تحميل رواية «سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
*القطعة الأولى* =========== تعبت في بعدي عنك كان ناقصني حاجات كتير وحاسس برضة بيكي وعارف انك مش بخير علشان فاهمك وعارفك تملّي حبيبتي شايفك بتحني لكل ذكرى حلوة جنبك عشتها منا زيك برضة واكتر اوقات بسرح وافكر انا وانتي بعدنا ليه ملقتش اجابة جتلك منا يمكن لو حكتلك تقوليلي كسبنا ايه؟! انسابت النغمات حوله في المطعم مع الكلمات الموجعة لتزيد من نزيف روحه... ضعفاء نحن عندما "نعشق" وأكثر ضعفاً عندما "نفقد" ، فكيف وهو يعلم أنها تشاركه عذابه كما شاركته عناده؟!! لماذا جاء إلى هنا الليلة ؟! هو لا يدري بالضبط....
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الحادي وخمسون 51 - بقلم سينابون
القطعة التاسعة والعشرون ج1
_محمود البنا ..ودلوقت محمد عيد ..وألوف قبلهم ..وألوف بعدهم ..البلد دي بقت بتتنفس قهر !
تكتبها ريتال على صفحتها الشخصية على الفيسبوك بينما تجلس في صالة الاستقبال في مركز جمعية "رسالة" الذي تتطوع للعمل فيه خيرياً .
تكاد تغلي غضباً وقهراً وهي تستعيد الحادثين الأخيرين ..
الأول لذاك الفتى الذي راح ضحية شهامته وهو يدافع عن إحداهن أمام أحد "البلطجية" الذي توعده بالقتل لينفذ وعيده بعدها ..
العجيب أن الحادث صار قضية رأي عام ..الناس من هنا وهناك ينتفضون ويثورون لجلب حق فتى تم تصوير عملية قتله بالصوت والصورة !!
لكن الغمامة القاتمة لا تزال تهدد بغيث القهر على الجميع ..
النفوذ العتيد قال كلمته ..ولتخرس كل الألسنة !
ومن جديد يبزغ القهر في الحادث الثاني ..
ذاك البائع الجائل الذي أجبره "الكمساري" على القفز منه وهو يسير لأنه لم يكن يملك ثمن التذكرة.. فدفعها بحياته !!
تتأفف بضجر وهي ترفع رأسها تتابع وجهاً من الوجوه البائسة لطفل دخل لتوه كي يسأل عن مساعدة ما ..
ينقبض قلبها بالمزيد من القهر وهي تتأمل هيئته الرثة ..
قدميه الحافيتين ..كعبيه المشققين ..
وسامته الطبيعية دنسها درن العوز وقسوة الناس !!
_صبّح صبّح يا عم الثورجي ..
يكتبها لها سامر برسالة خاصة فتتنهد لتكتب له بانفعال:
_هاطقّ يا سامر ..هاطقّ ..البلد دي خلاص ماعادش يتعاش فيها .
_والكلمتين بتوعك دول اللي هيخلوها يتعاش فيها ؟! صلي ع النبي كده وخفي من الكلام اللي يودي في داهية ده ..عيش نملة تاكل سكر!
يكتبها لها مع "وجه أزرق مرتعب" فتبتسم رغماً عنها لتكتب:
_بذمتك دمك مش محروق زيي؟! عاجبك الحال ده ؟!
_دعي الخلق للخالق يا آنسة .
_مش قادرة يا سامر ..مش قادرة ..حاسة إني هاتخنق لو قعدت في البلد دي سنة كمان .
_الاسطوانة المشروخة إياها ..عايزة أسافر ..انتِ فاكرة السفر ده جنة الله في الأرض مثلاً؟! ..يابنتي احنا مالناش قيمة جوة هيبقى لنا بره ؟!
_بس نعيش ..نتنفس ..احنا هنا بنموت بالحياة .
_روقي كده بس وما تقفليليش اليوم ..ده أنا قلت هتصبحي عليّ بغنوة حلوة من بتوعك .
يرسلها لها مع صورة كفين ملتصقين في وضع الرجاء فتبتسم وهي تكتب له :
_ماشي ..قوللي صحيح ..ياقوت ردت عليك ؟! أنا مارضيتش أعرفها إني عارفة .
فيتردد قليلاً وقد آثر كتمان أمر شعوره بكوْن ياقوت مرتبطة عاطفياً ليكتب :
_سيبيها براحتها أنا مش مستعجل ..وبصراحة مش متحمس .
_سها تاني؟!
ضيقها يتسرب حتى عبر برودة الحروف المكتوبة ..فيتنهد بحرارة ثم يبتسم باستغراب ..
رغم طبيعة عمله التي تفترض أن يفهم دواخل الناس ..لكنه أدرك أنه حقاً لم يكن يفهم نفسه ..
سها ..حلم العمر الطويل الذي طالما كان أسيره ..الآن بعد انقشاع الغمام صار يراه مجرد "وهم" ضلله ..
لكنه لايزال عاجزاً عن إيجاد طريقة "حقيقة" آخر !
ترسل له ريتال المزيد من علامات الاستفهام فيبتسم وهو يكتب لها :
_ما تخافيش على أخوكِ ..أنا فقت خلاص .
ترسل له علامة إعجاب مرفوعة الإبهام فيردها لها بوجه ضاحك تنتقل ضحكته إليها ..
غريبة هذه العلاقة بينهما !
جسر طويل ممدود بين الصداقة والقرابة فتكاد تشعر أنه أقرب لروحها ممن سواه ..
لهذا عادت تكتب له بعد تردد قصير :
_كنت عايزاك تساعدني في حاجة .
_ولا أعرفك !
يكتبها لها مازحاً فترسل له وجهاً غاضباً يليق بعبارتها:
_ده العشم يا جدع .
يضحك مكانه وهو يرى النقاط المتراقصة معلنة عن قرب وصول رسالة طويلة منها ..
لكنه يشعر بوخزة خفية لم يفهم سببها وهو يقرأ رسالتها بعدها :
_جايلي عريس ممتاز ..دكتور في علوم الطاقة الذرية ..ومستقر في كندا هجرة من كام سنة ..بس عمك جميل مش موافق .
_ليه؟!
ترتجف أنامله رغماً عنه وهو يكتبها شاعراٌ بضيق مجهول لتكتب له :
_ما انت عارف ..عايزني أفضل جنبه هنا ..بس أنا بصراحة شايفاها فرصة مش هتتكرر .
_الجواز مش فرصة .
_مادام مفيش حب ..يبقى نشغل عقلنا وناخد الأفضل ..وبصراحة أنا هاموت وأسافر بره البلد دي .
_وعايزة مني إيه يا ستي الطفشانة انتِ؟!
يكتبها ممازحاً ومغالباً هذا الشعور السلبي غير المبرر بداخله لترد :
_كلم بابا ..هو بيثق في رأيك .
_بس أنا كمان مش عايزك تسافري ..مين هيصبح عليّ كل يوم بغنوة حلوة غيرك ؟! مين هيستحمل جناني وأنا بحكيله عن نفسي اللي مش فاهمها ؟! وبعدين مين اللي هشتريله عرايس ؟! ده انتِ خاربة بيتي بيهم !
ورغم ظاهر عبارته المازح لكن غصة حقيقية استحكمت حلقه من فكرة سفرها هذه ..
صحيح أنها طوال الوقت تتشدق برغبتها هذه ..لكن أن تنالها حقاً ..أن تتركه وتغادر لبلد بعيد ..الفكرة نفسها تعتصر قلبه بقبضة خانقة ..
بينما بدت هي مازحة تماماً وهي ترسل له المزيد من الوجوه الضاحكة :
_شغل "الصعبانيات" ده مش لايق عليك ..وبعدين النت مخللي الكوكب كله أوضة وصالة ..لو وعدتك أفضل أصبح عليك بالأغاني من كندا ..وأستحمل جنانك في "الماسنجر" ..توعدني تقنع الحاج ؟!
يظل صامتاً للحظات يرمق الهاتف بعينين قاتمتين خلف زجاج نظارته لتعاود هي الكتابة بنفس المزاح :
_وإلا هاتجوزه وأسافر من وراكم وأجيب لكم العار .
_للدرجة دي عاجبك يعني؟!
يكتبها متعجباً من لهفتها لترد كما توقع:
_هو نفسه مش بطال ..لكن الفرصة يا سامر ..الحلم ..عارف كام باب ممكن يتفتح لي هناك ؟ وقصاده كام باب مقفول هنا ؟!
يزفر بقوة وهو يتيقن من صدق حدسه ..هي لا تريد الزواج بقدر ما تريد السفر !!
_ مش انت أخويا؟!
يبتسم عفوياً لعبارتها فيرد :
_طبعاً !
_طب ما تقابله عشان ضميرك يبقى مستريح وانت بتكلم بابا .
_آمين يا تولا.
يكتبها لها بنفس الضيق المبهم مستعيداً كنية تدليله القديم لها منذ صغرها لترسل له وجهاً مبتسماً مع عبارتها:
_آمين يا "دكترة"! حيث كده بقا حالاً أبعتلك "الاصطباحة"!
تكتبها لترسل له أحد أغاني فرقة "كايروكي " الجديدة فيبتسم بشرود وهو يفكر ..
لماذا يشعر بهذا النفور ؟!
هو كان متقبلاً لمشاعرها الدفينة نحو مروان فلماذا ينقبض قلبه الآن بهذه الصورة مع خاطبها هذا؟!
تراها فكرة سفرها وابتعادها عنه ؟!
أم أن العرض نفسه يبدو له خطراً وهي تغادر نحو مكان غريب مع رجل غريب وحدها ؟!
زفرة قصيرة تغادر حلقه وهو يحك لحيته بأنامله ليغمغم لنفسه بشرود :
_ما تبقاش سمّاوي كده وتكره لها الخير ! مش يمكن فرصة فعلاً ؟! قابله ونشوف!
======
بعض الحب كحقائب زاخرة تعدك بغنى العمر ..
لكن قدرك أن تبقى منسية على أرصفة الانتظار !
بعض الحب كفردوس ناله قلبك دون حول ولا قوة ..
لكن قدرك أن تطردك منه خطيئة !
بعض الحب كاملٌ حد الكفاية ..
ناقصٌ حد الزهد ..
فما حيلتي ولست منكِ بمكتفٍ ولا فيكِ بزاهد ؟!
بعض الحب -مثلكِ- مراوغ كقمر يختبئ خلف غيومه ..
فاعذري من سقط عنقه ألماٌ وقد ملّ النظر !
"هيثم "
=======
مظلة عشقنا كانت مثقوبة ..
فكيف أقف وسط الريح هازئة بالمطر؟!
بيميني غرامي ..وبيساري ذنبي ..
فأين -منك- أشيح بوجهي؟!
جميلة كانت زهرة حبنا إنما ..
قصيرٌ هو عمر الزهور !!
لا تلم نفسك ..
ولا تلمني ..
"مائة"جدار حجب بيننا الصرخات !
"ألف" ستار بيننا أخفى البسمات !
وذنبٌ "واحد" يبقى العمر بيننا ..
طعنة وسط الضلوع !
"شهد"
=======
خلف شاشة الماكينة المخصصة للدفع يجلس هيثم يراقبها بشرود وهي تتحرك بين أروقة المحل الكبير تساعد بعض رواده ..
ابتسامتها الصافية ..ملامحها الملائكية الفاتنة ..حيويتها التي تجعل خطواتها تكاد ترقص على الأرض ..
فيشرد ببصره وهو يتذكر أباه رغماً عنه ..
تدمع عيناه بمزيج من ألم وغضب وهو يعاود النظر نحوها لكنها تغمزه بخفة من بعيد ..
يهطل سيلها برداً وسلاماً على نيرانه فترتجف شفتاه بابتسامة واهنة ..
يحبها !
يحبها هذا الحب الذي لم يعرفه من قبل بهذه القوة !
لقد ظن أنه قد عشق داليا لكنه تجاوزها ببساطة بعدما كان بينهما فلم تترك في قلبه سوى "ندبة وردية" تمتزج بذكريات الصبا ..
لكن شعوره بشهد يختلف ..
يختلف وهو يشعر أنه صار يتنفسها كما تتنفسه !!
يراها تتقدم منه بخطوات حذرة نسبياً وهي تتلفت حولها منتهزة فرصة الخلو النسبي للمحل ..
يحتضنها بعينيه وتعانقه بكل روحها ..
تقترب أكثر لتهمس له بعذوبتها الرائقة :
_عامل إيه يا "روميو"؟!
فيبتسم وهو يميل رأسه هامساً بمراوغة :
_اشمعنا "روميو"؟!
يعلم أنه كان اللقب الذي اختارته له داليا منذ عهد بعيد ..
لهذا تعجب استخدامها هي له ..
لكنه لم يتعجب هذه النظرة المتشحة بالمرارة في عينيها رغم مرح عبارتها الظاهر :
_انت روميو وأنا جولييت ..اخترت لك الاسم ده من زمان .
_انت اللي اخترتيه ؟!
يسألها ببراءة ظاهرة ليدهشه كذبها بعدها:
_أيوة ..انت روميو بتاعي وبس ..عمرك ما حبيت حد قبلي ..ولا هتحب حد بعدي .
يعقد حاجبيه بضيق من شعوره بأن كذبتها هذه ليست الأولى ..
ولو نظر في قلبها لأدرك أنها لم تكن تشعر بأنها تكذب!
بل بأنها فقط تعيش فوق غمام حلمها الخاص بعيون مفتوحة ..
قبل أن يصفعها القدر ليسقطها فوق صخرة الواقع !
_سايبة شغلك ليه يا شهد ؟!
يقولها الكهل المسئول عن عملها بنظرة صارمة فتتنحنح بارتباك لتعتذر له بسرعة قبل أن تبتعد ..
فيرمقه هيثم بنظرة غاضبة وهو يلاحظ نظرات الرجل غير البريئة نحوها والتي ظلت تلاحقها طوال اليوم ..
نظرات لن يخطئ في تأويل سوء نواياها !
لهذا ما كاد النهار ينتصف وتخف الحركة قليلاً في المحل حتى أشار لها بكفه خفية فتقدمت نحوه لتهمس مبتسمة :
_ركز في شغلك بقا عشان ما تدفعش فرق زي امبارح ..عايزاك تبيض وشي قدام الراجل ده أنا كنت هبوس راسه لما قاللي إنه موافق تشتغل معانا .
_إيه تبوسي راسه دي؟!
يهمس لها بها بحدة فتجفل هامسة بارتباك:
_عادي يا هيثم مش حوار يعني..كلام عادي .
لكن احتقان ملامحه يزداد وهو يهمس لها بينما أصابعه تنقر على اللوح الصلب للطاولة أمامه :
_نظراته ليكِ مش عاجباني ..احنا هنسيب الشغل ده .
_بتهزر؟! انت فاكر إننا هنلاقي شغلانة في محل زي ده بالساهل؟! وبعدين نظرات إيه اللي بتتكلم عنها ..ده أد أبويا !
لم تكد تنتهي منها حتى شحبت ملامحها وهي ترمقه بنفس النظرة المرتعبة التي تثير جنونه في كل مرة يجدها تتفوه بما يمكن أن يثير نهر ذكرياته الراكد ..
لكنه هذه المرة كان يشاطرها نفس الرعب وهو يشعر بهواجسه تكاد تعتصر قلبه ..
فانتفض من مكانه ليهتف بها بانفعال :
_أنا عن نفسي هاخلص "الشفت" ده ومش هاكمل شغل هنا ..لو عايزة تكمللي هنا براحتك .
فترمقه بنظرة مترددة لتتلفت حولها هامسة :
_وطي صوتك بس ..خلاص حاضر ..نسيب الشغل هنا مادام مش مرتاح .
يعقد حاجبيه وهو يشيح بوجهه لتهمّ باسترضائه لكنها تلمح الرجل من بعيد يرمقها بنظرة صارمة فتتحرك مبتعدة لتعود لمكانها ..
فيما ظل هو لساعة كاملة بعدها يحاول السيطرة على مشاعره وهو لا يميز فارقاً بين "غيرة" و"غضب"..
كلاهما حارق ..لاسع ..كاوٍ ..
كلاهما مهلك!
يحاول الانخراط مع الوجوه والشاشة أمامه متناسياً فورة مشاعره لكن التفاتة عابرة نحو مكانها هناك تجعله يحدق فيها بريبة وهو يراها تتحدث إلى ذاك الرجل ..
هل هو شديد القرب منها حقاً أم هي فقط هواجسه ؟!
هل تضاحكه بدلالها المعهود أم أنه فقط يتوهم؟!
الدماء تغلي في عروقه وهو يرى الرجل يشير لها نحو الطابق السفلي المخصص للمخزن فتتوجه إليه وحدها تلاحقها نظراته الجائعة وهو يقف مكانه للحظات ..
قبل أن يلحق بها !
ينتفض مكانه معتذراً للزبون أمامه ثم يطلب من زميله تولي عمله قبل أن يتوجه نحو الطابق السفلي بخطوات حذرة وهو يكذّب كل ما تصرخ به ظنونه ..
الأصوات المكتومة من مكان قريب تثير المزيد من جنونه فيتحرك نحو مصدر الصوت لتتسع عيناه بصدمة وهو يرى الرجل يكمم فمها بينما يعتدي عليها !
لم يدرِ كيف وصل إليه ..
لم يشعر كيف انتزعها من بين ذراعيه ..
لم يدرك كيف أمسك كتفي الرجل بقوة ليديره نحوه فيرفع قبضته في وجهه يهم بلكمه ..
لتتوقف يده في الهواء!!
هاهنا فقط لم يعد يرى ملامح الرجل ..
بل صار يرى فيه وجه حسين ..
أبيه !!
دموع عجز..
غضب..
خزي ..
كلها تتكدس في عينيه فتتهاوى قبضته ببطء يوازي صرخة شهد الخافتة التي تجمدت في أذنيه والرجل يدفعه بقوة ليصرخ بصوت عالٌ قالباً الوضع لصالحه ..
_إيه المسخرة دي؟! عشان كده كنتِ مصممة تشغليه هنا معاكِ ..المهزلة دي مش هنا ..اطلعوا بره انتو الاتنين .
صراخه يستجلب حضور بعض العاملين من الأعلى ليرمقوا المشهد من بعيد بنظرات نهمة نحو شهد وهيثم بين فضول واحتقار ..
لكن الأخير لم يستطع البقاء أطول وهو يخترق الجمع بخطوات هادرة تاركاً إياها خلفه ..
=====
_معلّم واحنا منك نتعلم والله يا حاجة ثمر !
يهتف بها إسلام مع صفير إعجاب طويل وهو يستمع من ياقوت لما حدث عبر الهاتف لترد الأخيرة بانفعال:
_مبسوط قوي؟!
يضحك ضحكة عالية ثم يطلق همهمة مستمتعة ليردف:
_هو ده الشغل ! سعادته فاكر ييجي يقول عايزك نقوم نلفك في ورق سلوفان ونحطك قدام بيته ؟! لازم يتعب عشان يوصللك ويبقى فاهم كويس قيمتك..لازم يحس إن راسك براسه وإنه ممكن يتقبل أو يترفض زيه زي أي حد .
تصمت لعدة لحظات بعدها وهي تحاول التفكير في عواقب ما فعلته ثمر ..
وقبلها فيما جعل زين يندفع هكذا دون مقدمات ليقدم عرضه ..
ابتسامة مترددة ترتسم على شفتيها وهي تتذكر ..
_لا لعيبة ! عرفتِ تجننيه لما رميتِ الحلق وراكِ ومشيتِ ..إيّاكش بس تخلص على خير ونلبس بداله الدبلة بقا!
تهتف بها "العفريتة العابثة" بداخلها فتتنهد بعمق وهي تعترف أنها تعمدت فعلها ليلتها كي تثير جنونه خاصة وهي تعلم عن هوسه بتملكها ..
سعيدة ؟!
لا تدري ..فرحتها ناقصة وهي لا تعلم ماذا سيسفر عنه الغد !!
_سكتّ ليه يا "أبو التوت"؟! كمّل ..إيه اللي حصل بعدها مع الحاجة ثمر؟!
يقاطع بها إسلام شرودها لتزفر بقوة قائلة :
_هي جملة واحدة اللي قالتهالي بعد ما مشي وسابتني بعدها .."دموع بنتي غالية واللي يقدرها هو اللي يستاهلها" .
فيصدر همهمة استحسان ثم يضحك فجأة قائلاً:
_أنا مش صعبان عليا غير "أبو سمرة" السكّرة ..أخينا ده لو لقاه هيعمل منه بوفتيك .
لكنها تتأوه بخفوت قائلة وهي تفرك جبينها بتعب:
_مش عارفة يا إسلام ..مش عارفة ..أول مرة ما أبقاش قادرة أحدد رد فعله هيكون إيه ..بس أعتقد إنه اتغير بعد أزمته الأخرانية ..مش هيتهور .
تقولها وهي تشعر بشعورين متناقضين تماماً ..
أحدهما أن يملك زين زمام جنونه فيحسبها بعقله ويتحين فرصة مناسبة لمعاودة الحديث مع ثمر خاصة وهي تنتوي أن تخبر سامر برفضها لعرضه ..
والثاني أن ..يتهور حقاً !!
أن يشعرها بلذة جنونه وحربه من أجلها كما فعلها مع ياسمين يوماً !!
ألم يعرفها هي في البداية من أجل ذلك؟!
_مش هتقوليلي عمل إيه ليلة فرح همسة وقلبك عليه كده ؟!
ينتزعها بها من شرودها بنبرة أكثر جدية فتشعر بالخزي وهي تمتنع عن الجواب ..
لا تريد أن تحكي عن هذا الأمر بالذات كي لا يتحامل إسلام عليه أكثر ..خاصة وهي تحمل نفسها بعض اللوم في الانسياق وراء عاطفتها دون وعي ليلتها ..
لكنه أصدر همهمة قصيرة وهو يرد بتفهم :
_مش هاضغط عليكِ مادام مش عايزة تقولي ..المهم ..هو ما حاولش يتصل بيكِ من امبارح ؟!
_لأ ..وده الغريب ..أنا قلت أول ما يمشي من هنا هيكلمني أو يبعتلي رسالة ..يزعق ..يهدد ..يستفسر حتى ..بس مفيش ولا أي رد فعل .
تقولها بحيرة خانقة ليعاود سؤالها:
_انتِ هترجعي مصر امتى؟!
_مش عارفة ..لو عليا مش عايزة أرجع دلوقت ..عايزة أفضل في حضن ستي هنا شوية .
_والمركز؟!
_البركة في سامر ..ما أفتكرش هيمانع يشيل شغلي .
_عيني عليك يا أبو سمرة ..يعني ترفضي الجوازة وتدبسيه في الشغل وتلبسيه في حيطة مع زين بتاعك ده ؟! ده انت لو شارياه من "سوق عكاظ" مش هتعملي فيه كده !!
يهتف بها ضاحكاً باستنكار فتضحك رغماً عنها لتقول بحرج:
_سامر مش هيتضايق لو رفضت عرض الجواز ..سامر عامل زي الغرقان اللي بيحاول يتعلق في أي قشّاية ..أنا أو غيري مش هتفرق معاه ..هو مش فاهم هو عايز إيه ..وبصراحة هو يستاهل واحدة تحبه بجد وتعوضه العمر اللي ضيعه من غير تمن ده .
_حكيمة !..حكيمة وبتدّي حقن ..آه والله !
يقولها مقلداً مشهداً كوميدياً في مسرحية شهيرة فتضحك من جديد ضحكة قصيرة تجعله يقول بنبرة أكثر جدية :
_أيوة كده ..عايز أسمع على طول ضحكتك دي ..ما تخافيش من أي حاجة ..أنا في ضهرك .
تبتسم ابتسامة امتنان لم يرها لكنه شعر بها في نبرة صوتها بعدها :
_وانت عامل إيه مع نشوى؟!
_اهه..لا تزال مساعيها الناجحة لتكفير ذنوب العبد لله قائمة ..وأنا صابر غُلب!
يقولها بمسكنة مصطنعة لتطلق ضحكة عالية هاتفة :
_وانت الشهادة لله غلبان قوي .
يشاركها الضحك للحظات قبل أن يقول بجدية :
_حاسس إن عندها حاجة جديدة مخبياها ..بس مش عارف إيه ..الخوف اللي في عنيها بقا بزيادة ..ارتباطها بريما بقا بهوس أكتر ..بتعيط كتير وهي حاضناها حتى وهي نايمة .
_يمكن عشان تعبها الأخراني .
تقولها بتوجس ليرد بنبرة مرتابة :
_ما أفتكرش ..البنت بقت كويسة بس هي اللي بقت مش طبيعية ..مش عايز أبالغ وأقوللك بتتنفض لما تليفونها بيرنّ ..وبصراحة امبارح حاولت أقلب فيه وهي نايمة يمكن أفهم سبب ..بس المفاجأة إني لقيت سجل المكالمات كله ممسوح .
ورغم الريبة التي شاركته فيها لكنها هتفت مؤنبة :
_مش من حقك تعمل كده على فكرة ..هي من حقها تكون لها مساحتها الخاصة .
فيصدر صوتاً هازئاً ليرد :
_الكلام ده هناك ..عند "رضوى الشربيني" وجمعيات حقوق المرأة ! مراتي لازم أعرف عنها كل حاجة .
_مجتمع ذكوري متعفن .
تهتف بها بتهكم ساخر ليرد بضحكة مكتومة فضحت لها قلقه الدفين ..
فتتردد قليلاً قبل أن تسأله بحذر:
_انت بتفكر في إيه ؟! قوللي بصراحة .. ممكن يكون ..ناصر ..مثلاً ؟!
الصمت المشحون بذبذبات غضب خفية يسود بينهما للحظات
لكنها ترد بيقين :
_مستحيل ..انت متأكد زيي إن شخصية نشوى مستقيمة مش هتسمح بأي غلط ..السيناريو الوحيد اللي ممكن أتخيله إن يكون هو اللي اتصل بيها عشان يعتذر عن اللي حصل .
_ناصر ما يعملهاش ..أنا عارفه من زمان ..صحيح أنا لو شفته دلوقت ممكن أخنقه ..بس كلمة حق ..هو مش هيحاول يقرب لها بأي صورة طول ما هي مراتي .
يقولها بضيق مكتوم فتتنهد بحرارة لترد :
_جميل ..لو عايز رأيي اصبر عليها شوية وهي من نفسها هتيجي تقوللك ..هي من الناس اللي ما بتستريحش إلا في الوضوح ..وده طبع هيريحك قوي ..عشان كده ..
تقطع حديثها وهي تسمع صوتاً ما على هاتفها يجعلها تبعده لترى الشاشة ثم تقول له بقنوط:
_ده سامر ع "الويتينج" ..اقفل دلوقت لما أشوف عايز إيه ..واوعى تضحك ..
وكأنها أمرته بالعكس !!
ضحكته العالية تملأ أذنيها قبل أن تغلق الاتصال معه فتزفر بضيق ..
ثم تتنحنح بارتباك وجل وهي تفتح الاتصال مع سامر:
_خير يا سامر ؟!
_كل خير يا "شجرة الدر"! نجلاء شاورت على صورتك وهزت راسها لما سألتها عايزاها .
الحماس في صوته يربكها قليلاً فلا تفهم لأول وهلة ما يحكي عنه وسط فوضى مشاعرها الأخيرة ..
قبل أن تتذكر اسم "الحالة المشتركة" التي يعملان عليها فتصدر آهة واهنة ليكمل هو حديثه المنفعل:
_مش مصدق التطور السريع ده .
_البركة فيك يا أينشتاين ..انت اللي شخصت صح .
_بلاش تواضع يا دكتورة ..انتِ اللي حطيتِ الخطة .
يقولها بسماحته المعهودة فتبتسم لتقول بودّ:
_كان عندي حق لما قلت شغلنا سوا هيبقى مكسب .
_شغلنا ..بس؟!
ولأول مرة تشعر أنها لا تفهم نبرته ..
مزيج غريب من ضيق وارتياح!
وكأنه يدفعها لنطق ما تتلكأ في النطق به ..
لكنها تجاهلت الأمر مؤقتاً ريثما تلتقي به في المركز ..
_صعبتها عليّ يا دكتور ..ده أنا كنت عايزة أستأذنك تشيل انت الشغل لحد ما أرتاح هنا شوية ..بس كده هاضطر أرجع .
تقولها بضيق مكتوم ليرد بنفس الانفعال الحماسي:
_لا معلش ..تعالي شوفي الحالة دي بس ما صدقنا ..ولما تخف هنرتاح كلنا .
_حاضر!
تقولها باستسلام وهي تغلق معه الاتصال بتنهيدة حارقة ..
هل تجرؤ على الاعتراف أنها تخشى العودة للعاصمة ؟!
تخشى مواجهة زين الذي لا تعلم ردة فعله خاصة مع صمته المريب هذا !
_ده دكتور سامر؟!
تسمعها بصوت ثمر من خلفها فتلتفت نحوها لتومئ برأسها إيجاباً وهي تخبرها بنص مكالمته لتبتسم ثمر وهي تتقدم منها لتربت على كتفها قائلة :
_وانتِ خايفة تسافري؟!
فانحنت ياقوت لتحيط كتفي جدتها بكفيها بينما تخفي وجهها في صدرها وصمتها يفضح الجواب ..
ليصلها صوت ثمر الهادئ:
_ما تخافيش يا "بنت قلبي" ..حاسة إن الخير جاي .
فترفع إليها ياقوت عينين مرتابتين لتتسع ابتسامة ثمر مع قولها :
_هو نجح في الامتحان الأولاني لما احترم البيت اللي هو فيه وما زودش في الكلام بعد اللي قلتهوله ..يمكن لو كنت شفت في عينيه نظرة غرور كنت خفت عليكِ منه ..لكن هو عينيه كانت خايفة ..غيرته عليكِ كانت بتصرخ حتى وهو ساكت ..حمقته ما كانتش عشان "البيه" اترفض ..كانت عشان خايف يخسرك ..ناقص بس امتحانه التاني ..
ترمقها ياقوت بنظرة متسائلة لكن ابتسامتها تتشح بالكثير من الغموض وهي تعاود التربيت على كتفها قائلة :
_سيبيها لوقتها ..شوفي انتِ شغلك والناس اللي ربنا رايد يكتب لها الشفا على إيديكِ .
=======
تغادر المركز عصراً وهي تشعر بالاستغراب ..
سامر اختفى فجأة وهاتفه مغلق !!
أخبروها أنه قد خرج صباحاً من المركز ولم يعد من حينها وهو الذي تعجبته مع حماسه الذي أبداه لحضورها كي تتابع الحالة !
الحالة التي احتلت تركيزها كاملاً منذ الصباح وهي تحاول التواصل معها فتنجح مرة وتفشل مرات ..
لا يزال الطريق طويلاً كما يبدو وليس كما يظن سامر بحماسه الانفعالي المعهود ..
تتوجه نحو موقف الحافلات كي تستقل واحدة نحو شقتها ..
سيارة أجرة ؟! لماذا؟! علامَ التكلفة ؟!
ألا يكفي أنها استنزفت الكثير من مدخراتها في "حملة التطهير العرقية" التي قام بها إسلام على ملابسها ؟!
أفكارها تنقطع بشهقة خافتة وهي تشعر بالسيارة التي اقتربت منها بسرعة مجنونة لترتد عفوياً بظهرها للخلف قبل أن تميز ماهيتها ..
الزجاج المعتم ينحسر ليبدو منه وجه زين الجامد :
_اركبي .
نظرة واحدة صارمة منه لم تمكنها من فهم تعابيره قبل أن يشيح بوجهه للأمام ..
قلبها يخفق باضطراب معهود وهي تتلفت حولها ..
لقد توقعت مواجهة قريبة لكنها لم تنتظرها بهذه السرعة ..
كيف عرف أنها حضرت اليوم ؟!
هل يراقبها ؟!
لا تستبعد شيئاً كهذا !
تحسم ارتباكها لتستقل السيارة جواره فتجده يغلق زجاجها وأبوابها أوتوماتيكياً لينطلق بها بسرعة فيذكرها برهبة موقف قديم يشبه هذا بينهما ..
يتأرجح شعورها بين غضب وإشفاق على وجهه الذي بدا لها بهذا القرب شديد الغضب ..شديد الأسى ..وشديد الإنهاك ..
فتفرك كفيها وهي تشعر ببعض الذنب نحوه ..
فلتخبره أنها سترفض عرض سامر ولتنهِ الأمر !
_أنا ..
تقولها بارتباك ليقاطعها بصرامة دون أن ينظر إليها :
_ما تتكلميش لحد ما نوصل .
_نوصل فين؟!
تسأله بتوجس ليلتفت نحوها بنظرة صاعقة ناسبت هديره الصارم:
_قلت ما تتكلميش .
تكاد تصرخ باعتراض متنمر لكن هذه النظرة في عينيه تخرسها ..
لم تكن تخافه لكنها كانت تخاف هاتين العينين ..
تخافهما وهما تكتسحانها باقتدار ..
تناجيانها بضراعة ..
وتعاتبانها بقسوة !
حلقها يجف رغماً عنها فتحاول ازدراد ريقها بتوتر وهي تشيح بوجهها ..
حدسها يخبرها أنه سيذهب بها لشقتهما القديمة ..
مزيج من هوس شعوره بتملكها مع رغبته بتذكيرها بعهدهما القديم ..
لهذا لم تتعجب وقوفه أخيراً بالسيارة في نفس المكان الذي توقعته !
يترجل منها قبلها ثم يفتح لها بابها ليمسك معصمها بقوة وهو يتحرك بها نحو الأعلى ..
إعصارٌ جارف من مشاعر تكتسحها وشريط ذكرياتها بهذا المكان يمر بخاطرها من البداية للنهاية ..
تتذكر أول مرة دخلتها ليطعنها هو بفعلته ..
وآخر مرة دخلتها لتطعنه هي بفعلتها ..
وبينهما كل هذا الرصيد من المشاعر التي لم تعرفها في حياتها إلا معه ..
تسحب معصمها منه أخيراً وهي تقف معه أمام باب الشقة لترفع عينيها إليه بنظرة مزجت توجسها برجائها ..
لكنه يقابلها بتوهج "سراجي الشمس" في عينيه بهذا الغضب المكتوم قبل أن يفتح الباب ليدخلها ببعض العنف ويغلقه خلفه !
تشهق بانفعال وهي تدلف إلى الداخل فلم يكونا وحدهما!!
فهناك كان سامر الذي هب واقفاً مكانه وهو يهتف بها بانفعال:
_هم خطفوكِ انتِ كمان ؟!
وجهها يحمر بمزيج من غضب وحرج وهي تميز رجلي حراسة زين اللذين وقفا جوار سامر يرمقان الجميع بنظرات باردة ..
_هو إيه اللي بيحصل بالظبط ؟!
يسأل سامر لاهثاً بانفعال وهو يناظر زين بقلق وقد تعرف إليه ..
ليقترب منه زين وهو يمسك مرفق ياقوت بقوة فيقف بها أمامه مباشرة ..
لهجته باردة ..صارمة ..مشتعلة كألف سوط من نار:
_مش قبل ما تخطب واحدة تتأكد الأول إنها ماتخصش حد تاني ؟!
ثم يلتفت نحو ياقوت بنفس النظرة العاصفة رغم برود لهجته :
_قوليله أنا عندك إيه .
_زين لما يحب بجد هيتجنن !
تكاد تسمعها بصوت ياسمين من الماضي لكن هذا لم يشفع لهذه الثورة المندلعة بوجدانها ..
خفقاتها تتجاوز حد الجنون وهي تشعر بأنها تكاد تفقد وعيها حرجاً ..
ولو في أقصى توقعاتها تطرفاً لم تتخيله سيقدم على هذا الجنون !
الصدمة تخرسها للحظات فيرجها زين رجاً وهو يكاد يعتصر مرفقها بين أنامله :
_قوليله .
الغضب في ملامحها الآن يصارع احتقان قسماته هو فيكاد الهواء بينهما يشتعل ..
لكن سامر يقاطع الحرب الصامتة هذه بقوله :
_مفيش داعي ..أنا فهمت كل حاجة لما شفتك معاها في المركز المرة اللي فاتت ..وعرفت الرد على طلبي .
تعض ياقوت شفتها بقوة وهي تطرق برأسها الذي يكاد ينفجر غضباً ..
فيصلها استطراد سامر :
_مفيش كلام يتقال خلاص .
يقولها وهو ينقل بصره بينهما بخبرته لتلتوي شفتاه بشبه ابتسامة ..
لم يكن يشعر بالخوف المتوقع في موقف كهذا ..
لكنه كان يشعر بالإثارة من مراقبة "العشق الأهوج الغريب" في ملامح هذيْن الاثنين!!
"شجرة الدر" عاشقة !
ولا يبدو أنه عشق عادي !!
لم يتصور يوماً أن لها هذا الوجه المتوهج خلف واجهتها العملية البسيطة المعهودة ..
لكن معشوقها كذلك لا يبدو أقل منها عاطفة ..
عشقه يبدو هائجاً في عينيه الغاضبتين ..
كم يتوق لمعرفة القصة كاملة ..
هذا حقه على الأقل بعدما جفت دماؤه في عروقه طيلة الساعات السابقة التي قضاها هنا !!
فليؤجل هذا لما بعد فيبدو من النظرات المشتعلة التي يتبادلها هذين العاشقين أمامه أنهما بحاجة لحديث منفرد طويل ..
هذا لو لم يقتل أحدهما الآخر أولاً!!!
_عظيم ..مادام كده يبقى حضرتك اتفضل ..افتكر الرسالة وصلت !
يقولها زين بنبرته المحتقنة بغضبه المكتوم وهو يشير بكفه نحو الباب ..
فيتردد سامر للحظات وهو يشعر ببعض القلق على ياقوت ..
هل من الصواب أن يتركها هنا وحدها ؟!
لكنها رفعت رأسها نحوه بعينين عاصفتين هاتفة بلهاث غاضب:
_أنا آسفة يا دكتور على كل ده..اتفضل انت كفاية اللي حصل .
فتنفرج شفتاه وهو يشير نحو الباب ليرمقها بنظرة متسائلة تردها بابتسامة مشتعلة وهي تنتزع مرفقها من زين لتكتف ساعديها هاتفة:
_ما تخافش عليّ ..اطمن ..كله تمام .
لم تكد تنتهي منها حتى فوجئت بزين يقف حائلاً بينهما فلم ترَ نظرته الصارمة لسامر الذي تلفت حوله بتردد حسمه سريعاً وهو يتحرك ليغادر ..
هنا أشار زين لحارسيه إشارة خاصة ليخرجا بدورهما ولم يكادا يفعلان ليتركاهما وحدهما حتى هتفت به بثورة عارمة :
_مفيش فايدة فيك ..مش هتغيّر أسلوبك ده ؟! كل اللي يهمك تثبت ملكيتك ليّ من غير اعتبار لا لكرامتي ولا لسمعتي !
لكنه يقترب منها حتى يكاد يلاصقها ..
يحني رأسه نحوها وبحاجبين منعقدين حروفه تشتعل بثورة لا تقل عن ثورتها :
_عايزاني أعمل إيه بعد اللي جدتك قالته ؟! أقعد أتفرج وحد غيري بيقرب منك ؟! انتِ فاكرة إن ليكِ حق الاختيار ؟!
_وما أختارش ليه ؟! حقي أحسبها بعقلي قبل قلبي ..
تهتف بها بنفس النبرة الهادرة لتردف وهي تشير نحوه بسبابتها:
_لما أحب أتجوز أتجوز واحد زي سامر ..اللي زيك ..
لكنها لم تستطع إكمال عبارتها إلا بصرخة قصيرة وهي تشعر ببرودة الحائط تصفع ظهرها فجأة لتدرك أنه قد دفعها ..
قبل أن تكمم قبضته شفتيها تمنعها المزيد وسراجا الذهب في عينيه يتوهجان بلهب مخيف هذه المرة ..
_أنا عارف إنك بتقولي كده عشان ترديلي اللي قلته زمان عن ياسمين ..بس اوعي ..اوعي تفكري حتى مجرد تفكير تحطيني مع أي راجل في أي كفة ..في أي ظروف ..ولأي سبب.
تشعر برهبة حقيقية وهي تميز الجنون المشتعل في حدقتيه مع ارتجاف جسده ..
فتدمع عيناها بعجز يغلب ثورتها ..
خاصة عندما نزع قبضته عن شفتيها ليردف بنبرة متهدجة :
_أنا هنا ..وهنا ..
يشير ب"هنا" الأولى نحو صدغها وبالثانية نحو موضع قلبها ..
ثم يفعل بنفسه المثل مردفاً :
_زي ما أنتِ هنا ..وهنا !
تكتم شهقة انفعال كادت تغادر شفتيها وهي تشعر بصدرها يعلو ويهبط كمن تعدو في سباق ..
سراجا الذهب في عينيه يشتعلان بحريق هائل من غيرة ينذرها بألا تلاعب هذا الوتر الخطير يوماً أبداً !!
تغمض عينيها بعجز عن احتمال المزيد من سياط غضبه فتشعر بأنامله تزيح عنها نظارتها ببعض العنف لتلقيها جانباً ثم تمتد نحو وشاحها ليلحقه بها ..
تفتح عينيها بنظرة ارتياع وهي تشعر به يحاصرها حصاراً أقوى بكثير من حصار الجسد ..
عيناه ترمقان أذنيها بنظرة خيبة غريبة قبل أن تجده يتناول "قرط الياقوت" من جيب قميصه ليلبسها إياه بحركة سريعة أوجعتها ..
ثم يشد أذنيها معاً بقوة بين قبضتيه ليقرب وجهها نحوه هامساً بنبرة غريبة جداً بين تهديد ورجاء:
_مش هتقلعيه تاني ..أبداً !
شفتاها ترتجفان بقوة وهي تشعر أنها تكاد تتهاوى بين ذراعيه ..
كل ذرة بداخلها تلعن كل هذا الذي يفعله ..!
كل ذرة بداخلها تعشق كل هذا الذي يفعله ..!
هو مجنون ..وهي أشد جنوناً ..
فكم يليق كلاهما بصاحبه !!
لايزال يشد أذنيها بقوة قبضتيه وأنفاسه تمتزج بأنفاسها مع همسه المشتعل:
_كنتِ بتفكري في إيه وانتِ بتقلعيه وترميه وراكي ؟! هه ؟! كنتِ عايزاني أفهم إيه ؟! إنك خلاص مش ليّ؟!
فتتشوش نظراتها بغيمة من دموعها وهي ترد بهمس يشبه همسه :
_يوم ما لبستهولي قلت لي إنه بدل اعتذار مش قادر تقدمه ..طول الوقت ده كنت قابلاه ومستنية اعتذارك الصح ..لكن بعد اللي عملته ليلتها ..حسيت إن اعتذارك زي مشاعرك زي الحلق ..كلهم لازم يفضلوا مستخبيين ..في الضلمة ..وأنا مش بتاعة ضلمة يا بيه ..
دموعها تهزمها في عبارتها الأخيرة فتشعر بقبضتيه تشتدان حول أذنيها لتهتف بانفعال أكبر :
_زي ما دفنت العشرة جنيه هادفن أي حاجة تحسسني بضعفي ..هارميها تحت رجلي كأني ما شفتهاش .
_أنا اللي دفنت العشرة جنيه ..مش انتِ!
يهمس بها بانفعال ثائر لتتسع عيناها وهي تفهم عبارته بمعناها الحقيقي ..
ليس بظاهر"المنّة" بل بكل ما صرخت به حروفه من احتواء ..
من انتماء ..
من تلاشٍ لكل ما يفصل بينهما فلا هي ولا هو ..بل هو كيان واحد يضمهما معاٌ !!
كأنه يصرخ بها دون كلمات وبكل ما أوتي من قوة أن جرحها هو جرحه وشفاؤه الوحيد لديه !
_انتِ عارفة إنك لسة في عدتك؟!
بنفس الهمس المشتعل يهز بها وجهها بين قبضتيه لتتسع عيناها في ارتياع قبل أن تغمضهما بقوة ..
تعلم أن لها -شرعاً- ما يسمى ب"عدة احترازية" استوجبها حدوث الخلوة بينهما وإن لم تمكنه من نفسها ..
لكنها كانت تتمنى لو لم ينتبه هو لمثل هذا!
_أنا ممكن بكلمة واحدة ..كلمة واحدة ..أرجعك وأرجع اللي بيننا زي الأول ..ومفيش قوة على الأرض هتمنعني عنك ..
جسدها يرتجف بترقب مع كل كلمة تقصف روحها بدلالتها ولايزال همسه المشتعل يفجر ألغامه بين ربوع روحها بينما يردف :
_هنا ..هنا في نفس المكان اللي نمتِ فيه في حضني وانتِ مطمنة ..نفس المكان اللي اعترفتيلي فيه بوجع سنين ما قلتيهوش لحد قبلي ..نفس المكان اللي دمي ساح فيه وانتِ شايفة فيّ صورة ما قدرتيش تنسيها إلا بيّ أنا ..كلمة واحدة أقولها ومش مانعني عنها غير حاجة واحدة بس ..إنك تستاهلي بداية جديدة في النور المرة دي ..بداية كل اللي كان مأخرني عنها إني ..إني ..
كلماته تنقطع بفيض انفعاله الجارف وقبضتيه تتحولان لكلابتين من فولاذ ناري حول أذنيها ..
فتكتم تأوهات ألمها لكنها تعجز عن منع المزيد من فيض دموعها وهي تشعر بهذه المواجهة أقسى المواجهات التي مرت عليهما معاً ..
تحس بجبينه يلاصق جبينها دون أن تتخلى قبضتاه عن أذنيها ..
فكأنما تنتقل لوعته منه إليها ..
تشعر بجسده ينتفض أمامها وكأنما يغالب كلاماً لا يريد البوح به ..
همسه المشتعل يخفت كثيراً ..يكاد لا يسمَع..
وبنبرة متعَبة ..مستنزفة ..راجية ..يهمس أخيراً:
_افهميها من غير كلام يا ياقوت ..لأني عمري ما هاقدر أقولها .
كبرياؤه لم يقف حاجزاً بينهما هذه المرة وهي تفهم كلماته كما أرادها حتى مع عجزه عن الاعتراف بخزيه ..
تتذكر يوم أخبرها عن كوابيسه بتلك المرأة التي تخفيها عنه خلف ظهرها ..
هو يستكثرها على نفسه بعد دنس خطيئته !
ياللمفارقة!
الآن تنقلب الأدوار!!
الآن يصير "جبلها" هو الأعلى بينما يقف هو على قمة جبله يرفع إليها رأسه باشتهاء!!
الآن يعترف -دون كلمات- أن عشقها هزم غروره !!
ورويداً رويداٌ تنزاح غشاوة "عقدتها القديمة"عن عينيها فتفهم سبب كل هذا الخوف الذي يملأه ..
أنه لا يجد نفسه جديراً بها بعدما جلدته سابق خطاياه !
يبتعد بوجهه أخيراً ليتأمل عينيها بهذا القرب ..
"قمراها السجينان" أخيراً ..
أخيراٌ يتحرران ..!!
يدوران في فلك دُرّيّ يبدأ وينتهي في سماء حدقتيه !!
لم يرَ عينيها يوماً بهذا الصفاء ..بهذا التألق ..وبهذا الحنان..
كأنما تغلق رموشها على قلبه فتعصمه من كل ما يوجعه !
أنامله المرتجفة تنحسر عن أذنيها لتطوف بوجنتيها وحديث العيون بينهما يغني عن الكلام ..
قبل أن يبعدها لتشعر ببعض الخيبة لكنها تفاجأ به يضمها في عناق قوي يوازي قوة جميع أشباهه السابقة مجتمعة ..
العناق الثامن عشر ..
بنكهة "الانتماء"..
بمذاق الهويّة التي صار يجدها كلاهما في صاحبه !
وبهذا "الإعلان" بالغ الصخب ..بالغ الكتمان ..أنه لها ..وهي له !
تشعر به يرفع ذقنها نحوه فتضطرب خفقاتها أكثر وهي ترى عينيه معلقتين بشفتيها ..
لكنه يغالب نفسه بعذاب بزغ بين نظراته وهو يبعدها عنه لينتقل العذاب لحروفه التي تأرجحت بين كبت وحزم:
_كل اللي حققته في حياتي في كفة ..وانتِ في كفة ..يوم ما أرفع إيدي في إيدك قدام الناس ساعتها بس هاعترف إني وصلت لأغلى حلم اتمنيته ..أنا مالقيتش معاكي حب ..أنا معاكي لقيت نفسي ..ومستحيل بعدها أضيعكم .
لا تزال اعترافات رجل مثله بالحب تبهرها!
تزلزلها وهي لا تجد لها شبيهاً في كل ما عرفته عن حكايا العاشقين!
ربما لأنه لا يتشبث ب"تقليدية" الكلمة بل بسحر رونقها المتجدد مع كل اعتراف ..
_أفتكر دلوقت مفيش سبب يخللي جدتك ترفض ..هتروحي النهارده وتكلميها ..
يقولها وهو يتناول وشاحها ليلفه حول وجهها ..
قمرا عيناها يتنفسان حريتهما بعبير قربه ووعده ..
وسراجا الشمس في عينيه يقسمان أمامها ألا شروق ولا غروب بعد اليوم إلا في سماء غرامها ...
يقترب بوجهه أكثر ليعانق ملامحها بنظراته ثم يزدرد ريقه ببصعوبة وهو يقاوم توقه الجارف إليها ..
يقبل رأسها بعمق كأنه يمنحها المزيد من اعتذاراته غير المنطوقة فتسبل جفنيها بخجل معلنة قبولها دون شرط ..
لكن صوت رنين جرس الباب المفاجئ يجفلها فتلتفت نحوه بتساؤل ..
لينعقد حاجباه وهو يتقدم فيفتحه ولم يكد يفعل حتى ازداد انعقاد حاجبيه وهو يميز هوية الطارق الغاضب ..
إسلام !
========
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الخمسون 50 - بقلم سينابون
القطعة الثامنة والعشرون
=======
_بسرعة يا عابد ..نفسي أشوفها ع الطبيعة بقا !
تهتف بها لجين بلهفة وهي تتحرك جواره في رواق الحرم المؤدي ل"الكعبة"..
قبل أن تتسع عيناها برهبة وهي تميز البناء المقدس الأسود يظهر لها أخيراً ..
تتوقف مكانها مأخوذة بسحر النظرة الأولى للكعبة وهي تشعر بالدموع تسيل من عينيها فجأة بتأثر ..
تقترب وتقترب ..
فلا يمكنها وصف هذا الشعور الذي يملأها
الآن ..
كأنها هاهنا ..هاهنا فقط ترى الأصل ..ترى البداية والنهاية ..
ترفع رأسها للسماء فتراها أكثر صفاء من أي مرة رأتها فيها ..
كأنها غير السماء التي أظلتها عمرها كله ..
تنظر تحت قدميها ..فتتباطأ خطواتها وهي تحك قدميها في الأرض حكّاٌ ..
يرتعد قلبها وهي تفكر ..
هاهنا ربما في مكان خطواتها بالضبط سار أطهر أهل الأرض !
جسدها يرتجف بقشعريرة عجيبة وهي تقترب وتقترب ..
الحجر الأسود !
تستلمه بيمناها كما علمها عابد ..تنحني
لأسفل كي تقبله فتشعر أن روحها تحلق
لأعلى ..
تكبّر ثم تبدأ طوافها ناظرة للسماء شاعرة أنها استبدلت روحها بأخرى ..أكثر خفة ..أكثر نقاء ..وطهراً ..
لا تدري أين اختفت كل هذه الأدعية التي ظل عابد يلقنها إياها ..
قلبها لم يكن يلهج إلا بدعوة واحدة ترددها دون تكلف ..
(اللهم إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ..فاكتبني ممن كسب نفسه وأهله)
تقولها فتذكر ثمر ..ياقوت ..إسلام ..هيثم ..وعابد !
يرتجف جسدها أكثر بالبكاء وحرارة دعائها تزداد مدركة قيمة النعمة التي شملتها بعد طول حرمان ..
"الأهل"!
تتم طوافها سبعاً لتستلم مقام إبراهيم فتصلي ركعتين خلفه ثم تعاود استلام الحجر الأسود لتبدأ بعدها السعي بين الصفا والمروة سبعاٌ ..
لتنهي مناسكها بتقصير شعرها هناك في غرفتها بالفندق الذي يقيمان فيه !
أمام مرآتها تقف مبتسمة وهي تراه خلفها قد حلق شعر رأسه كاملاً فتميل رأسها لتقول باستغراب:
_مش مصدقة إن كل حاجة خلصت بسرعة كده ..حاسة إني رحت دنيا غير الدنيا .
فابتسم بحنان وهو يقترب منها قائلاً بصوته العذب:
_مِن أصدق ما قرأته هذه المقولة : "قبل أن تأتي مكة عليك أن تعلم أنه يمكنك أن تغادرها متى شئت ولكن مكة لن تغادرك ..ستحزمها في حقيبة قلبك .. ستشعر بسعادة عارمة أنك قد سرقت مدينة ولكنك ستكتشف لاحقاً أن مكة هي التي سرقتك من نفسك "
_فعلاً ..ده اللي أنا حاساه بالظبط ..حاسة إني مش هارجع زي ما أنا قبل ما سافرت ..طول عمري بصلي وأقرا قرآن وأدعي زي ما علمتني ستي ثمر ..بس هنا ..هنا كل حاجة لها طعم تاني .
تقولها بتأثر فيكتنف كتفيها براحتيه ليرد :
_إنها الطاعة يا فضيّة عندما تلقي نورها في القلوب فلا تعادل لذتها لذة ..سبحان من قال في كتابه "والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم".
تتنهد بحرارة وهي تسند رأسها على كتفه شاعرة أنها تحررت من كل أوزارها ..
لكنها لا تزال تخشى انكشاف أمرها عنده !
ماذا لو علم عن سابق مرضها ؟!
ماذا لو انتكست وعادت ؟!
ماذا لو سببت له فضيحة لا تنسى؟!
ماذا لو تركها لتعود خاوية الكفين ؟!
ألف "ماذا لو" تكاد تسحق رأسها خوفاً وقلقاً !!
_أعرف منين إن ربنا بيحبني؟!
تسأله بتشتت فيربت على ظهرها ليرد بحنانه الممتزج بهيبة كلامه :
_يا حوريتي ..إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر أين أقامك ..أليس هو القائل في حديثه القدسي : من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة !
فترفع رأسها نحوه قائلة :
_بحب كلامك قوي ..عمري ما ارتحت في
كلام سمعته بعد كلام ستي ثمر إلا معاك .
يقبل جبينها بعمق فتتنهد بارتياح قبل أن تسأله بتردد :
_ممكن أسألك عن حاجة ولو اتضايقت ما تجاوبش .
فابتسم وهو يربت على وجنتها مطمئناً لتعاود سؤاله بارتباك :
_واحنا طالعين هنا الأوضة وقبل ما تفتح الباب حسيتك فجأة اتضايقت ووشك احمر ودخلتني هنا بسرعة ..أنا عملت حاجة غلط ؟!
فيمط شفتيه ليجيبها بضيق متذكراً ما حدث :
_الغرفة المقابلة كان بابها مفتوحاٌ والرجل فيها كان ينظر إليكِ .
تتسع عيناها بصدمة للحظة قبل أن تضحك ضحكة متفاجئة :
_انت بتغير عليّ؟!
فيعقد حاجبيه ليرد باستغراب:
_لماذا تتعجبين هكذا ؟!
_انت بتغير عليّ؟! بجد ؟!
تعاود سؤالها بضحكة أكثر تعجباً لكنها حملت إليه وجعاً لم يفهمه ..
خاصة وهي تغمض عينيها مع هزات رأسها المتتابعة كأنها لا تصدق ..
فاحتضن وجنتيها براحتيه لتضحك من جديد إنما بمرارة هذه المرة :
_كنت دايماً أضحك مع ستي ثمر وأقوللها إن الميزة الوحيدة اللي هياخدها الراجل اللي هيتجوزني إنه مش هيغير عليّ ..هيبقى مطمن إن مفيش حد غيره هيبصلي .
لكنه يهز رأسه ليعاود تقبيل جبينها بعمق هامساً :
_لا أدري من أين أتتكِ هذه الفكرة ولا لماذا تبخسين نفسك حقها بهذا الشكل .. أغار عليكِ لأنني أخشى أن يراكِ أحدهم كما أراكِ فيفتن بكِ كما فتنت !
تحمر وجنتاها بهذا الخجل الذي يزيد جمالها في عينيه وهي تشعر أنها قبله كانت فقيرة ..بل معدمة ..ليأتي هو فيزداد غناها به يوماً بعد يوم !
تتردد قليلاً لترفع إليه عينيها بسؤالها :
_انت عايزني ألبس النقاب ؟!
يبتسم دون رد مطرقاً برأسه لكنها تعاود السؤال بإلحاح:
_يعني انت شايفه فضل واللا فرض زي ما بيقولوا ؟!
فترتفع أنامله لتربت على رأسها وهو ينظر لعينيها قائلاً :
_لو كان فرضاً فأنتِ أولى بالطاعة ولو كان فضلاً فلا أظنكِ بزاهدة في الأجر .
ابتسامته تنتقل منه إليها وهي تتفحص
ملامحه النورانية بنظرة تزداد تقديراً يوماً بعد يوم ..
كيف كانوا يخوفونها من الزواج برجل ملتزم دينياً بزعم أنه سيعاملها كجارية ؟!
والآن تجده يعاملها كملكة حقيقية يفكر في حقوقها قبل حقوقه ولا يفرض عليها رأياً بل يناقشها ويقنعها ..
فنِعم المعطي ..ونعم العطيّة !
عيناها تلتمعان بمزيج من امتنان وحب حلّق فوق مقلتيها لتهمس له أخيراً:
_شكراً ع العمر الجديد اللي اتكتب لي معاك ..
ثم تحتضن كفيه براحتيها لتردف بابتسامة أكبر :
_هالبسه مش بس عشان أرضيك ..عشان كمان ستي ثمر كانت دايماٌ تقول لي "قيدوا النعم بالشكر" ..وانت نعمة كبيرة لازم أشكر ربنا عليها بكل طريقة .
فيرتفع حاجباه بحنان وهو يضمها نحوه بقوة هامساً :
_حوريتي أنتِ ! لا تزال دعوتي لكِ في كل صلاة ..أن تكوني زوجة الدنيا والآخرة .
======
_مش هيتحرك طول ما هو ضامن إنك في إيده ومستنياه ..
يهتف بها إسلام عبر الهاتف وهو يجلس على الأريكة في شقته عقب استماعه لتفاصيل ما حدث بين زين وياقوت لترد الأخيرة بانفعال :
_ده ما كدّبش خبر ! خمس دقايق بعد ما مشي من عندي ولقيت ستي بتكلمني بتقوللي إنه اتصل بيها .
_أوبا! وقالت له إيه ؟!
يقولها وهو يتحرك ليسند ركبته تحته في جلسته بوضع متحفز ليصله صوتها غارقاً في انفعالاته :
_الأول عزمها هي معايا قال إيه يعني بيشكرنا ع اللي عملناه مع همسة ..وستي طبعاً قالتله مش هتقدر تحضر عشان صحتها مش سامحة ..بس هو اتحجج بهمسة وقاللها حضوري هيسعدها ويأكد
علاجها فهي وافقت وقالتله بنفس طريقته مادام عشان علاج همسة ماشي بس انت تيجي معايا .
_حلووو! ده جالي في ملعبي يعني!
يهتف بها إسلام بحماس مع ضحكة رافقت استطراده :
_مش سهلة ستك ثمر دي ! زمانه بيطلع نار من ودانه دلوقت ..يبقى يفرجني بقا هيعمل إيه ليلتها وأنا رجلي على رجلك !
_انت بتهزر؟! احنا هنروح بجد ؟!
تسأله باستنكار ليرد وهو يعتدل في جلسته قائلاً :
_امال! ده احنا هنروح ونعمل أحلى شغل
..لازم يحس إنك قدام عينيه ومش قادر يطولك ..هتطنشيه انتِ خالص ولا كأنه موجود ..مش سعادته عازمك عشان أخته؟!
خلاص خلليكي انتِ مع همسة ..بس لازم نظبط "اللوك" بتاعك ليلتها ..عايزك تبقي قمر الحفلة كلها ..ماتشيليش همّ هاظبطلك أنا القصة دي .
_هَم إيه اللي أشيله ؟! أنا من غير حاجة قمر أصلاً !
تقولها باعتزازها المبالغ فيه ليمط شفتيه هاتفاً باستياء:
_طب اقفلي يا ملكة جمال العشوائيات دلوقت ! معايا مكالمة تانية ع "الويتينج" .
يغلق الاتصال معها لتتحول ملامحه لحنان خالص وهو يتلقى مكالمة إيناس:
_واحشاني يا "أنّا" ! ده هو يوم واحد بس اتشغلت معلش ..أصالحك بإيه ؟! أسطوانة جديدة لفريد الأطرش ! أظن دي ما يتقاللهاش لأ !
ضحكته العالية تصدح بعدها وهو يستمع لردها المبالغ في استحسانه ليهتف بعدها :
_أنا لو من عمو علاء ما أدخلش فريد ده البيت ..بس أنا أصيل ومش هافتن ..هه ..مش عايزة حاجة تانية أجيبهالك معايا ؟!
يتلقى ردها بصوتها الذي غلب حنانه مرحه
كالعادة وهي تطلب منه ألا يتأخر في زيارتها ليهتف ضاحكاً :
_أيوة طبعاً ..سيدنا غرقان في العسل وناسيكم وبتفشوا غلكم في الغلبان !
يقولها ليغلق الاتصال معها واعداً بزيارة قريبة ولم يكد يفعل حتى رن الهاتف من جديد برقم هيثم :
_إزيك يا ولد ؟! أخبار المزاج إيه ؟!
نبرته المازحة تمتزج بحنانه الأصيل ليردف باستنكار متوعد :
_بقى كنت عايز تخبي عليا انك خفيت لولا ياقوت الأصيلة عرفتني ؟! ده أنا هاعلقك من ودانك ..شكلك وحشتك ال"عُلَق" بتاعة زمان !
ضحكة هيثم المختنقة تقابله من الجانب
الآخر للاتصال فيتنهد إسلام مستشعراً لوعة شقيقه ليتحول صوته للجدية :
_أنا مش شايف لازمة للي بتعمله بس سايبك براحتك .
_انت رأيك إيه ؟! شايف إني ممكن أكمل معاها ؟!
_لأ!
يقولها إسلام قاطعة ليرد هيثم بتنهيدة حارقة من الجانب الآخر للاتصال فيستطرد
الأول بتفهم :
_الجواز مش حب وبس ..انت عارف إن ماما عايزة تبيع البيت ؟! متخيل جيلان هانم لما تضحي ببيتها العظيم ده معناه إيه ؟! عارف إنها رغم قلقها عليك مش قادرة تزورك وانت عندك ؟! هي ساكتة دلوقت عشان مصلحتك متعرفش إنك خلاص رجعت لك ذاكرتك ..لكن لما تعرف إنك خفيت مش هتقدر تستحمل الوضع ..
ثم صمت لحظة ليردف بحسم :
_ولا انت !
_عارف ..بس ..مش قادر أسيبها يا إسلام ..نظرة الرعب في عينيها لما بتفكر إني ممكن أسيبها بتقتلني .
نبرة هيثم الملتاعة تخز قلبه بصدقها ليغمغم بإشفاق:
_وبعدين؟! هتفضل عايش بتكدب على نفسك وعلى اللي حواليك ؟! محدش بيكمل عمره في كدبة يا هيثم !
صمت هيثم يقابله للحظات طالت قبل أن يقول بأسى:
_سيبها للوقت ..أكيد هاخد قرار ماهو مش هينفع فعلاً أفضل كده .
_هتشتغل معاها فعلاً في المحل ده ؟!
_أهه ..أجرب ..مش هاخسر حاجة !
يقولها هيثم بلامبالاة مصطنعة ليردف برجاء:
_بس ما تقولش لماما إني خفيت ..على
الأقل لحد ما أرسى على بر .
_ماشي ..بس ماينفعش الوضع يطول كده ..أنا عارف إن القرار صعب بس
لازم تاخده .
_حاضر .
يقولها هيثم بقنوط ليتنهد إسلام قائلاً بنبرة عاد إليها مرحها:
_وأنا معاك في أي قرار هتاخده زي زمان ..فاكر يا ولد واللا نسيت؟! ياما غطيت على مصايبك .
ضحكة هيثم الصافية من الجانب الآخر
للاتصال تجد صداها في قلبه هو خاصة
والأول يقول بامتنان :
_ده العشم يا كبير .
_ما تيجي أعدي عليك بالليل نلف شوية
بالعربية ..وبالمرة نشوف الماتش سوا على أي كافيه .
يغلق معه الاتصال بوعد بلقاء الليلة ليتنهد بارتياح وهو يهم بإلقاء الهاتف ليصدح الرنين من جديد فيهتف بصوت عال:
_ده ما بقاش بيت ده بقا سنترال ..
ثم يمط شفتيه بترقب وهو يرى اسم جيلان ليفتح الاتصال هاتفاً بمرح مبالغ فيه :
_والله ما نسيتك يا ست الكل ! انشغلت بس بفرح واحد صاحبي ..والله أبداً ..هاعدي عليكِ النهارده ..
كان يتحدث بمرح حنون محاولاً احتواء مشاعرها غافلاً عن تلك التي كانت متوارية خلف جدار المطبخ تراقبه من مكمنها بعينين متقدتين بعاطفة وليدة نحوه تجاهد للطفو على السطح ..
تعلم أنها مخطئة باستراق السمع لمحادثاته لكنها عجزت عن منع نفسها من اقتحام
عالمه ..
ألم يفعلها هو من قبل ؟!
لم تفهم أغلب مادارت حوله مكالماته لكن ما فهمته -وتعجبته- أنه يعني الكثير لكل من حوله ..
ياقوت ..إيناس وعلاء ..هيثم ..أمه ..وهاهو ذا يغلق الاتصال مع الأخيرة لتسمعه يهاتف لجين التي سافرت مع زوجها ..
كيف يمكنه أن يؤدي كل هذه الأدوار ببراعة خلف واجهته الهزلية التي تخدع من تراه بأنه لا يحمل هماً ؟!
كيف يمكن أن يتلون حنانه بكل الصفات ..؟!
الأخ ..الابن ..الصديق ..ولابنتها الأب ..
ولها هي ..
ماذا عساه يكون لها خلف بريق "الزوج" المتفهم ؟!
تراها تطمع أن تبادله عاطفته التي يحكي عنها ليكونا حقاً عاشقين ؟!
ابتسامة أمل تلون شفتيها ..ويذبحها خوفها !
إنها تخاف أن تقترب منه فيحول بينهما "الطيف اللعين" من جديد يصمها بالخيانة !
لقد شرحت خوفها هذا لياقوت وبررت به رغبتها بالابتعاد عنه -جسدياً- لكن الأخيرة نصحتها ..
_طول ما انتِ بتبعدي هتفضلي خايفة ..لازم تقربي وتفشلي مرة واتنين لحد ما تنجحي ..ولو على إسلام ما تخافيش هو متفهم وده شيئ نادر صراحة ..مش بقوللك كده عشان هو أخويا بس فعلياً صعب تلاقي راجل يتقبل وضع زي ده إلا لو بيحب بجد .
ابتسامتها تعود لشفتيها مع الخاطر الأخير وهي تعود لتتفحص ملامحه خلسة من خلف الجدار ..
يبتسم وهو يكتب شيئاً ما على هاتفه فتدرك أنه يراسل أحد أصدقائه ..لعله سيف !
ابتسامته ساحرة حقاً ..
"الطيف اللعين" يفرض نفسه من جديد في مقارنة اعتادتها وسأمتها ..
فتختفي ابتسامتها وهي تعقد حاجبيها بضيق هاربة من أفكارها ..
_بابا ..أنا صحيت ..شوف معايا "مولان" بقا !
صوت ريما الناعس بالخارج عقب استيقاظها لتوها يقاطع أفكارها فتطل برأسها من خلف جدار المطبخ لتهتف لها بصوت عادت إليه بعض الحيوية :
_بعمل "دوناتس"وجاية لكم .
عيناها تعلقت بعينيه للحظة وابتسامته تتلون بشيئ يخصها وحدها ..
مزيج من عبث وحنان و..حب!
ابتسامة ظلت تتخلل ذهنها وهي تعد لهم الحلوى بسرعة لتزينها كما تحب ريما بالسكر ..وكما يحب هو بالشيكولاتة البيضاء!
تحمل الطبق لتتوجه نحوهما بارتباك غذته نظراته المشتعلة لها كالعادة ..كأنما هي أول مرة يراها !
تجلس جواره فتجده يحرك ذراعه ليحتضن ريما فتتحفز في جلستها وهي تنتظر أن يفعل معها المثل ..
لكنه لم يفعل ..
كعهده مؤخراً ينتظر مبادرتها ليجزيها عن الواحدة ..عشراً!
تمد أناملها لتطعم الصغيرة قطعتها ..
ثم تتردد قليلاً قبل أن ترفع قطعته هو نحو فمه متحاشية لقاء نظراته ..
_أول مرة تأكلي بابا!
تهتف بها ريما بفرحة أشرقت لها
ملامحها ..وملامحه هو قبلها !
خاصة ووجنتاها تحمران كثيراً فيبتسم وهو يتفحص وجهها المطرق بمزيج من دهشة وهيام !
خجلها البريئ هذا يثير حيرته فلا يكاد يراها إلا بصورة مراهقة خجول تتعثر أولى خطواتها في الحب !
يراها ترفع القطعة من جديد نحو فمه ولاتزال تهرب بعينيها من عينيه فتلتمع نظراته بعبث وهو يتعمد ملامسة أناملها الممسكة
بالحلوى بشفتيه مستمتعاً بازدياد الحمرة في وجنتيها ..
صدق يوم شبهها ب"التين الشوكي" ..
الآن صار يوقن أي حلاوة تختفي خلف هذه القشرة الخادعة !
_مش هتاكلي يا ماما ؟!
_ماليش مزاج .
تقولها مجيبة الصغيرة وهي تضع الطبق جانباً فتعود ريما لتتابع الشاشة باهتمام فيما شردت هي ببصرها وهي تشعر بقربه يزيد ارتباكها ..
تتابع ذراعه الساكن جوارها خلسة تنتظر في كل لحظة أن يرفعه ليضمها نحوه كابنتها ..
لكنه لا يفعل ..
تسمع صوت ضحكته وتعليقاته للصغيرة فترفع عينيها نحو جانب وجهه خلسة ..
وبمنتهى البطء ودون أن تشعر أنها قد فعلت ..
كانت قد أسندت هي رأسها على كتفه !
تكتم أنفاسها للحظة وهي تلعن نفسها سراً ..
لأنها قد فعلتها ؟!
أم لأنها تخجل من فعلها ؟!
لا ..لا ..ستتراجع !
ترفع رأسها في نفس اللحظة التي مد هو فيه ذراعه أخيراً كي لا يمنحها سبيلاً للتراجع ..
يضمها نحوه فتضطرب خفقاتها بجنون ..
خاصة وهي تسمع همسه شديد الخفوت في أذنها :
_كنا قلنا الواحدة بعشرة ..صح؟!
تغمض عينيها بقوة محاولة استيعاب هذه الفوضى التي اكتسحتها وهي تشعر بشفتيه على جانب صدغها ووجنتها تترنحان
بقبلات متمهلة شديدة النعومة ..
عشرة ؟!
بل أكثر ..أكثر بكثير !
وكأنما قرأ ما بذهنها ليعود همسه شديد الخفوت يغازل أذنيها مستغلاً انشغال الصغيرة بما تراه :
_أنا كريم ..وانتِ تستاهلي!
يهمس بها وضغط ذراعه حولها يشتد بقوة تنتقل منه إليها فتجد الجرأة لترفع عينيها إليه ..
حمرة وجنتيها تصنع مع ابتسامتها إعصاراً يكتسحه لكنه لم يساوِ شيئاً أمام حركتها التالية وهي تحرك رأسها لتداعب "شامته" المميزة بأنفها بحركة بطيئة كأنما تطمئنه وتطمئن نفسها قبله ..
الآن تراه ..تراه هو !!
_ريما!
هتافه المفاجئ يكاد يوقف صدرها رعباً خاصة وهي تجده يبعدها بينما الصغيرة تلتفت إليه من انتباهها هاتفة :
_أيوة يا بابا ..بتزعق ليه ؟!
فيقف فجأة وهو يمسك كف نشوى في راحته مخاطباً الصغيرة بقوله بسرعة منفعلة :
_أنا ومامي عندنا ليكي مفاجأة ..اقعدي هنا مؤدبة لغاية ما نجهزهالك ..ماشي؟!
_ماشي!
هتفت بها ريما وهي تصفق بكفها ضاحكة ليسحب هو نشوى خلفه فيكاد يعدو بها نحو غرفته ولم يكد يدخل حتى أغلق الباب خلفهما ليسند ظهرها إليه فتكتم تأوهها بصعوبة ..
لم تعد تتعجب جرأته بل صارت بصورة ما تتوقعها !
تشعر بلهيب كفيه على خصرها فترفع عينيها إليه بتلك النظرة الآسرة ببراءتها ..
_قلبي بيسلم عليكي وبيقوللك ..عيدي المشهد الأخراني كده عشان آخر لقطة
مالحقتش أدقق فيها .
يهمس بها بنبرته العابثة فتكتم ضحكتها في صدره ..
جنة عشق يمنحها لها بين ذراعيه فتطأها قدماها بحذر ..
تذوب ..تشتعل ..تنصهر ..
لكنها لا تزال تخاف !
تتشبث ب"شارة التعريف" على عنقه ..
تجاهد لتحارب "الطيف اللعين" فتنتصر مرة ..
لكنها تنهزم أخيراً !
تبعده عنها لاهثة الأنفاس كأنها خاضت -لتوها- معركة قاسية قبل أن تطرق بوجهها لتغلبها دموع خيبتها ..وخزيها !
لكنه يضم رأسها لصدره بتفهم وهو يستعيد بدوره نصيحة ياقوت ..
_هي مش فاهمة نفسها ..ناصر في عينيها مش راجل ..ناصر صورة ورمز اتبنى في سنين ..صورة انت أكتر حد قرب من شبهها ..واحدة واحدة الصورة هتتغير بس المسألة محتاجة صبر ..وحب ..وانت عندك الاتنين!
يزفر بقوة محاولاً تمالك أنفاسه بدوره ككل مرة تخذله فيها ضلالاتها ..
لكنه لم يتعلق يوماً بنتيجة اختبار كما يفعل بامتحانه العسير هذا معها ..
يستعيد لذة كل امرأة نالها قبلها فلا يجد
مجالاً للمقارنة أصلاً!
وهج ابتسامتها وحده يكفي ليرجح كفتها بأي ميزان..فماذا بما هو أكثر؟!
لهذا رفع وجهها نحوه ليتحسس شفتيها بإبهامه محاولاً إضفاء المرح على همساته :
_عارفة يا "ست نشويات" انتِ؟! مسيري في يوم هاخلص منك القديم والجديد كله ..حسابك تقل ..وأنا في الحساب معنديش ياامّه ارحميني!
فتمتزج ابتسامتها بدموعها التي مسحتها بسرعة وهي تحاول مجاراته في مزاحه :
_ست نشويات؟! ده آخرك في الدلع يعني؟! لا شكلك خبرة في الستات فعلاً !
ضحكته القصيرة تمنحها سكينة تحتاجها حقاً في هذه اللحظة ..
خاصة مع "الغمزة الساحرة" حبيبتها التي رافقت همسه العابث:
_لا ده احنا بنسخن بس! كله بأوان يا "عسل"!
تتسع ابتسامتها وعيناها تتشربان ملامحه بنهَم كأنما تريد حقاً التشبع بها محاربة "طيفها اللعين" ..
تريد أن تحبه ..
تريد هذا حقاً بكل قوتها ..
فهل يستجيب الحب لما نريده ؟!
تهرب من خاطرها الأخير مستجمعة كل إرادتها لمقاومة هواجسها فتسأله وهي تشيح بوجهها :
_هنعمل إيه في ريما ؟! زمانها مستنية المفاجأة !
_مستعدين يا عسل!
يقولها ثم يجذبها من كفها نحو خزانة
ملابسه التي فتحها ليشير نحو قاعها هاتفاً بنفس المرح:
_عندي مخزون استراتيجي يلائم كل خططنا المستقبلية للمعارك المحتملة القادمة .
ابتسمت وهي تفهم ما يشير إليه لتلتفت نحوه هامسة :
_دماغك حلوة يا باشمهندس .
_ده أنا هابهرك ! اديني فرصتي بس .
امتنانها يمتزج بعاطفتها الوليدة نحوه في نظرة دافئة جعلته يتنهد ليقول أخيراً بجدية :
_ماما كلمتني من شوية عايزة تشوفك ..لسة مش مستعدة تزوريها؟!
فشحبت ملامحها قليلاً حتى بدت له على وشك الرفض ..
لكنها تناول كفها ليردف مطمئناً:
_ماما يمكن تبان مغرورة وكل همها المظاهر لكن الأزمة الأخيرة اللي مرينا بيها غيرتها كتير ..أنا واثق إنها هتحبك ..زي ما أنا حبيتك .
يالله !
كيف بكلمة واحدة منه أن تجعل ملامحها تتبدل من النقيض للنقيض ..
لم تكن أول مرة تسمع فيها اعترافه لكنه يسطع في روحها كل مرة ك"شمس"!
هل تفقد الشمس رونق شروقها مهما تجددت به الأيام؟!!
والجواب من جديد تحمله ابتسامتها مع هذه النظرة الآسرة في عينيها ..
نظرة امرأة تتعلم معه أبجدية الهوى من جديد ولا يعنيها أن تبدأ كتابتها من اليمين أو اليسار ..
من الأعلى أو الأسفل ..
مادامت الكلمات دوماً بينهما ..مفهومة !
=====
_امال فين ريما ؟!
تسأل جيلان بلطف كسا نبرتها وهي تجلس أمام إسلام ونشوى في بيت الأولى ليرد
إسلام بحذر وهو يحاول قراءة انفعالات نشوى:
_عند خالها .
_خسارة ..كان نفسي أشوفها ..أكيد جميلة زي مامتها .
لطفها المهذب كان يختلط بنظرة تفحص طويلة لنشوى لهذا ارتبكت الأخيرة نوعاً وهي ترد بابتسامة مهتزة :
_شكراً ..حضرتك أجمل .
هنا رفعت جيلان حاجبيها ببعض الدهشة وهي تعاود تفحص ملامحها ..
لم تتوقعها بهذا الشكل أبداً !
بسيطة الجمال ..عادية الأناقة ..متحفظة
الأسلوب ..
بعيدة تماماً عن المواصفات التي توقعتها
لامرأة يختارها ابنها بكل هذا الإصرار !!
لقد تنبأت أنها إما تكون باهرة الجمال أو لعوب تجيد صنوف الغنج والدلال لكن هذه تبدو متحفظة منغلقة تماماً على نفسها ..
ولو صدقت نفسها لاعترفت ..
امرأة كهذه تبدو وكأن ابنها هو الذي أوقع بها وليس العكس كما ظنت!!
_ممكن تسيبني مع عروستك لوحدنا شوية ؟!
تقولها لإسلام بنبرتها شبه الآمرة ليزداد
الارتباك في ملامح نشوى ويبدو التردد على وجه إسلام لكن جيلان أردفت بنبرة أكثر لطفاً:
_أوضتك ما وحشتكش ؟! اطلع اقعد فيها شوية والحق خبي مصايبك قبل ما مراتك تطلع وتشوفها .
فتصنع إسلام ضحكة قصيرة وهو ينهض ليمسك كف نشوى فيحتضنه بخفة بحركة داعمة مانحاً لها نظرة مطمئنة قبل أن ينحني ليقبل رأس أمه قائلاً بمرحه المعهود :
_أخبي عليها ليه ما اتدبست فيا واللي كان كان ؟! ما عادش فيها رجوع ..
ثم غمزها بخفة وهو يعتدل بجسده مردفاً :
_خفّي ع البنت يا جيجي ..مش أدك .
فابتسمت وهي تربت على ركبة نشوى لتميل رأسها بحركة استقراطية ناسبت قولها :
_اللي تخللي واحد زيك يحارب الدنيا كلها عشانها ما يتخافش عليها ..
بالعكس ..يتخاف منها .
ازدردت نشوى ريقها بتوتر وهي تشعر أنها بصدد اختبار ليست مستعدة له ..
نظرات حماتها نحوها ليست ودودة تماماً ولا تلومها كثيراً -في الواقع- مع ظروف زواجهما الأقرب للهزلية !
تراقب عيناها إسلام وهو يبتعد ليصعد نحو الطابق العلوي فيخفق قلبها بقوة وهي تشعر كعهدها في رغبتها بالهروب لشرفتها المغلقة ..
لكنها تتذكر نصيحة ياقوت فتغمض عينيها بقوة كأنما تستدعي كل صلابتها في موقف كهذا ..
تعاود فتح عينيها لتتفحص المكان حولها فتنتبه لفخامته الزائدة عن الحد ..
مستوى عالٍ من الرفاهية لم تحسبه سيكون هكذا ..
شعور طبيعي بالوهن يجتاحها وهي تنتبه لحقيقة الفارق الاجتماعي بينهما ..
لكنها تعود لتذكر نفسها ..كل هذه نقود من حرام !
الخاطر الأخير يزيد ضيقها لا العكس فتزفر زفرة مختنقة وهي تمسح قطرات عرق خفيفة على جبينها مدركة أن المرأة أمامها تضعها تحت مجهر ملاحظاتها ..
_مش هاكدب عليكِ وأقوللك إني راضية عن الجوازة دي ..حطي نفسك مكاني ..ابنك فجأة يتجوز عروسة كان رايح يحضر فرحها ! نكتة سخيفة ..خصوصاً لما تعرفي إنها مطلقة وعندها بنت صغيرة ..يعني حمل كبير قوي هو في غنى عنه .
تقولها جيلان بنبرتها الأستقراطية التي تمزج الاستعلاء بالتهذيب ..
فيمتقع وجه نشوى أكثر لكنها ترفع عينيها إليها مستعيدة طبيعتها "الشوكية" التي تنفعها في مواقف كهذه :
_هو اتقدم وعرض ..وأنا وافقت ..ابن حضرتك مش صغير ولا قاصر ..ده راجل عدى التلاتين وكان مؤخراً مستقل بحياته في تركيا ..يعني ..
تنقطع كلماتها عندما ترفع جيلان راحتها في وجهها بحركة بسيطة لتبتسم بقولها :
_بلاش الحوار ياخد الشكل العدائي ده ..انتِ ما سمعتنيش للآخر.
تأخذ نشوى نفساً عميقاً محاولة تمالك توترها بينما تتسع ابتسامة جيلان وهي تردف:
_انتِ مش أول عروسة يختارها وأرفضها ..بس انتِ أول واحدة يصرّ عليها بالشكل ده ..عشان كده الأيام اللي فاتت كلها بحاول أفكر إيه اللي يخللي إسلام يعمل كده ؟! واحد زيه لف ودار وعرف بنات كتير هنا وفي تركيا ..اشمعنا انتِ بالذات اللي تخلليه يتحدى الدنيا عشانك بالشكل ده ..سؤال حيرني بس النهارده ..عرفت إجابته .
ترفع نشوى إليها عينيها بحذر فتغيم عينا جيلان بنظرة أكثر عاطفية وهي تردف بشرود :
_من زمان ما شفتوش صافي كده زي النهارده ..يمكن من قبل ما يسافر تركيا ..صحيح هو دايماً بيهزر ويضحك بس كنت بحسه بيعملها من ورا قلبه ..النهارده أول مرة من فترة طويلة أحس إن ابتسامته هي هي بتاعة زمان ..
ثم تعود ببصرها نحو نشوى التي كانت ترمقها بنظرة مندهشة لتكمل:
_ماتستغربيش ..الأم بس هي اللي تقدر تفهم حاجة بسيطة زي دي ..إسلام معاكِ رجعت له روحه القديمة ..وده ماكانش هيحصل لولا إنه فعلاً ..بيحبك .
اعترافها لم يحمل ضغينة بقدر ما حمل تقديراً !
ربما لهذا لانت ملامح نشوى كثيراً لكنها لم تدرِ بماذا ترد ..
حديثها مع جيلان يختلف كثيراً عن مثله مع إيناس ..
كلاهما أم ..إنما بطريقتها !!
صحيحٌ أن الثانية أكثر بساطة ورقّة ..لكن هذه تبدو أكثر دراية بابنها كأم حقيقية ..
خاصة وقناعها المتعالي يتشقق لتبرز تحته ملامح مأساتها عبر شرود قولها :
_عارفة ..من أقل من سنة البيت ده كان عامل إزاي ؟! النهارده أنا عايزة أبيعه ..ما بقيتش عايزة أتحسر ع اللي فات أد ما بقيت بتمنى ألحق اللي جاي ..
ثم مدت أناملها تتحسس قلادة عنقها ب"
"صورة ولديها" المعلقة فيها مردفة :
_عايزة ولادي يفرحوا وينسوا ..يبتدوا صفحة جديدة نضيفة من غير رواسب من الماضي ..عشان كده فرحت لما شفت نظرة إسلام ليكي النهارده ..وفرحت أكتر لما افتكرت اللي سمعته عن اللي عملتيه مع أخوكي ..وقفتك جنبه وإنقاذك لمصنعه ..
إسلام فعلاً محتاج واحدة زيك في حياته دلوقت ..واحدة تسنده وتفهمه .
تقولها لتعاود التربيت على ركبة نشوى التي دمعت عيناها وهي لا تجد رداٌ ..
حديث المرأة انتهى عكس ما بدأ به تماماً ..
وها هي ذي تتلقى مباركتها مباشرة مع "هديتها" التي التقطتها من جوارها بخفة لتلفها حول عنق نشوى قائلة :
_أنا بعتز قوي بصور ولادي ..دي سلسلة فيها صورة إسلام ..اعتبريها هدية جوازكم ..
تقولها بصوت متهدج لتقبل جبينها مردفة :
_مبروك ..ولو إنها متأخرة .
فيرتجف جسد نشوى بانفعالها وكلماتها تترنح على شفتيها برد متحفظ يفتقد كثيراً للباقة ..
لكن جيلان رمقتها بنظرة متفحصة طويلة لتقول لها بهدوء:
_أقوللك حاجة وتصدقيني؟! قبل ما تيجي كنت محضرة لك سؤال مهم أفتكر أي أم مكاني كانت هتسأله ..إيه اللي يخللي ناصر يسيبك يوم الفرح بالشكل المهين ده !
تعود ملامح نشوى لشحوبها وهي تشعر بخزي الطعنة القديمة لايزال ينزف بين ضلوعها ..
لكن جيلان هزت رأسها لتمسك بكتفي نشوى قائلة :
_بس خلاص ما عدتش عايزة أعرف إجابة ..هو خسر وابني كسب .
هنا انخرطت نشوى فجأة في بكاء انفعالي وقد شعرت أن هذه المقابلة رغم سلامها الظاهري لكنها تعيدها وسط حلبة قتالها الخاصة ..
فضمتها جيلان لصدرها لتربت على ظهرها قائلة :
_ماقصدتش أضايقك بس أنا حبيت أكون صريحة معاكي في كل حاجة ..من ساعة موضوع حسين وأنا عرفت قيمة الوضوح ..يمكن بيجرح ساعات بس أرحم ما نعيش مخدوعين بأوهام مالهاش أساس .
رفعت نشوى عينيها إليها وهي تمسح الدموع عنهما لتحاول رؤية المرأة من زاويتها الخاصة ..
امرأة مغدورة عاشت عمرها تحت ظل غيمة من وهم ..
لم تمطر عليها سوى ضلالات خادعة !!
لهذا انقلب شعورها بالتحفز نحوها لتعاطف حقيقي وهي تمنحها ابتسامة كبيرة جعلت جيلان تضحك وهي تشير للأعلى قائلة :
_اطلعي بقا لجوزك عشان زمانه قلقان ..وامسحي عينيكي عشان ما يقولش إني زعلتك ..أول مرة أجرب شعور الحما ومش عايزة أطلع زي ما بيقولوا عنهم .
فتضحك نشوى وهي تعاود مسح وجهها شاعرة أن المرأة وجدت مكانها في قلبها حقاً ..
ربما لأن واجهتها الأرستقراطية المتعالية تشبه قناعها هي الشوكي ..
مجرد قشرة خادعة تخفي خلفها وهن أنوثة طبيعي ..
وربما لأنها بكلماتها الداعمة منحتها المزيد من الثقة في نفسها وهو ما تحتاجه هذه
الآونة حقاً ..
وربما فقط ..لأنها أمه !!
أجل ..هي صارت تأنس بكل ما يقترب إليه بِصِلة ..فما الحال بوالدته ؟!!
لهذا وقفت مكانها ثم عادت تنحني لتقبل رأس جيلان بحركة كفتها الكلام قبل أن تتحرك بخطوات حذرة نحو الدرج المؤدي للطابق العلوي ..
الفخامة الفائقة للمكان تعاود ملأها ببعض الرهبة خاصة وهي تجد نفسها في رواق طويل لا تدري أين تقع غرفته ..
لكنها تراه أخيراً يقف منتظراً إياها عند الباب ولم يكد يلمحها حتى هرع إليها ليتفحص
ملامحها هامساً بقلق:
_قالت حاجة ضايقتك ؟! تحبي نمشي؟!
لكنها هزت رأسها نفياً لتمنحه ابتسامة رقيقة جعلت ملامحه ترتخي وهو يجذبها من كفها نحو غرفته التي أغلق بابها خلفهما هاتفاً بنبرة عاد إليها مرحها :
_حيث كده بقا ..اتفضلي شرّفي أوضتي المتواضعة .
_مش متواضعة ..خاالص!
تقولها وهي تهز رأسها متفحصة الغرفة التي لم تقل فخامة عن بقية البيت إنما بلمسته هو "المجنونة "..
_ذكرياتي كلها هنا ..سابوها زي ما كانت قبل ما أسافر ..شرايط عمرو دياب ومحمد منير القديمة ..عجلة الأيروبيكس ..ال"كورنر" ده كنت بلعب فيه ملاكمة ..تخيلي ..أنا ألعب
ملاكمة ؟!!
تضحك ضحكة عالية وهي ترى الكتلة المعلقة بحبل هناك حيث يشير فيهتف باستنكار مصطنع وهو يضم قبضته :
_ضحكتك قوي دي؟! تحبي تشوفي بنفسك ؟!
_لا لا لا ..صادق صادق!
تقولها وهي تبسط راحتيها في وجهه
بملامحها التي أشرقت بنور حقيقي انعكس على قلبه هو الآخر ..
فبدا كطفل مبتهج وهو ينحني على ركبتيه لينظر تحت الفراش ثم يستخرج حقيبة كبيرة فتحها أمامها ليجلس متربعاً ثم أشار إليها لتجلس جواره قبل أن يشرع في تفحص محتويات حقيبته ..
_ده صندوقي الأسود ..دي صوري وأنا صغير على مدار أعوام الطفولة والمراهقة والشباب ..جيلان هانم بتقدس الصور ..
يقولها وهو يتصفح معها بعض الألبومات لتبتسم بعاطفة حقيقية وهي تشاركه هذا الجزء من ذكرياته ..
قبل أن يضع ما بيده جانباٌ ليعاود تفحص ما بالحقيبة :
_وبقية ذكريات مراهقتي وشبابي ..قمصان مشجرة موضة التسعينات ..آه والله كنت بلبس الحاجات دي مش عارف إزاي ..كوتشي أميجو بينوّر ..برفاناتي القديمة على رأسها "ون مان شو" ..مجلات العربي الصغير ..و..صور ل"سيلين ديون"..كراش الطفولة والصبا ..سيبك من بقية الصور عشان هتتكسفي ..ركزي مع دول ..شوية شرايط لعمرو خالد ..آه ماهو مش كله هلس يعني !
لم تنقطع ضحكاتها القصيرة وهي تسمع
ملاحظاته عن مقتنياته التي أعادت لها "عمراً"!!
معظم هذه الأشياء تشاركها هذا الجيل بتفاصيل مشابهة ..
لو كان لأشرف أن يحتفظ بذكريات كهذه لما اختلفت كثيراً ..
إنها تشعر الآن معه وكأنه أعادها لتلك الحقبة ..
ورغماً عنها وجدت نفسها تستعيد ذكريات مراهقتها مع أشرف بينما كانا صغاراً ..
أشرف ؟!
فقط ؟؟!
_وده جاكي شان ..غني عن التعريف طبعاً ..البنات كانت بتحب أميتاب باتشان وأجازة العيد كانت بتضيع قدام
أفلامه ..بس احنا كنا بنحب ..
كلماته تتشوش في أذنيها والصورة التي رفعها للممثل الشهير تلطمها بذكرى ل"ناصر"!!
تذكر أحاديثه مع أشرف والتي كانت هي تتصنت إليها فتعرف أنه كان شديد الإعجاب به وقتها هو الآخر ..
تذكر أنها بعدها اشترت صورة كبيرة لذاك الممثل وعلقتها في غرفتها ..لم تكن تراه هو بل كانت ترى ناصر في صورته ..مثالاً للقوة والجرأة ..والحب!
_سرحتي في إيه ؟!
تشهق بعنف كأنه ضبطها متلبسة بجريمتها!
فتشحب ملامحها للحظات ليفاجأ بها تتحرك نحوه ..
تتلمس "وحمته" بأناملها كأنما تستمد منها عصمتها ..!!
تلهث وسط كلماتها التي بدت له انفعالية أكثر مما ينبغي :
_أنا مبسوطة قوي إني شفت أوضتك النهارده ..وصورك كمان حلوة قوي ..مامتك كمان كويسة جداً ..شكلها طيبة ..و ..و ..
كلماتها اللاهثة تتقطع بالمزيد من الارتباك الذي فضح له خبيئتها !!
حدسه يخبره بسبب ارتباكها هذا خاصة مع إصرارها على تلمس شامته كأنها تحتمي به هو من ذكرياتها !!
يعقد حاجبيه لأول وهلة بيأس والقنوط يوسوس إليه أنه لن يصل معها أبداً لمحطة تواصل ..
لكنه يتذكر نصيحة ياقوت ..
_لو حسيت إنها سرحت في الماضي وهي معاك خلليها تركز في حاجة تانية تخصك انت ..انت وهي وبس ..
فيتنحنح ليقف مكانه ويوقفها معه ثم يحيط خصرها بكفيه ليغرس نظراته في عينيها هامساٌ :
_فاكرة أول مرة اتقابلنا ..أنا كنت لابس إيه ؟!
أنفاسها تهدأ رويداً رويداً وهي تعود لشرودها إنما فيه هو هذه المرة !
يبتسم وهو يسمعها تهمس عبر شرودها :
_قميص كاروهات أبيض في إسود ..وبنطلون جينز بلو بلاك..و..كوتشي ..أحمر!
_ما انتِ كنتِ مركزة معايا اهه ! امال كنتِ عاملة لي فيها "عبده موتة" يومها ليه ؟!
يقولها وهو يقرص وجنتها بخفة لتكتم ضحكتها الخجول في كتفه هامسة :
_صدقني ما افتكرتش غير لما سألت ..أنا في الغالب ذاكرتي ضعيفة جداً .
_انتِ بقا كنتِ لابسة نفس القميص ده ..صح؟!
ترفع وجهها نحوه بإيماءة موافقة ليردف وهو يبتعد برأسه متفحصاً جسدها بنظراته :
_بس كنتِ أتخن من كده ..الزرارين دول دلوقت مقفولين بالمرتاح ..لكن يومها كان فيه بينهم مسافة ظريفة مفتوحة شوية توحي بعِظَم المستور !
تشهق بمزيج من دهشة وخجل وهي تضع يدها عفوياً على مقدمة قميصها هاتفة :
_وانت خدت بالك يومها ؟!
_عيب يا عسل!
يهمس بها مؤكداٌ بإيماءة رأس مع غمزة ساحرة ليردف مستمتعاً بالمزيد من التواقح:
_اللي زيك المفروض أصلاً ما يلبسش قمصان ..فيه تناقض بين وفرة الموارد المتاحة وكثافة القماش بينتج عنه "ثغرة" يصعب تجاهلها ..آه!
يتأوه ضاحكاً وهو يراها تلكمه في كتفه هامسة بغيظ:
_انت فظيع بجد ! كارثة !
_بس كارثة حلوة ..
يهمس بها وهو يضم جسدها نحوه أكثر مردفاً بنبرة عابثة :
_ودمها خفيف ..وتتحب والله ..بس انتِ قدمي السبت ..وكل أيام الأسبوع تلاقيها تحت رجليكي .
تكتم ضحكتها في صدره وهي تشعر بدقات قلبها تشبه قرع الطبول ..
جرأته الوقحة لم تعد تثير ضيقها بقدر ما تشعر أنها تحبها ..تحتاجها ..
ترمم بها شروخ أنوثتها التي تصدعت حصونها ..
تشعر به يزيح عنها وشاحها لتتخلل أنامله خصلات شعرها مع همسه :
_في الأوضة دي ياما حلمت
بالأميرة ..رسمت ألف صورة وصورة ..مرة شقرا ومرة سمرا ..مرة طويلة ومرة قصيرة ..مرة مصرية ومرة شامية ومرة أجنبية ..بس حبيبتي طلعت أجمل بكتير من كل الصور .
تتأوه بخفوت وجسدها يرتجف كعهدها مع كل "اعتراف بالحب" تتلقفه منه روحها بهذا الصدق ليبذر مكانه شجراً من نور ..
فترفع أناملها نحو "شارة أمانها" على عنقه و"شارة بدايته" هو كما يراها ..
تغمض عينيها مستسلمة لطوفان عاطفته وهي تشعر أنها تذوب فيه بكل جوارحها ..
معه لا يمر الزمن كما اعتادت بل تعدو الxxxxب مهرولة في طوافها كأنما تذكرها بقيمة العمر المسكوب على صحاري الماضي!
معه لا ترى نفسها كما اعتادت بل تقترض عينيه لتبصر بهما صورة شديدة الحلاوة ما ظنت نفسها يوماً تملكها !
معه لا تشعر بجسدها كما اعتادت بل تفاجأ به في كل مرة يتراقص بنغمة متجددة كأنما يملك عصا الساحر القديرة على إبهار مسارحها كلها !
معه تكتشف أخرى جديدة ..هي هي ..وأبعد عن أن تكون هي!
لكنها تتذكر والدته فتهتف فجأة بينما تبعده عن جنون ما يفعله :
_مامتك !..احنا نسينا نفسنا هنا ..زمانها بتقول علينا إيه ؟!
تقولها وهي تنحني لتلتقط وشاحها قبل أن تهرع نحو المرآة المقابلة لتعدل وضع
ملابسها وترتدي وشاحها ..
لكنها تنتبه له خلفها يلاحقها بنظراته عبر المرآة وابتسامة غريبة تظلل شفتيه ..
توجه نحوه نظرة متسائلة عبر المرآة لتشعر به يقترب منها ببطء ليحتضن خصرها من الخلف هامساً :
_المرة دي "توقف البثّ" عشان ماما بس !
تلتفت نحوه بحدة والإدراك الأخير يصدمها !
إنها المرة الأولى التي لا يتدخل فيها "الطيف اللعين" في علاقتهما الخاصة !!
هل هذا حقيقي ؟!!
صدمتها تزيد من عمق ابتسامته وهو يوقن من صحة شعوره فيتلمس وجنتها بأنامله وهو يشدد ضغط ذراعه الآخر حولها ثم يغمزها هامساً :
_طول عمري أقول الأوضة دي مبروكة وفيها شيئ لله..ده أنا كده أقنع الوالدة باشا ما تبيعش البيت بقا .
تبتسم بخجل وعيناها تعاودان تفحص
ملامحه بهذه "النظرة الآسرة " خاصتها لتمنحه للغد ألف أمل وأمل ..
_العب! إيه ده بقا ده بقا ده ؟! السلسلة دي من "الوالدة باشا"!
يهتف بها بمرحه المعهود الذي خالطه وهج عاطفة حقيقية وهو ينتبه للقلادة التي حملت صورته على جيدها ..
لتبتسم وهي تتلمسها بخجل قائلة :
_لسه واخد بالك دلوقت ؟!
فيغمزها وهو يقرص وجنتها هامساً:
_كنت مركز في الأهم .
تهز رأسها بيأس من وقاحته فيصمت قليلاً ..
ثم يتنهد بعمق وهو يديرها نحوه متلمساً
قلادتها بأنامله مع همسه الجاد :
_ماكنتش عايزك تلبسيها دلوقت ..ع الأقل لحد ما أحس إنك انتِ اللي عايزة تلبسيها .
تدمع عيناها بشعورها المعهود بالذنب وهي لا تدري بماذا ترد ..
تخاف أن تبوح فتكذب ..
أو تداري ..فتخون ..
لكنها بين هذا وذاك وجدت نفسها تتمتم بصدق:
_أنا ..عايزة ألبسها .
يرتفع حاجباه للحظة وعيناه تتفحصان
ملامحها يحاول قراءة ما تخفيه ..
قبل أن تلتوي شفتاه بابتسامة ماكرة وهو يعود لتواقحه العابث:
_شرف لينا يا فندم ..مش هنلاقي لصورتنا الموقرة مكان استراتيجي أحسن من كده ..
تلطم خدها برفق كاتمة شهقة خجلها بينما هو يردف مستمتعاً بردة فعلها:
_بس بقول نطول السلسلة شوية ..تكون ..
تكتم شفتيه بقبضتها مقاطعة بقية عبارته وهي ترمقه بنظرة مغتاظة فيعضّ باطن كفها لتبعده بسرعة وصوت ضحكاته يثير غيظها ..
و ما هو أكثر !
======
_كلمها انت يا ناصر ..محدش فينا قادر عليها ..حتى والدها غلب معاها .
تغلق بها أمها الاتصال ليزفر ناصر بحنق وهو يقود سيارته نحو ذاك النادي الذي وصفته له أمها حيث يفترض أن تحضر سها هناك ذاك الحفل الراقص ..
تباً !
أما لجنونها هذا من آخر؟!
لقد ظن الأيام كفيلة بإثنائها عن هذا الغباء الذي تصر أن تنساق نحوه بمنتهى
الاستسلام ..
لكن هاهي ذي لا يزيدها الوقت إلا عناداً !!
لقد اعتذر لها عشرات المرات ..
لم يعد يذكر عدد تلك الليالي التي ذهب فيها إليها يرجوها العودة إليه فلا يزيدها هذا إلا إصراراً !
لم يعد يفهمها حقاً !
لماذا تفعل به وبنفسها هذا ؟!
لماذا تصر أن يضيع العمر في هذه الترهات ؟!
هل هو عقابها كي تضمن ألا يكررها؟!
وهل كانت فكرته هو من البداية ؟! ألم تكن هي من اقترح وأصر!!
يلمح بوابة النادي فيزداد انعقاد حاجبيه وهو يميز الزحام ..
هي لم تكن تذهب يوماً لمكان دونه ..
كانت تشاطره كل أوقاتها كما كان يشاطرها كل أوقاته !
الخاطر الأخير يجعل عينيه تدمعان اشتياقاً وهو يشعر برأسه يكاد ينفجر ..
يتجاوز بوابة النادي نحو تلك القاعة المخصصة للحفل ..أحد الحراس يستوقفه لكنه يتغاضى عن هذا مكتفياً بشارة وظيفته الملصقة على السيارة ..
يترجل من السيارة وخطواته العاصفة تفضح هذا البركان بداخله ..
صوت الموسيقا الصاخبة من الداخل يفجر المزيد من الألغام بداخله فيتجاوز الحشود باحثاً عنها حتى يجدها هناك ..
على منصة المسرح تراقص أحدهم بدلال متكلف وقد بدت له غريبة حقاً بتبرجها المغالي وذاك الثوب المكشوف الذي ترتديه ..
الدم يغلي في عروقه وهو يغالب الزحام ليصل إليها ..
وفي مكانها كانت هي تغلق عينيها بقوة سامحة لهذه الألحان الصاخبة أن تدق عنق مشاعرها دقاً !
حركات جسدها أقرب ما تكون للجنون لكنها كانت تشعر أنها تريد الانتفاض
..التمرد على كل شيء وأي شيئ..
تراه في كل صورة حولها ..
تسمع صوته يرجوها العودة ..
تلعن قلبها وهو يستحلفها أن تستجيب ..
ستفعل !
لكن ليس بعد !
ليس قبل أن تذيقه ما ذاقته !!
تعلم أن الفراق يقتله كما يقتلها لكنها تتلذذ برؤية عذابه في عينيه ..
لعله يطفئ نيران خيبتها فيه تلك الليلة التي ذبحها فيها وتركها بدم بارد ليذهب لأخرى ..
لن تصفح ..لن تغفر ..مهما كانت المبررات !!
تفتح عينيها أخيراً وهي تشعر بذراع صلبة تشدها لتشهق بعنف وهي تجده أمامها ..
عيناه مشتعلتان بغضب احمرّ له وجهه بينما عيناها الخائنتان كقلبها تجريان على
ملامحه بمزيج نادر من اشتياق وقسوة ..
تكتم صرختها وهي تحاول مقاومته بينما يتحرك بها ليغادرا المنصة حول العيون المحدقة فيهما بفضول ..
تحاول تثبيت قدميها في الأرض بعناد لكنه يستدير فجأة ليحملها من خصرها عنوة ويتحرك بها نحو سيارته ..
وجهها يحمر حرجاً وهي تقاومه بين صرخاتها القصيرة فيحاول البعض التدخل لكنه يصرخ بهم بحدة :
_دي مراتي ..محدش يقرب!
تلكمه بقبضتيها في مزيج من حرج وقهر فيضطر لإنزالها أرضاً ..
لكنه يجرها جراً نحو سيارته القريبة التي فتحها ليدفعها داخلها بعنف ثم يستدير فيستقلها جوارها وينطلق بها هارباً من هذا الجحيم ..
_إيه اللي انت عملته ده ؟! انت خلاص اتجننت !
تصرخ بها بحدة وهي تلوح بكفيها ليلتفت نحوها صارخاً بدوره :
_أنا اللي اتجننت ؟! واللا انتِ ؟! إيه اللي بتهببيه ده ؟! إيه اللبس ده والتصرفات دي ؟!
_ولسه ياما هاعمل يا ناصر !! كل يوم هاعمللك فضيحة لحد ما تطلقني !
تصرخ بها بعناد ليوقف السيارة فجأة على جانب الطريق المظلم فتطلق صريراً مزعجاً ثم يلتفت نحوها ليعتصر ذراعيها بقبضتيه هاتفاً بإصرار:
_مش هاطلقك ..لو حكمت إني أحبسك في بيتنا لحد ما دماغك تتظبط هاعملها !
_يبقى لسه ما تعرفنيش يا ناصر! مفيش قوة في الدنيا هترجعني ليك لو أنا مش عايزة !
عيناها تشتعلان بعناد يشبه عناده فتتناحر النظرات للحظات ..
قبل أن تتدخل خفقات القلوب فتفرض نفسها بينهما ..
يقترب الوجهان دون أن يدري أحدهما من الذي يفعلها بالضبط ..
شفتاها ترتجفان بمزيج من غضب واشتياق فتتعلق بهما عيناه للحظة قبل أن يضمها نحوه في لقاء عاصف زاد من اشتعالهما معاٌ ..
افتقدها !!
افتقدها حد الجنون !!
كيف ظن يوماً أن قربها ينقصه المزيد ؟!!
هي وحدها الكمال الذي يرتجيه !!
يكاد يعتصرها بين ذراعيه كأنما يذيقها من جحيم ضلوعه ما يثنيها عن هذا الجنون الذي اجتاحها لكنها تدفعه أخيراً لتسيل دموعها من عينيها غزيرة مع شهقات بكائها :
_عارفة إني وحشتك والبيت من غيري مش بيت ..عارفة إنك بتستنى أرجع لك النهارده قبل بكرة ..عارفة أد إيه بتتعذب من غيري وبدعي من قلبي تتعذب أكتر وأكتر ..جرب تخاف تخسرني زي ما أنا جربت..اسهر قلقان من غيري زي ما أنا سهرت ..اتخيلني في حضن واحد غيرك زي ما أنا اتخيلت..
كلماتها تنقطع براحته التي كتمت شفتيها تمنعها التفوه بالمزيد وهي تشعر بجسده ينتفض بغضب كما لم يفعل من قبل ..
لكنها لم تكن أقل منه غضباً وهي تسمع صياحه المشتعل بين أنفاسه اللاهثة :
_مفيش فايدة ! لسة مصممة تعيشي دور الضحية وناسية إن الغلط كان مشترك بيننا ..مش شايفة غير جرحك انتِ وبس!
فتحرر وجهها منه لتشيح به هاتفة بعناد مغيظ :
_فعلاً مفيش فايدة ..انت كنت عايز كل حاجة وخسرت كل حاجة ..وأنا أكبر خسايرك .
تقولها لتفتح الباب جوارها بسرعة فيجذب ذراعها بعنف نحوه مانعاً إياها من المغادرة لكنها تلتفت نحوه هاتفة بنبرة مهددة :
_كفاية فضايح كده الليلة دي ..سيبني أنزل بدل ما أوريك الجنان اللي على أصوله .
تقولها ثم تنتزع ذراعها منه بعنف لتغادر السيارة صافقة بابها خلفها بعنف قبل أن تشير لسيارة أجرة قادمة فتستقلها بسرعة تحت نظراته العاصفة والتي تحولت ليأس رهيب وهو يتبعها بسيارته من الخلف عاجزاً عن فعل المزيد ..
كل يوم يمر يرتفع فيه ألف حاجز بينهما ..
عنادها يوازي عجزه فأين المفر؟!
يأخذ عدة أنفاس متتابعة وهو يفكر بينما يلمح رأسها عبر زجاج سيارتها الخلفي وقد أطرقت به ..
يكاد يقسم أنها تبكي ..
ماذا عساه يصنع كي يستعيدها ؟!
كي يمنعها من هذا الجنون الذي يعصف بها يوماً بعد يوم ؟!!
هل يطلقها؟!
هل يكون هذا هو الحل ؟!!
قبضة خانقة تعتصر قلبه مع الخاطر الأخير وجواب النفي يكتسح حناياه دون رحمة ..
فلتزهق روحه قبل أن يفعلها بنفسه ..
أبداً ..لن يفعلها أبداً !!
أفكاره تنقطع أخيراً وهو يرى السيارة تتوقف بها أمام بيت والدها فيقف مكانه بدوره ..
يراها تختلس نظرة جانبية نحوه قبل أن ترفع رأسها لتتحرك نحو البيت بأنف مرفوع لكنه كان يعلم أن روحها متهدلة الكتفين منتكسة الرأس !
يظل واقفاً مكانه لدقائق لم يدرِ عددها ..يراقب نافذتها التي أضاءت لبضع دقائق قبل أن تظلم تماماً ..
كروحه الآن!!
يزفر بمزيد من سخط وعجز وهو يتناول هاتفه ليتصل بوالده لكنه كالعادة يرفض الرد !
بل يرفض كل محاولاته لإرضائه إلا بالرضوخ لزيجة ثانية !!
يتحرك بالسيارة ليدور بها دون هدف في الشوارع قبل أن يستقر بها أخيراٌ أمام بيته الذي صار كئيباً موحشاً ..
رنين هاتفه يصدح فيتناوله بلهفة متوقعاً مكالمة منها أو من أبيه لكنه يجده مديره في العمل ..
_مابقيتش عاجبني ..ماعدتش مركز زي زمان ..حسدناك من ساعة عملية حسين رجائي واللا إيه ؟!
يقولها الرجل بمزيج من تقريع وأسف ليرد هو باعتذار سريع فيردف الرجل بحزم :
_بكرة الصبح عايزك على مكتبك م النجمة ..العملية الجديدة مش سهلة وعايزة تركيزك كله .
_تحت أمرك يا فندم.
يقولها صاغراً ليغلق الاتصال ثم يلقي هاتفه جانباً ليمسح وجهه بكفيه ..
هاهو ذا رئيسه في العمل يشكو منه كذلك ..
ما الذي بقي في عالمه لم ينهَر بعد ؟!
========
_وحشتني يا طيب!
يستيقظ على همسها صباحاً لكنه يبقي عينيه مغمضتين مستمتعاً بمداعبة أناملها للحيته ثم لخصلات شعره الطويلة نوعاً ..
لكنه يبتسم أخيراً وهو يضمها نحوه هامساً دون أن يفتح عينيه :
_وحشتك قوي؟!
تنهيدتها الحارة تحمل جوابها وهي تخفي وجهها في صدره متنشقة رائحته الخاصة المرادفة لرحيق الأمان لديها ..
ثم تهمس بدلال عاتب:
_مش عايزة أشتكي وتقول عليا نكدية زي بقية الستات ..بس ..
تقطع عبارتها عندما تشعر بأنامله ترفع ذقنها نحوه ليمتزج عسل عينيه بشبيهه في عينيها ..
_أولاً ..مين قاللك إني مش عايزك تشتكي؟! اشتكي براحتك عشان أصالحك براحتي برضه ..
مزيج فظاظته وحنانه الفريد الذي لا تكاد تعرفه في رجل غيره لايزال يجد بصمته الخاصة في روحها ..
خاصة وهو يشدد ضغط ذراعيه حولها بحمائية تصفها أفعاله قبل أقواله ..
وشفتاه تجددان لها عهداً بعد عهد ..
_وثانياً ..انتِ ما ينفعيش تتحطي في جملة واحدة مع بقية الستات ..خصوصاً لراجل زيي حاسس إنه وسط مستعمرة نسائية !
يقولها متهكماً بطريقته المعهودة وهو يتذكر ذاك الخبر الذي أبلغته به رانيا بالأمس أنها تنتظر مولودة أنثى !
_عشان ؟!
تسأله وهي تعلم الجواب لكنها تحب سماعه منه ..
وبالذات بهذه الطريقة عندما يجمع شعرها على جانب رأسها ليجدله لها في ضفيرة يزداد طولها يوماً بعد يوم ..
_عشان انتِ غير أي ست ..انتِ ياسمين ..نُص روحي وكل قلبي .
تضحك ضحكتها المميزة التي تعلن شروق يومه بينما تداعب وجنته براحتها هامسة :
_وهتصالحني إزاي؟!
_مش بتقولي وحشتك ؟! خلاص ..النهارده كله ليكي ..
يهمس بها وشفتاه تدللان ملامحها بما يليق ليعلو صوت بكاء يمنى جوارهما كأنها تعترض ..
فتصدح ضحكته هاتفاً بصوت أعلى كأنه يسمع الصغيرة كذلك :
_ليكم ..انتو الاتنين ..بطلي زن بقا عشان ما أغيرش رأيي .
تضحك ياسمين وهي تغادر الفراش نحو سرير الصغيرة التي رفعتها هي لتضمها لصدرها هاتفة بحنان :
_بس ..بس ..بابا هيقضي النهارده معانا ..مش واحشك زيي ؟!
_بنتك جعانة يا هانم ..كلامك ده مايشبعش ..انزلي حضري لها ببرونتها أنفع .
يهتف بها وهو ينهض من الفراش بدوره لتتحرك بالصغيرة نحوه هاتفة وهي لاتزال تخاطب الصغيرة :
_بنت يامن حمدي قلبها كبير زيه ..بوسة وحضن من بابا أهم من الببرونة ..صح يا يمنى؟!
تقولها وهي تناوله الصغيرة التي ضمها لصدره بحنان قبل أن يرفعها من خصرها ليقرب وجهها منه ثم يداعب أنفها بأنفه لتكف الصغيرة فجأة عن البكاء وتبتسم له تلك الابتسامة التي تخطف قلبه ..
فيضحك ضحكة عالية وهو يعاود ضمها إليه بحنان هاتفاً :
_يمنى يامن صحيح!
تضحك ياسمين وهي ترمقهما بنظرة حنون طويلة قبل أن تتناول منه الصغيرة هاتفة :
_شوف انت طقوس الاستيقاظ الصباحية بتاعتك على بال ما أشوف رضعتها هي ..تحب تفطر إيه ؟!
_مش إيه ..فين!
_فين؟!
تسأله بترقب ليرد وهو يتمطأ بكسل :
_في الجنينة ..من زمان ما فطرناش سوا على الأرض بمفرشك العجيب الملون ده .
_أووووه! حبيبي يا يامن ..حلو جداً والجو النهارده كمان جميل ..
تهتف بها وهي تميل على وجنته بقبلة سريعة لترفع كف الصغيرة المنمنم فتدغدغ به لحيته هو مردفة بحماس :
_شكراً يا بابا ..شكراً يا طيب .
يطلق ضحكة صافية وهو يمنح كلتاهما قبلاته قبل أن تتحرك هي بابنتها نحو المطبخ بالأسفل كي تعد ما تحتاجه ..
وبعدها بقليل كانت تستلقي جواره على عشب الحديقة فوق المفرش المميز بألوانه الزاهية ..
كفه يحتضن كفها بينما يتمدد كلاهما على ظهره على الأرض يرنوان للسماء فوقهما بغيومها البيضاء ..
وبينهما يمنى تحرك ذراعيها وقدميها ببطء وعيناها -مثلهما- شاخصتان للسماء ..
_فاكر لما عملناها قبل كده؟! كل واحد فينا كان شايف الدنيا بشكل مختلف عن التاني ..
تقولها بشرود وهي تتذكر جلسة مشابهة لهما في الماضي فيبتسم وهو يتذكر ما تحكي عنه ليضغط كفها في راحته قائلاً :
_تيجي نجرب المرة دي ونشوف!
يقولها بترقب وهو يناظر غيمة بيضاء كبيرة فوقهما أشار نحوها بكفه هاتفاً :
_هاعد واحد اتنين تلاتة ونقول في نفس الوقت كل واحد شايفها إيه .
_اتفقنا!
تقولها ضاحكة وهي تتأمل الغيمة مثله تنتظر انتهاءه من العد ليهتف كلاهما في نفس اللحظة :
_كمانجا !
تتعالى ضحكاتهما معاً بعدها للحظات ثم يلتفت هو نحوها ليتكئ على جانبه فيشرف عليها من علوّ ..
سبابته تدور حول ملامحها كأنه يرسمها ..
عيناه تنتقلان بخفة بينها وبين ابنتها التي مزجت ملامحهما معاٌ ..
ليهمس لها أخيراً بعشق جارف:
_مش لاقي حاجة أقولهالك إلا اللي قلتها يومها ..انتِ جميلة قوي ..
ثم ينظر لابنته مضيفاً بحنان أكبر:
_انتو الاتنين جمال قوي ..لدرجة إنكم بتخلوا كل حاجة حواليكم جميلة ..حتى أنا !
فتحرك وجهها لتحتضن راحته على وجنتها ثم تقبل باطنها بعمق هامسة :
_انت كل الجمال اللي اتمنيت عيني تشوفه ..وشافته !
تقولها وعيناها تطوفان على ملامحه بحرارة عاطفتها ..
قميصه "الأبيض" يشع نوراً يمنح سمرة ملامحه جاذبية خاصة ..
عيناه الحبيبتان تتوهجان بألَقٍ دافئ ينعكس من شمس قلبه ..
أنفاسه تغازلها بهذه الطريقة التي لا يكاد يجيدها رجل غيره ..
شفتاه ..لا! هذه شأنها في وادٍ آخر!
_مش عايزة تتمرجحي ؟!
يهمس بها بحنان وهو يشير بعينيه لأرجوحتها "الجديدة" هناك فتضحك وهي تلتفت نحو يمنى هاتفة :
_ماشي ..بس مع يمنى .
يضحك بدوره وهو يقف بحماس ليشد كفها فيوقفها معه ثم ينحني ليحمل الصغيرة فيتحرك بها نحو تلك الأرجوحة التي صنعها من إطار سيارة قديم ملون ..
وبارتفاع قصير ناسب تسلقها إياها بسرعة لتستقر مكانها ..
تمسك السير المعدني بأحد كفيها وبذراعها الآخر تسند الصغيرة التي ناولها إياها قبل أن يشرع في هز الأرجوحة بهما معاً ..
ضحكاتها تعلو وهي تضم الصغيرة نحوها بينما تناظر السماء والحديقة حولها بنظرة سلام صار يسكن روحها حقيقة لا ادعاءً ..
_بمناسبة القعدة الروشة دي ..مش عايزة تغني سيد الحبايب يا ضنايا انت ؟!
يسألها مشاكساً لتعلو ضحكتها وهي ترد له مزاحه :
_لا عايزة أغني ..الراجل ده هيجنني!
يشاطرها الضحك وهو يأرجحها لدقائق بعدها قبل أن يلمح في عينيها ذاك التردد الذي جعله يهمهم هاتفاً بتوجس بينما يشير بسبابته نحو عينيها :
_مممممم..خير اللهم اجعله خير ! النظرة دي أنا عارفها كويس ..اعترفي عملتِ إيه .
فتعض شفتها كاتمة ضحكتها لتقول مدافعة :
_ما عملتش لسة .
_هه ! اللي بعده ..عايزة إيه ؟!
يقولها بنفس التوجس وهو يشير بسبابته في حركة دائرية حول وجهها لتتنحنح وهي تهدهد الصغيرة برفق هاتفة بدلال :
_هو طلب ! مش عشاني ..عشان يمنى ..و ..همسة .
يمط شفتيه باستياء وهو يدرك ما ستطلبه منه حتى قبل أن تهتف به برجاء:
_هي عزمتني ع الفرح ..نفسها يمنى تحضر معايا ..مش قادرة أرفض لها طلب بعد اللي عملته عشاننا .
فيزفر بقوة ثم يشد أذنها برفق هاتفاً بنبرة عادت إليها فظاظتها:
_ليه يا ماما ؟! ليه ؟! الراجل سايب شغله وقاعد عشان يدلعك انتِ وبنتك ! تقلبي عليه المواجع وتنكشي ورا النكد ليه ؟!
فتبتسم وهي تترجل من الأرجوحة لتواجهه بنظرات رجائها التي قابلها برفض ونبرته تتحول لجدية تامة :
_لأ! مش هتحضري الفرح ومفيش داعي أقول أسباب !
فتطرق برأسها وهي تدرك أن ما تتمناه من أن تسير الأمور بين زين ويامن بصورة طبيعية هو ضرب من الخيال حقاً !
لكنها فقط كانت تطمح أن يتفهم أكثر!
لأجل همسة على الأقل!
_لو على همسة أنا ممكن أروح أنا ويمنى ..أبارك لرائد لأنه راجل محترم ..
يقول عبارته الأخيرة بنبرة ذات مغزى ليردف :
_وهمسة تشوف البنت ..خمس دقايق ع السريع وأمشي ..
تكاد تهتف باعتراض لكنه يردف بنبرة أعلى وهو يلوح بكفه في وجهها :
_ما تحاوليش! أقسم بالله دي أقصى طاقتي ..لو عليا أحرق البيت ده على دماغ صاحبه ..بس هاعصر على نفسي لمونة وأروح عشان رائد وهمسة ..إنما انتِ لأ ومش عايز أسمع كلام تاني!
يقولها بصرامة لا تقبل الجدل فتتنحنح لتومئ برأسها صاغرة وقد شعرت بحدسها أنها لن تنال ما هو أكثر ..
تراه يعطيها ظهره فتشعر بذبذبات غضبه تكاد تصلها مكانها لهذا تتحرك لتقف قبالته ..
ترفع عينيها نحوه بملامح راجية وبمرح طفولي تقول له بما يشبه الاعتذار:
_شيلني ! عايزة أبوس راسك مش طايلة .
ملامحه العابسة تلين رويداً رويداً مع اتساع ابتسامتها قبل أن تشهق ضاحكة وهي تراه يمد ذراعيه ليرفعها مع الصغيرة نحوه هاتفاً بفظاظته المرحة :
_اتفضلي يا "نخلة"!
تضحك وهي تقبل رأسه بعمق قبل أن ينزلها أرضاً لتبدأ الصغيرة في البكاء فجأة فيضحك هو بشماتة وهو يربت على وجنة ياسمين هاتفاٌ بفظاظته المرحة :
_بنتك عايزة تغير ..غيري لها وحمّيها ..وكمان ضوافرها طويلة قصيها ..ربي عيالك يا ماما .
ترمقه بنظرة مغتاظة وهي تتحرك بالصغيرة نحو البيت فتسمع هتافه من خلفها :
_والنهارده عايز آكل محشي كل الأنواع ..واعمليلي سينابون ..أقوللك زودي الكمية وهاعزم ماما والبنات ..أنا هاعرف أشغل لك وقتك ..الفضا وحش أصله بيخلليكي تفكري في حاجات غريبة !
=======
_عشان خاطري بلاش!
يهتف بها رائد وهو يجلس جوارها في سيارته أمام بوابة بيت أمه لترد همسة بتصميم:
_أنا عارفة إنك خايف عليا ..بس ياقوت
قالت لي لازم أواجه ..أنا نجحت معاك ومع زين ..حتى بابا الله يرحمه قدرت أسامحه ..مش فاضل غير مامتك ..
يزفر بضيق وهو يشيح بوجهه لتمسك كفه هاتفة ببراءتها المعهودة :
_انت بتقول إنها مش موافقة على جوازنا ..سيبني أكلمها ..هي يمكن فاكراني لسة تعبانة وخايفة عليك..لما تشوفني خفيت قلبها هيرقّ وهتوافق تحضر فرحنا .
فيلتفت نحوها ليحتضن وجنتها براحته
قائلاً بقلق:
_طب سيبيني أدخل معاكي ..بلاش تبقي لوحدك .
لكنها تهز رأسها رافضة لتقول له بنفس
الإصرار:
_لازم أبقى لوحدي ..ده آخر امتحان ولازم أعديه .
يزدرد ريقه بتوتر وهو لا يدري ماذا يفعل إزاء إصرارها هذا ..
همسة بشخصيتها الجديدة ونظرتها
الملائكية للأمور تظن نفسها ستكسب قلب أمه ..
لكنه خير من يعلم أن أمه لن ترضى عن هذه الزيجة أبداً !
ليس وهي ترى فيها خسارتها القديمة !!
_سيبني أروح بقا عشان ما نتأخرش عن بقية مشاويرنا .
تقولها وهي تترك كفه لكنه يعاود التشبث به هاتفاً لها بانفعال:
_لو قالتلك أي حاجة تضايقك اخرجي على طول ..ما تفكريش في كلامها وتعالي في حضني ..افتكري إني هافضل معاكي ..دايماً مهما حصل .
فتبتسم وهي تقترب أكثر لتقبل وجنته قائلة :
_حاضر ..مش هانسى ..ما تقلقش انت .
يزفر من جديد وهو يشيح بوجهه متمسكاً بكفها لأطول فترة ممكنة لكنها تسحبه منه هاتفة بعتاب رقيق:
_انت كده بتخوفني أكتر مش بتطمني .
يلتفت نحوها بمزيج من قلق وإشفاق لكنها تداعب شفتيه بسبابتها قائلة :
_ابتسم وخللي عندك ثقة فيّ ..ممكن ؟!
يبتسم مجاملاً لها فتبتسم بدورها وهي تعاود تقبيل وجنته قبل أن تغادر السيارة بخطوات سريعة فتبدو له كفراشة تحلق بخفة نحو نار ستحرقها !!
جزء بداخله يلومه على استجابته لطلبها ويتهمه بالتقصير في حمايتها من بطش أمه ..
لكن جزءاً آخر يتمنى لو تنجح في مسعاها حقاً ..
ليس لأجله ..بل لأجلها هي ..
لأجل أن تتخلص من شعورها القديم بالنبذ !!
لهذا خبط رأسه بظهر مقعده بانفعال وهو ينظر في ساعته ..
سيمهلها عشر دقائق فقط وبعدها سيتدخل حتى ولو كرهت حضوره ..
هو عاهد نفسه أن يحميها ولو من نفسها ولن يخلف هذا العهد قطّ!
وفي مكانها كانت همسة تقف أمام الباب تتردد أناملها في رن الجرس قليلاً وهي تشعر برهبة طبيعية ..
هي لا تذكر لسوزان أي بادرة عطف نحوها ..بل على العكس ..
طالما كانت تميز في نظراتها حقداً لم تكن تفهم معناه في الماضي لكنها الآن صارت تتفهمه ..
لهذا استجمعت شجاعتها وهي ترن الجرس ليخفق قلبها بتوتر وهي ترى الباب يفتح لتظهر خلفه سوزان ..
عيناها تتسعان للحظة من المفاجأة قبل أن تتوهجا بالحقد القديم والذي امتزج الآن بكراهية أكبر وهي تواجهها بقولها:
_عايزة إيه ؟!
بعض الخوف يتملك منها وهي تشعر أنها تخسر معركتها من الجولة الأولى لكنها تعود لتتذكر ..
هي قوية برائد ..بزين ..وبنفسها قبلهما ..
لن تخاف ..لن تهرب!
لهذا تنحنحت لتقول برقة وجلة :
_ممكن أتكلم مع حضرتك ؟!
ضحكة قصيرة مكتومة كانت جواب سوزان وهي تنظر إليها شذراً من أعلى
لأسفل هاتفة :
_والله وبقيتِ تعرفي تتكلمي .
دمعت عينا همسة وهي تشعر بالوهن أكثر لكنها أكملت مسيرتها :
_خمس دقايق بس ..حضرتك اسمعيني .
ضحكة أخرى ساخرة من سوزان التي أفسحت لها الطريق هاتفة بغلّ لم تتحكم به :
_نسيت إن عندك عقدة من البيوت اللي بتتقفل في وشك ..يا حرام!
الضربة هذه المرة كانت في موضعها وهي تذكر همسة بمرارة ماضيها ..
لكنها تماسكت لتقول بصوت مرتجف:
_لو تقصدي بيت بابا فزين خلاص ..رجعلي حقي و..دخلته !
هنا تمسكها سوزان من ساعديها لتهزها بعنف هاتفة من بين أسنانها :
_بس أنا مش هادخلك بيتي ولا عمري هارضى عن جوازك بابني ..مش هاحضر فرحه وهاقول قصاد الدنيا كلها إني اتبريت منه عشان اتجوز واحدة زيك .
ينتفض جسد همسة وهي تشعر بكل الكلام الذي أعدته لهذه المقابلة يتبخر أمام كل هذا الحقد في حديث المرأة التي عادت تهز جسدها هي بقوة مردفة بحروف تقطر كراهية :
_اوعي تفتكري إنك انتِ وأخوكي هتتهنوا بابني ..الجوازة دي مش هتتم ..هاقهر قلبك عليه زي ما قلبي فضل مقهور العمر كله .
تشهق همسة برعب حقيقي وهي تشعر
بالهواء يختفي فجأة من المكان ..
أنفاسها تتلاحق وهي تشعر بالخوف القديم يحتلها بضراوة ..
كل كلماتها المثالية التي جهزتها تتداعى أمام عنف هذا الحقد الذي قابلتها به سوزان ..
خاصة وهي تدفعها للخارج بعنف هاتفة :
_البيت ده ما تفكريش تدخليه تاني ..الحقي افرحي لك كام ساعة لأني هاخلليكي تعيطي العمر كله !
تقولها لتصفق الباب في وجه همسة بعنف لتبسط الأخيرة يدها على صدرها تحاول تمالك خفقاتها قبل أن تعدو بسرعة على الدرج لتعود إليه ..
هو الذي كان قد غادر السيارة مستعداً للذهاب إليها ولم يكد يلمحها من بعيد بهذه الحالة حتى اندفع نحوها بسرعة ليطوقها بين ذراعيه محتوياً ارتجافة جسدها وهو يكز على أسنانه بقوة ..
لم يكن يحتاج لمعرفة ما قالته أمه ليجعلها بهذا الوضع ..
لكن قلبه سقط بين قدميه وهو يسمع نحيب همسة المرتفع مع كلماتها التي امتزجت برعبها :
_بتقول جوازنا مش هيتم ..بتقول هتحرمني منك ..بتقول ..
_ششش ..مالكيش دعوة باللي بتقوله ..
يقولها بحزم وهو يحاول السيطرة على انتفاض جسدها لترفع عينيها نحوه بنظرات مرتعبة ..
لكنه يحيط وجنتيها براحتيه ليغرس نظراته في عينيها هاتفاً بقوة :
_ماتخلليش أي حاجة تهز ثقتك فيّ ..مش بعد كل اللي عديناه سوا ..أنا هنا ..معاكي ..وهافضل معاكي لحد آخر نفس في عمري ..اوعي تصدقي غير كده ..اوعي .
أنفاسها المتلاحقة تهدأ تدريجياً وهي تتشبث بخيوط عشقه في نظراته تستمد منها صلابتها ..
قبل أن تخفي وجهها في كتفه لتهمس بألم :
_كان نفسي أنجح المرة دي كمان .
لكنه يتنهد مربتاً على ظهرها برفق قائلاً بأسف:
_صدقيني الموضوع مالوش أي علاقة بيكِ انتِ ..ده ماضي خدك انتِ في رجليه ..
ثم يرفع ذقنها نحوه ليغتصب ابتسامة باهتة مع قوله :
_معلش ..مش كل حاجة نتمناها هتحصل ..المهم عندي إنك تبقي كويسة .
تهز رأسها بأسف ولايزال ذهنها مشوشاً بتهديد سوزان فيتحرك بها نحو سيارته ليستقلها ويغادر بها مبتعداً كأنما يهرب بها من هذا الجحيم الذي لا ذنب لها فيه ..
وعبر النافذة كانت سوزان تراقبهما بحقد وهي تراه يحتضنها بهذه الطريقة ..
قلبها يكاد يشتعل غيظاً وهي تراهما يغادران معاً بينما تبقى هي وحدها تأكلها نيران خسارتها ..
خسارتها!!
لا!
لايزال الوقت مبكراً لإعلان الخسارة!!
فكرة شيطانية تراودها فتبتسم لها بظفر وهي تتناول هاتفها لتتصل برقم ما كي تحمل ل-صاحبه- تساؤلاتها ..
وتحفظ منه الجواب الذي تحتاجه كي تدمر هذه الزيجة ..
ليلة الزفاف بالضبط!
========
_جامدة طحن !
يغمزها بها إسلام وهو يلاحظ ارتباكها الذي تحاول مداراته وهي تنظر نحو بوابة بيت الفايد الفخمة حيث يقام الزفاف ..
فتلتفت ياقوت نحوه هامسة بقلق:
_حاسة شكلي غريب .
_طبعاً ! الألوان الهادية دي مش واكلة معاكِ ..انزلي يا ماما انزلي ..دلوقت تشوفي الراجل الغامض بسلامته وهو عينه هتطلع عليكِ ..بس انتِ إياك تبصيله حتى ..زي ما اتفقنا!
يعاود غمزها بها ثم يترجل من السيارة فتأخذ نفساً عميقاً تتمالك به توترها قبل أن تترجل من السيارة بدورها لتسير جواره متأبطة ذراعه ..
ابتسامة حانية تزين شفتيها وهي ترمقه بنظرة جانبية دافئة ..
لقد جربت شعور الأخوة مع لجين طوال هذا العمر لكنه مع إسلام يختلف ..
ربما لأنها تشعر أنه يكملها كصديق ..يدعمها كأب ..!
أفكارها تنقطع وهي تتجاوز معه البوابة لتلمح زين واقفاً هناك يتحدث مع أحدهم غافلاً عنها ..
وسامته التي تألقت كثيراً هذه الليلة تخطفها كعهدها خاصة مع أناقة بدلته وسحر حركته هذه عندما يمرر يده بين
خصلات شعره ..
_اتهد بقا يخرب بيت حلاوتك ..هو فيه كده يااخواتي؟!
تعربد بها "العفريتة العابثة" في أعماقها بينما يخفق قلبها بعنف وهي تستعيد لحظات قربهما الخاصة فتحمر وجنتاها خجلاً
لا تكاد تصدق أنها حقاً عاشت هذا معه ..
_بنت! وبعدين؟! مش قلنا ما تبصيش!
يلكزها بها إسلام في خاصرتها فتتنحنح وهي ترفع إليه رأسها بعناد كاذبة :
_ما ببصش عليه ! بدوّر ع العروسة أو أي حد أعرفه .
فيرفع حاجبيه بتهكم ليضحك ضحكة قصيرة وهو يهز رأسه ليهمس لها مغيظاً :
_واقعة واقعة يعني !
تلكزه هي في خصره هذه المرة بنظرة غاضبة تحولت لابتسامة خجول وهي تخفي وجهها في كتفه ليضمها نحوه بحنوّ مربتاً على ذراعها ..
وفي مكانه انتبه زين نحوهما أخيراً لتتسع عيناه لحظة بانبهار وهو يميز جمالها
الاستثنائي هذه الليلة ..
ثوبها شديد الأناقة بتصميمه المبهر الغريب عما اعتاده منها ..
وبلون الفيروز الفاتح الذي صنع مع لون عينيها ووشاحها مزيجاً كارثياً ..
خاصة وهو يحتضن جسدها بنعومة انسيابية ..
ورغم احتشامه الظاهري لكن وحش خياله هو كان ينهشه بمخالب الاشتياق وهو يتذكر بدوره مذاقها بين ذراعيه ..
الانبهار يستحيل لغيرة خانقة يستشعرها معها لأول مرة بهذه الضراوة وهو يراها تضاحك أخاها بهذه الطريقة ..تخفي وجهها في كتفه بينما يربت عليها ..
نظارتها !!
خلعتها لتكمل مسلسل فتنتها الكارثي هذا !!
والأدهى أنها تتجاهله ..تتجاهله تماماً وهي تتحرك لكنه يدرك بحدسه أنها تراه !
يتحرك نحوهما بخطوات ثابتة وعيناه تلتهمان تفاصيلها بمزيج من عشق وغضب ..
تظن أنها تحتمي بأخيها منه ؟!
سيتحدث إليها هذه الليلة مهما كان الثمن !!
_واضح إن العروسة لسه ما جتش .
يقولها إسلام وهو يجلس معها على أحد الموائد التي زخرت بها الحديقة الواسعة هذه التي تألقت بأضوائها لتحيل الليل نهاراً ..
قبل أن يلمح زين وقد مد له يده مصافحاً ليقف مكانه بابتسامة متكلفة وهو يصافحه بدوره قائلاً :
_مبروك .
هز له زين رأسه برد تقليدي وبعينين قويتين مشتعلتين بمشاعره قبل أن يلتفت نحو "قِبلة قلبه" جواره فيمد لها يده مصافحاً بدوره وعيناه المتوهجتان مع ضغطة قبضته على كفها تحمل لها ألف رسالة !
لكنها تشيح بوجهها سريعاً وهي تسحب كفها منه لتسأله بنبرة عادية جادة بعيدة تماماً عن فوضى الصخب بداخلها الآن :
_همسة فين ؟!
فيطوف شبح ابتسامة على شفتيه وهو يرد بنبرة غامضة :
_هتظهر بالشكل اللي يليق بيها .
تعاود النظر إليه بتساؤل لكنه يرد لها بضاعتها وهو يشيح عنها بوجهه متظاهراً
بالانشغال :
_هاضطر أستأذن عشان أشوف الضيوف ..اتفضلوا .
يقولها وهو يبتعد ساحباً معه هواء صدرها لتعاود الجلوس مكانها واجمة فيلتفت نحوها إسلام قائلاً بنبرة خبيرة :
_ولا يهزك! أنا اللي بقوللك مشعلل ع الآخر! عامل فيها تقيل ومش هامّه بس ..
ثم يغمزها مردفاً :
_على مين ؟! ده احنا معلمين ؟!
تمط شفتيها باستياء وهي تكاد ترد لكنها تتوقف وهي ترى الأضواء تغلق حولها فجأة لينبعث صوتٌ ما من فوق المنصة التي أعدت للعرس ..
_العروسة نازلة من فوق .
همهمات الحضور تعلو حولها فيخفق قلبها بترقب وهي ترى جانب البيت المقابل يسطع بنور أبيض فجأة وسط كل هذا
الظلام ..
لتهبط همسة من أعلى "حرفياً"!
أجل ..على أرجوحة عريضة تهبط بها من سطح البيت ببطء نحو الأسفل ..تبدو كملاك رقيق وذراعاها يتشبثان بطرفي الأرجوحة واللذين تم تزيينهما بزهور "الفل" ..
ثوبها يبدو شديد البياض بلمعة كريستالية أخاذة وقد بدا صدره كفراشة مفتوحة الجناحين وانسدل بقيته برقّة طبيعية غير متكلفة تناقض ما اتفق عليه في ثياب الزفاف المنفوشة ..
تصل بها الأرجوحة إلى الأرض أخيراً وسط تصفيق الحضور وهمهمات انبهارهم لتبدأ نغمات موسيقا هادئة في الظهور ..
يتقدم منها زين ليتلقف كفيها ثم يضم رأسها لصدره في قبلة طويلة لجبينها ..
قبل أن يسير معها ليسلمها من كفها لرائد الذي رفع أناملها ليقبلها ثم عانقها بقوة ليعلو تصفيق الحضور وصفير إعجابهم بالجمال
الاستثنائي للعروس ..
يلتفت إسلام نحو ياقوت ليلمح ترقرق عينيها بالدموع فيميل عليها هامساً بمشاكسة :
_لا امسك نفسك يا "أبو التوت" ! هو الموقف مؤثر بس الكحل هيبوظ!
تلتفت نحوه باسمة لتغمغم بتأثر:
_حاسة قوي بهمسة في موقف زي ده ..بعد العمر الطويل اللي عاشته منبوذة من أقرب للناس ..كلهم بيعايروها بذنب مالهاش يد فيه..ودلوقت كل أحلامها تتحقق ..وراسها يترفع قدام الكل ..
ثم يتهدج صوتها باستطرادها :
_مش سهلة يا إسلام ..مش سهلة ولا قليلة .
فتلتمع عيناه بتأثر وهو يرى انعكاس مأساتها هي الخاصة ليربت على كفها دون كلام ..
وفي مكانه كان رائد لا يزال يقف مكانه يضم همسة نحوه وهو يشعر بارتجافة خوفها الذي تحاول مداراته منذ تهديد أمه لها..
بالإضافة ل"رهابها" القديم من الناس والذي نجحت مؤخراً في التغلب عليه لكن بقاياه لا تزال عالقة هناك ..
_ماتفكريش في أي حاجة ..دي ليلة عمرنا يا همسة ..أنا وانتِ قدام الناس كلها زي ما حلمنا .
ترتجف ابتسامتها وهي ترفع عينيها نحوه لتشعر بكف زين هو الآخر على ظهرها مع قوله بمزيج من حزم وحنان :
_ياللا مع جوزك وما تخافيش ..محدش هيتجرأ يبوظ الليلة دي .
يقولها بنبرة ذات مغزى تحمل لها بعض السكينة فتتسع ابتسامتها المرتجفة وهي تتحرك جوار رائد لتحيطهما فرقة من الرقص الروسي بدأت أولى فقرات الحفل ..
ترفع رأسها باعتزاز وهي ترى نظرات
الإعجاب في العيون تقوي ثقتها في نفسها ..
_باربي!
تهتف بها بلهفة وهي تميز حضور يامن الذي وصل إليها يحمل يمنى لتتلقفها هي منه فتقبل وجنتيها بحب هاتفة بامتنان :
_شكراً يا دكتور عشان جبتها ..
ثم تحولت نبرتها لبعض العتاب:
_فين ياسمين؟!
يتنحنح يامن بحرج لكن رائد ينقذ الموقف وهو يمد له يده مصافحاً بابتسامة هادئة :
_نورت يا دكتور .
فيصافحه يامن بقوة قائلاً بودّ حقيقي:
_مبروك ..ألف مبروك ..فرحت جداً عشانكم حقيقي .
يقولها ثم يهم بأخذ الصغيرة من يدي همسة لكنها تهتف به برجاء :
_سيبها معايا شوية عشان خاطري ..خمس دقايق بس .
فيهز رأسه مبتسماً لينفذ لها ما أرادت قبل أن يلمح ياقوت هناك مع إسلام فيتحرك نحوهما ليجالسهما على طاولتهما ..
وفي مكانه كان زين يراقبهم بضيق تزداد وتيرته وهو يرى ياقوت تضاحك يامن ببساطة غافلةً عما تصنعه به هو تلك الضحكات ..
يالله!!
هذه الغبية لا تفهم !!
جمالها ملكه هو ..
ضحكاتها ملكه هو ..
حتى أنفاسها ملكه هو ..
فكيف تفرط في كل هذا هكذا لتجعله مشاعاً لسواه ؟!!
_زين بيه ..ممكن كلمة ؟!
يلتفت لأحد معارفه من المدعوين فيبتسم له برصانة منتظراً ليرد الشاب وهو يشير بعينيه نحو مائدة ياقوت :
_سألت عليها وعرفت إنها الدكتورة اللي
عالجت همسة .
تشتعل خلايا زين كلها ببراكين من غيرة عجز عن إطفائها لتخرج نبرته مشتعلة خطيرة :
_أيوة ..وبعدين؟!
فتتسع ابتسامة الشاب وهو يقول ببراءة :
_ما شفتش في إيدها دبلة قلت تبقى مش مرتبطة ..كنت حابب أعرف منك عنها معلومات ..هو الشاب اللي معاها ده ..
_مالكش دعوة .
يقاطعه بها بصرامة أجفلت الشاب الذي تراجع برأسه للوراء مصدوماً ليتمالك زين نفسه بمنتهى العسر فيردف بنبرته التي تمزج الود بالهيمنة :
_معلوماتي إنها مرتبطة ..ما تضيعش وقتك .
لكن الشاب يزيد الطين بلّة وهو يغمغم بأسف:
_خسارة ..ما أنا قلت برضه الجمال ده محدش يستنى عليه .
فيضم زين قبضته بقوة جواره وهو يكز على أسنانه بصمت ليتجاوز الشاب ويحاول التظاهر بالاندماج مع الحفل ..
جسده يكاد يفور غيرة وغضباً و ..اشتياقاً !!
لو ترك لمارد جنونه العنان لسحبها من كفها نحو غرفته بالداخل وأغلق عليها بابها للأبد !
أفكاره تنقطع وهو يسمع الموسيقا تتبدل
لأخرى هادئة تلائم الرقص البطيئ للثنائيات فيعاود اختلاس نظرة نحو مائدتها ليدرك رحيل يامن مع ابنته ..
يراقبها بحذر وهو يراها تقف لتتأبط ذراع إسلام الذي تحرك بها نحو منصة الرقص ..
يعقد حاجبيه بقوة وهو يراها تراقص أخاها بنعومة وهي لا تكتم ضحكاتها التي تشعله أكثر وأكثر ..
تتجاهله تماماً كأن لا وجود له ..
فيستعيد تفاصيل لقائهما الكارثي آخر مرة لتزداد نيرانه تأججاً ..
لكن رجلاً مثله لا يترك ثأره ..
تريدها حرب أعصاب ..فليكن !!
يتحرك نحو شريكته الجديدة ليطلب منها مراقصته فتلبي بابتسامة خلابة تفجرت شظاياها في قلب ياقوت وهي تنتبه أخيراً لرقصته مع تلك المرأة التي سبق أن رأتها معه في صورة تذيلها شائعات ارتباطهما !
تدمع عيناها بمزيج من قهر وإحباط وهي تخفي وجهها في كتف إسلام الذي همس لها بخفة :
_مش قلتلك هيرقص مع واحدة حلوة عشان يردهالك! عيب يا بنتي أنا دارس بره وجوّه ! بلاش خيابة بقا ! ارفعي راسك واعملي نفسك مش واخدة بالك .
تستمع لنصيحته التي توافق هوى في نفسها وهي تغتصب ضحكة مفتعلة لتهمس له :
_هاسلم على همسة ونروّح على طول ..كفاية كده .
_ماشي ..بس ..
يقطع عبارته وهو يشعر باهتزاز هاتفه في جيبه فيتناوله بسرعة ليجدها نشوى ولم يكد يفتح الاتصال ويستمع قليلاً حتى هتف بها بقلق:
_أنا جاي حالاً !
_فيه إيه ؟!
تسأله بجزع ليرد :
_ريما سخنة ونشوى قلقانة عشان فيه حالة "التهاب سحائي" ظهرت في مدرستها .
_بيقولوا إشاعات ما تقلقش ..هتلاقيه دور برد عادي .
تقولها مطمئنة لتردف :
_تعال نسلم على همسة ونروّح على طول .
تتحرك جواره نحو همسة لتعانقها بقوة وهي تبارك لها زواجها بفرحة حقيقية لترمقها همسة بنظرة إعجاب تمتزج بامتنانها :
_شكلك حلو قوي النهارده .
تهز لها رأسها بابتسامة لتقول بأسف:
_هاضطر أمشي دلوقت ..معلش .
لكن همسة تتشبث بكفها هاتفة برجاء:
_خلليكي معايا لآخر الحفلة ..عشان خاطري .
فترمقها بتوجس وهي تلاحظ الخوف الذي كسا ملامحها لتنتقل ببصرها نحو رائد الذي لم يبدُ أفضل حالاً ..
ثم تسألهما بريبة :
_فيه إيه ؟!
يستأذن رائد من إسلام لينتحي بها جانباً ثم يخبرها بمقابلة همسة مع أمه وتهديدها إياها لينعقد حاجبا ياقوت بضيق بينما هو يردف :
_ممكن تكون ماما بتقول أي كلام ..بس الحقيقة إن همسة خايفة جداً ..وخصوصاً إنها كمان لسه مش واخدة على الناس والتجمعات ..ياريت تفضلي معانا لحد ما الحفلة تخلص ..بصفتك دكتورة ..وصديقة .
الرجاء الخفي بين حروفه يمسها فتهز رأسها بتفهم ثم تتحرك معه نحو إسلام الذي تقدم منها ليهتف بها بعجلة :
_ياللا بينا .
لكنها ترد بحسم :
_روّح انت معلش ..أنا هافضل هنا ..همسة محتاجاني معاها .
يعقد حاجبيه بضيق فتمنحه ابتسامة مطمئنة :
_ماتخافش عليا ..هاطمن عليها ورائد هيخللي حد يوصلني لما الفرح يخلص .
_و"السيكو سيكو"؟!
يسألها مشاكساً بنبرة لم يغادرها ضيقها لتتسع ابتسامتها ببعض المرارة قائلة :
_قلتلك ما تخافش ..هو مشغول عني ب"اللي معاه" .
فيزفر بقوة وهو يرمقها بنظرة مترددة لكنها تربت على كتفه قائلة :
_روح انت عشان نشوى ..هابعتلك رقم دكتور زميلي ييجي البيت يكشف على ريما ويطمنكم ..روح بقا .
يربت على كتفها برفق ثم يتحرك ليغادر فتتناول هاتفها لتتصل بزميلها هذا تخبره عن الأمر ثم ترسل رقمه لإسلام كما أخبرته ..
قبل أن تتحرك لتقف جوار همسة داعمة لدقائق طالت لكن الأخيرة هتفت بها أخيراً :
_استريحي على ترابيزتك ..كفاية أحس إنك قريبة .
تعود لمائدتها مثقلة الخطوات وهي تشعر بكآبة رهيبة ..
تتحاشى النظر نحوه هو من جديد كي لا تراه مع رفيقته ..
تحاول التشاغل بفقرات الحفل ومراقبة همسة التي بدت وكأنها تجاهد حقاً لتظهر بهذا الثبات ..
الأضواء تغلق حولها فجأة فتظنها واحدة من فقرات الحفل ..
لكنها تشعر بهذه القبضة التي تكمم شفتيها ..
بهذه الذراع القوية التي ترفعها من مقعدها ..
بهذه الأنفاس اللاهثة جوار أذنها ..
وأخيرا بهمسه بنبرته التي عاد أليها مزيج الهيمنة واللطف ..
_تعالي!
لم تدر هل تتنفس ارتياحا بتعرفها إلى صوته ..
أم تموت قلقا من تصرفه المجنون هذا وسط كل هؤلاء الحضور ..
لو رآهما أحد هكذا ستكون فضيحة !
تحاول تخليص نفسها منه بعصبية واضحة لكنه يجذبها ليتحرك بها ولايزال يكمم شفتيها بينما همسه اللاهث يفضح شعورا يلفحها بحرارته :
_بسرعة ..قبل ما يفتحوا النور تاني .
لم تدر أين يتوجه بها ..وكيف يميز طريقه وسط هذا الظلام ..
أو ربما فقدت هي تركيزها بفعل قربه المستفز هذا ...
ما هذا الجنون الذي يفعله ؟
تعلم أنها تعمدت إثارة غيرته بضحكاتها مع يامن..لكن ألم يفعل هو ؟
والأهم ..ما الذي ينتوي فعله ؟
تساؤلاتها تنقطع عندما يعود نور الحديقة ليغشي عينيها فجأة
تزامنا مع لحظة فتحه لباب غرفة همسة الخارجية التي أغلق الآن بابها خلفهما ...
ولم تكد تلتفت نحوه بوجهها الغاضب حتى فوجئت به يديرها بين ذراعيه ليجذبها نحو صدره مطوقا اياها بذراعيه !
العناق السابع عشر!
بنكهة الغيرة هذه المرة !
بمذاق التملك ..الهيمنة ..الغضب ..العتاب ..والكثير ..الكثير جدا من الاشتياق !
عيناها تدمعان بما لم تدر غضبا ام اشتياقا ..
تكاد تصرخ به أن يبتعد لكن هذا الخدر اللعين في جسدها يخرسها ..
تبا لهذا القلب الذي يبدو وكأنه لم يجد في سوى صدره وطنا !
عيناها ترتفعان أخيرا نحوه بعتاب غاضب ..
فيمد أنامله المرتجفه نحو حافة حجابها يزيحها بمقدار ضئيل ..ضئيل جدا ..
وببطء من يخشى اكتشاف ما يسوؤه ..
ولم يكد يلمح لمعة قرط الياقوت هناك حتى ارتخت شفتاه مع وجيب قلبه وهو يضمها نحوه أكثر :
_ماهو لما تلبسي فستان زي ده الليلة دي ..يبقى كأنك بتقوليلي خبيني في حضنك وماتخلليش حد غيرك يشوفني .
كلماته تذيبها بهذا الأثر الذي لم يحدثه فيها رجلٌ سواها ..
كفّاها على صدره يستشعران دويّ خفقاته الصاخب الذي تشاركه فيه خفقاتها ..
كل خلاياها تفقد معنى الإدراك فلا تدري هل تشتعل عشقاً ..
أم تسكن مستسلمة لشعورها العتيق
بالانتماء لصدره ..
المزيد من الوهن يسري في عروقها رغماً عنها وهي تغرق في دوامته اللامتناهية ..
تسمعه يهمس باسمها عدة مرات ..
لا كنداء بل كاستغاثة ..
كتضرع ..
كشكوى ..
كموْتٍ ..وكحياة !
تشعر بشفتيه تطوفان فوق ملامحها متمهلتين لأول وهلة برهبة قدسية ..
قبل أن يزداد حفرهما ك"مسامير من نار"!
تستعيد إدراكها للزمان والمكان فتشهق مصدومة بخزي من نفسها يفوق غضبها منه !
تحاول دفعه برفق لكنه يتشبث بها بقوة أكبر كاتماً تأوهها بشفتيه وقد عجز عن المزيد من الصبر ..
هنا شعرت بالدموع الحارقة تسيل على وجنتيها غزيرة وجسدها ينتفض بين ذراعيه كالذبيح ..
مرارة دموعها تخدش شفتيه فيبتعد بوجهه أخيراً يناظر قمريها السجينين اللذين عادا يتواريان خلف غيمة من ألم :
_خلصت ؟!
همستها اليتيمة تصفعه فيبعدها عنه فجأة وجسده كله يرتعد كأنه ينازع روحه بهذا البعد ..
لتستمر دموعها في الهطول وهي تشير بذراعيها حولها هامسة :
_هي دي قيمتي عندك ! هنا! في الأوضة اللي خبيت فيها همسة بعيد عن الناس عشان مكسوف منها ..لكن يوم ما تحب تظهر مع واحدة تبقى زي الست اللي كنت بترقص معاها برّه !
_انتِ بتقولي إيه ؟! إزاي فهمتيها كده ؟!
يهتف بها باستنكار حاد وهو يعاود جذب ذراعها نحوه لكنها تنفضه منه بعنف هاتفة بحدة بين دموعها :
_ما تتفهمش غير كده يا بيه ..أنا فاهمة كويس قوي الفرق عندك بين إنك تحبني وإنك تشاركني حياتك..مستعدة أحلفلك إن قلبك ده ملكي لوحدي ..زي ما أنا متأكدة إن ده مش كفاية عندك عشان تكمل طريقك معايا .
_أنا مش هاكمل غير معاكي ..افهمي بقا !
يهتف بها بانفعال وهو يمسكها من ذراعيها ليهزها بعنف فتهتف به بانفعال مشابه :
_خلاص ..افتح الباب ده وقول كده قدام الناس كلها ..امسك إيدي قدامهم وقوللهم هي دي اللي اخترتها .
يعقد حاجبيه بقوة وهو يشعر بالرغبة العارمة في فعل ما تريد ..
في أن يطيع مارد جنونه فيحملها بين ذراعيه كرجل الكهف القديم ويخرج بها من هنا معلناً ملكيته لها ..
لكنه يخفض ذراعيه عنها بعجز مستمعاً لصوت عقله ..وضميره !
هو ليس مستعداً بعد لخطوة كهذه ..
ليس قبل أن يشعر أنه جديرٌ بها !!
يكاد يصرخ بها أنه ملوث ..مدنس ..لا يستحق امرأة بطهرها ..
لكن كبرياءه اللعين لايزال يقف حائلاً بينهما !!
فيما ترمقه هي بنظرة مخذولة أخيرة وهي تشعر بإطراقة رأسه تحمل لها حكم الإعدام لعشق ظنته يوماً لن يموت ..
يشعر بها تبتعد فيكاد يوقفها لكن كلماته كلها تذوب على شفتيه والمشهد البشع يعاود التكاثف أمام نظراته ..
مشهد تلك المرأة بسوطها في يدها قبل أن تزهق أنفاسها واحداً واحداً أمام عينيه !!
تدمع عيناه بعجز وهو يشعر بقوته تخونه لكنه يستدعي كل ذرة صلابة يملكها وهو يتخذ قراره ..
لن يخسر ياقوت !
سينفذ لها ما تريد ..وما يريده هو قبلها !!
يلتفت للخلف وهو يهمّ بالحديث إليها من جديد لينتبه للباب المفتوح الذي لا يدري متى ولا كيف فتحته ..
يهرع للخارج ليبحث عنها بعينيه حوله قبل أن تصطدم عيناه بمرأى ذاك الشيئ ملقياٌ عند قدميه ..
قرط الياقوت!
=======
في غرفتها تقف سوزان أمام مرآتها معقودة الحاجبين ..
تسمع -بأذن خيالها - صوت زغاريد فتنقلب لصرخات هائلة تدوي في أذنيها ..
مارد حقدها يحكم سيطرته على أفكارها فلا يغذي سوى خاطر واحد ..
ابنة الخائن والأفعى لن تنال سعادة مع ابنها هي!
لن يسرقوا منها ماضيها ومستقبلها كذلك !!
ستعرف كيف تضغط على رائد بورقتها الرابحة ..
خوفه على صحتها !!
تلتوي شفتاها بابتسامة قاسية وهي تتوجه نحو خزانتها الصغيرة لتتناول علبة الدواء التي استشارت بشأنها الطبيب ..
كذبت عليه يومها بزعمها أنها تناولت منها جرعة زائدة لتعلم منه عن أثر هذا بالضبط كي تبني عليه خطتها ..
ستتناول "الكمية الآمنة" التي تضمن لها الأثر المنشود الذي يضمن لها أن يترك رائد زفافه ويهرع إليها ..
لن يحتمل أن يعيره الناس أن أمه حاولت
الانتحار ليلة زفافه على امرأة لا تريدها !
تفتح العلبة بأنامل ترتجف انفعالاً وهي تتناول قرصاً بعد قرص وعيناها تتوعدان طيف همسة في خيالها بأن تحرمها من رائد بأي طريقة ..
ولو باستنزاف مشاعره بخدعة كهذه !!
لن تقبل الخسارة ..
لن تستسلم كتلك الغبية جيلان التي انفرط عقد ولديها من بين كفها ..
لن تترك زين وأخته يسرقان ابنها كما سرق أبوهما قلبها وعمرها من قبل ..
ستدبر لهمسة هذه مصيبة لن تخطر لها على بال ..
لو اقتضى الأمر أن تقتلها فستفعل !
تشعر بوخزة في صدرها فتدرك أن الأوان قد آن لطلب نجدة سريعة ..
تتحرك نحو باب شقتها لتفتحه كي ترن جرس الجارة القريبة لكنها تسقط مكانها فجأة قبل أن تدرك الباب المغلق وهي تشعر بقلبها يكاد يتوقف من فرط جنون دقاته مع هذا الألم الرهيب في صدرها ..
تصرخ بألم حقيقي وهي تشعر بأنفاسها
تتلاحق سريعاً فتلعن طبيبها سراً ..
لم يكن من المفترض أن ..
تباً !!
علبة الدواء المنشودة كانت بالرف العلوي لا السفلي ..
هل تشوش ذهنها حد استبدالها بأخرى؟!
صرخة ارتياع تطلقها عالية وهي تتبين خطأها لتعاود صرخاتها بطلب النجدة قبل أن يخرسها الألم لتنقطع صرخاتها في جوفها ..
تحاول النهوض مستندة على الباب كي تفتحه لكنها تعجز ..
ترى هاتفها على المائدة القريبة فتحاول الزحف نحوه لكن خفقاتها تخذلها !
تتشوش المرئيات في عينيها وحلقها يجف تماماً فتسبل جفنيها مدركة قرب النهاية ..
انقلب سحرها عليها وخانها مارد حقدها ليرديها قتيلة في نهاية السباق الذي خاضته بطول العمر ..
وحدها !
=======
_بيتنا!
تهتف بها همسة بلهفة فرحة وهي تشير بسبابتها نحوه بينما تستقل السيارة جواره والبيت يظهر لها من بعيد فيتناول كفها ليرفعه لشفتيه بقبلة عميقة هامساً :
_أخيراً ..هتنوريه تاني .
تضحك بسعادة وهي تخفي وجهها في كتفه للحظة قبل أن تعاود النظر للبيت بينما يقترب ..
وتقترب معه كل أحلام فرحتها ..
تشعر بالسيارة تتوقف ليترجل هو منها ثم يدور حولها فيفتح لها الباب لتترجل بدورها ..
ترى زين يغادر سيارته وهو يشير لسيارة حراسة خلفه إشارة خاصة ثم يتقدم نحوها ليعانقها بدفء ثم يقبل وجنتها قائلاً :
_عجبك الفرح؟! البلد كلها هتفضل تحكي عن أجمل عروسة كانت أميرة من الأحلام .
فتدمع عيناها بتأثر وهي تربت على وجنته قائلة :
_شكراً يا زين ..شكراً على كل حاجة .
يمنحها ابتسامة راضية وهو يحاول تجاهل مشاعره السلبية منذ رحيل ياقوت ومكتفياً بهذه الفرحة المشعة في عينيها تمنحه صك غفران !
يلتفت نحو رائد بنظرة خاصة تمزج امتنانه برجائه ثم يربت على كفه قائلاً بصوت مرتجف غريب على طبيعته المهيمنة :
_مش هاوصيك عليها ..عارف إنك هتخللي
بالك منها .
فيضمها رائد لصدره وعيناه تغنيان عن وعود الدنيا بأسرها ..
فيتلفت زين حوله قائلاً :
_أنا لسه مش مطمن ..والدتك ممكن تعمل أي حاجة .
لكن رائد يقول بين ضيق وحرج:
_عندي أمل زيارتي ليها الصبح تكون رققت قلبها شوية .
يقولها مستعيداً ذهابه إليها اليوم راجياً إياها أن تعدل عن رأيها وتبارك هذه الزيجة لكنها واجهته بعنادها المعهود وكراهيتها اللامتناهية لهمسة وأخيها ..
ومع هذا لايزال يأمل أن تكون قد تراجعت عن موقفها وقدّمت أمومتها على أي شعور آخر !
يهز زين رأسه بإشارة مطمئنة وهو يشير لهما نحو البيت الذي تقدما نحوه بينما يرمق هو همسة بنظرة راضية وهو يراها ترفل في ثوب عرسها كفراشة رقيقة ..
يزفر بقوة وهو يستند على مقدمة سيارته يتمنى لو يمنح السعادة ذاتها لياقوت التي خذلها هذه الليلة !
وداخل الحديقة التي أضاءتها أنوارها كانت همسة تتأمل المكان حولها بسعادة ..
لم تكن المرة الأولى التي تدخله لكن شأنها هذه المرة مختلف وهي تمزج ذكريات ماضيها مع حاضرها بعقل حاضر غير مشوش ..
تشعر بذراع رائد على خصرها يضمها نحوه بمزيج من حميمية وحمائية فتلتفت نحوه بعينيها ليقرب وجهه منها يكاد يلاصقه بهمسه :
_أخيراً نورتِ بيتك .
تبتسم وهي تخفي وجهها في حنايا عنقه هامسة :
_بيتنا ..زي ما رسمته ..كنت دايماٌ بشوفه ناقص أجمل ما فيه ..
ثم تطبع على شفتيه قبلة رقيقة مردفة :
_انت!
_خلاص ..ما عادش فيه حاجة هتفرقنا ..العمر اللي فات واللي جاي ليكِ .
يقولها بحرارة لا تكاد تخص شخصاً مثله إلا فيما يتعلق بها هي ..
يتحرك ليطوقها بذراعيه فتمد كفيها للخلف تشبكهما بكفيه وهي تعيد رأسها للخلف ساحبة نفساً عميقاٌ بينما تطالع نجوم السماء ..
ثم تزفره ببطء كأنما تطرد معه كل هواجسها ..
تضحك فجأة ضحكة عالية كأنما استعادت لتوها شعورها بالفرحة التي عايشتها منقوصة طيلة هذه الليلة ..
فيبتسم وهو يشعر بضحكتها تضيئ قناديل روحه كلها ..
يراها تزيح كفيه عنها لتبتعد ثم تنفض حذاءها عن قدميها لتعدو فاردة ذراعيها وصوت ضحكاتها يحلق حولهما ..
فيشاركها جنونها وهو يخلع سترته ويرميها خلفه ثم يخلع حذاءه وجوربه ليلقيها بسرعة ويعدو خلفها ..
جسدها يعدو بحركة راقصة فتبدو كفراشة متمايلة ..
تتوقف أمام الكوخ الذي فتحته بمزيج من حذر واشتياق لتمد رأسها بداخله ..
ستائره الملونة تتمايل بنعومة فوق نوافذه المفتوحة ..
ترفع رأسها لأعلى تعانق نجوم السماء التي شعرت وكأنها تتألق أكثر هذه الليلة تشاركها سعادتها ..
تبتسم وهي تشعر بكفيه على خصرها بينما همسه الدافئ يلفح أذنيها :
_خلاص! مش هتنامي هنا تاني ..من النهارده هننام سوا في أوضتنا فوق ..هنتشارك كل حاجة زي ما عملنا طول عمرنا .
تتورد وجنتاها بخجل فطري وهي تراه ينحني ليحملها بين ذراعيه كطفلة ثم يتحرك بها ليدخل بها البيت ..
تتعلق بذراعيها في عنقه وعيناها تعانقان عينيه بهذه النظرة التي تشد وثاق روحيهما يوماً بعد يوم ..
يصل بها لغرفتهما فينزلها أرضاٌ لتتلفت حولها فتضحك وهي ترى الفراش كله قد زيّن ببتلات الفل ..
_كنت مراهنة نفسي إنك هتعملها !
تهمس بها وهي تحيط وجنتيه براحتيها ليميل على شفتيها هامساٌ :
_أنا بقا مراهن نفسي إنك هتخليني أسعد واحد في الدنيا الليلة دي .
قلبها يرتج بهدير عاطفتها وهي تشعر به يكاد يعتصرها بين ذراعيه ليذيبها في لهيب عاطفته ..
أنفاسه مع أنفاسها تمتزج برائحة الفل حولهما فتشعر وكأنها تلملم بين ذراعيه بقايا عمر مضى وآخر سيأتي ..
ترتقي معه درجات سلم توقن أنه لن يتركها حتى يبلغ بها قمته ..
فلا خوف بعد ولا فقد ..
بل حبٌ وحبٌ ..وحب..
=======
_الحمد لله الدكتور طمننا ما تقلقيش.
يهمس بها إسلام وهو يجلس جوارها على طرف الفراش الذي نامت فوقه ريما ..
لتمسح هي وجهها بإرهاق قبل أن تخفيه بين كفيها فيرمقها بنظرة مشفقة ناسبت قوله :
_نامي انتِ شوية وأنا هافضل سهران هنا ..مش هنستفيد حاجة لما نسهر احنا الاتنين .
فترفع إليه عينيها ب"نظرتها الآسرة" والتي صار يفهم مزيج حيرتها وبراءتها ..
يرى شفتيها ترتجفان وأناملها تزحف على الفراش نحوه فيتذكر موقفاً مشابهاً خذلته فيه لتتوقف حينها في منتصف الطريق ..
لكنها الآن تصل إليه لتتشبث بكفه ب"وهن"يناسبها ..
فيجذبها بذراعه الحر نحوه ليضمها إليه ب"قوة" تناسبه !!
يشعر بأناملها هناك في موضع شامته فيبتسم وأنامله تتخلل خصلات شعرها مع همسه الدافئ:
_خايفة كالعادة ؟!
فتعض شفتها بقوة وهي تخفي وجهها في كتفه هامسة بألم:
_كل ما كنت بفتكر بابا الله يرحمه كانت بتصعب عليّ ريما قوي ..كنت بقول لنفسي حرام تعيش من غير ما تجرب يعني إيه أب في حياتها ..لما كنت بتعب وأنا صغيرة كان بابا بيصرّ إنه هو اللي يسهر جنبي ..مواعيد الدوا والأكل بالدقيقة والثانية ..لسه شايفة إيده وهي بتمد لي معلقة الدوا ..حاسة بلمسته على جبيني وهو بيجس الحرارة ..شامة ريحة كوباية الينسون الدافيه ..وحاسة برفعة الغطا فوقي وأنا مش طايقاه بس هو بيقوللي
لازم تعرقي عشان تبقي كويسة ..فاكرة أول فسحة بعدها لما أخف ..فرحته وهو شايفني بتنطط ..إيده وهي ماسكة إيدي واحنا ماشيين في الشارع وهو بيحكيلي حكاياته اللي ما كانتش بتخلص ..واحساسي إني مهما تعبت ..مهما اتوجعت هلاقي في حضنه الأمان والدوا ..عشان كده كنت بترعب أول ما ريما تتعب ..كانت بتصعب عليّ لإنها اتحرمت من كل ده ..وبسبب اختياري أنا الغلط .
_ممكن تبطلي تجلدي نفسك بقا ؟!
يهمس بها بخفوت مشفق وهو يرفع ذقنها نحوه ليردف :
_من سنة واحدة بس لو كان حد قاللي إني هاوصل لكده كنت قلت عليه مجنون ..من واحد مقضيها طول بعرض وضارب الدنيا كلها ستين جزمة قديمة ..لواحد حاسس إن روحه بقت خلاص متعلقة في اللي حواليه ..ومع ذلك مش متضايق
بالعكس ..حاسس إن حياتي بقالها قيمة بيكم ..
ثم يقبل جبينها بعمق لتتباطأ حروفه كأنما يزرع معناها في روحها ويجتث معها كل جذور خوفها :
_أنا هنا ..وهافضل هنا ..لإني ماعادش ينفع غير إني أكون هنا ..ريما بنتي ..وانتِ ..
يقطع عبارته عامداً لترمقه بواحدة من نظراتها المهلكة تستحثه على إكمالها ..
لكنه يبتسم وهو يغمزها هامساً بنبرة عاد إليها مذاق مشاكسته :
_وحش الشاشة ..فخر صناعة التين الشوكي في مصر ..الست نشويات سيدة
الإمكانيات ..تحبي ألقاب كمان ؟!
تكتم ضحكتها في كتفه بينما تلكزه في
الآخر بقبضتها هامسة :
_مفيش فايدة ! ماعندكش كلمتين جد يكملوا لآخرهم أبداً .
_بمناسبة الكلام الجد بقا ..هه ..بقالنا كتير ما اتحاسبناش !
يهمس بها بحاجبين متراقصين فتدفعه برفق هامسة باستنكار:
_ده وقته ؟!
_ماشي ..الحساب يجمع يا عسل!
يغمزها بها وهو يخبط بكفيه على ركبتيه لينهض واقفاً مكانه ثم يردف بنفس الخفوت كي لا يوقظ الصغيرة وهو يستخرج هاتفه من جيبه :
_هاخرج بس أكلم ياقوت أطمن إنها روحت .
تمنحه ابتسامة واهنة فيرمقها بنظرة متفحصة وهو يشعر ببعض الغموض في نظراتها كأنما تخفي عنه شيئاً ..
لكنه يتجاهل هذا الحدس وهو يقرص وجنتها بخفة قبل أن يغادر الغرفة ..
فيما ظلت هي تراقب ظهره المنصرف بشرود ونظرتها الغامضة تتشح بشعورها
بالذنب رويداً رويداً ..
هذا الشعور الذي تعاظم كثيراً وهي تتناول هاتفها لترمق سجل الاتصالات فيه بنظرة خاصة وهي تطالع رقماً بعينه قبل أن تمسحه !
تعض شفتها بالمزيد من شعورها بالذنب وهي تفكر ماذا لو علم عما تخفيه ..
لكنها تكتم مشاعرها وهي تزيح الهاتف جانباً ببعض العنف لتنحني فتعانق جسد الصغيرة النائمة بلوعة فضحتها ملامحها ..
لوعة امرأة تخشى الفقد ولم تعد تفهم حقاً ماذا تريد ..
======
_فين حلقك يا دكتورة ؟!
تقولها ثمر بنظرات متفحصة وهي تراقب وجه ياقوت الشاحب وعينيها المنتفختين بدموعها عقب خلعها لوشاحها..
كانت قد عادت لتوها من القاهرة في أول قطار وجدته صباحاً وقد شعرت بحاجتها ل"حضن ثمر"بعد ما حدث بالأمس في حفل زفاف همسة ..
هذا الذي اندفعت نحوه بكل قوتها لتخفي وجهها في كتفها وجسدها يرتجف ببكائها لتربت ثمر على ظهرها صامتة دون كلمات ..
كانت تدرك بحدسها أن القرط يخص زين ومادامت ياقوت قد خلعته فقد فعل ما ساءها ليلة أمس..
لكنها لم ترد الضغط عليها أكثر مع ما تراه من حزنها فاكتفت بعناقها الصامت لها ..
ليصلها أخيراً همس ياقوت المختنق:
_تعبت يا ستي ..تعبت من المعافرة في طريق مش بتاعي ..انتِ كان معاكِ حق .
فتبعدها ثمر لتتفحص ملامحها بمزيج من قلق وتوجس لكن ياقوت تمنحها ابتسامة مطمئنة وهي تمسح دموعها لتتلفت حولها قائلة بمرح مصطنع:
_البيت مالوش طعم من غير "أوبرا"..وحشتني قوي .
لكن محاولتها المصطنعة للتجاهل لم تزد ثمر إلا قلقاً فجذبتها من كفها نحو الأريكة القريبة لتجلس جوارها وتسألها بجزع:
_حصل إيه امبارح؟!
فتهز ياقوت رأسها ولم تكد تفتح شفتيها لترد حتى سمعت صوت طرق الباب فانتهزت الفرصة لتضع عليها وشاحها من جديد وتتوجه نحو الباب الذي فتحته لتجده هو أمامها ..
زين!
قلبها يرتج بين ضلوعها بقوة وهي تخاف أن يخذلها جنونه أمام جدتها !!
جنونه الذي اختبرت قبساً منه بالأمس!!
لهذا شحبت ملامحها بقوة وهي ترمقه بنظرة هادرة بين غضب ورجاء ..
قبل أن تعاود النظر خلفها نحو ثمر التي تقدمت نحوهما بعينين غامضتين لتهتف بنبرة محايدة :
_أهلاً يا بيه ..اتفضل .
يتقدم زين نحو الداخل وهو يشعر بنفس الرهبة التي اجتاحته أول مرة عقب لقائه بثمر ..
رهبة اختبار لايعلم كيف ستكون فيه نتيجته !
يجلس مكانه لتجلس ثمر في مقابلته وجوارها ياقوت التي احمر وجهها بانفعاله وهي تترقب كل ملامحه بلهفة متوجسة ..
أخشى ما تخشاه أن تفلت منه كلمة تفضح ما كان بينهما لجدتها ..
لهذا بسطت راحتها على صدرها وهي تدعو الله سراً أن يمر الأمر بسلام ..
فيما نقلت ثمر بصرها بينهما بنظرة متفحصة لتخاطب زين أخيراً بنبرة متحفظة :
_خير يا بيه ؟!
يتنحنح زين بارتباك غريب على تماسكه المعهود وهو يشعر أنه فقد معها كل حدود تعقله حقاً ..
منذ غادرته بالأمس وعقله لا ينبض إلا بخاطر واحد ..
أنه خسرها!
هذا الذي أثار جنونه وهو يجد أول ما يفعله صباحاً أن يتوجه إلى هنا وقد أدرك بخبرته عنها أنها ستهرع إلى حضن ثمر بعدما كان بينهما ..
_آسف إني جيت من غير معاد ..بس حاولت أكلم ياقوت وموبايلها مقفول ..
يقولها بارتباك مشتت وجد أثره في قلب ثمر ليمنحه نقطة إضافية في رصيده الإيجابي لديها رغم تحفظها من حالة ياقوت الغريبة ..
لهذا ابتسمت بهدوء وهي تتناول مسبحتها القريبة من على الطاولة لتحرك حبيباتها ببطء بين أصابعها قائلة :
_البيت بيتك ولو إنه مش أد المقام يا بيه ..شكله موضوع مهم ومستعجل قوي .
يتمالك قوته وهو ينقل بصره للحظات بين عيني ثمر المتفحصتين وعيني ياقوت الشبيهتين والنابضتين بمزيج من خوف ورجاء وغضب ..
غضب انتشرت ذبذباته بينهما عبر هذه المسافة ..
_أنا جاي أطلب إيد ياقوت !
تضغط ياقوت شفتيها بقوة كاتمة شهقة صدمتها وراحتها تكاد تعتصر قماش قميصها ..
ترمقه بنظرة ذاهلة ثم تلتفت نحو ثمر بترقب لكن الأخيرة لم تبدُ بهذا القدر من الصدمة ..
بل بدت وكأنها بشكل ما كانت تتوقع !
الصمت الثقيل يخيم فوق ثلاثتهم لدقيقة كاملة لا يقطعه سوى صوت حبيبات المسبحة التي تحركها أصابع ثمر ..
والتي ظلت مطرقة بوجهها قبل أن ترفعه أخيراً نحو زين لتقول بنفس النبرة المتحفظة :
_طلبك يشرفنا يا بيه ..بس ..
تصمت لحظة بعدها فيقع قلب ياقوت بين قدميها فيما يعقد زين حاجبيه بقوة شاعراً أنه سيسمع ما يسوؤه ..
وقد كان ..
فقد هزت ثمر رأسها باستطرادها بأنف مرفوع:
_النبي صلى الله عليه وسلم بيقول "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"..دكتور سامر زميلها في الشغل سبقك وطلب إيدها واحنا لسه بنفكر ..
ينتفض زين مكانه بغضب مجنون اشتعلت له روحه قبل ملامحه ..
لتقف كل من ياقوت وثمر مكانهما فتردف
الأخيرة بنفس النبرة المتحفظة والرأس المرفوع:
_لو ماحصلش نصيب بينهم ساعتها اللي فيه الخير يقدمه ربنا .
_نصيب ؟!!..بينهم ؟!!
يتمتم بها من بين أسنانه بحدة مكتومة وعيناه تكاد تقتلعان ياقوت من مكانها بنظراتهما الحارقة ..
خاصة وهو يشير إليها بسبابته المرتجفة محاولاً تمالك جنونه :
_ده رأيك انتِ كمان ؟!
تشعر ياقوت برهبة خانقة وهي لا تدري سبب ما فعلته ثمر ..
الآن هو من يتقدم لخطبتها وهي ترفضه !!
لماذا؟!
لماذا وهي تعلم أنها لم تحب رجلاً غيره ؟!
ودون أن تسألها عن رأيها ؟!!
تنقل بصرها بينهما بتردد لم يدم سوى للحظة واحدة قبل أن تتحرك خطوة جوار ثمر لتقول بصوت أرادته قوياً لكنه خانها ليخرج مرتجفاً :
_كلمة ستي ثمر ما تتكسرش ولا تتقال مرتين .
تنفرج شفتاه فينقبض قلبها بالمزيد من الخوف خاصة مع برق الغضب الذي كان ينبض في عينيه ..
لكنه عاد يطبقهما بقوة ثم توجه ببصره نحو ثمر ليهز رأسه بصمت قبل أن يغادر بخطوات هادرة دون كلمة واحدة ..
=======
انتهى الفصل الثامن والعشرون
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل التاسع وأربعون 49 - بقلم سينابون
القطعة السابعة والعشرون
======
_إسلام! كنت فين ؟! ما بتردش على تليفونك ليه ؟!
تهتف بها ياقوت بلهفة قلقة وهي تفتح له باب شقتها ليروعها مظهره ..شعره المشعث ..منامته البيتية التي خرج بها ..عيناه المحمرتان بمزيج من غضب وألم ..وأخيراً هذا الجرح في مقدمة جبهته ..والذي أشارت إليه بسؤالها الجزع ليرد :
_حادثة بسيطة ..لبست في شجرة .
يقولها بنبرته المتهكمة التي تعرفها إنما بألم رهيب فاض بين حروفه لتفسح له الطريق هاتفة :
_نشوى كلمتني تسأل عليك ..
ثم صمتت لحظة لتردف بأسف:
_حكتلي اللي حصل ..قالتلي زعلتك وانت خرجت بسرعة ..
عيناه تتوهجان بغضب أعمى وهو يشعر بالدم يفور في عروقه ..لقد منع نفسه بالكاد من أن يخنقها بيديه بعدما تفوهت به ..
صفعة واحدة لم تكفه ..ودّ لو يلحقها بألف مثلها لعله يرد لها صفعتها لقلبه ..ولرجولته قبله .
_احكيلي حصل إيه ..الموضوع شكله مش خناقة عادية .
زفر زفرة ساخطة وهو يشعر بالنصل البارد يغرس في صدره من جديد ..
لقد غادر البيت بعد صفعته لها وقد عجز أن يواجهها أكثر ..
خاف على نفسه أن تجرحه بالمزيد ..
وربما خاف أن يؤذيها هو أكثر ..
طوال هذه الساعات من أول اليوم وهو يجوب الشوارع بلا هدف ..
يستعيد لحظات جمعته بها في جنة ساحرة بالأمس لم تلبث أن استحالت لجحيم مستعر !!
هذا الذي اكتوت به حروفه وهو يحكي لياقوت -ببعض التحفظ- عما كان لتستمع إليه صابرة قبل أن تقول بأسف:
_استعجلْت! ..بس ما أقدرش ألومك !
يكز على أسنانه بغضب وهو ينحني بجذعه ليطرق برأسه دون رد ..بينما هي تردف بنبرة عاتبة :
_هي لما اعترفت لك ماكانش قصدها تجرحك ..كانت خايفة تعيش نفس الإحساس تاني ..كانت قرفانة وهي شايفة نفسها خاينة ولو مع صورة في خيالها ..لو واحدة مش نضيفة كانت استحلت الموضوع وخبت عليك ..كانت اشترت راحة بالها وأمان بنتها بالسكوت ..
ثم صمتت لحظة لتردف :
_انت عارف كام حالة قابلتها رجالة وستات عايشين ومكملين مع شريك حياتهم بالخيال المريض ده ؟! ده واحد في مرة قاللي : يا دكتورة الخيال ده فاتح بيوت ، من غيره ما كنتش طقت أكمل ..فيه ناس عايشة كده ومش مستحرمة ولا حتى مكسوفة ..لكن هي لأنها مستقيمة وشخصيتها ماتعرفش لف ودوران فضّلت تعترف لك عشان توقف الغلط ده .
الصدمة تكسو ملامحه للحظات وهو يحاول رؤية الأمر من هذه الزاوية ..لتردف هي بالمزيد من الانفعال:
_بتلومها على إيه ؟! كأنك اتفاجأت مثلاً إنها بتحبه !! قلت لك إنها عايشة هوس اسمه ناصر ..واحدة من أقل من شهر كانت مهيئة نفسها تتجوز حب عمرها ..وفجأة ليلة الفرح تلاقي نفسها مراة واحد تاني ..ما بين خيبتها وكسوفها ..وكلام الناس اللي ما بيرحمش ..وقلقها على بنتها ..وإحساسها إنها تايهة ومش فاهمة حاجة ..بتهرب للشغل بتهلك نفسها فيه عشان تبين إنها لسة قوية ما اتكسرتش ..متخيل انت بقا إنها وسط كل ده لما تسمع منك كلمتين حلوين هتبتسم وتقفل باب الماضي؟! انت بجد فاكر الحكاية سهلة كده ؟!
_وجرحها ليّ هو اللي سهل؟!
يصرخ بها بغضب وهو يرفع رأسه نحوها لترد :
_لو جرحتك مرة فهي جرحت نفسها عشرة ..انت نفسك حكيتلي حالتها كانت عاملة إزاي لما صحيت وشفتها في البلكونة .
يغمض عينيه بألم وهو يستعيد مشهد ذراعها الدامي بتلك الخدوش وهذه الكدمة على مقدمة جبينها إزاء خبطه في الحائط ..
لتردف ياقوت وهي تعاود التربيت على ركبته :
_الوضع اللي انت فيه صعب أي راجل يقبله ..بس انت اخترت الطريق م الأول وهي ما كذبتش عليك ..وعموماً لو مش هتقدر تكمل محدش هيلومك ..بس حقيقي هتبقى كسرتها الكسرة اللي مالهاش جبر المرة دي وخيبت أملي فيك ..كفاية القلم اللي اديتهولها ده ..هيزود احساسها بالذل أكتر .
_يعني عايزاني أعمل إيه دلوقت ؟! أرجع وكأن مفيش حاجة حصلت !!
يسألها بانفعال ملوحاً بكفه فانفرجت شفتاها تهم بالرد عليه لولا أن رن هاتفها لتتلقفه بسرعة هاتفة :
_اتلبخت في الكلام معاك ونسيت أطمنها ..دي هتموت م القلق م الصبح ومحلفاني لو عرفت عنك حاجة أقوللها ..
ثم تفتح الاتصال لتقول بتماسك:
_أيوة يا نشوى ..هو جالي هنا ..
_هو كويس؟! هو كويس؟!
صراخها الهستيري يصله هو مكانه فينعقد حاجباه بشدة وملامح ياقوت تزداد قلقاً مع صراخ نشوى المتواصل بنفس العبارة لترد محاولة إيقاف هياجها الانفعالي:
_والله كويس ..جنبي اهه ..تكلميه ؟!
فيزداد انعقاد حاجبيه وهو يبتعد برأسه رافضاً اقتراحها لكنه يسمع صوت الاتصال يغلق فجأة ..
فتنتفض ياقوت مكانها هاتفة بجزع:
_إسلام أنا مش مطمنة ..حالتها مش طبيعية خالص ..مادام وصلت إنها تأذي نفسها ممكن تعمل أي حاجة خصوصاٌ إن البنت كمان مش في البيت .
تتسع عيناه بارتياع وقلبه يغوص بين ضلوعه رعباً بينما ينتفض واقفاً فتدفعه ياقوت نحو الباب مردفة :
_لو مش هتقدر تبقى معاها وديها لأخوها بس ما تسيبهاش لوحدها دلوقت .
تشحب ملامحه والقلق ينتقل منها إليه ليهرول خارجاً قبل أن يستقل سيارته نحو البيت من جديد ..
يستعيد كلام ياقوت فيشعر أن رأسه يكاد ينفجر بهذا الصراع ..
رجولته وكرامته تأبيان عليه أن يعود إليها بعد ما كان ..
لكن قلقه عليها يفوقهما فيزيد من سرعة سيارته وهو يتذكر مشهد الدماء على ذراعها المخدوش ..
يصل أخيراً للبيت فيفتح الباب بسرعة ليتنهد بارتياح وهو يرى أشرف وريما التي اندفعت إليه هاتفة بمرحها المعهود :
_وحشتني ..ماجيتش خدتني بدري ليه ؟!
يحملها ليضمها إليه بقوة دافناً وجهه بين خصلات شعرها كأنه يدفن معه انفعالات الساعات السابقة ليسألها بصوت متحشرج بينما عيناه تبحثان خلفها خلسة عن نشوى:
_رجعتِ امتى؟!
_لسه جايبها دلوقت ..استغربت لما محدش فيكم كلمني م الصبح ..انتو ما صدقتم واللا إيه ؟!
يقولها أشرف بمرح بدا له مصطنعاً قبل أن يربت على ظهر ريما قائلاً :
_روحي المطبخ لماما شوفيها بتعمل إيه !
ولم يكد إسلام ينزلها أرضاً لتعدو نحو المطبخ حتى اقترب منه أشرف هامساً بقلق:
_نشوى مالها ؟! من ساعة ما فتحت لي الباب وشكلها غريب ..و الكدمة اللي في وشها..وانت كمان شكلك ..
صرخة ريما العالية تقاطع حديثه فيعدو كلاهما نحو المطبخ ليروعهما المشهد ..
نشوى جالسة على الكرسي أمام مائدة المطبخ وذراعها أمامها غارق في بركة من الدماء !!
=======
_استر يارب! إيه كل الدم ده ؟! إيه اللي حصل؟!
يهتف بها أشرف بجزع وهو يتناول منشفة قريبة يكتم بها جرح يدها لكنها تبدو مشوشة تماماً وهي ترد بعينين زائغتين :
_بسيطة ..كنت ..بقطع تفاحة لريما .
_بتقطعي تفاحة بالسكينة دي؟!
يسألها باستنكار وهو يميز السكين الكبير جوارها والذي يستخدم عادة في تقطيع اللحوم لتهز رأسها بلا معنى وعيناها الزائغتان تبدوان وكأنهما لا تراهما ..
الرعب يجمد إسلام مكانه وهو يرى حالتها ..
إنها حتى لم تنتبه لوجوده ..!
جسدها كله يرتجف وشفتاها شاحبتان كالموتى ..
بكاء ريما ينتزعه من جموده فينحني ليحملها فيربت على ظهرها هامساً :
_ما تخافيش .
ثم يتحرك بها نحو أشرف الذي كان يتفحص راحة كف نشوى ليهتف هو بقلق:
_الجرح شكله مش سطحي ..تعال بسرعة ع المستشفى اللي جنبنا .
انتبه لشهقتها الخافتة عندما سمعت صوته كأنما تنبهت الآن فقط لوجوده ..لكنها لم ترفع عينيها نحوه ..
بقيتا زائغتين تدوران حولها كأنما تبحث عن شيئ ما ..
أو ..تهرب من شيئ ما !!
لم يدرِ كيف مرت بهم الدقائق القادمة وسط هذا الضجيج الذي كان يشوش على قلبه وروحه وهو يتأمل ملامحها التي بدت شاحبة مستسلمة ..
لم تكن تتأوه كأنما فقدت كل شعورها ..
لكنها ما كادت تغادر الغرفة حيث تم تخييط جرحها الغائر حتى بدت وكأنما عادت لها بعض الحياة ..
خاصة عندما مد أشرف يده يربت على كتفها قائلاً بإشفاق قلق:
_مالك يا نشوى؟! إيه اللي حصل ؟!
لترفع إليه عينين زائغتين جامدتين كملامحها للحظات ..
قبل أن ينهار كل هذا السد من التماسك وهي تلقي نفسها بين ذراعيه تهتف بين فيض دموعها التي سقطت أخيراً ..وهي تستعيد إحساسها بالألم ..كل الألم :
_خدني معاك بيت بابا يا أشرف ..هاسمع كلامك وهابطل عِند ..بس خدني أوضتي هناك وهاقفل عليا أنا وبنتي العمر كله .
الصدمة تكسو ملامح أشرف للحظات وعيناه تدمعان مع انهيارها العجيب على شخصية بطباعها المتمردة ..
هل هذه نشوى؟!
لم يتصور يوماٌ أن تخرج منها كلمات كهذه !!
إنها لم تنهر هكذا أيام طلاقها الأولى ..
ولا حتى ليلة خذلها ناصر ..
بل بقيت متصنعة القوة بردائها المتنمر الذي يعرفه ..
ما الذي كسرها هكذا ؟!!
إسلام؟!
يرفع إليه عينين متسائلتين باتهام صامت ليقف إسلام يجاهد نفسه كي لا يسحبها من حضن أخيها إلى صدره هو بعد انهيارها هذا..
والاتهام يتحول لتساؤل صامت كذلك يجيبه إسلام وهو يجد نفسه يتقدم منهما خطوة بريما التي يحملها هاتفاً بحزم :
_مش هيحصل ! ..مراتي مش هتبات بره بيتي ليلة واحدة .
هنا ترفع هي رأسها لتلتفت نحوه بحدة دون أن تجرؤ على النظر في عينيه وردّه يصدمها لأقصى درجة !
ألا يزال يريد الاستمرار في هذه الحرب الخاسرة ؟!
ألايزال هناك المزيد من المتسع للخيبة ..للخزي ..للإذلال ؟!!
_عشان خاطري يا أشرف ..عشان خاطري ..
تعاود الهتاف بها برجاء يدمي القلب وسط فيض دموعها وهي لا تتصور كيف ستواجه إسلام بعد ما كان بينهما ؟!
كيف سترفع عينيها في وجهه ؟!
لقد عاشت أسوأ حالاتها بعد رحيله عنها وهاجس مفزع من "شعورها المغالي بالذنب"يصور لها أنه سيؤذي نفسه بسببها ..
لماذا يفعل بنفسه وبها هذا ؟!
فليبتعد وليتركها لضلالها القديم !!
بينما وقف أشرف حائراً بينهما لا يعلم ماذا يفعل ..
حميته الطبيعية تتجه لشقيقته خاصة وهي بهذا الانهيار ..لكن نظرة لوجه إسلام تشي أنه ليس أفضل منها حالاً ..
هل عزْل هذين هو الحل؟!
أم أن دواء كل منهما في صاحبه ؟!
لتحسم ريما هذه الحيرة وهي تتعلق بعنق إسلام أكثر هاتفة :
_سيبنا مع بابا ..هو هياخد باله مننا احنا الاتنين .
_اسكتي خالص ..اسكتي .
تصرخ بها نشوى بانهيار وتعلق ابنتها المغالي به يزيد من مخاوفها ..
لكن أشرف يهتف أخيراً بحزم:
_هاروحك بيتك مع جوزك .
فتتسع عيناها بصدمة هاتفة :
_انت بتمنعني من بيت بابا ؟!
لكنه يكتنف كتفيها بقبضتيه قائلاً بحنان حازم:
_البيت مفتوح لك أي وقت ..بس الليلة دي بالذات انتِ هتروحي مع إسلام .
يقولها مستشعراً بحدسه أن إسلام وحده هو من يمكنه احتواء حالها الغريب هذا ..
خاصة وملامحها تزداد شحوباً بعدها وهي تبتعد عن مرمى ذراعيه لتعود عيناها لشرودهما الزائغ من جديد ..
_ياللا بينا عشان ريما خايفة .
يقولها إسلام عبر ملامحه الجامدة ليومئ أشرف له برأسه قبل أن يغادر جميعهم المشفى نحو سيارة الأخير الذي بقي يراقب صمتهما طوال الطريق بقلق ..
ولم يكد يصل بهما للبيت حتى هتف بريما :
_ادخلي أوضتك مع مامي ..عايز بابا في كلام كبار .
فترمق الصغيرة إسلام بنظرة خائفة لكنه ينحني ليقبل وجنتها فيقول مطمئناً :
_هنتفرج على فيلم لما خالو يمشي ..هيعجبك قوي!
فتبتسم الصغيرة وهي تعاود النظر لأمها التي لاتزال في حالها الغريب والتي أمسكت كفها لتختفيا معاً في الغرفة المجاورة ..
_مش هسألك نشوى مالها ..اللي مرت بيه طول الأيام اللي فاتت مش هين ..بس هسألك سؤال راجل لراجل ومش هاطلب منك تفاصيل ..
يقولها أشرف بحزم وعيناه ترصدان كل انفعالات وجه إسلام الذي بدا له غاضباً كما لم يره من قبل ..
_انت ندمان ؟! عايز ترجع في الجوازة دي؟!
يكز إسلام على أسنانه صامتاً وهو يشيح بوجهه ..
فتشتد ملامح أشرف أكثر مع استطراده :
_أنا رجّعتها معاك لما لقيتك مُصرّ لكن لو مش قادر تستحملها فأنا ماأقدرش ..
_أنا بحبها .
يقاطع بها إسلام حديثه بصوت متحشرج ولايزال مشيحاً بوجهه ومجرد ذكر فراقها يعيده لسجن خوف لم يعرفه من قبل بهذه الضراوة ..
لترتخي ملامح أشرف نوعاً وهو يختار الصمت للحظات ..
قبل أن يختم حديثهما بقوله :
_مش هسألك عن خصوصياتكم بس موقفك ده كبّرك في عيني أكتر ..خدها نصيحة من واحد كان قرب خلاص يخسر كل حاجة وقصاد لحظة إيمان من حبيبته رجعت له الدنيا كلها ..الأزمات هي اللي بتبين الحب الحقيقي ..يااما بتمحيه يااما بتثبته أكثر .
======
_ياللا يا مامي عشان خاطري ..قومي ..
تهتف بها ريما بإلحاح فتحاول الرفض مرة تلو مرة لكن الصغيرة تبكي هاتفة :
_ماشفتكيش النهارده كله ..وخايفة أسيبك لوحدك تتعوري تاني ..عشان خاطري قومي شوفي معانا الفيلم .
فتلتفت نحوها من شرودها ليخز قلبها مشهد الصغيرة التي لا ذنب لها في كل هذا ..
والتي لا تدري كيف سيكون مصيرها بعد اليوم!
سيطلقها !
أي رجل سيحتملها بعد ما قالته ؟!!
ربما خجل أن يفعلها اليوم أمام أشرف بعد إصابتها ..
لكنه سيفعلها لاريب !!
فلتدع الصغيرة تتنعم بما بقي لها من أيام معه ..
أما هي ..فقد انتهت على أي حال !
تتحرك كالدمية بآلية متخشبة الملامح وبقايا دموع متجمدة على وجنتيها تزيد الصورة بؤساً..
لا تستطيع رفع عينيها إليه خزياً والذل يبسط غلالته على وجهها ..
تتخذ مكانها المعهود جواره لتتحفز جلستها وهي تراه يمد ذراعه كالعادة ..
إنما ليحتضن ريما فحسب !
حركة بسيطة إنما تلقتها روحها ك"صفعة" أخرى!
هل كانت تتوقع أن يفعلها هذه المرة أيضاً ؟!
لا ..
لكنها فقط ازدادت خزياً وهي تشعر بالمزيد من النبذ ..
تراقب جرح يدها بشرود وهي تشعر بالرعب أنها لا تتذكر كيف أصيبت ..
هل حاولت الانتحار؟!
هل أصابها الجنون ؟!
ومنذ متى لم يصبها ؟!
هي مفقودة منذ عمر ..
سقطت ولاتزال تسقط ..!
شرودها يبتلعها بعدها لساعة كاملة حتى تنتبه لاستسلام الصغيرة للنوم لتراه يقف ليحملها نحو غرفتهما يضعها في فراشها قبل أن يغادر الغرفة دون نظرة واحدة لها ..
لكن هل تملك هي جرأة النظر إليه ؟!
آآآه !
ليتها تملك أن ترجم نفسها حتى الموت ربما وقتها ينتهي كل هذا العذاب ..
وفي الغرفة الأخرى كان هو جالساً على الفراش مطرقاً برأسه ..
لقد تماسك طيلة الساعات السابقة لكنه يود الآن لو يستسلم لانهياره ..
لو ينسى غضبه ..
خذلانه ..
جرحه ..
ورعبه وهو يرى دماءها تنزف حولها وهي لا تشعر!!
يستعيد كلمات ياقوت فيسأل نفسه ..
هل يمكنه حقاً أن يحتمل وضعاً كهذا ؟!
ويستعيد تشبث ريما به فيسأل أيضاً ..
هل يمكنه التراجع ؟!
يزفر زفرة مشبعة بعذابه وهو يلتفت برأسه نحو جانب الفراش الذي تلمسته أنامله ببطء ..
هاهنا كانت بالأمس بين ذراعيه لينهل من رحيق أنوثتها كيف شاء ..
لقد تعجب استسلامها السريع ..
الغافل لم يكن يعلم أنها لا تراه هو!!
الدماء تفور في عروقه عند الخاطر الأخير فيضم قبضته جواره بقوة وهو يهم بمغادرة البيت من جديد كي لا يرتكب ما يندم عليه ..
لكن خاطراً مفاجئاً يجتاحه ليصرف تفكيره لزاوية أخرى ..
لقد بدت له بالأمس -عديمة الخبرة تماماً- كأن لم يسبق لها زواج !!
كيف كانت علاقتها بزوجها السابق إذن ؟!
هل كانت تتخيله ناصر كذلك ؟!
لماذا إذن ..؟!
أفكاره تنقطع لتتجمد تماماً وهو يراها تقترب ..
مكتفة ذراعيها مطرقة الرأس بخزي عزّ عليه أن يجتاح ملامحها التي طالما عشق عنفوانها ..
تجلس جواره على مسافة مناسبة ليميز ارتجافة جسدها التي لا تهدأ ..
يشيح بوجهه وكل ما فيه -سواه- إليها يلتفت !!
يسمعها تقول بنبرة مرتجفة نال منها الخزي كما نال من بقية ملامحها :
_هتعمل إيه ؟!
صمته الثقيل يقف بينهما بعد سؤالها ..لتردف بخوف:
_هتسيب ريما ؟!
فتختلج عضلة فكه وهو يمنع نفسه من النظر إليها ليقول بخشونة جافة :
_وعدتك مش هاسيب ..
ثم يقطع عبارته رغماً عنه ليصمت لحظة سبقت قوله :
_مش هاسيبها !
تغمض عينيها بقوة كأنما تلقت منه صفعة ثالثة !
كان يقولها "مش هاسيبكم" والآن صارت "مش هاسيبها" !
حسناً ..في النهاية لا يصح إلا الصحيح وهي لم تكن ترجو منه تفهماً أكبر !
_أنا معاك في أي قرار هتاخده ..لو عايز تطلقني ..أو حتى تتجوز تاني ..بس ليا عندك طلب ..
لم يغير جلسته ولم يقوَ على النظر نحوها ..
كل ما فيه الآن كان يشتعل ناراً يحترق داخلها وحده ..
ويزيد "خزيها الذليل" هذا من تأججها !
_مش عايزة أشرف يعرف حاجة ..أنا مش هاقدر ..
عبارتها تنقطع بغصة في حلقها لكنها تمسك دموعها عن السقوط فترتجف شفتاها بقوة ليجد هو بعض القوة أخيراً فيلتفت نحو وجهها الذي أطرقت به ..
_هو أنا شكلي باين عليه إني بطلع أسرار بيتي بره ؟!
يقولها بنفس الخشونة المريرة وهو يشعر ببعض الذنب من إسراره لياقوت بأمرها لكنه طلب رأيها كطبيبة خاصة وقد بدأت نشوى بمكالمتها ..
_شكراً .
تهمس بها بنفس الخزي الذليل وهي لا تجد ما تقوله بعد ..
الآن تعود لغرفتها الآمنة فتغلقها عليها ..
ساعتها فقط قد تجد بعض الراحة .
تنهض لتقف فتترنح مكانها لكنه كان عاجزاً عن مد يده نحوها ..
لن يستطيع أن يمسها بعد الآن!
عيناها لا تزالان عاجزتين عن مقابلة نظراته لكن عينيه كانتا تتفحصان ملامحها بمزيج من غضب وإشفاق ..
تتوقفان قليلاً عند جرح شفتيها الصغير الذي نالها من صفعته فيشعر بوخزة في صدره ..
تنتقلان لكدمة جبينها ثم لجرح يدها فيهتف بها فجأة بنفس الخشونة :
_باب الأوضة ما يتقفلش عليكِ انت وريما .
تتوقف مكانها للحظة وقد صدمها أمره ..
بقايا من طبيعتها المتنمرة تستفزها لترد بعناد ..
لكن "الخزي الذليل"الذي صار سيد ملامحها يجعلها تتخلى حتى عن أمانها المؤقت ..
فتومئ برأسها دون رد ..
_وما تخافيش ..مش هالمسك تاني عشان ماتحسيش إنك خاينة !
تتلقاها على صفحة وجه كبريائها ك"صفعة رابعة" فيزداد ارتجاف شفتيها مع تكاثف الدموع في عينيها ..
قدماها تسحبانها بعيداً للمزيد من الهروب ..
لكنها تجده أمامها فجأة فتغمض عينيها بقوة عاجزة عن مواجهة "عارها" في نظراته ..
_سؤال أخير ..وأفتكر مش هتكدبي عليا فيه ؟!
يقولها بنفس الخشونة وهو يقاوم نفسه بشق الأنفس أن يضم جسدها الذي يكاد يسقط مكانه من فرط ما يرتجف ..
لتهز رأسها دون أن تفتح عينيها ..
_جوزك السابق كنتِ بتتخيليه ناصر برضه ؟!
هنا تفتح عينيها فجأة لتنفرج شفتاها بصدمة ..
وكأنما الجواب يمنحها "الصفعة الخامسة "!!
_لأ!
تقولها بنفس "الخزي الذليل"وهي تهز رأسها نفياً ليعاود سؤالها بنفس النبرة :
_واشمعنا أنا ؟!
_مش عارفة .
تهمس بها بصوت يكاد لا يسمع فتلتوي شفتاه بشبه ابتسامة لم ترها في غمرة إطراقها الذليل قبل أن يرد :
_بس أنا عارف .
هنا تعجز عن المزيد من التماسك فتفلت منها شهقة عالية سبقت فيضاً من الدموع أغرق وجهها لتعدو هاربة من أمامه نحو منفاها بالشرفة التي أغلقت بابها خلفها بعنف ..
فيعقد حاجبيه وهو يسبها سراً ..
الجبانة تهرب من جديد !!
تهرب من كل فكرة تقربها لإدراك قيمته الحقيقية عندها !!
يلحق بها ليراقبها عبر الخطوط العرضية لباب الشرفة مخافة أن تؤذي نفسها من جديد ..
يراها تتكور على نفسها في وضع الجنين وجسدها ينتفض بنحيب مرتفع فيقبض كفيه جواره بقوة وهو يعض شفته السفلى بعنف كاد يدميها ..
مزيج من الغضب والعجز يذيقه مرارة لم يعرفها من قبل في حياته ..
لو استسلم لنداء قلبه لهرع إليها يحتوي دموعها هذه على صدره فيطمئنها أنه لن يبرح حتى يبلغ معها عنان العشق ..
لكن رجولته المهدورة ..كبرياءه الجريح ..يقفان حائلاً بينهما ..
قدره أن يتعذب بها ولها ..
فمن هو كي يعاند قدره ؟!
======
على مكتبها في غرفتها بالمصنع تجلس تطالع حاسوبها باهتمام ..
تقتل نفسها بالعمل !!
هذا هو كل ما تفعله الآن !!
لا تريد التوقف للتفكير في شيئ ..
أو في شخص ..
ستظل تعدو حتى تسقط تعباً !!
ربما وقتها فقط تجد راحتها !!
عيناها تصطدمان براحة يدها المصابة فتملأهما الدموع فجأة وهي تستعيد رغماً عنها أحداث الأمس ..
قلقها عليه عندما غادر ..
رعبها وهي لا تدري مكانه ..
لهفتها وهي تهاتف ياقوت ..
ارتياحها عندما علمت مكانه ..
صدمتها بموقفه مع أشرف ..
وأخيراً ..خزيها الذي ظللها كغمامة سوداء تنذر بمطر ..ووحل!!
لماذا أثر فيها تباعده هكذا رغم منطقيته ؟!
هل هو مجرد شعورها بالخزي ؟!
بالنبذ ؟!
أم أنها حقاً تفتقد اهتمامه الذي روى بذور أنوثتها المطمورة تحت التراب من زمن ؟!!
آهة عميقة تفلت من بين شفتيها وهي تلجأ الآن لما تجيده تماماً ...
الهروب!!
تركز ذهنها قسرياً في الشاشة أمامها وهي تشعر بحرقة مؤلمة في عينيها ..
وبحرقة أشد ألماً في قلبها ..
فتتجاهل كلتيهما أو تحاول التظاهر بذلك !!
صوت طرقات خافتة على الباب يرحمها قليلاً فتلتفت نحوه بترقب وجزء خفي -غير مبرر -بداخلها يتمنى لو يكون هو ..
إسلام !
لهذا ظهرت بعض الخيبة على وجهها وهي تميز وجه ياقوت !
_صباح الخير .
تقولها الأخيرة بابتسامتها "الطيبة" الآسرة لترد تحيتها بابتسامة مصطنعة مرتجفة ..
قبل أن تجلس أمامها على كرسي مكتبها لتقول محاولة فتح حوار:
_كنت عارفة إن أول حاجة هتعمليها النهارده أول ما تصحي م النوم إنك تنزلي الشغل .
_انتِ دكتورة شاطرة .
تغمغم بها نشوى وهي تخفض بصرها بخزي نحو راحة يدها المصابة فيما كانت ياقوت تتأمل كل خلجاتها لترد بمزيج من تفهم وإشفاق:
_مجال شغلي علمني إن لكل شخصية أيقونة بتتميز بيها ..أيقونة شخصيتك هي الهروب .
فازدادت ابتسامتها ارتجافاً وهي تجد حديثها مشابهاً لما كانت تفكر فيه ..
_إسلام حكالك ؟!
تسألها نشوى مطرقة الرأس ولايزال الخزي الذليل سيد مشاعرها لكن ياقوت تمد ذراعها عبر المكتب لتربت على كفها هي قائلة بين تفهم وإشفاق:
_لو حابة ممكن تحكيلي انتِ .
هزت رأسها رفضاً وهي تغمض عينيها بقوة ليسيل منهما خيطان من الدموع ..
لكن ياقوت لم تستسلم وهي تعاود التربيت على كفها قائلة :
_براحتك ..بس هسألك كام سؤال ومش شرط تجاوبيني بصوت عالي ..المهم تلاقي الإجابة جواكي .
عضت نشوى شفتها بقوة وهي تود لو تصرخ بها أن تخرج ..
أن تتركها تهرب من جديد لعملها ..لابنتها ..لشرفتها الضيقة ..
لا تريد المزيد من الأبواب المفتوحة ..لا تريد !!
_جوزك قبله كنتِ بتتخيليه إسلام برضه ؟! أنا متأكدة إنه لأ ! ..شخصية مستقيمة زيك ما كانتش هتكمل حياتها بصورة طبيعية يوم واحد معاه لو ده حصل .
المزيد من الخزي وهي تشعر بياقوت تعريها بهذا الحديث..
هي لم تعتد مشاركة تفاصيلها الخاصة مع أي أحد ..
فما الحال بشأن كهذا ؟!
لكنها لا تنكر حاجتها الحقيقية لحديثها هذا معها ..
لعلها تجد أرضاً صلبة تقف عليها وسط هذا الطوفان !!
_السؤال بقا اشمعنا إسلام ..عارفة الإجابة واللا أقوللك ؟!
تقولها ياقوت بحذر لترفع إليها عينين حائرتين فترد الأولى بثقة :
_طول السنين دي عاملة لناصر تمثال في قلبك ..راسماه رمز للحب محدش قدر يقرب منه ..لأن محدش جه شبهه ولو من بعيد ..المرة دي مختلفة ..المرة دي إسلام قرب قوي من المواصفات ..بس عقلك لأنه متبرمج على صورة واحدة ماقدرش يشوف غيرها ..مشاعرك ليلتها مكنتش لناصر حتى لو كنتِ في خيالك شايفاه ..مشاعرك الحقيقية كانت لإسلام .
تتسع عينا نشوى للحظات وهي تشعر بالمزيد من التخبط ..
ما كل هذا العبث ؟!
هل يمكن أن تكون مشاعرها بهذا التعقيد حقاً ؟!!
_سؤال كمان ..ليه قبلتِ ترجعي البيت معاه امبارح؟! ليه ماوقفتيش في وش أخوكِ زي كل مرة وعملتِ اللي في دماغك ؟!
هنا تشيح نشوى بوجهها وهي تلاحق نفسها بالمزيد من الأسئلة ..
هل كان قلقها المبالغ فيه عليه بالأمس مبرراً ؟!
شعورها بافتقاده ؟!
تباعده الذي بدا لها كصفعة خلف صفعة !!
تسألها لماذا عادت معه ..
هل تخبرها عن رعبها من أن يرحل ..
من أن يخذلها ويمضي كمن سبقه فبادرت هي بطلب الرحيل ؟!
هل تخبرها أنها ودت بالأمس لو تحتضنه ..
لا حضن أنثى لرجلها ..
بل كحضنها لريما !!
حضن اعتذار و عجز !!
هل تفهم نفسها حقاً ؟!
_آخر سؤال وبرضه مش عايزة أسمع منك إجابة ..بس لازم تفكري فيه كويس ..غيرتك على ناصر من سها كانت شبه غيرتك من غادة ؟!
تلتفت نحوها بحدة والسؤال يصدمها ..
ليس السؤال بل الجواب !!
لا ..لم تكن تشبهها قطعاً ..
غيرتها من سها كانت تشعلها ..
لكن غيرتها من غادة أطفأتها !!
الأولى كانت تجلدها على ظهر كبريائها ..
لكن الثانية كانت تنتزع منها روحاً وليدة لم تتنفس إلا منذ أيام ..
أيام تساوي عمر علاقتها به ..
بإسلام !!
هنا تقف ياقوت مكانها وقد قرأت مشاعرها واضحة على ملامحها لتبتسم بارتياح قائلة :
_برتاح قوي في التعامل مع الناس اللي زيك ..الناس اللي زي حد السيف مايعرفوش غير أبيض أو أسود ..الرمادي مش لايق عليكِ يا نشوى ..أنا واثقة إنك قريب قوي هتخلصي من كل الدوشة اللي في دماغك دي ومش هتسمعي غير صوت واحد بس ..
ثم مالت عليها بجذعها تغرس نظراتها القوية في عينيها مردفة بإيمان :
_بس انتِ صدقيه .
_تفتكري ممكن ؟!
تتمتم بها نشوى بما بدا كهذيان غريق لتعود ياقوت فتستقيم بجذعها قائلة بتفهم :
_مش في يوم وليلة ..ده هرم اتبنى حجر حجر وكل حجر بيوم من العمر..خدي وقتك بس المهم في الآخر إنك تنسفيه ..وأنا واثقة إنك هتقدري .
ترمقها نشوى بنظرة حائرة لكن ياقوت تمنحها ابتسامة مودعة تسبق مغادرتها بقولها :
_لو احتجتِ تتكلمي في أي وقت أنا موجودة .
تراقبها نشوى بشرود غائم وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر من فرط التفكير ..
تلتفت نحو شاشة الحاسوب من جديد في محاولة ثانية للهروب لكنها تعجز عن فعلها ..
كم تود الآن لو تنام !!
لو يريحها عقلها من متاهاته !!
صوت الطرقات يحمل معه أملاً جديداً فتلتفت نحوه بلهفة ممتزجة بالخزي ..
لكنها تتلقى خيبتها الثانية وهي تراه أشرف!
عيناها تهربان منه بنظرة مذنبة يعرفها منذ صغرهما فيتقدم منها صامتاً حتى يصير على بعد خطوة واحدة منها ..
فتقول مطرقة الرأس بنفس الخزي متصنعة الهدوء:
_بقيت كويسة ..كل حاجة تمام ..ماتقلقش ..رانيا عاملة إيه ؟! كانت بتقول الحمل مخلليها ..
عبارتها تنقطع بغصة في حلقها وهي تقاوم لتستعيد قناع قوتها أمامه ..
فيجذب ذراعها نحوه ليوقفها قبل أن يضمها لصدره صامتاً فتنخرط فجأة في بكاء صامت ..
يتنهد بحرارة وهو يربت على ظهرها صامتاً محترماً هذا "الضعف النادر" منها ..
لتصدمه كلماتها التي امتزجت ببكائها :
_هو أنا وحشة قوي كده يا أشرف؟!
سؤالها يصدمه للحظة وهو يراها بهذا الانكسار على غير عهدها ..لكنه يرفع وجهها نحوه ليمسح دموعها بأنامله مع ابتسامة حانية ناسبت قوله :
_مين وقف جنبي في أزمتي لحد ما رجعت أقوى م الأول؟! مين ساند رانيا وخلاها تتغير عشان ترجع لي ؟! مين اللي حافظ ع المصنع ده في غيابي وحفظ لنا اللي باقي من بابا الله يرحمه ؟! لو انتِ وحشة بس امال مين اللي كويس؟!
تتأوه بخفوت وهي تسند رأسها على كتفه فيعاود التربيت على ظهرها قائلاً :
_انتِ محتاجة بس تشوفي اللي في إيدك كويس ..وتبطلي تبصي على اللي وقع منك ..أنا عارف إن الكلام أسهل من الفعل ..بس عارف كمان إنك هتعدي الأزمة دي زي غيرها .
كان يشعر بحدسه أن طيف ناصر القديم لايزال يقف بينها وبين إسلام ..
لكنه كان يثق بقدرة الأخير على طمس صورته هو في عينيها ..
لهذا قال أخيراً بيقين :
_إسلام بيحبك ..يمكن عشان كده وافقت امبارح إني أرجعك معاه على غير رغبتك ..حب زي ده هو اللي انتِ محتاجاه دلوقت يا نشوى .
تكتم تأوهها في كتفه وهي تشعر أنهم جميعاً لا يفهمون !
ليت الأمر كان بيدها فتضغط زراً ليختفي ضوء ويسطع آخر ..
ليتها كانت أقوى من هذا فتتجاوز ماضيها ..
أو أضعف من هذا فتزهد في غدها ..
لكنها هي هي ..بروحها "المتمردة الواهنة"التي لا تزال ترقص على سلم بين "الأعلى" و"الأسفل" المشوشين بضباب كثيف
طرقات الباب من جديد لكنها تحمل لها عطره -هو- هذه المرة ..
دقات قلبها تتقافز وهي تهرب بعينيها منه بخزي لا تظنها ستتخلص منه معه قريباً ..
بينما يتقدم إسلام منهما بوجه فضحته مشاعره وهو يراها تبكي بين ذراعي شقيقها ..
الغيرة كانت أبسط ما يشعر به الآن وهو يراها بهذه الصورة البعيدة تماماً عن عنفوانها المعهود ..
يلقي التحية على أشرف بفتور فيبتسم الأخير وهو يشير نحو نشوى قائلاً بمرح مصطنع :
_يقعدوا يقولولك "سترونج اندبندنت" وتحت أول ضغط يعيطوا ..
ثم ربت على رأس نشوى مردفاً :
_روحي استريحي ونامي ..الشغل مابيخلصش .
يقولها ثم يتذرع بعذر واه ليتركهما وحدهما وهو يشعر بحاجتهما لهذا ..
وما كاد يفعل حتى تحركت هي لتعاود الجلوس على المكتب مطرقة برأسها ليقول هو بخشونة لم يملكها :
_أنا وعدت ريما نتغدى بره النهارده بعد الشغل .
_أجّلها ليوم تاني أو روحوا لوحدكم ..عندي شغل كتير .
تقولها بنبرة منكسرة مغايرة لتنمرها المعهود ولاتزال مطرقة برأسها ليرد ببعض الحدة :
_محدش قاللك تمسكي شغل تلاتة مع بعض .
حدته كانت ممتزجة بالشفقة وهو يميز ما تفعله بضغط العمل الذي تزيده على عاتقها يوماً بعد يوم ..
لترد ورأسها لا يزال منكساً بخزيه :
_مستكتر عليا الحاجة الوحيدة اللي نافعة فيها ؟!
عبارتها تخزه بقسوة مدلولها وهو يتذكر عبارة قالتها يوماً أنها تشعر بفشلها كأنثى وفشلها كأم .
ياقوت مرت عليه عقب خروجها من عندها لتخبره برأيها أنها هي ليست أكثر من طفلة كبيرة عاشت عمرها معصوبة العينين بوهم حب ..والآن ينتزعون منها عصابتها فلا عجب أن يؤذي النور عينيها أولاً قبل أن تتبين حقيقة المرئيات .
صوت رنين هاتفها الداخلي يقطع أفكاره فيدهشه قناع قوتها الذي عادت تتلبسه وهي ترد لتستمع قليلاً قبل أن تهتف بحدة :
_يعني إيه ما وصلتش ؟! ده أنا هاخرب بيته .
شبح ابتسامة لم ترها يطوف على شفتيه وهو يفتقد طبيعتها الشوكية هذه مع قناع خزيها الذليل المستحدث ..
خاصة وهي تتناول هاتفها لتتصل برقم ما وما كاد الاتصال يفتح حتى هتفت بنفس النبرة الحادة :
_الطلبية لو ما اتسلمتش المخازن الصبح اعتبر اتفاقنا لاغي ..انت عارفني ما بهزرش .
فتضيق عيناه بتفحص وهو يدرك أنها تحتاج حقاً لإفراغ شحناتها في العمل ..
لكنها عادتا تتسعان بإشفاق وهو يميز ما حدث لتوه !!
كمّ قميصها انزاح عفوياً لتبدو تحته خدوشها التي أحدثتها لنفسها بالأمس فتبدلت كل ملامحها المتنمرة لذات الخزي الذليل وهي تخفض الكمّ بسرعة كأنها بهذا تداري ..عارها!
_اتفقنا .
تقولها لمحدثها بنبرة صارت لتوها مرتجفة متحشرجة لتغلق الاتصال ثم تفرك عينيها بقوة متجاهلة هذا الألم العنيف الذي يعصف بهما ..
_أنا هاروح عشان ما أتأخرش على ريما ..هتزعل لو ما خرجناش .
يقولها بخشونة هارباً من مشاعره وهو يخشى هذا الوهن الذي بدأ يتسلل إليه من مرآها بهذه الصورة ليتحرك نحو الباب ..
فتراقب ظهره المنصرف بعينين زائغتين وهي تهم بندائه ..
_يا ..يا باشمهندس!
يكز على أسنانه بقوة وهو يراها لا تزال عاجزة حتى عن مناداته باسمه ..
لكنها حقاً لم تستطع فعلها ..
ذهنها كان يستعيد كل لحظة دنسها فيه عارها بالأمس لتبدو لها نفسها في صورة ضميرها ملوثة بخطيئتها ..
خزيها الذليل لا يزال حائلاً بينهما وهي تنهض من مكانها لتتوجه نحوه مطرقة الرأس قائلة :
_لو ممكن تستناني ؟! هاقفل اللي في إيدي وآجي معاكم .
عبارتها كانت عفوية تماماً لكن قلبه سمعها بأذن "أمله" فيما يرجوه منها حقاً ..
ومع هذا خرجت عبارته فظة نوعاً وهو يضع يده على المقبض دون أن ينظر إليها :
_مش هاستنى كتير ..لو اتأخرتِ هامشي لوحدي .
يقولها ليخرج صافقاً الباب خلفه فتعود الدموع تملأ عينيها وهي تفكر في كلماته بمغزى آخر ..
لن ينتظر كثيراً ..
فهل تملك القوة حقاً كي لا تجعله يكمل الطريق وحده ؟!
========
_حلو قوي الأكل ده يا بابا ..اسمه إيه ؟!
تهتف بها ريما بفضول وهي تجلس جواره على مائدة المطعم ليرد وهو يطعمها بنفسه :
_كانيلوني .
فتحاول الصغيرة نطقه بصعوبة ثم تشير لنشوى مردفة :
_أكّل مامي كمان .
فتطرق الأخيرة برأسها بخزي يبدو أنه لن يعود يفارقها ..
تتذكر كل مرة فعلها يوماً وهو يطعمها مع صغيرته بيده ..
وتعلم أنه لن يفعلها بعد الآن !!
لهذا لم تفاجئها عبارته رغم مرحها المصطنع :
_مش عايز أضايقها لو ما حبتوش ..الكبار بيختاروا اللي يعجبهم .
_والصغيرين كمان .
تهتف بها الصغيرة بتنمر ذكره بأمها ليبتسم ابتسامة جانبية وهو يختلس نظرة نحو وجه نشوى المطرق ..
والتي رفعت إليها ريما يدها بشوكة الطعام هاتفة :
_هأكلها أنا !
تغتصب نشوى ابتسامة بطعم البكاء وهي تتناولها من الصغيرة ثم لم تشعر بنفسها وهي تنحني لتطوقها بذراعيها ..
تدفن وجهها في عنقها وكأنها تحتاج حقاً هذا الحنان غير المشروط ..
فيتشنج جسده مكانه وهو يميز ارتجافة جسدها هي بدموع لا يدري متى ستفارق عينيها ..
يود لو يقترب ..يلتصق ..بل ينصهر بها ويمتزج ..
لكن ماذا يصنع في ألف سد وسد صار بينهما ؟!
_بحبك قوي يا مامي .
تهتف بها ريما وهي تدرك بفطرتها أنها تحتاجها لتمسح نشوى دموعها بخفة وهي ترفع وجهها نحو الصغيرة هاتفة :
_وأنا كمان .
_لو بتحبيني كلي ..انتِ ما فطرتيش .
_مش قادرة ..شبعانة قوي .
تقولها ثم تقف مكانها لتردف بارتباك :
_هاروح الحمام أغسل وشي .
يراقبها في سيرها بعينين ملتاعتين وملامحه تصرخ غضباً وعجزاً لتشير له ريما بإصبعها أن يقترب ..
فيفعل ليجدها تهمس بحذر:
_هي مهمتنا فشلت ؟!
يتنهد بحرارة وهو لا يدري بماذا يرد ..
ليرتفع حاجبا الصغيرة وتردف وهي على وشك البكاء:
_فشلت؟! مش هنعرف نرجعها تضحك ؟!
شفقته نحو الصغيرة تغلب جميع مشاعره الآن فيبتسم وهو يربت على شعرها هاتفاً :
_لا ما فشلتش ..على العهد يا محاربة .
_على العهد أيها القائد!
تهتف بها بحماسة جففت دموعها وهي تعود لتناول طعامها بشهية فيما شرد هو ببصره ناحية الحمام القريب وهو يدرك يقيناً سبب هروبها الآن ..
يعلم أنها تجلد نفسها بذنبها لكنه لا يملك الآن أن يمنحها صفحاً ..
ربما لو كانا في تركيا ..
وكانت هي صديقته لملأ أذنيها نصائح تثنيها عن وضعها هذا ..
لكنه هاهنا يجد نفسه رغماً عنه يستعيد شرقية طباعه ..
يالله !!
كم يريد الآن خنقها !!
كم يريد الآن عناقها !!
ولا يهمّ أيهما يأتي أولاً !!
خواطره الساخطة تنتهي بزفرته وهو يراها تظهر أخيراً تسير نحوهما مطرقة الرأس بذاك المظهر الكسير ..
فينعقد حاجباه وهو يرى أحدهم يصطدم بها فجأة ليهتف بها بحدة :
_مش تبصي قدامك ! حد يمشي كده ؟!
هنا ينتفض مكانه ليتوجه نحوهما ثم لا يشعر بنفسه وهو يمسك الرجل من ياقة قميصه هاتفاً :
_اتكلم عدِل !
ويبدو أن الرجل كان عدواني الطباع فلم يكد ينتهي منها حتى عاجله بسبة بذيئة سبقت لكمته لوجه إسلام الذي رد له لكمته بسرعة قبل أن يتجمع الناس ليفرقوا بينهما ..
======
_شفتي بابا ضربه إزاي ؟! سوبر هيرو !
تهتف بها ريما وهي تجلس أمامهما على أحد الكراسي في صالة البيت بينما جلس إسلام على الأريكة وجواره نشوى تحاول تهدئة أثر كدمته بكمادة من الماء البارد ..
لكنه انتزعها من كفها ببعض العنف وهو يضعها لنفسه بنفسه ليخاطب الصغيرة بقوله مبالغاً بفخامة صوته :
_كنت هاكسره لولا حاشوه من إيدي .
_بس هو كان أكبر منك .
تهتف بها الصغيرة باستنكار مشيرة لضخامة ذاك الرجل حجماً فيبتسم بحرج لها مع غمزته متجاهلاً تلك التي تجلس جواره :
_اعملي نفسك ماخدتيش بالك !
ضحكة صغيرتها تصدح في أذنها فتختلس نظرة أخرى نحو وجهه ..
هذه غمزته التي تشعر أنها افتقدتها ..
يالله !!
يوماً ما ظنته لا يستطيع التحدث إلا وهو يغمز ..
لا يستطيع التوقف عن المشاكسة والمزاح ..
كم كانت صورته في عينيها مختلفة عن ناصر الجاد ذي الهيبة ..
"الطيف اللعين" يجتاح ذهنها من جديد فارضاً سلطانه على أفكارها لكنها تقاومه ..
أي مقارنة تصلح هاهنا يا غافلة ؟!
أي معيار يصلح للتفضيل بينهما ؟!
ليت القلوب تسير بهيمنة العقول!!
ليتها تملك حقاٌ أمر نفسها !!
شرودها يبتلعها لدقائق طالت بعدها حتى انتبهت على صوت الصغيرة :
_عايزاك تنام معايا النهارده في سريري عشان أطمن عليك..
_واللا عشان أحكيلك حدوتة ؟!
_الاتنين !
تهتف بها الصغيرة مع ضحكة عذبة خطفت لبه وهو يراها هاهنا تشبه أمها تماماً ..
يغالب خاطره الأخير وهو ينهض واقفاً ليتجه نحو الصغيرة التي أمسكت بكفه هاتفة :
_بلاش تشيلني مادام تعبان ..بس بكرة تشيلني مرتين .
_أروبة .
يهتف بها وهو يغمزها ليتحرك معها نحو غرفتها فتتنهد نشوى بحرارة وهي تشعر أنها تزداد انزواء ..
تتذكر كيف كان شعورها وهي تراه ينتفض في المطعم لأجل أن يدافع عنها غير مراعٍ لفارق القوة الظاهري بينه وبين ذاك الرجل ..
ورغماً عنها تتذكر موقفاً من مراهقتها عندما كانت تسير في الشارع ليلاحقها أحدهم بمعاكساته ..
يومها لا تدري من أين ظهر ناصر فجأة لتفاجأ به يضرب ذاك الشاب ويتوعده إن عاد لمضايقتها ..
تبتسم كعهدها كلما تذكرت هذا الموقف لكن ابتسامتها هذه المرة ترتجف بشحوب وهي تشعر أن الصورتين تزدادان تشوشاً في عينيها ..
صورة إسلام وصورة ناصر ..
لا يشبهان بعضهما ظاهراً إنما تمتزجان في عقلها بتشوش يكاد يثير جنونها ..
هل فقدت عقلها كما تظن ؟!
تزفر بعجز وهي تخبط بكفيها على صدغيها بقوة كأنما تسحق أفكارها هذه سحقاً قبل أن تنتفض واقفة لتعاود ممارسة ما تجيده ..
الهروب!
تلحق بهما لتجده مستلقياً على الفراش جوار الصغيرة التي استكانت على صدره فتسري رجفة باردة في جسدها !
مشاهد متفرقة لليلتها الوحيدة معه تغزوها فلا تكاد تصدق أنها كانت منه بهذا القرب !!
جسدها يستجيب بهذا الشعور الذي لم تعرفه إلا معه فتغمض عينيها خزياً ..وخجلاً !!
_تعالي يا مامي اسمعي ..حدوتة حلوة قوي .
تهتف بها ريما وهي تفتح لها ذراعيها فتتقدم نحوهما مطرقة الرأس لتجلس على طرف الفراش الآخر تشعر بالمزيد من النبذ ..
إلى متى سيحتمل وضعاً كهذا؟!
إلى متى سيبقى؟!
وماذا ستفعل هي لو قرر أن يرحل ؟!
هل ستلومه ؟!
هو وعدها أن لن يترك الصغيرة ..
ماذا لو تركها هي إذن ؟!
فليفعل!
لعله يريحها من عذاب ضميرها هذا !!
تنتبه من شرودها الذي طال لترى الصغيرة وقد استسلمت للنوم فتتحرك لترفع عليها غطاءها متحاشية النظر نحوه ..
حتى تصطدم عيناها بمرأى يده تحتضن كف الصغيرة !!
رغبة عارمة تنتابها هاهنا أن تمد أناملها تتشبث بكفه !!
لكنها تلعن نفسها سراً وهي تشعر بالمزيد من التخبط !!
ما الذي تريده بالضبط ؟!
تشعر به يكاد ينهض بحذر فتستوقفه بهمسها دون أن تنظر إليه :
_أنا حاسة إني بستغلك عشان خاطر البنت ..مش عارفة ممكن أعمل إيه عشان أرد لك كل اللي بتعمله ده .
لم ترَ ابتسامته الساخرة المتشحة بمرارتها لكنها شعرت بها في جوابه المتهكم بخشونة :
_حوّليلي رصيد !
دعابته الثقيلة لم تزدها إلا خزياً فارتجف جسدها بقهر ينهشها معه ساعة بعد ساعة ..
بينما انعقد حاجباه هو بالمزيد من الغضب والعجز وهو لا يدري كيف يتصرف معها ..
الخزي الذليل هذا في ملامح طالما عشق عنفوانها يكاد يقتله ..
لكن ما حيلته ؟!
_فرح سيف وغادة كمان كام يوم ..جهزي فستانك مادام بتضايقي لما بختاره .
يقولها وعيناه تترصدان كل انفعالاتها ليلحظ شحوب ملامحها مع حشرجة صوتها بالجواب:
_مش عايزة أروح .
_براحتك .
يقولها بنفس الجفاء الذي لا يتعمده وهو يتأهب للقيام من جديد ..
لتتجمد نظراته أمام أناملها التي شعر بها تتحرك ببطء شديد زاحفة على الفراش نحوه ..
هل يهيأ إليه ؟!
أم أنها في طريقها لتمسك يده حقاً ؟!
الزمن يتوقف حوله وعيناه معلقتان بحركة أناملها شديدة البطء ..
يكاد يسمع صوت لهاث أنفاسها ..
يستشعر ذبذبة جسدها المرتجف ..
لكن ..ماذا لو فعلتها ؟!
ما الذي يضمن له أنها تراه هو وليس خيالاً لرجل آخر ؟!!
الخاطر يشعل الدماء في عروقه في نفس اللحظة التي تتوقف فيها أناملها في وسط الطريق !!
ينتفض مكانه بغضب ليهرع بخطوات منفعلة نحو الغرفة الأخرى صافقاً بابها خلفه ..
وما كاد يفعل حتى انهمرت دموعها بحرية هذه المرة وهي تلعن نفسها من جديد ..
قبل أن تتخذ قرارها وتنهض لتتناول هاتفها ..
ولم تكد تسمع صوت ياقوت حتى همست بها بألم دون اختيار لمقدمات :
_عارفة الغريب ايه ؟! لما الحاجة اللي تبقي مستنياها عشان ترفع راسك تبقى هي اللي تحطه في الوحل ..كنت بس عايزاه يرجع لي العمر اللي راح ..أنا عايزة أكرهه ..نفسي أكرهه .
_أنا مش عايزاكي تكرهيه ..أنا عايزاكي تحبي نفسك ..لو حبتيها هتقدري تختاري اللي يحبها معاكي .
تقولها ياقوت بنبرتها المريحة وهي تفهم عمن تتحدث.. متفهمة كل انفعالاتها ..وهذا الصمت الذي غرقت فيه بعدها ..
لتردف بعدها بحذر:
_أفهم من كده إنك هتحكيلي ؟! هتجاوبي على كل أسئلتي؟!
والساعتان الكاملتان اللتان استغرقهما حديثهما بعدها كانتا خير جواب .
=======
_لا لا ..سيبك م العكّ ده ..عندي ليكِ محل لانجيريهات يجنن .
تهتف بها هانيا بنبرة خبيرة لتضحك غادة وهي تتحرك معها مبتعدة عن واجهة أحد المحلات التي تعرض ثياباً منزلية ، لتهتف بمرح:
_والله واتدردحنا وبقينا خبرة !
_امال!
تقولها هانيا بفخر يجعل غادة تطلق ضحكة عالية وهي تتأبط ذراعها هاتفة :
_هو أنا سبتك كتير قوي كده ؟!
_اوووه ..مصر اتغيرت قوي يا لينا !
تهتف بها هانيا مقلدة مشهداً في فيلم شهير لتعاود غادة الضحك هاتفة :
_أيوااا بقاااا ...رامز ده عمل المعجزات .
فتضحك هانيا بدورها وهي تسير جوارها نحو المركز التجاري القريب قائلة :
_بتلكك بيكِ عشان أعمل "شوبنج" ..عاملة زي ما أكون محدثة نعمة ..نفسي أشتري كل يوم من ده .
تقهقه غادة ضاحكة وهي لا تصدق هذا التحول الجديد على شخصية صديقتها ..
بينما تتوقف هانيا فجأة لترمق ملامح غادة الهانئة برضا لتسألها بنبرة فاح منها الذنب :
_انتِ بجد سامحتيني على غلطي معاكِ قبل السفر؟!
فتقرص غادة وجنتها برفق هاتفة :
_بطلي هبل ! رصيد العمر ماتضيعوش غلطة يوم ..انتِ أختي مش صاحبتي ..
ثم تميل وجهها مردفة بمرح أكبر :
_وقريباً سلفتي ..بس للأسف مش هالحق أبقى جارتك كتير ..كلها كام يوم وهنرجع اسطنبول ..آه كويس إني افتكرت ..جبتلك دي ..
تقولها لتخرج من حقيبتها حلية معدنية مزودة بسوار رقيق كتب عليها بخطّ كبير :
"أخت العروسة" !
ربطتها حول معصمها لتهتف :
_عايزاكي تحضري بيها الفرح ..اخترت الشريط لون الفستان .
دمعت عينا هانيا لهذه اللفتة الرقيقة منها فاحتضنتها بحب هامسة :
_قلبك دهب يا دودا ..يا بخته سيف بيكِ .
ضحكت غادة وهي تربت على ظهرها ليعاودا رحلة تسوقهما فتهتف الأولى بامتنان :
_مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه ..سايبة مذاكرتك وقاعدة تلفي معايا .
_ماتفكرينيش ..الدكتوراة بتاعتي دي هتجيب أجلي ..يارب المذاكرة تموت .
تهتف بها هانيا ببؤس لتضحك غادة هاتفة :
_لا ياعبقرينو ..ده احنا منتظرين نتيجة التعب ده كله ..ورامز بالذات .
فتنهدت هانيا بحرارة لترد :
_أنا كمان نفسي أخلص منها عشان أفكر في موضوع "البيبي" ..يمنى بنت يامن فتحت نفسي ع الآخر ..ماعدتش بتضايق من تعليقات طنط مامة رامز ..بالعكس ..هاموت وأجيب "بيبي" قمور كده .
_لا أنا عايزة بنوتة نعرف ندلعها .
_بنت؟! ده كان يامن أهدر دمي !
تهتف بها هانيا باستنكار مرح لتعاودا الضحك سائرتين حتى وصلتا إلى المحل المنشود الذي أعجب غادة كثيراً ..
_لا طلعتِ أروبة يا هانيا .
لكن الأخيرة فاجأتها بضحكاتها الخجول وهي تميل على أذنها هامسة :
_مش مصدقة إنك ممكن تلبسي الحاجات دي لسيف ..مش راكبة في دماغي خالص .
_ولا أنا والله ! ده ودانه بتحمر لما بسلم عليه ..
تهتف بها غادة بمرح لتلتمع عيناها وهي تردف بعاطفة حقيقية :
_بس بيني وبينك دي أحلى حاجة فيه .
_سبحان الله ..عمري ما اتخيلت إنك تحبي حد بعد أحمد الله يرحمه .
تقولها هانيا بحذر لتلتفت نحوها غادة قائلة بشرود :
_سيف وأحمد ! على أد ما بحسهم شبه بعض قوي بس مختلفين ..يمكن عشان كده ما بحسش معاه إني خنت أحمد أو نسيته ..بالعكس ..بحس كأني كملت حياتي على نفس الطريق ..كل واحد فيهم ربنا بعتهولي في وقته عشان يبقى ضهر يسندني ..ربنا كريم قوي .
_ونعم بالله !
تتمتم بها هانيا برضا ليحمر وجهها خجلاً وهي تميل على أذنها رافعة يدها التي تمسك إحدى قطع الملابس الداخلية لتهمس:
_اللي يسمعنا واحنا بنتكلم بالإيمان والتقوى دي ما يشوفش اللي في إيدينا .
فقهقهت غادة ضاحكة وهي تلكزها في كتفها هامسة :
_دي نقرة ودي نقرة يا أخت هانيا !
ضحكاتهما المتشحة بمرح حقيقي تستمر لساعات قضتها كلتاهما في التسوق لشراء حاجيات العرس ..
تفترقان على وعد بلقاء مشابه في الغد فتستقل هانيا سيارة أجرة لتعود للبيت بحمولتها "الثمينة" ..
تتلهف لمرأى أثر ما اشترته على رامز!
لا ..لم تعد تشعر بالخجل المعيب القديم !!
على العكس ..صارت تستلذ بهذا الشعور الطاغي بأنوثتها في عينيه ..
تنقطع أفكارها والسيارة تتوقف بها أمام البيت فتترجل منها لتصعد نحو البيت ..
تفتح باب شقتها ثم تغلقه خلفها وهي تناديه بلهفة ليكون الصمت جوابها ..
تناديه بصوت أعلى وهي تتقدم نحو الداخل أكثر لكنها لا تجد ردا كذلك ..
أين ذهب ؟!
تشهق للمفاجأة وهي تفاجأ بظلمة المكان ..
ياللحظ !
انقطع التيار الكهربي !
تحركت بحذر نحو موضع الكشاف الكهربائي لتفاجأ بذراعه يحتضن خصرها مع همسه الدافئ:
_وحشتيني .
فتحاول تمالك نفسها لتخبطه في كتفه هاتفة :
_مش هتبطل لعب العيال ده ؟ خضيتني ؟! اتفضل افتح النور .
لكنها تشعر بأنامله تزيح عنها حجابها لتعرف طريقها نحو أزرار قميصها مع همسه العابث:
_ما وحشتكش الضلمة يا بسطويسي ؟!
تبتسم وهي تتذكر ما يحكي عنه من بقايا عهدها القديم ..لتحاول التملص منه هاتفة :
_افتح النور وشوف جبت إيه .
يطلق همهمة متذمرة لتشعر به يبتعد قبل أن يغشي الضوء عينيها فجأة..
لتجده ينتزع منها الأكياس التي تحملها هاتفا باستنكار :
_يا خراب بيتك يا وهدان ! ايه كل ده ؟هو انت ماعندكيش وسط ؟! يا كده يا كده ..
فتضحك بدلال صارت تجيده وهي تنتزع منه الأكياس هاتفة بلهجة محذرة :
_بسيطة ..لو مش عاجبينك أرجعهم .
لكنه يعاود انتزاعها منها ليبتعد خطوة وهو يتفحص محتوياتها التي أشعلت الدماء في عروقه ليرفع إليها عينين عابثتين بينما يقطع المسافة بينهما بخطوة واحدة فيلصقها به هامسا :
_ترجعي إيه بقا ؟ حرام ! حد يرفس نعمة ربنا برضه ؟ هنكفر يعني ؟
تعلو ضحكاتها من جديد وهي تقفز للخلف بعيداً عنه هاتفة بنبرة محذرة :
_تقعد بأدبك لحد ما أغير هدومي وألبس واحد فيهم .
_طب أختار!
يقولها وهو يرفع سبابته وإبهامه الملتصقين في وضع الاستئذان لتهمهم بغرور مصطنع:
_أمري لله ..شوف هتختار إيه !
فيعاود فتح الأكياس من جديد ليستعرض محتوياتها بعينين متقدتين قطعة قطعة ..
تحمر وجنتاها بمزيج من خجل وترقب وهي تقترب منه شاعرة بالإثارة ..
تحاول التكهن بما سيختاره ..
ليهمس أخيراً وهو يرفع عينيه نحوها :
_اخترت!
_إيه ؟!
تهتف بها بفضول وهي تقترب منه أكثر لتتأوه بدهشة وهي تراه يدفعها نحو الأريكة القريبة فيسقط معها فوقها ثم يحيط وجنتيها بكفيه هامساً أمام عينيها :
_اخترتك كده من غير أي حاجة .
تضحك بمزيج من خجل وفخر وهي تفهم ما يعنيه تماماً لكنها تراوغ بهمسها:
_يا خسارة تعبي ..بعد كل ده ؟!
لكنه ينحني أكثر لينثر قبلاته فوق وجهها ثم يمد ذراعيه تحتها ليغمرها بدفئه هامساً بصدق عاطفته :
_كفاية عليا أحس إنك عايزة تسعديني .
_رامز!
تهمس بها بإغواء صارت تجيده فيغمض عينيه مستجيباً ليفاجأ بها تعضه في كتفه فجأة ليتأوه وهو يراها تدفعه لتقفز واقفة ثم تعدو مبتعدة مع هتافها المرح:
_على رأي المهفوفة داليا :جوّ الصعبانيّات ده مش هياكل معايا ..اتفضل اختار واحد ده أنا رجلي تعبت م اللف .
فيضيق عينيه بنظرة تهديد وهو يهب واقفاً بدوره ليلحق بها ..
تصرخ صرخة مرحة وهي تهرب منه لتدور حول المائدة فيدور كذلك حولها هاتفاً :
_والله ما هاعديهالك العضة دي ..فصلتيني يا فصيلة .
فتضحك وهي تحاول الهرب منه هاتفة :
_وطي صوتك مامتك تحت ممكن تسمع هتفضحنا .
_أفضحك ؟! انتِ لسه شفتي فضايح !
يهتف بها مهدداً بمرح وهو يحتكرها أخيراً بين ذراعيه فتهتف بأنفاس لاهثة :
_رامز ..عشان خاطري ..آه ..
يخرس كلماتها بطريقته ليسقط بها أرضاً هذه المرة فتتأوه بين ضحكاتها هامسة :
_مامتك هتقول إيه ع الهبد ده ؟! هتفضحنا يا مجنون ؟!
_قوليلها بننفض المرتبة !
يهمس بها وسط عاصفة من عاطفته اجتاحتها بجنون قبل أن تستسلم لها بجنون أكبر ..
والخاطر الأخير الذي جرفه تيار عاطفتها كان :
"يا خسارة تعبي!"
=======
_احنا جاهزين نروح الفرح !
تهتف بها ريما وهي تتحرك جوار نشوى التي أطرقت برأسها في خزي كعهدها المستحدث معه ..
فيتأملها في ثوبها الفضيّ ببعض الحسرة ..
لقد فقدت الكثير من الوزن في هذا الوقت القصير ..
لو كان في مزاج رائق يسمح له بالوقاحة لأخبرها أنه يتحسر على "إمكانياتها المفقودة "!!
لم يسألها لماذا غيرت رأيها وقررت الحضور معه ..
لكن ياقوت طلبت منه أن يمنحها الفرصة كي تخرج من "شرنقة الوهم" التي طالما حبست نفسها فيها ..
لهذا وجّه طاقة مزاحه للصغيرة التي انحنى ليحملها على كتفه هاتفاً :
_مبسوطة ؟!
_قوي ..بحب الأفراح ..هارقص الرقصة اللي علمتهالي ..بس ..
تستمر الصغيرة في ثرثرتها التي شردت هي عنها وهي تسير جوارهما مطرقة الرأس حتى استقلت سيارته جواره ..
تختلس نظرة جانبية نحوه لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه ..
خاطر سخيف ينتابها ويجعلها تسخر من نفسها بشدة ..
إنه لا يرتدي دبلة !
تباً!
كأنما هذا فقط ما عجزت هي عن منحه إياه !
تغمض عينيها بألم وهي تتذكر كيف مرت بهما الأيام السابقة ..
كيف تباعد عنها هي تماماً مكتفياً بسخاء عاطفته نحو الصغيرة ..
ياقوت نصحتها ألا تعتبر هذا البعد نبذاً إنما هو فرصتها كي تعيد حساباتها ..
كي تكسر صنمها بنفسها وتعرف ماذا تريد ..
لكنها تعجز عن فعلها ..
تعجز وتكره نفسها إذ تشعر بكل هذا الخزي!!
ليته يحدثها بكلمة واحدة ..
ليته فقط يحاول الاقتراب ..
لا ..لا ..
لن تكون بهذه الأنانية كي تتمناها ..
ليست أنانية ..بل احتياجاً ..
هي تحتاجه ..
لا تعرف مسمى لهذا الاحتياج لكنها تدرك بمنتهى القوة أنه حقيقي ..
أنه قاهر!!
السيارة تصل لبغيتها أمام "الكوافير" فتراه بطرف عينها يترجل ليأخذ ريما ويتوجه نحو سيارة العرس حيث وقف سيف ينتظر عروسه ..
غادة التي ظهرت أخيراً كقطعة من القمر !
دمعت عيناها وهي تتأمل ثوب غادة الأنيق بحسرة ..
تتذكر أنها هي ارتدت الثوب الأبيض مرتين ..
لكنها لم تشعر بفرحة كهذه التي تكاد تشع في عيني غادة ..
ولم تجرب أن يفخر بها رجلها فتكاد عيناه تصرخان بعاطفته كما يفعل سيف الآن !
أي خاسرة هي!!
وفي مكانه عانق سيف إسلام بقوة والأخير يهتف به بمرح :
_مبروك يا سيدنا ..عشت وشفتك عريس ..فين عمك علاء مفوت اللحظة التاريخية دي إزاي؟!
_لسه ماشي ..اطمن على غادة وسبق على القاعة ..
يقولها سيف بتشتت وعيناه لا تكادان تريان سوى فتنة غادة الجلية التي تكاد تذهب عقله ..
_طب عيش انت بقا يا برنس ..هامشي أنا عشان ما أبقاش عزول .
يقولها إسلام وهو يربت على كتفه ملوحاً بكفه لرامز الذي يجلس على مقعد القيادة في سيارة العرس وجواره هانيا ..
_يعني إيه عزول يا بابا ؟!
تهتف بها ريما وهي تعود للجلوس في سيارته التي عاد يستقلها لينطلق خلف الزفة ..
فهتف بضحكة قصيرة :
_يعني واحد واقف بين اتنين بيحبوا بعض .
_يعني أنا عزول بينك انت ومامي؟!
تهتف بها الصغيرة بعفوية ليختلس نظرة جانبية نحو نشوى التي كانت مطرقة برأسها بخزي كعهدها مؤخراً ..
ليرد بما لم تفهمه الصغيرة وإن كان المعنى قد وخز نشوى بقسوة مغزاه :
_لا من الناحية دي اطمني .
======
_ساكت ليه ؟! شكلي حلو ؟! طمنني!
تهمس بها غادة جواره في سيارة العرس وهي ترفع عينيها نحوه بخجل لتحمر أذناه كالعادة وهو يضغط كفها في راحته ليميل على أذنها هامساً :
_أقوللك وما تزعليش .
تتجهم ملامحها للحظة وهي تنظر إليه ليعاود همسه :
_أنا ندمان على فكرة الفرح دي ..لولا ماما الله يسامحها أصرت عليه ..مش متخيل إني هاسيب الناس تشوفك كده .
غيرته الغاضبة تمتزج بعشقه الفائر في مزيج ساحر يجعلها تطلق ضحكتها المهلكة فيزداد احمرار أذنيه مع نظرته الزاجرة لها قبل أن يعاود همسه :
_ضحكة واحدة كمان زي دي وهاقول لرامز يسوق ع البيت واللي يحصل يحصل .
تكتم ضحكتها مرغمة وهي ترمقه بنظرة اعتذار ليعاود همسه المحذر:
_إياك تقومي من مكانك في الفرح ..إياك ترقصي ولو معايا .
فتميل وجهها بدلالها الفطري لتهمس له :
_بس هترقص معايا لما نروح ؟!
صوتها المغناج بطبيعته يشعل أحطاب رجولته فيزفر بانفعال قبل أن تكتسي نظراته بعشق خالص يليق بعبارته :
_عارفة بحلم بالرقصة دي من امتى؟!
تتوه للحظات في هذا البحر الزاخر بعاطفته ..
"الحزن الأخرس" في حدقتيه صار مجرد طيف واهن خلف "العشق الأهوج" هذا ..
لكنها تترجم خجلها لمزاحها بدلالها المعهود :
_عارفة !
تقولها وهي تسند رأسها على كتفه بغنج ليطلق زفرة قصيرة مع همسه باسمها لتنفلت منها ضحكة قصيرة تشعله أكثر ..
_نحن هنا!
يهتف بها رامز أمامهما مشاكساً بينما يقود السيارة محاولاً توجيه الزفة الصاخبة خلفهما ..
لترد هانيا ضاحكة :
_بطّل رخامة وركّز في السواقة ..
ثم تعود برأسها للخلف تنظر نحوهما مستطردة :
_تدفعوا كام وأكفيكم شر الرخم ده في شهر العسل ؟!
_أبداً ..ده أنا نادرها أرخم عليه في شهر عسله المعقد ده .
يهتف بها رامز بمرح ليرد سيف بمرح مشابه :
_قلت ما أسكنش معاكم عشان كده ..بس والله لو عملت مقلب من مقالبك القديمة لأرجع تركيا في أقرب طيارة وأسيبلك البلد كلها .
_طيب ..نلحق بقا نروّش على خفيف !
يقولها وهو يتمايل بالسيارة أقصى اليمين ثم يعود ليتمايل بها أقصى اليسار فتشهق غادة برعب هاتفة :
_لا يا رامز إلا دي ..إلا دي !
ترمقها هانيا بنظرة مشفقة وهي تدرك استعادتها لذكرى حادث أحمد خاصة أن رامز كان يرافقه يومها ..
لتلكز رامز في كتفه منبهة ..
فيما ضمها سيف لصدره وهو يطوقها بذراعيه وقد راوده نفس الخاطر ليهمس في أذنها بحنان رجولي آسر:
_شششش..اهدي ..ماتخافيش .
يقولها ليزجر رامز بكلمات مؤنبة فيضحك الأخير هاتفاً :
_الحق عليا كنت عايز أشعلل الزفة ..بدل ماهم نايمين كده .
_سيبهم نايمين واحنا عايشين .
تهتف بها هانيا مؤنبة وهي تلكزه في كتفه ليعاود الضحك وهو يحاول مقاومة جنون تهوره .
يصلان للقاعة فتكون أم سيف أول من تستقبلهما ..
عيناها تمشطان غادة بإعجاب فائق وهي تراها ازدادت جمالاً على جمال ..
جمال زاده في عينيها هذه النظرة العاشقة في عيني ابنها الذي لم تره يوماً بهذه السعادة ..
لهذا أقبلت تضمها إليها بقوة هاتفة :
_مبروك يا بنتي ..زي القمر ..سيف عرف يختار .
فيختلج قلب غادة بقوة وهي تشعر بحنان المرأة الصادق ..
خاصة وهي ترى إيناس جوارها تغمرها هي بالعناق اللاحق دون كلمات ..
إنما بفيض دموعها كالعادة !
فتدمع عينا غادة وهي ترفع رأسها للأعلى متمتمة بالحمد !!
لقد عاشت عمرها تفتقد حنان أم ..
والآن يعوضها القدر باثنتين !!
تشعر بسيف يجذب ذراعها فترفع إليه عينيها الدامعتين لتراه ينحني ليقبل جبينها هامساً :
_مش عايز دموع النهارده .
تومئ برأسها موافقة لكن القدر يكون له رأي آخر ..
فقد ظهر هناك علاء ليهتف مشيراً للقاعة المجاورة :
_المأذون مجهز كل حاجة ..مين وكيل العروس ؟!
_انت طبعاً يا عمو !
تهتف بها غادة بعمق عاطفتها لكن أحدهم يظهر من خلفه قائلاً :
_وأنا ما أنفعش ؟!
تتسع عينا غادة بصدمة وهي تراه والد أحمد يتقدم متكئاً على عصاه ..
لقد دعته بطبيعة الحال لكنها لم تتوقع أن يحضر ..
لا أن يعرض أن يكون وكيلها !
لهذا انتفض جسدها فجأة في شهقة بكاء وهي تحتضن الرجل الذي دمعت عيناه وهو يهتف بصوت متهدج :
_الحمدلله إن ربنا مد في عمري لحد ما شفتك مبسوطة واطمنت عليكي .
تدمع عينا علاء وهو يتذكر مصابه هو الآخر ليربت على ظهر أخيه ..
فيما كان سيف يحترق بغيرة لا يملكها وهو يراها هكذا ..
يعلم أن الوضع طبيعي لكنه لا يحتمل ..
لهذا ما كادت تبتعد عن الرجل حتى ضمها هو بين ذراعيه ليربت على ظهرها برفق كأنه يعلن ملكيته الجديدة لها ..
ليعلو صوت أمه خلفه :
_اوعي تعيطي الماكياج هيبوظ .
فترفع وجهها بنفس عميق تسمح له أن يتخلل رئتيها قبل أن تمنحها عينا سيف نظرة مطمئنة قابلتها بابتسامة ..
الزغاريد تنطلق عقب عقد القران ليبدأ الحفل الذي لم تتوقعه هي بهذه الروعة ..
عندما يتحد رامز مع إسلام فالنتيجة كارثية !!
الاثنان كانا يعلمان عن غيرة سيف وتحفظه لهذا اعتمدا فقرات مميزة للحفل تختلف عن المعتاد من رقص العروسين ..
_ولأن عريسنا مش أي عريس ..هنقدم له رقصة تركي مخصوص من إخراج العبد لله ..رقصة الزيبك .
يهتف بها إسلام عبر الميكروفون ثم يشير لرامز وبعض أصدقائهم الذين التفوا في وضع دائري يؤدون تلك الرقصة من الفلكلور التركي ..والتي تتميز بإيقاعها الذي يبدأ بطيئاً قبل أن يتسارع مؤخراٌ ..
يحنون ركبهم كثيراً بين الحركات وهم يتمايلون بأذرعتهم ..
يلتفون حول سيف الذي وقف في المنتصف ..يشبكون أذرعتهم خلفهم مع دورانهم استجابة للحن المميز.
رقصة ماهرة أجاد إسلام إخراجها مع أصدقائه لتكون بهذه المهارة فاستدعت تصفيق الحضور ..
ولم يكادوا ينتهون منها ..
حتى عاد إسلام يهتف عبر الميكروفون :
_وبعد الواجب التركي ننزل بالواجب المصري بقا ..ونسمع أجمل سلام لعريسنا ..بالبلدي ياللا ..
القاعة تنفجر باللحن الصاخب لأحد الأغاني الحديثة مما يسمونها "أغاني المهرجانات" والتي أشعلت الحضور ليمضي إسلام في الرقص بمهارة وقد تناول ذراعي ريما بين ذراعيه ..
_لذيذ قوي ابن الإيه صاحب العريس ده ..سنجل واللا إيه نظامه ؟!
_أنا قربت وشفته ..مفيش في إيده دبل .
تسمع نشوى الحوار خلفها مصادفة فتلتفت للخلف بوجه محمر غضباً يجعل الفتاتين المتحدثتين تنسحبان حرجاٌ لتختفيا من أمامها فيما تعاود هي الالتفات نحو المنصة بعينين مشتعلتين ..
لولا سعادة ريما الطاغية هذه لسحبتها من ذراعها وغادرت من هنا ..
لا ينقصها إلا أن تسمع النساء يتغزلن بزوجها ..
زوجها ؟!
الكلمة تبدو غريبة على مسامعها وهي تحمل لها سؤالاً عما يعنيه شعورها هذا ..
هل تغار ؟!
تعض شفتها السفلى وهي تعاود مراقبته من بعيد يرقص بحيوية مرحة مع ابنتها فتدمع عيناها وهي تتذكر يوم كانت هذه الضحكة لها ..
تفتقده !
تفتقده حقاً !!
لكنها تخاف أن تقترب فتعود لتزل قدمها في بئر الخيانة !!
تنتبه من شرودها عندما يهدأ العزف ليتحول لأنغام بطيئة تلائم رقص الثنائيات ..
فتراه يهبط مع ريما مغادراً المنصة ليتوجها نحوها ..
تطرق برأسها كعهدها بخزي مخافة التقاء نظراتهما ..
_شفتي رقص بابا حلو إزاي ؟!
تهتف بها ريما وهي تصل إليها لتغتصب ابتسامة باهتة وهي تهز رأسها فترفع ريما وجهه نحوه هو هاتفة :
_انت مش هترقص مع مامي زي كل الناس دي؟!
يضطرب قلبها بارتباك وهي تنتظر رده لكنه يقول لريما ببساطة :
_لا أنا هارقص معاكِ انتِ الرقصة اللي بعد دي .
_ومامي؟!
_مامي ما بتحبش .
يقولها ببعض الخشونة لتتلقاها صفعة جديدة على صفحة كبريائها فتطرق بوجهها أكثر ..
تتذكر أنها غيرت رأيها وقررت الحضور معه هذه الليلة في محاولة منها للاقتراب كما نصحتها ياقوت ..
لكنها الآن تشعر بالندم ..
فلتعد لشرفتها الآمنة ..تغلق بابها خلفها وتكتفي بأن تجتر حزنها وحدها !!
وعلى منصة العروسين مالت غادة على سيف هامسة :
_عاجبك منظرنا ده ؟! فيه عريس ما بيرقصش مع عروسته ؟!
لكنه تناول كفها بين راحتيه لينحني بجذعه نحوها فيغرس نظراته في عينيها :
_أول مرة شفتك وخطفتِ قلبي كنتِ بترقصي معاه ..تفتكري ممكن أسمح لحد يشوفك تاني كده ؟! احمدي ربنا إني عملت فرح أصلاً .
فتضحك وهي تميل رأسها هامسة :
_غيرتك دي بقت رهيبة .
فيرفع أحد حاجبيه محذراً لتقترب بوجهها منه هامسة بدلالها المهلك :
_بس بحبها زي ما بحبك .
_غادة !
يهمس بها مغمضاٌ عينيه وهو يشعر أنه لا يكاد يطيق صبراً على الانتظار ..
فلينتهِ كل هذا بأقصى سرعة ..هو لا يريد إلا الانفراد بها فحسب .
وعلى المنصة كان علاء يراقص إيناس التي احمرت وجنتاها بخجلها المعهود وهي تهمس به :
_الناس بتتفرج علينا ..كان لازم نرقص يعني؟!
فيضحك وهو يضمها نحوه أكثر هامساً :
_أشوفلي واحدة تانية أرقص معاها يعني ؟!
_علاء! ما تقولهاش ولو بهزار!
_بتغيري يا نوسة ؟!
تكتم ضحكتها الخجول في كتفه وهي تشعر بلفظة تدليله تعيدها للخلف ثلاثين عاماً وربما أكثر ..
_من زمان ماقلتليش نوسة دي!
_ما انتِ اللي فرحانة لي ب"أنّا" اللي بيقولهالك الولاد !
يقولها مشاكساً وهو يتمايل بها بمهارة على الأنغام الهادئة لتتنهد بحرارة وهي تنظر تارة نحو سيف ..ثم نحو إسلام لتهمس أخيراً :
_ولادنا اتجوزوا يا علاء ..اطمنا عليهم .
فيختلس نظرة طويلة نحو إسلام ليقول بحذر:
_سيف آه ..إسلام لسه شوية ..حاسّه مش طبيعي ..مخبي حاجة مزعلاه بس مش عايز يقول .
لكن تفكيرها هي كان معلقاً في زاوية أخرى ..
طيف "الحبيب الراحل" يداعب خيالها فتدمع عيناها مع قولها :
_سيف وعدني لو جاب ولد ..هيسميه هاني .
يلتفت نحوها بحدة والكلام يفاجئه لتدمع عيناه بدوره فيتوقف مكانه لا إرادياً للحظة قبل أن يعود للتمايل معها كي لا يلفت الأنظار :
_الله يرحمه .
_هتصدقني لو قلتلك شفته وهو بيرقص معاهم ؟! ضحكته كانت بترن في ودني !
تهمس بها بصوت متهدج وهي تخفي وجهها الملطخ بدموعه في صدره فيتنهد بحرارة وهو يمسح عينيه ليربت على ظهرها هامساً :
_قولي الحمد لله ..ربنا عوَضه كبير .
ترفع نحوه وجهها بابتسامة ممتزجة بدموعها فيبتسم بدوره ليعود لمشاكسته المعهودة :
_بطلي نكد بقا أحسن والله أشوفلي بنت حلوة م الصغيرين دول .
_والحلوة الصغيرة هتبصلك على إيه ؟! وشك المكرمش واللا شعرك الأبيض؟!
_وشي المكرمش ؟! أنا وشي مكرمش يا وش ..
_وش إيه ؟!
تقولها بنبرة مهددة مشاكسة كعهدهما فيحتضنها بين ذراعيه بقوة أكبر ليضحك هامساً لها بحب:
_وش القشطة !
وفي مكانه يقف إسلام يراقب رقص الثنائيات ببعض الحسرة ..
يتمنى لو تشاركه هذه الرقصة لكنه لن يطلبها ..
هو تعجل مرة وندم ..
لابد أن تكون الخطوة القادمة منها هي !!
يختلس نظرة جانبية نحوها ليجدها تطيل التحديق في غادة ب"نظرة غريبة" والدموع تملأ عينيها ..
نظرة هي مزيج من حسرة وحزن ..وغيرة !!
هل تغار منها حقاً ؟!
أفكاره تنقطع وهو ينتبه لإشارة سيف له أن يأتيه فهرع إليه لينحني عليه ليستمع فيبادره الأول بقوله :
_فُضّ المولد ده بقا أنا زهقت .
فيضحك وهو يبسط له راحته هاتفاً :
_تدفع كام ؟!
يلكمه سيف في كتفه فيتأوه بخفوت ثم يتحدث لغادة هاتفاً :
_اشهدي ..عاملله أراجوز طول الفرح والآخر يضربني .
يعاود سيف لكمه فيضحك هذه المرة وهو يبسط راحتيه مستسلماً قبل أن يتحرك لينفذ له ما أراده ..
=======
في طريقهما للبيت عقب انتهاء الحفل يختلس إسلام نظرة جانبية نحوها ليلحظ شرودها البائس كعهدها منذ بدأت الليلة ..
بل منذ ليلتهما الكارثية تلك !
عيناه تنحدران نحو ساعديها اللذين احتضنت بهما جسدها وهو يشعر بشفتيها ترتجفان فيما بدا كتمتمة لم يسمعها ..
تراها لاتزال تفكر به ..ناصر!!
الخاطر الأخير يؤججه غضباً لكنه ينتزعه من ذهنه قسراٌ وهو يوقف سيارته جانباً ليترجل منها ثم يفتح الباب الخلفي ليحمل ريما التي غلبها النعاس ..
تتحرك خلفه كالمغيبة لتصعد نحو البيت ..
ترفع عينيها نحوه عن بعد لتراه وهو يخلع عن الصغيرة حذاءها بحذر فوق فراشها قبل أن يرفع عليها غطاءها ثم يقبل جبينها بعمق ..
جسدها يرتجف بقشعريرة مهلكة وهي تتذكر قبلة كهذه كانت يوماً على جبينها هي !
تذكرها الآن كحلم بعيد ..
بعيد جداً ..
فترفع أناملها تتحسس جبهتها ببطء وهي تود أن يبقى هو هكذا لأطول وقت ..
تراقبه من بعيد فلم تزل عاجزة عن رفع عينيها إليه بعد !
تراه يستقيم في وقفته فتطرق برأسها لا إرادياً وهي تشعر به يتقدم نحوها ..
خطواته تتباطأ نوعاً عندما يمر جوارها فتزداد خفقاتها جنوناً لكنه يتجاوزها بعدها ليتركها ..
تشعر بالبرد !!
أجل ..رغم حرارة الجو المفترضة لكنها كانت تشعر أنها تفتقد دفئاً خاصاً ..
دفئاً لم تعرفه إلا معه ..
لكن ..هل كان الأمر يخصه هو حقاٌ ؟!
أم أنه مجرد صورة واقع لخيال طالما تمنته ؟!
السؤال يقذفها لنفس الجحيم من جديد فتتخطاه ب"طمس أفكارها" كالعادة ..
لن تفكر ..
ستهرب ..ستهرب كعهدها لمنفاها الآمن ..
تخلع عنها ثوبها وحجابها لترتدي إحدى المنامات التي كان قد أحضرها لها ..
شبه ابتسامة واهية تجتاح شفتيها وهي تتذكر تعليقاً وقحاً قد قاله ..
هل تبالغ لو قالت إنها ..تفتقد روحه المرحة هذه !
تتحرك نحو المرآة تتفحص شكلها ..
امرأة مع إيقاف التنفيذ !
آلة لم تعد تصلح إلا للعمل فحسب!!
العطل الذي أصاب قلبها أوقف كل محركات أنوثتها ..
فمن ذا يصلحه ؟!
تتحرك بخطوات محبطة نحو الشرفة الضيقة لتغلق بابها خلفها فتستعيد بعض شعورها بالأمان ..تأخذ نفساٌ عميقاً ثم تتحرك لتجلس في زاويتها ..ترفع ركبتيها لتطوقهما بذراعيها ..
ثم ..تدفن رأسها بينهما !
ليتها تعرف على الواقع حلاً يدفن أوجاعها هكذا كذلك !
تستعيد صورة غادة "العروس" فتنفجر دموعها فجأة وهي ترثي نفسها ..
إنها لم تطمع في الكثير!
هي فقط أرادت سعادة كهذه التي كانت على وجهها ..
أرادت رجلاً يفخر بها تصرخ ملامحه عشقاً كما كان سيف ..
أرادت مرفأً آمناً ترسو فيه سفينتها كواقع بعد رحلة طويلة في بحر خيال ..
تشعر بالباب يفتح فينتفض جسدها ترقباً ..وخزياً ..
لا ..لا تريده أن يراها تبكي من جديد ..
تكتم شهقات بكائها وهي تدفن وجهها بين ذراعيها أكثر تكاد ترجوه أن يتركها لوحدتها ..
لكنه يقترب أكثر لتشعر به يجلس جوارها ..
جسدها يتحفز بترقب منتظراً منه كلمة ..أو حتى حركة ..
لكنه بقي ساكناً جوارها لا تكاد تسمع سوى صوت أنفاسه وسط كل هذا السكون ..
كأنه يشاركها بسكوته وقد عجز عن الكلام !!
الصمت الثقيل يسودهما لدقائق طالت ..
حتى وجدت بعض القوة لترفع رأسها أخيراً ..
تنظر أمامها نحو الجدار الأصم وكلماتها تتسرب رغماً عنها بوجع :
_لبست فستان الفرح مرتين ..بس ولا مرة ..ولا مرة حسيت بالفرحة اللي شفتها النهارده في عينيها .
تتسع عيناه بإدراك وهو يميز سبب هذه النظرة الغريبة التي رآها في عينيها هذه الليلة ..
قبل أن يختلج قلبه بلوعة وهو يرى عبر الظلمة النسبية للشرفة خيط الدموع الذي كان يسيل على وجنتها ..
قناع جفائه يتشقق نوعاً وهو يتنحنح ليغمغم بخشونة نسبية وهو يتحسس تلك الشامة غريبة المظهر تحت أذنه :
_فاكرة لما قلتلك قصة الوحمة دي ؟! كنت بكرهها وفكرت أشيلها ..أنا عملت علاقات مع ستات كتير قوي ..بس مفيش واحدة لمستها قبلك ..
تختلس نظرة جانبية نحوه وكلماته تزيد من معدل خفقاتها إذ تتذكر ليلتهما الوحيدة معاً ..
مزيجٌ من الخجل والخزي يطوقها فلا تدري بماذا ترد ..
طبيعتها "الشوكية" تطفو للسطح نوعاً ما فتجد نفسها تقول دون أن تنظر إليه :
_كل شوية تقوللي إنك عرفت ستات كتير قبلي ! للدرجة دي فخور بالموضوع ده ؟!
فيصمت للحظات قبل أن يصلها رده غارقاً بين صدقه وحسرته :
_مش يمكن العكس ؟! أنا حاسس إن ربنا بيعاقبني في الست الوحيدة اللي ..
يصمت للحظة بعدها فتتحفز حواسها كأنما تجلس على صفيح ساخن ..
قبل أن يردف بنبرة أكثر حرارة :
_حبيتها بجد .
لم يكد ينتهي منها حتى فوجئ بها تلتفت نحوه بحدة ..
ولأول مرة منذ تلك الليلة تجد الجرأة لترفع عينيها إليه ..
كأنما تسمع اعترافه لأول مرة!
حدقتاها تتسعان رويداً رويداً مع انفراج شفتيها فتبدو له ك"طفل" يرى أخيراً بعد طول عمى ..
والحقيقة أنها لم تكن تختلف كثيراً عن هذا التشبيه ..
اعترافه الأول تلقاه عقلها ب" أذن حسرتها" على ناصر ..
فلم تكد تسمع سواها ..
أما هذا فيتلقاه قلبها ب"أذن أمل" تستكشفه هو كرجل ..
فلا تجد سوى ضباب ..
لكنها تذهله وهي تتحرك ليجدها فجأة على صدره !
ذراعاها يحيطان بعنقه بينما أناملها تتلمس "الوحمة" هذه مع كلماتها التي امتزجت بدموعها :
_أنا آسفة ..آسفة ليك ولنفسي ..عارفة إني جرحتك يومها ..بس والله العظيم غصب عني .
قلبه يخفق بجنون وهو يشعر بعناقها يزلزله !!
خلاياه كلها تشتعل بعاطفته وهو يدرك في هذه اللحظة أنها تراه هو ..
لكنه يقبض كفيه جواره بقوة عاجزاً عن مبادلتها عناقها ..
ليس بعد ..ليس بعد !
_ليه ورطت نفسك مع واحدة زيي؟! ليه ما سبتنيش زي اللي سبقوك ؟!
لا تزال كلماتها تذبحه بوجعها بينما أناملها التي تتحسس وحمته هذه تكاد تصيبه بالجنون ..
فيخرج صوته متحشرجاً بجوابه :
_برضه غصب عني .
تفهم عبارته كما أرادها تماماً فتزداد ارتجافاً على صدره ..مع همسها:
_عايزة أقوللك حاجات كتير بس ..مش قادرة ..
زخة أخرى من دموعها تسقط على صدره فلا يشعر بأنامله التي ارتفعت لتحتضن أناملها فوق عنقه مع سؤاله :
_أنا خلليتك تندمي على حاجة قلتيهالي قبل كده ؟!
تمرغ وجهها في صدره كجواب بالنفي فيأخذ نفساً عميقاً وهو يشعر بصدره يكاد ينفجر بأثر قربها هذا ..
_بُصيلي يا نشوى!
يهمس بها ببعض الحزم فيشعر بها ترتجف أكثر عاجزة عن فعلها وقد آثرت دفن وجهها في صدره كعادتها في الهروب ..
لكنه يرفع ذقنها نحوه بنفسه بكفه الحر ولايزال الآخر متشبثاً بأناملها فوق عنقه ليسألها :
_انتِ دلوقتِ شايفاني أنا ..صح؟!
أناملها تتحرك ببطء فوق "وحمته" لتمنحه جواباً غير منطوق فتتهدج نبرته وهو يردف:
_كل مرة هتلمسيها هاعرف إنك شايفاني أنا ..لو الصورة اتبدلت في عينيكي ..ابعدي وأنا هافهم .
تتسع عيناها بصدمة من هذا "التفهم" الذي يبديه للحظات ..
ثم تنخرط من جديد في البكاء وهي تعاود إخفاء وجهها في صدره هامسة :
_انت فاكرني مبسوطة باللي أنا فيه ؟! أنا بكره نفسي ..بكرهها وأنا حاسة أد إيه أنا غبية وموقفة عمري على وهم ..ممكن أصرخ ألف مرة قدامكم إني نسيته بس بيني وبين نفسي عارفة إني بخبط راسي في حيطة سد ..
غضبٌ طبيعي يجتاحه مع اعترافها لكنه يسيطر عليه بقوة يحسد عليها وهو يعاود رفع وجهها نحوه ليسألها بنفس الحزم :
_انتِ ما جاوبتيش سؤالي يومها ..اشمعنا ماكنتيش بتتخيليه مع جوزك اللي قبلي؟!
هنا يشعر أن الألم على ملامحها يتضاعف آلاف المرات وهي تغمض عينيها للحظات بتردد قبل أن تعاود دفن وجهها في صدره لتحكي ..
تفاصيلها المؤلمة التي ترويها عن زوجها السابق تخزه بقسوتها ليثق من صحة استنتاجه ..
الآن يفهم لماذا بدت له ليلتها عديمة الخبرة كعذراء ..
يفهم لماذا ارتبط هو في ذهنها بناصر ..
تماماً كما أخبرته ياقوت ..
لأنه اقترب من "تمثال الحب" الذي نصبته في قلبها طوال هذه الأعوام بصورة واحدة لم تغيرها !!
تفاصيلها تزداد خزياً وهي لا تدري كيف جرؤت على الاعتراف له بكل هذا ..
فتزداد ارتجافة جسدها حتى يكاد ينتفض بوجعه..
هنا كان قد أخذ قراره أن قد آن الأوان !
يمد ذراعيه أخيراً ليضمها إليه بقوة فتنتحب لتهمس له بما بدا صادقاً لأبعد حد :
_انت أول حد أحس معاه ب...مش عارفة أعبر ..مش فاهمة نفسي ..ينفع أقوللك إني عايزة أحبك ؟! عايزة أسعدك ؟! عايزة أقرب منك تاني ؟! بس خايفة ..خايفة أحس الإحساس اللي دبحني ليلتها ..خايفة أخونك ولو بفكرة ..خايفة ..خايفة ..
فيصمت لحظة ليردد بصوت أرجفته انفعالاته :
_اللي أقدر أقولهولك إنك لو اخترتِ تبعدي خطوة هابعد خطوة ..
يشعر بأنفاسها تتوقف كأنما سلبها إياها بكلماته ..
لكنه يردف بعدها :
_بس لو قربتِ خطوة هاقرب عشرة .
يقولها وهو يشدد ضغط ذراعيه حولها بكل قوته كأنه يبدلها بكل هذا الخوف أماناً غير مشروط ..
أماناً يحتويها بدفئه الذي تنعمت به للحظات قبل أن ترفع وجهها إليه بنفسها هذه المرة ..
عيناها تدوران فوق ملامحه بهذه النظرة الآسرة كأنها تراه لأول مرة ..
شفتاها تقتربان من شفتيه ببطء ليفاجأ بها تمسهما فينتفض جسده مكانه ..
آهة خافتة تغادر شفتيه وهو يخفض وجهه لأول لحظة عنها رافضاً إياها ليغلق عينيه هامساً بعذاب:
_نشوى!
لكنه يشعر بأناملها تعاود تلمس "وحمته"' كأنما تمنحه الجواب الذي يكفيه !
شهقة خافتة تغادر حلقها وهي تفاجأ به في حينها يعيدها للخلف إذ رفع ركبته ليسند ظهرها على ساقه قبل أن ينحني فوقها لينال هديتها كما يجب !!
اللحن الشغوف بينهما تتصاعد وتيرته بجنون يكتسحهما معاً لدقائق لم تدرِ عددها ..
لهب ٌ من عاطفته يلفحها فلا تشعر ببرودة الأرض التي وجدت ظهرها يلاصقها فجأة بينما تتلقى المزيد من عطاياه بنهَم محروم ..
_بحبك ..بحبك ..
همساته تتواءم مع لمساته بإيقاع خبير يدغدغ أنوثتها للحظات لكن "الطيف اللعين" يقتحم خيالها عنوة ليفسد عليها اللحظة ..
تشهق بعنف وهي تدفعه فجأة لتحيط رأسها بكفيها وهي تنهض جالسة وجسدها كله ينتفض كالمحمومة ..
فلا يحتاج لسؤالها عما حدث !
عروق جبهته تنفر غضباً وإحباطاً فيضرب الأرض جواره بقوة قبل أن ينهض بدوره ليغادر الشرفة لاهثاً صافقاً الباب خلفه بقوة ..
_مش في يوم وليلة ..ده هرم اتبنى حجر حجر وكل حجر بيوم من العمر..خدي وقتك بس المهم في الآخر إنك تنسفيه ..وأنا واثقة إنك هتقدري .
تكاد تسمعها بصوت ياقوت ذاك اليوم فتبدو لها كقبس من نور وسط كل هذه الظلمة ..
تشعر بالمزيد من الخزي والإشفاق نحوه فتنهض من مكانها لتبحث عنه فتجده هناك واقفاً في الشرفة الأخرى الواسعة ..
تتردد قليلاً قبل أن تملك القوة لتتقدم نحوه فتربت على ظهره هامسة :
_آسفة .
لكنه يتمالك نفسه وهو يدرك أنها حقاً تجاهد نفسها كي تخرج من متاهة الماضي ..
يكظم كل مشاعره السلبية وإحباطاته ليلتفت نحوها بابتسامة تلقفتها هي كطوق نجاة !
تأخذ نفساً عميقاً وهي تحاول هي الأخرى مقاومة هذا الشعور بالخزي الذليل ..
لتغمض عينيها بقوة هامسة :
_شكراً عشان ماسبتنيش أروح مع أشرف ليلتها ..لو كنت عملتها ماكنتش هارجع تاني هنا أبداً .
_قلت لك مش هاسيبك ..حطيها حلقة في ودنك .
يهمس بها بحسم لتتأوه بخفوت وهي تشعر به يقرن قوله بفعله فيعض أذنها ببعض القوة لتفتح عينيها متفاجئة وهي تتراجع بوجهها قبل أن ..
تبتسم!
ابتسامة حقيقية يراها منها لأول مرة بهذا الصدق ..
والأهم أنها تخصه هو !!
ابتسامة وجدت توأمها على شفتيه ليناظرها بهيام للحظات قبل أن يحيط خصرها بكفيه ليقترب منها بوجهه هامساً :
_أنا مش زعلان م اللي حصل بالعكس ..الصراحة بيننا هي اللي هتقربنا ..مهما حصل اوعديني ماتخبيش أي حاجة .
تومئ برأسها موافقة وابتسامتها تزداد اتساعاً لتختلط بخيط دموع سال رغماً عنها ..
لكنه انحنى بوجهه أكثر يدلل ابتسامتها بشفتيه برقة هامساٌ :
_مش هانسى ابتسامتك دي طول عمري ..أول حاجة فيكِ أحسها بتاعتي لوحدي .
فتتسع عيناها بالمزيد من الذهول وهي لا تصدق أن كل هذه العاطفة لها ..هي!!
هي؟!
بعد طول سنوات شعرت فيها أنها لا تستحق الحب !!
تدمع عيناها بتأثر فيتنهد بحرارة وهو يتذكر صفعته لها تلك الليلة ..
يتحسس وجنتها وجانب شفتيها برقة هامساً :
_آسف ع اللي حصل ليلتها ..أنا عمري ما مديت إيدي على واحدة ست .
فاتشحت ابتسامتها بالكثير من المرارة وهي تغمض عينيها هرباً من خزي تلك الليلة هامسة :
_ياريت ألف قلم بس أفوق ..نفسي أفوق م اللي أنا فيه ..أنا ..أنا كارهة نفسي .
_بس أنا بحبك .
يهمس بها وهو يرفع ذقنها نحوه لتمتزج أنفاسهما فتعاود فتح عينيها وكأنها تتلقف منه كل نظرة تروي المزيد من بذور أنوثتها ..
نظرتها شديدة البراءة في عينيه تشبه نظرة ريما عندما يفاجئها بهدية جديدة ..
الآن فقط يوقن تماماً أن ناصر هذا ليس سوى وهم صنعه خيالها وغذته قلة ثقتها في نفسها رغم طبيعتها المتمردة ..
يفاجأ بها تضم خصره بكلي ذراعيها بقوة لتسند رأسها على صدره هامسة بكلام غير مرتب ..لكنه كان يشع صدقاً:
_حضن بابا كان دافي قوي ..يوم ما سابني قلت البرد اللي حسيته عمره ما هيفارقني ..حضن أشرف برضه دافي بس دايماً حاساه ناقصه حاجة ..يمكن ..نظرته دايماً اللي بتحسسني إني صعبانة عليه ..
تقطع حديثها العفوي فجأة فيسألها باهتمام :
_وأنا؟!
صمتها يطول لدقيقة كاملة فيتنهد بحرارة وهو يزيح شعرها جانباً ليطبع على عنقها قبلة ناعمة وهو يكرر سؤاله بينما يربت على ظهرها بحنوّ:
_وأنا يا نشوى؟!
جسدها يرتجف بين ذراعيه وهي ترفع عينيها نحوه بنفس النظرة الآسرة..
تفك تشابك ذراعيها حوله لتبتعد خطوة هامسة بتشتت:
_انت ..حاجة جميلة خايفة أصدقها وتروح ..وخايفة تفضل معايا أتعذب بذنبها وأنا مااستاهلهاش .
_ولو وعدتك إنها ماتروحش ؟!
يقولها وسبابته تدور ببطء فوق راحة يدها ثم تصعد ببطء على طول ذراعها وكتفها لتستقر فوق شفتيها أخيراً فيربت بها عليهما تربيتة خفيفة كأنه يستحثها النطق..
لكنها لا تجد الرد !!
تود لو تقسم له أنها تحاول قدر استطاعتها أن تتخلص من بقايا وهمها لكنها تخشى أن تجرح رجولته أكثر ..
فتبتسم من جديد هامسة بصوت مرتجف:
_عارف؟! سهل قوي نقابل ناس يخللونا نحبهم ..بس صعب نقابل حد يخللينا نحب نفسنا ..انت ..انت شكلك هتخلليني أرجع أحب نفسي .
غمزته الساحرة تعاود غزو قلبها ك"حبيب طال انتظاره "خاصة وهو يخبط جبينها بجبينه بخفة هامساً:
_أهي دي أجمل حاجة سمعتها منك النهارده .
آهة عميقة تغادر من قلبها لقلبه دون حواجز فيتلقفها على صدره ثم يربت على ظهرها برفق ..
والأنفاس الممتزجة تتعاهد أن تكمل الطريق مهما طال ..
=====
_أخيراً !
يهمس بها بنفاد صبر وهو يدخل بها غرفة نومهما لتلتفت نحوه بنظرة آسرة بين خجل وحب لم تستطع إخفاءه ..
يأخذ نفساً عميقاً ثم يزفره ببطء وهو ينتزع عنها طرحتها برفق ..
يعد نفسه لرؤية معشوقه الذي طالما أثار جنونه ..
لترتجف حدقتاه بتأثر وهو يرى شعرها بلونه الذي يهيم به ..
"صواعق فتنتها" التي طالما أرقت أحلامه ..
يترك أنامله تتخلل نعومته وهو يسدله على كتفيها فتبتسم بخجل لم يفارقه دلالها :
_هه؟! زي ما كنت فاكرُه ؟!
_أجمل ..بكتير !
يقولها ثم يتأوه بخفوت وهو يضم رأسها لصدره وأنامله تداعب منابت شعرها مع همسه :
_ناقص بس نرقص سوا ..زي ما حلمت .
تضحك ضحكة قصيرة وهي تتلفت حولها قائلة :
_هتشغل موسيقا إيه ؟!
_الأول ..عايز ألبسك ده !
يقولها وهو يتحرك ليشغل جهازاً ما هناك فتنبعث منه أنغاماً غربية هادئة ..
قبل أن يفتح أحد الأدراج ليستخرج منها علبة فتحها أمام عينيها هامساً :
_لو مش هتتجاب لك انتِ ..تتجاب لمين ؟!
تشهق بانبهار وهي تراقب سلسلته التي أخرجها بسبيكة طولية من البلاتين المرصع بالفصوص اللامعة الصغيرة على جوانبها والتي نقش عليها اسماهما مع عبارة "حتى تحترق النجوم" ..
_تجنن يا سيف ..تهبل ..أجمل بكتير من الميدالية ..والأحلى إنها هتفضل على طول في رقبتي مش هاقلعها .
تهتف بها بسعادة وهي تهم بارتدائها ..
لكنه يبعدها عنها بنظرة زاجرة جعلتها تضحك ضحكتها المهلكة وهي تحني رقبتها ليلبسها إياها ..
_تسمحيلي أبوسك بعدد الليالي اللي حلمت بيكِ فيها وانتِ بعيد ؟!
همسه المشتعل يخضب وجنتيها بحمرة خجل طاغية لكن طبيعتها المرحة تغلبها فتهمس لها بشقاوتها العفوية :
_ابن الناس الكويسين بيستأذن ؟!
لم تكد تنتهي منها حتى تأوهت بخفوت وهي تشعر بتراقص شفتيه على طول مدار سلسلته على عنقها وجيدها ..
عشرات القبلات تحكي لها عن اشتياق ليالٍ لم يتمكن فيها من البوح ..
ليرفع ذقنها نحوه أخيراٌ هامساً بحب تحرر أخيراً من حواجز تحفظه :
_حلم جميل بقا حقيقة أجمل ..عمري ما حسيت بفرحة أد اللي مالية قلبي دلوقت .
غلالة رقيقة من دموع تغشي عينيها فتسبل جفنيها هامسة :
_امال أنا أقول إيه ؟! انت رجعتلي ضحكتي ..نفَسي ..دقات قلبي ..كل حاجة فيا كانت اتعطلت ومعاك انت ..
همساتها تنقطع بين شفتيه وهي تشعر به يضمها نحوها أكثر ..
أنامله تجد طريقها عبر خصلات شعرها التي طالما أثارت جنونه بينما ذراعه الآخر يطوقها بقوة عشقه ..
جنون عاطفته الذي طالما واراه خلف سدود تحفظه ينطلق الآن حراً من عقاله وهي تشعر به يدور بها ..
يدور.. ويدور ..فلا تدري هل كانت هذه هي رقصته التي تمناها معها حقاً ؟!
ولو قرأت ما بقلبه لأدركت أنه كان الآن يعيش حلمه ..على الواقع!!
آهاته تنساب ناعمة في أذنيها واشية بهذه العاطفة التي يضج بها قلبه ..
تترنح رغماً عنها شاعرة بالدوار لكن ذراعه يتشبث بها أكثر فلا تدري كيف سقطت معه على الفراش ..
تفتح عينيها لتصطدم بهذه النظرة في عينيه ..
نظرة رجل أمسك الدنيا وما فيها !!
_سيف !
تهمس بها بعمق عاطفتها فينحني بشفتيه ليدلل ملامحها كلها بشغف حار يصهرها في لهيبه ..
كأنها امرأته الأولى ..
وكأنه رجلها الأول ..
صور الماضي -على قدسيتها - تتوارى بحياء خلف غيوم الذاكرة فلا تترك مجالاً سوى ليوم وغد ..
ليلة دافئة يغزل فيها الحب خيوطه السميكة بينهما لتستيقظ صباحاً فيكون أول ما تراه هديته الجديدة ..
_وااااو ..هدية كمان ع الصبح كده !
تهمس بها بصوت ناعس مفعم بدلالها الفطري وهي تنهض من فراشها ليتأمل تفاصيلها الآسرة بهيام وهو يجلس جوارها على طرف الفراش قائلاً :
_عارف إن شيبوب وحشك وماكنتش مستعد ييجي يقضي معانا شهر العسل فجبتلك ده يفكرك بيه .
ضحكتها المهلكة تغرد في أذنه وهي تتناول منه العلبة لتفتحها وتستخرج الدمية القطنية بشكل الأرنب ..
تحتضنها بدلال يليق بها ويسرق خفقات قلبه باقتدار ..
قبل أن يشعر بتجمد ملامحها فجأة مع همسها الذي شرد معه بصرها:
_ريحته فراولة !
_ما بتحبيهاش؟!
يسألها بتوجس فتستسلم لشرودها للحظات مستعيدة ذكريات بشعة عاشتها ..
لكنها الآن كانت تملك من القوة ما يجعلها تنفضها عن ذهنها لتبتسم له مجيبة :
_ماكنتش بحبها بس دلوقت عادي .
ثم استقامت على ركبتيها لتزحف نحوه فتضمه إليها بذراعها الحر هامسة :
_شكراً يا حبيبي .
_بس كده ؟!
يرفع حاجبيه باستنكار فتمنحه واحدة أخرى من ضحكاتها الكارثية ناسبت همسها المغوي وهي تحدق بعينيها في عينيه :
_هاقول لعمو علاء ان ابن الناس الكويسين طلعت شقي خالص.
لم تكد تنتهي منها حتى صرخت بخفوت وهي تراه يميل بها فجأة ليعيدها لنومتها الأولى وسط ضحكاتها المتتابعة..
يشرف عليها من علو وهو يزيح خصلات شعرها الأحمر عن بشرتها العاجية هامساً بعينين متقدتين :
_هو حد يفضل عاقل مع ضحكتك وجمالك ده ؟!
تبتسم وهي تراقب احمرار أذنيه المتزايد فتتلمسهما برقة هامسة :
_ودانك دي هتبطل تحمر امتى؟!
_لما تبطلي تحلوي كده .
يهمس بها وعيناه تعانقان ملامحها بشغف ينافس شغف شفتيه بعدها ..
_اعقل يا سيف ..كده فعل فاضح قدام الأرنوب ..هنخدش حياءه ..آه ..
كلماتها تنتهي بمزيج ضحكاتها وتأوهاتها وهي تجد نفسها أسيرة عاصفة ستتعلم لاحقاٌ أن تجيد مواجهتها..وإن كانت تشك !
عاصفة عشق رجل كهذا لا يقف أمامها أحد !
======
_أنا عارف إني فاجأتك ومش مستعجل ع الرد ..خدي وقتك ..أسبوع اتنين مش مشكلة ..
تذكرها ياقوت بصوت سامر عقب عرضه الكارثي ذاك اليوم لتزفر بقوة وهي تسند رأسها على قبضتها المضمومة ..
تجلس على مكتبها في المركز تراقب الباب بحذر وهي تخشى أن يدخل في أي لحظة يطلب منها الرد فقد أوشكت المدة التي وضعها لها أن تنتهي ..
يعز عليها أن تحرجه ..لكن ما حيلتها ؟!
كلهم يطلبون منها أن تمنح نفسها فرصة التفكير ..
ثمر ..إسلام ..وحتى مروان الذي عرف بالأمر عرضاً ..
خاصة وهم يرون أن "فارسها المنتظر" قد ضل جواده طريق أراضيها ويبدو أنه استطاب أرضاً أخرى.
تدمع عيناها بأسى وهي تتناول هاتفها لتطالع صورة رأتها بالأمس وسرقت النوم من عينيها ..
صورة له مع امرأة شديدة الفتنة أرستوقراطية الطلّة تداولتها بعض المواقع الالكترونية عن شراكة جديدة تجمع بينهما ..
مع تلميح بما هو أكثر!!
تبتلع غصة في حلقها وهي تتحسس قرطه في أذنيها ..
لا ..لم تشك في حبه يوماً ولن تفعل ..
إنما هي تثق كذلك أن الزواج شيئ آخر !!
زين الفايد العظيم لن يرضى بامرأة بسيطة مثلها مع تاريخ أبيها خاصة وقد دخل بيت ثمر بنفسه ليدرك تواضعه ..
ألهذا السبب قد ابتعد ؟!
إنه لم يحدثها بكلمة من يومها ولا حتى برسالة هاتف !!
نظرة أخرى لتلك الصورة على هاتفها تشعل صدرها بالمزيد من النيران ..
الأحمق المغرور قال لها يوماً أنها آخر امرأة في العالم قد يغار عليها لأنه يثق في مكانته لديها ..
فما بالها إذن وهي أكثر ثقة في مكانتها لديه تكاد الآن تحترق غيرة ؟!
صوت طرقات خافتة على الباب يقاطع أفكارها فينتفض قلبها ترقباً ..
لا ريب أنه سامر يواليها بأخبار الحالة الجديدة التي يتشاركان علاجها وقد وجدا معاً أول الطريق ..
ليته يقصر حديثه عن العمل فحسب كما يفعل طيلة الأسبوعين السابقين متجاهلاً عرضه الذي رماه في وجهها كقنبلة !
_مش انتِ اللي فالحة وقلتيله نقّي واحدة عاقلة تستحمل ظروفك وتفهمها ؟! اهه اختار العاقلة الكاملة !
تهتف بها "عفريتتها العابثة" بمداخلة ساخرة غاضبة لكنها تنفض الخاطر عنها بسرعة وصوتها يعلو يسمح للطارق بالدخول ..
قلبها ينتفض بين ضلوعها بقوة وهي تكاد تكذب عينيها ..
زين !!
زين هنا !!
أخيراً !!
تقف مكانها ووجهها يترنح بين شحوب المفاجأة وحمرة الخجل ..
بينما يتقدم هو ليغلق الباب خلفه قبل أن يتقدم نحوها بخطواته الرصينة ظاهراً ..
الهوجاء باطناً !!
"سراجا الذهب" في عينيه يتوهجان كعهدهما فيغشيان قلبها قبل عينيها ..
كيف يمكن أن تعترف أن هذا العالم بأسره قد يحوي رجلاً غيره ؟!
من يمكنه أن يحدث فيها هذا الأثر فيبعثر كل خلية من خلاياها ثم يعيد لملمتها كما يفعل هو بمجرد نظرة ؟!
يقترب أكثر فتزداد فوضاها أكثر وأكثر ..
وفي سابقة تعد الأولى لها تبادره هي بمد يدها للمصافحة ..
فعلها قلبها قبل كفها !!
لكنه ظل ينظر ليدها الممدودة للحظات طويلة قبل أن يغمض عينيه وهو يقبض كفيه بقوة جواره قائلاً بصوته الآسر:
_رجّعي إيدك جنبك يا ياقوت ..لو هاودت نفسي ع اللي عايزه دلوقت مش هتسامحيني !
تعيد كفها ..إنما ليس جوارها بل تبسطه على صدرها محاولة السيطرة على خفقات قلبها ..
كيف يفعلها ؟!
كيف يصنع من كلمات بسيطة أعظم معاني الغزل؟!
كيف ببضعة حروف ..بضعة حروف فقط ..يصافحها ..يعانقها ..يقبلها ..ويغمرها في هذا السكن الدافئ الذي لم تعرفه إلا معه ؟!
يفتح عينيه بعد لحظات ليرنو ل"قمريها السجينين" خلف زجاج نظارتها ..
معها فقط عرف كيف يمكن أن تحمل عينا امرأة كل معاني الوطن ..وكل طغيان الاحتلال !!
افتقدها ؟!
كلمة هزيلة حقاً !!
إنه يشعر الآن وكأن كل الصخب الذي عاشه طيلة الأيام السابقة يسكن فجأة ليعزف الكون كله له ترنيمة سلام ..
يمد أنامله ببطء ينتزع عنها نظارتها فلم تعترض كالعادة ..
تركته يفعلها وكأنما تمنحه الفرصة كي يزيح كل الحواجز بينهما ..
يبتسم فتكتم تأوهها وهي تخفض بصرها عنه حياء ..
_ورجعت أيام الشقاوة ..وحشتنا يا برِنس الليالي ..انجز بقا وحياة الغاليين أنا قربت أحمض .
مداخلة حامية ل"العفريتة العابثة" تتجاهلها كعهدها وهي تستعيد ثباتها لتسأله بنبرة متحفظة تناقض براكينها الداخلية :
_خير ؟!
تتسع ابتسامته وهو يدرك أي حرارة تختفي خلف هذا البرود ..
قبل أن يتنهد بعمق وهو يتلفت حوله قائلاً :
_ممكن تعتبريني النهارده حالة ؟! عايز أخرج اللي جوايا لحد بثق فيه .
ورغم أن عبارته كانت عفوية تماماً لكن سلبية شعورها قبل مجيئه جعلتها تسيئ تأويلها فتراه يوقف مكانتها لديه عند هذا الحد ..
مجرد شخص يثق به !
لهذا تلبست قناع مهنيتها بمهارة لا تنقصها وهي تشير له نحو الأريكة الطويلة هناك والتي استلقى هو عليها مغمضاً عينيه ..
صمتٌ قصير يسودهما وهي تحاول كتم انفعالاتها ..
ليتحدث هو أخيراً :
_لسه مش قادر أتأقلم على دنيتي القديمة ..حالة نفور غريبة من كل حاجة ..الشغل ..البيت ..الناس ..
_والله ؟! والحلوة اللي كانت متصورة جنبك ؟! كانت بتشيل لك النفور ؟!
مداخلة ساخطة للعفريتة العابثة تتخطاها بقناع مهنيتها لتقول بنبرة جادة :
_طبيعي جداً ..المهم إنك تقاوم ..مش هتحس إنك راضي غير لما تشوف نتيجة ملموسة قدامك ..الدار مثلاً تقف على رجليها ..تشوف بعينك بنات كانوا هيضيعوا وبسببك لقوا الأمان ..تجوّز همسة وتخرجها من بيت الفايد عروسة رافعة راسها ..كل خطوة هتمشيها في الطريق المعاكس هتبقى صعبة لأنها عكس جاذبية شخصيتك القديمة ..صعبة بس فعالة ومؤثرة جداً .
يصمت قليلاً دون أن يغير وضعه ليخفت صوته مع اعترافه التالي:
_لسه بشوفها في كوابيس .
يتلون وجهها بألم يشبه الألم الذي سكن حروفه وهي تدرك عمن يتحدث ..
تلك المرأة أحدثت شرخاً بجدار روحه لا تظنه سيبرأ بسهولة وربما لن يبرأ أبداً ..
ليس فقط أنها جلدت ظهر كبريائه بل صفعتها المدوية لضميره كذلك ..
_بتشوفها إزاي؟!
تسأله بقناع مهنيتها الذي نسفه بجوابه :
_بشوفها مخبياكي وراها ..بتاخدك مني .
دقات قلبها تتعالى فجأة وهي تكتم تأوهها بصعوبة ..
تحمد الله أنه لايزال مغمضاً عينيه كي لا يشعر بهذا الأثر الذي أحدثته كلماته ..
هل حقاً يخشى فقدانها إلى هذا الحد ؟!
لماذا إذن لا يأخذ خطوة نحوها ؟!
كيف تخبره عن غضبها يوم طلبها سامر للزواج ؟!
عن انفعالها وهي تكاد تصرخ به أنها ملك رجل آخر ؟!
لكنها عادت لتذكر أن ذاك "الآخر" لم يظهر في الصورة بعد ..
ولايزال لا يريد الظهور!!
لهذا نكست رأسها بخيبة وصمتها يطول بعدها ..
ففتح عينيه أخيراً لينهض من رقدته وهو يتفحص ملامحها قائلاً بحذر:
_سكتتي فجأة ليه ؟!
_انت جاي النهارده ليه ؟!
مزيج من الخيبة والعتاب يلون حروفها لكنه لا يفهمه ..
فيرد بنفس الحذر:
_مش قلتلك اعتبريني حالة ؟!
هنا ترفع وجهها متحاشية لقاء نظراته لترد :
_ما ينفعش ..بيقولوها "I am so close" من الحالة ..لو تحب ممكن أرشح لك حد تاني بثق فيه .
ينعقد حاجباه بضيق وهو يشعر بجدار لا مرئي يرتفع بينهما ..
_مالك يا ياقوت ؟! شكلك متغير !
_قصدك اللبس؟! ده ذوق إسلام !
تقولها مراوغة بنفس النبرة وهي لا تزال تتحاشى نظراته فيزداد انعقاد حاجبيه بتفحص ..
عن أي ملابس تتحدث هذه ؟!
منذ متى يهتم هو بهذا الأمر ؟!!
_ياقوت !
يكررها بنبرة حازمة بين قلق ورجاء لكنها تقف مكانها لتقول بابتسامة مصطنعة :
_سألتك جاي ليه وقلت حالة ..وأنا اديتك ردي ..فيه حاجة تانية جاي عشانها ؟!
كانت تعذر نفسها في هذه الفظاظة المتوارية خلف ابتسامتها المتكلفة ..
تعذرها بخيبتها ..بغيرتها ..بالسؤال الذي لا تجد له جواباً ..
ما الذي ينتظره كي يقترب ؟!
لو كان حقاً يريد أن يقترب!!
فيقف بدوره وملامحه تشتد بضيق ممتزج بالدهشة ..
الجدار اللامرئي يزداد ارتفاعاً ولا يمكنه إدراك السبب ..
يود الآن لو يعترف لها أنه لم يبتعد عنها إلا ليفعل ما يستحق قربها ..
لكن كبرياءه يمنعه هذا الاعتراف !!
لهذا اهتزت حروفه التي طالما عهدها قوية وهو يرد مشيحاً بوجهه :
_أكيد فيه .
الأمل ينتعش في قلبها من جديد لكنه ينسفه باستطراده :
_فرح همسة ..جاي أعزمك تحضريه !
لم يكن الأمر يستحق هذا لكنها شعرت بكلماته تصفعها !
تبني سوراً خلف سور بينهما ..
هكذا إذن ؟!
هذا هو الدور الذي ارتضاه لها !
طبيبة نجحت في علاج أخته !!
نزيف كبريائها غير المرئي يجعل ابتسامتها المصطنعة تتسع وهي ترد ببرود :
_مبروك ..فرحانة جداً عشانها ..حالة جديدة نجحت فيها بفضل ربنا ..بس مش هاقدر أحضر الفرح !
_ليه ؟!
يسألها بغضب يتنامى مع ذبذبات هذه الطاقة السلبية بينهما لترد بنفس البرود :
_انت عارف إني واعدة جدتي من زمان ما أدخلش بيتك تاني !
_بتضربي تحت الحزام ! يا مجرمة !
تهتف بها "العفريتة العابثة" بداخلها بإحباط وهي تدرك أي فكرة ستصله بعدها ..
تكره أن تجرحه لكن ألم يفعلها هو قبلها؟!
لهذا ارتجف جسدها ببعض الخوف وهي ترى ملامحه تزداد غضباً بدا جلياً أنه يجاهد للتحكم به ..
يقترب منها حتى يكاد يلاصقها فتعود خطوة للوراء لا إرادياً بينما تسمع جوابه ببرود مشتعل:
_بسيطة ! أكلمها وأستأذنها ..
ثم صمت لحظة ليردف بنبرة واثقة :
_وهتوافق.
_خلاص! لو وافقت ماعنديش مانع ! حاجة تانية عايزها ؟!
تقولها بنفس البرود وهي تعطيه ظهرها ليجذب ذراعها نحوه ببعض العنف فينعقد حاجباها بغضب يشبه غضبه وهو يسألها بهمس مخيف:
_فيه إيه ؟!وإياك تقولي مفيش!
تدمع عيناها بقهر وهي لا تجد الجواب ..
ما الذي يريد منها أن تقوله ؟!
ألم يحدد هو مسبقاً مكانها عنده ؟!
لهذا نفضت ذراعها منه بقوة لتقول من بين أسنانها :
_مفيش حاجة ..مفيش أي حاجة .
_يعني إيه ؟!
_افهمها بقا يا زين بيه ..عمري ما شكيت في ذكائك .
برودها الغاضب يصطدم بشبيهه لديه و"بقايا شعوره بالذنب" تجعل خواطره تتجه نحو زاوية واحدة ..
هي ترفضه !!
تراه لا يليق بها بعد ما كان !!
لهذا تقحم جدتها في الأمر؟!
هل هو رأيها كذلك ؟!!
وجهه يشتعل بمزيج من غضب وخوف و"الكوابيس اليومية" التي يراها لتلك المرأة تعاود التشكل أمامه ..
يراها تخفي ياقوت خلفها ..
هل ما يراه الآن هو التأويل؟!!
يندفع نحوها بانفعال وأنامله تتجه لوجهها مع سؤاله الذي فاجأها:
_انتِ لسة لابسة الحلق؟!
لكنها تتمالك مفاجأتها بسرعة لتبتعد بظهرها عن مجال ذراعيه هاتفة بانفعال:
_قلتلك قبل كده مش من حقك تسأل السؤال ده ..زي حاجات كتير مش من حقك وانت مُصرّ تعملها .
صوت طرقات قوية على الباب يقاطعها فيرمقها بنظرة مهددة مضيقاً عينيه لكنها تتجاهل تهديده وصوتها يعلو بتحدّ:
_ادخل .
تحديها يقابل تحديه وهو يمنحها عقابه بأن امتد كفه بقوة يقبض على راحة يدها بتملك في نفس اللحظة التي فتح فيها باب الغرفة ليدخل سامر ..
_السلام عليكم ..آسف ..ماكنتش أعرف إن عندك حالة ..أجيلك وقت تاني .
يقولها وعيناه تلتقطان إشارات ما يحدث ..
حمرة وجه ياقوت ..هذا الرجل الذي يمسك كفها بتملك ..لحظة !
لقد رآه من قبل ..أجل ..يوم الافتتاح ..كان كذلك يمسك كفها بنفس الطريقة ..كيف غفل عن هذا ؟!
مرتبطة ! ياقوت مرتبطة عاطفياً ! لماذا إذن لم تصارحه بهذا ؟!
شخصية مستقيمة مثلها لن ترضى بعلاقة كهذه في غير إطار شرعي ..
أم تراه هذا الرجل يفرض نفسه عليها ؟!
كل هذه التساؤلات تجوب ذهنه في ثوانٍ فيتجاهلها عمداً وهو يحاول التراجع لكن ياقوت تنتزع كفها من زين بعصبية هاتفة :
_أنا فاضية يا دكتور ..زين بيه خلص كلامه وماشي .
ينقل سامر بصره بينهما بحذر وهو لا يدري ماذا يفعل ..
هذا الرجل يبدو مهيباً بحق ولا ينكر هذه الرهبة التي تجتاحه وهو ينظر إليه بهذه الطريقة ..
_من فضلك اخرج واقفل الباب أنا لسه ما خلصتش كلامي .
يقولها زين بنبرته التي عاد إليها مزيج "الود والهيمنة" الخطير الذي أشعل الدماء في عروقها لترمقه بنظرة وجلة ..
فيما لم يجد سامر بداً من التراجع وهو يخاطب ياقوت بقوله وهو يشير بسبابته نحو الخارج مانحاً لها ما ظنّه إشارة مطمئنة :
_هاستنى بره ..كنت حابب بس أقوللك إن الحالة الجديدة بدأت تتحسن .
_عظيم .
تقولها بتشتت وهي تومئ له برأسها فانسحب ليغلق الباب خلفه وهو يرمق زين بنظرة متفحصة أخيرة أخبرته أن أمله فيها مفقود للأبد ..
الغريب أنه لم يشعر بالخسارة كما ينبغي ..بل على العكس ..لقد شعر بنفس إحساس المحارب الذي كفوه شر القتال ..
ياقوت ممتازة حقاً ..لكنه كان سيخوض معها حرباً قاسية كي يجد لها مكاناً بروحه التي خربتها سواها ..
فعلامَ كل هذا !!
_دلوقت الست حلاوة تبكّتني وتقوللي طول عمرك حظك مايل يا منيّل ! ياللا ..هي يعني بتكدب؟!
سخريته الباردة تظلل خساراته كالعادة فتزللها له ..ليتنهد أخيراً بعمق وهو يجلس على المقعد القريب بتحفز منتظراً خروج هذا الرجل المهيب !
وبداخل الغرفة اندفعت ياقوت تهتف به بحدة :
_مفيش فايدة ..عمرك ما هتتغير ..المفروض أفهمك إزاي تحترم وضعي أكتر من كده ؟! ..المرة الجاية مش هاعمل حساب لأي حاجة وهاوقفك عند..آه ..
عبارتها تنقطع بآهة خفيفة وهي تفاجأ به يجذبها من معصمها نحوه ليضغطه ببعض العنف ..
نظراته تشتعل بجنون غضب و..غيرة !
صوته يخرج بارداً ..قاسياً كالثلج :
_احنا فعلاً محتاجين مرة جاية نتكلم فيها براحتنا ..أفتكر فرح همسة فرصة مناسبة ..أنا متأكد إنك هتيجي لأني برضه مش شاكك في ذكائك .
هل يهددها ؟!
هل عاد لضلاله القديم ؟!
تهتف بها سراً بمزيد من حنق وغيظ وهي تراه ينفض معصمها عنه بعنف ليرمقها بنظرة طويلة أخيرة قبل أن يتحرك ليفتح الباب وينادي سامر بنفسه وبنبرته المهيمنة يهتف :
_اتفضل يا دكتور ..دلوقت تقدر تدخل !
يقف سامر مكانه ولايزال يشعر بالغرابة من هذا الوضع ليرمقه زين بنظرة متفحصة طويلة وهو يتجاوزه ليغادر المركز ..
يعقد سامر حاجبيه وهو يدخل لياقوت التي بدت كحبة ذرة فوق مقلاة ساخنة ..
كل خلاياها تتقافز غضباً ..وغيظاً !!
_مممم ...ممكن أسأل مين ده ؟!
يسألها بحذر وهو يعدل وضع نظارته فوق أنفه لترد بانفعال ساخط :
_مجنون ! ..مجنون !..واحنا بنتعامل مع مين يعني ؟!
يكتم ابتسامته وهو يدرك أن ياقوت لا تستخدم لفظ "مجنون" هذه مع مرضاها ..تعتبرها ضرباً من التنمر ..ومادامت اختارتها لهذا الرجل فهذا يعني أن نظرته هو في محلها !!
لكنه أطلق آهة تفهم وهو يتظاهر بتصديق ما تدعيه ليتقدم منها قائلاً بنبرة عملية :
_طيب بخصوص الحالة الجديدة ..هي بدأت تشاور ..وده تقدم كبير جداً في وقت قصير .. انتِ عارفة طبعاً إنها كانت رافضة أي نوع من التواصل ..بس لسه العلاج محتاج شوط طويل ..تحبي ..؟!
بقية كلماته تتشوش في أذنيها ..يبتلعها شرودها وهي تشعر أنها عادت للغرق من جديد في بحر ذاك الرجل ..
تحتاج لرأي أحدهم يساعدها في هذه المتاهة ..من؟!
والجواب يأتيها سريعاً ..
إسلام !!
=======
انتهى الفصل السابع والعشرون
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثامن وأربعون 48 - بقلم سينابون
القطعة السادسة والعشرون
=========
_كذبت عليها ليه ؟!
تسأله ياقوت بإشفاق وهي تخاطبه عبر الهاتف بعدما أخبرها بما كان ..ليرد هيثم بنبرة بائسة :
_ما قدرتش ..ما قدرتش أكسرها ..
ثم صمت لحظة ليردف بنبرة أكثر خفوتاً :
_وأخسرها!
دمعت عيناها بتفهم لحالتهما التي تدرك مدى تعقيدها ..لكنها ردت بما يمليه عليه ضميرها:
_شهد بتحبك بجد ..اللي عملته في حسين رجائي كان بره حسابات قلبها ..كانت بتاخد حق قريبتها وكل اللي زيها ..بس لما قربت منك أكتر ماقدرتش تمنع نفسها إنها تحلم بيك ..يمكن عشان كده كانت أكتر واحدة وقفت جنبك في محنتك الأيام اللي فاتت ..كانت بتقوللي إنها عايزة تلحق أي لحظة ممكن تعيشها معاك ..قبل ما ذاكرتك ترجع لك وتسيبها .
زفرته تصلها حارقة ليسودهما صمت قصير سبق هتافه الحاد :
_طبعاً هاسيبها ..إزاي ممكن أكمل معاها ؟! أقدمها لأمي وأقوللها إيه ؟! أقوللها دي البنت اللي بابا كان بيخونك معاها ؟! أبص في وشها إزاي وأنا عارف إن بابا كان ..كان ..
صوته ينقطع في أذنيها لتسمع صوت شيئ ما يتكسر جواره فتهتف به بانفعال:
_اهدا يا هيثم ..كلام التليفون ده مش هينفع ..أنا هاجيلك .
لكنه يهتف بها محاولاً التماسك :
_أنا كويس ..ما تقلقيش .
فتنهدت بحرارة لتعاود سؤاله بحذر قلق:
_ولما انت هاتسيبها قاعد عندك ليه ؟!
صمته يطول هذه المرة قبل أن يرد بنبرة مرتجفة :
_أنا حاسس إني مخبوط على دماغي ..لسه مش متوارن ..كل حاجة في عينيا متشوشة ..بس معاها هي بس بحس إني مطمن ..إني عارف نفسي ..مش عارفها بس ..لا ..ده أنا بحبها الحب اللي بشوفه في عينيها ..إزاي أسيبها بس؟! وإزاي ..إزاي ما أسيبهاش؟!
هنا كان دورها لتنحي عاطفتها الأخوية وترتدي قناع مهنيتها لتقول له بحزم :
_ده القرار اللي محدش هياخده بدالك يا هيثم ..أسوأ حاجة ممكن تعملها دلوقت إنك تفضل واقف في النص بترقص ع السلم زي ما بيقولوا ..اختار إنك تسيبها ومحدش هيلومك بس كمل حياتك بعدها ..أو اختار إنك تفضل معاها وبرضه محدش له إنه يقوللك ليه وإزاي بس تبقى انت قادر تنسى اللي فات .
_أنا محتاج وقت ..وقت أفضل فيه جنبها وأقدر أحكم كويس أنا هاقدر أكمل واللا لأ ..بس من غير ما هي تعرف إني رجعت لي ذاكرتي .
يقولها بنفس النبرة البائسة لترد هي باستحسان :
_ممتاز ..ده قرار كويس ..أوعدك إن ده يفضل سر بيننا ومحدش هيعرفه ..ماعدا إسلام ..مش هاقدر أخبي عليه صراحة خصوصاً إني عارفة الخبر ده هيفرحه أد إيه لأنه كان قلقان عليك طول الفترة اللي فاتت .
يمنحها موافقته لتبتسم وهي تغلق معه
الاتصال قبل أن تشرد ببصرها في الفراغ أمامها ..
تتمنى بحق لو يستطيع أخوها أن يتجاوز هذه العثرة في طريقه مع شهد ..أن يختار الحب ويعيش له ..
لكنها تعلم أن الأمور لا تسير بهذه
"الأفلاطونية" ..وأن الواقع المؤلم يحمل لهما شارة النهاية على قارعة الطريق ..
تماماً ..مثلها ومثل زين !!
الحب وحده هاهنا لا يكفي !!
هاهو ذا منذ عودته من القرية لم تسمع عنه خبراً ..
همسة هاتفتها لتخبرها أن موعد زفافها على رائد بعد أيام ..
وطمأنتها أن زين قد عاد للعمل وللبدء في مشروعه الخيري الخاص .وهذا كل ما استطاعت معرفته عنه ..
معقول؟!
هل يمكن أن تنتهي قصتهما هاهنا ؟!
أخته قد تعافت ..وهو قد عاد لحياته ..فما صار لأحدهما دور في حياة صاحبه ؟!
مسافران التقيا في قطاريين متوازيين ..
لوّح كل منهما للآخر عند توقف القطارين لكن لن يلبث أحدهما أن يمضي في طريقه و..ينسى الآخر !
دمعة حزينة تغشي عينها فتمد أناملها تتحسس قرطه في أذنيها ببعض الحسرة ..
لتتنهد بعدها بحرارة وهي تضغط زر
الاتصال بمساعدتها :
_لسه فيه حالات ؟!
_واحدة بس!
_خلليها تدخل .
تقولها لتأخذ نفساً عميقاً وهي تتلفت نحو الباب ..
تتمنى لو يكون هو ..
لكن آمالها تتلاشى وهي ترى الحالة امرأة !
تكتم خيبتها بابتسامة ذابلة وهي تستقبل مريضتها لتعاود ارتداء قناع مهنيتها الذي لم يخذلها يوماً ..ولن يفعل!!
وفي غرفته أغلق هيثم معها الاتصال ليطرق برأسه في يأس يفكر ..
صوت طرقاتها الذي يعرفه على الباب يلون ملامحه العابسة بابتسامة لا يملكها..
فينهض ليفتحه وقلبه يكاد يقفز منه إليها ..
_صباح الخير ..معقول نايم لحد دلوقت؟!
مرحها الممتزج ببراءة شهية يزيد من عمق ابتسامته وهو يخرج إليها ليومئ لها برأسه فتضحك وهي تزيح خصلة من شعرها للوراء قائلة :
_ماما عازماك ع الغدا معانا ..ياللا اتفضل .
يحاول الرفض بحرج لكنها تجذبه من كفه هاتفة بإصرار:
_مفيش حجج ..أنا طالع روحي م الصبح في المطبخ .
_بتعرفي تطبخي؟!
يسألها مراوغاً لتبتسم وهي تسير معه قائلة :
_على أدي يعني ..
ثم تصمت لحظة لتردف بنبرة حالمة :
_حلمت بيك امبارح ..كنت زي القمر ..
فيتنهد بأسى وكلماتها تعيده لذروة صراعه بشأنها لكنه يحاول مجاراتها :
_حلمتِ بإيه ؟!
_كنا بنعوم سوا ..والشمس ورانا ..وفرحانين ..وبعدها فجأة ..قرص الشمس بقا قدامنا ..دورت عليك جنبي مالقتكش ..
دمعت عيناها عفوياً مع كلماتها الأخيرة لتصادف دمعة شبيهة في عينيه لكنه تنحنح ليعاود سؤالها بنبرة متحشرجة :
_وبعدين ؟!
فتوقفت مكانها لتهز كتفيها قائلة :
_صحيت !
ثم لكزته في كتفه بقبضتها هاتفة بمرح مصطنع:
_سبتني ورحت فين ؟! ها ..قول!
يضحك هو الآخر بتكلف ليتنهد وهو يبسط كفيه مشيراً حوله ويرد بنفس النبرة المراوغة :
_هروح فين بس ؟! ما أنا هنا أهه !
تنظر إليه للحظات كأنها تملأ عينيها من صورته قبل أن تسأله وهي تتفحص
ملامحه بخبرتها السابقة عنه :
_مالك النهاردة ؟! حاساك متغير .
_زهقان بس ..مش لاقي حاجة أعملها !
يقولها وهو يحيد ببصره عنها ليهبط الدرج هارباً من نظراتها التي تزيد وهنه ..فتلحق به هاتفة بحماس:
_تشتغل معايا ؟! ممكن أكلم لك صاحب المحل!
_هاشتغل إيه ؟!
يسألها بعدم اكتراث وهو مستمر في هبوط الدرج لترد وهي تسبقه لتقف أمامه هاتفة بنفس الحماس:
_تقعد ع "الكاشير" ..
شغلانة سهلة ..هتشوف وشوش كتير وتغير جو ..وكمان تجرب تشتغل وتكسب ..هو المرتب مش كبير بس صدقني هتتبسط ..وكمان هنبقى مع بعض طول اليوم ..إيه رأيك ؟!
يرمقها بنظرة حائرة وهو لا يدري بماذا يرد ..
هل ينقصه المزيد من التخبط في متاهاتها ؟!
إنه -بالكاد- يتماسك في دقائق قربها القليلة ..فماذا لو زادت ؟!
_عشان خاطري وافق ..عشان خاطري يا هيثم !
ورغماً عنه يجد نفسه يشير لها برأسه موافقاً فتطلق صفيراً قصيراً قبل أن تصفق بكفيها هاتفة بصوت مرتفع:
_الله عليك ..الله عليك ..الله عليك .
فيبتسم وهو يتلفت حوله هاتفاً :
_اعقلي يا شوشو احنا ع السلم .
_شوشو!
تهمس بها بصدمة وعيناها تتسعان بارتياع بينما قدماها تتراجعان للخلف خطوة فتتعثر على السلم لكنه يمسك بها بذراعيه ليقربها منه دون قصد فترتجف نظراتها مع ملامحها الشاحبة وهي تحاول البحث في ملامحه عما يطمئنها ..
نظراته هو الآخر تتجول فوق ملامحها بمزيج من يأس وإشفاق ..وغضب!
غضب لم يملكه وهو يحررها من بين ذراعيه ليشيح بوجهه عن مرأى الدموع التي تجمعت في عينيها ..
والسؤال اللعين يفرض نفسه على تفكيره ..
هل أمسكها يوماً أبوه هكذا ؟!
ما الذي حدث بينهما بالضبط ؟!
_ما لمسنيش!
يسمعها بصوتها كما قالتها له في اعترافها ذاك اليوم بالمطعم قبل الحادث ..
تكاد حروفها تقطر صدقاً ..لكنه لا يملك أن ينفي الاحتمال الآخر !
_هيثم !
همستها التي تلاحقت بها أنفاسها تنتزعه من شروده فيغلب إشفاقه عليها كل ما عداه ..
ابتسامة مصطنعة ترتسم على شفتيه وهو يدعي البراءة بسؤاله :
_مالك اتخضيتي كده ليه ؟!
_انت ..قلتلي ..شوشو ؟!
يغمض عينيه عن مظهرها المرتعب وهذه الدموع التي تكاد تسيل من عينيها ليغتصب ضحكة مفتعلة مع رده :
_مش اسمك شهد ؟! هدلعك إيه يعني ؟! لو مش عاجبك ننقي اسم تاني ..بس ده اللي جه في بالي .
بعض الارتياح يكسو ملامحها ويزداد مع الابتسامة التي أجاد اصطناعها ..
قبل أن يشير للأسفل هاتفاً بنبرة محذرة :
_اتأخرنا ومامتك هتقلق .
فتشهق وهي تنتبه لصحة ما يقول فتركض على السلم لتسبقه نحو الأسفل تاركة إياه خلفها يتأوه بخفوت وهو يحيط رأسه بكفيه ..
عذابه مقسم بين رأسه وفي خفايا ضلوعه ..
فأين المفر؟!
======
_تمت المهمة !
يهتف بها إسلام بظفر وهو يرفع أكياس مشترياتهما من ذاك السوق التجاري الفخم أمام عينيها بينما يقف في غرفتها ببيتها في العاصمة ..
فتمصمص شفتيها لتقول بمكابرة وهي تلوح بسبابتها في وجهه :
_أنا هاودتك بس لما أشوف آخرها ..لكن لعلمك ..أنا من أشيك تلات ستات في مصر !
_بس بقا ..بس بقا !
يهتف بها بنفاد صبر وهو يخبطها على مؤخرة رأسها قبل أن يتحرك ليضع
الأكياس جانباٌ ثم يفتح خزانة ملابسها قائلاً بغيظ :
_المفروض نحتفل بيوم نسف الدولاب ده زي خط بارليف بالظبط !
_هتعمل إيه ؟!
تسأله بحذر وهي تقترب منه لتراه يستخرج كل ملابسها منه ليلقيها أرضاً واحداً تلو الآخر فتشهق بارتياع هاتفة :
_مش هارميهم ..سيبهم للذكرى طيب!
_ذكرى؟!! يا ماما دي كوابيس مش ذكريات أبداً ..
ثم انحنى يلتقط أحدها بين سبابته وإبهامه ليهتف وهو يرفعه باشمئزاز أمام عينيها :
_ده إيه ده ؟! جالك قلب تشتريه إزاي ده ؟! اسمه إيه اللون ده أصلاً ؟!
_ده بطيخي !
تقولها بفخر وهي تتناول منه الثوب تحتضنه بين ذراعيها مردفة :
_حضرت به حفل التخرج بتاعي ..كانت عينين الدفعة هتطلع عليه !!
_ما هي لازم تطلع يا ماما ..
لازم تطلع ..وده إيه اللون ده كمان ؟!
_ده مشمشي !!
تقولها من بين أسنانها مشيرة للقميص الذي ألقاه هو جانباً بنفس الاشمئزاز ..
ليلتقط سترة ما فيرفعها أمام عينيها من جديد هاتفاً :
_وده ؟!
تنفرج شفتاها تهم بالرد لكنه يكمم شفتيها براحته هاتفاً بتهكم مغتاظ :
_برتقاني! واضحة يعني ! منك لله يا شيخة مش طول عمري بحب الفاكهة ؟! كرهتها!
تضحك بانطلاق وهي تحرر وجهها منه لتهتف وهي تنحني لتجمع الملابس :
_مش للدرجة دي يعني ..
ثم ترفع رأسها مقلدة مشهداً شهيراً في فيلم عربي معروف:
_دي آراااااء ..آرااااااء!
_ده ابتلاء يا ماما ..ابتلاااااء!
يقولها وهو يخبطها من جديد على مؤخرة رأسها لتضحك وهي تضع ما بيدها جانباً فتراه يعلق لها ملابسها الجديدة بنفسه في الخزانة ..
فيختلج قلبها بهذا الشعور الذي افتقدته عمراً ..
أن يكون لها رجلٌ يهتم لأمرها هذا الحد !!
رغم قصر مدة تعارفهما لكنها قابلته بعمق احتياجها طوال هذه السنوات ..احتياجها لأخ ..سند ..تدرك أنه لن يخذلها أبداً ..
تلتمع عيناها بحنان ممتزج بالشجن وهي تقترب منه لتربت على ظهره قائلة بامتنان :
_شكراً .
فيبتسم وهو يقرأ مشاعرها في عينيها ليقول بحنان ممتزج بمرحه :
_بس يا بنت عيب ..مفيش بيننا الحاجات دي!
تبتسم وهي تسند رأسها على كتفه للحظات فيربت على ظهرها قبل أن يقول لها بهدوء:
_زين لازم يحس إنك راسك براسه ..لازم يتعب عشان يوصللك ..يشوف الناس بتبص لك إزاي ..لو كان فاكر إنه هيتعطف ويتفضل وينزل من برجه العالي عشان يكون الأمير اللي خد بنت الغفير يبقى يروح يلعب بعيد ..أنا أختي نجمة في السما تتاقل بالدهب .
ابتسامتها تتسع وهي تشعر بالمزيد من
الامتنان له ..
كلامه يضغط على عقدتها القديمة فتتنهد بعمق ليردف وهو يغلق الخزانة ليستند عليها بظهره :
_عندي ليكِ حالة لو نجحتِ معاها وربنا كتب لها الشفا على إيديكي هتبقى نقلة كبيرة قوي ..
تنظر إليه باهتمام ليستطرد وهو يحيط كتفها بذراعه ليتحرك بها خارجين من الغرفة قائلاً :
_فاكرة بنت "..." اللي اتخطفت من كام شهر والدنيا اتقلبت ساعتها وعملوها قضية رأي عام ؟! البنت دي من ساعتها فاقدة النطق وحالتها صعبة ..أبوها راجل مش قليل وقالب الدنيا ومحمل الحكومة سبب اللي حصل لبنته ..وانتِ عارفة الهاشتاجات على تويتر دلوقت بتعمل شغل ..أخو البنت صاحبي ..لما قاللي قلت له يجيبها عندنا المركز ..
ثم صمت لحظة ليردف بيقين :
_أنا واثق فيكِ ..وعارف إنك هترفعي راسي ..غير إنها حالة إنسانية لكن نجاحك معاها بالذات هيرفع اسمك فوق قوي .
كلماته تذكي طبيعتها العملية فتسأله عن التفاصيل باهتمام ولم يكد يمنحها إياها حتى هتفت بتردد :
_ممكن أحتاج سامر معايا ..أعتقد إن له خبرة سابقة في حالة زي دي.
_جميل ..كلميه وظبطوا سوا ..صاحبي هيجيلك معاها الصبح المركز .
يقولها باستحسان لتبتسم له ثم تسأله بتردد :
_عامل إيه مع نشوى؟!
فيمط شفتيه باستياء ليتنهد بضيق وهو يشيح بوجهه مع جوابه وهو يحكي لها عن تغير أحوالها المفاجئ منذ رجوعهما من القرية..
لتفكر للحظات قبل أن تقول بحذر:
_تغيير زي ده مايجيش غير بحاجة من اتنين ..إما إنك جرحتها بحاجة تخص موضوع ناصر ..وإما ..
تقطع عبارتها بتردد ليستنطقها بنظرة قلقة جعلتها تكمل استنتاجها:
_أو لسة بتتابع أخباره وشافت حاجة كسرتها أكتر من موضوع الفرح .
الغضب يكسو ملامحه للحظات قبل أن يهز رأسه ليقول بانفعال:
_لا لا ..مستحيل نشوى تعمل كده ..دي لو شافته هتكسر دماغه .
_ده اللي باين لنا .
تقولها ببعض الإشفاق لتردف :
_اوعدني تبقى متفهم عشان أقدر أكمل .
ضم قبضته بقوة يكتم غضبه من هذا الحديث الذي يجرح في رجولته ..
لكنه تحمله صابراً وهو يشير لها برأسه أن تكمل :
_انت متخيل الحب اللي يخللي ست زي نشوى تقبل تكون زوجة تانية لناصر
بالظروف اللي عرفتها ده يبقى حب شكله إيه ؟! ده هوَس مش حب ..نشوى مش هتنساه في يوم وليلة ..هتفضل مرارة إنه خذلها شايلاها لحد ما تلاقي الحب اللي ينسيها وده مش هيكون
بالساهل كده ..انت ما بتحاربش راجل في قلبها ..انت بتحارب حلم عمر كبرت بيه وزاد هوسها بيه بعد فشلها مع جوزها الأولاني ..لو شخصية منفتحة كان ممكن تتقبل ده أسهل لكن شخصية زيها انطوائية قافلة على نفسها مش شايفة غير الفكرة اللي عقلها مصدرهالها ..سامحني لو قلتلك ..نشوى لحد دلوقت مش شايفاك ..ماينفعش تشوفك ..عينيها لسة متغمية بالغشاوة القديمة ..مهما صرخت إنها خلاص كرهت ناصر بعد اللي عمله هاقوللك كذابة ..نشوى مش هتكرهه إلا لما تفهم إنها أصلاٌ ماحبتوش ..إنه كان وهم في خيالها غذته قلة ثقتها في نفسها والخذلان اللي شافته منه ومن جوزها بعده ..
_والحل؟!
يسألها بقنوط لترد وهي تربت على كتفه :
_ده امتحانكم الحقيقي ..اصبر عليها يا إسلام ..ما تستعجلهاش في أي خطوة ..واوعى مهما حصل تبعد عنها ..نشوى محتاجة إيد تمسك إيدها عشان تعدي النفق الضلمة ده ..يوم ورا يوم الغشاوة اللي على عينها هتتزاح ..ساعتها هتشوفك ..
هتشوف إيدك ماسكة إيدها ..
وقتها هتلاقي معاك حبها الحقيقي وتعرف الفرق بينه وبين الوهم اللي ضيعها سنين .
=======
_صباح الخير يا آينشتاين ..جاي في وقتك .
تقولها ياقوت بعفوية وهي تنظر إليه يدخل من باب غرفتها في المركز ليرمقها بنظرة غريبة لم تفهمها ..
قبل أن يتحرك ليجلس على الكرسي أمام مكتبها قائلاً بنبرة خاوية :
_خير ؟!
_مالك يا سامر؟!
تسأله بنبرة أكثر اهتماماً هذه المرة وهي تميز ذقنه النامية ومظهره المهمل ليعدل وضع نظارته فوق أنفه قائلاً بتهكم مرير:
_عايش اهه ..زي الفل .
ثم يرفع بصره إليها متفحصاً أناقتها الجديدة على عينيه بمظهرها المستحدث الذي أضفى عليها سحراً خاصاً ..
سترتها السماوية بلونها الفاتح مع قميص أبيض ووشاح بنفس اللون ..مظهر غريب تماماً عن ألوانها الفاقعة التي اعتادت ارتداءها ..
_شكلك حلو النهارده .
تبتسم دون خجل وهي تتقبل عبارته العفوية كمجاملة أخوية لتهتف به بحماس:
_تشكر يا ذوق ..ركز معايا بقا كده عشان الحالة الجديدة اللي وصلت محتاجة دماغ صاحي ..عن نفسي متحمسة جداً ..وحاسة إنك هتساعدني نوصل بيها بر الأمان ..مبدئياً كده التشخيص لازم نحدده الأول صح ..بس ده صعب لأن الأعراض متداخلة ..هنحط احتمالات ونمشي ورا كل واحد لوحده ..سامر ..سامر ..انت سامعني ؟!
لكنه كان غارقاً في شروده ونقشٌ في سجادة الغرفة يشبه شكل الخنجر يسحبه لذكرى تلك المكالمة الهاتفية التي تلقاها من سها ..
فرحته وهو يسمع صوتها لأول وهلة قبل أن يفاجأ بما تريده منه ..
_مش فاهم ..يعني انتِ عايزاه يطلقك ؟!
_عايزاه يحس إنه خسرني ..إني ممكن أفكر في غيره زي ما هو فكر في غيري .
_وأنا دوري إيه في القصة دي؟!
_عايزاك تساعدني نفهمه إننا قريبين من بعض ..نخرج سوا ..نتصور سوا ..هو رافض يطلقني ..فاكر إني ممكن أعديله اللي عمله ..بس لازم أدوقه نفس الجرح اللي جرحهولي ..لازم يحس إني ممكن ببساطة ألاقي بديل .
_بعد كل السنين دي يا سها ؟! مالقيتيش غيري أنا تقوليله كده ؟!
_سامر..سامر انت كويس؟!
صوت ياقوت ينتزعه من شروده ليلتفت نحوها بحدة فتنتبه لعينيه الدامعتين خلف زجاج نظارته ..
_شكلك تعبان ..نأجل كلامنا لبعدين .
تقولها مشفقة لكنه يبتسم ابتسامة منهكة وهو يعيد رأسه للوراء يسنده على ظهر الكرسي بحركته المعهودة ليتنهد بحرارة قائلاٌ:
_مالوش لازمة التأجيل ..شكلي هافضل طول عمري تعبان .
ترمقه بنظرة متفحصة للحظات قبل أن يلهمها ذكاؤها لتسأله :
_الحكاية فيها سها؟!
تلتوي شفتاه بشبه ابتسامة ومجرد الاسم يعيد إغماد الخنجر في صدره ..
بعد هذه السنوات ..
تأتيه لتجرحه بنفس الطريقة ..
تثبت له أنه ليس في حياتها أكثر من طيف غير مرئي!!
ماذا يحكي عن صدمته فيها؟!
عن مفاجأته بهذا الوجه الأسود لها تحت قناع ملائكيتها الذي طالما عشقه فيها ؟!
عن شعوره أنه بعد هذه السنوات ..لم يكن يعرفها حقاً !!
هل تغيرت إلى هذا الحد ؟!
هل يمكن أن يشوهنا الوجع حد أن يطمس ملامحنا ؟!
يتنهد بحرارة وهو يرفع إليها عينين نصف مغمضتين في جلسته هذه ليسألها :
_ممكن تعتبريني حالة لمدة خمس دقايق ..بثق في رأيك يا دكتور ؟!
تبتسم بإشفاق وهي تومئ له برأسها فيغمض عينيه ليحكي لها عما كان ..
عن صدمته بما طلبته منه هو بالذات ..
عن خيبة أمله فيها بعد كل هذه السنوات ..
عن غضبه ..خوفه منها ..وعليها ..
عن حيرته وهو يصطدم بوجهها ذاك لأول مرة ..
_عمري ما اتخيلتها كده ..طول عمري شايفها ملاك ما بتغلطش ..حتى موقفها مع ناصر ماغلّطتهاش فيه ..قلت هي دي سها ..بتضحي عشان غيرها يفرح ..لكن ..لكن فجأة لقيتني قدام واحدة تانية ..واحدة كل اللي يهمها نفسها وبس ..مش شايفة غير جرحها هي وبس ..
فترد وهي تحرك أناملها فوق المكتب :
_عندنا مثلث خطير ..سها ونشوى وناصر ..التلاتة ماحدش رضي
باللي في إيده وجري يدور ع اللي في إيد التاني ..وفي ليلة الفرح ..قلم واحد يفوقهم هم التلاتة ويخسرهم الحاجة اللي طمعوا فيها ..عندنا اتنين اعترفوا بغلطهم وندموا ..نشوى وناصر ..لكن سها لسه عايشة في دور الضحية ..رافضة تعترف إنها حتى غلطت ..عايزة تكمل المسرحية اللي بدأتها بدور التضحية ..فتنهيها بدور المنتقمة ..المنتقمة لإيه ؟! لذنب هي أصلاً كانت مشاركة فيه !!
كانت تتحدث وهي ترسم على الورقة أمامها شكلاً لمثلث تشرح عليه ما تحكي عنه ..
لتشرد نظراته في حركة أناملها مستعيداً حديثه مع أمه بالأمس :
_قلتلك وانت ما سمعتش كلامي!
_هو أنا بحكيلك عشان تبكّتيني يامّه؟!
_أنا بفوقك ياابني ..يصعب عليا تضيع اللي باقي من عمرك في وهم ..كفاية اللي فات !
_هي الحكاية سهلة كده ؟!
_مش سهلة ..بس انت اسعى ..اسمع
كلامي ياابني وريّح قلبي ..مش هتنساها غير بستّ تانية تملا قلبك وتستاهله .
_ست تانية !
_انت مشيت ورا قلبك سنين ..اختار بعقلك المرة دي ..قلت لي الدكتورة زميلتك في المركز دي اسمها إيه ؟! الحلوة أم عيون خضرا؟!
_ياقوت!!!
_اسم الله عليك ..هي ياقوت دي ..دخلت قلبي من يوم ما شفتها ..وشكلها على أدنا ومن توبنا ..قلت إيه ؟!
_هتسرح تاني ؟!
صوت ياقوت ينتزعه من شروده فيرفع إليها عينيه بنظرة متفحصة مع اعتذاره :
_آسف ..كنتِ بتقولي إيه ؟!
_كنت بقول إن ده بالظبط اللي انت كنت محتاجه ..صدمتك فيها ..جه الوقت اللي تعترف فيه إنك حبيت صورتها اللي رسمتها في خيالك ..وإنك طول السنين دي محبوس في وهم ..رفض والدها خللى عقدة نقص تكبر جواك ..وانت غذيتها أكتر برغبتك إنك تنجح بس عشان تثبت نفسك قدامها !
_مممم ..يعني الدكتور النفسي طلع عقد في الآخر ؟!
يقولها بتهكمه المعهود فتتذكر عبارة مشابهة قالتها لزين يوماً ..
هذا الذي يلون ملامحها بالحزن من جديد لتغمغم بفتور:
_كلنا بنضعف في لحظة وبنحتاج اللي ياخد بإيدنا.
_الست حلاوة بتقوللي أخطب عشان أنسى ..أنا أسمع عن اللي بيشرب عشان ينسى لكن يخطب دي ..جديدة !
يقولها متصنعاً المرح لتخرج مشبعة بمرارته فتعدل وضع نظارتها على أنفها لترد بنبرة مهنية :
_أنا مش من أنصار إن حد يدخل في تجربة ولسه في ديول من تجربة سابقة ..لكن في حالتك بقول يمكن هو ده الحل .
_اشمعنا؟!
_عشان تعرف الفرق بين الوهم والحقيقة ..بين إحساس حقيقي ملموس قدامك وخيال مريض
مالوش وجود ..بين تجربة جديدة تعيشها بمغامرتها وبين فيلم قديم ممل دماغك بيعيده كل يوم ع الفاضي ..عمرك ما هتميز الأسود إلا لو شفت جنبه لون تاني .
تقولها ناصحة بإخلاص ليبتسم وهو يعتدل برأسه قائلاً :
_يعني انتِ من رأي الست حلاوة ؟! أختار بعقلي المرة دي!
_جرب!
تقولها مشجعة ليعاود سؤالها بينما يتفحص ملامحها بنظرة غريبة عن عينيها هذه المرة :
_وذنبها إيه الغلبانة اللي هاختارها ؟!
_صارحها بكل حاجة في الأول عشان ما تغشهاش ..ولو عقلها كبير هتساعدك ..أنا واثقة إنك يوم ما تقابل الحب الحقيقي هتنسى الوهم القديم .
تقولها بحرارة شاعرة بالأسى الحقيقي من أجله خاصة وهي تراه "الصورة الرجولية" من نشوى ..
ربما لهذا نصحته بما تتمنى لو تقوله لها هي!!
لكن صدمتها كانت بالغة وهي تراه ينحني بجذعه نحوها لتلتمع عيناه بنظرة دافئة ناسبت كلماته:
_ده يشجعني أكلمك في الموضوع ..أنا عايز أتقدم لك إنتِ!
======
_شكلك تعبانة !
يقولها إسلام مشفقاً وهو يراقب ملامحها الشاحبة بعد عودتهما من المصنع ..
ولا تزال حالتها العجيبة مسيطرة عليها ببرودة تنذر بانفجار ناري وشيك :
_أنا كويسة ..شكراً .
تقولها لترتجف شفتاها بشبه ابتسامة مع استطرادها وهي تتحاشى نظراته :
_ما تخافش مش هأجل معادنا مع عمو
علاء ..عارفة إنه مهم عندك .
هل حمل برودها نكهة المرارة الساخرة ؟! أم أنه فقط يهيأ إليه ؟!
تقدم نحوها ليحتضن وجهها براحتيه لكنها كانت تهرب من لقاء عينيه باستماتة ..
فقط شفتاها كانتا ترتجفان كأنها على وشك البكاء مع كلماتها المتسارعة بلهاث بدا كالهذيان :
_ما تقلقش ..شكلي هيبقى كويس ..مش مرهق ولا حاجة ..الماكياج بيداري كل..
_نشوى!
همس بها بقلق هو للرعب أقرب وهو يشعر بأنه حقاً يفقدها !!
إنها تهرب من كل شيئ حتى نفسها !
أشرف علق له بمثل هذا صباحاً عندما اختلى به ليخبره عن قلقه بشأنها إذ أنها تكاد تهلك نفسها في العمل دون راحة ..
تقوم بثلاثة أضعاف الجهد الذي كانت تبذله من قبل ..
ولا يرى مبرراً لهذا سوى أنها حقاً تريد الهرب من نفسها ..
ولو نظر بداخلها لأيقن أنها الحقيقة ..
هي لم تعد تريد أي شيئ سوى الخلاص من هذا الألم الذي يسكنها كلما نظرت لمرآتها فلا تجد سوى "ثمرة فاسدة" زهدها الرائي فبقيت ملقاة على قارعة الطريق ..
لماذا تلوم ناصر إذا خذلها ؟!
كلهم فعلوها بعده !!
العيب لم يكن فيه ..بل فيها هي !!
_برضه مش هتقوليلي مالك؟! انتِ كنتِ بتحكيلي !
يهمس بها بما يشبه الرجاء وهو يقترب بوجهه منها أكثر بينما عناق أنامله لوجهها يزداد دفئاً ..
لكنها تغمض عينيها عن دموع تأبى أن تسقط ..
فيحاول مشاكستها بطبعه المرح لعله يستعيد طبيعتها الشوكية للحظات :
_إيه؟! خايفة أتكلم جد ؟!
شفتاه تغازلان شفتيها للحظات لكنه يصطدم ببرودتها الغريبة عنه ..
فيعاود الابتعاد عنها ليرمقها بنفس النظرة القلقة وهو يكاد يهم بسؤال جديد لولا أن صدح صوت ريما خلفه من خارج الغرفة :
_ياللا نشوف الفيلم ..أنا مستنياكم .
_حاضر .
تسبقه نشوى لقولها فيهمس لها :
_لو تعبانة نامي شوية قبل ما ننزل .
لكنها وجدت بعض القوة أخيراً لترفع إليه عينيها قائلة بنفس النبرة الميتة :
_مش قلتلك ما تقلقش ..شكلي هيبقى كويس .
تقولها وهي تفكر أن قلقه -بالتأكيد- ليس لأجلها هي ..بل لأجل أن تبدو صورتها جيدة في عيونهم ..وبالتحديد في عيني غادة ..
يريد أن تظهر هي بالمظهر المناسب للدور الذي اختاره لها ..
ولن تخذله !
أجل ..هي تدفع ثمن سعادة ابنتها ولو مؤقتة !
يراقبها بالمزيد من القلق وهو يراها تتحرك بخطوات ميتة لتتوجه نحو
الأريكة هناك حيث جلست لتحتضن ريما شاردة العينين زائغة النظرات..
فزفر بقوة ليتوجه إليهما قبل أن يفرق جلستهما ليتخذ هو مكانه في المنتصف ويبسط ذراعيه فوقهما ..
توقع منها اعتراضاً أو تشنجاً في البداية كالمرة السابقة ..
لكنها كانت مستسلمة تماماً كميتة بلا شعور ..
تعليقات ريما الضاحكة تصل لمسامعه لكنه كان يرد بضحكات مصطنعة وذهنه كله منشغلٌ بهذه التي تبدو الآن أقرب ما تكون من قلبه ..
لكنه يشعر أنها أبعد ما تكون عنه!
لقد حاول أن يخرجها من حالتها هذه بكل طريقة ..لكنها تبدو له كدمية تقطعت خيوطها فسقطت دون حراك !
الأقسى أنه يدرك أنها متعَبة ..متعبة جداً لكنها تكابر كي لا تطلب عوناً ..
ماذا عساه يصنع؟!
نزهة؟!
هل يقترح عليها السفر ؟!
سترفض ..!
من إدمانها الذي يراه حالياً للعمل هذا يوقن أنها سترفض ..لكنه ..
_مامي نامت .
تهمس بها ريما بخفوت شديد لتقطع عليه أفكاره فيحرك رأسه قليلاً ليشعر بتثاقل رأسها ..
ابتسامة حانية تطوف على شفتيه مدركاً أنها قد نامت بمجرد أن ألقت رأسها على صدره ..
ابتسامة عكرها همس ريما المشفق بعدها وكأنها هي أمها وليس العكس:
_عشان خاطري ما تصحيهاش ..هي بقالها كام يوم مش بتنام ..أنا بشوفها لما بقلق بالليل ..بتحبس نفسها في البلكونة الصغيرة وتعيط .
عقد حاجبيه بغضب فاق قلقه وهو يشعر أن هذا كان يحدث خلف ظهره ..
هل هذا هو الدعم الذي وعد نفسه أن يمنحها إياه ؟!
أين كان هو من كل هذا ؟!
لكنه ازدرد ريقه محاولاً تمالك نفسه وهو يرى ريما تتحرك ببطء حذر لتغلق التلفاز ثم تشير له بسبابتها على شفتيها كناية عن الصمت ..إشارة أخرى نحو جانب رأسها كناية عن أنها هي الأخرى ستنام ..
قبل أن تتحرك نحو غرفتها لتغلق الباب خلفها بهدوء ..
يتنهد بحرارة وهو يتحرك ليميل بها برفق للخلف كي يسند رأسها على الوسادة المجاورة ليمنحها وضعاً مريحاً أكثر محاولاً ألا يوقظها ..
عيناه تطوقان ملامحها بحنان ممتزج بعاطفته وهو ينحني فوقها بجسده ليزيح خصلات شعرها عن وجهها ..
دقيقة خلف دقيقة تمر به وهو غارق في تأمل تفاصيلها وقلبه يخفق داخله بجنون لم يعرفه لامرأة سواها ..
_لو بس تقوليلي مالك ! لو بس تسمحيلي أقرّب .
يهمس بها سراً فلا يشعر بنفسه ووجهه يقترب منها أكثر ..
يتلقف أنفاسها كالغريق فيمزجها بأنفاسه كأنه يود لو يشاركها أي شيئ ..
شفتاه تخونانه فتتمهلان بارتشاف رحيقها ..
تتوقفان قليلاً عند هذه العقدة بين جبينها حتى وهي نائمة ..!
تنحدران
لأنفها ..
وجنتيها ..ذقنها ..وأخيراً ..شفتيها ..
مرة تلو مرة تمسهما ببطء كأنه يستنطقهما البوح عن هذا الذي تخفيه ..
أنامله المرتجفة تتحرك لتداعب خصلات شعرها وهو يشعر أنه يكاد يفقد سيطرته هاهنا ..
تفتح عينيها فجأة لكنها تبدو وكأنها لم تستعد وعيها بعد ..
وأخيراً تلتقي عيناهما عبر هذا القرب الذي هربت منه طوال الوقت ..
فيرى فيهما هذه النظرة الذبيحة ..عاتبة ومذنبة !
مزيج غريب لا يدري كيف يتفق!!
لكنه لم يحرك ساكناً وقد بقي بنفس وضعه عاجزاً عن الابتعاد عنها من جديد ..
لهذا ما كادت تفتح شفتيها تهمّ بالكلام حتى أخرستها شفتاه وهو يعاود هجومه الذي لم يصطدم ببرودها هذه المرة!
أجل ..
لقد عادت تنصهر بين ذراعيه بلهفة استغربها قبل أن تثمله طرباً بعد طول جفاء الأيام السابقة ..
بضع ثوانٍ عاشها يتنعم بدفئها الفريد بين ذراعيه قبل أن يشعر بها تدفعه فجأة لتنتفض مكانها فتبسط كفها على صدرها هاتفة وسط أنفاسها اللاهثة :
_مش قادرة ..آخد.. نفسي ..
تقولها لتنهض نحو الشرفة القريبة بخطوات متعثرة فتفتحها بسرعة لتشهق شهقات متتابعة وهي تحاول سحب المزيد من الهواء لرئتها المختنقة ..بعذابها !!
تشعر بكفه على ظهرها ك"سوط" يجلدها بالمزيد من "الذنب"و"الاحتقار"..
فتفيض دموعها على وجنتيها ليطوقها بذراعيه هاتفاً بقلق:
_للدرجة دي؟! أنا آسف إني ..
لكنها تدفعه ببعض العنف لتعدو نحو الحمام القريب الذي أغلقت بابه خلفها قبل أن تنحدر بجسدها على طوله لتسقط دافنة وجهها بين ذراعيها المطوقتين لركبتيها ..
كيف تخبره ؟!
كيف تخبره أنها لم تستجب له إلا لأنها لم تكن تراه هو ؟!
كيف تخبره أنها تعشق غيره في صورته كما يعشق غيرها في صورته ؟!
كيف تخبره أنها وهي بين ذراعيه لا تشعر به هو ..بل ب"ناصر"؟!
خائنة حقيرة ..تماماً مثله ..
فكيف تلومه على ذنب سبقته إليه ؟!
أي عذاب هذا ؟!! أي عذاب!!
======
_جامدة !
تهتف بها ريما مقلدة لهجة إسلام وهي ترى نشوى قد انتهت من زينتها المتكلفة ..
ارتدت بدلة أنيقة باللون الرمادي مع قميص باللون الوردي الذي لا تحبه ووشاح من نفس اللون ..
_صح يا بابا؟!
تسأل إسلام الذي دخل غرفة ريما لتوه ليفاجأ بتبرجها المبالغ فيه ..
يعترف أنه أخفى شحوبها تماماً لكنه أضفى عليها تصنعاً لم يعجبه ..
خاصة مع حالتها الغريبة إثر ما كان ما بينهما منذ قليل ..
_انت كمان جامد .
تهتف بها ريما بنفس النبرة مشيرة لأناقته فتختلس نشوى نظرة جانبية نحوه وهي تشعر بوخزة في قلبها لم تفهم لها سبباً ..
هل هو دوماً بهذه الوسامة الأنيقة ؟! أم أنه فقط يتهيأ لمقابلة حبيبته ؟!
هي لا تعلم !
لا تكاد تذكر شيئاً عن سابق عهدها به !!
كأنها قبل اليوم لم تره ..ك"رجل"!!
رجل؟!
نعم..رجل ليس لها ..وليست له !!
طيفٌ من غيرة -غير مبررة- يجتاحها فيحيل سابق برودها لنار ..
نار تذيب أوصالها وهي تراه -بعين خيالها- يتأنق لأخرى ..
وهي ..هي تشاركه تمثيله ؟!
لكن ..ما البديل؟!
هل تملك الجرأة لإبعاده عن ابنتها التي تعلقت به حد الهوس هكذا؟!
تتأوه فجأة وهي تنتبه من شرودها عندما دخلت "الماسكارا" بيدها في عينها لتلقيها جانباً هاتفة بسبّة عصبية جعلته يشعر ببعض الراحة ..
عصبيتها أفضل من قناع برودها على أي حال .
_مابتردش عليا ليه ؟! بتطنشني؟!
تسأله ريما بعتاب لينحني فيحملها هاتفاً بحنانه المرح:
_حد يطنش الحلاوة دي كلها ؟!
_أيوة ..أجمل بنوتة كيرفي في الدنيا كلها !
تهتف بها بفخر طفولي يجعله يضحك ضحكة عالية قبل أن يرفعها بين ذراعيه ليدغدغ بطنها بشفتيه بحركتهما المعهودة لتمتزج ضحكاته بضحكات الصغيرة ..
_كفاية !
هتاف نشوى العصبي يقاطع ضحكاتهما فيلتفت كلاهما نحوها لتردف بصوت متهالك :
_دماغي مصدع مش مستحملة صوت .
يرمقها إسلام بنظرة متفحصة هربت منها كعادتها وهي تهتف بريما :
_روحي البسي الشوز الجديد بتاعك .
_تأمر يا عسل !
تهتف بها ريما كعهدها المستحدث في تقليده فيغمز الصغيرة وهو ينزلها أرضاً بابتسامة هادئة لتنطلق نحو الخارج..
فيما يتحرك هو ببطء نحو نشوى التي حاولت التماسك وهي تفرد ذراعيها حولها في وضع استعراضي وبابتسامة عصبية تهتف مع شهقة انفعال:
_هه ؟! هارفع راسك ؟! دلوقت مش مهم تعبي ..مش مهم ..آه ..
كلماتها تنقطع بآهة خافتة وهي تراه يمسك معصمها فجأة ليجرها خلفه للخارج فتهتف به بعصبية :
_سيب إيدي ..انت رايح فين ؟!
لكنها تفاجأ به يدفعها للحمام القريب الذي أغلق بابه خلفهما ليفتح لها صنبور الماء هاتفاً بحزم:
_اغسلي وشك .
ملامحها تتنمر عائدة للعهد القديم لكنه يمسك مؤخرة رأسها ببعض العنف ليوجهها للحوض مردفاً بنفس الحزم الغريب على طبيعته الهزلية :
_مش هاكرر كلامي .
ترفع إليه عينيها بنظرة عنيدة رافضة فيمد أنامله ليغسل لها وجهها بنفسه ولا يزال يكبل رأسها بكفه الآخر ..
تشعر بدفقة ماء تقذف وجهها فتصرخ هاتفة :
_انت ..انت ..بتعمل كده ليه ؟! ..سيبني ..بقوللك سيبني ..
يحرر وجهها أخيراً لكن ليمسحه بالمنشفة القريبة بنفسه ببعض العنف وهو يحاول استعادة طبيعته المشاكسة :
_لسة فيه حد بيغسل وشه بصابون ؟! عايشة في العصر الحجري؟! بيت طويل عريض مافيهوش
Face wash?
دموعها تتقافز من عينيها وهي تشعر
بالإذلال ..
الإذلال الذي محاه هو تماماً وهو يكتنف وجهها بين راحتيه ليهمس أمام عينيها بنبرة دافئة :
_مين قاللك يهمني شكلك يبقى حلو قدامهم واللا لأ ؟! اللي يهمني انك تبقي مرتاحة ..كده كده انتِ في عيني أجمل ست في الدنيا .
ابتسامة ساخرة تمتزج بخيط من الدموع سال من جانب عينيها ..
تود لو تصرخ به أنه يجيد الكذب ..
لكنها تكتم صرختها ..
كما تعودت كتم ألمها وهي تزيح كفيه عن وجهها لتنظر للمرآة فيهولها مظهرها المريع وملامحها التي امتزجت حمرة انفعالها بذبول عينيها ..
_هاكلمهم نأجل المعاد ..انتِ تعبانة النهاردة و..
_لأ ..هنروح .
تهتف بها بعصبية وهي تعدل وضع وشاحها على رأسها لتردف :
_لازم أدفع تمن اللي باخده .
_يعني إيه ؟!
يسألها بشك حائر وهو يتفحص ملامحها لتغتصب ضحكة ساخرة عصبية وهي تعود لتعدل وضع ملابسها :
_ماتشغلش بالك بتخاريفي يا باشمهندس .
_خلاص جهزت!
تهتف بها ريما خلف الباب المغلق فيكاد يصرفها بسرعة حتى يفهم من هذه الشوكية ما تفكر فيه ..
لكن نشوى فتحت الباب بسرعة لتهرول نحو الخارج هاتفة بابنتها :
_ياللا عشان ما نتأخرش ..
تقولها لتعاجل بتناول حقيبتها قبل أن تفتح باب الشقة الخارجي وتنتظره..مغلقة عليه سكة التراجع !
======
_نورتونا يا حبيبي !
تهتف بها إيناس بترحيب وهي تجلس معهم على مائدة الطعام ليرد سيف بامتنان :
_حنانك مغرقنا في كل مكان يا "أنّا" ..هنا وفي تركيا .
_انتو ولادي .
تهتف بها بصدق حار وصوتها يرتعش بعاطفته ليرد علاء بمشاكسته المعهودة :
_فتحتها ليه يا دكتور ؟! حنفية النكد دي لما بتفتح ما بتقفلش !
_أنا حنفية نكد ؟!
_العفو! ده انت البير كله !!
يهتف بها علاء مشاكساً لتتعالى ضحكاتهم فتلتفت غادة نحو نشوى الوحيدة المتجهمة بينهم لتقول لها
بانطلاق:
_ما يغركيش جو جر الشكل ده ..عمو
علاء بيموت فيها ..بس هو بس بيحب ينكشها .
تبتسم لها نشوى ابتسامة صفراء وهي تتأمل ملامحها بغيرة لا تنكرها ..
شديدة الجمال مقارنة بجمالها هي المحدود ..
هيفاء القوام ..لها هذه الروح فائضة
الأنوثة يكاد الدلال يقطر من بين حروفها حتى دون قصد ..
دمعة كبيرة تتجمع في عينيها وهي تقارنها رغماً عنها ب"سها"..
كلتاهما تستحق رجلاً يهيم بها حباً أما هي ..
فلا نصيب لها دوماً سوى الظل في خلفية الصورة ..
_انتِ جميلة قوي النهاردة ..الأحمر حلو قوي عليكِ ..
يستحضرها عقلها بصوت ناصر ..ربما هو الإطراء الوحيد الذي سمعته منه ..تراه كان صادقاً فيه ؟!
لا ..كان يكذب ..تماماً كما يفعل إسلام منذ تزوجها ..
كلاهما خدعها بطريقته كي ينال غرضه !
_ما بتاكليش ليه يا بنتي ؟!
تقولها إيناس بحنان مخاطبة إياها لتتنحنح نشوى محاولة الاندماج بابتسامة خدعتها لتكون على وجهها أقسى من ألف دمعة ..
تشعر بكف إسلام يحتضن كفها فوق المائدة فتغمض عينيها بوجع ..
تعلم لماذا يفعلها ..الآن ..
أمام غادة بالذات !!
يريد أن يبين لها إنه لم يعد يرغبها ..وأنه سيكمل طريقه مع غيرها ..
تماماً كما فعلت هي وتزوجته لأجل أن توصل نفس المعنى لناصر !
لماذا تشعر بالغضب إذن ؟!
أليس كلاهما توأم صاحبه في الجرح ؟!
_بتترعشي كده ليه ؟! بردانة ؟!
يهمس بها إسلام بخفوت قرب أذنها مستغلاً انشغال البقية بالحديث فتهز رأسها نفياً محاولة التمسك بابتسامتها شبيهة البكاء ..
ليعقد حاجبيه بقلق تنتزعه منه إيناس بسؤالها :
_ماجبتوش ريما ليه ؟!
فتصنع المرح بجوابه :
_باعتني في أول ملف ! أشرف اتصل واحنا في الطريق عايز ياخدها معاه هو ورانيا وهم بيجيبوا حاجة ال"بيبي" ..ولما جيت أعترض قاللي إنه مش عارف يتلم عليها من يوم ما اتجوزنا أنا ونشوى ..والبنت ما صدقت وشبطت فيه .
فضحكت إيناس وهي تقول بعفوية :
_الخال والد برضه !
ورغم أن عبارتها كانت عفوية تماماً لكن نشوى ب"بطحة رأسها" تحسستها كأنها تشير لانفصالها عن زوجها السابق وتخليه عنهما ..
فانكمشت مكانها أكثر وهي تتلاعب
بالشوكة بين أناملها بشرود ..
_كلي يا غادة ..انتِ خاسة قوي .
تهتف بها إيناس بحنان عفوي ليحمر وجه غادة حرجاً وهي تشعر بسيف جوارها يرمق إيناس بنظرة عاتبة ..
خاصة والعيون كلها تتمركز الآن على غادة لترى مدى صدق إيناس في قولها ..
تختلس نشوى نظرة جانبية لإسلام لكنها تراه قد أطرق برأسه احتراماً لغيرة صديقه ..
فتعود ببصرها نحو غادة تتفحصها
بالمزيد من الغيرة ..جسدها مثالي حقاً كممثلات السينما لا بارزة المنحنيات مثلها هي ..
لكن علاء ينقذ الموقف بمزاحه المعهود :
_عمالة تتحايلي على كل واحد ياكل ..يا ستي الأكل مش عاجبهم ومش عايزين يحرجوكي .
فتشهق إيناس لتهتف باستنكار :
_أنا أكلي وحش يا علاء؟! بتقولهالي بعد أكتر من خمسة وعشرين سنة ؟!!
_شفتي بقا صابر من أد إيه ؟!
يقولها مشاكساً وسط ضحكاتهم التي عادت تعلو في المكان لتختطف الطبق من أمامه هاتفة :
_لا وتصبر ليه ؟! ابقى شوف مين هيعمل لك أكل تاني ؟!
فيحاول انتزاعه منها هاتفاً :
_لا لا لا ..إلا البشاميل ..ده أنا أبوس الجدم وأبدي الندم على غلطتي في حق ..
_علااااااء!
تقاطع بها عبارته بنبرة تهديد فيتراقص حاجباه مع رده :
_بنكُشك يا جميل !
تبتسم إيناس ووجهها يحمر خجلاً
كالعادة فيرقبهما سيف و غادة بحنان قبل أن يشبك سيف أنامله في كف غادة قائلاً :
_نفسي لما نكبر أنا وغادة نبقى زيكم.
_لا لا ..انت ابن الناس الكويسين عاقل كده وراسي مش شبهي ..الواد إسلام ده اللي هيكون خليفتي في الملاعب .
يقولها علاء وهو يغرس الشوكة في طبقه مشيراً لإسلام الذي هتف بفخر وهو يعدل ياقة قميصه :
_ده شيئ يشرفني يا عمو .
_دايماً كده تحبطوني قدامه .
يقولها سيف مازحاً لتربت غادة على كتفه بإشفاق مصطنع فتضحك إيناس هاتفة :
_غلاوتكم واحدة يا قلب "أنّا" ..
انتو الاتنين ولادي .
_الملوخية حلوة قوي يا أنّا ..تسلم إيدك .
يقولها إسلام عفوياً لترد إيناس بسرعة :
_دي عمايل غادة ..الحلو ما يعملش إلا الحلو .
_تسلم إيدك يا غادة ..حلوة فعلاً .
يقولها إسلام مجاملاً لترد غادة بعفويتها المنطلقة :
_يبقى تخلص طبقك كله عشان خاطري .
لم تكد تنتهي منها حتى شعرت ببعض الندم خاصة وهي تشعر بنظرات نشوى تنضح بألم رهيب شع في ملامحها ..
ألم لم تفهمه ..
هل حدثها إسلام عن رغبته السابقة في الزواج منها مثلاً ؟!
التفتت نحو سيف بنظرة متفحصة لعله يكون قد تضايق من عبارتها لتتنهد بارتياح وهي تراه هادئ الملامح ..
نعم ..هذا ما ينبغي أن يكون عليه الأمر!
إسلام لم يحمل لها يوماٌ سوى مشاعر هوائية تلاشت مع الوقت ..
وهي خير من يمكنها إدراك هذا ..
ربما لهذا تجد سلاسة في التعامل معه
الآن ك"أخ" خاصة بعد وقوفه معها في محنتها الأخيرة ..
سيف كذلك لم يعد متحرجاً من تجمعهم سوياً كالسابق لأنه توصل لنفس الإدراك ..
لكن ..نشوى ..لماذا ترمقها بهذه النظرات المتوجعة ؟!
حسناً ..ستأخذ حذرها مستقبلاً ولن تنخرط في الحديث مع إسلام ..
هذا هو الأسلم للجميع!
_هستأذنك يا عمو آخد غادة ونروح نشوف المطبخ بتاعنا ..المفروض الورشة تخلصه النهاردة .
يقولها سيف بحماس يليق باستطراده :
_عايزين نخلص ..معاد الفرح قرب .
_أيوة يااخويا ..كل يوم تتلكك عشان تخرج
بالبنت ..مرة المطبخ ..مرة الستاير ..مرة النجف !
يهتف بها علاء باستنكار مرح لتقف غادة هاتفة بمرح:
_بلاش يا عمو ..كلامك ده بييجي على دماغي أنا ويقعد يهزقني إني أنا السبب في تأجيل الفرح .
_مين ده اللي يهزقك ؟! امشي ..امشي يا ولد ..ماعنديش بنات للجواز خلاص !
يهتف بها علاء وهو يقف بدوره ليجذب غادة من كفها الحر نحوه ..
لكن سيف يتشبث بكفها في يده ليهتف بابتسامة هادئة :
_معلش يا عمو ..بقت بتاعتي خلاص!
تبتسم له غادة بحب وهي تشعر بالدفء ينتقل من كفه الذي لم يترك كفها إلى جسدها كله ..
رغم كلماته القليلة وطبيعته الرصينة لكنها تستشعر هذا الرباط السميك الذي صار يشد كلاً منهما لصاحبه ..
هي حقاً صارت له ..
لا ملكية قهر وإذلال ..بل ملكية دعم واحتواء ..
_انتِ موافقة ع الكلام ده يا بنت ؟! أنا واللا هو ؟!
يهتف بها علاء ممازحاً لتضحك وهي تربت على كف سيف الذي يحتضن كفها مخاطبة علاء بصوتها ذي الدلال الطبيعي:
_معلش بقا يا عمو ..القلب وما يريد .
ترمقها نشوى بنظرة ضائقة طويلة وعبارتها الأخيرة تمس وتراً قاسياً بداخلها ..
تشعر بكف إسلام يشتد على كفها فلا تفهم سوى أنه يريد إكمال تمثيله أمامهم !
آه لو كان الأمر بيدها ..
لتركت كل هذا خلف ظهرها ..
لعادت لبيت والدها الذي يقيم فيه أشرف الآن وأغلقت غرفتها عليها وابنتها طوال العمر ..
لكن ماذا عساها تصنع ؟!
العودة من هذا الطريق توازي وجع ابنتها ..مرارة الفقد من جديد !
تطرق برأسها أخيراً لتنتزع كفها منه ثم تعاون إيناس وغادة في حمل الأطباق للمطبخ ..
ينفصل علاء للحديث مع سيف وإسلام
بالشرفة الخارجية ..فيما تستجيب لثرثرتهما مكتفية بالاستماع والردود المقتضبة لدقائق طالت ..
قبل أن تعتذر غادة للخروج من سيف فتبقى هي مع إيناس وحدها ..
_إسلام ده راجل بجد ..يا بختك بيه ويا بخته بيكِ .
تقولها إيناس بحرارة فتبتسم لها مجاملة لتستطرد الأولى بنفس الحرارة :
_ما سابناش لحظة بعد وفاة هاني الله يرحمه ..هو وسيف كانوا عوضنا من ربنا سبحانه وتعالى ..هو يبان هلاس ودماغه فاضية بس عقله يوزن بلد ..وصاحب صاحبه بجد ..
عبارتها الأخيرة يتلقاها عقلها هي بصبغته الخاصة فتكتسي ابتسامتها
بالمرارة وهي تتيقن من سر زواجه منها -كما تفهمه-
بينما تردف إيناس بنفس الفخر الأمومي:
_لما حصلت كارثة والده كلنا خفنا عليه ..قلنا مستحيل هايقوم منها لدرجة إننا كنا هننزل مصر عشان نقف جنبه قبل ما يحصل موضوع غادة ..بس هو طلع أدها وأدود ..وقف جنب مامته وأخوه ..وخد اخواته البنات في حضنه ..الرجالة بيبانوا في المصايب اللي زي دي ..وهو راجل قوي .
ترفع إليها غادة عينين غائرتين بالألم وحديث المرأة يخزها بشعور حسرة لا تفهمه ..
ليتها تستطيع أن تزيد على هذا فتقول أنه دعم شقيقها في مصنعه كي يكفر عن خطإ أبيه ..
تقول إنه وقف جوار ابنتها وكان لها خير
الأب طوال الأيام السابقة ..
تقول إنه حقاً مس أنوثتها المهيضة بتلك الرجولة التي لم تستشعرها في أحد قبله ..
لكن ..ما الفائدة ؟!
فليكن أفضل رجل في العالم ..لكنها لن تكون في عينيه أكثر مما يفترض بها ..
مجرد "ديكور زائف" ..أو "مسكّن مؤقت" لن يلبث أن يفقد فعاليته ..
_انتِ كمان جوهرة !
تقولها إيناس بصدق يجعلها تلتفت إليها من شرودها لتردف الأولى بنفس الحرارة :
_ماكنتش مصدقة لهفة إسلام عليكِ
وكلامه عنك غير لما شفتك ..ست تشيل وقت الزنقة ..وتدخل القلب من غير استئذان ..
إطراء المرأة يمنحها بعض الثقة فترتجف ابتسامة حائرة على شفتيها ..لتنحني إيناس فتربت على ركبتها هي قائلة :
_أنا دلوقت مطمنة على ولادي ..إسلام وسيف ..كل واحد فيهم ربنا كرمه بالست اللي تريح قلبه .
وفي الشرفة وقف إسلام مع علاء يستندان على السياج بعد مغادرة سيف ..ليبادره علاء بقوله :
_مراتك غيرانة من غادة .
يلتفت نحوه إسلام بصدمة ليبتسم بعدها قائلاً باستنكار:
_لا طبعاً ..تغير من غادة ليه ؟!
فرفع علاء أحد حاجبيه ليقول بمشاكسته المعهودة :
_غشيم! دي باينة قوي يعني .
لكن إسلام عاد يهز رأسه مستنكراً ليرد :
_نشوى ماتعرفش أي حاجة عن موضوعي مع غادة ..هتغير منها ليه ؟!
ثم زفر بحرقة ليردف:
_وكلام في سرك يعني ..أنا مش فارق معاها أساساً .
_مش بقوللك غشيم !
يقولها علاء بمكر ليلتفت نحوه إسلام بنظرة متسائلة جعلته يرفع أحد حاجبيه هاتفاً بخبث:
_تدفع كام؟!
فيضحك إسلام وهو يربت على كتف العجوز الذي ضحك للحظات قبل أن يتنهد ليقول بجدية لم تخلُ من حنان :
_قلب الست يا ابني عامل زي المراية ما بيشوفش غير صورة اللي قدامه ..خلليك انت بس قدامها ..محاوطها بحنيتك وبحبك وهي مش هتشوف غيرك .
_يا خبرة انت يا مدرسة .
يغمزه بها إسلام بمرح ليضحك الرجل للحظات قبل أن يقول له بإشفاق:
_صعبانة عليا قوي ..طول القعدة مراقبها وحاسس إنها عاملة زي الكتكوت الغرقان ..اصبر عليها يا ابني شوية ..لا ..اصبر كتير ..جرحها مش سهل .
_انت تقوللي اصبر وياقوت تقوللي اصبر ..هو أنا باين عليا غلبان كده ؟!
يقولها إسلام بمرح تسربت عبره مرارته ليشد علاء على كتفه هوبقبضته قائلاً بحزم :
_انت راجل قوي وقلبك كبير ..وأنا واثق فيك وفي اختيارك .
لم يكد ينتهي منها حتى فوجئ بإسلام يسند رأسه على كتفه هو ليعانقه بقوة ..
فدمعت عينا علاء وهو يشعر بارتجافة جسد إسلام بين ذراعيه ..
كان ..يبكي !
أغمض علاء عينيه بقوة للحظات محترماً ضعف "ابنه" كما يراه ..ليربت على ظهره هامساً :
_يااااه ! من ساعة موت والدك الله يرحمه وأنا مستني اللحظة دي وخايف منها ..كنت براقبك من بعيد وأقول لنفسي بيكابر عشان ما يقعش ..بس انت طلعت بطل ..أكبر بكتير مما اتمنيت ..معلش يا ابني ..أنا عارف إنك شلت كتير ويمكن لسه هتشيل أكتر ..بس انت أدها .
يأخذ إسلام نفساً عميقاً يتمالك به نفسه وهو لا يدري سبب هذا الوهن الذي تملكه فجأة ..
ربما هو حنان علاء الذي ذكره بفقدانه
لأبيه ..
ربما هو عظم الضغط الذي عاشه طيلة
الأيام السابقة ..
وربما هو خوفه المستحدث مما يحدث له مع نشوى ..
خوفه عليها ..وخوفه من أن يفقدها !!
يمد أنامله خفية يمسح عينيه قبل أن يرفع عينيه نحو علاء ليقبل رأسه بعمق هامساً:
_ربنا يخلليك ليا يا عمو.
فابتسم علاء دامع العينين ليعود لمزاجه المشاكس فيغمزه بقوله :
_ما تاخدنيش في الكلام وقوللي بقا ..كنت بتقول إيه على سوق الفاكهة هنا في مصر؟!
فاغتصب إسلام ضحكة مرحة ليقول بانفعال ساخر:
_والله أنا لو أعرف أقول على طول !!
حالياً أنا لسه ما دُقتش ..بتفرج بس!
_اخس!
يلكزه بها علاء في كتفه ليضحك إسلام ببعض الخجل وهو يشيح بوجهه ليضحك علاء بدوره هاتفاً :
_بكرة تدوق وتعرف إن اللي معاك صنف ممتاز مش هتلاقي زيه في الدنيا كلها .
======
تدخل معه لشقتهما لأول مرة دون ريما لكن صوتاً بداخلها يخبرها أن هذا أفضل ..
كي تبتعد عن مزاجها هي السيئ هذه الفترة ..
وكي تخفف من تعلقها الشديد به هو والذي صار هاجسها الحقيقي .
تتحرك نحو غرفة الصغيرة التي صارت تشاركها النوم فيها لكنه يجذبها من ذراعها ليواجهها بسؤاله المباشر :
_ممكن أعرف بقا فيه إيه ؟!
_عايزة أنام .
تقولها بنبرتها الميتة فيجن جنونه وهو يراها تعاود الاختباء خلف شرنقتها ليهز ذراعها هاتفاً :
_وأنا عايز أفهم إيه اللي اتغير فيكِ .
_مفيش حاجة اتغيرت ..مش أنا الست اللي اخترت تتجوزها ؟! بعقدها وماضيها .
_تاني هنرجع للكلام ده ؟! تاني هتسألي اتجوزتك ليه ؟!
يهتف بها بانفعال لتغمض عينيها بقوة هامسة بنفس النبرة الميتة :
_المرة اللي فاتت قلتلي إن المرة الجاية أنا اللي هجاوب ..وأنا خلاص ..عرفت !
_عرفتِ إيه ؟!
يهتف بها باستنكار وملامحها مع نبرتها تثير المزيد من خوفه لكنها تضغط شفتيها بقوة كأنها تقاوم ضعف نفسها أن تبوح بألمها ..
لن تخبره أنها تعلم ..لن تريق المزيد من دماء كبريائها ..
لن ..
_عرفتِ إيه يا نشوى ؟! مش هاسيبك الليلة دي غير لما أعرف !
يهتف بها بحدة أكبر فتتحرك لتحرر ذراعها منه لكنه يجذبها نحوه يقربها أكثر ليحيطها بذراعه الآخر مع هتافه الذي ازدادت حدته :
_حتى لو هربتِ من نفسك مش هتهربي مني أنا !
كلماته تصفعها ..تجلدها ..تعيدها لذروة الصراع الذي تحياه ..
فتصرخ بجنون هادر وهي تتلوى بين ذراعيه محاولة تحرير جسدها منه :
_كفاية تمثيل بقا ..كفاية !
لكنه يزيد من ضغط ذراعيه حولها حتى تشعر ببعض الألم الذي يجعلها تفقد سيطرتها فتصرخ بالمزيد من الجنون :
_مسرحيتك خلصناها هناك قدام الست اللي اتجوزتني عشانها ..عايز مني إيه تاني ؟!
الصدمة تلجمه للحظات فتستغل هذا لتتفلت من بين ذراعيه ..
تبتعد عدة خطوات لكنه يلحق بها ليعاود اكتناف كتفيها بقبضتيه هاتفاً بغضب عارم :
_مين اللي دخل الكلام الفارغ ده في دماغك ؟!
_مش مهم ..المهم إني عرفت ..وما تخافش مش زعلانة ..كده بقينا زي بعض ..محدش أحسن من حد ..انت كمان اتجوزتني عشان تنسى ..أنا ولا حاجة عندك زي ما كنت ولا حاجة عنده ..ولا حاجة ..ولا حاجة ..
هتافها يتحول لصرخات بدت كالهذيان وهي تنفض عنها ذراعيه لتحيط رأسها بكفيها وهي تشعر بأنها تحترق ..
الكتمان الذي عاشته طيلة الأيام السابقة يتحول لقنبلة تنفجر شظاياها بداخلها فتحس وكأن خلاياها كلها تتفتت ..
تصرخ ..
وتصرخ ..
وتصرخ ..
بينما تغطي أذنيها براحتيها كأنها تطلق مع صرخاتها كل هذا الوجع الذي يحشوها..
تشعر بذراعيه يطوقانها فتقاومه بعنف لتتخبط بين ذراعيه لكنه يتشبث بها بقوة عشقه ..
مقاومتها تخفت تدريجياً وصرخاتها التي بحّ بها صوتها تحتال لنحيب مرتفع ..
تشعر به يثبت رأسها على صدره بأحد كفيه بينما الآخر يمسد ظهرها صعوداً وهبوطاً فتهمس وسط شهقات بكائها :
_صعبانة عليك ؟! ليه ؟! عشان عملت فيا زي ما عملت فيك ؟! كده احنا خالصين .
لكنه يتشبث بكل لحظة من تماسكه كي لا يفقد أعصابه في هذا الموقف الرهيب ..
يرفع رأسه لأعلى ليبتلع غصة حلقه
محاولاً احتواء انتفاضتها بين ذراعيه ليسودهما صمت قصير قبل أن يصلها همسه الخفيض:
_عارفة امتى هنبقى خالصين ؟!
تشعر بجسدها يكاد يتهاوى بين ذراعيه وصوته يأتيها قريباً ..
قريباً جداً كما صوت خفقاتها ..
لكنه بعيد بعيد جداً كما السماء ..
قبل أن يرفع ذقنها نحوه ليقتنص نظراتها الزائغة أخيراً فيهمس أمام عينيها ببطء كأنه يغرس حروفه غرساً :
_لما تحبيني زي ما بحبك .
صدمة ..
ثم سخرية ..
ثم تكذيب ..
ثم مرارة ..
مرارة هائلة تفيض بروحها وتكاد تصرخ بها عيناها فيواجهها بهمسه بين شفتيها المنفرجتين مرة تلو مرة :
_بحبك ..بحبك ..بحبك ..
لم يدرِ كم مرة قالها ولا متى سيتوقف عن قولها ..
كل ما كان يعلمه أن هذه الحروف القليلة هي ما تحتاجه هي ويحتاجه هو قبلها ..
لهذا ما كاد يشعر بترنحها حتى تحرك بها ليجلس بها فوق ساقيه على الأريكة القريبة دون أن يتخلى عن ضمها بين ذراعيه ..
تغمض عينيها هرباً فيلاحقها بقبلاته الناعمة التي أشعلت أنفاسها لتحاول الهرب من جديد بالنهوض لكنه يكبلها من جديد ليبقيها مكانها ..
يرفع رأسها نحوه بعنف ليهمس بعينين مشتعلتين غضباً و..عشقاً :
_ما أعرفش جبتي كلامك عن غادة منين بس الحقيقة الوحيدة هي اللي هتسمعيها مني أنا ..أنا فعلاً غادة عجبتني ..عجبتني زي ما أي ست حلوة كانت بتعجبني ..بس تعرفي لما أمي رفضت ظروفها عملت إيه ؟! طنشت ..استسهلت ..قلت أعرض عليها جوازة في السر هناك وخلاص ..لكن انتِ ..انتِ اللي واجهت أمي بإني بحبها من غير لحظة تردد واحدة ..وقفت في وشها وقلت لها مش هاكمل غير معاكي ..ولما رفضت سبت لها البيت ..ومستعد أسيب الدنيا كلها عشان خاطرك ..
نظراتها الزائغة تهدأ رويداً رويداً لتستقر بين ضفتي حدقتيه المشعتين بعاطفته ..
إنه أجمل اعتراف بالحب سمعته في حياتها ..
الاعتراف الذي ودت لو تسمعه من ..ناصر !
ورغماً عنها وجدت طيف ناصر يجتاح ذهنها فيعزل وجه إسلام بحاجز رقيق شفاف هي فقط من تراه ..
بينما كان هو غافلاً عن كل هذا وهو يردف بنفس الحرارة :
_لما عرفت إن سيف بيحبها وعايز يتجوزها انسحبت من غير ذرة تفكير ..بس لما اتكرر الموقف معاكِ ..وحتى وأنا عارف إن ناصر عايز يتجوزك ..ماكنتش قادر أبطل تفكير فيكِ ..بتسأليني ليه اتجوزتك ليلتها ؟! لأن ده اللي كنت بحلم بيه طول الليالي اللي قبلها ..إنك تكوني ..ليّ..ليّ لوحدي .
صوت طنين رهيب يدوي في أذنيها وهي لا تكاد تميز واقعاً من خيال ..
الطيف اللعين لايزال يحجب صورته عن عينيها فلا ترى سوى صورة واحدة ..
صورة "ألبستها" هي كل أردية الحب قديماً فلم تعد ترى سواها إلا عارياً !
_مصدقاني؟!
يسألها وهو يلصقها به أكثر فلا يسمح
لأنفاسها بالخروج إلا مختلطة بأنفاسه ..
_مصدقاني؟!
صوته يخفت أكثر بينما تزداد وتيرة أنفاسه وهو يميل بها على الأريكة خلفها وأنامله تزيح عن رأسها حجابها لتغوص بين خصلات شعرها ..
_مصدقاني ؟!
صوته يخفت أكثر وأكثر حد الهمس
اللاهب وهو يكاد يعتصرها بين ذراعيه وعزف أنامله على جسدها يزداد جنوناً ..
يزأر جسدها بهذا النداء الذي لم يعرفه إلا له ..
"الطيف اللعين" يسخر منها فتكاد تصرخ به -بقلبها- أن اتركني ..
لا أريد أن أخون ..لست أنا من يخون ..أنا لا أراك أنت الآن ..
أنا ..أنا ..
نداءات قلبها تتصارع مع نداءات جسدها الخائن فتكون الغلبة للأخير ..
تتأوه بخفوت والدموع اللعينة تقف حاجزاٌ بينهما من جديد ..!
فيبتعد عنها ليرمق دموعها بعجز بينما جسده ينتفض ثائراً مطالباً بحقه فيها ..
لكنه ينتزع نفسه انتزاعاً ليبتعد أكثر هامساً بصوت متقطع:
_برضه ..بتعيطي ..أنا آسف ..
الغضب الممتزج بالأسف يخنق حروفه ليفاجأ بها ..
هي من تجذبه نحوها لتعاود وصل ما انقطع !
يشهق للحظة للمفاجأة وهو لا يفهم ما يحدث للحظات قبل أن يلقي كل شيء خلف ظهره لينصهر بكامله في هذه النار التي بدت له كجنة عذراء هو أول من يقتطف ثمارها ..
بينما كانت هي تهوي في ذاك الدرك الذي طالما كانت تخشاه رغماً عنها ..
درك الخيانة !
=====
تفتح عينيها فجأة لتشهق بعنف وأحداث الليلة الماضية تصفعها ..
تنظر جوارها فتراه لايزال نائماً وابتسامة راضية على شفتيه تجلدها هي بذنبها ..
تزيح عنها غطاءها بارتياع لتغمض عينيها بشعور هو للخزي أقرب منه للخجل ..
تكتم دموعها وهي تتحرك ببطء حذر نحو مئزرها القريب ترتديه على عجل قبل أن تعدو بخطوات مهرولة نحو الشرفة الضيقة التي صارت تتخذها منفى !!
هنا فقط تسمح للمزيد من شهقاتها
بالحرية وهي تستعيد أحداث ليلتها
بالأمس معه ..
لكن ..هل كانت معه هو حقاً ؟!!
صرخة خافتة تكتمها أناملها وهي تستعيد حجم الجرم الذي ارتكبته !!
جرم لن يحاسبها عليه قانون لكنها وحده تستشعر دناءته !!
خائنة !!
كيف فعلتها ؟!
كيف استسلمت ؟!
كيف قابلت اعترافه بالحب بهذه البشاعة ؟!
كيف استسلمت له وهي تراه في ذهنها
آخَر!!
صرختها تعلو أكثر هذه المرة وأظافرها تنهش في لحم ذراعيها بعنف تنهشه ..
كأنما الوجع قد يطهره ..
تتهاوى مكانها على ركبتيها في مواجهة الحائط لتشرع في خبط رأسها به بعنف مرة تلو مرة ..
_عملتِ في نفسك إيه ؟! عملتِ إيه ؟!
تغمغم بها بخزي والألم النابض بجسدها لا يساوي شيئاً أمام هذا الحريق الذي ينهش روحها ..
_نشوى!
يهتف بها بجزع وهو يراقب برعب ما تفعله ليندفع نحوها فينحني على ركبتيه خلفها مميزاً جروح ذراعيها الدامية فيبعدها عن الحائط لتروعه هذه الكدمة الكبيرة في جبهتها وتمتمتها التي بدت له كهذيان جنون ..!
نظرتها الغارقة بالخزي تتحول لأخرى شرسة وهي تبتعد عنه بظهرها تكاد تزحف على ركبتيها لتهتف بانفعال:
_ابعد عني ..إياك تلمسني تاني ..إياك .
ينعقد حاجباه باستنكار وهو لا يفهم سر هذا الذي أصابها ..
هو ليس غراً في شئون النساء ليفهم أنها كانت راضية معه بالأمس ..
بل إنها كانت محلقة في أعلى سماواتها !!
ما الذي دفعها لهذا الآن ؟!
يتحرك نحوها بحذر وهو يشير بكفيه لها مطمئناً فتهز رأسها رفضاً كأنها لا ترى نفسها تستحق حتى هذه الإشارة ..!
تبتعد زاحفة من جديد أمام تقدمه حتى تلتصق بالحائط من خلفها فتعاود هتافها الحاد :
_ابعد ..إياك تلمسني تاني ..
_فيه إيه يا نشوى؟! بتتكلمي كده زي ما أكون غصبتك !
يهمس بها بمزيج من خوف وغضب لتنخرط فجأة في بكاء هستيري يجعله يمد ذراعيه نحوها ليضمها نحوه لكنها تدفعه بقوة هاتفة :
_افهم بقا ..افهم ..أنا ما كنتش شايفاك انت ..أنا كنت ..كنت ..
عيناه تستعران بغضب والمعنى الذي قصدته يصله كاملاً كخنجر مسموم ينغرس في صدر رجولته ..
فيعتصر ذراعها الدامي بقبضته بقوة زادتها ألماً ليهمس من بين أسنانه :
_كنتِ إيه ..انطقي !
_كنت ..شايفاه هو ..ناصر!
همساتها تنقطع بصفعته التي هوى بها على وجهها وهو ينفض ذراعها عنه لتسقط على جانبها فتخفي وجهها بين بقايا دموعها وخزيها ..
مدركة أن هذا لن يكون السقوط الأخير !
======
انتهى الفصل السادس والعشرون
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم سينابون
القطعة الخامسة والعشرون
=========
شريد تخطفت ذيل عباءته غربان الغواية ..
وكاد نعيقها يصم أذنيه ..
لكن بلابل الهدى لا تضل طريق المخلصين !
نظرة ..!
ثم اهتدت روحي إليك فكنت لي بعد طول غربة سكنا..
كلمة..!
ثم تلمس القلب الطريق إليك عدوا لا حبوا ..
لقاء..!
ثم ابتسامة ..ثم تنهيدة ..
تنهيدة أخبرتني أن إليك المنتهى ..!
فلا تخافي بعد اليوم حوريتي ..
مهما طال الدرب ..مادامت القلوب قد تعانقت فلن تفترق الكفوف !
"عابد"
========
لم أصدق!
يوم قيل إن الحب غيثٌ لا يضل من استقاه..
قلت ما يجديه ؟! إن أرضي بور!
لم أصدق!
يوم قيل إن العشق كلماتٌ تعرف كيف تبدأ و لا تنتهي ..
قلت ..ما أشقاني! وقد نفد حبري ومزقت الورق ..
لم أصدق !
يوم قيل إن الغرام جناح يحمل العشاق لأعالي سماوات الجنون..
قلت ..ما تدرون أنتم عن ثقل حجر مربوط بقدمي ؟!
لم أصدق !
ثم جئت أنت وبين كفيك بعد العمر ..ألف عمر ..
جئت وبين عينيك حب ..ليس يشبهه حب ..
جئتَ ..
فأينعت أرضي وجددت دفاتري وحررت قدميّ وصرت جناحي ..
لم أكن أصدق ..
والآن صدقت ..بل آمنت ..
أن النور في آخر النفق الطويل ليس إلا قبساً من غرامك !
"لجين"
======
_أنتِ بخير؟!
يسألها بحنان مازجه بعض القلق وهو يطرق باب غرفتهما من الخارج برفق عقب اختفائها داخلها منذ دقائق طالت ..
يعلم أنها بحاجة لبعض الوقت كي تستوعب خجلها لهذا ما كادا ينتهيان من قضاء صلاتهما حتى هبت واقفة فجأة تستأذنه بتلعثم أن تبدل ثيابها في غرفتهما ..وحدها !
_لجين ؟!
يعاود هتافه بصوت أعلى ليصله صوتها المتحشرج من الداخل :
_ادخل .
يبتسم بترقب وهو يفتح الباب لتتسع عيناه بانبهار وهما تقعان أولاً على جسدها الذي ضمه مئزر حريري أبيض تناقض مع سواد شعرها الحالك الذي أسدل فوق كتفيها حراً شديد النعومة لينعكس الضوء فوقه بلمعة فضية تناسب اسمها ..
لم يشعر بخطواته تسحبه إليها وعيناه تجريان فوقها مأخوذة بما ترى ..
كفاها يحيطان وجهها كعادتها عندما تخجل فتتسع ابتسامته وهو يزيحهما عن وجهها ببطء لتسبح نظراته في حدقتيها :
_ما شاء الله لا قوة إلا بالله ..أقولها إذ دخلت جنتي !
يخفق قلبها بجنون وهي تميز هذه النظرة العاشقة في عينيه ..
تكاد تكذب هذا الإعجاب الذي يفيض كالسيل في نظراته ..
طالما قالتها ثمر فلم تصدقها ..
"ربنا خلق لكل جمال العين اللي تشوفه ..بتصدقي وعد ربنا يا بتّ ؟!"
تكاد تسمعها بصوتها في أذنيها الآن لتجد نفسها تتمتم دون وعي :
_مصدقاه !
يرمقها بنظرة متسائلة فلا تجيبه إلا بفيض من دموعها استقبله بحنان على صدره وأنامله تسرح في رحلتها بين خصلات شعرها بينما همسها يصله حاراً لاهباً:
_أنا عمري ما حلمت بفرحة زي اللي أنا حاساها ..عمري ما اتجرأت حتى أحلم إن حد يحبني ..كنت دايماً الصورة المطفية جنب ياقوت ..خيبة ورا خيبة جمدت قلبي ..حسستني إن اللي باقي م العمر تحصيل حاصل ..بس ستي ثمر كانت دايماً تقوللي "وفي السماء رزقكم وما توعدون "..تقولها وتسألني بتصدقي وعد ربنا ..
لم تستطع إكمال عبارتها مع ارتجاف جسدها بدموعه ليضمها إليه أكثر ثم يبتعد قليلاً ليقبل جبينها هامساً أمام عينيها :
_هذا هو إيمان العوام المذهل الذي يحكون عنه ..لا يسعني إلا أن أحمد ربي أن حفظ لي قلبكِ
لأكون أول من يسكنه ..
_وآخِر !
تقولها عفوياً قبل أن يغلبها خجلها لتعاود دفن وجهها في صدره ليضحك ضحكة راضية وهو يعاود ضمها إليه بقوة حانية ..
قبل أن يخفي وجهه في حنايا عنقها مكرراً :
_وآخِر !
جسدها يرتجف بين ذراعيه بخجل فطري و"اعترافها الأول" بالحب يذهله بعفويته وسحره ..
_أنتِ جميلة حقاً ..لا أدري من أين ينبع سحركِ ..من روح نابضة بالطيبة ؟! من عينين تحملان براءة الدنيا ورقّتها ؟! أم من شفتين لا تجيدان الكلام إنما تتقنان أثره ؟!!
_عابد !
تهمس بها بما لا تدري عشقاً أم رجاء ..رجاء له أن يتوقف عن هذا الحديث الذي يكاد يذيبها بحلاوته ..
بل يكاد يوقف قلبها فرحة وخوفاً ..
خوفاً من أن تفقد كل هذا بذنب تخفيه !
ربما لهذا رفعت إليه عينيها الشفافتين بهمسها الوجل:
_انت..ما سألتنيش عن تعبي اللي قلتلك عليه ..مش عايز ..
لكنه يمس شفتيها بشفتيه مساً خفيفاً مقاطعاً كلماتها لتزداد ارتجافتها وهي تغمض عينيها بقوة فيصلها همسه :
_ما تظهرينه يكفيني لأهيم بكِ حباً ..ماذا يعنيني فيما تخفينه ؟!
يقولها مراوغاً وكارهاً أن يفسد سحر ليلتهما هذه بحديث يدرك أنه سيؤذيها ..
ياقوت أخبرته -سراً- أنها قد تعافت ولا يريد أن ينكأ جرحها هي من جديد ..
لهذا أحاط وجنتيها براحتيه مردفاً :
_تعلمين ما يصنعه الخجل بالسمراوات يا فضية ؟!
نبرته الهائمة تنسيها خزيها وترفعها محلقة في أعلى سماوات فرحتها ..
بينما همسه يصلها دافئاً حنوناّ :
_يحيلهن قطع حلوى وردية لا تقاوَم !
شهقتها الخجول تتبعها ابتسامة وهي تسبل جفنيها اللذين طافت فوقهما شفتاه برقّة ..
قبل أن تشعر به يدفعها نحو طاولة الزينة القريبة ..
تفتح عينيها لتطالع صورتهما في المرآة لا تكاد تصدق أنها صارت له ..كما صار هو لها ..
جسده يحتويها بكنف أمانه بينما يلصق ظهرها لصدره ..
ووجهه ينحني ليقبل وجنتيها برفق قبل أن تراه يمد أنامله ليلتقط من فوق الطاولة زجاجة عطر لوح بها في وجهها هامساً بعذوبته المهيبة :
_عطرك يا فضية !..صنعته خصيصاً لأجلك ..لن تحمل رائحته أخرى غيركِ أبداً .
مزيجٌ من الخجل والفخر يغزوها فلا تدري أيهما يعصف بها أكثر ..
هو صنع عطراً خاصاً لأجلها هي!!
كم تتوق لشمّ رائحته ..
بل رائحتها هي ..في قلبه قبل أنفه !!
لهذا امتدت أناملها نحو الزجاجة تلتقطها منه لتنزع عنها غطاءها وترفعها نحو عنقها تهمّ بوضعه ..
لكنه وضع كفه فوق كفها الممسك بالزجاجة ليحتويهما معاً ..
قبل أن يهمس باعتراض ناعم :
_ليس هكذا تضعين عطركِ يا حوريتي ..بل هكذا ..
يقولها ليمسك زجاجة العطر فيلف سدادتها ليزيحها ..قبل أن يميلها ليسكب بعض العطر على أنامله ثم يمس بها عنقها ..جيدها ..كتفيها ..
قبل أن يزيح طرف مئزرها سامحاً لأنامله برحلة أطول ..
تغمض عينيها ورائحة العطر تداعب أنفها متزامنة مع لمساته الساحرة فيزلزلها هذا المزيج بين خجل ونشوة ..
توقن أنها لم تتنشق في حياتها رائحة كهذه ..ولن تفعل !!
رائحة امتزجت بعبير التفرد والعشق !!
_أعجبتكِ ؟!
يسألها وهمسه يزداد سخونة فتفتح عينيها لتومئ برأسها في خجل يكاد يصهرها ..
_أيهما ؟! الرائحة أم ..لمساتي؟!
ومن جديد تغطي وجهها بكفيها وهمسه الجريئ على مسامعها يحملها لعالم آخر لم تعرفه يوماً ..
فيزيح كفيها عن وجهها ليستبدل موضعهما بشفتيه اللتين نثرتا فوق بشرتها عبيراً أشد وطأة من عبير عطره ..
أنفاسهما تمتزج واللقاء تدعمه حنايا الروح قبل الجسد ..
لم تتصور يوماً أن يكون قد يخفي بركاناً مشتعلاً كهذا خلف تحفظ عباراته المعهود ..
تسند كفيها على صدره مستسلمة لطوفان عاطفته وخجلها يمتزج برهبة فطرية تجعلها تنكمش بين ذراعيه رغماً عنها ..
لكنه يجيد هدهدة مخاوفها وهمسه المشتعل يمتزج بحنان لا يبدو أن يجيده رجل مثله ..:
_كوني عادلة يا فضية ..ضعي لي عطري كما وضعت عطرك.
تنتبه حينها للزجاجة الأخرى التي لا تدري كيف وصلت ليده ..
فتعض شفتها بالمزيد من الخجل وهي تخفي وجهها في صدره لتغرد ضحكته في أذنها مع همسه :
_لا فرار يا حوريتي ..عطرٌ بعطر والبادي أكرم !
========
_أكيد زين بيه ..اتفضل!
صوت ثمر يصلها بالكاد فلا تكاد تميز إلا هالة وجوده هو..
قلبها يكاد يقفز من صدرها نحوه وهي تراقب نحول جسده الذي ازداد عن آخر مرة رأته فيها ..
ذقنه النامية ..شعره الذي استطال حتى كاد يلامس كتفيه ..
هيئته لم تكن بأناقتها التي اعتادتها كأنما جاء على عجل ..
لكنه احتفظ بسحر هيبته الذي يزلزلها بأي صورة كان !
زين ..
زين هنا ..
في بيتها ..
مع ثمر !!
ثمر!!
_آسف إني جيت من غير معاد بس رائد قاللي إن همسة ..
يقولها بصوت ملهوف وعيناه -حبيبتاها- تواريهما أهدابه كأنه يخجل أن يرفعهما نحوها ..
يخجل؟!
هذا هو بالضبط ما كان يشعر به وهو يدلف لداخل بيت ثمر "البسيط" ظاهراً و"المهيب" جداً بهذه الروح التي تسكنه ..
روح لم يخطئ رجل مثله تقديرها !
_بيت الحاجة ثمر ده زي بيت الأمة كده ..مفتوح للكل ..اتفضل!
بصوت إسلام- الذي تمازجه دوماً رنة هزله -تسمعها فترفع إليه ياقوت عينيها بنظرة عاتبة ..وربما مستغيثة ..
ليجيبها بغمزة مؤيدة خفية لم يرها سواها وهو يخرج من الغرفة ليتقدم نحو زين يصافحه بنظرة متفحصة لكن الأخير بدا وكأنه لا يشعر سوى بشخصين ..
إحداهما على بعد خطوات منه لكنه يستحيي أن يرفع إليها عينيه في وجود ثمر ..
والأخرى يكاد ينخلع قلبه قلقاً عليها وهو لا يدري ما الذي أصابها حقاً ..
_همسة !
يقولها زين بنبرة استئذان قلقة ليتقدمه إسلام مشيراً للغرفة المجاورة التي تبعه نحوها زين ..
وما كاد يلمح همسة مستلقية هناك على الفراش حتى اندفع نحوها بلهفة لينحني فوقها ويطوقها بذراعيه بقوة بينما يسبل جفنيه محاولاً السيطرة على انفعاله ..
منذ الحادث الأخير وهو يشعر بقلق هستيري نحو كل من يحبهم ..
صورة "المرأة" بسوطها تجلده يستحضره عقله آلاف المرات فيهيأ إليه أن القدر لا يزال يدخر له المزيد من الجلدات ..
لو كان الأمر يخصه وحده لاستقبله بشجاعة لا يدعيها مرحباً بقصاص يطهره ..
لكن أن يعلق أحبته بهذا الوحل فهو ما يكاد يثير جنونه !!
_أنا كويسة يا زين ..ما تقلقش !
تقولها همسة بصوتها البريئ والقلق يعصف بها هي من عناقه الذي بدا لها متشنجاً هادراً ودقات قلبه تكاد تدوي في أذنيها ..
تحس -بقلبها النقي- بفداحة هذا الخوف المبالغ فيه عليها ..
فتكرر وهي تربت على ظهره بحنان كأنه -هو المصاب- لا هي:
_والله كويسة جداً يا حبيبي ..ما تخافش .
تقولها لترمقهما ثمر بنظرة متفحصة خبيرة وهي تميز اختلاجة جسده وشعوره الذي لا يحتاج لتأويل ..
إنه حتى لم يرفع عينيه في وجهها منذ ولج لبيتها فاقداً ومفتقداً لباقته المتوقعة ..
رجل -بمكانته وخبرته الاجتماعية - عندما يعجز عن قول بضع كلمات مجاملة في موقف كهذا فهو يعني أنه حقاً مزلزل ..
مهلهل كهيئته الغريبة هذه !
هيئة رجل فقد أرضه الثابتة لكن ..هل هو صادق حقاً في البحث عن أخرى أكثر ثباتاً ؟!
وفي مكانه وقف إسلام يرقبه بذات التفحص ..
ولا يدري لماذا ذكره بموقفه هو نفسه منذ وقت ليس بالطويل ..
لا يستطيع لومه على حياة عاشها بالطريقة الخطأ وقد سبق أن عاش مثلها ..
لكنه كذلك لا يثق أنه قد يحتمل ما احتمله هو ..
صراعٌ بداخله لا يملكه بين "طبيعة شرقية حمائية" تجعله يود لو يحطم هذا الرجل الذي استباح حرمات أختيه ..
وبين "عقلية متفتحة متسامحة " عاش بها سنوات لا بأس بها في تركيا وتجعله أكثر تفهماً للموقف ..
فماذا عساه بفاعل؟!
كلمة السر ..ياقوت!!
لو كانت هي تثق به فهو سيؤيد حكمها لا محالة !!
لهذا التفت نحوها ليميز ارتجافتها ..
ارتجافتها التي شعر بها هو..
ووجهها الذي أطرقت به يمنعه رؤية ملامحها لكنه كان يحس بهذا البركان المشتعل بداخلها ..
لهذا عاد يرمق زين بنظرة متفحصة سريعة قبل أن يتحرك ليمسك كف ياقوت بقوة داعما فترفع إليه عينيها بنظرة امتنان ..
لكنه يحاول مشاكستها بمزاحه وهو يميل على أذنها هامسا بخفوت :
_مش قلتلك بلاش الفوسفوري؟ يعني الراجل بعد الغيبة دي يرجع يشوفك بالمنظر ده ؟!
_على قلبه زي العسل ..إيش فهمك انت ؟!
تهمس بها بنفس الخفوت وبفخر مبالغ فيه يجعله يمط شفتيه باستياء وهو يعاود الميل عليها بهمسه :
_جتكو القرف انتو الاتنين !
تلكزه بمرفقها في خاصرته ليكتم تأوهه بصعوبة وهو يعود ببصره نحو رائد الذي بدا وكأنه صقر متربص يترصد كل ردود الفعل أمامه ..
_رائد ده شكله سوسة ..أراهنك إن هو اللي حط التوابل عشان يجيبه هنا على ملا وشه كده !
يهمس لها بها لتبتسم بثقة وهي تكاد تجزم أن هذا ما فعله حقاً ..
خاصة وعينا الرائد الصقريتان تتمهلان قليلاً لتناظرا عينيها بنظرة خاصة فهمتها ..سبقت "شبه ابتسامته" الماكرة ..
والتي جعلتها تشيح بوجهها عنه ببعض الخجل وهي تنقل بصرها بين ثمر وزين ..
تشعر أن مواجهة قريبة بينهما ستحدث ..
ويالخوفها منها !
_نورتنا ..لو كنت بدرت شوية كنت لحقت الفرح ..بس ملحوقة ..
يهتف بها إسلام بمرح مصطنع محاولاً الانفراد بزين ليلتفت نحو ياقوت مردفاً :
_كوبايتين شربات من إيدك الحلوة دي ..ع السطح بقا ..الهوا فوق يرد الروح .
تجمدت ملامح ياقوت للحظات وهي لا تفهم سر تصرف إسلام قبل أن تفطن لنيته فالتفتت نحو ثمر بنظرة استئذان منحته لها الأخيرة قبل أن تتوجه بحديثها نحو زين الذي لا يزال مطرقاً برأسه مكتفياً بعناق همسة الصامت :
_الأصول نجيب عشا ..البيه أول مرة يشرفنا ..و..كرمه سابق!
تباطأت حروفها قليلاً في عبارتها الأخيرة ليرفع إليها زين عينيه أخيراً بتفحص وهو لا يدري ما الذي تقصده بعبارتها بالضبط ..
ظاهرها يبدو امتناناً على سابق ما صنعه لها بالسجن ..
لكن عتاباً خفياً يتشممه ذكاؤه بوضوح خلف الحروف البريئة ..
لهذا حاول قراءة خبيئتها بخبرته وهو يتفرس أكثر في ملامحها ..
بقايا جمال بائد يشبه كثيراً جمال ياقوت خاصة عينيها ..
أخاديد وجهها الغائرة تحكي ألف قصة من وجع وحكمة ..
وابتسامتها "الطيبة" تشبه كذلك ابتسامة حفيدتها ..
لكن نظرة أخرى في عينيها تجعلها مختلفة كثيراً عن ياقوت ..
نظرة تمزج الازدراء بالإجلال ولا يدري كيف يمكن أن يجتمعا!!
لو فهمها حقاً لأدرك أن بداخلها الآن كان الصراع بين صورة "قديمة" لحسين تفرض نفسها على ذاكرتها فتختلط بصورته هو ..
نفس الطلة المهيبة..الثراء ..المركز ..النفوذ ..و..العاطفة !
العاطفة "المؤقتة" لامرأة يراها في مرتبة دونية !!
لكن الصورة -للأمانة- تتشوش ..
فتراه يختلف عنه حقاً !
خاصة وهو يهرع إلى هنا بهذه السرعة فقط ليطمئن على أخته هذه بظروفها ..
بعدما كاد يضحي بحياته من أجلها !!
_مالوش لزوم التعب يا حاجة ..كفاية الشربات ..مبروك للعروسة .
يقولها زين بارتباك غريب على ثقته المعهودة ..
شيء ما في نظرات هذه العجوز يبدو له وكأنه يعريه ..
وكأنه يعيده أمام مرآة ضميره صفر اليدين !
ربما لهذا بقي عاجزاً حتى عن رفع عينيه نحو ياقوت ..
لكن إسلام أنقذه بعرضه للانسحاب معه نحو السطح بالأعلى تلاحقه نظرات ياقوت الملتاعة والتي اصطدمت بنظرات ثمر فغضت الطرف لتهرول نحو المطبخ ..
_عقبال شرباتنا يا غالي !
"العفريتة العابثة" تطلق الزغاريد بداخلها عالية وهي تصب لهما كوبين من الشربات فتجد صداها في قلبها ..لكن عقلها يزجرها بقوة ..
أفيقي يا غافلة ..!
هو هنا لأجل أخته ..!
نظرة واحدة منه لبيتك البسيط هذا قد تمحو أي أمل لكما !
لا تزالين بعيدة ..بعيدة تماماً عن امرأة يحلم بها لتكون سيدة قصر الفايد العظيم ..
_لما أعوز أتجوز أتجوز واحدة زي ياسمين ..اللي زيك أصطادها وبس!
العبارة اللعينة لا تدري من أين قفزت لتسمم أفكارها قبل أن تنتبه أن ال"شربات" ملأ الكوب حتى فاض على جانبيه ..
فابتسمت بمرارة ساخرة وهي تراقب السائل الأحمر وقد لوث الطاولة ..
ليس كل فيض من الحب يمنحنا الكمال ..
أحيانا يكون فيضه هو ما يشوه مظهر كمالنا !!
وعلى السطح وقف زين يراقب قمر السماء بشرود مستنداً على السور القديم ..
شيئ غريب بهذا المكان يمنحه السكينة ..
ربما كونه يخصها هي !
أنامله تتلمس السور خلسة بشعور رهيب بالمتعة وهو يتصورها قد وقفت هنا يوماً مكانه تلامسه ..
اشتاقها ؟!
كيف يفعل ؟! وهي لم تغادر قلبه وعقله منذ آخر مرة رآها فيها ؟!
وكيف لا يفعل؟! وقد صارت ملامحها وحدها "كنز" عمره ..بل وهواء يتنفسه وحده ولا يشاركه فيه غيره ..
أجل ..صارت أيقونة "الطهر والسكينة" في عالمه ..
الطهر والسكينة معاً لا يفترقان !
لو كان الأمر بيده لما خرج من هذا المكان الذي جاءه قدراً إلا وقد طلب خطبتها من جدتها ..
لكن كيف يفعلها وهو يشعر أنه لايزال مدنساً بذنبه القديم !!
ابتسامة ساخرة تطوف فوق شفتيه وهو يتذكر أياماً عاشها يستكثر حبه على امرأة بظروفها ولا يراها تليق بأن تكون نجمة عالمه ..
والآن يدور الزمان بلعبته فيجعله يشعر حقاً أنه هو من صار لا يليق بطهرها بعدما كان منه ..
لكن ..ما الذي يغيره هذا في قاعدة ثابتة كثبوت الكون في سننه ..؟!
أنها له ..وأنه لها ..
تماماً كما تشرق الشمس من مشرقها ..
فالحب يشرق من قلبيهما كل فجر ليرسم لكليهما نور حياته !
_أنا عارف كل حاجة .
يقاطع بها إسلام شروده بنبرة أقل مرحاً عن تلك التي كانت بالأسفل ليلتفت نحوه زين بنظرة مترقبة ..
هو يعلم أنه رافقها لمكتب محاميه هو يوم حصلت على الطلاق ..
فهل اعترفت له بكل ما كان ؟!
ذكاؤه يدفعه للصمت كعهده منتظراً أن يبوح إسلام بما في جعبته ..
ومكتفياً بقناع جامد لا يظهر بركان عاطفة يشتعل الآن بصدره ..
_ما تفتكرش إن ياقوت دلوقت هي هي اللي عرفتها زمان ..المنكسرة اللي مالهاش ضهر ..يمكن حسين رجائي فرقنا في حياته بس موته جمعنا تاني بأقوى صورة ممكنة ..عن نفسي مش هاتسرع في الحكم عليك ..بس واجب عليا أحذرك ..
يقولها إسلام بنبرة مهددة ليقترب بوجهه منه مردفاً بعينين ضيقتين :
_لو فكرت بس تأذيها هخلليك تندم ع اليوم اللي اتولدت فيه .
كز زين على أسنانه بغضب وعيناه تشتعلان بجنون كاد يفضحه لسانه لولا هذا الصوت من خلفهما ..
_بابا ..مش عارفة أنام في الأوضة تحت..تعال احكيلي حدوتة .
تهتف بها ريما برجاء طفولي لتتبدل ملامح إسلام لحنان جارف وهو ينحني ليحملها قائلاً :
_طب خمس دقايق بس ..
_ولا نص ثانية !..مش كفاية مش عارفة أشوفك طول النهار وانت مع الرجالة بره ؟!
تهتف بها بتنمر أنثوي يشبه ذاك الخاص بوالدتها ليبتسم وهو يقبل وجنتيها بعمق ليتحرك منتوياً المغادرة ..
قبل أن يرمق زين بنظرة جانبية سبقت قوله بنبرة عادت إليها جديتها :
_كلامنا ما خلصش ..يا زين.
يقولها متعمداً وقد لاحظ لفظة "بيه" التي أصرت ثمر على النطق بها وكرهها هو لما تعطيه من انطباع بفوقيته عليهما ..
ليشعر بقبضة زين تشتد على كتفه بقوة تكاد تكون مؤلمة ..
عيناه المشتعلتان تتوهجان حتى في هذه الظلمة ..
والكلام يخرج من بين شفتيه بارداً كنصل سكين :
_مفيش حاجة في الدنيا ممكن تمنعني عنها غيري أنا ..اللي واقف بيننا دلوقت أنا عايش بس عشان أنسفه ..وبعدها مش هاسمح لأي حد ولا هي نفسها إنها تبعد عني .
يتشنج جسد إسلام بغضب وهو يضم قبضته ليكاد يهتف بقول ما تراجع عنه مع وجود ريما بين ذراعيه ..
خاصة مع ظهور ثمر التي كانت تتقدم نحوهما حاملة صينية العصير ..
فرمقه بنظرة متوعدة لم تلبث أن تحولت لابتسامة مكتومة عندما أعطاه ظهره ..
هذا الرجل متيم بها حقاً !!
ردة فعله هذه أعجبته رغم ما أظهره من غضب !!
_مرزقة يا توتة ..بألواناتك دي لقينا اللي يرضى بيكي !
يهمس بها لنفسه سراً وهو يتحرك بالصغيرة ليهبط بها الدرج فيرى ياقوت واقفة هناك عند قاعدته تتململ وهي تفرك كفيها لتسأله هامسة باستنكار عاتب :
_انت سبته مع ستي لوحده ؟!
_وأنا شغال "بيبي سيتر" للراجل الغامض بسلامته ؟!
يهمس بها بنفس الاستنكار لتلكزه في كتفه فتهتف بها ريما مدافعة :
_ما تضربيش بابا !
_أصيلة وبنت أصلا ..آه والله !
يقولها إسلام وهو يقبل الصغيرة ليخرج لياقوت لسانه فتعاود لكزه في كتفه ليضحك من جديد ..
قبل أن يتنهد ليميل عليها هامساً بجدية :
_مابيحبكيش .
اتسعت عيناها بصدمة من قوله لينقبض قلبها قبل أن يغمزها بنبرة عاد إليها مرحها :
_ده مجنون بيكي !
تنهدت ببعض الخجل وهي تضربه على كتفه بكلتي قبضتيها هاتفة لريما:
_معلش يا حبيبتي ..باباكي لازم يتضرب .
ضحكاته تمتزج بضحكات الصغيرة التي اطمأنت لمزاحهما فبقيت تصفق بكفيها للحظات ..
قبل أن يتأوه إسلام ليقول مخاطباً ياقوت بنفس النبرة :
_بدل ما تضربيني دلوقت ادعيله ..
ثم رفع وجهه للسماء مردفاً بخشوع مصطنع:
_ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل !
عادت ياقوت تضربه بخفة على كتفه ليغمزها بمكر قبل أن يمضي في طريقه مدندناً بما كانت تسمعه بوضوح:
_يامّه القمر ع الباب ..نوّر قناديله ..يامّه أرد الباب ..واللا أناديله ..ياامّه ..
تكتم ضحكتها وهي تراقب ظهره المنصرف ثم تتنهد بحرارة ووجهها يكاد يشتعل بسخونته ..
تصعد بضعة درجات خلسة من السلم لتتراجع فجأة وهي تميز جسده من بعيد ..
والقمر "صديقها " هاهنا خلفه ..
نفس القمر الذي شاطرته حكاياها عنه ..
الآن هو يقف مثلها في نفس المكان ..مع ثمر ..
لا ينقصه سوى أن يضع رأسه في حجرها فترقيه كما تفعل معها !
عيناها تدمعان من "حميمية" التصور وهي تعود لتتأمل ملامحه التي يداريها عنها الظلام ..
لكن قلبها يحفظها كما يحفظ ملامحها هي !!
ترى كيف سيكون لقاؤه بثمر ؟!
عم سيتحدثان ؟!
تحاول صعود درجة أخرى خلسة لعلها تستمع محاولة التخفي عن عينيهما ..
_عنك يا حاجة !
الجملة التي بدأ بها حواره مع العجوز وهو يتقدم نحوها ليتناول منها الصينية التي لم يجد لها مكاناً سوى حافة السور ..
فابتسمت ثمر من بساطة حركته وهي تلم طرف ثوبها لتتقدم منه قائلة :
_عامل إيه دلوقت يا "بيه"؟!
يطرق برأسه بخزي لم يعد يتعجبه أمام امرأة بهيبتها ليستعيد كلماتها المهيبة التي وجدت أثرها في نفسه في المكالمة الوحيدة بينهما منذ أيام لا يدري عددها ..
سؤالها حمل المزيج من حنان فطري مع ترقب خفي استشعره بذكائه ..
كأنما هي لا تسأله عن حاله ..بل عما سيفعله بعد !
يحاول البحث عن جواب منمق يجيده مثله لكنه لا يجد !!
زين الفايد الذي التقى بوزراء ورجال أعمال من أغلب دول العالم تقريباً يجد نفسه متلعثماً كطفل أمام هيبة امرأة بسيطة كهذه !!
_خايف.
تخرج منه همساً رغماً عنه ولايزال مطرقاً برأسه لتلتمع عيناها بقوة وكأنما أعجبها الجواب ..
يصمت بعدها قليلاً لكنها لا تحاول أن تستنطقه ..
خبرة السنين علمتها أن بوح النادم كالمطر لا يمكن الجزم بموعده إنما بأثره !
لهذا انتظرت صابرة تتأمل وجهه المطرق بتفحص حتى همس أخيراً :
_خايف أمشي خطوة عشان أكفر عن اللي فات ألاقيني ما أستاهلهش بداية جديدة ..وخايف أفضل مكاني أبقى أنا اللي كتبت نهايتي بإيدي ..خايف أكمل عمري ..وخايف ما أكملوش.
همسه الصادق يمسها بدفئه خاصة مع هيئته الذابلة وخفقات صدره المجنونة التي كان يرتج لها جسده ..
فترتجف شفتاها بابتسامة خافتة وهي تقول بحكمة :
_ما هو الخوف ده اللي مخللينا بني آدمين ..لا احنا ملايكة ولا شياطين ..عارف لو كان الشر ماليك؟! ..كنت قلت غلطة وراحت واستسهلت طريق الرجوع ..لكن خوفك ده دليل قلب صاحي ..موجوع بذنبه وعايز يتوب ..ناقصه بس يتوكل ..
هنا وجد بعض الجرأة ليرفع إليها عينيه فيزداد وجهها مهابة في ناظريه ..
خاصة والقمر يبدو خلفها فيمنح شكلها قدسية خاصة في الظلمة النسبية المحيطة بهما ..
_عارف يعني إيه يتوكل ؟!
تسأله وهي تلتفت نحوه لتلتقي عيناهما بهذا القرب في نظرة طويلة ..
لم تكن تنتظر جواباً من رجل بذكائه لكنها كانت تنتظر قولاً كهذا الذي خرج من بين شفتيه مع ابتسامة شاردة :
_أنا لقيت أول الطريق ..بس كل ما أبص ورا ظهري أحس إن الذنب اللي في رقبتي أكبر من إني أمشي بيه ..
_يبقى ما تبصش !
تقولها ببساطة ثم ترفع عينيها للسماء مردفة :
_لو ربنا مش رايد لك هداية ماكانش دلك ع الطريق ..هو وحده العالم بالقلوب ..خدعة إبليس من قديم الزمن معروفة ..يخللينا نصدق إننا زيه بعيد عن رحمة ربنا ..والعاقل اللي يرجمه بحجر إيمانه ..ده ربنا سمى نفسه التواب ..هيتوب على مين لو كنا كلنا صالحين مابنغلطش؟!
عيناه تتسعان قليلاً مع سلاسة منطقها وكلماتها شديدة البساطة ..شديدة العمق في ذات الوقت ..
امرأة كهذه هي حقاً من تربي واحدة كياقوت !
إعجابه الحقيقي يزين ملامحه ويختلط بخزي لا يملكه ..
فيبدو كتلميذ متردد يعرض خطته على أستاذه :
_دار رعاية فتيات ..بدرس المشروع وقريب قوي هبدأ فيه .
فتعاود التفاتها نحوه بابتسامة استحسان وقولها الرفيق يصاحبها:
_ربنا يوفقك .
ابتسامتها تنتقل عفوياً إليه بشعور غريب بالحميمية ينتابه نحوها ..
إنها المرة الأولى التي يقابلها فيها لكنه يشعر أنه يعرفها منذ زمن ..
هل هو شبهها بياقوت ؟!
صلتها بها؟!
أم هو سحر كلماتها الذي منحه الدافع كي يجدّ فيما ينتويه بسرعة دون تخاذل ؟!!
أن ينفض عنه ركام الذنب الذي دفن نفسه بين أطلاله طوال الأيام السابقة ويضع قدمه على بداية الطريق الحقيقية ..
_شكراً .
يقولها صادقاً وشعور الخزي الذي بدأ به محادثته معها يتضاءل تدريجياً ويحل محله حماس غريب ..
كأنما يريد أن يثبت لها أنه حقاً أهلٌ لما تحكي عنه !
فتتسع ابتسامتها ثم تتنهد بحرارة وهي تعود للشرود في السماء لتقول بصوتها المهيب:
_شغلتي علمتني كتير ..ورتني آخر الطريق اللي الكل بيتكالب عليه ..فتحت عيني ع الصورة الحقيقية اللي نفسي كل الناس تشوفها ..كل ثانية في عمر البني آدم كنز ..كنز بيندم عليه لو ضيعه في غير طاعة ربه ..أنا شفت الموت وهو بيفضح المستخبي ..ياما شفت وشوش منورة وهي اللي كانت في الدنيا شقيانة ..وشفت وشوش سودها عملها وهي اللي كانت طايحة في الخلق من غير خشا ..شفت الخواتيم وسرها اللي ما يعلموش إلا ربي ..يمكن عشان كده اتعلمت ما أتسرعش في حكمي على خلقه .
كان يشعر أن عبارتها الأخيرة رسالة له ..
رسالة يقدرها حقاً وهو يشعر بها تمنحه فرصة !
لهذا وجد المزيد من الجرأة ليدرج ياقوت في الحوار ..
_صدفة غريبة قوي ! دلوقت بس افتكرت إن أول مرة قابلت ياقوت في مكتبي كعبها اتكسر ..والنهارده أول مرة أقابل حضرتك بسبب إن كعب همسة اتكسر ..بس ياقوت يومها ما وقعتش !
وكأنما حفز ذكر ياقوت وجهها لتبدو له -مع هذا السن- كقطة تدافع عن صغارها ..خاصة ولهجتها تتحول لتحدٍّ واثق:
_بنتي ما تقعش يا بيه !
ابتسامة إعجاب تطوق شفتيه وعيناه تقابلان عينيها بحديث طويل ..
كانت تبحث في ملامحه عن رجل عشقته ياقوت ..
بل والأهم ..عن رجل يمنحها الأمان الذي تنشده ..
فلم تجد سوى طرف خيط اكتفت به مؤقتاً وهو يكرر خلفها بما يشبه الوعد :
_بنتك ما تقعش يا حاجة .
تنهيدة حارة تغادر شفتيها وهي تعاود رفع وجهها للسماء كأنما تستمد من خالقها بصيرة تمنحها العون ..
لم تتصور يوماً أن تسلك ياقوت نفس الطريق الذي سلكته أمها ..
أن تعشق رجلاً يبدو -في ظاهره- كحسين ..
لكن ماذا عن باطنه ؟!
لا ..ستكون ظالمة حقاً لو شبهته بذاك الوغد !!
فلتصبر ..
وليقضِ الله أمراً كان مفعولاً!!
وكأنما تمنحها السماء البشارة فيعلو صوت الآذان فجأة حولهما ..
لتبتسم وهي تغمض عينيها بسكينة لفت قلبها ..
قبل أن تفتحهما لتنظر للبيت المقابل الذي خرج منه عابد لصلاة الفجر كعادته ..
فاتسعت ابتسامتها وهي تشير لعابد بكفها مخاطبة زين بقولها :
_العريس ساب عروسته عشان يؤم الناس لصلاة الفجر ..
ثم التفتت نحوه مردفة ببطء ذي مغزى:
_راجل زي ده هو اللي أتمناه لبناتي ..عشان أموت وأنا مطمنة إنه هيتقي ربنا فيهم .
نظراته تهتز ولأول مرة في حياته يشعر بعدم الثقة في نفسه ..
جبل غروره تنسفه كلماتها البسيطة فتشعره بالمزيد من الخزي الذي يجعله يعاود الإطراق برأسه ..
لكنها "تضرب وتلاقي" كما يقولون ..
فتبتسم وهي تقول له بطيبة لا تدعيها :
_انزل انت كمان الحق صلاة الفجر ..ربنا يتقبل منك .
قلبه يخفق بقوة وهو يعاود تفحص ملامحها المهيبة بمزيج من استغراب وإجلال ..
كيف يمكن أن يصف لقاء كهذا يبدو وكأنه أحياه في لحظات ؟!
لقد سمع عن المرأة كثيراً ..
ورآها في حب ياقوت المغالي لها ..
لكنه الآن يعذرها وكيف لا يفعل؟!
وهي قد وقعت في قلبه بمكان لم تبلغه امرأة سواها بعد أمه ؟!!
لهذا رمقها بنظرة طويلة حملت مزيج مشاعره لتردها له بابتسامة ..
قبل أن تجلس لتتربع مكانها مطرقة برأسها وهي تتلو وردها من التسبيح انتظاراً للصلاة ..
فيما تحرك هو ليهبط الدرج بخطوات متثاقلة ..
منذ ذاك الحادث وموت تلك المرأة وهو عاجز عن الوقوف بين يدي الله ..
يشعر بوزر ذنبه يكبله ..
ويسوّف توبته يوماً بعد يوم ..
لكن ..أما آن اللقاء ؟!
يشعر بها حتى قبل أن يراها ليرفع عينيه نحوها ..
أخيراً منذ جاء إلى هنا يجد الفرصة ليعانق "قمريها السجينين"..
فيجدد لهما الوعد أن يحررهما ..!
يده ترتفع رغماً عنه كأنما يهم بلمسها ..
لكنه يقبضها جواره بسرعة قبل أن يغمض عينيه بقوة كأنما ينتزع نفسه عنها انتزاعاً ليتركها وراءه تراقب ظهره المنصرف بلهفة وجلة ..
قبل أن تمد أناملها تتلمس قرط أذنها تحت حجابها كأنما تستمد منه شعورها المعهود بالأمان ..
خطواتها تسحبها نحو السطح الذي امتلأ بعطره ولا تظنه سيغادره ..
نظرة طويلة منها نحو القمر القريب كأنما تشكره أن جعله يتشاركها صورته ..
ترى ثمر واقفة مكانها تصلي بخشوع فترقبها بعينين متفحصتين ..
ترى كيف صار اللقاء؟!
_اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام .
تقولها ثمر عقب تسليمها من الصلاة قبل أن ترفع عينيها إليها ..
لتزدرد ياقوت ريقها بتوتر قبل أن تجلس على ركبتيها لتستلقي فتضع رأسها في حجرها ..
عينا ثمر الحنونتان تشرفان عليها من علوّ وهي تمسد على شعرها برفق ..
فتبتلع هي كل تساؤلاتها لتغمض عينيها هامسة :
_ارقيني يا ستي .
تبتسم ثمر مدركة ما يدور في خلد العاشقة في حجرها قبل أن تشرع في رقيتها بخشوع ..
ولم تكد تنتهي حتى رفعت ياقوت عينيها إليها بسؤال لم تجرؤ على البوح به ..
لكن ثمر بادرتها بقولها الغامض:
_قومي نامي يا "بنت قلبي" ..الصباح رباح .
وفي طريقه كان زين شارداً في لقائه الغريب بتلك المرأة ..
خطواته تسحبه نحو المسجد القريب فيخلع نعليه ثم يتوجه للحمام المرفق بالمسجد فيتوضأ ..
قلبه ينتفض بجنون كأنما هي أول مرة يصلي لكن ماذا عساه يصنع بهذا الشعور الذي يجتاحه الآن فيزلزله برهبته ؟!
وكيف لا ؟!
وهو يشعر أن كل قطرة ماء تتساقط معها ذنوبه ..
وخاطرٌ ما يقذف صدره بقوة ..
"لم يكن ليلهمك التوبة وهو يريد بك العذاب"!!
عيناه تدمعان رغماً عنه وهو يتحرك مبتلاً رافضاً أن يجفف ماء وضوئه ..
يقف خلف عابد قدراً في الصف الأول فتأتي المزلزلة :
_الله أكبر!
أكبر من ذنبه ..
من ماضيه ..
من وزره الذي ناء به كاهله !!
أكبر من ندمه ..
من يأسه ..
من قنوطه الذي حجبه عن العالم طوال هذه الأيام ..
الله أكبر ..
وأعظم ..
وأرحم ..من أن يرده وهو مقبل !!
خيط رفيع من الدمع يسيل من طرف عينه فلا يستنكف أن يبدو للعيان ..
بل يباهي به من هو أعظم منهم ..
من يراه من فوق سبع سموات ويشعر بحرقة قلبه وصدقه !!
"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم"
بصوت عابد الشجي يسمعها فكأنها رسالته الخاصة ..
قلبه ينتفض بقوة بين ضلوعه وكأنما يسمعها لأول مرة ..
يغمض عينيه بقوة مع ركوعه فيشعر بهذا النور الذي يضرب صدره ..
يشتاق للسجود !
يالله !!
لم يشعر يوماً في حياته بلهفته للسجود كما يفعل الآن !!
لهذا ما كاد جبينه يلامس الأرض حتى فاضت عيناه بسيل سخي رفع معه دعاءه ونجواه ..
وكأنه دخل الصلاة بقلب ..وخرج منها بآخر!
رغم السخونة التي يشعر بها تفيض من جسده المنفعل لكنه كان يحس بها برداً وسلاماً ..
يلتفت عابد ليواجه المصلين عقب انتهاء الصلاة فتلتقي عيناهما ..
تعبس ملامح الأول قليلاً وهو يتذكر تاريخهما القديم وشجارهما لأجل ياسمين في ماليزيا ..
لكنه يعود ليذكر ما علمه عما حدث له مؤخراً ..
عيناه الخبيرتان تميزان في عينيه هو دموع توبة يعرفها فتتراخى ملامحه وهو يمد له كفه مصافحاً ..
يشعر بالغرابة من وجوده هنا بالذات تلك الليلة ..
لكن السؤال لم يكن يناسب جلالة المكان ..
لهذا اكتفى بأن يشد على يده بقوة قائلاً بسماحة :
_تقبل الله .
ليستقبلها صاحبه كدعوة لن ترد !
======
تفتح لجين عينيها على ضوء الصبح الذي ملأ الغرفة فتتسع عيناها بعدم تصديق ..
هل حقاً صارت زوجته ؟!
تلتفت بحذر لوجهه النائم جوارها بعمق عقب قدومه من صلاة الفجر لتعض شفتها بخجل وهي تتذكر تفاصيل ليلتهما السابقة ..
كم كان دافئاً شغوفاً ..وكذلك مراعياً وحانياً !
ترفع عينيها بدعاء صامت وقلبها يلهج بحمد لا تظنه سيفارق قلبها ما عاشت ..
كيف تحمد الله على فرحة كهذه أنستها مرارة ماضيها كله ؟!
تتنهد بحرارة وهي تعاود خفض بصرها ليزداد احتراق وجنتيها وهي تميز قميصها المكشوف الذي ترتديه ..
فتحاول النهوض بحذر لعلها تدرك مئزرها المعلق قبل استيقاظه إذ لم تعتد بعد هذا الجو الجديد عليها ..
لكنها لم تكد تتحرك قليلاً حتى شعرت بذراعه على خصرها يشتد مع غمغمته الناعسة :
_إلى أين ؟!
يرتفع حاجباها في حنان غلب خجلها وعيناها تطوفان فوق ملامحه الوسيمة بعشق جارف ..
هذه الهالة النورانية التي تحوطه تجذبها لعالم مريح ناعم تمنته كحلم ولم تظنه يوماً سيكون واقعاً أجمل !
_آسفة لو قلقتك ..انت ما لحقتش تنام .
تهمس بها بخفوت تشك أنه يسمعها مع عينيها المغمضتين لتعود لرقدتها بحذر ..
لكنه يدير وجهه ليدفنه بين خصلات شعرها الثرية المتناثرة على وسادتهما ..
ثم تشعر به يأخذ نفساً عميقاً وهو يمرغ وجهه في نعومة شعرها قبل أن تصلها تمتمته بنفس النبرة الناعسة :
_ألا تخجلين من نفسك ؟!
تشهق مصدومة من عبارته التي لا تعلم سببها لتسأله بتلعثم :
_ليه بتقول كده ؟! أنا عملت إيه ؟!
_لا تدرين ماذا فعلتِ ؟!
نبرته الناعسة تكتسب المزيد من الجدية ولا تزال عينيه مغمضتين ووجهه يتلمس طريقه بنعومة بين ثنايا شعرها ..
فتقفز الدموع لعينيها فجأة وقد غلبتها طبيعتها الشاعرة بالذنب دوماٌ لتحاول البحث عن خطئها ..
لكنه يفتح عينيه أخيراً ليعانق حدقتيها عبر هذا القرب هامساً :
_ألا تخجلين أن يسبقكِ شعركِ ويلقي عليّ تحية الصباح قبلك ؟!
فتضحك رغماً عنها وهي تتنفس الصعداء ارتياحاٌ ثم تمسح دمعة فرت من طرف عينها لتهمس بخجل :
_حرام عليك يا عابد خوفتني .
_حقاً ؟! لماذا خفتِ ؟!
يقولها ووجهه يقترب منها أكثر لتشعر بأنفاسه تداعب أذنها ووجنتها ..قبل أن تمتد أنامله لتداعب وجنتها الأخرى ببطء حانٍ لتضطرب خفقاتها وهي تجيب بنفس الخجل :
_مش واخدة عليك وانت بتهزر ..خفت أكون عملت حاجة زعلتك بجد .
فرفع رأسه ليشرف عليها من علو وابتسامة ساحرة تتوج شفتيه مع همسه :
_لا تخافي من هذا الأمر بالذات أبداً .
تتوه للحظة في لجة عينيه الدافئتين لكن خجلها يجعلها تغمض عينيها عاجزة عن المزيد لتهمس بخفوت :
_يعني عمرك ما هتزعل مني ؟!
_بل سأفعل .
تفتح عينيها مصدومة من رده لتتلقفها ابتسامته مع رده المتعقل :
_سأفعل وستفعلين ..سأغضب منك وتغضبين مني ..لن تخلو الحياة من المشاكل بطبيعة الحال ..لكن لا تدعي ذلك يثير خوفك ..
ثم عاد يقترب بوجهه منها يكاد يلاصقه لتشعر وكأنما اختزل العالم كله في عينين بهذا الحنان ..وبهذا النقاء :
_مهما حدث ..لن تهربي مني إلا إليّ ..ولن أبتعد عنكِ إلا لأقترب ..
لم تكن تعلم أي حال يصيبها مع كلماته هذه ..
خفقاتها تتجاوز حد الجنون لكنه جنون آمن ..مطمئن ..
كأنها لا تهرب منه بل إليه كما يزعم !
لكن هاجساً لم يفارقها منذ أيام طويلة يجعلها تسأله بتردد :
_انت بتمهد لحاجة حاسس إنها ممكن تعمل مشكلة ؟!
يرمقها بنظرة متسائلة لتسبل جفنيها هامسة بوجل:
_والدتك .
لم يرد عليها للحظات ليتأكد هاجسها فتردف مغمضة الجفنين :
_كنت حاسة إنها مش قابلاني ..واتأكدت لما ما حضرتش الفرح .
تقولها لتفتح عينيها فتعانقها ابتسامته السمحة مع جوابه :
_لا تهولي الأمر ..تعلمين أن خالي تعرض لحادث في ماليزيا واضطرت هي للسفر إليه إذ لا أحد يرعاه هناك ..وهي هاتفتك لتباركك عدة مرات .
ترمقه بنظرة متشككة تجعله يرفع حاجبيه بسؤاله :
_لم أقنعك ؟!
تبتسم رغماً عنها وهي تشيح بوجهها لكنه يدير وجهها نحوه هامساً بنبرته الدافئة التي خالطها
الآن بعض المرح :
_نحسب النتيجة ! أنا أخفتكِ منذ قليل وكذلك لم أقنعكِ بخصوص أمي ..وأنتِ لا تزالين لم تلقي عليّ تحية الصباح ..إذن ..اثنان لواحد ..وأنا الخاسر !
تضحك ضحكة قصيرة من مزاحه الغريب عليها بعد طول تحفظ عهدته لتشرق ملامحها مع ردها بطيبة :
_ما تقولش كده أبداً ..ربنا يجعلك على طول كسبان .
لكنها تشعر بذراعيه يندسان تحتها ليضمها إليه بقوة وهو يدفن وجهه في حنايا عنقها ليهمس لها بمزيج حنانه ومرحه الآسر :
_لا عليكِ..روحي رياضية ..الخاسر يجب أن يمنح للآخر ترضية مناسبة ..أريد تخليص ديوني قبل السفر .
_سفر إيه ؟!
تسأله باندهاش طغا على خجلها ليعاود رفع عينيه إليها بجوابه :
_هديتي إليكِ! سنسافر لآداء العمرة ..وبعدها سنقضي رحلة قصيرة في ماليزيا .
_بجد ؟! بجد يا عابد ؟! عمرة ؟! هاشوف الكعبة بعيني ؟! بجد ؟!
دموعها تتكدس في عينيها مع تهدج صوتها فتخفي وجهها في صدره لكنه يشعر بارتجافة جسدها بين ذراعيه فيهمس لها بحنو :
_لم أجد لزواجنا بداية أكثر بركة من هذه ..زرتها من قبل ..لكنني أحب أن أعيد زيارتها معكِ .
_شكراً ..شكراً ..مش عارفة أقوللك إيه !
همساتها تنقطع بدموع تأثرها وقلبها يرتج بداخلها مع فيض شعورها في هذه اللحظة ..
لكنه يرفع وجهها نحوه ليمسح دموعها بأنامله وابتسامته العذبة تغزوها كشعاع نوراني يناقض عبث عبارته :
_لكن هذا لا يغير من النتيجة ..لا أزال مديناً لكِ ب .."ترضية"!
تبتسم وسط دموعها وهي تجد بعض الجرأة لتحيط خصره بذراعيها بعاطفة لمعت في عينيها لتشعر بشفتيه تحلقان فوق بشرتها تمهيداً ل"ترضية" بدأت كنسيم ..وانتهت ..كطوفان !
======
على قبر "حسين رجائي" يقف بعينين زائغتين لم يلبث الدمع الكثيف أن ظللهما ليجثو على ركبتيه أمامه ..
لم يكن يصدق عندما كانوا يخبرونه أن النسيان نعمة ..
لكنه الآن يفعل !
وكيف لا؟!
وسوط الذكريات المتلاحقة يلسعه بقسوة ما تدركه روحه ..!!
كلمات داليا فتحت له باباً من العذاب تدفقت منه شلالات الذكرى لتجرفه في تيارها ..
الآن فقط يذكر كل شيء ..
يذكر ماضيه الذي انهدمت جدرانه واحداً تلو
الآخر بمجرد ضربة معول واحدة ..
ضربة بيد واحد ..بل اثنين ..
حسين ..و..شهد !!
يغمض عينيه بألم وهو يضم قبضتيه جواره محاولاً تجاهل الاسم الأخير ليرفع عينيه نحو شاهد القبر يحدثه كأنه سيسمعه :
_ليه عملت فينا كده ؟! ده أنا كنت عايش العمر ده كله واخدك مثلي الأعلى !! معقول خلاص مشيت ؟! من غير ما تفهمني عملت كده إزاي وليه ؟! مش كنت دايماً تقوللي إني صاحبك ؟! دي كمان كانت كذب ؟!
يهز رأسه بالمزيد من الضياع والاسم "الثاني" يفرض نفسه فرضاً على عقله ..
شهد !
"شوشو"!!
الآن فقط يمتزج الاسمان في ذهنه ليستجمع الصورة كاملة ..
الآن فقط يفهم سر خوفها من أن يذهب لزفاف أخته ..
يفهم سر الدموع التي كانت تملأ عينيها بخزي وهي تودعه ..
المخادعة !!
طوال هذا الوقت وهي تخفي عنه حقيقتها ..
منحته الأمان الذي جعله يهرب إليها هي من أهله ..
غافلاً عن أن الخنجر الحقيقي خلف ظهرها هي !!
فيما كانت تفكر ؟!
أنه قد يسامحها يوماً على فعلتها ؟!
أنه قد يغفر لها تلاعبها به ؟!
أنه قد ينسى أن -علاقة ما- قد نشأت بينها وبين أبيه ؟!
حتى ولو لم يمسها كما زعمت ..
كيف ينسى ؟!
كيف يغفر ؟!
_إزاي ؟! إزاي؟!!
يكاد يصرخ بها بجنون تتفتت له روحه وهو يدور بعينيه على ما بقي له من "أبيه" ..
الجبل العظيم الذي طالما رآه شامخاٌ ..
الآن ينهار فلا يبقى منه سوى مجرد حروف اسم على شاهد قبر ..
وفضيحة ستبقى ملتصقة بجبينه ..
و"جرح قلب" لا يظنه سيندمل !!
_وحّد ربنا يا ابني وقوم ..هم راحوا للي أحن مني ومنك ..ادعيله واطلب له الرحمة ..ده اللي باقي .
يقولها هذا الرجل حارس المقبرة الذي ظهر خلفه فيرفع عينيه نحوه ليهز رأسه بلا معنى ..
الرحمة !!
ليته كان يملك رصيداً منها يسمح له بالغفران !!
بعض الخطايا عصيّة على النسيان ..
ندبتها تبقى تشوه القلب العمر كله !!
يعاود الوقوف على قدميه بصعوبة ليرمق الاسم المكتوب على شاهد القبر بنظرة عاتبة أخيرة قبل أن يمضي في طريقه ..
إلى أين ؟!
هو لا يعرف إلى أين !!
لقد ظن أنه سيلملم شتات نفسه عندما يستعيد ذاكرته ..
والآن يجد نفسه أكثر تشتتاً ..وضياعاً !!
لكن المكان الأول الذي يجب أن يذهب إليه هو ..!!
_هيثم !
تهتف بها جيلان بلهفة فرحة وهي تفتح باب البيت لتجده أمامها فتدمع عيناه وهو ينحني ليعانقها بقوة فتتأوه بقوة هاتفة :
_وحشتني قوي يا حبيبي ..كده هنت عليك تسيبني طول الوقت ده ؟!
ينظر من خلف كتفيها للبيت الذي يراه الآن بصورة مختلفة ..
كل ركن فيه يقذف إليه بالمزيد من الذكريات ..
المزيد من السياط ..
المزيد من الألم ..
خاصة غرفة المكتب التي أغلق بابها منذ وفاة حسين ..
وليته يملك في قلبه غرفة مثلها يغلقها على جحيم ذكرياته !!
_ادخل يا حبيبي ..واقف ليه ؟! انت لسة زعلان مني ؟!
تقولها بلوعة قلب أم وهي تميز نظراته المشتتة لكنه فقد كلماته مكتفياً بصمته المشتعل بين ذراعيها لتردف هي بانفعال أكبر:
_لو زعلان عشان خبيت عليك اللي حصل فده كان عشان مصلحتك ..ولو عشان أخوك فأنا خلاص ماعدتش زعلانة من جوازته ..وطلبت أشوف مراته .
يغمض عينيه بوجع يجد صداه في نفسها وهي تحاول شده للداخل هاتفة :
_ادخل يا هيثم ..ادخل ..مش هنتكلم ع الباب زي الأغراب .
_مش قادر .
يتمتم بها ممتزجة بغصة حلق مريرة استحكمته ليكسو الألم ملامحها وهي تغمغم بحنان عاتب:
_للدرجة دي يا هيثم ؟! ما وحشتكش ؟!
فيتأوه بقوة وهو ينحني من جديد ليضمها نحوه فتهتف وسط شهقات بكائها:
_سلامتك من الآه يا حبيبي ..بكرة تخف وتفتكر كل حاجة ..ولو كان البيت ده هو مشكلتك ..نبيعه ..
يرفع إليها عينين زائغتين وهو يهم بإخبارها أنه استعاد كامل ذاكرته..
وكامل "وجعه"!!
لكنه يتراجع عن هذا لسبب لم يعلمه ..
هو لا يريد الكلام ..
بل لا يريد التنفس!!
بينما استمرت هي في حديثها المنفعل:
_أيوة نبيعه ..أنا كمان ماعدتش عايزة أعيش هنا ..لما أشوف إسلام هاكلمه في الموضوع ده .
يتنهد بإرهاق يثير المزيد من لوعتها فتتحسس وجهه بأناملها هامسة وسط دموعها :
_حتى لو مش فاكر حاجة يا هيثم مستحيل تنسى أد إيه أنا بحبك ..خلاص ..مابقاليش في الدنيا دي غيرك انت وأخوك .
فترتجف شفتاه وهو ينحني ليقبل جبينها بعمق فتمسح دموعها لتبتسم ابتسامة شاحبة مع قولها:
_هترجع بيت ..زميلتك ..دي؟!
المزيد من الألم يحفر خطوطه على وجهه مع كلمة "زميلتك" التي ألقتها مشبعة بمرارتها مدركاً أنه كان كالمستجير من الرمضاء بالنار ..
وأي نار!!
فتسيئ فهم هذا الوجع الذي يكتسحه لتردف وهي تربت على صدره برفق:
_براحتك ..اعمل اللي يريحك .
"اللي يريحك"؟!!
هو لم يعد يعلم ماذا يريحه !!
تنهيدته تخرج مشبعة بلوعته وهو يلقي نظرة أخيرة على البيت خلفها ..
قبل أن ينسحب للمكان الذي لم يعد يأنس
إلا به ..
ولم يعد يكره مثله ..
الحي الشعبي القديم ..
وجوه الناس التي بدأ يألفها ..
البيت الذي عاش فيه طوال الأيام السابقة ..
والآن تمتزج رؤياه بذكرى قديمة تشتعل بين ضلوعه كالنار!!
سيارة والده ..صورتها وهي تركب جواره بثوبها المكشوف ..قبل أن يختفيا معاً!!
قدماه تتوقفان مكانهما وعقله يستصرخه ألا يتقدم أكثر ..
لماذا يعود إليها؟!
لكن قلبه وحده يعرف الجواب ..
يعرفه وإن كان لا يشفع بما يكفي!!
شعور غريب ينتابه وهو يستعيد ذكرياته تباعاً فيكمل القطع المفقودة ..
والقدمان تعودان لحركتهما الرتيبة دون وعي نحو البيت ..
يصعد الدرج فيتوقف أمام باب شقة والدتها المغلق ..
يبتسم بمرارة وهو يدرك أن هذا هو الوضع الصحيح بينهما الآن ولما بقي من العمر ..
أن تغلق بينهما كل الأبواب !!
_مهما حصل بيننا افتكر ..إني عمري ما حبيت ولا هاحب حد غيرك .
يكاد يسمعها بصوتها فتتلاشى من حوله كل
الأصوات ..
الصراع بداخله يكاد يبتلعه وهو يقذفه بين نيران لا يحتملها ..
فيبتعد عن الباب بسرعة كأنه يهرب من شبح ..
قبل أن تسرع خطاه على الدرج نحو غرفته
الآمنة !
فليبقَ هناك فحسب !!
فليحاول أن يجمع ما بقي من شتاته !!
يصل للغرفة لكنه يفاجأ ببابها مفتوحاً فيرتجف قلبه بين ضلوعه بترقب وهو يقترب أكثر ليجدها هناك ..
على فراشه ..
جالسة تتلمسه بأنامل مرتجفة ودموعها تغرق وجهها!!
يغمض عينيه بقوة والإعصار المجنون بداخله يكتسحه أكثر!!
لماذا عاد إلى هنا ؟!
بل لماذا عاد إلى ذاكرته ؟!
ودون وعي يجد نفسه يرفع عينيه للسماء بدعوة اتشحت بعذابه ..
_يارب أنسى تاني يارب ..خلاص ..ماعدتش عايز أفتكر!
يتمتم بها بعذاب وهو يخبط بكفيه على صدغيه بقوة كأنه يريد أن ينتزع عقله من مكانه ..
لتشعر هي به فتندفع نحوه هاتفة بلهفة :
_انت رجعت ؟!
يتجمد مكانه وهو عاجز عن النظر إليها ليصله صوتها الملهوف ملطخاً بدموعها :
_ماكنتش بترد عليّ ليه ؟! اتأخرت هناك قوي ..ياقوت قالت لي إنك مشيت من
بالليل ..كنت فين ؟!
جسده يرتجف غضباً ..حزناً ..وحيرة !!
لتزيد هي من عذابه وهي تمد كفها لتمسك كفه هامسة :
_هيثم !
ودون وعي يجد نفسه يمد كفه الآخر ليحتضن كفها بقوة آلمتها ..
وآلمته قبلها ..
لكنه نفضه عنه بسرعة كمن لدغته أفعى لترمقه بنظرة مصعوقة هامسة :
_حصل إيه ؟! انت زعلان مني ؟!
لم يكن يعلم عن الرعب الذي تعيشه منذ البارحة وهي تخشى أن يعيد إليه أحدهم ذكرى تنعش بقية ذكرياته ..
ربما لهذا لم تتمالك نفسها وهي تراه قد تأخر رافضاً الرد على اتصالاتها لتهرع إلى هنا متلمسة بقاياه ولو في ..غرفة خالية !!
_هازعل منك ليه ؟!
همسه يخرج متحشرجاً ولازال عاجزاً عن رفع بصره نحوها ..
لتعاود سؤاله:
_انت ..قابلت حد هناك ؟!
داليا!
لا تخشى سواها !!
تعلم كيف كان متعلقاً بها ..وتعلم أن طبيعتها الثرثارة لن تكف عن الحديث متى رأته !!
_حد زي مين؟!
يسألها مراوغاً وهارباً من جحيم نظراتها لتغتصب ابتسامة باردة وهي تتصنع المرح:
_أي حد ..انت مش هتحكيلي كالعادة عن اللي حصل ؟!
مزيج المرح المختنق بدموعها يقبض قلبه بقسوة فيجد نفسه يرفع إليها عينيه أخيراً لتتوه نظراته فوق ملامحها ..
كيف لوجه بريئ كهذا أن يخدعه هكذا ؟!
ليس وحده ..بل أباه كذلك!!
الخاطر الأخير يعاود جلده بوحشية فيشيح بوجهه عنها بعنف لكنها تتحرك لتقف قبالته هاتفة بحذر:
_مالك يا هيثم ؟!
سيقذفها الآن في وجهها أنه يعلم الحقيقة !!
أنه تذكر خداعها !!
أنه لن يرضى أن يكمل طريقه مع امرأة اشتهاها أبوه قبله !!
أنه لن يأتمنها على قلبه ولا على اسمه !!
فليذبحها بها كما ذبحته هي من قبل !!
كل خلاياه تستصرخه الآن أن يفعلها ..
أن يغمد الخنجر المسموم في صدرها فيقتلها ويقتل نفسه معها !!
لكنه بدلاً من هذا وجد نفسه يصمت طويلاً ليقول أخيراً بنبرة ذبيحة :
_يمكن عشان كان عندي أمل الذاكرة ترجعلي لما أشوف هناك وشوش جديدة ..بس ..ماحصلش.
يراقب الارتياح الذي كسا ملامحها بمزيج لم يعد يتعجبه في نفسه من رضا وسخط ..
لتأخذ هي نفساً عميقاً وهي تسحبه من كفه نحو أريكة قديمة هناك لتهتف بمرح ما عاد مصطنعاً:
_طب احكيلي بقا عن بقية الفرح ..فيه صور تانية ما شفتهاش ؟!
فترتجف ابتسامة مريرة على شفتيه والرد المراوغ يصلها منه :
_صور كتير باظت ..كانت حلوة وأنا بلقطها بس لما جيت أشوفها لقيتها...لقيتها مضلّمة قوي !
=======
_صباحية مباركة يا ابني .
تقولها ثمر بحنان وهي تعانقه على باب بيته إذ وقف لها عابد مستقبلاً مع إسلام وياقوت التي شردت ببصرها وهي تستحضر رغماً عنها صورة آخر مكانه ..
آخر تتمنى لو تراه يوماً يعانق ثمر عناقاً كهذا فيمنحها مذاق الابن والحفيد الذكر الذي لم تحظَ به !
آخر غادر منذ قليل مع أخته ورائد ولا تدري إن كان يوماً سيعود إلى هنا ..
لقد سألت ثمر منذ قليل عن فحوى حوارهما لكن الأخيرة اكتفت بابتسامة غامضة مع قولها :
_ما تستعجليش يا بنت قلبي ..ربك كاتب كل شيئ بمعاد .
كانت تود لو تعرف تفاصيل حديثه معها لكن يكفيها -مؤقتاً- أن ثمر لم تنفر منه ..
خبرتها بجدتها تجعلها توقن أن اللقاء الأول بينهما آتى ثماره من ناحيتها على الأقل ..
لكن ..ماذا عنه هو ؟!
وكعادته يبدو أنه يقرأ شفرة روحها رغم كل هذا البعد ..
لتشعر باهتزاز هاتفها في يدها معلناً عن وصول رسالة ..
_حبيتها جداً.
كعهده كلماته مقتضبة لكنه يدرك أنه يتحدث لامرأة لا تحتاج منه لكلمات !
_يا خيبتك التقيلة ..قالها لستّك قبلك !
العفريتة العابثة تعاود عربدتها في حناياها فتزجرها بعمق يقينها أنه يحبها حتى ولو لم يقل ..
يحبها فوق الحب وأكثر !
ابتسامتها تولد صغيرة على شفتيها ثم تتسع رويداً رويداً وهي تضم الهاتف لصدرها بشرود ..
_تفضلي ..لماذا تقفين هكذا ؟!
يقولها عابد مرحباً لينتشلها من شرودها فتلتفت نحوه بمباركة تقليدية قبل أن تدلف إلى الداخل لتتسع ابتسامتها وهي تميز وجه لجين !
وكأنها تحولت لأخرى!
وجهها يكاد يشع بنور فرحتها وهي تستقبلهما بحرارة لتلتمع عينا ياقوت وهي تشعر بفرحتها تنتقل إليها هي ..
تعانقها بقوة لتهمس في أذنها خفية بمرح عابث مستغلة انشغال عابد بالحديث مع ثمر :
_نصايحي نفعتك واللا الشيخ طلع خبرة وقام
بالواجب ؟!
فلكزتها لجين في خاصرتها مع همسها :
_عيب!
_ومكانش عيب وانت بتترجيني قبل الفرح أنصحك ؟!
تهمس بها باستنكار عابث لتعاود لجين لكزها في خاصرتها هامسة :
_لن أجاريكِ في سفاهتك ..وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً .
_ياولد! مش قلتلك الشيخ هيبهت عليكِ ؟!
صوتها كان عالياً نسبياً فجعل عابد يلتفت نحوهما بتساؤل :
_ماذا تقصدين ؟!
فاحمر وجه ياقوت خجلاً لكنها تمالكت نفسها بذكائها المعهود لترد بجدية تامة بعيدة تماماً عن فحوى الحديث السابق:
_كنت بقوللها ما شاء الله يعني ..الفرحة منورة وشها ..بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير .
ضحكت لجين غير قادرة على منع نفسها وهي ترى قناع ياقوت الجاد بظاهره الملتزم الخادع والذي رده عابد غافلاً عما يحدث بينهما :
_بوركتِ أختي ..العقبى لكِ .
رمقته ثمر بنظرة راضية وهي تشعر بفرحة لجين الظاهرة تغنيها عن أي سؤال ..
خاصة والأخيرة تهتف بلهفة بينما تنهض من جوار ياقوت لتجلس جوار ثمر :
_هنسافر نعمل عمرة يا ستي ..عابد خلاص حجز التذاكر .
فضحكت ثمر برضا عبر أسنانها المكسورة لترد وهي تميل عليها تعانقها :
_الله أكبر ..مبروك يا بنت قلبي ..
ثم التفتت نحو عابد مردفة بفخر :
_كنت حاسة إنك هتعملها يا ابني ..ربنا يبارك لك .
_الله عليك يا فخر الشيوخ ..احنا هنسميك "عو وجدي" زي "مو صلاح" كده !
مداخلة مرحة من إسلام الذي كان يصفق بكفيه بإعجاب ..
فابتسم عابد وهو يمد كفه المضموم كقبضة ليقابل به قبضة إسلام التي تكورت بنفس الشكل في تحية مزدوجة ثنائية انتهت بضحكتهما معاً ..
قبل أن ينحني الأول نحو ثمر ليربت على كفها قائلاً بود :
_لو تسمحين لي أن أناديكِ أمي ؟!
ارتفع حاجبا إسلام بالمزيد من الإعجاب فيما ابتسمت ثمر لتدمع عيناها وهي تومئ برأسها ليضحك عابد وهو يعاود التربيت على كفها
قائلاً:
_مادمتِ قبلتِ الأولى فاقبلي الثانية ..عندما يحين موعد الحج هذا العام سنذهب ثلاثتنا ..أنا ولجين وأنتِ !
دهشت ثمر للحظة من عرضه وإن كان قلبها قد خفق من دعوة تمنتها على مدار العمر الطويل ولم تظنها ستتحقق الآن ..
ليردف هو بحنانه الآسر :
_أرجوكِ يا أمي ..اقبليها مني .
تتبادل مع ياقوت نظرات مفعمة بعاطفتها ثم ترفع عينيها للأعلى بحمد صامت ..
قبل أن تعود له ببصرها قائلة برضا :
_ربنا يبارك لك يا ابني ويرضى عليك .
صوت رنين هاتفه يصدح فجأة فيستأذنها ليرد وما كاد يفتح الاتصال حتى ابتسم وهو يتعرف لهوية المتصل ..يستمع قليلاً ثم يرد بترحاب :
_لا بأس ولا حرج ..تعال ودعني قبل سفرك .
_هاللا هاللا العريس زهق من أولها وهيجيب صحابه !
يهتف بها إسلام مشاكساٌ عقب إنهائه هو
الاتصال ليرد عابد بضحكة قصيرة سبقت قوله :
_إنه صديقي الذي أتى خصيصاً لحضور الزفاف ..سيسافر اليوم ولابد من وداعه قبل سفره ..
ثم التفت نحو لجين مردفاً بمزيج من عاطفة وإجلال:
_لا تقلها ولو هزلاً ..أختك لا يُملّ من صحبتها .
_قشطة جداً ! حان الآن بقا موعد الخَلع حسب التوقيت المحلي لعرايس الهنا !
يهتف بها إسلام بهزله المعهود وهو يخبط بكفيه على ركبتيه لينهض واقفاً قبل أن يمد كفه نحو ثمر ليعينها على النهوض لكن عابد سبقه لفعلها وهو يضحك هاتفاً :
_لا يزال الوقت مبكراٌ ..تناولوا الغداء معنا !
_علموك في ماليزيا عزومة المراكبية يا عريس ! لا ياعم أنا أخلع بكرامتي قبل ما أتطرد !
يقولها إسلام وهو يتقدم نحو لجين التي كانت تضحك من قلبها بسعادة وصلته كاملة ..
ليحيط كتفيها بكفيه ثم يقبل رأسها قائلاً بحنان جاد :
_مبروك ..أنا مسافر دلوقت بس انتِ عارفة لو احتجتِ حاجة ساعة زمن وهابقى عندك .
فابتسمت وهي تربت على ظهره برقّة لتومئ برأسها دون رد وقد غلبتها دموع تأثرها كالعادة ..
فيما تقدمت ثمر منهما لتعانق لجين بدورها قبل أن تنسحب منها للزاوية في حديث خاص ..
استغله إسلام ليميل على ياقوت هامساً :
_عمل إيه الراجل الغامض بسلامته في
"الانترفيو"؟! زمان الحاجة عصرته .
فابتسمت وهي تهمس له بدورها :
_محدش فيهم قاللي حاجة ..بس ستي شكلها ممكن ..ممكن ترضى عنه .
_قشطة جداً ..ننقل بقا للخطوة الجديدة .
يهمس بها بحماس وهو يميل على أذنها لترمقه بنظرة مترقبة فيبادلها بنظرة طويلة متفحصة لثيابها مبهرجة الألوان ووشاحها الذي لا يقل عنها بهرجة ..
قبل أن يزفر بقوة ليعاود همسه :
_دولاب هدومك ده يتنسف ..أول ما ننزل مصر نشتري هدوم جديدة .
ظهر الاعتراض على ملامحها لكنه خبط بسبابته بخفة على شفتيها ليعاود همسه المغتاظ:
_ولا نفَس! اتهدي واسمعي الكلام بقا يا شيخة .
======
على باب بيت عابد يقف الصالح بتردد دون أن يرن الجرس ..
يشعر ببعض الحرج وهو يقتحم خصوصية صديقه صبيحة يوم كهذا لكنه يريد وداعه قبل عودته لكوالا لامبور ..
طائرته بعد ساعات قليلة ولا يريد التأخر !
ينتفض مكانه فجأة بدهشة وهو يميز ضوء
"فلاش" يسطع فجأة وسط الظلمة النسبية لمدخل البيت ..
قبل أن يختلس نظرة جانبية للغرفة الصغيرة التي فتح بابها في قاع السلم ..
يتحرك بحذر نحوها لتتسع عيناه بدهشة وهو يميزها مكانها غافلة عنه منهمكة في تفحص هاتفها ..
تلك الفتاة ..بماذا كانت تدعو نفسها ؟!
"مطيورة"!
ترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة وهو يظهر لها نفسه ليفرد ذراعيه في وقفة استعراضية هاتفاً فجأة :
_ألا تخبريني كي أستعد ؟!
تشهق بدهشة وهي ترفع عينيها البريئتين نحوه لتشحب ملامحها أول وهلة مع إدراكها أنه قد انتبه لها ..
قبل أن يحمر وجهها بشدة لكنها لا تزال عاجزة عن إزاحة بصرها عنه..
_أريني الصورة ..هذا أبسط حقوقي .
يقولها مازحاً ومحاولاً تخفيف حرجها لتطرق برأسها أخيراٌ وهي تمد له ذراعها بهاتفها في وقفة مذنبة ..
فضحك ضحكة عالية خطفت قلبها وهو يطالع صورته التي التقطتها ليمط شفتيه قائلاً :
_لا بأس بها .
_لا ..انت أحلى!
تهمس بها مطرقة الرأس وعبارتها الجريئة -ظاهراً- تناقض ارتجافة جسدها الصغير وحمرة وجنتيها الخجول ..
فيكتم ضحكته هذه المرة وهو يحاول استكشاف هذه الصغيرة الغريبة بسؤاله :
_لماذا تختبئين هنا هكذا ؟!
زمت شفتيها فبدت كطفلة على وشك البكاء ..
ماذا عساها تخبره ؟!
لقد كانت تتتبع أخباره في بيت الحاج حمدي وعندما علمت أنه في طريقه إلى هنا انتهزت الفرصة لتسبقه وتختبئ كي تلتقط له الصورة التي عجزت عن التقاطها منذ رأته ..
_لا تقولي إنكِ هنا فقط كي تلتقطي لي صورة !
يقولها بعجب ازداد مع جوابها الصريح دون مواربة ولاتزال مطرقة برأسها :
_أنا بحب أصور كل حاجة ..وانت خلاص هتسافر ومش هاشوفك تاني .
حاجباه يكادان يلتصقان بشعره من فرط دهشته لهذه الحرقة العاطفية التي تتحدث بها ..
وكأنها تعرفه منذ زمن !
هذه الفتاة ..معتوهة !
هي حتماً كذلك !
كاد يقذفها بعبارة نقد لاذعة تناسب شعوره لكنه تراجع وهو يرى دموعاً حقيقية تسيل على وجنتيها مع همسها :
_ليه كل حاجة حلوة عمرها قصير ؟!
من جديد يكتم ضحكته وهو لا يدري بماذا يرد ..
هذه الصغيرة تشاهد الكثير من الأفلام حتماً ..
معدل "الدراما" لديها عالٍ كثيراٌ !!
ماذا يصنع الآن ؟!
إنها المرة الأولى التي يقف فيها موقفاً كهذا ..
ومع طفلة !!
الإدراك الأخير يجعله ينتبه لما ترتديه هذه المرة والذي بدت فيه مختلفة عن الأمس ..
فقد كانت ترتدي ثوباً أنيقاً بلون أبيض زاده حزام خصره أنوثة ..
ويبدو أنها ترتدي حذاء بكعب عالٍ منحها بعض الطول ..
الحمقاء يبدو أنها وضعت بعض مساحيق التجميل كذلك كي تبدو أكبر سناً !!
حالتها مستعصية حقاً !!
لهذا تنهد بحرارة وهو يشيح بوجهه غاضاً بصره عنها ليقول برفق:
_اسمعي يا صغيرة .
_تاني هتقوللي صغيرة ؟! ألبس لك إيه يعني عشان تصدق ؟!
تهتف بها بنزق طفولي زاد عمق فكرته ليضحك وهو يهز رأسه محاولاً ألا ينظر إليها من جديد ..
ثم تحرك ليعطيها ظهره قائلاً بنبرة جادة لم تخلُ من رفق:
_تعلّمي ألا تتعجلي في شيئين : العمر والحب ..كلاهما قطار يجدر بنا ألا نستبق موعده .
حروفه امتزجت بشجن غريب وكأنه تذكر مأساته الخاصة لهذا عاد يتنهد بحرارة وهو يطرق برأسه ..
يتمنى لو يستدير فيرى ردة فعلها متسلياً لكن غصة ما بقلبه ذكرته بجرح قديم لم يبرأ منه بعد ..
وذكرته به وقفتها الطفولية هذه !
لهذا مد يده يناولها الهاتف من خلف ظهره دون أن يلتفت ليشعر بكفها ينتزعه منه بعنف جعله يبتسم من جديد وهو يبتعد ليمضي في طريقه نحو الباب ثم يطرق الجرس ..
يفتح له عابد الباب فيعانقه بود وهو يتقدم معه نحو الداخل قبل أن ينشغلا بحديث قصير لهاه كثيراً عن تلك الصغيرة العاطفية التي لا يدري أين ذهبت ..
تراها لا تزال قابعة في الغرفة تنتظر التقاط صورة أخرى له ؟!
أم تراها يأست وذهبت لتتناول "مصاصة" أخرى غير هذه التي اقتنصها هو بالأمس وسيحتفظ بها كذكرى من هذا البلد الطيب ؟!
ينهض أخيراً لوداع عابد الذي تحرك معه نحو الخارج حيث سيارة تنتظره لتقله نحو المطار ..
_اعتن بحالك يا صديقي ..قريباً أزورك في
ماليزيا .
يقولها عابد وهو يعانقه مودعاٌ ..
ليعانقه بدوره قبل أن ينتبه لذيل ثوبها الأبيض الذي يبدو جلياً خلف إحدى زوايا سور البيت التي اختبأت خلفها ..
ابتسامة مشفقة تمتزج بشعور لم يفهمه وهو يحاول البحث عن وجهها لكنه لم يرها ..
يستقل السيارة التي تحركت به فيعود برأسه للوراء حيث عابد يلوح له مودعاً ..
لكنه الآن لم يره وحده ..
هناك كانت هي وقد ظهرت له من مخبئها تلوح له ببطء خفية بأحد كفيها بينما الآخر يمسك بهاتفها ..
_معتوهة !
يهمس بها سراً وهو يجد نفسه يلوح بكفه فيما يراه الناظر أنه لعابد ..
لكنه كان يدرك في قرارة نفسه أن جزءاً منه يفعله لأجل تلك الصغيرة التي لن يراها مرة أخرى ..
المعتوهة ..ال..لذيذة !
======
_بت يا رابحة ..خدي هنا تعالي .
تهتف بها ياقوت وهي تستقبلها في مدخل بيت ثمر ملاحظة هيئتها الغريبة بثوبها الأنيق ووجهها الذي تلطخه مساحيق التجميل ..
و....!!!!
_إيه ده بقا بالظبط ؟! اوعي يا بت يكون اللي في بالي !!
تهتف بها باستنكار مشيرة لمحيط صدر الفتاة التي احمر وجهها بحرج وهي تتحسس صدرها بملامح مذنبة واشية بجريمتها ..
لقد حشت القطعة العلوية من ملابسها الداخلية بالقطن كي تمنح نهديها مظهراً أكبر !!
_خلاص بقا يا دكتورة ..مرة وراحت لحالها .
تتمتم بها بمزيج من خزي وخيبة لتشدها ياقوت من أذنها هاتفة باستنكار لم يخلُ من مرح:
_شربتِ بانجو واللا لسه يا سعدية ؟! كنتِ فين كده يا مطيورة ؟!
دمعت عينا رابحة بانفعال عاطفي مبالغ فيه وهي ترفع شاشة هاتفها في وجه ياقوت تريها صورة الصالح مع قولها :
_مشي ..سافر وسابني ..ما استناش حتى نكمل الحلم ..
قهقهت ياقوت ضاحكة من الفتاة التي بدت لها في هذه اللحظة أكثر حمقاً من ذي قبل ..
لتهتف رابحة بنفس الانفعال المغالي:
_اضحكي اضحكي ما انتِ مجربتيش إحساسي!
_إحساس إيه ياللي لسة ما طلعتيش م البيضة ؟! آدي آخرة الفرجة ع المسلسلات التركي ..روحي يا بت غيري هدومك دي ..ستك ثمر لو شافتك كده هتعلقك قدام باب البيت !
هتفت بها ياقوت زاجرة لترتجف شفتا رابحة بحزن مس قلبها ..
فتنهدت بحرارة لتضمها لصدرها قائلة بحنان :
_مستعجلة ع الهم ليه ؟! بكرة تكبري وتحبي وتتجوزي وتتمرمطي وتقولي ولا يوم من أيامك يا طفولة !
لكن رابحة بقيت ترمقها بملامح جرْو بائس فعادت تضحك وهي تخزها في صدرها المتضخم -اصطناعيا- لتحاول مشاكستها بقولها :
_حاشياهم مناديل ؟!
_لا قطن !
تقولها ببساطة لتضحك ياقوت وهي تبتعد عنها لتضرب كفيها ببعضهما هاتفة :
_لا ناصحة ! ادخلي يا مطيورة وظبطي حالك جوة قبل ما أمك واللا ستي يشوفوكي وتبقى فضيحتك بجلاجل!
_ما تخللي الست لجين تكلملي الشيخ يتوسط لي عنده ..والنبي يا دكتورة ..من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة .
رفعت بها صوتها بنبرة "خطابية" كما تسمعها في المساجد لتقهقه ياقوت ضاحكة قبل أن تعاود شد أذنها قائلة :
_وذنبه إيه الغلبان ندبسه فيكي ..من غشنا فليس منا ..عايزانا نغشه ؟!
ترمقها رابحة بنظرة بائسة لعلها ترقق قلبها لكنها تلمح أمها هي قادمة من بعيد فتشهق بخوف قبل أن تهرع نحو الداخل كي تداري جريمتها ..
تدخل الحمام القريب لتنزع عنها ثوبها ثم تفرغ صديريتها مما حشتها به لتعاود ارتداءها بسرعة مع الثوب ..
ثم تغسل وجهها لتزيح عنه أثر زينته ..
تبتسم رغماً عنها بشرود وهي تستعيد ملامحه الوسيمة ..
فترفع هاتفها نحوها من جديد تتأمل صورته ..
ترى هل يعود يوماً ؟!
تتنهد بهيام قبل أن ينتابها خاطر ما يجعلها تتلاعب بهاتفها حتى تجد الحساب الشخصي بعابد على الفيسبوك ..
ثم تبتسم بانتصار وهي تميز حسابه هو بصورته الشخصية في قائمة أصدقائه ..
لقد وجدته من جديد !
"الصالح حبيب"!
_حتى اسمك حلو زيك .
تهمس بها لنفسها بهيام وهي تحاول البحث عن بقية معلومات تخصه لكنها كلها كانت محجوبة ..
حتى جنسيته !!
تراه يكون مصرياً ؟!
فليكن من يكون المهم أنه هو فحسب!
تبتسم ابتسامة ظافرة وهي تضغط زر متابعته قبل أن تتنهد بالمزيد من الهيام وهي ترسم لنفسها ألف قصة معه ..
ألف قصة تنتهي بنهاية واحدة ..الزواج !
======
_زين بيحب ياقوت ؟!
تسأله همسة ببراءتها المعهودة وهي تستقل معه سيارته في طريق عودتهما للقاهرة ليرد رائد بابتسامة ماكرة و..حسب!
ابتسامة فهمتها وهي تلتفت للخلف حيث سيارة زين تتبعهما لتشرق ملامحها للحظات وهي تعود ببصرها للأمام ثم تقول بسعادة طاغية :
_يا ريت ..ياقوت دي بحبها قوي..
لكنها تعود لتتنهد تنهيدة طويلة وهي تتحسس قدمها الموجوع لتردف ببعض الأسف:
_بس ما أفتكرش زين يتجوزها حتى لو بيحبها .
عاد ببصره نحوها يرمقها بنظرة خاصة فهمتها لتهتف بتردد حائر :
_تفتكر معقول؟! زين اتغير بجد ..لو كنا زمان ما كانش رضي أبداً يمشي ورانا ..ولا يسيبني معاك .
فاتسعت ابتسامة رائد وهو يحاول التركيز على الطريق أمامه قائلاً بذكائه المعهود :
_هو فعلاً اتغير ..ومقابلته مع الحاجة ثمر حاسس إنها فرقت معاه ..حاسس كمان إنه مش هيرجع المنفى بتاعه ..وإنه دلوقت ..
قطع عبارته بدهشة وهو يلاحظ تقدم سيارة زين التي كانت خلفهما ليشير له بيده أن يتوقف ..
ولم يكد يفعل حتى ترجل زين منها ليتقدم منهما بعينين حازمتين وكأنه قد اتخذ قراره :
_هترجعي معايا بيت الفايد .
يقولها وقد انحنى على نافذة السيارة المجاورة لهمسة التي لينعقد حاجبا رائد بحذر لكنه يؤثر الصمت مكتفياً باحتضان كفها بحمائية ..
بينما شحبت ملامحها وهي تتذكر غرفتها هناك ..
قفصها الذهبي الذي قُصّ فيه جناحاها طوال عمرها ..
لتطرق برأسها كارهة قول ما يسوءه لكنها مرغمة :
_مش عايزة أرجع .
لكنه يفتح الباب المجاور لها ثم يرفع ذقنها نحوه قائلاً بحسم :
_مش هترجعي أوضتك القديمة ..
ابتسامة خافتة ترتسم على شفتي رائد متوقعاً عبارة زين القادمة :
_هتدخلي بيت الفايد زي ما كان المفروض يحصل من زمان قوي .
=======
قلبها يخفق بجنون وهي تتوقف أمام البوابة الكبيرة للبيت بحروف اسم "الفايد" المذهبة ..
تستند بجسدها فوق أحد ذراعي زين بينما يطوق خصرها بذراعه الآخر ..
تعود برأسها للخلف تستمد المزيد من الدعم من نظرة رائد الذي بقي في سيارته وقد آثر ترك هذه اللحظة الخاصة لهما وحدهما ..
تطلق آهة متوجعة قصيرة ووجع قدمها على هنته لا يساوي شيئاً مع هذا الوخز الذي تشعر به في قلبها ..
_أشيلك ؟!
يسألها زين دون أن ينتظر الجواب وهو ينحني كي يهم بحملها ..
لكنها ترفع عينيها الممتلئتين بالدموع نحوه ثم ترفع كفها باعتراض قوي ناقض همسها المتقطع الواهن :
_عايزة.. أدخله ..برجلي .
همساتها تجلده بمدلولها والدموع تنتقل من عينيها لعينيه ..
لكنها "تغلبهما معاً" بابتسامة شقت طريقها على شفتيها البريئتين وهي تربت على ذراعه برقّة ..
فيعاود الاستقامة بظهره لتبدأ هي بالتحرك مستندة عليه ..
قدماها تتوغلان في حديقة البيت وعيناها تتحاشيان رؤية غرفتها القديمة المنعزلة هناك ..
تتوقف أخيراً أمام البوابة الداخلية ل"البيت المحرّم" ..
"فردوسها المفقود" الذي لفظوها منه بغير خطيئة جنتها !
الدموع الحبيسة تتحرر أخيراً لتسقط على وجنتيها وذكريات متفرقة تغزوها من الماضي القديم ..
النبذ الذي عاشته طفلة هاهنا يعاود خنق روحها بقسوة ..
لكنها تشعر به يضمها إليه أكثر وهو ينحني فوق رأسها بقبلة أرجفتها لترفع إليه عينيها فيصلها همسه المعذب:
_عشان خاطري ما تعيطيش.
_البنت دي ما تدخلش البيت طول ما أنا عايشة ..وحتى بعد ما أموت ..اوعدني يا زين ..اوعدني .
يكاد يسمعها بصوت أمه الراحلة فيتشدد جسده في وقفته وهو يغمض عينيه بألم ..
لكنه يعاود فتحهما بعد لحظات بنظرة جديدة ..
وصية ظالمة !
لم يكن يجدر به أن ينفذها ..ولن يفعل !
يمد أنامله ليمسح الدموع عن وجهها فتبتسم له بوهن وهي تدلف معه إلى الداخل ..
عيناها تتراقصان فوق الأثاث والجدران رقصة مجنونة كأنما تحاول اصطياد ذكرى قديمة لها هنا ..
قبل أن تتوقفا أمام صورة أبيها على الجدار وصورة أم زين على الجدار المقابل ..
تتخطى الثانية بألم لتتركز نظراتها على الأولى لدقيقة كاملة احتملها زين صابراً مدركاً عظم شعورها ..
كانت المرة الأولى التي تتأمل فيها صورته منذ استعادت عافيتها ..
إعصارٌ هائج من الذكريات يضرب صدرها بقوة مستعيدة كل لحظة نبذ ..
كل لحظة قسوة ..
كل لحظة نفور ..
_مش هاخلف!
تهمس بها فجأة لتتسع عينا زين بصدمة وهو يلتفت نحوها بحدة ..
لكن ابتسامتها تمتزج بدموعها وهي تردف
ولا تزال عيناها معلقتين بالصورة على الجدار :
_لو مش هاحب ولادي أكتر من نفسي مش هاخلف ..لو مش هاحميهم من أي حزن يدبح قلبهم مش هاخلف ..مش هاسيبهم يعيشوا اللي عشته .
آهة خافتة تنفلت من بين شفتيه وهو يعتصرها بين ذراعيه فجأة وقد فقد كلماته ..
ماذا عساه يقول؟!
وأي كلمات قد تمنحها العوض عما لاقته دون جريرة ؟!
تنتفض بين ذراعيه شاعرة أن الموقف حقاً أكبر من احتمالها ..
أن تقف الآن بعد هذه السنوات في هذا المكان ..
أن تنال حقها المسلوب وتملك الحرية أن ترفع رأسها ..
أن تملك حق الصفح ..
وتمنحه !
_أنا ..أنا ..مسامحاه !
تهمس بها وسط دموعها كأنما تريد تخفيف الوزر عنه هو وقد شعرت بما يعانيه لأجلها ..
قبل أن تغتصب ضحكة انفعالية وهي ترفع رأسها هاتفة بصوت عالٍ وسط أنفاسها
المتلاحقة :
_خلليهم يفتحوا الشبابيك يا زين ..كلها ..يفتحوها ..كلها !
فيأخذ نفساً عميقاً يتمالك به مشاعره قبل أن يعلو صوته منادياً أحد الخدم كي ينفذ لها ما طلبت ..
ابتسامة مشعة تولد على شفتيها كنجمة صغيرة ثم لا تلبث أن تتسع رويداً رويداً وهي ترى أشعة الشمس تغمر المكان كله ..
الهواء يدخل صدرها فتعب منه عباً وهي ترتجف حرفياً بين ذراعيه هامسة بشرود :
_ما تخلليهمش يقفلوها أبداً ..أبداً يازين .
يقبل جبينها بعمق وعيناه تمنحانها وعده بما "ظهر" من حديثها وما "خفي" ..
قبل أن يتحرك معها نحو الأعلى ..
وبالتحديد نحو غرفة شديدة الاتساع فتحها ليدخلها معها قائلاً بما يشبه الاعتذار :
_يمكن مش حلوة زي بيت رائد اللي عملهولك ..بس ..كفاية أحس إنك قبلتِ تعيشي معايا فيها هنا .
ضحكت بامتنان وهي تتفحص الغرفة الكبيرة التي فتحت نافذتها العريضة مع شرفتها الواسعة التي اصطحبها إليها لتأخذ نفساً عميقاً وهي تراقب الحديقة من علوّ ..
_نفس الشجر ..نفس العصافير ..نفس المكان
..بس ..
ثم تلتفت نحوه بنظرة عميقة لتستطيل على أطراف أصابعها وتقبل وجنته مردفة بنبرة ذات مغزى:
_من فوق أحلى .
فيعتصرها بين ذراعيه من جديد بعمق شعوره الذي يشاطرها إياه ..
هو ذات القصر الذي عاش فيه عمره كله لكنه يشعر اليوم أنه مختلف ..
عادت إليه "أحد شمسيه" مشعة متوهجة كما لم تكن يوماً..
وبقيت "الأخرى"!
لكنه يقسم أنه لن يبرح حتى يعيدها كذلك !
تأوهها الخافت ينتزعه من شروده فيبعدها قليلاً ليراها ترفع قدمها المصاب بتوجع يجعله يقول بنبرة حانية :
_مش كفاية كده بقا وتستريحي ع السرير ؟!
لكنها تضحك وهي تستند على سور الشرفة بوضع استعراضي ناسب ضحكتها البريئة :
_صورني الأول ..
فابتسم وهو يخرج هاتفه من جيبه ليلتقط لها الصورة وحدها لكنها جذبته نحوها هاتفة :
_وانت معايا ..
_بشكلي ده ؟!
يقولها بنبرة مرهقة مشيراً لهيئته الذابلة لتتنهد وهي ترمقه بحنان هامسة :
_عمري ما شفتك جميل زي النهارده .
يتنهد وهو يدرك أن جماله الآن في عينيها من نوع آخر ليبتسم وهو يرفع هاتفه ليلتقط لهما صورة معاً وفي خلفيتها تبدو البوابة الخارجية للقصر مع الحديقة ..
فتتأمل الصورة بإعجاب لتهتف بعجلة :
_هابعتها لرائد ..
تقرن قولها بفعلها بسرعة قبل أن تميل رأسها برقة لتردف بنبرة ذات مغزى:
_وياقوت!
وعلى فراشها كانت ياقوت تستلقي شاردة وهي تفكر فيه ..
تتحسس قرط أذنها تستعيد نظرته الأخيرة التي منحها إياها وتتساءل نفس السؤال الذي تمزقها إجابته ..
هل وحده الحب يكفي؟!
تشعر باهتزاز هاتفها فتبتسم وهي تتلقى رسالة من رقمه بوصول صورة تفتحها بلهفة ليخفق قلبها برضا وهي تميز صورته جوار همسة والخلفية وراءهما تخبرها أنه حقاً قد بدأ طريقه للتغيير ..
همسة دخلت بيت الفايد أخيراً !
الدموع تملأ عينيها بما لا تدري هل هي فرحة
لأجل شبيهتها في المعاناة ..
أم هو فخر بإنجاز لا تبالغ كثيراً لو زعمت أن لها اليد الطولى فيه ..
أم هي غيرة خفية لا تملكها وهي تود في هذه اللحظة بالذات لو تكون هي جواره ..
من يعانقها هكذا بهذه النظرة "المطمئنة" في عينيه !
تغمض عينيها بقوة على صورته و"عداد العناقات" يعاود ممارسة عمله ..
العناق "السادس عشر" ..ليس حقيقياً هذه المرة كذلك لكنها تستشعره بكل حواسها ..
بنكهة "الوعد " هذه المرة ..
الوعد أن يكون لها ..ولها فقط طوال العمر !
=======
_أنا اللي هاحلق لك دقنك .
تهتف بها همسة بمرح وهي تقفز لتجلس على حافة طاولة الحوض في حمام غرفة زين ..
ليبتسم الأخير وهو يمسك ماكينة حلاقته قائلاً بمرح :
_انتِ زعلانة مني قوي كده ؟! عايزة تخلصي حقك يعني ؟!
لكنها تضحك وهي تختطفها منه هاتفة برجاء طفولي:
_عشان خاطري يازين ..نفسي أعملها ..
ثم صمتت لحظة لتردف بنبرة أكثر حناناً:
_عايزة أنا اللي أرجعلك شكلك حلو تاني ..عشان خاطري ..
رجاءها الرقيق يمس شيئاً ما بداخله وهو يشعر بحضورها حوله يغير جو غرفته ..
يمنحه دفئاً غريباً عن البرودة التي اعتادها هاهنا ..
خاصة وضحكتها البريئة التي يعرفها تمتزج الآن بحيوية مستحدثة تجعله يدرك أي تغيير نالها ..
يتقدم نحوها برفق وهو يمنحها بقية الأدوات راضياً لتضحك بحماس وهي تضع "جيل الحلاقة" على وجهه فيتراجع به للحظة هاتفاً بينما يلوح بسبابته :
_بس اعملي حسابك ..كل جرح بيوم يتأخر في معاد فرحك ..فكري بقا في الغلبان رائد قبل ما تتهوري .
ضحكتها تدوي عالية في أذنيه فيتنهد بارتياح مع هذه الفرحة المشعة في عينيها ثم يقرب وجهه منه طوعاً هذه المرة ..
يبتسم وهو يشعر بتردد أصابعها بمجرد ملامسة الماكينة لوجهه ..
لكنه يدعم معصمها بكفه وهو ينظر لعمق عينيها هامساً :
_الملايكة اللي زيك ما بيجرحوش ..ما تخافيش .
يقولها لتكون ابتسامتها آخر ما يلمحه ثم يغمض عينيه تاركاً لها مهمتها ..
قبل أن يبتلعه شروده وهو يتصور أخرى مكانها ينتظر لو تقوم يوماً بما تفعله هي الآن ..
قلبه يخفق بجنون لجموح خياله ورغماً عنه يستعيد مذاقها الذي اشتاقه بين ذراعيه ..
ويكاد يموت لهفة عليه ..
لكن لم يحن الوقت بعد !
ليس قبل أن يشعر أنه قد تطهر من ذنبه القديم وصار كفئاً لها ولتربية ثمر لها ..
ثمر !
اسم المرأة يستجلب هيبة جلية تسري في جوانحه وهو يستعيد لقاءه الأول بها والذي لن يظنه سينساه ما عاش ..
إن كانت ياقوت أعادت قلبه للحياة ..
فثمر أعادت له رغبته في الحياة نفسها ..
ترى ماذا ستفعل لو علمت عما كان بينه وبين ياقوت كاملاً؟!
الخاطر الأخير يجعله يعقد حاجبيه بضيق حقيقي ..
لكنه يقسم لنفسه ألا يجعلها تعلم أبداٌ ..
شيء من الكتمان هو ما يمنح بعض الحقائق رونقها ودونه هي مجرد نصال جرحها لا يخيب !
_مكشر ليه ؟! وجعتك ؟!
تهتف بها همسة بجزع وهي ترفع يدها عن وجهه فيبتسم وهو يفتح عينيه ليتأمل جانب وجهه الذي أنهت حلاقته في المرآة قائلاً باستحسان :
_بالعكس ..هايلة ..بس أنا هاخد على كده ومش بعيد تلاقيني بعد جوازك بطلبك عشان تحلقيلي .
ورغم مرح عبارته لكنها تقبلتها بجدية وهي تميل عليه لتضمه بذراعها الحر هاتفة بنقائها المعهود :
_أي وقت يا حبيبي ..مش ممكن أتأخر عنك أبداً .
فيربت على شعرها برفق وبابتسامة ممتنة لتبتعد وهي تعاود ممارسة عملها بحرص ولم تكد تنتهي حتى وضعت ما بيدها جانباً لتهتف بلهجة انتصار :
_عملتها !
تقولها ثم تقفز على الأرض لتصفق بكفيها مردفة :
_شوف شكلك بقا ..هو ده زين اللي بحبه .
يبتسم لحيويتها المرحة لا يكاد يصدق أنها هي ..هي نفس الصورة المنزوية القديمة حبيسة الجدران قليلة الكلام ..
لو لم يكن يدين لياقوت إلا بهذه ..فكفى به معروفاً!
_هاصورك وابعت الصورة لرائد وأقولله .
_بلاش !
يقولها محذراً كاتماً ابتسامته مدركاً ما قد يصيب قريبه من غيرة فتضحك وهي تأخذ طريقها لتخرج من الحمام هاتفة :
_لازم يشوفها ..
يتنهد بعمق وهو يرمقها بنظرة حانية مصطبغة
بالرضا حتى تختفي عن ناظريه ..
بعد أيام سيسلمها لرائد أجمل عروس تخرج من بيت الفايد ..
ربما وقتها فقط قد يسامح نفسه على ما فرط فيه قديماً من حقها ..
يعود ببصره نحو المرآة فتولد ابتسامة لا يدري مبعثها ..
لكنه يستشعر أثرها في روحه ..
الآن فقط يمكنه مصالحة صورة مرآته ..
يمكنه الحلم بعمر جديد وفرصة جديدة ..
هو وجد أول طريقه ..ولم يعد ينتظره سوى أن ..يركض!
=======
_دكتور مروان عنده حد ؟!
تقولها داليا لمساعدته التي جلست خلف مكتبها في مدخل عيادته لتقف الأخيرة وقد تعرفت إليها لتقول بترحاب:
_أهلاً ..اتفضلي حضرتك اقعدي ..هابلغه حالاً إنك هنا .
تتململ في وقفتها وهي تشيح بوجهها الذي حمل أثر بكاء وسهر الليلة السابقة ..
لم ترَ مروان غاضباً منها يوماً إلى هذا الحد منذ تلك الليلة التي أنقذها فيها من ذاك المخرج الوغد ..
لقد فوجئت به واقفاً يرمقها بنظرة غاضبة بينما هي تتحدث إلى هيثم ..
قبل أن يندفع نحوهما ليقف جوارها هي صامتاً بغضب شع وسط ملامحه قبل أن تقرر هي أن تنهي الحوار خاصة وقد بدا هيثم مشتتاً بحديثها لأبعد حد ..
لكنه ما كاد يبتعد عنها حتى جذبها مروان من كفها بخشونة غير متوقعة نحو سيارته القريبة ليدفعها بداخلها وينطلق بهما خارجاً من البلدة كلها ..
_ما تتعصبش كده ..افهم الأول ..أنا كنت ..
تهتف بها مدافعة ليلتفت نحوها مقاطعاً بثورة هادرة :
_كنتِ وهتفضلي طايشة وتصرفاتك من غير حساب ..انتِ عارفة أنا خرجت أصلاً م البيت ليه ؟! عشان سمعتهم جوه بيتكلموا عن البنت الجريئة اللي سابت الستات في البيت التاني وجت عشان تكلم واحد قدام قعدة الرجالة ! عرفت إن مفيش غيرك ممكن يتهور ويعمل عملة زي دي !
دمعت عيناها بقهر وهي تتخيل حرج موقفه بينهم لكنها هتفت بمكابرة :
_أنا ماعملتش حاجة غلط .
_لا عملتِ! وأنا حذرتك وقلتلك هنا غير هناك ..وحذرتك قبل كده تتكلمي مع هيثم ده بالذات .
يصرخ بها بانفعال وهو يضرب مقود السيارة بعصبية لتهتف بعصبية مماثلة :
_حذرتني منه عشان كنت خايف يطلع مش كويس بسبب قصة باباه ..لكن دلوقت طلع أخو صاحبتك وكنت بحاول أساعده وأفكره ..
_مش صاحبتي ..وهو مش صاحبك ..افهمي بقا وصلحي مخك الخايب ده !
يلكزها معها بسبابته في صدغها لتتراجع للخلف مصدومة من ثورته قبل أن تشيح بوجهها وقد آثرت الصمت ليصرخ هو بنفس الانفعال:
_وبعدين تساعديه في إيه ؟! تعرفي انتِ إيه عن حالته ؟! تعرفي إيه اللي ممكن ينفعه وإيه يضره ؟! هنفترض إنه افتكر وانتكس ودخل في صدمة عصبية ..هيبقى ذنبه في رقبتك !
شحبت ملامحها بإدراك للمصيبة التي فعلتها دون قصد لكنها عادت تهتف بمكابرة :
_وممكن برضه ده اللي يرجع له ذاكرته ويتقبل الواقع ..أنا حاولت أساعده باللي قدرت عليه .
_اخرسي يا داليا دلوقت عشان ما أعملش حاجة أندم عليها .
يهتف بها بغضب هائل أعماه عن رؤية الفزع الذي ارتسم على ملامحها وهي تدرك لتوها ما فعلته ..
لو تغاضى عن إحراجها له أمام أهل القرية الذين استنكروا فعلتها ..
فكيف يواجه ياقوت لو تسبب حديثها مع هيثم بكارثة ؟!!
الصمت المشحون بالغضب يظللهما طوال الطريق حتى وصل بها إلى بيتهما ولم تكد تترجل من السيارة حتى عاود الانطلاق بها ليبيت ليلته هنا في العيادة ..
_دكتور مروان بيقوللك هو مشغول ومش هينفع تدخلي دلوقت ..الحالات النهاردة كتير .
تقولها مساعدته بالكثير من الحرج وهي تعود إليها بعدما دخلت إليه ليحمر وجه داليا بخزي وهي تشعر بالإهانة ..
خاصة وهو يرسل رسالته عبر مساعدته دون أن يتصل بها ..
_وبيقوللك ممكن تروحي أو تستني لما الحالات كلها تمشي .
تقولها مساعدته بالمزيد من الحرج لتشتعل
ملامح داليا بانفعال ساخط وهي تتحرك نحو الباب تهم بالخروج ..
ستخرج حقاً لكنها لن تعود لبيته ..
ستعود لبيت نبيلة ولترَ من منهما الذي سيتوسل رضا الآخر!!
تعلم أنها أخطأت لكنه لم يعاملها يوماً بهذه الطريقة وكأنها مجرمة منبوذة ..
إنها تحاول الاتصال به منذ ليلة البارحة لكنه لا يرد عليها وقد اكتفى برسالة مقتضبة تخبرها أنه سيبيت هنا ..
يعاملها وكأنها طفلة مذنبة ولا يتفهم أنها حقاً كانت تريد مساعدة إنسان تحمل له مشاعر أخوة بريئة وتشعر بالشفقة نحوه بعد صداقة امتدت بينهما لسنوات تقارب عمرها !!
لكنها لن تسمح له أن يمتهنها أكثر !!
ستخرج كما طلب !!
خطواتها تتوقف فجأة أمام باب العيادة مع زفرة ساخطة غادرت حلقها مشبعة بضيقها ..
لو غادرت الآن فلن تختلف عن "داليا القديمة" المدللة المتهورة التي لا تنساق إلا خلف مارد طيشها ..
لن تغادر!
ستبقى وتثبت له ولنفسها -قبله- أنها حقاً تغيرت ..
أنها صارت تحتمل تبعات أفعالها كاملة دون هروب !
خطواتها تتراجع وهي تعود لداخل العيادة لترفع رأسها بإباء زائف أمام مساعدته التي ترمقها بنظرة مترقبة فتقول باقتضاب:
_هاستناه هنا لحد ما يخلص .
تقولها وهي تتجه للنافذة القريبة المطلة بأحد جوانبها على "برج الحمام" الذي أعجبها أول مرة زارت المكان هنا ..
كم يبدو لها الآن مختلفاً موحشاً وسط هذه الظلمة من الليل ..
فتغمض عينيها بقوة محاولة رسم صورة أخرى له في ضوء النهار ..
صورة ذكرتها بما -قد ينبغي عليها فعله الآن-
تسمع صوتاً خلفها يجعلها تدرك خروج الحالة من عنده فتستخرج هاتفها لترسل رسالة ..
ليس له ..إنما ل"العاشق المجهول" ..
_مروان زعلان مني ..أنا غلطت ..قوللي أعمل إيه عشان أصالحه .
ترسلها بترقب وخفقات قلبها تدوي بحماسة كانت تنطفئ رويداً رويداً مع كل دقيقة تمر دون أن يصلها الرد رغم يقينها أنه قد رأى رسالتها ..
الدموع تتكدس في عينيها ودون تدبير أو تفكير تجد نفسها تبحث في صور هاتفها لترسل له تلك الصورة التي رسمها لها بنفسه وهي تجلس على الدرج تبكي !
ولم تكد تفعل حتى شعرت بالندم وهي لا تعرف كيف سيفهمها ..
_اتفضلي استريحي ..ما ينفعش تقفي كده .
تقولها مساعدته بحنان مشفق وهي تراقب وقفتها البائسة لكنها تهز رأسها بكبرياء مصطنع ناسب ظاهر عبارتها :
_مرتاحة كده .
فترمقها المرأة بنظرة أكثر إشفاقاً تذبحها أكثر فتفكر بالخروج من جديد لكنها تغالب نفسها بعزم منتظرة خروجه ..
ساعتان كاملتان قضتهما واقفة هكذا مكانها وألم قدميها يجبرها أن تستند أخيراً على سياج النافذة ..
حتى سمعت صوته خلفها يخاطب مساعدته بقوله :
_تقدري تمشي دلوقت ..أنا هاقفل العيادة .
يقولها وهو يختلس نظرة لتلك الواقفة هناك وقد بدا على محياها التعب الذي تجاهله مرغماٌ وهو يتقدم منها ليقول بنبرة جافة :
_ياللا!
فالتفتت نحوه بألم مستنكر استنفر كل أسلحة عنادها لتشتعل ملامحها وهي ترمقه بنظرة عاتبة قائلة وقد اطمأنت أنهما وحدهما :
_هتبات هنا النهارده كمان ؟!
لكنه تخطاها متجاهلاً سؤالها ليغلق النافذة بعصبية قبل أن يتحرك ليغادر العيادة وهي خلفه ..
تستقل السيارة جواره فينطلق بها دون أن يلتفت نحوها لتستخرج هي هاتفها محاولة البحث عن رد وصلها منه أو من "العاشق المجهول" لكنها لم تجد شيئاً ..
فزفرت بقوة وهي تهتف به بانفعال:
_أنا كلمت ياقوت الصبح واطمنت منها على هيثم ..واعتذرت لها كمان ع اللي حصل ..وقلت لها إني ممكن أساعدها في أي حاجة بخصوصه ..خلاص كده راضي؟!
لكن ملامحه الجامدة لم تتغير كأنه لم يسمعها ..
فمدت أناملها لتمسك كفه المجاور لكنه أبعد كفه بحركة واهنة لم تخفف عمق ألمها وهي تشعر بتباعده ..
تصمت لدقائق طالت لا تدري عقاباً له ..
أم بدافع عجزها ..
لكنها تلمح على جانب الطريق ما يجعلها تقول له دون أن تلتفت نحوه :
_عايزة دره .
تشتد ملامحه نوعاً وهو يختلس نظرة نحو الرجل الذي يبيع الذرة المشوية هناك لكنه يتجاهل حديثها ماضياً في طريقه كأن لم يسمعها فتلتفت نحوه ببعض الدهشة وكأنها لم تتوقع أن يرد لها مطلباً مهما كانت الظروف ..
دهشتها الممتزجة بغضبها منه ومن نفسها قبله تطوقها طوال الطريق حتى يصلا إلى بيتهما ..
ليستمر في تجاهله إياها وهو يبدل ملابسه ليستلقي على ظهره فوق فراشهما مغمضاً عينيه ..
تقف مكانها للحظات تتأمله وهي لا تدري ماذا تفعل ..
هو يرفض اعتذارها ومبرراتها بل ويرفض الحديث معها ..
هل هكذا سيكون عقابه صعباً؟!!
تتحرك لتبدل ملابسها فترتدي قميصاً قصيراً بلون فضي تعلم أنه يحبه رغم أنه لا يروقها كثيراً ..
ثم تمشط شعرها لتضع عطرها وتتحرك لتستلقي جواره على الفراش ..
_نمت؟!
سؤالها الهامس لا يجد رداً سوى الصمت فتعقد حاجبيها بغضب لتهتف بما بدا لها -قبله- جنونياً :
_حتى لو انت مخاصمني مش من حقك تحرمني منه ..أنا حبيته قبلك ..ليه خليته ما يردش على رسالتي ؟!
تشعر بعضلة فكه تشتد وقد فهم ما ترمي إليه ..
الحمقاء!!
لا تزال إلى الآن تفصل بينه وبين"العاشق المجهول"!!
متى ستفهم أنهما واحد ؟!
لكن ..ألم يهاودها على هذا كما هاودها على كل شطحات جنونها من قبل حتى كاد الزمام يفلت من يده ؟!!
_مروان !
تهمس بها أخيراً بيأس وأناملها تتحرك بحذر على صدره لكنه لم يحرك ساكناً لتهتف هي بانفعال غاضب:
_خلاص براحتك ..عايزنا نتخاصم مفيش مشكلة ..ماعدتش هافرض عليك نفسي تاني ..لما تحب تتكلم ابقى تعال .
تقولها وهي ترقب ملامحه التي اشتدت كأنما يقاوم انفعالاً عاصفاً بداخله ليفاجئها وهو يتحرك ل...يعطيها ظهره !!
لم يكد يفعلها حتى فوجئ هو الآخر برد فعلها الهستيري!!
أناملها تتشبث بذراعه قبل أن يشعر بها تتحرك جواره ثم تنزلق فوق جسده ليجدها متكورة بين ذراعيه ..
ذراعاها متشبثان بخاصرته ووجهها مدفون في تجويف عنقه مع كلماتها الهستيرية التي امتزجت بدموعها :
_اوعي تديني ضهرك أبداً ..أبداً يا مروان ..مهما عملت ..أنا عارفة إني بعمل مصايب مش غلطات بس ..بس ..اوعى مهما حصل تديني ظهرك .
دموعها الهستيرية تصيبه في مقتل خاصة وهو يشعر بها تضم جسدها إلى جسده بقوة كطفلة تنشد أمانها فيه ..
فيزفر بقوة وهو يحاول بشق الأنفس الحفاظ على يديه مكانهما ..
لكنها تعاود هتافها الهستيري :
_هترجعني أعيط لوحدي تاني ؟! عشان كده ماردتش ع الصورة اللي بعتهالك ؟!
ينعقد حاجباه بدهشة وهو لا يفهم ما تحكي عنه ..ولا أي صورة تقصد ..
فيمد ذراعه جواره ليتناول هاتفه وينظر في الصورة التي أرسلتها ..
قبل أن يغمض عينيه بقوة وهو يحرر يديه أخيراً ليضمها إليه بقوة هامساً بصوت لم يغادره ضيقه بعد :
_ما كنتش شفتها !
شهقات بكائها الهستيري تتتابع وذراعاها يرتفعان يكادان يعتصران عنقه وهي تلصق نفسها به أكثر ..
فيزفر بقوة ثم يتناول منديلاً قريباً يمسح به وجهها هامساً بخشونة فجرتها انفعالاته :
_ممكن تبطلي عياط ؟! ماهو مش كل مشكلة بيننا هتخلص بإنك تعيطي ونتصالح .
_امال هتخلص بإنك تقاطعني وتديني ضهرك ؟!
تهمس بها بعتاب حار ليتنهد وهو يربت على ظهرها وقد غلبته بسؤالها ليهمس لها بنبرة أكثر ليناً :
_وبعدين معاكي؟!
_أنا غلطت واعتذرت ..وحاولت أصلح غلطتي ..وجيتلك لغاية عندك عشان أصالحك ..المفروض أعمل إيه تاني؟!
تهتف بها بين دموعها التي عادت تنهمر من جديد ولا تزال تتشبث بعنقه بقوة فيتنهد بقوة هاتفاٌ بدوره :
_انتِ أحرجتيني قدام الناس كلها .
_وانت رديتهالي وأحرجتني قدام الناس في عيادتك .
_انتِ بتقولي إيه ؟! انتِ إزاي فهمتيها كده ؟!
يسألها باستنكار لتعاود دفن وجهها في عنقه لكنه يرفع ذقنها نحوه هامساً بمزيج حزمه وحنانه :
_أنا عمري ما أقصد كده مهما يحصل بيننا ..أنا من امبارح وأنا بسحب نفسي عنك ما أذكيش ..لو لسه مش فاهماني يبقى محتاج منك اعتذار كمان .
نظراته تعود لتغزل ثوب الأمان الخاص بها ..
فتعض شفتها وهي تغمض عينيها ليخف ضغط ذراعيها الهستيري حول عنقه ..
لكنها تشعر بشفتيه تمسان شفتيها مساً خفيفاً وهو يعاود التربيت على ظهرها هامساً :
_آسف عشان اديتك ضهري ..ماكنتش أعرف إني هاخوفك كده .
فتمرغ وجهها في صدره تتنشق عبير أمان لم تعد تشعر به إلا في كنفه ..
لكنها تشعر به يبعدها ليقوم ويغادر الفراش ثم يمسك ذراعها ليوقفها معه هاتفاً :
_هي الساعة كام دلوقت ؟!
تتلفت حولها بدهشة لتجده ينظر في ساعة هاتفه قائلاً :
_لسه فيه وقت .
_لإيه ؟!
فابتسم وهو يقرص وجنتها مداعباً :
_غيري هدومك هننزل ناكل دره ..مش هانيمك نفسك في حاجة .
تضحك وسط بقايا دموعها وهي تطوق خصره بذراعيها بقوة فيتنهد وهو يسند رأسها على صدره متخللاً شعرها بأنامله هامساً:
_كنت هاتجنن م الغيظ منك ..بس كنت هاتجنن أكتر وأنا نايم بعيد عنك ..
ثم رفع ذقنها نحوه من جديد هامساً :
_وحشتيني !
همسته تنقطع بآهات متقطعة مع ضحكاته وهو يشعر بقبلاتها المجنونة تطوف على وجهه وعنقه وما تناله شفتاها منه بينما تدفعه ببعض القوة ليسقط على ظهره على الفراش خلفه فيشعر بها فوقه تهلكه ببركان عاطفتها ..
يضحك وهو يحاول السيطرة على جنونها وقد بدت له كقطة شرسة يغلب جنونها عاطفتها ..
_مش كده يا مجنونة..آه ..ماعندكيش اخوات
ولاد ..الدره طيب ..مش كنتِ عايزاه ؟! آه ..
كلماته بتنتهي بضحكة أخرى راضية وهو يستمتع بجنونها الشهي ليطلق زمجرة مهددة قبل أن يتحرك ليعكس الأوضاع فيشرف عليها من علو ونظراته تتجول فوقها بعاطفة دافقة تفجرت مع همسه الذي اتشح ببعض المرح:
_قبلنا اعتذارك ..سيبيلنا فرصتنا نصالح احنا بقا .
"مؤتمر قمة للصلح" امتد بعدها لساعة قبل أن يغلبها النوم بين ذراعيه أخيراً ..
لتستيقظ صباحاً فتفتح عينيها على رسالة من حساب "العاشق المجهول"
_يا مَن لا أشهى من وصالها إلا لذة عتابها ..
أحبك للأمس ..واليوم ..وما بعد الفناء ..
رضيت بحبك فضاء جنوني ..
فلا تعيديني لسجن العقلاء!
======
لم أكن ماهراً في "الجغرافيا" ..
لكنني منذ تعامدت شمس حبك على خطي ..عرفت استوائي !
لم أكن ماهراً في "التاريخ"..
لكنني فهمت من عينيكِ كيف يمكن أن ينتهي عصرٌ ويبدأ آخر !
لم أكن ماهراً في "الحساب"..
لكن حبكِ الغريب أخبرني أن الواحد يساوي العشرة والمائة والألف بل ..والمليار ..
لا يهم في أي خانة تضعينني ..فاسمك وحده في أحد طرفي المعادلة يجعل الطرف الآخر يساوي الدنيا بأسرها!
لم أكن ماهراٌ في "العربية"..
لكنكِ السلطانة التي لم تخلق لها لغة بعد ..ماتت الحروف على أبواب قلعتها ..وسخر لؤلؤ تاجها من بريق الكلام !
لم أكن يوماً ماهراً إلا في شئون النساء ..
وعندما لقيتكِ أدركت أي ساذج كنت ..أي غرّ صرت ..وأي عاشق سأصبح !
يا إعصاراً تجسد في كيان امرأة ..
سألتكِ ألا تكفّي يوماً عن اجتياحي !
"إسلام"
=======
لا تلمني!
إن تشبث القلب بنفس الثوب القديم ..
غير مدركة أن لم يعد يناسبني "المقاس" !
لا تلمني !
إن فقدت أنفاسي في تسلق جبل لا ينتظرني أحدهم على قمته ..
غير أن قدميّ أدمنتا صعوده !
لا تلمني ..
إن عشقت -بغير مرآتك- صورة ..
لما اقتربت وجدتها ليست أنا !
لا تلمني ..
بل انزع عن عيني الغشاوة ..
واضغط زر مصباحي ..
فكم أود لو أراك حقاً !
ربما لو رأيتك ..أجد ما فقدته من بقايا صورتي!
"نشوى"
=========
_مامي ! شفتي بابا جابلي إيه ؟!
تهتف بها ريما وهي تدخل عليها المطبخ حيث وقفت تعد الطعام في مطبخ بيتهما ..
لتلتفت نحوها فينعقد حاجباها وهي ترى إسلام يدخل معها ..
كلاهما يرتديان نفس الملابس تقريباً ..
"تي شيرت" بخطوط مستعرضة باللونين السماوي والأبيض مع سروال مع الجينز و"غطاء رأس" رياضي بنفس الشعار !
_شفتي شبه بعض إزاي؟! فرق الشعر ..بس أنا لميته كحكة تحت الكاب عشان ما يبانش ..
ثرثرة ريما الطفولية تفضح عاطفتها السخية نحو إسلام فيزداد انقباض قلبها جزعاً ويزداد معه انعقاد حاجبيها خاصة والصغيرة تتعلق بذراعيها في خاصرته هاتفة بسعادة :
_وريها جبت لي إيه كمان .
فيبتسم وهو يرفع نظارة
VR "Virsual reality"
أمام وجهها ليجيب بمرح :
_دي نظارة للأفلام "الثري دي" ..بننزل عليها
أفلام مختلفة حسب ..
_عارفاها!
قاطعت بها عبارته وهي تعطيهما ظهرها ببرود منطفئ صار يميز لهجتها مؤخراً وبالتحديد منذ عودتهما من القرية ..
ليرمقها بنظرة حائرةوهو لا يدري سر التغيير الجديد الذي أصابها ..
لم تعد طبيعتها "شوكية" كما اعتادها ..
بل صارت منطوية ذابلة منطفئة ..لا تكاد ترد عليه إلا بأجوبة مقتضبة ..تحبس نفسها في غرفة ريما أغلب الوقت ..بل وتغلق الباب عليها
بالمفتاح ..
المفتاح اللعين الذي يقسم أن يكسره يوماً!!
_شغللي فيلم البحر يا بابا ..لا الجبل يا بابا ..لا ..الغابة يا بابا ..الغابة أجمل ..صح يا بابا ؟!
تهتف بها ريما باندفاع طفولي لتندفع الدموع لعيني نشوى فجأة وهي تعد سراً كم مرة ذكرت الصغيرة كلمة "بابا" ..كأنما تعوض بها حرمانها ..ليس عدلاً أن تحرمها سعادة كهذه ..
لكن هل بيدها القرار حقاً ؟!
لقد فهمت سر زواجه الغريب منها ..
فهمت ما جعله يحتمل ما لم يكن ليحتمله رجل غيره ..
فهمت لماذا يصبر على أن ينال جسدها ..
فهي مجرد واجهة أنيقة يخفي بها إخفاقة حب فقده ..
لكن ما لم تفهمه حقاً هو مشاعره نحو ريما ..
عطاءه السخي معها ..
ليته لا يعلقها به أكثر ..
ليته لا يدخلها في حسابات لا تخصها ..
إن كانت هي اعتادت "شعورها بالنقص" في عيون الرجال ..
فما ذنب ابنتها كي تذوق فقد الأب مرتين ؟!
_مالك؟!
يسألها وكفاه يحطان على خصرها من الخلف فتتحاشى النظر نحوه وهي تطرق برأسها محاولة التشاغل بما تفعله ..
وإن عجز قلبها عن تجاهل أثر قربه هذا عليها ..
هذه اللمسات التي ظنت أنها ستحيي رميم عظام أنوثتها ..
لتكتشف أنها لا تزال كما عهدت نفسها ..
مجرد سلعة بائرة في سوق الرجال !
تتجاهل الجواب وهي تلتفت نحو ريما التي ارتدت النظارة الخاصة ومضى رأسها يتحرك ببطء متزامناً مع ما تراه على شاشتها ..
قبل أن ترفعها هاتفة بانبهار :
_ما حصلش! رهيب يا بابا ..تعالي يا مامي جربي ..
ثم حاولت تقليد غمزته مردفة :
_هيعجبك يا عسل!
فتغمض عينيها بالمزيد من الألم ولا تدري ماذا تفعل ..
لو كان الأمر يخصها وحدها لصارحته بما سمعته ..
لأخبرته أنها علمت الحقيقة ..
بل ولطلبت منه الطلاق !
لكن ماذا عساها تصنع بالصغيرة ؟!
فلتصمت !
ولتبتلع خيبتها وحدها !
هي تدفع ثمن سعادة ابنتها ..ولو كانت مؤقتة !
_أنا حضرت لكم العشا.
تقولها بنفس النبرة المنطفئة وهي تخلع عنها مريلة المطبخ تحت نظراته الحائرة لتهتف بها ريما بانطلاق:
_بيتزا وسندويتشات ..هناكلها قدام كارتون سيمبا ..جاي دلوقت .
لكنها تتحرك لتقبل الصغيرة بعمق وبابتسامة مصطنعة :
_كلوا أنتو ..أنا مش جعانة .
يعقد حاجبيه بقلق حقيقي وهو يميز حالها الغريب الذي لم يره من قبل ..
هو رآها في أشد حالاتها انكساراٌ ليلة زفافهما ..
ورآها بطبيعتها المتحفزة الهجومية في أغلب الأوقات ..
لكن هذه أمامه تبدو مختلفة ..
ميتة تسير على قدمين !
_هي مامي مالها؟!
تسأله ريما بقلق طفولي ليبتسم لها تصنعاً فترد بعفوية وهي تشير له بإصبعها أن يقترب فينحني لتهمس في أذنه :
_امبارح بالليل قعدت تعيط قبل ما تنام ..كانت فاكراني نايمة ومش سامعاها ..
انقبض قلبه بلوعة مع كلمات الصغيرة لكنه اغتصب ضحكة مفتعلة ليطمئنها بقوله :
_المهمة لسة مستمرة يا محاربة ..على العهد ؟!
يقولها وهو يخلع "الكاب" خاصته ملوحاً به في وجهها لتخلع خاصتها بدورها وتلوح به مثله قائلة بحسم :
_على العهد .
_تمام ..روحي بقا روقي أوضتك ولمي اللعب عشان تفرحيها .
_وهارسم لها رسمة بتحبها .
تقولها ريما وهي تقبض كفها في وضع حماسي لتهرع إلى غرفتها ..
فيما تحرك هو باحثاً عنها ليجدها -كعهدها- واقفة في تلك الشرفة الضيقة التي تطل على جدار قريب للبناية المقابلة ..
لا يدري سبب حبها لهذه الشرفة بالذات رغم أن الشقة تحتوي على أخرى واسعة تطل على الشارع الواسع بحديقته الرائعة ..
عبر عن خاطره الأخير بسؤال مباشر اقتحم به خلوتها وكفه يحتضن كفها المستند على السور ..
لتغمض عينيها فتفر منهما دمعة وارتها بابتسامة باردة :
_ما بحبش الأماكن المفتوحة ..بتخوفني ..
الأماكن المقفولة بتطمني أكتر .
_سبحان الله ..دماغ ماشية خِلف خلاف! عكس البشر!
يقولها بمرح مصطنع محاولاً مشاكستها لعله يخرجها من شرنقتها الغريبة هذه وقد توقع منها رداً "شوكياً" كعادتها ..
لكنها لم تفعل سوى أن سحبت كفها منه لتتحرك مبتعدة :
_ما تسيبش ريما تنام من غير عشا ..هي بقت بتسمع كلامك أكتر مني .
_نشوى!
هتف يناديها بحزم غريب على هزله المعهود لتقف مكانها فيتحرك ليقف قبالتها متفحصاً
ملامحها باهتمام مع قوله :
_من ساعة ما رجعنا م البلد وانتِ مش طبيعية ..إيه اللي حصل؟!
_أنا على طول مش طبيعية .
تقولها بنفس النبرة الميتة وهي تمشط شعرها بأناملها للخلف متحاشية نظراته لتردف بابتسامة باردة :
_مستنية اليوم اللي تزهق فيه وكل واحد يروح لحاله ..بس مش مخوفني غير البنت ..
قبضة باردة تعتصر قلبها عند الخاطر الأخير لتغمض عينيها بينما شفتاها تشاركان جسدها ارتجافته بهمسها:
_انت وعدتني ..انت وعدتني حتى لو سبتني ما تسيبهاش .
_أنا ماقلتش كده .
يقولها بنفس النبرة الحازمة فتفتح عينيها بنظرة ارتياع وقد أساءت فهم عبارته لكنه يحيط كتفيها بقبضتيه ليهزها بقوة هامساً وهو يسلط نظراته في عينيها :
_أنا قلت مش هاسيبكم انتم الاتنين .
تأخذ نفساً عميقاً تقاوم به بكاءها وتود لو تقذفها الآن في وجهه أنها تعلم ..
تعلم أنه يكذب ..
أنه ليس أفضل منها ..
كلاهما هرب من حب ضائع لزيجة فاشلة ..
كلاهما يرى في صاحبه مجرد رقعة للثوب الممزق ..
أي عدل هذا !!
بل ..أي ظلم !!
تشعر به يقربها نحوه فتنتفض أنوثتها بهذا الشعور الذي لم تعرفه إلا معه ..
لكنها ستقاومه بكل ما أوتيت من قوة ..
ليس بعد ما عرفته ..
ليس وهي تعلم أنه يرى فيها سواها ..
كما ترى هي فيه سواه ..
كلاهما خائن ..
لكنها لن تستبيح الخيانة بعد الآن !
كفاها يقفان حائلاً بين تماسّ جسديهما وهي تبتلع غصة هائلة في حلقها بينما تبتعد عنه ما استطاعت ..
لتشتعل ملامحه وهو لا يفهم سر نفورها هذا ..
هي لم ترفض يوماً عناقه فماذا أعادهما لنقطة الصفر ؟!
ممزقٌ هو بين قلقه لأجلها وكبرياء رجل يستشعر نفورها فيتنحنح ليغير الموضوع بقوله :
_ماما طالبة تشوفنا ..عايزة تتعرف عليكِ .
_بلاش دلوقت ..مش مستعدة أقابل حد .
تهمس بها بقنوط ثم تتحرك مبتعدة أكثر لتعطيه ظهرها فيزفر بقوة وهو يشعر بالعجز معها لأول مرة ..
حائلٌ غريب لا يدري من أين ظهر بينهما ليجعله يشعر وكأنما يضرب الصخر بقدمه ..
لكنه لم يستسلم وهو يعيد القول بنبرة أكثر ليناً:
_طيب براحتك ..بلاش ماما مادام ماشفتوش بعض قبل كده وانتِ لسة مش مستعدة ..بس عمو علاء وأنّا عازميننا ع العشا مع سيف وغادة ..انتِ شفتيهم وعرفتِ أد إيه هم طيبين .
فالتفتت نحوه بحدة لم يفهمها وعيناها
تشتعلان بالجذوة القديمة التي عشقها ..
لكنها لم تلبث أن خبت مع ابتسامة باردة عادت تحتل الشفتين المشققتين :
_أكيد ..الزيارة دي طبعاً ما يتقالهاش لأ.
المرارة الساخرة الذائبة بين حروفها تثير ريبته فيسألها بتشكك :
_قصدك إيه ؟!
لكنها تعود لتختبئ في شرنقتها مكتفية بقولها :
_ما تشغلش بالك ..شوف تحب نروح امتى وعرفني .
تقولها لتتحرك مغادرة الشرفة لكنه يستوقفها ممسكاً ذراعها وعيناه تجولان فوق ملامحها بتساؤل صامت ..
تساؤل هربت منه مجبورة لتقول بصوت متحشرج:
_عايزة أرجع المصنع بكرة ..ماعدتش مستحملة قعدة البيت .
فيحتضن وجنتها براحته ليقول بحسم دافئ:
_نروح سوا من بكرة ..زي ما تحبي .
تشعر بخلاياها كلها تقشعر للمسته مفتقدة نبضة خاصة لم يعرفها رسم قلبها إلا معه ..
لكنها تعض شفتها بقوة كادت تدميها وهي تزيح ذراعه عنها لتبتعد من جديد متمتمة بصوت
بالكاد يسمع :
_تمام ..شكراً .
يراقبها تنصرف بجزع وهو يكاد يلحق بها من جديد لكن حدسه يخبره أن قربه منها هذه اللحظة لن يزيده إلا بعداً ..
ما الذي تغير بينهما ليطفئها هكذا ؟!
هو ليس غراً ساذجاً ليدرك أنه كان قد بدأ يجد مكانه في قلبها ..
فما الذي طرده من جديد هكذا ؟!
=======
_الشاي بلبن يا عم جميل .
تهتف بها ريتال وهي تهبط الدرج الداخلي الذي يفصل بين شقة أبيها و"المحل" الصغير الذي يتخذه ورشة لخياطته ..
فيبتسم الرجل البشوش بطيبة وهو يجلس على ماكينة الخياطة ممسكاً بعباءة سوداء في يده ..
لتقترب هي أكثر لتقبل رأسه مردفة :
_جميل جمال ..مالوش مثال !
تقولها وهي تضع الكوب في يدها على سطح المائدة أمامه فيضحك ضحكة رائقة وهو يتناول الكوب ليرتشف منه رشفة قبل أن يعقد حاجبيه قائلاً باستياء:
_حطيتي اللبن قبل الشاي ..قلتلك ميت مرة ..الشاي يتحط الأول .
فتضحك وهي تجلس على الأريكة الصغيرة أمامه هاتفة بتعجب:
_أموت وأعرف بتفقسني إزاي ..تفرق في إيه الشاي واللا اللبن الأول ؟!
لكنه يهز رأسه وهو يرتشف رشفة أخرى قائلاً بصوته العذب:
_عيب يا بنت! الشاي بلبن ده علم لوحده ..الطعم بيفرق طبعاً لما تحطي الشاي أو اللبن الأول ..بس جيلكم المعفرت ده ماعادش بيعرف يستطعم ..خلليكي انتِ في النسكافيه و"البسكويك" بتاعك.
_نسكويك يا بابا ..ما أسمحلكش تغلط في مشروبي زي ما أنا بحترم مشروبك .
تقولها مصححة بضحكة رائقة نسبياً تجعله يتفحص ملامحها للحظات قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى:
_أخيراً ضحكتك مظبوطة ..بقالك يومين مش عاجباني .
ملامحها ترتجف واشية بحزن تخفيه منذ ذاك اليوم الذي التقت فيه بمروان وداليا مصادفة في ذاك ال"مول" ..
لا تنكر أنها لم تسعَ لهذه المقابلة بنفسها فقد كان بإمكانها تفاديهما منذ رأتهما من أعلى السلم الكهربائي هناك ..
لكنها تعمدت أن تحدث هذه المواجهة ..
أن تراه وهو يضع كفه على ظهر امرأته التي اختارها وابتسامته تملأ وجهه لتوقن أن هذا آخر طريقهما ..
تماماً كما تعمدت الابتسام لهما وتهنئتهما لتختم اللقاء بقولها لهما أنهما ستنتظر عودتهما للجمعية التي افتقدت نشاطهما ..
أجل ..هي تعودت ألا تتوقف كثيراً أمام الجروح ..
أن تحتمل ألمها حتى تشفى من تلقاء نفسها ..
إنها حتى لا تعلم إن كانت أحبت مروان حقاً ..
ربما كان فقط مجرد "إطار مناسب" للوحة فارس الأحلام !!
_مش بقوللك مش عاجباني !
يقولها والدها بعينين متفحصتين تجيدان سبر أغوارها ليخرجها من شرودها بابتسامة صاحبت تنهيدة مع قولها لتغير الموضوع بنكهة "ثوريتها" المعهودة :
_محدش في البلد دي مبسوط يا عم جميل ..ريحة الظلم فيها فاحت قوي ..نفسي أنام وأقوم ألاقيني سبتها وسافرت ..
ثم غمزته هاتفة بمرح :
_ماتشوفلي عريس حلو كده وانت زباينك كتير ياخدني معاه ونهجّ سوا من هنا ؟!
فيبتسم ابتسامة واهنة وهو يرتشف رشفة أخرى من الشاي ليشغل ماكينته بهذا الصوت الذي أدمنته من صغرها وهي تشعر بها يمنحها
الأمان ..
ليقول بحكمة لم تخلُ من أسى:
_ولما كلنا نمشي يا بنتي هنسيبها لمين ؟! من صغري وأنا شايف فيها أبويا وجدّي ..يشتكوا آه ..بس عمر ما حد فيهم قال نسيبها .
_لا معلش! طالما قرية "ظالمٌ أهلها" يبقى نسيبها ونشوف غيرها مادام احنا مستضعفين فيها ..الكبير بياكل الصغير ..والفقير بيتداس تحت الرجلين ..انت ما بتشوفش اللي أنا عايشاه في "رسالة" كل يوم ..مناظر تقطع القلب .
تهتف بها بحمية ثائرة ليبتسم وهو يوقف ماكينته ليرمقها بنظرة ظافرة ناسبت قوله :
_بتتكلمي وتردي على نفسك ! البلد زي ما فيها الوحش فيها الحلو ..فيها البخيل وفيها الكريم ..العيب مش في البلد يا بنتي ..انتو اللي عقولكم بقت غريبة ..كأنكم اتبرمجتم تعترضوا وتتمردوا وبس !
_احنا الجيل اللي شاف صحابه بيموت قدام عينيه عشان بيقول رأي وكلمة حق ..الجيل اللي خرج شايل روحه على كفه في وش ظالم وبيقولله ارحل ..الجيل اللي اتغفل وهو حاسس إنه اتعمل ساندوتش بين "أجندات" ناس تانيين خطفوا حلمه ..البلد دي ما بقتش بتاعتنا يا عم جميل .
تقولها بيأس ليهز رأسه بأسف ثم ينهي آخر رشفة من الكوب ليقول وهو يعيد تشغيل ماكينته :
_البلد هتفضل للي عايز يعمرها يا بنتي ..سنة ربنا في الكون معروفة إن الظلم مهما طال عمره قصير ..بس لازم نفهم إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
فتتنهد بيأس من عقم الحوار الذي يدور بينهما كل مرة بهذه الطريقة ..
لتختار أن تنهيه بسلمية فتتحرك لتفتح المذياع القديم جواره فتنطلق النغمات وكأنها تجاري حديثهما قدراً ..
في قعدة الصبح ع الكورنيش
في كوباية شاي إنما إيه ..
في طيبة ناس ..
في لقمة عيش تجمع الفقير والبيه ..
على طول تلاقيك فاكرها !
يبتسم كلاهما والكلمات تمسهما كل ٌ -بطريقته - ليقطع الموقف هتاف امرأة دخلت لتوها:
_خلصت العباية يا عم جميل ؟! ..فرح أختي بكرة وأمي حالفة ما تلبسش غير من إيدك .
فيضحك وهو يرفع العباءة بيده هاتفاً:
_صاحي من صباحية ربنا اهه أخلص فيها
..ماليش بركة غير الحاجة .
تدعو له المرأة بالبركة قبل أن تنتبه لريتال فتهتف بحماس :
_عقبالك يا ريتال بابن الحلال اللي يسعد قلبك .
فتضحك لها ثم تغمز أباها هاتفة :
_ويخرجني م البلد دي .
تقولها لتتوجه من جديد نحو الدرج الذي يفصل المحل عن شقتهما التي دلفت إليها لتتوجه نحو غرفتها ..
تنظر في الساعة ثم تتناول هاتفها ببعض الضجر لتبتسم عفوياً وهي تراقب آخر ما نشره سامر على حسابه كمعلومة نفسية يشارك بها متابعيه على حسابه من آن لآخر ..
تصدر هاشتاج The Duck Syndrome "متلازمة البطة"، على أحد مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، وهو اسم أُطلقوه بعض الخبراء من جامعة ستانفورد، على متلازمة يعاني منها 87% من الناس في الفترة الآخيرة.
قال بعض الباحثين في الجامعة أن البطة تظهر بصورة الهدوء والرصانة بشكل دائم، ولكن مع البحث وجدوا أن البط يعيش معركة حياتية تحت الماء، وهي معركة التجديف.
أوضح الباحثين أن تجديف البطة يكون بشكل هستيري، حيث أنها تداوم الدفع بأرجلها في اضطراب شديد، في محاولة منها للوصول إلي مكانها النهائي.
وأضاف الباحثين أن هناك كثير من الأشخاص يعانون من متلازمة البطة، حيث تراهم من بعيد هادئين و متّزِنين و سعداء، إلا أنهم في الحقيقة يعانون من صخب وضغط واضطراب لم يستطع أحد اكتشافه غيرهم.
ابتسامتها تتشح بالمرارة وهي تجد شبهاً لنفسها فيما يحكي عنه لترسل له عبر "الواتساب" :
_عندك واحدة "بطة" هنا .
وفي غرفته وجد نفسه يبتسم عفوياً لرسالتها فيردها :
_تعالي جنب أخوكِ على الدكة ..مرحباً بكِ في جزيرة البط .
تضحك ضحكة عالية ثم تتردد لتكتب له :
_قابلت مروان مع مراته .
ابتسامته تختفي ليكسو الضيق ملامحه لسبب لم يفهمه ..
ربما لأنه يرى فيها توأم مأساته !!
لهذا بحث عن كلمات مواساة مناسبة قد ينصحها بها لكنها فاجأته بعبارتها:
_ما انهارتش زي ما كنت متوقعة
بالعكس ..ساعات فعلاً لما بنبعد بنشوف الصورة أوضح .
_مممم...أعتبرها "سياسة البطة" برضه ؟!
يكتبها لينتظر طويلاً دون أن يصله ردها فيدرك أنه على صواب ..
وانها -بطبيعته الثورية- لا تقبل الاستسلام في الحب ..
إما تنتصر أو تقبل الهزيمة تمهيداً لنصر جديد !
تعجبه هذه الصفة فيها ويتمنى لو يكون يوماً مثلها ..
ربما وقتها فقط ..
يقبل هزيمته في حربه الخاسرة مع سها !!
سها!!
أفكاره تسحبه لتلك اللحظة التي رآها فيها وهي تخرج من المركز ..
عيناها دامعتان وجسدها يرتجف بين ذراعي
والدها ..
لكنها -كعهدها- ترفع أنفها بشموخ ..
كأنها تدعي أن بداخلها قلباً لم يكسَر!
_سمعت آخر أغنية ل"كايروكي"؟!
رسالتها تنتزعه من شروده فيبتسم وهو يميز هذه الفرقة المميزة التي اشتركا سوياً في
الإعجاب بفنها المميز الذي يمزج الكلمات الشرقية بالموسيقا الغربية ..
تتسع ابتسامته وهو يراقب الملف الذي أرسلته بأغنية "يا أبيض يا أسود "
فيشغلها ليستمع قليلاً ..
أسئلة عايشة معايا مكملة..
والإجابة متأجلة ..
سلسلة وكل حلقة للتانية مسلمة..
بلف في دايرة ومهما بعدت أرجع هنا ..
بصيت في مرايتي لقيتها سودا ومضلمة...
يا أبيض يا أسود قصة حياتي كل حكاياتي
مع إني عادي عايشها في النص رمادي
مقطع مميز يشرد فيه مع اللحن الغربي الغريب ليقطع شروده صوت منبهه الذي ضبطه على ميعاد مهم ..
فيوقف الأغنية لينهض لكنه يرسل لها قبلاً :
_مانتحرمش من ذوقك يا بطة ..عايزين كل يوم بقا اصطباحة من دي .
======
_ناصر تحت ..عايز يقابلك .
تقولها أمها بحزم رفيق وهي تدخل عليها غرفتها في بيت والدها لتقسو ملامحها الباهتة مع جوابها البارد :
_وإيه الجديد ؟! ماهو كل يوم ييجي عايز يقابلني وبيرجع من غير ما أشوفه .
تزفر أمها بقوة وهي تراقب هزال جسدها الذي يزداد يوماً بعد يوم لتتقدم منها وتجلس على طرف فراشها قائلة برفق:
_ياما نصحتك ما سمعتيش كلامي ..دلوقتِ بتحاسبيه على إيه ؟! انتِ كنت شريكته في اللي عمله م الأول ..كل حاجة كانت بموافقتك .
_هتقولي زيه ؟!
تصرخ بها بعنف نسف البرود الظاهري الذي تدعيه لتحتقن ملامح أمها وهي تربت على كتفها تحاول تهدئة هذا البركان الذي تفجر بين حروفها الثائرة :
_أنا قبلت أضحي عشان أديه الحياة الكاملة اللي هو عايزها ..دست على قلبي وكرامتي وقبلت وضع مفيش واحدة غيري تقبله ..كنت بروح معاه نقابلها وأرسم ضحكة على وشي وأنا قلبي بيتقطع وأقول معلش ..عشان حقه يبقى أب ..عشان ما يخسرش باباه ..أنا اللي اخترت له بدلة فرحه والقاعة اللي هيتزف لها فيها ..وبعد كل ده ..أسمعه بوداني بيقول لباباه إنه لعبها صح ..إنه هيمسك العصاية م النص ..إنه هيحبها زي ما حبني !!
تنهي عبارتها وهي تقذف كوباً جوارها ليتهشم مصدراً دوياً هائلاً فتنتفض أمها مكانها لتطوقها بذراعيها هاتفة بيأس من مجادلتها العقيمة :
_خلاص يا سها اهدي ..أنا هنزل أقولله يصبر شوية لحد ما ..
عبارتها تنقطع وهي ترى ناصر واقفاً عند الباب بملامح ليست أفضل بكثير من
ملامح ابنتها ..إن لم تكن أسوأ ..
يالله!!
ما الذي فعله هذان الاثنان بنفسيهما ؟!
_انت دخلت هنا إزاي؟! اطلع بره ..بره ..مش عايزة أشوفك .
تصرخ بها سها بهياج وهي تنتفض من فراشها لتتوجه نحوه لكنه لم ينتظرها ..
بل اندفع ليطوقها بذراعيه محاولاً السيطرة على ثورتها الهائجة لتراقبهما الأم ببصرها للحظات بقلق قبل أن تتردد لتخرج من الغرفة مؤثرة تركهما وحدهما ..
وبين ذراعيه كانت هي تتخبط كطير ذبيح تحاول التخلص من قيد عناقه بقوة لكنه يتشبث بها بقوة هامساً في أذنها بحزم :
_اطرديني ألف مرة وهارجع تاني ..مفيش حاجة هتفرق بيننا غير الموت .
همساته بدت وكأنها قد سكبت دلواً من الماء فوق نيرانها لتسكن حركة جسدها بين ذراعيه للحظات ..
قبل أن تستحيل لبكاء هستيري استقبله هو على صدره وهو يخفف ضغط ذراعيه حولها ليدفن وجهه في حنايا عنقها هامساً بألم :
_حرام عليكِ يا سها ..أنا بموت كل ثانية بشوفك فيها كده ..أنا آسف ..بقولهالك وهاقولهالك بكل طريقة ترضيكِ بس ارجعي ..ارجعيلي .
_أبداً .
تهمس بها بشراسة وهي ترفع إليه عينين شاردتين يظللهما جرج تركه ولا تظنه سيندمل ..
سبابتها التي رفعتها في وجهه ترتجف وهي تردف بنفس القسوة الغريبة على طبعها معه :
_أنا عرفت إنك وقفت في وش والدك وقلت له إنك مش هتتجوز ..
يومئ برأسه إيجاباٌ وهو يشعر ببعض الأمل الذي صفعته هي بقولها الذي حمل من الألم أضعاف ما حمله من السخرية :
_ولما انت قادر تعمل كده ما عملتوش م الأول ليه ؟!
يسبل جفنيه بعجز لتردف هي بنفس النبرة :
_ليه ما طمنتينيش؟! ليه سبتني أتحرق لوحدي وانت واقف تتفرج عليا بس بتقوللي إني صعبانة عليك..لا كتر خيرك !
_ما تبقيش ظالمة يا سها ! انتِ عارفة إني
م الأول مكنتش راضي عن الجوازة دي .
_بس رضيت ! وافقت تاخد وما تديش .
_ما انتِ كمان رضيتِ!
_عشانك!
_لا عشان نفسك ..عشان تفضلي حاسة إن الدنيا كلها في إيدك ..انتِ اللي هتختاري كل حاجة وتمشيها بمزاجك .
يهتف بها بثورة تشبه ثورتها لتتجمد ملامحها للحظات غير قادرة على إنكار أنه قد أصاب بعض الحقيقة ..
لكن أخذتها العزة بالإثم لتحرر نفسها من بين ذراعيه وهي تبتعد بخطواتها قائلة :
_بقا كده ؟! آخرتها شايفني كده ؟! خلاص ..أنا ما أرضالكش تفضل مع واحدة متسلطة وقاسية زيي .
فيزفر بقوة ليعاود الاقتراب منها قابضاً على ذراعيها بكفيه هاتفاً بعصبية:
_ارحميني وارحمي نفسك بقا ..بتكابري ليه ؟! احنا الاتنين غلطنا وعندنا فرصة نصلح غلطنا ..
_أبداً ..أبداً ..مش هنسى اللي خلتني أحس بيه ليلتها وانت سايبني عشان تروح لواحدة غيري ..لو بموت..لو بموت مش هارجعلك تاني يا ناصر .
تهتف بها بعناد قاسٍ اصطبغ بجرحها لتقسو ملامحه وهو يضغط ذراعيها بقبضتيه أكثر هامساً من بين أسنانه :
_وأنا مش هاسيبك يا سها ..وافهميها زي ما انتِ عايزة .
عيناهما تتلاقيان للحظات توقف العشق فيها حائراً بين قسوة وعناد ..
قبل أن تتراخى قبضتاه حول ذراعيها ليقتنص منها نظرة أخيرة قبل أن يعطيها ظهره ليغادر الغرفة مقاوماً كل ذرة في جسده تستصرخه أن يبقى !
ولم يكد يختفي عن ناظريها حتى انهارت ساقاها فجأة لتسقط على الأرض كأنما ذهب كل ما كانت تدعيه من قوة أدراج الرياح ..
تتأوه بخفوت وهي تشعر بأحد شظايا الكوب الذي كسرته يصيب ذراعها لينزف منه الدم ..
لكنها تتأمله بنظرات زائغة كأنها لا تأبه ..
أعماقها الثائرة تصرخ بشعورها بالغدر ..
كيف يظن الأمر بهذه البساطة ؟!
كيف يظنها ستعود إليه ؟!
هي فقدت أمانها معه ..
هل بعد فقدان الأمان عيش؟!
يزعم أنه لن يتركها ..
حسناً!
ستذيقه نفس الكأس الذي أذاقها إياه ..
ربما ساعتها فقط قد تسامحه على ما فعله بها ..
تنهض من جلستها متعثرة بجسد ليس أكثر قوة من عقلها في هذه اللحظة وهي تترنح لتتناول هاتفها وتتصل برقم ما ..
ولم تكد تسمع صوته حتى قالت بصوت ارتجفت حروفه:
_سامر ..أنا عايزة أشوفك.
======
انتهى الفصل الخامس والعشرون
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم سينابون
القطعة الرابعة والعشرون
=======
على جبينكِ -دلوعتي- وجدت معجزتي !
تفتحين عينيك.. فتشرق للكون شمسان غير شمسه ..
تتبسمين ..فيولد بين شفتيك ألف فجر ..
تتكلمين.. فتنثرين الحروف سحراً للغواية ..
فأي تحية صباح ترضيكِ ؟!
صباح الخير؟! ..وأنتِ للصبح خيره !
صباح الحب؟ !..وأنتِ للحب صبحه !
لا صباح يليق بكِ إلا صباحك ..
فلا صباح خير ولا صباح حب ..بل صباحكِ "أنتِ"!
تتنهد بهيام وهي تعيد قراءة رسالته الصباحية التي تركها لها من حساب "العاشق المجهول" قبل أن تقبل شاشة هاتفها لتغادر فراشها ..
تعلم أنه لم يغادر للعيادة بعد فلاتزال حاجياته الضرورية هنا ..
تتفقده في الشقة لترى باب الغرفة الصغيرة التي يعدونها لأطفالهما في المستقبل مفتوحاً ..
تتحرك بخطوات حذرة نحو هناك قبل أن تتسع عيناها بانبهار وهي تميز الصورة الكبيرة للفتاة على الحائط ..
بشعرها النحاسي ..وقوسها الذي تمسكه بين ذراعيها ..
مع هذه النظرة المتمردة في عينيها ..
صورة "ميريدا"!
وأمامها كان هو ينهي آخر خطوط فرشاته وقد جلس على ركبتيه ولم يكد يشعر بها حتى التفت نحوها لينهض واقفاً ..
ثم يلقي ما بيده جانباً ليفتح لها ذراعيه ..
فتندفع نحوه لتتعلق بذراعيها في عنقه هاتفة :
_إيه ...
فتذوب بقية حروفها بين شفتيه قبل أن يرفع إليها عينين عاتبتين بمرح:
_قلنا أول ما نصحى نعمل إيه ؟!
فتبتسم بدلال وهي تغرق وجهه بقبلاتها السريعة ثم تعود ببصرها نحو الرسم على الحائط لتهتف بانبهار:
_عملتها إزاي دي؟! معقول رسمتها ؟!
_لا مش للدرجة دي ..دي رسمة جاهزة أبيض وأسود بس أنا درت عليها بالألوان .
يقولها بفخر تزايد مع هذه اللمعة الفرحة في عينيها ليردف وهو يتحسس بطنها المسطح بأنامله :
_كنت عايزها تبقى أول حاجة نعملها في أوضة "البيبي" المنتظر!
_هتشككني في نفسي ياعم ..أقسم بالله ما حامل !
تهتف بها بنزقها المعهود ليضحك ضحكة عالية وهو يعاود ضمها إليه قائلاً :
_باعتبار ما سيكون يا مجنونة ..
ثم عاد يبعدها ليطيل النظر في عينيها مردفاً :
_يا "ميريدا"!
لكنها تهز رأسها بدلال وتعلم الجواب مسبقاً :
_نفسك قوي كده في أطفال؟! أنا لسه صغيرة !
فيشدد قوة ضمته لها حتى تتأوه ثم يقول لها بدفء :
_ربنا حققلي نص الحلم لما بقيتي ليا ..فاضل النص التاني ..عايز زحمة ..عيلة كبيرة حواليا .
_طب والجامعة والمذاكرة ؟! هاقدر إزاي على كل ده لوحدي؟!
تهتف بها بعناد لا يزال يفرض هيمنته على شخصيتها ليرد باحتواء يجيده :
_وأنا امتى سبتك لوحدك ؟!
كلماته وحدها كانت تكفيها لينقلب عنادها وقلقها إلى هالة كبيرة من حب طوقتهما معاٌ وهي تسند رأسها على صدره هامسة بشقاوتها اللذيذة :
_غلبتني يا مارو !
فيضحك وهو يرفع ذقنها نحوه هامساً :
_عجبك صباح العاشق المجهول ؟!
لتتنهد بهيام متذكرة كلماته التي قرأتها منذ قليل لتهمس بنفس الشقاوة :
_عليه كلام يدوووخ يابووووي!
ضحكته تعلو من جديد لتشاركه إياها للحظات قبل أن تميل رأسها بدلال هاتفة :
_هتفطرني فين النهاردة ؟!
_قصدك أغديكي ..احنا داخلين ع الظهر سعادتك .
يقولها وهو ينظر للساعة المعلقة على الجدار فتهتف باستنكار:
_وهو مين اللي سهرني لوش الفجر وخلاني أصحى متأخر ؟!
تقولها وحمرة وجنتيها تغزوها مستعيدة تفاصيل ليلتهما المشتعلة بالأمس ..
ليرفع أحد حاجبيه بمكر هامساً في أذنها :
_نعم! فكريني كده مين اللي بدأ !
فتعض شفتها بخجل زادها عذوبة في عينيه وهي تخبطه بقبضتها بخفة في صدره ..
ليضحك من جديد وهو يضمها إليه ثم يتنهد هامساً بحرارة وأنامله تتحرك على طول ظهرها:
_السعادة اللي عايشها معاكي يتألف فيها كتب .
_امال أنا أقول إيه ؟! مش مصدقة إن ممكن حاجة تنغص علينا فرحتنا .
تقولها بهيام قبل أن تتغضن ملامحها فجأة لتسأله بحاجبين منعقدين:
_ثانية واحدة كده !..افرض طلعت مابخلفش ..وانت شكلك متعلق قوي
بالأطفال ..هتتجوز عليا ؟!
كتم ابتسامته بصعوبة وهو يشيح بوجهه مستعداً لتلقي واحدة من نوبات جنونها ..
إذ أمسكت بتلابيب قميص منامته مردفة :
_وساعتها هتقوللي حقي أبقى أب ..ومش هاقدر أستغنى عنك برضه ..بس هحاول أعدل بينكم ..فتجيبلي ضرة ..ضرة يا مروان ؟! هي حصلت ؟!
تقولها وهي تهزه من قميصه لينفجر بالضحك بينما هي تردف :
_وكمان بتضحك ؟! بتتجوز عليا وبتضحك ؟!
_داليا! انتِ مش انتِ وانتِ جعانة ! استهدي بالله وتعالي نروح ناكل .
يقولها وهو يربت على ظهرها فتبتسم ابتسامة واهنة قبل أن تتخذ كلماتها منحنى جدياً تماماً :
_بجد يا مروان ..انت ممكن تفكر ..
_اسكتي يا مجنونة !
يقاطعها بها حازماً وعيناه تمنحانها الجواب قبل لسانه ثم يرفع حاجبيه بسؤاله :
_طيب ..خللينا نعكس السؤال ..لو طلعت أنا مش بخلف ..هتسيبيني؟!
_لا طبعاً ..أنا مش فارق معايا موضوع الأطفال ده أساساً ..بلا وجع قلب!
تقولها باستخفاف ليمط شفتيه قائلاًباستياء:
_يعني لو كان فارق معاكي كنتِ هتسيبيني؟!
تراقص حاجباها بشقاوة وهي تتفلت من بين ذراعيه لتخرج له لسانها مغيظة متعمدة عدم الجواب ..
قبل أن تشده من ذراعه هاتفة :
_ياللا عشان هاموت م الجوع ..هنروح المول نتغدى وبعدين نختار فستان أحضر بيه فرح أخو ياسمين ..مادام الفستان اللي جبته ماعجبكش .
_تصحيح! ده ماكانش فستان ..ده كان قميص نوم !
يقولها بعتاب مستجيباً لخطواتها الراكضة وهي تجذبه خلفها نحو غرفتهما هاتفة :
_انت اللي حنبلي! فكّها كده ما تبقاش قفّوش !
يضحك من مصطلحاتها التي يشعر أنها لا تصلح لامرأة سواها ..
قبل أن تجتاحه نوبة من سعال مفاجئة جعلت
ملامحها تنقلب في ثوانٍ وهي تسأله بقلق:
_انت كويس؟!
يكاد يبتسم لها لكن نوبة أخرى من السعال تسبقه ..
وتجعل عينيها تدمعان بسرعة بما لا يناسب بساطة الموقف ..
_انت من امبارح واخد برد ..خلاص مفيش خروج .
تقولها بانفعال وهي تدفعه نحو الفراش لكنه يمسك كفيها بكفيه محتضناً هذه النظرة
"الأمومية" في عينيها "الطفوليتين" ..
مزيج غريب صار يتلذذ به وسط شعوره الحقيقي بأنها تغيرت حقاً لتكون أكثر تحملاً للمسئولية رغم هذه الواجهة المدللة لها ..
كيف يخبرها أنه يعشقها بكل وجوهها؟!
يعشق النزقة الطفولية ..والحنون المسئولة ..
لهذا جذبها نحوه فجأة ليعتقلها بين ذراعيه وعيناه تلتمعان بهذه اللمعة الخاصة التي تعرفها ..
_عارفة بتبقي لذيذة إزاي وانتِ عاملة فيها كبيرة كده ؟!
فتبتسم بدلال لايزال يمازجه بعض القلق ..
القلق الذي انمحى تماماً مع همساته اللعوب لها بعدها :
_تعالي أطمنك عليا إني كويس!
ضحكاتها تتعالى بعدها وهي تشعر بدغدغة أنامله لها والتي لا تقاوم أثرها ..
قبل أن تستجيب لطوفان عاطفته الذي يجرفها كل مرة كأنما هي أول مرة ..
عاطفته التي تشعر وكأنما تمنح ملامحها شمساً لا تغيب ..
تزينها بأجمل ما يمكن أن تتجمل به امرأة ..
الأمان !
هذا الشعور الذي رافقها في ساعاتها التي قضتها معه بعدها وهما يغادران البيت للتسوق في ال"مول" القريب ..
ضحكاتهما تتجانس رغم مزيج شخصيتيهما المتناقض..
هي بجنون طيشها وهو برزانة تعقله ..
هذا الذي جعلها تكاد تلقي له تعليقاً يناسب إحساسها لولا أن كادت تصطدم بإحداهن وهي تصعد الدرج الكهربائي ..
فترفع إليها عينيها بنظرة اعتذار لكنها تتبين
ملامحها فينعقد حاجباها بضيق لم تخفِه وهي تتمتم من بين أسنانها :
_ريتال !
==========
تتجول في صالة المنزل الواسعة تراقب الأثاث الفخم بشرود ..
ملامحها ترسم ألف لوحة من حسرة وقلبها يخفق بمرارة الفقد ..
تتوقف عند صورة بعينها ..
صورة علقت على الحائط وتود لو تحطمها ..كما حطمها صاحبها!!
_ليه يا حسين؟! ليه تعيشني العمر ده كله في وهم وتفوقني منه على القلم ده ؟!! ليه ؟! ليه ؟!!
كان صوتها يزداد ارتفاعاً مع سطوة انفعالاتها ليتحول لصرخات تقطعت ببكائها وهي تفرد ذراعيها حولها كأنما تبحث عن سند ..
فلا تجد سوى فراغ!!
ذكريات باهتة تجتاحها من صورتها القديمة ..
المرأة الكاملة التي كان الجميع يحسدوننها ..
الآن ينتهي بها المقام وحيدة ..
هجرها ابناها ..وقبلهم خانها رفيق دربها ..
أي مصير هذا الذي آلت إليه حياتها بعد طول ترف؟!!
_هيثم عند شهد ..زميلته ..البنت اللي ..
_اللي إيه ؟! مستحيل ..اللي ضحكت على باباك ؟! هيثم راح لها برجله ؟!!
تغمض عينيها بألم وذكرى لقائها الأخير بإسلام تطعنها بنصل بارد !!
ظن أنه يطمئنها على شقيقه فإذا به يجلدها بسوط من نار !!
تتذكر ثورتها حينها ..تهديدها إياه أن تقاطعهما معاً لو استمرت هذه المهزلة ..طردها له من البيت ورفضها الرد على اتصالاته ..
فتنهمر دموعها بغزارة أكثر وهي تتذكر الزيارة التي عادت منها لتوها الآن ..
إنه أحد كبار الأطباء الذي استشارته في حالة هيثم ليخبرها أنه من الأفضل له ألا يعلم الآن عن حقيقة الفتاة شيئاً مادامت هي الوحيدة التي صار يثق بها في متاهة ذكرياته الآن !!
آهة تلو آهة تغادر حلقها وهي تشعر بقلبها يكاد ينفطر ..
أي عذاب مضطرة هي أن تعيشه وهي تترك ابنها للمرأة التي غوت أباه حتى دمرته ؟!!
أي جحيم قذفوها فيه وهي عاجزة عن إخراجه من هناك وأكثر عجزاً عن زيارته وهو معها؟!!
لو استجابت لجرح أنوثتها فستهرع إليه هناك فاضحة له كل شيء كي ترده لحضنها ..
لكنها ...
صوت هاتفها يقاطع أفكارها لتجد الاتصال من سوزان ..
وحدها من بقيت على عهد صداقتهما القديمة بعدما انفضت عنها جموع المنافقين ..
_أهلاً يا سوزان !
تقولها بصوت خنقه بكاؤها لترد صاحبتها بعصبية :
_وبعدين ؟! العياط هو اللي هيرجعلك ولادك يعني ؟!
_وإيه اللي هيرجعهم ؟!
تهتف بها بين فيض دموعها لترد الأخرى بغيظ :
_انتِ إزاي باردة كده ؟! إزاي قادرة تسيبي ابنك للبنت دي ؟!
_أعمل إيه ؟!
_روحي دلوقت حالاً وطربقيها على دماغها ..فهميه حقيقتها وافضحيها في وسط حتتها هناك .
تهتف بها سوزان بحقد لتهز جيلان رأسها مفكرة ..
الخاطر يبدو لها براقاً بلمعة الانتقام ..
خاصة والأخيرة تنفث فيها المزيد من السم :
_هتفضلي لحد امتى الحيطة المايلة اللي الكل مستهون بيها ؟! جوزك وخانك ؟! ابنك الكبير خرج عن طوعك واتجوز من وراكي ؟! ودلوقت هتسيبي الصغير لحتة بنت مفعوصة ضحكت على باباه ؟! ويا عالم حصل بينهم إيه ؟!
سؤالها الأخير يحمل لصاحبتها من العذاب أضعاف ما حمله باقي كلامها فتنخرط جيلان في البكاء من جديد ..
فيما تهتف سوزان بنفس الحقد المسموم :
_هتسيبي ولادك لولاد الخدامة يمشوهم على كيفهم ؟! أنا متأكدة إن اللي اسمها ياقوت دي هي اللي واكلة دماغهم ..هاوديني واقلبي الترابيزة على دماغ الكل ..ما تخيبيش خيبتي ..انتِ ابنك لسه ع البر الحقيه ..لكن أنا ابني خلاص ..خطفته المجنونة من حضني!
_كفاية !
هتفت بها جيلان أخيراً لتلتمع عينا سوزان بظفر هاتفة :
_هتروحي لها وتفضحيها قدامه ؟!
_لا!
هتفت بها جيلان قاطعة وهي تتحسس دلاية سلسلة على عنقها حملت صورتها مع ابنيها لتردف بين فيض دموعها :
_مش هادخل هيثم في تصفية حسابات .
_هتسيبيه للبنت ال"بايظة" دي تضحك عليه ؟!
تصرخ بها سوزان باستنكار لتشهق جيلان باكية مع كلماتها :
_مش عارفة ..مش عارفة ..أصدمه فيها إزاي وهي الوحيدة اللي جري عليها لما زعل مننا كلنا؟! إيه يعرفني إنه لو اكتشف حقيقتها هيرجع لي ؟! مش يمكن أخسره أكتر؟!
_إيه البرود والسلبية اللي انتِ فيها دي ؟! دي فرصتك عشان تطفي نارك منها !
_مش على حساب ابني يا سوزان ..كفاية اللي ضاع مني ..
تتمتم بها بحرقة وسط فيض دموعها ليصلها هتاف صديقتها الساخط على الجانب الآخر من الاتصال :
_بكرة تندمي ..بكرة تقولي ياريتني وقّفت كل واحد عند حده ..الطيب في الزمان ده ..
لكنها تقطع الاتصال فجأة لتقذف الهاتف فينال أقرب ما طالته يداها ..
مرآة ذهبية فخمة عالية القيمة تذكر أنها اشترتها يوماً في أحد المزادات وكانت تتعالى على رفيقاتها بها ..
هذه التي توجهت الآن نحوها لترمق صورتها المشوشة فيها بنظرة خاوية ..
صورتها ك"أنثى" تكسرت ..تموهت ..تشوهت كهذه التي تبدو لها الآن في المرآة ..
لكن تبقى صورتها ك"أم" !!
هذه التي لن ترضى لها بعد الآن أن تتشوه ..
عيناها تصطدمان بأحد الأدراج فتفتحه لتستخرج منه عدة ألبومات للصور ..
"وحش الحنين" ينهشها بمخالبه وهي تكاد تذوب اشتياقاً لأيام مضت ولن تعود ..
صورة تلو صورة لها مع حسين ..تتأبط ذراعه ..تحتضنه ..تقف أمامه ..
دوماً ما كانت تقف أمامه في الصور ..
لكنها الآن تعلم علم اليقين أنه -حقيقةً- جعلها العمر كله خلف ظهره !!
شهد هذه لم تكن بالتأكيد أول خيانة نالتها!!
النار تنتشر بسرعة بين هشيم روحها فتود في هذه اللحظة لو تستمع لوسوسة سوزان ..
لو تطفئ لهيبها بفضحها أمام ابنها وأمام الجميع ..
سوزان محقة ..نعم ..
لكن ..
عيناها تنتقلان من جديد لبقية الصور ..
تتلمس صور ابنيها في مراحل مختلفة من عمريهما ..
تذوب حسرة على "ضحكة حقيقية" مرسومة على وجهها ووجهيهما بعيدة تماماً عن "ضحكتها" التي اعتادت تصنعها مؤخراً ..
فيرتجف قلبها ..
بل ينهض كالعنقاء من رماده موقناً أن هاهنا فقط المغنم الذي لن تفقده قط !
ابناها!
والخاطر الأخير ترافقه لمسة يدها من جديد لصورة سلسلتها في عنقها ..
قبل أن تعود لتستمد "زاد الصبر" من جديد بنظرات دامعة للمزيد من الصور ..
والقرار بداخلها يزداد تبلوراً ..
لا مجال للمقارنة ..
"صنم الأنثى" قد تكسره خيانة رجل ..
لكن "محراب الأم" لن يفتقد ناسكيه طوال العمر !
======
_ياللا يا مامي ..بابا جاب الفيلم !
تهتف بها ريما خلف باب "غرفتهما" المغلق لتهتف نشوى بضيق:
_حاضر ..جاية !
تقولها لتطلق زفرة ساخطة وهي تنظر لنفسها في المرآة ..
غرفتهما ؟!
صار لها مع إسلام هذا غرفة ؟!!
من كان يخبرها أن حياتها ستتبدل هكذا في بضعة أيام ؟!!
بضعة أيام شعرت هي بها وكأنها دهر بأكمله !!
دهر من خذلان وألم وفضيحة سيتحاكاها الناس طويلاً ..
لكن ..هل هذا ما حملته هذه الأيام فحسب؟!!
عيناها تختلسان نظرة للمرآة من جديد ..
منامة أخرى حريرية من مناماته التي اختارها لها لتجدها مرتبة في خزانة ملابسها هنا ..
منامات كلها ناعمة قصيرة السراويل عارية
الأكتاف بألوان مشرقة ..
هذه مثلاً بلون كريمي هادئ ومحلاة بتطريز رقيق باللون الوردي ..
الوردي ثانية ؟!
لا تستسيغ هذا اللون من صغرها رغم هوس النساء المعتاد به !!
لكن ما الجديد ..هذا هو شعورها بالذات نحوه هو !!
لا تستسيغه !!
لا تنفر منه كزوجها السابق ..لكنه لا يملك سطوة جاذبية ناصر عليها ..
ناصر ..
ناصر ثانية ؟!!
ألم تكرهه بعد مافعله ؟!
الغريب أنها لم تفعل!
بل على العكس ..ازدادت به تعلقاً وهي تراه يلقي العالم كله خلف ظهره لأجل امرأة أحبها ..
امرأة تمنت ..
تمنت لو كانت هي !!
تغمض عينيها مقاومة خاطرها الأخير بكل ما أوتيت من قوة ..
ستحارب ناصر بداخلها ..
إن لم يكن لأجل كرامتها فلأجل رجل تحمل اسمه وتريد أن تصونه !
_ياللا يا مامي ..عايزة أشوف الفيلم !
تعاود ريما هتافها من الخارج فتتنهد بقوة وهي تمشط شعرها لتربطه خلف رأسها فيما يسمى بذيل حصان ..
قبل أن ترمق نفسها أخيراً بنظرة راضية ..وساخطة !!
لم تعد تفهم نفسها حقاً !!
تفتح الباب لتخرج إليهما فتتعلق عيناها بمشهده وهو يجلس مسترخياً على الأريكة وقد ضم الصغيرة لصدره بأحد ذراعيه بينما وضع وعاء كبيراً من "الفشار" جواره أمسكه بذراعه الحر ..
هذا الذي أزاحه الآن ليضعه فوق ساقيه مفسحاً لها هي المكان بحركة صامتة ..
تحركت لتجلس جواره غافلة عن عينيه اللتين كانتا تذوبان هياماً بتفاصيل أنوثتها في هذه المنامة ..
يعترف أنها ليست أجمل امرأة عرفها ..
لكنها أكثرهن أنوثة ..أعظمهن فتنة على قلب لم يتعلق هكذا بسواها !!
لهذا ما كادت تستقر جواره حتى مد ذراعه ليضمها نحوه -كابنتها- قبل أن يهمس في أذنها بخفوت :
_جامدة !
شفتاها ترتجفان ب-شبه ابتسامة -!
رغم شعورها بالاشمئزاز من هذا اللفظ الذي يستخدمه دوماً في التعبير عن إعجابه ..
لكنها لا تدري لماذا صار يؤثر فيها إلى هذا الحد ..
ربما لأنه يداعب وتراً منسياً في قيثارة أنوثتها !!
لكنها مالت على أذنه هامسة باستنكار ساخط افتضح رغم خفوت نبرتها :
_ولا بجامة ببنطلون في الدولاب؟! كلها شورتات !!
فكتم ابتسامته وهو ينظر للصغيرة مطمئناً
لانشغالها بالشاشة قبل أن يميل عليها هي ليغمزها بهمسه الوقح:
_البناطيل دي تلبسها الستات اللي رجليها وحشة فبتخبيها ..لكن ..
_شششش!!
تلكزه بها في خصره مقاطعة همسه بمزيج من خجل وسخط ومحاولة تخليص نفسها من ذراعه لكنه يتشبث بها وهو يضمها نحوه بقوة أكبر ..فتعاود لكزه بكوعها في خاصرته ..
_Incredibles.2
تقرأها ريما بصوتٍ عالٍ مقاطعة سجالهما الخافت هذا ليتجه كلاهما ببصره نحو الفيلم الكارتوني على الشاشة بينما الأولى تردف بنبرة متحمسة :
_عايزة أشوفهم هيعملوا إيه الجزء ده ..
تنقطع عبارتها بضحكاتها وهي تميز تطور الشخصية الجديدة للطفل ابن البطلين الذي ظهر في هذا الجزء:
_عدنان ! عسل الجزء ده يا بابا ..
ثم صمتت لحظة تفكر لترفع عينيها إليه بسؤالها:
_هو أنا ممكن أطلع "خارقة" ومش عارفة ؟!
_ممكن جداً ..
يقولها إسلام وهو يطعمها الفشار في فمها لتضحك له الصغيرة قبل أن تعود للاستكانة على كتفه ..
فيما بقي جسد نشوى متشنجاً في جلستها هذه وهي تشعر بالارتباك ..
ارتباك ازداد وهي تجده يريد أن يطعمها مثل صغيرتها لتفاجأ بالفشار قرب شفتيها ..
فتتقبله مرغمة ..وراضية !!
تناقض لم تعد تتعجبه مع هذا الرجل!!
تحاول الاندماج مع أحداث الفيلم الذي تعلم أن صغيرتها ستصدع رأسها بالحديث عنه بعد انتهائه كما عودتها ..
لكنها رغماً عنها تغيب في شرود طويل يخطفها من كل ما حولها ..
إلا من حركة شفتيها الرتيبة مستجيبة لتناول طعامها منه!!
شرودها يبتلعها تماماً ..
يدخلها في دوامة عجيبة "قهرية"..
فترى نفسها في نفس الجلسة إنما ..مع ناصر !!
يحتضنها وابنتها بكلا ذراعيه ..يمتدح أنوثتها بإفراط ..
ويهمس لها بكلام غزل لم تسمعه ..ولم ترد أن تسمعه من غيره !!
ترى كيف هو رد فعله على زواجها من صديقه ؟!
تراها ردت له الصفعة حقاً ؟!
هل منحته هذا الشعور أنه مجرد لا شيء ؟!
أم أنها تخدع نفسها ؟!
وأنها هي ..هي عنده "اللاشيء"؟!!
أفكارها تنقطع بشعورها بأنامله تداعب خصلات شعرها فيزداد تشنج جسدها بين ذراعيه وهي تتحاشى النظر نحوه ..
لكنها تنتقل ببصرها نحو ابنتها لتجده يداعب شعرها هي الأخرى بذراعه الآخر !!
فتلعن نفسها وهي تشعر من جديد بالذنب!!
لو كان صادقاً حقاً فيما يفعله فكيف تجزيه عنه بخيانة ولو بأفكارها ؟!
لو ...؟!
ألازالت تسأل؟!
نعم ..ولا تزال لا تعرف الجواب!!
جسدها يسترخي رغماً عنها مع حركة أنامله المداعبة لمنابت شعرها ليستقر رأسها تماماً على صدره دون تشنج ..
وما كاد يشعر هو بهذا حتى طافت بشفتيه ابتسامة راضية وهو يزيد من قوة ضمته للاثنتين بين ذراعيه ..
لتفيق هي من تخبطها وتعود لها طبيعتها "الشوكية" فترفع رأسها نحوه هاتفة باستنكار :
_انت مش كنت ماسك الفشار بإيدك ؟! إزاي تحطها في شعر البنت كده ؟!
_ما احنا خلصنا الفشار من زمان ..ومسحنا إيدينا ب"وايبس" يا مامي !
تهتف بها ريما مدافعة وهي تتناول علبة "المناديل المبللة" من جوارها لترفعها في وجهها ..
بينما هتف هو وهو يناظر عينيها المشتتين بمزيج من إشفاق ومكر:
_الظاهر مامي كانت سرحانة ..
ثم مال عليها بغمزته الساحرة كالعادة هامساً:
_اللي واخد عقلك يا "عسل"!
ترمقه بنظرة ساخطة متشحة بخليط مشاعرها العجيب من امتنان وذنب ..
لكنه يتفهم كل هذا وهو يعود لمداعبة شعرها وتظاهره الفاشل بمتابعة الفيلم !
تعود هي الأخرى لتغرق في نفس الدوامة الخطيرة من جديد لتبتلعها لدقائق أخر ..
ناصر..ناصر من جديد !
يقولون إن زوجته انهارت تماماً وترفض رؤيته ..
هل يشعرها هذا ببعض الارتياح؟!
لماذا إذن لا تشعر بلذة الشماتة ؟!
بل بغصة كبيرة تخنق حلقها !!
لا تتمنى له عذاب فقد كالذي تعيشه ..
مهما كان جرحه ..صفحها سيغلبه !
من جديد تنقطع أفكارها وهي تسمع صوت شخير طفلتها الناعم فتدرك أنها استسلمت للنوم على نفس الصدر الذي يضمهما الآن معاً !!
ينتابها شعور غريب نحوه ينتزعها من "خيالاتها القسرية" لتراه ب"عين الحقيقة" أول رجل يراعيها وابنتها هكذا بعد أشرف ..
شعور زاده هو من سطوته وهي تحس بإنامله المداعبة لشعرها تنتقل بجرأة أكبر لتداعب بشرة كتفيها ..
جسدها يتحفز من جديد ل"معركة" لا تدري أين ستنتهي بها ..
ترفع إليه وجهها بعينين زائغتين من جديد ليتلقفه بشفتيه قبل عينيه !
لقاء شفاه قصير لكنه يزلزلها بهذا الشعور العاصف الذي لم تختبره من قبل ..
شعور بلا مسمى لكنه يجعل خلاياها تفور كأنما تغلي على مرجل !
شعور لذيذ ..لكنه يوترها ..
يوترها بهذا المزيج الذي لا تفهمه من نفسها بين استجابة ونفور !!
لهذا دفعته سريعاً بارتباك لتقول وهي تشيح بوجهها نحو الصغيرة :
_البنت نامت ..هوديها أوضتها .
تقولها لتنهض واقفة قبل أن تنحني لتحمل الصغيرة لكنه تحرك قائلاً :
_هاشيلها أنا .
يقولها ليقف وهو يحمل الصغيرة ليتحرك بها نحو غرفتها حيث وضعها على سريرها قبل أن يلتفت نحوها هي وقد لحقت به ..
_هنام معاها هنا ..هي متعودة تنام جنبي ..لو قلقت مالقتنيش هت..
كلماتها تتلعثم بما يشبه تخبط شعورها ..
ونظراتها الراجية تناقض ملامحها المتنمرة في مزيج لم يعد يدهشه ..
بل لا يبالغ لو زعم أنه صار يعشقه !!
يعشقه وهو مميز لها ..هي فحسب!!
لهذا داعب أنفها بسبابته مقاوماً ضيقه الطبيعي من طلبها ليهمس لها بغمزة كعهده :
_براحتك يا عسل!
ترمقه بنظرة تشكك ولا تصدق أنه سيتركها لحالها ها هنا لكنها وجدته يتحرك ليغادر الغرفة فعلاً ..
_يا ... !..يا باشمهندس!
نداؤها "الغريب" يستوقفه ليبتسم مكانه قبل أن يلتفت نحوها فيجدها محمرة الوجه خجلة ..
_يا عيون "الباشمهندس"!
يقولها بنبرة هزلية مبالغة وهو يكتف ساعديه لتعقد حاجبيها وهي تلوح بذراعيها قائلة بخشونة ظللت اعتذارها :
_لسه ماخدتش على إني أناديك باسمك .
خشونتها تحفزه للمزيد من استفزازها اللذيذ فيتقدم نحوها ليقول بنفس النبرة :
_قوليلي يا "سلمونتي"!
يقولها محاكياً مشهداً شهيراً لأحد المسلسلات القديمة فتكتم ابتسامتها بصعوبة وهي تتخيله بصورة "العمدة" صلاح السعدني !!
"شبه ابتسامتها" هذه يستقبلها هو بضحكة
عالية ليقترب منها أكثر ثم يحيط كتفيها بقبضتيه وعيناه الحنونتان تناقضان عبث كلماته :
_اؤمرني يا "عسل"!
تدمع عيناها دونما سبب وهي تحاول الحفاظ على تواصلهما البصري للحظات قبل أن تفقد تماسكها لتطرق بوجهها قائلة بخفوت :
_انت ..اتجوزتني ليه ؟!
_تاني؟!
يسألها بمزيج من تفهم وإشفاق لترد بنبرة عاد إليها تنمرها العصبي:
_هتستعبط ؟! وانت كنت جاوبت أولاني؟!
_عشان أكفر ذنوبي وأقابل ربنا وأنا نضيف !
يقولها مشاكساً وهو يمسد صدره بحركة دائرية لتلكزه في كتفه قائلة بحنق :
_كل حاجة عندك تقلبها هزار ؟!
_ماهو كلامي الجد بيوترك !
يغمزها بها بعبث لتزفر بسخط حقيقي وهي تشيح بوجهها شاعرة بالمزيد من التخبط ..
لكنه يمسك ذقنها ليقرب وجهها نحوه ..ثم يعود ليطوق كتفيها بقبضتيه ..
يصمت للحظات مرت عليهما طويلة ..حميمية ..دافئة ..
ثم يهمس لها بنعومة آسرة :
_اتجوزتك عشان تحبيني ..
عيناها تتسعان بصدمة من جواب لم تتوقعه ..
ليقترب هو بوجهه أكثر حتى يكاد يلاصق وجهها :
_عارفة يعني إيه ست زيك تحبني ؟! يعني أعيش العمر كله مطمن إني مسنود ..لو وقعت
هلاقي إيديها بتشدني ..بتوقفني تاني ..ست زيك يعني دفا ..أمان..حنيّة يمكن ماتبانش في الكلام بس بتتغرس في القلب غرس ..ست زيك يعني الدنيا كلها !
جسدها يرتجف بين قبضتيه بقوة لا تملكها وكلماته -على حرارتها- لا تصل لقلبها !!
لم تعد تدري هل تصدقه أم تكذبه فقد كانت هائمة في وادٍ آخر ..
ناصر!
هذه هي -بالضبط - الكلمات التي تمنت سماعها منه !!
_مش انتِ اللي عايزاني أتكلم جد ؟!
تشعر بهمساته تنتهي عند حدود شفتيها فتغمض عينيها مستسلمة لغزو تخافه ..وتشتهيه !!
تخافه بعمر أيام قضتها تنفر من لمسات "رجل "..
وتشتهيه بعمر أيام قضتها تنتقص من قدر نفسها ك"أنثى"!
مزيج غريب لكن مشاعرها الآن كلها تبدو لها غريبة ..متخبطة ..
والخطير حقاً في هذه اللحظة أنها لم تكن تراه هو !!
تارة تراه في صورة "زوجها السابق" فيتقلص جسدها نفوراً ..
وتارة تراه في صورة أخرى تجعلها تكاد تذوب ..بل تشتعل استجابة ..
صورة ناصر!!
شهقة عنيفة تطلقها عالية وهي تدفعه عنها أخيراً ببعض العنف لتسيل دموعها كالسيل على وجنتيها ..
أي جحيم هذا الذي ورطت نفسها فيه ؟!!
تكون بين ذراعي رجل وتفكر بآخر !!!!
إنها لم تفعلها مع زوجها السابق ..
فلماذا تفعلها الآن معه هو ؟!
بينما كان يرمقها هو بنظرة متفهمة لم تخلُ من إشفاق ..
لا تزال دموعها بين ذراعيه حاجزاً يود لو يتخطاه ..
يعلم أنه وقتها فقط يمكنه أن يرغب منها
بالمزيد ..
لو كان أحدهم قد أخبره من قبل أنه سيصبر على امرأة كما يصبر عليها لاتهمه بالجنون ..
لكنه يجد نفسه يفعلها طوعاً ..وقسراً !!
لأجلها ..ولأجل نفسه !!
لهذا زفر زفرة قصيرة وهو يمسح دموعها بأنامله صامتاً مكتفياً بنظراته المؤازرة التي لم تكن تدري هل تربت عليها ..
أم تلسعها بالمزيد من سياط الذنب !!
_طيب ..أنا هاوريكي عرض أكتافي ..بس عايز أسمع اسمي منك الأول ..مش معقول هتفضلي تناديني يا باشمهندس .
يقولها مشاكساً بمناورة لترد بصوت مختنق وهي تتحاشى نظراته :
_مش وقته دلوقت ..هاندهك ليه ما انت قدامي ؟!
_يا ساتر!
يقولها رغماً عنه ضاحكاً من فظاظتها قبل أن يميل على خدها ب"عضّة" خفيفة مفاجئة مردفاً:
_أموت في التين الشوكي !
تأوهت بخفوت وهي ترمقه بنظرة مغتاظة غلبت ألم ملامحها ليبتسم وهو يغمزها بينما يبتعد بقوله :
_تصبح على خير يا "شرِس" !
تتابعه بنظراتها بتوجس حتى يختفي عن ناظريها فتتنهد أخيراً وهي تشعر ببعض
الارتياح ..
ورطة !!
ورطة جلبتها لنفسها وتزداد خطورتها يوماً بعد يوم !!
======
استيقظت من نومها لتفتح عينيها فتجد الفراش خالياً من ريما ..
لابد أنها ذهبت إليه !
لم تعد تنتظر استيقاظها هي أو حتى توقظها بنفسها بيديها الصغيرتين فوق وجنتها ..
بل صارت تهرع فور إفاقتها من نومها إليه هو!!
هل تشعر بالغيرة منه على طفلتها ؟!
ربما ..
وربما تخشى أكثر أن يزداد تعلق الصغيرة به ..فيخذلها ..يخذلهما معاً!!
تنفض عنها الغطاء بسرعة لتصطدم عيناها بساقيها العاريتين في سروال منامتها القصير ورغماً عنها تتذكر عبارته الوقحة بالأمس ..
_البناطيل دي تلبسها الستات اللي رجليها وحشة فبتخبيها ..
عبارته التي قاطعتها هي ..ترى لو لم تفعل هل كان سيغازلها هو ؟!
هل يراها حقاً جميلة ؟!
تعض شفتها بارتباك وهي تعجز لأول مرة عن فهم تناقضات نفسها ..
هي لا تريده ..لكنها تريد سماع كلماته ..
هي لا تحبه ..لكنها تحب ما يفعله لها ..
هي لا تنجذب له ب"قلب" لا يزال لا يعترف إلا بمعشوق واحد خذله ..
لكنها تنجذب له ب"جسد" هو أول من يجيد فك شفراته !
هي إذن لا تراه هو ..إنما تحب رؤية نفسها من
خلاله !!
زفرة يائسة تغادر حلقها وهي تقف مكانها لتتوجه نحو الحمام القريب ثم إلى مرآتها ..
تعلم أن شعرها الجميل وجسدها المغري هما أفضل ما تملكه امرأة عادية الملامح مثلها ..
ربما لهذا اهتمت كثيراً بتصفيف شعرها لتعقصه كعهدها خلف ظهرها ..
قبل أن تغير رأيها في آخر لحظة لتسدله على كتفيها حراً ..دون أن تفكر في السبب !
تتحرك نحو المطبخ القريب لتجده واقفاً جوار ريما التي تلاحقه بثرثرتها فلا يتذمر ..
بل يضاحكها مشاكساً تارة وينصحها خفية تارة ..
والصغيرة في الحالتين تستجيب له بأكثر مما تفعل معها هي !!
الصغيرة كانت فعلاً تحتاج أباً ..
أباً مثله هو !!
_صحيتي يا مامي ؟! شفتي المفاجأة ؟!
تهتف بها ريما بحماس وهي تهرع إليها بينما تحمل أحد الأطباق بين كفيها :
_بابا خلاني أساعده في الفطار ..قشرت البيض ..وحطيت الكاتشاب على البطاطس لوحدي ..وصبيت العصير من الدورق وما وقعش غير شوية صغيرين ..شوفي ..
تقولها ريما بفرحة من "إنجازاتها" الصغيرة وهي تشير للمائدة التي رصت عليها أطباق الطعام ..
فانحنت نشوى لتعانقها بحنان وهي تتحاشى النظر نحوه ..
هو الذي طافت نظراته فوقها بعاطفة حارة وهو يتذكر -أحلام يقظته -العابثة معها في فراشه الخالي منها بالأمس ..
_أحلام يقظة ! خلاص ده بقا آخرك يا بتاع البرقوق!!
يقولها لنفسه بحسرة ساخرة وعيناه تعاودان دورانهما المتفحص فوقها ليردف لنفسه بحسم :
_فشر! محتاجين بس ندوس بنزين شوية بس ما نقرصش قوي عشان ما تقفشش!
_صباح الخير !
تقولها نشوى بخشونة لم تتعمدها ملاحظة دوران نظراته فوقها كعادته ليرفع عينيه نحوها بغمزته الساحرة كعادته :
_صباح العسل يا عسل!
_علمني أعملها يا بابا ..إزاي بتقفل عين وتفتح التانية بسرعة كده ؟!
تهتف بها ريما بانبهار لترمقه نشوى بنظرة ساخطة جعلته يطلق ضحكة عالية ثم ينحني ليحمل الصغيرة فيقبل وجنتها ..
قبل أن يعاود غمزته بقوله :
_هاعلمهالك ..دي مامي بتحبها قوي !
_أنا لا بحبها ولا نيلة !
هتفت بها نشوى بسرعة أفقدتها التحكم في فظاظتها لكن الصغيرة هتفت بحماس وهي تقبل وجنة إسلام كأنها تصالحه :
_مش مهم ..ما تزعلش ..مامي مابتحبش حاجات كتير حلوة ..بس أنا بحبها قوي .
_حبيبتي انتِ !!
يهتف بها إسلام وهو يغرق وجه الصغيرة
بقبلاته قبل أن يرفعها بين ذراعيه ليدغدغ بطنها بأنفه فتنطلق ضحكات الصغيرة بين صرخاتها في مزيج رجّ نشوى رجاً !!
المزيد من الغيرة -اللا مفهومة- هاهنا !!
المزيد من الانجذاب -اللا مسمى- لهذا الكيان !!
والمزيد من التخبط بين مشاعر لم تتخيل أن تتطرف هكذا بين امتنان وغضب ..والكثير من الذنب!
الذنب؟!
نعم ..وكيف لا ؟!
وهي لا تزال تجد نفسها رغماً عنها تتمنى لو كان ناصر مكانه !!
وليت الأمر يقتصر على التمني ..بل إنها صارت تتخيله !!
أغمضت عينيها بقوة تقاوم الخاطر الأخير بضراوة قبل أن تعاود فتحهما لتراه يجلس الصغيرة فوق أحد كراسي المائدة ..
قبل أن يتحرك فيسحب لها هي كرسياً ..
تهم بشكره وهي تجلس لكنه يسحب الكرسي خفية بحركة من ساقه فتكاد هي تسقط لولا أن يتلقفها بين ذراعيه بخفة سريعة ..
_اسم الله عليك يا عسل!
قلبها يخفق بقوة وهي تحاول استعادة توازنها بينما تستدير بين ذراعيه لترفع عينيها إليه بنظرة غاضبة فيستقبلها بحاجبين متراقصين :
_مايصحش تقعي وأنا موجود ..دراعاتي أولى بيكي!
_مفيش فايدة ..كل ما تعمل حاجة عدلة أشكرك عليها تبوظها بتصرفاتك دي !!
تهتف بها بانفعال لترد ريما مدافعة بقوة:
_هو ما عملش حاجة يا مامي ..الكرسي اللي اتزحلق لوحده .
دفاع الصغيرة يزيد سخطها فتدفعه ببعض العنف وتجلس مكانها فيغيظها بضحكة أخرى قبل أن يجلس بدوره ..
مشاكساته لها لا تتوقف طوال تناولهما للطعام ..
تماماً كضحكات ريما العالية التي بدت لها حيوية كما لم تكن من قبل !!
_ليلة الحنة بتاعة أختي لجين بكرة ..جبت لكم فستانين هيعجبوكم قوي !
يقولها لتصفق ريما بحماس طفولي فيما تتغضن ملامحها هي لتهتف به بانفعال مبالغ فيه :
_وتجيبلنا ليه من غير ما تاخد رأيي؟! مش هتبطل تفرض ذوقك عليا ؟! أنا مابحبش حد يتحكم فيا !
وصل انفعالها حد الصراخ العصبي في عبارتها
الأخيرة ليسود الوجوم للحظة قبل أن يلتفت إسلام نحو ريما قائلاً بحسمه الحنون :
_روحي أوضتك يا ريما واقفلي عليكي لغاية ما أناديلك .
_هتتخانقوا ؟!
تسأله الصغيرة بقلق ليرد بإشارة بالنفي صحبتها ابتسامة ..
ثم غمزة لها جعلتها تحاول تقليده بمحاولة فاشلة قبل أن ترفع له إبهامها بعلامة
الاستحسان ..
لتقفز من على مقعدها ثم تتوجه نحو نشوى فتقبل وجنتها قائلة برجاء:
_عشان خاطري ماتزعليهوش ..انا بحبه قوي .
يشتعل وجهها بغضب ممتزج بالغيرة وهذا المزيج المتصارع من مشاعرها ..
فيطرق برأسه متفهماً هذه الدوامة التي تجاهد للخلاص منها ..
يعرف جيداً أن أمخاخ النساء تختلف عن الرجال !
المرأة تسوقها عاطفتها ..يدور حولها عالمها كنواة ..فيما تبقى عاطفة الرجل مجرد "عاصمة"على خريطة تعجّ بالمدن !!
لهذا يرفع عينيه إليها عقب انصراف الصغيرة ليمد أنامله نحو كفها على المنضدة فيحتضنه برفق ..
تلتفت نحوه بحدة هدأتها نظراته الحنون التي ناسبت قوله الهادئ:
_أنا ما بفرضش ذوقي عليكِ ..أنا بس عايزك تحسي إني فعلاً مهتم بيكي وبريما .
عبارته كانت حسنة النية تماماً لكن "جرحها الطازج" يجعلها تتحسس "بطحة رأسها" فتهتف بصوت من على وشك البكاء:
_"عايز تحسسني إنك مهتم بيا"؟! قصدك إيه ؟! هه؟! إني مش لاقية حد يحسسني بكده ؟! إني ناقصة اهتمام..مجروحة ..غلبانة ؟! بتعايرني ؟! قلها بصراحة ..أنا من ليلة الفرح وأنا مستنياك ..
يرفع أنامله الحرة نحو شفتيها مقاطعاً بينما كفه الآخر يضغط أناملها في راحته ليرمقها بنظرة عاتبة امتزجت بحنان عينيه الدافق تاركاً لدموعها حرية الانطلاق ..
يعلم أنها تحتاج المزيد من الوقت لكنه ليس متعجلاً ..
هو اختار طريقه معها وسيكمله !
لهذا صبر لبضعة دقائق حتى هدأت حدة بكائها ثم وقف ليشدها فيوقفها معه قائلاً:
_تعالي شوفيه ولو ماعجبكيش ..ننزل نشوف غيره !
أشاحت بوجهها دون رد ليجرّها جراً نحو غرفتهما ثم يفتح لها الخزانة فتمط شفتيها باستياء وهي تميز لونه ..
_روز! كل حاجة تجيبهالي روز ! من صغري ما بطيقش اللون ده !!
تهتف بها باستياء اعترفت لنفسها أنه مبالغ فيه فالثوب حقاً كان مبهراً ..
ليرفع هو حاجبيه هاتفاً بنبرته المشاكسة :
_فيه ست مابتحبش الروز !! ده انتِ معقدة بقا !!
كلماته تستفزها لتنزع كفها منه هاتفة بانفعال:
_معقدة ..ومكلكعة ..ومش نافعة ..عاجبك واللا مش عاجبك !
_عاجبني موت يا عسل!
يهمس بها بحاجبين متراقصين قبل أن يسرق من شفتيها قبلة خاطفة تجعلها تشهق مبتعدة بوجهها ليقهقه ضاحكاً قبل أن يميل على أذنها هامساً:
_لما بتتعصبي بتبقي رهيبة ..مابعرفش أمسك نفسي ..فاهدي بقا سيكا عشان بتهور وبترجعي تزعلي ..يا عسل!
والكلمة الأخيرة ترافقها "عضّة" خفيفة لطرف أذنها فترمقه بنظرة أكثر اشتعالاً ..إنما أقل سخطاً !
يبتسم وهو يحك ذقنه في وضع التفكير ليقول كأنما يحدث نفسه :
_طلعت ما بتحبش الروز ! مممم ..امال هاعمل إيه في الحاجات اللي موصي عليها دي ؟! دي تقريباً كلها روز ..بجامات وقمصان نوم ..و "بيبي دول" و..
تشهق بارتياع وهي تضع كفها على فمه مقاطعة وقد احمر وجهها مدركة ما سيتفوه به بعدها :
_بس ..بس ..هتقول إيه تاني ؟! انت إيه ؟! لسانك ده مفيش عليه كونترول خالص ؟!
_خالص!
يقولها بحاجبين متراقصين بعدما قبّل راحتها على شفتيه لتبعدها بعنف هاتفة :
_ماشفتش خمس دقايق تربية ؟!
_ولا دقيقة واحدة !
يكرر تراقص حاجبيه وهو يحتضن خصرها فجأة ليلصقها به فيرتجف جسدها مع تلاحق أنفاسها ..
خاصة وهو يقترب بوجهه منها هامساً بمكر:
_أكمل بقية الحاجات اللي موصي عليها بقا ؟!
_اخرس!
تهتف بها وهي تدفعه ببعض العنف ..
جسدها يستعذب هذا "الهجوم اللذيذ" الذي يمارسه ..لكنها تكره هذا !!
تكرهه وهو يقذفها وسط لهب الصراع من جديد ..
فتهرب منه بقناعها "الشوكي" كالعادة :
_وبعدين ليلة حنة إيه دي اللي أحضرها ؟! أنا ما أعرفش حد هناك !
_اعرفيهم ..دول إخواتي!
يقولها ببساطة وهو يهز كتفيه ليدهشها هذا
الاعتزاز الذي يتحدث به ..
فتدفعها عصبيتها للمزيد من الحماقات :
_مش دول ولاد حسين رجائي من الخدامة !
وجهه يحمر فجأة بغضب اشتعلت له ملامحه كلها ليرتجف جسدها كله وهي تجده يتحول في لحظة واحدة ..
يعقد حاجبيه بقوة وهو يكز على أسنانه لتختلج عضلة فكه بينما تنفر عروق جبينه ..
فتتراجع عنه خطوة وعيناها تتكدسان بالدموع من جديد مدركة فداحة ما قالته ..
لكنه يتركها ليغادر الغرفة مندفعاً نحو غرفة المعيشة المجاورة !
تقف مكانها مترددة لدقائق ودموعها تغرق وجهها بينما تعض شفتها بندم ..
لقد تمادت حقاً هذه المرة ..
لكن ..أليست هي الحقيقة ؟!
الحقيقة !!
تهز رأسها بإدراك وهي تتبين وجهاً جديداً في شخصيته لم تنتبه له من قبل ..
هو حقاً يعتز بأختيه هاتين رغم ظروفهم الغريبة ..
واحدٌ غيره ربما لم يكن ليكترث لهما أبداً !!
واحدٌ غيره ..إنما هو ..هو يبدو وكأن خلف واجهته العابثة هذه قلباً لا يعرف إلا الحب!
الخاطر الأخير يزيد ضيقها لسبب مبهم لا تفهمه فتزيحه عن ذهنها قسراً قبل أن تزفر بقوة لتمسح دموعها وهي تتحرك لتتوجه نحوه بخطوات متثاقلة ..
تجده جالساً على الأريكة يعطيها ظهره فتتردد في مواجهته لتقف مكانها خلفه قائلة بصوت مختنق:
_آسفة .
ملامحه تلين رويداً رويداً وهو يميز ذبذبات جسدها المتوترة خلفه ..
لكنه لم يلتفت نحوها متعمداً ليصله صوتها الحانق :
_ماكانش المفروض أقول كده ..عيب قوي إني أتكلم عنهم كده ..بس انت اللي بتستفزني وتخلليني غصب عني أتغابى عليك .
يشعر بها تقترب أكثر فتلتمع عيناه بفكرة جعلته يقلب في هاتفه ليستحضر أحد الفيديوهات المسجلة ..
_رد عليا ..أنا ما بكلمش نفسي ! أنا غلطانة إني جيت أعتذرلك و..
تقولها وهي تقترب أكثر فتتشح شفتاه بابتسامة ماكرة وهو يتظاهر بالانهماك فيما يفعله..
_انت بتتفرج على إيه ؟
تهتف بها بارتياع وهي تقطع حديثها فجأة وقد انتبهت لما يشاهده على هاتفه ..
امرأتين شبه عاريتين تعتلي إحداهما الأخرى!
فيرفع عينيه إليها مدركا مشاعرها من ملامحا المشتعلة كعهدها ..
ليجيبها ببراءة مصطنعة :
_ده ماتش ..رياضة !
_رياضة ؟! دي رياضة ؟!
تهتف بها باستنكار ساخط ليرد بنفس البراءة المصطنعة :
_مصارعة حريمي ..
ثم غمزها كعهده مردفا:
_بحب ال"wild cats".
احمر وجهها بما لا تدري غيرة أو خجلا لتعاود اختلاس نظرة للهاتف زادتها اشتعالا وهي تميز الصراع العنيف للمرأتين ..قبل أن تستدير حول
الأريكة تحاول انتزاعه منه هاتفة :
_سيب القرف اللي في ايدك ده و رد عليا ..أنا مش ..
لتنقطع عبارتها وهي تشهق بينما تجده يسحبها إليه فجأة فتسقط على صدره لتقابلها عيناه الخطيرتان جدا ..الآمنتان جداا جدااا ..
_هاسيبه بس بشرط ..
يقطع عبارته ببطء متعمد ونظراته تجول على
ملامحها بعبث :
_تلاعبيني زيهم !
_سهلة !
تهتف بها بغيظ وهي تحاول تسديد لكمة لوجهه أوقفها بضحكة عالية سبقت غمزته بقوله :
_مش كده يا "شرس" ..تعالي أعلمك .
يقولها لتجد نفسها فجأة تسقط على ظهرها على الأريكة بينما هو يشرف عليها بوجهه ولايزال محتجزاً كفها في قبضته ..
تحاول تسديد لكمة أخرى له بكفها الحر لكنه يتناوله كذلك في راحته ليثبت كفيها أعلى رأسها قبل أن يحتل عينيها بنظراته التي اجتاحتها بجنون وهي تدور عليها بافتتان واضح ..
قلبها يخفق بقوة وهي تتعجب قوته الجسدية هذه التي لا تبدو على بنيته الأقرب للنحافة ..
لكن ماذا فيه كما يبدو؟!
"كله" لا يبدو كما هو!!
هل هذا ابن حسين رجائي تاجر المخدرات الذي دمر أخاها ومصنعه ؟!
هل هو الرجل الذي رفضت يده الممتدة لأخيها منتظرة أي شبهة تبعده عن مصنعهما ؟!
هل هو العابث الذي يكاد يذيبها خجلاً من وقاحته ؟!
لماذا إذن تستصعب تصديق كل هذا الآن وهي ترى خلفه دوائر كثيرة ملتفة تجذبها لدوامتها ..
أفكارها تنقطع وهي تشعر به يقترب من شفتيها ببطء مثير فتغمض عينيها بترقب ..
هاهو ذا نفس الشعور من جديد يجذبها في دوامته !
خلاياها كلها تفور استجابة وهي تتلقى عطاياه بنهم بينما يستغل كل هو خبراته ليقذفها في وسط النار !
موجة تتلوها موجة وهي وسطها تحاول القفز كي لا تغرق ..
لكنها تعود فتستعذب هذا الغرق!!
لماذا يفعل بها هذا ؟!
لماذا لا يخلع عنها ملابسها لينال حاجته ثم يرميها خلفه كنفاية كما كان زوجها السابق يفعل ..
لماذا يبدو وكانه يصر أن يمنحها هذه اللذة حتي ولو رغما عنها ؟!
لماذا تشعر معه وكأنها واحدة أخرى ..
واحدة تتفتح براعم انوثتها معه وتحت شمسه هو..
تماماً ..كما ظنت نفسها ستكون مع "ناصر"!!
ناصر!
"عين خيالها" تستجلبه للصورة من جديد ..فتجد نفسها رغماً عنها في ذات الدوامة ..
تارة تراه بصورة زوجها السابق فتنفر مقاوِمة..وتارة تراه بصورة ناصر فتقبل راغبة ..
وبينهما تجاهد نفسها كي تفيق من كل هذا دون جدوى!!
اللذة المستحدثة تتحول لعذاب هي الأخرى ..
عذاب فضحته دموعها التي وقفت حائلاً بينهما مرة أخرى ..
فتشعر به يبتعد ليمسحها بأنامله هامساً بضيق عبر أنفاسه اللاهثة :
_برضه بتعيطي ؟!
ضيقه لم يحمل عتابه بقدر ما حمل تفهمه الذي ذبحها وهي تشعر بالمزيد من الذنب !!
فتعض شفتها بقوة وهي عاجزة عن الرد لكنه يحرر شفتها من أسنانها بأنامله هامساً بنبرة امتزج فيها العتب بالعبث :
_افتحي عينك يا جبانة .
تفتح عينيها ببطء متعجبة سرعة تحول لهجته بهذه الطريقة ..
لكنها فهمت من فيض نظراته ما يناقض هذا العبث الذي تزخ به كلماته ..
عيناهما تلتقيان بحديث طويل تقاسمت فيه القلوب جنون خفقاتها ..
قبل أن تشعر بأنفاسه اللاهثة تزداد سكينة مع هذه الابتسامة التي شقت شفتيه وملامحها تظللها كغيمة بين رعد ..ومطر !
_قلتلك حسين رجائي خط أحمر ماتعديهوش ..قولي أنا آسفة.
_ما انا قلت .
تهمس بها بصوت متحشرج ترد على عتابه الجاد وهي تحاول تحرير جسدها منه ..
لكنه يثبتها بثقل جسده مردفاً بين إصرار وعبث ..
_قوليها بنِفس!
_لا .
تقولها بعناد فيعيد تكبيل كفيها بقبضتيه جوار رأسها هامساً لها :
_حلووو ..نعيد بقا الماتش م الأول .
_لا لا لا ..آسفة ..أنا آسفة !
تقولها بسرعة فيضحك ضحكة عالية قبل أن يعود ليقترب بوجهه منها صامتاً للحظات ..
عيناه تطوقان ملامحها بهذا المزيج الذي يقذفها وسط تنّور إحساس لاهب ..
_لو مش عايزة تروحي مش هاغصبك ..بس حضورك وسط اخواتي مهم قوي عندي ..
يهمس بها أخيراً بجدية دون أن يغير وضعه لتغمض عينيها محاولة استجماع شجاعتها :
_مش هاقدر أواجه حد دلوقت ..أنا لسه في عيون الناس العروسة اللي عريسها هرب فدورت على واحد تاني في نفس الليلة ..عشان ما تطلعش بإيدها فاضية !
حاولت مزج عبارتها الأخيرة بالهزل لكنها خرجت رغماً عنها أكثر مرارة ..
فداعب جفنيها بأنفه ليجبرها على فتحهما قبل أن يغرس نظراته في عينيها ولايزال يكبل كفيها بكفيه :
_م الناحية دي اطمني ..محدش هيضايقك بكلمة أو حتى نظرة ..كلهم أهلي وحبايبي ..ومصدعهم بكلامي عنك ..هم حبوكي بعيوني قبل ما يشوفوكي ..
هزت رأسها بعدم اقتناع رغم أن كلماته لامست جدران قلبها التي لا تزال صلدة ..
فابتسم ليردف بمزيج من حنان وحزم:
_اتفقنا ماعدناش هنهرب ..صح؟!
رفعت إليه عينين زائغتين ليدرك قرب انتصاره ..والصمت يظللهما للحظات ..بدا فيها أنها اتخذت قرارها بعدم الهروب فعلاً ..
فاتسعت ابتسامته وهو يغمزها بقوله :
_يعني ما عادتش بتعصبك "اتفقنا"؟!
كتمت ابتسامتها بصعوبة وهي تشيح بوجهها ..
لتنتهز فرصة انشغاله فتحرر كفيها منه بسرعة وتحاول النهوض عنوة ..
لكنه عاد ليحيط كتفيها بقبضتيه معيداً إياها مكانها قبل أن ينحني فوقها بوجهه هامساً بعبث :
_على فين "يا خِطِر"؟! كل ده كلام جد ..
ثم يغمزها مردفاً :
_الحساب يا "عسل"!
=======
_حلو يا مامي ؟!
تسألها ريما وهي تدور حول نفسها بثوبها الفضي ذي التنورة الواسعة الذي جلبه لها إسلام ..
فتبتسم وهي ترى صغيرتها فاتنة حقاً ..
تتقدم نحوها لتعانقها بقوة هامسة :
_حلو قوي .
_وانتِ كمان ..فستانك جميل ..بابا بيعرف يختار !
_طبعاً .
يقولها إسلام خلفهما بمرحه المشاكس فتلتفت نحوه نشوى لتجد عينيه كالعادة تدوران عليها بهذه النظرات التي تثير ارتباكها ..
_ماله "الروز"؟! حلو ويجنن اهه !
يهمس بها في أذنها وأحد ذراعيه يستريح على خصرها بينما الآخر يداعب به شعر ريما التي هتفت به بمرح :
_هنسافر تاني ؟! بلد حلوة زي مارينا ؟!
_أحلى .
_فيها ناس أعرفهم ؟!
_فيها إخواتي ..هتحبيهم قوي ..ياقوت ولجين .
يقولها لتكرر الصغيرة اسميهما كأنها تحفظهما قبل أن تتنحنح نشوى لتقول لها بحزم :
_روحي أوضتك دلوقت يا ريما لغاية ما أندهلك .
_حاضر يا مامي
تقولها الصغيرة بطاعة تجدها هي غريبة قبل أن تتحرك لتغادر غرفتهما ..
لكنها توقفت فجأة ثم التفتت نحو نشوى محاولة تقليد غمزة إسلام بحركة فاشلة صاحبت قولها :
_تؤمر يا عسل .
قهقه إسلام ضاحكاً باستمتاع وهو يراقب الغيظ الذي أشعل ملامح نشوى وهي تصرف الصغيرة لغرفتها بعبارة عصبية ..
قبل أن تلتفت نحوه هو هاتفة بانفعال:
_عاجبك كده ؟! شايف تأثيرك ع البنت ؟!
_عقبال اللي في بالي ما يتأثر كده !
يغمزها بها بنبرة رخيمة وهو يقرص خدّيها الممتلئين ببعض القوة فتزيح كفيه عنه بعصبية ..
ليردف وهو يعاود تفحص شكلها بالثوب الوردي:
_هو ضيق في حتت معينة بس معلش ..هاظبط المقاس بعدين ..المشكلة إن "
"امكانياتك " دي ما بتتدراش ..العيب مش في الفستان .
وجهها يحمر من وقاحته كالعادة لكنها تتمالك نفسها لتشيح بوجهها فيما يستطرد هو بنبرة أكثر جدية :
_الحاجة ثمر أول مرة تشوفك ..عايزها تبصم
بالعشرة إن ذوقي حلو .
هنا التفتت هي نحوه باستغراب حقيقي لتصمت للحظات قبل أن تسأله :
_انت إزاي قادر تروح وتقابل الست اللي قتلت والدك ؟! بجد مش فاهماك ..حتى لو كان معاها حق ..بس إيه كمية البرود اللي تخليك متقبل الوضع كده ؟!
ملامحه تشتعل ككل مرة تاتي علي ذكر حسين ..لكنه يتحرك مبتعداٌ نحو النافذة ليضع كفيه في جيبي سرواله مكتفياً بصمته للحظات ..
فينقبض قلبها ببعض الندم حتى كادت تهم باعتذار ..
لكنه بادرها بقوله عبر ضحكة عصبية ولايزال شارداً عبر النافذة :
_برود ؟! هه ؟! صحيح !!
ضحكته العصبية هذه المرة تخزها وهي توقن أنها تحمل عكس ما تظهره ..
تجد خطواتها رغماً عنها تقترب منه ببطء لتراقب جانب وجهه الشارد عبر النافذة ..
بينما هو يردف بنبرته التي يجيد جدّها كما يجيد هزلها :
_فيه حاجات كتير ماينفعش نقبلها أو نرفضها ..بتتاخد على بعضها كده وبس ..
ثم يغمض عينيه لتختلج عضلة فكه لثوانٍ قبل أن يتبعها بقوله :
_الحاجة ثمر ما غلطتش ..يمكن لو كنت أنا نفسي مكانها كنت عملت زيها ..يمكن اللي خفف عني الصدمة شوية إني من زمان عرفت وشه التاني اللي في الضّلّ لما سمعت كلامه بالصدفة عن بنتين مخلفهم في السر م الخدامة ..وقتها اخترت أهرب ..سافرت وعملت لنفسي دنيا تانية والقدر اختار لي عيلة تانية تلهيني ..قبل ما أكتشف بقية حقيقته اللي كان مخبيها ..
الألم الساخر بين حروفه يطرق أبواب قلعتها بقوة لا تنكرها ..
تقترب أكثر حتى تكاد تلاصقه لكن يبقى لسانها معقوداً وهي تستمع للقصة من جانبه هو هذه المرة :
_من يوم ما مات نفسي أحلم بيه ..بس مابيحصلش أبداً ..نفسي أسمع منه وأسأله ..هو فعلاً كان بالبشاعة دي ؟! لحد دلوقت مش قادر أصدق ..مش قادر اربط الصورتين ببعض ..الأب المثالي وتاجر المخدرات !! هو دايما كان مشغول عننا ..بس لما بيبقي معانا كان بيعوضنا ..مااقدرش أقول أبداً إنه كان أب سيئ ..يمكن عشان كده هيثم بالذات كان صدمته كبيرة ..وهرب منها أنه ينسى ..بس أنا اخترت إني ماعدتش أهرب !
يفتح عينيه فجأة ولايزال شارداً عنها في الفراغ لتميز فيهما دموعاً محتبسة ..
ولأول مرة لا تجد في الدمع ضعفاً بل قوة !
قوة رهيبة شعرت بها وتعجبتها في شخصية تبدو في ظاهرها بكل هذا الهزل !!
تماماً كما هي أول مرة تشعر أنها تقترب من دواخله هكذا ..
تتعرف على "الانسان" الحقيقي خلف هذا القناع من المشاكسة والمرح و..الوقاحة !
لهذا لم تشعر بنفسها وأناملها ترتفع ببطء لتحطّ على كتفه للحظة قبل أن تشرع في التربيت عليه ..
يلتفت نحوها بدهشة التمعت في عينيه للحظات وهو يراها أول شارة حقيقية منها
بالاقتراب نحوه ..
ليجد عينيها تهربان منه سريعاً ..تماماً كأناملها التي سحبتها فجأة من على كتفه ..
لكنه يتلقفها بنفس السرعة ليضمها في راحته للحظات قبل أن يرفعها نحو شفتيه بقبلات رقيقة ناعمة ولايزال يطوق عينيها بنظراته ..
_شكراً .
يهمس بها بنظرة آسرة أرجفتها لتسحب كفها منه بشعور أقرب للخوف منه للفظاظة ..
فيبتسم وهو يشير ل"شامة" سوداء غريبة المنظر تحت أذنه مباشرة ..
_شايفة دي؟! الوحمة اللي شكلها وحش قوي دي؟!
عيناها تنتقلان بتوجس نحو ما يشير إليه ..لكنها لم تجدها قبيحة كما يصفها ..بل إنها وجدتها -بصورة ما - تثير خجلها و..ماهو أكثر!
_مرة وأنا صغير وبنلعب ع الشط قابلنا واحدة م اللي بتقرا البخت وتضرب الودَع ..قالت لي الوحمة اللي عندي دي إشارة إن بختي هيبقى حلو قوي مع الستات ..
يقولها بنبرة دافئة اخترقتها مع ابتسامته وهو يردف بغمزة :
_دلوقت بس صدقتها !
ترمقه بنظرة دهشة ولاتزال تشعر بصعوبة تصديق ما يقوله ..
فتنفرج شفتاها بنفس السؤال الذي تسأله كل مرة والجواب لا يمنحها ما يقنعها ..
_اتجوزتني ليه ؟!
فيهز رأسه قليلاً بقلة حيلة ..
ثم يحتكر ذقنها بأنامله فيقرب وجهها منه هامساً ببطء :
_ماعدتش هارد ع السؤال ده ..المرة الجاية هاسيبك انتِ تجاوبيه .
=======
تتأمل لجين شكلها في مرآة غرفتها بنظرات مبهورة ..
لا تكاد تصدق أنها ترى نفسها بهذه الروعة !
هل ينبع شعورنا بالجمال من أنفسنا حقاٌ ؟!
أم من "أحبة قلوبنا" الذين يسدلون حولنا ستائر عاطفتهم الملونة فتصبغنا بصبغتهم ؟!!
ثوبها الذي جلبه لها إسلام معه بمزيج من اللونين الفضي والوردي ناسب لون بشرتها بصورة مذهلة ..
خاصة مع لون وشاحها وزينتها التي برعت في وضعها غير شاعرة بالذنب مادام الاحتفال كله للنساء فحسب !
_حلوة قوي ..اوعدنا يارب!
الهتاف يرافقه صوت التقاط صورة فتلتفت للزاوية حيث هرعت إليها رابحة هاتفة بشقاوتها المعهودة :
_أنا لو منك أبعت الصورة دي للشيخ ..هتخلليه مايجيلوش نوم الليلة دي !
خبطتها في كتفها مع نظرة عاتبة لتضحك ياقوت التي تقدمت نحوهما لتختطف الهاتف من رابحة هاتفة بمشاكسة :
_الشيخ لو شافها كده هيقيم عليها الحد ..
ثم عادت تتأمل الصورة بحنان لتعود ببصرها نحو لجين قائلة بصوت هدجته عاطفته :
_الصورة حلوة قوي ..خزنيها عندك ووريهاله بكرة بعد الفرح ..الذكريات الحلوة دي خسارة تضيع !
صوتها يتحشرج بغصة تأثرها وهي تميل على شقيقتها لتحتضنها بقوة مردفة :
_مبروك يا أحلى عروسة ..مبروك !
تضمها لجين بقوة هي الأخرى شاعرة بفرحتها الحقيقية لتمتلئ عيناها بالدموع لكن رابحة تهتف بهما باستنكار:
_هتخلليها تعيط والماكياج يبوظ ..الستات بره مستنيين نطلع ..
ثم دارت حول نفسها مردفة بفخر:
_ده أنا هاخربها رقص الليلة دي .
_ربنا يهديكي يا مطيورة .
تقولها ثمر وهي تفتح باب الغرفة لتتقدم نحوهن فتهتف ياقوت وهي تراها لأول مرة "مكحلة العينين" :
_حاطة كحل يا ستي ؟!
ضحكة ثمر عبر أسنانها المكسورة تبدو لها الآن أكثر صفاء من أي مرة تفعلها ..
خاصة وهي تتقدم أكثر لتضم لجين لصدرها قائلة بحنان:
_لو مش هاتكحل في فرح الغالية هاتكحل امتى؟!
ثم رفعت كفها ب"المكحلة قديمة الطراز" في يدها نحو ياقوت لتردف :
_ما عملتهاش من يوم ما أشواق قابلت وجه كريم .
فتأثرت ملامح ياقوت بهذا الشعور الجارف الذي تملكها وهي تشعر بحلاوة شعور "العِوض" في
ملامح ثمر التي تحمل الآن راية الرضا كما لم تحمله من قبل ..
حتى طريقة نطقها ل"أشواق" لم تحمل الألم العاتب بخزيه القديم ..
إنما خرجت ناعمة محتسبة راضية !
_عروسة أخوكم دي منشيّة كده وشكلها جاية
بالعافية !
تهتف بها رابحة باستياء لتنهرها ثمر هاتفة :
_لسانك ده عايز يتقص منه حتة ..الست ماشفناش منها غير كل خير من ساعة ما جت ..واللا فاكرة الستات كلها مطيورة زيك !
تختم قولها بقرصة خفيفة لأذن الفتاة التي تأوهت بخفوت لتهتف:
_خلاص يا ستي ثمر ..هاخرس أهه ..أنا بس صعبان عليا إنه راح يتجوز واحدة متطلقة ومعاها بنت ..ما أنا كنت قدامه !
تنفجر ضحكاتهن جميعاً من حماقتها لتهتف بها ثمر وهي تمصمص شفتيها :
_مستعجلة على إيه يا بنت امبارح انتِ ؟! لكن هاقول إيه ؟! بنت أفكار !!
فتضحك رابحة هاتفة :
_باب النجار مخلع ..أمي مش عارفة تجيب لي عريس عليه القيمة كده ..
ثم تعلقت بذراع لجين هاتفة برجاء:
_مادام طلعتِ انتِ بالشيخ ..شوفيله حد من أصحابه كده واللا كده !!
عادت ضحكاتهن تدوي من جديد مع كلماتها قبل أن تهتف ثمر بعجلة :
_ياللا عشان الست حضرت الحنة بره .
يخرجن جميعاً للنسوة اللاتي ازدحمت بهن
صالة الدار ..
واللائي شرعن في ترديد بعض الأغاني الموروثة من التراث القديم بلكنتهن الريفية
الأصيلة ..
ينتظرن انتهاء المرأة من تزيين لجين بنقوش الحنّاء كي تفعل بهن المثل ..
وفي مكانها جلست نشوى تراقبهن بعينين خاويتين بعدما تفلتت ريما بين ذراعيها لتخترق الصفوف نحو المرأة تطلب منها تزيينها بالحناء مثلهن ..
_مش هتتحنّي يا بنتي؟!
صوت ثمر الحنون يخترق مسامعها فتلتفت نحوها بنظرة مشتتة مست قلبها لتبتسم لها وهي تربت على كتفها قبل أن تجلس جوارها قائلة :
_مبروك جوازك إن شاء الله ..إسلام شكله طيب ..كفاية إن ربنا بعته عوض لإخواته .
تقولها ثمر بصوتها المهيب الذي يمزج حنانها بحكمتها ..
كانت قد علمت من ياقوت تفاصيل زواجهما العجيبة ..لهذا كانت تتفهم هذه النظرة الزائغة في عيني نشوى ..
_الشيخ الشعراوي الله يرحمه كان ليه دعوة حلوة بحب أسمعها ..(اللهم يا مصوّب خطأ الدعاء بألا تجيب ولذلك تحمي من الضرّ من يدعو بالشر دعاءه بالخير )..ياما بنتمنى حاجات تأذينا وربنا بحكمته بيشيلها من قدامنا ..
تتسع عينا نشوى بذهول لوهلة وهي لا تتوقع سماع كلمات بهذا العمق من امرأة بسيطة كهذه ..
هذه الدعوة بالذات للشيخ الراحل كانت تسمعها في إذاعة القرآن الكريم من صغرها لكنها لم تشعر أنها تفهمها كما سمعتها من ثمر الآن ..
لكن هذا وحده لم يكن ما أثار دهشتها ..
بل وقع هذه الكلمات من هذه المرأة بالذات في روحها هي ..
ربما لو كانت سمعتها من سواها لتنمرت
ملامحها واحتمت بقناعها الشوكي متقبلة إياها بكونها إهانة أو شفقة ..
لكنها لم تصلها كهذا أو ذاك ..
بل شعرت ولسبب ما لم تفهمه ..أنها تكريم !!
هذا الذي أكدته كلمات المرأة الصالحة بعدها ..
_الطيبين ساعات قلبهم بيغلبهم ..فربنا بيختار لهم الطيب اللي يليق لهم حتى ولو عكس اللي رايدينه ..القلوب بتتقلّب وده طبعها ..بس قدر ربنا واحد ونافد ..ويابخت اللي يرضى باختيار ربه ..مسيره هيهديله قلبه !
تمتلئ عيناها بالدموع فتضمها ثمر لصدرها بحنان وهي تمسد على ظهرها قائلة :
_ربنا يهديلك قلبك يابنتي .
لم تشعر بحاجتها لهذه "الدعوة" كما تشعر بها
الآن !!
امرأة بوضعها لم يعد لها عدوّ سوى قلبها !!
قلبها الذي يبدو وكأنه خنجر غرس بين ضلوعها ليبقى العمر ينزف بجرح واحد ..
جرح اسمه ناصر !!
_قومي بقا اتبسطي مع الستات ..واللا مابتحبيش الحنة ؟!
تقولها ثمر بطيبة وهي تبعدها برفق لتبتسم لها نشوى ابتسامة مرتجفة وهي تقف لتتوجه نحو المرأة هناك ..
لم تكن تحب الشكل التقليدي للحناء على الكفين لكنها خجلت من الرفض أمام ثمر فطلبت من المرأة أن ترسم لها شكلاً حول أحد كاحليها مجاملة فهو لا يظهر من ثيابها على أي حال !
تراقب ريما التي انخرطت في الرقص مع النساء بحيوية فترتسم على شفتيها ابتسامة راضية ..
لم ترَ طفلتها سعيدة كما هي هذه الأيام ..
هل تكون من الإنصاف أن تعترف أنه حقاً قد لوّن حياة طفلتها الباهتة ؟!
طفلتها ..فقط ؟!
_ما شاالله ع الزينة ..رجلك مصبوبة صبّ .
تقولها المرأة بلكنتها الغريبة بعدما انتهت فتلتفت نحو ساقها لتتسع عيناها قليلاً وهي تميز النقش المميز الذي التف حول كاحلها بلون الحناء الذي منح بشرتها فتنة مميزة ..
ورغماً عنها تخيلت شكل ساقها كيف سيبدو في مناماتها المستحدثة قصيرة السراويل ..
ذاك "الوقح" لن يرحمها من تعليقاته ال...!!
لم تجد وصفاً مناسباً لهذه الحمرة التي احترقت به وجنتاها بخجل ..
لتنهر نفسها بسرعة عن التفكير في الأمر ..
ماذا تركت إذن للمراهقات العذراوات ؟!
لكن ..أليست هي عذراء؟!
ألا تستشعر هذا في كل مرة يمسها فيها بهذه الطريقة التي لم تختبرها من قبل ؟!
_حلوة قوي يا مامي ..فين بابا يشوف؟!
هتفت بها ريما مقاطعة أفكارها لتلتفت نحوها ببعض العنف قائلة :
_بابا بره مع الرجالة ..هنا ستات بس .
_طب خلاص قومي ارقصي معايا مادام كلهم ستات .
تهتف بها ريما برجاء وهي تجذبها من ذراعها لتنهرها ببضع كلمات..
لكن لجين اقتربت منها لتمسك ذراعها وتندفع بحركات راقصة وسط الحلقة من النساء اللائي بدأن في التصفيق لها ..
هنا ظهرت إحداهن ب"طبلة" قديمة الطراز لكنها بدت ماهرة تماماً في الدق عليها بلحن صاخب استفز جسد نشوى لتجد نفسها تستجيب للرقص ..
تغمض عينيها بقوة وتنعزل عن هذا العالم بأسره ..
تتخيل "مفتاحاً" تضعه في ثقب باب -لا تراه- لكنها تغلقه خلفها وتستند عليه شاعرة بالأمان ..
روحها تبكي ..تبكي بهذه الدموع غير المرئية ..
بينما جسدها يتراقص بمهارة لا تفتقدها هاهنا ..
قلبها يصرخ ..يصرخ بهذا الصمت الموجع الذي يفتت الحنايا ..
بينما ذراعاها يتمايلان حولها بما يبدو كدلال خادع ..
لماذا تفعل هذا ؟!
هل هو المزيد من التظاهر الزائف ؟!
أم هي رغبتها في حصاد المزيد من
"شارات الإعجاب" في العيون ؟!
وربما لا هذا ولا تلك إنما هي فقط صارت تسير مغيبة دون هدف ..خذلها عقلها مرة وخذلها قلبها مرات ..فما عادت تدري بمن تهتدي!
وفي مكانها كانت ياقوت تراقبها بعينين متفحصتين ..
رغم المرح "الظاهر" على الموقف لكنها كانت تستشعر هذا "الوجع" على ملامح نشوى مغمضة العينين ..
تشعر بالمزيد من الشفقة نحوها وترجو أن يكون إسلام يفهم حقاً أي حقل ألغام يوغل فيه ..
خطوة واحدة طائشة قد تطيح بهما معاً !!
ومع الخاطر الأخير تراودها فكرة ماكرة تجعلها تتناول هاتفها لتصور رقصة نشوى البارعة خلسة ..
قبل أن ترسل لإسلام على تطبيق "الواتس آب"..
_عندي ليك فيديو حكاية ..بس ..مش هابعته
إلا لو وافقت إني ألبس الفستان الفوسفوري .
تبتسم وهي تتذكر رد فعله عندما رأى ثوبها الذي قررت حضور حفل الزفاف به غداً وكيف كاد يلقيه من النافذة لولا أن أنقذته في اللحظة الأخيرة !
_على جثتي!
يرسلها لها مع "وجه غاضب" يليه "وجه يخرج لسانه"..
فالتمعت عيناها بنظرة متحدية لتعاود الكتابة ..
_ولو قلتلك فيديو لمراتك وهي بترقص..عليها حركات !
تكتم ضحكتها وهي تتمنى رؤية ملامحه في هذه اللحظة ..
لتصلها رسالته المكتوبة بعدها بسرعة ..
_ابعتي ..ابعتي ..
_اعتذر عن رأيك في الفستان .."مع وجه يكز على أسنانه"..
_هو كان ماله الفستان ؟! ده حتى مبهج ومشع ونعرف نلاقيكي لو النور قطع ..احنا آسفين يا فستان ..إياكش تولعي انتِ والفستان ..ابعتي الفيديو .
تجلجل ضحكتها عالية مع كلماته التي تكاد تسمعها بصدى لهفته قبل أن تضغط زر الإرسال ..
======
تتقلب لجين في الفراش الذي تشاركها إياه ثمر وياقوت هذه الليلة بعدما تركتا الغرفة الأخرى
لإسلام ونشوى يبيتان فيها ليلتهما هذه ..
تبتسم وهي تراقب ملامح ثمر النائمة وقد غشى الرضا محياها ..
فتبتسم بدورها وهي تتلفت نحو الجهة الأخرى لتقابلها عينا ياقوت المفتوحتين :
_مش جايلك نوم يا عروسة ؟!
_خايفة قوي يا توتة !
تهمس بها بخفوت وهي تضع كفها على صدرها الخافق بقوة ..
لتبتسم ياقوت وهي ترى هاتف لجين ينير معلناً عن وصول اتصال وقد جعلته على الوضع الصامت ..
فتهمس لها بمكر:
_اهه قلب الشيخ حس بيكي ومتصل يطمنك ..أخلع أنا بقا ع السطوح عشان ماابقاش عزول ..وانتِ اطلعي كلميه في الصالة .
يحمر وجه لجين بخجل وهي ترى شقيقتها تغادر الفراش بحرص كي لا توقظ ثمر ..
فيما تتناول هي هاتفها لتفتح الاتصال وتخرج نحو الصالة القريبة ..
قدماها تسحبانها -كما اعتادت - نحو غرفة الخزين السفلية ..
لكنها هاهنا فقط شعرت أنها ما عادت تناسب مقامها ..بل مقامه هو !
هي ما عادت تلك القديمة التي تجد موضعها في غرفة سفلية منبوذة ..
بل صارت -معه - تحب نفسها الجديدة التي تراها في عينيه ..
لهذا تحركت بثقة نحو نافذة الصالة تفتحها لتراقب "القمر" منها كما تفعل شقيقتها الآن فوق السطح ..
_كيف حالك ؟!
قلبها يرتج بداخلها مع صوته الرجولي الرقيق فتزداد وجنتاها احمراراً وهي لا تصدق أنها غداً تكون عروسه ..
حلاله !
سيمكنها السير جواره كتفاً بكتف ..معانقة كفه بكفها ..
ملاحقة نظراته في "عينين تعشقانها وتعشقهما" دون أن تشعر بحرج !
_كانت ليلة حلوة قوي ..عمري ما فرحت في حياتي زي النهارده .
تقولها بصوت متهدج يلامس قلبه فيود لو يخبرها كم يعشق صوتها هذا ..
لكنته المميزة ب"براءة نقية" تشبه نقاء روحها ..
لكنه يتحكم في نفسه إذ عاهد ربه أن يبدأ طريقهما من أوله دون تجاوزات ..
لم تبقَ إلا سويعات قليلة ويصير من حقه أن يهمس لها بكل ما أراد ..
صمته الطويل يثير ريبتها فتسأله بتوجس :
_انت زعلت ؟!
_لماذا ؟!
_يعني ..تكون مش حابب الهيصة اللي عملناها ..
لا تزال تقولها بتوجس من طبيعته الجادة المتحفظة فيفاجئها بضحكة قصيرة سبقت قوله الرقيق :
_لو لم تفرحي ليلة عرسك فمتى ستفعلين ؟! نحن نتقرب إلى الله بالفرح وشكر نعمته كما نتقرب إليه بالصبر على بلاياه ..مادام الأمر لا يحمل مخالفة شرعية فهنيئاً لقلب يستحق الفرح .
"هنيئاً لقلب يستحق الفرح"!!
حُلوة !
بل شديدة الحلاوة في أذنها وهي تسمعها منه بهذه العفوية ..وبهذا النقاء ..
ألا يعلم هذا الرجل ما الذي يفعله بها ببضع كلمات بسيطة ؟!
ماذا لو ترك طوفان غزله حراً ؟!
سيغرقها لا محالة !!
_وانت ..فرحان ؟!
بخجل ..وربما بخوف قديم تسأله ..
ليصمت قليلاً قبل أن يصلها رده :
_غداً ..أخبرك .
فتبتسم وهي تشرد ببصرها في القمر "المكتمل" أمامها لتقول ببعض المرح :
_الفستان زي ما حلمت بيه بالضبط من زمان ..ديله طويل قوي ..وابيض ..ابيض بجد مش بتاع اليومين دول العكر ده ..عشان تنطقه بدلتك السودة وانت ..
_لكنني لن أرتدي بدلة !
يقولها بحذر كارهاً أن يقطع حديثها ..فتتلعثم حروفها بارتباك:
_افتكرتك ..يعني ..الطبيعي ..
لكنه يتنهد بحرارة ليرد :
_أحب ارتداء الجلباب ..أعتبره جزءاً من "هويتي الجديدة" ..تماماً كما أعتز بحديثي
بالفصحى ..ربما يبدو هذا للبعض غريباً لكنني أحبه وأحب التمسك به ..هل يضايقك هذا ؟!
_لا ..زي ما تحب .
تقولها بتسامح حقيقي ليتردد قليلاً قبل أن يقول لها :
_لا تضعي أي عطر غداً على ثوب الزفاف .
_بس القاعتين منفصلين ..وهنبقى ستات بس ..
تقولها مدافعة وقد أساءت فهم مراده ..فيهيأ إليها أن حروفه تبتسم مع رده :
_تعلمين أنني أحب تركيب العطور ..ركبت لكِ عطراً خاصاً سأسميه باسمك ..أحب أن تكون لكِ دوماً رائحة خاصة بكِ في أنفي ..كما هي بقلبي ..
شعر أن الزمام بدأ يفلت منه بعبارته الأخيرة التي جعلت خفقات قلبها تتجاوز حد الجنون فأسرع بغلق الاتصال بقوله :
_نامي جيداً .
تتأمل الهاتف في يدها بعد إغلاقه الاتصال بابتسامة لم تلبث أن تحولت لضحكة قصيرة مشتعلة ..
عن أي نوم يتحدث الشيخ بعدما قاله ؟!
أي نوم ؟!
======
_ع السطح يا عريس !! ده أنا قلت بعد الفيديو هنحتاج قوات إنقاذ عشان نخرجكم م الأوضة .
تهتف بها "العفريتة العابثة" بداخلها وهي تميز وجود إسلام هناك مستنداً على سور السطح ..
ليترجمها لسانها لعبارة أقل وقاحة :
_سايب عروستك ليه في ليلة مفترجة زي دي ؟!
فالتفت نحوها بابتسامة شاحبة قبل أن يفرك شعره بأنامله وعيناه تفضحان مشاعره التي تفهمتها هي لتقترب منه مربتة على كتفه بقولها الجاد :
_أنا عارفة إن الوضع صعب ..ومش سهل أي راجل يقبله ..بس انت قبلت بالحكاية كده من أولها ..اعذرها ..مشاعرنا مش بزراير عشان نضغط واحد نحب ونضغط التاني ننسى .
أخذ نفساً عميقاً محاولاً السيطرة على
انفعالاته وهو يشيح بوجهه متمتماً بتأثر :
_شفتي وشها وهي بترقص كان عامل إزاي ؟!
_عشان كده بالضبط بعتلك الفيديو ..هي حالياً مش متزنة ..لسة مخبوطة على دماغها ..أنا نفسي استغربت لما قامت رقصت ..بس لما راقبتها حسيت إنها كانت بتصرخ من غير صوت ..كأنها عايزة تقول إنها بتعافر رغم كل شيئ ..
تقولها بإشفاق لتردف :
_انت اللي اخترت تبقى معاها في المرحلة دي ..استحملها ..صعب قوي قصة سنين تخلص في كام يوم .
أومأ برأسه موافقاً رغم شعور الغيرة الذي يعصف به ويحاول قمعه بكل الصور ..
ربما ما يصبّره نوعاً ما أنه يعلم أن حبها المزعوم هذا ليس أكثر من "فقاعة" مزيفة ولا ينقصها سوى مسّة إصبع كي تتلاشى من حولها ..
لكن من يملك حق "مسّة الإصبع" هذه ؟!
هي ..أم هو ؟!!
لهذا تعمد تغيير الموضوع بقوله وهو يلتفت نحوها قائلاً:
_طمنيني على لجين ..موضوع تعبها ده خلاص فعلاً ؟!
_الدكتورة بتاعتها طمنتني ما تقلقش ..ظهور عابد كمان دلوقت في حياتها جه في وقته
بالضبط عشان يعوضها اللي كان ناقصها ..
تقولها برضا لتردف بامتنان حقيقي :
_وانت وهيثم كمان ..ماتعرفش هي فرحانة بيكم أد إيه !
فابتسم ابتسامة شاحبة وهو يشعر بالذنب القديم من تأخره عنهما ثم عاد يتفحص ملامحها بدوره ليقول باهتمام حذر :
_وانتِ؟! ..أخبارك إيه مع "الراجل الغامض
بسلامته"؟!
تجمدت ملامحها للحظات وهي تتبين من يقصد بسؤاله لتتردد في البوح له ..
لكن ابتسامته الحنون شجعتها !
لا تدري كيف توطدت علاقتهما هكذا في هذه المدة القصيرة حتى صارت تعتبره صديقها لا أخاها فحسب ..
لكنها تعلمت أن العمر في المشاعر تحسبه المواقف لا الأيام !
وعمره هو بالذات معها في هذا الشأن ليس بقصير ..
لهذا تنهدت بحرارة لتطرق برأسها ثم تحكي له عن تطورات أمر زين الأخيرة ..
بل إنها حكت له ما لم تحكِه لثمر عن "الياقوت والمرجان" ..
اسمها الذي اختار أن يكون نقطة انطلاقه نحو تكفير ذنوبه !!
كان يسمعها صابراً بتفهم محاولاً قراءة دواخلها واستكشاف ما تخفيه كلماتها حول زين هذا ..
ولما انتهت من حكايتها رفعت إليه عينيها بقولها :
_إيه رأيك ؟!
_في إيه ؟!
يقولها مشاكساً وهو يرفع أحد حاجبيه فلكزته في كتفه بقبضتها ليضحك ضحكة قصيرة وهو يحيط كتفها بذراعه ليضمها نحوه قائلاً بلهجة مفاوض خبير :
_طب نتفق اتفاق ..نفعيني وأنفعك ..
_عايز إيه يا مصلحجي؟!
تقولها بعتاب مرح ليغمزها قائلاً :
_واضح كده من غير لف ودوران إن الحلوة اتكعبلت والسنارة غمزت مع زين ده ..وأنا كأخ متفتح و"سبور" هاساعدك نسويه كده على نار هادية لحد ما ييجي هنا يطلب إيدك من الحاجة ..
كلماته على هزلها تحيي بداخلها أملاً ظنته يوماً قد مات ..
لكنها تستشعر به يزداد توغلاً بروحها يوماً بعد يوم ..
بل إنها لا تبالغ لو زعمت أنها صارت تحيا لأجله !!
ومع هذا رفعت أنفها وهي تزيح ذراعه عن كتفها ممازحة لتقول بكبرياء مصطنع :
_أنا مش واقعة قوي كده..بس ماشي ..طلباتك ؟!
فعاد يضحك ليجيبها ملوحاً بذراعيه بحركات تناسبت مع كلماته :
_عايزك تقوليلي مفاتيح "التين الشوكي" ..أعمل إيه ..عشان ..أقشره !
ضحكت رغماً عنها من تشبيهه لترفع له ظاهر كفها بإباء كي يقبّله..
لكنه خبطه بأنامله بخفة لتعاود ضحكها للحظات قبل أن تلوح بسبابتها في وجهه قائلة :
_وتسمع الكلام ؟!
_أسمع يا أبلة فضيلة !
يقولها بتهذيب مصطنع لتشد أذنه بخفة فيتأوه بمبالغة هاتفاً:
_بنت ..عيب ..أخوكي الكبير !!
فتضحك من جديد للحظات قبل أن يستعيد وجهها جديته لتقول :
_اتفقنا ..هاقوللك !
======
يدخل الغرفة التي تركتها له ثمر كي يبيت فيها مع ريما ونشوى..
نشوى التي رمق وجهها النائم بنظرة حرص أن تكون عابرة كي لا يفقد زمام سيطرته بعد "الفيديو المهلك" الذي رآه ..
لكنه ما كاد يغلق الباب خلفه ليتقدم نحوهما وهما نائمتان حتى اشتعلت عيناه وهو يميز ذاك الرسم المذهل للحناء على كاحلها ..
والذي بدا له ك"خلخال" يكاد يسمع صوته في رقصة صاغها خياله وهو يستعيد مشاهدها التي رآها وجسدها المغري يمارس أقصى سلطاته في الإغواء!
لهذا بالضبط تعمد ألا يقضي ليلته هنا !
لأول مرة يخشى أن يفقد حدود سيطرته معها خاصة بعد نصائح ياقوت ..
لهذا أشاح بوجهه مرغماً وهو يحاول البحث عن أريكة يستلقي عليها ..
لكنها تقلبت في نومها مع أنين خافت لتغير وضع ساقها في إغواء لم تتعمده ..
هنا وجد نفسه يتحرك كالمسحور نحوها ليجلس على طرف الفراش ..
قبل أن يتلمس كاحلها بأنامله في موضع زينته ثم يرفعه ببطء نحو شفتيه !
شهقتها المجفلة تشق سمعه وهي تستيقظ من نومها فجأة لكنه لم يغير وضعه بل بقي يطبع آثاره على بشرة ساقها وعيناه مسلطتان على عينيها ..
عينيها اللتين اتسعتا بذهول وهي تميز ما يفعله ..
يقبل كاحلها !!
خلاياها كلها تشتعل وهي ترى خيط قبلاته يستمر في طريقه المهلك على طول جسدها حتى يصل إلى ..ذقنها ..وجنتها ..ثم أعلى رأسها !!
هذه الأخيرة التي زلزلت جسدها كما لم تفعل
الأخريات !!
لم تتصور يوماً أن تحدث بها "قبلة رأس" هذا
الأثر!!
تشهق شهقة أخرى ثم تنخرط فجأة في بكاء لم تعلم سببه ..
بل تعلم!!
لا تزال كلمة السر هنا هي .."التقدير"!!
التقدير الذي لا تدري هل هو حقيقي هاهنا ..أم أنها فقط -من فرط ما تمنته- تتوهمه ؟!!
تشعر بذراعيه يندسان تحتها ليرفعا جسدها نحوه فيضمها بقوة حانية لتزداد كثافة دموعها التي لم يكن هو في حاجة للسؤال عن سببها ..
لكنها تبقى كعهدها حائلاً بينهما !!
يصمت للحظات محترماً مشاعرها ومكتفياً بلذة شعوره بها بين ذراعيه ..
قبل أن يبتعد عنها برأسه ليمسح دموعها بأنامله ويجعلها تتوه من جديد في عمق نظراته ..
وكعادته يستخدم مشاكسته دوماً لانتزاعها من هذا الحال ..
_أول مرة أشوف واحدة بترقص من غير ما تبتسم ..وكمان مغمضة عينيها !
_انت شفتني؟!
هتفت بها مع شهقة عنيفة لتدفعه بعيداً عنها بعنف قبل أن تنهض من رقدتها لتقف معطية إياه ظهرها وكأنها بهذا ستهرب من خجلها ..!!
فضحك ضحكة قصيرة وهو يقف بدوره ليحيط خصرها بكفيه من الخلف هامساً في أذنها :
_بس بصراحة الفستان كان مبوظ الرقصة ..
ثم أدارها نحوه ليغمزها مردفاً بمكر :
_اللي زيك المفروض ترقص ..
_بس ..بس ..انت مصيبة !
تهتف بها وهي تضع أناملها على شفتيه مقاطعة عبارته التي كانت واثقة من تكملتها الوقحة ..
لكنه قبّل راحتها على شفتيه كعهده كلما فعلتها فيجبرها أن تبعد كفها عنه ثم يعاود مشاكسته العابثة :
_وكمان شغل الطبلة والدف ده مش واكل معاكي ..انتِ عايزة مهرجانات ..
كزت على أسنانها بمزيج من غيظ وخجل ليتراقص حاجباه وهو يردف:
_سيب لي انت نفسك بس يا عسل ..انت عندك استعداد للانحراف وأنا مقدر امكانياتك وهاوجهك!
_اخرس ..اخرس خالص ..مش ممكن ..أنا في حياتي ما شفتش كده !
تغمغم بها وهي تحيط وجهها بكفيها فتجلجل ضحكته في أذنيها ..
قبل أن تشعر بقبضتيه على خصرها تزدادان ضراوة وهو يعاود تقريبها نحوه حتى يكاد يلصقها به ..
يضطرب جسدها بذات الشعور اللذيذ الذي يقذفها في الدوامة إياها ..
خاصة وهمساته تصلها هذه المرة جادة ..دافئة ..بل مشتعلة :
_عارفة أنا شفت في حياتي كام ست بترقص ؟! مفيش واحدة أثرت فيا زيك .
ورغماً عنها تجد نفسها تزيح كفيها عن وجهها ببطء لتنظر إليه بتشتت ..
هذا -بالضبط- ما تمنت سماعه ..ليس منه هو ..
بل من ناصر!
الخاطر الأخير يجعلها تلعن نفسها وهي تشعر
بالمزيد من سياط الذنب تجلدها ..
فتزيح قبضتيه عنها بعنف لتعاود إعطاءه ظهرها وهي تزيح خصلات شعرها للوراء ..
وليتها كانت تستطيع فعل المثل بمشاعرها ..
وأفكارها !!
_شكراً ..
يهمس بها من جديد فتعاود التفاتها الحذر نحوه بتساؤل ليردف بابتسامة واسعة :
_عشان لبستِ الفستان "الروز" وما كسرتيش بخاطري !
_ما كانش فيه وقت أصلاً أشتري واحد تاني .
تهتف بها بسرعة وبفظاظة لم تتعمدها كأنها تهرب من تهمة يسوقها إليها ..
فيضحك وهو يقتنص من خدها قبلة تنتهي ب"عضّة" كعهده قبل أن يغمزها بقوله :
_برضه متشكرين يا عسل!
يقولها ثم يتثاءب رغماً عنه وهو يتحرك مبتعداً عنها نحو الفراش الذي استقرت فوقه ريما النائمة هاتفاً :
_هالحق أخطف لي ساعتين نوم ..منه لله بقا اللي طير النوم من عيني امبارح ..
يتراقص حاجباه مع عبارته الأخيرة فتتغضن
ملامحها بحركة استهجان تجعله يرغب في أن يستفزها أكثر فاستلقى على الفراش يدندن :
_كعب الغزال يا متحني بدم الغزال ..
_اخرس ..البنت نايمة !
تهتف بها بغيظ ..لكنه يهز رأسه مستمراً في دندنته :
_ما تبطل تمشي بحنية ..لا يقوم زلزال ..زلزال ..زلزال ..زلزاااال ..آه !
تنقطع عبارته بتأوهه وهي تقذف أحد الوسائد في وجهه قبل أن تتحرك بسرعة لترتدي مئزرها وتتجه نحو الباب فيهتف من خلفها :
_خد أقوللك يا "شرِس" رايح فين ؟! لسه بقية الكوبليه هيعجبك قوي !
لكنها تخرج صافقة الباب خلفها ببعض العنف فيبتسم بجذل قبل أن يلتفت نحو ريما الغارقة في نومها فيهمس بخفوت وكأنما تسمعه :
_جامدة قوي مامي ! هه؟!
يقولها ليتنهد بحرارة وهو ينقلب على ظهره ليغمض عينيه محاولاً النوم لدقائق طالت ..
لكن مشاهدها تعود لتشعل مخيلته من جديد ..
فيزفر بقوة قبل أن ينهض من رقدته هاتفاً لنفسه بغيظ :
_مش باين لها نوم يا اخويا ..قوم اشطف وشك بشوية ماية ..وروح هات هيثم والعيلة عشان يحضروا الفرح .
و"العيلة" كان يقصد بها علاء وإيناس وسيف وغادة ..
هذه صارت حقاً عائلته الحقيقية ..
وفي مصادفة قدرية عجيبة يسمع صوت وصول رسالة لهاتفه فيجدها من جيلان كأنما قرأت أفكاره ..
_لما تفوق من الفرح اللي انت فيه هات مراتك وتعال ..عايزة أقابلها !
تتسع عيناه بدهشة لأول وهلة قبل أن ترتسم على شفتاه ابتسامة واسعة :
_بركاتك يا غزال ..الوالدة باشا شكلها هترضى علينا!
======
ألوان السماء في الغروب ..
طير يلاحق إخوته محلقين في طريق العودة ..
قرص الشمس الدائري يلوح لها بمودة وهو يتوارى خلف السحب ..
فتودعه عرائس الماء التي تلونت بلونه قبل أن يتعانقن سوياً ..
ورائحة خاصة لا يكاد يميزها سواها لهذا الشجن الذي يغزوها ..
كانت تقف في شرفة شقتها الواسعة المطلة على النيل تفتح ذراعيها كعهدها كلما أرادت احتضان مشهد جميل كهذا حرمت منه طويلاً ..
عيناها السوداوان تحلقان في الأفق الواسع حولها فتشعر أن الروح بداخلها كذلك تحلق في سماء بلا قضبان ..
تشم عطره خلفها فيبتسم القلب قبل الشفاه ..
تشعر بكفيه يعزفان على خصرها هذه الأنشودة التي هي بطول العمر ..
وبشفتيه تطوفان برحلة عذبة من كتفيها إلى عنقها ..ثم إلى وجنتها ..
_همسة !
يترنم باسمها كأنه يغنيه عن وصف اشتياقه ..
عن براهين عشقه ..
عن وعود غد ..واعتذارات أمس ..
فتستدير بين ذراعيه لتحيط عنقه بذراعيها ..
تملأ عينيها من ملامحه الحبيبة لتجري نظراتها سيلاً ينبت الزرع حيث حلّ ..
قبل أن تطبع شفتاها قبلتان عميقتان على وجنتيه ليستقر رأسها على صدره ..
_لسة بتخافي م الغروب؟!
يسألها هامساً وهو يضمها بحنوّ لترفع عينيها إليه دون أن تغير وضع رأسها على صدره :
_ماعدتش بخاف وأنا معاك .
تقولها وأناملها تتلمس طريق سكينتها فوق وجنته وعنقه ثم إلى صدره حيث موضع قلبه ..
خفقاته تدوي هادرة تحت أناملها فتدمع عيناها قبل أن تغمضهما بقوة متعمدة كأنما تستعيد لذة إحساسها به مغمضة العينين ..
أنفاسهما تتعانق ..تمتزج ..ثم تشتعل ..
شفتاها تنفرجان فيحلو اللقاء!
لحظات من العمر لا تشبه باقي ساعاته ..
هي بين ذراعيه وكفى ..
فليختفِ العالم ..كل العالم !
يبعدها أخيراً بعد بضع دقائق ليأخذ نفساً عميقاً يتمالك به نفسه قبل أن يحيط وجنتيها بأنامله هامساً:
_كل مرة بشوفك ببقى مستغرب إزاي قدرت أسيبك قبلها أو هاسيبك بعدها ..
يقولها بنبرة مشتعلة ..
وحدها من يمكنها تمزيق "قناعه المعدني" المعهود لتبث بداخله ناراً تنير ولا تحرق ..
فتبتسم ابتسامة كالسحر قبل أن تعود لتمرغ وجهها في صدره هامسة :
_عمرك ما سبتني يا رائد ..أنا في حضنك حتى وانت بعيد .
يتأوه بخفوت وهو يشدد من قوة ضمه لها ثم يزيح خصلات شعرها عن وجنتها لتحط شفتاه رحالها هناك للحظات ..
لكنها ترفع إليه عينيها بدلال عاتب :
_نسيت تجيبلي عقد الفل النهاردة ؟!
فيهز رأسه نفياً ليجيب :
_لما نرجع من المكان اللي هنروحه .
_فين ؟!
تسأله بترقب وهي تبتعد عنه بجسدها فيستخرج هاتفه من جيبه قبل أن تتلاعب به أنامله للحظات ..
قبل أن يرمقها بنظرة واعدة ..
الموسيقا الساحرة تداعب خلاياها بلذة حد
الألم ..
هذه الموسيقا بالذات تحمل لها شذى العمر البعيد ..
_عمر خيرت !
تهمس بها بشرود فيبتسم وهو يتنهد قائلاً:
_وعدتك زمان نحضر له حفلة سوا ..
يقولها ثم يستخرج من جيبه تذكرتين فتشهق بانبهار هاتفة :
_هنروح ..الأوبرا ؟!
يومئ برأسه في إيجاب لتطلق صيحة فرحة وهي تعاود التعلق بعنقه هاتفة :
_معقول ؟! أخيراً !! بس ..بس ..
فرحتها تتراجع مع هذا الخوف الذي عاد يلون نظراتها ..
الخوف الذي تفهمه هو مدركاً أنها لا تزال غير معتادة على التجمعات خاصة في أماكن مغلقة ..
لكنه -باستشارة ياقوت- كان يدرك ما يفعله ..
لهذا احتضن وجنتيها براحتيه ليقرب وجهها منه ..
يعانق نظراتها بحنان نظراته فينمحي هذا الخوف تدريجياً مع همسه الدافئ:
_انتِ عارفة بقالنا كام سنة بنحب المقطوعة دي بالذات ؟! متخيلة إحساسنا واحنا بنسمعها لايف ؟! واحنا سوا ؟! إيدك في إيدي قدام الناس كلها ..ومش خايفين ..
ثم يمس شفتيها بشفتيه مساً خفيفاً مؤكداً:
_مش خايفين يا همسة .
تأوهها الخافت يتوه بين شفتيه قبل أن يمسح بإبهامه دمعة فرت من طرف عينها ليسألها :
_مش قلتِ مش بتخافي وانتِ معايا ؟!
الخوف يستحيل لتردد ثم لسكينة ثم لقوة مستحدثة حلقت حول العينين البريئتين ..
وتلونت بها كلماتها :
_مش هخاف .
قلبه يطلق ضحكة غردت في أذنيها هي لتجزيه عنها بمثلها قبل أن تهز رأسها لتتمتم بين دهشة وفرح :
_التفاصيل الصغيرة دي ! معقول لسه فاكرها كده ؟!
فيغمض عينيه للحظة قبل أن تشعر بأنامله حول وجنتيها تزداد تملكاً وهو يعاود فتحهما هامساً :
_انتِ العمر اللي ما يتحسبش إلا بيكِ ..وكنت مستنيكي عشان أكمله .
حب الدنيا كله كان يترقرق الآن في عينيها وهي لا تجد رداً إلا أن تهمس باسمه ..
فتتلقفه شفتاه بكل المعاني ..
الدقائق التالية مرت بها كالحلم وهي تتحرك لتنتقي أفضل ثيابها ..
ذاك الذي بلون أسود لامع تناقض مع بياض بشرتها ليصنعا سوياً مزيجاً مدهشاً ..
عقدٌ ماسي تناسب بريقه مع "لمعة العشق" في عينيها ..
وحذاء بكعب عالٍ جداً لم تعد تخشى ارتداءه "كي لا تتعثر" ..
خطواتها واثقة ..معه ..وله ..وبه ..
تغادر شقتها "الآمنة" فلا تخاف ركوب "المصعد" مستأنسة بالدّرج كما اعتادت ..
بل إنها تتعمد فتح عينيها وهي تتأمل صورتها معه في مرآته ..
فلا ترى أربعة جدران ..
بل تميز فضاء شاسعاً برحابة الكون بين ذراعيه ..
تتأبط ذراعه وهي تسير جواره نحو سيارته ..
وما يكادان يصلان لوجهتهما حتى تتوقف قليلاً أمام صالة العرض ..
الوجوه الكثيرة الغريبة تثير بعض ارتباكها فيرتجف جسدها رغماً عنها ..
لكنه يربت على كفها الذي يتأبط ذراعه ليهمس في أذنها :
_ماتفكريش في حاجة ..أنا وانتِ وبس !
ترفع إليه عينين زائغتين للحظات وهي تلاحظ النظرات الفضولية للناس حولهما فيضخمها خيالها عنوة ..
لكنه يمد ذراعه الآخر فيطوق جسدها بدفء حانٍ يذيب ترددها لترتجف ابتسامتها وهي تتحرك معه نحو الداخل ..
رهبة عتيدة لا تملكها تجتاحها وهي تحاول اعتياد المكان لدقائق حيث جلسا في مكانيهما ..
قبل أن تبدأ الأوركسترا في العزف ..
قلبها يخفق واللحن يجتاحه فيعيد إليها النغم "قبساً قديماً من العمر "..
وجوارها يمسك بكفها "حبيب العمر" ..
فتتراقص الروح مستبشرة بما بقي من "العمر"..
أنامله تتشابك بأناملها وهو يغمض هو الآخر مستعيداً ذكرياتهما التي تضافرت مع اللحن الشجيّ ..
تشعر بإبهامه يداعب معصمها عند عروقها النابضة هناك ..
طالما عشقت منه هذه الحركة قديماً فكانت تهمس له أنه هناك..
في دمها !
لهذا التفتت نحوه بذاك الصمت الصارخ في العيون وهي ترفع أناملهما المتشابكة لتبتسم له بحب ..
قبل أن تعود لتغمض عينيها مستمتعة بهذا الدفء الذي أذاب جليد خوفها ..
_اتبسطتي ؟!
يهمس بها أخيراً وهو يقلها في سيارته عقب انتهاء العرض لتتحول ابتسامتها الحالمة لضحكة قصيرة وهي تسند رأسها على كتفه قائلة ببراءتها العذبة :
_سِحر !
ثم تتنهد لترفع عينيها إليه مردفة :
_بيتنا وحشني !
فيبتسم وهو يقبل جبينها بخفة هامساً :
_هانت ..أول ما زين يفوق هفاتحه في موضوع الفرح .
ابتسامته تنتقل منه إليها ليغزل الصمت بينهما ألف ثوب من عاطفة تفوق حدود العشق ..
_هاعدي عليكِ بكرة نروح فرح أخت ياقوت ..
يقولها لتزدان عيناها بالمزيد من الفرحة وهي ترفع رأسها عن كتفه مع هتافها :
_هاشوف "باربي" كمان .
تتسع ابتسامته وهو يميز لهفتها الفرحة على الرضيعة يمنى التي اختصتها هي باسم "باربي" هذا منذ واقعة اختطافهما ..
ليقول لها برقة :
_بحب أشوفك معاها ..بحس إنك رجعتِ فعلاً زي زمان .
تتنهد وهي تتأبط ذراعه بكلي ذراعيها لتعيد
الاستناد برأسها على كتفه هامسة :
_أنا مبسوطة قوي ..قوي يا رائد !
فمال برأسه على رأسها هامساً بصوت متهدج :
_عمري كله فدا لحظة زي دي يا حبيبتي .
وما كادت السيارة تتوقف بهما عند بيتها حتى فتح تابلوه السيارة ليستخرج منه عقد الفل الذي لفه حول معصمها ..
قبل أن تحيك لها شفتاه من قبلاته عقداً آخر ..
والقلوب تجدد وعداً بعد وعد ..
========
_شهد !
يهتف بها هيثم بدهشة وهو يراها واقفة تستند على سور السطح منكسة الرأس ..
ليفاجأ بها وقد خرج من غرفته ينتظر حضور
إسلام كي يذهبا معاً للعرس ..
تلتفت نحوه بعينين معذّبتين لم يفهم سرهما لترتجف ابتسامة شاحبة على شفتيها ..
_قلت أسلم عليك قبل ما ..تمشي !
الكلمة الأخيرة خرجت متحشرجة بمذاق الدموع لينعقد حاحباه وهو يقترب منها أكثر ليمسك كفها هامساً :
_وبتقوليها كده ليه كإني مش راجع تاني ؟!
كلماته تسكب المزيد من الدمع في مقلتيها لتشيح بوجهها دون رد ..
كيف ظنت أن الأمر سيكون بهذه السهولة ..
أن تبتعد عنه بعدما اقتربت إلى هذا الحد ؟!
أن تفقد مدارها حوله لتهوي كشهاب محترق ؟!
كيف تخبره أنها خائفة ..بل تكاد تموت خوفاً ..
اليوم سيقابل لجين ..وربما داليا ..
المزيد من الأبواب المغلقة سيفتح اليوم من جديد ..
ومن يدري ربما يكون بابها هو ما يغلق !!
_تحبي تستأذني مامتك وتيجي معايا ؟!
يقولها برقته المعهودة غافلاً عن سر هذا الحزن العجيب في عينيها ..
فتبتسم وهي تهز رأسها نفياً لتتصنع ضحكة مفتعلة ثم تعدل له وضع رابطة عنقه قائلة بمرح مصطنع :
_ابعتلي بس الصور .
لكنه يزفر بقوة وهو يضغط كفها في راحته
قائلاً بتشتت :
_مش عايز أروح ..مش حابب إحساسي إني أعمى وسط ناس كلها مفتحة .
_انت مش أعمى ..انت اللي رفضت تفتح عينيك عشان قلبك الطيب مش قابل الحقيقة ..روح يا هيثم ..يمكن لما تشوف وش تاني للحياة اللي رفضتها و تلاقي دافع إنك تقبلها ..وساعتها تفتح عينيك ..
تقولها بنفس الابتسامة الممزقة بين مشاعرها المتناقضة فتلتقي عيناهما في حديث طويل سبق قوله بابتسامة واهنة :
_بتتكلمي زي ياقوت .
_عشان عايزة مصلحتك زيها ..
تقولها ثم تسحب كفها منه لتنظر في ساعتها قائلة :
_هاسيبك أنا عشان ما أتأخرش ع المحل من أولها ..ما صدقت لقيت شغلانة سهلة ومرتبها حلو .
ظهر الضيق على ملامحه مع قوله :
_ضروري يعني حكاية الشغل دي؟!
_أنا بشتغل من زمان وجربت
حاجات كتير ..الشغل مش عيب بالعكس اتعلمت منه كتير..مش قصة فلوس ..احنا مستورين الحمد لله بس برضه الأمر ما يسلمش ..وبعدين فرصة الواحد يسلي نفسه في الأجازة .
ثرثرتها المعهودة تأتيه ممتزجة بمرارة لم يفهمها ..
ليسيئ تأويلها فيظنها فهمته يشير لتواضع
حالها مقارنة بمستواه المادي ..
_الشغل مش عيب طبعاً بس ..
يقولها مدافعاً ليردف بعد تردد قصير:
_خايف عليكي .
تغمض عينيها بقوة وجسدها يرتجف مع أثر كلماته عليها ..
هو صار غلالتها التي تقيها برد الدنيا دونه ..
ماذا عساها تصنع لو انتزعت منها لتبقى عارية وسط فضاء لا يرحم ؟!
_الآنسة شهد ما يتخافش عليها !
يلتفت كلاهما مع صوت إسلام الذي ظهر لتوه فتطرق شهد برأسها في خزي مدركة ما خلف عبارته ..
بينما يتوجه إسلام ببصره نحو هيثم قائلاً بمشاكسة :
_إيه الشياكة دي يا عمنا ؟! هتخطف الجو من العريس!
_ذوق شهد ..هي اللي اختارت البدلة .
يقولها هيثم باعتزاز وهو يعود ببصره نحوها ليبتسم إسلام بسخرية ماكرة :
_مش بقوللك الآنسة ما يتخافش عليها ..
لكنه يشعر بخزي الفتاة الحقيقي الذي تفضحه إطراقة رأسها ويتذكر حديث ياقوت عنها فيتنحنح ليقول وهو يتراجع بظهره :
_هاستناك تحت ما تتأخرش .
وما كاد يختفي عن ناظريهما حتى عاد هيثم ببصره نحو شهد ليقول بقلق:
_مش مستريح ..انتِ متأكدة إنك كويسة ؟!
_زي الفل يا ابني !
تهتف بها بمرح متكلف مغالبة حشرجة صوتها ببكاء ستؤجله لوحدة طويلة تنتظرها ..
لكنه يظل صامتاٌ يرقبها بنظراته فتدفعه برفق هاتفة بنفس النبرة :
_ياللا عشان ما تتأخرش على أخوك ..وأنا كمان ما أتأخرش على ماما .
فيتنهد بحرارة ليقول بحنانه الفطري:
_هاكلمك أول ما أوصل .
_وتصور لي العروسة والعريس .
بنفس المرح المتكلف تقولها ملوحة بسبابتها ليبتسم لها وهو يومئ برأسه فيما يشبه الوعد ..
هذه "الصورة" التي أغلقت عليها عينيها وهي تود لو تحتفظ بها للأبد ..
يعطيها ظهره ليتحرك مبتعداً فينقبض قلبها بوخزة قاسية ..
تستوقفه بندائها فيلتفت نحوها لتهرع إليه ثم تقف أمامه لتغرس نظراتها في عينيه هامسة :
_مهما حصل ..افتكر إني عمري ما حبيت ولا هاحب حد غيرك .
عيناه تتسعان للحظة والكلمات تصفعه ..
هو سمعها من قبل ..
أين ؟! متى ؟!
لهذا ارتعشت سبابته وهو يشير بها نحوها مغمغماً بنظرات زائغة :
_أنا فاكر ..انتِ ..انتِ قلتيلي الكلام ده قبل كده .
_فاكر!
وجهها يشحب بقوة مع كلمتها لتلتمع عيناه للحظات ..
فناء الكلية الواسع ..
عيناها الدامعتان ..
مهما حصل بيننا ..افتكر ..إني ما حبتش ولا هاحب حد غيرك ..
هروبها السريع بعدها ..
ثم ..
المطعم ..
عيناها الدامعتان من جديد ..
نظرتها المذنبة هذه المرة ..
مهما حصل بيننا ..افتكر ..إني ما حبتش ولا هاحب حد غيرك ..
وهروب جديد ..
باب زجاجي يحول بينهما ..
ثم ..
فراغ ..فراغ ..فراغ ..
ستار أسود يسدل على كل شيء!!
_هيثم ..فاكر ..فاكر إيه ؟!
ترددها بتلعثم انطفأت معه ملامحها ليعود إليها بحاجبين منعقدين ثم يزفر بقوة وهو يمسد رأسه هامساً بيأس:
_مش فاكر غير إني سمعتها منك قبل كده !
وأخيراً ترتخي ملامحها ببعض الارتياح لتتنفس الصعداء وهي تغتصب ابتسامة باهتة لتربت على كتفه هامسة :
_ما تستعجلش ..بكرة هتفتكر كل حاجة .
تقولها ب"ظاهر" عبارتها المواسي ..و"باطنها" الذي يحمل لها نهاية مؤكدة لا تحمل الجدل ..
بعض الحب خلق ليبقى مجرد سراب ملون ..نطارده وقت خلواتنا فنتلمس فيه براءة قديمة ..نسمعه في كل لحن شجيّ ..ونراه في نظرات سوانا من العاشقين ..نفتقده مع كل خيبة يلقيها في وجهنا العمر ..ونرسم به بسمة على شفاه تشققت بالألم .. لكننا نوقن أنه في النهاية لن يكون إلا ..سرابا..!
========
_الكوشة دي هديتي للعروسة ..عجبتك يا لوجي ؟!
تقولها ياسمين عصر يوم الزفاف وهي تشير ل"منصة العرس" التي صنعتها بنفسها لزوجة أخيها المنتظرة ..
كان يمكنها استئجار من يفعل هذا بفخامة أكبر لكنها فضلت مع شخصية لجين- التي فهمتها - شيئاً أكثر بساطة ..وحميمية !!
البالونات!!
كثير منها باللونين الفضي والأبيض رصتها
متلاصقة معاً على قائم خشبي بشكل "القلب" ..
مع كرسي العروس بنفس الشكل ..
_حلوة قوي !
تقولها لجين بتأثر وهي تتقدم نحوها لتعانقها ياسمين بقوة هاتفة :
_تستاهلي الأحلى ..عابد عرف يختار .
تقولها صادقة وهي تتبين فيها هذه الروح النقية التي تخترق القلوب دون استئذان ..
رغم البساطة الحقيقية التي تحيط بالمكان هنا في بيت ثمر لكنها تستشعر به دفئاً غريباً يشع من كل ركن فيه ..
_وصل وصل وصل ....!!وسع ل"الميكاب آرتيست" !
تهتف بها داليا بمرحها المعهود وهي تحمل حقيبة كبيرة من أدوات الزينة تقدمت بها نحوهما ..
لتهتف هانيا خلفهما بوجه بشوش :
_كان نفسي أعمل حاجة ..بس روح "بسطويسي" اللي جوايا مش مساعداني !
_اللي جواكي مش "بسطويسي" يا حبيبتي ..ده "جعفر" وبشنبات كمان !
تهتف بها رانيا وهي تضع كفها على كتف شقيقتها التي ضحكت لتلتفت نحوها هاتفة :
_جديدة جعفر دي ! هاقولها لرامز هيتبسط قوي !
ضحكت رانيا وهي تراقب داليا التي بدأت في تزيين العروس ..
ثم تحسست بطنها الذي انتفخ قليلاً لتهتف مخاطبة لجين :
_أنا في ظل ظروفي الحالية هاكتفي إني أقول رأيي ..بنت يا داليا ما تزوديهاش ..حاجات رقيقة كده على ذوق الشيخ !
فتقدمت منهما ياسمين لتبسط ذراعيها فوقهما هاتفة بمرح :
_كل ما تقولوا "الشيخ" دي ما ببقاش مصدقة إنكم بتتكلموا عن عابد ..سبحان من يغير ولا يتغير !
_أوباااا..أخت العريس هتفتن عليه .."نمّاية" صغيرة كده يا "ياسّو" تسلينا واحنا بنشتغل ..واهه العروسة تلاقي حاجة تمسكها عليه !
تهتف بها داليا بمرح وأناملها الخبيرة تعمل على تزيين بشرة لجين التي كانت مبتسمة بسعادة لا تكاد تصدق هذه الألفة السريعة التي نمت بينهن ..
لتشرع ياسمين في سرد بعض المواقف التي تذكرها لعابد في مراهقته في تلك الزيارات القليلة التي كانت تراه فيها مع والدها ..
ضحكاتهن تتعالى جميعاً بمرح فتراقبهن ياقوت من بعيد وهي واقفة في زاوية الصالة وعيناها معلقتان رغماً عنها بياسمين ..
شعور خانق بالغيرة ينتابها ولا تملكه وهي تجد نفسها رغماً عنها تراقبها بتفحص ..
هل هو نفس الشعور الذي انتاب زين وجعله يحاول إبعاد سامر عنها ؟!!
المغرور كان يخبرها أنه لا يغار عليها لأنه يثق بمكانته عندها ..
لماذا إذن -وهي أكثر ثقة بمكانتها هي عنده - تشعر بكل هذه الغيرة التي تكاد تحرقها حرقاً وهي تتبين تفاصيل ياسمين الأنثوية شبه الكاملة ؟!!
عيناها تصطدمان فجأة بعيني ياسمين التي انتبهت لمراقبتها إياها فخفضت ياقوت بصرها عنها بسرعة مشبكة كفيها بارتباك وجد ثغراته عبر قوة كيانها -على أي حال -!
شعرت بياسمين تترك صحبتها لثرثرتهن لتتقدم نحوها هي فعادت ترفع إليها عينيها بابتسامة مرتبكة استقبلتها ياسمين بتفهم وهي تقترب منها أكثر لتقول لها بودّ حقيقي:
_عقبالك .
تمتمت ياقوت برد تقليدي وهي تشيح بوجهها لتسألها محاولة الهرب من مشاعرها :
_فين يمنى؟!
_نايمة مع بيللا في الأوضة جوه .
تجيبها ياسمين ببساطة لتردف :
_يامن اللي زمانه هيتجنن عليها ..فكرة فصل الرجالة لوحدهم في بيت عمي حمدي دي حلوة جداً عشان ناخد راحتنا هنا ..بس هو روحه فيها ..أراهنك هيتصل بيا كمان شوية أخرجهاله .
ابتسمت ياقوت بسعادة حقيقية وهي تميز فرحة ياسمين وعلاقتها المستحدثة شديدة القوة بيامن بعد كل ما مرّا به ..
_ربنا يسعدكم .
تقولها بشعور صادق مس ياسمين التي ربتت على كتفها لتقول بامتنان :
_الفضل لربنا وبعدين ليكي يا "دكتور"!
فتخفض ياقوت بصرها بتواضع لا تدعيه لتصمت ياسمين للحظات قبل أن تسألها بخفوت :
_زين عامل إيه ؟! لسه عازل نفسه عن الناس؟!
المزيد من الغيرة يلسعها وهي تسمع اسمه من بين شفتيها ..
لكنها تومئ برأسها إيجاباً ..
لترد :
_اللي زي زين ما بيتكسرش ..هيرجع أقوى من
الأول بس بعدما اتعلم م اللي فات .
_فعلاً ..ورأيي إنه هيحاول يعمل حاجة تكفر عن ذنبه ..ملجأ أيتام مثلاً ..أو مؤسسة خيرية .
تقولها ياسمين بحماس من خبرتها بشخص زين ..
هذا الحماس الممتزج بالثقة والذي أجج المزيد من غيرة ياقوت لتجد نفسها ترد باندفاع وكأنها تثبت مكانتها هاهنا :
_دار رعاية فتيات ..هيسميها "الياقوت والمرجان".
شعرت ببعض الندم بعدما تفوهت به لتحمر وجنتاها بمزيج من خجل وحرج خاصة عندما التمعت عينا ياسمين بقوة للحظات سبقت همسها بنفس الحماس :
_أوه ! معقول ؟!
ثم ضحكت وهي تتناول كف ياقوت لتردف بشرود :
_قبل ما أفتح مطعم سينابون كنت بحلم بيه كمشروع أبدأ بيه حياتي أيام جواز من رامي ..كلمت عنه زين وقتها لإني كنت بثق في رأيه في السوق ..إداني رأيه ولما سألني عن الاسم مكنتش لسه اخترته ..ساعتها قاللي أول قاعدة "اوعي تسمي مشروع ليكي باسم حاجة أو شخص بتحبيه زي ما بعض الناس بتعمل ..
قاللي إن الحسابات بتتغير وإن اللي تحبيه النهارده ممكن تكرهيه بكرة فما تربطيش شغلك بقلبك وخللي لكل واحد فيهم طريق ..سمعت
كلامه في أول مطعم فتحته لكن في المطعم التاني سميته برمز خاص بيا أنا ويامن ..وكان معاه حق لإني مع أول مشكلة بيننا قفلته ..
نظرات الغيرة في عيني ياقوت تزداد كثافة مع احتراق وجنتيها لكن ياسمين تلتفت نحوها من شرودها لتهمس لها وهي تغرس نظراتها في عينيها :
_بس النهارده هو اللي غيّر رأيه ..عارفة ده معناه إيه ؟!
أسبلت ياقوت جفنيها دون رد ليصلها همس ياسمين الواثق:
_إنه متأكد قوي من شعوره ناحيتك ..واثق إن اللي بينكم أكبر من إن الأيام تغيره طول العمر ..
تقولها وهي تضغط كف ياقوت في راحتها أكثر فتغمض الأخيرة عينيها بقوة وهي تشعر في هذه اللحظة بالذات أنها تشتاقه ..
لماذا توقف "عدّاد العناقات" بينهما ؟!
هي لم تعد تحسبه حسياً بل صارت تضم إليه كل مرة تشعر فيها أنه يحتضنها رغم كل هذا البعد ..
فلماذا لم يعد يعانقها ؟!
صوت بكاء يمنى من داخل الغرفة يقاطع أفكارها فتفتح عينيها مع اعتذار ياسمين الصامت قبل أن تتركها الأخيرة بهمسها :
_حب زي ده مابنقابلوش في حياتنا غير مرة واحدة ..امسكي فيه بإيديكي وسنانك .
_يسلم فمك يا ست حلويات انتِ ..قوليلها أنا غلبت ..بقا ده راجل يتساب يا ناس!!
"العفريتة العابثة " تعاود عربدتها في حناياها من جديد فتبتسم من قلبها هذه المرة وهي تتابع انصراف ياسمين ببصرها ..
_شغل أسطوات يا حضرات ! مين أحسن "ميكاب آرتيست" ناو؟!
تهتف بها داليا أخيراً بفخر وهي تتنحى عن لجين التي بدت بزينتها المتقنة أكثر فتنة حقاً ..
خاصة مع هذه النظرة "الخاصة جداً" في عينيها ..
نظرة فرحة خالصة لم ترها ياقوت في عينيها من زمن!!
لهذا لم تشعر بنفسها وهي تندفع نحو شقيقتها لتعانقها بقوة ودموع فرحتها تغرق وجنتيها ..
_ولازمته إيه البكا ؟! ده يوم فرح !
هتاف ثمر التي خرجت أخيراً من المطبخ يدوي خلفهما ..
لكنها ما كادت ترى لجين بثوبها الأبيض وزينة وجهها التي زادتها تألقاً ..مع شعرها الذي أسدلته على ظهرها كشلال أسود ..
حتى اتسعت عيناها للحظات وصوتها يتهدج بدعائها :
_ما شاء الله لا قوة إلا بالله ..اللهم بارك ..اللهم بارك ..
كلماتها تنتهي بدموع تأثرها وكأنها لم تنههما عن فعلها منذ قليل لتندفع نحوها ياقوت ولجين لكنها هتفت بهما بحزم وهي ترفع ذراعيها محاولة تمالك مشاعرها :
_ماتقربيش منك ليها ..إيدي مش نضيفة .
_ما انتِ اللي مش راضية حد يساعدك في المطبخ يا ستي .
هتفت بها ياقوت باعتراض مشفق لكن ثمر رفعت رأسها للأعلى هاتفة برضا :
_"صباحية العروسة" لازم تبقى من إيدي .
فابتسمت لجين بخجل ولاتزال كلمات كهذه جديدة على مسامعها ..
لكنها فوجئت بياقوت تصفق بكفها وهي تغني وتدور حول ثمر هاتفة بمرح:
_ست الحبايب يا حبيبة ..يا أغلى من روحي ودمي ..
فالتقطت منها لجين الخيط لتدور خلفها حول ثمر هي الأخرى وتصفق مثلها ..
_يا حنينة وكلك طيبة ..يارب يخلليكي يا أمي ..
هنا شرعت داليا في الطرق على منضدة خشبية مجاورة لتحاكي اللحن معهن وتغني بدورها ..
فتتبعها رانيا وهانيا مصفقتين ..
_يارب يخلليكي يا أمي ..يا ست الحبايب ..يا حبيبة ..
الغناء ينتهي بالحفيدتين وهما تحتضنان جدتهما بعناق مازجته الدموع ..
وعلى باب الغرفة المجاورة المفتوح كانت نبيلة تقف تراقبهن بإجلال ممتزج ببعض الحسرة ..
كم تغبط ثمر على هذا الحب النابض في عيني الحفيدتين ..
تتمنى لو لم تكن أضاعت العمر لهثاً خلف سراب ..
هذا الذي شعرت به ياسمين وهي تحمل يمنى جوارها فالتمعت عيناها بحسم وهي تجذبها من ذراعها الحر نحو بنات شقيقتها لتصنع لها حلقة وسطهن ..
يتصايحن ثلاثتهن بمرح وهن يلتففن حول نبيلة ليعدن الأغنية لها هي هذه المرة ..
فيختلج قلبها بشعور كاسح لم تعرفه "بيللا" في أزهى عصور مجدها ..
إنما توقن أن "نبيلة" ستتنعم به ما بقي لها من عمر !!
=======
عقب صلاة العشاء بصالة بيت ثمر حيث اجتمعت النسوة تحتفلن بضرب الدف مع فرقة أغانٍ إسلامية ..
حول لجين التي بدت وسطهن كقمر يتباهى بنجماته ..
جلست إيناس تجاور غادة وهي تصفق بكفها معهن لتميل على أذن غادة قائلة :
_عقبالك !
فابتسمت غادة بخجل وهي تنظر للعروس قائلة بارتباك :
_هتعملي زي سيف ؟! كل شوية يستعجلني ..بس أنا لسة مش ..
قطعت عبارتها وهي تلاحظ تململ إيناس بضيق في مكانها لتهتف بها بترقب:
_مالك يا أنّا ؟!
_ الجيبة ضيقة ..وخفت أقول لعمك علاء يتريق عليا ويقوللي تخنت ..شوفيلنا حتة متدارية أهويها شوية ..
تقولها إيناس بحرج لتضحك غادة ضحكة عالية وهي تقف مكانها لتمد لها كفها مساعدة :
_وأنا كمان طرحتي فكت ..تعالي نسأل حد هنا ..هي مراة إسلام فين ؟!
فتلفتت إيناس حولها بعينيها وهي تقف مكانها لترد بإشفاق:
_مراة إسلام دي حكاية لوحدها ..تحسي عينيها بتعيط من غير بكا ..من ساعة ما شفتها ونفسي آخدها في حضني وأطبطب عليها ..بس هي شكلها متحفظة قوي ..هتلاقيها هنا
واللا هنا ..بنتها شقية هتلاقيها بتلف وراها ..
_عايزة حاجة يا بنتي؟!
تهتف بها ثمر بطيبتها المعهودة وهي تجول ببصرها بينهما فتقول غادة بحرج :
_عايزين مكان بس نظبط فيه هدومنا .
_تعالي يا بنتي اتفضلي .
تقولها ثمر وهي تشير لإحدى الغرفتين التي تقدمتا هما نحوها شاكرتين مبتعدتين عن الجمع المحتفل ..
فأدخلتهما ثمر لتغلق الباب خلفهما مع قولها:
_خدوا راحتكم ..البيت بيتكم ..حبايب إسلام حبايبنا .
_شكلها طيبة قوي الست دي ..يا ساتر ..الجيبة هتفرقع !
تهتف بها إيناس وهي تحل زر تنورتها لترفعها قليلاً فتضحك غادة وهي تحل وشاحها لتعيد ضبطه ..
_صبغتِ شعرك امتى من ورايا ؟!
تهتف بها إيناس معلقة على لون شعر غادة
الأحمر لتهتف بها الأخيرة باعتذار :
_لسه امبارح ..كنت عايزة أجرب اللون لأن سيف طالبه مخصوص .
عبارتها الأخيرة امتزجت بدلالها الفطري لتضحك إيناس مقلدة لهجتها :
_سيف طالبه مخصوص ؟! يااااعيني ..والله وبقينا بنطلب ياابن الناس الكويسين !
ضحكت غادة بالمزيد من الدلال وهي تعيد ضبط وشاحها لتردف إيناس بنبرة أكثر حناناً :
_امبارح حلمت بهاني ..طول الحلم بطمنه على إسلام وسيف وهو يا حبيبي بيضحك !
اغرورقت عيناها بالدموع كعهدها كلما تحدثت عن الحبيب الراحل لتلتفت نحوها غادة بنظرة مواسية ثم تنحني لتعانقها بقوة ..
فتتنهد المرأة لتردف :
_أكتر حاجة كنت حاملة همها إن سيف وإسلام يخسروا بعض بسببك ..لما رفضتِ إسلام وعرفت إن سيف هو كمان بيحبك قلت خلاص الصحاب هيخسروا بعض ونخسرهم احنا كمان ..
_سيف وإسلام عمرهم ما يخسروا بعض ..دول إخوات وأكتر ..واهه إسلام سبقه واتجوز قبله كمان .
تقولها غادة ببساطة وهي تربت على كتف إيناس التي هزت رأسها لتقول بحيرة :
_ماهو ده اللي قالقني عليه ..جوازته المتلهوجة دي ..مستنية بس يروق وأقعد معاه على جنب أفهم منه .
_مفيش فايدة ..على طول قلبك الطيب ده قلقان علينا يا "أنّا"!
تقولها غادة بحنان وهي تطبع قبلة على جبينها لتردف :
_ياللا بقا نطلع ..مايصحش نطول هنا .
تقولها وهي تلقي نظرة أخرى على المرآة لتطمئن على شكلها قبل أن تغادر الغرفة مع إيناس..
غافلة عن نشوى التي كانت هناك مختبئة في زاوية شرفة الغرفة وقد اختارت العزلة عن الجمع بالخارج ليختار لها القدر أن تستمع مصادفة لكلامهما كله ..
فيدرك عقلها جواب السؤال الذي طالما سألته إياه دون أن تجد له جواباً يقنعها ..
لماذا تزوجها ؟!
تماماً كما تزوجته هي ..
لأجل أن ينسى أخرى يعشقها!!
========
_الصالح !! افتقدتك يا صديقي!!
يهتف بها عابد بلهفة حقيقية وهو يعانق صديقه في بيت الحاج حمدي حيث تجمع الرجال
لاحتفال العرس ..
ليرد الصالح ببشاشة :
_عندما علمت الخبر لم أستطع إلا الحضور في أقرب طائرة ..بارك الله لك .
ربت عابد على ظهره بمودة حقيقية وهو يتذكر دوره الكبير في حياته ليقول له بحرارة :
_كنت ولا تزال نعم الصاحب.
يبتسم له الصالح برضا ليسأله باهتمام :
_عساك تكون وجدت بغيتك هنا ..أرى راحة القلب مرسومة على وجهك .
فيهز عابد رأسه وهو يتذكر أيام شتاته القديم ليرد بتأثر :
_لا أجد لي إلا دعاء نوح عليه السلام وقت استوى على سفينته بعد الطوفان ..الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين .
_الحمد لله .
يقولها الصالح ببشاشة فيتحرك به عابد وسط جموع الرجال ليعرفه على يامن وبقية أقربائه ..
ثم ينتهي به المقام لدى الشيخ أبي إدريس فيقول له عابد باعتزاز:
_هو صديقي الذي حدثتك عنه يا شيخنا .
يبتسم الشيخ وهو يصافح الصالح بقوة قائلاً :
_بارك الله لك يا ابني ..وزادك علماً وفهماً .
_سلمت يا شيخنا .
يقولها الصالح ببعض الخجل وهو يرى نظرات التقدير من الشيخ الجليل الذي طبقت شهرته الآفاق في العلم ومع هذا لم يزده ذلك إلا تواضعاً ..
تماماً كما يتحرك الآن مع الخدم ليوزع الطعام على الحضور بنفسه ويقول لعابد مداعباً :
_ألستُ أبا العريس !!
فيضحك عابد وهو يرد بامتنان :
_أبي وشيخي ومعلمي !!
يرمقهما الصالح بنظراته الذكية كالعادة مدركاً أن صديقه قد وعى الدرس و..
وشتان بين "الثرى" و"الثريّا" كما يقولون !!
لا تزال مصر كما يذكرها حميمية دافئة مميزة بهذا السحر الذي لا تشبهها فيه بلد سواها ..
ربما هي لا تزال تعاني سنين عجاف لكنه لايزال يرجو عاماً فيه يغاث الناس وفيه يعصرون !
يجلس وسط الرجال يتناولون الطعام الذي أعد بكرم والحاج حمدي عم يامن يتحرك وسطهم ببشاشة كأنما هو عرس ابنه من صلبه..
فيبتسم الصالح براحة وهو يسمي الله ليبدأ في تناول الطعام الذي اشتاقه بنكهته "المصرية" المميزة ..
_أين أغسل يدي ؟!
يسأله الصالح بعدما انتهى من تناول الطعام ليرد عابد وهو يشير له لمكان قريب توجه إليه ليغسل يديه ويخرج ..
فيدوي في أذنيه صوت الاصطدام قبل أن يسمع صوتها تولول:
_الصينية وقعت ! ستي ثمر مش هتبطل تقوللي يا مطيورة !
يتنحنح بحرج وهو ينحني ليساعد رابحة في لملمة الفاكهة التي تناثرت على الأرض:
_عفواً ..لم أنتبه !
_انت بتتكلم زيه ؟!
تهتف بها بانبهار وهي تتفرس في ملامحه ليرفع إليها عينيه متسائلاً :
_من تقصدين ؟!
_الشيخ عابد ..العريس!
تقولها بتلعثم احمرت له وجنتاها ليبتسم وهو يعود لينهمك فيما يفعله قائلاً :
_تقصدين التحدث بالفصحى ؟! إنها سنة مستحبة يا صغيرة .
_أنا مش صغيرة !
تهتف بها باندفاع طفولي ليعاود رفع عينيه إليها بفضول ثم يغضهما ببعض الدهشة ..
طفلة !! إنها مجرد طفلة !!
_أنا داخلة على خمستاشر سنة ..وأبويا كان عايز يجوزني من كام شهر بس الشيخ أبو إدريس الله يصلح حاله هو اللي وقف له .
كتم ضحكته بصعوبة مع ثرثرتها التي بدت له أكثر طفولية من ملامحها ..
ليرفع الصينية أخيراً ثم يناولها إياها قائلاً :
_أعتذر مرة أخرى ..
ولم يستطع منع نفسه من مشاكستها باستطراده :
_يا صغيرة .
عبست ملامحها في وجهه بغضب طفولي وهي تتناول منه الصينية لتعطيه ظهرها وتغادر ..
فاستقام بجسده أخيراً يرقبها من بعيد كي يطمئن أن لن تسقط ما بيدها من جديد ..
لتتسع عيناه وهو يميز ما سقط لتوه من جيب جلبابها ..
_يا صغيرة !
يناديها وهو يقترب منها من جديد لتلتفت إليه بنفس العبوس الطفولي ..
فيلتقط حلوى "المصاص" التي سقطت منها ليعطيها إياها عاجزاً عن منع ابتسامة تسليته :
_هذه وقعت منك .
احمر وجهها أكثر لتهتف به كاذبة بنزقها المعهود وقد ساءها أن يراها كطفلة :
_مش بتاعتي! شايفني عيّلة صغيرة لسه باكل مصاصة ؟! شوف وقعت من مين !
يكتم ضحكته وهو يهز رأسه محاولاً الحفاظ على وقار ملامحه لترمقه هي بنظرة متحسرة أخيرة قبل أن تشق طريقها وسط الزحام تاركة إياه خلفها يمسك عصا حلواها بيده ليديرها بين أنامله للحظات قبل أن يضعها في جيبه بخفة كي يعود إلى عابد ..
_بت يا رابحة ! خدي هنا رايحة فين !!
تهتف بها ياقوت وهي تستقبلها في بيت ثمر الذي عادت إليه لكن رابحة لم تلتفت إليها وهي تضع الصينية فوق المائدة ..
قبل أن تندفع نحو الحمام القريب لتغلق بابه خلفها ..
وما كادت تفعل حتى أطلقت سراح ضحكة أفلتت منها وهي تستعيد ملامحه لتبسط راحتها على شفتها متمتمة بانبهار:
_أشقر وعيونه زرقا !! كنتِ فرحانة بعابد وبتقولي شبه "سامي يوسف"! أهه جالك اللي شبه "عمرو يوسف"!!
تقولها لتطلق ضحكة أخرى كتمتها بكفها الذي وضعته بعدها على صدرها لتتنهد بحرارة هامسة :
_يا ترى اسمك إيه يا حليوة انت ؟!
تسمع ثمر تناديها من الخارج فتشهق متذكرة مصيبتها لتخرج بسرعة وتهرع إليها هاتفة بأسف:
_الصينية وقعت غصب عني والله يا ستي .
فتضحك ثمر عبر أسنانها المكسورة لترد وهي تلوح بكفها :
_هاقوللك إيه ؟! ما انتِ مطيورة !!
_طب أساعدك في إيه تاني؟!
تقولها بشعورها بالذنب لترد ثمر وهي تتفحص ملامحها بخبرتها :
_مالك يا بت ؟! وشك أحمر كده ليه وبتنهجي ؟!
فارتمت في حضنها فجأة بوضع تمثيلي لتهتف بها بلهفتها المعهودة :
_فيه حاجة في بالي ادعيلي تتحقق يا ستي ..دلوقتي ..والنبي ..والنبي ..والنبي ..
فتضحك ثمر ببشاشة وهي تحاول دفعها عنها :
_يابت ابعدي كده ..وبعدين قلتلك ألف مرة ما تحلفيش غير بالله .
_حاضر يا ستي ..ماعدتش هاقول والنبي ..بس والنبي والنبي ..تدعيلي دلوقت !!
عادت ثمر تضحك وهي تزيحها جانباً قائلة :
_أسيب الضيوف يعني وأقعد لدماغك الفاضي ؟!
_هي حاجة واحدة بس يا ستي ..قولي يارب حقق لرابحة اللي في بالها !
تقولها بتوسل وهي تتقافز حولها كالأطفال فتتنهد ثمر وهي ترفع كفيها في وضع الدعاء:
_يارب حقق لرابحة اللي في بالها ..لو فيه خير!
تقول عبارتها الأخيرة وهي تقرص أذنها برفق لتتأوه رابحة بخفوت ثم تبتسم وهي تراقب ثمر تبتعد لتضع كفيها المتشابكين على صدرها مغمضة عينيها بقولها الهائم :
_وهو فيه خير أكتر من كده ؟! أشقر وبعيون زرقا يا ناس!!
======
_وحشتني يا مارووو !! أنا عارفة لزومه إيه الفرح اللي فاصليننا فيه ده ؟!
تهتف بها داليا لنفسها بضيق وهي تجلس وسط النسوة في بيت ثمر يحتفلن بالتصفيق مع فرقة الإنشاد الإسلامي ..
تستخرج هاتفها لتكتب له رسالة :
_وحشتني .
ثم تبتسم وهي تراه يرسل لها الرد بسرعة كأنما كان يكتب رسالته معها في نفس اللحظة :
_انتِ وحشتيني أكتر .
_خلاص ..اللي واحشه التاني أكتر يتصرف !
تكتبها بشقاوتها المعهودة ليرد :
_اعقلي يا مجنونة ..هنا الغلطة بفورة .
تتسع ابتسامتها وفكرة مجنونة تراودها ..
تجعلها تتسلل عبر الجموع خفية لتغادر بيت ثمر ثم تستوقف صبياً صغيراً لتسأله :
_تعرف فين البيت الحاج حمدي اللي فيه قرايب العريس ؟!
يمسك الصغير بيدها ليرشدها نحو هناك فتتحرك جواره وذهنها منشغل بالمفاجأة التي ستعدها لمروان عندما يراها هناك ..
وخارج البيت عند مدخله كان هيثم يقف ضائق الصدر شاعراً بالغربة وسط الحضور وراغباً في المغادرة ..إليها !!
شهد!
يمسك هاتفه ليرسل لها صور العروسين كما وعدها فترد ببعض الصور الضاحكة لكنه كان يستشعر أن مرحها هذا ليس حقيقياً ..
يزفر بقوة وهو يحاول تفسير هذا الضيق الذي شعر به منذ رأى لجين هنا ..
لا ..ليس ضيقاً يتعلق بها نفسها ..على العكس إنه يستشعرها طيبة كشقيقتها ..
إنما هو شيء يدور حولها ..
يحسه ولا يفهم كنهه ..
طيف قديم ٌ ينتابه من الماضي ..
فيراها هي ..لجين !!
تعدو هاربة منه ثم تختفي ..
وبعدها تأتيه شهد تخبره شيئاً ..
شيئاً عن أبيه !!
أبيه ؟!!
الستار الأسود يسدل من جديد !!
فلا يعود يذكر شيئاً !!
تباً لهذه المتاهة التي تجعله يشعر أنه يدور في الفراغ بلا هدف !!
_هيثم !
الهتاف يأتيه من الجوار فيلتفت نحو داليا بعينين زائغتين مغمغماً :
_انتِ عارفاني؟!
_معقول ؟! مش فاكرني أنا كمان؟!
تقولها بإشفاق مستعيدة تاريخهما الطويل معاً منذ الطفولة ليتفحص ملامحها باهتمام ..
قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة ..
إنها هي!!
الفتاة التي تذكر طيفها منذ فترة ..
وكانت ..كانت شهد تغار منها !!
_فاكر شكلك ..بس الاسم ..
_داليا ..داليا يا روميو !
تقولها بسلامة نية وعيناها تدمعان إشفاقاً نحوه ليشعر بألفة غريبة تجتاحه نحوها ..
وتجعله يقترب أكثر منها قائلاً بتشتت:
_أنا حاسس إنك قريبة مني ..بس ..
_كنا أصحاب من ابتدائي لحد الجامعة ..ودلوقت بقينا نسايب ..انت أخو العروسة ..وأنا قريبة العريس .
تقولها بعاطفة دافئة لا تزال تحملها نحوه ليهز رأسه بعينين ملتمعتين :
_يعني عارفة عني كل حاجة ؟!
أومأت برأسها إيجاباً ونظراتها المشفقة المفعمة بعاطفتها الأخوية نحوه تطوقه ..
فيزدرد ريقه ليسألها باهتمام :
_تعرفي عني إيه ؟!
_انت برضه لسه مش فاكر ؟!
تسأله بالمزيد من الإشفاق ليشيح بوجهه في يأس فاقتربت منه وعيناها تلتمعان بعزم قائلة :
_هاقوللك كل حاجة ..هساعدك تفتكر !
========
_وسعوا للعريس ..واخوات العروسة !
الهتاف ينطلق مصحوباً بالزغاريد من كل صوب لتضطرب لجين وهي تقف مكانها ..
فتشد ياقوت على كفها داعمة وعيناها تدمعان رغماً عنها ..
بينما يتقدم عابد يحيطه هيثم وإسلام من الجانبين لتتسع عيناه بانبهار وهو يميز جمالها الذي يراه ساطعاً هكذا لأول مرة ..
بياض ثوبها المكشوف عن ذراعيها وكتفيها يناقض سمرة بشرتها الفاتنة ..
شعرها الأسود الناعم يبدو له كليل طويل سيحلو له فيه السهر ..
شفتاها مزينتان بأروع ابتسامة رآها في حياته ..
عيناها المكحلتان برموش طويلة تحملان له ألف دعوة بالاقتراب ..
أفلا يلبي؟!
فيما تتسع عيناها هي الأخرى وصدرها يعلو ويهبط كأنما تعدو في سباق طويل ..
لقد ارتدى بدلة !!
بدلة سوداء أنيقة كما حلمت بها !!
وجهه الوسيم يكاد يضيئ كقمر هجر العالمين وسكن سماءها وحدها !!
الدموع تتكدس في عينيها وهي ترى إسلام وهيثم يتقدمان قبله ليعانقاها بقوة ..
فيخفق قلبها وهي تتوجه نحو ياقوت بنظرة خاصة فهمتها ..
كلتاهما عاشتا هذا العمر الطويل بلا سند من رجل ..
والآن يمنحهما القدر العوض مضاعفاً ..
فسبحان من إذا أعطى أدهش بالعطاء!!
صوت الزغاريد يدوي في أذنيها من جديد قبل أن تختفي من حولها كل الأصوات وهي ترى
إسلام يمسك أحد كفيها بينما هيثم يمسك الآخر ليسلماها لعابد ..
بينما تشعر بكفيّ ثمر على كتفها من الخلف كما عاشت طوال عمرها تحيطها بجناحيها وتدفعها وشقيقتها للأمام ..
قبل أن تشعر بكفيه هو يمسكان كفيها ..
اللمسة الأولى!!
هذا السحر الذي ضمها الآن بفتنته ..
تسرق من عينيه نظرة تهزها من قمة رأسها
لأخمص قدميها ..فلا تجرؤ على المزيد ..
فيما تشعر به يقترب أكثر لينحني ويقبل جبينها ..
جسدها ينتفض كله لتنتقل ارتجافتها إليه فيميل على أذنها هامساً :
_لا تخافي ..أقسم بمن رزقني حبك أن تكوني قِبلة القلب والعين العمر كله !
ترفع إليه عينين مصدومتين وهي تسمع منه اعتراف الحب لأول مرة ..
لم تتصوره ولو في أقصى أحلامها جموحاً بهذه الحلاوة ..
دموعها تمتزج بابتسامتها في خليط عجيب يليق بروحها المحلقة في عليائها ..
فيمد أنامله بخفة ليمسح طرف عينيها وهو يمنحها ابتسامة بدرجة ألف عناق ..
ترى ياقوت تمد إليها يدها بإسدال مطرز أبيض جعلته كي تستر جسدها الذي يفصله الثوب ..فتترك دفء يديه مرغمة كي تساعدها شقيقتها في ارتدائه ..
قبل أن تناولها طرحة بيضاء أمسكتها هي بين يديها ..
ليتلقفها هو منها ثم يسدلها على رأسها من أعلاه ليداري وجهها بزينته كاملاً ..
_تماماً كما كان في رؤياي .
يهمس لها بها بصوت متهدج ليصله همسها عبر القماش الرقيق الفاصل بين وجهيهما :
_شفتني في رؤيا ؟!
_كنتِ تمدين لي يدك بطرحة كهذه وتهمسين ..أكمل الستر يا شيخ ..عساني أكمله حقاً !
لم يرَ ملامح وجهها صريحة لكنه شعر باختلاجة كفها الذي تناوله في راحته ليعاود تقبيل رأسها ..
سمعها يعود لكفاءته من جديد مع أصوات الزغاريد ..
وبقلبها تشعل الدقات زغاريد مشابهة ..
تتأبط ذراعه بمزيج من خجل وفخر وهي تسير جواره مرفوعة الرأس والعيون حولها ترمقها بنظرات إجلال طالما افتقدتها ..
تتحرك جواره كأنما خطواتها تحلق بانسيابية وكفه الذي يعانق كفها يمنحها أمان كنفه ..
يصلان أخيراً لبيتهما الذي يقابل بيت ثمر تماماً فترى الأخيرة تنحني لتعانقها بقوة قبل أن تنظر ثمر لعابد نظرة لن تنساها ما عاشت ..
كأنما تخبره بتجاعيد وجهها الغائرة أن هذه أمانتها أودعتها إياه فلا يضيعها !
ليومئ لها عابد برأسه قبل أن تشعر بعناق ياقوت الباكي يجتاحها بانفعاله ..
_افرحي ..افرحي قوي ..شفنا كتير ..بس عوض ربنا مفيش أجمل منه !
تهمس بها في أذنها لتقبل وجنتها بقوة قبل أن تنسحب ملوحة لها بكفها ..
خطوتها الأولى لبيتهما الجديد تختلط في أذنيها بصوت الزغاريد بالخارج ..
تشعر به يقترب ليخلع عنها طرحتها وإسدالها ..
فترفع إليه عينيها بمزيج من خجل وفرح ..
_يالله ! لو كان هذا حسنك في عينيّ في الدنيا ..فكيف بحور العين في الجنة !!
الصدق في كلماته ..!!
الصدق في كلماته بهذه الحرارة ماذا عساه يصنع لامرأة بتاريخها لم تكد تسمع في عمرها الطويل كله عبارة غزل واحدة ؟!!
لهذا دمعت عيناها وهي ترنو إليه بنظراتها هامسة ببساطتها النقية :
_زمان كنت بتضايق إني عمري ما حد عاكسني ولا قاللي كلمة حلوة زي بقية البنات ..بس دلوقت ..دلوقت ..بحمد ربنا إنها اتحوشت لي عشان أسمعها منك انت .
فابتسم وهو يحيط وجنتيها براحتيه هامساً :
_يشهد ربي أني لم أمس يوماً امرأة في حرام ..احتسبتها عنده لأجل فرحة ليلة كهذه ..لأجل امرأة أكون لها بكراً كما تكون لي ..فيرزقنا الله متعة حلاله .
يقولها ليقرب وجهها أكثر فيسنده على صدره لتكتم تأوه خجلها وأناملها تتلمس سترته فتتذكر ما يجعلها تسأله :
_غيرت رأيك ولبست بدلة ليه ؟!
فيرفع ذقنها نحوه ليهمس لها بحنان آسر :
_قلتِ إنه كان حلمك ..وأنا عاهدت نفسي أن أحقق لكِ كل ما تحلمين به مادام في غير معصية لربي .
خيط رفيع من الدموع يسيل من طرف عينها وهي لا تصدق كل هذه السعادة التي تغمرها بها كلماته ..
_سألتِني بالأمس إن كنت سعيداً وأجلت الجواب للحظة كهذه ..
يقولها وهو يرفع كفها ليبسطه على صدره حيث موضع خافقه لتشعر بدقات قلبه العالية تحت أناملها ..بينما هو يردف :
_لا يعرف مقام انشراح الصدر إلا من عاش عمراً باختناقه ..
ثم صمت لحظة ليكمل بما لن تظن نفسها يوماً ستسمع أجمل منه :
_يا "فضية" الاسم و"ماسية" المقام ..رزقني الله حبك وبشرني بكِ في رؤيا خير ..ثم ملأ بكِ قلبي قبل عيني ..فأي النساء قبلك ؟! وأي النساء بعدك ؟!
هنا لم تستطع منع تأوه خجلها وهي تخفي وجهها بين كفيها ..
تكاد تذوب بين ذراعيه من فرط هذه الحرارة التي تكاد تصهرها ..
رغماً عنها تستعيد هذه الأيام التي قضتها لا ترجو من الحياة سوى "ظل رجل" يؤويها من حمل وزر لفظة "عانس" ..
والآن يأتي هو وبين كفيه كنوز عاطفة لن يسعها الكون من المشرق للمغرب ..
تشعر به يزيح كفيها عن وجهها فتعاود رفع عينيها إليه بوجل ..
لم تتخيل أن يكون يجيد مثل هذا الكلام ..
إنما هو فقط كان يخفيه "تقوى" وليس "عجزاً"!!
_أنا مش عارفة عملت إيه عشان أستحق حد زيك ..بس بقول لنفسي يمكن هي دعوة ستي ثمر .
فارتفع حاجباه للحظة وهو يحاول إزاحة الكلفة بينهما بحرص ليقول مداعباً:
_هل هذا أفضل ما سأسمعه منكِ الليلة ؟!
تضحك ضحكة صافية توّجها خجلها لتعيد إخفاء وجهها بين كفيها لكنه يعاود إزاحتهما عنه ليهمس لها بحنان دافئ:
_لا تخفي وجهكِ بين كفيكِ بعد الآن ..صدري به أولى!
تشهق رغماً عنها وكلماته تثير ما يفوق خجلها ..
خاصة وهي تشعر بذراعيه يطوقانها كاملة بحنوّ فتسند رأسها على صدره..
الانتماء!!
هذا بالضبط ما كانت تشعر به الآن وهي على صدره ..
كأنه هو ملاذها وموطنها منذ الأزل!!
نفس الشعور الذي كان يشاطرها إياه وأنامله تأنس برحلتها بين خصلات شعرها الناعمة ..
_"لتسكنوا".."لتسكنوا"..
يكررها بخفوت لترفع إليه عينين متسائلتين فيبتسم لها تالياً الآية كاملة ..
_ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ..سبحان من هذا كلامه ..هكذا أشعر الآن تماماً ..أنتِ مني ..أنتِ سكني !
تحترق وجنتاها خجلاً وهي تشعر بتثاقل نظراته فوق ملامحها كما لم يكن يفعل من قبل ..
فيرتجف جسدها برهبة طبيعية بددتها همساته الحانية :
_أخبريني يا حوريتي ..كيف حلمتِ بهذه الليلة ؟!
تكاد تخفي وجهها بين كفيها خجلاً من جديد لكنها تتذكر ما قاله فتسند جبينها على صدره مع كفيها ..
لكنه يبعدها قليلاً لينظر لعينيها هامساً بنبرته الدافئة :
_تعالي نصلّ ركعتين أولاً ..ومادمتِ تخجلين .. سأخبركِ أنا بعدهما كيف حلمت بليلة كهذه !
=====
_باي يا "باربي" !
تتمتم بها همسة خارج بيت ثمر عقب انتهاء العرس وهي تنحني برأسها فوق رأس يمنى التي تحملها ياسمين فتقبلها بنعومة مردفة :
_هاشوفك تاني ..قريب .
_أكيد .
تقولها ياسمين ببشاشة ناقضت تحفظ ملامح يامن النسبية وهو يخشى تقاربهما مع همسة ..
ليس لأجلها هي ..بل لأجل أخيها ذاك!
لهذا تنحنح بخشونة وهو يودع همسة ورائد بودّ لا يدعيه خاصة للأخير الذي لا يزال يذكر فضله على ابنته ..
فرمقته ياقوت بنظرة متفهمة قابلها بابتسامة تقدير :
_مبروك يا دكتور ..عقبالك !
هزت له رأسها بود لترى في عينيه نظرة ذات مغزى نحو سامر الذي اقترب منهم مخاطباً ياقوت بقوله :
_مروان اختفى فجأة ..ما شفتيهوش ؟!
فابتسم يامن وهو ينظر حوله :
_داليا كمان مش شايفها ..هتلاقيهم مشوا سوا !
يقولها ليرمق سامر بنظرة تقدير حقيقية ..رغم تعارفهما القصير منذ ساعات فقط ..لكن مروان كان يشكر فيه كثيراً ..
ورغماً عنه -مع علمه بعمله هو مع ياقوت - تمنى لو تحمل لها الأيام نصيباً معه هو بدلاً من ذاك الوغد اللزج ..زين!!
لهذا صافح سامر بود لم تخطئه عيني رائد اللتين كانتا تراقبان بتفحص كعهده خاصة ويامن يخاطب ياقوت بقوله بنبرة ذات مغزى:
_اتوصي بدكتور سامر ..راجل قليل تلاقي زيه الزمان ده !
فارتفع حاجبا ياقوت ببعض الدهشة لتبتسم لسامر قائلة بمودة :
_بيوصيني عليك يا آينشتاين ..مش عارف إننا عشرة من أيام الجامعة .
_على يدي يا شجرة الدر !
يقولها إسلام بمرح وهو يحيط كتفيها بذراعه ليضمها بحنوّ بينما سامر يبتسم بطيبته المعهودة ..
فيرمقهم يامن بنظرة راضية قبل أن يتحرك مع رفقته نحو السيارة ليغادروا ...
فيما بقي رائد يراقب الوضع بحذر وهو يرى سامر يصافح إسلام بحرارة ليرمق ياقوت بنظرات ودية لم تفوتها عيناه هو الصقريتان ..
قبل أن يودعهما لتبقى ياقوت مع إسلام وهيثم الشارد بوجوم كأنه ليس معهم ..
فوضع رائد كفه على كتف همسة ليقول مخاطباً ياقوت :
_مبروك ..شكراً على كل حاجة .
يقولها بنبرته الرصينة التي ذكرتها ب-قريبه- لترتجف ابتسامتها ..
قبل أن تتسع عيناها بانفعال مع قول همسة العفوي :
_اليوم كان حلو قوي ..ما فرحتش كده من زمان ..كان نفسي زين يكون معايا .
هنا شدد إسلام ضغط ذراعه حول ياقوت بحمائية كأنما يمنحها دعمه ..
فيما تنحنح رائد وهو يودعهم بمباركة أخرى ..
لكن ياقوت ابتسمت له مغالبة شعورها بقولها :
_الفرح المرة الجاية عندكم بقا !
فابتسمت همسة وهي تعانق كف رائد بكفها وعيناها تفضحان فرحة حقيقية قبل أن تتحرك معه بدورهما ليغادرا ..
وما كادا يبتعدان بضع خطوات نحو سيارته القريبة حتى نظرت لقدميها قائلة وهي تهرول بخطواتها نوعاً :
_مبسوطة قوي ..ما عدتش بخاف ألبس كعب
عالي .
تقولها مشيرة لحذائها فيبتسم مجارياً خطواتها شبه الراكضة ليقول مشفقاً :
_بس ده عالي بزيادة ..استحملتيه إزاي طول اليوم ؟!
_مش مهم ..المهم ..آه ..
عبارتها تنقطع بصرخة قصيرة وهي تترنح مكانها وقد تعثرت بشيء ما ..قبل أن تلتوي قدمها فتسقط بكامل جسدها فوقها ..
=======
_الحمد لله جت سليمة !
تقولها ثمر بحنان لم يخلُ من قلق وهي تنظر لهمسة التي تمددت فوق فراش ياقوت في غرفتها ..
لتقول الأخيرة بنبرتها العملية :
_الدكتور طمننا ..ارتاحي بس الليلة دي وما تدوسيش عليها ..وبإذن الله بكرة تقدري تمشي عليها !
تأوهت همسة بوجع وهي تحاول تمسيدها بأناملها ليقول رائد بحرج :
_مش هينفع نبات هنا للصبح ..كفاية القلق اللي عملناه للحاجّة .
_ماتقولش كده ياابني ..البيت بيتكم .
تقولها ثمر بترحاب حقيقي وقد سكنت همسة
بالذات في قلبها منذ وقعت عيناها عليها ..
_الوقت اتأخر كمان ..خلليكو لبكرة وأنا قاعد معاكم ونسافر سوا.
يقولها إسلام مرحباً وهو يتحرك ليربت على كتف رائد بمودة ..
فابتسمت ياقوت وهي تجلس على طرف الفراش مخاطبة همسة بقولها :
_إيه ؟! مش عايزة تباتي معايا ونحكي حواديت للصبح ؟!
فالتمعت عينا همسة بلهفة اشتياق ناسبت قولها :
_وحشتني حكاياتك .
_وأنا كمان ..وحشتني ال...
رنين الجرس يقاطع عبارتها فتلتمع عينا رائد ببريق ماكر..
فيما تتحرك ثمر نحو الخارج لتفتح الباب قبل أن تلحق بها ياقوت ..
وما كاد الباب يفتح حتى شهقت ياقوت وعيناها تتسعان بذهول ..
فيما لم تبدُ ثمر بهذا الانفعال وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيها وهي تتفرس في ملامح الزائر الغريب الذي بقي واقفاً لم يتفوه بكلمة..
لكنها رفعت رأسها لتقول بفطنة لا تفتقدها :
_أكيد زين بيه ..اتفضل !
========
انتهى الفصل
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم سينابون
القطعة الثالثة والعشرون
=======
_دكتورة ياقوت ؟!
تسمعها ياقوت عبر الهاتف لترد بترقب ملهوف :
_ شهد ..تعرفي حاجة عن هيثم ؟!
تقولها وهي تستعيد ما أخبرها به إسلام -لتوه- عن اتصال أمه المذعورة به كي تنبئه عن اختفاء شقيقه ..لتسألها وقد توقعت جواب شهد :
_هيثم معايا .
_معاكِ فين ؟!
تصمت شهد وهي تتنهد بحرارة تسترجع لقاءها به بالأمس ..
كيف كان منهاراً مشتتاً وهو يخبرها أنه يشعر أنه ضائع!
أنهم جميعاً عاملوه كطفل أخفوا عنه الحقيقة !!
أنه لم يعد يريد أن يتذكر أي شيء عن حياته هذه التي اكتشفها ..
وأنه يريد أن يبدأ من جديد معها هي ..هي فحسب من صار يثق بها !
_معاكِ فين يا شهد ؟!
تكررها ياقوت بانفعال ينتزعها من شرودها لترد بتلعثم :
_عندنا في البيت !
ارتفع حاجبا ياقوت بدهشة للحظات قبل أن تستدعي قناع مهنيتها محاولة تجنيب عواطفها :
_إيه اللي حصل بالظبط ؟!
_سمع كلام إسلام مع جيلان هانم ..كانوا بيتخانقوا وهي قالت إن حسين كان تاجر مخدرات .
زفرت ياقوت بسخط شاعرة بالشفقة نحوه ..
لتعاود سؤالها باهتمام :
_وبعدين ؟!
_طلب يشوفني ..اتقابلنا في النادي ..قاللي إنه ماعادش قادر يقعد في البيت ده بعد اللي عرفه ..وإنه ما عادش واثق في أي حد ..غيري !
تحشرج صوتها في كلمتها الأخيرة التي انتهت بدموعها مع استطرادها الذي فضح ألمها :
_ماعرفتش أقولله إيه ..لو شفتي عينيه وقتها وهو حاسس إنه ضايع ..إنه خايف ..مش فاهم حاجة ..ومش واثق في أي حاجة ..ومع ذلك ..بيقول إنه مصدقني أنا ..أنا ..أنا تخيلي!!
انقبض قلب ياقوت بلوعة مع بكاء الفتاة وحالها المؤسف مع أخيها هي بقصتهما المعقدة هذه ..
لتسألها برفق :
_وبعدين ؟!
_عندنا في البيت أوضة فاضية فوق السطوح ..ماما لأنها عارفاه من زمان وافقت تسكنه فيها بعد ما حكت لها ظروفه ..بس طبعاً هي ماتعرفش الحكاية كلها !
الخزي يظلل آخر كلماتها لتدرك ياقوت حقيقة الوضع ..
فتقول لها بإشفاق:
_وبعدين يا شهد ؟! الحكاية كده اتأزمت قوي ..لو ده رد فعله مع أهله لمجرد إنهم خبوا عنه نص الحقيقة ..هيعمل إيه لو عرف النص التاني ؟!
_هيسيبني..
تغمغم بها شهد بمزيج من يقين وألم لتردف بين شهقات بكائها :
_هيكرهني ويسيبني ..أنا عارفة ..بس غصب عني طالما لسه فيه لحظة واحدة ممكن أعيشها معاه مش هاضيعها .
هزت ياقوت رأسها وقلبها يخزها بوجع لهذه الفتاة التي تشعر بمأساتها ..
تفكر للحظات قبل أن تقول لها برفق:
_سيبي كل حاجة لوقتها ..ممكن اللي حصل ده يكون لمصلحته ..هيثم كان محتاج فعلاً يخرج بره بيت حسين ..يرجع كليته ..يشوف أصحابه ..يتعامل مع الحقيقة طالما هو كده كده عرفها ..
ثم نظرت في ساعتها لتردف :
_هاقفل معاكي أطمن إسلام لأنه قلقان عليه وبعدين هنجيله نتكلم معاه .
تقولها لتغلق معها الاتصال فتكتم شهد بكاءها وهي تسمع نداء والدتها من الغرفة المجاورة ..
تمسح دموعها بسرعة وهي تغادر غرفتها نحو والدتها الراقدة على الفراش كعهدها والتي بادرتها بسؤالها :
_صحيتي يا شوشو ؟!
ترتبك ملامحها وهي تميز لفظة تدليلها من والدتها والتي صارت تكرهها ..
تكرهها وهي تخفيها عنه -هو- مع كل ما تخفيه خشية أن يحمل له هذا الاسم ذكرى ترده لماضيهما ..
لكنها تتمالك نفسها لترد بابتسامة :
_من بدري يا ماما ..هاحضر لك الفطار والدوا حالاً .
_لا ..تعالي الأول ..
تقولها المرأة بطيبة وهي تشير للجانب الخالي جوارها على الفراش فتتحرك لتجلس هناك وترفع إليها عينين مذنبتين ..
_انتِ مخبية عني إيه ؟!
تسألها المرأة بحدس أمومي صادق لترتبك ملامح ابنتها أكثر وهي ترد مطرقة الرأس :
_هاخبي إيه بس يا ماما ؟!
_انتِ بتحبي هيثم ؟!
تسألها من جديد بقلق حنون لتحاول هي المراوغة بقولها :
_هو عشان بساعده في ظروفه دي يبقى بحبه ؟!
لكن المرأة تهز رأسها وقد سمعت منها جواباً غير منطوق لتتنهد قائلة بإشفاق:
_صعبان عليا قوي هيثم ده ..من أول يوم شفته معاكي وأنا قلت إنه جدع ..ياما وقف جنبنا أيام تعبي زمان ..هو معقول مش فاكر أي حاجة ؟!
تهز شهد رأسها نفياً لتعاود المرأة سؤالها:
_هو زعلان من أهله ليه ؟!
ترددت شهد قليلاً وهي تخاف أن تخبر أمها بحقيقة حسين ..لترد بمواربة :
_ما انا قلتلك امبارح ..أخوه اتجوز من ورا مامته ..والبيت عندهم فيه مشاكل كتير ..وهو نفسيته مش مظبوطة .
رمقتها أمها بنظرة متفحصة لتعاود سؤالها بتوجس:
_طب وهم هيوافقوا يسيبوه قاعد هنا ؟! الأوضة فوق مش مقامهم خالص!
_أخواته هييجوا كمان شوية يتكلموا معاه ..ربنا يدبرها !
تقولها شوشو وهي تقف مكانها لتحاول الهرب من أسئلة أمها بقولها :
_معاد دواكي جه ..أروح بقا أحضر لك الفطار .
عادت المرأة تتنهد بحرارة وهي تتبين مشاعر ابنتها الواضحة في ارتباكها لتغمغم وهي ترفع عينيها لأعلى في وضع الدعاء :
_ربنا يشفيه ويجعل لك فيه نصيب يا بنتي !
======
_عايزة حاجة تاني ؟!
تسألها شهد بحنان عقب تناولها للإفطار لترد الأم ببساطتها وهي تقبل ظاهر كفها وباطنه في إشارة لحمد الله :
_عايزاكي طيبة يا بنتي ..
ثم صمتت لحظة لتردف:
_حضري الفطار لهيثم وطلعيهوله ..بس حطيه ع الباب وانزلي ..ما تطوليش .
تقولها بتحذير ناعم لتبتسم وهي تمنحها إيماءة موافقة قبل أن تتحرك لتفعل ما طلبته منها ..
تبدل ملابسها ثم تمشط شعرها بعناية لتحمل صينية الإفطار وتصعد بها نحو غرفته ..
قلبها يخفق بجنون وهي تستجيب لجنون الفكرة ..وجمالها !!
هيثم هنا ..في بيتها البسيط معها ..وهي تحضر له الإفطار !
ياللجمال !!
تطرق باب الغرفة الذي فتحه ليبتسم وهو يميز ملامحها الفاتنة :
_صباح الخير .
يقولها بصوته الحبيب لتشرق ملامحها برؤيته ..
كأنما نسيت سواد ما كان بينهما ..وما سيكون ..
فلم تعد تعنيها سوى هذه اللحظة ..
أنها الآن معه !!
_صباح النور ..نمت كويس؟!
تقولها بحنانها العاشق ليتنهد بحرارة مطرقاً برأسه فترى في ملامحه البائسة الجواب ..
قبل أن ينتبه لما تحمله فيرفعه عنها قائلاً بحرج :
_تعبتي نفسك ليه ؟!
_طول عمرك تاعبني !
تقولها بمرح مصطنع محاولة عيش هذه اللحظة معه ومتناسية هذا الجحيم الذي يكوي ضلوعها ..
ليرد هو بابتسامة صادقة لم يعد يعرفها في عالمه -المموه- إلا معها هي :
_شكراً يا سكر .
تدمع عيناها كعهدها مع كل لفظة "سكر" يدللها بها ..
ربما لأنها "الخيط الرابط" الوحيد بين ماضيهما وحاضرهما ..
لكنها تتمالك نفسها لتقول له ببعض الأسف:
_ما تزعلش مني ..بس أنا كلمت دكتورة ياقوت عشان أطمنهم عليك ..وجاية كمان شوية .
تتعكر ملامحه للحظات لكنه يعترف لنفسه حقاً أنه يريد رؤية ياقوت بالذات ..
لا ينكر هذه الراحة التي تمنحه إياها بحديثها معه ..
لهذا لانت ملامحه رويداً رويداً ليهز رأسه بلا معنى ..
قبل أن تتذكر هي وصية والدتها فتتحرك مبتعدة للخلف قائلة بنفس المرح المصطنع :
_خلص فطارك كله عشان ماما ما تزعلش ..موصياني عليك قوي .
فيضحك وهو يراقب خطواتها الرشيقة التي انسحبت بها نحو الدرج للأسفل ..
كيف لا يذكرها ؟!
كيف وقلبه يرتج داخله بهذا العنفوان عندما يراها ..
وبهذه الطريقة التي لم يعرفها مع أحد سواها ؟!!
هنا تغزوه بعض الأطياف من ذاكرته القديمة ..
فيراها تستقل معه سيارته وتضحك ..
تمسك كفه وهما يعبران الطريق سوياً ..
تجلس جواره على رصيف الجامعة يمكسان كتابيهما ليراجعا قبل الاختبار ..
تصرخ به عاتبة أنها تغار ..
من أخرى!!
من هي ؟!!
ينعقد حاجباه بقوة وهو يحاول التذكر أكثر لكن ذهنه لا يسعفه بالمزيد ..
فيكتفي بهذا القدر وهو يغلق الباب بقدمه ليضع الطعام على المائدة الصغيرة هناك ..
جااائع هو!!
فكيف لو كان الطعام من يدها هي !!
======
_احنا هنسيبه هنا بجد ؟! انتِ عايزة جيلان هانم تروح فيها ؟!
يسألها إسلام باستنكار عقب مغادرتهما لبيت شهد ومقابلتهما هيثم ..
لترد ياقوت وهي تتحرك معه نحو سيارته :
_ماليش دعوة بجيلان هانم ..المهم إنه هو عايز يفضل هنا ورافض يرجع البيت ..والست والدة شهد متفهمة ومش ممانعة ..سيبوه براحته ..ماتزودوش الضغط عليه .
يفتح لها السيارة لتستقلها ويركب هو جوارها ثم يقول بمرحه الذي يخالط مرارته كعهده بمزيج مدهش :
_طيبة قوي الست أم شهد دي ..وعلى نياتها ..مش زي بنتها خالص .
ترمقه بنظرة عاتبة لم يرها وهو يشغل السيارة لينطلق بها مردفاً بنفس النبرة :
_البنت علقت الواد وأبوه !!
_إسلام !!
هتفت بها تزجره بحدة ليلتفت نحوها قائلاً ببراءة مصطنعة :
_أنا جبت حاجة من عندي لا سمح الله ؟!!
فزفرت وهي تسترخي في مقعدها أكثر لتنظر أمامها قائلة بنبرة دفاع:
_أنا متعاطفة معاها ..يمكن لو كنت مكانها ماكنتش هاتصرف زيها ..بس راعي سنها الصغير ..إحساسها بالقهر وهي شايفة قريبتها بتموت غدر مع جنين في بطنها ..السن ده بيبقى جموح بزيادة ..شايف الدنيا كلها مغامرة عايز يعيشها ..ما بالك بواحدة زيها عالمها محدود بين أم مريضة وإعجاب من طرف واحد ؟! طبيعي تستحلى فكرة الانتقام والمغامرة !
_واهي قلبت جد ..ولبست في الحيط ..تفتكري هيثم هيعديهالها ؟! بلاش ..جيلان هانم اللي قاطعتني عشان إتجوزت مطلقة معاها طفلة ..هتقول إيه لما تلاقي الموكوس التاني عايز يتجوز البنت اللي غوت أبوه لحد ما وقعته ؟!!
يقولها باستنكاره المرح لتلتفت نحوه من جديد هاتفة بغيظ :
_تاااني؟! هتتكلم عنها كده تاني ؟!!
فيشير براحته لها مهدئاً مع هتافه المرح :
_خلاص ..خلاص ..ماهو اللي يقول الحق في البلد دي يروح النار ..
ثم صمت لحظات ليردف :
_بس إن جيتي للحق ..البنت شكلها بتحبه فعلاً وهتموت عليه ..وهو كمان ..
ثم يهز رأسه ليقول بإشفاق بدا ك"ولولة النساء":
_عيني عليكي وعلى شبابك يا جيلان هانم ..كنتِ فلة شمعة منورة ..راجل بيحبك وولاد زي الورد ..دلوقتِ كله طلع بلح!
ضحكت رغماً عنها ضحكة عالية طويلة وطريقة إلقائه المبالغة لا تترك لها مجالاً لغير ذلك ..
فيلتفت نحوها هاتفاً بغيظ مرح:
_اضحكي اضحكي ..وسيبي "قرمط" الغلبان هو اللي في وش المدفع ..يااخواننا أنا عريس ..عريييييس ...عايز أشوف حالي بقا.
فتستمر في الضحك للحظات قبل أن تتجاهل موضوع هيثم مؤقتاً لتقول له باهتمام:
_نشوى عاملة معاك إيه ؟!
يلتفت نحوها بضحكة صامتة كز فيها على أسنانه بقوة بإشارة ذات مغزى لتضحك من جديد هاتفة بشماتة :
_تستاهل!..اهي دي اللي هتكفر ذنوبك كلها .
_ده على أساس إن عيلتي قصّرت مثلاً؟! منكو لله كلكو !
يقولها بمسكنة مصطنعة لتعاود الضحك من جديد قبل أن تخاطبه بجدية هذه المرة :
_أنا مش هاوصيك عليها لأني واثقة فيك ..بس عايزاك تاخدها بالراحة ..الكام يوم اللي هتسافروهم دول فرصة تقربوا من بعض ..بس ما تضغطش عليها .
_حاضر يا "أبلة فضيلة" ! هنسمع الغنوة ونتسلى بالحدوتة !
يقولها مشاكساً لتعاود الضحك من جديد وهي تخبط كفيها ببعضهما من جديد هاتفة بمرح :
_مالكش حل !
ثم تلفتت حولها لتسأله :
_هتروح فين دلوقت ؟!
_هاوصللك وأروح أقابل "الوحش"!
تضحك وهي تتبين أنه يعني أمه بها لتتنهد بعدها بحرارة ثم تقول له بجدية :
_قل لها تطمن ..كلامي مع هيثم النهاردة حسسني إنه قرب يفتكر ..صحيح هو لسه ضايع ومحتار وصدمة اللي عرفه مش هينة ..بس المرحلة الجاية مهمة عشان يبني لنفسه حياة جديدة بعيد عن حياته القديمة اللي اتشوهت ..يمكن ساعتها لما ترجع له الذاكرة يلاقي حيطة قوية يتسند عليها .
=====
_بس إيه رأيك يا سيدنا ؟! "بتاع البرقوق" سبقك واتجوز قبلك !!
يهتف بها إسلام عبر الهاتف بضحكة عالية ليردها له سيف بمرح :
_طول عمرك طاقق ودماغك لاسع ..بس عمك علاء فقسك من أول مرة ..هو الوحيد اللي مااستغربش جوازتك المعفرتة دي ..بس على الله تركز بقا ..
_لا خلاص ..تبنا وأنبنا ..ده أنا حتى مسافر أفسح المدام والبنت كمان ..
يقولها ضاحكاً ليردف بنبرة أكثر مرحاٌ :
_الواحد حاسس إنه نطّ مراحل كتير قوي !
لايزال يهتف بها بين ضحكاته ليصمت سيف قليلاً محاولاً استنباط ما خلف مرح صديقه الشديد هذا ..
خبرته به تنبئه أنه سعيد حقاً ..
والغريب أنه -إسلام- وقف أمام أمه هذه المرة ليتشبث باختياره ..
هذا الذي لم يفعله مع غادة قديماً ..
ربما هذا ما يؤكد له أن هذه "المرة" مختلفة ..
بل إن هذه "المرأة" مختلفة !!
_اللي جابلك يخليلك يااخويا.
يهتف بها أخيراً بتهكم مرح ليرد إسلام بضحكة أخرى قبل أن يظهر صوت ريما في الخلفية تناديه ليلعب معها فيهتف مخاطباً سيف بنفس النبرة الضاحكة :
_أستأذنك أنا بقا أروح أمارس مهامي كرب للأسرة .
_أنتم السابقون ونحن اللاحقون .
يقولها سيف بضحكة متهكمة قبل أن يغلق معه الاتصال بعدما اطمأن عليه ..
ليتنهد بحرارة وهو يغادر فراشه نحو مكتبته المقابلة ..
سيقوم بإجراء تعديلات في الشقة تمهيداً لاستقبال عروسه الحبيبة لكنه سيبقي هذه الغرفة كما هي ..
سيبقيها شاهدة على حضور ملكته ببصمتها المميزة في حياته قبل أن يعرف حتى أنها ستكون له ..
يتحسس الكتب مكانها لتقع عيناه على إحدى الكتيبات الصغيرة لسلسلتهما الأثيرة معاً .."ما وراء الطبيعة"..
فيبتسم وهو يتناول هاتفه شاعراً باشتياق جارف نحوها ..
يحترم رغبتها في تأجيل الزواج احتراماً لحدادها لكنه لا يكاد يطيق صبراً على الابتعاد عنها ..
_صباح الخير يا سيف .
بصوتها المغناج ذي الدلال الطبيعي تقولها ليشعر بخلايا جسده كلها تتفاعل معها ..
ورغم رده التقليدي :
_صباح النور .
لكنها كانت تراه في مخيلتها محمر الأنف والأذنين ..صارخ العينين بعشق هي خير من تدرك مداه ..
ربما يكون تحفظه هذا منفراً للكثيرات ..لكنها هي بالذات كانت تراه ميزة !!
هي التي ارتبطت عبارات الغزل لديها بالتحرش ..فتعلمت كيف تسمع "لغة جديدة" للحب بعيدة عن المفردات التقليدية ..
وهاهنا بالذات اقتحمها وابل من ذكرياتها مع أحمد ..
هو الذي سيبقى استثناءها وسط كل هذا !
الغريب أنها لا تشعر أنها الآن تخونه ..
بل على العكس ..تشعر براحة غريبة عندما تتذكره كأنه حولها يبارك خطوتها هذه ..
_افرحي يا غادة ..افرحي .
تكاد تسمعها بصوته كما كان في رؤياها وهو يخلع عنها دبلته بنفسه ليظهر خلفه سيف !
_انتِ كويسة ؟!
تبتسم وسؤال سيف ينتزعها من شرودها ..
يكفيه تميزاً في عينيها أن تحمل كلمتان منه ..كلمتان فقط ..كل هذا الأمان الذي يغشاها الآن !
_كويسة جداً ..بس ..كنت عايزة أروح النهارده مشوار بأجله من زمان .
تقولها مترددة ليسألها بترقب :
_فين؟!
_والد أحمد ..مازرتوش من ساعة ما وصلت ..هو على طول بيكلمني يسأل عليا وصحته مانعاه يتحرك م البيت ..عمو علاء قالله على موضوع جوازنا ..هو متفهم جداً بس برضه ..
تقولها بعفوية لتقطع حديثها فجأة وهي تتبين صمته المريب ..لتعاود سؤاله بريبة :
_سيف ..انت معايا ؟!
يصمت للحظات مريبة أخرى قبل أن يقول بنبرته الرجولية المطمئنة :
_من هنا ورايح مش هاكون غير معاكي .
لتتنفس الصعداء ثم تقول برقّة:
_افتكرتك اتضايقت .
_امتى حسيتي إنك بتحبيني ؟!
سؤاله المباشر و المفاجئ لم يمنحها الرد على عبارتها السابقة لتعود لتوجسها من جديد ..
لكنها استعانت بسلاح دلالها لترد بشقاوة عذبة:
_أنا لسه مااعترفتش بالمناسبة ..كلها تكهنات من جانب سيادتك .
_جاوبيني يا غادة .
رجاؤه الخشن يلامس شعورها الأمومي نحوه فتتنهد بحرارة لترد :
_صعب أحدد ..بس ..يمكن أول مرة حسيتك مختلف لما كنا في المزرعة وانت سبتهم كلهم قاعدين عشان تقرب مني بسرعة وتقوللي إن شعري باين تحت الطرحة ..حسيت ساعتها إني مطمنة لك ..الإحساس ده ماعرفتوش بعد أحمد غير معاك .
_عايز أشوفك ..دلوقت ..حالاً .
صوته الغارق بانفعالاته يزيد من توجسها ..خاصة وردوده لا تتوافق مع ما تحكيه ..
لهذا ازدردت ريقها لترد بارتباك :
_أنا زعلتك قوي كده ؟!
_دلوقت يا غادة !
يكررها بحزم أكبر مردفاً :
_عشر دقايق تلبسي وهاكون عندك ..هنخرج نفطر سوا .
يقولها ليغلق الاتصال غير سامح لها بالمزيد لينقبض قلبها وهي تحاول فهمه ..
هل تضايق إلى هذا الحد من ذكر زيارتها لوالد أحمد ؟!
أم هل يحتاج المزيد من الثقة في مشاعرها هي نحوه ؟!
نعم ..ربما ..
هي لم تبح له صراحة بحقيقة مشاعرها نحوه مكتفية ب"الميدالية" التي دستها في كفه يومها في المطار ..
اعتمدت على هذه "البوصلة" الخاصة بينهما ..
البوصلة التي لا يعرف سهمها إلا طريق كل منهما لصاحبه !!
لهذا تنهدت بحرارة وهي تسرع في تغيير ملابسها لتودع إيناس بقبلة خاطفة مخبرة إياها عن وجهتها ..
قبل أن تغادر الشقة نحو المصعد الذي ما إن فتحته حتى فوجئت به هناك ينتظرها !!
ناظرته بدهشة وهي تراه يضغط زر إيقافه قبل أن يتحرك نحوها ليجذبها من مرفقيها نحوه !!
تشهق بدهشة وهي تراه يقربها منه لكنه أوقفها في اللحظة الأخيرة على بعد سنتيمترات من صدره الذي كان يعلو ويهبط بانفعال كاسح أشعلهما معاً ..
عيناه تهدران بهذه النظرة الهائجة لعشق لم تختبره قبلاً بهذه الضراوة كأنما يقاوم وحشاً كاسراً في صدره ..
_قولي إنك بتحبيني ..دلوقت ..قوليها .
يهمس بها من بين أسنانه وهو يهز مرفقيها لتدمع عيناها والارتباك يخرسها للحظات مع هذا الوجه "المجنون" الذي لم تره منه من قبل ..
لم تكن تعلم أن خلف غلالة الذنب القديمة مارد عشق مجنون ينتظر سقوطها ليتحرر من قمقمه !!
مارد ترحب كثيراً بالانسياق خلف أساطير قدراته !!
_بحبك .
تهمس بها بخفوت وجسدها ينتفض بين ذراعيه بينما تسبل جفنيها بترقب ..
تشعر به يقربها أكثر فتتحفز خلاياها كلها ..
لكنها تفاجأ به يبعدها بطول ذراعيه دون أن يتخلى عن التشبث بمرفقيها !!
هنا رفعت عينيها نحوه لتجده هو مغمضاّ عينيه بقوة كأنما يقاوم إعصاراً جارفاً بداخله ..
هذا الذي رسم على شفتيها ابتسامة خافتة وهي تتأمل ملامحه بهيام ..
لا تدري ما الذي كانت ستشعر به لو تجرأ معها وفعل ما هو أكثر ..
لا تدري إن كانت وقتها ستستعيد كل هواجس كوابيسها القديمة ..
لا تدري إن كان سيخسر وقتها بعضاً من نقاط قوته لدى امرأة بتاريخها ..وربما ..كلها !!
لكن ما تعلمه وتثق به الآن أنها ...
_بحبك ..قوي!
تقولها بنبرة أكثر علواً ..أكثر ثقة ..وأكثر عاطفة ليفتح عينيه أخيراٌ مواجهاً عينيها المتألقتين ..
وقد بدا اعترافها بأنه أطفأ نيراناً و..أشعل أخرى!!
شفتاه ترتجفان بقوة وعيناه تجولان فوق ملامحها الفاتنة ..قبل أن ينتبه لضغطة قبضتيه القوية فوق مرفقيها فيتركهما ببطء هامساً :
_آسف .
_شكراً .
كلاهما همس بكلمته في نفس اللحظة لكن أحدهما لم يسأل الآخر عما يعنيه ..
لا هي سألته عما يعتذر ولا هو سألها لماذا تشكره ..
وقد بدا التواصل الروحي بينهما أكبر من أي تفسير ..
_خفتِ مني؟!
يهمس بها ببعض الحرج والاحمرار المميز لأنفه وأذنيه يكاد يجعلها تضحك..
لكنها تستبدل ضحكتها بابتسامة عاشقة وهي ترد بيقين:
_عمري ما خفت وأنا معاك ..واثقة إنك هتصونني وتحافظ عليا .
تشعر بانفعال جسده الثائر أمامها بحديث صمت عنه لسانه كالعادة ..
وصرخت به عيناه بكل لغة ..
"الحزن الأخرس" فيهما صار الآن يتشح بأطياف ملونة من عشق يخصها وحدها ..
_ممكن أطلب منك طلب ؟!
يهمس بها بوجل لتصدر همهمة مترقبة وهي تراه يرفع أنامله نحو وجهها دون أن يمسها ..
قبل أن يغمض عينيه مستحضراً صورة بعينيها :
_شعرك ده هيجنني من أول مرة شفته ..عايز لما أشوفه تاني يكون بنفس اللون ..كان أحمر ..عمري ما شفت شعر بالجمال ده .
كلمات كهذه من رجل مثله ترفعها فوق قمم جبال أنوثتها ..
فتضحك ضحكتها المهلكة وهي تتحسس وشاحها فوق رأسها هامسة بدلال :
_بس كده ؟!
فيفتح عينيه ليهمس بصوت أجش بينما يشير بعينيه لشفتيها :
_وضحكتك دي تتصرفي فيها .
كأنما أمرها بالعكس!!
ضحكتها تصدح من جديد غير قادرة على تمالكها ليرمقها بنظرة عاتبة سبقت همسه :
_انتِ مشكلة .
_وكويسة ..ومريحة !!
تقولها وهي تعد له على إصبعيها مذكرة إياه بما سبق من حماقاته ليضحك ضحكة قصيرة وهو يتناول كفها بين راحتيه ..
ثم يهمس لها بما ظنت أنها لن تسمعه منه أبداٌ:
_وأجمل وأرق ست شفتها في حياتي .
_ياااااا سيدي! قول يا أستاذ قوول .
تهمس بها بدلالها المشاكس مغالبة خجلها قبل أن تضغط زر تشغيل المصعد من جديد مردفة :
_ننزل نفطر بقا ..كلامك الحلو على غفلة ده جوعني زيادة .
يضغط كفها بقوة أكثر بين راحتيه ليرد غير قادر على منع عينيه من التعلق بملامحها :
_اليوم كله هنقضيه مع بعض..هنفطر وبعدين نشتري شوية حاجات للشقة ..وبعدها نروح لوالد أحمد سوا .
كان المصعد قد وصل للطابق الأرضي ففتح هو بابه غافلاً عن ملامحها المتجهمة إزاء عبارته الأخيرة والتي ناسبت قولها وهي تتحرك معه :
_بلاش أحسن !
لكنه توقف مكانه ليقول بحزم امتزج باحتوائه في خليط مدهش:
_مفيش خطوة بعد كده هتخطيها إلا ورجلي على رجلك .
هذا الخليط الذي اقتلع تجهمها من جذوره ليغرس مكانه زهوراً من أمان !
ابتسامتها تولد صغيرة واهنة قبل أن تتسع رويداً رويداً وهي تميل رأسها قائلة باستياء مصطنع :
_مستبد !
فيبتسم ابتسامته الرائعة التي تحيل ملامحه الخشنة لأخرى طفولية مع رده وهو يضغط كفها في راحته قبل أن يضمه لصدره بتملك :
_تهمة مش هنكرها ..معاكِ أنا مستبد ودكتاتور كمان .
ضحكتها المهلكة تغرد في أذنه من جديد لتعاود اعترافها للمرة الثانية هاتفة بمزيج عاطفتها ودلالها :
_وأنا بحبك يا مستبد !
=======
على حبك عندي مية إثبات
شوقي مثلاً ..بان في عيني ساعات ..
وبخاف وبغير ..
خد من ده كتير ..
وإن سيرتك جت بنطق بالخير ..
وطبعك خدت منه حاجات ..
النغمات مع الكلمات "المقصودة" تنساب عبر كاسيت السيارة التي يقودها إسلام بها وبالصغيرة التي نامت جوارها على المقعد الخلفي !
أجل .."الشوكية" أصرت ألا تركب السيارة جواره بل جوار ابنتها بالخلف ..
تعجبه لعبة "القط والفأر" هذه ..تعجبه كثيراً!!
_وأخبارك مع التفاصيل ..أحب أسمعها بالتفصيل ..
يدندن بها مع الغنوة مميلاً رأسه وهو ينظر إليها عبر مرآة السيارة لترمقه بنظرة ساخطة هاتفة :
_البنت نايمة ..وطي البتاع ده شوية !
وكعهده -يقوم بتعلية الصوت أكثر - في حركة مغيظة لتعاود الزفر بسخط وهي تشيح بوجهها متأملة الطريق ..
تمسد شعر الصغيرة بشرود وهي تشعر بالمزيد من الخواء ..
إلى أين تمضي حياتها وحياة صغيرتها ؟!
وهل يمكنها حقاً ائتمان رجل مثل إسلام هذا بتاريخ أبيه القذر؟!!
صحيح أنه يبدو بظاهره محل ثقة لكن ما يدريها هي عن باطنه ؟!!
تختلس نظرة جانبية نحوه لتجد عينيه معلقتين بها عبر المرآة ..
كعهده منذ بدأت هذه الزيجة ..
يحاصرها لكنه لا يفرض نفسه عليها ..
جسدياً على الأقل!!
أجل ..نقطة تحسب لصالحه خاصة وزوجها السابق كان يشعرها أن الرجال لا يفكرون إلا ب"هذا الأمر" !!
قبضة خانقة تعتصر قلبها وهي تتذكر شعورها المقيت مع زوجها السابق في كل مرة كان يجمعهما فيها فراش واحد ..
شعور أشبه بجارية تبيع جسدها دون مقابل ..
كان يصفها بالبرود وقد كان محقاً ..
هي نفسها لم تدرك الفارق إلا عندما ظهر ناصر في حياتها من جديد ..
آآه!
كانت تنتظره ليس فقط لرد اعتبار كرامتها بل ..لاختبار "أنوثتها المطعونة" !!
_لو أقوللك الكلام هيطول ..حس انت ..شوف بعينك دول ..فيه كلام عادي يتقال للناس ..وكلام أجمل يتقال إحساس ..بيوصل للقلوب على طول ..
لايزال يدندن هو بها وعيناه ترسمان ملامحها عبر زجاج المرآة فيختلج قلبها بشعور غريب ..
غصة تمرر حلقها وهي تختلس نظرة أخرى نحوه امتزج فيها السخط بالذنب ..
كيف تكون في عصمته وتفكر بآخر؟!!
هذا الذي جعلها تنحي خواطرها عن ناصر جانباً ولو قسراٌ محاولة فهم هذا الكائن الغريب أمامها ..
لماذا لا تتقبله ؟!
ربما هو ليس بوسامة ناصر وجاذبيته الكاسحة وجسده الرياضي الممشوق كنجوم السينما ..
بل هو ببنيته الأميل للنحافة وشخصيته الميالة للمزاح دوماٌ بعيدٌ تماماٌ عن الطراز الذي يروقها من الرجال ..
لكن به شيئاً محبباً لا تفهمه ..
شيئاً سبقتها ابنتها في إدراكه ..
ومع هذا تأبى هي تصديقه !!
لا ..
لن تفعل ..
لم تعد السفينة تحتمل المزيد من الثقوب ..
غارقة هي إن آجلاً أو عاجلاً!
فلتنكمش على نفسها محتضنة ابنتها حتى ترى إلامَ سيؤول مصير هذه الزيجة !!
_وصلنا !
يقولها وهو يوقف السيارة في مرآب الفندق لتتلفت حولها محاولة استكشاف المكان الذي بدا لها بسيطاً أنيقاً ..
_هو ده الفندق يا مامي؟!
تهتف بها ريما بصوت ناعس وقد أفاقت من نومها بمجرد توقف السيارة ليلتفت نحوها إسلام هاتفاً بمرح :
_أيوة هو ..كويس إنك نمتِ الشوية دول عشان ننزل الشنط وننزل المية على طول ..مش عايزين نضيع وقت .
تطلق الصغيرة صيحة فرحة وهي تندفع نحوه تعانقه من الخلف ليضحك ضحكة عالية جعلت نشوى رغماً عنها تبتسم ابتسامة واهنة وهي تنقل بصرها بينهما ..
ابتسامة تلونت بالكثير من الخوف وهي تخشى على ابنتها المزيد من التعلق به ..
هي أكثر من يدرك مرارة خذلان الفقد بعد التعلق !
أفكارها تتصارع بداخلها وهي تلاحظ انشغال ابنتها عنها وتشبثها بإسلام طوال رحلتهما لإنجاز الإجراءات في مكتب الاستقبال ثم إلى الغرفة ..
مزيج من الغيرة والخوف يجتاحها هاهنا أيضاً ولا تدري كيف تتصرف ..
"_My princess"
يقولها إسلام أمام باب الغرفة الذي فتحه وهو ينحني في مشهد تمثيلي للصغيرة التي قبلت وجنته بقوة ثم اندفعت بصيحاتها للداخل ..
قبل أن يلتفت هو نحو نشوى مكرراً نفس الموقف لترمقه بنظرة متهكمة جعلته يقترب منها هامساً في أذنها:
_الأصول إنك تدخلي الأوضة متشالة .
يقولها وذراعه ينسل خلف ظهرها ليرتجف جسدها لكنها ترد بسخرية :
_وانت هتقدر تشيلني ؟!
نظراته العابثة تتجاهل عبارتها المهينة لتعيث فساداً فوق منحنيات جسدها بصورة أربكتها ..
قبل أن تشهق فجأة بعنف وهي تراه ينحني ليحملها بين ذراعيه فيتعلق ذراعاها به عفوياً ..
بل وتتعلق عيناها به عفوياً كذلك !!
نظراته الدافئة بعاطفة سخية تناقض هزل عبارته وهو يتحرك بها بتثاقل مصطنعاً الترنح:
_يا نهار أبيض!! مش قادر ..مش قادر ..العروسة هتقع مني أهه ..هتقع ..هتقع ..
ومع كل "هتقع" كان يقربها قصداً نحو الأرض لتزداد تشبثاً به مع صرخاتها المكتومة ..
صرخاتها التي قابلها بضحكاته العالية وشاركته فيها ريما بتصفيقها لهما قبل أن يضعها على الفراش لتهتف ريما بمرح:
_زي الأمير ما شال سنووايت !
لكن إسلام ضحك وهو يراقب ملامح نشوى التي احمر وجهها بسخط ليغمزها قائلاً:
_سنووايت كانت كيرفي كده ؟!
_يعني إيه كيرفي؟!
تسأله الصغيرة بحيرة لينتبه لنفسه فيتنحنح وهو يهرش رأسه قائلاً:
_كيرفي ..يعني ..يعني .
تلكزه نشوى في خاصرته بعدما تنهض من فوق الفراش ليكتم تأوهه ويرد بما تبادر لذهنه :
_يعني حلوة من غير ماتحط مكياج .
أصدرت الصغيرة آهة إدراك لتشير لنفسها هاتفة بفخر:
_أنا كيرفي .
يكتم ضحكته بصعوبة فيما تزداد نظرات نشوى سخطاً وهي تقف لتميل عليه هامسة بحدة :
_عاجبك كده ؟! هتبوظلي البنت ؟!
_بس إيه رأيك فيا ؟! طلعت بعرف أشيل ؟!
يغمزها بها وهو يميل عليها بهمسه لتحترق وجنتاها خجلاً فيعض شفته السفلى بحركة مقصودة سبقت همسه الخافت من جديد في أذنها :
_ماتراهنيش بقا على بقية الحاجات اللي بعرف أعملها .
هنا لم تستطع إلا دفن وجهها بين راحتيها خجلاً مع تلميحه الوقح كاتمة آهة دهشتها ..
_انتو بتقولوا إيه ؟!
تهتف بها ريما بفضول ليرد هو وهو يقترب من الصغيرة ليشير حوله هاتفاً :
_عجبتك الأوضة ؟!
_جداً ...ممكن أروح البلكونة ؟!
تسأله برجاء ليضحك وهو يحملها نحو الشرفة ليوقفه صراخ نشوى المفاجئ خلفه :
_الأوضة بسرير واحد ؟!
تهتف بها باستنكار وقد أدركت الوضع لتوها فيلتفت نحوها بخبث ناقض براءة كلماته المصطنعة :
_هو احنا محتاجين أكتر؟!!
_هيييييييه !!! هنام في حضنكم انتو الاتنين ..بحب كده قوي .
هتفت بها ريما بسعادة وهي تعانقه ليغمز هو نشوى من خلف ظهر الصغيرة هاتفاً :
_وأنا شكلي هحب كده قوي برضه !
رمقته نشوى بنظرة حادة وهي تهم برد ساخط لكن صوت طرقات الباب قاطعها ليدخل العامل بالحقائب ..
ولم يكد ينتهي حتى هتفت هي بريما بنبرة حازمة :
_ياللا عشان تاخدي شاور وتغيري هدومك .
_هالبس المايوه البينك ؟!
تسألها الصغيرة فتستجيب للإجابة على تساؤلاتها وثرثرتها التي لم تنتهِ بينما تجذبها بعيداً عنه لتغلق خلفهما باب الحمام المجاور ..
زفرة ارتياح تطلقها وهي تشعر ب"أمان مؤقت" بعيداً عن زوابعه التي يثيرها بداخلها ..
تتحرك لتحمم الصغيرة بشرود ثم تلبسها ثوب البحر الذي طالعته الصغيرة في المرآة لتهتف باستحسان وهي تتخصر مستعرضة جسدها الصغير :
_أنا كيرفي قوي يا مامي .
_منك لله ياللي في بالي .
تقولها من بين أسنانها لتزفر وهي تتحرك بالصغيرة لتخرج بها من الحمام فيقابلهما هو بصفيره الطويل ونظراته نحو الصغيرة التي بادرته بقولها:
_شكراً ع المايوه ..حلو قوي ..جبت لمامي زيه ؟!!
تسأله ببراءة ليرد هو بغموض :
_يعني ..مش بالضبط .
هنا تزفر نشوى للمرة التي لا تدري عددها وهي تتحرك نحو حقيبتها لتشهق بدهشة وهي تتفحص محتوياتها ..
قبل أن ترفع إليه عينين غاضبتين:
_فين بجاماتي؟!
يكتم ابتسامته وهو يتحرك نحوها متسائلاً:
_الثلاث بجامات اللي ببناطيل وأكمام طويلة ؟!
_أيوة .
تقولها كازة على أسنانها ليعاود سؤاله :
_الزرقا والبنفسجي ..والأبيض في الأسود ؟!
_أيوة !
_القطن المريحين دول ؟!
_أيوة أيوة ..
تهتف بها بنفاد صبر ليرد بحاجب متراقص يعترف بجريمته وإن أنكرها:
_ولا شفتهم !
تضم قبضتها جوارها بغيظ وهي تعاود تفحص محتويات الحقيبة لتفاجأ بمحتوياتها التي لا تعلم عنها شيئاً ..
منامات حريرية بسراويل قصيرة وبتصاميم رقيقة مبهجة تليق بالعرائس ..
لم تكن فاضحة تماماً كثياب نوم ..لكنها لا تتصور أن ترتدي مثل هذا أمامه !!
_عملت حساب البنت وما رضيتش أزودها قوي ..عجبك ذوقي؟!
يهمس بها بخفوت جوار أذنها لتلتفت نحوه بحدة فيصطدم بعينيها الدامعتين !!
دموع حقيقية ملأت عينيها لتحمل إليه شعورها كاملاً ..
شعور فأر وقع في مصيدة هو من جلبها لنفسه !!
التسلية المازحة تختفي من ملامحه رويداً رويداً لتحل محلها نظرة مطمئنة في عينيه ..
نظرة لم ترد هي تصديقها برغم كل شيء ..
لتجعلها طبيعتها "الشوكية" تهتف به بانفعال وبكلمات لم تتبين خطورتها :
_ومين قاللك إني هاقبل هدايا منك ؟! ولعلمك أنا اللي هحاسب على الفندق هنا ..أنا إيه عرفني فلوسك دي جايبها منين ؟! من شابه أباه فما..
كلماتها تنقطع بأنامله التي وضعها على شفتيها بحزم ونظرة عينيه التي تبدلت للكثير من الحدة تخرسها ..
تزداد كثافة الدموع في عينيها لتسقط أخيراً فوق كفه فيزداد انعقاد حاجبيه مع حزم نظراته التي بدت قاسية لوهلة ..
قبل أن تلين وهو يتوجه ببصره نحو ريما التي كانت تناظرهما بقلق :
_روحي اتفرجي ع البيسين م البلكونة لحد ما اتكلم مع مامي شوية .
يقولها بصوت حشرجه غضبه لتهتف به الصغيرة بقلق طفولي:
_هتتخانقوا ؟!
اغتصب ابتسامة باردة وهو يزيح أنامله المبللة بدموعها من على وجه نشوى محاولاً كظم غيظه لتقترب الصغيرة منه وتتشبث بسرواله قائلة بصوت باكٍ :
_هي وبابا كانوا بيتخانقوا وعشان كده سابني ..هتسيبني انت كمان ؟!
هنا انخرطت نشوى فجأة في بكاء انفعالي وهي تعطيهما ظهرها ليرمقها هو بنظرة مختلسة قبل أن تتسع ابتسامته وهو ينحني ليحمل الصغيرة فيضمها لصدره قائلاً بحنان لا يدعيه :
_مش هاسيبك أبداً ..ماتخافيش .
يشعر بالصغيرة تتشبث به أكثر بذراعيها ..
هذه الحركة التي فعلت به الأفاعيل فيحس كأنما تفجرت بداخله دفقات من المشاعر لم يتصورها بهذه القوة ..
هذا الشعور المستحدث ب"الأبوة" والذي يجربه لأول مرة لكنه لا يشعر بغرابته ..بل كأنما كان هناك منذ الأزل ينتظر فقط من يلوح له كي يفيض به بسخاء !
وعده لها لم يكن مجرد كلمات من فراغ ..
بل هو صدى لإحساسه الذي يتنامى نحو الصغيرة ..وأمها !!
أمها سليطة اللسان التي سيعرف كيف يروض قسوتها الظاهرة هذه !!
_ياللا بقا اسمعي الكلام ..ماتنسيش المهمة السرية يا محاربة .
يهمس بها بخفوت في أذن الصغيرة التي عادت ملامحها لإشراقها بسرعة وهي تضع كفها على شفتيها بسرعة لتومئ برأسها مطيعة قبل أن ينزلها هو أرضاً لتعدو نحو الشرفة البعيدة متيحة لهما مساحة من الخصوصية ..
يتحرك ليقف قبالة نشوى التي بدت منهارة تماماً فيحيط كتفيها بقبضتيه ليهمس لها بحزم :
_سيرة حسين رجائي ماتجيش بيننا تاني نهائي ..مفهوم ؟!
هذا الوجه الصارم الغريب على مرحه المعهود معها يربكها فترفع عينيها الباكيتين نحوه ليردف بنبرة أشد حزماً:
_أنا سبت شغلانة كانت بتجيب لي دهب في اسطنبول وقررت أقعد هنا عشان أصلح كل البلاوي اللي هو عملها ..عشان أمسح السواد اللي جابه اسمه لاسمي ..عشان أفضل جنب إخواتي وأعوضهم عن اللي هو عمله ..مش بعد كل ده هاسمح لأي حد ..أي حد إنه يشكك فيا وفي نيتي .
كانت نبرته تزداد انفعالاً مع كل كلمة يقولها حتى وصل صوته حد اللهاث في عبارته الأخيرة ..
خفقات قلبها تتجاوز حد الجنون وهي تشعر بحروفه تتخللها ..لا كمجرد كلمات ..بل بإحساس يغزوها صدقاً فلا تملك معه إلا التسليم ..
لتتسع عيناها للحظات وهي تشعر بجسدها يزداد ارتجافاً بين قبضتيه ..
قبضتيه اللتين أزاحتهما هي عنها ببعض العنف لتطرق برأسها قائلة بصوت أنهكه بكاؤه :
_أنا تعبانة م السفر ..عايزة أرتاح .
رمقها بنظرة متأرجحة بين غضب وإشفاق ليغلب الأخير الأول فيشير لها بيده نحو الفراش قائلاً :
_ممكن تستريحي انتِ وأنا هنزل البيسين مع ريما .
_لا طبعاً ..مش هاسيب بنتي لوحدها معاك .
تهتف بها بتنمر ليمط شفتيه قائلاً:
_مش انتِ اللي قلتِ تعبانة ؟! خلاص ..تعالي معانا ..
ثم التمعت عيناه بمكر مردفاً:
_هتلاقي المايوه بتاعك في الشنطة برضه .
عقدت حاجبيها بقوة وهي تعاود التوجه نحو الحقيبة فيما اعتبره هو "اعتذاراً غير منطوق" عما صدر منها ..
ليبتسم بجذل وهو يراها تشهق بعنف بينما تمسك بأطراف أصابعها قطعتين منفصلتين لثوب استحمام فتلقيهما جانباً هاتفة باستنكار:
_بيكيني؟! انت بتستهبل؟! هانزل البحر ب"بكيني"؟!
_تؤ تؤ ..أستغفر الله العظيم..إن بعض الظن إثم ..أنا هنزلك البحر ببكيني برضه ؟! اهه ..مايوه المحجبات الحشمة اتفضلي .
يقولها ببراءة مصطنعة وهو يستخرج ما ذكره من الحقيبة ليرفعه أمام عينيها فتزفر بقوة وهي تنتزعه من يده بعنف ..
لكنه يقبض بكفه على كفها فيجذبها نحوه ليهمس جوار أذنها :
_التاني ده تلبسيهولي أنا !
يحمر وجهها من جديد خجلاً لترمقه بهذه النظرة الخائفة التي تغلب سخطها المعهود ..
ليقابلها بنظرته المطمئنة رغم مشاكسة مزاحه :
_يارب بس المقاس يطلع مظبوط ..الواحد مالحقش يعاين كويس!
تكز على أسنانها بقوة وهي تلكمه في كتفه ليعلو صوت ريما من الخارج:
_خلصتوا كلام كبار؟! عايزة أنزل المية !!
_هاطلع لها أنا على ما تقلعي ..
يقولها بمكر ليغمزها من جديد فتشهق بعنف ليقول مصححاً ببراءة مصطنعة :
_على ما تلبسي ..حلو كده ؟!
تعيد دفن وجهها بين راحتيها كاظمة غيظها و..خجلها !!
ليكتم هو ضحكة عابثة كادت تنفلت منه وهو يود الآن لو يحتوي ملامحها الخجولة هذه بشفتيه كما يليق ..
لكنه يدرك أن التوقيت ليس مناسباٌ بعد !!
ليس فقط وجود ريما لكنه شعوره بهذا الحاجز اللامرئي بينهما ..
لابد من الصبر ..فهو لا يريد كسرها أكثر !
_هيييييه!! دنيا !! بتاع البرقوق ينتهي به الحال متزوجاً مع إيقاف التنفيذ !! عجبت لك يازمن !
يقولها -لنفسه- ساخراً وهو يخبط كفيه ببعضهما ..
ثم يتحرك ليتوجه نحو الشرفة فيفاجأ بريما واقفة تثرثر مع الجارة في الشرفة المجاورة :
_أنا هنا مع مامي وأنكل إسلام...هم دخلوني هنا عشان يتكلموا كلام كبار ماينفعش أسمعه ..أنكل إسلام ده عسول قوي ..و..
تقطع عبارتها لتقترب برأسها الصغير من المرأة عبر الحائط بين الشرفتين مردفة :
_وبيحب الستات الكيرفي !
_ريما!!!
يهتف بها بحرج وضحكات المرأة العالية تصله بوضوح ليقترب منهما فيشد الصغيرة نحوه ليرمق المرأة بنظرة عابرة محرجة..
لكن الأخيرة حدجته بنظرة طويلة خاصة يعرفها -من مثيلاتها- بحكم خبرته لتقول بصوت ممطوط وبرقة مصطنعة :
_عسولة قوي البنت .
_شكراً .
يقولها باقتضاب وهو يغلق باباً يعلم أنه لو أراد فتحه فلن يردّ في وجهه ..لكنه حقاً لم يعد يرغب في الزلل ..
مع أن هذه المرأة بالذات تبدو بذوقه الخاص ..
"جامدة"!
يقولها لنفسه مقيّماً ببراءة حقيقية بعيدة عن أي غرض!
_كيرفي قوي طنط دي !!
تقولها الصغيرة فجأة ببراءة لتضحك المرأة ضحكة عالية مثيرة فيتحرك بالصغيرة ليدخل بها ويغلق باب الشرفة بإحكام في حركة ذات مغزى ..
_أنا جاهزة .
تقولها نشوى بخشونة خلفه ليبتسم وهو يقترب منها متأملاً إياها بنظرة متفحصة أشعلتها ..
قبل أن يميل على أذنها هامساً :
_أفهم من كده إنك هتقبلي بقية الهدايا ؟!
زفرت بنفاد صبر وهي تتجاهل الرد لتسحب الصغيرة منه نحوها هاتفة :
_ياللا يا ريما ..مش كنتِ مستعجلة ننزل المية ؟!
فيضحك ضحكة مشاكسة وهو يتناول كف الصغيرة الآخر لتسير بينهما ..
قبل أن يميل على أذنها هي من جديد هامساً بعبثه المغيظ :
_بتعرفي تعومي طيب ..واللا ..أعلمك ؟!
وغمزته الآسرة من جديد تواجه نظرتها الساخطة فتطفئها ..وتشعلها!!
=======
_زهقت م البيسين ..عايزة أروح البحر .
تهتف بها ريما بحماس طفولي بينما ثلاثتهم في حمام السباحة لترد نشوى بحزم رافض:
_ولازمته إيه الرمل والتلزيق ..البيسين هنا أنضف وأأمن .
_عايزة أروح البحر يا أنكل !
تتجاهل الصغيرة أمرها لتتوجه بحديثها نحو إسلام الذي تنحنح بحرج ليحاول إقناع نشوى بقوله :
_اللي مامي تقول عليه يتنفذ ..
ثم مال على نشوى هامساً :
_مافيهاش حاجة لما نروح ..هانزل معاها .
_لأ ..قلت لأ ..
تهتف بها بعصبية لترمقها الصغيرة بنظرة غاضبة هاتفة :
_هناك أمان برضه ..أنكل هيبقى معايا .
كلماتها تشعر نشوى بالمزيد من الخوف من تعلقها بإسلام إلى هذا الحد لتهتف بها بصرامة وهي تجذبها من كفها نحو سلم الخروج :
_الكلمة تتقال مرة واحدة وتتسمع ..كفاية كده النهاردة .
تقولها وهي تتحرك بالصغيرة ليغادرا حمام السباحة فيلحقهما إسلام ليصعد نحوهما حيث جلستا على المقعد الطويل المجاور لحوض السباحة وشرعت نشوى في تجفيف جسد الصغيرة الغاضبة ..
فتناول منشفة قريبة ليضعها فوق نشوى قبل أن يبدأ في تجفيف جسدها بنفسه !!
حركته البسيطة تمنحها شعوراً حميمياً دافئاً قاومته كعهدها وهي تلتفت نحوه بنظرة حادة قابلها بتفهم كعهده ..
قبل أن يشير بكفه نحو الكافيتيريا القريبة الخاصة بالمشروبات فيقول مخاطباً ريما :
_سويتي ريما تروح تجيب عصير ؟!
التفتت نحوه ريما ببعض الحماس الذي أطفأته نشوى بقولها الحازم:
_ريما مابتروحش في حتة لوحدها ..أنا هاجيب لها .
قالتها وهي تهم بالنهوض لكنه أوقفها بضغطة كفه على كتفها قبل أن يعود لمخاطبة الصغيرة المحبطة قائلاً :
_تحبي تلعبي مع الولاد اللي هناك دول ؟!
_ريما ما بتلعبش مع ناس مانعرفهمش .
تعاود نشوى قولها ليلتفت نحوها بنظرة عاتبة فيما تحركت الصغيرة لتجلس في المقعد المجاور لهما على بعد خطوات مكتفة ساعديها بغضب ..
فجلس جوارها ليهمس لها بخفوت كي لا تسمع الصغيرة :
_طريقتك دي مش كويسة ..التربية مش أوامر وبس ..انتِ كده بتلغي شخصيتها .
_سهل تقول كده وانت بعيد ..أنا بربيها لوحدي ..أنا الأب والأم ..مش هاسمح بأي غلطة ..مش عايزة الناس تقول دي تربية واحدة ست !
تقولها بانفعال احمر له وجهها لينعقد حاجباه بتعاطف وهو يدرك ما عانته ..
في مجتمع كهذا تحمل فيه المرأة وزر فشل العلاقة كاملاً ..
أصابع الاتهام على أهبة الاستعداد لتشير في وجهها عند أي خطأ معلنة فشلها كأم ..كما فشلت كامرأة !
ربما هذا يفسر الضغط الرهيب الذي ترزح تحته ويجعلها تتعامل مع الطفلة بهذه الطريقة الصارمة !!
_طنط ال"كيرفي"!!
تهتف بها ريما فجأة ليلتفت إسلام فيجد جارتهم تقترب منهم بثوب بحر من قطعة واحدة لا يكاد يستر من جسدها شيئاً ..
_مساء الخير يا ريما!
تقولها المرأة بود مبالغ فيه لتقوم إليها الصغيرة فتحتضنها بقوة هاتفة :
_المايوه بتاعك حلو قوي .
_انتِ اللي حلوة موت!
تقولها المرأة بغنج وهي تقبل الصغيرة بدلال مبالغ وعيناها معلقتان بإسلام الذي أشاح بوجهه ..
فيما انتفضت نشوى مكانها لتهتف بها بخشونة :
_مين حضرتك؟!
_دي جارتنا في الأوضة ..شفتها في البلكونة .
تهتف بها ريما بعفوية لكن هذا لم يخفف من انعقاد حاجبي نشوى وهي تلاحظ نظرات المرأة لإسلام بينما تصافحها هي بقولها:
_بنتك لذيذة جداً ..مابطلتش كلام عنك انت وخالها في البلكونة !
_انكل إسلام مش خالي ده جوز ماما !
هتفت بها ريما بعفوية لتتغير ملامح المرأة للحظات قبل أن تغمغم بارتباك :
_آسفة ..لما قالت أنكل إسلام افتكرت ..
_مش فارقة !
هتفت بها نشوى بفظاظتها مقاطعة ليحمر وجه المرأة حرجاً قبل أن تغادرهم بكلمات مقتضبة ..
تلاحقها نظرات إسلام المتسلية !
ولم تكد تفعل حتى جذبت نشوى ريما من كفها هاتفة بها :
_مش قلنا ما نكلمش حد مانعرفوش ؟! انتِ ما بتفهميش ؟!
دمعت عينا الصغيرة بقهر لتردف نشوى بعصبية :
_اقعدي "نوتي" ع الكرسي اللي هناك ..ماتكلمينيش النهاردة خالص .
أطاعتها الصغيرة بملامح متجهمة وهي تعود لجلستها المتباعدة فيما عاودت نشوى جلوسها جواره لترمقه بنظرة حارقة جعلته يميل عليها هامساً :
_تصدقي إني شامم ريحة الشياط من عندي هنا ؟!
يغمزها بها كعهده ليرتجف جسدها بالغضب ..وبشعور آخر لم تفهمه ..
هل هو خوفها على ابنتها من الغرباء؟!
أم هو شعورها بالضيق من نظرات المرأة المفضوحة له هو ؟!!
_غيرانة يا بيضا؟!
يعاود غمزها بها لتستشيط ملامحها بالمزيد من الغضب وهي تهمس له من بين أسنانها :
_ما تستفزينيش ..أنا ماسكة نفسي بالعافية .
_أنا ماعملتش حاجة .
يهز بها كتفيه ببراءة مصطنعة لترد هي بسخرية عصبية :
_أيوة أيوة بريئ ومستقيم وعمر عينك ما راحت لواحدة ست ؟!
_أنا يا بنتي؟!
يقولها بتهكم ليردف بضحكة لم تفهمها:
_ده أنا بتاع برقوق وصايع قديم !
ترمقه بنظرة استهجان وهي تهم برد عصبي لكنها فوجئت بالصغيرة تعود إليها لتقول بملامح متجهمة :
_زهقت ..هاتي موبايلك ألعب .
_قلنا الموبايل ساعتين بس في اليوم ..مفيش موبايل !
هتفت بها نشوى بنبرتها الآمرة لترمقها الصغيرة بنظرة حادة تشبه نظرتها هاتفة :
_خلاص أنزل البيسين .
_لأ .
_كل حاجة لأ!
تهتف بها الصغيرة بغضب طفولي لتعطيها ظهرها وتعدو بعناد مبتعدة بمسافة كبيرة نوعاً نحو حوض السباحة ..
لكنها بدلاً من أن تلقي نفسها في ذاك المخصص للأطفال غطست بسرعة في الآخر المخصص للكبار !
شهقت نشوى بجزع وهي تقفز مكانها ليعدو إسلام بسرعة نحو هناك ويلقي نفسه في الماء خلفها ..
بضع دقائق مرت كدهور عليها وهي تراهما يظهران أخيراً وقد حمل هو الصغيرة على ذراعيه إنما وجهها بدا وكأنه قد غابت عنه الحياة!
=======
_جت سليمة !
يغمغم بها إسلام وهو يربت على وجنة الصغيرة النائمة على الفراش وقد استلقى جوارها فيما وقفت نشوى مكانها جوار الفراش مشبكة كفيها بتشنج أمام وجهها ..متجمدة الملامح كما كانت منذ رأت ما حدث ..
بالكاد تتذكر تفاصيل إنقاذها وهذا الطبيب الذي جاء ..
تتذكر نظرة الصغيرة العاتبة لها عندما أفاقت ورفضها لحضنها ..
وتتذكر هذا البرد الذي لايزال يسري في عروقها وهي تتصور ماذا لو لم يكن هو قد أنقذها !!
الصدمة التي لا تزال تقتات على ملامحها تثير قلقه فينهض من جوار الصغيرة ليتوجه نحوها ثم يربت على كتفها قائلاً:
_الدوا اللي خدته هينيمها للصبح ..ماتخافيش .
تلتفت نحوه بنظرات زائغة لتتمتم والصدمة لا تزال تصبغ كلماتها :
_كانت هتروح مني !
يناظرها بقلق حقيقي وهو يحاول إخراجها من حالة الصدمة هذه ليقول لها ساخراً:
_جت تعند معاكي آذت نفسها ..مابتفكركيش بحدّ كده برضه العند مضيّعه ؟!!
ترفع عينيها الزائغتين نحوه من جديد وكلماته على بساطتها تجلدها !!
تشهق شهقة عالية بدت وكأن روحها فيها تستغيث ..
قبل أن تنخرط فجأة في بكاء هستيري فيجد نفسه دون وعي يجذبها ليضمها بين ذراعيه بقوة وقد انعقد حاجباه بالمزيد من القلق!
يشعر بجسدها ينتفض بين ذراعيه فينتفض قلبه مثله وهو يدرك بماذا تشعر ..
_أنا خايفة ..أنا خايفة ..أنا خايفة ..
لاتزال تكررها بهستيريا ليعتصر جسدها بين ذراعيه وهو يتخلل شعرها بأنامله محاولاً تثبيت رأسها المهتز على صدره بينما هي تغمغم بين دموعها كالمغيبة :
_أنا ماكنتش كده ..كنت بطلت أبقى كده ..كنت خلاص وقفت على أرض ثابتة ..إيه اللي خبطني تاني على دماغي؟! حياتي بتضيع ..بنتي بتضيع ..عشان أنا غبية ..غبية وبغلط نفس الغلطة تاني ..بعند معاه واللا مع نفسي ؟! برمي عمري بإيدي تاني لراجل ما أعرفوش ؟! ريما زعلانة مني ..وأنا كمان ..أنا كمان زعلانة مني ..أنا فاشلة ..لا نافعة أم ولا نافعة ست ..
كلماتها كانت مشوشة ..مبعثرة ..تفتقد لأي ترتيب ..
لكنه كان يتفهم كل هذا التيه الذي تعيشه بعد ما تعرضت له !
لهذا لم يقاطعها بكلمة مكتفياً باستنباط ما يرويه هذيانها عن خباياها ..
_أنا خايفة ومش عارفة أروح فين ..لو كنت لوحدي كنت هربت ..اختفيت ..لكن ريما ..ريما ..ريما كانت هتضيع بسببي .
يغمض عينيه بألم وهو يستشعر هذا الوجع القاهر الذي تخفيه خلف قشرة تنمرها وعصبيتها ..
يربت على ظهرها برفق وهو يتمنى لو يملك عصا الساحر التي يمكنها أن تحيل كل ألمها هذا إلى راحة ..بل إلى فرح !
يتمنى لو يبقى صامتاً مستكيناً بعناقها هذا للأبد ..
لكنه يعلم أنها الآن تحتاج كلامه أكثر من صمته !
_انتِ عارفة إنك شبهي قوي؟! زمان كنت زيك كده ..أول ما أتزنق أهرب ..أهرب لأي حاجة صح أو غلط مش مهم ..لحد ما اتعلمت إن ده ما ينفعش ..إني لازم أقف ..أواجه ..أحلّ .
يهمس بها بجدية فاضت بحنان طوقها قبل ذراعيه مردفاً :
_انتِ ليه بتخلطي الأمور ؟! مشكلتك مع ريما مالهاش دعوة بمشكلتك مع ناصر..ومالهاش دعوة بمشكلتك مع الناس ..مشكلتك مع ريما إنك عايزة تمشيها زي الكتاب ما قال بس مش عارفة توصلي لبدايل مناسبة للحاجات اللي مانعاها عنها ..فالبنت حاسة إنها في سجن ..انتِ صح ..صح جداً ..بس صح ناقص حاجات كتير تكمله ..حاجات هساعدك نكملها سوا ..
بدأت تستعيد بعض إدراكها لتركز قليلاٌ في كلامه ..
لكن ذهنها بقي مشوشاً وهي تعاود رفع عينيها الزائغتين نحوه ..
ليقابلها بابتسامة حانية مستطرداً:
_مشكلتك مع ناصر بقا إنك عملتيه "التارجت" بتاعك من زمان ..طبيعي تحسي إنك فاشلة مادام ماحققتيش التارجت الوهمي بتاعك ..لكن قصاد ده ..لو كنتِ حسبتيها صح كنتِ عرفتِ انك حققتِ ألف تارجت أهم منه ..مش هاقوللك نجاحك ..شغلك ..المصنع ..وقفتك جنب أشرف ..مش هاقوللك بنتك وكونك قمتِ معاها بدور الأم والأب ..لكن هاقوللك أهم تارجت حققتيه إنك ماوقفتيش حياتك عشان وقعتِ مرة ..بالعكس ..قمتِ وكملتيها للأحسن ..بس انتِ طبعاً دلوقت مش شايفة كل ده لأن "التارجت" الوهمي بتاع زمان رجع يفكرك بخسارة ..خسارة لو فكرتي كويس هتلاقيها كانت مكسب !
كانت تستعيد المزيد من صفاء ذهنها بالكاد لكن كلماته البسيطة بهذه اللهجة التي تمزج عمليته بحنانه كانت تنغرس داخلها غرساً ..
كأنما تنحفر على جدار روحها ..
_نيجي بقا لمشكلتك مع الناس ..نظرتهم للمطلقة اللي مستنيين لها غلطة ..صدقيني ..دي مالهاش حل غير إنك تطنشي ..نفس الناس دول هم اللي هيسقفوا ويحسدوكي أول ما تنجحي ..
آهة ألم حقيقية تنفلت من شفتيها وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر ..
روحها لم تكن أكثر وهناً من جسدها الذي كان شديد الهشاشة الآن بين ذراعيه ..
خاصة وهو يحافظ على احتضانه لها بأحد ذراعيه بينما امتدت أنامل الآخر تمسح عنها دموعها برقّة ليصلها همسه المشاكس ..إنما أكثر دفئاً ..أكثر تأثيراً ..
_فاضل مشكلة واحدة ..للأسف معنديش لها حل ..مشكلتك معايا أنا ..
تغمض عينيها بألم لم تخففه لكنة مزاحه الخفي بعدها :
_اتدبستي فيا واللي كان كان ..
يهمس بها مشاكساً وعيناه تتعلقان بشفتيها اللتين زادهما البكاء احمراراً لتبدوان له كثمرة شهية تشتهي القطاف ..
أنفاسه تزداد تلاحقاً وهو يشعر -لتوه- بجسدها بين ذراعيه يلهب حواسه ..
ملمس منامتها الحريري يشعله أكثر فيعود لعناقها إنما بشعور أكثر حميمية هذه المرة ..
تشعر بعزف أنامله التي انسابت بخفة ناعمة تحت قميص منامتها فينتفض جسدها منتظراً "خيبة اختباره" !!
هي لن تكون "أنثى" إلا لرجل منحته قلبها منذ سنوات ..
أقفال جسدها لن تستجيب إلا لشفرته ..
أي رجل عداه سيكون مجرد ..
مجرد ..
أفكارها تذوب ..تتلاشى ..تمتزج مع وهن جسدها لتسحبها في دوامة عميقة تستسلم لها دون وعي ..
تستسلم؟!
نعم ..تستسلم!
فيما يكاد هو يبتسم وهو ينتزع استجابتها ..
برودها المبدئي لم يخدعه ..بل استنفر كل خبراته كي يشرع في اقتحام حصونها ..
لم تكن سابقته الأولى في النساء بطبيعة الحال ..لكنها كانت أول مرة يفعلها دون تأنيب ضمير ..
دون شعور بإثم الوزر ..
ليس هذا فحسب ..
بل إنها المرة الأولى التي يشعر فيها بالتحام قلبه مع جسده ..
بهذه الخفقة الخاصة ..الخاصة جداً ..والتي لم ينبض بها من قبل لامرأة سواها !!
لكنها أوقفت كل هذا فجأة وهي تدفعه برفق أخيراً لترفع إليه عينين مذهولتين !
هذا الشعور الذي اختبرته معه لتوها يزلزلها وهي تجربه لأول مرة !
هي استجابت لقبلاته !!
لم تنفر منه كزوجها السابق!!
هي ليست باردة ..ليست فاشلة ..ليست ناقصة ..
هي كذلك ..
دون "ناصر"!!!
أنفاسها تشاركه التراقص فوق حافة الجنون لتستعيد وعيها كله فجأة كأنما صفعتها يد خفية على وجهها ..
الذهول في عينيها يتحول لإدراك ..
ثم لحيرة ..
ثم لخوف ..
خوف جعلها تتراجع عنه بضع خطوات لتعيد ضبط ملابسها قبل أن تشيح بوجهها لتتحرك نحو الفراش الذي استلقت عليه جوار الصغيرة وقد رفعت عليها غطاءها حتى رأسها !!
فيما بقي هو مكانه واقفاً يناظرها بتفهم لم يخلُ من غيظ !!
لم يسبق له أن رفضته إحداهن هكذا وتركته وسط الطريق!!
لكنه يتفهم هذا التيه الذي تخوض روحها في شعابه ..
ويتفهم كذلك طول الطريق أمامهما !
لهذا زفر زفرة مشتعلة وهو يتحرك نحو الشرفة التي فتح بابها ليسحب نفساً عميقاً سامحاً للهواء البارد أن يطفئ براكينه ..
قبل أن ترتسم على شفتيه شبه ابتسامة وهو يستعيد مذاقها بين شفتيه ..
مذاقاً لم تشبهها فيه امرأة سواها ...
أبداً ..أبداً ..!!
تماماً كما توقع !!
هي ثمرة التين الشوكي خاصته ..تلك التي تبدو بقشرتها مؤذية منفرة لكن مذاقها الحلو يشفع لمن يعشق!!
ابتسامته تتسع ..تتحول لضحكة قصيرة وهو يرفع عينيه للسماء يطالع نجومها بغرابة ..
يقولون إن الأشياء تتغير في عيوننا عندما نعشق ..
تصير أكثر جمالاً ..أشد عمقاً ..وأبلغ تأثيراً ..
الآن فقط يمكنه الاعتراف ..أنه ..يحبها ..
تنهيدة حارقة تغادر حلقه وهو يشعر بحاجته للبوح ..
بل للصراخ ..
يحتاج من يخبره ..
يتناول هاتفه من جيب سروال منامته ليصدمه الوقت المتأخر لكنه لم يتردد عن إرسال رسالته ..
_أنا حبيت يا سيدنا .
صوت الرسالة يقلق سيف من نومه فينهض ليقرأها بجزع لأول الأمر قبل أن يبتسم لا إرادياً وهو يميز محتواها ليرد :
_لسه جاي تعرف دلوقت ؟!
يرسل له إسلام ذاك "الوجه المعبر بضحكة " ليكتب له سيف وهو يتثاءب:
_روح نام يا إسلام واصحى حب براحتك الصبح في النور !
يضحك إسلام ضحكة عالية تشاركها مع صديقه مكانه رغم كل هذا البعد ..
قبل أن يتنهد بحرارة وهو يعود للداخل ..
يراقبها عن بعد وقد تكور جسدها كله تحت الغطاء حتى رأسها فتلتمع عيناه بوهج دافئ وهو يقترب منها لا إرادياً كأنما تجذبه بقوى غير مرئية ..
يشعر بحركتها الطفيفة تحت الغطاء فيدرك أنها لا تزال متيقظة ..
ولا تزال خائفة !
ينحني نحوها ببطء ثم يرفع عنها الغطاء فجأة فتشهق بقوة لتقابلها عيناه العابثتان جداً ..
الدافئتان جداً جداً ..
والمطمئنتان جداً جداً جداً ..
تعض شفتيها المرتجفتين بترقب وهي تعاود إغماض عينيها محاولة رفع الغطاء عليها من جديد لكنه يتشبث به بقوة مانعاً إياها ..
قبل أن يميل عليها مستنفراً كل مشاعرها ليهمس أخيراّ في أذنها :
_تصبحي على خير ..يا جبانة !
يرفق لفظته الأخيرة ب"عضّة"رفيقة لطرف أذنها فيرتجف جسدها كله ..
لكنه يعاود تغطيتها بنفسه هذه المرة سامحاً لرأسها بالظهور..
_ما تغطيش وشك ..مش اتفقنا ..ماعدناش هنهرب؟!
سؤاله ينتهي بغمزته الشقية كالعادة والتي حملت لها مغزى مختلفاً هذه المرة ..
لتراقبه عيناها المتسعتان وهو يتحرك للطرف الآخر من الفراش الذي استلقى فوقه ..
ظلت متجمدة مكانها لدقائق لم تدرِ عددها قبل أن تتنهد وهي تستدير على جانبها لتمد ذراعها نحو الصغيرة بينهما فتحتضنها ..
هنا استدار هو الآخر على جانبه ليمد ذراعه كذلك فيضعه فوق ذراعها على الصغيرة وعيناه تحملان لها رسالة واضحة لا تقبل التأويل ..
========
أفاقت من نومها على صداع رهيب لتفتح عينيها فتفاجأ بنومتهما هذه وقد وضع ذراعه فوق ذراعها لتتسع عيناها بارتياع وهي تزيح ذراعه عنها وعن صغيرتها التي بدت مستغرقة في نومها تماماً ..
نهضت مكانها لتتلفت حولها في الغرفه بتشتت قبل أن تنتبه لما ترتديه ..
منامة حريرية بلون وردي ..
وردي؟!!
من صغرها لا تحب هذا اللون أبداّ!!
متى لبست هذه ؟!!
الصداع يزداد وهي تستعيد بغتة ذكريات الليلة الفائتة ..
ابنتها ..الغرق ..الطبيب ..
وما بعد هذا مشوش في ذهنها تماماّ كأنه حلم !!
تعقد حاجبيها بشدة وهي تغادر الفراش نحو الحمام القريب الذي وجدت فيه أماناً مؤقتاً بعزلة عن الخارج ..
طالما عشقت الأماكن المغلقة ..
"الأمان" لديها يتمثل في "تكّة مفتاح" يعزلها عن العالم الخارجي بكل ما يثيره من خوفها ..
تتأمل شكلها في المرآة ..
عينيها المنتفختين ..شفتيها المتورمتين ..وجهها الشاحب ..
لكن نظراتها تنسحب لجسدها الذي بدا لها شديد الروعة في منامتها هذه ..
تتنهد بحرارة وهي تخلعها لتتوجه نحو حوض الاستحمام لتسمح لشلال الماء البارد أن يغمرها ..
هنا فقط تغزوها ذكريات ليلتها السابقة كاملة ..
تتسع عيناها بالمزيد من الارتياع وهي تتذكر عناقه ..عزف شفتيه مع لمساته ..
بل والأدهى ..استجابتها هي له !
هل كان هذا حقيقياً ؟!!
تتأوه بقوة والألم في رأسها يكاد يفقدها صوابها فتخرج سريعاً لتعاود ارتداء ملابسها قبل أن تخرج بحثاً عن دواء ..
_يا صباح العسل!
يهتف بها خلفها ليجفلها فتلتفت نحوه ببعض الحدة هاتفة باستنكار :
_إيه صباح العسل دي ؟! احنا فين هنا ؟!!
لكنه يضحك ضحكة عالية رائقة وهو يتقدم منها ليضمها نحوه فجأة بأحد ذراعيه متجاهلاً مقاومتها ..
قبل أن يغمزها هامساّ بنبرته العابثة :
_انتِ عسل ..وأنا عسل ..واحنا هنا بنقضي شهر العسل ..يبقى صباح العسل ..جداً ..يعني ..
كلماته تنقطع ببطء مدروس وهو يقترب بشفتيه منها لتحاول الابتعاد بوجهها لكنه يقتنص قبلة خاطفة لشفتيها تجعلها تهتف بحدة :
_كنت عايزة أتكلم معاك قبل ما البنت تصحى .
_عنيا !
يغمزها بها كعهده لتزفر بنفاد صبر وهي تتحرك به نحو جانب قصيّ من الغرفة لتجلس على الأريكة هناك ..
فيجلس هو جوارها ..
تطرق برأسها للحظات يحتملها صابراً قبل أن تشبك أناملها لتغمغم بخفوت :
_الكلام اللي هاقوله ده صعب على أي ست تقوله ..بس أنا ..آه ..
تقطع عبارتها بآهة ألم حقيقية وهي تمسد رأسها ليقف هو قائلاً بحنان طغا على عبثه المعهود :
_شكلك مصدعة وكنتِ بتدوري على مسكن ..حالاً هاجيبهولك .
رمقته بنظرة طويلة متوجسة وهي تراه يبتعد ليعود حاملاً الدواء مع زجاجة لبن محلى خاصة بالصغيرة هاتفاً:
_ماتاخديش مسكن على معدة فاضية ..خدي ده مؤقتاً .
تهز رأسها فيما يشبه الشكر وهي تتناول بعض اللبن لتتبعه بالدواء قبل أن تضع ما بيدها جانباً لتعود لجلستها متشابكة الأنامل ..
فيشجعها بقوله ..
_كملي ..كنتِ بتقولي إن اللي عندك صعب على أي ست تقوله ..
ترفع إليه عينيها بتشتت وهي تحاول البحث عن كلماتها ..
ماذا عساها تخبره ؟!
أنها لا تريد بيع جسدها من جديد لرجل لا تحبه ..
أنها لن تعيش هذا الجرح مرتين ..
أنها مجرد آلة باردة لن ترضي سيدها ..
كان هذا الأمر سهلاً جداً قبل الأمس ..
لكنها لا تستطيع تجاهل هذه المشاعر التي تذكرتها ..
هي ليست معطوبة كما تظن ..
لكن ..هل تريد الاستمرار حقاً ؟!
هل تريد المزيد ؟!!
_أنا مش عايزة الجوازة دي .
تقولها بخشونة مفاجئة ليبتسم وقد أدرك أن الجانب،"الشوكي" هذا يخفي خلفه الكثير من العاطفة ..
لهذا تناول كفها في راحته ليقول ببطء واثق:
_بس أنا عايزها .
_أنا ..مش ..
تهتف بها بانفعال وهي تنتزع كفها منه لتتوه منها كلماتها من جديد لكنه كان يتفهم ما لم تجرؤ هي على البوح به ..
ليتنهد بصبر قبل أن يعود ليتناول كفها عنوة في راحته ثم يهمس لها وهو يغرس نظراته في عينيها غرساً :
_أنا لفيت ودرت كتير قوي ..عرفت ستات بعدد شعر راسي ..مش محتاج مجهود كبير عشان أفهم نفسي ..عشان أعرف إني عايز أكمل عمري معاكي ..انتِ ..بالذات ..مش مستعجل على أي حاجة ..خللينا ناخدها واحدة واحدة ..
في واقعة أخرى كانت لتصفه بالكذب ..
كانت لتسخر منه ..
لكنها الآن كانت عاجزة عن كليهما ..
لهذا أغمضت عينيها بقوة هاربة كعهدها :
_أنا ماعرفش قصدك إيه ..ولا ناوي على إيه ..بس أنا آخر ست ممكن تعجب واحد زيك ..أنا عصبية ..مقفلة ..خلقي ضيق ..عندية ..مش شايلة همي لوحدي ..شايلة حمل طفلة معايا ..
_وأنا مستفز ..مندفع ..هوائي ..بارد أحياناً ..والدي سايب لي فضيحة وماضي منيل بستين نيلة ..كنت فلاتي وبتاع ستات بس ربنا تاب عليا ..كده نبقى خالصين؟!
يقولها مقلداً لكنتها لتهز رأسها بقوة لكنه يمد أنامله الحرة ليداعب أنفها بسبابته بخفة مردفاً :
_افتحي عينيكي ..اتفقنا ماعدناش هنهرب .
_ماتقولش اتفقنا دي بتعصبني!
تهتف بها بانفعال ليضحك ضحكة عالية طويلة استفزتها أكثر لتنتزع كفها منه مردفة :
_مفيش فايدة فيك ..مش عارفة أتكلم معاك كلمتين جد على بعض .
_ماهو مش ده الجد اللي بيجيب معايا !
يغمزها بها بعبث لتلطم وجهها بكفيها في يأس فيضحك من جديد بتسلية قبل أن يقول مدعياً الجدية :
_طب نتفق اتفاق ؟!
ترمقه بنظرة مترقبة ليرد بغمزة جديدة :
_كل حتة سكر بكلمتين جدّ .
يرفق عبارته بقبلة خاطفة لشفتيها فتشهق وهي تبتعد عنه لتهب واقفة مع هتافها:
_مفيش فايدة ..أقسم بالله مفيش فايدة ..عاهة وابتليت بيها ..انت ..انت ..
تلوح بكفيها في وجهه بعصبية يقابلها بتراقص حاجبيه المشاكس مع رده :
_طب بتلات كلمات !
تسمع صوت ريما فترمقه بنظرة ساخطة وهي تعود للداخل هاتفة بعصبية :
_مفيش فايدة ..مفيش فايدة ..
_خد بس يا سعد باشا أقوللك .."الغرام أخد وعطا"!
يهتف بها وهو يلحق بها ليختفي العبث من نظراته وهو يرى عناقها الباكي لريما ..
يقف مكانه للحظات محترماً مشاعرها قبل أن يقرر التدخل ليهتف بالصغيرة وهو يفتح لها ذراعيه :
_حبيبة بابا !
_بابا ؟!!
تسأله الصغيرة بمزيج من فرحة وحيرة لتلتفت نحوه نشوى بنظرة حادة ..
لكنه يتجاهل الأخيرة تماماً وهو يتقدم نحو الصغيرة التي اندفعت نحوه لتعانقه بقوة هاتفة :
_بجد ؟! هاقوللك بابا ؟! هتبقى بابا ؟!
فيقبل وجنتها بقوة ليمسد شعرها بأنامله قائلاً بحنان :
_هو مش بابا ده اللي بيخاف علينا ؟! أنا خفت عليكي امبارح قوي ..مش هو اللي بيفسحنا ويجيبلنا كل اللي احنا عايزينه ؟! أنا هاعمللك كده ..مش هو اللي بنسمع كلامه عشان هو فاهم مصلحتنا ؟! مممم...دي بقا انتِ اللي تردي عليها .
_أيوة ..والله ..هاسمع كلامك كله ..
هتفت بها الصغيرة بحماس ليضحك وهو يعاود تقبيلها هاتفاً :
_يبقى بابا أنا واللا مش بابا ؟!
_أحلى بابا !
تهتف بها الصغيرة بفرحة حقيقية زلزلت أعماقه بصدقها ليبتسم لها هامساً في أذنها بخفوت:
_لو أقنعت مامي ننزل البحر ..تسمعي بقية كلامها كله .
_كله !
هتفت بها بصوت عالٍ مفاجئ لتسألها نشوى بتوجس:
_بتقولوا إيه ؟!
رمقته الصغيرة بنظرة حائرة ليقبل جبينها ثم ينزلها أرضاً قائلاً :
_ادخلي الحمام الأول واغسلي وشك عشان ننزل نفطر .
أطاعته الصغيرة بسرعة تعجبت لها نشوى التي تكاد تقبل قدمي الصغيرة كل يوم كي تقنعها بتناول الإفطار ..
ليقترب هو منها قائلاً :
_لو فاكرة كلامنا امبارح ياريت توافقي ننزل البحر النهاردة ..
ظهر الرفض على محياها خاصة وهي تتذكر مشهد الصغيرة وإجهادها بعد ما حدث بالأمس ..
لكنه عاد يقول بحزم:
_ماتطلعيهاش نسخة منك ..خايفة من كل حاجة بره الدايرة اللي اترسمت لها ..خلليها تجرب مغامرة بس تحت عينيكي ..
ثم ضحك ضحكة مكتومة ليردف بشرود :
_يمكن دي حسنة فاكرها لجيلان هانم ..إنها كانت بتسيبنا نجرب بحرية بس وهي حاميانا ..فاكر مرة طلبت منها أروح معسكر تخييم مع أصحابي ..وافقت بسهولة استغربت لها ..بس بعدما رجعت م الرحلة عرفت إنها كانت باعتة ورايا واحد مخصوص يراقبني عشان يتدخل لو احتجته .
اهتزت حدقتاها للحظة وهي تشعر بحديثه عن نفسه يقربها لجانب منه أكثر إنسانية ..
ربما لهذا لانت لهجتها نوعاً وهي تقول:
_شكلك بتعرف تتعامل مع الأطفال كويس .
فابتسم وهو يرد بنفس الشرود :
_فرق السن بيني وبين هيثم كبير قوي ..اتناشر سنة تقريباً ..لما كنا صغيرين ماكنتش بغير منه كالعادة ..بالعكس ..علموني أكون مسئول عنه ..
ثم ضحك ليقول بنبرة عاد إليها مزاحها:
_يمكن عشان كده مابكرهش في حياتي أد المسئولية ..بس لو شلتها بشيلها صح .
نظرت إليه مأخوذة وهي تشعر أنها تراه لأول مرة ..
هذا الطوفان حوله يجرفها لتيار لا تدري أين يأخذها ..
ليست هي فحسب بل ابنتها كذلك !!
_هه ..هننزل البحر يا مامي؟!
يسألها برجاء مصطنع وهو يضم راحتيه معاً لتعود ملامحها لتنمرها وهي تشيح بوجهها زافرة بسخط ..
قبل أن ترد بعد صمت لحظات :
_أمري لله ..بس لو البنت ...
انقطعت عبارتها بشهقتها وهي تشعر به يجذبها نحوه فجأة ليحتل شفتيها أقسى احتلال ..
وأرق احتلال!!
صدمتها تجمدها للحظات قبل أن تشعر بوجيب صدرها يتعالى ..
كطفلة تمد قدمها مستكشفة في الماء البارد ..
قبل أن تستعذب العوم فيه !!
هكذا مكثت بين ذراعيه للحظات غابت فيها عن عالمها باقتحام عالمه الخاص ..
قبل أن يعيدها خوفها لأمان "اليابسة"!!
تدفعه عنها ببعض العنف ليبتسم وهو يهمس أمام شفتيها :
_اتفقنا حتة السكر بتلات كلمات جد ..وأنا اتكلمت جد كتير قوي ..لسه ليا عندك باقي !
كلماته تداعب أنوثتها مع حركة أنامله العابثة على وجنتها لكنها تهتف بعصبية وهي تبتعد عن مرمى ذراعيه :
_تاني هتقول اتفقنا؟! قلت لك الكلمة دي بتعصبني !
ضحكته العالية المتسلية ترافق قوله وهو يقرص وجنتها بخفة :
_كده كده هنتفق يا عسل!
======
تجلس على شاطئ البحر تراقبه والصغيرة يلعبان جوارها بمرح منطلق ..
الصغيرة التي أسعدتها كلمة "بابا" هذه لترددها بمناسبة ودون مناسبة فاضحة فرحتها العارمة بها طوال الأيام السابقة ..
هذا يومهم الأخير هنا ..
لا تدري كيف مرت الأيام السابقة بها كحلم صعب التصديق ..
كيف تبدلت حياتها هكذا ليدخل من دخل ..ويخرج من خرج !!
_حلو القصر ده يا بابا ...هنجيبله طباخ ؟!
تقولها ريما بمرح طفولي وهي تراقب معه قصر الرمال الذي بناه لها على الشاطئ ليرد بينما هو منهمك بصنعه :
_طبعاً .
_وخدام ؟!
_طبعاً .
_ورقاصات؟!
_طب...نعم؟!!
انقطعت كلمة "طبعاً" في حلقه مع "نعم" المستنكرة التي أطلقها لتقول الصغيرة ببراءة :
_كل القصور اللي بشوفها في التلفزيون بيبقى فيها رقاصات ..
ثم رفعت رأسها نحو نشوى مردفة بفخر طفولي:
_مامي بتعرف ترقص حلو قوي .
احمر وجه نشوى بخجل ليطلق إسلام ضحكة عالية وهو يغمز الأخيرة هاتفاً:
_لا ده أنا أتفرج عشان أحكم بنفسي!
أشاحت نشوى بوجهها في مزيج من خجل وسخط لتشرد ببصرها ..
هي لم ترقص يوماً أمام رجل حتى زوجها السابق ..
لم تتمنّ فعلها إلا لناصر ..
لا كرغبة غريزية ولا شعور حسيّ ..
إنما ك"مهارة" أرادت استعراضها أمامه ليعترف لها بها!!
ابتسامة مريرة تطوف على شفتيها وهي تتذكر "بدلة الرقص الحمراء" التي اشترتها في الحاجيات التي استعدت بها لزفافهما الذي لم يتم ..
منذ أخبرها أنها رائعة باللون الأحمر وهي أحبته لأجله !!
_والقصر فيه حراس ؟!
تعاود ريما أسئلتها لتنتزعها من شرودها فتعاود الالتفات نحوهما بينما هو يرد ولايزال منهمكاً في بناء قصره ..
_أكيد .
_وظابط؟!
_طبعاً ..
يقولها بعدم تركيز لترد الطفلة ببراءة :
_بلاش يبقى أنكل ناصر عشان مخاصماه ..هو نسيني بسرعة .
عبارتها العفوية تجعل ملامحه تتجهم وهو يرفع عينيه نحو نشوى التي احمر وجهها بانفعال وهي تصرخ بالطفلة :
_انتِ تنسيه خالص وماعدتيش تجيبي سيرته ..فاهمة ؟!
تنكمش ريما على نفسها وهي تقترب بجسدها من إسلام الذي أنهى بناء قصره لينهض قائلاً للصغيرة بحنان :
_العبي حواليه بس بالراحة ..عشان مايقعش .
تهز الصغيرة رأسها مطيعة والقصر الرملي ينسيها صراخ أمها فتنشغل باللعب حوله ..
فيما يقترب هو من نشوى ليجلس على الكرسي جوارها ..
ترمقه بنظرة متحفزة وقد تهيأت لأن يعاتبها على صراخها بالصغيرة لكنه فاجأها عندما أمسك كفها بين راحتيه لينحني بجسده للأمام مقترباّ منها بهمسه الخافت :
_تحبي تنزلي المية معايا ؟!
_لأ!
تقولها قاطعة ليهمس لها باستسلام :
_على بركة الله .
ترمقه بنظرة متوجسة فتاريخه مع هذه العبارة لا يحمل لها خيراً ..
وقد صدق ظنها عندما فوجئت به يسحبها من ذراعها بقوة فيوقفها لتصرخ بدهشة قبل أن يحملها بين ذراعيه ليتوجه به نحو البحر عدة خطوات ..
ويلقيها هناك !!
صرخت عدة صرخات قصيرة وبرودة الماء تصدم جسدها للحظات فتحرك ذراعيها محاولة استعادة توازنها ..
قبل أن تشعر بذراعيه حولها يطوقان خصرها وهو يضمها نحوه هامساً :
_ما انتِ حلوة أهه ..ده أنا قلت هتغطسي ومش هلاقيكي تاني !
يقولها بنبرته المشاكسة لتشهق وسط أنفاسها اللاهثة ولا يزال جسدها مصدوماً ببرودة الماء ..
_انت ..انت ..مجنون ..إزاي تعمل كده ؟!
كلماتها تنقطع بشهقاتها فيضحك ضحكة قصيرة قبل أن يضمها نحوه بقوة أكبر ليلصقها به هامساً وهو ينظر في عمق عينيها :
_وهافضل أعمل كده طالما مصرّة تغمي عيونك الحلوين دول وما تشوفيش حواليكي كويس .
جسدها يرتجف من جديد ليس برداً هذه المرة ..
إنما هو تأثرها بهذه النظرة في عينيه اللتين تتبين لونهما لأول مرة ..
وقد التمعتا في الشمس لتبدوان بلون عسلي جذاب !
ليس لونهما فحسب ..بل هذه العاطفة الصادقة التي تتوهج كشمس أخرى فيهما ..
وهذا المغزى الذي حملته كلماته !
_أيوة ..هي عافية ..الناس اللي زيك ما بيجوش غير كده ..قفش!
لايزال همسه المشاكس يناقض حنان هذه النظرة في عينيه والتي بدت لها في هذه اللحظة وكأنها تمنحها وعداً غير منطوق !!
_مامي ..بابا ..استنوني !
تهتف بها ريما وهي تعدو إليهما ليقترب إسلام منها ثم يفرد ذراعيه ليصنع من أذرع ثلاثتهم دائرة ..
قبل أن يتوغل بهم نحو الداخل ..
_موووجة !
تهتف بها ريما بسعادة وهي تتشبث بكفيها في كفيهما ليهتف هو بها :
_قلنا نعمل إيه لما الموجة تقرب؟!
_ننط فوووووق!
تهتف بها ريما بمرح وكلهم يقفزون ولايزالون مشبكي أكفهم معاً لتتعالى ضحكات الصغيرة مع إسلام ..
المشهد يتكرر عدة مرات ..فتجد نشوى نفسها دون وعي تبتسم وكأنما أخذت هدنة مؤقتة من هذا الصراع الذي تحياه ..
_مامي ..حطيلي كريم الشمس ..ظهري بيحرقني .
تهتف بها الصغيرة عقب خروجهما من الماء لتطيعها نشوى بشرود وهي تدهن لها ظهرها ..
قبل أن تجده يجلس على كرسيها ليعطيها ظهره هاتفاً :
_وأنا كمان يا مامي .
ترتبك للحظات فتحفزها الصغيرة بهتافها اللحوح لتمد أناملها أخيراً فتدهن له ظهره ..
ابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيه فلا تراها ..
ابتسامة تتلون بشعوره وهو يشعر بملمس أناملها على بشرته ..
يغمض عينيه متلذذاً بحركتها التي بدأت مرتبكة مترددة ..
ثم عصبية منفعلة ..
ثم هادئة ناعمة ..
وليت صاحبتها تقتدي بها !!
_منتحرمش يا عسل!
يهتف بها وهو يلتفت نحوها فجأة ليغمزها كعهده فيفاجأ بشبح ابتسامة يتراقص على شفتيها ..
شبح اختفى سريعاً وعيناها تعودان لنفس النظرة التي يتصارع فيها الخوف والنفور !
_شفتي ريما مبسوطة بالقصر إزاي؟!
يسألها بخفوت وهو يراقب الصغيرة التي عادت للعب جوار القصر الرملي لتتنهد هي بحرارة وهي تراقب ابنتها مثله لتقول بشرود :
_بيت رمل! مسيره تيجي موجة وتهده !
مغزى كلماتها يصله واضحاً فيتحرك ليرفع ذقنها نحوه هامساً:
_ما تخافيش ..أنا عامل حسابي ..بانيه بعيد عن الموج .
عيناها تعاودان تعلقهما الغريب به وهي لا تزال تشعر بالتشتت ..
إلى هذه اللحظة هي لا تفهم ماذا يريد ..
لا تصدق هذه النظرات النابضة بالعاطفة في عينيه ..
لا تصدق احترامه لرغبتها في التباعد عنه جسدياً ..
لا تصدق مثالية كونه راغباً في البقاء جوارها وجوار ابنتها للأبد ..
الهاجس الأخير الذي يكاد يصيبها بالجنون وهي تتبين تعلق ريما به والذي يزداد يوماً بعد يوم ..
نظراتها تنسحب نحو الصغيرة التي لم ترها يوماً سعيدة إلى هذا الحد ..
فيرتجف قلبها بقسوة وهي تخشى عليها فقداً هي خير من تدرك قسوته ..
لهذا وجدت نفسها تهمس له بصوت مرتجف دون وعي :
_بالله عليك ..حتى لو اللي بيننا ماكملش ..ما تسيبش ريما بعدما اتعلقت بيك .
لكنه يلتقط هذا الخوف العتيد في عينيها فيبتسم وهو يمد أنامله ليربت على وجنتها هامساً بعاطفة تناقض وقع كلماته :
_اللي بيننا هيكمل غصب عنك ..مش هاسيبها ولا هاسيبك .
تتسع عيناها للحظة وهي لاتزال عاجزة عن الرد فيقرص وجنتها بحركته المغيظة قبل أن ينادي ريما هاتفاً :
_ياللا ناخد سيلفي مع قصر الرمل !
تصفق الصغيرة بمرح فيستخرج هاتفه من جيبه ثم يرفعه في وضع الاستعداد قبل أن يلكز "الشوكية" بجانبه هامساً :
_اضحكي عشان الصورة تطلع حلوة !
وابتسامتها هذه المرة تخرج بأسرع -وأصدق- مما توقعت !
=======
_احنا رايحين فين ؟!
تسأله نشوى بترقب وهي تتابع طريق السيارة عقب عودتهما من مارينا ..
ليرد بابتسامة مشاكسة :
_بيتنا الجديد ..
ثم يلتفت نحوها بغمزته المعهودة :
_مفاجأة !
_بيت جديد!!!
هتفت بها ريما مصفقة بكفيها بحماس لتسأله :
_فيه أوضة ليا .
_أوضة ليكي لوحدك ..بألعاب كتيييير .
يقولها بمرح مردفاً بابتسامة واسعة :
_أنكل سيف صاحبي هو اللي وضب كل حاجة ..بس بعتلي الصور ..هتعجبك قوي ..
كان يتابع حديثه وهو ينظر إليهما عبر المرآة وقد أصرت نشوى هذه المرة أيضاً على الجلوس بالخلف ..
يقابل عينيها بعينيه فتروعه هذه النظرة الخائفة في عينيها من جديد والتي تناقض حدة ملامحها ..
وغضبها الذي بدت وكأنها تقاوم كي لا تظهره أمام الصغيرة ..
يتوقف بالسيارة أخيراً في هذا الحي الهادئ الذي رصفها فيه ليتحرك بهما نحو أعلى بناية أنيقة بتصميم حديث ..
يفتح باب الشقة لتلحقه هي والصغيرة التي اندفعت كصاروخ نحو الداخل تتفقد محتوياته ..
بينما جذبته نشوى من ذراعه جانباً لتهمس له بحدة خافتة :
_انت بتتصرف من دماغك ؟! ماقلتليش ليه ع الشقة دي؟!
_انتي أد المسكة دي؟!
بحاجبين متراقصين يقولها لتكز على أسنانها بينما يغمزها هو هامساً ببطء مثير بينما يقترب من شفتيها :
_هنتكلم جد ؟!
_أيوة ..لأ ...يوووه !
تهتف بها بارتباك يجعله يطلق ضحكة عالية مجلجلة أثارت غيظها أكثر لتدمع عيناها حقيقة لتبتعد بوجهها عنه وهي تهمس له متحاشية رفع صوتها كي لا تسمع الصغيرة :
_نظام التنطيط ده مش هينفع عشان البنت ..هي اتعودت تعيش بنظام معين مابيتغيرش .
الخوف الذي امتزج بدموع عينيها يثير عاطفته نحوها من جديد ..
فيقول لها بجدية تامة مطمئنة :
_أنا اخترت الشقة دي مخصوص عشان البنت ..قريبة من مدرستها ومن المصنع كمان .
_ولحقت توضبها امتى؟!
تسأله بحاجبين منعقدين ليرد :
_أنا ماضي عقدها من تاني يوم جوازنا ..وسيف الله يبارك له تولى أمر الفرش بمجهود خارق يحسد عليه ..
ازداد انعقاد حاجبيها وهي تشيح بوجهها ليردف هو بنبرة عاد إليها عبثها :
_كان نفسي أسيبك تختاري بس قلت أخللي المفاجأة كاملة ..وبصراحة ..بمزاجك قبل السفر خفت تعضيني .
_أعضك ؟!
هتفت بها باستنكار وهي تعاود الالتفات نحوه ليضحك بغمزته العابثة :
_هو الاقتراح مغري ..بس مش دلوقت .
احمر وجهها بخجل من وقاحته لتعطيه ظهرها وتتحرك مبتعدة لكنه جذبها من ذراعها ليهمس جوار أذنها :
_اتكلمت جد شوية حلوين اهه ..مستنيين الحساب يا عسل!
يزداد احمرار وجهها وهي تنتزع ذراعها منه عاجزة عن الرد لتنقذها ريما التي اندفعت نحوهما من الداخل هاتفة :
_أوضتي حلوة قوي ..قول لأنكل سيف إني بحبه ..وهارسمه جوه جنينة كبيرة ..
يضحك إسلام وهو يتناول كف نشوى قسراً ليجرها جراً معه نحو الداخل قائلاً :
_استني لما نشوف رأي مامي ..يمكن ما تعجبهاش ..
ثم التفت نحو نشوى ليقول بجدية :
_لو مش عاجبك أي حاجة ممكن نغيرها ..مفيهاش مشكلة ..
ثم مال على أذنها مردفاً:
_وآدي كمان كام كلمة جد !!
تكتم ابتسامتها بصعوبة وهي تشيح بوجهها لتتفحص المكان ..
الشقة كانت صغيرة المساحة لكن الأثاث فيها تم توزيعه بشكل مريح للعين ..
تتحرك لتتفحص غرفة الصغيرة فتتنفس بارتياح وهي تجدها ملائمة لذوق الصغيرة ..
بطلائها الوردي وفراشها الأبيض ..وهذه الألعاب التي جمعت في زاوية الغرفة والتي اندفعت نحوها الصغيرة لتنشغل بها ..
هذا هو ما يهمها هنا ..غرفة الصغيرة !!
لكنه جذبها من كفها ليتحرك بها نحو الغرفة المقابلة ..
هذه التي فتح بابها لتتسع عيناها بتفحص وهي تميز الأثاث الأنيق كلاسيكي الطراز الذي يعجبها ..
_في دي بقا خدت رأي أشرف ..أنا عن نفسي بحب المودرن ..بس جبتها كلاسيك عشان خاطرك .
تلتفت نحوه ببعض الدهشة لتتفحص ملامحه وكأنها تراه لأول مرة ..
هل يهتم بتفاصيلها إلى هذا الحد ؟!
هل حقاً يرغب في إرضائها ؟!
لماذا إذن لا تصدق ؟!!
ألأنها لا تريد أن تصدق؟!!
_مالك؟!
يسألها بقلق وهو يلاحظ عودة الدموع لعينيها قبل أن يردف :
_انتِ اتضايقتي عشان مااخترتيش الشقة والعفش؟!
_أنا مااخترتش أي حاجة !
تقولها بحروف متحشرجة وهي تطرق برأسها في مشهد استسلام بائس غريب على تنمرها المعهود ..
لكنه يرفع ذقنها نحوه ليهمس أمام عينيها :
_أنا اخترت لنا احنا الاتنين ..وواثق من اختياري .
للحظات تتوه في عمق عينيه وهي تشعر حقاً أنها متعَبة ..
مستنزفة ..
تريد هدنة من هذا الحلم الغريب الذي وجدت نفسها فيه ..
تشعر بشفتيه تمسان شفتيها فتغمض عينيها باستسلام يائس ..
تشعر بحركة أنامله على طول ذراعيها من أعلى لأسفل فتسري بجسدها قشعريرة خوف باردة ..
يتقاذفها الموج بين حاجتها في تجربة هذا الشعور الفريد
-الذي اختبرته معه حسياً لأول مرة-من جديد ..
ورغبتها في الابتعاد عن كل هذا ..
_ممكن ما تخافيش ؟!
تسمعها عبر عينيها المغمضتين بصوت تكاد تقسم أنه ليس له ..
أين هذه الرقة ..هذا الإحساس ..هذا التفهم ..
من عبثه ومشاكسته ومزاحه المعهود ؟!!
_أنا ليا عيوب كتير قوي ..بس عمري ما خنت ثقة حد فيا .
هنا تفتح عينيها ببطء لتعود نظراتها للغوص في حدقتيه كأنما تختبر صدقه ..
_أوعدك ..مش هاخلليكي تندمي ..بجد ..
تشعر بكفيه يحيطان بخصرها فتعاود إسبال جفنيها ليصلها صوته من جديد :
_اتكلمت جد كتير قوي ..صح ؟!
لم ينتظر جوابها وهو يغلق الباب خلفه بقدمه ليلصقها به أكثر ..
يزيح عنها حجابها ليفرد شعرها فوق كتفيها ..
شفتاه تعاودان العزف اللذيذ الذي أطربها أول مرة ..
لكن "أذنيها" لا تزالان معطوبتين !!
تترنح في تجاوبها بين استجابة ونفور ..
كأنما انقسمت بداخلها لروحين متصارعتين ..
إحداهما خائفة ..وجلة ..تتمنى جداراً واحداً تختبئ خلفه فلا ينقضّ!
والأخرى نهمة ..عطشى ..أفاقت لتوها من سبات طويل وتفتح ذراعيها لأي عطاء تناله ..
هذا الذي شعر هو به تماماً ليجعله يتمهل مخففاً وتيرة غزوه ..
يبعدها قليلاً ليغمر وجهها بقبلات ناعمة قبل أن يعانقها بقوة مكتفياً بدفن وجهه في حنايا عنقها !!
أجل ..
هذا هو بالضبط ما كانت تحتاجه الآن !!
المرسى!!
الأرض الثابتة التي تعزز خطواتها !!
ربما لهذا استكان جسدها المتشنج أخيراً بين ذراعيه ليشعر بدموعها تبلل صدره ..
فيتخلل شعرها بأنامله هامساً :
_نفسي أحضنك من غير ما تعيطي ..أول مرة هتعمليها ساعتها بس ..هالبسك دبلتي وأنا مطمن .
يتركها لدموعها لبعض الوقت مكتفياً بشعوره بها بين ذراعيه ..
قبل أن يتحرك ذراعه على طول ظهرها ليهمس لها بتفهم :
_أنا عارف انتِ بحاسة بإيه ..نفس الشعور عشته لما اتفاجأت باللي حصل لحسين رجائي ..فجأة الدنيا لفت بيا ..أنا مش أنا ..حياتي مابقتش شبه حياتي ..الجبل العالي اللي كنت واقف فوقه اتهد بيا ..أقرب الناس ليا خذلوني ..مش عارف أروح لمين يواسيني وأنا اللي المفروض أشيل الكل ..ماما وهيثم واخواتي اللي مكنتش أعرف عنهم حاجة ..تعرفي إيه اللي فوقني وقتها ؟!
ترفع إليه عينين دامعتين فيبتسم وهو يمسح بقايا دموعها ليردف أمام عينيها :
_إن الفرج جه مع الهم في شيلة واحدة ..حسيت إن ربنا كريم قوي وبيعوض ..عوضني بعمي علاء وإيناس عن عيلتي ..عوضني بسيف صاحبي ..
ثم تذكر واقعة مرضه الذي شفي منه لكنه خجل من ذكرها ..
ليتغاضى عنها باستطراده :
_ساعتها بس عرفت إن أكبر غلطة ممكن نغلطها اننا نهرب من خوفنا ..وان الحل اننا نقف ونواجه ..واننا مهما خسرنا كتير لسه في ايدينا نكسب أكتر .
تأوهت بخفوت وهي تشعر بكلماته تمنحها سكينة لا تنكرها ..
هل هو صوته الآسر ..لمساته الناعمة ..عناقه الدافئ ..أم منطقه الذي يبدو لها شديد العقلانية ؟!
_إيه رأيك فيا بقا ..بعرف أتكلم جد ؟!
كادت تجيبه ب"نعم" لولا أن أدركت المغزى العابث لسؤاله قبل أن يعود ليبثها عاطفته من جديد بجرأة أكبر هذه المرة ..
فيعيدها لدوامة صراعها معه من جديد ..
_مامي ..أنكل إسلام ..انتو فين ؟!
هتاف الصغيرة من الخارج يقاطعهما فتنتفض بين ذراعيه كأنما أفاقت فجأة من هذا "السحر المؤقت" الذي لفهما معاً ..
لتهتف بأنفاس لاهثة :
_جاية يا حبيبتي .
تقولها وهي تدفعه ببعض العنف لتفتح الباب وتخرج للصغيرة فيزفر بسخط وهو يحرك كفه حول وجهه طالباً الهواء ليغمغم في نفسه بغيظ :
_فصيلة زي مامي يا ريما !!
======
يقف ناصر أمام باب شقتهما بتردد للحظات قبل أن يضع المفتاح بتثاقل فاتحاً الباب ببطء شديد كأنه يخشى ما سيواجهه ..
منذ تلك الليلة الكارثية وهو لم يأتِ هنا ..
يقضي لياليه في مقر عمله أو هائماً في الشوارع ..
النوم؟!!
النوم صار ضيفاً عزيزاً يناله جسده قسراً بصورة متقطعة ..
يلج للداخل بحذر وأمام عينيه ترتسم صورتها تلك الليلة عندما استدعاه بواب العمارة ليجدها في حالتها تلك ..
تصرخ بانهيار في المكان الذي حولته لحطام وجسدها -كقلبها- ينزف !!
يغمض عينيه بألم وهو يغلق الباب خلفه بعنف أصدر دوياً هائلاً لعله يطرد تلك الذكرى من رأسه ..
لكن ..كيف يفعل؟!
وهي تصر كل يوم أن تذكره أنه خسرها ؟!!
يتحرك وسط الحطام الذي لا يزال مكانه ليجد كرسياً سليما نجا من هذا الدمار فيجلس فوقه ليحني رأسه مشبكاً كفيه ..
_طلقني!
يسمعها بصوتها كما كررتها وظلت تكررها بعدها بهستيرية قبل أن يخرجوه من غرفتها قسراً ليمنعوه من زيارتها تماماً ..
يزفر زفرة يائسة وهو يحاول إقناع نفسه أنها مجرد أزمة ستمر ..
أنها ستهدأ لتعدل عن قرارها ..
أنه لن يفقدها أبداً !
لكن حدساً ما بداخله كان يخبره أن قصتهما قد انتهت !!
أن من طمع في كل شيء يخسر كل شيء !!
لكنه لم يطمع ..
كلتاهما كانت راضية ..
كلتاهما قالت "نعم" ..فلماذا كان ينبغي عليه هو أن يقول لا ؟!!
بطبيعته العملية يكاد يصرخ بها ..
لكن صوت ضميره يرد بالمقابل ..
أنه قد "كسرهما" معاً ..و"خسرهما" معاً !!
_انتِ أصلاً مش في وعيك ..مش ممكن تكوني تقصدي اللي بتقوليه ..مفيش بيننا طلاق يا سها ..الموت بس هو اللي هيفرق بيننا .
لايزال يذكر كيف صرخ بها في وجهها ..
بل في وجوههم جميعاً ..
لم يعنِ شيئاً في حياته بقدر ما عني هذه الكلمات !!
يرفع رأسه فتصطدم عيناه بصورة زفافهما معلقة على الحائط ..
ترتسم على شفتيه ابتسامة شاحبة وهو ينهض من مكانه ليتوجه نحوها متجاوزاً الحطام حتى يقترب منها ..
يرفع رأسه نحوها لتتسع ابتسامته وهو يتأمل ملامحها ..
لا تزال بعينيه أجمل امرأة عرفها ..
بل إنه لا يذكر أنه أحب امرأة قبلها ..ولن يفعل بعدها !!
_عودتيني لما أزعل من أي حاجة أجري لحضنك ..دلوقت وانتِ اللي زعلانة مني ..أروح لمين ؟!
يهمس بها بصوت مسموع وهو يعانق ملامحها عبر الصورة قبل أن يغمض عينيه بألم ..
قبل أن يقاطعه صوت رنين هاتفه ..
يتناوله ليجد الاتصال من عمه ..
كعهده يكلمه كل يوم محاولاً رأب الصدع بينه وبين أبيه لكن الأخير أعلن وسط العائلة قطيعته التامة له بعدما حدث منه تلك الليلة !
يفتح الاتصال بيأس ليرد على الرجل الذي هتف به بحزم:
_راضي أبوك ياابني واتجوز ..انت مش هتعرف قيمة كلامنا اللي بعدين ..لساتك صغير وفاكر بكرة زي النهاردة ..مش هتحس بالحسرة إلا لما شعرك يبيض وتلاقي نفسك بطولك .
يهز رأسه بقنوط وهو يشعر بالملل من هذا الكلام الذي يسمعه كل يوم بنفس الصيغة ..
لكنه يخاطب عمه بلهجة حرص أن تكون قوية الشكيمة لا تسيئ لواجهته :
_محدش بياخد كل حاجة يا عمي ..وأنا راضي بمراتي وعيشتي ...
ثم يصمت لحظات ليردف:
_أنا عارف إنك بتعزني زي ابنك ..اقنع الحاج يكلمني ..صحته مش مستحملة زعل .
_لو هاماك صحته راضيه انت ! مش عارف دماغك دي فيها إيه ..الله يهديك !
يهتف بها الرجل بضجر قبل أن يغلق الاتصال بعنف ليلقي ناصر الهاتف جانباً بنفاد صبر وهو يشعر أن رأسه على وشك الانفجار ..
خراب!
كل ما في حياته صار خراباً!!
حتى عمله لم يعد قادراً على التركيز فيه كالسابق ..
كيف وهو يتخيل في كل لحظة أنه سبب تعاسة كل من كانوا حوله ..
نشوى ..سها ..أبيه ..
وهو ..هو نفسه !!
يسمع رنين الجرس فيلتفت نحو الباب بمزيج من ضيق ودهشة ..
قبل أن يتحرك نحوه ليفتحه ..
_إسلام !
يقولها بدهشة لم تخلُ من ترقب وهو يتذكر ما علمه عن زواجه من نشوى ..في نفس الليلة التي كان يفترض أن تكون زوجته هو !!
العنيدة كررت فعلتها وتزوجت أول من وجدته كي ترد له ضربته لكرامتها ..
هو يتفهم فعلتها ..لكن ما يتعجبه حقاً هو موقف إسلام !!
إسلام الذي خطا نحو الداخل ليجول ببصره في المكان الخرب ..
قبل أن يعاود الالتفات نحو ناصر قائلاً :
_الشقة اتبهدلت قوي ..بس معلش ..بكرة تتصلح ..وسها تخف وترجع لك بالسلامة ..وتقوللك برافو ..أثبت لي إنك بعت الدنيا كلها عشاني ..وتكملوا حياتكم مبسوطين ..بس عارف إيه اللي صعب يتصلح ؟!
يغمض ناصر عينيه بألم ما عاد يطيقه وهو يتوقع عبارته التالية :
_سمعة الغلبانة اللي كانت بره حساباتكم انتو الاتنين ..كلام الناس وفضيحة العروسة اللي عريسها سابها ليلة الفرح !
_إسلام ..أنا ..
_انت واطي!
يقولها إسلام ببرود غريب على طبيعته المرحة حافظ عليه طوال وقفته ..
برود ناقض اشتعال ناصر وهو يتقدم منه ليهتف ملوحاً بذراعيه بعصبية :
_سهل قوي تحكم من بره ..انت ماتعرفش ظروفي ..ماتعرفش وضع سها كان إيه ليلتها ..أنا يمكن وقفت المهزلة دي متأخر بس أحسن ما كنت كملتها للآخر وخسرنا كلنا أكتر .
_في دي معاك حق ..يا صاحبي!
يقولها إسلام بنفس البرود ليزفر ناصر زفرة مشتعلة وهو يتحرك ليعطيه ظهره وكأنه ما عاد قادراً على مواجهة أحد ..أي أحد ..
_أنا عارف إنك شايل مني من ساعة القضية ..وأفتكر بعد جوازك منها خلاص ..ماعدناش هنبقى أصحاب تاني ..بس عايز أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة ..اتجوزتها ليه ؟!
_بحبها .
يقولها إسلام قاطعة ليلتفت نحوه ناصر ببعض الدهشة ..
لم يكن يخفى عليه طبيعة إسلام العابثة مع النساء ..
نشوى ليست طرازه المفضل بالتأكيد !!
لكن إسلام عاد ليقول مؤكداً :
_بحبها ..وهاخلليها تحبني ..
ثم لوح بسبابته في وجهه ليقول بنفس البرود المشتعل :
_ماابقاش إسلام رجائي لو ما خليتش نفس الليلة اللي جرحتها انت فيها بندالتك هي هياها أسعد ليلة تفتكرها وهي معايا !
_ده ما يضايقنيش .
يقولها ناصر صادقاً وهو يطرق برأسه في خزي ..
يدرك جيداً حرج الموقف الذي هما فيه ..
يدرك أنه خسر نقاطه كلها مع إسلام ..ومع أشرف قبله !!
مسلسل خسائره يتوالى ..
كأنما كان ينقصه هذا اللقاء!!
_هاطلب منك بس تعتذر لأشرف بالنيابة عني ..مش هاقدر أحط وشي في وشه بعد اللي حصل !
فابتسم إسلام ساخراً ليرد بنفس البرود :
_طب كويس حقيقي إن لسه عندك شوية م الأحمر!
رفع إليه ناصر عينين مشتعلتين بغضب للحظات ..
قبل أن يطفئهما خزي لم يعد ينكره ..
ومذاق مرير بالخسارة لم يعد يغادر حلقه !!
_امشي يا إسلام . خلاص ..ماعادش بيننا كلام يتقال .
يقولها ناصر بملامح منهكة نال منها انفعاله كل منال ..
ليتحرك إسلام نحو الباب القريب قائلاً :
_هامشي ..بس سامحني ..فيه حاجة أخيرة ..هاموت لو ما عملتهاش .
يرمقه ناصر بنظرة تساؤل قصيرة قبل أن يشعر بقبضة الأول تمتد فجأة لتلكمه على فكه !!
كتم ناصر تأوهه وهو يتحسس فكه ليرفع عينين غاضبتين نحو إسلام ...
يعلم أن قوته الجسدية تفوقه بمراحل ..
لكنه لم يرد له لكمته ..ربما ..لأنه يعلم أنه يستحقها !!
فيما حافظ إسلام على بروده وهو يرمقه بنظرة مزدرية أخيرة ..
قبل أن يخرج ليصفق الباب خلفه بعنف تاركاً ناصر خلفه مطرق الرأس بألم ..
ألم من فقد فجأة أرضه الثابتة ليتهاوى في دوامة بلا قرار ..!!
====
=====
على باب غرفة سها ينتظر سامر بترقب ..
وما كاد يلمح ياقوت تخرج حتى بادرها بسؤاله :
_إيه الأخبار؟!
تبتسم بقلق وهي تعدل وضع نظارتها على أنفها لتسير جواره قائلة :
_زي ما قلت لك ..سها مش محتاجة علاج ..محتاجة ثقة ..هي ضغطت على نفسها زيادة عن اللزوم الفترة اللي فاتت ..من برة تبان قوية ومسيطرة بس هي من جواها نفسها تصرخ ..الصرخة دي للأسف جت في الوقت الغلط ..جت وهي حاسة إن الخيوط اللي كانت فاكرة نفسها ماسكاها اتفلتت فجأة ..
_كل ده تمام أنا عارفه ..أنا أقصد طلبها الطلاق من ناصر ورفضها إنها تشوفه !
يقولها بترقب لتتوقف وترقبه بنظرة متفحصة لم تخلُ من إشفاق قبل أن تقول بنبرة عملية :
_كل كلمة "ابعد" منها لناصر معناها "قرب واوعى تسيبني" ..ناصر هو العلة والدوا ..لا هو هيسيبها ..ولا هي في الحقيقة عايزاه يسيبها ..هي بس محتاجة تحس إنه جنبها ..
ثم صمتت لحظة لتردف :
_وجود سها هنا مكسب مادي لنا طبعاً ..بس ضميري يخلليني أقول إنها مش محتاجة علاج نفسي ..أعراض الصدمة اللي عندها ابتدت تختفي ..هي محتاجة معاملة خاصة بس شوية .
_سيبيها هنا شوية .
يقولها برجاء أغضبها رغم ما أثاره من إشفاقها لترمقه بنظرة حادة جعلت كلماته ترتبك :
_ع الأقل تفضل بعيد عنه شوية تهدا .
_ولو قلتلك إنها مش هتهدا غير معاه !
تقولها بنبرة عملية ليرد بانفعال مفاجئ:
_انتِ معايا واللا معاه ؟!
_أنا مع "الحالة"يا دكتور.
تقولها بصرامة وهي تضغط حروف كلمة "الحالة" بحركة ذات مغزى ..
ليتراجع لحظة للخلف وقد بدت كلماتها التالية وكأنها تصفعه على وجه مهنيته :
_أنا مقدرة مشاعرك اللي مالهاش محل م الإعراب هنا دي ..بس انت كمان قدر وضع الحالة كويس ..ده لو عايز علاج مش تصفية حسابات .
امتقع وجهه للحظات قبل أن يطرق به صامتاً لتتنهد هي قائلة بنبرة أكثر ليناً :
_عمري ما كنت أتخيل إني أقف قدام أينشتاين عشان أفكره بالخط الفاصل بين شغلنا ومشاعرنا ..مش انت اللي تعمل كده يا دكتور .
يبتلع غصة حلقه بمرارة فاضت بها ملامحه وهو يرفع إليها عينين معذبتين ..
لترمقه بنظرة طويلة مزجت عتابها بإشفاقها قبل أن تتحرك مبتعدة عنه وقد آثرت تركه لنفسه بعض الوقت ..
تفهم جيداً ما يعانيه ..تفهم حرقة هذا الشعور الذي جربته بفقدان قطعة من القلب مع حبيب رحل ..
لكن ..هل أحب سها حقاً ؟!
هل بقي يحبها طوال هذه السنوات ؟!
أم أن الأمر لا يتجاوز عقدة نقص كبرت بداخله مع أول كلمة رفض تلقاها ؟!!
لا يمكنها الجواب ..
بل تستطيع !
هي جربت الحب الحقيقي ..
جربت تشبع الروح بصبغة المعشوق حتى يكاد يمتزج برائحة الأنفاس ..
جربت اعتلاء هذه الموجة التي ترفعك لأعلى ثم تقذفك على ظهرك فلا يمكنك المقاومة إلا وأنت تعتليها من جديد ..
جربت متى تحل قيود الكبرياء عن جياد عشقها فتطلقها حرة ثم تعيد تلجيمها متى احتاجت ..
وجربت أن تتقبل الخسارة في سبيل ما تظنه له هو مكسباً ..
وما يفعله سامر الآن بعيد عن هذا تماماً !!
_انتِ شاطرة قوي يا شجرة الدر .
تسمعها بصوته الخفيض خلفها وبنبرته المذنبة نوعاً لتلتفت نحوه بنظرة مشجعة اختصرت عتابها قبل أن تهز رأسها وهي تنظر للساعة المعلقة في الجدار :
_هتروح دلوقت ؟!
ينظر بدوره للساعة قبل أن يتناول هاتفه ليقول بنبرة محايدة :
_يادوب ..الست "حلاوة" موصياني ما أتأخرش ..عاملالي "رز معمر" ..تتفضلي معانا؟!
كلماته الأخيرة يشوبها الكثير من الود الذي جعلها تبتسم وهي تتذكر ثمر لتقول بعفوية :
_ألف هنا ..سلملي عليها .
يشير بيده نحو رأسه في وضع التحية قبل أن يتحرك ليغادر المركز ..
خطواته تتباطأ بتثاقل يشبه تثاقل روحه وهو يتوجه نحو موقف الحافلات هناك ..
يشرد ببصره في حديث ياقوت الذي رد له بعض صوابه ..
لكن ..ألا يحق له القليل من الأمل ؟!
يزعمون أن ناصر يستحق فرصة أخرى معها ..
ألم يستحوذ من قبل على كل الفرص؟!
ألا يستحق هو الآخر فرصة ؟!
أفكاره تنقطع وهو يشعر بالسيارة التي هدأت سرعتها جواره ..
قبل أن تتوقف تماماً ليترجل منها أحدهم ويتوجه نحوه ..
تحفزت ملامحه باهتمام وهو يتوقف مكانه ..
ليرمقه الرجل بنظرة ثابتة قبل أن يتوقف أمامه مباشرة ليقول بنبرة مهذبة لم تخلُ من غموض :
_انت دكتور سامر مرزوق؟!
======
_هنعمللك أجمل ليلة حنة عرفتها البلد كلها !
تهتف بها ياقوت للجين عبر الهاتف وهي تجلس في غرفتها بالمركز لترد لجين بارتباك :
_قلبي بيدق يا توتة ..مش مصدقة إن الموضوع قرب كده .
فتضحك ياقوت ضحكة عالية سبقت قولها الماكر:
_الشيخ مستعجل بقا مش قادر يصبر يا جميل .
تقولها متعمدة غرس بذور الثقة أكثر في نفس لجين التي أدركت هي مؤخراً أنها كانت تعاني نقصاً منها ..
لهذا خفق قلبها برضا وهي تسمع صوت ضحكة شقيقتها الرائقة من الجانب الآخر للاتصال ..
لتردف بنفس النبرة :
_مين أدك يا عم ؟! بيت في البلد قدام بيت ستي ثمر ..وبيت هنا في مصر ..وبيت في ماليزيا ..اللي اداك يدينا يا سيدي !
فتتنهد لجين وهي تتذكر قبساً من ماضيها يجعلها تصمت قليلاً قبل أن تسألها بقلق:
_بس أنا لسه خايفة ..الدكتورة بتقوللي إني خلاص تقريباً خفيت ..لكن ..غصب عني مش قادرة ما أفكرش ..عابد طيب مارضيش يسألني عن تفاصيل تعبي ..إنما تفتكري يعني خلاص كده ؟! دماغي ما بتبطلش تفكير ..خايفة في يوم أعملها تاني وأجيب له هو فضيحة .
نفس الهاجس يؤرق ياقوت لكنها ترد مطمئنة إياها:
_مش بتقولي الدكتورة قالتلك خلاص ؟!..سيبيها لله وماتفكريش كتير ..افرحي بقا وانسي اللي فات .
تنهيدة لجين تقابلها من الجانب الآخر للاتصال لتتحول لضحكة قصيرة وهي تعود لمرحها تدريجياً:
_ستك ثمر فرحانة قوي ..كأنها صغرت ثلاثين سنة .
تبتسم ياقوت بحنان راضٍ بينما لجين تردف :
_وإسلام امبارح جه وجايبلي هدايا أد كده ..لبس وبرفانات وشنط وجزم ..كلها ماركات غالية .
_إسلام ده سفيه ..أنا هاحجر عليه أساساً .
تقولها ياقوت بغيظ مصطنع لتضحك لجين ضحكة عالية لترد بمرح:
_احنا نخلطكم على بعض ونطلّع اتنين طبيعيين .
شاركتها ياقوت الضحك للحظات أخرى قبل أن تغلق معها الاتصال بقولها :
_طيب يا عروسة ..خللي بالك من ستك ثمر كده لحد ما اجي ..اشتريت فستان أحضر بيه انما إيه ..هيعجبك قوي .
_برتقاني؟!
تسألها لجين بتوجس لترد هي بفخر بينما تلوح بكفها مستعيدة مشهد ثوبها :
_أخضر فوسفوري بيبرق تحت النور كده ..وليه حزام أحمر مهدي لونه شوية .
تكتم لجين ضحكتها مرغمة لترد :
_المهم توريه لإسلام عشان ما يعملش مشكلة زي المرة اللي فاتت .
_نعم ! هو هيلبسني على ذوقه السفيه ده واللا إيه !!
تقولها باستنكار لترد لجين بضحكة قصيرة محرجة قبل أن تغلق معها الاتصال ..
وما كادت تفعل حتى اختفت ابتسامة ياقوت تدريجياً وعيناها تعاودان التعلق بهاتفها ..
ماذا بعد يا زين؟!
ألم تكتفِ من عزلتك ؟!
تعلم أن إثمه عظيم لكن ..
أليس من الأولى أن يبادر بالإصلاح ؟!!
صوت طرقات خافتة على باب غرفتها يجعلها ترفع عينيها نحو الطارق لتبتسم وهي تراه يدخل :
_شجرة الدر العظيمة ..أخبارك إيه النهاردة ؟!
تمنحه ابتسامة ودود وهي تعدل وضع نظارتها على أنفها بحركتها المعهودة لترد :
_الحمدلله ..أخت العروسة بقا ..هاستناك في الفرح طبعاً ..دكتور مروان هيكون هناك ..ظبط معاه وتعالوا سوا .
_مروان؟!
يسألها بدهشة لترد بابتسامة :
_قريب العريس !
يصدر همهمة متفهمة ليقول باستحسان:
_كويس جداً ..ده واحشني ومن زمان عايز أشوفه ..مش عارف أتلم عليه من يوم ما اتجوز .
يقولها ثم يصمت قليلاً وقد ظهر بعض التردد على ملامحه ..تردد قرأته هي بذكائها لتسأله :
_شكلك عايز تقول حاجة .
_حاجاااات !
يقولها رافعاً حاجبيه قبل أن يخلع عنه نظارته ليفرك عينيه مردفاً بنبرة منهكة :
_ما نمتش طول الليل امبارح .
_سها؟!
تسأله بترقب ليسبل جفنيه وهو يسترخي في مقعده أكثر ..
قبل أن يهز رأسه نفياً ليرد :
_امبارح حصلت حاجة غريبة ..مستشفى استثماري كبير بعتلي رسالة إنه عايزني أشتغل معاهم ..
عقدت حاجبيها بدهشة مشوبة بالضيق الذي تحكمت به لتسأله بحيادية :
_لو العرض كويس إيه المشكلة ؟!
_المشكلة في الطريقة اللي وصلوا لي بيها ..مش منطقي أكون ماشي في الشارع وعربية تقف مخصوص تاخدني عشان أقابل مدير المستشفى نفسه ..مش منطقي إنه يعرض عليا الشغل من غير ما اطلبه أنا ..مش منطقي إنه يطلب مني التفرغ التام وإني أسيب أي مكان تاني شغال فيه في أقرب فرصة ..
يزداد انعقاد حاجبيها وهي تشم رائحة ما مألوفة في هذا الأمر ..
ليردف هو بابتسامة واسعة :
_ومش منطقي المبلغ اللي عرضوه ..تخيلي (.....)!!
تتسع عيناها بدهشة مع سماع الرقم قبل أن تحين منها نظرة لا إرادية نحو هاتفها ..
هو ..
زين !!
هو لم يخرج من عزلته لأجلها لكنه عرف كيف يفعلها !!
غيرة رجل مثله لن تكون طبيعية ..
هو لن يكتفي بكلمة غاضبة وانفعال مؤقت ..
بل سيحرص أن يبعد عن محيطها كل من يثير ريبته !
ابتسامة خاصة ..خاصة جداً ..
ترتسم على شفتيها وعيناها تشردان من جديد ..
ترسمان ملامحه في الهواء فتشعر أنه أمامها ..جوارها ..حولها ..
بل ..داخلها!!
دوماً داخلها ..كأنما اخترقها كسهم نافذ وأبى أن يغادر إلا بخروج روحها نفسها !!
_ما تخافيش ..أنا رفضت .
ينتزعها بها سامر من شرودها الذي أساء تأويله لتلتفت نحوه بسؤالها المحايد :
_ليه ؟!
يزم شفتيه بحيرة وهو يحك ذقنه بأنامله ليقول بأسلوبه العفوي:
_قلبي دليلي ! مش مرتاح ..وبصراحة ..حابب أشتغل معاكم هنا .
_أنا عارفة إن إسلام صاحبك ..واننا عشرة طويلة من زمان ..بس ده ما يمنعش إننا نحب لك الخير ..لو شايفها فرصة مفيهاش كسوف ..بس اتأكد من العرض الأول وخد ضماناتك .
تقولها بنفس النبرة العملية ليرد :
_أنا بلغتهم رفضي من شوية خلاص ...
ثم يضحك مردفاً بمرح :
_فقري من يومي ..الست حلاوة دايماً تقول عليا كده .
يقولها ثم يقف مكانه ليعاود ارتداء نظارته قائلاً بنفس النبرة :
_هاقوم أشوف شغلي بقا ..صبح الصباح فتاح يا عليم ..والجيب مافيهش ولا مليم !
يقولها محاكياً أغنية قديمة شهيرة لتضحك ضحكة صافية وتكملها له :
_بس المزاج رايق وسليم ..باب الأمل بابك يا رحيم .
يرد لها ضحكتها بمثلها وهو يشعر بإعجاب متزايد نحو روحها المميزة هذه ..
يعلم أن خلف هذه الواجهة المشرقة روحاً تعاني ..
كم تشبهه !!
يقولون إن الأقطاب المتشابهة تتنافر ..
لكنه هاهنا يثبت خطأ القاعدة ..
هو يأنس إليها حقاً ..
ليس كامرأة ..بل ...
لا يدري!!
هو حقاً لا يدري !!
يبتلع ما تبقى من أفكاره وهو ينتزع عينيه عنها ليتحرك نحو الباب مغادراً ..
لكنها تستوقفه بندائها قبل أن تسأله بنبرة ذات مغزى:
_مش هتسألني عن سها ؟!
يصمت للحظات بدا فيها صراعه على ملامحه قبل أن يرد بنبرة عملية :
_الحالة حالتك يا دكتورة ..اعملي اللي تشوفيه صح .
تهز رأسها برضا وهي تمنحه نظرة تقدير عوضته عن تأنيب الأمس ليغادرها بخطوات سريعة ..
فتتنهد بحرارة وهي تتناول هاتفها ..
هذه المرة ستبادر ..
_انت اللي ورا عرض المستشفى لسامر .
ترسلها مكتوبة وقد جبنت عن مهاتفته ..
لا تزال تذكر غضبته يوم افتتاح المركز وغيرته منه ..
ترسلها ك"خبر" ..لا ك"سؤال" ..
لعلها تستفز عزلته المستفزة هذه !!
انتظارها يطول رغم رؤيتها ما يفيد أنه قد رأى رسالتها ..
فينعقد حاجباها بقلق ..
لكن رسالته تصلها ..
_لو رفض ده ..هيقبل غيره .
تكاد تشتم رائحة ثورته عبر كلماته فتبتسم بغرور أنثوي لتعاود الكتابة وقد وجدت طرف خيط يستفزه لمعاودة ممارسة الحياة من جديد ..
_نسمي ده ..غيرة ؟! واللا خوف؟!
_أنا آخر راجل في الدنيا ممكن يغير عليكي ..انت بالذات ..
كلماته تصدمها للحظات وقد أساءت فهمها ..
لكنه يكتب من جديد ..
_لأني عارف كويس أنا إيه عندك ..كل الحكاية إني مابحبش حد يقرب من حاجة تخصني !
كأنما تسمعها بصوته ..
بغضبه ..
بتملكه ..
بغروره ..
بعقابه ..
بجاذبيته ..
وبطوفان حبه الذي لا يشبهه حب..!!
لا تدري هل تشعر بالغضب من يقينه هذا في حبها له ..
من كلماته الباردة هذه ..
من إصراره على عزلته هذه ..
أم تشعر بالإطراء لأنه وسط كل هذا لا يزال يحيطها بجناحيه رغم كل هذا البعد !!
هل تشعر بالسخط من قصتهما المبتورة ..دائماً مبتورة ..مفتوحة النهايات ..
أم تشعر بالأمل في ميلاد جديد يحمله القدر لكليهما ؟!!
ولما لم تجد جواباً ..لم ترسل له جواباً ..ليسودهما انتظار طويل ..
قبل أن يرسل هو رسالته ..
_الياقوت والمرجان .
ينعقد حاجباها بشدة وهي تعيد قراءة رسالته قبل أن تكتب ..
_؟؟؟؟
_دار رعاية للفتيات .
تتسع عيناها بإدراك وهي تفهم مراده رغم كلماته المقتضبة ..
هاهو ذا يتحرك في الاتجاه الصحيح ..
يختار التكفير عن أوزار ماضيه بزرع أمل جديد لغد جديد ..
أمل يسميه ب"اسمها" هي!!
يالله !!
لو كان قد نطق بألف "أحبك" لما أثرت بها كما فعل موقفه هذا !!
بماذا ترد ؟!
ماذا تقول؟!
تستعين بقناعها ك"طبيبة" فلا يسعفها ..
تستغيث بقاربها ك"عاشقة" فيزيدها غرقاً ..
كلماتها كلها تتهاوى ..
فقط دموعها تنساب ببطء على وجنتيها ..
_عمري ما اتمنيت أكون جنبك زي دلوقت !
تكتبها ببطء ..ببطء شديد كأنما تعيش كل حروفها ..
قبل أن تمسحها دون أن ترسلها !!
ليس بعد !!
لم يأن أوان بوح كهذا بعد !!
مادام يصر هو على إبعادها عن أسوار قلعته فلن تطرق لها باباً!!
_امتى؟!
لم تكن تدري عن أي "متى" بالضبط تسأله ؟!
متى يخرج من عزلته ؟!
متى يبدأ في تأسيس الدار ؟!
متى يعود لحياته ؟!
أم ..متى يرجع إليها هي ؟!!
_قريب.
كلماته مقتضبة كعهده لكنها تشتم فيها رائحة عذاباته ..
كما تتنفس فيها عبير أمل قادم ..
آه ..كعهد عشقهما الغريب دوماً يتأرجح ..
بين "عذاب" و "أمل"!
وفي غرفته بالمركز كان سامر قد أنهى أول جلساته ليستريح منتظراً حالته القادمة ..
أفكاره تسحبه نحو سها من جديد فيهم للمغادرة نحو غرفتها كي يراها ..
فقط يراها !!
لكنه يمنع نفسه قسراً فيتناول هاتفه محاولاً التشاغل به ..
ابتسامة خافتة تزين شفتيه لا تلبث أن تتحول لضحكة قصيرة وهو يميز هذا المنشور في صفحته ..
هذه "الأغنية" التي شاركتها ريتال على صفحتها منذ دقائق فقط ..
في توارد خواطر وتوافق روحي عجيب بينهما !!
نفس الأغنية التي جالت في باله منذ دقائق مع ياقوت !!
فيضغط زر تشغيلها ليسمعها بصوت فيروز ..
الحلوة دي قامت تعجن في البدرية ..
والديك بيدن كوكو كوكو في الفجرية ..
ياللا بينا على باب الله ياصنايعية ..
يجعل صباحك صباح الخير يااسطي عطية ..
ده الصبر طيب عال
ويغير الاحوال
ياللي معاك المال
برضه الفقير له ربنا كريم ..
======
يعود يامن من العيادة متعباً آخر الليل ليجدها تجول في صالة المنزل حاملة الصغيرة التي وصله بكاؤها من الخارج ..
فيهتف بها بمرح :
_البنت دي ما بتسمعش قراراتي الدكتاتورية ليه ؟! مش قلت بلاش زن !
لكن ياسمين ترمقه بنظرة مستنزفة لترد بإرهاق وهي تقترب منه :
_مش ممكن ..عايزاني أفضل شايلاها وألف بيها طول اليوم ..لو حطيتها ع السرير بترجع تعيط .
_ما عنديش أنا الدلع ده ..وريني كده اما أربيها !
تتأوه ياسمين بإرهاق أثار شفقته وهو،يتناول منها الصغيرة ليقبلها على وجنتها بحنان ناقض خشونة كلماته :
_اخرسي خالص ..شبعانة وهدومك نضيفة يبقى مااسمعش صوتك .
يقولها وهو يهدهدها برفق ليخفت بكاء الصغيرة تدريجياً وهو يمشي بها نحو الدرج الذي صعده لتلحقه ياسمين قائلة :
_مش هتاكل ؟!
فالتفت نحوها قائلاً بنبرة عابثة :
_لما أنيم البنت ..عشان عايزك في كام موضوع كده !
تبتسم له ابتسامة حانية وهي تتحرك جوارهما ليدخل هو غرفتهما ولايزال يهدهد الصغيرة التي هدأ بكاؤها تماماً ..
كأنما استكانت لرائحته !
_وحشتيني يا منمنمة ..طول النهار عايز أخلص شغل جري عشان آجي وأشوفك ..مش عايزة تكبري شوية بقا ؟!
لا يزال يخاطب الصغيرة بينما يتحرك بها برفق مع هزه الرفيق لها ..
فيشعر بتثاقل جفنيها ليبتسم ابتسامة انتصار وهو يستمر فيما يفعله لدقيقة كاملة ..
كانت كافية لأن تسقط الرضيعة في النوم تماماً !!
_يا ظالمة ! بنت حلال اهه ونامت على طول ..بلاش تطلعي ع البنت إشاعات مغرضة .
يهمس بها بخفوت وهو يلتفت نحو ياسمين التي كانت ترمق الطفلة بين ذراعيه بدهشة حقيقية ..
هل كانت تنتظره حقاً كي تنام ؟!!
_كانت مستنياك تيجي عشان تطمن وتنام ..
تهمس له بها بنفس الخفوت وهي تراه يتحرك بحذر نحو فراش الصغيرة المنفصل جوار فراشهما ..
والذي وضعها فيه ببطء قبل أن يلتفت نحوها هي فتحيط عنقه بذراعيها مردفة :
_انت أمانها وحبها ..من شابه أمه فما ظلم !
همساتها تشعله بعاطفتها كما تفعل دوماً فيعتصرها بين ذراعيه وهو يرفع جسدها نحوه ..
لتطلق آهة ألم حقيقية تجعله يبعدها ليسألها بحنان :
_ظهرك بيوجعك ؟!
_شوية .
تهمس بها بدلال متوجع مدركة أين ستودي بهما إجابتهما ..
هناك ..
حيث هي تستلقي على بطنها على الفراش ليشرع هو في تدليك ظهرها بأنامله ..
تغمض عينيها باستمتاع وهي تشعر بطيف أمانه يحلق حولها ..
لم تشعر يوماً بالسعادة كما هي الآن معه ..
تتأوه بخفوت فتشعر بأنفاسه تقترب منها ..دون أن تكف أنامله عن عملها ..
_أتحبني بعد الذي كانا ؟ !
تسمعها بصوته فتلتفت نحوه بوجهها دون أن تغير نومتها ..
عيناها تتسعان بترقب وهي تراه يكملها بصوته الأجش ..وبعزف أنامله على جسدها ..
_إني أحبّكِ رغم ما كانا ..ماضيكِ لا أنوي إثارتَهُ ..حسبي بأنّكِ ها هُنا الآنا..
تدمع عيناها بتأثر وهي تشعر بمزيج همساته ولمساته يهدهدها ..
قبل أن تشعر بوجهه يقترب أكثر ..
شفتاه تطوفان فوق عنقها ..
وأحد كفيه ينسل ليعانق كفها ..
ثم يشبك أنامله بأناملها ..
_تتَبسّمينَ.. وتُمْسكين يدي ..فيعود شكّي فيكِ إيمانا..
تبتسم وهي تشعر بخفقات قلبها تزداد جنوناً ..وبأنفاسها تزداد تلاحقاً ..
تشعر بطواف شفتيه يزداد سخونة وهما تعاودان التراقص فوق عنقها ..وجنتيها ..شعرها ..عينها ..
_عن أمسِ . لا تتكلّمي أبداً.. وتألّقي شَعْراً.. وأجفانا ..أخطاؤكِ الصُغرى.. أمرّ بها وأحوّلُ الأشواكَ ريحانا..
تشعر بأنفاسه تشاركها الجنون وطواف شفتيه ينتهي عند جانب شفتيها ..
_لولا المحبّةُ في جوانحه ..ما أصبحَ الإنسانُ إنسانا.
كل خلاياها تشتعل بعشقها ..تثور وتنبض بهذا الإعصار الكاسح الذي تفقد معه كلماتها ..
تذوب هياماً بهذا الذي تغير لأجلها ..لأجلها هي فقط !!
انفعالها كعهده تترجمه دموع مسحها بشفتيه لتجد نفسها تهمس ككل مرة تعجز فيها عن قول المزيد :
_شكراً يا طيب .
تشعر به يدير جسدها نحوه فتلتقي عيناهما بشغف مجنون يترجمه الجسد للقاء عاصف ..
ألف أحبك لم يقلها ..لكنها سمعتها ..
وردّتها !!
بكل جوانحها ردّتها !!
الأنفاس اللاهثة تستكين أخيراً لكن لحن القلوب لا يزال لا يعترف إلا بالصخب ..
تشعر بوجنته تلاصق وجنتها ..
وبشعيرات لحيته تخزها بنفس الوخز اللذيذ الذي تعشقه ..
هذه التي امتدت لها أناملها تداعبها فيرفع وجهه عنها يراقب هذا الاحمرار على وجهها فيهمس لها معتذراٌ :
_دقني ..
لكنها تقاطعه بأناملها على شفتيه مع همسها العاشق ككل مرة تفعلها :
_ما الحب إلا للحبيب الملتحي .
يضحك ضحكة راضية وهو يعود ليلصق وجنته بوجنتها بينما يضمها نحوه أكثر هامساً :
_مش هتبطلي تقوليها ؟!
_أبداً !
تمتمت بها بحسم وهي تقبل جبينه بنعومة لتسأله بدلال:
_إنما إيه الرضا ده ؟! شِعر ونزار قباني مرة واحدة ؟!!
فيعاود رفع وجهه نحوها ليزيح خصلات شعرها المشعثة عن وجهها هامساً :
_قراتها النهارده بالصدفة ..حسيت إنها لمستني قوي لدرجة إني حفظتها من غير ما أحس ..طول اليوم سامعها في وداني ..وشايف عينيكي قدامي .
الكلمات الأخيرة خرجت رغماً عنه منغمة ..جعلتها تطلق ضحكة مستمتعة لتهمس له بدلال ماكر :
_اووه ! يامن حمدي مش بس بقى بيقول شعر وكمان بيألفه !!
فيقرص وجنتها مداعباً لتدفعه عنها برفق قائلة :
_قوم انت خد شاور وأنا هاحضر لك الأكل .
_محشي؟!
يسألها بترقب لتضحك وهي تومئ برأسها إيجاباً ثم تقبل وجنته هامسة بغمزة شقية :
_وهتاكله على طريقتك .
يضحك برضا وهو ينهض من الفراش ليمد لها كفه فيوقفها معه لكنها تتأوه من جديد وهي تمسك بظهرها ..
فيبتسم لها بمكر هامساً:
_تحبي نعيده م الأول؟!
تلكزه في كتفه بخفة قبل أن تتحرك لتضع فوقها مئزرها ..
تلاحقها ضحكاته وهتافه خلفها :
_أنا بعرض خدماتي أي وقت !
فتشير له نحو شفتيها بسبابتها كي يصمت قبل أن تشير لفراش الرضيعة ..
فيبسط راحته على شفتيه بتهذيب مصطنع يجعلها تبتسم ..
وبعد دقائق كانت تجلس جواره على مائدة المطبخ ..
وشفتاه تداعبان أناملها التي تطعمه فتضحك بدلال قائلة :
_لسه ماشي ع السنّة ..اللهم قوي إيمانك يا شيخ .
فيضحك بدوره ليرد باهتمام :
_على ذكر الشيخ ..عابد قرر هيستقر فين بعد الجواز؟!
_هو عايز يقعد في البلد شوية ..عاجباه العيشة هناك .
تقولها برضا ليضحك قائلاً :
_وطبعا الست والدته زعلانة .
_هو راضاها وأخد شقة هنا كمان ..ووعدها يبقى بين هنا وهناك .
تقولها بنفس النبرة الراضية لتهتف كأنما تذكرت شيئاً هاماً :
_لما نخلص أكل هاوريك عملت إيه ليمنى تحضر بيه الفرح .
_فستان بألوان الطيف كالعادة !
يقولها بمطة شفتيه لكنها تضحك وهي تداعب أنفه بسبابتها هامسة :
_تؤ ..حاجة سبيشيال خاصة بينا احنا وبس !
رمقها بنظرة متسائلة وهو يشعر بالفضول نحو ما تقوله ..
لكنه ما كاد يسألها عن المزيد حتى سمعا صوت بكاء الصغيرة من الأعلى فهرعت ياسمين لتغسل يدها بسرعة قبل أن تصعد إليها ..
يلحق بها بعد دقائق ليبتسم بحنان للرضيعة بين ذراعيها قبل أن يتناولها هو بين ذراعيه ليقبل وجنتها بعادته التي يعشقها ..
ثم يقول لها مشاكساً :
_ماما عاملالك مفاجأة في فرح خالو ..عايز أشوفها !
فتضحك ياسمين وهي تتحرك نحو خزانة ملابسها هاتفة بحماس :
_طلع روحي عشان أعمله ..بس النتيجة تستحق !
تقولها وهي تستخرج ما رفعته أمامه لتتسع عيناه بانبهار ..
الثوب نفسه كان عادياً بلون أبيض وقد تزين طرفه المتسع بما بدا ك"زهور " صغيرة ..
لكنه عندما اقترب منها وجدها ..
الرمز الخاص بهما !!
حرف الياء الذي انثنى طرفه ليصنع ما يشبه شكل القلب الصغير !!
هذا الذي طرزته هي بنفسها على طول طرفه ..
وعلى غطاء رأس من نفس خامة الثوب ولونه !!
_يا أروبة !
يقولها ضاحكاً وهو يرمقها بنظرة منبهرة لتضحك وعيناها تدمعان بقولها:
_يامن ..ياسمين ..يمنى ..حرف الياء اللي جمع بيننا ده مش صدفة ..دي إشارة إننا هنفضل طول العمر سوا ..عشان كده هيفضل كده برسمته دي ..واللي عمرها قريب من عمري ..حاجة خاصة بينا احنا وبس!
تقولها بينما تستند برأسها على كتفه رافعة إليه عينيها وكفها يداعب رأس الصغيرة بين ذراعيه ..
فيبتسم لها بعشق فاضت به نظراته ثم يطبع قبلة ناعمة على شفتيها ..
قبل أن ينحني برأسه نحو الصغيرة فيقبله بدوره ..
ثم يرفع وجهه للأعلى بما بدا كحمد تمتم به قلبه قبل لسانه !!
الله رحيم بنا وإن قسونا على أنفسنا!
هذا بالضبط ما كان يشعر به وهو يتلقى عطايا قدره الأخيرة بسخاء لا يليق بالممنوح ..بل بكرم المانح !
وهو ما شعرت هي به هي أيضاً لترمقه بنظرة تقدير قبل أن تتناول منه الصغيرة لتقول بإشفاق:
_كفاية عليك كده سهر النهارده ..يادوب تنام .
فيقبل جبينها بحنان قبل أن يتحرك ثلاثتهم نحو الفراش ..
_برضه مصرّة تنيميها بيننا بالليل ..حطيها في سريرها ..بخاف غصب عني أتقلب عليها وأنا نايم !
يقولها بعتاب حنون وهو يستلقي على الفراش لكنها تصر أن تضع الصغيرة بينهما قبل أن تستلقي هي جوارها لتلتفت نحوه قائلة بتأثر:
_انت بالذات المفروض ما تقولش كده ..عايزاها تكبر وهي حاسة إنها وسطنا احنا الاتنين ..مش عايزاها للحظة تحس باللي احنا حسيناه واحنا صغيرين .
كان يفهم عقدتها التي يشاركها فيها فتنهد بحرارة وهو يمد أنامله ليداعب وجه الرضيعة بينهما هامساً :
_مقنعة قوي يا افندم !
تضحك وهي تمد أناملها بدورها لتداعب الرضيعة هامسة :
_وانت مطيع قوي ياافندم .
يبتسم وهو يشعر بتثاقل جفنيه فيغلقهما هامساً بعبث ماكر :
_طب أنا قدمت السبت وحكيت حدوتتي ..مش هلاقي الحد وتحكي انتِ حدوتتك ؟!!
فتضحك ضحكة عالية رائقة وهي تداعب خصلات شعره الطويلة التي تعشقها ..
لتهمس بهيام عاشق قبل أن تبدأ سرد حكايتها :
_عيوني ل"شهريار"!
======
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم سينابون
القطعة الثانية والعشرون
======
_فاكر بنتي يا زين بيه ؟!
ينعقد حاجباه وهو يميز الخادمة كبيرة السن التي عايشها في بيت "الفايد" منذ طفولته ..ولولا مكانتها الخاصة لديه لطلب منها الخروج وتركه وحده كما يفعل مع الباقين ..
_بنتي حامل!
تقولها بتأثر وهي تضع كفيها على كتفي ابنتها جوارها لتقدمها أمامها مردفة :
_هي وجوزها اتفقوا لو جه ولد ..هيسموه على اسم حضرتك ..
يغمض عينيه بقوة وهو يشعر بكلماتها البسيطة تشعل قناديل من نور في روحه ظنها قد انطفأت للأبد ..
خاصة وعاطفة المرأة الجلية تبدو واضحة وهي تذكره بما فعله
لأجل ابنتها ..
هذه التي تعرضت لحريق شوه ملامح وجهها ..وقتها كانت مخطوبة لرجل تحبه ..أرغمه أهله أن يتركها بعدما نالها من ضرر ..لكن زين تكفل بمصاريف جراحة تجميلية لها على أعلى مستوى حتى عادت ملامحها شبه طبيعية ..
ولم يكتفِ بهذا بل قابل خطيبها بنفسه ليشجعه على الوقوف في وجه عائلته الرافضة لارتباطهما ..
ثم وفر له عملاً أفضل بإحدى شركاته !
_جميلك هيفضل في رقبتنا ليوم الدين ..سامحني لو قطعت عليك خلوتك ..بس ماقدرتش أمنع نفسي أني أشوفك وأطمن عليك ..اتحايلت على رائد بيه لحد ما رضي يجيبني هنا ..أنا معاك من سنين ..من قبل وفاة والدتك الله يرحمها ..وربنا يشهد ..غلاوتك من
غلاوة ولادي .
كلماتها تنتهي بدموع عاطفة حقيقية شاركتها فيها ابنتها ليجد الجرأة أخيراً فيفتح عينيه ..
بل ويفتح قلبه معهما ل"نقطة النور" التي بزغت فجأة وسط هذا الظلام الذي يغشاه ..
حسناً ..
يبدو أنه لم يكن "شيطان الحكاية" برغم كل شيء!
_مفيش حد الزمان ده بيعمل اللي عملته ..أنا معرفش إيه مزعلك ومخليك تسيب الدنيا بحالها وتحبس نفسك هنا ..بس اللي متأكدة منه ومستعدة أحلف عليه بكتاب ربنا إنك أطيب قلب قابلته .
تقولها الخادمة وهي تقترب منه أكثر بعينين تصرخان صدقاً ولهفة ..
لترتجف شفتاه بشبه ابتسامة وهو يشيح بوجهه عنها ..
دمعة كبيرة تتجمع في طرف عينه ويمنعها كبرياؤه من السقوط ..
"أطيب قلب قابلته"؟!
ماذا عساها تقول لو علمت عن خطاياه ؟!
لو علمت أن أمام "ابنتها" التي تتباهى بمعروفه معها هذه هناك "أخرى" ترقد
الآن في قبرها ملطخة بعارها بسببه !!
_هاقوللك حاجة يمكن أول مرة تسمعها مني ..في ليلة شتوية كنت قاعدة مع
والدتك الله يرحمها ..الجو كان برد قوي ..بس هي كانت واخداك في حضنها وانت نايم ..سألتها لو كانت محتاجة غطا زيادة ..قالتلي وعينيها متعلقة بيك ..أنا دفيانة بيه ..سميته زين عشان يبقى له من اسمه نصيب ..وكل يوم بيكبر بتأكد إن كان معايا حق ..هو زين وزينته في طيبة قلبه ..
_كفاية !
يقولها بنبرة متهالكة لكنها بدت له كصرخة انفجرت شظاياها في روحه ..
قبل أن يغمغم بحروف انغمست بعذاباته :
_مش يمكن ليا وش تاني ماتعرفيش عنه حاجة ؟!
لكن المرأة جلست على طرف فراشه قائلة :
_ومين فينا مالوش ؟! احنا ماشيين
بالستر يا زين بيه ..لو ربنا كشفه عن حد ممكن ما نطيقش نبص لوش بعض ..سامحني لو خدني العشم وجيت قطعت عليك خلوتك هنا ..بس بحق العشرة الطويلة ..بحق وصية
والدتك الله يرحمها ليا إني أخللي بالي منك ..وبحق جميل بنتي اللي هيفضل دين في رقبتي عمري ما هاقدر أوفيه ..بترجاك ..ماتسيبش نفسك للي انت فيه !
وكأنما جاءت كلمات المرأة على بساطتها لتنظم آخر حبات العقد !!
ياقوت ..ثمر ..همسة ..والآن هي!!
خطاياه رسمتها وجوه نساء ..
والآن تطمسها أيضاً وجوه نساء !!
ياللمفارقة !!
_تسمح لي يا بيه ؟!
تقولها بنبرة استئذان وأصابع كفها الممتلئة بتجاعيدها تقترب من كفه لتربت عليه بحنوّ فاض في عينيها ..
وجعله يبتسم !
ابتسامة واهنة لكنها كانت تكفيه لتكون بداية طريق ..
هذه التي لمحها رائد وهو واقف يراقب خلسة خلف باب الغرفة الموارب لتنبت ابتسامة شبيهة على شفتيه ..
قبل أن يبتعد قليلاً ليتناول هاتفه ويتصل برقم ياقوت وما كاد يسمع صوتها الملهوف حتى قال بارتياح :
_كان معاكي حق ..فرقت معاه كتير .
زفرتها القوية تصله مفعمة بانفعالاتها الكاملة ..
قبل أن تحاول تغليفها بعمليتها المعهودة :
_هو محتاج يحس بكل خير عمله ..كل نقطة بيضا في ماضيه لازم يفتكرها عشان يقدر ينسى الليلة إياها ..أنا مش هاقدر أساعده لو هو رافض يساعد نفسه ..
ثم تهدج صوتها فاضحاً عاطفتها وهي تنهي الاتصال بقولها :
_هو بس عليه ياخد أول خطوة في الطريق ..وأنا هاكمله معاه .
لترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة وهو يعيد هاتفه لجيبه هامساً لنفسه :
_ياترى تقصدي أي طريق يا ياقوت ؟!
وذكرى ارتجاف صوتها الأخيرة تمنحه الجواب دون احتمال خطأ التأويل!
======
_سها عندها صدمة عصبية ..ورافضة تشوف ..ناصر!
تلكأت كلمات سامر في نطقه لاسمه وقد بدا من الطبيعي أن يعبر عنه بمكانته الطبيعية ك"زوجها"..
لكنه لم يشأ استخدامها هنا ..
ربما هو سخطه عليه إذ أوصلها إلى هذا الحال ..
ربما هي غيرته الطبيعية غير المنطقية هاهنا ..
وربما هو -أمل طفيف - أن يفقد هذا المسمى قريباً !!
هذا الذي شعرت به ريتال بقوة وهي تحدثه عبر الهاتف لتقول بنبرة محذرة لم تخلُ من شفقة :
_انت مكلمني مخصوص عشان تقوللي كده ؟!
تنهيدته الحارقة حملت لها بعض عذاباته وهو يرد :
_مكلمك آخد رأيك ..والدها عايز يجيبها المركز اللي أنا شغال فيه وطلب مني أتابع حالتها بنفسي ..
ثم ضحك ضحكة مكتومة ساخرة ليردف:
_بيقوللي إنه واثق إني أنا بالذات هاخد
بالي منها ومش هيآمن عليها دكتور تاني ..تخيلي!
انقبض قلبها لأجله وهي تدرك مرارة ما يعانيه ..
أن يطلب منه والد سها أن يهتم بها الآن بعد رفضه المهين له -كزوج- لها في الماضي يمكن تفسيره كرد اعتبار ..
تماماً كما يمكن تفسيره بأنه تقنين لوضعه الطبيعي في حياتها كقريبها وطبيبها فحسب ..دون أي إضافات أخرى!
ربما لهذا تتفهم كثيراً تخبط مشاعر سامر الذي انخرط يحدثها بعفويته المعهودة معها :
_مش عارف هاقدر أتعامل إزاي معاها كمريضة وبس ..أنا شفتها النهاردة في المستشفى ..مكنتش مصدق إنها هي ..اتبدلت ..رافضة الكلام والأكل والناس ..وهو بالذات !
_أنا مش فاهمة ..مش كل حاجة كانت برضاها ؟!
تقولها باستنكار مشفق ليرد هو بعاطفة اختنقت بها حروفه :
_يعني إيه برضاها ؟! انتِ ست زيها والمفروض تكوني فاهماها أكتر من كده ..سها كانت عايزة تحس إنه متمسك بيها أكتر من كده ..كانت خايفة ييجي عليه وقت يضطر يختار بينها وبين رضا والده فتخسر ..حبت تبين إنها واثقة وقوية كالعادة ..وماعملتش حساب انهيارها في ليلة زي دي ..
_بس هو ما كملش الجوازة ياسامر ..فضل جنبها هي ليلتها ورمى الدنيا بحالها وراه ..ده ما يشفعلوش عندها ؟!
تقولها محاولة وأد هذا الأمل الذي تستشعره ينمو بداخله نحو سها تخشى عليه المزيد من الخذلان ..
لكنه هتف بانفعال :
_بعد إيه ؟! بعد ما كسرها ؟!
زفرت زفرة قصيرة لتعاود قولها بتحذير مشفق :
_مش عايزاك تتعلق في حبال دايبة ..كلنا عارفين هي بتحبه أد إيه ..
_كانت !
هتف بها بانفعال يقاطع كلماتها ليردف بنبرة متهدجة :
_هو خد فرصته وضيعها ..خلاص!
ازداد انقباض قلبها لسبب لا تعلمه وهي تشعر بالخوف عليه ..
هو يعتبر خروج ناصر من حياة سها أمراً مسلماً به ولا يريد الاعتراف بأن سها لن تكون لسواه هو!!
لهذا عادت تهتف به برجاء:
_لو عايز رأيي ماتوافقش إنك انت اللي تعالجها ..ابعد عن الصورة يا سامر ..ابعد وانساها بقا .
لكنه ضغط على أسنانه بقوة وهو يستعيد ملامح سها التي رآها صباحاً لتشتعل نيران روحه أكثر ..
كيف تطلب منه الابتعاد ؟!
كيف يفعلها ؟!
كيف ووالدها نفسه يرجوه الاعتناء بها ؟!
كيف وملامحها المنهارة تكاد تستصرخه
ألا يتركها ؟!
ما جدوى مشاعره لها طوال هذه السنوات إن تركها الآن وحدها ؟!
_مش هابعد يا ريتال ..مش هاقدر .
يقولها بحزم تسربت عبره سيول ألمه لتخز قلبها تعاطفاً مع حاله ..
لكنها هتفت به بانفعال:
_خلاص ما تطلبش رأيي تاني مادام مش هتعمل بيه ..سلام !
_استني ما تقفل..
عبارته تنقطع وهو يسمع صوت إغلاق الهاتف من جانبها بعنف ليزفر بسخط وهو يلقي هاتفه جانباً ..
قبل أن يسمع صوت أمه خلفه :
_قفلت في وشك السكة عشان مش عاجبها الكلام ؟!
لم يكن كلامها سؤالاً بقدر ما حمل عتابها الجواب ليلتفت نحوها بملامح متألمة للحظات قبل أن يغتصب ابتسامة واهنة على شفتيه وهو يرد :
_جرى إيه يا ست "حلاوة"؟! من امتى
ولاد البلد بيتخلوا عن الناس وقت الشدة ؟! ودي مش أي ناس ..دي قريبتي و..
انقطعت عبارته بغصة حلقه التي لم يملكها والتي استشعرتها هي بفطرة أمومتها لتقترب منه بخطواتها المتثاقلة وعينيها العاتبتين :
_فرق كبير يا" ابن بطني" ..بين الجدعنة في الشدة و"الصيد في المية العكرة" !!
_أنا بصطاد في المية العكرة ياامّا؟!
يهتف بها باستنكار لترد هي بعصبية ملوحة بذراعها :
_سبع سنين كلية وشهادات وشغل و"الدكتور راح الدكتور جه "..وكل ده ولسه عقلك غايب ؟! فاكر إن اللي اتحرمت منه زمان هترجع تاخده دلوقت ؟!
_وليه لأ؟! هو أنا مش حقي أحب زي بقية الخلق؟! مش حقي أحلم بالست الوحيدة اللي اخترتها ؟!
يصرخ بها بانفعال مفاجئ احمر له وجهه لتصرخ هي به :
_مش وهي على عصمة راجل تاني.. مش وهي بتموت في التراب اللي بيمشي عليه ..عارف حتى لو سابته وجتلك تقوللك عايزاك مش هتبقى أكتر من سلمة تدوس عليها هي برجليها عشان تعلى تاني وتوصلله .
يغمض عينيه بقوة وهو يحيط خصره بكفيه مقاوماً هذا الألم الذي يعصف بداخله ..
لماذا لا يفهمونه ؟!
لماذا لا يرحمون هذا الشقاء الذي عاشه طوال هذه السنوات يترقب أن تراه محبوبته بنظرة تقدير تمحو عنه مهانة الرفض القديم ؟!
لماذا لا يتركونه لهذا الأمل الجديد أن تكتب له الأيام معها طريقاً آخر يعوضها فيه خذلان من سبقه ..وتعوضه هي فيه مرارة انتظار هذه السنوات ؟!
يشعر بكف أمه على كتفه فيفتح عينيه ليروعه هذا الذعر في عينيها بينما تتسرب كلماتها مفعمة بمشاعرها :
_ماتخيبش أملي فيك ..انت اللي فاضللي في الدنيا دي ..كفاية تضيع عمرك ورا واحدة عمرها ما كانت ولا هتكون ليك .
_لأ!
يقولها صارمة مناقضة لبرّه المعهود بها قبل أن يردف بحاجبين منعقدين:
_فرصتي وجت لي لحد عندي ..لو هو باعها أنا شاري.
فتهز رأسها بيأس من جداله لتعطيه ظهرها قائلة بوجوم :
_هتركب دماغك وترجع مكسور الخاطر ..غاوي وجع قلب من يومك .
تقولها لتنهي كلماتها ببضعة أدعية مما اعتادت قولها له قبل أن تختفي عن ناظريه ليزفر هو بقوة ..
صوت هاتفه يعلن عن وصول رسالة فيتوجه ليلتقطه قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة باهتة وهو يجدها من ريتال :
_كلامك المستفز نساني أقوللك شكراً على العروسة هدية عيد ميلادي .
_مش عاملة مقموصة وبتقفلي السكة في وشي ؟! راجعة تكلميني ليه ؟!
يكتبها وابتسامته تتسع رغماً عنه لتصله رسالتها :
_أنا مش مقموصة ..أنا خايفة عليك .
فيتنهد بحرارة ليعاود الكتابة :
_سيبك مني وقوليلي ..سميتي العروسة إيه المرة دي؟!
_مرجانة .
يضحك ضحكة قصيرة وعيناه تلتمعان بودّ ..
من يرى هوسها العتيد بالعرائس لا يصدق هذه الواجهة الجادة التي تصدرها لمن حولها ..
انخراطها في العمل الخيري الذي تكاد تكرس له وقتها كله ..
طفلة كبيرة هي في عينيه ..لكنها تجيد ارتداء جلباب الكبار متى احتاجته !!
ربما لهذا لم يتعجب رسالتها الأخيرة التي بعثتها بعدها :
_اوعى تبطل تهاديني بالعرايس ..ساعتها بس هاعرف إني كبرت .
======
في مكتبها بالمركز تجلس ياقوت مقطبة الحاجبين شاردة ..
عملها هنا يسير على ما يرام ..
موعد زفاف لجين يقترب ..
صحة ثمر مستقرة ..
هيثم يبدو في طريقه للتحسن هو الآخر ومشاعره نحو شهد تمنحه الدعم الذي يحتاجه ..
إسلام كذلك يبدو سعيداً رغم ظروف زيجته المعقدة ورغم الكارثة المترقبة عندما تعلم جيلان عن هذا ..
يمكنها الاسترخاء قليلاً إذن وأخذ هدنة من هذه الدوامة التي تدور فيها ..
لولا ..هو!!
هو الذي لا يزال غارقاً في ظلمات ذنبه القديم ..
لكنها تشعر أنه سيتجاوزها قريباً ..
هو فقط يحتاج كل نقطة بيضاء رسمها في لوحة قدره كي يهزم بها سواد خطاياه ..
اشتاقته ؟!
ياله من سؤال!!
إنها تحارب نفسها كل يوم كي تمنعها عن الذهاب إليه ..
خطوته الأولى يجب أن تكون منه ..لا منها هي !!
رنين هاتفها يقاطع أفكارها لتشهق بلهفة وهي تتبين رقمه ..
هو؟!
هل هو حقاً؟!
_زين!
تهتف بها بلهفة لم تتمكن من منعها وهي تفتح الاتصال ليواجهها الصمت المطبق من الجانب الآخر إلا من صوت أنفاسه المتلاحقة ..
رباه !!
حتى وهو صامت لايزال لحضوره نفس الهيبة التي تكتسحها ..
_زين !
بتساؤل ..
بترقب ..
بقلق ..
تقولها متشحة بغلالة رقيقة من عشقها ليقابلها المزيد من الصمت للحظات ..
قبل أن تسمع صوته خافتاً ..متحشرجاً ..منهكاً لأقصى درجة :
_مش عايز أتكلم ..عايز أحس إنك معايا بس.
كلماته القليلة تستجلب الدمع لعينيها فتجد نفسها دون وعي تخلع عنها نظارتها ..
رغم يقينها أنه لن يراها لكنها كانت تود الشعور في هذه اللحظة أنها تقترب منه بكل ما يحبه ..
ربما لهذا عاودت الهمس باسمه لتشعر باشتعال أنفاسه أكثر على الجانب الآخر من الاتصال ..
تغمض عينيها بقوة وذكرياتها العامرة معه تنساب شلالاً هادراً يجرفها في تياره ..
وفي لحظة توافق روحي نادرة كان هو
الآخر محتلاً بنفس الجيش من الذكريات ..
يستعيد مذاقها بين ذراعيه فلا يتمنى في هذه اللحظة إلا أن يحلق في سمائها ..
لكن ليس بعد ..
ليس قبل أن يتطهر من إثمه ليليق بنقاء عالمها ..
صمت صاخب !!
هذا هو أبلغ تعبير عن حالتهما الآن
وكلاهما يستشعر أنه يعانق صاحبه رغم كل هذا البعد ..
أنفاسهما التي تزداد وتيرة اشتعالها وحدها تبقى الخيط المحسوس بينهما لدقائق ودّ كلاهما لو لا تنتهي ..
الخيط الذي ينقطع الآن مع صوت طرقات على باب غرفتها المفتوح يتلوه دخول سامر الذي لم ينتبه للهاتف في يدها وهو يهتف بها بعفويته المعهودة :
_شجرة الدر العظيمة ..استشارة عاجلة
لأينشتاين !
شعرت بالحرج وابتسامتها ترتجف على شفتيها لينتبه هو للهاتف في يدها فيشير بكفه معتذراً وهو يتأهب للمغادرة ..
لكنها تسمع صوت إغلاق الاتصال من الجانب الآخر فتوقن أن زين قد سمعه !
_قفلتِ ليه أنا كنت ماشي؟!
يقولها سامر وهو يراها تضع هاتفها جانباً غير قادرة على منع نظرة بائسة على محياها بينما ترفع عينيها نحوه :
_ولا يهمك ..خير كنت عايز إيه ؟!
يهم بالحديث قبل أن تتعلق عيناه بعينيها للحظة لتتسعا بإعجاب فطري وهو يراهما لأول مرة دون نظارتها هذه ..
وبنظرة تقييم ذكورية بحتة ترتسم على شفتيه ابتسامة إعجاب وهو يتعجب كيف لم ينتبه لجمالها هذا من قبل..
ربما رأى منها وجه الطبيبة الحاذقة ..
الزميلة المجتهدة ..
والإنسانة الطيبة ..
لكن أن يتعدى الأمر لتجاوز أسوار أنوثتها فهو الغريب عليه حقاً !!
لكنه نحى الخاطر الأخير جانباً بطبيعة الحال وهو يتذكر ما جاء ليسألها عنه :
_كنت عايز آخد رأيك في حاجة لأني واثق فيكي .
عاودت ارتداء نظارتها ليبدو بعض
الاهتمام على ملامحها وإن كانت روحها لا تزال معلقة بالهاتف ..قبل أن تمنحه إيماءة ترقب ..
_ينفع تعالجي حالة بينك وبينها تقارب عاطفي معين ؟!
يقولها بتردد لتترجم بذكائها الوضع بسرعة وتقول بحذر:
_قصدك سها ؟!
أطرق بوجهه في اعتراف غير منطوق ليسألها بمرح مصطنع:
_هو أنا مفضوح قوي كده ؟! ريتال دي ما بيتبلش في بقها فولة .
لكنها ابتسمت وهي تشبك أصابعها أمام وجهها لتقول بنبرة عملية لم تخلُ من ود :
_ريتال مالهاش دعوة ..أنا عارفة الموضوع ده من زمان ..واستغربت لما لقيت والدها مصر إنك تستلم حالتها أول ما وصلت المركز هنا الصبح ..خصوصاً إن جوزها مختفي من الصورة .
ضغطت حروف كلمة "جوزها" كأنما تذكره بحرمة هذا التقارب العاطفي الذي يحكي عنه ..
ليزفر هو بقوة هاتفاً بسخط:
_ياريت يفضل مختفي للأبد .
_ما أظنش !
تقولها بثقة ليرفع إليها عينيه بحدة فتردف :
_أنا شايفة الصورة من بعيد أكتر ..
ثم صمتت لحظة لتفجر قنبلتها:
_انت عارف إن إسلام اتجوز نشوى اللي كانت المفروض تبقى ...
_إيه ؟! مين ؟!ازاي ؟!
هتف بها باستنكار مقاطعاً عبارتها وقد فهم من تعني ..
لترد هي بابتسامة شاردة :
_عشان كده بقوللك إني شايفة الصورة أبعد ..ناصر مش هيسيب سها ..ده رمى الدنيا كلها وراه عشان خاطرها وعمل فضيحة للغلبانة التانية ..وأظن كمان سها ..
_سها مش طايقاه ورافضة تشوفه .
هتف بها مقاطعاً من جديد بانفعال سريع لترد بثقة :
_ده دليل محبة مش كره .
_لو مش هتكرهه بعد اللي عمله هتكرهه امتى؟!
يعاود الهتاف بها بنفس الانفعال لتصمت للحظات قبل أن ترد ببطء واثق:
_ما ينفعش .
_هو إيه ده اللي ما ينفعش ؟!
يسألها بدهشة منفعلة لترد بنبرة عملية :
_مش كنت بتسألني ينفع تعالجها واللا لأ ..الإجابة لأ ..ماينفعش ..مش عشان "التقارب العاطفي" اللي انت بتقول عليه ..بس ..عشان انت عمرك ماهتكون حيادي مع الحالة ..والدليل قدامي اهه .
زفر زفرة ساخطة وهو يطرق برأسه لتتأمل جانب وجهه ببعض الدهشة ..
انفعاله الغاضب هذا بوجهه القانط يختلف كثيراً عن طبيعته المرحة المتسامحة التي تعرفها ..
هذا الوجه الأسود تراه منه لأول مرة ..
طالما أعجبها وجهه الطموح المكافح شديد الصفاء والجد ..
لكن هذا القنوط الجارح غريب كثيراً عنه !!
_معاك حق ..
يقولها أخيراً وهو يرفع إليها عينيه ليردف بشبه ابتسامة :
_خلاص امسكي انت الحالة ..مش هاثق في حد غيرك .
قالها لينهض من مكانه لتواجهه بنظرة راضية متفحصة بينما يستطرد :
_بس هتابعها معاكي من بعيد ..لأن
والدها مصرّ إني أنا اللي أنا أعالجها .
_سها مش عايزة علاج ..عايزة ثقة ..ماتخافش أزمتها دي مش هتطول .
تقولها ببطء واثق ونظراتها تحمل له تحذيراً من نوع خاص تلقاه هو بذكاء لتتراقص مشاعره على وجهه بين يأس و أسى ..
قبل أن يرتجف صوته بردّه :
_المهم تبقى كويسة .
ثم اغتصب ضحكة منفعلة ليسألها :
_ماقلتليش إسلام اتجوز نشوى إزاي المجنون ده ؟!
_كلمه اسأله ..هو بيتبسط جداً لما بيحكي إنه حضر الفرح ورجع بالعروسة .
قالتها وهي تلوح بكفها باستهجان مرح ليضحك ضحكة عالية حقيقية قبل أن يغادر مكتبها ..
فتغيرت ملامحها هي لمزيج من تجهم واشتياق وهي تعاود التحديق في هاتفها الذي تناولته كي تعاود الاتصال به ..
لكنها توقفت في اللحظة الأخيرة !
تعلم أن مثله يجن جنونه عندما يشعر
بالغيرة ..ولم تنسَ ما حدث ليلة افتتاح المركز بخصوص سامر ..
لكن ..لعل هذا ما يخرجه من سجنه
الاختياري هذا ..
لعله ينتفض من سباته الذي طال !
أو ..
من يدري ؟!
ربما هي واهمة ولا تزال غير ذات مكان في
عالمه !!
بينما توجه سامر نحو غرفة سها بخطوات متثاقلة ليفتحها فيجدها كعهدها شاردة الملامح دامعة العينين ..
قلبه يخفق بلوعة حاول تجاهلها وهو ينتحي بوالدها جانباً ليطمئنه قدر استطاعته لدقائق طالت ..
غافلاً عن ناصر الذي ظهر لتوه أمام باب الغرفة وملامحه المنهكة تفضح شعوره بالذنب..
يعلم أنها ترفض رؤيته من حينها ..لكن ماذا يملك إلا أن يحاول ؟!!
والده غادر المشفى الآخر ساخطاً عليه ومتوعداً إياه بالقطيعة بعدما وقف في وجهه أخيراً ليخبره بقراره ..
إنه لن يتزوج سوى سها ولو لم يكن ولده منها فلن يكون من غيرها !!
لماذا لم يفعلها مبكراً؟!
لماذا لم يوفر على ثلاثتهم هذا الجرح الذي لن يندمل بسهولة وربما لن ينمحي أبداً ؟!
عيناه تلتقيان بعيني سها أخيراً والتي ما إن لمحته حتى تشنج جسدها في جلسته لتحرك ذراعها نحوه فيما لم يدرِ هل هو نداء أم ..طرد !!
لكنه لم يملك رفض الدعوة وهو يدخل إليها بخطوات وجلة فتتقلص ملامحها بألم وحركة ذراعها تزداد تشنجاٌ ..
ينتبه له سامر فتقسو ملامحه وهو يتحرك نحوه ليجذبه من ذراعه ببعض العنف هامساً في أذنه :
_اخرج !
لكنه يرمقه بنظرة ساخطة استعادت هيبتها وهو يخلص ذراعه منه بعنف أكبر قبل أن يسمع حماه يقول بصرامة :
_تعالوا كلكم بره .
لكنه ظل راسخاً مكانه للحظات مراقباً
ملامح سها التي بدت وكأنها تجاهد كي تجد صوتها ..
كأنما استنزفت رصيدها كله في تلك الصرخات التي نزفتها تلك الليلة ..
تدمع عيناه وهو يراقب آثار جروحها المتعددة على طول جسدها فيلعن نفسه ألف مرة ..
كيف تركها ليلتها ؟!
كيف طاوعته نفسه ؟!
ليته لفظ آخر أنفاسه قبل أن يسبب لها ألماً كهذا !!
يتحرك نحوها كالمغيب متجاهلاً رغبة والدها ..ونظرات والدتها الحارقة جوارها ليجلس قبالتها قائلاً بصوت ذبيح :
_أنا خلاص عرفت غلطتي ..وصلحتها !
لكنها لم تنظر إليه ..بل تعلقت عيناها ب"ساعتها" في معصمه ..
هذه النظرة التي التقطها هو لتنعش قلبه ببعض الأمل ..
خاصة وهو يراها تمد أناملها نحو ذراعه تتحسسه ببطء فينقبض قلبه مع مرأى الخدوش الدامية في ذراعها هي ..
قبل أن تستقر أناملها فوق ساعته ليفاجأ به تخلعها عنه فجأة قبل أن تقذفها لتكسرها أمامه دون أن تمنحه فرصة
الاستيعاب!!
يرمقها بنظرة مصدومة للحظات متجاهلاً بكاء والدتها وهتاف والدها خلفه وقد بدا وكأن العالم قد خلا إلا منهما ..
لا يريد تصديق ما توحي به حركتها ..
لا يريد الاعتراف أنه خسرها ..
وخسر كل شيء!!
_كفاية كده ..اتفضل معايا بره .
يقولها سامر بعنف لم يملكه وهو الآخر يغالب جحيمه الخاص ليحدجه ناصر بنظرة حادة رافضة ..
لكن والدها جذبه من ذراعه بعنف هاتفاً:
_لو ماخرجتش دلوقت هاطلب أمن المستشفى ..أنا مش هاتهاون في صحة بنتي .
نفرت عروقه كاملة والغضب يخرسه !!
الآن يمنعونه عنها ؟!!
وتمنعها هي قبلهم ؟!!
_أنا جوزها وحقي أبقى معاها ..مش كفاية إنك جبتها هنا من غير ما أعرف؟!
يهتف بها بانفعال أخيراً وهو يشعر بمذاق الخسارة يزيده هياجاً ..
ليرد والدها بانفعال:
_انت إزاي بالبجاحة دي؟! كل اللي حصللها ده بسببك!!
_برضاها !! بموافقتها ورضاها !!
يصرخ بها بالمزيد من الثورة ليرد والدها بحزم:
_ماشي ..ودلوقت هي اللي رافضاك ..أنا أصلاً ماكنتش موافق ع المهزلة دي م
الأول ..اللي ما يصونش بنات الناس مايستاهلهمش .
_ممكن نكمل كلام بره ..سها حالتها ..
يقولها سامر بقلق مراقباً ملامحها التي تزداد تشنجاً ليقاطعه ناصر وهو ينتفض مكانه ليمسك تلابيبه صارخاً:
_انت بالذات تخرس خالص ..أنا عارف كويس نيتك من زمان ..ومش موافق إنها تفضل عندك هنا .
_ماعادش ليك سلطة توافق أو ما توافقش ..
يهتف بها والدها وهو يخلص سامر من قبضتيه مردفاً:
_أنا اللي أقرر .
_محدش له سلطة هنا غيري ..أنا جوزها .
يهتف بها ناصر بثورة عارمة وهو يجلس جوارها فجأة ليحيط كتفيها بقبضتيه في تملك ..
لكنها التفتت نحوه بعينين زائغتين ..
وبرجفة انتقلت منها إليه ..
لتنطق أخيراً :
_طلقني!
========
_بتقول اتجوزت؟!
تهتف بها جيلان بثورة عارمة وهي تواجه إسلام الذي تقبل ثورتها بصبر قائلاً:
_أنا حكيتلك الموضوع تلات مرات وبرضه مش قادرة تفهميني .
_أفهم إيه ؟! خلاص ..كلكو اتجننتوا ؟! مش كفاية مصيبة أبوك تاجر المخدرات وأخوك اللي لسه مش عارف راسه من رجليه ؟! جاي تكمل عليا بعملتك دي؟!!
تصرخ بها دون وعي ليرفع إسلام وجهه
للأعلى قبل أن ينحني نحوها محاولاً تهدئتها :
_اهدي يا ماما هيثم ممكن يسمعنا ..أرجوكي افهميني .
_انت خلاص مابقيتش ابني ..من يوم ماسافرت تركيا وانت بتاصرف من دماغك..رايح تتجوز لي واحدة مطلقة وعندها بنت؟! ..وكمان واخدها بجميلة عشان عريسها هرب يوم الفرح؟! عايز تشلني ؟! مافكرتش الناس هتقول عليك إيه ؟!!
تصرخ بها بثورة دون انقطاع حتى
تلاحقت أنفاسها ليعقد هو حاجبيه قائلاً بحزم:
_مايهمنيش الناس ..أنا مااتجوزتهاش بجميلة ..أنا عرفت ستات أد شعر راسي وأقدر أميز كويس الست اللي أختارها أكمل معاها ..
ثم صمت لحظة ليردف بنبرة أكثر حزماً:
_الست اللي مش عاجباكي دي بميت راجل ..شالت أخوها في أزمته ووقفت مصنعه على رجليه من تاني ..مصنعه اللي الوالد المحترم كان سبب خرابه .
_انت بتبرر إيه ؟!
تعاود الصراخ بها بثورة ليرد هو بنفس الحزم :
_أنا مش ببرر ..أنا خدت قراري وخلاص ..نشوى بقت مراتي وده الأمر الواقع دلوقت .
_بتلوي دراعي يا إسلام ؟! طيب اسمع آخر كلام عندي ..لو ما طلقتش الست دي ورجعت هنا البيت تنسى إن ليك أم من أصله .
تهتف بها بنبرة متوعدة ليزفر بقوة قبل أن يقول لها بنفس الحزم الذي خالطه
الآن بعض الإشفاق:
_هافضل أجيلك كل يوم حتى لو طردتيني ..مش هيأس إنك يوم تفهميني .
قالها وهو يحاول التقدم لتقبيل رأسها لكنها ابتعدت عنه بحدة وهي تشيح بوجهها ليطلق زفرة أخرى قبل أن يتحرك ليغادر هذا البيت الذي صار يمقته ..
كان يتوقع ثورتها هذه بل وكل كلامها الذي قالته لكنه كان يطمح في معجزة ما تجعلها تتفهم .
معجزة لن ييأس من ترقبها
للأيام القادمة .
وفي غرفته وقف هيثم جوار بابها المفتوح مصدوم الملامح ..
تاجر مخدرات !!
أبوه !!
ذكريات متفرقة تعاود غزو مخيلته كأطياف شاحبة ..
سيارة سوداء معتمة النوافذ ..بيت قديم بحي شعبي ..
وشهد !!
شهد ترتدي ثوباً مكشوفاً وتتجه نحو السيارة ..
ثم ..
ضباب ..ضباب ..ضباب ..
ذكرياته تتوقف هاهنا وتمنعه الاستمرار ..
صداع عنيف يعصف برأسه وهو يشعر
بالعجز ..
هذا البيت خانق!!
كل ما فيه صار يكبله !!
جدرانه تكاد تطبق على أنفاسه ..
أمه تسجن أخته من قبل والآن تطرد أخاه وتهدده بالتبرأ منه فقط لأنه تزوج امرأة مطلقة !!
وأبوه ..أبوه تاجر مخدرات!!
هل هو في السجن إذن ؟!
أم هو ميت كما يزعمون ؟!!
لم يعد يصدقهم ..
لم يعد يصدق أحداً ..
فقط ..شهد !!
شهد هي من يثق بها الآن !!
لهذا تحرك ليتناول هاتفه ويتصل بها ولم يكد يسمع صوتها حتى قال بنبرة خافتة :
_عايز أقابلك لوحدنا ..
ثم صمت لحظة ليزفر وهو يتلفت حوله مردفاً:
_ماعدتش عايز أقعد في البيت ده .
======
_عايزة بيض "عيون" يا مامي.
تهتف بها ريما عقب استيقاظهما وهي تتعلق بعنقها صباحاً على فراشهما في غرفتهما بشقة إسلام ..
لترمقها نشوى بنظرة شاردة وهي تتلفت حولها ..
كم مر على زواجها الجديد هذا ؟!!
يوم؟!..اثنان ؟! ثلاثة ؟!
لا تدري!!
أيامها كلها صارت متشابهات ..
ما تبقى من العمر صار "تحصيل حاصل"!!
_جعانة!
تعاود ريما هتافها لتلتفت نحوها من شرودها تتفحصها بخزي!!
ما الذي فعلته بنفسها وبصغيرتها قبلها ؟!!
هاهو ذا عنادها يدفعها للارتماء في دوامة رجل جديد لمجرد الانتقام لكبريائها ..
لكنها لم تعد وحدها كالسابق ..
ابنتها تشاركها المصير !!
ربما لهذا دمعت عيناها بقوة وهي تضمها إليها لتغرق وجهها بقبلاتها ..
مزيج من الاعتذار والخوف يظلل عناقها إياها وهي تتمتم بين دموعها :
_بحبك ..سامحيني ..
تكررها بما بدا كالهذيان وهي تلصق جسد الصغيرة بها أكثر لتهتف الأخيرة بجزع:
_مالك يا مامي ؟!
ذعر الصغيرة يجعلها تفيق من فورة
انفعالاتها قسراً لتبعدها وهي تمسح دموعها هاتفة :
_مامي كويسة ..هاقوم أعمللك البيض اهه .
تقولها وهي تنهض من الفراش لتتوجه نحو باب الغرفة الذي وقفت قبالته مترددة ..
لا تزال تشعر بالغربة في هذا البيت الذي وجدت نفسها فيه دون مقدمات !!
أخت إسلام تلك تبدو متفهمة تركتها لعزلتها طوال الفترة السابقة مكتفية بتفقد احتياجاتها وعبارات ذوقية مجاملة ..
لكنها لا تزال تشعر أنها في حلم عجيب ستستيقظ منه في أي لحظة بعيداً عن إسلام هذا !!
إسلام الذي احترم رغبتها في الانعزال بغرفتها للأيام السابقة مكتفياً بحضور خفيف بين دعاباته الماكرة لها وحنانه المراعي لريما ..
لكن ..ماذا بعد ؟!
آه !!
أي متاهة أوقعت نفسها بها هذه المرة ؟!!
_افتحي الباب يا مامي ..ماتخافيش ..مفيش وراه "عاوّ"!
تهتف بها ريما بشقاوتها المعهودة لتبتسم ابتسامة باهتة ثم تتنهد وهي تفتح الباب بحذر لتغافلها الصغيرة وتعدو نحو غرفة إسلام المجاورة لتختفي فيها ..
نادتها بوجل وهي متسمرة مكانها لكن الصغيرة العنيدة لم تستجب فزفرت هي بسخط وهي تتوجه نحو المطبخ القريب تحاول استكشاف مكوناته ..
وعلى فراشه استيقظ إسلام من نومه على تصفيق الصغيرة بكفيها على وجنتيه وهي تعتلي صدره هاتفة بكلمات منغمة :
_بيبي شارك دودو دودو ..بيبي شارك دودو ..
تكررها وهي تهز رأسها باستمتاع ليضحك ضحكة قصيرة وهو يضمها نحوه هاتفاً بصوت ناعس:
_جود مورنينج سويتي ريما .
لكن الصغيرة باغتته بقبلة عميقة على وجنته هاتفة :
_يو ار ذا سويتي .
"You are the sweety"
احتضن وجهها براحتيه وهو يتأمل عينيها الشبيهتين بعيني أمها ..
ليس عينيها فحسب ..بل ومشاعرها السخية المفرطة !!
عاطفتها نحوه تفجرت فجأة كأنما كانت تنتظر من تمنحه مشاعر الأب الذي افتقدته دون مقدمات ..
ترى هل تفعلها أمها معه يوماً ؟!
ستفعل!!
عهدٌ عليه أن يجعلها تفعل!!
_مامي فين ؟!
يسألها باهتمام وهو يمسد شعرها لترد بعفوية :
_بتعمللي فطار في المطبخ!
فارتفع حاجباه برضا عن خروجها من عزلتها ليخاطب الصغيرة بسؤاله الذي همس به في أذنها كأنما هو سر خطير :
_هي كويسة النهاردة ؟!
لتجاريه الصغيرة في طريقته فتهمس في أذنه بدورها وبنفس اللهجة المبالغ فيها:
_كانت بتعيط وهي بتحضنني ..بس أنا ضحّكتها !
تقول عبارتها الأخيرة بغرور طفولي ليضحك وهو يقبل وجنتها قائلاً باعتزاز بينما يضم قبضته ملوحاً بها في وجهها :
_برافو ..سوبر ريما !
تضحك الصغيرة باعتزاز وهي تهز رأسها ليعاود همسه في أذنها :
_دي مهمتنا السرية الأيام الجاية ..إننا نخليها تضحك وماعادتش تعيط ..قبلتِ المهمة يا محاربة ؟!
يقولها بحماس يشبه لهجة الأفلام الكارتونية لتضحك وهي تهمس في أذنه بنفس اللهجة :
_قبلتها أيها القائد !!
يمد كفه نحوها مصافحاً لتشد هي عليه بقوة وهما يتشاركان الضحك لدقائق بعدها ..
وفي المطبخ وقفت نشوى تراقب المقلاة بشرود ..
ذهبت السكرة كما يقولون وآن أوان تقبل التوابع !!
تريد العودة للعمل في المصنع لعلها تستعيد بعض توازنها لكنها تعلم أن الأمر لن يكون بهذه البساطة ..
تعلم أن ألسنة الناس لن ترحمها بعد ما حدث ليلتها ..
تعلم أنها ستواجه نظرات الفضوليين في كل وجهة تقصدها بين شماتة وإشفاق وإزدراء ..
لكنها ستقاوم كل هذا !!
ستقاومه بقناع القوة الذي اعتادت ارتداءه ..
إن لم يكن لأجل ابنتها ..ولأجل أشرف الذي يكاد يموت قلقاً عليها ..
فلأجل ناصر!!
أجل ..لن تسمح له أن يشعر بأنه أوقف xxxxب ساعتها من جديد ..
بل لن تسمح لنفسها بالبكاء ثانية على
أطلاله ..
هو هدم معبد عشق ظلت ناسكة في محرابه طوال هذه السنوات ..
لكنها اليوم ستصنع من حطامه سلماً تصعد به نحو القمة !
_حاسبي ..حاسبي!!
هتاف ياقوت خلفها يجعلها تنتبه من شرودها لتشم رائحة احتراق البيض أمامها فتنتفض مكانها لتغلق الموقد بسرعة..
قبل أن تقترب ياقوت منها أكثر لتتناول المقلاة "المحترقة" فتضعها بسرعة في الحوض لتسيل عليها الماء فتتصاعد هذه الأبخرة منها ..
_آسفة ..سرحت ..و...
تقولها نشوى بتشتت حمل الكثير من خزيها لتقابلها ياقوت بابتسامة هادئة تليق بقولها :
_ولا يهمك ..فداكي .
_حرقتوا إيه ؟!
تسمع صوت إسلام هو الآخر فيزداد ارتباكها لتزداد معه عصبيتها المنفعلة والتي لا تدري لماذا تنتابها هكذا هائجة معه هو بالذات ..
_غصب عني سرحت والأكل اتحرق ..إيه ؟! عملت كارثة يعني ؟!!
تصرخ بها في وجهه لتصطدم بنظرته المراعية تسكب مياه سكينتها فوق نيرانها ..
خاصة وهي تراه يحمل ريما الصغيرة بين ذراعيه والتي هتفت بها مقلدة لهجتها هي عندما تنصحها بالهدوء:
_اهدي يا مامي ..صوتك العالي دليل على ضعف موقفك .
كتمت ياقوت ضحكتها لتسعل بها فيما لم يستطع إسلام فعلها لتنطلق مدوية..
فتزيد عصبية نشوى من جديد لتنطلق خارجة من المطبخ نحو الشرفة القريبة ..
هذه التي تبعتها نحوها ياقوت وهي تشير لإسلام خلفها ألا يحذو حذوها ..
قبل أن تتحرك لتقف جوارها فتتنحنح لتقول بتفهم :
_لو محتاجة تتكلمي مع حد ..بيقولوا إني بسمع كويس .
_لأ!
هتفت بها نشوى بفظاظة خشنة لكن ياقوت كانت تدرك ما خلفها لهذا صمتت قليلاً قبل أن تقول بحذر:
_سها عندي في المركز بتتعالج من صدمة عصبية جتلها بعد ليلة الفرح ..جوازها بناصر ع المحك ..و..طالبة الطلاق !
قالتها لتتفحص ردة فعل نشوى التي تجمدت مكانها فاغرة فاها للحظات ..
قبل أن تغمض عينيها بألم اكتسح وجهها وقد نجحت عبارات ياقوت -كما توقعت- في إذابة جليد صمتها ..
_هي سمعِته وهو بيكلم والده عنك ..والظاهر اللي سمعته ماعجبهاش ..كانت فاكرة إنها ماسكة كل خيوط اللعبة في إيديها ..مش انتِ بس اللي اتجرحتِ ليلتها ..انتو التلاتة طلعتوا خسرانين .
لم تشعر نشوى بخيطي الدموع اللذين
سالا على وجنتيها ..
ولا بتلك الآهة الخافتة العميقة التي شقت صدرها قبل حلقها ..
لكن ياقوت طرقت الحديد الساخن بسؤالها :
_هو غشك ؟! ضحك عليكي ؟! اهه خد جزاؤه وخسركم انتم الاتنين .
لتصمت نشوى للحظات قبل أن تفتح عينيها وتشرد بهما للحظات سبقت قولها ..
_هو ماضحكش عليا ..انا اللي ضحكت على نفسي ..كنت فاكرة إن العمر اللي فات ممكن يرجع ..اني ممكن أرد اعتباري وأملك قلبه بطفل يجمع بيننا ..كنت شايفة بعيني حبه لمراته بس طمعت ..طمعت آخده منها ويبقى ليا لوحدي .
_اوه ! وفرتي عليا كلام كتير .
تقولها ياقوت برضا قبل أن تتحرك لتقف قبالتها وتمسك كتفيها مردفة :
_انتو التلاتة طمعتوا ..مع ان كلمة السر في سعادتكم كلكم كانت الرضا ..والغريب إنكم في ليلة واحدة خسرتوا كل اللي طمعتم فيه ..هي خسرت ثقتها فيه ..وانتِ خسرتِ حلم العمر قدام الناس ..وهو خسركم انتو الاتنين وكان هيخسر أبوه كمان ..بس إن جيتي للحق المثلث بتاعكم ده كان لازم يتكسر عشان تقيموا الأمور تاني صح ..وكل واحد يعرف قيمة اللي في إيده ..
انتقلت نظرات نشوى المشتتة نحوها لتردف ياقوت بحماسة أكبر وهي تشد على كتفيها :
_انتِ عندك شغلك ..نجاحك ..اخوكي ..بنتك ..
ثم ابتسمت لتردف وهي تشير بعينيها للخارج :
_ومجنون بره مستعد يعمل أي حاجة عشان يسعدك .
انفرجت شفتا نشوى وهي تهم بسؤالها عن المزيد لكن رنين جرس الباب قاطعهما ..
لتدخل كلتاهما فتفاجأ نشوى بإسلام يفتح الباب الذي دخل منه أشرف مع رانيا ..
كانت المرة الأولى التي تراه فيها نشوى منذ ليلة الزفاف التي اصطدمت فيها بثورته ..
لهذا ما كادت تلمح ابتسامته الحنون حتى اندفعت نحوه دون تردد لتلقي نفسها بين ذراعيه ..
دموعها تنسكب على صدره صامتة وجسدها يرتجف وهناً وخزياً ..
بينما تشعر بكفه الداعم على ظهرها يمسده بحنان صامت مكتفياً بضمته الرفيقة لها ..
_لا إله إلا الله ..الراجل يقول عليا إيه دلوقت بعياطك ده ..بعذبك بالكهربا؟!!
يقولها إسلام بمرحه المعهود الذي امتزج بغيرة طفيفة لم يستشعرها سوى أشرف بحدسه الرجولي ليزداد شعوره بأمان شقيقته معه ..
لهذا ضحك ضحكة قصيرة محاولاً تجاوز الموقف لتهتف ريما بعفويتها المعهودة :
_أنكل إسلام طيب مش بيعذب حد ..مامي اللي على طول بتعيط .
_اهه ..وشهد شاهد من أهلها !
هتف بها إسلام بنفس النبرة وهو ينحني ليحمل الصغيرة فيقبلها بخفة ..
قبل أن يشير بكفه نحو نشوى ورائحة الشياط تملأ الأركان حولهم ليهتف :
_دي جت تعمل الفطار حرقت البيض ..امال لو طلبت منها غدا هتولع في المجرّة ؟!
ضحكت رانيا بمرح وعيناها تتفحصان
ملامح نشوى باهتمام ..
تشعر أن تنمرها المعهود قد انكسر قليلاً ليخالط حدتها وهن سمحت له
بالظهور ..
تماماً كما تشعر أنها لا تزال نافرة من
إسلام ..
بل لا تكاد تلقي إليه نظرة واحدة في جلستهم التي امتدت بعدها لنصف الساعة مكتفية بإطراقها الصامت ..
هل كذبها حدسها بشأن نجاح هذا الزواج ؟!!
تساؤلها الأخير أقلقها كثيراً لكن رهبتها اختفت رويداٌ رويداً وهي تنتقل بنظراتها نحو إسلام الذي بدا وكأنما تعلق بصره بنشوى رغم تظاهره بمتابعة الحديث الدائر بينهم ..
هذا التعلق الذي لا يصدر إلا من عاشق يتلهف لكل التفاصيل !
_عايزة أرجع الشغل !
قالتها نشوى أخيراً مخاطبة أخاها الذي رمقها بنظرة متفهمة مدركاً رغبتها في الهروب إلى العمل ليرد إسلام فجأة :
_لما نرجع من شهر العسل .
_شهر إيه ؟!
هتفت بها باستنكار وهي تنظر إليه أخيراً لأول مرة منذ بدأت الجلسة ليغمزها بخفة بحركة لم يرها سواها بينما يكرر ببراءة مصطنعة :
_العسل!
احمر وجهها بخجل لم تملكه ونظرتها المستنكرة تزداد شراسة فيما تبادل أشرف ورانيا نظرة ذات مغزى ..
ليقول إسلام وعيناه مثبتتان في عينيها بقوة تناقض مرح عبارته :
_مش شهر بالظبط ..حجزت لنا كام يوم في مارينا ق بل فرح لجين أختي .
_بجد يا أنكل ؟! مصيااااااااااف!!
هتفت بها ريما مصفقة بكفيها في مرح لكن نشوى هتفت باعتراض وجسدها يرتجف بقشعريرة رهبة :
_مش عايزة أسافر أنا ..ورايا شغل كتير .
_شغلك هاشيله أنا ورانيا ..سافري مع جوزك .
يقولها أشرف بحزم خالطه بعض الإشفاق لتعود ملامحها لتنمرها الحاد لكنها بالكاد أمسكت لسانها ..
_طيب ..نستأذن احنا بقا ..أنا قلت نطمن على نشوى قبل ما نروح المصنع .
يقولها أشرف وهو ينهض ليقلب بصره بينهم بتفحص ..
ريما التي تكاد تطير فرحاٌ ..
إسلام الذي ترتسم التسلية على ملامحه كأنما هو مقبل على لعبة وإن فضحته عيناه بعاطفة سخية لا يمكن نكرانها ..
ياقوت التي بدت متحفظة حذرة لكنها متفهمة ..
وأخيراً ..نشوى التي رغم جذوة تمردها التي عادت للاشتعال يشعر بالاطمئنان عليها وسط كل هؤلاء !!
لهذا صافح إسلام بحرارة وعيناه تحملان له رجاء صامتاً قابله هو بما يليق ..
فيما صافحت رانيا نشوى لتميل على أذنها هامسة :
_خللي بالك من نفسك ..وبالراحة على
إسلام ..شكله بيحبك .
لكن حاجبا نشوى ازدادا انعقاداً وهي تكز على أسنانها بقوة ..
ولم يكد أشرف يغادر مع رانيا حتى وقفت تواجه إسلام بقولها :
_عايزاك !
_ده يوم المنى!
يقولها بغمزته المستفزة كالعادة لتستشيط ملامحها فتبدو كحبة ذرة تتقافز فوق النار ..
_لو احتجتوا حاجة أنا في أوضتي.
تقولها ياقوت كاتمة ابتسامتها وهي تشعر بقرب نشوب معركة هاهنا لهذا آثرت الانسحاب ..
_لوحدنا !
هتفت بها نشوى بانفعال عصبي ليقترب هو منها غارساً نظراته الجريئة في عينيها مع همسه :
_مش بقوللك يوم المنى!
ضمت قبضتها في وضع اللكم ووجهها يزداد احمراراً ليعاود غمزها وهو ينحني ليحمل الصغيرة فيرفعها بينهما مردفاً:
_بس نفطر الأول.. ريما جعانة !
تكافئه الصغيرة بقبلة قوية على وجنته قبل أن تقترب بجسدها من نشوى لتميل عليها بقبلة هي الأخرى جعلت الأخيرة ترتجف وهي تشعر بالمزيد من الغرابة ..
متى اقتحم هذا الرجل حياتهما إلى هذا الحد ؟!
لكن ..ألم تمنحه هي الفرصة ؟!
ألم تبع نفسها من جديد لرجل قرباناً لكرامتها ؟!!
الخاطر الأخير يحشوها بالمزيد من الكآبة التي سيطرت عليها وهي تتحرك بآلية معهما لتفاجأ به يساعدها في تحضير
الإفطار وسط نكاته ومزاحه المشاكس لريما التي لم تتوقف ضحكاتها بعدها وهي تلتصق به في كل حركة ..
ولم يكادوا يستقرون على المائدة حتى رفع إسلام كوب اللبن نحو ريما هاتفاً :
_اللبن الأول .
_مش بحبه !
تقولها الصغيرة بوجه متقزز ليهتف هو بحزم :
_كلنا هنشرب ..
قالها وهو يرفع كوبه هو نحو شفتيه ليرتشف منه رشفة ..
قبل أن يرفع كوباً آخر نحو نشوى ليقربه من شفتيها ولاتزال عيناه تغرسان نظراتهما الجريئة في عينيها المرتبكتين ..
لكنها شربته منه تجاريه لأجل الصغيرة التي ما كادت تراهما حتى استجابت له وهو يعاود رفع كوبها هي نحوها من جديد ..
نفس الخطوات فعلها وهو يقنعها بتناول سلطة الخضروات لتهتف به الصغيرة أخيراٌ بشقاوة عذبة :
_انت ماضحكتش عليا ..أنا سمعت الكلام بس عشان تخللي مامي توافق إننا نسافر .
ضحك إسلام ضحكة عالية وهو يربت على شعرها لتهتف نشوى بها بحزم :
_روحي أوضتنا يا ريما دلوقت ..وسيبي كلام الكبار للكبار .
عادت الصغيرة ترمقه هو بنظرة راجية وقد بدت وكأنها ستعصي أمر نشوى لكن إسلام مال على أذنها ليهمس لها بخفوت :
_تذكري المهمة السرية يا محاربة .
فالتمعت عينا الصغيرة بحماس لتميل على أذنه هامسة بلهجة
الأفلام الكرتونية :
_تذكرت أيها القائد !
وأمام عيني نشوى المتوجستين غادرتهما الصغيرة بطاعة غريبة على طبعها العنيد كأمها ..
ليتحرك هو فيقبض على كف نشوى بقوة رفيقة أرجفت جسدها ثم يتحرك بها نحو غرفته هو التي أغلق بابها خلفه قبل أن يلتفت نحوها ليناظر عينيها بهذا القرب ..
عينيها اللتين هربتا منه بسرعة وهي تحاول سحب كفها منه لكنه تشبث به في يده لتقفز الدموع فجأة لعينيها مع كلماتها :
_لازم نحط النقط ع الحروف من أولها..انت عايز إيه م الجوازة دي ؟!
لم يستطع الرد للحظات وهو غارق في نظراتها التي كانت تتلون بسرعة البرق بين لجة من المشاعر المتناقضة ..
ألم ..خوف ..انكسار ..غضب ..تحدّ ..
وعيد ..
ووميض متتابع من رجاء خفي وسط كل هذا يكاد يستشعره يستحوذ على قلبه ..بل كل كيانه !
لهذا لم يشعر بنفسه وهو يقترب أكثر وأكثر حتى كاد يلاصقها بينما يضغط كفها في راحته بالمزيد من القوة ..
هنا تجرأت هي لترفع عينيها نحوه للحظة قبل أن تغمضهما من جديد بقوة رافضة قراءة ما تبوحان به ..
الوهن الذي يفتت كيانها تترجمه روحها من جديد للمزيد من الحدة العصبية فتصرخ به وهي تحاول عبثاً تخليص كفها منه :
_رد عليا !
_انتِ قلتيها ليلة فرحنا ..عايز أرد القلم لناصر بعد اللي عمله في حسين رجائي .
يقولها بنبرة محايدة لتربكها المفاجأة !
لم تتوقع منه هذا الرد !!
توقعت المزيد من المراوغة ..المماطلة ..ادعاء إعجابه بها ..منحها تفسيراً لهذه العاطفة مستحيلة التصديق في عينيه ..
لكن أن يكون هذا جوابه فهو ما صدمها للحظات وجعلها تتجرأ من جديد لترفع عينيها المصعوقتين نحوه ..
فتقابلها هذه النظرة التي تكذّب كل كلمة قالها!!
أي متاهة هذه التي توشك على خوضها من جديد ؟!
ألم تكتفِ بجراح القلب بعد ؟!
الخاطر الأخير يلون ملامحها بانكسار لم تملكه وهي تعاود إغماض عينيها لترد بسخرية مريرة :
_يبقى انت نشنت غلط ..أنا عمري ما فرقت ولا هافرق معاه .
_عشان غبي!
هتف بها قاطعة بنفس النبرة المحايدة ..قبل أن ترتفع أنامله الحرة ببطء نحو وجنتها تحتضنها ثم يرفع وجهها نحوه مردفاً بنبرة أكثر خفوتاٌ ورقّة :
_أنا لو ألاقي واحدة زيك تحبني أبيع الدنيا كلها عشانها .
وللحظة واحدة هيئ إليها أنها غابت عن هذا العالم لتذوب في عمق نظرته ..
للحظة واحدة شعرت أنها أمام رجل آخر حنون مراعٍ بعيد تماماً عن مكره ومزاحه وشقاوته المعهودة ..
للحظة واحدة اخترقها هذا الوعد غير المنطوق في عينيه ..زلزلتها هذه الذبذبات غير المرئية بينهما ..
لحظة واحدة لكنها لم تكن كافية !!
عاد بعدها القلب يوصد أبوابه مختبئاً خلف أسوار قلعته !!
تسحب كفها منه بقوة مفاجئة هذه المرة لتحرر نفسها مبتعدة عنه بضع خطوات قبل أن تقول بنبرة عادت إليها حدتها :
_هترجع تلف وتدور وأنا ماليش في شغل الملاوعة بتاعك ده ..بس أنا مايهمنيش في الليلة دي غير بنتي وبس .
_مالها ريما؟!
يسألها بصبر متفهم وهو يعاود الاقتراب منها لتكتف ذراعيها هاتفة :
_حركاتك اللي بتعملها دي بتعلقها بيك ..والبنت ماصدقت تجرب وجود بديل للأب ..مش عايزاها تتصدم لما الجوازة دي تتفض وكل واحد يروح لحاله .
فمط شفتيه وهو يكتف ساعديه مقلداً إياها ليسألها بحاجبين متراقصين :
_مين قال كل واحد هيروح لحاله ؟! أنا قلت ؟!
تكز على أسنانها بصمت ليجيب نفسه بنفسه :
_أنا ماقلتش !
يقولها مع غمزة لم تعد تعرف عددها في هذا اليوم ..
ألا يجيد هذا الرجل سوى الغمز بعينيه بهذه الطريقة ال...؟؟
ال....!!
الآسرة هذه !!
_ما تستفزنيش ..أنا يمكن مش فاهمة مبررك في الجوازة بس مش هاسمح لك تخدعني وتأذي مشاعر بنتي .
تهتف بها بعصبية احمر لها وجهها لتزداد فتنة في عينيه ..
بالكاد يقاوم نفسه كي لا يسكت هاتين الشفتين اللتين لا تتفوهان
إلا بالحماقات ..
يسكتهما بحل يروقه كثيراً ..ويتوق إليه كثيراً كثيراً ..
كثيراً!!
_يافرحتك فيا ياعمو علاء ..بتاع البرقوق لبس في حتة تين شوكي إنما إيه ..جاامدة !!
يقولها لنفسه وهو يسمح لعينيه بالتجول على منحنيات أنوثتها البارزة كعهدها بوضوح خلف ما ترتديه ..
تضاريس كهذه يصعب مداراتها تحت أي ثياب مهما اتسعت !!
نظراته الحارة المتفحصة تزيد ارتباكها وعصبيتها لتهتف به وهي تبتعد لا إرادياً :
_انت يا بني آدم رد عليا .
_المطلوب؟!
يسألها بمكر وهو ينتزع عينيه عنها قسراٌ لتتلعثم كلماتها وهي تعاود التلويح بذراعيها :
_مالكش دعوة بريما ..ماتخلليهاش تتعلق بيك ..وشيل فكرة السفر دي من دماغها دلوقت ..ماتشبطهاش وتطلعني أنا الشريرة اللي مش راضية تفرحها .
_على بركة الله .
يقولها بنبرة مستسلمة لترمقه بنظرة متشككة قبل أن تراه يعطيها ظهره ليفتح الباب هاتفاً بصوت عال :
_ريماااا...مامي وافقت ع السفر ..ياللا نحضر الشنط .
شهقت بحدة وهي تندفع نحوه ليلتفت إليها بغمزة جديدة سبقت "قرصته" لخدها الممتلئ بحركة خاطفة :
_انت تأمر يا جميل !
تبعد وجهها عن مرمى أصابعه بسرعة ووجنتاها تكادان تحترقان غضباً و...
خجلاً!!
تهم بالصراخ به بغضب لولا أن اندفعت ريما إليهما من الداخل راكضة بسرعة لتحتضن خصرها هاتفة بفرحة عارمة :
_شكراً يا مامي ..كنت عارفة إنك هتوافقي .
فتعود إليه بنظرة قاتلة قابلها بحاجب متراقص قبل أن ينحني ليحمل الصغيرة ويقبل وجنتها بعمق قائلاً:
_محضر لك بروجرام حلو قوي..
ثم يعود ل"الشوكية" أمامه بغمزة جديدة :
_يجنن !
==========
انتهى الفصل
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم سينابون
القطعة الحادية والعشرون
========
_شكراً يا ياقوت ..كنت محتاج أخرج جداً !
يقولها هيثم بتشتت وهو يتلفت حوله في النادي الذي اصطحبته إليه لتشعر بالمزيد من الحيرة ..
إسلام وأمه يحاولان عزل هيثم عن العالم الخارجي خوفاً عليه من أن يعرف حقيقة تسبب له انتكاسة ..
لكنها لا تزال -كطبيبة - لا تدري جدوى هذا الأمر خاصة والمدة تطول ..
هل سيحبسونه في بيته للأبد ؟!!
ربما لهذا طلبت من إسلام أن تخرج هي معه اليوم على مسئوليتها لعلها تحفز ذاكرته بزيارة
الأماكن التي اعتادها ..
_آسف عشان اللي ماما عملته ..أنا مش فاهم أسباب ..بس ..
يقولها بتلعثم متذكراً ما سمعه عن سجنها إياها لترد هي محاولة تجاوز الأمر بدورها :
_سيبك من ده وقل لي ..انت أخبارك إيه ؟! ماافتكرتش أي حاجة ؟!
يعاود التلفت حوله ليقول بشرود :
_ساعات بفتكر مواقف بعيدة ..بس متفرقة ..وشوش بس مش فاكر أساميها .
_مفيش حد معين حسيت إنك مشدود له وإنك تعرفه ؟!
تعاود سؤاله باهتمام وهي تعدل وضع نظارتها فوق أنفها ليصمت قليلاً قبل أن يرد بتردد :
_شهد !
ابتسامة واهنة ارتسمت على شفتيها وهي تشعر بالمزيج من الرضا والتوجس ..
لاتزال هذه العلاقة تثير ريبتها ولا تدري أين ستصب ..
لكنها ستتبع حدسها فيما يتعلق بهما ..
لهذا اجتاحها المزيد من الرضا وهو يرد بابتسامته العفوية :
_طول الفترة اللي فاتت بكلمها في التليفون كل يوم تقريباً ..بتقوللي تفاصيل جميلة قوي عننا قبل الحادثة ..لدرجة إني نفسي أخف عشان أعيشها معاها تاني ..
_حاسس إنها بتحبك ؟!
تسأله بترقب ليرد مباشرة دون تفكير:
_قوي !
ابتسامتها تتحول لضحكة صافية وهي تميز هذه الثقة التي يتحدث بها ..
والتي تعتبر غريبة حقاً عن كل هذا التيه الذي يشعر به ..
كأنها صارت حقيقته الوحيدة الثابتة وسط ظلمات ضلالاته ..
لكنه عاد يشرد ببصره مردفاً:
_بس فيه حاجة بيننا ناقصة ..كلامها معايا مخنوق ..حاجة مش عارف أوصفها ..
_ممكن تكون جرحتها زمان ..أو يمكن هي جرحتك ؟!
تقولها بحذر محاولة تحريك مياهه الراكدة ليلتفت نحوها بحدة للحظة كأنما تذكر شيئاً ..
قبل أن يعود ليهز رأسه بيأس :
_مش فاكر .
منحته ابتسامة داعمة لتردف وهي تربت على كفه المبسوط أمامهما على المائدة :
_الموضوع مش هييجي زي الأفلام ..صدمة وخبطة على دماغك تخلليك تفتكر اللي نسيته ..رجوع الذاكرة غالباً بيبقى تدريجي وبهدوء ..ساعد نفسك بس واسترخي ..
ثم صمتت لحظة لتردف :
_وصدّق قلبك .
أومأ برأسه وهو يمنحها ابتسامة اتسعت وهو يميز وجه شهد التي ظهرت من خلفها فالتفتت هي نحوها لتقف مصافحة إياها قبل أن تلتفت له هاتفة :
_إيه رأيك في المفاجأة دي ؟!
ضحك وعيناه تلتمعان بعاطفة صادقة بينما يقف يصافح شهد التي بدت مرتبكة محمرة الوجنتين ..
طيف عابر يمر في ذاكرته -المثقوبة- لفتاة تشبهها تسير جواره وتضحك ..
فيشعر بالمزيد من الألفة وهو يدعوها للجلوس شاكراً ياقوت التي انسحبت عنهما تاركة لهما بعض الخصوصية ..
تسير مبتعدة وعيناها تميزان خيوط هذه العاطفة المنسوجة بينهما ..
تشعر بالكثير من الإشفاق نحو شهد التي تلعب في "الوقت بدل الضائع" محاولة تلقف ما تلقيه لها الحياة من "فتات" حب لن يدوم ..
لكنها تطمع -مثلها- أن يكون لحب يائس مثل هذا فرصة ..
ربما وقتها يمكنها هي الأخرى أن تطمع بفرصة شبيهة !
تنهيدة حارة تستجلب دمعة حارقة لعينها وهي تتذكر آخر لقاءاتها بزين الذي لايزال مصرّاً على عزلته العقابية ..
فيخفق قلبها بلوعة وهي معلقة بين جحيم قلقها عليه ..وخوفها من لقاء ثمر المرتقب عقب عودتها للقرية ..
قشعريرة باردة ترجف جسدها وهي تتوقع عتابها منتظرة عهداً لن تستطيع الوفاء به ..
لكن أفكارها تتوقف وهي تعود ببصرها هناك نحو أخيها وحبيبته لترى ما اعتبرته "إشارة قدر" ..
فهناك كان هيثم يحتضن كف شهد بين راحتيه وابتسامته تنافس ابتسامتها أمامه حباً !
تهز رأسها بحيرة وهي تعاود السير والسؤال البسيط ..البسيط جداً ..والخطير ..الخطير جداً ..يفرض نفسه وسط صراع القلب والعقل ..
هل يكفي الحب وحده ؟!
======
_كل دي حاجات يا توتة ؟!
تهتف بها لجين بلهفة فرحة وهي تقلب الحاجيات التي أتتها بها شقيقتها تجهيزاً لزفافها القريب ..
لترد الأخيرة بابتسامة حانية :
_واحنا عندنا كام أوبرا يعني ؟!
تقولها وهي تعانقها بحنوّ لتمنحها لجين ابتسامة امتنان واسعة سبقت قولها:
_عقبال ما نفرح بيكي ..عمري ما كنت أتصور إني أتجوز قبلك .
_بتعايريني يا بنت ؟! احنا لسه فيها ..أنا أشاور بس وألف عريس ييجي ..الرجالة كتير بس فين النفس؟!
تقولها ياقوت ممازحة بمرح لكن لجين شعرت بمرارة خفية مدفونة تحت هذه الكلمات ..
ياقوت تخفي شيئاً!
شيئاً أكبر من أن يداريه كتمانها ومرحها المصطنع ..
لهذا رمقتها بنظرة متفحصة قلقة لتسألها:
_انتِ كويسة ؟!
والسؤال -على بساطته - يستجلب دمعة حارقة لعينيها ..
لقد ملت التظاهر أنها بخير ..
ملّت هذا الوجع الذي يبقيها على حافة الانتظار الغبية وهي لا تدري ماذا تفعل ..
لكنها اغتصبت ابتسامة واسعة وهي تعاود ضم شقيقتها هاتفة :
_زي الفل ..خلليكي انتِ في نفسك ..وقوليلي عريسك عامل معاكِ إيه ؟!
احمر وجه لجين خجلاً وهي لا تدري كيف تصف سعادتها ..
رغم تحفظ عابد بحكم التزامه الديني ..
رغم أنه لم ينطق حتى الآن بكلمة غزل واحدة ..
ورغم أنه غريب تماماً عن كل نماذج الرجال الذين رأتهم في حياتها ..
لكنها تشعر وكأنه هو بالذات ..خُلق لها!!
هو لا يقول لها "أحبك"
بالطريقة التقليدية ..لكنها تسمعها في كل مرة تراه متعجلاً إتمام الزواج ..
في كل مكالمة تتكرر على مدار اليوم يسألها عن أخبارها ..
في كل مرة تشتعل فيها عيناه أول ما يراها قبل أن تشعر أنه ينتزع نفسه انتزاعاً ليغض بصره عنها ..
رائعٌ هو بكل تفاصيل خجله وورعه ..
وهذا البِشر النوراني الذي يشع من ملامحه ..
كأنه لا ينتمي إلى هذا الزمان !
إنه حتى لم يسألها عن تفاصيل مرضها بعدها محترماً خصوصيتها ..
يتغمدها بهذا الحنان الذي لا يُرى لكنه يحس ..وكفى!
_خدي بالك الشيوخ دول بيطلع منهم أحلى شغل ..ماتغركيش الدقن والجلابية ..ولو إني مش متخيلة بطريقة كلامه دي هيقوللك بحبك إزاي ..
هتفت بها ياقوت وقد تلبستها "العفريتة العابثة" لتردف مغلظة صوتها ومقلدة عابد :
_واحبيبتاه ! كاد الشوق يقتلني ..قلبي مفتون بك منذ رأيتك لكن الحلال الأجمل جعلني أنتظر ..
قهقهت لجين ضاحكة وهي تخبطها على كتفها بقبضتها لتشاركها ياقوت ضحكاتها للحظات ..
قبل أن تهتف على نفس الوتيرة :
_أخاف تلقطيها منه ويوم الصباحية تقابلينا بتقولي :أختاه ..جَدَّتي ثمر ..كم افتقدتكما !
تقولها قابضة راحتيها أمام وجهها في وضع تمثيلي لتقاطعها لجين وسط ضحكاتها :
_بس بقا يا توتة قلبي هيقف م الضحك .
فتنهدت ياقوت وهي ترمقها بنظرة دافئة طويلة سبقت قولها الجاد :
_هو ده الراجل اللي أطمن عليكي بجد معاه ..دعوة ستك ثمر لينا ربنا مش هيضيعها .
_عقبالك يا دكتورة !
تهتف بها ثمر من خلفهما بنبرة عتاب خفية لم تستشعرها سوى ياقوت التي هرعت إليها رغم كل شيء تلقي نفسها بين ذراعيها هاتفة :
_وحشتيني يا ستي ..سألت عليكِ أول ما وصلت ..
ثم رفعت عينيها إليها مردفة بإشفاق:
_صحتك ما عادتش مستحملة اللي بتعمليه ده .
كانت قد علمت من شقيقتها فور وصولها أن أحد أهل القرية استدعى ثمر بالاسم طالباً منها تغسيل جسد ابنته المتوفاة حديثاً ..
هذا الأمر الذي تشعر أنه صار شاقاً على جدتها بوضع صحتها الحالي ..لكن الأخيرة رفعت وجهها للأعلى قائلة :
_طول ما الكريم مديني صحة مش هابخل على حد طلبها مني ..
ثم عادت ببصرها إليها مردفة :
_الدنيا دي طول ما الواحد شايف آخرتها عمره ما يطمع فيها ..
قالتها وهي تخلع عنها طرحتها وعباءتها الخارجية لتخاطب ياقوت بقولها :
_تعالي ..عايزاكي .
ازدردت ياقوت ريقها بتوتر وهي تشعر بالخوف من تبعات هذه المواجهة ..
لكنها سارت خلفها مطأطأة الرأس نحو غرفة ثمر المجاورة ..
فيما راقبتهما لجين شاعرة بحدسها أن ياقوت تخفي شيئاً ..شيئاً يتعلق بقلبها ..
معقول؟!
أي رجل هذا الذي يمكنه زلزلة قلب كقلب ياقوت ؟!
أفكارها تنقطع برنين هاتفها معلناً عن وصول رسالة .. لتبتسم عفوياً وهي تهرع إليه ..
قبل أن تتحول ابتسامتها لتنهيدة عميقة حملت كل مشاعرها وهي تقرأ رسالته التي بدت لها أعظم من كل عبارات الغزل ..
_ذكرتك اليوم في صلاتي ..ودعوت الله أن تكوني زوجة الدنيا والآخرة .
=====
_اقعدي يا دكتورة .
قالتها ثمر وهي تتكئ بإرهاق على فراشها لتجلس ياقوت جوارها وهي تشعر بندائها إياها :"يا دكتورة" يحمل لها بعض الطمأنينة ..
ثمر تناديها به عندما تريد منحها شعورها
بالاعتزاز ..
وتغيره ل"بنت أشواق" عندما يحمل كلامها العتاب ..
لكن أفضل نداءاتها هو "بنت قلبي" ..هذا الذي تشاركها فيه لجين ويشعرهما بحميمية هذه
العلاقة الفريدة بينهن !
_أنا ما كسرتش كلمتك ..ما دخلتش بيته زي ما طلبتِ مني ..هو اختار لنفسه منفى بعيد عن كل الناس عشان يجلد فيه نفسه ..غصب عني يا ستي ..ماقدرتش ما أروحش ..بس ما كنتش لوحدي ..قريبه كان معايا .
تقولها بنبرة مذنبة لترمقها ثمر بنظرة طويلة متفحصة وعيناها تحطان على قرطها في أذنيها ..
والذي حمل لها جواباً لسؤال لن تسأله !!
_لسه بتبصي لفوق وغاوية وجع قلبك بإيدك !
تقولها عاتبة لتدمع عينا ياقوت مع قولها وهي تشيح بوجهها :
_مش بإيدي يا ستي ..
ثم عادت إليها ببصرها وهي تمسح دموعها مردفة :
_بس خلاص ..أخته قربت تخف خالص ..وكل واحد هيروح لحاله .
_هو قاللك كده ؟!
تسألها ثمر بابتسامة ساخرة غير مصدقة لتطرق ياقوت برأسها مجيبة :
_هو مش عايز يشوفني ولا يشوف أي حد .
أصدرت ثمر همهمة قصيرة وهي تسند رأسها على وسادتها لتقول بشرود :
_ده معناه إن لسه ضميره صاحي ..ربنا خلق النفس المطمئنة والنفس الأمارة
بالسوء ..وبينهم النفس اللوامة اللي بترد صاحبها لو تاه .
رفعت إليها ياقوت عينيها بحديث عجز عنه لسانها ..
تود الآن لو تبوح لها بكل خباياها ..
لو تحكي لها أي رجل هو ..
أي دعم منحها إياه ..وأي سند كان لها يوماً ..
لكنها تعلم أنها لن تفعلها ..
لن تكسر ثمر بذكر ماضٍ كهذا !
_ممكن يا ستي ..تدعيله ؟!
تقولها برجاء حار وهي تمد كفيها لتحتضن كفي ثمر التي عادت ترمقها بنظرة طويلة متفحصة قبل أن تقول لها بحكمة :
_ربنا يهديله حاله ..ويهديلك حالك .
تنهدت ياقوت وهي تشكر لها سراً عدم إفراطها في تقريعها ..
وهو ما تعجبته قليلاً قبل أن تنتبه لهذه
"النظرة الغائمة" في عيني ثمر ..
نظرة لا تراها إلا قليلاً لكنها تشعر وكأنها عبرها تستنطق بصيرتها !
نظرة تخشاها لكنها تطمئن لنتيجتها على أي
حال ..
لهذا انكبت على كفها تقبله لتمسد ثمر شعرها قبل أن تقول لها بحزمها الحاني:
_ساعات الدنيا بتغرنا بطريق مش لينا ..والشاطر اللي يبص تحت رجليه قبل ما يخطّي ..سكته غريبة عنك ممكن تتوهي ..بس أرجع وأقول مين عالم طريقه فين ؟!
ثم صمتت لحظة لتنهي حديثها بقولها:
_يوم ما عقلك يصالح قلبك في
الكلام عنه ..ساعتها بس اطمني إن طريقك معاه ..غير كده ما تعلقيش حالك في حبال دايبة .
=======
خرج رامز من غرفتهما الخالية منها وقد استيقظ لتوه ليتوجه نحو الصالة حيث وجدها منكبة على المائدة ..وجهها النائم غارق بين أوراقها ..
خصلات شعرها منسدلة بفوضوية على ظهرها وحول وجهها..
وجوارها كوب من "النسكافيه" البارد كالعادة بعد ما نسيت في غمرة انشغالها أن تشربه ..
ابتسامة مشفقة ترتسم على شفتيه وهو يتحرك مقترباً منها ..
قبل أن ينحني ليمد ذراعيه نحوها فيحملها ..
آهة خافتة تطلقها وهي تفتح عينيها لتميز ما يفعله فتهتف به بصوت ناعس:
_فيه إيه ؟!
لكنه يتحرك بها بخفة نحو غرفتهما قائلاً :
_كملي نوم جوه .
_مش عايزة أنام يا رامز ..مفيش وقت .
تقولها باعتراض عبر ملامحها المرهقة محاولة التملص من بين ذراعيه لكنه يتشبث بها أكثر ليواصل حركته بها نحو فراشهما الذي أرقدها فوقه ليجلس جوارها قائلاً عبر أنفاسه
اللاهثة :
_تقلت قوي يا بسطويسي ..واللا الواحد اللي صحته ماعادتش زي زمان ؟!
ابتسمت عبر عينيها المغمضتين محاولة مقاومة نعاسها لترد :
_برضه بسطويسي؟! مش كان ربنا تاب علينا ؟!
لكنه ضحك وهو يشير لمنامتها بلونها الداكن وتصميمها الرياضي شبه الرجالي هاتفاً :
_بسطويسي واللا مش بسطويسي؟!
ضحكت ولاتزال مغمضة عينيها للحظات قبل أن تعاود فتحهما لتفركهما بأناملها قائلة :
_خلاص ..مش هاعرف أنام تاني !
_أنا آسف ..ماقصدتش أقلقك ..بس النومة التانية دي كانت هتتعبك .
قالها معتذراً وهو ينحني ليقبل وجنتها فابتسمت وهي تدفعه برفق لتنهض قائلة:
_لا ده كده تمام قوي ..المناقشة قربت ..ومش عايزة أضيع وقت ..
ثم تذكرت ما جعلها تسأله باهتمام:
_مامتك بقت كويسة ؟! صالحِت سيف؟!
تنهد بحرارة وهو يتذكر المشادة التي دارت بين سيف وأمه ذاك المساء ..
أمه التي رفضت ارتباطه بغادة بطبيعة الحال لترى في مجرد رغبته هذه ضرباً من جنون !
لماذا يقبل الزواج بامرأة بظروفها وماضيها خاصة وهو لم يسبق له الزواج من قبل ؟!
لكن سيف فجر مفاجأته في وجوههم جميعاً ليخبرهم بما أخفاه طوال هذه السنوات عن زواجه بآنجيل !
_مش مصدق إن سيف كان مخبي موضوع مهم زي ده .
يقولها رامز باستياء متذكراً صدمة والدته لترد هانيا وهي تعدل وضع وسادتها خلفها :
_بالعكس ..لو فكرت هتلاقي ده طبيعي جداً ..شاب في سنه مش هيتأخر في الجواز كده إلا لو كان في حياته تجربة معينة ..
ثم هزت رأسها لتضيق عينيها بقولها :
_أنا اللي متغاظة من غادة جداً ..كانت عارفة ومخبية عليا.
ابتسم بشرود للحظات قبل أن يلوح بسبابته في وجهها قائلاً:
_غادة دي جدعة ..احترمت خصوصيته ..معاه حق يحبها قوي كده ..
ثم ضحك مردفاً ببعض الدهشة :
_ماكنتش مصدق عنيا وهو بيتكلم عنها قدام ماما بالطريقة دي ..كأنها آخر ستّ في الدنيا ..سمعتيه وهو بيقوللها "الموضوع منتهي ..غادة خلاص هتبقى مراتي"!
قالها مقلداً لهجة سيف "شديدة الحزم" في عبارته الأخيرة لتبتسم ابتسامة قلقة ناسبت تساؤلها :
_تفتكر مامتك هتوافق؟!
_مش عارف ..
قالها صادقاً بحيرة قبل أن يشبك أصابعه مردفاً :
_ماما بتثق في دماغ سيف وكلمته عندها ما بتتردش ..يمكن عشان كده صدمتها كانت كبيرة ومن ساعتها ما خرجتش من أوضتها .
_أنا بقى خايفة على غادة نفسها لو وصلها رفض مامتك ..هي ماعادتش مستحملة صدمات .
قالتها بإشفاق ليقاطع حديثها واضعاً سبابته على شفتيه مشيراً لها بالصمت وهو يرهف سمعه ..
قبل أن يتحرك ليغادر الغرفة وقد سمع صوت شقة أمه السفلية يغلق !
فتبعته هي بفضول لتراه يتحرك نحو باب شقتهما حيث وقف يراقب شقة سيف المقابلة عبر العين السحرية ليرى والدته تطرق بابها الذي فتحه لها سيف قبل أن يختفي كلاهما خلف الباب الذي أغلق لتوه .
فعاد إليها ببصره مشيراً للخارج هاتفاً بمرح :
_شكلها كده مباحثات القمة بدأت ..بس بُشرة خير إن الحاجة طلعت له بنفسها .
رفعت كفيها بوضع الدعاء لتهتف برجاء:
_يارب توافق ..
ثم اقتربت منه لتحيط كتفيه بكفيها مردفة بنفس النبرة :
_وانت كمان شد حيلك معاه ..كلمة منك على كلمة منه دماغها هتلين .
_والله ما قصرت!
هتف بها بمرح باسطاً راحته في وجهها لتضحك وهي تمرغ وجهها في صدره قائلة :
_عارفة يا حبيبي .
ثم رفعت عينيها نحوه لتقول بنبرة عابثة :
_واحنا هنفضل واقفين كده مستنيين نتيجة مؤتمر القمة ده ؟!
فأحاط خصرها بكفيه ليقرب وجهه منها هامساً :
_عندك اقتراحات نضيع بيها وقت ؟!
_يعني ..كنت بفكر ..بما أنك قلقتني ..وطيّرت النوم من عيني ..
تصمت قليلاً كي تثير أعصابه فيزداد ضغطه على خصرها ليهمهم بنبرة مشتعلة :
_مممم؟!
لكنها تفلتت من بين ذراعيه لتقول بمرح يشبه مرحه :
_نشوف موضوع بسطويسي اللي مضايقك ده !
ابتسم وهو يراها تغمزه لتعطيه ظهرها راكضة نحو غرفتهما التي أغلقت بابها خلفها بالمفتاح ..
فضحك وهو يشعر بالإثارة مدركاً أنها ستفاجئه كعهدها مؤخراً بواحد من عروض أنوثتها السخية التي صارت تغدقها عليه دون تحفظ ..
يتحرك بخطوات منفعلة نحو غرفتهما والإثارة تضخ المزيد من الأدرينالين في عروقه ..
ليطرق الباب بخفة قائلاً بخفوت من خلفه :
_بس بالراحة علينا ياعم ..مش أدك !
ضحكتها العالية تصدح في أذنه من الداخل لتشعل المزيد من جوارحه وهو يشعر أنها تتغلب على عقدتها القديمة يوماً بعد يوم ..
عاطفتها الهادرة نحوه صارت أكثر جموحاً وحبه يمنحها المزيد من الثقة لتتعمق خطواتها في هذا الطريق أكثر ..
تفتح الباب أخيراً لتحتبس أنفاسه في حلقه للحظات وهو يميز ما ترتديه ..
منذ علمت أن اللون الذهبي يخطف لبه وهي تتفنن في ارتدائه بدرجاته المختلفة ..
لكن الآن وهو يمتزج بالأسود في هذا القميص المثير شديد القصر فهو يفوق كل تخيلاته ..
خاصة مع الكعب العالي لهذا الحذاء الذي ترتديه ..
وشعرها الذي نثرته بفوضوية محببة حول وجهها لتنزل منه غرة كثيفة على أحد جانبي وجهها منحتها المزيد من الفتنة ..
تتحرك متمايلة بمشيتها أمامه كطاووس يتبختر فتزلزل كيانه بفتنة نابعة من روحها قبل جسدها ..
تورد وجنتيها الخجول ..
ارتجافة جسدها ببعض الخشية -التي لا تزال تجدها في نفسها رغم كل شيئ وتحاول مقاومتها بكل قوتها- ..
ثم احتضانها أخيراً لنفسها بذراعيها ..
كل هذا يناقض مرح نبرتها الذي حاولت التحكم به مع قولها :
_كنت بتقول إيه بقا عن بسطويسي؟!
عبارتها تنقطع بين ذراعيه وهو يندفع نحوها ليجذبها إليه ثم يرفعها عن الأرض لتغرق بين أمواج عاطفته ..
دوماً ما يهزم عطاؤه السخي هذا بقايا حطام عقدتها القديمة ..
دلال أنوثتها بين يديه لم يعد خزياً ..
لم يعد وهناً ..
بل صار لوحة ترسمها أناملها بحب راغبة في أن تراه يشاركها فيها ..
بحراً لم تعد تخشى ولوجه مادام يشاركها جنون أمواجه ..
تشعر بازدياد وتيرة جنونه لكنها تدفعه برفق هاتفة بدلال :
_مش قبل ما تعتذر عن قصة بسطويسي اللي
طالع لي فيها دي .
_بسطويسي مين ؟! ما خلاص بقا .
يهتف بها عبر أنفاسه اللاهثة وهو يتحرك بها نحو الفراش الذي وجدت نفسها مستلقية عليه يظللها دفء عاطفته قبل قلبه ..
لتهتف باعتراض واه :
_طب نطمن على سيف ..
تقولها وهي تشير نحو الخارج بسبابتها التي قضمها هو برفق لتتأوه ضاحكة بدلال بينما يصلها صوته المتهدج بعاطفته :
_سيف مين دلوقت؟! ..ربنا يوفقه !
====
_اتفضلي يا ماما .
يقولها سيف بحنانه الخاص الذي يمتزج بنبرته شديدة الجدية وهو يستقبل والدته التي رمقته بنظرة عاتبة وهي تجلس على أحد
الأرائك قائلة :
_كان لازم أعرف إن الحكاية فيها "إنّ"..لما أصريت تقعد هنا في شقتك من ساعة ما رجعت وسبتني لوحدي تحت ..إيه ؟! بتبكي ع الأطلال في المكان اللي هي كانت ساكنة فيه ؟!
فمط شفتيه ليجلس جوارها قائلاً :
_ماتبالغيش يا ماما ..أنا من زمان حابب
استقلالي بحياتي هنا في الشقة .
ازدادت نبرة العتاب في صوتها وهي تعدل وضع شالها الخفيف على كتفيها قائلة :
_طول عمرك عايش في عالم لوحدك ..بس مااتخيلتش أبداً إنك تتجوز من ورايا يا سيف .
اختلجت عضلة فكه وهو يطرق برأسه بمزيج من ألم وذنب ولهيب الماضي يعاود لفحه ..
لتمد ذراعيها فتضم رأسه نحو صدرها بحنوّ قائلة بصوت أرجفته عاطفته :
_أنا أمك يا حبيبي ..أكتر واحدة في الدنيا دي تهمها فرحتك ..ويقتلها وجعك ..كلمني يا سيف ..احكيلي كل حاجة ..
وفي هذه اللحظة بالذات شعر وكأنه قد عاد
طفلاً في حضنها !
جسده يرتجف بفيض شعوره وهو يضمها بدوره لتنساب كلماته دون تخطيط ..
يحكى لها عن تفاصيل علاقته بآنجيل التي
طالما خجل من الاعتراف بها كأنما كانت تكبله قيود ذنبه ..
والآن يتحرر منها كاملة ليرويها دون تحفظ ..
يحكي لها عن غادة ..
عن شعوره أول مرة رآها ..
عن هذه الغيرة المجنونة التي لم يكن يفهمها والتي كانت تتملكه عليها فيضطر لإخفائها مقنعاً نفسه أنها لن تكون له ..
عن الفخ الذي كادت تسقطه فيه قريبة آنجيل وقرب ضياع غادة من يده لولا أن اكتشف الحقيقة في الوقت المناسب ..
عن روحه التي ردت إليه يوم تحررت من كارثة سجنها الأخيرة ..
وأخيراً عن عهده لنفسه أن يعوضها هذا العذاب الذي عاشته !
_مش هاسيبها يا ماما ..مش هاقدر أعيش من غيرها ..أكدب عليكي لو قلتلك اخترتها وأديلك أسباب ..لا ..أنا فجأة حسيتها جوايا ..ساكناني ..الموضوع كله غريب ..كأني ..كأني من غيرها ناقص حاجة هي بس اللي هتكملها ..
يقولها أخيراً بصدق حار مس قلب أمه وهو يرفع وجهه أخيراً نحوها ليردف :
_مش قصدي أعارضك ولا أخالف كلامك ..بس من غير مبالغة ..فرحتي اللي جاية بقت مرهونة بيها ..هي بس!
مسحت دموع تأثرها وهي تعاود دفن رأسه بين ضلوعها متمتمة بلوعة :
_كل ده كنت كاتمه في قلبك يا سيف؟!
تنهيدة حارقة تغادر حلقه حاملة لها مشاعره لتبتسم وسط دموعها وهي تربت على وجنته للحظات طالت ..
قبل أن يرفع إليها عينيه بنظرة متسائلة حملت رجاء لم ينطقه ..
لتتسع ابتسامتها وهي تقول عبر صوتها المتهدج :
_افرح يا سيف ..حقك بعد كل ده تفرح مع اللي اخترتها .
وعناقه الدافئ لها بعدها وهو يهز جسدها بين ذراعيه بانفعال ..مع هذه الضحكة الصافية التي أطلقها والتي تسمعها منه لأول مرة منذ عهد بعيد ..
كان أكبر مكافأة لأمومتها التي باركته بقبلاتها بعدها مع هتافها المرتجف وسط دموعها:
_مبروك يا حبيبي ..مبروك ..لو كنت أعرف أزغرد كنت عملتها ..
والزغرودة أطلقتها إيناس بعدها بدقائق في بيتها هي وعلاء بعدما أخبرهما سيف عبر الهاتف !
لم يصبر حتى للصباح !!
وما كاد يسمع غادة حتى هتف بها بصوته الذي لا يقل ثراء عن عاطفة نظراته :
_عايزك تبقي على اسمي النهاردة قبل بكرة ..مش قادر أصبر إني أخبيكي في حضني م الدنيا دي كلها .
=======
_المطعم حلو قوي ..ماكنتش أعرف أن مصر بقى فيها أماكن هايلة كده.
يقولها علاء وهو يجلس معهم في أحد المطاعم الفاخرة حيث اصطحب غادة وسيف وإسلام وإيناس في تجمع هانئ لم يعرفوه سوياً بهذا
الارتياح منذ عهد بعيد ..
ليرد سيف وهو يحتضن كف غادة على المائدة أمامه :
_المكان بيحلوّ باللي فيه يا عمو .
_والله عشت وشفتك اتدردحت يا "ابن الناس الكويسين" !
هتف بها علاء مشاكساً بمكر لتلتمع عينا إيناس بحنان وهي تراقبهما في جلستهما كعاشقين ..
قلبها يخفق بسعادة راضية وهي تشعر أن القدر الذي حرمها ابناً عوضها بثلاث ..فيالكرم عطاياه !
_لسه ماحددتوش معاد الجواز؟! المفروض سيف يستلم شغله الجديد في اسطنبول الشهر الجاي .
قالتها إيناس بترقب ليرد سيف بابتسامة متفهمة :
_لو عليا عايز النهاردة قبل بكرة ..بس غادة محتاجة وقت عشان تبقى مستعدة للخطوة دي.
رمقته غادة بنظرة امتنان طويلة وهي تشعر بكفه يعانق كفها ..
بل بروحه تعانق روحها ..
هذا الحنان غير المشروط الذي يمنحه لها الآن دون حدود يجعلها تشعر وكأنها تحلق في السماء لا تمشي على الأرض ..
لكنها لا تزال فاقدة لتوازنها العاطفي بعد كل ما مرت به ..
وفاة والدتها أمامها بتلك الطريقة لايزال يزلزلها بذكرى لن تنمحي بهذه السهولة ..
صحيح أنها وجدت في الأمر نوعاً من العدالة الشعرية ..
لكنها لا تزال غير قادرة على تجاوز حزنها بهذه البساطة !
_"المنيو" بتاعهم حلو ..سيبوني أختار لكم ..أهه يبقى لي منظر في الليلة دي .
يهتف بها إسلام بمرحه المعهود وهو يناظر قائمة الطعام أمامه ليهتف به علاء مشاكساً:
_طمنني عليك يا "بتاع البرقوق" ..سوق الفاكهة هنا عامل إيه ؟!
شعر سيف بغيرة طبيعية لم يملكها ليضغط كف غادة في راحته أكثر ..
لكنه تغلب على هذا الشعور سريعاً وقد أدرك منذ عودته إلى مصر أن مشاعر إسلام نحو غادة -كما توقع هو تماماً- لم تكن سوى محطة عابرة تجاوزها ب"هوائيته المعهودة" ..
لهذا لم يتعجب بساطة رد صديقه وهو يشير بإبهامه للأسفل في حركة ذات مغزى توحي
بالاستياء مع جوابه ببؤس مصطنع:
_واقع قوي ! الواحد وحشه "برقوق" اسطنبول!
_مممم؟! يعني مفيش برقوقة كده واللا كده نفسك هفّتك عليها هنا ؟!
يغمغم بها علاء بعبارة ظاهرها العبث المشاكس كعهده لكنه حقيقة كان يشعر بتغير إسلام في هذا الشأن بالذات .
لم يفهم السبب ..ودّ لو تكون كارثة أبيه هي ما ردعته وهذبت طبعه الجامح ..
وخشي ب"قلب أب" أن تكون غادة هي السبب ..أن يكون قلبه لايزال متعلقاً بها وإن كان يستبعد هذا الاحتمال ..
خاصة وقد ظهر الصدق في قول إسلام رغم مرحه :
_الصنف هنا مغشوش يا عمو .
_واللا الفكهاني فلّس؟!
يغمزه بها مشاكساً ليقهقه إسلام ضاحكاً وهو يهم برد مرح لولا أن تجمدت نظراته فجأة وعيناه تقعان عليها هناك ..
أجل ..نشوى !
هل قفزت من أفكاره ؟!
هذا الحديث عن "الفاكهة" ذكره بثمرة "التين الشوكي" التي صار عالقاً مؤخراً بين ما يظهر من قسوة قشرتها وما يغريه من باطن حلاوتها ..
هل هي هنا حقاً؟! أم أنه فقط يتوهم ؟!
صورة ريما التي يتراءى له وجهها الآن جوارها تمنحه الجواب فترتسم ابتسامة عابثة على شفتيه وهو يستأذن من صحبته ليتوجه بخطوات متمهلة نحوها بينما هي غافلة عنه ..وعن طفلتها التي تبدو وكأنها تحدث نفسها ..بل وعن الدنيا كلها !
هل كانت تبكي؟!
عيناها الشاردتان يعلوهما غيم من دموع ..
نظرة انكسار غريبة على طبعها المتنمر دوماً ..
ناصر!
كلمة السر دوماً ناصر!!
هو وحده من يغلف قوتها المعهودة بهذا الوهن العجيب!
هل تنتظره هنا؟!
الخاطر الأخير يجعله يتوقف مكانه للحظة عاقداً حاجبيه ..
لماذا تحمله خطواته نحوها ؟!
وما سر هذا الشعور الغريب الذي يجذبه لامرأة بهذه الصفات..
عادية الجمال ..نافرة الطباع ..لا تطيقه ..مطلقة وأم ..
والأهم ..غارقة في شعور لا يفهمه نحو أحد أصدقائه !!
هل سيعيد قصة غادة من جديد ؟!!
هنا تحين منه التفاتة نحو غادة هناك ..
وبالتحديد نحو كف سيف الذي يحتضن كفها ..
لا ..لا مجال للمقارنة !!
انجذابه نحو غادة كان منطقياً طبيعياً بحكم ذوقه المعهود في النساء ..
مشاعره نحوها كانت مجرد إعجاب مؤقت..ربما لهذا لم يتردد كثيراً وهو يتركها لأجل صديق يعرف أنه سيصونها ..
لكن ..نشوى ؟!
بل ..ناصر !!
هل يملك نحوه نفس الشعور أنه حتى سيقدر مشاعرها هذه ؟!
وماله هو؟!
لماذا يورط نفسه في الأمر؟!
فليعد لرفقته ولينسَ أمرها هي تماماً !!
لكن أفكاره -للعجب- بدت وكأنها تغرد وحدها خارج سرب روحه !!
وهاهي ذي خطواته من جديد تدفعه نحوها ..
_عمو إسلام .."جريد زيرو" .."نو سكول"!
تهتف بها ريما باندفاع طفولي وهي تغادر مكانها لتتقدم نحوه فيرفعها نحوه ليعانقها بقوة عناداً في هذه التي أمرته يوماً ألا يفعل ..
وبمزيد من العناد كان يقبل وجنتي الصغيرة بينما عيناه معلقتان بعيني نشوى التي بدت وكأن همها ازداد برؤيته !
المزيد من الانكسار يغلف حدقتيها قبل أن تنفضه عنهما لتواجهه بنظرة متحدية جعلته يتقدم نحوها بابتسامة لا تقل عنها تحدياً ..
ليجلس الصغيرة مكانها ثم يجلس جوارها مخاطباً نشوى بقوله :
_إيه الصدف الحلوة دي ؟!
ثم غمزها مردفاً بنبرته الرخيمة :
_الحلوة قوي قوي دي!
ورغم ظاهر عبارته العابث لكنه حقاً كان يشعر
الآن بالفارق في مظهرها !
ثيابها العملية شديدة البساطة في العمل تختلف كثيراً عن هذا الثوب الأنيق الذي ترتديه الآن بلون المشمش ..
تضع بعض مستحضرات التجميل بصورة خفيفة لا يميزها إلا خبير مثله فتضفي على ملامحها فتنة تبدو طبيعية ..
حتى ربطة حجابها غيرتها لأخرى أكثر جاذبية ..بما يناسب امرأة تخرج في موعد لرجل تحبه !
_اللهم طولك ياروح!
تتمتم بها بصوت مسموع وهي تشيح بوجهها عنه لتتسع ابتسامته وهو يستخرج من جيبه قطعة من الشيكولاتة منحها للصغيرة التي تلقفتها منه بلهفة ..
لكن نشوى هتفت بها بحدة :
_احنا قلنا إيه ع الشيكولاتة ؟! نسيتِ اللي حصل المرة اللي فاتت ؟! الدكتور قال بلاش شيكولاتة كتير عشان الحساسية .
دمعت عينا الصغيرة بحزن طفولي لكن إسلام داعب أنفها بإصبعه ليضحكها بحركات حاجبيه المشاكسة لتهتف به نشوى بنفس الحدة :
_من فضلك قوم ..محدش قاللك تقعد ..ناصر زمانه جاي ولو شافك قاعد معايا هنا هتحصل مشكلة .
_بس هو قال إنه مش جاي ..وانتِ عشان كده كنتِ زعلانة .
تهتف بها الصغيرة بعفوية ليكتم إسلام ابتسامته ..
لكن نشوى رأتها في ملامحه ..ليزداد غيظها وقهرها أكثر فتجد نفسها تصرخ بالصغيرة دون وعي:
_انتِ قليلة الأدب ..كام مرة قلتلك ماتتدخليش في كلام الكبار .
صراخها يجفل الصغيرة للحظة قبل أن تندفع لتفض غلاف الشيكولاتة في يدها بحركة عصبية ثم تكدسها كلها في فمها بعناد يشبه عناد أمها ..
قبل أن تنخرط فجأة في بكاء حاد جعل إسلام يضمها نحوه مهدئاً وهو يرمق نشوى بنظرة عاتبة ..
نشوى التي بدت له في هذه اللحظة كابنتها العنيدة الباكية بين ذراعيه تماماً ..
نظراتها تتأرجح بين انكسار ..قهر ..عجز ..خوف ..
خلف واجهة من عناد قاسٍ يحاول دحض كل هذا .
هل سيكون مبالغاً لو اعترف أنه يريد معانقتها كابنتها الآن ؟!
ليس بشعور حسي رافقه في كل امرأة لمسها من قبل ..
إنما في رغبة عارمة لاحتضان هذه الروح التي تبدو له خلف هذه الواجهة الصلبة هشة ممزقة ..
وأمامه كانت نشوى بالكاد تكتم رغبتها في أن تجهش بالبكاء ..
تخشى أن ترفع صوتها أكثر تطلب منه المغادرة فتخونها دموعها ..
ناصر لم يأتِ ..ولن يفعل!
يزعم أنه مشغول بعمله ..دوماً مشغول بعمله ..
ولا يدري كم من الآمال تضع هي على كل مقابلة بينهما !
ما الذي يحدث ؟!
إذا كان زاهداً فيها فلماذا طلبها للزواج؟!
هل هو شعوره بالذنب نحو سها؟!
هل ستبقى حائلاً بينهما ؟!
_مساء الخير !
الهتاف بصوت علاء الذي اقترب منهم بحذر متفحصاً نشوى بنظراته بعدما لاحظه من اهتمام إسلام بها ..
لترفع إليه نشوى عينيها بتشتت بينما يقوم
إسلام بالتعارف بينهما :
_عمي علاء ..الأستاذة نشوى صاحبة المصنع اللي كلمت حضرتك عنها .
ابتسم علاء بود أبوي شع في ملامحه لتضطر نشوى لمصافحته مرغمة وهي تغمغم بتحية تقليدية عبر نبرتها المختنقة برغبتها في البكاء ..
ألا تكفيها سخافات هذا المتحذلق كي يضيف إليها معارفه ؟!
شهقات الصغيرة الباكية تزداد تلاحقاً بصورة غريبة ..
فيلتفت نحوها إسلام ليلاحظ احمرار وجهها المبالغ فيه ..
نفس الملاحظة التي جعلت نشوى تهتف بها بجزع عبر نبرتها الحادة :
_عشان ما بتسمعيش الكلام ..اهه الحساسية رجعتلك .
تقولها وهي تهب واقفة لتحاول انتزاعها من
إسلام لكن الصغيرة تشبثت به فاضطرت للصراخ بها بعنف أكبر:
_كفاية دلع ..ياللا نروح للدكتور عشان نشوف القصة دي .
_خلاص يا إسلام روح معاهم .
يقولها علاء بحذر وهو ينقل بصره بينهم وقد أخبره حدسه إن هذه المرأة أمامه هي سبب تغير إسلام الأخير ..
لكن نشوى خاطبت إسلام بقولها الخشن :
_سيب البنت ..كفاية قوي اللي عملته لغاية دلوقت .
لكن تشبث الصغيرة الباكي به يزداد ليربت على ظهرها وهو يقول بصرامة غريبة على طبعه المرح:
_هاوصلكم للدكتور .
كادت نشوى تصرخ بالمزيد من الاعتراض لكن
علاء خاطبها برفق:
_الحقي البنت الأول .
زفرت بحنق وهي تجد إسلام لا يمنحها محاولة الاعتراض بينما يتحرك بالصغيرة نحو الخارج لتهرع هي خلفهم محاولة اللحاق بخطواته السريعة ..
فيما عاد علاء لرفقته لتبادره إيناس بسؤالها:
_مين دي؟! وإسلام خرج معاها ليه ؟!
_مممم ..شكل سوق الفاكهة مش واقع قوي هنا زي ما كان بيقول .
قالها علاء بمكر ليبتسم سيف وهو يتبادل مع إيناس نظرات ذات مغزى ..لكن الأخيرة تهتف بأمومتها المعهودة :
_والبنت الصغيرة اللي معاهم مالها؟! شكلها تعبانة .
لكن علاء شرد ببصره ليرد :
_ماتقلقيش ..إسلام هيتصرف.
======
في سيارته يجوب إسلام الشوارع بشرود وهو يشعر بشيء غريب يتملك روحه ولا يمكنه توصيفه ..
منذ غادر عيادة الطبيب وهو يشعر بمزيج غريب من الغيظ والإشفاق !!
لقد أصرت أن تهاتف ناصر لتخبره عن أمر الصغيرة رغم أن الطبيب طمأنها أنه ليس بشأن عظيم ..
كأنها كانت تتذرع بأي حجة كي تجعله يأتي !
صحيحٌ أنه لم يخيب ظنها وجاء بأسرع مما توقع بما يشي بمكانة الصغيرة عنده ..
لكنه يعرف ملامح ناصر جيداً ..هو لا يكن نحوها هي أي مشاعر ..
كيف تكون عمياء عن حقيقة إحساسه إلى هذا الحد ؟!!
ناصر حتى لم يتساءل عن سبب وجوده هو معهما ..كأن الأمر برمته لا يعنيه !
هي التي تطوعت بسرد ما حدث كأنما تفتح أي تفاصيل لمشاركته الحدث ..
وما صدمه حقاً هو تلك الكلمة التي كانت تشير بها لريما في خطابها لناصر ..
"بنتك"!
كأنما تريد تصديق هذه الكذبة التي اختلقتها!!
_وانت مالك ؟! انت مالك ؟! واحدة عايزة تعيش الدور ..سيبها تلبس في حيطة ..يمكن لسانها الطويل ده يتقص منه حتة .
يهتف بها لنفسه بغيظ حانق مبالغ فيه وهو يزيد سرعة سيارته ..
قبل أن يصدح رنين هاتفه برقم سيف..
يفتح الاتصال بتحية تقليدية ليبادره سيف بسؤاله :
_إيه جديدك ؟! بقالك زمان ما رغيتش معايا .
فاغتصب ضحكة مفتعلة ليرد :
_الجديد عندك يا سيدنا ..احنا غلابة .
ضحك سيف بدوره ليعاود سؤاله بجدية :
_مين الست اللي خرجت معاها دي؟! عمو علاء و"أنّا" ما بطلوش كلام عنكم من ساعة ما شافوها .
_أوبا!! أجهزة الرادار اشتغلت ..وخلاص قررتم إن فيه حكاية !
يهتف بها باستنكار ساخر عبر ضحكاته التي لم تخدع سيف وهو يرد بنفس الجدية :
_ده على أساس إني مش حافظك ؟! من امتى بتخبي عليا؟!
لكن إسلام زفر بقوة ليصمت قليلاً قبل أن يرد بتشتت:
_مش عارف أقوللك إيه ..أنا نفسي مش فاهم نفسي المرة دي ..
قالها ليسرد عليه تفاصيل علاقته بنشوى من البداية ليستمع إليه سيف باهتمام قبل أن ينهي هو الحوار بقوله بضحكة مكتومة ساخرة :
_بني آدمة عجيبة ..لما بشوفها بتكلم ناصر ببقى نفسي أخبط دماغها في أقرب حيطة وأقوللها فوقي ..بس غصب عني بتصعب عليا ..دماغها مريحاها على كده .
فصمت سيف قليلاً ليرد ببطء حذر:
_عمرك ما كلمتني عن واحدة زي ما بتتكلم عن دي ..كل اللي عرفتهم قبلها كنت بتتشقلب وإنت بتحكي عنهم كأنهم ماحصلوش ..وبعدين تتقلب الحكاية في كام يوم وترجع تشوفهم عاديين ..دي بالذات انت حتى مش قادر تشوفها مميزة ..يبقى ليه تدخل نفسك في قصة معروف آخرها خصوصاً وصاحبك عايز يتجوزها ؟!
لكن إسلام عاد يزفر بقوة ليرد بشرود :
_مش عارف ..يمكن حاسس بالذنب ناحيتها هي وأخوها عشان موضوع الوالد إياه ..يمكن صعبان عليا مناخيرها اللي في السما دي تنزل
الأرض وأنا عارف ومتأكد ناصر بيحب مراته أد إيه ..ويمكن ..يمكن ..
قطع عبارته دون أن يكملها ليصمت سيف قليلاً محاولاً سبر أغواره قبل أن يعاود سؤاله بنفس النبرة الحذرة :
_حبيتها؟!
ضحكة إسلام الساخرة بعدها كانت جوابه الوحيد الذي تركه معلقاً بينهما ..
فلم يدرِ هل هو بالإيجاب أم بالنفي ..
لكن ما الجدوى من جوابه هو إذا كانت هي غارقة حتى أذنيها في حب غيره ؟!
=====
_ما تزعليش مني يا حبيبتي ..أنا بحبك قوي .
تهمس بها نشوى وهي تنحني بجذعها لتقبل وجه ريما التي استقرت فوق فراشها ..
وجه الصغيرة لايزال يحمل بعض آثار إعيائه ليتملكها هي الذنب أكثر ..
لقد عاشت أيامها بعد طلاقها تفتخر بكونها خلعت رداءها ك"أنثى" مكتفية بعباءة "أمومتها"..
والآن ..تجد نفسها عارية من كليهما !!
عارية؟!
لا ..لا ..لا يزال هناك "ناصر" ..لا يزال هناك حلم قديم ينتظر الواقع كي يرسمه بريشته ..
هي ستنجح ..وستعيش ..
ستنجح كعاشقة ..وستعيش كأم !
_أنا كمان بحبك قوي ..هو انتِ هتجيبيلي "بابا" جديد زي ما قلتيلي؟!
كلمات الصغيرة تنكأ جرحها فتغمض عينيها بقوة وهي تبتعد عنها بجسدها ..قبل أن تعاود فتحهما لترتجف ابتسامة على شفتيها :
_مش انتِ دايماً كنتِ عايزة "بابا" زي بقية صاحباتك ؟!
_قوي قوي ..خالو أشرف طيب ..بس أنا عايزة بابا ليا لوحدي .
تهتف بها الصغيرة بحماس طغا على نبرتها المتهالكة ..و زاد من كثافة الدموع في عينيها هي وكلمة "لوحدي" هذه تنغرس في صدرها كنصل مسموم ..
ناصر لن يكون يوماً لهما وحدهما ..
سيبقى في المنتصف بين كفتي ميزان تتأرجح بينها وبين سها ..
لكن ..كفتها هي ستغلب يوماً عندما تنجب له ابنه ..
ساعتها ..ستكون ورقتها الرابحة لتكسب هذا القلب الذي عاشت عمرها مغرمة به ..
_ماما ..هتعملي فرح؟!
تسألها ريما بفضول طفولي ليفاجئها السؤال ..
وتفاجئها قبله ضحكة !!
ضحكة رسمها قلبها قبل شفتيها و"الحلم القديم" يعاود تلوين روحها بفرشاته ..
لماذا لا ؟!
ستقيم حفل زفاف ضخم بحجم هذا الحب الذي عاشت تحمله له ..
بحجم هذا الخذلان الذي نالته يوماً منه ..
وبحجم هذا "العوض" الذي ترتجيه للغد !!
لهذا مسدت شعر الصغيرة بأناملها لتجيبها بشرود :
_هاعمل فرح كبير ..قوي .
ضحكات الصغيرة تسبق عباراتها الحماسية التي غابت عنها هي بشرودها ..
قبل أن تنتبه لصوت الطفلة الذي تثاقل رويداً رويداً قبل أن ينغلق جفناها استجابة للنوم ..
فابتسمت بحنان وهي ترفع عليها غطاءها برفق قبل أن تتحرك لتغادر نحو صالة البيت ..
هناك حيث تناولت هاتفها لتجد منه رسالة ..
دوماً في نفس الموعد ..وبنفس الصيغة كأنما لا تزال طبيعته العملية تهيمن على سير الأمور ..
"عاملة إيه النهاردة ؟!"..
لايزال لا يتعجلها الموافقة على عرضه ولا تزال تتمنى لو يفعلها ..
حتى ساعتها التي اشترتها له كهدية لم ترها في يده عندما التقته آخر مرة ..
يالله !
إلى متى ستظل تدور في هذه المتاهة ؟!
_برضه مصرة تكملي؟!
تسألها رانيا وهي تتقدم منها ملاحظة شرودها في هاتفها لتلتفت نحوها نشوى بحدة ..قبل أن يغلب تنمرها على لغة الحوار:
_وهاغير رأيي ليه ؟! هو لسه عايز يتجوزني ..
_وانتِ؟!
تسألها رانيا بضيق مشوب بالإشفاق لترد نشوى بنفس التنمر العصبي:
_أشرف ما قاللكيش إني كنت بحبه زمان ؟!
_بس احنا مش زمان ..لا هو بتاع زمان ..ولا انتِ بتاعة زمان !
تقولها رانيا ببعض الحدة محاولة كظم غيظها من هذا العناد الذي تواجه بها نشوى الجميع ..
تماماً كما تفعل الآن وهي ترفع أنفها لترد بضحكة انتصار زائفة :
_أكيد مش زي زمان ..دلوقت هو اللي رجع لي ..هو اللي طلب مني يكمل حياته معايا بعد ما عرف قيمتي .
انفرجت شفتا رانيا كأنها على وشك التفوه بقول ما غيرته لآخر أكثر رفقاً :
_عشان خاطري يا نشوى ما تستعجليش ..انتِ تستاهلي أحسن من كده ..ماتغشيش نفسك ..
_يوووووه ! لو سمحتِ ما تتدخليش انتِ تاني ..دي حياتي وأنا حرة فيها .
تصرخ بها نشوى بحدة هستيرية فجرها انفعالها فجأة لتجفل رانيا للحظة قبل أن تطرق برأسها لتعطيها ظهرها مغادرة نحو غرفتها ..
لكنها ما كادت تصلها حتى شعرت بكف نشوى على كتفها من الخلف فالتفتت نحوها..
لتصطدم بهذه الدموع الكثيفة التي تجمعت في عينيها ..والتي تقاومها برفعة أنفها وزمة شفتيها وواجهة زائفة لكبرياء :
_انتِ حبيتي أشرف قوي من زمان ..كان حظك حلو لأنه هو كمان حبك ..حبك كبر جواه زي ما حبه كبر جواكي ..تخيلي بقا لو كان هو ما حبكيش ..لو كان سابك ورا ظهره وكمل حياته ..وانتِ حاولتِ تعملي زيه ..وما قدرتيش ..حياتك كلها باظت عشان ..عشان ..عشان عمرك كان بيعدي بس انتِ قلبك لسه واقف عند نفس اللحظة اللي سابك فيها ..
الدموع الحبيسة تنهمر أخيراً لتصاحب كلماتها المختنقة بعدها :
_أنا مستنياه يرجع لي أيامي اللي فاتت ..يداوي الجرح اللي سابه بعده .
دمعت عينا رانيا بدورها وهي تشعر بهذا الصراع الذي يغزوها ..لكنها حكمت عقلها لتخاطبها بقولها :
_خايفة عليكِ المرة دي يسيب جرح أكبر ..ماحدش بعده يقدر يداويه ..العمر ما بيرجعش يا نشوى ..العمر ما بيرجعش !
قالتها مكررة بحزم رغم تفهمها لفورة نشوى العاطفية والتي عاد العناد يلتمع في عينيها الباكيتين فتنهدت بيأس قبل أن تعاود طريقها نحو غرفتها وتغلق بابها خلفها ..
فيما بقيت نشوى واقفة مكانها للحظات ..
العناد يصارع الخوف على نظراتها لكن الأول ينتصر ..
ترفع هاتفها نحو أذنيها بعد ضغطة لرقمه ..
وما كادت تسمع صوته حتى ألقت كلماتها تحسم المعركة :
_ممكن تحدد معاد الفرح !
=======
_فرح؟! فرح يا ناصر؟!
تهتف بها سها باستنكار ليزفر ناصر هاتفاً بدوره :
_أنا برضه استغربت زيك بس هي مصرّة .
لكنها هزت رأسها بذهول هاتفة وهي تلوح بذراعيها بعصبية:
_يعني إيه مصرة ؟! يعني إيه فرح ؟! هي صدقت إنها هتاخدك مني؟!
فرمقها بنظرة غاضبة أشعلت ملامحه وهو يرد ببرود :
_حقها !
اتسعت عيناها بصدمة من كلمته ليمسك مرفقيها فيهزهما بقوة هاتفاً :
_ده شرطها عشان توافق ..بتقول إنها مش عايزة صورتها قدام الناس تبقى مجرد "استبن" ..أو زوجة تانية في الضلّ ..عايزة تبقى زيها زيك .
_زيي؟! وقدرت انت تقولها ؟!
تهمس بها بذهول مستنكر عبر غمامة من دموعها لتصطرع ملامحه بين غضب وإشفاق ..
قبل أن يشتد فكه بقسوة لتضغط أصابعه على ذراعيها أكثر:
_لآخر مرة هسألك ..الكورة لسة في ملعبك ..أكمل واللا لا ..
لوهلة هيئ إليه أنها ستصرخ ب"لا"!
أنها ستلقي نفسها بين ذراعيه تتشبث به بكل قوتها ..
أنها ستطبع وشم شفتيها فوق كل خلية من جسده فلا تكاد تترك لغيرها مكاناً عليه !
لهذا كانت صدمته بالغة عندما وجدها تبتعد عن مرمى ذراعيه ..
جسدها يرتعش بقوة لكنها تكتفه بساعديها وهي تغمض عينيها للحظات ..
سبقت سؤالها بصوت مبحوح:
_يعني هي شارطة الفرح عشان توافق ؟!
عيناه تهتزان فوق ملامحها والصراع في نفسه يشتد ..
يمكنه حسم هذا العذاب الذي سيعيشه ثلاثتهم ..
يمكنه إيقاف هذه المهزلة التي يكتفي فيها بدور المتفرج السلبي بدعوى كونها رغبة كلتيهما ..
لكن ..لماذا يفعل؟!
طبيعته العملية تفرض سطوتها على الصورة ..
وبقايا من ضمير تجعله يكرر لعلها ترفض ..لعلها تمنحه الدافع :
_قولي لا ..قوليها وكل ده هايخلص في ثانية واحدة !
صمتها يطول ولا تزال مغمضة عينيها بقوة تحاول احتواء ارتجافة جسدها بذراعيها وحدها ..
قبل أن تفتحهما أخيراً لترد بابتسامة أرادتها واثقة عبر شفتيها المرتجفتين :
_قل لها أنك موافق ..خللي الفرح الأسبوع الجاي .
======
تقف نشوى أمام مرآتها بابتسامة ظافرة بعدما أنهت لها تلك المرأة زينتها ..
تراقب شكلها بثوب الزفاف الذي تعمدت أن يكون مفاجأة له ..
اليوم ستكون عروسه ..
الحلم الذي غلف روحها منذ سنوات ودفنته تحت أطلال من خذلان ..
اليوم ..يكون حقيقة !
"ثوبها الأصفر" القديم بمذاق الخيبة يرقد الآن في مثواه ممزقاً ..
لكن "ثوبها الأبيض" هذه المرة سيكون رفيقها في رحلة تتويجها كملكة لعالمه ..
صورة سها تغزو مخيلتها لتشوه جمال الصورة لكنها تنفضها عن ذهنها بسرعة ..
ناصر سيكون لها ..
هذه الليلة ستشهد أولى انتصاراتها ..
هذه الليلة ستمنحه أفضل ما تعطي أنثى لعاشقها ..
ستسير به وسط الحضور كملكة ترفع رأسها ..
صوت طرقات على باب غرفتها يقاطع أفكارها لتعطي الإذن بالدخول فيدلف أشرف ..
ملامحه المستاءة تحولت لأخرى أكثر حناناً وهو يميز هذه الفرحة التي لم يرها منذ زمن في عينيها ..
عساه يكون مخطئاً !
عساها تجد في هذه الزيجة ما تعوض به ما فاتها من عمر!
عسى هذا الحب الذي تحمله يشفع لما ينتظرها من طوفان غيرة !
عساها !!
قبلة منه على جبينها ترافق ابتسامته وهو يفرد لها ذراعه قائلاً :
_ياللا بينا ..
فتتأبط ذراعه لتغادر معه نحو قاعة الزفاف الفخمة التي تخيرها لها ناصر بنفسه ..
حلم تأخر بضع سنوات لكن ..لا بأس ..
كفاها أنه ..قد تحقق!
وفي غرفته بشقته كان ناصر يطالع ملامحه بكآبة ..
قبل أن يطلق سبة ساخطة !!
سها التي اختارت له قاعة الزفاف ..بدلة العرس ..وصولاً لجوربيه والحذاء ..بل و"منامته" الحريرية التي سيرتديها الليلة لغيرها ..
وبعدما كانت مصرة أن تحضر معه العرس -لدرجة أنه تصورها في مشهد هزلي ستتأبط أحد ذراعيه بينما نشوى تتأبط الآخر - فوجئ بها تتراجع فجأة !
_هاقضي اليوم مع ماما ..والأسبوع الجاي كمان ..
قالتها له منذ ساعات مع قبلتين خاطفتين لوجنتيه وهي تخبره بقرارها الحاسم الذي لم تقبل فيه مناقشة ..
قبل أن تتركه لتغادر الشقة !
زفرة ساخطة يطلقها وهو يمسد صدره العاري مراقباً بدلة زفافه عبر المرآة ..
قلبه منقبض بهذه الطريقة التي لم يعرفها منذ أعوام ..
هو الذي علمته طبيعة عمله كيف يكون البرود ..كيف تكون العملية في التفكير ..
كيف يزلل الحواجز كي يصل إلى الهدف ..
لكنه في هذه اللحظة كان عاجزاً عن منع شعوره بهذه المرارة الذائبة بحلقه ..
لماذا تركته سها هذه الليلة ؟!
لماذا أشعرته أنه وحده ؟!
_يا بجاحتك ! كنت عايزها تاخدك من إيدك وتوصلك لعروستك ؟!!
يهمس بها لنفسه ساخراً بمرارة قبل أن يرد على نفسه بنفسه :
_وهو مين وصلني لعروستي دي م الأول ..ما هو كان قرارها !
العناد يبرر له من جديد فيعاود التطلع لصورته في المرآة ..
لكنه يعيد الإشاحة به كأنما لا يطيق حاله وهو يتصورها الآن تبكي وحدها !!
يتناول هاتفه بسرعة ليتصل بها ..
_برضه الحركة الزفتة دي ؟! برضه قافلاه ؟!
يهتف بها بسخط وهو يكاد يلقي الهاتف جانباً لكنه يفاجأ باتصال من نشوى ..يفتحه لتداعب أذنه نبرتها التي تكاد تقفز سعادة :
_ما تتأخرش ..عيب قوي لما أوصل القاعة قبلك .
ورغماً عنه ترتسم على شفتيه ابتسامة باهتة ..
واحدة على الأقل ستبيت الليلة سعيدة !
لماذا تحبه نشوى بهذه الطريقة ؟!
لماذا تشعره دوماً وكأنه أول وآخر انتصاراتها ؟!
ربما هذا ما يعقد الأمور أكثر ..
ربما هذا ما يعذب ضميره أكثر وأكثر ..
لماذا لا تأخذ الأمور بصورة عملية مثله ولا تقحم المشاعر بينهما ؟!
_مش هتأخر ..ماتخافيش .
ورغم أن نبرته كانت حيادية تماماً لكن قلبها "المراهق" المتعطش لأي بادرة منه جعلها تتلقاها كوعد براق يناسب وهج ليلة كهذه ..
يغلق معها الاتصال ليتنهد بحرارة وهو يستدير ليرتدي بدلة العرس ..
نظرة راضية لملامحه عبر المرآة تسبق تناوله لزجاجة عطر ..
سها أيضاً من جلبتها هاهنا!
رجفة هادرة تضرب جسده وزخات العطر تبدو وكأنها طلقات رصاص نحو قلبه وضميره اللذين تكالبا عليه في هذه اللحظة ..
لكن طبيعته العملية كانت من القوة أن دحضت كليهما!
صوت رنين جرس الباب يصدح بالخارج لينعقد حاجباه بشدة وهو يتحرك ليفتحه ..
وما كاد يرى الطارق حتى اتشحت ملامحه بإجلال وهو يفسح الطريق للعجوز قائلاً :
_اتفضل يا بابا ..مش قلت لي هتسبق ع القاعة مع إخواتي؟!
يقولها ببعض الدهشة وهو يغلق الباب خلف الرجل الذي تفحصه ببصره ليقول بنبرة وجلة :
_بصراحة ..عندي ليك كلمتين ..وقلت فرصة أكلمك قبل الفرح من غير ما سها تكون موجودة .
_خير يا حاج؟!
يسأله بتوجس ليتحرك العجوز فيجلس على أحد الكراسي قائلاً :
_بنات الناس مش لعبة ..أنا عارف انت بتحب مراتك أد إيه ..بس ده مايمنعش إنك تعدل بينهم ..
ثم ضيق عينيه ليقول بنبرة محذرة :
_اوعى تكون حاطط في دماغك إنها جوازة كام شهر لحد ما ربنا يرزقك بحتة عيل ترجع بيه لمراتك القديمة .
لكن ناصر هز رأسه نفياً ليقول مدافعاً :
_لا طبعاً ..إيه يا بابا الكلام ده ؟! نشوى هتبقى مراتي زي سها بالظبط!
ترتخي ملامح العجوز بارتياح ليعاود سؤاله باهتمام أبوي:
_يعني فعلاً عاجباك عروستك الجديدة ؟! مستعد تكمل معاها عمرك كله واللا واخدها عشان الخلفة وبس؟!
السؤال يصفع ضميره وقلبه على نفس الجبهة ..
لكن "طبيعته العملية" على الجبهة المضادة تجعله يرد بحماس مبالغ :
_طبعاً عاجباني..جداً ..يمكن في الأول كنت حاسس الموضوع غريب ..بس واحدة واحدة لقيتني متعلق بيها ..خصوصاً إنها جميلة ..روحها حلوة وكمان بتحبني من زمان .
أصدر العجوز همهمة ارتياح وهو يرمقه بنظرة راضية ليرد :
_مادام بتحبك يبقى هتسعدك ..ويوم ورا التاني هتلاقيها خدت مكانها في قلبك زي سها تمام ..بس شطارتك تعدل بينهم وماتخلليش واحدة فيهم تعمل مشاكل ..الراجل ياابني هو اللي يقدر ...
لم تستمع لبقية عبارة "العجوز" وهي تسند جبينها على باب الشقة من الخارج !!
أذنها ..عقلها ..قلبها ..بل وعيها كله توقف عند عبارة العجوز ..
"هتلاقيها خدت مكانها في قلبك زي سها تمام" ..
بعدما طعنتها كلمات ناصر قبلها بإعجابه المبالغ بنشوى!
هل كان يخدعها ؟!
هل حقاً يكن لها هذا الشعور؟!
متى وكيف؟!
هل انفلتت الأمور من سيطرتها هي حقاً ؟!
أمها أخبرتها بهذا منذ قليل فلم تصدقها !
بل ..فعلت !!
وإلا لماذا جاءت إلى هنا بعدما كانت قد قررت أن تغيب عنه لأسبوع كامل تتركه فيه لحياته الجديدة ؟!!
جاءت لتستمع قدراً لدليل خذلانه إياها !!
_ما تخافش على ابنك ..أنا أعرف كويس أمسك العصاية م النص وأراضي كل واحدة فيهم باللي هي عايزاه .
كلمات ناصر تسكب المزيد من الوقود فوق نيرانها ..
فلم تشعر بنفسها وهي تفتح الباب فجأة بمفتاحها لتغلقه خلفها بعنف خلّف دوياً شديداً ..
الرجلان يرمقانها بنظرة مصدومة مترقبة ..
خاصة ناصر الذي سقط قلبه في قدميه وهو يميز هذه النظرة في عينيها ..
نظرة لم يعرفها طوال سنوات زواجهما ..
نظرة "خذلان" بطيف شاحب من "كراهية"!
نظرة جمدت كلماته على شفتيه وهو يتوقع أنها قد سمعت ما قال ..
لكن ..لا مجال للتبرير ..
_مش كنت دايماً تقوللي القرار في إيدي ؟! مش كنت دايماً تسألني :أكمل واللا لأ ؟!
تقولها ً ببرودة جليدية عبر خيطين من الدموع سالا على وجنتيها وهي تتقدم نحو ناصر بخطوات بطيئة حتى توقفت قبالته تماما..
لينعقد حاجباه أكثر وهو يتوقع عبارتها التالية :
_أنا دلوقت بقوللك لأ ..ما تكملش !
_يعني إيه ما يكملش ..هو لعب عيال؟! واللا فاكرة ابني لعبة في إيدك ؟!
يهتف بها أبوه وهو يهب واقفاً بانفعال لكنها تجاهلته تماماً وعيناها الفائضتان بدموعها تواجه عيني ناصر المشتعلتين بينما تهتف بنفس النبرة الجليدية :
_هتسمع كلامي ؟!
_لا حول ولا قوة إلا بالله ..ده كلام يتقال الليلة دي ؟! الساعة دي ؟! المفروض دلوقت يكون في القاعة ..العروسة والناس هناك !
يعاود العجوز الهتاف بها وهو يسحب ذراع ناصر نحوه وقد خشي أن تؤثر عليه دموع زوجته ..
فيما بقيت عينا ناصر معلقتين بها بمزيج من غضب واعتذار ..وعجز!!
يعلم جيداً كيف تشعر الآن بعدما سمعته لكنه لا يملك الآن أن يبرر ..
لهذا تنحنح يبتلع غصة حلقه بينما انفلتت أعصابها هي لتصرخ فيه بهستيرية :
_رد عليا ..هتسمع كلامي ؟!
_انت بتصرخي فيه ليه كده ؟! هو عيل صغير قدامك ؟! وبعدين ما كل حاجة م الأول كانت بمزاجك !
يهتف بها والده باستنكار لكن ناصر رفع كفه في وجهه هو مهدئاً ..
قبل أن يلتفت نحو سها ليقول بصوت مبحوح انفعالاً:
_خلاص يا سها ..ماعادش ينفع ترجعي في
كلامك .
فاتسعت عيناها بصدمة وطوفان دموعها يمنع عنها رؤيته ..
شهقات انتحابها تتوالى تباعاً فتجلد قلبه أمامها ليحرر ذراعه من أبيه فيربت على كتفيها هاتفاً بانفعال:
_هنتكلم بعدين ..مفيش وقت دلوقت ..المفروض ..
كلماته تنقطع برنين هاتفه الذي رفعه لترى عبر دموعها اسم نشوى !!
وتسمع صوت هتاف والده الساخط :
_ياللا ياابني ده مش كلام ..الناس والمأذون مستنيين .
تشعر بكفيه يشتدان من جديد حول كتفيها لكنهما يبدوان لها كجمرتين من نار ..
فانتفضت مبتعدة عنه كأنما لدغتها أفعى ..
ليعاود أبوه جذب ذراعه هاتفاً بها:
_استهدي بالله يا بنتي واقبلي قضاءه ..ما كنتِ عاقلة ..إيه بس اللي جرى؟!
ثم تحرك بناصر الذي بدا وكأن قدميه معلقتين بالأرض أمامها ليجذبه بقوة هاتفاً بحدة :
_ياللا يا ناصر ما تسودش وشنا ووش الناس ..حركات الستات دي ابقى اتصرف فيها بعدين !
لم تشعر بعدها بشيء وهي تراه ينسحب عن ناظريها رويداً رويداً ..
ومعه تنسحب ذكرى خلف ذكرى من تاريخهما الطويل ..
فلا تدري بماذا تصف نفسها حقاً ؟!
مغدورة ..
مغفلة ..
مظلومة ..
أم ظالمة ؟!!
تسمع هدير صرخاتها العالية بعد رحيلهما ..
ترى يديها تحطمان "عشهما الجميل" الذي بنته معه قطعة قطعة ..
ترى الدم يسيل من جروحها ..
لكنها تبدو وكأنما يتحرك جسدها بعيداً بعيداً عن روح بداخلها هوت صريعة ..
ناصر طعنها الطعنة النافذة ..
وذهب ليرقص مع امرأة سواها !!
======
يقود السيارة بوالده الذي بدا شديد العصبية وهو يصرخ به بانفعال :
_مراتك دي فاكرة الدنيا بتلف حواليها ؟! يعني إيه عايزاك تلغي الفرح دلوقت ؟! هم بنات الناس لعبة ؟!!
لكنه اكتفى بصمته الشارد وهو يشعر باختناق أنفاسه ..
ما هذا الجنون الذي يفعله ؟!
يترك خلفه امرأة جريحة ثم يتحرك ليجرح امرأة سواها ؟!!
ماذا ستنال نشوى منه ؟!
ما الذي سيمنحها إياه ؟!
بقايا حلم قديم مهلهل؟!!
وماذا ستنال سها منه ؟!
الجرح الذي سيخلفه لها بعد هذه الليلة لن يندمل !
صوت رنين هاتفه برقم نشوى يتداخل مع صراخ والده جواره ليشعر وكأن رأسه يكاد ينفجر ..
_ما تبقاش راجل من ظهر راجل لو سبتها تعلي صوتها عليك تاني ..هي فاكرة إيه ؟! ستات آخر زمن .
صراخ أبيه يتوالى فيغمض عينيه للحظة بينما يشرد ببصره عن الطريق ..
كيف هي سها الآن ؟!
رنين هاتفه يصدح من جديد ..يحمل له الجواب هذه المرة ..
وصياح "بواب العمارة" عبر الهاتف يصله جزعاٌ :
_الحق الست سها يا باشا !!
قلبه يتوقف عن النبض للحظة اختلت فيها يده عن مقود السيارة ..
ليغشي عينيه الضوء القادم من السيارة المقابلة ..
يسمع صياح والده جواره ..
يشعر بالسيارة تطيش عن مسارها للحظات ..
قبل أن يستقر كل شيء ..
أو هكذا كان يظن !
=====
في المشفى القريب من بيته يجلس على أحد المقاعد مخفياً وجهه بين كفيه ..
في إحدى الغرف يقبع والده تحت الفحص بعد صدمة رأسه التي نجمت عن الحادث ..
وفي أخرى تقبع سها وسط صرخاتها المتصلة وجروح جسدها العديدة ..
صدمة عصبية !
هكذا أخبروه !
لكنه وحده يدرك أنه انهيار روحها وروحه معها ..
انهيار لهذه الحياة الهانئة التي طالما ظللتهما سنواتها ..
وربما ..انهيار لهذا الحب الذي ظن أنه لن يموت أبداً بينهما !!
ماذا حدث ؟!
مااااذا حدث ؟!
كيف صار كل ما حوله حطاماً في عينيه ؟!
حتى والده الذي كان يبتغي رضاه بزيجة كهذه كاد يخسره بلحظة !
صوت رنين هاتفه يدوي كالرعد في أذنيه برقم نشوى ثم برقم أشرف ..
لايزالان لا يعلمان ما حدث ..
لكنه يعلم ما سيحدث !
يفتح اتصال أشرف ليرد متقبلاً ثورته قبل أن يخبره بما حدث ليتفهم أشرف الأمر ويرد بأسى:
_لا حول ولا قوة إلا بالله ..طب ما كلمتنيش من ساعتها ليه عشان نأجل الفرح ؟!
_أنا آسف يا أشرف ..مش هاقدر أكمل الجوازة دي .
يقولها بخزي لم يشعر به يوماً ..
بغضب من نفسه قبل أي أحد ..
وبانكسار من ظن أنه على وشك الظفر بكل شيء ليجد كفه في النهاية خاوياً ..
_مش هتكمل إيه ؟! وجاي تقول دلوقت؟! مافكرتش في نشوى؟! هتكسرها تاني يا ندل؟!
يصرخ بها أشرف بغضب كان يعذره فيه لكنه لم يملك الرد ..
ذراعه يسقط جواره بالهاتف وهو يسمع صرخات سها المتقطعة تصله رغم بعد المسافة فيسمع صدى مثلها في روحه ..
نذل!
لم يشعر يوماً أنه يحمل هذه الصفة كما الآن !!
هو الأحمق الذي ظن أنه ماهر بما يكفي كي يمسك العصا من منتصفها ..
لكنه لم يفعل سوى أن يرقص على سلم بين أعلى لم يدركه وأسفل لم ينله !!
فأي خسارة تكبدتها يا غافل ؟!
أي خسارة !!
======
في قاعة العرس يقف إسلام مراقباً الوضع بذكاء وقد انعقد حاجباه بشعور غريب ..
لم يكن ينتوي الحضور ..
لم يكن ينتوي الشهادة على زيجة يوقن من
الأصل أنها فاشلة ..
لكنه لم يشأ تفسير هذا الضيق الذي يملأ صدره أنه .."غيرة"!
غيرة؟!
ممن ..وعلى من ؟!
هل تطرف شعوره إلى هذا الحد ؟!
يبدو أن عزوفه الأخير عن النساء أصابه بنوع من "الحرمان" جعله يخطئ تأويل مشاعره !!
يقولها لنفسه ساخراً قبل أن يزداد انعقاد حاجبيه وهو يلاحظ انسحاب أهل العريس من القاعة تباعاً ..عجباً!
تلفت حوله يبحث عن أشرف ثم تحرك نحو القاعة الجانبية ليجده واقفاً ممتقع الوجه هناك جوار نشوى التي بدت مصدومة الملامح وجوارهما المأذون يجمع حاجياته استعداداً للرحيل ..
لم يحتج الأمر الكثير من الذكاء ليفهم ماذا يحدث خاصة مع عدم حضور ناصر إلى الآن ..
الوغد !
كيف يتسبب في فضيحة كهذه ؟!!
يزداد تقدمه نحوهم ليرى ريما الصغيرة تمسك ثوب نشوى لتسألها بحزن وسط دموعها :
_خلاص مفيش فرح؟! مش هيبقى عندي بابا ؟!
قلبه يعتصر ألماً لهذه "الصغيرة" التي فقدت "حلمها" ..
و"لشبيهتها الكبيرة" التي فقدت "وهمها" !!
عيناه تلتقيان بعيني نشوى لكنها تبدو وكأنها لا تراه ..
بل لا ترى أحداً ..
أناملها تعتصر قماش ثوبها بقوة تكاد تمزقه ..
وجهها الذي زينته أصباغه يبدو ملطخاً بخزي لن ينمحي بسهولة ..وربما لن ينمحي أبداً ..
جسدها متخشب مكانه لكنه وحده يشعر أنها تترنح ..
أنها ستسقط في أي لحظة !
انتزع عينيه عنها قسراً ليتجه نحو أشرف يجذبه من ذراعه جانباً ليبتعد به قليلاً
متسائلاً بقلق:
_هو ناصر مش جاي؟!
حاول أشرف المداراة بتخفيف وقع الخبر :
_مراته جالها انهيار عصبي ..ووالده في المستشفى ..
لكنه لم يستطع كتمان ثورته وهو يردف بينما يلوح بذراعيه بانفعال:
_الندل جاي يسحب كلامه دلوقت ويقول مش هيكمل الجوازة ..دلوقت ؟! كان لازم أوقف المهزلة دي م الأول ..مكنش ينفع أسمع كلامها وهي بتجري ورا وهم قديم ..وادي النتيجة ..فضيحة !
عقد إسلام حاجبيه بغضب مشابه وهو يكاد يشعر بالدم يغلي في عروقه ..
رغم ارتياحه -غير مفهوم السبب- لفساد هذه الزيجة ..
لكنه ليس أحمق ليدرك أي خراب ستتركه فضيحة كهذه ..
خاصة لهذه التي تبدو مغيبة وسط ركام قصر بنته ليسقط فوقها!
لماذا رضيت بهذا الوضع؟!
ما الذي كانت تنتظره من رجل يعشق زوجته بجنون كناصر ؟!
وما الذي كان يدفعها لزيجة كهذه ؟!
هي نموذج حرفي لترجمة العبارة التي تتشدق بها النساء هذه الأيام ..
" strong independant woman"
لديها عملها ..مالها ..حنان أخيها وعائلتها ..ولا يظنها تفتقر لعروض الخاطبين !
لماذا ناصر بالذات ؟!
_لا حول ولا قوة إلا بالله ..لعله خير !
يقولها المأذون وهو يقترب منهما في طريقه ليغادر لكن إسلام استوقفه فجأة وقد طرأ له خاطر جنوني ..
قبل أن يتوجه بخطوات سريعة نحو نشوى التي لا تزال واقفة مكانها كصنم ..
لا تكاد تصدق أن هذا حقيقي ..
هو كابوس ستفيق منه حتماً!
ناصر لن يفعل بها هذا ..
لن يخذلها مرتين !
هي بالكاد تجاوزت جرحه الأول وقد كان سرها ..
ماذا عساها تصنع بجرح هذه المرة وهو هكذا على المشاع تتلقفه ألسنة الناس ..
الثوب الأبيض سيلحق بشبيهه الأصفر ..
كلاهما ممزق ..كما روحها الآن !
_إياك تزعلي عليه ..احمدي ربنا إنها جت على أد كده ..اختياره كان واضح م الأول ..هو كان عايز يتجوزك عشان الخلفة وبس ..عمره ماقاللك إنه حبك ..من أول لحظة وهو حاشر مراته بينكم كأنه عايز يقوللك هتفضل موجودة ..هتفضل الأصل ..حتى معاد الفرح انتِ اللي استعجلتيه ..انتِ اللي عملتِ في نفسك كده ..دلوقت يرجع هو لمراته وترجعي انت لحياتك لوحدك ..شايفاه مكانه بيبص عليك بشفقة ..كأن عجلة عمرك بإيده يوقفها ويمشيها زي ما هو عايز !!
حديث "نفسها" القاسي يتفجر كالشظايا بين جنبات روحها
يرسم حولها ألف دائرة من نار ويصرخ بها أن :احترقي!
_عايزة ترديله القلم وتردي كرامتك ؟!
صوت إسلام يصلها من بعيد ..من بعيد جداً ..كأنه مجرد صدى ..
ربما لو كانت بشخصيتها القديمة لأفرغت فيه
الآن طلقات ثورتها ..
ماله هو؟!
ولماذا يتدخل؟!
لكن حديثه عن رد "كرامتها" يمنحها خيطاً وحيداً من راحة وسط بقية الخيوط المتشابكة ..
فتنتقل بنظراتها الزائغة نحوه متوقعة ابتسامته الساخرة كالعادة ..مرحه الماكر ..أو حتى تفهماً مشفقاً ..
لكن ما رأته في عينيه كان غضباً ..غضباً خالصاً !
_اتجوزيني أنا !
تسمعها خلف غيابات وعيها فلا تكاد تتبين هذا الجنون الذي يحدث ..
حتى وهي تميز صوت أشرف يهتف خلفه مستنكراً طلبه :
_انت بتقول إيه ؟! احنا ناقصين فضايح؟!
_الفضيحة حصلت خلاص واللي كان كان ..طلبي ده مالوش علاقة بأي حاجة ..أنا معجب بيها من زمان وعايز أتجوزها .
_دلوقت؟! دلوقت؟! هنقول للناس إيه ؟! بدلنا العريس؟!!إيه الجنان اللي بيحصل ده ؟!
الهتاف المحتدم بين أشرف وإسلام لايزال يصلها مشوشاً ..
لكنها تجد صوتها أخيراً فترد :
_موافقة !
كلاهما يلتفت نحوها لكن الرؤية تحجبها غمامة من دموع ..
دموع لن تسمح هي لها بالسقوط الآن ..
ليس قبل أن تثأر لكرامتها ..
ليس قبل أن ترسل ل"قاتلها" الرسالة كاملة ..
أنها استبدلته بآخر بمنتهى السرعة كما تفعل ب"حذاء" غير مريح!!
_انت تسكتي خالص ..مين اللي هيسمع كلامك تاني بعد كده ؟!
يهتف بها أشرف بثورة لتجذبه رانيا من ذراعه فتنتحي به جانباً قبل أن تقول بتعقل:
_اهدا يا أشرف ..فكر بالعقل ..نشوى اختك انت عارفها كويس ..عندية واللي في دماغها هتعمله ..كمان لو فاقت من الصدمة ولقت نفسها لوحدها هتروح فيها .
_تقوم تورط نفسها في جوازة تانية ؟!
يهتف بها بحنق لتبسط راحتيها في وجهه مهدئة :
_لو فكرت كويس هتلاقي إن مفيش سبب يخللي راجل عاقل يعمل زي إسلام إلا لو كان
فعلاً معجب بيها ..أنا من زمان حاسة إن في قلبه حاجة ناحيتها ..مادام هو عرض وهي وافقت اديله فرصة ..يمكن يعالج اللي غيره كسره .
لكنه يكز على أسنانه بصمت لتحاول هي إقناعه بالمزيد ..
وفي مكانه كان إسلام لايزال واقفاً مكانه يراقب نشوى بتفحص ..
لم يشعر أنه يفهم أحداً كصورة في مرآة كما يفعل الآن معها ..
كان يثق أنها ستوافق !
تماماً كما يثق أنها لا تفعلها لأجل شيء يخصه ولو بمثقال ذرة ..
إنما نكاية في معشوقها النذل !
لكنه كان مرحباً بمنحها هذا !!
هل هو جزء من رد دين أبيه القديم نحو هذه العائلة ؟!
هل هو ضيقه الشخصي من ناصر الذي كان خلف سقوط والده والذي لا يملك كظمه بضعف بشري معهود ؟!
أم هو شعوره الخاص ..الخاص جداً بها ..أنها تحتاج الآن لما يفعله ..
وربما ..تحتاجه هو نفسه !!
لا يعرف ..هو حقاً لا يعرف!!
_ياللا يا جماعة الخير ..أنا هنا من زمان ..فيه جواز واللا لأ ؟!
يهتف بها المأذون بنفاد صبر وهو يتابع هؤلاء "المجانين" الذين ابتلي بهم الليلة ..
ليرمق إسلام أشرف بنظرة مطمئنة راجية ..
لكن الأخير ظل محمر الوجه بغضب للحظات قبل أن يتحرك نحو نشوى ليقول بحزم:
_عايزة تتجوزيه ماشي ..بس اعملي حسابك إنها مش جوازة يومين والسلام ..أنا بقوللك قدامه ..مفيش طلاق ..هتحكمي على نفسك تبقي مراته العمر كله !
ثم التفت نحو إسلام مردفاً :
_والكلام برضه ليك ..كلمة راجل لراجل ..جاوبني بصراحة ..انت معجب بيها فعلاً وواخد الموضوع جد ؟!
فابتسم إسلام مخاطباً أشرف بقوله الحاسم :
_انت عرفتني كفاية الفترة اللي فاتت عشان تحكم .
حدجه أشرف بنظرة متفحصة طويلة ولايزال الغضب يلون ملامحه التي لانت رويداً رويداً وهو يستعيد مواقف إسلام معه الفترة الماضية ..
هو رجل يأتمنه على شقيقته ..
لكن المشكلة فيها هي ..كيف ستبلي في زيجة كهذه ؟!!
_يا جماعة الخير ..انجزوا ..الفجر قرب يأذن !
يهتف بها المأذون بنفاد صبر لتتعلق ريما في سروال إسلام هاتفة بفرحة :
_انت هتبقى بابا الجديد ؟!
فيحملها إسلام بين ذراعيه ليقبل وجنتيها بحب قبل أن يغمزها كعهده مجيباً:
_شكلها كده آه !
======
تستقل جواره سيارته بعد إتمام العقد وذهول الحاضرين الذين كانت تشعر بهمزاتهم طوال الحفل القصير لايزال يطاردها ..
قصة سيتناولها الناس لعهد طويل ..
العروس استبدلت العريس في آخر لحظة بآخر!!
هذه هي الرسالة التي تريد إيصالها لناصر ..
انتصارها الوحيد في ليلة الهزائم هذه !!
وجوارها كان هو يختلس نحوها نظرات جانبية وقد بدأ يستفيق للجنون الذي فعله ..
هو يتزوج بهذه الطريقة ؟!!
هو الذي كاد يؤلف في غزوات النساء مجلداً يتزوج هكذا ك"عثرة قدم"؟!!
لكنها عثرة لذيذة ..لن ينكر!!
سيستمتع كثيراً بترويض هذه الشرسة جواره ..
_مستنياك أيام لوووز يا بتاع البرقوق ..لا برقوق إيه بقا ؟!!..انت بقيت رئيس جمهورية التين الشوكي المتحدة !
يقولها لنفسها ساخراً قبل أن يوقف السيارة أمام البناية حيث الشقة التي خصصها لنفسه مع أختيه ..والتي تقيم فيها الآن ياقوت ..
_ثانية واحدة ..هاكلم أختي بس عشان ما تتفاجأش .
يقولها لها بنبرته المرحة كالعادة لكنها بدت وكأنها في وادٍ آخر بعيد لا تسمعه ..
فتنحنح بحرج وهو يغادر السيارة ليتصل بياقوت التي وصله صوتها ناعساً:
_خير يا إسلام ؟!
عاد يتنحنح ليقول لها بسرعة :
_فوقي كده معايا معلش ..أنا اتجوزت وطالع دلوقت مع عروستي لحد ما أشوف لنا مكان تاني نقعد فيه ..ماكانش ينفع أوديها عند ماما انت عارفة ...
لكنها قاطعته بقولها وقد طار النوم من عينيها :
_اتجوزت؟! كده فجأة ؟! اتجوزت مين؟! واحدة م الفرح اللي كنت رايحه ؟!
صمت للحظة ليعدها للمفاجأة قبل أن يفجر قنبلتة :
_العروسة !
_نعم!
هتافها المستنكر وصله كصراخ فتنحنح ليقول مؤكداً:
_اتجوزت العروسة !
_نهارك أبيض! رحت تحضر فرح علقت العروسة؟!
كتم ضحكته القصيرة ليرد بسرعة مقتضبة :
_بعدين هنقعد نتفاخر بمهارات أخوكي الفذة ..بس دلوقت احنا تحت البيت ..مش أوضة لجين فاضية ؟!
صمتت للحظة تحاول التيقن من أنه لا يمزح لترد بتشتت:
_فاضية ..آه ..انت بتتكلم بجد ؟!
لكنه أغلق الاتصال بسرعة ليمنحها الجواب العملي وهو يقف أمامها في الشقة مع نشوى التي بدت مغيبة تماماً وهي تتحرك بآلية نحو الغرفة التي قادها نحوها إسلام ليقول برفق وهو يناولها حقيبة ملابس كانت قد أعدتها لها رانيا بسرعة بعد التطورات الأخيرة :
_خدي راحتك .
لكنها لم تمنحه رداً أفضل من دخولها الغرفة لتصفق الباب خلفها !
فانتفضت ياقوت مكانها للحظة قبل أن تركض نحوه لتجذبه من ذراعه نحو غرفتها هي وتغلقها خلفها هاتفة بنفاد صبر:
_التفاصيل ..حاااااالاً!
_حبيبتي يا توتة ..كنت عارف إنك هتفرحيلي !
يقولها مازحاً وهو يضمها لصدره لكنها تلكمه في كتفه بخفة هاتفة :
_من غير تحوير ..انجز ..قصتها إيه الجوازة دي؟!!
فضحك ضحكة قصيرة ختمها بآهة طويلة قبل أن يخلع سترته ليجلس متربعاً فوق فراشها ويبدأ في سرد الحكاية التي تفاعلت هي معها بكل جوارحها ..
لتقول أخيراً بإشفاق:
_انت عارف واحدة زيها دلوقت هتبقى عاملة زي حتة إزاز مكسورة هتعور أي حد يقرب منها ؟!ليه ورطت نفسك في حاجة زي كده ؟!
زفرته الحائرة تسبق قوله الشارد :
_مش عارف ..طول عمري مندفع ولما بتطق حاجة في دماغي بعملها ..بس صدقيني المرة دي مش حاسس إني اتسرعت ..
بالعكس ..حاسس إني مبسوط كأني كسبت جايزة فجأة من غير تعب.
_جايزة؟!
تسأله باستنكار مشفق ليرد بنفس الصدق الذي لون كلماته :
_معنديش أسباب ..معنديش شرح ..هي على بعضها كده حالة ماعشتهاش قبلها ..عارفة ؟! كل نظراتها ليا من أول مااتقابلنا كانت سودة بسبب ماضي الوالد المشرف ..على طول حاطاني في حالة تحفز إني أثبت لها إني كويس ..
ثم صمت لحظة ليردف بنبرة أكثر صدقاً:
_دلوقت دوري أثبت لها أد إيه هي اللي كويسة..وماتستاهلش جرح زي جرح ناصر ده .
_صعب ..قوووي ..ليلة زي دي عمرها ما هتنساها يا إسلام..ده جرحها قدام الكل !
تقولها بإشفاق غامر لتلتمع عيناه بتحدّ امتزج بعاطفة لم يمكنها تجاهلها وهو يرد :
_هتنساها ..وتنساه !
======
تقف أمام المرآة بالغرفة تناظر شكلها بنفس الجمود ..
جزء من روحها تكسر !
قلبها بدا كأنما تعطلت خفقاته عند تلك اللحظة التي كانت تنتظر فيها ناصر كي يحقق الحلم القديم ..
عيناها لا تزالان متعلقتين ب"باب القاعة" تنتظرانه !
أذناها لا تزالان مشغولتان بطنين العزف حولها ..
وبكلمات غزل سمعتها منه في خيالها والآن توقن أنها أبداً ..
أبداً لن تفعل!
هل انتهى الحلم ؟!
أم الأصوب لو تقول ..هل بدأ الكابوس؟!
هل تزوجت آخر؟!
كررت نفس "السيناريو القديم" ..
هربت من جرحه لجرح آخر فقط كي تثبت له أنها قادرة على المضيّ دونه !
لماذا لا يكرر التاريخ نفسه إذا كنا نحن بنفس الضعف كي نكرر نفس الخطأ عند نفس الموقف؟!!
أناملها تمتد لسحاب ثوبها تخلعه عنها ليسقط تحت قدميها ..
فتدهسه بعصبية قبل أن تنحني لتمزق طبقته الخفيفة بأناملها ..
تنزع عن شعرها طرحتها وحجابها لتكورهما وتلقيهما جانباً بعنف ..
تنظر لجسدها شبه العاري نظرة خاوية قبل أن تضمه بذراعيها ..
تتحرك بآلية نحو الحقيبة المجاورة لتتناول أول ما نالته يداها ..
منامة حريرية بلون أبيض لكنه كان يتلون في عينيها ب"سواد" خيبتها !
مذاق مر ..شديد المرارة في حلقها..تزداد ضراوته وهي تناظر نفسها في المرآة من جديد ..
هكذا كانت يجب أن تكون الآن له ..
ماذا تصنع بكل قمصانها التي اشترتها لأجله ؟!
بكل كلمات العشق التي ادخرتها كي تسمعه إياها؟!
بل بكل هذا الحب الذي انتظرت أن يجد له مكاناً على أرضه ؟!
كيف هانت عليه هكذا ليطعنها نفس الطعنة مرتين ؟!
مرتين ؟!
أولاهما كانت بينهما وحدهما ..
لكن هذه ستبقى ندبة في جبينها العمر كله ؟!!
دموعها التي كتمتها تنفجر الآن فجأة من مآقيها ليرتجف لها جسدها كله ..
هاهي ذي تضيع عمرها لأجله للمرة الثانية مع أول رجل تقابله ..
فقط لترد له صفعة إهانته !!
رجل لا تدري لماذا تصرف معها بهذه الطريقة ولا ما الذي يريده من زيجة غريبة كهذه !!
طرقات الباب تقاطع أفكارها لتنتفض مكانها بخوف لم تملكه ..
خوف ترجمته طبيعتها المتنمرة لحدة طغت على ملامحها وهي ترى إسلام يدخل وقد بدل
ملابسه ليغلق الباب خلفه ..
الآن فقط بدأت تستعيد بعض وعيها ..
بدأت تدرك أي فخ وقعت فيه ..
خاصة وبعض ذكرياتها من زواجها السابق تتوالى عليها تباعاً لتزيد عمق معاناتها ..
عيناها تلتقيان بعينيه لتميز نظرتهما الواضحة بين عاطفة لا تفهمها وعتاب تفهمه !
سيلومها مثلهم !
سيخبرها أنه حذرها من قبل!
سيلقي عليها وبال شماتته وخطبة طويلة عريضة عن خطئها الذي يجب أن تتحمل عواقبه ...
_اطلع بره وسيبني لوحدي ..
تهتف بها بحدة ليتجاهلها مقترباً منها ببطء فتلوح بسبابتها في وجهه مردفة بما بدا أقرب للصراخ:
_خللي عندك دم وسيبني في حالي الليلة دي ..ما تخللينيش أعلي صوتي ..
نظرته العاتبة تزداد وضوحاً في عينين لم ترهما من قبل بهذه الشفافية ..ولاتزال المسافة بينهما تتناقص ..
لاتزال تتوقع سخريته العاتبة ..
_إياك تفتح بقك..إياك أسمع صوتك بكلمة واحدة ..إياك ..إياك ..
صرخاتها تنتهي بفيض من دموعها ولا تزال تلوح بسبابتها في وجهه ليحافظ هو على اقترابه الحثيث منها وهو يرد بنبرة تسمعها منه لأول مرة بهذا الحنان :
_مش هتكلم..هاحضنك..واسمعك ..وبس !
لتجد نفسها في ثوان مغمورة بين ذراعيه ..والعجيب انها لم تقاوم كما ظنت نفسها ستفعل !
قبضتاها كانتا تضربان صدره بمزيج عجيب من قوة ووهن ..
لكن رأسها كان يستكين متخاذلاً على كتفه ..
كحجر سقط متدحرجاً من قمة جبل فما لبث أن استطاب القاع!!
_اوعى تفتكر نفسك صاحب جميل عليا ..أنا فاهمة كويس انت عملت كده ليه ..كنت عايز ترد له اللي عمله مع حسين رجائي ..عايز تنتقم منه زي ..
كلماتها المتنمرة تنقطع بالمزيد من شهقات بكائها وهو يستمع دون أن يقاطعها ..
يعلم أنها واحدة من لحظات البوح النادرة التي لن تسمح له امرأة مثلها بالمزيد منها ..
امرأة ؟!
ابتسامة ساخرة تحلق على شفتيه وهو يضمها نحوه أكثر ..
هو لا يشعر أنه يضم امرأة !!
شعوره بهذا العناق بل وبها عموماً يختلف عن أي شعور حسي عرفه مع غيرها ..
لم يكن الغر الساذج الذي قد ينخدع في شيء كهذا ..
شيء لا يعلم له توصيفاً ..
سوى أنه قد "علق بها"!
ورطة !
هي مجرد ورطة !
عثرة لذيذة لقدمه يود لو لا يستقيم بعدها لوقت طويل !!
شهقاتها تخفت تدريجياً لتتحول لبكاء صامت فتمتد أنامله بحذر نحو منابت شعرها تداعبها برفق ..
ثم يغمض عينيه بعدها وهو يشعر بنفسه في حلم غريب ..
ما أشبهها الآن بين ذراعيه بابنتها !
طفلة عنيدة تؤذي الآخرين بتنمرها وتؤذي نفسها قبلهم !!
_أنا ماخطفتوش من مراته ..ماجريتش وراه عشان أهد بيته ..أنا كنت في حالي ..قفلت على قلبي وبنتي بعد ما دمر لي حياتي زمان ..لما رفض حبي وخلاني بمنتهى الغباء والعند أقبل أول عريس جالي ..وبعد ما قلت خلاص هاكمل حياتي لوحدي ..يرجع يظهر تاني مع وعد إنه يعوض اللي فات ..جالي وفي إيده مراته بيقولولي هم الاتنين راضيين ..أنا ماغلطتش لما قبلت إيده اللي اتمدت لي ..ما غلطتش لما اتمنيته أب لبنتي ..ماغلطتش لما قبلت بنُص قلبه ..لأ ..غلطت ..غلطت ..ولسه بغلط..
تمتماتها الباكية تنتهي بآهات توجع حقيقية ..
كلماتها لا تبدو موجهة نحوه ..بل إنها بدت وكأنها منعزلة عنه تماماً لا تكاد تشعر به ..
لكنه هو بدا وكأنه لم يعد يشعر إلا بها !!
هذه الهشاشة التي يلمسها الآن فيها تجعله يود لو يدق عنق ناصر على مافعله بها ..
شفتاه تنفرجان يهم بالحديث لكنه يتذكر وعده ..
ويخاف أن يقطع قدسية هذا التواصل النادر بينهما ..
والذي يكاد يقسم أنه لن يتكرر قريباً ..
ليس غبياً ليدرك بأي طريقة ستعامله هذه عندما تستفيق ..
لكنه لم يكن يشعر بالضيق ..
بل بالاستثارة !
طالما عشق انتظار الموجة كي يقفز في مواجهتها ..
وليس أشرس ولا ألذ من هذه موجة !!
ولم يكد يتم خاطره الأخير حتى صدق حدسه وهو يراها تدفعه بقوة مفاجئة لترمقه بنظرة حادة ..
قبل أن تهتف وكأنها استعادت رشدها فجأة:
_بنتي فين ؟!
_أشرف خدها تبات معاه الليلة دي ..الكلام كان قدامك على فكرة.
هزت رأسها بتشتت حقيقي وهي تبتعد عنه بظهرها بضع خطوات لتجلس على الفراش واضعة رأسها بين كفيها وقد بدت وكأنها عاجزة عن تمييز ما يحدث ..
يالله !
حتى ريما غفلت عنها في ذروة ما كان يحدث !!
اختفت عن ناظريها ولم تنتبه بماذا يفعلونه بها !!
يوماً ما كان هذا مستحيلاً ..
والآن ..!!
هي حقاً خسرت ما كانت تملكه لأجل ما لن تملكه !!
_ممكن تنامي دلوقت والصبح وعد مني هاجيبهالك هنا!
يقولها لترفع عينيها نحوه فتجده على بعد خطوة منها ..
هذا الإشفاق في عينيه يكاد يقتلها !!
منه هو بالذات !!
لهذا هتفت به بحدة زادها الصداع الذي يكاد يفتك برأسها:
_تمام ..دلوقت بقا اتفضل اطلع بره .
_حاضر.
قالها مستسلماً وهو يدرك أن وجوده يضغط عليها أكثر لترمقه بنظرة متعجبة كأنها توقعت المزيد من الجدال ..
لكنه ابتسم وهو ينحني ليربت على وجنتها برقة لتبتعد هي بوجهها عنه في حركة نافرة اتسعت لها ابتسامته ..
قبل أن يتحرك ليغادر الغرفة وما كاد يصل إلى الباب حتى استدار نحوها ليقول وهو يشير للخارج:
_أختي ياقوت دكتورة نفسية ..لو محتاجاها ممكن تتكلمي معاها ..هي ..
عبارته تنقطع فجأة وهو يراها تقذف الوسادة التي كانت بجانبها في وجهه لتصرخ به :
_أنا مش مجنونة ..اطلع بره بقا بدل ما تطلع في دماغي أوريك الجنان بجد !
ابتسم من جديد بحنان ثم عاد يتقدم نحوها تحت نظراتها المتوجسة ..
قبل أن ينحني على ركبته أمامها مسنداً ذراعه فوقها لتكون عينيه في مستوى نظراتها :
_غلطتك الوحيدة إنك وقفتي حياتك على وهم ..وهم عمره ما كان حقيقة ..وسجنتي نفسك فيه طول السنين دي ..صدقيني لو كان جوازك من ناصر تم ..كنتِ هتكتشفي بنفسك ده ..
ثم اقترب بعينيه منها أكثر مردفاً ببطء :
_لو كنتِ فعلاً حبيتيه ..ما كنتيش قدرتِ ترتبطي بحد تاني ولا حتى عشان تنتقمي منه .
عقدت حاجبيها بشدة وقد بدت له بكحل عينيها الملطخ بدموعها ..
وشعرها المشعث ..
وزينتها التي أفسدها البكاء كأسوأ مرة رآها فيها ..
لكنها بنظرتها المشتتة هذه ..
وبارتجافة شفتين واهنة بعيدة تماماً عن سلاطة لسانها المعهودة ..
وبهذه "المنامة" الكارثية التي تبرز مفاتنها سامحة لجياد خياله بالركض كما تشاء ..
تبدو له الآن كأجمل مرة رآها فيها !!
_تصبحي على خير .
يقولها مع غمزة كعادته قبل أن يفاجئها بقبلة خاطفة على جبينها لتشهق بحدة وهي تبتعد بوجهها ليبتسم وهو يستقيم بجسده قبل أن يغادر الغرفة ليتركها خلفه تتنهد بعمق ..
قبل أن تستلقي بظهرها على الفراش الغريب الذي ما تصورت أبداً أن تنتهي ليلتها هذه فيه !!
ليت كل هذا يكون مجرد كابوس !!
ليتها تصحو فتجد كل هذا أضغاث أحلام!!
======
_صباحية مباركة يا عريس!
تقولها ياقوت بلهجة ماكرة وهي توقظه على أريكة الصالة ليفتح عينيه فيتلفت هو حوله بدهشة أول الأمر قبل أن يتذكر أحداث الليلة الماضية ..
لينهض من رقدته وهو يلوح بسبابته في وجهها هاتفاٌ :
_لاحظي إن كلامك جارح !
تضحك ضحكة قصيرة وهي تربت على كتفه لتسأله :
_مانمتش في أوضتك ليه ؟!
تقولها مشيرة للغرفة الثالثة في الشقة ليرد بخفوت عبر نبرته المرهقة :
_خفت المجنونة دي تصحى وتمشي من غير ما اخد بالي ..بصراحة مش ضامنها .
عادت تضحك وهي تجلس جواره لتقول بنفس الخفوت:
_ما جمع إلا ما وفق ..انتو الاتنين جوز مجانين ..حسين رجائي كل خلفته عاهات !
_احترمي أخوكي الكبير! وبعدين انتِ "بنت النيل" مثلا؟! ما انت بنت حسين رجائي برضه !
يقولها بخفة مرحة وهو يخبطها على مؤخرة رأسها قبل أن يتناول هاتفه لينظر فيه قائلاً :
_لازم أقول لعمو علاء و"أنّا" ..هيبقى فيها مخالفة كبيرة لو ماعرفوش ..بس لسه بدري زمانهم ماصحيوش.
_ومامتك؟!
تسأله بتوجس ليتنهد وهو يحك ذقنه بإظفره مغمغماً :
_أهي دي الليلة الكبيرة سعادتك ..
ثم ضحك ليردف ساخراً:
_برغم كل شيء صعبانة عليا
جيلان هانم ..مابتلحقش تفوق ياعيني !
ابتسمت بإشفاق وهي تعاود التربيت على كتفه لتقول بجدية :
_أنا معاك في أي حاجة ..نشوى محتاجة معاملة خاصة اليومين دول ..
ثم صمتت لحظة لتردف محذرة:
_اوعى تجرحها يا إسلام ..انت اخترت طريق كمله لآخره !
منحها نظرة مطمئنة لتنهض وهي تتناول حقيبتها فينتبه أنها ترتدي ملابس الخروج ..
_رايحة فين ؟!
_جو العرسان نساك إن النهارده يوم شغل للشقيانين !
تهتف بها بمرح لينهض بدوره وهو يلوح بذراعه قائلاً بحسرة متهكمة :
_هو فين جو العرسان ده يا حسرة ؟! الواحد حاسس إنه داخل على حرب .
_قدها وقدود يا هندسة !
تقولها ضاحكة ليشاركها الضحك قبل أن يقول بسرعة:
_طب استني هاوصلك وأروح أجيب ريما من عند أشرف ..عايز نشوى تصحى تلاقيها .
_أيوة كده ..هي دي الدماغ الصح!
تهتف بها باستحسان ليعاود خبطها على مؤخرة رأسها قبل أن يتحرك ليتوجه نحو غرفته كي يبدل ملابسه ..
تلاحقه نظراتها التي امتزج فيها الإعجاب
بالإشفاق ..
فخورة هي حقاً بأخ مثله لكنها تخشى عليه عاقبة هذه الزيجة التي لا تبشر بخير ..
خاصة وأن "جيلان هانم" لن تمررها هكذا ببساطة ..
مسكين هو ..سيخوض أقوى حروبه الفترة القادمة !
=====
بعض روحي أنتِ ..
بل كل روحي ..
فسامحيني!
إن جعلت المطر يرعد في عيونك ..
إن جعلت الطير يهجر دفء غصونك ..
إن ذبحت الحب قرباناً لغروري ..
لكن عذري أنني..
خنت نفسي قبل أن أخونك !
عودي معذبتي ولا تردي لي الجرح جرحاٌ ..
عودي فبعدك ألف عام يفتقد الفرحا ..
عودي فشمس الحب قبسٌ من جنونك !
"رائد"
=====
كيف أغفر ؟!
وسيف جرحك على عنقي لايزال مضرجاً بدمائي؟!
وكيف أقسو؟!
وحبك توأم العمر الطويل ؟!
كيف أنسى؟!
ورائحة غدرك تزكم الأنف الذي طالما تنعم بعبيرك ؟!
وكيف أذكر ؟!
و"عاصمة" عشقك تفتقدها خرائطي فتبقيني بلا هوية؟!
كيف أتقدم ؟!
وبين ذراعيك شوك ..ونار؟!
وكيف أتأخر ؟!
و"xxxxب ساعتي" مضبوطة على تقويمك ؟!
كيف أبقى أنا ؟!..ولازلت أنت أنت !
وكيف أكون أنا ؟!..مالم تكن أنت !
يا من بدلت قناعك بين "فارسي" و"جلادي"..
لا أملك معك سوى وجه ..عاشقتك !
اخترتُ الصفح ..فمن يلومني؟!
أحمقٌ من يخاصم في الليل ..قمرَه!
"همسة"
======
على باب شقتها التي اختارها لها يقف متردداً قبل أن يطرق الجرس ..
هي التي طلبت لقاءه هذه المرة لتخبره برغبتها عبر رسالة مع الخادمة ..
قلبه يخفق بين ضلوعه بعنف ..ليس فقط ضراوة الاشتياق ..بل ترقب العتاب ..
عتابها لن يكون قاسياً فمثلها لا تعرف القسوة ..
لكنه سيكون مؤلماً لقلب عاش يجلد نفسه بذنبها طوال هذه السنوات !
تفتح له الخادمة الباب بابتسامة قلقة ونظراتها تحمل له غموضاً لم يفهمه ..
قبل أن تظهر هي من خلفها ..
"معصوبة العينين"!!
يالله !!
هل انتكست؟!
هل سيعود معها لنقطة البداية من جديد ؟!
أم أنها رسالة مبطنة منها أنها لم تعد تريد رؤيته ؟!!
أنفاسه تتلاحق بضراوة وهو يراها تقترب بحذر أكثر لتطلب من الخادمة الخروج وتركهما وحدهما ..
يسمع صوت الباب يغلق خلفه من جديد بتشتت لتدمع عيناه بحسرة موجعة وهو يفقد أمله الجديد بها ..
يقبض كفيه جواره بقوة وهو يجد نفسه يعود للخوف من أن يتكلم أمامها من جديد ..
إذا كانت لا تطيق رؤيته ..فماذا عن صوته ؟!!
يراها تتقدم منه فاردة ذراعيها أمامها فيزداد وجيب قلبه ..
خطواتها لم تضل طريقها إليه ..
دوماً قلبه مرشدها وهاديها ..
على بعد خطوة منه تقف الآن ..شفتاها ترتجفان بهذه الطريقة التي يعرفها عندما تكتم انفعالاتها ..
كفاها يرتفعان ببطء ..ببطء شديد جداً نحو صدره لتبسطهما هناك فوق موضع قلبه ..
_كل سنة وانت طيب .
تقولها بنبرة عاتبة ذبيحة لم يفهمها ..ليزدرد ريقه بتوتر هامساً :
_لسه فاكرة عيد ميلادي؟!
_خلاص ..افتكرت ..كل حاجة ..
تهمس بها بنفس النبرة التي تقطعت كلماتها ليجد كفيه رغماً عنه يرتفعان ليعانقا كفيها بقوة على صدره ..
كأنه رأى في كلماتها نبوءة وداع !
_من كام سنة ..في نفس اليوم ..حضّرت هديتك ..بابا كان حابسني بعد اللي حصل بس اتصرفت وخرجت ..كنت عارفة إن مامتك مسافرة وإنك لوحدك في البيت ..بس ..لما شفتك ماكنتش لوحدك ..
خيطان من الدموع سالا تحت عصابتها مع همساتها التي تقطعت بمرارة الذكرى ..لتتسع عيناه بصدمة وهو يحاول تذكر ما تحكي عنه ..
_أول ما قربت من مدخل العمارة شفتك خارج معاها ..ماسك إيدها زي ما كنت بتمسك إيدي ..بتضحك لها زي ما كنت بتضحك لي ..ركبت معاك عربيتك ..مكاني !
اشتعل جسده بمزيج من الغضب والذنب وخيوط الدموع على وجنتيها تزداد كثافة فيزداد كفاه تشبثاً بكفيها ..
لتعاود جلده بهمساتها :
_مكاني ..مش بس في عربيتك ..لا ..ده في حياتك كلها ..ساعتها اتأكدت م اللي سمعته واللي ماكنتش راضية أصدقه ..مكنش ينفع أصدقه ..أنا ماكنتش بنت عمك وحبيبتك وبس ..أنا كنت ..كنت مراتك !
جسده يتشنج بقوة انفعاله وهو يكاد يعتصر كفيها في قبضتيه ..
يكاد يرجوها التوقف عن جلد نفسها وإياه بهذه الذكرى ..
لكنها عادت تردف بألم أكبر:
_كل ده وكنت لسه واثقة فيك ..مستنياك ..رجعت البيت بهديتي اللي ما قدرتش أديهالك ..رجعت أوضتي لوحدي منفية كالعادة بعيد عن بيت الفايد العظيم ..خايفة من بكرة بس مطمنة بيك ..بقول لنفسي مش ممكن يكون هيعملها ..ده بس بيخطط عشان يخطفني من هنا بعيد عن كل الناس ..في بيتنا اللي هنكمل فيه عمرنا سوا ..كنت بصبر نفسي بده لحد الليلة اللي سمعتك فيها بوداني ..بتقول لبابا إنك ..إنك خلاص مش عايزني ..وإنك ما يلزمكش واحدة ..مجنو..
عبارتها تنقطع مع آخر خيوط صبره وهو يجذبها لصدره بقوة دافناً رأسها بين ضلوعه ومانعاً إياها من المزيد ..
يلصق وجنته بوجنتها لتمتزج دمعة ندمه مع دموع ألمها ..
_كفاية ..ما تكملليش !..ذنب وعشت أكفر عنه طول السنين دي ..وكنت مستعد أفضل أكفر عنه لحد آخر يوم في عمري ..ساعة طيش دفعت تمنها كتير ..قلبي ماخانش ياهمسة ..على عهده عايش بيكي وليكي ..
يهمس بها بحرارة أشعلت أنفاسهما الممتزجة ليرفع وجهها نحوه معانقاً وجنتيها براحتيه يمسح عنهما دموعهما :
_مش ممكن تكوني ماحسيتيش بيا طول السنين دي .
ابتسامة تشق غمام دموعها لترد :
_مش بقوللك ..افتكرت ..كل حاجة ..
ابتسامة تعيد له بعض روحه وهي تتسع رويداً رويداً مع استطرادها :
_افتكرت ضِلّ ما سابنيش طول السنين دي ..طيف كان قلبي بيحس بيه من غير ما أسمعه ولا أشوفه ..يمكن لحد دلوقت مش قادرة أميز حقيقة من خيال ..بس فاكرة إيدك حاضنة إيدي ..فاكرة صوتك بعدها لأول مرة في وداني ..فاكرة بيتنا بكل حتة فيه ..فاكرة حضنك ..دايماً معاه صوت ضحكتي ..فاكرة ..فاكرة ..
همساتها تتهدج مع أنفاسها ليسألها بوجل :
_امال رجعتِ تلبسي دي ليه ؟!
يقولها وأناملها تتحسس عصابة عينيها بارتجاف لم يملكه ..
ارتجاف احتل أناملها هي الأخرى وهي ترفعها لتنزع عنها عصابة عينيها ..
ثم تلقيها لتدهسها بقدمها قائلة باعتداد :
_عشان أقلعها بمزاجي ..عشان لأول مرة أحس إني حرة وبختار ..
سعادته بهذا التغيير الذي يراها عليه توازي ترقبه من نتيجة خيارها هذا الذي تزعمه ..
_واخترتِ إيه ؟!
يسألها بوجل لتبتعد عن مرمى ذراعيه فيسقط قلبه بين قدميه وهو يراها تبتعد بظهرها بضع خطوات ..
قبل أن تتوقف مكانها لتتناول من الجوار ما رفعته أمام عينيه ..
"بيضة برسمة ضحكة ..كاملة !"
_اخترتك .
تقولها عبر ابتسامة دامعة فلا يشعر بنفسه وهو يندفع نحوها اندفاعاً كاد يسقطها لولا دعمه لها بين ذراعيه ..
شفتاه تعانقان شفتيها عناقاً لم يعرفه من قبل بهذا الاشتعال ..
قديماً كان يشعر إذ يمسها بمزيج من الحذر ..الخوف ..الذنب إذ ينال منها وهي غير واعية تماماً ..
لكن الآن وهو يشعر بتمام استجابتها ..
بانصهار جوارحها معه بذات اللهب الذي يذيبهما معاً ..
وبصك غفرانها الذي منحته له أخيراً بمذاق عشقها ..
يكاد يفقد كل ذرة في تماسكه !
_رائد ..
تهمس بها باعتراض واه وسط أنفاسها اللاهثة وهي تدفعه عنها بكفها برفق لكنه يكبل كفيها بحنوّ خلف ظهرها ليعاود بثها عاطفة لم تعد تعترف بهشاشة الكلمات ..
_عشان خاطري ..سيبني ..أديك هديتك ..
تهمس بها مزينة بابتسامة خجول وهي تحاول
الابتعاد بوجهها ليرمقها بنظرة مشتعلة لا يكاد يعرفها "قناعه المعدني" إلا معها هي ..
ورغم أن كل ذرة في جسده كانت تستصرخه
بالمزيد من الارتشاف من كأس عذوبتها هذا ..
لكن الرجاء العاتب في عينيها جعله يحرر كفيها مكتفياً بقبلة أخيرة عميقة لجبينها ..
تتحرك نحو منضدة قريبة لتتناول منها علبة صغيرة رفعتها أمام عينيه ليميز فيها هذه ..الدبلة الفضية !
اتسعت عيناه للحظة وهو يراها تهم بانتزاعها من مكانها لتلبسه إياها ..
لكنه أوقفها في اللحظة الأخيرة ليغلق العلبة بحزم فترتجف نظراتها بتساؤل ..
ليبتسم وهو يقرب وجهه منها هامساً :
_مش دلوقت ..مش قبل ما آخدك عروسة من بيت الفايد قدام كل الناس .
دمعت عيناها بفرحة ارتعد لها جسدها وصدرها يعلو ويهبط بانفعاله بينما تكرر خلفه :
_عروسة ؟! بيت الفايد ؟!
فيهز رأسه مؤكداً ليحتضن وجهها من جديد بين راحتيه مقبلاً جبينها بقوله :
_هاعمللك فرح الدنيا كلها تحكي عليه .
من جديد تنخرط في البكاء إنما بدموع سعادتها هذه المرة ..
تحتضن خصره بذراعيها ليبتسم وهو يضمها نحوه بحنو بأحد ذراعيه بينما يضع هديتها في جيبه هامساً :
_كفاية دموع بقا يا حبيبتي ..وعد مني الأيام الجاية ما تعيطيش غير من الفرحة .
همسه الذي بدا لها كوعد تمنحه روحه قبل لسانه يجعلها تضحك تلك الضحكة القصيرة الرائقة التي تخلب لبه ..
فتتناقص المسافة بين شفتيهما من جديد لكن صوت رنين الجرس يجعله يبعدها بأسف
متسائلاً :
_مين؟!
_ياقوت!
تقولها بود طاغ وهي تتحرك لتفتح الباب فيقابلها وجه ياقوت التي وقفت تتفحص ملامحهما للحظات بذكاء قبل أن تميل رأسها لتقول وهي تعدل وضع نظارتها على أنفها:
_نقول مبروك؟!
تعانقها همسة عناقاً حاراً يمنحها الجواب فيما يرمقها رائد بنظرة امتنان جارفة وهو يتحرك ليتناول "البيضة بضحكتها المرسومة كاملة" فيرفعها في وجهها بحركة ذات مغزى ..
لتتنهد ياقوت بارتياح بينما يصلها صوت همسة تقول بعاطفة صادقة:
_انتِ قلتيلي أول مرة شفتك ..يوم ماارسم عليها وش بيضحك مش هاشوفك تاني ..بس أنا ما بقيتش أقدر أستغنى عنك .
الشجن يصارع عاطفتها هي الأخرى وهي تقلب بصرها بين همسة ورائد للحظات ..
قبل أن تطرق برأسها دون رد ..
هاهي ذي همسة تكاد تتماثل للشفاء ..
"الخيط الظاهر" بينها وبين زين !
زين الذي لايزال مصراً أن يجلد نفسه في منفاه رافضاً يدها الممدودة نحوه ..
فهل يكون حقاً مصيرهما الفراق؟!
=====
_همسة!
يهتف بها زين بدهشة وهو يفتح باب البيت بعد رنين طويل تجاهله قبل أن يضطر للاستجابة إليه ..ليجدها أمامه !
يضمها نحوه باشتياق مغمضاً عينيه بعاطفة استسلم لها عبر غيابات حزنه ..
قبل أن ينظر خلفها ليسألها :
_جاية مع رائد ؟!
_لوحدي .
تقولها بحسم غريب على طبيعتها وهي تهز رأسها لترتجف ابتسامتها وهي تتفحص
ملامحه :
_ياقوت قالتلي ع العنوان ..وقالتلي كمان إنك محتاج تشوفني زي ما أنا محتاجة أشوفك .
نبراتها ترتعش بأسى وهي تميز شحوب ملامحه الواضح وتغير هيئته التي تعرفها ..
ياقوت أخبرتها أن المرأة التي اختطفتها -والرضيعة- فعلتها نكاية بزين ..بل وكادت تقتله !
هو ضحى بنفسه من أجلها ..
لكنه هو نفسه من بدأ هذه المأساة كاملة !!
بينما أطرق هو برأسه ليتحرك مبتعداً عنها ..يشعر بالكثير من الرضا عن تحسن حالتها كما يرى أمامه ..لكن نبراته تتحشرج بقوله :
_عشان خاطري يا همسة ..مش قادر أكلم حد دلوقت .
_بس أنا محتاجة أتكلم معاك ..كلام اتأخر كتير قوي .
النبرة العاتبة في صوتها تجعله يرفع عينيه نحوها بترقب ..
لتقترب هي منه مفاجئة إياه بسؤالها :
_بتحبني ؟!
عيناه تتسعان للحظة لتكرر سؤالها ببطء أكثر:
_بتحب أختك يا زين ؟!
يزدرد ريقه بتوتر وهو يشعر بالغرابة ...
نبرات صوتها لم تعد مرتجفة كالسابق ..
كلماتها لم تعد متقطعة ..
نظراتها ليست بالمشتتة بعد ..
عاطفتها البريئة لاتزال تميزها إنما متشحة بعتاب نابض لا يمكنه تجاهله ..
تسأله هل يحبها ؟!
ما أسهل السؤال وما أصعبه !!
خاصة وهي تكتف ساعديها كأنما تحتضن نفسها مانحة إياها الدعم ..
لتشرد ببصرها مردفة :
_عمرك ما قلتهالي بس ياما شفتها في عينيك ..أنا صورة الخيانة اللي ماقدرتش تنساها طول العمر ده ..الوردة اللي اتفتحت غلط جنب قبر والدتك ..عشان كل ما تكبر تفكرك إني كنت السبب في موتها ..
_كفاية يا همسة ..
يقاطع بها كلماتها بكف مرتجف يرفعه في وجهها..
وحاجباه ينعقدان بألم زادته هي باستطرادها الذي صارت تلفه الدموع:
_طول عمري عايشة حاسة إني غلطة ماينفعش تتصلح ..اتعاملتوا معايا زي أي ذنب بتحاولوا تنسوه مادام مش قادرين تكفروا عنه ..منبوذة لوحدي في أوضة بره بيت بابا اللي ممنوع أدخله ..شايفة في عينيه نظرة حد اتورط ومش عارف يخلص من ورطته ..يمكن عشان كده مااستغربتش قسوة عقابه وقت هروبي مع رائد ..حبسه ليا ماكانش جديد عليا ..طول عمره كان حابسني جوه سجن كبير ومش حاسس ..
آهة عميقة تغادر حلقه وهو يرفع رأسه لأعلى قبل أن يضمها لصدره بذراعه وقد فقد كلماته مع هذا الشعور المتعاظم بالذنب الذي تذكيه هي الآن بكلماتها ..
لم يتصور أنها يوم تسترد عافيتها ستنطلق بهذا البوح المؤلم ..
لكنها ترفع عينيها الدامعتين نحوه مردفة :
_انت كمان حبستني جوه سجن فكرتك ..بنت الست الطماعة اللي خطفت جوز قريبتها ..معقول طول السنين دي ما سألتش نفسك ..لو كانت ماما طمعانة في فلوس بابا يبقى إزاي قبلت تعيش وتموت في بيت قديم وقع علينا زمان ؟!
عيناه تتسعان بذهول وكلماتها البسيطة تضربه في مقتل !
تصفعه على وجه ذكائه الذي طالما تباهى به !!
تجلده بالمزيد من الندم وهو يكتشف -لتوه- أنه عاش عمره مخدوعاً بوهم ..
لم تكن هي فقط السجينة ..
هو أيضاً كان سجين فكرة تضخمت في صدره لتشكل قناعاته ويتضاءل جوارها كل منطق ..
_يمكن كنت صغيرة قوي ..بس لسه فاكرة نظرة حب بتملا عينيها لما كانت تشوفه ..نظرة حزن تانية لما يسيبنا ويمشي ..نظرة خوف لما الباب يخبط وهو موجود ..ونظرة ندم لما تسرح وهي بتبص لي ..يااااه ..يااااه يا زين ..بعد كل السنين دي أخيراً جت لي الجرأة أسألك ..مين اللي أخد فيهم أكتر ؟! ..مين اللي كسب أكتر ؟!
ثم صمتت لحظة تلتقط أنفاسها لتردف بعينين شاردتين عبر فيض من الدموع :
_مين اللي طمع في التاني هي واللا هو ؟!
آهة تلو آهة تطلقها روحه قبل لسانه ..
كيف يمكن أن يخدعنا الوهم إلى هذا الحد ؟!
أن يحجب بغشاوته بصيرة القلب ويذره يتخبط في تيه ظلامه ..وظلمه !
كل أشباح خطاياه تتجمع الآن لتنعق كالغربان فوق خراب روحه ..
ترجمه بذنوبه فلا يكاد يطمع في رحمة ..
لكن هذا "الملاك" بين ذراعيه يمنحه بعض الخلاص في ..قبلة !
قبلة طبعتها عميقة دافئة فوق جبينه وهي تستطيل على أطراف أصابعها بينما تتشبث أناملها الرقيقة بكتفيه ..
_سألتك بتحبني وأنا عارفة الإجابة ..عارفاها حتى لو انت مش عارفها ..أنا مش جاية النهاردة أعاتبك ..بالعكس ..جاية أهد آخر شبر في الحيطة اللي اتبنت بيننا زمان ..جاية أقوللك إني متأكدة إنك بتحبني زي ما أنا بحبك ..
تقولها بين ابتسامتها ودموعها كأصدق اعتراف سمعه يوماً ..
ليطوقها بين ذراعيه بقوة حانية وأنامله تربت على رأسها قبل أن تطبع شفتاه على جبينها قبلة اعتذار ..
تسبح عيناها في بحر رائق وهي تشعر بروحها تتحرر من آخر قيودها ..
ياقوت كانت محقة عندما أخبرتها أنها تحتاج أن تمتلك "حرية الصفح" قبل أن تمنحه ..
تحتاج أن تعيش غضبها ..عتابها ..لومها ..
تحتاج أن تصرخ في كل من ظلمها ..
قبل أن تختار بكامل إرادتها أن ..تعفو!
ابتسامتها الملائكية تزين ثغرها وأناملها تطوف على ملامحه لتقول له ببراءتها المعهودة :
_مش واخدة على شكلك كده ..احلق دقنك وشعرك .
ابتسامة باهتة تحلق من بعيد على شفتيه ظن أنه لن ينالها قبل عهد بعيد ..
كعادتها جاءته الملاك الكسير لتضع بصمتها الشافية فوق جروحه ..
حتى عندما سكبت له كأس عتابها منحته السم والترياق في نفس الوقت ..
_عمري ما كنت هاقدر أرجع لنفسي لولا إحساسي إنك جنبي وفي ظهري ..وعمري ما هانسى إنك كنت هتضحي بروحك عشاني ..بحبك قوي ..
تهتف بها بصدق وهي تعاود احتضانه ليشعر بمذاق عناقها مختلفاً هذه المرة ..
صافياً ..رقراقاً ..دون أي شوائب ..
صمته يطول وهو يشعر بدمعة ندم هائلة تحرق عينيه ..
يبدو أن القدر اختار مواجهته بذنوبه كلها بما لا يدري هل هو تمهيد لعقاب ..
أم فرصة للتوبة !!
_أنا ..آسف ..
يهمس بها أخيراً بعذاب فضحته حروفه لتهز رأسها برقة متسامحة ..
لتسأله برجاء مشفق:
_هتفضل هنا كتير؟!
_مش عارف ..
يقولها وهو يعطيها ظهره شاعراً بالمزيد من الرغبة في الهروب من رجل كان يوماً ..هو!!
فتربت على كتفه برقة مدركة أنه ربما يحتاج عزلة كهذه التي احتاجتها كي تعود لنفسها ..
يشعر بخطواتها تبتعد ليسمع صوت الباب يفتح فيلتفت نحوها هاتفاً بقلق:
_ماتمشيش لوحدك ..استني هاكلم رائد ييجي ياخدك .
لكنها تبتسم لتحمل كلماتها مغزاها الذي وصله
بالضبط :
_فيه سكك لازم نمشيها لوحدنا ..عشان نفرح قوي لما نوصل ..ومانتوهش تاني .
=====
في منفاه الاختياري يجلس نفس الجلسة البائسة على فراشه مراقبا الضوء الخافت القادم عبر النافذة المغلقة ..
لمسات ياقوت ..
كلمات ثمر ..
مواجهة همسة ..
أيها كان الأشد أثرا على نفسه الآن ؟!
أيها يمكن أن يتشبث به ليخرج من هذا الجب الذي ألقته فيه ذنوبه ؟!
أفكاره تنقطع بصوت طرقات خافتة على الباب الذي التفت نحوه بنظرات خاوية ..
لم تلبث أن تحولت لترقب ممتزج بالدهشة وهو يميز الاثنتين اللتين دخلتا لتوهما ..
حبل قصير من الصمت يسري بينهم قبل أن تقطعه إحداهن بقولها الذي تهدج بمشاعرها:
_فاكر بنتي يا زين بيه ؟!
======
انتهى الفصل الحادي والعشرون
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم سينابون
القطعة العشرون
=========
_أنّا!
تهتف بها غادة بلهفة وهي ترتمي في حضنها بينما عيناها تعانقان نور الحرية من جديد ..
لقد تحررت!!
ليس فقط من السجن ..
ليس فقط من الظلم ..
بل من كل أوزار الماضي التي عاشت عمراً ترزح تحت أثقالها !!
قبلات إيناس تمتزج بدموعها وهي تضمها بقوة هاتفة :
_دعوة وقبلها ربنا ..ان بنتي ترجعلي وماتحرمش منها أبداً !!
لم تستطع غادة منع فيض دموعها هي الأخرى بينما علاء يهتف بدوره بمزاحه المعهود :
_كفاية بقا أبوس إيديكم ..احنا عيطنا لعشر سنين قدام ..البنت زمانها خارجة رجليها مش شايلاها ..ياللا بينا .
ترفع إليه غادة عينين ممتنتين قبل أن تدورا حولها بتساؤل صامت قرأه علاء ليغمزها قائلاً :
_سيف بيخلص شوية إجراءات وهايحصلنا ..ماليش خلق أنا ع الروتين بتاع هنا .
_حمداً لله ع السلامة يا دودا .
تهتف بها هانيا دامعة وهي تتلقفها بين ذراعيها بدورها لتتنهد غادة بحرارة وهي تشعر أنها لم تكن لتتغلب على أزمتها لولا وجودهم جميعاً جوارها ..
علاء ..إيناس ..هانيا ..رامز ..إسلام ..وسيف!!
سيف الذي كان يبدو لها في كل مرة تراه طيلة الأيام السابقة كشعلة نار لن تبرد حتى تستعيد براءتها ..
لن تنسى له أبداً أنه هو كان خلف استعادتها حريتها بشهادة تلك المرأة جارتهم والتي جاءت في وقتها تماماً ..
_كفّارة يا غادة ..السجن للجدعان !
هتف بها إسلام بمزاحه المعهود ليلكزه علاء في كتفه هاتفاً :
_اتلم يا ولد ..سيف لو سمعك هيلعب على وشك "إكس- أو"..غادة دلوقت تخصه !
والمرح في عبارته الأخيرة يختلط بالكثير من الارتياح الذي فاضت به ملامحه الحنون وعيناه تمنحان غادة رسالة اطمئنان خاصة تلقتها بقلب مرتجف ..
"تخصه"؟!
"تخصه"!!
ما أجملها من كلمة ..وما أروعه من شعور !!
لهذا ابتسمت له شاردة وهي تتحرك معهم نحو السيارة القريبة ..
الأيام السابقة كانت أعظم محنة تعرضت لها بعد وفاة أحمد ..
لكن مشيئة القدر كانت أرحم بها وهي تجعلها تواجهها بقوتها المستحدثة ..
من يصدق أن غادة التي كانت يوماً على وشك الانتحار ..
هي نفسها غادة التي وقفت بهذه الصلابة في وجه مصاب عظيم كهذا ؟!
يفتح لها علاء باب السيارة لكن الهتاف يأتيها من خلفها ..
_خلليكي معايا أنا !
تسمعها بصوت سيف الذي لحق بهم أخيراً ..
لتلتفت نحوه ليس بوجهها فحسب ..بل بروحها كلها ..
"الحزن الأخرس" في حدقتيه يتلون الآن بطيف عشق هادر ..
بلهفة عارمة ..
وبابتسامة كفَته كل الكلام !!
كفه يعانق كفها بقوة رفيقة وهو ينسحب بها بعيداٌ عنهم ليتحرك معها نحو سيارته القريبة ..
عيناها ..
كنجمتين هجرتا العالم كله لتسكنا فقط عينيه !
وعيناه ..
كشاطئ بِكر يفتح ذراعيه ليتلقف سفينتها بعد طول غربة !
ولم تكد تستقل جواره سيارته ..وقبل حتى أن يشغلها كان كفه يعود ليتلقف كفها بنفس القوة ...
_تتجوزيني؟!
حمرة أذنيه وأنفه هذه المرة لم تحمل خجلاً كعهده بل تضرجت بالاشتياق..اللهفة ..الحب الذي فاضت به كل جوارحه عدا لسانه !
الدموع تملأ عينيها وهي تهز رأسها بانفعال فيميل عليها بوجهها ..يعانق نظراتها بعينين عاشقتين هامساً :
_ياااااه ! ما تعرفيش عاين لك كلام أد إيه ..أبقى كداب لو قلتلك وحشتيني وأنا طول الأيام اللي فاتت عايش بيكي وليكي ..وأبقى برضه كداب لو قلتلك ما وحشتينيش وأنا مشتاق لكل حاجة فيكي ..عينيكي ..ابتسامتك ..كلامك ..روحك اللي من غير ما أحس لقيتها بتحضن روحي ..
ثم صمت لحظة يلتقط أنفاسه بعد سيل كلماته الذي خرج هادراً دون توقف ..ودون تخطيط ..
ليهمس لها أخيراً وهو يمد كفه الآخر ليطوق كفها هي بين راحتيه :
_بحبك يا غادة !
خفقات قلبها تدوي بجنون وصدرها يعلو ويهبط وكأنما خاضت لتوها سباق عدو طويل ..
لكن ..أو لم تفعل حقاً ؟!
كل هذه المحطات التي توقف بها قطار حياتها ..
كل هذه العثرات التي تلتها انتفاضات ..
كل هذا الفقد ..كل هذا الوجع ..كل هذه الوحدة ..
والآن يأتي هو بكلمة واحدة ليرجّ عالمها كله !!
كلمة واحدة لكنها من رجل مثله تعني الكثير ..
تعني ألف عمر جديد يفتح لها باباً خلف باب !!
لكن خاطراً ما جعلها تسأله بارتباك خلف غلالة دموعها :
_بس أنا مش فاهمة ..انت مش كنت هتتجوز قريبة آنجيل ؟!
ابتسامة مريرة تطوف بشفتيه معيدة ذكرى يمقتها لتتلون كلماته بأساها:
_مش بقوللك محتاج أتكلم معاكي كتير قوي ..بس مش دلوقت .
ترمقه بنظرة متسائلة لكن ابتسامته تتسع لتحمل لمحة مرح غريبة على طبعه المتحفظ وهو يسألها :
_عارفة مين كمان وحشتيه قوي ؟!
_مين ؟!
تسأله بترقب حائر ليترك كفها مجبراً قبل أن يغادر السيارة نحو حقيبتها الخلفية التي استخرج منها صندوقاً صغيراً عاد به إليها ليفتحه ..
_شيبوب!!
تهتف بها ضاحكة بفرحة عارمة وهي تحتضن الأرنب الصغير الذي كان يتشمم وجهها هو الآخر بلهفة وسط ضحكاتها العالية ..
هذه التي رفرف لها قلب سيف كعهده مع صوتها الرنان ليتمالك نفسه بصعوبة مانعاً نفسه من احتضانها ..
_جبته معايا وأنا راجع مخصوص من اسطنبول ..عمو علاء قاللي إنه صحته في النازل من يوم ما سافرتِ ..قلت أكيد هيبقى واحشك زي ماانتِ واحشاه .
_مش عارفة أقوللك إيه ...سيف ..انت ..انت ..
تهتف بها بين مزيج دموعها وضحكاتها العجيب ليقترب بوجهه من وجهها قائلاً بعينيه العميقتين اللتين تفعلان بها الأفاعيل:
_أنا إيه ؟!
وجنتاها تكادان تحترقان بخجلها لكن شقاوتها المعهودة تجعلها ترد له "سابق بضاعته" بعبث:
_انت "كويس" .."مريح" ..حاجة في "الرينج" ده !
ضحكته تجلجل عالية كما لم تسمعها من قبل بهذا الصفاء ..
شيء ما تستشعره بحدسها فيه قد تغير !!
كأنما هو الآخر تحرر من قيود ماضيه مثلها !!
ربما لهذا لم تتعجب رنة المرح في صوته بعدها :
_واضح إني نشرت الوباء ودي حاجة مش كويسة !
تبتسم وهي تمسد ظهر شيبوب المستكين في حضنها ..
وعيناها ترسلان وتتلقيان من عينيه ألف رسالة حب ..
هذه التي انقطعت برنين هاتفه برقم علاء ليفتحه فيصله صياح الرجل المرح:
_إيه ياابني ..احنا تقريباً وصلنا ..خدت البنت ورحت فين يا عم الحبّيب ؟!
فاحمر أنفه وأذنيه كعهده وهو يرمق غادة بنظرة جانبية ليرد :
_معلش يا عمو ..الكلام خدنا ..دقايق وهاحصلكم .
قالها ليغلق الاتصال وهو يشغل السيارة لتهتف به غادة :
_هنروح فين ؟!
_عمو علاء أجّر شقة مفروشة قريبة من البيت مؤقتاً على ما نرجع اسطنبول .
يجيبها بنبرة حيادية وهو يحاول التركيز في الطريق لترد بارتياح :
_الحمد لله ..أصل هانيا كانت قالت لي إنها ..
قطعت عبارتها بخشية من إكمالها وقد تذكرت تحرجها من إخبار هانيا لها أنها ستعود معها للإقامة في بيتهم حيث صار يقيم علاء وإيناس بعد الأحداث الأخيرة ..
هذا الذي لم تكن تتقبله بطبيعة الحال لكنها لم تكن تجد بديلاً ..
بينما قرأ هو أفكارها ليلتفت نحوها بعينيه السخيتين بعطايا عشقه ..
قبل أن يحتضن كفها من جديد مردفاً بمزيج حنانه وحميته الرجولية :
_يوم ما تدخلي بيتي تاني مش هتبقي ضيفة ..هتبقي صاحبته !
الكلمات على بساطتها تزلزلها بعمق شعورهما معاٌ ..
لكن رومانسية اللحظة تنقطع بآهة يطلقها تبعتها ضحكة عالية منها ..
فقد أعلن شيبوب غيرته ب"عضّة" لكفه المحتضن لكفها !!
=====
_الشيخ أبو إدريس بيقول إن الشيخ عابد عايز يزورنا .
تقولها ثمر وهي تفترش سجادة صلاتها في صالة بيتها لتهتف رابحة بينما تصفق بكفيها في جذل طفولي:
_جاي يخطبني ..كنت عارفة .
_اتهدي يا مطيورة ..هايخطبك من بيتي أنا ليه وحسّ أبوكي في الدنيا ؟!
هتفت بها ثمر بضحكة راضية ملأت ملامحها بشراً لتتبادل ياقوت مع لجين النظرات قبل أن تسألها الأولى بتوجس:
_يعني هو جاي عشان خطوبة فعلاً ؟!
_شكلها كده .
تقولها ثمر بمكر متلاعب وهي تتفحص ملامح ياقوت التي ازدادت تجهماً ..
هل فعلها يامن ؟!
هل سعى لتزويجها بأخ زوجته كي يصرف تفكيرها عن زين ؟!
زين ..زين!!
آهة كبيرة تطلقها روحها وهي تتذكر إلامَ صار حاله ..
لكن ثمر تقاطع أفكارها وهي تقول بابتسامة واسعة :
_جاي يخطب لجين .
_ليه ؟! ليه ؟! ما انا كنت قدامه ..ده ..ده شافني قبلها !!
تهتف بها رابحة بحماقتها المعهودة لتضحك ثمر منها ..
وترتخي ملامح ياقوت بارتياح وهي تشعر أنه كفاها هم الرفض ..
بينما تجمدت ملامح لجين للحظات قبل أن تقول بتلعثم :
_أنا ؟! يخطبني أنا؟!
ضحكت ثمر وهي تفتح لها ذراعيها لتجلس لجين فتعانقها بملامح مذهولة قبل أن تبتعد لتعاود سؤالها :
_متأكدة يا ستي إن الكلام عليا أنا ؟!
أومأت ثمر برأسها إيجاباً لترفع لجين بصرها نحو ياقوت التي رمقتها بنظرة مشفقة لم تخلُ من توجس ..
لن تخبرها أن يامن وياسمين يعلمان عن حقيقة مرضها ..
لكنها ستتيقن من الأمر بطريقتها ..
_مالك متاخدة كده ؟! هو انتِ قليلة ؟! انتِ تزيني أي بيت .
تقولها ثمر بفخر وهي تعاود ضم السمراء المندهشة لصدرها قبل أن تمسد شعرها الجميل متمتمة برقيتها المعهودة ..
لتشعر لجين بخفقات قلبها تتزايد بلهفة ممتزجة بالذهول ..
عابد طلبها هي للزواج ؟!
ألا يحتمل أنه يقصد ياقوت ؟!
بالتأكيد يفعل!!
لا تصدق أن رجلاً بوسامته ومقوماته المادية تعجبه فتاة مثلها !!
لكن هل سيخطئ الشيخ أبو إدريس في شيء كهذا ؟!
هو لم يكن ليخبر ثمر إلا بعد تيقنه من الأمر !!
يالله !!
لا تصدق ..ولن تصدق حتى تراه هنا أمامها وتتبين الأمر!!
رمقت ياقوت بنظرة مستغيثة حائرة ولاتزال مستسلمة لرقية ثمر الخاشعة ..
لكن أختها منحتها ابتسامة داعمة وهي تومئ لها برأسها قبل أن تغادرهن لتصعد نحو السطح ..
قبل أن تتناول هاتفها من جيبها لتتصل بيامن ..
_انت اللي خليت عابد يتقدم للجين ؟!
تسأله ببعض الحدة ليباغتها بضحكته الخشنة :
_هو بنت قاصر يا دكتور ؟! أنا أصلاً ماعرفتش الموضوع إلا منه ..بس بصراحة شجعته .
فازدردت ريقها لتخفض صوتها كثيراً متسائلة :
_هو يعرف حاجة عن تعبها ؟!
الحرج الممتزج بالقلق في نبرتها أثار شفقته ليجيبها بجدية تامة :
_عارف ومعندوش مشكلة ..اطمني .
لكنها عقدت حاجبيها بشك لتقول محذرة:
_متأكد ؟! مش هاسمح لحد لحد يأذي أختي ولو بنظرة ..عايزة أقابله الأول أطمن إنه واخدها جد وعارف أبعاد حالتها الأول .
_هو عارف والله ..ومقدر جداً ..وقراره واخده من غير رجعة ..
يقولها يامن بنفس الجدية ليردف بحميته المعهودة :
_لو ماكنتش واثق من كده أنا اللي ماكنتش هادخلله بيتكم..اطمني .
ابتسامة واهنة ترتسم على شفتيها وحنان نبرته الممتزج بحميته الرجولية يمنحها المزيد من الطمأنينة ..
لتتردد قليلاً قبل أن تقول بحذر:
_طيب ..فيه موضوع تاني .
_خير يا "أبو نسب"!!
يقولها مازحاً لتضحك رغماً عنها ..قبل أن تقول بما يشبه الرجاء:
_همسة أخت زين ..متعلقة قوي بيمنى من يوم اللي حصل وكل شوية تطلب مني تشوفها ..تخيل إن مرضها اللي وقف دكاترة كتير عاجزين قدامه وأنا أولهم.. بنتك انت في كام ساعة كانت سبب في علاجه !!
تقولها وهي تستعيد أول مقابلة لها مع همسة بعد الحادث ..
لم تصدق عندما أخبرها رائد بما حدث ..
لم تصدق إلا عندما التقتها بعدها لتدرك أنها حقاً استعادت ذاكرتها ..وبعض نفسها ..وبقي أن تسترد المزيد ..
نجاحٌ ساحق لحالة مستعصية كان سيسعدها كثيراً أن تضمها لسجل تفوقها لولا هذه الغصة التي تستشعرها في حلقها منذ غياب زين ..
لكن صوت يامن يقاطع أفكارها وقد ظهر التأثر في نبرة صوته:
_أنا اللي مش هنسى منظرها وهي حاضنة يمنى تحت السرير ..خايفة عليها وضمّاها كأنها بتحميها م المجرمين دول ..أنا اللي المفروض أشكرها .
_يعني موافق أجيبها ونيجي نزوركم ؟!
تسأله مستبشرة ليرد بضحكة قصيرة سبقت جوابه :
_ماهو لو صبر القاتل ع المقتول! ..أنا أصلاً كنت هاعزمك معاها على عقيقة يمنى .
ضحكت وهي تمنحه مباركتها ووعدها بالحضور ليرد عليها بعفوية ..
قبل أن يصمت قليلاٌ لتتلكأ كلماته نوعاً وهو يسألها بضيق أعاد لنبرته خشونتها:
_أخو همسة ده بقا كويس؟!
لطخت المرارة ابتسامتها وهي تراه يشير لزين ب"أخو همسة" وكأنها هي الرابط الوحيد الذي يمكن أن يجمع رجلين بتاريخهما ..
لكنها لم تستطع التخفي حول نبرتها المهنية كالعادة وهي ترد بشرود :
_أنقذوه ليلتها على آخر لحظة ..بس بعدها اختفى .
لم يبدُ كثير الاهتمام بما تقول بطبيعة الحال ..
فقد كان جلّ اهتمامه بهمسة ورائد لدورهما في إنقاذ ابنته ..
لكنه لا ينكر أن نظرته نحو زين هذا قد تغيرت نوعاً ..
هو لا يزال لا يطيقه ..لكن صورته اكتسبت نوعاً من الإنسانية آخر الأمر وهو أقصى ما يمكنه منحه إياه !!
لهذا أغلق معها الاتصال على وعد بلقاء قريب في عقيقة الصغيرة ..
بينما بقيت هي على شرودها وهي تشعر بالتشتت ..
فرحتها واطمئنانها على لجين وقبلها همسة لم يقلل من قلقها على زين الذي رفض تماماً رؤيتها في المشفى ثم اختفى تماماً عقب خروجه منه ..
إنها حتى لم تره منذ لقائهما الأخير في حديقة بيت رائد قبل ذهابه لتلك المرأة ..
رائد يخبرها أنه بخير لكنه لا يريد رؤية أحد ..
وهي تتحرج من طلبها أن تراه ..
أن تكون جواره كما كان هو دوماً جوارها في أشد لحظات حياتها حلكة !!
تعلم أن الموقف الأخير قصم ظهر غروره ..
زلزله بما لم يحدث معه من قبل ..
لكن عزلته ليست حلاً !!
_برضه سرحانة فيه ؟!
تسألها ثمر التي ظهرت أخيراً وهي تقترب منها بخطواته المتمهلة لتلتفت نحوها ياقوت بملامح بائسة ..
حتى الإنكار ما عادت قادرة عليه ..
لهذا تنهدت بحرارة وهي ترى ثمر تتخذ مجلسها على الأرض كعهدها لتقول دون أن تنتظر ردها :
_انتِ دايماً غاوية قعدة السطوح ..غير أختك اللي دايماً غاوية قعدة أوضتها وأوضة الخزين ..واحدة راسها لفوق دايماً باصة للسما ..والتانية مستقليّة نفسها وباصة دايماً تحت رجليها .
تعجبت للمفارقة التي لم تنتبه إليها من قبل لتبتسم ابتسامة واهنة وهي تتربع جالسة قبالة جدتها لتغمغم بما يشبه الاعتذار:
_المرة دي مش بكيفي يا ستي .
تفحصتها ثمر بنظراتها الخبيرة قبل أن تسألها :
_ما قلتليش يعني ..البيه بتاع مصر عمل إيه ؟! رجّع أخته ؟!
أطرقت ياقوت برأسها وهي تشعر بالمزيد من البؤس ..
منذ عادت إلى القرية وهي تخشى سؤال ثمر هذا بالذات !!
ماذا عساها تخبرها ؟!
من الذي اختطف همسة ولماذا ؟!
صورته في عيني ثمر شديدة السواد بالفعل ولا ينقصها ما يوحي به الحدث !!
_أكيد رجعت مادام انتِ كمان رجعتِ .
تقولها ثمر بفطنة غير منتظرة لردها ثم جذبت رأسها برفق لتضعه في حجرها فغيرت ياقوت جلستها لتمدد قدميها مستكينة لرقيتها ..
القمر لايزال مختفياً خلف غيومه ..يظهر تارة كوجه مجدور قبل أن تعاود السحب إخفاءه ..
فيعاود الظهور ببطء كأنه ..يستغيث!
_مش عايزة تحكيلي اللي حصل ؟!
تسألها ثمر من جديد بعد صمت قصير وهي تمسد على شعرها لتحسم ترددها وتخبرها بما علمته ..
لماذا فعلتها ؟!
تراها كانت تشعر باحتياجها لحكمة ثمر ولو على حساب صورة زين ؟!
أم تراها عجزت عن الكتمان أكثر وهي في أمس الحاجة لمن تبوح له ؟!
ثمر لم تكن جدتها وأمها الروحية فحسب ..
ثمر كانت صديقتها ..مرشدتها ..كاتمة أسرارها ..
لهذا لم تستحِ من ختام بوحها بقولها :
_مش هدافع عنه وأقول ما غلطش ..بس غصب عني صعبان عليا كسرته دي ..عارفة يعني إيه راجل زيه يروح شايل كفنه على إيده وهو مش عارف هيخرج من عندها سليم واللا لا ؟! عارفة يعني إيه بوضعه ده يضطر يتذل لها عشان ينقذ أخته ؟! عارفة لما يحس إنه فجأة ماعادلوش ظهر يسنده ..شغله ..أخته ..مناخيره اللي دايماً في السما ..كل ده فجأة كده يلاقيه هيضيع منه .
لكن ثمر أصدرت همهمة قصيرة لتقول بحكمتها المعهودة :
_كان لازم يدوق مرارة الكاس عشان ماعادش يسقيه لغيره ..لو عقله في راسه صح يعتبر م اللي حصل ..الستّ إياها دي جت ساعة أجلها ولاقت ربها وهو أعلم بحالها ..لكن الدور عليه هو في اللي جاي ..يااما يتجبر أكتر ويكمل طريقه القديم ويبقى حسين رجائي تاني ..يااما يعتبر ويبدأ من جديد ..
ثم صمتت لحظة لتسألها باهتمام
_قلتيلي ساب الدنيا كلها ومحدش عارف له مطرح ؟!
هزت ياقوت رأسها في رد بإيجاب لتتشح ملامح ثمر بحنان أمومي ممتزج بأسف ناسب قولها:
_عشت العمر ده كله وماشفتش أقسى من الندم بعد فوات الأوان ..ربنا خلق لنا الضمير عشان يردنا لما خطاوينا تطيش ..بس جلدته لما بتصيب مابترحمش ..ياويله من ضميره ..بس يا سعده لو تاب !
هنا سالت دموع ياقوت من جديد لتقول بصوت خنقته عبراتها :
_قلبي واجعني عليه قوي يا ستي
_وإيه الجديد ؟! من يوم ماعرفتيه وقلبك موجوع بيه!
العتاب الحاني يعود لنبرة ثمر فتهمس ياقوت بألم:
_المرة دي غير كل مرة ..خايفة عليه من غيبته دي ..خايفة عليه من وحدته وندمه ..نفسي يرجع بس وأطمن أنه وقف على رجليه تاني .
فترمقها ثمر بنظرة قلقة لم تخلُ من توجس وهي تشعر أن أمر الفتاة يكاد يخرج عن سيطرتها ..
تثق بتربيتها إياها لكنها تعلم أن سلطان القلوب لا راد لحكمه !!
لهذا تنهدت بحرارة وهي ترفع رأسها للسماء بدعاء صامت ..
طالما اعتادت أن خير عباداتها هي "التسليم" ..
تفويض الأمر لمن بيده الأمر !
ربما لهذا هدأت نفسها كثيراً وهي تعاود تمسيد شعر ياقوت براحتها لتقول أخيراً بيقين:
_كده كده هيرجع ..بس لو ربه حبه هيفتح له طريق توبة ..اطمني يا بنت قلبي ..من قلب الشدة بييجي النور .
====
_العريس وصل!
هتفت بها رابحة بشقاوتها المعهودة وهي تدخل على لجين غرفتها في بيت ثمر .. لتتأمل شكلها مردفة باستنكار:
_مش هتحطي أي حاجة على وشك ؟!
ثم غمزتها وهي تلوح بهاتفها الذي لا يكاد يفارقها قائلة:
_حطي حاجات بسيطة ما تبانش ..هو أينعم شيخ وكل حاجة ..بس برضه دي أول مقابلة .
_ليها حق ستي ثمر تقوللك دايماٌ "اتهدي يا مطيورة"..ياللا بره !
هتفت بها لجين بعصبية فجرها ارتباكها وهي تدفع رابحة لتخرجها من الغرفة وتغلق الباب خلفها ..
لكن الأخيرة فاجأتها بفتح الباب من جديد لتلتقط لها صورة خاطفة بهاتفها قبل أن تعاود غلقه ضاحكة بصوت عال !
ابتسمت لجين وهي تهز رأسها بيأس من حماقتها قبل أن تعود لتتفحص شكلها في المرآة ..
إلى الآن لا تصدق أنه جاء ليخطبها هي!!
ترمق ملامحها بنظرة راجية كأنما ترجوها أن تكون اليوم أجمل ..
تود لو تستخدم بعض المساحيق التجميلية كما تفعل في العاصمة ..لكنها لا تجرؤ ..
ليس فقط خوفها من ثمر ..ولا من هيبة عابد ..
إنما هو شعورها الذي ازداد مؤخراً بخشيتها من "الله"..
هل يُبتَغى ستر الله بمعصيته ؟!
_يارب حليني في عينيه ..يارب ما تخرجني من مقابلته خايبة الرجا ..نفسي أفرّح ستي وأفرح يارب .
تهمس بها سراً وهي ترفع عينيها بوضع الدعاء قبل أن تعاود تفحص ملامحها في المرآة ..
والعجيب أنها شعرت بنفسها أجمل ..
لم تعد تميز سمرة ملامحها التي يرونها منفرة..بل صارت تميز نعومة بشرتها ..
لم تعيد تميز ضيق عينيها ..بل كثافة رموشهما ..
لم تعد تميز تميز كبر حجم أنفها ..بل اتساقه مع استدارة خديها ..
حتى شفاهها التي تراها دوماً غليظة ..الآن تشعر بامتلائها شهياً جذاباً ..
لكن يبقى السؤال ..كيف سيراها هو؟!
_قمر!
هتفت بها ياقوت وهي تدخل الغرفة لتغلق بابها خلفها قبل أن تتقدم لتعانقها بحرارة قائلة :
_أحلى عروسة .
لكن عيني لجين دمعتا وهي تسألها بارتباك خجول:
_انتِ شفتيه ؟! هو فعلاً عابد بره ؟!
رمقتها ياقوت بنظرة مشفقة لم تخلُ من استياء وهي تلاحظ هذا الشعور المعهود بالدونية لدى شقيقتها ..
هذا الذي دفعها لتمسك كتفيها بقوة هاتفة :
_جرى إيه يا "أوبرا"؟! هو انتِ قليلة يا بنت؟!
ثم تفحصت الثوب الهادئ الذي ترتديه بلون الورد الهادئ مع نقشته بزهور رقيقة بيضاء لتهتف باستنكار:
_فين الفستانين اللي جبتهم لك ؟! الفوشية والأصفر ؟!
فمطت لجين شفتيها لتقول ببعض الحرج:
_ألوانهم صعبة قوي يا توتة .
_صعبة ؟! هتعملي زي أخوكي اللي مش عاجبه ذوقي ؟!
قالتها ياقوت باستنكار لتضحك لجين وهي تقبل جبينها هاتفة بحب:
_انتِ أجمل أخت في الدنيا ..وإسلام كمان ..ماكنتش متوقعة ييجي النهاردة أول ما يعرف ..واللا هيثم اللي بعتلي هدية عشان ماعرفش ييجي ..بجد مبسوطة قوي .
_ستك ثمر كمان فرحت بإسلام قوي ..دي عملت مذبحة للبط اللي مربياه كله ..ومن الفجرية واقفة في المطبخ ..حتى ..
قالتها ياقوت بابتسامة راضية ليقطع حديثها صوت باب الغرفة الذي فتح لتطل من خلفه ثمر بوجه مستبشر هاتفة :
_واقفين بترغوا وسايبين الناس بره ..ياللا يا "أوبرا" اطلعي سلمي عليهم .
فدمعت عينا لجين وهي تشعر بالمزيد من الارتباك الذي قرأته عينا ثمر لتقترب منها واضعة كفها على رأسها متمتمة :
_حلوة يا "بنت قلبي"..حلوة قوي ..الله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين .
اتسعت ابتسامة لجين المرتبكة وهي تخرج معهما من غرفتهما نحو صالة البيت ..
تطرق برأسها تخشى أن ترفعه ..
لكنها لم تستطع منع نفسها من اختلاس نظرة خاطفة نحو عابد ..
لاتزال تشعر أنها لن تجده هو ..
لا تزال تشعر أنه سيصطدم خيبة برؤيتها إذ ربما ظنها جميلة كياقوت ..
لكن نظرتها عادت إليها بفرحة !!
فرحة عارمة حلقت لها روحها وهي تلمح لمعة عينيه بنظرة طالما تمنتها ..
نظرة إعجاب!
نظرة إعجاب معها ابتسامة بدت وكأنها عانقت روحها !
تتعثر في طرف ثوبها ارتباكاً فيقف إسلام بسرعة ليتلقفها بين ذراعيه ..
ترفع عينيها الفائضتين بمشاعرها المرتبكة نحوه فيميل على أذنها هامساً بإعجاب:
_جامدة !
يغمزها كعهده بعدها ثم يقبل جبينها باعتزاز فتشعر بدعمه الصامت يعزز هذا الشعور المستحدث بقيمتها ..
لهذا تماسكت خطواتها أكثر وهي تتقدم لتصافح والدة عابد التي بدت "حيادية الملامح" قبل أن تجلس مكانها مطرقة الرأس ..
زغرودة رابحة العالية تصدح في المكان تتبعها أخرى وأخرى فتنهرها ثمر بنظرة زاجرة لكنها لا تهتم وهي تلتقط المزيد من الصور بهاتفها ..
الحوار ينساب بين عابد وإسلام لطيفاً وقد أداره الأخير بخفة ظله المعهودة لتضفي ثمر المزيد من الحكمة عليه وهي تحاول استكشاف طبيعة عابد فلم تزل جاهلة به ..
خاصة وقد شعرت بحدسها من نظرات أمه أنها غير راضية تماماً عن الزيجة ..
_الشيخ أبو إدريس بيشكر فيك جامد وده اللي مطمن قلبي ..أنا مابديش بناتي لأي حد .
تقولها ثمر بالاعتداد الذي ورثته عنها ياقوت ليرد عابد بتواضع عبر ابتسامته :
_جعلني الله عند حسن ظنك وحسن ظن الشيخ .
_وناوي تعيش هنا واللا في القاهرة يا شيخنا ؟!
يسأله إسلام باهتمام ليرد عابد :
_لازلت أريد طلب العلم لدى الشيخ أبو إدريس ..أظنني سأبقى هنا لبعض الوقت قبل أن أقرر ماذا سأصنع .
تعجب إسلام قليلاً تحدثه بالفصحى وكاد يسأله عن هذا لولا تدخل أم عابد بقولها:
_عابد دارس على أعلى مستوى وقبل وفاة والده كان بيشتغل في شركة كبيرة عالمية في ماليزيا ..معارف والده كتير هناك ممكن يشوفوله فرصة أفضل بس هو يقرر .
ضيق إسلام عينيه بقوة محاولاً فهم ما يرمي إليه حديثها خاصة عندما بدا الضيق على وجه عابد وهو يرد باقتضاب:
_أحببت مصر أكثر من ماليزيا ..لا أظنني سأعود هناك .
_كلها بلاد الله يا ابني ..ربنا ييسر لك الخير .
تقولها ثمر بابتسامتها البشوش وهي تشعر أن قلبها -ببوصلته النقية - قد اطمأن له ..
_طيب ..نسيبك مع العروسة لوحدكم تاخدوا على بعض ..
يقولها إسلام وهو يشير للشرفة القريبة الواسعة التي خرجوا إليها جميعاً ليفسحوا لهما المجال للحديث بحرية ..
ولم يكد يخرج هو خلفهم حتى عاد يغمز لجين بحركة عابثة جعلت وجنتيها تحترقان أكثر لتبدو أكثر فتنة خاصة لعينين ترمقانها بهذا القرب ..
عيني الشيخ !
طالما كان ذوقه يميل للسمراوات ..
يحب هذه الحمرة التي تختلط بلون بشرتهن عندما يداعبها الخجل ..
لقد ظن أنها أعجبته لأنها تشبه خطيبته الماليزية الراحلة ..
لكن العجيب أنه الآن لم يشعر بأي شبه ..
جمالها مصري بهذه الخفة الرشيقة التي تميز بنات بلده ..
لم تكن أول مرة يراها ..
لكنها كانت أشدها وطأة على قلبه وهو يراها أجمل كثيراً مما كان يظن ..
ثوبها الرقيق المتحفظ يفضح عذوبة روحها ..
و"بنظرة ذكورية" خالصة يراها أنثى أكثر من مُرضية !
_كيف حالك ؟!
يسألها بصوته الرجولي الرقيق لترفع عينيها نحوه بنظرة "أولى" خطفت من قلبها قطعة ..
قبل أن تعود لتسبلهما بخجل غير متكلف وتمنحه رداً تقليدياً سبق سؤالها بتلعثم :
_هو انت ليه بتتكلم كده ؟!
_تقصدين بالفصحى؟!
يسألها لتعاود رفع عينيها نحوه بنظرة "ثانية" خطفت من القلب قطعة أخرى ..خاصة مع جوابه بتقوى لا يدعيها :
_هي لغة القرآن ..اصطفاها الله لنبيه ولكتابه ..أفلا نصطفيها نحن ؟!
هزت رأسها موافقة وهاجس مفزع يؤرقها أنه قد يكون متشدداٌ ..
لهذا جاء سؤالها عفوياً:
_هو انت هتلبسني النقاب وتقعدني في البيت من غير شغل ؟!
ضحك ضحكة قصيرة جعلتها ترفع إليه عينيها بنظرة "ثالثة" خطفت من القلب المزيد من القطع ..
قبل أن يرد بسؤاله :
_هل يعني هذا أنكِ وافقتِ بي ولا ينتظرني إلا رسم المستقبل ؟!
_لا ..قصدي.. أيوة ..معلش مش ..
كلماتها تتلعثم أكثر وهي تشعر أنها تذوب خجلاً مكانها ..
لم توضع يوماً في موقف كهذا ..
أن يعجَب بها أحدهم ويسألها عن رأيها هي !!
هي !!
هي التي لم تجرؤ يوماً حتى على رسم صورة لفتى أحلام كبقية البنات !!
هي التي كانت قانعة برجل ..أي رجل ..يمحو عنها لقب "العانس البائرة" ويزيح عن كاهلها وزر كونها مجرد بضاعة كاسدة في سوق النساء!!
لكن ضحكته التي علت بعدها جعلتها ترفع عينيها إليه بنظرة "رابعة" ولايزال مسلسل الخطف مستمراً ..
وكيف لا ؟! وكلماته السلسة بعدها تبدو وكأنها لا تخرج من لسانه ..بل من قلبه لقلبها :
_بيني وبينك كتاب الله وسنّة رسوله ..هما يفصلان بيننا لو اختلفنا ..وما اختلط علينا من الأمور سنتناقش فيه ..أقنعك أو تقنعيني ..
ثم غامت عيناه بنظرة داكنة وهو يستعيد جزءاً مظلماً من ماضيه ليردف :
_لا تخافي ..لقد دفعت ثمناً عظيماً لأدرك الفارق العظيم بين جوهر الدين وقشوره .
ابتسامة راضية ترسم المزيد من الاطمئنان على محياها ..
ونظرة "خامسة" تختطف برشاقة قطعة أخرى من القلب ...
قبل أن تطرق برأسها متيحة له المزيد من تأملها ..
_لا تريدين سؤالي عن أي شيء ؟! أعرف أن البنات يدخرن الكثير من الأسئلة لمقابلة كهذه !
يقولها محاولاً دفعها للحديث لتهز رأسها بارتباك خجول فيبتسم ليقول بنبرته المريحة :
_حسناً ..أتكلم أنا عن نفسي ..عصبي قليلاً لكن ليس لدرجة الفظاظة ..متردد نوعاً لكنني تعودت تفويض أمري للاستخارة ..لا أحب المشاكل ..ولا الكرة ..ولا الحديث في السياسة ..هوايتي الوحيدة بجانب القراءة تركيب العطور ..أعشقها !
ابتسمت بحياء ولاتزال مطرقة برأسها لتجاريه بحديثها :
_مابعرفش أتكلم عن نفسي ..برضه مابحبش المشاكل ودايماً أمشي جنب الحيط ..بحب الهزار والضحك حتى لو متضايقة ..ستي ثمر مسمياني أوبرا عشان شبهها ..
_أوبرا المذيعة؟!
يقاطعها مستنكراً لتومئ برأسها فيرد بالمزيد من الاستنكار:
_لا لا ! أنتِ أجمل بكثير!
يقولها عفوية ليغرد لها قلبها فرحاً ..
فلا تقوى حتى على نظرة أخرى !!
مجرد أن يقرن اسمها بالجمال يجعلها تكاد تنصهر خجلاً مكانها !!
هل تعجبه حقاً؟!
وهو بهذه الوسامة الطاغية ؟!!
ربما لهذا لم تتحكم في سؤالها الذي خرج منها رغماً عنها ولا تزال مطرقة الرأس:
_هو انت اخترتني ليه ؟!
_أعجبتِني!
يقولها عفوية لتمس قلبها بصدقها ..ومعناها!!
نظرة "سادسة" نحو وجهه تختطف المزيد وقد أسبل جفنيه بحياء يشبه حياءها ..
يالله!!
هل هكذا يكون جذاباً حياء الرجال؟!!
طالما سمعت صديقاتها يتندرن عن سحر وقاحة الرجل ..
ال"باد جاي" كما يسمونه !!
لكنها لم تعرف يوماً شعوراً رائعاً كهذا الذي تتلمسه معه الآن..
كجنة عذراء تعدها أن تكون هي أول ساكنيها ..
كأول اسم ينطقه رضيع ..وأول خطوة يمشيها ..
كأول شعاع للفجر يخترق به ظلمة الليل !!
تنهيدة عميقة تود لو تطلقها حرة فتزفر معها كل هذه المشاعر التي تجتاحها الآن ..
كل هذه الفرحة ..
كل هذا الشعور بجمال "العوض"!!
لكن هاجساً مفزعاً يكتسحها ..
أليس من العدل أن تعترف له بمرضها ؟!
صحيحٌ أنها تتحسن ..لكن ..ماذا لو انتكست ؟!
ماذا لو افتضح أمرها لتجلب العار لا لنفسها فقط بل له معها ؟!!
يالله!!
كيف غفلت أن تسأل ياقوت عن رأيها في شيء كهذا؟!
وهل يحتاج الأمر لرأي ؟!
يجب أن يعلم ..إنه حقه !!
حتى ولو ذهب بعدها دون رجعة !!
_كنت عايزة أقوللك حاجة ..بس توعدني تفضل سر بيننا حتى لو ماحصلش نصيب .
تتلعثم بها نبرتها وهي تعاود الإطراق برأسها ليمنحها وعده ..
فيرتجف جسدها بالمزيد من الارتباك وهي تحاول البحث عن كلمات مناسبة :
_أنا عندي تعب معين ..بتعالج منه ..
فهم بسرعة ما تعنيه وكره أن يسبب لها الأمر كل هذا الحرج ..
فانحنى ليقترب بجذعه منها أكثر كأنما يمنحها مع هذا القرب المزيد من الثقة ..
خاصة مع نبرته المريحة :
_هل هو قابل للعلاج؟!
_أيوة ..بس ..
_هل يسوءك أن تتحدثي عنه ؟!
_أيوة ..بس ..
_إذن ..لا تفعلي !
يقولها قاطعة بحسم يوازي قوة ترددها لترفع عينيها إليه من جديد ..فتلتقي عيناهما بهذا القرب وكلماته الداعمة تنساب كالسحر يغلفها :
_اطمئني ..أنا ارتضيت أن نكمل طريقنا معاً حلوه ومرّه ..فدعي الغد للغد !
والنظرة "السابعة" تختطف ما بقي من القلب..
في أكثر أحلامها جموحاً لم تتوقع أن يختطف رجل قلبها ب"سبع" نظرات ..!!
سبع نظرات أجل إنما تساوين ألف وعد ..وألف ألف حياة !!
=====
_هنبتديها كسل يا "شجرة الدر"؟! كل ده غياب ورامية حالاتك عليا ؟!
يهتف بها سامر بمرح عبر الهاتف وهو يقف في شرفة بيته البسيطة المطلة على حوش واسع بسيط بإحدى المناطق الشعبية..
لترد ياقوت بحرج عبر نبرتها المستنزفة :
_آسفة يا سامر ..خطوبة أختي خلتني مشغولة وشوية ظروف كده .
نبرتها بدت له مختنقة بحزن استشعره ولم يفهمه لكنه رد بودّ حقيقي:
_ولا يهمك يا دوك ..انتِ عارفة إني بحب الشغل ..مبروك لأختك و..عقبالك .
كلمته الأخيرة وخزتها بألم ولايزال اختفاء زين يشعرها بفقدان التوازن ..
هذا الذي بدا وكأنه بغيابه قد سحب معه الشمس والقمر فلا نور بعده ولا ظلمة بل فراغ رهيب يكاد يبتلع روحها ..
_شكراً ..عقبالك انت كمان ..
تقولها غافلة وذهنها مغيب بأفكاره لكنه يبتسم بمرارة وهو يستحضر طيفاً بعينه ..
طيفاً يأبى أن يفارق قلبه رغم يقينه أنه لن يكون يوماً له !
لكنها تقاطع أفكاره بقولها الذي عادت إليه نبرته العملية :
_ماتقلقش ..راجعة قريب ..المركز لسه جديد ولازم يقف على رجليه ..
ثم اغتصبت ضحكة مفتعلة لتردف:
_إسلام هيعلّقني ..ده حاطط فيه شقا عمره .
فضحك بدوره ضحكة لا تقل افتعالاً عن خاصتها وهو يتكئ بمرفقيه على سور الشرفة يتابع لعب بعض الصبية بالكرة هناك قائلاً:
_خلاص اتفقنا ..مش هاقبل منك حالات جديدة .
يقولها لينهي الاتصال معها بودّ منتزعاً منها وعداً بقرب العودة ..
قبل أن تنجرف أنامله نحو تطبيق "الانستجرام"..
هناك حيث يمكنه تتبع هذه الصور التي صارت نافذته الوحيدة نحوها ..
سها!
المزيد من الصور لها مع ناصر مبتسمة بأرستقراطية تناسب جمالها الفخم ..
دوماً جميلة..
دوماً أنيقة..
دوماً مبتسمة ..
ودوماً مع ..ناصر!!
لا يكاد يرى لها صورة وحدها أبداً ..أو حتى مع بعض صديقاتها ..
هو ناصر ..ناصر فحسب!!
غصة مريرة تتجمع في حلقه وهو يستغفر الله سراً ..
يعلم أنه لا يجوز له التعلق بها وهي حلٌ لغيره ..
لكن ماذا عساه يصنع وقد ابتلي بعشقها فلم تدخل قلبه بعدها سواها ..
منذ الصغر وهي الحلم العالي الذي لا تكاد تصل له يده !!
وكالعادة كلما رأى إحدى صورها تنتابه رغبة في تحميل صورة له هو الآخر على حسابه ..
يعلم أنها لا تهتم بحسابه وربما لا تتابعه أصلاً ..
لكنه يشعر بنوع من التحدي يدفعه لفعلها ..
هو ينجح لأجلها ..
أجل ..ليس لأن يكون معها فقد فقد أمله فيها من زمن ..
لكن لأجل أن يصل يوماً لمكانة تزيح من قلبه مرارة الشعور بدونيته أمامها ..
تلك التي بلغت أقصى صورها عندما رفض أبوها طلبه بالتقدم لخطبتها منذ سنوات بتلك النظرة التي أخبرته أنه لن يرتقي يوماً لمستواهم ..
صحيحٌ أنها هي لم تشعره بهذا الفارق يوماٌ بل لاتزال تعامله بمنتهى الود والرقة..
لكنه كذلك يوقن أنها لم تنظر له يوماً كحبيب أو حتى كرجل ..
بل ك"ظل لطيف" يؤنسها عندما تراه ..وتنساه تماماً بعدما يبتعد !!
يرفع هاتفه ليتخذ لنفسه صورة في وضع "السيلفي" ..
وسيم ؟!
بعض البنات أخبرنه أنه كذلك ..
وهو يثق برأي النساء في الجنس الآخر !!
متوسط القامة لا بالطويل ولا بالقصير ..معتدل الجسد أميل للنحافة ..بني الشعر والعينين ..له لحية مهذبة كما تقتضي "الموضة" هذه الأيام ..ومع نظارته الطبية الأنيقة تبدو له هذه الطلة الجذابة الموحية بالغموض ..
بعض الثقة من وسامته يجعله يتأهب لالتقاط الصورة لكنه يصطدم بخلفية الصورة متمثلة في "البصل" الذي علقته أمه على حائط الشرفة كتقليد متوارث !!
يزفر بسخط وهو يغير موضعه ليلتقط صورة أخرى ..
فيصطدم هذه المرة أيضاً بالخلفية المتمثلة في البيوت البسيطة خلفه بواجهاتها القديمة وبعض القمامة المترامية على الأطراف ..
زفرة ساخطة أخرى ترافق تغيير مكانه محاولاً التقاط صورة أقرب ومتحاشياً أي خلفية ..
لينجح أخيراً في التقاط واحدة ..
ابتسامة ظافرة ترافق زر الإرسال قبل أن ..
_آه !
يطلق صرخة توجع والكرة التي يلعب بها الصبية خلفه تصيبه في رأسه لتسقط منه الهاتف أرضاً فينحني بسرعة لالتقاطه ..
_آسفين يا دكتور ..الواد ده أصله غشيم ورجليه عورة .
يهتف بها أحدهم لينفجر البقية ضاحكين فيلتفت نحوهم بملامح عابسة لم تلبث أن لانت مع ضحكاتهم ليصيح ملوحاً بكفه :
_والله لو كان التليفون اتكسر لكنت دفعتكم حقه ..ياللا ياله انت وهو من هنا ..يوم أجازتي ما تلعبوش قدام البيت .
يهتف بها زاجراً لكنهم يستمرون في الضحك موقنين من زيف تهديده ككل مرة قبل أن يندفعوا نحو منطقة قريبة مغيرين مكان لعبهم حتى يتلاشى غضبه ..
ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيه وهو يتابع انصرافهم بنظرة شاردة ..
لا يحب أن يقسو عليهم رغم كل شيء ..
تكفيهم قسوة الحياة ..والظروف!!
_ابن حلال ..شوف عملتلك إيه؟! ..كان قلبي حاسس إنك صاحي مش نايم كالعادة يوم الأجازة .
تهتف بها أمه من خلفه وهي تتقدم نحوه حاملة طبقاً من "لب البطيخ" الذي تجففه لتحمصه بنفسها في عادة قديمة لم ينجح في إثنائها عنها يوماً ..وكيف يفعل؟!
وهو يحب مذاقه بالفعل خاصة وهو يقترن بنكهة صحبتها هي المميزة بينما يتناولانه معاً هكذا وهما واقفان في الشرفة يتندران بحكاياتها عن الرائح والغادي ..
يتناول منها الطبق ليضع بعض اللب في راحته قبل أن يبدأ في "القزقزة" قائلاً:
_تسلم إيدك يا ست "حلاوة" !
_يوه! مش هاتبطل يا واد طريقتك دي ؟! اسمي روح .. واللا عشان بقيت دكتور هتتريق عليا ؟!
تقولها المرأة بخجل كان له ما يبرره وهو يضحك عالياً مع قوله :
_وأنا جبت حاجة من عندي؟! مش الحاج الله يرحمه اللي كان مسميكي "حلاوة" ..ولما كنت أزنقه في الكلام كان يقوللي ما ينفعش يبقى اسمها روح كده حاف ..لازم قبلها حلاوة !
يقول عبارته الأخيرة بلكنة رومنسية ناعمة مقلداٌ لهجة أبيه ليتبعها بتنهيدة حارة تجعلها تخفي وجهها بين كفيها خجلاً قائلة :
_واد قليل الحيا صحيح ..الله يرحمه أبوك هو اللي عمل فيك كده ..لو كان شديد زي بقية الأبهات ماكنتش اتجرأت حتى تسأله !
_بتتكسفي يا بيضا؟!
يقولها وهو يعاود الضحك عالياً لتلكزه في كتفه بقبضتها قبل أن تمتلئ عيناها بالدموع فجأة ويختنق صوتها بعبارته :
_الله يرحمه ..راح وخد الخير معاه .
دموعها تجد مكانها في صدره كعادته فيضمها نحوه بذراعه قائلاً:
_وحدي الله يا حاجة ..ماتقلبيهاش جد كده ..وبعدين خير إيه اللي خده معاه ؟! ما انا جنبك اهه ..شاب طول بعرض مجنن نص بنات الحتة ونفسهم يتجوزوني ..بس أنا اللي خايف عليهم منك ..هتبقي حما صعبة قوي ..يا مغيث!
مزاحه يلون مزاجها فتبتسم وهي تبتعد عنه بخجل رغم شعورها الحقيقي بالفخر وهي تراه يحتضنها هكذا في الشرفة ..
أهل الحي كلهم يتندرون ببره بها ..
إنه يرفض الفرصة تلو الفرصة في السفر كي لا يتركها وحدها في مرضها ..
فقط لو يلبي لها رغبتها ويتزوج !!
ساعتها فقط ستطمئن عليه !!
_عرفت إن جوز سها هيتجوز عليها ؟!
تقولها بحذر متخوفة من أثر هذا الحديث عليه ..
رغم أنه لم يعد يفتح هذا الأمر معها لكنها تستشعر بأمومتها أن سها لا تزال في قلبه !!
هذا الشعور الذي ازدادت قوته وملامحه تتشح بجمود بارد بينما يشيح بوجهه بعيداً عنها :
_عارف ..بس هي موافقة ..وهي كمان اللي اختارتهاله !
_عرفت منين ؟!
تسأله بدهشة ليرد بنفس البرود المفتعل:
_قابلتهم التلاتة في فرح مروان صاحبي ..جت سلمت عليا وهو كمان ..وشفت الست اللي هيتجوزها ..ومعاها بنتها !
قال عبارته الأخيرة بنبرة ذات مغزى لتفهم هي سر الزيجة فتمصمص شفتيها لتقول باستنكار:
_طول عمرها قادرة ومستقوية ..بتختار ضرتها كمان ؟! عشنا وشفنا يا ولاد !
_سها مش قادرة ولا مستقوية ..سها بتحبه وعايزة تحافظ عليه جنبها بأي شكل ..مفيش ست هتبقى راضية وسعيدة بوضع زي ده ..بس سها مش أي ست ..سها ..سها ..
دفاعه الثائر عنها ينقطع بترديده لاسمها بعجز قبل أن يزفر بقوة وهو يطرق برأسه ..
لتتنهد المرأة قائلة بحرقة :
_يا قلب أمك يا ابني !
يضع ما بيده جانباً ليبتعد عنها قائلاً بوجوم :
_هادخل أقرا في أوضتي شوية .
_ماتزعلش مني ..أنا عارفة إنك ما بتطيقش عليها كلمة ..بس غصب عني ياابني ..صعبان عليا عمرك اللي بيضيع هدر وقلبك متعلق باللي مش ليه .
كاد يحاول الإنكار لكنه عجز ..
خاصة مع هذه الغصة التي استحكمت حلقه فاكتفى بتقبيل رأسها الصامت قبل أن يعود إلى غرفته ..
زفرة ساخطة يطلقها وهو يستلقي على فراشه ..
كلما فكر في هذا الحب المجنون الذي تحمله سها لزوجها شعر بالمزيد من الغضب ..
الغضب من نفسه قبل أي أحد ..
لماذا لا يستطيع انتزاعها من قلبه ببساطة ؟!
لماذا لا يقتنع بأنها سعيدة فيتمنى لها المزيد ويرحل ؟!!
ربما هو شعوره أن ناصر لا يستحقها ..
أنه يحبها ..لكنه هذا الحب المنقوص المحاط بطبيعته العملية ..
وهاهو ذا في أول اختبار يواجههما يقدم نفسه قبلها ..
لو كان يحبها حقاً لما رضي لها بهذا المقام حتى لو كانت هي من اختارته !!
لكن ماذا عساه يصنع ؟!
هي عاشقة ..وراضية !!
_أبوها راضي وأنا راضي ..مالك انت ومالنا ياقاضي؟!
يتمتم بها بصوت مسموع ساخر من أوجاعه التي قرر تجاهلها كعهده..
بل دفنها بعيداً بعيداً في أعمق أعماق روحه..
قبل أن يعود ليتناول هاتفه ..
يتفحص بعض تطبيقاته لترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة وهو يحدث بنفسه بقوله :
_عيد ميلاد تولا النهاردة !
ابتسامته تتسع أكثر وهو يضغط زر الاتصال وما كاد يفتح ليصله صوتها حتى هتف بمرح:
_كل سنة وانتِ طيبة يا آنسة ريتال.. خلاص "رسالة" خدتك مننا كده ؟! ما سمعتش صوتك من يوم ما قلتيلي على موضوع ياقوت .
ضحكتها المرتبكة تصله وهي ترد بتحفظها المعهود معه :
_ملبوخة والله يا سامر ..انت عامل إيه ؟! كويس؟!
_بُمب! وسيادتك؟!
يهتف بها بنفس المرح لتصمت قليلاً قبل أن تسأله بتردد :
_انت حضرت فرح مروان ؟!
يصمت للحظات مشفقاً قبل أن يرد بنبرة محايدة :
_مروان صاحبي ..أكيد حضرت .
_كان مبسوط ؟! هو فعلاً بيحبها ؟!
تسأله بنفس النبرة المختنقة التي يدرك ما خلفها ليرد :
_أيوة كان مبسوط ..وأيوة بيحبها ..انسيه بقا يا تولا ..في لحظة معينة بيبقى من الغباء إننا نكمل طريق غلط .
_شوف مين اللي بيتكلم !
تهتف بها بتنمر وهي تدرك أنه توأمها في هذا الجرح ..
ليغتصب ضحكة مفتعلة وهو يرد :
_هو الغباء وراثة في العيلة دي باين ..اهه بنصحك يمكن حد فينا يفلح .
يسمع ضحكتها القصيرة على الجانب الآخر من الاتصال فيردها لها بمثلها قبل أن يردف :
_سلميلي على عمو وقوليله هاعدي عليكم بالليل ..فرصة النهارده أجازة ..هه ؟! عايزاني أجيبلك إيه هدية في عيد ميلادك ؟! لسه غاوية عرايس؟!
نبرتها المتحفظة تتحول لضحكة خجول ترددت للحظات قبل أن يصله صوتها :
_شكراً يا سامر ..ماعادش حد بيفتكر عيد ميلادي غيرك .
تقولها بامتنان حقيقي يختلط بعاطفتها "الأخوية" التي طالما استشعرتها نحوه ليرد بنفس المرح:
_بعد العشرين ..دي مش دايماً حاجة كويسة !
تغلق الاتصال بضحكة ودود فيتنهد بحرارة وهو يعود للشرود في السقف ..
سها ..سها ..والمزيد من سها!!
يكره أيام الإجازات لهذا السبب !!
انشغاله يمنعه التفكير ..التفكير الذي هو أكثر زهداً فيه عن أي شيء ..
التفكير ..والانتظار ..
أي انتظار؟!!
انتظار شيء منها ..أي شيء ..يشعره أن قلبه لا يزال على قيد الحياة ..
شيء كهذا الذي وصله الآن على شاشة هاتفه ..
مجرد "ضغطة إعجاب" منها لصورته ..
لكنها كانت تساوي عنده المزيد من دوائر متاهته في عشقها دون أمل !!
=====
يارب يا ربنا ..
تكبر وتبقى قدنا ..
تجري وتلعب زينا ..
وتبقى أشطر مننا ..
النغمات تنبعث من الصالة بالخارج بينما وقف يامن معها بغرفته في بيت أمه ..لتهتف ياسمين بحرارة عاطفتها :
_شفت يا يامن ..حلوة إزاي؟!
تهتف بها وهي تعد الصغيرة للاحتفال بعقيقتها ..ثوبها الذي صممته لها بنفسها بجميع ألوان الطيف مع غطاء رأس وجورب قدم بنفس الألوان ..
فيتلقفها يامن بين ذراعيه ليقبل وجنتيها هاتفاً :
_ماسك نفسي بالعافية ..خدودها دول عايزين يتعضوا !
ضحكات ياسمين تعلو بينما تهتف نبيلة باستنكار خلفهما :
_قول الله أكبر ..وما تبحلقش في البنت كتير كده !
تزجره بها وهي تتقدم نحوهما لتتلقف منه الصغيرة برفق وهي تضمها لصدرها مردفة :
_داليا الشعنونة مشغلة أغاني بره وقاعدة ترقص مع أصحابها ولا كأنه فرح ..قلتلها خدي راحتك قبل ما الشيخ عابد ييجي .
ضحكت ياسمين بانطلاق وهي تقترب من الصغيرة تمسك كفها المنمنم تطبق عليه راحتها بحركة عفوية صارت ملازمة لها عقب استعادتها لها بعد الحادث ..
كأنما تخشى أن تحرَم منها من جديد !!
فيما تفحص يامن ملامح نبيلة برضا وهو يراها ترتدي عباءة محتشمة مع حجاب فوجئ بها ترتديه عقب عودته بيمنى تلك الليلة ..
لم يسألها عن السبب ..لكنه كان يستشعر أن الحادث هذا كان علامة فارقة في حياتهم جميعاً ..
صحيحٌ أن العباءة مطرزة تجسم جسدها بفتنة لاتزال تملكها بعد هذا العمر ..
وصحيحٌ أن الوشاح ينزاح عن خصلات شعرها الأمامية المصبوغة ويظهر جانباً لا بأس به من رقبتها ..
إنما ..
_كنا فين وبقينا فين يا طيب!
تهمس بها ياسمين ملاحظة تفحصه لأمه كأنما قرأت أفكاره وهي تستطيل على أطراف أصابعها لتصل لمستوى سمعه ..
فابتسم وهو ينحني نحوها برأسه هامساً بمشاكسة :
_صح يا "نخلة"!
_مش وقت همس ولا لمس ..الناس زمانها على وصول ..هاخد يمنى معايا عشان ياسمين تلبس .
تهتف بها نبيلة بمكر عابث وهي تخرج من الغرفة نحو صالة البيت ..
لتدخل رانيا في نفس اللحظة هاتفة :
_نفخت البالونات كلها ..بألوان الطيف زي ما ياسمين قالت ..وركبت الزينة مكانها ..والسفرة تقريباً جاهزة .
_عشت وشفتك بيعتمد عليكِ يا بنتي ..تتحسدي!
هتف بها يامن مشاكساً لتضحك رانيا وهي تمسد بطنها هاتفة :
_افتكر بس الجمايل دي عشان تردهالي عن قريب ..نفسي قوي في بنوتة عشان تبقى صاحبة يمنى !
_لاااااا! كفاية بنات بقا أنا تعبت !!
يهتف بها باستنكار لتتعالى ضحكات ياسمين ورانيا التي غادرت بعدها لتكمل بقية مهام الحفل ..
قبل أن تدخل هانيا لتهتف وهي تلوح بذراعيها في مرح:
_بنتك دي حتة شيكولاتة ..تتاكل أكل ..فتحت نفسي ع البيبيهات ..بس ماتقولش لرامز عشان ما تطلعهاش في دماغه ..كل ما يشوفني بلاعبها يشمت فيا ..ويقوللي كان زماننا معانا عريس ليها .
_أيوة كده يا عاقلة يا كاملة ..عريس ..عريس . اتكي قوي على أي مذكر ييجي في كلامك ..أنا زهقت م العيلة اللي ما بتجيبش غير بنات دي !
يهتف بها يامن بمزاجه الرائق قبل أن يلتفت نحو ياسمين التي استكانت على صدره مردفاً:
_شوفي يا بنت الناس ..اللي جاي يبقى ولد ..ويفضل تجيبيه بسرعة عشان نعمل توازن في عيلة "التاء المربوطة" دي.
_بإذن الله ييجي ياسين .
تقولها ياسمين بنبرة حالمة ليرد بنفس المزاح المشاكس:
_ان شالله ييجي اسماعيل ياسين المهم يبقى ولد !
قهقهت هانيا ضاحكة لتغادر الغرفة مغلقة الباب خلفها ..
فيما التفتت له ياسمين هامسة بتنهيدة ارتياح:
_مبسوطة يا طيب ..مبسوطة قوي!
_الحمدلله ..كنت خايف تقلبي بالنكد المصري الأصيل وتقعدي تقوليلي قلبي مقبوض ..وعيني الشمال بترفّ والشغل العيان ده !
يقولها متهكماً وهو يخبط جبينها بجبينه في خفة لتضحك وهي تتعلق بعنقه هامسة بنفس الارتياح:
_أنا برضه كنت فاكرة كده ..بس سبحان الله ..بعد ما يمنى رجعت حضني ماتتخيلش كمية السلام النفسي اللي ربنا حطها في قلبي ..كأني ماعشتش قبلها دقيقة حزن واحدة ..
ثم غامت عيناها بنظرة شاردة لتردف:
_حتى تهيؤاتي عن سيلين اللي كنت بشوفها في كل حتة ماعادتش بتجيلي .
_الحمد لله رب العالمين .
يهمس بها برضا ثم يقبل جبينها ليقودها نحو الثوب القريب الذي اختاره لها بلون أبيض مطعم بفراشات سماوية رقيقة وقد تناسب مع لون قميصه هو الأبيض ليقول ممازحاً:
_الراجل اللي يطقم معاكي رزق!
فتقهقه ضاحكة وهي تستطيل على أطراف أصابعها هامسة بحروف تقطر عشقاً:
_أجمل رزق يا طيب!
وبعد ساعة بدأ المعارف يتوافدون ليزدحم المكان ..
داليا تولت أمر ال"دي جي" بكفاءة لكنها أوقفته احتراماً عند دخول عابد الذي جاء برفقة لجين ..
_العروسة الحلوة!
هتفت بها ياسمين بترحاب حقيقي وهي تتقدم لتعانقها بحرارة ..
رغم تحفظها السابق على هذه الزيجة لكنها منذ قابلت لجين وهي تشعر نحوها بألفة غريبة ..
ليس فقط صلتها بياقوت ..بل هو شعور جميل يخصها هي ..بعذوبة روحها الطيبة ..
ربما لهذا لم تتعجب رغبة عابد في إتمام الزواج بسرعة رغم عدم ترحيب والدته بطبيعة الحال ..
_عقبال ما نفرح بيكم .
تقولها أخيراً وهي تعانق عابد جوارها ليرد بابتسامة واسعة :
_قريباً جداً إن شاء الله .
ابتسامة لجين الخجول تزيد جمال ملامحها وهي تتبين عجلته على إتمام الزواج ..
كل يوم يمر بها معه يمنحها عوض سنوات عن انتظاره ..
حتى فارق السن بينهما والذي قد يعتبره أحدهم عيباً لكنها لا تكاد تشعر به معه من فرط هدوء شخصيته ورجاحة عقله ..
قد تكون تكبره عمراً ببضع سنوات لكنه يكبرها تفهماً واحتواءً!
_أهلاً ب"أبو نسب" ..شفت بنتنا قالبة الدنيا إزاي!!
يهتف بها يامن بمزاحه المعهود مشيراً لبكاء الصغيرة التي يهدهدها بين ذراعيه لتبتسم ياسمين وهي تتناولها منه لتقول بحنان:
_مش واخدة ع الدوشة .
_مين دي اللي مش واخدة ع الدوشة ؟! دي اتخطفت أول ما اتولدت وشافت مغامرات ولا طرزان ..ده أنا لو مكانها أمسك مطواة بدل ال"تيتينة"!
يهتف بها يامن باستنكار مرح ليعلو صوت ضحكاتهم ..
قبل أن يشير ببصره نحو الباب قائلاً:
_أهلاً ..وادي شقراط وصلت !
لكزته ياسمين في خاصرته تنبهه ليشير للجين بإشارة اعتذار صامتة ..
قبل أن تتحرك ياسمين بصغيرتها لتقابل ياقوت التي وصلت مع ..همسة !
همسة التي بدت كملاك رقيق بثوبها الأرجواني الهادئ ..
وتصفيفة شعرها البسيطة ..
وهذه النظرة المميزة في عينيها ك"طفلة تستكشف العالم من جديد لأول مرة"..
مزيج من البراءة والخوف!
هذه النظرة التي حملت الكثير من الحب وهي تنتقل ببصرها نحو يمنى هامسة بحنان بينما تتلقفها بين ذراعيها من ياسمين:
_باربي! ..وحشتيني!
اتسعت ابتسامة ياسمين وهي ترمق ياقوت بنظرة خاصة قبل أن تعود لهمسة ببصرها قائلة :
_مش عارفة أشكرك إزاي ..انتِ خدتِ بالك منها ..
_هي اللي خدت بالها مني ..هي اللي ..رجعتني .
تقولها همسة برقتها الملائكية وهي تحتضن ملامح الصغيرة بعينيها ..قبل أن تقبل كفها المنمنم تخاطبها بقولها :
_ماعدتيش خايفة ..ولا أنا كمان .
تبادلت ياقوت وياسمين النظرات الراضية لتشعر الأخيرة بالذات بمدى تقدم حالة همسة ..
كانت قديماً تراها في ملحقها الخارجي بحديقة زين ..مجرد شبح شارد لا يكاد يعي شيئاً مما حوله ..
ولم يكد زين يمر بخاطرها حتى اختلست نظرة جانبية نحو يامن المنشغل بعابد ..
لتميل على ياقوت هامسة :
_زين لسه ما ظهرش؟!
ورغم البرود الذي حاولت ياقوت صبغة ملامحها به ..لكن الألم الذي اكتسح ملامحها كان أكبر من أن تتجاهله ..
خاصة وهي تهز رأسها نفياً بعجز لترمقها ياسمين بنظرة مشفقة ..
وما كادت تحاول سؤالها عن المزيد ..حتى سمعت ما صرف انتباهها إذ تقدمت نبيلة منهما لتحمل الصغيرة من همسة..
ثم تحركت بها لوسط المكان حيث وقفت داليا تدق "الإناء المعدني" ليصدر صوتاً مدوياٌ هاتفة بشقاوتها المعهودة :
_اسمعي كلام خالتك داليا ..وما تسمعيش كلام خالتك هانيا .
لكن نبيلة هتفت بصوت عال :
_اسمعي كلام مامتك وما تسمعيش كلام باباكي .
_وأنا.. وأنا ..خلليها تسمع كلامي .
تهتف بها رانيا بمرح لتستمر داليا في الدق بما تحمله وسط ضحكاتهن ..
_ودي بقا حرفياً فقرة تحول "بيللا" ل"الحاجة أم يامن"!
يهمس بها يامن جوار أذن ياسمين لتلتفت نحوه بضحكة كتمتها بكفها قبل أن تشعر به يتحرك بها ليبتعدا بها عن ياقوت ثم يلتفون حول نبيلة والصغيرة ..
_عايزة أشم هوا ..لوحدي!
قالتها همسة بمزيج براءتها وخوفها لياقوت التي تفهمت رهابها من الزحام ..
تجربة حضورها هنا بالذات كانت تخيفها خاصة وهمسة لم تستعد شفاءها النفسي بالكامل ..
لكنها وجدتها فرصة لتضعها على أول خطوة في هذا الطريق ..خاصة مع علمها بمكانة يمنى الصغيرة في قلبها ودورها العظيم في استعادتها لنفسها وذكرياتها ..
لهذا منحتها نظرة متفهمة داعمة وهي تتحرك معها نحو الشرفة القريبة التي كانت خالية لحسن الحظ ..
_أنا برضه مش هاسيبك لوحدك ..هاقف بعيد عشان لو احتجتِ حاجة !
تقولها ياقوت بحنان لتفاجئها همسة بعناق قصير قبل أن تسألها بتردد :
_زين ..كويس؟!
الغافلة لا تعلم شيئاٌ عما حدث ..من حسن الحظ أنها هي من ترفض رؤيته ورؤية رائد حتى الآن ..لكنها تطمئن عليهما منها هي ..
يالسخرية!
هي التي تطمئنها وهي التي أحوج ما تكون لأي خبر عنه !
لكنها هزت رأسها وقد استعادت قناع مهنيتها لتسألها بحذر:
_هو كويس..تحبي تشوفيه ؟!
لكن همسة تهز رأسها نفياً لتدمع عيناها بهمسها المتلعثم:
_مش دلوقت ..لسة ..
لم تستطع فهم سبب رغبة همسة في الابتعاد عن زين ورائد ..
لكنها فسرتها بمرادها في أن تنأى بنفسها عن الجميع كي تقف على أرض صلبة متوازنة خاصة وهي لا تزال تستعيد ذكرياتها القديمة والجديدة لتصنع منهما مزيجاً متجانساً ..
وهو كان الأقرب للصواب!
وفي مكانها وقفت همسة تعطي ظهرها لباب الشرفة كأنما تعود للاختباء من الناس ..
تراقب السماء بشرود وقد مالت الشمس للغروب وبدأت الطيور العودة لأعشاشها ..
ماذا عنها هي؟!
أي عش تريد العودة إليه ؟!
أي وطن ؟!
طيفٌ بعينه يسكن مخيلتها في هذه اللحظة ..
فتبتسم رغماً عنها ..
قبل أن تعود الدموع لتملأ عينيها ..
تعلم أنه نادم على فعلته ..
تعلم أنه عاش بعدها يكفر عن خطئه ..
لكن ..كيف تنسى؟!
كيف تنسى خذلانه إياها في تلك الليلة وهو يتخذ غيرها عروساً ..
بينما يصفها هي ب"المجنونة"!!
تمد أناملها لتعتصر موضع قلبها بقوة وهي تشعر بنفس الألم الذي اجتاحها ليلتها ..
قبل أن تشعر بهذه الأنامل التي امتدت لتغطي عينيها من الخلف ..
_وحشتيني .
تسمعها بصوته الحبيب خلفها فتود لو تستدير ..
لو تلقي نفسها بين ذراعيه ..
لكنها لا تزال عاجزة عن العتاب ..
كيف يمكنها أن تسامح إذا كانت غير قادرة على مجرد مصارحته بلومها ؟!
تشعر بأنامله تفارق عينيها كأنما يمنحها فرصة أن تنظر إليه ..
لكنها بقيت متصلبة مكانها تعطيه ظهرها ..
هنا شعرت بأنامله تمتد نحوها من جديد إنما لرقبتها ..
هناك حيث التف عقد الفل برائحته التي حملت لها عبير عشقه ..
قبل أن تشعر بشفتيه هناك تطبعان قبلات ناعمة على طول عنقها مع همسه :
_هافضل مستنيكي ..لآخر يوم في عمري .
خيطان من الدموع يسيلان على وجنتيها وذكرياتها "الجديدة" معه تعاود تطويقها ..
بيتهما ..حديقته ..المسبح ..الكوخ بلا سقف ولا قضبان ..
جنتها التي صنعها هو لها على الأرض ..
لكن "الذكريات القديمة " لا تزال تجد ندبتها على روحها !
لهذا بقيت متصلبة مكانها حتى شعرت به يبتعد أخيراً بصمت كما اقترب ..
لتتردد قليلاً قبل أن تلتفت لكنه كان قد اختفى تماماً !
خيط الدموع يعاود جريانه فوق وجنتها لكن ابتسامة صغيرة ترسم طريقها فوق شفتيها وهي تتحسس عقد الفل على رقبتها ..
هو ينتظرها ..وهي ستعود ..يوماً ستعود ..
ابتسامتها تتحول لضحكة قصيرة تلتها أخريات وهي تفتح ذراعيها بعدها كأنما تعانق رائحة عطره في الهواء حولها ..
غافلة عن تلك التي وقفت مكانها كما وعدتها تلتقط لها صورة بهذا الوضع الرائع ..
كي ترسلها له !!
زين!
هو الذي تعلم أنه لن يستقبل صورتها وقد أغلق هاتفه بل وكل أبوابه في وجه الحياة ..
لكنها لن تيأس من انتظاره ..
بل ..ستذهب هي إليه ..!!
أجل ..
لو هرب من الدنيا كلها فلن يهرب منها هي ..
ستجده ..وستجعله يجد نفسه بعدها ..
هذا هو وعدها لقلبها وأبداٌ ..لن تخلفه !
=====
_فين زين؟!
تسأله ياقوت وهي تقف أمامه بحديقة بيته..
اللهفة تغزو ملامحها رغم محاولتها كسوة صوتها بالبرود .. ليرد رائد بأسف:
_آسف يا ياقوت ..هو لسه رافض يشوف حد .
_أنا مش حد !
هتفت بها بمزيج من حدة وعجز ...
لتملأ الدموع عينيها فجأة فتشيح بوجهها وهي تحاول الهروب بنظراتها ..
تماماً كما تحاول الهروب من مشاعرها طيلة الأيام السابقة ..
الحادث الأخير جعل السطوة لعقلها الذي صار يوقن أن لا مكان لرجل مثله بدنياها ..
لا هو يليق ب"عالمها النقي" ولا هي تليق ب"عالمه الفخم" ..
كل حادث يمر بهما يرسخ هذه الحقيقة ..فأين المفر؟!
لكن القلوب لها دوماً رأي آخر !!
وهاهو ذا قلبها الخائن يزداد تمرداً في كل يوم مطالباً إياها برؤيته ..
لهذا عادت ببصرها نحو رائد الذي بدا محرجاً بدوره من رفض طلبها ..لتقول بنبرة حاولت جعلها عملية :
_أنا هاكلمك بصفتي دكتورة ..هو لازم يخرج م اللي هو فيه ..العزلة مش حل ..بالعكس ..هتخلليه يضخم مشكلته لحد ما تبلعه .
لكن رائد تنهد ليشيح بوجهه قائلاً بوجوم:
_دي مش مجرد مشكلة ..ده ماضي عمر بحاله عاشه غلط ..عشان كده أنا عاذره في رغبته إنه يبعد ويعيد حساباته ..
ثم عاد إليها ببصره مستطرداً بحزن حقيقي:
_أنا عمري ما شفت زين زي ماهو دلوقت ..الست دي قتلته فعلاً معاها ..ورغم إنه رافض يحكيلي تفاصيل اللي حصل معاها يومها بس أنا متصور إيه اللي ممكن يهد جبل زي زين بالشكل ده ..
ثم صمت لحظة ليردف بكلمة واحدة :
_ضميره !
ازدادت كثافة الدموع في عينيها والعجز يتملك منها أكثر ..
عقلها يصرخ بالمزيد من "ابتعدي ..اهربي من كل هذا السواد"..
وقلبها يرجوها بألف ألف "اقتربي ..أنقذيه وأنقذي نفسك معه..فمن أنتِ دونه؟!"
وبينهما كانت هي تسير على حد سيف لايرحم !
لهذا خرجت نبرتها مرتجفة بضراعة غريبة تسربت عبر قوة حروفها المعهودة :
_رائد ..مش كنت دايماً تقول في رقبتك جميل ليا ..
لم تزد عليها ..!
لكنه قرأ في نظراتها هذا الفيض المكتسح من مشاعرها ..
هي بالذات لا يستطيع أن يردها خائبة وقد ردت إليه روحه ..ردت إليه همسة ..
لهذا صمت قليلاً يفكر قبل أن يحسم أمره :
_ماشي ..ياللا بينا .
ارتخت ملامحها بارتياح مؤقت وهي تتحرك جواره لتستقل معه سيارته ..
قرب اللقاء يزلزل قلبها برهبة عارمة موقنة أنها لن ترى الرجل الذي عرفته من قبل ..
بل "ظلاً قاتماً" لبقايا رجل طعنه غروره قبل خطاياه !!
غصة مريرة تتجمع في حلقها وهي تجد نفسها تشبك كفيها بخزي ..
لن تخبر ثمر عن هذا اللقاء ..
ماذا عساها تخبرها ؟!!
أنها استجابت لهذا الوهن من جديد ؟!!
آآه!!
آهة عالية تطلقها روحها ويصمت عنها لسانها!!
ماذا عساها تصنع برجل هو كل الخزي ..وكل الشرف؟!!
هو الذي أبى إلا أن يجمع كل المتناقضات فلا تدري في أي خانة مسطحة تضعه ؟!!
ربما لهذا هربت من طوفان مشاعرها هذا لتعاود الالتفات نحو رائد بسؤالها مغيرة الموضوع:
_ماحاولتش تكلم همسة تاني؟!
سؤالها ينكأ جرحه وهو يتذكر حال همسة عقب إنقاذه لها من مختطفيها تلك الليلة ..
فلم تكد تستقل معه سيارته التي قادها بها نحو بيته حتى أوقفته في منتصف الطريق ..
_مش هارجع بيتك !
لم تقلها حاسمة أو قاسية ..حتى عتابها كان رقيقاً مثلها ..
عتابها الذي اشتاقه كما اشتاق كل لمحة من ماضيهما القديم ..
ورغم ضيقه بموقفها هذا وشعوره أن المرحلة القادمة قد تحمل فراقاً عاتباً لكن إحساسه بقرب عودتها لعالمنا بعيداً عن نداهة عالمها القاهرة كان أكثر من معجزة !!
لهذا مد أنامله برفق محتضناً كفها ليقول بحنان لم يخلُ من ترقب:
_عايزة تروحي فين ؟!
صمتت طويلاً بشرود وعيناها الحبيبتان تغرقان في لجة من أفكارها ..
ليعاود سؤالها بنفس الترقب الحاني:
_تروحي بيت زين ؟!
كان يخشى جوابها بالإيجاب خاصة وهو لا يعرف مصير زين بعد ..
لكنها همست بنفس الشرود :
_هو مش بيت زين..ده بيت بابا ..
ثم التفتت نحوه لتأسره هذه النظرة العاتبة المحترقة في عينين تذكران الآن كل ما تعرضت له من ظلم ..
هذا الذي بدا في كلمتها الوحيدة بعدها :
_وبيتي!
ابتسامة شاحبة تظلل شفتيه قبل أن ينحني ليضمها لصدره بقوة ..
أنامله تتخلل خصلات شعرها وهو يهمس جوار أذنها بعينيه المغمضتين :
_كان عندي إحساس إنك يوم ما ترجعي هتاخدي حقك من الناس كلها ..وأولهم ..أنا !
كان يشعر أنه يتحرك بها على خيط رفيع معلق يعلو جحيماً من الماضي ..
حقل ألغام لا يمكنه معه ائتمان حركته القادمة ..
لكنه كان يثق بقلبه الذي يخبره أنها عادت حقاً هذه المرة ..
ولن يفقدها من جديد ..
لهذا أبعدها برفق مراقباً نظراتها التي عادت لشرودها كأنها هي الأخرى معلقة بماضيها ..
ذكرياتها التي تلونت بها عيناها تبدو له جلية في نظرات طالما كانت مرآته لروحها ..
هذه التي فضحت له عذابها الآن وهي تعود ببصرها نحوه ..
لا يزال النظر إليها بهذا القرب معجزة !!
حلماً أتى بعد طول انتظار ..
ويستحق المزيد !!
_عايزة ..أكون ..لوحدي شوية ..
تهمس بها أخيراً وهي تغمض عينيها فيعقد حاجبيه بقلق هامساً :
_لوحدك إزاي؟!
لكن انعقاد حاجبيه يزداد وهو يسمعها تدلي برغبتها في الذهاب لبيت "الخادمة" !!
الخادمة التي كانت رفيقة وحدتها طوال هذا الوقت !!
_ليه ؟!
يسألها باستنكار وهو يتشبث بكفها في راحته لكنها تبتعد بجسدها لتهمس عبر غيمة شرودها :
_عايزة أبعد عن زين ..وعنك ..عايزة ..ألاقيني .
دموعها الصامتة تنهمر بعدها ليعاود ضمها لصدره بقوة أكبر وهو يربت على ظهرها هامساً بما ظن أن كليهما يحتاج سماعه :
_عمرك ما كنتِ لوحدك ولا هتكوني ..لو مش عايزة بيتي ولا بيت باباكِ هاشوفلك بيت تاني بس هتكوني برضه تحت عيني ..
ثم أبعدها ليمسح دموعها محتضناً وجنتيها براحتيه مع همسه المتهدج بانفعاله :
_خدي وقتك كله حبيبتي ..مهما بعدتِ هترجعيلي .
_رائد!
نداء ياقوت ينتزعه من شرود الذكرى ليزفر بقوة مع جوابه :
_لسه رافضة تكلمني ..مش قابلة حد يزورها غيرك انتِ وبس .
لكنها هزت رأسها لتقول مواسية :
_همسة بتتحسن ..كل مرة بروح لها بعد الحادثة بحسها بقت أقرب لإنسانة طبيعية ..واحدة واحدة بتفتكر ذكرياتها الجديدة اللي عاشتها في بيتك وبتحاول تقاوم بيها الجرح القديم ..بس هي غصب عنها مش قادرة تنسى ..لسه في مرحلة صدمة وعدم توازن ..إديها فرصتها ..احنا قربنا قوي .
عبارتها الأخيرة ترافقها ابتسامة مشجعة يتقبلها هو بنظرة امتنان ..ثم يعود ليركز بصره في الطريق متذكراً زياراته اليومية لها في شقتها الجديدة التي اختارها لها على النيل مدركاً عشقها لرؤية هذا المنظر ..زياراته التي تنتهي خائبة والخادمة تعود إليه بنظرة الحرج كل مرة ..لا تزال ترفض رؤيته !
لكنه لن ييأس ..
لقد اقترب كثيراً كما تقول ياقوت !!
_وصلنا !
يقولها وهو يوقف السيارة لتتأمل ياقوت المكان حولها بقليل من الدهشة ..
أجل ..كانت تتوقع أن هروب زين سيكون لمكان بسيط كهذا بعيد تماماً عن ولعه القديم بالفخامة ..
وقد صدق ظنها ليس فقط ببساطة المكان بل بعزلته ..
بقعة نائية في أطراف الصحراء شيد فيه هذا المبنى من طابق واحد ..
_ما تتوقعيش تشوفي زين اللي تعرفيه .
يقولها رائد ببعض الإشفاق لتبتلع غصة حلقها وهي تغادر معه السيارة نحو البيت ..
البيت الذي فتح هو بابه لتدخل خلفه ..
يتقدم أكثر ليفتح باب غرفة ما قبل أن يخرج بعد قليل ويغلقها خلفه هامساً لها بأسف:
_بلاش أحسن ..ماقلتلوش إنك هنا ..هو حتى مابيردش عليا .
لكن عينيها التمعتا بتصميم عبر غلالة دموعهما خلف نظارتها ليتنهد باستسلام هامساً :
_هاستناكي هنا ..ماافتكرش إنك هتطولي .
قال عبارته الأخيرة بنكهة تحذير مواسية لكنها لم تسمعها تقريباً مع هذا الطنين الذي كان يدوي في أذنيها وهي تدفع الباب برفق لتدخل ..
ثم تغلقه خلفها ..
لأول مرة تشعر بحاجتها معه لهذه الخلوة ..
لأن يفقد العالم مفرداته فلا يبقى سوى هي وهو!
لأن تتشرب كل هذا الوجع الذي يحمله كقطعة اسفنج نهمة فلا تترك له بعدها أي ألم ..
غريبٌ هذا الشعور الأمومي الذي تحمله نحو رجل بهذه المكانة ..
لم تعرف يوماً بولعها للأطفال كلجين المغرمة بهم..
لكنه وحدها استفز أمومتها الخفية لتجرب معه هذا الشعور لأول مرة جوار كل العواطف العذراء التي عايشتها معه بمذاق الأصالة والتفرد ..
على فراشه كان جالساً ممدداً قدميه أمامه شارداً في ضوء خافت يأتيه عبر النافذة المغلقة ..
وسامته الطاغية الآن تجتاحها هالات سوداء تحت عينيه الحمراوين ..
وقد استطالت ذقنه دون تهذيب وكذا شعره الذي بدا مشعثاً فوضوياً كما لم تره من قبل ..
حتى "سراجا الشمس" في عينيه كانا وكأنهما قد انطفآ!
تقدمت منه أكثر لعله يبدي أي ردة فعل لكنه بدا وكأنه لايراها ..بل لا يشعر بها ..
شفتاه تتمتمان بشيء لا تسمعه ..بل ولا يعيه هو كأنه يهذي !!
لكنها جلست أخيراً على طرف فراشه لتشعر به يلتفت نحوها ..
سراجا الشمس في عينيه يتوهجان للحظة ..لحظة واحدة قبل أن يعودا للانطفاء ..
تخلع عنها نظارتها في رسالة ذات مغزى ..
لكنه يشيح بوجهه هامساً بصوت صارم لكنه مبحوح :
_اخرجي .
فضغطت شفتيها بقوة لترد :
_أخرج منين ؟! من هنا ؟!
قالتها وهي تشير للغرفة حولها قبل أن تزحف أناملها لتحطّ فوق صدره مردفة بنبرة أكثر تهدجاً:
_واللا من هنا؟!
انتفض جسده من لمستها بردة فعل مبالغة لينعقد حاجباه أكثر ولايزال مشيحاً بوجهه عنها ..
قبل أن يكرر بحزم أكبر:
_اخرجي .
فازدادت كثافة الدموع في عينيها لتتجاهل قوله تماماً ..
بينما تقول بنبرة امتزجت قوتها بعاطفتها :
_عارف كنت فين الصبح ؟! رحت أزور قبر حسين رجائي ..وهناك افتكرت "العشرة جنيه" اللي دفنتها انت هناك ..
_اخرجي .
يعاود قولها بنفس الحزم لكنها تواصل بنفس التجاهل :
_افتكرت وقفتك جنب ستي ثمر ..وافتكرت أسوأ ليلة في حياتي ..الليلة اللي دفعت انت فيها تمن عقدتي القديمة ..
_اخرجي .
يكررها إنما بنبرة أكثر خفوتاً مغمض العينين هذه المرة لترد وهي تستشعر خفقات قلبه هادرة تحت راحتها المبسوطة على صدره :
_افتكرت إني عمري ..عمري ما حسيت بالأمان اللي يخليني أعيط في حضن حد بعد ستي ..إلا معاك !
_اخرجي !
نبرته وصلت حد الهمس المشتعل هذه المرة وهو يشدد من إغماض عينيه كأنما يخشى أن تخوناه بنظرة نحوها ..
يقبض كفيه جواره بقوة تشنج لها جسده ..
فيرتجف همسها أكثر وهي تستدعي كل ذرة قوة تملكها كي تبدو أمام انهياره هذا بكل هذا الثبات :
_قلتلك آخر مرة شفتك قبل ما تروح تقابلها مش هسامحك لو مارجعتش ..وانت لسه مارجعتش !
_ومش هارجع !
أخيراً نطق بكلمة أخرى غير "اخرجي" هذه !!
انتصار صغير اعتبرته بداية طريقها معه ..
منذ ولجت إلى هنا وهي تدرك أنها ستواجه رجلاً يجلده ضميره ..
لهذا بادرته بردة عكسية وهي تعدد له عطاياه السخية معها ..
الطبيبة تلتحم بالعاشقة في هذه اللحظة فلا مراد لكلتيهما إلا استعادته !!
_بس أنا هسامحك ..بشرط ..تسامح نفسك .
تقولها ولا تدرك أي لغم ضغطت عليه قدماها دون حذر !!
إذ انتفض جسده فجأة وهو يهب من رقدته ليكرر خلفها صارخاً :
_أسامح نفسي ؟!
ظل يكررها لمرات لم تدرِ عددها لكنها كانت تحترق بها في كل مرة وهي توقن من صعوبة ما تطلبه ..
تشهق بارتياع وهي تجده يزيح كفها من على صدره بعنف ..قبل أن يمزق أزرار قميص منامته بقوة ليبدو لها صدره العاري بآثار جلداته !!
تكتم صرختها بكل طاقتها وهي تحاول التحكم في انفعالاتها ..
لكنها عجزت عن امتلاك رعشة جسدها الذي كان يرتجف دونما توقف ..
والسؤال في عينيها يجبن عنه اللسان !!
من فعل به هذا ؟!
تلك المرأة ؟!
هل وصل بهما الأمر هذا الحد ؟!
لماذا لم يخبرها رائد ؟!
لماذا تركها تصدم بالأمر أمامه الآن هكذا ؟!!
العناق "الخامس عشر" ..!
بنكهة "التعرية" ..التطهير ..وضع الوزر عن كاهل ناء به ..
بادرت به هي هذه المرة ليس بجسدها ..
بل بكفيها !!
فقط كفيها -على رقتهما- يحتضنان الآن كفيه بتشبث غريق بغريق ..كلاهما يرى في الآخر طوق نجاته ..
فقط كفيها -على ضآلتهما- يبدوان له الآن وكأنهما بحجم العالم كله ..
فقط كفيها -على نعومتهما - يبدوان له بصلابة جبل يعده ألا ينسف بعد الآن أبداً !!
_زين!
تهمس بها بكل ما أوتيت من قوة ..لكنه يسمعها بكل ما صار يحتله من وهن ..
من خزي ..
من ندم ..
لكن هاهي ذي تعويذتها لم تفقد أثرها...
وها هو ذا كفاه يعتصران كفيها أكثر بقوة آلمتها لكنها كتمت تأوهاتها كما تدرك أنه يكتم وجعه ..
وجعه الذي كان يصرخ في عينيه الشاردتين وهو يسترجع أحداث تلك الليلة العصيبة ..
المرأة التي كانت ضحيته وجلاده !!
يتذكر جسدها الذي رخص بعد غلوّ ..
تشوه بعد كمال ..
يتذكر عينيها الشاخصتين وقد فقدتا بريق الحياة ..
يتذكر اختناق أنفاسها التي لفظتها أمامه واحداً واحداً ..
يتذكر خوفه على همسة ..
على ياقوت ..
على عمله وماله ..
فيرى عالمه كله ينهار كأن لم يكن !
عيناه تفيقان أخيراً من شرودهما الذي احتملته هي صابرة لتلتقي بعينيها ..
قمراها السجينان هذه المرة لم يكونا يستصرخانه أن يحررهما ..
بل أن يحرر نفسه أولاً !!
يحررها من هذا الذنب الذي عاش يحمله طوال هذا العمر غير مبالٍ ..
فلم يشعر به إلا وقد قصم ظهره !!
كفاه يزدادان اعتصاراً لراحتيها وهو يود لو يجذبها نحوه ..
لو يعانقها عناقاً حقيقياً لكنه في هذه اللحظة كان يشعر بالدنس حد أنه خشي أن "يلوثها"!!
يغمض عينيه أخيراً بألم شق أخاديده فوق ملامحه و"البوح المخزي" ينساب عبر شفتين طالما توجهما الغرور ..
يحكي لها تفاصيل تلك الليلة لحظة لحظة ..
وكل كلمة يحكيها ينعكس صداها في دمعة من عينيها ..
جزء بداخلها يلعنه !!
يود لو يجلده مثل جلداته هذه عشرة ومائة وألفاً !!
لكن ما بقي منها يود لو تدفع العمر كله قرباناً لتكفير خطيئته !!
لو تفتدي وجعه الذي تخترقها رماحه هذه بكل ما تملك !
لو تمنحه من ندمه الذي ينهمر بين حروفه كالسيل مائة صك من غفران !!
تنتهي كلماته أخيراً لكن دموعها هي لم تتوقف ..
أي شيء يمكن أن يصف شعورها الآن به ؟!
تحاول التذرع بقناع مهنيتها فيخذلها الآن شر خذلان !!
هي الآن أمه وصديقته وحبيبته ..
وشقّ روحه الذي لن يكتمل إلا به !!
لا حيادية هاهنا ..لا حمائية سوى لقرابة الروح !!
_أعمل إيه ؟! إزاي ممكن أرمي كل ده ورا ظهري وأكمل ؟! إزاي أنسى؟!
أسئلته لا تزال تتسرب عبر عينيه المغمضتين فتستدعي كل قوتها لتجيبه عبر فيض دموعها :
_هي اختارت تكمل طريق انتقامها للآخر ..انت كمان قدامك فرصة تختار ..لسه الوقت مافاتش .
تقولها وهي تتشبث بأنامله أكثر لكنه يهز رأسه بألم عاجز قبل أن يخبط رأسه بعنف في ظهر الفراش خلفه ..
رنين هاتفها يقاطع حديثهما فتتردد كثيراً في فتح الاتصال ..
إنها النغمة التي خصصتها لثمر ..
نفسها تراودها ألا تجيب مع هذا الشعور بالخزي الذي ينتابها الآن ..
لكن منذ متى تتأخر هي عن ثمر ؟!
الأكفّ المتعانقة تنفصل !!
تفتح الاتصال لتسمع صوت ثمر الحبيب تطلب منها شيئاً تشتريه لأجل لجين فترد عليها بمحايدة ..
لكن نبرة صوتها الباكية لم تفوتها أذن الجدة الخبيرة لتصمت قليلاً قبل أن تسألها:
_انتِ فين دلوقت؟!
تعض شفتها بقوة وهي تلقي نظرة بائسة على زين الذي بدا غائباً عن هذا العالم وقد عاد يغمض عينيه هارباً من كل شيء ..
ستكذب!
كذبة بيضاء صغيرة تطمئنها بها كي لا تزيد قلقها !!
لكن لسانها تردد كثيراً لينسج ثوباً طويلاً من صمت قطعته ثمر بقولها المفاجئ:
_انتِ عنده ؟!
عادت دموعها تغرق وجنتيها وهي لا تدري بماذا ترد ..
ثمر الحصيفة كشفتها !!
ثمر التي صمتت للحظات قبل أن تبادرها بقولها :
_لو جنبك خلليني أكلمه .
اتسعت عيناها بصدمة لتشهق بعنف أجفل زين الذي فتح عينيه فجأة ليروعه شحوب وجهها المفاجئ ..
_اديهولي يا دكتورة .
على الأقل هي لم تقل "بنت أشواق"!!
ربما يعني هذا خيراً !!
لم تستطع إزاء لهجة ثمر الصارمة إلا أن تناوله الهاتف بأنامل مرتجفة لتزيغ عيناه باضطراب وهو لا يفهم ماذا يحدث ..
كاد يشيح بوجهه هارباً من جديد ..
لكن رؤيته لاسم المتصلة جعل نظراته تتجمد قليلاً قبل أن يمد أنامله ليضع الهاتف جوار أذنه ..
كل لباقته تخونه والكلمات تذوب على شفتيه ..
ربما لو لم تكن هي الحاجة ثمر بهيبتها ومكانتها لدى ياقوت لرفض الاتصال كما يرفض التواصل مع كل هذا العالم ..
لكن أنفاسه المضطربة وصلت ثمر لتدرك بحدسها أنه هو ..
_حمداً لله ع السلامة يا بيه !
صوتها المهيب الممتزج بحنان أصيل يطرق أبواب صدره طرقاً ..
فيجيبها جواباً تقليدياً بصوت خرج رغماً عنه متحشرجاً ..
لتصله عبارتها التالية :
_من زمان كنت عايزة أتشكرك ع اللي عملته معايا ..ولاد الأصول بيبانوا في الشدة .
حزمها الحنون يخالطه الآن عتاب خفي وصله كاملاً دون تزييف..
لكنه لم يجد رداً مع هذه الغصة التي استحكمت حلقه ..
_بركة رجوع أختك بالسلامة ..الفضل لربنا وبعدين ليك ..ربنا كتبلك عمر جديد وقليل قوي اللي بيقدروا النعمة دي .
التوت شفتاه بابتسامة مريرة وهو يدرك ذكاء المرأة التي لم تشر لما ينتقصه بل ..لما يمتدحه ..
رغم أنه يوقن من نبرتها التي تتشح بطيف عتابها أنها تعلم الحقيقة كاملة ..
هذا الذي ازداد يقينه به وهو يراها تغلق معه الاتصال بقولها الذي حمل رسالة خفية :
_ما تخلليش الدكتورة ياقوت تتأخر ..طريقك غريب عليها ممكن تتوه .
أغلق معها الاتصال الذي لم يتحدث فيه سوى ببضع كلمات مبعثرة ليعيد لياقوت هاتفها فتسأله باهتمام قلق:
_قالتلك إيه ؟!
لكنه عاد يغمض عينيه هارباً ..
يستعيد كلمات ثمر التي مزجتها حكمتها بخليط متجانس من تقدير وعتاب ..
يستشعر هذا الأمل الذي امتزج بحديثها عن "العمر الجديد"..
ثم هذا العتاب الذي صاغته كلماتها عن ألا يؤخر ياقوت الغريبة عن طريقه !!
المرأة على بساطة كلماتها بدت وكأنها فتحت له بابين ..
أحدهما بنهاية ..والآخر ببداية ..
لكن هل يجرؤ على التعلق من جديد ببداية ؟!
هل لمن مثله صفح ؟!
هل يستحق براءة توبة ؟!!
لهذا أشاح بوجهه عنها ليجيب تساؤلها أخيراً بيأس:
_مش مهم ..
عضت شفتها بقوة وهي تشعر بالوهن ينتقل منه إليها ..
جاءت لتمنحه القوة وهاهي ذي تجبن أمام هذا الألم الرهيب الذي خرت له جباله ساجدة ..
_لا مهم ! ..ستي ثمر عمرها ماكانت هتطلب تكلمك إلا لو حاسة إن كلامها فارق ..
هتفت بها بتماسك وهي تقوم لتضم عليه قميصه بحركة موحية مدارية "أثر خزيه"..
وجهها ينحني فوقه فيفتح عينيه أخيراً لتلتقي نظراتهما بهذا القرب ..
قمراها السجينان لم يكونا يختبآن خلف غيومهما بل كانا يشعان بعاطفتها النقية التي امتزجت بقوتها وهي تهمس له :
_عيش ندمك لآخره بس ما تخلليهوش يهدك ..خلليه يبني اللي باقي من عمرك بوشّ جديد ..
ثم ارتجفت ابتسامتها لتردف بنبرة تعمدت جعلها أكثر إشراقاً :
_حادثة خطف واحدة كانت خير على الكل .. خلت همسة تفتكر وتتكلم وقريب هترجع زي الأول ..خلت رائد بطل في عينيها بصورة جديدة مسحت القديمة ..خلت رامي الكلب ده ياخد جزاءه ..خلت يامن ياخد خطوة تانية في طريق علاجه من وساوسه ..
صمتت لحظة بعدها تأخذ نفساً عميقاً قبل أن تهمس أخيراً :
_وهتخلليك تعيد حساباتك في اللي فات واللي جاي ..احنا مش ملايكة ولا شياطين ..احنا بشر بنغلط عشان نتعلم .
دمعة كبيرة تتجمع في عينيه وتحجب عنه رؤيتها ..
دمعة تحمل طيف تلك المرأة ليلتها ..
دمعة تتوقف أبيّة على طرف جفنه فتتردد أناملها قبل أن تمتد لتمسحها هي قبل أن تسقط ..
تدرك كم يعني سقوطها لدى رجل كهذا !!
يغمض عينيه طويلاً ..طويلاً جداً هذه المرة ..
يترنح بين شعوره بهذه السكينة التي منحتها إياه لمستها ..
وبين جحيم الذنب الذي يكاد يكوي ضلوعه ..
لكنه يفتحهما أخيراً يتشبث بكل خيوط النور التي تمنحها له عيناها ..
قبل أن تنحدر نظراته نحو شفتيها ..
كم يود الآن لو يعانقهما بشفتيه !!
لا ..لن تكون مجرد قبلة ..بل ترياقاً لهذا السم الذي يخترق روحه فيقتله ببطء ..
آه ..
يحتاجه الآن بشدة !!
شفتاه ترتجفان لتقتربا منها دون وعي لكنه يشيح بوجهه عنها في اللحظة الأخيرة منتزعاً نفسه من هذا الشعور بقوة قاهرة ..
كأنه من جديد يخشى أن ..يلوثها !!
هذا الذي وصلها هي صادقاً لترتجف شفتاها بشبه ابتسامة وهي تربت على كفه ..
قبل أن تمنحه عيناها نظرة داعمة أخيرة سبقت همسها قبل أن تغادر:
_عارفة إنك محتاج تتكلم كتير ..ومحتاجة أسمعك أكتر ..بس هستناك انت تطلبها ..كل مرة بنفتكر ان الدايرة بيننا بتتفتح ..بنلاقي دايرة تانية أضيق بتتقفل علينا ..والمرة دي مش هاسمح لك تفتحها قبل ما اطمن عليك .
========
انتهى الفصل العشرون