تحميل رواية «سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
*القطعة الأولى* =========== تعبت في بعدي عنك كان ناقصني حاجات كتير وحاسس برضة بيكي وعارف انك مش بخير علشان فاهمك وعارفك تملّي حبيبتي شايفك بتحني لكل ذكرى حلوة جنبك عشتها منا زيك برضة واكتر اوقات بسرح وافكر انا وانتي بعدنا ليه ملقتش اجابة جتلك منا يمكن لو حكتلك تقوليلي كسبنا ايه؟! انسابت النغمات حوله في المطعم مع الكلمات الموجعة لتزيد من نزيف روحه... ضعفاء نحن عندما "نعشق" وأكثر ضعفاً عندما "نفقد" ، فكيف وهو يعلم أنها تشاركه عذابه كما شاركته عناده؟!! لماذا جاء إلى هنا الليلة ؟! هو لا يدري بالضبط....
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم سينابون
القطعة الحادية عشرة
=========
_معقول؟! ده نفس اسمك يا هيثم !
تناول منها هيثم البطاقة ليتفحصها باستنكار لم يلبث أن تحول لعدم تصديق ...
بينما رمقته لجين بنظرة رعب قبل أن تختطف منه البطاقة لتعدو بخطوات راكضة تهبط الدرج ...
حسين سيقتلها ...
بل سيقتلهن جميعاً!!
أجل ...كان هذا هو الاتفاق القديم بينهن وبينه...
ألا يعرف أحد عنهما شيئاً!!!
"ابنه" سيخبره !
"ابنه" الذي في ظروف غير هذه كانت لتفتخر بكونه أخاها !!
دموعها تنهمر على وجنتيها كالسيل وهي تشعر بالقهر أكثر ...
ألا يكفيها اكتشاف ياقوت لعارها ...
والآن ؟!!
_استني !
هتف بها هيثم وهو يلحق بها عدواً ليقف أمامها في مدخل البيت ورد فعلها يغنيه عن الجواب ...
يتفحص ملامحها بعدم تصديق ...
هي تشبه والده حقاً ...لكن ...معقول؟!
_انتِ مين ؟! وبتجري ليه ؟!!
يسألها بحروف مرتجفة لترفع إليه عينيها الغارقتين بين ذعرها وقهرها قبل أن تهز رأسها نفياً لجريمة لا تعرفها ...
فلم يملك أن هتف فيها بألم يمتزج بذهوله :
_انتِ فعلاً بنته ؟!
الكلمة الأخيرة التي بدت في أذنيها غريبة ...مفزعة...متوعدة بعقاب لا تدري كيف ستواجهه ...
ليلحقها بكلمة أخرى :
_أختي!
وشتان بين كلمة وكلمة !!
الكلمة الأخيرة جعلت نظرتها المرتعبة تتفحصه بعينين متسعتين ...
ترتجف شفتاها وهي تتساءل ...
هل ورث من حسين جبروته ؟!
هل يستنكف أن تكون له أختاً مثلها؟!
هل سيؤذيها رغبة منه في إبعادها ؟!!
والجواب جاءها في حروفه المرتجفة بعدها :
_أرجوكي بطلي عياط وردّي ...أنا عايز أعرف الحقيقة .
لكنها تشهق كاتمة بكاءها لتتجاوزه بخطوات راكضة مكنتها من الهروب من عينيه مختفية في زحام الطريق ...
تلفت حوله أخيراً بتشتت وهو لا يفهم ماذا يحدث ...
كيف ظهرت هذه وكيف اختفت ؟!
والده ؟!
هل يخفي حقاً هذا السر؟!!
يشعر بها خلفه فيلتفت ليجد شوشو ...
عيناها الحزينتان ترمقانه بنظرة آسفة مشفقة فيهتف بها بدهشة مستنكرة :
_بتبصيلي كده ليه ؟! انتِ مصدقة ؟! مصدقة إن بابا اللي شفتي بعينك بيحب ماما أد إيه ممكن يكون متجوز من وراها ؟! ومخلف بنت بالعمر ده ؟!!
لم يستطع تصديق السخرية المريرة التي كست وجه شوشو قبل أن تشيح بوجهها لتقول باقتضاب:
_مش محتاجة حيرة...كل حاجة واضحة بس انت محتاج تفتح عينيك.
_قصدك إيه ؟!
يسألها بارتياب لكنها تعطيه ظهرها لتعود لبيتها تاركة إياه تائهاً وسط الطريق !!
ماذا يفعل الآن ؟!
هل يذهب لوالده ويواجهه ؟!
هل يخبر أمه ؟!!
لا...
لن يستطيع فعلها !!
لن يتمكن من هدم البيت الذي طالما تفاخر بقوة ببنيانه!!
إذن ...ما الحل ؟!!
أجل ...ليس هناك سواه ...
إسلام !!
=========
_غادة.
يهتف بها أحمد وهو يفتح لها ذراعيه لتعدو نحوه بلهفة ...
كم اشتاقت هذا العناق!!
تبكي وتضحك ولا تدري أي شعور يتملكها ...
لكنه يقبل رأسها ليمسد على شعرها قبل أن ينظر لعينيها نظرة طويلة عميقة ...
ثم تناول كفها ليفعل أغرب ما توقعته ...
لقد كان يخلع عنها دبلته !
_أحمد !
تهتف بها بارتياع ...باستنكار ...برجاء ...
تحاول منعه وجذب كفها لكن جسدها كله فقد حركته ...
تناظر دبلته المخلوعة في راحته لكنه يبتسم وهو يلوح لها ليبتعد ...
_أحمد !
تعاود نداءها الراجي وهي تحاول الحركة دون جدوى لتلمح طيفه يبتعد وسط الغيوم البيضاء ...
_افرحي يا غادة ...عيشي حياتك بقا ...سيبي لقلبك باب مفتوح يكمل بيه طريقه ...
صوته يدوي من حولها لكنها لا تراه ...
فتعاود نداءه مرة بعد مرة ...
ها هو ذا يعود من خلف الغيوم البيضاء ...
تبتسم وهي تراه يقترب من جديد ...
مهلاً ...
إنه ليس أحمد !
سيف؟!!
سيف يمسك دبلة أحمد في راحته المفرودة ويتقدم بها نحوها !!
أين أحمد ؟!!
_أحمد !
صوت نداءاتها يتوارى خلف صفير غريب تميزه حولها ...
حلقها جاف بشدة ...
تحاول فتح عينيها لتميز أضواء غريبة ...
الرؤية تؤلمها فتعاود إغماضهما ...
_غادة !
الصوت هذه المرة ليس لأحمد ...
إنه صوت سيف !!
تسمعه جوارها لكنها لا تراه !
_افتحي عينيكي ...فوقي ...أبوس إيدك ماتخلينيش أعيش الكابوس ده تاني!
صوته الملهوف الراجي يختلف كثيراً عن تحفظه المعهود معها ...
أين هي؟!!
_مش قادر أعيش نفس التفاصيل مرتين ...كانت نفس المستشفى ...نفس الليلة الباردة ...نفس صوت الشتا ...نفس الخوف والعجز وأنا متكتف مش قادر أعمل حاجة ...هي مشيت وسابتني ...أرجوكِ انتِ ما تسيبينيش !
لا ...ليس حلماً!!
هي تميز صوته حقيقة وسط كل هذا الضباب ...
رغم "التنميل" الذي تشعر به في جسدها كله لكنها تشعر أن ما تسمعه حقيقي...
_انتِ عارفة إنك شبهها قوي ؟! من أول يوم شفتك فيه وأنا حاسس إن روحها فيكي ...مش عارف ده حقيقي
واللا قلبي اللي كان بيدور على عذر عشان يبرر إنه اتعلق بيكي كده رغم إصراره إنه يقفل بابه بعدها ...يمكن عشان كده هاجمتك قوي أول مرة اتقابلنا هنا ...يمكن عشان كده كنت بهرب من إني أشوفك بعدها ...كنت خايف أعترف لنفسي قبل ما أعترفلك ...إني ...
صوته المتهدج بانفعاله ينقطع في أذنيها المرهفتين لما تسمعه ...
لماذا سكت ؟!!
أين هي؟!
أين علاء وإيناس؟!!
علاء!!
البازار ...الشجار ...الرجل ...المدية المتجهة نحو صدرها !!
وعيها يعود إليها تدريجياً لتشهق شهقة عالية وهي تفتح عينيها فجأة لتلتقي بعينيه الدامعتين المحدقتين فيها ...
قبل أن تراه ينتفض مكانه ليهتف بفرحة أرجفت صوته وأرجفتها هي قبله :
_فاقت ...الحمدلله .
وعبر عينيها نصف المغمضتين تراه يسجد فجأة شكراً في مكانه في تصرف لم تره من قبل ...
لينهض بعدها بسرعة ويفتح باب الغرفة منادياً علاء !
======
يومان مرا بها بعد استردادها لوعيها لتدرك ما حدث في ليلتها ...
إيناس أخبرتها أنهم أنقذوها بمعجزة بعد فقدها الكثير من الدماء ...
لكن سيف تبرع لها بدمه !
الفكرة -على شيوعها - تمنحها شعوراً خاصاً بالحميمية رغم أنها تعلم أنه تصرف منطقي لرجل بشهامته ...
شعوراً تزيده ذكرى ما سمعته منه يومها وهو يظنها لا تزال في غيبوبتها ...
رباه !!
هل من الممكن أنه يح...؟!!
انقطعت أفكارها عندما فتح باب غرفتها في المشفى لتعتدل في جلستها على سريرها وهي تراهم يدخلون جميعاً ...
علاء وإيناس وسيف ...و...إسلام !!!
الأخير الذي بدا شديد الارتباك وكأنما يخجل من وجوده معهم الآن بعدما رفضته ...
كما يخجل من تركهم وحدهم في الظروف ...
لهذا غمغم بنبرة متحشرجة متحاشياً النظر نحوها :
_حمداً لله على سلامتك .
ردت عليه بعفوية مقتضبة وهي تنقل بصرها لإيناس التي لم ترها منذ أفاقت إلا باكية وكأنما ذكرها الحادث بفقدها لابنها ...
_خلاص يا "أنّا" بطلي عياط ...الحمدلله قدر ولطف!
قالتها بصوت لا يزال وهنه يفضحه لكن إيناس لم تجد رداً سوى عناقها الملهوف لها وسط دموعها الجارية ...
_لحد دلوقت مش مصدق إنك عملتيها ...عشاني!
الكلمة الأخيرة تحشرجت في حلق علاء الذي بدت الدموع غريبة على وجهه المرح دوماً ...
لو كان الأمر يحل له لاحتضنها كما تفعل إيناس مستجيباً لفيض شعوره نحوها ...
_أنا بنتك...مش دايماً تقوللي كده ؟!
قالتها غادة ببعض المرح وهي تنظر إليه فوق كتف إيناس التي تضمها ليهز علاء رأسه وهو يمسح طرف عينه بخفة ليجاريها في مرحها بمشاكسته المعهودة :
_كنت هاجيب بنت زي القمر كده منين ؟! ما انتِ شايفة أهه !
قالها مشيراً لإيناس التي جففت دموعها لترد مزاحه بدورها وهي تلتفت نحوه بقولها :
_نعم ! أكونش متجوزة عمر الشريف ومش واخدة بالي؟!
_أهه...أهه...آخر حاجة توعى عليها عمر الشريف !!...ست من العهد البائد تاريخ صلاحيتها خلصان ومجاملين فيه كمان !
_علااااء!
_إيناااااس!!
انطلقت ضحكاتهم جميعاً عالية لتشاركهم فيها غادة ببعض الألم الذي شق صدرها لكنها كتمته وعيناها تنسحبان رغماً عنها للوحيد الصامت هاهنا ...
والذي تنطق عيناه بكل صخب !!
"الحزن الأخرس" في حدقتيه يمتزج الآن بلهفة يراها قلبها وينكرها عقلها ...
متى ولماذا وكيف؟!
تراها كانت تتوهم حديثه الذي سمعته كما كانت تتوهم رؤية أحمد ؟!!
أحمد ؟!
أين دبلته ؟!!
رفعت كفها بسرعة نحو عينيها لترى إصبعها الخالي فترتجف عيناها بنظرة ذعر قرأها الجميع لكن سيف تنحنح بخشونة ليقول دون أن ينظر إليها :
_شالوها قبل العملية ...هاروح أجيبهالك !
قالها وهو يتحرك بخطوات مهرولة مغادراً الغرفة ليعود
علاء وإيناس لمشاكساتهما التي شاركهما فيها إسلام هذه المرة محاولاً تخطي حرج وجوده هنا معها ...
بينما شردت هي ببصرها وهي تستعيد مزيج رؤياها- التي كانت شديدة الشفافية حقاً كأنها عاشتها بروحها - مع حقيقة ما سمعته منه وقتها ...
صوت رنين هاتف إسلام يصدح جوارها فتسمعه يعتذر منهم ليخرج قبل أن تقول إيناس لها بينما تربت على كتفها :
_مش عايزة أسيبك بس هاروح المزرعة أجيب لك شوية حاجات وراجعة.
_هو أنا هاطوّل هنا؟!
تسألها بقلق ليرد علاء بحنانه يطمئنها:
_مش هتخرجي غير لما نطمن عليكي خالص .
ابتسمت له بشرود عبر أفكارها الذي قاطعه دخول ممرضة ما كي تركب لها محلولاً وريدياً قبل أن تطلب من علاء مرافقتها للخارج لبعض إجراءات المشفى فيما بقيت هي وحدها لدقائق التهمها المزيد من شرودها الذي قطعه دخول سيف أخيراً ...
عيناها تتعلقان براحته المفرودة التي تحتضن دبلة أحمد ...
تماماً كما رأته في حلمها!!
لهذا دمعت عيناها رغماً عنها وهي تتناولها منه لتعيدها مكانها في إصبعها قبل أن تغمض عينيها بقوة تناسبت مع خفقان قلبها الجامح ...بينما كان هو غارقاً في تفاصيلها بكليته وهذه الحركة الأخيرة منها تملأه بمزيج من غيرة وإعجاب ...
_انتِ شجاعة قوي.
يقولها أخيراً مطرق الرأس بنبرته المتحفظة كعهده وهو يجلس على الكرسي جوار سريرها لتبتسم هي بينما
تلاحظ احمرار أذنيه وأنفه كعادته وهو يردف:
_وقفتي للبلطجي ده يومها ...وأنقذتي عمو علاء ...
ثم غلبته ابتسامة ليستطرد ولايزال يتحاشى النظر نحوها:
_بصراحة مستغرب إنك شبهتي نفسك مرة بالأرنب الخايف ...انتِ فعلاً قوية .
فاتسعت ابتسامتها وهي ترد بشرود :
_ده فرق التجربة ...انت عارف إن دي تاني مرة يتكتب لي فيها عمر جديد ؟!
هز رأسه وهو يتذكر ما حكاه له رامز عنها لتردف هي ببعض المرح:
_واضح إن مكتوب عليا حد من عيلتكم ينقذني ...المرة اللي فاتت رامز والمرة دي انت ...قالولي إنك اتبرعت لي بالدم .
ورغم امتنانه لأنها لم تشر لماضيها مع رامز إلا بالجزء الحسن كما يفترض ب"بنت أصول"...
لكنه لم يملك غيرة خانقة اشتعلت بداخله رغم كونها غير منطقية ...
لكن منذ متى يرتبط شعوره بها بشيئ منطقي؟!!
هو الذي كان كالمجنون عندما سمع عن إصابتها يكاد يراها بعين خياله تلحق بآنجيل وتتركه ...
ساعتها فقط أن شعور قلبه لا يقبل تأويل ...
أنه ...يحبها!
لكن ...ماذا عساه يجدي الاعتراف الآن وبينهما لا تزال العراقيل ...
ذنب آنجيل ...وفاؤها لأحمد...و...إسلام !!
إسلام الذي لا يزال متخبطاً بشعوره نحوها هو الآخر لا يحجمه سوى رفضها هي !!
_شكراً .
تقولها برقتها ذات الدلال الفطري فتنتزعه من شروده ليجد الجرأة أخيراً فيرفع إليها عينيه بقوله المتحشرج:
_أنا اللي بشكرك...إنك خلتيني أقدر أعمل حاجة المرة دي .
اكتسح التأثر ملامحها مع "الحزن الأخرس" الذي عاد يصرخ في حدقتيه ...
تود لو تستنطقه عن حقيقة ما سمعته منه وقتذاك ...
لكنها تدرك أن طبيعته الكتومة المتحفظة لن تمكنها مما تريد ...
_آسفة لو الموضوع فكرك بالجرح القديم .
_وأنا كنت نسيته ؟!
غمغم بها بألم مذنب لتراودها نفسها بكذبة بيضاء تتيقن بها مما سمعته منه :
_"أنّا" قالتلي إن آنجيل كانت هنا برضه في نفس المستشفى.
أومأ برأسه مجيباً لتتسع عيناها بإدراك ...
هي لم تكن تحلم !!
هو حقاً باح بما سمعته منه !!!
_عمري ما هانسى اليوم ده ...سيناريو بيتكرر قدام عيني كل دقيقة ...وشها الشاحب ...شفايفها الزرقا...نفَسها اللي بتاخده بالعافية ...وآخر كلام قالتهولي ...إنها راضية يكون عمرها التمن اللي تدفعه عشان تكفر عن غلطها ...عشان أصدق إنها فعلاً حبتني .
يقولها بصوته المتهدج الذي فاض بمزيج الألم والذنب وعيناه رغم تسلطهما على ملامحها هي لكنها كانت تشعر بقلبها أنه لا يراها هي الآن ...
بل يرى صورة ماضيه ...
عاصفة هوجاء من مشاعر تجتاحها وهي لا تدري كيف تصفها ...
جزء منها يشعر بالسعادة...هذه السعادة عالية النغمة التي لا تملك فيها نبض قلبك ولا ضحكة تطلقها روحك دون صوت ...
سعادة لا يفسرها سوى سبب واحد ...
أنها تحمل له نفس الشعور الذي يحمله نحوها ...
لكنها سعادة غير نقية تلوثها شوائب مشاعر أخرى ...
الخوف من ماضيه ...
الخوف من غدها ...
والذنب الذي يلطخ وفاءها لأحمد !!
"الحي أبقى م الميت"!
طالما كرهت هذه العبارة!
طالما احتقرتها وهي تشعرها أن الوفاء بضاعة رخيصة في هذا الزمان !
فهل سترضخ لها الآن ؟!!
ربما لهذا اسود وجهها فجأة بظلمة شعورها لكن غادة المستحدثة لم تكن لتدع ضعفها يهزمها لهذا حولت الحديث لقولها:
_ما فكرتش تعمل لها حاجة بعد موتها تنفعها ؟! حجة مثلاً ؟! صدقة ؟! مشروع خيري ؟!
كانت عيناه تتسعان باستغراب مع تساؤلاتها لتقرأ فيهما الجواب بالنفي فتردف:
_زي ما توقعت ...الشيطان شاطر يدخللنا من أضعف أبوابنا ...يشغلك بإحساس الذنب عن إنك تعمللها حاجة حقيقية فعلاً تنفعها .
ابتسم ابتسامة إعجاب فاضت في عينيه واخترقت قلبها كقذيفة ...
لماذا يتحدث رجل كهذا؟!
لماذا يحتاج أن يتحدث ؟!
كل مشاعره تصرخ على ملامحه بمنتهى الوضوح!!
عيناه لا تغازلان جمالها بل تتولهان بروحها ...
ربما لهذا لا تجد نظراته منفرة لامرأة بتاريخها ...
ربما لهذا تشعر أنها ...
أنها ....
صعب!
الاعتراف صعب ولو سراً!
_معاكي حق...انتِ ...انتِ...
ارتبكت كلماته بعدها وكأنه لا يجد تكملة للعبارة ليختار ما تبادر له :
_كويسة .
انفلتت منها ضحكة آلمت جرحها وخطفت قلبه هو!!
جعلته يبتسم بخجل لم تعد تستغربه مع استطراده :
_كويسة جداً...بتعرفي ...ت...
ارتباكه يزداد مع اتساع ابتسامته الخجول التي خطفت قلبها هي الأخرى ...
كلاهما خاطف ومخطوف ...
جاذب ومجذوب ...
فلا بادي ...ولا أظلم !!
_أنا شفتك بتسجد شكر لما فقت .
شعرت بالندم فور ما تفوهت بها وكأنما غافلها قلبها ليجريها على لسانها ...
قلبها الذي كان يتقافز فرحاً وهو يرى أثر كلماتها على
ملامحه التي أذابها ارتباكها :
_آه...طبعاً...أكيد...عشان...عشان عمي علاء و"أنّا" كانوا هيموتوا م القلق ...
رنين هاتفه أنقذه من فوضى مشاعره فالتقطه بسرعة ليستمع قليلاً قبل أن يغلق الاتصال ليلتفت نحوها بقولٍ حمل في أذنيها حناناً غريباً على طبيعته المتحفظة :
_فيه مفاجأة حلوة ...
رمقته بنظرة متسائلة ليبتسم ابتسامة نقية وهو يقف مكانه ليتوجه نحو باب الغرفة الذي فتحه كاملاً ليطل من خلفه الوجه الحبيب :
_هانيا؟! معقول جيتي؟!
هتفت بها غادة بفرحة كادت تخلع قلبها وهي تحاول النهوض لكن وجعها منعها فيما اندفعت نحوها هانيا تحتضنها متحاشية مكان إصابتها ...
_وحشتيني قوي ...بحمد ربنا إني فكيت الجبس مخصوص عشان أعرف أحضنك .
تهتف بها هانيا عبر فيض دموعها ليهتف رامز خلفها:
_لاحظي إن كلامك جارح ...معاكي واحد بيغير هنا .
ابتسمت غادة وسط دموعها لترمقه بنظرة مرتبكة مع قولها:
_تعبتوا نفسكم ليه ؟!
_ماقدرتش أمسك نفسي لما سيف قاللنا ...حمداً على
سلامتك يا حبيبتي!
_حمداً لله ع السلامة ياغادة .
يقولها رامز بجدية وعيناه تنتقلان بتفحص بينها وبين شقيقه الذي بدا مأخوذاً بها حقاً ليشعر بصدق حدس هانيا عن عاطفة ما تنسج شباكها بينهما ...
خاصة وهو يلمح لمعة عيني شقيقه مأسوراً بالفرحة الناطقة في عيني غادة التي كانت تهتف بانطلاق:
_شكراً يا هانيا إنك جيتي ...شكراً يا رامز عشان سمحتلها ...
_مفيش شكرا يا سيف عشان هو اللي جابنا على ملا وشنا ؟!
يسألها رامز ببعض المكر وهو يرمق شقيقه بنظرة عابثة لتبتسم غادة بخجل جعل هانيا هي الأخرى تقلب بصرها بينهما برضا خفي ...
رغم الرعب الذي عاشته منذ سمعت الخبر لكن شعورها بقلق سيف المبالغ فيه أنبأها أنه يحمل لصديقتها مكانة خاصة حقاً ...
صديقتها التي كانت ملامحها هي الأخرى ترسم لوحة واضحة لمشاعر تجاهد لإخفائها ...
لوحة لم يتبينها رامز وهانيا فحسب ...
بل إسلام الذي كان واقفاً على مقربة منهم يراقب الموقف كله من بدايته وشعور بالغدر يقصف قلبه ...
سيف فعلها ؟!!
========
_كانت حلوة حركة إنك تجيب أخوك وصاحبتها !
قالها إسلام بنبرة غامضة مخاطباً سيف وهو يقود بهما سيارته ليرد الأخير بتحفظ :
_هانيا مااستحملتش بعد ما سمعت الخبر ...هي اللي ...
_مفهوم ...مفهوم ...انت بريئ ما عملتش حاجة!
هتف بها إسلام ببعض العصبية ليلتفت نحوه صديقه هاتفاً بضيق:
_فيه إيه ياابني انت ؟! بتخانق دبان وشك من ساعة ما خرجنا من المستشفى ...عرفنا إنك بتحبها وقلقان عليها !
هنا أوقف إسلام السيارة فجأة لتصدر صريراً مفزعاً جعل سيف يصدر صيحة استنكار قبل أن يهتف الأول بحدة وهو يلتفت نحوه :
_كويس قوي إنك فاكر إني بحبها ...ياصاحبي!
_قصدك إيه ؟!
غمغم بها سيف بارتباك ليهدر فيه إسلام بعنف :
_أنا مش عبيط ولا لسه هاعرفك النهارده ...إيه اللي بينك وبين غادة ؟!
كز سيف على أسنانه بقوة لتتسع عينا إسلام بصدمة وهو يمسك بتلابيبه هاتفاً بعدم تصديق:
_ما بتردش ليه ؟! قول إني بخرّف...إني فهمت غلط ...إنك صاحبي ومش ممكن تبص لواحدة قلتلك إني عايز أتجوزها ...
ثم صرخ فيه بعدها بحدة :
_قول إنك مش ندل!!
دمعت عينا سيف ووجهه الصارخ بانفعالاته يناقض تيبس جسده بين قبضتي صديقه ...
هل يلومه ؟!
إسلام محق!!
هو خانه بل وخان نفسه عندما ...
عندما ماذا ؟!
هل يجرؤ على الاعتراف الآن ؟!!
_إسلام ...أنا ...أنا لسه بحب آنجي.
لا لم يكن كاذباً في عبارته ...
آنجيل ستبقى ندبة بقلبه لن تمحوها امرأة بعدها ...
لكن ...ماذا عن غادة ...
هل يجرؤ أن يعترف بنفس الأريحية أنه "لا يحبها"!!!
_دي الحدوتة اللي لفيت بها دماغ غادة ؟! واحدة أرملة لسه وفية لجوزها ...مين أنسب لها من واحد زيها بنفس ظروفها ؟!!...هو ده المدخل اللي وصلتلها بيه ؟!!
هتف بها إسلام وجحيم غضبه يعميه عن رؤية الحقائق ...
ليهتف به سيف بحدة :
_اخرس ...انت عارف كويس إني مش بتاع مداخل ولا حركات ...ولا ليّ في فيلم الستات ده أصلاً.
ضحكة عصبية ساخرة كانت جواب إسلام الذي أطلق سراحه من بين قبضتيه ليشيح بوجهه للحظات طالت ...
قبل أن يغمغم بتهكم مرير:
_ما هو ده اللي قاهرني...مالقيتش من ستات الدنيا غير دي يا صاحبي؟!
انفرجت شفتا سيف وكأنه على وشك الصراخ بشيئ ما لكنه لم يستطع ...
بماذا يدافع؟!
هو حتى لا يجرؤ على البوح بمشاعره نحوها !!
هي معضلتها الخاصة بها دوماً ...
دوماً يلقاها وهي تخص رجلاً غيره ...
مرة أحمد ...ومرة إسلام...
لكن من قال إنها تخص إسلام؟!
ألم تعلن رفضها له ؟!!
حسناً...هل يجرؤ على قولها له الآن؟!!
_انزل يا سيف ...أنا خلاص فهمت .
يقولها إسلام دون أن ينظر إليه وقد أدرك من صمت صديقه أن ما يخفيه أعظم من أن يقال ...
أدرك أن سيف بطبيعته الكتومة لن يبوح بالمزيد ...
لكنه لم يخطئ في قراءة ما كان بينه وبين غادة !
_إسلام...ماتفهمش...
_قلت لك إنزل وسيبني دلوقت .
قاطعه بها إسلام بخشونة ليرمقه سيف بنظرة أسف طويلة قبل أن يغادر السيارة ليرحل وعينا صديقه تتابعان ظهره المنصرف بمزيج من غضب وأسى ...
مشاعره كانت تتأرجح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار ...
غضب من فقده لغادة...
صدمة من ميل سيف نحوها ...
غيرة من تفضيلها له عليه هو ...
وخوفٌ من أن يخسر صديقه وعائلة علاء التي يعتبرها عائلته الحقيقية هنا ...
الغريب أن الشعور الأول كان أضعفهما ...بينما كان الأخير أكثرهما طغياناً !!
أجل ...خسارته لغادة كان قد بدأ يتقبلها بعد رفضها القاطع له ...
لكن كابوس فقده لصديقه وعائلته هنا بعد انقطاعه عن عائلته بمصر هو ما يروعه حقاً !!
عائلته التي اختار الابتعاد عنها بعد صدمته في أبيه وخوفه من مواجهة أمه ...
إحساسه الممزق بين أن يبوح فيهدم البيت "السعيد"...
أو يصمت فيتواطأ مع أبيه في ما يفعله خلف الستار !!
وكالعادة ...اختار الأسهل ...أن يهرب!!
صوت رنين هاتفه يقاطع أفكاره فيلتفت نحوه لترتسم على شفتيه ابتسامة تهكم :
_مش وقتك خالص يا هيثم .
يقولها متجاهلاً الرد لكن الرنين يعود مرة تلو مرة فينعقد حاجباه بقلق حقيقي وهو يفتح الاتصال قبل أن يستمع من شقيقه لما يريد قوله ...
_أوبا...انت كمان عرفت ؟!
يقولها بذات التهكم المرير ليهتف هيثم من الجانب الآخر
للاتصال:
_وانت عارف من زمان وساكت؟!
_عايزني أعمل إيه يعني؟! أقول لجيلان هانم اللي طايرة بيه في السما عشان تروح فيها ؟!
قالها بمزيج من غضب وحسرة ليردف بشرود :
_أبوك له بنتين مش بنت واحدة ...سمعته بيكلم واحدة فيهم في التليفون في مرة ...
صيحة هيثم المستنكرة اخترقت شروده ليردف بسخرية :
_خد بقا المفاجأة الأكبر ...بنات الخدامة...شفت ذوق أبوك ؟!
صمت هيثم مصدوماً لدقيقة كاملة يحاول استيعاب الأمر قبل أن يصرخ في شقيقه بانفعال:
_هو ده اللي هامك دلوقت ؟! ذوق أبوك ؟! هنعمل إيه في المصيبة دي ؟!
زفر إسلام بقوة وهو يفتح تابلوه سيارته ليستخرج منه سيجارة أشعلها قبل أن يقول ببرود مشتعل:
_وأنا لو عارف ممكن أعمل إيه كنت سبتكم وجيت هنا ليه ؟!
صمت هيثم مصدوماً والحقائق المتوالية تصفعه بقسوتها ...
إسلام سافر هارباً إذاً!!
هارباً من مواجهة حقيقة أبيه ؟!!
فماذا عنه هو ؟!
هل يصمت متجاهلاً أم يهرب هو الآخر!!
عينا لجين الدامعتين بذعر تقتحم مخيلته من جديد فيشعر بوخزة في قلبه ...
يالله !!
أخته كانت أمامه على بعد خطوات ...
لا تعرفه ولا يعرفها ...
ابنة الخادمة ؟!!
أيهنّ؟!
ياللغباء ...هي تكبره بالكثير من الأعوام لهذا لن يتذكر أمها التي تركت عملها قطعاً بعدما كان ...
_أمهم اسمها إيه ؟!
يسأل إسلام الذي رد باستخفاف وهو ينفث دخان سيجارته :
_معرفش ...ومش عايز أعرف .
_مش عايز تعرف إخواتك ؟! سبت كل حاجة ورا ظهرك ومشيت ؟! ما سألتش نفسك عايشين فين وإزاي ؟! دول دمك ولحمك ومالهمش ذنب في اللي حصل !
هتف بها هيثم باستنكار ذاهل ليصمت إسلام للحظة مأخوذاً بمنطقه قبل أن يقول بضيق:
_ذنبهم في رقبة أبوهم مش رقبتي أنا ...وبعدين م اللي سمعته شكله بيبعتلهم فلوس ومراعيهم !
_مراعيهم ؟! بقوللك أختك قابلتها عامِلة على أدها في معمل تحاليل بتلف ع البيوت تاخد عينات ؟! تفتكر واحدة زي دي مستوى عيشتها إيه ؟!
هتف بها هيثم بانفعال وخز ضمير شقيقه ...
لكنه كالعادة يفضل الهرب ...
_ماتوجعش دماغي يا هيثم ...أنا مش ناقص ...لو قلبك واجعك روح دور عليهم وشوف ممكن تعمللهم إيه .
_هادور عليهم وهلاقيهم يا باشمهندس ...متأسفين ع
الإزعاج .
هتف بها هيثم بحدة قبل أن يغلق الاتصال ليعاود إسلام نفث دخان سيجارته بغضب وصل حد الاختناق ...
أفكاره تشتعل بعدة زوايا كلها حارقة ...
سيف ...غادة ...هيثم...والده...والدته...وأخيراً ...أختاه هاتان!!
هيثم محق لكن ...
ماله ومال ذنب أبيه ؟!!
هل سيصلح العالم ؟!!
هي حياته سيعيشها كيف شاء طولاً وعرضاً ...
فلتذهب همومه كلها للجحيم !!
وبهذا الخاطر الأخير نفث دخان سيجارته للمرة الأخيرة قبل أن يدهسها تماماً في مطفأة قريبة ليجري اتصاله "المنقذ" برفيقة السلوان والأنس ولم يكد يسمع صوتها المغوي حتى هتف بالتركية بلكنته البطيئة العابثة التي تفضلها :
_في المكان المعتاد ...من يصل أولاً يملي شروط الليلة...
ليشتعل جسده بعدها بضحكتها الرقيعة مدركاً أنها ستتركه عمداً يصل أولاً!
======
ظل يدور بالسيارة لساعات بعد مكالمته لإسلام ولا يدري ماذا يفعل ...
الحقيقة التي قُذفت في وجهه فجأة قلبت عالمه رأساً على عقب ...
حتى إسلام لم يمنحه الحل الذي يريده !!
كيف يهرب من هذه الحقيقة ؟!
كيف يواجه والده الذي يعتبره مثله الأعلى؟!
كيف يكسر قلب أمه بحقيقة كهذه ؟!
هل يستسلم للصمت السلبي كما فعل شقيقه ؟!
لا ...لن يتخاذل مثله ...
على الأقل سيذهب لذاك المعمل الذي تعمل فيه لجين هذه ليسألها عن المزيد ...
يجب أن يعرف الحقيقة كاملة !!
زفرة ساخطة أطلقها وهو يشعر بحاجته لمن يفضي إليه بهمومه ...
ومن سواها ؟!
شوشو!
أدار مقود السيارة ليتحرك نحو بيتها رغم علمه بتأخر الوقت ...
لكنه فقط يريد رؤيتها ولو من النافذة ...
تحدثه عبر الهاتف بينما يراها واقفة بنافذة غرفتها كما طلبت منه فعلها ذات مرة بزعم أن الوقفة هذه تذكرها ب"روميو وجولييت"!
روميو!
العجيب أنها كانت تدعوه روميو تماماً مثل داليا لكنها كانت تداعبه دوماً بقولها إنها هي "جولييت" خاصته !!
وصل قريباً من مكان سكنها فتناول هاتفه ليتصل بها لكنه وجده مغلقاً!
تباً !!!
كيف نسي أنها مؤخراً تغلقه دوماً ؟!
هل جعلته رؤيتها اليوم يغفل عن تباعدها اللا مسبب عنه ؟!
وصلته رسالة عبر هاتفه تخبره أن هاتفها قد فتح -لتوه- فتهللت أساريره ليعاود الاتصال بها لكنه عاد مغلقاً!!
تباً!
فليرحل من هنا إذن وليبتلع خيبته وحده !!
عاد يشغل السيارة ليبتعد لكنه لمحها تخرج من مدخل البيت ...
هي ؟!
هل يتخيل؟!
تتسع عيناه بانبهار مشوب بالاستنكار وهو يراها ترتدي ثوباً في غاية الأناقة ليس أبداً من طراز ملابسها -المتحفظ- الذي يعرفه ...
عاد يستقر بكرسيه الذي انكمش فيه وهو يراقب تقدمها ليجدها تتجه نحو سيارة سوداء قريبة معتمة النوافذ ...
لا ...لن يسيئ فهمها ...
ليست من هذا الطراز أبداً !!
حاول مد رأسه ليتبين السائق لكنه لم يرَ شيئاً عبر الزجاج المعتم ...
كاد يغادر السيارة ليتوجه نحوها ويسألها عماذا تفعله هنا لولا أن لمح رجلاً يخرج من مدخل بيتها حذراً لكنه عاد يختبئ عندما رأى السيارة السوداء لا تزال واقفة !!
ما الذي يحدث هنا ؟!!
تساؤله لم يدم طويلاً عندما تحركت السيارة السوداء لتغادر الحي بها أمام ناظريه ...
ليميز أخيراً أرقامها ...
والده !!!
إنها سيارة والده !!!
ما الذي تفعله شوشو في سيارة والده ؟!!
هل علم عن أمر لجين اليوم ؟! شوشو أخبرته ؟!
ولماذا تغادر معه في سيارته في هذا الوقت من الليل ؟!
وبهذا الثوب؟!!
هز رأسه بصدمة والجواب المنطقي الوحيد يكاد يزلزل روحه ...
شوشو ووالده ؟!
لهذا تغير حالها ورفضت علاقتها به بعد تدريبها معه في شركته ؟!
لهذا هجرته هو؟!!
أفكاره تنقطع عندما يلمح الرجل المريب يغادر مخبئه فور اطمئنانه لمغادرة السيارة ليتحرك قادماً في مواجهته ...
ملامحه تزداد وضوحاً مع اقترابه ...
هو يعرف هذا الرجل ...
أين رآه من قبل ؟!!
نعم ...هو !
زوج شقيقة داليا الذي رآه في حفل زفافه !!!
أشرف ...أجل ...هو يذكر الاسم جيداً!!
ما الذي يفعله هنا في بيت شوشو ؟!!
والأهم...
ما علاقة والده بهذا كله ؟!
========
من بعيد يراقبها رائد تجلس على كرسيها معصوبة العينين ...
لا يكاد يصدق أنه تجرأ أخيراً وفعلها !!!
ها هو ذا معها في بيتهما الذي صممه خصيصاً لأجلها...
مساحة شاسعة في أرض منعزلة لا تخشى فيها عيون لائمين أو شامتين ...
أسواره "تحميها"...لا "تسجنها"...
حديقته مزروعة ب"الفل" الذي تحبه ...
الغرفة أحادية النافذة استبدلها بما يشبه كوخاً كبيراً مستديراً بنوافذ عديدة واسعة ...
وكلها بلا قضبان !
تحيط بها حديقة واسعة أكبر من حديقة بيت "أبيها"...
أجل ...هو بيت "أبيها" وليس بيت "زين"!
يوماً ما سيجعلها تدخله مرفوعة الرأس تطالب بحقها فيه ليس طمعاً منه بل رغبةً في إحياء روحها هي بنيل ما سلبوه منها ...
أما بيتها الحقيقي فهو هنا ...
بناه من طابقين في الجوار كما حلمت هي به معه دوماً ...
صممه بهذا التصميم الذي رسماه معاً يوماً ...
لكن ينقصه فقط أن يجعلها تراه ...
دون أن يكون هو معها !!
شعر بالخادمة خلفه فالتفت نحوها صامتاً لترمقه بنظرة مشفقة طويلة ...
هذا العشق البائس في عينيه هو ما جعلها تحتمل هذه المخاطرة ...
منذ سمعت منه أنها زوجته وقلبها يخزها لأجل هذه المسكينة ولأجله معها ...
لهذا ما كاد يبلغها بخطته في الفرار حتى نفذتها معه مدركة أنه لن يستطيع فعلها وحده ...
همسة لا يجب أن تسمعه أو تراه ...
لكنها يجب أن "تشعر" به...
معضلة حقيقية لم تكن تفهمها في البداية لكنها الآن تدرك أنه هو علاجها !!
لهذا ابتسمت له ابتسامة مطمئنة فأشار لها بعينيه نحو البيت القريب قبل أن يبتعد هو مختفياً خلف إحدى
الأشجار يراقبهما من بعيد !
وفي مكانها كانت همسة تشعر بهالة حضوره ...
عبر عينيها المعصوبتين تشم رائحة عطره ...
تشعر أنها غادرت مكاناً ورحلت لآخر لكنها لا تهتم ...
يكفيها أنه هو معها !!
رائحته تتباعد ...هل سيرحل؟!!
تشعر بالعصابة تُرفع عن عينيها اللتين أغشاهما ضوء الشمس للحظات ...
الشمس !
كم تحبها!!
عيناها تتسعان بمزيج من دهشة وانبهار وهي تميز روعة المكان حولها ...
النوافذ المزينة بالزهور بدلاً من القضبان ...
الستائر المشرقة بألوان الطيف ...
دهان الجدران الأبيض الناصع الذي تعشقه ...
ترفع عينيها لأعلى ...
لا سقف!
بل فتحة عالية جداً مستديرة باتساع عظيم يجعلها ترى السماء بسحبها البيضاء ...
تضحك ضحكة قصيرة وهي ترمق الخادمة بنظرة سعادة حقيقية ...
قبل أن تعدو لتخرج من "الكوخ"...
لا أبواب مغلقة !!
ضحكاتها تعلو أكثر فيخفق قلب هذا "المختبئ" هناك وعيناه تمتلئان بالدموع ...
آه لو كان بإمكانه الآن أن يجعلها تراه ...
أن يحملها ويعدو بها هو على العشب قبل أن يطارحها الغرام فوقه ...
أن يجعلها تسمعه...
يحكي لها كم ليلة سهرها وهو يرسم هذا "الكوخ" في أوراقه ...
لا يدع صغيرة أو كبيرة يعلم أنها تحبها فيه إلا ووضعها !!
لكنه يعلم أن هذا مستحيل ...
الآن على الأقل!
لهذا ابتلع غصة حلقه وهو يراها تتقافز وتضحك ...وتعدو ...
تعدو حتى تعبت فسقطت أرضاً لتمرغ جسدها في العشب كأنها تستمتع برائحته ...
قبل أن تستلقي على ظهرها تماماً فاردة ذراعيها بطولهما جوارها ،رافعة وجهها للسماء ...
منامتها الوردية تلقي ظلالها على وجهها فيزداد بهاؤه...
شعرها الأسود الطويل يفترش الأرض حولها كشمس أخرى صغيرة ...
قدماها الحافيتان بعدما ألقت عنهما خفيهما تحرك أصابعها بتلذذ فلا تدري كم تعبث بروحه هو حركة بسيطة كهذه !
لو أقسم الآن أن عمره كله لا يساوي لحظة سعادة كهذه التي يشعر بها على محياها لما كذب!
_بصي يمين يا همسة...شوفي البيت ...عايزك تجري عليه ...ادخلي ..ادخلي وشوفيه ...افرحي بيه ...
افرحي يا همسة ...افرحي .
يهمس بها بخفوت ودّ لو يصرخ به وكأنها ستسمعه !
لكنها -للعجب- سمعته !
سمعته بقلبها دون أذنيها ليراها مكانه تلتفت نحو البيت القريب ...
يرتجف قلبه بخفقاته وهو يراها تنتفض بفرحة لتعدو نحو مبناه القريب المطلي بمزيج "الأبيض" و "السماويّ" الذي تحبه ...
يرى الخادمة تتبعها فيتحرك مكانه وكأنه ما عاد قادراً على احتمال المزيد من الاختباء ...
لكنه يغرس قدميه في الأرض غرساً ...
لا ...ليس الآن ...
كفاك أذى لها ...كفاك !
لهذا يعاود التخفي خلف شجرته منتظراً عودتها لعله يقرأ في وجهها ما عجز عن رؤيته بعينيه ...
أما هي فلم تكد تدخل البيت حتى تجمدت مكانها ...
إنه هو ...بيتها ...
بل بيتهما!
تماماً كما رسمته في الأوراق معه ...
الطابق الأول ...
مائدة السفرة و"انتريه" بسيط ...
لا لون "ذهبي" على الإطلاق!
تكره الإطلالة الكلاسيكية في الأثاث!!
تتقدم لتتحسس الكراسي الأنيقة بلونها الفضي الفاتح ...المائدة التي حملت طبقاً فضياً للفاكهة ...
مع مزهرية ل"الفل"!
عيناها تدمعان وهي تتذكر كيف رسمتهما له ...
هكذا ...بالضبط !!
تضحك وسط لمعة دموعها وهي تنظر للخادمة نظرة دهشة فرحة لكنها عاجزة ...
فتردها لها بفيض من الدموع أغرق وجهها رغماً عنها وهي عاجزة عن الشرح !
لكنها -همسة- تلتفت نحو المطبخ القريب الذي دخلته بخطوات راكضة لتتوقف وسطه بانبهار ...
لا تكدس ...لا زحام ...
أدوات بسيطة أنيقة ...
مائدة صغيرة مربعة في المنتصف عليها سلة من البيض الملون قد رسمت عليه كله وجوهٌ تضحك ...
ونافذة !
نافذة واسعة كبيرة تحتل نصف جدار وحدها و تدخل منها خيوط الشمس من الخارج ...
رباه !!
كما رسمته ...كما حلمت به ...بالضبط!
عيناها تدمعان من جديد لتخرج منه عدواً تصعد الدرج نحو الطابق العلوي تفتح الغرف واحدة تلو الأخرى بأنامل مرتجفة وعيناها تقرآن تفاصيل حلمها قطعة قطعة...
غرفة الأطفال بلون الفستق المحايد بين الذكورة
والأنوثة ...
غرفة النوم بلونها الوردي ...
غرفة أخرى خالية تماماً تفترشها فقط سجادة صلاة وحامل مصحف!
وأخيراً حمام كبير بلون سماوي له حوض استحمام دائري تحيطه نافذة زجاجية تتيح إغلاقه ...
هذا الذي أغلقته الآن لترمق الخادمة بنظرة مشتتة ...
قبل أن تتلفت حولها كأنها تبحث عنه !
_عايزة حاجة يا حبيبتي؟!
تسألها المرأة بحنان مغالبة دموع تأثرها بهذه الفرحة الصادقة التي تراها في عينيها ...
لتنفرج شفتا همسة ببطء وكأنها ستتكلم ...
_قولي يا حبيبتي ...قولي عايزة إيه !
تهتف بها الخادمة بأمل محاولة استنطاقها لكنها تعاود إطباق شفتيها المرتجفتين وهي تتلفت حولها بحثاً عنه ...
أو -بالأدق- عن طيف عاشق تشعر به لكنها لم تعد تميز له
ملامح ولا صوتاً !
هو هنا ...رائحته تملأ المكان حولها ...تغرقها بهذه السكينة التي تفتقدها ...
لكن ...أين ؟! أين ؟!!
تطرق برأسها يأساً وهي تتحرك لتغادر الطابق نحو الدرج الذي هبطته لتلقي نظرة أخرى على المكان قبل أن تغادره نحو الحديقة ...
قلبه يعاود ارتجافه وهو يراها قد عادت بوجه بائس مطرق...
ماذا ؟!
ألم يعجبها البيت ؟!!
لا!
ليس بعد كل هذا الجهد !!
يشير بيده خفية للخادمة التي فهمت مراده فعادت بها نحو "الكوخ" حيث جلست هي على كرسيها تراقب الحديقة بشرود عبر النافذة ...
قبل أن تشعر بها تخرج لتتركها وحدها ...لكن ليس طويلاً !
فلم يكد هو يسمع بردة فعلها بعد دخول البيت حتى أمر الخادمة أن تعاود عصب عينيها ...
هو يحتاج أن يراها عن قرب !
سيموت قهراً لو لم يفعل!!
يقترب منها بخطوات وجلة ليجلس على ركبتيه أمامها ...
يطبق شفتيه بقوة مذكراً نفسه كي لا يضعف ...
لكنه يتناول كفيها ليرفعهما نحو وجنتيه ...
_أنا هنا يا حبيبتي ...جنبك ...قدامك...حواليكي ...أنا عارف إنك حاسة بيا ...بس لسه مش مسامحة...أعمل إيه بس عشان ترجعيلي؟! خدي عمري كله بس اديني ساعة واحدة نرجع فيها زي زمان ...ساعة واحدة !
تصرخ بها روحه -دون صوت- ليشعر بأناملها تتحسس
ملامحه كأنها تتعرف عليه ...
دموعها تسقط كخيط رفيع خلف العصابة فيمسحها بأنامله صامتاً قبل أن يجدها فجأة تحرر كفيها منه لتحاول رفع العصابة عن عينيها !!!
_لأ...أرجوكِ...لأ.
يهتف بها بصوت مسموع رغماً عنه وهو يقبض على كفيها بكفيه يمنعها ...
قبل أن يضع كفه على شفتيه بندم متوقعاً ردة فعلها برعب...
لكنها لم تفعل شيئاً!
أزاح كفه عن شفتيه اللتين انفرجتا بدهشة وهو يراقب سكون ملامحها ...
لم تتأثر ككل مرة عندما سماع صوته !!
أم تراه هو يتوهم ؟!!
عيناه تدمعان من فرط انفعاله ليجدها تضع كفيها في جيبي منامتها قبل أن تستخرج منهما ما جعله يفهم قليلاً ...
"الدبوسان المعدنيان"!!
رباه !
ياقوت كانت على حق عندما طلبت منه أن يبقيهما معها!!
غص حلقه بهدير انفعاله وهو يراها تمد أناملها تبحث عن كفيه اللذين مدهما هو نحوها ليجدها تغلقهما بقوة على "الدبوسين" قبل أن تحتضنهما بأناملها بقوة ...
_رائد!
هل همست بها حقاً؟!!
هل سمعها تناديه من جديد ؟!!
خيط من الدموع يسيل على وجنته هو هذه المرة وهو يسمعها تهمس باسمه من جديد ليفقد كامل سيطرته وهو يجذبها بين ذراعيه ...
يحتضن رأسها بذراعيه وكأنها أثمن كنوزه !
لا لم يكن عناقاً!
بل كان يرد لروحه "بعض روحه"!
كان يعيد لقلبه "جزءاً من قلبه"...
بل كان يستعيد نفسه ليمنحها لها من جديد في عقد لا تنتهي صلاحيته ...
هي له وهو لها ...حتى آخر رمق!!
يمسد شعرها بأنامله وهو يشعر بأنفاسها اللاهثة تردد اسمه بلا انقطاع ...
كظمآن أفطر بعد طول عطش ...
متى يرتوي؟!!
نداءاتها تعذبه بتضرعها ...وبعجزه !
يريد أن يسكب في أذنيها كل الكلام الذي ادخره لها طوال هذه السنوات ...
لكن ...
ماذا لو ؟!!
_رائد!
نداؤها الأخير حسم الأمر وهي تبسط معه كفها على صدره الذي انتفض خافقه بلمستها ...
لم يعد يستطع ...
يعتصرها بين ضلوعه وهو يهمس باسمها في أذنيها برهبة ...
ولم يكد يطمئن لسكونها حتى انفلتت منه آهة قوية جعلته يشدد ضغط ذراعيه حولها دون وعي ...
قبل أن يهطل سيل البوح فيغرقهما معاً:
_انتِ سامعاني بجد واللا أنا بحلم ؟! سامعاني يا همسة ؟! قابلة صوتي مش كارهاه ؟! قولي أيوة ...قولي ...
تهمس له بما أراد وهي تشعر أن "الطيف العاشق" لا يزال
بلا ملامح لكنها تسمع صوته ...
صوته الذي تميزه ...وتعشقه !
يهز رأسه بعدم تصديق وهو يبتعد بوجهه يتأمل ملامحها عبر العصابة بشغف ...
قبل أن يعاود إخفاء وجهه في عنقها هامساً بألم:
_أقوللك إيه ؟! راح فين الكلام ؟! أقوللك آسف؟! سامحيني؟! أقوللك لسه بحبك ...كل يوم بحبك أكتر ...بتوحشيني أكتر ؟! أقوللك السنين اللي فاتت عدت عليا إزاي ؟! أحكيلك تفاصيل الوجع يوم بيوم ؟! واللا أحكيلك عن فرحتي دلوقت وانتِ في حضني؟! بتكلم وبتسمعيني؟! عن لهفتي أشوف عينيكي وهي بتجري على بيتنا ؟! حلمنا ؟! حققته يا همسة ...زي ما رسمتيه بالضبط ...بس اتحرمت أشوف أول فرحتك بيه زي ما حرمتك زمان فرحتنا ...لسه ما كفرتش عن ذنبي ؟! لسه محتاجة تعذبيني وتلوميني؟! وفيت الدين يا همسة...والله وفيته وزيادة !
تشعر بدمعه يلامس رقبتها وجيدها فتحترق به وله ...
لا تفهم عما يتحدث لكنها تشعر بحرارة مشاعره ...
عمّ يعتذر؟!
هل يخطئ قلب أحب بهذا الصدق؟!!
ودون وعي وجدت نفسها تهمس بها كأنها تنطقها منذ أعوام ...
كأنها ولدت تقولها :
_بحبك!
همسها يقصف قلبه ليشهق بانفعال وهو يبتعد بوجهه لا يكاد يصدق ...
قبل أن تنكب شفتاه على وجهها تغرقانه باعترافه هو
الآخر ...
سيموت ...سيموت الآن من فرط جنون خفقاته !!
لكن ...ليرَ عينيها أولاً...
مادامت تقبلت صوته فلماذا لا ...؟!!
لم يفكر للحظة وهو يمد أنامله يزيح عصابة عينيها ...
عيناه تحطان كطير ملهوف على عينين اشتاقهما كالجنة !!!
لكن الصرخة الهائلة التي أطلقتها عادت تقذفهما معاً في الجحيم !!
=========
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثلاثون 30 - بقلم سينابون
القطعة العاشرة
======
تايلاند ...
في غرفته بالفندق الذي يقيم فيه منذ خروجه من ماليزيا إلى هنا يقف عابد أمام مرآة الحمام العريضة يتأمل ملامحه بوجه جامد ...
لقد مات أبوه !!
مات دون أن يجد الفرصة لتوديعه أو دفنه ...أو حتى زيارته !!
مات في عملية "إرهابية" كما يسميها "البعض"...
أو "استشهادية" كما يسميها "البعض الآخر"...
أما هو ؟!!
هو ماذا يسميها ؟!!
لا يعرف!
إلى أي كيان صار ينتمي؟!
لا يهم !
ابتسامة سخرية مريرة ترتسم على شفتيه وهو يتذكر أنه كان يتلقى تدريبه ليقوم بعملية -تشبه- هذه !!
الوحوش عديمو الضمير أقنعوه بمكر ساحر أن الضرورات تبيح المحظورات ...
أن قتل الأبرياء صار عبادة ...
وأن إرهاب الآمنين صار جهاداً!!
عندما تلقى صدمة خبر وفاة أبيه كان كالمجنون ...
الغشاوة التي أسدلت على ناظريه انزاحت فجأة ليدرك خطورة الطريق تحت قدميه ...
والسؤال الذي كان يحرق روحه وقتها ...
هل تعذب والده قبل أن يموت أم أن رحمة السماء أزهقت روحه دون ألم؟!
أمه أخبرته في المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها معها قبل أن يهرب إلى هنا أنهم وجدوا جثته محترقة !!
يالله !!!
كيف يتعايش مع هذا المنظر ؟!
كيف يسامح نفسه أنه كان على وشك السقوط في هاوية كهذه ؟!!
كيف يغفل عن تقصيره في صلة أبيه في آخر أيامه ليموت ميتة بشعة كهذه بينما هو منغمس في ضلاله القديم ؟!!
خيط من الدموع يسيل على جانب وجهه وهو يتأمل صورته في المرآة...
ينتهي عند حدود لحيته التي تعلقت بها عيناه للحظات ...
قبل أن تمتد أنامله نحو ماكينة الحلاقة هناك ...
صوت الماكينة يهدر في أذنيه متزامناً مع "صوت" إطلاق النار الذي اعتاده في أيام تدريبه القليلة هناك ...
متزامناً مع "صورة" جثة والده المحترقة كما يصورها ذهنه ...
ومتزامناً مع "رائحة" البارود المحترق كاحتراق روحه ...
هل كان حقاً من الحماقة أن يوقن أن ذاك كان طريق "الجنة"؟!!
أيمكن أن يكون "جحيم أبرياء الأرض" سُلّماً ل"فردوس الصالحين" بالسماء؟!!
أي منطق هذا ؟! أي منطق؟!!
يكز على أسنانه بقوة والصدمة المتشحة بالألم تطيح به نحو الجانب المتطرف تماماً مما كان يعتنقه ...
سيحلق لحيته ...سيعود للدنيا التي انعزل عنها ...
سينغمس في النعم التي "حرموها" عليه زاعمين أنهم يعصمونه من "الزلل" !!
يضغط الماكينة على بشرته أكثر حتى يشعر بها تجرحه ...
يرى نزف الدم يختلط بشعر لحيته لكنه لا يشعر بألم ...
الألم أعمق من هذا ...الألم هناك هناك في عمق روحه حيث فقد هويته و...إيمانه !!
يواصل ما يفعله بذهن شارد حتى تفاجئه صورته الجديدة في المرآة ...
ربما هي أصغر شكلاً لكن من مثله يشعر ب"شيب" روحه ؟!!
يمد أنامله نحو تلك العلبة هناك بمحتواها الكحولي ليمسح به وجهه ...
نيرانٌ حارقة يشعر بها تلسعه ابتداء من جلد بشرته وحتى أخمص قدميه ...
لكنه يتحرك بآلية ليخرج من الحمام نحو خزانة ملابسه يفتحها متحاشياً النظر لجلابيبه المعلقة بها ...
لكنه يتناول سروالاً قصيراً من الجينز و"تي شيرت" حديث الطراز يرتديهما ليطالع شكله من جديد في مرآة الغرفة ...
من يراه لن يعرفه ...هو نفسه لم يعد يعرف نفسه ...
هو فقد ذاته وليس أبشع من هذا فقد !!!
غادر غرفته نحو النادي الليلي المرفق بالفندق ...
الأضواء المتراقصة....الموسيقا الصاخبة ...الأجساد العارية ...
مشهد كان يشمئز منه قديماً لكنه الآن يحتاج أن ينغمس في أي شيئ ...
أي شيئ ينسيه مرارة ما يعيشه وحده !!
يخترق الجموع ليصل نحو طاولة الخمور هناك في منظر ظن أنه لن يراه إلا على شاشة التلفاز قبل أن يغير القناة ...
والآن يجد نفسه بطله ...
لسانه يتحرك ليطلب لنفسه ما يظنه سيمنحه سلوانها والذي وصله بعد قليل في "كأس" قبل أن يشعر بالذراع الأنثوي العاري جوار كتفه مع الرائحة المثيرة والهمس المغوي في أذنيه ...
دفقة من الأدرينالين تضرب رأسه بقوة ...
أجل هذا ما يحتاجه بحق ...
فلتذهب الدنيا كلها للجحيم ...وليذهب هو معها !!!
يلتفت نحو المرأة فلا يشغل باله بملامحها بل يجذبها من كفها ببعض العنف الذي راقها لتزداد جرأة نظراتها التي بادلها إياها ...
كأسٌ وغانية ولحن يذهب بالرأس ...
هذه هي دنياه التي قرر أن يعيشها بعيداً عن "جنتهم المزعومة" !!!
لكنه يلمحه هناك ...
يخترق الصفوف التي تتفرق رغماً عنها تعجباً من مظهره هذا هنا !!
معقول؟!!
إنه "الصالح"!!
كيف عرف طريقه ؟!!
تراه يتوهم وجوده ؟!!
ظل يراقبه وهو يتقدم نحوه ...
لحيته المهيبة المهذبة ...جلبابه الأبيض الناصع ...وجهه النوراني ...
ونظراته التي يمتزج ذكاؤها بحنانها الفطري ...
خزي؟!
غضب؟!
إنكار؟!
رفض؟!
شكوى؟!
احتياج؟!
كل هذه المشاعر تعصف به في آن واحد ...تجعل عينيه تدمعان رغماً عنه ...
يسمع شيئاً ما من المرأة جواره لكنه يبعدها بعنف وعيناه معلقتان بصاحبه الذي اقترب منه أخيراً ليرمقه بنظرة عميقة وهو يمد له كفه ...
لا ...ليس مصافحاً ...
بل جاذباً إياه بكليته نحوه كي يوقفه ...!
_مكانك ليس هنا ياعابد ...استحِ من عين الله تراك في هكذا موضع !
الغبي لا يزال يتحدث بهذه الطريقة ...لايزال يطبق التعاليم التي لقنوه إياها ...لايزال لا يفهم أنهم كانوا مجرد بيادق يطاح بها في لعبة لخدمة شيطان مجهول ؟!!
حدث بها نفسه سراً لتنطق عيناه بعناد صارخ فتلفت الصالح حوله ليعاود قوله له :
_لم يكونوا يرغبون بإدخالي هنا لهذا لن أستطيع البقاء طويلاً ...اخرج أنت معي .
أشاح عابد برأسه في رفض وأنامله تتمسك ب"الكأس" في يده في إشارة واضحة ...
فوضع الصالح كفه على كفه الممسك بالكأس ليجبره برفق أن يزيحه بعيداً قبل أن يميل نحوه لينظر في عينيه قائلاً:
_معي رسالة من والدك ...رأيته في حلمي بالأمس .
لم يكد ينتهي منها حتى فوجئ عابد باثنين من عمال أمن الفندق يربتان على كتف الصالح بإشارة مهذبة للخروج ...
تجمد عابد مكانه للحظة ثم نقل بصره بين صديقه وبين الكأس ...
قلبه يكاد ينفطر بحيرته ...
هل هو مستعد حقاً لما قد يحمله له الصالح؟!
طالما كانوا يتندرون بصدق الرؤى التي تأتيه ؟!!
هل هي حقاً رسالة أبيه ؟!!
يريد لومه ؟! تقريعه ؟! تحميله ذنب كاد يقترفه ؟!!
لا ...لن يسمع ...لن يسمع!!!
_اخرج أيها الشيخ ...مكانك أنت ليس هنا!
قالها عابد مخاطباً صديقه الذي رمقه بنظرة آسفة قبل أن تتمتم شفتاه بما لم يسمعه عابد ليتحرك مع الرجلين نحو الخارج تلاحقه نظراته هو المترددة ...
=======
_صالح!
هتف بها عابد وهو يخرج خلفه فوقف الصالح مكانه مراقباً تقدمه نحوه بهيئته الجديدة ...
كما توقع تماماً من شخصية كعابد انتكس على عقبيه مع أول صدمة ...
لكنه يعذره فما مر به ليس بالهين!
لهذا لم يتطرق لعتاب ولا استهجان بل فتح ذراعيه له دون كلمات ...
عناقٌ دافئ كان يحتاجه عابد حقاً ليرتجف جسده بعدها وهو يخفي وجهه في كتف صديقه موارياً بريق الدموع في عينيه فربت صالح على كتفيه برفق مع قوله :
_اصبر واسترجع يا أخي ...إنا لله وإنا إليه راجعون ...تعال نخرج من هنا .
ابتلع عابد مرارة غصته وهو يسير جواره حتى خرجا من الفندق كله ليسيرا في الطريق ...
_كيف عرفت مكاني؟!
سأله عابد وهو يضع كفيه في جيبي سرواله "مطرق الرأس"ليجيبه الصالح وهو ينظر أمامه "مستبصراً" الطريق:
_أولاً ...عندما تسير في طريق فلا تمضِ مطرق الرأس حتى لا تتعثر خطواتك ...ارفع رأسك وافتح عينيك ...هكذا يسير ذوو الهمة.
رفع عابد رأسه إليه وقد أدرك مغزى عبارته ليهز رأسه بضيق ...
فاستطرد الصالح بنبرته الهادئة :
_استدعتني السلطات للشهادة بعد القبض على جماعة ذاك الشيخ ...علمت أنك ذهبت إليهم بقدميك تدلي بالشهادة التي ساعدتهم في القضاء على أولئك القتلة ...بحثت عنك بعدها فلم أجدك حتى عثرت على صديقنا (.....)الذي أخبرني أنه ساعدك في السفر إلى هنا .
_ولماذا أتعبت نفسك هكذا ؟! أنا رجلٌ لم يعد يُرتجى منه شيئاً !
صمت الصالح قليلاً ثم تلا قوله تعالى :
_ومن النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
_لا تتحدث مثلهم ...هذا الطريق لم يعد لي !
صرخ بها عابد وهو يسد أذنيه لتلتفت نحوهم أنظار بعض المارة لكن الصالح قال بنفس الهدوء المتفهم :
_بل ليس لك غيره ...الخطأ لم يكن في الطريق ...الخطأ كان في الصحبة التي سلكته معها فأضلتك عنه .
رمقه عابد بنظرة مشتتة وانفعال وجهه يهدأ رويداً رويداً مع كلمات صديقه :
_"أحسب الناس أن يُترَكوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون"...المؤمن في اختبار حتى تسلم روحه إلى بارئها ...الشيطان يلبس عليك أمرك لتخلط الأوراق فلا تميز بين حق وباطل ...استرشد بالله يرشدك ...اهتدِ يزدك هدى ...
أطلق عابد آهة خافتة وهو يرفع رأسه للسماء ليردف صالح بقوله:
_حتى الآن لم تميز النعمة وسط البلاء؟! ألم تدرك أن يد الرحمة انتشلتك من الضلال في الوقت المناسب؟! كان من الممكن أن تلطخ يدك أنت بدم أبيك أو دم غيره ...لكن لعل البصير في عليائه رأى في قلبك نوراً فجازاك بفضله عنه نوراً ...
عادت عينا عابد تدمعان وهو يهيأ إليه أن غيوم السماء في هذه اللحظة تزداد نوراً ...
نوراً يخشع له قلبه فيرتعد جسده وهو يشعر أن الحياة حقاً كهذه السماء الآن في هذا الوقت من الليل ...
بعضها حالك مظلم ...وبعضها منير ...وبعضها يختلط نوره بظلمته
_اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
يزداد ارتعاد جسده بخشوعه فيدفن وجهه في كفيه للحظات قبل أن يلتفت نحو صالح بقوله :
_أريد الصلاة .
ولولا خشيته من "المجاهرة بالمعصية" لأخبره أنه لم يفعلها منذ ذاك اليوم الذي علم فيه بوفاة والده !!
لكن صالح قرأها في عينيه ليربت على كتفه فيذكره :
_ خير الخطائين التوابون ...إن الله -عز وجل - لا يملّ من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار .
هز عابد رأسه وهو يشعر بالسكينة من كلام صديقه ترده لطريق الحق قبل أن يسأله بخشية :
_تقول أنك رأيت رؤيا لأبي؟!
فابتسم الصالح وهو يقول مستعيداً أحداث رؤياه :
_كان صحيح الجسد وافر الصحة يبتسم ويوصيني عليك ...ثم فتح كفه لأرى فيه ما يشبه ميدالية مفاتيح بأحجار ملونة ...لم أفهم تأويلها فهل تفعل ؟!
هنا لم يستطع عابد منع خيط الدموع الذي سال على جانب وجهه وهو يتذكر هدية ياسمين التي أعطته لها يوماً وقذفها هو في وجهها في شجار له معها ...
ليختنق حلقه بغصته مع غمغمته :
_أختي...يوصيني بأختي !
=======
ألقت الهاتف من يدها لتتسمر عيناها على دميته التي تضعها على الكومود جوارها ...
دميته هو "مروان"!!
تتجه نحوها لتتناولها بين أناملها وهي تتذكر ذاك اليوم الذي صنعها لها فيه ...
تسترجع صورة أنامله وهي تتعامل مع الورق المفضض لتصنع منه هذا التاج !!
رباه!!
هي نفس الأنامل التي تراها في الصورة ل"العاشق المجهول"تمسك كوب الشاي!!
مجهول؟!
هل صار مجهولاً حقاً ؟!!
ضحكة عصبية تجتاحها لثوانٍ وهي تستعيد كل حواراتهما معاً ...
الآن فقط تفهم كيف كان يعرف عنها كل هذا ...
تفهم كيف تمكن من إنقاذها تلك الليلة مع المخرج ليدركها في الوقت المناسب ...
تفهم لماذا لم يكن يمنحها أي معلومات عنه ولا حتى يسمعها صوته ...
وتفهم لماذا- بتلك السهولة- كان يعود في كل مرة تبعده حماقاتها فترجوه هي ألا يغيب!!
دموعها تسيل على وجنتيها حارقة وهي تعدو نحو خزانة ملابسها تستخرج الهدية الوحيدة التي تلقتها منه ك"عاشق مجهول"...
_عرفت منين إني بحب "البلي" و"الهارمونيكا"؟!
تسترجع سؤالها له وقتها الذي يبدو لها الآن أحمق كما حماقتها !!!
تمسك بيمناها "دميته" بتاجها المفضض باسم مروان ...
وبيسراها تمسك "صندوقه" بما يحتويه من أثمن ذكريات طفولته لكن باسم عاشق مجهول توارى خلف قناعه !!!
الصدمة تنحسر عن محياها ليحل محلها غضب عارمٌ!!!
طوال هذا الوقت وهو يسخر منها !!
حتى ولو كان يداري خلف هذا أعظم عشق في الكون ...
لقد خدعها!!!
طوال هذه الأيام وهي تشعر بنفسها في حلم جميل لتفيق منه على هذه الصفعة !!
وهي التي كانت تخشى أن تكون بمشاعرها الوليدة نحو مروان تخون عاشقها المجهول ؟!!
حمقاء ...مغفلة ...ساذجة !!!
تراه كان يراكِ بكل هذه الأوصاف وهو يمعن في التخفي لخداعك بهذه الطريقة ؟!!
أنتِ...أنتِ قريبة صديقه ؟!!
أي مروءة هذه وأي نخوة يزعمها وهو يتلاعب بكِ خلف ظهره ؟!!
_استأذني يامن الأول!
ضحكة عصبية أخرى تصاحب المزيد من دفق الدموع وهي تسترجع عبارته التي طالما كررها ...
ألم يكن يجدر به أن ينصح نفسه أولاً ؟!!
ظلت هذه الأفكار تحرق رأسها طوال ليلة لم تذق فيها طعم النوم ...
تتقلب في فراشها وعيناها لا تكادان تفارقان الدمية وصندوق هديته الآخر ...
هرم عشق لعاشق مجهول يخر الآن مفتتاً تحت قدميها ...
لتنبت مكانه شجرة عشق لمروان ...
تظنون الأمر بهذه السهولة حقاً ؟!!
لهذا لم تكد الساعة تبلغ العاشرة حيث تعلم أنه موعده في الجمعية حتى هرولت ترتدي ثيابها بسرعة لتتوجه إلى هناك ...
ماذا ستفعل؟!
ستواجهه ؟!
ستسأله ؟!
لا ...بل ستصفعه !!!
ستصفعه بقوة الحلم الذي حرمها منه !!
بقوة الوهم الذي دفنها تحته !!
وبقوة الإحساس بالخديعة الذي ذبحها به !!!
وفي مكانه في إحدى غرف الجمعية جلس هو على أحد المكاتب يراجع بعض كشوف المعوزين بعينين شاردتين ...
لقد جاء اليوم مبكراً هروباً من سعير أفكاره ...
لم يذق طعم النوم الليلة السابقة وهو يشعر أنه فقد آخر خيوطه ك"مروان" معها !!
هي صرخت له باعتراف صريح أن قلبها لآخر ...
آخر يعرف هو من يكون لكن من يخبرها هي أنه يعرف ؟!!
من يخبرها هي أنه هو ...هو نفسه ؟!!
لكن هل يخدع نفسه ؟!!
داليا لم تعشقه كمروان ...
بل كصورة وهمية رسمها خيالها المراهق ...
مروان لا يزال بعينيها الأصلع القبيح الذي تستنكف أن تمنحه قلبها !!
يرفع عينيه فجأة عندما يراها تدخل من الباب تتوجه نحوه كقذيفة مشتعلة ...فيقف مكانه ليدور حول المكتب قبل أن يتقدم نحوها بلهفة كان لها ما يبررها في وجهها المحمر الغارق بدموعه ...
وفي لحظة واحدة نسي كل قنوطه بشأنها فلم يرَ سوى طفلته الباكية تهرول نحوه ليتلقفها -قلبه - بعاطفته الجياشة كالعادة وإن حافظ جسده على حدوده ...
_مالك يا داليا ؟!
يهتف بها بجزع وهو يلاحظ ارتجاف جسدها الذي يتقدم نحوه كالسهم ...
قبل أن يرى كفها يرتفع بسرعة نحوه ليتوقف على بعد عدة سنتيمترات من وجهه ويظل هكذا مكانه معلقاً !!!
تتسع عيناه بارتياع وهو لا يفهم ماذا يحدث هنا ...
قبل أن يروعه نشيجها الباكي أكثر وأكثر ولا يزال كفها المرفوع عالقاً بينهما ...
_اتكلمي فيه إيه ؟! إيه اللي عامل فيكي كده !!
لهفته الحنون القلقة التي احتلت حروفه اخترقتها كمعجزة !!!
عصا ساحر قلبت كل مشاعر غضبها ووعيدها لطوفان عاطفة جارف اكتسحها بجنون ...
لم تعد ترى هاهنا خديعة ولا تلاعباً ...
بل عشقاً لا يقبل جدلاً ولا تأويل !!!
شريط ذكرياتها الطويل معه يمر الآن أمام ناظريها مشهداً مشهداً ...
ترى ضبابات له من مشاهد طفولتها وهو يلاعبها تارة ويعنفها على شقاوتها تارة أخرى ...
تراه وهو يضبطها متلبسة تلك الليلة بخروجها من الملهى الليلي فيعيدها آمنة لمنزلها في تلك الساعة المتأخرة ...ينزلها قبله بمسافة مناسبة حفاظاً على سمعتها ويسير خلفها بعدها بسيارته حتى يطمئن عليها ...
تراه وهو ينقذها تلك الليلة التي لولاه لكانت مجرد ضحية مغتصبة ...
تراه وهو يدافع عنها أمام يامن ويطلب منه خطبتها ...
وتراه بعين خيالها وهو يجاورها في المشفى عقب محاولة انتحارها الفاشلة...
ترى كل نظرة حب منحتها لها عيناه العاشقتان فلم تفهمها ...
تسمع كل كلمة صدقها قلبها منه قبل أذنيها ...
ترى كل خطوة مشتها قدماه نحوها ...
تسمع كل نداء صامت وجهته لها روحه...
ترى العاشق الذي ما عاد مجهولاً ...
وتسمع اللحن الذي ظنت قلبها عنه أصمّ...
ترى وتسمع ...
ترى وتسمع ...
أخيراً...ترى وتسمع !!!
كفها المرفوع يرتجف بشدة زادت خوفه قبل أن يتصلب جسده كله وهو يراها تلقي نفسها بلا مقدمات بين ذراعيه !!!
حافظ على ذراعيه جواره بشق الأنفس وهو يشعر بالهواء فجأة ينسحب من رئتيه قبل أن يعود ليلفظ الحمم بين جنباته ...
داليا هنا ...بين ذراعيه ...
بين ذراعيه هو كمروان !!!
داليا التي ترتجف الآن كطفلة مذعورة ...
بل كأنثى تتشبث به بكل قوتها ...
وربما ...الاثنين معاً !!
عقله يصرخ به أن يبعدها...يعنفها ...
وقلبه الثمل بنشوة قربها الذي طالما اشتهاه يتوسله السماح بالمزيد ...
والصراع بينهما يجعل جسده يتشدد أكثر في وقفته و"دمعة" عاجزة تعرف طريقها لعينيه ...
_إيه اللي بيحصل هنا ده ؟!!
هتاف ريتال التي دخلت فجأة الغرفة لتجدهما في هذا الوضع يفجر الوضع أكثر فتبتعد داليا عنه لترمقها بنظرة مشتعلة بينما الأولى تتقدم نحوهما مردفة باستنكار حانق:
_انت يا دكتور مروان ؟! انت تعمل كده ؟! وهنا ؟! هنا؟!!
قبض مروان كفيه وهو يشعر بقلبه يكاد يتوقف من فرط انفعاله ...
بماذا يرد ؟!
وهذه الحمقاء التي ابتلي بها قلبه تضعه دوماً في مواقف لم تخطر له يوماً على بال!!!
لكن الرد وصل من داليا التي هتفت بها بتنمر وقد قررت أن تفرغ فيها غضبها كله :
_وانتِ مالك انتِ؟! مروان خطيبي وكتب كتابنا الاسبوع الجاي!!
لم يكن نصيبه من الصدمة أقل من نصيب ريتال التي نقلت بصرها بينهما بشك قبل أن تهتف بنفس الاستنكار:
_وحتى لو خطيبك ...ده ما يديكوش الحق في التجاوزات دي هنا ...
ثم التفتت نحو مروان لتردف بنبرة موبخة :
_للأسف...كنت فاكراك أحسن من كده ...الجمعية دي اتعملت عشان الثواب وخدمة الناس مش عشان قلة الأدب والمسخرة ...أنا هابلغ الإدارة ومش هاسكت .
قالتها لتغادر الغرفة بخطوات مندفعة بينما كلماتها كان لها الوقع الأشد على مروان ...
في حياته كلها لم يتعرض لإهانة بهذه الطريقة ...
هو الطبيب المحترم الذي يشيد الجميع بأخلاقه الآن ستكون هذه الفضيحة على كل لسان ...
يستغل نشاطه الخيري للتغرير بالفتيات ...
والسبب؟!!
السبب هذه الحمقاء المستهترة أمامه !!!!
والتي لا يفهم لماذا فعلت هذا وهي التي صرحت له بالأمس فقط أنها تحب شخصاً آخر ...
بركان يشتعل بصدره يفقده النطق بينما هي لا تزال لم تكف عن حماقاتها بعد عندما تناولت هاتفها ليسمعها تقول بانفعال :
_أيوة يا يامن...كنت عايزة أعرفك إني أنا ومروان اتفقنا على الخطوبة ...نكتب كتابنا الأسبوع الجاي .
الغضب يرج جسده رجاً وهو يتوقع ردة فعل يامن على حديثها وقد صدق توقعه عندما وجد ملامحها هي الأخرى تشتعل بغضبها مع سماعها لرد يامن قبل أن تناوله هو الهاتف :
_أيوه يا يامن.
يغمغم بها بصوت متحشرج من فرط الانفعال ليهتف به يامن بحدة :
_خطوبة إيه يا بني آدم في ظروف ياسمين دي؟! وداليا اللي تقوللي ليه وبالطريقة دي؟! إيه لعب العيال ده ؟!
الدم يضرب في رأسه بقوة وهو لا يدري بماذا يرد !!!
هل يخبره عن استهتارها ؟! جنونها ؟ طيشها وفعلتها التي أوصلتهما لهذا كي يأمن غضبته ؟!!
أم ...؟!!
الصمت يلجم كلماته وهو لا يجد رداً يدافع به عنها وعن نفسه خاصة مع هتاف يامن الذي ازداد قلقه :
_فيه إيه يا مروان ؟! إيه اللي بيحصل عندك بالضبط ؟!
لكن داليا تختطف منه الهاتف لترد هي بعنفوانها المعهود :
_هو خطبني وأنا وافقت ...موضوع المعاد ده نظبطه بعدين .
قالتها لتغلق الاتصال بعدها بل وهاتفها كذلك !
لينفجر بعدها بركانه الذي لم يستطع التحكم به أكثر وهو يهدر بها بعنف :
_مفيش فايدة في طيشك واستهتارك ...كنت فاكر إنك اتغيرتي بس للأسف اللي فيه طبع مابيغيروش ...هتفضلي طول عمرك عيارك فالت لا تعرفي تتصرفي ولا تعيشي ...مصيبة ماشية على الأرض وجارّة وراها المصايب لكل اللي يقرب منها ...فاكرة الدنيا كلها لعبة ...امبارح مش عايزاني والنهارده بتجري عليا ...ومين عالم بكرة هتعملي إيه ؟!
لم يدرك أثر كلماته عليها إلا عندما رأى حمرة وجهها المنفعل تتحول لشحوب !!!
جسدها يرتجف بقوة كاد معها يسقط وعيناها تمتلئان بالدموع من جديد ...
لكن لم يعد هناك مجال للتراجع !!!
_أنا شايفاها بطريقتي ...انت خطبتني وأنا وافقت...لو عايز ترجع في كلامك القرار ليك .
غمغمت بها شفتاها المرتعدتان عبر غمامة دموعها قبل أن تكتف ذراعيها لتغادر الغرفة بخطوات مهرولة نحو الخارج تاركة إياه خلفها يغلي بين غضب وندم...و...مفاجأة !!!
========
استيقظت من نومها الذي صارت تهرب إليه كثيراً مما يحمله لها واقعها من ألم وتشتت ...
تلفتت حولها تبحث عنه ليصيبها الهلع المعهود -مؤخراً - من اختفائه ...
رغم أنه يصر أن يمنحها جنة من حبه الخالص الذي تمنته عمراً لكن لا يزال بينهما حاجز لا يمكنها عبوره بهذه السهولة ...
تنهدت بألم وهي تتذكر حكايته لها عن ياقوت هذه ...
عن مآسي عائلته التي وجدها فجأة تنصب على رأسه وبسببه !!
هذا الذي تزامن مع هجرها هي له ....
تراه كان الزلزال الذي رج الأرض تحت قدمي مبدئه القديم "لو شكيت ما تكمللش"؟!!
يامن حمدي قبِل أن تعالجه امرأة ؟!!
رضي أن يعري جروح ماضيه أمامها ؟!!
شيئ من الغيرة يعصف بقلبها وهي تراهما بعين خيالها وحدهما يفضي إليها بأسراره ...
تنصحه فيستمع إليها ...
تباً !!!
أين ذهب ؟!!
فلتبحث عنه ولتعزف عن أفكارها التي ستقودها للجنون هذه !!!
غادرت الفراش نحو الأسفل حيث وجدته قد أعد المائدة ليتهلل وجهه عندما يراها مع هتافه المرح:
_تعالي شوفي إنجازاتي وتكاتي وحركاتي ...سبع صنايع والبخت ضايع يا "أبو اليُمن"!
_معقول انت اللي عملته ؟
تسأله بتشكك وهي تنظر لأصابع "المحشي" في الطبق ليجيبها باستخفاف بينما يأخذ مكانه جوارها ملصقا كرسيها به :
_فاكراها صعبة يعني؟ فيديو يوتيوب لخص المسألة ...
ثم غمزها ليردف مشاكسا:
_احنا بس سايبينكم تاكلوا عيش.
ابتسامة واهنة مترددة تمر كالطيف عبر شفتيها ولاتزال تشعر بغرابة هذا الرجل عن يامن الذي عرفته طوال عمرها ...
عندما مد أنامله ليطعمها بنفسه وعيناه تتعلقان بتفاصيل ملامحها بجوع عاشق ...
لهفة تستشعرها صادقة تطوقها بحنان تحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضى ...
لكنها لاتزال مشتتة ...خائفة من تصديق معجزة تحوله لهذه الصورة ...
لهذا هربت من هذا كله لتشيح بوجهها عنه مغمغمة:
_وانت مش هتاكل؟
فتلتمع عيناه ببريق عابث وهو يعيد تقريب وجهها منه يكاد يلصقه بوجهه مع همسه:
_ما انت عارفه باكل المحشي إزاي!
_انتِ عارفة إنه من السُنّة إن الواحد "يلعق أصابعه" بعد الأكل!
_صوابعه مش صوابع اللي معاه !
تذكرها كطيف وردي من الماضي فتتسع ابتسامتها قليلاً وهي تمد أناملها بتردد لتلتقط واحداً من أصابع "المحشي" فتقربه من شفتيه متحاشية لقاء نظراته ...
ليس خجلاً ولا نفوراً ...
بل استغراباً !!
لا تزال تشعر أنها تفتقد للتوازن في هذا الحلم الغريب الذي استيقظت لتجد نفسها فيه !!!
بينما تمسك هو ب"بروتوكول" أكل المحشي الذي وضعه لنفسه عندما أمسك كفها يقربه من شفتيه أكثر فيتناول منها الطعام قبل أن يلعق أصابعها بخفة مدغدغاً بحركة لطيفة أرجفتها وهي تستعيد ذاك التاريخ العاطفي بينهما ...
تغمض عينيها بقوة هاربة من طوفان مشاعرها لكنه يتفهم هذا ليحول الموقف لبعض المرح مع قوله :
_كان بودي الصراحة أقوللك ماتحطيش إيدك في الأكل عشان مايطلعش مسكر بزيادة زي الأفلام ...بس الحقيقة إن ملحه زيادة قوي .
عادت تفتح عينيها بابتسامة خفيفة لتشرد ببصرها قائلة :
_انت عارف بقى لي أد إيه ما دخلتش مطبخ عشان أعمل أي أكلة ؟!
_من يوم ما سبتيني .
يهمس بها بإقرار متفهم وهو يربت على وجنتها لينتشلها من شرودها فتعود ببصرها نحوه لتهمس بعينين عاتبتين :
_أنا اللي سبتك ؟!
زم شفتيه بقوة ليصمت للحظات قبل أن يقول لها بجدية تامة هذه المرة :
_مالوش لازمة نتعاتب دلوقت ...احنا الاتنين كنا محتاجين نمر بالتجربة دي عشان نفهم عيوبنا صح ونغيرها ...عشان نتأكد إن كل واحد فينا مايقدرش يعيش من غير التاني .
عضت شفتها السفلى بقوة وهي تسبل جفنيها ...
حديثه يعيدها لتخبط رأسها بحائط الذنب نحو والدها ...
يامن محق !!
ضربة موجعة كهذه كانت كافية لسحق كبريائها المغيظ ...
لتعليمها ذاك الدرس فلا تنساه !!
_أعتبر دي محاولة للهروب من أكل المحشي ؟! والله أقتلك ! ده أنا طلعت روحي فيه !!
هتف بها باستنكار مقاطعاً شرودها وهو يعاود تقريب الطبق منها ليعودا لتناول الطعام بين دعاباته التي تعمدها كي يخرجها من حالة تشتتها هذه ...
ولم يكاد ينتهيان من تناول الطعام حتى وجدته يشعل المدفأة قبل يحضر لها إحدى مناماته الشتوية قائلاً:
_هدومك اللي هنا مقاسها بقا مش مريح ...هاضطر أعطف عليكِ وأديكي هدومي .
فتناولتها منه مبتسمة ليغمزها مردفاً :
_ع العموم مش هتبقى أول مرة ...يشهد ليل اسكندرية على ذكريات إحساني وعطفي .
اتسعت ابتسامتها وهي تتذكر ما يحكي عنه ليخفق قلبها بقوة !!!
هذه الذكريات الحلوة كيف تمكنت من سد فجوتها طوال هذا الوقت والآن تنفجر دفعة واحدة لتغرق حناياها ...
ابتسامتها ظلت تظلل شفتيها حتى وهي تبتعد لتغير ملابسها ...
راحة غريبة تغمرها وهي ترتدي القطعة العلوية من منامته السوداء كالعادة والتي احتوت جسدها كله وقد وصلت لركبتيها تقريباً ...
قبل أن تعود إليه لتجده جالساً على الأرض أمام المدفأة يسند ظهره للأريكة خلفه ويفتح لها ذراعيه ...
تقدمت نحوه لتجلس جواره فاحتواها في كنفه ليمسد بطنها بأنامله في حركة تشعر بها تذيب كيانها بينما يقبل وجنتها برقة هامساً :
_هنسميها إيه ؟!
_يمنى.
قالتها حاسمة دون جدال فرفع حاجبيه بدهشة للحظة قبل أن يداعب شعرها بأنامله ليسألها :
_اشمعنا ؟!
_اخترتهولها من زمان .
ابتسامة حانية تغزو شفتيه اللتين اقتربتا تدللان ملامحها مع همسه :
_من أيام النادي؟!
أطرقت برأسها في جواب لم يكن يحتاج سماعه فتأوه بخفوت وهو يعتصرها بين ذراعيه أكثر هامساً:
_أعمل فيكي إيه ؟! لو فيه في الدنيا حب أكتر م اللي في قلبي ليكي كنت دورت عليه وادتهولك !
أخفت وجهها في صدره تستمع لدقات قلبه الهادرة تحت أذنيها تقسم لها على صدق حديثه ...
بينما عاد هو يمسد بطنها ليشعر بحركة ابنته تحت أنامله فيبتسم هامساً لها وكأنما تسمعه :
_عجبك المحشي يا يمنى؟! طب البجامة مدفياكي؟!
كتمت ضحكتها العفوية في صدره بينما لايزال هو يحدث ابنته بقوله :
_بصي يا بنت الطيبين ...اللي أوله شرط آخره نور ...الزنّ الغتت بتاع العيال ده مابحبوش ...النوم طول النهار عشان تطلعي روحنا بالليل ده مش عندي ...الرضاعة مرة واحدة كل ساعتين غير كده مااسمعش منك وأوأة واحدة ...
ثم التفت نحو ياسمين ليردف بغلظة مصطنعة :
_فهميها إن قراراتي الديكتاتورية لا رجعة فيها !
رمقته بنظرة طويلة عميقة وهي تشعر أنها تعيش في حلم !!
يامن هنا جوارها ...يفترشان الأرض أمام المدفأة ...يمازحها معلناً فرحته بابنتهما المنتظرة ...معترفاً بعشقه لها ...
هل أجمل من هذا حلم ؟!!
_سرحانة في إيه ؟!
_عايزة أرجع بيتي .
عقد حاجبيه بقوة مع جوابها لتتنهد بحرارة مردفة :
_موبايلي مش معايا وعايزة أطمن على عابد ...والدته هنا في مصر من ساعة اللي حصل وأنا اختفيت فجأة كده وسبت كل حاجة ورايا .
ازداد انعقاد حاجبيه وهو يتجاهل -مؤقتاً- قولها "بيتي" وليس "بيتنا"...
ليسألها باهتمام :
_اختفاؤه ده غريب جداً فعلاً ...معندكيش أي معلومات ؟!
_شاكة في حاجة ويارب تطلع غلط .
غمغمت بها بحروف مرتجفة لتروي له عن هواجسها بشأن انضمامه لجماعة من الجماعات الإرهابية ليزداد انعقاد حاجبيه وهو يتمتم بقلق:
_الناس دي الخروج من وسطها مابيبقاش سهل .
_إلا لو هم نفسهم وقعوا .
هتفت بها ببعض الأمل لتردف :
_أنا عرفت م الأخبار إنهم قبضوا ع اللي نفذوها ...بس خايفة هو يكون ...
قطعت عبارتها لتغرق دموعها وجنتيها فجأة مع نحيبها :
_تفتكر تكون له إيد في الموضوع ؟! تفتكر بابا كان يستاهل مننا كده ؟! كان دايماً يقوللي إنه بيحافظ ع الشعرة اللي باقية بيننا وبينه ما تتقطعش ...كان دايماً يقوللي إني زي عابد متطرفين في مشاعرنا وتفكيرنا ...ادعي معايا يا يامن يطلع برئ من دم بابا ...ادعي معايا بنتي لما تيجي الدنيا تلاقي خالها مستنيها يشيلها في حضنه مش تلاقي إيديه غرقانة بدم أبوه !
ضمها بين ذراعيه مهدئاً حتى سكن بكاؤها ليقبل وجنتها قائلاً بحنان :
_ما تقلقيش ...ولو إني ماكنتش عايز نرجع دلوقت بس عابد حالياً أهم ...خللينا نشوف والدته وصلت معاه لفين ...أكيد هي هتبقى أكتر واحدة عارفة عنه معلومات .
ثم مسح بقايا دموعها ليردف بيقين :
_ربنا كريم ...غمة وتزول بإذن الله .
فأومأت برأسها موافقة لتجد نفسها تهمس دون وعي :
_شكراً يا ط...
قطعت عبارتها دون أن تكملها وكأنما شعرت أنه لايزال ينقصها الأمان كي تتمها كالسابق ...
لكنه تفهم هذا ليقترب من شفتيها يغرس بينهما همسه العاشق:
_سامعها من غير ما تكمليها ...كل كلامك بقيت بسمعه قبل ما تقوليه .
رمقته بنظرة حائرة عبر غمامة دموعها لتسند رأسها على صدره للحظات هدأت فيها نفسها قليلاً قبل أن يصله صوتها :
_ياقوت دي شاطرة قوي كده ؟! حاسة إني قدام يامن تاني!
_وكان ماله الأولاني؟! ماكنتِ بتموتي فيه ؟!
قالها مشاكساً وهو يرفع ذقنها نحوه لتغزو شفتيها ابتسامة واهنة مع سؤالها المتردد :
_شكلها إيه ؟!
رفع أحد حاجبيه بخبث مدركاً مغزى السؤال ليجيبها بهزة كتفيه:
_ست !
_ما أنا عارفة إنها ست امال قردة ...شكلها إيه ؟!
هتفت بها بعصبية جعلته يضحك قبل أن يجيبها :
_لا دي هرمونات الحمل مضيعاكي خالص ...قعدة واحدة أهه اتشقلبتي فيها بين كل المشاعر اللي خلقها ربنا ...شوية ضحك وشوية عياط وشوية حب وشوية نكد ...بس حلو عرض "الكومبو" العائلي ده !
_يامن!
هتفت بها باستنكار جاد جعله يتنهد ليجيبها بجدية :
_سؤالك عن شكلها مالوش لازمة ....ياقوت ست مميزة فعلاً بس بشخصيتها ...مكافحة ...طيبة ...ذكية ...ودي ميزة قليل تلاقيها في الستات على فكرة ...
تغضنت ملامحها مع عبارته الأخيرة فتنحنح ليردف مغيراً مساره :
_بس حالة من التلوث البصري ما أقوللكيش ...عليها ذوق في اللبس ...إياك تعدمه !
ابتسمت عفوياٌ لكلماته قبل أن تقول له بتردد :
_عايزة أقابلها !
_الله ...ده هيبقى لقاء السحاب ...بين "سيدة الألوان" و"سيدة عمى الألوان"!!
لم تستطع كتم ابتسامتها لتتأوه بعدها وهي تمسك ظهرها فهتف بنفس المرح :
_ذنب الغلبانة اللي بنجيب في سيرتها ...بركاتك يا ياقوت !
_شكلك واخد عليها قوي !
بنفس النبرة الغيور تقولها وهي تغير وضعها لتنقلب على ظهرها فعدّل لها هو الوسائد ليرقدها برفق قبل أن يشرف عليها من علوّ قائلاً :
_شقراط دي حكاية .
_شقراط ؟!
سألته وهي تشعر بالفضول من اللقب ليحكي لها قصة ياقوت كما سمعها بمنتهى الفخر من كفاحها حتى وصلت لمكانتها الحالية ...
ليتغلب إعجابها على غيرتها فتقول بإصرار:
_عايزة أقابلها .
_نقابلها يا فندم !
يقولها بنبرة مطيعة وهو يقرب وجهه من وجهها فارتبكت لهذا القرب لتهتف بسرعة :
_لوحدي.
_لوحدك يا فندم !
يزداد قرباً فتزداد ارتباكاً لتردف:
_هنرجع بكرة.
_نرجع يا فندم .
القرب يتحول لالتصاق يغمرها بحنان دافئ ...بعاطفة مشتعلة ...باشتياق تجد في قلبها مثله ...
فمن هي كي تقاوم ؟!
========
_استنى!
هتفت بها وهي تستعد للخروج معه من الشاليه قبل أن تتوقف أمام المرآة قليلاٌ ثم حسمت أمرها لتتناول وشاحاً ساتراً لفته حول وجهها فابتسم وهو يرمقها بنظرة استحسان هاتفاً :
_حمداً لله ع السلامة ...لحقتي نفسك حقيقي ...كان فاضللي سيكا وأشدك من شعرك اللي فرحانة بيه ده .
حدجته بنظرة عاتبة حملت الكثير من الخزي قبل أن تشبك كفيها لتغمغم مطرقة الرأس:
_أنا لبست الحجاب بعد طلاقي من رامي ...لبسته عشان كرهت جسمي وشعري ...وقلعته بعد طلاقنا كإني كنت عايزة أقول للناس مش انتو شايفينني وحشة ؟! أنا أهه وحشة .
شعر بالألم من كلماتها وهو يحس أنه كان ندبة في قلبها كما كان ذاك الوغد زوجها السابق ...
لكنه حاول تخطي مشاعره السلبية فاقترب منها ليرفع وجهها نحوه متسائلاً باهتمام :
_وعايزة ترجعي تلبسيه ليه ؟!
فرفعت رأسها لأعلى لتقول بإحساس صادق:
_فاكر الليلة اللي خلتني فيها أصلي؟! ساعتها حسيت إني طول عمري كنت بجري بسرعة قوي بس في الاتجاه الغلط ...كل همي كان صورتي قدام الناس ...قدام بابا ...قدام نفسي ...ووسط كل ده تاهت أهم صورة ...صورتي قدام ربنا !
ارتجفت شفتاه بابتسامة إجلال وهو يميل عليها ليقبل وجنتيها بعمق قبل أن يحيطهما بكفيه هامساً :
_فاكرة يوم ما قلتلك ...إنك جميلة قوي ...جميلة لدرجة إنك بتخللي كل حاجة حواليكي جميلة زيك ...حتى أنا ؟!
_لسه جميلة ؟!
تهمس بها بمزيج من حسرة وألم لتمنحها شفتاه جواباً طويلاً مفصلاً ...قبل همسه الصريح :
_كل يوم بتبقي أجمل .
فالتوت شفتاها بابتسامة ساخرة مع إشاحتها لوجهها بقولها مشيرة لتغيره :
_مش بقوللك لازم أقابل ياقوت دي ؟! دي معجزة لازم تدرس!
_لا معلش ...احنا الشقاوة كانت فينا بس ربنا كان هادينا !
هتف بها مشاكساً لتبتسم ابتسامة رائقة نوعاً بينما يجذبها نحو الخارج ...
وقفت خارج الشاليه بتردد ترمقه بنظرة مشتتة فأحاط كتفيها بذراعه قائلاً بحنان :
_مش عايزة تمشي؟!
_خايفة !
همست بها مغمضة العينين لتردف بنبرة مرتجفة :
_خايفة يكون ده كله حلم أفوق منه أول ما أخرج من هنا .
فارتفع حاجباه بتأثر ليشدد ضغط ذراعه الرفيق حولها جاعلاً إياها تفتح عينيها من جديد ليهمس بحنانه الحازم:
_احلمي زي ما تحبي وانتِ مفتحة أو مغمضة ...المهم تكوني متأكدة إننا مش هنفترق تاني أبداً .
فازدردت ريقها بتوتر لتقول بعينين دامعتين :
_هاطلب منك طلب ...أرجوك نفذه .
منحتها عيناه وعده فأردفت بسرعة :
_مش عايزة نرجع بيتنا دلوقت ...مش قادرة.
عقد حاجبيه بضيق للحظة لتغمض هي عينيها هاتفة بانفعال:
_أرجوك يا يامن لسه مش متقبلة الفكرة ...أنا حاسة إني واقفة على رجلي بالعافية ...مش هاقدر على أي ضغط تاني ...مش هاستحمل أرجع البيت اللي ...
قاطع عبارتها بمس أنامله الخفيف لشفتيها وقد تفهم إعصار المشاعر الذي يعصف بها ليطرق برأسه قليلاً قبل أن يرفعه فيمط شفتيه بقوله :
_ده دعا الحاجة أم يامن ...طلبتها ونالتها ...هنروح نقعد عندها .
_مين الحاجة أم يامن ؟!
سألته باستغراب حقيقي ليبتسم من ردة فعلها فهتفت باستنكار:
_لا ! بيللا بقت الحاجة أم يامن ؟! هو أنا غبت كتير قوي كده ؟!!
_يوووووووه ...ده انتِ فاتك الماستر سينز كلها !!
هتف بها بمرح وهو يتحرك بها نحو سيارته التي فتح لها بابها قبل أن يستقلها جوارها لينطلق بها في طريق العودة ...
حيث وجدت نفسها تستسلم للنوم كعادتها مؤخراً ...
نوم لم تستيقظ منه إلا عندما شعرت بتوقف السيارة أمام بيت نبيلة ففتحت عينيها بصعوبة لتغمغم :
_وصلنا؟!
_بتنامي كتير قوي !
قالها بنبرة مرحة وهو يرصف السيارة فهزت رأسها يميناً ويساراً لتقول بصوت ناعس:
_الحمل جاي معايا بنوم...ماشفتنيش الأيام الأولانية ماكنتش بقوم أصلاً.
نبهته عبارتها أنه لم يعش معها تفاصيل هذا الحمل من بدايته فعقد حاجبيه يسألها بإشفاق:
_كانت أيام صعبة ؟!
سؤاله جعلها تستعيد وعيها كاملاً لتتأوه بخفوت قبل أن تشيح بوجهها مجيبة :
_كل الأيام اللي فاتت كانت صعبة ...كلها كانت صعبة قوي !
ربت على كفها برفق فيما يشبه الاعتذار قبل أن يغادر السيارة ليفتح لها الباب ويتجه معها إلى شقة نبيلة التي لم تكد تفتح الباب وتراها حتى أصدرت صيحة دهشة قبل أن تجذبها بين ذراعيها لتجهش في البكاء فجأة في رد فعل عفوي حنون جعل ياسمين هي الأخرى تنخرط في نحيب مرتفع ...
قبل أن ترفع عينيها نحوها ببعض الحيرة ...
بيللا تغيرت حقاً !
وجهها الخالي من الأصباغ يبدو أكبر عمراً لكنه أكثر عفوية...حناناً ...وحكمة !
حكمة ربما أدركتها من يقينها أنها عاشت عمرها تعدو خلف سراب وقد آن الأوان لتغيير المسار ...
لهذا لم تتعجب فورة حنانها وهي تربت على ظهرها قبل أن تحيط بطنها بكفيها هاتفة :
_بطنك صغيرة كده ليه ؟! حامل في كتكوت ؟!
ابتسمت ياسمين وسط دموعها ليهتف يامن جوارهما :
_قوليلها ...هتفضحني ...أبقى راجل محترم طول بعرض شبه القرش وبنتي "بسارية " سفيفة كده !
فابتسمت نبيلة وهي تمسح دموعها لتتحرك وهي تضم ياسمين بذراعها لتدفعها برفق نحو أحد الأرائك قائلة :
_اعملي حسابك مش هاتخرجي من بيتي إلا ع الولادة ...وتسلميني البنت خمسة كيلو كده .
لكزها يامن في كتفها بخفة معترضاً لتهتف به :
_انت تسكت خالص ...تسلمني حفيدتي أسلمك مراتك .
_أشكو إليك !
هتف بها يامن وهو يرفع كفيه للأعلى فأزاحته نبيلة جانباً لتجلس جوار ياسمين تضمها لصدرها وتعزيها في مصابها بكلمات مناسبة...
بينما تلفت هو حوله أخيراً قبل أن يسأل والدته باهتمام مشوب بالضيق:
_داليا فين ؟!
_في أوضتها ...بالراحة عليها يا يامن ...هي عارفة غلطها ومكسوفة منك .
لكنه مط شفتيه باستياء ليتوجه نحو غرفة داليا التي طرقها هاتفاً :
_افتحي يا عروسة الهنا ...ياللي رافعة راسي دايماً ومشرفاني.
ترددت داليا قليلاً وهي تسمع الجلبة من الخارج لكنها حسمت أمرها لتفتح الباب وتواجهه بقولها الهادئ:
_حمداً لله ع السلامة...هاروح أعزي ياسمين .
_سيبك من ياسمين دلوقت وفهميني اللي بيحصل عشان هاتجنن من ساعة اللي حصل.
هتف بها بصرامة وهو يدلف لداخل الغرفة فرفعت رأسها لتقول ببساطة مصطنعة :
_صاحبك خطبني وأنا وافقت ...إيه الصعب في كده ؟!
رمقها بنظرة متفحصة طويلة ثم عاد يقول لها ملوحاً بسبابته :
_ده كتب كتاب مش هزار ...انتِ متأكدة إنك موافقة ؟!
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها إيجاباً فزفر بقوة وهو يشعر أن ثمة شيئ ما هنا خطأ !!
لكنه يدرك أن هذه العنيدة لن تمنحه تفاصيل يريدها لهذا فضل أن يكون طريقه مع مروان ...
لهذا تقدم منها خطوة ليقول أخيراً بنبرة لانت نوعاً :
_أنا مش قلقان من مروان ...أنا عارف إنه هيحافظ عليكي بروحه ...أنا كل قلقي منك انتِ...متأكدة إنك عايزاه ؟!!
عضت شفتها بقوة ووجنتاها تحمران بخجل منحه الجواب الذي يرتجيه فخبطها بخفة على رأسها مع هتافه النزق:
_وش كسوف قوي...اطلعي ياللا لياسمين ...ولنا كلام تاني بعدين!
======
_كنت عند ياقوت بتعمل إيه ؟!
سأله زين مباشرة بصوت محايد لم يعبر عن بركان صدره الذي أشعلته تلك المرأة بعد آخر مواجهة بينهما ...
هذا البركان الذي استشعر رائد لهيب حممه وهو يقف أمامه في مكتبه ...
رائد الذي لم ينقصه الذكاء هاهنا وهو يدرك أن سؤاله عن ياقوت يفوق بكثير ما يمكن أن يرتجيه منها كطبيبة ...
زين يريدها كامرأة !
وفي ظل علمه برغبته في الزواج من ياسمين ذو الفقار فماذا تكون ياقوت بالنسبة إليه ؟!
مجرد امرأة يريد استكشافها قبل أن يلقيها بعرض ذراعه خلف ظهره وهو يرى فيها صورة من زوجة أبيه !!
لكنه لن يسمح له ...
حتى ولو اضطر للعب بصورة قذرة !!
_كنت بطمن منها على همسة !
قالها بنبرة تعمد أن تخرج مرتبكة مهزوزة لتعطي زين الانطباع الذي جعله يضيق عينيه ليعاود سؤاله بنبرة أكثر حدة :
_أنا مش لسه هاعرفك النهارده ...فيه حاجة بينك وبين الست دي بتحصل من ورا ظهري ...انطق !
ضاقت عينا رائد وشعوره السابق يخالجه شعور جديد آخر بالخوف ...
زين !
ماذا لو أوصلته شكوكه لمعرفة حقيقة زواجه بهمسة ؟!!
لو علم عن الأمر فسيحرمه منها للأبد !!!
لهذا اتخذ قراره سريعاً ووجهه يستعيد قناعه المعدني بقوله :
_عندك حق ...بصراحة ...عايز أتجوزها.
اتسعت عينا زين بصدمة مع هذا الاعتراف المفاجئ ...
لقد توقع مراوغة...إنكاراً ...نفياً لهذا الهاجس الذي ينخر بروحه ...
لكن أن يلقيها في وجهه هكذا بهذا الوضوح !!!
_وهمسة ؟!
قالها بنبرة متهدجة من فرط انفعاله ليجلس رائد أمامه على كرسي المكتب مطرقاً برأسه مع جوابه بنبرته المحايدة :
_همسة بقى لها كام سنة حالتها مابتتغيرش ...محدش يقدر يلومني لو فكرت أكمل حياتي ...أنا مابقتش صغير .
احمر وجه زين بغضب نفرت له عروقه لكنه تحكم في نبرات صوته :
_محدش يقدر يلومك ...وكأنك ما كنتش السبب في اللي حصللها !
هنا رفع رائد إليه بصره بحدة مشتعلة وإعصار الغضب يجتاحه ...
هذا هو زين وتفكيره الغاشم !!
هو لا يرى فيما حدث لهمسة إلا خطيئته هو أما ذنب والده فلا يراه ...بل لايريد أن يراه !!
لهذا خرجت حروفه حادة كالشفرة متخللة قناعه المعدني:
_ماكانش ذنبي لوحدي ...عمي الله يرحمه هو اللي ...
_خلاص...انتهينا ...دي حياتك وانت حر فيها !
هتف بها زين بحدة مقاطعاً بقية حروفه لتلتمع عينا رائد بالمزيد من الغضب المكتوم ...
الآن يدعي زين حمية لهمسة ؟!!
طوال هذه السنوات وهو يبعدها عن محيط عالمه مكتفياً بنفيها في غرفتها المنعزلة ...
شاعراً المعرّة من مرضها ونسبها ...
والآن يثور عليه هو ؟!
ولماذا ؟!
لأجل امرأة لا يعرف ماذا يريد منها بالضبط ؟!!
امرأة لا تستحق سوى الشكر بعدما أحدثته من تطور في حالة أخته !!
وأمامه كان زين هو الآخر يحترق بغضبه وهو لا يستطيع تمييز شعوره بالضبط ...
هل هي "الخيبة" من تفلت طريدة مثالية كهذه من شباكه ؟!
هل هي "الحمية" لأجل تخلي رائد عن همسة ؟!
أم هي حقيقة شعوره بأن تلك المرأة خدعته وهي تنصب شباكها حول رائد بعدما يأست منه هو !!!
أجل ...هو ليس أحمق ليدرك أنه ك-رجل- أثار مشاعرها ناحيته من البداية خلف الواجهة المتحفظة التي كانت تبديها ...
لكن هذا تغير عندما علمت عن علاقته بياسمين ...فنقلت رهانها لقريبه بهذه السرعة !!!
أجل ...هذا هو التفسير الوحيد لتصرفها واختيارها للابتعاد بهذه الطريقة الفظة المهينة بعدما كانت قد أخبرته قبلاً أنها لن تترك علاج همسة مهما حدث !!
"الأفعى المتلونة"!!!
صورة مكررة من زوجة أبيه !!!
_بس لما تختار واحدة مش تختار اللي تناسب مقامك ؟!
الازدراء الذي ألقاه بين كلماته استفز رائد ليقول ببطء مستفز:
_وياقوت مالها ؟! دكتورة...شابة...ناجحة ...طموحة...أبوها راجل غني ..و...جميلة .
ضحكة زين العصبية المتهكمة باستنكار قاطعت عبارته ...
فصمت رائد لحظة مدركاً أنه يلعب على الوتر الحساس ليردف:
_جميلة جداً...ماتغركش "الدهولة" اللي هي فيها دي ...الحجاب والنظارة وراهم كتييير .
_وانت شفت اللي ورا الحجاب والنظارة فين ؟!
يسأله زين واختلاج عضلة فكه يفضح شعوره ليتردد رائد قليلاً فيما يفعله ...
حسناً ..."كذبة بيضاء" صغيرة لكنها ستحمي ياقوت من تربص زين بها ...
فهو -كما يعرفه- لن يقترب من حدود امرأة طالما علم أنها تخصه هو !!
لهذا رفع أحد حاجبيه بحركة موحية مع هزة رأس جعلت زين يستشيط مكانه !!
شيئٌ آخر جعل رائد يتطرف فيما س-يقوله- !!
شيئٌ يتعلق بتشفّيه وهو يرى زين بهذه الغيرة التي يوقن أنه لا يريد الاعتراف بها !!!
زين الذي يظن الدنيا كلها في قبضة كفه يطلب فيحظى ...يأمر فيطاع !
شيئٌ يتعلق بغصة في حلقه تتملكه طوال هذه السنوات وهو يعمل معه كذراعه اليمنى لكنه لا يجرؤ على البوح له بحقيقة زواجه من همسة ليقينه بتبعات ذلك !!
شيئٌ يتعلق بوعد منحه لنفسه أنه سيحمي ياقوت من شر تربصه بها !!!
لهذا حسم تردده وهو يستطرد بنبرة تعمد جعلها أكثر ليناً :
_انت مش غريب ...جمالها فعلاً مش عادي...شعرها الأصفر الناعم اللي قصاه قصير ...لون عينيها اللي يجنن بعدما قلعت النظارة ...واللا الحسنة اللي في رقبتها تحت ودنها على طول ...
_كفاية!
صرخ بها زين هادراً وهو يهب واقفاً خلف مكتبه ليردف بازدراء:
_غرامياتك والهانم العفيفة مش موضوع نتكلم فيه .
فتصنع رائد الغضب ليقف بدوره هاتفاً:
_احترمها أكتر من كده ...دي هتبقى مراتي .
رمقه زين بنظرة مشتعلة وقد انفرجت شفتاه يهم بالرد لكنه عاود إطباقهما لتقسو عيناه بنظرة أخيرة منحها له ...
قبل أن تلتوي شفتاه بابتسامة جليدية مع قوله :
_أنا آسف إني انفعلت ...انت أكيد فاهم طبعي ...مبعرفش أتعامل مع المفاجآت .
رمقه رائد بنظرة متوجسة وهو لا يدري ما الذي يكمن خلف عبارته...
ليعاود زين الجلوس مكانه مسنداً ظهره لكرسي مكتبه مع استطراده بنفس النبرة بينما يشبك أصابعه أمام وجهه :
_مبروك يا عريس ...بس أفتكر من النهارده ...ماعادش ليك أي علاقة بهمسة .
اتسعت عينا رائد بصدمة وهو يدرك إلى أي حد سيقوده الحوار ...
لكنه هتف بحدة صارمة :
_همسة لسه بنت عمي ...وعلاجها لو مش مع ياقوت هيبقى مع غيرها ...وزي ما ياقوت احتاجتني ومااتأخرتِش مش هتأخر عن أي مساعدة ممكن أقدمها لها !
رمقه زين بنظرة متحدية طويلة سبقت قوله شديد البرود وهو يتظاهر بالتشاغل في أوراقه :
_مادام احنا في الشغل ...خللينا في الشغل ...
ثم رفع عينيه المشتعلتين نحوه بعبارة حملت ذات البرود :
_سيب كل حاجة لوقتها .
======
خرجت ياقوت من المركز لتتوجه نحو مكان سكنها ...
دوماً ما تعلق حقيبتها في كتفها وهي ترفع رأسها و صدرها في مشية واثقة ...
لكنها الآن تشعر برغبتها في أن تسير وهي تحتضنها منكسة الرأس!
حالة من الإحباط تنتابها ولا تستطيع التحكم بها ...
شعور رهيبٌ بالخواء بعد عودتها لعالمها الروتيني ..."دونه"!
هو -للأسف- ورغم كل شيئ كان قد منح البريق لتفاصيلها الباهتة المتكررة ...
والآن عاد كل شيئ لرتابته الخانقة !
ذهنها الشارد يمنعها ملاحظة سيارته التي تسير خلفها والتي تتوقف الآن جوارها تماماً لتلتفت نحوها غريزياً فتلتقي عيناها بعينيه ...
لهفة صادقة حملتها نظراتها لأول وهلة ولم تتمكن من إخفائها !!
لهفة لم تقرأها عيناه الغاضبتان إلا بمعنى التلاعب!
أنثى أخرى تداري "صدأ" عيوبها خلف بريق كنز مزيف ...
ولن تهدأ ثائرته حتى يمرغ وجهها في التراب!
نظراتها تتحول لعناد ممتزج بكبريائها وهي تشيح بوجهها منتوية المضيّ في طريقها ...
لكن صوت بوق سيارته الذي كاد يصم أذنيها يفضح عناداً ووعيداً !!
فتوقفت مكانها تتمالك مشاعرها المتخبطة لثوانٍ قبل أن تلتفت نحوه ليصلها صوته الآمر:
_اركبي.
حدسٌ بداخلها يأمرها أن تبتعد ...
أن تعدو ...أن تصرخ وتستغيث بأي أحد تختفي خلفه من فورة الطغيان التي تشتعل في هذه النظرات !
لكن كبرياءها الواثق ببأسه....قلبها الساذج باشتياقه ...روحها المعلقة بحلمها ...
كلهم ...كلهم تآمروا ليجعلوها تستقل السيارة جواره ...
_هي وصلت إنك تمشي ورايا في الشارع؟! وقدام المركز؟!
هتافها الفظ لم يحرك ساكناً في ملامحه التي تغلفت بصقيع أجفلها ...
لتكمل بحدة أكبر:
_عارفة إن اللي زيك عندهم حساسية لكلمة "لأ" لما بتتقال لهم ...عندهم هوس إن الدنيا كلها اتعملت عشانهم ...بس معلش ...تعال على نفسك المرة دي وافهم إن فيه ناس سككهم مقفولة ...عنيهم مليانة ودراعهم ما بيتلويش!
صقيع ملامحه لم يتبدل لثانية أمام سيل كلماتها حتى إذا ما انتهت مد أنامله ليغلق نوافذ السيارة أوتوماتيكياً قبل أن يقوم بتشغيل شيئ ما على الشاشة الصغيرة المعلقة في السيارة أمامهما ...
قلبها يخفق بهلع لأول وهلة وهي ترى نفسها سجينة معه هنا ...
قبل أن تنتبه لما تعرضه الشاشة ...
لجين !!!
ما الذي تفعله في هذا البيت الفخم ؟!
لاريب أنها ذهبت لأخذ عينة ما ...
أجل ...أجل ...
ها هي ذي تفعلها ...
المرأة تبدو راضية عنها لكنها تعطيها ظهرها لتبتعد لبضع دقائق ...
رباه !!!
هل تفعل لجين هذا حقاً؟!
تقترب بوجهها أكثر من الشاشة كي تتمكن من التمييز...
لا ...لا ...مستحيل !!
لجين تسحب شيئاً ما لا يمكنها تمييزه لتخفيه في جيبها قبل أن تعود المرأة لتعطيها بعض المال غافلة عن فعلتها وتتركها كي تنصرف ...
لجين تسرق!
_مستحيل ...مستحيل ...الفيديو ده متفبرك ...أختي ما تعملش كده !
انفعالها العصبي الهستيري يربكه للحظة !!
أحقاً لا تعلم ؟!
أم أنه مجرد دور تكميلي لتمثيلية "البريئة" التي تؤديها بإتقان ؟!!
لا يهم ...لم يعد يهم !!
"الطريدة" سقطت في الشرك ولن يسمح لها أن تفلت!
_مش أول مرة ...كذا بيت م اللي دخلتهم اشتكى من اختفاء حاجات منه بعد ما بتخرج...قدموا شكاوى كلامية للمعمل القديم اللي كانت بتشتغل فيه وهناك لفتوا نظرها بس هي أنكرت ...لغاية ما ظهر الفيديو "الحقيقي"ده ....
ضغط حروف كلمته الأخيرة داحضاً أي إنكار من جهتها لتتسع عيناها بارتياع مع استطراده :
_والنهارده واحد ابن حلال قدر يقنعهم يقدموا بلاغات رسمية ...مستقبل البنت هايضيع!
قالها بأسف مصطنع وعيناه تترصدان انفعالاتها التي تصاعدت حد أنه كاد يسمع صوت خفقان قلبها مع أنفاسها اللاهثة ...
تنقل بصرها بعدم تصديق بينه وبين الشاشة ...
هي تعلم أن لجين تركت العمل في المعمل القديم حقاً والتحقت بآخر ...
لكن ...هل كان هذا هو السبب؟!!
تناولت هاتفها بسرعة لتتصل برقم لجين بأنامل مرتجفة ...
_اسمه إيه صاحب البيت ده ؟!
تسأله هو بصوت مرتعد دون أن تقوى على رفع عينيها نحوه ليمنحها الاسم ...
ولم تكد تسمع صوت لجين حتى هتفت بها دون مقدمات :
_انتِ رحتِ بيت واحد اسمه "....." قريب تسحبي منه عينة وخدتي حاجة من هناك ؟!
صمت لجين يطول قبل أن تصلها شهقات بكائها في جواب لا يقبل الجدل ...
لكنها عادت تسألها بنفس الارتعاش:
_قولي إنك بريئة يا لجين ...قوليلي الحقيقة وأنا هاخرجك منها ...قولي بسرعة حرام عليكي ...ستك ثمر هتموت فيها ...
لم تستطع منع غصة حلقها في عبارتها الأخيرة ونحيب لجين المرتفع على الجانب الآخر من الاتصال يمزق قلبها مع اعترافها المشين أخيراٌ أنها فعلتها !!
لجين تسرق؟!
لجين تربية الحاجة ثمر؟!!
ماذا سيقول أهل القرية لو عرفوا؟!
ذنب أمهما القديم سيعود يطفو على السطح !!
_"بنت الخاطية حرامية وهتبقى رد سجون"!!!
تكاد تسمعها بأذنيها تدوي كالرعد !!!
اسمها واسم شقيقتها سيكونان في الوحل!!
لكن كل هذا لن يساوي شيئاً أمام اثنين ...
حسين...وثمر!!
الأول الذي عاشت عمرها كله كي تثبت له أنهما تكبران "بدونه"...
والثانية التي ستعيش ما بقي من عمرها كي تثبت لها أنهما لن تكبرا "بدونها"!!
والآن ؟!
الآن!!
أغلقت الاتصال بذات الأنامل المرتجفة لتشيح بوجهها نحو النافذة المغلقة ...
صوتها المتحشرج بغصته يجاهد للخروج:
_افتح الإزاز .
_لما نتفق الأول!
تضغط شفتها السفلى بقوة لترفع رأسها لأعلى في واقعة ذكرته ب-ياسمين- في موقف مشابه !!
هذه امرأة لا تنكس رأسها كما يبدو ...
لكنه سيجعلها تفعل!!
الخاطر الأخير يجعله يشعر بالسوء من نفسه ...
لكنه لا يستطيع مغالبة هذا الطوفان من المشاعر الذي يجتاحه نحوها ...
يستعيد كل كلمة قالها رائد فتنفجر ألغام روحه واحداً تلو الآخر ...
ما الحد الذي وصلت إليه علاقتها مع رائد كي يتخلى عن همسة لأجلها؟!
كيف عرف عن لون شعرها وبعض وصف جسدها ؟!
ما الذي كان يدور بينهما خلف جدران بيته ويتهامسان لأجله بالأسرار؟!
إذا كانت شقيقتها لصة فماذا تكون هي؟!!
_طلباتك ؟! عايزني أعالج أختك بالعافية ...واللا أشهد زور على يامن ؟!
تقولها بصوت لايزال مرتعداً مبحوحاً والمفاجأة تلجم عقلها ...
لكنه يفجر المفاجأة الأكبر بمنتهى الجرأة :
_ليلة !
تشهق بارتياع للمعنى الذي وصلها واضحاً دون تأويل قبل أن يرتفع كفها نحو وجنته صارخة :
_ياحقير ياسافل !
لكنه يمسك كفها بقوة يمنعها مع عبارته بين قسوة وبرود :
_أفتكر كده وصلنا لحل في دراعك اللي مابيتلواش.
الدموع تتكاثف في عينيها فتعميها عن الرؤية لكنها تستدعي أقصى تماسكها خشية انهيارها أمامه ...
لن تسمح أن تظهر بمظهر الذليلة ...
لكن ...
هل بقيت لديها حرية القرار؟!!
نفضت كفها منه بسرعة وهي تشيح بوجهها محاولة التقاط بعض الهواء ...
هنا فتح هو زجاج السيارة وكأنما شعر أنه أحكم تماماً إغلاق الشباك...
طريدته لن تعود قادرة على الهرب!!
أخذت نفساً عميقاً تحاول السيطرة على بكائها وهي تفكر بأقصى سرعة في حل ...
أي حل ؟!!
هذا رجل بلا ضمير ...
يقايضها بشرفها على مستقبل أختها ...
وليتها أختها فحسب ...بل ثمر !!
كيف لهذا الوحش أن يكون الرجل الذي تمنته يوماً كحلم ؟!!
كيف خدعها ذكاؤها في تصنيفه ؟!
كيف؟! كيف؟!!
صدقت ثمر في قولها ...
(الناس اللي زي دول ما بيبصوش للي زينا إلا نظرة واحدة ما بتتغيرش)
الدموع تعاود سكب الحسرة الذليلة في عينيها ...
لكنها تبتلع غصة حلقها لتقول أخيراً دون أن تنظر إليه :
_موافقة .
عيناه تضيقان بين شك وظفر وشعور آخر -غريب- بالضيق من موافقتها على أمر كهذا ...
هل كان حقاً مخدوعاً فيها إلى هذا الحد ؟!!
_بس بعقد جواز .
ضحكة قصيرة متهكمة تجتاح شفتيه كجواب على عبارتها فالتفتت نحوه لتهتف بشراسة فتية :
_انت فاكر إني هاطاوعك عشان أحمي عيلتي من فضيحة فأقوم أورط نفسي في فضيحة تانية ؟! عيب على ذكائك يا بيه !
_وانتِ فاكرة إن قدامك اختيار ؟! لو ما وافقتيش بكرة الصبح هتبقى أختك في النيابة !
فاغتصبت ابتسامة متحدية لتهتف بانفعال دون وعي:
_لما يقولوا أختها طلعت حرامية أحسن ما يقولوا طلعت خاطية زي...
قطعت عبارتها عندما استحكمت غصة أخرى حلقها جعلتها تشيح بوجهها من جديد فعقد حاجبيه بقوة وهو يشعر بالتعاطف يتسرب إليه نحوها ...
لا !!
لن يسمح به !!
لن يسقط في شرك امرأة كهذه كوالده !!
تراها خدعته وقتها بهذه الصورة الملائكية التي تبدو عليها هذه الآن؟!
بالقناع المتعفف القنوع مدعي الشرف؟!!
إنها حتى لم تنجح في إخفاء لهفتها على ماله منذ أول يوم لقيها فيه !!!
بريق الطمع في عينيها لا تخطئه عين مبصر ...
والآن تريد عقد زواج ؟!!
_جواز إيه يا شاطرة ؟! لما أحب أتجوز أتجوز واحدة زي ياسمين ...اللي زيك أصطادها وبس!
يقولها قاهراً لنفسه قبلها غير قابل لتأرجح مشاعره الذي يراه -بغريزة الصياد- مخزياً لرجل بتاريخه ...
يقولها فتذبحها ...تسفك دم عزتها التي عاشت هذا العمر تبني هرمها!
لكن إجابتها تصله قاطعة وهي تضع كفها على مقبض الباب تأهباً للمغادرة :
_معنديش كلام تاني !
هنا يضع كفه على كفها يمنعها الخروج فتلتفت نحوه لتلتقي عيناها بعينيه ...
قمتان من عناد وتحدٍّ...
لن تستطيل إحداهما شبراً إلا وتجد الأخرى تناطحها ...
الثواني تمر ولا يزال كفها أسير كفه ...
نظراتها أسيرة نظراته ...
فقط روحها الفتية كانت تحلق حرة في محيط ذهنه تزلزل الأرض تحت قدميه وتهدده ...
شباكك ستعود خاوية !!
لهذا عض على جانب شفته السفلى ليقول أخيراً بنبرته المهيمنة :
_ماشي بس بشرط ...
ثم أمال وجهه ليردف:
_الليلة دي!
اتسعت عيناها بارتياع وهي تشعر كفأر سقط في مصيدة !
الوغد !
إنه حتى لا يترك لها فرصة الاستغاثة بأحد !!
لكن ...هل يمكن أن يغيثها أحدهم ؟!
ربما ...رائد !!
أجل ...هو وعدها بمساعدة !!!
لكنه هو الآخر كان يدرك أن خير وقت لاصطياد الفريسة وهي لاتزال تترنح بأول صدمة ...
لهذا لم يترك لها حرية القرار وهو يترك كفها أخيراً ليعاود تشغيل سيارته منطلقاً بها نحو أقرب مأذون !
تريد عقد زواج فليكن ...
مجرد ورقة لن تجرؤ هي على استخدامها ...
ولن يكلف نفسه مشقة تذكرها بعدما ينال ما يريده ويكسر أنفها هذا !!
=======
العالم يدور بها في دوائر والصدمة التي تلقتها على رأسها تفقدها النطق!!
عيناها تراقبان أناملها التي أمسكت بالقلم منذ دقائق توقع عقد زواج !!
زواج ؟!
هل أنتِ حقاً بهذه الحماقة ؟!!
هل كتب عليكِ القدر أن ترثي وزر أمك ؟!
ألا يشبه عقدك المزعوم هذا نفس العقد الذي وقعه رجائي ؟!
ألا يشبه زين هذا والدك ؟!
ما الفارق؟!
أحدهما وقعه بعد نيل غرضه والثاني قبلها ...
وفي الحالتين ...المراد من المرأة واحد !!
ابتسامة ساخرة تترنح على شفتيها الذبيحتين ...
آآه !
طوال هذا العمر وأنتِ تتدللين على الخاطبين !
الطبيبة الماهرة الذكية تستحق الأفضل!
ياقوت لن تكون أشواق أخرى ...
يا مغفلة !
في قانون هذا العالم أنتما سواء!!
وجوارها كان هو يقود سيارته نحو شقة بعينها يملكها ...
من الجيد أنها اقترحت شأن "ورقة" الزواج هذه...
فلا يريد قضاء الوقت في تأنيب ضمير!!
ضمير؟!!
الكلمة على بساطتها تخزه بقسوة وهو يختلس نظرة نحو جانب وجهها المصدوم ...
هل ظلمها ؟!!
لا ...لم يفعل!!!
هو لم يجبر شقيقتها على السرقة ...
هو فقط استغل الفرصة كعهده كي يحكم الشباك !!
الشباك التي نصبتها هي على قريبه وجعلته يتخلى عن همسة لأجلها !
لكن ...هل يكون من العدالة ليعترف أنه لا يحنقه تخلي رائد عن همسة بقدر ما يشعله "المعنى الحقيقي" لهذا ...
رائد أحبها !!
_وانت مالك ؟! حتى لو حبها ...تتدخل انت ليه ؟!
_وأسيبها تضحك عليه ؟! أنا مش مغفل ...أنا كنت حاسس إنها معجبة بيا أنا ...قبل ما تعرف حكاية ياسمين ...نقلت العطا بسرعة عليه كده ؟!
_عمرها ما شاغلتك ولا عملت حركات الستات إياها...بالعكس ...كنت دايماً شاهد إنها ماشية زي الألِف.
_والألِف اتعوج مع رائد ! شاف شعرها وجسمها فين ؟!
_مش يمكن راح يزورهم في بيت جدتها وخرجت له بشعرها ؟!...عروسة وبتقابل عريسها !
الخاطر الأخير من خواطره التي تصارع بعضها بعضاٌ يشعله بغيرة تجعله يقبض كفيه على المقود أكثر !!!
هو لم يكن يوماً عاجزاً عن فهم تناقضات شعوره كما الآن !!!
فقدان السيطرة هذا يثير جنونه !!!
لماذا لا يفرح هذه المرة فحسب؟!
لماذا لا يستلذ بانتصاره وكفى؟!!
انقطعت أفكاره عندما وصل للمكان المنشود فأوقف السيارة لتفيق هي من غفوة شرودها وترمقه بنظرة يقسم أن لم يرَ مثلها من قبل !!
نظرة اخترقت قلبه من فرط ما فضحت انكسار روحها ...
لكن عينيها للعجب كانتا تنبضان بهذه العزة التي سكبت العلقم في شهد انتصاره ...
_إيه يضمن لي إن لجين تخرج منها وماعدتش أشوف وشك تاني؟!
_قوليلي انتِ ...تفتكري واحد زيي بعد ما ياخد اللي هو عايزه منك هايحتاج ليه يبص لك تاني ؟!
كان يتعمد إهانتها لعله يطفئ شعلة الاعتزاز المقيتة هذه في عينيها ...
لكنها ازدادت حدة وهي تعاود السؤال بنفس النبرة :
_ماجاوبتش على سؤالي ...إيه يضمن لي؟!
_مفيش غير كلمتي!
_كلمتك ؟!
بمنتهى الاحتقار نطقتها كأنها تبصقها في وجهه لتردف :
_هو لو اللي زيك له كلمة واللا شرف...كنت بقيت أنا في موقف زي ده ؟!
كز على أسنانه بغضب وهو يشد قبضته حتى ابيضت مفاصله ليهتف وقد فقد أعصابه :
_قلتلك بكرة البلاغات هتتسحب وكل واحد هيروح لحاله .
رمقته بنظرة أحرقته ثم أشاحت بوجهها تخفي نحيب روحها الذبيحة ...
ولو في أسوأ كوابيسها لم تتصور أن تنتهي حياتها هكذا !!!
أجل ...انتهت حياتها !!!
فلا تظنها بقادرة على الخروج من هذا الكابوس بعد الآن ...
لكنها ستفعلها ...
لأجل ثمر ...
لأجل لجين ...
لأجل ألا تنكسر هامتهن أمام حسين !!
ليلة واحدة تقضيها كجارية ...
ثمن باهظ لكنه بخس حقاً لو قارنته بكل ما سبق!!
تغادر السيارة معه نحو شقته العلوية التي فتحها أخيراً ليدخلا ...
قلبها يتواثب في صدرها كالمجنون لكنها تحاول التماسك ...
اعتبريه حلماً ...كابوساً تستيقظين منه على رقية ثمر ...
ليلة...بضع ساعات ...
لا تفقدي قوتك ...تماسكي ...
_أهلاً زين بيه....مستنية من بدري .
تشهق بفزع وهي تكتشف وجود المرأة في الشقة ...
من هذه ؟!!
والجواب يأتيها منه كأقسى ما يكون ...
_روحي معاها ...هي عارفة شغلها .
تلتفت نحوه ببطء ...
ولو في أقسى توقعاتها لم تنتظره بهذه الحقارة ...
كأنما يخبرها أنها لا ترقى إلى أن يمسها دون تجهيز!!
الجارية يجب أن تُعدّ للسيد !!!
حاجز آخر من حواجز تماسكها ينهار وشفتاها تنفرجان ...
ظنها ستعترض ...ستسبه ...
لكنها لم تنطق بكلمة وعيناها تزيغان في الفراغ ...
السكين ...
الجلباب الأحمر ...
الوشاح الممزق ...
السكين ...
الأصابع الغليظة ...
الصوت الثمل ...
السكين...
الساعة المكسورة ...
السجادة المنقوشة بلون الدم ...
السكين ...
السكين ...
السكين !!!
الدموع تملأ عينيها والشعور بالمهانة يمزق كيانها ...
خنجر تلو خنجر تلو خنجر...
هل تلومه ؟!
ماذا رأى منها سوى ابنة ظالم ...
ابنة خادمة زانية ...
وشقيقة سارقة ؟!!
لماذا يرى فيها الأفضل؟!!
بل لماذا ترى هي في نفسها الأفضل؟!
_يااااااه....معقول كل العمر ده عايشة في وهم ؟! بحارب طواحين الهوا؟! ببني بيت عمري ماهاسكنه ...لأن اللي زيي كبيرها تحلم ...وبس ...
كلماتها تتفجر بين حناياها كشظايا ...
تسلب منها روحها لتذرها جسداً خاوياً يتحرك بلا حياة...
تسير خلف المرأة كشاة يسوقونها للذبح ...
تخلع عنها ملابسها فيكون آخر ما تتعلق به عيناها "ورقة العشر جنيهات" المغلفة والتي سقطت مع آخر قطعة من ملابسها ...
وسقط معها حاجز آخر من حواجز مقاومتها ...
تشعر بالمرأة تدهن لها جسدها بشيئ ما ...
تتعامل معها كما يفترض بعروس ...
لكنها وحدها تدرك أنها لم تعد تزيد عن جارية !
كل المشوار الطويل الذي سارته وحدها ...
كل عمل شريف بحثت عنه من صغرها كي تكتسب المال والقوة ...
كل درس ذاكرته...
كل شهادة حصلت عليها ...
كل مريض عاملته ك"روح متعبة" تريد لها الخلاص لا مجرد "حالة مؤقتة" تريد منها الثمن ...
كل كلمة ثناء سمعتها ...كل طموح سعت إليه ...
كل نجمة تمنت لمسها ...وكادت !
الآن ...كل هذا ...مجرد هباء تذروه الرياح ...
"بنت أشواق" لم تبتعد كثيراً عن مصير أمها ...
وهي الساذجة التي كانت تظن نفسها ستغير العالم !!
تشعر بالمرأة تدفعها نحو حوض الاستحمام ...
تريق عليها الماء ...
الغريب أنها لم تكن تشعر بخجل!!!
هذا لم يعد جسدها !!!
جسد ياقوت عفيف لن يمسه إلا رجل ارتضاه قلبها بحق الله ...
أما هذا الجسد فمجرد لقمة مسروقة سينهشها كلب جائع لا هي سدت جوعه ولا هو سيعيدها مكانها !!
وعيها يختار أن ينسحب جزئياً لمكان بعيد ...
حضن ثمر ...
رائحة جلبابها ...
صوت تسبيحها ودعائها ...
وجلسة في حجرها تداعب فيها أناملها شعرها ...
لا بأس!
لمثل هذا هي قدمت هذه التضحية !!
لا تراجع يا باسلة ...لا تراجع ...!!
سيل الماء يتوقف ...شيئ ما يجفف جسدها ...
قميص قصير مغوٍ يسدل فوق "اللقمة المسروقة"...
رائحة عطر كانت لتجدها في موقف غير هذا جيدة حقاً ...
شعرها يجففه جهاز ما لينسدل ب-طوله- على ظهرها ...
وأخيراً وجهها تلطخه بعض الأصباغ ...
المرأة تدفعها برفق للخارج دون كلمة واحدة قبل أن تتركها وترحل ...
لتجده هناك أمام النافذة يعطيها ظهره ...
هو الذي كان غائباً في شروده وهو يشعر بغصة تفسد عليه متعة صيده ...
ماذا تفعل بنفسك يارجل؟!
ما الذي تريده بالضبط ؟!
بالأمس تسعى خلف ياسمين كأنها آخر نساء الأرض ...
واليوم تجذبك هذه المرأة لتخرجك عن طور اتزانك ...
منذ متى تنال امرأة دون رضاها؟!!
هذا ليس صيداً ...هذا اغتصاب!!!
لكن صوتاً غاشماً من الماضي يتدخل ...
هذا ليس صيداً ولا اغتصاباً...
هذا قصاص!!
قصاص من كل امرأة تشبه المسخ الذي طالما أرق مضجعه !!
الغريب أنه لا يشعر بالإثارة كما يفترض لرجل ينتظر امرأة...
لا يشعر بالظفر كما يفترض لصياد التقط طريدته ...
بل يشعر بشيئ من الهزيمة ...
وكيف لا؟!
وهي -ككل ما فيها من استثناءات - تجبره للخروج عن طور اتزانه !!
يشعر بها أخيراً فيلتفت نحوها لتتسع عيناه رغماً عنه ...
صاعقة تضرب "جسده" من فتنة لم يتصورها بهذا الجموح ...
إعصار يعصف ب"قلبه" والنظرة الزائغة في عينيها تعيد قصف ضميره...
لكن ذات الصوت الغاشم من الماضي يناديه ...
هي صورة من نفس المرأة ...
دخلت طامعة ويجب أن تخرج خاوية الكفين !!
لهذا تقدم نحوها بخطوات متئدة وعيناه مثبتتان في عينيها الزائغتين ...
قبل أن تنتقل نظراته بتفحص نحوها ...
مهلاً !!
شعرها ليس أشقر قصيراً بل داكن اللون طويلاً ...
أين هذه الشامة التي تحدث عنها رائد في رقبتها ؟!
رقبتها ناعمة ملساء بلا أي زوائد !!!
تباً لك يارائد !!!
لماذا خدعه ؟!!
لماذا؟!!
مزيج من الغضب الثائر والارتباك يجعل جسده يرتجف بانفعاله ...
فيمسك كتفيها بقوة تجعلها تنتفض مكانها ...
حاجز آخر من حواجز تماسكها يتهاوى لكنها لا تزال تقاوم ...
تجلدي ...!
تجلدي ...!
هو لن ينال "ياقوت"...
هو فقط سينهش "اللقمة المسروقة"...
ياقوت لا تزال هناك في برجها العاجي تنتظر أميراً ينقذها ...!
_عندك خمرة ؟!!
تتمتم بها شفتاها المرتعدتان وعيناها الزائغتان لا تزالان تدوران في محجريهما فتكسو الصدمة ملامحه غير متوقع للسؤال ...
_مش عايزة أبقى في وعيي ...اسقيني أي حاجة أو حتى اضربني لحد ما يغمى عليا ...مش عايزة أبقى في وعيي ...
وكأنما واحدة أخرى هي التي تتحدث !!!
واحدة انهارت" آخر حواجز تماسكها "وهي تنفض ذراعيه عنها لتصرخ أخيراً مكررة :
_مش عايزة أبقى في وعيي ...
ولم تكد تهتف بها حتى اندفعت نحو القائم الخشبي لدولاب الغرفة تخبط فيه رأسها عدة مرات بعنف يكفي لأن تسقط بعدها فاقدة الوعي كما أرادت ...
=======
جلس مروان على سريره عاقد الحاجبين يفكر لا يدري ماذا يفعل ...
لقد اضطر لإخبار يامن بما حدث كي لا يفقد ثقته به من جديد ...
يامن الذي احترم صراحته ليسأله عما ينتويه وكأنه يملك حقاً حرية القرار ...
لقد اتفقا على عقد القران آخر الشهر في تجمع ضيق مراعاة لظروف ياسمين وخوفاً من تفلت الأمر بفضيحة لو تسرب الخبر من ريتال ...
ما أشد بلاءك يا مروان!!!
تحبها طوال هذا العمر وتتزوجها خشية الفضيحة !!
لكن هذا لم يكن ما يؤرقه ...
بل امتناعها عن الرد على اتصالاته طوال الأيام السابقة !!
يعلم أن كلماته كانت قاسية يومها لكنه لايزال لا يفهم ...
ما الذي دفعها لهذا ؟!!
بعد كل هذا الوقت الذي كان يحكم فيه السيطرة على جنونها تتفلت من بين يديه هكذا فيصير لا يعرف شيئاً عن أفكارها ...
ربما هذا ما يفتت فرحته بأنها ستصير له قريباً ...
من يدري بماذا تفكر هذه المجنونة الآن ؟!!
لماذا لم يحاول رؤيتها؟!
ربما تحرجه من يامن بعدما روى له عن تصرفها المجنون ...
وربما خشيته من مواجهتها هي بعدما كان ...
لن يتمالك نفسه لو رآها هذه المرة ...
لهذا انعقد حاجباه أكثر وهو يعاود الاتصال بها لكنها لم ترد كالعادة ...
منظرها الباكي الذي غادرته به آخر مرة لا يفارق مخيلته ...
شحوب وجهها وصدمتها بكلامه الجارح وقتها ...
لكنها للعجب وافقت على إتمام عقد القران !!
ماذا تراه يدور في عقلها هذه المجنونة ؟!!
_بلائي وابتلائي أقسم بالله !
هتف بها بغيظ أمام صورتها التي يخزنها سراً في هاتفه قبل أن يزفر بقوة وهو يفكر أن لا حل أمامه سواه !!!
أجل ...بالضبط...العاشق المجهول!!!
هو وحده من يمكنه سبر أغوار هذه "المصيبة" داليا ليرى كيف تفكر !!!
لكن ماذا لو جاء ظهوره بالعكس؟!
ماذا لو جعلتها عودته تصرف النظر عن رضاها بخطبته هو؟!!
_أعمل فيكي إيه بس يا شيخة ؟! هتجلط بسببك !!
يعاود الهتاف بها بغيظ قبل أن يتناول حاسوبه ليضعه فوق ساقيه ...
يتردد كثيراً جاهلاً بتوابع هذا القرار ...
لكنه لا يملك غيره !!
عيناه تتسعان بصدمة وهو يرى كمية الرسائل التي أرسلتها له على هذا الحساب ...
رسائلها الصوتية الباكية ورجاءاتها التي لم تنقطع له أن يعود ...
كل هذا توقف تماماً بعد ذلك اليوم الكارثي لهما في الجمعية !!!
_افتقدتك !
يكتبها أخيراً حاسماً تردده قبل أن يضغط شفتاه بقوة منتظراً ردها ...
وفي غرفتها كانت تراقب رسالته بوجه جامد !
لم يخذلها توقعها أنه سيلجأ ل"العاشق المجهول" كي يطمئن عليها !!
رغم فظاظة كلماته التي ألقاها في وجهها آخر مرة لكنها صارت تدرك أي عاطفة تختفي خلف الواجهة هذه !!
_أخيراً عدت؟!
تكتبها له بالفصحى ليرد :
_اعذريني ...كان رغماً عني ...أخبريني عما جد من أخبارك .
_أنت بالذات ...لا يمكنني إخبارك !
_لماذا؟!
_لأن الأمر يتعلق ب....رجل!
قلبه يخفق بعنف مع كلماتها ليعاود الكتابة لها بسرعة :
_لا تخفي عني شيئاً...احكي باستفاضة كما تعودتِ وأعدكِ بالتفهم...انتظري ...لا تخبريني كتابة ...أريد سماع صوتك .
فابتسمت مكانها وهي ترسل له بصوتها :
_ماعرفش امتى ولا ليه خطفني كده ...ماعرفش إزاي صورته اللي حافظاها من سنين قريبة من عمري اتغيرت في ثواني ...فجأة لقيتني بحبه الحب اللي قلبي قعد طول السنين دي يحوشه ...بحبه وأنا حاساه أبويا اللي بتحامى فيه...وأنا حاساه صاحبي اللي بفضفض له ...وأنا حاساه حبيبي اللي حضنه دفا...
صاعقة تضرب صدره من اعترافها الذي يسمعه من شفتيها بهذا الصدق...بهذه العفوية...وبهذه الحرارة !!
يسترجع مذاق عناقها وهي تحط كطير ملهوف على صدره ...
فيجف حلقه وهو يتمنى لو تعود هذه اللحظة من جديد ...
تعود دون فواصل بينهما ...دون حدود ...دون حواجز ...
تعود وسيريها وقتها أي نعيم يدخره لها بين أحضانه !!
لهذا تردد كثيراً محاولاً اختيار كلماته ليكتب :
_من ؟!
فتتنهد بحرارة وهي تتذكر غلظة كلماته في آخر لقاء بينهما ...
لتثأر بطريقتها في التباطإ بالرد ...
تعلم أن هذا يقتله لكن لا بأس ...فليذق بعضاً مما سكبه في كأسها !!
_من يا داليا؟!
_مروان .
لا تدري هل قالتها -بصوتها -جواباً أم نداء!
اعترافاً أم مناجاة !
كل ما تعرفه أنها لم تشعر براحة في حياتها كما تشعر الآن !
الطير المهاجر الذي طالما جاب الأكوان شرقاً وغرباً الآن يعود لمسقط رأسه !!
سهم بوصلتها المجنون الذي طالما فقد اتزانه الآن يشير للاتجاه الصحيح ...
هو ...هو فقط !!
هو الذي ظل مشدوهاً يستعيد رسالتها الصوتية الأخيرة مع اسمه مرة بعد مرة ...
هل اعترفت بحبه حقاً ؟!
هل قالتها ؟!
هو لايحلم !!
لا يحلم !!
أفاق من سكرة مشاعره وهو لا يدري ماذا يفعل ...
هل يعترف لها بالحقيقة ؟!
كيف سيكون رد فعلها وقتها ؟!
داليا "القديمة" كانت لتثور وتتهمه بالخداع ...
داليا "الجديدة" ماذا عساها ستفعل؟!!
رأسه يكاد ينفجر وهو يعود الاتصال بها ك"مروان" على هاتفها فلا تجيبه ...
ليرسل إليها رسالة نصية :
_ردي ع التليفون .
_لأ ...مفيش بيننا كلام قبل كتب الكتاب .
ترسلها له مكتوبة فيبتسم رغماً عنه وهو يود لو يحطم رأسها "اللذيذ" هذا !!!
يعلم أنها غاضبة منه لكنه يريد أن يسترضيها قبل عقد القران ...
يريد ألا يضيع لحظة واحدة بعدما تحمل اسمه في خصام أو فرقة ...
لهذا لم يجد إلا أن يهاتف يامن ليقول له بسرعة :
_خللي داليا ترد عليا !
_نعم يااخويا ؟!
يهتف بها يامن باستنكار وهو يقلب الهاتف في يده يتأكد من اسم المتصل ليعاود مروان طلبه فيرفع يامن حاجبيه ليهتف مرققاً صوته بتعمد :
_وإيه كمان ؟! قسّم ياسيدي وسمعني .
_يامن ...مش وقت سخافتك ...اقنعها ترد عليا نصفّي اللي بيننا قبل كتب الكتاب .
_حد قاللك إني مرسال الغرام بتاع جنابك ؟! اقفل اقفل معندناش بنات قبل كتب الكتاب ...وماتكبرهاش في دماغي أؤجله ...أنا أصلاً مش بالع إنه ييجي بسرعة كده .
قالها ليغلق الاتصال دون انتظار الرد قبل أن يبتسم ابتسامة واسعة في غرفته التي تقابل غرفة داليا في شقة نبيلة حيث صار يعيش مع ياسمين حالياً ...
_ولسه ! ده ذنب ال"سينابون" اللي وديتني آكله ...ده أنا هاطلعه على دماغك !
هتف بها سراً متهكماً قبل أن يتجه نحو غرفة داليا ليطرق بابها هاتفاً :
_الشحرورة اللي تقلانة ...ردي على تليفونك أو اقطعي علاقتك بيا ...مش بوسطجي الغرام بينكم أنا !
كتمت ضحكتها وهي تدرك السبب فيما يقوله ...قبل أن تقفز من فراشها لتفتح الباب بسرعة هاتفة :
_مفيش بيننا كلام قبل كتب الكتاب ...مش دي الأصول!
فمصمص شفتيه ليقول بنبرته المتهكمة :
_ماشاء الله على الأدب والأخلاق ...ما شاء الله ....هو أنا خلفت إلا داليا ؟!
لم تستطع كتم ضحكتها مع لمعة عينيها التي تأملها هو برضا غامر ...
لا ينكر أنها هي بالذات تحمل مكاناً خاصاً لديه دون شقيقتيها ...
هي حقاً ابنته التي لم ينجبها ...
لهذا تنهد أخيراً بحرارة ليسألها بجدية :
_آخر مرة هسألك يا داليا ...موافقة ؟!
_طب قوللي انت ...ممكن واحدة عاقلة ترفض مروان ؟!
_لا هو أنا ماقلتلكيش ؟! ماانتِ ماطلعتيش عاقلة أصلاً!
هتف بها بغيظ لتستفزه ضحكتها أكثر فعاد يقول لها محذراً:
_لو دي لعبة من ألاعيبك مش هسامحك المرة دي .
_اطمن ...بطّلنا نلعب ...تبنا وأنبنا!
قالتها وهي تبسط راحتها المفرودة على صدرها بخشوع مصطنع ليهز رأسه بشك وهو يسمع صوت هاتفها يرن من جديد فيسألها :
_برضه مش هتردي؟!
_تؤ!
تقولها بإصرارها الطفولي فيزفر زفرة مشتعلة وهو يجد هاتفه هو يرن بعدها باسم مروان ليهتف بغيظ وهو يخرج من غرفتها صافقاً الباب خلفه :
_إلهي تتسخطوا عرس وسحالي ياللي في بالي!
وعلى هاتفها وجدت هي رسالته المكتوبة بعدها ك"مروان" مقلداً لكلمات غنوة قديمة :
أنا منك وأنا ليكي ...
حياتي وعمري في إيديكي ...
ولا جايز ولا يمكن ...
بحبك حب مش ممكن ...
حبيبتي شوفي م الآخر ...
أنا واحد بموت فيكي !
========
على الفراش بنفس الغرفة يجلس جوار جسدها الذي سكن إلا من أنفاسها الهادئة ...
يراقب رأسها بضمادته التي تغطي جبهتها المصابة بعينين غاب عنهما الحقد القديم ليحل محله شعور رهيب بالذنب ...
كيف فقد السيطرة حتى وصل هذا الحد ؟!
كيف أعمته رغبته في تملكها هي بالذات حتى وصل لهذا القاع ؟!!
بل كيف استطاع رائد خداعه هكذا ؟!
ولماذا؟!
جفناها يتحركان فتنتبه كل حواسه وهو لا يدري بأي وجه سيواجهها الآن ...
وجه الصياد الخائب أم وجه المستغفر الراجي ...
كيف لم يعد يفهم نفسه هكذا ؟!!
كيف لامرأة بسيطة كهذه أن تزلزله هكذا ؟!!
بسيطة ؟!
تراها حقاً بسيطة ؟!!
ماذا لو كان لا يزال خلف القناع خفايا ؟!!
خداع رائد لا يعني أنها صافية تماماً من شوائب شكوكه !!!
كل خواطره تتلاشى ...تذوب كالشمع وعيناه تراقبان "خسوف قمرين" في عينيها لم يعودا سجينين خلف نظارة ...
بل خلف ستار غليظ من ألم !!
بينما عقدت هي حاجبيها لأول وهلة وكأنها لا تتذكر أين هي ولا ماذا تفعل هنا ...
قبل أن ينساب السيل الأسود الطاغي من الذكريات ...
تشهق عدة شهقات متلاحقة لترفع الغطاء عنها ...
إنها لم تعد ترتدي ذاك القميص المثير بل عباءة فضفاضة تستر جسدها كله
من خلعه عنها ؟!
والأهم...ماذا فعل بعد خلعه ؟!!
تتسع عيناها بإدراك للخاطر الأخير مع سؤالها المتحشرج :
_كده ...خلاص؟!
لم تكد تنهي حروفها حتى انهمرت دموعها تغرق وجنتيها مع شهقات نحيب مرتفع أشاحت معه بوجهها عنه ...
كز على أسنانه بقوة كادت تحطمها وهو يراقب دموعها بعجب ...
هو الذي لا يكره في المرأة قدر دموعها ...
هو الذي لا يعشق فيهن إلا رحيق قوتهن ...
كيف به الآن يرتجف كطفل مذعور أمام هذه الدموع التي لا تشبهها دموع؟!
كيف ترجه رجاً في مكانه تزلزل قلبه ؟!!
كيف تجتاحه حقيقة أن كل ما فيها ساحر حتى "دموعها"؟!!
لو كان الأمر مجرد شعور بالذنب لمنَحها حريتها واعتذر تاركاً إياها خلفه بترضية مناسبة ...
لكنه يشعر أنه صار مقيداً بها !!!
حقيقة مؤلمة...مؤلمة حقاً لرجل مثله !!
لهذا تحشرج صوته ليخرج مختنقاً رغماً عنه مع جوابه الذي رد إليها -بعض- روحها :
_ما حصلش حاجة...أنا اضطريت ألبسك كده عشان أعرف أجيب دكتور يشوفك .
هنا امتدت أناملها تحت الغطاء خفية تتأكد أنها لا تزال ترتدي هذا القميص تحت عباءتها ...
قبل أن يرتفع كفها نحو ضمادة رأسها لتنفلت منها آهة توجع حقيقية ...
وكأنما هاهنا فقط سمحت لكامل إحساسها أن يعود ...
وعادت معه الدموع أكثر سخونة وخزياً !!!
لم تشعر في حياتها كلها بالإذلال كما شعرت به في ساعاتها الأخيرة !!
ألم يكن حلمكِ أن تتزوجي منه ؟!
هاقد تحقق الحلم ...
افرحي إذن...افرحي!!
وأمامها كان هو يراقب دموعها بعجز شق عليه ليهتف بانفعال غريب على طباعه المرسومة بالمسطرة :
_إيه اللي بينك وبين رائد ؟! إيه اللي يخلليه يخدعني ويفهمني إن فيه علاقة بينك وبينه ؟!
التفتت نحوه بحدة لتهتف وهي تحاول النهوض من رقدتها :
_اخرس! علاقة إيه اللي بيني وبين رائد !
_هو فهمني كده ...وده اللي خلاني زي المجنون عايز أكسر مناخيرك دي بأي طريقة ...كل اللي في بالي إنك رفضتِ علاج همسة عشان تتجوزيه .
هتف بها بنفس الانفعال لتصرخ به بحدة :
_حتى لو أنا بالندالة اللي تخلليني أخون ضميري وأعمل كده ...إيه سلطتك عليا عشان تعاقبني ؟! عشان تدور ورا ستر أختي وتفضحه ؟!
أطبق شفتيه بقوة دون رد ...
لتهز هي رأسها وتردف بنفس النبرة وسط سيل دموعها الذي لم تتمكن من إيقافه :
_أنا سبت علاج همسة غصب عني لأن ستي ثمر حكمت عليا بكده بعدما عرفت حكايتك وأنا ما بكسرش كلمتها ...عارف حكمت بكده ليه ؟! عشان كانت شايفة إن الراجل اللي يبص لحرمة غيره ما يتآمنش على عِرض ...ودلوقتِ بس عرفت إن كان معاها حق!
نفرت عروق جبينه انفعالاً وهو يتخبط بين غضب وخزي ...
جزء -متمرد - بداخله يتمنى الآن لو يصفعها ...لو يخرس لسانها الحاد هذا ...
جزء آخر -حكيم- يريد لو يدافع عن نفسه ...لو يحكي لها كيف يرى الأمر من وجهة نظره ...
وجزء آخر -نادم- يود لو يضمها بين ذراعيه ...لو يجفف دموعها هذه ويسترضيها !!!
أي جنون تثيره هذه المرأة بداخله ؟!!!
أي جنون ؟!!
لهذا هب واقفاً مكانه فجأة بانفعال جعلها تنتفض مكانها خوفاً رغماً عنها في حركة قاتلة لرجولته فزفر بقوة ليبتعد هناك نحو النافذة يعطيها ظهره وكأنما صار عاجزاً عن مواجهتها...
فيما رمقت هي ظهره المقابل لها بنظرة مترقبة قبل أن تحاول استعادة تركيزها ...
أخذت عدة أنفاس متتالية تستجمع الخيوط بذكائها قبل أن تغادر الفراش لتقف متحاملة على آلام رأسها وتقترب منه عدة خطوات ...
_هافترض إنك عملت كده عشان رائد ضحك عليك ...
قالتها بنبرة أكثر رفقاً فالتفت نحوها بحركة حادة غاضبة وكأنما ساءه أن تشير إليه كمغفل ...
فالتقطت الخيط لتردف مصححة بسرعة :
_قصدي استغل حبك لهمسة عشان غرض في دماغه مانعرفوش ...دلوقت انت اتأكدت إنه بيكدب ...خلاص ...كل ده نرميه ورا ظهرنا ...سيبني أنا وأختي في حالنا ...وروح لحالك .
رمقها بنظرة ثابتة طويلة أربكت أنوثتها قبل أن يصلها رده بنبرة حاسمة :
_بيني وبينك همسة .
_يعني إيه ؟! هتخلليني أعالجها بالعافية ؟!
هتفت بها بنبرة عصبية ليرد ببرود قاطع:
_بالعكس ...بشجعك عشان تعالجيها بسرعة ...أول ما تخف هاديكي حريتك .
اتسعت عيناها بارتياع لتهتف باستنكار:
_انت قلت ليلة واحدة !
فأمال رأسه ليمط شفتيه بقوله :
_ده كان قبل ما أعرف الحقيقة .
_آه يا حقير يا ...
انهال سيل من الشتائم عبر شفتيها أخرسه هو بقبضته لتلتقي عيناهما العنيدتان بنظرات من نار ...سبقت قوله الحاسم :
_ده آخر كلام عندي ...علاج همسة قصاد طلاقك .
دمعت عيناها بقهر عبر نظرات تمردها واحتقارها فأزاح قبضته عن فكها لينظر في ساعته قائلاً:
_أنا هامشي دلوقت... لو عايزة تباتي هنا مفيش مشكلة...ولو عايزة تمشي براحتك ...
ثم رفع عينيه إليها ليردف:
_بس هاستناكي هنا بكرة في نفس المعاد ...ومفيش داعي أفكرك إني مش هاسمح باعتراض!
قالها دون أن ينتظر منها رداً ليعطيها ظهره في طريقه للانصراف من الغرفة قبل أن يتوقف مكانه فجأة وكأنه تذكر شيئاً ...
ثم التفت نحوها بابتسامة جانبية ماكرة ليقول من خلف كتفيه :
_لازم أعترف إنك بتعرفي تخبي كويس ...لو كان حد حلفلي إن ورا النظارة والحجاب و"الهلاهيل" اللي بتلبسيها كل الجمال اللي شفته بعيني ده ...ماكنتش صدقته .
ربما في ظروف أخرى كانت لتتلقى عبارته كمديح لجمالها يرفعها لأعلى سماء ...
أو كإهانة لذوقها يخسف بها سابع أرض ...
لكنها الآن لم تكن تحمل له هو سوى شعور غامر بالاحتقار ...
ولنفسها بالإذلال ...
لهذا اقتربت منه بضع خطوات لترد له بضاعته :
_انت كمان بتعرف تخبي كويس ...لو كان حد قاللي إن ورا اللبس الشيك والشكل الحلو واللهجة المحترمة قلب أسود كده ...ماكنتش صدقته !
التمعت عيناه ببريق غاضب للحظات قبل أن تلين نظراته لتتناطح القمتان من جديد بتحدي النظرات والذي سبق قوله قبل مغادرته الغرفة تماماً هذه المرة :
_أشوفك بكرة يا دوك !
=========
فتحت لجين باب مسكنها المشترك الذي تقيم فيه مع بعض رفقتها لتجد ياقوت أمامها ...
الزيارة التي حملت هم قسوتها منذ الأمس ...
والآن تجدها أشد قسوة مما تخيلت ...
العيون تتلاقى في مزيج مختلط من مشاعر صارخة ...
خزي ...لوم ...حسرة ...ألم ...
مزيجٌ زادت حرقته عندما هوى كف ياقوت على وجنتها في صفعة تتلقاها منها لأول مرة في حياتها !!!
هنا لم تملك لجين فيض دموع خزيها التي أغرقت وجهها وهي تتحسس مكان صفعتها لتهتف بين دموعها :
_اضربيني زي ما انتِ عايزة ...بس اوعي تحكي لستي ثمر .
_ستك ثمر ؟! الدنيا كلها هتعرف الخبر مش ستك ثمر وبس !! فيه فيديو متصور وبلاغ هيتقدم للنيابة !!! يا غبية ...ياغبية !!!
ظلت ياقوت تصرخ بكلمتها الأخيرة وهي تمسك لجين من كتفيها ترجها رجاً بينما الأخيرة منخرطة في بكائها الحارق ...
لينتهي المشهد وهي تضمها إلى صدرها بقوة تخبطها بقبضتها على ظهرها مردفة بين دموعها التي لم تملكها هي الأخرى:
_ليه عملتِ فينا وفي نفسك كده ؟! أنا عمري حرمتك من حاجة قلتِ عايزاها وما جبتهاش ؟! كان أهون عليا تقبلي فلوس حسين اللي بيرميهالنا كل شهر عن إنك تمدي إيدك للحرام !
ارتجف جسد لجين بدموعها وهي تخفي وجهها في صدر شقيقتها لتهتف بين دموعها :
_غصب عني .
_يعني إيه غصب عنك ؟! حد بيضربك على إيدك عشان تمدي إيدك لحاجة الناس؟!
صرخت بها ياقوت بحدة وهي تبعدها لتمسك ذراعيها بقوة مردفة :
_ما فكرتيش في ستك ثمر لو عرفت ؟! في سمعتك ؟! في سمعتي ؟! في شماتة حسين فينا لو عرف ؟!
_سهل قوي تلوميني وانتِ الوش الحلو من كل حاجة وأنا الوش الوحش ...انتِ الدكتورة وأنا اللي تعليمي على أده...انتِ القمر اللي بتتدلع ع العرسان وأنا البايرة اللي محدش راضي بيها ...انتِ الشاطرة وأنا الخايبة ...ودلوقت كفة الميزان بتميل بيكي أكتر بعد اللي حصل ...ربنا ياخدني ويريحكم مني ومن حِملي!
هتفت بها لجين بخزي وسط طوفان الدموع لتتسع عينا ياقوت بصدمة من حديثها !!!
هذه المقارنة لم تتم هكذا من قبل في حياتهما أبداً!!!
هل تغار منها شقيقتها؟!
هل تحقد عليها ؟!
إنها لم تحاول يوماً أن تشعرها بهذه الفوارق التي تتحدث عنها ...
تماماً كما كانت لجين نفسها تداري هذا خلف قناع مصطنع من المرح ...
قناع سقط الآن لتبدو القروح الحقيقية لل"بشرة السمراء "...
_لما بعمل كده ماببقاش في وعيي ...ماببقاش شايفة حق ولا باطل ...بعملها وكإني بنتقم من كل حاجة ...م القديم والجديد ...بس عمري ما استنفعت بقرش حرام ...كل حاجة باخدها بلاقيني بعدها برميها ...ببعدها بعيد ...والله العظيم ما بيبقى بخاطري !
اتسعت عينا ياقوت بإدراك وهي تتذكر ما روته لها لجين يوماً عن صديقتها المريضة ب"الكليبتومانيا" ...
كانت تعني نفسها !!!
لجين ليست سارقة ...هي فقط مريضة !!!
لا تدري هل تفرح بهذا الاكتشاف ؟!
أم تبكي حسرة على حظيهما معاً؟!!
لهذا عادت تضمها لصدرها بقوة قبل أن تمتزج دموعها بقولها الغارق بأساه :
_ليه ما قلتليش قبل كده ؟! ليه ؟! للدرجة دي كنتِ شايفاني بعيد ؟! هو احنا لينا غير بعض ؟!!
_حاولت ما عرفتش ! ماقدرتش أزود وَحَاشة صورتي أكتر من كده !
غمغمت بها لجين بين دموعها بنبرة منكسرة لتواجهها ياقوت بقولها المنفعل:
_صورتك مش وحشة ...ولا عمرها هتكون وحشة ...انتِ مش بنت أشواق ولا بنت حسين ...انتِ بنت الحاجة ثمر ...عارفة يعني إيه ؟! يعني ماتمدش إيدها لحرام ...انتِ مش حرامية ...انتِ مريضة ...مرض زي أي مرض هيتعالج وتبقي زي الفل .
ورغم تأثرها بدفاع ياقوت عنها وتفهمها لحالتها لكنها عادت تهتف بانكسار:
_فات الأوان ...مش بتقولي بلاغ ونيابة !
فتأوهت ياقوت بقوة وهي تبتعد عنها لتعطيها ظهرها متذكرة مصيبتها
قبل أن تغمغم باقتضاب :
_ماتشيليش هم ...ربك يدبرها !
_مين اللي قاللك ع اللي حصل ؟! وهتعملي إيه ...عرفيني!
تهتف بها لجين بنفس الانكسار لكن ياقوت تربت على وجنتها التي صفعتها قبل أن تعاود عناقها لتهتف بين دموعها هي الأخرى:
_مش مهم أي حاجة دلوقت ...خللينا نشوف الأول علاج لحالتك دي ...قبل ما ستك ثمر تشم خبر !
==========
وقف رائد في شرفة شقته يتطلع لمظهر الليل الحالك أمامه بيأس!
طالما كانت همسة تخشى الليل ...وكان يسخر منها لهذا ...
كانت تخبره أنها تكره الشتاء بليله الطويل ...فيخبرها أن الليل سمير العاشقين ...ملجأ سرهم ونجواهم ...نجومه شهود عذاباتهم...وقمره القاضي ينظر في حكاياهم ...والحكم دوماً يأتي آخر جلسة لا تنتهي ...لا تنتهي أبداً ...
تنهد بحرارة عند الخاطر الأخير ليقاطع أفكاره رنين جرس الباب ...
والدته نائمة لهذا سارع بفتحه كي لا يقلقها الصوت ...
_زين!
هتف بها بدهشة فهي المرة الأولى منذ عهد بعيد التي يفاجئه فيها زين بزيارة دون موعد ...
زين الذي تقدم بعينين مشتعلتين ليغلق الباب خلفه قائلاً مباشرة دون مقدمات :
_كدبت عليا ليه ؟!
عقد رائد حاجبيه وهو يحاول أن يستشف أي كذبة يقصدها ابن عمه ...
ليتمسك بقناعه المعدني وقوله البارد :
_في إيه بالضبط ؟!
هنا جذبه زين من قميصه بحركة مباغتة ليهتف من بين أسنانه :
_ياقوت!
ورغم الانفعال الذي عصف به لكن رائد حافظ على برود ملامحه مع سؤاله :
_مالها ؟!
_كل الكلام اللي قلته عليها كدب !
فالتوت شفتا رائد بابتسامة ماكرة ناسبت سؤاله وهو يحرر نفسه من قبضتي زين :
_وعرفت منين ؟!!
ضم زين قبضتيه جواره ليرمقه بنظرة خطيرة سبقت همسه :
_ماتلعبش معايا اللعبة دي يا رائد ...انت عارف كويس إنك هتخرج منها خسران .
صمت رائد متفحصاً ملامحه بنفس القناع المعدني الذي تلاشى رويداً رويداً مع استطراد زين الغاضب:
_الوصف اللي وصفتهولها مش صح ...ولا هي ليها علاقة بيك ...يبقى كدبت عليا ليه ؟!
هنا كان دور رائد ليمسك بتلابيبه هاتفاً بانفعال:
_عرفت منين انت إنه مش صح ؟! عملت إيه في ياقوت؟!!
قالها رائد بهلع حقيقي وهو يشعر أنه ورط المرأة بفعلته بدلاً من أن يحميها ...ليهتف زين بحدة :
_مالكش دعوة بيها ...من النهارده مالكش دعوة لا بيها ولا بهمسة ...حتى سؤالك عنها مش هارد عليه .
هنا تفجرت شظايا القناع المعدني لتندلع ثورته حارقة مشتعلة ...
ثورة كتمها بداخله طوال هذه السنوات :
_مفيش فايدة في غرورك وجبروتك ...طول السنين دي وأنا معاك خطوة بخطوة لدرجة إني في يوم م الأيام فديت روحك بدمي ...كنت بقول لنفسي بكرة يشبع ...بكرة يفهم ...لكن كل يوم بيعدي بيزود طمعك ...عايز كل حاجة ...وفي نفس الوقت حارم همسة من كل حاجة ...عايز ياسمين ...عايز ياقوت ...عايز كل ست تعجبك وتقع عينك عليها ...وفي نفس الوقت مستكتر عليا فرحتي بالإنسانة الوحيدة اللي حبيتها ...عايز تعرف مين اللي صور الفيديو بتاعك انت وياسمين وبعته لرامي ؟! أنا ...أنا اللي صورته !!!
اتسعت عينا زين بصدمة ليرجع خطوة للخلف رغماً عنه بينما بدا رائد وكأنه فقد تحكمه تماماً مع استطراده:
_عايز تعرف عملت كده ليه ؟! ليلتها سبت أنا الحفلة كلها ورحت أبص من بعيد على همسة ...في وسط ما الكل وانت أولهم كانوا بيضحكوا ويحتفلوا ويفرحوا ...هي كانت بتعيط وهي شايفة نور الحفلة من بعيد ...سامعة الموسيقا ...وعارفة إن مالهاش مكان غير أوضتها المقفولة ...ليلتها وقفت أراقبها بحسرتي مش قادر أقوللها إني جيت لها مخصوص ...إني معاها حتى لو الناس كلها مش حاسة بيها ...مش قادر حتى أقرب أكتر عشان ماتشوفنيش ...وفي وسط كل ده ألاقيها بتتحرك من مكانها ...بتحاول تفتح الباب اللي الخدامة نسيته مفتوح ...بتجري وهي بتضحك على باب الفيللا كأنها بتخرج من سجن ورايحة للجنة ...لكن الحارس بيشوفها وبيرجعها ...
أغمض زين عينيه بألم والكلمات تلطم قلبه بقسوة بينما رائد يردف بحرقة :
_فجأة الضحكة اتطفت...نور وشها ضلم ...لو تشوف نظرتها وهي بتبص ع الحفلة من بعيد ...والحارس بيرجعها وبيقفل عليها الباب ...وهي بتترمي على سريرها بتعيط ...وقتها ماقدرتش أستحمل ...جريت أدور عليك أقوللك روح لها ..انت الوحيد اللي ممكن يهون عليها حالتها دي ...لكن البيه ماكانش فاضي ...كان عنده "تارجت" تاني عايز يحققه !
_اسكت ...اسكت !
هتف بها زين بنبرة متحشرجة وهو يرى نفسه في أبشع صورة كان عليها يوماً !!!
بينما رائد لايزال يلوح بذراعيه هاتفاً بانفعال:
_لا مش هاسكت ...ماعدتش هاسكت ...عيش حياتك زي ما انت عايز ...بس سيبلي همسة .
رمقه زين بنظرة عميقة وسط خفقان صدره الذي كان يعلو ويهبط في انفعال ...
لو صدق نفسه لأدرك أن رائد قد يكون محقاً في بعض اتهاماته ...
لكن العزة تأخذه بالإثم ليعطيه ظهره قائلاً :
_من النهارده مش عايز أشوفك...لا في البيت ولا في الشركة...اللي يخونني في ظهري مالوش مكان عندي !
هنا كز رائد على أسنانه بغضب وعيناه تشتعلان بثورة متمردة ...
لكن زين لم يمكنه من البوح بالمزيد وهو يخرج ليصفق الباب خلفه بعنف ...
هنا أطلق رائد صيحة غاضبة قبل أن يتناول هاتفه متصلاً بياقوت كي يطمئن عليها لكن هاتفها كان مغلقاً ...
فألقى هاتفه جانباٌ بحدة قبل أن تلتمع عيناه أكثر بالعزم على تنفيذ خطة كان يعدها من زمن ...
ويبدو أنه قد حان وقتها !
==========
صعدت الدرج نحو شقته في الموعد الذي اتفقا عليه أمس ...
اتفقا؟!
تعبير "مهذب" اختاره كبرياؤها للتعبير عن إذلالها هاهنا !!
لكن ما حيلتها ؟!
هو وجد لها مائة ذراع يلويه لها !!
مواجهتها مع لجين استنزفت ما بقي من قوتها ...
البائسة تكتم كل هذا القهر في قلبها وحدها طوال هذه السنوات !!
آه يا ثمر ...
ماذا فعل الدهر بثمرتي قلبك ؟! وماذا يدخر لهما؟!
وصلت لعتبة الشقة فأخذت نفساً عميقاً وهي تميز رائحة عطره النفاذة تصلها هاهنا ...
ضغطت زر الجرس لتبتعد خطوتين ترمق الباب بنظرات خاوية ...
طالما كانت تخشى الأبواب المغلقة !
صغيرة كانت تهابها تتصور خلفها ألف وحش ...ألف ذئب ...ألف مسخ مشقوق العينين ...
وكبيرة الآن تخشاها وهي توقن أن خلفها قد يكون ما هو أقسى من ألف شيطان !!
وخلف الباب وقف هو الآخر قليلاً قبل أن يفتح ...
مواجهته مع رائد عرت له عيوبه بأقسى ما يكون...
لكن ماذا يعرف عما لاقاه هو ؟!!
ماذا يعرف عن ماضيه ؟! عن عذاباته بفقد أمه ؟! وقبلها عن معاناته بألمها الصامت بين زوجها وامرأته؟!
قتلاها بغدرهما ...وقتلها ضعفها قبلهما!
ابنتها هي الأخرى ورثت ضعفها ...
ربما لو كانتا قويتين لواجهتا ...لانتفضتا...لانتقمتا ...
فقط لو كانتا بقوة امرأة كياسمين ...أو ك...ياقوت!!
ياقوت!
عند الخاطر الأخير تقدم خطوة أخرى ليفتح الباب ...
القمران السجينان عادا يختفيان خلف النظارة المربعة ...
الشعر الداكن الطويل عاد يستتر خلف وشاح فاقع الألوان ...
والجسد الفائر بفتنته يتوارى منه مغيظاً خلف ثيابها الهزلية ...
لكنه يرسمها بذاكرته أمام عينيه كما رآها بالأمس ...
وما أشهى ما قد رآه !
تتقدم بخطوات واثقة لا تدري شجاعة أم يأساً لتدخل فيغلق الباب خلفها مع عبارتها التي وصلته ساخرة مريرة :
_مفيش حد هيوضبني الليلة دي ؟!
تقولها وهي تتلفت حولها فتلتوي شفتاه بابتسامة شاحبة وقد راودته رغبة في استفزازها لعله يستمد بعض الإثارة في مزاجه السوداوي هذا :
_الليلة دي مفيش ...ممكن المرة الجاية .
تلتفت نحوه بنظرة حقود تكاد تحرقه لتكز على أسنانها بقولها :
_إزاي طول الوقت ده ماخدتش بالي إنك شبهه قوي كده ؟!
ذكاؤه لم يخنه في معرفة من تقصد ليقترب منها خطوة وهو يضع كفيه في جيبي سرواله قائلاً بنبرته الباردة :
_قصدك حسين رجائي؟!
الاسم المنطوق صراحة جعل عينيها تمتلئان بالدموع وصدرها يعلو ويهبط في انفعال خاصة عندما استطرد وعيناه تحتكران نظراتها باقتدار:
_ليه ما فكرتيش تلجئيله يخلصك انتِ وأختك مني ؟! أفتكر ده حل بديهي جداً !
_ألجأ له ؟! ده أنا لو هاموت وحياتي في إيده مش هاعملها ...
تهتف بها بمنتهى العنفوان لتردف بنبرة زلزلته مكانه :
_تخيل بقا بكرهه أد إيه ...أد ما بكرهك !
ازدادت كثافة الدموع في عينيها مع عبارتها الأخيرة فتقدم منها خطوة أخرى ليرفع أحد كفيه من جيبه نحو وجهها ...
ابتعدت بوجهها تظنه سيصفعها لكنه فاجأها عندما نزع نظارتها ليلقيها جانباً قبل أن يعود ليحتل نظراتها بقوله :
_من هنا ورايح أول ما نتقابل تقلعي النظارة ...
ثم عادت الابتسامة الماكرة لشفتيه مع استطراده :
_اتعودت أقرا اللي قدامي من عينيه ...بلاش حواجز بيننا ...انتِ خلاص بقيتي مراتي .
تشنجت أناملها جوارها مع كلمته الأخيرة التي وصلتها ساخرة مذِلّة وهي تود لو تصفعه...
لكنها كانت تدرك أن نظرة احتقار منها لرجل مثله أشد من ألف صفعة ...
لهذا لم تبخل بصفعاتها هذه والتي تلقاها هو بنظرات متحدية قبل أن يخرج كفه الآخر من جيبه لكنه لم يكن خاوياً هذه المرة...
بل فتح أنامله ليبدو لها ما جعل عينيها تتسعان بارتياع وهي تمد أناملها نحو صدرها حيث مكانها الخالي ...
أجل ...إنها ورقة العشر جنيهات المغلفة !!!
_استغربت قوي لما لقيتها امبارح في ...احم !
تنحنح بحرج مصطنع قاطعاً عبارته وعيناه تفيضان مكراً لتحمر وجنتاها خجلاً وهي تدرك أين وجدها !!
لماذا لا تنشق الأرض وتبتلعها ...الآن؟!!
بينما استطرد هو مستمتعاً بإثارة ارتباكها :
_كنت دايماً ألاحظ إنك في مواقف معينة بتمدي إيدك هنا ...
"هنا" الأخيرة أشار بها بعينيه نحو صدرها فكادت تبكي خجلاً وخزياً ...
ألا حدود لوقاحة هذا الرجل ؟!!
لكنه أكمل بجدية هذه المرة بينما يلوح بالورقة في يده :
_ولما لقيتها امبارح متغلفة وقديمة كده قلت أكيد لها ذكرى خاصة عندك.
مدت أناملها بسرعة كي تختطفها منه لكن رد فعله كان الأسرع وهو يمسك كفها نفسه ليجذبها منه نحوه أكثر ...
عيناه الخبيرتان تتفحصان ملامحها التي فاضت بالانكسار والألم ...
_شكلها عزيزة عليكي ...لو عايزاها ماقدامكيش غير إنك تحكيلي حكايتها !
يقولها بنبرته المهيمنة لتغمض عينيها بقوة وقلبها يترنح بين ضلوعها بأنين موجع ...
لماذا هو بالذات تتعرى أمامه هكذا ؟!
لماذا يصر أن يسلبها كل "ورق التوت" الذي تستر به عورات ماضيها ؟!
أهو عقاب القدر لأنها طمعت في النجوم ومن مثلها مقامهن الصخور؟!
أم هي سخرية الحياة عندما تمنحك جنين حلمك لكن...مشوهاً؟!!
فكرت أن تكذب ...أن تواري ...
أن تخترع حكاية تستهين فيها من ذكائه ...
لكنها في هذه اللحظة بالذات وهو يمسك معصمها هكذا ليدوي نبضها تحت أنامله ...
وهو يقرب وجهه منها حتى امتزجت أنفاسهما ...
وهو يحتجزها في بيته ...في حياته...
كانت تشعر بأنها تريد أن تكرهه أكثر ...
وهل من سبب يدفعها للمزيد من كراهيته أقوى من أن تتعرى أمامه بماضيها كما لم تفعل مع أحد من قبله ؟!!
_كنا صغيرين ...ست سبع سنين مش فاكرة ...لجين تعبت قوي ...كانت هتموت فيها وودوها المستشفى ...كانت أول مرة في حياتي أخاف كده وأنا شايفاهم بياخدوها بعيد عني وهي بتصرخ وبتنادي علينا ...باب الأوضة في المستشفى اتقفل في وشي وقعدت أصرخ وأخبط عليه لحد ما شدوني بعيد ...البنت محتاجة عملية...عايزين فلوس ...عايزين موافقة ولي أمرها ...ستي ثمر بتعيط وهي واخدة أمي في حضنها ...أمي اللي جريت تتصل "بيه" تترجاه ييجي يشوف بنته...وقفت أراقب من بعيد ماعرفش رد قال إيه ...مرعوبة مايجيش وأختي تموت ...عدّت ليلة والتانية وأنا بين باب أوضة لجين وباب المستشفى مستنياه ...يا ترى شكله إيه ؟! أمي كانت بتقول إنه شبه لجين ...بس كان نفسي أعرف لما ييجي هيقابلني إزاي؟! هيقول عليا حلوة زي كل أهل البلد ؟! هيعرفني زي ما كان نفسي أعرفه ؟! هيجيبلي معاه إيه ؟! هيحضنني إزاي؟! ألف سؤال وسؤال كانوا جوايا ...بس ...
اختنقت عبارتها بغصتها لتنهمر دموعها عبر عينيها المغلقتين فلم يشعر بنفسه وهو يقترب منها أكثر وقد استنتج بقية الحكاية قبل حتى أن تردف :
_ماجاش...بعت العشرة جنيه دي وبس ...لسه فاكرة نظرة أمي وقتها وهي بتاخدها ...بتكرمشها وترميها جنب الحيط ودموعها مالية وشها...أهل البلد كانوا قاموا بالواجب ...ولجين ربنا كتبلها عمر جديد ببركة دعا ستي ثمر ...وأنا اتسحبت وخدت العشرة جنيه خبيتها في هدومي ...في الأول كنت عيلة بشوف فيها صورته بس كل ما كنت بكبر كنت بشوف فيها قيمتنا عنده ...عشان كده لما كبرت وفهمت غلفتها كده وقصدت أحطها في هدومي جنب قلبي ...عشان لو في يوم نسيت أفتكر ...أفتكر قسارته وما أحنلوش ...أفتكر غلطة أمي وما أكررهاش...وأفتكر إن القرش في الزمان ده هو اللي بيعمل للبني آدم قيمة ...بيقولوا عني بخيلة بس أنا مايهمنيش غير إني وأختي وستي ما نحتاجش يوم نمد له إيدنا زي ما حصل يومها ...وطول ما فيّ نفس ...مش هاخلليهم يحتاجوله ...وأنا قدها !!
نطقت عبارتها الأخيرة بإصرار غريب اختلط مع دموعها ليصنع مزيجاً مدهشاً لرجل مثله ...
مزيجاً جعله لا يشعر بنفسه وهو يغمرها بين ذراعيه لتكتم هي شهقاتها في صدره غير قادرة على الفرار ...
هل هكذا يبدو عناق "الرجال"؟!!
هل هكذا يكون "الصدر الصلب" عندما يحتوي وهن "الأنوثة"؟!!
هي لم تجرب مذاق حضن هكذا من قبل ...
لا أب ولا أخ ولا جد ولا عم ولا خال ...
إنه -حرفياً- أول رجل يضمها بهذه الطريقة !!!
يربت على ظهرها بهذا الرفق ...
ويلصق وجنته بوجنتها لتجد دموعها أرضاً مشتركة بينهما !!!
عناقه لم يكن متملكاً غاصباً بل كان محتوياً دافئاٌ ...
يدوخها بهذه المشاعر العذراء التي تختبرها لأول مرة !
غداً ستكرهه ...ستصب عليه لعناتها وربما انتقامها ...
لكنها الآن لا تملك إلا أن تستسلم لهذا العناق الذي يصل روحها كشراب بارد بعد طول ظمأ !!
وأمامها كان هو يضمها وكأنه لم يمس امرأة في حياته !!!
بل كأنها كل نساء الدنيا !!!
لا يزال مزيج دموعها مع هدير قوتها يقتنصه بهذا الشعور الذي لا يملك له اسماً ...
هل هو الحب؟!!
الحب الذي زعم يوماً أنه لم يخلق لمثله ؟!!
لا يعرف ...ولا يريد أن يعرف ...
هذه المرأة بكل تفاصيلها طلسم !!
طلسم وجده فجأة في حياته يقلبها رأساً على عقب!!!
لم يكن يعانقها كامرأة يشتهي تفاصيلها ...
بل ككيان يكمله ...يناقضه ويشبهه !!
لهذا لم يفكر وهو يضمها نحوه أكثر ليهمس في أذنها بذكريات بوحه هو الآخر :
_أنا بقا معنديش عشرة جنيه مخبيها في هدومي ...أنا عندي ألف صورة ما بتفارقش دماغي ...صعب قوي وخصوصاً في مجتمعنا ده تلاقي راجل بيعترف أن أمه كانت كل حياته ...بس أنا مابتكسفش أقول إنها فعلاً كانت كده ...عارفة يعني إيه أشوف ضحكتها بتدبل قدامي يوم بعد يوم ؟! ألاقي اللي كانت بتجري ورايا وتسابقني قاعدة على كرسي مابتتحركش ؟! ألاقي حكاياتها وهزارها بقوا شكوى وآهات ؟! وألاقي كل ده فجأة يختفي ...بتلوميني عشان ماقبلتش همسة بسهولة ؟! بتلوميني عشان ماقدرتش أكسر وصية أمي وأسيبها تدخل بيت أمها هي خربته ؟! أنا بحب همسة ...بس غصب عني بشوف فيها ذنب أمها وعذاب أمي أنا !!
أفاقت من "سكرة "شعورها القاهر أخيراً لتبعد نفسها عنه لكنه أحكم ساعده على خصرها ليمنعها مما تريد بقوله الذي لم تدرِ هل كان أمراً أم رجاء:
_رجعيلي همسة ...يمكن ساعتها أقدر أسامح نفسي على حقها اللي مش قادر أديهولها !
_هو ده الفرق بيني وبينك ...أنا ساعدت أختك وانت فضحت أختي !
عبارتها التي عاد إليها عنفوان قوتها تقذفه بصواب منطقها فيصمت للحظات مسنداً ذقنه على رأسها بقوله :
_أنا راجل سوق ...اتعودت آخد اللي عايزه .
_وأنا بنت بلد ...اتعودت ما آخدش ولا أدي إلا بالأصول!
يبتسم بإعجاب رغماً عنه وهو يبعد وجهه ليقتنص نظراتها المشتعلة بعينيه اللتين حملتا نظرة غريبة على عينيها ...
نظرة كانت لتطير بها فرحاً في موقف غير هذا !
_عايزة العشرة جنيه لسه ؟!
يسألها بمكر لتجيبه بنبرة آمرة :
_هاتها !
فيرتفع أحد حاجبيه وكأنما يعاقبها على لهجتها الآمرة بهمسه وهو يلوح بها أمام ناظريها:
_بشرط ...أحطها مكانها بنفسي!
شهقت بخجل احمرت له وجنتاها وهي ترفع كفها لا إرادياً لصفعه لكنه كالعادة يترصد كل هجومها بدفاع متقن وضحكته القصيرة تشعل غضبها منه أكثر ...
إنه يتواقح ويضحك وكأنما لم يفعل بها شيئاً !!!
وكأنها ستنسى له فعلته لمجرد أنهما تشاركا رواية جزء من الماضي!!
وكأن الندبة التي تركها في قلبها ستمحى!!
انقطعت أفكارها عندما رن هاتفه فانتهزت الفرصة لتبتعد عن مرمى ذراعيه لكنه لوح لها بسبابته في إشارة مهددة قبل أن يفتح الاتصال ...
وما كاد يستمع حتى تغيرت ملامحه لاشتعال هاتف مع صراخه الهادر:
_يعني إيه مش موجودة ؟! مين ؟! ده أنا هاخرب بيتكم كلكم !!
انقبض قلبها بجزع وقد أنبأها حدسها أن الأمر يتعلق بهمسة لهذا لم يكد ينهي الاتصال حتى هتفت به بقلق:
_همسة مالها؟!
_الخدامة هربتها مع رائد .
قالها بحروف مشتعلة وهو يتحرك ليرتدي سترته تأهباً للخروج فلحقت به مع هتافها الجزع:
_هتعمل إيه ؟!
_هادمره! المرة دي هاعمل اللي كان المفروض يتعمل زمان !
هتف بها بنبرة متوعدة وهو يعدو نحو باب الشقة لكنها لم تجد مفراً من البوح بالسر:
_اصبر واسمع ...ما تأذيهوش ...همسة مراته !
تجمد مكانه للحظات كأنما يستوعب ما قالته قبل أن يعاود الاقتراب منها ببطء وملامحه تفضح شراسة غضبته :
_إزاي وامتى؟!
فازدردت ريقها لتجيبه بانفعال:
_من زمان ...من وقت ما هربت معاه أول مرة !
كز على أسنانه بغضب وهو يصل إليها ليضغط ساعديها بقبضتيه بقوة آلمتها مع سؤاله :
_ده اللي كان بينك وبينه ومخبياه عني؟! كنتِ عارفة وسايباني مغفل وسطكم ؟!!
صراخه الغاضب بعبارته شفى بعض غليلها لتصرخ به بدورها :
_داين تدان يا زين بيه ...ياما استغفلت ناس!
ازداد ضغطه على ساعديها بقوة حتى أصدرت آهة ألم جعلته يدفعها بعيداً قبل أن يتخصر ليشيح بوجهه الغاضب للحظات حاول فيها تمالك غضبه ...
ثم مد يده في جيبه ليستخرج منه مفتاحاً وضعه بعنف على المائدة جوارها قائلاً بنبرة عاد إليها بروده القاسي:
_هاروح دلوقت أشوف حل في المصيبة دي ...ده مفتاح الشقة هاستناكي بكرة هنا في نفس المعاد ...
ثم راودته نفسه برد إهانتها ليردف :
_مش هخاف تطلعي زي أختك وتسرقيها !
هنا اندفعت هي نحوه لتعتصر هي زنديه بقوة كفيها مع هتافها المنفعل:
_ اختي مش حرامية ...تربية الحاجة ثمر ما تمدش إيدها بمزاجها ....اختي مريضة بداء السرقة ...والدليل إنها بترمي كل اللي بتسرقه ما بتستنفعش بيه..أختي بتتحرق من جواها لما بتشوف حد غني زي أبوها بيتنعم بخير هي محرومة منه ...غصب عنها بتحس إنها وقتها هتعوض حق مش عارفة ترجعه ...أختي ما بتسرقش ...اختي بتصرخ بس انت واللي زيك صُمّ ما بتسمعوش .
رمقها بنظرة مشتتة وانفعالها بين دموعها ودفاعها يعيده لدوامة شعوره بشأنها ...
دوامة تعيده لمنطقة "عدم الاتزان" التي لا يمقت مثلها ...
لكن يبدو أنه سيظل يدور فيها طويلاً !
لهذا لم يجد إلا أن يشيح عنها بوجهه ليخرج صافقاً الباب خلفه !
=======
_الحقني يا هيثم ...ماما وقعت مني !
هتفت بها شوشو عبر الهاتف بنبرة باكية بعد أيام طويلة من قطيعتها التي لم يفهم سببها لكنه هتف بسرعة :
_دقايق وأكون عندك ...أنا قريب منك .
قالها وهو يدير مقود سيارته ليتحرك نحو الحي البسيط الذي تقيم فيه حيث رصف سيارته قبل أن يتوجه ببعض الحرج نحو باب شقتها الذي فتحته له ليروعه منظر عينيها الباكيتين ...
_ياللا عشان ننقلها المستشفى!
هتف بها بقلق لكنها هزت رأسها رفضاً لتقول بصوت متحشرج :
_مالوش لزوم ...هي خلاص فاقت ...هنروح بالليل للدكتور اللي هي متابعة معاه بس محتاجة شوية تحاليل الأول .
رمقها بنظرة مشفقة ليعاود عرض مساعدته :
_تحبي ناخدها بالعربية نوديها المعمل ؟!
لكنها عاودت هز رأسها بالرفض مع قولها وهي تتحاشى نظراته :
_كلمتهم ...هايبعتوا هم واحدة تاخد العينة ....
ثم وجدت الجرأة أخيراً لترفع عينيها إليه بقولها :
_آسفة قوي إني تعبتك ...بس أول مالقيتني لوحدي مافتكرتش حد غيرك .
تلفت حوله يتأكد من خلو الطابق قبل أن يرمقها بنظرة عاتبة ناسبت قوله :
_خلاص بقا بيننا الكلام ده ؟!
عضت شفتها بقوة تكتم انفعالها لتعاود دموعها سريانها على وجنتيها مع استطراده :
_ماعدتيش بتيجي الجامعة ...تليفونك على طول مقفول ...حتى أصحابنا مايعرفوش عنك حاجة ...مالك يا شوشو ؟! إيه اللي حصل لكل ده ؟!!
_اللي حصل؟!
تمتمت بها شفتاها بحسرة وهي تتذكر السر المريع الذي تخفيه عنه ليرتجف جسدها في وقفته لكنها تستند بكفها للحائط جوارها فيقول هو بقلق امتزج بحنانه :
_لو قصدك تمتحني مشاعري ناحيتك فأنا خلاص اتأكدت إني عايز أكمل معاكي ...الأيام اللي فاتت عدت عليا من غير طعم ولا لون .
رفعت إليه عينيها المنكسرتين بعدم تصديق ...
الآن يقولها ؟!
يعترف بها ؟!
ما أسعدها بهكذا اعتراف ...
وما أشقاها !!!
_لو تحبي أكلم بابا ونيجي نخطبك من والدتك بعد ما تقوم بال...
_لا!
هتفت بها بحدة مفاجئة تقاطع عبارته فعقد حاجبيه بدهشة من ردة فعلها المتطرفة هذه ...
لكنها تمالكت نفسها لتشيح بوجهها قائلة :
_أنا فعلاً غلطت إني كلمتك النهارده ...أرجوك امشي...
لم تكد تتم عبارتها حتى ظهرت لجين أمامهما تحمل حقيبتها لتتقدم نحوهما قائلة بابتسامتها الرسمية :
_ده بيت الحاجة (.....)؟!!...أنا جاية م المعمل آخد العينة .
رمقتها شوشو بنظرة مشتتة وسط غيم دموعها بينما شعر هيثم بالضيق وظهور هذه المرأة فجأة هكذا يقطع حديثهما في نقطة مهمة...
_ممكن أشوف بطاقتك ؟!
سألتها شوشو وهي تتفحصها باهتمام لتردف وهي تتحاشى نظرات هيثم :
_معلش أنا ووالدتي ساكنين لوحدنا ...ومش أي حد بيدخل علينا .
مطت لجين شفتيها باستياء وهي تدرك غرابة الطلب ...
لو كانا تسكنان وحدهما حقاً فمن هذا الشاب الذي يقف معها ؟!
كما أن البيت متواضع الحال ليس مطمعاً للسرقة !!!
لكن "البطحة على رأسها" جعلتها تفتح حقيبتها لتخرج منها بطاقتها فتناولها إياها ...لتنظر فيها شوشو قبل أن تهتف بدهشة :
_لجين حسين رجائي أحمد سليمان ...معقول ؟! ده نفس اسمك يا هيثم !
========
تركيا ...
اسطنبول ...
وقفت غادة جوار علاء في البازار يقومان برص بعض المشغولات وذهنها شارد بأفكاره ...
إسلام لم يعد يزور العائلة في المزرعة ولا في البازار مكتفياً بمكالماته الهاتفية للاطمئنان على إيناس ...
إيناس التي تلمح لها أنها هي السبب في هذا لكنها تحاول تجاهل الأمر ...
علاء -على العكس- تشعر أنه برغم افتقاده لإسلام لكنه يشعر بارتياح لابتعاده عنها ...
سيف؟!!
سيف!!
ما الذي يجعله يقفز لأفكارها الآن ؟!!
يرسم ابتسامة على شفتيها رغماً عنها !!!
تتذكر نوادر من طفولته حكتها لها هانيا عبر الانترنت من مصدر موثوق هو رامز فانفجرت لها ضحكاً وقتها ...
وتتذكر مواقف بائسة روتها لها إيناس عن حياته بعد آنجيل فبكت تأثراً بها ...
كل من حولها يحكون لها عنه ...عداه هو !!!
هو الصندوق المغلق شديد التكتم على أسراره وحزنه !!
_بكم هذه ؟!
يقولها أحد الزبائن بالتركية مقاطعاً شرودها ليجيبه علاء قبل أن يخرج الرجل ثمنها من جيبه ...
لكنه ما كاد يفعل حتى فوجئ بآخر يبدو شرس الطباع يهتف بالتركية أيضاً:
_رأيتها قبلك ...هي لي!
لكنة الرجل الثقيلة أنبأت علاء أنه ثمل لهذا حاول تدارك الموقف بقوله :
_هو أخرج ثمنها أولاً ...دعها له وسأجهز لك غداً واحدة مثلها .
_لا ...سآخذ هذه وليبتعد هو ...لا أحد ينتزع مني شيئاً أردته !!
صرخ بها الرجل الثمل بغضب فتحفزت غادة مكانها لتتقدم منهم هاتفة بالتركية التي صارت تجيد منها بعض الكلمات :
_لا تصرخ هكذا ...إذا لم يعجبك الحال ..لا تشترِ من هنا !
لكن الرجل يواصل صراخه بينما يترنح مكانه :
_أنا أشتري ما يحلو لي وقتما يحلو لي ...
ثم مال عليها فجأة ليجذب ذراعها نحوه مردفاً:
_وأشتريكِ أنتِ أيضاً!!
صرخت غادة وهي تخلص منه ذراعها بينما تحرك علاء يدفع الرجل عنها وهو يهتف طالباً العون من جيرانه قبل أن يسب الرجل مهدداً إياه...
هنا أخرج الرجل فجأة مدية حادة وجهها نحو علاء لكن غادة تحركت بسرعة تدفع الأخير بعيداً لتستقر المدية في صدرها هي ...
=======
انتهى الفصل العاشر
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سينابون
القطعة التاسعة
======
جميلٌ جداً ثوب "الضحية"!
خفيفة هي خطايانا عندما نلقيها على غيرنا...
مريحٌ هو ثوب الشفقة عندما يستر عورة فشلنا...
زهيدٌ هو الحب عندما نقايضه ب"راحة بال"!
هشة...رقيقة...واهنة...
هكذا شكلت أنت صنمي في محرابك ...
فكيف لي أن أكسره؟!
"رانيا"
***********
"هُرَيرتي " الناعمة ...
من أغرقتها تدليلاً حتى نسَت أن لها هذه "المخالب"!
أغمضي عينيكِ ...تهجيّْ اسمي وتذكري ...من أكون ...
حرف بعد حرف بعد حرف...
عام بعد عام بعد عام...
أجل يا "مخملية" الفراء ...يا "ناعمة" الأظافر...
أنا "العمر" الماضي والآتي...
اغضبي...اصرخي...ثوري...
لكن تذكري...
عندما تعصف الريح في وادينا...
فليس ل"برد" قلبك إلا "دفء" أحضاني.
"أشرف"
***********
_ريما!
هتفت بها رانيا تناديها أمام باب مدرسة الأولى التي هرعت إليها لتضمها بقوة ...
فاحتضنتها رانيا بحنان لتهتف بها :
_ماما نشوى،مشغولة النهاردة في المصنع ...هاخدك عندنا البيت .
_خالو أشرف جالي النهارده !
هتفت بها ريما وهي تنزع حقيبتها عن كتفها لتهتف رانيا بلهفة فرحة :
_بجد ؟! أشرف كان هنا ؟! فين ؟! فين ؟!
قالتها وهي تتلفت حولها بتحفز لكن الصغيرة هتفت وهي تفتح حقيبتها :
_مشي ...وسابلك ده .
قالتها وهي تناولها ورقة كبيرة مكتوبة بخط يده الذي تعرفه ...
(كان ممكن أبعتلك رسالة ع الفون بس قلت أكتبها بخطي عشان تطمني إني كويس ...كنت محتاج أبعد عشان أفكر في اللي جاي ...عشان ألاقي نفسي تاني ...انتِ كمان محتاجة تلاقي نفسك بعيد عني ...بعيد عن الجرح اللي كل واحد فينا جرحه للتاني....بعيد عن السور العالي اللي بنيته حواليكي وكنت فاكر إني بحميكي وراه لكن للأسف وقت الجد اكتشفت إني كنت غلطان ...أنا خلاص لقيت طريقي بتمنى انتِ كمان تلاقي طريقك...ويمكن لو طلعنا محظوظين يتقابلوا الطريقين في الآخر)
لم تنتبه لسيل دموعها الذي أغرق وجنتيها وهي تعيد قراءة رسالته التي بدت لها كرسالة وداع إلا عندما هزت ريما كتفها لتهتف بإشفاق :
_هو كويس قوي ...كان بيهزر ويضحك معايا زي زمان ...بتعيطي ليه ؟!أكيد هيرجع!
_هيرجع!
تمتمت بها رانيا بيقين وهي تمسح وجهها بكفيها قبل أن ترسم ابتسامة مصطنعة على شفتيها وهي تمسك بكف الصغيرة لتغادر معها بينما كفها الآخر يقبض على رسالته بقوة ...
فلتحمد الله أولاً أنه بخير بعدما كادت تموت قلقاً عليه طيلة الأيام السابقة ...
هو لايزال يظنها الفتاة القديمة الهشة التي ستجعلها رسالة كهذه تمضي في طريقها بعيداً عنه ...
لكنه لا يدرك أنه من رحم المتاعب تولد قوتنا ...
وأن الخسارة تمنحنا مهارة تمييز المذاق الحقيقي للمغنم!
وهو دورها لتثبت له أنها حقاً تغيرت دونه...
وأن الحب الذي جمع بينهما صغاراً سيبقى يظللهما حتى يواريهما التراب ...
======
_أكتب لك حاجة تاني؟!
سألها رامز بحماس وهو يجلس جوارها على مائدة السفرة حيث فرشت هانيا أوراق رسالتها بفوضوية كالعادة ...بينما حاسوبها المحمول يتوسطهما معاً حيث يساعدها في البحث والنقل ...
لترمقه بنظرة امتنان طويلة سبقت قولها :
_تعبتك النهارده قوي ...بس هانت ...كلها كام يوم وأفك الجبس .
لكنه ابتسم بخبث لتضيق عيناه بنظرة تعرفها مع قوله العابث:
_أيوة بقا ...عايزين نعرف نلعب ...
تشيح بوجهها في خجل لكنه يحيط كتفها السليم بذراعه ليقربها نحوه بخفة مردفاً بنفس الخبث:
_بلاي ستيشن...إوعي تفهميني صح!
تضحك بانطلاق وهي تخفي وجهها في صدره ليداعب شعرها بأنامله قبل أن يفك عقدته ليهتف بها بمرح:
_كل مرة رامز يقول فكي الكحكة...هانيا تقول مبحبش شعري مفرود ...رامز يقوللها هتفرديه ...هانيا تقولله مش هافرده ...وفي الآخر يكتشف إنها بتدلع عشان عايزاه هو اللي يفكهولها !
_أنا بتدلع؟!
تهتف بها باستنكار وهي ترفع وجهها نحوه ليخبط على صدره بكفه قائلاً باعتذار مصطنع:
_العفو يا باش شاويش...الدلع ده للستات التوتو ...إنما انتِ بتعرفي تخطفي القلب كده من غير حركات !
توهجت عيناها ببريق حقيقي وهي تجد في عبارته -رغم هزلها- ما تود حقاً سماعه ...
طوال الأيام السابقة وهو يحيطها بعاطفته غير المشروطة متقبلاً كل هواجسها المتشككة في نجاح زواجهما ...
يدللها كما لم تعرف قبلاً في حياتها ...ينهي عمله مبكراً كي يعود ويساعدها في إتمام دراستها ...
يتغافل عن "عقدتها القديمة" التي ازدادت حدة تطرفها وهي تصر على غلق الأنوار في كل مرة يتواصلان فيها جسدياً ...
الغريب أنها تتحفز منه لأي خطأ تثبت به لنفسها أنها كانت محقة وأنه لن ينجح في اختبارها له ...
وكأنها تريد الهرب من مواجهة شعورها الجديد بالنقص...
لكنه لا يترك لها الفرصة لتفعل !
بل يبدو شديد التفهم...
وافر القناعة بما تمنحه ...زاهداً فيما تمنعه !!
لهذا كافأته بالكلمة التي تدرك كم صار يحبها منها :
_بحبك .
فالتمعت عيناه هو الآخر وهو يتحسس ملامحها بأنامله ليهمس أمام عينيها :
_انتِ عارفة إنك بقيتِ بتقوليها كتير اليومين دول ؟!
_أبطّل؟!
ببعض التحفز تهمس بها ليميل على شفتيها هامساً بما شعرت به صادقاً لأبعد حد :
_الطبيعي إن الحاجة كل ما بتزيد قيمتها بتقل ...إلا في دي ...بحس إني عمري ما هازهق منها ...مش بس محتاج أحس بيها ...لأ...أسمعها منك ..
انتهت كلماته بين شفتيها ليغيب معها في رحلة قصيرة عبر غمام عاطفة تزداد قوة نسيجها يوماً بعد يوم ...
رغم أنه يدرك أنها لا تزال عالقة بشباك هواجسها لكنه سينتظر ...
لهذا أبعدها أخيراً ليتطلع نحو عينيها المغشيتين بعاطفتها هامساً :
_مضطرين ناخد فاصل قبل أن نواصل ...ماما مستنيانا
ع العشا.
ابتسمت بمرح وهي تقف مكانها لتزيح كرسيها قائلة :
_ربنا يجعله بس فاصل خفيف .
شعر أنها تخفي شيئاً خلف عبارتها فسألها وهو يقف بدوره :
_حصل بينكم حاجة ؟!
مطت شفتيها دون رد ليصدر همهمة خافتة سبقت قوله :
_الموضوع إياه !
_مش ممكن يا رامز ...قايمة نايمة تحلم
بالبيبي ...محسساني إني ماليش قيمة في الدنيا
إلا بيه ...أنا عارفة إنها بتعاملني كويس جداً وخصوصاً بعد اللي حصل مؤخراً...وبصراحة ما بتضغطش عليا بكلام يتاخد عليها ...كله ع المحسوس بس أنا فعلاً متضايقة
لإني حاسة إنها زعلانة .
ابتسم وهو يربت على وجنتها ليقول برفق:
_ما هو لو سيف يتلحلح كده ويعملها هتلاقي حد تاني تحط عليه أملها في حمل اسم العائلة المصون...لكن قدرك يا بنتي تبقي الشماعة الوحيدة المتاحة حالياً لتعليق
الأمنيات .
هزت رأسها توافقه لتعاود سؤاله بحذر:
_هو صحيح سيف مابيتجوزش ليه ؟!
_عاقل!
قالها وهو يحرك حاجبيه مغيظاً إياها لتخبطه في كتفه بكفها الحر فضحك ضحكة قصيرة ليردف ببعض الأسف:
_أنا آخر واحد ممكن تسأليه عن سيف ...طول عمره شخصية مقفولة على نفسها ...العاقل اللي مخه أكبر من سنه ...راجل البيت بعد أبوه...لكن أنا كنت عامل دور أحمد رمزي في الفيلم ...
ضحكت للتشبيه المطابق فابتسم بدوره مردفاً :
_عشان كده طول عمرنا بعاد عن بعض ...أنا بالنسبة له الماجن الزنديق...وهو بالنسبة لي معقد ومكلكع ...بس أقوللك الحق ...ساعات بحس إني لو كنت سمعت نصايحه من زمان كانت فرقت معايا كتير .
أومأت برأسها موافقة ثم ترددت لتسأله بحذر:
_تفتكر ...هو وغادة ...ممكن ؟!
عقد حاجبيه للحظة والخاطر يصدمه ليكرر خلفها :
_هو وغادة إيه ؟! لا لا لا ...مستحيل طبعاً !
_ليه مستحيل ؟!
_أولاً ...مش راكبين على بعض ...هو يمين وهي شمال ...
ثم تنحنح عندما رأى نظرة استياء حميتها لصديقتها ليردف :
_مش قصدي شمال يعني شمال ...بالعكس دي إنسانة كويسة جداً وممتازة...
قطع عبارته للمرة الثانية عندما لمح نظرة استياء غيرتها هذه المرة ليحك شعره بأنامله مردفاً بمرح:
_بصي ...هو واضح إن الموضوع ده شائك وواضح إن فيه إجماع على كده ...فاحنا ننزل للحاجة ونقفله أحسن .
قالها وهو يعطيها ظهره متوجهاً نحو غرفة نومهما لتلحق هي به هاتفة باهتمام :
_لا مش هنقفله...أنا حاسة إنهم لايقين جداً على بعض ...
لكنه وقف مكانه ليربت على وجنتها قائلاً :
_ياحبيبتي ...شغل الأفلام بتاع البطل والبطلة اللي بيتقابلوا في بلاد غريبة ويجمعهم الحب ده مش هينفع هنا ...
_ليه؟!
فتنهد بحرارة ليقول بجدية هذه المرة وهو يعد على أناملها هي:
_واحد...أسباب تتعلق بسيف ...ماافتكرش إنه يحب شخصية منطلقة زي غادة ...سيف طبيعته متزمتة شوية ...اتنين ...أسباب تتعلق بغادة ...أفتكر بعد اللي حصل بسببي مش هاتفكر تقرب من العيلة دي ...
مطت شفتيها بحنق عند عبارته الأخيرة ...
فمال على وجنتها بقبلة سريعة صاحبت قوله :
_ماقصدتش أقلب المواجع بس الكلام جاب بعضه ...
ثم استمر في العد على أصابعها :
_تلاتة...أسباب تتعلق بأمي ...مش هترضى بعد صيامه الطويل عن الجواز ده كله يفطر على واحدة أرملة...انتِ عارفة تفكيرها !
عقدت حاجبيها بضيق حقيقي وهي تدرك حقيقة مبرراته ...
لكن حدساً ما بداخلها يخبرها أن سيف هو دواء غادة الحقيقي ...
غادة تحتاج رجلاً حقيقياً يعوضها عما واجهته في حياتها ...
رجلاً لا يكترث لماضيها بل للصورة الرائعة التي صارت عليها ...
أجل ...غادة صارت النموذج المثالي للمرأة في نظرها بعدما تغلبت على عقدتها القديمة ومع شعورها هي بالذنب نحوها تريد حقاً الاطمئنان عليها ...
خاصة أنها بخبرتها القديمة عن صديقتها رأت بين حكاياتها لها- عبر الانترنت- عن سيف ما جعلها تشعر أنه صار يحمل مكاناً خاصاً لديها ...
_سرحت في إيه يا بسطويسي؟!
انتزعها بها رامز من شرودها لتهز رأسها وهي تتوجه نحو خزانة ملابسها ...قبل أن تنتبه لما قاله ...
_بسطويسي؟! انت قلت بسطويسي؟!!
هتفت بها باستنكار فضحك ضحكة عالية وهو يحرك حاجبيه لها مشاكساً قبل أن يقول بنبرته المشاكسة :
_بسطويسي اللي بيتكسف يغير هدومه قدام جوزه .
_والمفروض إنك كده بتستفزني عشان أغير مبادئي!
_سلامة مبادئك يا بسطويسي...كلنا فدا مبادئك يا بسطويسي!
قالها وهو يقرص وجنتها بخفة ليطبع عليها بعدها قبلة خفيفة قبل أن يأخذ هاتفه ليغادر الغرفة تاركاً لها حرية تبديل ملابسها وحدها كالعادة ...
فتنهدت بحرارة وهي تفتح خزانة ملابسها تتطلع لمحتوياتها ...
لا تزال تصر على ارتداء ملابس تخفي تشوه كتفها ...
وفصل الشتاء هذا يساعدها كثيراً ...
لكنها صارت تحتاج حقاً لرؤية أنوثتها في عينيها هي ...قبل عينيه !
تحتاج لترميم هذا النقص الذي يزيد خوفها من فقده يوماً بعد يوم ...
تحتاج -وتعترف بخجل- أن ترى نظرة تقييم ذكورية عالية الدرجة في عينيه !
وتحتاج هذا أكثر وهي الآن في طريقها لحماتها التي صارت تمثل لها نظرة الآخرين لحالها !!
لهذا امتدت أناملها تتخير ما جعلها تتردد لحظات ...
قبل أن تحسم قرارها لترتديه ...
وفي مكانه على الأريكة بالخارج كان هو جالساً يمارس أحد ألعابه الاليكترونية المفضلة على الهاتف ...
شعر بها تقترب لكنه لم يرفع رأسه وهو منهمك في اللعب ليقول بشرود :
_دقيقتين ...هاخلص الماتش وننزل ...
ثم تغضن أنفه قليلاً ليأخذ نفساً عميقاً بينما يردف ولازالت عيناه معلقتين بالشاشة :
_الله عليك يا بسطويسي ...مش ده البرفيوم اللي طلعت روحي أقنعك تحطه ...ورفضت عشان اسمه "سك.."...
انقطعت عبارته وهو يرفع عينيه إليها أخيراً لتتسعا وهو يرمقها بانبهار ...
كانت ترتدي ثوباً نبيذياً من الصوف الخفيف بياقة مرتفعة غطت رقبتها كعهدها طوال الأيام السابقة ...
ياقة طرزت تطريزاً أنيقاً على منطقة الصدر التي أبرزها ضيقه فقد كان يلتصق بجسدها مبرزاً منحنياته لتتوقف آخر حدوده عند منطقة أعلى فخذيها اللتين زادهما الجورب الأسود الشفاف الطويل فتنة ...خاصة مع الكعب العالي الذي كانت ترتديه ...
_انتِ هتنزلي لأمي كده ؟!
قالها بصوت مبحوح وعيناه غارقتان في تفاصيلها بنظرة أرضت كبرياءها الأنثوي ...
لترد بصوت لم تستطع كتمان الخجل فيه رغم مكابرتها:
_الفستان قصير شوية بس تحته شراب !
لكنه ألقى هاتفه جانباً ليهب واقفاً معتقلاً خصرها بين ذراعيه بينما يكرر عبارته باستنكار :
_هتنزلي لأمي كده وبتقعديلي أنا ببجامات الكساء الشعبي في البيت ؟!
_أنا بلبس بجامات كساء شع...
انقطعت عبارتها بين شفتيه وأنامله تندس بين خصلات شعرها المفرود على ظهرها لتشعر بحرارة عاطفته ...
لكنها أبعدته برفق هاتفة باستنكار خجول:
_اتأخرنا على مامتك ...
_مامتي مين ؟!
يقولها بتشتت عبر عينيه المشتعلتين بفتنتها هي مما جعلها تضحك وهي تخفي وجهها في صدره لتزداد قوة ضغطه على خصرها بين ذراعيه قبل أن تطلق شهقة عالية وهي تشعر به يدفعها نحو الأريكة ليعاود إكمال ما بدأه ...
_رامز ...مامتك مستنيانا ...
تقولها عبر أنفاسها اللاهثة وهي تحاول الابتعاد لكنه يتناول هاتفه بسرعة ليتصل بوالدته قائلاً بنفاد صبر:
_أيوة يا ماما مش هاقدر آجي ...واحد صاحبي تايه وبندور عليه ...
كتمت ضحكتها بصعوبة وهي تراه يعاود ميله نحوها وأنامله تجيد عزفها العابث على بشرتها ليكون آخر ما تعيه كلماته لأمه قبل أن يغلق الاتصال:
_اسمه ؟! اسمه بسطويسي؟! ادعي بقا ما نلاقيهوش !
=======
_أهلاً بعروستنا!
قالتها "الست أفكار " وهي تستقبل لجين في بيت الحاجة ثمر مع العريس الجديد المنتظر ...
لجين التي كانت ترتجف وهي ترى من النظرة الأولى نحوه مصير هذه المقابلة ...
الرجل شديد الوسامة...أنيق الثياب رغم مهنته البسيطة التي عرفتها ...
لقد كان أملها أن يكون ذا عيب يجعله يرضى بها ...
أي عيب وهي كانت ستقبل كي تنال "شرف الزواج" الذي يبدو أنه بعيد كالسراب !!
لهذا جلست واجمة تنتظر منه أن يفتح معها حواراً لكنه ظل صامتاً بينما الحاجة ثمر تتبادل الحديث مع "الست أفكار" ...
_أكيد البسبوسة دي من إيدك يا لجين ...عروستنا ست بيت شاطرة قوي.
قالتها أفكار في محاولة لجعل "البضاعة" تحلو أكثر في عين العريس الذي ظهر قراره واضحاً على محياه خاصة عندما تعلقت عيناه بصورتين معلقتين على الجدار للجين وياقوت ...
فقال بنبرة مواربة :
_أنا شفت أختك مرة ...وقالولي إنك توأمها .
العبارة الصادمة التي لم تحتمل الكثير من التأويل جعلتها تنكمش مكانها خزياً بينما قالت الحاجة ثمر باعتزاز:
_هم صحيح توأم بس مش شبه بعض ...كل واحدة ربنا خلق لها جمالها...وخلق معاها العين اللي تشوفه...
ثم ضمت كتف لجين لتقربها نحوها مردفة بنفس الفخر الذي لا تدعيه :
_يابخت اللي هياخد جوهرة زي لجين في بيته...مش بقول كده عشان بنت بنتي ...لا ...عشان أنا عارفة قيمتها كويس ...
ثم رمقته بنظرة حادة ناسبت استطرادها :
_وعشان كده مش هاديها لأي حد إلا وأنا عارفة إنه يستاهلها .
تعرق وجه الشاب وهو يشعر بهيبة ثمر تجتاحه رغماً عنه ...
شيئ ما في هذه المرأة رغم بساطة حالها وهيئتها يكسبها وقاراً يجعل من أمامها ينكمش أمام هذه الفخامة...
فخامة تفرض نفسها رغم بساطة حال البيت الذي يراه حوله ...
لهذا وجد نفسه يتمتم بفتور :
_طبعاً...طبعاً...
وفي مكانها كانت لجين تراقبهم وقد عادت أفكار للثرثرة مع ثمر وعاد العريس لصمته مطرق الرأس ...
ماذا تنتظر؟!
تماماً ككل مرة ...
"العروس الدميمة" تزهدها العيون وتقارنها بشقيقتها "العروس الفاتنة" التي تزهد هي عطاءاتهم الفقيرة !!
سبحان الله !!
هي لا تريد من هذه الحياة إلا رجلاً طيباً...
لا تريده وسيماً ولا غنياً ولا أنيقاً كما تحلم بهذا ياقوت ...
تريده فقط أن يستر خيبتها !!
خيبتها التي تراها تتجسد أمامها كل يوم في لقب يذبحونها به هنا ...
"عانس"!
لكن يبدو أن مجرد الحلم بهذا رفاهية لفتاة "دميمة" مثلها !!
امتلأت عيناها بالدموع فأطرقت برأسها هي الأخرى تنتظر بفارغ الصبر أن تنتهي جلسة التعذيب هذه كي تعود لغرفتها الآمنة...
تجتر مرارتها ...خزيها...وحلمها ...وحدها !!!
لهذا ما كاد ينصرف الشاب مع المرأة حتى هرولت نحو غرفتها لتغلق بابها عليها وتنخرط في بكاء صامت على فراشها....
لكن باب الغرفة فُتح ليطل من خلفه وجه ثمر البشوش التي اقتربت من سريرها لتربت على ظهرها المواجه لها برفق للحظات ...
قبل أن تسألها فجأة :
_بتصدقي وعد ربنا يا بت؟!
توقفت لجين عن البكاء لتستدير وتواجه جدتها بنظراتها المتسائلة ...
فابتسمت ثمر وهي ترفع رأسها لأعلى مردفة :
_لما رب الكون يقول (وفي السماء رزقكم وما توعدون) يبقى نصدق وعده...يبقى القلب يطمن ...والعين تتملا ...والعقل يبطل خوف ...
ثم عادت تهبط بنظرها نحوها لتردف بشرود :
_عارفة يا بت يا أوبرا؟! كل يوم قبل مااحط راسي ع المخدة الشيطان بيوزني ...خصوصي بعد وقعتي الأخرانية في المستشفي...يقوللي هتموتي وتسيبيهم لمين ؟! هيضيعوا من بعدك ...بس برجع أستغفر ربي وأقول لا ...بناتي رزقهم متحوش لهم ...أنا ماحوشتش قرش ولا أرض ...أنا حوشت لهم عمل صالح ابتغيت بيه وجه الكريم ...واللي بيبتغي وجه الكريم ما بينضامش أبداً ...
ثم تلت قول الله تعالى ...
(وليخشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً)
مسحت لجين دموعها وهي تتغالب على حزنها لأجل جدتها قبل أن تقوم من رقدتها لتحتضن رأسها وتقبله هامسة :
_ربنا يديكي طولة العمر يا ستنا .
فجذبتها ثمر لصدرها تربت على ظهرها بحنان ناسب قولها :
_ربنا هيراضيكي يا بنت قلبي ...بس كله بأوان .
========
على سطح بيت ثمر فرشت ياقوت سجادة بسيطة الحال جلست عليها تراقب السماء المظلمة في هذا الوقت من الليل ...
صوت القرية المميز حولها بمزيج من نقيق الضفادع وصوت صرصور الحقل ...
صوت يمنحها السكينة حتى في هذه الظلمة الحالكة ...
سكينة لا تجدها هناك تحت أضواء العاصمة ...
سكينة تحتاجها الآن وهي تشعر بالخواء بعدما حطم الموج أكبر قصر رمال بنته أحلامها يوماً ...
زين ...!
ابتسامته...وسامته...كلامه المنمق ...نظراته الذكية...أناقته المفرطة...
كل هذا لا يساوي شيئاً أمام لحظات شفافية "نادرة" شعرت فيها أنها نفدت لقلبه ...
أجل ...لم تكن واهمة ...!
صحيحٌ أنها مجرد لحظات قليلة لكنها كانت تكفي امرأة -بذكائها- لتدرك أنها قد بدأت تقتحم حصونه ...
تقتحم حصونه ؟!
ابتسامة ساخرة مريرة تشبه الدموع ترتسم على شفتيها وهي تتذكر حديث يامن ...
تسترجع كل رواياته عنه مع ياسمين ...
ياسمين التي لاحقها منذ زواجها برامي ...مروراً بزواجها من يامن وانتهاء بسفرها لماليزيا ...
تراه يعشقها إلى هذا الحد ؟!!
الخاطر الأخير غرس سهماً بصدرها لم يكن ليكون بهذه القوة !!!
تراها تغار؟!
ممّن وعلى من ؟!
هل صدقت قصة حب نصبت قوائمها على عمود واحد
والآن تتعجب سقوطها ؟!
_قاعدة عندك كده ليه يا دكتورة ؟!
قالتها ثمر عبر أنفاسها اللاهثة عقب صعودها للدرج فتحركت ياقوت مكانها لتسألها بقلق لم يعد يفارقها عليها بعد مرضها الأخير:
_مش قلنا ماعدتيش تطلعي سلالم يا ستي ؟! تعالي استريحي!
قالتها وهي تفسح لها مكاناً جوارها جلست فيه ثمر بحركتها البطيئة قائلة :
_حسيت بيكي وانت طالعة ...وشك مقلوب من ساعة ما رجعتي من مصر .
_لا ...أبداً ...
قالتها منكرة وهي تشيح بوجهها فتفحصت ثمر ملامحها لتصدر همهمة خافتة قبل أن تبدأ في التسبيح على أصابعها كعادتها ...
ولما انتهت تطلعت للسماء قائلة بنبرة ذات مغزى:
_القمر غايب والدنيا ضلمة...سبحان من يغير ولا يتغير .
لكن ياقوت أطرقت برأسها دون رد ...
لتردف ثمر بنبرة متثاقلة :
_كنت بفكر نجدد شوية في البيت ...
_ولازمتها إيه المصاريف يا ستي؟!
هتفت بها ياقوت بطبيعتها -المادية- التي وجدت لها مبرراً حقيقياً هذه المرة بينما تردف:
_الحمد لله مستورين والفلوس موجودة بس الأمر ما يسلمش ...أنا ولجين على وش جواز ...ومحتاجين مصاريف ياما...وانتِ ربنا يبارك في عمرك لازم أضمن إن دواكِ يبقى على طول موجود .
فتنهدت ثمر لتقول بحزن :
_أختك مش عاجباني ...نفسيتها وحشة من ساعة مقابلتها للعريس الأخراني...عايزة أفرحها بأي حاجة .
هنا ربتت ياقوت على كفها مدركة سبب رغبتها هذه وقد كان هذا كافياً لتقول بحنان :
_خلاص يا ستي اللي تشوفيه ...انتِ أدرى بالصالح !
فابتسمت العجوز عبر أسنانها المكسورة لتضم رأس ياقوت في حجرها تداعب خصلات شعرها وتحصنها برقيتها المعهودة التي استسلمت لها ياقوت تماماً لتجد دموعها تسيل أخيراً رغماً عنها ...
قبل أن يرتجف جسدها كله ببكائه وهي تلصق وجهها بجلباب جدتها أكثر كأنما تتشمم به رائحة الأمان الذي ترتجيه ...
انتظرتها ثمر صابرة حتى هدأ بكاؤها رغم تقافز قلبها المريض في صدرها فزعاً لتسألها أخيراً :
_إيه اللي ينزل دموعك العزيزة دي يا بنت أشواق؟!
انتحبت ياقوت بضعف ولاتزال تخفي وجهها في جلباب جدتها لتقول أخيراً بين دموعها :
_قلبي واجعني قوي يا ستي .
_قلتلك حافظي عليه ماسمعتيش الكلام .
عتابها على حدته كان حنوناً ...جعل ياقوت تهمس بألم ولا تزال عاجزة عن مواجهة عينيها :
_غصب عني ...مين يشوف حلمه قدامه وما يمدش إيده يمسكه ؟!
_والحلم طلع كابوس؟!
غمغمت بها ثمر بقلق ينهش قلبها لتهز ياقوت رأسها موافقة وهي تحكي لها عن الأمر محاولة احترام خصوصية مهنيتها قدر المستطاع ...
لتنهي حديثها بقولها :
_من ساعة ما عرفت وأنا قلبي بيوجعني قوي ...مش عارفة هاحط عيني في عينه تاني إزاي !
_ومين قاللك هتشوفيه تاني؟!
هتفت بها ثمر بصرامة جعلت ياقوت ترفع عينيها إليها بهلع فثمر لم تتدخل يوماً في عملها !!!
_البيت ده مش هتخطيه برجلك تاني ...الراجل اللي يستحل حرمة راجل غيره ما يتآمنش على عِرض!
_بس يا ستي أخته ذنبها إيه ؟! دي حبتني وحاسة إن
علاجها ممكن يكون على إيدي !
_انتِ مش أشطر دكتورة في مصر ولا اللي جابك ماجابش غيرك ...بنتهم ربنا يتولاها ...لكن بنتي أنا مش هتخطي البيت ده تاني .
قالتها ثمر بوجه احمرت أخاديده انفعالاً وقلبها يبدو وكأنه يجاهد ليخرج من صدرها ...
لقد صدق حدسها!!
ثمرة قلبها حلقت نحو النار تظنها نوراً لكنها لن تتركها
لضلالها !!!
لهذا ما كادت تلمح الرفض على ملامح ياقوت المتذمرة حتى هتفت بها بعينين نافذتين:
_هتكسري كلمتي يا بنت أشواق؟!
تجمدت ملامح ياقوت للحظات وهي تشعر بصراع كبير بين مهنيتها وعاطفتها ...
مهنيتها التي تؤنبها على تركها لحالة همسة بعد الشوط الكبير الذي قطعته ...
وعاطفتها التي تدفعها لطاعة ثمر بل والهروب من عالم زين هذا قبل أن يلطخها سواده ...
_هتكسري كلمتي يا بنت أشواق؟!
عادت ثمر تهتف بها بنبرة أكثر صرامة جعلت دمعة حارقة تنسل أخيراً من طرف عين ياقوت ...
لكنها مسحتها وهي ترفع رأسها وجذعها لتقوم من رقدتها وتواجه جدتها بكلمات حسمت قرارها:
_ما عاش اللي يكسر كلمتك يا ستي !
=======
تسألون عن الحزن؟!
سلوها الآن وهي تجلس على ركبتيها أمام قبره بقلب ذاب كل سواد "حقده القديم" لتبدو من خلفه قروح ألم فقده ...
ألم لم يخففه عزاؤها أنها دفنته هنا في مصر كما كان قد يوصيهم دوماً !
تسألون عن الندم؟!
سلوها الآن وهي تتمنى لو يعود بها العمر ساعة...دقيقة...بل لحظة واحدة ...لحظة واحدة تخبره فيها أنها سامحت ...عفت عن الجرح القديم رغبة في عناق حقيقي لرجل فتحت عينيها على حبه ...
تسألون عن اليأس؟!
سلوها الآن وهي تطرق برأسها شاعرة أن الكون في عينيها أضيق من سم الخياط !
من بقي لها كي تعود إليه تستند بحماه ؟!!
من؟!
"كفٌّ"يمتد من خلف كتفها ...!!
تشعر به فتلتفت نحوه دون أن ترفع عينيها لوجه صاحبه ...
لا حاجة لها كي تفعل !
إنه ...زين!
من سواه قد يكون هنا الآن ؟!!
يامن ؟!!
لا !
لن تكون من الحماقة أن تنتظر منه حضوراً بعدما كان بينهما آخر مرة ...
وكأنما يسخر القدر من خاطرها ليفاجئها بحكمه!!!
"كفٌّ" ثانٍ يمتد من الجانب الآخر لرأسها والذي التفتت نحوه ودون أن ترفع وجهها إليه كذلك ...
عرفته من خاتمها ذي الفص الأسود في بنصره ...
ودبلة -قديمة جداً- في خنصره عمرها يقارب عمر هواه الذي استعمر صدرها كمحتل غاشم منذ سنين مراهقتها ...
هو هنا حقاً؟!
أم هو مجرد وهم صاغه إحساسها ب...
بماذا؟!
هي لم تعد تفهم بماذا تحس!!
الدمع يتكاثف في عينين لاتزالان -فقيرتين- عن نزفه...
لكنها ترفع وجهها أخيراً لتحدق في وجهيهما ...
زين الذي بدا لها غاضباً مكبلاً كما لم يكن من قبل ...
ربما لأنه يوقن من قرب مواجهة عنيفة مع يامن ...
وربما لأنه يخشى عليها وحدتها الآن دون سند أمامه...
وربما لأنه أدرك أخيراً أن خسارته -الآن- لا رجعة فيها !
ويامن الذي بدا لها غريباً كما لم تره من قبل ...
ملامحه الجامدة لم تحمل لها أي تعبير ...
وحدها عيناه كانتا دافئتين بل مشتعلتين بلهفة أبت أن تصدقها !!!
أي كف منهما تقبله لتستند عليه ؟!
دعم زين ؟! احتواؤه؟! سنده اللا مشروط ؟!
أم يامن ؟! بكل ما صار يحمله الاسم لها من ألم وخذلان ؟!
لهذا أغمضت عينيها عن كليهما للحظات متجاهلة الكفين الممتدين ...
ثم استندت على -كفيها هي - لتقف ببعض الصعوبة مع ظروف حملها ...
قبل أن تدفع -كليهما- ببرود قاس عن طريقها لتهرول بخطوات مندفعة نحو سيارتها هناك هاربة من الموقف كله ....
=========
لم تدرِ كم ظلت تجوب الشوارع بسيارتها عبر غلالة من الدموع لم تغادر عينيها كعهدها مؤخراً...
دوامة تدور بها ولا تدري كيف منها الخلاص ...
صورة أبيها لا تفارق ذهنها مع كلماته ...
_خايف عليكِ تندمي ...أنا مش هاعيش لك العمر كله ...خايف لو وقعتِ المرة الجاية مابقاش جنبك !
هل رحل حقاً هكذا فجأة ؟!
مجرد انفجار دبره وحوش بلا ضمير !!!
رحل دون أن تملك القدرة لتسامحه ؟!
قلبها "الأسود" حرمه وحرمها لحظات دفء صادقة في أيامه الأخيرة !!
أي خسارة هذه ؟!
وأي عِوضٍ بعدها ترتجيه ؟!!
نجمة "العلا" لاتزال تهوي في بئر خطاياها ...
مهووسة الكمال تنتبه الآن لصورتها المشوهة في مرآتها المكسورة !!
ألا سحقاً لغرور أنفسنا عندما يبدل ستر ذنوبنا عُرياً؟!!
ينتهي بها المطاف أمام باب شقتها التي كانت تعيش فيها مع أمها ...
أمها ؟!
تراها الآن فخورة بها ؟!
هل هذا هو حصاد ما زرعته فيها سنوات ؟!!
هل هذه هي القوة التي حصنتها بها لتواجه خطوب الحياة ؟!
لقد خذلتها ...وخذلت نفسها قبلها !!
تغمض عينيها بألم وكفاها يستندان على باب الشقة المغلق ...
صورة أمها اللائمة تحتل ذهنها وعيناها تعاتبانها بحسرة ...
_أين ياسمين؟!
أضعتِها...أضعتِها ...أضعتِها...؟!
والجواب تتمتم به شفتاها المرتجفتان بإقرار مذنب ...
_أضعتُها.
لكنها ترفع رأسها أخيراً في محاولة بائسة للتماسك ...
تفتح الباب لتجده واقفاً أمامها وكأنه كان ينتظرها ...
يامن !
_انت دخلت هنا إزاي ؟! مين فتح لك ؟!
تصرخ بها بجنون فجرته انفعالاتها العاصفة التي كانت تقتات على ما بقي من تماسكها ...
لتفرغ غضبها في الخادمة المسكينة التي وقفت ترتجف مكانها والتي تقدمت هي نحوها لتمسك بذراعها وتدفعها للخارج مردفة بنفس الصراخ الهائج:
_مش قلت لك ماتفتحيش لحد ...؟! مش عايزة أشوف حد ...اطلعي بره ...
هرولت الخادمة تهبط الدرج بسرعة لتلتفت هي نحو يامن الذي بقي واقفاً مكانه صارخة بنفس الجنون :
_وانت كمان اطلع بره .
لكنه اقترب منها ليغلق الباب بحزم قبل أن يمسك ذراعيها بقوة وقد فقد كلماته ...
لا يعرف كيف يواسيها في مصيبتها هذه التي يدرك أن ذنبها لن يفارق قلبها عمرها كله !
عندما سمع الخبر كان كالمجنون يريد الوصول إليها بأي طريقة ليفاجأ بخبر عودتها هي إلى هنا !
اللهفة التي ملأته لرؤيتها من جديد كانت أقوى من أي شعور اجتاحه ...
أقوى من غيرته من زين إذ رآه هناك...
أقوى من ألمه إذ يراها في هذا الحال...
بل وأقوى من قلقه إزاء صراخها الهستيري هذا ...
لكنها كانت مغيبة عن كل هذا ...
"الدوامة" إياها تبتلعها بلا رحمة فيتخبط رأسها بين جدران مشاعرها المضطربة...
_جاي ليه ؟! عايز مني إيه ؟!
لاتزال تصرخ بها بهستيرية فيحاول السيطرة على انتفاض جسدها بذراعيه لكنها تنفضهما بعنف لتبتعد عنه صارخة بينما تشير لأصابعه :
_افهم بقا ...افهم...لو انت لسه لابس الخاتم بتاعي فاكر إن ممكن يبقى لسه لنا أمل مع بعض فأنا دفنت خاتمك زي ما هادفن كل حاجة ممكن تربطني بيك .
_مش هتقدري!
يقولها بحزم واثق وهو يعاود الاقتراب منها وعيناه اللتان طالما بحثتا عن قرينة الحب في عينيها الآن تلقيان مرافعة بثبوته !!!
_لأني هنا ...وهنا...
"هنا" الأولى أشارت بها سبابته الواثقة نحو قلبها ...
و"الثانية" ارتجفت بها رغماً عنها وهو يلامس بطنها ...
وهَن...وهن...وهن...!
وهنٌ يفتت ما بقي لها من قناعات قوتها !!
لو تملك الآن أن ترجوه أن يبتعد ...
يبتعد لأقصى الأرض فلم تعد لها طاقة بمقاومة ...
وهن لم تكن لتسمح به طبيعتها المحاربة في موقف كهذا !!!
لهذا لم تشعر بنفسها وهي تضرب بقبضتيها على بطنها لتصرخ بنفس الجنون الهستيري الذي قادها للقنوط من كل شيئ:
_لو ده اللي هيربط بينا مش عايزاك ومش عايزاه ...مش عايزاه ...
ظلت تصرخ بعبارتها الأخيرة وهي تسلط جنونها على لكماتها لبطنها حتى بح صوتها ودون دموع ...
بينما كان هو يحاول تهدئتها دون جدوى وكلماته تذوب على حائط صلب توارت خلفه ياسمين الحقيقية بهشاشتها وضعفها ...
ياسمين التي استنزفها أخيراً كل هذا الوجع لتسقط مغشياً عليها بين ذراعيه ....
=========
_ماما!
تهتف بها برجاء وهي تفتح لها ذراعيها بينما تعدو نحوها لكنها تشيح بوجهها عنها بعد نظرة عاتبة تعرفها منذ كانت صغيرة تتلقى عقابها على أخطائها بنظرة كهذه ...
_ماما!
تهتف بها من جديد وهي تقترب منها لكنها كانت تبتعد ...
تبتعد وتبتعد حتى اختفت تماماً تاركة إياها وحدها تبكي !!
فتحت عينيها أخيراً وقد استردت وعيها لتدور بهما في الغرفة حولها ...
أين هي ؟!
هي تذكر هذا المكان ...
معقول؟!
_أحسن دلوقت ؟!
همسه الحاني يترافق مع تربيته على وجنتها لتنتفض مكانها هامسة بصوت مبحوح من فرط الصراخ :
_انت جبتني هنا إزاي؟!
_بالعربية !
رده المقتضب يستفزها أكثر لكنها كانت حقاً أضعف من أن تثور!
لماذا أتى بها إلى هنا ؟!
إنه "الشاليه" الذي اشتراه لها على البحر ...
يالله !!
رغم قصر الأيام التي قضتها هنا لكنها تذكر كل لحظة قضتها فيه ...
لا ...لا ينقصها هذا الآن ...
لا تريد أن تذكر ...لا تريد !!
لهذا أغمضت عينيها بقوة بينما هو يردف ولايزال يربت على وجنتها برفق:
_نقلتك المستشفى بعدما أغمى عليكِ وبعدين جبتك هنا ...
_مش هاقعد هنا دقيقة واحدة ...
قالتها بعناد بارد وهي تحرك ساقيها لتغادر الفراش لكنه ثبت كتفيها بقبضتيه ليقول بحزم صارم:
_مش هتخرجي من هنا إلا لما أنا أقول ...ودماغك الناشف ده تنسيه من النهارده...الشاليه مقفول علينا من جوه والمفتاح معايا...يعني مفيش خروج ...وحتى لو حاولتِ تصرخي محدش هيسمعك ...انتِ عارفة إن محدش بييجي هنا في الشتا .
اتسعت عيناها بصدمة من كلماتة لتتلفت حولها هامسة بغضب:
_يعني إيه ؟! خطفتني؟!
فاشتدت قبضتاه على كتفيها وعيناه تواجهانها بنفس النبرة الحازمة :
_محدش بيخطف مراته...بس لو عايزة تعتبريه كده ...براحتك.
اغرورقت عيناها بالدموع العصية على السقوط فودّ لو يضمها لصدره لكنه هو الآخر كان يرزح تحت وطأة انفعالات الساعات السابقة...
رؤيته لزين هناك ...لكمته وتهديده له بالقتل ...بحثه عنها بعدها لينتهي به المقام في شقة أمها ...عودتها التي تزامنت مع صراخها الهستيري ...الجنون الذي أصابها وهي تضرب بطنها بقبضتها ...سقوطها فاقدة للوعي بين ذراعيه ...
كل هذا كان كثيراً على احتماله !!
لهذا لم يفكر كثيراً وهو يقرر أن يهرب بها من كل العالم إلى هنا !!
لا يعرف مدى صحة هذا القرار في حالتها هذه ...
لا يعرف تبعات هذا عليها ...وعلى طفلتهما...
كل ما يعرفه أنه لم يعد قادراً على الابتعاد ....
سيكون معها ولو رغماً عنها !!
كان يتوقع غضبتها لهذا لم يندهش عندما تحاملت على ضعف جسدها لتدفعه عنها وهي تغادر الفراش لتقول عبر الصوت المبحوح :
_انت فاكر إني خلاص مابقاش ليا ظهر؟! فاكر إني بقيت لوحدي هتبيع وتشتري فيا زي ماانت عايز؟!
آلمه أن تشير لمصابها بهذه الطريقة فوقف بدوره ليسند جسدها الذي يتوقع سقوطه في أي لحظة مع هذا الضعف الذي يدرك أنها تداريه باستماتة قبل أن يقول لها بنفس النبرة الحازمة :
_ولو وراكِ الدنيا كلها ...مفيش حد...مفيش حاجة هتاخدك مني تاني.
هزت رأسها الذي تضرب فيه الآن آلاف المطارق لتنفلت منها أنّة خافتة ...بينما عيناها الزائغتان تدوران في المكان حولها بعدم تصديق :
_انت بتعمل كده عشان تحاسبني على آخر رسالة بعتهالك عن زين ؟!
هنا وضع كفه على شفتيها يمنعها الاستطراد بينما يقترب بوجهه من وجهها حتى كاد يلاصقه وعيناه تشتعلان بنظراتها :
_أولاً...اسم الزفت ده ماعادش ييجي على لسانك ...
شيئ من الخوف يمر عبر غلالة الدمع العنيد الذي يطوق نظراتها ...
ليردف هو بنفس النبرة الحازمة التي يداري خلفها طوفان عاطفته :
_ثانياً...أنا واثق إن اللي بعتيه ده مزيف.
_واثق؟! يامن واثق؟!
بتهكم مرير تتمتم بها بعدما نزعت كفه من على شفتيها لتهز رأسها مستطردة :
_من امتى بتثق في حاجة وفي حد ؟!
لكنه ازدرد ريقه ببطء وعيناه تحملان لها اعتراف عشق أبت تصديقه :
_لو مش هتغير عشانك يبقى عشان مين ؟!
شهقت شهقة عالية كتمت بها انفعالها وهي تهرب من عينيه بكفيها اللذين دفنت فيهما وجهها مع تمتمتها بتنمر واهن:
_للدرجة دي صعبانة عليك ؟! انت بتضحك عليا واللا على نفسك ؟! نسيت إني حافظاك زي خطوط إيدي؟!
لكنه نزع كفيها عن وجهها ليعاود احتلال نظراتها بعينيه اللتين فاضتا ببوحه :
_وعشان حافظاني بسألك ...يعني إيه أبقى مش قادر أعيش من غيرك ؟! يعني إيه أحارب نفسي عشانك ؟! يعني إيه يبقى عذابي وفرحتي بإيديكي انت وبس ؟! يعني إيه أموت في اليوم ألف مرة وأنا بفتكر أيامنا سوا وخايف ماترجعش؟! يعني إيه ؟!
ترنح جسدها الواهن ليسند خصرها بكفيه وهو يلصق جبينه بجبينها ليهمس بين شفتيها :
_يعني كسبتِ رهانك عليا...بقولهالك وعمري ما قلتها لحد قبلك...ولا هاقدر أقولها لحد بعدك...
ثم صمت لحظة يتمالك نفسه قبل أن يبتعد ليبسط راحتها على كفه يرسم عليها هو بأنامله رمزهما الأثير لحرف الياء الذي انثنى طرفه بشكل القلب ...
القلب الذي أعلن ملكيتها هي له أخيراً مع اعترافه الصريح:
_بحبك .
رفعت إليه عينيها فجأة بصدمة لثوانٍ قبل أن ينفجر البركان !!
طوفان الدمع الذي حبسته الآن يتحرر خلف كل السدود ...
دموعها المفقودة عادت ...وعاد معها كل شيئ!!!
جسدها يرتجف بين ذراعيه ببكائها الذي فاجأه بقوته بعد طول تماسكها ...
ليفقد اتزانه للحظة وهو يراها تسقط منه أرضاً لكنه دعمها بذراعيه ليسقط معها هو الآخر ...
يخفي رأسها في صدره مغرقاً وجنتها الظاهرة بقبلاته قبل أن يرفع جسدها فوق ساقيه يهدهدها كطفلة ...
فتدفعه عنها ببعض العنف لكنه لا يفلتها من بين ذراعيه محتملاٌ مقاومتها حتى تراخى ذراعاها ليفاجأ بأناملها أخيراً ...
تتشبث بقميصه !!!
صوت أنينها الباكي يميته ويحييه...
بقدر ما يثير ألمه لأجلها بقدر ما يمنحه الأمل أنها عادت ...
"امرأة الألوان" خرجت أخيراً من بوابة "الأسوَد" التي كادت تلتهم روحها...
"ساحرة الفوضى" عادت لرقصتها العفوية على إيقاع قلب تثق بحدسه...
"عروس البحر" بعد غربتها على الشاطئ قفزت من جديد في بحر لم يعترف بغيره سيداً ...
ياسمين عادت ..
أمه...وطفلته...وصديقته...عادت...عادت...
يعتصرها بين ذراعيه وأنامله تتلمس كل إنش من جسدها يلصقها به وكأنما يخشى أن تفارقه من جديد ...
_مات يا يامن ...مات...مات وهو بيترجاني كل يوم أسامحه وأنا رافضة أنسى...بجلده بإيدي على ذنبه القديم كإني ملاك مابيغلطش...مات وآخر حاجة عملها كانت إنه طبطب عليا قبل ما يروح يشتري هدية لبنتي ...هسامح نفسي إزاي؟! هاعيش كام عمر عشان أقدر أنسى غلطي في حقه ؟! ليه يمشي ويسيبني فجأة كده زي ما عمل زمان ؟! بس المرة دي الفراق دبحني ...دبحني يا يامن ...
ألصق وجنته بوجنتها ولايزال يهدهدها على ساقيها وقد عجز عن الرد ...
ماذا عساه يقول وهو خير من يدرك أي عذاب من الندم تعيشه الآن وعاشه هو قبلها مثله ؟!!
لكنه كان يدرك في هذه اللحظة أنها لا تحتاج كلماته ...بل حبه !
لهذا اكتفى بهذه الجلسة لدقائق طالت كأنها دهر قبل أن تتحول شهقات بكائها المرتفعة لنحيب صامت ...
فأبعدها قليلاً ليقف ويحملها بين ذراعيه متجهاً بها نحو حوض الاستحمام ...
يخلع عنها ملابسها غير المريحة ليوقفها تحت شلال الماء الدافئ ...
يغسل لها شعرها الذي استطالت خصلاته ويراقب عينيها المغمضتين بأسى وكأنها مغيبة بسيل من الدموع ...
والحقيقة أنها كانت حقاً مغيبة...
كمسافر عاد لما يفترض أنه وطنه وأهله فيصدم بكونه غريباً!!
من هي ؟!
من هي حقاً؟!!
ماذا فعلته بنفسها وبأقرب الناس إليها ؟!
أين قوتها المزعومة التي ما زادتها هاهنا إلا وهناً وخذلاناً ؟!!
فلتبكي ولتبكي ولتبكي لعل هذي الدموع تطهر روحها ...
تشعر بشلال الماء يتوقف ليجذبها هو خارج الحوض قبل أن يجفف جسدها بمنشفة ليضع عليها قميصاً مريحاً كانت قد تركته هنا في آخر مرة ...
تباً لهذا العطر الذي يفوح منه يذكرها بنعيم كان لها يوماً ...وضاع!!
لا تزال غير قادرة على فتح عينيها مكتفية باستسلامها بين ذراعيه وهو يقودها نحو الفراش من جديد ...
أنامله تمتد نحو خصلات شعرها المبتلة لتسمعه يهمس لها بحنانه الذي لم تدرِ كم افتقدته سوى الآن :
_لو تعرفي كام ليلة نمت وأنا بحلم إني بضفر لك شعرك زي ما علمتيني !
كلماته تزيد دفق الدمع على وجنتيها فتمسحه أنامله المرتجفة التي انتقلت لشعرها يصنع لها جديلته ...
"سنبلته" الذهبية التي شهدت عهد عشقها القديم له ويقسم أن تشهد عهد عشقه هو الجديد لها ...
هذه التي استقرت الآن على جانب كتفها ...
قبل أن تستقر هي بكليتها بين ذراعيه تخفي جسدها الضئيل في رحابة جسده مستشعرة "أبوة" طالما افتقدتها في علاقتها معه...
وتغرق في دوامة مشاعرها أكثر وأكثر ....
=======
_ياسمين حالتها مش كويسة...مابتردش عليا ...دايماً تايهة وسرحانة...
قالها يامن عبر الهاتف مخاطباً ياقوت بخفوت بينما يقف في ردهة الطابق السفلي من الشاليه منتهزاً فرصة نوم ياسمين ...
_ممكن أعرف تفاصيل أكتر؟!
سألته ياقوت باهتمام رغم ضيقها بالوقت المتأخر ليلاً الذي يحدثها فيه ليخبرها عن آخر التطورات ...
قلبها "المكلوم" يتوجع بحسرته وهو يحكي لها عن لقائه بزين هناك في المقابر وكيف انتهى ...
تراه -زين- يعشق ياسمين إلى هذا الحد ؟!
حد ملاحقته لها هنا حتى بعد علمه بعودتها لزوجها ؟!
لكنها نفضت عنها هذا الخاطر لتعود لدرع مهنيتها ملتقطة منه ما تلا ذلك من تفاصيل انتهت بقوله :
_ومن ساعتها ساكتة وما بتبطلش عياط.
تنحنحت لتجلي صوتها ثم قالت بنبرة محايدة :
_اعترافك بالحب في الوقت ده صدمها ...كانت متوقعة بعد السكرين اللي بعتته إنك هتبعد أكتر ...وده اللي هي كانت عايزاه عشان تخلص من الضغط وتخرج نفسها من دايرة هتفضل تلف فيها من غير لزوم...وفجأة كده ييجي يامن جديد مختلف ...يامن بيقوللها إنه واثق فيها ومش مصدق إنها تغلط...يامن مش مكسوف ومش متردد يقوللها إنه بيحبها ...يامن محتاجاه دلوقت أكتر من أي وقت في حياتها ...كرامتها بتقوللها ماتصدقيش وابعدي ...بس قلبها بيقوللها حاسبي أحسن تخسريه من غير ما تسامحيه زي ما عملتِ مع والدك ...ولأنها لسه مش قادرة تاخد قرار فلسه تايهة بينهم .
صمت قليلاً يتفكر في حديثها الذي أقنعه ليرفع بصره نحو الأعلى مراقباً أي حركة تشي باستيقاظها ولما لم يجد عاد يسألها هي بقلق:
_والمفروض أعمل إيه دلوقت ؟!
_حِبّها!
قالتها ببساطة أغاظته وجعلته يهتف باستنكار فظ :
_جبتِ التايهة ؟! مش عارف الحقيقة من غير اقتراحاتك دي كنت هاعمل إيه!
ابتسمت رغماً عنها مع عفوية رده لتجد بساطة لكنتها القروية تتسرب عبر حديثها :
_جرى إيه يا دكتور ؟! يادي العيبة !أنا اللي هاقوللك تدلع مراتك إزاي ؟!
صمت طويلاً لكنها تفهمت قلقه لتعود لها نبرتها المهنية مع قولها :
_ماتقلقش ...استحملها الفترة دي لحد ما تعدي ...ياسمين دلوقت هتنزل م الجبل اللي كانت فاكرة نفسها واقفة فوقه...هتبتدي تشوف غلطها وتحط إيدها على نقط ضعفها ....احنا خطينا الصعب واللي باقي مقدور عليه ...وأنا معاك متابعة أول بأول .
أغلق معها الاتصال شاكراً بكلمات مقتضبة قبل أن يتصل بنبيلة التي لم تنقطع اتصالاتها به منذ اختفى هاهنا ....
ولم تكد تسمع منه ما حدث حتى هتفت باستنكار:
_خطفت البنت يا يامن ؟!
_انتِ هتعملي زيها ؟! هي مش مراتي وده بيتي؟!
قالها بغضب مكتوم محاولاً عدم رفع صوته لتهتف نبيلة بنفس الاستنكار العاتب:
_ده وقت عِند وغصب في حالتها دي؟! هاتها لي يا يامن ...هاتها في حضني وأنا هاعرف أتعامل معاها !
تحشرج صوتها في عبارتها الأخيرة برجاء بررته عبارته بعدها:
_الزعل غلط على حملها يا يامن ...مش هسامحك لو ابنك المرة دي جرى له حاجة !
عبارتها العفوية ترده لذنبه القديم لكنه يبتلع غصة حلقه ليقول باقتضاب:
_بنت !
_بنت؟! بجد؟! البنات رزقهم واسع وكلهم خير ...ياربي!!
هتفت بها بفرحة لم تستطع كتمانها لتعاود قولها بقلق :
_بس برضه ماينفعش تحبسها عندك ...هاتها وسطنا حرام عليك.
_هو أنا بعذبها ؟! أنا أدرى بحالتها ومتابع حالتها مع دكتورة نفسية كمان ...
قالها بنفاد صبر ليتهرب من إلحاحها بقوله :
_خللي بالك انتِ م البنات ...ماتقلقيش علينا .
قالها ليغلق الاتصال بسرعة مدركاً إلى أي مدى تغيرت نبيلة وتغيرت علاقته بالتبعية معها ...
ثم زفر بقوة وهو يعاود الصعود للأعلى ...
نظراته تتعلق بجسدها الساكن في نومه بلهفة وكأنه لا يصدق أنها حقاً عادت ...
يتمدد جوارها ليتحسس ملامحها بأنامله التي هبطت بخشوع ذائب نحو بطنها ...
هنا طفلته منها !
طفلته التي لم يدرك أنه حقاً يشتاقها إلا الآن !!
ترى كيف سيكون شكلها ؟!
لا يهم !
ما يعنيه أنها قطعة منها ومنه...وكفى!!
صورة ابنه من "سيلين" تعاود القفز بسلطان وساوسه للذنب القديم ...
لكنه هذه المرة كان من القوة بمكان أن نفض عنه هواجسه هذه لينحني فوق بطنها بقبلات ناعمة حذرة ...
لتصدمه حركتها تحت أنامله !!!
رفع رأسه بصدمة وهو يعاود تحسس بطنها ليتيقن من حركة الجنين التي جعلت جسده يقشعر تأثراً بها ...
ابنته تشعر به ...
تتجاوب معه ...
الدموع تملأ عينيه وهو يجرب هذا الإحساس لأول مرة فيرفع رأسه لأعلى بحمد العلي القدير ...
قبل أن ينتبه لتململ ياسمين في نومها وكأنما أزعجتها حركة جنينها !
لكن الحقيقة أنها كانت تعيش كوابيسها الخاصة التي صارت قلما تفارقها ...
عتاب أمها ..نداء أبيها ...صوت الانفجار ...الدخان الأسود...النيران ...
وطيف بعيد باهت لعابد ...
عابد ؟!
أين عابد ؟!
هل سيرحل هو الآخر؟!
تنتفض من نومها مفزوعة فتجفله حركتها قبل أن يجدها تلقي بنفسها بين ذراعيه فجأة تتشبث بعنقه بقوة وبكاؤها الصامت يعاود تدفقه دون توقف ...
ضمها إليه برفق مهدئاً وهو يربت على ظهرها للحظات ..قبل أن يبعدها ليمسح دموعها بكفيه هامساً :
_قومي معايا ...أنا عارف دواكِ.
لكنها تهز رأسها رفضاً كالمغيبة لا تكاد تعي مما يقوله شيئاً
إلا فقط هالة وجوده حولها ...
هنا جذبها برفق من ذراعها ليقف ويوقفها معه قبل أن يتوجه بها نحو الحمام حيث فتح لها صنبور المياه ...
_اتوضي!
الكلمة على بساطتها تصدمها كأنها نسيتها مع ما نسيته !
لهذا وقفت مشدوهة لبضع ثوانٍ قبل أن تشرع في الوضوء ودموعها المتدفقة تأبى التوقف ...
ولم تكد تنتهي حتى ناولها المنشفة لتجفف جسدها ثم جذبها برفق خلفه ليتوجه بها نحو خزانة الملابس حيث جذب لها وشاحاً ساتراً وضعه فوقها ...
قبل أن يسير بها نحو زاوية الغرفة حيث استقبل القبلة ليرفع يده بالتكبير ويسمع تمتمتها به خلفه ...
يستحضر خشوعه طارداً وساوسه قبل أن يعلو صوته
بالتلاوة ...
والإلهام يرشده لسورة "الضحى " عقب الفاتحة ...
ولم يكد يصل لقوله تعالى ...
"ما ودعك ربك وما قلى ..وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى"...
حتى شعر بها خلفه تجهش في البكاء لكنه لم يقطع صلاته مستمراً في تلاوته يعيدها مرة بعد مرة ...
يركع فيطيل الركوع ...
يسجد فيطيل السجود ...
يدعو له ولها قبله وهذا الشعور المهيب يملأه أنه في حضرة الملك الذي يستحي أن يرفع العبد يده إليه فيردهما صفراً خائبتين !!
ولم يكد يسلم من صلاته ليلتفت نحوها حتى وجدها لا تزال ساجدة ...
فانتظرها صابراً لعلها تدرك هاهنا ملجأها وراحتها ...
وقد صدق حدسه !!
ففي مكانها وجبينها يلتصق بالأرض في خشوع ذليل كانت تشعر وكأنما تلقي وزرها عن عاتقها ...
كانت تدرك أنها ابتعدت كثيراً كثيراً ...
لكن النور القادم من بعيد يناديها ...
يطمئنها ...
ويغسل درن روحها ...
نورٌ لن تطفئه الخطايا مهما عظمت ...
ينبئنا أن لو أتينا بقراب الأرض خطايا نادمين مستغفرين
لأوتينا بقرابها مغفرة ....
=========
_لو شفتك حواليها تاني هاقتلك ومش هاخد فيك ساعة سجن واحدة !
يتذكرها بصوت يامن عندما التقاه أمام قبر وجدي بعد رحيل ياسمين العاصف ودفعها لكليهما ...
يتحسس ذقنه حيث موضع لكمة وجهها له يامن عقب عبارته ولم يردها له !
ربما لأنه كان يرى معه بعض الحق هذه المرة !
ياسمين لا تزال أسيرته بعقد زواج وهو "الدخيل" هاهنا!!
لكن هل سيستمر هذا الوضع ؟!
هل سيتركها الآن تحت رحمة مجنون كهذا ؟!
لكن ماذا عساه يصنع وهو مكبل برفضها هي لمساعدته ؟!!
أطلق صيحة غاضبة وهو يخبط سطح مكتبه بكفه !!!
ياسمين أخبرته أنها سترفع قضية طلاق وهو سيساعدها في الاحتفاظ بطفلها ...
علامَ إذن كان كل هذا التخطيط مع ياقوت ؟!!
ياقوت؟!
اسمها الذي استحضره ذهنه يقلب مشاعره الغاضبة للنقيض ...
ارتياحٌ رهيب يغمره يمتزج بنشوة غامضة ...
احساس مميز تختص بها هي ...يستمد تميزه من شعوره المتناقض بها ...
ياقوت ...بلسم الطبيبة الشافي ...
ياقوت...ذكاء المرأة النادر...
ياقوت...قوة الأنثى المثيرة لحواس صياد مثله...
ياقوت...جمالٌ بكر مدفونٌ ينتظر من يزيح عنه اللثام !
وماذا عن ياسمين؟!
هل تجوز المقارنة هاهنا ؟!
ياسمين المرأة الكاملة التي يرتجيها زوجة...
لكن ياقوت ...!
تنهد بعمق عند الخاطر الأخير عاجزاً عن إكماله !!!
يود لو يعترف أنها "مجرد طريدة" يستمتع بصيدها ...
لكن- احترامه- لها يمنعه من "تهميشها" إلى هذا الحد !
ربما ...ربما لو شعر للحظة أنها لا تستحق احترامه هذا لوضعها في خانة "الطريدة" بضمير مرتاح ...
ساعتها سيتلذذ بصيد امرأة أخرى هي صورة من "زوجة أبيه"!
انقطعت أفكاره فجأة عندما انتبه أنها اعتذرت عن جلسات همسة لثلاث مرات متوالية...
اليوم ...ألم يكن من المفترض بها أن تأتي؟!
نظر في ساعته للحظة قبل أن يتناول هاتفه ليتصل بها ...
وفي غرفتها بالمركز تجاهلت اتصاله لمرتين ...
قبل أن تستجمع بأسها لترد ...لم يعد هناك جدوى من تأجيل المحتوم ...
_إزيك يا ياقوت ؟!
تغمض عينيها بقوة شاعرة بعظم ما توشك أن تفقده ...
ليس هو نفسه ...بل "أحقية الحلم بمن يشبهه"!!
ربما ثمر محقة !
من مثله لا ينظرون لمن مثلها إلا نظرة واحدة فقط !!
هي "ابنة الخادمة" ورثت عن أمها عارها ...
و"ابنة الثري" الذي لم يورثها جاهه ولا ماله ...بل خطيئته !
و"الجبين " الموصوم بالسواد لا يشفع له بياض جسد ناصع!
_خير؟!
تقولها باقتضاب متجاهلة تحيته ليعقد حاجبيه شاعراً بالغرابة ...
ألم يتجاوزا مرحلة فظاظتها هذه في الأيام السابقة ليعرف بعض الود طريقه بينهما ؟!
_ناسيانا ليه ؟!
بلهجته المميزة بين الهيمنة والود يقولها لتجيبه بتحفظ :
_كنت لسه هاكلمك .
_صحيح؟!
نبرته يتخللها بعض العبث المقصود لمغازلة عذرية قلب يثق بأثره عليه ...
لتطعنه عبارتها في الصميم:
_عشان أعتذر عن حالة همسة .
كز على أسنانه بقوة وهو يشعر بمزيج غريب من الأحاسيس ...
نزعة "الصياد" بداخله تدفعه للإحساس بالخيبة من تفلت طريدة كهذه من يده ...
لكن هل هذا هو ما يملأه الآن فحسب؟!
لا...
غصة تخنق حلقه وهو يتصور رد فعل همسة على هذا القرار ...
همسة التي تعلقت بها بشدة حتى كادت تنافسه في مكانته هو لديها !!
لهذا صمت لحظات ليعاود القول بنبرة أكثر خشونة :
_احنا مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده ؟! إيه الجديد ؟!
التوت شفتاها بابتسامة ساخرة لم يرها وهي ترد بحزم مقتضب:
_معنديش حاجة زيادة أقولها ...ربنا يوفقكم مع دكتور غيري .
استشعر أنها ستنهي المكالمة هكذا فهتف بغضب لم يملكه :
_هو إيه لعب العيال ده ؟! انتِ فاكرة مشاعر الناس لعبة ؟! تعلقيها بيكي وبعدين تسيبيها ؟!
_كويس جداً إنك فاهم إن مشاعر الناس مش لعبة !!
قالتها بعتاب مبطن خلف واجهة معتدة كعهدها ليردف بتشكك :
_قصدك إيه ؟!
دمعت عيناها رغماً عنها وهي تشعر أن إنهاء الأمر ليس بهذه السهولة التي تخيلتها ...
قلبها يكاد ينفطر كأنه فقد عزيزاً ...
مشاهد متتالية من حديقة بيته ...غرفة همسة ...ابتسامتها ...نظرتها ...عناقها ...
كتبها التي تقرأها لها ...
و...هو!!
هو الذي مس أعمق نقطة بقلب عاشت هذا العمر كله تخاف عليه أن يُمَسّ!
من اليوم لا زين !
لا "حلم"!
لا "رجل" يرفع رأسها ورأس ثمر ويجعل أباها يندم على ذنبه القديم !!
من اليوم ...لا "أمل"!
أو ...فلتعد للبحث ...لعل القدر الرحيم يمنحها العوض!
الخاطر الأخير أمدها ببعض القوة لتعاود القول متجاهلة سؤاله :
_بعد إذنك عندي شغل ...هاكتب تقرير بتطور الحالة وأبعتهولك عشان لو هاتكمل مع حد تاني .
_مش هاتكمل مع حد تاني ...وانتِ اللي هتشتغلي معاها ...
هتف بها بصرامة استفزتها لينظر في ساعته مردفاً :
_عندي اجتماع مهم دلوقت ...هاجيلك بعد ساعتين .
كادت ترد بعبارة قاسية تغلق بها الاتصال في وجهه لكنه فاجأها عندما أغلق هو الاتصال !
======
_انتِ صحيح هاتسيبي همسة ؟!
سألها رائد بقلق وهو يجلس أمامها على مكتبها في المركز بعد نصف ساعة فقط من محادثتها مع زين لترد بابتسامة مرتبكة :
_هو لحق يقوللك؟!
لكنه تجاهل عبارتها ليسألها بضيق حقيقي:
_ليه ؟! ده أنا ما صدقت حد يفرق معاها !
شبكت أصابعها أمامها مطرقة الرأس لتغمغم بشرود :
_انت دراعه اليمين ...وأكيد عارف علاقته بيامن حمدي وياسمين ذو الفقار .
تجمدت ملامح رائد للحظات وكأنه فوجئ بمعرفتها قبل أن يعود لوجهه قناعه الجليدي مع قوله :
_وده يضايقك في إيه ؟!
_يضايقني في إيه ؟!
هتفت بها باستنكار ترفع إليه عينيها الثائرتين خلف نظارتها ليهز كتفه بقوله خلف قناعه المعدني :
_محدش يقدر يضربك على إيدك ويقوللك اعملي وماتعمليش ...خلليكي في شغلك وخلاص.
_كان نفسي أحسبها زيك كده ...بس للأسف عندي حسابات مختلفة !
_أنا عمري مااترجيت حد ...بس عشان همسة...
يقولها بنبرة لانت كثيراٌ وجعلت صوته يرتعش بكلماته لكنها قاطعته بقولها:
_أرجوك ما تكملش ...لو أقدر ماكنتش هاستنى منك رجاء ولا حتى طلب ...ربنا عالم حبيت همسة أد إيه وكنت أتمنى فعلاً أكمل معاها بس ...غصب عني ...
عقد حاجبيه بقوة وهو يفكر في سبب ما تفعله ...
بينما استطردت هي بنبرة أكثر عاطفية :
_فيه دكتورة زميلتي ممكن أرشحهالكم ...هاشرح لها التكنيك اللي كنت ماشية عليه وممكن أتابعها من بعيد لبعيد ...بس مش هاقدر أدخل البيت ده تاني .
_زين ضايقك ؟!
دمعت عيناها للحظة بعد سؤاله لكنها وارت هذا خلف قناع قوتها لتقول باعتداد :
_مالوش عندي حاجة عشان يضايقني ...كان بيننا شغل وخلص .
زفر زفرة قصيرة وقد أنبأته ملامحها أن الأمر محسوم ...
على الأقل من جهتها هي !
لكنه يشك أن لزين رأياً آخر !
لهذا قام من كرسيه ليرمقها بنظرة آسفة حملت الكثير من امتنانه مع قوله :
_مفيش قدامي غير إني أشكرك ع اللي عملتيه...
ثم أشاح بوجهه للحظة قبل أن يعود ليرمقها بنظرة عميقة وقد راوده حدسٌ ما جعله يردف بنبرة غامضة :
_ وأنا لسه عند وعدي ...أي حاجة تحتاجيها في أي وقت ما تتردديش تطلبيها مني .
ورغم شعورها بالامتنان لكنها وقفت مكانها لتقول باعتدادها المألوف:
_متشكرة جداً ...بس ماافتكرش هنتقابل تاني .
فالتوت شفتاه بابتسامة "غريبة" لم تدرِ ساخرة أم مشفقة ...
قبل أن يغادرها وقد عاد إليه قناعه المعدني بخطوات واثقة لا تشي بما يفور في صدره من مشاعر ...
=======
"صائد كنوز"!
وماذا يضيرني لو كنت حقاً كذلك؟!
أحمقٌ من يغض الطرف عن بريق اللؤلؤ في عينيكِ بعدما أهلكه شغفاً ...
وما كان الحمق يوماً من صفاتي.
فرصة واحدة لكِ كي تبتعدي...
وبعدها كل الفرص لي ...بالاقتراب!
"زين"
==========
تحدثني عن لذة "الصياد"؟!
دعني أحدثك إذن عن متعة "الطريدة" وهي ترد له شباكه خاوية !
تحدثني عن مهارة استكشاف الكنوز؟!
دعني أخبرك إذن "أصول" استخراجها !
تحدثني عن تاريخ "قديم" لملك غازٍ؟!
دعني أروِ لك إذن حكاية "متجددة" لملكة لا ينكسر تاجها ...لا تستسلم قلاعها ...ولا يخون جندها ...
تحدثني عنك؟!
بل دعني أحكِ عني ...
فحكايتك قتلوها بحثاً على المقاهي والأرصفة ...
وحكايتي سيخلدونها في مجلدات التاريخ !
"ياقوت"
=======
وصلت سيارته أمام المركز ليشير للسائق بالتوقف ليهم بالترجل لولا أن لمح رائد يخرج !
عقد حاجبيه بشك وهو يراقبه يتحرك بملامحه الجامدة كعهده قبل أن يستقل سيارته ليتحرك بها مبتعداً ....
ما الذي كان يفعله هنا ؟!
ولماذا لم يخبره أنه قادم ؟!
ولماذا اختار هذا التوقيت بالذات مدركاً انشغاله بالاجتماع الذي أنهاه سريعاً قبل ميعاده ...
ربما لو لم يكن قد فعلها لما علم عن مجيئه هنا شيئاً !!
ممممم...رائد يخفي شيئاً ما عنه...
شيئاً يتعلق بياقوت هذه !!
لن ينسى همساتهما المختلسة ولا لكزته لكتفها عندما رآه ...
كذلك لن ينسى كيف تعمدت استفزازه لتجعله يتدخل في جلسات همسة معها ...
ماذا عساه يدور بين هذين الاثنين ؟!
وما الذي تخفيه هذه المرأة خلف واجهة الطبيبة المكافحة ؟!
لا بأس ...
سيحكم الشرك هذه المرة ولن يسمح لها بالفكاك !!
وعند الخاطر الأخير ترجل من سيارته ليتوجه نحو المركز حيث غرفة مكتبها التي طرق بابها ليدخل دون انتظار إذنها في بداية نارية لمواجهة لا يدري إلى أي حد ستكون ساخنة...
لم يكلف نفسه مشقة إلقاء تحية مع ملامحها المتحفزة التي تنمرت وهي تلتفت نحوه لتستدعي كل قوتها بقولها :
_عندي جلسة كمان خمس دقايق .
هل فوجئت به ؟!
الغريب أن لا!
قراءتها الذكية لشخصيته أنبأتها أنه لن يقبل برفض ...أي رفض!
"ابن الأكابر" الذي ولد وفي فمه "طاقم ملاعق" من ذهب لن يرضى بكلمة "لا" يقذفها أحدهم في وجهه !
_ما احنا مش هناخد خمس دقايق !
يقولها بنبرة متحدية عبر عينين نافذتين وهو يقترب منها أكثر ...
توقعته سيجلس أمامها على كرسي المكتب لتفاجأ به يقترب من كرسيها هي ليستند بكفيه على حافة المكتب جوارها يراقبها من علوّ...
لم تستطع منع ارتجافة جسدها لقربه المستفز هذا لكنها رفعت نحوه عينين غاضبتين مثله بينما هو يقول ونظراته تتفحص ملامحها :
_دقيقتين تفهميني إيه اللي حصل ...ودقيقتين أقنعك تغيري رأيك أياً كان السبب اللي بتتخلي عن همسة عشانه.
ابتسامتها الساخرة من ثقته بنفسه تثير المزيد من غضبه الذي تحكم به بينما هي تعود للخلف مستندة على ظهر كرسيها لتعقد ساعديها أمام صدرها قائلة :
_هي دقيقة واحدة هاقوللك فيها اللي يخليك تمشي فوراً ...وتقفل الباب وراك .
كز على أسنانه بغضب مكتوم من هذه اللهجة التي لم يعتد أن تحدثه بها امرأة !
بينما وقفت هي مكانها لتناطحه رأساً برأس مردفة :
_لو مدام ياسمين حابة شهادتي بخصوص دكتور يامن فأنا لسه عند رأيي اللي قلتهولك قبل كده ...
اتسعت عيناه بصدمة من عبارتها ليفقد كلماته ...
هل قالت "ياسمين" و"يامن"؟!
هي عرفت !
بينما هي تستطرد باعتدادها الذي خالطه الآن بعض الشماتة :
_بس للأسف عندنا حاجتين استجدوا ....الأولى إن دكتور يامن قطع شوط كبير في العلاج فعلاً وبقى متوازن نفسياً ...يعني كطبيبة معالجة ليه بأكد إن مفيش ما يمنع حضانته للطفل ...
عقد حاجبيه بغضب هادر لتردف هي بنفس النبرة :
_والتانية إني ما أظنش الأمور هتوصل لكده حالياً...لا دكتور يامن هيسمح إنه يخسرها ولا هي هتقدر تستغنى عنه ...
ثم ابتسمت ابتسامة مغيظة لتنهي حديثها بقولها :
_مفيش داعي بقا نلف وندور ..."هارد لك" يا زين بيه .
ضغطت حروفها الأخيرة ببطء لكنه لم يكن ليعترف بهزيمة ...
صحيحٌ أنها أمسكت بزمام المبادرة عندما فاجأته بعلمها عن غرضه الحقيقي من استقطابها لكن لا يزال في جعبة الصياد الكثير ...
لهذا سيطر على ملامحه رافضاً الاعتراف بهزيمته أمامها ليقول بنبرة محايدة:
_ومين قاللك إني كنت عايزك إنت بالذات عشان ده بس؟! فين همسة من حساباتك ؟! إحساسي إنك ارتبطتي بيها زي ما هي ارتبطت بيكي ...إيه اللي يخليكي فجأة كده تدوسي على مصلحتها؟!
_وانت بتخاف قوي على مصلحتها ؟!
ازداد انعقاد حاجبيه و"القمرين السجينين" خلف نظارتها يشتعلان الآن مع استطرادها :
_بتخاف عليها قوي وانت واخدها سلمة توصللك ليا وواخدني أنا نفسي سلمة توصللك لياسمين ؟! بتخاف عليها قوي وانت حابسها في أوضة برة بيتك اللي ممنوع تدخله وتحس بحقها في بيت أبوها ؟! بتخاف عليها قوي وانت بتستعر تواجه بيها الناس ومخبيها عن عينيهم عشان ما تسيئش لصورة زين بيه العظيم ...
احمر وجهه بانفعال صارخ لتعقد هي ساعديها أمام صدرها مردفة بتهكم شامت :
_قوللي صحيح بعد الفيديو بتاعك انت وياسمين ....المفروض مين اللي يستعر م التاني ...انت واللا همسة ؟!
عبارتها المهينة جعلت جسده يتحفز في وقفته بعنف أجفلها قليلاً خاصة وهي منه بهذا القرب لكنها لم تهتز وهي تنظر في ساعتها قائلة :
_الدقيقة خلصت ...زي ما توقعت ...خلص الكلام !
قالتها ثم أشارت للباب في حركة موحية لكنه رفع كفه فجأة ليمسك كفها بعنف صدمها وهو يقترب بوجهه منها قائلاً بقسوة أخافتها:
_الكلام يخلص لما أنا اللي أقول ...واللي قلتيه ده هدفعك تمنه غالي قوي ...أنا ما يتقالليش لأ.
السكين ...
الجلباب الأحمر ...
الوشاح الممزق ...
السكين ...
الأصابع الغليظة ...
الصوت الثمل ...
السكين...
الساعة المكسورة ...
السكين ...
السكين ...
السكين !!!
المشهد القديم يطفو فجأة من جديد لمخيلتها فيرتجف جسدها رعباً ...
كل حصون قوتها لا تسعفها هاهنا في هذا الموقف وهي ترى فيه نفس الصورة الذكورية الغاشمة !
لكنها أبداً ...أبداً لن تكون الصورة الأنثوية الخانعة !!
لهذا نفضت كفه بعنف لتهتف بحدة تسربت منها لكنتها القروية المميزة رغماً عنها :
_وأنا محدش يشتريني ولا ليا إيد بتوجعني هتمَسَك منها !
تحكم في غضبه بصعوبة وهو يرمقها بنظرات حارقة للحظات سبقت كلمته المتوعدة :
_هنشوف!
قالها ثم اختفى من أمام ناظريها في لحظة حتى شكت أنه لم يكن حقاً هنا !!
لتنهار بعدها جالسة على كرسيها مخفية وجهها بين كفيها ...
لقد اقتصت من جرحه لكرامتها ...
من إهانته لذكائها ...
لكن ماذا عن وجع قلبها الذي سقط في جحيم "التعلق"؟!!
ماذا الآن وقد رحل "الحلم"؟!!
=========
بعد أسبوع ...
فتحت عينيها فجأة لتتلفت حولها ...
أين يامن ؟!
لقد اعتادت وجوده متيقظاً جوارها عقب استيقاظها من النوم طوال الأيام السابقة ...
لهذا انقبض قلبها وهي تنهض من رقدتها لترفع غطاءها عنها ...
قبل أن تقوم لتبحث عنه ...
هبطت الدرج نحو الأسفل لتجد المكان كله خالياً منه !!
تكدست الدموع في عينيها وهي تتوجه نحو باب الشاليه تفتحه لتجده مغلقاً من الخارج ...
هل حبسها هنا وغادر ؟!
ازداد انقباض قلبها والدموع التي صارت أبخس بضائعها تسيل بلا توقف على وجنتيها خاصة عندما لمحت عيناها هناك بقايا من بالونات كان قد أعدها لها في زيارتهما الأولى هنا ...
والآن صارت مجرد بقايا مهترئة !!!
توجهت نحوها لتمسك إحداها بين أناملها بأسى وفزع غير مبرر يتملك قلبها الذي أرهقته كثرة الخطوب ...
فجلست مكانها تبكي بانهيار صامت ...
وعلى الباب وصل يامن لتوه بعد عودته من شراء بعض الحاجيات وما كاد يفتح الباب حتى فوجئ بجلستها البائسة هناك في الزاوية فألقى ما بيده جانباً لتبادره هي بعدوها الملهوف نحوه قبل أن يتشبث ذراعاها بعنقه وصوت نحيبها العالي يمزق أذنه ...
فهتف بجزع مشفق وهو يضمها نحوه ليربت على ظهرها مهدئاً:
_أنا آسف ...كنا محتاجين حاجات وقلت ألحق أشتريها قبل ما تصحي...آسف يا حبيبتي ..آسف...
لم ينتبه لأثر كلمة "حبيبتي" التي نطقها بعفوية إلا عندما شعر بجسدها يستكين بين ذراعيه فجأة لتخف حدة بكائها ...
فتنهد بارتياح وهو يبعدها قليلاً ليتفحص ملامحها المتعَبة بإشفاق خاصة عندما فتحت له كفها ببطء ليرى بقايا البالونات الممزقة فيه ...
قبل أن ترفع إليه عينين شاكيتين دون حديث كعهدها طوال الأيام السابقة...
لكنه رفع كفها نحو شفتيه بقبلة عميقة ليهمس أمام عينيها :
_ولا يهمك...هاعمللك غيرهم...تعالي شوفي جبت إيه ...
قال عبارته الأخيرة وهو يجذبها من كفها نحو الأكياس التي وضعها أرضاً لينتقي منها كيساً بلاستيكياً كبيراً حوى العديد من البالونات الملونة ..
_هاقعد النهارده كله أنفخهم لك زي زمان ...فاكرة ؟!
يقولها بحنانه الذي امتزج بالأسف...بالندم...وبالعتاب ...
لتجيبه بإطراقة رأسها الصامتة لكنه تقدم منها ليرفع ذقنها نحوه مردفاً بحروف تقطر عشقاً:
_ولو مش فاكرة ...هافكرك...وعد مني أرجع لك كل ساعة حلوة عشناها ألف ساعة...ألف يوم...لا...ألف سنة .
عضت شفتها بقوة وكأنها لا تصدق أن ينطلق لسانه بهذا الحديث هكذا دون محاذير ...
هل تغير حقاً كما يبدو؟!
أم أنه مجرد حلم تعيشه مفتوحة العينين ؟!!
حسناً ...فلتعِشه فحسب ...لقد ملت الأسئلة !!
لهذا اقتربت تخفي وجهها في صدره دون كلمات ليقبل رأسها بعمق قبل أن يحيط كتفيها بذراعه ليحمل بقية الأكياس ويتوجه بها نحو المطبخ الصغير هناك ...
_اقعدي هنا واتفرجي بقا على إبداعات الشيف يامن ...
قالها ببعض المرح محاولاً إخراجها من حالة التشتت التي تعيشها هذه الأيام ...
لكنها بدت غائبة الذهن والوعي فشمر كمي قميصه ليشعل الموقد هاتفاً :
_بيض مقلي بالروزماري زي ما بتحبيه اليومين دول!
رمقته بنظرة مندهشة فهي لم تجرب هذا المذاق إلا قريباً جداً وبعد انفصالها عنه ...
كيف عرف؟!
ويبدو أنه قد قرأ سؤالها في عينيها عندما غمزها ليردف:
_احنا برضه بنعرف نجمع معلومات من الفيس ونراقب من بعيد !
تزينت شفتاها بشبه ابتسامة وهي تغمض عينيها بينما رائحة الطعام تصلها شهية حقاً لتشعر بحركة يمنى في بطنها شديدة الوطء هذه المرة مما جعلها تطلق آهة خافتة وهي تمسد بطنها ...
فتوجه هو نحوها لينحني على ركبتيه أمامها قائلاً بقلق:
_انتِ كويسة ؟!
لم تزد عن إيماءة واهنة فمد أنامله يمسد بطنها لييعاود السؤال بحنان فاض بين حروفه :
_بنتي جعانة ؟!
رمقته بنظرة عميقة وهي تسمع منه كلمة "بنتي" هذه التي أشعرتها بالغرابة ...
كيف انقلب حالهما هكذا في غمضة عين ؟!
يامن هذا مختلف ...
ليس كيامن الذي صرخت يوماً بكل قوتها أنها تكرهه...
ولا حتى كيامن الذي امتزج عشقه بدمها منذ سنوات ...
هو يبدو وكأنه ولد من جديد !!!
لكن ماذا عنها هي ؟!!
هل تزعم أنها هي لم تتغير؟!
ابتسامة مريرة ترتسم على شفتيها البائستين دللها هو بشفتيه بقبلة سريعة قبل أن يقف ليجذب كفها قائلاً :
_الجو النهارده دافي شوية...تحبي نطلع نفطر على البحر؟!
كان يعلم أنها لن تمنحه رداً كعهدها طوال الأيام الماضية ...
لهذا لم يعطها فرصة الجواب وهو يجذبها مع صينية الشطائر التي أعدها ليسير بها نحو الخارج ...
توقفت مكانها للحظات عندما شعرت بقدميها خارج الشاليه وهي تتلفت حولها بتشتت وكأنها لا تصدق أي عالم جديد وجدت نفسها فيه فجأة...
هل غادرت ماليزيا ؟!
هل عادت لمصر؟!
هل عادت ليامن ؟!
لنفسها؟!!
شيئ من الخوف يتملكها فتتشبث بذراعه رغماً عنها كطفلة تائهة لكنه كان يستوعب هذا الطوفان من المشاعر التي تجتاحها ...
قلقه عليها يكاد يقتله لكن عزاءه أن ياقوت تتابع معه حالتها على الهاتف وتخبره أنها لا تزال في مرحلة الصدمة ...
_رايحة فين ؟!
يسألها وهو يراها تهم بالاستلقاء على أحد كرسيي الشاطئ الموجودين هنا تاركة له الآخر ...
قبل أن يجذبها برفق ليجلسها جواره على نفس الكرسي قائلاً بحزم عاشق:
_مش هاسمح لحاجة تفرقنا...ولا حتى كرسي!
أغمضت عينيها بتأثر من عبارته لتستلقي مريحة رأسها على صدره فقبل رأسها برفق ليبدأ في إطعامها بحذر خشية أن ترفض كعهدها طوال الأيام السابقة التي لم تتناول فيها إلا النذر اليسير من الطعام ...
لهذا تنهد بارتياح وهو يراها تنهي شطيرة كاملة في إنجاز غير مسبوق ...
ثم قبل وجنتها بعمق ليرفع ذقنها نحوه هامساً أمام عينيها :
_عايزة أسمع منك كلام كتير ...كل حركة...كل كلمة...كل نفس عشتيه بعيد عني ...
لا يزال يامن الجديد هذا يثير ارتباكها ...
كيف تألف هذا التغير الذي أصابهما؟!
الآن هو من يدلل ويبوح ويغازل ويستنطقها الحكايا؟!!
ألم يكن هذا الدور قديماً حصرياً لها ؟!!
_لو مش عايزة تتكلمي دلوقت مش هاضغط عليكِ...بس عايز أنا كمان أحكي لك عن كل اللي حصللي في غيابك...
لايزال همسه الحار يلهبها بأنفاسه وعيناه الحبيبتان تناجيان عينيها فترفرف أهدابها للحظات قبل أن تشعر بشفتيه تعزفان اللحن القديم على بشرة وجهها مع استطراده :
_مش عايزة تكمللي حكاية يامن اللي مفيش حاجة عنه ياسمين ماتعرفهاش ؟!
جفناها يرتجفان قليلاً قبل أن تفتحهما لترمقه بنظرة مشتتة عبر غيمة من الدموع ...
لكنه لم ييأس بل ضمها إليه أكثر حتى كاد يلصقها به ليقول بنبرة محايدة :
_أنا عرفت بعدك ست ...أثرت في حياتي قوي ...
شيئ من الحياة عاد للعينين الذابلتين بينما تحفز جسدها في رقدته وشفتاها تنفرجان قليلاً كأنها على وشك الحديث فأدرك أنه قد أصاب هدفاً ...
_مش هاحكي لك عنها غير لو طلبت انت مني!
ببعض المكر يقولها محاولاً إخراجها من قوقعتها الصامتة وقد صدق ظنه عندما تغيرت النظرة المشتتة في عينيها لأخرى حادة نوعاً ...سبقت صمتاً طويلاً مشحوناً بالانفعالات ...
قبل أن تنطق أخيراً بأول كلمة منذ أيام التزمت فيها الصمت المطبق:
_احكي.
هنا تنهد بارتياح وهو يضحك ضحكة قصيرة بينما يعاود ضم جسدها نحوه قائلاً :
_هاحكي لك كل حاجة ...عشان تكمللي صُفَح كتاب مفتوح قدامك...كتاب اسمه يامن !
=======
_إزيَك؟!
يضم مروان الهاتف لصدره بقوة وهو يأخذ نفساً عميقاً بعدما سمع صوتها السابق ليعيده لأذنه قائلاً ببعض التحفظ :
_الحمدلله.
لم يفلح تحفظه في حجب دفء صوته عنها ليرتبك صوتها وهي تعاود القول بحرج :
_آسفة لو بزعجك باتصالي ...بس بقى لك تلات أيام ما جتش الجمعية...وقلقنا عليك .
_لا باجي ...بس بلاقيكي مشغولة فمابحبش أعطلك.
قالها غير قادر على منع فرحته بشعورها بافتقاده الذي ينطق به صوتها والذي حمل الآن الكثير من الخيبة :
_بجد ؟! طب ليه ؟!
الخيبة المستنكرة في صوتها تزيد سعادتها بمشاعرها الوليدة نحوه لكنه يتخطى هذا ليسألها بحنان صوته الرجولي:
_انت عاملة إيه ؟!
_كويسة ...شفت اللي حصل لعمو وجدي؟!
تنهد مروان بأسف مسترجعاً الحادث الإرهابي الذي تناقلته وسائل الإعلام ليقول بأسى حقيقي:
_الله يرحمه ...نحتسبه شهيد !
_يامن ده بومة...وشه وحش على كل الستات اللي عرفهم ...سيلين ابنها مات وياسمين أبوها برضه مات ...
_لا حول ولا قوة إلا بالله ...هو انتِ لسانك ده ماعليهوش فرامل؟!
قالها باستنكار من عبارتها ليروعه صمتها الطويل بعدها وصوت أنفاسها التي تلاحقت فتنهد بحرارة ليعاود سؤالها بنبرة أكثر رفقاً بعد دقيقة صمت كاملة :
_بتعيطي؟!
لم يصله منها رد لكنه كان يدرك أنها تفعل ...
ومن يفهمها مثله ؟!!
إنها تداري عاطفتها خلف "سلاطة لسانها" هذه
لهذا أغمض عينيه على صورتها ليقول لها بنفس النبرة الحانية :
_الحادثة فكرتك بحادثة والدك ووالدتك الله يرحمهم ...حسيتي بياسمين كأنها مكانك وقتها ...بس الفرق إن هي دلوقت كبيرة ...لكن انتِ وقتها كنت صغيرة ...مش فاهمة يعني إيه موت ...يعني إيه فراق ...يعني إيه حد بتحبه تصحى م النوم فجأة ما تلاقيهوش .
صمتت طويلاً بعدها وهي لا تدري بماذا ترد ...
كيف يفهمها هكذا ؟!
كيف أدرك أن هذا بالضبط ما كان يملأ رأسها عندما سمعت الخبر ؟!
_صعبانة عليا قوي ...حاسة إني أنا اللي حسدتها .
نطقت بها أخيراً بصوت كتمه بكاؤه ليسألها بصبر:
_على إيه ؟!
_على كل حاجة...حب يامن ليها ...منظرها وباباها بيسلمها من إيدها ليامن يوم فرحهم ...منظر عمري ما هيبقى عندي زيه...نجاحها في شغلها ...روحها الحلوة اللي مخلية كل الناس تحبها .
صمت قليلاً يستوعب منطقها ثم عاد يقول لها بنفس الصبر الحنون:
_في يوم من الأيام هتلاقي واحد يحبك زي حب يامن ليها ويمكن أكتر ...يمكن مش باباكي اللي هيسلمك من إيدك ليه ...بس الدنيا عوضتك عن الأب بيامن نفسه...وانتِ عارفة إنك انتِ بالذات عنده زي بنته...ولو على نجاحها في شغلها فانتِ بقيتِ ممتازة في كليتك ...أما عن الروح الحلوة ...فعايز أقوللك إن ناس كتير بتحب روحك دي ...ويمكن انتِ نفسك ماتعرفيهمش .
كلماته هبطت على قلبها برداً وسلاماً وهي تشعر أن مجرد الاستماع إليه جنة ...
جنة لم تطؤها قدماها من قبل مع غيره ...
لا...ليس الأمر مجرد إرضاء لغرور أنوثتها فقد سمعت من قبل اعتراف غيره بالحب ...
لكن منه هو يبدو الأمر مختلفاً ...
ربما لأنه يجمع بصورة واحدة كل الصور الرجولية التي افتقدتها ...
الأب ...الصديق...العاشق ...
كم يشبه عاشقها المجهول الذي اختفى فجأة ليذرها بعده عالقة في تيه مشاعرها ...
ربما لو كان معها الآن لاختلف الأمر ...
لا ...
لم يكن ليختلف !
أو ...ربما !!!
حيرتها تعاود غزل شباكها حول عاطفتها من جديد لكنها تهرب من كل هذا الصراع بسؤالها المحايد :
_أخبار العيادة إيه ؟!
تنهد بارتياح مدركاً أنها تجاوزت مرارة ذكراها ليجيبها :
_أهه ...بكرة هاروح أختار لون الدهان والسيراميك.
_آجي معاك ...أنا ذوقي حلو .
_ودي هتستأذني فيها يامن إزاي دي؟! هتقولي له رايحة أنقي السيراميك مع صاحبك ...عشان يعلقني أنا وانتِ على باب زويلة .
ضحكتها العالية تخترق أذنه كألف لحن صاخب وممتع !!
يشاركها فيها للحظات قبل أن يصله صوتها المتردد :
_ممكن أسألك كام سؤال محيرينني.
_ممكن بس مش وعد أجاوبك على كله ...اللي مش هاقدر أجاوبه هاقوللك عليا واحد .
تضحك باستمتاع جذل ومرحه يرضي طبيعة "الطفلة" بداخلها لتصمت قليلاً قبل أن تعاود أسئلتها المترددة :
_انت ليه سامحتني بسرعة كده ؟! واحد غيرك مكنش بص في وشي تاني؟!
هنا كان دوره ليصمت قبل أن يجيبها بصوته الذي مزج دفئه بحنانه :
_يمكن عشان شايفك زي ما كنت بشوفك زمان ...بنوتة صغيرة بتلعب ع السلم في البيت القديم ...
_قصدك عَيّلة ما يتاخدش على كلامها ؟!
ببعض الغضب تسأله ليجيبها بنفس النبرة الدافئة :
_قصدي بنوتة كبرت قدام عيني ...غلاوتها تشفع لغلطها .
"غلاوتها"؟!
هل قال حقاً "غلاوتها"؟!!
الكلمة على بساطتها ترضي "الأنثى" بداخلها ...
تفجر ألغام عاطفة بصدرها واحداً تلو الآخر ...
وتجعل دقات قلبها تتقافز بجنون هادر على لحن تجده أذنها غريباً ...
ويجده قلبها "وطناً"!!
فتعود لتسأله ...كأنما ترتشف من مذاق هذا الإحساس قطرة قطرة :
_انت فاكرني وأنا صغيرة ؟!
همهمة إيجاب جعلتها تسأل بلهفة :
_فاكر إيه ؟!
_فاكر شعرك البني الطويل اللي كان على طول منكوش...فاكر شقاوتك وانتِ بتتشاكلي مع الولاد اللي أكبر منك...فاكر ركبتك على طول متعورة وعليها ميكروكروم من كتر العفرتة والتنطيط ...
ضحكتها المستمتعة تملأ أذنيه فيغمض عينيه بهيام للحظات ...
قبل أن يردف بأسى:
_وفاكر يوم وفاة والدك ووالدتك وانتِ حاضنة فستان العيد وقاعدة ع السلم .
_انت عارف إن الفستان لسه عندي ؟! بحضنه كل مابحس إني لوحدي .
هتفت بها بعفوية وهي تشعر أن الحواجز بينهما تتلاشى واحداً تلو الآخر ليسألها هو باهتمام :
_وامتى آخر مرة حسيتي فيها إنك محتاجة تحضنيه.
_مش فاكرة...من زمان ماعملتهاش ...يمكن بعدما فقت من محاولة انتحاري الفاشلة.
همهمته المتفهمة كانت جوابه وهو يستعيد ذكرى ذاك اليوم الكارثي ...
وكذلك هي التي استطردت بنبرة آسفة :
_قالوا لي إنك جيت المستشفى يومها ووقفت جنب يامن رغم اللي حصل.
_هتصدقيني لو قلت لك إنه كان أصعب يوم عدى عليا في عمري كله ؟!
قلبها يرتجف بصدرها وعبارته "البريئة" ظاهراً تصلها كأقوى اعتراف بالحب ...
لتمتلئ عيناها من جديد بالدموع وهي لا تدري بماذا ترد ؟!
كيف ترد عشقاً كهذا خائباً ؟!
كيف تدفعه خلف ظهرها وتمضي؟!
كيف ترفض؟!
بل كيف تقبل و"وعدها" منحته لرجل قبله ؟!!
رجل ربما لم تعرف شكله لكنها عشقت روحه ؟!!
الصراع الرهيب يعاود اجتياح روحها فتهرب منه من جديد وهي تنتبه للموسيقا التي تأتيها مع خلفية صوته فتسأله :
_بتسمع إيه ؟!
_دي أغنية كاظم الجديدة "حدثيني" .
لكنها مطت شفتيها باستياء لترد:
_ماليش في كاظم بيفصلني ...عايز حد رايق وباله طويل ...
يضحك متفهماً طباعها النزقة لكنها تعاود القول بتردد :
_بس ممكن أسمعها يمكن تعجبني...هي حلوة...
_قوي ...
وبصوته الدافئ الذي حمله كل ترانيم عشقه بدأ يسرد الكلمات ...
حدثيني حدثيني عن حديث المقل
وعن الشوق وعن الشوق وليل الغزل
لك ثغر حسنه يذهلني
وحديث فيه طعم العسل
لك خد لونه من خجل
آه ما أجمل لون الخجل
عجلي بالوصل يا مؤنستي
فأنا المقتول إن لم تصلي
حلوتي حلوتي حلوتي
لن تغيب الشمس عن ليلتنا
إن حرقناها في نار القبل
حلوتي حلوتي
افعلي المعروف تجزي مثله
والنوايا هي كل العمل
انت لي دنيا على علاتها
وأنا أهواكي يا عمري رغم العلل.
كرر العبارة الأخيرة بنبرة وصلتها عامدة...ملتهبة...حارقة...
عصفت بوجدانها كله فلم تشعر ودموعها تسيل على خديها من جديد ...
تعاصر هذا الشعور الذي يتملكها بطغيان قاهر ...
من هذا ؟!
من هذا حقاً؟!!
هل هو مروان الذي تعرفه منذ سنوات ولم تدرك أنها لم تعرفه حقاً إلا منذ أيام ؟!!
كيف تبدل في عينيها هكذا؟!
أي سحر امتلكه ليجعل من مجرد كلمات جنة بأسرها من نعيم لا ينفد ؟!
بل أي حب يزعم أنه يحملها نحوها ليكون بهذه القوة وهي لا تدري؟!
ليت الأمر بيدها !!
ربما لو لم يكن قلبها عامراً بغيره لما طمعت في من هو خير منه !!
لهذا تحشرج صوتها بعد صمت قصير أحاطهما مع كلماتها التي وصلته ملطخة بدموعها :
_آسفة...أنا قلبي مع حد تاني.
قالتها لتنهي الاتصال بعنف قبل أن تنخرط في بكاء عنيف ...
ربما لو كانت داليا القديمة اللعوب لما وجدت غضاضة في التلاعب بمشاعره حتى يعود عاشقها المجهول ...
لكنها الآن لا تستطيع فعلها ...ولا هو يستحقها منها !!!
لهذا ما كادت تهدأ حدة بكائها حتى تناولت هاتفها من جديد لترسل ل"المجهول":
_عمري ما احتجت لك وسبتني ...كنت دايماً جنبي ...أرجوك ارجع ...
لم تدرِ كم مرة كتبتها وكأنما مع كل مرة تفرغ بعض انفعالاتها ...
قبل أن تجد بعض سلوانها في قراءة محادثاتهما القديمة ...
وأخيراً في- صورته الوحيدة- التي أرسلها لها ...
فلم تسمن ولم تغنِ من جوع!!
والتي عادت تتأملها الآن بالمزيد من التفحص لعلها تجد شيئاً يخبرها عن كينونته ...
مهلاً...كيف لم تنتبه لهذا من قبل !؟!!
قامت بتكبير الصورة عدة مرات عندما لاحظت شيئاً ما جعل عينيها تتسعان بترقب ...
ففي خلفية الصورة كانت تبدو مرآة تعكس لوحة...
لوحة لعدة مربعات متداخلة مختلفة الأحجام !
هي تذكر أنها رأت هذه اللوحة من قبل !!
أين ؟! أين؟!!
ظلت تعصر مخها للبحث عن الجواب لتنفرج شفتاها بصدمة وهي تتذكر أخيراً...
شقة مروان ...
إنه...هو ..."مروان"!!
=======
انتهى الفصل التاسع
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سينابون
القطعة الثامنة
=======
لو تخطئين بعدد ذرات الرمال لصفحت بعدد قطرات المطر...
لو تبعدين بقدر الشمس لاقتربت كما أنفاسك...
لو تركضين وتركضين بعيداً ما تركتُ صدر غيري يتلقفك !
قدرك المحتوم أنا...فهل فاز يوماً من عاند الأقدار ؟!
"مروان"
************
لا تلُمْ فراشاتي لو حلقت نحو النار بجناحين من شمع...
فقط...كن معي عند سقوطي!
لا تهزأ بحلم عشته مفتوحة العينين...
فقط...أغمض لي عينيّ وامنحني بين ذراعيك حلماً أجمل!
هذي يدي لا تدعها من يدك...
فما بقي من العمر أقصر من أن نهلكه انتظاراً !
"داليا"
************
جلس مروان ينتظرها في سيارته تأهباً لزيارة عمه التي طلبتها بنفسها ...
شعور غامر بالارتياح ينتابه بعدما أفضى ليامن بمكنون قلبه لكن يبقى الطريق لقلبها طويلاً بطول الحلم الذي يحتضنه قلبه بها ...
لهذا لم يملك جنون خفقاته وهو يراها تظهر أخيراً تتجه نحوه بخطواتها المنطلقة التي تشبه جموح روحها ...
صفراء مشعة بسترتها الأنيقة القصيرة وحجابها السماوي الذي ناسب لون تنورتها وحذائها الرياضي ...
ابتسامته العاشقة تجتاح شفتيه وتتسع مع مرأى مشبكه الخاص الذي يحمل صورة "ميريدا" المتمردة على جانب صدرها ...
آهة خافتة تنبعث منه وهو يشعر بقربها الوشيك يشعل
خلاياه كلها ...
لو بقي الحال هكذا فسيعترف أمامها كعاشق أبله أو ربما فقد سيطرته ليسمح لشلال حبه أن يتدفق فيغرقهما معاً ...
_اتأخرت عليك؟!
بشقاوتها الحلوة تقولها وهي تستقل السيارة جواره ليجيبها دون وعي:
_قوي.
عيناها تتسعان قليلاً وهي تميز هذه النظرة في عينيه والتي لا يمكن أن تخطئ تأويلها ...
والمعنى الذي وصلها من كلمته تفهمه صحيحاً تماماً فتزدرد ريقها ببطء لتشيح بوجهها هامسة :
_آسفة .
المعنى الذي قصدته يصله واضحاً هو الآخر فيطلق زفرة خافتة قبل أن يشغل السيارة لينطلق بها غير غافل عن نظراتها المختلسة نحوه ...
أناملها المتشابكة فوق ساقيها المهتزتين بعصبية تنبئه عن ارتباك يخشى أن يسرف في حسن الحظ فيه ...
لكنه ابتسم ليسألها بنبرة حانية :
_مالك ؟!
صمتت قليلاً وهي تعاود اختلاس نظرة متفحصة نحوه ...
هالته الرجولية تمنحها شعوراً غريباً لم تعرفه من قبل...
هو مزيج من "هيبة" دكتور ياسر و "احتواء" يامن و "حنان" هيثم...
المزيج الذي ظنته يوماً مستحيلاً لكنها تقسم أنها تستشعره الآن معه ...
والذي يختلط بإحساسها الدائم بالخزي نحوه مما جعل عينيها تدمعان وهي تهز رأسها في إشارة بلا معنى ...
فأوقف السيارة جانباً ليلتفت نحوها متسائلاً :
_غيرتِ رأيك ؟! تحبي أرجعك ؟!
لكنها عادت تهز رأسها نفياً قبل أن تطرق به متطلعة نحو كفيها المتشابكين لتسأله بتردد :
_دكتورة سهام قالت لك عني إيه ؟!
ارتفع حاجباه بإدراك وهو يستوعب سر ارتباكها ليراوغها بقوله :
_ما تسيبك م اللي هي قالته وتقوليلي انتِ .
_أقوللك إيه ؟!
رفعت بها وجهها نحوه ليميل رأسه بمكر مجيباً:
_اللي انتِ خايفة أفهمه منها غلط .
_وهتفهمه مني صح؟!
النبرة التي نطقت بها عبارتها كادت تجعله يميل نحوها ليضمها لصدره بقوة ...
وكيف لا يفعل مع مزيج الضراعة والكبرياء المدهش الذي لا تكاد تتقنه سواها ؟!!
لهذا أخذ نفساً عميقاً ملأ به صدره قبل أن يستدير بجذعه نحوها ليسند ذراعه على مقود السيارة وعيناه ترميان حمول العشق على شواطئها مع قوله الذي حاول أن يكون محايداً:
_مفيش حاجة تخليكِ عايزة تكدبي قدامي ولا حتى من باب أنك تجمّلي صورتك عشان كده أنا هاصدق كل كلمة تقوليها .
عبارته كانت تشير ل"جرحها القديم" له لهذا أشاحت بوجهها في خزي ناقض كبرياء عبارتها :
_أنا عملت حاجات كتير غلط لما بفتكرها بندم عليها بس عزائي الوحيد إني اتعلمت منها ومش هكررها تاني ...
_جميل .
قالها بنبرته التي تمزج حنانه بتعقله فشجعتها لتردف دون أن تنظر إليه :
_كان ممكن أهرب من غلطي بس أنا قصدت أروح النهارده لدكتور ياسر وفي وجود دكتورة سهام عشان ...عشان ...
لوحت بكفيها تبحث عن تعبير مناسب ليكمل هو لها :
_عشان تصححي الصورة وتثبتي لنفسك ولهم إنك اتغيرتِ .
أومأت برأسها لتهتف بحماس وهي تعاود الالتفات نحوه وكأنما أسعدها أن يفهمها هكذا :
_أيوة فعلاً...خصوصاً إني حاسة إن نظرات الدكتورة ناحيتي اتغيرت للأحسن .
_ده حقيقي.
قالها موافقاً وقد أسعدته هذه الحماسة الفرِحة في عينيها فابتسمت لتعاود الإطراق برأسها قبل أن تجد نفسها تحكي له دون تحفظ ...
عمّاذا؟!
عن كل شيئ!!
عن افتقادها لصورة الأب التي وجدتها في دكتور ياسر ...
عن تطلعها الطفولي لنظرة إعجاب من يامن ...
وعن صداقتها بهيثم التي كانت ترضي جزءاً من غرورها الأنثوي...
وعن شعورها ب"الفقر العاطفي" رغم وجود كل هذا!!
ورغم أنها لم تضف الجديد لمعلوماته لكن أن يسمعها منها هي نحوه هو ك"مروان" كان يعني الكثير له حقاً...
لهذا صمت محترماً فيض بوحها السخي هذا حتى انتهت بقولها :
_أنا عارفة إن كل ده ممكن يدي عني صورة البنت الفلتانة اللي مااتربتش...بس صدقني أنا كنت بدور عن حاجة
فعلاً كانت ناقصاني.
_ولسه ناقصاكي؟!
_مش عارفة...بس الأكيد إني اتغيرت...والفضل لربنا ...وللظروف..ول..لناس وقفت جنبي .
عبارتها الأخيرة اتسمت بالكثير من الارتباك قبل أن تشرد ببصرها في "العاشق المجهول" الذي اختفى من حياتها فجأة تاركاً خلفه فراغاً لم يكن ليملأه غيره...
لكنه لم يكن ليتركها لشرودها هذا الذي كان يدرك سببه ليسألها مباشرة :
_انتِ ليه بتقولي لي أنا بالذات كده دلوقت ؟!
سؤاله -على بساطته - صدمها لتصمت قليلاً قبل أن تجيبه دون أن تنظر إليه :
_عشان انت حد كويس ويهمني ماتاخدش عني فكرة وحشة.
_وإيه كمان ؟!
كان يدرك أن إجابتها تحتمل المزيد وصدق ظنه عندما تابعت بارتباك خجول:
_وعشان تقبل أسفي على اللي حصل مني زمان؟!
_وإيه كمان ؟!
لايزال يبحث بإلحاح عن الجواب الذي يرضيه لكنها لم تملك أكثر من قولها المتلجلج:
_وعشان انت عرضت عليّ صداقتك والصاحب لازم يثق في صاحبه ويعرف عنه كل حاجة.
حسناً فليكتفِ بهذه الإجابة مؤقتاً حتى تمنحه المزيد !
لهذا ابتسم ابتسامة وجدتها هي جذابة نوعاً وهو يعاود
الالتفات نحو الطريق ليشغل السيارة متجهاً نحو منزل عمه تلاحقه نظراتها المختلسة ...
لماذا لم يعلق على ما قالته ؟!
لماذا يعاملها بهذا الغموض الذي لا تفهمه؟!
ولماذا لا يحاول فرض عاطفته -التي تراها في عينيه هذه - عليها مكتفياً بمسافة مناسبة بينهما ؟!
لكن هل تراها تريد منه حقاً هذا الضغط؟!
هل يرتضيها ضميرها أن تعلقه بوهم وقلبها ملك لغيره ؟!
انقطعت أفكارها عندما وصلت بهم السيارة لبيت عمه فأخذت نفساً عميقاً تتأهب للّقاء القادم.
======
_نورتينا يا داليا.
قالتها سهام في نهاية المقابلة وهي تودعهما أمام باب بيتها بينما ترمق داليا بنظرات ود حقيقية جعلت الأخيرة تغمغم بارتباك:
_حمداً لله على سلامة دكتور ياسر ...آسفة لو تعبتكم.
_البيت بيتك.
قالتها سهام وهي تختلس نظرة ماكرة نحو مروان الذي كان يحتضن داليا بنظراته والتي مدت للمرأة يداً مصافحة لكن الأخيرة جذبتها في عناق دافئ قصير قبل أن تبعدها لتربت على كتفها قائلة بحنان غاب عنه تحفزها القديم:
_خللي بالك من نفسك ...لو عايزة تفرّحي دكتور ياسر بجد انجحي السنة دي بتقدير .
عضت داليا شفتها بخزي فجرته المواقف القديمة بينهما لكن المرأة عادت تربت على كتفها وعيناها تمنحانها عن سؤالها الصامت جواباً مُرضياً غير منطوق !
_سرحانة في إيه ؟!
سألها مروان بعدما انطلق بالسيارة ملاحظاً شرودها لتلتفت نحوه بابتسامة مرتبكة مع هزة رأس فقال وهو يتلفت للطريق حوله :
_الجو برد شوية .
_أحسن خلليه يبرد...
هتفت بها بنبرة عادت إليها حيويتها الطفولية لتردف وهي تضم ياقتي سترتها من الفرو الأنيق:
_من أول الشتا وأنا نفسي ألبسها وأهه جه وقتها .
عاد يضحك من عفوية تعليقها قبل أن يستجمع جرأته ليسألها:
_تحبي نتمشى شوية ؟!
_ياريت!
هتفت بها باستحسان وهي تنظر للرصيف الموازي ل"الكورنيش" جوارهما قبل أن تلتفت نحوه لتسأله ضاحكة :
_مش هتقوللي استأذني يامن الأول؟!
_اطمني...يامن مديني إذن مفتوح .
قالها وهو يوقف السيارة فأطرقت برأسها قائلة :
_أنا مبسوطة إنكم رجعتم زي الأول ...كنت خايفة تخسروا بعض بسببي .
كيف يخبرها أنه يكره إطراقها هذا ؟!
يكرهه وهو يفضح شعورها بالخزي...
يكرهه وهو يناقض طبيعتها المتمردة الجموح ...
ويكرهه وهو يحرمه استنطاق عينيها اللتين يعشق ترجمة نظراتهما !!
لكنه اضطر لكتم مشاعره كالعادة مكتفياً بقوله :
_ماتقلقيش على علاقتي بيامن ...اللي بيننا صداقة عمر مفيش حاجة هتهزها ...
ثم تلفت حوله ليسألها فجأة :
_بتحبي "الحَلبسّة"؟!
رفعت إليه رأسها فجأة وهي تشك فيما سمعته لتهتف بتساؤل:
_إيه ؟!
_الحلبسة ؟! ماتعرفيهاش ؟! البتاع اللي هناك دي ؟!
التفتت حيث يشير لتجد عربة صغيرة نظيفة زينها صاحبها بأنوار مميزة عصرية الطراز ووضع فوقها بعض
الأواني التي زينها بحروف انجليزية أنيقة وقد التف حوله الكثير من الناس لتهتف بابتسامة ساخرة :
_إيه العربية "الروشة" دي ؟! شكلها يفتح النفس ...المفروض يكتب عليها "الحلبسة لما تكمل تعليمها بره"!!
ضحك من عبارتها ليجاريها المزاح بقوله :
_ده "حمودة" قرب يصدرها للدول المجاورة من كتر
الإقبال ...ادعي بس نلحق لنا دور قبل العشا.
_آسفين يا "حمودة"!
قالتها وهي تشير بكفها نحو جبهتها ثم نحو صدرها في حركة مشاكسة ليبتسم وهو يترجل من السيارة ليبتعد نحو العربة هناك ...
فابتسمت بدورها وهي تغوص في مقعدها أكثر تراقبه وهو يزاحم الجمع هناك قبل أن يعود لها ب"غنيمته الساخنة" ...
ترجلت من السيارة بدورها لتتوجه نحوه فناولها أحد الكوبين ليسيرا متجاورين قبل أن تسأله وهي تتشمم الكوب بحذر:
_هي عبارة عن إيه ؟!
_حمص وشطة وحاجات كده فوق بعضها .
قالها ثم شرب من الكوب متلذذاً لتضحك هي قائلة :
_يامن لو عرف إنك شربتني "البتاع" ده من على عربية في الشارع هتخسروا بعض بجد .
فضحك بدوره ليرد مشيراً لطباع صديقه الوسواسية :
_أهي دي الحاجة الوحيدة اللي فشلت أقنعه بيها ...يتهيألي لو حب يشربها هييجي هنا يعقم العربية الأول قبل ما يعملها هو بنفسه.
عادت تضحك للحظات قبل أن ترفع كوبها لشفتيها هاتفة بمرح:
_ماتخافش أنا مش هاكسفك زيه...
ثم ارتشفت منه رشفة وقد أعجبها مذاقه لتردف:
_من النهارده اعتبرني "رفيق في حب الحلبسة"!
ضحك بسعادة حقيقية وهو يشعر بقلبه منتشياً بين ضلوعه مع صدى ضحكاتها هي الأخرى ...
قلبه الذي كان يستشعر تغير مشاعرها المتنامية نحوه لكنه كان يخشى أن يكون مجرد أمل كاذب ...
بينما كانت هي تعيش صراعها الخاص بين أحاسيس لا تفهمها ...
انجذابها نحوه يربكها ...
لماذا؟!
ربما لأنه يأتي رغماً عنها !
أجل ...هي كانت واعية -بل مختارة- عندما أقحمت -بل اقتحمت- كل من سبقه من رجال في حياتها ...
لكنه هو الوحيد الذي تشعر بأنها تسير نحوه مغمضة العين بلا حول ولا قوة ...
تراه مجرد "فراغ عاطفي" بعد غياب عاشقها المجهول؟!
لا تدري!
والأسوأ أنها لا تملك التوقف!!
لكنها تلهّت عن أفكارها بتناول "الحمص" قبل أن تلتفت نحوه ولايزالان يسيران بخطوات متمهلة لتسأله :
_سمعت إنك هتفتح عيادة.
_ آه ...بس بصراحة محتار بين مكانين ...واحد في (....)والتاني في (.....).
فارتفع حاجباها بدهشة وهي تقارن بين المكان الأول الذي كان في حي راقٍ بينما ينتمي الثاني لمنطقة شعبية نوعاً لتعاود سؤاله:
_إيه اللي جاب ده لده ؟!
_بالضبط ! ما هو ده اللي محيرني !
رمقته بنظرة متسائلة ليردف:
_المكان الأولاني مكسبه المادي أكبر بس المكان التاني ...
_المكان التاني هو مكان مروان الحقيقي .
قاطعته بها باندفاع تعجبته في نفسها قبله لكنها لم تلتفت لدهشته وهي تردف بحماس :
_لو أنا قارياك صح يبقى انت مش هاتفكر كتير قبل ماتختار تخدم الناس اللي محتاجاك ...اللي زيك مش عايش عشان يكسب فلوس وبس...عايش عشان شايف لنفسه رسالة وهدف ...وده اللي هتلاقيه بجد وسط
الغلابة.
سيحتضنها !
سيفعلها الآن وسط الشارع وستكون فضيحة !
لكن لا بأس!
سيصلح خطأه بعدها ويتزوجها ...وينتقم منها لكل هذا الحرمان الذي عاشه بسببها !!
كانت هذه أفكاره العابثة التي لجمها بتعقله وهو يشيح بوجهه عنها كارهاً لكنه لم يستطع منع ابتسامته ...
ولا ارتجافة أنامله على الكوب !
كما لم تستطع هي منع ابتسامتها وهي تهتف بشقاوتها الطفولية غير مدركة لما تفعله به :
_صح؟! صح؟! أنا صح؟! قول...قول...
ضحك ضحكة قصيرة وهو يعاود الالتفات نحوها لتردف بنبرة انتصار:
_شفت ؟!...شفت؟!...اهه ده الفرق بيني وبينك ...انت دايماً تطلعني وحشة لكن أنا بجبر بخاطرك.
قالتها وهي تهم بالانحناء لتلقي الكوب الذي فرغ مما به جانباً لكنها تذكرت تقريه يوماً فرفعت كفها في حركة اعتذار قبل أن تناوله له لتهتف ببساطة :
_بنات عائلات مابيوطوش في الشارع ...اتصرف انت بقا فيه .
قهقه ضاحكاً هذه المرة وهو يكاد يطير فرحاً ...
هذه هي روحها المنطلقة المحلقة دون قيود ...
بينما ابتسمت هي وهي تعود لطبيعتها المحبة للثرثرة لتقطع معه ساعة كاملة في السير تكاد تقسم أنها لم تشعر بمرورها إلا عندما لمحت الشمس تميل للمغيب مع رنين هاتف مروان الذي تناوله ليتنحنح بارتباك :
_يامن .
_هيعلقك عشان أخرتني!
هتفت بها بمرح متشفٍّ وهي تراه يفتح الاتصال ليصلها هتاف يامن الساخط:
_فين البنت يا بني آدم ؟! مش قلت نص ساعة وراجعين ؟!
فاعتذر له بكلمات مقتضبة قبل أن يغلق معه الاتصال ليبتسم لها بقوله:
_معلش...علقة تفوت ولا حد يموت !
ضحكت ضحكة عالية كتمتها بكفها وهي تعاود السير معه نحو سيارته شاعرة بالغرابة ...
هل هذا هو "الأصلع القبيح المعقد" الذي كانت تكره يوماً مجرد ذكر سيرته ؟!
كيف تغير هكذا؟!
أم تراها هي من تغيرت ؟!
ظل السؤال يؤرقها فالتزمت الصمت طوال الطريق
بالسيارة حتى وصل بها إلى بيتها ليوقف السيارة أخيراً وهو يلتفت نحوها لينتبه لانقباض أناملها على شيئ ما ...
قطعة من الشيكولاتة كانت قد قدمتها لها سهام هناك وبقيت تحتفظ بها هكذا في كفها طوال الطريق!
مد أنامله فجأة يتناولها منها لينتزع عنها غلافها المفضض لكنها اختطفت منه قطعة الشيكولاتة نفسها لتضعها في فمها بسرعة قبل أن تهتف بشقاوتها الطفولية :
_انت اتجننت بتخطف مني الشيكولاتة ؟! دي تضيع فيها رقاب دي؟!
لكنه ضحك ضحكة قصيرة وهو يقول بينما أنامله تعمل على "الغلاف المفضض" بمهارة:
_اصبري يا آنسة ...اصبري.
التمعت عيناها وهي تشاهده يصنع من الورق تاجاً صغيراً قبل أن ينتزع دمية صغيرة كانت معلقة على مرآة سيارته ليلبسها إياه قبل أن يناولها لها قائلاً :
_في ذكرى "اللقاء الأول للحلبسة"!
ضحكت ضحكة خالصة وهي تراه يثبت التاج بحرص تحت شعر الدمية بين أناملها لتصمت قليلاً ومشاعر متناقضة تجتاحها بعنف...
قبل أن تهمس له أخيراً بعينين دامعتين :
_شكراً...ع العروسة...
خفق قلبه لدموعها كعهده فعجز عن الرد خاصة عندما تهدج صوتها أكثر لتردف :
_ع الخروجة...على فكرة "رسالة"...وعلى كل اللي عملته عشاني.
اتسعت عيناه قليلاً وهو يشعر بانفعالها لكنها لم تمهله فرصة الرد وهي تغادر السيارة ب"هديته" لتصعد نحو البناية بخطوات راكضة ...
فخبط برأسه على مقود السيارة عدة مرات قبل أن يرفعه ليسنده على ظهر مقعده ووجهه المحمر يكشف عن بركان عاطفته المستعر ...
أما هي فلم تكد تصل إلى غرفتها حتى ألقت حقيبتها جانباً لترفع دميته بتاجها المميز أمام عينيها الدامعتين للحظات ...
قبل أن تتوجه بخطوات بائسة نحو فراشها لتستلقي على ظهرها ...
ثم تناولت هاتفها لترسل رسالة أخرى يائسة إلى عاشقها المجهول ...
_هترجع امتى؟! أنا خايفة...خايفة أكون بضيع منك !
=======
_باركك الله يا محمد !
قالها رئيس "النخبة" الذي استقبل عابد ب"اسمه" الجديد الذي اختاروه له ليرد الأخير ببعض الارتباك وهو يتأمل المكان حوله :
_جزاك الله خيراً .
لم يعرف اسم الرجل لكنه سمعهم ينادونه ب"الصقر" !
لقب مناسب لهذا المكان المنعزل الذي استقبله فيه والذي شعر فيه عابد بالرهبة رغم ضوء النهار ...
_ما رأيك في "الجهاد" يا محمد ؟!
تلجلج عابد قليلاً ليجيبه بما يحفظه من فتاوى شيخه :
_الجهاد طريق للجنة.
_إجابة خاطئة.
يقولها الرجل بملامحه الصارمة التي اكتسبت الآن المزيد من الخطورة وهو يردف بينما يلوح بسبابته في وجه عابد :
_حدود الله لا مجال فيها ل"الرأي"...هكذا يجب أن يكون ردك .
أومأ عابد برأسه وهو يستعيد فتاوى شيخه عن الجهاد...
هذه الحكايا عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن صدقوا الله فصدقهم الله ...
قلبه يرتجف بصدره وهو يسترجع الحماسة الفائرة في عروقه ...
والتي التقطها "الصقر" أمامه لتلتمع عيناه برضا مع قوله :
_الشيخ اختارك لتكون من "النخبة"...هؤلاء الذين شرَوا الحياة الدنيا بالآخرة...هل تدرك عظم هذا الشرف؟!
ظهر التردد للحظة على وجه عابد وصورة خاطفة ل"الصالح" تغزو مخيلته لكن "الصقر" عاجله بسؤال :
_لو رأيت ذئباً جائعاً يتربص بنعجة لك يريد صيدها....هل تقتله ؟!
_بالطبع!
هتف بها عابد بسرعة ليبتسم الصقر ابتسامة واهنة ويعاود سؤاله:
_وما ذنب الذئب؟! هو مجرد جائع ...وفطرته دفعته للصيد ؟!
عقد عابد حاجبيه وهو لايفهم التشبيه ولا ماذا يريد الرجل بالضبط...
لكن الأخير التمعت عيناه بعزيمة تشبه عزيمة شيخه وهو يقبض كفه أمام وجهه ليستطرد بنفس النبرة المسيطرة :
_هنا مربط الفرس...قد تدفعنا الضرورة لإيذاء من لا ذنب له كي نحمي ما يخصنا ...نعترف بذلك لكن لاحيلة لنا...هي سنة من سنن الله في كونه...شئنا أم أبينا ...لهذا يقولون دوماً إن الضرورات تبيح المحظورات .
ظهر الاقتناع على وجه عابد وإن كان بعض القلق قد بدأ يساور قلبه ...
لكن الرجل قضى على تردده تماماً عندما اشتد بقامته ليسأله بنبرة صارمة :
_هذا طريق لا رجوع فيه ...إما سير على درب الحق حتى الشهادة...وإما وهَن وانتكاس وخيانة لعهد الله ورسوله فأي الطريقين تختار يا محمد ؟!
_لا اختيار ولا رأي في حدود الله !
هتف بها عابد قاطعة هذه المرة لتنشق شفاه "الصقر" عن ابتسامة راضية وهو يربت على كتفه قائلاً:
_وعيتَ الدرس سريعاً ...إجابة صحيحة هذه المرة ....
ثم شد قامته مردفاً :
_غداً تبدأ تدريبك معنا .
========
_شوشو!
هتف بها هيثم يناديها في ساحة الجامعة لتتوقف مكانها دون أن تنظر نحوه !
عيناها تدمعان بقوة وهي تشعر به يقترب منها لكنها تتماسك وهي تضم كتبها نحو صدرها ...
لكنه تقدم ليتفحص ملامحها باهتمام متسائلاً:
_مالك فيه إيه ؟! بقى لك كام يوم ما بتكلمنيش؟!
ازدادت كثافة الدموع في عينيها فعقد حاجبيه أكثر ليقترب منها مستطرداً:
_فيه إيه يا شوشو ماتقلقنيش؟! ولو طلعت حاجة هايفة من بتوعك أنا اللي هخاصمك بجد المرة دي.
_هايفة ؟!
تمتمت بها عبر شفتين مرتجفتين وعينين خانتاهما الدموع أخيراً فجذبها من ذراعها جانباً ليهتف بجزع:
_اتكلمي ...فيه إيه ؟! مامتك كويسة ؟!
أومأت برأسها وهي تنزع ذراعها منه بحركة خاطفة جعلته يغمغم معتذراً:
_أنا آسف بس انتِ عارفاني مابعرفش أتعامل مع القلق...قصري بقا وقوليلي إيه الحكاية.
رمقته بنظرة طويلة لم يفهمها ثم مسحت دموعها لتبتسم ابتسامة واهنة مع همسها المتحشرج:
_ولا حاجة...أنا بس قررت أريحك مني.
مط شفتيه باستياء ليطلق تنهيدة مع قوله :
_نفس البُقّين الحمضانين بتوع كل مرة ...ماتبقيش سخيفة بقا وقوليلي عشان ألحق أصالحك زي كل مرة ...
ثم غمزها مشاكساً ليردف:
_يا سكر!
لكن مزاحه لم يجد صدى في الملامح التي بهت بريقها وهي ترد بصوت يقطر ألماً:
_المرة دي غير كل مرة...خلاص يا هيثم ماعادش ينفع ...
انقبض قلبه جزعاً وهو يشعر بأنها تعني حديثها حقاً هذه المرة لا دلالاً كسابقاتها ...
خاصة عندما استطردت بين دموعها :
_أرجوك ما عدتش تتصل بيا ولا تكلمني ...ومن غير ما تسأل عن أسباب.
عقد حاجبيه وهو يشعر بغرابة تصرفها لكنه تشبث بأمل أن تكون مجرد حماقة أخرى من حماقاتها ...لهذا هم بسؤالها من جديد لكنها أعطته ظهرها لتتحرك بضع خطوات مندفعة مبتعدة عنه قبل أن تتوقف مكانها ...
ثم عادت تلتفت نحوه لتعود الخطوات التي قطعتها متمهلة متباطئة فتقف أمامه قائلة بخفوت حار:
_كنت بس عايزاك تعرف إني ماحبيتش ولا هاحب حد غيرك.
انهارت تماماً في عبارتها الأخيرة لتختفي من أمام عينيه ركضاً في لحظات ...
حاول اللحاق بها لكنها كانت قد استوقفت سيارة أجرة من أمام بوابة الجامعة لتنطلق مبتعدة بها ...
ظل واقفاً مكانه متوتراً للحظات وهو لا يفهم سبب تصرفها الغريب هذا ...
إنها المرة الأولى التي تتجاوز بدلالها حتى هذا الحد...
لا!
ليس مجرد دلال!
إنها تبدو منهارة محطمة حقاً ...ماذا حدث؟!
حدسٌ بداخله يخبره أنها تغيرت نوعاً بعد تدريبها ذاك مع والده ...
ماذا ؟!
تراها الحمقاء قد صرحت له بمشاعرها نحوه هو وهو رفضها لفارق المستوى الاجتماعي بينهما؟!
الهبلاء تفعلها !
لماذا تسرعت؟!
زفر بقوة عند هذا الخاطر ثم تناول هاتفه ليتصل بوالده ولم يكد يسمع صوته حتى تصنع المرح ليسأله بضع أسئلة ودية سبقت سؤاله الذي حرص ألا يبدي لهفته :
_شوشو زميلتنا...أخبارها إيه في التدريب معاك ؟!
هنا ابتسم حسين ابتسامة عابثة لم يرها هو وهو يجيبه بحنانه الأبوي الخادع :
_بنت كويسة جداً...بس ماعادتش بتيجي...ابقى اسألها لو حد زعلها هنا ...انت عارف البنات بيبقوا حساسين بزيادة.
عقد هيثم حاجبيه وهو يشعر أن إجابة والده لم تمنحه الراحة فأغلق معه الاتصال ليحاول مع شوشو من جديد لكن هاتفها بقي مغلقاً كما كان طوال الأيام السابقة ...
وفي مكتبه أغلق حسين الاتصال ليفتح أحد أدراج مكتبه ليتطلع نحو شيئ ما هناك ...
قبل أن يعيد إغلاقه ليشبك ذراعيه خلف رأسه وهو يبتسم منتشياً ب"الذكرى الظافرة" لذلك اليوم الذي كانت فيه هنا...
شوشو!
==========
في البازار وحدها طوال النهار ...
تقف مكان العم علاء الذي ترك لها المسئولية كاملة اليوم وقد اضطر لقضاء بعض شئونه !
تحاول استغلال الخبرة التي منحها إياها في الجدال مع الزبائن ...
لا تزال لغتها "التركية" شديدة الفقر لكنه علمها منها ما يكفيها لتقف في موقف كهذا ...
لهذا كانت تبتسم بظفر وهي تسترجع حصيلة البيع لهذا اليوم ...
سيكون هو وإيناس شديدا الفخر بها هذه الليلة !
وفي مكانه وقف سيف يراقبها من بعيد بارتباك لم يعد يفارق صورتها في عينيه ...
لا يدري سر هذه المشاعر التي تجذبه نحوها هي
بالذات ...
لكنه صار مستسلماً لها بخنوع يكرهه في نفسه !
شيئ واحد يعزيه في كل هذا ...
هو شعوره الخاطف ب"حياة قلبه" الذي ظنه مات مع من مات!
هذه الخفقات المتواترة...الأنفاس اللاهثة...اللهفة الوجلة...
كلها -رغم ارتباكه معها- تعيد إليه مذاقاً للحياة التي كان يعيشها بلا مذاق!
تقدم نحوها بخطوات زادتها مشاعره اضطراباً ...
لتلتفت نحوه بملامح لم تقل عنه ارتباكاً وهي تستعيد ذكرى لقائهما الأخير ...
لهذا تشاغلت عنه بالبيع لأحد الزبائن قبل أن تخلو له المسافة بينهما ليبادرها بقوله :
_عمي علاء كلمني آجي أوصلك عشان هيتأخر الليلة دي.
_وتعبت نفسك ليه ؟! كان ممكن أتصرف!
قالتها متحاشية نظراته وهي تتحرك نحو الداخل ليتبعها قائلاً :
_مفيش تعب ولا حاجة .
تناولت حقيبتها والمفاتيح لتغلق "البازار" فعاونها في إدخال بعض المعروضات للداخل تمهيداً للمغادرة...
قبل أن يتحركا سوياً في السوق الكبير لتلاحظ بعينين راضيتين حركته وهو يحاول السير خلفها و إحاطتها بذراعه حماية لها من الزحام دون أن يمسها ...
ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها وحركة بسيطة كهذه تدغدغ أنوثتها وتؤكد لها أي نوع من الرجال هو !
لهذا لم تشعر بتحفزها المعتاد وهي تجلس جواره وحدهما في سيارته يقطع بها الطريق نحو المزرعة ...
نظرة مختلسة نحو ملامحه الجادة جعلتها تدرك الفارق الكبير بينه وبين أخيه رامز ...
رامز وسيم بهذه الطريقة التي تخطف قلوب النساء ...ومع مكر نظراته وخفة ظله فهو حقاً ذو جاذبية ساحقة...
أما سيف فملامحه عادية جداً...يشبه أغلب المصريين ...لا شيئ مميز ...خاصة مع طباعه الجادة المتحفظة ...
ربما لهذا تشعر بارتياح كبير وهي معه ...
هو لا يهدد "قلبها" ولا "أنوثتها"...لكنه يستفز أمومتها بخطورة ...
أو -هكذا- تظن !!!
_أنا آسف ع اللي حصل من إسلام .
بصوته الرجولي الخشن يقولها دون أن ينظر إليها لتحتد ملامحها وهي تتذكر ما يحكي عنه فتقول بعنف لم تتعمده :
_وانت تتأسف ليه ؟! هو اللي غلط...بس أنا عموماً وقفته عند حده.
رمقها بنظرة جانبية مختلسة ليقول بضيق حقيقي:
_بس هو جرحك في بيتي ...وانتِ كنتِ بتعملي دور مش مجبورة عليه ...أنا فعلاً آسف.
_انت دايماً حساس قوي كده ؟! طب غلطاتك ماشي؟! إنما هتشيل ذنب الناس كمان ؟!
قالتها باستنكار وهي تلتفت نحوه بوجهها ليروعها الألم الذي سكن ملامحه خاصة مع قوله دون أن ينظر إليها :
_لما نتوجع واحنا بنتأسف على الغلط أحسن ما غيرنا يتوجع وهو بيدفع تمن غلطنا .
تنهدت بحرارة وهي تفهم مغزى عبارته حتى أنها كادت ترد لولا أنها رأت انعقاد حاجبيه مع صوت غريب في مقدمة السيارة ليصلها بعدها صوته المحرج :
_عملتها زوبة !
لم تستطع التحكم في ضحكتها "الكارثية" التي وجدت صداها في قلب هذا البائس جوارها لكنها لم تتوقع عبارة مرحة كهذه من "النِفري" هذا كما تصفه هانيا .."النكدي" كما تصفه هي!!!
لهذا وضعت كفها على شفتها بحرج عندما شعرت
بالسيارة تقف على جانب الطريق بينما هو يدير وجهه عنها ليقول بحرج :
_للأسف هنضطر نطلب مساعدة.
_لو قلت هنطلب إسلام وطلعت دي حركة منك عشان تخليه يعتذر لي هاتكون آخر مرة أكلمكم انتو الاتنين .
هتفت بها بحدة متطرفة تماماً ومناقضة لضحكتها المرحة منذ قليل ...
فالتفت نحوها بدهشة ليهتف بضيق أجفلها:
_أنا مش بتاع حركات ...ومش فاضي ألف ورا كل واحدة تعجب إسلام لأني ساعتها مش هاخلص.
ارتدت للخلف وهي تشعر بالندم على تسرعها جعلها تتغافل عن إهانته بوصفها مجرد "واحدة" تعجب إسلام !
بينما تناول هو هاتفه ليطلب رقماً ما ...
_أيوة يا عمي ...أنا آسف جداً ...العربية عطلت بينا ...أنا قلت أستأذن حضرتك قبل ما أكلم واحد صاحبي ييجي ياخدنا ...
ثم التفت نحوها ليردف:
_عارف حضرتك بتقلق على غادة ومش بتآمن عليها أي حد .
رمقته بنظرة معتذرة عذبة جعلت ملامحه الغاضبة ترتخي قبل أن يستمع قليلاً ليقول مخاطباً علاء:
_خلاص كويس جداً...هانتظر حضرتك...أسف مرة تانية.
_قدامه ساعة بالكتير ويبقى هنا ...خدي راحتك أنا هاخرج م العربية.
قالها مخاطباً إياها ليغادر السيارة ويتجه نحو مقدمتها مستنداً عليها فابتسمت وهي تهمس لنفسها :
_سيف ابن الناس الكويسين صحيح زي ما بيقول عمو
علاء.
ظلت مكانها تترقب الطريق حتى شعرت بالملل فجذبت حقيبتها لتغادر السيارة وتستند جواره على مقدمتها قائلة بعفوية :
_أنا جعانة ومعايا ساندوتشين ...لو ما أكلتش مش هاكل ...ياللا عشان يبقى عيش وملح.
قالتها ثم استخرجت الشطيرتين من حقيبتها لتمنحه إحداهما فتناولها منها قائلاً بعفوية تشبهها وكأنه لم يحتد منذ قليل:
_وأنا معايا علبتين عصير في العربية.
_بس...تبقى جبرت!
قالتها بمرح ليبتسم ابتسامة واسعة وهو يتحرك ليحضر العصير من داخل السيارة قائلاً:
_من زمان ما سمعتش "جبرت" دي .
_أنا بورسعيدية يا فندم...لو سبت نفسي هنكلموك بلهجتنا وممكن ماتفهمش مني حاجة.
قالتها باللكنة البورسعيدية المميزة فضحك وهو يعود ليعطيها إحدى العلبتين قائلاً :
_كان ليا واحد صاحبي بورسعيدي أيام الجامعة كنت بحبه قوي...كان عليه عزف ب"السمسمية" مالوش حل...وكان دايماً يقوللنا مصطلحات غريبة بالبورسعيدي ونقعد نترجمها معاه...
ابتسمت وهي تشعر بحنين جارف نحو مدينتها رغم قسوة ما تركته من ذكريات هناك لتقول بشرود :
_مهما شفت أماكن حلوة ...هتفضل بورسعيد في عيني أجمل حتة في الدنيا .
قالتها ثم قضمت قضمة من شطيرتها محاولة تناسي مشاعرها لكنه لم يغفل عن رنة الحزن في صوتها ليعود ويتساءل في نفسه عن سر هربها إلى هنا بدلاً من العيش مع والدتها ...
لقد فكر في سؤال رامز عن الأمر لكنه تراجع خوفاً من أن يلاحظ اهتمامه بها ...
ترى ما الذي يحمله ماضيها ويروعها إلى هذا الحد ؟!
"أرنب مذعور"!
هكذا وصفت له نفسها يوماً فماذا كانت تعني؟!
_أنا آسفة إني انفعلت من شوية بخصوص إسلام.
قالتها باعتذار رقيق وهي تتطلع لضوء السيارات المارة أمامها لكنه أطرق بوجهه دون رد ...
ماذا عساه يخبرها؟!
أن إسلام في هذه اللحظة بالذات مع خليلته هنا في اسطنبول يقضي الليلة معها رغم أنه لا يبرح يشكو له من ضيقه بسبب رفضها له !
لا...ليست ازدواجية!
لكنه مثل كثير من الرجال يرى أن العلاقة الجسدية لا
علاقة لها بالحب!
وهو ما يختلف معه فيه سيف على أي حال .
_أنا مقدر حساسية الوضع...وحاسس إن "أنّا" بالذات بتضغط عليكِ في الموضوع ده ...بس صدقيني رغم إن إسلام صاحبي شايفكم ماتنفعوش لبعض...وماليش
علاقة بأي تدخل ليه في حياتك.
قالها بجديته الرصينة فابتسمت بارتياح وهي تعود لتناول شطيرتها قائلة بنفس العفوية :
_زمانك بتقول عليا مفجوعة ومش صابرة ساعة أروح البيت أتغدى بس بصراحة بجوع بالليل جداً ...ما بستحملش.
ضحك رغماً عنه لتحمر أذناه بهذه الطريقة التي تثير دهشتها فأردفت بنفس النبرة:
_كل بتاعك بقا عشان ماتحسسنيش إني مفجوعة لوحدي.
بدأ في تناول شطيرته بحرج كاتماً ابتسامة لم يعرفها من قبل بهذا الدفء ...
بينما أنهت هي شطيرتها لتتناول العصير دفعة واحدة قبل أن تقول ببساطة وهي تمسد ذراعيها براحتيها :
_بسرعة يا عمو علاء...الجو برد ...
ولم تكد تنتهي منها حتى فوجئت به يخلع سترته بسرعة ليعطيها لها محافظاً على مسافة مناسبة بينهما دون أي كلمة بينما يطرق برأسه في حرج...
حاولت الاعتراض بشدة لكنه لم يزد حرفاً ولم يغير وقفته بل ظل يمد يده بها نحوها بحركة صارمة مطرق الرأس...
فتناولتها منه شاكرة لتضعها على كتفيها ...
هنا أشاح هو بوجهه عنها وكأنه خشي أن يراها ترتديها !!
قلبه يخفق بعنف كمراهق يقابل معشوقته سراً في عزلة عن العيون ليضع فوقها سترته ...
مشهد استوجب جموح مشاعر لم تطله من قبل بهذه
المغالاة إلا مع...
انجي!
والخاطر الأخير أذاب ابتسامته وجعله يحافظ على إطراقته ما بقي من الوقت مكتفياً بتناول شطيرتها ...
حتى وصل العم علاء الذي توقف جوارهما بسيارته ليهتف به :
_عملتها فيك زوبة؟! اخس!
ضحكت غادة بارتياح وهي تستقل السيارة جواره لتهتف بعاطفة حقيقية :
_وحشتني قوي يا عمو النهارده...اليوم من غيرك فعلاً
مالوش طعم.
فتأمل علاء منظرها والسترة فوقها ليقول باشمئزاز مصطنع:
_إيه شغل الأفلام ده ؟! أسيبك معاه ساعة ألاقيكي لابسة الجاكيت بتاعه.
ربما لو كانت ملاحظته تخص إسلام لشعرت بالغضب ...
لكنها على العكس كانت تشعر بسعادة خفية ولدت لديها المزيد من المرح خاصة مع إطراقة سيف المتحفظ والجالس خلفهما في السيارة ...
لتهتف بعفوية جادة تحمل الكثير من التقدير:
_ده سيف ابن الناس الكويسين...مش بتاع أفلام.
ارتفع حاجبا علاء بمكر جعل وجنتيها تحمران بخجل لكنها وارته بقولها :
_ياللا بقا بسرعة ع المزرعة هاموت من الجوع .
عاد علاء برأسه للوراء يرمق سيف بنظرة متفحصة لم تخلُ من مكر لكن الأخير كان مكبلاً بمزيج مشاعره المتناقضة التي جعلته يطرق بوجوم طوال الطريق ...
صوت ضحكاتها المنطلقة مع علاء الذي كان يسألها عن العمل كان شديد الوقع في أذنيه ...
لكنه لاحظ شيئاً تمنى أن يكون حقيقياً رغم أنه لا يفهم حقيقة مدلوله !
منذ التقاها هذه الليلة وهي لم تداعب دبلة أحمد في أناملها بحركتها المعهودة ...
فهل يعني هذا شيئاً؟!
=========
الجلسة الثالثة التي يصر على حضورها معها يسمعها وهي تقرأ لهمسة !
الجلسة الثالثة التي تحاول فيها قدر استطاعتها التماسك أمام طغيان مشاعرها بالحلم الذي يكاد يتجسد !
الجلسة الثالثة التي تجاهد فيها نفسها للحفاظ على "مهنيتها" وسط كل هذا الشتات الذي تسبح فيه روحها بسذاجة امرأة لم تختبر يوماً مثل هذه المشاعر!
هذه المهنية التي جعلتها تتغاضى عن صراعها هي الخاص متفانية في قياس مدى استجابة همسة لما تقرأه لها ...
والحقيقة أنها كانت مُرضية ...ربما ليست فائقة لكنها تكفيها لتكمل الطريق بدأب!
_الحب يمنحنا الحياة ...يجعل للكون لوناً ورائحة ومذاقاً...ودونه حياتنا مجرد وهم ...سجن ...مهما تزخرفت أسواره.
كانت هذه آخر عبارات الكتاب "خفيف المحتوى" الذي كانت تقرأه لها ...
لكن الكلمات بدت وكأنها مست وتراً في قلب همسة التي أصدرت أنيناً خافتاً جعل زين يقترب منها ليضمها بذراعه لصدره قبل أن يعبث في شعرها بأنامله وعيناه الآسرتان تلتقيان بعيني ياقوت التي أشاحت بوجهها فوراً وكأنما مستها صاعقة !
ربما لأنها لم تستشعر في حياتها الخاصة هذا الحنان "الرجولي" من قبل!
هي عايشت عاطفة الأم...الجدة...الشقيقة...
لكنها لم تعرف معنى أن يكون لديها رجلٌ!
أجل..."عالم الذكور" بتعقيداته كان بعيداً تمام البعد عنها ...وأصرت قدر استطاعتها أن تكون هي الأخرى بعيدة عنه ...
والآن يأتي زين هذا ككنز ...بل "مغارة كنوز " كاملة !
يبهرها بسطوع شمسه في جميع وجوهه...
تباً...أليس لرجل مثل هذا عيوب؟!
أين هي؟!
ليتها ترى واحداً فقط وستتكفل هي بتضخيمه حتى تزيح هذا الثقل الذي صار يرهق قلبها ...
يالله !
الحلم صار ثقلاً؟!
نعم...عندما تتدخل عقولنا لترشدنا لاستحالة حدوثه بينما يتدخل طموحنا من الجانب الآخر ليدفعنا بقوله أن لا مستحيل!
ومن جديد تستدعي درع مهنيتها لتتخفى خلفه وهي تمنحها "بيضة" وقلم ألوان لتتناولها منها همسة فترسم ككل مرة ...
عينين وأنف ...وفم مبتئس ...
لكن الدمعتان اختفتا هذه المرة !
تراها دلالة جيدة ؟!
هذا ما حاولت به إقناع نفسها عندما قامت من كرسيها لتتناول حقيبتها منتوية المغادرة ...
لترفع إليها همسة عينيها بنظرة تعلق وهي تمد كفها لتتشبث بذراعها ولازال زين يضمها لصدره ...
هذه الحركة التي لم تجد أثرها في قلب ياقوت فحسب ...
بل في قلب زين الذي شعر في هذه اللحظة بالذات لو يملك حرية أن يتشبث هو الآخر بذراعها هنا فلا تغادر !
مشاعره نحو هذه المرأة لم تعد مفهومة...
أحياناً يبررها بأنها مجرد رغبة في طريدة لم يصادف مثلها من قبل ...
وأحياناً يخرج بها أصلاً خارج تصنيف النساء!
أجل...لقد صار يتعامل معها ك"كيان" غامض مهيب يثير حواسه بتناقض لا يفهمه !
ومما يزيد من حيرته هي تلك الحصون التي تتوارى خلفها دون أن تستجيب ل"شباك" يلقيها لها الصياد طامعاً فيعود بها خائبة ...
تماماً كما الآن وهو يتحرك معها ليغادر الغرفة نحو بوابة حديقته ...
_صوتك حلو.
_انت اللي صوتك حلو ...وكلامك حلو ...وكلك على بعضك حلو .
"العفريتة العابثة" التي فقدت عقلها تماماً هياماً به تعربد بين جنباتها بجنون صارت هي الأخرى تشاركها فيه ...
ربما لهذا لم ترد بفظاظة اعتدادها ككل مرة بل اكتفت بإطراقة صامتة لم ترضِ غروره ...
خاصة عندما تجاهلت القول لترفع رأسها بقولها دون أن تنظر إليه :
_فيه دكتور بثق جداً في رأيه عرضت عليه الحالة وراضي جداً عن تطورها ...تحب تتابع معاه هو ؟! هو أكبر مني سناً وخبرة.
عقد حاجبيه بدهشة وهو يتوقف مكانه ...
عبارتها بدت له وكأنها تتهرب من وجودها هنا !
وإلا كيف تضحي بمبلغ كبير كهذا الذي يدفعه لها ؟!!
لهذا تفحص ملامحها بدقة ليسألها بحذر:
_هو حد ضايقك هنا؟!
ورغم أن اللهجة التي خاطبها بها بمزيج من الاهتمام والضيق عززت "حلمها الذهبي" به لكنها عاودت التشبث بجدار مهنيتها لترفع إليه عينيها بقولها المعتد:
_إيه علاقة إن حد يضايقني بالموضوع ؟! أنا بتكلم عن مصلحة حالة عندي تقتضي إني أدور عليها معايا أو مع غيري ...شفاء همسة نجاح ليّ لكن مش هتكسف لو ماحققتش معاها تقدم.
_أفهم من كده إنه حتى لو حد ضايقك هنا هتفضلي تتابعي الحالة ؟!
_لو في مصلحتها أكيد طبعاً .
قالتها بحسم قاطع أثار إعجابه لكن غريزته ك"صياد" جعلته يضغط على ما يراه نقطة ضعفها :
_تحبي نزود المبلغ اللي محددينه للجلسة ؟!
اتسعت عيناها بصدمة وهي تتلقى عبارته كصفعة اتهام !
لهذا احمر وجهها بانفعال قبل أن تهتف باعتدادها الذي
خالطه الآن الكثير من الغضب:
_انت متصور إني بقول كده عشان طمعانة في أتعاب زيادة ؟!
تراجع مكانه خطوة وهو يشعر أن ذكاءه قد خانه في عبارته الأخيرة ...
لكنه وجدها فرصة ليرد لها إهانة قديمة فعقد ساعديه أمام صدره ليقول بنبرته المسيطرة :
_أنا ماقصدتش كده بس حتى لو قصدت ...أفتكر أنا ماانفعلتش عليكِ قوي كده لما اتهمتيني إني أنا اللي طمعان فيها .
انعقد حاجباها بقوة وهي ترمقه بنظرة حادة قبل أن تقرر ما تجيده معه دوماً ...الهروب!
لهذا أعطت له ظهرها لتنصرف دون رد مما دفعه ليلحق بها فيقف أمامها معترضاً طريقها لكنه التزم الصمت هو
الآخر للحظات مكتفياً بحديث نظراتهما المتناطحة ...
اعتدادها لم يكن يقل سطوة عن غروره ...
غضبها لم يكن يقل حدة عن عناده...
وكذلك إعجابها لم يكن يقل وهجاً عن شعوره المتناقض نحوها !!
قمّتان متوازيتان لجبلين راسخين ...
يبدو أن لقاءهما مستحيل إلا بنسفهما معاً !
_واضح إنك حساسة جداً...المفروض تفهمي من كلامي أد إيه أنا متمسك بيكي ومش عايز غيرك يعالج أختي.
عادة قديمة تعلمها بحنكته في السوق أن يقلب الطاولة ويلقي بالعيب على من أمامه !
لكنها هي الأخرى لم تكن خصماً ساذجاً عندما عقدت ساعديها أمام صدرها دون أن تقل حدة نظراتها فلجأ للخطوة التالية ...
"الجرّ الناعم"
_انتِ مش شايفة هي إزاي بقت متعلقة بيكي ؟! عايزة تسيبيها بالساهل كده ؟!
عبارته آتت ثمارها هذه المرة لأنها مست بداخلها تعاطفها الخاص نحو همسة التي تشعر بها انعكاساً لمأساتها هي ...
لهذا رقت لهجتها نوعاً وهي تشيح بوجهها لتقول بنفس التحفظ الجاد :
_أنا ماقلتش هاسيبها ...أنا بس ضميري حتم عليّ أعرفك إن ممكن يبقى فيه حد تاني أفضل مني.
عقد حاجبيه بشك ولايزال يتفحصها غير قادر على فهمها ...
لقد ظن يوماً أن المال نقطة ضعفها وقد مرت بهما من المواقف ما جعله يميز بسهولة لمعة عينيها عند رؤيته...
لكن موقفها الأخير هذا يجعله في حيرة من أمره !
تراها تدعي كل هذا؟!
مجرد تمثيل؟!
من يدري؟!
ربما!
هو يعرف "امرأة" مثلها من الماضي خدعت أباه حتى لفظ زوجته لأجلها وتزوجها هي ؟!
عظيمٌ هو دهاء حواء عندما تجيد نصب الشرك ...
لكنه هو "الصياد" هذه المرة !
وقواعد اللعبة هو من سيضعها حتى يحصل على ما يريد !!
_أنا آسف لو ضايقتك.
بأرق لهجة لديه نطقها وعيناه ترميانها بهذه النظرة الآسرة التي دغدغت أنوثتها لكنها أشاحت بوجهها لتتمتم بفتور:
_ماحصلش حاجة.
لم تكد تنتهي منها حتى انتفضت بقوة وصوت الرعد يأتيها عالياٌ من السماء التي بدت وكأنها انشقت فجأة ليهطل منها المطر ...
لعنت غباءها وهي تتنبه للتحذير الذي قرأته عن التبدل المفاجئ للطقس ...
كان ينبغي أن تلغي جلسة اليوم!
_ممكن تتفضلي جوة لغاية ما المطر يخف شوية !
حاولت الاعتراض مراراً لكنه أصر بدوره لتجد نفسها مضطرة تستجيب لدخول البيت الكبير للمرة الثانية التي لم يختلف أثرها عن الأولى ...
نفس المزيج بين الرغبة والرهبة...
بين الأمل والألم ...
بين "حلم" يزين الغد و"هاجس" شوّه الأمس!
_اتفضلي .
هذه المرة كانت تجلس في بهو البيت حيث أحد الصالونات الفخمة ...
ورغم أنها كانت تحفظ بصرها عن التأمل كما علمتها ثمر عن آداب دخول البيوت لكن صورة كبيرة مؤطرة على أحد الحوائط الجانبية لفتت انتباهها فاختلست نحوها نظرة جانبية لم تخفَ على عيني "الصياد" الذي جلس جوارها لا تفصل بينهما سوى منضدة ذهبية صغيرة ليرد عن تساؤلها غير المنطوق:
_دي والدتي الله يرحمها .
ويبدو أن العاطفة التي اتشحت بها حروفه عبرت خلال قلبها لتغمغم برقة لم تتعمد تكلفها :
_الله يرحمها ...فيها شبه كبير منك.
ارتفع حاجباه للحظة من عفويتها الرقيقة التي تسربت عبر "وش الخشب" كما تحلو له تسميته ...
ليجد نفسه يسألها دون محاذير:
_وانتِ بقا شبه والدتك واللا والدك!
ربما لو كان قد صفعها لكانت ردة فعلها أهون من هذا!
فقد شحبت ملامحها فجأة لترتجف نظراتها الواثقة قبل أن تجد أناملها دون وعي تحط على صدرها في موضع "العشر جنيهات" التي لا تفارق مكانها هناك !
أنفاسها تتلاحق والسؤال الفاضح يفرض نفسه...
هل يعرف؟!
هل يعرف؟!
ورغم البرودة التي كانت تسري في أطرافها لكن حبيبات العرق التي احتشدت على جبينها فضحت انفعالها وجعلته يشعر ببعض الندم على تطرقه لهذا الأمر ...
لكنه عندما أراد تكحيلها أعماها!
_أنا معجب جداً بكفاحك رغم الظروف اللي مريتِ بها ...أكيد طريقك ماكانش سهل بس انتِ مشيتيه صح.
دمعت عيناها رغماً عنها وهي تتمنى الآن لو تنشق الأرض وتبتلعها !
هو يعرف!
بالتأكيد يفعل!
هو لن يدخل أحداً لبيته ويأتمنه على شقيقته إلا لو كان يحيط بكل تفاصيله ...
لكن لماذا كل هذا الفزع؟!
فليعرف أو لا يعرف!
لو كان هو "الحلم" الذي ترتجيه حقاً فلن يكترث بماضٍ أو حاضر ...
ولو كان مجرد "وهم" فليرحل مع من رحل!
كانت هذه إحدى حيلها النفسية التي تستخدمها عادة ل"التأقلم" !
ربما لهذا جفت دموعها فجأة كأن لم تكن لتستقر أنفاسها الثائرة أخيراً ...
نفسها تنازعها ألا تجيب سؤاله لكنها ردت باعتداد عاد يفرض نفسه على صوتها :
_والدتي.
_هه؟!
تساؤله الشارد كان له ما يبرره وهو يتفحص هذه "الحالة النادرة" أمامه !
لوهلة هيئ إليه أنها ستبكي !
هذا الشعور بالشفقة الذي كاد يدفعه للتأهب للاعتذار !!
لكن "معجزة ما" حدثت وجعلتها تستعيد عرش قوتها الذهبي هذا!!
أوه!
كم تبدو شهية مغوية حقاً ك"طريدة" تستفز كل حواسه ك"صياد"!
_شبه والدتي ...مش سألتني شبه مين؟!
قالتها ببعض الحدة وعيناها الخضراوين خلف زجاج نظارتها كقمرين سجينين تتوهجان ببريق حاد جعل عينيه هو الآخر تلتمعان بقوة وابتسامة خطيرة ترتسم على شفتيه وهو يتقدم بجذعه للأمام فيقترب منها أكثر قائلاً :
_الله يرحمها ...أكيد اللي تربي بنت زيك تبقى شخصية عظيمة.
عدلت وضع نظارتها على أنفها بارتباك لم تملكه لترد بفتور :
_والدتي اتوفت وأنا طفلة...الحقيقة جدتي صاحبة الفضل في تربيتي .
_الحاجة ثمر .
الاسم من بين شفتيه كان له وقع خاص في أذنيها !
جدتها كانت ولاتزال تحمل دوماً قدسية خاصة لديها لهذا شعرت بقشعريرة غريبة وهي تسمعه يردده ...
كأنه اقترب كثيراً من منطقتها الخاصة التي بقدر ما ترغب في إقصائه عنها بقدر ما تحلم منه باقتراب!
قاطع أفكارها وصول الخادمة تحمل صينية من المشروبات وضعتها جوارها قبل أن يصلها صوته :
_أنا فاكر كويس إنك مش بتحبي تاكلي أو تشربي حاجة وانتِ بتشتغلي بس انت دلوقت بره مواعيد الشغل .
الودّ الجذاب في صوته يدغدغ أنوثتها بهيمنة لا تنكرها !
خاصة عندما صرف الخادمة ليقف ويسألها بينما يشرف عليها بطوله الفارع من علوّ :
_كام معلقة سكر؟!
_خمسة!
قالتها ببعض الخجل فضحك ضحكة عالية وهو يضع لها ما طلبته بينما يقول بنبرته الآسرة:
_أطيب ناس عرفتهم في حياتي هم اللي بيحبوا الحاجات المسكرة بزيادة.
وعند الخاطر الأخير طافت صورة ياسمين بذهنه متذكراً أنها هي الأخرى تحب الإفراط في السكريات !
عجباً!
كم تتشابه المرأتان!
وكم تختلفان!
ربما لهذا اختلس نظرة متفحصة نحوها من مكانه وهو ينحني ليقلب السكر في فنجان الشاي ...
ترى كم من الأنوثة تخفيه هذه الأسمال التي ترتديها؟!!
وإلى أي حد قد تشتعل نارية مثلها في عاطفة ؟!!
_شكراً.
قالتها غافلة عن جموح أفكاره وهي تتناول منه الفنجان لترشف منه رشفة قبل أن تغمض عينيها باستحسان ...
الملمس الدافئ ...المذاق الحلو ...
ومتعة خفية تستشعرها من أنه أعده لها بنفسه !
لم تستطع مقاومة الشعور بالرضا عن كل هذا لتأخذ نفساً عميقاً وهي تراه يعود لجلسته قبل أن يبدأ في تبادل حوار قصير معها ...
لم تدرِ كيف مر الوقت ولا كيف انجذبت كفراشة نحو نور هالته الآسرة ...
كل ما كانت تشعر به هو ألفة غريبة !
وكيف لا؟!
وهي تتحدث نحو "رجل الحلم" الذي حاكت معه كل هذا الحديث من قبل في خيالها !!
لكن الألفة الدافئة كان يتخللها الكثير من الحذر ...
"الساحر الأنيق" خلف بللورته لايزال يخفي الكثير ...
رعد ...ومطر!!
هكذا هو بالضبط كما الطقس بالخارج!!
========
بعد شهر من الأحداث السابقة ...
وقف يراقبها وقد غطت عينيها عصابة في مشهد صار يتكرر كثيراً...
لكن الفارق هنا أنه لم يعد يخشى أن يراه زين !
ياقوت أوفت بعهدها له !
ياقوت التي تقدمت نحوه الآن لتقول بصوت شديد الخفوت:
_هاسيبك معاها عشر دقايق لوحدكم بس عايزاك قبل ما تمشي تسيب لها حاجة في إيديها .
رمقها بنظرة متسائلة لتجيبه بنفس الخفوت :
_أي حاجة مميزة من ذكرياتكم سوا ..سيبها معاها قبل ما تمشي ...عايزه أبدأ أقرب العالمين بتوعها من بعض .
هز رأسه باستغراب لكنها قالت بسرعة :
_قدامك عشر دقايق قبل ما زين يوصل.
قالتها لتغادر الغرفة نحو مدخلها المطل على حديقة البيت بينما ظل هو واقفاً مكانه متجمداً للحظات يبحث عما يمكن أن يتركه لها ...
ثم لم يلبث أن فتح حافظة نقوده الجلدية ليلتقط من بين جيوبها "زرّين معدنيين" كانت قد أحضرتهما له كهدية عقب تخرجه ...
ابتسم لعذوبة الذكرى وهو يسترجع رقتها بينما كانت تثبتهما له بنفسها في إسورتي قميصه قبل أن تعدل له رابطة عنقه لتهمس له في مكانهما الذي انعزلا فيه عن العيون :
_خد بالك ...هيفتنوا لي عليك لو كلمت واحدة غيري.
_ممكن أبص بس من غير ما اتكلم !
بمكر يقولها ليغيظها لكنها تبتسم ابتسامتها الرقيقة وهي تضع سبابتها على صدره في موقع القلب تماماً لتهمس بيقين لا يقبل الشك:
_وده راح فين ؟! ده اللي عمره ما هيشوف غيري زي ماعمري ماهاشوف غيره .
دمعت عيناه قهراً عند الخاطر الأخير ليبتلع مرارة غصة حلقه وهو يقترب منها ليجثو على ركبتيه أمامها ...
جسدها يرتجف مميزاً هالة حضوره فيمد أنامله ليحتضن كفيها ...
يرفعهما نحو شفتيه بقبلات دافئة ...
قبل أن يداعب شعرها الناعم بأنامله ...
_كل ده ولسة ما كفرتش عن ذنبي يا همسة ؟! إيه ممكن يكون أقسى عليّ من إني أشوفك قدامي وماكلمكيش ؟! كان أهون عليّ تعاقبيني أي عقاب حتى لو كنتِ اخترتِ تكملي مع راجل غيري ...لكن تبقي قدامي...مراتي...شايفك ..وبلمسك...ومش قادر حتى أقوللك سامحيني...أقوللك إني لسه بحبك...وهافضل أحبك لآخر يوم في عمري... عذاب يا همسة ...عذاااب!!
صرخت بها أعماقه دون صوت ليجذب رأسها لصدره فجأة مطوقاً إياها بذراعيه ...
دقات قلبه تعوي تحت أذنيها فيرتجف جسدها وهي تود لو تصرخ ...
هي تشعر به ...
حبيبها ...صِنو روحها ...
تميز ترنيم أنفاسه وسط كل هذا الصمت الموحش حولها ...
لكنها لا تذكر شكله ...
لماذا لا يرفع العصابة عن عينيها ؟!
فلترفعها هي!!
لا!!
صوتٌ بداخلها يخبرها أن الجحيم سيفتح أبوابه من جديد لو رأته...
فليبقَ هكذا بلا صورة...
بلا صوت ...
مجرد وهم غير مرئي ...
تماماً مثلها ...هي ..هي التي عاشت عمرها كله غير مرئية !!
تشعر به يفتح كفيها ...يضع شيئاً ما هناك ...قبل أن تسمع خطواته يبتعد ...
ملمسه بارد يناقض دفء أنامله ...
لا ...لا تريده ...فليأخذه معه !
تقذفه بكل عنف لتسمع صوت ارتطامه بالجدار هناك!!!
وفي مكانها كانت ياقوت تراقبها خلسة من وراء النافذة وجوارها رائد ينقبض قلبه جزعاً مما تفعله...
خاصة عندما مدت أناملها ببطء تنتزع عصابة عينيها لتدور بهما في المكان الخالي بعدما أغشاهما الضوء ...
تمسح دمعاً لم يجف لتنهض من على كرسيها وتتوجه نحو الجدار هناك حيث ألقت عطيته...
تنحني على ركبتيها لتراهما ...
فتبتسم وتبكي ...
تبتسم وتبكي ...
حتى تحتضنهما في راحتيها لتتكور على نفسها في وضع الجنين مستلقية على الأرض!!
هنا لم يستطع رائد التحمل وهو يعطي ياقوت ظهره ليبتعد مخفياً عبراته خلف قناعه الجليدي ...
لكن ياقوت أشارت للخادمة كي تقترب وتدخل لهمسة الغرفة ...
قبل أن تلحق به لتقول بنبرة مشفقة :
_عارفة إن الموقف صعب بس مالاحظتش حاجة حلوة حصلت؟!
التفت نحوها بيأس ملهوف لتبتسم ابتسامتها "الطيبة" مردفة:
_من اللي عرفته منكم...دي أول مرة هي اللي تفك الرباط من على عينيها ...ماتستناش حد يفكهولها .
اتسعت عيناه قليلاً ليستدعي صوتاً خرج منه متحشرجاً :
_وده معناه إيه ؟!
فتنهدت بحرارة لتطرق برأسها قائلة :
_مش عايزة أديك أمل كبير ...بس دي خطوة كويسة جداً معناها إن هي نفسها اللي بدأت تشق الشرنقة وتخرج ...أعتقد لو استمرينا ممكن نوصل إنها في مرحلة ما تبقى قادرة تشوفك وتسمعك .
التمع الأمل في عينيه لتردف هي باستطراد دافئ
ولازالت مطرقة برأسها:
_صدقني هتكون من أسعد لحظات حياتي لما تقدر ترجع طبيعية وترفع راسها قدام الناس كلها وتقوللهم إنها مرا...
لكزها لكزة خفيفة في ذراعها لتقطع عبارتها وتنتبه لتقدم زين نحوهما فتشددت وقفتها وهي تشيح بوجهها ...
بينما عقد زين حاجبيه وهو يراقب وقفتهما بريبة...
لماذا يقفان هكذا خارج الغرفة يتهامسان؟!
أليس مكانهما بداخلها؟!
ولماذا لكزها رائد هكذا لتصمت عندما رآه ؟!
ما الذي يجري بينهما بالضبط ؟!!
ضم قبضتيه بغضب داراه ببروده وهو يتقدم نحوهما أكثر ليصافح رائد الذي رقت نبرته وهو يخاطب ياقوت بقوله :
_لو احتجتِ أي حاجة أنا تحت أمرك.
ازداد انعقاد حاجبي زين وشعور غريب يتملكه !!
منذ متى يتشقق القناع الجليدي لرائد ليقول لامرأة ما "تحت أمرك" هذه ؟!!
منذ متى تحمل عيناه هذه اللمعة الدافئة ؟!
هل ما يظنه صحيحاً حقاً ؟!
هل تعجبه هذه المرأة ؟!!
_أشوفك بكرة ونتفق ع التفاصيل قبلها .
ورغم أنها كانت تقولها بنبرتها المهنية المعتادة لكن أذن "غيرته" جعلته يسمعها بنبرة أخرى أججت المزيد من نيرانه ليرمق رائد بنظرة حادة سبقت قوله :
_أنا لسه مش راضي عن اللي بيحصل ده ...
ثم التفت نحو ياقوت لتنال نصيبها من سخطه :
_وزي ما قلتلك أي انتكاس ليها مسئوليتك .
رفعت ياقوت حاجبيها بدهشة من تغير أسلوبه بينما التوت شفتا رائد بابتسامة ماكرة وهو يدرك سر غضبة قريبه ...
لكنه آثر الصمت والمراقبة كعهده فمضى مبتعداً دون مزيد من الكلمات ...
_انت ليه اتضايقت من وجوده ؟! ما احنا متفقين !!
قالتها بتساؤل حائر فكز على أسنانه قائلاً ببرود مشتعل:
_طبعاً لو سألتك كنتو بتتوشوشوا في إيه هتقولي لي أسرار شغل ...
_أوبا.....وجرب نار الغيرة ...شكل السنارة غمزت يا بنت أشواق!
مداخلة خبيثة من العفريتة العابثة إياها لكنها لم تكن في مزاج رائق لتقبلها وهي تتأمل غضبه بنظرات متفحصة ...
خاصة عندما استطرد وهو يضع كفيه في جيب سرواله :
_وأنا بحترم أسرار الشغل ...فمش هسألك.
ضاقت عيناها وهي تشعر بتلميح سخيف في عبارته لكنها لم تفهم سر ضيقه بالضبط...
تراه يخشى أن تعجب هي رائد فيزهد في أخته ؟!
الأحمق!
ألا يدري كم يحبها ؟!!
انقطعت أفكارها برنين هاتفها الذي تناولته منتوية تجاهله لكن اسم لجين في هذه الساعة حيث تدرك أنها لا تتلقى اتصالات أثناء عملها لا يعني سوى كارثة ...
وقد صدق ظنها عندما فتحت الاتصال ليصلها صوت شقيقتها الملتاع:
_الحقي ستي ثمر .
=======
_اهدي بس هتكون كويسة إن شاء الله .
قالها مطمئناً وهو يقود بها سيارته نحو بلدتها بينما كانت هي تشعر بذهول صادم لا تصدق كيف تطور الأمر هكذا !!
عندما وصلها الخبر كانت تريد اللحاق بأقرب قطار لكنه أقنعها أنها لن تجد تذكرة بسهولة عارضاً عليها توصيلها بسيارته حتى أقرب موقع لقريتها مراعياً ألا يراهما أحد من أهل البلدة...
لم تفكر وهي توافق!!
لم يكن شيئ ما يهمها في هذه اللحظة إلا أن تطمئن على جدتها !!
لجين تقول إنها في المشفى بعدما نقلوها إذ وجدوها فاقدة للوعي وحدها في البيت !!
تسربت منها دمعة مسحتها بكفها بسرعة وهي تشيح بوجهها مغمغمة بكلمات شكر لم تتبينها ...
لكنه اختلس نظرة نحوها وهو يشعر بارتجاف جسدها جواره يثير بداخله مشاعره -المبهمة- نحوها ...
لم تتحدث بكلمة واحدة منذ ركبت جواره...
فقط تضم كفيها في حجرها مراقبة هاتفها برعب !
لهذا حاول إخراجها من هذا الصمت بقوله :
_هي مالهاش حد يقعد معاها وانتو مسافرين؟!
_مالهاش غيرنا ومالناش غيرها .
قالتها بصوت متحشرج وشى بقرب انهيارها فانقبض قلبه وهو يشعر بغرابة هذا الوجه العاطفي منها الذي يراه لأول مرة ...
ترى ماذا يختفي خلف الواجهة الأنيقة للطبيبة المعتدة الواثقة بنجاحها ؟!
عفواً...هل قال "الأنيقة"؟!!
فليراجع مفاهيمه إذن قبل أن تصيبه عدوى منها !!
تخطى الخاطر الأخير برشاقة وهو يزيد من سرعة السيارة محترماً صمتها وخشية أن يدفعها الحديث لرؤيتها في وجه لا يحبه ...
"وجه ضعيف" لا يرضاه في طريدة نموذجية مثلها!
نفس الخاطر الذي كان يراودها وإن اختلفت الأسباب بينهما ...
نفس الخاطر الذي يمنعها بصعوبة من الانهيار خشية أن يرى ضعفها ...
هي تواجه العالم كله بقناع قوتها ...
لو سقط فبماذا تواجهه ؟!!
لهذا ما كادت تصل لأقرب مكان يمكنها فيه استقلال عربة نحو قريتها حتى هتفت بحزم :
_ممكن تقف هنا ...هاكمل لوحدي!
أوقف السيارة كما طلبت وهو يهم بعرض المزيد من المساعدة عليها لكنها لم تنتظر وهي تقفز منها نحو عربة ما مما يسمونها "ميكروباص" انحشر فيها جسدها الصغير حشراً لتختفي من أمام عينيه في لحظات !!
ظل واقفاً مكانه للحظات يتابع العربة التي رحلت بها قبل أن يتخذ قراره و...يتبعها !!
=====
انكبت على كف ثمر النائمة في غرفتها بالمشفى تقبله وهي تحمد الله سراً ...
الحالة استقرت سريعاٌ لكنها أصرت أن تبيت جدتها هنا الليلة كي تجري لها المزيد من الفحوصات !!
اهتز هاتفها في جيبها دون صوت كما ضبطته لتجدها لجين التي لم يسمحوا لها بالبقاء فغادرت كارهة ...
خرجت من الغرفة نحو الممر الخارجي لتحدثها مطمئنة إياها قبل أن تتأوه بإرهاق عندما اهتز هاتفها للمرة الثانية ...
برقمه هو هذه المرة !!
لم تملك ابتسامة ناعمة تسللت لشفتيها وهي ترد برقة غير متكلفة بعد تحية عابرة :
_شكراً لاهتمامك ...تعبتك النهارده.
_تعبك راحة .
ورغم أنها كلمة عادية لكن مجرد صدورها منه كان يحمل في أذنيها وقعاً آخر ...
لهذا ارتجف قلبها رغماً عنها لتشهق بدهشة وهي تسمعه يردف:
_لو محتاجة حاجة أنا هنا.
_هنا فين؟!
_في البلد...قدام المستشفى بالضبط..لو بصيتي م الشباك هتشوفي العربية.
لطمت وجنتها برفق وهي تتلفت حولها للممر الخالي قبل أن تهرع نحو النافذة الجانبية لترى سيارته الفارهة أمام الباب ...
_هيفضحنا المجنون ...بس والله عسل ...عسل...شكله طَب ابن الإيه !
تجاهلت سخافات عفريتتها التي لا تنكر أنها صارت تسعدها لكن صوتها عاد لاعتداده :
_مالوش لازمة تتعب نفسك كده ...الحاجة بقت كويسة.
_ما انا عرفت...البلد كلها مالهاش سيرة حواليا غير صحة الحاجة ثمر ...واضح إنهم بيحبوها قوي .
ابتسمت وصوته يأتيها متراخياً عذباً لترد وهي تسند رأسها للنافذة شاعرة بانسحاب الحدود بينهما رويداً رويداً :
_فعلا...هي أم الكل هنا .
_يابختك بيها ...ربنا يخليهالك.
لايزال صوته الرخيم يدك حصون أنوثتها فلا تصدق
تناقضه مع هالة الفخامة التي يحيط نفسه بها ...
_أرجوك روح دلوقت ...وقوفك هنا ممكن يعمل مشكلة.
تقولها وتتمنى ألا يستجيب!
أن يظل هنا ك"أمير الحلم" تراقبه من نافذتها وهو ينتظرها!!
_انتِ عارفة إني غالباً مابتحركش من غير حراسة شخصية ؟! لو جرالي حاجة وأنا راجع ذنبي في رقبتك !
_الراجل الغامض بسلامته !
تغمزها بها عفريتتها بهيام لتضحك ضحكة قصيرة نفذت عبر قلبه مع قولها:
_عمر الشقي بقي ...عموماً متشكرة.
_يعني أمشي؟!
_اتفضل.
_بس افتكري إني جيت بلدكم وما عزمتنيش حتى على كوباية شاي ...يا بخيلة.
ارتفع حاجباها وهي تشعر بسخونة وجنتيها مع تطور مستوى الحوار بينهما لهذا الحد !!
إنه يمازحها هكذا ببساطة !!!
ضاعت الهيبة !!
ضاعت!!!
_وقت تاني إن شاء الله ...توصل بالسلامة !
قالتها وهي تغلق الاتصال بسرعة لتلصق وجنتها بزجاج النافذة البارد لعله يهدئ اشتعالها ...
لا تكاد تصدق أنه أتى هنا !
هنا ينتظرها طوال هذا الوقت !!
وفي مكانه كان يراقب هو شاشة الهاتف بابتسامة جذل!
لقد أغلقت الاتصال في وجهه تقريباً!!!
بعد رنة خجل ميزتها خبرته غير الهينة بالنساء!!
هذه ال"ياقوت" كنز دفين سيستمتع كثيراً باستخراجه ...
ثم ؟!!
منذ متى يسأل الصياد هذا السؤال ؟!!
هو يكتفي بمتعة الصيد فحسب ...
لهذا التمعت عيناه باستمتاع وهو يخبط طرف هاتفه بذقنه للحظات سبقت همسه الخطير وضحكته الماكرة:
_عاجباني!
======
_الله أكبر!
رفع معها يامن كفيه وهو يبدأ في الصلاة ...
لتعاوده وساوسه كالعادة ...
_ياترى هي بتعمل إيه دلوقت؟!
_خانتك زي ما كانت بتقول؟!
_ليه لا؟! مين هيمنعها؟!
_إزاي سايبها لوحدها هناك تعمل ما بدالها !
_طلقها وخلص نفسك !
هل قرأ الفاتحة ؟!
أم لم يفعل؟!
يعقد حاجبيه وهو يسلم من صلاته قبل أن يرفع رأسه للسماء باستجداء صامت ...
ثم أخذ نفساً عميقاً ليبدأ من جديد ...
_الله أكبر!
لكن سلطان وساوسه يعاوده بنفس الضراوة !
_عمرك ما هتفرح ...ذنب ابن سيلين هيفضل دايماً في رقبتك .
_ربنا مش هيقبل منك صوم ولا صلاة ...
_ربنا؟!
والخاطر الأخير انساق لأفكار أخرى أشد خطورة لكن
الاختلاف هذه المرة كان فيه هو !!
_حارب دماغك بدماغك !
بصوت ياقوت يسمعها فتنير له قبساً وسط العتمة ليتفل عن يساره ثلاثاً قاهراً وسواس شيطانه قبل أن يجاهد نفسه للتركيز فيما بقي له من صلاة...
ولم يكد ينتهي حتى سجد طويلاً وهو يرفع حاجته لرب العالمين في دعاء طويل خاشع بللت فيه دموعه لحيته ...
_اللهم إني أبرأ من حولي وطولي وقوتي إلى حولك وطولك وقوتك ...لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .
ظل يرددها بلا كلل حتى شعر ببعض السكينة تتسرب إلى قلبه فرفع وجهه يمسحه بأنامله قبل أن يجول بعينيه في أرجاء بيته الذي شاركته إياه يوماً ...
حنين جارف يجتاحه وهو يتذكر جلسته بين ذراعيها !
نعيمٌ طردَ منه بركلة قدم !
ابتسم ساخراً عند الخاطر الأخير ثم قام من مكانه ليتوجه نحو الأريكة حيث وضع حاسوبه المحمول ...
جلساته مع ياقوت تؤتي ثمارها خاصة مع انتظامه في
الأدوية ...
ورغم أنها لاتزال تحذره من التواصل مع ياسمين لكنه يشعر أنه صار أفضل حالاً...
مشاهد الفيديو لم تعد تقتحمه كحمم حارقة بل صارت باهتة منطفئة ...
كل ما يملأه الآن نحوها هو شعوره بأنه يحتاجها ل"يكتمل"!
ليملأ فراغاً لم يكن يشعر بوجوده أصلاً إلا عندما دخلت هي حياته !!
لهذا لم يستطع المقاومة وأنامله تتحرك مدفوعة بقوة اشتياقه ليكتب لها ...
لكن ماذا يكتب؟!
_ولد واللا بنت ؟!
ماذا؟!
لم يستطع أن يختلق حديثاً إلا بهذا!
ولم يعلم أنها -في مكانها - كانت تتأمل سؤاله بنفس العينين "مقيدة الدمع"!
هل تخبره ؟!
تخبره -مبشّرة- أنها فتاة كما كان يحلم ؟!
تخبره -معاتبة- أنها ستمنحها الاسم الذي اختارته لها منذ كانت مراهقة تتخفى بعشقه خلف كتاب ؟!
أم تخبره -قاسية- أنها ستحرمه منها؟!!
_مش هتفرق ! ابني أو بنتي مش هيبقى لك فيهم حاجة !
ورغم قسوة عبارتها المكتوبة لكنه ابتسم فلم يكن يتوقع منها إلا هذا!
هذا "الوجه الأسود" لامرأة الألوان لم يعد يثير دهشته بل ...إشفاقه وندمه!
يالله !!
كم يود الآن لو يراها !!
لو يراها في حركتها العفوية التي كانت في آخر لقاء بينهما ...
تفتح ذراعيها له كي تعانقه !!
أغمض عينيه على هذه الصورة للحظات قبل أن يترك
لأنامله العنان لتكتب:
_أنا...عايز ...أشوفك.
عضت على شفتها بقوة وهي تشعر بصرخة عالية تجتاح روحها!!!
أي عشق هذا تحمله نحوه كي يجعل لعبارة بسيطة هذه مثل هذا الأثر في نفسها!!؟
أي قوة تحملها "ثلاث كلمات " كي تدك حصونها دكاً ؟!
هو لم يقل "أحبك"..."أشتاقك"...هو حتى لم يعتذر !
لكن ...ربما لأنها خير من تفهم ما يختفي خلف ال"ثلاث كلمات" هذه !!
وماذا بعد؟!
الخدر الذي بعثته كلماته في حناياها جعلها تشعر بالوهن !
الوهن الذي لن تسامح نفسها أبداً لو استسلمت له ...
لهذا جاءت إجابتها مخالفة تماماً لما توقعه ...
_انت فاكر لي أي حاجة حلوة ؟!
هل يبتسم ؟!
هل يبكي؟!
هل يخبرها أن ما صار يشقيه الآن أنه يعيش ضبابات فردوسه المفقود معها ؟!
لكن رجلاً مثله كان يفتقد مهارة البوح بالكلمات ...
لهذا لم يستطع إلا أن يكتب ...
_كل حاجة...فاكر ...فاكر كل حاجة.
_لو فاكر لي أي حاجة حلوة سيبني أبعد عنك...سيبني أخلص نفسي وبنتي منك.
_بنت؟!
قفز مكانه عندما قرأها ليتلفت حوله بضحكة مختنقة وكأنه يبحث عنها!!!
وكأنه يستعيد حلاوة المواقف التي رسمها في خياله لها!!
هذه "الحلاوة" التي جعلته يغفل عن "مرارة" كلماتها ليعاود الجلوس وهو يقبض كفه الحر بينما أنامله تتحرك بجنون على الأزرار ....
يكتب ...ويمسح ...
ويكتب ...ويمسح ...
أما هي فقد كانت تراقب الشاشة بجمود ...
من يراها من بعيد يظنها ميتة المشاعر غير مدرك لهذه النيران التي تستعر بداخلها ...
من كان يخبرها وهي ترسم آلاف السيناريوهات في رأسها يوم علمت بحملها منه أنه سيعرف بهذه الطريقة ؟!
من كان يخبرها أن حلمها بطفلة منه سيكون مجرد خبر تكتبه أناملها له على شاشة باردة ؟!
من كان يخبرها وهي الساذجة التي حلمت أن تزف له بشرى كهذه بين قبلة وعناق وهي أقرب ما تكون منه فتكون الآن بينهما كل هذه الأميال ؟!
_انتِ فاكرة لي حاجة حلوة ؟!
سؤاله المباغت أربكها ليهز جمودها فترتجف جفونها للحظات ...قبل أن تكتب:
_لا!
لم تكن كاذبة في إجابتها!
لو فتحت سدود الذكرى فسيغرق الفيضان كل شيئ!!
دعيها مغلقة !! دعيها!!
لهذا انسابت أناملها تكمل ما بدأته ...
_فاكرة صورتي وأنا خارجة من بيتك بلف في الشوارع
بالبجامة...فاكرة ورقة وصلتني فجأة بتقوللي خلاص يامغفلة عمرك اللي فات كله ماطلعش يستاهل حتى إنه يستنى يفهم...فاكرة كل نظرة رمتني في شرفي بعدها ...كل كلمة شفقة أو شماتة ...فاكرة أول مقابلة ليا مع بابا بعدها وأنا شايفة التمثال اللي قعدت أبنيه عمر بيقع قدام عنيا ...وفاكرة كل دمعة عشتها لوحدي لغاية ما خلاص كل دموعي نشفت...كل حضن حضنته لنفسي ...كل كلمة قلتها قدام مرايتي عشان أقوي روحي بيها ...بتسألني فاكرة ؟! تحب أقوللك كمان ؟!
أغمض عينيه بألم وكل كلمة تخرج منها تصيب سهماً بقلبه !
لا يعرف كم مرة قرأ كلماتها يجلد نفسه بها ...
لكن ما يعرفه أنه لا يتمنى شيئاً الآن إلا أن يجد الطريقة كي يمحو عنها كل هذا !
بماذا يرد ؟!
وأي كلمات قد تسعفه هاهنا!!!
أنامله تترنح من جديد فيكتب ...ويمسح ...
لكنها لم تنتظر هذه المرة وكبرياؤها الغاشم يرسل له
ب-طعنة غادرة- لا تظنه بقادر على مواجهتها !!!
وصدق ظنها فقد اتسعت عيناه لوهلة بعدما رأى -ما أرسلته- أخيراً ...
قبل أن يكز على أسنانه بغضب ليغلق الحاسوب بحدة كادت تكسره !!
======
_جلسة استثنائية !
قالتها ياقوت وهي تستقبله في غرفتها بالمركز ملاحظة توتره ليرد وهو يجلس متهالكاً على الكرسي أمامها :
_من امبارح مش عارف أنام .
_ليه؟!
_أنا كلمتها!
ورغم شعورها بالاستياء منه إذ لم يستجب لنصيحتها لكنها تمالكت ذلك لتسأله باهتمام :
_إيه اللي حصل؟!
صمت قليلاً يتمالك غضبته قبل أن يريها على هاتفه ما أرسلته وأثار جنونه هكذا ...
"سكرين شوت" من محادثة على تطبيق "الواتس آب" بينها وبين ...زين!!!
_نمتِ؟!
_لا.
_بتفكري في إيه ؟!
_فيك طبعاً؟!
_هاشوفك امتى؟!
_وقت ما تحب.
_مش قادر أصبر إني أشوفك تاني.
_وأنا كمان ...وحشني قوي ..."حضنك".
اتسعت عينا ياقوت لوهلة وهي تتابع المحادثة غافلة عن اسم "زين"...
فقد كان تركيزها كله منصباً على تحليل ما تعنيه محادثة كهذه !!!
والأهم ...تأثيرها على يامن في هذه المرحلة من العلاج !
لهذا عادت تنظر إليه بتفحص متسائلة :
_ممكن تقوللي تفاصيل كلامكم ؟!
زفر زفرة مشتعلة وهو يروي لها ما حدث ليصمت بعدها مطرقاً برأسه فعادت تسأله بترقب:
_انت مصدق إن المحادثة بينهم دي حقيقية ؟!
_طبعاً لا.
الثقة التي نطق بها عبارته جعلتها تطلق زفرة ارتياح حتى عندما استطرد بعدها بحدة مشتعلة :
_أنا اللي هيقتلني إنها بتعمل كده عشان تبعدني عنها ...مش متخيل إن واحدة توصل إنها تتهم نفسها تهمة زي دي بس عشان تخلص مني ...ومش أي واحدة ...دي ...دي ياسمين !
مسدت جبينها بإرهاق وهي تشعر بعظم ما يعانيه !!
ربما يمكنها النظر للنصف الممتلئ من الكوب أن وساوسه لم يعد لها نفس السلطان القديم ...
وأن ثقته فيها غلبت الشك هذه المرة ...
لكن تصرف ياسمين "الأحمق" هذا هو ما يثير ضيقها !!
إنها حقاً تستغل معرفتها به كي توجعه بأقسى طريقة !!!
لكنها وارت مشاعرها السلبية هذه لتتخفى خلف درع مهنيتها كالعادة :
_مش هاضغط كتير على نقطة إن المحادثة سهل تتفبرك مادام انت مصدق إنها فعلا كده ...نقفل بقا الباب ده ...ونتكلم عن سبب تصرفها ...
ثم صمتت لحظة لتردف :
_ياسمين خايفة يا دكتور.
رفع إليها عينين محمرتين تعباً وغضباً لتردف :
_خايفة تضعف قدامك تاني فبتسد على نفسها الطريق ...عايزة تخرج بأقل خساير ...خصوصاً إن انت لحد دلوقت ما بينتلهاش أي فرق عن يامن القديم ..
_أعمل إيه ؟!
غمغم بها بصوت مرهق زاد من إشفاقها نحوه لتعطيه هاتفه قائلة :
_لازم الأول...
قطعت عبارتها وهي تنتبه أخيراً للاسم المرفق
بالمحادثة ...
"زين"؟!
هل من المعقول أن يكون مجرد تشابه أسماء؟!
_ماكانتش سفرية موفقة قوي للأسف...رغم إني كنت ابتديت أحب ماليزيا.
_لو طلبوا منك شهادة بخصوص مريض عندك ...مراته عايزة تسيبه بس خايفة ياخد منها ابنها ...توافقي تشهدي بمرضه ؟!
ازدردت ريقها بتوتر وهي تجمع الخيوط بذكاء لا تفتقده !!
لتجد نفسها تنجرف بالقول دون أن تشعر:
_معاك الفيديو القديم ده دلوقت ؟!
عقد حاجبيه بشدة جعلتها تفيق لما كادت تقع فيه !!
أن تستغل أسرار مريض لمصلحة شخصية !!
لكن...
ألم يقحموها هم في هذه الحرب رغماً عنها !!
زين فعلها !!
فلتتأكد قبلها !!
نظرة يامن المتشككة جعلتها تسترد بعضاً من تماسكها لتبتسم متصنعة الهدوء:
_كنت عايزة أتأكد إنك مسحته ؟!
_مسحته.
_هو كان اسمه زين شوقي تقريباً ؟!
_لا...زين الفايد...بتسألي عن اسمه ليه ؟!
قرع قلبها في صدرها بعنف وهي تتأكد من صحة استنتاجها !!!
زين هو من يحب ياسمين !
لايزال يسعى خلفها ...ويتخذها هي وسيلة لإثبات عدم أهلية يامن للرعاية بالطفل ...
كل هذا الاهتمام نحوها هي الذي كان يتنامى طوال الأيام السابقة...
كل نظرات إعجابه ...
كل تلميحاته التي تزداد وضوحاً يوماً بعد يوم ...
كل هذا كان مجرد طُعم يلقيه للطبيبة الساذجة تمهيداً
لانتزاع امرأة من زوجها !
الحلم الذي عاشته رغم قصر أيامه بطول حرمانها ...
الآن ...مجرد وهم !!!
بل ...خطة حقيرة !!!
لم تشعر بخيط من الدموع سال على جانب عينها خلف نظارتها ووجهها المحمر يفضح انفعالها ويجعله يسألها بقلق خلف فظاظته المعهودة :
_بتعيطي ليه انتِ كمان ؟!
هزت رأسها بلا معنى وهي تخلع نظارتها لتمسح وجهها فازداد انعقاد حاجبيه وهو يشعر بالغرابة قبل أن تجيبه بصوت عاد إليه تماسكه :
_معلش أعصابي بايظة شوية ...جدتي كانت تعبانة وكنت قلقانة عليها .
_الحاجة ثمر؟!
ابتسمت بسخرية وهي تذكر واحداً غيره نطق اسم جدتها التي يبدو أنها أصبحت فجأة شهيرة هكذا !!
لكن شتان بينهما ...شتان !!!
أن تخرج من يامن بهذه اللهفة الصادقة...بهذه الحمية ل"ابن فلاح" يدرك قيمة الاسم والعِرض ...تختلف تماماً عن أن تخرج من "ابن الأكابر" الذي يظن الدنيا خلقت لأجله يخطط فيها كيف يشاء!!
لكنها تمالكت صدمتها سريعاً لتعاود ارتداء نظارتها وتعاود معها التخفي خلف درع مهنيتها:
_ماتقلقش ...بقت بخير ...بس انت عارف قلقنا عليهم بيخللينا مشتتين ...المهم خللينا في ياسمين ...أنا عايزاك تقابلها ...مادام وصلت انت للمرحلة دي خلاص مابقتش خايفة ...الدور عليك انت تاخد بإيدها المرة دي .
هل تخبره عن زين ؟!
عما يمكن أن ينتوي فعله ؟!
لا!
زين لن يستطيع فعل شيئ مالم تمكنه ياسمين من هذا في لحظة ضعف تظنها الحمقاء لحظة قوة !
فليركز يامن مع ياسمين ليستعيد قلبها ...
وليقبض كف زين هذا على التراب ...كما يستحق!!
بينما هز يامن رأسه بارتياح حقيقي وهو يسمع منها هذا الذي يريده حقاً الآن وبشدة ...
لكن هل ستمكنه ياسمين من هذا ؟!
ومن سيسمح لها بالرفض؟!
لقد كان يبعدها عنه خوفاً عليها من شطحات وساوسه ...
لكن الآن وقد نجح في أول اختباراته فلن يرضى بالمزيد من التقهقر ...
حتى ولو اقتضى الأمر أن يختطفها في غرفة مغلقة فيعيشا معاً أو يموتا معاً !!
وبهذه الحماسة الفائرة التي أشعلت وجهه هب من مقعده ليلتفت فجأة نحو ياقوت التي بدت على عكسه مكفهرة الملامح ...
فسألها باهتمام لا يدعيه :
_متأكدة إن الحاجة بقت كويسة ؟! مش محتاجة أي حاجة ؟!
ابتسامتها "الطيبة" تظلل شفتيها لكن النظرة الحزينة تتسرب رغماً عنها في العينين الخائبتين ليردف بحميته المعهودة :
_دي مش عزومة مراكبية ...أنا عارف إنك ست ب"ميت راجل"...بس الأمر مايسلمش.
_شكراً يا دكتور ...ماتقلقش لو احتجت حاجة هاكلمك...مش ناسية إننا بلديات .
اعتدادها المعهود يخالطه الامتنان الآن وهي تراه يكرر عرضه قبل أن يغادرها بابتسامة مشجعة ردتها له بمثلها ...
ثم تجمدت ملامحها للحظات تراقب الباب المغلق قبل أن تدفن وجهها بعدها بين ذراعيها على المكتب لتنخرط في بكاء فجائي!
=======
استيقظت من نوم قصير احتلها فيه كابوس واحد !
ترى صورتها في مرآة والدم ينزف من قلبها بغزارة ...
"أحدهم" ملقى هناك ينزف هو الآخر وهي تحاول إسعافه !!
لهذا كان أول ما فعلته أن مسدت بطنها بأناملها بسرعة محاولة تفقد حركة الصغيرة التي بدت وكأنها تفهم احتياجها ...
فتنهدت بارتياح وهي تشعر بحركتها قبل أن تزفر زفرة قصيرة وهي تحاول أن تتجاهل قلقها على من يمكن أن يسبب لها مثل هذا الفزع لو أصابه مكروه !
يامن ...
للأسف!!
لهذا مدت أناملها ولاتزال تحت تأثير النوم لتتناول هاتفها تتفقد حسابه الاليكتروني ...
قبل أن تتنهد ببعض الارتياح وهي ترى منشوره الصباحي كالعادة بأذكار الصباح !
هو بخير!
تأوهت بخفوت وهي تضع هاتفها جانباً لتغمض عينيها بألم !
هذه الحرب بداخلها تستنزفها لآخر قطرة !
تعلم أنها قد تجاوزت كثيراً بفعلتها معه لكنه حذرته !
لن تستسلم له من جديد لتضيع نفسها وابنتها في مجرد وهم !!
سمعت صوت طرقات على بابها فقامت من رقدتها لتجد وجدي مبتسماً يحمل لها صينية الإفطار ليضعها أمام على الفراش قائلاً:
_صباح الخير ع الحلوين ...
ثم ربت بكفه بخفة على بطنها ليردف :
_صباح الفل يا يمنى ...قلت أفطر معاكي النهارده.
ابتسمت ياسمين وقد نجحت حركته الدافئة في منحها بعض السكينة لترد له تحيته وتسأله باهتمام :
_البيت فاضي ليه ؟!
_لسه واخدة بالك ؟!
قالها ببعض التحسر ليجيبها بتنهيدة قصيرة :
_عابد كالعادة معتكف في مكان مااعرفوش ...ووالدته آخر مازهقت من تصرفاته سافرت شوية تغير جو بدل ما تتجنن.
أطرقت برأسها في أسف لكنه غير الموضوع بقوله الممازح:
_إيه رأيك نغير احنا كمان جو؟! ننزل نتفسح بعد الفطار؟! فاكرة الدبدوب الكبير اللي اشتريتهولك زمان وكنا حاطينه في الصالون ؟!
_مشمش!
هتفت بها بشرود وهي تستعيد الذكرى الغائبة ليجيبها بضحكة قصيرة :
_أيوة...اللي كان معقدك عشان كان أطول منك ده...عايز أجيب واحد أكبر منه ليمنى ...عشان لما توصل بالسلامة يكون أول لعبة ليها من جدو .
ابتسمت وهي تعيد رأسها للخلف مستندة على وسادتها :
_شكراً يا بابا .
ورغم ظاهر الامتنان الذي حملته عبارتها لكنه كان ملطخاً بعتاب صامت ...
هل يدري أين ذهب "مشمش" هذا ؟!
لقد رمته بيديها من نافذة غرفتها لتراه يسقط في الشارع!!
أجل فعلتها !!
بعدما ملت انتظار عناقه ليلة بعد ليلة !
بعدما تيقنت أنه هجرها وأمها ولن يعود !!
بعدما تعلمت في هذه السن الصغيرة معنى الحرمان !!
بعدما رمته ظلت تبكي كثيراً حتى انتبهت والدتها لما فعلته فعاجلت بعناقها وهي تبكي معها !!
كانت المرة الأولى في حياتها التي تفهم فيها معنى أن تدوس على قلبها كي تنسى!
و...نَست!
أو هكذا هيئ إليها طوال هذه السنوات لتكتشف أنها حقاً لا تنسى ...
لا تنسى ولا تسامح !!
هذا الذي قرأه هو يائساً في ملامحها الشاردة لكنه حاول التغلب عليه بمرح وهو يشاركها الإفطار ...
نزهة قصيرة أخذها فيها يجوب معها أماكن لم تزرها من قبل هنا في كوالالامبور ...
تحاشى فيها التطرق للحديث عن عابد وأمه وقد أدرك بحدسه تحفزها منهما ...
حاول استدراجها للحديث عن يامن لكنها كانت متحفظة كثيراً في الخوض في هذا البحر الذي لن تجيد السباحة فيه ...
لهذا اكتفى بمرحها الظاهر وهو يشعر بحاجتها الحقيقية
للانطلاق بعيداً عما يؤرقها ...
كانا قد وصلا لسيارته التي رصفها بالقرب من أحد
المولات الضخمة عندما شعرت هي بتعب في قدميها المتورمتين بأثر الحمل لتقول بنبرة منهكة :
_كفاية كده...ياللا نروح أنا تعبت.
_أبداً...نجيب "مشمش" ل"يمنى" الأول .
قالها بعناد وهو يفتح لها باب السيارة ليجلسها برفق قبل أن يغلق لها الباب متابعاً ملامحها بإشفاق ناسب قوله :
_شكلك تعبانة فعلاً...هاجيبه بسرعة وآجي .
تابعته ببصرها يتجه نحو ذاك المركز التجاري البعيد هناك ...
لتشرد ببصرها وهي تتناول هاتفها تراقب حساب يامن ...
ترى كيف هي ردة فعله على ما أرسلته ؟!!
لو صدق ظنها فيامن الذي تعرفه سيطلقها الطلقة الثانية دون أي تفكير !!
ليته يفعلها!
ليته يريحها من التأرجح هكذا بعذاب في عالم لم تنل منه سوى الاختناق بدخانه !!
ليته يمنحها الفرصة كي تربي ابنتها بعيداً عن وساوسه وظنونه...
ليته...
صوت انفجار ضخم يقاطع أفكارها لتنتفض مكانها والشارع كله يرتج حولها !!
رأسها يصطدم بزجاج السيارة لتفقد وعيها جزئياً وهي تشعر بنزفه...
وعبر تشوش رؤيتها ترى النيران من بعيد يشق دخانها
الأسود عنان السماء مع صراخ المارة حولها ...
لا!
إنه المركز التجاري الذي قصده والدها !!
_بابا!
تصرخ بها بلا صوت ووعيها يتسرب منها تدريجياً بينما جفناها يغلقان على صورة النار والدخان الأسود ...
و"مشمش" آخر لم تلقه بيديها بل حرمها منه القدر هذه المرة !
========
انتهى الفصل الثامن
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سينابون
القطعة السابعة
=======
_انت بتعمل إيه هنا؟!
هتفت بها ياقوت بحدة مستنكرة بعدما رأته من عناقه وقبلاته لهمسة التي انكمشت مكانها مصدرة أنيناً خافتاً متصلاً يمزق القلوب ...
فعقد رائد حاجبيه بشدة لاعناً غباءه !!
كيف غفل عن موعد الطبيبة هذه ؟!!
خطأ كارثي ...لكن ...
كل شيئ قابل للإنقاذ في عُرفه ...كل شيئ!!
لهذا استقام واقفاً بجسده يرمقها بنظرة تهديد قوية لكنها تقدمت نحوه لتردف بنفس النبرة :
_مين فتح لك الباب وسابك معاها لوحدكم ؟! هو البيت ده مالوش صاحب؟!!
أطبق رائد شفتيه وهو يعاود النظر لهمسة التي كتفت ساعديها مطرقة برأسها ...
لتقف ياقوت قبالته تماماً مستطردة بنبرة قاسية :
_مش عايز تتكلم ليه ؟! خلليني أشوف الندل الرخيص اللي مغمّي عنيها عشان يستغل ظروف زي دي يبقى مين!
_اخرسي!!
هتافه الهادر فجّر الموقف فجأة !!!
فلم تكد همسة تسمع صوته حتى صارت تصرخ بجنون وهي تنتفض مكانها لتخلع عنها عصابة عينيها قبل أن تشهق بارتياع وهي تنظر نحوه محتضنة جسدها الهش بذراعيها ...
أنفاسها اللاهثة مع صراخها المتقطع يجعلان الغرفة قطعة من الجحيم قبل أن تسقط بعدها أرضاً وجسدها يتلوى كأنها ممسوسة !!
_عاجبك كده ؟! عشان كده ماكنتش عايز أتكلم !!
صرخ بها رائد بثورة مخاطباً ياقوت التي وقفت مكانها تراقب الوضع بعينين متفحصتين قبل أن ينحني محاولاً السيطرة على جسد همسة التي بدت وكأنها لم تعد تنتمي إلى هذا العالم ...
_مالك يا ست همسة ؟! إيه اللي حصل ؟! زين بيه هيخرب بيتي!!
هتفت بها الخادمة التي ظهرت أخيراً لتتقدم نحوهم بوجه مرتعب شاحب ...
لتلتمع عينا ياقوت لمعة خاصة وهي تربط الخيوط لتستجمع الصورة كاملة بما جعلها تقول برباطة جأش تحسد عليها بينما تكتب له شيئاً على ورقة ما :
_هاتلي الحقنة دي ...بس ساعدني الأول ننقلها السرير .
ورغم الغضب المشتعل الذي اكتسح ملامحه لكن عينيه دمعتا وهو يضم جسد همسة لصدره بينما يرفعه ليسير به نحو الفراش حيث وضعها برفق محاولاً تهدئتها لكنها كانت تغمض عينيها بقوة وجسدها الواهن المنتفض يرفض لمساته ...
_الحقنة بسرعة ...احنا هنتصرف!
هتفت بها ياقوت بصرامة وهي تطلب من الخادمة معاونتها في تثبيت جسد همسة ...
فحدجها رائد بنظرة حانقة قبل أن ينتزع منها الورقة بعنف ليهرول نحو الخارج ...
_يادي المصيبة ! ما هي كل مرة كانت بتيجي سليمة...اشمعنا المرة دي؟! أبوس إيدك يا دكتورة ما تقولي حاجة لزين بيه ...هيوديني في داهية.
هتفت بها الخادمة برجاء وهي تندب حظها لتضيق عينا ياقوت للحظات سبقت تمتمتها الخافتة :
_يعني دي مش أول مرة !
انخرطت الخادمة في بكاء صامت وهي تشعر بالذنب مع منظر همسة هذا لتهتف بين دموعها:
_والله ما كنت أعرف إن ده هيأذيها ...هو كل مرة كان بيدخل يبص عليها من بعيد ويخرج من غير كلام بس بعدها هي بتبقى أحسن...كان بيبقى شرطه نغمي عنيها عشان ما تشوفوش ...ما كنتش فاهمة ليه بس دلوقت عرفت ...سامحيني يا ست همسة ...والله ما كنت أقصد !
ولم تكد تنهي كلماتها حتى انكبت على جسد همسة تطوقه بقوة حانية لدقائق قطعها وصول رائد الذي ناول ياقوت ما بيده قبل أن يتراجع مكفهر الوجه لينتظر بالخارج ...
الحقنة المهدئة آتت ثمارها سريعاً ليسكن الجسد المنتفض أخيراً ويسود الصمت الغرفة إلا من تمتمات الخادمة المبتهلة بدعواتها ...
_هي خلاص هتنام سيبيها دلوقت وارجعي شغلك.
همست بها ياقوت بنبرة آمرة لترمقها الخادمة بنظرة راجية متسائلة جعلتها تعقد حاجبيها لتردف :
_مااعرفش لسه هاعمل إيه...روحي دلوقت .
أطرقت الخادمة بوجهها لتغطي جسد همسة الساكن برفق قبل أن تتحرك إلى الخارج مع ياقوت التي أمرتها بإغلاق الغرفة ...
ولم تكد الخادمة تغادر حتى التفتت هي لرائد الذي تصارع على وجهه ألف شيطان ...
فعقدت حاجبيها لتقول باعتدادها المعهود :
_ماعدتش محتاجة أسألك انت مين ...
ثم التوت شفتاها بشبه ابتسامة مع قولها :
_بصراحة أنا استنتجت إنت مين من أول ما شفتك بس تعمدت اللي عملته لسببين .
ازداد انعقاد حاجبيه الساخط والذي حمل الآن المزيد من الترقب مع استطرادها بنبرتها الذكية:
_الأول ...كنت عايزة أتأكد وأشوف بعيني رد فعل همسة لما بتشوفك...
صمتت قليلاً بعد عبارتها فعاد يسألها من بين أسنانه :
_والثاني؟!
هنا رفعت أنفها باعتداد قائلة :
_أنا فلاحة اتربيت ع الأصول وما أقبلش الحال المايل ...عايزني أعمل إيه لما أدخل وأشوفك معاها كده .
ضحكة ساخرة مكتومة اختنقت بين شفتيه وهو يميل رأسه قائلاً:
_وبعدها خليتيني أشيلها عادي وأحطها ع السرير؟!
كان دورها هي الأخرى لتكتم ابتسامة ماكرة ناسبت قولها:
_ماعملتهاش إلا لما فهمت ...
_فهمتِ إيه؟!
_إنها مراتك !
اتساع عينيه المرتاع أكد لها استنتاجها قبل أن يجذبها هو بعنف من مرفقها قائلاً بنبرة مهددة :
_عرفتِ منين ؟!
لكنها نفضت ذراعه عنها بعنف لتهتف باستنكار:
_انت اتجننت؟! إزاي تمسكني كده ؟!
قالتها لتعطيه ظهرها سائرة باتجاه باب الخروج بخطوات مندفعة سريعة ...
فوقف هو مكانه للحظات يفكر بعجز قبل أن يلحق بها مهرولاً ليقف أمامها قائلاً بصوت مختنق:
_أنا آسف...فعلاً...ماقصدتش.
رمقته بنظرة ساخطة للحظات قبل أن تزفر زفرة قصيرة وهي تشيح بوجهها ليعاود سؤالها بحذر:
_مش هتقوليلي عرفتِ إزاي!
صمتها التالي كان عقابها القصير على تجرئه عليها إذ كانت تدرك أنه يحترق بفضوله ...
قبل أن ترحمه أخيراً بإجابتها :
_نظرة عينك لما هاجمتك مكنتش نظرة واحد ندل مرعوب يتكشف ...كانت نظرة واحد صاحب حق مقهور إنه مش قادريصرخ ويطلب حقه ...
ثم أعطته ظهرها لتتلمس أناملها من فوق ملابسها مكان "ورقة العشر جنيهات" المغلفة التي تحتفظ بها دوماً هناك قرب قلبها... ثم أردفت بنبرة أكثر رفقاً:
_ما تستغربش ...محدش ممكن يميز النظرة دي أدّي!
ويبدو أن الشجن الصادق الذي امتزج بحروفها لامس شيئاً ما بوجدانه جعله يشعر بالتعاطف معها خاصة مع ما يعلمه عن ماضيها ...
لهذا تنهد بحرارة وهو يعود ليقف قبالتها باعترافه الذي لم يفقد بريقه مع قوة صوته :
_همسة ليا من يوم ما شفتها ولآخر يوم في عمري .
ابتسامتها "الطيبة" التي امتزجت باتقاد العينين الذكيتين جعلته يشعر بمزيج غريب من الحذر والاطمئنان !
هذه المرأة كارثة !!
لقد قابل العديد من النساء اللاتي أبهرنه بقوة عقولهن لكنه اعتاد أن يمتزج هذا بالخبث !
لكن هذه التي أمامه يختلط فيها الدهاء بالطيبة...
المكر بالحنان ...
نظرتها مزدوجة أشبه بمشرط جراح يدرك أين يقطع كي ...يداوي!
ربما لهذا وجد نفسه يرفع رأسه للسماء ليبوح بما كتمه لسنوات :
_والدها افتكر إنه قدر يمنع هروبنا في الوقت المناسب ...بس اللي ما يعرفوش إننا فعلاً كنا كتبنا كتابنا عند مأذون ...هي خافت تقولله وأنا كنت مستني الدنيا تهدا عشان أقدر ...
_مستني الدنيا تهدا تقوم تخطب واحدة غيرها وهي لسه معتبرة نفسها مراتك؟!
سؤالها الذي قاطع عبارته لم يحمل استنكاراً بقدر ما حمل عتاباٌ للغباء العاطفي الذي يدفعنا أحياناً لفعل ما لا ترتضيه ضمائرنا!
_انت متخيل وقتها إحساسها كان إيه وهي خايفة حد يعرف ؟!!...وهي شايلة ذنب عقاب أبوها اللي ما فكرش قبل ما يحبسها ويفكرها بالحادثة القديمة؟!!!..وهي مستنياك كل يوم عشان تيجي وتنقذها وبدل ما تسمع صوتك وانت جاي تطمنها ...تسمعك وانت بتقول لباباها نفسه إنك خلاص خطبت وهتسيبله بنته المجنونة يشبع بيها !!
_غلطت!
صرخ بها بغضب أجفلها قبل أن تتكثف أبخرة ثورته لتنبت الدمع في عينيه اللتين غابتا في شرود قصير سبق قوله:
_غلطة بدفع تمنها لحد دلوقت ...ومستعد أفضل أدفعه طول عمري بس هي ترجع .
_ليه ما بعتش القضية ؟! ليه ما اتجوزتش وعشت حياتك؟!
سألته بتفحص وعيناها الذكيتان تقرآن كل ردود فعله ليجيبها :
_عشان ماشفتش ولا هشوف غيرها.
الحسم القاطع في حروفه لم يدع لها المزيد من الشك خاصة عندما استطرد بنبرته المريرة:
_فيه ناس شايفة إنه مجرد إحساس بالذنب ...أنا نفسي حاولت أقنع نفسي بكده لفترة...بس الحقيقة اللي لقيتها جوايا إني فعلاً مش قادر أكمل حياتي مع واحدة غيرها .
_وليه ما صارحتش زين بالحقيقة؟!
_زين لسه بيحملني ذنب اللي حصللها...مش قادر يشوف غلطة أبوه وكل اللي شايفه إني الندل الجبان اللي غرر بأخته البريئة وضحك عليها ...لو عرف إنها مراتي هيقوم الدنيا وممكن يطعن في عقد الجواز ده ...وحالة همسة دلوقت تخليه ممكن يحرمني منها بسهولة...عشان كده شفت الأفضل إني أبقى جنبها من بعيد لبعيد ...لحد ما تخف ...ساعتها محدش هيقدر يبعدني عنها.
الندم الممتزج بالقوة في صوته جعلها تدرك أنها ليست أمام كيان ضعيف...
على العكس !
لو صدق حدسها في الأشخاص فرائد هذا يخفي تحت قشرته الكامنة بركاناً لن يبقي ولن يذر ...
لهذا فكرت قليلاً قبل أن تعدل نظارتها لتقول له بنبرة عادت إليها مهنيتها:
_شوف...حالة همسة ببساطة إنها واقفة في النص بين عالمين...عالم جميل من ذكريات الماضي معاك بتستريح فيه...وعالم تاني أسود بيبدأ بحادثة مامتها وحبستها معاها وبينتهي بكلامك انت اللي سمعته بودانها ...وبين الاتنين هي روحها بتتقطع مش عارفة تسلم لواحد فيهم...عشان كده لما بتحس بيك من غير ما تشوفك ولا تكلمك بتحس بالأمان اللي بيسحبها ليه العالم الأول ...لكن أول ما الصورة والصوت يركبوا على نفس الشخص غصب عنها بيسحبها سواد العالم التاني ...واحنا بقا دورنا نصالحها ع العالمين مع بعض ...نرجع لها إيمانها بالإحساس مع الصوت والصورة فترجع تطمن إنهم لنفس الشخص ...فاهم؟!
عقد حاجبيه للحظات متفكراً في كلماتها البسيطة التي حاولت بها وصف معقد كهذا ...قبل أن يومئ برأسه إيجاباً ...
فصمتت لحظات تلتقط أنفاسها لتردف:
_.ممكن أي انسان طبيعي يقدر يكمل حياته في ظروف تشبه ظروفها ...لكن فيه بعض الناس بتبقى هشاشة تكوينهم النفسي هي اللي مانعاهم...المرض النفسي مش وصمة ولا عار ...المرض النفسي مجرد صرخة روح ضعيفة مش قادرة تعبر عن اللي جواها فبيخرج بالصورة دي ...وأنا واثقة إنك أكتر واحد هتساعدني في علاجها عشان كده حتى لو مكنتش شفتك النهارده كنت هاطلب أقابلك.
_هساعد في علاجها إزاي وهي كل ما بتشوفني ...
قطع عبارته اليائسة بقنوط وهو يخبط قبضته في راحة يده لكنها ابتسمت لتقول بثقة :
_انت المرض والعلاج...انت الحاجة الوحيدة اللي ممكن نصالحها بيها ع الدنيا من تاني ...إزاي؟! ده بقا هنتكلم فيه بعدين بس بعد ما أعرّف زين أهمية دورك معايا عشان تشوفها في النور مش في الضلمة.
الأمل الذي شع في مقلتيه جعل ملامحه الجادة أكثر وسامة...
خاصة مع طوله الفارع...عرض منكبيه...الابتسامة الجانبية الواهنة التي بدأت تغزل خيوطها بين شفتيه...
_يا لهوووي...هُمّ رجالة العيلة دي كلها "فول أوبشن" كده؟! ده احنا على كده بنشوف شباشب في الشارع !! تيجي الحاجة ثمر تتفرج وتعرف برفض عرسانها ليه !
"العفريتة" العابثة إياها تعاود اقتحام خواطرها لكنها تقهرها كعهدها لتقول بنبرة مهنية :
_بس أولاً ضميري يحتم عليا أقوللك إن العلاج مش سهل ...كام يوم...كام شهر...كام سنة...مش هاقدر أحدد بالضبط...عشان كده عايزاك من دلوقت تديني وعد إنك مش هتسيبها وسط الطريق .
_عمري!
والحسم القاطع الذي نطق به بسرعة منحها الكثير من الاطمئنان الذي عاود تشكيل ابتسامتها الطيبة على وجهها ...
هذه التي تأملها هو بتفحص وكأنه يدرس دواخلها خاصة مع علمه بما يريده زين منها ...
لهذا صمت للحظة قبل أن يقول لها بغموض:
_لو قدرتِ تعالجي همسة هيبقى دين في رقبتي هاردهولك بالطريقة اللي تحبيها .
ورغم أنه كان حسن النية تماماً لكن اعتدادها المعهود جعلها ترد بإباء:
_علاج همسة مش خدمة ليك ...علاج همسة ده شغلي وواجبي.
قالتها ثم أعطته ظهرها لتتوجه نحو باب الخروج تلاحقها نظراته المتفحصة...
من يصدق أن هذه هذه الهيئة الهزلية تخفي جمالاً كهذا الذي رآه واضحاً في ملامحها ...
وذكاء أكثر وضوحاً في حديثها ؟!!
ياقوت سليمان !!
ترى هل ستكون نعمة هذه العائلة...أم نقمتها؟!
تساؤله بقي معلقاً في رأسه دون جواب قبل أن يتحرك ليغادر البيت بدوره غافلاً عن عيني الخادمة التي كانت مختبئة خلف الأشجار تستمع لحديثهما ...!!
========
_هايل يا داليا ...ماشاء الله عليكِ نشيطة جداً .
هتفت بها أحد الفتيات بمقر الجمعية لترد واحدة أخرى بسماجة :
_بس ما يكونش حماس مبتدئين صغيرين ويروح لحاله .
لم تكن داليا تذكر اسم الأولى اللطيفة لكنها تذكر اسم الثانية جيداً...
تذكره كما تذكر نظراتها -المفضوحة- لمروان كلما رأته كأنه هبط عليها من السماء!!
ريتال أو "الآنسة سهوَكة"!!
لقبها الذي تطلقه عليها سراً وتستحقه بجدارة مع ما تمارسه من حركات تفهمها هي جيداً ...
"الآنسة سهوكة" تحبه ...فلتشبع به إذن...لكن لا شأن لهذا بالتحقير من شأنها هي!!
لهذا ردت لها عبارتها بما ظنته قصف جبهة :
_فعلاً شكلك انتِ كبيرة...عندك كام سنة يا طنط؟!
كتمت الأولى اللطيفة ابتسامتها بينما احمر وجه ريتال غيظاً لترمقها بنظرة ساخطة قبل أن تغادر الغرفة ...
لكن داليا تجاهلتها تماماً وهي تعود لتنظيم بعض الأغراض فقالت صاحبتها بعتاب لطيف:
_أحرجتيها جداً...ليه كده ؟!
_هي اللي بدأت!
هتفت بها داليا بتنمر لتبتسم الأخرى قائلة :
_صدقيني هي لطيفة جداً ومخلصة للجمعية ولفكرتها من زمان ...بس ساعات كتر اهتمامنا بالحاجة بيخللينا مشدودين ...احنا بنفرح جداً بأي حد جديد بيساعد بس للأسف كتير منهم فعلاً بيزهق بعد فترة .
_اطمني ...مش هزهق.
قالتها داليا بابتسامة لطيفة لتردف بشرود :
_عارفة لما تبقي تايهة لوحدك لحد ماخلاص تبقي هتقعي من فوق جبل ...وبعدين تلاقي إيد تتمد وتنقذك...ساعتها بيبقى نفسك تمدي إيدك انتِ لكل حد محتاج...تديله اللي انتِ اتحرمتِ منه...الفكرة مش إنك بتدي لأن اللي قدامك محتاج...لأ...انتِ بتدي عشان انتِ اللي محتاجة...محتاجة تحسي إن ليكي دور ...ليكي قيمة..وفوق ده كله تحسي إن ربنا راضي عنك لأنه اختار يحطك هنا .
_إذا أردت أن تعرف مقامك...فانظر أين أقامك.
قالتها صاحبتها اللطيفة في رد بليغ على كلماتها البسيطة لتتسع ابتسامة داليا قبل أن تنخرطا سوياً في العمل لوقت طويل بعدها ...
_مروان هييجي النهارده ؟!
سألتها داليا باهتمام وهي تتخذ مقعداً لتجيبها صاحبتها بتحفظ:
_دكتور مروان مالوش مواعيد ...هو بينظم لنا الشغل وبييجي وقت ما نحتاجه ...الله يكون في عونه برضه مش فاضي لنا .
أصدرت داليا همهمة خفيضة عندما ربتت صاحبتها على كتفها قبل أن تغادر لبعض شأنها ...
هنا تنهدت داليا بحرارة وهي تدور بعينيها في المكان حولها ...
قبل أن تتناول هاتفها لتبحث في الرسائل كعهدها منذ اختفاء "العاشق المجهول"...
لا جديد!!
دمعة كبيرة تتجمع في عينيها وهي تنظر لآخر صورة أرسلها ...
لماذا فعل بها هذا ؟!
تراه شعر بالغيرة عندما أخبرته عن مروان ؟!!
لا ...هو أكثر تعقلاً من أن يغضبه شيئ كهذا !!
إذن ...لماذا؟!
أي مكان هذا الذي ذهب إليه ولا يمكنه الاتصال بها فيه؟!
إلا إذا...؟!!!
معقول؟!!
هل يكون في السجن ؟!!
_مجرم!! بتحبي مجرم ؟!! ما هو ده المكان الوحيد اللي مافيهوش نت دلوقت!!
لكنها تعود لتنفي الفكرة بسرعة بمضادها ...
_وليه ما يكونش ظابط؟! أيوه...ظابط في مهمة سرية وخايف يتكشف...وده يفسر إنه عارف عنك كل حاجة...يااااه...حبيبي يا حظّابط !!
ورغم فكاهية الخاطر لكن الدمعة الحقيقية التي سالت من عينيها افتقرت للهزل وهي تضم الهاتف لصدرها شاعرة بالأسى...
أي حماقة هذه التي تعيش فيها؟!
تمنح قلبها وفكرها بل ودقائق تفاصيل حياتها لرجل لا تعرف عنه أي شيئ !!
بل تعرف!
تعرف شيئاً واحداً هي واثقة منه تماماً!
أنه يحبها كما لم يحبها أحد...
يفهمها كما لم يفهمها أحد ...
وأنها تحتاجه كما لا تحتاج لأي أحد !!
لهذا لم تملك جريان دموعها وهي تترك له رسالتها التي لم تعد تحسب عددها ...
_زعلانة جداً...وحشتني جداً جداً...بحبك جداً جداً جداً .
ولم تكد تنتهي منها حتى وضعت الهاتف جوار صدرها في موضع القلب تماماً !
وفي مكانه كان هو يراقبها وقد وصل لتوه لتروعه دموعها الصامتة مع نظرتها لهاتفها ...
قلبه يكاد يتزلزل بين ضلوعه وهو يرى ما يفعله بها قراره الأخير هذا ...
لكن ما حيلته ؟!
ألا يحق له أن يخلي لنفسه مكاناً وسط زحام قلبها بخيال هو من صنعه لها؟!!
لهذا تقدم ببطء ليسحب كرسياً ويجلس أمامها قائلاً بنبرته الرجولية الخشنة التي شابها الآن حنان خاص:
_بتعيطي ليه ؟!
اتسعت عيناها متفاجئة بوجوده قبل أن تمسح وجهها بسرعة لترد بين نبرة مختنقة وضحكة مصطنعة :
_لا خالص...ده دور برد .
فمط شفتيه ليهم بالوقوف قائلاً بتهكم عاتب:
_بجد ؟! ماشي ...سلامتك...أقوم بقا عشان مااتعديش منك.
لكن دموعها عادت تخونها من جديد مع قولها بابتسامة أذابت قلبه :
_ماتخافش اللي عندي ما بيعديش .
هنا عاد يستقر في مقعده ليراقب ملامحها الحبيبة بعينين غمرتهما عاطفة لم تصل لحدود لسانه المتحفظ :
_حد مضايقك هنا ؟!
هزت رأسها نفياً ثم ترددت قليلاً لتقول بشرود ذابت فيه عيناها ...
وذاب هو معهما:
_جربت مرة حد يغيب عنك فياخد روحك معاه ؟! تبقى عايش بتاكل وبتشرب وبتضحك وبتعيط بس حاسس إنك بتمثل دور مش بتاعك وإنك مستنيه يرجع عشان انت كمان ترجع ؟!
كلماتها الصادقة اخترقت قلبه بعمق إحساسها لكنه تصنع الغباء ليسألها :
_صاحبتك ؟!
وكأنما منحها الستار التي تداري خلفه شعورها والذي استغلته هي أحسن استغلال لتومئ برأسها إيجاباً مع قولها :
_من ساعة ما سافرِت وأنا متلخبطة...مش قادرة أعيش من غيرها .
_مالكيش أصحاب تانيين؟!
سألها بنفس الحنان الخشن الذي يشبه فيه يامن فابتسمت ابتسامة شاحبة ناسبت قولها:
_صعب حد يفهمني ويستحملني...عشان كده هي حالة نادرة.
_تسمحيلي أجرب؟!
اتسعت عيناها بقوة مع سؤاله لكنها لم تنتبه لهذا مع غرقها في نظراته...
لم تبدُ لها عيناه عميقتين هكذا من قبل !!
هل رأيت يوماً حدقاتٍ تبتسم؟! ...
رموشاً تعانق؟!
جفوناً تحكي؟!
هي الآن كانت ترى!!
لهذا خفق قلبها بقوة لتجد أناملها دون وعي تتشبث بالهاتف وكأنما تبحث فيه عن خلاصها ...
هذه الحركة التي ساءته بمدلولها لكنه لم يكن ليتراجع بعد نوبة الشجاعة الفجائية هذه ...
لهذا رفع حاجبيه ليقول بثقة توجت حنان كلماته :
_بيقولوا إني مستمع جيد ...وصاحب صاحبه...حتى اسألي يامن .
_من غير ما أسأله ...انت ...شكلك...كويس!
كلماتها المتلعثمة لا تدري كيف تخرج من بين شفتيها ولا لماذا يحدث بها هذا التأثير الذي يرعبها ...
ماهذا الذي تفعله ؟!
قربها منه خطأ!
ليس فقط كونها تمنحه أملاً فيما لن يكون له ...
لكن لأنها بهذا أيضاً تخون عاشقها المجهول !
كان هذا بعضاً من حديث نفسها والذي كان يناقض البعض الآخر المنجذب تماماً لهالة وجوده ...
"كيمياء الجسد"!
طالما كانت تسخر من هذا المفهوم لكنها الآن لا تجد تفسيراً لما تشعر به إلا هو ...
_بطلي هبل !
نهرت بها نفسها عن التمادي في أفكارها لتطرق بوجهها الذي احمر انفعالاً وخجلاً...
خجلاً كاد يفقده هو صوابه لولا تمسكه بتحفظ عبارته :
_عموماً لو احتجتِ تتكلمي في أي حاجة...أنا موجود ...بس مااوعدكيش كل آرائي تعجبك.
_إيه ده ؟!
هتفت بها بفضول طفولي أنساها كل انفعالاتها السابقة وهي ترى الكيس الملون الذي كان بحوزته ليبتسم وهو يريها محتوياته :
_دي دبابيس مشبك جايبهالكم هدية بصور أبطال ديزني بمناسبة حفل الأيتام...كل واحد فيكم هياخد واحد عليه شعار الجمعية...
ثم بحث فيها قليلاً ليستخرج لها واحداً:
_اخترت لك ده...ميريدا اللي ماسكة القوس!
أطلقت شهقة انبهار طفولية وهي تتناوله منه لتهتف بعفويتها المنطلقة :
_أستاذ ورئيس قسم ياابني والله...شغل فاخر م الآخر...بس اشمعنا ميريدا يعني؟!
فاتسعت ابتسامته وهو يتفحص ملامحها بعشق ذاب بين حروفه :
_واثقة في نفسها ...متمردة...بتعرف توصل للي هي عايزاه ...عندها الشجاعة تقول غلطت وتصلح غلطها.
ورغم احتراق وجنتيها الخجول واتساع عينيها مع كل وصف كان يصفها به لكنها تنحنحت لتتغلب على حرج الموقف بقولها بينما تثبت المشبك في ياقة قميصها :
_كنت فاكرة إني لوحدي اللي بتفرج على "أنيماشن" في السن ده .
لتجتاحها ضحكته الآسرة وهو يقول بمرح :
_لا افتحي القوس وخدي مجنون أنيماشن تاني جنبك.
ضحكتها النقية كانت أروع هدية له بعدها فاكتفى بها ليقوم من مكانه قائلاً بنبرة عادت إليها جديتها :
_ياللا نوزعهم ع المجموعة.
قالها وهو يخطو خارج الغرفة لتلحق به قائلة بغيرة طفولية :
_هتدي لريتال إيه ؟!
_اشمعنا ريتال؟!
سؤاله كان بريئاً حقاً لكنها تلقته بتحفز لتسأله :
_عايزة أعرف شايفها شبه مين !
هز كتفيه بجهل حقيقي وهو لايدري عما تتحدث ...
فتناولت منه الكيس لتبحث فيه قبل أن تستخرج منه ذاك الذي حمل رسم سندريللا لتقول بلهجة ظافرة :
_هاديها ده !
_اشمعنا؟!
_عشان مالهاش قيمة من غير الجزمة !
كتم ضحكته بصعوبة وهو يرمقها بنظرة عاتبة مدركاً سخريتها من قصر قامة ريتال :
_ومستغربة إن مالكيش أصحاب بلسانك ده ؟!
_دكتور مروان !
كانت هذه ريتال التي تقدمت نحوهما من الداخل لتهتف به بترحاب بدا شديد المبالغة تلاحقها نظرات داليا المغتاظة والتي كتفت ساعديها وهي تلاحظ نظرات ريتال التي لا تفهمها إلا أنثى مثلها ...
لهذا ما كادت تسمعها تحاول الانخراط معه في الحديث حتى صفقت بكفيها فجأة لتهتف بصوت عالٍ:
_نجمع سوا كده يا شباب ...نشوف دكتور مروان جايب لنا إيه بمناسبة حفلة الأيتام.
حدجها مروان بنظرة عاتبة وهو يرى تجمع الحضور حوله ...
ورغم أن العنصر النسائي كان الغالب عليهم لكن وجود بعض زملائه أشعره بالغيرة ...
لهذا استغل انشغالهم بتوزيع هداياه ليميل عليها بخفة هامساً بخشونة :
_مش في صالة بيتكم انتِ عشان تسقفي وتهيصي كده .
_ولا في كازينو غراميات عشان أسيب الهانم ترسم .
تمتمت بها بتذمر خافت لم يصله منه إلا ضبابات ليعقد حاجبيه بدهشة متسائلاً لكنها عقدت حاجبيها لتبتعد عن الجمع....
قبل أن تتوجه نحو الغرفة من جديد كي تجمع حاجياتها في حقيبتها ...
ولم تكد تنتهي حتى توجهت نحو باب الخروج دون أن تنظر خلفها ...
هذا الشعور الخانق يعاود تملكها ولا تملك القوة في مقاومته ...
منذ قليل فقط كان ضيقها لأجل اختفاء عاشقها المجهول ..
والآن تضيف إليها إحساساً آخر لا تدري كنهه ...لكنه مزعج حقاً!
_اتقمصتي زي العيال ومشيتي؟!
كانت قد وصلت لآخر الدرج حيث مدخل البناية عندما سمعت صوته خلفها فالتفتت نحوه بدهشة غلبها الرضا عن سعيه خلفها ...
لكنها عدلت وضع حمالة حقيبتها على كتفها لتشيح بوجهها قائلة :
_هتقمص ليه ؟! ماهو ده الطبيعي منك ! دايما شايفني فلتانة وناقصة تربية !
_ماقصدتش اللي فهمتيه...كل الحكاية إني مش حابب حد ياخد عنك انطباع مش حلو ...وعموماً أنا آسف.
كان يتعجب الرقة التي يتحدث بها قبلها !!
ماذا جرى لتحفظه المعهود وبالذات معها هي؟!!
ربما هي رؤيتها تبكي منذ قليل ...
وربما شعوره الخفي أنها لم تتهور لتنادي الناس هكذا إلا لغيرة فطرية يعرفها فيها ...
وربما هو إحساسه الطاغي بأثر رؤية "المشبك" المعلق في ياقة قميصها العريضة حتى ليكاد يلامس قلبها !!!
يالله!!
شيئ منه يلامس شيئاً منها !!
إذا كانت مجرد رؤيته هذه تقصف قلبه هذا القصف المهلك ...
ماذا إذن لو ....؟!!!
ابتسامتها الساحرة تقاطع جموح أفكاره ...
وخجلها الرقيق يناقض مرح عبارتها:
_تقبّلته ! بس ما تعملهاش تاني .
لكنه اقترب منها خطوة ليقول لها بجدية تامة وعيناه تحتكران نظراتها التي تعلقت به كطفل يستكشف ما يجهله :
_أنا مش شايفك وحشة أبداً...شيلي الفكرة دي من دماغك...أنا عارف إنك أحسن بنت في الدنيا.
لم يدرِ كيف انطلق لسانه هكذا في البوح وكأنما تعاطى حبوب الشجاعة فجأة !!
لكن السعادة الطفولية التي ارتسمت في ملامحها جعلته يشكر لنفسه هذه الخطوة ...
خاصة عندما اتسعت ابتسامتها لتشكره بتلعثم قبل أن تشبك كفيها لتسأله مطرقة الرأس:
_ده يشجعني أطلب منك حاجة...
همهمة متسائلة منه كانت الرد فتنحنحت لتردف بخجل:
_سمعت إن دكتور ياسر تعبان وبصراحة عايزة أطمن عليه ...بس ...
_تحبي آجي معاكي؟!
سألها بحنانه الذي ماعاد يتكلف إخفاءه لتهز رأسها موافقة فعاد يقول برضا:
_ماشي ...بس استأذني يامن الأول.
لوحت له بإبهامها في إشارة للاستحسان قبل أن تلوح له بكفها لتنصرف عنه بخطوات سريعة...
شيئ ما بقلبها قد تغير!
شيئ تحسه ولا تستطيع وصفه !
"الأصلع القبيح" لم يعد بعينيها قبيحاً !!
ربما لأنها لمست جمال روحه ...
وربما لأنه أشعرها أنه هو من لمس جمال روحها !!
لكن ...هل في القلب متسع؟!
ألم يمتلئ على آخره بحب عاشقها المجهول؟!
هل ستعود لضلالها القديم؟!!
تباً لهذه الحيرة ...
أما لها من آخر؟!
==========
_انتِ اتجننتي؟! قضية طلاق إيه اللي عايزة ترفعيها؟!!
هتف بها وجدي بمزيج من غضب وقلق أمام هذه التي بدت ملامحها شديدة التحفز مع هتافها الهستيري:
_هو اللي اتجنن لو فاكر إنه ممكن يلوي دراعي ببنتي !! لو فاكر إنه حر يمشيني بكلمة ويرجعني بكلمة !! لو فاكر إن أي حاجة في الدنيا دي ممكن تكسر واحدة زيي!!
كانت تلوح بذراعيها بعصبية جلبت بعض الدماء للبشرة الشاحبة فتأملها للحظات مشفقاً قبل أن يقترب منها كي يحتضنها ...
لكنه ما كاد يطوق جسدها بذراعيه حتى ابتعدت للوراء هاتفة بنفس النبرة :
_أنا كويسة ...مش محتاجة حد يحضنني ويطبطب عليا ...عمري ما احتجت ولا هحتاج حد ...وهافضل كده طول عمري.
القلق عاد يغلب الغضب في صدره وهو يشعر بقرب انهيارها لهذا هز رأسه مهدئاً قبل أن يقول لها بنبرة رفيقة :
_مهما بلغت قوتنا احنا بشر يا بنتي ...بنحتاج نضعف ...نبكي.. نفضفض نرمي حمولنا على حد عشان نرتاح ...ده مش عيب.
لكنها أشاحت بوجهها بعدم اقتناع ليتنهد هو مردفاً بنفس النبرة :
_خللينا نبص للجانب الإيجابي ...يامن مكنش هيرجعك إلا لو كان عرف غلطته وعايز يصلحها ...
_ما بتتصلحش ...فيه حاجات ما بتتصلحش!!
صرخت بها بانفعال فضح الجحيم الذي تحترق به روحها قبل أن تغطي وجهها بكفيها لتردف بصوت متقطع :
_انت فاكرني مبسوطة وأنا لاقية نفسي بحط بنتي في نفس النار اللي اتحطيت فيها ؟! فاكرني راضية وأنا عارفة هي هتطلع ناقصها إيه ؟! فاكر إنه سهل عليا أعيش نفس الحرمان مرتين مرة بقلبي ومرة بقلبها هي؟!
بسط كفه على صدره مستشعراً هذه النكزة في قلبه وحديثها يعيد إذكاء الذنب القديم ...
بينما رفعت هي كفيها عن وجهها لتردف بنبرة أقسى:
_بس أعمل إيه ؟! قلبي أسود ما بينساش ... مش هسامحه ولا هسامح أي حد جرحني...ودي مش قسوة ...دي الحاجة الوحيدة اللي مخلياني لسه واقفة على رجلي ...إني ما بتلدعش من نفس الجحر مرتين .
أغمض عينيه بألم من هيئتها التي كانت تثير رثاءه ...
الحمقاء تظن نفسها بهذا قوية ولا تدري أنها تفقد آخر روائح عطرها الذي طالما فاح شذاه !!
_خايف عليكِ تندمي ...أنا مش هاعيش لك العمر كله ...خايف لو وقعتِ المرة الجاية مابقاش جنبك !
_وانت امتى كنت جنبي؟!
هتفت بها بسرعة فضحت حقيقة شعورها لتطلق بعدها زفرة ساخطة صاحبت قولها وهي تعطيه ظهرها :
_معلش يا بابا سيبني دلوقت ...محتاجة أبقى لوحدي .
رمق ظهرها المقابل له بنظرة طويلة آسفة قبل أن يتركها ليغادر الغرفة يائساً من استجابة رأسها العنيد ...
وما كاد يفعل حتى هربت من شفتيها آهة خافتة وهي تحتضن جسدها بذراعيها قبل أن تمسد بطنها بأناملها ببعض العنف التملكي وكأنها تعلن أحقيتها هي بها ...
_هتلوميني؟! هتزعلي مني لما تكبري؟! يمكن آه ويمكن لأ! يمكن لما أحكيلك تفهمي ...تفهمي معنى إنك تحبي لحد آخر نفس ...تدي لغاية ما خلاص مايبقاش في إيدك حاجة ممكن تديها ...ووقت ما تحتاجيه جنبك تلاقيه أول واحد يديكي ظهره...معذور؟! أي راجل غيره ممكن يبقى معذور ...لكن هو ؟! هو اللي شاف وحس أد إيه كنت ...كنت إيه ؟! بحبه ؟! ده ماكانش حب يا يمنى ...ده كان جزء مني بيكبر جوايا يوم بيوم ...إحساس يشبه إحساسي بيكي انتِ...انتِ بنتي وهو كان ...كان ...كان ابن قلبي ...كان ...كان...وما ينفعش أقول غير إنه كان!
الدموع العنيدة تعاود تكاثفها الصامت في عينيها دون سقوط فتنطلق منها شهقة خافتة وكأنما روعها هذا الضعف الذي يستبيح حرمة كبريائها ...
ربما لهذا أخذت عدة أنفاس متتابعة قبل أن تأخذ قرارها لتتوجه نحو حاسوبها المحمول كي تنفذ ما عزمت عليه ...
وفي غرفتها القديمة في بيته كان يامن متمدداً على الفراش الذي كان يوماً لها يراقب السقف حيث ندبةً تركتها "تميمتها" التي كانت تدعوها "مساكة الأحلام"!
هو نزعها ليلتها وكم يتمنى الآن لو تكون حقيقية !
لو تدفع عن ذهنه هواجسه وتجلب له فقط أحلامه الوردية بها !!
ابتسامة صغيرة تكبر رويداً رويداً على شفتيه وهو يستعيد صورتها ببطنها البارز ...
واندفاعها العفوي نحوه أول ما رأته في تأكيد لما كانت دوماً تزعمه أنها ...تنتمي إليه !
أنةٌ خافتة تتأرجح بعذاب على شفتيه وهو يستعيد مذاق عناقها ...
قبلاتها ...همساتها الحارة بعشق "تزعم" لم تعرفه إلا معه ...
ولم يعرفه إلا معها !!
نظرة ممتنة لخاتمها ذي الفص الأسود في إصبعه...
تراها لاحظت أنه لم يخلعه كما وعدها أم أنها في غمرة جرحها لم تعد تذكر له سوى خطاياه ؟!
وعند الخاطر الأخير هب من مكانه ليغادر غرفتها نحو غرفته هو العلوية ليفتحها بلهفة...
عيناه تتمهلان على آخر ما تركته له من أشياء فوقها ...
لكنه ينتزع نفسه من فورة شعوره بالحسرة ليتوجه نحو خزانة ملابسه حيث ذاك الصندوق الذي يحتفظ فيه بمقتنياته...
هناك حيث دبلة تركتها له منذ سنوات عندما أخرجته من ذاك الملهى الليلي الذي كان يحاول فيه دفن خيبته الأولى مع بسنت ...
دبلة ضيقة تناسب مقاسها هي ولم تكن تناسبه ...
لكنه يقسم أنه سيرتديها فذاك النقش القديم المميز عليها يشعره بأمان غريب ...
يخبره أن جذوة بقيت مشتعلة تحت التراب طوال هذه السنوات لن تطفئها خطيئة...أي خطيئة !!
لهذا ارتداها في خنصره الذي ناسب مقاسها ببعض الصعوبة لتكون جوار خاتمها الآخر ...
قيداً بعد قيد ...
وعهداً بعد عهد !!
ولم يكد يفعلها حتى غادر الغرفة بخطوات متمهلة ليهبط الدرج من جديد في طريقه نحو المطبخ الذي -للعجب- لايزال يحمل رائحتها ...
لكنه لم يكد يصل حتى سمع صوت حاسوبه المحمول على المنضدة هناك يعلن عن وصول رسالة ...
_هارفع قضية طلاق.
ظل واقفاً مكانه متسمراً للحظات يعيد قراءة رسالتها وهو لايصدق أنها منها !
هل فكت الحظر عنه لترسل له مثل هذا الهراء؟!!
ورغم أن ياقوت حذرته من التواصل معها في هذه الفترة لكنه لم يستطع منع نفسه من الرد عندما جلس على الأريكة ليكتب لها بسرعة :
_هتخسريها.
_هاكسبها!
الرد وصله سريعاً كذلك فاضحاً لانفعالها هي الأخرى ...
فعقد حاجبيه بقوة ليعاود الكتابة :
_حتى لو كسبتيها مش هاسيبك !
_بكرهك!
كلمتها اليتيمة بحروفها القليلة كانت كقذيفة وجهتها نحو صدره لتنفجر معها كل ألغام كبريائه الأسود ...
ربما لهذا لم يفكر وأنامله تندفع للرد بنفس السرعة :
_وأنا عمري ما قلتلك إني بحبك.
السكون الطويل الذي عقب قراءتها لرسالته جعلته يعي خطورة المعنى الذي وصلها !!!
تباً!!!
عنادها هذا يستخرج أسوأ ما فيه !!!
لماذا لا ترد ؟!!
لماذا لا تكيل له جرحاً بجرح ؟!!
أي شيئ أهون عليه من هذا الجحيم الذي يكوي ضلوعه الآن وهو يتخيل وقع رده السخيف هذا عليها !!!
خبط بقبضته على سطح المائدة أمامه بعنف كسر زجاجها لكنه لم يكترث وهو يعاود الكتابة بأنامل مرتجفة :
_ما بترديش ليه ؟!!
لم يدرِ كم مرة كتبها...
وفي كل مرة كان جنون خفقاته يزداد صخباً حتى وجد نفسه يكتب أخيراً وهو يهتف بها بصوت مسموع :
_افتحي الكاميرا ...دلوقت ...حالاً!
ورغم أنهم يزعمون أن المحادثات الكتابية تقتل حرارة المشاعر لكن عبارته وصلتها كصرخة !!!
صرخة لم تقل ضراوتها عن نحيب قلبها الذي أدمته عبارته !!
لكنها استجمعت كل ذرة قوة تملكها لتفتح "الكاميرا"..
"العسل العكِر" في حدقتيها يترفع عن الاعتراف بدمع حاوطه من جميع الجهات ...
_مستنّي تشوف إيه ؟! تشوفني بعيط مثلاً؟! منهارة ؟! مستغربة ؟! ليه ؟! إيه الجديد؟! انت فعلاً عمرك ما قلت لي إنك بتحبني !
صوتها الذي وصله مع صورتها كان أشد وطأة عليه من كل ما كان بينهما !
بارداً قاسياً لائماً...ومتوعداً !!
خالياً من أي نغم للحنهما القديم ...
تماماً كرقبتها وأناملها التي تخلصت من أي ذكرى تركها لها !!
لا عقد ...لا خاتم...وربما الآن...لا حب!!
"امرأة الألوان" خلعت عنها "أطياف" عشقه...
"ساحرة الفوضى" استسلمت ل"روتين" الهجر الكلاسيكي المنظّم...
"عروس البحر" تنازلت عن ذيلها الطويل لتسير بقدمين عاديتين على شاطئ صخري أدماهما بلا رحمة !
فماذا بقي إذن من "الياسمين" إلا أنينٌ ينعي ذبوله ؟!!
لماذا لا يجرؤ على البوح باعتذار ؟!
بندم ؟!
لماذا لايزال عالقاً بين خيوط هواجس تصرخ فيه أن امرأة بهذه القسوة لم تعشق يوماً ؟!!
لماذا لا يزال يخذلها ويخذل نفسه قبلها ؟!!
_بس تعرف ؟! أحسن حاجة عملتها إنك رديتني فعلاً...عشان لما أطلب الطلاق الناس كلها تعرف إني أنا ...أنا ...أنا اللي مش عايزاك .
عبارتها شديدة القسوة كانت لتؤازر وساوسه لولا ...
لولا ارتجاف نبرتها في كل "أنا" كانت ترددها ...
هذا الارتجاف الذي زلزل قلبه وهو يتلمس الشاشة بأنامله بلهفة مجنونة كأنما يود الآن لو يعتقلها بين ذراعيه ...
لو يذيب هذا الجليد حولها ليصهرها عشقاً وشوقاً !!
_من امتى بيهمك الناس؟! ياسمين اللي أعرفها كانت دايماً تقوللي إني أنا كل الناس!
النبرة الغريبة التي نطق بها عبارته بين استنكار ...توجع...تحسر...ندم...وعتاب ...
الاستكانة التي استسلم لها جسده بعد طول ارتجاف...
الاشتياق الذي ذبح الغضب على أعتاب نظراته ...
كل هذا لم يشفع أمام جمود عبارتها ...
_ومين قاللك إنك عرفت ياسمين؟! لو عرفتها ماكنتش خسرتها!
الشاشة تظلم في وجهه بعد عبارتها تماماً كما الدنيا كلها في عينيه الآن !!
لقد صدقت ياقوت عندما حذرته من خطورة تواصلهما الآن ...
لكنه لن يستسلم !!!
سينقذ نفسه وينقذها من هذه العتمة التي تبتلعهما معاً !!!
لكن كيف؟!
هو يشعر أنه لايزال مكبلٌ بأفكاره !!
أطلق صرخة عالية وهو يشعر بالوحشة تزيد من ضراوة هواجسه ...
تراها تخونه كما زعمت ؟!
تراها تهجره كما توعدت ؟!
تراها تحرمه الحب الذي ما عرفه إلا لها وبها ؟!!
ياسمين القديمة لا تفعلها لكن هذه التي صارتها قد ....!!
يالله !!
سيجن لو بقي هكذا وحده يصارع وساوسه !!
لهذا لم يشعر بنفسه وهو يتناول هاتفه ليتصل برقم ما ...!!!
======
_ليه كلمتني أنا وماقلتش لياقوت ؟!
هتف بها مروان وهو يقف جواره مستنديْن على مقدمة سيارته في مكانه المنعزل المفضل بعدما سمع منه تفاصيل مكالمته مع ياسمين ...
ليجيبه يامن باستنكار فظ :
_ياقوت؟! ده أنا كل ما افتكر مقلبك ده أبقى عايز أقعد أضرب فيك لحد ما يبان لك أصحاب!
كتم مروان ضحكته وهو يحك رأسه الأصلع بأنامله ليهتف مدافعاً:
_ما تنكرش إنها شاطرة.
_دي بلوة !
هتف بها يامن بنفس الانفعال الساخط الذي لم يخفِ إعجابه بمهارتها ليبتسم مروان بمكر قائلاً:
_بلوة شاطرة !
زفر يامن زفرة قصيرة قبل أن يومئ برأسه موافقاً ليغمغم بنبرة يائسة :
_هي حذرتني إني أتواصل معاها دلوقت بس أنا ماقدرتش ...والنتيجة اننا احنا الاتنين جرحنا بعض .
هز مروان رأسه بتفهم ليقول مواسياً:
_ما تحملش نفسك فوق طاقتها ...انت معذور وياسمين كمان معذورة ...أنا عارفها من زمان ...عارف أد إيه معتدة بنفسها وبنجاحها ...اللي حصل مش مجرد أزمة هتعتبرها كام يوم ويعدوا...اللي حصل بالنسبة لها قلب لها دنيتها على بعضها ...مش مستغرب تصرفاتها المتطرفة بس اللي أنا متأكد منه إن كل ده من ورا قلبها ...
ثم تنهد بحرارة وهو يذكر نفسه في موقف مشابه ليردف :
_اللي بيحب ما بيكرهش يا يامن ...خصوصاً لو حب عمره سنين زي ده .
لكن يامن خبط على صدغيه براحتيه ليهتف بوجع :
_انت فاكرني زعلان منها بس؟! فاكرني متأثر من كلمتين خايبين بتقولهم ؟! أنا زعلان أكتر لأني حاسس إني بقيت معاها زي أول مرة شفتها ...مفلس ...إيدي فاضية ...نفسي أجري عليها وأصالحها لحد ما تفهم إني مابقيتش قادر أعيش من غيرها ...بس . ...
قطع عبارته التي انتهت بحشرجة صوته ليسأله مروان بنفس النبرة المشفقة :
_بس إيه ؟!
هنا تحرك يامن عدة خطوات مبتعداً نحو حافة المرتفع الذي يقفون عليه ليتطلع للفضاء حوله قائلاً بعجز:
_لو رجعت لها دلوقت هاظلمها تاني...لسه جوايا صوت بيقوللي إنها مش بريئة...هافضل شاكك في كل كلمة وكل نظرة ...هافضل حارمها وحارم نفسي من راحة البال ...
ثم التفت نحو مروان ليردف بقسوة لم يتعمدها :
_انت عارف حسيت بإيه لما دخلت فجأة لقيتها قاعدة مع ال(....)ده ؟!!
_بصراحة أنا عاذرك ...مش عارف لو أنا شخصياً مكانك كان ممكن أحس بإيه...لكن أرجع وأقول إنت أكتر واحد عرف ياسمين...انت الوحيد اللي ممكن تحكم عليها ... طول ماانت لسه بتلف في الدايرة دي مش هتخرج منها أبداً ...عشان كده أنا معاك...أفضل حل لكم دلوقت إنكم تبعدوا ...لحد ما تتخلص تماماً من شكوكك دي.
قالها مروان ناصحاً قبل أن يتحرك نحو صديقه ليضع ذراعه على كتفه مردفاً برفق:
_انت فعلاً بتتحسن...والدليل إنك بقيت عارف فين العلّة وحاطط إيدك عليها ...يامن القديم اللي أعرفه ماكانش هيرجعها لذمته بعد اللي شافه ...لكن اللي قدامي دلوقت واحد تاني ...بيعافر عشان يهزم وساوسه وشكوكه...وأنا واثق إنك هتقدر .
تنهد يامن مطرقاً برأسه للحظات قبل أن يلتفت نحوه بجانب وجهه ليقول بعتاب مصطنع:
_كله منك يا وش الخير ! مش انت اللي وديتني آكل "سينابون"؟!
قهقه مروان ضاحكاً وهو يتذكر ما يحكي عنه من ذكريات لقائه الأول بياسمين في مطعمها ...
ليلكزه في كتفه هاتفاً :
_طب بذمتك مش عجبك ؟! واللا هتاكل وتنكر؟!
رد له يامن لكمته ببعض العنف فعاد مروان يضحك قبل أن يتراجع بظهره فارداً كفيه أمام وجهه مع قوله :
_خلاص ...أنا لو منك أنتقم مني بنفس الطريقة ...
هنا رمقه يامن بنظرة عميقة طويلة سبقت قوله الجاد تماماً هذه المرة :
_قصدك أوديك تاكل سينابون واللا .....أجوزك داليا ؟!
اتسعت عينا مروان قليلاً فلم يكن يقصد أن يشير لموضوع داليا مع يامن من قريب أو بعيد خاصة أن الأخير يتجنب الكلام عنه بدوره ...
لهذا حاول البحث عن كلمات مناسبة لا تثير حفيظة هذا "المشتعل" أمامه ...
لكن يامن عاد يسأله دون مواربة :
_فيه حاجة غريبة بتحصل مع داليا ! شغلها معاك في الجمعية...مذاكرتها اتعدلت...لبسها اتظبط...سيرتك اللي بتيجي معايا عمال على بطال ...وآخرها بتستأذنني عشان تروح معاك تزور عمك !
هنا تنحنح مروان بارتباك قبل أن يحسم أمره بقوله :
_أنا هاقوللك على كل حاجة...وأوعدك تكون دي آخر حاجة أخبيها عنك .
عقد يامن حاجبيه بترقب وهو يستمع منه لتفاصيل عاطفته نحو داليا منذ الصغر ...
مراسلته الاليكترونية لها تحت اسم مستعار ...
وأخيراً تخليه عن هذا الدور كي يحاول إيجاد مكان له بقلبها !
كان يامن يستمع له بذهول لا يكاد يصدق أنه كان يخفي عنه كل هذا !!
لهذا ما كاد ينتهي مروان من اعترافه حتى أشاح بوجهه عنه ليهتف الأول بانفعال:
_أنا عارف إني غلطت إني خبيت عنك...بس...آه...!!!
لكمة يامن المفاجئة لأنفه أخرست بقية عبارته ليهتف الأول بحنق:
_دي عشان اتجرأت على حرمة أهل بيتي!
أمسك مروان أنفه يكتم ألمه بكفه للحظات صمت طالت بينما يامن يعاود الإشاحة بوجهه الغاضب...
قبل أن يجذبه يامن فجأة من ذراعه ليعانقه بقوله :
_وده عشان حافظت عليها .
ابتسم مروان رغم ألمه وهو يبادله عناقه قبل أن يبتعد يامن عنه بوجهه ليمسد جبينه بأنامله قائلاً بنبرة متعَبة :
_أنا مابقيتش عارف الصح م الغلط...بس اللي أنا متأكد منه إن داليا اتغيرت للأحسن...خللي بالك منها يا مروان .
أومأ مروان برأسه إيجاباً فيما يشبه الوعد ليعاود القول بحذر:
_عرض الخطوبة لسه قائم بس مستني ...
رمقه يامن بنظرة متسائلة عما قطع به عبارته فابتعد مروان مسافة آمنة ليحمي أنفه بكفه مردفاً بارتباك :
_مستني إنها ...إنها ...انت فاهم ...
ابتسم يامن ابتسامة واهنة لأول مرة منذ بدأ هذا اللقاء ليلوح له بكفه في إشارة بلا معنى ...
ليبتسم مروان بدوره وهو يندفع نحوه ليعانقه من جديد هاتفاً:
_حبيبي يا "أبو اليُمن"..نضرب سينابون بالمناسبة الحلوة دي بقا!
واللكمة التالية التي نالها كان يستحقها حقاً هذه المرة !
=======
_ليه ؟! ماله سيف؟!
هتف بها علاء بقلق عبر الهاتف وهو يجلس في "البازار" خاصته لتلتفت نحوه غادة باهتمام ...
فأصدر همهمة خافتة قبل أن يقول لإيناس-محدثته- بنفس النبرة التي تمزج القلق بالحنان:
_مش هاوصيكي عليه ...وهابعتلك غادة تساعدك.
قالها ثم أغلق الاتصال ليلتفت نحو غادة التي بدا التوتر على ملامحها قائلاً :
_سيف تعبان قوي...إيناس كانت بتكلمه لقيته ضايع خالص ...الولد ده منظر ع الفاضي ...مناعته زي الزفت .
كتمت غادة ضحكتها رغماً عنها فهتف بها بنبرة عادت إليها مشاكستها:
_بتضحكي على إيه يا بنت؟!
_أصل اللي يسمع حضرتك وانت بتقول عليه "الولد" و"مناعته" مايجيش في باله سيف خالص!
قالتها ملوحة بذراعيها في إشارة لضخامة جسد سيف فضحك علاء قليلاً قبل أن يهز كتفيه بقوله :
_قولي كده لإيناس اللي سايبة اللي وراها واللي قدامها عشان تروح تقعد بيه .
_مممممم...أفهم من كده إن حضرتك معترض؟!
قالتها وهي تميل رأسها بسؤال تعرف إجابته التي أتتها معبقة بالشجن :
_سيف وإسلام هم اللي باقيين لنا من روح هاني الله يرحمه ...لو نطول مانفارقهمش لحظة هنعملها .
ابتسمت احتراماً لمشاعره التي قلما تعبر عن نفسها وسط مزاحه ومشاكساته والتي عادت تنال منها :
_قومي بقا روحي لإيناس على هناك...وأنا هاقفل وأحصلكم.
ظهر التردد على ملامحها والارتباك الذي يجتاحها في وجود سيف يحضرها من جديد ...
رجل مريض وإيناس تريد الاعتناء به ...ما دورها هي ؟!
وما أهمية وجودها ؟!
إقحامها هكذا في حياته لا مبرر له !!
ويبدو أن علاء قرأ أفكارها الصامتة هذه على محياها فقد ابتسم ليقول بتفهم :
_انتِ طبعاً مش مجبرة تروحي ...بس أنا عشان فاهم سيف كويس عارف قيمة إنه يشوفك هناك مع إيناس ...ده هيخلليه يتأكد إنك سامحتيه على سوءالتفاهم الأولاني ...سيف من يوم اللي حصل له وهو حساس قوي ناحية شعوره بالذنب .
أومأت برأسها في تفهم خالط شعوراً بالارتباك لازمها طوال طريقها نحو بيته ...
"فتاة المكعبات"...
"الأرنب المذعور"...
"الأنثى الخطيئة"...
كل هذه الأدوار التي أجبروها على آدائها والتي لفظتها جميعاٌ لتعيش الآن الدور الذي كتبته لنفسها ...
"المرأة القوية" التي لن تسمح لأحد بهز عرش كرامتها !
هذا الدور الذي يجعلها الآن رغماً عنها تشعر ب-عاطفة ما- نحو سيف ...
لا ...ليست عاطفة امرأة نحو رجل ...
أبداً أبداً ليست كجموح إحساسها نحو أحمد ...
لكنها عاطفة أقرب للأمومة !
رؤيته تستفز بداخلها حناناً قوياً داعماً لم تدرك يوماً أنه موجود !!
كم تود لو تخرجه من دوامة ظلامه هذه التي تبتلع روحه وعمره ...
من يقول إنه من العدل أن يدفع المرء أيامه قرباناً لذنب قديم ؟!!
لهذا عندما وقفت أخيراً أمام باب بيته وقبل أن تطرقه كانت قد اتخذت قرارها أنها ستساعده ...
لو فعلتها فستكون شارة مجد أخرى تضيفها لسجل قوتها المستحدث !
_غادة ...تعالي شوفي المسكين...حرارته أربعين وشرطتين !
هتفت بها إيناس بجزع وهي تفتح لها الباب فتحركت غادة نحو غرفته لتجده ممدداً على فراشه يحرك رأسه المحموم يميناً ويساراً بهذيان لا يحمل سوى اسم واحد ...
"انجي"!
========
فتح عينيه بعد نوم يوم كامل لا يدري كيف قضاه ...
ولا يذكر منه سوى ضبابات حملت له طيف الراحلة المشبع بذنبه ...
تتخللها صور متفرقة لإيناس وعلاء وإسلام و....غادة !
غادة ؟!
هل هي هنا حقاً؟!!
_حمداً الله ع السلامة يا حبيبي!
هتفت بها إيناس الجالسة جوار فراشه بحنانها المعهود ليلتفت نحوها بابتسامة ممتنة تليق بقوله :
_الله يسلمك يا "أنّا"...انتِ بايتة هنا من امبارح ؟!
سؤاله لم يكن بغرض الاستفهام فقد كان يدرك أنها لم تكن لتتركه في موقف كهذا ...
_امال يعني هاسيبك ؟! الدكتور كان قلقان وكنا هنموت م الخوف عليك بس الحمدلله الحرارة نزلت .
_كمان دكتور؟! أنا مش فاكر أي حاجة غير مكالمتي ليكي وبعدين قلت هاتغطى وأنام ...بعدها حسيت برعشة ومش فاكر أي حاجة بعدها .
قالها بنبرة مرهقة لتربت على كتفه قائلة بعتاب أمومي خالص:
_عشان تبطل تلبس خفيف وتستعرض عضلاتك !
ضحك ضحكة مختنقة سبقت سعاله القوي الذي جعلها تردف بحنان :
_ألف سلامة يا قلب "أنّا".
ابتسم وهو يرمقها بنظرة امتنان طويلة عجز معها عن الشكر بلسانه وهو يدرك عظيم كرم القدر فيمنحه امرأة كهذه تعوضه غياب أمه بالغربة...
كرم لا يستحقه رجل بماضيه !
تجهم وجهه عند الخاطر الأخير ليغمض عينيه مستسلماً لإرهاق جسده لكنه انتفض مكانه عندما سمع الصوت الأنثوي المغناج بطبيعته عند الباب :
_صباح الخير.
قام من رقدته بسرعة محاولاً الاستناد على كفيه لتهرع نحوه إيناس فترفع فوقه الغطاء هاتفة بحنق:
_بتقوم ليه ؟! ارجع نام.
لكن رؤيته لغادة جعلت الحمرة -المعتادة- تزحف لأنفه وأذنيه رغماً عنه وهو يعتدل في جلسته ليتمتم بكلام غير مفهوم ...
الحمرة التي جعلت غادة تبتسم ولاتزال تتعجبها فيه!!
رجل تحمر أذناه خجلاً لهو جدير بالاعتناء به في محمية طبيعية هذه الأيام !
لهذا تقدمت نحوهما لتسأله باهتمام :
_أحسن النهارده ؟!
_الحمد لله.
إجابته المقتضبة وصلتها عبر إطراقة رأسه وهو يغض الطرف عنها لتتسع ابتسامتها وهي تلتفت نحو إيناس قائلة بمرح:
_نوقف بقا حالة الطوارئ المعلنة من امبارح .
_مش قبل ما يقوم وأشوفه قدامي بيمشي على رجليه .
قالتها إيناس بلهفتها الحنون فالتفت نحوها سيف بدوره قائلاً بحرج:
_أنا آسف ع القلق اللي عملته لكم...بس خلاص صدقيني بقيت كويس .
_طفيتِ ع الشوربة ؟!
هتفت بها إيناس باهتمام مخاطبة غادة التي أومأت برأسها إيجاباً لتخاطب سيف بقولها:
_تحب أجيبلك الأكل دلوقت؟!
لم يستطع رفع عينيه نحوها بهذا الفيض المرتبك من المشاعر الذي يجتاحه كلما يراها ...
والذي تزداد قوته الآن وهو يراها في بيته...في غرفته...تحضر طعامه !
ماذا ينقص إذن ؟! أن تطعمه بيديها؟!!
الخاطر الأخير أورثه غضباً لم يفهمه !!!
غضباً منها ...أم من نفسه ؟!!
لا يعرف!!
تباً لهذا الصداع العنيف الذي يكاد يفلق رأسه !!
حاجباه ينعقدان بمزيج من ضيق وألم فلا يمنحها إجابة ولو حتى بنظرة لكن إيناس هي من تولت المهمة :
_احنا لسه هنسأله ؟! هاتي الأكل أنا هأكله غصب عنه.
رمقته غادة بنظرة مختلسة قبل أن تغادر لتحضر له صينية الطعام التي أتت بها سريعاً لتتلقفها منها إيناس قبل أن تجلس على طرف الفراش لتشرع في تقطيع الدجاجة له :
_هتقوللي ماليش نفس هاقوللك مش بمزاجك....الفرخة هتخلص يعني هتخلص .
_مش قادر يا "أنّا"...كفاية الشوربة.
قالها باعتراض شابه الكثير من الحنق وهو يراها تعامله كطفل أمام غادة لكن إيناس هتفت بسرعة دون وعي:
_وبعدين يا "هاني"؟! دايماً كده ...
قطعت عبارتها بسرعة عندما انتبهت لخطأ لسانها بالاسم لتدمع عيناها رغماً عنها مع ابتسامتها المرتجفة وتمتمة شفاهها:
_الله يرحمه.
هنا غلب وجهه التأثر مستشعراً في أي مكانة تضعه...
لتغلب عاطفته عناده وهو يتناول منها الطعام ليقول برفق:
_خلاص عشان خاطرك هاخلصه كله ...بس اضحكي.
اغتصبت إيناس ضحكة متكلفة جعلت غادة ترمقهما بنظرة حنون طويلة وهي الأخرى تدرك عظم تصاريف القدر عندما يضع "العِوض" المناسب في "المكان الخالي" بمنتهى الكمال!
_خلص أكلك وأنا هاروح أعمللك عصير البرتقال بالجزر اللي بتحبه .
هتفت بها إيناس وهي تقوم من مكانها لتمسح طرف عينها بما فضح سبب رغبتها الحقيقية في تركهما الآن ...
هذا الذي احترمته غادة وهي تتعمد ترك مساحة الحزن الخاصة لها ...
فظلت واقفة مكانها مطرقة برأسها تكتف ساعديها ولا تجد ما تقوله ...
_اتفضلي ...اقعدي.
قالها بنبرته الخشنة بعدما تنحنح بارتباك لكنها قالت بهدوء:
_لا ...هاسيبك تاكل براحتك ...عن إذنك.
قالتها وهي تهم بالمغادرة لكنه استوقفها بقوله :
_ماتقوليش حاجة لهانيا .
التفتت نحوه بنظرة متسائلة ليطرق برأسه مردفاً:
_ماما بتقلق من أقل حاجة ...مش هتصدق إنه دور برد .
_انت ليه متخيل إني بروح أحكي كل حاجة لهانيا؟!
سألته بابتسامة لطيفة وقد بدا له في ارتباكه وخجله كطفل مذنب ...
ليرفع عينيه إليها بنظرة وجلة وكأنه يخشى مواجهة نظرتها ...
بل الحقيقة أنه كان حقاً كذلك !
لهذا عاد يشيح بعينيه بسرعة ليقول بنفس النبرة المتحفظة :
_يعني...غالباً الأصحاب بيحكوا كل حاجة لبعض.
_بس دي حدودك الخاصة ...واجبي أحترمها .
عاد يرفع إليها عينيه بنظرة حملت الكثير من التقدير هذه المرة قبل أن يقول بنبرة أكثر رفقاً:
_من فضلك اقعدي...ما يصحش نتكلم وأنا قاعد وانتِ واقفة كده .
النظرة المميزة في عينيه جعلتها تتجمد مكانها للحظة وهي تشعر بشعور غريب ...لكنه مُرضٍ!
طول عهدها بنظرات الرجال التي حصرتها في قالب واحد جعلها تدرك قيمة نظرة كهذه التي يمنحها لها ...
نظرة تقدير ... احترام!
وما أعظمها من نظرة لامرأة بتاريخها!!
لهذا جلست على الكرسي البعيد وأناملها تداعب دبلة أحمد في حركة عفوية صارت ملازمة لها في كل موقف تشعر فيه بالارتباك ...
هذا الذي لاحظته عيناه بسهولة ليختلجه شعور غريب ...
توافق؟!
بين مأساة مشتركة جمعتهما!
تقدير؟!
لإخلاصها لذكرى رجل رحل!
غيرة؟!
غريبة حقاً على امرأة مثلها من رجل مثله !
وأخيراً...خوف!
خوف مما يمكن أن يعنيه هذا كله !!
هذا المزيج من المشاعر الذي جعله يهرب من كل هذا ليسألها بأقرب ما وجده في ذهنه :
_أوضتي في مصر لسه زي ما هي ؟!
ورغم بساطة السؤال لكنه جعلها تشعر بحرج كبير مدركةً أنها كانت تنام في غرفته ...بل في سريره !
ومع هذا دعتها قوتها المستحدثة لتقول له ببعض الحزم:
_كمل أكلك وأنا أقوللك.
عاد ليتناول طعامه مطرق الرأس ليصله صوتها :
_آه لسه زي ما هي ...حتى مكتبتك اللي جنب السرير لسه ب"رصة" إيدك...كتب مصطفى محمود وعبد الوهاب مطاوع وأحمد خالد توفيق.
ابتسم للذكرى وهو يقول عبر شروده:
_ياااااه ...من زمان قوي ما مديتش إيدي فيهم.
_أفتكر آخر مرة نزلت فيها مصر كانت يوم فرح رامز ...وقبلها قعدت مدة طويلة ما تنزلش.
عبارتها كانت تحمل سؤالاً خفياً أجابه بمواربة :
_ماعدتش أقدر أسيب اسطنبول...عايز أقضي الباقي من عمري هنا وأموت هنا .
التمعت عيناها بإشفاق مدركة مغزى عبارته لكنها حاولت إخراجه من كآبة الذكرى بقولها المنطلق:
_بس ذوقك في القراية يشبه ذوقي ...أيام الجامعة كانوا مسمييني "دودا" من كتر ما كنت دودة قراءة...بصراحة الكتب اللي في مكتبتك ساعدتني في فترة صعبة من حياتي .
فابتسم ابتسامة شاحبة قائلاً:
_سبحان الله من يوم ما جيت هنا بطلت قراءة...وحشتني أفكار مصطفى محمود ...حكمة عبد الوهاب مطاوع ...وماوراء الطبيعة ورفعت اسماعيل...
_رفعت عصا المكنسة وماجي التي تسير على العشب دون أن تثني منه عوداً واحداً...
كانت تكمل له ذكرياته عن هذه السلسلة الشهيرة ل"العراب" ليضحك ضحكة عالية جعلته يسعل لثوانٍ قبل أن يجاريها في ذكرياتها ...
_والبدلة الكحلية التي تجعله فاتناً !
ضحكت بدورها وهي تقول له باستمتاع من يذكر ماضياً عزيزاً:
_كانت أيام !
كانت فرصته ليتأمل ملامحها المبتسمة بسكينة أضفت المزيد من الفتنة على ملامحها ليشعر برباط خفي يجذبه نحوها أكثر وأكثر ...
هذا الذي كانت هي غافلة عنه تماماً وهي تحاول أخذ دورها في مساعدته :
_ليه ما تاخدش أجازة طويلة وتنزل مصر ؟! وجودك مع مامتك وعيلتك هيفرق معاك ...ومعاهم هم كمان .
لكنه تنهد بحرارة ليعاود الإطراق برأسه :
_مش قادر أسيب هنا ...
ثم صمت لحظة ليتجرأ ويردف بينما يختلس نظرة نحوها:
_زي ما انتِ مش قادرة تقلعي دبلتك.
اتسعت عيناها قليلاً وهي لا تدري بماذا ترد لتكتنفه نوبة سعال أخرى سبقت سؤاله لها:
_عايزاني أرجع مصر وانتِ جاية هربانة منها ؟!
_الوضع مختلف ...انت هناك عندك بيتك وعيلتك وأهلك...و...
هتفت بها باندفاع لتقطع عبارتها فجأة مدركة ما يمكن أن يوحي به كلامها عن نفسها ...
هذا الذي استوجب سؤاله باهتمام :
_انتِ مالكيش أهل في مصر؟!
الدموع التي ملأت عينيها فجأة مخترقة جدران قوتها المستحدثة جعلته يشعر بالندم على سؤاله ...
خاصة عندما وقفت مكانها تزامناً مع دخول إيناس بكوب العصير هاتفة :
_كلّ ده وما خلصتش أكلك ؟! لا ...ده أنا هأكلك بإيدي بقا!
_عن إذنكم !
قالتها غادة وهي تأخذ طريقها خارج غرفته وسؤاله الأخير يعيد تفجير ألغام ماضيها ...
سحابة سوداء من ذكريات بائسة أمطرت على واديها لتقضي ما بقي لها من وقت في المطبخ محاولةً دفن حزنها في أي شيئ ...
حتى ولو في "غسيل الأطباق"!!
صوت طرق الباب بالخارج يصيبها بمزيد من الضيق وهي تتبين هوية الطارق مع صوت إيناس المرحب ...
"إسلام"!
=========
_عمك علاء اتأخر.
قالتها إيناس وهي تتناول هاتفها لكن سيف عقد حاجبيه بضيق دون رد وهو يتبين غياب إسلام عن الغرفة...
لابد أنه الآن معها في المطبخ يلاحقها بمضايقاته !!
لكن...لماذا يعتبرها مضايقات ؟!
ألا يعلم حقاً برغبته في الارتباط بها ؟!!
ضحكة ساخرة ملأت أعماقه لم تعرف الطريق إلى شفتيه وهو يتذكر أن صديقه الذي لا ينكر ولعه بها لا يجد غضاضة في إقامة علاقات جسدية مع أخريات بزعم أن هذه نقرة وتلك نقرة أخرى ومبرراً بأنه سيتغير بعد الزواج بها !
الأحمق!
لو أحبها حقاً كما يزعم لما سمح لغيرها أن تلامسه جسداً ولا روحاً !!
لو أحبها لكان سافر لوالدته بنفسه كي يقنعها برغبته الصادقة في الزواج منها !!
لو أحبها لحارب الدنيا بل وحارب نفسه من أجلها !!
لكن ...هل فعلها هو ؟!!
اصمت يا رجل !!
أنت آخر من يتحدث عن الحب ...عن الجرح ...عن الخذلان !!
دماء إنجي وابنتها لا تزال تقطر من يدك !!
الخاطر الأخير جعل الكآبة تزحف على وجهه بينما يحاول استراق السمع لعل صوتاً ما من الخارج يصله ...
لكنه عجز عن هذا فزفر زفرة ضيق غافلاً عن عيني إيناس التي كانت تشعر بحدسها بما يحنقه ...
وفي المطبخ كانت غادة تحاول المماطلة في غسل الأطباق هرباً من لقاء إسلام ...
نظراته الحارة الملهوفة نحوها تثير حفيظتها وتذكرها بصورتها القديمة في مرآة ماضيها ...
صحيحٌ أنها سمعته يتحدث عن رغبته في خطبتها لكنه لم يفعلها إلى الآن بما يفضح عدم جديته...
هل يضايقها هذا حقاً ؟!
أم على العكس يريحها من عبء الرفض؟!!
_كده أنا اطمنت إني لما أتعب هلاقي إيدين حلوة كده تعمللي الأكل.
التفتت بحدة عندما سمعت صوته خلفها لتلتقي عيناهما بحديث متناقض ...
لهفته مقابل ضيقها ...
ابتسامته مقابل تقطيبتها ...
تقدمه البطيئ نحوها مقابل خطوة غريزية تحركتها للخلف ...
لكن الشيئ الذي اتفقا فيه هو ازدياد خفقات القلب المنفعل بما يحدث !!
ولثانية واحدة...
شعرت غادة بالخوف القديم يخنق وعيها ...
بيت المكعبات المتكسر ...
رائحة الفراولة...
لمسات تثير غثيانها ...
لهذا لم تملك أن وضعت كفها على شفتيها وهي تشيح بوجهها ...
قبل أن تأخذ نفساً عميقاً لتستجمع قوتها :
_كويس قوي إننا هنا لوحدنا عشان أتكلم معاك بصراحة.
اتسعت عيناه للحظة من جرأة ظنها لا تملكها ليزداد اقترابه مع ابتسامة أساءت هي فهمها لتردف بنبرة قاطعة :
_كل اللي ممكن يربط بيننا هي العيلة اللي شايفة فيك وفي صاحبك ريحة ابنهم اللي راح ...ده الشيئ الوحيد اللي مانعني إني أرد على نظراتك وتلميحاتك السخيفة ...لكن للصبر حدود ...صدقني المرة الجاية مش هاعمل حساب لأي حاجة ولا أي حد .
وقف مكانه مبهوتاً من كلماتها للحظات قبل أن يقول بأسف :
_انتِ فاهمة غلط ...أنا فعلاً مش قصدي أضايقك ...الحقيقة إني معجب بيكي جداً وعايز...
_أي حاجة عايزها مني مش هاقدر أديهالك ...
قاطعت بها عبارته بنفس الحسم قبل أن تعطيه ظهرها لتجفف يدها في منشفة قريبة مردفة بصوت أرجفه انفعاله :
_حتى لو عرض جواز فأنا برفضه ...أنا لسه بحب أحمد وعمري ما هارضى أتجوز واحد وقلبي مع حد غيره حتى لو كان ميت.
عقد إسلام حاجبيه بضيق ونفسه تسول له محاولة أخرى لعل هذا كله مجرد تدلل نساء ...
_طب خدي فرصة فكري ...انتِ لسه ماتعرفينيش.
_بس عارفة نفسي!
الجواب الصارم الذي ناله منها دون حتى أن تلتفت نحوه جعلته يشيح بوجهه في ضيق لا يعرف ماذا يقول ...
وهناك عند باب المطبخ في جانب خفي كان سيف -الذي اعتذر من إيناس ليأتي بعذرٍ واه - يستمع للحوار ...
ابتسامة باهتة ترسم نفسها على ثغره وهو يتابع ردودها بإعجاب ...
لكن نظرة ضائقة تفرض نفسها هي الأخرى وهو يرى ملامح إسلام العنيدة التي لن تقبل الرفض كجواب ...
وقد صدق ظنه عندما سمع هتاف صديقه :
_انتِ بتقولي كده عشان فاكراني بتسلى ومش واخدها جد لكن الحقيقة والدتي هي سبب إني مأجل مفاتحة عمي علاء في ارتباطنا ...بصراحة هي رافضة لأسباب تخصها ...فأنا كنت بفكر لو نتجوز هنا دلوقت لحد ما الأقي فرصة وأقنعها .
_ عايز تتجوزني في السر كمان من غير موافقة أهلك ؟! انت إزاي تعرض عليا حاجة زي كده ؟!
هتفت بها غادة بحنق وهي تعاود الالتفات نحوه ليهتف بها هو الآخر :
_هو انتِ ليه بتسدي الأبواب كلها في وشي ؟!
_إسلام ! كفاية كده !
كان هذا صوت سيف الذي لايزال متحشرجاً بفعل المرض والذي اضطر للتدخل أخيراً لتنقل غادة بصرها بينهما بنظرات ضائقة قبل أن تخرج من المطبخ بل من البيت كله !!
=======
وقف على باب غرفة همسة يراقبهما بعينين متفحصتين ...
حيث كانت ياقوت جالسة جوارها تقرأ لها كتاباً بصوت مسموع !
ياللمصادفة !
أول ما جمع بينه وبين ياسمين كان القراءة !
طالما جذبته المرأة القارئة التي تستطيل بقدميها فوق ثقافتها لا فوق كعب حذاء!
التي تهتم بتزيين عقلها أكثر مما تهتم بتلوين وجهها ...
التي تجيد استعراض ذكائها لا جمالها ...
والتي تتقن رسم حدود مملكتها بين السطور لا في أعين الرجال !!
ياسمين كانت ولاتزال بعينيه امرأة استثنائية ...
لكن هذه ...ماذا عنها ؟!
صورتها "المشوشة" في ذهنه تختلط بطيف قديم لامرأة تشبهها ...و يكرهها!
أجل...أم همسة التي أسلمها الطمع لانتزاع زوج قريبتها وقتلها بحسرتها !
كلتاهما فاتنة...ذكية...فقيرة...وتعشق المال !
لكن ...أليس من الظلم حقاً أن يحصر ياقوت في هذه الزاوية فقط ؟!
ربما يكون من المبكر جداً أن يحكم عليها بحكم كهذا !
فليركز الآن فيما يريده منها تحديداً...
يامن ...وهمسة ...
التخلص من الأول ...وعلاج الثانية !
بعدها من يدري ربما يجد لها تصنيفاً آخر !
صوتها يجذبه من دوامة أفكاره بينما كانت هي منخرطة تماماً فيما تفعله...
ورغم أن همسة كانت تبدو غائبة بعالمها البعيد لكن قدميها كانتا تهتزان بحركة رتيبة على المقعد بينما أناملها تمسك ب-بيضة -يكاد يقسم أنها لا تزال ترسم الوجه الباكي عليها ...
كلتاهما لم تشعر بوجوده وقد كانت فرصته ليتفحص ملامح ياقوت التي بدت له -في جلستها المستريحة وصوتها المميز ب"لكنة" خاصة-مختلفة نوعاً عن المرأة شديدة الاعتداد التي تعامل معها ...
جميلة ؟!
لا يدري كم مرة سيظل يسأل نفسه هذا السؤال !
بل والأغرب أنه -هو الصياد - لا يعرف له إلى الآن إجابة ترضيه !!
ربما لأنها المرة الأولى التي يقابل فيها امرأة يعجز عن تصنيفها ك"أنثى" بل يجدها كياناً خاصاً بذاته...
أنثى؟!
أين هذه الأنوثة ؟!
إنها حالة متأخرة من "افتقار الذوق الفني" في مظهرها !!
بلوزتها السوداء المنقطة بدوائر كبيرة خضراء ...تنورتها السوداء البالية التي لم يرها ترتدي غيرها ...
جوربها السميك الذي يبدو له الآن عبر فتحة حذائها وقد تهدلت جوانبه بمشهد مريع ...
"ياقوت رجل الغراب"!!
هكذا ابتسم والخاطر الأخير يشبهها ببطلة مسلسل شهير قبل أن يهز رأسه ليغمض عينيه عن صورتها الهزلية هذه مكتفياً بسماع صوتها وهي تقرأ ...
صوتها لم يكن ناعماً مغناجاً لكنه كان...حيّاً!!
غريب !!
هل يمكن وصف الصوت بالحياة ؟!!
نعم...إذا كان هكذا يتراقص على نغم الشعور ...يتباطأ عند عبارات بعينها كأنها تتذوق معانيها ...
ويتسارع بانفعال عند أخرى كأنه يلهث خلف إحساسه ...
حتى عندما تصمت ...كأنما تضيف للسكون وجوداً خاصاً حولها !
عجباً !
لماذا اختارت أن تعبر لعالم همسة عبر القراءة ؟!
وما نوع الكتاب الذي اختارته ؟!
لماذا لا يسأل بنفسه ؟!
تقدم بخطواته الواثقة نحو الغرفة لتهرع همسة إليه كالعادة مطوقة إياه بذراعيها ...
بينما اعتدلت ياقوت في جلستها وهي تشعر رغماً عنها بالارتباك في حضوره ...
_حمداً لله ع السلامة .
قالتها بالكثير من التحفظ وهي تلاحظ تعلق همسة الشديد به ...
ليجيبها بعينيه النافذتين وابتسامته الكارثية :
_الله يسلمك.
وقفت مكانها وعيناها الذكيتان تقرآن ملامحه باهتمام لم يقل عن اهتمامه هو الآخر بقراءتها ...
_ماكانتش سفرية موفقة قوي للأسف...رغم إني كنت ابتديت أحب ماليزيا.
قالها بلهجته الخاصة التي شابها الكثير من الضيق وهو يتذكر ما آل إليه الوضع مع ياسمين ...
لترد باعتدادها المعهود :
_انا بالعكس أعتقد إني اتوفقت هنا ...أنا وهمسة بقينا أصحاب .
قالتها وهي تضع كفها على كتف همسة التي التفتت نحوها بنظرة مشتتة ثم رفعت البيضة التي تشبثت بها أناملها لتسقط منها فتتدحرج على الأرض ...
قبل أن تمسك بكف ياقوت لتعتصره بقوة فابتسمت الأخيرة بحنان لم ينل منه انسحاب همسة بعدها ل"نداهة" عالمها التي عادت تجذبها للجلوس أمام النافذة !
هنا عادت ياقوت تربت على كتفها بينما انحنى زين يقبل رأسها قبل أن يرفع عينيه النافذتين نحو ياقوت التي جذبت حقيبتها وكتابها لتغادر ...
يلحق بها عبر حديقة القصر ليستوقفها بقوله :
_عارف إن معاد جلستك خلص بس كنت حابب أتكلم معاكِ شوية ...
ثم أشار نحو ممر جانبي للحديقة بقوله :
_تحبي نتمشى هنا ؟!
_أحب أعيش هنا!
هتفت بها العفريتة العابثة إياها وهي تتقافز بخفة بين حناياها لتكتم ابتسامتها بينما تقول بجدية تناقض تماماً خواطرها هذه :
_مفيش مشكلة...أنا كمان عايزة أتكلم معاك بخصوص همسة .
_تفتكري موضوع القراءة ده هيبقى مُجدي ؟! فكرة غريبة !
قالها بنبرة تعمد أن تكون مستفزة لامرأة باعتدادها الذي لم تخيب ظنه فيه :
_ما انتو أكيد جربتوا الطرق التانية ...جابت نتيجة ؟!
التوت شفتاه بابتسامة جانبية مستشعراً متعة نزالها الكلامي هذا ...
ليعاود سؤالها :
_اشمعنا الكتاب اللي كنتِ بتقرهولها ده ؟!
عدلت وضع نظارتها على وجهها بحركتها المعهودة لتجيبه وهي تنظر أمامها بينما تسير جواره :
_أنا حطيت نفسي مكانها ...لو أنا محبوسة في أوضة وسط بيت كبير ...إيه أكتر حاجة هابقى مفتقداها ؟!
_ممممم...الناس؟!
_ولو بخاف م الناس؟! زهدت فيهم زي ما زهدوا فيا ؟!
يصمت للحظات مفكراً ليعاود المحاولة :
_الخروج ؟! الجري؟! الهروب؟!
_ولو كان الهروب له عندي ذكرى سيئة ؟!!
سألته بحيادية لا عن تهكم فأصدر همهمة مفكرة قبل أن يهز رأسه بإشارة عاجزة ...
لتبتسم "ابتسامتها الطيبة " مع جوابها :
_هابقى مفتقدة نفسي القديمة...ذكريات طفولتي ...العالم اللطيف اللي ماشلتش فيه مسئوليات ...الخيال ...الفانتازي ...الأميرة والغابة ...الأقزام والسحر ...الحدوتة اللذيذة اللي دايما بتخلص بنهاية سعيدة مهما خوفتنا الأحداث !
ارتفع حاجباه بمزيج من إعجاب ودهشة ليسألها من جديد بحذر:
_بس انتِ كده بتعزليها أكتر !
_يمكن...ويمكن أكون بشبعها أكتر بالأمان اللي هي محتاجاه عشان تستمد القوة وتقرر هي إنها ممكن تخرج من عالمها ده ...مرض همسة مش عضوي بحت ...مش دوا وكيميا لوحدهم هيحلوه...همسة محتاجة تاخد القرار لوحدها إنها ترجع تندمج وسطنا ...واللي بعمله دلوقت إني بنزل لمستواها عشان أقدر أرفعها لمستوانا .
قالتها بنبرتها المعتدة التي شابها الآن الكثير من الحنان فابتسم ابتسامة جذابة ناسبت قوله :
_تفكير بره الصندوق ...بس نجرب ...أفهم من كده انك كنتِ بتقريلها كتاب خيالي ؟!
_رومانس فانتازي ...حكاية لطيفة م اللي بيحبوها البنات !
قالتها ببعض الاستخفاف ليرفع حاجبيه مردداً :
_البنات ؟!
وكأنها ليست منهن !!!
هذا الذي فهمته لترد عليه بنبرة محايدة :
_أنا ذوقي في القراءة مختلف .
_إزاي ؟!
سألها بفضول تملكه لتجيبه باقتضاب حاسم:
_مابحبش أتكلم عن شيئ يخصني في الشغل.
_دبش ...دبش ...دبش...خلليكي كده معنسة جنب الحاجة ثمر !
هتفت بها عفريتتها الساخطة لتدحرها مقهورة كالعادة بينما تأمل هو جانب وجهها وهو يشعر بالضيق ...
طريقتها هذه تذكره بأن هدفه الحقيقي من دخولها حياته لن يكون بهذه السهولة ...
امرأة بهذه المثالية -التي تزعمها- ربما لن توافقه على ما يريد !
لكن هل يريد هو شيئاً غير أخلاقي؟!
هو يريد إنقاذ ياسمين وابنتها من رجل مريض لا يصلح كزوج أو أب!!
لهذا صمت قليلاً يفكر ليسألها فجأة :
_لو طلبوا منك شهادة بخصوص مريض عندك ...مراته عايزة تسيبه بس خايفة ياخد منها ابنها ...توافقي تشهدي بمرضه ؟!
كان دورها لتصمت هذه المرة قبل أن تتوقف عن السير لتقف قبالته بقولها :
_أوافق!
التمعت عيناه بظفر قبل أن تصدمه باستطرادها :
_بس مش عشان أضرّه...لأ...عشان جدتي ربتني إن الست اللي ماتقفش جنب جوزها في محنته ماتستاهلوش .
أربكه منطقها للحظة قبل أن يعاود تفحص ملامحها بتشتت نال من سيطرته المعهودة ولا يدري أيهما أفقده التركيز أكثر ...
كلامها أم أثر الضوء على عينيها اللتين ظهرتا خلف نظارتها كقمرين سجينين!
كم يود الآن لو ينتزع منها نظارتها الغبية هذه كي يتمكن من النظر إليهما بحرية ...
لونهما الأخضر الفاتح الذي بدا له كروضة عذراء!
عذراء؟!
ومن جديد يسأل...
هل يجوز وصف العيون بالعذرية ؟!
نعم ...
عندما يشعر وكأن براءتهما تتخفى بعناد خلف سور ذكاء حديدي لا يقهر ...
عندما يشعر وكأن عاطفتهما لا تزال مكنونة في صندوق لم يفتحه أحد من قبل ...
وعندما تخفي أهدابهما الخجل لتلتمع حدقتاهما بألَق حماسيّ كهذا الذي رافق استطرادها :
_معرفش بتسأل ليه ...بس لو بتمتحنني أحب أقوللك إني مع حالاتي متحيزة وغير حيادية...كل حالة بعالجها بعتبرها ابني ..بنتي...أخويا...أختي ...ولأني أكتر واحدة بشهد على عذابهم بيصعب عليا إن حد تاني كمان يظلمهم.
_لو بمتحنك ...يبقى نجحتِ !
نظرة عينيه الآسرة مع لهجته المميزة التي تمزج اللطف بالهيمنة ضربت بعض حصونها لتحمر وجنتاها رغماً عنها بخجل ...
لكن اعتدادها المعهود كان لخجلها بالمرصاد فرفعت أنفها لتقول :
_نرجع لحالة همسة ...الحقيقة فيه سؤال محيرني وعايزاك تجاوبني عليه ...إيه اللي يخللي والدك يرفض يجوزها لابن أخوه ؟!وإيه اللي يخللي والدته هو ترفض برضه ؟!
أشاح بوجهه للحظات ثم عاد يواجهها ببصره مجيباً:
_من ناحية والدي كان خاطب والدته قبل عمي ....وانت طبعاً مقدرة حساسية وضع زي ده ...
أصدرت آهة تفهم وهي تهز رأسها ليردف :
_ومن ناحية تانية فروق مادية...والدي الله يرحمه كان فاكره طمعان فيه ووالدته كانت شايفة إن ابنها يستاهل واحدة طبيعية مش بظروف همسة .
التمعت عيناها بإدراك لتقول ببطء متعمد :
_وانت دلوقت رافض ارتباطهم لنفس السبب؟!
_قصدك إيه ؟!
_فلوس همسة اللي انت دلوقت الوصي عليها بطبيعة الحال !
قالتها وهي تبسط كفيها ببرود استنفر غضبه ليحمر وجهه انفعالاً مع هتافه :
_انتِ بتلمحي لإيه ؟!
_يااخواتي عليه وهو متعصب !
العفريتة إياها تعاود عبثها لكنها تتفق معها هذه المرة ...
الغضب يضفي لمسة -إنسانية- على وجهه المتصنع الذي يبدو لها دوماً شديد الكمال حد التكلف ...
وهي لم تكره شيئاً في حياتها كما تكره التكلف!
_أنا مش بلمح...ده استنتاج !
قالتها بنفس البرود لتحتقن ملامحه بالمزيد من الغضب الذي سيطر عليه بحنكة وهو يعود لوجهه المتحفظ قائلاً ببطء متعمد :
_انتِ قصدك إني طمعان في أختي !
_اثبت لي العكس!
قالتها ولاتزال تسير على درب الاستفزاز عاقدة ساعديها أمام صدرها لينعقد حاجباه بشدة وهو يتوعد اعتدادها المقيت هذا بانتقام ...
ربما هذا هو ما خفف حدة غضبه ليعقد ساعديه بدوره قائلاً ببرود مماثل:
_إزاي؟!
_تسمح لرائد يدخل دايرتها تاني .
قالتها بحزم ليهتف بها بدهشة مستنكرة :
_مستحيل ! انتِ متعرفيش بتعمل إيه لما تشوفه .
_أهي فرصة أعرف.
الاعتداد الواثق في عينيها يقابل نظرة الحنق في عينيه ...
"الصيد" هذه المرة له مذاق خاص لكن المخاطرة هنا لا تشمله وحده ...
همسة قد تتأذى!
السؤال هنا هل يمكنه الفصل بين رغبته في استكشافها ك"طريدة" وبين احتياجه لها ك"طبيبة"؟!
ضحكة ساخرة مغرورة تدوي في صدر "الصياد"...
من يمكنه الفصل إذن إن لم يكن هو ؟!
هو قادر أن يسير بها نحو النهر ويعود بها ظمآنة غير مرتوية !!
لهذا لانت نظرته نوعاً وهو يقول أخيراٌ:
_موافق ...بس أي انتكاس لها مسئوليتك.
_الحالة كلها مسئوليتي .
قالتها باعتدادها الواثق وثمة لمعة انتصار تزين حدقتيها وتثير حفيظته. ..
لماذا تبدو وكأنها كانت تتعمد استفزازه لتصل به نحو هذه النتيجة ؟!!
الخاطر الأخير أوغر صدره أكثر ليلوح بسبابته قائلاً بنبرة لم تفقد ثباتها :
_لو ده فخ فأنا وقعت فيه بمزاجي ...هاديكي فرصتك للآخر .
لكنها رفعت أنفها لتعدل وضع نظارتها من جديد ونظرة عينيها تفضح ظفراً لم يفهمه ...
هاهي ذي تفي بوعدها لرائد ...
ستجعله يرى حبيبته في النور كي يخرجها من هذه الظلمة !!!
_نكمل طريقنا بقا.
قالها زين مقاطعاً أفكارها وهو يشير نحو الممر الجانبي في الحديقة ...
كان يتعمد المعنى المزدوج الذي تحمله كلماته مندفعاً بغريزة الصياد بداخله ...
هذه الغريزة التي أرضتها حمرة خجلها فاضحة تأثرها به ...
لكنها ضربت بهذا عرض الحائط وهي تتحرك في الاتجاه العكسي عائدة لباب الخروج لتقول من خلف كتفيها :
_أنا خلصت كلامي ...لو فيه جديد هابقى أعرفك !
_عايز أحضر الجلسات اللي هتقريلها فيها .
قالها بعينين ضيقتين محاولاً تبين تفاصيل أنوثتها خلف هذه "الأشياء" التي ترتديها ...فالتفتت برأسها تسأله :
_وانت فاضي ؟!
_أفضى!
بحاجبين مرتفعين يقولها واثقة واعدة متوعدة...
لتضيق عيناها هي الأخرى محاولة قراءة دواخله ...
قبل أن تشيح بوجهها دون رد لتواصل طريقها تاركة إياه يتقلب بين جميع "وجوهه"...
"الأخ" يشعر ببعض الاطمئنان على علاج أخته...
"الرجل" يشعر بالتوجس مما ينتويه بشأن امرأة يريدها زوجة...
و"الصياد" يرتجف إثارة للكشف عن "كنز" يبدو ذا قيمة !!
ليتغلب الوجه الأخير على البقية فيضع كفيه في جيب سرواله ...
ويبتسم الصياد !
=========
_ألا تلاحظ أن خطب الشيخ كلها صارت عن الجهاد ؟!
سأله الصالح وهو يميل عليه في الجمع الذي تحلق حول الشيخ فالتفت نحوه عابد ليقول بعدائية :
_لأنه فريضة منسية هذه الأيام...انشغل المسلمون بدنياهم واكتفوا بقشور الدين متغافلين عن الغاية الحقيقية التي خلقهم الله لها .
هز الصالح رأسه موافقاً ليقول بنبرة مفكرة :
_ما الفارق بين الجهاد والإرهاب برأيك ؟!
صمت عابد قليلاً مدركاً صعوبة السؤال ليجيب الصالح نفسه بنفسه كأنه لايزال يفكر:
_هل دم المسلم هنا هو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه ؟! دم المسلم الذي هو أعظم حرمة عند الله من الكعبة ؟! إذن ...فدماء غير المسلمين حلال ؟! لا ...طبعاً لا...يستوقفني هنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل معاهداً لم يرُح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)...وفي رواية أخرى (سبعين خريفاً )...فهل يضع الشيخ هذا الأمر في حسبانه ؟! أشعر أن خطبه دائماً منقوصة ...حماسية تلعب على أوتار القلوب لكنها موجهة لعدائية لا أفهمها ولا أتفهمها .
_هو الأعلم والأدرى ونحن علينا اتباعه !
قالها عابد مدافعاً ليبتسم الصالح قائلاً بعتاب رفيق:
_أليس من العيب أن يكرمنا الله بالعقل فنقوم نحن بإلغائه هائمين على وجوهنا خلف كل مدّعٍ ؟!
_الشيخ ليس مدعياً ...هل رأيت شهاداته ؟! هل سمعت صوته في تلاوة القرآن ؟! هل رأيت خشوعه في الصلاة ودمعه الذي يغلبه ؟! لهذا يزداد أتباعه يوماً بعد يوم !
قالها عابد بنفس النبرة المدافعة لتتسع ابتسامة الصالح وهو يعود ببصره نحو الشيخ الذي كان يرمقه الآن بنظرة نافذة عبر المسافة بينهما ...
قبل أن يقول الصالح بنفس النبرة المفكرة المحايدة :
_انضممت حديثاً لحلقة أخرى يعجبني حديث شيخها أكثر ...ربما هذا ما دفعني للمقارنة ...الشيخ هناك يتقبل أسئلتي ويجيبها دون انفعال أو ضغينة ...ربما هو لا يملك قوة تأثير الشيخ هنا وطريقته المشوقة في الخطابة لكنني أظنه أقرب لقلبي ...وعقلي أيضاً .
_إذن لا تعد إلى هنا .
قالها عابد بتحفز ليلتفت نحوه الصالح بدهشة من أسلوبه المتنمر هذا بينما أردف الأول :
_لقد حذرنا الشيخ من أمثالك...يدخلون بيننا ويزعمون أنهم منا ثم يوسوس الشيطان في صدورهم ليزعزعوا ثقتنا ويقيننا ...
ثم أشاح بوجهه منهياً الحديث بقوله :
_هداك الله !
صمت الصالح وهو ينقل بصره بين عابد وبين الشيخ الذي كان لايزال يرمقه بنظرة نافذة للحظات ...
قبل أن يقف على قدميه قائلاً:
_معك حق ...سأذهب ولن أعود ...
ثم انحنى ليربت على كتفه مردفاً:
_اعتنِ بنفسك.
قالها ثم استقام بظهره ليغادر الحلقة نحو الخارج فظل عابد يراقب خروجه بوجه مستاء قبل أن يعود ببصره نحو الشيخ الذي كان ينظر إليه رغم أنه كان يجيب واحداً ممن يسألونه ...
ولم يكد الجمع ينفض حتى توجه عابد نحو الشيخ ليجلس بين يديه قائلاً بتقديس:
_أرهقوك اليوم يا شيخنا ...زادك الله علماً وفضلاً...ألا تستريح ؟!
فابتسم الشيخ وهو يقول بنبرة خاشعة :
_الراحة يا بنيّ ليست هنا ...فالدنيا سجن المؤمن ...الراحة هناك في السماء ...عندما ترى مقعدك من الجنة .
هز عابد رأسه موافقاً وعيناه ترمقان الرجل بنظرة إعجاب رافقت قوله :
_يشهد الله أني صرت أحبك كأبي يا شيخنا .
_وأنت أيضاً صرت كابني ...لهذا سأضمك لطائفة النخبة .
_النخبة؟!
_هي طائفة أضم إليها من أتوسم فيه حسن الخلق وسلامة القلب وصدق الإيمان ...
قالها الشيخ بفخر أعجب عابد الذي ابتسم ممتناً لترتجف نبرة الشيخ المؤثرة :
_لقد كبر سني وأتوسم فيكم أن تخلفوني من بعدي ...أن تكونوا عملي الذي لن ينقطع ...
_أطال الله عمرك يا شيخنا.
قالها عابد صادقاً لينشغل الشيخ بتمتمته وهو يقلب مسبحته بين أنامله للحظات سبقت قوله :
_غداً تلتقي برئيس الطائفة كي يعرفك عليهم ...لكن ليبقَ هذا سراً بيننا ...النبي صلى الله عليه وسلم يقول (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان).
هز عابد رأسه فيما يشبه الوعد ليرمقه الشيخ بنظرة محذرة :
_لن تخبر أحداً ولا حتى صديقك المتشكك ذاك.
_الصالح لن يعود للحلقة .
قالها عابد بمزيج من أسف وضيق ليرد الشيخ منفعلاً:
_مفتون ! أولئك الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.
زم عابد شفتيه بأسف حقيقي على ضلال صديقه لكن الشيخ ربت على كتفه ليقول بعينين توقدتا حماساً :
_يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"...أنت ومن مثلك أمل هذه الأمة كي تقوم من رقدتها .
=======
ابتسمت وهي تعدل وضع حجابها مباشرة قبل الدخول لغرفته في المصحة ...
تلفتت يميناً ويساراً قبل أن تزيحه للخلف قليلاً لتسحب بعضاً من خصلاته التي طالما تغزل بها ...
خاطر بائس ينتابها وهي تدرك أنها لم تعد تحل له ...
هي ؟! لم تعد تحل له هو ؟!!
هما اللذان كبرا على هذا الحب عاماً بعد عام...
كيف ينتهي بهما الحال هكذا ؟!
لكن من قال أنه انتهى؟!
ستعود تنتمي إليه وينتمي إليها فالشمس تسطع مهما أرهقنا الليل بطول تعاويذه !
لهذا أخذت نفساً عميقاً وهي تفتح الباب بابتسامة واسعة قبل أن تبحث عيناها عنه في أرجاء الغرفة حولها ...
عجباً...
أين ذهب؟!
_خرج!
الإجابة وصلتها من خلفها من الأخصائي المسئول عن علاجه لتلتفت نحوه متسائلة بقلق:
_خرج إزاي؟! ومع مين؟!
_ماعنديش تفاصيل ...ممكن تسألي المدير .
قالها وهو يهز كتفيه فارتبكت مكانها وهي لا تدري ماذا تفعل ...
هل تتصل بنشوى؟!
أم بيامن ؟!
لا!
ستتدبر الأمر بنفسها ولن تعتمد على أحد !!
لو لم تفعلها فما جدوى عذاب الأيام السابقة إذن ؟!!
لهذا تحفزت وقفتها وهي تعيد تعديل وضع حجابها لتسحبه للأمام من جديد قبل أن تتخذ طريقها للخارج نحو غرفة المدير ...
_واحد صاحبه كان بيزوره من وقت للتاني ...وامبارح خرج معاه .
قالها الرجل ببساطة حملت الكثير من الغموض الذي جعلها تهتف بانفعال:
_صاحبه مين ؟!
_أشرف ماسمحليش أقول أسماء!
_وإزاي تخليه يخرج من غير ما يبلغنا ؟!
فبسط الرجل راحتيه وهو يرد بنفس النبرة :
_هو خلاص كان اتعالج من فترة وكنت مستغرب إصراره على إنه يفضل هنا ...فلما طلب يخرج ماقدرتش أمنعه .
_إيه التسيب ده ؟! عايز تفهمني إن هو اللي طلب يخرج مع الراجل ده ؟! إزاي وهو كان رافض الكلام أصلاً ؟!
هتفت بها بحدة وهي تقوم من جلستها أمام مكتبه لكن الرجل بدا شديد البرود مع ثورتها هذه :
_انتِ قلتيها بنفسك...كان رافض الكلام وخلاص اتكلم وطلب نخرجه ...أسيبه هنا ليه ؟!
دمعت عيناها رغماً عنها وهي تشعر بالعجز لتهتف بين شهقات بكائها :
_أرجوك قوللي خرج مع مين ...صاحبه ده اسمه إيه ؟!
لكن الرجل هز رأسه ليقول بتعاطف :
_آسف جداً معنديش أي معلومات .
_أنا هاخرب بيتكم لو مالقيتش أشرف...هارفع عليكم قضية وهاضيع سمعتكم في كل حتة .
صرخت بها فجأة بنبرة حادة مناقضة تماماً لمظهرها الباكي ...
قبل أن تخرج مندفعة من مكتبه ولا تدري أين تبحث عنه ...
لماذا فعل هذا ؟!
وأين عساه يكون الآن ؟!
ومن صديقه هذا ؟!
هذه التساؤلات التي ظلت تؤرقها حتى تشاركتها مع نشوى وهي تخبرها عن الأمر ...
ولم تكد الأخيرة تستمع منها للتفاصيل حتى هتفت بجزع:
_نعرف منين إنه صاحبه ؟! انتِ عارفة إن أشرف لسه مطلوب للشهادة في قضية المصنع وقتل اللي اسمها سيدة دي ؟! مين عارف هو مخبي إيه يخلليهم ممكن يحاولوا...
قطعت عبارتها برعب شاركته فيه رانيا التي عجزت قدماها عن حملها لتسقط منهارة على أقرب كرسي ...
الدماء تنسحب من وجهها ولا تدري أي مجهول تخبئه لها الأيام القادمة...
=========
_عاجبك التمرين في الشركة ؟!
قالها حسين بحنانه الوقور الظاهر لتجيبه شوشو الجالسة أمام مكتبه بارتباك خجول:
_جداً يا عمو ...بتعلم حاجات جديدة تفيدني...وبيعاملوني كويس قوي هنا .
_ما انا موصيهم عليكي.
قالها بعينين ملتمعتين وهو يراقب ما ظهر من رقبتها خلف ياقة قميصها مسترجعاً ما عرفه عنها ...
فتاة متوسطة الحال تسكن مع والدتها بعد وفاة والدها في حي بسيط ...
لقمة سائغة وهو حقاً ...يشتهيها !!
_متشكرة جداً لحضرتك ...هيثم كان دايماً يقول أد إيه حضرتك أب هايل ...بس ماصدقتش غير لما شفت.
شعر ببعض الخطر عندما أتت على ذكر هيثم لهذا سألها بحذر:
_هو انتِ وهيثم صحاب قوي كده ؟!
_لا لا أبداً ...مجرد زمايل ...بس كلنا عارفين عنه ده.
قالتها متذكرة وصية هيثم لها لتلين ملامح حسين نوعاً وهو يعيد تفحصها ليسألها مراوغاً:
_وهو عامل إيه في دراسته ؟! بيذاكر واللا واحدة من إياهم ضاحكة عليه ؟!
_لا لا خالص ...أنا بشوفه من بعيد دايماً في حاله ...ماتقلقش عليه يا عمو .
قالتها بلهجتها المندفعة التي تفضح طبيعة ساذجة ليرد بابتسامة :
_عظيم...عظيم...أنا كده هافضل مطمن عليه مادام واحدة محترمة وبأخلاقك بتشكر فيه .
ابتسامة فخور تتوج شفتيها الجميلتين وتثير نيرانه هو أكثر ليميل بجذعه للأمام مستنداً على سطح مكتبه بقوله :
_تشربي إيه ؟!
_ولا حاجة...ميرسي جداً!
_أطلب لك أنا؟!
سألها مقرناً قوله بفعله لتأتي مساعدته بعد دقائق حاملة لها الكوب الذي وضعته أمامها على سطح المكتب قبل أن تغادر بينما يقول هو برقته الخادعة :
_هوت شوكليت مناسب جداً في الجو ده .
_شكراً.
قالتها بنفس الارتباك الخجول وهي تتناول الكوب لتشرب قبل أن يصلها صوته الذي حمل الآن نبرة حزن:
_الواحد حاسس إنه خلاص ...قلبه ماعادش مستحمل ...الناس بتحسده ع اللي هو فيه ومش حاسين بألمه اللي بيخبيه .
قالها وهو يضع كفه على صدره بحركة تمثيلية جعلتها تهتف بسذاجتها وهي تعيد الكوب لسطح المكتب:
_بعد الشر عنك يا عمو .
رمق الكوب بنظرة عابرة وهو يحكم خيوط ما ينتويه ليرد ببؤس مصطنع:
_بيت كبير بس فاضي ...زوجة كل همها شكلها والناس ...ابني الكبير تقريباً هاجر وسابنا ...والصغير أهه بحس إني بشحت منه الكلام ...طول الوقت حاسس إني لوحدي .
تجلى الإشفاق في ملامحها وهي لا تدري بماذا ترد ليبتسم هو بتكلف مردفاً:
_معلش دوشتك...مش عارف ليه حكيتلك كل ده ...بس حقيقي ارتحتلك .
ابتسمت وهي تشعر بقرب انتصارها -المرجو- ليلوح هو بذراعه في حركة بدت عفوية لكنها أسقطت الكوب بمحتوياته على تنورتها!
قفزت واقفة بشهقة عالية بينما هتف هو بقلق مصطنع:
_انتِ كويسة ؟! كان سخن ؟!
_لا مش قوي ...ال"جيبة" بس ؟؟
قالتها مشيرة لتنورتها فهتف باستياء:
_أنا آسف فعلاً ...معلش ...ممكن تغسليها هنا في الحمام اللي جوه .
_خير خير ...ماحصلش حاجة ...هامسحها بشوية مية...
قالتها وهي تتوجه نحو الحمام الملحق بمكتبه ليزداد بريق عينيه وهو يتابعها للحظات ...
قبل أن يقوم من مكانه ليلحق بها هناك...
ويغلق الباب خلفه !
=======
_هي قعدة مصر علمتك الخيابة ؟! ما تعجني عِدِل يا دكتورة !
هتفت بها الحاجة ثمر تخاطب ياقوت التي جلست أمامها متربعة على الأرض تحاول عجن الطحين هاتفة :
_وأنا هاعمله كله لوحدي والست لجين نايمة ؟!
_هي طبخت المحشي وظهرها اتقطم فيه ...اعجني وانتِ ساكتة .
هتفت بها المرأة بتذمر لتبتسم ياقوت بشرود وهي تعود لما تفعله ...
_وانت فاضي؟!
_أفضى.
بصوته الفخم ذي اللكنة المميزة تكاد تسمعها فتعاود أجراس الحلم الدق بروحها موقظة فرحة الأعياد ...
مجرد رؤيته صارت تسعدها ...تعيد بث الأمل الذي ظنته لن يكون ...
لا...لم يخنها ذكاؤها لتدرك أنه لا يحبها كامرأة...
لكنها لا تغفل عن نظرات الإعجاب في عينيه...
مع نظرة أخرى غريبة تستشعرها ولا تفهمها ...
نظرة تمزج غضباً دفيناً بتحدٍّ مشتعل !
نظرة تود لو تفهمها ...لو ....
_اللي واخد عقلك !
قاطعت بها جدتها أفكارها لترتجف ابتسامتها وحمرة وجنتيها تفضح للمرأة أمامها خبيئة صدرها فأصدرت ثمر همهمة خافتة قبل أن تردف :
_الحكاية فيها جدع !
اتسعت عينا ياقوت في اعتراف غير صريح لتجدّ يداها في العجن بسرعة أكبر قبل أن تطرق برأسها دون رد ...
_النور قطع يا ستنا !
هتفت بها ياقوت فجأة عندما أظلمت الدنيا حولها لترد الجدة بسرعة :
_وطي صوتك عشان المطيورة أوبرا ما تصحاش...دي بتترعب من خيالها .
ابتسمت ياقوت وهي تجد في هذا مخرجاً لها من استجواب الجدة التي وقفت مكانها ببعض العسر المتوقع من امرأة بسنها لتتجه نحو نافذة البيت التي فتحتها ليبزغ منها ضوء القمر فينير صالة البيت كلها ...
_قومي اغسلي إيدك وتعالي نطلع ع السطوح ...القمر الليلة بدر ..."ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ".
اتسعت ابتسامة ياقوت دون تعجب فقد اعتادت أدعية ثمر التي لا تكاد تفارق لسانها ...
قبل أن تقوم لتغسل يديها كما أمرتها الجدة لتلحق بها نحو سطح البيت الذي حوى غرفة صغيرة لتربية الطيور ...
هذه التي فرشت أمامها سجادة صغيرة جلست كلتاهما فوقها تراقبان القمر الذي بدا صحواً مفتخراً برونقه في سماء أظلمت دونه...
_حكايتك إيه يا بنت أشواق؟!
آه...لقد عاد الاستجواب!
وبأكثر الطرق مباشرة !!
ثمر تدعوها دوماً "بالدكتورة" لكن "بنت أشواق" هذه تعني عتاباً خفياً يمتزج بخوف مشفق ...
عندما تخطئ...عندما تضعف ...وعندما تفعل ما يجعلها تخاف عليها تكون حينها "بنت أشواق"!!
لهذا تلمست أناملها مكان قطعة العشر جنيهات من فوق ملابسها لترد ببعض الخزي:
_مفيش يا ستنا.
لكن الجدة هزت رأسها وهي تربع ساقيها لتنظر نحو القمر قائلة :
_شكلك لقيتِ ابن السلاطين اللي قلبك غاويه .
فاحمرت وجنتا ياقوت وهي تقترب منها لتستلقي على ظهرها واضعة رأسها في حجرها بجلستهما المعهودة ...
ثم وجهت بصرها شطر القمر مثلها قائلة :
_انتِ عارفة إني عمري ما أعمل حاجة غلط...بس غصب عني ...مشدودة .
_البيه اللي بتعالجي أخته واللا الدكتور اللي طلق مراته ؟!
لم تخبرها ياقوت عن هوية يامن الحقيقية احتراماً لسرية مرضاها ...
لكنها كانت تخبرها بعض التفاصيل العامة عن كل حالة تتعامل معها ...
لا...ليس من باب الثرثرة الفارغة ...
لكنها كانت تشعر بأمان غريب عندما تشارك ثمر أعباء حملها ...
أجل ...مهما كبرت ستظل طفلة تتلمس في جلباب جدتها الأمان ...
خاصة مع مهنة كمهنتها تتعامل فيها مع ضغوط نفسية كبيرة وتحتاج لمن تفرغ لديه انفعالاتها بعد كل تجربة تخوضها ...
لكن الغريب أن الجدة قد لاحظت أن هاتين الحالتين بالذات تحظيان باهتمام خاص لديها ...
غريب؟!
لا غريب مع شفافية ثمر وقراءتها لدواخلها هي وشقيقتها ...
فلماذا العجب؟!!
لهذا تنهدت بحرارة وهي تقول باعتراف شبه صريح:
_اللي طلق مراته رجعها .
_مممم... يبقى التاني .
قالتها الجدة بهمهمة تذمر لم تخفَ على أذني ياقوت التي رفعت عينيها إليها لتقول بتمنٍّ راجٍ :
_تعرفي يا ستنا ؟! هو ده بالضبط اللي حلمت بيه ... هو ده اللي هيعوض صبر السنين اللي فاتت ...اللي هيرفع راسي وراسك وسط أهل البلد ويخللي حسين رجائي يعرف إن بنت الخدامة خدت واحد أحسن منه.
اقشعر جسد ثمر كعهدها كلما يذكر اسم حسين هذا لتزدرد ريقها وهي تتمتم بشيئ ما بدا كدعاء قبل أن تمتد أناملها لتداعب شعر ياقوت بقولها :
_الناس دول البعد عنهم غنيمة...اللي زيهم ما يبصوش للي زينا إلا بنظرة واحدة ما بتتغيرش ...حاسبي على قلبك يا "بنت أشواق"...حاوطي عليه كما الطير اللي بيحاوط على ولاده...قلبك ده هو راس مالك ...هو اللي لازم تحافظي عليه للي يستاهله...اللي زينا ماحداهمش مال ولا عزوة ...ما نملكش غير شرفنا وسيرتنا الطيبة ...اوعاكي تسمعي لكلام الحكاوي وان ابن الذوات هيحب بنت الفقرا ...دول توب غير توبنا ...مَية وزيت ما بيتخلطوش أبداً .
لا تزال ترى في كلام جدتها الكثير من التطرف لهذا ترد بانفعال:
_بس أنا مش بنت فقرا ...أنا أبويا غني ...وحتى لو مش معترف بينا ...أنا دكتورة وشاطرة وبكسب من شغلي ...الناس كلها بتشهد لي ...أنا مش قليلة.
_انتِ مش قليلة بس العيب في العين اللي بتشوف ...وعنيهم مش هتشوفك غير بنت أشواق ...الخدامة اللي غواها سيدها .
_ليه كده يا ستنا؟!
هتفت بها باستنكار وهي تقوم من جلستها ليعلو وجيب خفقاتها مع استطرادها اللاهث:
_ليه دايماً تفكريني بالقسوة دي؟!
_عشان لو نسيتي هتضيعي زي ما هي ضاعت !
قالتها ثمر بألم شق طريقه وسط أخاديد وجهها لتردف بشرود وكأنها تستعرض الأمس بظلمته :
_أمك كانت زيك كده ...كانت فاكرة إن جمالها هيفتح لها أبواب الدنيا المقفولة...هيقرب البعيد ويخلليها تضوي زي نجمة في السما ...قربت ومدت رجليها تلمس مية البحر وقالت بعرف أعوم...التيار سحبها وغرقت من غير دية...وياريتها غرقت وحدها ...دي سحبتنا كلها وياها !
تكاثفت الدموع في عيني ياقوت لتجد نفسها تعاود الاستلقاء في حجر جدتها وكأنها تحتمي به وسط هذه الظلمة كلها ...
حتى القمر توارى الآن خلف بعض الغيوم وكأنه يشاركها خوفها وقلقها ...
فتنهدت بعمق وهي تغمض عينيها لتقول لها بنبرة حالمة تشبه الدعاء:
_قصتي مش هتبقى زيها ...أنا غيرها ...
_كل اللي وقعوا كانوا فاكرين نفسهم أذكى م اللي قبليهم...ساعة القدر يعمى البصر ...ويعمى القلب ...خديها نصيحة مني يا بنت أشواق...حواديت القلب غدارة واللي يمشي وراها يتوه .
قالتها ثمر وهي تداعب منابت شعرها بقوة رفيقة كأنما تود غرس كلماتها هذه في رأسها الذي تدرك حدة عناده ...
قبل أن تردف بنبرة أقوى:
_ماتعلقيش قلبك باللي مش ليه ...وجع القلوب مش بالساهل يتداوى.
هنا سطعت الأضواء حولهم فجأة من البيوت المجاورة لتتكلف ياقوت ابتسامة وهي تتناول كف ثمر لتقبله بحب قبل أن تعتدل مكانها لتقف هاربة من المناقشة :
_النور جه ...أنزل بقا أكمل عجن ...عندنا عجوة للقُرَص؟!
ابتسمت ثمر مدركة حيلتها للتهرب منها قبل أن تهز رأسها لتقول بنبرة ذات مغزى منهية الحوار:
_عندنا الخير كله ...بس نرضى بقليلنا.
=======
انتهى الفصل السابع
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سينابون
القطعة السادسة
=======
_باباك شكله كيوت قوي ...اللي يشوفه ما يديلوش سنه أبداً!
هتفت بها شوشو بانبهار بينما تقف جوار هيثم في حديقة بيتهم حيث الحفل الذي أقامه حسين رجائي ...
ليلتفت نحوها وهو يعدل ياقة قميصه قائلاً بمكر:
_طالعلي!
ضحكت بطيبة تزيد تميزها في عينيه قبل أن تتحرك عيناها في المكان مراقبة الوجوه بتفحص مع تساؤلها :
_فين مامتك ؟!
_جيلان هانم لازم تبقى آخر واحدة تنزل الحفلة...عشان العيون كلها تبقى مترصداها هي وبس ...دي سياسة عليا لا تتغير .
قالها بمرحه المعهود وهو يتناول كأساً من العصير من أحد السقاة الذين يدورون في الحديقة دون كلل ...
قبل أن يناوله لها مردفاً :
_بقية الشلة على وصول ...مش عايز حسين ياخد باله إن فيه بيننا حاجة...ده نمس وبيقفشها وهي طايرة...
_ياسلام! وإيه المشكلة لما يعرف يعني؟! تصدق انك فعلاً سخيف؟!
هتفت بها بغضبها الطفولي المعهود الذي يجيد هو احتواءه كما الآن :
_افهمي يا بنتي ...أنا مش عايز الموضوع يدخل في سكة رسميات من دلوقت...اتعرفوا الأول طبيعي وبعدين ربك يكرم .
لكن عينيها دمعتا وهي ترد بعفويتها :
_لو كنت واخد الموضوع جد ما كنتش قلت كده ...بس انت مش عايز تورط نفسك عشان لسه مش واثق من مشاعرك ناحيتي ...أنا مش عبيطة.
واللهجة التي نطقت بها عبارتها الأخيرة كانت وحدها كفيلة لتأكيد "العكس"!
لهذا ابتسم وهو يقترب منها خطوة ليقول بجدية تامة هذه المرة :
_أنا بحترمك يا شوشو ...وعارف قيمة كلمة بحبك لما تتقال ...عشان كده مش عايز أتسرع وأظلمك معايا ...خللينا ندي كل حاجة وقتها .
أشاحت بوجهها دون رد ليقترب منها خطوة أخرى مردفاً بنبرة عاد إليها مرحها :
_طب بذمتك كنتِ هتآمنيلي لو قلتلك إني بحبك وأنا من كام يوم بس كنت بقول إني بحب داليا ؟! إيه فاتحها مساكن شعبية ؟!
ضحكت رغماً عنها لتضع كفها على شفتيها فابتسم وهو يغمزها بقوله :
_أيوه كده اضحك يا "سكر"...
ثم تلفت نحو ناحية ما ليردف :
_الشلة وصلت ...هاجيبهم واجي .
تابعته ببصرها بنظرات هائمة قبل أن تحيد عيناها نحو والده الذي كان يبدو لطيفاً حقاً بضحكته التي لم تفارق وجهه بينما يحادث أصدقاءه...
ترى كيف يفكر رجل كهذا؟!
وهل سيقبل بها زوجة لابنه لو حدثه عنها مع الفارق الاجتماعي بينهما ؟!!
وهل سيفعلها هيثم حقاً أم أن مشاعره المتذبذبة نحوها لن تصل لهذه الدرجة ؟!!
والأهم...هل سيكون...؟!
انقطعت أفكارها عندما فوجئت به يبادلها النظر !
أجل...حسين رجائ نفسه !!
أه ...تباً!
هل انتبه لنظرتها الطويلة نحوه ؟!
عضت شفتها بارتباك فضحته ملامحها وهي تطرق برأسها ...
بينما ظل هو يتفحصها لثوانٍ ...
من هذه الفاتنة ؟!
هو لا يذكر أنه رآها من قبل؟!
كم تبدو شهية ببراءتها الناضحة في ملامحها هذه ؟!
هذا السن يروقه كثيراً رغم أنه يشتاق أحياناً ل"ذوات الخبرة" ...
لكن متعة "القطفة الأولى" لا تضاهيها متعة !
متى كانت آخر علاقة دخل بها ؟!
منذ ثلاثة أشهر!
كثير جداً لرجل متطلب مثله ...
يبدو أنه الوقت ...للمزيد من اللهو!
لهذا تقدم نحو هذه المرتبكة التي تكاد تغرق في خجلها ليرسم على شفتيه ابتسامة مدروسة مع قوله برقته الخادعة :
_أول مرة أشوفك هنا ...ممكن نتعرف؟!
أزاحت خصلة جانبية من شعرها خلف أذنها لتجيبه بتلعثم :
_هيثم عزمني...زميلي في الكلية ...الباقيين جايين ...
اتسعت ابتسامته الظافرة وهو يشعر بارتباكها يزيد من استجابة جسده الحسية لها ...
عيناه الخبيرتان تدوران على جسدها بتفحص أرضاه ليقول بنفس النبرة الخادعة :
_الناس لما بتتعرف أول حاجة بتقولها الاسم .
ضحكت بخجل عفوي زاد من حمرة وجنتيها وهي ترفع عينيها نحوه قائلة :
_آسفة يا عمو ...أنا شوشو .
ارتفع حاجباه وهو يردد الاسم بلكنة خاصة ليردف بعينين لامعتين:
_وده برضه مش اسم...طب خلليني أخمن ...شيماء واللا شهيرة واللا شويكار مثلاً ؟!
_شهد.
قالتها بنبرة خافتة لتدور بعينيها بحثاً عن هيثم الذي انخرط في المزاح مع رفاقه هناك ...لتردف بنفس التلعثم :
_بس كلهم بينادوني شوشو ...قليل قوي اللي يعرفوا اسمي .
_مع إنه جميل ...ليه مخبياه ؟!
قالها مستدرجاً ولازالت عيناه العابثتان تمنحانه تقارير مُرضية ...
لتجيبه بضحكة خافتة :
_مش مخبياه ولا حاجة يا عمو ...هي جت كده .
_وانتِ بقا مع هيثم في نفس الدفعة ؟!
_سقطت سنة فهو سبقني .
قالتها ببعض الخزي فأصدر همهمة خافتة ثم بدل لهجته لأخرى يدرك تأثيرها خاصة مع ما شابها من وقار:
_بصراحة أنا استريحتلك ...وعايز أبقى أطمن منك على هيثم...انتِ عارفة الشباب في السن ده بيبقوا خطر وممكن يأذوا نفسهم من غير ما يحسوا ...أنا اتعاملت مع ناس كتير وأقدر أميز البني آدم اللي قدامي ...وعشان كده حاسس إني ممكن أثق فيكي.
_شكراً يا عمو ...بس ما تقلقش على هيثم خالص ...ده ممتاز جداً .
هتفت بها بحماسة طفولية وكأنما تلقت هدية عظيمة بمديحه السابق فابتسم ابتسامة هادئة وهو يسألها:
_ما بتفكريش تتدربي في أي مكان عشان تلاقي شغل بسهولة أول ما تتخرجي؟!
فغرت فاها بما منحه انطباعاً أنها لم تفكر في الأمر من قبل ...
لتتسع ابتسامته وهو يرسم الطيبة الخادعة أكثر:
_لو فكّرتي معنديش مانع تتدربي عندنا في الشركة .
_يا خبر! ده شرف ليا يا عمو ...بجد ...حضرتك ...
هتافها المتلعثم قاطعه وصول هيثم الذي هتف بمرحه المعهود :
_ده انتِ قابلتِ "البيج بوسّ" بقا !
_زميلتك لطيفة قوي .
قالها حسين بنبرة محايدة وهو يتفحص باقي أفراد شلة هيثم الذين تجمهروا حولهم...
ورغم أنها حوت بعض الفتيات لكنه عاد لاختياره الأول ...
"لعبة لطيفة" اعتاد الفوز فيها دون أن يورط نفسه في مشاكل ...
لعبة يحتاجها هذه الأيام بالذات كي يفرغ فيها توتره ...
لهذا منحها هي نظرة خاصة قبل أن تتوجه الأنظار جميعها نحو المرأة التي ظهرت أخيراً بثوب يخطف الأبصار ...
_جيلان هانم وصلت .
قالها هيثم باعتزاز وهو يراقب كيف ترك والده الجميع ليهرع إليها كما عادته ...
قبل أن يميل على أذن شوشو هامساً:
_كل ستات الحفلة بيحسدوها عليه ...شفتي ساب الدنيا كلها وماسك إيدها إزاي .
فرفعت إليه عينيها العاتبتين بهمسها:
_ربنا يوعدنا بواحد زيه .
ضحك ضحكة خافتة وهو يعاود الهمس المشاكس:
_هيوعدك بس انتِ اخلصي النية كده واصبري شوية .
فابتسمت بخجل فضح عاطفتها القوية نحوه قبل أن تطرق برأسها وهي تشعر أن القدر منحها فرصتها لتقترب من هذه العائلة أكثر ...
لو صدق والد هيثم في عرضه فستكون خطوة جديدة في توثيق علاقتها به.
كانت هذه فكرتها التي منحتها الكثير من السعادة والأمل ...
وليتنا ندرك أن الأمور كثيراً ما تبدو لنا على غير طبيعتها قبل أن نتعلم الدرس بأقسى طريقة !
========
_هو المكان مفيش فيه غير بنات ؟!
هتفت بها داليا أخيراً وهي تقاوم شعوراً بالضيق بداخلها منذ قدمت معه إلى مقر الجمعية هذا لترى تجمع الفتيات حوله !!
صحيحٌ أنهن لم يتجاوزن الحد معه لكن الاهتمام والمرح الذي ساد حواراتهن معه جعلها لا تملك ضيقها الطفولي هذا ...
لهذا انتظرت انفضاضهن من حوله لتعبر عما رأته "مجرد ملحوظة"!!
هذا الذي لم يفهمه مروان وهو يعقد ساعديه أمام صدره ليقول من بين أسنانه :
_وانتِ عايزة رجالة ليه ؟! حضرتك قلتيلي جاية هنا تعملي إيه بالضبط؟!
اضطربت ملامحها وهي ترى المعنى الذي وصله مناقضاً تماماً لما تشعر به ...خاصة عندما أردف بنبرته الفظة :
_هنا مش رحلة ولا نادي صحوبية ...هنا ناس بتشتغل عشان غيرها ...أغلب اللي في المقر هنا بنات عشان بنوفر الرجالة للمشاوير الخارجية ...وأنا دوري أقسم الشغل ...وعموماً ده أول يوم ليكي هنا ولو مش عاجبك النظام ممكن تنسحبي .
مطت شفتيها باستياء وهي تراه يتصرف معها على عكس ما توقعت تماماً !
لقد كانت تخشى أن يسيئ فهم مبادرتها هذه ليحاول اجتذاب ودها كي تقبل عرضاً سبقت رفضه ...
لكنه على العكس يعاملها بطريقة جافة تماماً !
الغريب أنها لم تكن طريقته عندما كان يحادث الفتيات منذ قليل ...
بل كان يتباسط معهن بابتساماته وحواراته المتفهمة...
وهنّ كن يعاملنه كأنه ملَك هبط عليهن من السماء...
عجباً!
هل رأيْنَ منه ما لم تره هي ؟!
أم هن -الفاسد ذوقهنّ - في الرجال؟!!
تجاهلت أفكارها الضائقة وهي ترفع رأسها نحوها تناطحه فظاظة بفظاظة :
_ده مش بيتك عشان تطردني منه.
كتم ابتسامته بصعوبة وهو يشعر بمتعة استفزازها تفوق متعة استرضائها !!
لم تخفَ عليه نظرة ضيقها وهي ترى اهتمامه بسائر الفتيات مع تجاهله لها ...
ورغم أنه كان يدرك أنها غيرة طفولية لا تعني مشاعر خاصة له بل مجرد طبعها التملكي الخاص ...
لكنه كان راضياً بهذا ك"بداية"!
_أولاً ...أنا ماطردتكيش ...أنا بأكد لك بس حريتك في الاختيار لو مش عاجبك المكان...وثانياً...ده لو بيتي أصلاً...
قطع عبارته عامداً ليرمقها بنظرة طويلة أساءت هي فهمها لتشيح بوجهها قائلة بوجوم:
_ما كملتش ليه ؟!...لو بيتك أصلاً مش هتخليني أدخله ...
_لا ...مش هاسمحلك تخرجي منه أبداً يا غبية !
هتف بها في نفسه- سراً - ليتجاهل كل هذا ويغير الموضوع بقوله :
_المعونات كلها بتتجمع هنا ...هدوم وأدوية وغطا ...بنقسم بعض مجموعات ونفرز الحاجة ...ومعانا كشوفات بأسماء الناس المحتاجة وعناوينهم عشان بعضهم بنوصلهاله لحد البيت ...الناس اللي عندها خبرة علمية هنا بيمسكوا الأدوية يفرزوها حسب استخدامها ...أفتكر الدور المناسب ليكي هو فرز الهدوم ...هتقسميهم حسب السن ...مناسبة ليكي الحكاية دي؟!
أومأت برأسها ببعض الحماس الذي اخترق وجومها فأشار لها كي تتبعه نحو غرفة كبيرة حوت عدداً ضخماً من الأكياس التي تكدست فوق بعضها ...
هل المطلوب منها أن تفضها جميعاً لتفرز محتوياتها ؟!
_ع اليمين ...حاجة الأطفال ...وع الشمال حاجة كبار السن ...وفي النص اللي بينهم ...انتِ هتمسكي الجزء الحريمي بس ...و أي حاجة رجالي تقابلك سيبيها هننقلها الأوضة التانية !
قالها بحزم رفيق ليردف وهو يتلفت حوله :
_هانده (...)و(.....) يساعدوكي...عشان نخلص بسرعة.
قالها ذاكراً اسمي فتاتين من اللائي كنّ يتحدثن معه منذ قليل لتهتف هي بسرعة :
_لا ...هاشتغل لوحدي.
كاد يهتف بالرفض مشفقاً عليها لكنه صمت لحظة ليقول بينما يبسط كفيه:
_براحتك !
قالها ثم أعطاها ظهره ليغادر الغرفة ويتركها وحدها وسط المهمة التي اختارتها ...
الحماس الذي انتابها جعلها تمارس العمل بنشاط أفرغت فيه كل طاقتها ...
ورغم برودة الجو لكنها كانت تشعر بدفء غريب يغمرها ...
الملابس لم تكن كلها قديمة مهترئة كما توقعت ...بل إن معظمها كان بحالة جيدة حقاً بل والبعض منها كان جديداً تماماً بغلافه !
شعورها بأنها جزء من هذه الحلقة التي تنقل الخير من يد ليد ...
بأنها سترسم ابتسامة على وجه أحدهم...
بأنها أخيراً خرجت من دائرة "الأنا" لتشبك أصابعها مع أصابع أخرى كي تكتمل دائرة العطاء ...
هذا الإحساس الذي ضخ الأدرينالين ضخاً في عروقها فلم تنتبه لمرور الوقت إلا عندما سمعت صوته هو خلفها:
_كفاية كده النهارده ...يامن منبه عليا ما تتأخريش عن تسعة .
تأوهت بإرهاق حقيقي حاولت مداراته بقولها لمجرد الاعتراض:
_لسه بدري!
_كملي بكرة.
قالها مبتسماً بعينين فاضتا بحنانه وهو يلمس مدى حماستها ...
ويبدو أن ابتسامته "النادرة" هذه لها قد عنت لها الكثير ،لهذا لم تناقشه أكثر وهي تتحرك لتسير خارج الغرفة قائلة بحماس:
_هاقنع يامن يجيبلي عربية قريب ...ساعتها ممكن أساعدكم في توصيل الحاجات كمان ...صح؟!
اتسعت ابتسامته وهو يقول لها متذكراً طباع صديقه :
_اقنعي يامن الأول وبعدين نتفاهم.
ولم يكد يتفوه بها حتى لفت انتباههما صوت هطول المطر من الخارج فمطت هي شفتيها بينما تتناول هاتفها قائلة :
_السواق أجازة الأسبوع ده ...هاضطر أطلب أوبر أو كريم .
لكنه تحرك خطوة نحوها ليقول منتهزاً الفرصة :
_لا أنا هاوصللك .
حاولت الاعتراض لكنه حسم الأمر بقوله :
_يامن مسافر وموصيني أبقى مكانه معاكم ...ياللا عشان ما نتأخرش أكتر من كده .
قالها ثم أشار للباقين إشارة تحية مودعة قبل أن يتحرك جوارها ليهبطا الدرج متجهين نحو سيارته...
لم تكن المرة الأولى التي تستقل فيها سيارته لكنها كانت ترغب في نسيان تلك المرة السابقة حقاً ...
يالله !!
لقد ضبطها ليلتها تخرج من ملهى ليلي ...
لو ظن بها الظنون فلن تلومه !!
_بردانة ؟!
قالها وهو يلاحظ حركة كفيها اللذين تفركهما بتوتر بينما تأخذ مكانها جواره لتجيبه بارتباك أججته ذكرياتها المشينة :
_ممكن تشغل التكييف؟!
_لا!
قالها وهو يتحرك بالسيارة ليردف دون أن ينظر إليها:
_التكييف هيدفيكي دلوقت بس ممكن تتعبي لما تخرجي من العربية...هو انتِ دايماً كده بتبصي تحت رجليكي بس؟!
لم تكن لهجته فظة أو عاتبة بل كانت للحنان المراعي أقرب لكن شعورها الداخلي بالخزي هو ما جعلها تتلقاها بحساسية لتهتف بعينين دامعتين :
_وانت دايماً كده عايز تطلعني غلطانة وخلاص؟!
ارتفع حاجباه بدهشة للحظة من هجومها المفاجئ ...
لكن رؤية عينيها الدامعتين جعلته يرقق نبرته ليقول بهدوء:
_أنا آسف ...هاسكت خالص لحد ما نوصل .
قالها وهو يشعر بالحنق من موقفهما الذي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم ...
حنق ازدادت وتيرته وهو يراها تتناول هاتفها ليستنتج بحدسه ما ستفعله خاصة عندما اهتز هاتفه هو في جيبه معلناً عن وصول رسالة !
هوسها ب"العاشق المجهول" يعميها عن رؤيته هو!
كيف يجد له مكاناً في قلبها إذا كانت تملأه فقط بصورة حبيب خيالي حتى لو كان هو نفسه ؟!!
الحل؟!!
الحل أن يختفي "العاشق المجهول" مؤقتاً حتى يستطيع هو أخذ فرصته كاملة !
لهذا أخذ قراراً عزم على تنفيذه عقب عودته للبيت ...
عندما قاطعته هي بسؤالها الذي اخترق الصمت أخيراً :
_عرفت منين إني بحب اللبن بالفراولة مش بالشيكولاتة ؟!
قالتها وهي تتذكر دخول أحد العاملين عليها في الغرفة منذ قليل بعلبة من اللبن المعلب بطعم الفراولة ...بينما حصل الباقون على طعم الشيكولاتة ...
ملاحظة كانت لتمرّ لولا قول العامل لها بثرثرة غير مقصودة :
_دكتور مروان قاللي أجيبلك انتِ من ده .
_يمكن صدفة!
قالها مقتضبة بابتسامة ملتوية فتأملت جانب وجهه المجاور لها بتفحص لتبتسم بخجل مع سؤالها:
_هو يامن بيتكلم عني كتير معاك ؟!
_ده اللي ربنا هداكِ ليه يا "ترعة المفهومية"؟!!
هتف بها ساخراً -في سره - وهو يدرك أنها لو فكرت قليلاً فقط فستدرك شخصيته السرية بسهولة...
لكن يبدو أن نفورها منه كبيرٌ حد أنها لا تستطيع الاقتراب من هذه الفكرة أساساً ...
لهذا تنهد بضيق حقيقي وهو يقول بنفس الاقتضاب:
_يعني...مش قوي!
انكمشت مكانها وهي تشعر أنها حقيقة لا تفهم هذا الرجل !
مشاعرها المتخبطة نحوه تربكها...
والأكثر إرباكاً أنها لا تفهم حقيقة مشاعره هو نحوها ...
إذا كان معجباً بها فلماذا يعاملها بهذه الطريقة التي تغلب فظاظتها رفقها ؟!
وإذا كان يحتقرها بعدما رأى من عيوبها فلماذا يتغمدها بهذا اللطف الذي يفصح عن نفسه في لحظات قليلة...لكنها حقاً مؤثرة !
لهذا أشاحت بوجهها نحو النافذة تراقب المطر في الطريق بشرود ...
لعل الصمت أسلم !
قرار لم تصمد أمامه لثوانٍ أمام طبيعتها الثرثارة كالعادة لتجد نفسها تقول دون أن تنظر إليه :
_ناس كتير تتمنى تخرج وتمشي في الجو ده ...بس أنا عكسهم...أول ما الدنيا تشتي قلبي بيتقبض ...بحس إن فيه حاجة حلوة خلصت وحاجة وحشة هتحصل ...كأن السما بتعيط والدنيا كلها حواليها زعلانة...
ثم ضحكت ضحكة طبيعية لم تتكلفها وهي تردف وكأنما تحدث نفسها:
_المفروض عشان البنت تكون "كيوت" تبقا بتحب الشتا وصوت فيروز مع فنجان قهوة ...بس أنا بكره الشتا وبزهق لما بسمع فيروز وباخد الكافيين من الكاكاو والنسكافيه لأني بحس القهوة تقيلة ومرة.
لم تكن المرة الأولى التي يعرف فيها عنها هذه المعلومات لكنه ضحك ضحكة راضية وهو يدرك أنها تخصه بها هذه المرة ...
هو ...مروان !
لا ...العاشق المجهول!
لهذا التفت نحوها ليتلقى ملامحها الجانبية بشغف عاشق ...
أهدابها البنية الطويلة التي ظهرت أطرافها ذهبية بفعل ظروف الإضاءة ..
أنفها الدقيق ...
عينها الملتمعة كنجمة وسط هذه الظلمة...
وشفتاها اللتان احمرتا بفعل برودة الجو ...
وأخيراً بضع شعيرات نافرة تسللت هاربة من وشاحها لتذكره بشعر طالما عشق خصلاته ...
لو لم تكن هذه أجمل امرأة في الكون ...
فمن تكون ؟!!
_مين اللي بيحط معايير الحكم ع الناس؟! مين يقول دي كيوت ودي لأ...كل انسان خلطة سحرية من مكونات بتاعته هو بس ...خلطة مابيحسش بطعمها إلا الناس اللي بتقرب منه وبتفهمه ... ماتشغليش بالك قوي بمقاييس الناس ...ذوقك بتاعك انت وبس ...
قالها بنبرة هادئة لا تعكس شيئاً من فورة مشاعره لتلتفت نحوه بابتسامة خجلة جعلته يردف ببعض المرح:
_حلو كده ؟! ما طلعتكيش غلطانة المرة دي !
ضحكت ضحكة بريئة ذكرته بصورتها الطفولية في عينيه قبل أن تتعلق عيناها بالرصيف جواره فالتفت جواره عفوياً ليرى فرن صغير مما يباع لديه "الذرة المشوية" ...وقد وقف صاحبه يهم بإطفائه يائساً من رغبة أحدهم في الشراء ...
فأوقف السيارة جانباً ليقول لها بسرعة بينما يغادرها:
_ثانية واحدة .
التمعت عيناها بلهفة وهي تراه ينقد البائع ثمن "كوزين" من الذرة قبل أن يعود بهما إليها ليعيد تشغيل السيارة منطلقاً بها مع قوله :
_معرفش بتحبيه واللا لأ...بس قلت الراجل الغلبان يسترزق!
كان يعلم أنه يكذب لكنه لم يستطع تفويت هذه الفرصة وهو يرى هذه النظرة في عينيها مع إدراكه لعشقها للذرة ...
هذا الذي عبرت عنه بانطلاق وهي تلتهم "الكوز" خاصتها بشهية :
_بحبه بس؟! ده الراعي الرسمي لسعادتي حضرتك ...صيف شتا بموت فيه ...وخصوصا وهو سخن مولع في البرد ده ...واووو ....لذيذ بشكل .
ماذا لو أوقف السيارة الآن واحتضنها ؟!!
لو أزال بقايا الذرة العالقة هذه من على وجهها بشفتيه ؟!
لو دفأ وجنتيها الباردتين هاتين بطريقته ؟!
لو ...
_وإيه كمان ؟! انحرفت خلاص يا مروان ؟!
نهره بها ضميره عن الاستطراد في خواطره المشتعلة بها والتي كانت هي أشد ما تكون غفلة عنها وهي تلتهم الذرة بنَهَم ...
قبل أن تنهيه كاملاً لتضع ما تبقى في الكيس هاتفة بعفوية بعد تنهيدة شبع:
_كده مش هتعشى ونبيلة هتقتلني ...فيلم الأمومة اللي عايشاه اليومين دول بيقتضي تزغيطي ك"بطة يعدّونها للذبح يوم العيد" ...بس مش مهم كله يهون فدا الذرة !
قالتها بنبرة خطابية مرحة وهي ترفع أحد قبضتيها في إشارة معروفة فابتسم ليجاريها بمزاحها :
_بس ما تقوليش إني أنا اللي جبته...زعل الحاجة بيللا وحش قوي وفي الحالات دي الجري نص الجدعنة .
_جرْي مين؟! دي مش بعيد تأَكّلك انت الأكل كله والبس بقا يا معلم ...محدش قاللك على مسقعة بيللا قبل كده ؟!!
هتفت بها بعفويتها المنطلقة ليضحك ضحكة طويلة سبقت قوله :
_آه يامن اداني فكرة...عشان كده بقوللك استري عليا وما تقوليش .
ضحكت بدورها وهي تتأمل ملامحه بعجب!
صورته البشوش هذه وهو يضاحكها مستجيباً لمزاحها تبدو خيالية كثيراً مقارنة بفكرتها السابقة عنه ...
كم يختلف مظهره هذا عن "وش الخشب" الذي يحلو لها تسميته به !!
هو لطيف حقاً...فقط لو ...
انقطعت أفكارها عندما انتبهت لوقوفه بالسيارة أمام البيت فتلفتت حولها لتقول بشقاوتها المعهودة:
_مش عايزة أقوللك اتفضل عشان انت "دقّة قديمة" وهتقوللي ماينفعش مادام يامن مش فوق .
تباسطها هذا معه أسعده كثيراً وأيد قراره الذي اتخذه بشأن "العاشق المجهول" لهذا اكتفى بابتسامة هادئة بينما ترجلت هي من السيارة لتغلق بابها مردفة وهي تشير للذرة :
_ما تنساش تاكل بتاعك وهو لسه سخن ...
كادت تنحني على النافذة لتكمل حديثها لكنها تذكرت تقريعه لها بالمرة السابقة فابتعدت قليلاً لتتاح لها رؤيته مع قولها العابث وهي ترفع كفيها جوارها :
_بنات عائلات محترمات مش بيلبسوا حاجات ضيقات ويوطوا على شبابيك عربيات ...
قالتها ثم لوحت له بكفها مودعة قبل أن تنطلق بخطوات راكضة نحو الأعلى تلاحقها ضحكاته المستمتعة ...
_مجنونة وربنا ...مجنوووونة !
قالها لنفسه بصوت مسموع وهو يتذكر بدوره ما تحكي عنه قبل أن يتنهد بحرارة وهو غير قادر على الانطلاق بالسيارة من جديد ...
حُلوة !
حلوة حقاً!
روحها الطفولية التي كانت تحاول مداراتها خلف قناع من التمرد والعناد الآن تبدو له على طبيعتها شديدة الجموح ...لكن لجام المسئولية الذي يحوطها يمنحها النظرة المثالية في عينيه ...
لهذا ظل واقفاً مكانه يراقب نور غرفتها التي أضاءت خلف النافذة ...
يتخيل أول ما ستقوم به عندما تدخل ...
والجواب جاءه في اهتزاز هاتفه الذي تناوله لتصله رسالتها الصوتية :
_كان يوم يجنن ...اتخيلتك معايا في كل تفصيلة فيه ...الأول ...
شرد ببصره وهو يستمع منها للتفاصيل التي شاركها أغلبها ...
والتي انتهت بقولها ...
_هاقوللك حاجة بس من غير قفش ! ...مروان وصّلني ...الجو وحش وهو عرض وماعرفتش أرفض ...كان ممكن أعديها ومااقولكش بس أنا مش حابة أخبي عنك حاجة ...
زفر بسخط وهو يلقي نظرة مغتاظة نحو نافذتها ...
_العاشق "المجهول" هيبقى عاشق "مشلول" بسببك يا شيخة !!
قالها لنفسه قبل أن ينطلق بالسيارة عائداً لمنزله ...
ولم يكد يلقي بمفاتيحه على الطاولة حتى تلقى رسالتها الصوتية التالية ...
_النهارده بالذات وجو المطر الخنيق ده خلاني فعلاً عايزة أقابلك...عايزة أطمن إنك حقيقي...بجد ...لحد امتى هتفضل علاقتنا كده ؟!
كلماتها حسمت القرار الذي كان قد اتخذه سابقاً ...
فأعد لنفسه كوباً من الشاي وضعه على مائدة السفرة حيث جلس ممسكاً الكوب قبل أن يلتقط صورة !
صورة تعمد ألا تظهر تفاصيل تعرف منها شخصيته ...
ليكتب لها بعدها رسالته ...
_هذا أنا ...كي تطمئني أنني حقيقي ...هذه أصابعي التي أعشقها لأنها تكتب إليكِ...هذا كوبي المفضل الذي يحتمل صابراً ثرثرتي عنكِ...وهذا "الشاي" الأسود بداخله يرى نفسه عديم القيمة إذ تتحكمين أنتِ بالمزاج وبالانتباه...وبلذة المذاق بين الشفاه...
وفي غرفتها كانت هي تقرأ كلماته بهيام وهي تتفحص الصورة المرسلة بمزيد من عشق وغيظ ...
أصابعه الممسكة بالكوب خالية من الخواتم !
هذه هي الملحوظة الوحيدة التي تمكنت من ملاحظتها ...
كل ما في الصورة لا يمنحها أي معلومة عنه !!
تباً!
يظن أنه أرضاها بهذه الصورة ؟!!
الأحمق!!
إنه زاد جنونها أكثر ...
كادت ترسل له رسالة صوتية تخبره عن هذا لكن صدمتها بما كتبه بعدها أخرستها ...
_اعذريني ...لن أتمكن من التواصل معكِ لوقت لا أعرفه...سفرٌ مفاجئ ولا أعلم ما يخبئه الغد ...أنا أثق أنك ستتدبرين أمرك بدوني ...اعتني بنفسك حتى ...أعود !
==========
أتيتك ب"بهجة" ألوان طلاء أظافري...
وأتيتني ب"حدة" شفرة حلاقتك!
أتيتك ب"حنوّ" فرشاتي على خصلات شعري...
وأتيتني ب"قوة" إحكام رابطة عنقك !
أتيتك بكامل زينتي "عروس حبٍ" راغبة...
وأتيتني أشعث أغبر بعد سفر "غدر" طويل...
أتيتك ب"كلّي"...وأتيتني ب"ما تبقى منك"...
فهل أيقنت الآن أنه "لا عدل في ميزان الهوى"؟!
========
الصباح!
هدية الكون لمن أضناه سهر ليله ...
وشارة البداية لمن وجد الطريق ...
لكنها لم تكن من هذا الفريق أو ذاك ...
ببساطة هي لم تكن تشعر بأي شيئ منذ رحيله سوى ...الدوران !
تدور وتدور وتدور ...ولو توقفت ستقع!
اللحظات الأخيرة للقائهما الكارثي بدت وكأنها اعتقلتها بسجن ضيق والخروج منه ليس بقريب ...
كل كلمة...كل نظرة...بل كل نفس...
تختزنها ذاكرتها كشريط عرض مصور يعيد نفسه تلقائياً...
_أنا عمري ما خنت...بس لو رجعتني غصب عني هاخونك بجد المرة دي!
كانت تعلم أنها تضرب "تحت الحزام"!
من كان يخبرها أنها يوماً ما ستستغل خبرتها به ل"توجعه"؟!!
من كان يخبرها أن الأصابع التي كانت تتلمس تفاصيل ألمه كي تداويها سيأتي اليوم الذي تتلمسها فيه لكن لتغرس فيها المزيد من النصال؟!
من كان يخبرها أن "امرأة الألوان" ستكسر تاجها بنفسها وتجثو تحت قدمي عرشٍ أسوَد؟!!
ظهره الذي يوليه لها لم يكن أكثر ستراً لمشاعره كما يُفترض ...
ذبذبات غضبه تكاد تزلزلها في مكانها لكنها لا تهتم ...
لا تريد أن تهتم ...
وفي ثانية واحدة لم تدرِ كيف قطع المسافة بينهما لتصير من جديد بين ذراعيه!!!
أصابعه تنغرس في لحم ذراعيها بقوة كانت لتؤلمها حقاً في موضع آخر ...
عيناه المحمرتان المحتقنتان تجلدانها بدمع تعرفه...وتنكره !
والشفاه التي طالما أذابتها عشقاً الآن ترتجف وكأنما تهذي بحديث لا تفهمه...
يالله!
العذاب الذي يصرخ في ملامحه أكبر منها !
أجل ...
أقوى حتى من رغبتها في الانتصار لنفسها !
الصراع بداخلها يشتد بين عشق وكبرياء ...
وأسنانها تضغط على شفتها بقوة أدمتها ...
جفناها ينسدلان في استسلام لا تلام عليه ...
لتمنح نفسها هدنة من "خيال"!
هدنة ترى نفسها فيه تعانقه...
تضم رأسه المتعَب لصدرها ...
تداعب خصلات شعره الحبيبة التي تحفظها واحدة واحدة ...
وتدلل ملامحه بشفتين أذابهما الاشتياق ...
وأخيراً ...دمعة !
دمعة واحدة "حقيقية" وسط كل رؤى الوهم هذه تتلكأ على وجنتها ...تتعثر بشفاهها المتشققة ...وتموت شهيدة على ضفة إبهامه هو !
هنا تفتح عينيها فجأة وكأنما صفعتها لمسته لدمعتها !
ماذا؟!
هل ستبكيه من جديد ؟!!
أبداً...لن تفعلها أبداً ...أبداً...
لهذا عاد التحدي يسكن عسل العينين "العكر" ...
تحدٍّ تلقاه هو بما يليق وهو يرد أخيراً على عبارتها ...
عندما تناول كفها ليضعه على جانب رأسه مشيراً به ...حيث "عرش" وساوسه العتيق لايزال يبسط سلطانه ...
_لو ده صح...يبقى الست اللي تخون مرة تخون عشرة...مش هتفرق!
التحدي في عينيها ينقلب لغضب عارم وهي ترى نفسها لا تزال في عينيه في موضع شك ...
هذا الشعور الذي أشعل جسدها بنيران اشتد سعيرها ...
قبل أن يهطل عليها سيل أطفأها بحروفه وهو ينقل كفها من جانب رأسه إلى صدره حيث موقع خافقه الذي كان يتقافز بجنون وكأنه يؤيد ما سيقول:
_ولو ده صح ...فحتى لو توّهتك عن نفسك زي ما بتقولي ...ياسمين ماتخونش !
الصاعقة التي ضربتها بها كلماته جعلتها تنفض كفها منه بسرعة لتعطيه ظهرها وهي تكتف ذراعيها ...
تباً!
ألازال يدور في دائرة الشك هذه؟!!
ألايزال لا يعرف؟!!
حسناً...فليدرْ فيها وحده !!
هي لم تعد تملك لهذا طاقة ...ولا رغبة !!
صوت قرع حذائه على الأرض الصلبة لايزال يدوي في أذنيها ...
يتباعد رويداً رويداً...
ينسحب أخيراً ليتركها خلفه بنفس الشعور ...
"ملكة مهزومة"!
صوت رنين هاتفها يقاطع نزيف الذكرى ...
زين يتصل بها للمرة التي لا تدري عددها يريد أن يطمئن كيف انتهى اللقاء ...
لكنها ليست بقادرة على الرد ...
ليس قبل أن تحدد ماذا تريد الآن بعدما استجد في أمرهما ...
صورة زين "مغالية الوسامة" تقفز لذهنها فيتلاعب بها هوس كمالها ...
زين هو الرجل المناسب لها ...
ليس مالاً ولا نفوذاً ولا وسامة ...
بل سنداً !
سنداً دعمها عندما تخلى من ظنته أبداً لا يتخلى!
لكن "صورته الكاملة" تتركز أخيراً في "ندبة حاجبه"!!!
آه ...يا مدعية الكمال!!
كيف ترتجين في صورته "التمام" و"ندبة خطيئته" ستبقى تذكركِ بشرخ تمثالك ؟!
انقطعت أفكارها بآهة خافتة وهي تشعر بحركة "يمنى" في بطنها !
هذا النبض اللذيذ الذي صار متعتها الوحيدة الحقيقية في الحياة...
أناملها تمسد بطنها البارز بحنان في الموضع الذي تتلمس فيه حركة الجنين قبل أن تهمس لها تحدثها كأنها تسمعها:
_جعتِ؟! نقوم نفطر؟!
يُهيأ إليها أن حركة الصغيرة تزداد في رد غير مباشر فترتسم على شفتيها ابتسامة شاحبة -حقيقية- وهي ترفع الغطاء أخيراً لتقوم من نومتها ...
صوت رنين الهاتف من جديد برقم زين يدعوها لاتخاذ قرار ...
فترفع رأسها للأعلى قبل أن تحسم أمرها برسالة كتبتها ...
_يامن رَدّني ...بس أنا هارفع قضية طلاق ...ولحد ما اكسبها مش هاقدر أكلمك .
=======
زفر بسخط وهو يتلقى رسالتها قبل أن يقذف الهاتف جانباً!
إذن ذاك الرجل فعلها!
ردها لأجل الطفل!
إنه حقاً لايفهمه !!!
إن كان يشك في طهرها فلماذا يقبل أن تبقى على ذمته ؟!
وإن كان يثق في براءتها فلماذا يعاملها بهذه الطريقة ؟!!
مريض!!
إنه حقاً مريض ...فلمَ العجب!
العجب ليس منه في الواقع بل من ياسمين !!
ردة فعلها الأولية عندما رأته لا تكاد تغادر ذهنه ...
هي لا تزال تحبه ...لكنها لا تريد هذا الحب...
فما الصواب هنا ...أن يساعدها لتبتعد أم يتفهم ويبتعد هو؟!!
ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يتبين أن "العقلانية" التي يفكر بها لا تتسق مع التصور الشائع لمفهوم الحب ...
لكن وماله وللآخرين؟!
الحب في نظره صفقة رابحة تحتاج لتخطيط وصبر ...
وهو لايفتقر لكليهما !
المرأة في نظره قد تكون كنزاً حقيقياً أو مجرد معدن زائف قابل للصدأ...
والكنز تحدده قوتها هي ...
أجل...لا تزال نقطة ضعفه هي المرأة القوية!!
ربما تتحكم به عقدته القديمة...
والدته أسلمها ضعفها للفقد ...وأخته غير الشقيقة كذلك ...
الوهن الذي تمكن منهما أوصلهما لحافة جرف الانهيار ...قبل أن يدفعهما دفعاً ...
الوهن الذي صار يكرهه في أي امرأة...
يقولون إن قوة المرأة في ضعفها ...
هراء!!!
قوة المرأة في نظره ستبقى في صلابتها ...في تحديها لكل أحد وأي أحد حتى نفسها ...
في مقاومتها للظروف حتى تصل حد أنها هي من تطوع الظروف ...
ساعتها فقط يراها الكنز الذي يستحق الظفر به ...
لهذا أراد ياسمين ...ويريدها ...وسيظل يريدها ...
صحيحٌ أنه قد بدأ يفتقد هذا اللحن القوي وسط ترانيم ألمها ...
لكنه ينتظر عودته !
وحتى هذه اللحظة سيساندها بكل قوته ...
لقد كان محقاً عندما ظن في أهمية تلك الطبيبة التي سيحين دورها في خطته...
ياقوت!
ابتسامة جذل مستمتعة ترتسم على شفتيه وهو يسترجع حواراتهما الذكية ...
هيئتها الهزلية ...عينيها المتقدتين خلف نظارتها الضخمة المربعة ...
وابتسامتها "النقية" غير المتكلفة التي يود لو يراها ثانية كي يفهم ماذا بها بالضبط كي تحدث به هذا الأثر!!
والأهم...هل ستتمكن من إحداث فارق في حالة همسة حقاً؟!!
لو فعلتها فسيمنحها المكافأة التي تطلبها مهما كانت !
لهذا التمعت عيناه بحماس وهو يعاود تناول هاتفه ليرسل رسالة لياسمين أولاً...
_أنا معاكِ في أي قرار تاخديه .
قبل أن تتلاعب أنامله بالأزرار باحثة عن رقم ياقوت وهو يستجمع المعلومات التي وصلته عنها ...
ياقوت حسين رجائي أحمد سليمان ...
تسعة وعشرون عاماً...لا أثر لارتباط رسمي أو عاطفي ...الأم متوفاة والجدة هي ولية الأمر الآن...الأب حسين رجائي رجل أعمال مشتهر بالأعمال الخيرية وحسن الخلق ...لكن ما الذي يختفي خلف هذه الواجهة ؟!
رجلٌ تورط في علاقة مع خادمته أثمرت عن طفلتين منحهما اسمه شريطة ألا يعلم أحدهم عنهما شيئاً ...
ترى أي حياة بائسة قاستها ياقوت هذه لتصل لهذه المكانة في هذه السن ...
كي تصنع اسمها هذا الذي انتزعت منه والدها انتزاعاً لتكتفي ب...
_دكتورة ياقوت سليمان ...مين معايا؟!
صوتها المعتد بنبرته القوية وهي تفتح الاتصال يتواءم مع سابق أفكاره ...
يجعله يبتسم بعبث وهو يتجاهل لقب "دكتورة " هذه ليقول بنبرته المميزة التي تمزج اللطف بالهيمنة :
_إزيك يا ياقوت؟!
_يااااالهوي ...قول "ياقوت"دي تاني كده !
"العفريتة العابثة" إياها تميز صوته فوراً لتعيث فساداً بين جنباتها ...
وخلفها كان عقلها يحاول إحكام سيطرته ...
صوت هذا الرجل لا يقل خطورة عن رؤيته!
بل إنها تكاد تستشعر ذبذبات جسدها المتوترة كما كانت في حضرته ...
ماذا يكون هذا ؟!!
هي لم تؤمن يوماً ب"الحب من أول نظرة"...ولا حتى من أول لقاء!
لكنها تؤمن أننا نعيش عمرنا نرسم لوحة ما للحلم المأمول ...
لوحة كاملة تخطها أناملنا خطاً خطاً...
لوحة تبقى ب"الأبيض والأسود" فقط حتى إذا جاء الشخص الصحيح منحها الألوان المطلوبة بالضبط!
لوحتها هي رسمتها منذ زمن ...لكن كل من حاول تلوينها أفسدها ...
فقط زين هذا يقترب من الإتقان ...فهل هذا هو الحب؟!!
_لو مش هتحبي ده يا موكوسة هتحبي مين؟!!
صرخت بها العفريتة العابثة داخلها باستنكار لكنها تجاوزت كل هذا بتماسك تحسد عليه لترد أخيراً بجدية تامة :
_مين معايا؟!!
_استعبطي ...استعبطي!
كانت هذه العفريتة إياها بالطبع والتي أثملها جوابه باسمه لتبتعد منزوية تردده باشتهاء ...
أما هي فقد أصدرت همهمة خافتة لتقول بنفس الاعتداد الجاد:
_آه ...أهلاً...أكيد بتطمن على همسة...أنا استشرت أساتذتي وعندي تصور معقول لخطة علاج بس محتاج وقت...
ثم صمتت لحظة لتردف:
_أكيد جملة "محتاج وقت" دي بقت تعصبك من كتر ما سمعتها ...مجال الطب النفسي مليان نصابين كتير ...لكن مفيش في إيدي غير إني أقولها عشان ماأديلكش أمل سريع ...وموضوع الثقة ده بقا يرجعلك انت.
ارتفع حاجباه باستمتاع حقيقي والابتسامة العابثة على شفتيه تعاود تراقصها ...
هي افترضت "التهمة" وجهزت "الدفاع" في نفس اللحظة كي لا تمنحه فرصة ...
ماذا يسمي هذا ؟!!
فرط ذكاء ...أم بطحة تتحسسها على رأسها؟!!
لا ...لا ...
هذه امرأة يشك أن تكون لها بطحات ...
وإن وجدت ...فلن تتحسسها!!
لهذا صمت قليلاً ليرد بنفس النبرة :
_أنا واثق فيكي..أنا بس كنت بطمن .
_اطمن ...أنا هاروح لها النهارده في معادي ...هستأذنك عشان عندي جلسة دلوقت .
_شوية!! ...شوية بس !!بقا ده راجل يتقفل في وشه السكة يا ناس؟!!
هتفت بها العفريتة برجاء تكاد تلطم على وجهها لتبتسم هي ابتسامة خجلة وهي تغلق الاتصال ...
تعلم أن طريقتها في التعامل معه -ومع غيره من الرجال- حادة ...
لكنها لا تهتم ...
فلتدع الميوعة والدلال لمن يُجدنها من النساء أما هي فتدرك جيداً أي كنز تملك ...
هي ياقوت سليمان -تربية الحاجة ثمر- التي لا يُعجزها شيئ أرادته...
ولن ترضى بأقل من "أمير فارس" يصارع لأجلها "التنين" حتى ينتشلها من سجن قلعتها ...
وحدسها يخبرها أنه قريب...قريب جداً...
لهذا اتسعت ابتسامتها وهي تضع الهاتف جانباً لتستقبل الحالة المنتظرة ...
يامن حمدي!
============
_مواجهة فاشلة متوقعة.
غمغمت بها ياقوت بنبرتها المهنية أمام يامن الجالس أمامها في المركز ...
وفي أسوأ حالة رأته فيها منذ عرفته !
بل إنها يهيأ لها أن دماءه تغلي في عروقه مع جلسته المتشنجة التي لا تكاد تستقر على وضع لبضع ثوانٍ...
كان قد حكى لها عن تفاصيل مواجهته مع ياسمين والتي اعتبرتها أسوأ مصادفة قد تحدث لحالة كحالته ولن تتعجب لو انتكس !
_هتقوليلي استعجلت ع المواجهة ؟! كنتِ عايزاني أصبر إزاي بعد مكالمة أخوها ؟!
هتف بها بانفعال ثائر تقبلته بتفهم قبل أن تفتح الدرج المواجه له لتعطيه كرتين معدنيتين مميزتين مع قولها :
_دحرج كل واحدة في إيد ...وغمض عينيك .
زفر زفرة ساخطة حتى كادت تظنه سيرفض لكنه تناولهما منهما ليدهشه ثقل حجمهما النسبي مقارنة بشكلهما ...
فعل مثلما طلبت ليفاجئه هذا الدوي المعدني الذي انبعث منهما ...
دويٌّ تحول لموسيقا رتيبة مع حركتهما الدؤوب بين كفيه ...
فأغمض عينيه مستسلماً لهذا الصوت ومحاولاً تلمس السكينة لكن دون جدوى...
أي سكينة ؟!
وجملتها الأخيرة تشعل حرائق روحه واحدة تلو الأخرى ...
"لو رجعتني غصب عني هاخونك بجد المرة دي"...
كيف تركها حية بعدها ؟!
بل كيف تركها أصلاً؟!!
والجواب وجده يصرخ بداخله...
دمعتها "اليتيمة" التي سقطت أخيراً ليتلقفها إبهامه لم تكن مجرد دمعة ...
كانت نهاية!
بداية !
كانت مهداً!
لحداً!
كانت كل شيئ ...ولا شيئ!!
ياسمين كانت تحترق ...أجل كانت تحترق أمامه وهو عاجز عن فعل أي شيئ ...
_ليه جيت من السفر عليا على طول ؟!
صوت ياقوت الهادئ يقتحم أفكاره فيهز رأسه ليجيبها بنبرة مختنقة ولايزال مغمض العينين :
_عشان عايز أهدا ...من ساعة ما شفتها معاه والوسواس القديم رجع من جديد...كل اللي كنت عايز أعمله لما أشوفها اتبخر ...مابقيتش قادر أشوف قصادي غير صورتها وهي قاعدة معاه ...مشاهد الفيديو رجعت تجري قدام عيني تاني ...
كانت وتيرة صوته تزداد انفعالاً مع كلماته حتى وصلت حد الصراخ
وهو يردف:
_حاولت أفكر في أي حاجة تانية مش قادر ...شغلي...أمي ...أهلي ...أي حاجة وكل حاجة بس مش قادر ...دماغي بيغلي .
ولم يكد يتفوه بالعبارة الأخيرة حتى قذف أحد الكرتين بقوة لتحدث دوياً هائلاً وهي تصطدم بالحائط
هنا فتح هو عينيه ليتلفت حوله بعجز وكأنه يبحث عن شيئ لا يدري كنهه...
قبل أن يطرق برأسه وهو يتمتم بصوت متحشرج:
_أنا آسف.
احترمت صمته للحظات وهي تشعر بما يعانيه ...
عادة ما تتخذ مهنيتها درعاً في ظروف كهذه ...
لكنها الآن لا تملك شعورها الكاسح بالشفقة نحوه ...
هو لم يختر ماضيه ...
لم يختر أما هجرته...ولا أباً صعب المراس غرس فيه الكراهية والشك...
لم يكن مذنباً عندما أحب فتاة جعلته تسليتها أمام أصدقائها ...
ولم يكن مسئولاً عن تسلط زوجة أرادت إبعاده عن وطنه ...
حتى مع ياسمين ...
الظروف كانت ولا تزال تختار له أصعب الاختبارات ...وفي أسوأ توقيت ممكن !
لكنها نحت مشاعرها هذه جانباً لتقوم من مكانها كي تحضر الكرة قبل أن تتقدم نحوه لتمنحه إياها قائلة :
_نبدأ من جديد مفيش مشكلة.
عبارتها التي نطقتها بطيبة هادئة بدت وكأنها تحمل مغزى أكبر بكثير من معناها البسيط ...
لهذا رفع عينيه إليها ببطء لتبتسم هي بينما تردف:
_قبل النهارده كنت محتاج تخف عشان ترجع لياسمين...لكن دلوقت محتاج تخف عشان ترجّعها مش بس ترجع لها ...فاهمني؟!
زفر زفرة حارقة وهو يعود برأسه للوراء لتجلس هي على كرسيها مستطردة:
_ياسمين محتاجاك دلوقت عشان ترجع لنفسها ...الكسر اللي جواها مش هيجبره غيرك انت ...بس هتساعدها إزاي وانت لحد دلوقت لسه مش لاقي نفسك انت ؟! المواجهة اللي حصلت بينكم دي ممكن تبقى نكسة تضيع كل المشوار اللي عملناه ...وممكن تبقى حافز ليك عشان تكمل وتنجح ...أنا كدكتورة مش هاقدر أعمل حاجة لوحدي ...القرار لازم يبقى منك انت ...من جواك.
ساد الصمت طويلاً بعد عبارتها ليقطعه صوت الدوي المعدني للكرتين من جديد في يده بينما استرخى بجسده مغمض العينين وكأنه وجد بعض القوة ليعاود المحاولة...
فابتسمت بارتياح صامت لبضع لحظات قبل أن تسأله بهدوء:
_حسيت بإيه لما شفتها ؟!
_كأن روحي رجعت لي تاني ...لحظة واحدة ...قبل ما كل حاجة تولع من جديد ...
_وهي ؟! عملت إيه أول ما شافتك ؟!
عقد حاجبيه بشدة محاولاً التذكر ليجيبها بعد لحظات:
_مش فاكر ...مش شايف غير صورتها وهي جنبه...مش سامع غير صوته وهو بيقول إنه كان هناك من زمان ...وصوتها وهي بتقول إنها هتخونني .
نبرته المشتتة التي عاد إليها انفعالها جعلتها تطلب منه الاسترخاء من جديد قبل أن تردف بنبرة خبيرة :
_كل حاجة بنشوفها بتتخزن أوتوماتيك في مخنا بس مش كلها بنقدر نستدعيها لما نحتاجها ...الوسواس اللي عندك مسيطر عليك ومخليك مش قادر تشوف إلا مشهد بعينه ...حاربه...اطرده...افتكر أي مشهد تاني ...ركز...هتوصل ...
الصمت المثقل يسودهما من جديد والعرق يتصبب على جبينه المتعب قبل أن تتشقق شفتاه عن شبح ابتسامة رافقت قوله :
_افتكرت...أول ما شافتني وقفت مكانها واتحركت خطوة كأنها هتجري تحضنني ...بس بعدها...
_مش عايزة أعرف بعدها ...كفاية كده .
قاطعته بها بنفس الابتسامة التي تلقتها عيناه عندما فتحهما لتردف هي بنبرة أكثر تفاؤلاً:
_رد الفعل الأول اللي بنعمله بيبقى أصدق تعبير عن مشاعرنا ...ياسمين لسه بتحبك ...كل اللي بتعمله رد فعل لستّ مجروحة ...ياسمين مش قادرة تسامح لأنها لسه خايفة من يامن القديم ...لكن لو حست إنك فعلاً اتغيرت هتجدد جواها الأمل ...عشان كده علاجها مرتبط بعلاجك انت...كل ما دماغك يحاربك بصورتها وهي قاعدة معاه ...حاربه انت بصورتها وهي بتجري عليك .
كان يحتاج حقاً لأن يستمع منها لهذا الكلام !!
ويبدو أن طريقتها الحماسية التي تمزج ذكاءها بحنانها نجحت في بث بعض السكينة والأمل في نفسه ليقول :
_أنا خلاص رديتها بس والدها طلب مني تفضل عنده لحد ما تولد عشان مصلحة البيبي ...
ثم اغتصب ضحكة انفعالية متهكمة ناسبت قوله :
_وكأنه بالساهل كده أسيبها هناك بعد اللي شفته ؟!
_لو شاكك فيها رديتها ليه ؟!
سؤالها كان شديد المنطقية حتى أنه صفع إدراكه وهي تردف بنفس النبرة المحايدة :
_يامن ابن عبد الرحيم حمدي الفلاح ابو دم حامي مكانش هيسمح يرجعها تشيل اسمه لو عنده ذرة شك فيها !
_مش عارف ...مش عارف!
قالها بتشتت وهو يطرق برأسه لتردف وهي تربط الخيوط بذكائها :
_لو ياسمين مابتحبكش ما كانتش اتمسكت قوي بالطفل ...بالعكس ...كانت رمتهولك وعاشت حياتها ...تفتكر فرصتها مع الراجل التاني أكبر مع وجود طفل منك واللا من غيره ؟!
كز على أسنانه بقوة ومجرد ذكر ذاك الرجل يجعل النيران تشب بين ضلوعه ...
لكنها استطرادها كان كنسمة باردة وسط كل هذا :
_من الكلام اللي حكيتهولي ياسمين لسه بتحبك...الفرق بينكم دلوقت إنك عارف مرضك وبتعالجه ...لكن هي مش عارفة...فاكرة إنها بتقاوم وهي في الحقيقة بتقع ...أنا مشفقة عليها جداً لأن لو ده حالك انت دلوقت بعد المواجهة امال هي زمانها عاملة إيه ؟!!
كانت صادقة تماماً في شعورها الأخير وهي تتمنى لو أتاحت لها الظروف رؤية ياسمين هذه !
ولا تدري لماذا طفت لذهنها في هذه اللحظة صورة همسة !
وصورتها هي وشقيقتها!!
كلهن ضحايا زواج ثانٍ ترك خلفه جروحاً دفعن هُنّ ثمنها ...دون أي جريرة !!!
ربما لهذا تشعر بالتعاطف الشديد معها ...ليتها حقاً تتمكن من مساعدتها ...
ومساعدتها لن تكون إلا عن طريق يامن نفسه ...
لهذا حسمت أمرها لتقول بنبرتها المعتدة :
_انت هتنفذ طلب باباها ...انتو الاتنين دلوقت خطر على بعض ...مش هتتواصل معاها تاني لحد ما تبقى قادر على مواجهة من غير خساير ومن غير شكوك ...
_دي قالتلي هتخونني!
هتف بها باستنكار ساخط لترد بابتسامتها الطيبة :
_ما هي برضه قالتلك انها حافظة كل مفاتيحك ...هي هتلاعبك بالشك ...لاعبها انت بالثقة...بس هتجيب منين الثقة ؟! هو ده دوري المرحلة الجاية...
ثم تناولت دفتر وصفاتها الطبية لتسأله باهتمام:
_بتقول ما نمتش من وقتها ؟!
أومأ برأسه إيجاباً فهزت رأسها لتكتب شيئاً ما بينما تردف:
_أفتكر ده الوقت اللي محتاجين نتدخل فيه بأدوية...فترة بسيطة وبعدين نسحبها بالتدريج ...وهنضاعف عدد الجلسات ...ده طبعاً لو معندكش مانع....
ثم صمتت لحظة لتردف:
_واشغل نفسك على أد ما تقدر ...ماتسيبش دماغك لدماغك !
=========
_يامن...حمداً لله ع السلامة !
هتفت بها نبيلة وهي تستقبله ليفاجئها بارتمائه بين ذراعيها !
أصدرت آهة قلق وهي تضمه بدورها قبل أن تربت على ظهره وعيناها تدمعان مع شعورها بارتجاف جسده ...
ظلت صامتة لدقيقة كاملة تنتظر منه أي حركة لكنه لكنه كان أضعف من أن يفعل أو يقول شيئاً...
ولما يأست من مبادرته رفعت هي إليه عينيها لتسأله السؤال الذي يؤرق بالها :
_شفتها؟! ابنك كويس؟!!
كانت هذه أكثر إجابة تنتظرها بعدما علمت أن ياسمين لا تزال محتفظة بحملها !
فاجعتها في فقدان ابنه من سيلين والذي حملته بين ذراعيها يوماً لم يكن لها مايعوضها إلا فرحة كهذه ...
لهذا ما كاد يومئ برأسه بإيجاب حتى فعلت ما لم تظن نفسها ستفعله يوماً !!
لقد أطلقت زغرودة !!
زغرودة جعلت يامن ينتفض مكانه بقوة وقد فاجأه تصرفها قبل أن تعيده لعناق أكثر حرارة وهي تهتف بفرحة :
_مبروك يا حبيبي ...ألف ألف مبروك .
_بيللا بتزغرط ؟! إيه اللي حصل في الدنيا ؟!
هتفت بها رانيا بدهشة وهي تخرج من غرفتها على صوتها لتهتف بها نبيلة بسعادة :
_باركي ل"مانّو" ...ياسمين حامل وقريب هنشيل ولي العهد .
ابتسمت رانيا بطيبة وهي تتقدم لتصافحه بحرارة معلنة عن مباركاتها ...
قبل أن يفتح باب الشقة من جديد خلفه لتدخل منه داليا هاتفة بشقاوتها المعهودة :
_ماصدقتش وداني ...الزغاريط دي من عندنا ...البيت المنحوس ده بيعرف يفرح ؟!
ضحكت نبيلة وهي تعيد سرد الخبر لتهتف داليا وهي تحرك قبضتها بحركتها المعهودة :
_وااااو ...طلعتِ أروبة يا ياسّو ...أيوة كده !
_فيه إيه عشان الهيصة دي؟!
والهتاف كان لهانيا التي خرجت من الغرفة لتهتف كل من نبيلة وداليا ورانيا في نفس واحد :
_ياسمين لسه حامل .
واحدة أخرى تنضم للسيرك الكبير الذي أحاط به وهن يدرن حوله يرددن عباراتهن المرحة فارتسمت على شفتيه ابتسامة حقيقية وهو يشعر أن هذا الدفء هو ما يحتاجه حقاً ليتجاوز أزمته...
_ماجبتهاش معاك ليه ؟!
_ماصالحتهاش؟!
_اوعى تكون هتسيبها!
_النونو ولد واللا بنت ؟!
_هنسميه إيه ؟!
عباراتهن المندفعة تحاصره لتنتهي بقول بيللا الحاسم:
_بص بقا أنا صبرت عليك كتير بس المرة دي لأ...لو ما رجعتهاش هاسافر أنا واجيبها بنفسي ...مش هاسيب ابنك يتربى بعيد عن عيني أنا بقوللك أهه.
اتسعت ابتسامته وهو يرى أنهن لا يمنحنه حتى فرصة الحديث !
الفرحة العارمة التي شملت المكان تجعلهن يهتفن ويتضاحكن حوله وكأنهن يعتبرن رجوعه لها مجرد تحصيل حاصل !!
آه...ليت الأمر بهذه البساطة !
أفضل ما في الأمر أن الجو المرح الدافئ هذا جعل روحه القلقة تستقر قليلاً لهذا تقدم ليسترخي على أحد الأرائك تاركاً لهن ثرثرتهن ...
قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة واهنة وهو يحاول تطبيق نصيحة ياقوت ...
لن يحاول تذكر شيئ من هذه الرحلة مؤقتاً إلا صورتها وهي تهرع إليه كي تحتضنه !
_هاحضر لك العشا زمانك جعان .
قالتها نبيلة وهي تتجه نحو المطبخ بينما التفت هو نحو داليا كي يبدأ بممارسة مهامه :
_جاية منين دلوقت؟!
قالها وهو ينظر في ساعته لتجيبه وكأنها قد حضرت الإجابة سلفاً:
_من الجمعية...مفيش تأخير عن تسعة أهه...وصاحبك يشهد .
فابتسم وهو يسألها ببعض القلق:
_مروان عامل معاكِ إيه ؟!
كانت تعلم مغزى سؤاله لهذا ابتسمت لتقول بابتسامة حملت أسفها:
_هو حد كويس جداً...ابقى أسأله لو كان هو اللي سامحني .
_مروان ابن حلال ومش بيشيل من حد .
قالها بحذر محاولاً تبين شيئ ما من مشاعرها تجاه عرض صديقه القديم لكن تحفظها جعله يوقن أن هذا الباب موصد خاصة عندما قالت بحرج:
_هو فعلاً يستاهل كل خير .
قالتها ثم غادرته لغرفتها وكأنها تهرب من مناقشة هذا الأمر فتنهد بيأس وهو يتمنى لو تبادل صديقه مشاعره حقاً...
لن يستطيع أن يأتمن أحداً عليها ك"مروان"!
وعند الخاطر الأخير عادت ابتسامته السوداء تجتاح شفتيه وهو يتذكر كيف ظن الظنون بصديقه هذا يوماً !!
ترى هل سيأتي اليوم الذي يبرأ فيه من سلطان وساوسه هذا تماماً؟!!
لكنه نفض عنه هذا الخاطر وهو مستمر في تأدية دوره كربٍّ لهذه العائلة عندما توجه ببصره نحو رانيا ليسألها باهتمام :
_أخبار أشرف إيه ؟!
_بيتحسن في العلاج بس لسه رافض الكلام ...لكن الخبر الحلو إن نشوى هتفتح المصنع تاني خلاص ...ينفع أساعدها ؟!
لم يدرِ هل قالتها كاستفهام حقيقي أم أنها تطلب إذنه ...
لكنه منحها الجواب الذي رآه:
_لازم تساعديها ...أشرف هيتحسن أكتر لو خرج لقاكم انتم الاتنين في الصورة .
ابتسامتها الراضية كانت خير مكافأة له على رأيه هذا قبل أن تكرر مباركتها له لتغادر نحو غرفتها هي الأخرى ...
هنا استدار هو نحو هانيا ليسألها باهتمامه الحاني:
_وانتِ أخبارك إيه ؟!
تنهدت بحرارة وهي تطرق برأسها لتقول بصوت مكتوم :
_مامة رامز كانت لسه هنا من شوية ...طلبت مني بنفسها إني أوافق أرجع له ...اتحرجت جداً ...ماعرفتش أقوللها إيه .
فابتسم وهو يمنحها الإجابة التي رآها منطقية هاهنا:
_قولي لها موافقة .
_وأنا كده يا يامن ؟!
قالتها وهي ترفع ذراعها المجبر لتشير بكفها السليم الآخر نحو حروق رقبتها وكتفيها المختبئة خلف ملابسها ...
فهز رأسه مؤكداً ليجيبها بما يخاطب عقلها:
_تفتكري فيه أكبر من كده امتحان لمشاعره ناحيتك ؟!
_انت شايف كده ؟!
النبرة المهتزة التي كانت تسأل بها كانت وحدها كافية لتخبره برغبتها الخفية في هذا ...
والتي يدرك أنها تريد منه دعمها فيها ...
هذا الدعم الذي لم يبخل هو به عندما قال بحزم رفيق:
_ارجعيله يا هانيا.
لتنطلق من نبيلة الزغرودة الثانية لهذه الليلة !
========
ليس الحب أن ترجح كفتي في الميزان...
الحب أن أكون أنا الميزان!
ليس الحب أن يوافق شخصي مزاجك...
الحب أن أكون أنا "مزاجك"!
ليس الحب أن "تلمس" كفي، "تشم" عطري،"تسمع"صوتي،"تتذوق" أنوثتي،"ترى"فتنتي...
بل الحب أن تفقد حواسك كلها عندما تكون معي فلا تدرك إلا أنك انصهرت بي فلم يعد هناك "أنا"و"أنت" بل أنت أنا وأنا أنت....
لهذا أزعم أنني أحبك بكل ما أوتيت من قوة ...
فهل أحببتني أنت ؟!
=========
_البيت وحشك ؟!
قالها رامز وهو يغلق باب شقتهما خلفها لتطرق هي برأسها دون رد ...
ها قد بدأ الاختبار الحقيقي الذي ستخرج منه بأقوى نصر أو أقسى هزيمة !!
ربما لهذا ارتجف جسدها بخوف حقيقي لتستند على الباب بظهرها ...
شتان بين امرأة خرجت من هذا البيت يوماً برغبتها تتباهى بقوتها وزهدها في الحب ...
وهذه التي تقف الآن مجبّرة الذراع ...مشوهة الجسد ...تتمنى لو تصدقها الأقدار ما تظنها قد وعدتها به من فرح !
هذا الصراع الذي كان هو يدركه جيداً وهو يقترب منها حتى كاد يلصقها به...
أنامله تتلمس ملامحها بهيام مع همسه الدافئ:
_عندي طلب وعارف إنك هتطلعي روحي عشان تعمليه...بس هتعمليه .
رفعت إليه عينين تجتاحهما انفعالاتها ليردف ولايزال يرسم ملامحها بأنامله :
_مش رجعنا بعقد جديد ؟! ..وعهد جديد ؟!!..عايز أول كلمة أسمعها منك الليلة دي ودلوقت ...هي الكلمة اللي قلتيهالي الليلة إياها.
أسدلت جفنيها ببطء وهي تشعر بطلبه هذا يزيد وهنها أكثر ...
يزيد خوفها أكثر ...
الخذلان هذه المرة سيكون مرادفاً للموت !
لهذا تحشرج همسها بين قوة وضعف لتهمس بعينين مغمضتين :
_أنا عمري ما قلت الكلمة دي لحد إلا ليك...ولما حسيت إن عمري خلاص هينتهي ...كنت خايفة أموت وادفنها معايا زي حاجات كتير حلوة اتعودت أدفنها ...
شعرت بشفتيه الدافئتين تعانقان وجنتها بخفة دون أن يقاطعها بكلمة ...
لتردف بنفس النبرة المتأرجحة بين خوف وكبرياء:
_أنا مش ذوقك...وانت كمان ماكنتش ذوقي...أنا مش الست اللي بتعرف تتدلع وتدلع...وانت مش الراجل اللي يشبه أبويا الله يرحمه ...اللي مايعرفش غير طريق شغله وبيته...ومفيش في باله غير عيشة هادية عادية تكمل بالستر ...بس أنا حبيتك زي ماانت ...انت هتفضل تحبني وأنا زي ما أنا؟!
_مش ده امتحاني اللي وافقتِ ترجعيلي عشان تعمليه ؟!
همس بها بنبرة واثقة جعلتها تفتح عينيها التائهتين بين تصديق وتكذيب ...
ليردف وشفتاه تجددان العهد فوق شفتيها :
_خلاص ...سيبيني أحل!
ضحكتها المكتومة ذابت في لهيب إحساسها وهي تتلقى عطايا عشقه عندما شعرت به يحملها مراعياً ذراعها المصاب قبل أن تجد نفسها على فراشهما ...
اللهفة الحانية بين حنايا عاطفته كانت أوضح من أي إنكار ...
لكنها عندما شعرت بكتفيها يكادان ينكشفان أمسكت كفه بقوة لتهتف بحزم عبر أنفاسها اللاهثة :
_شرطي يا رامز .
ربما في موقف آخر كان ليطلق زفرة ضيق أو حتى نظرة عاتبة...
لكن حسن تفهمه لما تعانيه جعله يبتعد قليلاً ليتوجه نحو زر الإضاءة...
ويغلقه !!!
أجل ...كان هذا شرطها الذي لم يتعجبه كثيراً في الواقع فلطالما كانت هذه عادتها ...
لكنه الآن يدرك أنها لم تعد مجرد عادة بل صارت خط دفاع!
خط دفاع ضد ما تظنه سيثير نفوره ...لكنه ليس متعجلاً كي يقنعها بالعكس ...
لهذا عاد يتقدم نحوها ليشرف عليها بوجهه ...
قبل أن يحيط وجنتيها براحتيه هامساً :
_وعد مني ...زي ما قدرت أوصل لقلبك هاوصل لدماغك دي ...
وكان هذا آخر ما وعته قبل أن يجرفها طوفان عاطفة مجنونة أشعلت ليلتهما كاملة ...
وأخيراً أشرق الفجر على جسديهما المتعانقين كقلبيهما ...
لتكون هي أول من استيقظت ولا يزال اليوم السابق يعدو في ذهنها كالحلم !
هل عادت إليه حقاً؟!
هل كان يعاملها بكل هذه الرقة ...وبكل هذا الشغف ؟!
فقط ...لأنه لم يرَ!
والهاجس الأخير يلوث ابتسامة داعبت شفتيها لكنها لم تستسلم له كثيراً وهي تغادر الفراش لتحاول بدء يومها بصورة طبيعية قبل استيقاظه...
اغتسلت وأدت صلاتها ثم توجهت نحو خزانة ملابسها مترددة فيما ترتديه...
قديماً كانت تبرأ من أي ثياب مكشوفة تظهر أنوثتها ...
واليوم تبرأ منها أيضاً لكن لأنها صارت تظهر تشوهها !!
لكن خاطراً ما بعثه "كبرياؤها" جعلها تلتفت لوجهه النائم بعمق على الفراش قبل أن تعود ببصرها نحو الخزانة حيث منامة ما كان قد أهداها لها يوماً بلون "ليلكي" هادئ ...
خامتها تلتصق بالجسد كجلد ثان...ومحلاة بتطريز رقيق على الصدر والكمّين...لكن ما يميزها الآن حقاً هو ياقتها الطويلة التي ستغطي رقبتها وكتفيها !!!
لهذا لم تتردد وهي تحملها معها لغرفة أخرى قبل أن تشرع بارتدائها لتعاود تأمل نفسها في المرآة ...
رباه !
هي تحتاج الآن أن ترى نفسها جميلة...
بل أن يراها هو كذلك !!!
شعور لم تختبره من قبل وهي التي كانت كافرة بكل هذا الهراء!!!
ربما ما يحركها الآن هو شعورها بالنقص!
وربما العكس!!
ربما ما يملأها الآن هو رغبتها بالكمال في عينين صارت ترى العالم عبر عشقهما !!!
لهذا أطالت الوقوف أمام المرآة لدقائق ...
أدوات التجميل التي تثير اشمئزازها كانت رفيقتها في رحلة قصيرة ...
رتوش بسيطة لكنها أضافت لوجهها رونقاً منحها المزيد من الثقة...
خاصة مع طلاء الشفاه اللامع الذي جعلها تطلق شهقة خافتة وهي ترى نفسها به ...
قبل أن تعدو بسرعة هاربة من صورتها بالمرآة !!!
صراعٌ رهيب يدور في جنباتها وهي تشعر بخزي لا تدري كيف تدفعه عنها ...
هي لم تفعل عيباً ولا حراماً...
لماذا إذن هذه الغصة في حلقها ؟!
لماذا هذا الارتجاف وهي تشعر أنها تنحدر نحو الجرف الذي طالما حذرت نفسها منه ؟!!
هي تتزين ...لرجل؟!!
هزلت!!
زفرت بسخط وهي تحاول دفع هذا الخاطر عنها لتتوجه نحو المطبخ محاولة إعداد الفطور ...
كانت تريد أن تحضر له صينية الطعام في الفراش لكنها نظرت لذراعها اليمنى بعجز قبل أن تضع الأطباق واحداً واحداً على مائدة المطبخ ...
ولم تكد تنتهي من وضع آخر طبق حتى شعرت بذراعه يطوق خصرها من الخلف مع تمتمه العابثة :
_أول مخالفة ...سبتي السرير من غير إذن !
فالتفتت نحوه بحدة ليرتفع حاجباه هو بدهشة وهو يميز ملامحها المزينة ليهتف بمرح مستنكر:
_حاطة "روج"؟! شربتِ بانجو واللا لسه يا "سعدية"؟!!
قالها مقلداً أحد مشاهد الأفلام الشهيرة لتتخضب وجنتاها بحمرة خجلها وهي تحاول التملص من ذراعه الذي ازداد تشبثاً بها وهو يستدير ليعتدل بجسده أمامها بينما يقترب بشفتيه مردفاً :
_وكمان ريحته فراولة...لا لازم أدوق!
دفعته بغيظ من طريقته هذه التي تزيد حرجها ...
لكنها تزيد ثقتها في نفسها ...
الوغد يضحك !!!
كأنه يفهم ما تعانيه !!!
كلما تهرب بوجهها لناحية يلاحقها حتى أفسد طلاء شفتيها !!!
_اقعد كل وبطل حركات السيرك دي ...آه...رامز ...بتضغط على دراعي.
هتفت بها باستنكار غير حقيقي كاتمة ضحكاتها ليهتف بنفس المرح العابث وهو يتأمل هيئتها التي بدت في عينيه شديدة الإغواء:
_ما انتِ حلوة أهه...امال عاملة لي فيها حسب الله بعضشي ليه ؟! أبوس إيدك تثبتي التردد ع القناة دي!
تجاهلت عبارته كما يفترض وهي تتمكن أخيراً من إبعاده لتجلس على كرسي المائدة قائلة بينما تتحاشى نظراته :
_أنا جعانة .
قالتها وهي تبدأ بتناول الطعام ليبتسم وهو يسحب كرسيه ليجلس ملتصقاً بها مع قوله :
_واستعجلتِ ليه ؟! ده انا كنت هاعمل لك مفاجأة وأحضر لك الفطار في السرير .
ابتسمت لتوارد الفكرة لكنها أطرقت برأسها فرفع ذقنها نحوه ليتأمل ملامحها هامساً بدفء هذه المرة :
_عمري ما شفتك جميلة زي النهارده ...مش عشان اللي في بالك...بس عشان عارف قيمة إن انتِ بالذات تعمليه عشاني .
_مش عشانك !
هتفت بها دون وعي وكأن عقلها الباطن لايزال يصارع قناعاته ليمط شفتيه باستياء مع رده :
_هرمون الدبش اشتغل تاني أهه...احمينا يارب!
أطلقت ضحكة عالية وهي تعود برأسها للخلف في حركة عفوية ...
حركة جعلت ياقة منامتها تنكشف عن جزء يسير جداً من حرق رقبتها ...
هذا الذي تعلقت به عيناه رغماً عنه في لحظة خاطفة لكنها كانت كافية لتدرك هي ما رآه وتضم الياقة على رقبتها وهي تطرق بوجهها في وجوم كأن ضحكتها السابقة لم تكن !!
لكنه لم يكن ليسمح لهذا الشعور أن يتملكها أكثر لتفاجأ به يضمها نحوه متملكاً خصرها بأحد ذراعيه بينما يثبت رأسها بالآخر ...
ليغرس قبلاته غرساً فوق "ما تظنه هي نقطة ضعف"!!!
كانت مغامرة غير محسوبة منه وهو يزيح ياقة المنامة ببعض العنف مدركاً أنه يتلاعب ب"شرطها" الذي وضعته ...
لكنه لم يكن يعنيه الآن إلا أن يمحو عنها نظرة الانتقاص هذه التي رآها في عينيها ...
تأوهات اعتراضها الصاخبة تخف حدتها رويداً رويداً لتجد نفسها تستجيب له ...
صوت طبق ما جوارها يتكسر من عنف حركته لكنها لم تكن تسمع سوى هدير الصراع الذي عاد يزأر بين جنباتها ...
جميل هذا الحب...جميل!!
لكن إلى متى سيصمد ...
تجرؤين على تخيل الجواب؟!
=======
_الأرانب بقت أحسن م الأول!
هتفت بها إيناس صباحاً برضا امتزج بمرحها المعهود وهي تتأبط ذراع غادة التي وقفت تراقبهم بحنان ...
قبل أن تردف:
_سيف يستاهل عزومة المشاوي اللي عاملاها لهم النهارده .
فالتفتت نحوها غادة بملامح لم تملك انزعاجها مع غمغمتها:
_هم هييجوا النهارده ؟!
تنهدت إيناس بأسى اكتسح ملامحها الحنون لتطرق برأسها قائلة :
_النهاردة عيد ميلاد هاني الله يرحمه ...كل سنة بيقضوه معانا هنا .
تحول الانزعاج في ملامح غادة لمزيج من الإشفاق والامتنان لهذيْن الرجليْن اللذين لايزالان يشاطران هذه العائلة مصيبتها ...
لتقترب من إيناس أكثر فتضمها إليها بعناق دافئ أجزأها عن الكلمات ...
قبل أن ترفع إليها إيناس عينيها بقولها :
_ربنا كريم قوي ...أخد مننا ابن وعوضنا باتنين ...
والقبلة الدافئة التي منحتها غادة لرأسها جعلتها تردف غير كاذبة :
_لا ...تلاتة !
ابتسمت غادة وهي تعاود تقبيل رأسها قبل أن تسير معها للخارج نحو الجزء المكشوف من المزرعة ...
الشمس الساطعة مع النسيم الهادئ و رائحة العشب البرية تمنحها جميعها مزيج من شعور السكينة مع الانطلاق ...
عمرٌ جديد!
هذا ببساطة ما تعيشه هنا في اسطنبول مع هذه العائلة ...
روح جديدة تتملكها وتزداد سيطرتها عليها يوماً بعد يوم ...
روح مطمئنة...متفائلة...والأهم أنها قوية !
قوية حد أنها أنستها حياتها السابقة كلها ...
كلها عدا ...
الخاطر الأخير ينتهي بمداعبتها لدبلة أحمد في إصبعها ...
"تميمة الحفظ" التي ستبقى تعلقها على صدر قلبها كي تقيه الشرور !
_حسيت إنك اتضايقتي لما عرفتِ إن سيف وإسلام جايين .
قالتها إيناس السائرة الهوينى جوارها لتجيبها ببعض الارتباك :
_لا ...أبداً...ده شيئ ما يخصنيش...
والنظرة العاتبة الحنون في عيني إيناس جعلتها تطرق برأسها لتستجمع قوتها بقولها:
_أنا سمعتهم بيتكلموا عن رغبة إسلام في إنه يرتبط بيا ليلتها ...ووجوده هنا معايا بعد اللي حصل ممكن يبقى معناه موافقة مني ...
_وانتِ مش موافقة عليه ؟!
سألتها إيناس بترقب لترد غادة ببعض الانفعال:
_موافقة على إيه ؟! هو أصلاً ما اتصرفش أي تصرف جد...كلها حركات مراهقين وكلام من تحت لتحت ...كان ممكن أطنش بس دلوقت هو عارف إني سمعتهم ليلتها ...الموقف كله ملخبط ومش عارفة أتصرف إزاي.
_يعني دي المشكلة ...تحبي نزنقه يتكلم جد ؟!
قالتها إيناس بمكر وهي تتفحص ملامحها لترد غادة بسرعة:
_لا لا لا...مش قصدي طبعاً...أنا بس ...
قطعت عبارتها تبحث عن تكملة مناسبة ...
قبل أن تتوقف مكانها لتجلس متربعة على العشب ورأسها يرتفع للسماء فيما بدا كدعاء صامت سبق قولها :
_أنا لسه بحب أحمد ...مش متقبلة أبداً فكرة إني أرتبط بحد تاني ...أكيد عارفة إن ده مش منطقي لواحدة في سني وظروفي ...ومقتنعة جداً إن الحياة ما بتقفش عند حد مهما كان غالي علينا ...كل الكلام ده سهل جداً وعقلاني وصحيح ...بس ...من امتى قلوبنا بتسمع صوت عقل؟!
جلست إيناس على نفس هيئتها قبالتها لتربت على ركبتها قائلة :
_الحكاية محتاجة قوة...ودي حاجة مش ناقصاكي ...الحقي عمرك اللي بيجري واكتبي قصة جديدة.
فدمعت عينا غادة بقوة مع إشاحتها بوجهها بينما تردف:
_ما هي دي المشكلة...القوة اللي انتِ شايفاها دي مصدرها أحمد ...هو طاقة النور اللي جوايا ...حتى بعد موته ...كل موقف صعب كنت بعديه بس عشان كنت بتخيله جنبي ساندني ...أنا في لحظة معينة لما هانت عليا الحياة وكنت هاموّت نفسي خدت مخدته في حضني عشان تبقى آخر حاجة شفتها ...ولما ربنا كتب لي الحياة تاني ماقمتش غير بسبب جواب قديم منه ...
ثم لوحت بكفيها مردفة بصوت مرتجف:
_متخيلة ؟! كام كلمة بس منه عملوا فيا إيه ؟! ردوا لي روحي تاني ...حتى وجودي هنا دلوقت ...حياتي الجميلة الهادية وسطكم ...كل ده متلون بطيفه هو ...حاساه لسه جنبي راسم دايرة كبيرة حواليا بيحضنني فيها ...وأي خطوة ليا بره الدايرة دي هرجع أقع تاني .
ابتسمت إيناس بتفهم وهي تعاود التربيت على ركبتها قائلة :
_محدش ممكن يفهم إحساسك أدي ...عشان كده بنصحك باللي بعمله...هم في قلوبنا عمرنا ما هننساهم ...بس لازم نقبل عوض ربنا ...هديته اللي بيبعتهالنا بكرم يليق بيه سبحانه ما ينفعش نردها ...اوعديني تخرجي من الدايرة دي يا غادة ...حاولي وأنا واثقة إنك هتقدري .
_انتِ عايزاني أرتبط بإسلام؟!
سألتها غادة بقنوط وهي تطرق برأسها لكن إيناس رفعت ذقنها نحوها لتغمرها بعاطفة عينيها مع قولها :
_أنا عايزاكي تبقي مبسوطة ...ماانكرش إن جوايا رغبة إني أشوفكم سعدا مع بعض ...بس اتأكدي إني أنا وعمك عمرنا ما هنجبرك على حاجة ومعاكي في أي قرار تاخديه ...
ثم ضحكت لتردف :
_بصراحة عمك علاء مقلق من إسلام ...ده حتى صارح سيف بكده ...لكن أنا بالعكس شايفاكم لايقين جداً لبعض .
لم تلتقط من عبارتها سوى حديثها عن سيف لتتأوه بخفوت مع قولها الحرج:
_هو خلاص الموضوع بقا ع المشاع كده ؟!
لكن إيناس ضحكت لترد ببساطتها الحنون:
_سيف وإسلام إخوات...وأي حاجة تخص حد فيهم أوتوماتيك كده تبقا تخص التاني.
أطرقت غادة برأسها وهي تشعر بالمزيد من الضيق ...
هي تعلم أنهما لن يجبراها على أي وضع لكن وجود إسلام هنا يبدو أنه لا مفر منه ...
هو "رائحة الغالي الراحل" التي تهوّن عليهما عظمة مصابهما!
ليس هو فقط ...هو و...سيف هذا!
تباً!
عندما أخبرها والد أحمد في مصر أنها ستسافر لأخيه في اسطنبول طرأ لها خاطر ما أنها قد تقابل أخا رامز هناك...
خاطر ضحكت منه ساخرة وهي تقول لنفسها أن البلد الكبير الذي سيعج بساكنيه لن يجعلها تتعثر في رجل تعرفه !
لكن ها هي ذي تلتقي به ...
مجرد لقائين فقط ...
أحدهما مشتعل بنكهة غضبه...والآخر دافئ بمذاق اعتذاره ...
وكلاهما فعل بها الأفاعيل ...
ربما لأن الأول استنفر قوتها المستحدثة التي تجاهد للحفاظ عليها ...
بينما أذكى الآخر وهج شعورها بالحنين لصديقتها ووطنها ...
وعند الخاطر الأخير تذكرت مكالمتها لهانيا بعدما علمت عن الحادث والتي انتهت بقول الأخيرة :
_أنا فرحانة جداً إنك قابلت سيف...دلوقت ممكن أطمن عليكِ...سيف جدع وهياخد باله منك ...هو قفل شوية بس يعتمد عليه .
_شوفوا مين اللي بتتكلم ع القفل ؟! الشاويش هانيا؟!!
خاطر ساخر يعاود اجتياح روحها لترتسم على شفتيها ابتسامة واهنة وهي تقارن بين الاثنين ...
هانيا وسيف!
كلاهما فظ غليظ الطباع من الخارج ...وإن كانت تتفهم طباع هانيا الحنون ودوافعها لهذا المظهر ...
فماذا عن سيف هذا ؟!
تراه يملك -مثلها- نفس الباطن والدافع؟!!
_أنا فرحت جداً لما قبلتِ اعتذاره كده ببساطة من غير كلام كتير ...
انتزعتها بها إيناس من شرودها لتلتفت نحوها بينما الأخيرة تردف بنفس النبرة الحانية:
_سيف ده بالذات بيقطع في قلبي قوي ...من ساعة مراته اللي يرحمها ما ماتت وهو عازل نفسه عن الدنيا بحالها .
_مراته ؟! هو كان متجوز؟!
سألتها غادة بدهشة وهي تتذكر سمعته "كعازب أبديّ" بين عائلته ...
لتجيبها إيناس ببعض الأسى:
_محدش في مصر يعرف ...هو كان شارط على آنجيل كده !
اتسعت عيناها بترقب مع سماع الاسم لتجد نفسها مهتمة بسماع التفاصيل:
_آنجيل؟! كانت تركية ؟!
تأوهت إيناس بقوة وهي تتحرك لتمد ساقيها أمامها بقولها الذي عادت إليه نكهة المرح:
_نمدد بقا مادام الحكاية شكلها هتطول ...
ابتسمت غادة وعيناها تلتمعان بفضول مع حديث إيناس ...
_انجيل كانت اسم على مسمى...بنت لبنانية سابت بلدها وجت استقرت هنا بعد ما باباها ومامتها اتوفوا هناك...كانت غاوية فوتوجرافي ...عينيها الخبيرة كانت بتلقط الجمال في أي شيئ تشوفه ...يمكن عشان كده قدرت تشوف في سيف عمق أحلى بكتير مما يبان عليه ...
تحفزت حواس غادة للحكاية التي لم تكن تعلم عنها شيئاً فأصدرت همهمة تحفيزية تحث إيناس على الاستطراد ...
_أي حد كان يشوفهم من بعيد كان يقول قصتهم هتفشل...آنجيل متحررة بتكره أي قيد ...جو الحرب والموت اللي جت منه لهنا عمل منها ست عايشة تستمتع بكل لحظة في الحياة...عايزة تضحك وتغني وترقص عكس سيف بطبيعته المتزمتة المستقيمة الرافضة لكل ده ...كانوا بيتخانقوا كتير لحد ما اتفاجئنا في يوم انهم اتجوزوا!
أصدرت غادة آهة تعجب لتبتسم إيناس ابتسامة شجن وكأنها تستعيد ذكرى غالية موجعة:
_بس هاني حبيبي مكانش بيخبي عني حاجة...قاللي السر اللي محدش يعرفه...انجيل غلطت مع سيف ...من وجهة نظرها كانت شايفة إنها ماعملتش حاجة غلط لما تسلم نفسها لراجل بتحبه خصوصاً إنه كان أول راجل في حياتها ...لكن رجل بعقلية سيف الشرقية كان شايفها جريمة شاركها فيها في لحظة ضعف وصلحها بعقد جواز ...
عقدت غادة حاجبيها محاولة عدم الانحياز ...
لكنها لم تستطع منع عبارتها الحمائية :
_يعني هي كانت شربته حاجة صفرا قبل ما يعمل عملته؟! واللا هي مابقتش جريمة إلا بعد ما خد غرضه منها؟!!
_سيف مش ندل ...هو كان عارف إنه غلط أكتر منها وعشان كده سرّع بعقد الجواز من غير ما هي تطلب ...
قالتها إيناس مدافعة لترد غادة مدفوعة ب"عقدتها القديمة":
_بس أكيد سود عيشتها بعدها ...أكيد كل ساعة كان بيفكرها بذنبها القديم وإنه اتفضل واتكرم عليها لما ستر الغلطة ...الحب والهيام اختفوا ورا مشنقة راجل شرقي شايف إنه منزّه مابيغلطش وإن الست هي دايما شيطان الحكاية !!!
الثورة التي كانت تتحدث بها غادة جعلت إيناس ترفع حاجبيها بدهشة لتغمغم بنفس النبرة المدافعة :
_الحكاية مش بالبشاعة اللي انتِ متصوراها ...سيف فعلاً كان بيحبها ...بس زي أي راجل شرقي ماتقبلش مراته تسلم نفسها قبل الجواز .
_وعشان كده خبّا جوازه منها عن الكل ؟! اتعامل معاها زي أي غلطة بيستعر منها ؟!
غمغمت بها غادة بابتسامة ساخرة فتنهدت إيناس لترد بنبرة اجتاحها الحزن:
_يظهر فعلاً أن ده اللي هي كمان فهمته ...حياتهم بعدها كانت ملخبطة...معرفش تفاصيل بس اللي أعرفه إن ملامحها كانت بتدبل كل يوم عن اللي قبله ...لحد ما وصلوا للعقبة اللي ماقدروش يتجاوزوها ...
حاولت غادة تهدئة خفقاتها الثائرة وهي تحاول ربط الأحداث مع سبب وفاة المرأة لتستطرد إيناس بنفس الأسف:
_كانوا متفقين مايبقاش فيه أطفال ...من ناحية لأن آنجيل كانت مريضة قلب من صغرها والدكاترة كانوا محذرينها من خطورة الوضع ...ومن ناحية تانية لأن سيف نفسه مكانش مقتنع إن هي دي الزوجة اللي ممكن يكمل معاها ...رغم إنها كانت الحب الوحيد في حياته بس فضلت الغلطة القديمة حاجز بينهم خصوصاً مع تحرر آنجيل الزايد اللي ماقدرش هو يلجمه ...لكن المسكينة لما لقت إن حياتهم مع بعض متهددة والحب بيبهت يوم ورا يوم خدت القرار لوحدها وفاجأته في يوم إنها حامل ...
_وبعدين؟!
سألتها غادة وهي تعدل وضع جلستها لتقترب منها أكثر مستندة على ركبتيها فتنهدت إيناس باستطرادها:
_سيف بطبيعته الانفعالية ماتفهمش رغبتها ...افتكر إنها بتلوي دراعه عشان جوازهم ياخد شكل تاني ...ثورته حسستها إن التضحية اللي هي عملتها كانت من غير تمن ...طلبت الطلاق والعند خلاها تتمادى أكتر من الأول ...كل يوم سهر وشرب لحد الصبح ...والصور اللي بتوصلله على تليفونه ليها بتأكد له إن كان معاه حق ...هي بتعند وهو بيعند لحد ما جه وقت الولادة ...
ثم صمتت لحظة لتردف:
_راحوا الاتنين ...هي والبيبي!
شهقت غادة بارتياع وهي تغطي شفتيها براحتها لتزفر إيناس بأسى يليق بقولها:
_ومن ساعتها وسيف محمل نفسه الذنب ...رافض يكمل حياته وهو شايف نفسه السبب في اللي حصللها ...عمك علاء حاول معاه كتير يتأقلم ويحاول ينسى لكن هو حابس نفسه في سجن الماضي وشايف ده التكفير الوحيد لغلطته .
ارتخت ملامح غادة ببعض الإشفاق الذي خالط ثورتها القديمة ...
"القاضي والجلاد"!!
هكذا نصب نفسه سيف إذن!!
حكم على حبيبته فجلدها حتى الموت ...
والآن يحكم بذات الحكم على نفسه !!!
ترى أيهما كان المنكوب بصاحبه ؟!!
هي أم هو؟!!
===========
_وده إيه اللي انت جايبه معانا ده ؟!
سأله سيف باستنكار وهو يستقل سيارة إسلام الذي ابتسم مجيباً ببساطة:
_غزل بنات ! عرفت إن غادة بتحبه قوي!
مط سيف شفتيه باستياء وهو يشيح بوجهه نحو جانب الطريق الذي تقطعه السيارة نحو المزرعة ليستطرد إسلام بنبرته الحماسية :
_جبت لعمو علاء اسطوانة فريد الأطرش اللي كان دايخ عليها ...ول"أنّا" طاقم فضة ماركيز م اللي بتحبها...كان نفسي أجيب لغادة كمان هدية بس عمك قارش ملحتي من اليوم إياه ومش عايز أعصبه .
كتم سيف ضيقه وهو يقول دون أن ينظر إليه :
_اتصرف عادي لحد ما تقدر تتقدم رسمي ...مش بتقول والدتك رافضة ؟!
_رافضة بس؟! دي صرخت في وشي أول ما عرفت إنها أرملة ...وهوبا العرق التركي نقح ...أدبسيس ...خرسيس ...إسلام ابن حسين رجائي يتجوز واحدة من غير أصل ولا فصل ...وكمان كانت متجوزة ...وقفلت السكة في وشي ومن وقتها مش عايزة ترد !
قالها إسلام بمرحه العابث الذي امتزج بأسف حقيقي مع استطراده :
_مش عارف أقنعها إزاي ...وكمان مش عايز أزعلها ...مش كفاية اللي أبويا مخبيه عليها وياعالم هيتكشف واللا لا؟!
ثم ابتسم ساخراً ليردف:
_تخيل صدمتها لما تعرف إن حسين رجائي اللي طايرة بيه ده كان بيخونها مع الخدامة ومخلف منها بنتين ؟!
عاد سيف إليه ببصره وهو يدرك حساسية صديقه لهذا الأمر ...
صديقه الذي تلقى صدمة عمره في أبيه المثالي كما كان يراه ...
ليكتشف مصادفةً أمر ابنتيه هاتين!!
مصادفة جعلته يستمع مرة دون قصد لاتصاله مع إحداهن كشف له الحقيقة المستترة خلف الرجل المرح والزوج المخلص !!
ربما لهذا لم يحتمل النظر في وجه أمه وهو يشعر أنه يشارك أباه تلك الجريمة بتستره عليها ...
لهذا قرر السفر وترك كل شيئ خلفه !!!
_سيبها للوقت ...بس لحد ما تعرف راسك من رجليك ماتحاولش تشاغل غادة ...بنات الناس مش لعبة .
قالها سيف بنبرته الحازمة التي يدرك صديقه أي حنان تخفيه خلفها ...
ربما لهذا التفت نحوه باسماً بقوله :
_ادعيلنا بالثبات يا سيدنا ...بتاع البرقوق آخرته هيلبس القفص ذات نفسه في دماغه !
ضحك سيف للتشبيه قبل أن يعاود الإشاحة بوجهه لعله يخفي ضيقه الخفي ...
منذ ظهرت غادة هذه وهي تدفع بذكرياته الدفينة لتطفو فوق السطح ...
رغم أنها لا تشبه إنجي في ملامحها لكنه لا يعرف الصلة التي تدفعه ليستحضرها بصورتها ...
ربما لأنه ظلمها هي في أول لقاء ...كما فعل بها !
وربما لأنه رأى في شراستها ودفاعها القوي عن نفسها صورة لحيوية الحبيبة الراحلة ...
وربما السبب يخص غادة نفسها ...
المرأة التي مسته "أنوثتها" في المرة الوحيدة التي رآها فيها تراقص زوجها لتبقى الصورة من وقتها محفورة في ذهنه بأثر يشبه أثر آنجيل عليه ...
كلتاهما تركتا أثراً واضحاً على رمال رجل طالما تباهى أنه لا تفتنه النساء!
يالله!!!
كم يكره تفكيره هذا!!!
كيف يسمح لنفسه حتى بالمقارنة ؟!!
بل كيف ينجرف مع هذا التيار وجواره صديقه يفكر في خطبتها ؟!!!
أفق يارجل...إنها خيانة !!!
ياللسخرية!!!
المرة الأولى التي رآها فيها كانت في عصمة رجل ...
واليوم هي حلم صديقه الذي يعتبره شغفه ...
ترى لو لقيها يوماً بمكان "خالٍ" يحتمل بصمته هل كان ليغامر ب....؟!!
_يا جمالك يا "أنّا"...ريحة الشوي واصلة من هنا !
هتف بها إسلام بتلذذ مقاطعاً أفكاره ليلتفت نحوه بملامح متجهمة مدركاً قرب المواجهة التي لا يحبها ...
لولا أنها ذكرى عيد ميلاد هاني لما غامر بالحضور ...
لكن ...لا بأس!
لن يكررها ...
قريباً على الأقل!!!
الاستقبال الحافل من علاء وإيناس لهما لم يفقد رونقه ...
حتى مع تحفظ غادة الشديد وهي تتحرك مبتعدة لتتولى هي أمر الشواء على المنضدة البعيدة نسبياً لتتركهما معهما ...
هذا التصرف الذي حمده لها كثيراً إذ جعله أقل تحفزاً في جلسته مع العائلة حيث افترشوا الأرض العشبية للمزرعة...
دعابات إسلام المشاكسة لعلاء لا تنتهي ...
ترافقها ضحكات إيناس المتحشرجة التي لا تبارحها ذكريات العزيز الراحل ...
لهذا حافظ على ابتسامة معتدلة محاولاً الاندماج معهم ...
بعيداً عن ظل تلك الراحلة التي يكاد يراها بعين خياله تتحرك هناك عند مائدة الشواء ...
نظرة عابرة لعيني إسلام الملتمعتين ببريق يعرفه جعلته يلتفت نحوها خلسة ليميز ما جعل صديقه في هذه الحال ...
آه...هذا إذن !!
صواعق الفتنة!!!
شعرها الطويل الذي بدت أطرافه النبيذية المصبوغة بلونها الصارخ انساب خائناً على ظهرها من تحت وشاحها ...
يتحرك معها كأفعى ساحرة المظهر تتلوى بخفة على القوام الممشوق!
عاد ببصره نحو إسلام بسرعة ليجده متلذذاً حقاً بما يرى خلف دعاباته المشاكسة للعم وزوجته ...
فضم قبضتيه بقوة وهو يشعر بالضيق يتملكه أكثر!!!
لكن...وماله هو؟!!
هي لا تخصه بشيئ ...ولن تكون !!
لهذا أطرق ببصره للحظات قبل أن يجد نفسه يقوم فجأة ليقول بصوت ظاهره الهدوء:
_هاعمل مكالمة مهمة وارجع.
قالها وهو يتناول هاتفه ليتحرك مبتعداً باتجاه غادة وهو يتظاهر بالحديث لأحدهم ...
وما إن اقترب منها أكثر حتى أبعد هاتفه ليتنحنح مغمغماً بصوت خفيض:
_أنا آسف...بس ..شعرك باين.
رفعت غادة إليه عينيها بحرج وهي تتلمس شعرها خلف ظهرها بكفها الحر ليخلصها هو بقوله :
_هاكمل أنا وروحي انتِ اظبطي الطرحة .
قالها وهو يتناول منها ما بيدها غاضاً بصره لتهرول هي للداخل بخطوات سريعة ...
وما كادت تختفي حتى عاد لقلبه هدوء خفقاته ...
ليتها لا تعود برؤيتها هذه التي تثير حرائق روحه كلها !!
_غادة راحت فين؟!
سألته إيناس بدهشة وهي تتقدم نحوه ليجيبها كاذباً:
_استأذنتها أكمل أنا ...أهه أبقى ساعدت بأي حاجة .
فابتسمت وهي تساعده بتقريب بعض الأطباق منه قائلة :
_ما أنا كنت هاقوم أساعدها ...ماتخافش احنا مش قاسيين عليها .
_قلبك مايعرفش القسوة يا "أنّا"!
قالها بنبرته المهذبة الممتزجة بحرجه والتي تثير دوماً أمومتها لترد بصدق :
_ولا قلبك يا حبيبي ...ربنا يريح قلبك .
وفي غرفتها أمام المرآة كانت غادة محمرة الوجنتين تراقب شعرها الظاهر خلف وشاحها بمزيج من غضب وخجل ...
هذا إذن سبب نظرات إسلام الغريبة نحوها منذ حضر ...
لكن...سيف هذا!!!
ماذا عساه يظن بها الآن بعد ما عرفته عنه ؟!
تراه يظنها تكشف شعرها عامدة كي تغوي صديقه ؟!!
لا ...لا...
نظرته لم تحمل شيئاً من انتقاص ...
على العكس!
لقد غض بصره بعدها عنها كأي رجل ...يحترمها!
يحترمها؟!
الخاطر الأخير رسم ابتسامة واهنة على شفتيها وهي تشعر بقيمة أن يغادر مجلسه خلسة فقط كي ينبهها لتغطية شعرها ...
شعرها الذي عادت تتفحصه في مرآتها بعدما خلعت وشاحها لتعيد لفه فيما يسمونه "كعكة" ثبتتها جيداً قبل أن تعيد لف الوشاح ...
نداء علاء الجهوري لها من الخارج يجعلها تتنهد أخيراً لتلحق بهم والحمرة اللعينة لا تكاد تفارق وجنتيها ...
صمتها المتحفظ...وجهها المطرق ...أناملها المنشغلة بالطعام فحسب ...
كل هذا لم يجعلها بعزلة تفترضها عن زوجين من العيون تخشاهما ...
أحدهما يقبض قلبها بما يحمله من اشتهاء تخشى عواقبه ...
والآخر صارت تخشاه هو الآخر بما يثيره فيها من غضب وشفقة تلازما مع معرفتها لماضيه ...
_الأرانب بقت صحتها عال بس لو عايز تطمن بنفسك اتفضل .
قالها علاء بعدما انتهوا من تناول الطعام فيما وجدها سيف دعوة لا يمكنه رفضها ...ليردف الرجل:
_روحي معاه يا غادة عشان لو عايز يستفسر عن حاجة.
مط إسلام شفتيه باستياء وهو يود لو يذهب معهما لكنه كان يدرك أن علاء لا يغير كلمته ...
هو حذره من التعرض لغادة مادام لم يتقدم بطلبها رسمياً لهذا لجم نفسه بصعوبة وهو يراهما يذهبان معاً ...
قبل أن يفرغ غيظه في الرجل بهتافه المشاكس:
_نلعب طاولة بقا ...والرهان المرة دي على عمايل الشاي .
وفي نفس المكان الذي التقيا فيه سابقاً وقف هو جوارها يتفحص الأرانب بمهنية أجادت إخفاء ارتباكه قبل أن يقول بهدوء:
_كله تمام ...مفيش مشكلة.
_أنا كنت حريصة أديهم الدوا اللي كتبته في مواعيده ...والأكل كمان.
لم تجد غير هذا لتقوله وهي تتحرك برأسها متحاشية نظراته ...
فابتسم وهو يتذكر ما جعله يقول:
_باركتِ لهانيا؟!
هنا ابتسمت ابتسامة حقيقية وهي تومئ برأسها لتقول بسعادة :
_ماكنتش مصدقة ...ماتعرفش أد إيه كان نفسي أبقى جنبها دلوقت .
_رامز كمان مبسوط قوي ...ياريت يستفيدوا من التجربة ...أفتكر لسه قدامهم مشوار طويل.
قالها وهو يتحرك ليداعب أحد الأرانب -الرمادية- ليسمع عبارتها خلفه :
_أنا واثقة إنهم هيقدروا ...الحب بيقصر كل المسافات .
تنهد بحرارة وكلماتها تعيده لمأساته الخاصة ...
لترسم حروفه جسراً من ألم وندم:
_الحب لوحده مش كفاية .
جسراً عبرت هي عليه لتتقدم بدورها كي تداعب أرنباً آخر -أبيض- اللون مع كلماتها الواثقة :
_حب...عطاء...ثقة ...مثلث ماينفعش نستغنى عن زاوية منه ...مثلث على قمته النجاح اللي بجد .
فالتفت نحوها وقد أثارت كلماتها خاطراً جعله يسألها بشك:
_"أنّا" حكيتلك عني حاجة ؟!
الإجابة كانت واضحة على ملامحها التي لا تجيد الكذب والتي فوجئت بسؤاله المباشر ...
فأشاح بوجهه بضيق حقيقي وهو يشعر بمزيد من الحرج والغضب ...
هذا الذي جعلها تقول بسرعة وبنبرة آسفة :
_أنا آسفة ...ما قصدتش أتدخل في حاجة شخصية ...انت عارف هي بتحبكم أد إيه وطول الوقت بتتكلم عنكم زي ولادها .
لم يتمكن من الرد وهو يشعر أنه عارٍ بماضيه أمامها ...
"بطحة" رأسه التي لاتزال تتحسسها أنامل "ندمه"!!
والتي ارتسم أثرها على وجهه الذي ازدادت قتامة ملامحه ...
_المفروض مفيش حد في مصر يعرف .
قالها باقتضاب فظ حمل نبرة التحذير فازدادت كثافة الحرج بينهما لتغمغم هي بخجل :
_أكيد طبعاً ...أنا آسفة مرة تانية .
رفع عينيه إليها لتلتقي نظراتهما في حديث قصير صامت ...
"الحزن الأخرس" في حدقتيه لازال يستصرخ أمومتها ...
و"القوة المشعة" في عينيها لا تزال تذكره ب"الغالية الراحلة"...
ذبذبات خافتة تترقرق بينهما بهذا الترنيم الغريب الذي يجذبك لحنه وإن لم تفهم معانيه ...
هذا الترنيم الذي يعني ببساطة ...أنك منجذب!
والذي كان هو أول من قطعه بزفرة قصيرة سبقت مغادرته لها بعد تحية مقتضبة ...
بينما ظلت هي واقفة مكانها تراقب ظله المنصرف للحظات بنظرات شاردة ...
مسكين هذا الرجل!
ليس أقسى على المرء من أن يدرك أن خطأه غير قابل للإصلاح ...
النهر الذي تلوث سقى الزرع كله ...
فأي ثمر ينتظر؟!!
شعورٌ قاتل تدرك ماهيته وإن لم تجربه...
شعور أحست به يخنق روحه ...يمنحه هذه الطلة المنفرة من الخارج ...
بينما هو من الداخل رجل يحترق بذنبه ...
كانت تسأل عن الشبه بينه وبين هانيا؟!
الآن تدرك !
لهذا تنهدت أخيراً وهي تهز كتفيها مدعية عدم الاكتراث قبل أن تغادر بدورها ...
فقط ليتها قبل أن تغادر لاحظت الأرنبين اللذين كانا يداعبانهما ...
الأبيض خاصتها والرمادي خاصته ...
الآن كانا ...متلاصقين يأنس كل منهما بدفء صاحبه !
=============
"الملاك الكسير " لايزال يرجو التحليق خلف قضبان النافذة المفتوحة ...
شفتاها تتمتمان بحديث لا يسمعه لكنه يصل قلبه حرفاً حرفاً...
عيناها معصوبتان كالعادة في حضرته وما أقساه من عقاب على رجل كان يراهما يوماً كل حياته ...
متى أحبها؟!
هو لا يذكر ...
أشياء كهذه لا ترتبط بموعد أو تأريخ!
هي سكنت قلبه منذ أول مرة رآها لتكبر ويكبر معها أمله فيها ...
لم يكن يراها فتاة "الخطيئة" ...ابنة "الخائن" و"الأفعى" كما كانت تدعوها أمه ...
ولا كما كان يراها زين ... "ثمرة الغدر" التي سممت أمه حتى قتلتها !
بل كانت بعينيه ولا تزال ...
وردة لم تتسول السُقيا ...فتركوها تذبل حتى الموت ...
حتى هو خذلها !
ضعف في أول اختبار قايضه الحب بالكبرياء فانتصر لكرامته...
ماذا كان عذره ؟!
إرضاء أمه ؟!
الثأر لرفض عمه ؟!
الألم ؟! اليأس ؟! القنوط؟!
كل هذا عبث أمام ما جنته هي ولا تزال تجنيه من جراء أنانيته !!
أجل ..لايزال يعيش بذنبها وسيظل طوال عمره يفعل ...
لن يهنأ له بال حتى يعيدها كما كانت ...
فليعد لها عقلها ...أو فليكمل هو عمره مجنوناً بها ...
ألم يكن هذا هو العهد الذي قطعه على نفسه من حينها محرماً النساء -سواها- على جسده وقلبه ؟!
اشتدت ملامحه عند الخاطر الأخير وهو يقبض كفه على قلبه كأنما يجدد العهد قبل أن تخونه قدماه بالاقتراب أكثر ...
خط دموعها الصامتة تحت عصابة عينيها يثير جنونه فلا يبالي هذه المرة !
لن يبقى واقفاً يتفرج في كل مرة يغيب فيها زين عنها فيسوء حالها هكذا ...
لكن ...ماذا عساه يصنع ؟!
إلا أن يراقب ...ويعتني ...
فلا يسمح أن تمتد يد لإيذائها ...أي يد !!
يجثو على ركبتيه أخيراً أمامها وهو يراقب ملامحها لأول مرة بهذا القرب منذ زمن بعيد ...
أنفاسه تتلاحق وهو يمد راحته ببطء ليفردها أمام أنفها فيتلقى أنفاسها الدافئة كما تتلقف الزهرة قطر الندى ...
شفتاه تنفرجان ببطء وهو يتمنى فقط دقيقة واحدة تسمعه فيها ...
ألا حقّ لعشق كهذا أن يُسمَع دفاعه قبل أن يقطع عنقه ؟!!
لكنه يعود ليذكر رد فعلها عندما رأته ذاك اليوم ...
صراخها ...تشنجها ...زئير جسدها المنتفض قبل أن يسقط على الأرض بلا حراك ...
فيطبق شفتيه بقوة وهو يبثها حديثه الصامت دون كلمات ...
_ما خنتش ...ما بعتش...كل اللي بيننا لسه عايش ...كل حاجة لسه مستنياكي ترجعي ...سنة ...اتنين ...عشرة ...مش مهم ...فداكِ العمر كله !
هنا لم يستطع منع نفسه وهو يخفض راحته التي كانت مواجهة لأنفها فيبسطها أمامه ...
قبل أن يتناول كفها هي ببطء ليبسطه هو الآخر على راحته قبل أن يطبقها فوقه !
أصدرت أنة خافتة وخيوط الدمع على وجهها تتكاثر ...
فمد أنامله المرتجفة بسرعة يمسحها قبل أن يفقد سيطرته تماماً !!!
العقل الذي طالما تباهى بدهائه تدفنه أطلال عاطفة يحترق بها منذ دهور ...
العناق الذي طالما اشتهاه كثمرة محرمة أخيراً يناله...
والشفاه التي اشتاقت مذاقها تحترق برغبتها فلا تجد لها ملاذاً إلا هناك ...
عند طرف أذنها حيث قرطها الذي اشتراه هو لها منذ سنوات على شكل غريب كان يراه هو فراشة ...
وكانت هي تراه راقصة باليه !
شهقتها الخافتة تخترق غيابات شغفه فيبتعد بوجهه عنها وهو ينتبه أخيراً لما فعله قبل أن يزفر زفرة مشتعلة...
اللعنة !
ماذا لو اختطفها من هنا ؟!
ماذا لو تولى هو أمر علاجها هذا ؟!
ماذا لو أعلن عن "السر" الذي ظل يخفيه طوال هذه السنوات أنها ...
_انت بتعمل إيه هنا ؟!
والهتاف الحاد يأتيه من خلفه مقاطعاً أفكاره ...
ليلتفت ...وتبدأ المواجهة ...
=======
انتهى الفصل السادس
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سينابون
القطعة الخامسة
==========
_استني ما تمشيش !
العبارة جمدت الدم في عروقها وهي تشعر أن وجهها قد غابت عنه الحياة !
التفتت نحو المرأة التي تقدمت نحوها لتبتسم أخيراً وهي تعطيها مبلغاً من المال :
_هاخلليهم يبعتوكِ كل مرة.
تنفست الصعداء وهي تشكر المرأة بكلمات مرتجفة قبل أن تغادر وقد قررت أن تعود فوراً لقريتها ...
الحظ حالفها بمكانٍ خالٍ في القطار لتستقله والدموع اللعينة تأبى التوقف!!!
لماذا تفعل هذا ؟!!
هل هذه عاقبة تربية ثمر لها ؟!!
هل هذه آخرتها ؟!
ابنة خادمة...ولصّة؟!!
شعور الخزي يعتصرها وهي تفرك كفيها بقوة ...
السارق يقطعون يده كما كانت ثمر تعلمها وهي بعد طفلة صغيرة ...
لكن يشهد الله أنها لا تفعلها وهي بوعيها ...
لقد فكرت يوماً أن تسأل ياقوت عن مرض نفسي يجعلها تفعل هذا ...
لكنها جبنت عن هذا!
آه!
ما حيلتها؟!
إنها تجد نفسها كل مرة مدفوعة للسرقة بمتعة لا تدري لها سبباً ولا تعرف لها مثيلاً...
لكن شعور الخزي والذنب الذي ينتابها بعدها يكاد يحرقها بحسرته...
يجب أن تتوقف ...
ثمر ستموت لو علمت ...
وهي ستموت قبلها خزياً!!
ظلت تبكي طوال الطريق وهي تشعر أنها كانت إشارة لها من السماء أن تتوقف ...
المرة القادمة لن تنالها رحمة لكن ...هل ستتمكن من المقاومة ؟!!
لهذا ما كادت تصل للبيت الذي وجدته خالياً حتى توجهت نحو الإناء الفخاري الذي تخفي فيه كنزها ...
لملمت كل شيئ في وشاح قديم طوته قبل أن تغادر نحو المصرف المهجور القديم ...
ككل مرة تفعلها ...
تلقي كل ما تسرقه هناك !!!
لماذا لا تنتفع به لنفسها؟!!
لا !
تربية الحاجة ثمر لم تكن لتنفق قرشاً من حرام على نفسها !!
لقد كبرت وهي تعي كلام الجدة الذي كانت تنقشه على حجر روحها ...
"ما نبت من حرام فالنار أولى به"
وهي تخاف النار ...وتخاف غضب ثمر!!
لهذا ما كادت تطمئن لتخلصها من عارها حتى تنهدت بحرارة وهي ترفع رأسها للسماء باستنجاد صامت ...
قبل أن تعود أدراجها للبيت مطأطأة الرأس على غير هيئتها المعتادة البشوش...
_بت يا "أوبرا"...إيه اللي رجعك بدري كده الأسبوع ده ؟!
هتفت بها ثمر وهي تستقبلها في بيتها قبل أن تخبط على صدرها بقوة مع هتافها:
_وإيه اللي (مليّطة) بيه وشك ده ؟! وكمان قالبة عنيكي زي العفاريت؟! اللهم احفظنا !!
امتقع وجه لجين وهي تتبين أنها نسيت في غمرة انفعالها أن تتخلص من تبرجها المتكلف فارتبكت وهي تتخلص من عدسات عينيها بسرعة لتضعهما جانباً مع قولها :
_واحدة صاحبتي شارت بيهم عليا...بس خلاص مش هاعملها تاني!
احمر وجه الجدة بغضب قبل أن تشيح به مع قولها الصارم :
_اغسلي وشك ده مش طايقة أشوفك بيه وحصليني على أوضتي .
تراكم البؤس على ملامحها وهي تتوجه نحو الحوض القريب لتخلع وشاحها وتغسل وجهها ...
بل تفركه بقوة وكأنما تفرغ غلها فيه ...
قبل أن تتطلع لصورتها في المرآة ...
هل ازدادت قبحاً أم هي فقط انعكاساتها الداخلية ؟!
هل ازدادت عيناها ضيقاً؟!!
..شفتاها غلظة ؟!
أنفها ضخامة ؟!
بشرتها سواداً؟!!
أم أنها فقط تتوهم ؟!!
زفرت بقنوط وهي تمسح وجهها في منشفة قريبة قبل أن تتوجه نحو غرفة رحمة التي كانت جالسة على سجادة صلاتها ممسكة بمسبحتها وقد أشارت لها بالاقتراب ...
جلست في كنفها فاحتضنتها المرأة الحصيف قبل أن تضع رأسها في حجرها وترقيها كعهدها معها ومع شقيقتها ...
_شعرك حلو قوي يا بت ...زي ديل الفرس!
قالتها ثمر مادحة غير كاذبة فقد كان شعر الفتاة حقاً أجمل ما فيها ...
لكنها -ثمر- بفطنتها كانت تدرك أن السياسة المثالية هي سياسة العصا والجزرة ...
المزج المتوازن بين الشدة واللين ...
لهذا ما كادت تقسو عليها بتقريعها على تبرجها المتكلف حتى بادرت بالمديح ...
_انتِ عارفة إني أنا اللي سميتكم أول ما خدتكم في حضني من أمكم الله يرحمها؟!...أول ما شفتك انتِ وأختك الشيطان لعب في راسي ...قاللي خلفة البنات هَمّ للممات...بنات الخاطية هيطلعوا زيها ...بس أنا قلت لا ...بنتي مش خاطية...بنتي كانت مغصوبة وبناتها مش عار ...بناتها كنز هحاوط عليه طول عمري ...أول ما شفت عيون أختك قلت ياقوت ...وأول ما لمحت خفة طلّتك قلت لجين ...حاكم أبويا الله يرحمه كان حافظ كتاب الله وكان يحب الشعر أد عينيه ...كان يقوللي يا بت يا ثمر التبر ده ماء الذهب واللجين ماء الفضة .
ابتسمت لجين وهي تسمع منها الحكاية للمرة الأولى لترفع عينيها إليها بقولها :
_تكونش أسامينا دي اللي نحستنا يا ستي؟! بيقولوا إنهم بيسموا الولاد أسامي وحشة عشان يطلع حظهم حلو .
فمصمصت الجدة شفتيها هاتفة باستنكار:
_وماله بختكم يا بت ؟! البلد كلها بتحسدني عليكو ...دي حتى الست أفكار جايبة لكم لسه عريسين انتِ وأختك .
هنا ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة من الحكاية التي تكررت حد الملل :
_زي كل مرة...ياقوت هترفض العريس...وأنا العريس هيرفضني!
لم تكن مبالغة حقيقة في تشاؤمها فهذا كان السيناريو الذي يتحقق دوماً دون تغيير ..
ياقوت الطموح المتطلعة تبحث عن أمير لا عريس ...وبالتالي ترفض الخضوع للأمور الوسط..
أما هي ف"تحت خط الجمال"أصلاً...!
من الأحمق الذي سيختارها خاصة وياقوت جوارها تمثل النقيض ...
بل الكمال!!!
كانت ثمر تشعر بما تعانيه لكنها تعلمت من خبرتها في الحياة أن القدر لا يصب في مصلحة الحسابات ...
وأن النصيب غالب كما يقولون!!
لهذا ربتت على رأسها وهي تقول بثقة :
_مفيش ست وحشة...ربنا خلق الجمال للعين اللي تشوفه...الحلاوة مش بالأحمر والأخضر اللي كنتِ حاطاه...الحلاوة من حلاوة الطبع...وانتِ حلوة يا بنت أشواق...حلوة قوي.
دمعت عينا لجين وهي تشعر بكلمات المرأة على بساطتها تضيئ مشاعل النور في ظلماتها ...
لهذا هبت من رقدتها لتحتضن جدتها بقوة تأففت منها الأخيرة مع تأوهها :
_آه...هتكسريني يا بت!
_بحبك يا ستنا ...بحبك .
أغرقتها بعدها بقبلاتها قبل أن تدغدغها بمرح لتهتف الجدة بين ضحكاتها:
_اتحشمي يا بت...بلاش مياصة...الله يرحم جدك لو كان عايش كان برك فوقك موّتك ...بس يا بت.
امتزجت ضحكاتهما معاً أخيراً والعناق الدافئ يرمم شروخ الأرواح الكسيرة ...
قبل أن تنهض لجين عندما سمعت صوت رنين هاتفها لتقول بصوت عاد إليه مرحه :
_دي رنة ياقوت ...هارد عليها أعرفها إني وصلت .
_ما قلتليش جيتي بدري ليه الأسبوع ده ؟!
سألتها ثمر بقلق لتجيبها كاذبة بينما تهرول لتخرج من الغرفة :
_ادوا لنُصّنا أجازة وبعد كام يوم هيدوا النص التاني ...هم شغلهم كده .
_ياقوتة ...توتا توتا!
هتفت بها بمرحها المعهود وهي تدلل شقيقتها بعاطفة لا تدعيها ...
قد تغبطها حقاً لكنها لا تكرهها ...
قد تغار منها لكنها لا تتمنى لها إلا الخير ...
لهذا تبادلت معها حديثاً ودياً قصيراً أخبرتها فيه بعودتها المبكرة للقرية...
قبل أن تحسم أمرها لتقول لها بقلق مفتعل:
_مش أنا اتسرقت النهارده ...بس ربنا ستر!
شهقت ياقوت بانزعاج لتردف بسرعة :
_ماتخافيش ...ما أنا قفشتها ...بس قعدت تتأسف وتقول إنها مريضة وإنه غصب عنها ...
ثم صمتت لحظة لتعاود السؤال الحذر:
_هو ممكن الواحد يسرق غصب عنه ؟!
_هو ممكن لو مش بتستهبل...بيسموه عندنا "كليبتومانيا"...مرض أو هوس السرقة...المريض بيسرق أي حاجة حتى لو هايفة عشان بيستمتع بالسرقة نفسها ...زي ما تقولي كده بتبقى السرقة كأنها صاحبته اللي ببيفضفض معاها عن اللي مش قادر يقوله الناس ...وبعد ما يسرق تلاقيه يرمي اللي سرقه وضميره يوجعه...ده فيه ناس ممكن ترجع اللي سرقته وترجع تسرق تاني عادي ...
_آآه...ما أنا فعلاً لحقتها قبل ما ترمي خاتمي ...يظهر إنها مريضة فعلاً...الله يسهل لها .
قالتها لجين بارتباك أجادت إخفاءه لتردف بإشفاق مصطنع:
_ودي علاجها إيه؟!
_ما تجيبيهالي وأهه نسترزق!
قالتها ياقوت بمرح لتضحك لجين ضحكة مفتعلة مع قولها:
_هاصيّتك ما تقلقيش .
استمر الحوار بينهما لبضع دقائق أدارته فيه لجين بمرحها المعهود الذي أخفت به ارتباكها كي لا تلاحظ ياقوت بذكائها أنها تخفي شيئاً...
قبل أن تغلق الاتصال لتلقي الهاتف جانباً وهي تتمدد على الفراش تحدق في السقف ...
هي حقاً في ورطة ...
لو انكشف أمرها يوماً فإنها تفضل الموت على مواجهة ثمر وياقوت ...
ترى ما الذي ستحمله لها الأيام القادمة ؟!!
========
_دكتورة ياقوت سليمان ...زين بيه في انتظاري.
قالتها لحارس الأمن على البوابة والذي تعجب للحظة من بساطة هيئتها قبل أن يجذبه جمال عينيها خلف نظارتها ليهتف مع ابتسامة غلبته :
_اتفضلي .
قالها بمزاج رائق يناقض تنمر مزاجها هي الآن ...
إن لم يكن لأجل ثمن "أجرة التاكسي" التي اضطرت لدفعها ...
ولا لأجل لفظة "بيه" التي اضطرت لإلصاقها باسم زين وكأنها هي "ابنة الجنايني"!!!
فلأجل المقارنة التي طفت لذهنها قسراً وهي ترى تشابه هذه الفيللا مع بيت أبيها !!!
شعوران يتصارعان في نفسها كلما تقدمت أكثر في حديقة البيت ...
أحدهما بالأمل وهي تتخيل لو تحقق حلمها وصار كل هذا لها ...
والآخر بالاختناق ...وهي ترى فيه صورة محتملة لأبيها ...
لكن لا ...هي لن تكون أبداً كأمها !
لهذا أخذت نفساً عميقاً وهي تتقدم بخطوات أكثر ثقة ...
كانت ترتدي نفس التنورة القديمة بلونها الأسود البالي لكنها ارتدت فوقها بلوزة اشترتها خصيصاً لأجل العمل الجديد ...
بلون الفستق الذي يقارب لون عينيها والذي منحهما فتنة مضاعفة خاصة مع لون الوشاح الذي مزج اللون نفسه مع السكريّ في مزيج لطيف...
وبالذات لعينين تراقبانها من قرب ...كعيني "الصياد"!
_متأخرة عشر دقايق!
قالها وهو يتقدم نحوها لتبتعد خطوة بحركة غريزية لم تتعمدها قبل أن تتنحنح لتقول باعتدادها المعهود :
_لو كنت جيتلي العيادة كنت هتستنى أكتر من كده !
ارتفع حاجباه بدهشة تمتزج بالإعجاب وهو يتفحص ملامحها ...
حمرة خجلها تتناقض مع هذه الجرأة التي تتحدث بها ...
مزيج شهي من حياء وكبرياء !
لهذا ابتسم ابتسامة مدروسة وهو يشير بكفه نحو الداخل قائلاً بنبرته الرصينة :
_معاك حق ...اتفضلي يا دكتور نتكلم الأول في المكتب قبل ما تقابلي همسة.
شعرت بمعدتها تتقلص وهي تخطو إلى جواره ...
هذا الانفعال المقيت الذي يجعلها تشعر كفأر في مصيدة !
مجرد شعورها أنها ستدخل معه بيته يجعلها كأنما تسير على صفيح ساخن !
رباه!
وجنتاها ستنفجران من فرط ما تشعر بحرارتهما !
_الجو حلو واللا تحبي أشغل الدفاية ؟!
قالها وهو يجلس أخيراً خلف مكتبه لتزم شفتيها بقوة كاتمة ما تشعر به ...
_الحلو ما يكملش...البيه شكله غشيم! دفاية إيه مش شايفني بسيح؟!!
حدثتها بها نفسها -سراً- لتترجمها لعبارة أنيقة :
_لا معقول...اتفضل حضرتك اتكلم ...أنا سامعاك.
_تشربي إيه الأول؟!
اللطف الذي شع من عبارته منحه الكثير من الجاذبية- التي لا تنقصه أصلاً- في عينيها ...
لهذا أطرقت برأسها للحظة تتمالك نفسها قبل أن ترفع رأسها بإجابتها المقتضبة :
_مابحبش أشرب أو آكل وأنا بشتغل .
الحزم الذي سكن لهجتها أخبره أنها تعنيها حقاً لهذا لم يكرر عرضه إنما مد يده ليتناول صندوقاً مميزاً من جواره ويفتحه أمامها قائلاً:
_شيكولاتة سويسري بجيبها مخصوص بالاسم...أظن محدش يقول للشيكولاتة لا.
_شيكولاتة ماسكة شيكولاتة يا ناس !
تمتمت بها هذه "العفريتة" العابثة بداخلها لتنهرها نفسها المعتدة قبل أن تقول ما يفترض:
_شكراً .
قالتها وهي تتناول إحدى القطع ليتخير لها واحدة أخرى قائلاً:
_ودي كمان ...ممتازة.
مدت أناملها تتناولها منه بحركة عفوية لتتلامس أناملهما فازدادت سخونة وجنتيها و"العفريتة" إياها تعاود عبثها :
_لا لا لا ...كده مش هينفع ...فينك يا حاجة ثمر تشوفي الفتنة اللي أشد من القتل !
_اتحشمي يا بنت أشواق!
نهرت بها نفسها من جديد لتستعيد ثوب مهنيتها قائلة بهدوء:
_عايزة أعرف تفاصيل الحالة وأشوف تقارير الدكاترة اللي سبقوني .
رمقها بنظرة حذرة حملت بعض الضيق الذي لم تفهمه ...
لكنه هو كان يدرك !
طالما اعتبر همسة "الخط الأحمر" الذي قلما يتجاوزه أحد في حياته ...
هو حريص دوماً أن يخفيها عن الأعين خاصة في مجتمع كهذا يعتبر المرض النفسي ضرباً من الجنون ...
هو لا يريد لها الأذى ...وسيكون صادقاً ليعترف ...ولا يريد لنفسه معرّة !
لهذا تنهد أخيراً ليقوم من مكانه متجهاً نحو نافذة مكتبه المطلة على الحديقة ليضع كفيه في جيبي سرواله معطياً لها ظهره وكأنما استنكف أن يعترف في مواجهتها ...
_حكاية تقليدية بتحصل كتير ...والدتي الله يرحمها جالها مرض ضمور عضلي خلاها قعيدة...الصدمة كانت صعبة قوي عليها ...لكن اللي خففها عنها كانت بنت خالتها اللي تقريباً بقت عايشة معاها هنا ...كانت من الفرع الفقير من العيلة ووالدتي اعتبرت وجودها هنا نوع من المساعدة المادية ليها ...
قالها بنبرة محايدة لكنها استشفت بحدسها الغضب المستتر بين كلماته ...
لهذا ما كاد يصمت حتى أعفته من الحرج باستنتاجها الفطن كالعادة :
_واضح إن دورها اتطور لأكتر من مساعدة لوالدتك...أعتقد هي والدة همسة صح؟!
زفر زفرة خافتة دون أن يلتفت مكتفياً بصمته كردّ بالإيجاب ...
قبل أن يردف :
_فجأة اختفت وماعادتش بتظهر ...قطعت علاقتها بينا ...خمس سنين تقريباً ماسمعناش عنها حاجة...لحد ما جه يوم عرفنا إن بيتها وقع وإن بنتها الصغيرة كانت معاها ...مش هاحكي عن صدمة أمي لأنها مش موضوعنا ...بس من وقتها وهمسة بقت مسئوليتنا...الحادثة عملت لها نوع من "الكلوستروفوبيا"...بتخاف من أي مكان مقفول ...اعتبرناها مسألة وقت وفعلاً كانت بتتحسن ...والدتي اتوفت بعد كده بفترة قريبة وفضلت عايشة معانا هنا أنا ووالدي...كبرت وبدأت قصة حب بينها وبين ابن عمي ...ولأسباب تخص والدي رفض الجوازة دي تماماً...
صمت قليلاً بعدها فاحترمت هذا الصمت محاولة تكملة خيوط الحكاية بنفسها ...
_ولأن رائد مابيعترفش بحاجة اسمها رفض أقنعها يهربوا ويتجوزوا عشان يحطونا قدام الأمر الواقع ...والدي عرف في الوقت المناسب وكان عقابه إنه حبسها في مخزن ضيق من مخارن شركته...نسي عقدتها القديمة وطبعاً النتيجة كانت نكسة...
اتسعت عيناها بتفهم لتسأله باهتمام:
_محفزات الكلوستروفوبيا معروفة بس ممكن تتحسن بالعلاج ...مااعتقدش إن دي مشكلة كبيرة.
لكنه هز رأسه موافقاً ليردف دون أن ينظر إليها :
_حالة همسة معقدة...لأن اللي عندها مش كلوستروفوبيا وبس ...الحقيقة إن بعد الموقف ده والانتكاسة اللي حصلت لها الناس كلها بقت تعاملها على إنها مجنونة...صريخ متواصل ...بتسترجع ذكريات حادثة والدتها كأنها عايشاها ...رفض للتواصل معانا ...وبالتالي عزلتها زادت ...لحد ما قضت عليها الصدمة التالتة...
_هو ارتبط ؟!
قالتها باستنباط ذكي ليلتفت نحوها مشدوهاً قبل أن تهز هي رأسها لتردف بأسف:
_رد فعلك بيقول إن استنتاجي صح...غالباً عمك اللي هو والده واللي أكيد ماكانش راضي عن جوازة ابنه ببنت بظروف همسة ...أو عشان يرد لوالدك موقف إنه رفض ابنه ...أو لأي سبب تاني معرفوش ...هو اللي ضغط عليه عشان يرتبط وينساها .
_والدته مش والده !
قالها بابتسامة ماكرة وكأنما أسعده أن يجد ثغرة في استنتاجها لترد بابتسامة حقيقية من ابتساماتها الطيبة التي لا تتكلفها ...
ويبدو أن ابتسامتها كانت من النقاء حدّ أنها لامست جداراً بقلبه ظنه لا يلين ...خاصة مع امرأة مثلها !!
لكنه عاد يشيح بوجهه ليكمل حكايته :
_ليلة خطوبته كنا بنتكلم في مكتبي هنا ...والدي -الله يرحمه- احتد عليه واتهمه بأنه السبب في حالة همسة اللي انتكست ...وطبعاً كان رده إن والدي هو السبب ...ووسط انفعالهم رائد خرج عن شعوره وقالله فيما معناه إنه خلاص هيتجوز ويسيب له بنته المجنونة يشبع بيها .
_ما تقولش إن همسة سمعت!
قالتها بجزع حقيقي أرجف قلبها وهي تشعر بالشفقة على الفتاة التي لم يكن لها ذنب في كل هذا ...
ليصمت هو مؤكداً صحة استنتاجها قبل أن يزدرد ريقه الجاف ليستطرد :
_من يومها حالتها بقت غريبة ومالهاش تصنيف...ساعات يشخصوها فصام...وساعات يشخصوها فقدان ذاكرة جزئي ...الأعراض متداخلة...لكن اللي بيحذرونا منه دايماً إنها ما تشوفوش ...أول ما بتشوفه بتجيلها نوبة تشنج وما بتبطلش صريخ ...ومن ساعتها وهي مقيمة في الملحق الخاص بيها في الجنينة...على طول قدام الشباك المفتوح !
أطرقت برأسها وابتسامة مريرة ترتسم على شفتيها ...
ضحية جديدة لزواج ثان لم يرَ فيها المجتمع سوى كبش فداء !!
أبوها -الحنون- حبسها عقاباً مع معرفته بتاريخ مرضها النفسي ليلقي تهمة انتكاستها على الرجل الذي أحبها !
والرجل -المخلص- الذي أحبها تركها في أول محطة ليرد لوالدها إهانته بوصمها بالجنون !
حتى -أخوها المراعي- الذي يبدو متفانياً لأجلها هذا يعاملها كعار يخفيه في سجن مزين في الجانب الخلفي لحديقته !!
كلهم رجموها بحجر كأنهم بلا خطيئة...
وهي ...هي وحدها الخطيئة !!
_أفهم من كده إنها ما بتشوفش رائد خالص؟!
سألته وهي تنحي مشاعرها السلبية جانباً متشبثة بدرع مهنيتها ليلتفت نحوها متسائلاً:
_عرفتِ منين إن اسمه رائد ؟!
_انت قلته وسط الكلام .
قالتها وهي تهز كتفيها ببساطة فابتسم وهو يتحرك ليقترب منها بقوله :
_واضح إنك كنتِ مركزة قوي .
_انت اللي كنت سرحان وواخداك التفاصيل .
قالتها وهي تشبك أصابعها دون أن تنظر إليه لتسأله بعد صمت قصير :
_العلاقة بينكم شكلها إيه ؟!
جلس على الكرسي المقابل لها متخلياً عن مقعده الأساسي ليجيبها :
_كويسة جداً...أنا أكتر حد هي متعلقة بيه لدرجة إني آخر مرة سافرت رفضت تاكل وتاخد الدوا واضطريت أرجع عشانها ...
_ورائد؟!
تنهد بحرارة ثم مال بجذعه للأمام قائلاً:
_أنا منعته طبعاً يتواصل معاها عشان حالتها ...لكن رائد حالياً هو دراعي اليمين في كل حاجة في الشغل ...يمكن ماسامحتوش ع اللي حصل زمان بس هو أنقذ حياتي في موقف صعب ...وأنا مابنساش الجميل .
فارتسمت على شفتيها ابتسامة تليق بذكاء عينيها الذي توج عبارتها :
_واضح إنك ما بتنساش حاجة خالص...لا الجميل ولا الوحش .
_ده حقيقي!
قالها بعينين ملتمعتين بثقة زادت هالة الجاذبية حوله خاصة وهو منها بهذا القرب لهذا وقفت مكانها تقطع هذا الاتصال الخطير بينهما قائلة:
_ممكن تقوللي هي بتحب إيه ؟!
فابتسم بعاطفة لم يتصنعها وهو يقف بدوره ليجيبها :
_بتحب الفل...منظر الجنينة عموماً...بتحب الألوان الهادية ...بتحب العرايس ...نجاة وكاظم الساهر وموسيقا عمر خيرت ...
هنا ارتفع حاجباها لتقول ببعض الاستهانة :
_تسعة وتسعين في المية من بنات مصر بيحبوا الحاجات دي ...أنا عايزة حاجة غير تقليدية بتمسها هي بشكل خاص .
فعقد حاجبيه وهو يشعر بلهجتها تستفزه ...
صحيحٌ أنه يعترف لها بالذكاء الذي لمسه لكنه لا يتقبل أن يعامله أحد - ولاسيما لو كانت امرأة - بهذه الطريقة ...خاصة وهو يدرك بخبرته أنه كرجل قد مس أنوثتها بطيف ما ...
فلماذا تتعامل بهذه الطريقة الباردة المتعالية ؟!
تظن نفسها ستجذبه أكثر هكذا ؟!
أم هو فقط شعورها ب"النقص"؟!!
عند الخاطر الأخير أدرك أنه لم يعرف عنها سوى القشور ...
طبيبة بسيطة الحال مقيمة في القاهرة من أصل ريفي صغيرة السن لكن الغالبية يشهدون لها بالمهارة...
ترى ما الذي يختفي خلف هذه الواجهة؟!
سؤال من الخطر أن يبقى هكذا بلا جواب خاصة وقد أدخلها بيته لتعالج أخته !!
لكنه تجاهله مؤقتاً ليرد على سؤالها بهزة من كتفيه منحتها الجواب الذي توقعته ...
والذي جعلها تكتف ساعديها لتقول بحزم :
_اتصل برائد واسأله .
كز على أسنانه بضيق حاول مداراته عن ملامحه وهو يفطن إلى ما تحاول إيصاله إليه ...
لكنه تناول هاتفه لينفذ لها ما أرادت ...
_كانت بتحب ترسم ع البيض المسلوق وشوش بتضحك .
إجابة رائد وصلت عبر قناعه الجليدي الذي يخفي كعهده كل انفعالاته فنقل لها زين قوله قبل أن يغلق معه الاتصال ليسألها :
_ممكن أعرف خطتك للعلاج ؟!
صمتت للحظات مفكرة قبل أن ترد باعتداد :
_أشوفها الأول ....بس فيه حاجة هاخدها معايا .
وبعد قليل كانت تخطو إلى جواره من جديد في حديقة البيت متجهيْن نحو الملحق الخارجي هذه المرة...
مشاعرها السابقة بالإعجاب نحوه يشوبها الآن الكثير من التوجس ...
هو ليس "الأمير الوسيم" الملائم لدور "سيندريللا" الفقيرة الذي اختارته لها الأقدار ...
بل هو "ساحر خطير" يختفي في أعلى برجه العاجي خلف بللورة يظنها تريه مصائر الناس...
هي أهلٌ للحرب معه ...لكن لماذا تفعل؟!
أليس من الأفضل أن تنأى بنفسها عن هذا كله ؟!
هل تنقصها التعقيدات؟!
_أنا مسافر ضروري بكرة ...تحبي تكملي شغلك وأنا مش موجود ؟!
انتزعها سؤاله من شرودها لتجيب بنبرتها المعتدة :
_ما أقدرش أحدد أي حاجة غير لما أشوفها ...يمكن تطلع الحالة صعبة عليا وأرفضها .
أشعرته عبارتها بالضيق وهو يحس أنه لأول مرة لا يفهم امرأة !
لقد تصور أن المبلغ الذي عرضه كفيل بحسم موافقتها لكن ها هي ذي تثبت له العكس ...
لو لم يكن المال سيد قرارها فسيتعب كثيراً فيما يريد الوصول إليه معها...
كما أن ذكاءها الذي لمسه يمنحه الكثير من الأمل أن تنتهج نهجاً غير مألوف يساهم في تشافي أخته...
حسناً...
لن يستبق الأحداث لعلها تأتي الرياح بما تشتهي سفنه !
كانا قد وصلا لباب الملحق الخارجي الموصد فمال نحوها ليقول بصوت خافت :
_على طول مقفول لأنها بتحاول تخرج من غير هدف ...من فترة الخدامة نسيت الباب مفتوح خرجت الشارع ولولا حارس الأمن بره كان زمانها ...
قطع عبارته بما بدا مفهوماً فأومأت برأسها لتدخل معه إلى الغرفة ...
الملاك الكسير يجلس مزوياً مكانه بوصف يقارب تماماً ما تخيلته...
تمثال متخشب يرقب الحديقة بعينين زجاجيتين وقد دبت فيه الحياة عندما سمعت صوت أخيها ...
تهب واقفة لتتوجه نحوه لكن رؤيتها لها هي تجعل عينيها الجميلتين تغيبان في شرود زائغ ...
الأخ الذي بدا في أرق حالاته وهو يقترب ليضمها إليه مطمئناً ...
قبل أن يقبل رأسها بينما يمسد خصلات شعرها الناعمة...
يالله !
كم تغبطها الآن !
لا...ليس على زين "الرجل" بل ...زين "الأخ"!
لديها هي أخوان لا تعرف عنهما شيئاً ...
وربما تراهما في الطريق فيمضي كل منهم في طريقه دون أن يبصر الآخر!!
لكن شعور الغبطة هذا غلبه إحساس أكبر بالشفقة وهي تميل للمقارنة الصحيحة ...
هي حظيت ب"ثمر" التي أوصلتها لما هي فيه ...
أما هذه البائسة أمامها فتلقفتها الأيدي حتى رمت بها في بئر اليأس هذا!
لهذا تقدمت نحوها بعينين فاضتا بعاطفتهما قبل أن تمد لها يدها الحرة مصافحة ...
واليد الأخرى كانت تحمل طبقاً عميقاً وضعت فيه عدداً من البيض المسلوق ...
كله كان باللون الأبيض وقد رسمت هي عليه وجوهاً ضاحكة ...
لكنها دست وسطه بيضة مختلفة اللون تميل للون الوردي جعلتها بلا رسم!
هذه التي تعلقت بها عينا همسة قبل أن ترفع وجهها بابتسامة واهنة...
ابتسامة جعلت زين يتنهد بارتياح وهو يعود ببصره لياقوت التي سحبت كرسيها لتجلس أمام همسة قائلة برقة :
_تحبي تلونيها ؟!
لم تكن تعلم قدسية هذه الذكرى بالذات لدى همسة التي دمعت عيناها وهي تضحك ضحكة مختنقة قبل أن تتناول القلم منها لترسم على البيضة...
عين...وعين أخرى ...
نقطة تمثل الأنف...
قبل أن تتلكأ أناملها وهي ترسم الفم...
الفم الذي كان من المفترض أن ترسمه يضحك لكن النتيجة كان وجهاً بائساً مع دمعتين على الجانبين ...
انعقد حاجبا زين وهو يلتفت نحو ياقوت التي ربتت على كتف همسة بينما تضع الطبق جانباً لتقول بصبر:
_كل يوم هاجيلك نرسمه تاني ...أول ما ترسميه بيضحك هامشي ومش هارجع .
رفعت إليها همسة عينين زائغتين قبل أن تسحب كرسيها بعيداً لتعطيهما ظهرها وقد عادت "نداهة" عالمها القاهرة تسحبها من جديد ...
هنا وقفت ياقوت لتشير لزين إشارة خاصة قبل أن تخرج معه من الغرفة التي أغلقها خلفه ...
_أنا قبلت الحالة !
قالتها بحزم لترتخي ملامح وجهه بارتياح ناسب قوله :
_مجرد تقبلها لأي فعل تعمله معاكِ ده في حد ذاته كويس جداً.
_عشان كده قلت لك قبلتها .
قالتها بنفس الاعتداد لتستأنف طريقها نحو بوابة الخروج بينما هو يلحق بها مع استطرادها:
_عندي تصور معين ...هاستشير فيه كام أستاذ من أساتذتي وعلى هذا الأساس هحط خطة علاج...هاحتاج آجي هنا كل يوم ...
_للأسف....وعليه العوض في أجرة التاكسي!
والعبارة الأخيرة تمتمت بها سراً بالطبع متحسرة على المال المفقود لكن شعلة طموحها طغت عليه وهي تستطرد جهراً من جديد :
_ظني إن الحالة مش صعبة ...هي بس مااتشخصتش كويس.
_أنا مش هابقى هنا لمدة كام يوم ...هتابعك بالتليفون .
قالها بما بدا كاعتذار فالتفتت نحوه لتأسرها عيناه اللتان التمعتا في ضوء الشمس كسراجين من ذهب!!
_خسارة ...هتوحشني يا حليوة!
"العفريتة العابثة" تعاود لهوها بداخلها لكنها تقهرها بقولها المعتد بينما تعطيه ظهرها لتغادر :
_ما تتعبش نفسك ...لو احتجت حاجة هابقى أتصل بيك .
ظل واقفاً يراقب انصرافها بابتسامة تتسع رويداً رويداً...
ثيابها الهزلية التي انتهت موضتها من التسعينات تقريباً مع هذا الحذاء القديم الذي يبدو وكأنه يسب البائع الذي أوصله إليها!!
مع حقيبتها التي تقشر جلدها في أكثر من موضع لكنها تتظاهر أنها لا تراه ...
كل هذا لا يتسق مع سابق فكرته عنها ...
لو كانت طامعة بالمال فلماذا لا تستفيد به ؟!!
لغز!
هذه المرأة لغز ولن يهنأ حتى يفك طلاسمه لهذا عاد أدراجه للبيت قبل أن يتناول هاتفه ليتصل برائد قائلاً:
_ياقوت وافقت تكمل علاج همسة...عايز أعرف عنها كل حاجة قبل بكرة الصبح .
=======
_إزيك يا عمو؟!
قالها سيف بحرج خنق صوته وهو يدلف لداخل البازار بعدما اطمأن لوجود علاء وحده .
علاء الذي أشاح بوجهه عندما رآه ليتقدم هو أكثر وينحني ليقبل رأسه مردفاً :
_أنا آسف...أرجوك سامحني.
تنهد علاء ثم مط شفتيه باستياء ليشير له بالجلوس قائلاً ببعض الغلظة:
_لولا إن السوق نايم النهارده ومش لاقي حد غلس غيرك أكلمه ...ماكنتش قبلت اعتذارك.
ابتسم سيف وأنفه يحمر ارتباكاً رغم أنه كان يعلم أن عودة الرجل لدعاباته تعني أنه قد بدأ يتفهم ...
_رامز قاللك ع اللي حصل ؟!
سأله علاء متفحصاً ملامحه ليجيبه سيف بانفعال نادم:
_أقسم لك يا عمي ما كنت أعرف.-..والدتي قالتلي نص الحقيقة وأنا ...
أشار له علاء بالتوقف ليقاطعه بقوله :
_انت بالذات مكانش ينفع تغلط الغلطة دي ...مااتعلمتش من زمان يا سيف؟!
لهجة الرجل كانت تحمل الكثير من العتاب الأبويّ الصادق الذي جعل عيني سيف تدمعان وهو يشيح بوجهه قائلاً بصوت متحشرج:
_معاك حق يا عمي.
ثم صمت لحظة ليشبك أصابعه بقوله :
_عموماً أنا فهمت إسلام الحقيقة...وجيت عشان أعتذر لحضرتك.
_وصاحبة الشأن نفسها؟!
سأله علاء بمكر ليجيبه سيف باستسلام :
_اللي حضرتك تشوفه.
_اللي أشوفه إن حضرتك تتفضل معايا ع المزرعة...تعتذر لغادة بنفسك .
قالها علاء وهو يقف ليتناول سترته من خلفه فوقف سيف بدوره ليتلفت حوله بارتباك :
_هي مجتش النهارده .
فتأبط علاء ذراعه ليخرج معه من البازار حيث تعاونا في إدخال الأشياء تأهباً لإغلاقه...
_غادة روحها في الأرانب ...والأرانب عندي عيانة ...غالباً دور عطس وزكام...كده كده جاي في وقتك يا دكتور ...نقول يا "دكتور الأرانب" المرة دي!
ضحك سيف وهو يسير معه نحو سيارته التي استقلاها لينطلقا بها ...
_صاحبك عايز إيه من غادة ؟!
سأله علاء وهو يشغل المذياع على لحن عربي قديم ليصمت سيف حرجاً...
فابتسم علاء ليجيب نفسه بنفسه :
_صاحبك عينه منها بس ما ينفعش.
_ليه؟!
قالها وهو يلتفت نحوه ورنة الارتياح التي كست صوته تثير القلق في نفسه ...
ماله هو إن كان إسلام سيتزوجها أو لا ؟!
هو لا يعلم ...
هو فقط يدرك أنه ليس مناسباً لها ...
أو ربما هي ليست مناسبة له ...
أف!
هو لا يدري...
هو ارتباط سيفشل فحسب!
_غادة قاست كتير وعايزة راجل بجد يصونها ...صاحبك هوائي ...كل يوم بمزاج ...أنا عارف إنه لو اتجوزها هيتكسف يأذيها عشان خاطري...بس الجواز لو مش بين اتنين متوافقين بيبقى زي الطبيخ البايت ...مالوش طعم !
قالها علاء مركزاً بصره في الطريق قبل أن يبدأ في الدندنة مع اللحن ...
فابتسم سيف وهو يسترخي بدوره في كرسيه ...
هذا هو رأيه هو الآخر ...
غادة هذه تحتاج لرجل من نوع خاص ...
رجل يدرك قيمة جمالها الكارثي هذا فيخفيها عن العيون حفظاً...
يتفهم ما عانته في حياته فيغرقها دلالاً...
لكن إسلام!
سيمضي يتباهى بها فقط ولن يبالي!
لكن ...وماله هو؟!
هذه المرأة خطر يهدد كل من يقترب ...
وهو حرم على نفسه النساء نكالاً بما كسبت يداه !
توقفت خواطره مع توقف السيارة التي ترجل منها علاء ليلحق هو به قبل أن يدلفا للحديقة حيث استقبلتهما إيناس ببشاشة وقد أنبأتها ملامح زوجها أن سيف قد جاء ليعتذر ...
_غادة هناك عند الأرانب ...تعال نروح لها .
قالها علاء وهو يتقدم معه نحو المكان المخصص للأرانب في المزرعة التي يحفظ تفاصيلها سيف عن ظهر قلب ...
ولم يكد يلمحها حتى تجمدت ملامحه وجسده تجتاحه رجفة خاصة...
كانت ترتدي معطفاً بتصميم شهير هنا في اسطنبول...
لكنه كان يشبه تماماً نظيره لدى ...
"آنجيل"...أو "انجي" كما كانت تحب أن يدعوها !
_أسوأ حاجة بتقابل الست في مجتمعنا الشرقي إنها دايماً مضطرة تدافع ...عن أخلاقها ...عن شرفها ...عن نجاحها ...عن بيتها ...كل حاجة بتحصل غلط بيحملوها مسئوليتها ...لازم هي اللي تحاسب ع المشاريب آخر القعدة زي ما بيقولوا !
والعبارة طفت لذهنه كذكرى أخرى من ذكرياتها التي لا تكاد تفارقه ...
بكل تفاصيلها الشهية المفقودة ...
حتى حرف السين خاصتها الذي كانت تقلبه ثاء في حركة كانت تثير سخريته أول تعارفهما قبل أن يعشقها كما عشق كل ما فيها ...
لكنه نفض عنه هذا الخاطر عندما زاد اقترابه ليتفحص ملامحها البائسة وهي تمسد ظهر أرنب صغير على حجرها ...
_نحن هنا!
قالها العم علاء بمرح فانتفضت مكانها لتقف عندما لمحت سيف ...
ملامحها البائسة تحولت لأخرى متحفزة خاصة عندما هتف علاء بمشاكسته المعهودة :
_الولد ده ...جاي يعتذر .
ثم التفت نحو سيف مردفاٌ بينما يربت على كتفه :
_قصدي سيد الرجالة !
ابتسم سيف بحرج وهو يمسد شعره بأنامله فشعرت غادة هي الأخرى بالحرج لكنها قالت بنبرة محايدة :
_مفيش داعي للاعتذار ...كان سوء تفاهم وراح لحاله .
قالتها وهي تضع الأرنب المريض جانباً لتهم بالانصراف لكن علاء استوقفها بقوله :
_دكتور سيف جاي يشوفهم بالمرة يكتب لهم دوا .
تنحنح سيف بارتباك وهو يتقدم ليتفحص الأرانب قبل أن يقول بنبرة جادة :
_دور برد عادي ما تقلقش...هنديهم حقن تتراسيكلين تلات أيام...وندوب قرصين صداع في شوية ماية ونديهالهم...والأكل بصل أخضر أو قشر بصل ناشف بس.
_طيب هارجع أنا أجيب الدوا بسرعة على ما إيناس تحضر الأكل .
قالها ليتركهما وحدهما دون أن يترك لهما فرصة الاعتراض فتأهبت غادة لتغادر خلفه لكن سيف استوقفها بقوله :
_أنا آسف!
أطرقت برأسها دون رد وأناملها تلاعب دبلة أحمد بحركة عفوية لم تعد تفارقها ...
حركة تعلقت بها عيناه لتزيد من شعوره بالذنب مع استطراده :
_أنا كلمت رامز وحكالي على كل حاجة...
ثم ابتسم بالمزيد من الحرج ليردف:
_هو كمان وصاني أعتذر لك لأنه غلط في حقك قبلي ...لولا انشغاله بحادثة هانيا كان كلمك بنفسه .
_هانيا؟! مالها؟!
هتفت بها بجزع ليغمغم بمزيد من الارتباك :
_انتِ ما تعرفيش ؟!
نظرتها المرتعبة كفتها الجواب ليخبرها بما حدث ...
دموعها الصادقة كانت تنهمر على وجنتيها بحرارة وهي تضع راحتها على شفتيها لتتمتم أخيراً:
_من ساعة ما جيت وأنا بحاول أكلمها بس موبايلها مقفول ...ليه ما قالتليش كنت نزلت مصر ؟!
_هي بقت أحسن وكمان رامز بيسعى عشان يرجعوا لبعض!
قالها مهدئاً لتشرق ملامحها نوعاً مع تساؤلها:
_بجد؟! حقيقي؟!
فالتمعت عيناه برضا ممتزج بالإعجاب وهو يميز لهفتها الحانية على صديقتها ليومئ برأسه إيجاباً قبل أن يقول بينما يستخرج هاتفه من جيبه :
_خدي رقمها الجديد واطمني عليها بنفسك !
قالها ليمليها رقم هانيا الجديد ولم يكد ينتهي حتى شكرته برقة ...
فتنحنح ليقول بارتباك :
_أفهم من كده إنك قبلتِ اعتذاري؟!
رفعت إليه عينيها تتفحص ملامحه ببعض الدهشة ...
كانت المرة الأولى التي ترى فيها رجلاً يحمر أنفه وأذناه مع ارتباكه ...
وجهه لوحة معبرة عن مشاعره سواء في غضبه أو في حرجه ...
هانيا كانت تصفه دوماً ب"النفري"!
في إشارة منها لفشله الاجتماعي وحبه للعزلة...
حتى محاولات والدته لتزويجه باءت جميعها بالفشل...لتبقى سمعته ك"عازب أبديّ" تلاحقه ...
علاقته برامز لم تكن جيدة فهو-سيف- لم يكن راضياً دوماً عن طريقته المتهورة كما كانت هانيا تخبرها ...
رجل ٌ يوحي بالنفور لكنها -وللعجب- تشعر بشفقة غريبة نحوه ...
عيناه العميقتان تصرخان بحزن صامت ...
ومن مثلها يمكنه تمييز الحزن الأخرس في الأحداق؟!
هو الآخر كان يتأملها بنظرة مختلفة هذه المرة ...
وجهها النقي الباكي بحنان يختلف كثيراً عن ذاك الذي رآه يوماً ملطخاً بأصباغه ...
ابتسامتها الهادئة تناقض ضحكاتها العابثة وقتها ...
حتى خصلات شعرها التي بدت منابتها فقط تحت حجابها يبدو أنها تخلصت من لونها القديم المثير ...
لكنها لا تزال تحمل نفس السحر الغامض في العينين النابضتين بالفتنة !
_عمي علاء بيقول إنك مغرمة بالأرانب ...اشمعنا الأرانب مش الخيل مثلاً؟!
سألهامحاولاً الهروب من أفكاره لتشرد ببصرها وقد بدا سؤاله البسيط يحمل ذكرى خاصة لديها :
_يمكن عشان عشت فترة طويلة من عمري أرنب ...خايف ...ضعيف ...بيهرب ويستخبى .
_وما عدتيش.
أفاقت من شرودها لتنتبه لكلمته التي لم تدرِ هل تتلقاها كسؤال أم جواب ...
لكنها غمغمت بيقين :
_وما عدتش !
ارتسمت على شفتيه ابتسامة إعجاب أثارت خجلها لتعتذر منه كي تغادر ...
خطواتها تتعثر على العشب بارتباك كرهته في نفسها ...
والسؤال الغريب يتجمع كعلامة استفهام كبيرة في ذهنها ...
لماذا أثارت ابتسامته خجلها بينما لم تكن ابتسامة إسلام تثير إلا غضبها ؟!!
لماذا؟!
=========
_كيف تسمح لزين هذا أن يأتي إلى هنا؟!
هتف بها عابد باستنكار وهو يتبين وجود زين مع ياسمين بالخارج ليجيبه وجدي بضيق:
_أنا اتفاجأت بزيارته زيك بالضبط...غالباً لما عرف من ياسمين اللي حصل جه يطمن .
_بأي صفة ؟! ياربي....ستصيبني ياسمين هذه بالجنون !!
صرخ بها عابد بغضب ليربت أبوه على كتفه مهدئاً بقوله :
_اهدا يا شيخنا...احنا اتفقنا على إيه ؟! ياسمين مش في حالتها الطبيعية وأي محاولة للضغط منا هتخلليها تتمرد أكتر ...لاحظ كمان إنها مش قاصر ...ممكن تعمل أي حاجة تطق في دماغها ...خللينا جنبها يمكن نقدر نلحقها من لحظة جنان مش محسوبة.
لكن عابد هز رأسه بعدم اقتناع ليقول وقد صبره:
_كنتُ محقاً عندما هاتفت زوجها ليأتي إلى هنا...إن من بدأ المأساة ينهيها كما يقولون.
_إيه ؟! كلمت يامن ؟! قلت له إيه ؟!
هتف بها وجدي وقد أُسقط في يده !!
هو لا يدري ماذا سيكون رد فعل ياسمين على أمر كهذا ؟!
_أخبرته بالحقيقة...أنا فعلت ما يبرئ ذمتي.
_ليه كده يا عابد ؟!
قالها وجدي بضيق وهو يضرب أحد قبضتيه براحة كفه الآخر ليجيبه ابنه مبرراً :
_هل نسيت كيف كان حالها في المشفى فور وصولها ؟!
_أرجوك يابابا ...خلليهم يعملوا اي حاجة ويلحقوها...مش مهم أنا المهم هي تعيش ...أرجوك يا بابا اتصرف ...لو خسرتها مش هاستحمل...مش هاستحمل بجد المرة دي!
كل هذا بلا دموع !!
الحدقتان التائهتان بين موج الفقد والخذلان كانتا أكثر فقراً من أن تجودا بالدمع!!
حتى وهي تتشبث بكفه في استماتة على سريرها الذي خضبته دماء نزفها ...
حتى وهي تطلق أنّات خوفها واستغاثتها ...
وحتى وهي ترجو الجميع من أكبر طبيب لأصغر ممرضة ألا يهتموا بها هي وأن يجعلوا حياة جنينها أولاً!
ربما ...
ربما لو عادت دموعها لعادت معها ياسمين التي يعرفها ...
والتي صارت الآن مجرد لوح من ثلج !
_ياسمين تحبه ...لا تقنعني أن تتشبث امرأة بجنينها إلى هذا الحد وهي تكره أباه .
انتشله بها عابد من شروده في تلك الساعات القاتلة التي تلت سقوطها في الشارع وحتى انتهى الأمر بسلام ...
عابد محق ...لكن الأمر ليس بهذه البساطة !
كفرها بهذا الحب لا يعني أنه ليس موجوداً!
لكن ما نفع النبع لو لفظت عطاءه أرضٌ جدباء؟!
وبالخارج كانت ياسمين تجلس مع زين في صالة المنزل منكسة الرأس ...
خصلات شعرها التي تقصفت لم تكن أفضل حالاً من بشرتها الشاحبة ...
ترتدي الوردي الذي هو أبعد ما يكون عن مزاجها ...
وتبتسم مدعية سعادة هي أبعد ما تكون عنها :
_ما كانش ليه لازمة تتعب نفسك وتيجي ...انت كنت لسه هنا .
_ما قدرتش أفضل هناك وما أطمنش بنفسي .
قالها زين بودّ لايدعيه وهو يشعر بأسف يجتاحه!
"كنزه" القديم في روحها يبهت بريقه يوماً بعد يوم !!
تكلُفها هذا يزيد يقينه أنها لا "تستطيع" تجاوز هذا الحد معه ...
أو ربما "لا تريد"!!
ياسمين التي يعرفها لم تكن تتصنع ...
كانت تجيد الحديث كما تجيد الصمت ...
تجيد إطلاق صيحة الألم كما تجيد زغرودة الفرح...
كانت تبكي ...تضحك...تشكو ...تنصح ...
كانت ببساطة تعيش!
أما هذه ؟؟!!!
_وجودك فرق معايا فعلاً...شكراً!
قالتها بنبرتها المموهة لتلتوي شفتاه بابتسامة واهنة...
لا يبالغ لو وصفها بأنها "أكذب" عبارة سمعها!!
كيف وهي غائبة بشرودها عنه في حضوره مكتفية بردود حيادية تجتاحها أحياناً مبالغات في وصف امتنانها له ؟!!
كيف وهي تتحاشى نظراته بعينين تسجنان الألم خلف رفرفة الأهداب؟!
كيف وهي تمنحه عوضاً عن "الياسمين" عوداً جافاً من حطب؟!
_أعمل إيه عشان ترجعي تضحكي الضحكة بتاع زمان ؟!
قالها بنبرته المميزة التي تمزج اللطف بالهيمنة لترتجف شفتاها بما بدا كابتسامة مع قولها وهي تشبك كفيها:
_مادام بتحاول يبقى هتوصل...أنا واثقة فيك .
_أنا اطمنت من الدكاترة عليكِ وع البيبي ...بس برضه لازم تاخدي بالك .
_ياااه يا زين! ما تتصورش الرعب اللي عشته يومها ...أنا كان ممكن أموت لو جرالها حاجة...دي خلاص بقت أغلى حد عندي.
قالتها بنبرة تشقق جليدها لتبدو منه أشعة إحساسها الصادقة ...
فابتسم ليمنحها وعده :
_ما تخافيش ...حافظي انتِ بس عليها لحد ما تيجي بالسلامة وبعدها أوعدك محدش هياخدها من حضنك.
اجتاحت شفتيها ابتسامة مريرة وهي تدرك مغزى وعده ...
من يخاف أن يسلبها ابنتها ؟!
أبوها مثلاً؟!!
أبوها الذي -في ظروف مماثلة - لجأ للعبة زواج كي يتخلص من هذا الوزر؟!!
أبوها الذي لا يعلم شيئاً عنها ؟!!
أبوها الذي حتى لو علم فسيبقى رأسه يدور في فلك الشك الأسود أنها ليست أصلاً ابنته ؟!!
انقطعت أفكارها برنين جرس الباب الذي توجهت الخادمة كي تفتحه ...
وتفتح معه أبواب المواجهة....
========
لو كنا في فيلم سينمائي لربما اختار المخرج أن يجمد الكادر على هذه اللقطة ...
ربما منحتك وجوههم طابعاً عما يشعر به كل منهم الآن ...
لكن -لحسن الحظ - أنني هنا أملك ما هو أكثر ...
أملك وصف هذه المشاعر التي اكتسحت كل منهم كإعصار لا يبقي ولا يذر !
أهونهم في رد الفعل كان "الصياد " الذي شعر بالخطر !
عيناه تحيدان بسرعة نحو ياسمين يدرس رد فعلها التي كانت شديدة العفوية ...عظيمة المعنى!
فما إن وقعت عيناها على يامن حتى هبت من مكانها لتندفع في اتجاهه خطوة وكأنها ستهرع إليه تعانقه قبل أن يتجمد جسدها كله مكانه ...
حتى ذراعاها بقيتا معلقتين في الهواء لثانية ...
ثانية واحدة قبل أن تغمض عينيها بقوة لتأخذ خطوتها التالية ...
جواره هو!!!
لهذا انعقد حاجباه بقوة وهو يقف بدوره ليمنحها خطوة أخرى زادت تقاربهما أمام هذا الذي كان يتقدم نحوهما وعيناه شعلتان من نار !!!
يالله!
أخوها كان صادقاً؟!
وهو الذي قضى الساعات الفائتة كلها يكذبه ؟!!
بطنها البارز يفضح كذبتها "الثانية" ...
ووجود هذا "الوغد" هنا جوارها يذكره بكذبتها "الأولى"!!!
المشاهد تغزو عقله "المريض" تباعاً لتنهشه بمخالب الوحش القديم ...
والقلب "المخذول" بين قضبانه ماعاد يملك ما يدافع به !
لم يشعر بحاله وهو يجد نفسه على بعد خطوتين منهما ...
عيناه الذبيحتان بالمنظر لم تحتمل طعنة أخرى بالنظر نحوها وهي تجلس بثوب مكشوف كهذا مع هذا الرجل وحدهما ...
لهذا تسلطت قذائفه على زين فقط ليهتف من بين أسنانه :
_انت بتعمل إيه هنا؟!
فارتفع حاجبا زين باستهانة ليختلس نظرة نحو ياسمين المرتجفة جواره والتي تحاول مداراة انفعالاتها برأسها المرفوع للأعلى ...
ربما لو كانت امرأة سواها لأطرقت برأسها متى أرادت استجماع قوتها ...
لكن ياسمين ذو الفقار لم تكن لتحني رأسها أبداً في موقف كهذا !!
لهذا وجده دوره كي يؤازرها في هذا الموقف أمام هذا الرجل الذي لا يفهم بالضبط ماذا يريد !!!!
ألم يذهب إليه بنفسه منذ بضعة أشهر يريه ندبة حاجبه ويحكي له ما يبرئ من كانت زوجته ؟!!
ألم يرفض من وقتها تصديقه وتجاهل كل ما سمع ؟!!
أين كان من عذاباتها وانطفاء روحها طوال الأيام السابقة ؟!
ما الذي جاء به هكذا فجأة إلا لو كان علم عن حملها ؟!!
ماذا؟!
يظن نفسه سيعيد امرأة كياسمين لعصمته كجارية فقط لأجل الطفل؟!!
_أنا هنا من زمان ...انت اللي بتعمل هنا إيه دلوقت؟!
قالها زين بنبرته الرصينة ليتلقى الرد في لكمة !
لكمه يامن على فكه مباشرة لكن استجابته وصلت سريعة في لكمة أخرى ليامن ...
ليتحول الأمر إلى صراع بالأيدي مع صراخ الخادمة الذي جعل وجدي وعابد يخرجان من الغرفة يحاولان إيقاف هذين الديكين المتصارعين ...
ولم يكادا يباعدان بينهما والأنف الدامي لكليهما يفضح ما كانا ينتويان إكماله حتى هتف وجدي بهلع:
_معقول كده ؟! سبتوا إيه لولاد الشوارع؟!
ثم التفت نحو ياسمين مردفاً:
_ادخلي انتِ جوه...أنا هاتصرف!
لكنها لم تحرك ساكناً وعيناها الدامعتان تزيغان في الفراغ ...
من يراها بهذا الجمود لا يكاد يصدق أنها بداخلها ...تتمزق!!
روحها تتمزق حرفياً قطعة قطعة ...
كل قطعة تصرخ باسم حبيبها قبل أن تنصهر في جحيم صاغه كبرياء و"هوس"!
هوس امرأة عاشت عمرها كله ترنو للكمال حتى إذا وصلت لشمسه احترقت جناحاتها بخطيئتها لتهوي في بئر دون قرار!
الهوس الذي احتمى خلفه عقلها بقناعاته الجديدة :
_يامن هنا؟!
_ومن يهتم؟!
_جاء لأجلك!
_متأخراً حد السخرية!
_يصارع زين؟!
_لن يفوز!
_يصارع نفسه؟!
_لن يفوز!
_يصارعك أنتِ!
_إذن ربما !...لا ...لا ...!أيضاً لن يفوز!
هكذا قهرت كل ضعف خواطرها لتستعيد ملامحها الجامدة بعض الحياة وهي تمد أناملها تحتضن بطنها بكفيها ...
لتعاند رغبة أبيها بصمت فزفر الأخير ليعود ببصره نحو زين قائلاً:
_اتفضل اخرج دلوقت ....خلليني أحل الموقف .
شعر زين بالتردد وهو يجول ببصره بين الجميع يدرس الموقف ...
هو لا يهمه هنا سوى ياسمين !
لا يريد تركها وحدها في هذه المواجهة خاصة وهي في حالتها هذه ...
لكن ياسمين نفسها لن تغفر له لو بقي اعترافاً منه بضعفها ...
هي تحتاج منه في هذه اللحظة "الإيمان" أكثر مما تحتاج "السند" !
وهو يؤمن حقاً بقدرتها ...وإلا لما صبر كل هذا في سبيل امتلاك كنزه !
لهذا قرر الانسحاب رغم أنه لم يكن يوماً ممن يتركون نزالاً بهذا اليسر مع رجل لا يعرف ماذا يريد كيامن هذا!
نظرته الأخيرة لياسمين حملت لها كل دعمه وثقته قبل أن يغادر بخطوات ثابتة وكأنه لم يخض شجاراً منذ دقائق!!!
ولم يكد يفعل حتى هتف عابد مخاطباً ياسمين بثورة فقدت كل حدود تعقلها :
_كل هذا بسببك ...أنتِ لا تحترمين ....
والمقاطعة جاءت من يامن الذي تحرك ليخفي ياسمين خلف ظهره مع قوله الصارم :
_لحد كده كفاية ...محدش يتدخل بيني وبين مراتي!
=======
الآن أتفهم غضبتك إذ كيف تمنحني "كيسك" الفخم وأنا "الجاحدة" لا أقدر جزيل عطائك...
لكن هلا تفهمت أنت -عزيزي- أن "كيسك" الباهظ هذا كان...مثقوباً؟!
"نرمين نحمدالله"
========
عبارته كانت من الحزم بمكان حتى أنها جعلت وجدي يجذب عابد نحوه مهدئاً وهو لا يدري بماذا يرد ...
كان يدرك أن العاصفة قادمة من هذه التي استفزتها عبارته لتصرخ من خلف ظهره :
_مراتك ؟! مين دي اللي مراتك ؟! انت أكيد اتجننت !
فكز يامن على أسنانه بقوة دون أن يواجهها كاظماً غيظه قدر استطاعته ...
بينما كان وجدي يدرك جيداً ما يعانيه يامن...
ومع رغبته -الخفية- في رأب الصدع بينهما قال أخيراً وهو يشير للغرفة المجاورة :
_ادخلوا اتكلموا براحتكم ...واللي هتقول عليه ياسمين أنا معاها .
رمقه عابد بنظرة مستنكرة واثقاً من رعونة أخته لكن وجدي كان يتفهم أن العبارة الأخيرة تحتاجها ياسمين في هذه اللحظة بالذات ...
تحتاج الدعم أولاً ...الأرض الثابتة التي تحتضن قرارها ...وهو ما يملكه لها الآن على الأقل!
الباب المغلق الآن يخفي خلفه رجل وامرأة ...
أقرب ما يكونان ...وأبعد ما يكونان !
القلب مخذول...والروح مكسورة...والكبرياء الجريح يطير مترنحاً بجنون كاسرٍ تُخشَى مخالبه !!!
ولا تزال العيون تجبن عن التلاقي!!
تعطيه ظهرها لتتحرك مبتعدة خطوتين ...
ويبقى الصمت حائطاً يلتجئ إليه من لا ملجأ له إلا إليه !
تحتضن جسدها بساعديها وهي تحاول إخراس نبض روحها التي لا تزال تجد شفرتها الوحيدة معه !
ملكة مهزومة !!
هكذا كانت معه من البداية للنهاية ...
لا...لن تغرها قلائل أيام هدنة منحتها -حينها- إكليل نصر زائف!!
وخلفها كان هو الآخر يخوض صراعه الخاص ...
سلطان وساوسه يضحك ضحكة متشفية من طول دفاع قلب أحمق...
وبينهما عينان تمشطان تفاصيلها بنَهَم جائع!!
شعرها الحبيب الذي استطال كثيراً يتغنج بدلال على ظهرها داعياً أنامله لتضفيره ...
جسدها المرتجف الذي يداري وهنه خلف وقفة متماسكة يستصرخه أن يضمه ...
فقط لو تستدير ليملأ عينيه من صورة "ثمرة عشقهما" التي ستبقى تجمعهما مهما تشدق الفراق بحتمية حصوله !!
ووسط هذه الحرب التي كانت تفتت كيانه تحرك أخيراً ليقف في مواجهتها ...
عيناه مسلطتان على بطنها البارز وهو يشبك قبضتيه جواره ليقول أخيراً بنبرة غريبة :
_كذبتي عليا تاني؟!
_ماكذبتش...قلت لك خسرته وانت فعلاً خسرته...
قالتها بنبرة بدأت جامدة ليكتسحها بعدها انفعالها وهي تردف :
_ده ابني أنا ...أمنيتي اللي عشت عشانها طول السنين اللي فاتت ...حلمي اللي مش هاسمح لك تدمره بأنانيتك وشكوكك.
لم تتلقّ رداً وكانت أجبن من أن تواجه لترى أثر كلماتها ...فأغمضت عينيها بقوة ...
لا تدري أيهما الآن صار أكثر ارتجافاً جسدها...أم صوتها:
_مالوش لازمة وجودك هنا دلوقت...احنا خلاص انتهينا ...ماعادش بيننا حاجة.
_بيننا ابني!
يقولها عبر عينين مشتعلتين بنبرة صاغها ألف شيطان لتجيبه بكلمات يسوقها ألف ألف مارد :
_إيش عرفك إنه ابنك ؟! مش يمكن....
والعبارة أخرستها صفعة !
أنامله التي ظل يحبسها منذ أول اللقاء تحررت أخيراً لتنتقل من وجنتها إلى خصلات شعرها التي جذبها ببعض العنف نحوه لتلتقي العيون أخيراً صارخة بكل هذا النزف من المشاعر ...
قبل أن تلتقي الشفاه !!
ذراعاه تضمانها إليه بقوة لتخونه آهة خافتة وهو يشعر بمذاق عناقها مختلفاً عن آخر مرة ...
وكيف لا ؟!
وبطنها البارز يمنحه هذا الشعور الفريد بأنه ينتظر قطعة منه ومنها ؟!!
هذا الشعور الذي جعله يرتجف حرفياً وهو يكاد يذيبها في جحيم ضلوعه ...
فوضى!!!
كل ما يشعر به الآن هو فوضى!!
بانوراما مجنونة من أحاسيس تمزقه بضراوتها ...وتناقضها!!!
غضب ...واشتياق...تشتت...وسكينة...أسف ...وعتاب...
كيف يسعفه لسانه في وصف ما يشعر به ؟!
فليترك العنان إذن لشفتيه تنطلقان دون قيود ...
صفعته لم تكن لأجله...كانت لأجلها!!!
ماذا؟!
تراه قد عز عليه أن تلصق امرأة مثلها هذا الاتهام البشع بها ؟!
أم تراه أدرك أنها فقط ترد له بضاعته عندما صدق خيانتها يوماً؟!!
هذا الإدراك الأخير الذي أثار جنونه وهو يتبين أن المرأة التي تفعل مثل هذا هي أشد نساء الدنيا زهداً فيه !!
دوامة خلف دوامة ...
وهو بينها غريق فقد حتى "القشة" التي يتعلق بها!
وبين ذراعيه لم تكن هي أفضل حالاً ...
لماذا صفعها ؟!!
إنه لم يفعلها حتى في تلك الليلة التي واجهها فيها بخطيئتها!!
لماذا عجز عن التحكم هذه المرة كما وقتها ؟!!
آآه!
ألم...ألم....ألم!!!
ألمٌ خالص نقي دون شائبة تصرخ به كل خلية منها بلا صوت !!
ألم الصفعة...ألم شده لشعرها ...ألم اعتصاره العنيف هذا لها ...
كل هذا لا يساوي شيئاً أمام ألم مواجهتها لنفسها !!!
صورتها التي طالما تباهت بكمالها في عينيه الآن تلطخها حمرة "خطيئة " ماضٍ بل ...وحاضر!
صورتها جوار زين والتي تثق أنها كانت بطلة كوابيسه الأيام السابقة الآن ستؤازرها صورة أخرى مشابهة
...
لكن ...هل تهتم ؟!!
إذا كان حبها الأسطوري طوال هذه السنوات لم يشفع لها ...
فما تراه يشفع ؟!!
لهذا تشدد جسدها في رفض واضح لما يفعله ...
قبل أن تتراخى بين ذراعيه كدمية مقطوعة الخيوط !!
لهيب قبلاته لم ينجح في إذابة ثلوج امرأة كانت تكفيها منه يوماً همسة ...
لقد فقد "الأنثى"لتعود بين يديه كما كانت في البداية ...
مجرد "طفلة" تتسول "أبوّة"قلبه!
مجرد طفلة مذعورة تخشى الظلام...تخشى اللمس ...
والأسوأ أنها الآن تخشاه هو !!
لهذا كان في أضعف حالاته وهو يبعدها أخيراً ليسند جبهته على جبهتها ...
هي لم تعد ...هي!!
قلاع حبه التي تشاركا يوماً زهوهما به ...الآن جعلتها الرياح هباء منثوراً!!
لكن ...لو أحبته حقاً كما زعمت لما سمحت بإدخال آخر مكانه بهذه السرعة !!
لما عاد بعد كل هذه الفرقة ليجدها معه !!
تباً!!
لو لم تكن حقاً تكن له شعوراً خاصاً فلماذا سمحت لرجل شاركها الفضيحة أن يشاركها ولو لحظة من العمر بعدها ؟!!
لا ...لا يتعجب وجود زين فقد كان صريحاً معه ليلتها أنه لن يضيع فرصته مادام هو قد ضيعها ...
لكن ما أثار عجبه -بل هلعه - أن تجد هي الأخرى لنفسها معه فرصة ...
إلا إذا....؟!!
لا ...لا ...
لا تعد لهذه الدوامة ...
لا تستسلم لسلطان شكك من جديد !!
قاوم ...قاوم ...
لكن مشاهد الفيديو تعاود قصف ذهنه...
تدور ويدور معها ...
لتنتهي بمشهدها الآن وهي جالسة معه هكذا متكشفة ...متباسطة ...
آه !
صرخته الصامتة تدوي كقنبلة تنتشر شظاياها في أعماقه ليجد نفسه ينهار أرضاً وذراعاه يهبطان معه!!!!
أنامله المرتجفة تكاد تنغرس في بطنها البارز ...
_يارب...يارب!
يتمتم بها بصوت غير مسموع وهو يطرق برأسه لا يكاد يجد له شاطئاً وسط زئير هذا الموج إلا إيمانه !!
ماذا بقي لرجل يجثو تحت قدمي امرأة تزعم أن من في بطنها ليس ابنه ؟!!
ماذا بقي له إلا أن تتلقفه مخالب وساوسه؟!!
أما هي فلم تكد تشعر به يبعدها عن ذراعيه حتى اجتاحتها عاصفة من جليد ...
ارتجافة جسدها تزداد وهي تراه هكذا جاثياً مطرق الرأس وأنامله تكاد تحفر بطنها حفراً...
غداً...ربما ستجد دموعها المفقودة !
ساعتها ستبكي هذه اللحظة كثيراً...
ستعتبرها أقسى ذكرى تركها لها ...وما أكثر ذكرياته القاسية !!!
_الكلمة وجعتك قوي كده ؟! مش ده اللي انت صدقته ؟! مش ده اللي انت خليت الناس كلها تصدقه لما اتخليت عني وقتها ؟! مش ده اللي هتفضل طول عمرك تشك فيه ؟!
كلماتها تغادر شفتيها مرتجفة رغم نبرة الوعيد المتشفية التي أرادتها ليرفع إليها عينين مغشيتين بدمع ...وغضب!
_وانتِ حكيتِ وأنا ماسمعتش؟!
باستنكاره العاتب ينطقها لتجيبه بنفس النبرة :
_ياااااه...ياما حكيت...من أول ما اتجوزنا وأنا بحكي ...لكن الحب اللي يخلليني بعد كل ده أقف أدافع عن شرفي مايستاهلش مني كلمة واحدة زيادة.
ثم ازدادت نبرتها حدة وهي تصرخ بينما جسدها كله ينتفض:
_أنا كنت راضية اخرج من حياتك زي مادخلت ...كنت راضية تفضل مجرد حلم يرجعني لما أشتاق لصورتي القديمة...انت عارف انت عملت فيا ايه ؟!عارف عملت فيا إيه ؟!
ظلت تكرر سؤالها الأخير بنبرة تتناقص حدتها حتى تهاوت أخيراً لتسقط مثله على ركبتيها ...
قبل أن تنسكب عيناها في بئر ماضٍ سحيق ابتلعهما بشروده :
_انت توهتني عن نفسي ...مابقيتش عارفة انا مين ...في ثانية واحدة...ثانية واحدة ...لقيتني مش عارفاني ...معقول فيه ياسمين من غير يامن ؟! معقول؟! مستحيل؟؟؟! لا... ما طلعش مستحيل !!
ضحكة ساخرة مشنوقة بمرارتها كانت ترعى ما بقي من نزف بوحها:
_ لاول مرة في حياتي انت خليته ممكن...لاول مرة في حياتي احس احساس حد بيتدبح ويفضل عايش...بيسلخوه من جلده ويقولوا له كمّل ...بيترمي في أحن حضن يتمناه فيلاقي أقسى قلم نزل على وشه ؟!!
دمعة عزيزة حارقة تسقط ببطء على وجنته وكأنما تذبحه كلماتها بتمهل قبل أن تجاور شفتيه لتذكره باختلاف مذاق هذه المرأة التي تتحدث ...
دمعة لم تميزها عيناها الشاردتان وهي تستقيم لتقف على قدميها ...
قبل أن تبتعد من جديد لتعطيه ظهرها مردفة :
_بس انا ماخذلتش نفسي المرة دي كمان...أنا مااتكسرتش...أنا كملت...واخترت!
_اخترتِ إيه ؟!
يسألها بنبرة مرتجفة وهو يقف بدوره ليعاود اقترابه منها ...
لو صح لمن في وضعهما أن يكون لهما اقتراب!!
_اخترت ما أختاركش حتى لو الموت في الكفة التانية !
بمنتهى الحزم ...بمنتهى القسوة ...وبمنتهى الضعف قالتها !!
ضعف امرأة ما عادت قادرة على منح المزيد بعدما أيقنت أن سابق عطائها كله كان كحفنة من تراب !!
ضعف امرأة أسندت ظهرها لحائط من ورق!!
ضعف امرأة أعمتها "صورة المثالية" عن رؤية "ندبة الخطيئة"...
امرأة لا تزال "تهوِي"...ولا تبالي أنها لا تزال "تهوَى"!!
والخصم أمامها كان مستنزفاً كأشد ما يكون الاستنزاف!!
فلا هو "القديم" الذي يستأنس بسلطان وساوسه ...
ولا هو "المستحدث" القادر على محاربته!!
هو فريسة لصراع ينهش روحه ...
وتزيده هذه المواجهة وهَناً!!
وهَناً جعله يتشبث بواجهة عناد هشة ظللت عبارته :
_انت دخلت حياتي بمزاجك بس مش هتخرجي منها إلا بمزاجي .
والعناد جعل العزة تأخذها بالإثم ولا تزال تعطيه ظهرها :
_لا !...أنا دخلتها بمزاجي وهاخرج برضه بمزاجي .
_يبقى تديني ابني وروحي زي ما انتِ عايزة ...أنا مش هكرر غلطتي مع سيلين.
يصرخ بها بقلة حيلة ورأسه يكاد ينفجر بضغوطه لتلتفت نحوه بشراسة لبؤة محاربة :
_وأنا مش هاسمح لك تكفر عن ذنب ابنها في ابني أنا ...مستحيل ...ده ابني أنا ...حلمي أنا ...تعبي أنا ...تمن العمر اللي عشته مغفلة ...تمن الحب اللي دسته انت تحت رجليك .
قد يعتبرها أبلغ عبارة حب سمعها ...
وقد تكون أعظم إهانة نالته لكن رده لم يكن ليختلف:
_ماشي...انتِ عايزاه تحدي ...وانت ِ عارفاني في العند ماليش آخر .
هنا عادت عيناها تحتقنان بالدمع المشتعل وهي تقترب منه خطوة لتلوح بسبابتها هاتفة :
_ما تلعبش بالنار مع واحدة حافظة كل مفاتيحك...زمان قدرت بده أخلي لك حياتك جنة ...ودلوقت بنفس السلاح هاقلبهالك نار!
فالتوت شفتاه بشبح ابتسامة وهو يقول بنبرة مستفزة :
_أول حاجة هاعملها لما أرجع مصر إني أردك رسمي ...وبعدها هاستناكي هناك .
قالها ليرمقها بنظرة مشتعلة طويلة ونظرة الرعب في عينيها تزيد جنونه !!!
إلى هذا الحد صارت تكرهه ؟!
هل فقدها حقاً؟!!
هنا زفر زفرة حارقة وهو يعطيها ظهره ليغادر بعدما ألقى ما في جعبته ...
ليكون دورها لتلقي هي الأخرى ما في جعبتها ...
لهذا ما كاد يضع قبضته على مقبض الباب حتى سمع نداءها ...
_يامن ...
لم يلتفت وهو يشعر أن نظرة واحدة لن تعني سوى أن يجرها من شعرها الذي يغيظه هذا خلفه إلى مصر كي يعيد ضبط -إعداداتها- التالفة هذه وليكن ما يكون !!!
لتأتيه عبارتها كقنبلة تنسف القديم والجديد ...
_أنا عمري ما خنت...بس لو رجعتني غصب عني هاخونك بجد المرة دي .
==========
انتهى الفصل الخامس
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سينابون
القطعة الرابعة
======
بالله لا تسألوني عليه ...
لا تشعلوا القنديل القديم...
كفاني ما قد فقدت لديه...
دعوني هنا وحدي
أستكينْ...
أجاهد عيني لكي لاتراه
وأقسو على القلب
كي لا يلين
وألعن ذكراه لو غافلتني ...
وعادت بقلبي لنهر الحنين ...
فلا تسألوني لماذا افترقنا...
مللت التساؤل والسائلين...
لازلت أجهل سر العقاب...
ولازلت أجهل ذنب السجين..
عجبي لنا
كيف أنا مضينا
كطفلين سئما من اللعب
فافترقا بعد حين !
تقولون حمقاء كنت بحبي...
وكم كنتم لي من الماصحين
أجل حمقاء
وذنبي بعنقي
لكم ..أم لنفسي بعذرٍ أدين ؟!
تمزق في الريح ثوب هوانا
واختنقت بدخانها دنيانا
وأمطر اليأس في وادينا
وذبلت أزهر الياسمين...
عفواً لن نحضر العام هذا
حفل تتويج العاشقين
كيف وقد مات بعينيه لحني
تراني أغني بلا عازفين؟!
فلا تذكروه الآن أمامي
دعوني أكفر ذنبي الأثيم
دعوني أروض قلبي ليقسو
فمن يقسُ أحياناً رحيم
دعوني أكسر بيديّ صنمي
وأنزع عني ردائي الحزين
وأهرب منكم..ومنه ...ومني...
وأخفي دموعي عن الناظرين
وأقسم أني نسيت هواه
وأشهد أني من الكاذبين...
فبالله لا تسألوني عليه...
ولا تشعلوا القنديل القديم.
"نرمين نحمدالله"
=======
_افتكرت!
قالها سيف لتتوتر ملامح إسلام مميزاً لكنة الاستياء فيها بينما أشاحت غادة بوجهها وقد بدا عليها الارتباك...
_شكلكم معرفة قديمة وأنا آخر من يعلم .
قالها بمرحه المعهود محاولاً تبديد السحب السلبية بينهما لكن سيف أشاح بوجهه هو الآخر دون رد ....
ليسود الصمت القصير بينهم إلى أن قطعه وصول العم علاء بهتافه الصاخب:
_لوريل وهاردي ...يا مرحبا يا مرحباً.
قالها مداعباً بذاك -اللقب- الذي طالما كان يشاكسهما به أيام العزيز الراحل في مقارنة لضخامة جسد سيف كثيراً مقارنة بجسد إسلام النحيل ...
والذي كان أول من تلقى الدعابة بميله الفطري للمرح رغم توجسه مما كان يحدث:
_كنت مزوِغ فين يا عمو ...اسطنبول مافيهاش "مصنع كراسي"؟!
_مين قاللك؟! مش بقوللك غشيم!!
قالها علاء بينما يلكزه في كتفه بمرح ليبتسم سيف أخيراً ابتسامة متحفظة سبقت قوله :
_إزيك يا عمو ؟!
قالها وهو يمد يده مصافحاً للرجل الذي جذبه نحوه ليعانقه بمودة ظللت حروفه :
_الغالي صاحب الغالي .
_وأنا ابن الغسالة مثلاً!!!
هتف بها إسلام مردفاً بغيرة مصطنعة :
_خلليك كده يا عمو ...دايماً تحبه أكتر مني .
فقهقه علاء ضاحكاً ليعاود لكز إسلام في كتفه مع قوله:
_ده سيف المحترم ابن الناس الكويسين...ايش وصلك انت يا بتاع "البرقوق"!
ورغم أن إسلام كان معتاداً على مشاكسات علاء هذه لكن الموقف كله كان يثير توجسه وارتيابه ...
خاصة وهو يلاحظ توتر ملامح غادة التي بدت كهرّة متحفزة مكانها ...
لهذا تجهمت ملامحه قليلاً وهو يطرق برأسه ليقلب علاء بصره بينهم جميعاً فيما يقول بنفس اللهجة المازحة التي اكتست ببعض الحذر:
_والله وبقى عندك دم وبتتقمص يا ولد ؟! من امتى؟!
_يتهيالي خلاص كده يا عمو ممكن نروّح !
قالتها غادة مشيرة لانحسار الزحام حولهم وقد بدأت بعض "البازارات" في الإغلاق فعلاً...
ليجيبها الرجل بانطلاق:
_طبعاً نروح...بس ناخد الأسيرين دول معانا رهينة .
حاول سيف الاعتذار باستماتة لكن علاء كان مصراً بشدة خاصة مع ترحيب إسلام لغرض -بالطبع-في نفسه ...
لينتهي الأمر بثلاثتهم مع العم علاء في سيارته قاطعاً الطريق نحو بيته ...
كان إسلام يركب خلفها تماماً فيما كان سيف جواره فيما مكنه من متابعة حركتها المتوترة وهي تداعب دبلة "أحمد" في إصبعها !
_مخلصة قوي!
همس بها متهكماً بازدراء في سره وهو يتذكر المرة الوحيدة التي رآها فيها ...
لم تكن محجبة حينها بل كان شعرها النبيذي المصبوغ يتطاير حول وجهها ك-صواعق- من فتنة تنذر كل من يقترب ...
كانت تراقص زوجها وقتها بهيام على المنصة ...
هيام أجّج عواطف نصف ذكور الحفل وأثار الغيرة في النصف الآخر ...
العرس لم يكن يخلو من الفاتنات لكنه يذكر ليلتها أن العيون كانت متركزة عليها هي بالذات ...
ربما لهذا لم يتعجب عندما علم أن ....
_وصلنا يا شباب ...ياللا نشوف "أنّا" عاملة لنا إيه ع الغدا .
هتف بها علاء بمرح مقاطعاً أفكاره وهو يترجل من السيارة قبل أن يدور حولها لتتعلق عيناه بغادة مع قوله المشاكس:
_عينين الجميل دبلانة النهاردة ليه ؟!
لأول مرة تتلقى غادة دعاباته بالكثير من الحرج ...
ربما لأن المعنى الذي وصلها هو نفس المعنى الذي جعل ملامح سيف تتلون بنفس الازدراء ...
_جاية راسمة على الراجل الكبير واللا إيه ؟! صحيح ...ماهي قاعدة هنا ببلاش ...والاسم بتساعده في الشغل.
همس بها في نفسه ليلتفت نحو إسلام الذي كان بصره معلقاً بها هو الآخر حتى أنه سبقه قليلاً ليسير جوارها فتنتهي الصورة بها في المنتصف بينه وبين علاء ...
بينما هو وحده في الخلف يهز رأسه باستنكار آسف !!
الازدراء الذي شعر به كان مرسوماً بوضوح على وجهه الجاد ...
حتى استقبال "أنّا" الدافئ لم ينجح في تبديده بل على العكس ...
شعوره بأن هذه "المراوغة المحتالة" تخدع الجميع كان يهيج غيظه أكثر ...
بينما كان إسلام يختلس النظر نحوه بقلق يتنامى وهو عاجز عن سؤاله عما يموت لهفة لمعرفته...
لكن شعوره بوجود غادة طغا على كل شيئ لاحقاً ليجد نفسه يستجيب لرغبته في المزاح أملاً في جذب انتباهها ...
_فراخ بالباربيكيو ...عمايل غادة ...دوقوا بقا وقولوا رأيكم !
قالتها إيناس بعد تحضير مائدة الطعام بفخر صادق وهي تربت على كتفها بحنان أم أصيلة تريد لابنتها واحداً من هذين "الرجلين" أمامها ...
قلبها يميل لإسلام أكثر لكن عقلها يومض بتتابع ...
ربما كان سيف هو الأنسب ...والأفضل!
_أنا جهزتها بس ...حضرتك اللي عملتيها .
قالتها غادة بحرج يتزايد وأناملها تكاد تعتصر دبلة أحمد مكانها بينما تتحاشى النظر لأي منهم ليهتف علاء باستنكار مصطنع:
_صاحية من الفجر تكركب في المطبخ ...وأصحى مشعوف م النوم قلت حرامي ...تطلع غادة "خانوم" بتعجن بيتزا !
اتسعت ابتسامة سيف الجانبية وصدق مخاوفه يتأكد له فأزاح الطبق الذي وضعت له فيه إيناس قطعة البيتزا جانباً ببعض العنف قائلاً بنبرة سيطر عليها :
_هاشرب شوربة الكريمة بس .. أكيد دي من إيدك يا "أنّا"!
شعرت إيناس بالغرابة في قوله فبرغم طباعه المتحفظة لم يكن يوماً فظاً هكذا ...
لكنها فسرتها ب...
_عايز تسيب ال"بيتزا" كلها لإسلام ....ها؟!
قالها علاء بخبث ونفس خاطر زوجته يراوده بينما ينظر إليهما نظرة متفحصة ليبتسم إسلام بخبث مشابه بينما أطرق سيف بوجهه في إحباط ليتناول طبقه مكتفياً بصمته طوال مدة تناولهم الطعام...
من الجيد أن إسلام قد جعله يرى هذه "اللعوب" الآن قبل أن تسقط الفأس في الرأس ...
لكن ألم تسقط حقاً؟!!
_مممم...تجنني يا غادة !
هتف بها إسلام بتلذذ وهو يلوك البيتزا في فمه ليحمر وجه غادة ليس خجلاً بل غضباً هذه المرة ...
خاصة عندما قال العم علاء بطريقته الماكرة:
_اتلم يا بتاع "البرقوق"!
_هاعمللكم شاي!
قالتها وهي تنهض من مكانها بسرعة غير آبهة باعتراض إيناس وعلاء اللذيْن تبادلا نظرة حائرة ...
ثمة شيئ ما يحدث هنا لا يفهمانه !
_تسلم ايدك يا"أنّا"...هاطلع الجنينة أشرب سيجارة .
قالها سيف وهو يغادر المائدة للخارج ليلحق به إسلام بعد ثوانٍ هاتفاً بقلق:
_فيه إيه يا سيدنا ؟! من ساعة ما شفتها وانت مش على بعضك !
فأشعل سيجارته بحركة عصبية ليسحب منها نفساً عميقاً زفره بقوة قائلاً:
_البنت دي ما تنفعكش.
_ليه إن شاء الله ؟!
هتف بها إسلام بمزيج من ضيق وتحفز ليهتف به هو الآخر :
_عشان مش مظبوطة !
_يعني إيه مش مظبوطة ؟!
هتف بها إسلام بقلق ليعاود سيف قوله بانفعال أكبر:
_مش مظبوطة يعني مش مظبوطة...مش فاهم يعني إيه مش مظبوطة !
_مين دي بقى اللي مش مظبوطة ؟!!
والهتاف جاء من خلفهما لتشتعل الدنيا أكثر !!!
=========
تردد قليلاً وهو يقف أمام باب غرفتها المغلقة دوماً في الملحق الخارجي بحديقته...
نفس الشعور المتناقض الذي يملأه كلما يراها ...
شعور بالإشفاق يمتزج بطيف خفيف من ...تشفٍّ!!!
هذا الإحساس الذي يقاومه بكل ما أوتي من إنسانية وعاطفة كبرت معه يوماً بعد يوم لفتاة لم تكن لها جريرة في ذنب أبيه !
_البنت دي ما تدخلش البيت ده طول ما أنا عايشة ...ولا بعد ما اموت ...اوعدني يا زين ...اوعدني .
بصوت أمه -الراحلة- الغارق بلوعته يسمعها من الماضي مفسراً سبب تصميمه لهذا الملحق الخارجي لهمسة...
لوعة امرأة قعيدة كتب عليها أن تقضي ما بقي لها من عمرها فوق كرسي متحرك ...
كان كل ذنبها أنها وثقت في قريبتها -الأفعى- وفتحت لها بيتها ليكون جزاؤها أن تسرق منها زوجها ...
والعاقبة ...طفلة !
طفلة أجبروه وقتها أن يتقبلها كأخته ...
كيف؟!
وحياتها -في نظره- ارتبطت بموت أمه !
أجل ...ماتت -حية- وهي ترى زوجها يزهد فيها بعد مرضها ليرتمي في أحضان أخرى ...
وماتت -حقاً - بعدما فقد جسدها العليل رغبته في الحياة والمقاومة !
ربما يفسر هذا شعور "التشفي" الذي يكرهه هذا وهو يرى ابنة تلك الأفعى بهذا الحال الذي صارت عليه منذ سنوات ...
لكن ما ذنبها هي في جريمة أمها؟!
منذ متى نرث خطايا آبائنا؟!!
لهذا تنهد بحرارة وهو يفتح الباب أخيراً ليجدها في حالها المعهود ...
شاردة أمام النافذة المفتوحة...
صورة جامدة لتمثال بلا روح ...
تمثال دبت فيه الحياة فجأة عندما سمعت صوته يناديها...
لتهب واقفة مكانها قبل أن تندفع نحوه وتعانقه بقوة جعلت عينيه تدمعان ...
يالله !
هو يحبها ...ومن لا يحب هذا الملاك الكسير؟!
هذه الروح النقية التي لم تنل من شمس الحياة إلا لهيبها دون دفئها ؟!
وحتى عندما ذاقت الحب لم تتجرع سوى مرارته ؟!!
لهذا يعترف رغم كل شئ ...
رغم أنف الماضي ولعنته ...
هي أقرب أهل الأرض لنفسه !
بل إن أقصى أمانيه أن تعود لها سلامتها !
لهذا أخذ نفساً عميقاً يتمالك به مشاعره قبل أن يبعدها قليلاً ليحدثها كطفلة:
_زين زعلان منك...هو عشان سافرت ما تاكليش ولا تاخدي الدوا .
كان يعلم أنها قليلة -بل شحيحة- الكلام ...
لهذا سرّ كثيراً عندما تمتمت بحروف متثاقلة :
_ما قلتليش.
تلقى كلمتها كعتاب رقيق مثلها ...
عتاب جعله يقبل جبينها ليقول لها معتذراً:
_حقك عليا...آخر مرة أسافر من غير ما أقوللك.
تزينت شفتاها بابتسامة شاحبة وعيناها تزيغان بشرودهما المعهود ...
قبل أن تعود أدراجها بخطوات بطيئة نحو كرسيها وكأنما "ندّاهة" عالمها الافتراضي المنعزل قد عاودت الاستحواذ عليها ...
هذا التصرف الذي كان يبدو أنه قد اعتاده عندما تنهد بأسف قبل أن يتحرك بدوره ليجلس على ركبتيه أمامها يمسد ظهرها بكفه ...
لكنها لم تصدر أي حركة أخرى ...
_كنت في ماليزيا ...بلد اسمها كوالالامبور ...بلد حلوة قوي ...بكرة لما الظروف تسمح هاخدك معايا هناك...جوها حلو بس حر شوية...المطر هناك كتير زي ما بتحبيه ...هتتبسطي هناك قوي...
كان يحدثها بانطلاق كما نصحه طبيبها رغم ما يبدو من عدم استجابتها ...
_زين ممكن يتجوز قريب ...هنعمل حفلة كبيرة تلبسي فيها فستان بلون البنفسج اللي بتحبيه ...وبعد شوية ممكن يكون عندي بيبي ...مش هتبقي فرحانة وقتها؟!
خطّان رفيعان من الدموع سالا على وجنتيها مع ابتسامة وليدة شقت طريقها نحو شفتيها الرقيقتين ...
ابتسامة أذابت فؤاده وهو يربت على شعرها برفق بأحد كفيه بينما يمسح دموعها بالكف الآخر مدركاً كم لامست كلماته قلبها الطيب ...
_معاد دواها يا زين بيه .
قالتها الخادمة التي دخلت لتوها إلى الغرفة فتنحنح بخفوت ليقف مكانه قبل أن يتحرك ليتناول منها الدواء الذي أعطاه لهمسة بنفسه ...
ثم عاد ببصره للخادمة بنظرة متسائلة جعلتها تظهر له "عقد الفل" الذي كان قد طلبه منها قبل دخوله إلى هنا ...
والذي وضعه على رأس أخته قبل أن يصفف لها شعرها بأنامله قائلاٌ بحنان :
_أميرة الفل...مين يليق عليه الفل أكتر منك ؟!
ابتسمت الخادمة بإشفاق وهي ترى المنظر خاصة مع ابتسامة همسة الشاحبة التي أضفت المزيد من الملائكية على ملامحها ...
فيما أشار لها زين بالانصراف قبل أن يجذب كرسياً ليجلس جوارها مستأنفاً حديثه أحادي الجانب معها لما يقارب الساعة...
حتى وقف أخيراً لينظر في ساعته قائلاً لها :
_هامشي دلوقت عشان الشغل وهارجع لك قبل ماانام.
لم يصله منها رد وقد عاد ظلام عالمها يتلقفها ليتنهد بحرارة قبل أن يغادر غرفتها خلفه مغلقاً بابها بالمفتاح كما اتفق ...
ولم يكد يبتعد قليلاً حتى تمتم بخفوت:
_ربنا يسامحك يا رائد... مين عالم لو ماكنتش عملت عملتك دي كان زمان حالها إيه دلوقت ؟!
زفر زفرة قوية ثم تناول هاتفه ليتصل به ...
رائد هو ذراعه اليمنى في كل ما يتعلق بالعمل ...
مخلص ...ذكي ...بل داهية ...
فلو أضفنا لهذا كونه "ابن عمه" فهذا يجعله المرشح المثالي لمنصبه هذا الذي يشغله في شركته ...
صحيحٌ أن رواسب الماضي لاتزال تقف حائلاً دون صداقة حقيقية بينهما ...
لكنه يثق به على أي حال!
لهذا ما كاد يطمئن منه على أحوال العمل حتى خصّه بخبر يوقن أنه يحتاج سماعه:
_همسة بقت أحسن ...اطمن.
قالها باقتضاب يليق بالصمت المطبق الذي حافظ عليه رائد بعدها ...
قبل أن يتجاهل الأخير الرد تماماً ليغير الموضوع تماماً بآخر ...
والذي جعل زين يعقد حاجبيه بقوة وهو يتلقى المعلومة الجديدة ...
يامن حمدي بدأ يتلقى علاجاً نفسياً لدى امرأة!
"ياقوت سليمان"...
مممممم...
معلومة "قيمة" لن يمررها "صائد الكنوز" بسهولة هكذا في رحلته للظفر بكنزه !
لكن ...ليبقَ لكل شيئ وقته !
وعلى مكتبه أغلق رائد الاتصال ليسمح لتنهيدة حارقة أن تغادر شفتيه بعيداً عن قناعه "المعدني" الذي صار رفيق حياته...
قبل أن يبتسم ابتسامة بطعم الدموع وأنامله تمتد ل"عقد فل" يحرص دوماً أن يزين مكتبه كل صباح حاملاً له معه أريج الذكرى ...والذنب..
آآآه ...
الذكرى والذنب!
هل هناك أقسى من هذا المزيج ؟!!
=========
_وحشتيني ...ماتعرفيش أد إيه كنت محتاجلك !
يهمس بها يامن عبر قبلاته التي تناثرت على بشرتها ...
حارة ...مشتاقة...ملتهبة ...
تصهرها بلهيب لا قبل لها به ...
فتغوص بين ذراعيه أكثر...
_ماقلعتش الخاتم بتاعي!
_وعدتك عمري ما هاقلعه !
همسه الدافئ يلفح وجنتيها وهي تشعر بسكينة الرجوع لوطنها بين ذراعيه ...
_انت كمان وحشتني .
والحروف تتوه بين موج العناق وترانيم الشفاه ...
لتسمع منه اعترافاً طالما تمنته ...
_بحبك ...عمري ما حبيت ولا هاحب غيرك .
العرق يتصبب على جبينها غزيراً لتتمتم بين صحوة ومنام ...
_قلها تاني ...لا لا ...ابعد !
شهقت بعنف لتنتفض مكانها على فراشها وهي تحتضن جسدها بذراعيها ...
حلم ؟!
كان حلماً؟!!
تباً!!!
إنها لاتزال تشعر بحرارة لمساته...
لاتزال تشعر بدفء جسده يغمرها ...
حلم ؟!!
لا ...بل كابوس!!!
أفيقي...أفيقي!!!
يامن لم ولن يحب!!!
كل سعي عمرك هذا كان خلف سراب!!!
شهقاتها تتوالى تباعاً حتى تفتح فمها بقوة طالبة الهواء!!!
والدمع العصيّ لايزال يحرق مقلتيها رافضاً الهطول ...
لماذا ؟!!
لماذا هذا الحلم الآن؟!!
ألم تكن قد حرمت اسمه حتى على أفكارها؟!!
ألم تقهر هذا الحنين الخائن لرجل مسحته من حياتها بممحاة ؟!!
تأوهاتها الخافتة تذبحها بثقلها فتمد أناملها تتحسس بطنها ...
تتذكر فرحتها عندما علمت عن حملها ...
عندما أيقنت أنه سيكون هناك ما يربطها به طوال العمر !!
كانت تظن أنها ستقدم لصغيرها أروع قصة حب ترويها له عندما يكبر ...
لم تكن تعلم أنها دون قصد ستورثه وصمتها وجرحها ...
آه!
انفلتت منها حارقة متوجعة وهي تشعر بوخز جسدها كله اشتياقاً ...
_لا!! أبداً!!
وكأنما تلبستها روح امرأة أخرى لتهتف بها لنفسها بصوت مسموع قبل أن ترفع الغطاء عنها بعنف ...
لن تستسلم لهذا الغباء من جديد ...
ياسمين المغفلة ماتت تلك الليلة...
الحمقاء التي نذرت عمرها لوهمٍ قتلها!!
ياسمين الآن لا تحن ولا تشتاق...
تنتصر فحسب!!!
لهذا مدت أناملها بسرعة للكومود جوارها حيث هاتفها الذي فتحته لتبحث عن رقم زين ...
رسالة نصية من كلمة واحدة لكنها تعلم أنها ستعني له الكثير ...
ليس له وحده بل لها هي أيضاً...
كلمة واحدة ستطعن بها ضعفها المخزي هذا ...
_وحشتني!
ولم تكد ترسلها حتى أخذت نفساً عميقاً محاولة السيطرة على خفقاتها التي لا تزال مضطربة ...
قبل أن تأخذ طريقها لتغادر غرفتها نحو المطبخ ...
فتحت الثلاجة وهي تشعر بالجوع لتقع عيناها على هذا "البرطمان" المميز بألوانه ...
وبذكرياته !!!
أناملها الخائنة تسارع بتلقفه وكأنما تتلمس مع مذاق الشيكولاتة خاصته عطايا عشقه القديم ...
_هادوقها بس ...بطريقتي!
جسدها يعود لارتجافة شوقه وهي تكاد تعتصره بأناملها قبل أن تطلق زمجرة غاضبة وهي تلقيه بعنف ليتكسر بدويّ عالٍ كانت تحتاجه لتفيق من "سَكرتها" العاطفية هذه !
_ماذا حدث؟!
هتف بها عابد وهو يدخل عليها لتلتفت نحوه بحدة قبل أن تشيح بوجهها دون رد ...
منذ موقف المطعم المخزي وهي تتحاشى الحديث معه !
بينما استغفر هو الله بصوت مسموع لينادي الخادمة كي تنظف هذه الفوضى قبل أن يقترب من أخته ليقول لها بأقصى ما استطاعه من كظم الغيظ ...
_تعالي إلى الشرفة .
قالها بالفصحى وهو يسحبها من ذراعها ملاحظاً ذبذبات نفورها منه لكنها استسلمت له أخيراً وكأنها تبحث عن أي رفقة تنسيها هذه الدوامة التي لن تسمح لها أن تبتلعها من جديد ...
الشمس تميل للغروب ...
كعهدها ترحل بعد طول تألق لتسقط في غياهب الليل ...
وكأن بريق النهار- الذي أغشى الخلق هذا - لم يكن !!!
محته "الظلمة"!
_تذكرين هذه ؟!
انتشلها بها عابد من نحيب أفكارها السوداوية هذه وهو يناولها ميدالية من الكريستال الملون كانت قد أرسلتها له كهدية منذ أعوام ...
فالتفتت نحوه لتتطلع إليها بنظرة خاوية فيما استطرد هو بنبرة هادئة:
_ظللت أحتفظ بها من حينها لتذكرني ب"ياسمين الجميلة " دائماً...طالما كنت فخوراً بكِ....
ثم صمت لحظة ليردف:
_لو كنا سنفقد مع كل محنة قطعة من ايماننا فما الذي سيتبقي لنا من أنفسنا في آخر الطريق ؟!
عادت الدموع تملأ حدقتيها وهي تشعر بالمزيد من التخبط ...
أخوها يبدو صادقاً في شعوره نحوها لكن حدسها يخبرها إلى أين سينتهي هذا الحوار خاصة بعد تجنبها الحديث معه عقب لقائه الكارثي بزين ليلتها ...
لهذا تحفزت ملامحها وهي تهتف بانفعال:
_لو دي مقدمة لطيفة عشان تنصحني باللي يصح واللي ما يصحش فياريت توفرها ...لو تعرفني كويس هتبقى فاهم إني مابعملش إلا اللي في دماغي واللي أنا مقتنعة بيه وبس!
_وهل أنتِ مقتنعة حقاً بما تفعلينه مع ذاك الرجل؟! وقبل انتهاء عدتك ؟!
هتف بها بغضب ظهر أخيراً وسط حروفه بينما يلقي الميدالية أرضاً بعصبية ...
لتعقد ساعديها أمام صدرها مكملة الحوار بما يليق به من عصبية:
_أنا مابعملش حاجة غلط ...موضوع العدة ده قصة وقت ...وبعدها هنتمم الموضوع رسمي .
_حدود الله ليست للعبث ...ولا مجال فيها لإعمال عقل!
_وانت مالك ؟!
_الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم ...الرجل الصالح الذي كان يعبد الله في قوم عصاة كان أول من ابتدئ بالعذاب ولما سألت الملائكة عن سبب هذا قال لهم المولى عز وجل ...إنه لم يتمعر وجهه لأجلي !
هتف بها بانفعال حقيقي احمر معه وجهه لتهز هي رأسها باستغراب وقد عجزت عن فهم بعض كلماته ...
بينما استطرد هو بلهجة خطابية تعلمها من شيخه :
_المعاصي ذوات رحم يشد بعضها بعضاً ....فلا تكوني من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ...أولئك هم وقود النار .
_وشيخك ما علمكش الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ؟!
والعبارة كانت من وجدي الذي جاء من خلفهما ليوقف هذا النقاش الذي أوشك أن يتحول لشجار يدرك عواقبه ...
خاصة عندما هتف عابد بغضب:
_تناصرها على الفجور؟!
_فجور؟! بتقوللي أنا كده ؟!! ما هم اللي زيك اللي بوظوا صورة الدين !
هتفت بها ياسمين بعصبية ليرد عابد الساخط باستنكار:
_ومن مثلك هم من ينصرونه ؟!!
_بس!! اسكتوا انتم الاتنين!
هتف بها وجدي بنفاد صبر وهو يجذب عابد ليسرّه ببضع كلمات في أذنيه جعلت الأخير يستغفر الله بصوت مسموع قبل أن يقبل رأس أبيه بسرعة ليغادرهما دون كلمة ...
فيما ظلت ياسمين تتابعه ببصرها حتى غاب عن ناظريها تماماً لتعاود الالتفات نحو أبيها بقولها :
_قلت له إيه عشان يسكت كده فجأة المجنون ده ؟!!
فأطرق وجدي برأسه قليلاً ثم رفعه نحوها ليجيب بضيق:
_أولاً...أخوكِ مش مجنون ...ولتاني مرة بقوللك إني زيه مش راضي عن تصرفاتك دي!
أشاحت بوجهها مطلقة غمغمة ساخطة ليردف بنبرة أكثر أسى:
_وثانياً...انا بحاول أحافظ ع الشعرة الباقية بيني وبينه عشان ما تتقطعش ...الشعرة دي هي اللي بتخلليه لسه بيسمع كلامي ...الشعرة اللي اتقطعت معاكِ انتِ للأسف!
كتفت ساعديها لتطرق برأسها مستشعرة المزيد من الضيق ...
تقربه منها هذا يشعرها بالذنب ...
لكن ما حيلتها في قلبها هذا الذي يعجز حتى عن مسامحة الأقربين؟!!
امرأة الألوان ذات القلب الأسود الذي لا يعفو ولا ينسى...
فياللمفارقة!!!
لهذا رفعت إليه عينيها أخيراً بنظرة غريبة حملت كل تناقضات مشاعرها ...
عينيها اللتين تعلقتا بشامة وردية بارزة جوار أنفه تنبت فيها شعيرتان قصيرتان كانت تحلو لها مداعبتها في صغرها وهي تدعوها ...
_شامة جدو علي!
هو الذي أكمل لها الخاطرة في مفارقة غريبة ونفس الفكرة تراوده متذكراً فيلماً من الأفلام الكارتونية القديمة والذي كانا يشاهدانه معاً في صغرهما حيث كانت هي وقتها تضحك مشبهةً له ببطل من أبطاله...
فابتسمت بحنين جارف والدموع تتكاثف في حدقتيها من جديد دون أن تسقط ...
عندما التقط هو الميدالية الكريستالية الملونة من على الأرض ليضعها في أحد كفيها بحركة ذات مغزى ..
بينما رفع الآخر ليضعه على وجهه مكان شامته المميزة قائلاً:
_ذكرياتنا الحلوة ممكن تنسينا ظلم ناس خذلتنا ...بس نديها الفرصة.
ربتت بأناملها على وجهه قبل أن تغمض عينيها بعجز ...
كلامه جيد لكنه يبقى مجرد ...كلام؟!
تنسى؟!
ماذا تنسى؟!
صورة أمها الراحلة التي لاتزال تقف بينها وبينه!
تنسى؟!
كفاح عمرها الذي قضته تحاول إثبات نجاحها كي تعاقبه به !
تنسى؟!
جحيم زواجها من رامي الذي كان اختياره !
تنسى؟!
أين يباع هذا النسيان "الكريم" هذا كي تشتريه ؟!!
وأمامها كان هو يشعر بعظم وزره ...
ابنه وابنته يقفان على حافة جرفٍ هار ...
كلاهما يعاني تطرف فكره ...وتطرف قلبه ...
عسى الله أن يلهمه الصواب كي يرمم ثقب السفينة المعطوبة !
لهذا ابتسم بحنان وهو يربت على شعرها قائلاً:
_معقول تكوني في ماليزيا وماتزوريش شارع العرب؟! غيري هدومك وتعالي أفسحك .
=======
في الشارع المميز تسير جواره بذهن شبه غائب ...
_مين اللي وحشك يا ياسمين ؟! زين الصديق واللا زين ال(....)؟! هاسيبلك القوس مفتوح !
هكذا رد زين على رسالتها برسالته التي تلقتها مكتوبة قبل أن تغادر بيت والدها معه إلى هنا ...
والذي كان فرصة مناسبة لتأخير ردها عليه ...
بماذا ترد ؟!!
هي لا تملك الجواب!
لأول مرة يجرفها موج الكبرياء بعيداً عن شاطئ "الفضيلة"!!
_ميزة الشارع هنا إنه يحسسك إنك في مصر ...هنا مطاعم أكل مصري وسوري محترفة....أماكن كتير للتذكارات لو حابة تعملي شوبنج...أقرب شارع لقلبي هنا في ماليزيا ...تحبي ناكل إيه ؟!
قالها وجدي وهو يجذب ذراعها لتتأبطه بينما يسيران متجاورين لتجيبه بشرود :
_ماليش نفس آكل ...ممكن أتفرج على المحلات بس .
قالتها لتغرق في صمت شرودها من جديد بينما عيناها تتابعان الواجهات الزجاجية للمحلات ...
_أقوللك سر؟! مفيش مرة عملت شوبنج إلا وكنت بقف قدام
محلات الهدوم الرجالي أتخيلك في كل اللبس الأسود...شياكته جاذبيته غموضه ...مااظنش يليق على حد أكتر منك ...لون واحد بس اتمنيت أشوفك فيه غير الاسود...الابيض...عندي في دولابي قميص أبيض اشتريتهولك من زمان بس مافكرتش أقوللك عليه قبل كده !
_ليه؟!
_لسه مش من حقي أفرض عليك ذوقي .
_ابقي وريهولي يمكن يعجبني!
دمعت عيناها أمام واجهة المحل التي تألق فيها هذا "المانيكان" بقميصه الأسود ....
تباً...الذكرى "اللعينة" تقصف خاطرها غدرا!!!
وعدها أن يرتدي القميص الأبيض ولم يفعل!
وعدٌ آخر من وعوده التي لم يفِ بها ...وما أكثرها!!
غص حلقها بمرارته وهي تتحرك بسرعة عصبية نحو محل آخر ...
أناملها تمسد بطنها فوق ملابسها وهي تتمتم في نفسها :
_بكرهه ...بكرهه !
لا تدري لماذا ودت في هذه اللحظة لو تصرخ بها ...
لو يسمعها كل من في الأرض ...
لو تسمعها صغيرتها في بطنها ..
لا!
لا!
لا!
إلا يمنى!
لن تورثها كراهيته...
ستبقيها "الحلم النظيف" الذي فر بطهره من بلادٍ دنسها الخذلان والخيبة والغدر!
غدر؟!!
وهل أبشع مما فعله بها غدر؟!!
هو اغتالها من فوقها ومن بين يديها ...ومن تحتها !
زلزل الأرض الثابتة التي طالما رسخت فوقها قدماها !
ماذا بقي لامرأة خانها ماضيها ويتوعدها غدها ؟!
ماذا بقي؟!
حديث والدها الودود يداعب أذنيها بينما يصعد بها درج أحد المطاعم هناك ...
يصف لها الأماكن ويحكي لها عن بعض ذكرياته هنا مع عابد وأمه ...
يظن نفسه يسليها لكن الحقيقة أنه يضع المزيد من الملح على الجرح!
ذكرياته التي يحكي عنها هذه كان من الأولى أن تكون لها هي ولأمها!!
_حاسبي!
هتافه الجزع يصلها متأخراً وهي تدرك تعثرها في حافة درجة السلم لتلتوي قدمها تحتها ثم لم تدرِ ما الذي حدث بالضبط وهي تفقد توازنها مع صراخ الناس حولها لتجد نفسها ممدة على ظهرها على الأرض...
وفجأة شحبت ملامحها مع هذا الألم الذي شعرت به أسفل بطنها ...
رباه...
إنها تنزف!
لا...يمنى!!!!
=========
_مين دي بقا اللي مش مظبوطة ؟!
هتفت بها غادة بقوتها -المستحدثة- التي لن تسمح لها بتصدع في جدران حياتها الجديدة ...
هي انتزعت روحها مجدداً من بين براثن اليأس ولن تسمح أبداً ...أبداً أن تعيدها إليه ...
لهذا تقدمت نحوهما بعينين تنضحان شرراً ...
ليشيح سيف بوجهه زاماً شفتيه بينما هتف إسلام وهو ينقل بصره بينهما :
_هو فيه إيه بالضبط؟! ما تتكلم يا سيف؟!
_اتكلم يا أستاذ سيف...عايزة أسمع بتتهمني بكده ليه !!
هتفت بها غادة بنفس النبرة القوية وهي تعقد ساعديها أمام صدرها ليصمت سيف قليلاً قبل أن يهتف أخيراً بانفعال:
_والله أنا ماكنتش هاتكلم...بس مادام طلعتِ بجحة كده فأنا ماقداميش حل تاني ...
ثم عاد ببصره نحو إسلام وهو يشير إليها بسبابته مردفاً:
_الأستاذة ...الملاك اللي حضرتك وصفتها ...هي سبب خراب بيت أخويا...مراته اللي هي صاحبتها دخلتها بيتها وآمنتها على جوزها وفي الآخر غفلتها ولعبت عليه لحد ما طلقها وطلب منها هي الجواز .
_خلصت معلوماتك الغلط؟!
هتفت بها غادة بنفس النبرة القوية لتتقدم منهما خطوة أخرى مردفة بثقة لم تتزعزع:
_يُفضّل قبل ما ترمي واحدة ست في شرفها تبقى تسأل أخوك كويس عن اللي حصل ...لو هنتحاسب بجد ...أخوك ومراته -اللي هي صاحبتي- هم اللي مديونين لي باعتذار .
_انتِ كمان ....
هتف بها سيف بنفس الانفعال ليقاطعه صوت علاء الذي ظهر فجأة :
_سيف...ولا كلمة واحدة زيادة !
ارتبك سيف بشدة مدركاً حرج الموقف فيما استطرد علاء وهو يتقدم مشيراً نحو غادة :
_البيت ده بيتي وغادة بنتي ...لو هتغلط فيها اخرج وماترجعش تاني.
كان يقولها هادراً بعنف غريب على طبيعته المرحة ليسودهم جميعاً الصمت الثقيل الذي قطعته إيناس وهي تظهر في الصورة لتضم غادة لكتفها باحتواء قائلة بقوة مع نظرتها العاتبة لسيف:
_ادخلي استريحي يا غادة ...انتِ تعبانة م الصبح.
أطرق سيف برأسه في حرج وهو لايدري ماذا يفعل...
هو لم يقصد أن تتطور الأمور هكذا ...
لكن هذه المرأة استفزته بجرأتها !!!
تباً!!
كيف تهور لهذا الحد؟!
أن يؤذي قريبة العم علاء؟! وفي بيته ؟!
_أنا آسف يا عمو ...حضرتك...
_شرفتنا يا دكتور.
قالها علاء باقتضاب مقاطعاً إياه ليهز سيف رأسه بحنق قبل أن يندفع مغادراً البيت ...
فيما تقدم إسلام نحو علاء ليقول بارتباك ضائق:
_أنا آسف يا عمو ...أنا لحد دلوقت مش فاهم اللي حصل ولا ليه هو بيقول كده .
فأمال علاء رأسه يتفحصه ليقول بنبرة جادة :
_انت عايز إيه بالضبط من غادة ؟!
ازداد ارتباك إسلام وهو يشعر أنه قد حوصر في الزاوية !!!
ربما لو كان قد سأله هذا السؤال قبل هذا اللقاء الكارثي لأجابه بيقين برغبته في الارتباط بها ...
لكن بعد هذه المهزلة ماذا عساه يقول؟!!
_لما تعرف انت عاوز إيه ابقى تعال كلمني ...ولحد وقتها مش مسموح لك انت ولا صاحبك تكلموا غادة كلمة واحدة ...مفهوم؟!
قالها علاء بنفس النبرة ليومئ إسلام برأسه قبل أن يغادر بتحية مقتضبة ليلحق بسيف المنتظر بالخارج وما إن رآه حتى لكمه بقوة في كتفه قائلاً بضيق:
_انت اتجننت ؟! حتى لو كانت فعلاً زي ما بتقول ماكانش يصح أبداً تغلط فيها في بيت عم علاء .
فضم سيف قبضتيه جواره بقوة ليقول بغيظ مكتوم :
_ماقدرتش أمسك نفسي ...لما شفتها افتكرت دموع أمي وهي بتحكيلي عن خيبة أملها بعد طلاق رامز ...تخيل إنها قعدت فترة تبات في شقتي أنا هناك ...شفت كانت صاحبتها مآمناها لأي درجة وهي ...
_انت سألت أخوك ع اللي حصل؟!
قاطعه بها إسلام ليصمت متفاجئاً قبل أن يجيب بارتباك :
_انت عارف إن العلاقة بيني وبين رامز مش كويسة قوي ...بطمن عليه من بعيد لبعيد بس من غير تفاصيل .
هنا عاود إسلام لكمه بغيظ في كتفه قبل أن يهتف بعصبية :
_وأنا اللي بقول عليك عاقل ودماغك يوزن بلد ...ولعت الدنيا من غير ما تتأكد من حاجة...ماجاش في بالك إن الحكاية كلها ممكن تبقى غيرة ستات مالهاش أصل !
زفر سيف زفرة حانقة وهو يشعر أن صديقه ربما يكون محقاً...
لماذا تهور إلى هذا الحد وهو المشهور بتعقله ؟!
لماذا أضرمت رؤيتها النيران في قلبه ؟!
ربما لأنه يذكر تأثره بها تلك الليلة التي رآها فيها تراقص أحمد في زفاف شقيقه الذي حضرته بحكم كونها الصديقة المقربة للعروس ...
هذا التأثير الذي تجدد عندما أخبرته والدته أنها كانت تقيم في شقته ...
والذي اكتسب طابعاً من العدائية عندما علم أنها كانت سبباً في طلاق شقيقه الذي ربما قد يكون قد تعلق بها !!
ما الذي تملكه هذه المرأة بالضبط كي تجذب الرجال نحوها كالفراش هكذا ؟!!
حتى بعدما رآها في حجابها وثيابها المحتشمة هنا لا تكاد صورتها القديمة تغادر مخيلته ...
صورة مجسدة للفتنة والإغواء !!
لكن هل يمنحه هذا الحق في إهانتها كما فعل ؟!!
_أنا مش زعلانة إني هاموت ...أنا زعلانة لأنك لآخر لحظة ماعرفتش أنا حبيتك أد إيه ...يمكن ...يمكن حياتي تكون تمن مناسب أدفعه لغلطتي القديمة ...التمن اللي يخللي صورتي في عينيك تتغير .
يكاد يسمعها بصوت "معذبته" الراحلة ...
وكأن ضميره يستحضرها وسط هذه الفوضى ليعاود جلده بالذنب القديم ...
لهذا دمعت عيناه مع غصة حلقه ليقول بصوت متحشرج متحاشياً النظر لصديقه :
_هامشي أنا...عايز أبقى لوحدي شوية.
لم يعترض إسلام وهو يستنتج بحدسه ما يدور برأسه ...
ربما يكونا مختلفيْ الطباع حقاً لكن كليهما يحفظ تفاصيل الآخر كخطوط كفه ...
لهذا اكتفى بتربيتة واهنة على كتفه قبل أن يتركه ليمضي...
خطواته تمتزج برذاذ من الماضي يشوش الصورة...
ذنبه القديم لايزال يكبل رسغيه بأغلال من نار ...
ذنب لن تكفره توبة ...
القاتل يُقتَل ولو بعد حين !
وهو قتل روحين فكيف يهنأ بحياة ؟!
_الجنين كان بنت ...معلش...ربنا يرحمهم هم الاتنين!
كأنه يسمعها الآن بصوت الطبيب في المشفى ليلتها ...
نفس الطعنة...نفس الألم الذي يشق الصدر بلا رحمة...
نفس الندم الذي يسخر من خطأ لا يمكن إصلاحه !!
صوت بوق سيارة على الطريق ينتزعه من أفكاره ليتعثر مكانه للحظة قبل أن يعاود استقامته بعينين توقدتا بانفعال مكتوم ...
لماذا تراوده هذه الذكرى الآن بالذات مع رؤية "هذه المرأة"؟!!
آه !
ليته لا يكون قد ظلمها هي الأخرى!
وأخيراً تنطلق من صدره تنهيدة حارقة قبل أن يرفع هاتفه ليجري اتصالاً تأخر فيه كثيراً حقاً!!!
وفي غرفتها المخصصة لها جلست إيناس صامتة بتوتر جوار غادة التي غابت ملامحها في شرود طويل ...
ربما لو كان موقف الليلة قد صادف غادة القديمة لزادها ذلاً إلى ذل ...
لكنها الآن تشعر برغبتها في الحديث...
بل الصراخ !
هي لم تترك الماضي خلفها كي تعود لتتجرع مرارته هاهنا !!
_سيبيها تنام يا إيناس .
قالها علاء وهو يدخل الغرفة أخيراً بعد رحيل الصديقين لتنظر إليه الأخيرة نظرة راجية قابلها بأخرى حازمة ناسبت قوله لغادة :
_أنا عارف كويس انتِ مين وثقتي فيكِ مش هتتهز ...عشان كده مش هسألك عن تفاصيل تخصك.
ربما لو كانت أخرى غيرها لتقبلت منه هذا الكلام ...
لكنها في هذا الموقف بالذات وجدت نفسها تتحلى بكل ذرة من قوتها المستحدثة لتقول بثقة :
_لا ياعمو هاحكيلك كل حاجة بالتفصيل...معنديش ذنب أتكسف منه ...عمري ما عملت حاجة غلط.
========
_عرفت ابنك منها مات إزاي؟!
سألته ياقوت بينما يجلس هو أمامها في واحدة من جلساته العلاجية التي صار يستجيب لحاجته لها ...
ربما لأنه يعاند فيها نفسه القديمة بكل تعقيداتها ...
وربما لأنها تمنحه ارتياحاً بإلقاء أوزاره من على كتفيه ...
وربما -وهو أعظمها- لأنها تعطيه الأمل أن يصلح ما أفسده يوماً مع المرأة الوحيدة التي أحبها بكل جوارحه ...
_لا.
إجابته كانت مقتضبة لكنها حملت لها الكثير من عذابات روحه ...
شعورها -الغريب- نحوه يعاكس حياد "مهنيتها" ...لكنها لا تملك فيه يداً !
مزيج من إعجاب وإشفاق ...
صورة "شبه مضبوطة" لزوج تتمناه ...
و"انعكاسٌ مثالي" لصورتها هي !!
نفس البدايات الجارحة القهرية من أقرب من يفترض أن يكونوا العون والسند !
لكنها لم تسمح لأحاسيسها بالظهور خلف نبرتها المحايدة وهي تعاود سؤاله :
_ليه ماحاولتش تتواصل مع باباها وتعرف منه ؟!
صمت طويلاً وكأن السؤال حقاً بهذه الصعوبة قبل أن يطرق برأسه ليتمتم معترفاً :
_خايف...
ثم احتدت نبرته أكثر وهو يردف بانفعال :
_كل ليلة قبل ماانام برسم ألف سيناريو ...كل واحد أقسى م اللي قبله ...خايف أكون أنا السبب ...خايف أسمعها بوداني ...ذنب ابن سيلين لسه مطوق رقبتي ...مش قادر أسمع تفاصيل ذنب تاني!
هزت رأسها بتفهم وهي تقول بهدوء:
_كنت هاستغرب جداً لو عملت غير كده ...باباك الله يرحمه علمك تهرب ...عبد الرحيم حمدي اللي هرب زمان بابنه من عار الممثلة المعروفة ...دلوقت ابنه بيكرر نفس التصرف...برضه بتهرب !!
رفع إليها عينيه باستغراب من تصويرها للأمر بهذه الطريقة ...
لم يخطر هذا بباله أبداً ...
أن يكون -وهو في هذه المكانة والسن - مجرد تابع لما كان يمليه عليه أبوه !
لكنها استطردت بنفس الثقة :
_هو ده التحدي الحقيقي يا دكتور ...إنك تخرج من عباية عبد الرحيم حمدي ...إنك تبطل تهرب ...تبطل تجري ...انت حالياً في مرحلة كويسة إنك وقفت ...ده في حد ذاته إنجاز...اللي فاضل بقا إنك تبص وراك ...تواجه اللي فات واللي كنت بتديله ظهرك ...قل لي علاقتك بوالدتك عاملة إزاي دلوقت.
_معقولة...كويسة...كويسة جداً...يمكن ...أكتر فترة في حياتي حسيت إنها قريبة مني ...
قالها ببعض الارتباك وكأنه مجرد طفل يبحث عن جواب لا يدينه...
ليردف بابتسامة واهنة :
_انت عارفة إن امبارح كان مهرجان (.....)....لما قرات الخبر قلت هاروح ألاقيها مش في البيت بتجهز نفسها زي كل سنة ...لكن روحت لقيتها جنب داليا في السرير عشان كان عندها شوية برد ...فعلاً تغيير كبير .
فابتسمت وهي تقول بيقين:
_الأمومة عند الست فطرة مش اكتساب ...والفطرة ممكن تنتكس لكن لو وفرت الظروف المناسبة هترجع تلمع وتسيطر ...نبيلة كانت محتاجة الصدمة اللي حصلت للعيلة عشان تنسى بيللا وترميها ورا ظهرها بعد ما عاشت العمر ده كله فاكرة إن هو ده إنجازها اللي لازم تحافظ عليه.
أومأ برأسه موافقاً ثم عاد يسألها بتردد:
_تفتكري ممكن أقدر أواجه ياسمين امتى؟!
_لسه مشاهد الفيديو بتيجي في دماغك ؟!
هز رأسه نفياً بسرعة قبل أن يزفر بضيق ليعاود الإيماء بالإيجاب...
فاتسعت ابتسامتها وهي تقول ببساطة :
_مكسوف ليه ؟! انت فاكر إنك هتنسى في يوم وليلة ؟! لو راجل عادي مش هينسى موقف زي ده بسهولة فما بالك براجل عايش بشكوكه زيك ؟! خد وقتك يا دكتور ...المهم تحاول ما تقابلهاش إلا لما تبقى واثق تماماً إنك قادر تواجه .
_تفتكري ممكن تسامح ؟!
سألها بتردد مشفق وهو يشعر بالغرابة في نفسه ...
أن يجلس هكذا مع امرأة يسألها عن مصير علاقته بامرأة أخرى لهو أشبه ب"فيلم خيال علمي" رخيص بالنسبة لماضيه ...
لكن ها هو ذا يفعلها !!!
_ياسمين ما سامحتش أبوها اللي هو أبوها ع اللي عمله زمان ...يبقى هتسامحك انت بسهولة كده ؟! من كلامك هي عاشت عمرها كله بتحبك وبتدي من غير حدود ...القلم اللي خدته ما وجعش قلبها بس ...ده وجع كرامتها اللي اتجرحت قدام الناس كلها .
قالتها بنفس البساطة ليهتف بغيظ :
_انتِ معايا واللا معاها ؟!
فعدلت من وضع نظارتها على أنفها لتقول عبر ابتسامة :
_عايزاك تعرف إن الطريق صعب عشان تجهز كل طاقتك وتشحن كل أسلحتك للمعركة...
ثم تنحنحت لتقول باستدراك:
_آه...نسيت إنك مابتحبش هرْي التنمية البشرية ...هاقولهالك بطريقتك...مش عايزة أعمللك البحر طحينة لحد ما تلبس في الحيط !
قالتها ملوحة بكفها في إشارة لما تقول فابتسم ابتسامة مستمتعة حقيقية وهو يهز رأسه ...
هذه المرأة أمامه نموذج فريد مختلف عمن قابلهن من النساء ...
ذكاؤها ...فطنتها ...حسن استنباطها ...خفة ظلها التي تتسرب عبر حُجب اعتدادها بنفسها ...
وفوق كل هذا ماديتها الرهيبة التي لمسها في تعاملاته القليلة معها ...
لمعة عينيها مع رؤية المال لا تخطئها عين راءٍ ...
فلو أضفنا لهذا مظهرها المبهرج عديم الأناقة لكانت المحصلة أنثى استثنائية ...
لكن كل هذا لا يخصه على أي حال!!!
بينما قرأت هي ابتسامته ببعض الأمل والحلم -إياه- يراودها ...
تريد رجلاً !!
رجلاً يجمع لها ما تناثر من لآلئ العمر ليضعها في عقد حول جيدها...
رجلاً يرفع رأسها ورأس ثمر وتثبت به لوالدها الغائب في برجه العاجي هناك أن "ابنة الخادمة" وصلت لقمّة جاه يشبه قمته هو!!
لكن ...هل يجوز الحلم برجل كيامن يبدو وكأن قلبه سافر مع تلك الراحلة هناك ؟!!
نحّت تساؤلاتها جانباً بمهنية تكاد ترجوها عدم الخوض في بحر كهذا ...
لتنظر في ساعتها قائلة :
_معادنا الجاي بعد بكرة ...ياريت تيجي بدري شوية عشان ما أتأخرش على معاد القطر ...عايزة أوصل قبل لجين المرة دي .
فوقف مكانه متأهباً للمغادرة قبل أن يسألها بما جال في خاطره :
_هو انتو ليه مش ساكنين مع بعض هنا ؟!
_أنا المركز هنا موفر لي سكن مع الأطباء ...هي مأجرة شقة صغيرة مع اتنين زمايلها شغالين معاها في المعمل.
قالتها ببساطة لم تخفِ فخرها بمهنتها خاصة بالمقارنة مع وضع شقيقتها البسيط ...
فالتوت شفتاه بشبه ابتسامة وهو يحاول استقراء بعض دواخلها قبل أن يقول بفظاظته المعهودة :
_هو احنا هنقضيها دردشة كده في الجلسات ؟! مفيش دوا؟!
فرفعت حاجبيها باعتداد لتجيبه دون أن تنظر إليه :
_ما بحبش أدخل أدوية في المرحلة الأولى ...بفضل أستنى شوية ...إلا لو المريض دخل في حالة اكتئاب.
_الله يطمنك ! وانتِ مستنية بقا يجيلي اكتئاب ؟!
هتف بها متهكماً لتجيبه بتهكم مماثل وبابتسامة عابثة زينت شفتيها الجميلتين:
_أو محاولة انتحار ...أيهما أقرب!
مط شفتيه باستياء وهو يتحرك ليغادر الغرفة ولم يكد يصل للباب حتى سمع صوتها خلفه :
_ساعد نفسك تاخد قرار سريع ...أي ذكرى حلوة بينكم لون بيكمل لوحة لازم تترسم .
فعادت الابتسامة الباهتة لشفتيه دون أن ينظر إليها ...
قبل أن يغادر ليغلق الباب خلفه دون رد ...
ذكرى حلوة ؟!
وهل بقي له إلا الذكريات ؟!!
تنهد بحرارة وهو يغادر المركز ليستقل سيارته ...
مزاجه المتعكر لا يسمح له بعمل لهذا ألغى مواعيد عيادته للمرة التي لا يعرف عددها ...
خمس مكالمات فائتة...
نبيلة بالطبع تريد الاطمئنان عليه...
مروان كذلك...
رامز ...يرجوه من جديد إقناع هانيا العنيدة بالرجوع إليه...
داليا تريد تلبس دور الكبار ومناقشته في كل شئون العائلة...
والمكالمة الأخيرة من "رقم دولي" غريب!
تباً....
ذكرياته مع مثل هذه الأرقام لا تسر ...
لن يشغل باله بهذا ...لو كان أمراً هاماً فسيعاود الاتصال !
ياسمين؟!!
لا ...لا ...
هي لن تفعلها أبداً ...
ليس بعدما كان !
لهذا ألقى هاتفه جانباً ببعض العنف قبل أن يشغل السيارة ...
إلى أين ؟!
ابتسامة حنين تزين وجهه وهو يجد نفسه يجتاز الطرقات نحو مكان بعينه...
أجل ...كما توقعتم ...
مطعمهما المشترك الذي تم إغلاقه منذ شهور ...
ليبقى معلقاً كأشياء كثيرة بينهما ...
على عكس مطعمها هي الخاص ب"السينابون" الذي لايزال يعمل بكامل طاقته حتى في عدم وجودها .
توقف بالسيارة أمامه للحظات متأملاً بابه المغلق ...
ذكرى افتتاحه لا تزال طازجة بذهنه ...
فرحتها العارمة به وهي تحتضنه ليلتها قبل أن تختطفه بناء على طلبه...
ليلتهما الساخنة بعدها ...شاليه البحر ...
وحلمها الذي صارحته به صبيحتها أن تحمل طفلاً منه !
آه !
ألا لعنة الله على الأماكن حين تحتفظ هي بشعورٍ نحن فقدناه !!
حين تمنحك صورة عن نفسك لم تعد أنت تملكها !!
حين تجلدك بالأمس فتستغرب اليوم وتزهد الغد !!
ألا لعنة الله عليها ...
بل ألا حفظاً حفظاً لمثل هذه الأماكن...
هي أوفت ونحن؟!
...نحن خُنّا!!
تأوه بخفوت عند الخاطر الأخير وهو يعاود تقليب خاتمها في إصبعه...
_يوم ما أشوفك تاني مش هاسيبك من حضني أبداً.
تمتم بها بما يشبه الوعد وكل ذرات جسده تشاطره العهد ...
سيعانقها بقدر ما اشتاق صورته في عينيها ...
سيقبّلها بقدر ما افتقد نفسه فيها ...
سيمزج أنفاسها بأنفاسه ما بقي له من عمر !
من أين لك بهذه الثقة أنها ستنتظر ؟!!
الخاطر الأسود الأخير يلطخ "وردية" الصورة فيزفر بقوة قبل أن يتمتم بشرود :
_مش ممكن الحكاية تخلص على كده ...
لكن أفكاره انقطعت عندما رن هاتفه من جديد بنفس الرقم الدولي ...
ليفتح الاتصال ....
========
_ما تكدبش ...أنا شايفاك بعيني وانت بتكلمها !
هتفت بها "شوشو " بغيرة حانقة وهي تخبطه بكتابها على صدره ليتأوه هيثم بقوة مصطنعة قائلاً بين ضحكاته :
_اعقلي يا مجنونة ...كنت بطمن عليها بس ...وعشان تصدقي آخر الحوار قالتلي إني زي أخوها .
_وده مزعلك ...هه؟!
هتفت بها بنفس الغيرة الطفولية التي صار معتادها ليتنهد بحرارة قبل أن يقول بجدية :
_مش هاكدب عليكِ وأقوللك مش زعلان ...مشاعري ناحية داليا كانت أقوى من إني أعديها ...
دمعت عيناها بحرقة وهي تشيح بوجهها ليستطرد هو محاولاً مراضاتها :
_بس برضه أنا أعقل من إني أضيع حياتي ورا وهم .
لكنها أعطته ظهرها لتقول بنفس النبرة الانفعالية :
_ماشي يا سي عاقل ...آسفين لإزعاج سيادتك.
قالتها وهي تتحرك بضع خطوات لتبتعد لكنه لحق بها ليقف أمامها ويمنعها من التقدم بقوله العابث:
_خلاص ما تزعليش بقا ...آسفين يا سكر .
هنا غلبتها ابتسامتها الساذجة التي عدت كطفلة فوق شفتيها ...
ابتسامة شقت طريقها لقلبه بعفويتها التي تزيد عمق شعوره نحوها يوماً بعد يوم...
شعور لا يعرف تصنيفه ...
ربما لأنه ليس في قوة عاطفته القديمة نحو داليا لكنها تغمره بشعور مريح ...
بسيط ...عفوي يشبهها!
لهذا ضحك ضحكة صافية ثم غضن أنفه بحركة مشاكسة يعلم أنها تعجبها ...
وقد صدق ظنه عندما ضحكت بخجل لتهتف به :
_مفيش حاجة مصبراني عليك إلا خفة دمك دي .
_بس؟!
_وقلبك الطيب؟!
_بس؟!
_وشهامتك؟!
_ممممم...وبس؟!
غمزها بها أخيراً بمكر مرح لتتلون وجنتاها بحمرة أحبها ...
ربما لا تكون جريئة قوية الشخصية كداليا لكن فيها شيئاً يجعله يشعر بالانجذاب ...
شيئاً "حلواً" ....كالسكر!
الكلمة التي ذكرته بوالده الحبيب وجعلته يقول لها بينما يسير جوارها في أروقة الجامعة :
_بابا عامل حفلة كبيرة الخميس بالليل ...تعالي ...فرصة تشوفيه وتتعرفي على ماما .
_ماشي.
قالتها بطاعة يحبها فيها وتقربها نحوه أكثر خاصة مع مقارنتها بتنمر داليا عليه...
فكاد يرد عليها بعبارة ودود لولا صوت رنين هاتفه الذي فتح اتصاله ليهتف بحرارة :
_أهلاً بالابن الضال ...إسلام باشا...لسه فاكر أخوك ؟!
===========
_خالو أشرف وحشني قوي.
قالتها الصغيرة ريما وهي تستكين في حضن نشوى التي ردت بأسى:
_هيبقى كويس يا حبيبتي ويرجع لنا بالسلامة .
قالتها وهي تشرد ببصرها في الأوضاع الجديدة...
أشرف كان يتحمل عنها الكثير وسقوطه كان نكبة لها قبله !
ليت الأمر فقط مجرد مال ...
لكنه كان السند الذي تلتجئ إليه بعدما ابتلاها القدر بزوج لا يحمل من الرجولة أدنى نصيب...
رماها وابنتها ساعياً خلف نزواته !
ما الحل الآن؟!
كيف يمكنها التعايش ومواكبة طلبات الصغيرة ومصاريف علاج أشرف نفسه ؟!
لا...لن تستسلم !
عقلها العملي سريع الاستجابة جعلها تبيع قطعة أرض صغيرة كانت تملكها واستعانت بمحامٍ ماهر كي يتصرف بشأن المصنع...
مصنع أبيها لن يموت بموته ....
سيبقى وترثه ابنتها بعدها ...مهما حصل!
هذا هو تحديها القادم ولن تخفق فيه ...
هي تملك خبرة لا بأس بها في الإدارة لكنها لا تزال تحتاج الكثير من المساعدة ...
من يمكنه أن ....؟!
انقطعت أفكارها عندما رن جرس الباب لتهرع الصغيرة بسرعة نحوه وتفتحه ...
العيون تلتقي بمزيج ملتهب من المشاعر بينما نشوى تقف مكانها لتتوجه نحو الطارق ...
أو بالتحديد ...الطارقة !
رانيا!
لعنة أشرف وخيبته الثقيلة!!!
لماذا تتحامل عليها هكذا ؟!!
هل هي مجرد غيرة أنثوية تفترض بين امرأتين في وضعهما ؟!!
لا !
الحقيقة أن نشوى التي اختصها نصيبها بأسوأ نموذج للرجال كانت ترى في رانيا جاحدة بالنعمة !
نشوى التي تربت أن أصالة المرأة في وقوفها جوار زوجها في المحن لم تكن ترى في رانيا سوى نذلة جبانة !
طالما كرهت خنوع المرأة وضعفها تحت أي مسمى ...
فما بالها بحالة كهذه رأت فيها أخاها يعطي ويعطي لامرأة لم تفعل سوى أن تأخذ وتأخذ ؟!!!
لهذا احتدت ملامحها وهي تحاول تذكير نفسها أنها في بيتها لتصرف ابنتها بكلمات حازمة قبل أن تشير بذراعها الممدود نحو رانيا في إشارة "معصورٌ عليها الليمون" كي تدخل !
_إزيك يا نشوى؟!
قالتها رانيا وهي تجلس على أحد المقاعد لتجيبها الأخيرة إجابة تقليدية مقتضبة سبقت قولها :
_خير ؟! إيه سبب الزيارة المفاجئة دي؟!
كانت عبارتها من الفظاظة بمكان لكن رانيا لم تكن تنتظر استقبالاً أفضل ...
لهذا حسمت أمرها لتعطيها ورقة ما من حقيبتها قائلة :
_اتفضلي ...أنا بعت دهبي وبعت كمان شقتنا اللي كان أشرف كاتبها باسمي ...ده المبلغ كله ...أنا عرفت إنك عايزة ترجعي تفتحي المصنع ...خديهم عشان تقدري تتصرفي .
اتسعت عينا نشوة بصدمة وهي تشعر بمزيج من الدهشة والحرج ...
رغم ظنها أن رانيا لم تفعل أكثر مما كانت ستفعله هي لو كانت مكانها لكن يبقى التصرف نفسه غريباً على امرأة بشخصيتها ...
لا ...ليس غريباً جداً في الواقع فها هي ذي تهرع بضعف لمن يمكنه تحمل الأمر عنها لكن يكفيها أنها فعلت شيئاً من الأساس !
_ضميرك وجعك قوي كده بعد اللي حصل لأشرف؟!
كانت عبارتها من الفظاظة بمكان خاصة بعد تصرف رانيا هذا ...
لكن هناك أناساً يترجمون أحزانهم الخاصة لعبارات جارحة...
يعتبرون ألمهم عورة يسترونها برداء من القسوة !
طبيعة غريبة لكنها ...موجودة !
هذه الطبيعة التي اضطرت رانيا للتعايش معها وهي تجاهد نفسها لتقول بقلة حيلتها المعهودة :
_مش لاقية حاجة تانية ممكن أعملهاله...كل يوم بروح له المصحة بس هو لسه رافض الكلام رغم استجابته للعلاج ...نفسي لما يخرج بالسلامة يلاقي المصنع وقف على رجله تاني...يمكن ساعتها يحس إن وجع الأيام اللي فاتت ماراحش هدر .
ويبدو أن الحرارة الصادقة التي كانت تتحدث بها وجدت صداها في قلب نشوى التي تنهدت بحرارة لتقول بنبرة أكثر ليناً:
_ربنا يقدرني...أنا بحاول أعمل اتصالاتي مع ناس أصحابي ممكن يفيدوني في الموضوع ده ...ربنا يسهل .
هزت رانيا رأسها لتؤمّن على قولها الأخير قبل أن تقف فجأة لتقول بارتباكها المعهود :
_هامشي أنا عشان ألحق أروح له ...خللي بالك من نفسك.
قالتها دون أن تنتظر الرد لتتحرك نحو الباب فترددت نشوى قليلاً قبل أن تلحق بها لتقول بقوة امرأة لا تقبل أنصاف حلول:
_قبل ما أقبل منك الفلوس لازم أعرف انتِ هترجعي لأشرف فعلاً واللا نوبة شجاعة وهتروح لحالها؟!
تجمدت رانيا مكانها كعهدها عندما تتلقى هجوماً لتستطرد نشوى بنفس النبرة المكتسحة:
_فكري كويس ...أشرف دلوقت غير أشرف بتاع زمان ...قدامك لسه فرصة تراجعي نفسك ...لأني مش هاسمحلك تجرحي أخويا تاني ...انتِ فاهمة ؟!
تحشرج صوت نشوى في عبارتها الأخيرة فاضحاً زيف قسوتها خاصة مع امتلاء عينيها بالدموع ...
لتجهش رانيا بالبكاء فجأة قائلة :
_ماليش مكان غير جنبه...والله العظيم ما عارفة أعيش من غيره ...بقيت بنام واقوم على أمل بس إني أسمعه بيكلمني ...أنا عارفة إني غلطت ...بس ...غصب عني ...
هنا جذبتها نشوى بقوة لصدرها تعانقها بحنان صلب يشبه حنان شقيقها لتربت على ظهرها برفق قبل أن تبعدها بنفس القوة قائلة بحزم:
_ياللا عشان تلحقي تقعدي معاه قبل الدنيا ما تضلم مادام هترجعي لوحدك .
مسحت رانيا دموعها وهي تبتسم ابتسامة مرتجفة ردتها لها نشوة لتغادر الشقة بخطوات سريعة نحو المصحة...
المشوار اليومي الذي صارت حياتها كلها مرهونة به ...
رغم أن أشرف لايزال ممتنعاً عن التواصل معها إلا بنظراته ...
لكن الأطباء هناك يخبرونها أن وجودها هو وتد علاجه !
ليتها تساعده حقاً كما تتمنى!
ليت أحدهم يمنحها شارة البداية وهي ستكمل الطريق ...
نشوى؟!
نعم...نشوى!
امرأة بقوتها هي من تحتاجه هي الآن كي تقتدي به ...
كي ترتقي سلماً لم تكن لتصعده وحدها على أي حال !
وأخيراً تقف أمام باب غرفة أشرف التي صارت تمثل لها الحياة...
تطرقه برفق لتدخل فتجده جالساً على كرسيه صامتاً كعهده ...
تقترب منه وعيناها تتلوان تراتيل العشق القديم ...
لتأخذ مكانها على كرسيها أمامه ككل يوم فتروي له تفاصيل يومها العادية ...
لكن مكافأة اليوم الاستثنائية كانت الابتسامة الشاحبة التي طافت كشبح هزيل وسط ملامحه...
ولايزال الكلام عصيّاً على شفاه شققها الخذلان !
=========
توقفت بها سيارة الأجرة أمام مبنى الجامعة فترجلت منها بينما السائق يهتف مراعياً :
_أنزل أفتح لك الباب؟!
لكنها هزت رأسها نفياً بشكر خافت لتتحرك نحو المبنى ...
سؤال السائق العفوي لن يكون أقسى ما ستواجهه اليوم بعدما علم الجميع عما حدث لها ...
حجابها سيحميها من شفقتهم لكنها توقن أن تخيلاتهم سترسم الأسوأ...
لن تزيد في عيونهم عن مسخ مشوه يختفي خلف هذه الملابس الأنيقة والأنف المرتفع الذي لن يفقد كبرياءه مهما حدث ....
_حمداً لله ع السلامة يا دكتورة!
لا ...لا ...ليس هذا الآن!
إنه زميلها الذي كان قد تقدم لخطبتها يوم الحادث مباشرة وكانت قد بعثت إليه من يبلغه برفضها ...
تراه جاء شامتاً ؟!!
_الله يسلمك يا دكتور !
قالتها باقتضاب وعيناها تزيغان هرباً من نظرة قد تؤذيها ...
شماتة أو شفقة ...
كلاهما جارح لامرأة لم تعتد سوى نظرات الإكبار .
لهذا تركته بخطوات سريعة كانت هي خير من تدرك أنها هروب ...
هذا الشعور الذي جعلها تحس بذراعها المجبّر جبلاً يحمله كتفها ...
لقد كانت محقة في قرارها الذي جاءت اليوم لتنفيذه ...
ليس أمامها حلٌ آخر!
ولم تكد تتم خاطرها الأخير حتى شعرت بكف يحتضن كفها السليم !!!
التفتت بحدة لترتبك وهي تراه جوارها:
_رامز ...إيه اللي جابك هنا؟!
_ ما طولتيش في الكلام معاه ليه عشان كنت أضربه هنا وسط الكلية بضمير مستريح؟!
قالهابغيرة نضحت من بين حروفه دون أن يترك كفها لتهتز نبرتها بقولها الكاذب:
_عادي ...ده زميلي وكان ...
_كان عايز يتقدملك ...الحاجات دي ما بتستخباش!
قالها مقاطعاً عبارتها لتعض على شفتها بقوة قائلة بعينين دامعتين دون أن تنظر إليه:
_كان يا رامز ...كان ...أعتقد دلوقت زمانه بيشكر الظروف إنه مااتورطش أكتر من كده .
فزاد من ضغطه على كفها ليطارد عينيها مرغماً إياها على النظر نحوه بقوله الذي مزج صدقه بضيقه:
_ماليش دعوة بيه هو ....انتِ اللي تهميني دلوقت ...انتِ ملكي أنا غصب عن أي حد وغصب عنك انتِ شخصياً .
_تاني يا رامز ؟!
_وتالت وعاشر لحد ما دماغك الناشف ده يفهم !!!
قالها بحسم وأصابعه تتخلل أصابعها قسراً ليشبكها معاً فأطرقت برأسها تحاول السيطرة على مشاعرها ...
لا تنكر أن تشبثه هذا بها يرضي غرورها الأنثوي لكن ...
ماذا عن ضميرها ...وهي ترى نفسها قد صارت مجرد ثمرة فاسدة ؟!!
ماذا عن كبريائها ...وهي ترى نفسها بعين انتقاص لن تنصف أنوثتها أمام رجولته ؟!
ماذا عن خوفها ...وهي ترى نفسها -وتراه- في مرآة ماضيهما يتناطحان ولا يتلاقيان !!
لكنها هربت من الخوض في هذا لترفع رأسها إليه بسؤالها :
_انت عرفت منين إني هنا؟!
فابتسم ليغمزها بنبرته العابثة :
_قلبي قاللي!
_رامز!
قالتها بعتاب مستنكر ليضحك دون أن يريحها:
_العصفورة قالتلي.
فابتسمت ابتسامة واهنة لتقول :
_عصفورة اسمها داليا ...صح؟!
قالتها وهي تدرك جهود داليا المستميتة مؤخراً في رأب الصدع بينهما ...
داليا الصغيرة الطائشة التي لم تكن تفكر يوماً في أبعد من صورة مرآتها الآن كبرت فجأة لتأخذ هذا الدور في حياتها !!!
_أعمللك إيه ؟! مش راضية تردي على تليفوناتي اضطريت أستعين بصديق!
قالها بعتاب لم يفقد ودّه لترد بعتاب مماثل دون أن يؤثر هذا على كفيهما المتشابكين :
_ينفع الجنان اللي عملته قدام البيت ليلتها ده ؟!
قالتها مشيرة لتلك الليلة التي فوجئت فيها به يصعد بناقلة كهربية من التي تستخدم لنقل الأثاث لتجده أمام شرفتها محملاً بزهوره !!!
المشهد الذي سيبقى أهل الحي يتحدثون عنه لأعوام !!!
_انت لسه ماشفتيش جنان ...الجنان على أصوله هتشوفيه لو ما وافقتيش ترجعيلي .
_رامز اعقل بقا ...انت أحرجتني جداً ليلتها !
قالتها بانفعال وهي تحاول جذب كفها منه لكنه تشبث به حتى أوجعها قليلاً مع اقترابه منها خطوة :
_أنا عارف إنه تصرف مجنون ...بس قصدت أعمله عشان الناس كلها تعرف أد إيه بحبك .
عادت عيناها تدمعان وهي تود في هذه اللحظة لو تختبئ في صدره ...
رغم اعتراضها على تصرفه هذا لكنها لا تنكر أنه "رقّع" ثوب كبريائها المهلهل ...
هذا الذي كان هو يدركه تماماً عندما فعلها !
هانيا الآن تعاني أزمة ثقة في نفسها ...
نظرات الناس نحوها تذبحها ...
المرأة التي كانت أيقونة للنجاح والتميز صارت فجأة مطلقة مشوهة !!
لهذا تعمد فعل ذلك ليلتها كي يعيد إليها بعضاً من ثقتها المفقودة أمام الناس!!
_رامز ...عشان خاطري اديني فرصة ...
هتفت بها برجاء ليقاطعها دون تفكير:
_انتِ لسه ما فطرتيش ...تعالي نفطر سوا .
قالها وهو يجذبها برفق لكنها توقفت هاتفة باعتراض صريح لم يكترث له وهو يسير جاراً إياها خلفه :
_وافل مربى التوت اللي بتحبيه مع فنجان قهوة سكر زيادة عند (......)...فاكراه؟! أول مكان اتقابلنا فيه بعد الخطوبة !
أغمضت عينيها بتعب حقيقي وهي تستجيب للسير خلفه ...
كيف تنكر أنها تحتاج منه حقاً هذا الذي يفعله ؟!
كيف ترفض؟!
وكيف تقبل؟!
لكن إشارة القدر وصلتها عندما فتحت عينيها لتجد زميلتها المنتقبة التي كانت لها معها ذكرى تلوح لها بيدها من نافذة المبنى...
رؤيتها أضاءت في نفسها قنديلاً طالما انطفأ!
كلماتها كأنما تسمعها "طازجة" بصوتها الهادئ ذاك اليوم ...
ورؤيتها لها الآن ورامز يتشبث بها بهذه الطريقة أمام الجميع يرد لها كثيراً من اعتبارها ...
ربما لهذا اغتصبت ابتسامة رسمتها على شفتيها وهي تهز لزميلتها رأسها قبل أن تسير جواره دون مزيد من الاعتراض ...
شرودها يظلل لقاءهما حتى جلسا سوياً على مائدة في هذا المقهى الشهير الذي تقابلا فيه أول مرة بعد حفل خطبتهما ...
تغيرت الأيام ...وتغير المكان ...
فهل تغيرت القلوب؟!
والإجابة سمعتها منه بقلبها قبل أذنيها :
_مش فاكر كام يوم عدوا بالضبط ...بس اللي متأكد منه إنك في عيني دلوقت زي ما كنتِ وقتها وأجمل كمان ...عمري ما حسيت مع أي ست اللي حسيته ناحيتك .
ورغم أن عبارته دغدغت مشاعرها بشعور لذيذ استصرخها أن تعترف له بالمثل ...
لكن عناد كبريائها جعلها تشيح بوجهها قائلة :
_بس ده ماكانش كلامك يوم ما شفتك مع غادة .
فتناول كفها بين راحتيه ليقول لها بأسف:
_عمري ما ندمت على حاجة في حياتي أد ندمي على تصرفي وقتها ...أنا جرحتك وجرحتها ...دخلتها في لعبة ماتخصهاش ...
ثم هز رأسه ليردف بنبرة أكثر ضيقاً:
_تخيلي إن سيف قابلها صدفة في اسطنبول ؟! ولأنه ماعرفش من ماما أكتر من تفاصيل بسيطة ظلمها وحطها في موقف وحش جداً ...بس أنا عرفته الحقيقة .
_إيه؟! سيف وغادة ؟! فين ؟! ياربي!!!
هتفت بها بهلع ووجهها يشحب فجأة ليرد مهدئاً:
_أنا عرفته الحقيقة واترجيته يعتذر لها .
قالها وهو يحكي لها تفاصيل ما أخبره به سيف عبر الهاتف فزفرت بضيق لتغمغم بين ندم وألم:
_ساعات بحس إن اللي حصللي ده انتقام ربنا مني عشان ظلمتها .
_احنا الاتنين ظلمناها ...بس سيف بيقوللي إنها كويسة هناك جداً وسط عيلة بتحبها .
قالها مطمئناً فتأوهت بقوة وهي تطرق برأسها للحظات سبقت وصول النادل بما طلبه لها رامز ...
والذي ترك كفها ليقطع لها "الوافل" لقطع صغيرة ثم قرب إحداها لشفتيها بالشوكة فابتعدت برأسها وهي تنظر حولها مغمغة بارتباك خجول لم تغادره فظاظتها المعهودة :
_احنا كنا لسه بنقول إيه؟!! ...ما يصحش تأكلني كده ....أنا دراعي مكسور مش مشلولة .
لكنه ابتسم ليرد بمرح بينما يقحم الطعام في فمها إقحاماً:
_يابنت الناس أتجوزك وأستر عليكِ ...هاوديني ...سيرتك هتبقى على كل لسان بعد اللي بنعمله ده !
التمعت عيناها بوهج دافئ من عاطفة تجاهد للظهور وهي تلوك الطعام في فمها ...
مزاحه المشاكس يخفي رغبة عارمة تشعر بها مشتعلة في حدقتيه اللتين تعلقتا بشفتيها ...
والذبذبات الحارقة تشتعل بين جسدين نالتهما يوماً "كيمياء" حب خاصة !
ارتباكها يزداد وهي تتناول فنجان القهوة بيسراها ليرتعش الكوب في يدها لولا أن دعمه هو بكفه ليسقط السائل الساخن فوقه ....
شهقت بجزع وهي تسمع صوت تأوهه ليطمئنها ببضع كلمات قبل أن تهتف هي وهي تضع الفنجان مكانه بحركة عصبية :
_أنا آسفة...بس هو ده بالضبط اللي أنا بعمله دلوقت في كل الناس اللي حواليا ...كلكم عايزين تساعدوني وتقفوا جنبي بس محدش فاهم إن وجودكم دلوقت هيؤذيكم ويؤذيني ...سيبوني أحلها لوحدي ...أنا مش ضعيفة ولا عاجزة .
_أنا مش جنبك عشان ضعيفة ولا عاجزة...أنا جنبك عشان انتِ حبيبتي ...ولو ماعملتش حاجة طول الأيام اللي جاية غير إني أفضل جنبك عشان تحسي بده ...فده بالنسبة لي كفاية !
قالها بإخلاص حار فتنهدت بعمق وهي تشيح بوجهها ليصمت للحظات قبل أن يسألها:
_رحتِ الجامعة النهارده ليه ؟!
_كنت عايزة أؤجل الرسالة .
قالتها بحسم لعله يخفي حسرتها وهي تقولها ...
حسرتها التي انتقلت إليه وهو يسألها بجزع حقيقي:
_تأجليها؟! بعد كل تعبك ده ؟! ليه؟!
ابتسمت بتهكم مرير وهي تشير بعينيها لذراعها المجبر ليجيبها بحزم لا يقبل الجدل :
_الرسالة مش هتتأجل يا هانيا ...ولحد ما دراعك يخف أنا دراعك اليمين !
=========
انفرجت شفتاها بانبهار وهي تتطلع للمبنى من الخارج ....
شركة زين الفايد بواجهتها الفخمة التي تلتمع تحت ضوء الشمس حتى تكاد تخطف بصرها ...
لم تصدق أذنيها عندما تلقت اتصالاً من إدارتهم يطلبون التواصل معها بشأن عمل وينتظرون منها الحضور ...
ما الذي قد تريده مؤسسة عظيمة كهذه من امرأة مثلها ؟!!
يالله!
لو كان هذا الأمر موفقاً فكم "صفراً" ستضيفه لرصيدها في البنك هذا العام ؟!!
تنحنحت بحرج وهي ترى ملابسها قد تغضنت بعد ركوبها الحافلة ...
ألم يكن يجدر بها وهي تأتي لمقابلة عظيمة كهذه أن تستقل سيارة أجرة ؟!!
_خسارة! وبعدين هو احنا لسه شفنا منهم أبيض واللا اسود ؟!
قالتها في نفسها بطريقتها القروية البسيطة التي ترتاح فيها قبل أن تعدل ملابسها متمتمة بنفس اللهجة :
_جاية ب"الحتة اللي ع الحبل" أهه...ياريت يبقى بفايدة .
و"الحتة اللي ع الحبل" لم تكن سوى بذلة زيتونية اللون من قطعتين فوق قميص أبيض اشترتها "لقطة" في أحد التخفيضات في سابقة فريدة لديها وتحتفظ بها دوماً لمناسبة كهذه ...
أو لمقابلة عريس مناسب!
عريس؟!!
ترى كم يحتوي هذا المكان من فرص؟!!
التمعت عيناها بأمل وهي تعدل وضع وشاحها البرتقالي الفاقع فوق رأسها لترفع أنفها باعتداد لا ينقصها ...
خاصة وهي ترى نفسها الآن كأفضل ما يكون !
تحركت بصعوبة فوق حذائها ذي الكعب العالي الذي ترتديه اليوم بصورة استثنائية أيضاً...
ليته لا يخذلها هاهنا!
خطواتها تودي بها نحو مدخل الشركة الذي لم يكن أقل إبهاراً من واجهتها ...
مكتب الاستقبال ...المصعد ...
صورة خاطفة لنفسها في مرآته تمنحها المزيد من الثقة ...
قبل أن تتوجه نحو مكتب "الرأس الكبيرة" هنا !
ترى كيف سيكون ؟!
لن يقل عمره عن خمسين عاماً كي يتمكن من تأسيس مكان كهذا !!!
يالله!!
هل هذا مكتب سكرتيرته ؟!!
كيف يكون مكتبه إذن؟!!
_دكتورة ياقوت سليمان ...مستر زين في انتظارك .
قالتها السكرتيرة بنبرتها التي بدت لها شديدة الميوعة مقارنة بأسلوبها هي...
لتمط شفتيها ببعض الاستياء وهي تسير خلفها متأهبة ل"فرصة العمر"!!
وفي مكانه جلس زين ينتظرها بعينين متوقدتين ...
"صائد الكنوز" لن يترك فرصة كهذه تمر من بين أنامله ...
يامن حمدي !
إلى الآن هو لم يعد يشكل خطراً عليه ...
هو زاهد في "كنزه" هو!
لكن ماذا لو علم عن حمل ياسمين؟!
ماذا لو أراد انتزاع طفلها منها قسراً؟!!
ساعتها هو يحتاج ل"ورقة ضغط"!
وليس أفضل من إثبات عدم صلاحيته لأبوة الطفل مع تاريخ علاجه النفسي...
هذا الذي يريد ضمانته من هذه "المرأة" التي يريد السيطرة على جميع خيوطها ...
لهذا تعمد إحضارها إلى هنا بهذه الطريقة "المبهرجة"...
اختبارها سيبدأ الآن!
ياقوت سليمان !
التوت شفتاه بابتسامة جانبية وهو يتابع دخولها خلف سكرتيرته ...
صدئ!
جمال صدئ!
لا ...تمهل يا "صياد"...
لا يزال الوقت مبكراً للكشف عن هذا!
ملامح حسناء ...عينين خضراوين كالقطط ...
شفتان مثاليتان بذوق رجل خبير مثله ...
وجسد نحيل لكن ليس بمفتقر للأنوثة ...
_اتفضلي يا دكتورة !
قالها بلهجته المميزة التي تمزج اللطف بالهيمنة ...لترفع عينيها الذكيتين نحوه ...
يالله!
كانت تظن أن المال، النفوذ والوسامة لا يصح أن يجتمعوا معا
لكن هذا الرجل استثناء حي ...
انها لم تشعر في حياتها بالانجذاب نحو أحدهم كما تفعل الان
يامن حمدي ؟!!
انه يبدو جواره كصعلوك !!
أي مقارنة هذه ؟!
_إيه الراجل ده ؟! ده فاضلله اتنين بونت وينوّر!
هكذا حدثتها نفسها سراً وعيناها تنتقلان بسرعة لأصابع يديه ...
خالية من الخواتم؟؟!
هل هو حسن حظها ام سوء حظ الاخريات ؟!!
مهلاً يا عجول ...مهلاً!!!
هي مقابلة عمل وليس عرض زواج !!
لكن هذا لم يفلح في سيطرتها على تورد وجنتيها التي فضحت خجلاً لا حيلة لها به...
بينما ابتسم هو ببعض العبث ملاحظا تاثيره عليها...
هذا الذي بددته هي تماما بابتسامة متحفظة جافة ارتسمت علي ملامحها المعتدة أخيراً مناقضة كل ما كانت تشعر به :
_خير ...انتم طلبتم مني تعاون في شغل ...أقدر أعرف نوعه !
قالتها وهي تجلس أمامه على المكتب وقد استدعت "مهنيتها" درعاً واقياً ضد كل ما تقرعه انفعالاتها الآن من أجراس إنذار ...
بل ...أجراس عيد !!
لم تستطع تفسير كل هذه السعادة التي كانت تشعر بها الآن !!
هل جربت يوماً أن تقابل حلمك ؟!!
هكذا كانت هي الآن بكل بساطة !!
خاصة عندما بدأ زين حديثه بطريقته اللبقة معرفاً لها نفسه ...
نظراته المتفحصة...لهجته الواثقة ...جمله القصيرة المنتقاة...مخارج حروفه التي كان يتوقف عندها ببطء من يدرس جيداً ما يقول ...
هو ليس مجرد ثري مدلل...
هو رجلٌ يعرف من أن يؤكل الكتف!!
لكنها هي الأخرى ليست مراهقة ساذجة...
وإن كانت ترحب- سراً -بهذا الدور معه ولو لدقائق!!
_كل ده جميل جداً...تشرفت بحضرتك...بس برضه مش فاهمة انتم عايزينني هنا ليه !
قالتها بنبرة الاعتداد خاصتها ليشير زين نحو سكرتيرته كي تنصرف وتغلق الباب خلفها ...
فيما عاد إليها هي بنظرته الثاقبة مجيباً:
_أنا مش عايزك هنا ...
ثم التوت شفتاه بهذه الابتسامة الجانبية مردفاً:
_عايزك في البيت!
ربما لو كانت امرأة أخرى مكانها لتلقت الأمر بطريقتين ...
إما تفهمه بصورة صحيحة فتظنه يريدها في علاج أحد من أفراد أسرته...
أو بصورة خاطئة كتحرش لفظي ...
لكن الانطباع الذي ارتسم على وجهها لم يبرره هذا ولا ذاك !!
انطباع ب..."الرعب"!!
ملامحها التي لم يغب عنها اعتدادها حتى وسط فورة انفعالاتها الداخلية الآن كانت تتشح بخوف رهيب ...
السكين ...
الجلباب الأحمر ...
الوشاح الممزق ...
السكين ...
الأصابع الغليظة ...
الصوت الثمل ...
السكين...
الساعة المكسورة ...
السجادة المنقوشة بلون الدم ...
السكين ...
السكين ...
السكين !!!
دوامة من ذكريات ليلة رأتها ...ولم ترها ...
بل عاشتها ...ولم تعشها!
ليلة لم تفارق مخيلتها طوال هذه السنوات !!
تباً...تباً...
ليس الآن ...ليس الآن!
_انتِ كويسة؟!
سألها بحذر مقاطعاً حربها الداخلية هذه وقد لاحظ تغير ملامحها الواضح لترتجف شفتاها بابتسامة عادت لها نبرتها المعتدة :
_مبحبش طريقة التنقيط دي...ادخل حضرتك في الموضوع مرة واحدة عشان أقدر أجمع التفاصيل .
ارتفع حاجباه بدهشة للحظة من الطريقة التي كانت تتحدث بها والتي لم تتناسب أبداً مع الحالة التي كانت عليها ملامحها منذ قليل !!!
حواسه كصائد لا تكاد تجد لها مثيلاً في "طريدة" قبلها !!
لكنه تمالك شعوره بحنكة ليقول مفسراً:
_أختي تعبانة من كام سنة...الحكاية بدأت من صغرها ...بيتهم القديم وقع واضطرت تتحبس مع جثة مامتها كام ساعة لحد ما أنقذوها ...افتكرنا الموضوع موضوع وقت...لكن حصلت لها صدمة بعدها بكام سنة رجعت لها حالة غريبة من فقدان للوعي والنطق ...مش فقدان وعي حرفي لكن تقدري تسميه انعزال عن الواقع .
ضاقت عيناها الذكيتين للحظات قبل أن تدلي بدلوها:
_قلت مامتها مش مامتنا تبقى مش أختك الشقيقة...غالباً والدك اتجوز واحدة تانية على والدتك ...بيتهم قديم ووقع معناه إنها كانت مش نفس مستواكم المادي ...على أد حالها يعني....ووجود البنت في حياتكم كان اضطراري وغير مرغوب فيه ...استنتجت كمان إن صدمتها التانية كانت عاطفية ...وغالباً مرتبطة بحبستها في مكان مقفول رجع لها ذكريات الصدمة الأولى.
اتسعت عيناه بانبهار حقيقي للحظة قبل أن يغمضهما مشيحاً بوجهه ...
عندما أخبروه أنها ماهرة في عملها لم يتوقعها بهذه الفراسة !!
حسناً...لقد بدأت اللعبة تروقه !!
يبدو أن هناك كنزاً خفياً خلف كل هذا "الصدأ"!!
لن يحكم الآن على أي حال!
_ممتاز ...استنتاجاتك كلها صحيحة بس مش هاقدر أديكي تفاصيل أكتر إلا لما أتأكد من رغبتك في علاجها .
قالها بلهجتها الآسرة التي تقرع الطبول في صدرها ...
لترد بنبرة لا تمت لهذا بصلة :
_وليه عايزني أعالجها في البيت؟! أعتقد إنكم جربتم دكاترة كتير بره مصر وجوه مصر ...اشمعنا أنا؟!
هنا حان وقت الكذب!!
_دكتورها بيقول إنها رافضة العلاج لأنها مش متقبلة فكرة إنها مريضة ...شايف إن الدكتور اللي يعالجها لازم يدخللها من بوابة صداقة...وأغلب الدكاترة اللي عرضت عليهم الموضوع رفضوا لاعتبارات تقديرية .
هزت رأسها بتفهم بينما شعر هو بالضيق بعد كذبته ...
لم يكن يريد إقحام همسة في شأن كهذا ...
لكن عزاءه أن هذه المرأة ماهرة حقاً في عملها كما سمع...
ومن يدري ؟!
ربما يوضع السر في أضعف الخلق كما يقولون!!!
لهذا تغلب على ضيقه سريعاً ليسألها بترقب:
_قلتِ إيه ؟!
رفعت إليه عينيها بقولها:
_انت عارف لو كل دكتور ساب شغله وراح لكل مريض بيته عشان يتصاحب عليه مش هينفع ...عرض حضرتك غريب جداً.
_انتِ عارفة أنا هادفع كام ؟!
اتسعت عيناها بذهول مع المبلغ الذي ذكره بعدها لتنفرج شفتاها رغماً عنها ...
المبلغ الذي ذكره هو ما تحتاج جمعه في خمس سنوات على الأقل!!!
صورة دفترها البنكي تملأ ذهنها الآن بلونه الأخضر المميز ...
الأرقام الأخيرة تتراجع ليحل مكانها رقم يزيد بثلاثة...أربعة ...أصفار ...
أوووه ...فرصة العمر!
كيف يمكنها الرفض!!!
_ماقدرش أوافق إلا لما أشوف الحالة وأقدر أقيم نسبة نجاحي معاها ...من أول مااشتغلت مافشلتش في حالة اشتغلتها ...ومش عايزة دي تبقى المرة الأولى .
قالتها باعتداد يناقض كل مطامعها التي طفت على سطح انفعالاتها فابتسم بتلك الطريقة المهلكة مع إيماءة رأس يكاد يعلوه تاج تدبيره ...
"الطريدة" التقطت الطعم !!
وما بقي للصياد إلا أن ينتظر!!!
_معادنا بكرة في البيت الساعة عشرة الصبح...ده العنوان.
قالها بلهجة حاسمة غير آبه بما قد يعترضه ذلك من مواعيدها مما أثار حفيظتها لتقول بهدوء:
_لأ الساعة اتنين بعد الظهر أكون خلصت مواعيدي.
قالتها هي الأخرى بنفس الحسم دون أن تسأله رأيه قبل أن تقوم من مكانها مردفة :
_بكرة لما أشوفها أديك كلمتي الأخيرة .
أتبعت عبارتها بتحية عابرة لتعطيه ظهرها كي تغادر ...
فوقف بدوره ليغادر مكتبه سائراً خلفها بعينين متفحصتين ...
ياقوت!
ترى أي كنز يختبئ خلف هذه الثياب المهلهلة ؟!
بينما كانت هي تشعر بخطواته خلفها تربكها ...
لا...لم تكن يوماً مفتقرة للثقة في أنوثتها ...
لكنها تشعر بتوتر من يجتاز اختبار !
لا...ليست ساذجة بما يكفي لتصفه بحب من أول نظرة...
لكنه حقاً صورة مجسدة لحلمها العتيق!
هذا هو الزوج الذي سيرفع رأسها ورأس ثمر وسط أهل القرية...
هو الذي يجدر به أن يناطح والدها رأساً برأس!
زوج؟!
هل تطرفت حقاً لهذا الحد ومن أول مقابلة ؟!!
حسناً...هي تعترف أن الأمر هذا صار يؤرقها مؤخراً...
في قريتهم يعتبرون الفتاة التي وصلت العشرين دون زواج مجرد عانس!
فما بالها بها هي التي قاربت الثلاثين ؟!!!
انقطعت أفكارها بشهقة خافتة عندما شعرت بذراعه يمتد جوارها ليفتح لها الباب ...
حركة مهذبة بسيطة لكنها زادت ارتباكها ومع هذا الكعب العالي الذي ترتديه اليوم قسراً وجدت نفسها تتعثر ليسندها بذراعها الآخر ...
هذا ما كان ينقصني!!!
هتفت بها أعماقها بتخبط يزداد دويّه مع هذا الرجل في تنامٍ سريع لمشاعر شديدة التطرف هاهنا ...
بينما التمعت عيناه بالمزيد من ظفر صياد يتلذذ بهوايته...
لكنه لم يحاول استثمار الموقف أكثر وهو يبتعد عنها بسرعة ليقول برصانته الخادعة :
_للأسف ...الكعب شكله اتكسر !
الكعب؟!!
حذاء المناسبات الرسمية الذي اشترته في التخفيضات منذ ثلاثة أعوام بمائة جنيه كاملة !!!!!
ياللمصيبة !!!
هتفت بها في نفسها متحسرة وهي تدرك عظم مصابها ...
لكنها رسمت على شفتيها ابتسامة معتدة وهي تنظر للأسفل نحو الحذاء قبل أن ترفع الفردة السليمة لتكسر كعبها الآخر ثم وضعت كليهما في حقيبتها بحركة بدت بسيطة...
لتتغلب على حرج الموقف بقولها مدعية اللامبالاة :
_معلش...بتحصل!
قالتها ثم غادرت الغرفة بخطوات معتدة لا تليق بما حدث منذ قليل ...
ولا بتلك الفوضى العارمة من المشاعر بداخلها ...
ليطلق هو أخيراً ضحكة كان يكتمها منذ أول اللقاء ...
هو يعرف هذا الصنف جيداً ...
نظرة الطمع في عينيها عندما أتى على ذكر المال لم تخفَ عليه ...
هذه النظرة التي لم يمقت مثلها في حياته ...
ربما لأن "مثلها" كلفته -قديماً - الكثير ...
لهذا ومضت عيناه ببريق صائد محترف ...
لو صدق ظنه في جشع هذه المرأة فلن تكون فقط فرصته لمنح ياسمين الأمان الذي تحتاجه مع طفلها بعيداً عن يامن...
بل ستكون أيضاً درساً لهذه الذكية المتحذلقة التي لا تدرك مع من تورطت !
========
_خدي العنوان ده يا لجين ...هاتي العينة بسرعة .
قالتها مديرتها في معمل التحاليل الذي تعمل به لتبتسم ابتسامتها البشوش وهي تعدل وضع حجابها أمام مرآة قريبة ...
فيلاحقها قول المرأة المشاكس:
_لبّس البوصة تبقى عروسة صحيح...لولا إني شفتك من غير ماكياج مكنتش صدقت عنيا .
ضحكت ضحكة عالية أخفت بها نحيب روحها الصامت ...
هؤلاء الذين ترسم الضحكة ملامحهم حتى تظن أنها قد صارت جزءاً منه ...يصعب عليك كثيراً أن تصدق معاناتهم التي تذوي بصحرائها أرواحهم ...
لكنها تعودت على هذا ...
تماماً كما تعودت على رسم تبرجها المتكلف هذا هنا في العاصمة ...
والذي أضافت إليه مؤخراً زوج من العدسات اللاصقة فضية اللون منحت شكلها المزيد من الرونق ...
في قريتها يصنفونها "سوداء قبيحة" لكن هنا ...
البعض يصفونها بملاحة الوجه ...
فقط حتى يرون ياقوت جوارها ...
ساعتها يدركون المعنى الحقيقي للجمال!
كتمت أفكارها كعادتها وهي تتناول حقيبتها لتتوجه نحو العنوان المنشود ...
فيللا أخرى فخمة تشبه فيللا والدها -المحرمة- التي رأتها مرة من خلف الأسوار ..
حارس الأمن يفتح لها الباب ويفتح معه ستاراً لعالمها الرمادي الذي تبتلعها أمواجه يوماً بعد يوم ...
ما هذا الثراء؟!
ما كل هذا الترف ؟!
حديقة شاسعة مساحتها تكاد تقارب وحدها عشر أضعاف بيتهم الصغير مع جدتها ...
حمام سباحة كبير تود لو تجرب مثله يوماً...
مبنى فخم بأعمدة ذهبية وبوابة واسعة أنيقة بمدخل رخامي ...
هذا الذي دخلته الآن خلف الخادمة التي استقبلتها لتتوجه بها نحو السيدة بالداخل ...
امرأة خمسينية فشلت عمليات التجميل في مداراة سنها الحقيقي ...
عقدها الفخم من الألماس واللؤلؤ وحده يساوي ثروة !
تباً!
لماذا لا تتوزع الثروات بين الناس بالعدل؟!
ربما لو حدث هذا لما اضطر والدها أن يرميها وشقيقتها لأنهما "بنات الخادمة" ...
ولتمتعت- مثل أخوَيْها منه - بماله وجاهه!
_ياريت تكون إيدك خفيفة...البنت اللي قبلك ورمت لي دراعي كله !
قالتها المرأة بصلف وهي تتمدد على الأريكة المذهبة الفخمة وقد مدت لها ذراعها لتتمتم لجين بعبارة مهنية تقليدية تعلمت قولها ...
قبل أن تمارس عملها الذي اعتادته ...
عيناها تختلسان النظر نحو الأثاث المبهر ...التحف القيمة...الأرضيات النظيفة اللامعة...والثريات التي تدوي كريستالاتها كألف شمس وليدة...
"حقها المسلوب" الذي سرقوه منها دونما جريرة!
_خلصت.
قالتها ببساطة عبر ابتسامة خلابة لا تظهر انفعالاتها السلبية هذه ...
فابتسمت المرأة بتكلف وهي تعطيها ثمن التحاليل...
قبل أن تنشغل عنها بمكالمة هاتفية أتتها للتو ...
هنا التمعت عينا لجين بشغف لا تملكه وهي تلمح هذه الساعة الفضية على المائدة هناك...
ربما لا تكون باهظة الثمن ولا تستحق المخاطرة...
لكن تكفيها "متعة السرقة"...
لذة السلب!
أن تحرم "هؤلاء الأكابر" من شئ يملكونه ولا تملكه !
أجل...
السرقة صارت "صديقتها الوحيدة" التي تمارس فيها هواية الفضفضة والترويح عن قهر تعانيه ...
صحيحٌ أنها تشعر بالخزي والذنب بعدها لكنها لا تستطيع مقاومة هذا الشغف!
لهذا امتدت أناملها بخفة تلتقط الساعة في غفلة من المرأة التي كانت تنهي مكالمتها ...
قبل أن تتحرك بخطوات سريعة وخفقاتها تدوي كالطبول في صدرها ...
إحساس اللذة بداخلها يتصارع مع إحساس الخطر في مزيج اعتادته ...
مزيج يرفع مستوى "الأدرينالين" حد المتعة !!!
لكنها ما كادت تصل للباب الخارجي حتى سمعت الهتاف الذي كاد يوقف قلبها ...
_استني...ما تمشيش!
======
انتهى الفصل الرابع
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سينابون
القطعة الثالثة
=======
عفواً يا سيدتي...
عفواً يا قاتلتي ...
ما جئت أقول بأني معتذر ...
ما جئت أقول بأني منتظرٌ...
ما جئت أقول...وكيف أقول؟
وكلامي بعدك صار عجوزاً يتكئ على صمتي
ما جئت أقول بأنك كل الأحزان
وبأنك كل الألوان...
وبأنك كنت الغفران
لو ضاق الكون بمعصيتي !
بل جئت وأحمل في كفي أغنيةً
كانت هي أنتِ
وبقايا من عمرٍ ولّى حين رحلتِ
ونحيب سطور قد حملت كلماتكِ
كم قلتِ ...وقلتِ!!
أتراها تشفع لي عندكِ...
أم أنكِ أنتِ...ماعدتِ أنتِ!
إن كنت فقدتك ذا اليوم
فسأبحث عنك...
في كل مجرات الكون ...
وخلف جميع الأزمنةِ...
وسأجدك يوماً ساعتها...
سأغير تاريخ ميلادي...
سأغير اسمي لو شئتِ!
عفواً
ما كنت لك بيتاً كما كنتِ أنت...
ما كنتُ لكِ وطناً كما كنت أنت ...
ما كنت لكِ قلماً...
فجراً...
أسطورة عشقٍ...
كما كنتِ أنتِ...
عفواً...
وأكرر أسفي سيدتي...
"نرمين نحمدالله"
=======
_راجعة منين بجلابية أمك الله يرحمها ؟!
سألتها الحاجة ثمر وهي تقترب منها بجزع بينما تمسح ذراعيها في منشفة قريبة ...
فابتسمت ياقوت بحنان وهي تتفحصها ...
تجاعيد وجهها ليست مجرد تغضن عجوز...
بل كل خط منها يعزف لحن وجع !
عيناها اللتان كانتا يوماً خضراوين كعينيها والآن جعلهما الهرم أقرب للرمادي الغائم ...
شفتيها الجافتين ب"شامة" ضاعت وسط انكماشات بشرتها كانت يوماً علامة حسن ...
مسبحة سوداء من الزجاج الرخيص المحاكي للكريستال تحيط برقبتها فيظنها الرائي عقد زينة لكنها -ياقوت- تدرك أنها أمارة تقوى ولو نطقت لمدحت كثرة التسبيح ...
وجلباب أسود بنقط بيضاء صغيرة يستر جسدها الهزيل ترتديه عندما تقوم بأعمال البيت من طهي وتنظيف ...
تماماً كما كانت تفعل لتوها !
_ما تردّي يا دكتورة ؟!
اتسعت ابتسامة ياقوت وهي تميز أنها حتى في عتابها لها تحترمها ...
لا تتباسط معها بالحديث كما تفعل مع لجين ...
ربما لأنها حقاً بداخلها تحترم كفاحها الذي أوصلها لما هي فيه ...
وربما لأنها تدرك أن اعتدادها هي بنفسها يختلف كثيراً عن طبيعة لجين الميالة للخنوع !
_كنت عند الساقية بقرا الفاتحة لأمي.
قالتها ياقوت وهي تخلع حجابها لتمط الجدة شفتيها باستياء قائلة :
_مش قلتلك شيخ الجامع قال قراءة الفاتحة بدعة...وبعدين اشمعنا يعني عند الساقية ؟! رب هنا رب هناك واللا هي مشوَرة ع الفاضي ؟!
قالتها وهي تتحرك لتحضر لها طبقاً وضعته على مائدة منخفضة الأرجل يسمونها "طبلية"...
فجلست ياقوت متربعة لتهتف باستحسان:
_الله عليكِ يا ستنا...تصدقي بالله؟! طاجن اللبن الرايب ده عندي بأكل الأسبوع كله .
_ألف هنا على قلبك .
قالتها الجدة ثم تنهدت بحرارة لتجلس ببعض الصعوبة جوارها ...
تتأملها وهي تأكل بتلذذ وما إن انتهت حتى جذبت رأسها تقبله ثم أرقدتها لتضعه في حجرها وتعبث بخصلات شعرها كما كانت تفعل وهي صغيرة ...
ثم مررت أناملها على طول جسدها بتمتمة خافتة أدركت ياقوت أنها رقية ...
كل هذا جعل الأخيرة تسترخي تماماً مستسلمة لهذا الحنان الخالص الذي لا تجده في هذا العالم كله إلا هنا ...
حضن الحاجة ثمر ليس مجرد عناق ...
ليس مجرد تماسّ جسدي ...
بل هو الحب والحكمة والأمان عندما يمتزجون سوياً ليصنعا هذا الخليط الذي لا يليق إلا بها ...
_تفتكري ياستي ممكن ألاقي راجل ابن ناس يحبني زي ما أنا ؟! ما يسألش عن أصلي ولا فصلي ؟!
لا تدري لماذا طفا هذا السؤال فجأة لذهنها الآن ؟!
هل لهذا علاقة برؤيتها ليامن حمدي عند الساقية ؟!
نفت الخاطر الأخير عن ذهنها بسرعة مستنكرة ...
لتجيبها الجدة وهي لاتزال تربت عليها :
_عيبك يا دكتورة إنك بتبصي لفوق ...والمية يابنتي مابتطلعش في العالي...خدي واحد من توبك لا يعايرك ولا تعايريه...لكن الأكابر اللي الفلوس دينهم ما بيبصوش للي زينا إلا بنظرة واحدة ما بتتغيرش.
ظهر الضيق على ملامحها وهي ترى جدتها لاتزال متأثرة بالماضي لتقول دون أن تغير جلستها:
_ليه بتعممي يا ستي؟!
_عشان خايفة عليكم يبقى حظكم زي أمكم الله يرحمها !
قالتها العجوز بأسى لتهتف ياقوت بانفعال:
_ماهو عشان كده عايزة أحقق العكس...عايزة أثبت للكل إن بنت أشواق مش هتبقى زيها ...عايزة أتجوز الراجل اللي يبقى أغنى وأحسن من أبويا...اللي يخليني أرفع راسي وسط الكل .
هزت العجوز رأسها بعدم اقتناع لتقول عاتبة :
_قطر العمر بيفوت وانت مش حاسة...اللي عايزك مش عايزاه...واللي عايزاه بيتكبر عليكِ...لحد امتى هتفضلي تحطي العقدة في المنشار يابنت أشواق ؟!
_العقدة محطوطة من زمان يا ستي...أنا بس بحاول أفكها....مش هاتجوز غير الراجل اللي يملا عيني ويرد اعتباري وسط الكل ...ولو مالقيتوش هاعمل قيمتي لنفسي بنفسي...الزمن ده زمن فلوس ...معاك قرش تسوى قرش...واللي معهوش يتدهس بالجزم ويدوسوا عليه .
هنا ابتسمت الجدة بسخرية ناسبت قولها :
_أول حاجة اتعلمتها في شغلانتي إن وقت الحق مابيبقاش فيه فرق بين غني وفقير ...آخرتها حتة قماش بتلفهم وشوية مية بتغسلهم ...ساعتها اللي معاه قرش زي اللي معاه عشرة...العمل وحده اللي بيسبق الواحد على آخرته .
_وأنا مابعملش حاجة غلط واللا حرام .
_وانت تتسجري تعمليها ؟! كنت قتلتك بايدي قدام كل أهل البلد .
هذه اللهجة الحازمة التي تثير رغماً عنها انقباضة قلبها تجعلها تدرك كيف تمكنت هذه المرأة من تربيتها هي وشقيقتها لتصل بهما لبر الأمان بعد ما كان من ماضيهما المخزي ...
هذا المزيج من قسوة ولين!
لهذا هي لا تخجل من الاعتراف أنها لا تحب شخصاً في هذا العالم كما تحب جدتها ...
كل سعيها ...نجاحها ...تعبها ...كل هذا فقط تفعله كي ترى نظرة فخر في عينيها ...
حتى رغبتها في الزواج من رجل ثري مرموق المكانة ليست سوى صدى لبغيتها أن تعوضها ما نالها من خزيها القديم ...
لهذا اعتدلت بجسدها أخيراً لتنظر إليها قائلة بصدق:
_ أكتر دعوة بدعيها إن ربنا يبارك في عمرك وتشوفينا أحسن ما بتتمني .
دمعت عينا المرأة فأشاحت بوجهها دون رد ليصدح صوت لجين التي خرجت لتوها من الغرفة :
_والله عال؟! ياقوت حبيبة ستها نايمة في حجرها ولجين بنت البطة السودا اللي سايبنها لوحدها ...
_مسم...والله تنفع غنوة يابت!
قالتها ثمر بتفكه فضحكت ياقوت ضحكة قصيرة بينما تتقدم لجين لتنظر نحو الطبق الفارغ هاتفة بحنق :
_وكمان كلت اللبن الرايب كله
_بلاش طفاسة يا أوبرا...طبقك عايناهولك ...هاقوم أجيبه.
قالتها ثمر وهي تقوم من جلستها تلاحقها نظرات الفتاتين ...
لتلتفت ياقوت نحو لجين وتفتح لها ذراعيها هاتفة :
_تعالي يا آخرة صبري ...احكيلي مصر عاملة فيكِ إيه ؟!
كان موعد الفضفضة الأسبوعية حيث تستجيب لجين لهذا العناق الذي تحتاجه كثيراً ...
لكن ليس بما يكفي لتكشف كل أسرارها !!
لهذا صبغت صوتها بمرحها المعهود لتحكي لها عن طرائفها في العمل ...
والتي أنهتها بقولها :
_آخر واحدة بقا رحت لها كانت نكتة...بخيلة موت...بعد ما سحبت منها العينة ولسه خارجة لقيتها بتقوللي استني ...قلت هتديني بقشيش ...لقيتها بتطلع لي تفاحة من تحت المخدة !
انفجرت ياقوت بالضحك لتمصمص لجين شفتيها قائلة :
_اضحكي اضحكي...حوشي الكرم اللي بيدلدق منك...مابتفكركيش بحد ؟!
استمرت ياقوت في الضحك للحظات قبل أن ترفع سبابتها في وجهها لتقول بجدية فشلت في إدعائها:
_أنا حريصة مش بخيلة...مادية آه وبحب الفلوس بس مش لدرجة البخل يعني.
_يابنتي ده انتِ الجنيه على ما بيطلع من جيبك بيكون ربى دقنه !
هتفت بها لجين بطريقتها المضحكة لتعود ياقوت تنفجر في الضحك قبل أن تنضم إليهما الجدة لتناظرهما بنظرة حانية بينما قلبها يقرع بقلق ...
تخشى على "الفرخين الصغيرين" اللذيْن آوتهما هي صغاراً والآن تدور بهما الحياة في دوامتها بعيداً عنها ...
تخاف أن تبهرهما أضواء المدينة فينتهي بهما المصير كأمهما ...
خاصة ياقوت التي يغرر بها نجاحها يوماً بعد يوم ليجذبها نحو ضوء نجم لن يكون لها ...
ترى ما الذي تخبئه الأقدار لثمرتي قلبها هاتين ؟!
آه...ليتها تتلطف بهما ...ليتها!
=========
_اتأكد إن مفيش حد فيهم هيفتح بقه !
قالها الرجل بنبرة تهديد مخيفة قبل أن يغلق الاتصال ...
الأمور توشك أن تنفلت من يده لكنه لن يستسلم ...
صرحه الذي تعب عمراً في بنائه تحت حجب الظلام لن ينهدم هكذا بسبب خطأ حفنة أغبياء!!
زفر بسخط وهو يتوجه نحو النافذة ليزيح ستارها متطلعاً لحديقة بيته....
الشرطة ألقت القبض على رجليه في قضية مصنع أشرف ولاتزال التحقيقات مستمرة...
هو يعلم أن أحداً منهما لن يفتح فمه بكلمة لأنهم يثقون كثيراً في عاقبةٍ هي للجحيم أقرب ...
لكن لايزال هناك احتمال أن تضيق الدائرة حوله أكثر وأكثر ...
يبدو أن ترك هذا البلد صار ضرورة ملحة...
لكن كيف يفسر هذا لعائلته ؟!
انقطعت أفكاره برنين هاتفه الذي التفت نحوه لترتسم على شفتيه ابتسامة قلقة قبل أن يفتح الاتصال مرتدياً "قناعه الاجتماعي" الذي لم يخذله يوماً :
_هيثم "المصلحجي"..مايفتكرش أبوه إلا لو فيه مصلحة!
=======
_تعلمون لماذا لم يؤذن النبي صلى الله عليه وسلم يوماً في حياته ؟!
قالها الشيخ المعمم لتلتمع عينا عابد باهتمام جاهلاً عن الإجابة ...
ليس وحده ...كثير من الحاضرين في الجلسة المحلّقة حوله لم يكونوا يعلمون ...
حتى صديقه "الصالح" الذي كان له من اسمه نصيب جلس صامتاً مثله ينتظر الرد ...
_تعددت الأقوال في هذه المسألة...من العلماء من ذكر أنه صلى الله عليه وسلم إذا قال وهو يؤذن: "حي على الصلاة، حي على الفلاح" كان ذلك منه أمراً وجب على كل من يسمعه أن يجيب طاعة الله وإذا تخلف عصى...وقال بعض آخر: إن السبب في كونه لم يؤذن هو أنه صلى الله عليه وسلم بعث داعياً إلى الله تعالى، فلو أذن وقال: "أشهد أن محمداً رسول الله"، ثم قال: "حي على الصلاة حي على الفلاح"، فكأنما يدعو لنفسه، وباصطلاح اليوم كأنه يصنع دعاية لنفسه، وهذا لا يجوز في حقه عليه الصلاة والسلام .
وقال آخر: إن السبب هو أنه إذا أذن وقال: "أشهد أن محمداً رسول الله"، لتوهم بعضهم أن هناك نبياً غيره أيضاً في عهده أو بعده .
وقيل أيضاً: إن الأذان شرع بناء على رؤية منامية رآها غير الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم، وكله إلى غيره لكونه مشغولاً بأمور أخرى كثيرة ...ويذكر عن الشيخ العلامة عز الدين بن عبدالسلام تعليلاً آخر، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو أذن مرّة، لتطلب ذلك منه التثبيت، أي أن يستمر عليه مواظباً على أدائه كالإمامة والخطابة ....وكيف يستطيع أن يتفرغ للأذان خمس مرات يومياً وفي أوقات محددة بدقة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم مثقل بالكثير من هموم الرسالة والدعوة؟!
_صلى الله عليه وسلم .
هتف بها الجمع المتحلقون حوله لتحتد نبرة الشيخ نوعاً وهو يردف بصوت يأخذ القلوب:
_هذا هو رسول الله ...الذي كانت حياته كلها لله...لم يكن يكتفي من عباداته بما تيسر منها كالصيام والصلاة وحسن الخلق كشأن بعض شباب المسلمين اليوم ...بل كان يسخرها للأثقل شأناً...للأعظم أجراً.....للجهاد ...الجهاااااااد !
ارتفع صوته أكثر في كلمته الأخيرة ليعلو التكبير وسط الشباب الذين أخذتهم الحماسة بكلماته ...
قبل أن يبدأوا في سؤاله عن فتاوى تخصهم ليجيبهم تباعاً...
التفت عابد نحو "الصالح" جواره ليجد ابتسامة غريبة تبتسم على شفتيه فمال عليه ليقول بخفوت:
_تركت العمل بعدما أفتاني الشيخ بحرمته .
_تثق به لهذا الحد ؟!
سأله "الصالح" وعيناه تراقبان الشيخ باهتمام ليجيبه عابد بحماسة اجتاحت صوته رغم خفوته:
_مادام أفتى بحرمته فهو حرام.
هنا اتسعت ابتسامة "الصالح" الغريبة وهو يلتفت نحوه ليقول ببطء ضاغطاً على حروف كلماته:
_يا أخي...إنما يُعرَف الرجال بالحق ولا يُعرَف الحق بالرجال!
عقد عابد حاجبيه وهو يبحث في مغزى ما يقول رفيقه ليعاود سؤاله ببعض الضيق:
_ألا ترى في حديثه الحق؟!
فأمال "الصالح" رأسه ليعود ببصره نحو الشيخ قائلاً بشرود:
_أرى الكثير من "العسل" وأتوجس من خلطته ب"السم"!
هز عابد رأسه باستنكار لما يقوله رفيقه ...
أي سم هاهنا؟!
السم هناك في خارج "الحلقة" حيث الفسق والمنكرات...
لكن هنا...هنا قلوب تحابت في الله...اجتمعت عليه وتفرقت عليه كما يقول شيخه !
شيخه الذي أشار نحوهما ليقترب كلاهما منه بعد انفضاض الجمع حوله حيث جلسا قبالته ليقول مخاطباً عابد :
_كيف حالك يا "محمد"؟!
_بخير ياشيخنا.
قالها عابد بنبرة احترام قاربت التقديس للرجل بينما التفت نحوه "الصالح" ليسأله بدهشة:
_ألستَ تدعى عابد ؟!
_اسمي الحقيقي مركب .."محمد عابد"...وعندما علم الشيخ فضّل أن يناديني باسم محمد .
قالها عابد مفسراً ليقول الشيخ بنبرته الخطابية المؤثرة :
_أول خطوة للتوبة من المعاصي هي مجافاة الماضي...ليتني أملك أن أغير لكل رجل منكم اسمه...فيحمل اسماً جديداً وحياة جديدة ينسى بها آثام ماضيه ...ويبدأ بها عهداً جديداً مع الله ...التخلية قبل التحلية يا عباد الله...أن "تخلي" قلبك أولاً من الدنس قبل أن تطمع في "تحليته" بالطاعة .
التمعت عينا عابد بحماسة حقيقية مع قول الرجل فيما عادت الابتسامة إياها ترتسم على شفتي "الصالح" الذي قال معارضاً :
_اسمح لي يا شيخنا...لا أعترض على مبدأ "التخلية قبل التحلية" لكنني أراه متطرفاً كثيراً هاهنا...الصحابة الذين تحولوا من الكفر للإسلام لم يجعلهم النبي يغيرون أسماءهم ...بل قال صلى الله عليه وسلم إن التوبة تجُبّ ما قبلها ...وكان صلى الله عليه وسلم يقول لصحبه "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"
_احذر يا ابني...هذا هو الجدل المذموم .
قالها الشيخ وهو يهز رأسه ببطء ليردف بنفس النبرة الأخاذة :
_وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...والعلماء أولى بالطاعة من غيرهم لأنهم أوتوا الحكمة ...ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
_صدقت يا شيخنا.
قالها عابد بحماس وحديث "الصالح" يثير ضيقه ...
بينما استطرد الشيخ وهو يضم قبضته ليستطرد بعينين توقدتا حماساً:
_قلوبكم غطاها "ران" المعصية كما قال تعالى "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون"...والنجاة النجاة في الطاعة...في التسليم...في عدم إعمال "العقل" مع "النقل"...إني أرى ما لا ترون .
_عفواً يا شيخنا...مبدأ (لا يجوز إعمال "العقل" مع "النقل") يعني ألا أفكر في أمر شرعي طالما توافر نصّ صريح من الكتاب أو السنة بتحريمه أو تحليله...هذا المبدأ "البراق" لا أظنه مناسباً هاهنا كذلك !
هنا انفعل الشيخ ليهتف ببعض الحدة :
_لازلت تجادل بغير علم ؟!
_اهدأ يا شيخنا...أنا فقط أناقشك لعلي أحطت بما لم تحط به علماً...قالها الهدهد لنبي الله سليمان ...فلست أنت بأعلم من سليمان ولست أنا بأجهل من الهدهد!
احمر وجه الشيخ غضباً وهو يقوم واقفاً ليهتف بينما يخبط كفيه :
_يتعلمون العلم ليجادلون به العلماء؟! بئست المسألة .
فقام عابد واقفاً بدوره ليقول مهدئاً الشيخ:
_هو لا يقصد ياشيخنا...هو فقط...
_انتهى الدرس...هذا وقت وردي من القرآن .
قاطعه بها الشيخ ليغادرهما نحو آخر الباحة الواسعة في بيته حيث يجتمعون قبل أن يعطيهما ظهره ليمسك مصحفه ...
فالتفت عابد نحو "الصالح" يسحبه من ذراعه ليخرج به من الساحة الخارجية للبيت وما كاد يفعل حتى هتف به بحنق:
_لماذا تتعمد مجادلته هكذا كل مرة ؟! ألا تخشى غضبته ؟!
لكن رفيقه ابتسم وهو يهز كتفيه ليقول بهدوء:
_أنا تعلمت ألا أبيع رأسي لأحدهم ...نبي الله موسى لم يستطع الصبر على ما لم يحط به خُبْراً مع نبي آخر هو الخضر رغم أنه كان يثق به وباتباعه...فكيف يريدوننا أن نغمض أعيننا ونسير خلفهم كالغنم ؟!
أطبق عابد شفتيه عاجزاً عن الرد بينما وجهه ينضح بالضيق فيما استطرد "الصالح" :
_لا أنكر أن حديث الشيخ يجذبني كثيراً...جعلني أواظب على الصلاة في المسجد...على الاهتداء بسَنن النبي...على التحدث بالفصحى التي هي لغة القرآن...وعلى صلة الأرحام وحسن الخلق لكنني لا أحب أن أبيع رأسي دون أن أفهم ...
انقطعت عبارته عندما رن هاتفه برقم أمه فأجابها بسرعة ليغلق معها الاتصال بسرعة قبل أن يقول لعابد :
_أمي تريدني لبعض شأنها ...أنا ذاهب .
_ألن تسترضي الشيخ وتكمل معنا درس الليلة ؟!
هتف بها عابد باستنكار ليجيبه "الصالح" بابتسامة عاتبة :
_رضا أمي أولى من رضا الشيخ ...لا تدعنّ القشور تغريك عن الجوهر يا عابد .
ضغط حروف الكلمة الأخيرة وهو يربت على كتفه بحركة ذات مغزى فعقد عابد حاجبيه بحيرة يتابع انصرافه ...
قبل أن يتنهد بحرارة ليعاود الدخول نحو البيت الذي صار يجد فيه سكينته...
منذ دعاه أحد أصدقائه لحضور هذه الحلقات -التي أسعده أن يجد فيها الكثير من الشباب المصريين الذين أعادوا إليه شعوراً بالانتماء يفتقده كثيراً هنا بحكم كونه غريباً -وهو يشعر أنه ولد معهم من جديد ...
لهذا يشعر بالكثير من التحفز لما يقوله "الصالح" الذي يبدو أن الشيطان يوسوس له كي يبعده عن طريق الحق ...
_هل غادر ؟!
سأله الشيخ وهو يراه يعود وحده ليجيبه بالإيجاب فهز الشيخ رأسه ليشير له أن يجلس أمامه ثم وضع يده على رأسه يدعو له بالبركة قبل أن يقول له بنبرته الخطابية المؤثرة :
_لا تجزع من حديثه ولا تتأثر ...الشيطان يعز عليه أن يرى أحدكم قد خالف هواه وباع لأجل دينه دنياه...بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً...فطوبى للغرباء.
فابتسم عابد وهو يهز رأسه موافقاً:
_طوبى للغرباء.
========
_للدرجة دي متضايقة إني مسافر؟!
قالها زين بعينين ملتمعتين وهو يلاحظ تجهم ملامحها من بداية اللقاء لترفع إليه عينيها بتشتت ...
كيف تصف له شعورها المتناقض الآن ؟!
بالقلق ...وقد اعتادت وجوده الداعم جوارها طوال الأيام السابقة ...
بالارتياح ...لأنها ستتخلص من هذه الحرب بداخلها والتي تستنزفها استنزافاً ..
وبالغبطة...لأنه سيعود لوطن تود هي الأخرى لو تعود إليه لكن ليس قبل أن تعيد لرأسها "تاج الكمال" الذي سلبوه منها !!!
لهذا أغمضت عينيها بقوة أخيراً لتتمتم بفتور:
_مااقدرش أقوللك سيب حالك وافضل هنا ...أنا مقدرة ظروفك.
_صدقيني لولا همسة ماكنتش فكرت أسيبك في الظروف دي .
قالها بأسف امتزج بحنانه فابتسمت ابتسامة حقيقية هذه المرة لتفتح عينيها وتتأمله بتفحص...
طالما كان هذا الجزء فيه بالذات يعجبها ...لكنه يثير حيرتها !
كانت تعلم -كما الجميع- عن قصة شقيقته مضطربة العقل التي تسكن الغرفة الخارجية الملحقة بمسكنه...
لكنه اختصها هي بالمزيد من التفاصيل -بحكم صداقتهما القديمة - والتي جعلتها توقن من فلسفتها الخاصة بتشبيه البشر ب"السينابون"...
أجل ...زين الذي يبدو بكل هذا القدر من التعقل والذكاء والحزم ليس أكثر من قطعة سينابون كبيرة تلتف دوائرها لتظهر خباياها المزيد من تفاصيله ...
لهذا سألته باهتمام :
_هي عاملة إيه دلوقت؟! ورائد لسه باقي عليها ؟!
زفر بقوة وهو يشيح بوجهه ليقول بضيق:
_زي ما هي...الدكتور بيحذرنا تشوف رائد ...وإن كان عليه هو رافض فكرة الارتباط وراهن حياته بيها .
_مخلص قوي ابن عمك ده .
تمتمت بها بحسرة ذكرتها بمأساتها الخاصة ليلتفت هو نحوها قائلاً بشرود:
_ساعات كتير ماببقاش عارف أعمل فيه إيه...هو اللي وصلها لكده ...وهو أكتر واحد بيتعذب دلوقت بذنبها .
_فيه غلطات ما بتتصلحش...مهما حاولنا نسامح وجعها بيفضل في القلب العمر كله .
قالتها هي الأخرى بشرود نال من ملامحها الشاحبة التي تخلت عن تبرجها هذه المرة...
فتفحصها ببصره وهو يحاول استنتاج مزاجها مما ترتديه ...
أجل ...طالما استطاع قراءة دواخلها من هيئتها ...
امرأة الفوضى التي أثارت حماسه للفوز بها لم تكن تحتكم لسابق عقل أو تدبير ...
هي فقط تلتجئ لفورة مشاعرها تسيرها كيفما شاءت ...
والعجيب أنها تصل بها دوماً إلى القمة...
كأنما بوصلة قلبها دوماً لا يعرف مؤشرها سوى طريق النجاح !
لهذا أثار قميصها القمحي الباهت حفيظته وهو يراه يزيدها شحوباً فوق شحوب ...
"كنزه" مهدد ...فهل يستسلم؟!
_ياسمين ...عايز أسافر وأنا مطمن عليكِ...ماتتغيريش...ماتخسريش أجمل مافيكِ.
قالها بنبرة دافئة لكنها لم تذب هذا الجليد الذي أحاط بقلبها ...
لهذا رفعت رأسها لتقول بحدتها المكسورة التي صارت لا تفارقها:
_سافر وانت مطمن ...ياسمين ذو الفقار ما بتتكسرش .
فالتمعت عيناه بإعجاب وهو يهز رأسه برضا قبل أن يستخرج من جيبه علبة صغيرة فتحها أمام عينيها ...
ربما لو كانت في مناسبة أخرى ...في وقت آخر ...
امرأة أخرى...رجل آخر ...
لكانت شهقة الانبهار هي الرد النموذجي هنا مع خاتمه الرائع الذي يشبه شمساً صغيرة توهجت ماساتها تحت الأضواء ...
لكن لأنها هي ..لأنه هو ...ولأنهما هنا ...
فلم يزد تعبير وجهها عن مجرد ابتسامة شاحبة حاولت تغطيتها بقولها المتصنع:
_ذوقك مميز زيك...أكتر حاجة بتعجبني فيك إنك حافظ تفاصيلي ...عارف إيه ممكن يلفت نظري ...شكراً يازين.
ضاقت عيناه بتفحص وهو يشعر بعدم الارتياح ...
ليصمت لبضع لحظات سبقت قوله بنبرته الواثقة :
_انتِ عمرك ما مثلتِ قدامي ...ولا اضطريتِ تلبسي وش غير وشك...أنا مش محتاج مجاملتك ولا تزويق كلامك...صدقيني أنا متفهم جداً إنك محتاجة وقت ...بس يهمني الأول إنك تبقي على طبيعتك .
أغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بالوهن يجتاحها ...
هذا الشعور الذي تقاومه بكل ضراوة ولن تسمح له أبداً أن ينتصر عليها ...
منذ متى تعترف امرأة مثلها بهزيمة ؟!
لمن خلق النجاح إذن ؟!
لهذا عادت تفتح عينيها بمكابرة لتقول بنبرة متماسكة :
_معاك حق .
هنا ابتسم هو بعاطفة ظهرت في نبراته وهو يلتقط الخاتم ليقترب منها قائلاً:
_خلليكي دايماً فاكرة إنك شمس ما بتطفيش...تسمحيلي ألبسهولك ؟!
ارتجف جسدها رغماً عنها مع هذه القشعريرة التي سرت على طول ظهرها ...
هذا الشعور بالغثيان الذي عاودها وجعلها تقبض كفها بقوة ...
الشعور الذي كرهت استسلامها له ...ولما يعنيه ...!!
لا ...
لن يقهرها قلبها من جديد !
لن تهزمها روح عشقت جلادها !
لن يثنيها عن عزمها حب لم تجنِ من خلفه إلا الجراح!
لهذا عادت تبسط أناملها المتشنجة ببطء لتمدها نحوه مغالبة ارتجافة جسدها الذي كان الآن ينتفض بقوة كانت هي خير من يدركها ...
_ماذا تفعلان هنا؟!
الهتاف القوي جوارها أجفلها لتلتفت نحو عابد الذي تقدم منهما ليردف بغضب مخاطباً زين:
_من أنت؟! وماذا تفعل مع أختي؟!
ارتفع حاجبا زين بدهشة من مظهر عابد بجلبابه الأبيض ولحيته الطويلة واللهجة الفصحى التي يتحدث بها ...
كل هذا أربكه قليلاً ليلجم لسانه وهو يلتفت نحو ياسمين بنظرة متسائلة...
لكن الأخيرة وقفت مكانها لتفرغ انفعالاتها العصبية كلها في أخيها:
_زين في مقام خطيبي ...هنتجوز أول مااولد وأرجع مصر!
_ماذا؟! خطيبك؟! وأنتِ لاتزالين في عدتك وتخرجين معه هكذا وحدكما؟!
صرخ بها عابد بغضب أورثها المزيد من الحدة لتهتف به هي الأخرى:
_محدش عيّنك وصي عليا ...أنا حرة ...مش عاجبك اتبرّى مني .
_تعالي معي !
هتف بها عابد بحزم وهو يجذب ذراعها ليقف زين مكانه واضعاً قبضته على ساعد عابد مع قوله الهادئ بنبرته المسيطرة :
_دقيقة واحدة بس نتكلم بهدوء.
_أي هدوء وأنت ...؟!
صرخ بها عابد بنفس الغضب ليقاطع زين عبارته بنفس الحزم:
_لو خايف على أختك حقيقي بلاش فضايح ...المطعم كله بيتفرج علينا .
تلفت عابد حوله بمزيد من الغضب ليجد ما يقوله زين حقيقياً لكن ياسمين هي التي جذبت ذراعها منه لتغادر المطعم بخطوات راكضة ...
======
الجو رائع صحو مع لسعة برد لذيذة تضفي عليها المزيد من الانتعاش وهي تدخل من باب الجامعة...
شعور عارم بالحماس...الترقب ...والأمل في الأيام القادمة يجعلها تسير بخطى شبه متراقصة وهي تقترب من مبنى كليتها ...
رائحة المخبوزات تداعب أنفها من تلك "الكافيتيريا" القريبة فتتوجه نحوها لتختار مفضلتها ...
_كريب مشكل جبن ...وزوّد الكاتشاب
_خلليهم اتنين .
بصوت هيثم تسمعها فتلتفت خلفها ليبادرها بابتسامته:
_إزيك يا داليا ؟!
_الحمد لله ...إزيك انت؟!
تقولها بلكنة فضحت الود القديم لكنها حملت له الكثير من التحفظ الذي تفهمه وهو يغمغم بحرج:
_بقى لي فترة عايز أطمن عليكِ ومش عارف...أتمنى تكوني بخير .
_عمري ما كنت كويسة زي اليومين دول ...بجد يا هيثم .
قالتها بامتنان امتزج بشعورها المستحدث باستعادة هوية افتقدتها ...
هذا الشعور الذي جعلها تقول له بندم حقيقي:
_عايزاك تسامحني على أي أذى سببتهولك بقصد أو من غير قصد .
_من غير ما تقولي ...انتِ عارفة معزتك عند "روميو"!
قالها ببعض الأمل أن تعيد عبارته المياه لمجاريها...
و التي أيقن أنها قد سُدّت تماماً مع جوابها المقتضب:
_انت أخويا يا هيثم ...لو كان عندي أخ ماكنتش هاعزه زيك.
هز رأسه متقبلاً خسارته غير حديثة الإدراك ليتناول من الرجل "الكريب" فيمنحها خاصتها التي تناولتها منه شاكرة لتقضم منها قضمة عجول لتغادره نحو مبنى الكلية...
قضمة غص بها حلقها وهي تلتفت فجأة نحو اليسار لتجد العينين "الغريبتين" تترصدانها بنظرتهما الغريبة...
قبل أن يمضي صاحبهما في طريقه كأنه لم يرها ...
مروان ؟!
ما الذي يفعله هنا؟!
هل رآها مع هيثم لهذا تعمد تجاهلها؟!
_دكتور مروان!
هتفت تناديه وهي تتحرك خلفه بخطوات شبه راكضة ليتوقف هو دون النظر إليها حتى وقفت أمامه لتقول بأنفاس لاهثة :
_كويس إني شفتك...كنت هاكلمك.
توهجت عيناه بعاطفة لم يستطع إخفاءها وهو يراها بهذه الهيئة "اللذيذة"...
تمسك شطيرتها بطفولية بينما لطخ الكاتشاب جانب شفتيها ومع لهاثها هذا بعد عدوها ...
ما أشبهها الآن ب"طفلته العتيقة" التي سكنت قلبه وأبت أن تغادره منذ سنوات !
ترتدي "بلوزة" سماوية على تنورة طويلة من الجينز ووشاح وردي فاتح أظهر بياض بشرتها ومنحها مظهراً شديد الاختلاف عن مظهرها تلك الليلة المشئومة بثوبها العاري نصف الممزق...
يالله!!!
كيف يقنع نفسه أنها هي هي نفس الفتاة!!
لكن أفكاره الصامتة لم تترك بصمة على ملامحه التي احتفظت بجمودها ...
هذا الذي أساءت هي فهمه لتنحنح قائلة بارتباك:
_ده هيثم زميلي ...كان بيسأل عليا بعد اللي حصل...انت عارف...
_ما سألتكيش.
قالها باقتضاب فظ مقاطعاً عبارتها فعقدت حاجبيها بضيق تسبه سراً...
وتسبّ نفسها معه!
هو غبي وأنتِ أغبى منه!
لماذا تفسرين له أفعالك؟!
هل منحه أحدهم حق الوصاية عليكِ؟!
لهذا رفعت أنفها باعتداد لتقول بانفعال دمعت معه عيناها:
_على فكرة أنا مش وحشة قوي كده زي ماانت فاهم...أنا عارفة إن الظروف خلتك تشوفني في أسوأ مواقف ممكن تشوف فيها أي بنت ...بس ده مايديلكش الحق إنك تعاملني كأني...
قطعت عبارتها لتشيح بوجهها عنه وهي تشعر برغبة في البكاء ...
بأي عين تتبجح أمامه هكذا ...
رجل رآها مرة تخرج من ملهى ليلي...
وأنقذها أخرى من محاولة اغتصاب سعت إليها كأي مغفلة بلا عقل ولا أخلاق...
فلو أضفنا لهذا ما رأته زوجة عمه من مشهدها المخزي مع هيثم...
فأي نتيجة تنتظرها ؟!!
لكن...
مهلاً!!
هو طلب خطبتها من يامن تلك الليلة في السيارة بعدما رأى كل هذا!!!
عجباً...
كيف لم تنتبه لهذا من قبل؟!
لن يفعل هذا إلا لو كان حقاً...يحب...
_كنتِ عايزة تكلميني ليه ؟!
سؤاله الذي لانت لهجته -قليلاً - قاطع خواطرها فالتفتت نحوه بحدة لتهز رأسها بارتباك متحاشيةً النظر لعينيه وقد لاحظت تجاهله التام لما كانت تقوله ...
فتجاهلته هي الأخرى لتقول بقلق حقيقي:
_عايزة أطمن على يامن...من يوم حادثة هانيا وهو معانا بس مش معانا...أنا واخواتي مالناش غيره...مهما كان بيحصللنا كنا بنبقى مطمنين إن هو في ظهرنا بيسندنا...لكن هو عمره ماسمح لنا نشيل معاه همه...حتى في أزمته الأخيرة بدل ما يتقوى بينا سافر عشان ما يوجعناش معاه...أنا مش عارفة ممكن أعملله إيه بس مستعدة أعمل أي حاجة.
التمعت عيناه برضا وهو يميز صدق شعورها بالمسئولية ليقول بنبرة محايدة :
_يامن محتاج وقت عشان يراجع نفسه ويعيد حساباته...وجوده دلوقت في البلد ممكن يكون فعلاً اللي هو محتاجه بالضبط عشان يوزن أموره من غير ضغوط ....
ثم أطرق برأسه مردفاً:
_ما تقلقيش عليه...أزمة وتعدي!
إطراقه جعلها تتأمله بحرية ...
فارق الطول بينهما ممتاز ...تحب الرجل الطويل هكذا ...
ملامحه لم تعد منفرة كالسابق لو استثنينا صلعة رأسه التي تلمع بوضوح هكذا تحت ضوء الشمس ...
ملابسه لاتزال قديمة الطراز لكنها اكتسبت نوعاً من "الهندمة"!
حسناً...لايزال "الأصلع القبيح" لكنها -لسبب ما- لم تعد تشمئز منه كالسابق ...
_صحيح ...هو انت هنا ليه ؟!
قالتها بدهشة مدركة غرابة وجوده هنا في الجامعة لكنه رفع عينيه ليقول بنبرته الجافة متذكراً ما افترت به عليه يوماً أمام يامن:
_أكيد مش براقبك ولا بجري وراكِ في كل حتة .
هي الأخرى تذكرت كذبتها ليلتها فتنحنحت ليكتسي صوتها بالأسف:
_ماقصدتش بسأل بس .
_جاي لناس أصحابي هنا مشتركين في جمعية (رسالة)...مشروع حلو لتجميع غطا وهدوم لأهل الصعيد في الشتا.
فالتمعت عيناها لتقول بحماس:
_شفت البوسترات بتاعتها هنا في الكلية...انت تبع (رسالة) فعلاً؟!
أومأ برأسه في إيجاب لتهتف بحماس:
_خلليني أشترك معاكم .
_هي رحلة ؟! دي مش لعبة ولا "ايفنت" هتشيّريه تتسلي بيه مع أصحابك...دي مسئولية وأمانة .
قالها بلهجته القوية عالماً أنه سيضرب نفسه- بالنعال- عندما يعود لبيته ويسترجع هذه المحادثة بردوده "الكارثية" ...
لكنه لم يكن يستطع التحدث معها بطريقة أخرى ...
إن لم يكن انتصاراً لكبريائه فخوفاً من انكشاف وجهه "الآخر" لها !
_وأنا عارفة إنها مسئولية وأمانة عشان كده عايزاها ...أنا شفت الموت بعيني وعرفت قيمة الحياة اللي تستاهل نعيشها صح.
هتفت بها بحدة وهي الأخرى تكره وقوفها دوماً موقف الدفاع أمامه ...
لكنه بدد شعورها هذا عندما نظر إليها طويلاً ...
هذه النظرة التي تربكها بتناقضاتها بين حزم واحتواء ...
قبل أن يقول أخيراً:
_ماشي...موافق....بس استأذني يامن الأول مش عايز مشاكل معاه .
احمرت وجنتاها بما لم تلاحظه هي ...لكنه هو لاحظه وكاد يطير صوابه ...
بقدر ما يحب هذه الخطوة لأنها ستقربها من شخصه الحقيقي ...
بقدر ما يخشى أن تكون مجرد خطوة أخرى في طريقها المتباعد عنه ...
لكنها قاطعت أفكاره عندما عاودت سؤاله باهتمام:
_هو انت دكتور إيه ؟!
_أطفال!
_مش لايق عليك.
قالتها بنبرة عاد إليها عبثها وهي تخفي ابتسامتها بينما تشيح بوجهها ليسألها بترقب طفا فوق ابتسامته:
_اشمعنا؟!
_الأطفال تعاملهم محتاج دلع وحنان وبال طويل ...وانت شكلك زي يامن جد قوي وشديد.
_مين قاللك الأطفال محتاجين حنان وبس ؟! حنان من غير حزم يضيّع .
قالها بنبرته القوية لتجيبه بحماستها المدافعة :
_والشدة كمان بتضيع...المعادلة الصعبة دايماً هي الموازنة بين الاتنين .
هنا ابتسم ليعقد ساعديه أمام صدره قائلاً :
_المرة دي معاك حق ...مش هاعترض.
ازداد احمرار وجنتيها مع ابتسامته التي بدت وكأنها غيرت ملامحه كلها ...
حتى أن شفتيها خانتاها بضحكة خافتة لم يكن لها أي محل من الإعراب هاهنا ...
لكنه حظ هذا "البائس" أمامها الذي تلقاها ك"هدية عيد" رفرف معها قلبه ليقول بنبرة لم تفقد اتزانها رغم كل شيئ:
_بتفرحي قوي لما تغلبي اللي قصادك في الكلام .
لم تدرِ هل قالها كسؤال أم كإجابة لكنها تلقتها كاتهام جديد جعلها تعاود هتافها المتنمر:
_أنا مش وحشة قوي كده .
_دي تاني مرة تقولي الجملة دي...أنا ماقلتش إنك وحشة .
قالها وهو يخفي تأثره بكل انفعالاتها التي تتبدل في لحظات من تحفز لخجل ...لحدة ...لفضول ...
لكنها تشترك جميعاً في كونها صادقة وعفوية ...
يالله!
كم عمراً يحتاجه كي يستوعب كل وجوهها "الشهية"هذه ؟!
خاصة عندما مدت له يدها بالشطيرة لتقول بما يشبه الاعتذار:
_نسيت أعزم عليك .
اتسعت ابتسامته لتصرفها العفوي فهتفت بارتباك:
_زمانها بردت...آآ...أجيب واحدة تانية...أو...
كانت تشعر بالحماقة حقاً وهي لا تدري أي حديث يمكن أن يجمعهما ...
هي لم تفتقر يوماً للباقة وحسن تدبير الحوار ...
لكن موقفه الغريب في حياتها يجعلها تشعر بالتخبط !
هو رجل يبدو أنه يحمل له -عاطفة ما- لا تشاركه فيها ولا تريد أن تمنحه أملاً لن يكون له ...
ربما لو كانت بشخصيتها القديمة لتلاعبت به قليلاً لتمنح حياتها الباهتة بعض البريق ...
لكن ضميرها الآن جعلها تخطط لإنهاء الحوار لكن ليس قبل أن تعترف له بصدق:
_انت حد كويس قوي يا دكتور ...أرجوك ما تبقاش زعلان مني .
_إزيك يا داليا ؟!
كانت هذه زوجة الدكتور ياسر التي ظهرت من خلفها لتلتفت هي نحوها بكثير من الحرج ...
قبل أن تغمغم بمزيد من الارتباك:
_الحمدلله يا دكتورة .
نقلت المرأة بصرها بينهما بذكاء لتحيي مروان بحرارة قبل أن تنسحب داليا بسرعة وكأنها تهرب من المرأة تلاحقها نظرات مروان التي انطلقت فيها عاطفته من عقالها ...
وجعلت زوجة عمه تقول له برضا:
_البنت فعلاً شكلها اتغيرت...اللي مرت بيه مش هين ...انت إيه رأيك ؟!
_انتِ عارفة رأيي.
قالها ببعض الخجل الذي بدا غريباً على لهجته المتزنة قبل أن يغير الحوار ...
وفي المساء وصلته رسالتها الصوتية بعفويتها على هاتفه تحكي له أحداث يومها متضمنة لقاءها مع "مروان"...
والتي أنهتها بقولها :
_أنا مبسوطة لأني حاسة اني بتغير...حاسة اني بتحول لواحدة تانية ...كأن عمري اللي فات ده ماكانش...كأني بتولد من جديد ...ومبسوطة أكتر عشان انت معايا وشاهد على المرحلة دي في حياتي .
تأوه بحرارة وهو يشرد ببصره مسترجعاً لقاءهما في الصباح...
عيناها النابضتان بمزيج من شقاوة طفلة وحماسة امرأة...
حمرة خديها التي فضحت خجلاً لا تدعيه ...
وأخيراً ملابسها التي صارت أكثر تحفظاً وحجابها الذي لم تعد تخلعه !
_بحبك يا مجنونة... آخرتي معاكِ في السرايا الصفرا .
غمغم بها لنفسه بصوت مسموع قبل أن تترجمها أنامله لعبارات مكتوبة كعهده :
_أحبك في كل أحوالك...أحب القديمة المتمردة والمستحدثة الناضجة...احببتك طفلة واحبك امراة وساحبك عجوزا يحكي شيب شعرها قصة حبنا ....
ثم خبط وجهه براحته الكاملة المفرودة فبدا كبائس ...ليغالب نفسه ويكتب:
_ولا تتباسطي مع مروان هذا ...أنا ...أغار!
========
وقفت أمام المرآة تتأمل شكلها بوجل !
كانت ترتدي منامة بيتية بحمالات رفيعة أظهرت ما تشوه من بشرة كتفيها بينما لا يزال ذراعها اليمنى معلقاً بجبيرة...
ما هذه البشاعة ؟!
إنها لا تطيق أن ترى نفسها هكذا ...
فكيف تسمح له هو أن يفعل ؟!!
كيف تقبل أن تنكسر نفسها هكذا أمامه ؟!!
الأمر صعب ...
خاصةً على امرأة مثلها لم تعتد هذا الشعور!
_هو مش فارق معاه !
قالتها نبيلة وهي تدخل إليها غرفتها ملاحظة طول شرودها أمام المرآة فالتفتت نحوها هانيا لتقول بانكسار غريب على طبيعتها:
_بس أنا فارق معايا .
تقدمت نحوها نبيلة لترفع ذقنها نحوها قائلة بحنان :
_انتو الاتنين محتاجين تعدوا الامتحان ده ...واحد زي رامز شاف ستات أشكال وألوان ...تمسّكه بيك دلوقت بالذات معناه إن اللي بينكم أكبر من كده...معناه إنه بيحبك انتِ!
_مش قادرة أفكر إني ممكن أرجعله ...ممكن أخلليه يشوفني بالشكل البشع ده على طول ...هيستحمل أد إيه ؟! يومين تلاتة عشرة ؟!
قالتها هانيا بانفعال يائس لتجيبها نبيلة بإصرار:
_لو بيحبك هيستحمل العمر كله ...
ثم هزت رأسها لتردف باستنكار:
_وبعدين انتِ مكبرة الموضوع ليه ؟! عمليات التجميل دلوقت بتداري كل حاجة.
_أنا سألت كذا دكتور ...كلهم قالوا هيفضل فيه أثر .
قالتها بقنوط دمعت معه عيناها لتعاود الالتفات نحو المرآة وكأنما تجلد نفسها بهذا المنظر :
_تفتكري ربنا بيعاقبني عشان ما قدرتش النعمة زمان ؟!
قالتها وهي تذكر عدد المرات التي كان يطلب منها رامز فيها أن تتزين له ؟!
أن ترتدي له واحداً من تلك القمصان المثيرة التي كانت تخشى إبراز أنوثتها فيها ؟!
الآن لن تستطيع ارتداءها قسراً ...
ليس وقد صارت بهذه البشاعة !!!
_نعمة إيه اللي تقصديها؟! رامز؟!
سألتها نبيلة بقلق لتلف وجهها نحوها باتهام فقد معناه الآن!
ماذا عساها تخبرها؟!!
أنها كانت السبب؟!!
أنها كرهت أنوثتها في صورتها ...
أنها حرمت على نفسها وحرمت عليه الاستمتاع بما ظنته سيجعلها منتقدة مثلها؟!!
بماذا يفيد الندم الآن ؟!
لهذا اكتفت بتنهيدة حارة وهي تتحرك لتعاود الاستلقاء على فراشها تتبعها نبيلة التي عدلت لها وضع الوسائد على الفراش ...
قبل أن تسندها برفق في حركة لم تكن تحتاجها جسدياً ...
لكنها كانت تمنح روحها الكثير من الدعم الذي تحتاجه ...
لهذا ابتسمت كلتاهما أخيراً والعيون تتلاقى بحديث طويل أنهته نبيلة بقولها :
_ماتضيعيهوش من إيدك تاني ...انتِ غيري...الدنيا ادتك فرصة تانية عشان تحافظي ع اللي راح ...عشان خاطري ماتخلليش العند يسرقك زي ما سرقني .
قالتها لتقبل جبينها قبلة عميقة شعرت بها هانيا شديدة الدفء قبل أن تردف نبيلة بعينين دامعتين :
_خلليني أشوف فيكِ الفيلم اللي اتمنيت أكون بطلته .
انفرجت شفتا هانيا بتأثر لكنها لم تجد كلماتها بينما اندفعت نبيلة تغادر الغرفة خشية أن تغلبها دموعها ...
ولم تكد تفعل حتى تأوهت هانيا بقوة تفكر في كل هذا الذي يحدث...
قبل أن تتناول هاتفها الذي ضبطته على وضع صامت كي لا تدخل في صراع الرد على اتصالاته من جديد ...
ثلاثون مكالمة فائتة ...
أنهاها برسالته التي رسمت بسمة صادقة على شفتيها :
_ردي ع التليفون وإلا هاعمللك "شو" هايل قدام البيت يخلليهم يقولوا عليا مجنون هانيا !
=========
_باصيها يا دكتور .
هتف بها أحد أبناء عمه الذي يشاركه الآن لعب مباراة كرة قدم في منطقة واسعة في قطعة الأرض الخالية خلف بيت عمه...
هذا الذي كان يحتاجه الآن تماماً كي يفرغ انفعالاته ويتخلص من هذه الأفكار التي التهمت رأسه وحرمته النوم الليلة الماضية ...
كان أكبر أفراد الفريق بفارق يتجاوز العشر سنوات على الأقل لهذا كان يشعر بأنه أعاد معهم سنوات من عمره يفتقدها الآن بشدة ...
كل شيء هنا مختلف !
طعم الماء...رائحة الهواء...مذاق الخبز الطازج العائد لتوه من الفرن ...
حتى تراب الشارع يشعر به وكأنه لا يلطخ بل ...يطهر!
_جوووووون!
يبتسم ابتسامة واهنة وهو يمسح عرقه عندما امتزج الهتاف الأخير بسجود اللاعب الذي أحرز الهدف في حركة مقلدة لما يفعله بعض مشاهير الكرة الآن ...
بينما تقدم نحوه ابن عمه ليقول برضا وسط أنفاسه اللاهثة :
_شكلك مالعبتش من زمان ...رجلك تقيلة.
لكزه يامن في كتفه بقبضته في حركة مشاكسة هاتفاً:
_هتعمل عليا فِردة يا ولد ؟!
فابتسم الفتى وهو يرى زميله يشير له بانتهاء المباراة ليلتفت نحو يامن قائلاً بود:
_وشك حلو علينا يا دكتور ...أول مرة نغلب الفرقة دي .
اتسعت ابتسامة يامن التي حملت المزيد من الشجن وهو يتلفت حوله ليقول للفتى بينما يحيط كتفيه بذراعه :
_تعال نتمشى شوية ...الفيللا المهجورة اللي عند شجرة الجميز لسه زي ما هي؟!
_هتروح فين يعني؟! العيال هنا مالهمش مزاج الا في تأليف حواديت عنها ...تعال من هنا .
سارا معاً عبر شوارع القرية الضيقة يتسامران ...
حديثهما ينقطع كل بضع دقائق بمرور أحد أهل القرية الذي يلقي السلام على يامن فيجيبه ببعض التحفظ...
هواجسه تعاود النيل من رأسه ...
تصور له الجميع يسخرون من فضيحته...
من حاضره الذي يشبه ماضي أمه ...
لماذا يعطيهم الفرصة لهذا ؟!
لماذا لايعود لبيت عمه الآمن يختبئ عن الأنظار؟!
بل لماذا لا يعود للقاهرة يحتمي بزحامها كما فعل أبوه ؟!
فيتوقف مكانه للحظة جعلت الفتى يناظره بدهشة ...
_م الآخر انت بتحارب دماغك بدماغك...هي بتزق عليك أفكار سلبية وانت دورك تقاومها بأفكار إيجابية ...المهم إنك تقتنع في النهاية إنها مجرد أفكار مش حقايق...فاهمني يا دكتور؟!!
من بين صرخات أشباحه السوداء تنبعث كلمات ياقوت لتضيئ له قبساً باهتاً ...
فيحاول التجربة...
أن يحارب نفسه بنفسه...
_ليه فاكرهم بيبصوالك باحتقار؟! ليه بتفسر نظراتهم غلط ؟! ليه ما يكونوش بيبصوا بإعجاب ع الدكتور الناجح اللي بنى اسمه بنفسه ...اللي ما وقفتوش حاجة عن طريقه اللي مشي فيه ؟! ارفع راسك وامشي وسط ناس بتحبك...دول أهلك وعمرهم ما يشمتوا فيك.
حاول تغذية عقله بهذه الفكرة كي يدحض بها ما سبقها لكن الحرب كانت حقاً شديدة ...
رأسه يكاد ينفجر من فرط ما يموج به من صراع !!!
_وقفت ليه يا دكتور؟! تحب نرجع؟!
قالها ابن عمه ببعض القلق وهو يرى تجهم ملامحه لكنه هز رأسه قليلاً محاولاً اتخاذ قرار :
_لا ...هنكمل .
قالها ليعاود السير بنظرات شاردة قبل أن يسأل الفتى بتردد:
_تعرف دكتورة هنا من البلد اسمها ياقوت بتشتغل في مصر؟!
_شُقراط؟!
هتف بها الفتى بتفكه ليضحك يامن ضحكة خافتة مع سؤاله:
_انتو مسميينها شقراط ؟!
_عشان طالعة فيها وهي في الأول والآخر بتشتغل شوية مجانين !
مط يامن شفتيه بحرج وهو يشيح بوجهه بينما يستطرد الفتى بسخاء:
_أمها كانت بتشتغل خدامة في بيت راجل غني قوي في مصر...ضحك عليها وغواها ...حملت منه فكتب عليها ورقة كده من تحت لتحت ...ستر عليها بس شرط إن البنات يفضلوا معاها هنا ومحدش من أهله هناك يعرف...الست خافت على نفسها وبناتها فوافقت...جت عاشت بيهم هنا لحد ما قابلت وجه كريم ...وبعد ما ماتت جدتهم الحاجة ثمر هي اللي ربتهم .
انعقد حاجبا يامن بقوة وهو يستمع للحكاية التي لم يتوقعها ...
هل كان يظن نفسه يستحق الفخر لأنه وصل لما وصل إليه مع ظروف ماضيه ؟!
ما الذي تستحقه امرأة كياقوت هذه إذن؟!
هذه التي كانت تتحدث معه باعتداد يليق بملكة انجلترا ...لا بواحدة ذات ماضٍ كهذا!!
_أكيد أهل البلد هنا بيعايروها هي وأختها ...حاجة زي كده ماتعديش هنا!
قالها بحذر اختلط بأسفه ليصدمه الفتى بضحكة ساخرة سبقت هتافه:
_مين ده اللي يقدر يفتح بقه بكلمة عن بنات الحاجة ثمر ؟! الكل هنا بيعمللها ألف حساب...كلمتها سيف على رقاب الكل ...من صغيرنا لكبيرنا بنحترمها ونحبها .
ابتسم يامن برضا وهو يتابع قول الفتى الذي استمر في ثرثرته :
_هيبتها كمان زادت بعد شغلانتها اللي بتعملها لوجه الله من غير ولا مليم .
هنا عقد يامن حاجبيه بترقب لتصدمه إجابة الفتى:
_مغسلة أموات !
فتوقف مكانه مبهوتاً للحظة وهو يحاول ربط خيوط هذه القصة ...
ليسأل الفتى أخيراً بفضول:
_وجابت منين فلوس لكلية الطب دي مصاريفها كتير؟!
_قصدك شقراط ؟! أبوهم بيبعتلهم قرشين حلوين كل شهر عشان يضمن سكاتهم ومن تحت لتحت كده يخوفهم يطلع لهم نفَس ...خصوصاً إن البنتين اشتغلوا في مصر ...واحدة دكتورة زي ماانت عارف والتانية على أدها عاملة في معمل تحاليل...
قالها الفتى بلهجة من يشعر بفخر من يملك العلم أمام جاهل -خاصة أن يامن بدا شديد الاهتمام بما يقول - إلى أن تطرف الأول بقوله :
_الغريبة إن الاتنين مش شكل بعض...واحدة سوده ووحشة والتانية فلقة قمر ...ما انت أكيد عاينتها.
هنا خبطه يامن على قفاه بخفة ليهتف زاجراً:
_اتلم ياولد ...انت هتصاحبني؟!
فارتد الفتى لتحفظه وهو يقول معتذراً:
_أنا آسف يا دكتور...أنا قلت أتفك معاك بكلمتين .
ابتسم يامن وهو يمسح على رأسه برفق ليعاود ضم كتفيه إليه بذراعه وهو يكمل معه الطريق نحو المكان المنشود الذي كان يحمل له هو الآخر بعضاً من ذكريات طفولته ...
هذا الذي منحه بعض السكينة وهو يطوف حوله ...
العجيب أنه كان يشعر وقتها أنها "هي" معه...
امرأة الألوان التي خالط طيفها كل تفاصيله ...
بل كان الآن يتخيل حواراً افتراضياً بينهما تجلجل فيها ضحكتها وهي تصفه بغرابة المزاج إذ يجد متعة في زيارة مكان كهذا ...
ضحكة تنتهي بعناق تستطيل فيه "النخلة" على أطراف أصابعها كي تطال شفتيه بقبلة ناعمة مع همسها بجملتها الخالدة:
_شكراً يا طيب.
غص حلقه بمرارته وهو يعود للواقع فتنهد بحرارة ليقول أخيراً للفتى:
_ياللا نرجع !
وفي غرفته في بيت عمه كان ينام على فراش ضم جسدها يوماً ...
يتقلب جسده كالمحموم وهو يرى صورتها تطارده...
يسمع صدى ضحكتها تملأ أذنيه...
عند الباب هنا قبّلها بجنون غيرة ...وعانقها ليلتقط لهما صورة حقيقية تناظر أخرى زيفتها ...
وعلى الأرض هنا فرش مرتبته ليلتقط كفها سراً بعد نومها ...
وجوار النافذة هنا وقف جوارها ليحكي لها ذكرياته عند الساقية القديمة...
تباً لها !
مادامت تريد الرحيل فلماذا لم تصطحب معها كل هذه الذكريات؟!
لماذا لم تنتزع معها قلبه الذي لم يخفق بحب سواها؟!
بل لماذا تركت له الهواء يتنفس فيه عشقها لحظة لحظة ؟!!
لكن هواجسه السوداء تعاود بسط سلطانها الغاشم عليه ...
ترد له مشاهدها مع زين واحداً تلو الآخر ...
هواجسه التي كان لها بالمرصاد هذه المرة مستعيناً ب"نصيحتها":
_انت بتحارب دماغك بدماغك .
فيزفر بقوة وهو ينتفض من نومته ليغادر الفراش بل الغرفة كلها متجهاً لصالة البيت التي كانت خالية ...
فانتهزها فرصة ليجلس على الكرسي هناك مستعيداً المزيد من ذكرياتهما الهانئة معاً...
هي لم تكن تحبه ...
هي كانت تعيش به وله!
كيف أمكنه أن يشك بهذا يوماً ؟!
كيف؟!!
_فين الست الحلوة اللي جت معاك المرة اللي فاتت؟!
يلتفت بدهشة نحو الطفل الصغير الذي كانت هي تلاعبه في زيارتها السابقة ...
والذي كان الآن يربت على كتفه برفق مردفاً:
_أنا رسمت لها دي .
دمعت عينا يامن وهو يرى رسمة الصغير الطفولية التي ضمت خطوطاً بسيطة الشكل عظيمة المعنى ...
_أمي قالت لي شعرها أصفر...رسمتها وهي بتحكيلنا الحدوتة عند الساقية.
أمسك يامن الورقة بأنامل مرتجفة ليرفعها نحو شفتيه بقبلة حملت كل اشتياقه ...
قبل أن يجذب الصغير ليرفعه بذراعه فيجلسه فوق قدميه قائلاً بما يشبه الوعد عبر تنهيدة حارقة :
_هاديهالها لما أقابلها ...وهاخلليها ترجع معايا هنا تشكرك عليها بنفسها .
======
استقل القطار العائد للعاصمة وذهنه منشغلٌ ب"المبهرجة المُطفأة" كما صار يراها بعدما عرف حكايتها ...
شقراط كما يسمونها هنا!
سيلتقيها هنا في القطار ...
حدس أم أمنية ؟!!
لم يفكر طويلاً في هذا وهو يميز أخيراً هيئتها الزاهية أمامه تجلس بشرود مكانها ...
فالتوت شفتاه بابتسامة وجلة وهو يتقدم أكثر ليجلس جوارها دون إذن...
هذا الذي جعلها تلتفت نحوه بحدة أول الأمر لكنها ما إن تبينت ملامحه حتى عقدت حاجبيها لتعود ببصرها نحو النافذة وترد له صمته بصمت حتى انطلق القطار ...
_هو أنا زودتها قوي المرة اللي فاتت؟!
قالها أخيراً وهو يلتفت لوجهها الذي أشاحت به عنه منذ جلس لتجيبه باعتدادها المغيظ:
-أعتبر ده اعتذار؟!
_ مش بالضبط قوي...بس ممكن.
قالها هو الآخر بفظاظته المغيظة لتلتفت أخيرا نحوه بابتسامة التمعت في العينين (الطيبتين) خلف زجاج نظارتها ...
(طيبتين)؟!
تدركون معنى أن يصف رجل مثله عيني امرأة بالطيبة؟!
هو الآخر كان يدرك....
لهذا شرد ببصره عبر نافذة القطار بينما هي تقول عبر ابتسامتها:
_ماشي يا دكتور ...نعديها...ونبدا نتعرف من جديد...أنا الدكتورة ياقوت ...عندك مانع تكون أول جلسة لينا هنا في القطار ؟
هنا أدرك أن عدوى ابتسامتها أصابته لتعبث أنامله في خصلات شعره كعادته عند ارتباكه ...
الارتباك الذي أصابتها عدواه هي الأخرى لتوقن أن الاقتراب منه خطير حقا كما كانت تظن !
لكنه ما إن بدأ في الحديث حتى غلبت "مهنيتها" شعورها هذا ليبدأ عقلها العمل بسرعة...
أجل ...ربما كان هذا أحد أسباب نجاحها في عملها ...أنها تجيد "عزل" عقلها دوماً عن كل ما يمكنه تشويشه ...
أما هو فقد بدأ حديثاً عشوائياً لم يعلم له بداية ولا غاية...
لقد خاض هذا الأمر من قبل مع طبيبه في لندن لكن هذه المرة تختلف...
ربما لأن وجوده مع الطبيب في غرفة الكشف كانت تمنحه شعوراً بالانقباض ...
هذا الشعور الذي كان يقيد بوحه ...
أما جلوسه معها هاهنا بهذه المصادفة التي أيدتها الأقدار ...وفي هذا المكان بالذات حيث قريته وجذوره...يجعله يشعر بالراحة أكثر ...
لهذا أغمض عينيه وهو يعود برأسه مستنداً لظهر المقعد تاركاً للسانه حرية البوح أو المنع دون تنقيح ...
عن وساوسه...عن امتنانه واستسلامه السابق لها ظناً منه أنها تحميه ...
وعن رغبته أخيراً في مقاومتها ...
عن بعض من ذكريات ماضيه...وبعض من هواجس غده...
عن قصته مع "امرأة الألوان" التي لفظها سواد عالمه ...
عن ندمه...عن خزيه...عن شعوره الداخلي أنه يهوي ويهوي ويخشى لحظة الارتطام !
_الخاتم الأسود ده بتاعها؟!
سؤالها الذي خرج أخيراً مفاجئاً بعد ساعة كاملة قضتها تسمعه جعله يفتح عينيه ليلتفت نحوها بنظرة متسائلة جعلتها تبتسم لتردف:
_ما بطلتش تلعب فيه طول ما انت بتتكلم ...مش مجرد بتلفه بحركة عصبية ...لا...انت كأنك بتطبطب عليه...واضح إنه غالي عندك قوي.
ملحوظتها الذكية جعلت عينيه تلتمعان وهو يومئ برأسه بحركة بطيئة تزامنت مع قوله الشارد :
_كانت أحلى حاجة حصلت لي...وأغلى حاجة خسرتها .
اتسعت عيناها بصدمة وهي ترى عيناه تدمعان فجأة قبل أن يشيح بوجهه بعيداً ...
أن تخرج عبارة بهذه الرقة من رجل بهذه الفظاظة...أن تخرج محترقة هكذا بهذا الصدق وبهذه الحسرة فهذا يعني أن بداخله فيضان حب لو أطل على الأرض لأغرقها !
لهذا احترمت صمته قليلاً لتعاود سؤاله :
_ليه ما سافرتش وراها ؟!
_خفت!
_منها واللا عليها؟!
_الاتنين..
قالها بزفرة حارقة ليعاود الالتفات نحو النافذة مردفاً بشرود:
_القسوة اللي ردت عليا بيها في التليفون حسستني إني قدام واحدة تانية مااعرفهاش ...هي قالتلي في يوم إنها ممكن تسامح بس ما بتنساش ...لكن الحقيقة إنها دلوقت لا قادرة تسامح ولا تنسى ...
_ممممم...كده فهمت إنك خايف منها ...لكن ليه خايف عليها ؟!
_خايف عليها من نفسي ...لحد دلوقت مش ضامن رد فعلي ...لحد دلوقت لسه دماغي مش راحماها ولا راحماني ...مش هاقدر أحط عيني في عينها تاني إلا لو رجعت أشوفها ملاك زي زمان .
_مش يمكن هي دي المشكلة ؟! إنك زمان شفتها ملاك !
انعقد حاجباه وهو يعود لها ببصره لتعدل من وضع نظارتها مردفة :
_هي صدرت لك الصورة دي وانت صدقتها ...حبيت تريح جهاز الإنذار اللي شغال عندك عمال على بطال ده فخرجتها بره تصنيف البشر أصلاً...ياسمين ملاك...مابتغلطش...ما بتكدبش...ما بتضعفش...ونسيت إننا كلنا بشر وارد جداً نضعف ونكدب ونغلط .
عاد يغمض عينيه بقوة وهو يعود برأسه للوراء لتستطرد هي بنفس النبرة :
_هي كمان اتصدمت بالفيديو زيك بالضبط...شخصية زيها ماتصورتش انها في لحظة ضعف تتعرى كده ...زي ماانت مريض بوساوسك هي مريضة بهوس الكمال وانها عظيمة كاملة...مستغنية عن اي حاجة واي حد ...الناس اللي زيها كده بالنسبة لهم أي غلطة مهما كانت صغيرة ما بيتقبلوهاش في حق نفسهم قبل غيرهم...فما بالك بفضيحة زي دي؟! ياسمين كانت بتمثل دور أكبر منها ...سفر والدها ...وفاة مامتها ...جوازتها الفاشلة من راجل سادي ...كل جرح كانت بتتجرحه ما كانتش بتداويه او حتي بتطهره...كانت بتكتفي انها تكتم ألمها وتكمل ...لحد ما الجرح اتسمم والسم ده اذاها هي اول واحدة...مش انت بس اللي محتاج علاج ...هي كمان محتاجة تتعالج .
ظل صامتاً للحظات وهو يقلب حديثها في رأسه شاعراً ببعض الارتياح...
حديثها يبدو مختلفاً ...
ربما لأنها لم تتحامل عليه كثيراً ...
هو الذي يجلد نفسه في اليوم ألف مرة على ذنوبه !
_مش عايزاك تخرج من دوامة تقع في التانية...مش عايزاك تحمل نفسك حمول مش بتاعتك...انت مش ملاك ومش شيطان...فيه صورة لنفسنا بنسميها "الصورة الحقيقية" وصورة تانية بنسميها"الصورة المأمولة"...كل ما قل الفرق بين الصورتين...كل ماقدرت تميز كويس ميزاتك وعيوبك...كل ماهتقدر توصل بمعطيات شخصيتك للي انت عايزه.
_أهه ده بقا "هرْي" التنمية البشرية اللي مابحبوش!
هتف بها فجأة وهو يمط شفتيه باستياء بينما يفتح عينيه لتنفلت منها ضحكة أتلفت حماستها العملية الجدية التي كانت تتحدث بها منذ لحظات ...لتجاريه في مزاحه بقولها :
_أقولهالك بالأسلوب الشعبي السلِس ...أبوك هيسيب البيت ياسلطان !
ضحك هو الآخر دون تحفظ لتردف بينما تهز رأسها بأسف:
_وأنا اللي قلت دكتور وهاكلمك بمصطلحاتي عادي !
_لا في الحاجات دي اعتبريني حلاق صحة ...بس بلاش الكلام الكبير ده بيقفلني!
عادت تضحك وهي تضم حقيبتها نحو صدرها لتلتفت نحو النافذة تراقب الطريق للحظات ...
قبل أن تتذكر ما جعلها تسأله بجدية هذه المرة :
_دكتور يامن سؤال أخير وأتمنى تجاوبني بصراحة ...إيه اللي خلاك تغير رأيك وتوافق تكمل علاج معايا ؟!
تنهد بحرارة ليعود بجذعه للأمام مشبكاً أنامله ببعضها بينما رأسه المطرق يفضح صراعه :
_عشان أعاكس يامن القديم اللي جوايا... لازم أتمرد على كل اللي كنت بفكر فيه زمان...يامن القديم اللي عمره ما كان هيوافق يتعالج عن واحدة ست ويآمن يدي لها أسراره...
ثم رفع إليها عينيه بابتسامة شاحبة مردفاً:
_يعني أحارب نفسي بنفسي زي ما قلتيلي.
فتوهجت عيناها بابتسامة راضية وهي تهز رأسها لتقول باعتدادها المعهود:
_ده يخلليني متفائلة أكتر لنتيجة العلاج .
_مناديل يا بيه ؟!
هتاف البائعة صغيرة السن التي كانت تتجول في القطار أمامه يقاطعهما فيلتفت نحوها ليتناول منها علبتين ناول ياقوت إحداهما لكنها أصرت أن تدفع ثمنها أولاًرغم اعتراضه الصارم...
عيناه تعلقتا للحظة بحافظة نقودها ليدرك أنها "ممتلئة"!!
قبل أن يعود ليتفحص ثيابها التي لم تتغير عن يوم رآها في المركز ...
نفس التنورة القديمة ...الحذاء المرقع والوشاح "البشع"!!
هو بخل إذن وليس ضيق حال!
_بحترم قوي اللي بيشتغلوا في السن ده !
قالتها ياقوت غافلة عن أفكاره ليلتفت نحوها بينما تردف هي ببساطة :
_مش هتصدق أنا اشتغلت كام شغلانة في حياتي ...أي حاجة وكل حاجة المهم حلال ...مرة وقفت في بقالة... مرة بياعة في محل هدوم حريمي ...ومرة عند كوافير...
ثم ابتسمت لتحمر وجنتاها باستطرادها:
_أفتكر بعت مناديل برضه بس ما طولتش .
ارتفع حاجباه بدهشة من قولها ليربطه بما عرفه عن ماضيها ...
لماذا كانت تضطر لفعل هذا مادام والدها كان يرسل لهم المال كما يعلم أهل القرية ؟!!
بينما تنهدت هي أخيراً لتقول باعتداد لم ينل منه ما سبق ذكره:
_"اللي يعرف أبويا يروح يقولله"...المبدأ ده ياما ضيع ناس في الغربة...لكن معايا أنا كان بيديني حرية أتصرف زي ماانا عايزة مادام مابعملش حاجة غلط ...
ثم اكتست ابتسامتها بالمرارة لتردف:
_وأكيد مااقصدش حرفية المثل...لأن محدش يعرف أبويا ولا هيروح يقولله ...وحتى لو قالله مش هيهتم .
أطرق برأسه في إشفاق كره أن يؤذي به كبريائها عندما سمع أخيراً صافرة القطار تعلن وصوله لتقف هي مكانها قائلة باعتدادها الذي اكتسب نوعاً من الألفة:
_هاعتبر جلستنا الأولى نجحت وهانتظرك في العيادة عشان الجلسة التانية ...و...الأتعاب !
قالتها وهي تحك إبهامها بسبابتها ووسطاها في إشارة شهيرة للنقود فابتسم ببعض الحرج وهو لايدري هل قالتها هزلاً أم جداً مع طبيعتها المادية هذه !!!
_ممكن أسألك كنتِ بتعيطي عند الساقية ليه ؟!
عيناها الذكيتان توهجتا قليلاً ببريق ألم بعد سؤاله قبل أن ترتجف شفتاها بابتسامة ناسبت قولها القوي:
_أنا اللي بعالجك يا دكتور ...حدودي الخاصة مش مسموح تعديها .
بهت لقولها وكأنه لم يتوقع أن توجد امرأة أكثر منه هو فظاظة ...
قبل أن تتحرك هي لتغادره وتشق طريقها وحدها وسط الزحام ...
ألوان وشاحها المبهرجة تضيع وسط الوجوه لكنها تترك أثراً مميزاً في روحه...
ياقوت سليمان !
امرأة مختلفة يحتاجها حقاً الآن لعله يجتاز هذا الاختبار!
========
_مشغول عننا بإيه يا سيدنا؟!
قالها إسلام بمرح بينما يفتح له سيف باب شقته ليجيبه الأخير برزانته المعهودة :
_انت اللي غطسان بقالك فترة ...قلت أسيبك تيجي لوحدك .
ضحك إسلام وهو يدخل ليغلق الباب خلفه قبل أن يعانقه بقوة ليخبطه بقبضته على ظهره هاتفاً ليغيظه بمهنته كما اعتاد:
_وحشتني يا "بتاع الحمير".
لكن سيف لم يستسلم لاستفزازه بل ابتسم بهدوء ليبتعد نحو الثلاجة التي فتحها ليستخرج منها علبة مشروب غازي وضعها أمامه مع قوله :
_وانت أكتر يا "بتاع البرقوق".
ضحك إسلام من جديد وهو يفتح العلبة المعدنية ليقلد صوت فتحها بفمه تزامناً مع حركة رأسه البهلوانية قبل أن يتجرع منها رشفة كبيرة كبيرة ليقول بعدها بتلذذ :
_تسلم إيدك يا سيفو...نَفَسك في البيبس يجنن ...طبيخك اتقدم !
فابتسم سيف برصانة وهو يجلس جواره على المائدة ليبادره إسلام بقوله :
_عمك علاء بيسلم عليك هو و"أنّا".
_شفتهم امتى؟!
_بزورهم كل يوم دلوقت .
قالها إسلام بنبرة عابثة تعجب لها سيف الذي قال بأسى:
_عايزة أزورهم والله بس قلبي بيوجعني كل ماافتكر إني هاروح هناك مش هلاقي هاني.
لكن إسلام غمزه بخبث ليقول بنبرة ذات مغزى:
_وهيوجعك أكتر دلوقت لما تروح .
_ليه ؟!
سأله بدهشة ليلكزه إسلام في كتفه بحركة متعارفة بينهما جعلت سيف يقول بهمهمة إدراك :
_ممممم...برقوقة جديدة ؟!
_برتقالة بلدي المرة دي!
_ممممم...مصرية؟! ماقلتلك ياابني بلاش مصريين ...هم هيبقوا ورانا ورانا ؟!
_المرة دي بجد ...شكلي اتدبست يا صاحبي!
قالها إسلام ببعض الخجل الغريب على طباعه المبهرجة ليبتسم سيف قائلاً باستهانة :
_عارفها أنا الجملة دي ...بالله عليك لما تيجي لقطة "هاعرّفها ع الحاجّة في مصر" ابقى صحيني عشان بحبها قوي !
لكن إسلام ابتسم ليقول بجدية تامة :
_المرة دي مش زي اللي قبلها....ملاك يا سيف ...ملاااااك .
عاد سيف يبتسم باستهانة وهو يعود بجذعه للأمام مشبكاً كفيه بينما يردف إسلام باستفاضة :
_كل حاجة فيها حلوة...شكلها ...أخلاقها ...كلامها ...واللا ضحكتها ...أوف!!
قالها وهو يحرك كفه حول وجهه كأنما يستجلب المزيد من الهواء ليزفر سيف بنفاد صبر هاتفاً :
_انجز يا عم ...حكايتها إيه ؟!
_مراة ابن عم هاني الله يرحمه ...قاعدة معاهم في البيت وبتشتغل مع عمي في البازار .
قالها إسلام بسرعة لينعقد حاجبا سيف مع قوله :
_لا معلش...كده مافيهاش هزار ...لو مش ناوي على جد يا إسلام ماينفعش ترويش الناحية دي .
لكن إسلام هتف بحماسة :
_جد الجد يا ابني ...امال أنا جاي لك النهارده ليه ...عايزك تيجي معايا البازار نشوفها وتقوللي رأيك .
_رأيي في إيه ؟! هو أنا اللي هاتجوزها واللا انت ؟!
قالها سيف باعتراض وهو يقوم واقفاً ليقف إسلام بدوره ممسكاً كتفي صاحبه مع هتافه الراجي:
_أصلها بتصدني في الكلام ...مش قادر أعرف عشان رافضة الفكرة نفسها واللا العيب مني أنا ...انت ليك نظرتك برضه ...شوفها وقوللي انطباعك قبل مااكلم عمي علاء .
تأفف سيف بضجر متخوفاً من هوائية طباع صديقه الذي عاد يهتف برجاء ملحّ:
_يرضيك أخوك حبيبك يبقى مدهول كده وما تساعدوش ...الحب قندلة يا صاحبي!
ابتسم سيف وهو يهتف بعدم رضا :
_البُقّين الحمضانين دول سمعتهم كتير ...وبعد كام يوم ...أوبس! النمرة غلط !
_لا لا لا ...تبنا وأنبنا ...صدقني المرة دي غير .
هتف بها إسلام بحماسة حقيقية جعلت سيف يتفرس ملامحه باهتمام ...
وكأنه يختبر مدى جديته ...
ليقول بعد صمت قصير :
_وإيه يجبرك تتجوز واحدة أرملة ؟! ما الدنيا مليانة بنات !
لكن إسلام هتف بانبهار :
_فيها حاجة شداني ...مش عارف إيه هي ...قلبي طبّ أول ما شفتها .
قالها وهو يقبض كفه أمام صدره بحركة تمثيلية جعلت سيف يهز رأسه بعدم ارتياح ...
إسلام شديد التقلب في مشاعره نحو النساء بالذات ...
عيبٌ يمكنه تقبله لو اقتصر الأمر على بعض العبث ...
لكن أن تكون المرأة قريبة العم علاء فهذا هو الخطر بعينه...
لن يسمح لإسلام أو لسواه أن يؤذي أحداً من هذه العائلة التي يعتبرها عائلته .
لهذا تردد قليلاً قبل أن يقول لصاحبه بفتور:
_خلاص موافق...تعال نروح البازار ...
_هو ده الكلام !
هتف بها إسلام مصفقاً بكفيه ليهتف سيف محذراً:
_شاور عقلك يا إسلام ...الموضوع ده مش مريحني .
_تعال بس شوفها وانت تعذرني .
قالها إسلام وهو يجذبه من ذراعه نحو باب الشقة ليهتف به سيف باستنكار:
_بطل صربعة هاجيب المفتاح !
قالها وهو يسحب المفتاح من على الحائط بسرعة ليخرج من الشقة يجذبه صاحبه بحركاته المجنونة !
وما كادا يصلان للحي المطلوب حتى هتف به سيف محذراً:
_بقوللك إيه يا عم الشبح...تهدا كده وتقول هديت ...عمك علاء مش سهل ولو حس إنك كده واللا كده ممكن يقفش قبل ما يفهم .
لكن إسلام غمزه قائلاً بنبرته العبثية :
_امال أنا جايبك ليه ؟! ماهو عشان تفرملني لو عكيت .
هز سيف رأسه بنفاد صبر وهو يجتاز معه الجموع التي التفت حول كل بازار حتى وصلا لبغيتهما ...
_أهي واقفة هناك...امال عمك علاء فين ؟!
لكن سيف لم يسمعه وهو يركز في ملامح هذه المرأة أمامه...
هو يعرفها !
لكن أين رآها من قبل؟!!
وفي مكانها كانت غادة منشغلة بترتيب بعض القطع عندما شعرت باقترابهما لترفع عينيها اللتين زاد ارتباكهما مع رؤية إسلام...
هذا الذي لا يميز إعجابه بها إلا أعمى!
حتى أن إيناس لمحت لها برغبتها الخفية في أن تكون من نصيبه ...
"بتاع البرقوق"!!
ألا يجتذب حظها العاثر سوى الفاسدين ؟!!
لهذا ظهر الضيق على ملامحها وهي تراه يتقدم نحوها قائلاً بود:
_إزيك يا غادة ؟! امال عمي فين ؟!
_راح يشوف...
انقطعت عبارتها عندما وقعت عيناها على سيف لتتجمد ملامحها فجأة...
رباه!
لقد ظنت أنها رمت الماضي كله خلفها في مصر...
هل تعاندها الظروف إلى هذا الحد ؟!!
التعبير الذي رسمه وجهها كان واضحاً حتى أن إسلام نقل بصره بينهما بدهشة ...
خاصة عندما خاطبها سيف بعينين متفحصتين :
_أنا شفتك قبل كده ...صح؟!
فازداد شحوب ملامحها وهي تتراجع خطوة للوراء تزامنت مع كلمته الأخيرة :
_افتكرت.
==========
انتهى الفصل الثالث
سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سينابون
القطعة الثانية
=======
_إزيك يا عمي...كنت معدي بالصدفة قلت آجي أسلم على حضرتك.
التفتت غادة نحو المتحدث "بالعربية" بفضول ازداد مع رد فعل السيد علاء الذي انقلبت ملامحه بمجرد رؤية الرجل...
ضحكته المرحة انقلبت لدمعة كبيرة تجمعت في طرف عينه وكادت تسقط لولا تحكمه...
التحكم الذي عجزت عنه إيناس تماماً وهي تهتف بصوت تهدج انفعالاً:
_أهلاً يا إسلام ...كده برضه ما تسألش علينا كل ده ؟! واللا اللي بيننا خلاص ...راح؟!
سالت دموعها في عبارتها الأخيرة ليبدو التأثر على وجه إسلام الذي تقدم منها هاتفاً بارتباك:
_أبداً والله يا "أنّا"...أنا انشغلت بس اليومين اللي فاتوا؟!
_أنّا؟!
تمتمت بها إيناس بابتسامة مرتجفة تتذكر لقب تدليلها المميز الذي كان يميزها به ابنها الراحل ونقله لأصدقائه ...
بينما تمالك علاء انفعاله ليقول بترحاب بينما يشد على كف إسلام:
_أهلاً أهلاً يا باشمهندس ...البيت والمزرعة نوروا .
ابتسم إسلام بمودة وهو يرمق غادة بنظرة متسائلة جعلت علاء يشير نحوها قائلاً باعتزاز:
_غادة قريبتنا من مصر...لسه واصلة اسطنبول .
ارتجفت ابتسامة غادة وهي تشعر ببعض الحرج من تفحص إسلام لها ...
بينما لم يستطع هو منع ابتسامة إعجابه مع قوله:
_لما سمعت ضحكتها قلت أكيد مصرية...الدم بيحن.
احمرت وجنتا غادة بالمزيد من الحرج خاصة عندما هتف علاء بمشاكسته المعهودة :
_اتلم يا ولد...هتعاكسها قدامي؟!
_لا والله يا عمو ...مش قصدي .
_عليّ أنا يا بتاع "البرقوق"؟!!
هتف بها علاء بينما يلكزه في كتفه ليقهقه إسلام ضاحكاً بينما تبتسم إيناس ابتسامة لم تخلُ من شجن ...
قبل أن تسحب غادة من كفها لتلصقها بها في احتواء شعرت أنها تحتاجه الآن ثم خاطبت إسلام بصوتها الحميمي:
_حظك حلو ...عاملة النهاردة ملوخية بالأرانب ...وحمام محشي.
حاول إسلام التملص حرجاً لكنها أصرت لتردف بحنان لم يستطع مقاومته:
_ماوحشتكش لمة زمان؟!! ما وحشكش أكل "أنّا"؟!
فابتسم مستسلماً وهو يهتف بمرح أضفى عليه المزيد من الجاذبية:
_محدش يقول لأكلك لأ...بس سيف هيعلقني لو عرف إني جيت لوحدي وأكلت كمان .
_تستاهل...عشان بعد كده ماتجيش من غيره.
قالها علاء وهو يضع ذراعه على كتفه بحنان أبوي ليتقدم معه نحو البيت بينما قال إسلام مدافعاً:
_هو اللي على طول مشغول وبصراحة ماقدرتش أطول عن زيارتكم أكتر من كده .
كانت غادة تتابع الحديث بفضول ممتزج بالحرج وهي تشعر بالغربة وسط هؤلاء الذين بدوا على علاقة وثيقة منذ زمن بعيد ...
لكن إيناس شعرت بهذا فجذبتها من كفها لتهرول بها نحو الداخل هاتفة بصوت عالٍ:
_خد عمك يا إسلام واغلبه دورين طاولة على ما أحضر لكم الأكل ...كل دور تكسبه بجوز حمام زيادة....وريني شطارتك.
_اللهم صلّ ع النبي ...ده اللعب هايحلو !
هتف بها إسلام وهو يفرك كفيه ليهتف علاء خلفها باستنكار:
_وأنا الدور اللي أكسبه هاخد بيه إيه ؟!
_هاعفيك من غسيل الأطباق!
قالتها إيناس بنفس المزاج المشاكس لتختفي مع غادة بداخل المطبخ ...
وما كادت تفعل حتى عادت عيناها تمتلئان بالدموع مع تمتمتها الخافتة :
_الله يرحمه...كان زمانه معانا دلوقت ...بياكل من إيدي!
قالتها وهي تحيط وجهها بكفيها لتنخرط بعدها في البكاء بينما تقدمت منها غادة تحتضنها بقوة وقد استنتجت الصلة بينهما ...
حتى قبل أن ترفع إليها إيناس عينيها بقولها ...
_هاني وسيف وإسلام كانوا أعز أصحاب...كانت لمتهم كلهم هنا كل أسبوع...ولاد أصول ما سابوناش بعد اللي حصل .
التمعت عينا غادة بإشفاق وهي تقبل رأس المرأة بعاطفة حقيقية لا تدعيها ...
المرأة التي مسحت دموعها بعدها بسرعة لتتمالك نفسها وهي تتحرك نحو الموقد متابعة قولها:
_البكّاش أبو لسان طويل ده إسلام ...مهندس كمبيوتر ...عايشها طول وعرض زي ما بيقولوا وضاربها جزمة قديمة ...عنده الستات كلهم "برقوق" وهو شغلته يدوق !
ضحكت غادة من قولها وهي تتقدم نحوها لتساعدها في غرف الأطباق بينما استرسلت إيناس بمرح مصطنع حاولت به التغلب على حزنها:
_سيف بقا الوش التاني...دكتور بيطري....عمك علاء ساعات كتير بيحتاجه للمزرعة هنا.....مالوش في اللّوع ...خط مستقيم كده ما بينحنيش...تقوليلي إزاي أصحاب أقوللك سبحان الله له في خلقه شئون!
ابتسمت غادة وهي تضع الطبق الذي بيدها جانباً لتعد غيره بينما تنهي إيناس حديثها بقولها الشارد:
_هاني بقا الله يرحمه اللي كان وسط بين الاتنين...عشان كده كان حبيب الكل .
_الله يرحمه .
تمتمت بها غادة بأسى وهي تتذكر هي الأخرى راحلها العزيز لتردف بنبرة مختنقة:
_عارفة يا طنط اللي ممكن يصبرنا على فراقهم إنهم دايماً عايشين معانا...هم ما سابوناش...هم في مكان أحسن مستنيننا نروح لهم .
ربتت إيناس على كتفها لتقول بمواساة:
_ربنا يديكي طولة العمر حبيبتي ويعوضك...العمر بحاله لسه قدامك.
ابتسمت غادة ابتسامة شاحبة ثم اندفعت تعانق المرأة بحنان وهي تجرب معها إحساس الأمومة الذي افتقدته ...
كريمة هي أقدارنا عندما تمنحنا ما خسرناه في أشد لحظاتنا يأساً...
فتنقلب دمعة القهر لابتسامة الرضا!
_الله الله...انتو قاعدين هنا تحضنوا في بعض وسايبين بتاع البرقوق يحفل عليا بره ؟!
هتف بها علاء مشاكسا عند باب المطبخ لتلتفت له إيناس بقولها :
_أعمل حسابه في كام جوز حمام زيادة ؟!
فتنحنح علاء ليقول ملوحاً بإصبعيه في إشارة لرقم اثنين بينما غطي وجهه بكفه الآخر هاتفاً بخزي مصطنع:
_لحقت نفسي وقمت قبل الجوز الثالث!
مصمصت إيناس شفتيها بتشف مرح وهي تبعد غادة هاتفة:
_حبيب قلب "أنّا" يا إسلام ...يا واخد لي تاري م اللي في بالي!
بينما ضحكت غادة وهي تتابع قول الرجل الذي هتف بغيظ:
_ماهو أنا أكيد مش هلاقي دماغي وأنا راجع شقيان آخر اليوم .
_حجة البليد !
_أنا بليد يا وش ...
_يا وش إيه؟!
تهتف بها إيناس ملوحة بمغرفة الطعام ليجيبها بغمزة ماكرة:
_يا وش القشطة!!
العبارة التي جعلت وجه إيناس يتورد بخجل لذيذ حتى في هذا العمر!!!
فانطلقت ضحكات غادة الصادقة وهي تتأملهما بحنان ...
لو طال عمر أحمد لكان لها مثل عمه هذا...
ابتسامة وسند!
هنا غامت عيناها بنظرة شجن طالت كثيراً حتى عندما انضمت إليهما يتناولون الطعام مع ذاك الشخص الذي حمل لهما ذكرى الغالي الراحل...
"بتاع البرقوق"!
هذا الذي تجنبت النظر نحوه بخجل ملاحظة تعلق بصره بها رغم مزاحه المشاكس الذي شاركه فيه الزوجان طوال العشاء ...
_الآنسة غادة بتشتغل معاك يا عمو؟!
سؤاله الممتزج بنظرته المخترقة وجّه ضربة نحو حصونها لكنها ردتها بإجابتها المقتضبة:
_مدام.
عقد إسلام حاجبيه بحذر وقد انتبه لتوه لدبلتها في إصبعها ليجيبه علاء بسرعة:
_غادة كانت متجوزة أحمد ابن أخويا الله يرحمه .
ارتفع حاجبا إسلام بإدراك وهو يلاحظ الضيق الذي ظهر على ملامحها فجأة والذي جعلها تقوم لتغادرهم سريعاً بعذر واه ...
تبادل علاء وإيناس نظرات ذات مغزى بينما تنحنح إسلام ليقول بحرج لم يغادره مرحه:
_هو أنا عكيت؟! مكانش قصدي أضايقها .
لكن علاء ابتسم بشرود وكأنما طفت فكرة ما لذهنه بعد ما لاحظ إعجابه بها ليقول مشاكساً:
_وانت عايز كمان تضايق البنت اللي حيلتي؟! فاكرها برقوقة من بتوعك ؟!
فابتسمت إيناس وقد بدت وكأن نفس الخاطر راودها لتربت على كف إسلام قائلة:
_مالكش دعوة بيه انت هنا في حمايا أنا...بس برضه تخللي بالك من كلامك مع غادة...هي لسة متأثرة بوفاة أحمد الله يرحمه.
أومأ إسلام برأسه ليقول بمرحه الحنون:
_طلبات "أنّا" أوامر ...خصوصاً بعد الأكل المجرم ده !
_ألف هنا يا حبيبي!
قالتها إيناس بحنان ليهتف علاء بنفس المزاح المشاكس:
_لا ده انت زودتها قوي...شوية تناكف غادة وشوية تعاكس مراتي....قدامي ع الطاولة نخلص اللي بيننا ...هي الحرب إذن!
قالها وهو يقف ليسحب كرسيه بينما يخبط بقبضته على صدره بحركة درامية ... فقام إسلام بدوره هاتفاً بنفس الطريقة :
_ما بلااااش يا عمو !
_اخرس يا ولد...هو عشان فوّتلك مرتين بمزاجي هتاخد عليّ؟! ده أنا هاربيك...
_اتفضل يا عمو ...ربيني!
قالها اسلام باستسلام وهو يشير نحوه بكفه ليتقدمه قبل أن يغمز إيناس بمكر لتبتسم ابتسامة شاردة لم تفارقها حتى انتهى هذا اللقاء بعد ساعة بفوز "علاء"!!
_المرة الجاية تجيب سيف معاك.
قالها علاء موصياً ليهز إسلام رأسه موافقاً قبل أن يختلس نظرة للطابق العلوي الذي اختفت فيه غادة تماماً ...
ثم ودع الزوجين وداعاً مشاكساً كعهده قبل أن يغادرهما ...
وما كاد يفعل حتى التفت علاء نحو زوجته ليغمزها بقوله:
_خدتِ بالك م اللي خدت بالي منه؟!
فابتسمت وهي ترفع وجهها نحو الطابق العلوي لتغمغم بشرود:
_ياريت يا علاء...ربنا عالم حبيتها زي بنتي...ياااه لو اللي في بالي يتحقق!
==========
_قلت لك احرقيه ...مالكيش دعوة بيا...انتِ هتشاركيني؟!
صرخت بها ياسمين بغضبها الهستيري الذي صار مميزاً لها في الآونة الأخيرة للخادمة التي أمسكت ثوبها بلون "المسطردة" تشعر بالحيرة من طلبها الغريب ...
ليست هي فقط بل زوجة أبيها التي دخلت غرفتها على صوت الجلبة لتهتف باستنكار:
_تحرق إيه يا ياسمين؟!
_الفستان ده ...مش عايزة أشوفه تاني .
هتفت بها ياسمين بنفس الانفعال لتربت المرأة على كتفها قائلة:
_خسارة يا حبيبتي...لو مش عايزاه ممكن ...
_يتحرق...قلت يتحرق ...وقدامي!!!
صرخت بها ياسمين بانفعال قبل أن تخفي وجهها بين كفيها لتنهار جالسة على فراشها ...
_خلاص ...اعملي لها اللي هي عايزاه .
قالتها زوجة أبيها باستسلام ضائق قبل أن تغادر الغرفة مع الخادمة لتتركاها وحدها ...
سيظنونها مجنونة لكن... لا بأس!
إن لم يكن ما تحياه الآن جنوناً فماذا عساه يكون؟!!
هي تشعر وكأنما تسير على رأسها لا قدميها!!!
أجل...كل حياتها صارت "بالمقلوب"...
لا تكاد تعرف لها هوية !!!
هي الآن امرأة غريبة ...ليس فقط عن وطنها ...بل عن ماضيها...حاضرها ...
ولا تجرؤ حتى على التفكير في غدها ...
امرأة صحت فجأة من نومها لتجد عمرها كله مجرد فقاعة زائفة انفجرت بوخزة خطأ!!
كيف تصف شعورها عندما عادت بعد لقائها الأخير بزين؟!
ارتياحها ...ونفورها؟!
أملها...ويأسها؟!!
انتصارها...وهزيمتها؟!!
بعضها يقاتل بعضها فكيف لمثل هذه نجاة؟!
_ياسمين؟!
نداؤه الخافت باسمها جوارها يجعلها ترفع وجهها نحوه ...
كالعادة كل ملامحها تبكي ...إلا عينيها!!!
صارتا جافتين كورقتي شجر سقطا عن فرع الحياة بلا أمل!!
ربما لو بكت لمنحتها الدموع بعض الراحة...
لكن يبقى البكاء عزيز المنال هاهنا!!!
عناقه الدافئ لها يمنحها بعض السكينة لكن تبقى روحها المشوهة تتلظى بجحيم لا آخر له ...
_انتِ عايزة تحرقي الفستان ليه ؟! مقابلتك مع زين ضايقتك قوي كده ؟!
_لأ!
هتفت بها بمكابرة وهي ترفع رأسها نحوه لتردف :
_بالعكس...زين أثبت لي إنه راجل يعتمد عليه ...بيحبني بجد وعايز يسعدني .
عقد وجدي حاجبيه بشك وهو يرى كلامها مناقضاً تماماً لحالتها ...
خاصة عندما تملصت من ذراعيه لتقف مكانها مغتصبة ضحكة عصبية ناسبت قولها:
_أنا جربت أمشي ورا عقلي خسرت...جربت أمشي ورا قلبي خسرت أكتر ...المرة دي هاخد وبس ...من غير ماافكر ولا أحس .
_مفيش بني آدم يابنتي بيعيش كده...مش هتقدري!
قالها بمزيج من إشفاق وحزم لتهتف بنفس المكابرة بينما تلوح بذراعيها :
_لا هاقدر ...أقوللك أنا شايفة بكرة إزاي؟! شايفة نفسي هارجع أقف على رجلي...ابني في حضني...هارجع بلدي وشغلي...ومعايا راجل الدنيا كلها بتحسدني عليه...ساعتها كل لسان جاب سيرتي هيتخرس ...ياسمين ذو الفقار مش هتتكسر .
كاد يعارضها من جديد لكنه كان يوقن من عقم المحاولة ...
لهذا غير الموضوع بقوله :
_ماتنسيش معادنا النهارده مع الدكتور .
هنا ارتسمت على شفتيها ابتسامة شاحبة وهي تمسد بطنها بأناملها هامسة:
_ودي حاجة تتنسي؟! ده أنا بستنى المعاد ده بفارغ الصبر .
توهجت عيناه بإشفاق وهو يرى سعادتها "المنقوصة" تعدو "عرجاء" بعينيها ...
الطبيب أخبرها في زيارتها السابقة أنه قد يتمكن من تحديد نوع الجنين هذه المرة ...
ربما هذا هو سر لهفتها وعصبيتها هذا الصباح...
هو يفهم هذا الصراع الذي تعيشه...
ورغم اعتراضه على أفعالها لكنه يتفهمها ...
يتفهم طول تظاهرها بالصمود حتى هوت بلا حراك هذه المرة...
تنتفض كطير ذبيح يرقص رقصته الأخيرة...
وللأسف ترفض سماع إلا صوت كبريائها فحسب!
انقطعت أفكاره عندما سمع تلك الجلبة بالخارج لينهض من مكانه عندما سمع الخبر ...
_عابد وصل!
========
وقف عابد يتلقى استقبالاً دافئاً من والديه قبل أن يلتفت نحوها لتلتمع عيناه بود ...
علاقتهما لم تكن يوماً جيدة...لكنها لم تكن سيئة...
مجرد خطّين تقاطعا في نقطة ليواصل كل منهما طريقه ...
ربما لهذا شعرت بالكثير من التحفز وهي تراه هذه المرة بعد "كسرتها الأخيرة"...
التحفز الذي جعل استقبالها بارداً بمجرد مصافحة ...
على عكس استقباله هو الحار بعناقه لها مع هتافه بالعربية الفصحى:
_ياسمين الجميلة عادت إلينا .
ارتجفت شفتاها بابتسامة مترددة وهي تخشى تصديق هذا الحنان الذي فاضت به حروفه لتغمغم بارتباك:
_إزيك يا عابد...شكلك اتغير عن آخر مرة شفتك فيها .
قالتها مشيرة للحيته التي طالت وجلبابه الأبيض الذي ارتفع قليلاً عن كعبيه قبل أن تلاحظ طريقة حديثه هذه بالفصحى:
_"وتلك الأيام نداولها بين الناس"...سنة الله في كونه هي التغيير .
انعقد حاجباها بدهشة قبل أن تلتفت لأبيها بنظرة متسائلة لكن الأخير تجاهل هذا ليخاطب ابنه بقوله :
_وحشتنا قوي ...ياريت تكون اتوفقت في شغلك.
_تركته!
قالها عابد بحزم لتشهق والدته باستنكار هاتفة:
_معقول؟! ده باباك تعب جداً على ما قدر يلاقي لك الوظيفة دي!
_لا بأس...من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه !
قالها عابد بنفس النبرة الحازمة لتسأله ياسمين بتردد:
_هو انت ليه بتتكلم كده ؟!
_تقصدين بالفصحى؟! إنها لغة شرفها الله واختارها لكتابه ولنبيه ...فلماذا لا نتمسك بها؟!
ازداد انعقاد حاجبيها وهي تشعر بالغرابة ...
عابد تغير كثيراً عن آخر مرة رأته فيها ...
صحيحٌ أنه يبدو أكثر سكينة وحناناً نحوها لكن ...
هذه "الهالة" التي تحوطه لا تروقها !!
هذا الذي تأكدت منه بعد قليل عندما تركتهم لترتدي ملابسها استعداداً للذهاب إلى الطبيب ...
قبل أن تعود إليهم لتهتف مخاطبة أباها:
_ياللا يا بابا عشان نلحق معادنا ...وكمان عايزة أشتري شوية حاجات .
وقف وجدي مكانه متوقعاً الهجوم التالي الذي جاء عاصفاً من عابد :
_هل خلعتِ حجابك ؟! وتخرجين في عدتك هكذا؟!!!
تحفزت ملامح ياسمين للرد لكن وجدي هو الذي التفت نحو ابنه ليقول بحزم:
_هنتكلم براحتنا لما نرجع ...اسكت دلوقت يا عابد .
_لا أصدق أنك تتركها تخرج هكذا !
هتف بها عابد بذهول ليعاود التفاته نحو ياسمين التي هتفت به بحدة:
_انت مالكش تتدخل في شكلي ولا تصرفاتي ...أنا ماحاسبتكش لما ربيت دقنك...مااتكلمتش على طريقة لبسك الغريبة ولا طريقة كلامك دي ...من فضلك احترم الحدود اللي بيننا .
_حدود ؟!!
هتف بها مستنكراً وهو يهم باستكمال المناقشة التي كانت ستنقلب لشجار لولا تدخل وجدي الحاسم :
_خلاص يا عابد...قلت خلاص!
نقل عابد بصره بينهما بعدم رضا قبل أن يغادرهما بخطوات مندفعة نحو غرفته تلاحقه نظرات ياسمين الحادة ...
والتي لانت نوعاً مع تربيت والدها على كتفها بقوله:
_ياللا بينا احنا .
ولم تكد تستقل السيارة جواره لينطلق بها حتى هتفت به بتساؤل :
_ماله عابد؟! إيه اللي قلب حاله كده ؟!
تنهد والدها بحرارة يجيبها:
_كان خاطب واحدة زميلته بعد حب سنين وكانوا خلاص هيتجوزوا...ماتت فجأة ...طبعاً زعل عليها ودخل في حالة اكتئاب...بدأ يقرب من ربنا أكتر ويهتم بعباداته...صلاته كلها بقت في المسجد...صيام اتنين وخميس...حفظ قرآن...صدقات ومشاريع خيرية...كل ده حسيته كويس جداً وفعلاً خرجه من أزمته بسرعة ...
_وبعدين؟!
سألته ياسمين بحذر مشفق مما سيؤول إليه الحوار ...
ليجيبها بقلق:
_مش عارف...الموضوع بدأ يدخل في حالة تطرف ...شكله...تفكيره...وآخر حاجة شغله أهه سابه ومش قادر أقنعه بالعكس .
_معقول يكون اتورط مع جماعة من إياهم؟!
غمغمت بها بقلق ليزفر هو قائلاً:
_الوضع هنا مستقر شوية في الناحية دي عن مصر ...صعب تلاقي اللي بالك فيه...صعب بس مش مستحيل .
_طب وبعدين؟!
_مش عارف...أنا بحاول أقرب منه على أد ما أقدر من غير تصادم عشان ما يبعدنيش عنه أكتر ...
قالها وجدي ليلتفت نحوها مردفاً:
_زي ما بعمل معاكِ بالضبط.
زاغت نظراتها وهي تشعر ببعض الخزي ...
إنها لم تكن يوماً أقرب لوالدها من هذه الفترة ...
تعترف أنه يبذل الكثير ليخرجها من دوامة ضياعها التي تبتلعها بلا رحمة ...
لكنها مع هذا عاجزة عن الاندماج معه أكثر...
لايزال حاجز خفي يرتفع بينهما ...حاجز يمنعها مسامحته مهما تظاهرت باللامبالاة ...
وازداد ارتفاعه للأسف بعد "كسرتها" الأخيرة ...
كبرياؤها الذي طالما شمخ بأنفه مختالاً يأبى عليها أن تعترف بحاجة ليد ممتدة...أي يد!!
عابد هذا هو الآخر يؤرقها ...
لو صح تورطه فيما تشك فيه فستكون كارثة !!
صحيحٌ أن علاقتهما ليست متينة بما يكفي لكنه يبقى أخاها على أي حال!
_بس ده مش معناه إن عابد غلط في اللي قالهولك النهارده بخصوص العدة والحجاب .
انتشلها بها وجدي من شرودها لينعقد حاجباها بتحدّ مع قولها:
_أنا مش قاصر ...ربنا هيحاسبني لوحدي ع اللي بعمله .
هز رأسه بأسف كارهاً عنادها هذا وهو يعود ببصره للطريق ليسودهما الصمت المشحون بالانفعالات حتى وصلا إلى عيادة الطبيب ...
وكأنما تبدلت مشاعرها كلها في لحظات !!!
العالم كله اختزل في هذه الغرفة!
أناملها تمتد بسرعة لتفتح أزرار قميصها خلف الستار قبل أن تتمدد بلهفة على الفراش ...
تغمض عينيها بقوة لتشعر ب"الجيلّ اللزج"على بطنها مع حركة الجهاز الضاغطة ...
قبل أن تفتحهما ببطء تستعد لرؤية صغيرها هناك على الشاشة ...
هاهو ذا!
رأسه...ذراعيه ...قدميه...
يالله!
كيف ستصبر كل هذا الوقت كي تتلقفه بين ذراعيها تضمه لصدرها تخبره أنها لم تشتهِ يوماً أغلى منه هدية ؟!!
_بنت!
قالها الطبيب بالعربية فانفلتت منها ضحكة متفاجئة عصبية لتهز رأسها مكررة:
_بنت؟!
أومأ الطبيب برأسه مؤكداً لتعاود عيناها التعلق بالشاشة ...
فتاة؟!
ملاكها الصغير سيكون فتاة !!
ترى كيف سيكون شكلها ؟!
بيضاء مثلها أم سمراء مثل...؟؟؟
ذهبية الشعر مثلها أم سوداؤه مثل....؟؟؟
قصيرة مثلها أم طويلة مثل...؟؟؟
لكنها حتماً ستكون عسلية العينين مثلها ومثل...!!!
كانت توقف أفكارها قسراً مع كل خاطر يحمل اسمه ...
لتنبعث من شفتيها أنّة ألم خافتة جعلت طبيبها يلتفت نحوها متسائلاً لتشير برأسها بسرعة ألا شيئ...
حقاً لا شيئ!
كل هذا الزخم من المشاعر التي تنتابها الآن ...لا شيئ!
كل هذه الفرحة...كل هذا الألم...لاشيئ!
الحلم الذي عاشت لأجله حتى إذا تحقق أفاقت منه على صفعة ...لاشيئ!
كل هذا "اللاشيئ" جعل الدموع تتكدس في عينيها دون أن تسقط كعهدها مؤخراً ...
قبل أن تسأل الطبيب بلهفة:
_هي كويسة؟! وزنها كويس؟! نبضها ؟!
طمأنها الطبيب بعبارات مفصلة لترتسم على شفتيها ابتسامة حقيقية صارت"نادرة" وسط كل هذا الزيف الذي صارت تحياه...!!
ابتسامة كانت تتسع رويداً رويداً وهي تراقب الشاشة بعاطفة تزلزل قلبها ...
"يُمنى"!
الاسم الذي اختارته لها ليس منذ أيام...ولا منذ شهور ...
بل منذ سنوات!!!
ربما منذ كانت مجرد فتاة تتخفى بعشقها خلف كتاب على مائدة في النادي!
=========
صباح الخير...أقولها فرُدّيها...كي تشرق الشمس في قلبي...كي يعترف العمر بيوم جديد في تقويم هوانا .
تبتسم داليا وهي تقرأها على حسابها لترسل له رسالة صوتية :
_أخيراً ظهرت ...كنت مختفي فين ؟!!
يتنهد مروان وهو يسمع صوتها العذب يأتيه مشبعاً بلهفة عاطفتها ...
قبل أن ينهض من رقدته ليكتب لها :
_كنت مشغولاً ...تركتِ رسالة تريدين استئذاني في شيئ؟
_هاقوللك بس ماتزعلش...أنا رحت لمروان صاحب يامن البيت...طلبتك آخد رأيك ماردتش ...كان لازم أروح له وأعتذر له عشان هو الوحيد اللي كان ممكن يقف جنب يامن في الظروف دي .
أرسلتها له بصوتها ليزفر هو بقوة ولا يدري بماذا يرد...
هل يستمر في تمثيل دوره فيوبخها لأنها ذهبت إلى "مروان" ويطلب منها ألا تعيدها...
أم يتغاضى عن هذا فتشك هي فيه ؟!!
_منك لله يا شيخة هتجيبيلي انفصام في الشخصية !
هتف بها بغيظ بصوت مسموع قبل أن يأخذ نفساً عميقاً ليخاطب نفسه :
_اهدا يا مروان...انت دلوقت مش مروان...انت دلوقت عاشق مجهول عايز ضرب القباقيب ع اللي بيعملله في نفسه ده والله ...
_بالطبع غضبت...كيف تجرؤين على زيارته في بيته ؟! لكنني ألتمس لك العذر في أنك -في سابقة أعتبرها فريدة من نوعها - قدمتِ مصلحة أحدهم على كبريائك !
قرأت رسالته لتشعر بالغضب يجتاحها من كلماته...
ليس لتلميحه الذي اتهمها بالأنانية...
ولا لأنه يوبخها ...
لكن لأنه لايزال يصر على الحديث معها هكذا كتابة بالفصحى رغم أنها ترسل له رسائل صوتية ...
لهذا اندفعت ترد له بضاعته بعناد:
_شكراً لنصيحتك...لن أكرر فعلها ثانية ...
ثم زفرت بسخط لتكتب :
_المعذرة يا سيّدي.
ضحك ضحكة عالية وهو يشتم رائحة غضبها الطفولي في رسالتها المكتوبة ...
حمقاؤه الصغيرة الشهية لاتزال تثير جنونه بكل ما يتعلق بها ...
لهذا كتب يسترضيها :
_أنا الذي أشكرك على صباحات أبدؤها بسماع صوتك ...أنا أثق بكِ يا ملاكي .
هبطت كلماته كالسيل على نيران غضبها فابتسمت لتعاود الكتابة له :
_هل قرأت رسالتي الأخرى؟!
_أحتاجك الآن أكثر من أي وقت مضى؟!
_نعم!
_لماذا الآن بالذات؟!
_أشعر أن جدران عالمي كلها تتهاوى .
_لعلها تُبنى وأنتِ لا تعلمين!
عبارته البسيطة مست قلبها حتى أنها ظلت تفكر فيها لبضع ثوان...
كيف استنتج هذا؟!
حقاً ...النوائب التي تمر بها العائلة الآن تبدو كارثية لكنها لو أحسنوا التعامل معها فسيعود كل شيئ لمكانه الصحيح ...
لهذا ابتسمت وهي ترسل له رسالة صوتية هذه المرة :
_انت إزاي كده ؟! إزاي بتقدر تفهمني كده ؟! تخلليني أسمع كل اللي محتاجة أسمعه ؟!وأشوف كل اللي محتاجة أشوفه؟!
فابتسم بدوره وهو يراها تعود لرسائلها الصوتية ليكتب لها :
_أنتِ منحتني قلبك كتاباً مفتوحاً...أنا فقط ...أقرأ.
تنهدت بهيام وهي تقرأ رسالته لكنها كالعادة تتهرب من الاعتراف بعاطفتها لتغير الموضوع برسالتها:
_عايزة أكلم مروان تاني أسأله على يامن...مااعرفش عمل معاه إيه ...تسمح لي أكلمه ؟!
_طالما عهدتكِ كياناً متمرداً لا يلتزم بأمر ولا يستمع لنصيحة...فهل أعتبر نفسي استثناء؟!
عقدت حاجبيها بحيرة حقيقية وهي لا تدري من أين يعرف عنها كل هذا ...
لكنها كانت تعلم عن عناده بشأن الإفصاح عن الأمر فتغاضت عن هذا لترسل له :
_انت بالذات هاسمع كلامك.
اتسعت عيناه بصدمة وهو يسمعها بصوتها ليضحك ضحكة عالية مع هتافه لنفسه:
_لا ده أنا هاروض أسود بعد كده...داليا بنفسها بتقوللي كده .
لكنه عاد لشخصيته الافتراضية ليكتب لها :
_افعلي ما ترينه صواباً...أنا أثق بعقلك...سأكلمك غداً في نفس الموعد.
قالها ليغلق المحادثة معها مضطراً بعدما تأخر عن عمله ليتنهد بحيرة وهو لايدري إلى أين يسير به هذا الطريق ...
بينما شعرت هي بالضيق لغيابه أولاً قبل أن تغلق هاتفها باستسلام غير ناسية أن تقبله بعاطفة ككل مرة !!!!
=======
"مركز أجياد للصحة النفسية"...
وقف يامن أمام باب المركز بتردد وهو يشعر بخطورة ما هو مقدم عليه ...
لو علم أحدهم عن خضوعه لعلاج نفسي -وفي مجتمع كهذا يعتبر المرض النفسي مجرد جنون- فربما يفقد عمله أيضاً ...
هل تنقصه الفضائح؟!!
لهذا استدار بظهره عائداً وكأنه يهرب ...
لكنه توقف فجأة ليتحسس خاتمها ذا الفص الأسود في إصبعه ...
كيف يواجهها بعدما حدث إلا عندما يتأكد أنه لن يسيئ إليها من جديد ...؟!!
كيف يمكنه أن يعدها بغد وهو لا يزال مكبلاً بقيود الأمس...؟!!
كيف سيضمها بين ذراعيه -ولو قسراً- إلا وهو واثق أنه لن يفلتها بعدها أبداً؟!!
لهذا أخذ نفساً عميقاً وهو يعود أدراجه نحو المركز الذي دخله ليستوقف أول من رآه :
_دكتور ياقوت سليمان فين من فضلك؟!
_أول أوضة شمال!
"من أولها شمال؟!"
هتف بها في نفسه بسخريته السوداء وهو يتقدم نحو الغرفة المنشودة داعياً أن يكون هذا الطبيب على قدر الثقة التي تحدث عنها مروان. ..
طرق الباب ليدخل وما كاد يفعل حتى ارتفع حاجباه بصدمة !!!
_ست؟! الله يخرب بيتك يا مروان!!
قالها في نفسه لكن صدمته المستنكرة كانت جلية على وجهه حد أنها رمقته بنظرة تفهم صاحبت قولها المعتد:
_دكتور يامن على ما أعتقد ؟! واضح إنك اتصدمت بشكلي!
حاول التغلب على صدمته بسرعة محاولاً الخروج من هذا "المأزق" بينما استطردت هي بنفس النبرة المعتدة:
_دكتور مروان قاللي إنك ممكن يكون عندك مشكلة إنك تتعالج مع واحدة ست ...أنا في العموم ما بقبلش أعالج حالة شاكة في قدراتي لكن عشان خاطر دكتور مروان ممكن أعملها استثناء المرة دي...ده طبعاً لو حضرتك ما قررتش دلوقت حالاً تديني ظهرك وتخرج ...المركز هنا فيه دكاترة كتير غيري .
هذا ما كان يفكر به الآن بالفعل !
أن يعطيها ظهره ويخرج كي يذهب ليفرغ غيظه في الأحمق مروان؟!
هل عدِم الطب النفسي رجاله كي تعالجه امرأة؟!!
إنها حتى لا تبدو كبيرة السن كي يمنحها وسام خبرة !!!
والخاطر الأخير دفعه لتأملها أكثر بينما لا يزال واقفاً مكانه كالصنم ...
طويلة القامة بيضاء البشرة بجسد رشيق أخفى المعطف الأبيض منحنياته ...
المعطف الذي بدت من تحته تنورتها الطويلة قديمة الطراز وحذائها المتهالك ب"خياطته الجانبية" التي فضحت رقعة قديمة لم تخفَ على "خبير " بالتفاصيل مثله !
هذه المرأة إما شديدة الفقر أو شديدة البخل !
ولو علم الحقيقة لأدرك أن آخر ما يشغل هذه المرأة أمامه هو مظهرها...
خاصة لو كانت المقايضة أمام مالٍ تدفعه لذلك!
_هه...نجحت في الامتحان يا دكتور؟!
قالتها بنفس الاعتداد الذي خالطه الآن شيئ من الغضب فرفع رأسه نحوها ليتفحص ملامحها ...
ربما سيراها البعض جميلة لكنه يشعر بالكثير من التحفز لحسنها هذا ...
خاصة عيناها الخضراوان الشبيهتان بعيون القطط خلف نظارتها العريضة بإطارها الأسود المربع الذي أكل قرابة نصف وجهها!!
ما هذه الألوان المريعة لحجابها؟!
تداخل كارثي لألوان لا علاقة لها ببعضها ...
تلوث بصري!!
ثياب هذه المرأة حقيقةً مجرد تلوث بصري!!
ألم تعبر عيناها على مرآة؟!
ألم تسمع عن "موضة"؟!
هذه "البلياتشو" ستعالجه؟!
_دكتور يامن أنا ماعنديش وقت ...ياتتفضل تقعد يا تخرج عشان أشوف شغلي .
قالتها باستياء واضح هذه المرة فتنحنح بخشونة وقد قرر البقاء!
لماذا؟!
ربما هو فضول ليستكشف السر الذي جعل مروان يثق بها هي بالذات ...
وربما مجرد رغبة في أن يكمل هذا اللقاء لآخره مادام قد جاء إلى هنا على أي حال ...
وربما هو احتياجه أن يسقط الوزر عن كاهله -ولو قليلاً-!!
وربما هو كل هذا!
لهذا تقدم بخطوات بطيئة ليجلس دون دعوة على الكرسي أمام مكتبها قبل أن يطرق برأسه مشبكاً أصابعه أمامه...
هنا ابتسمت هي ابتسامة لم يرها وقد جاء دورها لتفحصه هذه المرة...
هذا "يامن عبد الرحيم حمدي" إذن !
سمعت عنه كثيراً لكنها لم تتصوره بهذه الوسامة ...
لا ...لا يشبه والدته بيللا بجمالها الأرستقراطي بل هو ل-والده- أقرب!
سيتعبها كثيراً لو قبل أن تبدأ معه رحلة علاج...
خاصة مع هذه الوخزة التي تشعر بها في قلبها الآن وهي تراه يجلس بهذه الطريقة كطفل متعَب...ومتعِب!
لكنها كتمت مشاعرها هذه وهي تتقدم بدورها لتجلس على مكتبها قبل أن تقول بنبرة عملية:
_دكتور مروان اداني فكرة عن الموضوع ...لكن أحب أسمع منك.
رفع رأسه نحوها وقد انفرجت شفتاه وكأنه على وشك الكلام قبل أن يعاود إطباقهما بقوة....
الأمر ليس بهذه السهولة!!!!
أن يعري روحه ليكشف عورات جرحه ...
هو لم يفعلها في حياته إلا مع امرأة واحدة ...
امرأة ظنها الدواء فكانت طعنتها الأقسى!
_طيب ...أنا هساعدك.
قالتها ياقوت بتفهم مدركةً عظم صراعه الداخلي هذا لتردف :
_من غير ما ادخللك في تفاصيل طبية أكيد بحكم كونك دكتور اطلعت عليها قبل كده ...الوسواس القهري درجات ...ونسبة علاجه ممكن توصل مية في الماية...خصوصاً لو المريض نفسه راغب في العلاج ...خلليني أبسط لك الموضوع أكتر ...فيه منطقة معينة في المخ مسئولة عن توصيل الشعور بالقلق ...عاملة كده زي جهاز الإنذار ...تخيل بقا لو جهاز الإنذار ده اتعطل وطول الوقت شغال عمال على بطال ...هو ده بالظبط مريض الوسواس القهري .
رفع عينيه إليها ببعض الاستهانة ...
ما الجديد في ما تقوله ؟!!
أي طفل صغير سيفتح "الويكيبديا" سيجد فيها مثل هذه المعلومة !!
لكنه بدأ يهتم قليلاً عندما أردفت :
_الموضوع بيبدأ بخبرة سيئة في الطفولة أو تاريخ وراثي ...بيزيد مع التوتر والضغوط ...وبيقل وممكن ينعدم تماماً لو انشغلت وارتحت ...م الآخر انت بتحارب دماغك بدماغك...هي بتزق عليك أفكار سلبية وانت دورك تقاومها بأفكار إيجابية ...المهم إنك تقتنع في النهاية إنها مجرد أفكار مش حقايق...فاهمني يا دكتور؟!!
عقد حاجبيه بتركيز دون رد فابتسمت لتقول بفخر:
_دكتور مروان اختارني لأن هو بالذات كان شاهد على نجاحي في آخر حالة عالجتها ...نجاح مية في المية وفي زمن قياسي.
مط شفتيه بعدم اقتناع ثم أشاح بوجهه فاتسعت ابتسامتها مردفة:
_الناس بتيجي للدكتور النفسي عشان تفضفض وترغي وهو يسمع...لكن انت من أول المقابلة سايبني أنا أتكلم وماقلتش ولا كلمة .
_عشان بصراحة مش مقتنع!
قالها وهو يلتفت نحوها فجأة لتزداد حدة هذه "الوخزة" في قلبها مع التقاء نظراتهما ...
قبل أن يردف هو بفظاظته المعهودة:
_مش مقتنع بسبب واحد يخللي مروان يرشحك انتِ ويسيب أكبر أسامي في مصر ...ومن أول المقابلة بحاول أدور على أي أمارة لشطارتك ال"فظيعة" مش عارف الحقيقة !
ارتدت برأسها للخلف وهي تتلقى عبارته كصفعة قبل أن تتجمد ملامحها تماماً لترد له إهانته:
_مروان قاللي إنك عصبي ومتحفز بس نسي يقوللي إنك كمان قليل الذوق.
هنا هب هو واقفاً مكانه ليهتف بنفس الفظاظة:
_وآدي كمان دليل إنك أصلاً مالكيش فيها ...مفيش دكتور بيعامل مريض نفسي كده .
_عشان قلة ذوقك دي مش مرض ...ده طبع ...وأنا دوري أعالجك مش أربيك!
هتفت بها باعتداد شبه بارد مقارنة باشتعال ملامحه هو ...
خاصة عندما اضطر لكظم غيظه وهو يرمقها بنظرة ساخطة قبل أن يغادر الغرفة بخطوات مندفعة ليصفق الباب خلفه بعنف كاد يخلعه من مكانه تاركاً إياها خلفه تغلي غيظاً ...
لقد كانت تتمنى بحق لو تأخذ فرصتها معه ...
لكن "الأحمق" تركها...
"الأحمق الفظ"...
"الأحمق الفظ المغرور"
"الأحمق الفظ المغرور ال...وسيم"!!!
ابتسمت كمراهقة ساذجة عند الخاطر الأخير لتهز رأسها عدة مرات قبل أن تهمس لنفسها بصوت مسموع:
_ما تتحشمي يا بنت أشواق...ياما عدى علينا أشكال وألوان ...هنيجي ع الآخر ونخيب!
قالتها بلكنتها القروية البسيطة المميزة والتي تحب "الارتياح" فيها عندما تمل من التخفي خلف لكنتها الجديدة التي تعلمتها هنا منذ دخلت كلية الطب ...
السخرية الطبيعية من الفتاة القروية التي كانوا يظنونها ساذجة ظلت تطاردها حتى اضطرت أن تتحدث مثلهم كي لا يلاحظوا الفارق...
وهذه الملحوظة ..."جمال الفلاحين"...التي كانوا يعلقون بها على ملامحها جعلتها تدرك أن حسنها لن يكون شفيعها في معركة غير شريفة كهذه...
هي تريد النجاح...تريد الشهرة...تريد المال !
أجل ...هي لا تخجل من الاعتراف أنها تحب المال!
تحب تحصيله...رؤيته...ادخاره...
لكنها لا تحب إنفاقه !
بل إنها لا تبالغ لو قالت إن أسعد لحظات حياتها هي تلك التي تفتح فيها دفترها المصرفي تراقب حركة حسابها ...
لا...لم تتطرف يوماً لجمعه من حرام ...
تربية "الحاجة ثمر" لا تفعلها أبداً!!!
وعند الخاطر الأخير تجهمت ملامحها وهي تتذكر آخر حواراتها مع الجدة الطيبة ...
_العريس طفش يا حاجة ثمر...أول ما عرف حكايتي!
بحسرة لم تملكها قالتها عندما وصلها رد زميلها الذي كان قد تقدم لخطبتها ...
لتجيبها الجدة بنبرتها التي تمزج رضا الإيمان بالمرح:
_اوعاكي تزعلي يا خايبة...السكة اللي تودي...يروح واحد ييجي عشرة.
لكنها كانت تعلم أن الواحد -وإن تبعه عشرة كما تقول- فكلهم سيهربون كما هرب منها!
ما أشبهها بدائرة من نصفين...
نصف مضيئ تحياه بكل تألقه هنا في العاصمة طوال أيام الأسبوع...
ونصف آخر مظلم تعود إليه في قريتها أيام العطلة !
انقطعت أفكارها برنين هاتفها فانقبض قلبها ببغض وهي تميز اسم المتصل...
هذا الانقباض الذي لم يمنعها من فتح الاتصال بتحية فاترة مقتضبة قبل أن يصلها صوته :
_برضه رجعتِ الفلوس زي كل شهر؟!
الغضب الممتزج بالذنب الذي يميز لهجته يصلها فيزيد من عمق انقباضة قلبها لكنها ترد بنبرة محايدة :
_مش محتاجينها...أنا ولجين بنشتغل وعايشين كويس الحمدلله.
_كويس؟!
بسخرية يهتف بها ليردها عنادها:
_جداً...الحمدلله.
_ماشي...عموماً أنا ماعدتش هابعت حاجة...لما تعوزي حاجة انتِ أو أختك ابقوا اتصلوا.
الصوت الرتيب بعد إغلاقه الاتصال ظل يدوي في أذنيها للحظات قبل أن تعيد الهاتف مكانه على سطح المكتب...
ليته يكف عن الاتصال بها...
ليته ينساها وينسى شقيقتها للأبد !!
ساعتها ربما لن تحقد عليه كما الآن ...
أجل تحقد عليه وهي تراه طوال عمرها لا يفعل شيئاً سوى خنقهما -هي وشقيقتها- بحبل غليظ يزعم أنه ينقذهما به من الغرق!!
أي ظلم هذا؟!!
أي ظلم؟!!
أي مال يريدها أن تقبله؟!!
ثمن "شرف أمها"!!!
اقشعر جسدها كله عند الفكرة الأخيرة حتى كادت تشعر بانتصاب شعيراتها كاملة من قمة رأسها لأخمص قدميها ...
قبل أن يقع بصرها على اسمها المكتوب على قطعة خشبية تعلو مكتبها ...
(ياقوت سليمان)
لقد حذفت اسمه- عمداً - من عالمها الجديد الذي تحياه هنا بكل تألقه ...
وأبقته فقط هناك في عالم "ظلمتها"...في القرية !!
مجرد قصاص هين يبرد بعض نارها !!
_دكتورة ياقوت ...الساعة بقت خمسة.
الهتاف المصحوب بطرقات خافتة على الباب نبهها لموعد انصرافها فتنهدت بحرارة لتخلع معطفها الطبي قبل أن تتوجه للمرآة المعلقة خلف الباب لتعدل ملابسها ...
أناملها تمتد عبر فتحة قميصها للداخل...
وبالتحديد نحو القطعة العلوية لملابسها الداخلية ...
هناك حيث هذه !!!
ورقة نقدية من فئة العشرة جنيهات غلفتها بغلاف بلاستيكي خفيف وتضعها دوماً هنا قرب قلبها ...
كي تظل دوماً تذكر ...ولا تنسى أبداً ...!!!!!
========
أسند ذراعيه خلف رأسه وهو يتمدد على فراشه الوثير في الفندق...
طالما أحب ماليزيا من الإعلانات السياحية لها ...
لم يكن يعلم أنها ستكون مدخله ل"كنزه" المرهق و...الممتع!
ياسمين التي أدرك منذ أول مرة رآها فيها أنها تختلف عن النساء اللائي سبقننها لعالمه...
شعلة من جاذبية... طموح ...ثقة...قوة...
من سواها يمكنها تحويل خسائر حياتها المتوالية لسلسلة أخرى من النجاحات؟!
ربما لهذا مست في قلبه مكاناً لم تبلغه سواها ...
حب؟!
هو طوال سنين حياته هذا لم يعرف المعنى الحقيقي لهذه الكلمة "المطاطة"!
هو "رجل سوق" علمته الدنيا أن الحياة ليست سوى مكسب وخسارة ...
وهو "أبداً" لم يقبل بالخسارة!
ربما لهذا يشعر الآن بالفخر وهو يرى الأقدار تسانده للظفر بالمرأة التي لامست أعلى قمم إعجابه ...
انقطعت أفكاره برنين هاتفه فتأهبت ملامحه مع اسم المتصل الذي يعني له الكثير في عالمه...
_أهلاً رائد ...طمني .
قالها بود لم يخلُ من حذرٍ اعتاده في التعامل معه هو بالذات !
تاريخ طويل يجمعهما بتناقضات شاسعة ...
لقد أنقذ رائد حياته يوماً فكيف لا يدين له بالثقة؟!
لكنه -في المقابل- آذاه في أقرب الناس إليه ...فكيف يأمنه؟!
نفض الخاطر الأخير عن رأسه بسرعة كعهده في تحاشي تذكر هذا الأمر خاصة مع إجابة رائد شديدة العملية :
_الشغل كله تمام كأنك موجود...ما تقلقش.
قالها ليتبعها بالتفاصيل الدقيقة لعملهما المشترك فتحولت ملامح زين من الاهتمام للارتياح ...
قبل أن يعاود سؤاله بنفس الحذر:
_وهمسة؟!
ذبذبات التوتر بينهما تعالت فجأة بعد سؤاله الذي نال إجابته بما لم يرضِه لينتفض فجأة مكانه هاتفاً بحنق غريب على طبيعته الحليمة:
_يعني إيه ما بتاكلش؟! واللي هناك دول بيعملوا إيه ؟! مش عارفين ياخدوا بالهم منها كام يوم ؟! هاخرب بيتهم.
ثم صمت لحظة ليردف بزفرة ساخطة:
_خلاص يا رائد...أنا هرجع مصر في أول طيارة...بس اتصرف انت لحد ما أرجع.
_ما تشيلش هم.
قالها رائد بنبرته العملية ليغمغم زين بنبرة عجيبة بين حذر ورجاء:
_من غير ما تشوفها ولا تكلمها ...ماتنساش الاتفاق اللي بيننا...انت وعدتني.
هنا سادهما صمت قصير ليجتاح الانفعال نبرة رائد العملية رغم اقتضاب إجابته:
_مش ناسي.
قالها ليغلق الاتصال دون المزيد فتجهمت ملامح زين أكثر ليزفر بسخط قبل أن يتصل بياسمين ليقول بنبرة ضائقة:
_مش هاقدر أقعد هنا أكتر من كده ...قابليني بالليل نتفاهم قبل ما أرجع مصر .
وفي مكانه في حديقة بيت زين أغلق رائد الاتصال ليرفع رأسه نحو السماء بما لم يدرِ هل هو يأس أم دعاء...
كان مختبئاً خلف إحدى الأشجار يراقبها من بعيد ...
ملاكه الكسير الذي قصوا له جناحيه بجرمه هو ...
جرم "الحب" الذي لم يعرفه ولن يعرفه إلا لها !
_رائد بيه !
هتاف الخادمة قطع عليه شروده ليلتفت نحوها بعنف أجفلها وجعلها تردف برهبة:
_هنعمل إيه مع الست همسة ؟! من ساعة ما زين بيه سافر وهي بتاكل بالعافية وحتى دواها ما بقتش راضية تاخده .
صمت قليلاً ليتمالك فورة مشاعره قبل أن يقول بنبرة آمرة :
_غمي عنيها وسيبيني أدخل لها المرة دي كمان .
ورغم الأمر الصريح في لهجته القوية لكن قلبها الحنون أدرك العاطفة الراجية بين حروفه...
تماماً ككل مرة يطلب منها -سراً- هذا الطلب "الغريب"!
هي تعلمت منذ عهد بعيد طاعة أسيادها دون مناقشة ...
لكنها في هذا الموقف بالذات تتمنى لو تعرف السبب!
لا ...ليس مجرد فضول ...
بل رغبة حقيقية في سعادة هذين الاثنين اللذان يبدوان وكأن سهم الحب الغادر قد آذاهما معاً...
ربما لهذا تخاطر بتنفيذ رغبته هذه كل مرة دون علم السيد زين بل دون أن تخبر أي أحد ...
لهذا تقدمت نحو غرفة همسة لتفتحها قبل أن تتقدم نحو الأخيرة التي لم تحرك ساكناً ...
حتى عندما عصبت المرأة عينيها لتتركها بعدها دون تفسير ...
المرأة التي أشارت نحوه ليتقدم ويدخل الغرفة أخيراً ...
قبل أن تتنهد بحرارة وهي تغادر لتنتظره بالخارج دون أن تغلق الباب ككل مرة ...
لا تدري لماذا يفعل هذا سراً ؟!
ولا لماذا يصر ألا يزورها إلا وهي معصوبة العينين ؟!
ودون أن يكلمها!!
لكن الذي تعرفه وتثق به تماماً أن حالة همسة تتحسن بعد هذه الزيارة !
لهذا تفعلها مستريحة الضمير كل مرة ولن تكف عن فعلها ...
وفي مكانه وقف هو متشنج الجسد يراقب ملامحها الحبيبة من هذا القرب بنَهَم عاشق محروم ...
آه لو تتلاشى كل الحواجز بينهما ...
لو يعود الزمان بلا زمان ...ويعود المكان بلا مكان ...
وتعود هي فقط همسته في عالمه الذي لم يستمع لصوت عشق إلا عشقها فكان عاقبة أمره خسراً...
وأي خسران أكبر من أن يحرم همسها لينال عقابه صمتاً...؟؟!!
صمتاً كهذا الذي يختنق به الآن وهو يراقبها سراً ك"لص" بعدما كان على عرشها "الملك"!
وعلى كرسيها ارتجف قلبها وهي تميز رائحة عطره التي لم تتغير طوال هذه السنوات ...
لكن ارتجافتها لم تصل لجسدها الذي ظل على سكونه ...
يجعلهم يعصبون لها عينيها كي لا تميز وجوده ؟!
هل يظنها حقاً لا تفعل؟!
لكن...ما الفارق ها هنا؟!
هل تلومه لأنه يجعلها لا تراه؟!
ماذا يحدث لها عندما تراه ؟!
ذهنها "المضطرب" هاهنا يشوش تماماً...
ينقبض قلبها بشعور خانق فتتلاحق أنفاسها لتنفرج شفتاها تباعاٌ بشهقات متتالية وكأنها تطلب المزيد من الهواء ...
هذه الحركة "القاتلة" التي زلزلته مكانه وهو يتقدم نحوها خطوة فارداً ذراعيه وكأنه سيحتضنها ...
ثانية واحدة...
قبل أن يعود إليه إدراكه لتدمع عيناه بعجز وهو يتوقف مكانه ليرمقها بنظرة مودعة أخيرة...
قبل أن يغادر الغرفة بخطوات مندفعة تلاحقه نظرات الخادمة الملتاعة...
ما الذي يجري هنا؟!
وأي قصة غريبة تختفي خلف هذين؟!
هذا السؤال الذي ظل يؤرقها وهي تتحرك لتحضر لها الطعام للمرة التي لا تدري عددها هذا اليوم قبل أن تنزع عنها عصابة عينيها دون أن يتحرك جسد همسة الذي عاد لسكونه بعد رحيله...
قبلت المرأة رأسها بحنان وهي تتوسلها تناول الطعام بينما تقرب الملعقة من فمها المنفرج غير آملة في استجابة...
لكن الغريب حقاً أنها رضخت لتتناول الطعام هذه المرة !!!
=====
_تقدر تروح دلوقت يا رامز ...نبيلة بتقول إنك هنا من ليلة الحادثة.
قالتها هانيا بتماسك في غرفتها بالمشفى متحاشية لقاء نظراته بينما تحاول سحب كفها منه دون جدوى مع تشبثه الشديد به...
والذي ناسب قوله:
_ومش هامشي غير ورجلي على رجلك.
انطلقت منها آهة خافتة وهي تغمض عينيها بقوة ليردف هو بعتاب امتزج بعاطفته:
_عايزاني أمشي عشان الممرضة جاية تغير لك على مكان الحرق دلوقت ...زي ما بتتلككي كل مرة بأي حجة عشان تخرجيني...بس حركاتك دي مفقوسة قوي.
عبارته الأخيرة خالطها بعض المرح الذي حاول به تلطيف الموقف وهو يراها لا تزال تتشبث بقناع تماسكها الواهي ...
الحمقاء المكابرة!!
كيف ينسى لهفتها عندما فتحت عينيها عقب إفاقتها مباشرة ليكون اسمه هو أول ما تنطق به ...
قبل أن تتشبث بكفه بقوة جعلت قلبه يتزلزل مكانه !!!
لكنها ما كادت تستعيد إدراكها لتدرك حقيقة الوضع حتى عادت "لشرنقتها" تحتمي بها من ضعفها ...
لا ...لا يلومها ...
هو الآن يتفهمها ...ولن يبالي لو قضى العمر كله يثبت لها عشقاً هي أهل له!
_مش من حقك تبقى هنا...ولا تشوفني كده ...انت خلاص ما بقيتش جوزي...كل ده غلط !
هتفت بها بنبرتها القوية ولاتزال مغمضة عينيها ليجيبها بصبر :
_في إيدك انتِ تصلحي الغلط...كلمة واحدة منك وأجيب المأذون لحد عندك هنا ...بس قولي أيوة.
_لأ!
هتفت بها حاسمة دون أن تفتح عينيها ليهتف هو الآخر بانفعال:
_هانيا...شغل الأفلام بتاع مش محتاجة شفقتك ده مش هياكل معايا ...انتِ أكتر واحدة عارفة أنا بحبك أد إيه...ووجودي هنا معاكِ مش تقضية واجب ولا عشان صعبانة عليا ...أنا هنا لإني اتعلمت بأصعب طريقة إني ما ينفعش أكون غير هنا...جنبك.
سالت دموعها عبر عينيها المغمضتين وهي تطبق شفتيها بقوة وكأنها تخشى أن تخونها كلماتها باعتراف مشابه !!!
هي الأخرى تعلمت بالطريقة الأصعب أن مكانها جواره ...
لكن بعد فوات الأوان!!
ماذا بقي لها من أنوثتها -التي حرمته منها قسراً- لتمنحه إياه الآن طوعاً؟!!
هذا الذي تباهى أمامها يوماً بتاريخه مع النساء كيف اليوم تجد لها مكاناً على أرضه إلا كملكة مهزومة ؟!
مسح دموعها بأنامله الحرة دون أن يفلت كفها ليقترب بوجهه منها هامساً :
_خدي وقتك كله عشان تهدي وتتقبلي الوضع الجديد....بس وأنا معاكِ ...حرام عليكِ يا هانيا...انت ما تعرفيش حالتي كانت عاملة إزاي وأنا بجري في الشارع زي المجنون ليلة الحادثة مش عارف هالحق واللا...
غص حلقه في كلماته الأخيرة عاجزاً عن إكمالها لتفتح هي عينيها أخيراً فتراه عبر دموعها بصورة مثالية طالما تمنتها ...
آه لو تستطيع البوح الآن!!
لو تخبره أنها تحتاجه حقاً!!
تحتاج أن تخبئ رأسها بين ذراعيه !!
تستر عورات خيباتها عن العالم لتحتمي بصدره !!
تصرخ كطفلة أنها خائفة حقاً من الغد ؟!
خائفة أن تفشل...أن تخسر...أن تفقد ...
لكنها خائفة منه أكثر!!
خائفة أن يخذلها ...وخائفة أكثر أن تخذله هي!!!
_لسه بدري ع الكلام ده...حتى لو وافقت نرجع لبعض...مش هيبقى قبل ما أرجع ست طبيعية...ولو ده ماحصلش ...مش هاينفع.
كان يتوقع منها هذا الكلام...هذا التماسك ...هذه النبرة العملية التي طالما ميزتها ...
تماماً كما كان يتوقع حركتها عندما سحبت كفها منه لتقبضه جوار صدرها ...
لكن مالم يتوقعه حقاً هو حركتها التالية...
عندما وجدها تجذب رأسه بذراعها السليم لتضمه لكتفها في "نصف عناق"!!
نصف عناق انخرطت بعده في بكاء عنيف مع قولها:
_لو بتحبني بجد ماتخلينيش أحس كده...ماتضيعش اللي عشت عمري كله أبنيه...لو ضعفت دلوقت مش هسامح نفسي أبداً.
رائحتها المميزة تتوغل بين خلاياه ليدرك حقاً كم اشتاقها ...
كم يحتاج إليها ...
يحتاج امرأة بقوتها ...بعنفوانها...بصلابتها ...بل وبضعفها هذا الذي لايزيدها إلا جاذبية ...
لهذا رفع وجهه نحوها ليعاود مسح دموعها هامساً بنبرة دافئة:
_مش يمكن هي دي المشكلة؟! مش يمكن لو اعترفتِ بضعفك دلوقت تلاقي قوتك اللي بتدوري عليها ...قوتك اللي بجد مش اللي بتمثليها دي !
أشاحت بوجهها عن مرمى نظراته لكنه عاد يجذب ذقنها نحوه ليردف بإلحاح:
_طب خلليني أكلمك بطريقتك...إيه رأيك ناخدها تحدي؟؟!!..انتِ شايفة إن الوضع صعب واني هزهق وأتخلى عنك...وأنا شايف العكس...خلاص نرجع لبعض ونشوف مين معاه حق ...هه قلتِ إيه؟!
هزت رأسها بعدم اقتناع ليهتف فجأة:
_وبعدين يادكتورة مفيش واحدة بتطفش واحد بتكلبش فيه كده ؟! طب شيلي دراعك من حوالين رقبتي الأول وبعدين اتكلمي!
شهقت بخجل عندما تنبهت لما يقول قبل أن تبعد ذراعها عنه لتكتم ضحكتها التي انفلتت رغماً عنها والتي امتزجت بدموعها في مشهد غريب....
فابتعد هو بجذعه هاتفاً :
_أشهد أن لا إله إلا الله ...هانيا ضحكت يااخواننا ...أحمدك يارب...
ثم تلاعب حاجباه بحركة ماكرة ناسبت قوله:
_أمي بتسلم عليك وبتقوللك سيبيني معاكي بقا...ده أنا ابن حلال وبضحكك أهه !
غطت شفتيها بكفها تخفي مزيج دموعها وابتسامتها المتناقض هذا ...
لكنه تناول كفها بين راحتيه ليقبله بعمق قبل أن يهمس لها بجدية هذه المرة :
_احنا الاتنين غلطنا...كان لازم نبعد عشان لما نقرب ما نبعدش تاني...خللينا بقا نصلح غلطتنا ونعوض اللي فات .
تأوهت بخفوت وهي تعاود إغماض عينيها من جديد لا تدري عناداً أم هرباً...
بينما ابتسم هو ابتسامة حانية وهو يلاحظ أنها استسلمت لعناق كفيه هذه المرة فلم تعد تقاوم ...
وعلى باب الغرفة وقفت رانيا تراقبهما خلسة دون أن يشعرا بها ...
عبارة رامز الأخيرة تبدو وكأنها لها هي الأخرى...
هي التي عاشت عمرها كله تستند على جدارين لا ثالث لهما ...
يامن وأشرف ...
والآن يتهاوى الجداران لتجد نفسها فجأة في مهب الريح ...
إنه وقت القرار ...وقت الصحوة...
لكن هل تجد في نفسها القوة حقاً لتفعل؟!
=======
توقفت بها سيارة الأجرة أمام هذه المصحة الخاصة لعلاج الإدمان والتي نُقل إليها أشرف بعدما أنقذوا حياته بشبه معجزة...
خطواتها تتباطأ وهي تشعر بالوهن يكبلها من جديد...
ماذا لو أهانتها نشوة هذه المرة أيضاً؟!
ماذا لو رفضها أشرف كما فعل المرة السابقة ؟!
وهل ستتقبل أن تراه في هذه الحالة من جديد ؟!
مشاهد متفرقة تجتاح ذاكرتها فتزيد من وهنها هذا ...
مشهده وهو ملقى على الأرض يتوسلها المخدر...
مشهد الرجل البغيض يحاول الاعتداء عليها ...
بقعة دم تراها بوعي مشتت تحتها لتعرف بعدها أنها فقدت صغيرها ...
دموعها تغرق وجنتيها وهي تقف مكانها حائرة لا تدري هل من الصواب أن تتقدم أم تتأخر ...
تتلفت حولها بعجز وكأنما تبحث عمن سيعطيها الجواب ككل مرة ...
عمن سيوجه خطواتها ليختار -بدلاً منها - الصواب ...
لا أحد!!
هي من ستختار الآن ...
ولتحتمل نتيجة قرارها مهما كانت !!
أناملها تمسد بطنها فوق ملابسها بحركة غير ظاهرة...
هاهنا ...كانت هنا يوماً "قطعة" منه ومنها ...خسرتها بسببه !
وهاهنا أيضاً...."قطعة" من جسده هو منحها بها الحياة !
أجل...
هو أفقدها طفلهما...لكنه يوماً تبرع لها بكليته !
هو تسبب في فقد حياة ...لكنه منحها كل الحياة !!!
فهل بعد هذا مجال لاختيار؟!!
هنا أخذت نفساً عميقاً لتمسح دموعها وهي تتقدم نحو البوابة المعدنية الكبيرة لتدلف إلى الداخل ...
وفي غرفته كان أشرف جالساً على كرسيه يمسك مصحفه...
نداء خفي ينبعث من روحه يخبره أن نجاته هاهنا ...
أن الطريق الذي تشوش بضبابه لاسبيل لجلائه إلا هكذا ...
وأن العمر الذي بخسه قدره يستحق أن ننهيه كما أراد المنعِم به ...لا كما نريد نحن !
دموعه المذنبة الواهنة تسيل ببطء حارق على لحيته النامية بينما ترتجف شفتاه بقراءة صامتة...
كل آية نور...
كل كلمة نور...
كل حرف نور ...
فأين كان هو غافلاً عن كل هذا وسط ظلمات يأسه ؟!!!
صوت الباب يُفتح لكنه لا يبالي ...
يعرف أنها هي ...
هالة حضورها التي تمس مكاناً بقلبه كبر معه عاماً بعام ...حتى اختلط بدمه وعظمه ...
فكيف لا يميزها؟!
لكنه مع هذا لم يغير وضعه...
بل بقي مكانه ليغمض عينيه منتظراً مبادرتها ...
_إزيك يا أشرف؟!
صوتها الحبيب يعرف طريقه لقلبه ككل مرة ...
لكنه هذه المرة منغمساً بجرح لا يدري هل سيكتب له شفاء؟!!
يشعر بها تنحني على ركبتيها لتكون في مستوى رأسه...
أناملها تربت على كتفه وهي تهمس بين دموعها:
_قالوا لي إنك رافض الكلام ومش بترد على حد ...حتى أنا يا أشرف؟!
شفتاه ترتجفان بقوة فيطبقهما دون أن يرد عليها ...
يعلم أنها لن تطيق على هذا صبراً...
يعلم أنها ستكتفي بالبكاء وانتظار مدد قوته هو ...
لكنه لم يعد يملك ما يمكنه منحه!!
لهذا صار يوقن أنه خسرها !!
_مش مهم تتكلم ...المهم تسمعني...أنا معاك ...وهافضل دايماً معاك...حتى لو طردتني ألف مرة هارجع تاني...مش بس عشان انت محتاجني...لكن أنا كمان محتاجاك .
فتح عينيه بنظرة عميقة دون أن يتحرك من مكانه...
فابتسمت والدموع تنهمر من عينيها لتهتف بانفعال:
_عندي كلام كتير قوي يا أشرف ...كلام كنت محوشاه عشان انت بس اللي بتعرف تسمعه...ممكن تسمعني؟! اسمعني بس وما تردش !
أطرق برأسه في عجز لكنها لم تيأس ...
حديثها الذي استمر قرابة الساعة لم ينقطع ...
حكت له عن حادث هانيا....عن تمسك رامز بها ...عن انهيار يامن ...عن تغير داليا...عن صحوة نبيلة...
حكت له عن انطباعاتها التي تخجل من البوح بها أمامهم...
عن انزوائها الذي صارت تكرهه وتريد تغييره...
ابتسمت وهي تحكي له بعض ذكرياتهما المشتركة...
وبكت وهي تشكو إليه حالها في غيابه...
بل ...وغنّت له جزءاً من أغنية لها ذكرى خاصة لديهما ...
تكلمت وتكلمت وتكلمت حتى ظنت أنها كانت تدخر كل هذا الحديث له هو وحده ...
ورغم أنه لم يكن يتفاعل معها إلا بصمته لكنها كانت تشعر بدقات قلبه تجاريها في كل ما تتفوه بها ...
أجل ...
مهما كانت الغربة ...ومهما طال الصمت ...لا تزال خفقات القلب للعاشقين وطناً ...ولغة !
=======
_كنت فين؟!
هتف بها يامن بقلق وهو يراها تعود وحدها إلى بيت أمه -الذي استقروا جميعاً فيه عقب خروج هانيا من المشفى- لتجيبه رانيا ببعض التحفظ:
_عند أشرف في المصحة.
تجهمت ملامحه وهو يشعر بالمزيد من الانهيار الداخلي لكنه لم يملك إلا سؤاله :
_عامل إيه؟!
_مش مهم عامل إيه...المهم إني هاكون معاه في أي حال...ده قراري يا يامن وأرجوك ما تعارضنيش فيه.
هتفت بها بتنمر غريب على طبيعتها التي يعرفها ...
فالتوت شفتاه بشبه ابتسامة وهو يتمتم بخفوت:
_اتغيرتِ يا رانيا.
_لو مش هنتغير لما الدنيا حوالينا تتهد ...يبقى هنفوق امتى؟!
قالتها بنفس الانفعال وهي تشعر بأن جسدها كله يرتجف غضباً وترقباً...
ربما لأنها كانت تتوقع من يامن نقاشاً طويلاً يحاول إقناعها فيه بالعدول عن قرارها...
هذا الذي كانت ليست له مستعدة الآن أبداً...
ليس وهي لاتزال في بداية طريقها نحو بناء قوتها ...
قوتها التي يحتاجها أشرف...وتحتاجها هي قبله !!
لهذا كانت دهشتها كبيرة عندما تمتم يامن باستسلام غريب :
_معاك حق .
ظلت تتفحصه غير مصدقة للحظات قبل أن تشعر نحوه بالمزيد من الذنب ...
نبيلة أخبرتها بفاجعته وهي لم تفعل شيئاً إلا إضافة المزيد من الحطب لنيرانه ...
لهذا أطرقت برأسها لتقول بنبرة مرتجفة:
_أنا آسفة يا يامن...بالله عليك ما تزعلش مني.
قالتها لتنخرط في البكاء بعدها وكأنها لم تثُر في وجهه منذ دقائق فقط!
لكنه ابتسم ابتسامة شاحبة وهو يقترب منها أكثر ليقول بحنانه الفظ:
_بلاش هبل...وانتِ من امتى بيتزعل منك أصلاً؟!
ثم أشاح بوجهه ليردف بجدية:
_انتِ اخترت طريق...كمليه .
_لو شكيت ما تكملش!
قالتها ببعض التهكم تذكره بمبدإه الشهير لترتسم ابتسامة مريرة على شفتيه تليق برده:
_ما انا لو مكملتش هافضل واقف مكاني ...وساعتها هاعيش عمري كله اتحسر على خطوة ما مشيتهاش.
ارتفع حاجباها بإشفاق وهي تشعر أنها تقف أمام يامن جديد غير هذا الذي تعرفه ...
لكن لعل هذا هو الأفضل...
لهذا ابتسمت وهي تكرر اعتذارها قبل أن تغادره وتذهب إلى غرفتها ...
بينما جلس هو مكانه على كرسيه في صالة المنزل يفكر فيما آلت إليه الأحوال ...
هانيا خرجت من المشفى ورامز يريد العودة إليها لكنها لا تزال تكابر ...
وها هي ذي رانيا هي الأخرى تريد العودة لأشرف لكن يبدو أن الطريق لايزال مشبعاً بالعقبات...
داليا هي الأخرى صارت أكثر هدوءاً وتعاوناً معهم وكأنما أنضجتها التجربة ...
ماذا عنه هو؟!!
هو لا يدري!!
بعد فشل زيارته لتلك الطبيبة لا يعرف البديل!!
هو يدرك أنه كان شديد التحامل عليها يومها لكن صدمته بكونها امرأة أربكته...
وهو رجل التدبير الذي لا تسره المفاجآت!!!
_ماتشيلش هم!
قالتها نبيلة وهي تربت على كتفه بأحد كفيها بينما تحمل بالكف الآخر صينية صغيرة حوت قطعة من السينابون مع فنجان قهوة...
تجهمت ملامحه ورؤية الحلوى هذه بالذات تثير شجونه...
لكن يبدو أن المرأة كانت تدرك حقاً ما تفعله ...
فقد وضعت الصينية أمامه لتقول بهدوء:
_شفت فيديو ع اليوتيوب واتعلمت طريقته...بس بصراحة...بتاع ياسمين أحلى كتير .
لايزال اسمها ذا وقع مميز عليه خاصة في هذه الأيام ...
ربما لهذا شعر بغصة مختنقة في حلقه وهو يشيح بوجهه لتتناول- أمه -الطبق فتطعمه بنفسها قائلة:
_عمرك ما رديت إيدي في أكل عملته بنفسي...دوق بقا.
تناولها منها مجبوراً ليكتفي بالقليل قبل أن يشير لها بكفه في إشارة بالتوقف ...
ثم مد أنامله يتناول فنجان القهوة الذي ارتشفه ببطء ونظراته تنضح حزناً...
الحزن الذي مس قلبها لتقترب منه أكثر فتربت على ركبته قائلة فجأة:
_إيه رأيك تروح لعمك البلد يومين تغير جو؟!
الفكرة بدت له جيدة حقاً لكن...
_إزاي أسيبكم لوحدكم في الظروف دي؟! مش هاينفع طبعاً!
لكنها ابتسمت لتقول بحزم:
_وجودك جنبنا بحالتك دي مش هيفيدنا...أنا والبنات زعلانين عشانك...ماتقلقش علينا ...سافر واعتبرني هنا مكانك.
ربما لو كانت قالت عبارتها الأخيرة في ظروف أخرى لاعتبرها نكتة وسقط من الضحك أرضاً!!!
نبيلة...بيللا ...مكانه هو؟!!!
لكن الآن وبعدما مرت به العائلة من ظروف يشعر أنه حقاً يمكنه الوثوق بها...
هي تغيرت...كما تغير الجميع...
الصفعة التي نالوها جميعاً أعادت الأمور لنصابها ورب ضارة نافعة ...
ربما لهذا لم يجد غضاضة في قبول الأمر ...
_معك حق ...محتاج فعلاً أفصل يومين .
_ماحاولتش تكلم ياسمين؟!
سألته بتردد ليجيبها بحسرة خنقت حروفه:
_قافلة حسابها...وحاولت أتصل بوالدها لكن ...بصراحة...ماعرفتش أقولله إيه ؟!
هزت رأسها بتفهم وهي تدرك مرارة شعوره ...
لكنها كانت تشعر بالشفقة على ياسمين هي الأخرى فعادت تقول بحنان:
_طب ما تسافر لها .
هنا ابتسم ساخراً لينهي الرشفة الأخيرة في فنجانه قبل أن يضعه جانباً ...
ثم التفت نحوها ليقول بشرود :
_مش عارف إذا كان ممكن نرجع لبعض واللا لأ...كل واحد فينا كسر في التاني حاجة مش هتتصلح...مش هاقدر أحط عيني في عينها إلا لما أعالج نفسي الأول...ياسمين بتاعة النهارده غير ياسمين اللي عرفناها...وعشان أقدر أرجعها لازم أنا كمان أتغير.
=======
في القطار المتجه به لقريته يجلس هذه المرة وحده ...
تحترق شفتاه بابتسامة مريرة وهو يتذكر المرة السابقة التي كانت فيها هنا بين ذراعيه ...
وقتها كان يشعر بالغيرة من الرجل الذي كان يحتضن امرأته في الكرسي أمامه فاستغل نومها ليفعل مثله ...
آآآه ...
كم تبدو له الذكرى الآن شهية...مثلها ...
ومحترقة...مثله!!!
_لو جيت هنا تاني من غيري قل لهم إني حبيتهم قوي
كأنه يسمعها الآن بصوتها فيرتجف جسده للذكرى ...
وكأنها كانت تعلم ...
أجل...كانت تعلم!
كانت تدرك أن عمر هواهما سيكون قصيراً فسيدة الألوان لم تكن لتصلح لرجل الأسود...
وشمس الحب لا تبهر العميان!
انطلقت صافرة القطار معلنة وصوله فتنهد بحرارة وهو يتناول حقيبته قبل أن يغادره ليهبط في المحطة...
استقبال عمه وزوجته الحافل لم يتغير...
الغرفة التي أقام فيها لم تتغير ...
النافذة المميزة و"القُلّة" التي شرب منها خلفها يوماً كل هذا لم يتغير...
لكن الذي تغير هو "هما"!
ما أبعدهما الآن عن هذين اللذين كانا هنا وقتها ...
تذكر كيف كان يغار عليها ساعتها من بضعة أطفال ...
لم يكن يعلم أن عالماً من جحيم الشك بشأنها سيفتح أبوابه في وجهه ...!!!
_شاي العصاري عند الساقية يا دكتور!
هتفت بها زوجة عمه من الخارج فانقبض قلبه بشعور غامر بالحنين ...
"عروس البحر" ألقت لعنتها على عالمه فصار دونها خراباً بلا روح !
لهذا زفر بقوة وهو يخرج إلى الحقل القريب حيث جلس مع عمه وزوجته ...
حديثهما كان ودوداً حانياً كما يفترض وقد شكر لهما أنهما لم يسألا عنها...
أجل عمه الحصيف بخبرته أدرك أن ابن أخيه جاء هنا هذه المرة هارباً بحسرته والفضيحة تناقلتها الألسن على أي حال لتصل حتى إلى هنا ...
لكن يامن هو الذي وجد نفسه يقول بلا مقدمات :
_ماتصدقوش اللي بيتقال ...طليقها فبرك الفيديو ...أنا اللي غلطت واتسرعت وهي ما سامحتنيش على كده .
كان يعلم أنه يكذب في نصف الحقيقة لكنه رأى هذا حقها عليه في موقف كهذا ...
خاصة عندما تبادل عمه مع زوجته نظرات الارتياح قبل أن تهتف زوجة عمه ببراءتها الفطرية:
_تصدق وتؤمن بالله؟! قلت لعمك كده ...قلت له السكرة دي ماتعملهاش...ده أنا قلبي اتفتح لها من أول مرة.
ثم ترددت لتردف برجاء:
_طب ما تحاول تصالحها ياابني وتلم الشمل.
لكن زوجها زجرها بعبارة مقتضبة جعلتها تخفي وجهها حرجاً في طرف وشاحها قبل أن تغادرهما بخطوات سريعة ...
بينما التفت نحوه عمه ليقول بتعقل:
_أنا مش ابن امبارح وعدى عليا من الناس أشكال وألوان...ومش هاقوللك اعمل إيه وما تعملش إيه لأني عارف دماغك ناشف زي أبوك الله يرحمه...أنا بس هاقوللك حاجة واحدة...ماتعملش زي أبوك وتاخدك العزة بالإثم...عشان ماتضيعش عمرك زي ما هو الله يرحمه ضيع عمره ...
أطرق يامن برأسه دون رد فتنهد الرجل ليقوم من مكانه مردفاً :
_هاقوم أنا أراضي مراة عمك...شكلها خدت على خاطرها مني .
ابتسم يامن بحنان وهو يتابع رحيل عمه بنظرات شاردة ...
ما أحوجه الآن لنصيحته لكن الأمر ليس بهذه البساطة ...
هو يحارب نفسه بنفسه هذه المرة...
وما أصعبها من معركة !!
زفر بسخط وهو ينتبه لكوب الشاي الذي برد في يده دون أن يشربه...
فألقاه جانباً لتلتمع عيناه وهو يتذكر مساء مشابهاً لهذا كان يستقر رأسه فيه على حجرها هي...
_تعرفي؟! مش عايز أفتح عيني...عايز الزمن يقف هنا...تفضل نفس الصورة في بالي ما تتغيرش...الساقية...الزرع...لون السما...ضحكة عمي...طعم الشاي...و...انتِ!
تغمره الآن هذه الذكرى بحلاوتها فيأخذ نفساً عميقاً ويخرجه في آهة حارقة كوت صدره ...
لماذا أتى إلى هنا؟!
ما كان أغناه عن هذا الحنين الذي يجلده جلداً!!!
الشمس توشك على المغيب خلف الساقية القديمة فتتابعها عيناه بشرود كئيب ...
قبل أن ينتبه في جلسته وهو يميز الظل الذي كان يقترب من بعيد ليختفي خلف الساقية...
ظل يشبه امرأة ترتدي جلباباً!!!!
يالله!
هل فقد عقله تماماً؟!!
لا...هو واثق أنه قد رآها!!!
هب واقفاً مكانه ليتجه بخطوات متئدة نحو الساقية هناك مغالباً هدير دقاته...
صوت بكاء مميز كان يصله بوضوح كلما اقترب ...
وما كاد يصل حتى اتسعت عيناه بصدمة تحولت لغضب مع هتافه :
_انتِ بتعملي إيه هنا؟!!
بينما انتفضت هي مكانها لتهتف هي الأخرى مصعوقة:
_انت جيت هنا امتى؟!
أجل لم تكن صدمتها تقل عن صدمته وهي تراه هاهنا...
كانت تعرف كجميع أهل القرية حكاية يامن حمدي الشهيرة ...
ربما لهذا قبلت مساعدته بحماس عندما أخبرها مروان عنه...
لكنها لم تتوقع أبداً أن يزور قريته في هذا التوقيت بالذات ...
بل وأن يقتحم خلوتها ليسمع بكاءها في هذا المكان الذي يحمل ذكرى خاصة لديها !!!
ظل كلاهما يرمق الآخر بعدم تصديق للحظات ...
لكنها كانت أول من تمالكت دهشتها لتهتف بينما تغادر بخطى سريعة:
_ولا كأنك شفتني!
بينما كان هو يراقبها مصدوماً وهو يراها ترتدي جلباباً قروياً مزركشاً بألوان فاقعة -وللكارثة- لا يمت بصلة لهذا العصر...
"تلوث بصري" آخر لا يقل بشاعة عن تلك المرة التي رآها فيها من قبل ...
هذه "البلياتشو" لن تكف عن إثارة دهشته !!
انتبه من أفكاره عندما لمحها تختفي تماماً عبر الحقول ليهز رأسه قائلاً بارتباك:
_لا لا لا...أنا مااتجننتش...هي هي ياقوت دي .
ثم استخرج هاتفه بسرعة ليتلاعب بأزراره بينما يردف:
_ما انا مش هاتجنن لوحدي...الله يخرب بيتك يا مروان!
ولم يكد الاتصال يفتح ليسمع صوت مروان حتى هتف به بسرعة :
_الدكتورة اللي اسمها ياقوت دي من بلدنا...صح؟!
ولم يكد مروان يجيبه بالإيجاب حتى أغلق الاتصال بسرعة دون تفسير ليعيد هاتفه مكانه بينما يعبث بخصلات شعره قائلاً لنفسه بارتياح:
_كده اطمنا على نفسنا ...تبقى فعلاً كانت هي ...
ثم انعقد حاجباه بقلق متجاهلاً رنين الهاتف الذي كان يدرك أنه مروان لكنه لم يكن في حالة مزاجية تسمح له بالرد ...
لماذا كانت تبكي هذه هنا ؟!!
وكيف جمعتهما الصدفة هكذا؟!!
ولو علم الجواب لأدرك أن الأيام القادمة ستحمل لكل منهما دوره في حياة الآخر!
======
انتهى الفصل الثاني
قراءة ممتعة للجميع