تحميل رواية «الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 )» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
* هام قبل القراءة* ( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني ) وصدقني اللي جاي هيكون قادر على سحبك لعالم تاني خالص فاترك نفسك للرحلة اللي جاية وعيش 💜 قراءة ممتعة ل...
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الاول 1 - بقلم رحمة نبيل
* هام قبل القراءة*
( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني )
وصدقني اللي جاي هيكون قادر على سحبك لعالم تاني خالص فاترك نفسك للرحلة اللي جاية وعيش 💜
قراءة ممتعة للجميع ...
________________________________
*"كلّما ﺧﺎﻟﻄﺖُ اﻟﻨﺎس إزددتُ يقيناً أنّ اﻷﺧﻼق ﻣﺜﻞ اﻷرزاق تماماً، هى ﻗِﺴﻤﺔ مِن الله، فيها ﻏﻨﻲّ و فيها ﻓﻘﻴﺮ"*
صلوا على رسول الله
والان نعلن بداية رحلتنا ......
___________________________
صمت طويل يعم المكان نظرات تنطلق من الأعين؛ البعض منها محذرة والبعض متخوفة، وأخرى باردة لدرجة تجعلك تتمنى لو تركض هربًا من تلك الغرفة الخانقة والتي ينتشر بها رائحة دخان؛ البعض خرج نتيجة تدخين ذلك الشيء المسمى بالسجائر، والبعض يخرج من الأفواه ليس لشيء ولكن لشدة برودة الطقس في مثل تلك الأيام التي تتوسط فصل الشتاء.
كانت الأجواء تبعث في النفس قشعريرة والجميع ملتف حول طاولة طولية الشكل يترأسها من أحد الجوانب رجل في منتصف عقده الرابع.
ومن الطرف الآخر يترأسها رجل قد انتصر الشيب في رأسه على شبابه ليظهر الشعر الابيض في رأسه بوضوح إلا أن ذلك لم يمنع الرجفة التي سرت في أجساد البعض وهو ينطق بكل جدية وهدوء :
" اذا هذا هو قرارك الاخير بيتر ؟؟؟"
ابتلع المدعو بيتر ريقه برعب وهو يمرر اعينه على جميع الجالسين، حتى وقعت على والده الذي رماه بنظرة محذرة، لكنه كان قد قرر وانتهى الأمر ليفتح فمه مطلقًا كلمات هو مدرك أنها قد تكون الأخيرة :
" نعم يا زعيم هذا قراري الاخير ..."
صمت قليلًا ثم أضاف :
" اريد الانفصال عن المجموعة فلا قِبل لي بعيش حياة مليئة بالمخاطر خاصة وقد اضحيت زوجًا مؤخرا، لذا اريد البحث عن حياة طبيعية رفقة زوجتي "
صمت يراقب تعابير ذلك الذي يترأس الطاولة ينتظر حكمه على ما قاله فهو يعلم جيدا صرامته فيما يخص مجموعته والتي تستولى تقريبا على بقعة شاسعة من العالم ويتحكم بكل من فيها وكيف لا وهو " اليخاندرو فوستاريكو " صاحب اقوى كلمة في عالمهم؛ العالم الذي ما أن تخطو بقدميك داخله، تكون كتبت على نفسك الهلاك .
" حسنا لا بأس، لكن بيتر أنت تعرف القوانين صحيح ؟؟؟"
سأل اليخاندرو وهو يمرر أنظاره بين الجميع ليرى هزة صغيرة متردد صدرت من بيتر وهو يجيبه بكلمة صغيرة وصلت له بسهولة :
" نعم ...وانا مستعد "
ابتسم اليخاندرو ثم نظر لأكبر أحفاده جواره وهو يشير له بعينه لاتباع تقاليدهم المعتادة في مثل هذه الظروف ...
هز انطونيو رأسه وهو يخرج مسدسه يضعه في منتصف الطاولة ثم ابتسم بسمة جانبية صغيرة وهو ينظر لجميع الوجوه المتحفزة، فهو من موقعه هذا يسمع ضربات القلوب وكأنها في صراع، البعض يخشى أن يقع الاختيار عليه والبعض الآخر _ كأخيه _ يتمنى لو يقع الاختيار عليه ....
فالأمر يتم كالتالي، يتم وضع أحد المسدسات على الطاولة ثم يتم لف المسدس عدة لفات حتى يتوقف، ومن يواجه فوهة المسدس يكون هو المختار والاحق بقتل ذلك الذي تجرء واراد الانسلاخ عن مجموعتهم، وله مطلق الحرية أيضا في العفو عنه إن أراد، لكن عليه أن يتحمل ما سيقال عنه من جبن وخوف لبقية حياته .
قاطع ذلك الجو المشحون صرير الباب الذي انفتح معلنًا عن وصول فبريانو الذي ما أن وقعت عينه على المسدس الذي يدور على الطاولة حتى انقشع وجهه عن بسمة واسعة وهو يستند بكتفه على اطار الباب هامسًا باستمتاع :
" اه انظروا يا لكم من انذال ...كيف تبدأون بدوني ؟؟؟ اللعنة عليكم جميعًا "
نفخ انطونيو بملل وهو يعود بعينه على المسدس الذي أصبحت حركته أبطأ بكثير حتى قلت تدريجيا إلى أن توقف كليًا ليتوجه على أحد الأشخاص، اتجهت جميع الأعين بسرعة لذلك الرجل والذي لم يكن سوى والد بيتر .
أخرج فبريانو صوتًا مستنكرًا من حلقه وهو يصيح بضيق شديد لما آلت إليه الأمور :
" حسنًا هذا ليس ممتعًا البتة "
تحدث بخيبة أمل وهو من كان يأمل في رؤية بعض الـ.....توقفت افكار فبريانو فجأة وهو يلمح الرجل وقد حمل سلاحه يوجهه لابنه بنظرات لا توحي أنه قد يعفو عنه كما تخيل، فهو ظن أن بيتر قد نجى من الأمر عندما وقع الاختيار على أبيه، لكن يبدو أن والده لديه رأي آخر .
فتح بيتر عيونه بشكل متسع لدرجة تخيف وبشدة من ينظر إليه وهو يهمس بعدم تصديق :
" أبي هل ستـ......"
لكن لم يمنحه والده الوقت الكافي لاتمام كلمته وكان صوت الطلقات يكاد بصم آذان الجميع غير مصدقين لما حدث للتو .
وعقب صوت الرصاص سقوط بيتر أرضا ثم صرخات حماس خرجت من ذلك المجنون في الخلف :
" يا رجل انت حقير اقسم "
أنهى فبريانو حديثه وهو يضحك بصخب لذلك العرض الفريد الذي شاهده للتو ثم تحرك نحو الخارج وقد انتهى من مشاهدة العرض لكن لم ينس أن يلتفت للرجل وهو ينظر له بخيبة أمل هامسا بحزن مصطنع :
" تقتل ابنك بيدك ؟؟؟؟ عارٌ عليك يا رجل "
أنهى حديثه وهو يخرج من المكان بأكمله بعدما ارتدى نظارته متجاهلًا الجميع خلفه ليعم صمت طويل في المكان لم يقطعه سوى كلمات انطونيو وهو ينظر لأخيه واولاد عمومته بالتحرك :
" حسنًا يا سادة انتهى الاجتماع "
أنهى الحديث ليخرج وخلفه باقي اولاد عمه تاركين الاب ينظر لجثة ابنه بصمت غامض خانق ..والبعض يرمقه باستنكار، والبعض الآخر بتشجيع فهو لم يكن ليتحمل كم الخذلان الذي سيوجه له إن رحم ابنه .
تحرك انطونيو وهو يضع الهاتف على أذنه متحدثًا بصوت غامض مخيف :
" نفذ ما أمرتك به "
__________________________
تحركت صوب المسرح الذي يتوسط تلك الحانة الزاخرة بالكثير من السكارى واللصوص وقطاع الطرق والقتلة، لكنها حقًا لا تهتم كثيرًا هي هنا لتقوم بعملها ثم تحصل على بعض وريقات المال وبعدها تغادر سريعًا لشقتها المتواضعة لتحظى ببعض الراحة تنسى بها إرهاق اليوم .
توقفت على المسرح وهي تحمل مكبر الصوت حتى تبدأ الغناء لهؤلاء المعتوهين _ كما تقول دائما _ لكنها توقفت وهي تدور بعينها في المكان لتجد أن لا أحد ينتبه لها لذا قامت بالضغط على جزء في المكبر ليخرج صوت عالٍ مزعج جعل الجميع ينظرون لها بغضب شديد لتبتسم هي بسعادة فها هي حصلت على انتباههم، لذا ودون تضييع وقت بدأت تغني بصوت رائع وهي تبتسم مغمضة العين، لكن مجددا لا أحد ينتبه لها .
وهناك على إحدى الطاولات كانت تجلس رفقة صديقها بعدما تمكنت بصعوبة من الهرب من حراس والدها الذي يلصقهم بها دائما، ابتسمت وهي تشعر بيد رفيقها تمر على منحيات جسدها بشكل يثير الاشمئزاز.
اقتربت منه وهي تهمس في أذنه بنبرة مغوية :
" اشتقت لك حبيبي "
نظر لها الشاب نظرات بشعة وهو يغمز لها :
" اه لو تعلمين كم اشتقت إليكِ يا جميلة ..لكن ما عساي افعل فوالدكِ يحيط بكِ بشكل خانق مانعًا ايًا كان من الاقتراب "
أطلقت الفتاة ضحكات عالية وهي تميل عليه مقبلة خده قبلة مغوية هامسة :
" حسنًا حبيبي لا تنس أنني في النهاية ابنة خافيير الذي تهتز له المدينة بأكملها كما أنه يملك من الأعداء ما لا عدد له "
ابتسم لها الشاب وهو ينظر لها بسخرية مخبرًا نفسه أن هذا هو السبب تحديدًا لمرافقته لتلك السطحية الغبية ....
من بعيد كان يقف رجال انطونيو وهم يتهامسون بنبرات مخيفة ليقول أحدهم وهو يسرع نحو مخرج الحانة :
" حسنا ابنة خافيير هي تلك الفتاة التي ترتدي سترة حمراء لامعة على تلك الطاولة ...ها أنا انهيت مهمتي سوف ارحل لاتولى أمر المكان الذي ستبقى فيه "
هز الجميع رأسه بنعم ثم عادوا بأعينهم على الطاولة التي تجلس عليها تلك الفتاة غامضة الملامح بسبب أضواء المكان الخافتة لكن الفضل لسترتها التي تلتمع بشكل يزعج العين وها هي تنهض من طاولتها ليتحرك الرجال سريعًا خلفها لعلهم يجدوا فرصة للحصول عليها .
وعلى المسرح كانت هي لا تزال تغني، لكنها فتحت عينها فجأة عندما سمعت صراخ أحد المخمورين بها وهو يقول بانزعاج شديد :
" ليوقف احدكم تلك الفتاة المزعجة فقد أصابت رأسي بالصداع "
فتحت الفتاة فمها بصدمة كبيرة وقد توقفت عن الغناء لتصرخ في المكبر بغيظ شديد :
" ماذا قلت يا اصلع ؟؟؟ هل وصفت للتو غنائي بالصداع ؟؟؟ الويل لك ولعائلتك يا سمين "
" افضل أن ترقصي لي بدلًا من صوتك المزعج هذا "
فتحت عينها بصدمة من وقاحته تلك وهي تصرخ فيه بغضب كبير :
" اللعنة عليك يا سمين اقسم إن تحدثت بكلمة إضافية لارقصن على جثتك العفنة "
أبعدت نظرها من على الرجل ثم أخذت تصرخ في المكبر تنهر الجميع وكأنهم طلاب مذنبين :
" أنا أتكرم عليكم واغني في تلك الحانة الحقيرة التي لا ترتقي لمستوى فني العالي وانتم يا حمقى تصفون غنائي بالمزعج؟؟؟ اللعنة عليكم جميعًا أنا لن اغني لكم مجددا لترقصوا على أصوات السيارات "
أنهت حديثها ثم هبطت من المسرح بغضب شديد تسب وتلعن في الجميع، وتلعن الظروف التي جعلت تلجأ لتلك الوظيفة بدلًا من الغناء في اكبر مسارح العاصمة، توقفت عن التمتمة وهي تشعر فجأة بشيء بارد يصطدم بجسدها والذي لم يكن سوى أحد المشروبات الذي يحمله أحد رواد المكان لتنتفض بغضب شديد وهي تدفع الرجل بعيدًا عنها وفي الثانية التالية كانت يدها تصطدم بوجهه مسببة عودته للخلف ثم صرخت في وجهه بغضب مخيف :
" الويل لك يا قذر هل تعلم ثمن تلك الكنزة ؟؟؟ لقد كلفتني نصف راتبي لشهر يا حقير "
أنهت حديثها وهي تنظر للرجل في الأرض الذي سقط بسبب قوته ضربتها بالإضافة لعدم وعية بما يحدث ...
تحركت بعدها الفتاة صوب الحمام وهي تسب وتلعن في هذه الحياة التي تعيشها ثم دخلت للمرحاض وخلعت ثيابها محاولة إزالة ما به من آثار لذلك المشروب المقرف...
دخلت فتاة للحمام وهي تترنح بعدم وعي ثم خلعت سترتها والقتها على الحوض وأخذت تعدل من وضع ثيابها ثم دخلت لإحدى المراحيض...
نظرت الأخرى للسترة بخبث وهي تبتسم مفكرة أن تلك الفتاة لن تنتبه لغياب سترتها فهي تبدو ثملة وبشدة لذا لا ضير من استعارتها قليلًا ...تبعت تفكيرها بخلع ثيابها ثم ارتدت تلك السترة وهي تقف أمام المرآة تنظر لنفسها قليلًا مفكرة :
" حسنًا لا بأس بها رغم بشاعة اللون لكن لا بأس فانتِ جميلة دائما عزيزتي جولي "
أنهت حديثها بغمزة لنفسها في المرآة ثم تحركت صوب باب الحمام سريعًاقبل خروج الفتاة وهي تمني نفسها بسهرة أمام التلفاز مع بعض البوشار و...
توقفت فجأة عن التفكير والسير؛ لرؤيتها ثلاث رجال ذوي أجساد ضخمة يسدّون مدخل الحمام وهم يحملقون بها كما يحملق الجائع في قطعة اللحم.
" أفسحوا الطريق لي رجاءًا "
" كريستن ؟؟؟؟؟"
كانت تلك كلمة أحدهم وهو يرمق السترة بشك لترفع هي حاجبها بعدم فهم :
" عفواً ؟؟؟؟"
انحنى أحد الرجال على رفيقه وهو يهمس له بحنق :
" اعتقد أنها هي المطلوبة فهي ترتدي نفس السترة ذاتها، لنحضرها وننتهي من هذا فأمامنا ساعات طويلة في الطريق "
هز رفيقه رأسه باقتناع ثم نظر للفتاة التي كانت تقف متخصرة في انتظار أن يفسحوا لها الطريق، لكن بدلًا من فعل ذلك تقدم منها أحدهم وفي ثوانٍ كانت تتوسط ذراعيه بعدما خدرها .
تحرك الرجال وهم يحملون الفتاة لخارج الحانة وبالطبع فما من أحدٍ يسأل عما يفعلون في ذلك المكان وكان هذا لصالحهم ....
وعلى طاولة ما كان يجلس وهو يراقب فتاته تقترب منه بوجه عابس قائلة بغيظ :
" حسنًا حبيبي القاك لاحقًا فقد اتصل أبي، ويبدو غاضبًا جدا لأنني تركت الحرس الخاص بي يجب عليّ الرحيل "
نظر الفتى لها بملل غير عابئ بالأمر فعليًا :
" حسنا لا بأس جميلتي، لكن أين هي سترتك؟؟؟ فالجو بارد في الخارج "
لوت الفتاة فمها بحنق وهي تحمل امتعتها متحدثة بضيق :
" لا اعلم خلعتها في المرحاض وعندما خرجت لم اجدها ....ذكرني ألا نحضر لذلك المكان القذر مجددًا "
____________________________________
دخل ماركوس للقصر وهو يتحدث مع أخيه الكبير يحاول إقناعه بشيء ما، لكن من ملامح مايك يظهر أنه يرفض الأمر تمامًا ....
" حسنًا ماركوس لقد سأمت حقًا منك لما لا تنشغل في شيء آخر بعيدًا عني ...انظر فبريانو يجلس هناك اذهب وازعجه وتوقف عن ازعاجي "
رفع فبريانو عينه من هاتفه وهو يرمق الاثنين ببرود شديد ثم ابتسم فجأة وهو يفتح ذراعيه بسخرية :
" نعم تعال يا حبيب فبريانو فصدري الحنون يتسع للجميع "
أنهى حديثه وهو يشير لادم الذي يجلس جانبه بوجه متجهم ويظهر أنه قد دخل في نقاش مع فبريانو وقد فشل كعادته فلا أحد يستطيع اجبار فبريانو على شيء لا يريده ...
انتبه الجميع لدخول انطونيو وهناك أحد الرجال يتبعه وانطونيو يحدثه بجدية كبيرة مخيفة :
" حسنًا ضعها في أي مخزن حتى أتفرغ لها ...عملك ينتهي هنا "
أنهى حديثه وهو يصرف الرجل ليبتسم جاكيري الجالس جوار فبريانو ويهمس له بخبث :
" يبدو أن العزيز انطونيو يخطط لشيء ما "
ابتسم فبريانو وهو ينظر لانطونيو بفضول شديد ثم فتح فمه بنية الحديث لكن منعه انطونيو بحركة من يده وهو يجلس بعدما فتح ازرار سترته :
" لا تحلم أن أخبرك بما اخطط له فبريانو "
" اه مابك يا رجل أنا فقط كنت سأسألك عن اسم مصفف شعرك فقد اعجبتني قصتك "
ضحك انطونيو على ابن عمه ثم نظر بعينه في جميع الأرجاء ليجد الجميع وعلى غير العادة متجمعين ليقول بتعجب :
" ذكروني إن كانت هناك مناسبة اليوم لتجمعكم ؟؟؟"
تحدث مارسيلو بعدم اهتمام وهو يتصفح هاتفه :
" لقد غادر جدك في رحلة طويلة "
لم يبدو أن انطونيو قد تفهم المغزى وراء حديث ذلك اللا مبالي مارسيليو ليقول بحاجب مرفوع :
" وهذا يعني ........"
ترك انطونيو باقي جملته معلقة على أمل أن يكملها أحدهم علّه يفهم المغزى وراء هذا التجمع السعيد الغريب ....
" سنحضر نساء "
هكذا تحدث مايك بعبث سريعًا بما يدور في خلده منذ علم بمغادرة جده القصر، لكن ما كاد انطونيو يفتح فمه معنفًا ذلك القذر حتى سمع الجميع صوت عالي جدا يصرخ بغضب جحيمي :
" ماذا ؟؟؟؟ ماذا قلت ايها الشاب ؟؟؟؟ ".
__________________________________
خرجت من منطقة التفتيش وهي تحمل حقيبتها على كتفها ثم تحركت نحو الخارج وهي تدور برأسها في الإرجاء باحثة عن خالها الذي من المفترض أنه أتى لاستقابلها ...
خلعت نظارتها لتضعها أعلى شعرها تزفر بضيق ناظرة في ساعة يدها تترقب وصول خالها بفارغ الصبر فهي حقًا لا تحب أن تكون في مكان غريب وحدها...تشعر وقتها أنها محط الأنظار وهذا الشيء يدفعها للاختناق وبشدة.
وللمرة التي لا تعلم عددها تنظر في ساعة يدها لعلها تلتهي قليلًا عن هذا الجمع الذي يحيط بها، لكن فجأة انتفضت بسرعة للخلف وهي تشعر بظل يخيم عليها وصوت رخيم يتحدث بلكنة ايطاليا
" تفضلي معي آنستي فالجميع في انتظارك "
فتحت عينها بصدمة وهي تنظر لصاحب الجسد الضخم ذلك والذي لم تفهم أي كلمة مما تحدث فهي ابدا لا تفقه اللغة الإيطالية، تمسكت بحقيبتها وهي تتحدث بلغة عربية بسبب توترها الكبير :
" هو خالو اللي بعتك ؟؟؟"
نظر لها الرجل بتعجب :
" عفواً يا آنسة لم افهم ما قلتي "
وايضًا هي لم تفهم حديثه لذا سريعًا تحدثت بانجليزية متقطعة لكثرة خوفها من مظهره :
" هل هو من ارسلك ؟؟؟"
نظر لها الشاب قليلًا قبل أن يهز رأسه باحترام داعيًا إياها بعينه أن تسبقه في السير، تحركت خلفه وهي تضم حقيبتها بخوف وما كادت تنحني لتحمل حقيبتها من الأرض حتى سبقها هو وحملها مشيرًا لها أن تتحرك أمامه، وبالفعل نفذت الأمر سريعًا وهي تسير أمامه حتى وصلت لسيارة حديثة تصطف أمام باب المطار ثم صعدت إليها تبتلع ريقها تحاول حمل هاتفها للتحدث مع خالها، لكن تذكرت فجأة أنها نسيت شحن بطاريتها لذا أغمضت عينها قليلًا لتهدأ وهي تفكر أنها الآن في طريقها لخالها ....
وهناك أمام المطار ترجل بسرعة من سيارته وهو يصرخ بغضب شديد في ابنته ناظرًا في ساعة يده :
" عاجبك كده ؟؟؟ زمان البنت اترعبت وهي واقفة لوحدها في المطار كل ده "
هبطت ابنته من السيارة وهي تنظر لوالدها بحزن شديد فهي سبب التأخير بعدما أصرت على المجيء معه لاصطحاب ابنة عمتها ....
" آسفة والله ...أنا هعتذر ليها عن التأخير يا بابا خلاص بقى "
نظر خالد لابنته بضيق وهو يتوقف في منتصف صالة الاستقبال ينظر حوله محاولًا البحث عن ابنة أخته الكبرى، لكن أبدًا لم يلمحها في المكان، شعر بالقلق فجأة وهو يخرج هاتفه ينظر للساعة به من المفترض أن طائرتها قد حطت منذ ساعة تقريبًا، حاول الاتصال بها ليجد أن هاتفها مغلق
" يا ترى أنتِ فين يا روبين ؟؟؟؟"
_____________________________________
كانت تنظر حولها بضيق فهي منذ استيقظت وجدت نفسها في ذلك المكان القذر وتلك الرائحة تكاد تصيبها بالغثيان والرطوبة تنتشر في المكان، نهضت من مكانها وهي تتحرك صوب ذلك الباب الحديدي وهي تصرخ بالجميع في الخارج غافلة عن أن المكان عازل للصوت بشكل كامل :
" اللعنة عليكم يا قذرين ..أنا أعلم من ارسلكم وعندما اخرج سأخرج أعينكم من محاجرها بيديّ، بالتأكيد أحد المنافسين لي هو من ارسلكم "
كانت تصرخ وهي تضرب الباب بقدمها مغتاظة بشدة تفكر أنه ربما يكون أحد المغنيين في تلك الحانة هو من فعل هذا بها بسبب غيرتهم من صوتها الجميل ونجوميتها بين جميع السكارى .
هكذا سخرت " جولي " من نفسها وهي ما زالت تحدق في الباب، أو لربما يكون حبيبها السابق ذلك القبيح هو من ارسلهم لينتقم منها على ضربه يوم افتراقهما ؟؟؟؟؟؟؟
ايًا كان من ارسلهم تقسم أن تذيقه الويل ........
________________________
" هيا اخبرني من سيحضر نساء؟؟؟؟ اخبرني "
ابتلع مايك ريقه من تلك النبرة التي خرجت من العجوز للتو وهو ينظر حوله في الوجوه علّه يجد من ينجده من بين يديها ولم يجد أمامه سوى أخيه ليسارع القول وهو يشير لماركوس ليس لخوفه منها بل ليتخلص فقط من حديثها المزعج :
" إنه ماركوس ... هو من يريد إحضار النساء سيلين "
دارت أعين المرأة التي تدعى سيلين في الوجوه حتى وقفت أمام عين ماركوس الذي لم يستوعب بعد ما قاله أخيه وهي تصرخ بغضب شديد :
" أنت ؟؟؟ أنت يا ماركوس ؟؟؟ خيبت املي أيها الشاب، وانا من ظننتك لطيف "
فتح ماركوس فمه لينفي تلك التهمة عن نفسه لولا مايك الذي جذبه إليه وهو يمنعه من الحديث.....
" لا تلومي نفسك سيلين فالجميع ينخدع أيضًا بذلك الوجه اللطيف، لكن حسنًا دعينا نقول الحقيقة ...الشاب يمر بفترة صعبة ويحتاج لبعض اللين في حياته، أعني انظري إلينا تسعة شباب وعجوز، اقسم أن لا أحد يتحمل تلك الحياة الصعبة، نحتاج لأيدي ناعمة تربت عــ"
توقف مايك عن الحديث فجأة وهو يرى عكاز سيلين يهبط على جسده بغيظ شديد وهي تصرخ به :
" أيدي ناعمة ؟؟؟؟ وهل تظن أن هناك امرأة ستتحمل شخيرك الذي يوقظ جميع من بالقصر ؟؟؟"
تأوه مايك بغيظ شديد وهو ينظر لها بشر هامسًا :
" ايتها العجوز اللعينة لولا جدي لكنت قتلتك اقسم "
نظرت سيلين للجميع بعدما انتهت من ذلك العابث مايك وهي تشير بعصاها في جميع الوجوه قائلة بسخرية :
" أخبروني من سيتحمل العيش مع تلك الوجوه العفنة، أو من ستتحمل الاستيقاظ كل يوم على وجوهكم ؟؟؟؟ أنا من الآن مشفقة على من ستقع في حب أحدكم، يا خيبتك في أحفادك يا اليخاندرو "
أنهت سيلين حديثها وهي تتحرك ببطء تتوكأ على عكازها وهي تتمتم بضيق بينما الشباب كانوا ينظرون في أثرها بضيق شديد فتلك العجوز دائما ما تنغص عليهم حياتهم، لكن لا أحد منهم يجرأ على أن يمس شعرة منها فهي رفيقة جدهم منذ الطفولة رغم أنها تفوقه في العمر بكثير، وهي أيضًا من عملت على تربيتهم .
" يوما ما سأقتل تلك العجوز "
هكذا تحدث جاكيري بضيق وهو يراقب حركات سيلين الواهنة يضيف على حديثه :
" انظروا إليها تكاد تنافس الاهرامات في عمرها، سنموت وتظل هي في هذه الحياة "
تحدث انطونيو وهو يخرج الجميع من أفكاره :
" حسنًا انتهينا سوف اذهب للراحة قليلًا ولا أريد أن أسمع صوت واعني بصوت أنت يا جايك "
انتبه جايك على حديث اخيه ليفتح فمه باعتراض وهو يصيح فيه بحنق :
" ماذا ؟؟؟ أخبرتك إن كنت تنزعج من صوت الموسيقى أن تبدل غرفتك بإخرى ....بدلّها مع ادم "
انتفض آدم سريعًا وهو يهتف باعتراض :
" ارجوك دع ادم وشأنه أنا لا احتمل ضوضائك تلك يكفيني شخير مايك "
فتح مايك فمه بصدمة من حديث ادم يصرخ بغيظ :
" مهلًا أنا لا اصدر شخيرًا أثناء نومي...هل ستصدق حديث تلك العجوز المجنونة ؟؟؟ "
نظر جايك لادم بغيظ :
" حتى انت يا صغير أصبحت تعترض، آهٍ من زمن لا يتركنا ابرياء "
رفع آدم حاجبه بسخرية ليقطع ذلك الحديث الممل صوت فبريانو وهو يتحرك من مكانه قائلًا بملل شديد :
" سأخرج للحديقة وأقطع بعض الاخشاب وانتم أكملوا حديث الاطفال هذا "
أنهى حديثه وهو يتحرك نحو بقعته المفضله في القصر والتي تكون الحديقة الخلفية والتي تحتوي على الكثير من الأشجار الضخمة وركن يحتوي على أدوات التقطيع يفرغ بها فبريانو طاقته دائما بعيدًا عن القتل .
نظر الجميع لبعضهم البعض بعد رحيل فبريانو ليعم صمت طويل لم يقطعه سوى صوت جاكيري وهو ينهض حاملًا مفتاح سيارة ملوحًا بيده للجميع :
" حسنًا كان نقاشًا صغيرًا مملًا كالعادة ...ذكروني ألا اجلس معكم مجددًا يا رفاق، وداعًا ".
___________________________________
نظرت حولها بخوف شديد وهي تسير إلى جانب شقيقها تحاول ألا تظهر رعبها للجميع، انتفضت على يد شقيقها وهو يضغط عليها قليلًا :
" رفقة ...."
التفت رفقة لأخيها وهي تبتلع ريقها ليقترب هو منها هامسًا :
" متتوتريش كده الناس واخدة بالها منك ومن حركاتك المتوترة دي "
صدمت رفقة وهي تضع يدها على شعرها تتأكد أن باروكة الشعر مثبتة جيدًا ليهز اخوها رأسه بيأس وهو يطمئنها :
" متقلقيش الباروكة ثابتة ...اهم حاجة أنتِ بس خليكِ واثقة في نفسك، اول ما هتوصلي ايطاليا هتلاقي في المطار واحد اسمه جون مستنيكِ وهو هياخدك على السكن اللي هتقعدي فيه حاولي متجذبيش الأنظار ليكِ هناك تمام ؟؟؟ وانا هكلم واحد معرفة هناك يخلصلك كل الورق "
هزت رفقة رأسها بتفهم وهي تنظر لأخيها بدموع تأبى الهبوط لا تصدق انها سترحل عن بلدتها هاربة بل و متنكرة أيضًا في هيئة أخيها بعدما ضاقت بها السبل في بلادها ....
" متقلقش يا حبيبي هكون بخير وكل شوية هطمنك انت بس صليلي وخليك دايما على تواصل معايا "
ابتسم الشاب وهو يحاول منع دموعه من الهبوط ثم جذب أخته الصغيرة لاحضانه بقهر شديد وهو يهمس لها بوجع فشل في اخفاءه :
" حقك عليا يا رفقة مقدرتش احميكِ ولا قدرت ابرئك بس اوعدك اني هحاول تاني وتالت لغاية ما برائتك تظهر للكل ...أنتِ بس خلي بالك من نفسك "
ابتسمت رفقة وهي تبتعد عن أحضان أخيها تمسح تلك الدمعات التي تزين خدها وهي تقول ممازحة :
" متخافش يا اسكندر اختك قدها وقدود انت ناسي لما كنت بمسك ولاد الحارة كلهم اضربهم ؟؟؟"
ضحك اسكندر بشدة عليها وما كاد يتحدث حتى سمع صوت النداء الخاص برحلة أخته ليضمها سريعًا ثم ابتعد عنها ينظر في عينها بقوة :
" من انهاردة أنتِ مش رفقة سمعاني ؟؟؟ أنتِ من النهاردة اسكندر ابراهيم "
ابتسمت له رفقة وهي تحمل حقيبتها ثم ابتعدت عنه وهي تقول بصوت عالي نسبيًا بسبب صوت المكبرات في المطار :
" متخافش يا باشا اسمك في الحفظ والصون ...هخلي إيطاليا كلها تحلف باسكندر "
____________________________
هبطت من السيارة بعد رحلة طويلة على طريق وعر تعتقد أنه لربما كان جبل ما فهي للحظات كانت تشعر أن السيارة تصعد بها ولا تسير على طريق مستقيم ...
ابتلعت ريقها وهي تنظر لذلك الذي وضع حقيبتها أيضًا ثم أشار لشيء وهو يقول بإيطالية متنقنة ناسيًا أنها لا تفهم لغته :
" السيدة سيلين في انتظارك "
أنهى الرجل كلمته ثم تحرك سريعًا قبل أن يصدر منها ردة فعل مما جعلها تقف في مكانها بصدمة كبيرة لا تعلم ماذا تفعل سوى أنها استدارت ببطء لتجد نفسها تقف في مكان واسع يشبه الحدائق العامة في بلدها
" وهو من امتى خالي كان عايش في قصر ؟؟؟ معقولة كون ثروة كبيرة اوي كده في الكام سنة اللي سافرهم ؟؟؟"
همست روبين لنفسها وهي تنظر حولها بعدم فهم لا تفهم شيئًا تسير بلا هوادة تحدق بكل شيء حولها وكأنها في متحف ...
انتبهت على نفسها انها نست حقيبتها خلفها لتعود ركضًا تحملها ثم تكمل سيرها مجددًا تحاول ايجاد باب الدخول لتلك القلعة التي تشبه قلعة محمد علي التي كانت قد زارتها في إحدى رحلات المدرسة سابقًا ...
" هو خالي بيشتغل في الاعضاء ولا ايه ؟؟؟"
وأثناء سيرها انتبهت لصوت عنيف يأتي من مكان قريب لها لتبتسم بسعادة وقد وجدت ما يدل على وجود بشر في تلك المدينة المصغرة _كما ترى_ لذا سريعًا ركضت نحو ذلك الصوت بلهفة شديدة وهي تصرخ باسم خالها، لكن فجأة توقفت وهي تراقب بعينها ذلك الجسد المثير _ من وجهة نظرها _ والذي يملكه شاب يرتدي تيشيرت دون أكمام باللون الاسود يحمل فأسًا ضخم بعض الشيء وهو يكسر بعض الاخشاب أمامه بقوة مرعبة .
اخذت عين روبين تتبع الفأس وهي تصطدم بجذع الشجرة الذي يقبع أمام ذلك الشاب مقطعًا إياه لقطع صغيرة ...
كان فبريانو يقطع الاخشاب وهو يخرج بها كل طاقته التي عادة ما يخرجها في مهماته، لكن وقت فراغه يخرجها في ذلك الـ...توقف عما يفعل وهو يستمع لصوت تحطم بعض الاخشاب الصغيرة أسفل قدم ما لذا ببطء رفع رأسه وهو ينظر من بين خصلات شعره التي هبطت على جبينه لكثرة تعرقه، ليجد فتاة صغيرة تحمل حقيبة ظهر كتلك التي ترتديها الفتيات الصغيرات اثناء ذهابهم للمدرسة، مرر أعينه ببطء على جسدها بدئًا من ذلك الجاكت الجلدي وحتى بنطالها ذو خامة الجينز وصولًا لحذائها الابيض والذي اتسخ جراء سيرها في الوحل تقريبًا، وبعد تلك الرحلة على ثياب الصغيرة عاد مجددًا لوجهها ذو الملاح الـ...حسنًا يمكن القول ذو الملامح العادية جدا ....ضيق عينه وهو يراها تبتسم له ببلاهة شديدة وكأنها صغيرة تقابل والدها بعد يوم دراسي صعب .
ركضت روبين بسرعة صوب ذلك الرجل والذي خمنت سريعًا بذكاء منقطع النظير أنه البستاني الخاص بخالها، لذا تحدثت سريعًا بانجليزية متقنة غير تلك التي كانت تحدث بها الضخم الآخر :
" حمدًا لله انني وجدتك في تلك المتاهة ..هل تعلم أين هو خالي ؟؟؟"
رفع فبريانو حاجبه بعدم فهم ليس لحديثها فهو يفهم الإنجليزية جيدًا، ولكن لمقصدها أي خال ذلك الذي تقصده تلك الصغيرة؟؟؟
ترقبت هي رده ولكن كل ما صدر منه كان التواء صغير جانب فمه يشبه الابتسامة، لكنها ابدًا لم تكن هكذا وايضًا نظرات غامضة جعلتها ترتاب وهي تقول بصوت منخفض :
" أولست بستانيّ هنا يا فتى ؟؟؟ "
فتح فبريانو فمه يمنع خروج ضحكة على حديثها، هل نعتته للتو ببستانيّ وايضّا فتى، هو الذي بعمر الـ ٢٩ تأتي فتاة لا تصل حتى لبداية صدره وتنعته بفتى، لكن لا بأس ببعض المتعة لذا انحنى قليلًا وهو يقترب من وجهها هامسًا ببسمة مستمتعة باردة بعض الشيء :
" نعم أنا البستانيّ هنا، بما تأمر سيدتي ؟؟؟؟؟"
______________________________
كان مايك يستعد للخروج وهو يقف أمام المرآة مبتسمًا يمني نفسه بقضاء ليلة رائعة كعادته مستغلًا تفرغهم الغريب عن العادة هذا، لكن فجأة وجد الباب الخاص بغرفته يفتح بشكل مفاجئ لينتفض للخلف بسرعة وهو يرى ماركوس يقف جواره يعدّل من وضع ثيابه يقول ببسمة :
" حسنًا يا اخي لقد تجهزت لنذهب "
" عفواً يا صغير ماذا قلت للتو ؟؟؟"
توقف ماركوس بتعجب وهو يرمق أخيه :
" ماذا؟؟؟؟؟ سأذهب معك ...اريد الاستمتاع الليلة واستغلال غياب القائد "
ضحك مايك بسخرية شديدة و ماكاد يتحدث حتى وجد مارتن يدخل عليهم وهو يبتسم بخبث شديد غامزًا لمايك :
" هناك فتاة في الاسفل تنتظرك منذ فترة والشباب قـ "
فتح مايك عينه بصدمة ولم يستفسر عن مقصده حتى وهو يدفعه بصدمة كبيرة راكضًا على الدرج يتسائل عن هوية تلك التي تجرأت و خطت بقدمها قصرهم، لكن تصلب فجأة وهو يجد ابناء عمومته وأخيه الغبي قد تكفلوا بالفتاة فهذا مارسيليو اللامبالي يحتضنها بشكل فج وجايك قد استغل الأمر وهو يرسمهما وآدم جالس يراقب الأمر بترقب شديد وكأنهم في عرض ما ...
هبط سريعًا وهو يصرخ بجنون في اولاد عمه أن يتركوا الفتاة وشأنها :
" انتم يا اوغاد دعوا الفتاة وشأنها "
انتبه مارسيلو على أخيه ليقول ببسمة واسعة :
" ها قد جاء مايك يا جميلة، أخبرتك أنك لن تشعري بمرور الوقت معنا "
أطلقت الفتاة ضحكة عالية جعلت ادم يصفر وهو يقول باستمتاع :
" اين أنتِ يا سيلين لتري النساء "
" نساء ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟......."
فتح الجميع أعينهم بصدمة كبيرة وهم يستمعون لصوت معروف لهم وبشدة، لينتفض ادم بصدمة وهو ينهض من الأريكة يقفز من فوقها حتى سقط ارضًا، لكنه رغم ذلك تحامل على نفسه ونهض سريعًا يركض .
ابتلع جايك ريقه وهو يجمع أدواته بكل هدوء قائلًا بثبات مزيف :
" حسنًا يا شباب نكمل لاحقًا فقد تذكرت الان موعد مهم جدًا "
أنهى حديثه وهو يغادر المكان رفقة أدواته يتلو في نفسه الصلوات شفقة على مارسيليو و مايك .....
نظر مارسيليو للفتاة بين يديه بفزع ليتركها فجأة فتسقط أرضًا وهو يقول ببسمة غبية :
" هذه ..... تلك الفتاة ....أنها اقصد أنها رفيقة اخي وجاءت بحثًا عنه و......."
" ماذا يحدث هنا ومن تلك الفتاة ؟؟؟؟؟"
وكان ذلك الصوت كفيلًا بجعل الجميع يرتعبون في أرضهم والذي لم يكن سوى لاليخاندرو الوحيد الذي يستطيع ارعابهم وهم من يقذفون الرعب في صدور الجميع .......
تحدث مايك وهو يشعر بضربات قلبه تكاد تتوقف من نظرات جده فهو يعلم جيدًا كما الجميع رأي جده في إحضار نساء للقصر ...قانون جده واضحًا داخل حدود القصر لا لهو ولا عبث، في الخارج لكم مطلق الحرية فيما تفعلون، وأثناء حديثه وقعت عينه على إحدى الصور التي تملأ بهو المنزل :
" جدي أنها ....هي تكون ....فبريانو "
نظر اليخاندروا لمايك ببرود وهو يردد كلمته :
" فبريانو ؟؟؟؟"
" لا ...اقصد نعم ...هي هي حبيبة فبريانو "
فتح مارتن فمه بصدمة لما سمعه للتو :
" من بيننا نحن التسعة لم تجد سوى فبريانو لتلصق به مصيبتك ؟؟؟؟ سيقتلك بطريقة تجعلك تتمنى لو انك أخبرت جدك بالحقيقة "
ابتسم اليخاندرو وهو ينظر لمايك مرددًا :
" فبريانو إذا ؟؟؟؟ حسنًا فليتصل احدكم بفبريانو ويخبره أننا ننتظره هنا رفقة صديقته ........"
________________________________
كان يتحرك بهيبة شديدة يتبعه رجاله صوب تلك الغرفة التي تقبع بها ضحية هذه الحرب المشتعلة بين قائدهم و أحد زعماء المافيا الآخرين ..
تحدث بصوت بارد مخيف كعادته يحمل في طياته ظلام دامس :
" هل احضرتموها ؟؟؟ "
هز أحد الرجال رأسه وسارع في الإجابة بكل قوة وجبروت :
" نعم يا سيدي حدث كل شيء كما خططت وهي الآن تقبع في هذه الغرفة تحت تأثير المخدر "
همهم ببرود ثم تحدث بعدها وقد وصل أمام الغرفة مباشرة :
"هل حدث من جهتها أي مقاومة ؟؟؟ "
" لا ياسيدي ؟؟؟ لا شيء، فكما علمنا عنها سابقا أنها فتاة حمقاء غبية لذا لم نجد صعوبة في احضارها لهنا "
هز رأسه في إشارة على استحسانه لما فعل رجاله ثم مدّ يده وفتح باب الغرفة التي تقبع خلفها ابنة واحد من أكبر أعدائه الذين تجرئوا وتعدوا على أراضيهم .
فتح الباب بكل برود يمتلكه وهيبة ورعب يتلبس جميع من أمامه، لكن كل ذلك اختفى وهو يشعر بشيء يقفز فوق اكتافه بعنف شديد ...
انتفض جسده وهو يدخل للغرفة سريعًا يحاول ابعاد ذلك القرد الذي يتعلق برقبته جاذبًا شعره بعنف شديد والذي اتضح أنه لم يكن سوى تلك الفتاة الحمقاء الغبية كما قال رجاله .
اغتاظ بشدة وهو يصرخ برجاله أن يبعدوها عن رأسه لكنها أبت إلا أن تهبط بشعره كله في يدها وهي تصرخ :
"اه اذا انت رئيس تلك العصابة اقسم إنني سأريك الويل يا حقير تريد اغتـــ.صــابي؟؟ سأريك ما سأفعله بك أيها الوغد "
انهت كلماتها وهي تزيد من جذب خصلاته ليصرخ انطونيو وقد فاض به الكيل جاذبًا إياها بعيدًا عن رأسه وقد أصبحت تتمسك به كالخفاش :
"اللعنة عليكِ..اتركيني يا لعينة وابتعدي عن شعري ...اضيئوا تلك الأنوار يا حمقى "
أنهى حديثه تزامنًا مع نجاحه في ابعادها عن شعره واخيرًا، سحبها أمام وجهه في نفس وقت إضاءة المكان كله ليقع نظره عليها فتاة سمراء البشرة قليلا ذات ملامح شرسة وحادة ككلماتها السامة اطال الاثنين النظر في بعضهما البعض حتى قاطع تلك النظرات حديث الفتاة بحنق شديد :
" يا ربي ما هذا القبح ؟؟ يارجل أنت حتى اقبح من حبيبي السابق ...لأول مرة أرى شخص بهذا القبح عن قرب "
ابتسم ببرود شديد وهو يرفع يده عنها ملقيًا إياها ارضًا بعنف متجاهلًا سبابها الوقح الذي لا يليق بفتاة، ثم تحدث بصوت مخيف وهو ينظر لرجاله مشيرًا لتلك الفتاة ارضًا :
"من هذه ؟؟؟"
" ابنة خافيير يا سيدي ".
ابتسمت الفتاة بغباء شديد تهز رأسها بإيجاب موافقة على حديث الرجل :
" نعم إنها أنا بالفعل ابنة خافيير ماذا تريد من أبي يا هذا ؟؟؟"
تجاهلها هو ليبتسم بسمة جانبية وهو يشير للفتاة بسخرية :
"تلك العجوز ؟؟؟ ابنة خافيير فتاة في التاسعة عشر من عمرها وانتم ذهبتم واحضرتم لي عجوز وقحة وتخبروني أنها ابنه خافيير ؟؟؟ "
أنهى كلماته بصراخ رنّ صداه في المكان كله ليرتعب الجميع منه متراجعين للخلف بينما هي نظرت له بصدمة مشيرة لنفسها باستنكار شديد :
"عجوز ؟؟؟ يا اللهي أنه ليس قبيح وحسب بل وقح أيضا ؟؟؟ هييييه أنت يا سيد من هي العجوز ؟؟ "
نهضت تنفض ثيابها ثم نظرت له بتحفز شديد مشيرة له بالتقدم :
" تعال لاريك من هي العجوز يا قبيح، اعرف تمامًا من ارسلك إنه بوبي سولو ( مغني ايطالي مشهور ) صحيح ؟؟؟ هو يغار مني ومن نجاحي لذا ارسلك للتخلص مني، أنا أدرك جيدًا الالاعيب ذلك الوسط القذر "
كانت تتحدث وهي توجه اصبعها أمام عينه بغيظ شديد ...نظر انطونيو حوله لرجاله بعدم فهم :
" من تلك الغبية التي احضرتموها بحق الله ؟؟؟؟ هل اختطفتم ابنة مايكل جاكسون ام ماذا ؟؟؟"
نظر الرجال له بعظم معرفة ليجيب أحدهم :
" سيدي هي نفسها الفتاة التي كلفتنا باحضارها ولا نعلم عما تتحدث لربما كانت مجنونة أو ما شابه "
التفتت جولي بصدمة لذلك الوقح وهو تقول بعدم تصديق :
" لا اصدق كم الوقحين الذين أحاط بهم ...أليس بكم شخص راقي لعنة الله عليكم يارجال "
صمتت قليلًا تحاول الهدوء ثم تنفست بهدوء وبعدها رفعت عينها لانطونيو الذي يراقبها ببرود يحاول معرفة من تلك المجنونة التي أحضرها رجاله ؟؟؟؟؟؟؟
" حسنًا دعنا نصل لاتفاق ما رأيك ؟؟؟؟"
ولم تتغير ملامح انطونيو ولو بمقدار صغير وهو يراقبها تتحرك في المكان بحرية ثم توقفت فجأة وهي تقول باستسلام وكأنها كانت في حرب مع نفسها :
" أنت الآن ستتركني ارحل وانا سأقسم أنني لن اغني مجددًا لمدة أسبوع كامل، حسنًا ؟؟؟؟"
ولم تلقى ردًا من انطونيو سوى نظرة ساخرة قبل أن يتركها ويخرج من الغرفة بخطوات بطيئة باردة آمرًا رجاله أن ينتبهوا لتلك المجنونة حتى يعلم جيدًا ما حدث، لكن وقبل أن تخطو قدمه لخارج الغرفة حدث ما جعله يتصنم وهو يفتح عينه بصدمة كبيرة هامسًا بعدم تصديق وبكلمات متقطعة مخيفة :
" ما هذا.....الذي.....تفعلينه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟"
________________________
وتلك فقط البداية، وكل ذلك تمهيد لما نحن على وشك خوضه في تلك الرحلة 💜
وتذكروا انتم لم تروا شيئا بعد ......
توقعاتكم للي جاي
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة نبيل
* هام قبل القراءة*
( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني )
وتاني هقول رجاءً بلاش تحرقوا الأحداث اللي جاية في الفصول الاولى يا جماعة كده انتم بتفسدوا متعة القراءة على البعض، رجاءًا محدش يجي من الفصول الجديدة ويعلق في القديمة باللي هيحصل قدام.
وصدقني اللي جاي هيكون قادر على سحبك لعالم تاني خالص فاترك نفسك للرحلة اللي جاية وعيش 💜
قراءة ممتعة للجميع ...
اصوات الموج تعم المكان بصوت تلاطمها في الصخور وكأنها تصرخ بعنف لإهمال الجميع لها، بسبب حلول الشتاء، تزداد ضرباتها للصخور كسيدة عجوز تردد متذمرة، تأتون إلىّ كلما اشتدت حرارة الشمس فوق رؤوسكم، وعند رحيل تلك الحرارة تنفرون مني بكل صلف .
خرج من المطار بكل هيبة كعادته وهو يرتدي بذلته التي تتكون من بنطال اسود وقميص يماثله باللون يعلوهم معطف باللون الرمادي، يغطي عينه بنظارة سوداء تخفي أسفلها نظرات باردة، ارتسمت بسمة صغيرة وهو ينظر خلفه لباب المطار يراها تخرج منها كفراشة رشيقة ذات ألوان مبهجة، الوان مهلكة لقلبه المسكين .
مدّ يده الحرة ليمسك بيدها في قوة كبيرة يرميها بتلك الابتسامة التي يخصها بها، بينما هي غمزت له وهي تجذب النظارة بعيدًا عن عينه :
" هكذا افضل عزيزي "
أطلق انطونيو ضحكات صاخبة وهو ينحني حتى يصل لطولها الذي لا يقارن بطوله الفارع، فهو اكثر الاحفاد طولًا من بين الجميع ويبدو أنه الوحيد الذي ورث ذلك الطول عن جده، انحنى مقبلًا وجنتها بحنان شديد ثم ابتعد عنها وهو يهمس لها :
" امممم لا بأس دعينا نتحرك فأنا متعب "
ابتسمت له روما وهي تتحرك معه صوب السيارة التي كانت تصطف أمام المطار والتي طلب تأجيرها لتكون رفيقتهم في تلك الرحلة التي ستستغرق اسبوعًا استطاع انطونيو وبصعوبة أن يقتطعه من عمله ورمى بحمله الأكبر على مارتن و مارسيلو و ماركوس فهم فقط من يثق بهم في تلك الحالات.
رحلة لهما هما فقط، هي وهو فقط، رحلة شهر عسلهما، نعم فهما تزوجا البارحة فقط، ليقرر انطونيو أنه حان الوقت لتنفيذ وعده القديم بالهرب بها بعيدًا عن الجميع مع تغيير بسيط، وهي أن الجميع على علم بهروبهما.
صعد انطونيو للسيارة بعدما وضع الحقائب في الخلف وفتح لها الباب بكل لباقة غامزًا لها :
" أنا أحاول التحلي بكل أساليب اللباقة لأجلك جلالة الملكة روما، حتى لا تشقي رأسي بعدم اهتمامي بكِ "
أنهى حديثه وهو يستدير ليستقر خلف مقعده يلاحظ تقوس فمها للاسف بحنق من حديثه :
" تتحدث وكأنني احب التذمر طوني "
ضحك انطونيو و هو ينطلق بسيارته نحو وجهته التي اختارها هو بكل عناية :
" العفو قلب طوني، بل أنا الظالم المستبد "
" نعم أنت كذلك "
" اعتذاري لسموك أميرة روما "
استدارت له روما وهي تقول مربعة يدها لصدرها :
" ها...انظر، ها أنت بعدما ناديتني للتو بالملكة، الآن تناديني أميرة، أنت تقلل من رتبتي يا سيد، أخشى أن أصبح آخر اليوم جارية لسيادتكم "
علت قهقهات انطونيو في السيارة وهو يهز رأسه بيأس عليها :
" نعم أنا بالفعل ظالم روما، لا اعلم كيف ستقضين بقية حياتك رفقة شخص مثلي ؟!"
ابتسمت هي بسمة جانبية تخفي خلفها خبث كبير قبل أن تقول وهي تدير عينها حولها بعدم اهتمام :
" لا بأس سيد انطونيو، إن لم تعجبني الإقامة، سأجمع اشيائي واعود لحياتي واحلامي "
" في احلامك ....."
***************
ركضت في الممر وهي تتخبط في كل من يقابلها يصلها صراخ مديرها الذي يكاد يصم آذان جميع العاملين في المكان، وأثناء ركضها الغبي اصطدمت فجأة بعامل المشروبات لتسقط معه ارضًا وتسقط جميع المشروبات على كليهما.
تحركت عينها ببطء تنظر لثيابها بصدمة وهي ترمش بسرعة و كأنها بحركتها تلك تبعد تلك الصورة التي تعرض لها ثيابها المتسخة من أمامها .
رفع الرجل نظره ببرود لها، ثم نهض يحمل شظايا الزجاج من الأرض مرددًا بحديث جاد وكأنه روتين يومي :
" نعم آنسة لورا، لقد اسقطتي الاكواب عليكِ للمرة الخامسة هذا الأسبوع "
أنهى الرجل حديثه ثم تحرك بكل حنق صوب غرفته حتى ينظف ثيابه في روتين اعتاده يوميًا من تلك الفتاة الخرقاء التي بقيت تجلس ارضًا وهي ترمقه يرحل بهدوء هكذا دون حتى أن يساعدها وكأنه ليس معتاد على الامر، وكادت تستمر في شرودها ذلك قبل أن تنتفض لارتفاع صراخ المدير مجددًا .
نهضت بسرعة تنظر لثيابها التي تعلم جيدًا ردة فعل والدتها عليها، حملت الملفات التي تلوثت بالعصائر من الأرض ثم تحركت صوب المكتب بسرعة تطرق الباب وهي تتنفس حتى تتجهز نفسيًا لـ....
" ادخــــــــــلي لــــــــورا "
انتفضت لصراخ مديرها وهي تفتح الباب بسرعة وكأنها تعلم في الشرطة قائلة بيسمة واسعة واثقة :
" صباح الخير سيدي، كيف حالـ ...."
لم تكمل حديثها بسبب رؤيته لذلك الجسد الممتلئ يتخلى بشكل غريب عن عرشه الملكي الذي لم يكن يترفع سابقًا ويتحرك من أعلاه، حتى أن الجميع كان يظن أنه التصق بمقعده ..
" صباح الخير ؟؟؟؟؟ صباح الخير وأنت تعملين لدىّ؟؟؟ صباح الخير وأنا كل يوم أرى وجهك هذا ؟؟؟"
صدمت لورا من حديثه الجارح لها؛ لذا سريعًا أخرجت المرآة الصغيرة التي تحتفظ بها في حقيبتها تنظر في وجهها وهي تقول بعدم فهم :
" ما به وجهي ؟؟؟؟ سيدي أنا فزت بمسابقة ملكة جمال ايطاليا لـ.."
قاطع حديثها رؤيته وهو يتحرك بصعوبة صوبها بغية الانقضاض عليها، لكنها لم تمنحه الفرصة وهي تركض سريعًا تختبئ خلف ذلك الموظف الذي انتهى للتو من تقريع المدير له ..
" احميني موسى "
صُدم المدعو موسى وهو يراها تتشبث بثيابه، لينتفض وهو يبعدها عنه بعنف هامسًا من بين أسنانه يرى اقتراب المدير منهم بملامح لا تنذر بالخير :
" ومن يحمي موسى ؟؟؟؟ ابتعدي عني، نلت ما يكفيني اليوم لورا "
أنهى حديثه وهو ينتزعها نزعًا من ثيابه التي كانت تتمسك بها كهرة صغيرة تنشب أظافرها في ثياب صاحبها بعدما رفعها من الأرض تخشى السقوط .
نظرت لورا لموسى بشر وهي تتوعد له، لكن قبل التحدث بكلمة شعرت فجأة بهواء ساخن يصطدم بوجهها تبعه صوت غليظ يصرخ في أذنها :
" من أمرك بكتابة ذلك الخبر الاحمق بالعدد الاخير للمجلة ؟؟؟"
عادت لورا للخلف خطوة صغيرة وهي تخرج منديل تمسح وجهها بحنق تحاول الابتسام في وجهه :
" سيد مارشيل، أهدأ ودعني اااااا"
" أهدأ؟؟؟ تطلبين مني أن أهدأ بعد ذلك الخبر الاحمق ؟؟؟ ما دخل متابعين المجلة بمشاكل الباندا مع أشجار البامبو لورا ؟؟؟"
ضحكة عالية لحظية فلتت من ذلك الذي يتابع المحادثة باستمتاع، لولا نظرة لورا له وهي تتوعد له بعقاب مضاعف على السخرية منها أمام مديرها المتغطرس بدلًا من الدفاع عنها، تنحنحت وهي تقول بصوت واثق :
" سيدي أنه لأمر مهم، فالباندا كائن مهدد بالانقراض ومشاكل أشجار البامبو ااااا"
" للجحيم أنتِ و الباندا لورا ..."
صمت قليلًا يراقب تعابيرها الحانقة وتقوس فمها بسخرية وهي تحرك فمها بحركة بطيئة وكأنها تسبه :
" اسمعي آنسة لورا، تلك هي فرصتك الأخيرة، اقسم لكِ إن لم تحضري لي خير يستحق النشر لاطردنك من تلك الجريدة ولن اجعل أي احمق يوظفك، سمعتي ؟؟؟"
هزت لورا رأسها بنعم وهي ترمقه بنظرات مغتاظة تسمع يكمل حديثه :
" امامك اسبوع ....اسبوع واحد لتعودي لي بخبر يستحق النشر بعيدًا عن مشاكل الباندا، و سبب تساقط شعر الكلاب، والآن انصرفي من أمامي "
تحركت لورا للخارج بعنف شديد تتجاهل نداء موسى خلفها وهي تركض صوب المرحاض، مكانها المفضل المعتاد، دخلت له بسرعة ممتنة لعدم تواجد أحد به، تقتحم أحد المراحيض الصغيرة تغلق الباب خلفها وهي تتنفس بعنف تجلس على المرحاض ثواني وهي تنظر بيدها تضغط عليها بقوة قبل أن تخرج شيء من جيب ثيابها تبتلعه بسرعة دون أي مياه، صمتت قليلًا، وهي ما تزال تراقب يدها، قبل أن تنفجر فجأة ودون مقدمات في البكاء.....
***************
كان يجلس على الأريكة بكل برود وهو يراقب الجميع حوله ويراقب ارتفاع صوت مايك الذي كان يقف في منتصف البهو يتخصر بحنق :
" أنت حقير جاكيري، أنا لم أطلب سوى أن تأخذني معك، هل هذا كثير ؟!"
" أنا لست ذاهبًا لرحلة مايك حتى اصطحبك معي "
" بل أنت كذلك بالفعل، ثم أنك ستأخذ سيلين معك "
أنهى مايك حديثه بحنق كطفل يغار من تدليل والده لأخيه ويعامله هو بقسوة، تحولت نظرات جاكيري لسيلين التي كانت تجلس على الأريكة وأمامها حقائب عدة، ترتدي ثياب مليئة بالازهار وقبعة تكاد تبتلع رأسها ونظارة سوداء، وعقد من الورود حول رقبتها بشكل مثير للسخرية .
مسح جاكيري وجهه بحنق وهو يصرخ في سيلين :
" سيلين بحق الله نحن ذاهبون لمصر، وليس هاواي، ما الذي ترتدينه؟!"
لم تجبه سيلين، بل ترفعت بكل كبرياء عن الرد على هكذا احمق _ من وجهة نظرها _ وهي تحمل هاتفها تتصفحه بكل هدوء وتأخذ صور لها .
سمع جاكيري صوت خلفه يقول بمرح :
" هيا لقد تجهزت "
التفت جاكيري ينظر لتوفيق الذي كان يرتدي شورت يتخطى ركبته بالقليل فقط، وفوقه قميص مكون من عدة ألوان يحمل حقائب كثيرة، ما بال هؤلاء القوم؟! يظنون أنهم ذاهبون لإحدى الشواطئ ؟!
" توفيق هل مصر جزيرة خاصة بقضاء العطل الصيفية ؟!"
هز توفيق رأسه بلا لا يفهم سؤال جاكيري له، لكنه اجاب على اي حال :
" لا، لا أعتقد أن مصر جزيرة، ام أنها جزيرة؟!ربما هي شبه جزيرة؟! لا ادري حقًا لكنها تحتوي بحار ومحيطات وترع "
قال توفيق كلمته الأخيرة بالعربية وهو يبتسم بسمة غبية مشعلًا غضب جاكيري أكثر وهو يحاول التحكم في اعصابه، قبل أن يبتسم بكل بساطة يهز كتفيه بعدم اهتمام وهو يفكر أنه سيلقي بهم من الطائرة في أول محيط يقابله .
" ستأخذ ذلك العجوز أيضًا وتتركني؟! أنت حقير كبير اقسم لك "
هكذا أنهى مايك حديثه بحنق شديد قبل أن يسمع الجميع صوت بارد حاد من الخلف :
" احضرهم جميعًا جاكيري وسنلقي بهم في أي بركان أو محيط، علّنا ننتهى من هذا الغباء، ونحد من انتشاره "
استدار جاكيري وهو يضحك بصخب لفبريانو :
" يا رجل هل تقرأ أفكاري ؟!"
ولم يكد فبريانو يجيب حديث جاكيري حتى سمع الجميع صوت يقتحم جلستهم بعدما فتحت روز الباب :
" منزل آل فوستاريكي ؟!"
*****************
الموسيقى تصدح في الغرفة وهي تتحرك عليها بكل تناغم ومرونة كبيرة، تهز خصرها احيانًا، وتحرك كتفيها أحيان أخرى بشكل يتناسب مع الموسيقى التي تصدح وعلى وجهها ترتسم بسمة واسعة، تتسع بسمتها أكثر وأكثر، وهي تتخيل نفسها تتمايل بين ذراعيه وهو يراقصها، اتسعت بسمتها أكثر لتتحول فجأة لضحكة وهي تتخيله يرقص، رباه فبريانو يرقص؟! ستكون تلك ثامن عجائب الدنيا .
توقفت روبين عن الرقص فجأة وهي تستمع لصوت هادئ جوارها :
" اسفة لو بزعجك آنسة روبين بس الاستاذ مالك مستني حضرتك في الجنينة تحت عشان الفطار "
فتحت روبين عينها ببطء، ثم رمت بابتسامة لطيفة للفتاة التي احضرها مالك خصيصًا حتى تهتم بها، هنا في مزرعته والتي علمت منه أثناء إحدى جلساتهم أنها خاصة به هو وزوجته، واحيانًا يحضر عائلته إليها، تقدمت روبين من المرحاض تغتسل قبل أن تنضم في الاسفل لمالك تقترب منه بهدوء شديد تحييه على استحياء :
" صباح الخير عمو مالك "
ضحك مالك وهو يشير على المقعد المقابل لها وهو يردد :
" اتفضلي عشان نفطر "
جلست روبين على المقعد وهي تلاحظ قدوم أحد من خلف مالك، لتجذي نظراتها انتباه مالك وهو يستدير ليبصر ليث ( قائد فبريانو المباشر ) يقترب منهم وهو يبتسم بسمة ساخرة وعينه تمر على روبين التي تعجبت نظراته لها .
وقف ليث أمام الطاولة وهو ينظر لمالك قبل أن يقول بلا مقدمات وهو يسحب أحد المقاعد :
" دراجون على وصول وشكله مش ناوي خير، مش فاهم أنت مخبي البنت هنا ليه ؟!"
لم تفهم روبين شيء وهي توجه نظراتها لمالك الذي تناول الخبز بالمربى في برود تام جعلها تعتقد أنه ليس نفسه ذلك الرجل الحنون الذي احضرها لهنا :
" مرحبًا بيه في أي وقت يا ليث، ينور مصر"
ادعت روبين تناولها الطعام وهي تفكر في ذلك الـ دراجون والذي سمعت اسمه من الرجال الذين جاءوا لإنقاذها ذلك اليوم، لكنها كتمت تساؤلها في داخلها، دون أن تبوح به، لتسمع ضحكة ذلك الرجل المسمى ليث :
" مش هتجبها لبر غير لما واحد فيكم يقتل التاني، صحيح عملت ايه مع نور ؟! "
" ملكش دعوة بنور "
هكذا تحدث مالك وهو يرتشف قهوته بتلذذ وبرود يعود بظهره للخلف وهو يردد مضيفًا على حديثه :
" لسه متولدش اللي يلعب معايا، و فبريانو ده أنا هعلمه ازاي يحترم الكبير، بدل ما هو ماشي يطيح في الكل ومفكر ملوش حد يقف في وشه "
علت ضربات قلب روبين وهي تنظر لوجه مالك تهمس باسم فبريانو، ما دخل فبريانو بهم، وهل هناك عداوة بينه وبين مالك؟!ولم تعلم روبين انها همست اسمه بصوت عالي لينتبه لها الثنائي وكأنهم للتو رأوها .
خجلت روبين من نظرات الاثنين وهي تدفن وجهها في الطعام لتسمع صوت ليث يردد ببسمة جانبية وبلغة لم تفقه ما هي :
" يبدو أنك عملت نقطة ضعفه تلك المرة مالك، لكن احذر فهو أيضًا يعلم نقطة ضعفك، ولا استبعد أن يذهب لخطف نور في المقابل "
ضحك مالك ضحكة عالية رنّ صداها في المكان وهو يقول ببرود ونبرة مخيفة :
" فقط يحاول أن يقترب منها، وقتها سأريه وجهي الآخر "
ارتابت روبين من تلك الضحكات وهي تهمس في نفسها بخوف :
" شكل فبريانو عمل مصيبة للناس دول، أنا عارفة عمره ما عمل حاجة عدلة في حياته الخرابة ده "
********************
توقفت سيارة انطونيو أمام العنوان المطلوب وهو ينظر للفيلا الصغيرة المكون من طابقين وامامها حديقة صغيرة وخلفها بحيرة جميلة، ابتسم وهو يهبط يفتح الباب لروما بلطف جعلها تبادله بسمة تشبه خاصته، ثم تحرك انطونيو يحمل حقائبه، وبعدها تحرك صوب باب المنزل يفتحه وهو ينظر للخلف إلى روما ليراها تلاعب جرو صغير بلطف شديد .
ابتسم وهو يراقب لطفها، لكن سرعان ما انقلبت بسمته فجأة وهو يرى رجل يقترب منها يرمقها بنظرات غريبة لم تفت انطونيو ويبدو من حديثه الذي لم يصل له، واشاراته أنه صاحب الجرو .
ترك انطونيو الحقائب وهو يتحرك بخطوات بطيئة صوب روما ثم وقف أمامها يخفيها تمامًا خلف قامته الطويلة يقول ببسمة باردة زينت محياه :
" مرحبًا "
رفع الرجل نظره لانطونيو والذي كان يفوقه طولًا بكثير يجيبه بكلمات متحمسة :
" مرحبًا، انتم المستأجرين الجدد هنا صحيح ؟!"
هز انطونيو رأسه ولم يرتح لبسمته السمجة تلك وهو يمد يده يصافحه :
" نعم، و ؟!!!"
ترك انطونيو حديثه معلق، ليجيب الرجل بسرعة وهو يشير للمنزل المقابل الخاصة انطونيو يقول ببسمة بشوشة عكس ما يراها انطونيو :
" انا اسكن في المنزل المقابل لكما مع زوجتي، اتينا لقضاء العطلة سويًا، ويبدو أنكما كذلك، صحيح ؟! "
لم يجب عليه انطونيو وهو يقول ببسمة باردة بعض الشيء، وبوقاحة تخطت كل الحدود مشيرًا لمنزله بنفس الشكل الذي قام به الرجل سابقًا :
" لقد وصلنا للتو من سفر طويل ونحتاج للراحة؛ لذا اعذرنا يا سيد "
سارع الرجل في لهفة غريبة يجيب انطونيو، ونظراته تحلق حول روما، وكأنه نحلة تحلق فوق زهرة لأجل التقاط رحيقها حتى آخر رمق :
" ولتر، ادعى ولتر "
" انا لم أسألك عن اسمك "
ابتسم الرجل بحرج كبير مما يفعل معه انطونيو، لكن انطونيو لم يهتم للحقيقة، هو في حياته لم يهتم لأحد سوى عائلته وروما، وهذا ليس من ضمن عائلته، وبالطبع ليس روما؛ لذا للجحيم هو واحراجه .
دخل انطونيو المنزل الصيفي الذي يقبع في إحدى القرى الجبلية التي تزخر بانهار كثيرة، ثم ترك الحقائب جانبًا وهو يحرك رقبته بألم، بسبب طول المسافة من المطار لهنا، لكن صوت روما في الخلف وهي تقول بلوم شديد :
" ألا تظن أنك كنت وقحًا بعض الشيء ؟!"
" لم أكن وقحًا روما، كنت انطونيو "
" ماذا ؟!"
تساءلت روما بتعجب وهي تسير خلفه بينما هو يخلع ثيابه بدون اهتمام يلقيها في أي مكان يقابله يقول بكل هدوء وهو يستدير لها والبسمة تزين وجهه :
" ماذا ماذا روما؟! هذا هو أنا، لا تخبريني أنكِ لا تعلمين كيف اتصرف عادة مع الغرباء ؟! لقد تصرفت معه كأنطونيو، ولا شيء جديد "
" نعم بما أنك ذكرت الأمر، دعني استغل الموقف واخبرك أن عائلتك كلها وقحة "
حرك انطونيو كتفيه للاعلى والأسفل أثناء تصاعد شفتيه في تهكم وكأنه يخبرها " هكذا نحن "، لكن صوت رنين جرس المنزل قاطع ذلك النقاش الغاية في الرومانسية والمناسب للحظات الاولى لهم سويًا في شهر عسلهما، تحركت روما صوب الباب الذي كان الطرق عليه عاليًا بشكل مستفز، قبل أن تجد فجأة امرأة تندفع داخل منزلها بشكل جعلها تسقط في احضان زوجها الذي لم يكن يرتدي ثيابه العلوية .
__________________________
" لو أن انطونيو هنا لكان اجبركم عن أخذي معكم "
هكذا أردف مايك بحنق وتذمر كطفل صغير عوقب من السفر مع عائلته بسبب سوء علاماته المدرسية، يضم ذراعيه لصدره بحنق شديد، لا يقبل ذلك القرار المجحف في حقه بأن يُترك هنا، بينما هم يلهون في مصر، ويرون نساء شرقيات جميلات.
أضاف مايك على حديثه السابق ساخرًا ومتهكمًا على حظه :
" لكنه الآن يستمتع في شهر عسله مع زوجته، ذلك المحظوظ تزوج وذهب لقضاء شهر عسل، بينما أنا اتذلل للذهاب مع احمقين مثلكما "
صمت لينتبه إلى نظرات فبريانو المرعبة؛ لذا تراجع سريعًا :
" احمق، احمق واحد فقط "
توقف وهو يرى مسدس جاكيري الذي أخرجه في التو وقد بدأ يفقد هدوءه بسبب مايك الذي انتفض بفزع وهو يردد :
" أنا الاحمق اقسم لك، أسأل مارسيلو وسيخبرك من الاحمق هنا، مارسيلو من الاحمق هنا ؟! "
كاد مارسيلو يتحدث لولا ذلك الصوت الذي شق الأجواء والذي كان لطفل صغير :
" ابي "
اجاب مايك دون أن يعلم مصدر تلك الكلمة :
" لا ليس ابي الاحمق بل ااااا..."
توقف فجأة وهو يدرك تلك الصرخة ومصدرها، يرى طفل ذو جسد ضعيف نحيل يركض صوب البهو .
بمجرد صدور تلك الصرخة حتى نظر الجميع لمايك باتهام وصدمة ظنًا أن الطفل يركض صوبه، لكن مايك عاد للخلف وهو يشير بأصبعه بلا ورأسه تتحرك سريعًا وهو يقول برعب :
" ليس أنا اقسم، أنا ليس اطفال "
نظر الجميع بتعجب لذلك الطفل الذي توقف في منتصف البهو وخلفه روز التي دخلت بهدوء، فهي من فتحت الباب منذ قليل.
تحركت عين الطفل بين الجميع وكأنه يبحث عن أحد، ليشعر مايك بالخطر وهو يخفي نفسه خلف جاكيري، ينظر للصبي نظرات مريبة وكأنه وحش سينقض عليه، يهمس بجوار جاكيري :
" يا ويلي هل فعلها جدك وأحضر لنا عم جديد ؟! "
ونظرة صغيرة من جاكيري أخبرته جيدًا أن يصمت.
تحرك الصبي بهدوء صوب مارتن الذي كان يحمل حاسوبه على قدمه وهو ينظر للطفل بتعجب، قبل وقوف الطفل أمامه وهو ينظر له بعيون واسعة مستكشفة جعلت عين جولي تتسع بصدمة وهي تهمس :
" مارتن هل تمتلك طفلًا ؟! هل خنتني ؟!"
نظر لها مارتن بصدمة من تخمينها يهز رأسه بلا مشيرًا لنفسه باستنكار :
" اقسم أنني لم أفعل، إنه مايك "
انتفض مايك من خلف جاكيري يدافع عن نفسه بقوة أمام ذلك الاتهام البشع :
" اها، أيها الخائن تذهب لتتسكع مع النساء ثم تنجب منهن اطفالًا وبعدها تلقي الأمر على مايك، عارٌ عليك يا قليل الادب، إنه هو جولي لا تصدقيه، هذا الخائن الكاذب، لا يكفي أنه ليس مافيا وايضًا خائن، كيف تتحملينه بحق الله ؟!"
أنهى مايك حديثه بتشفي وهو يرى نظرات مارتن المصدومة وهو يحاول تبرير موقفه، لولا انتفاضة جولي من جواره وهي تصرخ بصوت مرعب في المكان :
" يا حقير، تخونني أنا، تبًا لك ولعائلتك كلها، يكفي أنني تقبلت كونك شريفًا، لتزيد الأمر بأنك خائن أيضًا، تبًا لك ولعائلتك مرة أخرى "
تحدث جايك وهو يميل على أذن ماركوس :
" هل تمت اهانتنا للتو ؟!"
" اعتقد ذلك، لكن لا بأس هي لم تقل شيئًا خاطئًا "
توقفت جولي في منتصف البهو وهي تبكي تتخيل مارتن يخونها، يا الله هي اعترفت منذ أيام قليلة بحبها له، وضعت امالًا كثيرة عليه، والآن يخونها ؟!
تألم قلب مارتن وهو يرى نظرات جولي الموجوعة؛ لذا ابعد حاسوبه ببطء وهو يتجه لها يسحبها لاحضانه غير مهتمًا باعتراضها، أو بنظرات الجميع يهمس لها بلطف شديد :
" اقسم لكِ أنني لم أمس امرأة يومًا سواكِ، ولم اسمح لقلبي بالخفقان سوى لمحياكِ، أنتِ فقط جولي"
بكت جولي بعنف في أحضان مارتن، تصدقه، ولا تملك سوى ذلك، هي تصدقه وتؤمن أنه يومًا لن يفكر في غيرها.
انتبهت فورًا جولي على اقتراب الطفل من فبريانو وهو يقف أمامه يرزقه بنفس النظرات التي سبق ورمق بها مارتن، ليجذب بذلك اهتمام الجميع .
نظر فبريانو للطفل ببسمة صغيرة جعلت الطفل يبتسم بسمة لطيفة، يرمق ذلك الرجل الوسيم، ذو الملامح اللطيفة والهادئة، لكن صوت فبريانو الذي خرج بكل هدوء وبسمته لم تزل تزين وجهه :
"صدقني أنت لا تود أن تفعل معي كما فعلت مع مارتن "
ابتعد الطفل من فوره من أمام فبريانو ثم استدار في المكان يمرر عينه على الجميع، جاعلًا إياهم في حالة تحفز غريب، جعل ماركوس ينكمش على نفسه وهو يراقب تحرك الطفل صوبه وكأنه قنبلة موقوتة ستنفجر في الجميع، قبل أن يتحرك بهدوء صوب آدم الذي كان يحمل كتابًا يقرأه بهدوء، لكن منذ دخول الطفل وهو تشتت في القراءة، وانتبه لحركاته كما فعل الجميع .
توقف الطفل أمام ادم وهو يضم قدمه بحب يردد مسندًا رأسه على قدمه :
" ابي "
تيبست يد آدم في الهواء وهو يفتح عينه بصدمة مما يرى، وفمه مفتوح بشكل مضحك، ينظر في الوجوه بعدم فهم، من بين الجميع اختاره هو ليناديه بابي ؟! حقًا ؟!
وأثناء صدمة ادم انتبه فجأة لوقوف هايز خلف روز، ويبدو أن لا أحد انتبه لوجودها من الأساس، وبسرعة نظر لها باتهام، أنها هي من تفعل ذلك لتوريطه أو لشيء في رأسها لا يدركه هو، لكن أيًا كان ذلك الشيء، يقسم أن يريها الويل بسبب ما تفعله به .
_________________
تفاجئ انطونيو لثواني بسبب اصطدام جسد السيدة به، و لم تكتف بذلك، بل أمسكت كتفه برعب وهي تشير نحو الخارج :
" انقذنا ارجوك، زوجي وحده في المنزل "
ولم يستمع لها انطونيو، أو ينتبه لما تقول وهو يشعر بالاشمئزاز من لمستها، و انتفاض جسده أسفل يدها بشكل ملحوظ فسرته هي تأثرًا بلمستها، لكن انطونيو كان بعيد كل البعد عن تفسيرها، حيث شعر باندفاع شعور تقزز داخله بشكل جعله يدفع السيدة عنه بسرعة كالملسوع وهو يغمض عينه بشكل ارعب روما والسيدة التي لم تفهم ما الأمر، لكن انطونيو لم يهتم لها وهو يرمقها بنظرة مخيفة، لتسارع هي بتبرير ذلك الموقف السخيف الذي تعرضت له :
" لقد هجمت بعض القردة البرية على منزلنا ودمروا كل شيء، وزوجي وحده هناك "
ضغط انطونيو على أسنانه وهو يهمس :
" للجحيم أنتِ وزوجك، أنا لا اهتم "
وبمجرد انتهاءه من كلمته حتى وجد ثيابه التي خلعها للتو تندفع أمام عينه، وصوت روما الحانق يصدح وهو يقول :
" ارتدي هذا حبيبي؛ حتى لا تصاب بالبرد "
نظر لها انطونيو ومازال الاشمئزاز يظهر في نظراته، ينتزع الثياب من يد روما، ثم ارتداه وهو يشعر كما لو أن يديها التي لمستها للتو كانت جمرًا، هو حتى الآن لم يستطع معالجة ذاته، هو حتى لا يعلم علته، سوى أنه يشمئز أي لمسة من أي انثى، غير تلك الأنثى التي تقف جوراه وترمق السيدة كنمرة على وشك الفتك بفريستها .
تحدثت السيدة مجددًا باستجداء لا تفهم شيء من نظرات الاثنين، تشير صوب الخارج وهي تكرر كلماتها معتقدة أنهم لم يستمعوا لها :
" زوجي في المنزل و...."
" اخرجي الآن من منزلي، أنا لا اهتم بكِ او بزوجك "
تفاجأت السيدة من حديثه الذي لم تتوقعه يومًا من أحد سابقًا في موقف استجداء كهذا، لتتساءل بتعجب عن ذلك الرجل العجيب .
" يا سيد هذه وقاحة "
" نعم اعرف "
فتحت السيدة فمها لترد عليه بحديث لاذع توقفه عن بروده ووقاحته تلك، لولا صوت زوجها الذي اخترق الاجواء بضحكته المستفزة _ لانطونيو _ يتحرك داخل المنزل وهو يقول لزوجته ببسمة واسعة :
" لا تقلقي عزيزتي، لقد تخلصت منهم جميعًا، لا داعي لازعاج الجيران الجدد "
أنهى حديثه ينظر لانطونيو وهو يقول ببسمة :
" لا تزعج نفسك يا سيد لقد .... "
" لم أكن لافعل "
وبهذه الجملة الوقحة قاطع انطونيو حديث الرجل معلنًا بكل تبجح رغبته في رحيل الاثنين من منزله .
وقح؟!
نعم، ولا يهتم بذلك، هو لم يعتد أن يصطنع اللطف أمام أحد، ولم يعتد أن يدعي شيئًا ليس به لأجل أحد، هكذا اعتاد أن يتصرف مع أي أحد خارج إطار عائلته، وهكذا سيظل حتى يموت، غير أن هذا الرجل لا يستريح لبسمته المستفزة السمجة، ولمسات زوجته له تكاد تحرق بشرته ، وشعور بالتقزز يندفع من جوفه حتى وصل لحلقه .
وعند تلك الفكرة رفع عينه لروما التي اغلقت الباب وهي تنهي اللقاء ببسمة حاولت قدر الإمكان صبغها باللطف لتداري فعلة انطونيو، نفخت روما بضيق وهي تستند بجبينها بحنق على الباب بعدما اغلقته، ولم تكد تستدير حتى شعرت بيد تضمها بقوة شديدة من الخلف وصوت انطونيو يهمس لها بنبرة شعرتها خارجة من طفل صغير يستجدي حنان والدته، يود نسيان شعوره بيد تلك المرأة عليه :
" عانقيني روما ......"
_________________________
"ماذا؟! ابن آدم ؟! "
انتهى مايك من همسته المصدومة وهو يدور بعينه في الوجوه على أمل أن ينفي أحدهم حديثه، لكن الجميع وقتها كان في عالمه الخاص وهم يرمقون تلك الطبيبة التي تمسك بيد مراهق ضعيف البنية، أبيض البشرة مع شعر اسود ناعم و عيون زرقاء واسعة .
تحرك مايك للاريكة ببطء وهو يمسك جهة قلبه بتألم :
" الأمر يزداد سوءًا، حتى الصغير آدم أحب، بل وأنجب طفلًا أيضًا ."
اقترب ماركوس من الطفل وهو يحمله قائلًا بحنان شديد :
" اه ابن أخي العزيز، كيف تخلى عنك والدك الحقير يا صغيري؟! اه انظروا إليه يشبه آدم في طفولته ."
فتح ادم فمه بصدمة وهو يمرر نظره على الجميع يحاول الحديث، لكن لم يستطع، يبتسم بعدم تصديق وهو يرمق هايز بنظرات غير مستوعبة لما يحدث .
تحدث ماركوس وهو يشير لمارتن:
" هيييه مارتن تعال وانظر لابن أخيك يا رجل، لن نقسو عليه نحن أيضًا يكفي والده "
أنهى حديثه وهو يزجر ادم بنظراته، ثم نظر لفبريانو الذي كان يجلس على الأريكة وهو ينظر للجميع ببرود وملل :
" تعال وانظر لابن أخيك فبريانو ."
" إن جئت إليك سأقتلك أنت واخي؛ لذا دعني كما أنا ماركوس، فلن يسرك مجيئي ."
"حسنًا لا تتعب نفسك أنا سأعتني به، صحيح كم عمره ؟! "
أنهى ماركوس حديثه وهو ينظر لهايز بتساؤل، لتجيب هايز عليه وهي تحاول تجنب نظرات آدم الحارقة التي يدرك لعبتها تلك، تجلي حلقها راسمة بسمة عملية على فمها :
"هو في الثانية عشر ."
ربت ماركوس على شعر الصبي بحنان شديد، يدرك جيدًا ما يحدث، لكن بشكلٍ ما الأمر يعجبه، يعجبه وبشدة تلك النظرات المصعوقة من جهة ادم، و الحسرة التي تنبثق من عين مايك، و التعجب الذي ساد الأجواء، لكنه لم يكمل حديثه بسبب ما سمعه من هايز :
" يا مسكين في الثانية عشر ولم .....مهلًا ماذا ؟! "
تحدث مايك وهو يولول كسيدة عجوز فقدت وحيدها الذي كان يعينها على مآسي الدنيا، لتجلس على قارعة الطريق تجذب ثيابها بحسرة، يفكر في عمر آدم الذي بالكاد تجاوز الخامسة والعشرين، وها هو يملك طفلًا في الثانية عشر من عمره، وهو المسكين في هذه العائلة :
"يا ويلتي، ادم انجب طفلًا وهو في الثالثة عشر من عمره، وها أنا أوشكت على بلوغ التاسعة والعشرون ولم اقبل امرأة يومًا، يا حسرتي على شبابي الذي ضاع سدى، حسرتي على نفسي التي زهدت النساء، حتى لا أقحم عائلتي في الخطايا، والصغير ادم لوث شرف العائلة وهو مراهق لم ينبت شعر شنبه حتى ."
صمت ثم نظر لمارسيلو الذي كعادته كان يرمق الجميع بلا مبالاة وكأن ما يحدث اخر همه، لكن فجأة شعر بشخص يلتصق به في الحاح، ورأس ترتمي على كتفه، ثم صدح صوت مايك وهو يقول في لهفة شديدة :
"لم يتبقى لي سواك في هذه العائلة يا اخي، إياك أن تنظر لفتاة حتى أجد أنا من تشاركني حياتي البائسة ."
رمقه مارسيلو بسخرية وهو يبعده عنه مرددًا :
_"وكأنني اهتم ."
توقف الجميع عما يفعل بسبب الصرخة التي صدحت القصر :
" حسنًا تبًا لكم جميعًا، توقفوا عن هذا الهراء."
نظر الجميع لادم الذي اشتعلت عيناه بشر ذكرهم بفبريانو، وإن كان غضب ادم اسوء من حالة فبريانو المعتادة، إلا أنه كان مرعبًا بحق وهو يتحرك بعنف صوب هايز التي ركضت لاول جسد قابلها والذي لم يكن سوى مايك، الذي ضمها وهو يستغل الموقف :
" لا تخافي من ذلك الادم، أنتِ هنا بين احضان مايك حيث لا خوف ولا ..."
صمت ثواني وهو يراقب تحركات ادم العنيفة ونظراته التي ازدادت اشتعالًا وهي تتسقر على يده التي يضم بها هايز قبل أن تصدح صرخته في القصر كله :
" مايـــــــك "
" ماذا هي من ألقت بنفسها في أحضاني، توقف عن الصراخ بي انا الكبير هنا ادم، هذا ما ينقصني، حتى اصغرنا يصرخ في وجهي "
أنهى حديثه بسخرية وحنق قبل أن يصدح في المكان صوت آخر ينهي ذلك الجدال :
" اقسم أن انهض الآن واقتلكم جميعًا، إن لم تصمتوا"
استدار ادم بعنف صوب الصوت، قبل أن تلين نظراته بسرعة وهو يرى المتحدث الذي لم يميز صوته في غمرة غضبه والذي لم يكن سوى فبريانو الذي نظر نظرة جانبية للطفل يأمره بعينه أن يتوارى عن الأنظار، وكذلك فعل الطفل وهو يركض يختفي خلف هايز التي ابتعدت من فورها عن مايك وهي تضم الصغير، قبل أن يخرج فبريانو سلاحه وهو يلوح به في الآفاق قائلًا بملل :
" لقد سمئت من غباء تلك العائلة اقسم، إن لم تخبروني خلال ثواني ما حدث، سوف اقتلنكم جميعًا، واقوم بتربية ذلك الصغير الذي يزعج الجميع واجعله مجرمًا "
فتحت هايز عينها بصدمه وهي تضم الصغير لها تغلق أذنيه حتى لا يصل لها ذلك الحديث المجنون، تتساءل مع أي عائلة سقطت؟!
لم يتحدث أحد، والجميع ينظر لبعضهم البعض بهدوء شديد، وكأن تلك الأصوات التي كانت تصدر منذ ثواني تكاد تصم جميع قانطي المنزل كانت محض خيال ليس إلا.
" حقًا؟! الآن صمت الجميع ؟! "
هكذا ردد فبريانو بنبرة ساخرة وبسمته ترتسم على فمه بشكل مرعب، جعل هايز تعود للخلف وهي تقول :
" هو ليس ابن آدم "
رفع فبريانو حاجبه بسخرية كبيرة وهو يردد مشيرًا لأفراد عائلته :
" حسنًا هم حمقى ولكن ليس لدرجة أن يصدقوا حديثك، جمليتي لا احد هنا يصدق أن الصغير ابن آدم، فهو لن ينجب طفلًا في عمر الثالثة عشر وايضًا وقتها كان آدم مسافرًا لإحدى الدول ويدرس بها؛ لذا رجاءً دعينا من هذا الهراء واخبرينا ما تريدين قبل أن ينفذ صبري واجعل رأسك تتدحرج امامك "
أنهى كلماته بحدة جعلتها تنتفض وهي تبكي دون وعي، ذلك الرجل مخيف، مخيف وبشدة، لدرجة جعلتها تود الهرب من هذا المكان، يالله تصرفاته لا تلائم مظهره الوسيم ولا لطافة ملامحه تلك .
نظر آدم لهايز بحزن وهو يتحدث بهدوء شديد، وقد عاد لما كان عليه قبل حدوث تلك العاصفة :
" اخي ارجوك ليس أمام الطفل "
" ليس أمام الطفل، أم والدة الطفل ادم ؟!"
صمت فبريانو وهو يضيف بسخرية :
" هذا إن كانت هي أيضًا والدته "
تحدثت هايز بارتجاف وهي تضم الطفل إليها أكثر لا تعلم إن كانت تحميه، ام تتحامى به، قبل أن تلتفت حولها تبحث عن دعم حتى وجدت روز تقف على مقربة منها لتقول برجاء :
" رجاءً هل يمكنك أخذه بعيدًا؟! لا أود أن يستمع لشيء "
نظرت روز للطفل بلطف وهي تهز رأسها ببساطة تنحني وهي تقترب من الصغير مبتسمة بحنان وهي تربت على شعره قبل أن تتحرك معه للخارج، تحت نظرات جايك الذي تململ في جلسته بضيق لخروجها من المكان، وكأن الجلسة أصبحت كئيبة فور رحيلها، ولم يعي سوى في تلك اللحظة أنه كان يراقبها هي فقط طوال الجلسة؛ لذا خروجها اشعره بالملل وهو ينهض هامسًا في أذنه مايك :
" أخبرني بالتطورات حين اعود "
أنهى كلماته وهو يتحرك للخارج بسرعة يلحق بهايز والصغير تحت تمتمات مايك الساخرة :
" نعم نعم اركض خلف الصهباء، أخبرتك سابقًا ايها اللئيم أنك ستسقط لها"
حركت هايز عينها على الجميع تتجنب النظر لادم الذي شعرت أن نظراته تكاد تحرقها من كثرة تحديقه بها، لا تصدق أنها تجرأت وحصلت على عنوانه من المشفى وجاءت إليه .
" هذا الطفل يتيم منذ طفولته، وامي من تولت أمر الاعتناء به "
صمتت وهي تبتلع ريقها مكملة :
" كنت وقتها في الثانية عشر حينما احضرته امي من الميتم، لأن أبي كان يود الحصول على طفل ذكر، وامي لم تستطع بسبب إزالة الرحم الخاص بها، وبعد سنوات قليلة توفيت امي بسبب إصابتها بمرض خطير، وانا من توليت رعايته، حتى اكتشفنا منذ عام تقريبًا أنه مصاب بمرض خطير؛ لذا تم حجزه في المشفى لحين إتمام شفاءه، لكن ..."
صمتت قليلًا وهي تنفجر في البكاء مرددة بعجز شديد :
" لم ...لم نجد له متبرع مناسب فهو يجري العديد من العمليات الجراحية ويحتاج لنقل الدم باستمرار، فصيلة دمه نادرة للغاية، لكن المشفى تدبرت أمر الدماء لشهور، حتى عجزت فيما بعد عن مده بالدم الذي يحتاجه؛ لذا كنت ابحث له عن متبرع عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ولم اجد للاسف، حتى ..."
" وجدتي اخي ؟!"
هكذا قاطع مارتن حديث هايز، هو يعلم امر فصيلة دماء أخيه، ذلك الامر الذي يزيد رعبهم على آدم تحديدًا، أنه إن اصيب بشيء خطير ففرصة حصوله على متبرع مناسب ضعيفة، بل تكاد تكون منعدمة .
هزت هايز رأسها وهي تنظر له برجاء :
" انا فقط اود مساعدته هو صغير للغاية على تلك المعاناة "
" و ما علاقة ادم به ليناديه ابي؟! أم أنكِ أنتِ من طلبتي منه نداءه بذلك ؟!"
رفعت هايز كالرصاص وهي ترمق ذلك المرعب فبريانو برفض واستنكار تهتف بصوت ارتفع قليلًا :
" مهلًا يا سيد أنا لست من تظنني، لقد اعتاد ايان مناداتي امي لأنني من ربيته تقريبًا، وعندما أخبرته أننا سنذهب لشخص سيساعده لم أتوقع أن يفعل ذلك "
صمتت ولم تخبرهم بالطبع باقي الحكاية التي احتفظت بها لنفسها لتنقذ ما تبقى من ماء وجهها، لم تخبرهم بالطبع أن ايان وجد صورة ادم لديها و ما أخبرته به وقتها عن علاقتها بـ آدم، التي لا يعلم ادم نفسه شيئًا عنها.
نهض فبريانو وهو يقول منهيًا الأمر بسبب تأخرهم على الطائرة :
" حسنًا يا فتاة أنا ليس لدي الوقت لكل تلك التفاهات، سأترك الأمر لادم فهو الوحيد الذي يحق له أخذ القرار، لكن قبل أن ارحل سأخبرك بشيء واحد "
صمت وهو ينظر بعينها نظرة ارعبتها مضيفًا :
" اخي بعائلتك كلها، إن مسه ضرر لن يكفيني قتل عائلتك في المقابل، بل سأمحو اثركم من الدنيا وكأنكم لم تكونوا يومًا "
أنهى حديثه وهو يخرج متحدثًا :
" لنذهب جاكيري "
راقب الجميع رحيل فبريانو بصدمة، بينما هايز همست برعب :
" كيف .....كيف يهددني بهذا الشكل؟! هل يعتقد أنه سيخيفني ؟! "
تحدث مارسيلو بسخرية وبسمة لا مبالية ترتسم على فمه :
" للاسف يا صغيرة هو لا يهدد، ثم نعم يجب أن تخافيه، الجميع هنا يخافه، وأنتِ لستِ استثناء "
ابتلعت هايز ريقها وهي تمسد جبينها مردده :
" أنه مرعب بحق "
تحدثت رفقة التي انضمت لهم منذ قليل فقط بعدما كانت تتجهز :
" نعم الجميع يراه مرعبًا، عدا فتاة حمقاء تراه في قمة اللطف "
نظرت لها هايز بسخرية لاذعة مشيرة للمكان الذي اختفى فيه فبريانو وهي تردد مستنكرة :
" لطيف؟! هذا ؟! بحق الله لا تمزحي معي، يكفي النظر لوجهه حتى تعلمين أي مجرم هو "
ضحكت رفقة بصوت عالي جذب انتباه جاكيري لها وهو يبتسم بدوره :
" لا عزيزتي هناك من يراه رقيقًا مراعيًا لطيفًا، صدقي أو لا تصدقي "
أنهت حديثها وهي تقف جوار جاكيري تقول له بهدوء :
" لقد انتهيت، هل نذهب ؟!"
ابتسم لها جاكيري بلطف وهو يربت على شعرها بلطف :
" نعم لنذهب "
قال وهو يحمل الحقائب دون أن يبعد نظره عن رفقة :
" هيا سيلين لنذهب "
تعجب ماركوس الذي كان يتابع كل ما يحدث بصمت وهو يستدير في البهو مستنكرًا وجود سيلين أثناء تلك المعركة وعدم تعليقها على شيء :
" سيلين هنا ؟! "
استدار جاكيري حيث تجلس سيلين ليجدها تضع سماعة أذنه وهي تحرك يديها في تأثر واضح لما تسمعه مغمضة العين لم تعي بالمعركة حولها وكأنها انفصلت عن عالمهم، وجوارها يقبع توفيق الذي غفى كطفل صهر ليلته سعيدًا بالرحلة، ثم نام أثناء الطريق .
زفر جاكيري بعنف :
" لقد حُسم الأمر، سوف ألقي بهما في أول بركان يقابلني "
___________________________
كان يقف بعيدًا يحمل دفتره الذي ركض لاحضاره بمجرد أن لمح ذلك المشهد الذي استفز اصابعه لتخليده، يجلس على الأرض بعيد قليلًا عن مكان روز التي كانت تلاعب الطفل، أو المراهق الذي ينكر الجميع عمره بسبب بنيته الضعيفة التي تجعله يبدو كطفل في السادسة، ابتسم وهو يراها تبتسم للصغير.
همس وهو يرسم عينها بدقة شديد يتذكرها جيدًا بسبب قربه منها مرات قليلة :
" مهلكة "
ولم يعي جايك لما يحدث سوى وهو يشعر بدفتره يُختطف من بين يديه، رفع عينه بسرعة لذلك الـ .... توقف عن السب في رأسه وهو يرى أن ذلك " الـ " هو روز، التي كانت ترمقه بنظرات حارقة، ظنتها بكل غباء مخيفة، ولم تدرك انها كانت في أعينه مثيرة .
ابتسم جايك وهو ينهض حتى يقابلها، وهو ينظر لها من علياه بسبب طوله الفاره الذي يشبه طول انطونيو لكن أقل بالطبع، ثم ودون أن تشعر اختطف دفتره وهو يقول بخبث :
" ألم اخبرك من قبل ألا تلمسي شيئًا لا يخصك ؟!"
رمته روز بنظرة حارقة وهي تحاول اختطاف الدفتر منه لولا يد جايك التي ارتفعت وهو يردد بشر، يرفض فكرة أن تأخذ منه دفتره حتى وإن كانت جميع رسوماته بها تخصها هي :
" توقفي عن هذا هو ملكي "
ومجددًا تلك النظرة التي يعشقها، يا فتاة توقفي فقلبي لا يحتمل كل هذا اللطف، إن ظننتي بغباء أنكِ هكذا تخيفنني فانتِ اكبر بلهاء رأيتها في حياتي .
خرج جايك من حديثه مع نفسه على ضربة عنيف وصلت له، لينظر حوله بتعجب وهو يبحث عن مصدر تلك الضربة، ليشعر بضربة أخرى تصطدم في صدره، هذا المرة كانت الضربة اقوى، نظر حيث مصدر الضربات ليصدم بروز التي كانت تحمل بعض الحجارة الصغيرة وتلقيها عليه .
" ايتها المجنونة ماذا تفعلين ؟!"
ارتعبت روز من صرخاته وهي تركض بسرعة مبتعدة عنه صوب الصغير الذي كان مندمجًا في اللعب بالازهار، وكأنها تحتمي بالصغير منه .
همس جايك بعنف من بين أسنانه :
" ايتها اللعينة الصغيرة، سأريكِ روز "
____________________________________
كان فبريانو يقود سيارته صوب مهبط الطائرات الخاص بهم، وخلفه سيارة جاكيري التي تحمله هو ورفقة وسيلين وتوفيق، بعدما رفض هو رفضًا تامًا أن يأخذ أحد معه .
أخرج هاتفه النقال وهو يضغط بعض الأرقام قبل أن يضعه أمامه ويضغط على سماعه الاذن التي يرتديها وهو يقول :
" مرحبًا "
" من ؟!"
عض فبريانو على شفتيه وهو يستمع لصوت مالك البارد، يحاول كبت الرد التلقائي الذي يخرج في تلك الحالات، فهو يعلم مالك وغضبه :
" أنه أنا يا عزيزي "
" لا اعلم أحدًا يُسمى ( أنا) الرقم خاطئ "
وبهذه الكلمات المستفزة اغلق مالك الخط، لكن إن كان هو مستفز، فـ فبريانو سيد الاستفزاز؛ لذا أجرى فبريانو مكالمة أخرى وهو ينتظر الرد، حتى أتاه صوت مالك يقول بنفس البرود والاستفزاز :
" مَنْ ؟!"
" اعتقد من الأفضل أن تسجل الرقم باسمي حتى لا تتساءل كل مرة عن هويتي "
" ومن أنت؟!"
" حسنًا في المرة الأولى منعت نفسي بصعوبة من الرد عليك بشكل قد يجعلك تكرهني طوال حياتك، لذا لا تكرر ذلك السؤال مجددًا، فصدقني لن يعجبك ردي "
" وكأنني احبك حتى، ثم أنك تتواقح بشكل لن يفيدك "
وصلت لمالك ضحكة فبريانو العالية وهو يقول بجدية :
" وكأنني اود اكتساب رضاك مالك، والآن أخبرني أين أنت؟!"
" في المزرعة الخاصة بي "
بهذه السهولة تحدث مالك حتى جعل فبريانو يفتح عينه بعدم تصديق، وهو يردد بسخرية لاذعة :
" ما هذه الصراحة مالك ؟! يا رجل هكذا ستجعلني أحبك وانا لا أود ذلك"
" لا تفكر حتى في هذا الأمر المثير للأشمئزاز، إن انتهيت من هرائك هل تريد شيئًا آخر؟! "
" نعم، اريد التحدث مع روبين "
صمت هو كل ما وصل له من الجهة الأخرى حتى ظن فبريانو أن مالك فعلها مجددًا واغلق الاتصال في وجهه، لكن بالنظر للهاتف، مازالت المكالمة جارية، ثواني فقط حتى وصل له صوت جعل ضربات قلبه تتقافز مهللة، صوت اشتاقه كثيرًا حتى شعر أنه يود القفز عبر اسلاك الهاتف :
" مرحبًا "
" مرحبًا بالقبيحة الاجمل في حياتي "
____________________________
توقف جاكيري على جانب الطريق وهو يصرخ بعنف شديد في سيلين وتوفيق اللذان يقبعان في الخلف :
" اصمتا، فقط اصمتا "
نظر كلًا من سيلين وتوفيق لبعضهما البعض ثواني قبل أن يندفعا في الصراخ والتبرير والدفاع عن النفس قبل الطرف الآخر، وهما يكيلان الاتهامات لبعضها البعض بكل غضب ..
ارتفع صوت سيلين أكثر حتى تبرر نفسها أمام جاكيري :
" أخبرتك أن تدعني أنا اختر الموسيقى، لكن لا جاكيري العزيز يفضل عجوز غريب علىّ "
ولم يصمت توفيق بل اندفع بجيبها:
" هي الكركوبة دي بتتكلم بثقة كده ليه؟! هي مش شايفة نفسها عاملة ازاي؟! والله لولا أنك قد أمي أنا كان ليا كلام تاني معاكِ "
صمت وهو يعود للخلف قليلًا يضرب كفيه في بعضها البعض بحنق مرددًا :
" بعدين موسيقى مين يا ام موسيقى، أنتِ مسمية القرف اللي سمعناه ده موسيقى؟! طبعًا معذورة ما أنتِ مسمعتيش اسلام ساسو ولا موسيقى عبدالسلام، كنتِ عرفتي يعني ايه موسيقى وتوزيع على حق "
نظرت له رفقة بصدمة من حديثه وهي تحاول معرفة هل ما وصل لمسامعها حقيقة أم لا ؟!
" عبدالسلام واسلام ساسو ؟! بالنسبة لموسيقى عمر خيرت ؟! "
رد عليها توفيق بتعجب :
" مين عمر خيرت ده ؟! "
تدخلت سيلين في الحوار بحنق شديد :
" تحدثوا بلغة افهمها، ولا تستغلوا جهلي تجاه لغتكم، وابعدوا هذا العجوز عني "
اشتد غضب توفيق وهو يصرخ بغيظ :
" انا اللي مش عايز يقعد جنب الكركوبة دي، نزلوني اركب قدام ولا في في صندوق العربية، اي حتة بعيد عــ...."
توقف صراخ الجميع وهم يستمعون لصوت انفجار عالي، اتجهت جميع الأنظار صوب الانفجار ليروا أنه كان مسجل الصوت بعدما أطلق عليه جاكيري رصاصة من مسدسه يصرخ في غضب :
" سعداء الان؟! لا أود سماع كلمة حتى نهاية هذه الرحلة المقيتة "
أنهى حديثه وهو يتحرك بسيارته في سرعة مخيفة والجميع فقط يحدق به في صدمة ورعب، بينما رفقة نظرت للمسجل وهي تقول :
" جايك لن يعجبه ما فعلت بمسجل الصوت خاصته "
نظر لها وهو يجيب بسخرية :
" ليست اول مرة افعل به هذا، وليشكر ربه أن السيارة ستعود له قطعة واحدة "
______________________________
كان يستند على سيارته امام مهبط الطائرات وهو مازال يتحدث معها :
" إذًا هل تأكلين بشكل جيد، أم أن ذلك العجوز لا يطعمك ؟!"
" لا تقلق فبريانو انا أكل بشكل جيد، خاصة أن لا أحد هنا يأكل طعامي "
أنهت روبين كلماتها بسخرية مبطنة، لكنه لم يهتم وهو يقول بكل جدية وهو ينظر أمامه يتخيلها واقفة تبتسم له بحنق بسبب تناول طعامها، اه لكم يشتاق لها وبشدة، يشتاقها بشكل أضحى مؤلمًا لقلبه:
" اشتقت لتناول الطعام معك "
" حقًا فبريانو ؟! معي ؟! ام طعامي ؟!"
" هل يزعجك تناولي لطعامك ؟!"
وأجابت روبين دون لحظة تردد :
" نعم "
تنهد فبريانو وهو ينظر لسيارة جاكيري التي توقفت أمامه يقول ببسمة صغيرة :
" لا بأس، ساستمر في تناوله، فأنا لم اعد استطيع اتذوق طعامًا منذ رحلتي "
ضحكت روبين بخفوت وهي تردد :
" سأعتبر تلك مغازلة لطيفة منك "
" تريدينني أن اغازلك ؟!"
"يا ليت، حلمي أن اسمعك تقول كلمة واحدة لطيفة ؟!"
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة، وهو يراقب جاكيري يصعد للطائرة وخلفه الجميع، يحمل الحقائب وصوت صراخه يعلو، لكنه لم يهتم وهو يردد بنبرة حنونة :
" أنا لستُ من ذلك النوع الرومانسي روبين، لكن كل ما استطيع قوله أنني الآن في حالة يرثى لها بعيدًا عنك، كطفل شريد ألقي على قارعة الطريق، ينتظر عودته لوالدته "
شعرت روبين بقشعريرة تسير في جسدها وهي تغمض عينها مرددة بحب :
" وحشتني اوي، وأنت دبش حتى وحشتني "
" وانا أيضًا احبك روبين، اعتني بنفسك قبيحتي الغالية "
سمع ضحكة خافتة تصل له :
" ألا يمكنك أن تكمل جملتك دون حديثك الفظ ذاك؟! "
" أي حديث فظ هذا؟! لقد غازلتك للتو، أنتِ لا تقدرين مجهودي الذي بذلته لنطق تلك الكلماتؤ والتي إن علم أحد أنني قلتها سأقتلك روبين "
" بل اقدر فبريانو، اقدر لطفك "
" تبًا لكِ ولي روبين، وتبًا لحبي الذي يمنعني من قتلك لقول تلك الكلمة "
وصلت له ضحكة روبين العالية يتبعها صوت مالك وهو يقول جوارها بصوته المستفز لكل خلايا فبريانو :
" لسه بتكلمي الاهبل ده ؟!"
اغمض فبريانو عينه بغضب :
" اقفلي يا روبين وارمي التليفون في وشه، أنا خلاص جاي، كركوب بينه وبين القبر خطوة ونص وماشي يخبط في الناس، بدل ما يقعد في بيته ويتبط "
صدمت روبين من حديث فبريانو السوقي، وكأنها نست لثواني أنه يتحدث لغتها، بل ويتقنها وكأنه أحد سكان مصر :
" يتبط؟! أنت متأكد انك مش من امبابة ؟!"
ضحك فبريانو بصوت مرتفع وهو يتحرك داخل الطائرة بعدما انتبه لإشارة جاكيري التي تخبره أنهم على وشك الاقلاع :
" لأجلك سأكون إن اردتِ، من اجلك سأكون أي شيء، والآن اعتني بنفسك ارنبي الوردي "
أنهى فبريانو كلماته وهو يجلس في الطائرة يرمق الهاتف بشوق، ثم دسه في ثيابه قبل أن يربط حزام الامان يسمع جواره صوت رفقة التي قالت بهيام غبي وقد نست أنه يفهم حديثها :
" حبيبي طيار قمور "
خرج صوتًا ساخرًا من فبريانو وهو يشير بعينه لمقعدها :
" طب اربطي الحزام بس؛ عشان الطيار القمور ده هياخدنا رحلة سعيدة للاخرة "
أنهى حديثه تزامنًا مع ارتفاع الطائرة بكل مهارة ثم بعدها بدأت تسير في مسارها المحدد، ليصفق توفيق وهو يحي جاكيري :
" والله الواد ده برنس "
ضحكت رفقة وهي تنظر لجاكيري بحب قبل أن تنتبه لغمزته لها وهو يبادلها البسمة بأخرى حنونة لطيفة، وهو يشير لها أن تقترب منه بعدما استقرت الطائرة في الجو، وكذلك فعلت رفقة فأخذت تفك حزام مقعدها وهي تسير جواره وعينها لا ترتفع عن خاصته، ثم جلست على المقعد المجاور لمقعده وهي تستمع لهمسته الحنونة :
" ها نحن نبدأ فصل جديد حبيبتي، واعدك أن كل شيء سيكون بخير "
نظرت له رفقة بحب وهي تردد :
" طالما أنت جواري جاكيري، سيكون كذلك، أنا اثق بك "
" وهذا كل ما أريده يا ذات الشعر المجعد "
ربتت رفقة على شعرها بلطف وهي تضحك لها، متجاهلة هي وجاكيري الحديث الدائر بين سيلين وتوفيق في الخلف، ويبدو أن الاثنين أخيرًا وجدوا شيء مشترك بينهما يشغلهمها عن الشجار .
ابعد فبريانو عينه عن الجميع وهو يعود برأسه للخلف ينظر للنافذة جواره بشرود كبير قبل أن يغمض عينه ببطء وهو يهمس بحنين شديد :
" ها قد اقترب لقائنا ارنبي الوردي، وعندها على جثتي أن ادعك تغيب عن عينىّ لحظة واحدة "
____________________________
لم تكن تلك سوى بداية صغيرة لما هو قادم، وتمهيد لما نحن على وشك عيشه، رفقة تلك العائلة .
اتمنى أن يكون الفصل نال اعجابكم، وانتظروا القادم .
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل
اليوم رأيت العديد من طلاب الثانوية وقد بدأ البعض منهم يفقد الأمل؛ لذا يا عزيزي يمكنك البكاء الحزن، لكن إياك أن تبتأس يومًا مما تتعرض له، فما تلاقيه من مصائب ما هي إلا اسباب تدفع بك دفعًا نحو قدرك الذي كتبه الله لك، مجرد اسباب تختفي ورائها حكمة لا يعلمها إلا هو؛ لذا أنت غير مطالب سوى بالسعي والاجتهاد، أعقلها وتوكل .
وفق الله جميع الطلاب سواء ثانوية عامة أو أزهرية أو شهادات الدبلومات .
________________________
°•
(وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ)
رغَم أنَّه مَوطن عظمةٍ في يَوم الحشر
إلا أنَّه - سُبحانه - قال: ﴿للرَّحمَن﴾
جَاء بالرَّحمة فِي مَقام تنخَلع فِيه القُلوب !
💔✨
صلوا على نبي الرحمة .
_____________________
خرجت من المرحاض وهي تتوقف أمام المرآة تنظر لهيئتها المبعثرة بتذمر شديد، ثم أخذت ترتب خصلاتها التي تدمرت أثناء عاصفة بكاءها، اخرجت من حقيبتها بعض ادوات التزيين حتى تخفي آثار معركة دموعها مع أدوات التجميل، والتي تحدت فيها ماركة الادوات الدموع بكل كبرياء، قبل أن تنهزم أمام قوة الدموع، التي ضربت بكل كبرياءها عرض الحائط مثبتة بذلك قوتها أمام أي ماركة للكحل أو أدوات التزيين، مسحت لورا وجهها بالكامل باستخدام بعض المحارم المبللة، حتى أصبح وجهها خاليًا من أي الوان غير طبيعية .
رمقت نفسها في المرآة بجمود، ذلك السواد الذي يحيط بعينها كباندا، تلك الحبوب التي تملئ ذقنها بشكل يثير التقزز لديها، كل تلك العلامات التي تظهر جيدًا انهيارتها المتتالية .
شعرت بدموعها تملء عينها مجددًا، وهي ترمق تلك الصورة الباهتة من لورا الصغيرة، لورا التي بهتت الوانها منذ سنوات، التي أُمتص رحيقها، ثواني قليلة مرت وهي تنظر لنفسها في المرآة قبل أن تنهار في البكاء مجددًا تشعر بتراخي قدمها لتسقط ارضًا تشهق بعنف واضعة يدها على قلبها بوجع شديد، تشعر بأنها اكتفت من تلك الحياة، اكتفت من ذلك الوجع، اكتئابها يأكلها من الداخل، لا أحد يفهمها، لا أحد يستمع لها، الجميع يرونها تبالغ في الدلال، لو كان ما تعيشه دلالًا، كيف هو الشقاء إذًا؟!
دقائق مرت على وضعها هكذا قبل أن تنهض بكل بساطة تنافي ما مرت به للتو، وقفت أمام المغسلة تعدل من هيئتها وزينتها بكل حرفية ثم رسمت بسمة صغيرة على فمها قبل أن تخرج من المرحاض، بروح اخرى غير تلك المنهكة .
تحركت صوب مكتبها تفتحه بصخب وهي تصيح بشكل أفزع رفيقيها في الغرفة :
" لقد اتت لورا الجميلة يا رفاق، افسحوا الطريق لها "
زفرت الفتاة التي تقبع خلف مكتب زهري اللون وهي تقول بحنق تحرك الورق الذي أمامها بملل :
" لورا كفي عن جنونك هذا، لقد كدتِ تقتليني يا فتاة "
تجاهلتها لورا باستخفاف وهي تنظر لذلك الذي يخفي وجهه خلف حاسوبه، وكأنه قتل شخص للتو ويتهرب من شبحه، لكن لورا لم تصمت وهي تقترب ببطء منه، حتى وصلت خلف الحاسوب تمسك ذلك الشخص من ثيابه قائلة بحدة:
" هكذا نفعل مع الأصدقاء يا موسى ؟! تركت ذلك الدبّ يتغذى علىّ؟!"
" مهلًا لورا لا تنظري للأمر بهذا الشكل، لِمَ لا تقولين أنني جبان لاقف أمامه في غمرة غضبه !!"
" ما تقوله اسوء من تخميني موسى، أنت احمق "
أنهت حديثها وهي تتحرك صوب مكتبها تتمتم بغيظ، وقبل أن تصل لمكتبها وجدت الباب يفتح بعنف وتطل عليهم بهيئتها المهندمة وبسمتها المستفزة وهي ترفع المجلة التي تقبع في يدها ملوحة بها أمام عين لورا :
" عجبًا يا فتاة، كل عدد للمجلة تفاجئيني بحمقك أكثر من المرة التي تسبقها "
لم تهتم لها لورا وهي تتحرك صوب مكتبها مرددة بحنق :
" هذا ما لدي سيدة ماليكا، ليس الجميع مثلك لا يكلف نفسه عناء البحث عن اخبار، بل يجلس بكل أريحية على مكتبه يتحدث عن تلك الأشياء التافهة التي تخص النساء "
ضحكت ماليكا بسخرية لاذعة وهي تردد :
" تقولين اشياء تافهة؟! حقًا لورا؟! ألم تري آخر الأخبار التي نشرتها بشأن اسبوع الموضة في باريس؟! لقد رفع مبيعات المجلة للضعف، كما أن من أمامك الآن على وشك دخول التاريخ بعدما حصلت على مقابلة مع مافو المصمم الاشهر في روما، وها أنا على وشك كشف هويته الحقيقية وقتها لن أبالغ إن كتب لي رئيس التحرير بعض أسهم المجلة "
أنهت ماليكا حديثها بضحكة مجلجلة وهي ترمي بقبلة صغيرة مع غمزة لـ لورا قبل أن تتحرك خارج مكتبها تتراقص كمن حصل للتو على الجائزة الكبرى بينما لورا خلفها كانت تحمل قلمها وهي تضغط عليه بعنف وغيظ مرددة بغضب ترمق الباب الذي خرجت منه ماليكا بقهر :
" مافو؟ شو هالأسم البشع ، أي تجيكِ هالكة أنتِ وهداك المافو "
هكذا أنهت حديثها بلكنتها الدمشقية ( الشامية) المميزة التي ورثتها عن والدها، وقد استطاعت ماليكا اخراج شيطان لورا التي التمعت عينها فجأة وهي تردد ببطء ساخر :
" أي خلينا نشوف قصته لهاد المافو ، الي عاملي فيها رجال لا وشو غامض يوه الواه الواه "
_______________________________
" ماذا؟! هل وافقت للتو ؟!"
هز ادم رأسه بكل هدوء وهو ينظر لصدمة هايز، فهو رأى أن يتحدث معها على انفراد؛ لذا فور رحيل فبريانو انتزعها من وسط الجميع وهو يطلب منها اللحاق به، ثم اخذها لمكتب جده وفور جلوسها اخبرها بموافقته .
" لكن لي شروط قبل ذلك "
" اي شيء تريده سأفعله بلا تردد "
ابتسم ادم بسخرية على لهفتها وهو ينهض من مقعده يتحرك ليقف أمامها ثم انحنى بعض الشيء صوبها، مما جعلها تعود للخلف بسرعة وبفزع، انطلقت على أثره ضحكات ادم وهو يردد لها :
" ضعي بيني وبينك حدود، ولا تتخطيها، أفعالك تلك التي سبق وقمتي بها لا اريدها أن تتكرر "
رفعت هايز حاجبيها وهي تقول بعدم فهم :
" اي أفعال ادم؟! حدد جيدًا"
توتر ادم من نظرتها لثواني قبل أن يمسك يد المقعد الذي تقبع فوقه مرددًا من تحت أسنانه :
" ذلك اليوم عندما اتصلتي بي واخذتي تتدللين علىّ كما لو أننا حبيبين هايز "
ابتسمت هايز بسمة جانبية قبل أن توأدها فورًا تلاحظ نظراته لها التي كانت تراقب أي ردة فعل منها :
" ومتى فعلت هذا ؟!"
نظر لها ادم ثواني دون رد قبل أن ترفع يدها وهي تربت على وجنته ببسمة صغيرة :
" لم اعهدك قاسيًا هكذا آدم، كنت دائمًا لطيفًا وهادئًا "
ابعد ادم يدها بعنف وهو يرمقها بشر كبير ثم فتح فمه للصراخ في وجهها، لولا ذلك الباب الذي فُتح بقوة ودخل منه الصغير يركض له وهو يعانق قدمه مرددًا تلك الكلمة مجددًا، " أبي "، ياللسخرية أصبح أبًا في عمر الخامسة والعشرين، بهذا المعدل سيصبح جد في عمر الاربعين .
نظر آدم ثواني للطفل قبل أن ينحني إليه يقبل شعره بلطف شديد مربتًا عليه وهو يقول بحنان :
" صغيري أنا لست أباك؛ لذا ناديني ادم فقط "
تمسك به الطفل أكثر وهو ينظر بفزع لهايز، ثم عاد بعينه لادم يردد بهلع :
" أنت لن تساعدني ؟! لقد أخبرتني امي انك ستساعدني "
أنها حديثه وهو يبكي دون وعي، لتشعر هايز بالشفقة عليه وهي تنحني ارضًا تمد يدها منتزعة ايان بصعوبة وهي تردد بلطف :
" ايان صغيري كف عن ازعاج العم ادم، هو وافق أن يساعدك صغيري، لكن رجاءً لا تناديه بأبي مجددًا حسنًا ؟!"
" لماذا؟! ألا يريد أن يصبح ابي ؟!"
كان يتضح في صوته الاعتراض والعناد الشديد، عناد طبيعي في مرحلته العمرية التي في بداية المراهقة، حيث الزمن المناسب لإعلان التمرد والعصيان .
نظر آدم ثواني لهايز قبل أن ينحني قليلًا ليصل إلى قامة ايان القصيرة و هو يردد بجدية وكأنه يحادث صديق له :
" حسنًا لنتحدث كرجال ايان، أنا لستُ اباك يا عزيزي، لكن ذلك لا يمنعنا من تكوين صداقات سويًا، سنكون صديقين مقربين اتفقنا ؟! "
نظر ايان ليد آدم الممدودة ثواني قبل أن يرفع يده بتردد وهو يصافحه يردف ببسمة صغيرة، ويبدو أن تلك الصفقة نالت إعجابه :
" حسنًا إذًا اصدقاء، أنا ليس لدي اصدقاء على كل حال "
أنهى كلماته وهو يلقي نفسه بين احضان ادم وكأنه سعيد أنه واخيرًا امتلك شخصًا في حياته غير هايز، شاب يمكنه اتخاذه صديق في أي وقت .
ضمه ادم بلطف وهو يرفع عينه لهايز التي ابتسمت له بامتنان تهمس له بالشكر، لكنه لم يجيبها وهو يلوي شفتيه بحنق شديد يبعد نظره عنها بشكل ذكرها بـ ايان أثناء غضبه منها، يبدو أنها ستعاني الفترة المقبلة من تذمرات ايان، وحنق ادم، والآن بدل الواحد، أضحى لديها طفلين، لكن حتى ايان بكل تذمره وأفعاله التي تخرجها عن هدوئها، لا يساوي بحره نقطة من محيط آدم.
____________________________
تنام بعمق على مقعدها بعدما تركت جاكيري في مقعد الطيار وعادت لتجلس في مقعدها الذي اتخذته منذ بداية الرحلة، تاركة لفبريانو المقعد المجاور لجاكيري، بينما كان كلًا من توفيق وسيلين يتناقشان بكل جدية في الخلف في أمور غير معروفة وغير مرتبة، لكن يبدو أنهم وجدوا أخيرًا نقطة تلاقي .
زفر فبريانو بحنق وهو يبعد أنظاره عن الاثنين مرددًا بعدم فهم وضيق :
" أنا لا أعلم سبب احضارك لهذين العجوزين معنا جاكيري "
" حسنًا توفيق مصري في الأساس وكان يود العودة لمصر، ورفقة طلبت مني ذلك برجاء ولم أرد أن أتأخر عليها في تنفيذ شيء تريده، خاصة أن ذلك اول شيء تطلبه مني "
أخرج فبريانو صوتًا ساخرًا من حنجرته، يمنع سبة نابية من الخروج وهو يراقب ما يفعله العجوزان :
" وسيلين ؟!"
ابتسم جاكيري بسمة صغيرة خجلة مصطنعة بشكل واضح، وهو ينظر لرفقة نظرة سريعة، قبل أن يعود بنظره للسماء أمامه وهو يردد بهيام شديد :
" حسنًا أنت تعلم أن تلك أول مرة اذهب لمصر بعد معرفتي برفقة، وتلك دولة حبيبتي؛ لذلك لم أود أن اذهب اليها دون إحضار هدية "
ورفعة حاجب صغيرة من فبريانو أخبرت جاكيري عن استنكاره لحديثه، لكن فبريانو لم يكتفي بعلامة الاستنكار تلك وهو يضيف بتعجب :
" وما علاقة ذلك بسيلين؟! لا تخبرني أن سيلين هي تلك الهدية ؟!"
هز جاكيري رأسه ببسمة واسعة فخورة وهو يضيف بكل فخر لمعرفة تلك المعلومات الصغيرة التي ستفيده جيدًا في إظهار صورته أمام رفقة كشخص مثقف :
" لقد قرأت أن مصر افتتحت منذ سنوات قليلة متحف كبير جمعت به اكبر القطع الأثرية في تاريخها؛ لذلك قررت أن أخذ سيلين معي واسلمها للسلطات المصرية حتى تُحنط وتوضع في المتحف مع اقرابها المومياوات "
صمت ثواني ثم قال بكل ذكاء :
" برأيك لِمَ قررت أن نذهب بطائرة خاصة بدلًا من طائرة عادية ؟! كل ذلك حتى لا يتم القبض علىّ في المطار بتهمة تهريب قطع أثرية عتيقة خارج البلاد "
انطلقت ضحكات فبريانو عالية في الطائرة كلها وهو يهز رأسه برأس على جاكيري الذي لن يتوقف عن أفعاله يهمس من بين أنفاسه :
" لن تتغير جاكيري "
_______________________
خرج انطونيو من المرحاض بعدما استحم علّه يمحو تلك اللمسات عنه، توجه صوب الفراش وهو يحمل ثيابه يرتديها بعدما نسي اخذها لداخل المرحاض معه، مستغلًا غياب روما الغريب عن المكان برمته، لكن ما كاد يرتدي ثيابه العلوية، حتى سمع صوت موسيقى عالية في المكان تبعها فتح الباب بعنف وهو ما زال يرفع يده عاليًا يمسك بالقميص الذي لم يدخل سوى رأسه به، يراقب روما التي كانت ترتدي فستان متعدد الالوان تمسك طرفه بيدها وهي تدخل للغرفة تحرك جسدها في حركات شعبية، لا يعلم لأي دولة تنتمي، لكن كل ما كان يعلمه أنها كانت غريبة وبشدة .
تحركت روما للداخل وهي ترقص وتتمايل على تلك الأغاني التابعة للبلدة التي هي بها، تحاول تقليد الرقصة التقليدية لهم والتي شاهدتها لساعات طويلة طوال الطريق لهنا، حتى تفاجئ انطونيو بها .
كان انطونيو مازال على وضعه وقد نسي يده معلقة في الهواء ورأسه موضوع في القميص يراقب اقتراب روما منه، وهي تتمايل بخصرها في شكل غريب، تتحرك في الغرفة بحركات مريبة جعلت انطونيو يلتصق في الخزانة خلفه بهلع وهو يراها تقترب من مكانه، وكأنها تحمل مرضًا معديًا يخشاه .
لم تهتم روما وهي تستمر في الرقص بكل ما تمتلك من قوة، تظن أنها مثيرة في أعين زوجها، وقد كانت بالفعل، لكن مع اختلاف صغير، أنها كانت مثيرة للضحك .
واخيرًا وصلت روما للحركة الأخيرة من رقصتها، تدور حول نفسها دورات كاملة بقوة وسرعة مخيفة جعلت انطونيو يرتدي القميص بسرعة وهو يصرخ برعب يراها تقترب من الشرفة :
" روما توقفي عمــ...."
ولم يكمل كلمته وهو يرى روما تسقط من النافذة التي يقبع أسفلها بحيرة اصطناعية صغيرة تابعة للمنزل، ولحسن حظها أن الغرفة لم تكن تبعد عن الأرض بالكثير؛ لذا لم تؤثر بها السقطة سوى بالقليل من الردود، كما أن سطح الماء خفف من حدة سقوطها، لكن صوت صرخاتها جعل أعين انطونيو تخرج من محاجرها وهو يركض كالمجنون يستعمل درج الشرفة يقفز عليه حتى يصل لها وصوت صراخه باسمها هز جدران المنزل، وبمجرد وصوله للاسفل حتى القى نفسه سريعًا في المياة وهو يصرخ باسمها، لكن لم يظهر له شيء مما جعله يجن صارخًا بعنف تجاوز جدران منزله، يغطس بسرعة للاسفل يبحث عنها، لكن لا أثر لها في البحيرة الصغيرة، مما جعله يخرج رأسه من أسفل المياة يرمق المكان حوله يبتلع ريقه وقد بدأت ضربات قلبه تتباطئ بشكل مخيف معلنًا قرب إصابته بذبحة صدرية من رعبه عليها، لولا صوتها الذي صدر من إحدى حواف البحيرة وهي تقول بشفاة ملتوية كطفلة صغيرة تشتكي لوالدها ما حدث :
" انظر انطونيو لقد، التوت قدمي "
نظر لها انطونيو ثواني يحاول إقناع قلبه بالنبض مجددًا بشكل طبيعي، حتى يتحرك لها، لكن لم يستطع وهو يراها تزرف بعض الدموع مرددة بحنق :
" اشعر بالم كبير في قدمي "
تحرك انطونيو واخيرًا بخفة في البحيرة صوب الحافة التي تجلس أعلاها وهو يردد بتعب :
" وانا اشعر أن قلبي سيتوقف عن النبض روما، ما الذي فعلتيه بحق الله كدت اموت للتو"
أنهى حديثه وهو يتوقف عند الحافة وجسده مازال يسبح في البحيرة يتحسس قدمها بحنان شديد وهو يقول :
" اياكِ أن تفعلي ذلك مرة أخرى، أنا كنت على وشك الإصابة بذبحة صدرية روما، اقسم كادت انفاسي تزهق وانا ابحث عنك كالمجنون "
تركت روما قدمها وهي تضم وجه انطونيو بحنان شديد تربت عليه باصبعها مرددة بلطف :
" حبيبي أنا اسفة، حقًا لم اقصد، اردت فقط أن أفعل شيء يزيد من حماسة الأجواء فقط وفقًا لنصيحة جولي"
ابتعد انطونيو عنها بسرعة وهو يردد بصدمة :
" تلك العجوز هي من أخبرتك أن تفعلي هذا؟! الويل لها، تلك المرة سأقتلها هي و مارتن، لقد كتبت نهايتها "
" لا لا لا، هي فقط أخبرتني أن ارقص لك وأحاول أن تجعلك تندمج في أجواء المكان الذي سنقضي به العطلة، وانا من اخذت ابحث عن الرقصات التقليدية طوال الطريق، وهذا ما وجدته "
نظر لها انطونيو وهو يردد ببرود بسخرية بعدما خرج أخيرًا من غمامة خوفه عليها :
" تلك لم تكن رقصات روما، بل كانت تشبه جثة تنازع أثناء خروج روحها، حركات يدك وهي ترفرف في الهواء اشعرتني كما لو أنكِ تغرقين وتطالبين بطوق نجاة "
أنهى حديثه وهو يضحك بصخب متذكرًا ما حدث منذ قليل بعدما استوعب الأمر اخيرًا، يضحك من أعماق قلبه كما لم يفعل منذ سنوات طويلة، لكن روما لم تهتم لشيء لا لسخريته منها أو من شيء آخر سوى ضحكاته تلك التي أسرت قلبها لتمد يدها وهي تبعد خصلات شعره عن جبينه مرددة بحنان شديد :
" لو كان سقوطي سيضحكك هكذا، أنا على أتم الاستعداد للسقوط كل ثانية طوني "
اقترب انطونيو منها يرفع نفسه قليلًا يقبل جبينها بحنان مرددًا بنبرة عاشقة وبشدة :
" بل طوني على استعداد للموت لأجل بسمة منكِ جميلة الجميلات، لا تكرري ذلك مجددًا كدت أموت خوفًا وانا ابحث عنكِ "
ابتسمت روما وهي تنهض تمد يدها له ليخرج من البحيرة، ليستجيب هو لها فورًا يرفع جسده بخفة ومرونة شديدة يحسد عليها، يردد بتذمر مضحك :
" تبًا، لقد بدلت ثيابي منذ ثواني فقط روما، والآن ساضطر لتبدليها مجددًا "
_________________________
توقف مارتن في منتصف الغرفة وهو يمسح العرق الذي يتصبب منه بعدما انتهى للتو من تمارينه اليومية، يتحرك بخفة صوب الثلاجة الصغيرة التي تستقر في أحد أركان الغرفة، يرتشف بعض المياة المثلجة بها براحة شديد، فالقصر منذ رحيل الجميع عنه وهو هادئ، ورغم وجود جولي به، إلا أنه يضمن عدم قيامها بشيء غبي طالما أنها وحدها، هذا بغض النظر عن روز التي يثق أنها لن تجاريها في الجنون؛ لذا يتركها تتحرك في القصر كالقرص الدوار الذي يبحث عن حافة توقف دورانه .
ابتسم وهو يعود للخلف يحمل حاسوبه ليكمل بحثه عن كل ما يخص قضية تلك الفتاة رفقة، لولا تلك الرسالة التي انبثقت في وجهه بمجرد فتحه لحاسوبه، ضم حاجبيه بتعجب وهو يرى اقتراح صداقة ظهر له على موقع الـ Facebook من شخص يوجد بينهما أكثر من عشرة اصدقاء مشتركين، لم يكن ليهتم بالأمر كثيرًا لولا تلك الصورة التي تزين ذلك الملف الشخصي والتي يعلم صاحبها جيدًا، تحركت أنامله بخفة شديدة يفتح تلك الصورة ليصدم بمن توقعها .
جولي تحمل أسلحة من غرفته وتقف في وضعية تشبه وضعية ظنتها وضعية أفراد عصابة خطيرين، لكنها كانت تشبه الشباب الذين يتجرعون المخدرات على الأرصفة ويحملون أسلحة بشكل يثير الضحك لاخافة المارة معتبرين أنفسهم قطاع طرق، وهم مجرد مراهقين تحت اسم " جولي المدمرة".
دخل مارتن للحساب الشخصي سريعًا ليجدها تكتب في السيرة الذاتية لها، تعمل في المافيا، والوظيفة عضوة خطيرة في المافيا العالمية، وعند خانة العلاقات كتبت " زوجة زعيم خطير في المافيا "ووضعت اول حرف من اسمه
ضحك مارتن بعدم تصديق وهو يبحث في الملف ليجدها تضع صور أسلحته الشخصية، وتتحدث بشكل تظنه غامضًا، لكنه في الحقيقة سخيفًا، لكن ما صدمه هو أنها حتى لم تفكر في ارسال طلب صداقة له .
قلبّ مارتن في الملف الشخصي بعدم تصديق قبل أن يصرخ بحنق شديد :
" ارسلت لانطونيو ولم ترسل لي ؟! تلك الـ..."
صمت بغيظ وهو يجد جميع أفراد عائلته عندها :
" حتى جدي، الجميع هنا عدا أنا، الجميع عندها يشاهدون هذا العرض الكوميدي ولم يحذرها أحدهم "
هذا يكفي جولي، يكفي حقًا، هكذا همس مارتن وهو ينهض من مكانه بغضب شديد يلقي حاسوبه دون اهتمام وهو يتحرك في ممر القصر بغيظ وغضب، لا يعلم هل لتجاهلها له، أم لافعالها الغبية تلك؟!
وأثناء سيره في الممرات بغضب سمع صوتها في الاسفل؛ لذا من فوره استدار جهة السور الذي يحد الدرج، وعينه تخرج شرر قادر على إسقاط القصر أعلى رؤوس قاطنيه، لكن بمجرد توقفه أمام السور حتى أبصر تلك الغبية تحمله قنبلة يدوية لا يعلم من أين حصلت عليها، تمسك فتيلها بكل استهتار وأمامها تقف روز وهي تحمل الهاتف تصورها بكل فخر، لم يتمكن من منع صرخته التي خرجت وهو يرى اصبعها يسحب الفتيل بعض الشيء :
" جولــــــــــي "
انتفضت جولي بفزع في وقفتها وهي تنظر حولها برعب تحاول اخفاء القنبلة عن أعين صاحب الصرخات التي تعلم جيدًا حالته في ذلك الوقت، ابتلعت ريقها وهي تراه يقفز على الدرج بجنون صارخًا :
" ما الذي تفعلينه بحق الله، ستفجرين القصر أيتها الغبية "
أخفت جولي القنبلة وهي تصطنع الصدمة من حديثه :
" مهلًا مهلًا على رسلك، أنا لم أفعل شيء، كنت فقط التقط بعض الصور لي "
امسك مارتن يدها التي تحمل القنبلة وهو يرفعها قائلًا ببسمة جانبية في تزامن ساخر مع ارتفاع أحد حاجبيه :
" حقًا تلتقطين صورًا مع قنبلة ؟! اشعر أنني وقعت في حب إرهابية، أنتِ يا فتاة خطيرة، ثم أخبريني ما ذلك الهراء الذي وجدته على الـ Facebook ؟! "
صمت ثم أضاف بتهكم حاد :
" زوجة زعيم مافيا ها؟! حقًا جولي ؟! لِمَ لا تبلغين الشرطة عني، هذا ما ينقصنا "
" هيييه مهلًا يا رجل أنا لم اكتب اسمك بل كتبت اول حرف منه فقط، ثم كيف وجدت صفحتي ها ؟!"
" وهذا ينقلنا للسؤال التالي، لِمَ لست على علم بامر تلك الصفحة التي هي أشبه بمقر أسلحة ؟!"
تراجعت جولي للخلف وهي تضم يديها بكل تكبر، تنظر له من أعلى لاسفل وقد صدقت لعبتها بأنها خطرة، كطفل ارتدى بذلته الشرطي في طفولته ثم أخذ يهدد الجميل بمسدس مياه :
" حسنًا عندما تحدثني حدثني بشكل مناسب فأنا زوجة زعيم مافيا، وثانيًا أنا لم اخبرك لأنك لم تكن لتقبل بها "
" لذلك ارسلتِ للجميع عداي ؟! حتى أنطونيو الذي لا تطيقين رؤيته ؟!"
" مهلًا أنا ارسلت له ليس حبًا به، بل فقط حتى يدرك لاحقًا مع من يتحدث ، ويرى بعينيه مقدار الخطورة التي أنا بها، ولم ارسل لك، حتى لا يربط أحد بين حروف اسمك الاولى والحروف التي كتبتها جوار وظيفتك كزعيم مافيا لــ"
لم تكمل حديثها بسبب جذب مارتن لها من الخلف كلص تم الإمساك به يسرق بعض التفاح من إحدى المحلات:
" وتظنين أن كل تلك الصور الغبية ستخيف انطونيو؟! يا فتاة الجميع هنا يخشاه دون حتى أن يتكلم، كما أن حسابك يحتوي أيضًا على ماركوس و مايك ومارسيلو وجميعهم يمتلكون نفس البداية في أسمائهم ايتها الذكية، لذا كان من الأحرى عدم ارسال طلب لهم أيضًا، إن كان الجميع سيفكر بنفس عقلك كان العالم ليفنى منذ عقود، ثم أخبريني من أين حصلتي على تلك القنبلة ؟!"
كانت جولي تفتح فمها بانبهار وهي لا تصدق كيف فاتتها تلك الامور، رباه هو ذكي حقًا، أم أنها هي الغبية ؟! فاقت جولي على سؤال مارتن المعلق لتجيبه دون تردد :
" من مخزن الأسلحة هنا "
" يا فرحتي بكِ، وكيف وجدتيه؟!"
أشارت جولي بحنق محاولة ابعاد يد مارتن عنها :
" مايك أخبرني "
استدار مارتن بعنف لمايك الذي بصق المياه من فمه بينما كان يشاهد ما يحدث بكل هدوء، لكن برؤيته نظرة مارتن انتفض من جلسته وهو يردد ببسمة غبية :
" اه لقد نسيت، لدي بعد قليل موعد مهم للغاية و....سوف ارحل الآن"
أنهى كلماته ثم ركض للخارج تاركًا مارتن يجذب جولي خلفه وهو يردد بحنق شديد يرمق روز التي نظرت للاسفل بسرعة :
" وانا من ظننتك عاقلة روز، خيبتي ظني يا فتاة "
نظر بعدها لجولي التي تتحرك خلفه بتذمر :
" وأنتِ يا آنسة" جولي المدمرة " لكِ حساب معي، سأعيد تربيتك من جديد يا امرأة، وسأريك كيف تقومين بتلك الاشياء البلهاء أمام مرأى ومسمع الجميع "
" أنت شخص محطم للامال مارتن، تغار من عدد متابعي صفحتي الشخصية الذين تخطوا ١٦٥ "
صرخ بها مارتن مؤنبًا كأب يوبخ ابنته وهو مازال يسحبها خلفه من ثيابها بكل غضب :
" صفحتك تلك سأغلقها لكِ واحرق قلبكِ على الـ ١٦٥ متابع، وكلمة أخرى سأمنعك من انشاء أي حساب على اي صفحة تواصل لبقية عمرك يا آنسة"
_____________________________
خطوات رشيقة يهبط بها من الطائرة وهو يخفي عينه سريعًا أسفل نظارة سوداء وكأنه يخشى عليها من حرارة الشمس، رغم البرودة النسبية التي تتميز بها مصر في ذلك الوقت من العام، تحرك دون الاهتمام لأحد، يخرج من مهبط الطائرات وهو يرتدي سترة سوداء جلدية أعلى ثيابه التي تتميز بنفس اللون، تاركًا خلفه جاكيري ومعه الباقيين .
خرج من مهبط الطائرات وهو ينظر في ساعة يده، ثم مرر عينه في المكان قبل أن يمد يده ليوقف سيارة أجرة التي هبط منها السائق سريعًا يشكر حظه الذي جعله يصادف سائح اليوم يقول مرحبًا ببسمة بشوشة :
" Welcome,welcome ”
تحرك فبريانو بهدوء وبطء صوب المقعد الذي يجاور السائق وصعد إليه، وهو ينظر للسائق الذي ركض وصعد في المقعد ، مازال يردد له عبارات الترحيب وبسمته تملء وجهه بكل بشاشة، بينما فبريانو أشار له برأسه أن يتحرك ثم أخرج هاتفه وعبث فيه دقائق قبل أن يرفعه في وجه السائق قائلًا بهدوء :
" عايزك تاخدني للمكان ده"
استدار السائق بفزع يحدق في وجه فبريانو وهو يردد بعدم فهم :
" نعم ؟!"
" ايه مسمعتش كلامي ؟! بقولك عايز اروح المكان ده هتعرف ولا لا ؟!"
ابتسم الرجل بعدم تصديق :
" أنت مصري ؟!"
" لا ايطالي "
أطلق الرجل ضحكات مجلجلة ظنًا أن فبريانو يرد عليه بمزاح كما يفعل المصريون عادة في تلك المناسبات ثم أخذ يتحدث ببشاشة وكأنهم رفقة منذ سنوات طويلة :
" لا بس أنت يا جدع اول ما شوفتك قولت بس ده خواجة، وطلعت في الاخر مصري، ألا صحيح الآخ منين "
في حالة أخرى كان فبريانو سيتجاهل سؤاله بكل بساطة أو يرمقه نظرة باردة تصمته عمره الباقي، لكنه لم يهتم وهو يجيب بكل بساطة يحرك هاتفه صوب أذنه ببرود :
" مقاطعة لاتسيو ( مقاطعة في ايطاليا تقع بها مدينة روما) "
" احسن ناس اللاتسيوية، أنا ابن عمي متجوز من عندكم على فكرة يعني احنا نسايب يعتبر "
رمقه فبريانو بنظرة باردة يتجاهل حديثه الاحمق وهو يتحدث في الهاتف فوره سماعه الصوت من الطرف الآخر يتحدث بلهجته الإيطالية :
" اين أنت مالك ؟!"
" أخبرتك سابقًا في المزرعة؛ لذا توقف عن الاتصال بي كل خمس دقائق للسؤال "
ابتسم فبريانو بسمة جانبية يتجاهل نظرات الانبهار على وجه الرجل الاخر :
" لِمَ لا تفكر في الأمر أنني اشتاق لسماع صوتك ؟؟"
" ارجو لا تدفعني للتقيأ "
أطلق فبريانو ضحكة عالية وهو يقول :
" نعم الأمر مقزز حقًا، لا بأس أنا قادم عزيزي ووقتها لدينا حساب لتصفيته "
أنهى حديثه يغلق الهاتف دون انتظار رد من الطرف الآخر ليتفاجئ بصوت السائق وهو يقول بانبهار كبير :
" الاه؟! أنت بتتكلم كده ازاي ؟!"
نظر له فبريانو نظرة جامدة ولم يجب، ثم سمع الرجل وهو يقول بتأثر يمصمص شفتيه في حركة غريبة على فبريانو :
" والله زمان يا مصر، من زمان مشوفتش حد مصري بيتكلم لغات زيك، أنت بقى خريج السن ولا دي هواية ؟!"
لم يجب فبريانو وهو يوجه نظره للامام بشرود ليتابع الرجل حديثه غير مهتم برده من عدمه :
" على كده التركي صعب ولا زي كلام الأستاذة يسرا في سرايا عابدين ؟!"
لم يجبه فبريانو مجددًا ليكمل الرجل التحدث دون الاهتمام لشيء، يتابع حديثه بشغف كبير وكأنه وجد أخيرًا فرصته للتعبير عما يجيش صدره، بينما فبريانو عاد برأسه لظهر المقعد وهو يغمض عينه بتعب يمني نفسه براحة كبيرة عندما يراها تقف أمامه، واخيرًا بعد أيام من بُعدها سينام مرتاح البال أنها جواره، سيتناول طعامه منها ويستشعر مذاقه كما السابق ...
__________________________
تحرك جاكيري خارج المهبط بعدما أنهى جميع التعاملات الخاصة بالطائرة يحمل حقائبه هو ورفقة، بينما خلفه يسير كلٌ من سيلين وتوفيق، يتحدثان في أمور عديدة لم يهتم لها جاكيري كثيرًا وهو ينظر جواره يبتسم لرفقة التي كانت تنظر حولها بخوف، قبل أن تشعر بكف جاكيري التي أسرت خاضتها وصوته الهامس الحنون يهتف قرب أذنها :
" أنا هنا، فقط اهدئي "
" أين سنذهب جاكيري؟! لا يمكنني العودة لمنزلي"
نظر جاكيري نظرة سريعة للخلف يتأكد أن الاثنين يتبعونه :
" ومن قال أننا سنفعل؟! سوف نذهب لمنزلي أنا وأنتِ وتوفيق وسيلين وايضًا هناك شخص آخر في انتظارنا هناك "
" أي منزل هذا ؟! ثم من هذا الذي ينتظرنا ؟!"
ابتسم لها جاكيري وهو يربت على شعرها برفق مرددًا بحنان :
" منزل استأجرته لنا، وعندما نصل ستعلمين من ينتظرنا، والآن هيا اوقفي لنا سيارة حتى نتحرك "
هزت رفقة وهي تتقدم من الطريق تنظر يمينًا ويسارًا بحثًا عن سيارة اجرة تقلهم جميعًا، متجاهلة توفيق الذي ركض في المكان كشاب عاد لمنزله القديم بعدما غادره وهو صغير، ينظر لكل مكان بحنين شديد قبل أن يسمع صوت رفقة تتحدث مع احد، والذي سائق سيارة :
" هو المكان في الزمالك "
ردد السائق بجدية وهو ينظر للجميع ولهيئة جاكيري الذي يقف جوارها يرمقها بترقب :
" تمام بس هاخد ١٠٠ "
فتحت رفقة فمها للحديث، لولا شعورها فجأة بدفعة قوية وصوت العم توفيق يصدح مجلجلًا بحنق وملامحه متشنجة :
" ليه يا حبيبي هتاخدنا رحلة للفضاء ولا ايه ؟! ده الزمالك فركة كعب من هنا، اوعك تكون فاكرنا خواجات يا خويا؟! لا ميغركش القميص والشجر اللي عليه ده، ده أنا من شبرا اساسا "
نظر السائق لتوفيق من أعلى لاسفل وهو يجيب بعدم فهم لهجومه :
" يا عم احسن ناس بتوع شبرا، بس انا قولتلك السعر وياترضى يا خلاص "
ضرب توفيق على السيارة بخفة في إشارة منه لأن يرحل :
" لا يا حبيبي توكل على الله "
تحرك السائق بسيارته من المكان وهو يتمتم بحنق على حديث ذلك العجوز، بينما جاكيري راقب تحرك السيارة بتعجب، بعد كل ذلك الوقت ترحل هكذا دونهم؟! نظر بسرعة لرفقة وهو يردد بتعجب :
" رفكة ماذا حدث؟! ولِمَ رحلت السيارة؟!"
ابتسم توفيق بسمة ساخرة :
" اهو طول ما أنت واقف هتخليهم يطمعوا فينا ويفتكرونا سياح، قال ١٠٠ جنيه قال "
لم يفهم جاكيري حديث توفيق ولم يكد يجيبه إلا عندما سمع صوت سيارة تتوقف جوارهم ورجل يتحدث بلغة رفقة كلمات لا يفهمها، وكما حدث في السيارة السابقة تم عقد نقاشات وحوارات بين العم توفيق و السائق حتى أشار لهم توفيق وهو يتحرك صوب المقعد المجاور للسائق :
" تعالوا، هيا اصعدوا للسيارة "
نظر جاكيري لرفقة يطالب بتفسير قبل أن يراها تجذبه بصعوبة بسبب ضحكاتها من أفعال توفيق التي تذكرها بوالدتها وهي تشتري لها ثياب، كانت وقتها تجادل البائع حتى يترك لهم المحل ويرحل، بل وقد يكتبه باسم والدتها ليرتاح.
صعد جاكيري ورفقة وسيلين في الخلف، بينما توفيق جوار السائق، وتحركت بهم السيارة، لتبدأ سيلين في أخذ العديد من الصور لكل شيء تقابله وهي تفتح فمها بانبهار، بينما جاكيري ينظر للطرق المألوفة بعض الشيء بسبب قدومه هنا سابقًا رفقة عائلته كلها لزيارة ابنة عمته الوحيدة، وعند تلك الذكرى ابتسم بحنان شديد، ثم استدار لرفقة يمسك يدها بحنان يطمئنها، قبل أن يسمع صوت اغاني عالية تصدح في السيارة وتوفيق يصفق كطفل صغير وهو يغني بحماس مع الأغنية، يخرج رأسه من النافذة كما يفعل بعض الشباب الطائشين يلوح بيده بكل سعادة متناسيًا سنه الذي لا يسمح له بتلك الافعال، لكن توفيق اختار أن يتحرك من مقاعد كبار السن الذين يتذمرون من تصرفات الشباب، ليكون أحد هؤلاء الشباب حتى ولو بالقلب .
بينما جاكيري في الخلف كان منبهرًا من الموسيقى وهو يقول لرفقة بحماس شديد :
" هيييه رفكة اسألي السائق ما اسم تلك الأغنية، اعجبتني وأود الرقص عليها "
أطلقت رفقة ضحكة عالية وهي ترى اعجاب جاكيري الكبير بأحد الاغاني الصاخبة التي تسمى بين الشباب بـ " المهرجانات ".
" وهل تسطيع الرقص على تلك الموسيقى ؟! "
" نعم أنا الآن ارقص عليها في رأسي، أم أن لها رقصات مخصصة؟! "
ولثواني مرت أمام عين رفقة حركات الشباب السريعة بأيديهم وأرجلهم، وقفزاتهم المجنون، على ذلك النوع من الاغاني، لتتخيل جاكيري يحمل خنجر صغير يرقص به كما يفعل الشباب عليها، الأمر جعلها تنفجر في الضحك بينما جاكيري لا يفهم شيء من ضحكاتها، لكنها لم تفسر له خيالاتها، ولم تخبره عن تلك الرقصات التي يود معرفتها، حتى لا يصر على تعلمها، وقتها لن تستطع إخراجه من الافراح الشعبية والموالد .
___________________
كانت تجلس على المكتب وهي تتناول بعض الخضار بنهم شديد بينما يدها تتحرك في شكل تلقائي على معدتها المنتفخة بشكل يدل على قرب ولادتها، تشاهد بكل استمتاع ذلك الفيلم الذي يعرض أمامها، غير مهتمة بالعمل أو تهتم حتى بذلك الذي تقدم من مكانها؛ لذا سريعًا تحدثت وهي تلوح بيدها في الهواء حاملة الخضار بها :
" المكتب في عطلة لسنة كاملة "
رفع الآخر حاجبه يتهكم مما يراه أمامه وشفتيه تنحني بشكل ساخر، يتقدم خطوة أخرى صوب المكتب الذي تستقر عليه، لكن صوتها المتأفف وهي تبعد عينها من على حاسوبها وصل له بشكل واضح :
" يا الله ما بالهم هؤلاء الاغبياء، ألم أقل أننا في عطلة ام أن عقولكم لا تــ...، سيد مارسيلو ؟!"
ابتسم مارسيلو بسمة ساخرة تزامنًا مع ارتفاع أحد حاجبيه وهو ينظر للمكتب الذي يبدو كما لو أنه أحد محلات الخضار والفواكه، والفوضى التي تعم مكتبه والذي كان قد افتتحه منذ أعوام عديدة يدير عمله من المنزل، ويطلب من سكرتيرته أن تحول له جميع القضايا له وهو ينهيها ثم يوكل محامي متدرب للدفاع، دون أن يظهر هو في الصورة، لكن وبعد أن استقرت الأمور بعض الشيء، شعر بالملل أثناء العطلة التي منحها لهم جده قبل العودة للمهمات، وفكر في النزول ورؤية كيف يسير العمل في المكتب بين متدربينه، ويا ليته لم يفعل .
"سنة كاملة ؟! ومن قرر هذا القرار سيدة مانتيو ؟!"
نظرت الفتاة حولها بسرعة تحاول ايجاد حل للخروج من ذلك المأزق الذي أسقطت نفسها به، فهي اعتادت أثناء متابعة مسلسلها المفضل أن ترفض أي عمل، وكيف كانت ستتوقع أن تقع في يد المدير بنفسه؟!
" أنه...هو ...أعني أنا...اليوم عطلة سيدي و..."
و صمتت، لم تسطع التحدث وهي تبتلع ريقها بتوتر ترى نظرات مارسيلو اللامبالية تملء عينه تدريجيًا قبل أن يتحرك بخفة صوبها وهو يشير لمعدتها :
" أرى أنكِ على وشك الولادة سيدة مانتيو "
" نعم سيدي بعد أيام قليلة سوف ألد"
" والمكتب ؟؟"
" لا تقلق سيدي تدبرت امري وسوف تأتي جارتي لتولي الأمر أثناء فترة راحتي، لقد اتفقت معها على كل شيء "
ابتسم مارسيلو وهز رأسه بحسنًا وهو يتحرك صوب المكتب يشير لها أن تتبعه وتخبره بما لديه من قضايا، وتحضر له كوب قهوة، ثم استقر خلف مكتبه براحة ينتظر دخولها، لتطل عليه بعد دقائق تحمل في يدها كوب حليب ضخم تضعه على المكتب، قبل أن تسحب مقعد وتجلس عليه وهي تتنفس بتعب حاملة في يديها دفتر صغير تدون به أي ملاحظة.
رمق مارسيلو كوب الحليب :
" أنا لم أطلب منك حليب، طلبت قهوة "
" اعلم، هذا الكوب لي، وأنت انهض واصنع لنفسك قهوة، ألا ترى حالتي؟! "
رفع مارسيلو حاجبه قبل أن يراها ترفع الدفتر أمام عينيها ثم تقول بعملية شديد ميزتها من بين العديد من المتقدمات لتلك الوظيفة يوم افتتح مكتبه، فهي عند بدأ العمل تنسى تمامًا دور ربة المنزل الذي تعيش به معظم وقتها .
" حسنًا سيد مارسيلو لديك قضية اختلاس أموال اولًا تابعة لـ"
" لا، ارفضيها أنا لا أحب ذلك النوع من القضايا "
نظرت له الفتاة ثواني قبل أن تعود بعينها للدفتر وتكمل
" حسنًا هناك قضية مرفوعة لاحتضان طفل من...."
" لا لا، أنا لا أحب الأطفال ولا اريد التعامل معهم، غيرها "
" قضية تأمين لشركة اااااا"
" لا، الغيها، أنا لا افضل التعامل مع الشركات، ماذا بعد ؟!"
نظرت له السيدة بحنق وهي تردد بعدم فهم :
" هذا كل ما لدينا اليوم سيدي "
ابتسم مارسيلو وهو ينهض يحمل سترته التي خلعها بمجرد دخوله للمكتب :
" عجبًا انتهينا من عمل اليوم بسرعة "
تمطأ قليلًا بارهاق وكأنه كان منكبًا على مكتبه طوال الليل :
" الآن سأغادر لاريح جسدي قليلًا لأجل القضايا القادمة، جيد أننا انتهينا بسرعة فأنا متعب "
" سيدي نحن لم نبدأ بعد لننتهي".
لم يهتم لها مارسيلو وهو يغادر المكتب بلا مبالاة تاركًا إياها ترمقه بسخرية قبل أن تحمل كوب الحليب خاضتها وتغادر وهي تقول مرتشفة إياه بتلذذ :
" لامبالي احمق، افسد جلستي لأجل لاشيء "
___________________________
" ماذا قلت للتو؟! هل أصبحت تتخذ قرارت تخصني دون الرجوع إلىّ ؟!"
انطلقت تلك الكلمات من فمه تتبعها شرارات الغضب من عينيه يتسابقون أيهم سيصيب ذلك الشاب اولًا ويقضي عليه .
ارتعش الشاب في وقفته يبتلع ريقه وهو ينظر جواره لرفيقته علّها تنقذه، لكن كل ما صدر منها هي ابتسامة تشفي وكأنه تخبره من خلالها " تستحق ما يحدث لك "، رماها الشاب بغضب وهو ينظر لمديره بتوسل علّ قلبه يلين :
" سيد مافو، هي فقط ترجتني لعمل لقاء معك، لن نخسر شيء بهذا اللقاء، بل على العكس قد يــ"
توقف عن الحديث وهو يرى انتفاضة مديره من مكتبه يصرخ بغضب في وجوه الجميع، وقد سمع ما يكفيه، سبق وأخبر هؤلاء الحمقى أنه لا يفضل الخروج للاضواء، لماذا إذًا يعمل تحت اسم مستعار، أن كانت صورته ستحتل الصفحات الأولى للمجلات :
" لا مبرر لما فعلت يا سيد سوى أنك تعصي اوامري، منذ عملك هنا اخبرتكم جيدًا أنني لا أود لأحد أن يعلم شيء عني بأي شكل من الأشكال، وأنت تذهب لتتحدث مع إحدى الصحفيات لتقوم بعمل لقاء معي؟! أجننت؟!"
موقف لا يحسد عليه، في هذه الثانية لعن الشاب ماليكا ومعرفته السوداء بها والتي ستتسبب في فقدانه لوظيفته التي حصل عليها بشق الأنفس، فكر بسرعة في طريقة للخروج من تلك الورطة، أخرج محرمة يمسح بها العرق الذي زين جبهته من كثرة التوتر وهو ينظر في جميع الجهات متحدثًا بهدوء ظاهري فقط :
" اعتذر سيدي، سوف اقوم بإلغاء الأمر فورًا "
" بالطبع ستفعل سيد زوك، وإلا وقتها لن ترى مني سوى وجهي الآخر والذي صدقني لن ينال اعجابك، والآن انصرف من أمام وجهي وحل ذلك الأمر "
ابتلع زوك ريقه وهو يتراجع ببطء ينظر لزميلته في المكتب بتوعد، ثم تحرك للخارج يحاول إخفاء الغضب من حركات، فلو ترك لغضبه العنان سوف يسقط المكتب على رؤوس الجميع وليحدث ما يحدث.
ابعد مايك عينه من على خروج زوك وهو ينظر لتلك التي ترمقه بهيام وبسمة مشجعة على قراره كما لو أنها تراقب طفلها يتخذ قراره الاول في الاختيار ما بين الدجاج او اللحوم، هي على كل حال لم تكن تود لمافو مقابلة تلك المدعوة ماليكا المعروفة بعلاقتها المتعددة مع الكثير من العملاء الذين تجري معهم لقاء، وها هي لم تكمل اسبوع من انفاصلها عن اخصائي العلاج الشهير حتى اخذت تنبش عن ضحية جديدة، ويبدو أنها استقرت على مافو، ذلك الاسم الذي يحوم حوله الغموض من كل جانب، الشخص الذي لا يعلم شكله الحقيقي سواها هي و زوك وبعض عاملي المكان، حتى أنهم لا يعلمون اسمه الحقيقي .
" أخبريني بالجديد آنسة مولي "
___________________
" ماذا تقصد زوك بقولك تم الغاء اتفاقنا ؟!"
" كما سمعتِ ماليكا، لقد علم مافو بما فعلت وباتفاقي معكِ وقد أقام الدنيا على رأسي أنا "
نفخت ماليكا من الجانب الآخر وهي تحاول إقناعه بمساعدتها، فإن تم الغاء الأمر ستقع في مأزق، هي سبق واخبرت مدير المجلة وجميع من بها أن هوية السيد " مافو " ستكشف على يدها هي، الآن ستصبح عرضة لسخرية جميع من بالمجلة وخاصة تلك العربية الغبية لورا :
" مهلًا مهلًا زوك، انتظر أنت هكذا تدمر جميع مخططاتي و..."
" للجحيم ماليكا، أنا لن اغامر بعملي لأجلك، والآن وداعًا لدي عمل كثير"
اغلق معها دون ترك حتى فرصة لإقناعه، تاركًا ماليكا وهي تكاد تتفجر غيظًا، تنظر حولها تحاول البحث عن أي مخرج لتلك الورطة التي أسقطت نفسها بها، لو أنها فقط لم ترغو وتزبد عن لقائها بمافو، لكان الأمر أسهل الآن، تبًا لكِ ماليكا، وللسانك الاحمق ذاك .
______________________________
ابتسم انطونيو وهو يراقبها تتحرك في مطبخ منزلهم بكل حرية وسعادة، يتمنى لو يجذبها ويلصقها به مدى الحياة، أو أن يجعلها بحجم عقلة الاصبع ليضعها في جيب سترته جوار قلبه ويصطحبها معه أينما ذهب، يعشقها ويهيم بها، لم يكن يومًا ليتخيل نفسه بهذا الشكل الذي هو عليه الآن .
زوج يجلس على طاولة المطبخ ينتظر زوجته الجميلة التي تتنقل كفراشة في حقل ازهار، تحضر له طعام الغداء، حياة مثالية لم يفكر بها يومًا، لكن ها هي مدينته وعاصمة قلبه تدفعه دفعًا للتفكير بالأمر، بل واعحبه التفكير به كثيرًا .
ومن وسط تلك اللحظات النادرة في حياة انطونيو سمع فجأة طرق الباب، ليجد روما تتوقف في منتصف المطبخ وهي تحمل منشفة في يدها قائلة بريبة :
" انطونيو هل فعلتها وطلبت طعام من الخارج؟! ألم اخبرك أنني من سيعد الطعام؟! ألا تثق بي يا رجل؟! ثم أخبرتك ألا تقلق فأنا حصلت على رقم سيارة الإسعاف إذا حدث شيء لك "
رفع انطونيو حاجبه وهو يبتسم لها قبل أن يقول بمداعبة يتجه صوب الباب بعدمل أشار لها بالتزام المطبخ :
" لا بأس إن كان موتي على يدكِ و"
توقف عن الحديث فجأة وهو يعود لما كان عليه، انطونيو الجامد صاحب الملامح الباردة المخيفة، يرمق الزائرين امامه بهدوء مريب قبل أن يقول :
" ماذا ؟!"
نظر السيد ولتر لزوجته بتأنيب وكأنه يلومها على موقفهم ذاك، ثم تنحنح بحرج يتجاهل ضربات زوجته في حضره :
" اعلم أنكم في شهر عسلكما ولا تريدان أي إزعاج "
" لِمَ أراك تقف على باب منزلي إذًا ؟!"
مجددًا للمرة التي لا يعلم عددها يحرجه ذلك الوقح، وكل ذلك بسبب زوجته التي تقف جواره تبتسم بسمة مستفزة وهي تقول بهدوء مصطنع :
" ما يقصده زوجي أننا اسفين على الازعاج، لكننا أردنا دعوتكما على حفلة الشواء في الغد التي سنقيمها في حديقة منزلنا "
" لا احب تناول المشويات، شكرًا لكما "
واخيرًا نطق بكلمة توحي برقية، شكرًا لكما، يا لها من جملة ثمينة تخلى عنها انطونيو بكل بساطة، ليثبت للجميع كم هو شخص راقي متفهم !!
زمّت السيد ولتر شفتيها ويبدو أنها لم تقبل برفضه جواب على عرضها؛ لذا دفعت انطونيو قليلًا من أمام الباب بشكل فاجئ انطونيو نفسه وهي توسع زاوية رؤيتها للمنزل تبحث عن زوجته، و روما لم تخيب ظنها وهي تخرج بتعجب لتأخر انطونيو :
" انطونيو لِمَ تأخرت ؟!"
ابتسم السيد ولتر وهو يتحرك ليلتصق بزوجته حتى يرى الفتاة الجميلة التي قابلها، علّه يحصل على موافقتها هي، لكن لم يكد يقف في المكان الذي حصلت عليه زوجته بالقوة حينما دفعت انطونيو، إلا ووجد انطونيو ينتفض بشكل أفزع الجميع يدفع ولتر للخلف بشكل مخيف وهو يضع قبضته على وجهه بقوة يصرخ في روما دون أن ينظر لها :
" للداخل روما "
فزعت روما من صراخه بهذا الشكل بها، وهي لم تفعل شيء لكل ذلك، لكن ثواني فقط حتى أبصرت ذلك الجار وزوجته، ثم بنظرة سريعة لثيابها القصيرة وبشدة أدركت جيدًا سبب غضب انطونيو منها، والآن كل ما عليها فعله أن تدفن نفسها في أي مكان قبل أن يأتي انطونيو ويقتلها بيديه .
ركضت روما للأعلى سريعًا تبحث عن مكان تختبئ فيه وهي ترتجف خوفًا يتبعها صوت انطونيو العالي الذي هز جدران المنزل حتى شعرت أنه سيتصدع في القريب من كثرة صراخ انطونيو به منذ قدومهم، ثواني فقط حتى سمعت صوت غلق الباب بشكل عنيف، لتشعر بالرعب يزداد وهي تنظر حولها تبحث عن مكان تخفي نفسها به، وصوت خطوات انطونيو يصل لها، ثواني فقط حتى هداها عقلها للخطة البديلة.
فتح انطونيو الباب بعنف وعيونه تطلق نيران يشعر بجسده ينتفض غضبًا من فكرة أن ذلك السمج رأى جسدها الظاهر من تلك الثياب التي تتكون من شورت قصير وبلوزة لا تكاد تخفي كامل بطنها، بمجرد فتحه للباب وجدها تقف في منتصف الغرفة :
" كيف تخــ "
ولم يكمل حديثه وهو يجد روما تنفجر فجأة في بكاء مرعب وكأنها فقدت للتو عزيزًا، وقف انطونيو في منتصف الغرفة مبهوتًا مما يحدث يقترب منها ببطء يهمس بحنان :
" روما حبيبتي لِمَ تبكين ؟! هل تأذيتِ"
وجرت الامور كما خُطط لها، ابتسمت روما في نفسها وهي تتحرك صوب انطونيو تلقي نفسها في أحضانه تضم خصره بقوة وهي تدفن وجهها أعلى معدته، فهذا ما تمكنت من الوصول له بسبب طوله، تتمتم بكلمات غير مفهومة من بين بكائها ليبدأ هو في محاولة ارضائها بدلًا من عقابها كما خطط، يضعف وبشدة أمام وجعها، يؤلمه رؤية دموعها .
هي نقطة ضعفه الوحيدة، و لن يخجل ليقول ذلك .....
" روما هي الوحيد التي قد ينحني لها يومًا، الوحيدة التي قد يلقي غروره وبروده في أعمق محيط لأجلها، هي روما ...مدينته الآمنة، عاصمته الدافئة، من تبدأ عندها رحلته وتنتهي في أراضيها "
ضمها لقلبه بحنان ولطف لدرجة انستها هي خطتها، ونسى هو غضبه وما كان سيفعل، وبهذا الشكل انقلب السحر على الساحر .
___________________
أعاصير وأمواج تعصف في رأسه، يشعر أنه سينفجر من الغضب، يقسم بالانتقام، سيريه الجحيم ذلك الحقير مالك، سيريه الجحيم بعينيه، يقسم أن يذيقه من الويل كاسات، بينما هو يغلي شوقًا لرؤية روبين كان السيد مالك يدبر له مقلبًا، اغمض عينه بغضب وهو يتذكر ما حدث منذ ساعة تقريبًا حينما دخل مزرعة مالك ...
" مرحبًا بالسيد دراجون أنرت مصر "
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة ساخرة وهو يلقي بنظرة سريعة لليث ( قائده المباشر) يحيه بها ثم سحب مقعد على تلك الطاولة التي يستقر عليها الاثنين في حديقة المزرعة وهو يقول بلا مقدمات :
" أين هي مالك ؟!"
" من هي يا قلب مالك ؟!"
" تلك التي إن لم تخرج الآن سوف ادمر علاقتك بزوجتك صدقني، وهذه المرة سأخبرها أنك تزوجت "
احمرت عين مالك بغضب وقد تجاوز فبريانو جميع الخطوط التي سبق هو ووضعها للجميع :
" حقًا وهل تظن زوجتي حمقاء لتلك الدرجة حتى تصدق أنني بهذا العمر قد اتزوج غيرها ؟؟"
حرك فبريانو الكوب أمامه وهو يدعي التفكير، لم يكن يود أن تصل الأمر للتهديد، يقسم أنه كان طوال الطريق يذكر نفسه أن يحترس ويتعامل بهدوء حتى يحصل على ما يريد، لكن ما ذنبه إن كانت رؤية مالك فقط تثير شياطينه وتستفزه لإخراجها :
" ربما لن تصدق، لكن أنت تعلم مارتن اخي، هو جيد في تلك الأمور المتعلقة بالحاسوب وغيرها، لن يكون من الصعب عليه أن يزيف بعض الصور الرومانسية لك ايها الشقي "
ابتسم ليث بسمة مستمتعة وهو يعود بظهره للخلف يرتشف من كوب العصير الخاص به، وقد أضحت اللعبة ممتعة، منذ اليوم الأول وهو يرى شرارات الغضب تسيطر على علاقة مالك بفبريانو، الاثنان أكثر عنادًا من بعضهما، وأكثر استفزازًا من بعضهما؛ لذا الامر ممتع للغاية .
خرجت من مالك ضحكات مجلجلة وهو يرمي بحديثه في وجه فبريانو :
" يا الله أنا ارتعش خوفًا ارجوك لا تدمر عائلتي، أتوسل إليك"
أنها حديثه الساخر وهو يقول بكل بساطة :
" مفيش مشكلة قول لاخوك يعمل اللي يعمله، وبالمرة هبعتلك كام صورة ليا عايزك تخليه يظبطهم يعني خلفيات حلوة بقى و شوية حركات على ذوقك، واه صحيح فيه صور لاحفادي كانوا عايزين يحطوا وراهم دبابة والحاجات دي، هبعتلك وخليه يظبطهم معاه "
ابتسم فبريانو بسمة باردة وهو يقول :
" أنت تؤمر يا قائد، ها بقى فين روبين ؟!"
" روبين مين ؟؟"
" روبين اللي أنت فاكرها من باقي عيلتك واخدتها على مصر من نفسك "
" اه قصدك روبي ؟!"
أطلق فبريانو صوتًا حانقًا من حنجرته وهو يقول ساخرًا :
" روبي ؟! أنت هتعملها بجد ولا ايه يا كركوب أنت؟!"
ضحك ليث بعنف وهو يغص بسبب شربه العصير أثناء الضحك يحرك يديه أمام وجهه، لا يستطيع التنفس مرددًا من بين أنفاسه اللاهثة :
" كملوا كملوا، كأني مش هنا "
أنهى حديثه وهو ينفجر في الضحك أكثر على ملامح مالك الباردة والتي يعلم جيدًا ماي خفي خلفها، لكن مالك خالف ظنونه وهو يجيب بكل هدوء :
" رغم قلة ادبك، إلا أني هطلع احسن منك واقولك هي فين "
ترقب فبريانو حديث مالك الذي خرج منه كسهام أصابت قلبه بعنف :
" هي مش هنا "
ضرب فبريانو بيده على الطاولة وهو ينهض يسقط مقعده بعنف، وصوته يخرج حادًا مزعجًا لمالك الذي اغمض عينه بضيق :
" ماذا قلت؟! هي ليست هنا ؟! أين هي روبين ايها العجوز ؟!"
ابتسم له مالك بسمة صغيرة وهو يقول بكل بساطة وسهولة :
" رجعت بيتها عند جدتها ..."
وها هو في السيارة المتجهة نحو منزل جدتها الذي حصل على عنوانه بعد شجار عنيف مع مالك خرج منه ببعض الكدمات في وجهه، لكن لا بأس فهو أيضًا ترك لمالك تذكارًا على وجهه .
ابعد فبريانو مالك عن عقله في الوقت الحالي وهو يبصر السيارة تدخل لبعض الحارات وهو يبتلع ريقه وقد بدأ قلبه يتفاعل بعنف مع مشاعره، يسمع صوت السائق يهتف بجانبه :
" اخري كده يا استاذ عشان الحارات دي ضيقة، بس العنوان اللي أنت عايزة هو آخر الحارة دي يمين "
لم يهتم فبريانو من كثرة شوقه، هبط سريعًا وهو يترك بعض الأموال التي لا يعلم حتى عددها، يسير في الحارة دون الاهتمام لشيء أو لأحد يكاد يركض كالمجنون في المكان، وصل لنهاية الحارة ثم انحرف لليمين ليجد شارع قصير ضيق لا يحتوي سوى منزل واحد فقط يقبع في نهايته له باب كبير حديدي، ابتلع ريقه وهو يتوجه صوب الباب، لكن توقف فجأة يخرج من الشارع لا يصدق ما وصل له يوقف أحد المارة وهو يشير للمنزل يخاف أن يدخل ولا يجدها في الداخل :
" لو سمحت ده بيت روبين ؟! "
" اه روبين بنت الاستاذ فادي ؟! "
" اه، هو ده البيت صح ؟! "
هز الرجل رأسه وقبل أن ينطق بنعم كان فبريانو يتركه راكضًا صوب المنزل يفتح الباب الخاص بعنف، لتنتفض تلك التي كانت تلاعب جروها الصغير الحبيب في حديقة المنزل الصغيرة التي تقع أمامه .
انتفضت روبين وهي تنظر بفزع لذلك الذي فتح الباب بتلك الطريقة، لكن رؤية فبريانو وهو يركض نحوها بعنف يجذبها لاحضانه بقوة حتى كاد يكسر ضعلوها جعلها تفتح عينها بصدمة قبل أن تتراجع الصدمة أمام قوة حنينها له وهي تنفجر في البكاء لا تصدق أنه هنا أمامها، يعانقها بقوة حتى كاد يدخلها لصدره وهو يهمس لها بشوق كبير :
" آهِ على قلبٍ لم يتوقف عن النحيب في بُعدك روبين، بُعدك اضنى نفسي، واشبعها شوقًا حتى فاضت كؤوس صبري....."
_____________________
كأنَّ يديك المكان الوَحيد، كأنَّ يديك بلد، آهٍ مِن وطنٍ في جَسد!"
- محمود درويش.
* شكر خاص لجميلتي الغالية والحبيبة " براءة " لمساعدتي في اللهجة الشامية 💜✨
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الرابع 4 - بقلم رحمة نبيل
البارت كبير وطويل اوي اهداء للجميلة ( Alaa Abdelnaser ) بمناسبة عيد ميلادها، كل عام وهي بخير يارب وإن شاء الله تقصي أعوام كبيرة في طاعة الله 💜
_______________________
لا يشعر بشيء سوى قلبه الذي يهدر بين جنبات صدره بسبب قوة ضرباته له، كأنه يود الخروج ومشاركته تلك اللحظة، لقاءها يبدو كقطرات الندى التي تساقطت على روحه بعد رحلة طويلة في صحراء قاحلة، فانبتت بتلك القطرات ثمار عشقه لها، وقد بدأت تنمو بشكل غريب داخله، تلك الفتاة التي أوصلته لمرحلة لم يعد يعرف فيها نفسه، رغم أنه لا يعجبه أن يكون هكذا، لكنه في نفس الوقت لا يستطيع أن يكون إلا هكذا، يتألم ويعشق ما هو فيه في الوقت ذاته، أمر محير، لم يعهد في حياته أن يعيش حالة كتلك، لكن للحق هو يحب ذلك الشعور وبشدة .
ضمها فبريانو أكثر وهو يهمس لها بهدوء شديد يحاول استيعاب أنها معه بعد تلك الأيام :
" اشتقتك روبين "
بكت روبين أكثر في أحضانه وهي تحاول وصف له ما حدث من بين شهقاتها، منذ أتت والدتها لأخذها وحتى اللحظة التي أخرجها بها مالك من ايطاليا :
" هو ....لقد ....كانوا كثيرين وضخام الجسد....و"
توقفت عن الحديث وهي تدفن رأسها في صدره قائلة ببكاء عالٍ :
" لقد أخبرني أنه سيقتلك، كنت خائفة بشدة، كنت خائفة من فقدانك فبريانو "
" اششش انتهى الأمر، لقد انتهى الأمر ارنبي الوردي وها أنا عدت لاراك تقفز أمام عينىّ في الحقول الخضراء تتناول المعكرونة بشكل مثير للاشمئزاز "
ضربته روبين على كتفه بعنف وهي تود لو تعضه، لكنه شدد من احتضانها وكأنه سمع حديث رأسها وأدرك مخططها الشرير في الانتقام منه على كلمته التي خرجت منه بغية اغاظتها، ونجحت خطته بشكل مبهر، حيث استكانت روبين في أحضانه أكثر تستمع بحنانه الغريب على فبريانو الذي تتحدث معه عادة، ولم يمهلها فبريانو فرصة للاستمتاع أكثر بتلك الحالة التي لن تتكرر :
" أنا جائع "
لم تبدى روبين أي ردة فعل على حديثه، معتقدة أنها أساءت السمع، لكنه لم يدعها تطيل تلك الحالة من الانسجام :
" روبين هل نمتِ ؟؟ أنا جائع "
ابتعدت روبين عنه بعنف وهي ترمقه بعدم فهم تحاول أن تدفع حديثه داخل عقلها، علّها تستوعب كيف تساقطت تلك الامال التي بنتها في الثواني السابقة على رأسها :
" عفواً ؟!"
" هل اصبتِ بالصمم ؟! الأمر لن يكون جيدًا، فلا اظن أنني سأتحمل مرضك إلى جانب قبحك، أنا تأقلمت مع أمر قبحك بصعوبة "
عادت روبين للخلف أكثر وهي تنظر له بشر على حديثه قبل ترفع اصبعها في وجهه بشكل جذب جميع حواسه لذلك الاصبع وهو ينظر له نظرة غريبة شاردة وكأنه يفكر من أين يقوم بقصه، من العقلة الأولى أم الثانية ؟!
صرخت روبين بحنق :
" أنت يا عديم الاحساس "
" نعم ؟!"
" ألا تملك أموال لتأكل في منزلك ؟! في البداية كنت أظنك مسكين فقير ترافقني لتتناول طعامي بسبب فقرك، لكن لا كنت موال الوقت تمتلك أموال تشتري مطاعم ايطاليا كلها، وتأتي لتأكل طعامي أنا تحديدًا "
هز فبريانو كتفه ببساطة لا تلائم انفجارها ذلك وهو يقول بكل هدوء :
" أنا لا أحب سوى طعامك أنتِ، ولا استشعر بمذاق اي اكل سوى خاصتك، أنا لم اتناول طعام منذ رحيلك سوى بعض اللقيمات فقط حتى لا أُحزن ادم ومارتن من اجلي، لكنني حقًا جائع روبين "
وإن كان يود أن يؤثر بها بحديثه ذلك رغم عدم تحدثه بنبرة مؤثرة، فقد نجح بالفعل، لتتقدم هي منه بحنان تلوي شفتيها أمامها بشكل لطيف وهي تردد وكأنها تحدث طفلها الذي خدعها ببعض الحديث المعسول واللطيف :
"ايها المسكين هل أنت جائع؟! "
نظر فبريانو لملامح وجهها التي تشعره أنها تحدث طفل صغير، والذي لم يروقه، لكن وقبل أن يفتح فمه ليتحدث سمع الاثنين صوت خلفهما يهتف بنبرة ضعيفة خافتة بعض الشيء :
" هو ده بقى الواد الأجنبي اللي حكتيلي عليه ياروبين ؟! "
_________________________________
منزل؟! هل هذا ما وصفه جاكيري بالمنزل؟! فيلا رغم صغر حجمها إلا أنها كانت مبهرة بشكل خطف انفاس الثلاثة الذين هبطوا للتو من السيارة خلف جاكيري، ومن وقتها وهم يقفون بشكل مثير للضحك أمام الـ" المنزل "، كما سبق ووصفه جاكيري منذ ساعة تقريبًا .
أخرج العم توفيق هاتفه وهو مايزال يفتح فمه بانبهار، قبل أن ينتشر في المكان يلتقط لنفسه صور مع كل ركن من أركان الحديثة الخارجية، بينما سيلين نظرت له بترفع وهي ترفع فستانها متعدد الالوان تسير على أطراف أصابعها بكل ترفع وهي تشير لجاكيري صوب حقائبها :
" احضر حقائبي يا فتى حتى اتفقد الـ "
ولم تكمل كلامها بسبب جسدها الذي امتلئ بالمياة فجأة ودمر كل ما كانت تصطنعه منذ قليل، وببطء شديد حركت رأسها في اتجاه ذلك المجرم الذي ارتكب في حقها تلك الجريمة البشعة، تعدمه رسميًا بنظراتها التي كانت تشبه برصاص حي، ولم يكن المجرم سواه، ذلك العجوز الذي يغار شبابها اليافع، وصحتها المتفتحة كزهرة في منتصف الربيع :
" الويل لك ايها العجوز البشع "
لكن توفيق لم يكن منتبه لكل ذلك وهو يحمل خرطوم المياة يحاول رفعه فوق رأسه ليصنع شلال خفيف حتى يلتقط صورة مشابه لصور البعض الذين يسقطون بعض قطرات المياة اللطيفة على وجوههم وهم يبتسمون بسمات صغيرة.
لكن تلك الحالة من الانسجام انهدمت فوق رأس توفيق وهو يشعر بحجر يصطدم في رأسه بعنف لتتعالى صرخاته ويلتفت ليرى الفاعل، قبل أن تسود عينه وهو يهمس :
" اه يا بواقي التصدير انتِ؟! وربي لاخليكِ متنفعيش قطع غيار "
مسح جاكيري وجهه وهو يسحب رفقة خلفه قائلًا بسخرية :
" حسنًا عسى أن يقتلا بعضهما البعض واتخلص منهما "
أشارت جاكيري صوب سيلين التي حملت صخرة متوسطة الحجم بهدف رميها على توفيق مجددًا الذي كان يرمقها بشر :
" لكن...لكن "
" توقفي لن يفعلا شيء، دعي الاولاد يمرحون قليلًا قبل رحيلهما عن هذا العالم "
هكذا أخبرها وهو يدفعها صوب مدخل المنزل يرمق الاثنين بحنق شديد، يخرج مفتاحه ويفتح الباب دافعًا رفقة للداخل، والتي بمجرد دخولها حتى طافت عينها على جميع اجزاء المنزل تحاول استكشافه بنظرات سريعة وعلى فمها ترتسم بسمة انبهار، قبل أن تتجمد فجأة وهي تلمح ذلك الجسد الذي يتسلق الدرج نحو الأسفل بشكل مرعب، حتى كاد يسقط عدة مرات، يركض كالمجنون صوبها وهو يهمس باسمها وقد بدأت دموعه تتساقط، يفتح ذراعيه باتساع، يستقبل جسد أخته بينهما بقوة شديد وهي مازالت تفتح عينها لا تستوعب ما يحدث هنا، وكيف وصل أخيها لمنزل جاكيري .
بينما اسكندر كان في عالم آخر وهو يضم أخته بين ذراعيه، يبكي بشوق :
" وحشتيني يا رفقة، وحشتيني اوي اوي "
امتدت يد رفقة بحركة غير إرادية وكأن هذا ما اعتادت فعله وهي تضم أخيها وقد بدأت خلاياها تستوعب تمركزها في احضان اسكندر، لتنفجر في بكاء مرددة اسم أخيها بهيسترية بشكل جعل جاكيري يتقدم منها دون الاهتمام لأخيها الذي شدد من عناقه لها، لكن جاكيري لم يهتم وهو يقف جوارها يربت على شعرها بحنان شديد، ينحني ليصل جوار رأسها التي تستقر أعلى كتف أخيها :
" رفكة لِمَ البكاء؟! هل يزعجك وجود ذلك الشاب هنا؟! أأقتله لأجلك ؟!"
انفجرت رفقة في البكاء أكثر بسبب حديثه تشعر بقلبها يتضخم بحبه، بينما اسكندر رمى جاكيري بنظرة مخيفة يشدد من عناق أخته أكثر، يبعد يد جاكيري بعنف عن شعرها ثم أخذ هو يرتبه لها، بينما جاكيري لوى شفتيه بحنق شديد وهو يرى انشغال رفقة مع أخيها؛ لذا انسحب ببطء من المكان تاركًا الاثنين معًا .
_________________________
الجميع على طاولة العشاء في جو يعمه الهدوء بوجود اليخاندرو وحوله يرتص احفاده، أو المتبقي منهم، وايضًا جولي وروز، هدوء كبير يسود الجلسة، إلا من صوت الملاعق، وصوت تناول الطعام، إلا أن صوت طغى على ذلك وهو صوت قرع الأواني في جزء من السفرة، اتجهت الأنظار لذلك الجزء والذي كانت تجلس به جولي، التي كانت تنفس عن غضبها في الأواني، علّ ذلك البارد جوارها ينتبه لحنقها وتذمرها.
ابتسم اليخاندرو بسمة صغيرة وهو يرى ملامح الامتعاض تعلو وجه جولي وهي كل ثانية وأخرى ترمق مارتن بنظرة تخبرك أنه هدّم معبدها على رأسها أو قتل لها عزيزًا :
" ما لىّ اراكِ مشتعلة اليوم جولي ؟!"
نظرت له جولي بلهفة وكأنها لم تصدق أن أحدهم انتبه لها، لتعلن انفجارها الغاضب فجأة :
" لا اعلم يا سيد اليخاندرو فلتسأل حفيدك عن سبب اشتعالي ؟!"
كاد اليخاندرو يفتح فمه موجهًا حديثه لمارتن يجاريها، لكنها لم تسمح له وهي تنفجر في الصياح بحنق :
" تخيل حفيدك ذلك المخادع الذي لم يكتفي بخداعي مرة تلو الأخرى، يخدعني للمرة التي لا اعلم عددها؟! اصبحت لا أشعر بالامان جواره "
أطلق مارتن ضحكة ساخرة وهو يردد دون النظر لها :
" أنتِ من لا تشعرين بالأمان معي؟! يا فتاة أنا أصبحت اخاف على نفسي جوارك، أنتِ إرهابية خطيرة "
أشارت له جولي بغضب وهي تقول :
" ها، انظر يا جدي، انظر إليه، عندما احضرني لهنا عاهدني على أن ينفذ جميع طلباتي ويجعلني ملكة في منزله، وحتى الآن لم يفعل سوى كل ما يغضبني "
ألقى مارتن ملعقته بغضب وهو يردد بسخرية وقد بدأ صوته يعلو :
" عاهدتك أن اجعلك ملكة في منزلي، وليس مجرمة دولية جولي "
" أنت الآن تحطم حلم طفولتي مارتن"
" هل تسمين ذلك حلم طفولة؟! بحق الله هل هناك طفل يحلم بأن يكون سفاحًا؟! أين ولدتي يا فتاة؟! في قاعدة صواريخ ؟! وإياكِ أن املحك بقرب اسلحتي أو المخزن مجددًا سمعتي ؟! "
نظرت له جولي ثواني تتحداه بعينها قبل أن تنهض بعنف ضاربة الطاولة تصرخ في وجهه :
" أنت شخص لئيم، تحرمني كل ما احب مارتن، أنت قاسي للغاية وانا اكرهك "
نظر لها مارتن ثواني بأعين مشتعلة قبل أن تنطفئ لمعة عينه المخيفة فجأة وهو يهز كتفيه بعدم اهتمام :
" قولي ما شئتي، لن اعطيكِ ما تريدين "
" حسنًا على الأقل اعد لي حسابي الذي حذفته "
بانكسار وحزن رددت وهي تحاول النبش في عينه عن أي تعاطف معها، لكن لا كل ما حصلت عليه هو نظرة باردة وهو يخبرها ببسمة صغيرة مقيتة :
" لا سيدة " جولي المدمرة " لن اسمح لتلك العائلة أن تسجن بسببك "
" أنا لم أفعل لكم شيء، ولم يكتشف أحد انكم مجرمون بلا قلب "
تناول ماركوس قطعة لحم أمامه وهو يقول بكل هدوء أثناء تقطيع قطعة أخرى :
" حسنًا، هذا كان قاسيًا حقًا "
لم يهتم له مارتن وهو يقول بضحكة تتخللها نبرة عدم تصديق :
" ماذا؟! حقًا جولي ؟! وكل تلك الإشارات التي تقومين بها لأفراد العائلة أثناء تحدثك عن المافيا والمجرمين؟! كل منشوراتك تتحدثين فيها عن كيف تصبح مجرمًا في خمس خطوات، وكيف تقتل رجلًا دون أن تسجن، ثم تقومين بالاشارة لأحد هؤلاء الحمقى وتضعين جوارهم جملة، للمزيد رجاءً تواصلوا مع المختصين "
فتح مايك فمه ببلاهة وهو ينظر لجولي بعدم تصديق :
" يبدو أنه فاتني الكثير أثناء غيابي عن المنصات الإلكترونية، يا فتاة أنا من أخبرتك مكان الأسلحة وفي النهاية تسلمينني بهذه السهولة، عارٌ عليكِ "
أنهى مارتن حديثه بشفاه مزمومة وتبرم واضح على ملامح وجهه، بينما مارسيلو رفع حاجبه وهو يقول لمارتن :
" قضينا قرون في المافيا ولم يستطع أحد امساك دليل يديننا، والآن سيتم الزج بنا في السجن بسبب تلك الحمقاء؟! يا لسخرية القدر "
التفتت له جولي وهي ترمقه بشر :
" لا تتحدث أنت، فأنت حتى الآن لم تقبل طلب صداقتي "
" وكأنني ينقصني مجانين ؟!"
تحدث ادم وهو يحاول يتناول طعامه باستمتاع مما يحدث :
" يا رجل فاتك ضحك كثير، أنها ممتعة حقًا "
وافقه مايك الحديث وهو يضحك بقوة :
" اه نعم خاصة في تلك المنشورات التي تكتب بها الأقوال الغبية المخيفة كتهديد، ثم تقوم بالاشارة لانطونيو لتخيفه، أنها تقتلني من الضحك "
فتح مارسيلو فمه يدعي الانبهار وهو يخرج هاتفه على الفور يبحث عنها، بينما مارتن أشار لهم بغضب وهو يقول :
" ها انظري جعلتي بعض الاغبياء يضحكون عليكِ ايتها البهاء، ثم ما أمر تلك المنشورات الخاصة بانطونيو ها؟! تهددين انطونيو يا حمقاء؟! انطـــونيـــــو؟! لا ينقصني سوى أن تهددي فبريانو، أنتِ يا امرأة اصبحتِ اخطر مما اتوقع "
" حسنًا أنا لا اخاف أخاك لعلمك، لكنني لا امتلك عداوة معه لاهدده، لكن حذره أنه إن فعل معي شيء، فلن يرى جولي اللطيفة وسأنسى أنه اخوك"
" يا فرحتي بكِ وبمروئتك، صدقيني فبريانو سيقدر لطفك وكرمك هذا سيد جولي المدمرة "
صمتت جولي يديها لصدرها بحنق تستشعر سخريته المبطنة منها وهي تقول بغضب متحركة للخارج تاركة الجميع ينظر لاثرها بتعجب :
" حسنًا هذا ما لدي، إن لم يعجبك الأمر لننفصل ببساطة "
تابعها مارتن بفم مفتوح وهو يراقبها تتحرك خارج القصر قبل أن يستفيق على صوت اليخاندرو الذي كان يتناول طعامه بكل هدوء وبرود :
" عجبًا لقد كانت تكتم الكثير داخلها "
نظر له مارتن ثواني قبل أن يستوعب ما حدث؛ لذا ركض للخارج يلحق بتلك الغبية التي قد تقوم بأي عمل احمق يؤذيها، لكنه لم ينسى قبل أن يذهب أن يوجه للجميع نظرة شر كبيرة وهو يقول لهم :
" ودعوا حساباتكم الإلكترونية أيها الحمقى، اقسم أنني لن ادع أحدكم ينشأ حساب مرة أخرى "
خارج القصر كانت جولي تركض في الحديقة بحنق كبيرة كطفلة حرمت للتو من لعبتها المفضلة بسبب شقاوتها الزائدة، وأثناء ركضها خارج الحديقة بغضب كان جايك يحمل لوحته الجديدة التي جفت للتو، وقد قرر أن يعلقها في غرفته، لكن رؤيته لجولي تركض بغضب جعله يبتعد سريعًا عن طريقها يضم لوحته بخوف أن تتضرر دون أن ينتبه، يرمق ظهرها بحنق وهو يصرخ فيها :
" أنتِ يا فتاة انتبهي أين تخطين، كدتِ تفسدين لوحتي الغالية "
أنهى حديثه الحانق وهو يستدير بحرص شديد، حتى لا يفسد لوحته، لكن ما كاد يفعل حتى شعر بمارتن يدفعه بقوة ليسقط ارضًا على اللوحة، بعدما تخطاه مارتن دون انتباه، همس وهو يغمض عينه بوجع بسبب السقطة :
" تبًا لكم جميعًا...."
______________________________
" ها أنت ذا سيد مافو، أخيرًا وجدتك يا عزيزي "
أنهت لورا كلمتها وهي تبتسم بسمة جانبية، ترمق الحاسوب أمامها بكل اهتمام تحاول جمع كامل المعلومات التي سبق ونشرت عن ذلك الـ
" مافو" ورغم قلة المعلومات، إلا أنها تفي بالغرض حتى الآن، اخرجت ورقة سريعا تدون بها عنوان مركز التصميم خاصته، ورقم هاتف المساعدة الشخصية له لربما تحتاجه، لكن فجأة أفسد تركيز لورا صوت الباب الذي فتح بعنف يتبعه صوت والدتها وهي تقول بحنق شديد :
" ماذا سيدة لورا؟! هل عدتي من العمل لتنعزلي في غرفتك؟! تعالي وانضمي إلينا في الصالة والدك ينتظرك "
ألقت لورا حاسوبها جانبًا وهي تبتسم باتساع مرددة بلهفة شديد :
" بابا هنا ؟!"
واتبعت كلماتها المتحمسة بركضها خارج الغرفة وهي تنادي بسعادة غامرة لا تظهر سوى مع والدها الحبيب الغالي، اغلى من امتلكت في حياتها :
" بابا نور عيوني أشتقتلك كتير "
"شوفوا صغيرونتي الحلوة، يلا تعالي لحضني، أشتقت ضمك."
انضمت والدة لورا للجلسة وهي تحمل بعض الأطباق التي سبق واعدتها، تهتف بحنق وتذمر كبير لعدم فهمها ما يدور بين ابنتها وزوجها الذي يصر على استخدام لغته مع ابنته بعدما علمها إياها بكل عناد، متغاضيًا عن جهلها بها :
" حسنًا توقفا عن الحديث بتلك اللغة الغريبة، والآن اجلسي لورا حتى نبدأ المشاهدة "
لوى والد لورا فمه بحنق وهو يرفع أحد التسالي لفمه يردد بسخرية كبيرة :
" بتحكي عن لغتنا غريبة، شو مانها شايفة لغتها الناشفة لا طعم ولا لون ولا ريحة "
" ماذا قلت ؟!"
" لا شيء، قلت للورا أن تقترب مني فأنا اشتاق إليها"
ضحكت لورا وهي تندس بين احضان والده تستشعر دفئه بكل حب، قبل أن تنغمس في مشاهدة التلفاز وتنعم بلحظات سعيدة رفقة عائلتها الصغيرة السعيدة، لكن فجأة انحرف تفكيرها صوب ذلك الغامض الذي قررت وبكل إصرار أن تكون هي من تسبق ماليكا في كشفه ...
________________________________
" حسنًا روما ها نحن نقترب من الشلال، واصلي التجديف ولا تتوقفي"
هكذا صاح انطونيو وهو يمسك مجدافين بقوة يحركمها بسرعة وخلفه تجلس روما تمسك مجدافين مثل خاصته، تجدف بقوة في ذلك النهر الذي يتوسط البلدة، والذي ينتهي بشلال كبير يقصده السياح للقيام بهواية التجديف به.
كانت ذرات المياة تصطدم في وجه انطونيو بقوة وهناك بسمة صغيرة ترتسم على فمه، وقد بدأ الادرينالين يندفع في دماءه بشدة وكأن كل ذرة تسابق اختها، شعر برغبة كبيرة في القفز والسباحة بنفسه بلا مركبة، رأى انطونيو نهاية النهر تلوح له في الافق وكأنها تفتح أحضانها له، وهو ما كان يومًا ليخجلها _رغم وقاحته _ ويرفض عناقه ويدها الممدودة؛ لذلك استخدم قوته كلها وهو يتحكم في المركب استعدادًا للسقوط مع الشلال وهو يصرخ :
" استعدي روما "
" لا "
لم يبدو أن انطونيو فهم همسة روما التي صاحت بها وقد بدأ الرعب يتحكم في صوتها وهي ترى الشلال يقترب والمراكب المجاورة تسقط معه واصوات الصرخات تعلو أكثر وأكثر، على صوت انطونيو الحانق وهو يصرخ :
" لا ؟! ما هذه لا؟!"
" لا يعني لا انطونيو، اريد العودة للمنزل الآن لا أود السقوط في النهر "
أخرج انطونيو سبة عنيفة من فمه جعلت روما تفتح عينها باتساع من وقاحته، بينما هو شدد من يده يحاول التحكم في المركب بعدما تركت تلك الغبية المجدافين من يديها، يصرخ بكل ما يمتلك من حنق :
" حقًا؟! ومن كان يبكي منذ ساعات ليقوم بذلك الأمر ؟! جدي ؟!"
" كان هذا منذ ساعات، والان اريد العودة للمنزل "
أنهت روما حديثها تزامنًا مع وقوفها في المركب بشكل أخل بتوزانه مما جعل انطونيو يفقد التحكم به وهو يرمي بنظرات مرعبة لروما وقد بدأ صوته يعلو أكثر وأكثر حتى كاد يسمع الموتى :
" اجلسي يا غبية سنموت بسبب غباءك "
كادت روما تجيبه لولا رؤيتها لبداية الشلال التي كانت اقتربت وبشدة؛ لذا ودون تفكير جذبت يد انطونيو بعنف علها توقفه عن التجديف وبذلك تتوقف المركبة حسب تفكيرها الطفولي متجاهلة تمامًا دور الأمواج في سحب المركب .
انتفض انطونيو وهو يرى روما تسحب منه المجداف بقوة ثم تحدثت بخوف :
" توقف، توقف عن التجديف توقف "
ابتسم انطونيو بسخرية وهو ينظر ليديه الفارغتين :
" ها أنا توقفت ملكة روما، والآن لنرى كيف ستوقفين سحب المياة للمركب "
لم تفهم روما شيء ولم تأخذ حتى فرصتها للفهم إلا ووجدت المركب يسقط بعنف شديد وقد وصلوا لبداية الشلال دون شعورها بسبب نقاشها مع انطونيو، لتسارع وتلصق جسدها بانطونيو وهي تردد بعض الكلمات الغير مفهومة بصوت خافض جعل انطونيو يشفق عليها وهو يضمها إليها بقوة يشعر بعنف سقوطهما، لكن فجأة انتفض وهو يبعدها عنه برعب بسبب صرختها التي خرجت فجأة بشكل سبب له الصمم وهي تقول :
" لا اريد العيش معك بعد اليوم انطونيو، طلقني الآن "
تزامنت صرختها الأخيرة مع قرب اصطدام الاثنين بالنهر ليعلو صوت صراخه وهو يمسك رأسها يكاد يكسره بين قبضتيه:
" بل سأقتلك روما سأقتلك، لن يكفيني طلاقك، ليتني أحضرت سلاحي معي كنت لتخرج ما به داخل رأسه "
" وتصرخ بي أيضًا، ايها الحقير هل تظنني فتاة عادية ؟!"
" لا العفو سيدة روما بل أنتِ خارقة، والآن اريني قوتك الغير عادية في الطيران "
ولم تستطع روما الإجابة عليه بسبب اصطدام اجسادهما بالمياة في عنف شديد لتعلو صرخات روما في المكان، قبل أن يخفت تدريجيًا وهم يختفون أسفل المياة.
كان الجميع عند حافة النهر من الاسفل ينظرون بصدمة لما يحدث، ولاختفاء روما المفاجئ هي وانطونيو، وعلت الهمسات المرتعبة عن غرقهم وقد بدأ البعض يصرخ يطلب النجدة، قبل أن يعم الصمت فجأة وهم يرون جسد انطونيو يخرج من المياه يحمل روما التي كانت تتمسك برقبته كطفل رأى للتو اسوء مخاوفه، ليسارع ويتعلق بوالده يحتمي به من كل ما يرعبه، دفنت روما رأسها في رقبة انطونيو وهي تتحدث بارتجاف بسبب البرد الذي تشعره :
" لنعيد الأمر مرة أخرى "
نظر لها انطونيو ثواني قبل أن يبتسم وهو يقبل رأسها :
" حسنًا جمليتي سأصعد واقذفك أنا من أعلى الشلال "
" انطونيو أنت لئيم، لكنني احبك كثيرًا "
" وأنتِ عنيدة روما، لكن ماذا عساي افعل فكل الطرق تؤدي إليكِ "
ابتسمت روما بسمة صغيرة وهي تهمس له :
" اشعر بالبرد "
ضمها انطونيو لجسده الذي كان ينافس جسدها في البرودة، يحاول بث أي دفء إليها بشكل بائس قبل أن يستمع لصوت جواره وهو يصدح بنبرة مرتعبة :
" يا ويلي ماذا حدث للسيدة هل هي بخير ؟!"
كانت ما تزال عين انطونيو معلقة على روما وهو يستمع لذلك الصوت الكريه يحاول تمالك نفسه، وألا يكون وقحًا، حتى لا يحزن روما منه، لكن تدخل ذلك الرجل وزوجته واقترابهما من روما بهذا الشكل الفظ جعله يقول بحنق وبرود يطغى على ملامحه ونبرته :
" أقترب خطوة أخرى لاقتلكما بيدي ؟!"
____________________________________
كان جايك مازال يتمتم بغضب منذ دخوله للقصر، يصرخ بحنق وهو يسب جميع سكان القصر وقد بدأ قلبه يؤلمه على لوحته الخاصة، رفعت روز عينها تراقب أمواج غضبه التي تطيح بكل ما يقابلها، تشعر كما لو أنه على وشك التحول، وقتل جميع من بالبهو .
" احمق احب حمقاء، ونحن من نعاني جراء تلك العلاقة، ليت انطونيو هو من احبها لكان تخلص منها الآن واراحنا "
أنهى حديثه بغضب شديد وهو يستمع لصوت ماركوس المنتخب من غضبه :
" ما بك جايك، لِمَ كل هذا الغضب ؟! "
ها هي فرصته لينفجر ويخرج كل ما بداخله من غضب، فهذه ليست المرة الأولى التي تدمر به لوحاته، لكن تلك اللوحة تحديدًا تمثل له الكثير، وقد قضى ليالي طويلة يرسمها، وقد ققر أن ينقلها من دفتره ويرسمها على لوحة اكبر ويزين بها غرفته :
" ذلك الغبي مارتن أفسد لوحتي الغالية، لقد قضيت ليالي طويلة انهيها، أتعلم شيئًا، تبًا لكم جميعًا "
أنهى حديثه وهو يتنفس بعنف ليستمع فجأة لضربة ملعقة قوية على السفرة وصوت حمحمة جده يعلو في المكان، ليتراجع هو سريعًا في حديثه يصححه :
" عداك أنت جدي بالطبع، الجميع عداك "
ابتسم مايك بسخرية وهو يتحرك من مكانه يمضغ بعض الطعام، قبل أن يمد يده ويجذب اللوحة فجأة من يد جايك دون أن ينتبه، ليفتح جايك عينه باتساع كبير ينظر ليده الفارغة، ثم حوّل نظراته ببطء لمايك يراقب يده الوقحة التي تقتحم حرمة لوحته الغالية، يخترق الحدود التي رسمها حولها، يحتل القلاع التي احاط بها رسمته الحبيبة، ذلك الوقح عديم الاحساس الذي يرمق لوحته بعين متفحصة اشعرته بالغضب وكأنه لا ينظر للوحته، بل ينظر لزوجته .
" عجبًا أليست تلك هي الصهباء الغبية روز "
وتبع كلمات مايك الغير مهتمة سعال روز العالي وهي تشعر بالاختناق فجأة من هول الحديث الذي اخترق مسامعها منذ ثواني، ترفع عينها ترمقهم بها في صدمة، لتجد جايك يرمقها بقوة وكأنه يتحداها أن تعترض، وهي قبلت التحدي حيث نهضت بعنف من مكانها متجهة صوب الاثنين في الاتجاه الآخر للسفرة، تركض بشكل مضحك بسبب جسدها الصغير مذكرة إياه بذلك القط في الافلام الكرتونية، تتوقف أمام جايك تمد يدها لها وعينها تنظر له بقوة تطالبة بتلك الرسمة التي اقتحم بها خصوصياته، لكن جايك كل ما فعله هو أنه أخرج ورقة صغيرة من جيبه تحتوي ارقام هواتفه وهو يبتسم لها بسماجة :
" أنا متفرغ بعد منتصف الليل، ليس قبل ذلك "
رمقت روز يدها بصدمة وهي تراقب تلك الورقة التي تقبع بها وكأنها وحش سينقض عليها، واه لو ترى تلك النظرات المستمتعة التي تعلو وجه جايك وقد نسي لوحته، ونسى وجود الجميع حوله.
نفضت روز الورقة بعنف وهي تمد يدها مجددًا له وقد بدأ وجهها يحمر أكثر وأكثر غضبًا، ليخرج جايك سريعًا القلم الذي كان يضعه في جيبه ويستخدمه للتوقيع على لوحاته، فهو قلم حبر ثابت ويصعب إزالته، وقام بامساك يدها ورسم عليها بمهارة عالية وجه كرتوني يشبهه هو، يضم الوجه شفتيه فيما يشبه القبلة وجوار الفم تتطاير قلوب كثيرة وبعدها خط قلمه كلمة لم تفهمها بسبب خطه البشع، لكنها خمنت أنها توقيعه، كل ذلك تحت نظراتها المزهولة من ذلك الوقح الجرئ الذي لا يهتم لأحد، أنهى جايك ما يفعل ثم اخفى القلم مجددًا وحمل اللوحة من جايك بعنف وبعدها تحرك صوب الاعلى وهو يصفر باستمتاع وقد انقلب مزاجه بالكامل بعدما كان غاضبًا وقت دخوله.
وعلى ما يبدو أن مزاجه فقط ليس هو من انقلب، بل هو بالكامل من انقلب وهو يشعر بيد تجذبه بعنف من الخلف، وما كاد يستدير حتى وجد يد تمتد نازعة القلم من جيب بنطاله، و تنكب على وجه تعيث بها الفساد، كل ذلك وهو يغمض عينه بكل برود والبسمة تملء وجهه ينتظر انتهائها من ذلك الانتقام اللذيذ، وبعدها فتح عينه وهو يقترب منها مباغتًا إياها بقبلة على وجنتها وهو يقول :
" سأحتفظ بتلك الذكرى في قلبي وليس على وجهي فقط "
أنهى حديثه وهو يبتعد غامزًا لها بمشاكسة ثم أكمل طريقه لغرفته يكمل صفير وكأن شيئًا لم يكن.
تحدث مايك وهو ينظر لذلك المشهد الذي حدث على مرأى ومسمع الجميع :
" اشعر بالفراغ العاطفي داخلي، اه على قلبي المسكين الذي رفض أن يخطو بلدة النساء، في انتظار من تحتله "
خرج صوتًا ساخرًا من فم ادم وهو يردد :
" رفض أن يخطو لبلدة النساء ؟! "
" نعم فحانة " بلدة النساء " كانت سيئة حقًا؛ لذلك لم اخطو إليها منذ تجربتي الاولى والتي كانت سيئة بحق "
انفجر ماركوس في الضحك هو وآدم على حديث مايك بينما ابتسم اليخاندرو بسمة جانبية وهو يكمل تناول الطعام، بينما روز ما زالت تنظر أمامها بصدمة لا تستوعب أنه قبل وجنتها هكذا بكل وقاحة وأمام الجميع .
_________________________________
يغمض عينه يحاول النوم، يحاول أن يستشعر الهدوء من حوله حتى يسقط في النوم، لكن وكأن النوم خاصمه اليوم، يشعر بالشوق يشتد به وبقوة، فهو منذ احضرها لهنا وهي تلتصق لأخيها وقد نسته، هو يعلم أنها تشتاق اخيها، لكن هو أيضًا يشتاق لها، نفخ جاكيري بغضب وهو ينهض يرتدي ثيابه العلوية ثم تحرك خارج غرفته يقصد الحديقة، لكن بمجرد فتحه للباب اصطدم بوجود رفقة تقبع أمام بابه ويبدو أنها كانت تنتوي طرق الباب، وكطفل صغير أبصر والدته التي عادت أخيرًا من الخارج، ابتسم جاكيري يرمقها بحب يهمس من بين نظراته التي تبدو كسهام توجه مباشرة لقلبها :
" رفكة "
" أنت لم تتناول العشاء جاكيري، لماذا؟! "
لم يبعد نظره عن وجهها وهو يهمس ببسمة صغيرة يتذكر رفضه للهبوط بعدما قرر أن يبقى في غرفته حتى لا يراها تهتم باخيها وتتركه هو كطفل يتيم لا يجد من يعطف عليه بعناق صغير أسفل امطار الشتاء :
" لم اكن جائعًا "
" والآن؟!"
حتى وإن لم يكن جائعًا، فسوف يقول إنه يموت جوعًا حتى لا يكسر نظرة الرجاء في عينها تلك، يبتسم بسمة صغيرة وهو ينظر للدرج :
" الآن اتضور جوعًا رفكة "
ابتسمت رفقة وهي تنحني جانبًا تشير له أن يتبعها، لكنها توقفت قبل حتى أن تخطو للاسفل تستدير له ترمقه بعشق وامتنان :
" شكرًا جاكيري، أنا أحبك "
أنهت كلماتها وهي تركض للاسفل حتى لا ترى تلك النظرة التي تقتلها في عينيه، نظرة العشق التي لا يبخل عليها بها كل ثانية، ابتسم جاكيري باتساع وهو يراقب رحيلها، وقد نسي كل شيء حدث منذ الصباح عدا بسمته وكلمتها تلك، تحرك خلفها بسرعة وهو يمني نفسه بليلة رومانسية، هو وهي و......توفيق وسيلين ؟!!
هكذا صدم جاكيري وهو يبصر العجوزين يجلسان على طاولة الطعام التي أعدتها رفقة، لتنقلب بسمته فجأة لحنق وهو يشير على العجوزين مرددًا :
" من احضر هذين العجوزين ؟!"
رفع توفيق وجهه سريعًا من على الأكل وهو يقول بتأنيب لجاكيري على وقاحته يعض شفتيه :
" جاكيري عيب ، مش كده يابني مينفعش تقول للستات أنهم عواجيز، بعدين رفقة كبيرة بس مش لدرجة عجوزة برضو "
تحدثت رفقة وهي تصب بعض الطعام في طبق جاكيري الذي جلس بغضب وتذمر على أحد المقاعد وقد قرر أن يكمل ليلته كما خطط ولن يهتم لوجود أحد :
" هو قصده عليك أنت يا عم توفيق مش انا "
شهق توفيق شهقة كادت تخرج روحه معها يعود للخلف ينظر للجميع باستنكار بينما يده تتحسس جرحه الذي يتوسط رأسه:
" أنا ؟! أنا عجوز ؟! ولما أنا عجوز يا استاذ جاكيري، كنتم بتستعينوا بخبراتي ليه عشان احمي الشركات بتاعتكم ؟!"
ضحكت رفقة بعنف وهي تتناول بعض الطعام مرددة بسخرية :
" شركات ؟؟ دي هي كانت شركة واحدة والعيلة رمت طوبتها ومكنش عليها العين اساسا، بعدين ايه تحمي دي ؟! أنت كنت واقف على الحدود يا عم توفيق؟! كل الله يكرمك يا عم توفيق "
تحدثت سيلين وهي ترمق جاكيري بشر وقد خرجت أخيرًا عن صمتها :
" ماذا اقول حسرتي عليك وعلى تربيتك الفاسدة أيها الشاب "
ابتسم لها جاكيري وهو يردد ببسمة صغيرة يخرج هاتفه الذي كان يضعه في جيب بنطاله .
" اه صحيح لقد تذكرت، انظري ماذا وجدت سيلين؟! "
اعتدلت سيلين في جلستها وهي تنظر للهاتف بتركيز تحاول فهم ما يريد جاكيري قوله، لكنها لم تفعل؛ لذلك ابتعدت وهي تردد بعدم فهم:
" ما هذا ؟! أنا لا أفهم شيئًا "
تناول جاكيري قضمة وهو يتأوه بلذة يعطيها الهاتف كله يحاول ادخال حديثه برأسها :
" حقًا امعني النظر للهاتف أكثر سيلين، ألم تتعرفي على أحد منهم ؟!"
" لا لم أفعل، من هم ؟!"
" ملوك الدولة الفرعونية، أولستِ أحد أفراد العصر القديم؟! لا بد أنكِ صادفتي أحدهم من قبل، انظري مجددًا علكِ تتعرفين على احدهم، فأنا لا أود تركك في المتحف إلا بعد أن اطمئن أنكِ تحظين برفقة جيدة "
رمقته سيلين بشر، لكنه لم يهتم وهو يقول :
" صحيح أخبريني مقاسك حتى اوصل الأمر للسلطات الخاصة بالمتحف ليبدأوا اعداد تابوتك"
ضربت سيلين ملعقتها على الطاولة وهي تصرخ بحنق :
" لقد تجاوزت حدودك أيها الشاب، هل تظنني كبيرة لهذه الدرجة؟! أنا اكبرك فقط بعشر سنوات "
" بل الصحيح أنكِ تكبرين أبا الهول بعشر سنين وليس أنا سيلين، أنا مازال عمري مكون من رقمين فقط "
" أنت يا فتى وقح اقسم لم أرى يومًا بوقاحتك، لكن اللوم لا يقع عليك بل على والديك اللذان لم يحسنا تربيتك ومن بعدهما جدك الذي تركك تفعل ما تريد أنت و عديمي الادب الثمانية الآخرين "
ابتسم لها جاكيري بسمة مستفزة صغيرة وهو يستدير لرفقة متحدثًا بجدية :
" رفكة غدًا سوف اذهب لارى أين وصلت قضيتك، وأود منك التزام المنزل وعدم الخروج منه حسنًا "
صمتت رفقة وقد بدأ الخوف يزحف على وجهها وهي تبتلع ريقها محركة رأسها بهدوء شديد لا تتحدث وقد شعرت فجأة بعدم رغبتها في تناول الطعام، لكن تلك اليد التي ضمت يدها بلطف من أسفل الطاولة بثت لقلبها أمان كبير وصوت جاكيري الهامس يقول بجدية :
" حان الوقت لنتحدث بجدية فيما يخص قضيتك رفكة "
__________________________
ابتعد فبريانو ببطء عن روبين وهو يهمس ببرود بينما عينيه تحلق فوق رأس تلك العجوز التي خرجت لتوها من منزل روبين تتبعها عجوز أخرى، ورغم معرفة أن إحداهما هي جدة روبين والتي تمتلك ذلك المنزل إلا أنه تساءل :
" روبين من هاتين العجوزتين ؟!"
فتحت روبين فمها وعينها بصدمة تضع يدها فوق فمها لحديث فبريانو الوقح والذي وصل واضحًا لجدتها التي قالت وهي تتقدم بعكازها منهم مرددة :
" قال ايه عديم التربية ده ؟! أنا عجوز ؟! أنا عجوز يا أعمى البصر والبصيرة ؟! مش كفاية البت راضية بيك على عيبك وكمان جاي تبجح في جدتها ؟!"
ورغم تعجب فبريانو من فهم تلك السيدة له، إلا أنه تجاهل كل ذلك وهو يقول بحاجب مرفوع :
" على عيبي ؟! ليه بتكلم من قفايا ولا بمشي على أيدي ورجلي ؟!"
نظرت السيدة لروبين وهي تقول من بين سعالها الحاد :
" أنا قولتلك ملكيش دعوة بالاجانب، دول مشافوش تربية في حياتهم وكل حياتهم برطعة، بعدين عاجبك فيه ايه الواد ده ؟! ألا ما شوفته داخل علينا ببدلة سنييه ولا عربية مرسيدس "
" لم أتخيل أنني يومًا قد اقابل عجوز أكثر ازعاجًا من سيلين "
كادت جدتها تفتح الحديث مجددًا لولا صوت روبين الذي قاطع ذلك النقاش الممتع بين جدتها و فبريانو، تقول ببسمة صغيرة :
" ايه يا تيتة مش هتدعي ضيفنا يدخل البيت ونضايفه حاجة ؟!"
ابتسمت السيدة بسمة سخيفة وهي ترفع كتفها بكبرياء ثم تحركت للداخل وهي تقول العجوز الأخرى التي كانت تنام وهي واقفة :
" يلا يا سوسو، خلينا نكمل قعدتنا جوا بدل حرقة الدم دي، وأنا اللي قولت هنحسن السلاسة ونتجوز من أجانب، اتاريها راجعة باجنبي من صفط اللبن"
استدارت روبين بسرعة لفبريانو الذي كان مازال يحدق في الباب بشر وكأنه سيحرقه ويسقط المنزل أعلى رؤوس هؤلاء العجائز، لكن صوت روبين المخفض اخترق أفكاره تلك وهي تقول بخجل :
" معلش هي تيتة كده، طبعها غريب شوية وكمان السن بيخليها تتصرف تصرفات زي الاطفال، اصل هي مش جدتي على طول، لا دي ام جدتي، كملت قرن بقالها سنين و ..."
توقفت وهي ترى شرود فبريانو بها وهي تحرك يديها بقوة تحاول الشرح، وتبرير أفعال جدتها التي احرجتها وبشدة، لكن هي تعلم أنها ثواني وستهدأ وتعامله جيدًا، فهي كما قالت، تشبه الاطفال في تصرفاتهم .
" تلك العجوز لا تهمني روبين، بل أنتِ من يهمني "
فتحت روبين فمها قليلًا ثم اغلقته كـ سمكة تحاول التنفس أسفل المياه، لكن بعدها تحدثت مباشرة وهي تقول :
" لا تخف فبريانو هي أبدًا لن تقف في وجه حبنا، أعني جدتي من ذلك النوع القديم، لكنها متفهمة إلى حدٍ ما، فهي أيضًا وقعت بالحب يومًا، لكن حظها اوقعها مع أحد جنود الاحتلال الإنجليزي في ذلك الوقت، وبمجرد الوقوع في الحب معه انجلى الاحتلال عن مصر ولم نره من وقتهاؤ هي بائسة بعض الشيء "
" لا بأس روبين أنا لا اخاف أن تقف في وجه حبنا، يمكنني قتلها بكل بساطة خاصة أنها تعيش منذ زمن بعيد، ولن يفرق معها أن ترحل مبكرًا، في الواقع قد اقتل عائلتك كلها لا أمانع "
رد متوقع من فبريانو الذي يتعامل مع كل شيء واي شيء في حياته بالسلاح والقتل .
لكنها لم تصمت وهي تقول بحنق :
" وانا أمانع فبريانو "
" لماذا ؟! حسنًا دعينا من هذا الآن، ألن تطعميني؟! "
________________________
ليلة هادئة كغيرها من الليالي، اصوات حيوانات الليل تملء الأجواء، إلى جانب اصوات الرياح التي كانت قوية في ذلك الوقت من العام، بالإضافة لصوت سيارة عنيف تحتك بالارضية أسفلها، وكأنها تتعارك معها مستفزة إياها لتخرج شرارًا .
نظر قائد السيارة للهاتف الذي يرتفع رنينه جواره وهو يرفعه سريعًا على أذنه يهتف بلهفة كبيرة :
" نعم ايان أنا قادم صغيري، فقط اختبئ في أي مكان أنت وهايز ولا تخرجا إلا عند سماع صوتي، حسنًا ؟!"
أنهى ادم حديثه وهو يلقي الهاتف جواره ثم رمق المسدس الذي يستقر جانب الهاتف يتذكر مكالمة ايان له وهو يهمس مرتعبًا أن هناك صوت في المنزل ويبدو أن لصًا قد اقتحمه، وتلك الغبية الحمقاء هايز اندفعت تمسك أحد العصي التي تحفظها في المنزل منذ حجز والدها في المشفى وبقائها وحدها به واحيانًا رفقة ايان عندما لا يتم حجزه في المشفى، والآن هو يوشك أن يطير بسيارته ليصل لهم، يمسح وجهه بغضب .
دقائق مرت حتى توقفت سيارة آدم بعنف مخيف أمام العنوان الذي حصل عليه من ايان بعد جهد مضني في فهم وصفه الغريب للمنزل، حمل مسدسه وهو يضعه في ثيابه ثم تحرك بخطوات سريعة صوب المنزل، ليجد الباب مفتوح بشكل مثير للشك، تقدم داخل المنزل يخرج سلاحه بهدوء ينظر في أرجاء المنزل، يحاول أن يستشعر اي صوت حوله مستغلًا الظلام الذي يسبح به المنزل .
صوت خطوات خلفه هي ما أثارت حواسه كلها، ليقبض على سلاحه بقوة أكثر ينتظر اقتراب تلك الخطوات منه، ثم وفجأة استدار بقوة وعنف وهو يرفع المسدس عاليًا، لكن تلك الضربة القوية التي هبطت فوق رأسه أفقدته التوازن فجأة يستمع لصوتها وهي تصرخ بهيسترية :
" أيها الحقير امسكتك، ايان اتصل بالشرطة بسرعة امسكت ذلك
السارق "
رفع ادم رأسه بعنف شديد وهو يكاد يفتح فمه لولا رؤيته للعصا تدنو من رأسه مجددًا، لكنه تلك المرة كان أسرع وهو يمسكها بعنف يجذبها من يد هايز التي شعرت فجأة بالرعب وقد أصبحت عزلاء في تلك الحرب الغير عادلة مع لص خطير مسلح، لكن بمجرد تذكرها لايان حتى شعرت فجأة بقوة تندفع في كامل اجزاء جسدها وهي تنشب أظافرها كقطة شرسة في ادم الذي ألقى سلاحه وهو يمد يده يحاول أبعادها عنه بأي شكل يصرخ بغضب شديد أن تتوقف، لكن هايز لم تكن في حالة تسمح لها لسماع وتمييز صوت آدم الذي جاهد لاختراق غمامة القوة الوهمية التي تمتلكها، أو تثقب فقاعة البطولة التي تعيشها في عقلها الان وهي تضحي بنفسها لأجل صغيرها الحبيب .
امسك ادم شعرها بعنف وهي فعلت الشيء ذاته، وكأنهما طفلين في الروضة، هي تحاول غرز أظافرها في عينه، وهو يحاول دفع كتفها عن يصرخ بعنف شديد :
" تبًا لكِ هايز، توقفي قبل أن أطلق النيران على رأسك الجوفاء يا غبية "
صرخت هايز بغضب وهي تتحرك بشراسة بين يدي ادم تحاول تحرير شعرها، قبل أن تنتشر الإضاءة في المكان فجأة وينطلق صوت ايان وهو يقول ببسمة بريئة تخفي خلفها خبث ومكر كبير بعدما احضر آدم هنا واوهم هايز أن هناك لص في المنزل متأملًا أن يخلق بذلك جو رومانسي ويظهر خوف ادم على هايز، ولم يتوقع أن يصله للاعلى صوت معركة ضارية بين الاثنين ليتفاجئ بما يرى بمجرد إضاءة المكان :
" ادم لقد اتيت "
ذلك الصغير الخبيث، يحاول ادعاء البراءة، لكن أوليس كل شيء متاح في الحب والحرب ؟!
همسات هايز وهي تبتعد ببطء عن ذلك الذي اخرجت نصف شعره في يدها تردد ببلاهة :
" آدم؟!"
" تبًا لكِ ولادم الذي جاء لينقذك، كان من المفترض أن آتي لإنقاذ اللص من بين يديكِ ايتها المجرمة "
أنهى ادم حديثه وهو يربت على خصلات شعره التي مازالت تؤلمه بسبب شد هايز لها، بينما هايز تفتح فمها ببلاهة تشير حولها وهي تقول بصدمة :
" أنا...هو ....فقط ظننتك اللص و"
صمتت ولا تدري ما تقول بسبب نظرات آدم المتوحشة والتي كانت تنبأها أنه الأن يقتلها في عقله، ولا يجب أن تتحدث حتى لا تفسد صفو حفل تأبينها الذي يحضره الآن داخل رأسه .
" أنا آسفة؟!"
" لا لا سيدة هايز، بل أنا الاسف "
هكذا أجاب ادم بسخرية لاذعة لتتحدث هايز وهي تهز رأسها :
" لا، لا تعتذر لا بأس أنا اسامحك "
" حقًا؟! يا لكرمك ولطفك الذي يخجلني، أنتِ أيتها الغبية كدتي تتسببين لي بالصلع منذ قليل "
عادت هايز للخلف تحاول أن تخفي نفسها من أمام وجهه الذي احمر غضبًا :
" لا تقلق هذا لن يقلل منك في نظري، ستكون اوسم اصلع في العالم صدقني"
فتح ادم فمه بصدمة من حديثه، ولم ينتبه أيًا منهما إلى رحيل الطفل الذي ابتسم وهو يرى محادثاتهم اللطيفة
كان آدم لا يصدق ما أتى به عقلها، ليضيف بتهكم :
" آه يا امرأة، ارحتي قلبي، الآن لن أخشى الصلع "
" لا، ستكون وسيمًا "
ابتسم ادم بسمة صغيرة ثم اقترب منها مباغتًا وهو يهمس في اذنها رغبة في جعلها تندم على ما فعلته بها :
" حقًا هايز؟! سأكون وسيمًا ؟!"
لكن إن كان يظن أنها ستتراجع الآن وتدعي الخجل، أو تصفعه على وجهه وتصرخ بأنه وقح، فهو لايعلم هايز التي تفعل ما تريد متى تريد؛ لذا ابتسمت هايز وهي تضم عنقه بلطف :
" نعم يا قلب هايز"
وانقلب السحر على الساحر، وها هو يسقط في الحفرة التي حفرها بيديه لأجل هايز،. تلك الليئمة الماكرة تتلاعب به، تعلم نقاط ضعفه وتتلاعب بها بكل مهارة، لكن حسنًا تريدها حربًا....فلتكن إذًا .
ابتعد آدم عنها وهو يقول ببسمة صغيرة :
" يبدو أن لا سارق هنا؛ لذا سوف ارحل "
استدار ثم عاد ونظر لها وهو يقول بجدية كبيرة :
" من فتح الباب ؟!"
" أنا "
تفاجئ ادم من حديثها ليعلو وجهه لمحة استنكار لما تقول وتفعل، لكنها سارت ووضحت مقصدها :
" لقد كنت أريد أن اخيف السارق وادفعه للهرب، لذا فتحت له الباب حتى يخرج منه "
ابتسم ادم بسمة مستخفة وهو يردد يدعي التفكير :
" هل اتخيل أم أنكِ تتعاملين مع اللص كأنه فأر ؟!"
صمتت هايز تنظر له بحنق لا تفهم حديثه، لكنه لم يهتم وهو يلوح بيده في الهواء بمعنى لا بأس، ثم تحرك صوب الخارج يقول بجدية وهو يلوح بمسدسه الذي التقطه للتو :
" المرة القادمة سأحرص على ثقب تلك البالون الفارغة التي تسمى عقلك هايز، اغلقي الباب جيدًا عليكما "
رمقت هايز رحيله بهذه البساطة وهي تبتسم بسمة واسعة غبية، وقد شعرت للمرة الأولى بالأمان، أن هناك من يترك كل شيء ويأتي ركضًا لاجلهما، هناك من يخشى عليهما، وآه لو كان يحبهما .
_____________________
ها قد أتى ذلك الصباح الذي ترتقبه الصباح الذي ستنفذ به خطتها.
مترددة ؟! نعم وكثيرًا لا تظن أنها سابقًا ترددت بهذا الشكل في أي أمر، تشعر أنها ستفشل، بل هي متأكدة، ومنذ متى نجحت بشيء؟! لكن رؤيتها لوجه ماليكا يمر أمام وجهها بملامح الشماتة التي تخصها بها دائمًا، جعلها تندفع خارج سيارتها الصغيرة وهي تضم حقيبتها تتنفس بانتظام لتهدأ، هيا لورا، الأمر سهل، مجرد صورة لذلك الرجل الغريب وتهربين لمنزلك، وبعدها سيعلم الجميع من هي لورا .
تحركت صوب المبنى الضخم الذي يحتوي مركز تصميم الازياء المعروف للسيد مافو، ذلك الرجل الذي هز أرجاء ايطاليا بتصميماته الغريبة والمبهرة في نفس الوقت، تصميمات تشعر كما لو أن سيدة هي من انتجتها، من شدة دقتها وتركيزها على تفاصيل النساء، الأمر معقد فإما أن يكون مافو هو امرأة أو يكون زير نساء حتى يعلم كل تلك الأسرار عما يعجب النساء بهذه السهولة .
وقفت لورا أمام المكتب الذي تجلس داخله فتاة تحرك اصابعها بسرعة على لوحة الحاسوب أمامها وجوارها يجلس شاب، لكنه نهض وهو يحمل سترة قائلًا :
" مولي سأذهب لارى الخامات الجديدة في المخزن وأنتِ انتهي من أمر الاجتماع القادم "
أنهى حديثه وهو يخرج بسرعة يتجاهل لورا التي اصطدم بها في خفة ثم اعتذر بكلمات مقتضبة، يسرع الخطى للخارج، تاركًا لورا فريسة لنظرات تلك الفتاة التي تنظر لها من أعلى لاسفل .
" نعم ؟!"
ابتلعت لورا ريقها وهي تتحرك داخل المكتب تنظر حولها بفضول شديد، ليجذب باب كبير زجاجي انتباهها بشكل كبير، لكنها أبعدت انظارها سريعًا حتى لا تجذب الإنتباه :
" مرحبًا، هل السيد مافو موجود ؟!"
" من أنتِ ؟! "
" أنا مساعدة شخصية لأحد رجال الأعمال وقد وكلني بأن آتي لاتفق مع السيد مافو على تصميم فستان لزوجته لحضور حفل زفاف مهم "
حجة غبية مثلك لورا، ليس هذا ما تدربنا عليه بالأمس يا حمقاء، ثم كفي بحق الله عن هز قدمك بشكل اثار شك تلك السيدة التي تشعرها كما لو أنها جرثومة أسفل المجهر على طاولة عالم فذ .
" حسنًا يمكنك ترك كل التفاصيل وانا سوف اتواصل معكم بمجرد تفرغ السيد "
" ماذا؟! لا أنا أريد مقابلته شخصيًا....ااا أعني أن سيدي طلب مني أن اشرف شخصيًا على أمر الفستان "
" عفواً لكن هل تلك أول مرة يتعامل بها سيدك مع السيد مافو؟! لا احد يقابل السيد مافو و"
توقفت مولي فجأة عن الحديث وهي تستمع لصوت غاضب من الداخل :
" مولي تعالي هنا ."
أغمضت مولي عينها بغيظ وهي تنهض تعدل من ثيابها تتحرك صوب باب المكتب الخاص بمايك وهي تردد بجدية :
" رجاءً انتظري حتى اعود "
أنهت حديثها تفتح الباب بعدما طرقته بخفة، ثم وصلت لمسامع لورا بعد الهمهمات التي لم تهتم لها وهي تنهض بسرعة للتحرك بعدما شعرت أن تلك الفتاة قد كشفتها، تحركت بسرعة للخارج وهي تمسك حقيبتها بقوة، لكن مجددًا وللمرة الثانية يجذب ذلك الباب انتباهها، نظرت حولها بتردد، قبل أن تنقاد خلف فضولها وتقتحم تلك الغرفة بسرعة كبيرة تغلق الباب خلفها بهدوء شديد .
خرجت مولي من المكتب وهي تنفخ بضيق تلقي بعض الأوراق على المكتب مرددة باستياء :
" السيد زوك يخطأ و لورا تصحح خطأه"
صمتت وهي تنظر حولها بتعجب :
" عجبًا أين اختفت تلك الفتاة؟!"
_________________________________
" واضح راسيل؟! اريدك أن ترفعي رأسي أمام ذلك الغبي مارسيلو "
رفعت راسيل عينها ببلاهة في وجه السيدة مانتيو، تفكر بتهكم في تصرفاتها الغير مسئولة وحديثها التلقائي الغير محسوب، هي لطالما كانت مندفعة، لكن ليس لدرجة أن تسب مديرها في العمل وتنعته بالغبي :
" أخبرتك مئات المرات أنني فهمت، لكن ألا تظنين أنكِ وقحة بعض الشيء فيما يخص مديرك في العمل ؟!"
تحركت السيدة مانتيو ببطء وتعب صوب المقعد وهي تمسك بطنها المنتفخة وكأنها تخشى أن تسقط منها أثناء السير، تتربع على عرشها المريح ترتشف بعض قطرات العصير، لترطب حلقها الذي جف، ليس من شرح العمل لراسيل، بل من الحديث عن كم هو وغد ذلك المدير المزعوم :
" صدقيني يا فتاة هذا النوع لا يجب معاملته سوى بهذا الشكل "
" أي نوع تقصدين ؟!"
ابتلعت السيد مانتيو العصير وهي تصف معاناتها مع مارسيلو وكأنه كان يعذبها ليلًا نهارًا :
" ذلك النوع الخشن، المزعج، المستفز، في بداية عملي كان يدفعني للجنون، حمدًا لله أنني وقتها لم أكن حاملًا وإلا لدفع بي للهلاك بسبب تعامله اللامبالي مع كل شيء، لكن مع الوقت تعلمت جيدًا كيف اتعامل معه، وكيف اتفادى حدوث كوارث صحية لي بسببه وبسبب تصرفاته "
" آه يا مسكينة، وكيف تحملتي البقاء مع ذلك المستفز الوغد "
فتحت راسيل عينها بصدمة تزامنًا مع انطلاق ذلك الصوت الذكوري خلفها، بينما السيدة مانتيو اخذت رشفة أخيرة من العصير قبل أن تضعه بسرعة ولهفة على المكتب تردد ببسمة غبية :
" سيد مارسيلو مرحبًا بك، أنرت المكان، يومين متتاليين؟! هذا كثيرٌ علينا اقسم "
رفع مارسيلو حاجبيه وهو يرسم بسمة ساخرة جانبية يقترب من المكتب حيث تلك المتدربة الجديدة التي تعطيه ظهرها :
" لا يكفيكِ أنكِ تحولين مكتبي لسوق طعام، و تضيعين على المكتب قضايا عديدة بسبب انشغال سيادتك في الطعام، بل وايضًا تصفينني بكل تلك الصفات وفي ظهري ؟!"
أشارت السيدة مانتيو لنفسها بصدمة وهي تقول فاتحة فمها :
" أنا؟! أنا أقول كل ذلك في حقك سيدي ؟! "
صمتت ثم أشارت لراسيل التي مازالت مرتعبة بسبب سماعه لحديث السيدة مانتيو، تفكر أنه الآن سيطردهما شر طردة من هنا، لكن صوت مارسيلو البارد وصل لها كدلو ماء سقط فوق رأسها وهو يقول :
" تلك هي العاملة الجديدة ؟!"
استدارت راسيل ببطء وهي تواجه ذلك الفظ الوقح كما أخبرتها السيدة مانتيو، تنظر في عينه بجدية وهي تقول ببسمة صغيرة باردة :
" نعم إنها أنا سيد مارسيلو، تشرفت بمعرفتك "
________________________________
صوت بوق السيارات يخترق عقله بعنف مسببًا هزة به، اغمض عينه يحاول إجلاء ذلك المنظر الذي يكرهه من أمام عينه، يكره الازدحام، يكره أن يضطر للوقوف في مكان واحد فقط لفترة طويلة، وذلك لأن عدد من الأشخاص الكسالى قرروا أن يذهبوا لعملهم اليوم بالتحديد، حينما قرر هو الذهاب، لا يعلم سبب الزحام هذه المرة، لكنه يغضبه، يغضبه وبشدة .
نفخ بضيق وهو يضرب المقود يعود برأسه للخلف ينظر بطرف عينه على الهاتف الموضوع أمامه يشير لتخطي الساعة العاشرة صباحًا وهذا يعني صراخًا من مارتن، وتوبيخ وقد ينتهي الأمر بشجار صغير يخرج على أثره من مكتب مارتن وهو يصفر ببرود، بينما داخله يحترق.
اغمض عينه يحاول فصل نفسه عن ذلك العالم المزعج من الضوضاء السمعية والبصرية، يحاول انتزاع جسده وليس روحه فقط من ذلك المكان المقيت لنفسه والذي يسبب له اختناق شديد، لكن بينما هو في تلك الحالة قفزت صورتها أمام عينه مذكرة إياه باخر لقاء بينهما، حينما ذهب لإحضار اوراق آدم من المشفى وقابلها هي وخطيبها ليلقي عليهما التحية ببسمة صغيرة، ثم تركهما ليحضر ما جاء لأجله، قبل أن يسمع لصوتها يناديه من الخلف بعصبية مبالغة لا يعلم سببها تحديدًا .
" أنت يا سيد، توقف الآن"
توقف ماركوس بتعجب وهو يستدير لها ببطء ينظر لها بترقب :
" نعم ؟! "
" ماذا قصدت بتلك البسمة هناك ؟؟ "
رفع ماركوس حاجبه وهو يقول بتهكم :
" معذرة دكتور سارة لم اعلم أن المشفى تمنع الابتسام هنا "
فتحت سارة عينها بشر وهي تقترب منه أكثر، تكره بروده ذلك كما نظراته، يضايقها بنظراته وحركاته المريبة تلك، بسمته الغريبة، كل شيء به يضايقها، تتذكر تردده على المشفى لاسبوع كامل و رميه لها بنظرات مستفزة طوال الوقت :
" هل تحاول استفزازي ؟!"
وهذه المرة كانت الصدمة عند ماركوس حقيقة وهو ينظر لتلك الطبيبة الغرببة، هو في البداية كان يضايقها ويحب المرح قليلًا معها، لكن بمجرد أن علم أنها تمتلك شريك حياة وعلى وشك الزواج كما سمع من الممرضات، ابتعد ببساطة وتوقف حتى عن ازعاجها، هو في الأصل كان فقط يتسلى باغضابها ليس إلا:
" عفواً يا سيدة وماذا فعلت ؟!"
" نظراتك تلك وطريقة ابتسامتك ليست طبيعية ولا تحاول إقناعي بذلك، لأنني أعلم غرضك، لكن ياسيد يبدو أن نسيت في غمرة عبثك تلك أنني مرتبطة وقريبًا سأتزوج "
انهت حديثها الذي يشبه خطاب قائد في جنوده قبل خوض معركة ما، تنتظر رده على حديثه والذي لم يكن سوى نظره مستنكرة لما قالت وبعدها رفع حاجبه باستهانة ثم رحل وهو يردد ببساطة :
" توقفي عن قراءة الكتب الرومانسية فهي تضر بعقلك دكتور "
فتح ماركوس عينه على صوت بوق عالي خلفه، ليجد أن الازدحام بدأ يقل تدريجيًا، ابتسم بسخرية وهو يعتدل في جلسته يسخر في نفسه من تلك القصة التي بنتها سارة في رأسها عن أنه يحبها ويلاحقها، نعم كان يزعجها، لكن لأنه يتسلى بذلك وليس لأنه يحبها ومنزعج من فكرة ارتباطها .
امسك ماركوس مقود السيارة وهو يتحرك ببطء لولا اليد التي امتدت من النافذة جواره تحمل عدة أشياء لا علاقة لها ببعضها، تحركت عين ماركوس ببطء من اليد حتى وصلت لصاحب اليد الذي كان فتاة صغيرة، أو مراهقة لا يعلم حقيقة .
تحدثت الفتاة بلهفة وهي تعرض أمام ذلك الشاب والذي يبدو من ثيابه أنه ثري هذا دون ذكر ماركة سيارته :
" ما رأيك بأن تشتري شيء مني سيدي، صدقني لن تجد في روما بأكملها اشياء نادرة كالتي أبيعها "
ارتفعت زاوية فم ماركوس قليلًا مع تزامن ساخر لارتفاع حاجبه :
" هيييه يا فتاة، أليس من المفترض أن تكوني في المدرسة الآن ؟!"
لوت الفتاة فمها بحنق وهي تعتدل تضم المعطف المهترئ على جسدها ظنًا أن عينه تدور عليه كغيره من الرجال :
" و ما شأنك أنت ؟! أنا سألتك إن أردت شيئًا ام لا؟! "
هذه المرة ارتسمت الصدمة على وجه ماركوس وهو ينظر لوجه تلك المشردة الممتلئ بكثير من الاوساخ، تحمل في يديها بعض الاشياء التي يظن أنها سرقتها، تحاول بيعها كما السوق السوداء، وتظنه أنه ذلك الاحمق الذي سينجذب لتلك الخردة معها .
" أنتِ وقحة يا صغيرة، ألم يخبرك أحد بذلك ؟!"
لم تجبه الفتاة لكنها بكل بساطة أشارت للطريق أمامه وهي تقول بجدية :
" لقد خف الزحام والآن ارحل من هنا "
حرك ماركوس عينيه لثواني على الطريق أمامه يتأكد من خبرها، لكن بمجرد أن فعل ذلك وجد يد الفتاة تمتد بسرعة مخيفة تخطف هاتفه الموضوع أمامه ثم أطلقت لساقيها الريح تحت انظار ماركوس الذي حتى الآن لم يستوعب ما حدث، لكنه رغم ذلك ابتسم بعدم تصديق وهو يتحرك بسيارته بسبب ارتفاع اصوات البوق خلفه، يردد ببلاهة:
" اوووه تسرق من مجرم ؟! ياللسخرية !!!"
لكن بمجرد انتهاء كلماته حتى ارتسمت بسمة خبيثة على فمه و.....
_______________________________
تحركت لورا في الغرفة الخاصة بتصميم الازياء لذلك المصمم المشهور المجهول والذي جاءت خصيصًا اليوم لكشف هويته ومعرفة من هو، وسبب اختفائه خلف اسم مستعار؟؟ علّ مديرها في المجلة يتوقف عن إزعاجها بكم هي صحفية فاشلة لا فائدة منها ...
حسنًا هي كذلك بالفعل، لكن لا تحب أن يخبرها أحد بذلك .
فجأة وبدون سابق انذار سمعت صوت خطوات تقترب من الباب الجانبي للغرفة لتنظر حولها في هلع، لا تعلم ماذا تفعل سوى أنها ركضت لباب الخروج، لكن يبدو أنها علقت هنا فها هو يرفض أن يُفتح، كادت تبكي وهي تستمع لصوت ذكوري يتحدث للسكرتيرة ويخبرها أنه سيذهب لغرفة التصميم _ التي تقبع هي بها في الأساس _ ولا يريد أن يزعجه أحد .
ودون ثانية تفكير كانت تجذب عدة اقمشة من الأرض تلقيها فوق جسدها وتقف جوار بعض التماثيل التي تستخدم لوضع الثياب الجديدة ( مانيكان ) ..
تحرك داخل الغرفة وهو يغلق الباب خلفه ثم اتجه لمشغل الاغاني يضعه على اغنية صاخبة وهو يهز رأسه باستمتاع يدندن مع الأغنية ثم أخذ يرقص في حركات ماهرة مضحكة بعض الشيء لتلك التي ترمقه بصدمة مرددة في نفسها :
" أليس من المفترض أن يضع اغنية هادئة حتى يستطيع التركيز فيما يفعل ؟؟؟؟"
لم تكن لورا ترى ما يحدث أمامها فقط ترى قدمه تتحرك حركات سريعة وبقوة وصوته وهو يغني معها ثم تحرك وهو يحمل دفتر صغير يجلس على الطاولة جوارها مباشرة يصفر مع لحن الأغنية وهو يخط بقلمه بعض الخطوط ثم يقطع الصفحة بحنق يلقيها دون اهتمام لتسقط عليها، لكنها لم تهتم وهي تحاول النظر لوجهه.
زفر مايك بحنق وهو يعود برأسه يستند على التمثال خلفه يحاول التفكير في التصميم الجديد لزفاف أحد المشاهير، لكن فجأة أحس بشيء لين أسفل رأسه، ضيق مايك عينيه بريبة وهو يستدير ليرى قطعة كبيرة من القماش تغطي التمثال، مد يده بتردد وهو يتحسس التمثال ليجد أن جسد التمثال لين بشكل مريب كما لو أنه إنسان حقيقي .
شعر فجأة بالرعب وهو يفكر أنه ربما تمثال صنع للتو ولن يجف بعد، احتمال غبي، لكنه حاول به طمأنة نفسه ...
" اصبحت يائسًا لهذه الدرجة ؟؟؟ أن أشعر كما لو أن التمثال يمتلك جسدًا لينًا ؟؟؟؟ أين وصل بك الحال يا مايك ؟؟؟"
لكن نظرته التي سقطت فجأة على أصابع تتحرك من أسفل قطعة القماش جعلته يبتعد عن التمثال ببطء وهو يمد يده صوب ثيابه يسحب سلاحه بكل هدوء في نفس الوقت الذي بدأت فيه لورا تحاول الابتعاد عنه شيئًا لشيء ظنًا أن لمساته تلك كانت عن طريق الخطأ وهي تهمس بحنق شديد .
" متحـرش حقير، هل يتحـرش بالتماثيل عادة ؟! "
أنهت كلماتها وهي تتحرك ببطء غير ملحوظ لكن بسبب تلك القماشة الكبيرة تعرقلت فيها وهي تسقط بعنف على المقعد الذي يحتله مايك والذي كان ما يزال يحمل سلاحه بريبة ليجد فجأة سلاحه يسقط ارضًا بسبب ذلك التمثال ويحل محله فتاة جميلة وبشدة جعلته يبتسم بسمة واسعة وهو يقول :
" ويلتي على هذا الجمال، يبدو أنني سأستمر في الشراء من نفس الشركة الخاصة بالتماثيل لعقود "
فزعت لورا وهي تحاول التحرك بين يديه بينما مايك يرمقها بنظرات متفحصة يهمس لها بوقاحة شديدة :
" بعدما تنتهين من دوامك كتمثال عرض، هل تخرجين معي في موعد ؟؟؟ "
" ماذا ؟؟؟"
" اود الخروج معكِ يا جميلة بعدما تنتهين من لعب دور التمثال ذلك "
" هل جُننت ؟؟؟؟؟؟"
" تؤ تؤ بل فُتنت "
فتحت لورا عينها بفزع من حديثه وقد بدأت تشعر بالخطر من ذلك المختل ليزيد مايك الأمر سؤءً :
" حسنًا الأمر ليس شخصي، أنا في الحقيقة افتن بأي فتاة اراها في حياتي عدا سيلين إن صنفناها فتاة، إذًا هل أنتِ في علاقة ما ؟؟؟"
هزت الفتاة رأسها بلا بريبة لتسمعه يقول ببسمة صغيرة :
" ابشري يا ابنتي، طالما أنني رأيتك وأعجبت بكِ، غدًا تستيقظين لتجدي نفسك في علاقة غرامية، لكن ليس مجددًا، هذه المرة أنا من سوف اسبق الجميع "
أنهى حديثه وهو يمسك يد الفتاة يسحبها خلفه بعنف خارج الغرفة لتصرخ بفزع أن ينقذها أحد من ذلك المجنون :
" اترك يدي، أين تأخذني ؟؟؟"
" سنتزوج قبل أن أجدك غدًا زوجة لجدي......"
رمقت لورا ظهر ذلك المجنون برعب شديد، تشعر بالخوف منه ومن تصرفاته الغريبة، وقبل أن يصل الاثنين لباب الغرفة الكبير، جذبت لورا يدها بقوة وهي تقول :
" أنت أيها المجنون دعني وشأني، كيف تتجرأ وتمسك بيدي !؟ "
نظر لها مايك ثواني بلا ردة فعل أو أي ملامح توضح ما يفكر به، قبل أن يتحرك بكل هدوء صوب لورا وهو ينظر لها ببسمة صغيرة، لم تدري اهي ماكرة أو عادية .
" كما تجرأتي أنتِ واقتحمتي مكتبي وغرفتي الخاصة بدون أي اذن عزيزي "
فتحت لورا عينها بصدمة تدرك جيدًا من حديثه أن ذلك الأبله هو مافو؟! حقًا ؟! هذا من تتسابق الصفح والمجالات لعمل لقاء معه، ذلك من يود الجميع معرفة السر خلف تصميماته المبهرة ؟! ذلك الاحمق ؟! ولم تدري لورا أنها نطقت الجملة الأخيرة بصوت عالٍ جعل مايك يتحدث بتهكم وقد بدأ وجهه يتحول لآخر جليدي :
" احمق ؟! أنا احمق ؟!"
أنهى حديثه وهو يقترب منها ببطء مما جعلها تعود للخلف، بينما عينه احتدت بقوة وقد عادت شخصية مافو الجامدة تطفو على السطح دافنًا مايك العابث في أعمق نقطة به، يتحرك حول لورا وهو يقول بجدية مخيفة :
" وهل تعلمين عقوبة اقتحام مكتب ذلك الاحمق ؟!"
كانت لورا تستمع لحديثه الذي خرج بنبرة هادئة، لكن في باطنها كانت تحمل تهديدًا، ونظراته تلك كانت تخيفها لتشعر فجأة بقرب انهيارها؛ لذا سريعًا اخرجت من جيبها علبة بيضاء، ولم تكد ترفعها لفمها، حتى وجدت ذلك الوقح يسحبها من يدها وهو ينظر لها بتعجب:
" أنتِ يا فتاة ماذا تفعلين ؟! "
مدت لورا يدها وهي تحاول انتزاعها منه، لكنه أبعدها عنها بشك، يشعر بشيء خاطئ بخصوص تلك الفتاة المريبة وبشدة، لكن لورا لم تتحمل ثانية إضافية وهي تنهار ارضًا كعادتها تصرخ باكية بشكل جعل مايك ينتفض للخلف بفزع كبير يراقب ذلك الانهيار الذي قذف الرعب في قلبه، انهيار غير مبرر، هل يعقل أنها خشيت تهديده السابق لها؟! لم يشعر مايك بدخول المساعدة التي فزعت من الصراخ القادم من مكتب سيدها الخاص .
لم يهتم مايك بمولي التي كانت تنظر بصدمة للفتاة نفسها التي ظنتها رحلت منذ قليل، وهو ينحني بسرعة على ركبتيه يجلس جوار لورا وهو يمد يده بالعلبة يقول بلهفة :
" حسنًا حسنًا أنا آسف، ها هي علبتك، لا تخافي لن أبلغ الشرطة اقسم، توقفي عن البكاء هيا "
أنهى كلماته وهو ينحني برأسه حتى يصل لمستوى رأسها يحدثها بهدوء يحاول البحث عن وجهها بين شعرها الذي أخفاه خلفه، يهمس لها أنه لن يفعل لها شيء، يخبرها أن تتوقف عن البكاء ولن يفعل له شيء، وثواني فقط قبل أن تخرج لورا من تلك الغيمة السوداء التي ابتلعتها دون سابق إنذار، أو دون إشارة تجعلها تهرع لاول مرحاض وتحبس به نفسها ثم تنهار مما تريد، بل فقط انهارت هنا وأمامه بشكل مثير للشفقة، نهضت بعنف شديد تحمل حقيبتها وهي تنتزع العلبة من يده تركض للخارج بسرعة كبيرة، وكادت مولي تتبعها لولا يد مايك التي منعتها ينظر لاثرها بتعجب كبير وهو يستمع لحديث مولي عنها وعن سبب قدومها هنا، وايضًا عن شك مولي في أنها قامت بكل ذلك العرض، حتى لا يبلغ الشرطة عنها، لكن مايك لم يهتم لحديث لورا وهو يشير لها بالخروج وإغلاق الباب خلفها، هكذا بكل بساطة يعود لمقعده وهو يحمل دفتره ليكمل عمله بزهن شارد.
______________________________
زفر مارتن بحنق وهو يبعد الحاسوب عنه، يحاول الهدوء وأبعاد تفكيره عن جولي التي تركت المنزل البارحة ثم ارسلت له رسالة نصية وهو في طريقه لمنزلها تخبره بها أنها لا تود رؤيته مجددًا وألا يلحق بها، فهي لا تود رؤية وجهه مجددًا، صدمته في تلك اللحظة جعلت يده تتوقف عن تحرك السيارة، وهو ينظر لهاتفه مئات المرات، لا يصدق الرسالة، ولا يستوعب الحروف التي كونتها، وفي تلك اللحظة التي قرأ بها كلماتها، تمنى لو أصيب بالعمى سابقًا حتى لا يقرأها، وقتها عاد بالسيارة للمنزل وهو يتجاهل الرد على سؤال الجميع " أين هي جولي" .
دفن نفسه بين أغطية فراشه يحاول منع الجميع من الحديث إليه، يود فقط فرصة صغيرة ليريح عقله، كلماتها لم تكن بالهينة أبدًا على قلبه، وحتى يعطي عقله الفرصة للراحة قليلًا تجرع بعض الحبوب المخدرة التي أخذها من آدم، ثم استلقى على فراشه ليغرق في احضان أحلامه التي كانت هي البطلة الأولى بها، ليستيقظ في الصباح ويقرر أن يذهب ويتحدث مع جولي تلك الحمقاء التي تتصرف تصرفات غير محسوبة، هو متأكد أنها لم تقصد ما كتبته فعليًا، معرفته بها تخبره أنها لن تفعل ذلك بجدية، بل تأخذ الأمر تحديًا له حتى تظفر بما تريد، ثم حتى وإن كانت تقصد حديثها، فهو لن يستمع لها حتى وإن به الحال لسجنها في أي مكان بعيدًا عن الجميع، فليس بعد كل هذا وما تكبده لأجلها تتركه، في أحلامها، حتى في أحلامها أن يسمح لها أن تتركه .
زفر وهو يسحب حاسوبه مجددًا وقد قرر أن يرى ما تفعل الآن من خلال الكاميرات التي كان قد وضعها سابقًا في منزلها، حتى ينتهي من عمله ويذهب لها، يبتسم بخبث وهو يردد أنه سوف يـ ....توقف مارتن عن التفكير فجأة، بل وتوقف قلبه عن الخفقان للحظة وهو يرى ما يحدث أمامه في جهاز الحاسوب، كادت عينه تخرج من مكانها وهو يرى الشاشة التي تعرض له منزل جولي بالكامل، شلل أصاب أطرافه لثواني وهو يشعر بنيران تندفع بقوة لدماء كما تندفع الحمم داخل البركان، ثواني فقط هي كل ما استغرقه جسده حتى وجد جسده ينتفض فجأة من فوق مقعده يتأكد من وجود سلاحه بحوزته ثم انطلق خارج المكان كله بقوة مخيفة، لا ينتوي خيرًا، بل يبدو أن روح شريرة قد تلبسته في تلك الحالة
__________________
اغلق اليخاندرو الهاتف وهو يعود بظهره للخلف ينظر بشرود للأوراق أمامه يردد ببسمة صغيرة خبيثة :
" احفادي المساكين، يبدو انكم وكالعادة على وشك قطع اجازتكم الغالية، لكن ما عساي أفعل، كلما اخبرتكم أن تستمتعوا وجدت متعة اكبر تطرق بابنا ....."
صمت ثم أمسك هاتفه يرسل رسالة لانطونيو وهو يكتب بها كلمات مقتضبة يعلم وقعها على انطونيو المسكين، الذي سيقطع شهر عسله بعد أيام من بدايته، لكن الأمر لا يؤجل، وهو سيتأكد أن يعوضه عن ذلك بعد انتهاء المهمة القادمة .
لكن وبعدما ارسل الرسالة لانطونيو وجد رسالة أخرى تصل له من جاسوسه الذي وضعه لدى جماعة "مارا18 "، ليفتح عينه بانتباه وهو يردد بغموض شديد :
" يبدو أن انطونيو يواجه بعض المشكلات ...."
__________________
وعلى الجانب الآخر حيث كانت المواقيت مختلفة، ففي حين أن اليوم بدأ في ايطاليا، كانت السماء تسبح في الظلام عند انطونيو.
كان انطونيو يضم روما بين ذراعيه بحنان شديد بعدما انتهى يوم آخر جميل رفقتها، رفع عينه ينظر للقمر أمامه ببسمة صغيرة يزيد من ضمها إليه يقبل شعرها كل ثانية والأخرى وهو يستنشقه بحب كبير وعينه تغيم بنظرات مرعبة، يتذكر ما حدث بينه وبين تلك العائلة الغريبة التي بدأت تثير حفيظته وشكه تجاه تصرفاتهم، فلا يعقل أنه طوال الأيام السابقة كلها كانت تتقاطع طرقهما بهذا الشكل مريب، كلما ذهب لمكان وجدهما هناك، يتذكر شجاره الاخير بعد خروجه من البحيرة وفك ذلك البغيض ولتر الذي كسره بقبضته حينما امسك به يرمق روما مجرد نظرة عابرة .
افاق فجأة على اهتزاز هاتفه جواره ليحمله ويجد بضع كلمات من جده يخبره بها أن يأتي ويقطع اجازته، ضيق ما بين حاجبيه بتعجب وهو يرمق تلك الاحرف بتركيز، قبل أن يهتز هاتفه باستمرار معلنًا وصول اتصال من جده، استقبل المكالمة وهو ينظر لروما التي كانت ما تزال تستقر أحضانه في شرفة المنزل رفقة نسمات ربيعية رقيقة تداعبها بشكل اثار الغيرة في قلبه .
" نعم جدي ؟!"
" امورك بخير انطونيو ؟!"
" ماذا؟! لِمَ تسأل جدي هل حدث شيء ما ؟! "
ولم يصل له من الجانب الآخر أي إجابة لثواني مما أثار ريبته فصمت جده مخيف، مخيف وبشدة .
" سوف ارسل لك ملف مهم انطونيو أقرأه جيدًا واستعد بني، غدًا ارسل لك فبريانو "
وبذكر اليخاندرو لفبريانو أدرك انطونيو جيدًا أن الأمر ليس بالهين، فطالما ذكر فبريانو بالتحديد وليس غيره، إذًا فالأمر الذي يتحدث به جده أشبه بمعركة اسلحة، ولن تنتهي المعركة، سوى بالقتل، أو القتل، أو الاسوء القتل ...........
_____________________________
وما كان السابق سوى ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة، مجرد بداية وتمهيد لجحيم جديد، نخطوه بإرادتنا الحرة.
واحذر عندما تخطو أي خطوة في عالمهم، فلا تدري من أي باب قد يأتي جحيمك .....
إن ظننتم يومًا انكم رأيتم ما يكفي، فـ انتم لم تروا شيئًا بعد، استعدوا للقادم ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الخامس 5 - بقلم رحمة نبيل
الفصل اليوم اهداء لـ :
طلاب الثانوية .
انتهى فصل من حياتكم احبائي، وها أنتم تخطون لمرحلة جديدة، فأحسنوا اجتيازها.
وكمان اهداء لـ Sama Usama، انهاردة عيد ميلادها، كل عام وانتِ بخير يارب ويارب تكون سنة مليانة بالسعادة والخير عليكِ يا عيوني 💜
لا تدع قلبك يصدأ بالأسى
ولا تبقَ طويلًا مع القاسية قلوبهم ..
جلال الدين الرومي
___________________________________
لا تشعر باطرافها التي تيبست، قوتها بدأت تتخلى عنها، عزيمتها لوحت لها مودعة في الوقت الذي احتاجت لها بها، الشيء الوحيد الذي كان وفيًا لها في هذا الوقت هو خوفها، ذلك الخوف الذي أبى أن يتركها ويرحل كما فعل الباقيين .
دموعها تسقط واحدة تلو الأخرى وكأنهم يتسابقون من يتدحرج اسرع من الاخر، صوت الموسيقى الصاخبة يكاد يصمها، حتى أنه غطى على صوت صراخ قلبها، شهقت بعنف وهي تحاول التنفس من أسفل تلك القطعة القماشية التي تغطي فمها، أغمضت عينها وهي تناجيه داخلها، تشعر بقرب انهيارها .
" جولي حبيبتي أنتِ بخير ؟!"
رفعت جولي وجهها كرصاصة على وشك إصابة هدفها وعينها ترمي بسهام صوب تلك التي يومًا عدتها رفيقة دربها، تلك التي طعنتها مرات عديدة دون أن ترأف بحالتها، وهي الغبية التي فتحت لها منزلها، بل والقت لها يومًا مفتاح منزلها وتركتها ورحلت، لتستغل تلك الحقيرة غيابها الطويل عن منزلها وتتخذه مسكنًا لها هي وعشيقها القذر، ولم يكتفوا بذلك بل حولوا منزلها لمكان يستقبلون به الزبائن حتى تعمل نورسين الحقيرة على امتاعهم أمام أعين ذلك الغبي الذي سبق واحبته يومًا .
" مابكِ جولي ؟! لِمَ لا تجيبينني ؟! لا تقولي أنكِ مازلتِ غاضبة مني ؟! أو أنكِ غاضبة بشأن اقتحامنا لمنزلك ؟! حسنًا في الحقيقة أنا وجدتك لم تعودي تحتاجينه؛ لذا قلت لا ضير من استغلاله، اتمنى ألا تمانعِ الأمر "
سقطت دموع جولي أكثر وهي تستطعم مرارة الذل، للمرة الثانية، للمرة الثانية جولي تدعيها تظفر عليكِ .
استقامت نورسين بعدما كانت تنحني لتصل إلى قامة جولي وهي تستمع وقع الخطوات خلفها وذلك الصوت الرجولي الذي تمقته يصدح :
" ماذا تفعلين هنا يا امرأة ألم اخبرك أن تتجهزي فقد أوشك اصدقائي على الوصول "
أغمضت نورسين عينها بغضب، تستدير ببطء له وهي تصرخ مغتاظة منه :
" ماذا ؟! ألم اخبرك أنني اليوم لا اريد رؤية أحد من هؤلاء الحمقى اصدقائك ؟! "
اقترب الآخر منها بسرعة كبيرة وهو يجذب شعرها بعنف كبير غير عابئًا بصرخاتها، يهزها بين يديه بشكل جعلها ترى الكون حولها مشوش وهو يردد من بين أسنانه بعنف :
" ماذا قلتِ يا امرأة ؟! أنتِ هنا لتنفذي اوامري أنا، وليس لتسمعيني صوتك القذر كلما أخبرتك بفعل شيء "
" اكرهك "
همسة صغيرة خرجت من اعماق نورسين، وهي ترمق وجهه بمقت وبغض، بينما هو ابتسم بسمة صفراء لا تلائم ملامحه الوسيمة التي تشوهت بسبب صراعاته المستمرة :
" ليس مطلوب منكِ أن تحبيني نورسين، بل مطلوب منكِ أن تطيعني، وإلا فلتنسِ أمر جرعتك اليومية يا قذرة "
ويبدو أنه ضغط بقوة على جراحها، واحكم إستغلال نقطة ضعفها، تجاه ذلك السم الأبيض الذي جعلها هو تدمنه في بداية الأمر حتى يضمن ولائها، ابتسمت باهتزاز وهي تقول بتردد :
" لا لا، أنا أنا فقط كنت أقول ذلك لأنني أصبحت مريضة حبيبي ولم اقصد ما فهمته، أنا... أنا قصدت أن نُخرج جولي بدلًا مني، ما رأيك ؟! وجه جديد سينال اعجابك اصدقائك "
ويبدو أن اقتراحها لقى صداه لدي الاثنين، حيث فتح هو عينه بانبهار لتلك الفكرة التي لم تمر على خاطره قط، بينما جولي حاولت التحرك باعتراض تصرخ من أسفل غطاء فمها بجنون ترفض تلك الفكرة وترفض وجودها هنا، هبطت دموعها أكثر وهي تود لو تصرخ وتنادي مارتن، تريده أن يأتي، تريد أن تختبأ في أحضانه، أن تبتعد عن الجميع وتكتفي به عالمًا .
_____________________________
توقف بسيارته التي قام بتأجيرها أثناء فترة مكوثة في مصر، ينظر جواره لروبين التي كانت تكتم ضحكتها بصعوبة حتى لا تثير غضبه أكثر، لكن الموقف اقوى منها؛ لذا انفجرت بالقهقهات وهي تضرب على قدمها، لا تتخيل ما حدث منذ ثواني بين جدتها وفبريانو، كلما تذكرت ما حدث تشعر أنها ستفقد أنفاسها من كثرة الضحك .
كان فبريانو ينظر أمامه ببرود وهو يزيد من ضغطه على المقود يردد في نفسه :
" حُسم الأمر، سأقتل تلك العجوز "
" خلاص بقى يا بيومي مش كده "
استدار فبريانو بعنف شديد لها وهو يرمقها بشر يضغط على أسنانه بعنف مرددًا بكل حدة يمتلكها :
" اسمي فبريانو، فبريانو وليس ذلك بيومي، وكلمة أخرى اقسم أنكِ ستعودين لمنزلك تتلمسين طيف جدتك العجوز بين أركانه "
أشارت روبين على فمها بمعنى ( لا كلمة ) ثم نظرت أمامها وهي تضم يديها لقدمها، بينما فبريانو رماها بنظرة غاضبة عنيفة تظهر فيها شياطينه التي يكافحها حتى لا تخرج على روبين، فهي اخر شخص يود أن يريها شياطينه التي لم تخرج يومًا حتى الآن، فكل ما كان يفعله سابقًا كان فبريانو هو من يقوم به وليس شياطين فبريانو التي لم تخرج سوى يوم علم بخطفها، وبعدها كبحها بصعوبة .
تحرك فبريانو بسيارته صوب منزل جاكيري حتى ترى روبين رفقة كما طلبت منه، وحتى يرى هو سبب طلب جاكيري له بعدما أخبره أن يحضر لأمر طارئ .
ضغط على أسنانه وهو يتذكر ذلك الفطور الكارثي على طاولة الجدة لولو، جدة ارنبه الوردي، حينما ذهب ليقل روبين وطلبت منه أن يجلس الفطور معهم .
" مش هنتأخر بس اقعد افطر الاول "
كانت الجدة " لولو " تتوسط أحد المقاعد وهي تتناول قطعة خبز مع بيض مقلي تتمتم بحديث مغتاظ من وجوده، بينما فبريانو بمجرد أن لمح انزعاج العجوز من وجوده، حتى سارع لاحتلال مقاعد طاولتها بكل استفزاز، ينظر لروبين التي أخذت تضع أمامه بعض الأطعمة التي خمنت أنه يحبها، ثم اختارت هي بعض الأطعمة التي تحبها وجلست جواره تعطيه بسمة صغيرة عاشقة .
تجاهل فبريانو الطعام الذي وضعته روبين أمامه وهو يمد يده يسحب طبقها أمامه، يتناول منه بكل تلذذ يتجاهل خجل روبين من نظرات جدتها التي قالت بحاجب مرفوع :
" ده ايه ده بقى ؟! يعني ما السفرة قدامك اهي، دابب عينك في اكل البنت ليه ؟!"
لم يجيبها فبريانو وهو يكمل تناول الطعام باستمتاع شديد، بينما روبين ابتسمت عليه تهز رأسها بيأس عليه، ثم نظرت لجدتها تحاول إصلاح ما فعله :
" اصل انا يا تيتة نسيت أنه مش بيحب المربى، فهو بدل الاطباق معايا عشان كده "
" كاذبة، أنا أحب المربى، لكنني أحب تناول طعامك دائمًا "
رمته روبين بنظرة حادة بينما ارتفع صوت الجدة وهي تقول بحنق شديد :
" بتاكل اكلها ؟! اتاري البنت راجعة ليا هفتانة يا عين امها، وانا اقول مين الجحش اللي بيحش اكلها ؟!"
رفع فبريانو نظره لها يقول بكل بساطة :
" مش شايفة إن الالفاظ دي غلط عليكِ، خاصة وأنك بينك وبين القبر ايام ؟! اعملي لاخرتك عشان خلاص أنتِ بتلعبي في الوقت بدل الضايع"
غصت روبين في طعامها وهي تحاول منعه من الحديث، لكن هي تعلم جيدًا أن فبريانو إن لم يستفز من أمامه، سيحترق حي، هكذا هو، أكثر الأشخاص استفزازًا في العالم .
" هو ده اللي أنتِ طلعتي بيه ؟! واحد صايع وضايع لا شغلة ولا مشغلة وقليل الأدب وتقوليلي اجنبي يا تيتة، وطيب يا تيتة "
رفع فبريانو نظره للجدة وهو يقول بجدية :
" مين قالك اني مش بشتغل ؟! أنا بشتغل "
" والله ؟! بتشتغل ايه بأخلاقك دي؟! هو فيه حد يقبل يوظف واحد زيك "
حرك فبريانو قطعة الخبز بحركة رتيبة وهو يصف لها طبيعة عمله :
" اعمل كـ قاتل، واحيانًا اقتحم المنازل والقصور، وإذا كنت متفرغًا قد اعمل كـ ضابط، لكنني لا اقوم بذلك العمل كثيرًا فقط وقت الفراغ، زي مثلًا شيفت صباحي كده "
أنهى حديثه بلغة عربية ساخرة، ثم اتبعها بقضمة من الخبز أمامه وهو يمد يده ليحصل على كوب العصير الذي يقبع أمام روبين والتي كانت تحاول إخفاء نفسها اسفل الطاولة من نظرات جدتها التي صاحت بغضب :
" أيوة قتال قتلة، أنا قولت لا يمكن تكون شخص محترم ومسئول أبدًا، اكيد اللي زيك آخره قتال قتلة، ده اقل واجب "
لم يهتم فبريانو بالإجابة عليها، بينما روبين حاولت توضيح لجدتها أن هذا أسلوبه في المزاح وأنه دائمًا يتحدث بهذا الشكل كنوع من المزاح :
" تيتة لولو هو مش قصده ده بيهزر، هو اساسا عيلته عندها شركات وكده "
" لا يا لولو أنا مش بهزر، هي حفيدتك اللي عبيطة "
صمت فبريانو ثم قال بعدما انتبه للامر:
" لولو ؟! ألا تظنين أن اسم لولو لا يليق بشخصٍ مثلك "
تحفزت لولو وهي تعتدل في جلستها، حتى إذا انقضت عليه تكون مستعدة لذلك، تبتسم بسمة باردة جانبية وهي تجيبه بانجليزية متقنة وبشدة، فهي كانت من الفتيات القليلات اللواتي حظين بتعلم عالي في عصرها، غير أن اندماج هويتها وقتها وتأثرها بالاحتلال ترك بصمته في شخصيته وكل شيء بها، عجوز وكبيرة في العمر وذلك يظهر على ملامحها بكل وضوح، دون ذكر الأمراض التي تعاني منها بسبب كبر عمرها، لكن رغم ذلك مازالت تتشبث في الحياة بكل قوتها :
" ألديك اعتراض على اسمي سيد ...."
" فبريانو "
أجابها فبريانو بكل هدوء وهو يرتشف بعض العصير الخاص بروبين يوضح لها وجه نظره :
" لا أنا لا اعترض على شيء لا يخصني، ولا اتعب رأسي بأحد ولا اهتم بأحد سوى روبين، لكن اسمك يذكرني بنوع كلا.... "
انتفضت روبين من محلها وهي تنقض على فبريانو تمنعه من اكمال حديثه الوقح الذي لا يهتم أنه يحدث سيدة تكبر جده حتى، ذلك الرجل لم يمر عليه الادب يومًا، وقاحته تخطت الحدود بحق، هل كان يقول لجدتها أن اسمها يشبه نوع كلاب ؟!
ابتسمت الجدة لولو وهي تعود بظهرها للخلف تقول بسخرية :
" شايف نفسك على ايه يا استاذ فريسكاتانو ليه؟! ده أنت حتى اسمك يعر يا راجل، والله مش بجاملك اسمك يقرف، تعرف هناديك بيومي "
صمتت وهي تمصمص شفتيها بحنين :
" بيومي ...الله يمسيه بالخير كان عيل رخم في شارعنا بيسرق اكل العيال الصغيرة ويطفحها زيك كده "
استفاق فبريانو من تلك الذكرى القريبة على صوت بوق يصدح خلفه بسبب توقفه لفترة طويلة في إشارة المرور بينما روبين جواره تحاول تفادي النظر لوجهه، وهو فقط يظهر بروده وجموده أمامها يردد بجدية :
" أنا اكره العجائز كثيرًا "
" حقًا ؟! أنا يومًا سأصبح عجوز فبريانو، هل ستكرهني وقتها ؟!"
نظر لها فبريانو وهو يتحرك بالسيارة يردد بجدية يرمق عينها بحب :
" ستكونين اول عجوز تسكن قلبي، ستكونين اقبح عجوز ارنبي الوردي"
_______________________
" اسمها راسيل ؟!"
تحفزت راسيل وهي تعتدل في وقفتها تضم ذراعيها لصدرها بجدية :
" هل يزعجك اسمي سيد مارسيلو ؟؟"
" نعم، اسمك سيء "
ارتسمت بسمة ساخرة على وجهها وهي تردد له بكل جدية :
" ربما لتشابهه مع اسمك سيدي، أعني امتلك في اسمي مقطع ( سيل) وكذلك تفعل أنت"
ابتسم مارسيلو بسمة واسعة ثم قال للسيدة مانتيو في الخلف وهو يتجاهل الرد على راسيل :
" احببت تلك الفتاة، حسنًا سيدة مانتيو يمكنك الرحيل إن اردتِ "
اعاد نظره لراسيل ثم اقترب منها فجأة متجاهلًا السيدة مانتيو والتي كانت ترتشف العصير بكل استمتاع جوارهما :
" أنا لا أحب النساء آنسة راسيل، ولا احب ثرثرة النساء؛ لذا احذري تلك النقطة جيدًا "
رفعت راسيل حاجبيها وقد أثارت نبرته استفزازها، ماله يأمره وكأنه مديرها الحقيقي، هي مجرد فترة صغيرة ستقضيها وبعدها ترحل لتكمل عملها كطاهية من المنزل :
" وانا لا احب الأوامر سيد مارسيلو "
ابتسم مارسيلو وهو يقترب منها أكثر بشكل اثار انتباه السيدة مانتيو والتي اعتدلت في جلستها ترمقهما بكل اهتمام ترى اشتعال النظرات بينهما وكأنهما على وشك قتل بعضها البعض، بينما راسيل لم تتحرك خطوة تقف بكل قوتها أمام مارسيلو الذي ظنها ستتراجع، لكنها خيبت ظنه وهي تواجهه بكل تحدي وقوة :
" يبدو أننا سنتستمتع كثيرًا راسيل "
أنهى حديثه وهو يتحرك صوب المكتب يقول بجدية كبيرة :
" احضري لي ملف قضايا اليوم آنسة "
راقبت راسيل دخوله للمكتب ثم حركت عينها صوب مانتيو وهي تقول بسخرية :
" لم تخبريني سيدو مانتيو أنه مغرور واحمق "
" ظننت أن الصفات التي ذكرتها تكفي لتصف لكِ المعاناة التي ستعيشها معه، ثم أنه لم يسبق له وعاملني بهذا الشكل، دائمًا ما كان يعاملني بلا اهتمام وبكل برود "
نفخت راسيل بحنق شديد وهي تعيد شعرها الأشقر للخلف تحاول تهدئة غضبها، ثم حملت الملف الذي كانت تناقشه مع السيدة مانتيو قبل أن يقتحم ذلك المغرور المكتب، تحركت صوب المكتب تطرق عليه بهدوء تنتظر الرد، والذي أتاها بعد الطرقة الثالثة، فتحت الباب وما كادت تخطو المكتب حتى شعرت بشيء عنيف يصطدم برأسها مسقطًا إياها ارضًا، لتعلو صرخات السيدة مانتيو وهي تقول بفزع بسبب سماعها صوت اصطدام عنيف بالأرض :
" ويلتي، لقد قتل الفتاة "
_________________________
كانت ترقص وتتحرك باستمتاع على أصوات الموسيقى من بعض الأشخاص الذين يعزفون في الشارع بغرض جمع الأموال، ولا مانع من الكسب إلى جانب الاستمتاع، حيث كانت تستغل انشغال الجميع بالعرض الغنائي والرقص، ثم تمر عليهم بكل هدوء وترى ما يمكنها أن تجده في جيوب البعض، ابتسمت الفتاة بخبث وهي تتحرك لوسط الحلبة تتحرك وترقص بعدما حازت بعض الاشياء من ثياب هؤلاء الحمقى، لكن وأثناء سعادتها تلك وجدت من يقبض على يدها بعنف وصوت يصدح في المكان :
" أيتها اللصة امسكتك، لقد كنت ابحث عن منذ الامس "
استدارت الفتاة برعب لتجد شخص لم تتعرف عليه من كثرة الأشخاص الذي سرقتهم، يصيح في وجهها معنفًا إياها، توقفت الموسيقى فجأة وبدأ الجميع يراقب ما يحدث، وذلك الرجل يمسك بيد الفتاة في عنف شديد وصوته يعلو بغضب يشير للجميع حوله :
" تلك اللصة الصغيرة سرقت أموالي، تلك السارقة سوف اسلمها للشرطة"
" مهلًا أين هاتفي ؟!"
" ومحفظتي ؟!"
بدأت الاصوات تتعالى من الجميع والإتهامات توجه إليها بشر، لتعلو الاصوات الغاضبة بين الجميع، وهي فقط ترتعش بخوف وقد كُشفت، وكُشف كل شيء، نظرت للرجل الذي يمسك يدها تحاول الأفلات منه وهي تدمع برعب، لولا الصوت الذي فض كل ذلك وهو يقول بجدية :
" ها أنتِ إذًا يا صغيرة، ابحث عنكِ منذ البارحة "
استدارت الفتاة برعب وهي تنظر للقادم الجديد الذي سيلقي عليها بالاتهام التالي لتجد أنه نفسه صاحب السيارة التي سرقت منها الهاتف منذ ساعة تقريبًا، تتذكر شكله بسبب صورته التي تحتل واجهة هاتفه بكل غرور .
تقدم ماركوس من الجميع وهو ينظر للفتاة بخبث ثم سحبها من يد الرجل الاخر وهو يخفيها خلفه يقول بجدية :
" كيف تتجرأ وتمسكها بهذه الطريقة يا سيد، ألا تعلم من هي ؟!"
ابتعد الرجل قليلًا وقد شعر بالخوف من هيئة ماركوس الذي كان يقف بكل قوة أمام الفتاة يستعرض ولأول مرة أمواله وثراءه الواضح من بداية شعره وحتى حذاءه اللامع .
" هي لصة، سرقت أموالي وسرقت الجميع هنا "
" اصمت، ابنة اخي أنا سارقة ؟! الويل لك ولعائلتك جميعها، ودع حياتك يا حقير "
تراجع الرجل أكثر وقد بدأ يشعر بقرب اكتشاف خدعته، فهو لم يُسرق من تلك الفتاة، لكنه رآها تسرق أحدهم هذا الصباح وود لو يستغل ذلك الأمر ويهددها بالشرطة وينال منها ما يريد .
ابعد ماركوس نظره من عليه وهو ينظر في جميع الوجوه حوله :
" وانتم اذهبوا وابحثوا عمن سرقكم بدل من إلقاء اللوم على الآخرين "
أنهى حديثه وهو يجذب الفتاة خلفه قائلًا ببسمة ماكرة :
" وأنتِ يا فتاة سوف يتم عقابك على مخالفتك اوامري، والآن تحركي معي "
ولم تناقشه أو تتحدث بكلمة واحدة وهي تسير خلفه بخطوات واسعة تحاول بها مجاراة خطواته، تمسح دموعها بكم ثيابها بسرعة حتى لا يراها طفلة باكية كما كان الجميع يلقبها في طفولتها، سارت معه حتى ابتعدوا عن الجميع الذين انطلت عليهم الخدعة ولم يفكروا كيف تكون هي بكل ثيابها البالية ابن اخ ذلك الثري ؟!
وجدته يقف أمام سيارته التي اختطفت منها هاتفه هذا الصباح يمد يده لها بهدوء دون أن ينطق بكلمة، وفهمت هي مقصده؛ لذا اقل شيء تفعله له هو أن تعيد له هاتفه، وكذلك فعلت .
جذب ماركوس هاتفه من يدها بعنف وهو يمسك أذنها بعنف موبخًا إياها:
" طفلة صغيرة بهذا العمر بدلًا من الدراسة تتجول في الشوارع وتسرق الناس ؟! أين والدك يا فتاة "
تأوهت الفتاة بعنف وهي تحاول ابعاد يده عن أذنها تهمس بوجع شديد :
" اه اه اترك أذني أنا ليس لي اب، وايضًا لست صغيرة للحد الذي تتحدث عنه يا سيد "
" ناديني العم ماركوس "
ضربت الفتاة يده بعنف وهي تصرخ في وجهه بغضب :
" أي عم هذا، كم تظن عمري يا رجل ؟!"
" لا ادري ربما العاشرة "
فتحت الفتاة عينها بصدمة وهي تقول فارغه الفاه :
" أي عاشرة تلك؟! أنا في الواحدة والعشرين من عمري يا سيد "
وهنا كان دور ماركوس ليفتح عينه بصدمة يبتعد عنها خطوات قليلة وكأنه يحاول أخذ صورة كبيرة لها من بعيد، يفكر بصدمة، هذه في الواحدة والعشرين ؟! هذه تصغره بخمس سنوات فقط ؟! الصدمة تتمثل أنها ليست قصيرة بالمعنى المعروف، فهو عندما يقول أن فتاة ما قصيرة فهي قصيرة مقارنة بالمتوسط للرجال كـ روز مثلًا هي قصيرة مقارنة بالرجال، لكنها مقارنة بطول النساء المعروف هي عادية الطول، لكن تلك الفتاة قصيرة مقارنة بالأطفال وليس النساء حتى، غير أن ملامحها صغيرة بشكل غريب، تبدو مراهقة .
" واحدة وعشرين ؟! هل تحاولين خداعي يا هذه؟! اعطيني بطاقتك إن كنتِ في الواحدة والعشرين "
تخصرت الفتاة وهي تقول بتهكم :
" أنا لا امتلك بطاقة "
" لِمَ ؟!"
" نسيتها مع مساعدي الشخصي في شركتي "
وكان واضحًا أنها تسخر منها، لكنه لم يهتم وهو يقول بجدية :
" ما اسمك يا صغيرة "
ضربت الفتاة قدمها بالأرض وعينها تكاد تحرقه :
" أنا لست صغيرة، ثم ما شأنك أنت؟! أنقذتني منهم واعدت هاتفك، والآن نحن متعادلان "
أنهت حديثها وهي ترحل تاركة إياه ينظر في إثرها بصدمة قبل أن يتحرك خلفها يجذبها من ثيابها مجبرًا إياها على النظر لأعلى حتى تصل لعينه تسمعه يقول :
" تؤتؤ عيبٌ عليكِ يا صغيرة، ما لكِ تحدثين العم ماركوس هكذا ؟!"
" أي عم هذا، من تحسب نفسك يا هذا ؟!"
" العم ماركوس "
أبعدت الفتاة يده عنها وهي تلوي شفتيها بضيق قبل أن تسمع صوته يردد مرة أخرى بجدية :
" ما اسمك ؟!"
نظرت له قليلًا قبل أن تقول كلمة واحدة وتركض بعيدًا عنه بسرعة كبيرة :
" فيور "
راقب ماركوس رحيلها وهو ينظر لهاتفه يقول بفم مذموم :
" فيور اللصة "
فتح هاتفه والذي اعتاد تركه دون كلمة سر تحسبًا لأي ظرف اثناء أي مهمة حتى لا تعوقه كلمة السر إن احتاج للمساعدة أو ما شابه، وبمجرد فتحه للهاتف حتى وجد صورتها تقفز أمام وجهه وهي تبتسم بانطلاق وقد قامت بحذف صورته التي كان يضعها في واجهة هاتفه ووضعت خاصتها بدلًا منها :
" تلك الـ ......فيور "
_________________________
ذلك الشعور الخبيث الذي بدأ يتسلل ببطء شديد لها، ذلك الشعور المقيت الذي بدأ يملء قلبها، شعور المهانة والذل وهي ترى تلك الحقيرة قد تغلبت عليها للمرة التي لا تعلم عددها، واستطاعت إجبارها على ارتداء ثياب عارية بمساعدة الغبي الآخر، بعدما قاومت وحصلت على ضربة عنيفة اسقطتها ارضًا ولم تعي سوى وهي تجلس مقيدة على فراشها ترتدي بعض الثياب التي لا تليق سوى بفتيات الليل .
بكت جولي بعنف شديد تلعن اللحظة التي خرجت بها من القصر، ليتها لم تخرج، ليتها لم تترك مارتن، أغمضت عينها برعب شديد تستمع لصوت طرف على الباب، تدرك قرب النهاية التي أعدتها لها نورسين بكل خبث، تستمع لصوت فتح الباب الذي اشعرها بالاختناق .
في الخارج كانت نورسين تفتح الباب وهي تبتسم بمكر شديد وقد استطاعت فعل ما تريده واقنعت ذلك الغبي أن تضع جولي أمام المدفع وليس هي، وقفت بشكل معوج وهي تفتح الباب ترسم بسمة على وجهها، قبل أن تتحول تلك البسمة لتعجب كبير وهي ترى رجل لا يشبه أبدًا هؤلاء الحثالة الذين يحضرهم ذلك الغبي المعتوه، بل هو أشبه بهؤلاء الممثلين في التلفاز، بثيابه المنمقة وجاذبيته و...سلاحه ؟!
ولم تستطع نورسين فتح فمها بكلمة بسبب الدفعة التي حازت عليها من مارتن الذي كان يبدو كثور لوح أحدهم أمامه بالراية الحمراء، دخل المنزل يغلقه خلفه وهو ينظر بعيون مخيفة لنورسين في نفس الوقت الذي خرج به الآخر من الغرفة وهو يرتب ثيابه البالية قائلًا ببسمة مقيتة :
" أتيتم باكرًا يا رجــ "
توقف عن إكمال كلمته وهو يرى ذلك الرجل يقف بهذا الشكل في المنزل و نورسين ساقطة ارضًا وعينها فقط مثبته على المسدس وكل ما في رأسها أنه أحد أفراد العصابة التي كانت بها هي وذلك الاحمق .
" من أنت وماذا تفعل في منزلي ؟!"
لم يجب مارتن وهو يتقدم منه، و عينه مثبته عليه بشكل اثار الفزع في نفس الرجل يعود للخلف مرتعبًا من وجود مارتن الغريب وذلك السلاح بيده الذي كان مارتن يشدد الضغط عليه، ثم بكل بساطة رفعه في وجه الشاب الذي أطلق صرخة مرتعبة يعود للخلف، لكن يبدو أن رصاصة مارتن التي استقرت في كتفه كانت اسرع منه، انزل مارتن مسدسه وهو يندفع بعنف وبشكل مخيف صوبه ينقض عليه بشكل جعل نورسين ترتعب وهي تزحف بسرعة صوب الباب وقد ايقنت أنها النهاية، لكن لم تكد تصل للباب إلا وشعرت برصاصة تستقر في قدمها لتنطلق صرختها العالية بشكل جعل جولي ترتعش في الداخل .
بكت جولي أكثر وهي تراقب الباب برعب تشعر أن خلفه وحش سينقض عليها ويقطعها اربًا، بدأ جسدها يرتعش بقوة، وقلبها تزداد ضرباته رعبًا وقد أضحت على شفا حفرة من الانهيار، وتزامنًا مع فتح الباب أطلقت جولي صرخة عالية مرتعبة، لكن تلك الصرخة خفتت ببطء وهي ترى مارتن الذي كان مبعثر الهئية وكأنه خرج من حربٍ ضاربة للتو، يتقدم منها ببطء، وقف مارتن في منتصف الغرفة ينظر لها نظرات غامضة قبل أن يتحرك للخزانة المجاورة يبحث لها على شيء تخفي به جسدها، ثم ذهب إليها ووضعه على جسدها وبعدها حملها وخرج بها من الغرفة .
وبمجرد خروجه من الغرفة حتى جذب رأسها بعنف يضعها على رقبته حتى لا تبصر ما حدث، ويده التي تضم رأسها لرقبته تربت عليها ببطء شديد، بعدها خرج من المنزل بكل بساطة متجاهلًا الأشخاص الذي كانوا يقفون أمام المنزل بسبب الصراخ الذي خرج منه منذ ثواني .
_____________________________
واخيرًا أتت فرصته ليكون جوارها وحده، ابتسم جاكيري وهو يتحرك صوب المطبخ بسرعة حيث تقف رفقة وهي تجهز الفطور للجميع، فهو كان يتريض في الخارج وبمجرد دخوله للمنزل وجد ذلك المشهد الذي جعله يتأوه بحنين، يتخيلها في منزلهم الخاص تعد لهم فطور ثم تتطعمه بنفسها .
دخل جاكيري المطبخ يقترب من رفقة التي كانت تدندن بصوت خافت كلمات لم تصل له، لكن مجرد صوتها الخافت كان يحرك مشاعره بشكل كبير، وقف خلفها مباشرة يحاول تنظيم أنفاسه التي كانت متسارعة بسبب الركض ومشاعره، لكن صوت رفقة الذي خرج جعله يتوقف عن التنفس لثواني وهي تقول ببسمة دون أن تنظر له :
" جيد أنك استيقظت مبكرًا فأنا لا احب تناول الطعام وحدي، واسكندر اعتاد الاستيقاظ متأخرًا "
ابتسم جاكيري بسمة واسعة وهو يتقدم منها أكثر لولا ذلك الصوت الذي اخترق الأجواء ينتزع جاكيري بعنف من حالته الصافية تلك وهو يردد :
" طب كويس إني صحيت بدري عشان اسليكِ يابنتي، الاه جاكيري يابني ايه اللي صحاك بدري كده ؟؟"
لم يكن جاكيري يستمع لحديث توفيق الذي اقتحم لحظاته المسروقة مع رفقة، بل كان يشيع جنازة توفيق داخل رأسه بعدما فصل رأسه عن جسده، لترتسم بسمة مختلة على فمه، لكنه أفاق فجأة على صوت توفيق الذي كان يتناول بعض الزيتون المخلل أمامه وهو يقول بالعربية وكأن جاكيري يفهمه :
" مالك يابني بقالي ساعة بكلمك ومش بترد "
لكن جاكيري لم يجيبه وهو يسحبه من يده بسرعة كبيرة أثارت فزع توفيق وكذا رفقة التي تركت كل شيء تراقب ما يفعله جاكيري الذي تحرك صوب الباب الخلفي للمطبخ، ثم فتحه ودفع توفيق للخارج واغلق الباب بعنف شديد، وبعدها ركض مسرعًا صوب الباب الرئيسي يتأكد من إغلاقه جيدًا، ثم عاد لرفقة وهو يحرك جسده بسعادة يدندن اغنية ايطالية يرقص عليها بسعادة وكأنه للتو انتصر في معركة .
بينما توفيق من الخارج كان ينظر للباب بصدمة وهو يقول متعجبًا :
" هو ايه اللي حصل ؟! الواد ده عبيط ولا ايه ؟!"
ضحكت رفقة من الداخل تراقب جاكيري الذي اقترب منها وهو يمد يده لها يدعوها لرقصة سريعة، يختطف لحظات قصيرة من الزمن ليأخذ استراحة جنون تعيد طاقته لليوم.
وضعت رفقة يدها في يد جاكيري الذي أخذ يتحرك معها في حركات هادئة على صوت غنائه لا يهتم بالزمان ولا المكان طالما هي جواره، يحتفل بانفراده بها أخيرًا، بينما هي شردت في ملامحه تبتسم مرددة بخفوت :
" مر وقت طويل منذ آخر مرة رأيتك ترقص بها جاكيري "
ضحك جاكيري بصخب ثم تركها يركض للخارج ليغيب ثواني تحت نظرات تعجبها، فجنون جاكيري يزداد يومًا عن الآخر، عاد جاكيري بسرعة لها يمسك في يده هاتفه ثم وضعه على الطاولة وهو يقول بغمزة :
" حسنًا ما رأيك أن نعيد الماضي لكن بنكهة الحاضر ؟!"
__________________________________
ها هي للمرة الألف توجه نقد لاذع لنفسها، تؤنبها وتوبخها على انهيارها بذلك الشكل المذري أمام شخص لا تعرفه، شخص أثارت شفقته بهذا الشكل الذي جعله ينحني وهو يحاول أن يخرجها من فقاعتها السوداء .
مسحت لورا دموعها تخرج من مرحاض مكان عملها، تعدل من هيئتها، لكن أثناء ذلك سمعت صوت الباب يفتح ويتبعه صوت ماليكا التي تحركت صوب المرآة تخرج احمر شفاه تضعه بكل اغراء تتجاهل لورا التي نظرت لها، ثم نظرت لنفسها في المرآة وهي تهمس بسخرية ( لا مقارنة لورا ولا تحاولي حتى ) .
" إن اردتِ يمكنني ترشيح ماركة كحل جيدة لا تفسد بالبكاء "
هكذا اخرجتها ماليكا من حالتها البائسة وهي تلقي بجملتها الساخرة على مسامعها، لكن لورا لم تهتم وهي تخرج محرمة صغيرة من حقيبتها وتمسح وجهها بكل برود، متجاهلة ماليكا التي ابتسمت بسخرية وهي تتحرك للخارج :
" سوف ارسل لكِ اسم الكحل على الهاتف فيبدو أنكِ ستحتاجينه كثيرًا في الفترة المقبلة "
تلك الغبية تظن أنني ابكي لأجل أفعالها الحمقاء، أو لأجل العمل؟! تبًا لها وللعمل، هكذا همست لورا لنفسها وهي تخرج من المرحاض صوب مكتبها تحاول نسيان ما حدث في الصباح، ترسم بسمتها المعتادة وهي تقتحم المكتب :
" مرحبًا بكم احبائي، اشتقتم للورا ؟!"
رفع موسى وجهه لها وهو يقول ببسمة وقد بدى أنه استرخى في جلسته :
" جيد أنكِ بخير، ظننت أن شيئًا سيئًا حدث لكِ "
رمته لورا بنظرة متسائلة، تسمع صوت زميلتها الأخرى وهي تقول بغيظ وغضب :
" هذا لأن السيدة لورا تغلق هاتفها ولا تجيب على اتصالاتنا "
هاتفها ؟! أين هاتفها بالمناسبة ؟! هي لم تره منذ الأمس، أيعقل أنها نسيته في المنزل ولم تقم بشحنه ؟! حسنًا فقط تنتهي من العمل وبعدها تعود لتبحث عنه .
_____________________
على الجانب الآخر كان مايك يجلس في مكتبه وهو يحمل هاتفًا في يده يقلب يمينًا ويسارًا يحاول معرفة من صاحبه، رغم ذلك الصوت الذي يهتف داخله بأنه ملك تلك الفتاة الغريبة إلا أنه لا يود أن يتأمل كثيرًا في وسيلة للتواصل معها وبعدها يخيب أمله .
زفر وهو يدسه في جيبه ثم نهض ليعود إلى منزله بعدما مر على مكتب مولي يقول لها بجدية :
" مولي حولي باقي التصاميم لبريدي الالكتروني، وايضًا ارسلي لي تقارير الخامات الجديدة عندما يعود زوك "
هزت مولي رأسها بعملية وهي تنهض له احترامًا تراقب رحيله خارج المكتب، لكن فجأة عاد مايك وهو يقول لها بتردد قليلًا :
" صحيح إن عادت تلك الفتاة التي أتت اليوم أخبريني، حسنًا ؟!"
هزت مولي رأسها ببطء وهي تراقب رحيله بكل بساطة بعد القاء تلك الأوامر الغريبة، ما شأنه وتلك الفتاة؟! هل له معرفة سابقة معها ام ماذا ؟! الأمر محير، لكنها الآن ليست متفرغة في الحقيقة للتفكير في كل ذلك، مازال أمامها عمل كثير اليوم، خاصة أن زوك غادر للمخزن، هذا يعني جميع عمل المكتب يقع على عاتقها .
_______________________________
توقفت سيارة فبريانو أمام المنزل الذي أخبره جاكيري بعنوانه، فهو لا يقيم معه، بل يقيم في شقة صغيرة قريبة من منزل الجدة حتى يكون جوار روبين، هبط فبريانو من السيارة وهو يستدير للجانب الآخر تحت نظرات روبين العاشقة المترقبة لتلك الحركة التي لطالما تمنت أن تحظى بها، عندما يقوم الرجل بفتح الباب للفتاة بكل رقي .
وقف فبريانو أمام باب روبين ثم فتحه وهو يمد جسده ليأخذ معطفه الذي كان يستقر على مقعد روبين، وبعدها اغلق الباب بقوة مجددًا في وجه روبين التي كانت على وشك الهبوط من السيارة ظنًا أنه فتح الباب لها.
تحرك فبريانو صوب المنزل وهو يظن أن روبين خلفه، بينما روبين مازالت تبتسم بعدم تصديق ترمق الباب، لتسمع صوته يناديها بتعجب :
" ماذا ؟! هيا تعالي "
فتحت روبين الباب بعنف شديد وقد تحكم بها غيظها منه ومن تدميره لاحلامها الوردية، تتحرك بغضبه صوبه تحرقه بعينها من بعيد، بينما هو لا يفهم سر خطواتها الغاضبة أو نظراتها الحارقة تلك، توقفت روبين جواره ثم أشارت بيدها له وهي تقول :
" هيا تفضل سيد فبريانو، نأسف لتأخير سيادتك ؟!"
" ما بكِ يا امرأة لِمَ تبدين غاضبة بهذا الشكل ؟!"
رمته روبين بنظرة مشتعلة ثم تركته وهي تتحرك صوب المنزل دون رد مما جعله يرمقها بتعجب كبير لا يفهم سر غضبها، هي منذ ثواني كانت تضحك بانطلاق في السيارة عليه، والآن غاضبة بهذا الشكل، والمحير أكثر أن غضبها موجه نحوه هو، هز فبريانو كتفه بعدم اهتمام وهو يتبعها، ليقف أمام الباب جوارها ويطرق الباب .
في الداخل كان جاكيري مندمج مع رفقة في الحفلة الصغيرة التي اقامها على شرفها خصيصًا وهو يضاحكها ويراقصها، متجاهلًا تمامًا الطرق على الباب مرددًا في رأسه أنه لا بده أن يكون توفيق؛ لذلك تجاهل الأمر وهو ينضم لرفقة التي أخبرته بصنعها كيك مخصوص له، وهو للحق كان أكثر من سعيدة بتلك المبادرة اللطيفة، لا يتذكر أن أحدهم يومًا فعل ذلك لأجله، غير والدته .
زفر فبريانو وهو يضرب الباب بغضب يسب جاكيري، يخرج هاتفه حتى يتصل به في نفس وقت سماعه لصوت خلفه يقول بلهفة وسعادة غير مبررة :
" الاه بت يا روبين رجعتي امتى يابت مش كانوا خطفوكِ ؟! ده أنا قولت زمانك اتحللتي، اصل غريبة يعني واحدة بدماغك دي تفلت من عصابة خطيرة "
استدارت روبين بسرعة للعم توفيق الذي اقترب منها بحماس شديد وهو يحدثها غير مهتمًا لفبريانو الذي توقفت أصابعه عن التحرك على الهاتف يراقب ذلك العجوز يقترب منهما يرحب بروبين :
" والله أنتِ بنت حلال ده أنا جايب معايا شوية مخلل يستاهلوا بقك، وكمان البيت ده فيه ترعة صغيرة وراه وشكلنا هنقضي الصيف هنا "
توقف عن الحديث وهو ينتبه لنظرات فبريانو له :
" ماله الجدع ده بيبصلي كده ليه ؟!"
زمجر فبريانو بغضب وهو يمسك ثياب توفيق من الامام بحدة يردد بشر كبير :
" اشعر بنبرة استصغار لها في حديثك يا هذا "
نظر توفيق له بعدم فهم ثم تحرك بعينه صوب روبين يردد :
" نبرة استصغار ايه هو أنا جبت سيرة السن ؟! بعدين أنت مفكرني كام سنة عشان استصغار ؟! أنا على فكرة لسه ماشي في الاربعين "
رمقت روبين فبريانو بسخرية ثم قالت للعم توفيق الذي نزع نفسه بصعوبة من قبضة فبريانو ثم تحرك بعيدًا عنه وهو يرميه بنظرات مغتاظة :
" سيبك منه، متعرفش ليه محدش بيرد ؟! "
رفع فبريانو حاجبه وكأنه يخبرها ( حقًا ؟!)، لكن صوت توفيق جعله يبعد نظرته عن روبين وهو يرمقه بتعجب يستمع لحديثه :
" اصل الجدع اللي اسمه جاكيري خرجني برة المطبخ بالعافية وقفل الباب ومش عارف عمل كده ليه والله انا قولت قبل كده العيلة دي هبلة"
نظرت روبين لفبريانو الذي رماها بنظرة غامضة وبعدها نظر لتوفيق نظرة مخيفة متوعدة، ثم ضغط على هاتفه ورفعه على أذنه ينتظر الإجابة، ثواني قليلة مرت قبل أن يتحدث ببرود :
" أنا في الخارج "
___________________
لا تتحدث وهو كذلك لا يفعل، فقط يقود السيارة بكل هدوء لا شيء يظهر دواخله سوى انقباضة يده على المقود، وضغطه على فكه، لم تجد شيئًا لتقوله تعلم أنها مخطئة وكثيرًا، هي مخطأة كثيرًا، لكن ......صمت عقلها ولم تجد مبررًا لنفسها تعلق عليه خطأها .
شعرت بتوقف السيارة لتدرك أنهما وصلا للقصر، كانت ما تزال تستند برأسها على مقعد السيارة، تبكي دون صوت، وبمجرد وصولهما أغلقت عينها بوجع، هو لم يحدثها، لم يسألها كيف هي على الأقل .
في نفس الوقت توقفت سيارة اخرى أمام المنزل ليهبط منها مايك الذي رمق ما يحدث بتعجب، يراقب مارتن يهبط من مقعده في السيارة، ثم يتحرك للمقعد الآخر يحمل جولي بكل حنان وبطء وجولي تبدو كمن هُزمت لتوها في حرب، فقط تستند برأسها على كتف مارتن بشكل مخيف، اسرع مايك خطواته نحو الاثنين وهو يقول بتعجب :
" مارتن مابها جولي ؟! جولي يا فتاة ماذا حدث لكِ هل اذاكِ أحد ؟!"
دفنت جولي رأسها في كتف مارتن أكثر وهي تكتم بكائها امام مايك الذي فتح فمه بصدمة يراقب دخوله للقصر دون أن يوجه له كلمة واحدة، كاد يتبعهما لولا رنين الهاتف الذي صدر من سيارته ليتذكر أمر الهاتف الذي وجده في المكتب وقام بشحنه أثناء الطريق من سيارته، عاد سريعًا للسيارة يحمل الهاتف يراقب الاسم الذي ظهر عليه، لكن لم يستطع قراءته فهو كان مكتوبًا بلغة غرببة .
_____________________
ترك مارتن جولي على الفراش الخاص بها بلطف شديد، ثم ابتعد عنها بهدوء وكاد يتحرك مبتعدًا لولا يدها التي تمسكت به بقوة تقول من بين دموعها وشهقاتها :
" مارتن تحدث ارجوك، أنا آسفة، اقسم أنني لم اقصد حدوث كل ذلك "
لم يبدو على مارتن الاهتمام، لكنها أصرت أن تبوح بكل ما بجوفها وهي تندفع في الحديث ببكاء عنيف :
" تلك الرسالة التي ارسلتها لك، لم تكن أنا اقسم لقد أجبرني على فتح الهاتف عندما ازدادت مكالماتك، كنت على وشك الرد والصراخ، لكنه .....لكنه ضربني "
انقبضت يد مارتن أكثر وهو يستمع لحديثها :
" لقد أجبرني على فتح الهاتف لاراه يكتب شيئًا لم أعلمه إلا عندما انتهي وأخبرني ما كتب، اقسم أنني وقتها شعرت بقلبي يتهاوي مارتن خفت أن تصدق كل ذلك وأنني قد اندفع لتلك الدرجة "
بكت وهي تقص له ما حدث :
" أنا لم ارحل لأنني لا اريد رؤيتك كما قلت بكل غباء، بل فقط رحلت حتى احضر بعض الاشياء الخاصة بي والتي كنت سأخبرك عنها لنذهب سويًا ولكن عند احتدام الشجار بيننا، فكرت ...فكرت أن اذهب أنا وادعي فقط الغضب وبعدها اتصل بك لتأتي وتأخذني ونعود سويًا "
نهضت وهي تمسك يده تقربها منها وقد بدأت ترتجف مشيرة لنفسها تحاول نفض كل تلك الاتهامات التي قد يفكر بها :
" اقسم لك أنني للحظة واحدة لم افكر في تركك، كيف افعلها مارتن بحق الله اخبرني، أنا لم اعد اجيد الحياة بعيدًا عنك، أنا فقط أردت ...أردت ....أردت أن أراك تأتي لتجبرني على العودة وتخبرني كم تحبني ليطمئن قلبي، ووقتها سأخبرك بكل بلاهة ما بك مارتن هل تظن أنني قد اتركك ؟! لكن ...لكن بمجرد وصولي لمنزلي وجدت هذين الاثنين و...و...لم اعلم كيف اتصرف، لم أستطع حتى الاتصال بك مارتن، لقد باغتوني بشكل اثار فزعي "
توقفت عن الكلام تحاول معرفة ردة فعله على حديثها، لكن لا شيء مجرد وجه جامد مخيف :
" مارتن أنا مندفعة بكل شيء اعلم، لكن أنت هو الشيء الوحيد الذي لا يندفع فيه عقلي، لأنك وببساطة الشيء الوحيد الذي لا أوكل أمره لعقلي، لا تصدق أنني يومًا قد اندفع لدرجة التخلي عن حياتي، مارتن أنا لا أستطيع بـ..."
توقفت عن الحديث وهي تراه يجذب يده منها ببطء ثم تحرك للخارج يشعر بالغضب يسيطر عليه، يشعر بأنه قد يقتل أحدهم الآن، هي لم تكن ستتركه بإرادتها لكنها كادت تُجبر على ذلك .
_________________________
" من تظنيني هايز؟!"
" آدم "
" آدم صحيح؟! وليس احمق يصدق حديثك، أي حديقة تلك التي تريدين مني الذهاب لها لأجل علاج ايان؟! هل هواء الحديقة يحتوي مركبات علاجية ؟! أو أن عشبها سحري ؟!"
لوت هايز شفتيها بضيق وهي تنظر للشاشة أمامها التي تعرض صورة أدم بعدما اتصل به ايان دون أخذ رأيها، ثم ألقى الحاسوب أمامها وهو يركض بعيدًا مخبرًا إياها أن تقول له عن الحديقة وهو سيستعد :
" آدم هل تظن أنني ادعي أمور لأكون جوارك ؟!"
تفاجئ ادم من سؤالها الصريح الذي خرج بشكل باغته؛ لذا تردد كثيرًا في الإجابة لا يود قول شيء يخجلها أو يـ
" نعم أنا كذلك بالفعل، لكن اقسم أن تلك المرة ايان هو من قرر "
وبهذه الجملة اخرجت هايز ادم من تفكيره وهو ينظر لها بصدمة لا يصدق تلك الفتاة حقًا، ألا تخجل ولو قليلًا ؟! والإجابة لا، لا تخجل بل تتعمد اخجاله هو، لكنه لن يسمح لها بذلك .
" حسنًا سأرى إن كنت متفرغًا ام لا "
" جيد، أمر آخر ادم، بعد يومين ستكون هناك عملية جراحية لأيان و...ربما تود المجئ و...."
" سأكون هناك هايز "
نظرت له هايز بامتنان شديد، وعينها تلتمع بشكل اثار مشاعر أدم الراكدة والتي نسي حتى أنها موجودة، تلك الفتاة تقوده للجنون، تجبره على فعل ما لا يحب دون حتى أن يشعر، تلك الفتاة تشعره أنها سحرته، ألقت عليه تعويذة خبيثة مثلها .
" آدم أين ذهبت ؟! "
" هل أنتِ ساحرة ؟!"
وكان مظهر هايز الذي تبع كلماته هي الصفعة التي افاقته من شروده الغبي، لينتبه على كلمته التي نطقها للتو، أي ساحرة تلك أيها الغبي ؟؟
لكن هايز كانت تنظر له بصمت مخيف وعيونها تحكي قصصًا طويلة، لا تود هي الإفصاح عنها، تحكي ليالي طويلة قضتها تبكي فيها بعيدة عنه ظنًا أنه يحب غيرها، فالفتيات في الجامعة لم يكن هناك ما هو أسهل عندهن من ادعاء القصص، ومن افضل من آدم الشاب الوسيم الثري ليكون بيئة خصبة لتلك القصص، كانت كل يوم تستمع لقصة مختلفة له مع فتاة مختلفة، كل يوم تقضيه باكية في فراشها وهي تشعر أنها خسرته للمرة التي لا تعلم عددها، هي ليست بمتربصة له، لم تقترب منه يومًا إلا مرة واحدة وعندها لاقت منه صدًا واحراجًا أمام الجميع؛ لذا وقتها نأت بنفسها بعيدًا عنه تلعق جراحها، ترثي قلبها، ولم تشعر هايز أن دموعها قد سقطت على خدها .
" هايز يا ويلي، هل ابكيتك ؟؟ أنا لم اقصد اقسم، فقط هي خرجت مني دون شعور و..."
توقف ادم عن الحديث وهو يراها تنهض من أمام شاشة الحاسوب الخاصة بها تقول بصوت خافت وهي تمسح دموعها :
" حسنًا ادم علىّ الرحيل الآن فأنا لدىً عمل بعـ ..."
توقفت عن الحديث وهي ترى نظرة ادم التي كانت تشبه نظرة ذلك الذي أبصر للتو شبحًا، فقد شحب وجهه فجأة وكادت عينه تخرج من وجهه وهو يوجه بصره لمكان معين، تحركت عين هايز ببطء لذلك المكان، لتجد أنها بوقوفها أظهرت له في الكاميرا ثيابها القصيرة .
فتحت هي الأخرى عينها بصدمة تراقب صدمة ادم والذي يبدو كطفل رأى للتو اول امرأة جميلة في حياته، ابتلع ادم ريقه وهو يشير لقدمها العارية من أسفل الشورت الجينز الخاص بها :
" هايز قدمك أنها..."
قاطعته صرخة هايز وهي تخفي قدمها :
" اغلق عينك ادم، تبًا لك ابعد عينك من على قدمي"
رفع آدم عينه لها بتعجب يحاول إدراك حديثها، ليجدها تتحرك امام الحاسوب بشكل جنوني وهي تتراجع للخلف، وكأنه يقبع أمامها وليس خلف شاشة حاسوب يمكنها أن تغلقها بكل سهولة .
" هايز انتبهـــ "
ولم يكمل ادم كلمته إلا ورآها تصطدم بالاريكة، ثم تسقط للخلف في شكل اثار ضحكاته، لينطلق في الضحك بعنف شديد وهو يشير لها، لا يستطع السيطرة على ضحكاته مرددًا :
" كان يمكنك اغلاق الحاسوب بكل بساطة أيتها الغبية "
غبية هي نعم، لكن جواره، حمقاء هي نعم، لكن رفقته .
اعتدلت هايز وهي تضع يدها على رأسها تتأوه بعنف، تسب ادم وتلعنه تشعر بأن رأسها اهتزت من مكانها، الوجع يقتلها يا الله .
" تبًا لك ادم "
" تؤ تؤ تؤ يا فتاة من أين تعلمتِ تلك الكلمة ها ؟! هذه الكلمة لا تليق بفتاة "
رفعت هايز عينها لادم وهي تتشنج وكأنها توصل له بالاشارات كلمة ( حقًا ؟!)
انتفض ادم قبل أن يجيبها على كلمتها على صوت مارتن الذي هز غرفته وهو ينقض عليه يمسكه من ثيابه يقول بجدية متجاهلًا جولي التي فزعت من ذلك الهجوم :
" تعال بسرعة لتفحص جولي "
تحدث ادم وهو ينظر حوله بعدم إدراك :
" جولي؟! ما بها جولي؟! "
" من تلك جولي ادم؟! "
وكانت الجملة الأخيرة صادرة من الحاسوب لتجذب انتباه مارتن الذي نظر به بسرعة وهو يرى فتاة تقف أمامه تنظر بشر للحاسوب وكأنه ألد أعدائها ابتسم مارتن بسخرية وهو يقول بغمزة خبيثة :
" أيها اللئيم تحدث سيدات عبر الحاسوب؟! كنت أظن أن مايك من يفعل هذا فقط، ثم أليست هذه هي نفسها الطبيبة هايز؟! هل تتواعدان، ايها الشقي تستغل غياب الجميع لـ "
ابعد آدم يد أخيه عنه وهو يصرخ بغضب :
" توقف مارتن ما بك؟! أنا كنت أحدث هايز لأجل أيان فقط، ثم ماذا تريد أنت؟! وكيف تقتحم غرفتي بهذا الشكل ؟!"
فرك مارتن رأسه بحرج شديد وهو يردد بأسف :
" اسف انا فقط اردتك أن تفحص جولي فهي ليست بخير "
" ما بها جولي مارتن ؟! "
" بل من هي جولي مارتن ؟!"
نظر مارتن وادم لبعضهما البعض بتعجب بسبب سؤال هايز المتحفزة والتي بالغت في إظهار اهتمامها بهذا الأمر، غمز مارتن لادم وهو يمازحه بخبث :
" تغار ها ؟! وتخبرني أنك تحدثها لأجل الصغير؟! أيها الخبيث "
فتح ادم عينه بصدمة وهو يستمع لحديث أخيه، ثم استدار بسرعة للحاسوب يقول بتعجل :
" حسنًا هايز نتحدث لاحقًا "
اغلق الحاسوب دون انتظار كلمة منها يدفع اخيه للخارج وهو خلفه يقول بحنق شديد :
" أنت حقير مارتن "
نفخ مارتن بسخرية وهو ينقاد لدفع أخيه الأصغر يقترب من غرفة جولي لتزداد ضربات قلبه اكثر، فبعد الخروج من غرفتها وتدمير المطبخ بالكامل مستغلًا غياب سيلين ليفرغ عن غضبه، قرر العودة إليها بادم حتى يطمأن أنها بخير وبعدها يضمها لاحضانه ويخبرها أنه يحبها وبشدة.
كاد ادم يفتح الباب ليدخل لولا يد مارتن التي امسكته من ثيابه بعنف وهو يهزه :
" ماذا تظن نفسك فاعلًا يا هذا ؟!"
نظر آدم ليد مارتن بتعجب وهو يردد :
" سأفحص جولي "
" حقًا ؟! تفحص جولي ؟! وتدخل عليها غرفتها دون طرق الباب ؟!"
احمر وجه ادم بخجل وهو يردد :
" أنا لم اقصد اقسم، لكن فقط ظننتك أخبرتها و.."
صمت وهو يستمع لفحيح يخرج من فم أخيه :
" سوف تفحصها بكل هدوء وبعملية شديدة يا آدم وبعدها تخرج، فهمت ؟!"
" هل تشك أنني قد لا اعاملها بعملية ؟! مارتن هي في الداخل بالنسبة لي مجرد مريضة فقط "
أنهى حديثه وهو يشير بيده للباب في دعوة منه لأن يتقدم مارتن بنفسه ويفتحه، وكذا فعل مارتن وهو يطرق الباب بلطف ينادي جولي :
" جولي حبيبتي هل أنتِ بخير ؟!"
ولم يجد مارتن ردًا لسؤاله إلا بعد مرور ثواني قليلة، حيث تفاجئ بالباب يُفتح بقوة وجولي ترتمي في أحضانه بعنف تضم نفسها له وهي تبكي تردد من بين شهقاتها أنها اسفة وأنها تحبه.
ابتسم ادم وهو يرى أنها جيدة لا تحتاج لفحص، بل تحتاج فقط لوجود مارتن، ولم يكد يخطو بعيدًا عنهما إلا وسمع كلمات أخيه وهو يهمس بعشق استطاع الشعور به بين حروفه :
" تزوجيني جولي، كوني زوجتي وحبيبتي وحياتي بأكملها، أنا أحبك بنية العينين، بل أنا اعشقك "
___________________________
وها هي آخر قطعة ديكور كانت توجد على مكتبه تُحطم بواسطة تلك الفتاة المشتعلة أمامه، ابعد مارسيلو عينه من على القطعة الخزفية التي حطمتها راسيل يردد وهو يشير لتمثال صغير خلفه :
" يمكنك كسر ذلك التمثال إن لم تفرغي غضبك بعد "
لوت السيدة مانتيو شفتيها بحنق وهي تجلس على المقعد أمام مكتب مارسيلو تراقب صراخ راسيل الغاضب والذي يشعله مارسيلو أكثر ببروده ولا مبالاته .
" أنت أيها المجنون، تكاد تشق رأسي نصفين بكرتك الغبية وبعدها تتعامل معي بهذا البرود ؟! "
ضم مارسيلو شفتيه يكتم ضحكة عالية تندفع داخله باحثة عن مخرج لها، يتذكر عندما كان يلعب بالكرة الخاصة به حيث يضربها في الجدار وينتظر عودتها له بقوة كبيرة بسبب بعد المسافة بينه وبين الجدار الذي يتوسطه باب المكتب، قبل أن يتفاجئ بانحراف كرته العزيزة واصطدامها برأس تلك الفتاة :
" أنا سمحت لكِ بتفريغ غضبك في مكتبي، أليس هذا كافيًا ؟! "
نظرت راسيل للسيدة مانتيو تسألها بعينها عن هوية ذلك الرجل الذي يجلس أمامها بكل هذا البرود و كأن شيئًا لم يحدث، أشارت له بصدمة وهي تردد :
" هل يتعامل مع الجميع هكذا؟! يتعامل مع القاضي أيضًا هكذا ؟؟"
ابتسمت السيدة مانتيو بسخرية وهي تنظر لمارسيلو الذي كان على ما يبدو يشاهد عرضًا تلفزيونيًا :
"عزيزتي هو لا يعامل قاضيًا من الاساس هو لا يذهب لقضايا بنفسه "
استدارت له راسل وهي تتساءل بتعجب :
" هل هو محامي كبير لدرجة أن يترفع عن حضور القضايا بنفسه ؟!"
ابتسم لها مارسيلو وهو يردد :
" بل لأنني لم أحضر يومًا دروس المرافعات؛ لذلك لا اعلم كيف احضر محاكمة وغيرها من الأمور "
أشارت راسيل له بصدمة وهي تنظر للسيدة مانتيو وكأنها تشكو لها ( انظري ماذا يفعل، انظري كيف يتصرف ؟!) لكن السيدة مانتيو هزت كتفها بمعنى ستعتادين .
مسحت راسيل وجهها تحاول استدعاء هدوءها مجددًا :
" حسنًا لا بأس، حقًا لا بأس، أين هو دفتر القضايا ؟!"
همست بهذه الكلمات وهي تستدير بحثًا عن الدفتر الذي كانت تحمله وقد وعدت نفسها ألا تتفاجئ بشيء آخر، وبمجرد إمساكه وجدت السيدة مانتيو تنهض وهي تتمسك ببطنها في حركة معتادة تقول بلهفة:
" انتظري لا تبدأي إلا عندما أخرج، فأنا لا أريد أن ألد الآن، تبقى ايام لافعل"
لم تفهم راسيل شيء وهي تراقب رحيلها بينما كان مارسيلو ينظر لها باهتمام شديد مشيرًا لمقعد أمامه وهو يقول بجدية وقد عاد لرسميته :
" والآن أخبريني قضايا اليوم آنسة راسيل "
لم تخفي راسيل نظرة الانبهار من تلك العملية التي يتمتع بها بمجرد بدأ العمل؛ لذا سريعًا بدأت تتلو عليه القضايا التي وكلت لهم اليوم، وعندما انتهت وجدت ملامح مارسيلو غارقة في التفكير، لتترقب إجابته بفارغ الصبر وكأنه يمتلك سر الحياة وسيفصح عنه لها، لكن كل ما خرج منه هو :
" لا، قومي بإلغاء كل ذلك "
" عفواً يا سيد ماذا قلت !!"
" ماذا؟! اخبرتك أن تلغي كل ذلك "
نظرت له بصدمة وهي تهمس :
" والسبب ؟!"
عاد مارسيلو للخلف وهو يردد بلا مبالاة :
" لا اعلم، لكنني لست متفرغًا هذه الأيام للقضايا "
" وهل تحضر القضايا من الأساس ؟! أنت فقط توكلها لغيرك من المتدربين "
" أوليس هذا عملًا في حد ذاته ؟؟ ثم أنني لدي عمل آخر غير عملي هذا "
راقبت راسيل نهوضه من مكتبه وهو يحمل اشياءه يقول بعدم اهتمام وهو يتحرك للخارج :
" بما أننا انتهينا من عمل اليوم، سوف ارحل، ولا تنسي أي شيء ارسليه لي على حسابي، أصبحت اتعب كثيرًا في الأعمال المكتبية "
تابعت راسيل رحيله بصدمة وهي تخرج خلفه تراه يخرج من المكتب بكل هدوء، لا تفهم ما حدث للتو، هو لم يفعل شيء، هو حتى لم يناقشها في أي قضية، أفاقت راسيل على ضحكات السيدة مانتيو وهي تردد :
" قام بإلغاء جميع القضايا صحيح ؟! لا بأس طالما جاء المكتب فهو لن يفعل شيء في الأغلب، لكن تلك القضايا التي يتولاها من المنزل ينتهي منها بمهارة في حقيقة الأمر "
أشارت راسيل لخروجه وهي تتمتم بصدمة :
" لكن .... لكن....هو ....لكن "
" اه يا صغيرتي ذلك الشاب سوف يصيبك بالجنون "
_________________________________
" هذا هاتفي يا سيد كيف اصبح معك ؟"
ابتسم مايك بسمة صغيرة وقد تأكد ظنه بشأن هوية صاحبة الهاتف، لكن بسماعه لسؤالها، شعر بالتردد في الإجابة فيبدو أنها لا تتذكر نسيانه في مكتبها، وتظن أنها اضاعته؛ لذلك هذه فرصته الوحيدة وسيكون احمقًا إن اضاعها .
" اه نعم لقد وجدته ساقطًا في الشارع يا آنسة"
أبعدت لورا هاتف والدها عن أذنها وهي تحاول تذكر أين سمعت ذلك الصوت، هي تعرفه، لكن أين سمعته؟! ذاكرتها لا تساعدها في التذكر، لكنها فقط أحدثت بهدوء :
" وجدته ام سرقته أيها اللص، أنا اود استعادته فهذا الهاتف مهم جدًا لي"
"ايتها الوقحة، بدلًا من الحديث معي باحترام لاستعادة هاتفك تتواقحين علىّ ؟! "
ابتسمت لورا بعدم تصديق، لص وايضًا وقح ؟! من المفترض أن يخاف منها لأنها هي صاحبة الهاتف، لكنه بدلًا من ذلك يتحدث بقوة وكأنه صاحب الحق هنا :
" اسمع يا سيد، ذلك الذي تحدثني منه هو هاتفي وإن لم تعيده لي سوف اااااا ؟؟"
قاطعها مايك دون التفكير في عاقبة ما يقول، أو كيف قال من الأساس ؟! لكنه فجأة تحدث بشيء سخيف :
" قصر عائلة فوستاريكي "
" ماذا ؟! عائلة فوستاريكي؟؟ "
غبي مايك، غبي، هكذا ستكشف لها هويتك وتجعلها تربط بين مافو ومايك فوستاريكي وتعطيها ما كانت تبحث عنه، عض شفتيه وهو يحاول اصلاح ذلك الخطأ الاحمق، لولا صوتها الذي وصله وهي تقول بكل بساطة :
" اقصد إن اردتِ الحصول على هاتفك تعالي غدًا لقصر عائلة فوستاريكي "
" هل تخطط لاستغلالي؟! أنا أعرف اللصوص امثالك، ولعلمك أنا صحفية في مجلة شهيرة هنا؛ لذا احذرني وأحذر غضبي ...."
صحفية إذن؟! هكذا صدق تخمينه، تلك الفتاة كانت آتية لكشف هويته، تلك المخادعة :
" اه يا ويلتي، أنا اسف سيدتي لم اعلم أنكِ صحفية كبيرة، اقسم أنني لن افعل لكِ شيئًا، ثم لقد أخبرتني أمي أن اعامل السيدات جيدًا لا تقلقي أنا من عائلة محافظة جدًا لا يخطأ أفرادها مجرد خطأ صغير "
أنهى مايك حديثه وهو يراقب مارسيلو يهبط من سيارته وهو يسب بصوت عالي بسبب استدعاء جده لهم بعدما ظن أنهم نالوا واخيرًا إجازة، وصلت سبات مارسيلو للورا من الطرف الآخر لتفتح عينها بصدمة، بينما مايك عض شفتيه وهو يقول ببسمة صغيرة :
" ها رأيتِ ؟! أخلاقنا عالية أخبرتك، كان هذا اخي الأصغر، وثمرة تربية عائلتي، مثلي تمامًا "
" ريتها أمك خلفت كلب ولا خلفتك "
" ماذا قلتِ ؟! هل تحدثتي بالعربية للتو؟!"
فتحت لورا عينها بصدمة معتقدة أنه يفهم العربية لكن جملته التالية جعلتها تزفر براحة وهي تسمعه يردد بانبهار وصل لها بسهولة :
" ماذا قلتِ وما معنى جملتك؟!"
" ريتها أمك خلفت كلب ولا خلفتك؟! اه هذه جملة نستخدمها نحن للتعبير عن الامتنان والشكر "
فتح مايك فمه بانبهار شديد وهو يردد الجملة في نفسه كثيرًا قبل أن ينسى طريقة نطقها، يرددها وقد نسي لورا التي معه على الهاتف ثم ردد ببسمة غبية :
" هذا يعني أنكِ عربية بالفعل ؟!"
حاولت لورا أن تكتم سبة أخرى حتى لا يكشفها ثم قالت ببسمة صغيرة :
" والآن سيد ...."
" مايك، اسمي مايك أيتها العربية "
" اه نعم سيد مايك، هل اتي غدًا ؟!"
" نعم نعم لا بأس "
زفرت لورا ثم قالت براحة شديد :
" حسنًا شكرًا لك يا سيد، والآن وداع....."
" لا انتظري لحظة، هل ...هل يمكنك أن تكرري تلك الجملة مرة أخرى ؟! أعني تلك الجملة العربية أود حفظها "
فتحت لورا عينها بصدمة وهي تكرر بدون وعي وكأنها تسأله هذه هي !! ليبتسم مايك وهو يكرر خلفها ثم أنهى المكالمة يتحرك للداخل سعيد بتلك المكالمة وتلك العربية الجميلة .
بمجرد دخول مايك حتى وجد الجميع مجتمع في البهو في انتظار الجد؛ لذا جلس بكل هدوء وهو يبتسم للجميع بشكل اثار ريبتهم بشدة، في نفس وقت وصول جايك الذي كان وجهه مازال يحمل نفس رسمة روز فهذا الحبر يصعب إزالته بالماء وفي الحقيقة هو يود الاحتفاظ بها بعض الوقت ليرى تلك النظرة التي رآها الان وهي ترمقه بخجل وغضب قبل أن تتحرك تاركة البهو كله، أطلق جايك ضحكة عالية وهو يردد في إثرها :
" ايتها الجبانة، لن اعضك "
تحدث ماركوس بسخرية شديد بعدما أتى منذ دقائق :
" يبدو أن غياب اخويك دفعك للانحراف جايك "
ضحك جايك بقوة وهو يقول :
" كل هذا لأجل قبلة بريئة؟! ماذا إن.... "
أنهى كلماته بغمزة ماكرة انطلقت على إثرها ضحكات ادم الذي كان يرتشف بعض العصير وكذلك مايك الذي صفر له بتشجيع، ثم أشار لكوب المياة بجانب مارتن الذي كان يتصفح حاسوبه باهتمام شديد وقد اكتشف للتو أمور خطيرة يعلم أنها ستفيد جاكيري في مهمة رفقة :
" مارتن اعطني كوب المياه رجاءً"
لم يهتم له مارتن، ليبتسم جايك وهو يدفع بالكوب لمايك يردد بسخرية :
" دعه الآن في احضان حاسوبه الحبيب مايك ولا تكن عزولًا "
ابتسم مايك وهو يأخذ الكوب يرتشف منه بسرعة ثم أبعده وهو يقول لجايك ببسمة فخورة لتطبيق ما تعلمه أخيرًا :
" ريتها أمك خلفت كلب ولا خلفتك "
بصق ادم ما كان يرتشفه فجأة، وهو ينظر بصدمة لمايك بعدما فهم جملته بكل سهولة، فهو كانت دراسته في إحدى الجامعات العربية وبالتحديد الاردن، وهناك تعامل مع العديد من الجنسيات العربية وخاصة الفلسطينية والسورية وبالطبع الأردنية؛ لذا هو إلى حدٍ ما يفهم العربية من تلك اللهجات وكذا المصرية، لكنه يجهل الكلمات الشعبية العميقة التي يتحدث بها الأشخاص عادة، والآن تلك الجملة فهمها وبوضوح تام .
" ماذا قلت ؟!"
ابتسم مايك وهو يتراجع للخلف يقول بكل كبرياء وفخر :
" اه تظن أنك واخيك فقط من تستطيعان التحدث بالعربية ؟! "
كان آدم يفتح فمه بكل بلاهة يستمع لجملة مايك التي يكررها :
" قلت( ريتها أمك خلفت كلب ولا خلفتك)، أم أنك لم تستمع لي ؟!"
" وتكررها أيضًا ؟! "
لم يفهم مايك حديثه ادم ولم يتمكن ادم من الشرح بسبب قدوم جدهم وهو يبتسم للجميع ثم قال بجدية :
" اتصلوا بالثلاثة الآخرين "
_________________________
" إذن أنت لن تساعدني فبريانو ؟؟"
" اساعدك بماذا جاكيري ؟! أنا ليست لي سلطة هنا في مصر، ثم أنت تعلم ظروف انضمامي للمخابرات يا رجل، أنا لست مقيد بشكل رسمي "
رمقه جاكيري بحنق شديد وهو ينظر جواره لرفقة التي لم تترك أذن روبين منذ جاءت، وقد اخذتها وأجرت معها اجتماع مغلق رفقة سيلين، واسكندر يجلس مع العم توفيق الذي نال من فبريانو كفايته اليوم، يتناقش معه في أمور لا يفهمها هو، والآن ها هو يحاول إقناع فبريانو بالتدخل لمساعدة رفقة بعدما علم صعوبة القضية بسبب المحامي الذي وكله لأجل الاهتمام بالأمر .
" حسنًا أخبرتك أن تتحدث مع القائد الاعلى الخاص بك، فهو مصري ولديه سلطة كبيرة هنا كما سمعت "
أخرج فبريانو صوتًا مستنكرًا من حنجرته وهو يردد :
" مالك ؟! "
" نعم هو "
" يا رجل إن كنت تبحث عن نهاية حبيبتك، لم تكن لتقترح علىّ هكذا اقتراح، اقسم إن علم أن هذا الطلب قادم مني، لعمل بنفسه على وضع نهاية سوداوية لقضية حبيبتك "
عاد جاكيري بظهره للخلف وهو يرفع حاجبه لا يصدق حديث فبريانو :
" أنت لا تساعد فبريانو"
" صدقني إبعاد مالك عن هذا الأمر هو أكبر مساعدة قد اقدمها لك يومًا"
" حسنًا إليك ما سيحدث، أنت ستتصل الآن بذلك الرجل وتخبره بالأمر، أنا لن اوفر أي طريقة قد أخرج بها رفكة من ذلك الامر "
رفع فبريانو حاجبه بسخرية :
" هل تهددني ؟!"
" أنا الاكبر هنا فبريانو، وعليك احترامي "
وكان هذا صحيحًا، لكن فبريانو ابتسم بسخرية وهو يخرج هاتفه يضعه أمام جاكيري ثم أجرى اتصالًا لمالك يفتح المكبر حتى يصل لجاكيري الصوت .
وعلى مقربة منهما كانت رفقة تجلس مع روبين وهي تقص عليها كل ما حدث :
" كل ده حصل وانا غايبة ؟! طب كويس انكم بخير "
" أيوة جاسي جات على اخر لحظة وانقذتنا "
ضمت روبين حاجبيها بتعجب وهي تهمس :
" جاسي ؟!"
" أيوة أنتِ متعرفيش أنها شغالة مع حبيبك ولا ايه ؟!"
" شغالة معاه ايه ؟! بستانية ؟! ولا في الشركات ؟!"
رفعت رفقة حاجبيها بسخرية وهي تدرك أن فبريانو لم يخبر روبين بعد عن حقيقته، لكنها لم تود أن تخبرها هي، من الافضل أن تعلم الامر منه؛ لذا تجاهلت الحديث عنه وهي تقول :
" اهلك عرفوا انك بخير ؟! "
تنهدت روبين وهي تهز رأسها بنعم تتذكر مكالمة والدها منذ يومين :
" أيوة عرفوا واطمنوا عليا هما وجاسي، وبابا قالي أنه بيصفي أعماله في ايطاليا وهيرجع هو وماما وجاسي قريب "
صمتت ثم قالت فجأة بخبث :
" صحيح يا رفقة هو احنا لما جينا الصبح ولقينا عمو توفيق برة كنتِ فين أنتِ وجاكيري ؟! "
وتلك الحمرة التي غزت وجنتيها اخبرت روبين ما حدث دون الحاجة للحديث، بينما رفقة غرقت في الذكرى القريبة التي قضت بها اجمل لحظاتها رفقة جاكيري حينما رقص وضحك وغنى برفقتها ثم أمطرها بوابل من الغزل .
واخيرًا وصل صوت مالك بعد عدة اتصالات دون رد :
" ماذا تريد ؟!"
نظر فبريانو لجاكيري وهو يشير للهاتف بمعنى ( رأيت ؟!)، لكن جاكيري نظر له بتحذير يطلب منه أن يتحدث، وكذا فعل :
" مرحبًا مالك، اشتقت إليك يا رجل "
" وانا لا "
" هيا أيها العجوز اعلم أنك اشتقت إلىّ "
" والله يابني ولا اشتقت ليك ولا جيت على بالي أساسا، ولو جيت بستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأقرأ المعوذتين بتختفي على طول "
رمق فبريانو جاكيري بعيون تخرج نيرانًا فهو بسببه اضطر لفعل ذلك :
" مش فاهم ايه اللي حصل لعواجيز اليومين دول ؟! بقى يا اخي كل واحد فيهم معدي القرن ومفكر أنه هيعمر فيها، ويفضل يعيث الفساد "
" وانت متصل بقى عشان تحكيلي مشاكلك مع العواجيز؟؟ "
" لا متصل عشان عايز منك مصلحة "
" وأنت بقى خيالك الجامح صورلك إني ممكن اساعدك ؟! ابقى اتغطى يا حبيبي "
أنهى مالك كلماته وهو يغلق المكالمة تاركًا فبريانو ينظر ببسمة باردة لجاكيري الذي قال له بإصرار :
" أنا لم افهم شيء منذ منتصف الحديث، لكن من نبرة حديثه اعلم أنه كان يمازحك "
" نعم صدقت كان يمازحني، فهو خفيف الظل كثيرًا "
" إذن اعد الاتصال به و"
قاطع حديث جاكيري اتصال قادم على هاتف الاثنين في نفس الوقت من شخصين مختلفين من العائلة ليبدأ اليخاندرو اجتماعه بخصوص المهمة الجديدة، واستمر الأمر لساعة تقريبًا ختمها اليخاندرو بجملته :
" فبريانو اليوم اريدك عند انطونيو وانتهوا مما يحدث وبعدها لنا حديث آخر "
_____________________________
في المساء عند انطونيو كان يجلس بشرود في نافذته وهو يراقب المنزل أمامه بعيون مدققة، لا يشعر بمن حوله أو بما يحدث، بينما في الاسفل في الحديقة كانت روما تقوم بتمارين يومية بكل نشاط، وكل ثانية والأخرى تنظر لانطونيو تتعجب شروده بهذا الشكل منذ الصباح .
ابتسمت وهي تراقبه بهيام وشغف كبير، ذلك الرجل كم تعشقه، تحبه وتهيم به عشقًا، تنهدت وهي تشعر بقلبها يتضخم حبًا له، قبل أن تستمع فجأة صوتًا خلفها جعلها تستدير فجأة برعب .
" معذرة سيدتي أسفة على اقتحام المنزل، لكنني طرقت الباب الخارجي كثيرًا ولم أجد إجابة كنت فقط ابحث عن قطتي، فقد خرجت صباحًا ولا أجدها "
هدأت روما قليلًا وهي ترمق تلك السيدة أمامها، تبدو في نهاية العمر بملامح مجعدة وقامة محنية قليلًا :
" لا بأس سيدتي، في الحقيقة أنا لم أر قططًا منذ جئت هنا، لكن ربما يمكنك سؤال جيراننا السيدين ولتر، هم لديهم جرو صغير، ربما ركض خلفها أو ما شابه "
ابتسمت لها السيدة وهي تهز رأسها بحسنًا ثم تحدثت بلطف معتذرة عن اقتحام المنزل :
" حسنًا صغيرتي اعتذر مجددًا "
كان انطونيو يراقب الأمر من الاعلى بعيون مدققة وهو يرى ما يحدث في الاسفل بتعجب، لكنه لم يقف ويكمل مشاهدة وهو يتحرك ليهبط ويرى ما يحدث مع تلك العجوز وروما، في نفس الوقت الذي لمح به دخول السيد والسيدة ولتر للفيلا ومعهم قطة صغيرة .
تحدث ولتر وهو يدخل للفيلا :
" ها هي قطتك سيدة واتسون لقد وجدتها مختبئة خلف أشجار حديقتي"
ابتسمت السيدة وهي تتحرك بلهفة كبيرة صوب السيد ولتر الذي كانت عينه تدور حول روما في شكل اثار كل حواس أنطونيو الذي وصل لمنتصف الحديقة وهو يقول بشر :
" ألم اخبرك ألا تخطو بقدمك لحديقتي مجددًا ؟!"
ابتسم السيد ولتر بسمة صغيرة وهو يردد بجدية :
" حسنًا أنا فقط أردت اخبارك شيء مهم "
وفي الثانية التالية كانت الحديقة الخاصة بانطونيو تمتلئ برجال كثيرين ببذلات سوداء يحملون أسلحة وهم يصوبونها لرؤوس الجميع، تحرك انطونيو بسرعة كبيرة يجذب روما إليه ولم يتوقع ذلك الهجوم وبهذه السرعة، بينما روما لا تفهم شيء .
" اسفين لاقتحام حديقتك الخاصة سيد انطونيو "
ابتسم انطونيو ببرود وهو ينظر خلف لصاحبة الصوتؤ بينما سيطر الهدوء على الجميع، والوضع أصبح مقلقًا، عاد صوت السيدة يصدح مجددًا بكل قوة في المكان :
" لقد بحثنا عن فرصة طويلًا للقائك وها نحن نلتقي اااا"
لم تكتمل الجملة بسبب امتداد قدم من الخلف مسقطة صاحبة الصوو ارضًا بعنف وارتفع صوت فبريانو بحنق يرمق العجوز التي التصقت بالارضية والتي هي صاحبة الهجوم هذا كله، بينما السيدين ولتر كانا يرتجفان بخوف وهم يرون كل تلك الأسلحة ويستمعان لحديث السيدة واتسون والتي كانت تبدو مخيفة في تلك اللحظة وبشدة :
" كم مرة قلت إنني لا احب العجائز ؟؟"
____________________________
بداية الحرب شرارة، وبداية الصلح بسمة، وبداية السيل قطرة، لكل شيء بداية كما هي بدايتنا تلك، بداية جحيم قادم، بداية اشتعال القصص اجمع، احذروا ما يخفي كل باب خلفه، فلا تدري من أي باب قد يأتي جحيمك.........
حابة اعرف رأيكم في الأحداث والجزء الثاني حتى الآن، وانتظروا القادم اللي بإذن الله هيتخطى توقاعتكم .......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل السادس 6 - بقلم رحمة نبيل
البارت نزل بدري لاني عندي زفاف اليوم وكمان نص ساعة مش هكون متفرغة للاسف ....
البارت طويل جدًا جدًا اهداء لكل شخص بياخد من وقته دقائق ويقرأ شيء خطته يدي، بشكركم من قلبي ..
اتمنى يعجبكم صدقًا 💜
______________________
من مجرد حديقة لمنزل صيفي تم اختياره لقضاء شهر عسل في إحدى المدن الجبلية، أضحى ساحة حرب تمتلئ بالمسلحين والأسلحة.
كانت الحديقة ممتلئة برجال العجوز واتسون بينما السيدة واتسون نفسها ساقطة ارضًا بسبب دفعة فبريانو لها بقدمه، و أمامه يقف أنطونيو الذي كان يخفي خلفه روما كحائط منيع، وفي أحد الأركان يختبئ الزوجين ولتر وهما يرتجفان برعب، وخاصة السيد ولتر الذي يكاد يولول كالنساء من الرعب، يتمنى لو لم يجد قطة تلك العجوز ويأتي لتلك الحرب .
بمجرد سقوط السيدة واتسون ارضًا حتى وجد فبريانو جميع المسلحين يلتفون حوله بسرعة كبيرة وأسلحتهم تحلق فوق رأسه بشكل كان من الممكن أن يثير هلع أي شخص، لكن ليس شخص وُلد بين الأسلحة والدماء كـ فبريانو .
رفع فبريانو يده يحاول ادعاء الاستسلام وهو يردد بأسف مصطنع وملامح وجهه بريئة :
" أسف لم اقصد ذلك، لكن أنا حقًا لا احب العجائز وهذا ليس أمرًا شخصيًا مع تلك العجوز "
أنهى كلمته وهو يضرب السيدة واتسون بعنف في خاصرتها بقدمه لتخرج تأوه عالي من فمها جعل فبريانو يبتسم بسمة جانبية، قبل أن يراقبها تنهض ببطء وهي تنظر له نظرات مخيفة .
كان في تلك الأثناء انطونيو في طريقه للمنزل وهو يستغل ما يفعله فبريانو ليتأكد من أمان روما التي كانت تنظر مرتعبة لما يحدث، هي الآن وسط واحدة من تلك المعارك التي كانت تسمع عنها من والدتها، حينما كانت تقص لها مهمات الاحفاد كنوع من الحكايات المشوقة قبل النوم، مرحى الآن أضحت إحدى شخصيات الحكاية .
نهضت السيدة واتسون من الأرض لتقف بكل رشاقة لا تناسب أبدًا تلك العجوز التي كانت منحنية الظهر، ثم ابتسمت بسمة مخيفة وهي تمد يدها تخلع وجهها، أو القناع الذي تضعه على وجهها، لتظهر من أسفله فتاة في غاية الجمال تبدو أقرب لتلك الحوريات التي كانت تفتن الصيادين في قديم الزمان، خلعت الفتاة الشعر الابيض المستعار لتقف أمام الجميع فتاة في ريعان شبابها وفي غاية الجمال، تبتسم بسمة واثقة وهي تنظر لرجالها الذين سيطروا على الحديقة.
كانت عين فبريانو تتحرك بهدوء عليها وهي تخلع قناعها، وبمجرد انتهاء الفتاة من خلع القناع مبتسمة بكل ثقة حتى أطلق فبريانو صرخة عالية يصطنع بها الرعب وهو يغلق عينه مرددًا بارتجاف :
" ويلتي كاد قلبي يتوقف من البشاعة، ارتدي القناع مجددًا ارجوكِ، أنتِ اجمل كـعجوز "
رفعت الفتاة حاجبها بتهكم شديد وهي تتحرك صوب فبريانو بخطوات بطيئة تتوقف أمامه وهي تمسك يده تجذبها برقة لا تناسب ذلك الموقف :
" ماذا حبيبي ألم تشتق لوجهي ؟!"
اعتدل فبريانو في وقفته وهو يبتسم بسمة جانبية يقترب بوجهه أكثر منها حتى بات لا يفصله عنها سوى مقدار شعرة فقط يهمس و عينه تدور فوق ملامحها :
" أي وجه تقصدين ؟! العجوز أم هذا ؟! فأنا اشتاق للعجوز على الأقل كان بامكاني النظر إليها مطولًا دون أن تتأذى عيني من كم البشاعة التي أراها الآن"
" مازلت كما أنت فابري "
" لا تناديني باسمي حتى لا امقته، ناديني بيومي فأنا أكرهه على أي حال"
تعجبت الفتاة وهي تعود للخلف بعدم فهم لما نطق، لكن لم تكد تتحدث بكلمة حتى وجدت يد فبريانو تلتف حولها بسرعة مخيفة يمسك رأسها بعنف وهو يوجه سلاحه حولها مستغلًا غفلة الحراس وهم يتابعون حديثه مع قائدتهم :
" والآن ما رأيك عزيزتي أن أرحم البشرية من بشاعتك ؟!"
____________________________
داخل المنزل كان انطونيو يمسك يد روما يتحرك بها بسرعة صوب الغرفة الخاصة بهم، وهي فقط تنظر خلفها كل ثانية وأخرى تخشى أن يغافلهم أحد من الخلف، شعرت فجأة بجسدها يحط على شيء ناعم، لتجد أن انطونيو اجلسها على فراشهما الخاص وهو ينظر لعينها بقوة يهمس لها :
" ستبقين هنا حتى انتهي من الأمر في الاسفل، مهما حدث ومهما سمعتِ اياكِ روما أن تتركي مكانك، حسنًا ؟!"
هزت روما رأسها برفض وهي تتمسك بخصر انطونيو مرتعبة، هي حتى لم تقضي معه سوى أيام قليلة فقط، والآن معرضة لخسارته في أي لحظة :
" لا لا، ارجوك لا تفعل انطونيو، ارجوك ابق معي، لا تتركني "
" روما حبيبتي لا تخافي شيئًا، لن ادع شيئًا يمسك "
" أنا لا أخشى شيئًا، أنا أخشى فقدك انطونيو، ارجوك ابق معي، سأموت إن تأذيت "
فك انطونيو يدها التي تحيط خصره وهو ينظر من النافذة التي تقبع في نهاية الغرفة والتي تطل على الحديقة حيث المعركة :
" فبريانو في الاسفل وحده، لا يمكنني تركه، ولا تقلقي لن يحدث شيء، هذه ليست اول مرة نتعرض لشيء كهذا روما، حسنًا هيا ابقي هنا لأجلي "
أنهى كلماته وهو ينظر بعينها يرتجي منها وعدًا بالتزام تعليماته، لكنها أغلقت عينها وهي تنخرط في بكاء عنيف، تهز رأسها بلا، لكن انطونيو لم يستطع البقاء أكثر وهو يقبل رأسها بسرعة ثم تركها وركض للاسفل بعدما احضر سلاحه ليلحق بفبريانو، يدرك الآن سبب ارسال فبريانو بالتحديد، ليس لأن المعركة ستحتاج لقتل فحسب، بل لأن فبريانو هو نقطة الضعف الوحيدة لتلك العجوز، أو لنقل لتلك الفتاة الغبية التي تهيم بعشق بائس منذ سنوات .
_______________________________
وعلى الجانب الآخر، صباح جديد في ايطاليا، حيث الجميع استيقظ من نومه بعد اجتماع طويل مع الجد بالأمس، فـ طوال الليل وبعد تأكده من تحرك فبريانو للـ لحاق بانطونيو، جلس معهم الجد وهو يخبرهم بكل ما حدث في تلك الأيام التي تلت الاجتماع الكبير والذي كان مصيدة لكبار اعضاء المافيا .
كانت روز كعادتها تتجنب أي لقاء مع جايك، وهي مازالت متأثرة بآخر صدام بينهما، حينما باغتها بقبلة وقحة وعلى مرأى ومسمع من الجميع، نفخت بضيق وهي تنتهي من اعداد الكيك الذي كانت تنكب على عمله منذ الصباح استعدادًا لاستقبال الضيوف الذين جاءوا اليوم لأجلها، ابتسمت بسمة واسعة وهي تتذكر بحنين اصدقاء طفولتها الذين تواصلت معهم منذ أيام وبصعوبة بعدما ساعدها مارتن في استعادة حساباتها القديمة .
يقف على باب المطبخ يمسك دفتره وهو منغمس في رسمها، وكأن ذلك أضحى عمله وشاغله الوحيد، وهو الركض خلف تلك الصهباء في أرجاء المنزل وتسجيل كل شيء تقوم به بواسطة أنامله، تلك الساحرة ألقت عليه تعويذة أوصلته لتلك المرحلة من البلاهة بجوارها .
" ماذا تفعل هنا جايك؟! "
انتفض جايك وكذا فعلت روز التي صدمت بوجود جايك على باب المطبخ يراقبها، ولولا قدوم مايك الذي تعجب وقوفه بهذا الشكل، لم تكن لتنتبه أبدًا لوجوده، تحركت روز صوب الاثنين وهي تقف أمام جايك بقوة وغضب تشير له بيدها حركة تكرر بها سؤال مايك الذي ألقاه منذ ثواني .
لكن جايك رد بكل بديهية وهو يرفع دفتره يلوح به أمام عينها :
" كنت أقوم برسمك "
فتحت روز عينها بصدمة من وقاحة ذلك الشاب، يرسمها دون إذنها، بل ويتفاخر بذلك، أي وقح هو ؟! لم تر في حياتها من هو بمثل جرأته .
مدت روز يدها لجايك بحنق شديد، لكن جايك ابتسم بخبث وهو ينظر لعينها وكأنه يخبرها ( أن رده لن يعجبها) لكن وقبل أن تدرك روز ما قامت به وتسحب يدها، كان جايك يمسك يدها وهو يقول بخبث متجاهلًا وجود مايك الذي تحرك لداخل المطبخ غير مهتم بهما :
" اه انظري لذلك الوجه الوسيم الذي يستقر بكل راحة داخل كف يدك، يشبهني تمامًا "
نظرت روز ليدها حيث يشير جايك، ترمق رسمته التي ما تزال واضحة على يدها رغم محاولاتها العديدة لإزالتها، راقبت اصبع جايك الذي كان يتحسس الرسمة بلطف مرددًا بصوت خافت شارد بعض الشيء :
" يدك ناعمة بشكل يستفز أصابعي لتحسسها "
أنهى جملته وهو يضع يده ذات الاصابع الطويلة جوار يدها يردد بجدية كبيرة :
" ترى ما مقاس أصابعك ؟! أنها صغيرة جدًا "
كانت روز تنظر له نظرات مشوشة وهي تنقل نظراتها بين يدها ووجهه، حتى وجدت جايك يقترب منها ببطء شديد جعلها تبتلع ريقها متوجسة، تراه يقترب أكثر وأكثر حتى أضحى لا يفصل بينهما سوى القليل فقط يهمس في اذنها بنبرة حنونة :
" لقد احترق الكيك الخاص بكِ "
فزعت روز وهي تنظر خلفها بسرعة، لتجد أنها لم تضع الكيك بالفرن بعد؛ لذلك ضيقت حاجبيها بتعجب ولم تكد تستدير حتى تصرخ في وجهه بسبب كذبه عليها، إلا وشعرت بقبلة صغيرة رقيقة على خدها .
فتحت عينها بصدمة كبيرة تلتفت له ببطء تنظر له نظرة وكأنها تسأله عن مصدر تلك الجرأة التي جعلته يقترب منها مقبلًا إياها، لكن جايك فقط ابتسم وهو يقول بهدوء :
" هذه لأنني شعرت أنكِ غضبتي آخر مرة بسبب قبلتي لكِ أمام الجميع؛ لذا أردت تعويضك بأخرى ونحن وحدنا "
" أنا هنا يا جايك، هذه لا تُحتسب"
رفع جايك نظره لمايك الذي كان يقف أمام الثلاجة يتجرع بعض العصير وهو يرفع يده يتحدث بجدية أنه شهد القبلة المحرمة التي لا يجب أن يراها أحد كما يردد جايك، ليشهق جايك بصدمة مصطنعة وهو يقول:
" هكذا سيتعين علينا إعادة القبلة مرة أخرى بعيدًا عن الجميع فقد رآنا مايك، ما رأيك أن نــ "
قاطع حديثه انتفاضة روز وهي تدفعه للخلف بقوة ترفع اصبعها في وجهه وعينها ترسل له سيل من حمم غضبها التي انفجرت داخل براكين أعينها، تشير بيدها على الدفتر الذي يقبع في يده، تشير إليه أن يعطيه لها، ثم أشارت له إشارات تعني أن يبتعد عن وجهها تمامًا.
لكن جايك لم يهتم بذلك وهو يقول بكل جدية :
" لقد انتظرت أن تتصلي بي، لكنك لم تفعلي، هل اضعتِ البطاقة التي اعطيتها لكِ ؟!"
رفعت روز حاجبها بتهكم من حديثه، هل كان يتوقع منها أن تتصل به جديًا ؟! ذلك المغرور من يظن نفسه، وكيف تأتيه الجرأة لفعل ذلك معه، تقسم أنها سوف تـ
" حسنًا هذه بطاقة أخرى احرصي على ألا تضيع منكِ "
هكذا قاطع جايك افكار روز وهو يمسك يدها واضعًا بطاقة أخرى تحتوي أرقامه بين يديها، قبل أن ترميها روز ارضًا بعنف ترمقه بنظرة جانبية، جعلته يبتسم بسمة مستفزة وهو يخرج بطاقة أخرى يردد بشكل مغيظ :
" أنا املك الكثير من تلك البطاقة؛ لذا ستجدينها في كل مكان تذهبين إليه حــ "
توقف عن الحديث وهو يستمع لصوت رنين الجرس الذي جعل روز تدفعه بعيدًا عنها بلهفة، وهناك بسمة غبية ترتسم على فمها راكضة صوب الباب مما جعله يضيق عينه وهو يتابعها بنظراته قبل أن يسمع صوت مايك جواره يقول بشك :
" اشتم رائحة طرف ثالث في تلك العلاقة، لهفة الصهباء تلك ليست طبيعية، انتبه على قلبك يا بني "
أنهى حديثه وهو يربت على كتف جايك ثم تحرك للخارج حتى ينتظر تلك العربية الجميلة كما اتفق معها، تاركًا جايك ينظر لأثر روز نظرات غامضة مخيفة ....
___________________________
" اعطني المربى رفقة "
ابتسمت رفقة بحنان وهي تمسك المربى من أمامها حتى تعطيها لجاكيري، لولا يد اسكندر التي سبقتها وامسكت بها وهو يمدها لجاكيري راسمًا على فمه بسمة بلاستيكية، ثم أعطاها لجاكيري بشكل جعله يكاد ينهض ليكسر فكه، ولا يعلم سبب استيقاظه اليوم باكرًا :
" اليوم سأذهب مع المحامي لارى أين وصلت القضية "
بهذه الجملة افتتح جاكيري الحظيث في قضية رفقة علّ أخيها الحقير ذلك يبعد تلك النظرة عن عينه وهو يشعره وكأنه أتى ليختطف أخته من بين أحضانه، حسنًا هو سيفعل ذلك، لكن ليس الآن لينتهي اولًا من تلك القضية اللعينة وبعدها، يأخذها حيث لا أحد سواه هو وهي فقط، بعيدًا عن أنف أخيها التي يضعها في كل شيء يخصهما .
" أي محامي هذا ؟! مارسيلو ؟!"
ابعد جاكيري نظره من على وجه اسكندر وهو يرد على سؤال رفقة :
" لا ليس مارسيلو بل شخص آخر "
" ولِمَ لم تخبر مارسيلو أوليس محامي ؟!"
قضم جاكيري قضمة أخرى بتلذذ وهو يردد بسخرية :
" صدقيني أنتِ لا تريدين ذلك، إن وكلت مارسيلو بقضيتك، فربما ينتهي منها في نفس المدة التي كنتِ ستقضينها في السجن على أية حال"
فتحت رفقة فمها بصدمة من حديثه، أليس مارسيلو ابن عمه ويجب أن يتحدث عنه بشكل جيد أمامها على الأقل؟!
اكمل جاكيري وهو يتناول طعام غير مهتم بأي شيء حوله :
" ثم هو لم يذهب في حياته كلها لمحكمة، وانا لن اغامر بأن يجرب الأمر فيكِ "
صمت وهو يتخيل شيء ثم هتف بنبرة عادية :
" اتخيله يقف أمام القاضي وهو يحدثه بلا مبالاة وعدم اهتمام، وفي منتصف الجلسة ينهض وينسحب منها بحجة أنه شعر بالملل بسبب كثرة الاحاديث مطالبًا بإلغاء الجلسة"
أنهى حديثه وهو يضحك بقوة تحت نظرات رفقة واسكندر المتعجبة ونظرات سيلين الساخرة من حديثه، تتمتم بضيق ويبدو أن حديث جاكيري عن مارسيلو ذكرها أنها اليوم لم تذكر الاحفاد بسوء؛ لذا اندفعت بسرعة تردد :
" تسخر منه وكأنك متقن في عملك، لا تدعني أتحدث عن عدد المرات التي كادت تقتل بها رحلة بأكملها، حسرة اليخاندرو عليكم، لا يوجد واحد فقط منكم جــ.."
توقفت عن الحديث فجأة وتوقفت اصوات الاكل، وتوجهت جميع الأنظار لذلك الصوت الذي كان يأتي من جهة باب المنزل، صوت قطرات مياه تصطدم بالأرض .
فتحت رفقة عينها بصدمة تراقب توفيق الذي يبدو أنه خرج لتوه من حمام السباحة بالخلف، حيث كانت ثيابه ملاصقة لجسده، وقطرات المياة تسقط على الأرضية اسفله، هذا دون ذكر الرمال التي تلتصق بقدمه ملوثة الأرضية .
ثواني فقط هو كل ما استغرقه الصمت ليخيم على المكان، قبل أن يختفي على أثر صرخات سيلين التي هزت أرجاء المنزل بعنف وهي تولول من ذلك المظهر الذي تراه، تتشنج واعتز بغضب في مكانها، مما جعل جاكيري يجذب جاكيري بعيدًا عنها وهو يردد بخوف مصطنع :
" ابتعدي عنها رفكة، ستنفجر "
انطلقت صرخات سيلين تهز ارجاء المنزل :
" يا ويلتي لقد أفسدت الأرضية "
لكن توفيق لم ينتبه لصراخها وهو مازال يرتدي عوامة سوداء على شكل ذلك البطل الخارق الخرافي " بات مان " يتحرك بها بكل فخر صوب طاولة الطعام يردد :
" الماية برة فظيعة بجد، خلصوا فطار ونطلع كلنا نبلبط فيها "
أنهى توفيق حديثه وهو يتحرك صوب المقعد المجاور لسيلين يقول بجدية متحسسًا معدته :
" الماية طلعت بتجوع اااااا"
توقف توفيق عن الحديث وهو يشعر فجأة بالهواء أسفله بدلًا من المقعد، ليسقط بعنف على الأرض يتأوه بسبب قوة الاصطدام، رفع عينه بسرعة يبحث عن المقعد ليجد أن تلك العجوز جذبته من خلفه قبل أن يجلس عليه .
" تصدقي وتؤمني بالله، أنتِ ست مهزقة وعايزة اللي يربيكِ "
اندفع توفيق ينهض بقوة وهو يخلع العوامة الخاصة به يلقيها في الأرض صارخًا :
" أنتِ مفكرة نفسك مين يا ست أنتِ، ماشية تدوسي على خلق الله ومفكرة محدش قدك، لا فوقي ده أنتِ عندنا بتتباعي في سوق الجمعة بالكيلو "
لم تصمت سيلين له، بل نهضت بعنف وهي تقف أمامه مرددة بقوة تحرك عكازها في الهواء حول البقعة التي لوثها توفيق :
" ما هذه التصرفات الصبيانية أيها العجوز ؟! لقد لوثت المنزل باكمله، ولم تكتفي بذلك بل كدت تبلل مقاعد طاولة الطعام، لوثت الأرضية التي هي أثمن من عائلتك كلها "
" وأنتِ مالك أنتِ ؟! ولى أمر البيت ولا ايه ؟! بعدين عيلة مين يا اما عيلة أنتِ تعرفي عيلتي و لا تطولي تعرفيهم اساسًا ؟! ده ابن خال عم ابويا يبقى مسئول كبير في هيئة السكك الحديد، وجوز خالة عمتي يبقى عمدة قد الدنيا، ونروح بعيد ليه، اللي أنتِ بتكلميه ده يبقى اكبر رجال الأمن في ايطاليا، أنتِ بقى مين وبنت مين عشان العنطظة ( الغرور ) دي كلها ؟!"
أنهى حديثه بنبرة مستفزة لم تفهم سيلين منها شيئًا، بينما أطلقت رفقة ضحكة عالية وهي تراقب ما يحدث مرددة :
" اكيد طبعًا اكبر رجال الأمن، ده أنت كاسر الخمسين يا توفيق "
رد عليها توفيق يرفع إصبعه بقوة :
" لا يا رفقة كبير مقامًا مش سنًا، بالنسبة للسن فأنا لسه ١٠ الجاي هكمل الاربعين "
في ذلك الوقت وأثناء تلك المشاجرة الممتعة، نهض اسكندر ليجيب على هاتفه، ليبتسم جاكيري بخبث شديد وهو يراقب رحيله ثم استغل الأمر وأمسك بيد رفقة بشكل جعلها تستدير له بقوة وهي تنظر له بعدم فهم .
لكنه ابتسم وهو يقترب منها هامسًا :
" لقد جهزت لكِ مفاجأة رفكة، مفاجأة جميلة مثلك "
كان يقول كلماته ببسمة واسعة كطفل صغير احضر لوالدته هدية، ثم ذهب ليعطيها لها بحماس شديد وهو يترقب ردة فعلها.
" أي مفاجأة تلك جاكيري ؟!'
" في الأمس عندما أعود سوف اخبرك بها، فقط تجهزي وعندما اعود سوف اخذك لاريكِ إياها "
أنهى جاكيري كلمته وهو ينظر لرفقة بتردد يود فعل شيء، لكنه تراجع سريعًا وهو ينهض منتفضًا بشكل اثار فزع رفقة يردد وهو يجلي حلقه :
" سوف اذهب لاحضر نفسي "
راقبت رفقة رحيله بتعجب شديد قبل أن تستدير بسرعة وهي ترى الشجار قد اشتغل بين العجوزين، لتهنض من مكانها وهي تتدخل بينهما بحنق تردد :
" سيب شعرها يا عم توفيق أنت مش صغير عشان تعمل كده، سيلين دعي عكازك جانبًا سوف تثقبين معدته به "
________________________
" ما بك فابري لم اتوقع تلك المعاملة الخشنة منك "
ادعى فبريانو الحنين وهو يتنهد مشددًا من ذراعه على رقبتها يردد بحسرة :
" أنه الزمن يا ابنتي، يغير الجميع "
ابتسمت الفتاة بسمة جانبية وهي تمد يدها تحاول ابعاد يده من حول رقبتها بعدما أشارت لرجالها بعدم التدخل، ريثما تمنحهم إشارة الهجوم :
" حسنًا لا بأس، اعلم أنني اسكن في مكانٍ ما داخلك "
" نعم أنتِ محقة، فأنتِ الآن تقبيعين في مكب نفايات عقلي "
أطلقت الفتاة ضحكة عالية وهي ترد عليه بخبث :
" أيها الماكر، تدعي الثقل، ورغم ذلك بمجرد معرفتك لقدومي اتيت راكضًا لتراني، هيا يا رجل عشقك ينضح من جميع سكناتك "
" متأكدة أنه العشق ؟! فما أشعر به الآن هو الاشمئزاز، رائحتك لا تطاق صدقًا "
صدح صوت انطونيو الذي خرج للتو من منزله وهو يقول ببسمة صغيرة باردة بينما يديه ترفع السلاح على الرجال أمامه :
" أعتذر إن قاطعت تلك اللحظات الرومانسية بينكما، لكن أنا لدي شهر عسل لاستكمله؛ لذا هلّا بدأنا ؟! "
بسمة صغيرة ارتسمت على جانب فم الفتاة قبل أن تعتدل في وقفتها بشكل مباغت، وفي حركة سريعة كانت تتحرر من فبريانو دافعة إياه للخلف ثم مالت بجسدها تنزع سلاحها من حذائها في لمح البصر، في نفس اللحظة التي أخرج بها فبريانو مسدسه الثاني ويتحرك انطونيو وهو يرفع سلاحه على الرجال ينضم لابن عمه .
ليكون الأمر كالتالي فبريانو جوار انطونيو وأمامهم الفتاة ترفع أسلحتها عليهم وخلفها يقبع الرجال المسلحين، ابتسمت الفتاة وهي تراقب انضمام انطونيو ثم قالت بخبث :
" اه مر زمن طويل طوني، اشتقت إليك كثيرًا، ألم تشتاق لي؟!"
همس فبريانو بتعجب مصطنع :
" عجبًا تلك المرأة تعاني جفافًا عاطفيًا كبيرًا، فمنذ جاءت وهي تسأل كل من تراه إن كان اشتاق لها أم لا، حالتك بائسة يا امرأة "
لم تهتز ملامح انطونيو وهو يحرك أصبعه بخفة يجهز سلاحه للاطلاق، يستمع لحديث أحد الرجال الذي صاح بصوت جهوري :
" المقاومة لن تفيد أيًا منكما، المنزل كله محاصر؛ لذا استسلــ.."
ولم تكتمل الجملة حيث سقط صاحبها ارضًا مضجرًا في دماءه ليفزع الجميع من سرعة اختراق الرصاصة لدرجة أن أحدًا لم ينتبه حتى لخروجها، تحركت الأعين سريعًا صوب فبريانو الذي هز كتفيه وهو يقول :
" لا احب المقدمات الطويلة، إن أردتم قتلنا فافعلوا دون أن تتحدثوا بكل تلك الخطابات التي تتسبب لي في صداع "
وكانت جملة فبريانو بمثابة شرارة البداية لتلك الحرب التي اشتعلت في ثواني، مع دخول رجال اليخاندرو الذين لحقوا بفبريانو بأمر من اليخاندرو نفسه .
تبادل كلا الجانبين إطلاق النيران وقد بدأ فبريانو يسقط أعداد كبيرة مستغلًا في ذلك مهارته العالية في التصويب واستخدام سلاحين في نفس الوقت .
كان انطونيو يختبأ أسفل أحد الجدران وهو يقتل كل من يراه، حتى انتبه لحركة الفتاة صوب أحد الجهات، والتي يختبأ بها فبريانو، ابتسم باستخفاف وهو يجهز سلاحه للاطلاق، ثم وجهه صوب قدمها وفي ثواني كانت الفتاة تسقط ارضًا صارخة بوجع ارتسمت على أثره بسمة واسعة على فم انطونيو .
بينما فبريانو لم يكن يهتم بكل ما يحدث حوله حيث بدأت حدة القتال تخفت شيئًا فشيء بسبب تناقص أعدادهم، أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهو يستمع لرنينه يرى اسم روبين يلوح أمامه على شاشة الهاتف، لكنه رغم ذلك اغلق الاتصال والهاتف ثم اغلق الهاتف، في نفس اللحظة التي أبصر بها سقوط جسد تلك الفتاة على مقربة منه .
كان السيد ولتر مازال يختبأ مع زوجته في الحديقة الخلفية بعيدًا عن المعركة الضارية التي تحدث في الحديقة الأمامية وقد مرت ساعة منذ هربوا بعيدًا عنهم.
تمسكت السيدة ولتر في زوجها وهي تبكي برعب تلعن ذلك اليوم الذي خطت به قدمها إلى تلك الحديقة .
" سنموت، لقد أخبرتك أنهم غريبي الاطوار، ذلك الرجل وزوجته مجرمون "
نظر ولتر لزوجته وهو ينتزع ذراعه منها بعنف شديد صارخًا في وجهها بقوة :
" ماذا ؟! ومن كان يدفعني للالتصاق بهم والتعرف عليهم ؟! أليس أنتِ ؟!"
" لقد ...لقد رأيت بنفسك منزلهم وسيارتهم وثيابهم، كان من الواضح أنهم اثرياء؛ لذا أردت انشاء علاقة صداقة معهم عسى أن تغتنم الفرصة وتعقد صفقة معه أو ما شابه تنقذنا من افلاسنا الوشيك أيها الاحمق "
رماها زوجها بنظرة مميتة ثم صرخ في وجهه :
" اقسم إن نجونا من هنا سوف اااااا"
توقف عن الحديث وهو يجد مسدس يوجه لرأسه، رفع عينه ببطء من على وجه زوجته التي كانت ترتجف برعب وقد أدركت أنها النهاية، ينظر لذلك الرجل الذي يحمل سلاحًا يصوبه على رأسه، و بمجرد رؤيته لوجه الرجل حتى أطلق السيد ولتر صرخة تشبه صرخات النساء :
" لا لا ارجوك لا، ارجوك خذ كل ما املك، لكن اتركني اعيش ارجوك لا لا"
كان السيد ولتر يهذي برعب وهو يرى نظرات ذلك الشخص المرعب، قبل أن يستمع لصوت في الخلف ينادي :
" فبريانو دعك من هؤلاء الحمقى وتعال "
ابتسم فبريانو بسمة جانبية وهو ينظر للسيد ولتر وزوجته قبل أن ينزع سلاحه من على رأسه يحركه بعشوائية في يده، مما جعل السيدين ولتر يلتصقان في الجدار وصرختهما تعلو، لكن فبريانو ابتسم بسخرية وتحرك بكل بساطة صوب انطونيو الذي نظر للاثنين وهو يقول بشر :
" اخرجا من منزلي ، وتذكروا إن علم أحد بما حصل منذ ثواني سوف ...."
وترك باقي جملته معلقة بشكل ارسل الرجفة لجسد الاثنين اللذان كانا على شفا حفرة من الانهيار، وبعدها تحرك رفقة فبريانو للمنزل وهو يراقب الحديقة التي أصبحت خالية من أي شيء يدل على المعركة التي حدثت منذ ثواني :
" لقد هربت "
ابتسم فبريانو بسمة جانبية ساخرة :
" لا بأس سوف تعود مجددًا، فظهورها بهذا الشكل يخفي الكثير خلفه"
" يخفي الكثير، ام يخفي حنينًا لك "
أنهى انطونيو حديثه بضحكة عالية وهو يراقب الغيظ الذي اعتلى وجه فبريانو :
" تلك الفتاة تثير داخلي نزعة للقتل "
صمت ثم قال وهو يرى بعض الرجال الذين يعملون معهم يسحبون الجثث للخارج :
" على كلٍ انتبه لنفسك ولزوجتك "
هز انطونيو رأسه بخفة قبل أن ينظر لخصر فبريانو يقول بجدية :
" هل جرحك خطير ؟!"
نظر فبريانو للاسفل يتحسس جرحه قليلًا :
" لا، لا تقلق الرصاصة مرت بجانبي وخدشتني فحسب، لم تستقر به، سوف يلتئم مع الوقت "
ربت انطونيو على كتفه وهو يقول ببسمة صغيرة مشيرًا لخارج المنزل :
" حسنًا اغرب الآن عن وجهي حتى اقضي آخر دقائق في شهر العسل اللعين هذا "
أطلق فبريانو ضحكة عالية وهو يتحرك صوب الخارج يلحق برجالهم حتى يعود معهم، يردد بخبث :
" امممم لا اعتقد ذلك يا عزيزي، فيبدو أن أيام سعادتك ولت، وأنت على موعد مع جحيم نسائي "
أنهى حديثه بغمزة ماكرة ثم خرج تحت نظرات انطونيو الذي لم يفهم جملته الأخيرة، يراقب بشرود الزوجين ولتر ل وهم يركضون لخارج المنزل، قبل أن يستمع لصوت في الخلف يصدح بغضب وهو يردد بسخرية مقلدًا حديث تلك الفتاة مع انطونيو :
" اه مر زمن طويل طوني، اشتقت إليك كثيرًا، ألم تشتاق لي؟!"
رفع انطونيو حاجبه وهو يستدير ببطء ليواجه روما التي كان وجهها احمر من البكاء، وعيونها كذلك، لكن لم يدري هل هي حمراء من البكاء ام الغضب؛ كانت روما تهز قدميها بعنف وهي تتذكر تلك الكلمات التي سمعتها من تلك المرأة حينما خالفت أمر انطونيو وخرجت للنافذة، وقتها سمعت تلك الكلمات التي اشعرتها كما لو أنه على معرفة مسبقة بتلك المرأة، لتبتعد فورًا عن النافذة رافضة سماع المزيد تتوعد لانطونيو بالويل .
" هل أنتِ جادة روما ؟!"
" نعم، أنا جادة، بحق الله انطونيو لقد نادتك طوني، والجميع يعلم أنك طوني أنا وحدي، ليس لها حق في ذلك "
كانت تتحدث بغضب شديد وهي تبكي، وقد نست أنهم منذ لحظات كادوا يقتلون على يد عصابة، نست كل لذلك ولم تتذكر سوى غيرتها من رئيسة تلك العصابة التي أتت لقتله خصيصًا .
" اريد الرحيل الآن انطونيو، اعدني للمنزل "
___________________________________
ألقى مارتن الحاسوب جانبًا وهو يحرك رقبته بتعب شديد، فقد سهر طوال الليل يحاول الانتهاء من الأعمال الملقاه على عاتقه في غياب انطونيو حتى يتمكن من أخذ إجازة والزواج بجولي، وعند تلك الذكرى اندفعت بسمة كبيرة لوجهه ينهض من مقعده المكتب الخاص بجده يحرك جسده حتى يفك تشنج عضلاته، ثم قرر الذهاب لأخذ حمام بارد علّه يشعر بالنشاط أكثر ليستكمل أعماله .
صعد مارتن الدرج دون الاهتمام بكل تلك الأصوات التي تصدر من المطبخ، يدرك جيدًا أنه ربما يكون شجارًا سخيفًا بين الجميع، هو يعاني كثيرًا في غياب انطونيو وفبريانو وجاكيري، الأمر مزعج عندما تكون المسئول الأول في المنزل، الآن فقط شعر بكل الضغط الذي كان يعانيه انطونيو من محاولة تيسير الامور .
توقف مارتن في سيره وتوقف عن الحديث مع نفسه وهو يراقب جولي تخرج من غرفة تحمل مطرقة في يدها جعلته يضيق عينيه، يقترب منها هامسًا بريبة :
" جولي ؟؟"
وتوتر جولي الواضح انبأه بأنها تدبر لشيء احمق قد يقتله، اقترب اكثر وهو يقف أمامها يقول بشك :
" ماذا تفعلين ؟! "
" ماذا افعل ؟! أنا خرجت من الغرفة للتو مارتن، لِمَ تسأل هكذا سؤال غريب ؟!"
" كان من الممكن أن يكون السؤال غريبًا بالفعل لو أنكِ لم تخرجي للتو من غرفتي أنا "
ضغط مارتن على كلماته الأخيرة وهو يرفع حاجبه في انتظار تبريرها عن سبب اقتحام غرفته والخروج منها بهذا الشكل وكأنها كانت تقوم بكارثة في الداخل، لكن كل ما صدر من جولي هو شهقة عالية وهي تنظر خلفها تهمس بعدم تصديق وكأنها كانت غائبة عن الوعي أثناء دخولها وخروجها من الغرفة :
" حقًا هذه غرفتك ؟! "
هنا وتأكد مارتن من أنها فعلت كارثة في الداخل؛ لذلك امسك ملابسها بعنف وهي يراها تحاول الانسحاب بسرعة، وبعدها مد يده يفتح الباب وقلبه يخبره أنه لن يسعد بما سيراه :
" تعالي لهنا يا امرأة، اقسم إن كنتِ لمستي أيًا من اسلحتي سو....."
توقف مارتن عن التحدث وهو يفتح فمه ببلاهة شديدة وعينه تدور في غرفته يحاول استيعاب ما يرى أمامه، ينظر مرة لجولي ومرة لغرفته وكأنه يسألها إن كان يقف في غرفته فعلًا أم أنه يتخيل ؟!
" ما هذا ؟! هل نحن في معرض في معرض لصورك الخاصة جولي ؟!"
حولت جولي نظرها في الغرفة تراقب صورها التي قامت بتعليقها في كل مكان، بعدما نزعت أي صورة لمارتن واستبدلتها بصورها الخاصة، ابتسمت بسمة صغيرة وهي تضم يديها لصدرها في حركة لطيفة بريئة :
" ألن تصبح تلك غرفتنا الخاصة حبيبي ؟!"
" غرفتنا الخاصة جولي، وليس غرفتك الخاصة "
أبعدت جولي يده عنها مستغلة حالة الصدمة التي مازال يحاول الخروج منها برؤيته لصور جولي تملء المكان بشكل اثار حنقه، ثم رأى جولي تركض بسرعة الطاولة الصغيرة جوار الفراش تحمل شيء من عليها وبعدها عادت له وهي تقول ببسمة :
" اه نعم اعلم أنها غرفتنا الخاصة؛ لذلك وضعت لك صورة هنا، انظر أليست جميلة ؟!"
حرك مارتن رأسه ببطء حتى استقرت أنظاره على الصورة الصغيرة التي تحملها جولي، والتي كانت عبارة عن رسمة لهما سويًا وضعتها في إطار خشبي صغير جدًا :
" حقًا جولي، حتى الصورة الوحيدة لي، تشاركينني فيها؟!"
لوت جولي شفتيها بحنق وهي تردد :
" ماذا أليست جميلة ؟! لقد اخترتها بعناية ووضعتها على الجانب الخاص بك في السرير، حتى تراها أمام عينيك بمجرد استيقاظك مارتن "
هتف مارتن بجنون وهو يشير للغرفة حوله :
" اراها بمجرد استيقاظي ؟! جولي أنا سأراكِ في كل لحظة وكل همسة في حياتي بهذه الطريقة، أخشى أن أدخل للمرحاض لاجدك وضعتِ صورة لكِ هناك أيضًا "
ابتسمت جولي بسمة واسعة غبية، جعلت مارتن ينظر لها بشك :
" أنتِ لم تفعلي صحيح ؟!"
" واحدة صغيرة اقسم، وضعتها على مرآة المرحاض حتى تراني جوار وجهك كلما نظرت للمرحاض "
" ما بكِ جولي، لا ينقصني سوى أن تلصقي صورتك على جبهتي "
لوت جولي فمها بحزن وهي تقول بخفوت :
" فقط اردتك أن تراني في كل مكان مارتن، حتى لا تنساني "
تنهد مارتن بتعب وهو يأخذ الصورة الصغيرة من يدها يلقيها على الفراش، ثم جذبها بحنان لاحضانه يستند بذقنه على رأسه يردد بخفوت ولطف :
" جولي حبيبتي، كيف لي أن انساكِ وانا لا استطيع محوكِ من عقلي لثواني فقط ها ؟! لم تكوني مضطرة لفعل كل ذلك حبيبتي، فأنا بالفعل غارق في حبك حتى اذني، اغرق في عينيك البنية تلك بلا رغبة في الخروج من بحارها؛ لذلك صدقيني، أنتِ لستِ مضطرة لكل ذلك جولي "
ضمت جولي خصره وهي تقول بحب :
" اخاف أن تمل مني يومًا مارتن، أخشى أن تجد يومًا من تستبدلني في قلبك "
" لن يحدث فأنتِ لا تسكنين قلبي حتى استبدلك بأخرى جولي، أنتِ قلبي نفسه بنية العينين "
ابتسمت جولي بسعادة وقلبها يرقص طربًا لحديثه، تضمه أكثر وهي تقول بحب كبير :
" مارتن أنا اسفة على كل ما فعلته سابقًا من أفعال طفولية، لكنني كنت أفعل ذلك معتقدة أن هذا سيجعلك دائمًا منتبهًا لي، كطفل يفتعل المشاكل لجذب اهتمام والديه "
ابتسم مارتن وهو يربت على شعرها بحنان ثم قبله قبلة لطيفة يردد :
" لا بأس جميلتي افعلي ما تريدين، لكن وأنتِ بين أحضاني "
___________________________
زفر للمرة المائة أثناء انتظاره لها لتجهز هي وايان، فها هو أتى مرغمًا لتلك النزهة التي اخبرته بشأنها في الأمس، والآن هو ينتظر أمام المنزل منذ ما يقرب النصف ساعة وقد أوشك صبره على النفاذ .
نظر في ساعة يده ثم نظر للباب ينتظر أن يطل عليه أحدهما في أي لحظة كى لا يفلت فتيل غضبه، أخرج هاتفه بغضب وهو يضغط عليه بقوة كادت تحطم شاشته، ثم رفعه لاذنه ينتظر الرد حتى يصب جام غضبه فيمن سيجيب، لكن ثواني فقط حتى تناهى لاذنه صوت هايز التي قالت برفق :
" اسفة حبيبي على تأخُرنا، كدت انتهي "
وبهذه البساطة تبخر كل غضب ادم ليحل محله الصدمة من كم التلقائية التي تسكن نبرتها، وكأنه زوجها وينتظرها للخروج في نزهة رفقة ابنهما، ولم يدري ادم سبب تلك الرجفة التي أصابت جسده بمجرد أن داعبت تلك الفكرة خياله .
" هايز توقفي عن هذا واسرعي وإلا تركتك ورحلت "
" أتوقف عن ماذا يا عزيزي ؟!"
" عن هذا هايز "
صمتت هايز من الجانب الآخر وهي تعض شفتيها تبتسم بسمة صغيرة، شاكرة ربها أنه ليس أمامها وإلا لكانت تلك البسمة اشعلت غضبه أكثر، لا تدرك سبب كرهه لذلك، لكنها تستمتع بشدة :
" حسنًا آدم، لقد انتهينا "
اغلق ادم الهاتف وهو يلقيه على المقعد جواره يزفر بضيق ولا يدري علته، هل يكره تلك الأفعال من هايز كمل يصرح دائمًا أم يتحرق شوقًا لعيش تلك المشاعر التي تتولد بسبب أفعالها التي تقوم بها ؟!
شعر ادم بهايز تصعد جواره وفي الخلف صعد ايان الذي ألقى عليه تحية مستمتعة وبحماس شديد، جعله يبتسم وهو يتحرك بالسيارة يتجاهل هايز جواره وكأنها مجرد هواء .
وبعد ساعة من انطلاق السيارة كان ايان يسقط في النوم بسبب سهره ليلة الأمس حسب حديث هايز التي لم تتوقف عن التحدث منذ صعدت جواره، تحاول دفعه للخروج من صمته، وقد نجحت بمجرد القائها لذلك السؤال الغبي :
" آدم من هي تلك جولي ؟!"
نظر لها ادم نظرة سريعة قبل أن يعود بنظرة للطريق مجددًا يردد سؤالها باستنكار :
" جولي ؟! "
" نعم، تلك التي كان يريد مارتن جعلك تفحصها أمس "
" وما دخلك أنتِ هايز؟!"
رمقته هايز بنظرات مغتاظة قبل أن تعتدل في جلستها تنظر أمامها بضيق تلوي شفتيها بحنق شديد تتمتم بعدة كلمات غير مفهومة، لكن ادم لم يهتم وهو يحاول كبت بسمة جاهدت للظهور على فمه، واستمرت الرحلة يعمها الصمت، قبل أن تبصر هايز حديقة الملاهي والالعاب تظهر على نهاية الطريق لتستدير بلهفة لايان تتحدث بحماس جعله يشك أن أيان هو من اقترح تلك الرحلة :
" أيان انهض لقد وصلنا، هيا بسرعة لقد وصلنا مدينة الملاهي يا فتى "
استيقظ ايان بسرعة وهو ينظر حوله ومازال النعاس يزين عينه مرددًا :
" اين اين ؟! وصلنا ؟؟"
صاحت هايز بسعادة وهي تشير للبوابة قبل أن يتوقف آدم بسيارته في المكان المخصص لها، يرى هبوط هايز السريع من السيارة وهي تركض صوب البوابة صارخة بسعادة تنادي ايان ليرتسم على وجه ادم بسمة ساخرة وهو يتبعهم .
_______________________________
يجلس في الطائرة التي أقلعت منذ ساعة تقريبًا ينظر في هاتفه الذي لم يكن به أي إشارة تدل على قدرته لإجراء مكالمة، زفر فبريانو بضيق وهو يخرج هاتف اخر صغير مخصص للمهمات، كما أنه يحتوي ميزة وجود إشارة اتصال طوال الوقت، حتى وسط الصحراء، أخذ يكتب عليه رقم منزل روبين، ثم ابتعد في مقعده قليلًا عن الجميع يجلس براحة في الطائرة، ثواني ووصل له صوت العجوز وهي تردد :
" بيت وادي، مين معايا ؟!"
ابتسم فبريانو بسمة جانبية وهو يقول بسخرية لاذعة :
" وادي ؟! اسمك وادي ؟! ودلعك لولو ؟! "
لم يخفى على وادي ذلك الصوت أو تلك النبرة الساخرة التي تعرفت عليها بسرعة كبيرة، فليس كل يوم تقابل وقح كهذا الشاب الذي احضرته حفيدتها الغبية وهي تعرفها عليه أنه أكثر الأشخاص لطفًا، منذ زمن وهي تقول أن حفيدتها حمقاء، لكن ليس لتلك الدرجة، الآن فقط تأكدت أن السقطة التي تلقتها روبين في طفولتها على رأسها، أثرت عليها على المدى البعيد وأصبحت حمقاء كبيرة .
" والاستاذ بقى اسمه ايه؟! لؤي ؟! "
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة وهو يقول دون مقدمات :
" اريد التحدث لروبين "
" روبين مش هنا، ومتتصلش على البيت ده تاني "
وكادت تغلق الاتصال لولا صوت فبريانو الذي صدح كفحيح بعيدًا عن أي سخرية ومزاح، بشكل ارعب الجدة وبشدة، حتى أنها انقادت لحديثه الذي أخرجه بشر :
" إن اغلقتِ الهاتف في وجهي اقسم أن اجعلك تكرهنينني أكثر وأكثر مما سأفعله "
" أنت يا فتى لم تذق يومًا طعم الاحترام "
" بل ذقته عندما كانت والدتي حية، وفي الحقيقة لم يعجبني كثيرًا؛ لذا لفظته بعنف وتجرعت الوقاحة كؤوسًا، والآن أين هي حفيدتك القبيحة ؟!"
فتحت الجدة عينها من الطرف الآخر تتعجب حديثه ذلك حتى وصل لذكر روبين ووصفها بالقبيحة، ليشعل بحديثه غضبها وهي تهب للدفاع على حفيدتها غير عالمة أن قبيحة تلك ارقى انواع الغزل التي يستخدمها فبريانو :
" قبيحة مين يا ابو قبيحة، اوعاك ياض تكون فاكر نفسك وسيم عشان شعرك وعيونك الملونين، لا لا فوق ده أنا حفيدتي شباب الحارة كلهم بيحفوا عشان بس تبصلهم "
لو كانت تظن أنها بذلك الكلام تعلي من صورة حفيدتها وتجعله يشعر أنه ظفر بها من بين شباب حارتها_ كما تقول _ فقد أخطأت وبشدة، كل ما فعلته هو أنها لفتت أنظاره إلى وجود رجال يحومون حول ارنبه الوردي :
" أي شباب تقصدين يا لولو ؟! "
" نعم ؟!"
" قلتِ هناك شباب يحومون حول روبين، هل تستطيعين تسميتهم ؟! أو اخباري بعناوين منازلهم ؟!"
" أنت عبيط يابني؟! دي جملة بتتقال كده، زي مثلًا لما اقولك ده أنا حفيدتي دي متقدملها طيار وظابط والحوارات دي اللي بنقولها"
لم يهتم بحديثها او لم يفهم مقصدها وهو يردد بجدية مضيقًا عينه :
" من هذا الطيار والآخر الضابط؟! اين تقع منازلهم ؟! "
أبعدت الجدة الهاتف عن أذنها ترمقه بعدم فهم ثم إعادته لاذنها وهي تقول بملل وقد سئمت من هذا الغبي الذي لا يفكر سوى بإبادة جميع الرجال حول روبين :
" خلاصة القول عشان مش فاضية ليك سوسو جيالي كمان شوية، روبين مش هنا خرجت من صباحية ربنا "
" اين ذهبت إذن لولو ؟!"
" راحت تدريب الرقص بتاعها ......"
_________________________________
يجلس مايك في البهو وهو يرتشف عصيره باستمتاع شديد يراقب الحفلة أمام أعينه بكل استمتاع، يرى روز وهي تنغمس في الحديث مع اصدقائها الذين استأذنت جده لاستضافتهم والذين كانوا مكونين من رجلٍ وامرأتين، وايضًا هناك جايك الذي يجلس على الأريكة جواره يحمل دفتره وقلمه وهو يدعي أنه يرسم ولا يهتم لمن حوله، وعينه تكاد تحرق القصر أعلى رؤوس الجميع، خاصة وهو يرى الشاب الذي يوجه حديثه لروز بكل حنين ولطف يجعله يضغط على أسنانه بعنف ويشدد من قبضه على القلم .
" اه كم اشتقت لكِ روز ؟! مر زمن طويل منذ جلسنا سويًا هكذا "
وكانت هذه احدى الجمل التي القى بها الفتى الاصهب لروز، والتي أدمعت عينها بتأثر شديد تشير له بأنها أيضًا اشتاقت لهم جميعًا .
اقترب مايك من جايك يبث سمومه، وينفخ في الرماد مشعلًا غضبه أكثر، حتى يزيد متعه الحفل أكثر :
" انظر هذا هو الطرف الثالث، وايضًا اصهب مثلها، ياللروعة سوف يحضرون فتيات صهباوات صغيرات يشبهن روز "
استدار جايك بعنف يرمق مايك نظرة مخيفة جعلت مايك يطلق على إثرها ضحكات عالية وهو يقول بخبث :
" ماذا؟! لا تنظر لي هكذا أنا فقط افكر بصوتٍ عالٍ "
مصمص شفتيه وهو يقول بحسرة مصطنعة :
" وانا من اعتقد أننا واخيرًا سندخل العنصر الاصهب لمنزلنا ونحصل على جيلٍ جديد متنوع، اقصد أنت ترى جميعنا نتراوح بين الاشقر والعادي، ينقصنا العنصر الاصهب، وانا ظننت الامل بك أنتِ يا ولدي "
أبعد جايك نظره عن مايك ثم انكب على رسمته يحرك يده بعشوائية وسرعة كبيرة على الورقة يحاول ابعاد نظره عن روز ومن معها، يذكر نفسه أنه فقط كان يمازحها ويحب اغاظتها، لا شيء جدي معها، هي مجرد فتاة احضرها جده لمنزله، مايك مخطئ هو لم يحب تلك الصهباء و....
" اه روز لقد ازددتي جمالًا يا فتاة "
قطعت تلك الجملة افكار جايك الذي رفع عينه كالرصاص يحدق في وجه الشاب بشر كبير و كاد ينهض فيقتله، لولا صوت مارتن الذي اخترق الجلسة وتسبقه جولي التي قالت مرحبة بالجميع :
" مرحبًا جميعًا، أرى أن لدينا ضيوفًا هنا "
تحرك مارتن ليجلس جوار مايك على الطرف الآخر في الاريكة، ليكون مايك محصورًا بين مارتن وجايك، يراقب بابتسامة نظرات الفتى الاصهب لجولي بإعجاب شديد .
" اه انظر يا جايك صغيرنا الاصهب أُعجب بعزيزتنا جولي "
ويبدو أن جملته تلك جذبت انتباه مارتن الذي رفع عينه من على هاتفه ببطء ينظر من أسفل رموشه لذلك الشاب الذي كان يحاول جذب جولي لحديثهم مبتسمًا لها بسمة مستفزة، استفز بها كل ذرات صبر مارتن الذي أغلق هاتفه وألقى به على الطاولة بحدة مخيفة جعلت الجميع ينتبه له .
" لم نتعرف "
وكانت تلك جملة مارتن وهو يرمق الشاب بشر، والذي ابتسم لهم بلطف يشير لنفسه يعرف عنها، وبعدها عاد لجولي بالحديث وهو يقول ببسمة وكأنها هي رفيقته وليست روز :
" أكملي رجاءً جولي "
أخرج مارتن صوتًا ساخرًا من فمه يردد اسم جولي باستنكار وكأنه نطق شيئًا محرمًا :
" جولي ؟!"
استدار له الشاب وهو يقول بتعجب :
" نعم أليس اسمها جولي ؟!"
ابتسم مايك وهو يرتشف العصير وقد بدأت ذرات الحماس تتدافع داخل جسده بعنف شديد، وبسمته أصبحت تصل بين أذنه اليمنى واليسرى، يهمس في أذن مارتن بخبث :
" ما بك مارتن عزيزي، لا تحرج الفتى"
استدار له مارتن يرمقه بشر ثم دفعه بقوة حتى سقط على جايك الذي كان مايزال منغمسًا في رسمته، ليفسدها سقوط مايك عليه ليقذفه بعنف مجددًا صوب مارتن، لكن وقتها كان مارتن نهض من مكانه ينتوي الهجوم على الشاب لولا ارتفاع رنين جرس الباب وتحرك جولي تقول ببسمة :
" أنا سأفتح "
ابتسم جايك فورما تقابلت نظراته مع روز التي حاولت ابعاد نظراتها عنه بسرعة، لولا رؤيتها له يرفع دفتره في وجهها وهو يشير عليه بإصبعه، لم تفهم روز وهي تحول نظراتها على الدفتر تدقق فيه ثواني قبل أن تشهق بعنف متراجعة للخلف، ترمق جايك بصدمة مما رسم للتو فقد رسم رسمة كرتونية له وهو يراقصها اعلى جثة لشخص يشبه رفيقها، بينما جايك ابتسم بسمة باردة يعود للخلف وكأنه للتو أوصل رسالته واضحة لها .
في نفس الوقت الذي دخلت به جولي للبهو تتبعها فتاة غريبة، هبط مارسيلو وماركوس من الاعلى، كان مارسيلو مازال يرتدي بيجامة نومه يفرك شعره بضيق وخلفه ماركوس يعدل من وضعية بذلته للذهاب إلى الشركة وينتهي من بعض الأوراق ليصدم بوجود ضيوف لديهم في منزلهم، بينما مارسيلو لم يهتم لأحد وهو يتجه للطاولة التي تتوسط المجلس يرفع من عليها كوب عصير ويمسك قطعة حلوى يتناولها ثم ألقى نفسه على الأريكة يراقب ما يحدث أمامه بعين مغلقة بعض الشيء .
توقفت جولي في منتصف البهو وهي تقول متعجبة تشير للفتاة خلفها :
" مايك لديك ضيوف "
مدت لورا عينها تبحث عن ذلك المايك الذي تنظر له تلك الفتاة، ليقع نظرها على رجل يجلس على الأريكة يضع قدم على الأخرى يرتشف العصير بطريقة طفولية بعض الشيء، ولم يكن ذلك الرجل سوى " مافو"
" السيد مافو ؟!!!"
كانت كلمة لورا هي ما أوقفت مارتن في منتصف طريقه لذلك الشاب واوقفت مايك عن ارتشاف عصيره باستمتاع واوقفت مارسيلو عن تناول فطوره وهو يرفع عينه بتعجب .
بينما ماركوس نظر للفتاة بتعجب وهو يكرر كلمتها بعدم فهم :
" مافو؟! ما هذا مافو ؟! لا أحد هنا يسمى بهذا الاسم البشع "
ضحك مارسيلو بقوة وهو يشير برأسه على مايك الذي صدم من قدوم لورا الأن وهو يقول لماركوس :
" بلى يا ماركوس، فعزيزنا مايك اسمه المستعار مافو"
انكمش وجه ماركوس بحنق وهو يردد :
" مافو؟! حقًا يا مايك ألم تجد اسم ابشع من هذا ؟! ألم اخبرك أن تتخذ اول حرفين من اسمك افضل "
ردد مارسيلو مؤيدًا حديثه :
" نعم أنت محق، اسم مافو سيء جدًا "
استدار مايك بعنف لمارسيلو وهو يقول بصراخ متذمر :
" مهلًا أنت من اختار لي هذا الاسم يا احمق "
تحدث مارسيلو ببسمة باردة :
" نعم لهذا هو سيء "
ومن بين كل تلك النقاشات المدهشة كان صديق روز يحدق في لورا باندهاش وهو يدقق في ملامحها بغباء شديد جعل مارتن يتراجع وهو يقول ببسمة خبيثة :
" اه انظروا الفتى الاصهب اعجب بالفتاة "
ابتسم جايك يشاركه الأمر منتقمًا من مايك :
" اه يبدوان لطيفان معًا، اعتقد أنهما سينجبان اطفال رائعين حقًا، عسى أن يعيشا في سعادة أبدية "
انتفض مايك من مكانه وهو يصرخ برعب من فكرة أخذ تلك الفتاة منه أيضًا :
" لا، أنت أيها الاصهب ابعد عينك من على الفتاة "
بغيظ تحدث مايك وهو يجذب لورا التي مازالت في صدمتها، أنها علمت اسم مافو الحقيقي ومنزله وعائلته، لم تشعر بيد مايك الذي سحبها صوبه وهو يقول بغيظ مشيرًا للشاب :
" ليس هذه المرة أيها الاصهب، لن تخدعوني هذه المرة، اقسم أنني سأخذها واتزوجها الان "
تحدث ماركوس وهو لا يفهم شيئًا :
" حسنًا ماذا يحدث هنا ؟! "
ردد مارسيلو وهو يتناول قطعة كيك بتلذذ :
" يبدو أن أخاك على وشك خسارة فتاته للمرة الثانية، ام هي الثالثة ؟!"
" بل الرابعة "
هكذا ردد مايك بقهر وحسرة ثم جذب له لورا وهو يقول مشيرًا للجميع بشر :
" إن فكر أحدكم في الاقتراب من تلك الفتاة سأقتله "
أنهى كلمته وهو يوجه بانظاره تحديدًا للشاب الاصهب صديق روز، بينما لورا تفاجأت من حديثه وهي تنتفض بعيدًا عنه تقول بتعجب :
" ماذا ؟! أنت أيها المجنون توقف عن حديثك هذا "
أشار مارسيلو لروز التي كانت تجلس تراقب كل ما يحدث بصدمة وفم مفتوح :
" ألا يوجد المزيد من هذا الكيك روز ؟!"
نظرت له روز ثواني بتشوش قبل أن تهز رأسها بنعم وهي تحمل الطبق الفارغ والذي انهاه مارسيلو تتحرك بخطوات سريعة صوب المطبخ وفي اعقابها جايك الذي استغل ابتعادها عن الجميع ولحق بها .
سحب مايك الفتاة للخارج وهو ينظر للشاب الاصهب نظرات قاتلة يشير على عينه بشر بمعنى ( أنا اراقبك )، كان الشاب يفتح فمه ببلاهة وهو يراقب حركات مايك الغريبة، بينما انقض مارتن عليه وهو يقول بفحيح جانب أذنه :
" اسمع ياصغير نساء هذا المنزل خط احمر، إن تخطيته سأجعل جسدك بلونه من كثرة الدماء التي ستسيل منه، إياك ورفع عينك في واحدة هنا"
أنهى حديثه وهو يعتدل يمسك جولي في يده جاذبًا أياها إليه في إشارة أنها تخصه هو وحده، بينما جولي لم تفهم ما يحدث وهي تبتسم لمارتن تضم خصره متحركة معه :
" اين سنذهب دعنا نبقى مع الجميع "
ابتسم مارتن لها وهو يقبل رأسها بحنان :
" سوف نذهب لنختار ثياب الزفاف وكل شيء يخصه بنية العينين"
___________________________
بعد اربع ساعات تقريبًا في الطائرة ونصف ساعة في السيارة ها هو يتوقف أمام العنوان الذي املته عليه تلك العجوز لولو، يرمق المكان بشر كما لو أن عينيه سوف تحرقه بمن فيه، هبط من السيارة يضع نظارته على عينه يتحرك للداخل دون أن ينظر حوله حتى أو يعير أحد أي نظرة .
بينما داخل المسرح واثناء الاستراحة كانت روبين تجلس رفقة بعض الفتيات في المسرح، للتحدث احداهن ببسمة واسعة :
" وطبعًا كلكم معزومين، وكويس إن روبين رجعت من السفر عشان تكون معانا "
" اكيد يا قلبي هكون اول واحدة تحضر، والف مبروك يا حبيبتي "
اختتمت روبين حديثها الودي وهي تعانق صديقتها التي للتو أخبرتهم بأمر خطبتها لأحد رفاقهم في الفريق، وهو الراقص الرئيسي، بينما تحدثت أخرى وهي تنظر لروبين بخبث :
" وأنتِ ياروبين مفيش حد كده ولا كده ؟؟ يعني من ساعة اخر واحد واحنا مسمعناش أي حاجة "
انمحت بسمة روبين وهي تستمع لحديث رفيقتها والتي ذكرتها بأخر شخص تقدم لخطبتها، ثم فر هاربًا عندما علم بأمر مرضها، بحجة أنه مازال في بداية حياته ويحتاج لمن تساعده وتقف جواره، لا لفتاة تفقد أنفاسها عند أول لحظة عصيبة .
" اممم فيه "
همهمت روبين ببسمة صغيرة تتذكر فبريانو، ذلك الوقح الحنون من يمتلك كل صفة وعكسها، لم يبخل عليها بالرعاية والحب، بل إنه كان أكثر الأشخاص حرصًا عليها وعلى مرضها المزمن .
" بجد ؟! هو مين ده ؟! حد نعرفه ؟!"
وكانت تلك الأسئلة صادرة من صديقتها التي أعلنت للتو عن خطبتها، لتندفع البسمة لفم روبين وهي تتخيل فبريانو أمامها يسير صوبها مرتديًا نظارة سوداء تلائم ثيابها التي كانت من نفس اللون، مع حذاء ابيض وساعة يد من نفس اللون .
لم تدري روبين أنها تصف فبريانو للجميع وليس مجرد تخيلات في رأسها، أخذت تصفه لهم كما تراه، في غاية اللطف والحنان، مزاحه السوداوي الذي تعشقه، وكل شيء به يحركها بعنف .
كانت الفتيات يستمعن لروبين بصدمة من تلك المواصفات التي حسبها البعض مبالغة منها، والبعض الآخر انتبه لقدوم شخص منهم يحمل تقريبًا نفس المواصفات التي تخبرهم روبين .
خلع فبريانو نظارته وهو يدنو أكثر من روبين يراها تنظر له ببسمة لطيفة هزت اركان قلبه بعنف ليبادلها البسمة بأخرى صغيرة .
تحدثت إحدى الفتيات بسخرية لاذعة وهي تستمع لحديث روبين وترى تقدم فبريانو منهن :
" وعيونه خضرة ؟! "
فتحت روبين فمها بتعجب وهي تتساءل :
" أيوة صح عرفتي منين ؟!"
ضحكت الفتيات جميعهن بسخرية، قبل أن تتحدث احداهن بخبث ونظراتها تتحرك على روبين باستخفاف :
" عرفنا منين ؟! أنتِ هتستعبطي؟! عمالة توصفي في واحد قدام عنينا وكلنا شايفينه وتقوليلنا حبيبك ؟! "
ضحكت الفتيات على حديث الأخيرة وهن يعتقدن أن روبين قالت ما قالت بعد أن حُشرت في الزاوية، لتبدأ في سرد تفاصيل غير موجودة عن حبيبها الوهمي _ حسب ما يعتقدن _ ومن غباءها المعروف وصفت لهن شخص يقبع الآن أمام اعينهن، لكن في وسط كل ذلك لم تنتبه روبين سوى لجملة واحدة ( كلنا شايفينه )، كلهم يرونه؟! هل الجميع يرى ما تراه الآن؟!
" هو انتم شايفينه بجد ؟!"
رددت إحدى الفتيات بسخرية :
" لا يا حبيبتي أنتِ بس اللي شيفاه أصله شبح "
ومجددًا ارتفعت ضحكات الفتيات لتعلق احداهن وهي ترمق فبريانو بابتسامة هائمة :
" بس الواد قمر الصراحة وشبه الاجانب كده، وتحسيه هيبة بالاسود اللي هو لبسه ده "
أبعدت روبين نظراتها من على فبريانو بصعوبة وهي تنظر لهم بصدمة، هل فبريانو موجود فعلًا ألم يخبرها أنه سيسافر لأمر طارئ ؟!
توقف فبريانو أمام الجميع وهو يخص روبين فقط بنظراته، غير مهتم بأي أحد غيرها في ذلك المكان يتحدث براحة شديدة بعدما علم أن الفرقة التي تدرب بها للفتيات فقط :
" هل انتهيت ارنبي الوردي ؟!"
ولم تكن روبين تعي ما يحدث، إلا عند سمعت شهقة جانبها من الفتيات حينما وجدن ذلك الشاب يتوقف أمام روبين ويحدثها بكل تلك الالفة، ثم ما هذا الارنب الوردي الذي يقصده ؟!
هزت روبين رأسها بنعم في شرود وعدم انتباه، لتجد يد فبريانو تمتد لها وهو يقول ببسمة صغيرة :
" حسنًا لنرحل الآن"
وكالمنومة مغناطيسيًا تحركت روبين معه غير واعية لتلك النظرات المتعجبة من الفتيات، والبعض منهم لم يستوعب بعد، أن ذلك الشاب الذي وصفته روبين حقيقي، بل وحبيبها أيضًا كما ادعت .
" كانت بتتكلم بجد، يعني الشاب ده حبيب روبين ؟!"
هكذا همست إحدى الفتيات، لترد الأخرى عليها بهيام :
" شايفة حلوين ازاي مع بعض ؟!"
كانت روبين تسير جوار فبريانو وهي مازالت تشعر بالصدمة للموقف الذي تعرضت له منذ ثواني، لكن لم تتحدث في الأمر حتى صعدت لسيارة فبريانو، رغم أنها لم تنتهي بعد ما التدريبات بل كانت في استراحة فقط، لكن لم تكن لتستطيع الاستمرار في التدريبات بعد ما حدث، ابتلعت ريقها وهي ترى فبريانو يتحرك بالسيارة وهو يقول بهدوء شديد :
" أنتِ بخير روبين؟! مابكِ لم تتحدثي بكلمة منذ خرجنا ؟!"
" البنات جوا عجبتهم اوي، وكانوا بيعكسوك "
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة يسأل مترقبًا :
" وأنتِ؟!"
" أنا ايه ؟!"
" أنا لا اهتم برأي أحد روبين، لا اهتم سوى بكِ أنتِ؛ لذلك سألتك ما رأيك أنتِ بي ؟!"
استدارت روبين تدقق النظر به وهي تقول ببسمة صغيرة :
" أنت مش محتاج تسألني عن رأيي فيك فبريانو، يكفي تبص لعيني عشان تعرف "
اوقف فبريانو السيارة فجأة ثم استدار لها وهو ينظر لعينها بقوة، لتمر ثواني وهو على هذا الوضع قبل أن يهمس لها ممسكًا يدها بكل حنان يمرر إصبعه عليها مرددًا :
" روبين.....أنا أهيم بكِ عشقًا "
رفرفت روبين برموشها في تعجب كبير من حديثه، هكذا دون مقدمات يعترف لها بحبه، ابتسم فبريانو للصدمة التي تضح على وجهها، يارب منها وهو يهمس بعشق يربت على شعرها بحنان :
" أنا أشعر أن قلبي جوارك ينتفض فرحًا، اشعر أنني حي جوارك روبين، أردتك فقط أن تعلمي أنه رغم تصرفاتي التي تبدو باردة للبعض، إلا أنني احاول، اقسم أنني احاول أن أظهر لكِ بعضًا مما اكنه بداخلي تجاهك "
ابتسمت له روبين وهي تقول بحنان شديد :
" فبريانو أنا احببتك كما أنت هكذا؛ لذا صدقني لا يهمني أي شيء سواك، وانا اعلم جيدًا أنه خلف تلال الغضب والغموض تلك يقبع فبريانو اللطيف خاصتي الحنون والمراعي "
" تبًا لكِ روبين أخبرتك ألا تناديني لطيف مرة اخرى، انظري أنتِ من تفسدين محاولاتي أن أكون رومانسيًا "
ضحكت روبين بقوة وهي تراقبه يتحرك بالسيارة يتمتم بغيظ :
" قبيحة حمقاء "
ازدادت ضحكات روبين وهي تستمع له، حتى انمحت تلك الضحكات فجأة بينما صوته صدح يسألها بشيء جعلها تكذب لأول مرة عليه :
" فرقتك جميعها اناث صحيح !! "
هزت روبين رأسها بنعم بسرعة كبيرة وهي تبتسم له بسمة بلهاء، لكنه ابتسم بسمة مخيفة يمد يده الحرة ممسكًا بخديها في مظهر مضحك يقول بشر :
" هل تكذبين روبين ؟! "
هزت روبين رأسها بلا، ثم نعم وهي تتحدث بسرعة
" هما الشباب مش بيتمرنوا معانا معظم الوقت، قليل جدًا يعني "
ها هي تكذب مجددًا، لكن إن ظنت أن كذبتها انطلت عليها فهي حمقاء، أجابها فبريانو ببسمة خبيثة وهو يتوقف أمام منزل جاكيري :
" حسنًا لا بأس، أعتقد أنكِ لا تمناعين انضمامي لكِ وقت تدريباتك صحيح ؟!"
____________________________
كانت نظرات لورا تنطق بالخوف وهي تنظر لذلك المجنون الذي يقف أمامها واضعًا يديه في بنطاله يراقبها ببسمة جانبية جعلتها تعتقد أنه مختل، فهو كلما شاهدها جرها من يديها صارخًا أنه سيتزوجها، ومن بين افكارها انتفضت لورا للخلف وهي تجد وجه مايك يقبع أمام وجهها مباشرة بشكل اخافها، لتضع يدها على صدرها بفزع تحاول التنفس :
" يا الله أنت مجنون "
ابتسم مايك وهو يقترب منها الخطوة التي عادتها للخلف يردد بجدية :
" إذًا أنتِ لستِ لصة، بل صحفية تريد كشف هويتي، لكن لم تستطيعي كعادة اي صحفي يحاول الدخول لحياتي الشخصية "
ابتسمت لورا باستهزاء وهي تردف ساخرة :
" ماذا تقول يا هذا ؟! لقد كشفت نفسك بكل غباء سيد مايك فوستاريكي"
ضيق مايك حاجبيه بتفكير وهو ينظر لها بريبة يهمس :
" من أين لكِ بمعرفة اسمي ؟! "
فتحت لورا عينها بصدمة من تفكيره، هل هذا هو نفسه من يركض الجميع خلفه لمعرفة آخر اخباره، هذا من يقسم الجميع بذكائه المخيف في عالم الموضه؟! هذا ؟!
" ربما لأنك أخبرتني في الهاتف سابقًا أن اسمك مايك، والجميع في الداخل كان يناديك مايك بعدما حدث شجار كبير عمن اقترح اسم مافو عليك "
ابعد مايك رأسه عنها وهو يفكر فيما تقول يفتح فمه وقد شعر فجأة بالغباء الشديد امامها، وعاد ليضع يديه في جيب بنطاله يتحدث بكل غرور لا يمتلكه في الحقيقة :
" أنا أعلم، كنت امازحك فقط "
ضحكت لورا بسخرية وهي تمد يدها بدون مقدمات رافعة أحد حاجبيها في انتظار أن يعطيها هاتفها، لكن مايك نظر ليدها باهتمام شديد يحاول البحث عن أي خاتم، يتأكد أنها لم ترتبط في الفترة التي تركها فيها، فهو ادرى الناس بحظه فيما يخص تلك الأمور، رفع عينه لها وهو يقول بجدية متجاهلًا يدها الممدودة بكل وقاحة :
" حسنًا يا آنسة ....."
" لورا "
ابتسم مايك باتساع وهو يردد اسمها في نفسه :
" حسنًا يا آنسة لورا، في الحقيقة أنتِ علمتِ للتو الكثير عني وعن عائلتي الوقورة "
ضحكة صغيرة فلتت من فم لورا ولم تستطع كبتها أكثر وهي تستمع حديثه عن عائلته " الوقورة "، لكن مايك رماها بنظرة محذره وهو يكمل بجدية :
" وبالطبع أنتِ لا تريدين رؤية وجهي الآخر؛ لذلك اطلب منكِ بكل هدوء أن تنسي كل شيء بمجرد خروجك من باب القصر وإلا ردة فعلي لن تسرك، فأنا إن كنت امزح في جميع الامور، لا اتساهل في هذا تحديدًا"
إن كان يهدف بنبرته تلك إلى اخافتها، فقد نجح وللعجب في ذلك، لكن لورا لم تظهر خوفها من تهديده وهي تقرر في نفسها ألا تذعن له وتفعل ما تريد، ما أقصى ما يمكنه فعله ؟! وجاءها الرد كصفعة من عقلها وهو يذكرها في أي أرض تقف، افيقي يا حمقاء، أنت في قصر آل فوستاريكي، وهذا الذي أمامك أحد أحفاد اليخاندرو فوستاريكي، من تهتز له روما برجالها، ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها ببطء مرددة :
" أنا فقط اريد هاتفي ارجوك ولا اريد شيء آخر "
لوى مايك فمه وهو يخرج الهاتف من جيبه ثم مد يده به إليها يقول بهدوء شديد، مشيرًا للهاتف :
" والدك يخبرك أنه وجد لك حذاء مقاس صغير في المانيا من النوع المفضل لكِ، ويطلب منك أن ترسلي له مقاسك، وانا أخبرته أن يحضر مقاس ٣٥ "
فتحت لورا عينها بصدمة وهي تنظر لهاتفها ثم له بعدم قبل أن تقول بغيظ وقد بدأ غضبها يطفو على السطح :
" من سمح لك بفتح هاتفي؟! هذا تعدي على خصوصياتي، ثم من اخبرك أن مقاس قدمي ٣٥ ؟! هل تتعامل مع طفلة يا هذا ؟!"
رفع مايك حاجبه بسخرية وهو يردد :
" كم مقاسك ؟!"
" لا علاقة لك بالأمر"
أنهت حديثها وهي تفتح هاتفها لترى أن كان عبث بشيء آخر، لكن صدمت من صورته التي تحتل واجهة هاتفها، حيث وضع صورة له وهو يجلس بكل ثقة على أحد المقاعد يبتسم بسمة واسعة .
" اعجبتك ها ؟! أنا وسيم بشدة، كنت سأضع لكِ صورتي وانا ارتدي بذلة رسمية، لكنني خشيت على قلبك من الذوبان "
" أنت تخطيت حدودك يا سيد "
" ناديني مايك أو حبيبي "
انتفضت لورا بفزع وهي تنظر له بشر، تود لو تنقض عليه تفرغ كل ما يعتمل صدرها به، لكنها رغم ذلك تماسكت وهي تتراجع للخلف تتحدث بجدية وهي تلوح بالهاتف :
" شكرًا لك يا سيد، والآن اعذرني سأرحل "
أنهت لورا كلماتها وهي ترحل بسرعة قبل أن يوقفها مجددًا تخرج من بوابة القصر بكل ما تملك من سرعة، ثم صعدت لسيارتها الصغيرة الخضراء، تحركت لورا بالسيارة وهي تزفر براحة، لا تصدق أنها واخيرًا استطاعت الفرار من ذلك الرجل العجيب، لكن رنين هاتفها وذلك الاسم الذي أنار شاشة هاتفها جعلها تتيقن أنها مخطأة، كانت تراقب تراقص الكلمات القليلة على الشاشة (” زوجك الوسيم“ يتصل بك )
" معتوه تمامًا شو نفسي أرجع موتك من الضرب بس لو شجاعتي صالبة طولي لكنت فرجيتك."
زفرت وهي تحاول الهدوء مع انخفاض صوت الهاتف مجددًا، ثم زفرت قبل أن يرتفع صوت الهاتف مجددًا، لترفعه سريعًا تجيب عليه بغضب شديد صارخة :
" أنت يا معتوه شو الي عملته بتلفوني، وأنو زوج هاد الي مسميلي حالك فيه ؟!"
" اه هل هذا إطراء لي؟! "
ردت عليه لورا بكل سخرية، تتهكم على ثقته التي يتحدث بها وهي تنحرف بسيارته :
" نعم إطراء "
"إذًا اسمحي لي أن أقول لكِ بكل صدق ريتها أمك خلفت كلب ولا خلفتك، حقًا اقولها من كل قلبي"
هل سمعت يومًا عن ( انقلب السحر على الساحر ) الآن هي تراه أمام عينيها، بل تسمعه أيضًا وهو يستخدم جملتها ضدها ظنًا أنه يشكرها، لم تستطع لورا الصمت كعادتها أمام أي إساءة لتندفع فجأة وهي ترد له الصاع صاعين على أساس أنه يفهمها :
" أي العمى بقلبك، على الأقل مخلفتش حمير"
" هذا واجبي يا آنسة، والآن أخبريني معنى الجملة السابقة "
نفخت لورا بحنق وقد ضاقت به ذرعًا وهي تقول بآخر ذرات صبرها :
" اسمع يا سيد مافو، سنعقد اتفاقًا صغيرًا، ما رأيك أن تنسى امري تمامًا وكأنك لم تراني يومًا، وانا سأتغاضى عن أمر كشف هويتك، اتفقنا ؟! "
برم مايك شفتيه وهو يقول بتفكير :
" ماذا عن زواجنا ؟؟ أليس جزء من الاتفاق ؟!"
" أي زواج هذا ؟!"
" أولستُ زوجك المستقبلي ؟!"
" ومن قال هذا ؟!"
تنهد مايك وهو يقول بخبث وهيام مصطنع :
" اسألي هاتفك وهو سيخبرك مع من تتحدثين يا آنسة"
ولم يصل له رد من الجانب الآخر سوى صوت الصافرة بعد أن قذفته لورا بالعديد من الكلمات التي لم يفهم كينونتها، لكنه خمن جيدًا أنها سباب عربي أصيل، ضحك مايك بقوة وهو يستمتع كثيرًا بإثارة غضبها، يهمس وهو يحدق بهاتفه في شرود :
" امممم، ماذا كانت تلك الجملة العربية ؟! لا بأس سأستمع لتسجيل المكالمة واحفظها، الأمر ممتع حقًا لورا"
_______________________
اصوات عديدة حوله تتراوح بين ضحكات طفل حصل على ما يريد من والديه، وصراخ آخر حرمه أهله للتو مما يريد، وأصوات ضحكات لفتيات، وأخرى لرجال، كل تلك الأصوات كانت تدخل عقل ادم مسببة له صداع بشع، ألقى رأسه على الطاولة التي تقبع في مطعم داخل مدينة الملاهي، ينتظر قدوم أيان من المرحاض مع هايز، بعدما أصر أن يذهب معها هي وليس معه .
مسح وجهه وهو يخرج هاتفه يجيب على اتصال ماركوس :
" ماذا ماركوس ؟! أنا الآن في خارج.....لا خرجت منذ الصباح الباكر، سأعود قريبًا لقد انتهيت "
زفر بتعب وقد استطاعت هايز أن تدفعه دفعًا للعب كل الالعاب معها ومع أيان حتى بات يشعر أن أطرافه تصرخ طلبًا للرحمة :
" سأخبرك عندما اعود، أنا اااا"
توقف ادم عن الحديث وهو يراقب ركض أيان له و وجه يحاكي الموتى من الرعب، كان ينظر خلفه كل ثانية وكأنه يطمأن أن شبحًا لا يلحق به أو ما شابه، تحدث ادم بعجلة في الهاتف :
" حسنًا ماركوس سوف اغلق الآن "
اغلق الهاتف وهو ينتفض من مقعده يتحرك بخطوات سريعة لايان الذي تحدث برعب بمجرد وصوله قرب ادم :
" آدم هناك بعض السيدات يضايقن امي ويبكينها "
صدم ادم من الحديث ولم يسعه الوقت للتساؤل وهو يركض خلف ايان يضع هاتفه في جيبه بسرعة، بينما عقله يعمل بسرعة يحاول معرفة سبب مضايقة بعض النساء لهايز، هو يعلم هايز جيدًا ليست من نوع النساء اللواتي يسعين للمشاكل، راقب ادم ايان وهو ينحرف صوب منطقة الحمامات وخاصة حمامات النساء، لكنه لم يتوقف أو يتراجع رغم خجله من الدخول لهكذا منطقة، لكن صوت بكاء هايز دفع بغضب غريب لدماءه وهو يقتحم دائرة نساء تحيط بالشجار، وبمجرد الدخول صدم من هيئة هايز التي كانت مدمرة كليًا، حيث تدمر شعرها وأصبح أشعث بشكل بائس، وثيابها كانت شبه مدمرة .
" ما الذي يحدث هنا ؟!"
تصنم جسد هايز وتوقفت عن الصراخ بمجرد سماعها لصوت ادم في الخلف، ارتعش جسدها تأبى أن يراها ادم في حالتها البائسة المثيرة للشفقة تلك، حالة اعتادت عيشها يوميًا في المدرسة والجامعة، لكنها كانت تحرص ألا يشاهد أحد ما تتعرض له، والآن فشلت مساعيها وها هو آخر شخص كانت تتمنى أن يرى هايز الأخرى؛ هايز الفتاة الغبية المثيرة للشفقة .
لم يهتم آدم بما يدور في رأس هايز وهو يندفع ليقف أمامها، بينما يده تمسك ذراعها يضغط عليه وكأنه يمنحها القوة عندما شعر بقرب تهاوي جسدها .
" آدم ؟!"
كانت تلك همسة إحدى السيدات أمامه، بينما هو لم يعلم كيف تعرفه تلك السيدة ولم يهتم وهو يصرخ في وجهها ضاربًا بكل الاعراف عرض الحائط :
" من أنتِ يا سيدة وكيف تتجرأين على المساس بها ؟!"
نظرت الفتاة لمن حولها من الفتيات تبتلع ريقها بخوف فنظرات آدم تشعر كما لو أنها تقتلها في الثانية مئات المرات، لعنت نفسها على هكذا موقف لم تكن يومًا لتتمناه وخاصة أمام آدم؛ معشوق شبابها ومن تمنت ان تحظى به زوجًا، يشاهد الآن جانبها الذي كانت تحاول اخفاءه طوال فترة الدراسة، حيث كانت هوايتها وقتها هو التنمر على هايز صاحبة النظرات والتقويم، ودفعها لإنجاز مهامها هي ومن معها، وقد يصل الأمر احيانًا للتطاول باليد عليها .
" آدم أنها هي من بدأت في الـ "
أوقفها ادم بوقاحة كبيرة وصوت حاد :
" من أنتِ يا هذه حتى تناديني آدم هكذا وكأننا رفاق؟! ثم من الواضح يا سيدة من بدأ هنا ومن أنهى "
توقف عن الحديث وهو يمد يده يجذب خصر هايز له بشكل أفزع هايز وهي تضع يدها على صدره بصدمة بينما وهو رفع يده الحرة وهو يضعها على رأسها يربت عليها بحنان ثم تخفض رأسه وهمس لها :
" أنتِ بخير ؟!"
لم تجب هايز بل كانت ما تزال في صدمتها وهي ترمقه بعدم تصديق لما يفعل، لكن ادم ببساطة وهو يتجاهل الجميع حوله يخفض وجهه صوبها هامسًا بحنان :
" هايز حبيبتي أنتِ بخير ؟!"
وللحظ لم تكن هايز قد أفاقت بعد من أمر احتضانه لها، حتى تستوعب كلماته السابقة، لكن ادم ابتسم بهدوء وهو يرفع نظره للفتيات، وخاصة الفتاة التي كان وجهها مصفرًا وكأنها شاهدت للتو موتها، ضم ادم هايز أكثر وقد بدأت يده تمسد شعرها دون وعي وكأن ذلك عملها المعتاد يردد بجدية :
" اقسم إن لمحت احداكن بالجوار فلن ترى مني أي رحمة، إلا هايز، أسمعتن؟!"
أنهى كلماته ثم تحرك بهدوء وهو يمسك بيده الحرة يد ايان، وكاد يرحل لولا صوت الفتاة التي قالت بصوت مشبع بالبكاء :
" آدم ألا تتذكرني ؟!"
استدار آدم نصف استدارة وهو يقول محركًا كتفه بعدم اهتمام :
" لا، وتوقفي عن نطق اسمي بهذه البساطة دون أي رسميات يا آنسة "
نظر لايان وهو يقول :
" لنذهب يا صغيري "
ابتسم ايان وهو ينظر للسيدة بتشفي ثم شدد على يد آدم يقول بمكر لا يتناسب مع سنوات عمره الاثنى عشر :
" هل امي بخير يا ابي ؟!"
وعند تلك الكلمات ارتفعت شهقات من الفتيات في الخلف، والصدمة هي سيد الموقف وسؤال واحد يتردد، آدم تزوج بهايز ؟! ولديهم طفل ؟!
وطبعًا ساعد نحول جسد ايان وقامته القصيرة بعض الشيء في عدم الكشف عن عمره الحقيقي .
ابتسم ادم على حديث الصغير ولم يعترض عليه، بل عمل على إثباته بكل يسر :
" نعم يا صغيري، ماما ستكون بخير، هيا لنعد للمنزل "
رحل ادم تاركًا في أعقابه الفتاة تكاد تسقط ارضًا باكية، بعد كل تلك السنوات تراه، وتكتشف أنه متزوج ومن هايز ولديه طفل صغير، طفل يوضح جيدًا أن زواجهم لم يكن من سنوات قليلة، بل على الأقل ست أو سبع سنوات، هذا يعني أنهم تزوجوا في الدراسة ؟!
كان آدم يسير وهو مازال يضم هايز حتى فتح لها السيارة وهو يشير لأيان أن يصعد، وكذلك فعل ايان بكل سرور وقد تسطح على الأريكة الخلفية يتثآب بتعب فقد أنهكت قواه داخل تلك الحديقة، ابتسم ادم وهو يشير لهايز أن تصعد، لكنها بدلًا من ذلك تحركت ببطء ووقفت أمامه ثم رفعت نفسها قليلًا وضمته من خصره تهمس بصوت خافت وصل له واضحًا :
" شكرًا لك "
ابتسم ادم وكاد يرد لولا تلك الكلمة التي خرجت منها تصيب هدفها _ قلبه_ دون أن تحيد عنه مقدار شعره وهي تهتف بعشق :
" أنا أحبك ادم ...."
________________________
ابتسم اليخاندرو وهو يمرر نظراته على أحفاده، يرى الجميع يتحدث للاخر بكل ود وحب، نظر أمامه يتناول طعامه بهدوء وهو يفكر في القادم فبعد أن انتهى من قادة المنظمة هنا وأصبح تقريبًا هو المتحكم، اتضح له أن ما سبق لم يكن بشيء، وأن القادم يخفي الكثير.
رفعت روز نظراتها ترمق جايك بشر متذكرة جيدًا ما حدث عندما تبعها للمطبخ، رفع جايك عينها فجأة ليجدها تنظر له؛ لذلك ابتسم لها وهو يلقي قبلة في الهواء صوبها جعتلها تدفن وجهها في طعامها فورًا .
قاطع تلك اللحظات ارتفاع رنين هاتف لينتبه الجميع له، وكان صاحب الهاتف هو مارسيلو الذي اجاب وهو يأكل بكل هدوء :
" مرحبًا "
" سيد مارسيلو مرحبًا، هذه أنا راسيل "
" نعم راسيل هل هناك اي مشكلة ؟!"
انتبهت حواس الجميع لمارسيلو، فهو الآن لأول مرة في حياته يحدث فتاة أمامهم، مارسيلو اللامبالي بأي شيء يحدث فتاة، أمر يستحق الاحتفال حقًا .
لم يعير مارسيلو أي أحد اهتمام وهو يستمع بكل جدية لصوت راسيل وهي تتحدث بجدية :
" نعم أخشى ذلك سيد مارسيلو، لقد وصلني للتو بريد يفيد بأن أحد العملاء قام برفع قضية على المكتب بسبب خطأ حدث من أحد المحاميين المتدربين سبب له ضررًا كبيرًا في شركته "
تناول مارسيلو ملعقة من الطعام أمامه وهو يردد بجدية :
" نعم هذه تبدو مشكلة بالفعل، إذن ماذا نفعل ؟!"
" سيدي أنت المدير هنا وليس أنا "
" اممم حسنًا لا بأس وكلي محامي للدفاع عن المكتب في هذه القضية، هل تعلمين محاميين جيدين ؟!"
توجهت جميع الأنظار لمارسيلو البعض باستنكار والآخر بسخرية، بينما وصل صوت راسيل للجميع وهي تصيح وقد فاض بها الكيل :
" سيدي أفق، أنت محامي وهذه سمعة مكتبك على المحك "
فكر مارسيلو لثواني ثم قال ما خرج به عقله قبل أن يغلق المكالمة :
" إذًا سأغلق المكتب وهكذا ننتهي من القضية، والآن سأغلق وغدًا في سآتي لنرى ما يجب فعله "
وبمجرد اغلاق هاتفه حتى صاح مايك بخبث :
" اه السيد مارسيلو أضحى لديه حبيبة ؟! لكن لا بأس فأنا أيضًا أصبح لدي واحدة لكننا ما زلنا في بداية الطريق "
ابتسم ثم نظر للجميع وهو يقول :
" من سنة واحدة كنا جميعنا بائسين، انظروا إلينا الآن"
صمت ثم قال ببسمة واسعة :
" معظمنا وقع في الحب او في طريقه لذلك، ومارتن على وشك الزواج من جولي، وانطونيو ذلك المحظوظ يحظى بشهر عسل هانئ رفقة روما "
" اصعدي للغرفة روما ... الآن "
كان ذلك الصراخ المزلزل قادمًا من الخارج، حيث ظهر انطونيو وهو يسير خلف روما التي توقفت في منتصف البهو أمام الجميع تنظر لانطونيو بتحدي قبل أن يتوقف انطونيو أمامها وهو يقول بفحيح مخيف :
" اقسم إن لم اصعد واجدك في غرفتي، فسوف ترين وجهي الآخر روما "
حاولت روما عدم اظهار خوفها منه وهي تجادله :
" انطونيو أنت....."
" للأعلى روما .... الآن"
وكان صدى الكلمة الأخيرة التي رنت في المنزل أكثر من كافية لتجعل روما تركض للأعلى وهي تكتم شهقتها، بينما انطونيو نظر في اعقابها لثواني بندم على الصراخ في وجهها، لكنها كادت تعارضه وأمام الجميع، رغم أنه حاول طوال الطريق اخبارها أنهم سيتفاهمون في منزلهم وفي غرفتهم بعيدًا عن الجميع، لكن هي الغيرة اعمتها لدرجة جعلتها تقف في وجهه وتعترضه أمام الجميع غير واعية بتلك الأعين .
كان انطونيو يتنفس بعنف وهو لا ينتبه لاحد حوله حتى صدح صوت جده الذي قال بهدوء مخيف :
" هل أصبحت أهدى الآن بعدما صرخت في وجهها ؟!"
استدار انطونيو بعنف وهو ينظر لجده متفاجئًا بوجود الجميع، وجده الذي ارتفع صوته في وجوده بكل وقاحة، صمت انطونيو ولم يجب على سؤال جده، ينظر أمامه دون أي ملامح، قبل أن يقول بهدوء :
" أعتذر جدي لم ادرك أنك هنا سوى الآن"
" كل هذا وأنا هنا انطونيو، أخشى أن تقتل الفتاة في غيابي "
اهتز قلب انطونيو من الكلمة، رغم أنه يهدد بها دائمًا، لكن وقعها على أذنه زلزل كيانه وهو يقول بقوة :
" اسمح لي يا جدي بالصعود "
وهكذا دون كلمة إضافية ركض للأعلى وهو يتجه صوب غرفته وفي رأسه أن يسجن نفسه بها مع روما، ولن يخرج قبل أن يتصالحا، فليس بسبب امرأة حقيرة، يشاجر زوجته ويحزنها .
نظر الجميع لمايك بسخرية، ليتنحنح مايك وهو يقول ببسمة صغيرة :
" لا بأس هو سيصالح روما، ثم مازال عندنا زفاف مارتن و......"
توقف مايك عن الحديث وهو يتلقف زجاجة مياه في وجهه وصوت مارتن يصرخ به :
" توقف بحق الله "
_______________________________________
يقود سيارته بسعادة كبيرة وهو كل ثانية ينظر جواره لرفقة التي كانت تنظر حولها بخوف أن يراها أحد أو يتعرف عليها، لكن جاكيري امسك يدها يضغط عليها ليطمئنها، فهو بعدما عاد مع المحامي وعلم كيف تسير القضية، ذهب لرفقة وطلب منها الخروج، في البداية ترددت بسبب عدم وجود اسكندر لتستأذنه، لكنها في النهاية لم ترد أن تصيب جاكيري بالخيبة خاصة وهي ترى نظراته المتحمسة للخروج وعرض ما حضر لها، لذلك تركت رسالة في المنزل مع سيلين بعدما فشلت في الاتصال باسكندر، و ها هي الآن تستقر في سيارة فبريانو التي أخذها جاكيري وفي الخلف يقبع توفيق بحماس شديد .
كان حماس جاكيري واضحًا وبشدة وهو يردد :
" هذه المرة ستكون رحلتنا القصيرة على الطريقة المصرية "
ابتسمت رفقة لحماسه الشديد وهي تود لو تعانقه بقوة وتخبره كم تحبه وتعشق لطفه، ثواني حتى توقفت سيارة جاكيري على بداية زقاق ضيق وهو يشير لرفقة أن تبقى في السيارة ثم أشار لتوفيق أن يتبعه :
" هيا توفيق تعال لنحضر ما اتفقنا عليه "
هبط توفيق بسرعة مع جاكيري وهو يركض خلفه بفرحة كبيرة يسير في أزقة مصر وبين منازلها العتيقة، بينما بقت رفقة تراقب رحيلهم بتعجب تفكر في ماهية تلك المفاجأة التي يعدها جاكيري، وماذا يقصد أن الرحلة ستكون على الطريقة المصرية ؟!"
ثواني وعاد جاكيري وهو يكمل حقائب عديدة مبتسمًا بفخر وكأنه للتو حقق انجازًا ضخمًا، وضع الحقائب في الخلف مع توفيق وهو يرى نظرات رفقة التي قالت وهي تشتم تلك الرائحة المميزة التي لا تخطأها أنفها :
" كشري ؟!"
ابتسم جاكيري وهو يهز رأسه بقوة ثم تحرك بالسيارة يستمع لتعليمات توفيق في الخلف بينما رفقة ابتسم بعدم تصديق على ما يفعل، دقائق مرت لتجد رفقة نفسها تقف على شط النيل وامامها مركب صغير كذلك المستخدم في جولات النيل، ليقفز له جاكيري ومد يده لرفقة التي امسكتها وهي تنظر له بصدمة، تخطو للسفينة وخلفها العم توفيق الذي كان كطفل صغير اصطحبه والده لرحلة نيلية .
ابتسم جاكيري وهو يشير لقائد المركبة باصبعة، تمسكت رفقة في جاكيري وهي تشعر بتحرك المركبة بسرعة متوسطة حتى بدأت السرعة تخف تدريجيًا لتصبح وكأنها تطفو فقط دون استخدام محركاتها في النيل .
كان توفيق يجلس رفقة قائد المركبة يتناول من علبة الكشري الخاصة به في نهم كبير، وعلى إشارة جاكيري له قام توفيق بالضغط على زر المسجل جواره لتصدح في المركبة صوت موسيقى تعرفها رفقة جيدًا، ركزت رفقة كل حواسها مع الموسيقى وهي تردد بضحكة غير مصدقة :
" شوقنا اكتر شوقنا في النيل وكشري ؟! حقًا جاكيري ؟! من الذي اخبرك بكل ذلك ؟!"
ضحك جاكيري وهو يشير لتوفيق الذي كان يرقص بعلبة الكشري خلفه بكل سعادة وقد استعاد شبابه حينما كان يحضر زوجته في بداية الزواج لمثل تلك الجولات حينها كان الجميع يعتمد تلك الأغنية لمثل تلك الرحلات .
ضحكت رفقة بقوة وهي ترى رقصات جاكيري على الاغنيه وهو يحرك يده ويحرك شفتيه دون أن يتحدث وكأنه هو من يغني لرفقة، لم تصدق رفقة ما تراه وهي تردد من بين ضحكاتها :
" الظاهر عم توفيق وقفت دماغه في الرومانسية من ايام التسعينات "
صمتت ثم نظرت للأجواء حولها وهي تردد ببسمة واسعة :
" بس الموضوع عجبني اكتر من المطاعم "
لم يفهم جاكيري ما تقول، لكنه خمن من نظراتها وعيونها اللامعة وبسمتها أن الأمر نال إعجابها، ولم يتوقف جاكيري عن الغناء أو ادعاء الغناء وهو يمسك يد رفقة يحركها معه يراقصها وضحكتها تطرب قلبه وتجعله يشاركه الرقص سعيدًا بينما رفقة كانت تجاهد دموعها حتى لا تهبط وهي ترى محاولات جاكيري في اسعادها.
انضم توفيق لهم بعدما انتهى من طعامه وهو يشاركهم الرقص لتصفق لهما رفقة وهي تراقب حركات الرقص للاثنين تضحك بقوة، وضحكاتها تصيب جاكيري في مقتل، وقد سقط في عشقها للمرة المائة بعد المليون ...............
_______________________
ذلك الهدوء يحمل خلفه الكثير، تلك البسمات تخفي خلفها الكثير، وذلك الكثير لن يكون بالسهل أبدًا ...
دمتم بخير
رحمة نبيل
منتظرة رأيكم في الأحداث 💜
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل السابع 7 - بقلم رحمة نبيل
”ما يزال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام، فإنّ الناس مجبولون على الزلات والأخطاء، فإن اهتم المرء بكل زلة وخطيئة تعب وأتعب“
-ابن الجوزي
صلوا على نبي الرحمة .....
___________________
" اعزائي الركاب شكرًا لكم للسفر على الخطوط المصرية ونتمنى لكم رحلة سعيدة في مصر "
كان صوت المضيفة يصدح في أرجاء المطار، وما بين عناقات وصيحات شوق، كانت تتحرك هي بكل خفة متجاهلة تلك النظرات التي تحركت صوبها بانبهار، تسير وخلفها بعض رجالها، وهناك بسمة ماكرة ترتسم على فمها ترفع نظارتها على شعرها تخطو خارج المطار تنظر في المكان حولها، حتى وجدت سيارة تتوقف أمامها ويخرج منها السائق يفتح لها الباب باحترام شديد :
" اتمنى ألا أكون قد تأخرت عليكِ سيدتي ؟؟"
لم تهتم له وهي تبتسم بسمة صغيرة تصعد للسيارة، ويصعد جوارها شاب يماثلها في العمر يستقر في مكانه، ثم أخرج جهاز لوحي متوسط الحجم من الحقيبة التي كان يحملها على ظهره يقول بجدية :
" أخبرت رجالنا في مصر، وقد بدأوا البحث عنه آنسة واتسون "
ابتسمت الآنسة واتسون، وهي تنظر نظرة سريعة لقدمها التي من المفترض أنها أصيبت بها منذ أيام في منزل انطونيو الصيفي، لكن كل ما حصلت عليه هو جرح طفيف تغطيه بلاصقة طبية، بعدما نجحت تجربتها الأولى لما يسمى بـ ( جلد مقاوم للرصاص المصنوع من حرير العنكبوت وخلايا الإنسان )، لم تكن تصدق أن الأمر حقيقي، لكن ها هي التجربة قد نجحت وبامتياز .
" اريد معرفة كل شيء عنه، وسبب وجوده في مصر، ومع من أتى، كل شيء "
أنهت كلماتها تتحسس موضع الجرح في قدمها تهتف بشر :
" لدي حساب مع آل فوستاريكي علينا أن ننهيه، ولا أجد افضل منه لتصفية جميع حساباتي معه من بين كل أحفاد اليخاندرو فوستاريكي"
أنهت حديثها وهي تنظر للنافذة بشرود، تهتف في نفسها بخبث وترقب :
" ها نحن مجددًا يا فابري "
___________________________
ليلة هادئة كأي ليلة مرت عليها، تجلس على سطح منزل جدتها تراقب القمر والنجوم كما اعتادت الفعل في طفولتها أثناء زيارة الجدة لولو، نفس الشعور بالاسترخاء والراحة، لكن هذه المرة تختلف، تختلف أنه يجلس جوارها يحدثها بكل انطلاق بعيدًا عن صمته المعتاد، يحدثها ببسمة صغيرة يحاول بها إيصال القليل مما يضمر لها من مشاعر، وفي الخلف تجلس جدتها رفقة جارتهم الجدة سوسو، يتسامرون ويتضاحكون .
" السماء تبدو جميلة وصافية "
" نعم كثيرًا، لكن الجو بارد بعض الشيء "
استدار فبريانو بعض الشيء يخرج شيء من حقيبته التي اتى بها وأحضر بها كل ما يحب هو وروبين، ثواني ووجدت روبين علبة كبيرة من المثلجات توضع في الفاصل بينها هي وفبريانو، وفبريانو يمد لها يده بملعقة بلاستيكية، يقول ببسمة صغيرة :
" هذه لتدفئنا "
ابتسمت روبين وهي ترفع عينها تنظر لخاصته، قبل أن تأخذ من بين أصابعه الملعقة وهي تلتقط بها بعض المثلجات، وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمها، تتذكر ذلك اليوم أمام المشفى حينما جاء لزيارتها ودفع مقعدها للخارج وهي تصرخ فيه، ثم بمجرد خروجها حتى انفجرت في البكاء تشكي له من مدحت وزواجها منه، ضحكت روبين بقوة وهي تتذكر ما فعله معها وهو يخلع سترته مستعرضًا عضلاته ليريها كم هو وسيم .
انتبه فبريانو لضحكات روبين وهو يتناول بعض المثلجات يشير لها بعينه يسألها عما يضحكها، لكن كل ما فعلته هو أنها ازدادت في الضحك أكثر وأكثر تهز رأسها بلا شيء .
تعجب فبريانو من ضحكاتها :
" ما الذي يضحكك بهذا الشكل ؟؟"
" لا شيء فقط تذكرت المرة السابقة حينما أخبرتك أنني أشعر بالبرد واحضرت لي المثلجات "
صمتت ثم قالت بضحكة عالية :
" وقتها لما قلعت الجاكت، فكرتك بقى هتعمل جنتل مان وتديه ليا، لكن فجأة لقيتك مخرجلي علبة ايس كريم وبتعرض عليا أبحاثك عن طرق التدفئة بالايس كريم "
أنهت حديثها وهي تزداد في الضحكات مغمضة عينها تضع يدها أمام فمها بسبب المثلجات التي تناولتها قبل أن تنخرط في موجة الضحك تلك، لكن توقفت فجأة عن الضحك وهي تستشعر شيء دافئ يغمرها، شيء يضمها كما لو أنه عناق حنون .
رفعت عينها بتعجب لتجد أن سترة فبريانو تستقر بكل راحة على كتفيها، فتحت فمها بعدم فهم وهي تتحسس السترة، ثم رمقت فبريانو بتساءل، ليمنحها فبريانو بسمة عاشقة وهو يهمس لها :
" المرة السابقة ما كنت لامنحك سترتي لأنكِ كنتِ روبين فقط، لكن الآن أنتِ ارنبي الوردي الذي أخشى عليه مجرد خدش صغير "
شعرت روبين بقلبها يهدر بقوة رغبة في الخروج وضم ذلك الذي يرمقها بنظرات حركت كل مشاعرها التي تكنها تجاهه .
" لكن أنت كده هتبرد و.."
ضحك فبريانو ضحكة قصيرة وهو يمد يده مداعبًا شعر روبين يقول بعدم اهتمام :
" صدقيني سيكون هذا اقل ما تعرضت له "
لم تفهم روبين حديثه، لكن لمحة خفيفة ليد فبريانو التي تحركت بلا شعور لخصره المصاب جعلت روبين تشهق مبتعدة للخلف حتى تنظر جيدًا، ولم تدرك روبين بعودتها تلك أنها كادت تسقط من الجزء العلوي للسطح حيث يجلسون وتتأذى، لكن يد فبريانو كانت الاسرع وهو يصرخ باسمها مرتعبًا .
كانت روبين لا تهتم لأنها كادت للتو تسقط بعنف للاسف، وكل ما اهتمت به هو جرحه :
" أنت مصاب ؟!"
لكن فبريانو لم يستمع لها وهو يصرخ في وجهها معنفًا :
" ما بكِ روبين كدتِ تسقطين "
" أزاي حصلك كده ؟!"
" لا شيء، ولا تهتمي كثيرًا مجرد جرح صغير "
نهضت روبين بسرعة وهي تهتف بشكل اثار انتباه جدتها ومن معها :
" جرح صغير ايه ؟! مين اللي عورك كده ؟؟"
ابتسم فبريانو بسمة جانبية من ألفاظها الغريبة تلك :
" عورني ؟! أنا كنت في حضانة واتخانقت ولا ايه ؟!"
أمسكت روبين يد فبريانو وهي تجذبه بكل ما تملك من قوة :
" قوم، قوم عشان نعالج الجرح "
" هل أنتِ طبيبة ؟!"
توقفت روبين عن جذبه بيأس وهي تقول مشيرة له بتحذير :
" لا هنروح الصيدلية اللي على اول الشارع، ومش هسمح برفض "
_________________________________________
كان ما يزال جاكيري يراقص توفيق على المركبة بينما رفقة تقف على بداية المركبة وهي تصور كل ذلك بصعوبة من بين ضحكاتها، بينما جاكيري نفذ ما خطط له وها هو يرقص على الاغاني الشعبية " المهرجانات "، و للحق هو بدد تلك الصورة السيئة التي اعتادت رفقة رؤيتها على هذا النوع من الموسيقى، فجاكيري كان يتعامل معها على أنها اغاني إنجليزية يحرك جسده عليه بمرونة، جعلت توفيق يقف جوارها وهو يحاول تقليده .
وهكذا انقضت الليلة ما بين ضحكات وحديث طويل، ورقصات، ونظرات عاشقة من جهة جاكيري لرفقة، يحاول بثها القليل، القليل فقط مما يحمله تجاهها .
قاد جاكيري السيارة بهدوء للمنزل بعدما انتهت واخيرًا سهرته المميزة مع " رفكة " خاصته، يرمقها كل ثانية بحب، يحاول رؤية إن كان ما فعل اعجبها ام لا، وأتى له الجواب من رفقة وهي تهمس له بحب وامتنان :
" اليوم كانت المرة الأولى التي أشعر بها بهذا الكم من السعادة بعد سنوات طويلة، شعرت كما لو أن الزمن عاد بي للخلف حيث والديّ و ..."
توقفت رفقة عن الحديث وهي تشعر بغصة استحكمت حلقها، لترفع يدها تكتم فمها، لا تريد البكاء الآن وإفساد فرحة جاكيري بما أعده لها :
" أنا آسفة حقًا، فقط تذكرت حياتي قديمًا قبل كل ذلك "
صمتت وهي تلاحظ نظرات جاكيري صوبها لتكمل وهي تمسح عينها :
" لكنني في داخلي اشكر تلك الظروف التي دفعت بك لحياتي جاكيري، أنا أحبك "
أنهت حديثها بعيون مازالت تلتمع بالدموع، بينما جاكيري أوقف السيارة أمام المنزل ينظر لها ثم قال بعد صمت قصير :
" هل تريدين البكاء أكثر ؟! يمكنني البقاء هنا والاستماع إليكِ إن اردتِ"
ابتسمت رفقة على حنانه، وتصرفاته التي تجعلها تود البكاء من لطفها، ببطء شديد اقتربت من جاكيري وامسكت يده ثم ضمتها له :
" لا، لا اريد البكاء طالما أنت جواري جاكيري "
ابتسم جاكيري وهو يرفع يدها مقبلًا إياها بحنان، قبل أن ينظر للخلف يرى أن توفيق قد سقط في النوم منذ خروجها من المركبة، ضحك بخفوت وهو يهبط يشير لرفقة أن تهبط، ثم اتجه للاريكة الخلفية يساعد توفيق في السير، يتحرك به وهو يسنده خلف رفقة التي فتحت الباب وانتظرت حتى دخل الاثنين، ولم يكد أحدهم يخطو خطوة أخرى حتى صدح صوت يوقفهم في مكانهم :
" أين كنتم ؟!"
رفع جاكيري نظره لاسكندر وهو يتحرك بتوفيق حتى الأريكة يريحه عليها، ثم اعتدل في وقفته يخفي رفقة خلفه :
" لقد كنا في الخارج لـ "
" ومن سمح لك بالخروج مع اختي ودون اذني ؟!"
تدخلت رفقة بسرعة تحاول أن تتحدث قبل أن يسيطر غضب اسكندر عليه :
" أنا قولت لسيلين تقولك يا اسكندر وكمان اخدت معانا عمي توفيق عشان منكنش لوحدنا "
ابتسم اسكندر بسخرية على حديث أخته يستمع لصوت ضربات عكاز تقترب منهم، تنبأ عن وصول تلك العجوز :
" بجد ؟! كتر خيرك والله "
لم يرق لجاكيري تلك النبرة التي يتحدث بها اسكندر مع رفقة؛ لذلك تقدم وهو يقف أمامها مجددًا قائلًا بجدية :
" أنا لا افهم سبب غضبك، لقد كانت رفكة متوترة وحزينة منذ اتينا واردت أن أخفف عنها قليلًا، وصدقني لم اتجاوز حدي معها، وحتى تصبح زوجتي ثق أنني لن اااا"
ولم يكمل جملته بسبب القنبلة التي ألقاها اسكندر على رأسه :
" ومن قال أنني اقبل بك زوجًا لأختي ؟!"
_______________________________
تجلس في غرفتها وهي تحدق في السقف، بينما دموعها تتدحرج على جانبي وجهها، تشعر بالاختناق، تشعر الحزن، هكذا بلا أي مقدمات، فقط تشعر أنها تريد الوقوف على جبل شاهق والصراخ بكل ما تملك بقوة، علها وقتها تخرج ما بداخلها من أحزان، علها تتمكن من العيش بسلام دون ذلك الشعور الذي يؤرق ايامها، علها تتمكن من الابتسام دون أن تكبت حزنها خلف تلك الابتسامة، علها تضحك من قلبها، ضحكة حقيقة غير تلك الزائفة .
سقطت دموع لورا وهي تنهض تحضر علبة دوائها تضع واحدة في فمها سريعًا قبل الدخول في حالتها البائسة مرة أخرى، تحاول التنفس بشكل طبيعي، تحمل هاتفها وهي تنظر له بشرود، ثم أجرت اتصالًا هاتفيًا تنتظر الرد بلهفة حتى تحدثت بسرعة :
" مرحبًا دكتور هذه أنا لورا، نعم نعم أنا بخير، لكن فقط كنت اود زيارتك في عيادتك إن كنت متفرغًا، لا لا تقلق أنا فقط أود أن احدثك بشأن الأدوية التي اتناولها "
صمتت لورا وهي تحاول كبت دموعها من حديث الطبيب لها على الجانب الآخر :
" لا اعلم، أنها فقط لا تُأتي نتيجة معي، مازلت أعاني ذلك الاضطراب الذي يجعلني لا استطيع العيش بسلام، اشعر بقرب انهياري، لا استطيع التنفس دون البكاء دكتور، فقط اريد الراحة من كل ذلك ارجوك "
أنهت حديثها بشهقة قبل أن تنتفض ماسحة دموعها وهي ترى والدتها تقتحم غرفتها منادية إياها :
" حسنًا دكتور سأحدثك لاحقًا لأخذ ميعاد، شكرًا لك "
تقدمت والدة لورا منها وهي تقول بتعجب :
" أي دكتور هذا لورا ؟! هل مازلتِ تتواصلين مع الطبيب النفسي ؟! "
" أنا...أنا فقط كنت، لقد شعرت بحاجتي لـ "
توقفت لورا عن الحديث وهي ترى نظرات الاستنكار على وجه والدتها التي بدأت تلقي لها حديثها المعروف عن كم هي شخص واهم، مدلل :
" أنتِ يا فتاة ما الذي تفعلينه بنفسك ؟! أنتِ مريضة بالوهم، لا اعلم ما الذي ينقصك في حياتك حتى تقومين بكل تلك الأفعال ؟!"
" أي أفعال امي أنا أشعر بالاختناق و..."
" أنتِ واهمة لورا، تدعين اوهامك تسيطر عليكِ، افيقي يا فتاة أنتِ لا تعانين شيء، أنتِ فتاة مدللة فقط، كلما شعرتِ بسوء مزاجك سارعتِ للذهاب إلى طبيب نفسي "
بكت لورا وهي تحاول الشرح من بين شهقاتها :
" امي أنا لستُ مدللة أنا أعاني اضطرابات نفسية، واكتئاب حاد كاد يودي بحياتي مئات المرات و الطبيب أخبرني أنني..."
" أنكِ ماذا لورا ؟! هذا الطبيب الاحمق لا يفقه شيئًا، لقد سئمت منكِ ومن تصرفاتك، عندما يعود والدك من سفره سوف أخبره بأمرك "
أنهت والدتها حديثها وهي تخرج من الغرفة ضاربة الباب خلفها تاركة لورا ترمق أثرها بصدمة ودموعها تهبط بعنف على خدها، تفكر هل والدتها محقة؟! هل هي فقط مجرد مدللة تحاول اقناع نفسها بأنها تتألم داخليًا ؟! هل هي واهمة حقًا وطبيبها أساء تقدير حالتها ؟!
________________________________
خرجت روز من المرحاض وهي تجفف شعرها تستشعر بروده الأجواء حولها؛ لذلك تحركت صوب النافذة بسرعة لتغلقها، لكن في طريقها للنافذة توقفت فجأة ترى تلك الورقة التي تتعلق على مرآتها .
ضيقت روز حاجبيها بصدمة وهي تقترب خطوات صغيرة تستوضح تلك الورقة التي تحتوي رسومات كرتونية تعرف جيدًا صاحبها، حيث كانت الورقة مرسوم عليها عدة رسومات وكل رسمة أسفلها سهم يشير للرسمة التي تليها، وكأنه يخبرها خطوات شيء ما، وكانت الرسمة كالتالي .
في الجزء الاول تقف رسمة تشبهها هي وجوارها بعض الرجال، ثم سهم يشير لرسمة أخرى تشبه الاولى لكن مع اختلاف وهو أن الرجال أصبحوا اقرب لها وتقلصت المسافة بينهما، ثم سهم يشير لرسمة ثالثة عبارة عن عدة جثث مضجرة في الدماء وإمامهم يقف شخص طويل البنية خمنت أنه جايك يحمل مسدسًا، وفي النهاية جملة صغيرة تقبع أعلى توقيع جايك ( اتمنى أن تكون الرسالة قد توضحت ) .
نزعت روز الرسمة بعنف من المرآة وهي تعض على شفتيها بغضب من ذلك الاحمق تتذكر عندما لحق بها للمطبخ، ثم توقف أمامها يقطع الطريق عليها حاملًا دفتره يردد :
" ذلك الفتى الاصهب في الخارج، اقسم إن جعلتيه يتحدث بكل أريحية كما فعل لاجعلن سائر جسده كـ لون شعره "
فتحت روز فمها بصدمة من تهديده الغبي، ثم أبصرت الدفتر يقبع في يده وعليه الرسمة التي أراها إياها في الخارج، حيث كان يراقصها اعلى جثة صديقها، جزت على اسنانها وهي تشير للدفتر بمعنى ( ما هذا ؟!)
رفع جايك الدفتر أمام عينها مشيرًا إليه ببسمة صغيرة مستفزة :
" هذا مستقبله إن استمريتِ في الحديث معه بهذا الشكل "
ابتسمت روز بسمة ساخرة ولم تكد تتحدث حتى وجدته يشير لما تحمل :
" لمن هذه الحلوى ؟!"
ابتسمت روز بسمة مستفزة ولم تعطيه أي إشارة عن صاحب الحلوى وكأنها تخبره خمن انت، وكذلك فعل بكل صدر رحب وهو يقول مضيقًا عينيه :
" هذا للاصهب؟!"
ورغم أنه كان لمارسيلو، لكن جايك لم ينتبه لمارسيلو عندما طلب من روز المزيد من الحلوى، وروز لم تعطيه أي إشارة إلا أن حديثه بشأن صاحب الحلوى خطأ، أو أنه ليس لصديقها، كل ما فعلته هو أنها ابتسمت بسخرية وهي تتخطاه للخارج تتحداه أن يفعل شيء .
وكأنه هكذا سيتوقف، ابتسم جايك بسمة صغيرة وهو يستدير جاذبًا يد روز حيث جعلها تلف في نصف دائرة، ثم مد يده وأخذ قطعة كيك من الطبق يتناولها بنهم شديد، وقبل أن تستوعب روز ما يفعل، كان جايك ينقض على كل ما في الطبق، ثم بعدها تركها وهو يبتسم بظفر، وبعدها ذهب صوب الثلاجة واخذ منها كل ما فيها من الحلوى التي أعدتها روز وخرج من المطبخ بكل هدوء وكأنه لم يفعل شيء، لكنه قبل أن يخرج لم ينس أن يلوح برسمته لها يخبرها من بين مضغاته :
" جربي وسترين مهاراتي في تجسيد رسوماتي زهرتي "
أفاقت روز بفزع على طرق الباب الخاص بها، لترى أنها ما تزال تقف أمام المرآة تضغط على الورقة، ابتلعت ريقها وهي ترفع عينها ببطء صوب الباب تتخيل أنه جايك مجددًا، لكن خاب ظنها وهي ترى جولي تدخل للغرفة ساحبة خلفها روما وهي تقول بضيق :
" هيا تعالي يا حمقاء، أيتها الغبية تتركينه يخونك هكذا وأمام عينيكِ، بدلًا من القفز وإخراج احشاء تلك الفتاة ؟!"
_______________________________
كانت يد آدم مازالت معلقة في الهواء بعد سماعه لتلك الكلمة التي يخشاها وكأنها وحش يطارده، يخشاها ويخشى ما تخلفه خلفها من دمار لمن قالها ومن تلقاها، ابتلع ريقه وهو يشعر بهايز تشدد من يدها على خصره ترددها مجددًا وكأن مرتها الاولى لم تكن كافية :
" أحبك ادم، وحبك ارهقني "
أنهت روز كلمتها وهي تبكي، تريد أن تتخلص من الأمر، أن تعلم رده، حتى تقرر خطوتها التالية، فهي تعبت من المحاولة، ارهقها التجاهل، انتظرت هايز طويلًا ولم يصل لها من آدم رد سوا يده التي ضمتها بتردد، قبل أن يشدد من ضمها إليه وهو يهمس بصوت مثخن بالجراح، يرى أمام عينه صور لوالده بعدما عانى لموت والدته، يتذكر حديث أصدقاءه حول وجع الحب، كل ذلك يطارده بقوة، حاول فتح فمه للتحدث، لكن كل ما خرج منه هو همسة صغيرة :
" أنا آسف هايز، أنا آسف"
تهدل كتف هايز وهي تستمع لكلمته تفتح عينها بصدمة وقد أخذت دموعها تزداد دون شعور، ابتعدت عنه ببطء من بين ذراعيه وهي ترمقه بنظرة كانت أشبه بسوط جلده دون رحمة، ابتسمت هايز بسمة مرتجفة وهي تمسح دموعها بايدي مرتعشة تردد بصوت خرج مهزوز :
" لا بأس آدم لا تعتذر، أنا فقط ...."
صمتت وهي تحاول كتم شهقتها تعطيه ظهرها مخفية وجهها بين يديها، قبل أن تشعر بجسد ادم يضمها من الخلف وهو يدفن وجهه في ظهرها هامسًا بحزن وخفوت :
" أنا خائف هايز، أخشى أن أتألم كما حدث مع والدي، كنت أراه يوميًا يصارع نفسه، أراه يحارب لاقتناص أبتسامة صغيرة يخبرنا بها أنه بخير "
اغمضت هايز عينها بقوة وهي تحاول ابعاد يده عنها :
" أنت لست مضطرًا للتبرير آدم، لا تقلق أنا لن اموت وجعًا لفراقك "
" لكنني سأفعل هايز"
لم تفهم حديثه ليخرج لها صوته متحشرجًا كأنه يكتم غصة تصارع للخروج :
" أنا في الأساس أعاني كل يوم وانا اتخيل ابتعادك عني، اصارع كل يوم لمحاولة كبت مشاعري، لكنني تعبت، ساعديني ارجوكِ لا اريد الشعور هكذا، اريد الابتعاد ولا اقوى على الفراق، اخاف الحب ولا استطيع التجاهل هايز، أنا أعاني "
استدارت هايز ببطء ثم دفنت وجهها في صدر آدم وهي تضمه بقوة باكية، بينما هو ضمها بقوة يحاول ايقاف ارتجاف قلبه الذي شعر به يكاد يتوقف خوفًا عند اشارتها للرحيل، ليس بعدما عادت مجددًا لحياته، ليس بعدما اخترقت حصونه وتركته عاريًا معرضًا لأي هجوم، ليس بعدما شعر بكل ذلك تخبره أنها سترحل بكل بساطة .
" لا تتركيني اعزلًا في حربٍ ليست عادلة ضد خوفي هايز، كوني معي وجواري، ساعديني لاخرج من كل ذلك "
________________________________
" إذًا هو لم يخنك ؟!"
" نعم لم يفعل "
حكت جولي أنفها بعدم فهم، فهي منذ ساعة تقريبًا تجلس أمام روما تستمع لحديثها ولم تفهم حتى الآن أين المشكلة :
" وطالما أنكِ تدركين ذلك، لِمَ عدتم وما سبب هذا الشجار ؟!"
نظرت لها روما ثواني ثم قالت بكل جدية :
" هو لم يتفهم غيرتي عليه جولي، أنا في البداية قلت ما قلت بسبب غيرتي، لكن عندما هدأت أدركت جيدًا أن انطونيو لا يخون، لن يفعل "
ضربت جولي كف بكف في حنق شديد، قبل أن تنهض بنصفها العلوي لكي تصل لروما، ثم ودون سابق إنذار كانت تصفعها على رأسها بخفة وهي تقول :
" إذن كل ذلك لأن السيدة روما تغار؟! الوقح زوجك كاد يهدم القصر فوق رؤوسنا بسبب غيرة ؟! لقد كاد يأكل ماركوس المسكين في الاسفل حينما فكر في سؤاله عما يحدث "
ضمت روما يديها لصدرها وهي تقول بقوة دون أن تحيد عن رأيها السابق :
" عليه أن يتفهم جيدًا أنني اغار عليه كما يفعل، وأنني ارفض اقتراب أي انثى منه حتى لو بشكل عرضي، وأنني اعتبر ذلك خيانة، وابتعادي عنه الآن فقط ليعلم أنني لن اتهاون في الأمر "
ابتسمت جولي بانبهار من تلك الخطبة التي القتها روما؛ لذلك قالت بإصرار :
" يبدو هذا ممتعًا، سوف اقوم به مع مارتن "
نظرت لها روما بشك :
" هل خانك مارتن أيضًا ؟!"
" لا، لكنني سأحاول إقناعه لفعل ذلك، وتجربة ما تقولين "
ابتسمت روما بسخرية ثم نظرت لروز التي كانت صامتة وهي تراقب الاثنتين بتهكم :
" ما بكِ روز لم تسمعينا صوتك منذ بداية الحديث، هل ستكملين في تمثيلك هذا أمامنا ؟! نحن نعلم ما حدث "
ابتسمت روز بسمة جانبية وهي تقول باستنكار :
" حديثي لن ينال أعجابك روما "
" اريد سماعه "
اعتدلت روز وهي تقول بكل جدية تشير لجولي بالإستماع أيضًا :
" اسمعي روما كثرة العناد سيء، ما تقولينه جيد، لكن بدلًا من إشعال معركة بينك وبين انطونيو، لِمَ لا تتحدثين معه بهدوء حول ما تودين إيصاله له؟! وخاصة أن انطونيو ليس من ذلك النوع الذي يتحمل كثيرًا كعزيزنا مارتن الذي اوجع رأسه بارتباطه بجولي "
" هيييه هذا جارح "
هكذا عبرت جولي عن سخطها من حديث روز، لكن صمت روما أثار انتباهها :
" لا تتعبي رأسك روما، فقط تطلقي منه، من يتحمل العيش مع ذلك القبيح على أية حال ؟! "
وبمجرد انتهاء حديثها حتى تلقت صفعة على رقبتها من روز وهي تقول بتذمر:
" أنتِ أيتها الحمقاء اصمتِ، لا تستمتعي لها روما، هذه جولي ولا أحد يستمع لجولي"
نهضت جولي من على فراش روز وهي تقول بتذمر :
" حقًا؟! الآن أصبحت جولي حمقاء، حسنًا إذن لنرى ما يمكنها الحمقاء فعله، سوف اذهب وأخير جايك أنكِ تتحدثين ايتها المخادعة "
وما كادت جولي تتحرك خطوة حتى هجمت عليها روز وهي تجذبها بعنف لتسقطا على الفراش وتبدأ المعركة بينهما، بينما روما رمقت كلًا منهما بسخرية وهي تتحرك خارج الغرفة تتجاهل صرخات جولي تحت يد روز :
" سأفضحك أيتها المخادعة واخبرك ذلك الرسام أنكِ تتحدثين وتخفين الأمر عليه حتى تخدعيه، وأنكِ غارقة في حبه حتى اذنيكِ "
تحركت روما للاسفل تبحث بعينها عن انطونيو وقد فكرت جيدًا فيما ستفعل، لكنها لم تجده؛ لذلك تحركت صوب المكتب وعند اقترابها منه سمعت صوت انطونيو الهادئ البارد يصدح بكل هيبة خطفت قلبها :
" حسنًا في الغد سأتواصل مع فبريانو وأخبره أن يأتي مع جاكيري، وبحلول المساء نكون انتهينا من اول خطوة في الخطة، الجميع سيأتي للمهمة "
ابتسمت روما وهي تطرق الباب بهدوء لتسمع صوت اليخاندرو يصدح :
" ادخل "
فتحت روما الباب وهي تتحرك لداخل المكتب تشعر بنظرات انطونيو متعلقة بها، تقف أمام المكتب وهي تتجاهل انطونيو الذي كان لا يرفع عينه من عليها :
" مرحبًا سيد اليخاندرو، اتمنى ألا أكون قد ازعجتكم ؟!"
" ناديني جدي كما تفعل جولي "
وعلى ذكر جولي ارتسمت بسمة عاشقة على فم ذلك الذي كان يحمل كعادته حاسوبه يستمع باهتمام لما يحدث .
ابتسمت روما لاليخاندرو ثم أشارت لانطونيو الذي رفع حاجبه بتعجب
" كنت أتساءل، هل يمكنني استعارة انطونيو منك لبعض الوقت أم لا؟! فهو لم يتناول طعامه منذ الصباح "
رمقها انطونيو بنظرات تظهر الجميع باردة، لكنها تخفي خلفها لهفة وعشق كموج يضرب صخور قلبه، سمع انطونيو ضحكات جده الخافته :
" نعم عزيزتي لا بأس، نحن انتهينا على أية حال، هيا انطونيو انهض مع زوجتك، وانتم جميعًا اذهبوا حيث تريدون "
ابتسمت روما بامتنان لاليخاندرو، ثم تحركت صوب انطونيو تتوقف أمامه تمد يدها له، في شكل ظهر كما لو أنها ستعينه على النهوض، لكنها كانت دعوة للصلح في باطنها، رفع انطونيو نظره لروما ومازال البرود يغطي نظراته، لكنه رغم ذلك نهض وهو يتجاهل يدها مما جعل روما تنظر ارضًا باحراج، وكادت تتحرك لولا يد انطونيو التي ضمت كتفها له وهو يبتسم لها بسمة عاشقة، ثم تحرك بها للخارج .
ابتسم مايك وهو ينظر للجميع مرددًا :
" جيد أنها تصالحا، لستُ متأكدًا، لكن أعتقد أن أحدًا ما حسدهما "
علق آدم الذي كان قد عاد قبل بدأ الاجتماع بدقائق قصيرة بعدما أعاد عايز وايان للمنزل وتأكد أنهما بخير :
" نعم تُرى من ذلك الشخص ؟!"
اجابه مايك بجدية :
" لا ادري، لكن أيًا كان عسى أن يبعد عينه عنهما "
ضحك مارتن بصخب على حديث مايك وهو يخرج من الغرفة، بينما الجد ابتسم بسخرية وهو يردد :
" نعم يا مايك عسى أن يفعل "
____________________________
" ومن قال أنني اقبل بك زوجًا لأختي ؟!"
" في الحقيقة أنا لا انتظر موافقتك يا سيد، فاختك ستصبح زوجتي بمجرد انتهاء تلك القضية اللعينة وإلا اقسم أنك لن تراها بقية عمرك "
اشتعلت النظرات والاجواء أكثر في البهو الذي يتوسط منزل جاكيري بعدما احتد النقاش بينه وبين اسكندر، بينما رفقة كانت تقف بينهما مرتعبة تحاول تهدئة الأوضاع، وسيلين تجلس على الأريكة تمسك عكازها وهي تردد بحنق أن الجميع لا يحترم وجودها .
تحدثت رفقة وهي تبعد أخاها قليلًا عن جاكيري :
" اخي اهدأ فقط أنه لا يقصد ذلك الذي فهمته للتو هو فـ "
اشتعلت نظرات اسكندر أكثر بسبب دفاع أخته عن ذلك الغريب، ليجذبها بقوة صوبه وهو ينظر بعينها يقول بجدية كبيرة يتجاهل جاكيري الذي ينظر له بشكل مرعب :
" اسمعي رفقة سوف آخذك ونرحل من هنا، سوف نهرب أنا وأنتِ حسنًا اتركيه وتعالي معي "
شهقت رفقة بعنف وهي تشعر بأنفاس جاكيري العالية في الخلف وكأنه كان في سباق منذ ثواني، يرفض حتى مجرد التفكير في احتمال تركها له .
" ها يا رفقة ايه رأيك؟! أنا مجهز كل حاجة، تيجي معايا ؟!"
كانت رفقة تنظر لأخيها بصدمة تفتح فمها تحاول الحديث بأي شيء، أي شيء، لكن شجاعتها في تلك اللحظة خانتها، تشعر بنظرات جاكيري تكاد تخترق ظهرها في انتظار ردها .
رفع اسكندر عينه بقوة لجاكيري وهو يقول بتحدي بلغة جاكيري حتى تصل له رسالته واضحة :
" اختاري رفقة أنا أو هو ؟!"
" توقف عن هذا، لا تجبرها على الاختيار بيننا "
وكان هذا صوت جاكيري الغاضب الذي هز اركان المنزل كله، غاضب وبشدة، لا يعلم إن كان بسبب شفقته عليها أن تُوضع في هكذا اختيار بينه وبين اخيها، أو بسبب خوفه من أن تختار أخيها وتتركه، كان جسده ينتفض غضبًا وقد تحول بشكل مخيف لاخر لم تره رفقة سابقًا، تحول لوحش على وشك الانقضاض على ضحيته .
نهضت سيلين من مكانها وهي تتجه صوب اسكندر في وجهه بغضب شديد، كقطة تشهر أظافرها في وجه شخص أتى لأخذ صغارها :
" أنت أيها الشاب من تظن نفسك لتتحدث هكذا له؟! ثم من أنت لتتدخل بينه وبين الفتاة ؟!"
كانت كلمات سيلين تخرج بعنف مخيف من فمها وكأنها على وشك نشب أظافرها في وجه ذلك الكريه اسكندر الذي يحزن صغيرها بهذا الشكل .
" جاكيري يحب اختك ويساعدها بكل ما يمتلك لأجل أن تصبح له، وهي أيضًا تحبه، من أنت لتقف في وجه الاثنين ها ؟!"
وكانت لهجة سيلين تقطر قهرًا وألمًا وهي تستشعر انتفاضة جسد جاكيري خلفها بقوة؛ لذا تحركت ببطء صوب جاكيري تمسد على ذراعيه بحنان شديد في إشارة منها أنها معه ولن تتركه ابدًا، لكن جاكيري كانت فقط عينه تتعلق برفقة في رعب وفكرة أنها قد تتركه تقطعه اربًا بلا رحمة .
لم يهتم اسكندر لايًا منهما وهو ينظر لأخته يقول بجدية ولم يحيد عن حديثه :
" أنا و لا هو يا رفقة ؟! "
بكت رفقة بقوة تحاول أخذ أنفاسها من بين شهقاتها، لا تستطيع التحدث وقد بدأت الأمور تأخذ منحنى آخر، قلبها يصرخ وجعًا على ذلك الذي يقبع خلفها ينظر لها نظرة آلمتها؛ لذلك كل ما استطاعت إخراجه هو بعض الكلمات الخافتة المترجية :
" أنا بحبه يا اسكندر "
أنهت كلماتها وهي تمسك بيده أخيها تنهار في البكاء عليها وكأنها تلتمس أي حنان بقلبه، تترجاه أن يرحمها من ذلك الاختيار، تتلمس أخيها الحنون خلف ذلك القاسي الذي يقف أمامها :
" أنا بحبه، مش هقدر اعيش من غيره، وهو مش هيقدر برضو، ارجوك "
أنهت كلماتها وهي تسقط ارضًا جوار قدم أخيها بينما اشتعل جسد جاكيري الذي لم يفهم حديثها السابق، لكن رؤيتها بهذا الوضع كانت القشة التي هدمت ثباته، اندفع صوبها يرفعها من على الأرض بقوة وهو ينظر لعينها متجاهلًا اسكندر الذي كان يراقبهما ببرود نسبي :
" إياكِ يومًا أن تضعفي رفقة، وإياكِ يومًا أن تظني أن هكذا حديث قد يبعدني عنكِ، لكن احيانًا يجب عليكِ مسايرة التيار حتى تنجين "
لم تفهم رفقة مقصده، لكنها شعرت أن التالي لن يعجبها، وكذلك كان حينما سمعت حديث جاكيري وهو يرفع رأسه لاسكندر وهو يقول بغضب وحقد :
" لن يرحل أيًا منكما، بل أنا من سيرحل من هنا، لكن رحيلي الآن لا يعني ابتعادي الابدي "
أنهى حديثه وهو يترك ذراع رفقة ثم عاد للخلف ببطء وهو ينظر لها قليلًا قبل أن يستدير متجهًا للخارج، وقد كانت عروقه كلها نافرة، يشعر بقرب انفجاره، يشعر بقلبه يهدر طلبًا منه للعودة وقتل اسكندر واخفاء رفقة بين أحضانه والانتهاء من هذا كله .
ومن وسط افكار جاكيري وبكاء رفقة، وصرخات سيلين المعترضة، كان صوت اسكندر هو الفيصل وهو يصدح بقوة :
" جيد إذن ولا تعد للمنزل إلا عندما تصبح زوجًا لأختي، فأنا لن أقبل أن تشاركنا المنزل دون أي رابط بينكما "
وتوقف كل شيء، سير جاكيري وبكاء رفقة، وصرخات سيلين، وايضًا شخير توفيق الذي كان ما يزال ساقطًا في النوم دون أن يشعر بشيء حوله .
استدار جاكيري ببطء لاسكندر يرمقه بتعجب لا يفهم جملته الأخيرة، ليجد أن اسكندر يقترب من رفقة يجذبها إليه بحنان قائلًا بجدية كبيرة :
" أنا لستُ سيئًا، أنا فقط أردت التأكد أن رفقة تحبك حقًا، وليس مجرد امتنان منها لمساعدتك، لم أرد لأختي أن تتزوج كرد للجميل، وايضًا أردت التأكد أنك لا تتسلى بها، خوفك عليها وحزنك لرؤية حيرتها بيننا وشفقتك أن تختار بيني وبينك، اثبت لي أنك تحبها حقًا، لكنني لن اسمح لك بالبقاء معنا أسفل سقف واحد دون أي رابط بينكما"
" سأتزوجها الآن "
كانت كلمة مندفعة من جاكيري، لكنه لم يندم عليها، راقب نظرات رفقة المصدومة من حديثه، لكن لم يهتم وهو يندفع صوب اسكندر وسعادته تكاد توقف قلبه :
" أنا سوف اتزوجها الآن "
" جاكيري أنا مازالت مطلوبة من العدالة، لذا ذهابي للمحكمة لأجل الزواج خطر "
وكانت هذه جملة رفقة التي عبرت بها عن خوفها، رغم سعادتها الكبيرة بالفكرة نفسها، هي زوجة لجاكيري ؟!
ابتسم جاكيري وهو يمسك يدها متجاهلًا اصوات اسكندر المعترضة :
" سوف نذهب للسفارة الإيطالية هنا ونتزوج، ولا تقلقي جدي لديه العديد من العلاقات التي ستسهل الأمر، فقط قولي نعم، ارجوكِ رفكة، أنا لا اطيق بعادك "
رفعت رفقة نظرها لاسكندر لتجده يبتسم لها بحنان مربتًا على شعرها، يهز رأسه بالموافقة، وسيلين تهلل بسعادة كبيرة وهي تحثها على القبول، لتبتسم رفقة وهي تعود بنظرها لجاكيري تهز رأسها بنعم :
" م..موافقة جاكيري "
صرخة عالية خرجت من جاكيري أسقطت على اثرها توفيق الذي انتفض من مضجعه وهو ينظر حوله بتعجب وعين شبه مغلقة :
" خير اللهم اجعله خير، حصل ايه ؟!"
لكن جاكيري لم يكن معه بل كان يصرخ سعادة وهو يركض للخارج كالمجنون يردد :
" سوف اذهب لاخبر فبريانو وأخبر الجميع، وغدًا نتزوج "
أنهى اخر كلمة وهو يبتسم باتساع ثم ركض خارج المنزل كله تاركًا اسكندر ينظر له بصدمة وهو يهمس :
" متأكدة يارفقة أنك عايز تتجوزي ده؟!"
وكان الرد من رفقة هو عناق دافئ محب ممتن لأخيها وهي تبكي بسعادة كبيرة :
" أنا بحبك اوي يا اسكندر بحبك اوي "
________________________
تقف جواره وهي تنظر لما يفعل الطبيب وعيونها تكاد تخرج رعبًا، تضع يدها على صدرها ودموعها تلتمع في عينها بقوة، بينما هو كان يقف بملل يحاول عدم إنهاء كل ذلك والخروج من هنا، فقط حتى لا يحزنها .
ابتعد الطبيب عن فبريانو وهو يخلع قفازه قائلًا بجدية كبيرة :
" للاسف الجرح كان لازم يتخيط بعد ما اتفتح، لأن كده برد ومش هينفع فيه خياطة، هو كان آمتى الجرح ده ؟!"
نظرت روبين وهي تكاد تبكي لفبريانو تسأله بعينها أن يجيب سؤال الدكتور، ولأجل نظرتها تلك تنهد فبريانو وهو يقول بهدوء :
" مش فاكر اوي يمكن من ساعات طويلة بس مش اقل من ست ساعات يعني .
تدخل طبيب آخر يقف في الصيدلية بعدما انتهى للتو من عميل، يقول بجدية كبيرة وهو ينظر لجرح فبريانو بعين خبيرة ويبدو أنه هو المتخصص في هذه الصيدلية :
" مفيش مشكلة الجرح هيتنضف ويتخيط عادي، أنا بس هنضفه ليك والزقه عشان ميتلوثش، وأنتم تقدروا تروحوا لاي دكتور جراحة يخيطه، فيه مستوصف على بعد شارعين من هنا "
أنهى الطبيب حديثه وهو يحمل بعض الأدوات يتجه لفبريانو حتى يبدأ في تنظيف جرحه، وأثناء كل ذلك كانت روبين تغمض عينها باكية، وفبريانو يرمقها بتعجب لما تفعل، أخرج فبريانو شيء من جيب بنطاله وهو يمده لروبين يتحدث لها :
" ضعي هذا في اذنك "
ولا يعرف كيف تذكر أمر السماعات التي كان قد احضرها خصيصًا لروبين حتى يتواصل معها بالايطالية، لكن في اللحظة السابقة كان يتمنى لو أنها تتقن الإيطالية حتى يخبرها أنه يود الرحيل ولا يطيق البقاء هنا؛ لذلك تذكر الأمر وهو يعطيه لها .
امسكته روبين بعدم فهم وهي تنظر له بتعجب لكنه فقط أشار على أذنها يحسها على وضعه، وكذلك فعلت روبين رغم عدم فهم شيء حولها، وبمجرد وضعه حتى وجدت فبريانو يمد يده لها يضغط على شيء في السماعة السوداء الصغيرة، وبعدها تحدث بالايطالية :
" هل تفهمين ما اقول روبين ؟!"
نظرت له روبين ثواني وهي لا تستوعب ما يحدث، ليعلو صوت فبريانو مجددًا بجدية :
" هذه سماعة ترجمة فورية تمكنك من فهمي دون أي مشقة "
أنهى حديثه لتبتسم له روبين من بين دموعها بسمة سلبت قلبه وهي تقول بفرحة :
" بجد ؟!"
ابتسم فبريانو لها وهو ينظر للطبيب الذي أوشك على الانتهاء من جرحه، ثم قال بجدية :
" أنا بخير وهذا جرح صغير روبين لا تقلقي "
لكن روبين لم تكن تنتبه له وهي تتفحص السماعة بانبهار شديد، ليعض فبريانو شفتيه يحاول كتم ضحكته التي كادت تخرج مزلزلة المكان، مجرد سماعا صغيرة جعلتها تنساه وتنسى جرحه وتتجاهل كل شيء حولها .
نظرت روبين للطبيب الذي انتهى بالفعل وهي تقول بجدية :
" هو كده اتخيط ؟! "
" لا طبعًا أنا بس نضفت الجرح، تقدروا تروحوا المستوصف وهما يخيطوا ليه الجرح هناك "
لوت روبين شفتيها بحزن وهي تنظر لفبريانو وقد بدأ حزنها يعود لها مجددًا، وكاد فبريانو يفتح فمه ليخبرها أنه بخير وألا تقلق، لكن جملتها التالية أوقفته :
" يعني مش هعرف ارجع البيت العب بالسماعة ؟! ده كان فيه مسلسل تركي حلو اوي لسه منزلش منه الترجمة، وعايزة اتفرج عليه "
صمتت وهي تنظر للاسفل بحزن تحت نظرات فبريانو الذي كان يبتسم بعدم تصديق، حقًا الآن تتركه لأجل السماعة ؟! رفعت له روبين عينها وهي تقول ببسمة صغيرة بريئة :
" ينفع اوصفلك مكان المستوصف وتروح لوحدك ولا اوقفلك توكتوك ؟!"
ابتسم لها فبريانو بسمة صغيرة مستفزة وهو يتحرك صوبها بعنف قائلًا بشر :
" يا ندلة بتبعيني عشان سماعة يا نتنة ؟! هاتي السماعة دي "
ضمت روبين السماعة لصدرها وهي تهز رأسها بلا تكاد تبكي :
" لا دي بتاعتي، والله اقول لـ لولو "
توقف فبريانو في مكانه وهو يتراجع سريعًا يشير بيده في حركة رفض :
" لا لا ارجوكِ بلاش تقولي لـ لولو، لا ابوس ايدك إلا لولو "
أنهى حديثه والذي كان يتضح أنه ساخر وبشدة، ثم ابتسم بسمة جانبية جعلتها تظن أنها اخافته جديًا لتمسح دموعها وهي تقول ببسمة :
" خلاص متاخدش السماعة وانا مش هقول لـ لولو "
ابتسم فبريانو ثم اندفع صوبها وهو يقول بقوة :
" اعطني تلك السماعة اللعينة "
لكن روبين وقبل أن يصل لها كانت تركض للخارج وهي تصرخ برعب تضم السماعة لها بقوة، ترفض إعطاؤها له، وكأنه يود سلبها ما تملك، وليس أخذ ما يخصه :
" خلاص خلاص هاجي معاك، خلاص "
لكن فبريانو لم يتوقف وهو يركض خلفها في الطريق يهددها أن تتوقف، لكن وأثناء ركضه استمع لجملة جعلته يتوقف من أحد الشباب :
" مش دي روبين حفيدة الحاجة وادي ؟! هي رجعت امتى؟! "
استدار فبريانو كالرصاص ينظر لذلك الشاب الذي كان يهبط من دراجته النارية جوار الصيدلية يتجه له ببطء وهو يتوقف أمامه بشكل اثار تعجب الفتى ليرفع حاجبه بعدم فهم :
" فيه حاجة يا اخ؟!"
أشار فبريانو للاتجاه الذي ركضت به روبين وهو يقول بجدية :
"أنت الطيار ولا الظابط ؟!"
" نعم؟! أنت اهبل؟!"
" يبقى أنت من شباب الحارة اللي بيحوموا "
لم يفهم الشاب شيء وهو ينظر لفبريانو بتعجب :
" أيوة أنا من شباب الحارة بس احوم ايه و...."
ولم يكمل جملته بسبب قبضة فبريانو التي اصطدمت بوجهه في عنف شديد، ثم رفع يده يوجهها له مجددًا لولا روبين التي عادت وهي تجذبه بعيدًا:.
" أنت عملت ايه ؟! "
لكن فبريانو أشار للفتى يوضح بجدية كبيرة :
" هذا الشاب كان يحوم حولك، لولو أخبرتني بذلك "
فتحت روبين عينها بصدمة، ولم تكد تجيب حتى سمعت صوت يقترب منهم وهو يقول بجدية :
" سامي أنت كويس ؟!"
أمسكت روبين بيد فبريانو وهي تجذبه بعيدًا قبل أن يجتمع عليه شباب الحارة وهي تقول بصدمة :
" اركض فبريانو "
تحرك فبريانو معها مجبرًا وهو يشير للشاب الذي كان مازال يرمقه بصدمة :
' لكن ذلك الشاب يحوم حولك، وانا فقط من يحق له ذلك "
اوقفت روبين " توكتوك " وهي تدفع بفبريانو داخله وهي تقول بضحكة عالية :
" يحوم ايه يا فبريانو، أنا اساسا مكنتش باجي هنا غير في المناسبات "
نظر لها فبريانو ثواني ثم ضم يديه لصدره وهو يتراجع بظهره للخلف يقول بجدية :
" أيًا يكن سوف اشن هجومًا على رجال الحارة كلها "
_________________________________________
" إذن ؟!"
كان ذلك السؤال الوحيد الذي خرج من فم انطونيو وهو يرمق روما بجدية، ينتظر أي بادرة منها توحي بما تفكر فيه، هل تود أن تصالحه، ام أنها فعلت كل ذلك أمام العائلة فقط ؟!
ابتسمت روما بسمة صغيرة وهي تدفع طاولة الطعام المتحركة بعيدًا قليلًا عن انطونيو بعدما أخذته لغرفتهم حتى يكونوا في معزل عن الجميع، جلست جواره وهو تمسك يده تقول بجدية :
" أنا أعلم أنك لن تخونني يومًا انطونيو، اثق في ذلك "
ابتسم انطونيو بسمة ساخرة وهو يستمع لباقي حديثها :
" وما فعلته ليس شكًا بك، بل غيرةً عليك انطونيو "
هدأت ملامح انطونيو الحادة وهو ينصت لها :
" ألا تغار علىّ انطونيو ؟!"
" اموت غيرة "
جملة منه استطاعت بكل هدوء أن ترسم أكثر بسمة بلهاء على فمها وهي تنهض من مكانها تجلس القرفصاء أمامه ممسكة بيده تحركها بهدوء صوب فمها مقبلة إياها قائلة :
" وانا كذلك انطونيو لم اتحمل أن أسمع حديث تلك المرأة، ولم الجم غضبي وغيرتي وقتها، وأنت لم تساعد في ذلك أيضًا "
ضغط انطونيو على يدها وهو يرفعها لتجلس على قدمه يضمها إليه بقوة يهمس لها معترفًا بخطأه :
" أسف روما "
" اريدك فقط أن تتفهم غيرتي انطونيو، أنا اعشقك انطونيو "
ابتسم انطونيو وهو ينهض يوقفها أمامه، ممسكًا بوجهها بين يديه يهمس لها بعشق :
" وانا اعشقك روما، وكيف لا وكل طرق قلبي تؤدي إليكِ، وكيف لا أهيم بكِ عشقًا وأنت عاصمة قلبي، وموطني الوحيد ؟!"
ابتسمت روما بتأثر وهي تنظر لوجهه هامسة بعشق :
" مساكين هؤلاء الذين لا يرون قلب انطونيو، لا يدركون مقدار حنانك "
" ولن يرون أو يدركون ذلك؛ لأنهم ببساطة ليسوا روما "
ابتسمت روما ولم تكد تتحدث، حتى وجدته يبتعد عنها تاركًا إياها ترمقه بتعجب، تراه يخرج حاسوبه لتزم شفتيها بتفكير، هل سيعمل الآن؟! لكن انطونيو ابتعد عنه بعد ثواني وهناك موسيقى هادئة تصدح في الغرفة ثم اتجه لروما وهو يبتسم لها بسمة عاشقة هادئة يمد يده لها قائلًا :
" اتسمح جلالة الملكة روما لي بهذه الرقصة ؟!"
نظرت روما ليده بصدمة تصدح في رأسها جملته التي اخبرها اياها سابقًا عندما عرضت عليه أن يراقصها ( لا احب الرقص روما ولا اريد ذلك؛ لذا ارجو ألا تجبريني على فعل ذلك لأنني لن اشعر وقتها بالراحة )
أفاقت روما على يد انطونيو التي ضمت خصرها إليه، ثم رفعها بحنان جاعلًا إياها تقف على قدمه، حتى تصل لقامته ورغم ذلك كانت ماتزال رأسها تصل لبداية عنقه بصعوبة، ابتسمت روما تحاول كبت دموعها :
" لا اريدك أن تفعل شيئًا لا تشعر بالراحة لفعله "
ابتسم لها انطونيو وقد بدأ يتحرك معها على الموسيقى هامسًا في اذنها بهيام فاض حتى اغرقه :
" لم أكن يومًا أكثر راحة مما أنا عليه الآن، وكيف لا وانا اقبع في احضان موطني ومدينتي الدافئة ؟!"
____________________________________________
يجلس في مكتبه يضرب الكرة في الجدار أمامه، بملل وهو يزفر كل ثانية والأخرى، لولا شعوره بالملل أيضًا في القصر ما كان جاء هنا، اعتدل مارسيلو في جلسته وهو يمسك الهاتف، يجري اتصالًا براسيل التي تجلس على المكتب في الخارج تحاول تنظيم المواعيد التي تعلم أنه لن يلتزم بها .
" مرحبًا سيدي "
" مرحبًا، أين قضايا اليوم آنسة راسيل؟! أنا أشعر بالملل "
ابتسمت راسيل من زاوية فمها ورفعت حاجبها في تزامن ساخر معه وهي تجيب تفحص الورق أمامها جيدًا:
" حقًا سيد مارسيلو ؟! تريد أن أخبرك قضايا اليوم ؟! "
" نعم آنسة راسيل، هل هذا غريب ؟!"
لم تجب راسيل وهي تحمل الورق أمامها تقول بهدوء قبل إغلاق الهاتف :
" حسنًا سيدي أنا آتية"
وبالفعل تحركت راسيل صوب المكتب وهي تحمل ورقة المواعيد ومعها قلم، ثم طرقت الباب وانتظر إذن مارسيلو لها، وبعدها دخلت بكل رشاقة، تحت نظرات مارسيلو الذي راقبها من قدمها لرأسها، يحرك الكرة في يدها بينما عينه تركز على اقتراب راسيل منه .
توقف راسيل أمام المكتب ثم أمسكت الورقة وهي تقول بكل جدية ودون مقدمات :
" هناك قضية اختلاس تخص شركة أدوية هنا، لكنك لا تحب قضايا الشركات؛ لذلك قمت برفضها، وايضًا هناك قضية تم رفعها على ميتم يتم فيه معاملة الأطفال بطريقة غير آدمية، وأنت يا سيدي لا تحب الاطفال؛ لذلك أيضًا تم رفضها، وفي النهاية هناك قضية رفعتها سيدة على اخيها بسبب النصب عليها في حصة من شركتهما المشتركة، وأنت يا سيدي أخبرتني أنك لا تحب التعامل مع النساء؛ لذلك رفضتها أيضًا، و...هذا فقط ما لدينا اليوم "
كان مارسيلو يراقب ما تفعل بنظرات لا مبالية وعندما انتهت وهي تنظر له، ترتقب ردة فعله، علّه يخرج من تلك الحالة الباردة ويبدي أي ردة فعل تدل على أنه إنسان طبيعي، لكن كل ما صدر من مارسيلو هو هزة رأس وهو يقول مشجعًا :
" احسنتِ آنسة راسيل، انظري كيف اصبح العمل سهلًا عندما ننجزه سويًا ؟! يبدو أننا سنرتفع بالمكتب في اسرع وقت على هذا المنوال "
وليس هذا ما انتظرته منه، ذلك الرجل المستفز وبشكل مثير للغضب :
" اه على ذكر المكتب، هل قررت ما ستفعله في القضية التي تم رفعها عليه ؟!"
نظر لها مارسيلو وهو يقول بهدوء مستفز :
" هذه مشكلة كبيرة "
" نعم سيدي مشكلة كبيرة "
" إذن هل نستعين بمحامي جيد، أم اغلق المكتب كما أخبرتك ؟!"
صمتت راسيل تدعي التفكير :
" هناك حل افضل، لِمَ لا تدافع عن المكتب ببساطة سيدي ؟!"
" هل هذا سيستلزم أن أترك مقعدي ؟!"
" نعم للاسف ستكون مضطرًا للذهاب إلى المحكمة سيدي، وانا اقترح هذا الشيء وبشدة، لربما تعجبك الأجواء هناك وتقرر أن تقوم بعملك كأي محامي طبيعي "
صمت قليلًا ثم هز رأسه برفض :
" أنا أشعر بنبرة تقليل من شأني في حديثك، وهذا لا يروقني"
ابتسمت راسيل بسخرية، قبل أن تعتدل في وقفتها وهي تستمع لصوت سيدة يصدر من باب المكتب، التفتت راسيل تنظر للخلف، وكذلك مال مارسيلو بجسده قليلًا حتى يرى القادم، ليجد أنها سيدة غاية في الجمال تقف على باب مكتبه بعدما وجدت مكتب السكرتيرة فارغ :
" مرحبًا هل السيد مارسيلو موجود ؟! كنت اود استشارته في أمر هام "
ابتسمت راسيل بسخرية وهي تشير صوب مارسيلو :
" نعم سيدتي، لكن للاسف السيد لا يــ "
ولم تكمل راسيل الحديث وهي تجد مارسيلو يدفعها جانبًا يعدل من ثيابه وهو يبتسم للسيدة يقول بنبرة لعوب :
" مارسيلو والمكتب وتلك السكرتيرة الحمقاء طوع أوامرك سيدتي "
اقتربت راسيل من مارسيلو وهي تنظر له باستنكار تقول غير مصدقة حديثه :
" حقًا ؟! "
دفع مارسيلو وجهها بعيدًا عنه وهو يهتف من أسفل أسنانه :
" اذهبي من هنا راسيل ودعيني مع تلك الـحسناء "
" حقًا سيدي ستتولى أمر قضيتها، و تشعر بالكسل لإنقاذ سمعة مكتبك ؟!"
نظر لها مارسيلو وهو يقول ببسمة ماكرة :
" ليذهب المكتب للجحيم، انظري لتلك المسكينة ؟! كيف يمكن أن اتخلى عنها ؟؟ هل ترينني بلا قلب ؟! اذهبي هيا "
أنهى حديثه وهو يدفع راسيل للخارج وكأنه يهش على بعض الغنم، ينظر للسيدة ببسمة جانبية زادته وسامة، مشيرًا لمقعد أمام المكتب :
" تفضلي سيدتي "
تحركت السيدة بكل رشاقة صوب المقعد، بينما راسيل مازالت تقف تضم الدفتر الخاص بالمواعيد لها وهي تتشنج ترمق ما يفعل مارسيلو، تفكر مما صُنع ذلك الرجل، ألم يخبرها في يومها الأول أنه يكره النساء ؟!
" اخرجي راسيل وقومي بإلغاء جميع مواعيدي "
هكذا قال مارسيلو وهو يجلس على مقعده بكل هدوء لتجيبه راسيل بسخرية لاذعة :
" أي مواعيد تلك سيدي، لا يوجد مواعيد "
" إذن دعينا وحدنا رجاءً"
ابتسمت راسيل بحنق وهي تتحرك صوب الخارج تاركة مارسيلو يبتسم للسيدة وهو يقول بجدية :
" أخبريني سيدتي ما مشكلتك ؟!"
" لقد ارسلت اوراق قضيتي بالفعل للمكتب، أنا من اوكلتك قضيتي ضد أخي والذي قام بالنصب علىّ في مبالغ طائلة "
ادعى مارسيلو الشفقة وهو يقول :
" اه تلك القضية، صحيح لقد بلغت السكرتيرة أن تضعها على رأس قائمة أعمالي، وصدقيني اخوكِ النذل سوف اااا"
توقف مارسيلو عن الحديث وهو يستمع لرنين هاتفه، أخرجه وهو يشير للسيدة أن تنتظر قليلًا يرفعه أمام عينه يراقب رسالة انطونيو التي تستدعيه للسفر حيث المهمة، زفر بحنق وهو ينهض يقول بملل :
" حسنًا سيدتي اعتذر للرحيل الآن لأمر هام، لكنني اعدك بالنظر في شأن قضيتك "
أنهى حديثه وهو يخرج تاركًا السيدة تنظر في أثره بصدمة، فهو تركها دون مقدمات ورحل، ذلك الغريب .
كانت راسيل تجلس على مكتبها وهي تدون بعض الاشياء، قبل أن تنتفض بفزع وهي ترى جسد مارسيلو الذي انحنى على المكتب وهو يقول بغيظ شديد :
" أصرفي تلك المرأة في الداخل، والغي مواعيدي كلها، يبدو أن الطبيعة تتحداني بعدما كدت اتولى قضية تأتي الرياح بلا تشتهي السفن"
أنهى حديثه وهو يرتدي سترته يخرج من المكتب، وراسيل تنظر في أثره بعدم فهم لحل ذلك الحديث الذي لم تفهمه :
" أي مواعيد تلك التي يكرر كل ثانية أنه يريد إلغائها؟؟ "
__________________________
" حسنًا مارسيلو أنا الآن في طريق عودتي "
اغلق ماركوس الهاتف يلقيه على المقعد جواره وهو يتحرك بسيارته في سرعة كبيرة، ينظر كل ثانية والأخرى في ساعته، قبل أن ويتوقف في الإشارة، يزفر بضيق ، لكن انتبه فجأة وهو ينظر حوله أنها نفس الإشارة التي كان يقف عندها ذلك اليوم حينما قابل " فيور اللصة" ابتسم بسخرية وهو يقلب عينه، يتذكر تلك القزمة التي ظنها طفلة، لكن وأثناء ذلك انتبه لها وكأنها خرجت من أفكاره تتمثل أمامه، يراها تقف أمام سيارة تعرض ما معها من خردة على صاحب السيارة، ابتسم بسخرية، تلك الفتاة لن تتوقف عن أفعالها تلك، حتى تــ
توقف ماركوس عن التفكير، وتوقف عن التنفس حتى وهو يرى ما حدث للتو، لم يستوعب ما حدث، ولم يشعر بنفسه وهو يفتح باب سيارته يركض بسرعة صوبها ..
كانت فيور أمام السيارة وهي تحاول عرض مشترياتها للرجل الذي لم يكن يهتم بما تعرض، بل كان يهتم بها هي شخصيًا؛ لذلك فتح الباب المجاور له وهو يبتسم بسمة مقززة يشير لها أن تأتي غامزًا، وكذلك فعلت فيور وهي تبادله البسمة بأخرى خبيثة تقترب من الباب تمد جسدها داخل السيارة، ثم ودون مقدمات كانت تصفع الرجل بقوة تصرخ في وجهه بشكل اثار رعبه وهو يرى ضابط المرور يقف بعيدًا عنه؛ لذلك دفع فيور بعيدًا عنه وهو يغلق الباب الخاص به، يتحرك بسيارته في سرعة مخيفة، لكن لم يدرك أنه حينما اغلق الباب كان قد اغلفه على المعطف المهترئ الخاص بفيور، تشعر فيور بجسدها ينجذب بقوة للسيارة حتى كادت تسقط أسفل عجلاتها .
كان ماركوس يركض بجنون على الرصيف الذي كانت تقف عليه فيور، وقبل أن تجذب السيارة جسدها كان هو يضمها بعنف له جاعلًا إياها تخلع المعطف لتبقى بملابسها القصيرة وهي تغمض عينها تصرخ برعب، في نفس اللحظة الذي شدد ماركوس من ضمها وهو يمنع الأعين الفضولية من تفحص جسدها، أبعدها ببطء يخلع سترته العلوية يضعها على جسدها يحاول إخفاء ما يمكن إخفاء، ثم سحب يد فيور خلفه يضعها في سيارته بعنف كبير، يتحرك بسيارته بسرعة مخيفة متجاهلًا ما حدث .
بينما فيور كانت ما تزال شاخصة الابصار وهي تنظر للسترة التي تحيطها، تشعر أن قلبها توقف لثواني، أثناء شعورها بجذب السيارة لها .
" أنتِ أيتها الـ "
كانت تلك صرخة ماركوس العنيفة وهو يشعر بغضبه يندفع لجسده من تصرفات تلك اللصة الغبية التي تجلس جواره ترمقه بعدم فهم ومازالت لم تستوعب ما حدث منذ ثواني .
اوقف ماركوس السيارة الخاصة به وهو يستدير لها صارخًا بحنق :
" ايتها الغبية، كادت عظامك تُطحن أسفل عجلات السيارة، أين كان عقلك وأنتِ تمدين جسدك لداخل سيارته ؟!"
وكل ما صدر من فيور هو همسة مصدومة :
" لقد أخذ معطفي ؟!"
" جيد أنه لم يأخذك أنتِ أيضًا ايتها الغبية "
قالت فيور بشفاه مرتجفة :
" معطفي ...معطفي يحوي جميع ممتلكاتي "
وعند تلك الفكرة انفجرت في البكاء كطفلة صغيرة، وقد ساعد وجهها وجسدها في تأكيد تلك الصورة، بينما ماركوس اغتاظ من اهتمامها بالمعطف وتجاهل ما كاد يحدث منذ ثواني؛ لذلك جذب رأسها بعنف له يقربه من وجهه وهو يقول :
" تبًا لكِ ولمعطفك، كدتِ تُقتلين للتو يا غبية "
لكن فيور ازدادت في البكاء وهي تقول :
" المعطف، لقد أخذ المعطف، سوف يقتلونني "
لم يفهم ماركوس حديثها بينما هي استمرت في البكاء وهي تردد بعض الكلمات الغير مفهومة، اشفق ماركوس عليها وعلى بكائها، لذلك جذبها لاحضانه بحنان وهو يربت عليها :
" لا بأس فيور، لا بأس سوف اشتري لكِ معطف جديد "
" والأشياء التي كانت داخله ؟!"
كانت تتحدث من بين شهقاتها وهي تحاول تمالك نفسها، ليبتسم لها ماركوس بحنان وهو يردد، يشعر بالمسئولية تجاه تلك الفتاة، ولا يعلم السبب، ربما لأنه لطالما تمنى أن يحظى باخت صغيرة يعتني بها ويدللها، وفيور لمست تلك النقطة به :
" لا بأس أخبريني ما الذي كان بالمعطف وسوف أحضره لكِ "
كان يتحدث وهو يربت على شعرها بحنان، لكن توقفت يده وفتح عينه بصدمة وهو يسمعها تقول بكل براءة مصطنعة :
" مخدرات ...وبعض الكوكايين"
" ماذا ؟!"
مد ماركوس يده بسرعة يبعد فيور عنه بعنف، ثم أمسك أذنها يلويها بقوة مؤلمة، وهو يقول من بين أسنانه :
" ماذا قلتِ ؟! مخدرات ؟! تبيعين مخدرات أيتها الفاسدة ؟! "
" اه اه اترك أذني، أنت تؤلمني "
" كيف تتجرأين وتفعلين هذا أيتها الفتاة؟!"
بكت فيور بوجع وهي تحاول ابعاد يده عنها تقول بكل شيء ولا تدري لماذا تأمن له :
" اقسم أن اليوم هو أول يوم لي في بيع تلك الأشياء، ويبدو أنني سيئة الحظ، سوق يقتلني القائد "
شدد ماركوس من ضغطه على أذنها :
" اول يوم لكِ ؟! ومن هذا القائد ؟!"
" اترك أذني فقط، ارجوك أشعر أنها ستُقطع "
ترك ماركوس أذنها وهو ينظر لها بقوة، ينتظر تحدثها، لكن رنين هاتفه اوقف كل ذلك، نظر ماركوس للهاتف سريعًا قبل أن يقول بجدية وضيق :
" حسنًا أنا لدي عمل مهم؛ لذلك سوف نكمل لاحقًا و"
توقف عن الحديث وهو يرى تمسك فيور به بقوة وهي تقول باكية تترجاه برعب :
" لا لا ارجوك، سوف يقتلني ارجوك لا تتركني وحدي، اقسم سيقتلونني "
نظر لها ماركوس بحيرة لا يصدق ما أوقع نفسه به، ولا يعلم ما سيفعله .....
_________________________
في مساء نفس اليوم، كان الجميع على متن الطائرة التي تتجه بهم المهمة التي اخبرهم بها اليخاندرو .
" حسنًا هذه المرة مختلفة "
هكذا تحدث مايك وهو ينهض من مقعده بعدما حاول مارتن منعه من أخذ حاسوبه للعب تلك اللعبة السخيفة، بحجة أنه يود التحدث مع جولي، لكن مايك رماه بنظرة حانقة وهو ينتزع الحاسوب منه قائلًا بنزق:
" لن تختفي السيدة جولي من الوجود إن غبت عنها ساعة، ثم دعها تشتاق لك يا رجل، ادعي الثُقل قليلًا أيها الاحمق "
أنهى حديثه وهو يبتسم يلقي الحاسوب على الطاولة بعدم اهتمام مصفقًا بيده، قبل أن يستشعر صفعة عنيفة على رأسه وصوت مارتن يوبخه :
" برفق على حاسوبي يا وغد "
أنهى حديثه وهو يندفع صوب الحاسوب يتأكد أنه لم يحدث له شيء، بينما مايك نفخ بعدم اهتمام يفرك يديه بخبث شديد، يقول ليلفت انتباه الجميع :
" انتبهوا لي ياسادة فقد حان الوقت للعب لعبتنا المفضلة لكن بشكل جديد بما أن أغلبنا أصبح مرتبطًا أو متزوجًا أو على وشك الزواج "
تحدث مارسيلو ببرود :
" هي ليست لعبتي المفضلة "
" بل هي كذلك، أنا اخوك الكبير واخبرك أنها كذلك "
ختم مايك حديثه بقوة ثم نظر للجميع يفرد ذراعيه بحماس شديد يقول صارخًا :
" والآن يا رجال مستعدين ؟!"
لكن لم يجبه أحد أو يهتم له أحد حتى، فكل واحدٍ منهم كان في عالمه الخاص، لوى مايك شفتيه بحنق شديد وهو يلاحظ ضيق جاكيري الذي منذ جاء للقصر وهو يتذمر أنهم أفسدوا تخطيطه للزواج، وفبريانو كان يرمق الجميع بحنق شديد مرددًا أنه لم ينتهي بعد من شباب الحي، ولا يعلم أحد ما يقصد، بينما انطونيو كعادته هادئ بشكل مرعب، ومارتن ذلك العاشق الولهان الذي استنزف طاقته في إقناع جولي بالبقاء في المنزل، وعدم قدرتها على القدوم معهم، وهناك مارسيلو الذي اخبرهم أنهم أفسدوا عليه قضية مهمة، وماركوس ذلك الخبيث الذي احضر اليوم طفلة للمنزل وطلب ابقاءها فيه حتى يعود، وجايك الذي لم يرد الرحيل بعيدًا عن الصهباء روز، بينما آدم كعادته لم يعترض أو يقل شيء، وها هو المسكين الوحيد بين الجميع .
نفخ مايك بحنق وهو يتحرك صوب المقعد وقد فقد الشغف بالأمر، يلعن جميع أفراد عائلته الحمقى .
انتبه مايك لهاتف فبريانو الذي كان يضئ أمامه، حيث أنه جلس على المقعد الذي يقبع أمام طاولة فبريانو، مدّ مايك رأسه بفضول ينظر للهاتف، يتأكد أن فبريانو نائم، مدّ يده وانتزع الهاتف بسرعة وهو مايزال ينظر لفبريانو، ثم رفع الهاتف أمام عينه يرى الرسالة التي ظهرت على شاشة القفل في الخارج، وكانت الرسالة من رقم مجهول مزين بصورة لامرأة جميلة، جعلت مايك يضيق عينه وهو يهمس بصدمة يقرأ الاحرف التي تعرض أمام عينه :
" فبريانو يخون روبين ؟!"
__________________
ها هم الاحفاد عادوا للساحة، وهذه المرة تختلف عودتهم ........
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الثامن 8 - بقلم رحمة نبيل
البارت انهاردة طويل اهداء لـ
* كل بنوتة عيلادها انهاردة، لأن حسب ما شوفت فيه بنات كتير اوي عيد ميلادهم اليوم وخوفت اكتب اسماء انسى حد، كل عام وانتم بخير يارب .
* اهداء لكل لطيف بيقرأ كلماتي، ولكل جميل اسعدني بكلماته، شكرًا لكم .
صلوا على نبي الرحمة
_________________________
ابعد مايك الهاتف من أمام عينه وهو يشعر بالصدمة مما قرأ للتو يهمس بينه وبين نفسه :
" ذلك الحقير يخون روبين ؟! ومع من ؟! مع فتاة جميلة كتلك دون أن يخبر أحد "
ختم مايك كلماته بغضب مبطن يرمق الذي كان يعود برأسه على ظهر مقعده وهو يضم ذراعيه لصدره ساقطًا في النوم، أو هذا ما ظنه قبل أن يسمع صوت فبريانو يخرج ببرود :
" دع هاتفي مكانه قبل أن اجعلك تودع تلك الحياة "
انتفض مايك قليلًا قبل أن يبتلع ريقه يتمالك نفسه، يضع الهاتف أمامه وهو يقف في مكانه يصرخ رافضًا لما يحدث :
" جيد أنك سمعت كل شيء أيها النذل، اقسم سوف أخبر روبين تلك الغبية التي تركت رجال العالم واحبتك أنت "
أنهى كلماته يتحرك من المقعد المقابل لمقعد فبريانو، لكن فجأة شعر بشيء يسحبه للخلف، مما جعله يفتح عينه بفزع وهو يدرك أن شياطين فبريانو قد خرجت؛ لذلك صرخ برعب يتمسك بالمقعد الذي يجاوره يرفض أن ينقاض لجذب فبريانو، يتمسك بالمقعد وكأنه طوق النجاة وسط أمواج عاتية، يطلق صرخات عالية :
" لا لا، لن اخبرها اقسم لن اخبرها، أيها الحقير دعني، أنقذوني سيقتلني"
تحرك مارتن من مكانه وهو يتجه صوب مايك ينزع طرق ثيابه من الطاولة وقد علقت به، وهذا سبب شعوره بشيء يجذبه، نظر مايك لثيابه التي تقبع في يد مارتن الذي كان يبتسم بسخرية لاذعة، لكنه رغم ذلك اعتدل في وقفته يعدل من ثيابه بكبرياء، يلقي بنظرة خلفه على فبريانو الذي كان يبتسم بسمة باردة ساخرة ولم يحرك حتة اصبع من أصابعه، يراقب ما يحدث باستمتاع، بينما مايك تحدث متحركًا صوب المقعد المجاور لماركوس :
" فعلتُها قصدًا "
انهى حديثه يتوسط المقعد المجاور لاخيه الذي كان يضع سماعه في أذنه يستمع لبعض النغمات منعزلًا عن الجميع، لكن فجأة وجد السماعة تُنتزع بعنف من أذنه وصوت مايك يصدح بحنق :
" وأنت أيها اللعوب الصغير، تخون الطبيبة سارة مع تلك الطفلة، أيها المريض، تقع في حب طفلة صغيرة؟! تبًا لاخلاقك مجرم وغد "
رمقه ماركوس بصدمة من حديثه يردد بعدم فهم :
" الطبيبة سارة ؟! وما علاقتي بتلك الفتاة؟! ثم من تلك الصغيرة ؟! فيور ؟! هي ليست صغيرة كما تبدو، لكن ..."
قاطعه مايك بإشارة من يده وهو يجعله يصمت مرددًا :
" اششش لا تبرر مرضك أيها القذر، اقسم أنني سأخبر جدي "
ولم يسمح مايك لماركوس بتبرير الأمر وهو يضع السماعة التي انتزعها للتو من إذنه في أذنه، يردد بحنق شديد :
" الآن أدركت أن سيلين كانت محقة، جميعكم عديمي اخلاق اوغاد "
_____________________________________
سقطت دموع رفقة وهي تستمع للحديث الذي يُدار حولها، بينما روبين تضمها بقوة إلى صدرها، تحاول تهدئتها، فبعدما جاءت لزيارتها، جاء المحامي الخاص الذي عينه جاكيري ليتولى قضيتها، واتى ليخبرهم بكل التطورات .
" يعني ايه ؟! يعني أنا هتسجن ؟!"
خرج صوت رفقة متحشرجًا يخفي خلفه اوجاع وألم كبير، بينما اعتدل المحامي في جلسته وهو ينتقي كلماته جيدًا :
" لا طبعًا مش موضوع سجن، بس ده اللي هيسهل الأمور، ولما تسلمي نفسك ده هيحسن من موقفك في القضية، وبعدها نبدأ نقدم الأدلة، لأن هروبك بيثبت التهمة عليكِ، الحجز هيكون على ذمة التحقيق "
صمت ثم قال بتردد :
" أنا جيت أبلغكم بالموضوع؛ لأن عرفت أن الأستاذ جاكيري سافر، وهو آخر مرة عرضت عليه الموضوع ده اتعصب وكان هيقتلني وقتها، فحبيت اخليكم على نور، الافضل تسلمي نفسك بنفسك، وبعدها هبدأ أنا اترافع واقدم الأدلة اللي تقدر تخرجك، خصوصًا أن الأستاذ جاكيري اخر مرة قالي أنه قرب يوصل لدليل مهم اوي في القضية "
أنتهى يرمق الوجوه حوله، منها المرتعب ومنها القلق ومنها الحزين، تحدث توفيق بخوف وهو ينظر لرفقة التي كانت شاحبة تمامًا :
" يعني هو مينفعش حضرتك تقدم الأدلة دي كده، يعني من غير ما هي تتحبس ؟!"
" موقفها في الحالة دي هيكون صعب جدًا، بس هو مش مستحيل ممكن تعملي توكيل وانا اقدر اتولى الدفاع عنها في كل الجلسات "
صمت المحامي وصمت الجميع تباعًا له، فقد ألقى الكرة في ملعبهم للتو وها هم وضعوا بين شقي الرحى، بين أن تبقى في الخارج ويسوء موقفها، أو أن تعاني ويلات السجن حتى تنال برائتها من قضية لُفقت لها .
بطت رفقة وهي تدفن نفسها في أحضان روبين التي بكت هي الأخرى، واسكندر يجلس لا حول له ولا قوة، يضم رأسه بين يديه وقد أصبح يشعر بالاختناق، كل شيء يتدهور واخته ستضيع من بين يديه لأجل لا شيء .
تحرك المحامي بعدما ابلغهم أنه في مكتبه ينتظر منهم أمر بالخطوة القادمة، ثم استأذن وخرج من المنزل، وقد ران صمت عظيم على الجميع، كانت سيلين تنظر للجميع بجهل، تجهل معنى الحديث الذي دار أمامها منذ ثواني، لكن بالنظر للوجوه تعلم جيدًا أن ما حدث وما قيل ليس بالسعيد أبدًا ........
______________________________
سيارة واحدة كبيرة سوداء، جميع نوافذها سوادء تتحرك في ظلام الليل مستغلة تطابق الوانها مع لون الليل حولها، صوت الحشرات الليلية يكاد يثقب آذان من بداخل السيارة .
كل ما يمكن سماعه داخل السيارة هو صوت تجهيز الأسلحة، كان الجميع ينظر لبعضهم البعض، وصوت انطونيو يصدح بجدية كبيرة بينما يجلس في الامام جوار مارسيلو الذي يقود السيارة :
" الجميع علم وظيفته، نحن لا نريد قتل أحد، نحن نريد فقط الحاسوب ونرحل "
أنهى كلمته وهو ينظر لفبريانو تحديدًا وكأن حديثه السابق كان موجهًا له هو من بين الجميع، لكن فبريانو لم يفعل سوى أنه نظر لمارتن وهو يقول بجدية يجهز سلاحيه :
" سمعت يا مارتن ؟! نريد الحاسوب فقط؛ لذلك خذ الحاسوب وأخرج دون أذية أحد"
ختم كلمته وهو يرفع سلاحيه مرددًا ببسمة مخيفة :
" دع هذا الأمر لي "
" فبريانو ....."
وكانت تلك الكلمة الحادة خارجة من فم انطونيو الذي يعلم جيدًا أن فبريانو لن ينقاد لاوامره، لكن فبريانو لم يهتم وهو ينظر لجاكيري بجدية يقول :
" اخبر اخاك جاكيري أنني لا أحب هذه المهمات السخيفة، وإلا لما استدعوني ؟! على الاقل كنت الآن اقتل الرجال في الحارة واستمتع "
أنهى حديثه وهو يرمق انطونيو بضيق شديد وكأنه سحب من أمامه لعبته المفضلة تاركًا إياه ينظر للجدران بملل، لم يهتم جاكيري بحديث أيًا منهما وهو مازال حانقًا على الجميع بعدما سحبوه من وسط تجهيزات زفافه ...
" دعه فبريانو فالسيد انطونيو لا يهتم بشيء، ولم يهتم أنني استعد لزفافي حتى يجبرني على المجئ، فهو تزوج وحصل ما يريد وليحترق الباقيين "
هز مايك رأسه بشيء من خيبة الأمل :
" تؤ تؤ تؤ، هذا أنت يا جاكيري ؟! أنت من حسدت أخاك، عارٌ عليك ونحن من ظللنا نقول من تسبب بعينه في شجار انطونيو الاخير ؟! وفي الاخير كان أنت؟!"
ابتسم مارتن بسخرية لاذعة وهو يرتدي حقيبة ظهره التي تحمل الحاسوب، يردد بتهكم :
" نعم صحيح عيبٌ عليك جاكيري "
لم يهتم لهم جاكيري وهو يضع أسلحته في المكان المخصص لهم يرتدي سترته التي تحتوي بعض الخزائن الخاصة بالسلاح، بينما آدم نظر لماركوس و جايك اللذين كانا ساقطان في نومٍ عميق يهز الاثنين بحنق :
" هيييه أنتما، استيقظا لقد وصلنا "
تمتم جايك بغضب وهو يبعد يد آدم عنه :
" ألم تجد لحظة افضل من تلك لتقطع احلامي السعيدة ؟!"
انقض عليه مايك وهو يقول ببسمة خبيثة :
" ماذا هل وجدت أخيرًا مكانًا منعزلًا لمرضاة الصهباء والحصول على قبلة بعيدًا عن الأعين ؟!"
ردد انطونيو وقد انتبه الحديث بين الاثنين :
" الصهباء ؟!"
ابتسم مايك بخبث وهو يستدير لانطونيو يردد وهو يشير خلفه لجايك الذي كان يفرك عينه بنعاس، ينظر حوله دون أن يستوعب ما يحدث، لكن حديث مايك لأخيه اخترق منطقة وعيه وهو يسمعه يردد :
" آه، ألم تعلم بعد أن أخاك قليل الادب هذا يغازل الصهباء روز وقد كــ.."
ولم يمنح جايك مايك الفرصة لتكملة ذلك الحديث لانطونيو الذي رفع أحد حاجبيه بحدة وهو يرمق أخاه، وفي هذه اللحظة كان جايك شاكرًا لتوقف السيارة، ابتسم براحة يترك فم مايك هامسًا بغيظ :
" أنت لعين مايك "
ابتسم له مايك وهو يراقب الجميع يهبط من السيارة بهدوء شديد وحذر، ثم هبط خلفهم وبعده هبط جايك وماركوس، والجميع ينظر للمكان أمامهم بتعجب، فقد كان يبدو كمخزنٍ كبير، وليس قصر .
استدار انطونيو يرمق مارتن الذي كان يعدل من وضعية الحقيبة أعلى ظهره :
" متأكد أنه هنا مارتن ؟! كيف يمكن للحاسوب أن يكون في مكان كهذا ؟!"
هز مارتن كتفيه بجهل وهو يشير برأسه :
" الإشارة تأتي من هنا انطونيو "
نفخ انطونيو ثم في حركة سريعة مرر نظره على محيط المخزن بجدية قبل أن يقول بشك :
" لا يوجد أحد يحرس المكان، احذروا ربما يكون فخ؛ لذلك أهم خطوة الآن هي التأني والحرص فـ "
لم يكمل كلمته وهو يشعر بدفعة خفيفة في كتفه وتخطي فبريانو له يخفض قناعه الاسود يردد ببسمة مخيفة وهو يخرج سلاحيه :
" اتبعوني......."
رمق انطونيو رحيل فبريانو قبل أن يخفض قناعه وهو يردد بغضب شديد :
" ذكروني ألا نحضره معنا مجددًا "
تحرك بعدها انطونيو وخلفه الجميع، يسيرون خلف فبريانو الذي كانت جميع حواسه متأهبة وبشدة لاي ظهور مفاجئ، وعينه تدور في المكان، حتى أصبح على مقربة من المخزن نفسه، استدار وهو يقول ببسمة وقد بدا كطفل يقف أمام مدينة الملاهي ولا يطيق صبرًا لتجربة جميع الالعاب بها :
" يارجل يبدو الأمر ممتعًا "
وبمجرد انتهاء كلماته حتى ارتفع صوت رصاص مرعب في الأجواء، جعل ابتسامة فبريانو تتسع وهو يشير للمخزن حيث أصوات الرصاص :
" ألم أخبركم ؟!"
______________________________
نظرت هايز حيث الورق الذي يقبع في يدها لأجل عملية أيان القادمة، تقول بكل جدية وهي تجلس أمام المكتب الخاص بالطبيبة سارة :
" لكن اعتقد أن الأمر سيكون مجازفة كبيرة، أعني ثلاث عمليات في نفس الوقت ؟! هل سيسمح عمره بهذا ؟!"
أبعدت سارة عينها من على الأوراق وهي ترد على سؤال هايز بكل عملية :
" هايز حبيبتي لقد فعلناها مرارًا وتكرارًا، ثم إن العمليات لن تكون في نفس الوقت تقريبًا، ولقد تناقشنا أنا والأطباء بالأمر ورأينا أن هذا افضل ما نقوم به لأجله "
صمتت ثواني قبل أن تعقب بصوت خافت مشفق :
" لم يتبق لايان الكثير، نحن نبذل أقصى ما بوسعنا لأجله "
منعت هايز دموعها من الهبوط، قبل أن تستمع لصوت استدعائها ينطلق في مكبرات المشفى؛ لذلك استأذنت بهدوء وهي تخرج تاركة سارة تنظر في إثرها بحزن وشفقة، قبل أن تنزع نظارتها الطبية تلقيها على المكتب، تتنفس بتعب ماسحة وجهها، وتلقائيًا تحركت يدها صوب درج مكتبها تخرج تلك الورقة التي بدأ عندها كل شيء، رسالة مجهولة وجدتها أسفل باب مكتبها عندما دخلت إليه ذات يوم، لتقلب كيانها كله، مرت أعينها على الاحرف التي حفظتها وهي تحاول إقناع نفسها ألا تتأثر بما كُتب بها ( ربما تتعجبين أنني ارسل لكِ رسالة بهذا الشكل التقليدي، لكنني اردت فقط أن أوصل لكِ مشاعري بشكل غير مباشر، واخبرك أنني أصبحت اسيرًا لكِ ولضحكتك سارة، أصبحت اتفنن في استفزازك حتى اظفر بنظرتك الحانقة التي تصيب قلبي في مقتل، في البداية لم أكن انظر لكِ بعين محبة، بل نظرت إليكِ بنظرة عادية ارمق بها الباقيين، قبل أن اسقط شيئًا فشيء في فخ ضحكاتك وحديثك الهادئ، أنا أحبك سارة"
وقتها لم تعلم المرسل، لكنها استطاعت أن تسأل عمن تواجد جوار مكتبها ذلك اليوم، وتأكدت أن ماركوس هو من كان بالقرب منه وقتها كما أخبره أحد العاملين، هي حقًا لا تعلم ما حدث لها منذ عرفت بالأمر، لكن شعور أن يحبك أحدهم بهذا الشكل، أصابها وبقوة، جعلها لا تنفك تفكر فيه .
انتفضت سارة برعب وهي تجد الباب يفتح بشكل مفزع واندرياس ( خطيبها ) يفتح المكتب وهو يتحدث بمرح كعادته :
" إذًا مازلتِ ستأتين مـ.."
توقف عن التحدث وهو يرى شحوب ملامح سارة وهي تحاول اخفاء شيء خلفها، لكنها من كثرة توترها أسقطت الورقة ارضًا، رمقها اندرياس بتعجب وهو يتجه صوب الورقة، بينما هي انتفضت بعنف تحاول منعه من رؤية ما بها :
" لا اندرياس هذه ....."
وتوقفت باقي جملتها في حلقها وهي ترى انعاقد حاجبيه بشكل اثار رعبها، وعينه تمر على الكلمات أمامه، كان جسده متصلب بشكل جعل سارة تفتح فمها بسرعة لتبرر الأمر :
" لقد ...لقد وجدتها....أحدهم اااا"
" إذن لقد قرأتيها ؟؟ ظننت أنكِ لم تعثري عليها "
لثواني لم تفهم سارة شيء وهي ترى اندرياس يستدير ببطء وهو ينظر لوجهها يقول بتردد :
" لِمَ لم تخبريني أنكِ قرأتيها؟! ظننت أنكِ لم تفعلي؛ خاصة أنكِ لم تأتي على ذكرها ابدًا "
" أنت..... أنت من ارسلها ؟!"
انكمشت ملامح اندرياس بتعجب :
" ومن تتوقعين أن يفعل ؟!"
فتحت سارة فمها بعدم تصديق وهي تعيد شعرها للخلف تفكر أن اندرياس هو من فعلها وليس ماركوس كما ظنت ؟! اندرياس هو من يحبها وليس ماركوس، اندرياس خطيبها الذي ارتبطت به فقط لأجل والدها وهو فعل المثل، لأجل مصالح مشتركة بينهما، ابتلعت ريقها وهي تضع يدها على وجهها تشعر الأرض تدور بها، لولا ذراع اندرياس التي تلقتها وهو يقول برعب يضمها له :
" سارة، حبيبتي ما بكِ، اجلسي دعيني افحصك، هل أنتِ بخير ؟!"
رفعت سارة عينها تنظر لاندرياس من بين ذلك الغشاء الذي يحيطها هامسة:
" اشعر فقط بالإرهاق اندرياس، اعدني للمنزل ارجوك فلن اتمكن من القيادة "
هز اندرياس رأسه بنعم، ثم انحنى وعلى حين غرة حملها يتحرك بها للخارج تحت صدمتها وصدمة الجميع، بينما هو لم يهتم بأي أحد وهو يقبل رأسها بحنان يتمتم لها ببعض الكلمات العاشقة والمرتعبة عليها، وبدون شعور استندت سارة على صدره تغمض عينها ببطء وهي تخبر نفسها أن الرسالة التي وقعت في حبها، وأن الكلمات التي مستها كلهم ملك لذلك الذي حملها، والسؤال الآن هل بالفعل أعجبت بماركوس كما أقنعت نفسها، أم بالرسالة التي كانت تنبض بحب تفتقده ؟!
_____________________________
" يبدو أنهم بدأوا دون انتظارنا "
هكذا همس مارسيلو وهو يبتسم بسمة جانبية، يلحق بالجميع وقد بدأوا يتحركون بشكل حذر صوب أحد الأبواب الجانبية التي اختارها مارتن لهم خصيصًا وذلك لبعدها عن الكاميرات التي تحيط المخزن كله، نظر انطونيو خلفه لمايك وهو يشير له أن يفتح الباب ..
تحرك مايك صوب الباب ينزع حقيبته من على ظهره يخرج منها أدواته، ثم حمل مِفك في يده ولم يكد المفك يلمس الباب حتى وجد الجميع الباب يسقط بعنف ارضًا، مما جعل مايك يرفع المفك أمام عينه ببلاهة، وهو ينظر للجميع بعدم فهم، لكن ذلك الجسد الذي سقط على الباب بعنف وضح الأمور .
مد التسعة رؤوسهم لداخل المخزن، ليتضح لهم أن هناك حرب مشتعلة بين طرفين في الداخل، ويبدو أن الحرب في نهايتها .
لوى فبريانو شفتيه بخيبة أمل وهو يقول :
" هذا ليس ممتعًا "
نظر انطونيو لهم يفكر في حل لما يحدث، فهم لم يتوقعوا أن يتزامن وجودهم مع حدوث حرب هنا؛ لذلك أشار الجميع بالعودة للسيارة بسرعة، لكن فبريانو لم يستمع له وهو يشير لرجل يخنق اخر في الداخل :
" يارجل ألا قلب لديك، انظر كيف يخنق أحدهما الآخر ؟! "
أنهى فبريانو حديثه وهو يتحرك للداخل بسرعة تحت نظرات انطونيو العنيفة والغاضبة التي كادت تشعل فبريانو ومن حوله، لكن فبريانو لم يهتم وهو يقترب من ذلك الرجل الذي يخنق الآخر، ثم رفع سلاحه وصوبه على قدم الرجل الذي يحاول قتل الآخر يقول بتهكم :
" أنت أيها المجرم كيف تخنقه بهذا الشكل ؟! ألا تمتلك قلبًا ؟!"
نظر له الرجل المسطح ارضًا برعب لا يفهم حديثه ولا يفهم لكنته، يحاول البحث عن سلاحه الذي سقط أثناء قتاله منذ قليل، بينما كان سعال الرجال الآخر يرتفع في المكان بقوة يفرك رقبته يحاول تخفيف ذلك الاختناق الذي يشعر به بينما نظر له فبريانو بشفقة مصطنعة قبل أن يطلق رصاصة لتتوسط ذراع الرجل مرددًا بتوبيخ :
" هذه لأنك تركته يفعل بك ما فعل "
مسح انطونيو وجهه بغيظ وهو يصرخ في الجميع في غضب :
" ماذا تنتظرون ؟! اهجموا على المكان "
وهكذا حدث، حيث تدخل التسعة ينهون القتال الدائر، وقد ساعدهم أن أعداد الرجال قد قلت بعدما قتل بعضهم الآخر ولم يتبق سوى القليل فقط ويمكن عدهم على يد واحدة، كان فبريانو يجلس القرفصاء ارضًا جوار الرجلين يحدثهما بكل جدية يتجاهل ما يفعله اولاد عمومته وإخوته :
" الحياة قصيرة اخوتي؛ لذلك لا تستحق أن نحياها بكل ذلك الكره، حسنًا هي لا تستحق أن نحياها على أية حال"
اغمض عينه جاكيري عينه بغيظ، وهو يصرخ وقد وصل غضبه لاعلى مستوى يضرب من أمامه بجنون كبير وكأنه يحملهم مسؤولية إحضاره لهنا، يحملهم ذنب تركه لحبيبته قبل زفافهم، بينما انطونيو كان يبحث رفقة مارتن عن الحاسوب الذي يحوي معلومات خطيرة عنهم جميعًا وقد اخبرهم جاسوسهم بوجود معلومات قد تطيح بكل مجموعتهم لدى جماعة " مارا 18" .
نظر مارسيلو حوله يرى أن الأمر حقًا لا يستدعي وجوده؛ لذلك تحرك وهو يقول بجدية تبعًا لأوامر انطونيو :
" سوف اجهزه السيارة للرحيل "
كان فبريانو يشارك الجميع في الانتهاء من العصابة بعدما تمكن وبكل تفهم من جعل الرجلين يتصالحان، وأثناء عمله سمع رنين هاتفه، توقف عما يفعل وهو يخرجه من جيب بنطاله يبصر رقم غريب، نفس الرقم الذي وصلته منه الرسالة، رقم الحقيرة روزيلا " الآنسة واتسون "، لكنه لم يجب عليها ووضع الهاتف في جيبه يراقب الاجواء الهادئة حوله وقد انتهى كل شيء وخفتت الأصوات التي كانت تصدح منذ ثواني، لكن عاد هاتفه للرنين مشيرًا لوصول رسالة له، فتح فبريانو الهاتف وهو يرمقه ببرود شديد يتجه للخارج حتى يأتي انطونيو بالحاسوب، لكن فجأة توقفت قدمه عن الحركة وتوقف كل شيء وهو يرى صورة لروزيلا جوار منزل وهي تبتسم بسمة واسعة تشير باصبعيها كما لو كانت تتصور جوار أحد المعالم السياحية، لكن ذلك لم يكن معلم سياحي، بل كان منزل الجدة لولو ......
__________________________
أطلقت روبين ضحكة عالية وهي تنظر لأفعال توفيق وسيلين، نظرت لرفقة التي كانت تحاول ابعاد الاثنين عن بعضها البعض، واسكندر يهز رأسه بيأس على الاثنين .
" خلاص بقى يا رفقة سيبيهم وهما مش صغيرين هيلاقوا حل "
نظرت رفقة لها بغضب وهي تقول بسخرية لاذعة :
" اسكتي أنتِ متعرفيش اللي بيعملوه، الخناقة دي هتنتهي بواحد فيهم معاق أنا عارفة "
انتبهت رفقة أثناء حديثها لما يفعل توفيق؛ لذلك صرخت بحدة وهي تركض صوبه بفزع :
" بتعمل ايه يا عم توفيق ؟! سيب الطفاية من ايدك، هتقتل الست "
صاح توفيق بعناد كبير :
" هكسر دماغها يعني هكسرها، بقى أنا على آخر الزمن واحدة إصدار الثلاثينات تعلم عليا ؟! هي مفكراني هخاف من البقسماطة اللي هي مسكاها في أيدها دي وماشية تضرب بيها الكل "
أنهى حديثه وهو يشير لعكاز سيلين التي لم تفهم منه كلمة واحدة وهي تقول بحدة :
" اخفض صوتك يا عجوز، كل هذا لأجل عوامتك الغبية ؟!"
صرخ توفيق بغضب شديد :
" عوامة غبية ؟! عوامة باتمان بتاعتي غبية؟! ده أنا هعمل من جلدك عوامة يا انثى العرقوب "
ضحكت روبين وهي لا تستطيع تصديق إلى أي حد قد يصل حوار هذين الاثنين، لكن وأثناء ضحكها وجدت اسكندر يتحرك من مقعدها يتجه لها وهو ينظر بتردد صوبها، يبتسم بسمة خجلة بعض الشيء مرددًا :
" طولتِ الغيبة يا روبي "
ابتسمت روبين بود وهي تجيب اسكندر فهو كان من اقرب الأشخاص لها قديمًا :
" اديني رجعت اهو يا اسكندر "
هز رأسه ثواني ثم قال بتردد :
" وجاسي ؟!"
" مالها جاسي؟!"
ابتلع اسكندر ريقه لا يعلم كيف يخبرها الأمر، يخجل من إظهار اهتمامه بها على العلن :
" قصدي يعني مشوفتش جاسي معاكِ "
" اه هي لسه هترجع اول الاسبوع الجاي مع بابا وماما "
هز اسكندر وكاد يتحدث يطلب منها رقم جاسي، لولا رنين هاتف روبين الذي أحضره لها فبريانو حتى يسهل له التواصل معها، كان هاتفها يعرض تذكير بمعاد التدريب الخاص بها؛ لذلك نهضت سريعًا تحمل حقيبتها وهي تقول بجدية تقترب من رفقة تضمها ضمة سريعة :
" همشي أنا يا ريفو عشان التمرين وهحاول اجيلك بليل مع فبريانو "
تركت رفقة ما كانت تقوم به وهي تصرخ :
" ريفو ( اسم دواء ) ايه يا روبين شيفاني اسبرينه قدامك ؟! "
ضحكت روبين وهي تتحرك خارج القصر متجاهلة الصرخات المندلعة به وقد ازدادت الحرب شراسة بين كلًا من توفيق و سيلين، أوقفت سيارة أجرة وهي تصعد لها تتصل بجدتها حتى تخبرها بوجهتها، ولم تنتبه لتلك السيارة التي تحركت خلفها دون أن تحيد عنها ثانية ....
__________________________________
بمجرد خروج الثمانية من المخزن متجهين نحو السيارة التي أعدها مارسيلو للهروب، بعدما وجدوا الحاسوب، حتى ابصروا سرب من السيارات يقترب جهة المخزن جعل انطونيو يصرخ بعنف :
" للسيارة بسرعة، جاكيري قُد أنت "
ركض الجميع للسيارة، وقام جاكيري بدفع مارسيلو جانبًا، ثم صعد هو خلف المقود، ينظر خلفه يتأكد أن الجميع صعد، ليهتف بجدية مخيفة :
" دعونا نزيد الحماس "
أنهى كلماته وهو يشغل المسجل الخاص بالسيارة ثم نظر لجايك وهو يغمز له قائلًا :
" هيا جايك اريد شيئًا حماسيًا "
نهض انطونيو من مقعده وهو ينقض على جاكيري صارخًا :
"تحرك واللعنة"
لكن جاكيري أصر على رغبته :
" يارجل صراخك هذا لن يفيد، أنا فقط اريد اشعال الأجواء، أم تريدنا أن نتحرك هكذا دون موسيقى؟! هل رأيت بحياتك مطاردة دون موسيقى حماسية ؟!"
نظر مارسيلو للخلف يرى أن السيارات قد أضحت على مقربة كبيرة منهم، وخلال ثواني فقط سوف يحصل تصادم بينهم، تحدث بكل هدوء وهو يشير للخلف :
" اعتقد أننا في مشكلة كبيرة هنا "
اجابه جاكيري بجدية وهو يعبث بأزرار المسجل يؤيد رأيه :
" نعم حقًا هذه مشكلة كبيرة، أنا لا أجد الزر الخاص بالارتباط بالهاتف "
قرب مارسيلو وجهه من الازرار وهو يتناقش مع جاكيري بكل جدية :
" جرب هذا الاخضر "
مال فبريانو برأسه جانبًا وهو يردد بجدية :
" اعتقد أن الرجال في الخلف لن يمانعوا أن يقتلونا دون موسيقى "
أخرج انطونيو سلاحه وهو يرفعه في وجوه الجميع صارخًا بغضب قلما خرج منه :
" اقسم إن لم تتحرك لاقتلنكم جميعًا قبل أن يصلوا هم "
صاح جاكيري بسعادة كبيرة وهو يستمع لصوت ينبئه باستجابة المسجل للارتباط بهاتفه، أخرج هاتفه وهو يحرك أصابعه على الشاشة بخفة ثم قال ببسمة واسعة يتجاهل الضربات العنيفة في مؤخرة السيارة :
" هذه أغنية عربية جديدة اعجبتني "
وبمجرد صدوح الأغنية في السيارة حتى ابتسم جاكيري وهو يهز رأسه باستمتاع شديد على الأغنية، ثم مد يده وعاد بشكل مفاجئ للخلف متسببًا في انحراف السيارة التي كانت تصطدم به منذ ثواني، وبعدها تحرك للامام مجددًا، لكن بقوة جعلت من في السيارة يتحركون بعنف، لدرجة جعلت مارتن يسقط من على مقعده هو وماركوس الذي صاح بغضب شديد، يشعر بالسيارة تكاد تطير بهم .
صرخ ادم بعنف وهو يشعر بالحركة العنيفة للسيارة، بينما جاكيري كان لا يعير أي أحد اهتمام وهو يقود السيارة كما يحب، كان يتحرك في حركات غير منتظمة ويسلك طرق غير ممهدة، جعلت الجميع يهتز في السيارة بشكل جنوني، بينما هو يصرخ بحماس شديد وخلفه جايك كان بحرك يده وكتفه على الموسيقى العالية، بينما انطونيو يغمض عينه بغضب يتمسك بالسيارة حتى لايكون مصيره كمارتن وماركوس اللذين كانت اجسادهما تتحرك بعنف في ممرات السيارة حتى شك أن عقلهما تحرك من مكانه .
ابتسم جاكيري وهو ينظر للنافذة يرى سيارتين يقتربان منه بشكل جعلهم محاصرين؛ لذلك ابطء حركة سيارته شيئًا فشيء، أبصر اقتراب السيارتين من طرق جانبية وأخرى من الخلف حتى يحاصروا سيارتهم، وبمجرد توقف سيارة جاكيري حتى ازدادت سرعة السيارات الاخرى بشكل جنوني صوبه، ابتسم جاكيري وهو يرى تحفز الجميع في السيارة لما يحدث، وهم يرون أن هناك سيارة من كل جانب تقترب منهم بشكل مرعب، هتف مايك بجنون وهو يصرخ في جاكيري بصوت عالي :
" سنموت ايها المختل، تحرك "
لم يهتم له جاكيري وعينه تراقب تدافع السيارات له، وفي اللحظة التي أضحت السيارات على مقربة منه، حتى عاد شكل مفاجئ للخلف ليتسبب في تصادم السيارتين معًا بشكل مرعب، كما أن سيارته اصطدمت في أخرى كانت تأتيه من الخلف وبهذا الشكل تخلص جاكيري من الثلاث سيارات مستغلًا نوعية سيارته التي تشبه المدرعات، ابتسم وهو يعود للخلف يدفع السيارة التي خلفه ويحركها كيفما يشاء، ثم وبشكل غير متوقع انحرف في طريق جانبي مسرعًا قبل أن يتدارك أحد ما حدث .
صرخ جايك بحماس شديد وهو ينقض على جاكيري :
" ايها الوغد كيف فعلت ذلك ؟!"
ابتسم جاكيري وهو يغمز له في المرآة :
" كما كنت افعلها كل مرة اقود بها سيارتك "
أنهى حديثه بضحكة عالية، بينما نهض مارتن من الأرض يحاول التحكم في جسده بعدما شعر وكأنه كان في زجاجة وأحدهم يرجها بقوة، بينما فبريانو لم يكن يهتم بكل ما يحدث، فأثناء تلك المعركة كان هو يضع سماعة بإذنه يشاهد شيء باهتمام على هاتفه، وانطونيو ابتسم بسمة جانبية ثم نظر لمارتن يسأله بعينه عن الحاسوب، لكن مارتن لم يكن منتبهًا له وهو يتسطح على الأريكة الخلفية يشعر بالغثيان وهو يصرخ بتعب :
" هذه المرة الأخيرة التي اركب فيها سيارة معك أيها الحقير "
____________________________
بعد ساعات من تلك الأحداث :
يقود سيارته متجهًا صوب منزل روبين بسرعة، فمنذ تلك الصورة التي ارسلتها له الحقيرة روزيلا وهو يجلس على جمر رغم البرود الذي أظهره للجميع؛ لذلك بمجرد انتهاء المهمة ركب طائرة مباشرة من هناك دون المرور على ايطاليا، واتى هو وجاكيري لهنا، والباقون عادوا لإيطاليا.
أخرج هاتفه يتصل بروبين المرة التي لا يعلم بعددها، ومجددًا نفس الرد ( الهاتف مغلق أو غير متاح )، زفر بحنق وهو يكاد يلقي الهاتف من السيارة، لولا تذكره لامر هاتف المنزل، ؛ لذلك سريعًا أجرى اتصالًا بالهاتف، وانتظر قليلًا حتى وصل له صوت العجوز لولو كالعادة ...
" أين روبين لولو ؟!"
" مش ملاحظ أنك اخدت عليا وبتقولي لولو بدون القاب ؟!"
قلب فبريانو عينه بسخرية وهو يراقب الطريق من المرآة الجانبية :
" حسنًا الأمر أن الجدة لولو يبدو شيئًا مبتذلًا؛ لذلك إن اردتِ أن نحتفظ بالالقاب سأناديكِ الجدة وادي، والآن أين هي حفيدتك القبيحة ؟!"
وصله صوت لولو المغتاظ وهي تقول بحنق كبير :
" واد أنت مش محترم حد ولا ايه ؟! قبيحة مين دي ؟! أنت كده هتعقد البنت يا متخلف، بعدين مش أنت جبتلها تليفون؟! أتصل بيها واسألها "
" هاتفها مغلق "
" اكيد زهقت منك ومن خلقتك، اصل مين اللي هيستحمل واحد زيك دبش لسانه متبري منه، ومعندوش دم ولا متربي ؟!"
كان فبريانو يستمع لحديث لولو وهو يحرك رأسه ببطء تزامنًا مع انطلاق كلماتها وكأنه يؤكد على حديثها :
" نعم أنتِ محقة لولو، أنا شخص سيء حقًا ولا استحق ملاك كروبين، لكن ماذا أفعل هذا قدرها أن يقع شخص حقير مثلي في حبها؛ لذلك لا فكاك لها مني سوى بالموت، والآن أنتِ لا تودين أن يقوم هذا الشخص الحقير بقتل عجوز صحيح ؟! سيكون هذا سيئًا، لكنني لن أمانع إن كانت تلك العجوز هي أنتِ"
ولم يصل له إجابة من الطرف الآخر، وعم صمت قصير قبل أن يقطعه وهو يقول بنبرة مرعبة :
" أين هي حفيدتك لولو ؟! "
________________________
" تمام العرض التاني روبين وأنت يا حامد اجهزوا يلا "
هزت روبين رأسها وهي تنهض تتحرك صوب المسرح تعدل من وضعية فستانها الرقيق الذي تتدرب به عادة، تبتسم بسمة صغيرة وهي تنظر لرفيقها في الفريق والذي ستشاركه تلك الرقصة، تتنهد براحة شاكرة الحظ أن معاد الرقصة الثنائية اليوم، حيث لا فبريانو ولا مراقبات، اتسعت بسمتها وهي تتوسط المسرح تقف أمام زميلها والذي هو نفسه خطيب صديقتها، أخذت روبين ترفع جسدها وتقف على أطراف قدمها في حركات تشبه الإحماء، ثم رفعت إصبعها بمعنى جاهزة .
تحركت روبين تقف عند طرف المسرح حتى تفتتح الرقصة بالحركة المتفق عليها، لكن أثناء تحركها انتبهت بطرف عينها لشخص يدخل للمسرح، لكن بسبب ظلام المكان الخالي من الإضاءة عدا المسرح، لم تتبين ملامحه، لكن تلك الرجفة التي أصابتها وهي تدقق في بنيته الجسمية جعلتها تبتلع ريقها برعب وهي تخبر نفسها أن فبريانو ليس هنا، هو سافر واخبرها أن هذه المرة قد يبقى ليومين أو أكثر .
توقف فبريانو عند باب المسرح وهو يضم يديه لصدره يراقبها تتحرك كفراشة على المسرح، دماءه تغلي غضبًا وهو يرى ذلك المدرب يقف على المسرح ويدقق حركاتها، لكن لا بأس هو سيتحدث معها بــ.. وتوقفت افكار فبريانو وهو يلمح جسد شاب يظهر فجأة على المسرح يتحرك بخفة كبيرة صوب روبين، اعتدل في وقفته بعد تحفز جميع أعضائه وهو يراقب ما يحدث أمامه عينه بشر مخيف ......
________________________________________
كان يتحرك في ممرات المبنى المخصص لتلك المجلة التي تعمل بها لورا، يبتسم وهو ينظر حوله بهدوء شديد، يسأل كل من يقابله عن مكان مكتب لورا، حتى وصل إليه، ابتسم وهو يرى اسمها يقبع على لوحة تزين باب المكتب رفقة اسمين آخرين، ولم يكد يرفع يده ليطرق الباب حتى وصل لمسامعه صوت أنثوي مغري يهتف بسخرية :
" لِمَ لا توفرين كل مجهودك الذي تبذلينه في إحضار تلك الأخبار المملة وتعملي بوظيفة أخرى لورا ؟!"
" انظروا من يتحدث صاحبة الاخبار المسروقة، عزيزتي ماليكا هل تدركين مقدار سطحية اخبارك التي تسرقينها من غيرك!! أعني من يهتم بآخر صيحات الموضة ؟!"
ووصل لها الرد من ماليكا ساخرًا متهكمًا :
" جميع الفتيات عداكِ لورا، هذا إن اعتبرناكِ واحدة منهن، ثم هذه الأخبار السطحية كما تصفينها، هي تمهيد لخبر سيهز عالم الموضة في ايطاليا حينما اكشف وجه مافو للجميع "
رفع مايك حاجبيه بتعجب وهو يتحسس وجهه بسخرية قبل أن يرفع يده ويطرق الباب، سمع صوت رجولي يأتي من داخل الغرفة وهو يدعوه للدخول؛ لذلك تحرك صوب الداخل بسرعة وهو يبتسم بسمة صغيرة يلقي تحية عابرة على الجميع قبل أن يخص لورا بنظراته، لكن لورا انتفضت من مكانها فجأة تبصر ذلك المجنون، هنا في مقر عملها، تتساءل كيف توصل لها ؟!
تحرك مايك صوب مكتب لورا وهو يقف أمامه يقول بجدية وبسمة صغيرة :
" اتمنى ألا أكون قد قاطعت شيئًا مهمًا "
رمقته لورا بصدمة كبيرة وهو يجلس أمام مكتبها بكل برود يتجاهل جميع الأعين التي اتجهت له في الغرفة، يقول بوقاحة ينظر لتلك الواقفة ترمقه بشك وتعجب :
' اعتذر يا آنسة إن قاطعت حواركما الشيق، لكن هلّا تركتينا بمفردنا بعض الوقت ؟!"
فتحت ماليكا عينها بصدمة وهي تنظر حولها تبحث عن أحد آخر ربما يوجه له الحديث، لكن لم تجد؛ لذلك اعتدلت في وقفتها وهي تدنو منه تصيح بسخرية :
" ومن أنت يا سيد حتى تأمرني أن أخرج من المكتب ؟!"
تحرك موسى من خلف مكتبه وهو يرى نظرات ذلك الرجل لـ لورا، يتحرك صوب ماليكا يسحبها للخارج حتى يوقف تلك المجادلة الحمقاء وهو يردد بجدية :
" تعالي معي ماليكا احتاج للتحدث معك في أمر هام "
ولم يمنحها الفرصة للتحدث وهو يجذبها للخارج بقوة تاركًا لورا ورفيقها الغريب في المكتب وحدهما، بعدما خرجت الزميلة الثانية له قبل ساعات لتغطية أحد المؤتمرات، راقب مايك الباب بأعين ضيقة حتى استمع لصوت إغلاقه، ثم نظر لـ لورا ببسمة صغيرة وهو يقول :
" مرحبًا أيتها العربية الجميلة "
"كيف علمت بمكان عملي ؟!"
كان أول ما صدر من لورا بمجرد بقائها وحدها في المكتب مع ذلك المجنون الذي يثير ريبتها طوال الوقت، لكن الرد وصل منه وهو يحاول الابتسام :
" لقد ...لقد، اه لقد حصلت عليه بسهولة فأنا عائلتي تعمل بالشرطة "
وكانت هذه أغبى حجة خرجت من فم مايك، لكنه رغم ذلك لم يزحزح بسمته عن فمه وهو يراقب ارتفاع حاجبها بسخرية مرددة :
" حقًا ؟! لكن حسب معلوماتي، أن عائلة فوستاريكي لا أحد منها شرطي، وأعمال العائلة الرئيسية تتمثل في الشركات والتجارة "
" هذا ما نود نحن إيصاله للجميع، لكن ما لا تعملينه يا صغيرة هو أن تلك الشركات ما هي سوى ستار لأعمال أخرى نخفيها عن الكل "
وكان دور لورا حتى تطرح سؤالها المتعجب :
" أي عمال أخرى ؟!"
اقترب منها مايك ببطء وكأنه سيدلي بسر عالمي هامسًا بشكل مضحك :
"مخابرات "
" مخابرات ؟!"
" نعم، نحن نخفي خلف تلك الاوجه، شخصيات أخرى، فما ترينه امامك الآن سواء مايك أو مافو، لا يقارنون بالوجه الآخر لي "
انكمشت ملامح لورا بتعجب وهي تبعد وجهها عنه مرددة بخفوت :
" أي وجه هذا ؟! "
وبنفس الهمس ردد مايك والجدية تطغى على نبرته :
" وجهي الآخر "
صمت ثم أضاف وهو يشير لوجهه بجدية مضحكة :
" أكثر وسامة من هذا "
راقب مايك الصدمة التي علت وجه لورا فهي لم تتوقع إجابته تلك، لكنه لم يعطها الفرصة للتحدث وهو يردد ببسمة مغترة:
"بالطبع تشعرين بالصدمة وتتسائلين، كيف يمكن أن يكون هناك وجه أوسم من هذا؟! وفي الحقيقة أنتِ محقة لا يوجد "
" أنت يا رجل مجنون "
ابتسم لها مايك ولم يجب على همستها، لكن وقبل أن يفتح فمه للحديث وجدها تقاطعه بعنف وهي تهمس من بين اسنانها المطبقة :
" ما الذي أحضرك لعملي يا سيد، ألم نتفق على أن تبتعد عني في مقابل ألا افشي سرك ؟!"
لوى مايك شفتيه وهو يقول بجدية :
' لا اعلم في الحقيقة عدت للتو من عمل بالخارج، وشعرت فجأة بالملل ولم أجد افضل منكِ لتبديد ذلك الملل "
رفعت لورا حاجبها بسخرية وهي تردد :
" وكيف تريدني أن ابدد لك ذلك الملل ؟! "
" تخرجين معي لتناول الطعام، أو ربما المثلجات أو"
قاطعته لورا وهي تشير لباب مكتبها :
" أخرج من هنا "
" هذه وقاحة منكِ يا فتاة "
لكن لورا لم تجبه سوى ببسمة ساخرة جانبية، وما لم تتوقعه هو أن مايك نهض من مكانه يتجه لها يقف أمامها، بشكل جعلها تتراجع للخلف بريبة، لكن هو لم يهتم بردة فعلها يقول ببسمة واسعة يسحب يدها بقوة حتى أصبحت تقف أمامه :
" هيا سنتناول المثلجات معًا، واعتبري الأمر تعارف ما قبل الزواج "
فتحت لورا فمها ببلاهة وهي تردد :
" زواج ؟! "
لكن مايك كبت بسمته التي تجاهد لكي تتوسط وجهه، فكم يستمتع وهو يراقب ردات فعل تلك الفتاة، لكنه لم يهتم بصدمتها الواضحة وهو يجذب يدها للخارج يردد بكل جدية :
" أنتِ لا تريدين الزواج دون أن نكون على وفاق يا آنسة؛ لذلك تجهزي فلدينا العديد من المقابلات في الفترة القادمة ....."
_______________________________
كانت تتحرك في المطبخ بكل نشاط وهناك بسمة واسعة ترتسم على وجهها، والأصوات السعيدة تأتي لها من الخارج تبهج قلبها، فمنذ عودة الاحفاد في الخارج والجميع يجلس ويتسامر بكل مرح وحب، عدا ذلك الذي يلتصق بها وهو يحمل دفتره يرسم به كل ما تفعله، لكن هي لم تعترض، فقد أدركت أن العناد لن يأتي بنتيجة مع ذلك الوقح جايك .
بينما كان جايك يجلس على مقعد في منتصف المطبخ يراقب كل ما تفعله روز بدقة، وكأنها أصبحت شغله الشاغل، لم تعد أصابعه تتقن الرسم، إن لم تكن هي ضمن اللوحة، و اصبحت مخيلته تنفر أي فكرة إن لم تكن هي محورها، ابتسم وهو يشرد بعيدًا عن روز وعما تفعله ينغمس في رسمة قفزت فجأة لذهنه أثناء مراقبته لها .
__________________________
بينما في الخارج وفي الممر المؤدي للمطبخ كان يقف هو يضمها بقوة لصدره، يربت على رأسها بحنان شديد :
" لا بأس حبيبتي سأحضر لكِ كل ما تريدين لا تحزني ارجوكِ "
دفنت جولي رأسها في صدر مارتن تحاول كبت شهقاتها التي كانت على وشك الخروج، تشعر بالوجع ينخر قلبها، تتذكر كلمات فيور التي خرجت منها تلقائيًا في الخارج حينما ذكرت أمام الجميع أن زفافها قد اقترب، لتقول فيور ببسمة صغيرة وخجل بعدما دفعها ماركوس دفعًا لمشاركة الجميع الحديث :
" إذًا هل يمكنني الذهاب معكِ ورؤية فستان الزفاف ؟! "
كادت جولي تجيبها بالموافقة، وقد قررت أن تأخذها معها هي ومارتن أثناء شراء الفستان، لكن كلمة فيور التالية وأدت أي كلمة كانت على وشك الخروج :
' إن لم تمانع والدتك، أود المجئ ورؤية الفستان "
" والدتي ؟! "
كانت همسة صغيرة ضائعة خرجت من فم جولي بشكل غريب، تلك الكلمة الغريبة التي لم تجرب نطقها طوال سنوات عمرها الثلاثة والعشرين، حتى أنها نست أن هناك في هذه الحياة ما يُسمى ( أم) .
ازدادت شهقات جولي وهي تدفن نفسها أكثر في صدر مارتن الذي كان الوحيد المنتبه لما يدور في خلدها، ولملامح وجهها الذي شحب فجأة، ليسارع بجذبها بعيدًا عن الجميع حيث الممرات المؤدية للمرحاض والمطبخ يضمها بقوة يحاول ترميم الصدوع التي تستوطن قلبها، يشعر بالوجع لتلك النظرة التي رآها في عينها :
" اقسم أنني سافعل أي شيء لأجلك، سنذهب سويًا لانتقاء الفستان، وإحضار الحذاء والمجوهرات وكل شيء "
صمت وهو يقول بصوت خافت خرج بصعوبة من حلقه يجاهد غصة بكائه بسبب سماعه لنشيج بكائها هي :
" أنا جهزت قائمة بكل ما نحتاجه، حتى لا نغفل عن شيء، وايضًا لقد اوصيت بإحضار كحل عربي خصيصًا لأجل عينيكِ الغالية جميلتي، فقط أخبريني ما تريدين وستجدينه أمام عينيكِ جولي، لكن لا تبكي ارجوكِ، لا تحزني أنا هنا معكِ "
انفجرت جولي في البكاء أكثر وهي تشعر بقلبها يتضخم حبًا لذلك الرجل الحنون، تضم نفسها له أكثر وهي تكتم تأوهًا :
" لا اريد شيئًا مارتن، اقسم أنني لا أطلب سوى قربك "
" لا تحتاجين طلبه بنية العينين، فهذا الشيء تحديدًا حق مكتسب لكِ، و مصدر حياة لي"
في البهو حيث يجلس الجميع، كانت فيور تشعر بالخجل وهي تنظر للجميع من أسفل اهدابها، تشعر بالنظرات موجهه عليها؛ لذلك رفعت عينها فورًا لماركوس وهي تهمس له حيث كان يجلس جوارها :
" ماركوس، هل هناك شيء خاطئ بي ؟! "
استدار ماركوس لها بعدما كان يحدث ادم، يرمق وجهها بتلقائية قبل أن يبتسم لها بحنان يمسح بإصبعه قطعة من الكريمة التي علقت بفمها أثناء تناول كعك روز :
" لا، لا شيء خاطئ بكِ "
اقتربت فيور منه في حركة تلقائية وكأنها طفلة تلتصق بوالدتها، حيث لا أحد تعرفه هنا سواه هو :
" اشعر أن جميع الأعين مسلطة علىّ "
لكن ماركوس لم يكن ينتبه لحديثها وهو يلاحظ التصاقها ذلك به، ويدها التي تستريح على ذراعه، ابتلع ريقه وهو ينظر حوله ليجد أن لا أحد ينتبه لها :
" لا أحد ينظر لكِ فيور، ربما هذا مجرد شعور فقط لأنكِ تشعرين بالغرابة، لكن لا بأس سوف تعتادين عليهم قريبًا "
" هل ...هل سأظل هنا طويلًا ؟!"
" هل مللتي رفقة العم ماركوس "
رفعت فيور عينها ترمق ماركوس بحنق، لينفجر هو في الضحك على ملامحها متجاهلًا الأعين الفضولية التي توجهت صوبه، مدّ يده يداعب خصلات شعرها وهو يردد بجدية :
" ستبقين هنا حتى أجد لكِ مكان آمن للعيش ووظيفة جيدة غير تلك التي تمتهنيها، إن اعتبرنا الأخرى وظيفة "
أنهى حديثه بنبرة حادة، جعلتها تبتعد عنه وهي تنظر جانبًا بحنق شديد تعلم إلى ما يرمي، لكنها لن تمنحه الفرصة للسخرية منها :
" لا تسخر من وظيفتي يا سـ"
ولم تكمل حديثها بسبب أصابع يد ماركوس التي علمت مكانها الطبيعي تمسك بأذنها في صرامة وغصب :
" أي وظيفة تلك أيتها الفاسدة ؟! تتجارين في الممنوعات وتقولين عنها وظيفة ؟! أيتها الوقحة "
كتمت فيور تأوه عالي كاد يفلت منها حتى لا تجذب انتباه الجميع لها، وهي تحاول ابعاد يده عنها تردد من بين اسنانها :
' توقف عن تلك الحركة، لقد كادت أذني تُقطع بين يديك "
" جيد، فلا فائدة منهما إن كنتِ لا تستمعين لحديثي "
" أنا أشعر أنك تعامل طفلة يا هذا، أخبرتك أنني ناضجة "
ابتسم لها ماركوس بسخرية وهو ينتبه لحركة ادم الذي اقترب منه وهو يقول بسرعة :
" حسنًا ماركوس عندما يعود مارتن أخبره أنني ذهبت لأجل شيء مهم، وعندما اعود سوف اذهب لاحدثه "
ولم ينتظر ادم رد من ماركوس وهو يندفع للخارج تحت أنظار الجميع المتعجبة، لكن ماركوس تحدث بنبرة هادئة يطمئن الجميع :
" هو فقط سيذهب لهايز ولن يتأخر "
ولم يدري ماركوس أن كذبته كانت حقيقة، حيث أن آدم ورد له مكالمة من هايز تخبره أنها تحتاج وجوده على وجه السرعة....
__________________________________
كانت تتحرك على المسرح بكل حرية كفراشة تتنقل بين الازهار، الوصف الأقرب لما تقوم به، وها هي عادت مرة أخرى لحياتها، عادت مجددًا لتمارين الرقص الخاصة بها .
ابتسمت روبين وهي تدور في حركتها المعهودة اتباعًا لحركات المدرب الذي يعتلي مقدمة المسرح ويشير لها بما يحب فعله، وها هم رفاقها يشاركونها الرقص، اتسعت بسمتها وهي تحيد بنظرها للمدرب تراقب حركات يده .
ابتسمت وهي تنتبه لحركة المدرب التالية والتي كان من المفترض بها أن تكون مع رفيقها في العرض، لذا دارت سريعًا في حركة رشيقة متقنة، وبعدها تحركت بخفة صوبه بغرض دفع جسدها له، وبدلًا من أن يلتقف رفيقها في العرض جسدها ويميل به قليلًا ثم يدور به في حركة مخطط لها، وجدت روبين وجهها يلتصق بالأرض في عنف شديد بعدما تنحي رفيقها جانبًا عن اتجاه حركتها فجأة تاركًا إياها تسقط بقوة .
تأوهت روبين وهي ترفع رأسها بعنف تجهز سبابًا لذلك الاحمق الذي.......توقفت عن التفكير وهي تراه يرفع يده عاليًا برعب وهو يرتعش بينما هناك مسدس يوجه على رأسه وبالطبع لم تكن في حاجة لتحريك عينها حتى تعلم من الذي يحمل المسدس .
" ماذا كنت ستفعل ؟؟؟"
هكذا تحدث فبريانو ببرود شديد وهو يجهز سلاحه للاطلاق على رأس الشاب غير عابئًا، بأنه في مكان عام، أو أنه من الممكن أن يُحاسب على تهديد أحدهم دون وجه حق.
ابتلع الشاب ريقه وهو يشير لروبين التي كانت تعتدل في وقفتها بتأوه يحدث فبريانو بانجليزية متوترة وهو ينظر للمسدس برعب شديد :
" أنا.... أنا.. أنا فقط كنت أقوم بالرقص و .."
قاطعه فبريانو ببرود مخيف :
" تبًا لك ولرقصتك إن تجرأت على لمسها اقسم أن ارقص على قبرك "
ابتلع الشاب ريقه وهو يتحدث برعب شديد، فذلك الذي أمامه لا يبدو أنه يمزح :
" روبين .....روبين الحقيني شوفي المجنون اللي أنتِ جايباه ده "
كان المدرب يقف أمام الجميع مع باقي الفريق وهم مرتعبين من ذلك المجرم الذي يهدد أحد أعضاء الفريق بكل وقاحة دون خوف .
مسحت روبين وجهها وهي تتجه لفبريانو تدفع بيده للاسفل وهي تقول من بين أسنانها :
" فبريانو هل جننت ؟؟؟ تهدده بالقتل ؟؟؟ أين تظن نفسك ؟؟؟"
" كان سيحملك بين ذراعيه "
" هذا لأنها رقصتنا و..."
صمتت فجأة وهي ترى عينه التي تحولت للاسود :
" فكري فقط أن يحملك، لقد تحملت رقصك بصعوبة ولن اتحمل أن يمسك شاب كهذا ويضمك له، وأقسم إن حدث سأقتـــلك واقتــله، وبعدها احر.ق المكان فوق رؤوس الجميع، أنا اتحمل بصعوبة ذلك التدريب المقيت لأجلك فقط "
كادت روبين تجيب لولا صوت المدرب الذي تدخل :
" روبين ايه المهزلة دي ؟؟؟ اتفضلي طلعي الاستاذ ده ......."
لم يكمل حديثه بسبب نظرة فبريانو الذي جعله يبتلع ريقه وهو يفكر أنه يفهم حديثه :
" منورنا يا استاذ والله "
ضربت روبين جبهتها بضيق وهي تسحب يد فبريانو للخارج بصعوبة بسبب التصاقه في المسرح وهو يرمق الشاب بشر :
" اتحرك...فضحتني، جايبة ابن اختي معايا ولا ايه، دائما جايبلي الكلام "
تحرك فبريانو معها بصعوبة شديدة وهو ما زال يرمي الشاب بنظرات مخيفة يشير له بسلاحه مهددًا إياه ثم أشار على عينه بعلامة تعني ( أنا اراقبك)...
" الويل لكم إن لمحت رجل في محيطها، سأذيقه من العذاب الوانًا، ثم بعدها ارقص على جــثثكم "
أنهى حديثه وهو يتحرك خلف روبين بينما عينه مازالت ترمق الجميع بنظرة مخيفة وبحق، والكل يفكر في شيء واحد، كيف تتحمل روبين ذلك المخيف ؟؟؟؟؟؟؟
كانت روبين تدفعه للخارج وصوته الغاضب يصل للجميع في المسرح :
" اصل ده اللي ناقص، يبقى شباب المسرح وشباب الحارة، ايه همشي اقتل في شباب مصر كلها "
كانت روبين تدفعه وهي تنظر خلفها برعب أن يسمعه أحد ويظنه مجرمًا، تحاول اسكاته، لكن فبريانو أخذ يردد بغضب شديد :
" وهذه لولو لم تخبرني بشأن رجال المسرح، اقسم سوف اريها الويل، وأنتِ يا آنسة لم تخبريني أن هناك رجال هنا، بل ويرقصون معكِ بكل وقاحة"
صمت ثم قال وهو يشير للداخل يهمس بنبرة مرعبة :
" لقد كاد يضمك "
ابتلعت روبين ريقها وهي تحاول تهدئته، لا تعلم متى أتى وكيف ؟! جذبته من ذراعه إلى غرفة التبديل وقد كانت فارغة وهي تنظر له بيأس ولم تكد تتحدث بكلمة حتى وجدته يدفعها صوب الجدار يهمس بهدوء جوار أذنها :
" هل كنتِ ستسمحين له بلمسك؟!'
" فبريانو أهدى بس وافهمني اصل هو ..."
قاطعها فبريانو وهو يقول بكل جدية يمسك يدها وهو يضمها لصدره :
' أنا لا أحب هذا الشعور روبين ولا اريد تجربته، لأنه يدفعني للتفكير في اشياء إجرامية، ويجعلني افكر في اشياء مرعبة، حتى عقلك الصغير لن يتخيلها "
همست روبين ببطء :
" أي شعور ؟!"
" ذلك الشعور البشع بالوجع، عندما ارى أحدهم يقترب منك، أنا لا أحبه أبدًا روبين "
ضحكت روبين ضحكة صغيرة وهي تنظر له بحب :
" تقصد الغيرة فبريانو ؟!"
" لا ادري ربما، لكنه شعور سيء، شعور لا أود تجربته مرة أخرى، يجعلني أشعر بوجع كبير في قلبي "
ابتسمت روبين وهي تشعر بدموعها تسير على خدها دون شعور تتحدث بهدوء شديد :
" لكنني أحب هوايتي فبريانو، ذلك هو الشيء الوحيد الذي اجيده، هل ستجبرني على تركه ؟!"
نظر لها فبريانو بتردد ولنظرات الرجاء في عينها يحاول اتخاذ قرار قبل أن يهز رأسه يردف بحنان :
" لا اريد أن امنعك عن شيء تحبينه روبين، لكن رفقًا بقلبي "
مدت روبين يدها تتحس موضع نبضه وهي تقول :
" وانا ميهونش عليا وجعك يا فبريانو ؟! أنا هحول لفرقة البنات بس، اساسًا ده كان مكاني قبل ما يختاروني للفرقة دي "
ابتسم فبريانو بسمة واسعة وهو يرمقها بعشق، لكنه قال بتردد :
" هذا لا يحزنك صحيح ؟!"
بكت روبين وهي ترمقه بحب تفكر في كيف لا يرى نفسه لطيفًا ؟؛ بحق الله هي يومًا لم تر من هو بمثل لطفه ؟!
" لا يوجد شيء قد يحزنني سوى حزنك فبريانو "
" إذن دعيني استغل تلك الفرصة وأخبرك أنني أود الزواج منكِ روبين، كوني زوجتي، امنحي قلبي تلك السعادة واقبلي أن تكوني زوجة لي، وأنا سأحدث والدك بمجرد عودته "
_____________________________
زفر جاكيري بتعب شديد يهبط من سيارة الأجرة أمام القصر بعدما عاد لتوه من مكتب المحامي الذي أخبره بكل شيء، وأخبره بآخر تطورات القضية، وبعد نقاش حاد معه استقر جاكيري على استكمال الإجراءات بتوكيل من رفقة، فهو لن يدعها تبيت يومًا واحدًا في السجن، حتى وإن اضطر للتخلي عن فكرة القضية والعودة بها لايطاليا والعيش هناك مدى الحياة .
اصطدم جاكيري أثناء دخوله في جسد توفيق، ليخرج من شروده فجأة وهو يرمق توفيق بتعجب، حيث كان توفيق هائمًا على وجهه وهو يسير خارج القصر :
" توفيق إلى أين تذهب ؟!"
رفع توفيق رأسه بعدما كان يفركها بوجع :
" ذاهب لاحضار شيء يسعد رفقة "
ضم جاكيري حاجبيه بعدم فهم وهو يستمع لحديث توفيق :
" هي حزينة منذ الصباح؛ لذلك أنا ذاهب لاحضر لها ( كنافة ) فقد أخبرتني سابقًا أنها تحبها، هل تعرف حلوى الكنافة ؟!"
لم يهتم جاكيري لكل ذلك الكلام وهو يعلق على الحملة الوحيدة التي انتبه لها :
" رفكة حزينة منذ الصباح ؟! لماذا ؟! هل فعل أحدٌ شيئًا اغضبها ؟! "
هز توفيق رأسه بلا وهو يقول بحزن على حالة رفقة التي كانت تدعي البسمة طوال اليوم مخفية خلفها دموعها، قبل أن تنأى بنفسها بعيدًا عن الجميع ترثي حالها :
" منذ جاء المحامي في الصباح وهي حزينة "
اغمض جاكيري عينه بقهر بعض شفتيه، يشعر بالعجز عن اسعادها، لا يعلم ماذا يفعل لتسعد، هل يذهب ويعترف أنه هو من قتل ؟! يقسم إن كان ذلك سيسعدها لفعلها ولا يهتم إن قضى باقي عمره بالسجن او حتى تم إعدامه، لا يهتم فقط تبتسم لأجله .
تحرك جاكيري بخطوات سريعة صوب المنزل وهو يحاول تمالك أحزانه، لكن وأثناء طريقه انتبه لجسد صغير يتكوم أعلى الأرجوحة التي تتوسط الحديقة وأسفل ضوء القمر، بينما شعرها الغجري الحبيب يطير من حولها بشكل جعله يتمنى لو كان يستطيع الرسم كما جايك، جعله يتمنى لو كانت أنامله تحترف الرسم، فبالنظر لذلك المشهد، يمكنه القسم أن الرسم خُلق لأجلها .
اقترب جاكيري بخطوات هادئة صوب رفقة التي كانت تضم قدها لصدرها وهي تستند برأسها على الأرجوحة تشرد أمامها دون أن تستقر عينها على شيء معين، لكن فجأة شعرت بالارجوحة تزداد سرعتها بشكل جعلها تستدير ببطء معتقدة أنه اسكندر :
" اسكندر قولتك حابة ابقى لوحــ "
لكن توقفت وهي ترى يد جاكيري تحركها بهدوء ولطف شديد وعينه تمر على وجهها بشكل جعلها تبتسم تلقائيًا هامسة بحب :
" لقد عدت "
هز جاكيري رأسه بنعم يجيبها :
" لأجلك، لم استطع البقاء بعيدًا عنكِ أكثر من ساعات فقط "
شعرت رفقة بعيونها تمتلئ دموع وهي تفكر في كيف سيتقبل قرارها، حاولت كتم شهقتها بصعوبة وهي تهز رأسها له ببطء :
" ربما عليك الاعتياد على الأمر جاكيري "
شعر جاكيري بقلبه يهوى بين قدميه وهو يستمع لحديثها بهذه النبرة، وتلك الكلمات، فتح فمه للتحدث والسؤال عن مقصدها، لكن فشلت محاولاته كلها يغلق فمه مجددًا، وكل ما استطاع النطق له هو كلمة واحدة مختنقة :
' ماذا ؟!"
استدارت رفقة ببطء على الأرجوحة التي توقفت منذ نطقت كلمتها، تنظر لوجهه الذي قطّع قلبها حزنًا :
" جاكيري أنا ....لقد قررت أن أسلم نفسي و..."
" لا "
وكانت صرخة جاكيري بتلك الكلمة كافية لقطع حديثها الغبي _ من وجهة نظره _ ثم تحرك ليقف أمامها وهو يقول بنبرة حادة غاضبة :
" لا، لا أنا لن أسمح لكِ"
كان يكرر حديثه بجنون وهو يحرك يديه في الهواء مظهرًا اعتراضه، وقد بدأت نبرته تختنق شيئًا فشيء :
" ليس لديكِ الحق لفعل هذا بي رفقة، أنتِ لا تملكين حق التحكم فىّ"
بكت رفقة وهي تحاول أن تتحدث :
" أنا لا اتحكم بك جاكيري أنا اتحكم في مصيري أنا "
صرخ جاكيري حتى بدأت عروقه تنفر بشكل مخيف :
" لا بل تتحكمين بي رفقة، تتحكمين بي، حينما تبتعدين عني فأنتِ تتحكمين في حياتي كليًا فأنا بعدها لن اكون صالحًا للعيش، سأكون جثة هامدة، ألا يعد هذا تحكمًا بي ؟! وجودك قربي يجعلني كطفل صغير يود الرقص والغناء والصراخ بسعادة، وابتعادك عني يدفعني للجنون واعتزال الجميع، ألا يُعد هذا تحكمًا بي؟!"
صمت وهو يقول بغصة استحكمت حلقه :
" أنا لم أفعل هذا سابقًا رفقة، لكنني ارجوكِ، أنا ارجوكِ ألا تفعلي لي هذا رفقة، ارجوكِ "
أنهى كلماته وهو يجلس على ركبتيه أمامه يرى بكائها الحاد وهي تخفي وجهها بين يديها وهو يقترب منها يتحدث بصوت خافت تظهر فيه نبرة بكاء :
" اقسم سوف افعل المستحيل لاخرجك من هذه القضية دون الحاجة لتسليمك، سوف أستعين بكل من عرفته يومًا، انطونيو يعلم العديد من الوزراء في بعض الدول، إن كان هذا سيساعدك اقسم سأذهب واجعله يدعوهم للتدخل، وجدي أيضًا سأخبره أن يبذل وسعه لمساعدتنا، وفبريانو سوف أجبره على الذهاب لقائده وإقناعه، حتى وإن اضطررت أنا للذهاب إليه بنفسي، سوف افعل كل شيء، لكن لا تفعلي بي هذا رفقة "
انفجرت رفقة في البكاء أكثر وهي تستمع لحديثه، وزاد بكائها وهي تستمع لجملته التي خرجت :
" إن قمت بارتكاب جريمة ما هنا في مصر هل سيضعونني معكِ بنفس السجن ؟! يمكنني فعلها، اقسم يمكنني السرقة أو أي شيء إن كنت متأكد بأمر وضعي معك في نفس السجن "
بكت رفقة أكثر وهي تهز رأسها بلا تنفي حديثه السابق، ليمد جاكيري يده يمسح دموعها بلطف وهو يقول بكل جدية :
" إذن أن أسمح لكِ بفعل ما تريدنه، سوف نجد حلًا آخر، عديني رفقة أنكِ لن تفعلي ذلك هيا عديني "
ولم يصدر إجابة من رفقة سوى بعض الشهقات وهي تضم يده التي تستقر على وجنتها، ليحثها هو على الرد وطمئنته :
" رفكة عديني ارجوكِ "
" أنا خائفة جاكيري، خائفة جدًا "
هكذا همست رفقة قبل أن تختنق بغصة البكاء، نهض جاكيري يقف جوار الأرجوحة يضم رأسها لصدره وهو يربت على شعرها مرددًا بحب :
" طالما أنني اتنفس هنا جوارك، لا تخافي رفقة، سأحميكِ بروحي، بروحي يا ذات الشعر المجعد "
ضحكت رفقة ضحكة صغيرة من بين بكائها وهي تردد :
" اشتقت لذلك اللقب كثيرًا "
" وانا اشتقت لضحكتك كثيرًا "
صمت ثم قال بعد قليل :
" هيا عديني رفكة "
" اعدك، أنا في الأساس كنت خائفة من تلك الخطوة واحاول إقناع نفسي بصعوبة "
قبل جاكيري شعرها بحنان شديد وهو يضمها أكثر :
" لا تفعلي بي هذا مجددًا، كدت أموت رعبًا من فكرة ذهابك بعيدًا عني حبيبتي "
صمت رفقة خصر جاكيري وهي تستمع لحديثه اللطيف قبل أن تنكمش ملامحها بتعجب حينما سمعته يقول بكل جدية :
" هل تريدين أن أحضر لكِ كنف، يمكنني الذهاب وإحضار لكِ الكثير منه"
" كنف ؟! "
" نعم تلك الحلوى التي تحبينها، ما رأيك أن أحضر لكِ منها الكثير والكثير، إن كان ذلك سيسعدك، يمكنني احضار لكِ كل ما تريدين منها "
ابتسمت رفقة وهي تقول من بين ضحكاتها الخافتة :
" لا يوجد حلوى تسمى كنف جاكيري "
" بلى يوجد تلك الحلوى التي تفضلينها "
صمتت رفقة ثواني قبل أن تقول بعيون ضيقة وهي تنظر لجاكيري :
" تقصد كنافة ؟!"
" نعم هذا ما قلته، هل تريدين البعض منها، أو الكثير ؟!"
ضحكت رفقة بصخب وهي تقول من بين ضحكاتها :
" أنت عندك مشكلة مع اسماء الاكل، مفيش اكلة واحدة نطقت اسمها صح "
" لم افهمك، تريدين كنف ؟!"
" لا بل اريد جاكيري "
ابتسم جاكيري وهو يجلس على الأرجوحة جوارها يرمق السماء بعدما ضم رأسها بلطف :
" وجاكيري كله لكِ، دون حتى أن تتكبدي عناء الطلب يا صاحبة الشعر المجعد"
____________________________
نهض جايك من مكانه وهو يتحرك صوب روز بحماس شديد يلوح برسمته في الهواء قائلًا بلهفة لتراها :
" انظري زهرتي سوف تنال اعجابك "
وفي هذه اللحظة تمنت روز لو أنه يعلم بأمر قدرتها على الحديث حتى تصرخ في وجهه أن يتوقف عن رسمها، فهي تعلم أن تلك الرسمة هي رسمتها وهي تطهو و.....توقفت افكار روز وهي ترمق تلك الرسمة التي تقبع بين يدي جايك وهو يبتسم بفخر شديد، حيث رسم لهما رسمة واحدة وهو يضمها مقبلًا وجنتها وهناك فتى بشعر اصهب يلقي عليهم الورود وهناك سكين يستقر في صدره وعلى يد السكين نقشت حروف اسم جايك، رفعت روز عينها ببطء لجايك الذي قال ببسمة فخورة :
" عندما كنت ارسمك أتت على رأسه تلك الفكرة، ما رأيك اعجبتك صحيح ؟!"
نظرت روز لوجهه ببلاهة شديدة وهي تحاول معرفة تفكير ذلك الشاب، هو خطر أكثر مما كانت تعتقد، ويبدو أنه لن يرحم صديقها من رسوماته في الفترة القادمة، ابتسم جايك وهو يغلق دفتره قائلًا وهو يميل برأسه أمامها :
" ما رأيك أن نجسد الرسمة ؟! ليست كلها ربما جزء القبلة فقط، ولاحقًا اتولى أمر السكين والاصهب"
ابتعدت روز عنه برعب وهي تشير بلا برأسها، بينما هو ابتسم بمرح وهو يتجه لها متحدثًا بجدية :
" هيا هذه فرصتنا فلا أحد هنا "
" لا أحد هنا لأجل ماذا جايك ؟!"
وكان هذا الصوت الذي صدح في الخلف تصريح براءة روز من نظرات جايك، بينما جايك استدار ينظر لأخيه الأكبر وهو يقول بتذمر :
" لأجل أن اقبلها وحدنا، ولكنك أفسدت الأمر اخي "
التوى فم انطونيو بسخرية وجواره روما تكتم ضحكتها :
" حقًا جايك ؟!"
" حقًا اخي "
زفر انطونيو وهو يعلم أن عناد أخيه يتخطى استفزاز فبريانو وجنون جاكيري، تلك العائلة سوف تقتله يومًا بتصرفاتها :
' ما الذي تفعله هنا، ولِمَ تستمر في الالتصاق بروز ؟!"
فتح جايك عينه بصدمة من حديث أخيه :
" استمر بالالتصاق بها ؟! أنا فقط اجلس رفقتها فأنا أحب ذلك اخي، أحب أن أجلس هنا واراقبها فقط كما كنت اجلس أسفل السماء واراقب النجوم، لم ارك يومًا تتذمر من ذلك "
" لأن هذه ليست نجوم جايك، هذه إنسانة تحتاج لبعض الخصوصية في حياتها "
استدار جايك صوب روز وهو يسألها بجدية وتردد :
" هل يزعجك جلوسي رفقتك ؟!"
صدمت روز من توجيه السؤال لها، تحاول النظر في أي مكان عدا عين جايك، تود لو تخبره أنها تنزعج عندما يبتعد عنها، وأنها لا تعتبر وجوده التصاقًا بها أبدًا، وإن كان التصاقًا فهي مرحلة به ..
تدخلت روما في الحديث لتنقذ روز :
" انطونيو عزيزي، دعهم يحلون أمورهم سويًا "
رمق انطونيو روما نظرة جانبية ليتذكر فجأة سبب وجوده هنا في المطبخ، وأنه احب الانفراد بها بعيدًا عن التجمع الخارجي وخاصة وجود جده الذي يقيده، وشخصيته التي لا يحب ظهورها أمام أحد سوى روما :
" أخرج من هنا جايك وخذ أشيائك معك وتوقف عن ازعاج روز "
أنهى انطونيو حديثه وهو يشير لادوات الرسم الخاصة بجايك والتي يحملها بكل مكان، وكذلك فعل جايك وقام بلملمه اشيائه والتحرك للخارج، لكن أوقفه صوت انطونيو وهو يقول ببرود :
" بدون روز جايك "
" ماذا ألم تقل خذ اشيائك وارحل؟!'
" وما دخل روز بـ اشيائك جايك "
ابتسم جايك وهو يردد ساحبًا روز للخارج :
" هي أهم ما أملك يا اخي، ثم أنني أحب الجلوس معها، لذلك سوف نخرج سويًا ونتحدث سويًا "
رمقته روز بسخرية تعقيبًا على كلمة نتحدث، ثم أشارت له على فمها ليقول ببساطة وهو يشير لدفترها وهو يقول بجدية :
" أنتِ تكتبين لي وانا ارسم لكِ، ها انظري نحن لدينا طرق تواصل خاصة بنا "
أنهى حديثه وهو يسحبها للخارج مبتسمًا تاركًا انطونيو يتنهد بيأس قبل أن يشعر بيد تضمه وصوت روما يهمس له بحب :
" حسنًا طوني أخبرني الآن ما كنت تريد قوله "
ابتسم انطونيو وهو يولي كامل انتباهه لها يربت على خصلات شعرها بحب شديد هامسًا :
" في الحقيقة لم يكن لدي ما اقوله، فقط أردت أن أبقى معكِ وحدنا بعيدًا عن الأعين الفضولية، وعن عين مايك "
أطلقت روما ضحكة عالية وهي تجيب :
" يا رجل أنت تعلم مايك، هو لن يتوقف عن الحديث والشكوى حتى يجد من تحبه "
" امممم ربما يحدث قريبًا، في الحقيقة أنا لا اهتم كثيرًا دعينا من مايك وانظري ماذا أحضرت لكِ "
أنهى حديثه وهو يخرج من جيب بنطاله خاتم صغيرة جميل، جعل أعين روما تفتح بانبهار وهي تردد :
" هذا لي ؟!"
" نعم جميلة الجميلات، هذا لكِ، لأنني لم يسعني الوقت لاحضار خاتم زفاف، كما أنني أشعر بالحزن لأنني لم اقم زفاف يليق بكِ روما "
" أنا في الأساس لم ارد زفاف، بل أردت قربك فقط انطونيو "
ضمها انطونيو بحنان وهو يقبل رأسها :
" اعدك روما أن أقيم لكِ زفاف ما شهد العالم مثله يومًا، فقط انتظري بعدما انتهي من كل ما يؤرقني وسوف أصبح لكِ بكليتي "
" فقط كن بخير لأجلي انطونيو، هذا ما أريده وما اطلبه منك، ارجوك كن بخير حتى لا تسقط عاصمتك "
_________________________
هبط ادم من السيارة وهو يركض صوب الباب الخاص بمنزل هايز والذي وجده مفتوحًا كعادته، سبّ بعنف وهو يفتح الباب بقوة يقتحم المنزل ينظر حوله باحثًا عن هايز أو أيان، فمنذ مكالمة هايز له والتي تخبره بها عن تعب أيان الشديد وأنها لا تستطيع الخروج به بسبب عطل سيارتها وعدم استطاعتها التواصل مع أي شركة سيارات أجرة، وقتها نهض آدم دون تفكير وركض صوب سيارته يقودها بجنون نحو منزل هايز وها هو يقف في منتصف منزلها ينادي عليها منذ دقائق وليس هناك إجابة، تراجع آدم للخلف وهو ينظر للمنزل بتقييم لا يعلم هل يبحث به، ام يذهب للمشفى ربما استطاعت تدبير سيارة والذهاب به للمشفى، فهو في الأساس قد تأخر عليها كثيرًا بسبب الازدحام الذي علق به .
ابتلع ادم ريقه وهو يتذكر فجأة أمر الهاتف ليخرجه بسرعة يتصل على رقم هايز، ثواني فقط حتى سمع رنين هاتف يأتي من الطابق العلوي، مما جعله يضيق عينه وهو يتحرك صوب الدرج، وقبل أن يخطو عليه خطوة واحدة وجد هايز تهبط الدرج وهي تحمل الهاتف الذي يرن في يدها وكان وجهها شاحب بشكل مخيف تردد بهذيان لدرجة تحسبها مجنونة مشيرة للطابق العلوي :
" آدم لقد مات أيان......."
______________________________________
وما ظننته يومًا النهاية، كان بداية لجحيم آخر، جحيم اكبر، مؤمرات أكثر، فعالم اليخاندرو على وشك أن يشهد عاصفة أخرى، عاصفة اقوى مما سبقتها، لكن في النهاية تقاس قوة العاصفة بمقدار تحملنا لها، وليس بمقدار ما تحدثه من دمار، وهم اعتادوا التحمل، والفوا الدمار، حتى أصبحوا كما هم الآن، جحيم بتسعة ابواب، واحذر عند الوقوف أمامه فلا تدري من أي باب قد يأتي جحيمك .......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل التاسع 9 - بقلم رحمة نبيل
كن سيد مزاجك ، لا تدع أحدًا ينتزع منك شغفك لشيء ، افعل ما تُحب، ورافق من تحب ، حتى لو كانت أكواب
قهوة ، أو كتاب ، كن لنفسك ومن بعد نفسك مسافة ثم الآخرين.
صلوا على نبي الرحمة.
_____________________
" سيدي، لقد قُتل رجالنا، وفشلت خطتنا "
رفع الشخص الذي يجلس على المقعد رأسه بحدة لذلك الذي جاء يزفه تلك الأخبار السيئة بكل بساطة، رفع حاجبه وهو يريح ظهره على المقعد قائلًا بتعجب :
" فشلت خطتنا ؟! هل تمازحني ؟!"
" لا سيدي اقسم، لقد كاد رجالنا ينتصروا في تلك المعركة، ويحصلوا على الحاسوب الذي يحوي اسرار مجموعة اليخاندرو، لولا تدخل مفاجئ من أحفاد اليخاندرو أنفسهم، ولم نستطع الحصول على الحاسوب، أو إنقاذ أيًا من رجالنا "
ضيق الرجل عينه وهو يهمس بسخرية :
" أحفاد اليخاندرو بأنفسهم أتوا لهنا دون أن أعلم ؟! دخلوا ارضي، وقتلوا رجالي، وسرقوا شيئًا اريده، لا ينقصهم سوى قتلي والاستيلاء على كل شيء "
ابتلع الرجل ريقه برعب من نظرات قائده الساخرة، يراقبه ينهض يدور حول مكتبه، ثم استند بظهره عليه وهو يقول ببسمة وكل بساطة :
" حسنًا لا بأس دعهم يأخذون الحاسوب، لنعتبره هدية مني، وأنت يا عزيزي تعلم أنني أحب كثيرًا أن امنح الهدايا لضيوفي، وهم ليسوا مجرد ضيوف بل هم جيش اليخاندرو السخيف؛ لذلك سأرسل لهم هدية أخرى، وهذه المرة سأحرص على أن انتقيها بنفسي وبعناية "
___________________________________
كانت تجلس على فراشه مستغلة أنه مازال في الاسفل مع الجميع، تضع أمام قدمها حاسوب مغلق، تضغط بسرعة كبيرة على لوحة المفاتيح بشكل عشوائي، تدعي خبرتها، أو تفعل كما ترى مارتن يفعل، تحرك أصابعها بسرعة كبيرة جدًا مثله، لكن الفرق أن مارتن يعلم ما يفعل ويحفظ اماكن جميع الاحرف، بينما هي تبدو كطفل يدعي خبرته في مجال الحواسيب .
كان مارتن يستند على الباب وهو يضم يديه لصدره يبتسم بيأس منها يراها تنحني على الهاتف جوار فراشه ترفع سماعته قائلة بجدية ومازالت يدها تتحرك على لوحة المفاتيح بشكل شعر أنه سيحطم ازرارها، تتحدث في الهاتف بجدية جعلته يكون ضحكته :
" ماذا قلت؟! ذلك النكرة انطونيو يتحداني أنا ؟! لم يولد بعد من يتحدى السيدة جولي، انتهي منه "
ختمت جولي مكالمتها الوهمية وهي تلقي الهاتف بعنف وغضب مصطنع، ليسقط الهاتف ارضًا ويتحطم، مما جعل مارتن يعتدل في وقفته يراقبها ترمق الهاتف المحطم بغضب مرددة :
" حفنة من الاغبياء"
أنهت كلماتها وهي تعود للضغط على الحاسوب بشكل جعل مارتن يندفع صوبها قبل أن تكسره له هو الآخر، يميل بجسده على الفراش جاذبًا جسدها بشكل مفاجئ، جعلها تتشبث في الحاسوب وهي تصرخ برعب وتلقائية :
" النجدة يا رجال ..."
" أي رجال هؤلاء يا حمقاء ؟! ما الذي تفعلينه بحاسوبي "
نظرت جولي لوجه مارتن ثواني تحاول الهدوء واستيعاب ما حدث، لتهدأ ضربات قلبها التي علت برعب منذ ثواني، تبتسم بسمة غبية :
" اه مارتن هذا أنت؟! يا رجل ظننته هجوم من رجال انطونيو النكرة "
كبت مارتن ضحكته بصعوبة حتى لا يتساهل معها في تلك الأفعال، وهو يجذبها أكثر إليه هامسًا بسخرية :
" جعلتِ اسم شرير حكايتك انطونيو؟! اقسم إن علم انطونيو بذلك فسوف يقتلني وإياكِ، ثم أيتها البلهاء، نحن بالفعل رجال انطونيو وهو قائدنا "
أبعدت جولي يد مارتن عنها بهدوء وهي تقول بجدية :
" اولًا يا سيد لا تقم بجذب ثيابي بهذا الشكل أمام الجميع "
حرك مارتن نظره في المكتب حوله يبحث عن هؤلاء الـ " الجميع "؛ حتى لا يجذب ثيابها بهذا الشكل أمامهم، لكن جولي تحدثت مجددًا تجذب هي انتباهه :
" ثانيًا لم اجد أكثر من اسم انطونيو يصلح كـ شرير للقصة، وعندما قلت رجاله قصدت رجال انطونيو النكرة وليس رجال انطونيو ابن عمك، رغم أنه هو الآخر نكرة قبيح "
أنهت كلماتها ببسمة واثقة من حديثها، جعلت مارتن ينظر لها لثواني قبل أن ينفجر بالضحك عليها يضرب رأسها بغيظ معيدًا إياها للخلف بعنف، قبل أن ينتبه فجأة لضوء الحاسوب الذي كانت تعبث به جولي يظهر على شاشته، مما جعله يتحرك ببطء صوب الحاسوب وهو يلاحظ الآن أنه ليس حاسوبه الشخصي، بل هو نفس الحاسوب الذي احضروه من المهمة، فتح فمه بصدمة وهو يرى أن جولي كانت تعبث به هو أثناء فترة فك الشفرات، فقد وضع الكود الذي سيحطم جدار حماية الحاسوب، ثم تركه بعض الوقت حتى ينتهي، مخفيًا إياه في ثيابه .
" من أين لكِ بذلك الحاسوب جولي ؟!"
" لا ادري وجدته في ثيابك "
فتح مارتن فمه بصدمة وهو يركض للحاسوب بسرعة يفتحه، يتأكد أنها لم تفسد شيء به، حتى تنفس الصعداء وهو يرى أن كل شيء كما تركه، بل وقد انفتح الحاسوب أيضًا وانتهت الاكواد من فك الشفرات، ابتسم وهو يرى واجهة الحاسوب تظهر أمامه، ليسمع صوت جولي تتحدث جانبه بفخر وراحة وهي ما تزال تعيش دور " جولي المدمرة "
" جيد أنه فُتح واخيرًا، فقد أحتاج مني جهدًا مضنيًا لمعرفة شفراته "
نظر لها مارتن وهو يخرج صوتًا متهكمًا من حلقه، وكأنه يخبرها ( حقًا ؟)
لكنه لم يعرها انتباه أكثر وهو ينكب على الحاسوب يحاول البحث عن تلك المعلومات التي تم جمعها عنهم، لكن كانت جميع الملفات مشفرة، نفخ بضيق ينحني قليلًا حتى وصل لاحظ ادراج الطاولة المجاورة لفراشه يخرج منها أسلاك ما، تحت أنظار جولي المدققة، ثم قام مارتن بتوصيل بعض الاسلاك تلك ليربط بين هاتفه والحاسوب ويبدأ عمله ....
__________________________
" آدم لقد مات أيان "
كانت جملتها مرتجفة بشكل جعل آدم يتحرك لها بسرعة يرى حركة جسدها الهيسترية وهي تردد الجملة مرات ومرات، لتسقط فجأة على الدرج صارخة بهيسترية وكأنها كانت تكرر الجملة لتقنع بها نفسها، بكت بجنون وهي تشير للأعلى صارخة :
' لقد رحل ....رحل، تركني هنا ورحل "
جذبها آدم لاحضانه بقوة يحاول تخفيف من حدة الصدمة، يعلم أنها الآن دخلت في صدمة حادة وهي تصرخ بجنون تحاول إبعاده عنها، تنتفض بين ذراعيه تبكي بعنف وتصرخ باسم أيان ..
" هايز توقفي عن هذا، بحق الله يا فتاة توقفي عن هذا "
كان يحاول السيطرة عليها بينما هي فقط تتلوى بين ذراعيه وتصرخ، حتى أنها أصابته بالعديد من الخدوش في وجهه بسبب مقاومتها لقيده، تركها ادم بقهر وهو يراها تضرب الارض أسفلها وتحطم من حولها بجنون، لكنه تركها وركض للأعلى بسرعة كبيرة يدعو في قلبه أن يكون تخمين هايز خاطئ، تحرك يفتح جميع الغرف بسرعة كبيرة ومازال صراخ هايز يصل له بشكل جعل قلبه يبكي دمًا ويود لو يتحرك للاسفل ويضمها بقوة .
واخيرًا وجد غرفة أيان، تحرك بسرعة صوب الفراش يجد جسد أيان الشاحب يتوسطه بشكل دفع الدموع في عينه، متذكرًا تلك اللحظات القليلة التي قضاها رفقة ذلك الصغير الجميل، اقترب منه باقدام مرتجفة، حتى وصل أمام فراشه يرفع يده برعب، لأول مرة يرتجف امام جسد مريض، مدّ يده يحاول فحص مؤشراته الحيوية، يحاول تلمس أي شيء يوحي بأنه حي، ابتلع ريقه يستشعر مرارة حلقه، فلا نبض ولا تنفس في الجسد المسجي أمامه، وكانت هايز محقة، مات أيان....
انهار ادم ارضًا وهو يمسك يد أيان يقول بصوت مرتجف :
" أيان يا صغيري، هذا أنا بابا آدم، هايز في الاسفل تبكي لأجلك، هيا عزيزي افق ارجوك "
ازداد بكاء ادم وهو يتمسك بيده أكثر مرددًا :
" استيقظ ارجوك "
فجأة انتفض جسده وهو يستمع لصوت تحطم شيء في الاسفل، مما جعله يركض للاسفل بخطى واسعة، وقد شعر فجأة بقلبه يهوى برعب وفزع على هايز التي قد تفعل شيء خطر بنفسها في غمرة انهيارها .
توقفت اقدام ادم عن التحرك خطوة اضافيه وهو يبصر أمامه هايز وقد حطمت للتو التلفاز العملاق، محدثة صوتًا ضخمًا يشبه الانفجار، وكادت تتحرك تكمل تحطيمه، لولا شعورها بشيء يكتفها من الخلف بقوة كبيرة وصوت آدم يصدح :
" توقفي هايز، هذا لن يفيد، ارجوكِ لا تفعلي هذا، قلبي يؤلمني، لا تفعلي هذا، لأجل أيان هايز، لأجل أيان"
توقفت هايز عن المقاومة وهي تهمس بشرود :
" أيان"
" نعم هايز أيان، يجب أن نقوم بالتصرف سريعًا و...."
انفجرت هايز في البكاء مجددًا وهي تصرخ باسم أيان مرددة بهزيان :
' آدم أيان، لقد تركني أيان، لقد استسلم ولم يحارب معي، وعدني أن نحارب سويًا وخذلني "
ضمها ادم أكثر وهو يتحرك بها بعيدًا عن الزجاج، حتى وصل للاريكة يجلسها بلطف ثم مسح على شعرها وهو يقول بهدوء :
" حسنًا استمعي لي هايز، يجب أن نتحرك ونبدأ في إجراءات دفــ "
" لا لا، لا أريد ارجوك، دعه معي"
" هايز افيقي بحق الله، لقد مات أيان و "
توقف وهو يحاول التحكم في غصته بصعوبة كبيرة، يجاهد نفسه حتى لا يبكي حزنًا على الصغير، وجزعًا على هايز وحالتها التي تقلقه، نهض من جلسته وهو يمسح وجهه، ثم قال بصوت خافت :
" سوف اصعد لايان، إن اردتِ القاء نظره أخيرة عليه، فأنتِ تعرفين مكان غرفته "
أنهى حديثه وهو ينسحب من أمامها حتى لا يضعف ويبكي معها، فإن هو ضعف، لن تجد هايز من تتعكز عليه في محنتها تلك، توقف أمام باب الغرفة وهو يجاهد نفسه للتماسك، يتحرك ببطء صوب فراش أيان الذي يتسطح عليه بكل هدوء وبراءة، جعلته يفقد رباطة جأشه وهو ينخرط في بكاء عنيف جوار فراشه.
كانت هايز تقف على الباب تراقب ما يحدث بعدما تبعت آدم، تشعر بعالمها ينهار شيئًا فشيء، صغيرها الذي هوّن عليها حياتها، ها هو الآن يتسطح على فراشه الذي اعتادت مشاركته إياه، لكن وهو جامد كالصخر، أغمضت هايز عينها، ثم تحركت صوب آدم تجلس جوار ارضًا تراقبه بهدوء مريب وهو يبكي، قبل أن تنخرط هي الأخرى في بكاء صامت، وكأنها تخشى أن تزعج أيان ببكائها .
لتمر دقائق ومازال الحال كما هو عليه، اقترب ادم ببطء يضم هايز إليه وهو يهمس لها بحزن :
" سوف اتدبر كل إجراءات دفن ايان، وانتهي من كل شيء "
بكت هايز أكثر وهي تدفن رأسها في صدره بقوة تهمس من بين شهقاتها :
" اشعر بأن انفاسي تتقلص ادم، اريد الذهاب معه، لا أريد البقاء في هذا العالم وحدي "
أنهى حديثها وهي تنهار في البكاء بينما آدم شدد ضمه لها وهو يقول بفزع من تلك الفكرة :
" وماذا عني هايز؟! كيف سأعيش هنا دونك ؟! لا تفعلي هذا بي ارجوكِ، أنا ارجوكِ هايز لا تتركيني وحدي"
كاد يكمل حديثه لولا تصنم جسده، شاعرًا بحركة عنيفة على الفراش خلفه، توقفت يده عن التربيت على ظهر هايز وهو يستدير ببطء، ليجد أن جسد أيان ينتفض بحركات عنيفة جعلته يصرخ برعب وهو ينهض بسرعة، يحاول التحكم في ارتجاف وانتفاضة جسد أيان :
" هايز ساعديني بسرعة "
لكن هايز كانت فقط تنظر له بشرود قبل أن يصرخ في وجهها بجنون :
" بحق الله هايز تحركِ، أيان حي، هايز افيقي ارجوكِ، ساعديني للتحكم في تشنجات جسده "
___________________________________
نظرت في ساعة يدها للمرة التي لا تعلم عددها تحاول أن تجبر نفسها على ألا تنهض وتنقض عليه، وتتخلص من كل هذا، استدرات برأسها قليلًا تحاول النظر لها من أسفل أهدابها، لتجده منغمسًا في تناول المثلجات التي احضرها لنفسه منذ دقائق، زفرت بضيق، تشعر بالحنق منه ومن نفسها لموافقتها على المجئ هنا .
" هل سنظل جالسين هكذا ؟!"
رفع مايك رأسه من على المثلجات الخاصة به وقد انتبه فجأة لوجودها معه، وكأنه نسي للحظات سبب وجوده هنا وشرد بعيدًا عنها :
" اعتذر نسيت وجودك، هل تريدين أن نسير قليلًا ؟!"
" بل اريد العودة لعملي رجاءً، يكفي أنني رحلت دون حجة أو عذر، سوف يتم طردي بسببك، وأنا لا ينقصني هذا "
بُهت مايك من حديثها ثم قال ببطء وهو ينظر للبحر أمامه، حيث كانت يجلسان على مقعد أمام البحر في مشهد يبعث الطمأنينة للنفس :
" لا ادري كيف تفكرين بهكذا افكار سلبية أثناء وجودك في هذا المكان؟! أعني أنني اعتقدت أنه بوجودك هنا ستنسين كل ما يحدث في حياتك "
ابتسمت لورا بسمة ساخرة وهي تردد :
" أوتحسب الجميع مثلك؟! بلا هموم أو مشاكل في حياتهم ؟!"
" وكيف علمتِ أن حياتي بلا هموم أو مشاكل ؟! "
صمتت لورا وهي تبعد وجهها عنه، تشعر بالاختناق يندفع فجأة في جوفها كما عادتها، فهي تكون في لحظات في أوج سعادتها، وبعد ثواني فقط تهاجمها موجة سوداء مصيبة إياها بالاختناق، ابتلعت ريقها، تستمع لصوته الذي خرج كعادته مرحًا :
" إذن آنسة لورا أنتِ عربية صحيح ؟!"
نظرت له لروا ثواني قبل أن تهز رأسها بإيجاب تتحدث بهدوء معه وقد وجدت أن العناد والمقاومة وإظهار الضيق لن يفيدها، فهي لا ينقصها حزن في حياتها؛ لذلك بما أنها أتت هنا لتستمتع بالأمر فحسب :
" نعم والدي سوري الجنسية، ووالدتي ايطالية "
ابتسم لها مايك باتساع :
" وُلدتي بإيطاليا صحيح ؟!"
" نعم، عشت حياتي كلها هنا، مع امي "
كانت تتحدث وهي تشعر بالاسترخاء يزحف ببطء لاوصالها، وقد تسبب صوت الأمواج في دفعها دفعًا للهدوء، ورسم بسمة صغيرة على وجهها قبل أن تسمع سؤال مايك التالي :
" والدتك فقط ؟! ماذا عن والدك هل هو ...."
صمت تاركًا لها الحديث لتتفهم هي تفكيره مجيبة بالنفي :
" لا ابي حي، لكنه كثير السفر، والآن دعنا من حديثي عني وحدثني عن نفسك سيد مافو، أخبرني ما هذا مافو، ولماذا هذا الاسم البشع تحديدًا ؟!'
انكمشت ملامح مايك بغيظ وهو يدفع ملعقة المثلجات في فمه هامسًا بحنق :
" ذلك الغبي مارسيلو هو من اقترحه علىّ، أخبرني أن ادمج اول حرفين من اسمي مع اول حرفين من اسم عائلي ليخرج لي هذا الاسم وبعدها أخبرني أنه رائع، ثم أتى الآن يخبرني أنه بشع، ذلك الحقير، في الواقع هذا خطأي فمن يعتمد على مارسيلو في شيء على أية حال؟!"
صمت قليلًا ثم قال بعد برهة :
" ليتني لم استمع له واعتمدت الاسم الذي ابتكرته أنا"
" وما هو هذا الاسم سيد مافو ؟!"
" ميكو "
صمت ثم أضاف موضحًا :
" في البداية كنت قد اخترت أن اسمي نفسي بـ ( ميكي)، لكن فجأة تذكرت أمر ميكي ماوس؛ لذلك قلت لا بأس بميكو، حتى لا أفقد هيبتي كما تعلمين، لكن جاء اسم ذلك الاحمق مارسيلو ودمر مخططاتي، ليتني اعتمدت ميكو، لكنت الآن احتفظ بهيبتي التي اضاعها اسم مافو "
أنهى حديثه بحنق شديد، وزاد صوت ضحكات لورا العالي في حنقه، حيث أخذت تتلوى جواره من حدة الضحك وهي تردد بسخرية :
"هيبة؟! هيبة شو الي عم تحكي عنها يا زلمة؟! أنت لو بدك تذل حالك ما كنت فكرت بهيك أسماء تافهة، وبعدين شو هاد ميكو، كنت بدك تسمي حالك ميكو؟! يا زلمة أنت مو طبيعي بالمرة "
أنهت لورا كلماتها وهي تحاول تمالك ضحكاتها أسفل نظرات مايك الحانق مما تفعل :
" اشعر أنكِ تسخرين مني "
فتحت لورا عينها فجأة وهي تردد بعدم تصديق :
"يا زلمة هي معجزة لأول مرة بتلقطها وهي طايرة، منيح أنك ما فكرت إني عم غازلك" "
لوى مايك شفتيه بحنق وهو يردف :
" ما هذه ( زلمة) التي كررتيها أكثر من مرة ؟!"
فتحت لوار فمها وهي تستوعب أنها حقًا أكثرت من تلك الكلمة في حديثها كما هي عادتها، لكنها وللمرة التي لا تعلم عددها، لم تخبر مايك بحقيقة تلك الكلمة، رغم عدم احتواء تلك الكلمة على ما يشين، لكنها لا تعلم لما كذبت عليه وهي تخبره :
" اه هذه الكلمة، اممم حسنًا هذه الكلمة يطلقها الاصدقاء على بعضهم البعض، لقب يعني صديقي أو عزيزي "
أنهت حديثها ببسمة غبية، لكن مايك لم ينتبه لها وهو يقول ببسمة غامزًا لها :
" هكذا إذن؟! حسنًا من اليوم وصاعدًا أنتِ الزلمة الخاص بي "
" ماذا ؟!"
تحدث مايك وقد انبهر من تلك الصفة التي الصقته بها لورا، ثم قال وقد قرر أن يستعرض أمامها ما حفظه على يدها سابقًا، يقول باطراء لها وبسمة صغيرة لطيفة :
" العمى بقلبك لورا "
فتحت لورا فمها ببلاهة وهي تردد :
" ماذا ؟!"
" هذا إطراء بسيط مني لكِ "
" إطراء ؟! "
" نعم إطراء "
صمتت لورا وهي تشعر أن السحر لم ينقلب فقط على الساحر، بل إنه أطبق على أنفاس الساحر تمامًا .
" أنت... أنت...لا تحتاج لقول ذلك، أعني لا داعي لذلك الاطراء حقًا "
حاولت أن تخبره بشكل غير مباشر ألا يردد تلك الكلمات أمامها، لكنه لم يذعن لها وهو يهز رأسه بنفي :
" لا تخجلي مني رجاءً، أنتِ تستحقينه وأكثر "
صمت ثم قال وهو ينظر للبحر أمامه ببسمة صغيرة :
" شكرًا لكِ "
نظرت له لورا بتعجب لتسمعه يضيف بلطف :
" تلك اللحظات كانت أكثر من لطيفة، شكرًا لكِ، هذه أول مرة اجلس مع أحد خارج إطار عائلتي .."
___________________
خرج ماركوس من مرحاضه وهو يجفف شعره بعدما ارتدى بيجامته، إستعدادّا للنوم، ابتسم وهو يلقي المنشفة جانبًا يحمل هاتفه، يراقب شاشته تلتمع برسالة ما، لكن وقبل أن تمتد أصابعه لرؤية الرسالة وجد الباب الخاص به يُفتح بقوة كبيرة، جعلته ينظر بصدمة له، يراقب كومة القماش المتحركة تلك، حيث كان يبصر أمام عينيه غطاء قماشي يتحرك .
ابتسم بغيظ ملقيًا هاتفه بعنف على الفراش ثم تحرك صوب تلك الكومة من القماش، يجذب المفرش بعنف وهو يعلم الوجه الذي يختفي خلفه، لكن ما لم يعلمه هو أن صاحبة هذا الوجه كانت تتشبث في المفرش بقوة لدرجة جعلتها تسقط فوقه بمجرد جذبه المفرش .
سقط ماركوس للخلف بعنف جعله يطلق صرخة عالية بسبب اصطدام ظهره بحافة الفراش الخاص به وفوقه تقبع فيور التي كانت تفتح فمها بصدمة كبيرة، لا تدري كيف ومتى حدث ذلك، فهي فقط كانت تحمل مفرشها ووسادتها وأتت لتبيت هنا جوار ماركوس خوفًا من النوم وحدها في غرفة في منزل لا تعلم به أحد، لكن فجأة شعرت بشيء يجذبها بعنف وها هي تتسطح فوق ماركوس الذي كان يغمض عينه بقوة وهو يهمس :
" فيور أيتها الحمقاء، كُسر ظهري، يا ويلتي "
أنهى حديثه وهو يطلق تأوهًا عاليًا جعل فيور ترفع رأسها ببطء وهي تردد بخفوت معتذرة :
" آسفة حقًا لم اقصد أن أفعل ذلك، أنت فقط من جذبت المفرش بعنف وهذا ما اسقطني و..."
لم تكمل حديثها بسبب دفع ماركوس لها ببطء حتى تنهض من فوقه، ثم اعتدل يمسك ظهره يضغط على أسنانه محاولًا عدم الصراخ من الوجع، بينما فيور فقط ترمقه بحزن و خوف ...
' ما الذي تفعلينه هنا في غرفتي فيور ؟!"
كانت تلك الهمسة الحانقة خارجة من ماركوس وهو يحاول تمالك غضبه، حتى لا يصبه على رأس فيور، لكنها نهضت من مكانها، ترفع مفرشها من على الأرض تفرشه جوار سريره مرددة بجدية :
" سوف أنام هنا "
" ماذا ؟؟ تنامين أين؟! هل جننتي ؟!"
توقفت فيور عما تفعل وهي تقول بخجل من نظرات ماركوس المستنكرة :
" أنا لا أعلم هنا سواك ماركوس، ولا اريد النوم وحدي، أنا اخاف ذلك؛ لذلك ارجوك ماركوس دعني أنام رفقتك وأقسم أنني لن ازعجك"
ولم يصل لها رد سوى شهقة عالية فزعة، لم يكن مصدرها ماركوس بل كان مايك الذي يقف على باب غرفة ماركوس هو صاحب تلك الشهقة، هز مايك رأسه بخيبة أمل مشيرًا لماركوس :
" حتى أنت يا ماركوس ؟! حتى أنت أيها المريض ؟! تبًا لكم عائلة بلا اخلاق "
فتح ماركوس فمه بصدمة وهو ينهض بسرعة من مكانه يفسر ما حدث قبل أن يفكر مايك في شيء غير الحقيقة، وهو يعلم تفكير اخيه جيدًا :
" حتى انا ماذا مايك !! هي فقط كانت تود النوم في غرفتي لــ "
" اها ها أنت ذا تعترف بنفسك أبها الفاسق أنك تستضيف نساء عندك في غرفتك "
استفز حديث مايك فيور التي أطلقت لـ لسانها العنان وهي تصيح في وجه مايك :
" أنت أيها السيد أنتبه لحديثك هذا أي نساء هؤلاء الذين تتحدث عنهم ؟! "
نظر لها ماركوس بسخرية وكذلك فعل مايك وهو ينظر لها من أعلى لاسفل :
" أولستِ نساء يا فتاة ؟!"
فتحت فيور فمها بصدمة من حديثه، وقد أدركت فجأة ما قالته هي منذ ثواني؛ لذلك اندفعت بقوة صوب مايك تحمل الوسادة ملقية إياها على وجهه بعنف صارخة :
" أيها الحقير هل تحاول التقليل مني أمام نفسي ؟!"
اندفع ماركوس بسرعة يجذب جسد فيور بعيدًا عن أخيه وهو يصرخ بها أن تتوقف، بينما مايك عاد للخلف وهو يردد بسخرية يقيمها :
" اقلل منكِ أمام نفسك؟! وهل نفسك لا تعلم كيف تبدين ؟! يا فتاة أنتِ اقرب لطفلة، انظري لثيابك تلك "
" انظروا من يتحدث، وما شأنك أنت بثيابي، وما ادراك أنت بثياب النساء ؟!"
رفع مايك حاجبه بسخرية ثم قال بعد ثواني من الصمت :
" ربما لأن هذا عملي !! "
كادت فيور تجيبه لولا صرخة ماركوس الحانقة :
" توقفا رجاءً، اخي فيور فقط أتت للمبيت لدي لأنها تشعر بالغربة، وفيور اخي يعمل مصمم ازياء لهذا تحدث بهذه الطريقة، ولا تستمعي له، والآن فقط اصمتا حــ"
توقف عن الحديث وهو يستمع لرنين هاتفه، نظر لهما بحزم يشير لهما ألا يفعلا أي أفعال صبيانية، ثم تحرك صوب هاتفه الذي يقبع على الفراش، وحمله بهدوء، يجيب الاتصال، صمت ثواني يستمع للجانب الآخر لتتغير ملامحه شيئًا فشيء، قبل أن يغلق الاتصال وهو ينظر لفيور قائلًا بجدية :
" هيا فيور سوف نذهب لتناول المثلجات "
رفعت فيور حاجبها بتعجب، بينما ابتسم مايك بخبث وهو ينسحب من الغرفة ببطء تاركًا فيور ترمق أخاه بتعجب وهي تردد :
"نتناول مثلجات ؟!"
" فقط اخرجي حتى ابدل ثيابي فيور رجاءً "
_________________________________
هبط مارسيلو من غرفته وهو يحمل هاتفه بملل يقلبه بين يديه ويبدو أنه يحتاج لتصليح أو ما شابه، لوى مارسيلو شفتيه بحنق وهو يدخل للمطبخ، يتجه مباشرة نحو الثلاجة يتجاهل وجود روز التي كانت تقوم بتنظيف الأواني، فتح الثلاجة يبحث بعينه على الحلوى التي أعدتها روز لليوم، لكن لم يجد شيء .
استدار يقول بتعجب :
" روز أين الحلوى التي صنعتيها اليوم ؟!"
نظرت له روز وقد بدأت ملامح الغيظ ترتسم على وجهها وهي تمسح يدها بلطف ثم اخرجت شيء من جيب ثيابها تمد يدها به لمارسيلو الذي تناوله بعدم فهم، يرمق الورقة التي كانت تحتوي على رسمة كرتونية لشخص يفتح الثلاجة خلسة ثم سرق الحلوى منها واغلق الثلاجة وخرج من المطبخ كـ لص .
" جايك ؟!"
هكذا تحدث مارسيلو يتساءل لتهز روز رأسها بنعم وهي تشير له أنها وجدت تلك الورقة في الثلاجة حينما بحثت عن حلوتها، ويبدو أن السيد جايك أخذ كل ما صنعته وتركها ليخبرها كيف نفذ خطته، ولا تعلم حقًا أين يذهب بكل تلك الحلوى .
زفر مارسيلو بغيظ وهو يهمس :
" ذلك المهووس يغار على قطعة حلوى "
رمقته روز بعدم فهم ليقول مارسيلو وهو يفتح الثلاجة يتناول منها بعض الشوكولاتة والعصير مرددًا بسخرية :
" الغبي جايك لا يتتاول الحلوى من الأساس، لكنه لا يود لأحد أن يتناول الحلوى التي تصنعينها أنتِ، آخر مرة أكلت بعا حلواكِ تشاجر معي ورسم لي رسمة كتلك بها شخص يشبهني وقد كان معلقًا في حبل يخرج لسانه خارج فمه في إشارة منه أنه سيقتلني، تبًا له ولدفتره الغبي الذي يحمله كما يحمل الأب صغيرة، اقسم إن احرقه له "
" حقًا ؟! ارني كيف ستفعلها سيدي المحامي "
استدار روز ومارسيلو على ذلك الصوت الذي أتى من جهة الباب والذي كان يخص جايك، تحرك جايك يحمل بيده طبق حلوى وهو يسير به بكل استفزاز جعل مارسيلو يخرج من فمه صوتًا حانقًا، يصيح وهو يلقي الشوكولاتة من يده :
" اقسم أنني سأريك أيها الاحمق "
واتبع كلماته وهو ينقض على جايك ينتوي أخذ طبق الحلوى منه، بينما جايك استغل طوله الذي يفوق مارسيلو ببعض الشيء، يدفع وجه بعيدًا عنه صارخًا بغضب :
" هذا ملكي أيها الاحمق، ابعد يدك عن حلواي "
تراجع مارسيلو وهو يخرج سلاحه يرفعه في وجه جايك بشكل جعل روز تنتفض للخلف بفزع شديد وهي ترى جنون الاثنين، حيث امسك جايك سكين من المطبخ وهو يقول ببسمة غبية :
" هيا يا مارس اقترب، ارني ما ستفعل "
أنهى حديثه وهو يلوح بالسكين في وجهه يحمل الطبق بكل استفزاز أمام عين مارسيلو الذي جهز سلاحه للاطلاق، وبين تلك الحرب الضاربة دخل انطونيو للمطبخ بكل هدوء وبرود يسحب الطبق من يد جايك وتحت أعين الجميع المصدومة، ثم أخذ ملعقتين ومن بعدها سحب علبة العصير التي اخرجها مارسيلو من الثلاجة واخذ كوبين، ثم تحرك خارج المطبخ بكل هدوء وكأن شيئًا لم يكن، تاركًا يد جايك متسطحة في الهواء وكأنه مايزال يحمل الطبق، ويده الآخر تحمل سكين على مارسيلو الذي يوجه مسدسه لجايك وروز ترمق ما يحدث بفم مفتوح .
تناول انطونيو قطعة من الحلوى وهو يخرج من المطبخ مرددًا بتلذذ :
" لذيذة جدًا، احسنتِ روز، أنتِ تصنعين اشهى حلوى "
أنهى حديثه وهو يتجه صوب الدرج يتفادى ماركوس الذي كان يهبط بسرعة كبيرة ساحبًا خلفه تلك الصغيرة التي احضرها وهو يكاد يسقطها على وجهها بسبب سرعته يردد بصوت عالي يُسمع الجميع :
" سوف أخرج قليلًا مع فيور فهي تحتاج للتنزه "
رددت فيور وهي تحاول ألا تسقط على وجهها :
" لكنني لا احتاج لـ "
" بلى تحتاجين فيور "
هكذا زجرها ماركوس وهو يسحب يدها للخارج تحت نظرات الجميع المتعجبة .
نظر جايك ليده الفارغة بحنق وهو يردد :
" تبًا لكم جميعًا "
أنهى همسته وهو يخرج من المطبخ بعنف وغضب، تاركًا روز تنظر لاثره بحزن لحزنه، بينما مارسيلو حمل قطعة الشيكولاته التي ألقاها ارضًا سابقًا وهو يتناولها بحنق هامسًا :
" نعم، تبًا للجميع هنا "
تحرك مارسيلو صوب الخارج وهو يتمتم بغيظ قبل أن يستمع صوت جايك الحانق وهو يقول بسخرية :
" أي محامي هذا يا فتاة ؟! تقصدين الفاشل مارسيلو ؟! نعم هو بالداخل"
ختم جايك حديثه وهو يشير لداخل المنزل حيث مارسيلو يأكل شيكولاتة بكل بلاهة، ثم تحرك هو صوب مرسمه يفكر في رسمه دموية يخرج بها غضبه، تاركًا راسيل ترمق مارسيلو بصدمة وهي ترى هيئته تلك :
" سيد مارسيلو ؟!"
___________________________________
ابعد فبريانو عينه من على وجه روبين التي كانت مندمجة بشكل كبير مع رفقة في حديث لا يصل له منه شيء، لكن ذلك الشاب شقيق رفقة يجلس معهما ويتحدث معهما بشكل يثير استفزازه وبشدة .
" حسنًا ما رأيك فبريانو ؟!"
استدار فبريانو ينظر لجاكيري بشرود وهو يردد :
" في ماذا ؟!"
زفر جاكيري بغيظ شديد وهو يمسح وجهه :
" ألم تستمع لحديثي ؟! أخبرتك أن تحاول مجددًا مع قائدك ذلك "
" اه مالك ؟! انس الأمر، أنا لن افعلها مجددًا، صدقني هو لا يحبني ولا يطيق حتى سماع اسمي، وإن أخبرته أنا بالأمر سوف يتأكد بنفسه من أن يتم سجن حبيبتك الغبية تلك مدى الحياة "
اغمض جاكيري عينه بغضب شديد يحاول الوصول لحل يخرج له رفقة، فهو من جانب بدأ يبحث حول القضية بطرقه الخاصة، لكنه يحتاج لشخص له نفوذ هنا يسهل لها بعض الأمور، فتح عينه فجأة وهو يقول بسعادة وكأنه اكتشف حل لغز حيّر البشرية لقرون :
" وجدتها، سوف اختطف حفيده "
رفع فبريانو حاجبه وهو يقول بعدم فهم :
" حفيد من ؟!"
" حفيد قائدك، سوف اختطفه واساومه على مساعدتنا مقابل حريته "
تحدث فبريانو ببسمة متعجبة :
" حفيد قائدي ؟! هل تعلم كم عمر حفيده ؟!"
" لا يهمني فبريانو، أنا سوف اختطفه حتى وإن كان مازال في الروضة، ولا تقلق أنا لن اؤذي طفلًا، فقط سنهدد جده به "
" طفل ؟! هل أنت جاد ؟! كم تظن عمر مالك ليكون حفيده طفل ؟!"
فكر جاكيري قليلًا وهو يحاول تذكر اخر مرة قابل بها قائد فبريانو، يردف بتخمين :
" هل هو رضيع ام ماذا ؟! حسنًا أيًا كان، سوف اختطفه "
ضحك فبريانو ضحكة عالية جذبت انتباه روبين التي ابتسمت ابتسامة بلهاء تراقب ضحكاته التي تتسبب في ابهاج قلبها وبشدة .
توقف فبريانو عن الضحك بصعوبة وهو يخرج هاتفه يقول بكل سخرية :
" لا لا داعي للاختطاف، أنا سأحضره لك "
أنهى فبريانو كلماته وهو يضع هاتفه على أذنه ينتظر الرد من الطرف الآخر، يطالع لجاكيري الذي كان يرمقه بترقب كبير حتى وجد فبريانو يتحدث باللغة العربية بضع كلمات لم يفهم منها شيء .
" الو يا زياد اخبارك ؟! ....لا لا متقلقش مفيش حاجة أنا قولت بس اتصل بيك اطمن عليك، لا أنا دلوقتي في مصر اساسًا....أيوة أنا هنا من اسبوع او اكثر تقريبًا المهم أنت اخبارك ايه ؟! ....لا لا سيب الطلعة دي عليا أنا اللي هعزمك على اكلة كفتة وكباب تستاهل بُقك (فمك) طب اشطا نتقابل انهاردة، هبعتلك العنوان واتس متتأخرش بقى... طب تمام هستناك "
أنهى فبريانو حديثه وهو يغلق الهاتف ثم نظر لجاكيري وهو يقول ببسمة صغيرة :
" توليت الأمر، واليوم مساءا سيكون حفيد مالك هنا "
فتح جاكيري فمه بانبهار وهو يردد :
" هل كان هذا هو الخاطف ؟! هل اتفقت معه ؟!"
ضحك فبريانو وهو يهز رأسه بنعم، لكن أثناء ذلك راقب روبين وهي تنهض من مكانها تتجه صوب المنزل من الداخل، ابتسم وهو ينهض يكاد يلحق بها لولا سماعه لصوت ذلك المستفز وهو يناديها بـ " روبي".
تشنج فبريانو وهو يردد الاسم بسخرية :
" روبي؟! ده أنا نفسي مش بقولها روبي "
أنهى كلمته وهو ينهض بقوة متجهًا صوب اسكندر، يربت على كتفه باصابعه، وما كاد اسكندر يستدير ليرى صاحب تلك الضربات على كتفه، حتى استقبل وجهه لكمة عنيفة أسقطت رأسه على الأريكة وتبعها صوت فبريانو المرعب :
" اسمعك تناديها روبي تاني وانا هخليك تسبق اختك على السجن سامع ؟!"
ختم كلماته وهو يتحرك داخل المنزل حيث روبين ودماءه تغلي من الغضب، ولولا جاكيري وعلاقته بتلك العائلة لكان قتله أمام الجميع .
نظر توفيق لخطوات فبريانو العنيفة لداخل المنزل يردد بصدمة وكأنه انتبه للتو لذلك الأمر :
" هو بيتكلم ازاي كده ؟! ده كان بيتكلم زينا، هو ازاي كده ؟!"
استدار فجأة كالرصاصة صوب سيلين وهو يقول بصدمة :
" أنتِ كمان بتتكلمي كده ؟!"
رمقته سيلين بعدم فهم :
" ماذا تقول ؟!"
" ماذا اقول ايه يا ختي هتعملي فيها أجنبية ولا ايه ما خلاص كله انكشف وبان، طلعتوا أجانب من إمبابة، أنا قولت اشكالك دي تقفيل مصري والله، لا يمكن تكوني تقفيل مستورد، ده أنتِ نوع مضروب "
لم تفهم سيلين حديثه وهي تنهض من جواره تتحرك بحنق بعيدًا عنه :
' أنت يارجل مجنون "
لحقها توفيق وهو يقول بغلظة :
" أيوة أيوة افضلي برطمي( تحدثي ) ايطالي وعيشي الدور علينا، وأنتِ اساسًا اخرك في الايطالي البيتزا السوسيس "
_______________________________
" إن كنتِ أتيتِ لأجل قضية المكتب فأنتِ تتكبدين عناء شيء لن يحدث، أنا لن اترافع عن المكتب، افضل إغلاقه عن الذهاب للحكمة "
ابتسمت راسيل بسمة صغيرة وهي تقول بجدية ساخرة :
" لا سيدي هي ليست قضية المكتب، بل قضيتين "
" ماذا هل أنجبت القضية الأولى قضية أخرى ؟!"
هكذا تحدث مارسيلو بكل جدية وهو يرمقها بعدم فهم، لكن راسيل فتحت عينها بصدمة وهي تقول له تحاول دفعه خارج تلك الفقاعة من اللامبالاة، تجبره على التعامل كأي انسان طبيعي وهي تقول بحنق شديد :
" أحدهم رفع قضية أخرى على المكتب وهذه المرة ليست كالاولى، فذلك الشخص كان أخوه موكلًا لديك لأجل قضية ما، والمحامي الذي ألقيت إليه بتلك القضية تسبب في سجن أخيه لسنوات عديدة، وهذا الرجل لا يمزح سيدي فكما سمعت أنه أحد أخطر الرجال في روسيا "
ضم مارسيلو شفتيه في حركة انبهار وتعجب مصطنع :
" يا ويلتي، هذا يعني أننا الآن في ورطة ؟!"
" نعم كما أن هذه القضية ليست على المكتب فقط، بل يا سيدي هي قضية عليك أنت شخصيًا، وهذا سيضر باسمك كثيرًا "
فتح مارسيلو فمه ثواني ثم اغلفه مجددًا، وبعد صمت قصير اردف بجدية :
" هل اقوم بتغيير اسمي ؟!"
" أو تتحرك وتدافع عن مكتبك وعن نفسك بحق الله، ألا تهتم لشيء في هذه الحياة يارجل مابك؟! سوف تدفعني للجنون "
ختمت راسيل حديثها الذي كانت تصرخ خلاله وهي تتنفس بعنف شديد، تحاول تمالك غضبها حتى لا تنقض عليه وتقتله، لكن مارسيلو هز كتفيه بتفكير :
" لا اعلم حقًا، أظن أن تغيير اسمي اسهل وهكذا لن يضر به، أعني تغيير اسمي لن يستدعي أن أسافر لروسيا، في الحقيقة أنا لا أحب التحرك كثيرًا فأنا ...."
" كسول ؟"
هكذا قاطعت راسيل حديثه ليجيبها هو :
" كنت افضل القول غير مهتم، لكن لا بأس بكسول، نعم أنا كسول "
ابتسمت راسيل وهي تفتح حقيبتها تقول بجدية وبسمة واسعة ترتسم على فمها :
" كنت اعلم، لهذا جهزت كل شيء "
مد مارسيلو رأسه يحاول رؤية ما تعبث به ليراها تخرج بعض الأوراق تمد يدها لها إليه، تناولها بعدم فهم، لكنها لم تدعه في حالة التائهة كثيرًا وهي توضح له :
" هذا كل ما يخص القضية سيدي، وهناك أيضًا تذكرة للسفر إلى روسيا، تجهز سيدي سوف تغادر غدًا "
أنهت حديثها ببسمة جعلته يرفع حاجبه بتهكم :
" هل تعتقدين أنكِ هكذا تجبرينني ؟!"
" لا سيدي، أنا أعمل لأجل مصلحة المكتب، كما أن قضية كتلك لن تضر المكتب أو اسمك فحسب، بل ستطال جميع أفراد عائلتك فأنت في النهاية تحمل لقب عائلة فوستاريكي"
قلب مارسيلو الاوراق بين يديه وهو يردد بعدم اهتمام :
" وكأنني انتمي للعائلة الملكية حتى أخشى أن يُمس اسمهم "
" ماذا ؟! "
رفع مارسيلو نظره لراسيل وهو يتساءل بجدية :
" كيف عرفتي عنوان منزلي ؟!"
" السيدة مانتيو أخبرتني به "
" تلك المرأة أخبرتها ألا تخبر أحد بمكان سكني"
قاطعت راسيل حديثه مع نفسه وهي تردد بجدية :
' إذن سيدي هل ستسافر ؟!"
" سنسافر "
" عفواً؟!"
" استعدي راسيل فلدينا رحلة ممتعة سويًا لروسيا، واحضري ثياب ثقيلة فالشتاء هناك قاسي، أو لا بأس إن لم تحضري "
أنهى حديثه بغمزة مبتسمًا لها مما جعلها تفتح عينها بصدمة وهي تهمس :
" أنت أيها القذر ماذا تقصد ؟!"
" قصدت أن تحجزي في فندق بتدفئة مركزية جيدة يا آنسة، ماذا ظننتِ أنتِ؟؟"
نظرت له راسيل بشك، لينحني هو قليلًا هامسًا ببسمة جانبية :
" أنا لا أحب تلك العلاقات التي تنشأ في العمل آنسة راسيل "
رمقته راسيل بشر وهي تردد :
" وهل تراني افكر في الأمر سيد مارسيلو ؟!"
" فقد أردت أن أخبرك "
ابتسمت له راسيل بسمة صغيرة وهي تبتعد عنه ببطء هامسة :
" شكرًا لك، يوم افكر في انشاء علاقة، فأظن أنني لن افكر في الارتباط بشخص لن يحترك إلا عندما يحترق العالم من حوله "
ابتسم مارسيلو بسمة صغيرة وهو يردد :
" حتى في تلك الحالة سأفكر جيدًا قبل أن اتحرك، وقد لا اتحرك في النهاية "
همست رسيل في وجهه بسخرية :
" عسى أن تحترق جبال جليدك تلك وتغرقك "
أنهت كلماتها وهي تتركه راحلة والغيظ يملئها، بينما مارسيلو ينظر للأوراق في يده يبتسم بسمة خبيثة يراقب رحيلها، قبل أن يعود بخطواته صوب المنزل .
__________________________
دخل انطونيو غرفته وهو يحمل الحلوى التي احضرها من الاسفل وهو يقول ببسمة واسعة :
" روما هيا انظري ماذا أحضرت، الحلوى التي تحبينها و...."
توقف عن الحديث وهو يجد الغرفة فارغة من روما، نظر في أنحاء الغرفة بدقة يحاول البحث عن روما، قبل أن يستمع فجأة لصوت قادم من المرحاض، صوت همسات ضعيفة .
ترك ما بيده وهو يتجه صوب المرحاض يتحدث بخفوت طارقًا الباب :
" روما حبيبتي هل أنتِ في الداخل ؟!"
ولم يصل له إجابة، كل ما وصل له هو صوت اصطدام بالمياه، جعله يضيق عينيه بعدم فهم، وهو يحاول فتح الباب، لكن وجده مغلق من الخارج، مما دفع القلق لقلبه وهو يزيد من عنف طرقاته يصرخ باسم روما :
" روما، هل أنتِ بالداخل؟! روما ؟!"
لكن لم يصل له صوت، كل ما وصل له همهمات وآنات خافتة جعلته يكاد يجن وهو يبتعد عن الباب ضاربًا إياه بقدمه في عنف شديد، وقد جن جنونه، يصرخ باسم روما، حتى تحطم الباب ليشهق بصدمة يجد أن روما مغشي عليها على أرضية المرحاض وفمها يخرج منه دماء كثيفة، جعلته يصيح برعب ...
" يا اللهي، روما ؟! "
ركض صوبها يرفع جسدها برعب لاحضانه وهو يضمها بقوة صارخًا باسمها :
" روما، روما حبيبتي ماذا حدث، لكِ حبيبتي ماذا حدث، روما افيقي ما بكِ؟! "
لم يصل له أي رد منها ولم يشعر بضربات قلبها أسفل يده وهو يفرك جسدها بقوة كردة فعل من جسده، انتفض بفزع وهو يرى يدها قد بدأ لونها يتحول للون الاخضر بشكل جعله يصرخ بجنون، ينهض حاملًا إياها للخارج يخرج من الخزانة الخاصة بها بعض الثياب، لا يعلم ما يفعل، كل ما يفعله هو أنه ألقى بعض الثياب عليها، يحملها ويخرج من غرفته صارخًا بجنون ورعب هز جدران المنزل وخرج على أثره الجميع :
" آدم ... أين ادم ؟! ليساعدني أحدكم، أين ادم ؟! "
كان يصرخ بهذيان وهو ينظر بعجز حوله يشعر بجسد روما ينتفض بين يديه وكأن روحها تخرج منها، وها هو جليد انطونيو يذوب مسببًا فيضانات من الغضب والقهر تطيح بالجميع .
ارتدى مايك ثيابه وهو يخرج من الغرفة مرتعبًا قبل أن يفزع من مظهر روما، ثم تحرك صوب انطونيو يصرخ به أن يتحرك معه صوب السيارة، لكن انطونيو لم يكن يعي ما يحدث وهو يضم روما بقوة صارخًا أن تستيقظ، يتجاهل حديث الجميع حوله، رافضًا تركها أو التحرك، ليقترب منه مارتن لاكمًا إياه بعنف ثم اختطف روما من يده وهو يركض صوب الباب صارخًا لحظة في مارسيلو :
" مارسيلو جهز السيارة بسرعة "
كان جايك يقف وهو يراقب ما يحدث بأعين جاحظة مصدوم من هيئة أخيه الذي كان أشبه بوحش وهو يركض خلف مارتن الذي يبدو كما لو أنه اختطف منه حياته، وصل مارتن السيارة التي صعد بها مارسيلو، وقبل أن يخطو داخلها كان جسد روما يُنتزع من يده بعنف وانطونيو يصعد للسيارة بعدما القى بنظرة مرعبة صوب مارتن .
تجاهل مارتن نظراته وهو يصعد لسيارته التي ركب بها مايك وجايك وروز و جولي معه، ثم تحرك بقوة خلف سيارة مارسيلو والجميع مازال في صدمة مما حدث منذ ثواني، من هدوء تحول المنزل لعاصفة .
في ذلك الوقت كان اليخاندرو على وشك بلوغ بوابة القصر بسيارته، ليرى فجأة تحرك سيارات أحفاده خارج القصر بشكل جنوني جعله يخرج هاتفه برعب وهو يتصل بانطونيو الذي لم يجب عليه؛ لذلك اتصل بأول اسم قابله والذي كان جايك الذي تحدث له عبر الهاتف برعب وهو يصف له ماحدث .
أمر اليخاندرو سائقه أن يتحرك بسرعة صوب المشفى التي اخبره جايك عنها وهو يخرج اسم سيرينا ( والدة روما ) حتى يخبرها ما حدث ....
____________________________
كانت سارة تركض في الممر وهي تهتف للممرضة جوارها تخبرها التعليمات، بعدما انتهت للتو من التعقيم، تتحرك صوب غرفة العمليات لتجري أول عملية رفقة اندرياس للطفل أيان، فمنذ جاءت به هايز بذلوا كامل جهدهم لتهدئة التشنجات رغم تعجبهم أنه حي بعد توقف جميع أجهزته لساعة تقريبًا، وبعدها قرر الجميع الدفع به لغرفة العمليات .
بكت هايز بقوة وهي ترى الفراش الذي يتحرك صوب غرفة العمليات يحمل جسد صغيرها الحبيب، بينما آدم يجذب هايز له بقوة حتى لا تتركه وتركض خلف فراش ايان.
كان ماركوس يركض في ممرات المشفى وهو يبحث بعينه عن آدم قبل أن تصطدم نظراته بنظرات سارة التي رمقته ثواني بنظرات غامضة، تحرك عينها ببطء لتلك الطفلة التي تتمسك بذراعه في قوة كبيرة .
" سارة هيا ماذا تنتظرين ؟!"
هكذا صاح اندرياس بقوة وهو يخرج سارة من شرودها، حيث توقفت فجأة أمام غرفة العمليات، نظرت سارة لماركوس نظرة أخيرة وهي تتحرك بسرعة صوب اندرياس تهتف بجدية :
" أنا جاهزة اندرياس لنبدأ "
بكت هايز وهي تصرخ بقوة :
" اريد الذهاب معهم، اريد البقاء رفقة أيان، ارجوك ادم دعني اذهب معه"
شدد ادم من ضمها وهو يقبل رأسها بقوة يهتف في اذنها بحنان شديد :
" تماسكي حبيبتي تماسكي لأجل أيان هايز، ولاجلي ارجوكِ، قلبي يؤلمني عليكِ ارجوكِ حبيبتي "
بكت هايز أكثر تنهار ارضًا، و آدم يتحرك معها للأرض حتى يجلس جوار باب العمليات وهو يضمها إليه بقوة شديدة وهو يهمس لها بحب، بينما ماركوس يقف جواره يرمقه بصدمة وهو يتساءل متى وصلت علاقة ادم لهذه النقطة ؟!
شعر ماركوس بيد تضم ذراعه، استدار فجأة ليتذكر وجود فيور، لكنه صدم من وجهها الذي كان ممتلئ بالدموع وهي ترمق هايز تود لو تحتضنها وتربت عليها .
" ماركوس هل سيكون الطفل بخير ؟!"
تساءلت فيور بحزن وهي تمسح دموعها مشفقة على ذلك الصغير الذي لم تره سوى منذ ثواني أثناء دخوله لغرفة العمليات، اشفق ماركوس عليها وهو يجذبها برفق لاحضانه يردد بحنان :
" لا تبكي فيور صغيرتي، سيكون أيان الصغير بخير، سيكون بخير "
أنهى حديثه وهو يراقب آدم الذي كان يدفن وجهه في شعر هايز التي كانت تجلس أمامه مستنده بظهرها على صدره، ورأسها يتوسط كتفها ترمق باب الغرفة بترقب شديد، بينما آدم يهمس لها بحنان :
" سيكون بخير حبيبتي، سيكون بخير "
اغمضت هايز عينها ببطء تسقط لا اراديًا في النوم، ليس نعاسًا ولكن هربًا من ذلك الواقع، بالإضافة لوالدها الذي غرق منذ شهور طويلة في غيبوبة لا تعلم إن كان سيستيقظ منها أم لا، ها هو أيان صغيرها يتركها ويقرر اللحاق بوالدتها .
شعر آدم بارتخاء رأس هايز اكثر؛ لذلك اعتدل في جلسته وهو يجذب رأسها إليه حتى يضعها على كتفه بشكل أكثر راحة لها مقبلًا شعرها بلطف وهو يهمس في اذنها بحب :
" أنا هنا جوارك حبيبتي، فقط ارتاحي قليلًا، كل شيء سيكون بخير "
_______________________
" أي مناسبة تلك ؟!"
نظرت روبين بتردد لعين فبريانو تردد بجدية وحزن :
" بعد اسبوعين تقريبًا هيكون العيد السنوي للمركز، وفي العيد ده بيكون فيه احتفالات كتير وعروض اكتر، بس اهم عرض فيه بيكون عرض العائلات، واللي بيشارك فيها عائلات الاعضاء، يعني كل عيلة بتعمل عرض خاص بيهم وهكذا "
" وتريدين مني أن أشارك به ؟!"
ابتسمت روبين بسمة صغيرة وهي تهز رأسها بنعم، ليمحو فبريانو بسمتها بحديثه المستنكر :
' لكنني لا استطيع الرقص روبين، كما أنني لا أحبه "
" يعني أنت بتعرف تعمل اي حاجة وجات على الرقص وعطلت ؟! يا اخي مش لازم ترقص هز كتفك وبس، أنا نفسي اوي اشارك فيه يا فبريانو، عمري ما كان ليا حد يشارك فيه "
ضيق فبريانو عينيه وهو يهتف بجدية :
" و لولو ؟؟"
ضحكت روبين ضحكة صغيرة ظهر بها وجعها وهي تردد :
" تصدق أنها الوحيدة اللي كانت بتحضر معايا الاحتفال ده، بابا وجاسي من سنين وهما مسافرين، وماما اساسا شايفة هوايتي دي سخافة، مفيش غير لولو اللي كانت بتحضر معايا عشان مزعلش"
أنهت حديثها وهي تحاول كتم دموعها ومنعها من الهبوط :
" لكن طبعًا مكانتش تقدر تقدم عرض لوحدها، لأن من الشروط هو إن العيلة تكون هي لوحدها اللي بتأدي العرض بدون ابنهم أو بنتهم أو أيًا كان اللي مشترك في المركز من عيلتهم "
صمتت ثم أضافت بجدية تمسك يد فبريانو تبتسم بسمة صغيرة مقهورة تنظر في عينه :
" أنا كنت بهزر معاك يا فبريانو، أنا اساسًا مش بفكر اشترك، ولا بفكر احضر الاحتفال السنوي المرة دي "
أنهت حديثها وهي تترك يده قائلة بجدية ودموعها على وشك الهبوط، فها هي في نفس الوقت من كل سنة تستشعر مرارة الوحدة :
" أنا عايزة أخرج من هنا، ممكن تخرجني ؟!"
جذب فبريانو رأسها له بحنان وهو يقبلها بهدوء ثم تركها وامسك يدها يخرج من المنزل كله، حتى وصل لسيارته، وهو يقول ببسمة واسعة :
" ما رأيك أن نذهب لتناول الطعام ؟!"
ضحكت روبين بخفوت وهي تردد :
" يلا، هو احنا بنلاقي حاجة نعملها في ام العلاقة دي غير الاكل ؟!"
ابتسم لها فبريانو وهو يصعد للسيارة يراقبها تصعد لها بهدوء، لينتبه فجأة لاذنها، يشير لها بجدية مرددًا :
" أين سماعتك ؟!"
تحسست روبين أذنها وهي تقول ببسمة غبية :
" في البيت "
" حقًا ؟! ولِمَ تركتيها في البيت ؟!"
" لا أصل لولو شبطت فيها عشان تكمل المسلسل المكسيكي بتاعها "
رفع فبريانو حاجبه لتكمل هي بسرعة تحاول تبرير الامر له :
" اصل هي من زمان كانت اتفرجت على الجزء الاول منه، وبعدين من قريب سمعت أنه ليه جزء تاني، لكن للاسف مش مترجم معرفش بقى المترجم فقد الشغف ولا ايه، بس هما مترجموش الجزء الثاني، قوم ايه بقى، لولو اول ما سمعت إن أنا معايا السماعة السورية دي ...."
" فورية ؟!"
" أيوة هي دي، صممت بقى تاخدها تتفرج بيها وقالتلي اقولك، بما أنك يا خويا اتشمللت وعملت حاجة عدلة وحيدة في حياتك اللي شبه وشك دي كنت كملت جميلك وجبت كمان سماعة، ولا نقول ايه معفن "
أنهت روبين حديثها وهي تحرك يديها في حركات شعبية تشبه تلك التي كانت تقوم بها جدتها، ثم ضمت يدها لقدمها ابتسم ببراءة موضحة :
" ده كلام لولو، هي قالتلي اقولك كده "
ابتسم فبريانو بسمة مستفزة ثم قال :
" روبين يا حبيبتي قولي لـ لولو إن السماعة دي غلط على كبار السن، قوليلها بتعمل هطل ( جنون) واحنا مش ناقصين، كفاية اللي فيها، ماشي ؟!"
ابتسمت روبين وهي تهز رأسها بحسنًا توعده أنها ستوصل الرسالة لها ثم راقبت الطريق أمامها، وهي تسمع صوت فبريانو يخرج منه بفضول :
" صحيح روبين، ما حكاية اسم وادي هذا ؟! أعني لم اسمع يومًا بهذا الاسم "
ضحكت روبين بخفوت وهي تقص عليه الأمر ببساطة :
" اه اسم تيتة؟! اصل زمان لما تيتة اتولدت كانت شبه الأجانب بالضبط يعني شعر فاتح وعيون ملونة وبياض "
صمتت وهي تشير له :
" شبهك كده "
" لا ارجوكِ لا تشبهي تلك العجوز بي "
اكملت روبين :
" ما علينا، لما اتولدت اللي سماها اساسًا اجنبي، وقتها حب يسميها اسم مبتكر ويكون مختلف فاختار ليها اسم متاخد من البيئة حواليه، وعشان كده سماها وادي المأخوذ من وادي النيل "
هز فبريانو رأسه وهو يهمس بخفوت :
" اسم غبي يليق بعجوز شمطاء "
" قولت حاجة ؟!"
" لا فقط ابعدي عينيكِ من على وجهي روبين، لا اتحمل نظراتك تلك يكفيني قبحك "
لوت روبين شفتيها وهي تنظر أمامها تقول بسخرية :
" هذا من لطفك سيد فبريانو "
" تبًا لكِ ولفبريانو الذي لا يستطيع قتلك روبين "
__________________________
كان يحملها انطونيو وهو يركض بها في ممرات المشفى وخلفه الجميع، وعلامات الذعر تستوطن وجوه الجميع، صرخ انطونيو برعب يراقب جسد روما الذي بدأ يفقد جميع علامات الحياة :
" طبيب، اريد طبيب، بسرعة ارجوكم "
كان يصرخ بجنون وهو يركض في ممرات المشفى وبين يديه روما وقد بدأ يفقد اتزانه، ركضت صوبه ممرضة وخلفها ممرض آخر يدفع بفراش صوبهما، ضم انطونيو روما له اكثر رافضًا تركها، لولا جايك الذي ربت عليه وهو يهمس :
" دعهم يفحصونها اخي "
نظر له انطونيو برعب وهو يهمس له وكأنه يشتكي له :
" روما يا جايك، لا تجيب علىّ "
ربت جايك عليه بحنان وهو يشير على الفراش ليضعها انطونيو ببطء على الفراش وكأنه ينتزع قلبه من صدره تاركًا إياه بلا حياة، ابتلع ريقه وهو يرى الطبيب يركض صوبه ينظر لروما بدقة وهو يتحرك مع الممرضين يردد بجدية كبيرة :
" اشتباه في حالة تسمم ويبدو أن السم بدأ يزحف للجسد كله، جهزوا العمليات "
سقط قلب انطونيو وهو يستمع لتلك الكلمات وقد شعر فجأة بالحياة تغادر جسده، بدأ الم شديد يزحف لقلبه وذراعه، يحاول الاستناد على الجدار جواره حتى لا ينهار، يرى المكان من حوله مشوش جميع الوجوه التي ترمقه برعب أضحت كما لو كانت خيال، الاصوات شعر بها تأتي من بعيد وهو ينظر لهم بعدم استيعاب، حتى فجأة شعر بالوجع يزداد بقوة في ذراعه الأيسر وانفاسه بدأت تتقلص .
امتلئت عين جايك بالدموع وهو يركض صوب اخيه يصرخ برعب باسمه يحاول أن يسنده ومن الجانب الآخر كان مايك الذي بكى بقوة وهو يصرخ مناديًا طبيب، بينما اليخاندرو الذي وصل للتو شعر بانهيار عكازه الذي يستند عليه، انهيار انطونيو والذي كان الداعم والسند الأول له حطم شيئًا داخله، رؤية حفيده الذي كان كالجبل ينهار بهذا الشكل جعل قلبه يهوى رعبًا عليه، الرجال أيضًا يتألمون، بل إن المهم احيانًا يكون قاتل، ولحظة سقوطهم ليست بالهينة.
أطلق انطونيو صرخة عالية باسم روما وهو ينهار ارضًا بين ذراعي أخيه ومايك، ومارتن الذي ركض لهم رفقة مارسيلو يحيطون به ويسندونه، يمنعون المارة من مشاهدة انهيار انطونيو، يمنعون أحد أن يبصر ضعف أخيهم .
بكت جولي بقوة في احضان روز التي كانت شبه منهارة وهي ترى كل ما يحدث، منذ ساعة واحدة فقط كان الجميع سعداء، ساعة واحدة فقط انقلبت فيها الحياة رأسها على عقب .
ارتفع صوت صراخ انطونيو وهو يرثي حالته ينادي روما، بينما جايك يضمه بقوة وهو يبكي وجع أخيه والجميع حولهم يحيطون بهم يحاولون التماسك لأجله، لأجل أساس تلك العائلة الذي على وشك الانهيار، فـ سقوط انطونيو، يعني انفراط حباتهم، انطونيو كبيرهم وداعمهم الاول، انكسر الآن لأجل زوجته التي تعاني، وكأنه أبى إلا أن يشاركها الوجع، هكذا فعل الحب باقواهم وأكثرهم ثباتًا، إذًا ماذا سيفعل بالباقيين ؟!
تقدم من الجميع طبيب والذي ارسل اليخاندرو في طلبه منذ رؤيته لتوجع انطونيو يتمسك بقلبه، ساعد الجميع انطونيو على النهوض، ثم سحبوه ببطء خارج الممر شاكرين القدر الذي جعل الممر فارغ في هذا الوقت حتى لا ينتبه أحد لما حدث، تحرك الطبيب خلف الجميع نحو إحدى الغرف ليفحص انطونيو والذي استسلم تمامًا لكل ما يحدث حوله ويبدو أنه فقد طاقته في الصراخ منذ قليل، ليتسطح على الفراش خلفه وهو يغمض عينه ببطء يشعر بوخزة في ذراعه تبتعها سائل يندفع لاوردته بقوة، يدفعه بقوة للغوص في عالمه الخاص، حيث أحضان عاصمته الغالية وصوتها العاشق يهمس باسمه ......
____________________________________
دخل المكتب الخاص بسيده بسرعة وهو يهتف بلهفة :
" سيدي وصلتنا اخبار من جاسوسنا الآن بأنه نفذ ما أمرت به، وتم إسقاط اول قطعة في جيش اليخاندرو، انطونيو .... "
ابتسم ذلك الذي يتوسط مقعده الوثير يدور به حول نفسه وهو يقول ببسمة صغيرة :
" اتعلم أن الدماغ ينقسم لعدة اقسام؟! منها المخيخ والذي يتحكم في التوازن داخل الجسم والحركات الارادية واللارادية، وهناك ايضًا المخ وهذا ما يتحكم في التفكير وحل المشكلات، وها نحن يا عزيزي قمنا بشل حركة المخيخ، وعطلنا حركة الجسد وافقدناه توازنه، والآن حان دور المخ "
لاحظ الرجل نظرات مساعده البلهاء وهو يرمقه بعدم فهم، لكنه تجاهله وهو يسأل :
" أين هي اختي العزيزة روزيلا ؟!"
" لا اعلم سيدي، هي أخذت مساعدها الشخص ورحلت منذ أيام إلى وجهة غير معلومة، لكن ما علمته أنها تلاحق فبريانو فوستاريكي "
نظر الرجل الذي يقف أمامه وهو يرد بتفكير ونبرة مخيفة :
" اممم لا بأس دعها تستمتع مع عزيزنا فبريانو، ونحن سنستمتع مع أخيه الصغير، ماذا كان اسمه ؟! مارتن صحيح ؟! "
___________________________________
خرج من سيارته وهو ينظر للمنزل أمامه ببسمة، ثم تحرك بخطوات قوية صوب الباب يعدل من وضعية ثيابه، يطرق الباب بهدوء ينتظر الرد .
ثواني حتى أبصر وجه فبريانو يطل له وهناك بسمة واسعة ترتسم عليه، انحنى فبريانو بعيدًا عن الباب وهو يشير له بالدخول .
دخل المنزل وهو ينظر لفبريانو يفتح له أحضانه قائلًا ببسمة واسعة :
" والله وليك وحشة يا فيبو "
ابتسم فبريانو يبادله الاحتضان يردد مربتًا على ظهره :
" وأنت كمان وحشتني يا زياد، تعالى ادخل "
تحرك زياد رفقة فبريانو داخل المنزل يقول بجدية ينظر لانحاء المنزل :
" أنت هتستقر هنا في مصر ولا ايه ؟! سمعت من الحاج أنك هتتجوز مصرية صحيح الكلام ده ؟! هنبقى مسايب ولا ايه ؟!"
ضحك فبريانو وهو يصل للبهو حيث جاكيري الذي كان يجلس وجواره اسكندر وتوفيق، ينتظرون حفيد الرجل الذي سيساعد رفقة، بينما رفقة وروبين في الغرف العلوية للمنزل .
" لا مش هستقر في مصر، أنا بس هاخد المصرية وارجع بيها ايطاليا "
ابتسم زياد ولم يكد يجيبه حتى ارتفع صوت شاب آخر في المكان وهو يردد :
" من هذا فبريانو ؟! وأين الطفل حفيد قائدك؟! ألم تقل أنه في الطريق ؟!"
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة يشير لزياد ببسمة ساخرة :
" هذا هو جاكيري، هذا هو الطفل حفيد مالك "
صمت ثم أضاف بسخرية وبسمة مستفزة :
" طفل في الثانية والثلاثين من عمره تقريبًا "
تشنج فم زياد وهو يرفع طرف شفتيه للأعلى مرددًا بعدم فهم :
" طفل إيه لا مؤاخذة ؟!"
استدار له فبريانو وهو يقول متنهدًا يشير حوله ببسمة صغيرة :
" يؤسفني أبلغك يا زياد يا حبيبي، انك مخطوف......"
_____________________________
وتحسبه انهزامًا، لكنه فقط مجرد تراجع بسيط لجعلك تتوهم الانتصار، حتى تحين الفرصة للانقضاض، فخطوة الاسد للخلف ليست خوفًا، بل استعدادًا لهجوم اكبر وأقوى، وكذلك هم، عودتهم ستكون مؤلمة للكثيرين وشرهم لن تتمكن اقوى السدود من حصره، وما خفي كان اعظم .
وعندما تقرر الدخول لعالمهم احذر " فلا تدري من أي باب قد يأتي جحيمك......"
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل العاشر 10 - بقلم رحمة نبيل
كان ما يزال جسد ادم مرابط جوار باب غرفة العمليات، وبين أحضانه تقبع هايز التي وكأنها أسلمت أمرها لادم يدبره كيفما يشاء، وقررت أن تريح عقلها بعض الوقت من التفكير .
كان آدم ينظر بعين مترقبة لباب الغرفة وقلبه يقرع بقلق، بينما يده تتحرك دون شعور منه مربتة على شعر هايز بكل حنان وحب، وعلى بعد صغير منه كان ماركوس يستند على الجدار جوار بعض المقاعد التي تتوسط فيور أحدهم، يرجع رأسه للخلف وهو يراقب آدم، يشعر بوجع لرؤية تلك النظرات في عينه، وكأن من بالداخل ابنه الحقيقي وليس مجرد طفل قابله وعرفه منذ ايام فقط .
انتفض الجميع من جلسته وهم يرون الباب يفتح بعنف، وإحدى الممرضات تتحرك للخارج تنادي بلهفة :
" من المتبرع هنا ؟! دكتور سارة أخبرتني أن هناك متبرع هنا "
نظر آدم لهايز التي كانت تستفيق شيئًا فشيء وهي تنظر حولها بعدم فهم، وكأنها انفصلت عن الواقع لثواني، قبل أن تدرك فجأة ما حدث وما سيحدث، انتفضت من مكانها وهي تستمع لحديث الممرضة التي حاولت شرح حالة الصغير بسرعة :
" حدثت مضاعفات أثناء العمليات، ونحتاج لنقل دماء قبل أن نفقده"
بكت هايز بقوة وهي تستدير بسرعة لادم قائلة برعب :
" آدم..."
وكأنها كانت تترجاه بتلك الهمسة أن ينقذ لها صغيرها، اقترب منها ادم يربت على رأسها بحنان ثم قبلها سريعًا وهو يبتعد هامسًا :
" قلب آدم لا تقلقي، سيكون أيان صغيرنا بخير، فقط اهدئي أنا سوف اذهب معها، وأنتِ عديني أن تكوني هادئة "
بكت هايز وهي تهز رأسها بحسنًا في حركات سريعة، ليبتعد عنها ادم وهو ينظر لماركوس نظرة صغيرة فهم بها ماركوس ما يريد، ليهز له رأسه بهدوء وكأنه يخبره ألا يقلق .
تحرك ادم صوب الممرضة وهو يقول بجدية وعملية :
" أنا من سأتبرع للصغير، دليني على المكان "
أشارت له الممرضة بسرعة ليجهز نفسه، وهو تحرك خلفها تحت نظرات هايز المقهورة، والتي تحركت بآلية تجلس على المقاعد جوار فيور التي كانت ما تزال تبكي بحزن على ما يحدث هنا تشعر بقلبها يؤلمها لرؤية ذلك الصغير يعاني وفي عمره هذا، جلست هايز ببطء وهي تنظر أسفل قدمها بشرود تهز جسدها للامام والخلف تحاول التحكم في نوبة انهيارها الوشيكة، قبل أن تشعر بصوت لطيف هادئ جوارها يهمس لها :
" سيكون بخير "
استدارت هايز تنظر ببطء لتلك الفتاة الهادئة الملامح جوارها تبتسم بخفوت وهي تشعر بالالفة لها تهز رأسها ببطء، تحاول كتم دموعها، قبل أن تشعر بتلك الفتاة تمد يدها لها تدعوها لعناق صامت كانت هي في أشد الحاجة إليه بعد رحيل آدم؛ لذلك ودون تفكير منها كانت تلقي بنفسها بين احضان فيور وهي تنفجر في البكاء بقوة، وشاركتها فيه فيور مما جعل ماركوس ينفخ بضيق يراقب الاثنتين ولا يعلم ما يجب فعله في تلك الحالة، إلا أنه راقبهما بهدوء دون أن يقطع تلك اللحظات عليهما .......
____________________________
كان جايك يقف بعيدًا وهو يراقب باب غرفة انطونيو يرفض ترك الغرفة رغم رحيل الجميع صوب غرفة العمليات للبقاء جوار روما، لكنه رفض تمامًا الرحيل، رفض ترك أخيه وحده، ابتلع ريقه يتمنى لو كان جاكيري هنا، لكن في نفس الوقت حمد ربه أنه ليس هنا، فهو يعلم جنون جاكيري فيما يخصهم جميعًا، حتى أنه رفض أن يحدثه أحدهم أو يحدث فبريانو، حتى لا يقرر جاكيري قيادة الطائرة بجنون واذية نفسه أو فبريانو، وكذلك أصدر الجد قراره بمنع التواصل معهما حتى يطمئن الجميع على انطونيو وروما .
راقب جايك خروج الطبيب من الغرفة وهو يتجه صوب بخطوات واسعة قائلًا بلهفة :
" ما به اخي دكتور، هو بخير صحيح ؟!"
رفع الطبيب عينه من على الأوراق التي بيده يقول بجدية متنهدًا، يحاول انتقاء ألفاظه :
" حسنًا لا ادري ما أقوله، لكن ما حدث لاخيك هو بوادر جلطة، لكن لا تقلق لقد تداركنا الأمر، فقط نتمنى ألا يتعرض لأي ضغوطات في الفترة القادمة، هو لم يصاب فعليًا بها، لكن الأمر مجرد اشتباه وشكوك، وسوف نجري بعض الأشعة للتأكد، اتمنى له السلامة"
أنهى كلماته وهو يترك جايك واقفًا في مكانه بصدمة يرمق رحيله بأعين مفتوحة برعب، تتردد كلمات الطبيب في رأسه وهو يفكر أي جلطة تلك ؟! أخيه هو ؟! تحرك بأقدام واهنة وهو يفتح الباب يجذب مقعد وقد قرر أن يرابط جوار فراش انطونيو يراقبه بأعين مقهورة لما يحدث مع أخيه ووالده، من شبّ على يديه، امسك يد انطونيو يرفعها ببطء مقبلًا اياها وهو يهمس بحب اخوي :
" سوف تكون بخير يا اخي، وروما أيضًا ستكون بخير، فقط أفق، ارجوك لا تفعل بي هذا انطونيو "
أنهى كلماته وهو يبكي بقوة على يديه يهمس من بين شهقاته وقد ظهر ذلك الطفل الذي يخفيه أسفل جسده الشاب، يترجى انطونيو وكأنه يسمعه :
" اترجاك، أنا اترجاك ألا تفعل بي هذا انطونيو، سوف اتدمر، جميعنا سنتدمر، نحن في الأساس لا نستطيع أن نتصرف بشكل منظم إن غبت ثواني فقط عنا، وسوف تنشأ حروب بيننا، لا أحد يتحكم في الجميع سواك، وهم لا يستمعون لسواك؛ لذلك افق ارجوك "
أنهى كلماته وهو يستند برأسه على يد انطونيو يضغط عليها بقوة بعض الشيء يحاول منع دموعه من الهبوط أكثر، قبل أن يشعر بيد تربت على كتفه، رفع جايك رأسه ببطء مستديرًا ليرى أن من يقف خلفه لم يكن سوى مايك الذي ابتسم له وهو يردد جالسًا على مقعد جواره :
" سيكون بخير أنا واثق من هذا، يارجل أنت تتحدث عن انطونيو، انطونيو الذي يرتعش الجميع من سماع صوت أنفاسه فقط "
" أنا خائف مايك، الأمر مؤلم، أن تشعر أنك على وشك خسارة شخص يعني لك الكثير، هذا مؤلم بشكل بشع "
ابتسم له مايك وهو يجذبه له يضمه بحنان هامسًا بصوت مختنق :
" اعلم يا جايك، لكنني اثق في انطونيو "
صمت قليلًا ثم أضاف بجدية :
" لقد جئت لاخبرك أن تأتي وتقف مع الجميع فهناك من يكاد يجن من الخوف عليك "
ابتعد عنه جايك وهو يرمقه بتعجب، ليرى نظرات مايك الجانبية صوب النافذة الزجاجية التي تطل على الممر في المشفى، ويرى تلك التي تبكي من خلف النافذة، ابتسم جايك بسمة صغيرة، يتحرك من مكانه وخلفه مايك الذي أغلق باب انطونيو بهدوء، ثم ألقى نظرة على الاثنين، وتحرك بهدوء ليقف مع الجميع تاركًا جايك خلفه وهو يقف قبالة روز التي كانت تبكي بهدوء .
مدت روز يدها لثيابها تخرج دفترها الذي تستخدمه عادة للكتابة، ثم قطعت ورقة منه ومدت يدها بها لجايك الذي رمقها ثواني بتعجب، ينتزعها من يدها بهدوء وهو مازال ينظر لوجه روز التي كانت ترمقه بحزن، اخفض جايك عيونه بهدوء للورقة ليجد بها رسمة صغيرة تبدو كرسومات الاطفال، يظهر فيها جسد طويل يعانق فتاة، وأعلى الاثنين كُتبت اسماء روما وانطونيو، وأسفل تلك الرسمة رسمة صغيرة كُتب عليها اسمه هو، لشخصية تحمل طبق عليه كيك وهو يبتسم بسعادة .
وفي الاسفل جملة صغيرة خُطت بخط جميل رقيق ( سيصبح انطونيو وروما بخير، وسوف اصنع لك كيك لذيذ، لأجلك جايك . )
ارتسمت بسمة صغيرة على وجه جايك وهو ينظر لها بحنان يقول بلطف شديد، يحدق مجددًا في الرسمة :
" هذه اجمل الرسومات التي رأيتها في حياتي، لم أر يومًا شيئًا الطف من هذا "
ابتسمت روز بسمة صغيرة من بين دموعها، لرؤيتها بسمته، لكن انمحت البسمة وهي تسمعه يردد بلطف، مخرجًا من جيب بنطاله ذلك القلم الذي يحمله دائما يخط بشيء في الورقة وهو يردد :
" لكن تلك الرسمة ينقصها شيء صغير "
أنهى حديثه وهو ينتهي من رسمة صغيرة تشبه طريقتها في الرسم، وليس طريقته هو، لكنه وللعجب شعر أن طريقتها اجمل وألطف منه .
أدار جايك الورقة لتبصر روز رسمة لفتاة تقبع جوار رسمة جايك وأعلاها كُتبت كلمة " زهرتي "، رفعت روز عينها ببطء له لتراه يرمق البسمة بحنان شديد وحب وهو يقول :
" هكذا أصبحت مثالية، سوف احتفظ بها مدى الحياة "
ابتسمت له روز بتأثر وهي تنظر ارضًا، ثم أشارت له بحركات تعني أنها ستذهب لتقف مع الجميع، لكن ما كادت تخطو بعيدًا عنه إلا ووجدت يده تقبض على خاصتها وهو يردد بجدية :
" روز أيمكنني ضمك؟! فقط عناق صغير "
توقفت روز وهي تشعر بانفاسها تزداد بقوة، قلبها يهدر بقوة، وعندما طال صمتها اقترب جايك من ظهرها ببطء وهو يضمها من الخلف يستند بذقنه على كتفها بحنان هامسًا لها بلطف :
" شكرًا لكِ زهرتي "
_____________________________
" لولا بس إن مراتي عاملة عدس على الغداء، وأنت قولتلي انك هتأكلني كفتة، أنا كان زمان اخدت على خاطري منك وقومت روحت "
كان زياد يتحدث، يراقب كلًا من جاكيري وفبريانو يلفون حول جسده حبال عديدة وهو يجلس أعلى مقعد، ليبدو أنه رهينة وتكتمل اركان الخطة، ابتسم زياد بسخرية لاذعة يردد :
"خلي بالك أنا ساكت بس عشان مش عايز اخسرك، لكن اقسم بالله أنا لو سبت لشياطيني القيادة هقوم انفخك أنت والواد اللي كل شوية يقولك طفل طفل، طفل إيه يا خوانا، لما انتم عايزين طفل، كنتم اخطفوا ابني "
انتهى أخيرًا كلًا من جاكيري وفبريانو من عقد الحبال حول جسد زياد، ثم توقفا أمامه وخلفهم يقبع توفيق وهو يرتدي بذلة سوداء ونظارة سوداء أيضًا، وجواره يقبع اسكندر الذي كان يترقب القادم .
تحرك توفيق يخترق المسافة بين جسد فبريانو وجاكيري، متحركًا صوب زياد وهو يردد بكل جدية يدور حوله كما لو كان شرطيًا ويحقق مع مجرمًا :
" ها قولي بقى اخر مرة شوفت جدك فيها كانت أمتى ؟!"
اطرق زياد يفكر وهو يقول بهدوء مصطنع :
" والله ما فاكرة أصله مش بيطيقني ولا أنا ولا اهلي فتقريبًا يمكن من اسبوع "
" اممم اسبوع ؟! يعني عايز تفهمني أن جدك مش معبركم واكل عليكم ورثكم ؟! "
تحرك زياد بملل وهو يتحدث بصوت حاد :
" فيه ايه يا جدعان ؟! ايه الهبل ده ؟! مين ده ؟! وبعدين ايه اللي هو لابسة ده ؟! احنا في اجتماع؟! وايه النضارة اللي لابسها جوا البيت دي ؟!"
ابتسم توفيق بسخرية وهو يردد مشيرًا لنفسه :
" ده شغل ظباط ايش فهمك أنت؟! بعدين رد على قد السؤال "
نظر زياد له بسخرية اكبر من خاصته :
" والله ؟! على اساس انك بتكلم بياع كبدة ؟! انت بتكلم ظابط على فكرة "
صُدم توفيق من حديثه وهو يقول بشك :
" أنت ظابط ؟!"
هز زياد رأسه بسخرية، ليبتلع توفيق ريقه وهو يستدير لفبريانو يسأله حتى يتأكد :
" هو ظابط؟!"
هز فبريانو رأسه بنعم وهناك بسمة جانبية تتوسط وجهه، ليعود توفيق للخلف برعب وهو يخلع النظارة مرددًا بخوف :
" حضرة الباشا أنا كنت بهزر معاك والله، بعدين اساسا البدلة دي انا شاحتها والنضارة دي من العتبة حضرتك والله "
نفخ زياد وقد بدأ يشعر بالملل من تلك اللعبة :
" أنا مش فاهم أي حاجة من الهبل ده، حد يقولي عايزين من أمي ايه دلوقتي؟! وفين الكفتة والكباب ؟!"
تحدث فبريانو ببسمة صغيرة :
" نحتاج فقط لمعروف صغير منك زياد "
نظر له زياد بترقب، قبل أن يسمع صوت فبريانو بضيق بخبث :
" نحتاج لاستخدامك كأداة للضغط على مالك لينفذ لما ما نريد "
نظر له زياد بعدم فهم ليجد الشاب الآخر ( جاكيري ) يتقدم منه وهو يتحدث بجدية :
" فقط نحتاج لنفوذه في قضية حبيبتي "
ضيق زياد عينيه ثواني قبل أن يهمس بريبة :
" يعني مفيش كفتة ولا كباب ؟! أنا انضحك عليا ؟!"
ابتسم فبريانو وهو يقول بجدية :
" هجبلك اللي عايزة بس تساعدنا "
ابتسم زياد بسخافة وهو يقول :
'" بس كده عيوني، ده أنت خطفت الشخص الصح لعلمك، اللي قدامك ده نقطة ضعف مالك اساسًا، أنت بس اتصل بيه وقوله زياد عندنا، و هي خمس دقايق هتلاقيه جاي على ملا وشه ينفذلك اللي عايزة، اصل أنت متعرفش غلاوتي عند مالك قد ايه "
رفع فبريانو حاجبه بتهكم ليسمع صوت زياد مؤكدًا حديثه السابق :
" مش مصدق ؟! طب جرب، اتصل بيه من عندي، تليفوني في جيبي، هتلاقيني مسجله الحاج الكبير اوي "
ابتسم فبريانو بسخرية وهو يستمتع بتلك اللعبة السخيفة، ينتزع هاتف زياد من جيبه كما قال، ثم اتصل بالرقم الذي قاله زياد وانتظر ثواني قبل أن يستمع لصوت مالك، اندفع جاكيري له وهو يفتح المكبر بجدية حتى يسمع المحادثة .
" الو يا زياد "
" أنا مش زياد "
صمت مالك من الجانب الآخر قبل أن يقول بشك :
" مين معايا ؟!"
" مش عارف صوتي يا مالك ؟!"
" يا خي يارتني ما اعرفه، كنت استريحت في حياتي، بتعمل ايه برقم زياد وبتتصل ليه من عنده ؟!"
ابتسم زياد وهو يشير له أن يتحدث بما اتفقوا عليه، ليندفع جاكيري في الحديث بدل فبريانو :
" حفيدك لدينا سيد مالك، وإما أن تنفذ مطالبنا أو تودعه مدى الحياة "
جاء الجميع صوت مالك البارد من الجانب الآخر :
" ماذا تعني يا هذا ؟!"
تحدث فبريانو هذه المرة :
" عايزينك تساعدنا يا مالك في موضوع قصاد حياة حفيدك"
" في ستين داهية أنت وحفيدي، أنا مش ناقصكم "
أنهى حديثه وهو يغلق الهاتف في وجه الجميع ليرتفع صوت زياد وهو يردد :
" ايه ده الرصيد خلص ولا ايه ؟!"
_________________________________
" معرفش خلينا شوية كمان هنا، جاكيري قالي منرجعش دلوقتي "
تحدثت رفقة بهذه الكلمات وهي مازالت تجلس مع روبين فوق سطح منزل لولو، بعدما احضرهم جاكيري بنفسه إلى هنا، وقد كانت رفقة متخفية، وقد اخبرهما أنهم سيفعلون شيئًا في المنزل ولايجب أن يشهدوه .
" تفتكري جايبين نسوان وعشان كده بيسربونا؟!"
استدارت رفقة فجأة لروبين وهي تفتح عينها بصدمة، وقد لفتت روبين نظرها للتو لهذا الاحتمال، الذي لم تفكر به، وإلا لِمَ أصر جاكيري على خروجها، رغم أن ذلك يُعد خطرًا عليها ؟!
" ده لو بجد، فأنا هطين عيشة جاكيري واخربها على دماغه "
أنهت كلماتها وهي تنهض تنفض ثيابها بعنف، ثم حملت حقيبتها ترتدي القبعة الكبيرة على رأسها ونظارتها التي تخفي معظم وجهها تصرخ بغضب مخيف
" تعالي ورايا "
تحركت رفقة للخارج بعنف شديد وهي تفكر في صحة تخمين روبين، هي تعلم روبين غبية، لكن إن لم يكن الأمر كما قالت روبين، كيف خاطر جاكيري باخراجها من المنزل؟! توقفت فجأة عن السير وهي تستوعب الآن فقط :
" لحظة بس، إزاي جاكيري هيخوني واسكندر معاه هو وعمي توفيق ؟!"
" وكمان فبريانو "
" لا ده شيء ميطمنش، بالعكس ده كده أنتِ بتقلقيني أكثر، وجود فبريانو بالذات يخليني أقلق مش اطمن "
لوت روبين شفتيها بحنق شديد وهي تهمس غاضبة :
" لعلمك بقى، فبريانو عمره ما يفكر يبص لست غيري ولا عمره يحب، لأنه اساسًا مش بــ....."
" مرحبًا هذا منزل فبريانو ؟! "
توقفت روبين عن الحديث وهي تستمع لصوت فتاة رقيق أمامها هي ورفقة تتحدث بإيطالية لم تفهمها بسبب عدم ارتداء سماعتها، لكن كل ما فهمته هو اسم فبريانو، رددت روبين بغباء وهي تنظر لرفقة :
" هي بتقول ايه ؟! أنت سمعت اسم فبريانو في الجملة "
ابتسمت رفقة بسخرية وهي تمرر نظراتها على الفتاة من أعلى لاسفل :
" لا مفيش يا عيوني الظاهر الملاك الطاهر بتاعك قرر يعك شوية "
" يعك؟! "
تراجعت روبين وهي تنظر للفتاة بشك، قبل أن تقول بسرعة راكضة لداخل المنزل :
" اصبروا أنا راجعة محدش يقول حاجة لغاية ما اجي "
دخلت روبين المنزل، ثم تحركت بسرعة صوب غرفة لولو وهي تمد يدها قائلة بلهفة :
' اديني السماعات بسرعة يا لولو "
" بتفرج على المسلسل، اصبري بس اللقطة دي رهيبة "
" لقطة ايه يا لولو؟! فيه واحدة برة بتتكلم ايطالي وشكلها تعرف فبريانو وانا مش فاهمة هي عايزة ايه ؟!"
اشاحت لولو بيدها وهي تردد بعدم اهتمام :
' تلاقيه بيخونك معاها "
انقضت عليها روبين وهي تقول بقهر وقد اخرجت اول ما فكرت به بكل غباء وكعادتها المندفعة دون تفكير في منطقية الحديث :
" أنتِ بتقولي ايه يالولو ؟! فبريانو بيحبني، ده جبلي ايس كريم وسماعة "
استدارت لولو لها ترمقها بنظرة باردة متهكمة :
" اه صحيح هيخونك ازاي ده جابلك ايس كريم، يقطعني يابنتي مخدتش بالي "
" طب هاتي السماعة طيب خليني اشوف البت اللي برة دي عايزة منه ايه ؟!"
تحدثت لولو وهي تتناول بعض الجلي المحلى :
" تلاقيها جاية تاخد منه ايس كريم، سيبيني بقى اكمل المسلسل "
اقتربت منها روبين تحاول انتزاع السماعة :
" بقولك واحدة حلوة بتسأل عليه وتقوليلي مسلسل؟!"
" والله المسلسل ده اهم منه، بعدين قولتلك خليه يجبلي واحدة وانا هحاسبه عليها، ولا يكونش هاكل فلوسه عليه البخيل؟!"
أخذت روبين السماعة منها على حين غرة وهي تقول بقهر وغيظ :
" مش وقته يا لولو، ابقى قوليله لما تشوفيه "
أنهت كلماتها وهي تخرج بسرعة من الغرفة تاركة لولو تنظر في الحاسوب بصدمة وهي لا تفهم شيء لتعلو كلمات البطل وهو يقول بجدية لمن أمامه بعض الكلمات التي أصابت الجميع بالذهول، مما جعل لولو تصرخ بحنق :
" يعني هي اللي جاية تسأل على الاخ بيومي محبكش ( لم يحلو لها ) تيجي غير دلوقتي؟! اهو شكله قالهم إنه حرامي مش راجل اعمال "
خرجت روبين من المنزل صوب الحديقة حيث تركت الفتاة ورفقة، ترتدي السماعة وهي تقول بلهفة :
" أنا اتيت مــ...."
توقفت عن الحديث وهي تجد رفقة تقف وحدها :
" هي راحت فين ؟! "
هزت رفقة كتفها بعدم معرفة وهي تقول ببساطة :
" هي بس سألتني إن كان فبريانو عايش هنا ولا لا، وقولتلها لا، بس وفجأة لقيتها مشيت بدون مقدمات "
نظرت روبين في باب المنزل وهي تهمس بشر :
" وهي بتسأل عن بيته ليه؟! جاية تطلب منه الجمعية ؟!"
__________________________
كانت تستند بظهرها على صدر مارتن تنتفض كل ثانية والأخرى بسبب شهقاتها، بينما مارتن كل ما يفعله هو تقبيل رأسها بحنان مربتًا عليها، هامسًا لها بكلمات رقيقة حنونة حتى تهدأ .
رفع عينه يمررها في الجميع ليجد جده في شكل لم يره سابقًا، سوى بعد رحيل أبناءه، عندها جاء للقصر ليعلن للجميع خبر أطاح بطفولتهم جانبًا، واستبدلوا مكانها رجولة مبكرة، لتنقلب في تلك اللحظة حياتهم رأسًا على عقب، اغمض عينه وهو يضم جولي له اكثر يهمس بصوت لم يدري أنه وصل واضحًا لها :
" كل شيء سيكون بخير، لن يحدث الأمر مجددًا، لن يحدث مجددًا "
استدارت جولي له وهي تهمس له بصوت منخفض :
" مارتن أنت بخير ؟!"
هز مارتن رأسه يحاول الهدوء حتى لا يخفها، ثم ضمها مجددًا وهو يقول بصوت حنون :
" أنا بخير بنية العينين، لكنني فقط أشعر بالإرهاق، لم احظى براحة كافية منذ عدت من المهمة "
فتحت جولي فمها بحزن، وهي تهمس له ودموعها على وشك الهبوط :
"هل هذا بسببي مارتن ؟! هل ارهقك ؟!"
رفع مارتن عينه لها بتعجب، ليجدها على وشك الدخول في نوبة بكاء أخرى، بعدما تمكن بصعوبة من احتواء النوبة السابقة :
" لماذا تقولين هذا جولي؟! حبيبتي أنتِ اجمل ما حدث لي في حياتي تأكدي من هذا، وإن كان وجودك يرهقني، فمرحبًا بالارهاق طوال الوقت، وما اجمله من إرهاق !"
ظن بحديثه أنه سيمنعها من البكاء، لكن على العكس انفجرت في البكاء وهي تضم جسدها له بقوة تهمس من بين شهقاتها، بعدما اثار وضع روما الخوف في نفسها وهي تتخيل نفسها محل انطونيو وعلى وشك خسارة مارتن :
" ارجوك مارتن لا تتركني، لا تتركني ابدًا "
آلمه قلبه بقوة من شعورها الدائم بالقلق، شعورها الدائم أنها ستعود وحيدة، ماذا يفعل ليثبت لها أنه لن يتركها ولو حتى بموته، فعند موته سوف تحوم روحه حولها، فلا أنس له بعيدًا عنها، ولا راحة لقلبه بلا عينيها .
جذب مارتن وجهها وهو يضمه بحنان يمسح دموعها بإصبعه يهمس لها بحب شديد ينضح من بين سكناته :
" انظري لعيني جولي، انظري لي حبيبتي "
نظرت له جولي تستمع لحديثه الخارج منه بنبرة جعلتها تبكي مجددًا :
" هل تظنين أنني يومًا قد استطيع العيش دونك ؟! جولي اقسم لكِ أنني سأموت وقتها، روحي معلقة بكِ جولي، حتى انهيار انطونيو اليوم لأجل مرض روما لن يساوي قطرة من محيط ما سيحدث لي في بعدك، اقسم أنني وقتها سأسقط ولن انهض مجددًا، قبل معرفتي لكِ، كنت اعتقد أنني أعيش حياتي بسعادة وهدوء، لكن فقط اتضح أن ذلك الهدوء هو ما سبق عاصفة عشقي لكِ، لم اعد استطيع دونك، تأكدي أن حاجتي لكِ اقوى من حاجتك لي حبيبتي "
انتهى مارتن عن حديثه لتلقي جولي بنفسها في أحضانه وهي تهمس بحب :
" أنا أحبك مارتن احبك اكثر من روحي "
" وانا اعشقك، وكيف لا وأنتِ تمتلكين اجمل عين في العالم ؟!"
ابتسمت جولي له ليشدد هو ضمه لها يراقب باب غرفة العمليات الذي تجلس أمامه سيرينا ( والدة روما ) بانهيار بعدما عادت من سفرها على وجه السرعة تصرخ برعب على ابنتها الوحيدة، وجوارها يجلس جده وهو شارد بشكل اثار الوجع في قلبه، يشعر كما لو أنه طفل تائه، الباقيين يجلسون ارضًا والكل مرتقب للقادم، لكن وسط كل ذلك التمع عقل مارتن بسؤال مفاجئ :
" كيف وصل السم لروما، وفي عقر دارنا ؟!"
_______________________________
فُتح الباب بعنف شديد جعلها تنتفض من على فراشها وهي تنظر جهته برعب وعينها مفتوحة بشكل مخيف تهمس بصدمة من طريقة الدخول :
" امي ماذا تفعلين ؟! كدتِ توقفين قلبي "
ابتسمت والدتها بغيظ وهي تقول بلا مقدمات :
" ابن خالتك سوف يتزوج "
شحب وجه لورا بعنف وهي تشعر بانفاسها تتقلص فجأة وكأن والدتها بحديثها ذلك، قد أغلقت مجرى تنفسها، نظرت على فراشها بأعين زائغة وهي تردد :
" هذا جيد، سوف اتحدث لخالتي وابارك لها "
ابتسمت والدتها بسمة ظهرت فيها الحسرة واضحة وهي تردد بقهر :
" حقًا ؟! بكل هذه البساطة ؟!"
" وماذا افعل غير ذلك امي ؟! هل اذهب وارقص في زفافه ؟!"
" ولِمَ لا؟! فأنتِ ستحضرين زفافه على أية حال "
انتفض جسد لورا برعب من تلك الفكرة، تعود للخلف وهي تهز رأسها برفض، تكاد تبكي متوسلة والدتها ألا تفعل هذا بها :
' لا لا، أنا لا أستطيع لدي اعمال كثيرة و..."
فاض صبر والدتها وهي تصرخ في وجهها بغيظ من غباء ابنتها :
" أي أعمال تلك سيدة لورا !! الجريدة التي تعاملين فيها كضيف شرف لا أهمية له ولولا صداقة والدك مع مدير التحرير، لكنتِ طُردتي منذ سنوات "
هزت لورا رأسها بلا وهي تبكي بقوة مردفة من بين دموعها :
" لا لا، أنا... أنا "
ولم تسطع لورا أن تكمل حديثها بسبب شقهاتها التي ارتفعت بشكل اثار رعب والدتها وهي تقترب منها تحاول الهدوء، تتذكر حديث زوجها لها :
" لورا حبيبتي صدقيني لا يمكنني الاعتذار عن عدم حضورك، هكذا سيعتقد الجميع أنكِ مازلتِ تكنين مشاعر لابن خالتك، حتى بعد فسخ خطبتكما منذ سنوات "
بكت لورا بقوة وهي تنظر لوالدتها تتوسلها بعينها :
" ارجوكِ امي، أنا ارجوكِ لا تجبريني على هذا، لا اريد الذهاب ورؤيته، ليتزوج أو يفعل ما يريد أنا لا اهتم، لكن ارجوكِ لا تقحميني في حياته مرة أخرى "
أنهت جملتها بصراخ غاضب جعل والدتها تعود للخلف بصدمة مما وصلت له، لكنها أبعدت شفقتها على ابنتها جانبًا وهي تصرخ في وجهها بحسرة وخيبة امل :
" كان من الممكن أن تكون العروس أنتِ، لو لم تتصرفي بحماقة قديمًا، كانت لدي امال أن يعود لكِ، لكن لا ها هو الآن سيتزوج أخرى وتصبح زوجة واحد من أكبر رجال ايطاليا، وأنتِ..."
صمتت ثم أضافت بقهر من فكرة خسارة ابنتها لزواج كهذا :
" ستظلين طوال عمرك هكذا، لا شيء تفعلينه بشكل صحيح، طوال حياتك تتصرفين بحماقة و تخذين قرارات تدمرك، القرار الوحيد الصحيح في حياتك كان بموافقتك الارتباط بابن خالتك، ثم عدتِ ودمرتي ذلك القرار بكل غباء "
صمتت والدتها تتنفس بعنف وقد شعرت بالغضب يتسرب منها شيئًا فشيء ويحل مكانه ندم، وهي ترى نظرات ابنتها ووجهها الشاحب، ودموعها التي تجمدت فجأة وكأن هناك من انبئها بأنها على وشك توديع الحياة بعد ثواني، لكنها رغم ذلك كله ضغطت على نفسها ونحّت أي مشاعر جانبًا وهي تقول بقوة :
" سوف تأتين معي للزفاف لورا، وسوف ترتدين اجمل الفساتين، هذا إن كنتِ تمتلكين واحدًا بعيدًا عن ثياب الرجال التي تتحركين بها في كل مكان، لا الومه حقًا لتركك، فمن يتحمل مدللة سخيفة مثلك "
أنهت والدتها الحديث وهي تخرج من الغرفة مقتنعة تمامًا أن هذه هي الطريقة الصحيحة لجعل ابنتها تستفيق مما تفعله بنفسهاء تتمنى لو تعود لورا القديمة، لورا المرحة الجميلة التي كانت تخطف قلبها كل ثانية، ولم تدري أن الوسيلة لوصول هدفها كانت خاطئة، خاطئة تمامًا .
تقوقعت لورا على نفسها وهي تجذب الفراش على جسدها تغمض عينها بهدوء شديد تحاول الهرب بطريقتها المفضلة، تنام وهي تتمنى ألا تستيقظ مجددًا، وكلمات والدتها مازال صداها يرن في اذنها ...
______________________
" هل هذا يعني أن هذا ليس حفيد مالك ؟!"
تساءل جاكيري باستنكار وهو يشير لزياد، الذي تراجع للخلف وهو يقول بحنق شديد :
" الله الله الله، مش حفيده مين يا عم أنت؟! والله جدي، بس هو مش بيطيق عيلتي اساسًا، مجرد خلافات كده، مصارين البطن بتتعارك يا بني "
لم يفهم جاكيري شيء منه وهو يصيح في وجه فبريانو :
" ماذا يقول هذا الرجل ؟! أنا لا افهم منه شيء، ثم ماذا سنفعل الآن؟! هل نختطف شخص غيره ؟!"
صمت يستمع لصوت اسكندر الذي قال بجدية :
" ألم يقل فبريانو أنه بعمر الثاني والثلاثين، لا بد أنه يملك طفل ونحضره "
نظر له جاكيري بعدم اقتناع :
" أنا أيضًا بعمر الثانية والثلاثين ولستُ متزوجًا حتى "
تحدث زياد بحنق :
" أنا سايبكم تقلوا ادبكم كتير من بدري ومش بتكلم، ثم مين قال إني ٣٢ سنة اساسا ؟! أنا اكبر من كده شوية، واه عندي ابن على فكرة "
صمت قليلًا وقد بدأ يفكر فيما يحدث بجدية كبيرة :
" طب ما تروحوا تخطفوا ابني بجد، والله مش بهزر اخطفوه اسبوع بس أو اسبوعين "
تنحنح وهو يقول ببسمة خبيثة :
" اصل كنت حابب اخد المدام ونطلع سفرية كده وهو واقف زي اللقمة في الزور، اخطفوه وليكم الحلاوة "
ابتسم فبريانو بسخرية لاذعة :
" تريد أن نختطف طفلك زياد ؟!"
" وهو أنت غريب برضو يا فبريانو؟! ده احنا واكلين مع بعض عيش وملح يا جدع، بعدين متخافش مش هتتعب أنت بس روح قدام النادي اللي بيتدرب فيه وانا هقولك على اسمه وقوله يجي هنا، واه قوله فيه ستات حلوة هنا، وهو هيجي على طول "
أنهى حديثه ببسمة صغيرة وكله أمل أن يقبل فبريانو عرض خطف ابنه، لكن فبريانو ابتسم وهو ينظر لجاكيري الذي كان يقف يرمق الجميع بجهل وعدم فهم يردد :
" ما الذي يحدث هنا فبريانو ؟! الخطفة تفشل بسبب هذا الشخص الذي احضرته"
" أي خطة تلك جاكيري بحق الله؟! حاولت أن افهمك أن حفيد مالك ليس كما تظن طفل، بل هو رجل كبير وأنت لم تستمع لي؛ لذلك نفذت لك ما تريد حتى ترى نتائج افكارك بنفسك "
تدخل زياد في الحديث بجدية :
" يا جماعة مش كده مكانتش أكلة كباب وكفتة اللي تعمل فينا كده، بعدين على فكرة أنت غلطان يعني ملقتش غيري تخطفه ؟! كنت خطفت نور ( زوجة مالك )"
صمت الجميع وهم ينظرون لبعضهم البعض وكل منهم يفكر في طريقة لتحقيق ما يطمح له، تحرك توفيق يقف أمام زياد وهو يقول بجدية :
" احنا ممكن نسيبك بس بشرط واحد "
رفع زياد حاجبه في سخرية وهو يستمع لحديث توفيق يردد :
" تخلي جدك يساعدنا في اللي عايزينه "
" وإلا؟!"
" وإلا هتفضل مربوط كده لغاية ما نلاقي حل "
" أنا لو قاعد دلوقتي ومربوط فده بمزاجي، ولو عايز افك نفسي هعمل كده، بعدين أنت فاكر أنك بتهددني ؟! صدقني هتزعل مني لو قمت، بس انا محترم سنك "
عاد توفيق للخلف وهو يدعي عدم الخوف مرددًا :
" وأنت فاكر أنك بتخوفني كده ولا ايه؟! لا فوق مش انا اللي بخاف من....."
لم يكمل كلمته وهو يندس بجسده خلف فبريانو بمجرد رؤيته نظرة زياد التي احتدت على وجهه، نفخ زياد بضيق وهو ينهض من مقعده ملقيًا الحبال ارضًا جوار قدمه يتمطأ بتعب، تحت نظرات اسكندر وتوفيق المصدومة من قدراته على فك الحبال بهذه السلاسة دون أن يظهر :
" لو اللعبة دي خلصت فأنا همشي، ومش مسامح في الكفتة و....."
توقف عن الحديث وهو يستمع صوت الباب يُفتح من الخلف وصوت نسائي يصدح بغضب :
" فبريانو يا خاين ...."
استدار زياد ببطء كما فعل الجميع، ينظر لتلك الصغيرة التي خطت لداخل المنزل وخلفها فتاة أخرى بشعر مجعد بعض الشيء، والأولى تتحرك بغضب صوب فبريانو وهي تردد كلمات غاضبة، ابتسم بسمة جانبية وهو يردد أثناء جلوسه على المقعد مجددًا واضعًا الحبال على جسده بشكل عشوائي :
" ولا خليني قاعد شوية، اصل القعدة بقت احلى "
________________________________
كان يتحرك في ممرات المشفى بكل هيبة متجاهلًا تمامًا أنه يرتدي ثيابه المنزلية، بسبب رعبه عندما رأى حالة زوجته وخرج بها والتي تتكون من سترة منزلية قماشية بيضاء اللون مع بنطال اسود قماشي، وصل انطونيو إلى الغرفة التي مازالت روما بها، يرى الجميع يقف حولها برعب، لا يعلم كم استغرق في نومته أو كم بقيت روما في العمليات .
لكن بالوصول لغرفة العمليات لم يجد أحد يقف أمامها، كرمش ملامحه وهو ينظر حوله يبحث عن أي أحد من عائلته، لكن كل ما ابصره هو بعض الممرضين يخرجون من غرفة العمليات، ليتحرك بسرعة صوبهم وهو يتحدث بلهفة :
" مهلًا زوجتي كانت بالداخل، هل هي بخير ؟!"
نظرت له الممرضة بتعجب وهي تحاول معرفة عن أي زوجة يتحدث، ويبدو أن انطونيو استدرك نظراتها ليوضح حديثه :
" تلك زوجتي التي تم تسميمها "
فتحت الممرضة فمها بإدراك وهي تشير لخارج الممر متحدثة بجدية :
" اه لقد خرجت من غرفة العمليات منذ ساعة تقريبًا وتم نقلها لغرفة عادية سيدي، غرفة رقم ٣٥٤ "
أنهت حديثها وهي تستأذن منه حتى تنتهي من عملها تاركة انطونيو ينظر حوله وهو يحاول الاستيعاب كم ظل نائمًا؟! لكنه لم يشغل رأسه أكثر وهو يتحرك صوب الغرفة التي ذكرتها الممرضة، ليجد أن جميع أفراد العائلة يستقرون أمامها وملامحهم يسكنها رعب جعل قلبه يهوي بعنف وهو يتحرك بشكل أسرع صوبهم :
" روما، هل هي بخير ؟! هل حدث لها شيء ؟!"!
استدار الجميع بسرعة صوب الصوت، ويركض جايك له بجنون وهو يتنفس براحة معانقًا إياه بقوة :
" أين كنت انطونيو؟! كدنا نصاب بنوبة قلبية عند رؤيتنا لفراشك فارغ "
نظر انطونيو حوله وهو يحاول معرفة ما يحدث، يتحدث بهدوء وبرود معتاد منه :
" ما الذي حدث جايك ؟! هل روما بخير ؟!"
" نعم يا اخي لا تقلق هي بخير "
كان حديث جايك متردد ومتوتر بشكل اثار ريبة انطونيو وهو يحاول تجاوزه للدخول إلى غرفة روما، لكن أوقفه جده الذي اقترب منه معانقًا إياه في حب مربتًا على ظهره :
" اه حفيدي الحبيب حمدًا لله أنك بخير "
بادله انطونيو العناق وهو يراقب سيرينا التي كانت تبكي بانهيار خلفه بشكل جعله يبتعد ببطء عن جده يقول بنبرة مرعبة :
" ما الذي حدث لروما؟! أخبروني ما حدث، هل هي ...."
صمت يبتلع ريقه بوجع وهو يراقب ملامح الجميع بتوجس....
وعلى الجانب الآخر عند ادم وماركوس، كان الجميع ما يزال يقف أمام غرفة العمليات وقد بدأ القلق يستبد بهم، بسبب كل تلك الساعات التي قضوها بالداخل، ابتعدت فيور ببطء عن هايز التي كانت تسند رأسها على الجدار وعينها معلقة بالباب، تقترب من ماركوس بهدوء وهي تفرك يديها بخجل شديد :
" ماركوس "
انتبه لها ماركوس وهو يبعد عينه عن هايز التي كانت في حالة يرثى لها
" ماذا فيور؟! هل تشعرين بالتعب ؟!"
هزت فيور رأسها بلا وهي تقول بصوت خافت :
" لا فقط سأذهب للمرحاض "
ابتسم لها ماركوس يربت على رأسها بحنان :
" لا بأس، هل تريدين أن أذهب معكِ ؟!"
فتحت فيور عينها بصدمة، ثم لوت شفتيها بحنق وهي تصيح ضاربة كتفه بخجل :
" هيييه، هل تظنني طفلة؟! توقف عن هذا ماركوس "
ضحك ماركوس بخفوت وهو يجذب أنفها في حركة مشاكسة منه يردد بنبرة مستفزة :
" ماذا قلنا يا صغيرة ؟! ناديني العم ماركوس يا قليلة الادب "
أبعدت فيور يد ماركوس بعنف عن أنفها وهي تعود للخلف تفرك أنفها، مرددة بغيظ شديد :
" أي عم هذا يا رجل؟! أنت تكبرني فقط بست سنوات تقريبًا "
ابتسم ماركوس وهو يضع يديه في جيب بنطاله ببرود مرددًا :
" هذا يعني أنني بعمر السادسة عندما كنت العب بالوحل واتعلم ركوب الدراجات، كنتِ أنتِ ما تزالين جنين صغير في رحم والدتك "
نفخت فيور بسخرية لاذعة وهي تتحرك بعيدة عنه تشير بوجهها له في حركات مستفزة :
" وكأنني اهتم بطفولتك البائسة يا هذا "
ضحك ماركوس عليها وهو يراها تتحرك خارج الممر الصغير متجهة حيث تريد، بينما هو تحرك ببطء يجلس جوار هايز ثم قال بهدوء :
" سيكون بخير هايز لا تقلقي "
نظرت له هايز مبتسمة بسمة صغيرة بامتنان، ثم عادت بنظرها صوب الباب، تفكر في ادم وايان، اغلى ما تملك في هذه الحياة بالإضافة لوالدها، والجميع الأن في خطر .
كانت فيور تتحرك في الممرات وهي تنظر حولها تحاول إيجاد أي لافتة توحي بمكان المراحيض، لكن لا شيء؛ لذلك بحثت عن أي شخص تسأله، لكن وأثناء تحركها في الممر الرئيسي سمعت صوت صراخ يأتي من ممر جانبي، استدارت ببطء تنظر لذلك الصوت والذي لم يكن سوى شجار بين بعض الأشخاص، والذين كانوا أفراد عائلة ماركوس، فتحت فمها بصدمة وهي تستمع لحديث الشخص الأكبر كما خمنت وهو يصرخ بجنون في الجميع .
صرخ انطونيو وهو يود لو يحطم المشفى فوق رؤوس الجميع :
" أي حالة خطر تلك التي تتحدثون عنها ؟! روما بخير، سمعتم "
اقترب مارتن من انطونيو يحاول التحدث بهدوء حتى لا يستفز غضبه :
' أهدأ فقط يا اخي هي بخير، لكن الطبيب قال أن السم كان على وشك التمكن من جسدها، كما أنه أصاب أجهزة داخلية وهذا سبب النزيف الذي اصابها، الأمر ليس سهلًا، وايضًا ليس مستحيلًا، ستبقى تحت المراقبة حتى الغد و ....."
لم يكمل مارتن حديثه بسبب اندفاع انطونيو بعنف يدفعه جانبًا، وهو يركض في الممر بشكل جعل الجميع يستديرون بقوة، ليروا أن انطونيو يركض صوب أحد الأشخاص في بداية الممر، ومن ثم أطبق انطونيو على رقبة ذلك الشخص وهو يهدر بجنون :
" أنتِ السبب أيتها الخبيثة، منذ جئتي وحدث كل هذا "
فتح الجميع أعينهم بصدمة وهم يتعرفون على هوية المتهم الذي يقبع بين أيدي انطونيو، وقد كانت فيور، نفسها الفتاة التي احضرها ماركوس لمنزلهم من حيث لا يعلمون .
ركضت جولي برعب صوب انطونيو وهي ترى لون فيور الذي بدأ بالانسحاب من وجهها، تجاهد لالتقاط أنفاسها، ضربت جولي يد انطونيو وهي تصرخ برعب :
' ما بك ايها المجنون، دع الفتاة هي لم تفعل شيء، اتركها سوف تقتلها"
نظر لها انطونيو بشر وهو يهمس من بين أنفاسه الغاضبة :
" ابتعدي عني جولي حتى لا اتركها وأطبق على أنفاسك أنتِ "
تحرك مارتن من مكانه صوب انطونيو يحاول أبعادها عن يد انطونيو :
" ما بك انطونيو هل جننت ؟! ما شأن الفتاة بروما ؟! هل حتى لا تعرفها "
" وما ادراك أنت؟! كل شيء حدث منذ جاءت هي، وإلا كيف تعرضت روما للتسمم وهي داخل المنزل ولم تخرج، ولا أحد غريب في هذه العائلة سواها هي "
أنهى حديثه وهو يضغط على رقبتها بقوة حتى كادت تلفظ أنفاسها الأخيرة لولا صرخة اليخاندرو التي هزت المكان كله :
" دع الفتاة انطونيو ...."
عاند انطونيو ولم يستجب لحديث جده ولأول مرة، ليعلو صوت اليخاندرو أكثر وهو يصرخ :
" ألم تسمعني ؟! أخبرتك دع الفتـــــــاة انطونيـــــو "
ترك انطونيو فيور لتسقط ارضًا وهي تسعل بقوة متراجعة للخلف برعب شديد وجسدها كله يرتجف وهي تبكي بقوة، تشعر باوصالها ترتجف خوفًا مما يحدث؛ لذلك نهضت راكضة خارج المكان بأكمله وهي تتجاهل أي حديث خلفها باكية بقوة، وشهقاتها تجذب أنظار الجميع حولها بشكل كبير، تركض خارج المشفى وقد قررت عدم العودة مجددًا، ستهرب من هنا، لأي مكان حتى وإن كان ذلك المكان هو الجحيم الذي كانت تحياه قبل معرفة ماركوس .
مسحت دموعها بعنف، تركض في الطرقات بجنون خوفًا أن يتبعها ذلك الرجل وبكائها يكاد يوقف قلبها من عنفه.
في المشفى كان الجميع ينظر لانطونيو بصدمة لتصرفاته، فليس انطونيو من يتسرع بهذا الشكل، ويتصرف دون تفكير، لكن يبدو أن مرض روما ومواجهتها للموت أصابه بالجنون .
____________________________________
رفع فبريانو حاجبه بتعجب من حديث روبين التي اندفعت له وهي تتحدث صارخة :
" يا خاين يا واطي، بقى ماشي تقولي قبيحة قبيحة وانا اقول يابت استحملي دي طريقته في التعبير عن إعجابه، اتاري الاستاذ المحترم شايف له شوفة تانية، ومش قبيحة "
صمت ثم ضربت كفيها في بعضهما البعض وهي تصيح تريه بعضًا مما تخفي بداخلها :
" لا يا حبيبي اوعاك تكون فاكرني زي البنات اللي بطعم وريحة البيتزا الايطالي دي وهسكتلك بعد ما ضيعت عمري معاك، لا فوق ده أنا من حواري مصر يا حبيبي "
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة وهو يقول :
" اه هذه من المرات القليلة التي تقولين لي بها حبيبي "
رفع زياد حاجبه :
" يا راجل ؟! وأنت مفكر حبيبي هنا لقب محبب ؟! لا ده عادي الستات هنا بتقوله لاي حد بتتخانق معاه وبيكون سخرية وتهديد مش حاجة حلوة أبدًا، حتى لو بتتخانق مع عم عبده البواب هتردحله وتقوله حبيبي"
نظر فبريانو له وهو يقول بشر :
" عبده البواب ؟! أين ذلك الـ عبده ؟!"
" عم عبده مين ؟!"
" ذلك الذي ستناديه حبيبي عند الشجار معه "
" اه ده انت عبيط يا عيني، هو اللي علمك مصري معلمكش لغتنا في التعبير وضرب الأمثال والحوارات دي ؟! "
نظر له فبريانو بملامح جامدة، لتقاطعهم روبين وقد انتهى مخزون الكلمات الشعبية التي تمتلكها، لتبدأ فيما لا ينضب ولا يجف عندها ( البكاء )
" لولو كان عندها حق لما قالتلي أنك مش مريح وبلاش اتعلق بيك "
" ليه وهي لولو فكراكِ هتتجوزي كرسي مكتب عشان ابقى مريح أو لا ؟! بعدين أنا هريح لولو خالص من الدنيا دي واللي فيها "
لم يهتم لهما زياد وهو يحرك نظراته صوب الفتاة الأخرى وهو يقول ببسمة صغيرة :
" والحلوة مرتبطة برضو ولا ايه ؟!"
نظرت له رفقة بتعجب لتجد فجأة جاكيري يقترب منها بتحفز رغم عدم معرفته ما يقول زياد، إلا أنه لا يحب أن يقترب منها أحد، نظرت رفقة لجاكيري ببسمة ليبادلها هو الآخر بالمثل وهو يهمس لها بلطف :
" ما الذي حدث لروبين حتى تجن بهذا الشكل ؟!"
" لا اعلم، هناك سيدة ايطالية أتت لمنزلها تسألها عن فبريانو "
رفع جاكيري حاجبه وهو يقول بتعجب :
" سيدة ايطالية ؟! هنا في مصر ؟! "
هزت رفقة رأسها بنعم، لتجد أن جاكيري قد شرد بعيدًا عنها، مدت يدها تهزه حتة تخرجه من افكاره حول هوية تلك السيدة التي سألت عن ابن عمه وهنا في مصر .
" ما بك ؟! هل حدث شيء ؟!"
" لا، فقط اشتقت إليكِ"
ابتسمت له رفقة بسمة خجولة وهي تلاعب يديها في توتر من نظرات الجميع حولهما :
" جاكيري الجميع هنا وينظر لنا "
ابتسم جاكيري بخبث وهو يمسكها متحركًا صوب اقرب باب لهما والذي كان المطبخ يهمس لها بحب :
" حسنًا لا بأس دعينا نبتعد عن كل ذلك "
توقف جاكيري في منتصف المطبخ وهو يترك يد رفقة، ثم تحرك بسرعة صوب أحد اماكن التخزين، يعبث به حتى أخرج منه لفافة متوسطة الحجم يلوح بها فرح كبير :
" انظري ماذا أحضرت رفكة، كنف بالمكسرات "
نظرت رفقة ليده ببسمة حنونة وهي تقول مصححة له :
" كنافة جاكيري "
" نعم هذه هي، لقد استغرقت نصف ساعة تقريبًا حتى استطيع شرائها بعدما لم يفهمني البائع "
ضحكت رفقة بقوة وهي تتخيله يقول للبائع اريد كنف، لكن فجأة اختفت بسمتها تلك تسمعه يقول بسعادة وغباء في آن واحد :
" وبسبب ما حدث قرر البائع تعويضي واعطاني اياها بخصم كبير، أخذت نصف كيلو بمائتي جنيهٍ "
ضيقت رفقة عينها بشر وهي تقول :
" كم ؟! ٢٠٠ جنيهٍ؟! "
" نعم "
بفخر شديد أجابها جاكيري، قبل أن ينتفض بفزع على صرخة رفقة :
" نص كيلو بـ ٢٠٠ جنيه ؟! ليه معمولة بمايه الدهب بدل العسل ؟! ولا يكونش بتدخل البُق لوحدها "
رمقها جاكيري بتعجب شديد لا يفهم حديثها، ثم همس بتردد :
" ألم تعجبكِ ؟! يمكنني أن اذهب وأحضر لكِ غيرها "
لانت ملامح رفقة فوراً بعد سماعها لنبرته الحنونة تلك، بعدما كانت غاضبة لأن أحدهم استغل جهله بالاسعار هنا وقام بالنصب عليه، ابتسمت رفقة بسمة صغيرة وهي تتناول من يده علبة الكنافة تردد بحب شديد :
" لا بل اعجبتني كثيرًا جاكيري، يكفيني أنها منك "
أنهت حديثها وهي تضم العلبة لقلبها مرددة :
" أنا متأكدة أنها ستكون اجمل حلوى اتناولها في حياتي بأكملها "
اتسعت بسمة جاكيري أكثر وهو يسمع حديثها المحبب لقلبه، يشعر برغبة كبيرة في قلبه تدعوه لضمها، يود لو يضمها الأن، ولم يشعر أنه ترجم مشاعره على هيئة حديث إلا عندما سمع صوته يصدح في المكان :
" هل لي بعناق صغير ؟!"
رمشت رفقة بسرعة وهي لا تستوعب طلبه المفاجئ ذلك، تضم العلبة لها اكثر بينما عينها تدور على وجهه الحبيب وهو يرتقب اجابتها ببسمة صغيرة مترددة، طال صمتها وهي تنظر له بتردد، ليتفهم جاكيري صمتها بأنها ترفض الأمر؛ لذلك ابتسم بسمة صغيرة وهو يعود للخلف يقول بهدوء :
" لا بأس رفكة، هيا لنخرج حيث الجميع "
ولم يكد يخطو خطوة بعيدًا عن موضع وقوفه، حتى وجد رفقة تترك العلبة جانبًا وهي تقترب منه ببطء تضم خصره بحب مستندة برأسها على صدره هامسة :
" أنت ألطف رجال الكون جاكيري، واكثرهم حنانًا، محظوظة أنا بك "
ابتسم جاكيري بسمة واسعة وهو يبادلها العناق بآخر قوي بعض الشيء يغمس رأسه في شعرها الحبيب مرددًا بتنهيدة :
" آه رفكة، حبك يزداد في قلبي بشكل مخيف، بشكل يجعلني أتألم كل يوم بسبب بعدك عني، تزوجيني رفكة، تزوجيني فأنا لا اريد الابتعاد عن أحضانك بعد اليوم"
ابتسمت رفقة له وهي تهمس له :
" إذن دعنا نتزوج جاكيري "
" الآن؟!"
ضحكت رفقة ضحكة صغيرة وهي تهمس بلهفة :
" الآن"
ابتعد جاكيري عنها فجأة وعلى ملامحه ترتسم الصدمة، لكن لم يعطها الفرصة للتفكير فيما قالت، يجذب يدها للخارج وهو يقتحم النقاش العنيف بين روبين وفبريانو يقول بجدية وببسمة واسعة :
" أنا ورفكة سنتزوج اليوم، والآن"
نظر الجميع في البهو لبعضهم البعض بتعجب، قبل أن يتحدث زياد بجدية :
" في الحقيقة أنا مش فاهم حاجة هنا، ولا ايه دوري في المسلسل العائلي ده ؟!"
استدار فبريانو لزياد وهو مازال يضم رأس روبين أسفل ذراعه يكتم فمها بيده قائلًا بجدية :
" حسنًا زياد، رفقة هذه متهمة في جريمة قتل وكنا نود مساعدة جدك في التوصل لحل لها "
فتح زياد فمه وهو ينظر لرفقة قبل أن يهمس متحسرًا :
" ياما في الحبس حلويات صحيح، ومالك بقى هيساعدها ازاي ؟! دي جريمة قتل وده قانون ومحدش يقدر يتدخل فيه "
ابتسم فبريانو بخبث وهو مازال يضم روبين له كاتمًا فمها حتى لا تصرخ في وجهه مجددًا :
" سأخبرك كيف سنفعلها، فقط امنحني دقيقة رجاءً "
أنهى حديثه وهو ينسحب جاذبًا روبين خلفه يتجه صوب الحديقة الخلفية تاركًا الجميع ينظر له بتعجب، قبل أن يقطع جاكيري كل ذلك الصمت وهو يقول ببسمة لاسكندر :
" هيا اسكندر سوف نذهب للسفارة "
__________________________________
فراش يتحرك خارج الغرفة يحمل عليه جسد الصغير أيان وخلفه تسير هايز التي كانت تبكي بخوف وهي تحاول الفهم من الممرضات عن نتيجة العمليات، وتستفسر عن مكان وجود آدم.
توقفت سارة جوار اندرياس وهي تهتف بارهاق شديد تشعر به يستحوذ على جسدها بأكمله :
" لقد نجحت العملية الأولى، سوف ننتظر لنرى المؤشرات في الساعات القادمة، وعندها نحدد الخطوة القادمة "
أنهت حديثها وهي تنظر لماركوس الذي كان يقف جوار هايز يستمع لحديثها باهتمام، تود لو تستأذن منه للتحدث جانبًا، تود توضيح سوء التفاهم الاخير معه، لكن وجود اندرياس جوارها جعلها تؤجل تلك الفكرة وهي ترمقه ببسمة قائلة بهدوء :
" اندرياس، هلّا اتيت معي لدقائق رجاءً ؟!".
ابتسم لها اندرياس بلطف وهو يهز رأسه، ثم تحرك خلفها تاركًا هايز تسقط على المقعد وهي تبكي فرحًا لنجاح العملية ولنجاة صغيرها، لتشعر فجأة بيد ماركوس التي تربت عليها وهو يدعوها للذهاب والاطمئنان على آدم .
ابتسمت هايز وهي تنهض، تمسح دموعها بلهفة كبيرة متحركة معه صوب الغرفة التي سأل عنها ماركوس إحدى الممرضات، تتلهف لرؤية محياه، تشتاقه وبشدة رغم ابتعاده عنها لساعات قليلة فقط، توقف ماركوس أمام الغرفة، ثم تنحى جانبًا يخبرها أن تدخل هي، يتفهم مشاعرها ولايود أن يخجلها بوجوده، طالما اطمأن عليه من الممرضة وأن كل شيء معه على مايرام، إذن ليعطيها فرصتها في البقاء معه قليلًا .
بحث ماركوس بعينه عن فيور التي لم تعد منذ ذهبت للمرحاض يفكر في احتمالية أنها لم تستطع العودة؛ لذلك تحرك يبحث عنها في الإرجاء بكل لهفة، ذهب لمنطقة المراحيض القابعة في الطابق الذي هم به، لكن لم يجد أحد بها، حتى أنه بحث في جميع المراحيض، شعر فجأة بالقلق عليها وهو يخرج هاتفه يتصل بأخيه، يدعو أن تكون ذهبت للقصر حينما لم تستطع إيجاده، ورغم غباء تلك الفكرة، فكيف لها أن تذهب للقصر وهي لا تعلم الطريق، إلا أنه تمسك في حبال الأمل حتى النهاية، وصله صوت مارسيلو الذي كان مرهقًا بعض الشيء :
" أين أنت يا ماركوس ؟! "
" ليس الآن مارسيلو، أخبرني فقط هل عادت فيور للمنزل ؟!"
" فيور !!"
" نعم، هل عادت ؟!"
نظر مارسيلو حوله يراقب حالة الهدوء التي عمت المكان بعدما دخل انطونيو وجلس مع روما :
" أخي فيور رحلت "
" رحلت ؟! إلى أين مارسيلو ؟! لِمَ لم تدعها تبقى في المنزل حتى مجيئي !!"
مسح مارسيلو وجهه وهو يهمس بتردد :
" أخي هي لم تأت للمنزل "
صمت ثم قال :
" لقد جاءت لنا في المشفى وتشاجر معها انطونيو بشكل مخيف حتى هربت من المكان بأكمله ولم نلحق بها أنا ومايك "
لم يستوعب ماركوس كل ما حصل وهو يردد بعدم فهم :
" انطونيو ؟! تشاجر معها ؟! مشفى ؟! ماذا تقول أنا لا افهمك يا اخي "
تنهد مارسليو وهو يقص عليه ما حدث منذ البداية متجاهلًا أمر محاولة انطونيو خنقها وذكر فقط أنهما تشاجرا، ليشعر ماركوس من الطرف الآخر بالهواء ينحصر من حوله وهو يردد بصدمة :
" رحلت إلى أين يا اخي!! هي لا تمتلك مكانًا تذهب إليه سوى ....."
صمت وهو يخشى أن يكمل أفكاره ويصل لتلك النقطة وقد قفزت في رأسه جملتها التي قالتها له في لحظة فضفضة ( هو كان يعذبنا جميعًا ويجبرنا على بيع الممنوعات والسرقة، وأشياء أخرى اسوء خاصة لو كنت فتاة، فهناك العديد من الوظائف الأخرى في انتظارك، لكنني لم ارضخ له بسهولة ولن افعل حتى لو وصل بي الامر للموت فلن افعل له ما يريده مني )
اغمض ماركوس عينه وهو يهمس بخوف عليها وقد بدأ شعوره بالمسؤولية تجاهها يستيقظ فجأة :
" ارجوكِ فيور لا تفعلي هذا "
________________________________
ترك فبريانو روبين وهو ينظر لها بشر، بينما هي عادت للخلف وهي تصرخ موجه إصبعها صوبه بشر :
" لا تقترب مني، سمعت، سوف اصرخ وأخبر الجميع أنك..."
توقفت وهي ترى اندفاع فبريانو صوبها بشكل جعلها تطلق صرخة عالية تحاول الالتصاق بالجدار أكثر وصوت فبريانو يصدح بنبرة مخيفة :
" والآن أخبريني سيدة روبين ما الذي كنتِ تقولينه في الداخل ؟!"
" قولت ايه ؟! أنا مقولتش حاجة، أنا بس كنت عايزة أسألك لو السماعة ليها شاحن ولا بتشتغل على الطاقة الشمسية ؟!"
ابتسم فبريانو وهو يقترب منها يضع يده حوار رأسها وهو يتحدث بهدوء وصوت منخفض بعض الشيء :
" حقًا؟! هذا فقط ؟!"
" أيوة هو ده بس، هقول ايه غير كده ؟!"
" حبيبي "
" ها ؟!"
ابتسم فبريانو وهو يقترب بوجهه منها يردد الكلمة بكل حب، لايهتم لتفسير زياد لها أو أنها مجرد كلمة عابرة يستخدمها البعض في شجاراتهم، هو لا يهتم لهذا البعض، بل يهتم بروبين فقط :
" قلتِ حبيبي في الداخل، هيا قوليها مرة أخرى "
" فبريانو أنا ...."
" مرة واحدة لأجلي روبين "
نظرت روبين لعينه وهي ترى نظراته التي أصبحت في الآونة الأخيرة رفيقة أحلامها، وصديقة أيامها، أصبحت تطاردها في جميع لحظات حياتها :
" فبريانو "
" عمره كله يا روبين "
" أنت مش بتخوني ؟! "
رغم تعجبه لذلك السؤال وسبب حديثها في الداخل إلا أنه ابعد خصلاتها برفق لخلف أذنها وهو يردد بحب :
" ما رأيك أنتِ روبين ؟! هل تظنين أنني قد افعلها ؟!"
هزت روبين رأسها بلا وهي تحاول منع دموعها من الهبوط تكرر له نفس حديثه السابق :
' لكنني لا أحب ذلك الشعور فبريانو، ذلك الشعور المؤلم حينما تقترب منك فتاة أخرى أو حتى تنطق اسمك "
" الغيرة ؟!"
قالها فبريانو ببسمة صغيرة لتهز روبين رأسها بنعم وهي تنفجر في البكاء، تخاف أن تكون تلك الفتاة معجبة به أو ما شابه، فأين هي منها؟! تلك الأخرى في غاية الجمال، وهي عادية الملامح تقريبًا .
ضمها فبريانو له بسرعة يحاول احتواء نوبة بكائها تلك وهو يهمس لها بحب :
" اششش لا تبكي روبين سوف تزدادين قبحًا، وهذا سيؤلم قلبي أكثر، كنا أنني لم اقع في حبك بسهولة حتى اتخلى عنه لأجل أي شيء آخر، روبين أنتِ قدري الذي أعشقه، قدري الوحيد الذي تقبلته بكل رضا "
بكت روبين أكثر وهي تردد :
" أنا بحبك اوي يا فبريانو "
" وانا أيضًا ارنبي الوردي..... "
______________________________
" المؤشرات الأولية مطمئنة، فقط نحتاج لوضعها أسفل المراقبة لأيام حتى نتأكد من عدم تأثر وظائف الجسد من السم "
هز انطونيو رأسه بحسنًا وهو يتناول ورقة التعليمات من الطبيب ثم نظر حوله للجميع وهو يقول بتنهيدة مرتاحة :
" يمكنكم العودة للمنزل جميعًا فقد انتهينا من هذا "
نظر الجميع لبعضهم البعض، قبل أن يتحرك اليخاندرو وهو يقول بجدية آمرًا الجميع :
" سمعتم ما قاله، لندعه مع زوجته، وانتم الحقوا بي "
بكت سيرينا وهي تجلس على أريكة في زاوية الغرفة رافضة الانصياع لأوامر اليخاندرو :
" لن اتحرك من هنا إلا عندما تستيقظ ابنتي واطمأن عليها بنفسي "
نظر لها اليخاندرو ثواني قبل أن يهز رأسه بحسنًا يأمر الجميع أن يلحق به ويتركوا انطونيو وسيرينا مع روما .
لحق الجميع باليخاندرو للخارج قبل أن يستمع مارتن لصوت انطونيو وهو يقول بنبرة مخيفة :
" مارتن أنت تعلم ما يجب فعله "
هز مارتن رأسه دون أن يستدير له، ثم تحرك للخارج وهو يضم كتف جولي له وعينه تلتمع بشر يتوعد من سولت له نفسه بمحاولة المساس بأي فرد من أفراد عائلته .
أعاد انطونيو نظره لروما وهو يمسك يدها مقبلًا إياها بحب كبير وهو يهمس لها بنبرة مثخنة بالوجع :
" كوني قوية لأجلي جميلة الجميلات، أنا انتظرك هنا "
_____________________________
حملت هاتفها وهي تجري اتصالًا بصديقتها، تقضم أظافرها بتوتر شديد، بينما عقلها لا يستوعب بعد ما تفعله، انتفضت لورا وهي تستمع لصوت رفيقتها يصدح في اذنها وصوت موسيقى بعيدة يتناهى لمسامعها، يبدو كما لو أنها في حفلة ما :
" مرحبًا لورا، كيف حالك اليوم يافتاة ؟!"
ابتسمت لورا بسمة متوترة وهي ترد على صديقتها بلطف:
" بخير عزيزتي، هل ازعجك ؟!"
"لا يا فتاة ما الذي تقولينه ؟! "
ولم تكد لورا تتحدث حتى سمعت صوت ماليكا يصل لها وهي تنادي زميلتها قائلة بصياح :
" هيا يا فتاة سوف نطفأ الشمع دون صاحبة العيد ميلاد "
عضت الفتاة شفتيها بقلق وهي تحاول الابتعاد بالهاتف وتدعو ألا تكون لورا سمعت جملة ماليكا وتحزن أنها لم تدعها لعيد ميلادها، لكن خاب أملها وهي تستمع لصوت لورا يقول لها بنبرة لطيفة يشوبها خيبة أمل :
" عيد ميلاد سعيد، اسفة لم اعلم أن اليوم عيد ميلادك "
" اه ...لا بأس جمليتي، أنا... في الحقيقة كان الأمر مفاجئًا لي أيضًا فقد وجدت الجميع جاء لمنزلي وأقاموا لي عيد ميلاد مفاجئ "
ابتسمت لورا بسمة صغيرة تدرك أن الجميع لايحب الاحتكاك بها في العمل، عدا موسى الوحيد الذي كان يتفهمها ويقف معها في أي شيء، وصل لها صوت ماليكا وهي تقول بشكل متعمد وكأنها علمت أنها هي المتحدثة :
" هل هذه الغبية لورا ؟! ما الذي تريده؟! هي تعطلك عن عيد ميلادك وضيوفك "
نظرت له الفتاة بتحذير وشر، لكن ماليكا لم تهتم وهي تقترب من سماعة الهاتف تهتف بنبرة مستفزة :
" معذرة يا عزيزتي لم نتمكن من دعوتك، فهذه الحفلة يحضرها العديد من المشاهير ولا مكان لهيئتك المبعثرة وثيابك الرياضية وتصرفاتك الغريبة هنا "
سارعت رفيقتها في تفسير الأمر :
" لا لورا الحقيقة هــ...."
اشتدت ملامح لورا وهي تضحك ضحكة عالية لا روح فيها متحدثة بقوة تقاطع حديثها :
" لا بأس عزيزتي اخبري ماليكا أنني اشكرها لملاحظتها على ثيابي وفي الحقيقة هذا ما اتصلت بكِ لأجله، فأنا لدي زفاف عما قريب وقد حددت موعد مع ( مافو ) لأجل تصميم فستان خصيصًا لي لحضور الزفاف وكنا
ت أود اخذك معي غدًا، لكن يبدو أنكِ مشغولة بعض الشيء، لا بأس ربما ارسل لكِ صورة فستاني بتوقيع مافو، عيد ميلاد سعيد جميلتي "
أنهت حديثها وهي تغلق الهاتف تاركة صديقتها تنظر للهاتف بصدمة، جعلت ماليكا تقترب لها متسائلة بتعجب :
" مابكِ؟! ماذا قالت تلك الفتاة ؟!"
" سوف تذهب غدًا لموعد مع السيد مافو، وسوف يصمم لها فستان خصيصًا لأجلها "
صرخت ماليكا صرخة جذبت انتباه الجميع حولها :
" ماذا ؟! مافو ؟! "
أشارت لها صديقتها بعينها أن تنتبه لحديثها، لكن ماليكا لم تهتم وهي تطلق ضحكة عالية متهكمة:
" تلك الخبيثة تحاول اغاظتي لأنني أخبرتها بأمر مقابلة مافو، تظن أن الحصول على فستان من تصميمه أمر سهل ؟! هي تحلم، ثم هو لا يقابل أحد بشكل شخصي وهذا يثبت كذبتها "
على الطرف الآخر كانت لورا تضغط على هاتفها بقوة وهي تكاظ تنفجر غيظًا مما يحدث وقد أقسمت أن تريهم جميعًا؛ لذلك ودون تردد حملت هاتفها تبحث عن رقمه، حتى قابلت عينها اسم ( زوجك المستقبلي ) لتبتسم هي، و تقول :
" سوف اريكم جميعًا ما يمكنني فعله ......."
_______________________
دخل مارتن لغرفته مباشرة دون أن ينتبه لحديث أحد أو كلامهم الخاص بغياب آدم وعدم معرفتهم أين ذهب هو وماركوس ؟!
تحرك في غرفته بسرعة يخرج حاسوبه وخلفه جولي التي كانت تلتصق به كطفلة صغيرة، تقف عن باب غرفته بتردد وهي تقول بصوت خافت :
" مارتن هل يمكنني الدخول ؟!"
وضع مارتن الحاسوب على فراشه وهو يبدل ثيابه بأخرى مريحة يهز رأسها بالموافقة وهو يشير لها أن تدخل، يتحدث بجدية :
" سوف ادخل للاستحمام سريعًا، لا تلمسي شيئًا جولي حسنًا ؟!"
هزت جولي رأسها بنعم، ليقبلها هو قبلة صغيرة، تاركًا اياها تجلس على فراشه وهي تنظر حولها بهدوء تتذكر هيئة روما التي جعلتها ترتعب وهي تحاول معرفة سبب كل ما حدث .
وخلال دقائق قليلة كانت جولي تسقط في نوم عميق بعد تلك الليلة الطويلة والتي مرت فيها بالكثير .
خرج مارتن من المرحاض وهو يتحدث بحنان :
" ارجو ألا اااا"
توقف عن الحديث وهو يبصر جسد جولي الذي يتوسط فراشه بكل لطف وقد سقطت في النوم، مما دفع البسمة لوجهه وهو يلقي المنشفة على أحد المقاعد متجهًا لها يقبلها بلطف على وجنتها، ثم رفع الغطاء يدفئ جسدها، وبعدها صعد ببطء للفراش يجلس جوار جسدها وهو يحمل الحاسوب على قدمه يدخل على نظام حماية القصر يبحث به عن فيديوهات المراقبة لآخر ٢٤ ساعة، وقد قرر عدم النوم الليلة حتى يصل للفاعل، بينما جولي جواره كانت تلك في نوم عميق، وهو انشغل فيما يفعل، لكن يده كانت تتحرك تلقائيًا كل فترة يربت على شعرها بلطف، بينما عينه تمر على جميع الفيديوهات وهو يراقب ما يحدث بكل دقة وتركيز ....
لتمر ساعتان وهو مازال يجلس بنفس الوضعية حتى شعر بعظامه بدأت تتشنج، زفر بتعب وهو يعتدل في جلسته يمسك رأس جولي التي كانت تضعها على قدمه امام الحاسوب وهو يعدل وضعها، لكن أثناء ذلك انتبه فجأة لما يحدث أمامه في الحاسوب، ترك رأس جولي برفق ثم أعاد اللقطة السابقة وهو ينظر لما يحدث مجددًا حتى فتح فمه وهو يردد :
" هكذا اذًا، أنتِ الفاعلة ؟! "
__________________________________
مهم :
بإذن الله هكون موجودة في معرض " ساقية الصاوي"، يوم الخميس الموافق ٨/١١ من الساعة ٢ للساعة ٤، وجميع رواياتي هتكون متواجدة هناك وكمان هيكون فيه عروض كتير اوي عليهم، وحتى اللي مش هيقتني الروايات أو سبق واقتناها مرحب بيه يجي وهكون سعيدة إني اقابلكم واشوفكم .
العنوان :
ساقية الصاوي في الزمالك، أسفل محور ١٥ مايو .
جناح ( دار مدينة الكتب للنشر والتوزيع )
يوم الخميس الجاي من ٢ لـ ٤
اتمنى اشوفكم هناك
دمتم سالمين
رحمة نبيل