب في رأسها وهي تتذكر جلسة كهذه التي يحكي عنها !!
الوغد !!
يظنها ستسمح له بفعلها من جديد ؟!!
لكن فضولها يدفعها لترسل :
_كتاب إيه ؟!
والرد يرسله يعلم أنه سيثير غيظها :
_كيف تكسر رأس امرأة عنيدة دون أن تؤذيها .
_فيه كتاب اسمه كده ؟!
ترسلها بين ابتسامة وتشكك ليرد :
_فيه أسطورة بحالها اسمها كده .
ثم رفع الهاتف لشفتيه بقبلة استرجع فيها مذاق عناقها لينهي الحديث برسالته :
_أسطورة اسمها ياقوت !
========
جلس هيثم في مطعمه المفضل الذي اعتاد أن يلقى فيه شوشو وقبلها كانت داليا !!
هل كتب عليه الخذلان من نساء اختارهن قلبه ؟!!
الحقيقة عرفها من تناثر الأقاويل هنا وهناك ...
الحقيقة ؟!!
ابتسامة سخرية مريرة ترتسم على شفتيه وهو يدرك كم صارت الكلمة مطاطة حقاً !!
أي حقيقة ؟!!
حياته كلها كانت وهماً !!
أبوه الطيب الخيّر ...وهم !
إخلاصه لأمه ...وهم !
شوشو هي الأخرى كانت وهماً ...وأي وهم !!
يغص حلقه بمرارته فيشبك أصابعه أمامه وهو يتذكر تلك الليلة التي رآها فيها تخرج مع والده بينما أشرف يتبعها ...
هكذا إذن تتجمع الخيوط ...
هو لم يكن سوى غر ساذج استدرجته كي توقع بأبيه !!
السؤال هو ...لماذا فعلتها ؟!!
لماذا ؟!
وكأنما نبتت من أفكاره ليجد طيفها هناك عند باب المطعم تتأمله من خلف الزجاج وكأنما تخشى الدخول ...
عيناهما تلتقيان خلف الحاجز الزجاجي فتتراشقان الاتهامات وتتبادلان الحسرة ...
وجهها الباهت لا يقل شحوباً عن وجهه...
جسدها المرتجف لا يقل انفعالاً عن جسده ...
ولو نظر بصدرها لرأى نفس الرماد لقلب يحترق!!
تطرق برأسها فيطرق برأسه ولا يدري هل يصفها بالوقاحة حد أنها تتجرأ وتأتي إلى هنا ...
أم يصف نفسه بالضعف حد أنه لا يقوى حتى على رفع عينيه إليها !!
هو أحبها ...حقاً أحبها ...
لكن أي "شوشو" أحبها ؟!
تلك المهادنة اللطيفة الوديعة الساذجة التي كانت تناقض صورة داليا في ذهنه ...
لكن هذه ...
هذه مجرد ماكرة متلونة ...تلاعبت به لتسقط أباه !!
وفي مكانها كانت هي تشعر برهبة النهاية ...
هذا الشعور المقيت أن حياتك لن تعود أبداً كما كانت ...
هي انتصرت على "حسين" ...وانهزمت في كل ما عدا ذلك !!
فأي نصر ...وأي هزيمة !!
لكن ...ألا يحق لها قبل الرحيل أن تسمعه اعترافها ؟!
أن تخبره أن قلبها تورط به لكن دوامة الثأر جرفتها !!
أن تبرر له ما تجعله فقط لا يلعنها لو طافت بذهنه يوماً !!
أجل ...هي لم تعد تطمع بالمزيد فمثلها لا يحق له أن يفعل !
يشعر بها أمامه لكنه لا يقدر على رفع عينيه ...
يشبك أصابعه أمامه وهو يكز على أسنانه بقوة كادت تفجر صدغيه ...
لكنها لا تستأذنه البقاء كما لن تستأذنه الرحيل ...
تسحب كرسياً لتجلس قبل أن يصله صوتها المختنق :
_من أول يوم حبيتك فيه وأنا عارفة إنك مش ليا ...كنت بشوف حب داليا في عينيك وأقول لنفسي عمره ما هيفكر فيكي ...انتِ فين وهو فين ...بس غصب عني كنت بتلكك عشان أفضل جنبك ...كنت بقول لنفسي احلمي أي حلم يهون عليكِ مرارة الدنيا ...وكنت راضية ...والله العظيم كنت راضية تفضل في عيني كده ...
سالت دموعها طوفاناً على وجنتيها فاضحة قهر حسرتها لكنه لا يزال غير قادر على رفع عينيه نحوها ...
ملامحه تغيب خلف ستار جامد يبتلعها ...
لكنها تواصل الحديث بقولها ...
_لحد ما سيدة اتقتلت...بنت خالتي وفي مقام أختي ...اتقتلت هي وابنها اللي لسه في بطنها ظلم من غير ذنب ...يومها حزنت عليها وشفت فيها نفسي ...الفقرا اللي زينا دمهم مالوش تمن وبيتداس عليهم بالرجلين ...رحت للضابط برجلي وقلتله عايزة آخد بتارها ...ضحك عليا كأنه بيقوللي عيلة زيك ممكن تعمل إيه ...بس لما شك إن حسين ورا كل البلاوي دي طلب مني أقرب لك أكتر ...
ثم صمتت لحظة تبتلع غصة حلقها لتردف:
_كانت أسود ليلة في حياتي وأنا مش عارفة أختار إيه ...أجيب حقها واللا أسيبك لحالك ...انت كده كده ماكنتش شايفني ...داليا كانت مالية عينيك وقلبك ...قلت خلاص المسألة محسومة ...لو قلبِك خرج خسران ما تخسريش انتقامك كمان ...
أغمض عينيه بقوة وهو يقسم لنفسه سراً أنه يكاد يرجوها التوقف لولا عقدة لسانه التي امتدت لجسده المتجمد كله ...
لماذا لا تصمت فحسب؟!
لماذا لا تخرج وتتركه لخساراته ؟!!
لماذا تسرد الحكاية هكذا وكأنها ضحية ؟!!
_بس طلعت غلطانة...قربي منك خلاني أحبك كل يوم أكتر م اللي قبله...الأمل كان بيكبر جوايا خصوصاً بعد ما سبت داليا ...بس ...بس كل ليلة كنت بحط راسي فيها ع المخدة كنت بفتكر دم سيدة اللي راح هدر ...وبلاقي نفسي تايهة في نفس الدوامة ...لحد ما عزمتني ع الحفلة في بيتكم وشفت حسين ...
ثم صمتت لحظة مدركة أن القادم أصعب لتستطرد بعدها :
_تحب أحكيلك الباقي واللا هتستنتجه من غير ما أقول ؟! هتفهم لوحدك ليه كان عايز يدربني عنده في الشركة ؟! غرضه مني كان إيه ؟!
صرخة هائلة تجتاح وجدانه لكنها لا تغادره لشفتيه ...
هي ...ووالده !!
هل هذا هو المقابل الذي دفعته كي توقع به ؟!!
لكن إجابتها الرحيمة تأتيه بسرعة :
_ما لمسنيش ...الصيد العزيز دايماً غالي ...وأنا عملت اللي عليا بسرعة وحطيت جهاز التصنت اللي ادهولي في مكتبه ....انتقامي حققته وكنت واقفة بنفسي شايفاهم وهم بيقبضوا عليه ...أخيراً قادرة آخد نفَسي وأنا شايفاه قريب هيدفع تمن دم سيدة ...
هنا تأتيه بعض الجرأة ليفتح عينيه الحمراوين كالدم بنظرات مشتعلة بين غضب وحسرة ...
لترتجف شفتاها باستطرادها الباكي:
_ما تبصليش كده ...أنا مش وحشة للدرجة دي ...أنا كنت باخد حقي منه ...ووسط كل ده ما نسيتكش ...عملت تعب أمي حجة عشان أعرفك على أختك ...عشان أخليك تفتح عينيك وتشوف حقيقته بدل ما تعيش طول عمرك مخدوع .
_والمفروض دلوقت أشكرك ؟!
كلماته التي خرجت ذابلة بحجم الخسارة ...بنكهة المرارة ...وبمذاق سخرية ذكّرتها بحقيقة الوضع بينهما ...
حائط سدّ!
هذا بالضبط ما يواجه علاقتهما الآن!!
فهل تدعي المفاجأة ؟!!
لهذا وقفت مكانها لترمقه بنظرة أخيرة طويلة قبل أن تغلبها دموعها من جديد بقولها :
_فاكر يوم ما قلتلك مهما حصل افتكر إني ماحبيتش ولا هاحب حد غيرك ؟! أنا مش عايزاك تسامحني ...ولا قادرة أطلبها ...بس كل اللي عايزاه إنك تعدي الأزمة دي ...وأوعدك مش هاخلليك تشوف وشي تاني .
لم تكد تنهي آخر كلماتها حتى تلاشت من أمام عينيه ...
"تلاشت" ب"حرفية" الكلمة وقد امتزج طيفها "الغادر" بطيفها "المغادر"...
هل لا يزال يبحث عن الحقيقة ؟!
هل لا يزال ينتظر عودة والده الفارس بدليل براءته ؟!
ابتسامة مريرة تكتسح شفتيه وهو يغادر المطعم بخطوات مترنحة ...
يهبط الدرج المؤدي للشارع بعينين تبصران ولا تريان ...
أين يذهب وقد فقد الطريق؟!
الجسر الآمن الذي طالما احتضن خطواته الآن ينكسر طرفاه فلا سبيل سوى السقوط !!
يسمع صوت بوق سيارة لكنه يصل إدراكه متأخراً وهو يشعر برأسه يصطدم بالأرض بألم فاق احتماله ...
يسمع صياح الناس حوله لكن مذاق الدم في فمه يجعله يدرك أنها النهاية التي جاءت في وقتها تماماً ...
هو ما عاد يريد هذه الحياة...
ويبدو أنها هي الأخرى ما عادت تريده !
=======
_مخبيين عني إيه انتو الاتنين ؟!
هتفت بها ثمر صباحاً في مواجهة ياقوت ولجين التي امتقع وجهها وعيناها تنسحبان رغماً عنها ل"غرفة الخزين" السفلية !
بينما قالت ياقوت بتماسك مصطنع:
_هنخبي إيه بس يا ستي؟! ما أنا حكيتلك كل حاجة عن هروب حسين ده وكلام ابنه معانا .
حدجتها ثمر بنظرة طويلة متفحصة ثم قالت مخاطبة لجين :
_روحي انتِ ل"رابحة" شوفوا الأكل وسيبيني مع أختك.
امتثلت لجين لأمرها بسرعة فيما تنهدت ثمر لتجلس متربعة على الأرض مع قولها الغامض:
_قلبي كان حاسس إنه هيهرب ...ماكانش ينفع نهايته تبقى سهلة كده .
فزفرت ياقوت زفرة ساخطة لتجلس جوارها بدورها مع هتافها :
_منه لله ! ماشفناش منه غير الأذية ...
ثم تذكرت ما جعلها تسألها :
_إلا قوليلي يا ستي ...هو ليه كتب على أمي زمان بعد اللي حصل ؟! إيه اللي جبره ؟!
فابتسمت المرأة عبر أسنانها المكسورة وأخاديد وجهها تفضح الوجع القديم:
_اللي يستره ربه ما بيفضحوش عبد ...واللي زي ده يخاف ما يختشيش ...ربنا سخر لنا وقتها واحد من هنا م البلد كان نايب كبير في المجلس وكلمته مسموعة ...رحتله وحكيتله وهو مارضاش بالظلم ...هدده يفضحه قدام مراته وأهله فعملها مغصوب زي الكلب.
أطلقت ياقوت آهة خافتة لتضع رأسها في حجرها قائلة بشرود :
_كالعادة في البلد دي ...اللي مالوش ظهر بيتضرب على بطنه ...لولا الراجل الطيب ده كان زماننا...
قطعت عبارتها دون أن تجرؤ على تكملتها مع هذه المرارة في حلقها ...
لتتفرس ثمر ملامحها قبل أن تسألها فجأة :
_انتِ كسرتِ كلمتي مع البيه بتاع مصر ؟!
اتسعت عينا ياقوت بارتياع فضحها لتنتفض مكانها قبل أن تتحرك لتحضر مصحفاً وضعت كفها عليه لتقسم :
_ربنا يشهد إني ما كسرتش كلمتك يا ستي ...من يوم ما سافرت ماخطتش البيت ده تاني !
كانت تعلم أنها صادقة ...وكاذبة !!!
إنها المرة الأولى التي تخفي فيها عن جدتها شيئاً !!
لكن ماذا عساها تفعل ؟!!
لو علمت ثمر الحقيقة فستموت بحسرتها ...
ولو شكت مجرد شك فلن تهدأ حتى تدرك الأمر كله!!
لهذا دمعت عيناها قهراً وأناملها ترتعش على المصحف لترمقها ثمر بنظرة طويلة غامضة قبل أن تقول بصوت بارد :
_من امتى بتحلفي ع المصحف قصادي يا "بنت أشواق"؟!
فتمالكت ياقوت نفسها لتضع المصحف مكانه قبل أن تعود لتجلس على ركبتيها أمامها قائلة بصوت مرتجف:
_اطمني يا ستي ...عمري ما هاوطي راسك أبداً ...انتِ بس اطمني وادعيلنا ...احنا ماشيين ببركة دعاكِ...
ولم تكد تنتهي من عبارتها حتى سمعت طرقاً عنيفاً على الباب فانتفضت مكانها لتفتحه قبل أن يصدمها الخبر ...
إنها الشرطة تبحث عن حسين ...
هنا؟!!
ابتسمت ساخرة في سرها قبل أن تفسح لهم المكان بينما وقفت لجين تنتفض مكانها وقد خرجت من المطبخ مع رابحة التي كانت تراقب بفضول ...
_آسفين يا حاجة .
قالها الشرطي لثمر قبل أن يجمع قوّته ويرحلوا خاليي الوفاض لتغلق ياقوت الباب خلفهم بينما تهتف بغيظ :
_بيدوروا عليه هنا ؟! فاكريننا ممكن نخبيه ؟!
_سامحيني يا ستي!!
هتفت بها لجين وسط دموعها التي أغرقت وجهها وهي تنكب على كف ثمر تقبله فتبادل الجميع نظرات حائرة قطعها صوت غريب يأتي من الغرفة السفلية !!
_اوعي يكون اللي في بالي ؟!
هتفت بها ياقوت باستنكار لا تكاد تصدق ما استنتجته بينما تجمدت ملامح ثمر وهي تزيحهما جانباً لتهبط الدرج نحو غرفة الخزين السفلية ...
الغرفة تسودها الفوضى بعد تفتيش الشرطة لها لكن ...
مكان واحد تعرفه لجين يمكنها إخفاؤه فيه !!
دولاب خزين قديم تحوطه الكراكيب صممه الجد الأكبر محفوراً بداخل الحائط نفسه بحيث لا يكاد الرائي يميزه!
هذا الذي سمعت الصوت الغريب يتصاعد منه الآن لتفتحه فتجده أمامها ...
حسين !
========
_مش مصدقة إنك تيجي لحد هنا !
هتفت بها ياقوت باستنكار لترمق لجين بنظرة حانقة مردفة :
_ضحك عليكِ إزاي وخلاكِ وافقتِ ؟! انطقي ...هتودينا في داهية !!
لكن لجين انخرطت في بكاء مذنب وهي تتذكر حالها عندما وجدته فجأة أمام عينيها عقب عودتها من القاهرة بالأمس ...
كان ذهنها لا يزال مشتتاً بقلقها على شقيقتها لتزيد رؤياه من شتاتها خاصة بتلك الهيئة المزرية التي كان متنكراً بها ...
ثياب متسخة...غطاء رأس قديم ...وحذاء بالٍ!!
القرية كلها كانت منشغلة مع حادث القطار فتمكن من التخفي حتى وصل إلى هنا لتجده ينتظرها في الظلام جوار البيت !!
لم يطلب منها ...بل أمرها !!
هالة تجبره تحوطه ...تذكرها برعبها القديم منه ...
حتى وهو مجرم هارب لاتزال له نفس القوة المتسلطة !!
لهذا لم تستطع إلا الرضوخ لأمره مستغلة خروج ثمر من البيت للقاء ياقوت عند مدخل القرية !
_هو قاللي ليلتين اتنين بس على ما يدبر أموره ...سامحيني يا ستي!
هتفت بها لجين أخيراً وسط نشيج بكائها ليتجمد الموقف أمام اثنين بعينيهما ...
ثمر وحسين!!
الأولى التي وقفت مكانها متجمدة الملامح متخشبة الجسد لكن عينيها كانتا تفيضان بنظرات غامضة مع مشهده بهيئته المتسخة المتخفية التي شفت بعض غليلها ...
والثاني الذي خرج من مخبئه وغطرسته ترسم على وجهه غروراً لم يفقده في هذه الظروف ليهتف بصوته المسيطر:
_الكلاب اللي هربوني باعوني بعدها...بس اللي زيي جرابه ما بيفضاش ...الفجر هيجيلي مرسال بجواز سفر وتأشيرة عشان أسيب البلد ال(....) دي .
_ومين هيسيبك هنا ليلة كمان ؟! لا ...دقيقة واحدة ؟!!
هتفت بها ياقوت وهي تزيح رابحة التي وقفت تراقب بفضول متخيلة تشويق القصة التي ستسردها لأمها ...
فهتف حسين بنبرة مهددة :
_لو حد فيكم فتح بقه هتروحوا كلكم في داهية ...هاخدكم معايا السجن .
شهقت لجين بارتياع بينما توارت رابحة خلف جلباب ثمر التي لم تنطق بكلمة واحدة منذ بدأ الحوار ...
بينما اندفعت ياقوت تصرخ فيه باستنكار:
_انت إيه يا شيخ ؟! شيطان ؟! عايز مننا إيه تاني ؟!
_هاعوز منكم إيه ؟!
هتف بها باحتقار مشيراً للمكان حوله قبل أن يردف بازدراء ساخر:
_كل الحكاية إني مالقيتش حتة أستخبى فيها غير هنا ...محدش هيصدق إني ممكن أكون في مكان زي ده .
_فعلاً ...محدش هيصدق ...بس أنا مصدقة !
قالتها ثمر بغموضها المهيب لتردف مغمضة عينيها:
_مين يقول إن بعد السنين دي كلها ...تجيني لحد عندي مذلول كده !
_احترمي نفسك يا ست انتِ واعرفي بتكلمي مين !
هتف بها زاجراً بعنجهيته لتفتح عينيها بنظرة أحرقته مكانه :
_بكلم واحد عاش جبان وهيموت جبان .
تحرك نحوها يهم بصفعها لكن الثلاث فتيات تصدين له لتهتف ثمر بنبرتها المهيبة :
_ارجع استخبى في الدولاب زي الفار ...ليلة واحدة آخرك هنا وبعدها روح لحالك .
_لكن يا ستي لو حد ...
هتفت بها ياقوت باستنكار لتقاطعها ثمر بهتافها الحاسم :
_خلص الكلام ...اطلعوا فوق وسيبوه .
صمت ثلاثتهن ليتوجهن نحو الأعلى بينما رمقته هي بنظرة أخرى غامضة قبل أن تلحق بهن ...
_عاجبك كده ؟! هنروح كلنا في داهية بسببك ؟!
هتفت بها ياقوت بقهر لكنها كانت تشعر بالشفقة على شقيقتها ...
حسين الخبيث اختار بذكائه الفتاة الأضعف كي يؤثر عليها ...
ولو كان لقيها هي لكانت فضحته وسط الجميع دون رادع !!
لكن ...كيف تفعلها الآن؟!
كيف بعد ما حدث ؟!!
لا سبيل لديها سوى انتظار الصباح ...
ليلة واحدة ويتخلصن من هذا الكابوس!!
_ما تقسيش على أختك يا ياقوت ...طبعها رهيف والطبع غلاب .
قالتها ثمر بنبرتها الغامضة المهيبة لتعاود لجين الانكباب على كفها تقبله بينما نقلت ثمر عينيها لرابحة تقول بنبرة آمرة :
_اللي شفتيه هنا سر ما يطلعش بره ...ولا حتى لأمك !
أومأت رابحة برأسها مطيعة لتهتف:
_ماتقلقيش يا ستنا ...أنا مش هاسيبكم لحد ما يمشي عشان تبقي مطمنة .
_ليقضي الله أمراً كان مفعولاً!
تمتمت بها ثمر بغموض قبل أن تتركهن لتدخل لغرفتها وتغلق الباب خلفها ...
بينما تبادلن هن النظرات الوجلة وانتظار الفجر يبدو أصعب كثيراً مما يظنون ...
=========
تحدق رابحة في السقف بنظرات خاوية وهي عاجزة عن النوم ...
ياقوت ولجين جوارها هدهما التعب بعد توتر النهار كله لكنهما يتأهبان للاستيقاظ فجراً حتى يتخلصن من أبيهن الداهية هذا !!
حكاية مشوقة لها فيها هي السبق ستحكيها لأمها والبنات رفيقاتها بحكم كونها البطلة الوحيدة التي شهدت هذا الحدث الفريد ...
تتناول هاتفها بحسرة متذكرة ...
كيف فاتها أن تصور "الرجل الداهية" هذا وهو يخرج من دولاب الخزين بمشهده المضحك ؟!
كانت تستطيع فعلها خلسة كما فعلت مع الشيخ الوسيم عابد !
وعند الخاطر الأخير ارتسمت على شفتيها ابتسامة مراهقة حالمة لتعاود الالتفات حولها قبل أن تقرر أمراً ...
ستلتقط صورة ل"حسين" قبل سفره فجراً كي تصدقها أمها عندما تخبرها عن الأمر !
عيناها تلتمعان بنشوة المغامرة وهي تغادر الفراش بخطوات حذرة لتتوجه للخارج حيث الصمت الآمن حولها ...
فابتسمت بشقاوة طفولية وهي تتحرك نحو الدرج المؤدي للأسفل ...
لن تغامر كثيراً ...
صورة واحدة تثبت للجميع فيها أنها عاشت هذه المغامرة ...
ولتسامحها الحاجة ثمر !
هبطت الدرج بخطوات حذرة لتجده هناك مستلقياً على مرتبة قديمة كانت لجين -بطيبتها المعهودة -قد أعدتها له ...
هاهو ذا نائم فلتلتقط الصورة و...تهرب!!
ابتسمت بظفر وهي تحصل على غنيمتها قبل أن تعطيه ظهرها لتعاود صعود الدرج ...
تتفحص الهاتف لتتبين حصاد مغامرتها فتبتسم بانتصار لكنها تشهق بعنف وهي تشعر به خلفها فجأة يحيط خصرها بأحد ذراعيه بينما يكمم فمها بكفه الآخر!!
صرختها المكتومة تحطمت بين أنامله وهو يجذبها بقسوة معه نحو الأسفل قبل أن يطرحها بعنف على المرتبة ولازال يكمم فمها مع همسه الذي بدا كالفحيح :
_مين بعتك ؟! وعشان إيه ؟!
هزت رأسها بأنين مكتوم والدموع تغرق وجنتيها بينما ترفع هاتفها نحوه ليتفحصه بكفه الحر فيمسح الصورة قبل أن يقترب بوجهه منها هامساً بابتسامة شرسة:
_وسهرانة لحد دلوقت عشان تاخدي صورة زي دي ؟! ما تيجي أوريكي إن الأصل أحلى؟!!
جسدها الصغير يتلوى مع أنينها المكتوم تحت جسده الذي طوقها بينما عيناه تلتمعان بالمزيد من القسوة الحيوانية ...
فتاة صغيرة لكنها تقضي الغرض مؤقتاً!!
عيناها الساذجتان تذكرانه بتلك اللعينة "شوشو" التي سيرسل لها من يذيقها انتقامه !!
أجل ...حتى عندما يبتعد عن هنا ليتنعم بماله في الخارج ستبقى له مخالبه في هذا البلد !!
الذل الذي ذاقه الايام السابقة تتراكم مرارته الآن في حلقه ...
نقوده كلها لم تنفعه كثيراً لكنه سرب معظمها للخارج ...
من يصدق ان حسين رجائي يرتدي مثل هذه الأسمال ويختبي في بيت حقير كهذا ؟!!
من يصدق أنه كان ألعوبة لفتاة صغيرة مثل هذه ؟!
فورة شعوره بالقهر تدفعه لأن يذيقه لغيره ...
وصورة "الفتاة" الساذجة يستحضرها ذهنه بصورة شوشو المتلاعبة !!
مزيج القهر والغضب يدفع المزيد من الأدرينالين في جسده الذي بدأ في خلع ملابسه بأحد كفيه بينما لا يزال يكمم فمها بالكف الآخر...
بضع دقائق من المتعة تكفيه كي يتغلب على قلق انتظار رجله بجواز سفره المزور للهروب من هنا ...
متعة مسروقة يفرغ فيها كبت غيظ الأيام السابقة جاءته سهلة والناس نيام...
ويالسعادته بالمتع المسروقة !!
_آآه !
صرخة هائلة يطلقها فجأة وهو يشعر بالشيئ الذي سقط على رأسه !!
مرة تلو مرة ...
حتى همدت حركته...
همدت تماماً هذه المرة !!
الفتاة المسكينة التي انفلتت من بين ذراعيه تطلق صرخة هائلة لتهرع ياقوت ولجين للأسفل فتتسمران أمام المشهد ...
ثمر هشمت رأسه!!!
هشمته ب"الإناء الفخاري" الذي كانت تحتفظ فيه لجين ب"خباياها"...
لكنه كان فارغاً هذه المرة وكأنما تمنحها الأقدار هدية "الستر"!!!
_ليه يا ستي ؟! ليه عملتي كده ؟!
صرخت بها ياقوت بذعر وهي تهرع نحوها ليمنحها الجسد الميت -شبه العاري- الإجابة مع صرخات رابحة التي تضم ثوبها الممزق حولها !!!
_عاش مجرم ومات زاني !
غمغمت بها ثمر بازدراء قبل أن ترفع وجهها للسماء بتمتمة لم تسمعها ياقوت مع صرخات لجين ورابحة حولها التي حولت البيت الهادئ لقطعة من الجحيم ...
الصرخات التي جمعت أهل القرية جميعاً خارج البيت حيث خرجت لهم ثمر لتفتح الباب هاتفة بصوتها المهيب :
_اشهدوا يابلد ...ربنا طوّل في عمري لحد ما شفت اليوم ده ...جابه لحد عندي عشان آخد تار بنتي بيدي بعد السنين دي ...كنت بشوفها في منامي ...بشوف تِعبان كبير بيدخل بيتي وبخبطه على راسه بحجر ...حلمي اتحقق يا بلد ...
ترتجف ياقوت مكانها وقد لحقت بها لتتشبث بجلبابها في استماتة وسط دموعها المنهمرة كأنما تود لو تفتديها بنفسها ...
لكن المرأة تعلنها صراحة دون خوف:
_أنا قتلت حسين رجائي !
==========
انتهى الفصل الثاني عشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم سينابون
_بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير .
قالها المأذون وهو ينهي إجراءات عقد القران في بيت نبيلة ليصافح يامن مروان بحرارة قبل أن يقف ليجذبه في عناق طويل سبق قوله له بمزيج من حزم ورجاء:
_خللي بالك منها .
لكن مروان لم يكن يستمع وهو يشعر بالدنيا تدور من حوله ...
هل هكذا ببساطة تحقق الحلم ؟!
هل صارت حليلته حقاً؟!!
طنينٌ غريب يدوي في أذنيه فلا يمكنه سماع ولا رؤية غيرها ...
هي التي بدت له في هذه الليلة أجمل كثيراً مما حلم بها ...
ترتدي ثوباً عسلياً بلون عينيها ينساب برقة محتضناً تفاصيلها الشهية ،ووشاحاً بدرجة أغمق قليلاً وقد اكتفت من زينتها بطلاء شفاه ذهبي عذب جوارحه المشتاقة لكل ما فيها ...
الحمقاء لم تحدثه بكلمة منذ وصل !
إنها حتى لم تنظر إليه مطرقة برأسها كأنما هي مغصوبة على هذه الزيجة !
الخاطر الأخير أشعره بالضيق ليعقد حاجبيه بقوة وهو لا يفهم حقاً ماذا تخفيه عنه !
لأول مرة يشعر بغرابة تصرفاتها !
لو لم يسمع بأذنيه اعترافها بحبه ل"العاشق المجهول" لما صدق..
والخاطر الأخير يجعله يبتسم بسعادة بعد انعقاد حاجبيه السابق ليتفحص يامن ملامحه قائلاً بمشاكسة وهو يميل على أذنه :
_بتكشر وتضحك في نفس الوقت ؟! لا مش هاستغرب
خلاص بقا...دي أعراض القرب من داليا !
_وهو فين القرب ده ؟! مش شايفها قاعدة بعيد إزاي ؟! دي حتى ما سلمتش عليّ؟!
همس بها مروان في أذنه بسخط ليضحك يامن شامتاً قبل أن ينادي داليا ليهتف بها مشاكساً:
_ياللا يا عروسة عشان تلبسوا الدبل .
احمر وجه داليا وهي تقف لتتقدم نحوهم مطرقة الرأس فاضطرب مروان وهو يجد يامن يقف ليخلي لها مكانه ...
لكن داليا انتزعت الدبلة من مكانها لتلبسها بنفسها مانعة مروان من فعل ذلك !
_ماشاء الله ...العروسة شكلها خجولة قوي!
قالها المأذون ضاحكاً ليميل يامن على أذن مروان هامساً بشماتة ضاحكة :
_قابل يا عم قابل !
بينما كان مروان يغلي غيظاً وهو يراها لا تزال لا تنظر إليه حتى وقد عادت لجلستها البعيدة هناك حيث تجمعت حولها عائلتها تهنئها ...
فيما بقي هو واقفاً جوار يامن وحده فلم يستطع والداه الحضور خاصة مع الخبر المفاجئ !!
_معلش يا مروان ...دلوقت المولد يتفض ويسيبوك معاها لوحدكم ...وساعتها بقى يا حلو ...!!!
أفكاره العابثة تسليه لكنه ينتفض على تربيت يامن على كتفه مع قوله الضاحك :
_هتعرف تلبس الدبلة لوحدك واللا ألبسهالك ؟!
_لا ما انا هالبس ...هالبس يعني!
قالها مغتاظاً بنبرة ذات مغزى ليضحك يامن ضحكة عالية سبقت قوله :
_من ناحية لبست ...فانت لبست فعلاً!
_السلام عليكم .
قالها المأذون وهو يجمع أوراقه ليغادر فتأهب مروان منتظراً أن يتركوها معه وحدهما ...
لكن داليا وقفت فجأة لتمسك رأسها قائلة بوجع مصطنع:
_معلش مصدعة ...هادخل أنام !
_تنام ؟!
هتف بها سراً في استنكار وهو ينظر ليامن نظرة راجية لكن الأخير بسط كفيه باستسلام وهو يراقب عودة داليا لغرفتها التي أغلقت بابها خلفها ليعود ببصره نحو مروان قائلاً :
_نورتنا يا كبير ...والله يا واد وعرفت تنقي!
قالها وهو يخبط على عضده مازحاً لتقول نبيلة بارتباك :
_معلش يا دكتور ...هي فعلاً بقالها كام يوم ما بتنامش .
_أيوة وطلبت مني أقراص للصداع قبل ما تيجي .
قالتها رانيا كاذبة لتدافع عن شقيقتها فالتقطت منها الخيط هانيا لتهتف بسرعة :
_شكلها خدت برد عشان كانت مخففة امبارح .
لكن يامن رمقهن بنظرة تسلية قبل أن يقول لمروان بابتسامة عريضة :
_شكلها بتستهبل!
_يامن!
هتفن بها جميعاٌ باستنكار ليردف يامن وهو غير قادر على منع ضحكاته :
_ياجماعة هو مروان غريب؟! هو عارف إنها طاقّة ...
ثم التفت نحو صديقه الذي أخرسته الصدمة ليردف:
_هه ...تحب تروّح واللا تيجي أعزمك على سينابون
بالمناسبة اللطيفة دي؟!
الشماتة العابثة في نبرته جعلت مروان يلكمه في كتفه بغيظ قبل أن يعتذر منهم بنبرة مهذبة ليغادر تلاحقه ضحكات يامن الشامتة والذي لكزته ياسمين ليتوقف !!!
وفي غرفتها كانت داليا تستمع للحوار خلف الباب المغلق كاتمة ضحكتها بكفها ...
تعلم أنها تثير جنونه لكنها لم تسامحه بعد على كلماته التي قذفها في وجهها تلك الليلة ...
ولا على تخفيه طوال هذا الوقت خلف واجهة مجهولة !!
لكنها شعرت بخيبة حقيقية عندما غادر هكذا بسرعة وكأنما توقعت أن يتوسلها الحضور !!
لهذا زفرت بسخط من نفسها قبله ثم تحركت لتبدل
ملابسها وتستلقي شاردة على فراشها ...
هل غضب منها ؟!
هل سيخاصمها ؟!
_برضه مش هتردي ع التليفون ؟!
رسالته النصية وصلتها لتبتسم كالبلهاء وهي ترد برسالة مكتوبة :
_لا...تعبانة.
_كنتِ زي القمر النهاردة .
_عارفة.
لا تزال ردودها المقتضبة تثير غيظه فاستغل خبرته بها ليكتب :
_بس الفستان كان...وكمان لفة الطرحة...بصراحة...بلاش ...عشان متزعليش.
_كانوا إيه ؟!
كان يستطيع شم رائحة لهفتها المغتاظة في حروفها فضحك ضحكة عالية وهو يعاود الكتابة لها :
_مش وقته انت تعبانة...الف الف سلامة ...بالمناسبة أنا هاروح بكرة الصبح أنقي سيراميك العيادة ...لو هتبقي جاهزة الساعة عشرة هاعدي آخدك...سلام بقا الموبايل بيفصل شحن .
ولم يكد يرسلها حتى أغلق هاتفه ليضحك ضحكة عالية وهو يتصور ردة فعلها على ما كتبه !!
========
_صباح الخير.
قالتها داليا بعبوس وهي تستقل السيارة جواره في الموعد تماماً ليكتم ابتسامته وهو يرد باقتضاب مشابه :
_صباح النور .
لم يتبادل معها كلمة واحدة طوال الطريق مكتفياً باختلاس النظر نحوها ...
وجهها الخالي تماماً من الأصباغ...
وشاحها وردي الألوان..
معطفها الطويل الأرجواني على سروالها من الجينز ...
وأخيراً حذاؤها الرياضي بلونه الوردي الفاقع الذي تتحرك فوقه ساقها بعصبية ...
يعلم أنها قضت ليلتها تفكر في آخر رسالة أرسلها ...
عقاب مناسب لحماقاتها !
ربما لا يكون من الجيد دوماً أن ترتبط بشخص يفهم مفاتيح روحك كاملة !
انقطعت أفكاره عندما وصل بسيارته نحو المحل المنشود فترجلا منها ليتوجها نحوه ...
راودته نفسه أن يمسك كفها لكنه كان يعلم أنها في أعلى مستويات اشتعالها وقد تنفجر في أي لحظة ...
لهذا آثر السلم تاركاً لها حرية اختيار ما جاءا لأجله ...
ولم يكادا ينتهيان ليستقلا سيارته من جديد حتى بادرها بسؤاله بنبرة محايدة :
_تحبي تتفرجي ع العيادة كمان ؟!
_طيب!
قالتها بفظاظة ذكرته بصديقه ابن خالتها فكتم ابتسامته وهو يتحرك بالسيارة نحو مكان عيادته ...
ظهر الاهتمام على ملامحها العابسة وهي تميز المكان ...
بقعة شعبية الطراز لكنها نظيفة ...
البناية التي تحوي عيادته كانت حديثة الطراز نوعاً مما حمسها أكثر لأن تغادر السيارة وتتوجه نحوها سابقة إياه بخطواتها لتتوقف عيناها أمام يافتة بمدخل العمارة تحمل اسمه ...
وقفت أمامها وعيناها تلتمعان بفخر ...
هذا ...زوجها !
غداً سيكون أمهر طبيب في مصر بل في العالم !
هذا هو رجاؤها الذي لن ترضى له بأقل منه !!
_عاجباكي؟!
سألها ملاحظاً برضا خفي لمعة عينيها لترد باقتضاب دون أن تنظر إليه :
_كويسة .
ابتسم رغماً عنه وهو يستقل معها المصعد نحو العيادة التي فتح بابها قائلاً:
_اتفرجي عليها براحتك ...أنا هاستنى العمال اللي جايبين السيراميك هنا .
لم ترد عليه وهي تستكشف المكان بفضولها المعهود الذي خالطه الآن فرح غامر ...
تحمد الله أن المكان لا يزال في طور التشطيب ...
هنا يمكنها وضع لمساتها كاملة ...
سيبدأ هذه المرحلة وهي معه ...
تشاركه كل خطوة فيها !
الخاطر الأخير ملأها حماسة وهي تجوب المكان تتخيل لون الطلاء ...نوع الديكورات ...تصميم صالة
الانتظار ...وغرفة الكشف التي دخلتها لتتسع عيناها بقوة مع مرأى المشهد الذي تطل عليه ...
برج حمام كبير يعلو سطح المنزل المجاور !
هذا المشهد الذي خطف قلبها وهو يعيد إليها ذكريات قديمة ...
يالله!!
هل مضت حقاً كل هذه السنوات ؟!!
غابت في شرود طويل فلم تنتبه للوقت بينما وقف هو على باب الغرفة بعد انصراف العمال يراقبها في وقفتها بعينين دافئتين ...
شرودها الطويل أثار فضوله فاقترب منها بقلبه قبل قدميه ...
أنامله تتجرأ أخيراً لتحط على ظهرها برقة أجفلتها لترفع وجهها نحوه هامسة بانبهارها الطفولي :
_شفت المنظر جميل إزاي؟!
لكنه في هذه اللحظة كان يراها هي و قد احتكرت جمال العالم كله !
وجهها الذي طالما عشق تفاصيله الآن يراه أقرب ما يكون ...
أشهى ما يكون ...
عيناها اللتان تمزجان براءتها بشقاوتها تلتمعان الآن بلونهما العسلي في ضوء الشمس ...
أنفها المنمنم ...
وشفتاها المنفرجتان بانبهارها بما تراه !
_فعلاً...جميل.
همس بها بصوت مبحوح من فرط عاطفته بمراد غير مرادها تماماً ...
لتردف غافلة عما يعنيه :
_كان عندنا في بيتنا القديم واحد زيه ...كنت بطلع له مع ماما زمان .
_عارف.
يهمس بها وهو يقترب منها أكثر لكنها ابتعدت عن النافذة لتشيح بوجهها قائلة بنبرة عاد إليها عبوسها:
_لو خلصت ياللا نمشي .
_لسة زعلانة مني ؟!
يهمس بها ولازال كفه على ظهرها لتطرق بوجهها دون رد ...
فامتد كفه الآخر يحتضن وجنتها ليرفع وجهها نحوه مع استطراده :
_طب اديني فرصة أصالحك .
عيناها تشرقان بشمس عاطفتها ...
وعيناه تومضان ببرق عاطفته ...
شفتاه ترتجفان مع هدير قلبه الذي وجد صداه في قلبها هي الأخرى ...
_أنا عارف إن كلامي كان صعب يومها ...بس أنا وقتها كنت ...
قاطعت كلماته عندما بسطت أناملها على شفتيه قبل أن تحسم قرارها لتنزع عنها وشاحها بحركة مفاجئة تاركة لشعرها حرية الانسدال على ظهرها ...لتهمس بعدها بخفوت :
_ما أصدق قيلاً من شعر امرأة يروي تاريخ عاشقها ؟!
اتسعت عيناه بصدمة مأخوذاً من تصرفها قبل أن ينتبه لكلماتها ...
لا ...إنها ليست كلماتها هي إنها كلماته...
مهلاً...
كلمات العاشق المجهول لا مروان !!!
_انتِ عرفتي؟!
يهمس بها بصوت متحشرج وهو يقترب منها خطوة أخرى لتدمع عيناها وهي تجيبه بصوت متهدج:
_الصورة اللي بعتهالي كان فيها انعكاس للوحة في صالة بيتك شفتها يوم ما جيتلك عشان تساعد يامن ...يوم ما جيتلك الجمعية كان اليوم اللي عرفت فيه الحقيقة...كنت متلخبطة ...كل حاجة متلخبطة...كنت جاية عشان أواجهك وأزعقلك...لا...كنت ناوية كمان أضربك ...بس أول ما شفتك ...أول ما شفتك...
ارتجف صوتها أكثر ليرتعد جسدها معه فربت على كتفها مهدئاً لتردف مسبلة جفنيها :
_افتكرت كل اللي عملته عشاني ...غصب عني لقيتني بحضنك...ماتلومنيش ...جربت تلاقي حلم في خيالك فجأة بقى قدامك لحم ودم ؟!
_جربت.
يهمس بها بنبرة ذائبة وهو يقترب منها حد امتزاج أنفاسهما وقلبه يهدر في صدره حد الجنون ليردف :
_بس برضه مش هسامحك إنك ضيعتي جمال أول حضن بيننا .
ورغم أن حمرة وجنتيها المحترقتين كانتا تفضحان خجلها لكنها لم تستطع مقاومة شقاوة ردودها العفوية :
_ممكن تعوضه .
وكأنه ينتظر إذنها !!!
كفه المستريح على ظهرها يجذبها لصدره ليدفن وجهه بين خصلات شعرها فلا يدري أيهم يشتعل بها أكثر ...
أنفه الذي يتلمس عطرها ؟!
أنامله التي تغوص في شعرها؟!
أم شفتاه اللتان تتراقصان بجنون فوضوي فوق رأسها ووجنتيها لتفقدان رشدهما تماماً أمام شفتيها !!!
هل هكذا يكون مذاق الري بعد الظمأ؟!
شعور الدفء بعد طول برد ؟!
صوت الهديل بعد طول صمم ؟!!
بل هل هكذا تكون الحياة بعد طول عدم ؟!!
_مروان...انت بتعيط ؟!
تهمس بها أخيراً بارتياع بعدما أفاقت من سكرتها وهي تشعر ببلل دموعه على وجنتها لتمسحها بأناملها المرتجفة فيأخذ نفساً عميقاً ليعاود ضمها لصدره بقوة هامساً بصوت مرتجف:
_كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي ...بس ماكنتش متخيل إنها هتبقى بالجمال ده .
ارتجف جسدها بتأثره وهي ترفع إليه عينيها التي لم تملك دموعها هي الأخرى:
_كنت واثق قوي كده ؟!
قالتها بمشاكسة حاولت بها مداراة خجلها ليضغطها بين ذراعيه أكثر هامساً :
_مهما عملتِ عمري ما كنت هاسيبك تبقي لغيري.
همساته تهدر كالرعد في أذنيها فتزلزلها بصدقها وحرارتها ...
تود لو تقول أنها تحبه فتخرج منها رغماً عنها بدلاً منها ...
_آسفة...أنا ...آسفة ...
تخرج ممتزجة بدمعها الذي تتلقفه شفتاه بنهَم قبل أن يحيط وجهها بكفيه ليهمس بين أنفاسه اللاهثة :
_مش دي يا داليا ...مش دي ...
تعض على شفتها وهي تدرك مراده لتبتلع غصة في حلقها لتخرجها أخيراً حارة ملتهبة ...
_بحبك .
لم ينتظرها لتكملها وكأنما أبى إلا أن تولد أول وآخر حروفها بين شفتيه هو...
يسمعها منها بطريقته وتعيدها هي بطريقتها ...
فنعم المتحدث والمستمع!!
يبتعدان أخيراً لكن روحاهما تمتزجان ...
تشعر به يرفع كفها الذي يحمل دبلته لينتزعها منه برفق قبل أن يلبسها إياها من جديد بنفسه مع وعود شفتيه التي انسابت دافئة على كفها كله ...ظاهره وباطنه ...
عشرات الوعود التي يتلقاها قلبها قبل بشرتها ...فتلهبه قبل أن تشعلها ...
جسدها يرتعد بانفعاله وهي تراه أكثر مشهد عاطفي تمنته لرجل يلبس امرأة خاتمه ...
_كده ...الدبلة بتتلبس كده .
يهمس بها بصوت لا تدري كيف يمزج قوته بارتعاشه ...
مزيج يبدو أنه لايتقنه إلا عاشق مثله !
لهذا ضمت كفه نحو صدرها لتهمس له هي الأخرى بمزيج دلالها وعشقها:
_أنا كنت فاكرة إني اتغيرت عشان كنت جنبي سواء كنت عارفاك واللا لأ ...بس إحساسي دلوقت بدبلتك في إيدي ...بإني بقيت شايلة اسمك ...ده أكبر سبب مخليني دلوقت عايزة أليق بيك ...عايزة أستاهل كل الحب ده .
ابتسامته تتوج شفتيه وهو يرفع كفها نحو صدره هو هذه المرة ليهمس لها :
_الحب ده تستاهليه من زمان ...مش محتاجة غير إنك تبقي انتِ وبس.
_ممكن أطلب منك طلب ؟!
تسأله بين رجاء وغنج لتمنحها عيناه وعده فتردف :
_ماتحرمنيش منه ...أنا حبيته زي ما حبيتك !
ينعقد حاجباه بدهشة للحظة قبل أن يفهم ما تعنيه ...
لتستطرد هي بنبرتها التي عادت إليها طفوليتها :
_خلليه دايماً يكلمني من نفس الحساب بالفصحى من وقت للتاني ...يسأل عليّ ...أجري عليه أحكيله يومي كله ...وأشتكيله حتى منك لو زعلتني !
أغمض عينيه بقوة لتسيئ فهم ردة فعله فتهتف بانفعال :
_أنا مش مجنونة أنا بس ...
_أنا اللي مجنون يا داليا ...
يقاطع بها كلماتها لتنتهي حروفه بين شفتيها :
_مجنون بيكي .
==========
على اليخت الخاص به وقف حسين يراقب عبر منظاره ...
عملية "الوداع" كما أسماها !!
ابتسامة ظافرة ترتسم على شفتيه وهو يتذكر كيف تمكن من إخراس كل صوت هدد بسقوطه ...
البقاء للأقوى ...
وهو دوماً كان الأقوى!!
لكنه تخير الاكتفاء بهذا الحد من أعماله خلف الستار ...
لن تسلم الكرة كل مرة كما يقولون !
ابتسامته الظافرة تتسع وهو يرى السفينتين هناك تقتربان بحمولتهما ...
بقيت الخطوة الأخيرة ويشرب نخب النصر!
_انت جايبنا هنا ليه النهارده ؟!
تسأله شوشو خلفه بابتسامة رقيقة زادت فتنة ملامحها ليلتفت نحوها قائلاً بلهجة عابثة :
_مش قلتيلي إنك بتحبي البحر ؟!
_جداً .
قالتها بعينين تلتمعان غموضاً لم يفهمه فاقترب منها أكثر ليمسك كتفيها لكنها ابتعدت تمنعه بقولها المتدلل:
_مش قلنا مفيش حاجة قبل الجواز ...هانت كلها يومين ونكتب الكتاب زي ما وعدتني .
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة من سذاجتها وهو يقارن صورتها هذه بصورتها في أول مرة استقبلها في مكتبه عندما تعمد سكب المشروب فوق ثيابها ...
كيف لحق بها في حمام مكتبه الذي أغلقه خلفه ليبدأ في مغازلتها بما كان واثقاً أنه أطار صوابها ...
يومها تعمد أن يجتذبها بالطريقة الأحب لقلبه ...
ببطء لكن بثبات كما يقولون ...
لهذا اكتفى وقتها بإلقاء الشباك ليتركها تغادر مكتبه محتفظاً بذكرى بسيطة منها ...
وشاحها الذي نسيته خلفها واحتفظ به في درج مكتبه !!
الحمقاء تظنه يحبها ويريد الزواج منها ...
ولا تعلم أنه يعد لها مفاجأة في شقته الخاصة بعد يومين فقد بدأ يشعر بالملل خاصة واشتهاؤه لها يزداد يوماً بعد يوم ...
_أكيد يا حبيبتي ...مش قادر أصبر لحد ما تبقي ...
صوت إطلاق نار قريب يقاطع عبارته لينتفض مكانه قبل أن يرى عدداً من المراكب يقترب منه مع الصوت الذي صدح حوله :
_سلم نفسك يا حسين ....رجالتك وبضاعتك معانا.
عيناه تتسعان بصدمة مع وجهه الممتقع وهو يسمع تبادل إطلاق النار بين الجانبين ...
قدماه تتجمدان وخوفه يمنعه حتى محاولة الهرب ...
وفي ثوانٍ كان محتجزاً بين أيديهم يطالعهم بنظرات مصعوقة لتقترب منه شوشو قائلة بظفر:
_معلش يا حسين بيه...مايقع إلا الشاطر ...
التفت نحوها بنظرة حادة لتردف بابتسامة بائسة :
_كل حاجة كانت محسوبة...من أول تقربي لهيثم عشان يبقى سلمتي ليك ...وبعدين زيارتي ليك في المكتب عشان أزرع جهاز التصنت ...وبعدها انت سهلت بقية
الأمور بطبعك ال(...)!
أطلق سبة بذيئة وهو يحاول التحرر من محتجزيه مهدداً بعبارات صارمة :
_اللي زيي ما بيقعش ...هتدفعوا كلكم تمن اللي عملتوه .
لكنها أعطته ظهرها لتغادر المكان كله بخطوات قتلها حزنها !!
لقد كسبت الصراع ونجحت المهمة ...
لكنها يقيناً خسرت قلبها ...
قلبها الذي تورط رغماً عنها في حب ابن ذاك الرجل ...
"هيثم"!
===========
انتهى الفصل الحادي عشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم سينابون
_منتظراكم!
قالتها ياقوت بنبرتها المهنية وهي تجلس في غرفتها
بالمركز مخاطبة يامن الذي كان يخبرها عن رغبة ياسمين في الحضور ...
ورغم شعورها بالتحفز من هذه المقابلة بعدما استجد من أمرها مع زين لكن مهنيتها كانت لها الكلمة العليا ...
ولم تكد تغلق الاتصال حتى رن هاتفها برقم غريب لترد...
_ياقوت ...الحقي همسة !
صوت رائد الجزع يصلها فتهتف به بحدة دون وعي:
_هو الجنان في عيلتكم وراثة ؟! إيه اللي انت هببته ده ؟!
صمت لحظة قبل أن يخبرها عما حدث لينهي حديثه بقوله الملهوف:
_أنا اديتها الحقنة اللي طلبتيها مني المرة اللي فاتت ...هديت ونامت .
زفرت بسخط وهي تحاول استعادة صفاء ذهنها لتصمت قليلاً قبل أن تسأله :
_انت خطفتها ليه بالطريقة دي؟!
تنهيدته الحارقة وصلتها عبر الهاتف ليحكي لها ما كان بينه وبين زين بشأنها وشأن همسة ...
وكيف اضطر للكذب لحمايتها هي ...
_كتر خيرك والله ...كويس إنك مش قدامي دلوقت !
هتفت بها موبخة بحدة ليرد بحدة مشابهة :
_انتِ متعرفيش زين زيي ...الحاجة الوحيدة اللي كان ممكن تخلليه يشيلك من دماغه إنه يعرف إنك تخصيني .
_وأهه ما شالنيش!
هتفت بها بانفعال متسرع ليصمت هو قليلاً قبل أن يسألها بحذر:
_هو عمل إيه بالضبط ؟!
صمتت بتردد وهي لا تدري صواب أن تخبره بالحقيقة ليستحثها بقوله :
_زين شاف شعرك واتأكد إني كنت كذاب ...إزاي؟!
_اتجوزنا.
قالتها داحضة أي شبهة في خلقها رغم أنها كرهت نطقها كما لم تكره شيئاً في حياتها ...
صمته الطويل بعدها كان جوابه قبل أن يغمغم بذكاء لا ينقصه :
_ضغط عليكي بحاجة وانتِ اشترطتِ عقد رسمي ...صح؟!
كان دورها لتصمت قليلاً تفكر قبل أن ترد باقتضاب:
_أختي مريضة بداء السرقة ...مرض نفسي ...هو معاه فيديوهات وهددني ببلاغ رسمي .
_ومادام مريضة خايفة من إيه ؟!
سألها باهتمام لتزفر هاتفة بسخط :
_وقتها ما كنتش أعرف لسه الحقيقة...ودلوقت خايفة م الفضايح والشوشرة ...انت أكتر واحد عارف مجتمعنا بيبص للمرض النفسي إزاي .
صمت مشفقاً ليرد بعد فترة :
_أول مااطمن على همسة هنا هاحلهالك ماتقلقيش .
لكنها ردت بعنفوان ردها لحدود مهنيتها:
_ماتشغلش انت بالك ...أنا هاعرف أخلص نفسي ...المهم دلوقت همسة ...الخطوة دي رغم غبائها بس جت في مصلحتها ...فاكر كلامي على إننا نوفق بين العالمين ونقربهم من بعض ؟! احنا بننجح ...همسة بقت هي اللي عايزة تشيل الرباط من على عينيها ...عايزة تتأكد إن انت هو نفس الشخص اللي كانت بتحبه ...لما حطت الدبوسين في إيديك وقفلتهم كانت بتطمن إنك هو نفس الشخص ...يمكن ده اللي حمسها تنطق اسمك خصوصاً بعد ما شافت البيت اللي عملته زي ما حلمتم ...ويمكن كمان ده اللي خلاها تتقبل تسمع صوتك ...بس لسه الشفا مش كامل ...لسه صورتك بتردها للحادثة القديمة ...نصبر شوية ...يمكن في يوم نوصل إنها تتقبل تشوفك زي ما بتسمعك .
تنهد بإرهاق وهو يستمع إليها ليرد برجاء:
_مش هاقدر أعمل حاجة لوحدي ...أرجوكِ تساعديني هنا ...أنا عارف المكان بعيد بس ...
_هاجي طبعاً ...ابعتلي العنوان !
قالتها آمرة ليتنهد بارتياح وهو يمليها ما طلبته قبل أن يقول بتردد :
_هاقوللك حاجة مش عارف هتفرق معاكي واللا لأ...
قطع عبارته بحذر لتهتف هي بانفعال معذورة فيه :
_قول!
_السبب الوحيد اللي يخللي زين يعمل معاكي كده إني حسبتها غلط...انتِ عنده مش مجرد واحدة كان عايز يجيب آخرها ...زين عمره ما كان هيورط نفسه في جواز رسمي عشان نزوة ولا حتى ليلة واحدة ...خصوصاً وهو لسه عنده أمل يرجع لياسمين .
صمتت لحظات تحاول منع عقلها من استيعاب ما يقوله ويصدقه قلبها ...
ليردف هو أخيراً بما أغلق به اتصاله :
_زين بيحبك ...حتى لو هو نفسه مش عارف.
ألقت الهاتف من يدها بعنف لتعود بمقعدها للخلف في حركة عنيفة كادت تسقطها ...
يحبها ؟!!
يحبها؟!!
بئس هذا الحب!!!
صدقت ثمر عندما قالت أن من مثله لا ينظرون لمن مثلهم إلا نظرة واحدة فقط !!
لكن ...لا بأس !
_محدش بيتعلم ببلاش!
قالتها لنفسها معزية قبل أن تتفقد أناملها الموضع الخالي لورقة "العشر جنيهات" !
أخذها !
كما أخذ من "روحها" قطعة لا تظنها ستستردها أبداً بعده !!
دمعت عيناها وهي تستعيد ذكريات تلك الليلة الموحشة لكن طرقات الباب أنقذتها لتتحفز في جلستها وهي تراها تدخل وحدها ...
ياسمين!
==========
وقفت مكانها لتتأمل كلتاهما الأخرى بتفحص ...
ياسمين بزيها الأنيق الذي لم يقلل بروز بطنها من بهائه ...ولا سواد لونه من طغيان فتنتها الرقيقة...
جميلة بما يليق لتخطف قلب رجل مثل يامن ...وعقل رجل مثل زين !
هكذا حدثت ياقوت نفسها بغيرة لم تملكها وحظيت ياسمين -للعجب- بمثلها!!
ياسمين التي تعجبت ذوقها المتدني في ملابسها كما قال يامن ...
لكنها لم تغفل عن فتنة طبيعية تختبئ خلف هذا الإهمال!
فتنة تدعو الله ألا يكون يامن قد انتبه لها مثلها !!
هل هذه هي المرأة التي غيّرته ؟!
فعلت مالم تتمكن هي من فعله !!
_البقاء لله .
قطعت بها ياقوت هذا الصمت المشحون وهي تمد لياسمين يدها مصافحة فابتسمت ياسمين ابتسامة شاحبة وهي تجلس على الكرسي أمام مكتبها لترد بعفوية قبل أن تشبك كفيها لتقول بارتباك:
_أنا طلبت من يامن أقابلك لوحدنا النهارده ...عشان ...
_عشان غيرانة !
قالتها ياقوت مقاطعة لتلتفت نحوها ياسمين بغضب جعل الأولى تبتسم باستطرادها:
_دي أول حاجة جت في بالي لما يامن قاللي إنك عايزة تقابليني ...انتِ مهووسة بيامن من سنين ...أقل شعور ممكن تحسيه بعد اللي حصل هو إنك تغيري من ست دخلت حياته تحت أي مسمى وقدرت تغيّره بالشكل ده ...قلتِ تيجي تشوفيها بنفسك.
التمعت عينا ياسمين وهي تشهد لها في نفسها بالذكاء لكنها قالت ببرود مصطنع:
_هافترض إن معاكي حق ...تفتكري عندي حق في إحساسي واللا لأ؟!
اتسعت ابتسامة ياقوت لتلتمع "العينان الطيبتان" بقوة تأثيرهما مع جوابها:
_احسبيها صح ...يامن مااتغيرش بسببي ...يامن اتغير بسببك انتِ...عشانك انتِ...كل يوم عاشه بعد ما سبتيه كان بيعيشه عشان يرجع لك ...انتِ كنتِ علاج يامن ...أنا بس دوري كان إني عرّفته ده !
تغيرت ملامح ياسمين الباردة لأخرى منفعلة وهي ترمقها بنظرة طويلة قبل أن تتنهد بحرقة لتهتف :
_مش قادرة أصدق ...مش قادرة أرجع معاه زي
الأول ...عارفة إنه اتغير وأشهد بكده بس غصب عني ...مش مسامحة في اللي فات وخايفة...خايفة ما أسامحوش زي بابا الله يرحمه ...الموضوع مش سهل ...أنا فعلاً حاسة إني بحلم ...ماشية بالقصور الذاتي ...لا دي ياسمين اللي أعرفها ولا ده يامن اللي عارفاه ...
هزت ياقوت رأسها بتفهم لتقترب بجذعها من سطح المكتب قائلة :
_شعور طبيعي جداً ...محدش يقدر يلومك عليه ...هتفضلي فترة متحفزة لأي تصرف بيعمله...لأي نظرة ...لأي موقف ممكن يفهمه غلط ...هتفضلي خايفة تآمني تاني فتتجرحي تاني ...بس العلاج هو الوقت ...الأيام هي اللي هترجع تقرب بينكم .
_هو يامن اتعالج فعلاً ؟!
سألتها ياسمين بمزيج من تشكك ورجاء لترد ياقوت بنبرة عملية :
_أنا شايفاه بقى أقرب جداً للطبيعي ...بس الاختبار الحقيقي دايماً بيبقى المواقف .
_يعني لسه ممكن ؟!
_لا ...مااعتقدش إنه هيخاطر إنه يخسرك تاني ...هو حالياً عنده القوة إنه يهزم وساوسه ...بس عايزة الحق؟! أنا خايفة منك انت !
_أنا؟!
قالتها ياسمين بدهشة لترد ياقوت وهي تعود بظهرها للخلف :
_صدمة وفاة والدك هزت معتقداتك شوية ...خلتك تنزلي من برج عالي اسمه ياسمين مابتغلطش وما بتسامحش اللي يغلط ...لكن لسه محتاجة تقفي مع نفسك أكتر ...تعترفي بعيوبها ...غلطها ...وتتقبلي فكرة إن غيرك كمان ممكن يغلط وتسامحيه زي ماانت عايزة تسامحي نفسك ...
عقدت ياسمين حاجبيها بقوة لتطرق ياقوت الحديد ساخناً:
_فكرتي مثلاً وإنتِ بتلومي يامن على إنه اتخلى عنك تلومي نفسك إنك كذبتي ...إنك أصلاً ضعفتِ قدام ...زين ...ده ؟!!
تحشرج صوتها رغماً عنها عندما أتت على ذكر زين لكن ياسمين كانت غافلة عن هذا بشرودها فيما تحكيه لتدفن وجهها بين كفيها مع اعترافها :
_كنت خايفة أقولها ...كنت خايفة أعترف إني في لحظة ضعف نسيت أنا مين ...كنت بصبر نفسي إني فقت في الوقت المناسب وضربته وهربت ...لأن ..لأن ...
عجزت عن إكمال اعترافها لكن ياقوت التقطت منها ماتريد سماعه لتكمله بما يليق:
_لأن ياسمين نفسها ما بتسامحش في الغلط ...يبقى إزاي هي تغلط ؟! هي مثالية بتدي من غير حدود ...نجمة
عالية في السما كل الايدين بتشاور عليها ...ودي كانت المشكلة ...لو كنتِ اعترفتي بالغلط كنتِ سامحتي نفسك وسامحتي غيرك ...بس انتِ قعدتِ طول الوقت تكابري وتقسي ...والصدمة اللي جت بوفاة والدك الله يرحمه هي اللي شالت الغشاوة من على عينيكي .
رفعت إليها ياسمين وجهاً دامعاً لتردف بأسى:
_مات وهو غضبان عليا...مات بعدما أمله خاب فيّ....بعد العمر اللي عشته اثبت له فيه نجاحي...أوريله النجمة اللي بقيتها من غيره ...ينتهي بينا الحال وهو شايفني مكسورة قدامه كده ؟!
لكن ياقوت هزت رأسها لتقول بيقين حقيقي:
_هو مكانش يفرق معاه تبقي نجمة...كان يفرق معاه تبقي بنته وبس ...بنته بكل عيوبها وميزاتها ...بكل مشاعرها الحقيقية اللي مش بتمثلها ...بنته اللي هتكمل حياتها بعده عشان تثبت له إنها نجحت ...مش تحدي واللا عِند ...لا...حب!
لم تملك ياسمين سيل دموعها الذي أغرق وجهها بعدها والذي تفهمته ياقوت للحظات ...
قبل أن تمسح الأولى دموعها لتسألها باهتمام:
_عايزة أكلم زين بس خايفة يامن يفهمني غلط ويرجع لشكوكه...أنهي معاه الموضوع إزاي؟!
تجمدت ملامح ياقوت للحظات أجادت فيها إخفاء شعورها بينما ياسمين تردف شارحة :
_زين مش هيهدا إلا لو عرف اللي حصل ...هيفضل فاكر إني رجعت ليامن غصب وعايز يساعدني أسيبه ...هو معذور ... ميعرفش عن يامن غير اللي أنا قلتهوله عنه .
_كلميني عن زين ...بصراحة...متخافيش الكلام مش هيوصل ليامن .
قالتها ياقوت متعللة بمهنيتها لكنها حقيقة كانت تريد أن تعرف الوجه الآخر لذاك الرجل الذي يختفي خلف عوالم غموضه :
_زين شخص كويس جداً ...ذكي ...مثقف ...قوي ...حمائي قوي للناس اللي يخصوه ...مش هانكر إنه ساعدني في أصعب أوقات حياتي سواء في علاقتي مع رامي أو بعد طلاقي من يامن ...حتى الليلة إياها اللي اتصور فيها الفيديو أنا اللي رحتله برجلي ...ومع ذلك هو اعترف ليامن بالحقيقة اللي تبرأني ...جابلي حقي من رامي ...مش عارفة أقوللك إيه عنه بس هو فعلاً ...
_طيب؟!
قاطعت بها ياقوت عبارتها باستهزاء ساخر لم تملكه ...لتهز ياسمين رأسها نفياً بقولها :
_لا!..ماقدرش أوصفه إنه طيب ...يامن طيب ...لكن زين ....زين حنين بس مش طيب...مش عارفة أشرح لك إزاي ....دايماً كنت بحس إن فيه نقطة سودة جواه مش قادر يتخطاها أو يسيطر عليها ...
ثم ارتبكت لهجتها أكثر لتردف:
_تعرفي مثلاً ...رغم كل المرات اللي اعترفلي فيها إنه بيحبني بس عمري ما حسيت إنه يقصدها ...مش قصدي إنه بيخدعني أو بيكذب عليا ...بس هو نفسه مايعرفش يعني إيه حب ...حب زي اللي بيني وبين يامن مثلاً ...
_ممكن توضحي أكتر؟!
قالتها ياقوت باهتمام لترد ياسمين موضحة :
_زين كان ممشيها معايا بالمسطرة ...تصرفات جنتلمان حقيقي بس من غير روح ...قطر ماشي على قضبان ماتحودش ...أفتكر واحد زي زين يوم ما يحب بجد هيتجنن...هيخرج بره قفص التخطيط وحسابات العقل والمنطق ...
_وحسيتي بده إزاي؟!
_ماكانش بيغير عليّ...مثلاً اليوم اللي يامن جالي فيه ماليزيا واتخانقوا هناك في بيت بابا الله يرحمه ...يومها عيون يامن كانت كلها غيرة ...كنت حاسة إنه عايز ياخدني في حضنه ويخبيني من الدنيا كلها واللي يحصل يحصل ...لكن عيون زين كانت بتفكر وبتحسبها بالعقل زي كل مرة ...ماانكرش إنه وقتها عمل اللي كنت محتاجاه منه بالضبط لما بعد وسابنا لوحدنا ...بس الحب الحقيقي مابيعترفش بحسابات ...حتى لما طلبت منه ماعدناش نتكلم عشان يامن ردني ما ناقشنيش ...زين بيحترمني ...بيحترم تفكيري ...ويمكن شايفني زوجة كويسة ...لكن فيه حاجة جواه مانعاه يحب بجد !
_حاجة زي إيه ؟!
سألتها ياقوت التي استحوذ الحديث على عقلها لترد ياسمين بحيرة :
_يمكن حاجة تخص والدته الله يرحمها ...حاجة تخص همسة ...يمكن شايف إن القلب حساباته دايماً خسرانة فبيحكم عقله ...
ثم ابتسمت ابتسامة واهنة لتردف:
_يعني ...يشبه يامن القديم شوية في الحتة دي ...بس الفرق إن مفتاح قلب زين ماكانش معايا أنا .
شردت ياقوت ببصرها وكلام ياسمين يفتح لها نافذة عريضة من أمل ...
مفتاح قلب زين !!
تراه يكون معها هي؟!!
لكن ذكرى تلك الليلة تعاود صفعها بقسوة !!
_لما أحب أتجوز أتجوز واحدة زي ياسمين ...اللي زيك أصطادها وبس!
يرتعش جسدها فجأة وأحداث الليلة إياها تتوالى تباعاً في رأسها ...
مالك ومفتاح قلبه يا غافلة ؟!!
ستعودين لضلالك القديم ؟!!
_ماقلتليش أعمل إيه ؟!
انتزعتها بها ياسمين من شرودها لتتنحنح ياقوت بقولها الذي عاد إليه قناع مهنيتها :
_زين ذكي ...ومادام بيحترمك زي ما بتقولي مش هيحاول يخرب حياتك إلا بإذن منك...أعتقد هو هيكتفي إنه يراقبك من بعيد ...لو حس إنك فعلاً سعيدة ممكن يتقبل الخسارة...أما بقى لو ماتقبلهاش وحاول يتدخل ...نصيحتي ماتخسريش ثقة يامن تاني ...خلليه دايماً في الصورة بمنتهى الصراحة ...
ظهر التشكك على وجه ياسمين لكن ابتسامة ياقوت الطيبة حسمت الأمر بقولها:
_ماتخافيش...يامن دلوقت بيثق فيكي أكتر من نفسه...والدليل إنه ماصدقش السكرين المتصور اللي بعتيه !
فابتسمت ياسمين بارتياح أخيراً قائلة :
_يامن كان معاه حق ...انتِ فعلاً شخصية مميزة ...شكراً !
قالتها لتقوم واقفة وتبدأها هي بالمصافحة هذه المرة لتبتسم ياقوت وهي تقف بدورها قبل أن تصحبها نحو الباب الذي كان يامن يقف أمامه ليشرق وجهه عندما رأى ابتسامة ياسمين التي بادرها باحتضان ذراعه لكتفيها في حركة حمائية جعلت ياقوت تبتسم بقولها :
_عندي اقتراح كويس هيساعدكم انتو الاتنين ...
التفت كلاهما نحوها لتعدل وضع نظارتها باستطرادها:
_مشوار للنادي القديم !
ابتسم يامن باستحسان فيما ارتجفت شفتا ياسمين ببعض التردد لكنها حسمته وهي تهز رأسها موافقة قبل أن تغادر معه نحو المركز تلاحقهما نظرات ياقوت الشاردة ...
_كان مالك ومال ده كله ؟! لو الحكاية مشت مظبوط كان زمانك دلوقت بتحتفلي بنجاح علاج حالة تانية عندك ...إيه اللي شبكك وسط الخيوط دي كلها ؟!
تتنهد بحرارة عند الخاطر الأخير لتعود لغرفتها مغلقة بابها خلفها ...
قبل أن تسمع صوت رنين هاتفها ...
_لجين؟! بتعيطي ليه ؟!
هتفت بها بارتياع وهي تسمع صوت بكاء شقيقتها التي حكت لها عما كان بينها وبين هيثم ...
شحبت ملامح ياقوت للحظات وهي تشعر بالرعب مثل شقيقتها لكنها عادت تتماسك لترد بلا مبالاة مصطنعة :
_واحنا مالنا؟! احنا لا جرينا ورا حد ولا كشفنا حقيقة بنستعر منها أصلاً...يتصرف هو وابنه ...مالناش فيه !
_خايفة يبهدلنا ويفضحنا !
هتفت بها لجين وسط بكائها لترد ياقوت بحنان حازم:
_بطلي خيابة ...وماعدتيش تعيطي ...اتغديتي؟!
أجابتها لجين بالنفي لتقول لها بنفس النبرة :
_طب اجهزي عشان هافكّ الكيس وأعزمك ع الغدا النهارده ...كباب وكفتة ماشي؟!
_كباب وكفتة ؟! انتِ في وعيك يا ياقوت؟!
هتفت بها لجين باستنكار قلق لتغتصب ياقوت ضحكة قصيرة وسط كل هذا البؤس قائلة ببساطة :
_بس ما تطمعيش قوي ...هو ربع واحد لنا احنا الاتنين !
_كده اطمنت عليكي .
قالتها لجين وهي تمسح دموعها وقد نجحت ياقوت في تبديد بعض كآبة الأحداث السابقة ...
ياقوت التي صمتت للحظة قبل أن تقول لها بجدية هذه المرة :
_هنروح سوا مشوار بعد الغدا ...الدكتورة زميلتي اللي قلتلك عليها .
كانت قد أخبرتها برغبتها في أن يتولى علاجها شخص آخر سواها فالقاعدة الذهبية التي تعلمتها في عملها أننا أكثر جرأة في الاعتراف بخبايانا أمام الغرباء ...
هذا الذي تقبلته لجين ببعض التجهم الذي امتزج بامتنانها لتعاود سؤالها بقلق:
_والبلاغات اللي قلتي عليها؟!
ردها سؤالها لما ينتظرها من معارك مع زين هذا لتصمت للحظات قبل أن ترد باقتضاب:
_ماتشيليش هم ...ربك يدبرها!
========
_هذا هو عابد الذي حدثتك عنه يا شيخنا !
يقولها الصالح وهو يحيط كتفي صديقه باحتواء بينما يدفعه بين يدي الشيخ في حلقته بالمسجد ...
ليرد الشيخ بوجه بشوش :
_أهلاً بك...نعم الاسم والمسمى به!
ابتسم عابد ببعض الخجل وهو يرى تطلع الوجوه نحوه ...
منذ عودته لماليزيا وهو يشعر برهاب التجمع ...
يظن الناس كلهم يلاحقونه بنظرات إما متهمة وإما ساخرة ...
ربما لهذا أصر الصالح أن يخرجه من عزلته إلى حلقة الشيخ الجليل هذا ...
_اجلس يا عابد ...واسأل ما بدا لك .
يقولها الشيخ وهو يفسح له مكاناً جواره ليجلس هو والصالح الذي ابتدر الشيخ بسؤاله :
_ما الفارق بين الجهاد والإرهاب يا شيخنا ؟!
_الفارق كبير ...الإرهاب جرم يتقصد الأبرياء لكن الجهاد فريضة ضد أعداء الله .
_ولمن نستمع في التفريق بينهما ؟!
يسأله عابد بضيق وذكريات الأيام السابقة تعاود قصف رأسه ليرد الشيخ بتفهم :
_لن أشرح المزيد ...اقرأ يا بني في فقه الجهاد ...اطلب العلم واستفتِ قلبك...لا تجعل مرجعك شيخاً ولا معلماً فكلٌ يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله ...نحن فقط نشرح ما التبس من المسائل ...ندلكم على الطريق ...نوضح الخلاف في بعض الأمور ...وقد نتجرأ يوماً للفتوى ما دمنا نملك العلم في المسألة ...لكن العالم حين يتلبسه غروره فيقول كما قال فرعون "ما أريكم إلا ما أرى" فقد ضل وأضل!
ابتسم الصالح برضا وهو يراقب وجه عابد الذي ارتخت قسماته ليقول بأسف:
_كنت أتمنى لو أحضر معكم دروس الحلقة لكنني مسافر إلى مصر .
فاتسعت ابتسامة الشيخ وهو يقول ببشاشة :
_طلب العلم فريضة في كل مكان ...ومصر تشتهر بكبار شيوخها ...مادمت عرفت الطريق فاختر الصحبة يا بني .
هز عابد رأسه موافقاً ليتنحنح الشيخ ويسمي الله ليبدأ في إلقاء درسه الذي دمعت له العيون خشية ...
هذا هو المجلس حيث تحفهم الملائكة وتغشاهم السكينة ويذكرهم الله في من عنده ...
لهذا شعر عابد أنه يرتد لبعض روحه وحديث الشيخ يطبب أسقام ما عاشه من أيام مهلكة ...
حتى إذا ما انتهى الدرس وانفض الجمع أسره الشيخ بوصية أدرك بفطنته أنه يحتاجها قبل سفره :
_يابني ...قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه" وفي موضع آخر "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق"...ولست بحاجة لتذكيرك بالثلاثة الذين ذهبوا يتفقدون عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا عنها كأنهم تقالّوها ...استصغروها ...فقالوا وأين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! ...فقال الأول أما أنا أصوم الدهر ولا أفطر ...وقال الثاني وأنا أقوم الليل ولا أنام ...وقال الثالث وأنا سأعتزل النساء فلما سمعهم النبي صلى الله عليه وسلم قال "أما أنا فأصوم وأفطر...وأقوم وأرقد...وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"...
ثم التقط أنفاسه ليردف:
_التطرف يا بني آفة الدين في كل زمان ومكان...وأظنك من الفطنة أن وعيت الدرس ...
ابتسم عابد لقوله وهو يهز رأسه موافقاً ليربت الصالح على كتفه بعبارته هو الآخر:
_عرفت فالزم!
========
_عم رفعت !
تهتف بها ياسمين بود لحارس النادي القديم الذي التفت نحوها وقد تهللت أساريره قبل أن يلحظ سواد ثيابها ليسألها بقلق:
_خير يا أستاذة !
أخبرته بمصابها ليعزيها قبل أن يلتفت نحو يامن بحنان أبوي ليصافحه بقوة ...
ابتسمت ياسمين بوهن وهي تتأبط ذراع يامن كي يدخلا لكنه سحب ذراعه منها ليحيط كتفيها بذراعه هامساً :
_كده أحسن...وأقرب!
رمقته بنظرة مشتتة وهي تتذكر زيارتهما السابقة هنا كزوجين ...
وزياراتهما الأخرى منذ سنوات بعيدة لم تعد تذكر عددها ...
ورغم أن زيارتهما السابقة تركت أثرها في نفسها حقاً لكنها تشعر أن هذه المرة مختلفة ...
خاصة وهو يضمها سائراً بهذه الطريقة ...
يتمشى معها في الممر الطويل المؤدي للملاعب ...
يجلسان معاً تحت شجرة السنديانة التي كان يحبها ...
ويذكّرها- هو -بكل ما كانت ترويه له عن ماضيهما !!
كأنما يسير هو على خطاها بالضبط كي يعيد برمجة قلب لم يعرف سواه عشقاً !!
_سرحتي في إيه ؟!
يسألها وهو يطارد نظراتها الحائرة لتجيبه بشرود :
_حاسة إني كبرت قوي ...مش مصدقة إن كل السنين دي عدت ورجعنا أنا وانت تاني هنا بعد كل اللي حصل .
لكنه ربت على كفها ليقول بحنان :
_أنا بقا ماكنتش هاصدق نهاية تانية غير دي ...
ثم أدخل خصلة نافرة من شعرها تحت حجابها ليردف :
_كل مرة كنتِ بتوحشيني فيها وانتِ بعيد كنت بصبر نفسي بكده...إننا مهما بعدنا هنرجع نقرب .
دمعت عيناها بتأثر لكنها أخفت هذا بإشاحتها لوجهها الذي أعاد هو تقريبه نحوه ليسألها برفق:
_لسه مش عايزة نرجع بيتنا ؟!
_مش مش عايزة...مش قادرة !
هتفت بها بمزيج من حيرة وعجز ليضم كفها بين راحتيه قائلاً بمرح تجاوز به الموقف:
_عجبتك القعدة مع حماتك ؟!
ابتسمت رغماً عنها وهي تطرق برأسها لترد بانفعال:
_أصلاً كل المصطلحات دي مش لايقة على بيللا ...مرة حماتي ومرة الحاجة أم يامن ...كل ده ضمن مسلسل الطرائف والعجائب اللي عايشة فيه من يوم ما رجعت مصر .
ضحك ضحكة عالية أرجفت قلبها ليرد بغمزة عابثة:
_ولسة ياما هتشوف انبهارات !
اتسعت ابتسامتها لتجد نفسها دون وعي تسند رأسها على كتفه لتغيب في شرود طويل قبل أن تهمس فجأة:
_لسه بتحب كريم العراقي؟!
_مممممم ...تعرفي إن السؤال في وقته !
ثم رفع ذقنها نحوه ليحتل نظراتها بعينين عاشقتين تليقان بهمسه :
_دلوعتي خاصمتها...صالحتها ...لما بكت وتوسدت أحضاني ...ألقت عليّ القبض مشتاقاً لها فتحولت عصبيتي لحناني...
هنا ابتعدت هي بوجهها قليلاً لتكمل له هي:
_إن الرجال فوارسٌ لكنما ...لا سلطة تعلو على النسوان !
عاد يضحك ضحكة عالية وقد أعجبته دلالة فعلتها قبل أن يهمس لها مكرراً بدفء حان :
_لا سلطة تعلو على النسوان ...
ثم غمزها ليردف بمكر:
_يعني حافظاها اهه؟! ده أنا قلت كرهتيني وكرهتي كل اللي يفكرك بيا.
ابتسمت وهي تشعر بشيئ غريب في ضحكته وكلامه ...
لم تكن تشعر به سابقاً صادقاً هكذا ...
ضحكته نقية خالصة دون شوائب من هواجس تؤرقه !
ربما لهذا شعرت بنفسها تهدأ قليلاً وهي ترفع عينيها للسماء التي مالت شمسها للغروب ...
السكينة تنتقل منه إليها قبل أن تسمع صوت رنين هاتفه الذي أجابه بقوله :
_جايين ...حاضر ...عاملة إيه ع الغدا؟!
صمت قليلاً ينتظر الرد لتدرك أنه يكلم نبيلة ثم ابتسمت وهي تراه يهتف بجزع وقد امتقع وجهه :
_مسقعة ؟!
كتمت ضحكتها بكفها وهي تربت على كتفه بإشفاق مصطنع قبل أن تراه يغلق الاتصال ليهز رأسه بقوله الآسف:
_كنت عارف إن لازم حاجة وحشة تحصل تبوظ اليوم الجميل ده ...أمي عاملة مسقعة !
عادت تربت على كتفه ضاحكة لترد :
_من "محشي يامن" ل"مسقعة بيللا" ياقلبي لا تحزن !
_نعم؟! بتقارني باكورة إنتاجي م المحشي بمسقعة بيللا؟!
هتف بها باستنكار ضاحك وهو ينهض ليجذبها من كفها فتأوهت ببعض الألم الذي جعله يهتف بقلق حقيقي:
_انتِ كويسة؟! أنا آسف احنا فعلاً مشينا كتير .
قالها ليعاود ضم كتفيها بذراعه بحنان ليغادرا معاً النادي نحو بيت بيللا ...
ولم يكادا يدخلان حتى استقبلتهما رانيا بترحاب ليستأذن منهما يامن للصلاة بينما تهالكت ياسمين جالسة على إحدى الأرائك لتجلس جوارها رانيا متسائلة بإشفاق:
_تعبانة ؟!
رمقتها ياسمين بنظرة متعاطفة وهي تدرك أنها ترى فيها مصيبة فقدها القديمة لجنينها ...
رانيا بالذات تثير فيها مشاعر تعاطفها لأنها تراها أضعف شقيقاتها شأناً ...
أو هكذا كانت تظن حتى سمعت عن جديد أخبارها ومساعدتها لنشوة في المصنع ...
_مفيش أخبار عن أشرف؟!
سألت رانيا باهتمام لتجيبها الأخيرة بعينين دامعتين :
_نشوة بتقوللي إنه بيتصل يكلمها يطمنها عليه بس مش من تليفونه .
_غريبة قوي!
قالتها ياسمين بدهشة لترد رانيا بشرود :
_لا مش غريبة ولا حاجة...أشرف طول عمره اتعود يدي من غير ما ياخد ...لما حس إنه خلاص بقت إيده فاضية مش قادر يدي اضطر يبعد عشان ما يحملناش همه .
_طب عايش فين وإزاي ؟!
سألتها ياسمين لكنها لم تكن تملك إجابة سوى ما تحاول إقناع نفسها به :
_بيقولوا له واحد صاحبه خرج معاه من المستشفى ...ممكن يكون هو اللي قاعد عنده ...بس ...
انقطعت كلماتها عندما سمعتا صوت جرس الباب الذي اندفعت رانيا لتفتحه قبل أن تفاجأ برجل غريب لم تره من قبل ...
_مين حضرتك؟!
لكن الإجابة وصلتها من صرخة ياسمين الفرحة خلفها :
_عابد...حمداً لله ع السلامة !
=======
ضغطت زر الجرس لشقته التي صارت تمثل لها أكبر جحيم تحياه ...
مرة تلو مرة دون رد ...
ترددت قليلاً في الانصراف لكن شيئاً ما بداخلها جعلها تفتح حقيبتها لتستخرج المفتاح الذي كان قد أعطاه لها قبل أن تحسم أمرها لتدخل الشقة وتغلق الباب خلفها ...
شقة أنيقة حقاً لولا ذكرياتها السوداء هنا لاعتبرتها أفضل مكان رأته عيناها ...
لكن شعورها المقيت جعل الاشمئزاز يغطي على كل ما تطاله عيناها ..
الأثاث الفخم بألوانه الفاتحة ...
الستائر والسجاد بالغي الترف ...
وحتى الرائحة العطرية التي تنبعث من مكان ما لكنها تزكم أنفها بعطن ذكرى لن تمحو ذلها الأيام !!
والآن ماذا تفعل ؟!
تنهدت بعمق وهي تحاول استعادة ما روته لها ياسمين اليوم عنه ...
ياسمين التي تبدو وكأنها رأت أفضل وجوهه فيما كان نصيبها هي في الأسوأ...
ترى كم وجهاً يحمل هذا الرجل؟!!
الخاطر الأخير يملؤها قهراً ...غضباً...خزياً...و...غيرة!
غيرة لم تشأ الاعتراف بها وهي تذكر نفسها بعهدها الذي أخذته ...
هي لن تكون "أشواق" أخرى!!
انقطعت أفكارها عندما سمعت صوت مفتاحه يلج في الباب فانتفضت رغماً عنها لكنها التفتت لتواجهه بملامح متنمرة قوية لانت قليلاً عندما رأت وجهه الغارق بإرهاقه رغم الابتسامة المتحدية الشاحبة التي تعمد هو الآخر صبغ شفتيه بها ...
هو الذي ظل واقفاً مكانه يرقبها لدقيقة كاملة بصمت تناطحت فيها العيون بما يليق بهما من تحدٍّ وعناد وغضب...
قبل أن تنتبه هي لما يحمله في كفه ...
كتاب؟!!
هل لهذا علاقة بهمسة ؟!!
_لقيت همسة ؟!
سألته دون مقدمات بنبرة محايدة فسار بضع خطوات ليتهالك جالساً على أحد المقاعد الوثيرة مسنداً رأسه إلى ظهره قبل أن يخاطبها بعينين نصف مغمضتين :
_أول مرة أروح الشركة ما ألاقيش رائد ...الدنيا ملخبطة وهتاخد وقت على ما ألاقي بديل ...أول مرة أروح البيت ما ألاقيش همسة...حضنها الدافي أول ما تشوفني ...ابتسامتها الحزينة...كلامي معاها اللي ماببقاش مستنيله رد ...بس عارف إنه مهم عندها زي ما هو مهم عندي .
عباراته كانت تحمل جواباً غير مباشر لسؤالها بالنفي ...
ورغم شعورها ب-كراهيته- لكنها لم تملك شيئاً من التعاطف نما بداخلها نحوه ...
هو رجلٌ اهتزت أركان عالمه فجأة ليفقد كل من يهمونه !!
_شعور قاسي فعلاً ...شغلك اتلخبط...همسة اختفت...وكمان ياسمين رجعت ليامن ...كل رهاناتك فجأة بقت خسرانة .
ورغم أنها تعمدت أن تكسو نبرتها بالشماتة لكن شعوره هو ب-طيبة خفية- تداريها خلف هذا جعله يغمض عينيه تماماً في محاولة بائسة للاسترخاء قبل أن يردف ببطء :
_الشغل أمره سهل يتظبط...همسة هلاقيها ...أما ياسمين ...
صمت قليلاً بعدها ليخفق قلبها بجنون ترقبه منتظراً ما سيقوله ...
_فعلاً رهان خسران...شفتها النهارده مع جوزها ...كانت بتبتسم ابتسامة ماشفتهاش على وشها قبل كده ...هي فعلاً مبسوطة معاه .
_شفتها فين ؟!
تسأله بترقب لكنه لا يرد مكتفياً بنفس الابتسامة الجانبية التي تمزج المكر بالألم ...
مزيج غريب ...صحيح؟!!
ربما لهذا قررت طرق باب -إنسانيته- التي لا تزال تراها رغم كل شيئ ...
فاقتربت منه وهي تشعر أن جلسته هكذا بائساً مغمض العينين أشد وطأة على قلبها من حضوره المهيب الطاغي ...
هي تكرهه...وتريد أن تكرهه ...
لكن لعله يرضى أن يمنحها حريتها على أي حال بعد مستجدات الأمور ...
_طيب ...دلوقت ياسمين رجعت ليامن برضاها وفقدت أملك فيها ...وهمسة مختفية مع رائد ...وأختي سهل قوي أثبت إنها مريضة وإن اللي بيحصل غصب عنها ...يعني ببساطة مفيش أي سبب يخلليك مورطني معاك كده ...أنا لولا خوفي من الفضايح والشوشرة كنت ...
هنا فتح عينيه فجأة بنظرة مشتعلة أجبرتها أن تبتلع باقي عبارتها ...
ولو نظرت بقلبه لأدركت أي -رهبة- كانت تجتاحه وقتها !!!
ربما لأنه أدرك أنها على حق !
لو كان يستبقيها لأجل ياسمين أو همسة فلم يعد له بها حاجة ...
ولو كان يريدها كطريدة فهي لم تعد تناسب هذا الدور ...
لماذا لا يطلق سراحها فحسب؟!
لماذا يشعر وكأنه صار مقيداً بها دون مسمى؟!
لماذا لا يستطيع تصنيف مشاعره هذه المرة بل -والأسوأ- الاعتراف بها ؟!!
ربما لهذا خرجت كلماته هادرة متخبطة :
_انتِ السبب في إنه قدر يخطف همسة من ورايا ...لو كنتِ عرفتيني حكاية الجواز دي كنت عملت احتياطاتي من بدري ...ودلوقت خلاص سلمتي إنها مش هترجعلي وهتفضل معاه ؟! همسة هترجع وهتفضلي معايا لحد ما تعالجيها !
احمر وجهها بانفعاله لتقترب منه خطوة أخرى هاتفة بحدة مماثلة :
_انت بتلومني على إيه ؟! واجبي كدكتورة أحافظ على أسرار شغلي ...أعمل اللي فيه مصلحة الحالة وبس ...انت مجبتنيش جاسوسة تحطني في بيتك عشان أنقللك اللي بيحصل من وراك ...بس اللي زيك فاكر الدنيا كلها زيه ماشيين بالمؤامرات والخطط !
نظرته الطويلة لها بعدها أربكتها وهي تشعر أن بداخله كلاماً أكبر من أن يقال ...
التعب الذي كانت تصرخ به كل خلية من جسده...
الألم الذي كانت تنبض به ملامحه ..
والحيرة الغريبة على "العينين الماكرتين"...
كل هذا جعلها تشيح بوجهها عنه لتصمت بدورها قبل أن تسمعه يقول فجأة :
_قريتي الكتاب ده قبل كده ؟!
التفتت نحو الكتاب الذي يمسكه منذ دخل لينعقد حاجباها أكثر ...
"ترنيمة سلام"...
سمعت عنه الكثير من المديح لكنها لم تقرؤه قبلاً !
_لا.
_كويس ...تعالي اقريهولي.
بنبرته المهيمنة يقولها مدركاً ما سيثيره فيها من سخط لتشتعل عيناها بنظرة كادت تحرقه مكانه !!!
هذا الرجل مريض!!
عن أي شيئ يتحدث ؟!!
تترك عملها ومذاكرتها لأجل أن تكون تسليته ؟!
لكن ...
ماذا لو تعاملت معه حقاً على أنه مريض؟!
ماذا لو تخطت حاجز كراهيته هذا لتصلح هذا العطب في تفكيره ؟!!
ذكاؤها لم يخذلها في التعامل مع أي حالة من قبل ...
فلماذا لا تستخدمه الآن ؟!!
أخذت نفساً عميقاً وهي تحاول تحليل شخصيته في ضوء الأحداث السابقة معه محاولة التخفي خلف درع مهنيتها وتنحية شعورها الخاص ب"كراهيته"...
هذا رجل يجيد نصب الشباك ...لكنه يتقبل الهزيمة...
والدليل "ياسمين"!
عظيم!
هذا رجل لا يريدها هي -كامرأة- غصباً ...
وإلا كان قد نالها وهي فاقدة الوعي بين ذراعيه هنا ...
ربما هو فقط يريد "إغواءها"' كي يسيطر عليها طوعاٌ ولا يدري مع من يتعامل هاهنا ...
جيد !
هذا رجل لم يحب في حياته كلها كما يبدو إلا أمه وهمسة ...
شخصية كهذه تحمل عاطفة كبيرة بداخلها ربما لو أمكنها استغلالها لجعلته يطلق سراحها بصمت دون فضائح قد تمسها هي أو شقيقتها ...
رائع!!
لكنه كذلك رجل عنيد وهزيمة هؤلاء لا تكون إلا بمزيج "محترف" من الطاعة والتمرد ...
مزيج تجيد هي كثيراً طبخه !!!
لهذا تقدمت خطوة أخرى لتلتمع عيناها بنظرة لم يفهمها مع كلمتها الوحيدة :
_حاضر.
الشك يملأ عينيه من موافقتها السريعة غير المتوقعة ...
لكنه كان أكثر إنهاكاً من أن يسأل عن المزيد ...
لهذا ما كادت تتحرك لتتناول منه الكتاب كي تجلس جواره حتى فاجأها بأن جذبها ليجلسها قسراً بين ساقيه محيطاً إياها بذراعيه وظهرها يقابل وجهه ...
قبل أن يميل ليسند ذقنه على كتفها هامساً:
_نستفيد بقى من صلاحيات الوضع الجديد ك"مراتي"...من يوم ما سمعت صوتك وانت بتقري لهمسة وأنا في بالي صورتك وانتِ بتقريلي لوحدي كده ...بالضبط !
التفتت نحوه بوجهها بعينين مشتعلتين وارتجاف خفقاتها يفضح تأثرها بمفاجأته ...
لكنه مد أنامله ينزع عنها نظارتها مع استطراده :
_قلت تتقلع أول ما نتقابل...ياريت تكوني بتعرفي تقري من غير النظارة.
احمر وجهها بانفعاله ليتحول "القمران السجينان" لشعلتين من نار!!!
تكز على أسنانها بقوة تكاد تحطمهم وهي تحاول تذكير نفسها بأفكارها السابقة ...
مريض آخر أمام ذكاء طبيبة !!
عنادها لن يزيده إلا عناداً ...
الصبر ...
مزيج محترف من الطاعة والتمرد !!
لهذا هدأ جسدها -نوعاً- وهي تعاود النظر للكتاب بين كفيها قبل أن تأخذ عدة أنفاس متلاحقة لتفتحه ...
تبدأ القراءة بصوت تعمدت أن يكون هادئاً واثقاً لا يشي بهذه الانفعالات التي تعصف بها ...
هذا هو العناق "الثاني" لهما...
لكنها تشعر به أشد وطأة على نفسها من الأول...
ربما لأنه يغمرها بجسده أكثر ...
ربما لأنها تشعر أن "الصدر الصلب" هذه المرة يواجه ظهرها هي الذي طالما ظنته بلا سند !!
وربما لأنها تستشعر أن خلف هالة التجبر والعناد خاصته هذه يختفي الكثير من الألم ...
هو لا يعانقها إذلالاً ولا غريزة...
هو يعانقها احتياجاً !!
بينما كان شعوره هو يختلف كثيراً عن شعورها ...
صوتها الذي يحمل في أذنيه وقعاً خاصاً كان يخترقه كثيراً هذه المرة ...
هذه المرأة لن تكف عن إدهاشه !!
تصرفاتها كلها استثنائية !!!
ربما لو كانت امرأة أخرى في مكانها لثارت وصرخت ...أو ربما حاولت إغواءه ...
لكنها لا تفعل هذا ولا ذاك ...
بل تبدو وكأنها تحرك قطعها على- رقعة الشطرنج -بينهما كي تحقق هدفاً لا يعلمه ...
طاعتها هذه مربكة ...
مستفزة ...
فليحرك قطعة أخرى من قطعه هو الآخر لعله يفهم ...
_لحد دلوقت ما اتأسفتلكيش ع اللي حصل ...عارف إن واحدة زيك مش هتسامح فيه بسهولة.
يقولها بنبرته الرخيمة وهو يمد أنامله ليزيح حجابها عن شعرها فامتد كفها بسرعة يقبض على كفه من الخلف بحزم تمنعه المزيد ...
لتقطع قراءتها وتقول صارمة دون أن تلتفت :
_خالص ! مش هتسامح فيه خالص!
فالتوت شفتاه بابتسامة إعجاب لم ترها ليردف بعدها بنفس النبرة وهو يسند ذقنه على كتفها :
_برغم إني احترت في قرايتك كتير ...بس فيه حاجة واحدة مطمناني ...حاجة ماافتكرش حد عرفك واختلف عليها ...عارفة إيه ؟!
تيبست مكانها وهي تخشى أن تلتفت فتواجهه بهذا القرب ...
لكنه هو من جذب ذقنها نحوه ليتشح بدفء "القمرين السجينين" من هذا القرب الخطير مجيباً تساؤله بنفسه :
_طيبتك !
لحظة واحدة التقت فيها عيناها ب"سراجين " في عينيه !!
لحظة واحدة لم تره فيها صياداً اقتنص بهجة أول حب ...أول عناق ...أول لمسة لرجل !!
لحظة واحدة أخرجته بها بعيداً عن إطار الزمان والمكان ...
لحظة واحدة ضبطت فيها نفسها متلبسة تطارد سراب حلمها البعيد من جديد ...وكأنها لم تتعلم!!
لم تتعلم !!
الخاطر الأخير يصفعها ليعيدها لذروة تنمرها وهي تشيح بوجهها عنه بعيداً ...
ستخرج من هذه الورطة !!
لن تسمح له أن ينتصر عليها !!!
ستعيد له شباكه خاوية ...
وربما تكون "هدية الطيّبة" له قبل أن تغادر حياته هي أن تشفي سقم روحه هذا أولاً ...
ستعامله ك"مريض" يحتاج العلاج....ك"وغد" يستوجب الحذر ...
لكنه لن يكون أبداً ك"حلم" ترجوه التحقق!!
لهذا دمعت عيناها بلا سبب -رأته - وهي تعاود القراءة بصوت عالٍ لعلها تشتت انتباهه ...
وقد أفلحت !
أو هكذا -هيئ إليها- وهي تشعر بتراخي أنفاسه جوارها لدقائق طالت ...
دقائق أغمض فيها هو عينيه يستلذ بهذا الصوت الآسر ...
لا ...لم يكن أرق صوت أنثوي سمعه ...
ولا أدفأهن رنة...
ولا أشدهن إغواء!!
لكنه كان يشبه ...ماذا؟!
هو -للعجب- لا يشبه أي شيئ!!
هو مزيجٌ من حنان أمه...ورقّة همسة...وقوة...من؟!
هو لا يذكر أنه قابل امرأة في حياته بهذه القوة تصلح أن تكون نداً له ...
حتى ياسمين!!
هذه المرأة حقاً خارقة...
كيف تكون هنا ..في بيته.. يكاد يعتقلها بين ذراعيه ...ومع هذا يشعر أنه هو "المأسور" لا هي!!
هو"السجين" بمشاعر لا يمكنه توصيفها وهي "الحرة" المحلقة في سماء كبرياء لا تعرف حدوداً ولا قيوداً...
متعَبٌ هو لأقصى حد...
ومريحة هي لأقوى درجة ...
فمن يلومه لو ...؟!!
من جديد يحاول تحريك "قطع الشطرنج" بحركة مباغتة لعله يفقده اتزانها ...ولم يحسب أن يفقد هو اتزانه...
شفتاه تترنحان بتمهل على جانب وجنتها وذقنها فتعاود التيبس بين ذراعيه لتقطع قراءتها دون أن تلتفت ...
قلبها يعاود جنون قفزاته بغضب يتملك منها ...
اهدئي يا ياقوت ...
هو لايريدك غصباً ...لو أرادها لفعلها من زمن !
هو يريد إغواءك ...يظنك سترضخين !!
_لو مش هتسمع أبطل قراية .
بأقصى ما لديها من برود تقولها وجسدها المتخشب يؤازرها في دعواها ...
لكنه لا يزال يحرك القطع كما يرتضيه عقله :
_بسمع بوداني مش بشفايفي!
همساته تزيد غضبها أكثر لتعاود القراءة بصوت أعلى وكأنها لا تهتم ...
هو صراع قوة ...فلينهزم الأضعف!!
لكنه كذلك لم يكن خصماً هيناً وخبرته الهائلة تواجه ضعف أنوثتها لعاطفة كهذه ...
صوتها يرتعش رويداً ورويداً والحروف تتلاشى من أمام عينيها ...
من اليسار يأتيها صوت مداعب...
ماذا لو كان هذا زواجاً حقيقياً؟! ماذا لو استجاب القدر ليمنحكِ الرجل الذي تمناه قلبك ؟! ماذا لو تستسلمين؟! لو تذوبين في عاطفة كهذه تمنيتها بكل جوارحك ؟!
الخواطر هذه تسلمها لخدر لذيذ فتنكمش رغماً عنها بين ذراعيه أكثر ...
لكن صوتاً آخر من اليمين يأتيها مؤنباً...
هل فكرت "أشواق" مثلك هكذا عندما زلت قدمها ؟! هل قاومت حقاً بما يكفي؟! هل ورثتِ عنها ضعفها كما ورثتِ إثمها ؟! فلترثي مصيرها إذن!!
والخواطر هذه تجعلها تسقط الكتاب من يدها ...تضم قبضتها التي وجهتها بعنف نحو ساقه لكنه لم يبدُ وكأنه شعر بها ...
وبين الجانبين ممزقةٌ هي لم تملك سوى فيض من دموع أغرق وجنتيها لتنبعث منها أنةٌ قوية جعلته يتجمد فجأة ...
قبل أن يديرها بين ذراعيه ليتملك وجهها بكفيه وعيناه لا تقلان شتاتاً عن عينيها ...
نظرته تحمل غضباً ...ألماً ...اعتذاراً ...ورجاء ...
معانٍ وصلتها كلها صادقة لتقصف قلبها قصفاً لكن ماذا يكون "قلبها" هذا أمام سلطان كبريائها ؟!!
_بتعيطي ليه ؟!
يهمس بها متحشرجة خافتة لتجيبه بكل عنفوانها :
_عشان بكرهك !
الصمت الثقيل يجثم عليهما بعدها وهو يمسح دموعها بإبهاميه للحظات طالت قبل أن يهمس لها أخيراً بيقين ثابت:
_لا...عشان بتحبيني !
عيناها تتسعان بارتياع مع كلماته فتحاول الابتعاد بوجهها لكنه يتمسك به برقة أكبر ليقترب هو منها غارساً نظراته في عينيها :
_فاكرة إنك لوحدك اللي بتعرفي تقري الناس ؟! أنا فاهم كويس أنا إيه بالنسبة لك ...أنا الحلم اللي اتمنيتيه بالضبط ...مش م النهاردة ولا امبارح ...من أول مرة شفتيني فيها .
_كنت!
تقولها كأنها تبصقها في وجهه قبل أن تدفعه فجأة لتهب واقفة بينما تردف بمزيج دموعها وقوتها الآسر:
_مش هانكر إنك فعلاً كنت الحلم اللي شفته فجأة بيناديني ...الراجل اللي يرفع راسي وراس ثمر ...اللي يخللي حسين يندم وهو شايف بنت الخدامة بتاخد واحد راسه براسه ...لكن الحلم بقى كابوس ...انت ...انت...
سبابتها ترتعش بشدة وهي تشير نحوه بينما تشرف عليه من علوّ يناسب مكانتها الآن :
_انت دوقتني الذل اللي عمري في حياتي ما دقته ...كل اللي الدنيا عملته فيّ ما كسرش فيّ حاجة زي اللي انت كسرتها ...
عيناه ترتجفان بنظرة وجع حقيقية لكنه يسارع بإغماضهما ليخفي مشاعره خلف جمود وجهه بينما هي تردف بنفس العزة :
_بس اللي زيي ما بيقعش...يمكن الضربة تدوخه بس ما بتموتوش ...لكن أنا هاطلع أحسن منك...وعد مني قبل ما أخرج من حياتك أرجع لك أختك ...ويمكن أرجعلك نفسك كمان ...بس ما تطمعش في أكتر من كده !
يفتح عينيه ببطء وهو يشعر أن هذا الحوار استنزف قوته تماماً ...
استهلكه كما لم تفعل به أحداث الساعات السابقة كلها ...
لكن ...منذ متى يظهر هو ضعفه ؟!!
لهذا قام واقفاً بدوره يواجهها بعينين لا تقلان عنها تحدياً :
_موضوع خروجك من حياتي ده قراري مش قرارك .
ورغم أن عبارته أحنقتها لكنها عقدت ساعديها أمام صدرها لتهتف بنفس العزة :
_لو كنت عايزني غصب كنت خدت اللي انت عايزه من زمان ...انفض إيدك مني يا "بيه"...الرهان المرة دي مش لايق عليك...لا هو قيمتك...ولا انت قيمته !
قالت عبارتها الأخيرة بنوع من الاحتقار وهي تعدل وضع حجابها لتغطي كامل شعرها ثم انحنت تلتقط نظارتها لترتديها قبل أن تتحرك نحو الباب لكنه لحق بها ليمسك ذراعها بقوة فعاد لقاء العيون لكن أكثر وهناً هذه المرة بعدما استنزف كلاهما هذا المشهد الكارثي ...
ألمه أمام ألمها ...
ضعفه أمام ضعفها ...
حيرته أمام حيرتها ...
صورة في مرآة "الماضي"...كم تشبه الأصل وكم تناقضه !!
لهذا ارتجفت شفتاه رغماً عنه وعيناه تحطان رحالها على عينيها في صمت مشحون ...
قبل أن يقول بصوت متحشرج:
_رائد هيكلمك ...أنا واثق من كده ...ده لو مكنش كلمك فعلاً .
أشاحت بوجهها دون رد لم يكن هو ينتظره مع استطراده :
_مش هاقوللك تعملي إيه ...اعمللي اللي يرضي ضميرك ...همسة أمانتك وأنا عارف إنك مش هتضيعيها .
امتلأت عيناها بالدموع رغماً عنها لكنها أزاحته عن طريقها ببعض العنف قبل أن تخرج صافقة الباب خلفها ...
الباب الذي ظل هو يرمقه بنظرة طويلة قبل أن يعود ليلتقط الكتاب الذي كانت تمسكه ليقلبه بين يديه للحظات سبقت تهالكه على الأريكة بعدها ليسلمه الإرهاق لنوم طويل ...
نوم كانت هي بطلة أحلامه بلا منازع ...
ياقوت ...!
طريدة اقتنصت صيادها !
=========
وقفت نبيلة جوار فراشها تراقب وجهها النائم بعينين دامعتين ...
اليوم عقد قرانها على مروان !!
العفريتة الصغيرة ستتزوج أخيراً !!
آخر بنات شقيقتها الراحلة ...
حان الوقت أن تطمئن عليها!!
ازدادت كثافة الدموع في عينيها وهي تذكر وقفة كهذه ليلة كادت تتعرض لانتهاك بسبب ذاك المخرج الوغد ورفيقه ...
ليلة تركت ندبتها في قلبها وقتها ولا تزال ...
ربما هي ما فتح لها طريق الرجوع ل"عائلة" تتقبلها ك"أم"
لا ك"نجمة"!
الطريق الذي تسيره الآن عدواً وكأنما تفرغ فيه اشتياق الماضي كله ...
بل وكأنما تخشى أن يقف عداد العمر فجأة دون أن تروي نهَم هذا الشعور!!
_اصحي يا داليا .
تهتف بها بحنان وهي تجلس جوارها على طرف الفراش لتصدر داليا همهمة اعتراض جعلت نبيلة تهتف باستنكار:
_يابنتي قومي ...النهارده كتب كتابك...أنا مش عارفة
جالك نوم إزاي أساساً؟!
انتفضت داليا فجأة لتمسح وجهها وهي تدور بعينيها في الغرفة قبل أن تقفز فجأة لتغادر الفراش هاتفة بصوت لم يغادره نعاسه :
_سبتيني نايمة لحد دلوقت ليه ؟! لسه قدامي بلاوي .
ضحكت نبيلة وهي تقف بدورها لتحتضنها قائلة :
_صباح الخير يا شعنونة ...ربنا يعينك يا مروان على ما بلاك ....
ثم قرصت وجنتها لتسألها بعتاب:
_برضه لسه ما بترديش على تليفوناته ؟!
_تؤ.
قالتها داليا بحركة كتفيها وعيناها تلتمعان بدلال جعل نبيلة تقول لها محذرة :
_خدي بالك ...الرجالة خلقها ضيق ...هيزهق .
لكن داليا تنهدت بحرارة لتقول بشرود :
_مش مروان...لو كان ممكن يزهق كان زهق من زمان .
_لو كان حبيبك عسل !
عادت تقولها خالتها محذرة لتضحك داليا ضحكة عالية وهي تلم خصلات شعرها المشعث هاتفة بميوعة :
_اللي يلاقي دلع ومايتدلعش يروح النار .
ابتسمت نبيلة بحنان وهي تحتضن وجهها بكفيها قائلة بحنان :
_لولا ظروف ياسمين كنت مليت البيت زغاريد ...ماتعرفيش أد إيه فرحانة...طايرة م الفرح !
_كل ده عشاني؟!
قالتها داليا بغرور مصطنع لترد لها نبيلة بضاعتها بقولها الذي عاد إليه كبرياء النجمة :
_لا ...عشان الفستان الأسود اللي ماكانش راضي يدخل فيّ ...قسته امبارح وطلع مظبوط !
_أوووووه ...الأسود بتاع ...؟!
هتفت بها داليا بانبهار لترد نبيلة باعتزاز :
_هو!
ضحكت داليا بمرح وهي تعطيها ظهرها لتغادر الغرفة بثرثرتها المعهودة :
_مش عارفة خسيتي إزاي مع جهودك المطبخية رفيعة المستوى اليومين دول ...بس يستحسن تشوفي شال للفستان عشان يامن ما يطربقش الليلة على دماغنا ...عايزة أتجوز ماتضيعوش مستقبلي .
كان صوتها يتباعد مع مغادرتها لكن ابتسامة نبيلة كانت تتسع مع كلماتها ...
لم تكن في حاجة لنصيحة داليا فمنذ تقاربت علاقتها مع يامن وهي تحرص أن تكون ثيابها أكثر انضباطاً كي لا تثير حفيظته ...
تعلم أنه لن يحدثها في أمر كهذا صراحة لكنها صارت تريد رؤيته راضياً وهو الذي عليه حاله منذ عادت إليه ياسمين ...
_صباح الخير يا بيللا .
انقطعت أفكارها بتحية هانيا التي تبيت ليلتها هنا منذ
الأمس بعد عودتها من تركيا لتلتفت نحوها نبيلة هاتفة بلهفة :
_صباح النور ...ياللا عشان ورانا حاجات كتير ...هانزل أخلص شوية مشاوير وانتِ خلليكي مع داليا ...
قالتها وهي تتحرك لتجذب حقيبتها فهتفت هانيا خلفها :
_داليا صحيت ؟!
والإجابة جاءتها في المنشفة التي قذفتها داليا لتصطدم بوجهها مع هتاف الأخيرة الضاحك :
_النهارده فرحي يا جدعان ...لازم كله يبقى تمام ...
قالتها وهي تحرك جسدها بحركات راقصة جعلت نبيلة تطلق ضحكة عالية بينما هتفت هانيا باستنكار:
_ما تقفي على بعضك يا بنت....إيه ده ؟!
لكن نبيلة احتضنت داليا لتقبل جبينها قائلة باعتزاز :
_تربيتي!
قبلتها داليا بعمق قبل أن تخرج لسانها لشقيقتها مغيظة فعادت نبيلة تضحك قبل أن تغادر البيت لقضاء شأنها ...
وما كادت تفعل حتى توجهت هانيا نحو المطبخ لتعد لنفسها القهوة...
سمعت داليا تتنحنح من خلفها فالتفتت نحوها لتشد شعرها بحركة خفيفة جعلت الأخيرة تتأوه دلالاً لتبتسم هانيا قائلة بحنان :
_مبروك يا داليا ...يارب تعقلي بقى .
_لو عقلت أموت حضرتك !
قالتها داليا بشقاوتها المعهودة قبل أن تحك رأسها لتسألها ببعض الحرج:
_كنت عايزة أسألك على حاجة بحكم كونك أختي الكبيرة المتجوزة -حالياً- يعني ...بس مكسوفة ...
_مكسوفة؟! وال"أبديت" ده عملتيه امتى؟!
قالتها هانيا باستنكار وهي تعطيها ظهرها لتصب القهوة فتحركت داليا لتسألها بخجل تمكن منها رغماً عنها :
_أصلها حاجة تكسف ...
_مممممم؟!
سألتها هانيا وهي ترتشف رشفة من قهوتها لتتنحنح داليا وتسألها باهتمام لم يخلُ من خجل:
_بتتدلعي على أبيه رامز إزاي عشان يعمللك اللي انتِ عايزاه ؟!
_يااااا زين ما اخترتِ!
هتف بها رامز الذي كان واقفاً على باب المطبخ لتشهق
داليا بخجل قبل أن تخرج من المطبخ عدواً وهي تغطي وجهها ...
فيما سعلت هانيا برشفة القهوة التي توقفت في حلقها لينفجر رامز ضاحكاً وهو يقترب منها ليربت على ظهرها مردفاً بمرح:
_اجمد يا وحش.
ظلت هانيا تسعل للحظات وهي تدفعه بكفها فناولها كوب ماء شربت منه لتهدأ قليلاً وسط ضحكاته العالية التي سبقت قوله :
_ياربي ! مش هنساها أبداً ...داليا بتاخد خبرتها من "بسطويسي"...
ثم كوّر كفيه حول شفتيه في وضع النداء ليردف بتحذير مصطنع:
_إلى مروان القاطن بدير النحاس ...لا تقرب هذه العائلة...الزواج فيه "دبشٌ" قاتل!!
كتمت هانيا ضحكاتها بكفها بينما وضعت الآخر على شفتيه لتهتف باستنكار:
_هتفضحنا ...اسكت ...اسكت !
لكنه قبل أناملها أمام شفتيه ليجذبها بين ذراعيه هامساً بنبرة عابثة :
_لسانك اتلسع؟!
_رامز!
هتفت بها باستنكار وهي تدفعه لتنظر نحو الخارج مردفة بعتاب:
_احنا مش في بيتنا ...لم الدور شوية .
مط شفتيه باستياء ليقول وهو يغلق باب المطبخ :
_طب اعمليلي شاي .
رمقته بنظرة متشككة لتقول ملوحة بسبابتها:
_افتح الباب!
_لا.
قالها وحاجباه يتراقصان بمشاكسة فزفرت بسخط مصطنع وهي تعطيه ظهرها لتعد له الشاي شاعرة به يقترب من ظهرها ...
_إيدي سقعانة !
يقولها بمسكنة مصطنعة لترد ببرود دون أن تنظر إليه :
_كوباية الشاي هتدفيها ..آه...
انقطعت عبارتها بشهقتها وهي تجده يضع كفيه قسراً في جيبي بلوزتها هي الأماميين ليلصق ظهرها به هامساً :
_بجامتي مالهاش جيوب .
_رامز!
تهمس بها باستنكار وهي تحاول إخراج كفيه العابثين من جيبيها لكنه يرد هامساً في أذنيها ببراءة مصطنعة :
_إيه ؟! مارضيتش أحطهم في جيوب البنطلون !
احترقت وجنتاها خجلاً وهي عاجزة عن الاستدارة نحوه بهذا الوضع فاكتفت بنظرتها الموبخة :
_انت مالكش فرامل ؟!...ده أنا قلت هتتغير واحنا مش في بيتنا .
_عذراً يا أخ بسطويسي ...شاب أرعن طائش تحركه غرائزه !
قالها مازحاً وهو يرفع أحد حاجبيه فابتسمت رغماً عنها وهي تدير رأسها لتصب له الشاي هاتفة :
_اتفضل شيل إيدك وخد الشاي!
_أمري لله !
قالها وهو يخرج كفيه من جيبيها ليتناول منها كوب الشاي الذي ارتشف منه رشفة قائلاً:
_تسلم الأيادي .
بينما سارعت هي تفتح الباب لتجد يامن في وجهها يقول ببشاشة :
_صباح الخير .
فازداد احمرار وجنتيها وهي ترد تحيته بارتباك بينما تلفت هو حوله ليسألها باهتمام :
_رانيا فين مش في أوضتها؟!
_صحيت من بدري راحت المصنع لنشوة ...هترجع ع المعاد ...أعمللك قهوة ؟!
_أنا هاعملله !
قالتها ياسمين التي ظهرت من خلفه ليلتفت نحوها بابتسامة حانية رغم مزاحه الساخر:
_يعني أخيراً هتحني عليّ وتدخلي المطبخ؟!
غمزت هانيا رامز لينسحبا تاركين لهما المزيد من الخصوصية بينما دخلت ياسمين المطبخ في جواب غير منطوق لسؤاله ليلحق هو بها مستمتعاً بذكرى الأيام الخوالي التي كانت تعد له فيها إفطاره ...
_وحشتني قهوتك .
قالها وهو يجلس على المائدة جوارها لكنها لم تلتفت نحوه وقد غابت في شرودها بعدما بدأت في إعداد القهوة ليسألها باهتمام:
_بتفكري في عابد ؟!
التفتت نحوه لتومئ برأسها إيجاباً قبل أن تقول بتأثر:
_لما شفته كإني قدام واحد مختلف ...شفت إزاي ماكانش عايز يسيبني من حضنه أول ما شافني؟!
_بلاش السيرة اللي تنرفز دي؟! أنا عارف إنه أخوكِ بس دمي فار لما شفتكم !
هتف بها بضيق حقيقي جعلها تبتسم وهي تقترب منه لتشير حولها قائلة :
_بتغير من أخ واحد وانت عندك مستعمرة ستات بحالها هنا؟!
_مابحضنش حد فيهم !
بعناد يقولها لتقترب منه أكثر قبل أن تنحني لتواجه وجهه بوجهها هامسة أمام عينيه :
_هو الحضن بالإيدين وبس؟! كل نظرة حنينة حضن...كل موقف احتواء حضن ...كل كلمة بتزعق فيها من خوفك عليهم حضن.
فابتسم بتأثر وهو يجذبها ليجلسها على ساقيه متخللاً شعرها بأنامله هامساً:
_أول مرة أحس إنك ممكن تغيري منهم !
لكنها أسندت رأسها على صدره لتهمس مغمضة العينين:
_فيه فرق بين اللي تحسه واللي تقدر تعبر عنه ...زمان مكنتش أقدر أقوللك لأني كنت حاسة إنه مش من حقي أغير عليك ...حاجة وسط حاجات كتير اتعودت أدفن إحساسي بيها ...
فرفع ذقنها نحوه لتفتح عينيها مع سؤاله :
_ودلوقت؟!
_دلوقت حاسة إنك بتحبني ...خلاص بقا من حقي أصرخ وأقول غيرانة ...من حقي أغلط وأقوللك سامحني وأنا عارفة إنك هتسامحني ...من حقي أخاصمك وأبعد وأنا عارفة إنك هتصالحني ...من حقي آخد زي ما بدي ...من حقي أحبك حب صح مش زي بتاع زمان .
ضمها بين ذراعيه أكثر ليهمس بدفء:
_كل حاجة فيّ من حقك...من قبل ما تطلبيها .
أغمضت عينيها على صورته ليصلها صوته بعدها يتنحنح مردفاً باهتمام :
_أنا فكرت أكلم عمي يستضيف عابد شوية في البلد ...
فتحت عينيها فجأة مصدومة بالاقتراح ليستطرد هو بحماس:
_فكري فيها كده هتلاقيها مفيدة من كل الزوايا ...أولاً هيريح أعصابه بعد اللي شافه ...ثانياً لو فيه فعلاً خطر عليه فهو متداري هناك ...ثالثاً هو قال إنه عايز يكمل دراسة علوم شرعية وانتِ عارفة إن بيت عمي لازق في بيت الشيخ "......" اللي الناس بتجيله من آخر الدنيا تتعلم ...وأفتكر إن عمي هيرحب بالفكرة جداً .
لكنها هزت رأسها لتقول بعدم اقتناع:
_بس انت عارف المستوى اللي كان عابد عايش فيه في ماليزيا ...تفتكر هيبقى مرتاح وهو عايش في قرية صغيرة من غير أي رفاهيات ؟!
فقرص أنفها مداعباً ليقول بثقة:
_هو محتاج الجو ده صدقيني ...محتاج يفصل ويرجع للطبيعة شوية ...وعموماً لو ماعجبوش الوضع يرجع ...أنا هاعرض عليه الموضوع لما أشوفه في كتب الكتاب !
ابتسمت وهي تومئ برأسها موافقة لتنساب على شفتيها رغماً عنها :
_شكراً يا طيب !
جلجلت ضحكته عالية بعدها بما أطرب قلبها وهو يضمها بشدة نحو صدره قائلاً باشتياق مسها بصدقه:
_والله زمااااان !
ثم مال على بطنها يقبله ليبسط كفه عليه هامساً كأنه يحدث ابنته :
_سامعة يا يمنى؟! أول مرة تسمعيها انتِ دي ...بس زمان ماكانتش بتبطل تقولها !
فاتسعت ابتسامتها وهي تريح كفها على كفه المبسوط على بطنها شاعرة براحة غامرة في هذا الوضع ...
راحة قطعها فوران القهوة التي سالت على الموقد لتشهق بارتياع وهي تحاول النهوض هاتفة :
_القهوة فارت!
لكنه يتشبث بها ليمنعها القيام هامساً أمام شفتيها بلهفة عاشقة :
_بلاها قهوة ...خللينا في النوتيللا!
=======