تحميل رواية «الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 )» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
* هام قبل القراءة* ( لو أنت اول مرة تقرأ الرواية أو الفصول، فمتخليش فضولك ياخدك أنك تقرأ التعليقات؛ لأن بيكون فيه ناس قرأوا الرواية قبل كده و ممكن يحرقوا عليك تفاصيل مشوقة كتير، فنصيحة لما تيجي تعلق امشي بمبدأ ( علق واجري ) يعني علق براحتك، بس بلاش تقرأ الكومنتات بضمير و كمل الرواية لان متعتها في تشويقها، ومتخليش حد يحرق عليك أي جزء لان كل جزء في الرواية هتعيشه وتتمتع بيه بكل تفصيلة ده وعد مني ) وصدقني اللي جاي هيكون قادر على سحبك لعالم تاني خالص فاترك نفسك للرحلة اللي جاية وعيش 💜 قراءة ممتعة ل...
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمة نبيل
-دا مش مكانك، أنت شوية وماشي..
-د.محمد الغليظ
صلوا على رسول الرحمة
_________________
دقق مارتن النظر في الفيديو مرة واثنين وثلاثة، حتى ارتسمت بسمة مخيفة على جانب شفتيه ويده تتحرك بشكل تلقائي على شعر جولي، ينظر للفيديو مرة أخرى وهو يراقب حركات الفتاة في كاميرات المراقبة، رفع حاجبه وهو يعيد لقطة معينة مرة أخرى، ثم تابع الأمر منذ البداية أكثر من مرة حتى اغلق الحاسوب بعنف غير مقصود أدى لانتفاص جولي وهي تنظر حولها لنعاس وفزع، لكن مارتن نظر له بأسف يجذب رأسها له يربت عليه حنان :
" اسف حبيبتي، هل اخفتك ؟! "
نظرت له جولي بنعاس لا تشعر بشيء حولها :
" ما الذي حدث وكيف نمت ؟!"
ابتسم لها مارتن بخبث، ثم ادار الحاسوب بهدوء ليقابل عينها، وبعدها ضمها لصدره وهو يقول بجدية :
" انظري فقط لهذا العرض الممتع "
لم تفهم جولي شيئًا من حديثه وهي تحول نظرها للحاسوب تراقب شاشته التي تعرض فيديو ما، تلوي شفتيها بعدم فهم :
" ما هذا، أنا لا افهم، من هذه الفتاة؟! هل تراقب النساء يا مارتن ؟! ايها الفاسد"
فتح مارتن فمه من تحليلها ذلك ولم يكد يدافع عن نفسه، حتى وجدها تنتفض وهي تصرخ بحنق :
" أنت يا سيد تستغل أنني نائمة جوارك لتراقب النساء في المنزل، ثم من هذه الحقيرة التي تراقبها ها ؟! هل اغرتك بتنورتها القصيرة ؟! أنا أيضًا امتلك تنورة مثلها "
" أنتِ ما الذي تقولينه ؟! هل فقدتِ عقلك ؟! اخبرك أن تنظري لما يحدث، تركتِ كل شيء وامسكتِ في تنورتها القصيرة ؟! ثم اقسم با جولي إن رأيتك يومًا ترتدين تلك التنورة التي تتحدثين عنها سأحرقك بها "
أنهى حديثه وهو يمسك وجهها بقوة يوجهه صوب الحاسوب يفتح عينها بقوة، بينما هي تحاول غلقها عنادًا به، لكن مارتن امسكها من الخلف وهو يفتح عينها بقوة :
" هيا هيا أيتها الحمقاء انظري "
" لا لن أنظر لتلك المشاهد التي تغذي بها عقلك القذر "
" عقلي أنا القذر ؟! بل أنتِ أيتها البلهاء، انظري لما اقصد، انظري "
فتحت جولي عينها مجبرة وهي تراقب ما يحدث أمامها قبل أن تتسع عينها بصدمة كبيرة تردد :
" ما هذا ؟! "
" ألم اخبرك ؟!"
نظرت له بغباء وهي تبتسم بسمة بلهاء :
" لم افهم شيئًا "
نفخ مارتن بضيق وهو يدفع رأسها للحاسوب أكثر، حتى كاد وجهها يلتصق به :
" انظري لتلك الفتاة، أنها نفسها سبب تسمم روما "
شهقت جولي بصدمة وهي تحاول ابعاد وجهها عن الحاسوب :
" هذه الحقيرة صاحبة التنورة القصيرة، اقسم إن رأيتها سوف اقلع لها شعرها واحدة تلو الأخرى "
ابتسم مارتن وهو يقول بخبث يضمها لصدره ببسمة واسعة ويده تداعب يدها :
" وما الذي سأناله مقابل أن اخذك حيث هي ؟!"
" إذن أنت تعترف أنك تعرفها ايها الخائن "
نفخ مارتن بحنق وهو يضمها له بقوة :
" بالطبع اعرفها أيتها الحمقاء، فهذه هي المساعدة الشخصية لانطونيو"
صمت ثواني ثم قال بخبث وهو يقترب منها يضع رأسه جوار رأسها هامسًا بشر :
" ما رأيك أن تذهبي غدًا لتلقي السلام عليها؟! أعني أنا رجل لا أستطيع أن اقترب منها، بينما أنتِ عزيزتي البريئة يمكنك فعلها، هذا ليس غريبًا عليكِ، ما رأيك ها ؟! "
استدارت له جولي ترمقه بحاجب مرفوع، قبل أن تبتسم بسمة مشابهة لخاصته، وهي تردد :
" سوف اذهب لاتفحص مخزن الأسلحة ..."
_________________________
كان يشعر أنه يحلق الآن على غمامة وردية عالية، بعيدًا عن الجميع، وعلى تلك الغمامة تتوسط هي أحضانه بكل راحة، ابتسم وهو يشعر بقلبه يهدر بقوة يراقب أصابعها الصغيرة الرقيقة تمتد لتمسك بالقلم، ثم تتحرك يدها بخفة صوب الورقة التي تقبع أمامها على الطاولة تنظر حولها للجميع، وكأنها في أحد أحلامها الوردية لا تصدق ما تعيشه الآن، شعرت بتربيته صغيرة على كتفها من الخلف، رفعت عينها ببطء لترى عين أخيها الدامعة وهو يهز رأسه لها يشجعها، وعلى الطرف الآخر كانت تقف صديقتها الأقرب، ورفيقة الحياة كلها، روبين الاميرة الرقيقة، تبكي بفرحة كبيرة وجوارها يقف ذلك الوحش الذي يحرس قلعة الأميرة، والعم توفيق يقف بعيدًا وهو يمسح دموعه بتأثر، وكذلك سيلين التي كانت تجلس على مقعد وهي تصور ما يحدث وعينها تذرف دموع فرحة، واخيرًا جوارها يجلس هو يرمقها بكل حنان العالم، يرمقها بكل الحب الذي يمتلكه، ينظر لها بلهفة، وهو ينتظر أن تخط اسمها جوار اسمه .
مدت رفقة يدها وهي تخط اسمها ببسمة واسعة جوار اسم جاكيري، ترفع عينها له ترمقه بحب كبير، لتنطلق فجأة زغرودة عالية من فم روبين، رنّ صداها في المكان كله، لتجذب أنظار الجميع بتفاجئ لذلك الصوت الغريب .
خاصة فبريانو الذي كان يقف جوارها وانتفض بخفة بمجرد سماعه لذلك الصوت الذي سمعه عدة مرات، رغم عدم معرفته لكيفية إخراجه أو سببه في الحقيقة .
ابتسمت روبين وهي تزيد من إطلاقها الزغاريد، بينما توفيق كان يصفق بقوة يحاول التصفير بشكل بائس .
نهض جاكيري من مقعده يجذب جسد رفقة إليه يضمها بقوة وكأنه لا يصدق أنها واخيرًا أصبحت زوجته، بينما رفقة تضم رقبته بقوة وهي تبكي فرحًا لا تصدق المسار الذي اتخذته حياتها، بعدما كانت منذ عدة أشهر ناقمة على ما يحدث شاعرة أن كل شيء يسير ضدها، ها هي الآن تعيش احلام لم تكن يومًا لتتجرأ والتفكير بها .
انحنى فبريانو نحو روبين وعينه مازالت تراقب ما يفعله جاكيري وفرحته الكبير بتحقيق حلمه أخيرًا :
" لنتزوج "
توقفت روبين عن التصفيق وهي تستدير له ببطء تضيق عينها بعدم فهم قبل أن يعيد هو حديثه مجددًا يشير بعينه لمسئول السفارة الذي كان يبارك لجاكيري ورفقة :
" اريد أن أتزوج مثل جاكيري "
فتحت روبين فمها ببلاهة وهي ترى الجدية تعلو ملامحه :
" نتزوج ؟! هل تمزح معي ؟!"
" لا "
" هل جننت فبريانو؟! نتزوج دون والديّ واختي و لولو ؟!"
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة وهو يقول بكل بساطة :
" لا بأس لنحضر لولو ونتزوج، وعندما يعود والديكِ نتزوج مرة ثانية "
ابتعدت روبين عنه خطوات صغيرة وهي ترمقه بريبة وكأنه من كوكب آخر، لكن فبريانو ابتسم، يجذب ذراعها له يقول لها بمشاكسة :
" مش بيقولوا السكوت علامة الرضا ؟!"
نظرت روبين ليده التي تجذبها صوب منصة المسؤول، تضربها بخوف من تنفيذ حديثه :
' واشمعنا بقى المثل ده اللي تعرفه ؟! أنت هتعمل ايه ؟! بطل جنون سيبني "
ضحك فبريانو وهو يرى حركاتها الفاشلة للهروب من بين يديها، تحاول الهرب من بين يديه، لكنه اسرع وامسك ثيابها من الخلف بينما هي تتحدث بنبرة باكية :
" لا مش هتجوز من غير بابا وماما وجاسي ولولو، مش هتجوز غير بفستان وجيبونة زي كل العرايس "
توقف فبريانو عن سحبها وهو ينخرط في موجة ضحك عالية، بعدما فعل كل ذلك فيك لاغاظتها ليس إلا، فهو لم يكن سيتزوجها على أية حال، إلا بعدما يعود والديها ويقيم لها زفاف كبير يليق بارنبه الوردي، ضم فبريانو روبين وهو يضحك بقوة :
" ايها الارنب الاحمق، كنت امازحك فقط ما بك !! "
ضربته روبين بغيظ على صدره وهي تحاول تمالك نفسها بعد تلك الصدمة التي تعرضت لها، عندما سمعت صوت جاكيري يقول للجميع بصوت عالي بعض الشيء :
" حسنًا اعزائي الآن اترككم واذهب مع عروسي الجميلة في نزهة "
تحدث اسكندر بغرض اغاظته :
' لم اسمح لك بذلك "
" وكأنني اهتم "
هكذا تحدث جاكيري، يخرج من الغرفة كلها تاركًا الجميع خلفه، ليبتسم توفيق وهو ينظر في أثرهما بحب متحدثًا بجدية :
" يااه فكرتوني باللذي مضى، لما سحبت مراتي من نص الفرح واخدتها ناكل كشري وبعدين حبسنا (شربنا) بشوبين ( كوبين ) قصب، يااه ايام والله "
ابتسمت روبين وهي تنظر له بجدية قبل أن تستمع لصوت جوارها يردد بحنان :
" عقبالك يا روبي...روبين، عقبالك يا روبين "
استدارت روبين لاسكندر وهي تبادله بسمته بأخرى لطيفة :
" شكرا يا اسكندر وعقبالك أنت كمان "
جذب فبريانو روبين له بقوة وهو يرمق اسكندر بحنق مرددًا :
" لا تتحدث معها بهذا الشكل الودود، ومن الأفضل ألا تتحدث معها أبدًا"
أنهى فبريانو حديثه وهو ينظر له بشر جعل اسكندر يرفع حاجبه بتهكم:
" ومن سيمنعني من التحدث ؟! أنت؟!"
انحنى فبريانو قليلًا وهو يهمس بفحيح :
" جيد أنك تعلم إجابة سؤالك، والآن احذر مني لأنني لا اتهاون في أي شيء يخص روبين، أنا لا أريد وضعك في نفس قائمة شباب الحارة والطيار والظابط وعم عبده البواب؛ لذلك احذر جنوني "
أنهى حديثه وهو يجذب روبين خلفه متحركًا خارج المكان بأكمله، بينما روبين تشير بيدها معتذرة لاسكندر، لكن فجأة اخفضت يدها برعب وهي تستمع لصوت فبريانو الحاد :
" أنا اراكِ روبين "
سارت روبين خلفه بغيظ وهي تتمتم بغضب، تاركة توفيق واسكندر وسيلين التي نهضت وهي تقول بحنق :
" هذان الفاسدان يتركونني هنا بهذا الشكل، دون أن يكلف أحدهما عناء التفكير في وسيلة عودتي للمنزل، اقسم أن أخبر اليخاندرو عنكما "
_____________________________________
تحركت خارج غرفتها وهي تعدل من ثيابها تنفخ بضيق بسبب شعرها الذي بات يزعجها بسبب طوله، تفكر جديًا في قصه ...
" إلى أين لورا؟! ألن تتناولي الطعام معي؟!"
هكذا تحدثت والدة لورا وهي تضع الاطباق على الطاولة أمامها بتعجب من هيئة ابنتها والتي توحي أنها ذاهبة للخارج في هذا الوقت الذي اعتادت فيه عدم الخروج .
" نعم امي، أنا ذاهبة لشراء فستان لحضور زفاف ابن خالتي، أليس هذا ماتريدينه؟!"
فتحت والدتها عينها بصدمة وهي تهمس :
" حقًا ؟!"
هزت لورا رأسها هزة صغيرة بمعنى نعم، ثم أضافت ببسمة صغيرة بلا روح :
" الأهم عندي ألا تحزني أمي "
ولم تكمل باقي جملتها وتخبرها ( أما أنا فليذهب حزني الجحيم)، شعرت لورا فجأة بذراع والدتها يضمها بقوة وهي تقول ببسمة واسعة :
" اه يا ابنتي لا تعلمين مقدار سعادتي بقرارك هذا، و صدقيني حبيبتي أنني افعل ما أراه جيد لأجلك، فأنتِ ابنتي الوحيدة لورا "
هزت لورا رأسها بنعم وهي تكتم بصعوبة تلك الدموع السخيفة التي لا يحلو لها السقوط في أوقات أسخف منها، ترى لورا والدها تتحرك صوب الطاولة تمسك محفظتها وهي تردد بحنان كبير لا تصطنعه :
" كم تريدين ابنتي ؟! اريدك أن تشتري اجمل فساتين السوق، تريدين أن آتي معك ؟!"
هزت لورا رأسها بلا وهي ترفع حقيبتها لوالدتها قائلة بنبرة مختنقة :
" لا بأس اميؤ أنا امتلك ما يكفي من النقود، ولا تتعبي نفسك امي، لقد أخبرت صديقتي وهي في انتظاري، سوف نذهب سويًا "
" صديقتك ؟!"
وكان واضحًا على والدتها الصدمة، فهي لم تأتي يومًا على ذكر أي أصدقاء لها في هذا المنزل، هذا لأنها لا تمتلك ببساطة، هزت رأسها برتابة ترتدي حقيبتها، ثم تحركت للخارج بعد تقبيل خد والدتها، وهي تودعها، تشعر بالذنب للكذب عليها بأمر صديقتها، لكن هي لن تتحمل أن تقضي ساعات مع والدتها وحدهم كأي فتاة وأمها، ليس لأنها تكره والدتها، ولكن لأنها لا تتحمل أي كلمة قد تتسبب في بكائها، ثم بعدها تتلقى لومًا من ولادتها وخطبة عن كم هي مدللة .
صعدت لسياراتها الصغيرة تراقب هاتفها الذي صدر منه عدة مكالمات لمايك لمدة نصف ساعة دون إجابة؛ لذلك قررت التحرك والذهاب لمنزله والتحدث معه في أمر تصميم فستان لها .
________________________
كان يجلس على شرفة غرفته وهو يتنفس ذلك الهواء النقي يغمض عينه تاركًا الهواء يعبث في خصلات شعره كما يريد، يشعر بروحه تطفو في جسده وراحة كبيرة تعتريه بسبب ذلك الهدوء، رغم عاصفة غضبه التي اخرجها منذ ساعة تقريبًا في وجه ماركوس، انزعجت ملامحه وهو يتذكر شجاره القوي مع ماركوس الذي جاء يصرخ في وجوه الجميع لأنهم سمحوا لفتاته بالرحيل، وقتها لم يتحمل الأمر ومازال مرض أخيه يضغط على أعصابه؛ لذلك انفجر في وجهه فجأة وهو يلعنه ويلعن تلك الفتاة ويصرخ في وجهه، ليتلقى فجأة لكمة عنيفة من ماركوس، ثم بعدها تدخل مارتن ولكمه هو وماركوس واجبرهما على الاعتذار لبعضها البعض، ليرحل بعدها غاضبًا لغرفته، وها هو مازال يجلس منذ ذلك الوقت بضيق من الغضب والصراخ في وجه ماركوس.
تنفس محاولًا العودة للهدوء مجددًا، لولا صوت فتح الباب الذي أخرجه من تلك الحالة، وصوت اقدام تقترب منه، ثم جلوس جسد جواره يشاركه تلك الأجواء، ابتسم جايك بسمة صغيرة وهو مازال يغمض عينه مرددًا بهدوء :
" لا بأس ماركوس أنا لستُ حزينًا "
ضرب ماركوس على كتفه بمزاح وهو يقول بحنق :
" هيييه أنا اتيت حتى اجبرك على الاعتذار لي مجددًا، فالمرة الاولى لم تستهويني "
ضحك جايك وهو ينظر له :
" حقًا ؟! أنت أيضًا تدين لي باعتذار، لقد لكمتني لكمة شوهت ملامحي الجميلة يارجل "
امتدت يد ماركوس وهو يمسك وجه جايك يديره قليلًا، يهمس بجدية رغم علمه أنه خفف قبضته حتى لا يؤذيه :
' هل تؤلمك جايك ؟!"
هز جايك رأسه بلا وهو يقول بمزاح :
" لا لم تؤلمني لكمتك، بل آلمتني تلك التي سددها لي مارتن، يارجل قبضته حادة، يبدو أن كثرة ضغطة على الحاسوب تسببت في تقوية عضلات يده "
أنهى كلامه وهو يرى ماركوس يتحسس وجهه يقول بفم ملتوي بحنق :
" نعم صحيح قبضته مؤلمه "
نظر الاثنان لبعضهما البعض ثواني قبل أن ينفجروا في الضحك، وماركوس يدفع وجه جايك بغيظ يتحدث من بين ضحكاته :
" كل هذا بسببك أيها الاحمق، لو لم تغضب لأجل لا شيء، لكنا احتفظنا الآن بوجهينا دون كدمات ملونة "
ضحك جايك أكثر وهو يضم ماركوس بشكل مستفز جعل ماركوس يتململ بين يديه :
" آه هل تخاف على وجهكِ مارو ؟! أيها اللطيف "
أبعده ماركوس عنه بحنق وهو يصرخ :
" ابتعد يارجل عني، أنت احمق "
ضحك جايك أكثر وهو يستمر في اغاظة ماركوس، بينما كان مارتن يقف أمام غرفة جايك يراقبهما ببسمة صغيرة، سعيد لأنهما تصالحا، ولم ينسيا ما تربوا عليه، وهو ألا يُحزن أحدهما الآخر، وألا يخاصم أحدهما الآخر وأن جميع أفراد تلك العائلة بمثابة جسد واحد .
_________________________
في الاسفل كانت روز تراقب ما صنعته وهي تبتسم بلطف وقد قررت أن تصعد وتعطيه لجايك، لكن لم تكد تخطو لخارج المطبخ حتى وجدت مايك يدخل عليها وهو يقول بجدية يبحث بعينه عن شيء ما في المطبخ :
" روز هل رأيتِ هاتفي ؟!"
نظرت له روز بتعجب تتساءل عن سبب وجود هاتفه في المطبخ، ليتحدث لها مايك وكأنه سمع سؤالها لنفسها :
" لقد كنت هنا آخر مرة قبل أن اصعد للغرفة وأخرج فزعًا على صراخ انطونيو، وانا لا أجده في غرفتي "
هزت روز كتفها بجهل، ثم تركت الصينية التي تحملها في يدها، تشير له أنها ستبحث عنه معه، ابتسم لها مايك بامتنان وهو يبحث عن الهاتف رفقتها .
انحنت روز تبحث عن الهاتف مع مايك، والذي كانت عينه تدور في جميع أرجاء المطبخ بملل شديد، قبل أن يلمح بطرف عينه أعلى الثلاجة شيء مضيء؛ لذلك تحرك يلتقطه بسرعة ليصدق حدسه ويجد أنه هاتفه والذي كان قد كتم صوته في وقت سابق، انتبهت روز لمايك وهو يمسك هاتف؛ لذلك ابتسمت وهي تنهض تنفض ثيابها، تقترب منه ولم تكد تصل له حتى صرخ مايك صرخة عالية جعلت روز تركض بسرعة بعيدًا عنه وهي تحتمي لطاولة المطبخ، ظنًا أن هاتفه سينفجر أو ما شابه، لكن فتحت فمها ببلاهة وهي تراقب مايك يردد بصدمة :
" لقد اتصلت تلك العربية بي خمس مرات وانا لم اجب، يا ويلتي "
ختم حديثه بصدمة وهو يرفع عينه يبحث عن روز حتى يشاركها صدمته، لكن وجدها تختبئ خلف أحد المقاعد التي تحيط الطاولة، اتجه لها وهو يقول بحسرة :
" انظري لغبائي روز، تلك العربية الفاتنة اتصلت بي خمس مرات دون إجابة مني، يا ويلتي هكذا ستظنني اتجاهلها "
رمقته روز بريبة وهي تبتعد عنه ببطء وخوف من هيئته، بينما هو ينظر للهاتف بحسرة، قبل أن ينتفض بقوة على رنين هاتفه، نظر له بسرعة ليرى اسم لورا يعلو شاشته، صرخ مجددًا بسعادة متجاهلًا رعب لورا منه وهي تخفي جسدها برعب خلف المقعد :
" إنها هي، تتصل للمرة السادسة، يبدو أنها لم تتحمل فراقي أكثر "
ختم حديثه بغمزة، يخرج من المطبخ تاركًا روز ترمقه بصدمة، ثم تحركت من خلف المقعد وهي ماتزال تنظر لأثره برعب، وبعدها حملت الصينية وهي تركض بسرعة خارج المطبخ تهمس :
" هذا الرجل مجنون بالكامل ؟!"
توقفت أمام باب غرفة جايك، تتنفس لتهدأ ثم رفعت يدها تطرق الباب بهدوء تنتظر أن يجيب، وثواني قليلة فقط حتى وجدت الباب يُفتح بقوة وصوت جايك الصارخ يعلو في الممر :
" ماركوس ايها الـ ....زهرتي ؟!"
عادت روز للخلف خطوات صغيرة وهي تبتسم بسمة لطيفة، ثم مدت يدها بالصينية التي كانت تحملها وعليها ورقة رُسم فيها شخص يجلس على مقعد ومعدته منتفخة وأمامه صينية طعام، ابتسم جايك بسمة واسعة وهو يقول بلطف :
" هذا لي !!"
هزت روز رأسها بنعم وهي تلف الصينية لتظهر ورقة أخرى مكتوب عليها :
" هذه مقرمشات مملحة لذيذة لأنك لا تحب الحلوى "
شعر جايك بقلبه يقفز بعنف لا يحتمل مقدار اللطف الذي يراه أمامه :
" لكنني بالفعل احب حلواكِ أنتِ زهرتي "
ابتسمت له روز بخجل قبل أن يتنحى يشير لها أن تدخل وهو يقول بلطف :
" هيا اريد أن اريكِ شيئّا "
نظرت له روز بعين مترددة، قبل أن يسارع هو بالقول :
" سوف اترك الباب مفتوحًا لا تقلقي "
خطت روز للداخل وهي تنظر حولها برهبة، لكن فجأة فتحت عينها وفمها ببلاهة وهي تراقب كم اللوحات التي رسمها لها جايك، مررت عينها على الغرفة كلها بصدمة، قبل أن تتوقف على إطار صغير يجاور فراشه، يحمل رسمتها التي أعطتها له في المشفى .
سمعت صوت جايك خلفها وهو يحمل منها الصينية ثم جذبها صوب الشرفة حيث كان يجلس منذ ثواني مع ماركوس، يضعها على مقعد ماركوس ثم جلس مقابلها وهو يقول ببسمة واسعة يشير للقمر أمامه :
" اريدك أن تشاركين تلك اللحظات "
نظرت له روز ثواني قبل أن تحول نظرها للسماء تشرد فيها وهناك بسمة صغيرة ترتسم على فمها، بينما عين جايك كانت تراقبها بشغف كبير وهو يقول بجدية :
" هذه المرة الأولى التي أرى بها مشهدًا بهذه الروعة ولا ارسمه، اخاف أن أغفل عن أي حركة تقومين بها "
نظرت له روز قبل أن تضحك وهي تخرج دفترها مشيرة له ألا يتحرك، ورغم تعجبه إلا أنه فعل ما طلبت يراقب أناملها تتحرك على الورقة بدقة وهي كل ثانية وأخرى تنظر له، ليستوعب هو أنها تصوره؛ لذلك اعتدل في جلسته يضع قدم على الأخرى وهو يتخذ وضعية مضحكة، ينتظر أن تنتهي هي .
مدت روز يدها بعد دقائق برسمتها التي استغرقت منها عشر دقائق تقريبًا وهي تكتب أسفلها اسمها وكأنها رسام محترف، تنظر لجايك ببسمة وهي تراقب ردة فعله، مد جايك رأسه يرمق رسمتها قبل أن يفتح فمه بانبهار يصفق بقوة :
" يا فتاة، جيد أن دافنشي مات قبل أن يرى منافسة قوية مثلك على الساحة "
ابتسمت روز له بخجل كبير، ليضم هو رسمتها وهو يقول بتفكير جدي :
" افكر في أن ابني لكِ مرسم جوار خاصتي، أو يمكنني مشاركتك مرسمي الخاص إن اردتِ "
أنهى حديثه وهو يبتسم لها بسمة لطيفة جعلتها تضحك بقوة، نهض جايك من جوارها وهو يقول بحنق :
" حسنًا هذا اقوى من قدرة أصابعي على التحمل، أبقي هنا سوف احضر لوحة كبيرة وارسمك "
راقبت روز رحيله ببسمة عاشقة وهي سعيدة أنه عاد مجددًا لطبيعته بعد تلك الغمامة السوداء التي غيمت عليه منذ ساعات، عاد جايك بسرعة وهو يحمل لوحة كبيرة يقول ببسمة واسعة :
" خذي راحتك زهرتي فـ أمامنا ليلة طويلة حتى ننتهي من الرسمة "
_____________________
يده تعانق يدها وكأنه يخشى أن يتركها فتتلاشى من بين يديه، ذقنه يستند على قبضته التي تضم خاصتها، وعينه لا ترتفع من على وجهها الحبيب الساكن بشكل يؤلم قلبه :
" روما حبيبتي اشتقت إليكِ "
صمت ثم قبل يدها برقة هامسًا :
" الطبيب أخبرني أن سبب سوء حالتك هو التأخر في حصر السم، هل كنتِ تعانين بصمت بعيدًا عني ؟!"
صمت قليلًا ثم أردف بوجع وقهر :
" أنتِ أنانية روما، ماذا كان سيحدث إن ظهر شيء واخرني عن الصعود للغرفة ؟؟ آلمتِ قلبي بشدة هذه المرة روما، لكن لا استطيع الغضب منكِ، وكيف افعل وانبذ موطني "
ابتسم بخفة وهو يداعب خصلاتها :
" لأول مرة أسقط مثل هذه السقطة القوية روما، لقد حطمتي كل الاسوار الشائكة التي أحاطت بي، دمرتي كل جبالي، لكنني لستُ حزينًا لأجل ذلك، فإن لم تلن جبالي امامك، فامام من ستفعل ؟!"
شعر انطونيو أثناء حديثه بأصابع روما تتحرك بين يديه، ابتسم بسمة صغيرة وهو يضغط أكثر على يدها، فهي منذ ساعات وهي تستجب له بهذا الشكل وكأنها تخبره أنها معه وتسمعه، وقد أخبره الطبيب حينما هرع له اول مرة تحرك بها أصابعها، أن الأمر عادي وكل هذه بدايات استفاقة يصدرها جسدها، وهذا أمر جيد لها، رفع انطونيو يوجه نظره لسيرينا التي سقطت في النوم على الأريكة، يبتسم بسمة صغيرة، ثم أخرج هاتفه من جيبه والذي أعطاه له مارسيلو قبل الرحيل، وضع الهاتف على الطاولة جوارها، يشغل فيديو صغير لهما أثناء قضاء شهر العسل حينما كان يصورها وهي تعزف له في ليلة هادئة وعلى ضوء القمر، ابتسم وهو يستمع للحنها يخرج من سماعة هاتفه يخترق قلبه بقوة، ثم استند برأسه جوار جسدها يراقبها بحب وصوت ضحكاتهما وعزفها يأتيه عبر الهاتف .
" عودي لي روما، أنا الآن مشرد بدونك "
انتبه أثناء ذلك لتوقف الفيديو وسماعه صوت رنين يوحي بوصول رسالة له، رفع عينه ببطء يرمق تلك الرسالة التي ظهرت له وسط شاشته وكانت من مارتن ( لقد كنت محقًا انطونيو، وصدق شكك، غدًا سوف انتهي من كل ذلك، انتظر مني رسالة بكل التفاصيل، اعتني بنفسك وبروما اخي )
ارتسمت بسمة مخيفة على فم انطونيو وهو يزيد من ضغطه على يد روما دون شعور هامسًا بشر :
" نهايتك ستكون على يدي أنا .........."
_____________________________
كانت ماتزال تبكي منذ تركها ماركوس، لم تتوقف عن البكاء أو تتحرك من مكانها، إلا عندما ذهبت لتتأكد من حالة أيان، ثم عادت تجلس جوار ادم والذي يبدو أنه يغط في نوم عميق بسبب الإرهاق الذي تعرض له .
" عندما جئت للجامعة ورأيتك كيف كنت تتعامل مع الجميع بلطف وهدوء وتعقل، انجذبت إليك دون الشعور بشيء، هكذا ودون أي مقدمات، لكنك وقتها كنت احمقًا مغرورًا "
صمتت هايز قليلًا وهي تسمح دموعها مرددة بحنق شديد ترمق وجه ادم :
" ومازلت احمقًا، لكن احمق لطيف، منذ عدت لحياتي، وأنا لا أستطيع العيش بشكل طبيعي دون التفكير بك، أنت يا ادم أكثر الأشخاص حقارة في حياتي، لقد عانيت بسببك كثيرًا أيها المغرور "
أنهت حديثها وقد بدأ الغضب يتسرب لاوردتها فجأة مما عانته بسببه لتبدأ في التحدث بغضب :
" مغرور غبي، تدعي الثقل فقط لأركض خلفك ؟! "
صمتت تضيف بغباء :
" حسنًا لقد ربحت وكنت اركض خلفك بالفعل، لكن ليس كثيرًا فقط أو اثنتان، انا اكرهك آدم ايها المتكبر الـ "
" هناك سلاح في ثيابي هايز يمكنك قتلي به وتخليصي من ضوضائك تلك، إن كنت حقيرًا ومغرورًا ومتكبرًا بهذا الشكل، لِمَ مازلتِ جالسة هكذا دون أن تخنقيني وتريحي العالم مني، يا فتاة أنت ناكرة للجميل "
ابتلعت هايز ريقها وهي تردد بصدمة :
" منذ متى وأنت تستمع لي ؟!"
" منذ بدأتِ الحديث وبدأتِ سبي، اعتقدت أنكِ ستغازلينني؛ لذلك ادعيت النوم، لكن يبدو أن لسانك هذا يحتاج للبتر هايز"
لوت هايز شفتيها بخجل من حديثه وهي تقول مبررة لنفسها :
" كنت على وشك الشكر بك ومغازلتك اقسم، لكنك لم تمنحني فرصة "
" أي فرصة تلك ؟! اشعر أنني لو امهلتك دقيقة إضافية، كنتِ سنهضين وتكسرين تلك الأجهزة فوق رأسي "
صمتت هايز بخجل منه ومن حديثه، قبل أن تقول بهدوء :
" لا تظلمني هكذا ادم، يكفي أنني تحدثت عن مشاعري تجاهك منذ بداية معرفتي لك "
" اه عندما كنا بنفس الجامعة وكنت مغرورًا ؟! نعم سمعت، اذهبي بعيدًا عن وجهي هايز قبل أن انهض أنا واريكِ ادم جديد، ادم الوقح الذي لم يعرف يومًا لباقة أو احترام "
نهضت هايز من على المقعد بسرعة وهي تقول بصدمة من حديثه :
" هل أنت غاضب مني ادم؟!"
ردد ادم بسخرية لاذعة وهو يعتدل في جلسته :
" لا ياقلب آدم لستُ غاضبًا، ثم أنتِ لم تفعلي شيء يستدعي غضبي "
سارعت هايز بالتحدث :
" هذا ما احاول قوله منذ استيقظت، أنا لم أفعل شيء يستدعي غضبك ادم "
نظر لها ادم ثواني قبل أن يمسك زجاجة مياه جواره بتعب وهو يرفعها حتى يلقيها في وجهها، لولا أنها صرخت وهي تركض للخارج برعب، تردد :
" سوف اذهب لارى أيان"
رمق ادم رحيلها بحنقؤ قبل أن ترتسم بسمة صغيرة على فمه يتنهد بتعب هامسًا :
" تبًا لكِ هايز "
_____________________________
تحرك مايك صوب البهو وهو يجيب على المكالمة بسرعة قبل أن تنتهي، يحاول تنظيم أنفاسه حتى لا يظهر لهفته لها ويدعي الثقل :
" مرحبًا "
" واخيرًا، أنا أتصل بهاتفك منذ ساعة تقريبًا "
ابتسم مايك بسمة صغيرة ثم قال بجدية :
" عفواً كنت مشغولًا بعض الشيء، كيف حالك آنسه لورا ؟!"
أبعدت لورا الهاتف عن أذنها بتعجب لتلك النبرة الجادة المتعقلة التي يتحدث بها معها، هل هو جاد حقًا ؟!
" هل ازعجتك ؟!"
" لا، لا بأس يمكنني أن اقتنص بعض الدقائق لكِ من بين جدولي المزدحم "
ابتسمت لورا بسمة صغيرة محرجة وهي تقول له وعينها تستقر على القصر الخاص به :
" في الحقيقة أنا هنا، اقصد أنا أمام القصر، لكن هناك بعض الحرس يرفضون ادخالي، وأنا كنت احتاج للتحدث معك في أمر هام "
فتح مايك فمه بصدمة وهو يتحرك بأقدام سريعة خارج القصر يردد بعدم تصديق :
" أنتِ هنا الآن؟! هل حدث شيء خطير !!"
أنهى حديثه وهو يسرع أكثر صوب البوابة يشير للحرس الذين احضرهم مارتن مرة أخرى بأمر من انطونيو، بعدما كانوا تخلوا عنهم سابقًا، تحرك مايك صوب الخارج يبحث بعينه عن سيارتها ليراها تلوح له، اتجه لها بخطوات هادئة متزنة بينما هي خرجت من سيارته وهو تبتسم له بسمة صغيرة :
" اعتذر إن تسببت في ازعاجك سيد مافو ؟!"
انتزع مايك الهاتف من على أذنه وهو يدسه في جيبه يمد يده قائلًا ببسمة صغيرة :
" لا لا بأس، مرحبًا "
بادلته لورا التحية وهي تردد ببسمة صغيرة متوترة :
" مرحبًا "
صمتت لورا وهو صمت ينتظر أن تتحدث بما جاءت لأجله في هذا الوقت، يحاول أن يفكر في سبب قد يجعلها تبحث عنه وتتصل به وتأتي له، لكن وصلته الإجابة دون أن يُرهق عقله في التفكير أكثر وهو يراها تضم حقيبتها لها بتوتر :
" أنت مافو صحيح ؟!"
رفع مايك حاجبيه بتهكم :
" ماذا هل اكتشفتِ مافو آخر؟!"
ابتلعت لورا ريقها وهي تهز رأسها بلا تقول بجدية :
" أعني أنت مافو ولذلك يمكنك تصميم فساتين جميلة صحيح ؟!"
ابتسم مايك بسمة صغيرة وهو يستمع لحديثها يميل بوجهه بعض الشيء مجيبًا إياها:
" نعم اعتقد ذلك "
" إذن أريدك أن تصمم فستان لي، خصيصًا لي أنا فقط، هل تستطيع ؟؟"
فتح مايك عينه بصدمة من اندفاعها بهذا الشكل لا يفهم نبرتها التي تحدثت بها، لكنه رغم ذلك هز رأسها بهدوء وهو يقول بجدية بعيدًا عن أي مزاح :
" حسنًا اعتذر لكِ لورا، لكنني هذه الفترة لا استطيع تصميم أي شيء حتى أنني لا أذهب للمكتب و "
توقف فجأة عن الحديث وهو يرى انفجار لورا الصادم في البكاء وهي تتحدث من بين شهقاتها :
" لا لا ارجوك، أنا سأدفع لك ثمنه، سأعطيك ما تريد "
صدم مايك من ردة فعلها، فهو لم يخبرها شيء يستحق البكاء، لكن لورا بكت وهي تتخيل فشلها المتكرر، وها هي تفشل فيما تفاخرت به أمام الجميع، الآن سيتأكد الجميع أنها كاذبة، وكل هذا خطأها لأنها تسرعت وقالت ما قالت لماليكا .
مسحت دموعها وهي تقول وشهقاتها تصعب أمر فهمها على مايك :
" صدقني سوف ادفع لك ضعف ثمن الفستان "
" لورا هل تعلمين سعر اقل تصميم اقوم به ؟!"
هزت لورا رأسها بلا وهي تفتح حقيبتها تقول بجدية كبيرة ماسحة دموعها :
" لدي الآن ألف فقط يمكنك اخذها وعند الاستلام سوف أعطيك باقي حسابك "
نظر مايك بيدها وهو يمسح وجهه بتعب ثم ضم قبضتها على الأموال وهو يردد بجدية :
" احتفظي باموالك لورا، أنا لا أتحدث في أموال هنا، ولن أخذ منك شيئًا "
نظرت له لورا ثواني وهي تتجهز للدخول في نوبة بكاء أخرى تتخيل نظرات الجميع لها، ونظرات والدتها حينما تجدها قد عادت دون فستان قيم :
" سوف أعلمك العربية، ما رأيك ؟! سوف أعلمك كل شيء "
ابتسم لها مايك بسمة صغيرة وهو يرى إصرارها ذلك، لكنه لم يبدي موافقته أو رده وهو ينحني لها شاكرًا إياها بلطف :
" ريتها امك خلفت كلب وما خلفتك "
فتحت لورا فمها ببلاهة وهي تردد :
" ماذا ؟!"
" اشكرك على عرضك المغري، واريكِ أنني تلميذ نجيب لن يرهقك في تعليمه اللغة، فها أنا تعلمت الكثير منكِ "
رمقته لورا بفم مفتوح وهي تحاول عدم اظهار صدمتها من حديثه :
" توقف عن هذا يا رجل، توقف "
ابتعد مايك عنها بتعجب من صياحها ذلك وهو يردد بعدم فهم :
" هل قلتها بشكل خاطئ؟! غريب لقد حفظتها بشكل متقن، ربما فاتتني كلمة أو ماشابه"
ردد كلماته وهو يفتح هاتفه ليراجع التسجيل الخاص بلورا حينما كان يحدثها لولا يد لورا التي امسكت الهاتف وهي تقول ببسمة واسعة :
" هل وافقت ؟!"
نظر لها مايك ثواني قبل أن يبادلها البسمة وهو يهز رأسه :
" كنت سأوافق على أية حال، حتى بدون ذلك العرض السخي و...."
وتوقف عن الحديث وهو يشعر بلورا تعانقه بقوة مرددة بسعادة كبيرة :
" شكرًا كثيرًا أنت افضل مافو في هذا العالم "
كان مايك ينظر لها بصدمة مما فعلت وهو مازال لا يستوعب ما حدث، لكن فجأة شعر بالهواء يضربه بعدما كان دافئًا منذ ثواني، يراقب لورا التي صعدت لسيارتها وهي تقول بسعادة ملوحة بيدها من السيارة، تشعر بالانتصار لاول مرة منذ فترة طويلة، والسعادة تتغلغل لها بقوة :
" شكرًا لك مافو، ريتها امك خلفت كلب ولا خلفتك "
لوح لها مايك بعدما خرج من صدمته وهو يقول ببسمة واسعة وصوت عالي :
" العمى بقلبك لورا ..."
وكان كل ذلك تحت مرأى ومسمع من آدم الذي توقف بسيارته أمام البوابة وتجلس جواره هايز، يرمق الاثنين بصدمة، لا يصدق مقدار الغباء الذي يستوطنهما، يسبان بعضهما بكل سعادة ورضا نفس .
" آدم هل أنت بخير ؟! لِمَ توقفت فجأة ؟!"
هز ادم رأسه وهو يقول لا شيء ثم تحرك بسيارته للداخل يردد بسخرية :
" احمقان "
_______________________________
كانت تجلس على المقعد في المركبة التي استأجرها ليقضي معها يوم آخر كذلك الذي قضوه بمجرد وصولهم لمصر، لكن هذه المرة كان هو قائد السفينة ورفض وجود شخص آخر .
ابتسمت رفقة وهي تلمح الطاولة التي كانت تستقر في منتصف السفينة تحوي أصناف كثيرة من الطعام، حركت عينها لجاكيري الذي خرج لتوه من مكان القيادة، يتجه نحوها وهو يحمل مكبر صغير على شكل اسطوانة ووضعه على الطاولة وهو يغمز لها مشاكسًا :
" والآن صاحبة الشعر المجعد، سوف اؤدي لكِ الأغنية الأولى في حياتنا كزوجين، لقد سهرت طوال الليل اختار الأغنية بعناية واحفظها لأجل عينيكِ جميلتي "
ابتسمت رفقة بحب وهي تكاد تدمع من لطفه، رأته يمد يده ويشغل الأغنية على هاتفه الذي سبق وأوصله بالمكبر، لتصدح كلمات الأغنية العربية في المركبة، فتحت رفقة فمها بصدمة تستمع لكلمات الأغنية وترى جاكيري يغنيها بكل سعادة وهو يشير لها مع كل كلمة وكأنه يخبرها أن تلك الكلمات موجهة لها .
ولم تكن الأغنية التي قام جاكيري باختيارها بكل عناية إلا اغنية ( سو يا سو حبيبي حبسوه )، وكان جاكيري محقًا حين اخبرها أنه أخذ ليلة طويلة ينتقي اغنية مناسبة، فلا تعتقد أن هناك اغنية تناسب حالتها أكثر من تلك الأغنية .
انفجرت رفقة بالضحك وهي ترى جاكيري يشير لها وهو يغني بهيام وعيونه تشع بالحب، وكأنه يغني لها اكثر الكلمات رومانسية وليس اغنية عن حبسها، ورغم أن جاكيري لم يفهم سبب ضحكاتها إلا أنه اتجه لها يمسك يدها وهو يجذب لتشاركه الاحتفال، بينما هي لم تكن تستطع أن تقف على قدمها من كثرة الضحك :
" يا اخي أنت لو قاصد تذلني مش هتختار الأغنية دي "
أنهت كلماتها وهي تنفجر في الضحك وهي تراه يحرك جسدهما مع الموسيقى معتقدًا أن ضحكاتها تلك سعادة :
" هل اعجبتك الأغنية لهذه الدرجة رفكة ؟!"
ازدادت ضحكات رفقة أكثر وهي تهز رأسها بنعم مرددة من بين أنفاسها اللاهثة :
" اغنية معبرة حقًا جاكيري، يمكنك أن ترقص عليها أمام سجني عندما يتم القاء القبض علىّ "
انكمشت ملامح جاكيري بحنق وهو يقول مستاءًا من تلك الكلمات :
" لا تذكري أمر سجنك رفكة، فهذا لن يحدث طالما أنا حي، ثم ما علاقة اغنية شاعرية كتلك بسجنك ؟!"
ضحكت رفقة وهي تقول بصعوبة :
" هل تعلم معنى كلمات تلك الأغنية ؟!"
" لا، لكنها تحتوي كلمة حبيبي؛ لذلك خمنت أنها رومانسية، فأنا أعلم أن كلمة حبيبي رومانسية هنا، كما أنها لنفس المغني السابق الذي رقصنا على أغنيته "
إجابته رفقة بعدم تصديق لمنطق اختياره الاغاني :
"يعني ما نص اغاني مصر مليانة حبيبي، ومن بين كل الاغاني اخترت دي، ونعم الاختيار فعلًا "
صمتت تحاول تنظيم أنفاسها التي هلكت بسبب الضحك :
" جاكيري حبيبي هذه الأغنية كان يغنيها أحد الرجال لحبيبته بعدما تم سجنها"
فتح جاكيري فمه ببلاهة ثم أشار لمكبر الصوت وهو يقول بعدم فهم :
" هذه الأغنية ؟!"
هزت رفقة رأسها بنعم وهي تستمع جملته المصدومة :
" هذه الموسيقى الحماسية واللطيفة لأن حبيبته تم سجنها؟! أليس من المفترض أن تكون الموسيقى أكثر حزنًا وكلماته أقل حماسة من هذا ؟! هل كان يشمت في حبس حبيبته ؟!"
ضحكت رفقة من تحليله ذاك وهي تضم وجهه بحنان بين كفيها تهمس له :
" انظروا لهذا الرجل، هل يوجد من هو الطف منك ؟! "
ابعد جاكيري يدها من على وجهه وهو يوقف الأغنية بفم مذموم، ثم رفع المكبر وهو يلقي به في النهر بحنق كبير، وقد ضاق لأنه كان يغني تلك الكلمات لها منذ قليل، راقبت رفقة ما يفعل بصدمة، لتجده يعود لها وهو يقول ببسمة صغيرة :
" لا بأس انسي تلك الأغنية السخيفة، أنا سوف اغني لكِ "
فتحت رفقة عينها بانبهار وهي تهمس :
" تستطيع الغناء ؟! "
" لا، لكنني سأحاول لأجلك، هيا اجلس ودعيني ابدأ "
جلست رفقة على الطاولة بحماس وهي تراقب بأعين شغوفة حركات جاكيري الذي استقر أمامها على المقعد وهو يمسك يدها بحنان شديد، يرمق عينها بحب، ثم بدأ الغناء لها إحدى الأغنيات الإيطالية التي يدرك جميع معانيها جيدًا ويعلم كل كلمة، ورغم أنه لم يجرب سابقًا، إلا أن صوته كان أكثر من رائع وهناك بسمة واسعة ترتسم على وجهه .
امتدت يده تحيط وجه رفقة في حنان شديد يقترب بوجهه منها وهو يستقر بعينه على شاطئ عينها، وقد اعتزل الأبحار، بعدما وجد مرساه بين عينها، شعرت رفقة برغبتها في البكاء حبًا لذلك الرجل، وقلبها يهدر بحبه .
ودون شعور منها بدأت رفقة تكرر معه كلمات تلك الأغنية التي كانت المفضلة لها في وقت دراستها للايطالية، الأغنية الاكثر حالمية بالنسبة لها، تُوجه لها الآن من الرجل الاكثر حنانًا في العالم .
انتهى جاكيري من أغنيته وهو ينظر لعين رفقة مرددًا :
" اعشقك ايها الأملس "
انتهى من كلماته التي جعلت رفقة تفتح فمها بعدم تصديق أنه مازال يتذكر اول لقاء لهما في ذلك المحل حينما أخذ دورها، وبعدها حدث الهجوم على المحل لأجل الامساك بها، ثم أخذ يصفها بالاملس لأنها كانت قد نسيت لحيتها ذلك اليوم .
ضحكت رفقة وهي تردد :
" هل مازلت تتذكر ؟! كم كنت لئيمًا يومها يارجل "
ابتسم لها جاكيري وهو يربت على وجنتها بإصبعه :
" لم انس أي لحظة بيننا، وخاصة تلك التي شاهدتك بها تنزعين باروكة شعرك وتصبين شلالاتك الحريرية السوداء في بحيرة قلبي الجافة "
دمعت عينه رفقة وهي تنهض ملقية جسدها بين أحضانه التي تقبلتها بكل سعادة، يدفن وجهه بين شلالاتها الحبيبة وهو يتشدق بحب :
" ولم أدرك سوى الآن أن راحتي تقبع هنا بين ذراعيكِ يا ذات الشعر المجعد "
__________________________
كانت عين روبين تستقر بكل جدية على الطاولة التي تقبع بين لولو وفبريانو وعليها بعض اوراق الالعاب المعروفة ( كوتشينة ) فقد تحدت لولو فبريانو أن ينتصر عليها في هذه اللعبة التي لا يعلم عنها فبريانو شيئًا، لكنه وافق مقابل أن ينفذ شرطه من تلك اللعبة أن انتصر عليها .
تحدثت لولو ببسمة ماكرة وهي تسحب جميع الأوراق أمامها بعدما فازت في تلك الجولة أيضًا:
" افتكر اني لو فوزت فأنت هتجيب ليا سماعة زي اللي مع البت روبين دي، بس هتجيبها ليا بيبي بلو عشان الاسود شكله مش حلو "
حدق فبريانو في أوراقه بكل خبث وهو يردد بجدية كبيرة :
" وأنتِ ستدعينني اقتلك إن فزت "
استدارت روبين تنظر له بصدمة وهي تردد :
" فبريانو ..."
" ماذا ؟! لقد اتفقنا قبل اللعب "
ابتسمت لولو باستهزاء وهي تراقبه على وشك الخسارة :
" سيبيه يا روبين قال يعني هيفوز اوي "
ابتسم فبريانو بمكر وهو يضع ورقة له على الطاولة يردد بعيون باردة :
" لا تستهيني بخصمك أبدًا لولو "
فتحت لولو عينها بصدمة وهي ترى فبريانو يسحب جميع الأوراق من أمامها بشكل شعرت به روبين أنه سيؤدي لاصابتها بجلطة، لكن فبريانو لم يهتم وهو يخرج سلاحه يجهزه، ثم وضعه على الطاولة جوار أوراقه، وهناك بسمة بريئة ترتسم على وجهه، بينما روبين لا تصدق حقًا ما يفعل .
نهضت روبين فجأة من مكانها وهي تسحب يد فبريانو بسرعة قبل الجولة الأخيرة التي قد تنتهي بقتل جدتها بسبب لعبة غبية :
" فبريانو هيا سوف اوصلك لمنزلك "
تشنج فبريانو وهو يردد بسخرية :
" حقًا وهل سأخاف الذهاب للمنزل وحدي ؟! "
ابتسمت له روبين تحاول أن تلين قلبه بملامحها البريئة :
" مش عايز نتمشى سوا ؟! يعني هو قتل لولو احسن عندك من أننا نتمشى سوا !؟"
نظر لها فبريانو بتفكير، ثم حول نظراته لـ لولو التي كانت ما تزال تولي كامل اهتمامها للأوراق في يدها، لتجد فجأة أن فبريانو يلقي باوراقه أمامها وهو يقول ببرود :
" لقد مللت من اللعب، نجوتِ هذه المرة لولو "
نظرت لولو له وهي تراه يتحرك للخارج مع روبين التي كانت تجذبه قبل أن يغير رأيه، لوت لولو فمها بسخرية وهي تردد :
" اهرب يا جبان، صبرك عليا يا بيومي، المرة الجاية مش هتكون سماعة بس، ده أنا هخليك تجدد ليا عفش البيت كله "
ضحكت روبين بقوة وهي تجذب فبريانو بقوة تمنعه من العودة لـ لولو، وهي تتحرك معه خارج المنزل، تتحرك معه صوب شقته التي استأجرها في نفس الشارع الذي تقطن به مع جدتها، تنظر له كل ثانية والأخرى وهي تحاول أن تكتم ضحكتها على حنقه الواضح لأنها منعته من قتل لولو، وكأنه طفل منعته والدته من اللعب في الوحل .
" بكرة عندي تدريب، اتنقلت لفرقة البنات "
وها هي تنجح في جذب انتباهه لها، وهو ينظر لعينها بكل جدية مرددًا :
" اهم شيء بالنسبة لي روبين هو ألا تكوني حزينة لأجل هذا الأمر، إن اردتِ العودة لفرقتك القديمة يمكنك ذلك "
ابتسمت روبين بحنان ولم تكد تجيبه، حتى سمعت صوته المخيف يردد :
" بعدما اقتل جميع الرجال بها "
فتحت روبين فمها بصدمة وهي تنتوي الصراخ به أن يتوقف عن حديثه الدائم عن القتل، لكن ما كادت تفعل إلا وسمعت صوت حانق حاد يأتي من خلفها :
" مش ده الراجل اللي ضربك يا سامي "
شعرت روبين بتصلب جسد فبريانو وهو يتسمع لتلك الكلمات، وهناك بسمة مخيفة ارتسمت على فمه وكأنه للتو وجد متعته الخاصة التي ستعوض خيبة أمله لما حدث منذ ثواني مع لولو، لكن لم تعطه روبين فرصة التفكير حتى في الإقدام على اي شيء حيث أمسكت يده وهي تجذبه بقوة مباغته إياه صارخة :
" اجري يا فبريانو "
لم يشعر فبريانو سوى بجسده يتحرك خلفها وهو يقول بغيظ كبير :
" مهلًا أنا أريد التشاجر معهم "
" دول كتير مش شايف ؟!'
" لا يهمني، جيد أنهم اجتمعوا حتى أتخلص منهم جميعًا، ليتوقفوا عن الحوم حولك "
نظرت له روبين وهي تركض بكل ما تملك من قوة تصرخ بغضب :
" يحوموا مين، مفيش حد بيحوم ولا حد يعرفني اساسا هنا "
نظر لها فبريانو بحنق ثم صرخ :
" تكذبين ؟! لقد أخبرتني لولو بكل شيء، الجميع هنا يحوم حولك، وانا لا اسمح بهذا روبين "
جذبته روبين لإحدى الطرق الجانبية وهي تدفعه صوب الجدار حتى تخفي جسده، تضم خصره بين يديها، تخفي وجهها في صدره تدعي ألا يراهم سامي وجماعته التي تُعرف بالعنف في المنطقة كلها .
" لا تصدر صوتًا ارجوك "
لكن فبريانو لم يكن ينتبه سوى لاحتضانها إياه بتلك القوة، يشعر بجبال برودته تذوب أسفل جمرات لمساتها، ابتلع ريقه وهو يقول بجدية وصوت اجش :
" لقد رحلوا "
أبعدت روبين رأسها ببطء عنه وهي تنظر حولها تستوعب الهدوء الذي غرقوا به، تتنفس براحة شديدة مبتسمة غير واعية بنظرات فبريانو لها، ثم تحركت ببطء صوب بداية الزقاق، تمد رأسها تفحص المكان حولها قبل أن تبتسم بسعادة وهي تستدير لفبريانو هامسة براحة :
" توهناهــ "
ولم تكمل كلماتها بسبب جذب فبريانو لها بقوة وهو يدسها بين أحضانه، يحبط مقاومتها الناتجة عن صدمتها يهمس لها بصوت خافت :
" ابقي هكذا روبين، لبعض الوقت فقط ارجوكِ "
توقف جسد روبين عن التحرك وهي تبتلع ريقها وقد بدأ هدير قلبها يعلو ويعلو حتى كاد يصم أذنها، تنظر في وجه فبريانو بتعجب، لكن فبريانو لم يهتم وهو يزيد من ضمها مرددًا بحب :
" أنا اتنفس بوجودك فقط روبين "
ابتسمت له روبين بسمة صغيرة ثم أخذت تربت على ظهره بحركة تلقائية من يدها دفعت البسمة لوجهه وهو يشعر كما لو أنها تربت على طفل صغير .
ومن بعيد وخارج الزقاق كان ما يزال يقف بثياب تنافس الليل سوادًا وهو يحمل هاتفه واضعًا إياه على أذنه مرددًا بجدية :
" نعم سيدتي مازال معها ......سأنفذ بمجرد رحيله عنها "
________________________________
صباح اليوم التالي :
يرمق ساعة يده بحنق شديد وقد بدأ يشعر باليأس، فها هو يجلس عند نفس الإشارة التي قابلها فيها مرتين، منذ ما يقارب الثلاث ساعات، ينتظر أن تظهر له، أو يراها حتى يجذبها من أذنها ويجرها معه للمنزل .
دفن ماركوس وجهه في يديه يحاول ايجاد حل، وطريقة للعثور عليها، فهي لم تسبق وأخبرته بأمر مسكنها السابق، كل ما كان يعرفه هو أنها تعمل عند هذه الإشارة دائمًا وهذا هو الخيط الوحيد الذي يمتلكه حتى الآن.
أخرج هاتفه وهو مازال يمرر عينه على الطريق أمامه، بعدما ترك سيارته على جانب الطريق جلس على أحد المقاعد التي تستقر هناك، وضع الهاتف على أذنه وهو يتحدث مع أخيه :
" هل وصلت للمطار ؟! جيد، متى ستعود إذًا ؟!"
صمت ماركوس يستمع للطرف الآخر، ثم قال بجدية كبيرة :
"حسنًا مارسيلو ارجو ألا تتهور، إن وجدت الأمر خطر كما وصفت لك مساعدتك الشخصية، ارجوك تحدث معي أو مع أي أحد منا حتى نأتي إليك"
نفخ ماركوس بحنق من برودة أخيه :.
" اعلم أنك لست صغيرًا مارسيلو، لكن هذا لــ "
توقف ماركوس عن الحديث وهو يبصر شيء جعله ينتفض من مكانه، متحدثًا بتعجل ولهفة :
" حسنًا مارسيلو اتصل بي بعد وصولك "
ختم حديثه وهو يغلق المكالمة بسرعة راكضًا صوب تلك التي كانت تمر على جميع السيارات ترتدي معطفًا جلديًا مهترئ، نظر بطرف عينه للإشارة وهو يركض وسط الطريق، ثم وعلى حين غرة امسك يد تلك الفتاة جاذبًا إياه بجانب الطريق بعنف شديد جعل الفتاة تصرخ برعب وهي تقاومه ظنًا أنه شرطي :
" لا سيدي أنا لا أفعل شيء اقسم لك، أنا فقط كنت ابيع له بعض الاشياء "
ابتسم ماركوس بسمة خبيثة وهو يترك يدها بعدما توقف جوار المقعد الذي كان يستقر عليه منذ ثواني مرددًا بجدية :
" أين هي فيور ؟!"
" فيور ؟!"
بتعجب شديد همست الفتاة الصغيرة التي كانت تبيع منذ ثواني بعض الاشياء في الإشارة، لكن ماركوس لم يمنحها الفرصة للتفكير وهو يضغط على يدها بقوة صارخًا بشكل مخيف :
" الفتاة التي كانت تبيع أشياء كتلك التي تضعينها في معطفك، هنا في هذه الإشارة "
رمقته الفتاة برعب وهي تحاول التفكير فيما يقصد وما يريد، حتة صرخت وهي ترتجف بين يديه :
" فوفا تقصد ؟! "
" فوفا ؟! أيًا يكن، أين هي ؟!"
" هل أنت شرطي ؟! "
نفخ ماركوس بحنق شديد وهو يجذب الفتاة له اكثر هامسًا من بين أسنانه بعنف :
" أين هي تحدثي ؟!"
بكت الفتاة بخوف وهي تقول من بين أسنانها المرتجفة :
" لا اعلم، لقد اختفت منذ ايام "
ضيق ماركوس عينه بشك :
" هل تحاولين خداعي يا فتاة ؟!"
" لا لا اقسم أنني لم أرها منذ ايام، لقد اختفت بشكل مفاجئ، ارجوك اتركني أنا لم أفعل لك شيء، ارجوك دعني وشأني "
كانت تبكي الفتاة بانهيار ليضطر ماركوس لترك يدها بيأس، تاركًا إياها تركض بعيدًا عنه برعب كبير، بينما هو ينظر لاثرها وهو يفكر في حديثها، إن لم تعد فيور هنا منذ رحيلها معه، أين ذهبت إذن ؟!
تحرك صوب سيارته وفي رأسه مئات الأفكار التي كانت تجعله يشدد الضغط على قبضة يده بشكل مخيف، وداخله يشعر بنيران تكاد تحرقه حيًا، يخشى أن تقوم بشيء تؤذي به نفسها، صعد لسيارته وهو يجهزها للانطلاق، لكن فجأة وجد الباب المقابل له يفتح ويصعد للسيارة صبي صغير يبدو في العاشرة أو أكثر قليلًا يرتدي معطفًا يشبه معطف فيور وتلك الفتاة يردد بقوة لا تلائم عمره :
" هل أنت العم ماركوس ؟! لقد أخبرتني فوفا عنك، أخبرتني أنك ستأتي للبحث عنها "
نظر له ماركوس بعدم فهم قبل أن تتسع عينه بصدمة وهو يستمع لحديث الصغير :
" لقد باع القائد فوفا لإحدى المنازل المشبوهة بعد عودتها مباشرة وهي من أخبرتني أن آتي لانتظرك هنا واخبرك بذلك "
_____________________________________
" وجبة الدجاج ام اللحوم؟! هذه الحيرة التي أقع بها كل مرة اركب طائرة "
زفر مارسيلو بحنق، ينظر أمامه في محالة بائسة لأخذ القرار الأصعب في حياته كلها، بينما جواره كانت عين راسيل مفتوحة بصدمة ويديها تمسك بالمقعد في عنف كبير أثناء إقلاع الطائرة، تشعر بروحها تُسحب بقوة من جسدها، هي تخشى المرتفعات وتخشى تلك اللحظة البشعة، لكن مارسيلو كان جوارها مازال يحاول أخذ قراره، قبل أن ينتفض بانتصار وهو يدير رأسه لراسيل التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار تتمسك في مقعدها كقطة صغيرة تتعلق في مفرش الطاولة حتى لا تسقط :
" ما رأيك أن تطلبي أنتِ لحم وانا دجاج، وإن لم تعجبني اللحم نبدلها ؟!"
لم تبدي راسيل أي حركة تدل على استماعها له، أو اهتمامها بما يقول، بل أغمضت عينها بقوة وهي تتلو بعض الكلمات التي لم تصل له؛ لذلك اقترب بإذنه منها وهو يقول بعدم فهم :
" ماذا تقولين أنا لا اسمعك ؟! هل تريدين سمك ؟!"
همست راسيل باسنان مرتجفة وهي تتمنى لو تنشب أظافرها في وجهه، لكن تخاف أن تترك يدها مقعدها فيطفو جسدها في الطائرة وتسقط وتتأذى _ حسب تفكيرها _؛ لذلك خرجت همستها حانقة :
" ابتعد عني أيها الاحمق "
كان مارسيلو ينحني بوجهه أمام مقعدها وهو يحاول معرفة ما تفعل، وعندما همست بهذا الشكل لم تصل إليه همستها؛ لذلك تحدث بملل :
" حسنًا لا بأس سوف انفذ فكرتي، ونرى أي وجبة هي الافضل "
لكن ما أن انتهى من كلمته لم يكد يرفع رأسه مجددًا حتى وجد يدها تترك مقعدها وتتمسك في رأسه بقوة ، تنحني عليه تعض أذنه بغضب وقهر من برودته تلك، وقد وصلت لأقصى مراحل تحملها لهذا الرجل، ارتفعت صرخات مارسيلو في الطائرة ليجذب بذلك انتباه الجميع، وتسارع المضيفة إليه بمجرد استقرار الطائرة في الهواء بالركض إليهم، ظنًا أن شيء حدث لهم، لكن بمجرد وصولها تصنم جسدها وهي ترى فتاة تعض رجل وهذا الرجل يجذب شعرها بقوة حتى شعرت أن جذور شعر الفتاة ستخرج في يده .
" سيدي، سيدتي هذا لا يجوز ارجوكما "
لكن لم يستمع لهما أحد، واخيرًا تمكن مارسيلو من الابتعاد عنها وهو يجذب رأسها بقوة أسفل ذراعه، يهمس بغيظ :
" سأقتلك يا امرأة "
تحدثت المضيفة بتوتر من الموقف العجيب :
" سيدي ارجوك اترك السيدة هذا لا يجوز "
" ابتعدي من هنا قبل أن اتركها وأمسك رأسك أنتِ، ثم هذه زوجتي لا دخل لكِ بنا "
صرخت راسيل من أسفل يده وهي تحاول نفي حديثه، لولا أنه دفن وجهها في رقبته بقوة يمنعها من الحديث وهو يتحدث بحنية زائفة :
" لا بأس قطتي لا بأس، اعلم أن الحمل صعب عليكِ "
شعرت المضيفة بالخجل وهي تنظر حولها، ثم ابتلعت ريقها وهي تقول بعملية ولطف :
" هل تود السيدة أن أحضر لها أي مشروب يهدئها ؟! ربما عصير ليمون قد يهدأ اضطرابتها ؟! "
" نعم ارجوكِ مشروب غازي كثير الصودا "
" ماذا ؟! لكن سيدي هذا مضر لها "
لوى مارسيلو شفتيه بعدم اهتمام :
" وما شأنها هي، هذا لي أنا "
توترت المضيفة من حديثه وهي تعود للخلف تحاول الابتسام لذلك المختل، حتى تصل للمطار وهناك سوف تبلغ السلطات عنه :
" حسنًا سيدي "
وابتعدت المضيفة، لكن مارسيلو لم يبعد بعد رأس راسيل عنه وهو مايزال يربت على ظهرها بحنان وقد نسي ماحدث منذ ثواني وهو يقول بهدوء :
' كان بإمكانك اخباري أنكِ تخشين المرتفعات "
أتاه صوت راسيل الهادئ وهي تبتعد عنه ببطء مرددة :
" وهل كنت ستدعني وشأني ولن تجبرني على المجئ ؟! "
" لا بل كنت سأحضر عصير ليمون ليهدأ اضطراباتك "
نظرت له راسيل بشر وهي تعض شفتيها بغيظ شديد تتجاهل وجوده حتى تنجو بعقلها في نهاية تلك الرحلة، لا تدري كيف ستمر الايام القادمة وهي رفقة ذلك الاحمق وحدهما .
وبعد ساعات من التحليق استقرت الطائرة الطائرة في مطار روسيا وخرج كلًا من راسيل ومارسيلو، إلى أراضي روسيا، شعرت راسيل بموجة باردة تضرب أوصالها، لتضم الثياب لها بقوة، بينما مارسيلو كان ينظر حوله بحنق يبحث عن الرجل الذي أخبره أنه على وشك القدوم ليقله إلى الفندق، بعدما رفض أن يسكن في قصر العائلة هنا والذي يتم استخدامه في المهمات الخاصة بهم .
توقفت سيارة كبيرة أمام مارسيلو، ونظر له أحد الرجال من النافذة وهو يقول بجدية :
" مرحبًا سيدي، اعتذر عن التأخير "
غامت عين مارسيلو وهو يدقق النظر في ذلك الرجل بلا اهتمام، ثم دفع راسيل لتصعد إلى السيارة وبعدها صعد هو بكل برود يغلق الباب، ثم أشار للسائق بالتحرك، مرت ثواني لتبدأ راسيل في النظر من النافذة وهي تقول ببسمة واسعة :
" روسيا جميلة جدًا، كل شيء ابيض هنا بسبب الثلوج "
ابتسم لها مارسيلو بسمة صغيرة وهو يريح ظهره للخلف يغلق عينه يستعد للنوم قليلًا لولا هزة راسيل له :
" سيدي هل أخبرت السائق بوجهتنا ؟!"
" لا، هو لن يأخذنا إلى وجهتنا على أية حال "
انتهى من حديثه ببرود وهو ينظر لجسد السائق الذي تصلب، لكن أخرجته راسيل من كل ذلك وهي تردد بعدم فهم :
" ماذا ؟! لكنني أكدت الحجز قبل الصعود للطائرة ؟! هل قررت تغيير المكان سيدي ؟!"
هز مارسيلو رأسه بلا وهو يعود للخلف يبتسم بسمة مخيفة :
" لا لم أفعل شيئًا، أنتِ تعلمين أنني أكثر كسلًا من فعل ذلك "
" إذًا ؟!"
" نحن مخطوفان عزيزتي، هذا ليس سائقي الشخصي "
فتحت راسيا عينها بفزع ولم تكد تبدي أي ردة فعل، حتى وجدت السائق يخرج سلاحًا بسرعة كبيرة، لكن وقبل أن يرفع هو سلاحه، كان سلاح مارسيلو يستقر على رأسه، وهو يقترب برأسه من السائق هامسًا بشر جعلها ترتجف من نبرته وهي تتساءل كيف عبر من المطار بسلاح من الأساس :
" من يظنني سيدك ؟! هل سألت عني قبل أن تلاعبني بهذا الشكل ؟!"
___________________________
خرج من المرحاض وهو يتجهز حتى يذهب ليقل روبين إلى تدريب الرقص الخاص بها ويجلس رفقتها يراقبها كما اعتاد أن يفعل، تحرك فبريانو صوب خزانة ثيابه، يقف أمامها بحيرة يحاول أن يقرر ما سيرتديه، نظر لخزانته التي كانت كل الثياب بها عبارة عن سترات جلدية سوداء و قمصان سوداء، ليس لأنه سوداوي أو ما شابه، بل لأنه لا يجد لونًا ينافس ذلك اللون جمالًا حتى الآن، وعندما يجد سوف يغير وقتها الاسود .
أخرج بعض الثياب يلقيها على الفراش، ثم تحرك صوب هاتفه الذي أعلن وصول رسالة له، يخمن أنها من روبين، حمل هاتفه وهو يتجه صوب المطبخ الخاص به يحضر فطور خفيف له قبل أن ينزل و.....
توقف عن السير وهو يرى رسالة روبين التي تخبره بها أنها ذهبت للتدريبات مبكرًا، حيث تم استدعائها بشكل عاجل، ولم ترد أن توقظه، وكانت تلك الرسالة من ساعتين تقريبًا، لكنها وصلت له الآن فقط .
لوى فبريانو شفتيه بحنق شديد وهو يلقي هاتفه على طاولة المطبخ يخرج زجاجة عصير كبيرة يتجرعها بسرعة حتى ينتهي من هذا الفطور ويذهب ليوبخها فهو منعها من التحرك دونه .
ارتفع رنين هاتفه معلنًا عن وصول رسالة أخرى له، تحرك صوب وهو مازال يحمل زجاجته، لكن توقفت يده في منتصف الطريق وهو يرى رسالة من رقم غريب يحمل صورة تلك المقيتة روزيلا، وجوار الصورة تقبع كلمات صغيرة ( اشتقت لك فابري )، نفخ فبريانو بتهكم وهو يغلق الهاتف ولم يكد يبتعد خطوة حتى أنارت شاشته برسالة جديدة، جعلته يعود للهاتف، يرى صورة لروبين مقيدة على أحد المقاعد واسفل رسالة صغيرة
( كنت أعلم أنك ثقيل؛ لذلك فكرت في أن أعطيك سببًا للتحرك، والآن أنت من ستبحث عني بعدما تجاهلتني،وللمعلومة صغيرتك اعجبت مساعدي الشخصي كثيرًا )
انتهى فبريانو من قراءة الرسالة وعيونه تزداد سوادًا بشكل مخيف، يحمل الهاتف يتصل على الرقم الذي أرسلت منه الرسائل، ليأتيه الرد مباشرة بعد ثاني رنة، ارتسمت بسمة مخيفة على وجه فبريانو وهو يقول بنبرة سواداية :
" ارتدي وجهك العجوز واتسون، فأنا لن اتحمل بشاعة وجهك هذا عندما آتي إليك، وإن وجدت خدش صغير بروبين، اقسم روزيلا أن اجعلك تقبلين قدمي لاقتلك.................."
_____________________________
التراجع...يالها من وصمة عار قد يحملها البعض، لكن صدقني تلك الوصمة التي ستجلب لك العار، ستكون أهون من مواجهتك لهم .
فأنت على مشارف أن تخطو لجحيم، و احذر فلا تدري من أي باب قد يأتي جحيمك........
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل
فصل اليوم بمثابة الفتيل الذي سيشعل نيرانًا جديدة في دفتر الاحفاد، بمثابة الشرارة التي تعلن بداية الحرب، الهدوء الذي يسبق العاصفة .
استمتعوا
الفصل طويل ومليان احداث تعويضًا عن الغياب السابق .
ولا تنسوا الصلاة على الحبيب المصطفى .
________________________
تفاجئ السائق بالمسدس يوجه على رأسه، بينما التصقت راسيل في باب السيارة وهي ترمق ما يحدث بصدمة، تحاول كتم صرخة كادت تفلت منها، ترى يد مارسيلو تضغط بعنف كبير على رقبة السائق الذي ترك المقود يحاول التنفس بضربه ليد مارسيلو الصخرية، لكن مارسيلو ابتسم مقتربًا من أذن السائق :
" هل تعتقد أنني ابله ؟! لقد صعدت للسيارة برغبتي، لكن هذا لا يعني أنني سأسمح لك أنت والاحمق سيدك بأن تتمادوا "
قاوم السائق يد مارسيلو بكل ما يملك من قوة، متجاهلًا أن السيارة الآن تتحرك بلا قائد، لكن مارسيلو لم يهتم لكل هذا، يكاد يخرج روحه بين يديه، لا يهتم لبكاء راسيل في الخلف وهي تصرخ بجنون .
" سنموت، اتركه يقود السيارة، سوف نموت جميعًا "
حاول السائق أن يمسك مسدسه الذي سقط جواره حينما باغته مارسيلو بالهجوم، وكل أفكاره تدور حول قتل مارسيلو ومخالفة أوامر سيده الذي شدد على إحضاره دون أن يصاب بخدش واحد، لكن الآن تحكم به غضبه وأعماه عن أي أوامر، واخيرًا امسك المسدس، ثم رفعه بعنف يضرب به رأس مارسيلو الذي عاد للخلف بقوة وقد برقت عينه بغضب .
ازداد بكاء راسيل وهي تشعر أن موتها يحلق حولها، تلعن اليوم الذي عملت به لدى ذلك الرجل، والذي يبدو خطرًا في هذه اللحظة.
قفز مارسيلو للمقعد الأمامي جوار السائق، يهجم عليه بشكل مرعب يجذب رأسه له، يضربها بقوة في نافذة السيارة لتنبثق الدماء من وجه السائق وصراخ مارسيلو يصدح في السيارة بغضب :
" تعلم أن تعرف من هو خصمك قبل أن تقبل بكل غباء على مجابهته "
جذب رأسه بقوة يقربه من وجهه وهو يهمس ببسمة صغيرة :
" احيانًا لا تعطيك الحياة فرصة لتصحيح الأخطاء، وهذا الخطأ الذي ارتكبته بمحاولتك لاذيتي، لن تملك فرصة لتصحيحه "
أنهى مارسيلو كلمته وهناك بسمة مخيفة ترتسم على فمه، وقبل أن يدرك السائق مقصده شعره فجأة بجسده يندفع بعنف خارج السيارة، ليسقط على الطريق بقوة ولم يعي لشيء سوى بالألم الذي انتشر في أنحاء جسده وبقوة جعلته يغشى عليه منها، لكن وقبل أن يحدث ذلك سمع تلك الجملة التي خرجت من فم ذلك الرجل :
" ابلغ سلامي للغبي الذي ارسلك، وأخبره أنني ربما اكون محامٍ فاشل، لكنني أبرع في اشياء اخرى "
تبع حديث مارسيلو صوت محركات السيارة وهي تتحرك مبتعدة عن الرجل بقوة، كان مارسيلو يقود السيارة وهو يصفر ببرود بينما راسيل تجلس في المقعد الخلفي تشعر بقلبها قد توقف عن النبض، ووجهها شاحب بشكل مخيف، تنظر حولها تحاول أن تقنع نفسها أن ما حدث منذ ثواني كان مجرد تخيلات منها، لكن بالنظر للدماء التي خرجت من رأس السائق على جدار السيارة، انفجرت راسيل في البكاء برعب صارخة :
" أنت أيها المجرم، لقد كدت تقتل الرجل، إن لم تكن قد فعلت بالفعل، أنت قاتل "
ختمت حديثها وهي تفتح النافذة جوارها تصرخ للسيارات التي تعبر جوارها :
" أنقذوني، هناك قاتل هنا "
استدارت تنظر لمارسيلو الذي كان يقود السيارة دون أن يلتفت لها حتى :
" أوقف السيارة، اوقف تلك السيارة قبل أن أتصل بالشرطة واخبرهــ "
توقفت عن الحديث وهي تشعر بجسدها يندفع للامام بقوة بسبب توقف السيارة، ثم وجدت جسد مارسيلو يتحرك من المقعد الامامي ينظر لها نظرات باردة يميل بجسده نحوها، لتغمض هي عينها بقوة وهي تبكي صارخة به أن يبتعد عنها وجسدها ينتفض رعبًا منه، لكن فجأة شعرت بهواء قوي يضرب جانب جسدها، استوعبت فجأة وهي تفتح عينها أن مارسيلو عاد بجسده للخلف حتى يفتح لها الباب فقط .
نظرت للباب بصدمة لا تصدق أنه فتحه لها بهذه السهولة، نظرت له وهي تسأله بعينها إن كان جادًا فيما يحدث ام لا، لكن لم يصدر من مارسيلو سوى بعض الكلمات القليلة :
" هيا أخرجي "
" ماذا ؟! "
" ماذا ماذا ؟! طلبتِ أن أوقف السيارة لتهبطي، وها أنا أفعل، هيا اخرجي ولا تضيعي وقتي "
فتحت راسيل فمها بصدمة وهي تقول بنبرة مبهوتة :
" بهذه السهولة ؟! تتركني في مكان لا اعلم عنه شيء أو اعلم لغته، وتخبرني أن أهبط بعدما استهدفنا ذلك الرجل ؟! هل جننت ؟! ألا مروءة لديك يا رجل ؟!"
" أليس هذا طلبك ؟! "
" حقًا والآن أصبحت تنفذ حديثي ؟!"
نفخ مارسيلو بملل وقد بدأ يفقد صبره :
" ماذا تريدين يا امرأة، أنا لست متفرغًا لتلك الأحاديث "
ربعت راسيل يديها بقوة وهي ترمقه بقوة بينما داخلها يرتجف رعبًا منه :
" اعدني لبلادي كما اخرجتني منها "
ابتسم مارسيلو ببرود وهو يتحرك بالسيارة يتجاهل حديثها الغبي _ من وجهة نظره _ :
" إذن أخبرتني أنكِ حجزتِ لنا في فندق ؟! "
لم تجب عليه راسيل، بل اكتفت بمحاولة أخذ قرار تحسم به الجدال داخل عقلها، لكن صوت مارسيلو اخرجها من شرودها ذلك وهو يهمس بملل شديد :
" اتمنى أن تكون نساء ذلك الفندق جميلات؛ حتى لا اضطر للنظر إلى وجهك طوال الوقت "
فتحت راسيل عينها بصدمة من وقاحته، تشعر بتماديه في الحديث معها، لكنها رغم ذلك لم تجب تساؤله، تحاول أن تبتعد بعينها عنه، وهي تفكر في سبيل للفكاك من الورطة التي تدعى مارسيلو .
____________________________
خرج من شقته يحمل في يده سترته السوداء، ومفاتيح سيارته، يضغط على زر التحكم عن بعده، ثم صعد لسيارته يستقر خلف المقود، وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمه، وكأنه ذاهب لحفل تكريم عن مجمل أعماله، تحرك فبريانو بسيارته من أمام العمارة الخاصة به، وقد كانت قيادته للسيارة في تلك اللحظة أشبه بقيادة جاكيري، حيث كان يتخطى السرعة المحددة بشكل خطير، يخرج هاتفه يضعه أمامه وهو يجري اتصالًا لأخيه .
" مارتن، سوف ارسل لك رقم هاتف اريدك أن تعلم مكان هذا الهاتف "
" هل هو هنا في ايطاليا ؟!'
" لا في مصر "
نظر مارتن بحدة وهو ينتزع مسدسه من يد جولي التي كانت تحمله بسعادة كبيرة وهي تتجهز للذهاب معه للشركة، ابعد عينه عن جولي بعدما رماها بنظرة حادة يقول بينما يفرك جبينه :
" حسنًا لكن هذا سيستغرق وقت أكبر و"
" خمس دقائق مارتن، ليس اكثر "
فتح مارتن فمه يبتسم بعدم تصديق مرددًا بسخرية كبيرة بعدما امسك يد جولي التي كادت تمسك بمسدس اخر من نوع آخر غير ذلك الذي انتزعه منها سابقًا :
" خمس دقائق ؟! هل تمزح معي فبريانو؟! أنا أخذ خمس دقائق حتى اجهز حاسوبي فقط "
لم يهتم فبريانو بحنق أخيه وهو ينحرف بسيارته في أحد الشوارع، وعينه تضيق بشر :
" خمس دقائق مارتن وارى العنوان على هاتفي "
أنهى المكالمة يلقي هاتفه جانبه ثم توقف بالسيارة جانبًا ينتظر أن يرسل له مارتن عنوان الهاتف الذي حدثته منه تلك البشعة واتسون، نفخ بضيق وهو يمسح وجهه يلعن نفسه؛ لأنه تجاهل وجود تلك الحقيرة هنا جواره، تحركت عينه على الهاتف جواره يراقبه بتركيز كبير، ينتظر أن تنير شاشته رسالة تنهي تلك المشاعر داخلة، لكن ما حدث هو أن رقمًا غريبًا اضاء شاشته، رمق الهاتف ببرود لثواني، قبل أن يرفع الهاتف، يضعه على أذنه، لكن فجأة انتفض جسده معتدلًا وهو يسمع صوت روبين تقول ببكاء :
" فبريانو أنت فين؟! الناس اللي هنا بيقولوا كلام غريب "
صمتت روبين قليلًا وهي تنظر حولها ترمق رجلًا ما، ثم همست بحسرة وقهر :
" دول اخدوا السماعة بتاعتي يا فبريانو "
أنهت حديثها وهي تحاول مسح دموعها وشهقاتها تصل لفبريانو الذي كان يضغط على المقود من الجهة الآخر وغضبه يزداد ويزداد، يهمس بنبرة خافته حنونة :
" روبين "
قاطعته روبين عن أكمال حديثه، وهي تقول بجدية كبيرة تنظر حولها للرجل الذي أعطاها الهاتف :
" في واحد هنا عطاني التليفون ده وقالي اقولك على العنوان، وكمان بيقولي أنهم هيقتلوني اساسا كمان نص ساعة "
صمتت ثم قالت بصوت مختنق بالبكاء والشجن يظهر واضحًا في نبرتها:
" كله بسببك أنت، من يوم ما عرفتك وانا بقيت اتخطف اكتر ما بتنفس، وكل مرة بتكون اسود من اللي قبلها "
ختمت جملتها ببطاؤ قد اشتد وهي تفكر أن تلك المرة هي الحاسمة، وسوف تنتهي حكايتها هنا، ولذلك همسات بشجن وحنين :
" فبريانو لو حصل ليا أي حاجة قبل ما توصل، أو لو نفذوا كلامهم وقتلوني اوعى تــ.... "
قاطع حديثها زفرات فبريانو الذي قال بعنف :
" لا تتحدثي بهذه الطريقة روبين لن يحدث لكِ شيء "
" سيبني اكمل كلامي لو سمحت، اقسملك يا فبريانو لو أنا حصلي حاجة وبصيت كده ولا كده على اي واحدة أنا هخلي عفاريتي تعكنن عليك عيشتك كلها أنت وعيلتك نفر نفر، لو عرفت واحدة غيري أنا هخلي روحي تظهرلك وتقتلك سامع "
فتح فبريانو عينه بصدمة من حديثها، وهو من ظن أنها ستتحدث كما يحدث عادة وتخبره ألا يغلق قلبه و يحاول أن يعيش كما هو معها، لكن روبين لم تتوقف عند ذلك وهي تقول بشر جعل فبريانو يبتسم :
" يا انا يا مفيش يا فبريانو"
" العنوان روبين "
تحدثت روبين وهي تنظر للرجل جوارها والذي كان يراقب الجميع يتأكد أن لا أحد ينتبه لما يفعل :
" أنا معرفش العنوان الحقيقة، ممكن تكلم الراجل اللي جابلي التليفون وتسأله، أنا بس كنت حابة اقولك وصيتي لو حصل حاجة "
ختمت حديثها وهي تعطي الهاتف للرجل تشير له أن يتحدث، وهكذا فعل الرجل حينما رفع الهاتف على أذنه يتحدث باحترام .
" مرحبًا سيدي "
" من أنت وما هدفك خلف مساعدة روبين ؟!"
نظر الرجل لروبين نظرة سريعة قبل أن يبعد عينه باحترام مرددًا :
" سيدي أنا أحد رجال السيد انطونيو، وعندما أخبرته بمواصفات الآنسة التي هنا وارسلت له صورتها أعطاني رقمك وطلب مني أن أخبرك بوجودها هنا "
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة وهو يقول بنبرة مخيفة :
" هنا أين بالتحديد ؟!"
_________________________________
ارتدى نظارته الشمسية ينظر لجولي جواره، يراها ترتدي الأسود بشكل مبالغ فيه، وتضع على عينها نظارة تشبه خاصته، نفخ مارتن بضيق وهو يردد معلقًا على ما تفعل :
" ما هذا جولي ؟! لِمَ ترتدين هذه الثياب ؟!"
نظرت له جولي بعد فهم :
" ماذا؟! أنا فقط احاول أن ابدو مخيفة، ثم هكذا أرى الأشخاص الخطيرين في التلفاز "
ابتسم مارتن بسمة ساخرة وهو يخرج من سيارته يتجه صوبها يفتح لها الباب، يمد يده لها وهو يردد بلطف :
" آه صحيح، لهذا شعرت بالخوف حينما رأيتك تصعدين للسيارة جواري ؟! احسنتِ الاختيار حبيبتي "
ختم كلماته وهو يسحبها من يدها بلطف، يسير بها نحو الشركة يردد بجدية حتى لا يعاني ويلات تهورها :
" كما اتفقنا جولي، اريد للأمر أن يبدو عاديًا، لا اريد أي مبالغة في ...."
لكن لم تعطه جولي فرصة اكمال تعليماته وهي تصرخ مشيرة صوب جهة معينة وصوتها يرج جدران المكان حولها :
" أيتها الحقيرة "
نظر مارتن حوله بسرعة يحاول التأكد أن لا أحد هنا في هذا الطابق المخصص لمكاتب الإدارة، ثم تنفس براحة وهو يدرك أن لا أحد انتبه لهم، يركض خلف جولي التي غافلت المساعدة الشخصية لانطونيو وانقضت عليها بشكل جعل الفتاة تصرخ برعب محاولة تخليص نفسها من بين يديها .
" أيتها الحقيرة تتجرأين وتأتين لمنزلنا، ثم تدعين البراءة وأنتِ تعلمين ما ستتسببين فيه ؟! لعنة الله عليكِ يا حقيرة "
أنهت حديثها وهي تسقط الفتاة ارضًا وقد بدأت صرخاتها تعلو بشكل مثير للإنتباه؛ لذلك تدخل مارتن وهو يحاول جذبها بقوة من فوق الفتاة. متحدثًا بغضب من بين أسنانه :
" توقفي جولي، سوف تقتلين الفتاة "
لكن جولي لم تتوقف وهي تنقض على الفتاة بغضب مخيف، تتذكر تلك اللحظات التي عاشتها أثناء وجود روما داخل غرفة العمليات، لحظات جحيم عاشتها وهي ترى العائلة على وشك الانهيار بسبب ما حدث لها ولانطونيو .
بكت الفتاة أسفلها وهي تحاول الاستنجاد منها :
" ابتعدي عني، ما الذي تتحدثين عنه أيتها المجنونة؟! أنقذوني، النجدة لينقذني أحد "
تمكن مارتن من جذب جسد جولي له بقوة وهو يضم جسدها له بقوة كبيرة، يحاول أن يتحكم في غضبها، بينما اصوات اقدام تنبأه لقدوم الموظفين بسبب الصرخات التي تخرج من الفتاة وجولي، وبالفعل خلال ثواني امتلئ الطابق بالاعين الفضولية والجميع يتساءل عما حدث .
بكت الفتاة بقوة وهي تنهض ارضًا تستنجد بالجميع :
" تلك الفتاة المتوحشة كادت تقتلني، ارجوكم ساعدوني "
حاولت جولي التحرر من يد مارتن، لكنه شدد من قبضته على خصرها وهو ينظر لها بتحذير أن تتمادى في وجود الجميع، ثم رفع عينه لهم وهو يقول بجدية :
" كلٌ لعمله يا سادة، هذه مشاكل خاصة، ارحلوا رجاءً"
علت الهمهمات بين الجميع والكل يستنكر ما يحدث، يفكرون في هوية تلك المشاكل الخاصة بين رئيسهم وحبيبته والمساعدة الشخصية لرئيسهم الآخر، لكن من بين كل تلك الأصوات انبثقت صرخات جولي وهي تحاول التحرر من يد مارتن مرددة بغضب :
" أنها تهرب، اتركني مارتن تلك الحقيرة تهرب "
امسكها مارتن بقوة وهو يقربها منها وعينه تتحرك مع المساعدة الشخصية التي ركضت للخارج بشكل فزع وكأن الشياطين في أعقابها :
" اششش لا بأس لقد انتهينا جولي "
نظرت له جولي بصدمة، لا تفهم حديثه، لكنه لم يمنحها الفرصة للسؤال وهو يشير للجميع بالرحيل :
" انتهى العرض يا سادة، عودوا لعملكم "
تحرك الجميع تاركين جولي تنظر لمارتن بصدمة وقد بدأ الغضب يحتل ملامحها شيئًا فشيء، وقبل أن تصرخ في وجهه تستنكر فعلته، وجدته يجذبها لاحضانه بلطف كبير يردد وكأنه يحدث فتاة صغيرة :
" احسنتِ بنية العينين، اتممتِ دورك بشكل كامل، والآن حان الوقت لتبدأ المرحلة الثانية "
نظرت له جولي بعدم فهم، ليقترب هو مقبلًا خدها في لطف مشيرًا لمكتبه يحاول صرف تفكيرها على ما يحدث :
" هيا لدي مخزن اسلحة في مكتبي دعيني اريكِ إياه "
في الاسفل كانت الفتاة ما تزال تركض برعب وقد بدأت تشعر بضربات قلبها تخفق قلقًا، بل هلعًا من انكشاف فعلتها، اخرجت هاتفها بسرعة وهي تضعه على أذنها ترتقب الإجابة من الطرف الآخر، واستمر الأمر لثواني قبل أن تتحدث بسرعة واندفاع :
" حدثت كارثة، لقد كُــ...."
توقفت عن الحديث وهي تقف في منتصف الطريق برعب ترمق السيارة التي على مشارف دهسها وعينها مفتوحة بصدمة لا تستمع لحديث الطرف الآخر، ودقات قلبها ارتفعت وتيرتها بشكل مخيف، لكن فجأة وجدت السيارة تقف على بُعد خطوة منها، ويهبط هو بهيبته المعتادة وعلى فمه ترتسم تلك البسمة التي كانت تدعي ألا تراها يومًا موجهة لها، تحرك ذلك الجسد الطويل يقترب منها بخطوات بطيئة بثت في نفسها الرعب، حتى توقف أمامها، همست برعب وهي تنظر لوجهه :
" سيد .....سيد انطونيو ؟!"
" مرحبًا ......"
_______________________________
ركض جايك في ممرات القصر بسرعة كبيرة يتجه صوب غرفة مايك وهو يحمل في يده هاتفه يحاول الاتصال بشخصٍ ما، لكن يبدو أن مساعيه قد باءت بالفشل كما تُظهر ملامحه المحتقنة بالغضب، قابل في طريقه روز التي خرجت لتوها من غرفتها، لترسم على فمها بسمة واسعة، ترفع يدها لتحيته، لكن انمحت البسمة ببطء وهي ترى جايك يتجاهلها راكضًا بعيدًا عنها .
انزلت روز يدها بخيبة أمل تنظر في أثره بعدم فهم، لكن لم تكد تلحق به حتى وجدت فتاة تخرج من الغرفة المجاورة لغرفة ادم، وقد كانت الفتاة نفسها التي أحضرت الصبي الصغير لادم ذلك اليوم .
تحركت هايز صوب روز وهي تبتسم بلهفة :
" مرحبًا هل يمكنك مساعدتي !!"
على الجانب الآخر اقتحم جايك غرفة مايك بقوة لم تؤثر مقدار شعرةٍ في ذلك المتسطح على الفراش والذي كان يبدو منغمسًا في حلمٍ سعيد، هجم جايك على فراشه وهو يصرخ بنبرة جعلته ينتفض رعبًا :
" مايك استيقظ، مايك "
فتح مايك عينه بفزع وهو ينظر حوله ولم يستوعب بعد ما يحدث :
" ماذا حدث، ماذا حدث ؟!"
امسك جايك كتفه حتى يثبته في مواجهته وهو يقول بجدية :
" ماركوس حدثني منذ دقائق وطلب مني أن الحق به إلى أحد أماكن تمركز العصابات، ويبدو أنه لا ينتوي خير، أخبرني أنه ذهب لينقذ تلك الفتاة الصغيرة "
فتح مايك عينه بفزع وهو يعتدل في جلسته يردد بعدم فهم :
" أي فتاة تقصد ؟! فيور ؟!"
صاح جايك بحنق وغضب من تلك الفتاة بسبب تعرض ماركوس للخطر لأجلها :
" تبًا لها، نعم هي تلك الحمقاء، انهض وتعال معي لنلحق به قبل أن يؤذي نفسه "
ختم حديثه وهو يركض خارج الغرفة يشير له أن يلحق به :
" بسرعة مايك، علينا أن نلحق به، سوف اذهب لاخبر ادم "
خرج جايك من الغرفة وهو يتجه بسرعة صوب غرفة ادم تاركًا مايك ينظر في أثره بصدمة كبيرة يردد بعدم فهم :
" فيور ؟! كيف ؟!"
___________________
خرجت روز من غرفتها وهي تحمل بعض الثياب النظيفة، ومنسقة جديدة لأجل هايز والتي طلبت منها ذلك؛ حيث أنها لم تحضر ثياب أثناء قدومها إلى هنا رفقة آدم، ابتسمت هايز وهي ترى روز تقترب منها حاملة الثياب بيدها :
" اشكرك كثيرًا أشعر أنني اثقل عليكِ بطلبي هذا "
هزت روز رأسها وهي تشير لها أنها لم تفعل شيء، وأثناء ذلك عبر من أمامهم جايك الذي تجاهل وجودها للمرة الثانية مما جعل وجه روز يحمر حرجًا وغضبًا منه تتساءل عن سبب تجاهله لها بهذا الشكل، بينما جايك لم ينتبه حتى لوجودها وكل تفكيره يقبع عند ماركوس .
اقتحم جايك غرفة ادم وهو يصرخ بنفس الشكل :
" ادم أيها الحقير استيقظ، ألم يكفيك تغيبك البارحة وذهابك للتنزه رفقة تلك الطبيبة ؟!"
سقط ادم من فراشه بسبب انتفاضته القوية التي نتجت عن اقتحام جايك، ولم يشفق عليه جايك أو يتوقف عن أفعاله، بل اقترب منه يجذبه من الأرض بعنف متجهًا به صوب المرحاض الذي يقبع في غرفته، بينما آدم مازال يقاوم النعاس ولم يستيقظ بشكل كامل، يستمع لتقريع جايك الحانق :
" نحن هنا نعاني من المصائب والسيد الصغير يتنزه ويستمتع رفقة الطبيبة وابنها "
همس آدم بنعاس وهو يحاول فتح عينه :
" ماذا تقول أنت؟! أي استمتاع هذا لقد كنت في المشــ "
توقف عن الحديث بسبب دفع جايك له في المرحاض وهو يرمقه بشر :
" اششش حسابك معي لاحقًا يا سيد، والآن تجهز فعلينا اللحاق بماركوس قبل أن يحدث له شيء "
هنا وفتح ادم عينه باتساع يهمس بصدمة :
" ماركوس ؟! ما به ماركوس ؟! "
ابتسم جايك بسمة ساخرة جعلت ادم يود لو ينقض عليه :
" فقط انتهي والحق بي أنا ومايك ايها اللعوب "
تحرك جايك للخارج تاركًا آدم ينظر لاثره بصدمة وهواجسه تلاحقه أن ماركوس حدث له شيء سيء؛ لذلك ركض بسرعة يتحضر للـ لحاق بمايك وجايك .
_____________________________________
" آنسة لورا، دورك الآن "
ابتسمت لورا بسمة صغيرة وهي تحمل حقيبة يدها تنهض من مقعدها، متجه صوب الباب الذي أشارت له الممرضة منذ ثواني، وقلبها قد انقبض بقوة، لا تشعر بالراحة أبدًا في هذا المكان، لكنها مضطرة للقدوم هنا، لربما تصل أخيرًا لحل يخص مشكلتها .
تحركت بآلية صوب الأريكة التي تستقر في أحد أركان الغرفة، ثم تمددت عليها بهدوء كبير تضع يدها على معدتها وهي تنظر للسقف الذي حفظته تقريبًا وقد أحصت عدد الشقوق به بسبب كثرة تحديقها به كل مرة تأتي لهذا المكان، شعرت بجسد يستقر على المقعد جوارها، وصوت رخيم هادئ يردد بمرح :
" يبدو أنكِ صرتِ خبيرة في هذا آنسة لورا "
لم تجب لورا على مزحته تلك وهي تقول بشرود كبير :
" لقد أخبرتني سابقًا أن هناك الكثير من الحالات تعالجت مما اعانيه، لماذا إذن لم يحدث ذلك معي؟! الأمر يزداد سوءاً معي"
تنهد الطبيب وهو ينظر لـوجهها يحاول اختراقها ومعرفة ما عاشته، ليرتفع صوتها مجددًا :
" أليس هناك علاج لي؟! اريد أن أعيش بشكل طبيعي"
" آنسة لورا، أنتِ لستِ مريضة بمرض عضوي حتى يكون لكِ علاج سحري بمجرد أخذه تبرئين من سقمك، حتى بعض الأمراض العضوية لايوجد لها ذلك العلاج السحري، الأمر يحتاج للوقت والجهد والأهم من ذلك الاصرار "
هبطت دموع لورا وهي تقول بيأس:
" يا ليتني كنتِ مريضة بمرض عضوي، علّي وقتها استطعت أن أظهر الجميع كم اتألم، أنت لا تدرك مقدار المعاناة التي أعيش بها، أنا أعيش بين أشخاص لا يؤمنون بالمرض النفسي، بل يجب أن يروا دماءك تسيل أمامهم حتى يتأكدوا أنك تتألم "
صمتت وهي تقول بصعوبة من بين بكائها :
" دكتور أنا حتى لا أثير الشفقة بقلوبهم، تلك الشفقة التي يهرب منها جميع المرضى، أنا لا اراها بأعينهم، أنا فقط أرى مجرد استخفاف واستهانة بي، أصبحت لا انام إلا بعدما ابكي لساعات حتى ييأس مني عقلي ويقرر إعطاء أوامر لجسدي بالراحة؛ حتى يستيقظ ويكمل بكاء في اليوم التالي، لا أحد يشعر بي ولا بألمي، احيانًا أود الصراخ أنني أتألم ايضًا، أنني أعاني، أنا لا اتدلل، أنا اختنق "
صمتت وهي تحاول التحكم في تنفسها الذي أصبح صعبًا بسبب بكائها وصراخها في الوقت ذاته، تغمض عينها ثواني قبل أن تلقي قنبلتها في وجهه :
" امي تريدني أن أذهب لزفاف ابن خالتي "
اعتدل الطبيب في جلسته وهو يردد بعيون ضيقة :
" هو نفسه خطيبك السابق ؟!"
هزت لورا رأسها تضيف على حديثها السابق :
" وأنا وافقت "
" حسنًا آنسة لورا، مواجهة اسباب انهيارك هي خطوة جيدة للعلاج، لكن في هذه الفترة لا انصحك بفعل ذلك، أن تذهبِ بقدمك للرجل الذي كان بمثابة القشة التي هدمتك، ومواجهته في حالتك تلك هي مخاطرة قد تؤتي نتائج عكسية وتؤدي لتدهور حالتك "
رفعت لورا عينها الحمراء وهي تردد محركة كتفها في حركة تدل على عدم اهتمامها :
" وكأن حالتي تنتظر تلك المقابلة حتى تدهور، انتهى الأمر دكتور لقد سبق وحجزت فستاني وجهزت نفسي للذهاب، فلا اريد احزان والدتي على أية حال "
صمتت ثواني وهي ترى نظرات الطبيب الرافضة والمستنكرة لطريقتها في التعايش مع مرضها النفسي، قبل أن تبتلع لورا ريقها وهي تقول بشرود تقاطع نظراته الحانقة تلك :
" لقد حصلت على رفيق جديد "
انتبه لها الطبيب بكامل تركيزه، يرى بسمة صغيرة ترتسم على فمها بشكل جذب كامل انتباهه، يسمعها تردد براحة لأول مرة أثناء حديثها عن أحد :
" هو الطف شخص عاملني حتى الآن، وهذا يثير رعبي "
تفهم الطبيب تفكيرها وما يدور الآن بخلدها، دوّن بعض الكلمات في الدفتر أمامه وهو يقول بجدية :
" هل رأيتِ منه أي بادرة قد تخيفك منه ؟!"
هزت لورا رأسها بلا وهي تنظر له وعينها تدمع بلا إرادة منها، وكأن من كثرة بكائها أضحت العين تظن أن تلك هي وظيفتها الأهم :
" لا، لم يفعل "
ابتسم الطبيب بسمة حنونة يردد بجدية :
" إذًا لِمَ لا نجرب لمرة أخيرة؟! اقتربي منه، لربما يكون ذلك الشخص اللطيف هو الضوء الذي سيرشدك لطريق علاجك "
" تظن هذا ؟!"
" نعم، واريدك أن تخبريني بكل ما يتعلق بذلك الرجل "
_____________________________
كان يقف في منتصف المنزل وهو يرفع سلاحه وأمامه بعض الرجال أصحاب الأجساد الضخمة، لكنه لم يهتم بهم أو بما يفعلون، بل ابتسم بسخرية لاذعة وهو يقول :
" حسنًا انتم تضيعون وقتي، وكذلك وقتكم؛ لذلك اقترح أن تعطوني فيور وسوف ارحل "
تحدثت سيدة وهي تجلس على الأريكة بكل أريحية لا تهتم لسلاحه الذي يرفعه عليها، ويبدو أن تلك الأجساد الضخمة حولها تعطيها ثقة كبيرة في نفسها :
" اخبرتك أن لا فتيات لك عندي، وتلك الفيور التي تتحدث عنها، أنا لا أعلم عنها شيئًا "
بمجرد انتهاء حديثها كانت رصاصة من مسدس ماركوس تخرج نحو هدفها والذي كان ساق أحد الرجال، وصوته يخرج صارخًا بغضب :
" لا تستفزي غضبي أكثر وإلا اقسم أن اقتل الجميع هنا ولن أهتم "
ويبدو أنه نجح في هز ثقة السيدة حيث اعتدلت في جلستها بتحفز، وهي تنظر لرجالها الذين عادوا للخلف قليلًا خوفًا من سلاحه، فهم لا يمتلكون مسدسات، فقد كانوا يعتمدون على اجسادهم في اخافة الجميع هنا .
" ألا تفهم يا فتى أخبرتك أن فتاتك تلك ليست هنا، لا يوجد فتاة هنا بهذا الاسم او بالمواصفات التي تتحدث عنها "
احمرت عين ماركوس بغضب وهو يصرخ في وجهها :
" وهل تعتقدين أنني ابله يا سيدة ؟! لقد علمت أنها هنا لديكِ، وإن لم تخرج والآن سوف انفذ ما قلته سابقًا "
تحركت عين السيدة في الخفاء وهي ترمق أحد الرجال الذي تسلل بحذر من الخارج يقف خلف ذلك الشاب المجنون، ينتظر اللحظة المناسبة حتى يقيده، لكن ماركوس استدار بسرعة كبيرة يطلق رصاصة في منتصف صدر ذلك الرجل يرديه قتيلًا، ثم التفت ببطء وهو يهمس بشر :
" اريد فيور، والآن"
_________________________
اعتدل اسكندر في وقفته وهو يرى اقتراب شاب هزيل الجسد متسخ الثياب منه بحركات سريعة، يلتفت كل ثانية والأخرى حوله، حتى توقف أمامه وهو يقول بجدية وقلق ظهر جليًا في صوته :
" أنا عرفتلك يا باشا أجهزة المراقبة بتاعة العمارة فين ؟! هتلاقيها في الدور الأول تاني شقة على اليمين، وبيكون عليها شيفتات طول الوقت ماعدا الساعة واحدة الضهر والساعة تسعة بليل، لأن ده الوقت اللي بيتبدل فيه الشيفتات "
أنهى الشاب حديثه وقد افضى بكل المعلومات التي حرص على سحبها من والده حارس العقار، ومعرفة منه كل ما يخص أجهزة المراقبة الخاصة بتلك العمارة، فتح الشاب عينه وقد ارتسمت بسمة جشعة على فمه وهو يراقب تلك الأموال التي اخرجها اسكندر من جيب بنطاله، يكاد لعابه يسيل لأجلها، وماكاد اسكندر يرفع يده بالاموال، حتى انتزعها الشاب منه انتزاعًا، يتحسس ملمسها بسعادة كبيرة يردد بلهفة :
" ده كتير اوي يا بيه والله "
ابتسم اسكندر بسخرية وهو يمد يده يردد بحنق :
" مفتاح الشقة "
نظر له الشاب بعدم فهم للحظات قبل أن ينتبه فجأة لنسيانه أمر المفتاح الذي استطاع أن يحوذ نسخة منه من سلسلة مفاتيح والده :
" أيوة صحيح، لا مؤاخذة يا بيه نسيت، اتفضل ده مفتاح الشقة اللي فيها كل أجهزة المراقبة "
أخذ اسكندر المفتاح منه ثم هز رأسه ببطء وهو ينظر للسيارة التي تقف خلفه :
" طب تمام شكرًا ليك، وطبعًا مش محتاج أبلغك أن لو حد عرف بالاتفاق اللي بينا هيحصلك ايه ؟! "
هز الشاب رأسه بسرعة وهو يردد :
" ينقطع لساني لو نطقت بكلمة يا باشا "
هز اسكندر رأسه ثم تحرك بخطوات متزنة صوب السيارة يضغط على المفاتيح بقوة، يصعد للسيارة وهو يشير لجاكيري بالتحرك :
" هيا "
تحرك جاكيري بالسيارة وهو يراقب في المرآة اسكندر الذي نزع باروكة الشعر المستعار واللحية الكثيفة التي كانت تغطي نصف وجهه وايضًا النظارة السوداء التي كانت تساهم بدورها في إخفاء ملامحه :
" لقد أحضرت مفتاح شقة المراقبة، والآن الجزء الثاني من الخطة "
ختم جملته وهو يمد يده لجاكيري بالمفتاح يردد بجدية :
" سوف انتظر اتصالًا منكم "
أخذ جاكيري المفتاح من يده وهو ينظر جواره لتوفيق الذي أشار له أنه جاهز، توقف جاكيري بسيارته أمام إحدى البنايات وهو يعدل من ثيابه، ثم تحدث بجدية أثناء ترجله من السيارة :
" هيا توفيق لننتهي من هذا "
تحرك كلًا من توفيق وجاكيري صوب العمارة التي سبق وحدثت بها جريمة القتل المتهمة بها رفقة، يستمع لصوت توفيق جواره يتحدث بجدية :
" ستفعل كنا أخبرتك، سوف تقف جانبي ولا تبدي أي ردة فعل قد تكشف تنكرنا، كل ما ستفعله هو قول كلمة ( وه يا بوي ) كل فترة حتى يقتنع من أمامنا بتنكرنا "
نظر جاكيري لثيابه التي يتميز بها أهل الصعيد في مصر وتلك العمة تعلو رأسه يردد بعدم اقتناع :
" حقًا ؟! هكذا سأبدو من جنوب مصر ؟!"
" نعم افعل ما اخبرك إياه وستكون، ولا تنسى أن تقول وه يابوي كل دقيقة "
" وهل هكذا يتحدث أهل الصعيد في جنوب مصر ؟!"
اجابه توفيق ببسمة غبية :
" لا هكذا يتحدث أهل الصعيد في التلفزيون المصري "
انتبه توفيق أثناء حديثه للعِمة التي تقبع فوق رأس جاكيري والتي كانت غير منتظمة الشكل كما يرى عادة، لذلك أشار له أن يعدل من وضع عِمته، لكن جاكيري لم يعرف كيف يتصرف، تقدم منه توفيق يحاول أن يصل لرأس جاكيري ويعدل من وضعيتها يردد بتأفف واضح :
" شكلك هتبوظ الخطة، اتظبط كده عشان ربنا يكرمنا في اللي داخلين عليه "
لم يفهم جاكيري معنى حديث توفيق، لكنه لم يكد يستفسر حتى رأى توقف توفيق والذي تحرك صوب الرجل المستقر على مقعد أمام بوابة البناية :
" سلام عليكم يا اخينا "
" وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اؤمرني "
هكذا رد بواب العمارة التحية وهو يعتدل في جلسته يرمق الرجلين بتفحص يحاول معرفة سبب وجودهما، ويبدو أن توفيق أدرك نظراته، حيث تحدث بجدية وهو يشير للبناية :
" كنت بس حابب أسألك لو فيه شقق فاضية في العمارة اهنه، اصل عقبال عندك جيت أنا وابني نحضر فرح لناس تبعنا اهنه وكنا عايزين نلاقي مكان نبيت فيه"
وكان واضحًا على التوفيق الجهل في تقليد اللهجة الجنوبية، فتحولت من لهجة خشنة فخمة، إلى لهجة أخرى غير مفهوم اصلها، ولأجل إقناع البواب بتمثيلهما اطلق جاكيري الكلمة التي عمل طوال الليل على حفظها، يطلقها بقوة من فمه :
" وه يا بوي "
نظر البواب بتعجب لذلك الشاب الذي تبدو ملامحه غير مألوفة للأعين هنا، يستغرب كلمته السابقة :
" وانتم بقى عايزين الشقة دي كام يوم يعني ؟!"
" يومين إن شاء الله، وياريت لو تكون الشقة في الدور الأول لاحسن أنا عندي الغضروف ومش بقدر اطلع سلم "
تحدث البواب ببسمة :
" لا متقلقش احنا عندنا اسانسير في العمارة هنا "
" لا ما هو ابني بعيد الشر عنده ضيق تنفس فممكن يموت مني لو ركب اساسنير، مش كده يا حبيب بابا ؟!"
وكما تدرب جاكيري أجاب بآلية :
" وه يا بوي "
ابتسم توفيق بغباء، يراقب ملامح البواب الذي كان يرمق الاثنين بعدم فهم، يتعجب طريقة حديث الأب التي تدمج ما بين القاهرية والصعيدية في بعض الالفاظ، وابنه الذي يردد كلمته تلك بدون مناسبة، لكن رغم ذلك تحدث :
" وماله، الف سلامة على الأستاذ، أنا هتصل بالبيه صاحب العمارة واسأله كده لو فيه شقق في الدور الأول ولا لا، انتم عايزينها على امتى كده ؟!"
سارع توفيق بالحديث :
" انهاردة ياريت، اصل احنا منعرفش اي حد اهنة نبات عنديه ( عنده )، وجولنا نأجر شقة احسن من الفنادق الغالية "
كام توفيق يقلد اللهجة الصعيدية كما سمعها من التلفاز، بل وكان يضغط على بعض الكلمات كـ ( عنديه ) أو ( جولنا) حتى يظهر للبواب أمامه أنه من الجنوب كما يدعي.
لم يستطع الرجل أن يتحمل أكثر من هذا وهو يبوح بالسؤال الذي يحيره :
" لا مؤاخذة في السؤال، بس هو انتم صعايدة ؟!"
ابتسم توفيق وهو ينظر لجاكيري نظرة انتصار وكأنه يخبره ( لقد خدعناه )، يردد بكل كبرياء يحاول أن يقلد في حديثه الصعايدة الذين شاهدهم في أحد المسلسلات المصرية القديمة :
" للدرجة دي باين علينا ؟!"
تحدث البواب بسخرية لاذعة :
" باين عليكم ايه يا جدع ده انتم نيلة خالص، مش فاهم اساسا ايه اصلكم، نص كلامك من هنا ومفيش غير كلمة اهنه اللي جنوبية وياريتك نطقتها صح ، والأستاذ كل شوية يقولي وه يابوي، على ايه مش عارف"
استدار توفيق ينظر لجاكيري الذي كان يحاول فهم ما يدور حوله، لكن انتبه لصوت توفيق جواره وهو يقول بحنق :
" عجبك كده اديك كشفتنا بغبائك، قولتلك أنك لافف العمة غلط يا غبي"
مسح توفيق وجهه بضيق وهو يهز رأسه بيأس من أفعال جاكيري الذي كان يرمقه بعدم فهم لما قاله منذ ثواني :
" اه اصل احنا عندنا تجارة في القاهرة وأغلب وقتنا بنقضيه فيها، فتلاقي لهجتنا قابلة معاك كيف ما بيتحدثوا البندر "
أنهى حديثه بجملته الأخيرة وقد أمل أن تقنعه تلك الجملة بأنهم من الصعيد، ثم أضاف جملة أخرى حتى يزيد من إقناع الرجل والذي كان يرمقهما بشك وريبة :
" قصره انهاردة هنعدي عليك نشوف شو سويت في موضوعنا "
أنهى حديثه وهو يتحرك دافعًا جاكيري أمامه .
رمقه البواب ببلاهة لا يفهم تلك الخلطة العجيبة من اللهجات، فمرة يتحدث كما يتحدث أهل الشمال في مصر، ومرة يتحدث ببضع كلمات تبدو جنوبية، والآن ختم حديثه بلهجة شامية ....
ردد البواب بعدم اقتناع :
" اقطع دراعي أما كنتم من حواري القاهرة "
استدار توفيق يرمق جاكيري بتذمر هامسًا :
" من حق التنكر يبوظ، ما أنا ساحب ورايا واحد مش بيفهم وبوظلنا الخطة، ربنا يسامحك يا شيخ، يا ريتني كنت جبت اسكندر معايا بدل ما أنا بليت نفسي بيك "
استدار للبواب وهو يودعه على وعد بالمجيء في الليل لاستلام الشقة، يدفع جاكيري بعيدًا عن البناية وهو يردد له أنه أفسد خطته بغبائه، وأن المرة القادمة لن يصطحبه معه .
______________________________
خرج جايك من غرفته وهو يضع سلاحه في جيب بنطاله يتجه صوب الخارج، يصرخ بصوت عالي في المنزل :
" هيا ادم لقد تأخرنا "
أنهى حديثه لينتبه فجأة لروز التي تقف في المطبخ، ارتسمت على فمه ابتسامة، شعر فجأة بدلو من المياة الباردة تهبط فوق نيران غضبه مطفئة إياه، نظر للدرج يتأكد أن آدم لم ينتهي بعد، ثم غير طريقه وهو يدخل للمطبخ بأقدام حشرة حتى لا تنتبه له روز ويباغتها هو من الخلف، وبمجرد وقوفه خلفها، مد يده يجذب خصرها لصدره بقوة وهو يضع ذقنه على كتفها مرددًا بمشاكسة :
" اشتقتك زهرتي "
بينما هو في تلك الحالة المستكينة، كانت هي تشعر بالرعب تستمع لذلك الصوت الذي يهمس في أذنها بتلك النبرة الحنونة والحميمية، فتحت فمها بصدمة وهي تستمع لحديثه خلفها :
" لقد احتفظت برسمتك الأخيرة فوق فراشي، وفي قلبي، وعندما اعود اريد رسمك مرة أخرى "
ولم يصل لجايك رد من روز، لكن فجأة شعر بشيء عنيف يصطدم في ظهره ليطلق صرخة عالية وهو يستدير فجأة بشر وعيونه تطلق نيران، لكن فجأة كل ذلك تبخر، ينظر بصدمة ورعب لروز التي كانت تقف عند باب المطبخ تحمل في يدها بعض الأواني وقد رمته بواحدة منهم منذ ثواني، انتفض جايك للخلف، يكتم صرخة مرتعبة كادت تخرج منه، يراقب بعينه اثنين من روز .
تحركت روز بعنف وهي تخرج دفترها تكتب عليه جملة ثم رفعتها بعنف في وجهه :
" تبًا لك جايك "
فتح جايك فمه وهو يصرخ بعدم فهم :
" أنتِ...اثنين ...ماذا يحدث ؟!"
استدارت الفتاة الأخرى والتي لم تكن سوى هايز التي كان وجهها شاحبًا وهي تنظر لذلك الشاب الذي ضمها منذ قليل، تبتلع ريقها برعب، بينما جايك فتح عينه بصدمة، يكتشف أنه ضم للتو هايز، لكن كيف هذا الفستان الذي ترتديه هو يعرفه حق المعرفة، هو نفسه فستان روز الذي اعتاد رؤيتها به مرات عديدة .
تحدثت هايز وهي تلاحظ نظراته للفستان الذي ترتديه :
" لقد اعارتني إياه روز "
ابتلع جايك وهو يبعد نظره من على هايز يراقب تحرك روز للخارج ليركض خلفها بسرعة وهو يقول بصدمة :
" اقسم روز أنني ظننتها أنتِ، هي ترتدي نفس ثيابك وتضع منشفة على شعرها ولم اميز لونه، وهي تمتلك نفس طولك تقريبًا "
توقفت روز وهي تستدير له تشير بيدها ألا يلحق بها، ثم بعدها ركضت للأعلى وهي تبكي بغضب مما فعل، فبعدما تجاهلها طوال الساعات الماضية، ها هو يعانق هايز بدلًا منها .
صرخ جايك بحنق شديد :
" مـــــاذا ؟! لستُ أنا من اعرت ثيابي لفتاة أخرى روز "
سمع جايك صوت آدم القادم يردد بلهفة :
" هيا جايك لقد انتهيت "
استدار جايك بعنف لادم ثم انقض عليه بلكمة عنيفة دون أي مقدمات وهو يردد :
" تبًا لك أنت وحبيبتك "
خرج جايك من المنزل بعنف وهو يترك آدم ينظر لاثره بصدمة وعدم فهم، لكنه لم يتوقف ثانية إضافية، يركض خلفه حتى يلحق به هو ومايك .
صعد الثلاثة للسيارات وتحركوا صوب العنوان الذي أعطاه لهم ماركوس ....
______________________
خرج مارسيلو من المصعد الخاص بالطابق الذي تم حجز غرفته به وخلفه تسير راسيل والتي كانت ترمقه كل ثانية والأخرى بريبة، لا تزال مرتعبة مما فعل، وقد أخذت قرارها بالفعل وهو أن تترك ذلك العمل بمجرد عودتها من هذه الرحلة المشؤومة، وحتى ذلك الوقت ستقوم بعملها على أكمل وجه .
" حسنًا سوف اذهب أنا لغرفتي وأقوم بواجبي "
هزت راسيل رأسها بموافقة وهي تشير للغرفة المجاورة له تتحدث بجدية كبيرة :
" حسنًا سيدي وانا سوف ابدل ثيابي والحق بك "
" لماذا ؟!"
نظرت له راسيل بعدم فهم لسؤاله السابق :
" لا افهمك سيدي، ألم تقل أنك ستبدأ في فحص أوراق القضية ؟! "
عاد مارسيلو للخلف بصدمة وهو يشير لنفسه غير مصدقًا لذلك الاتهام الذي القته عليه منذ ثواني :
" أنا قلت هذا ؟! متى ؟!"
" سيدي أنت للتو قلت أنك ستذهب لغرفتك وتقوم بواجبك "
هز مارسيلو رأسه وهو يوضح حديثه :
" نعم هذا ما قلته، لكنني لم آت على ذكر القضية "
ازداد حنق راسيل أكثر وأكثر من تلاعبه بالحديث :
" أوليست القضية هي واجبك ؟! "
نظر لها مارسيلو لثواني يبلاهة، لا يفهم إصرار تلك الفتاة على القضية وتكرار أمرها كل ثانية، زفر بضيق وهو يدفع وجهها جانبًا يقول بحنق وملل :
" واجبي الذي أقصده، هو واجبي تجاه جسدي يا فتاة؛ النوم "
انتهى من كلماته وهو يفتح باب الغرفة الخاصة به يخطو داخلها لا يهتم بصدمة راسيل التي ترتسم على وجهها تشعر بالبلاهة فجأة، وهي تراقبه يتمطأ بكسل كبير، ثم اغلق الباب في وجهها بقدمه، دون حتى أن يستدير ويستأذن منها، أي وقاحة تلك التي يمتلكها ذلك الرجل ؟!
ظلت راسيل تقف أمام باب غرفته وهي ترمقه ببسمة غير مصدقة لما فعل، ذلك الرجل يستمر في مفاجئتها بوقاحته .
تحركت راسيل صوب غرفتها وهي تحاول ابتلاع غضبها منه، تخلع عنها سترتها العلوية تاركة أخرى بيضاء بلا أكمام، ثم حررت خصلات شعرها التي تعقدها طوال الوقت، تتنفس بتعب شديد وجسدها مازال تحت تأثير الصدمة التي تعرضت لها منذ ساعة تقريبًا على يد مديرها المجنون، وأثناء تبديل ثيابها سمعت صوت طرق على باب غرفتها جعلها تتحرك صوبه وقد توقفت عن تبديل ثيابها :
" حسنًا أنا قادمة "
فتحت راسيل الباب لتتفاجئ بمارسيلو يقف أمام غرفتها وهو يتكأ بكتفه على إطار الباب يردد بجدية مشيرًا لغرفته :
" هناك مشكلة في تدفئة غرفتي"
فتحت راسيل فمها تردد بتهكم ساخرة من حديثه :
" وما شأني أنا سيدي، اتصل بخدمة الغرف وأخبرهم بالأمر "
" شأنك أنكِ أنتِ من حجزتِ لي الغرفة، ثم أنا لا أحب الحديث مع أحد اخبريهم أنتِ "
زفرت راسيل بحنق شديد وهي تضغط على اسنانها بغيظ :
" شيء آخر سيدي ؟!"
" نعم لا ترتدي الأبيض مجددًا فهو لا يليق ببشرتك، يجعلك تشبهين اخي بـ ثياب نومه "
فتحت راسيل عينها بصدمة وهي تضع يدها أمام رقبتها التي كانت تظهر هي وجزء صغير من مقدمة جسده بالإضافة لذراعيها بالكامل :
" أنت أيها الوقح ما شأنك بي وملابسي، ارحل من أمام غرفتي الآن"
نفخ مارسيلو بضيق وهو يجذب ثيابها مشيرًا لها بحنق :
" يا فتاة مثل هكذا ثياب لا تناسب الفتيات، أنا حتى لا أرتدي هذه الثياب التحتية "
ضربت راسيل يده بعنف وهي تردد غاضبة :
" أنت تتجاوز حدودك يا هذا، ثم لا علاقة لك بملابسي أو بي، كل ما لك علاقة به هو عملي فقط فهمت ؟!"
" لا "
كادت راسيل تمطره بسيل من السباب بسبب بروده الذي أوصلها لحافة انفجارها، لكن فجأة شعرت بجسدها يندفع للغرفة الخاصة بها والباب يغلق بعنف في وجهها، وقبل هذا لمحت بعينها ثلاث رجال يسيرون في الممر .
لكنها لم تهتم بكل هذا وهي تفتح الباب مجددًا بعنف تستعد للصراخ في وجه مارسيلو الذي وجدته تبخر من أمام غرفتها، رفرفت برموشها وهي تنظر يمينًا ويسارًا تبحث عنه، لتدرك أنه ذهب لغرفته، زفرت بضيق وهي تغلق باب غرفتها مجددًا تتحرك صوب فراشها بتعب شديد، تشعر أن معاملة هذا الرجل تستنفذ كل صبرها، هي في الأساس لا تدرك كيف تعامله، تجهل ردات فعله على اي شيء، أغمضت عينها بتعب وهي تهمس لنفسها :
" استعدي لجحيمك على يد ذلك الاحمق راسيل "
____________________________
كان يضع حاسوبه أمام وجهه يجري اجتماعًا عبر الانترنت مع بعض الشركاء في الدول الأخرى، يراقب كل ثانية جولي بطرف عينه يراها تضع سماعة الأذن وهي تتمايل على بعض الأغاني، يحاول عدم الابتسام .
" نعم ادرك ذلك، لكن إن لم نخاطر، لن نتقدم؛ لذلك اخبرك أنني سأ...."
توقف مارتن عن الحديث وهو يرفع عينه يراقب جولي يراها تختبأ خلف الأريكة وهي تغني بصوت عالي إحدى الأغنيات الحماسية، بينما تخرج رأسها كل ثانية والأخرى وكأنها تحتمي من طلقات رصاص العدو .
وضع مارتن يده على فمه يحاول كتم ضحكته، يجذب الحاسوب له حتى يقلل من صخب صوت جولي التي تبدو مندمجة في الغناء ولم تدرك بعد أن صوتها مرتفع .
" ماذا كنت اقول ؟! اه سوف نــ "
" هيا يا عزيزي ارني ما لديك، تظنني جبانة مثلك ؟! "
توقف مارتن عن الحديث وهو يستند برأسه في ملل على يديه يراقب جولي ومغامراتها الخيالية والتي يكاد يجزم أنها ضد انطونيو، ينتظر أن تنتهي من جزء الصراخ هذا وتعود للاختباء مجددًا، وبعد ثواني من صراخها توقفت وهي تركض صوب المرحاض الموجود في المكتب، ليتنهد مارتن بنزق وهو يعود للاجتماع مجددًا :
" اعتذر عن هذا، لقد قررنا أن نغامر بنصف الأسهم تقريبًا في صفقتنا الـ"
" اركض يا مارتن، لقد هجم رجال انطونيو على الوكر "
اغمض مارتن عينه بغيظ يلعن نفسه مئات المرات لاقتراحه أن تأتي معه للعمل، فتح عينه وهو يراقب جولي تركض صوب خزانة الملفات الخاصة به تخفي جسدها خلفها، وكل ثانية تخرج رأسها وكأنها تستطلع الطريق .
تجاهل مارتن جميع الرجال في الاجتماع وهو يعود بمقعده للخلف ثم نهض يقول باقتضاب :
" لحظة من فضلكم "
اتجه بعدها لجولي والتي كانت تختفي خلف الخزانة، لكنه بمجرد اقترابه منها وجدها تستكين ارضًا، تضع يدها على كتفها تردد بصوت خافت :
" لقد أُصبت يا رجال، كدت أُقتل للتو "
امسكها مارتن بعنف وهو يردف بشر :
" بل ستُقتلين الآن سيدة جولي المدمرة "
تفاجئت جولي من اقتحام مارتن لخيالها وإفساد متعة المطاردة على الاغاني الحماسية، بالإضافة لجذبه لها بحنق شديد يلقي جسدها على الأريكة المقابلة له وهو يشير بإصبعه محذرًا :
" إن تحركتِ خطوة واحدة بعيدًا عن تلك الأريكة، أنا من سيقتلك جولي وليس رجال انطونيو "
أنهى حديثه وهو يشير لرقبته بعلامة الذبح، قبل أن يتحرك عائدًا لمكتبه، لكنه توقف وهو يستمع لصوت جولي الخافت :
" هل تسمعونني يا رجال، لقد تم أسري، لقد تم أسري، أحضروا بسرعة وحرروني "
استدار مارتن ببطء لها وهو ينظر لها مضيقًا عينه يشير لها بتحذير :
" سوف اقتل رجالك جميعهم وافجر مخازن اسلحتك كلها جولي "
فتحت جولي فمها لتجيبه، لولا إصبعه الذي رُفع في وجهها وهو يكرر بشر :
" اصمتي قبل أن افجر هذا المكتب بنا "
صمتت جولي فجأة وهي تضع يديها بين قدميها تدعي البراءة مبتسمة بلطف، وهي تقول بهدوء :
" آسفة مارتن أنا فقط أحب تلك الألعاب منذ كنت صغيرة، هيا هيا اكمل عملك "
ابتسم مارتن بتهكم وهو يستدير للعودة إلى مكتبه، لكنه توقف مجددًا وهو يسمع صوتها يناديه :
" مارتن "
نظر لها مارتن بتساؤل لتبتسم هي له قائلة :
" هل يمكنك اعطائي هاتفك، لقد نفذ شحن خاصتي، وانا اشعر بالملل "
رمقها مارتن ثواني قبل أن يتحرك صوب مكتبه ينتزع هاتفه ملقيًا إياه صوبها، ثم عاد وجلس خلف حاسوبه يتشدق ببسمة عملية :
" اعتذر عن المقاطعة، والآن يا سادة لنكمل "
رفعت جولي هاتف مارتن وهي تقلب به بتركيز، قبل أن تبدأ في التقاط العديد من الصور لها، بكثير من الأوضاع، تحت أنظار مارتن الذي كان يختطف نظرات لها، وهناك بسمة حنونة ترتسم على وجهه، يشعر بالراحة لوجودها قربه هنا، رغم كل ما تفعله ورغم أفعالها الغير مسئولة معظم الاوقات، إلا أنه لا يمتلك خيارًا سوى الغرق في بحور عينيها التي يرفض النجاة منها .
____________________________
" سيدي هناك اخبار سيئة "
اعتدل في جلسته وهو يرسم بسمة ساخرة على فمه :
" ومنذ متى أتيت لي بخبر جيد ؟! "
ابتلع المساعد ريقه وهو يخشى ردة فعل سيده حول ذلك الخبر الذي علمه منذ ايام واخفاه عنه محاولًا تدارك خطأه، لكنه فشل :
" عندما أرسلنا مساعدة انطونيو الخاص بتلك الملفات التي تم رش السم عليها، لم يكن انطونيو هو من استلمها "
اعتدل الرجل في جلسته وهو يترقب القادم من حديثه، يدرك جيدًا أنه لن يعجبه، فهو خطط كثيرًا لينتهي من انطونيو، حتى استطاع اغراء مساعدته الشخصية وأعطاها سم قوي المفعول، يتم رشه على أي شيء، ثم عندما يمسك الضحية ذلك الشيء، يلتصق السم بيده وبعدها من السهل أن يصل لفمه عبر تناول الطعام أو غيره، لكن ها هي خطته المحكمة تخطأ هدفها :
" كانت زوجته هي من أخذته "
" زوجته؟! انطونيو فوستاريكي لديه زوجة؟!"
هز المساعد رأسه وهو يجيبه بكل ما يملك من معلومات والتي علمها من المساعدة الشخصية الخاصة بانطونيو، عسى أن يشفع ذلك له عند رئيسه ويخفف من عقابه بشأن فشل خطته :
" نعم سيدي، لقد تزوج منذ فترة لكن لا أعتقد أن أحدًا يعلم ذلك "
" ومن هي تلك الـ زوجة "
قال كلمته الأخيرة بسخرية لاذعة، قبل أن يصدح صوت مساعدة بما جعل عينه تكاد تخرج من محرجها :
" كل ما علمته عنها هي أنها ابنة سيرينا المساعدة الاولى لاليخاندرو فوستاريكي"
انتفض الرجل من مرقده وهو يردد بجنون :
" من تقصد ؟! روما؟! "
توتر المساعد وهو يعود للخلف يردد بخوف من غضب سيده:
" لا....لا أدري سيدي، أنا لا أعلم ما هو اسمها، كل ما أخبرتني به المساعدة أنها عندما كانت تراقب القصر بعدما تركت الحقيبة هناك، انتبهت لخروج سيارات كثيرة منه بسرعة مخيفة وعندما لحقت بهم وجدت أن هناك فتاة يتم نقلها للعمليات وسيرينا تبكي وهي تناديها بابنتي، كما أن انطونيو سقط ارضًا منهارًا مما حدث لزوجته، هذا كل ما أخبرتني به "
ولم يكن رئيسه منتبهًا لما يقول له مساعده، لم يكن منتبهًا لشيء، بل كان شاردًا في ماضي بعيد، ماضي ظن أنه دفنه وانتهى منه، وتلك الجملة التي حسب أن عقله محاها ها هي تتردد في دهاليز نفسه
( انتهى كل شيء ديفيد، أنا لن اتزوج يومًا بشخصٍ مثلك بلا قلب، ولا تحلم أن أعود لك مجددًا، هنا وانتهت حكايتنا )
اغمض ديفيد عينه بقوة وغضبه يزداد كما الامواج وصوتها يتردد في رأسه وهي ترميه بأبشع الألفاظ، ثم تتركه هاربة بعيدًا عنه .
" تلفظيني لأنني شخص بلا قلب كما تدعين، وبعدها اجدك متزوجة، وبمن ؟! انطونيو فوستاريكي ؟! "
ضحك بجنون وهو يردد بصياح عالٍ :
" اه أيتها الحقيرة الويل لكِ مني، الويل لكِ مني روما "
__________________________________
" اقسم أنني سأفعل لك ما تريده سيدي، لكن ارجوك اتركني، أنا ارجوك ارحمني سيدي "
لم يأبه انطونيو لتوسلات المساعدة وهو يرمقها بنظرات سوداء باردة :
" من ارسلك ؟!"
" لا...لا اعلم، أنا لم أقابله يومًا، بل كانت جميع الاوامر منه تأتيني عبر الهاتف "
أنهت الفتاة حديثها بنشيج عنيف وهي تحاول البحث عن أية شفقة بين نظراته، لكن كل ما حصلت عليه هو برود و برود و.........برود .
" أنا لم أفعل شيئًا، سوى هذا فقط، هذا اول خطأ لي سيدي، اعف عني وسوف افعل لك ما تريد "
" ما مصلحة الشخص الذي ارسلك في تسميم زوجتي ؟! أم أنها لم تكن المقصودة ؟!"
هزت الفتاة رأسها وهي تبكي برعب، وقد قررت البوح بكل ما تملك من معلومات، علّ ذلك يلقى صداه لديه و يعفو عنها، أو حتى يخفف انتقامه الذي يشتعل الان في عينيه :
" لقد أرسل لي سم حتى أضعه على بعض الملفات وأتظاهر بأنها ملفات مهمة تحتاج لامضائك السريع، وبعدما تلمسها، سوف يلتصق السم بيدك وبعدها يختلط بطعامك عندما تمسكه "
صمتت وهي تراقب نظراته الجامدة، وقد بدأ الرعب يسيطر عليها لدرجة ارتجاف قلبها بقوة :
" اقسم أن هذا كل ما حدث، وقد راقبت القصر حتى أتأكد من نجاح الخطة وراقبت السيارات التي خرجت من القصر بعدما في ذلك الوقت لاتفاجئ بأن الشخص الذي تسمم لم يكن سوى زوجتك "
غامت عين انطونيو بشر وهو يتذكر تلك اللحظات التي مرت عليه كالجحيم، قبل أن يستفيق ويتحرك لغرفة روما، وانتبه حينها لتوقف مساعدته الشخصية في نهاية الممر تخفي جسدها قدر المستطاع وهي تنظر لهم بتركيز شديد، تحمل في يدها هاتف تصور ما يحدث، لتخرج منه صرخة غير واعية وقتها، لكنه تدارك الأمر سريعًا وهو يلمح تلك الفتاة التي احضرها ماركوس ليعمل عقله سريعًا ويقرر جعلها كبش فداء حتى يمنح مساعدته الفرصة لإبلاغ الشخص الذي ارسلها بنجاح خطته، ويحصل هو على وقته في التحقيق في شكه بشأنها، ولأجل فعل كل ذلك تظاهر بالصراخ والغضب على تلك الفتاة الصغيرة، والتي لحظها السيء كانت تقف في نفس الاتجاه الذي تقف به مساعدته .
نهض انطونيو من مكانه وهو يترك المساعدة خلفه تصرخ متوسلة رحمته، تترجاه أن يسامحها، لكنه لم يلتفت لها أو يهتم بها، بل اكمل طريقه للخارج يحمل في يده هاتفها الذي كانت تتواصل به معهم، لكن أثناء ذلك ورده اتصالًا على هاتفه من سيرين وهي تخبره بالجملة التي تمنى سماعها لساعات طويلة :
" انطونيو لقد استيقظت روما وتسأل عليك "
_____________________________________
هبط الثلاثة من السيارة يركضون صوب المنزل الذي أخبرهم عنه ماركوس، بعدما تأخروا في الطريق بسبب زحمة السير، كان مايك يسب ويلعن الجميع، بسبب تأخرهم على أخيه والذي قد يكون الآن في مشكلة، لكن بمجرد أن خطى للمنزل حتى توقف وهو يشير لادم وجايك ألا يتحركوا يقول بجدية :
" سوف نعد لثلاثة، ثم نهجم حسنًا ؟!"
نظر له جايك بحنق، لكن مايك لم يهتم وهو يرفع أصابعه يعد عليها بخفوت :
" واحد....اثنان...."
ولم يمنحه آدم الفرصة للتكملة وهو يضرب الباب بقدمه في عنف كبير قائلًا ببسمة مخيفة :
" ثلاثة ...."
اقتحم الثلاثة المنزل يرفعون أسلحتهم في وجوه الجميع، وصوت مايك يكاد يصم الاذان وهو يصرخ :
" الجميع يده للأعلى "
انحنى جايك على مايك هامسًا بسخرية :
" نحن لسنا شرطة مايك "
رمقه مايك بنظرة حادة، ثم استدار صوب الجميع ليرى أن هناك فتيات كانت تتراقص أعلى الطاولات واسفلهن بعض الرجال يحتسون المشروبات المسكرة، والبعض يدخن السجائر، رمق ادم المكان بعدم فهم وهو يقول هامسًا لمن معه :
" اعتقد أننا أخطأنا العنوان، لا يبدو لي أن ماركوس قد يكون معرضًا للخطر في مكان كهذا"
أضاف مايك وهو ينظر للمكان حوله :
" بل قلبي هو المعرض للخطر هنا "
رماه جايك بنظرة حادة وهو يتجاوزه متقدمًا من الجميع يصيح بشر :
" اين هو ماركوس ؟!"
تحدثت مديرة ذلك المكان وقد ملت مما يحدث لها :
" ما بال الجميع اليوم يأتون ليسألونني عن أشخاص لا اعرفهم، هل اخبركم أحد أنني افتح مكتبًا للبحث عن المفقودين ؟! هذا منزل للمتعة يا عزيزي "
تحدث جايك بعنف :
" لا تحاولي التذاكي يا امرأة، لقد أتى اخي هنا بحثًا عن فتاة اسمها فيور"
" ذلك المجنون تقصد؟! لقد أصاب اثنين من رجالي بطلقات مسدسه، ثم رحل بعدما تأكد أنني لا اخفي أحدًا عندي "
همس آدم بعدم فهم وهو يخرج هاتفه ليتحدث مع ماركوس :
" كيف ذلك؟! إن لم يكن ماركوس هنا ولا حتى فيور فأين هم ؟!"
" فيور معي "
استدار الجميع فجأة لصاحب الصوت بصدمة والذي لم يكن سوى مايك، تحدث جايك بعدم فهم وهو يعود أدراجه لمايك :
" ماذا قلت ؟؟ هي معك ؟! كيف ذلك ؟! ولِمَ لم تخبرنا ؟!"
لم يكد مايك يجيب أسئلة جايك حتى سمع صوت آدم يتحدث بلهفة عبر الهاتف :
" ماركوس أين أنت يا اخي ؟!.....ماذا؟! هل جننت ماركوس لا تذهب هناك وحدك.....لا لا فيور ليست معه، فيور معنا....حتى أنا لا أعلم كيف، لقد أخبرنا مايك للتو أنها معه....حسنًا فقط ابق عندك وسوف نأتي لك"
اغلق الهاتف وهو يشير للاثنين أن يلحقوا به قائلًا بلهفة :
" هيا لنلحق به قبل أن يتصرف بجنون "
تحرك جايك وادم للخارج، بينما مايك ابتسم للسيدة وهو يقول بغمزة :
" الاجواء هنا تساعد على الاسترخاء، سوف اعود مجددًا حسنًا "
ضحكت السيدة بدلال وهي تقبله في الهواء :
" سوف انتظرك يا وسيم "
فتح مايك فمه ليجيبها، لكن يد جايك منعته من ذلك وهو يجذبه للخارج بعنف تاركًا الجميع ينظر في أثرهم بتعجب، بينما السيدة صفقت بيدها وهي تقول بملل :
" هيا عودوا لما كنتم عليه "
_______________________
توقفت السيارة الخاصة بادم أمام سيارة ماركوس الذي كان متكأ عليها ينظر أمامه بشرود للسيارة القادمة والتي علم صاحبها، تحرك بأقدام متلهفة منهم، يتجاهل ادم الذي تقدم منه ليطمأن عليه وكذلك تجاهل جايك وهو ينقض على مايك الذي لم يكد يهبط من السيارة حتى وجد قبضة أخيه تمسك بتلابيب ثيابه في عنف كبير، يرجه بقوة كما لو أنه مشروبًا غازيًا :
" أين هي فيور مايك؟! كيف وصلت إليها ولِمَ اخفيت الأمر عني؟! تحدث يا رجل أين هي ؟؟"
تحدث مايك بصعوبة بسبب تحريك ماركوس له بسرعة كبيرة للامام والخلف :
" توقف عن رجي فقط حتى اتمكن من التحدث يا ابله "
ترك ماركوس ثياب مايك، ثم أمسك بكتفه وهو يقول بشر :
" أين ذهبت بها مايك ؟!"
" لقد اخفيتها في أحد المنازل "
" أيها الـ "
قاطعه مايك بسرعة قبل أن يكمل يقول ببسمة مستفزة :
" بأمر من انطونيو؛ لذلك إن أردت أن تسب أحد أو تضرب أحد اذهب لانطونيو "
أنهى حديثه بتشفي وهو يرى تراجع نظرات أخيه، عدل مايك من وضعية ثيابه وهو يهمس بحنق شديد :
" أنا أخوك الاكبر يا احمق، أظهر بعض الاحترام قليلًا، تبًا لك لقد أفسدت ثيابي يا غبي "
قاطع جايك وصلة التذمر الخاصة بمايك وهو يتساءل بعدم فهم :
" لِمَ يحتفظ انطونيو بفيور؟! هو بنفسه من اخافها واجبرها على الرحيل، أنا لا افهم ما يحدث "
نظر لهم مايك ثواني قبل أن ترتسم بسمة خبيثة على فمه يتلاعب بهم وهو يعلم جيدًا حالة الترقب التي هم بها الآن، لكنه رغم ذلك تحدث وهو يستند بظهره على السيارة ببرود :
" انطونيو ليس متسرعًا أو مندفعًا ليفعل شيء دون تخطيط مسبق يا عزيزي "
" وضح حديثك مايك ولا تتحدث بالاغاز، أنا أشعر أن هناك الكثير يحدث من حولي دون أن افهم شيء "
رفع مايك عينه ينظر للجميع بجدية :
" انطونيو لا ينتوي خيرًا، أنا لم افهم منه الكثير، لكن ما أدركته فقط هو أن القادم لن يكون سعيدًا لأحد، ما حدث سرّع وتيرة الخطة التي وضعناها سابقًا، تسمم روما أشعل فتيل غضب انطونيو وقد قرر البدأ فيما خططنا له "
____________________________
" إذن أنتِ هي الحقيرة التي فضلها علىّ ؟!"
لم تفهم روبين أيًا من حديث تلك السيدة، فهي بمجرد وصولها هنا انتزعوا منها هاتفها والسماعة التي كانت تضعها بأذنها، انتفضت روبين فجأة من مكانها وهي ترى تحرك السيدة صوبها بشكل مفزع، حيث قربت وجهها منها وهي تهمس بنبرة مخيفة :
" مجرد فتاة صغيرة غبية تحصل على ما لم استطع الفوز به، هذا ما لن أسمح به، سمعتِ ؟!"
نطقت روزيلا كلمتها الأخيرة بصراخ مخيف جعل روبين تبكي برعب وهي تحاول الابتعاد قدر الإمكان عنها، لكن روزيلا لم تسمح لها وهي تمسك وجهها بين يديها تتحدث بانجليزية حتى تفهم روبين عليها :
" أخبريني ما الذي جذبه بكِ ها ؟! "
لم تجب روبين عليها، تنظر لعينها برعب كبير، تتساءل كيف يمكن أن يكمن كل هذا الرعب والشر في هكذا وجه جميل ملائكي، سقطت دموعها تصرخ بقوة وهي تشعر بخصلات شعرها تكاد تخرج بين يدي روزيلا، التي جذبتها بعنف صارخة وقد جُنّ جنونها :
" ما الذي قد يجذب قاتل مختل مجنون كفبريانو لكِ؟! "
نظرت لها روبين بأعين دامعة ووجه شاحب، لا تفهم حديثها السابق، بينما روزيلا لم تهتم وهي تتحدث بجنون :
" شخص قضى حياته بين الجثث والدماء كان من المقدر له أن يكون مع فتاة قوية مثلي، لكنه بدلًا من ذلك اختار أن يكون معكِ أنتِ، فتاة غبية صغيرة ابعد ما يكون عن عالمه القذر "
نظرت لها روبين بضياع تشعر أنها تتحدث عن شخص آخر، ربما أخطأت في خطفها وهي تظنها شخص آخر، فتحت فمها وهي تقول بدموع ووجع :
" سيدتي ربما أنتِ مخطئة، أنا لستُ من تظنين، أعني ذلك الذي تتحدثين عنه ليس فبريانو خاصتي، ربما اخطأتِ الشخص "
كانت تتحدث بسرعة ولهفة كبيرة وهي تحاول تبرير ذلك الخطأ _ كما تظن _ للسيدة التي تحدق بها الآن باستخفاف، قبل أن تطلق فجأة ضحكة عالية رنّ صداها في المكان بأكمله، لا تصدق مقدار السذاجة في هذه الفتاة، نظرت حولها ثواني قبل أن تعود بعينها للفتاة وهي تردد بسخرية لاذعة :
" حقًا ؟! وماذا يعمل فبريانو خاصتك يا فتاة؟! "
ابتلعت روبين ريقها وهي ترد بقلق من نظرات تلك السيدة :
" عائلته لديها شركات و "
" اه تقصدين تلك الشركات التي يديرها انطونيو ومارتن كستار لأعمال عائلة فوستاريكي الوقورة ؟! يا فتاة هل خدعك فبريانو واخبرك أنه رجل اعمال ؟! "
أنهت حديثها وهي تنخرط في موجة ضحك أخرى، بينما روبين تنظر لها بملامح شاحبة تنافس الموتى، وقد اعترتها موجة باردة فجأة تشعر بجسدها يرتجف بقوة تحت وطأة ما تسمعه من تلك السيدة والتي لم تصمت عند هذا الحد بل اخذت تردد بنبرة شعرت بها متشفية :
" يا فتاة عائلة فوستاريكي تعد واحدة من أكبر عصابات العالم، واكثرهم شرًا، وهذا _ رجل الأعمال _ الذي تتباهين به، ما هو إلا واحد من أكبر اوغاد العالم دموية، أتعلمين عدد الأشخاص الذين قتلهم على يده فقط ؟!"
سقطت دموع روبين وهي ترى لقطات سريعة من لحظاتها مع فبريانو وحديثه المستمر _ الذي كانت تراه مزاحًا _ عن القتل طوال الوقت، وتهديداته للجميع بالقتل، وحمله للسلاح، واول مرة عندما صعدت للسيارة معه ورأت يرفع سلاحه على بعض الأشخاص، كل ذلك مر أمام عينها في ثواني لتدرك فجأة كم هي غبية، كم هي حمقاء، طوال هذه الفترة كانت ترافق قاتل، مجرم كبير ينحدر من عائلة لا تقل اجرامًا عنه، عند هذه النقطة انفجرت روبين في البكاء بقوة وهي تشعر بعالمنا ينهار فجأة، كل شيء تدمر كل شيء انتهى .
اختفت فجأة تلك الغمامة السوداء التي غطت افكار روبين وهي تستمع لصوت ميزته بكل سهولة، رفعت رأسها ببطء ترمق تحركات فبريانو داخل الغرفة وهو يرمق تلك السيدة بنظرات مخيفة يردد بنبرة خافتة بعض الشيء :
" مرحبًا روزيلا "
ارتسمت بسمة واسعة على فم روزيلا وهي تستدير ببطء تنظر لفبريانو نظرات غامضة :
" اووه انظروا من شرفنا بزيارته ؟! أنه السيد فبريانو فوستاريكي، هل كان علينا أن نلعب بقذارة لنراك يا سيد ؟!"
ابتسم فبريانو بسخرية وهو يتحرك داخل الغرفة متجهًا صوب روزيلا ويده تضغط على السلاح بيده وقد انتهى في الخارج من نصف رجالها بمساعدة جواسيس انطونيو :
" وكان هذا خطأكِ الاخير روزيلا ،لم يكن عليكِ استخدام تلك البطاقة لاستدراجي "
" صدقني الأمر يستحق سيد فبريانو، كما أنها كانت فرصة جيدة لنتحدث أنا والصغيرة حبيبتك، صحيح لم تخبرني سابقًا أنك تخفي عنها هويتك، أيها الماكر تدعي أنك رجل اعمال "
توقف قلب فبريانو للحظات وهو يستدير ببطء لروبين التي كانت تتابع ما يحدث بوجه شاحب ودموعها لم تتوقف عن النزول، ولأول مرة يشعر فبريانو بالقلق، لكنه أخفاه سريعًا وهو يحاول بصعوبة تجاهل روبين والاستدارة ليواجه روزيلا، ولم يكد يفتح فمه للتحدث والرد عليها، إلا وسمع صوت روبين يصدح في المكان بغضب وقهر :
" أنا لست حبيبته، ولا تصفيني بهذا اللقب المقيت مجددًا "
ارتسمت بسمة مخيفة على فم فبريانو ولم يحرّك ساكنًا وعينه ما تزال معلقة على وجه روزيلا التي كانت في أكثر حالتها انتشاءًا، بينما هو كانت ملامحه جامدة باردة بشكل مخيف يتجاهل حديث روبين قدر استطاعته يردف :
" يبدو أن جلستكما كانت مليئة بالأحاديث الشيقة "
ضحكت روزيلا بصخب وهي تقترب منه بشدة حتى كادت تلتصق به تحت نظرات روبين المقهورة والغاضبة، تمرر يديها على كتفه هامسة بصوت لم يصل لروبين :
" لا تحزن حبيبي فجلستنا لم تخلو من ذكرك "
ازدادت مرارة القهر في حلق روبين وهي تردد بغضب شديد من ذلك المشهد المقزز أمامها :
" اظن أنكِ حصلتِ على ما تريدين؛ لذلك دعيني وشأني "
ضحكت الفتاة بصخب وهي تنظر لملامح فبريانو المظلمة مرددة بإيطالية لم تفهمها روبين :
" اوبس يبدو أن حديثي مع حبيبتك تسبب في بعض المشاكل، ارجو ألا يزعجك هذا فبريانو "
وصل لفبريانو بكاء روبين واضحًا ليتحدث بجدية وبلغة تفهمها روبين، يضم روزيلا له وعلى فمه ترتسم بسمة لا تدري ما تخفيه خلفها، وصوته يخرج كفحيح :
" لقد أخبرتك للتو أنها ليست حبيبتي روزيلا؛ لذلك توقفي عن ازعاج الصغيرة بحديثك هذا .........."
___________________________
وتظن أنك استطعت جعلهم لعبةً بين يديك، والحقيقة هي انك بيدق في لعبتهم هم، وما يظهر لك هو ما يريدونك هم أن تراه، وتذكر أن ليس كل ما تراه حقيقة .
واحذر غضبهم، فهو أشبه بجحيم لا تدري من أي باب قد يأتيك .....
منتظرة رأيكم في الأحداث حتى الآن ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رحمة نبيل
ومن ثمرة الاطمئنان؛ الرضا
ومن غاية الرضا أن تستمتع بما أنت فيه.
-الرافعي| المساكين.
فَاحَ العَبِيرُ إِذَا ذَكرّتُ مُحمَّدًا
وَالنُّورُ أشْرَقَ وَالظَّلامُ تَبدّدا
بارت اطول من اللي فات عشان اللي كل شوية يقول قصير، قراءة ممتعة جميعًا في انتظار رأيكم بعد القراءة .
___________________________
تتحرك في المطبخ وهي تشعر بجسدها يشتعل غضبًا، لم تنس بعد عناقه لهايز في الصباح، ورغم حديثه أنه لم يقصد الأمر، إلا أنه لم يُخمد حرائق غيرتها، لكن لا بأس سوف تنتقم منه لذلك .
ومن بين افكارها تلك شعرت فجأة بشخص يقفز جوارها بشكل افزعها، ارتدت للخلف بسرعة كبيرة تفتح عينها بصدمة بسبب الصرخة التي سمعتها للتو، قبل أن تتنفس براحة وعينها تزداد حدة ترمق جولي بغيظ، نظرت روز سريعًا حولها تستطلع الطريق، ثم انطلقت صوب جولي تصفعها على ذراعها بغضب هامسة بصوت منخفض :
" أيتها الحمقاء كدتِ توقفين قلبي "
ضحكت جولي بتسلية وهي تغمز لها مشاكسة :
" بما كنتِ شاردة روز ؟! بذلك الرسام المجنون ؟!"
ومجددًا تلقت صفعة على ذراعها، لكن تلك المرة اقوى وهي تسمع تقريع روز لها :
" لا تنعتيه بالجنون جولي، فإن كان هناك من يستحق ذلك اللقب في المنزل فهو أنتِ "
لوت جولي فمها بسخرية تراقب ما تصنع روز، ثم اقتربت منها تقول بعيون تلتمع بالحماس :
" روز ما رأيكِ أن تعلميني كيف اصنع حلوى لذيذة مثلك ؟! اريد أن أصنع منها لمارتن، بيدي أنا "
ابتسمت لها روز وهي تهز رأسها بحسنًا، تعود لعملها مجددًا مندمجة في تحضير الطعام تتحدث مع جولي بهدوء :
" أين كنتِ طوال النهار جولي، بحثت عنكِ ولم اجدك، شعرت بالملل وحدي هنا "
ابتسمت جولي وهي تصعد لتجلس على الطاولة مقابل روز تقص عليها ما حدث صباح اليوم وذهابها للعمل مع مارتن، وما فعلته هناك وكم كانت سعيدة في تلك اللحظات .
تركت روز ما كانت تفعل وهي تنظر لها بتردد بعض الوقت، ثم فتحت فمها تصرح بما يدور في رأسها :
" جولي عزيزتي، ألا تظنين أن افعالك تلك طفولية بعض الشيء ؟! أعني ربما ينزعج منكِ مارتن، أو ربما يظنك مجنونة "
تهدل كتف جولي شيئًا فشيء تنصت لحديث روز، هي فكرت في كل ذلك سابقًا، فكرت في احتمالية أن ينفر منها مارتن بسبب تصرفاتها، فكرت أنه ربما يتركها يومًا بسبب ما تقوم به من جنون، والآن روز ألقت في وجهها تلك الأفكار معيدة إليها خوفها القديم .
في تلك اللحظة كان مارتن قد وصل أمام باب المطبخ يحمل في يده حقيبة مليئة بالاشياء التي احضرها مع جولي في طريقهم وقد جاء لوضعها في الثلاجة، لكن توقفت قدمه وهو يستمع لحديث جولي الذي قسم قلبه لشطرين :
" لقد عشت فترة لا بأس بها من حياتي داخل ملجأ روز، كنت من هؤلاء الأطفال الذين يدعون اشقياء، كنت اقفز في كل مكان وانا ادعي بكل حماقة أنني احارب جيشًا وحدي، وأنني قوية، قبل أن أشعر بصفعة تسقط على وجهي محطمة احلامي دفعة واحدة من قِبل مربية الملجأ، كانت تهوى دائمًا أن تقطع علىّ الحرب التي اشنها داخل عقلي في منتصفها، وهي تجرني من شعري صارخة في وجهي أنها تلعن اليوم الذي جئت به للملجأ وأنني لا استطيع فعل شيء سوى التسبب في المشاكل والانزعاج بسبب صراخي المتواصل، وكنت استمتع باغضابها "
ابتسمت جولي بسمة واسعة مشاغبة تخفي خلفها وجع كبير :
" لكنني لم ايأس، بل كنت اعود مجددًا وأجهز نفسي لحرب جديدة، متجاهلة حديث الأطفال الأكبر سنًا مني عن كم أنا فتاة خرقاء لن تجد يومًا من يقبل بها ابنة لهم، وكانوا محقين لم يكن أحد يقبل بي، لكن أنا لم أتوقف "
ابتسمت لها روز بحنان وهي تمسك يدها مربتة عليها لتكمل جولي حديثها ببسمة صغيرة :
" هربت من الملجأ ذات يوم، وشيئًا فشيء توقفت عن كل تلك الأفعال، بعدما وجدت نفسي فجأة مضطرة للعمل لإيجاد مأوى لي، وتدبير طعام يسكت معدتي كل يوم "
ابتسمت بسمة حالمة مغرمة وهي تكمل :
" حتى اقتحم مارتن حياتي واعاد تلك الجولي المشاكسة، وازال كل تلك الأحمال عن كتفي، لتبدأ جولي الطفلة تطالب بحقها في إكمال تلك الحرب التي تركتها في منتصفها، طالبت بحقها في عيش طفولتها حتى آخر رمق، دون أن تُصفع، عندما اتصرف تلك التصرفات الغبية أمام مارتن، ليس لازعجه، بل لأنني متأكدة أنه الشخص الوحيد الذي سيتحمل جولي الحمقاء، الشخص الوحيد الذي لن ينظر لي باستخفاف وبسخرية، أو يراني طفولية مجنونة، الوحيد القادر على احتواء جولي الطفلة، وإسعاد جولي الكبيرة، نعم احيانًا أخشى أن يمل افعالي ويغادر، لكن مع اول نظرة حنونة منه وهو يرمقني بحب أشعر أنه يخبرني أن أفعل ما اريد وهو سيبقى هنا في ظهري ليساندني في حربي الغبية إن احتاج الأمر "
ختمت حديثها وهي ترفع عينها لروز الدامعة :
" ربما أنا طفولية بشكل مزعج، لكن "
لم تكمل جولي حديثها بسبب شعورها بيد تمسك بيدها في قوة كبيرة، استدارت بفزع تنظر لمارتن الذي كان يرمقها بعشق وهو يقول ببسمة واسعة وحماس كبير :
" أنتِ هنا تتحدثين مع روز وتتركين الحرب مشتعلة جولي ؟! هيا يا فتاة انهضي بسرعة لقد هجم انطونيو على الوكر "
أنهى مارتن حديثه وهو يجذب جولي خلفه بسرعة كبيرة يهتف بلهفة تحت أنظار روز المصدومة من حديثه :
" هيا سوف اصنع جدار حماية لتأمين جميع أجهزتنا، قبل أن يقوم ذلك الانطونيو الشرير باختراقها "
لم تبكي جولي أثناء قص حكايتها ولم يؤلمها قلبها لكل ما عاشته، لكن الآن بكت دون شعور تأثرًا بحديث مارتن، الذي قرر التخلى عن دور المتفرج والاندماج معها في عالمها، سحبها مارتن معه لغرفته بسرعة وهو يمسك حقيبة الحلوى في يده وجولي خلفه تسير باكية بتأثر .
بينما انطونيو الذي جاء لتبديل ثيابه كان يقف وهو يرمق اثرهما بعدم فهم مرددًا :
" أي وكر هذا الذي اقتحمته بحق الله؟! أنا للتو عدت من الخارج "
ضحكت روز ضحكة مكتومة تمسح دموعها، لا تستطيع تحمل مظهر انطونيو وهو يرمق ما يحدث بغباء، ولا يعلم المسكين أنه الشرير في قصة أحدهم، بل وأنه كل يوم يتم هزمه بواسطة جيش جولي شر هزيمة، وهو إن صرخ صرخة واحدة في جولي قد تسقط ارضًا من الرعب .
بمجرد أن خطى مارتن للغرفة رفقة جولي، لم يكد يفتح فمه بكلمة، حتى وجد جولي ترتمي في أحضانه وهي تردد من بين دموعها :
" مارتن أنا احملك الكثير فوق طاقتك، وارهقك اكثر، لكنني اقسم أنني احبك كثيرًا، اسفة لأنني ازعجك "
ضمها مارتن بحنان وهو يبتسم بسمة صغيرة مقبلًا شعرها بلطف :
" أن أحمل اثقالك هو احب شيء لقلبي جولي؛ لذلك افعلي ما تريدين وشاغبي كما تودين، فأنا واقع في عشق جولي الطفلة، وافعالك تلك لا تفعل شيء بي سوى أنها تزيد من حبي لكِ؛ لذلك أكثري منها صغيرتي، أنا لن امل "
بكت جولي وهي تضم نفسها له أكثر تهمس بحنين :
" مارتن أنت افضل رجال هذا الكون، وانا احبك "
ابتسم مارتن بحنان وهو يهمس لها :
" وأنتِ أرق نساء الدنيا جولي، وأنا أهيم بكِ عشقًا "
___________________________
ملء القهر نفسها وهي تراقب ذلك المشهد الذي ذبحها بلا شفقة، عينها تتحرك على يد فبريانو التي يضم بها تلك الفتاة، شعور القهر والغضب يدفع بمرارة لحلقها، ولم تشعر روبين بنفسها إلا وهي تندفع بكل عنف صوب الاثنين تدفع الفتاة بعيدًا عن فبريانو تصرخ بغضب شديد وجنون :
" ابتعدي عنه "
ابتسمت روزيلا بسخرية وهي تعتدل في وقفتها ترمق روبين باستخفاف، ثم تحركت صوبها تقف أمامها تنحني قليلًا هامسة بشكل مستفز :
" اوووه الصغيرة تشعر بالغضب لـــ"
ولم تكمل حديثها بسبب اللطمة التي استقبلها خدها من يد روبين والتي صرخت فيها بكل جنون :
" اخرســــــــي "
اسودت عين روزيلا ترمق روبين بشر جعل الاخيرة تستوعب فجأة ما فعلته بصفعتها تلك، فهي تشعر كما لو أنها أيقظت للتو وحشًا، ابتلعت ريقها تعود للخلف قبل أن يصطدم جسدها بجسد آخر صلب تعرفه تمام المعرفة بسبب رائحته المميزة، انتفضت بعيدًا عنه وعينها ترسل له لوم وغضب لم يرى له مثيل قبلًا في عين روبين .
سقطت دموع روبين بقوة وهي تنظر بعين فبريانو تحاول التحدث بشيء يطفئ نيران قلبها، شيء تريح به نفسها، لكن وقبل أن تنطق بكلمة كان هناك رجل يدخل للغرفة يسحبها للخارج تحت نظرات فبريانو الجامدة، وتحفز روزيلا وهي ترى أحد رجالها يسحبها أمام أعين فبريانو ولم يحرّك ساكنًا، ابتسمت ساخرة وهي ترى الحسرة تستوطن عين روبين .
قاومت روبين جذب الرجل وهي تشعر بانفاسها تتقلص فجأة، تراه يقف يراقب ذلك الرجل يسحبها، بكت وهي تصرخ بغضب في وجهه ظنًا أنه تخلى عنها :
" بكرهك يا فبريانو، أنا بكرهك، ياريتني ما شوفتك ولا عرفتك، أنا بكرهك "
قالت صرختها الأخيرة وهي ترى انتفاضة طفيفة مرت سريعًا على جسد فبريانو، قبل أن يدعي الثبات، نظر فبريانو لروزيلا التي كانت منتشية من ذلك المشهد المنعش لروحها، اقتربت بخطوات متغنجة صوبه وهي تبتسم له بسمة مغوية، تمد يدها لتتعلق بذراعه، لكن قبل أن تمسه كانت رأسها تقبع بين قبضته وهو يضربها في الجدار خلفها بعنف ولأول مرة في حياته تكون ضحيته امرأة، دفع فبريانو رأس روزيلا أكثر للجدار حتى كادت تنفجر وهو يقول في اذنها بشر :
" سوف اريكِ جحيمي الذي لم يره أحد سابقًا واتسون"
نظرت له روزيلا بعين متسلية وكأنها تستمتع بغضبه :
" حقًا، ارني ما لديك سيد فوستاريكي، فأنا في الحقيقة اعشق كل ما يصدر منك "
ابتسم فبريانو بسمة مرعبة جعلت ملامح الرعب تعلو وجهها في ثواني وهو يهمس لها بفحيح :
" لا أعتقد أن ما سيصدر مني هذه المرة سيعجبك"
في الخارج كانت روبين مستسلمة لجذب الرجل لها وهي تبكي بقوة شاعرة بأنها على مشارف الدخول في نوبتها، كانت تبكي وهي تسير هائمة مع ذلك الرجل وانفاسها تثقل شيئًا فشيء، حتى شعرت بجسدها يتم دفعه لسيارة، انصاعت لدفع الرجل وهي تجلس في السيارة قبل أن تراه يغلق الباب ويرحل بخطوات سريعة صوب البيت الذي خرجت منه للتو.
نظرت حولها بتيه وهي تدرك الآن أنها في سيارة فبريانو، ازدادت في البكاء، تحاول الخروج منها، لكن فشلت وقد ازداد تنفسها صعوبة حتى شعرت بأنها ستغادر العالم كله خلال ثواني، ألقت رأسه على المقعد باستسلام تحدق بسقف السيارة وكل ذكرياتها معه تمر أمامها، وقد بدأ ألم صدرها يزداد واصبحت تتنفس بعد جهد مضني وقبل أن تسلم أمرها وتغرق في يأسها اخترقت جملة بصوته الاجش أذنها وهي تتذكر حينما كادت تدخل في نوبة ذات مرة واعطاها هو البخاخ قائلًا بحنان ( احتفظ به في كل مكان تحسبًا لأي شيء ) .
وعند هذه الخاطرة سقطت دموعها أكثر شاعرة بالضعف يصيب أطرافها، حتى أنها لم تستطع النهوض والبحث عن البخاخ وهي متأكدة أنه يحتفظ به هنا، ثواني مرت قبل أن تشعر بيد ترفع رأسها من على المقعد وشيء بارد يلمس شفتيها، فتحت عينيها ترى من بين سيول دموعها وجهًا مألوفًا، وجهًا لطالما أحبت النظر إليه، لطالما رأته الالطف والاجمل، لكن الآن تشعر أنها تقف أمام شخص غريب .
دفع فبريانو البخاخ بفمها بهدوء، يمنع أي مقاومة منها، يجذبها لتستند على صدره بينما يده تمسك البخاخ أمام فمها، يعيد خصلاتها للخلف، يساعدها التنفس انحنى قليلًا جوار أذنها وهو يهمس لها بصوت خافت حنون :
" تنفسي حبيبتي، تنفسي "
عند هذه الكلمة انفجرت روبين في البكاء اقوى واقوى، تبعد البخاخ من أمام فمها وقد بدأ صوت تنفسها يعلو، ومازال بكائها يزداد، بينما فبريانو يحاول السيطرة على جسدها ومنحها البخاخ بالقوة، لكنها كانت ترفض بكل يأس تتمنى لو يتركها الآن تلفظ أنفاسها، علّ ذلك الالم الذي يستوطن قلبها ينتهي، شدد فبريانو ضمه لها وهو يصرخ بشكل مرعب وقد برزت عروقه :
" اللعنة عليكِ روبين، توقفي عن هذا، توقفي "
لم تستمع له روبين وهي تجاهد للبقاء مستيقظة وهناك غيمة سوداء قد بدأت تقف أمام عينيها تسحبها لعالم بعيد عن هذا، لكنه لم يسمح لها بهذا وهو يدفع البخاخ في فمها بعنف شديد وقد وصل لأقصى مراحل جنونه يراها تعاند بشكل سيؤدي لموتها، أجبرها على استنشاق الدواء من البخاخ، بينما يده يجذب جسدها بعنف لخاصته حتى يمنع أي مقاومة منها، واخيرًا استكانت روبين لرغبته وهي تستنشق الدواء ودموعها تهبط بقوة، و هو انحنى برأسه يضعها على كتفها جوار أذنها يهمس بصوت مثخن بالمشاعر :
" لا تفعلي بي هذا روبين، لا تعاقبيني بكِ، لا تؤلمي قلبي هكذا مجددًا "
_________________________________
تحرك ماركوس صوب البناية التي توجد بها فيور وحديث مايك يرّن في أذنه ...
" بمجرد هروب فيور أمرني انطونيو خفية أن الحق بها، وكذلك فعلت، لكن أثناء ذلك انتبهت إليها تدخل لإحدى المناطق المتطرفة في المدينة، وانتظرت كثيرًا حتى تخرج مجددًا، لكن فجأة وبعد عدة ساعات وجدتها تخرج من المكان مقيدة يجذبها بعض الرجال صوب إحدى السيارات بعنف، وعندما لحقت بهم، استطعت أخذها منهم بقوة واخذتها لإحدى الشقق التابعة لنا، واتضح لي أنهم كانوا على وشك ارسالها لإحدى منازل المتعة "
صمت مايك يردد بجدية وهو ينظر للجميع :
" انطونيو لم يقصد اذيتها ماركوس، هو فقط أراد أن يعطي المساعدة الشخصية الفرصة لاخبار قائدها بالجديد، حتى يبدأ في اتخاذ الخطوة التالية ونستطيع معرفة هويته "
خرج ماركوس من شروده وهو يتحرك بسرعة على درج البناية، يشتاق لرؤية الصغيرة والتأكد أنها بخير ولم يحدث لها شيء، توقف أمام المنزل الذي أخبره به مايك، أخرج المفتاح يدسه في الباب يفتحه بلهفة، لكن ما كاد يخطو للمنزل إلا وشعر بشيء صلب يسقط على رأسه، ولم يكد يستوعب الأمر إلا ووجد جسد يندفع نحوه بقوة مسقطًا إياه ارضًا .
ارتطمت رأس ماركوس بالأرض بعنف جعله يطلق صرخة عنيفة، يضغط على شفتيه يحاول تمالك الالم الذي انتشر برأسه، بينما كانت هي تقبع فوق جسده لم ترى بعد الشخص الذي كادت تودي بحياته، توجه سكين صغير صوب معدته وهي تهمس في أذنه بفحيح :
" هل تظنني بلهاء يا هذا؟! اقسم أن أجعل والدك الغبي يبكي دمًا عليك "
أنهت كلماتها وهي تدفع بالسكين لذلك الجسد الذي تتسطح عليه، لكن تلك الصرخة أسفلها أوقفت يدها :
" اقسم أنني أنا من سيجعلك تبكين يا حمقاء "
ختم ماركوس كلماته وهو يستدير في حركة سريعة جاعلًا إياها أسفله وعينه تطلق شرار، واضعًا يده عند عنقها يكاد يخنقها :
" كيف تتجرأين ؟! "
فتحت فيور عينها بصدمة وهي تحاول ابعاد يده مرددة :
" ماركوس، أنا ...أنا لم اقصدك أنت... أنا قصدت ذلك الحقير اقسم، لقد كان يأتيني المنزل هنا و"
توقفت عن الحديث وهي تستمع لصوت اقدام في الممر الخارجي للشقة؛ لذلك مدت يدها بسرعة تضرب بها الباب مغلقة إياه بعنف، وجسدها ينتفض رعبًا؛ مما جعل ماركوس ينزع يده وهو ينظر لها بتعجب :
" ما الذي يحدث هنا ؟!"
دفعته فيور بقوة، ثم نهضت تحمل سكينها الذي كانت تحمله منذ ثواني تشير لماركوس بالصمت، ثم أشارت على الباب مرددة بشر :
" لقد أتى النذل، اقسم أن أخرج احشاءه هذه المرة "
أنهت حديثها وهي تتحرك تختفي خلف الباب، لكن يد ماركوس التي جذبت ثيابها بقوة منعتها من إكمال سيرها وهو يهمس لها بشر :
" أيتها الصغيرة ما المشكلة التي افتعلتيها هذه المرة ؟!"
حركت فيور عينها تنظر في خاصته ثواني ثم همست له :
" ابن بواب هذه البناية يحاول التقرب مني منذ جئت هنا، وأنا فقط اريد قتله عم ماركوس "
ارتسمت بسمة مخيفة على وجه ماركوس وهو يقول بخبث :
" اوووه، صغيرة العم ماركوس ليست لصة وحسب بل قاتلة أيضًا "
ابتسمت له فيور بشر قبل أن تسمع هي وماركوس صوت مفتاح يتحرك في الباب، امتدت يد ماركوس تلقائيًا لمسدسه وهو يعلق عينه بالباب حتى .....
________________________________
" يعني ده جزاتي يابنتي ؟! ده أنا كنت بحاول اساعد حتى "
انقضت رفقة على توفيق وهي تقول بغيظ من بين أسنانها متجاهلة ضحكات اسكندر العالية، ونظرات جاكيري الجاهلة بما يحدث حوله :
" تساعد ؟! بوظتلي الراجل وتقولي تساعد؟! كل ما أكلمه كلمة يقول وه يابوي؟! "
ضحك توفيق بصخب وهو ينظر لجاكيري :
" طب والله طالعة من بُقه ( فمه ) عسل "
اشتد ضغط رفقة على اسنانها وهي تقول بغيظ :
" عسل ؟! عسل ايه يا عم توفيق، ده انت عملت للراجل سوفت ومبقاش عنده رد غير وه يا بوي، اقولك ايه غير الله يسامحك يا عم توفيق "
أنهت حديثها، ثم تحركت صوب جاكيري تجذب يده بقوة وهي تقول له بغضب :
" هيا جاكيري انهض معي اريد التحدث معك بأمرٍ ما "
أجابها جاكيري بسعادة طفله تعلم كلمته الاولى في الحياة :
" وه يابوي"
واخيرًا استطاعت رفقة سحبه من على المقعد وهي تتحرك به للخارج تقول بحنق وغضب :
" توقف عن تلك الكلمة بحق الله "
نظرت سيلين في أثر الاثنين بتعجب وهي تتساءل :
" ما الذي فعلته أيها العجوز بالصبي ؟! هل علمته كلمات بذيئة لذلك غضبت رفقة ؟!"
لوى توفيق شفتيه بسخرية :
" والله ما في حاجة بذيئة غيرك، ثم أنتِ مالك بيا وبيه؟! كلام رجالة ايش حشرك بينا ؟!"
" ماذا تقول توقف عن الحديث معي بهذه اللغة "
" هتسوقي فيها ولا ايه ما كل شيء انكشف وبان، فكك بقى من جو المكرونة الاسباجتي والبيتزا اللي أنتِ عايشة فيهم دول، وتعاليلي هنا في منطقة الفول والطعمية والكشري "
في الخارج حيث رفقة وجاكيري، كانت رفقة تقف أمام جاكيري وهي تقول بتردد :
" جاكيري، انس الأمر رجاءً لا تذهب لذلك المكان، أنا أخشى أن يمسك سوء "
" رفكة، ما بك، الأمر ليس خطرًا لهذه الدرجة "
" بل هو كذلك جاكيري "
نفخ جاكيري أنفاسه بضيق وهو يقترب منها قليلًا يجذبها لاحضانه بلطف مرددًا :
" رفكة حبيبتي، هذا لا يعد شيئًا مقارنة بكل ما فعلته من قبل "
دفعته رفقة بعيدًا عنها بغيظ :
" لا تذكرني بافعالك تلك جاكيري رجاءً، أنا أجاهد نفسي حتى انسى ما تفعله "
رفع جاكيري حاجبه بسخرية وقد تشنج فمه يقترب منها مرددًا بنبرة مخيفة :
" اي أفعال تلك التي تقصدينها رفقة ؟!"
" رفقة ؟! حقًا جاكيري؟!"
هز جاكيري رأسه وهو يشير لها بإصبعه :
" نعم لا مزيد من رفكة، يبدو أن دلالي لكِ افسدك يا فتاة، الآن تسخرين من عملي ؟؟"
فتحت رفقة فمها بصدمة من حديثه، ثم أشارت لنفسها مستنكرة الأمر :
" عمل ؟! هل تمزح معي ؟!"
هز جاكيري رأسه بلا وهو يبتسم لها بسمة مستفزة، قبل أن يراها تندفع صوبه بسرعة مخيفة جعلته يبتعد فوراً من أمام وجهها ليحمي نفسه منها، بينما هي لم تكن ترى سواه، تخطط للاصطدام به وضربه، لكن تنحيه جانبًا في آخر لحظة جعلها تصطدم بقوة في الشجرة التي كان جاكيري يقف أمامها، ثم سقطت ارضًا بقوة تتأوه من شدة الضربة .
بينما جاكيري كان يقف جوارها يتنفس الصعداء لأنه أفلت منها، قبل أن يستمع لصوت تأوهها في الأرض، انحنى قليلًا ينظر لها من علياه :
" هل تأذيتي ؟! تؤلمك رأسك ؟!"
فتحت رفقة عينها تتحدث بتأوه وهي تتحسس رأسها :
" كلك نظر يا عديم النظر، اقسم بالله مغلطتش لما قولت أنك متدحرج من عيلة هبلة "
جلس جاكيري القرفصاء جوار رفقة وهو يمد يده يربت على رأسها بحنان :
" لا بأس عزيزتي دعينا ندخل وسأعالجها لكِ "
ضربت رفقة يده بعنف وهي تصرخ في وجهه :
" أنت أيها الـ "
صمتت ولم تجد شيئًا يعبر عن غضبها منه، نهضت وهي تسبه وتلعنه، بينما هو يقف جوارها يراقب غضبها ذلك بتعجب، يفكر في سببه، فهي من كادت تضربه منذ ثواني والآن تغضب ؟!
ابتسم وقد قرر أن يبدأ هو ويراضيها؛ لذلك اقترب منها يضم رأسها بحنان متحدثًا بلطف :
" حسنًا لا بأس سأعود لمناداتك رفكة، لا تحزني "
أطلقت رفقة زغرودة عالية رنّ صداها في المكان وهي تقول بسعادة مبالغ فيها :
" يا الف نهار ابيض، يا الف نهار مبروك، لا تستحق دماغي تتفتح عشانها الحقيقة "
لم يفهم جاكيري شيء من حديثها لكنه قال ببسمة :
" سعيدة الآن ؟!"
" سعيدة؟! بل سوف ارقص من السعادة "
ختمت حديثها وهي تحرك يدها في الهواء بما يشبه الرقص ساخرة من جملته، لكن يبدو أن سخريتها لم تصل له واضحة كفاية حتى قال :
" حقًا تريدين الرقص ؟! لا بأس يمكننا الرقص سويًا "
رفعت رفقة قبضتها تعض عليها بغيظ شديد، ثم أطلقت صرخة عالية في وجهه وبعدها تحركت للداخل ركضًا وهي تصرخ بغضب، تاركة إياه ينظر إليها بعدم فهم، ثم لحق بها وهو ينادي عليها :
" ماذا تريدين الرقص بمفردك ؟! "
______________________
" أنا بخير امي، فقط بعض الإرهاق، لكن لا تقلقي أنا بأفضل حال الآن "
ابتسمت سيرينا وهي تربت على رأس ابنتها بحب، وعينها تقص عليها ما حدث لها أثناء غيبوبتها القصيرة :
" لقد كدنا نفقد عقلنا روما، والمسكين انطونيو انهار بشكل لم أكن أتخيله يومًا "
أطلقت روما تأوهًا، وقد بدأ قلبها يقرع عشقًا لذكر اسمه فقط :
" هل هو بخير امي ؟! "
ابتسمت لها والدتها بسمة صغيرة وهي تردد ساخرة :
" روما حبيبتي أنتِ من كنتِ على وشك الموت وليس هو، رغم أنه كاد يلحق بكِ في الحقيقة، لكن ...."
لم تكمل سيرينا جملتها بسبب اقتحام انطونيو للغرفة وهو ينادي اسمها بلهفة كبيرة، استدارت له روما بسرعة ترمقه بعشق، ولم يعطها انطونيو فرصة إخراج كلمة واحدة، حتى انطلق لها كالصاروخ، يضم جسدها له بقوة يشتم عبيرها وكأنه كان في غرفة مفرغة الهواء منذ غيابها عن عينه .
تحركت سيرينا للخارج دون أن يشعر بها الاثنين، تاركة إياهم وحدهما .
بكت روما وهي تدفن وجهها في كتف انطونيو تهمس اسمه من بين دموعها، بينما هو اختار الصمت وسيلة للتعبير عما يجيش في صدره، يتأوه باشتياق شاعرًا أن قلبه يكاد يخرج من صدره .
" انطونيو أنا اسفة، أنا اسفة، امي أخبرتني أنك عانيت في غيابي "
لم يجب عليها انطونيو، بل ظل صامتًا يستمتع بقربها ودفء عناقها، وكأنه مغترب عاد لتوه لأحضان وطنه، وها هو يُمرغ وجهه في ترابها يستنشق عبق هوائها، رافضًا تذكر ايام غربته ومعاناته بعيدًا عنها .
أغمضت روما عينها بقوة وهي تربت بحنان كبير على ظهره وكأنه طفلها الذي رأته بعد سنين فراق، تهمس له بحب :
" انطونيو، قل شيئًا، أرح قلبي واسمعني صوتك "
" فقط دعيني اسكن أحضانك روما، دعيني استمتع بدفئك اليوم "
ابتسمت روما وهي تتسطح على الفراش جاذبة إياه بلطف كبير، وهو يدفن رأسه بين أحضانها مغمض العين، وقد ألقى بكل مشاكله بعيدًا عنه، يستمتع بتلك اللحظة حتى الرمق الاخير .
وبعد ساعات لم يحسبها انطونيو همس بصوت بعيد كل البعد عن ذلك الصوت الذي يحدث به روما منذ استيقظت :
" روما حبيبتي، قصي علىّ لقائك مع مساعدتي الشخصية "
تعجبت روما حديثه، تبعد رأسه قليلًا وهي تردد ومازالت نبرتها تحمل بعض الإرهاق :
" ماذا تقصد ؟!"
" ما سمعتيه روما، ما الذي حدث عندما جاءت المساعدة الشخصية لي في المنزل ؟!"
ورغم تعجب روما سؤاله إلا أنها تحدثت ببساطة ورأسها تعمل بسرعة تحاول معرفة ما يريده انطونيو من خلف سؤاله :
" لقد اتت ومعها حقيبة جلدية بها مستندات تحتاج امضائك، وانا أخبرتها أنك لست متواجدًا في المنزل، وهي طلبت مني أن أعطيك إياها على وجه السرعة بمجرد عودتك؛ لأنها مهمة جدًا "
صمتت قليلًا قبل أن تسأل بصوت حاد :
" لماذا تسأل انطونيو ؟! وكيف تسمح لمساعدتك الشخصية أن ترتدي هكذا ثياب في العمل ؟!"
انتفض انطونيو من أحضانها وهو يرمقها بغباء :
" ثيابها ؟! هذا كل ما لفت نظرك روما ؟! "
ابتسمت هي بتهكم :
" وهل هناك ما لفت نظرك أنت بها غير ثيابها ؟! "
" روما هل أثر السم على عقلك ؟!"
" بل اثر عليك سيد انطونيو، ما الذي يجعل مساعدتك الشخصية تأتي لمنزلك وتعطيك ملفات، منذ متى تستقبل هكذا أمور في المنزل، لقد شككت في الأمر من البداية، جيد أنني فتحت الحقيبة وتأكدت من أنها لا تخفي لك رسالة غرا....."
اسودت عين انطونيو فجأة وهو يقترب منها بشكل خطير :
" هل فتحتِ الحقيبة وامسكتِ المستندات فقط لتتأكدي أنها لا تخفي رسالة لي بينهم ؟!"
ابتلعت روما ريقها برعب من نظرته، لا تفهم ما حدث فجأة وكيف انقلب بهذا الشكل :
" وهل كان هناك ما تخشاه يا سيد بين الملفات ؟!"
رفع انطونيو قبضته يكاد يهوي بها على وجهها وهو يصيح بعنف، بينما هي صرخت تخفي وجهها برعب :
" أيتها الحمقاء، كدتِ تُقتلين بسبب غيرتك الغبية، يا ويلتي على الورطة التي ألقيت بنفسي فيها بزواجي منك "
نظرت له روما من خلف يدها وهي تصيح بغيظ من صراخه بها دون سبب مقنع :
" كل هذا لأنني فتحت حقيبة تلك الفتاة ؟! أنت الآن تثير شكوكي أكثر "
نهض انطونيو من الفراش وهو يصرخ في وجهها بغيظ يكاد يحطم الغرفة فوق رأسها :
" تبًا لكِ يا امرأة، لقد كدت أموت حزنًا عليكِ، كدتِ افقد عقلي لأجلك، وكل هذا لانكِ تشكين أنني في علاقة مع مساعدتي الشخصية ؟!"
" لا أنا لم أقل هذا طوني، أنا لا اشك فيك، أنا فقط اغار عليك، هناك فرق بين الاثنين "
ارجع انطونيو خصلات شعره للخلف والغضب يحتل جسده كله، بينما روما كانت تخفي نفسها خلف وسادة وقد اتخذتها كحائط لحمايتها، تشعر بالرعب منه وهو في تلك الحالات :
" أنا اسفة انطونيو، لن أكررها اقسم لك "
نظر لها انطونيو بشر وهو يصرخ في وجهها :
" اصمتِ روما الآن اصمتِ، أنا أحاول كبت غضبي عنكِ "
صمتت روما ثواني وهي تراه يغمض عينه وهو ينفخ بغضب، ثم تحدثت :
" طوني، افضل الآن ؟!"
نظر لها انطونيو بطرف عينه، قبل أن يتحرك لها يتسطح على الفراش جوارها وهو يقول مغمضًا عينه يجذبها له :
" لن امرر لكِ الأمر بهذه السهولة روما، لكنني الآن احتاج وبشدة لاحتضانك؛ لذلك سأتظاهر أن الأمر لم يحدث، حتى تصبحي بخير "
" لكن أنا ...."
" اششش فقط اهدئي روما، أنتِ اجمل وأنتِ هادئة، كما أن هدوئك يساعدني لكبت رغبتي في قتلك الآن "
أنهى حديثه بنبرة لطيفة لا تناسب كلماته، يضمها له بحنان مقبلًا اعلى رأسها وعينه تحكي قصصًا أخرى مرعبة، وقد بدأ يرسم في رأسه نهاية تلك الحكاية وبابشع الطرق ....
____________________________
كانت قدمها ملتصقة بالارضية أسفلها، تبتلع ريقها لاعنة نفسها وجميع من أوصلها لتلك المرحلة من الكذب، نظرت حولها تلمح نظرات رفيقتها الملهوفة، ونظرات ماليكا الساخرة وبشدة، فهي اليوم صباحًا بمجرد أن خطت لمقر المجلة حتى وجدت ماليكا في انتظارها وهي تقول ببسمة خبيثة :
" ها أنتِ عزيزتي لورا، لقد انتظرناكِ كثيرًا "
رمقتها لورا بعدم فهم :
" ماذا ؟! "
" ماذا ماذا ؟! ألم تقولي أنكِ ستذهبين لمافو حتى يصمم لكِ فستان خصيصًا لأجلك ؟! هيا سوف نأتي معك "
فتحت لورا فمها بصدمة تحاول منع تلك المصيبة الوشيكة، تهز رأسها بلا، لكن ماليكا ورفيقتها لم تمنحاها الفرصة وهم يجذبونها للخارج بعنف، وماليكا تردد بمكر :
" سنذهب بسيارتي، أنا أعرف الطريق "
أفاقت لورا من شرودها على يد رفيقتها التي تحدثت بريبة من شرودها ولونها الشاحب ذلك :
" لورا ما بك ؟! هل أنتِ مريضة ؟!"
ابتسمت ماليكا بسخرية :
" اوووه يا ويلتي، دعونا إذًا ندخل للمركز قبل أن تسوء حالتها بسبب البرودة هنا "
أنهت حديثها وهي تدفع لورا صوب مدخل مركز تصميم ازياء مافو ولورا عينها معلقة بالمبنى في رعب، وكأنه وحش سينقض عليها، تبتلع ريقها بتوتر، هي حتى لم تملك الوقت لاخبار مايك بقدومها، ولا تعلم إن كان هنا ام لا، كادت تبكي بحسرة وهي تخطو لمكتب السكرتيرة التي رمقت الثلاثة بنظرات مترقبة :
" نعم تفضلن آنساتي، كيف اساعدكن ؟!"
ابتسمت ماليكا وهي تتولى دفة الحديث بينما نظراتها تنحرف كل فنية والأخرى نحو لورا التي كانت تفكر إن قامت بحفر الأرضية أسفلها ودفن نفسها كم سيستغرق من وقت .
" هل السيد مافو هنا ؟!"
نظرت لها السكرتيرة من أعلى لاسفل نظرات مدققة قبل أن تقول بهدوء :
" لا، السيد مافو ليس هنا، ثم هو لا يقابل أحد إن لم تكوني على اطلاع بالأمر"
ابتسمت ماليكا بسمة جانبية وهي تنظر لـ لورا بسخرية مرددة :
" حقًا ؟! لكن صديقتي أخبرتنا أن لديها موعد معه شخصيًا "
عضت لورا شفتيها بقوة وهي تكاد تسقط ارضًا من كثرة التوتر، تفكر في ماليكا التي ستعود للمجلة وتبدأ في نشر أخبار عن كم هي كاذبة مخادعة وفاشلة، وبعدها ستكون على موعد مع نظرات سخرية قاتلة، ابتلعت ريقها وهي تتحدث بارتجاف ظهر واضحًا في صوتها :
" هو أخبرني أنه مشغول هذه الأيام ولن يستطيع مقابلتي، ربما لاحقًا و"
لم تكد تنتهي من جملتها لترى فجأة انتفاض المساعدة الشخصية لمايك وهي تنظر صوب الباب متحدثة بلهفة :
" سيدي "
اتجهت جميع الانظار صوب الباب ببطء ليروا جسد رجولي يتحرك بخطوات هادئة يضع أعلى رأسه قبعة رياضية بيضاء تناسب ثيابه العلوية التي تتكون من نفس اللون وعلى عينه تستقر نظارة سوداء، وايضًا يرتدي قناع طبي، كل ذلك لتفادي أي أنظار فضولية أثناء مجيئه، وتفادي عدسات الصحافة.
فتحت ماليكا فمها ببلاهة وهي تحاول أن تخترق كل تلك الحصون التي يخفي خلفها مافو وجهه، وقد شعرت فجأة بالسعادة تغمرها، ها هي تقف في مكتب مافو وأمامه مباشرة :
" يا ويلي، أنه هو "
نظرت لورا له بفزع وهي تتمنى لو لم تولد، ها هي تزج بنفسها في موقف سخيف مثلها، ابتلعت ريقها وهي تستمع لصوته يتحدث بهدوء عكس ما اعتادته منه :
" أنا مشغول مولي لا ترسلي لي أي أعمال "
أنهى حديثه وهو ينزل القبعة أكثر على وجهه متجهًا صوب غرفة التصاميم الخاصة به، بينما ماليكا عينها تكاد تخرج من محجرها وتلتصق به وقد نست سبب مجيئها من الأساس.
توقف مايك فجأة أثناء تحركه للغرفة وهو يرى جسد لورا التي كانت تنكمش على نفسها كهرة وسط امطار منتصف الشتاء، ابتسم بسمة صغيرة وهو يبعد يده عن مقبض الباب يتحرك بهدوء وتحت أنظار الجميع المصدومة صوب لورا يقف أمامها يراها تخفض وجهها للاسفل .
ابتسم مايك وهو ينحني بوجهه مثلها يتحدث بسعادة :
" لم تخبريني أنكِ آتية ؟! حسنًا كنت سأتحدث معكِ على أية حال لأخذ مقاساتك "
أنهى كلماته وهو يضم رأسها أسفل ذراعه في مزاح خشن وكأنها أحد رفاقه يجرها خلفه للمكتب متجاهلًا نظرات الجميع التي تكاد تحرقهما سويًا يردد بمزاح لها :
" لقد اخترت تصميمًا يعبر عنكِ وعن جنونك يا عربية "
كانت عين لورا تكاد تخرج من مكانها وهي تستمع له وتراقب أفعاله التي تبدو للجميع كما لو أنهما على معرفة لسنوات طويلة، بينما مايك ابتسم بخبث وهو يفعل كل ذلك تحت أنظار تلك الفتاة التي رآها تتشاجر معها ذات يوم، يدعي أنها رفيقة قديمة فقط لاغاظتها، ابتسم وهو يضم خصرها متحركًا بها صوب غرفة التصميم مرددًا بصوت عملي لمساعدته :
" كما أخبرتك مولي، لا اريد أي مواعيد، أنا الآن مشغول، واه صحيح لا تنسي أن تكرمي الفتيات حتى انتهي من عملي مع العزيزة لورا "
أنهى حديثه ثم اغلق الباب الجرار في وجوههم تاركًا ماليكا تشعر بالأرض تميد أسفلها وقد طُعنت للتو في صميم قلبها، لا تصدق أن لورا ليست كاذبة وأن مافو سيصمم لها فستانًا، ليس هذا فحسب بل أيضًا يبدو من طريقته في التعامل معها أنه يعرفها خير معرفة، عضت ماليكا شفتيها والحقد يملء صدرها حتى كاد يخرج من فمها، تغمض عينها بغضب وهي تستمع لصوت السكرتيرة تقول بهدوء :
" تفضلي ارتاحي سيدتي، هل اطلب لكِ مــ "
ولم تكمل حديثها بسبب اندفاع ماليكا للخارج بقوة وغضب وخلفها رفيقة لورا وهي تلقي نظرة أخيرة على الباب الذي دخلت له لورا، تلحق بماليكا التي كانت مشتعلة في تلك اللحظة .
داخل المكتب كانت لورا تقف وهي تنظر للأرض بخجل من فعلتها تلك تتحدث بسرعة :
" آسفة حقًا لم اقصد أن اعرضك لهذا الموقف، أنا اتيت هنا مجبرة "
نزع مايك قبعته وقناعه الطبي وكذلك النظارة وهو يعدل من خصلات شعره ضاحكًا بلطف لها، يقترب منها مربتًا على شعرها هامسًا :
" لا بأس أنا أعلم أن تلك الفتاة في الخارج هي من وضعتك في هكذا موقف، أنا أفهم أفعال النساء تلك، لكن لا بأس أنا ادين لها بشكر، فلولاها لما رأيتك اليوم "
ختم حديثه غامزًا بمشاغبة وهو يقف أمامها يقول بخبث منحنيًا حتى يصل لقامتها القصيرة عنه ببعض الانشات:
" إذًا هل نبدأ ؟!"
نظرت له لورا بتيه تحاول فك الشفرات التي تخرج من بين شفتيه، فشعورها الحالي جواره يلغي كامل حواسها، مانعًا إياها من التفكير في أي شيء عدا اقترابه الخطير ذلك منها، ابتلعت لورا ريقها الوهمي وهي تقول ببسمة صغيرة :
" أنا بخير شكرًا لك، لقد تناولت الفطور قبل مجيئي "
وكانت إجابتها تلك بعيدة كل البعد عن سؤاله الذي طرحه للتو، ضغط مايك على شفتيه حتى يمنع ضحكته من الانطلاق، ثم تحدث مجاريًا إياها :
" حقًا ؟! لا بأس إذًا دعينا نحتسي كوبًا من القهوة بدل الفطور، رغم أنني انتظرتك طويلًا وفي النهاية تناولتي الفطور بدوني، لكن المرة القادمة ستناوله سويًا "
هزت لورا رأسها بسرعة في إشارة لموافقتها، ليمنحها هو ضحكة صغيرة وهو يمسك خدها مرددًا :
" كم أنتِ لطيفة لورا "
أنهى حديثه يترك خدها ثم تحرك صوب خزانة تتوسط أحد أركان الغرفة يحمل شريط القياس واضعًا إياه على كتفه وبين يديه مدونة صغيرة، ثم اقترب منها وهو يتحدث بجدية جعلتها تعتقد أنه شخص آخر غير ذلك الذي مازحها منذ ثواني، وقد كان أول شخص لا يسخر من غباء حديثها الذي يخرج دون ارادتها في لحظات توترها، بل على العكس أجابها بكل بساطة وكأن ذلك هو فحوى حديثهما الأساسي، وفي تلك اللحظة رنت جملة طبيبها الخاص في رأسها عندما أخبرته عنه ( لا بأس لورا لقد اعطيتِ فرص كثيرة لأشخاص لا يستحقونها بالفعل، والآن عندما وجدنا أحد يستحق فرصة ليتقرب منكِ تمنعينه ؟! لا اظن أن ذكائك محدود لهذه الدرجة )
" لورا، هل أنتِ معي ؟!"
انتفضت لورا فجأة وهي تنظر لعينه التي كان يوجهها صوب خاصتها، يتحدث بجدية وقد بدأ يقلق على شرودها ذلك ونظراتها التائهة :
" ما بكِ ؟! أنتِ بخير ؟!"
" نعم أنا فقط شردت لبعض الوقت "
صمتت لورا ثواني ثم قالت وهي تنظر حولها :
" بالمناسبة لم اشكرك على ما فعلته معي في الخارج "
ابتسم لها وهو يهز رأسه بلطف ثم قال بحماس وهو يحمل ورقة في يده :
" دعيني آخذ مقاساتك، واخبريني عن تخيلك للتصميم إن كنتِ تمتلكين صورة في رأسك له، أم تريدين أن اصممه كما تخيلته عليكِ؟! "
تحدث وهو يقترب منها حاملًا شريط القياس، فعادت هي للخلف بخجل تحاول أن تتجاوز تلك اللحظة :
" لا لا بأس، أنا لا امتلك أي تخيالات، سأترك الأمر لذوقك، لكن فقط لا أريده أن يكون بلا أكمام، ارجوك احرص على أن تغطي اكمامه كامل ذراعي "
ورغم تعجبه الأمر إلا أنه هز رأسه بحسنًا، ثم اقترب منها أكثر ليبدأ في أخذ قياسات جسدها، لكنها استمرت في التراجع، رفع مايك حاجبه وهو يقول :
" توقفي لورا، اريد أخذ مقاسك "
" لا، لا اريد "
ضيق عينيه وهو ينظر لها ثم قال بمزاح يقترب أكثر :
" لا تقلقي يا فتاة أنا لن اتحرش بكِ "
نظرت له لورا بصدمة من حديثه وقد شعرت أنها احرجته بافعالها، وما كادت تتحدث لتنفي حديثه إلا وسمعت صوته يهمس بمشاكسة :
" رغم أنني أتمنى ذلك وبشدة "
فتحت لورا عينها بصدمة وهي ترمقه بحنق، ليطلق هو ضحكة عالية مستغلًا حالتها ليأخذ قياستها، بينما هي فقط تراقب تحركه حولها وحرصه الشديد لعدم لمسها مباشرة، وكم قدرت له ذلك كثيرًا، وبهذه الأفعال استطاع ذلك الرجل أن يحوز جائرة أكثر شخص مراعي تعاملت معه في حياتها .
" ارفعي ذراعك رجاءً"
وهكذا فعلت لورا بصمت وهدوء ليبدأ هو في استكمال عمله وهو يرمي لها بسمة لطيفة متحدثًا بجدية :
" ريتها امك خلفت كلب ولا خلفتك"
وهذه المرة لم تغضب لورا، بل ضحكت بقوة وهي تقول :
" العفو مايك العفو "
رفع مايك رأسه سريعًا وهو يقول بجدية :
" مايك ؟! أرى علاقتنا تطور بسرعة، وهذا جيد فقد حجزت قاعة الزفاف نهاية هذا الشهر، وبعدما انتهي من فستانك هذا سوف اصمم لكِ فستان زفافنا "
أنهى حديثه بغمزة جعلتها تفتح عينها بصدمة :
" أنت... أنت... أنت "
" نعم أكملي، أنا ماذا ؟! وسيم؟! لطيف ؟! مثير ؟!"
" أنت واهم "
أطلق مايك ضحكات عالية وهو يضرب رأسها بمزاح :
" لا بأس ببعض الوهم لكسر روتين الواقع عزيزتي "
ابتعد عنها تاركًا اياها شاردة في أفعاله وكلماته وقد بدأت تشعر بالخطر قربه هنا؛ لذلك تحدثت بجدية وهي تحمل حقيبتها مجددًا .
" حسنًا اعذرني لدي الكثير من الأعمال، سوف أمر عليك لاحقًا "
ختمت حديثها وهي تهرب من المكان بأكمله وقد استوعبت أنها تقترب بالفعل حسب تعليمات طبيبها، لكنها تقترب بسرعة أكبر مما توقعت .....
_____________________________________
كانت حواس ماركوس متحفزة وبشدة وعينه معلقه على الباب أمامه وهناك بسمة مستمتعة ترتسم على فمه، هو لم يكن يومًا من هواة العنف كفبريانو أو جاكيري أو مارسيلو، بل كان المسالم والالطف بين الجميع، لكن ولسبب غريب منذ معرفة تلك القصيرة جواره أضحى متحفز لأي قتال، ينقب عن المعارك بين أكوام السلام، اشتدت يده على سلاحه وهو يراقب الباب الذي فُتح جزء صغير وصوت غريب يصدح بخبث :
" تركتِ المفتاح في الباب لأجلي؟! وتدعين التمنع أيتها الماكرة الصغيرة ؟!"
نظرت فيور بحنق لماركوس فقد كان هو من ترك المفتاح في الباب، لكنه رماها بنظرة متذمرة هامسًا :
" ماذا أنا حتى لم أخطو للشقة حتى وجدتك تتعلقين بي كـ قرد اجرب يبحث عن شجرة لحك ظهره "
فتحت فيور عينها بصدمة من تشبيهه ذاك، ولم تكد تتحدث بكلمة لترد بها ماء وجهها، حتى وجدت يد ماركوس تكتم فمها بسرعة، وعينه معلقة على بداية الممر الذي يفصل بين باب الشقة وبهوها، ضيق عينيه في انتظار ذلك الشاب الـ.....توقف ماركوس عن التفكير وهو يلمح ذلك الجسد الهزيل الذي ظهر أمام عينه، لمراهق يبدو أنه في الرابعة عشر من عمره، ومازال شنبه حتى لم ينبت كاملًا، ينظر في أرجاء الشقة بلهفة باحثًا عن الغبية التي تنظر له بشر كأسد يراقب فريسته .
" حقًا؟! مراهق ؟! "
نظرت له فيور بشر وهي تقول معترضة على حديثه :
" هذا المراهق الذي تسخر منه يظنني فتاة صغيرة ويحاول التقرب مني عنوة "
أطلق ماركوس ضحكة عالية وهو يتخيلها تجذب الاطفال والمراهقين حولها ظنًا أنها تماثلهم في العمر، لم يتمكن من كبت ضحكته وهو يتخيلها محط أنظار المتحرشين الصغار .
اغتاظت فيور من ضحكاته وسخريته منها وهي تصرخ بضيق متجاهلة المراهق الذي توقف برعب يستمع لصوت ضحكات رجولية في المنزل :
" توقف عن السخرية مني، اخبرتك أنه يتحرش بي منذ مجيئي، ذلك الاحمق الذي يظنني مازلت في المرحلة الأولى من المدرسة "
ولم يساعد حديثها على ايقاف ضحكات ماركوس، بل ازدادت قوة وهو يدفع وجهها جانبًا واضعًا سلاحه في جيب بنطاله، يتحرك بسرعة صوب المراهق الذي بمجرد أن أبصره حتى ركض لباب الشقة، لكن اقدام ماركوس الطويلة وخطوته الواسعة جعلته يتمكن من إمساكه، حيث امسكه من الخلف كلص يرفع بين يديه وهو يقول :
" أنت أيها الصغير ما الذي تفعله هنا ؟! "
حاول المراهق أن يفلت من يد ماركوس وهو يبحث عن حجة مقنعة في رأسه :
" أنا ...أنا جئت لاسأل فيور في أي مدرسة تدرس، لربما تكون زميلتي يا عمي "
تشنج ماركوس بغيظ وهو يضم وجهه بعنف بين قبضته :
" لا تناديني بـ عمي يا هذا، ثم أي زميل هذا يا احمق؟! هذه التي تقف امامك تفوقك في العمر "
نظر المراهق لفيور التي كانت ترمقه بشر مرددة بسخرية :
" أيها الكاذب تتجرأ وتكذب امامي ؟! اقتله عم ماركوس "
" هل انفذ حديثها واقتلك ؟!
تحدث المراهق بغيظ وهو يشير لفيور :
" ماذا، لقد نادتك بالعم للتو ولم تعلق ؟! "
ابتسم ماركوس وهو يرفع وجه المراهق له مرددًا بحنق :
" لا شأن لك بها، واستمع إلىّ يا فتى، توقف عن اللحاق بالفتيات، فعمرك هذا لا يسمح لك بمثل تلك الأفعال السيئة "
" وما شأنك أنت بي؟! ثم أنا لستُ صغيرًا للحد الذي تتحدث عنه، أنا شخص ناضج، وكنت فقط انتوي أن اتعرف عليها ولا اكمن سوءاً لها، بل أردت أن أحصل فقط على حبيبة وصديقة لي كما يفعل اصدقائي "
اندفعت فيور بغضب تهجم عليه جاذبة شعره بين يديها وهي تهتف من بين أسنانها :
" اي حبيبة تلك يا ابله، أنا افوقك بالعمر يا غبي "
ولم يكن ماركوس في حالة تسمح له للحل بينهما، فقد غرق في الضحك وهو يراقب الشجار اللطيف بينهما، حيث بدأ المراهق يقاومها بكل ما يمتلك من قوة وهو يردد بجدية :
" أنا لا أريد أن نبدأ علاقتنا بشجار؛ لذلك توقفي عن هذا "
ازدادت ضحكات ماركوس أكثر وأكثر وهو يشاهد ما يحدث باستمتاع شديد، ولم يرد التدخل حتى لا ينتهي هذا العرض الممتع، بينما فيور كانت قد وصلت لأقصى مراحل غضبه تمسك شعره وتهز جسده بقوة تحاول إدخال كلماتها برأسه :
" أنا لست بمثل عمرك يا هذا، توقف عن قول علاقتنا "
رد عليها المراهق بحنق شديد :
" هيييه، أنا الرجل هنا وأنا من ستسير كلمته؛ لذلك توقفي عن إلقاء الأوامر في وجهي "
سقط ماركوس على المقعد خلفه وضحكاته ترن صداها في الشقة بأكملها بينما فيور أسقطت الصبي ارضًا وهي تنقض عليه ضربًا وعضًا، حتى وصل صراخه لجميع سكان البناية وصعد البواب وزوجته، لتصرخ السيدة ترى ابنها الصغير يُطحن أسفل فتاة :
" أنتِ يا قليلة الأدب ما الذي تفعلينه بالفتى ؟! انهضي من فوقه، وإلا أخبرتك والديكِ "
حاول ماركوس التحكم في ضحكاته، لكن فجأة توقف بصدمة وهو يستمع لحديث المرأة التي قالت بغيظ :
" وأنت يا سيد تكتفي بالضحك وأنت تشاهدهما يتشاجران ؟! عيبٌ عليك، هل هذه اختك أم ماذا ؟!"
نهضت فيور وهي تستعد للانقضاض على المرأة لولا يد ماركوس التي جذبتها بعنف صوبه وهو يقول ببسمة صغيرة باردة :
" في البداية انتبهي لابنك سيدتي فهو في سنٍ خطر، ثم بعدها تحدثي"
أنهى حديثه وهو يسحب يد فيور للخارج متجاهلًا الجميع بكل بساطة، بينما فيور استدارت بسرعة تخلع خفها المنزلي، ثم ألقته في وجه الصبي مشيرة على رقبتها بعلامة الذبح، وبعدها سارت بكل كبرياء رفقة ماركوس مبتسمة بانتشاء بعدما نالت من الفتى .
________________
زاد من سرعة قدمه وهو يكاد يركض خلفها، يشعر بقلبه ينتفض رعبًا لاول مرة في حياته كلها، وصل قربها وهو يمسك ذراعها بقوة ساحبًا إياها له بجدية كبيرة يحاول جعلها تنظر لعينه، علها تجد حبها مازال يستوطنها :
" روبين انظري إلىّ، انظري إلىّ حبيبتي، اعطيني فقط فرصة لاخبرك كل شيء، أنا لســ "
نزعت روبين يديها من بين يديه وهي ترميه بنظرة جعلت جسده كله ينتفض غضبًا، واكملت عليه بحديثها الحاد :
" انتهينا فبريانو، انتهينا "
ازداد غضب فبريانو وهو يقترب منها بسرعة مخيفة يمسك كتفها هامسًا من بين أسنانه بشكل مخيف :
" أنتِ لا تستوعبين حديثك روبين ؟! تريدين أن أبتعد عنكِ؟! هل جننتي ؟!"
سقطت دموع روبين بعنف وهي تصرخ به :
" أيوة يا فبريانو عايزة نبعد، عشان أنا مش هقدر اعيش معاك تحت سقف واحد وانا عارفة انك قاتل، ولا هقدر اجيب اطفال ابوهم تتسبب في يتم اطفال زيهم، باختصار مقدرش اعيش مع حد زيك "
" حد زيي ؟؟"
قالها فبريانو وقد أصابته في مقتل بسبب حديثها، ولم تشفق عليه بعد الطعنة الاولى، بل استمرت في توجيه الطعنات له، فتح فمه للتحدث، قبل أن يغلقه مجددًا وهو يبتسم بسمة صغيرة ويده ترتعش بقوة من فرط غضبه :
" روبين، هذا أنا فبريانو"
توقف عن الحديثه فجأة وهو يشعر بأنه لم يعد يستطيع الحديث، ينظر لها بعينه، علّه يخبرها ما فشل في الحديث عنه، لكنها فقط انهارت في البكاء وهي تسقط ارضًا تقول بهذيان :
" أنا غبية، أنا غبية، طول الوقت وأنا فكراك بتهزر، اصل مش معقول يكون فيه قاتل يقول أنا بقتل، افتكرتك بتهزر "
أنهت حديثها وهي تنفجر في البكاء تخفي وجهها بين يديها تردد أنها غبية، بينما هو يراقبها بوجع، قبل أن ينحني ليجلس على ركبته أمامها يبعد يدها عن وجهها يضمه بين كفيه وهو يردد بصوت عاشق :
" لا ارنبي الوردي، أنتِ لستِ غبية، بل أنا السيء، أنا الاناني، أنتِ لستِ غبية، بل أنتِ الالطف والأرق "
" فبريانو ..."
" فبريانو يستطيع التخلي عن كل شيء لأجلك روبين، اقسم أنني في هذه اللحظة مستعد للتخلي عن كل شيء، واكون بستاني لطيف، هيا سأكون لطيفًا لأجلك، لأجلك أنتِ فقط ساكون أي شيء "
سقطت دموع روبين أكثر وهي تبكي بصوت عالي قطع قلب فبريانو لقطع، جذبها لصدره بقوة وهو يردد حديثه السابق لها :
" أنتِ لا تعلمين شيء عن فبريانو الآخر روبين، فقط امنحيني فرصة واحدة وسوف اخبرك كل شيء، فرصة واحدة "
كادت روبين تلين له وترضخ لحديثه، لولا تذكرها لما سمعته وادراكها أن تلك اليد التي تضمها، كانت هي نفسها التي قتلت الكثير من الأبرياء سابقًا، انتفضت من بين يديه وهي تنهض من الأرض تهز رأسها بلا، قبل أن تتحرك بعيدًا عنه راكضة، وقلبها يصرخ بها مؤنبًا ألا تتركه خلفها هكذا، يترجاها أن تعطيه تلك الفرصة، لكن عقلها أبى أن يفعل، لتقرر أن تعود للمنزل الآن ومن ثم تقرر .
راقب فبريانو رحيلها بقلب دامي، يشعر بالانكسار، يبتسم بسمة مقهورة وهو ينظر لاثرها هامسًا، يجاهد الالم الذي أصابه :
" لم أعلمك قاسية روبين "
نهض من مكانه يتجه صوب سيارته والتي كانت ما تزال تقف أمام مقر واتسون، دخل للسيارة وهو يتحرك بها خلف تلك الحمقاء التي تسير بلا وجهة لا تعلم أين تذهب، لذلك قرر أن يلحق بها ويسير خلفها، وقد اشتدت قبضته على المقود مرددًا بتصميم وقد عادت ملامحه للخبث مجددًا :
" لا بأس روبين، تدللي كما تشائين، فمصيرك كُتب منذ ركضتِ جهتي في حديقة منزلي، وإن اردتِ بعض الدلال، لكِ هذا "
صمت قليلًا ثم زفر بسخرية رغم وجعه الذي ينخر بجسده :
" عقلك صغير لدرجة صورت ليكِ إني ممكن أتراجع بعد ما توجعيني بالكلمتين دول، ده أنا معنديش دم وهفضل لازقلك أنتِ ولولو، بس صبرًا ياروبين صبرًا "
أنهى حديثه وهو يضع هاتفه على أذنه ينتظر الإجابة من الطرف الآخر، ثم تحدث بجدية وبرود :
" مرحبًا انطونيو، لقد ارسلت لك عزيزتنا روزيلا ....لا لا تقلق لا خدش بها أنت تعلمني.... ألا ثقة لديك بي ؟! ......حسنًا في الحقيقة هناك خدش صغير فقط....انطونيو أنا لم احدثك لتسمعني توبيخًا، أنا فقط اتصلت لاخبرك أن تلك الحقيرة لي، اقسم إن مسها أحد غيري سأقتله قبلها، أنا فقط تركتها لأجلك ولأجل أوامرك، ولأنني الآن لستُ متفرغًا لها "
أنهى حديثه ثم اغلق الخط بحنق وغضب دون انتظار رد انطونيو وداخله يغلي بغضب، إضافة لوجعه من روبين وما قالته له، ضرب على قلبه وهو يتنهد بألم يرمق جسدها الذي يتحرك أمامه بلا وجهة :
" آه يا روبين، وجعي الآن في قلبي يكفي لجعلي ادهسك أسفل عجلات سيارتي، لكن حبي يشفع لكِ، وما بين حبي ووجعي صراع أخشى أن ينتصر به الاخير ...."
________________________________
أضاء البواب انوار الشقة كلها وهو يقول ببسمة مرحبة :
" اتفضلوا، اهيه الشقة في الدور الاول زي ما طلبتم "
ادعى توفيق أنه يُقيّم المكان، يهز رأسه باستحسان مصطنع، ثم قال يحاول تلك المرة أن يتقن دوره :
" والله كتير منيح، تسلم ايدك يا بلدينا "
" كتير منيح ؟! حضرتك فاهم الصعيدي غلط والله، أنت فتحت قناة مسلسل سوري بدل الصعيدي ولا ايه ؟!"
نظر له توفيق وهو يدعي الحزم :
" ايش تجول( تقول ) أنت؟!"
ضرب البواب كف بكف وهو ينظر لجاكيري بحنق :
" أنا همشي من هنا قبل ما يحصلي حاجة، مش فاهم الاشكال دي بتتحدف علينا من فين ؟!"
راقب توفيق رحيله بتشنج وهو يردد بحنق وسخرية :
" غبي مش فاهم حاجة وقاعد يتفزلك، ويقولك سوري وصعيدي، هقول ايه جاهل "
استدار ينظر لجاكيري قائلًا ببسمة واثقة :
" شوفت لما أنت سكت الخطة نجحت ازاي، ماشكش في حاجة، إنما لما تتكلم بتبوظ الخطة "
انحنى جاكيري قليلًا يقول له بحدة :
" ذكرني أن أقوم بطردك عند العودة توفيق، الساعة الآن الواحدة دعنا نبدأ "
أنهى حديثه يعتدل في وقفته يبتسم بسخرية على توفيق وقد فهم كل ما حدث بسبب ارتداءه السماعة التي أخذها يومًا من مارتن وقد وجدها بالصدفة قبل مجيئه، أخرج جاكيري هاتفه يتحرك صوب الحقائب وهو ينتظر الرد من الطرف الآخر :
" مرحبًا مارتن، لقد وصلت لمكان الجريمة "
تحدث مايك من الطرف الآخر وهو يسحب حاسوبه المغلق من على قدم جولي التي كانت تشاهد عليه فيلمًا بكل حماس :
" لحظة واحدة جولي المدمرة سوف اقوم بشيء وبعدها خذيه، وغدًا اشتري لكِ واحد صغير "
ابتسمت جولي وهي تتحرك من مقعدها في الحديقة تجلس جوار مارتن ملتصقة به تسمعه يتحدث بجدية أثناء عبثه بالحاسوب :
" حسنًا جاكيري، كل ما عليك فعله هو أن تضع الذاكرة الإلكترونية التي أعطيتك إياها في جهاز المراقبة الرئيسي وعندها اخبرك الخطوة التالية، حدثني وقتها مكالمة مرئية "
هز جاكيري رأسه وكأن مارتن يراه، ثم نظر لتوفيق يأمره بجدية :
" لننتهي من هذا الأمر سريعًا "
تحرك جاكيري للمر الفارغ وهو ينظر حوله بشك وفي جيب عباءته يحمل المفتاح الخاص بالشقة، يتحرك بخفة صوب الشقة المطلوبة ثم فتحها يدخل إليها بسرعة وهو يقول بأمل :
" هل تستطيع استعادة التسجيلات المحذوفة مارتن ؟!"
" يمكنني استعادة التسجيلات ما قبل وضع الكاميرات حتى يا اخي "
ابتسمت جولي بفخر وهي تهمس :
" انت ذكي مارتن "
قبلها مارتن على خدها بحب وهو يهمس لها :
" وأنتِ كذلك حبيبتي "
" مارتن أيها الاحمق ابق معي، أنا الآن في الشقة ماذا افعل ؟!"
سمع جاكيري صوتًا يأتيه من الخلف :
" الشقة دي صهد ( حارة ) دي اكيد فتحتها مش بحري "
انتفض جاكيري في وقفته وهو ينظر خلفه بشر لتوفيق، لكن توفيق لم يهتم وهو ينتزع منه الهاتف يقول بجدية :
" اديني المخروب ده أنا هتصرف، مرحبًا يا مارتن هذا أنا توفيق أخبرني ما سنفعله الآن "
ولم يكد يصل له جواب من الطرف الآخر حتى سمع الجميع صوت ينادي بصوت عالي :
" استنى بس يا محمود عشان نسيت المحفظة في الشقة....ايه ده مين ساب الباب مفتوح ؟!"
نظر جاكيري بسرعة لتوفيق يسحبه من ثيابه بغضب وهو يقول بشر :
" تركت الباب مفتوحًا ؟!"
" عشان يجيب هوا، الشقة ولعة "
عض جاكيري على شفتيه بغيظ، ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع اقتراب الأقدام منه، وصوت يصدح بقوة :
" مين هنا ؟! "
___________________________________
كان يغط في نوم عميق، عله يستكمل ساعات نومه التي قطعها الغبي جايك منذ ساعات، دفن ادم وجهه في الوسادة أسفله وهو يتنهد براحة، واخيرًا استطاع النوم، لكن لم تدم تلك الفرحة كثيرًا وهو يشعر بباب غرفته يُفتح بعنف مخيف وصوت هايز يخترق غيمة أحلامه وهي تقول :
" آدم هل أنت نائم ؟!"
اجاب آدم بسخرية لاذعة :
" نعم هايز أنا نائم "
كانت هايز تقف جوار فراشه وهي تنظر له بغباء :
" اووه، حسنًا سوف آتيك عندما تستيقظ "
تحركت نحو الخارج تاركة ادم يضرب فراشه بيده في غضب كبير، يحاول كتم صرخته في الفراش أسفله، ثم رفع رأسه وهو يقول بحنق :
" هل أنتِ حمقاء هايز، أنا احدثك، كيف اكون نائمًا بحق الله يا فتاة ؟!"
توقفت هايز في سيرها وهي تقول ببسمة متفاجئة :
" نعم صحيح، إذن أنت مستيقظ ؟! "
" لا أنا احدثك من احلامي الآن، ماذا تريدين هايز؟!"
ابتسمت هايز بسمة لطيفة وهي تقترب منه تفرك يديها بخجل، تقول دون أن تمنحه فرصة لتأمل حركاتها :
" فقط اريد استعارة هاتفك لدقائق لاجري مكالمة مهمة، فقد كنت أتحدث مع إحدى الزميلات القدامى وقد انطفئ هاتفي فجأة "
رفع اظن حاجبه :
" أي زميلة تلك ؟!"
" تلك الفتاة التي كانت تسير معي دائمًا ايام الدراسة آدم ألا تتذكر ؟!"
رفع ادم رأسه أكثر وهو يحاول تذكر ما تتحدث عنه :
" لا هايز أنا لم ارك يومًا مع أحد، كنتِ وحيدة طوال الوقت "
نظرت له هايز بعدم فهم، قبل أن تفتح فمها بإدراك :
" اه صحيح لقد غادرت الجامعة قبل انتقالك لجامعتنا، أنت تتذكر أنك جئت للجامعة في سنواتك الأخيرة، بعدما قضيت سنتين تقريبًا في جامعة أخرى، قبل ذلك كانت هي رفيقتي، لكنها انتقلت قبل مجيئك لحامعة أخرى بسبب عمل والدها "
أخرج آدم هاتفه وهو يعطيه لها يهز رأسه بتفهم :
" حسنًا هايز، ها هو الهاتف خذيه واخرجي أود النوم قليلًا قبل الذهاب لايان في المساء "
ابتسمت له هايز بامتنان تنتزعة الهاتف من بين يديه بلهفة وبعدها ركضت للخارج سعيدة، تاركة إياه يرمق أثرها ببسمة حنونة وبعدها، اغلق عينه يعود مجددًا لنومته الهنيئة، يتنفس براحة دافنًا وجهه في الوسادة كعادته أثناء النوم، وما كاد يسقط بشكل كامل في النوم حتى وجد الباب يفتح بعنف وجايك يتحدث في عنف كبير :
" تبًا لك ادم أنا سوف اقتلك، فقط انتظر حتى اتصالح مع الغبية روز واعود لك "
نظر له ادم من بين اجفانه المغلقة، ثم عاد للنوم غير مهتمًا به، وما كاد يغلق عينه هذه المرة حتى وجد الباب يُفتح مجددًا وصوت هايز يصدح في الغرفة وهي تردد بلهفة :
" آدم..."
" تبًا لادم، مـــــــــــــــــاذا ؟!"
فزعت هايز من صراخه وهي تقول ببسمة صغيرة :
" صديقتي تلك التي أخبرتك عنها منذ دقائق اتتذكر؟!"
" ماذا بها هايز ؟!"
" لقد قام بدعوتي لحفل لم الشمل بمناسبة عودتها للعاصمة، وسيحضر كل اصدقاء الجامعة، وانا أخبرتها أنني سأحضرك معي "
أنهت حديثها وهي تضم الهاتف لصدرها تمنحه بسمة لطيفة جعلته يضغط على عينه بقوة :
" هايز حبيبتي "
" نعم ؟!"
" تبًا لكِ ولليوم الذي دخلت فيه جامعتك، اخرجي من الغرفة الآن"
" هل ستأتي؟!"
أشار لها للخارج :
" اخرجي هايز "
تحركت هايز صوب الباب وهي تقول له ببسمة وتملق :
" سوف اخبرها أننا سنحضر حسنًا ؟!"
امسك آدم وسادة بجانبه ملقيًا إياها على وجهها، لكن فجأة انتبه لما ترتديه :
" ما هذا هايز؟! منذ متى ترتدين هذه الملابس؟! "
نظرت هايز لنفسها تتلمس الفستان ببسمة صغيرة :
" هذه ثياب روز استعرتها منها، هل هي جميلة ؟؟"
ابتسم لها ادم وقد أسرته بلطفها وبسمتها تلك؛ لذلك قال لها في حنان شديد :
" تبدين رائعة فيها حبيبتي، تلائمك أكثر من روز نفسها، وكأنها صُنعت خصيصًا لاجلك، ارتدي الفساتين دائمًا، فهي تجعلك مميزة "
تحسست هايز ملابسها بسعادة وهي تقول دون شعور بما تنطق به :
" حقًا؟! ظننت أنها تجعلني أشبه روز فجايك في الصباح أخطأ بيننا وعانقني ظنًا أنني ........"
توقفت وهي تستوعب ما قالته للتو، رفعت عينها بسرعة له وهي تقول تدعي أنها لم تقل شيئًا :
" حسنًا سوف اذهب لأحدث صديقتي واخبرها انــ"
توقفت عن الحديث وهي تعود للخلف صارخة بقوة بسبب اندفاع ادم صوبها يقول بشر :
" ماذا قلتِ ؟! "
" قلت سأذهب لاخبر صديقتي بــ "
" توقفي عن اللعب هايز، من هذا الذي عانقك ؟!"
ادعت هايز الغباء وهي تعد على إصبعها :
" أنت وايان وابي، وصديقاتي والسيدة العجوز جارتـــ "
توقفت عن الحديث وهي تشعر بدفعة ادم لها يقول بحنق :
" ابتعدي من وجهي "
نظرت هايز لاثره بصدمة وهي تبتلع ريقها :
" تبًا لغبائك هايز، ليتني ما تحدثت معه "
______________________________________
توقفت روز عما تفعل وهي تجد جسد جايك يحول ما بينها وما بين إتمام عملها، لوت فمها وهي ترفع نظراتها له تشير له بعينها أن يتنحى جانبًا لكنه رفع دفتره في وجهها وهو يريها رسمة كرتونية، لشاب ينحني على ركبته يحمل بوكيه ورد وأمامه فتاة .
حرك جايك حاجبيه وهو يقول بمشاكسة :
" ما رأيك في رسمتي الجديدة "
ابتسمت روز بسخرية ثم أشارت بحركات تدل على أنها توشك على التقيأ، لكن جايك لم يبتأس وهو يأتي بصفحة أخرى في دفتره يقول بسماجة :
" كنت أعلم أن هذا سيكون ردك "
رفع الدفتر مرة أخرى في وجهها ثم قال وكأنه يقص علينا حكاية والورقة الاولى تحمل صورة لفتاة ترتدي فستانًا وتبتسم بلطف :
" كان هناك فتاة صغيرة لطيفة تدعى روز، وكانت تعيش رفقة شاب وسيم يسمى جايك "
أنهى كلماته وهو يقلب صفحات دفتره ويريها الرسمة التالية والتي كانت لشاب يقف أمام الفتاة :
" نعم هذا الوسيم هو جايك، في يومٍ ما تصادم المسكين جايك مع روز "
قلب الصفحة لتظهر رسمة يبدو فيها أن الشاب يتشاجر مع الفتاة :
" عندها ولأن جايك المسكين كان لطيفًا، لم يرد للشريرة روز أن تغضب منه؛ لذلك ذهب ورسم لها رسمة جميلة، واهداها إياها"
قلب جايك الصفحات لتظهر رسمة تشبه وضعهم السابق وهو يحمل رسمته و هي تنظر له برفض :
" لكن الشريرة روز رفضت الرسمة وكسرت قلب المسكين جايك "
قلب الصفحة لتظهر صورة للشاب يحمل قلبًا محطمًا، ثم قلب الصفحة ليظهر نفس الشاب يحمل سكينًا واسفله جثة لشاب اصهب الشعر خمنت أنه صديقها، فتحت روز عينها بفزع وهي ترمق الرسمة، لا تصدق ما تراه، اخرجها صوت جايك من شرودها وهو يقول :
" اتمنى أن تكون الأمور واضحة الآن "
رفعت روز نظرها ترمقه ببلاهة، بينما هو ابتسم لها بلطف وكأن شيئًا لم يكن، قائلًا بلطف :
" هل سامحتني الآن؟! اقسم أنني لم انتبه للأمر، كانت تشبهك من الخلف وشعرها لم يكن ظاهرًا بسبب ....."
ولم يكمل كلماته بسبب شعور بيد تستقر على كتفه وصوت يهمس بفحيح خلف أذنه :
" الويل لك يا جايك "
_____________________________
خرجت من المصعد وهي تتحرك بهدوء صوب مطعم الفندق، الذي استقرت به البارحة رفقة مديرها المجنون، تحمل بين يديها حقيبة تحتوي الملفات لمناقشتها رفقة مارسيلو كما اتفقت معه في الهاتف منذ ساعة تقريبًا .
دخلت للمطعم تنظر يمينًا ويسارًا بحثًا عنه، قبل أن تقع عينها عليه في أحد الأركان التي تقع جوار حائط زجاجي يطل على المكان في الخارجي، تقدمت منه خطوات رشيقة هادئة، قبل أن تتباطئ في السير تلمح جسد آخر يستقر على طاولة مديرها العزيز، ولم يكن ذلك الجسد سوى امرأة بيضاء البشرة بشكل ينافس الثلوج التي تغطي المكان في الخارج، ذات ملامح مغرية بحق، ومارسيلو يجلس أمامها يتحدث معها ببسمة واسعة لم ترها على فمه قبلًا .
توقفت بالقرب منهم ترفع حاجبها مستنكرة الحديث الذي يصل لمسامعها، تود لو تطلق ضحكة عالية ساخرة مما تسمع ...
" نعم صدقي أو لا تصدقي، أنتِ الآن في حضرة واحد من أهم رجال القانون في إيطاليا، أنا يا جميلة من ترتج له جدران المحاكم في روما "
أطلقت راسيل ضحكة ساخرة وهي تستمع إليه يكمل :
" يكفيكِ فقط أن تذكري اسم مارسيلو فوستاريكي وستجدين الجميع يدلك على مكتبي، فأنا لدي اكبر مكتب محاماة، لم أحضر يومًا قضية واحدة إلا وخرجت منها منتصرًا "
هنا ولم تتمكن راسيل من التحمل وهي تتحرك صوبه تقول بهدوء وبسمة عملية تتوسط ثغرها :
" سيدي لقد أحضرت الأوراق التي تخص القضية المرفوعة ضد مكتب المحاماة الخاص به، بسبب خسارة عدة قضايا متتالية "
ابتسم مارسيلو بسمة باردة وهو يعود بظهره للخلف يشير عليها :
" ها هي ذا السكرتيرة الخاصة بي والتي أخبرتك عنها، وهي نفسها سبب خسارة كل تلك القضايا التي كادت تودي باسم مكتبي العزيز للحضيض "
تحولت أنظار الفتاة على راسيل التي فتحت فمها ببلاهة تستمع لحديث مارسيلو، وترى كيف قلب الطاولة فوق رأسها، بينما تخترق جملة الفتاة مسامعها :
" يبدو ذلك واضحًا عليها، كيف احتفظت بها حتى الآن؟! حري بك أن تطردها شر طردة"
" نعم سيدي ارجوك قم بطردي الآن "
هكذا تحدثت راسيل وهي تنظر لمارسيلو الذي ابتسم لها وهو يهز رأسه بلا، ثم أشار للفتاة أمامه أن تنهض بكل وقاحة :
" لا شأن لكِ بمن يعمل عندي يا آنسة، هيا انهضي من هنا "
فتحت الفتاة فمها بصدمة وكذا فعلت راسيل وهي تراه يجبر الفتاة على الرحيل بكل وقاحة، نهضت الفتاة تحمل حقيبتها وهي تلقي بنظرة مشتعلة لمارسيلو الذي بادلها النظرة بابتسامة مستفزة، يدعو راسيل للجلوس .
وكذلك فعلت راسيل وهي ما تزال تراقب بعينها رحيل الفتاة مصدومة من وقاحة ذلك الرجل، الذي لم يخجل من معاملة فتاة بهذا الشكل، استفاقت من شرودها على صوت مارسيلو وهو يمسك ورقة أمامه تبدو وكأنها قائمة الطعام :
" ماذا تحبين أن تتناولي على الغداء ؟!"
نظرت له راسيل بهدوء قبل أن تضع الملفات على الطاولة أمامهم وهي تقول ببرود شديد :
" لا أتناول الغداء، رجاءً سيدي دعنا ننتهي من هذا "
وسرعان ما اندمجت في الشرح دون انتظار رده :
" نحن هنا حتى نتفاوض بشكل سلمي مع صاحب الدعوة، وإن لم نستطع فيجب عليك سيدي أن تترافع وتبرأ اسم مكتبك و......"
توقفت عن الحديث وهي ترفع رأسها تنظر لمارسيلو الذي كان يحمل قائمة الطعام وهو يشير لشيء بها وجانبه يقف النادل وهو يكتب ما يمليه إياه مارسيلو :
" نعم واريد كوب قهوة رجاءً "
عادت راسيل بظهرها للخلف وهي تربع ذراعيها ببرود تنتظر أن ينتهي مما يفعل، ثم تحدثت بهدوء :
" سيدي ألن نبدأ ؟!"
" لِمَ التعجل آنسة راسيل ؟! لدينا الوقت بأكمله "
" سيدي المرافعة بعد غد "
" نعم، لهذا اقول لدينا الوقت بأكمله، استمتعي قليلًا بالرحلة "
نظرت له راسيل ثواني قليلة بلا تعابير واضحة قبل أن ترتسم بسمة على فمها وهي تنهض ملقية الاوراق أمامه تحمل حقيبته تقول ببرود يماثل خاصته :
" جيد إذن، أسمح لي بالمغادرة "
أنهت حديثها متوجه صوب باب الخروج الخلفي للفندق، رغم جهلها بالمكان واللغة، لكن قبل التحرك سمعت صوت مارسيلو يتحدث بعدم فهم :
" إلى أين؟!"
" سأستمتع بالرحلة سيدي، أراك بعد غد في المرافعة يا من ترتج له جدران محاكم روما "
أنهت حديثها ثم تبعته بسخرية لاذعة :
" وكأن جدران محاكم روما رأت وجهك يومًا "
تبعها مارسيلو بعينه ثواني قبل أن يتنهد وهو يمسك الاوراق بين يده ينظر لها جيدًا يحاول تحليل القضية، ومعرفة كل ما يخصها .
وأثناء ذلك وصل النادل وهو يضع له الطعام الذي طلبه، ليلاحظ مارسيلو حركة غريبة في أرجاء الفندق، ورجال كثر يتحركون نحو المخارج بسرعة، تناول قهوته وهو يقول يتساءل متعجبًا :
" ما الذي يحدث هنا ؟!"
نظر النادل بعدما انتهى من رص الفطور حيث يشير مارسيلو يقول بهدوء واحترام :
" هذه اجراءات عادية سيدي لا داعي للقلق "
" اي إجراءات تلك ؟!"
" الاجراءات التي نتخذها عند اقتراب عاصفة ثلجية قوية، نقوم باغلاق كل مخارج الفندق تجنبًا لاي اضرار، هناك عاصفة قوية على وشك القدوم خلال ساعة من الآن؛ لذا بدأ الفندق يتخذ الإجراءات المعتادة في تلك الحالات، ولا داعي للقلق سيدي، كل شيء تحت السيطرة ولا خطر عليك طالما أنت هنا "
انتهى النادل من حديثه ثم انحنى نصف انحناءة باحترام وتحرك بعيدًا عن مارسيلو الذي نظر للرجال الذي يغلقون الفندق يفتح فمه بصدمة كبيرة مرددًا :
" راسيل ؟؟؟؟؟"
_____________________________
بداية النيران ....شرارة .
وتلك كانت شرارة نيرانهم .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رحمة نبيل
أنتَ مُرَحَّبٌ بك عِند ربّك مهما جَنَيْتَ على نفسِك!
صلوا على نبي الرحمة .
قراءة ممتعة
__________________________
كانت أنظار مارسيلو معلقة على الباب الخاص بالفندق وهناك العديد من الرجال يسارعون في غلقه، حرك عينه بين الباب والطاولة التي يجلس عليها، ثم أمسك هاتفه الذي يتوسط الطاولة، وسريعًا أجرى اتصالًا برقم راسيل، لكن بعد رنين طويل لم يجد ردًا من جهتها، أعاد الاتصال مرة أخرى وهو يتناول رشفة من قهوته، يفكر أنها لم تبتعد كثيرًا ....
جاءه الرد باردًا منها وهي تقول بحنق :
" ماذا ؟! أنت الآن تقطع علىّ متعتي "
" عزيزتي إن لم تعودي الآن للفندق فسوف تأتي عاصفة تقطع عليكِ حياتك بأكملها "
لم تفهم راسيل أي شيء من حديث، تنظر حولها تراقب ركض بعض الأشخاص في الشوارع نحو المنازل، وبعض المحلات التي تُغلق بقوة :
" أي عاصفة تلك ؟! ثم ما شأنك أنت بي ؟!"
" ما الذي تقولينه راسيل؟! بالطبع لي شأن بكِ، أنسيتي أن مفتاح المكتب معكِ ؟! "
ضحكت راسيل بسخرية وهي تتحرك بصعوبة بسبب الجليد الذي يرتفع عن مستوى الأرض بكثير، وزاد الأمر أن الفندق الذي يقيمون فيه، يقبع أعلى منحدر أشبه بالجبال، مما يجعله أكثر عرضة للثلوج وأكثر كثافة من باقي الدولة :
" هل اتصلت بي حتى تزعجني ؟!"
" أيتها الحمقاء سوف تهب عاصفة خلال ساعة من الآن، عودي للفندق الآن"
كانت جملته وعكس طبيعته حادة غاضبة، جعلت راسيل تشعر بالرعب وأنه لا يمزح معها؛ لذلك توقفت في سيرها بخوف وهي تدور حول نفسها تبحث عن طريق عودتها، لكنها فشلت في ذلك، فكل ما حولها ثلج وفقط، هنا وبدأت ترتعب وهي تهمس في الهاتف :
" لا استطيع "
جن جنون مارسيلو وهو ينهض من مكانه :
" لا تستطيعين ماذا بالتحديد ؟! راسيل لا وقت لمزاحك، العاصفة قوية، عودي للفندق "
بكت راسيل من الجانب الآخر وهي تهتف برعب :
" لا استطيع العودة مارسيلو، لا استطيع، أنا لا أعرف أي شيء هنا "
تحرك مارسيلو صوب باب الفندق الخلفي الذي خرجت هي منه للتو، يركض في ممرات الفندق بشكل أرعب الجميع، لا يهتم بمن حوله وهو يتحدث بجدية كبيرة بعيدًا عن أي لا مبالاة أو سخرية تحملها نبرته عادة :
" حسنًا اهدئي، فقط اوصفي لي المكان من حولك، أخبريني عن أي محل جوارك، أي شيء يدل على مكانك "
استدرات راسيل حول نفسها وهي تقول بدموع :
" هناك الكثير من الثلوج هنا "
توقف مارسيلو عن الركض وهو يصيح بلهفة وكأنه علم مكانها :
" حقًا ؟! هل أنتِ في الثلاجة ؟!"
انكمشت ملامح راسيل بعدم فهم لسؤاله، لكن فجأة انتفضت وهي تستمع لصرخته العالية وهو يقول بجنون :
" يا حمقاء أنتِ في منطقة جبلية في روسيا بالقرب من القطب، بالطبع سيكون هناك ثلوج في كل مكان، أخبريني بأي شيء مميز، ليس شيء موجود في جميع أنحاء البلاد "
شعرت راسيل بالبرودة تصيب جسدها أكثر وأكثر وهي تنظر حولها، تحاول تمييز أي شيء ينقذها من ذلك الموقف، وقد بدأت ترتعب أكثر وأكثر، حتى لمحت عينها شيء جعلها تقول بلهفة كبيرة :
" محطة وقود، مارسيلو هناك محطة وقود هناك اسمها ..... "
وصل مارسيلو لباب الفندق وهو يقول بسرعة محذرًا :
" حسنًا ادخلي للمحطة، ولا تتحركي مهما حدث، سمعتِ ؟! اياكِ والتحرك منها راسيل، أنا سوف آتيكِ "
أنهى كلماته وهو يتقدم من البوابة يشير للرجال أن يفتحوا له الباب، لكن كل ما لاقاه كان الرفض من جهتهم مشددين على أن الخروج في هذا الوقت يعرضه للخطر، لكن مارسيلو لم يأبه بهم وهو يصرخ في وجوه الجميع أن يفتحوا الباب له :
" أخبرتك أن تدعني أخرج "
" سيدي الخروج الآن يعرضك لخطر كبير، خلال دقائق ستقوم عاصفة قوية، ما الذي قد تفعله في الخارج الآن ؟!"
ادعى مارسيلو البرود وهو يجيب ببسمة سمجة :
" سوف اسير مع نفسي قليلًا فأنا أشعر بالضيق هنا "
أنهى حديثه الساخر وهو يخرج مسدسه يقول ببسمة مخيفة :
" افتح هذا الباب الآن، ولا تدفعني للسير على جثتك لفتحه "
_______________________
" الويل لك يا جايك "
انتصب جسد جايك وهو يستمع للصوت خلفه، بينما تعلقت عين روز خلفها وهي تنظر لادم بدقة، لكن ادم لم يمنح أيًا منهما الفرصة في التفكير بشيء، حتى جذب جسد جايك لجعله يستدير له، ثم عاجله بلكمة عنيفة وهو يصيح في وجهه بشر :
" أيها الحقير تهددني منذ الصباح بالقتل؛ لأنك عانقت هايز ؟! من المفترض به أن يهدد الآخر يا احمق ؟!"
شهقت روز بخوف وهي تتقدم بسرعة منهما، لكن اوقفتها يد جايك وهو يعيدها للخلف معطيًا إياها دفتره، ثم ابتسم وهو ينظر لادم، ودون كلمة واحدة كانت لكمته تهبط على وجه ادم، ولم يأخذ ادم ثواني حتى رد له لكمته باقوى منه، واشتعل القتال بينهما .
اقتحمت هايز في ذلك الوقت المطبخ وهي تصيح بخوف وشعور بالذنب للتسبب في ذلك القتال بغبائها يقتلها:
" آدم لقد كان بالخطأ، اعتقدني روز لذلك عانقني، توقف عن هذا "
لم يستمع لها آدم وهو يستكمل قتاله مع جايك، الذي أخرج كل غضبه في وجه ادم، لكن ادم لم يكن بالخصم السهل، بل كانت ضرباته عنيفة بنفس الدرجة .
شعرت هايز بالخطر من استمرار ذلك القتال؛ لذلك ركضت بسرعة خارج المطبخ للبحث عن مساعدة وأحضار من يمكنه إيقاف ذلك القتال بين الاثنين .
_____________________________
على الجانب الآخر :
سمع جاكيري صوت اقدام تقترب يتبعها جملة أحد الرجال :
" مين هنا "
كاد توفيق يفتح فمه للحديث، لكن جاكيري اكتفى من غباءه، ليكمم فجأة فمه وهو يجذبه عنوة لإحدى الغرف الفارغة في الشقة الخاصة بالمراقبة، وهو يهمس بجانب أذنه :
" إن فشلت تلك الخطة توفيق، اقسم لك أن اقيدك في إحدى الأشجار واترك سيلين تحدد مصيرك "
فتح توفيق عينه على اتساعها وهو يحاول التحدث، لكن جاكيري لم يمنحه الفرصة وهو يحرك يده الحرة يضغط على السماعة التي تحتل أذنه، يستمع للحوار الذي يدور في الخارج :
" فيه ايه يا سعد مش قولت هتجيب محفظتك؟! "
" معرفش يا حسين، جيت لقيت الباب مفتوح، وحاسس أن فيه حد في الشقة "
فتح توفيق عينه بفزع وهو يلطم وجنتيه، ولولا يد جاكيري التي تغطي فمه لكان ولول كالنساء، شزره جاكيري بشر وهو يرهف السمع مجددًا ..
" يعني مين اللي هيدخل يعني يا سعد، تلاقيه الزفت اللي جاي جديد ده هو اللي خرج اخر واحد، وعلى طول بينسى الباب مفتوح، بعدين فكك يلا هات المحفظة خلينا نلحق الشغل التاني "
سمع جاكيري خطوات اقدام تتحرك صوب الغرفة التي هم بها وصوت الرجل يردد بجدية :
" على رأيك، الواحد خلاص مبقاش عارف يلاحق على نفسه، يخلص من شغل يروح على التاني، مش عارف امتى هستريح "
أنهى حديثه وهو يحرك مقبض الباب يحاول فتحه، لكن من الداخل كان جاكيري يمسكه يمنع فتح الباب، والحارس من الخارج يحاول فتحه، اشتدت عين جاكيري وهو يحرك يده نحو سلاحه يفلت المقبض شيئًا فشيء استعدادًا لمعركة حامية، بينما توفيق أفلت من يده وهو يركض في أرجاء الغرفة واختبأ أسفل طاولات الأجهزة الخاصة بالمراقبة، يخفي جسده بسرعة .
وكأن القدر في تلك اللحظة وقف مع جاكيري حيث سمع صوت في الخارج ينادي :
" مش دي محفظتك يا سعد ؟!"
ترك المدعو سعد المقبض وهو يستدير لصاحبه ينظر ليده التي تحمل محفظته، يقول ضاربًا رأسه بغيظ :
" الواحد مش عارف بقى بيرمي حاجاته فين ؟! خلاص عقلي هيفوت مني، ابقى فكرني نقول للبواب واحنا خارجين يبعت حد يشوف الاوكرة ( مقبض ) بتاعة الباب، شكلها علقت "
" طب يلا بس لاحسن كده فيها خصم "
وتحركت الخطوات بعيدًا عن الباب وقد بدأت الاصوات تتلاشى شيئًا فشيء، حتى وصل لمسامع جاكيري صوت غلق الباب الخارجي للمكان، لتخرج منه زفرة عالية بعض الشيء وهو ينزع يده ببطء من على المقبض، يخفي مسدسه في جيبه مجددًا، ثم نظر حوله باحثًا عن توفيق والذي خرج من أسفل الطاولة وهو ينفض ثيابه يقول ببسمة واسعة :
" الحمدلله قدر ولطف، كنا هنروح في خبر كان، بس لعلمك أنا اساسا كنت مجهز خطة بديلة عشان لو اتكشفنا "
بدأ توفيق يحرك يديه في الهواء شرح خطته البديلة تلك لجاكيري الذي كان يقف أمامه يرمقه بجمود وعدم اهتمام، لكن توفيق لم يتوقف وهو يشرح له الأمر :
" عندما يدخل علينا احد المرة المقبلة، كل ما علينا فعله هو قول أننا ضللنا الطريق عندما كنا نبحث عن المرحاض في شقتنا، وسبحان الله مرة واحدة لقينا نفسنا في الشقة هنا، وأنت كل ما عليك قوله هو، الاه ايش اللي جبنا اهنه ؟! "
مدّ جاكيري يده يضم بها وجه توفيق مانعًا إياه من إكمال الحديث، ثم ازاحه جانبًا بحنق وهو يعض شفتيه، وتحرك صوب أجهزة المراقبة :
" لا اعلم حقًا أين كان عقلي عندما لحضرتك معي "
رفع توفيق طرف شفتيه في سخرية وهو يردد :
" وهو أنت كنت فاكر أنك من غيري تقدر توصل للـ لحظة دي ؟! لا فوق ده أنت لولايا كان زمانك بترقص لرفقة قدام السجن وتغنيلها الملاحة الملاحة وحبيبتي ملو الطراحة "
تجاهله جاكيري، يخرج من جيبه هاتفه ليجد أن مارتن مايزال معه على المكالمة، وضع جاكيري الهاتف على أذنه وهو يقول بجدية :
" مارتن هل أنت معي ؟!"
على الجانب الآخر اعتدل مارتن في جلسته بجدية وهو يجذب الحاسوب له اكثر يقول بحذر :
" هل المكان الآن آمن ؟! "
" نعم، أنا الآن أمام الحاسوب "
تحدث مارتن بجدية وهو يحرك أصابعه على الحاسوب أمامه :
" افتح مكالمة مرئية جاكيري، دعني أرى كل شيء تفعله، لن يستغرق الأمر دقائق "
وكذلك فعل جاكيري وهو يتجاهل توفيق الذي كان يلتصق به كالعلقة، مرددًا :
" شجر مانجة اللي وراه ده ؟! ده أنا كنت بدوخ على مانجة في ايطاليا"
أبعده جاكيري عنه بحنق وهو يجعل المكالمة مرئية يرمق مارتن وجولي التي تلتصق به كما يفعل توفيق معه .
ابتسم بسمة جانبية ساخرة وهو يحرك كاميرا الهاتف صوب الأجهزة يتحدث بجدية :
" الآن ماذا ؟!"
ابتسم مارتن وهو ينظر لتلك الأجهزة التي كانت متواضعة بعض الشيء، مما ينبأه أن عمله لن يكون بالعسير، بل سيكون بضغطة زر فقط :
" الآن ضع الذاكرة الإلكترونية في الحاسوب و....."
" مارتن، جايك وادم يتشاجران في الداخل "
كانت تلك الجملة خارجة من هايز التي كانت تتنفس بحدة بسبب ركضها من للمطبخ حتى الحديقة .
استدار لها مارتن بجدية وهو ينظر للشاشة أمامه، قبل أن ينهض وهو يحمل حاسوبه على يده يتحدث مع جاكيري أثناء تحركه للداخل :
" أنا مللت من كل هذا حقًا، اقسم أن أتصل بانطونيو وأخبره بكل ما يحدث هنا، جاكيري ضع الذاكرة كما أخبرتك ثم ابحث عن المستند الخاص بها على الحاسوب "
اقتحم مارتن المطبخ وهو مازال يتحدث مع جاكيري، ليجد أن جايك وادم قد حطما نصف المطبخ تقريبًا أثناء الشجار؛ لذلك صرخ بهما في غضب كبير :
" أيها الاحمقان، توقفا عما تفعلان، اقسم أن أخبر سيلين بكل ما فعلتماه في مطبخها، عسى أن تأتي وتخلصني منكما، وأنت جايك ما بك اصبحت تتشاجر مع الجميع في الآونة الأخيرة ؟! "
لكن أيًا من جايك أو آدم لم يهتما، واستمرا في الشجار، ترك مارتن الحاسوب على طاولة المطبخ وهو يتحرك بعنف صوبهما، لتقف جولي امام الحاسوب وهي تنظر للهاتف الموضوع جواره ترمق الأجهزة التي يصورها جاكيري بتركيز :
" حسنًا جاكيري أنا سأكمل الأمر معك لحين ينتهي مارتن من شجار ادم وجايك، اتبع تعليماتي رجاءً "
مسح جاكيري وجهه بحنق وهو يدير الكاميرا لوجهه متحدثًا بجدية :
" جولي وجهي الهاتف لهما "
" ماذا؟! اعطني فرصة لإثبات نفسي "
" جولي افعلي ما قلته "
كانت جملة جاكيري مغتاظة وحادة، لتحمل جولي الهاتف مكرهة وهي تتحرك صوب الاثنين اللذين يتشاجران ومارتن الذي يحول بينهما وهو يكاد يقتلهما، رفعت جولي الهاتف بعيدًا بعض الشيء عنهما، وثواني فقط هي ما مرت حتى على صوت جاكيري الغاضب في المكان باكمله :
" اقســـــم إن استمـــــر الامـــــر ثانيـــة اخــــرى، سأحضر اول طائرة للبلاد واجعل من جسديكما العفنين اهدافًا لمسدسي "
وعلى كلمات جاكيري تلك توقف الجميع عما يفعل، وعم صمت مريب في المطبخ، ونظر كلًا من آدم وجايك لبعضهما البعض بريبة، ولم يكد مارتن يتحدث حتى وصل للجميع صوت جاكيري الغاضب:
" والآن ارحلا من هنا "
وفي الثانية التالية كان المطبخ فارغًا إلا من روز وجولي ومارتن، حيث خرج ادم من المكان متذمرًا تتبعه هايز، بينما جايك كان يتمتم بضيق وهو يسب الجميع متحركًا صوب غرفته، راقبهم مارتن بتشفي قبل أن ينتفض وهو يستمع لحديث جاكيري :
" هيا مارتن لننتهي من هذا "
تحرك مارتن صوب الحاسوب والهاتف يراقب ما يصوره جاكيري وشاشة حاسوبه قبل أن يتحدث بجدية :
" حسنًا جاكيري اضغط على تلك الأيقونة الحمراء التي تعلو الشاشة من اليسار "
" هذه ؟!"
" نعم، اضغط عليها "
تحركت روز من المطبخ بهدوء تاركة مارتن ينهي ما يفعل، وجولي تلتصق به وهي تراقب ما يحدث ببسمة واسعة و فخر كبير بمارتن، وكأن طفلها يحبو أمامها لمرته الأولى.
" جيد، الآن
وكذلك فعل جاكيري ليصل له صوت مارتن وهو يقول بجدية :
" حسنًا جاكيري انتظر فقط عشر دقائق، ثم انزع الذاكرة، وأخرج من المكان بأكمله، دورك انتهى هنا "
______________________________
دخلت المجلة وهي شاردة فيما حدث منذ ساعة تقريبًا رفقة مايك، ذلك الغريب الذي اقتحم حياتها الفوضوية، ذلك الذي تخشى أن تضعه في مكانًا عاليًا، ثم يخذلها كـ سابقيه، وعلى ذكر سابقيه، التقت عين لورا برفيقتها التي كانت معها هي وماليكا منذ ساعات، تلك التي خجلت أن تدعوها لعيد ميلادها، ثم تعاونت مع ماليكا على وضعها في موقف سيء كالذهاب دون موعد لمركز مافو .
" مرحبًا لورا، هل انتهيتِ من تصميم فستانك ؟!"
هزت لورا رأسها بنعم، ثم تجاوزتها لا تود أن تستغرق معها في الحديث، حتى لا تطفو خيبة أملها ووجعها من فعلتها على ملامحها، لكن رفيقتها اوقفتها وهي تمسك بيدها بسرعة مبتسمة :
" لم تخبريني أنكِ رفيقة لمافو، هل سبق ورأيتِ وجهه ؟؟"
رمقتها لورا وهي تفكر في كيف يعيش مثل هؤلاء الأشخاص، الأشخاص الذين يتغذون على المصالح، وإن نضب مخزونك منها، انفضوا من حولك مترفعين عن رفقتك، حتى تأتي لهم بمخزون جديد من المنافع، ليسارعوا ويلتفوا حولك باحثين عن نصيبهم منها .
ولا يبدو أن الفتاة اهتمت بجمود لورا التي حتى لم تنطق كلمة واحدة منذ دخولها للمكان، وهي تتابع بحماس شديد :
" بالطبع رأيتِ وجهه يالغبائي، حسنًا كنت أتساءل إن كان بإمكانك التوسط لي عنده ومساعدتي للحصول على موعد، فأنا أود أن يصمم لي فستان من توقيعه "
رمقتها لورا بصمت، ولا تعلم ما يجب قوله، فهي في هذه الحالة أشبه بمن فقد النطق، تشعر بالمرارة تتسرب لنفسها وهي تجد زميلتها في العمل والتي كانت على وشك أن ترقيها لتشغل مكانة صديقة، تتملقها فقط لأجل الحصول على ما تريد .
" في الحقيقة عزيزتي، لا اظن أن مافو متفرغًا لمثل هذه الامور، في الأساس هو مشغول وبشدة هذه الفترة، وقد فرّغ جدوله لأجل تصميمي بصعوبة ولأنني رفيقته فقط؛ لذلك أنا لا يمكنني أن أخبره بأمر تصميمك فأنا أعلم يقينًا أنه سيوافق لأجلي، وأنا لا أريد استغلال رفقتنا وأثقل عليه في العمل، والآن سأذهب لأكمل عملي، اراكِ في المكتب "
مستغلة و كاذبة؟! نعم هي كذلك، لكن هذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها بالثقة وهي ترد على أحدهم، ويبدو أن مايك كُتب عليه أن يكون تميمة ثقتها حتى في غيابه، فها هي تستغل اسمه وبكل وقاحة لتصنع به جدارًا لامعًا حولها، جدارًا يجذب الأنظار نحوها فلا تكون مهمشة، وفي نفس الوقت يمنع أحد من تخطيه فلا تكون محاطة بالمستغلين، أحسنتِ لورا، الآن اصبحتِ كاذبة مستغلة حقيرة .
لم تنس لورا أن تلقي نظرة عابرة غير مهتمة على ماليكا التي كانت تقف رفقة إحدى زميلات العمل وتتحدث معها هامسة، وتكاد تجزم، أن ذلك الحديث عنها، لكن ولأول مرة لا تبتأس لأجل ذلك، بل خطت بكل ثقة لمكتبها وهي تقول مستعيدة لورا القديمة تفتح ذراعيها بمرح، للوحيد الذي لم يتغير يومًا عليها أو يطلب ثمنًا لقربه منها :
" موسى العزيز، يا من اشتقت لتناول طعامه، ها أنا ذا "
رفع موسى رأسه من على الاوارق أمامه وهو يبتسم بسمة واسعة مرحبة برفيقته اللطيفة الرقيقة :
" لا، هذه المرة اخذت احتياطاتي وأخبرت زوجتي لتعد طبقًا اضافيًا لأجلك "
ضحكت لورا وهي تتجه صوب مكتبه متحدثه بامتنان :
" يا رجل هل هناك من هو بمثل لطفك أنت وزوجتك ؟!"
ضحك موسى وهو يرفع علبة الطعام أمامها :
" كل هذا لأجل علبة طعام ؟! أيتها المتملقة "
أخذت لورا علبة الطعام وهي تمنحه بسمة واسعة، ثم تحركت صوب مكتبها تتجاهل رفيقتها التي دخلت بملامح مكفهرة دون أن تلقي التحية على أحد، تشعر بالذنب لما قالته، لكنها تعود وتهمس لنفسها أنها لم تخطأ، ليس عليها أن تكمل حياتها تتقبل استغلال الجميع حولها، فقط حتى لا تصبح وحيدة، تنفست وهي تتذكر حديث طبيبها ( احيانًا أن تكوني وحيدة، خيرًا من أن تعيشي وسط أشخاص مؤذيين لورا )
__________________________________
كانت تجلس أمام التلفاز بملل، تحاول شغل عقلها عن ذلك الازعاج القادم من الخارج، تمنع نفسها من النهوض والتحرك للخارج والصراخ في وجه ذلك المزعج الوقح، ليس لأنها لا تود افتعال مشاكل معه، بل لأن ركبتها تؤلمها وبشدة، زفرت بتعب وهي تستمع لصوت قادم من داخل المنزل ليصبح الازعاج مزدوجًا الآن .
نهضت من مكانها تتحرك بتعب مستندة على عكازها حتى وصلت للغرفة التي تحتلها تلك البائسة منذ عادت من ساعات، فتحت الباب بهدوء وهي تقول بصوت حنون :
" روبي حبيبتي "
كانت روبين تدفن وجهها في وسادتها وهي مستمرة في البكاء منذ عادت، لا تجيب حديث جدتها، لكن لولو تحركت وهي تهز رأسها بشفقة عليها، تقف أمام النافذة التي تكاد الضوضاء من الخارج تنتزعها من مكانها تصرخ بغضب :
" أنت يا حيوان بطل قربت تطرشنا، بيب بيب بيب ايه فرح هو ؟! "
أنهت حديثها وهي تزفر بضيق تلتفت برأسها لروبين :
" يابنتي لو حابة تكتئبي تعالي زعقي للجبلة ده وقوليله يمشي من هنا، مش هتعرفي تكتئبي كده في الدوشة دي "
رفعت روبين رأسها من الوسادة، تتحدث بأعين منتفخة :
" مش عايزة اشوفه يا تيتة خليه يمشي من هنا، قوليله خلاص خلصنا "
تنهدت لولو بحزن على حفيدتها وحزنها الذي لا تعرف له سبب، فهي منذ عادت من الخارج وهي تبكي بهذا الشكل، والآخر يرابط بسيارته أسفل النافذة رافضًا التحرك قبل أن يزيد أمراضها واحدًا ويصيبها بالصمم .
" سمعت؟! سمعت قالت ايه ؟!"
كانت كلمات لولو الصارخة موجهة لفبريانو الذي هبط من سيارته يستند عليها أسفل نافذة روبين يضم ذراعيه لصدره :
" لا لم أسمع "
" ما أنت اطرش "
" أيوة أنا اطرش، نادي روبين خليها تخرج "
نهضت روبين من فراشها وهي تتحرك بخطوات عنيفة صوب النافذة تزيح جدتها بهدوء ومرعاة، ثم وقفت تقول بصوت خرج ضعيف بسبب طول فترة بكائها :
" عايز ايه يا فبريانو؟! مش قولنا أننا خلصنا خلاص ؟!"
" أنتِ قولتِ ياروبين، أنا مقولتش حاجة، ولا أنتِ عطتيني فرصة اقولك حاجة"
تحدثت روبين بحسرة وقهر :
" وتقول ايه ؟! تقول ايه بعد ما خبيت عليا حقيقتك الفترة دي كلها وخدعتني، تقول ايه وانا مبقتش عارفة ابص لنفسي في المرايا لاحسن الاقي حمار "
تحدث فبريانو ببسمة صغيرة :
" أنتِ لستِ بحمار روبين، أنتِ ارنب وردي لطيف "
" لا أنا حمارة وغبية، حمارة عشان حبيتك، وغبية عشان ما اخدتش بالي من خداعك، يا شيخ ده أنت ولا مرة فكرت تصارحني فيها بحقيقتك القذرة "
اغمض فبريانو عينه يحاول تمالك غضبه :
" روبين دعيني اتحدث معكِ بهدوء، أنتِ تحكمين دون سماع الأمر مني، حكمتِ فقط من حديث روزيلا "
أطلقت روبين سبة فاجئت فبريانو، ثم اتبعتها بصرخة مجنونة :
" اه الظاهر إن الآنسة موزريلا بتاعتك دي معرفة قديمة، اتاريها كانت بتتلزق بضمير فيك، وتبعد ليه ما هو الاستاذ عمال يحضن فيها "
صمتت ثم قالت ببكاء وقهر صارخة:
" اللهي يحضنك قطر يا فبريانو "
أنهت كلماتها وهي تنفجر في البكاء، تبكي خداعه، وتبكي تقربه من تلك الفتاة بهذا الشكل، بينما فبريانو تأوه بحزن وهو يراقب حالتها تلك :
" هل ذلك سيسعدك روبين ؟!"
رفعت روبين عينها تنظر له من بين سحب دموعها بعدم فهم، ليوضح هو حديثه بجدية :
" هل سيسعدك أن أقف أمام القطار وتتخلصين مني ؟؟ إن كان ذلك يسعدك فسأفعلها "
هنا وانهارت روبين في البكاء أكثر وهي تقول بوجع :
" امشي يا فبريانو، امشي من هنا ارجوك "
وقف فبريانو في منتصف الحديقة بعدما دخلها أثناء حديثه معها يصيح بصوت عالي :
" أنا لن ارحل من هنا روبين إلا عندما تتحدثين معي، فرصة واحدة هي كل ما اطلب روبين "
تحدثت لولو والتي كانت تتخذ دور المشاهدة :
" هتفضحنا في المنطقة يا اهبل، ياستي اسمعيه وخلصينا "
هزت روبين رأسها برفض وعناد وهي تقول بتعب :
" مش هقدر، مش هقدر اسمعك دلوقتي، ولا هقدر اسامحك، ليه مش قادر تفهم اللي انا حاسة بيه، أنا حاسة اني مخنوقة يا فبريانو لا قادرة اتكلم ولا قادرة اتناقش، عشان كده ارجوك امشي "
أعاد فبريانو شعره للخلف، ثم تنفس عدة مرات ليهدأ ضربات قلبه، وبعدها تحرك بكل هدوء صوب الشجرة التي تجاور نافذة روبين، وجلس أسفلها يستند عليها وهو يقول بجدية ينظر أمامه شاردًا :
" لن اذهب من هنا حتى نتحدث روبين خذي كل وقتك، والآن ادخلي لغرفتك فالجو بارد"
ضغطت روبين على شفتيها بعنف تحاول تمالك وجعها، ثم تحركت بهدوء صوب فراشه تتسطح عليه شاردة في السقف :
" ارجوكِ يا لولو سيبني لوحدي "
راقبتها لولو ثواني قبل أن تتحرك لها، تقبل جبهتها بحنان، وبعدها تحركت للخارج بهدوء تغلق الباب خلفها، تاركة روبين تنظر للسقف ثواني ودموعها تهبط بهدوء، قبل أن تنفجر في البكاء بقوة، لا تستطيع التعبير عما بداخلها، هي الآن مجروحة، شعور أنه كان يخدعها، يقتلها، لا تستطيع أن تناقشه وهي بتلك الحالة، بل لا تستطيع أن تتحدث لأحد .
وأسفل النافذة كان يجلس هو يضم قدميه لصدره يستند بذقنه عليهما يشرد في الفراغ أمامه، يردد تهويدة لطيفة هادئة كان يستمع إليها كثيرًا أثناء طفولته، ولم يشعر بنفسه، أو يشعر أن صوته يصلها حتى فراشها .
استمعت روبين لصوته الشجي والذي يظهر حزنه بوضوح ويظهر وجعه، لكن هل يُقارن وجعه بوجعها؟! ازداد بكائها أكثر وهي تنهض من فراشها صوب نافذتها تتسطح جوارها تضم نفسها للجدار تستمع لصوته الحنون وهو يهمس تلك التهويدة التي لم تفهم معناها .
سمعت روبين صوت هاتفها يعلن وصول رسالة لها، لكنها لم تهتم وظلت مسطحة مكانها تغمض عينها تستمع لصوته حتى غرقت في النوم، ودموعها تهبط دون أن تشعر .
وفي الاسفل كانت لولو تراقب ما يحدث بقلب مكلوم على حفيدتها، وذلك الشاب الذي ورغم كرهها له في البداية، إلا أنها لاحظت مقدار حبه واهتمامه بحفيدتها، وذلك يشفع له عندها، اقتربت من النافذة في الطابق الأرضي والتي تقابل الشجرة التي يجلس عندها فبريانو تراقبه يشرد في السماء يغني بصوت جميل منخفض بعض الشيء، تردد بحنق :
" هتلم علينا الجيران يا اهبل، مفكر نفسه في فيلم قديم ده ولا ايه ؟!"
بينما عند فبريانو كان بعيد كل البعد عن ذلك العالم، كان في عالمه الوردي حيث هو وروبين فقط، عالم لا يوجد به شر او كره أو قتل، لا يوجد سوى هو وهي فقط .
_______________________________
تجلس نصف جلسه في فراشها الضيق بعض الشيء تضم جسده بين أحضانها بحب، وكأنه لم يحظى يومًا بدفء سوى في هذا المكان، ابتسمت روما وهي تداعب خصلات انطونيو الذي سقط في النوم دون شعور منه، وكأنه لم ينم لسنين .
ارتسمت بسمة بحنونة على فمها تنحنى قليلًا تقبله بلطف، قبل أن تسمع لرنين هاتفها الذي اعطته والدتها لها بعد استفاقتها، حملت الهاتف وهي تنظر له بأنزعاج حتى لا يوقظ انطونيو، لكن كل ما ظهر على شاشته هو رقم محجوب، جعلها تضيق ما بين حاجبيها بتعجب، قبل أن تجيب بسرعة بعدما شعرت بتململ انطونيو بين يديها :
" مرحبًا "
" لم اتوقع أنكِ مازلتِ تحتفظين بنفس رقمك القديم، هل هذا أمر متعمد منكِ، لإبقاء الباب بيننا مفتوح طوال الوقت وأنا الغبي الذي لم اجرب طرقه يومًا "
اعتدلت روما في جلسته أكثر وهي تنظر لانطونيو بحذر تهمس في الهاتف :
" من يتحدث ؟!"
" بهذه السرعة نسيتِ صوتي ؟! يا فتاة أنتِ ناكرة للجميل، لقد كنت أقضي ليالي طويلة اغني أسفل نافذتك كعاشق احمق "
فتحت روما فمها بصدمة وهي تدقق السمح لتلك النبرة، وقد عاد الماضي سريعًا يحتل دهاليز عقلها، بعدما كانت قد حررتها منها، نزعت رأس انطونيو من أحضانها، ثم تحركت ببطء وتعب بعيدًا عن الفراش تتوخى الحذر وهي تستند على الجدار، حتى استقرت أمام النافذة التي تطل على الحديقة :
" ديفيد ؟!"
همهم ديفيد من الجانب الآخر باستمتاع وهو يسمع اسمه أخيرًا يخرج منها :
" هممم، ديفيد يا حبيبتي، اشتقت إليكِ، هل أنتِ كذلك ؟!"
شعرت روما بالهواء ينقص من حولها وهي تراقب رأس انطونيو الذي يغط في نومٍ عميقٍ برعب أن يشعر بما يحدث، ابتلعت ريقها وهي تقول بصوت خافت :
" ماذا تريد ؟!"
" لا، ما هذه اللهجة الخشنة ؟! هل زوجك جوارك ؟! "
عضت روما على شفتيها وهي تحاول التحكم في غضبها حتى لا تصرخ وتوقظ انطونيو، تردف بسخرية :
" اختصر كل هذا ديفيد وقل ما تريده، فاتصالك هذا ليس عبثًا، وليس لأنك تحبني كما تقول، فأنت لم تحبني يومًا؛ لذلك رجاءً قل ما تريده قبل أن أغلق الهاتف "
" لطالما كنتِ ذكية روما، ومازلتِ كما عهدتك، أنتِ محقة جميلتي أنا بالفعل أطمح للكثير خلف مكالمتي، لكن في البداية دعيني اقدم لكِ اعتذاري عما حدث لكِ، لم تكوني أنتِ المستهدفة، بل كان الاحمق زوجك"
" إن كان هناك احمقًا الآن فهو أنت عزيزي، وصدقني أنت لن تحب أن تواجه زوجي، ثم لا بأس إن مت فداءًا له "
قالت روما جملتها تلك وهي تحاول كتم غضبها من معرفتها المتسبب في حالتها، والاكثر أن المستهدف كان انطونيو، نيران تلبستها جعلتها تتوعد له في داخله، هي كانت ستغلق معه وتغير شريحة هاتفها وتنتهي، لكن الآن ستريه الويل .
" آه لم اعهدك شرسة هكذا، لكن لا بأس هذا سيفيدني فيما اطلبه جميلتي "
ضغطت روما على شفتيها بحنق وهي تهمس :
" توقف عن قول جميلتي تلك، وقل ما تريده قبل أن أغلق الهاتف بأكمله"
" بمجرد اغلاقك للهاتف سوف تصل صورنا الجميلة على هاتف زوجك "
انتفض جسد روما وهي تهتف باستنكار :
" أي صور تلك يا هذا ؟! لم يسبق لي يومًا أن أخذت صور رفقتك، أو تقاربت منك بشكل يدفعك لتهددني بصور كتلك التي تتحدث عنها "
" نعم صحيح، لكنني احتفظ ببعض صورك الخاصة وسمحت لنفسي بالتلاعب بها"
ولولا وجود انطونيو في الغرفة لكانت أطلقت ضحكة مجلجلة تسخر من حديثه الساذج، فها هو يستعمل اقدم خدع التاريخ ضد امرأة :
" حقًا؟! ألا ترى أن تلك الحيلة قديمة بعض الشيء، ثم هل تعلم من هو زوجي؟! سيكتشف زيف تلك الصور في ثواني معدودة ايها الأبله "
" نعم لكنه لن يكتشف زيف التسجيلات الخاصة بكِ، وأنتِ تخبريني كم تحبيني، و.... أنتِ تعلمين الباقي "
كتمت روما شهقة وهي تنظر خلفها لانطونيو مبتلعة ريقها :
" ما الذي تريده ديفيد؟! أنت تعلم أن كل ذلك كان في مرحلة مراهقتي أيها المريض، لقد كنت في السابعة عشر "
" سأكتفي بالإجابة عن الجزء الاول من الجملة واتغاضى عن الآخر "
" تحدث فلم اعد اتحمل صوتك، ماذا تريد ؟؟"
وصل لها صوت ديفيد من الجانب الآخر مرددًا بشر :
" صاحب الترتيب الرابع في العائلة، ماذا كان اسمه ؟! مارتن صحيح ؟!"
_____________________________
" توقف عن هذا، لقد سئمت ضحكاتك، منذ خرجنا من البناية وأنت لم تتوقف عن الضحك ماركوس "
ازدادت ضحكات ماركوس وهو يتذكر كيف كانت تتشاجر مع مراهق يصغرها بالكثير من الاعوام، يحاول التحدث من بين ضحكاته :
" آسف، لكن حقًا أنتِ تحتاجين للعمل جاهدة، حتى تغيري من نظرة الجميع لكِ كطفلة صغيرة في العاشرة من عمرها "
رمته فيور بحنق وهي تحاول تحمل ضحكاته المزعجة التي كان يطربها بها منذ خرجوا من المنزل، تضم ذراعيها لصدرها وهي تتحدث بحنق :
" وماذا افعل في رأيك ؟! هل اجري عمليات تجميل لاغير ملامحي ؟! "
" يا فتاة ألم تسمعي يومًا عن أدوات التزيين، والأحذية ذات الكعب العالي، وايضًا الفساتين اللطيفة التي تخص الفتيات "
لوت فيور فمها تفكر في حديثه ذلك، ثم قالت ببساطة وهي تحرك كتفيها :
" بلى كنت احيانًا ابيع اشيائي امام محلات الزينة الخاصة بالنساء و أرى كيف يتزينّ، لكن إن كنت في خيار ما بين أن تتناول طعامك وتحيا، أو أن تتزين، فلا أظنك قد تختار التزين "
وكم آلمه قلبه على حديثها والذي رغم أنه خرج منها هادئ وبكل بساطة دون تأثر من جهتها، إلا أنه فكر في كل تلك الليالي التي عانتها يومًا وحدها :
" تريدين أن تتزيني وترتدي فساتين كتلك فيور ؟!"
نظرت له فيور بتعجب من سؤاله، لكنها أجابت ببساطة كعادتها :
" ليس هناك فتاه لا تود ذلك عم ماركوس "
ضحك ماركوس ضحكة صغيرة، وكاد يجيب عليها لولا هاتفه الذي ارتفع رنينه في السيارة، حمله وهو يجيب عليه بهدوء كعادته :
" مرحبًا "
" مرحبًا سيد ماركوس "
" من يتحدث معي ؟!"
وصله صوت واثق من الجهة الأخرى يتحدث بكل هدوء :
" هذه أنا الطبيبة سارة، هل يمكنني مقابلتك لساعة رجاءً، هناك ما يحتاج لتوضيح من جهتي "
نظر ماركوس جانبه لفيور التي كانت تنظر لازرار سيارته بفضول تأبى أن تغامر وتضغط على احدهم، رغم رغبتها القوية في فعل ذلك ...
" حسنًا لا بأس، متى تودين ذلك ؟!"
" الآن إن لم أكن ازعجك عن شيء "
ضرب ماركوس يد فيور وهو يزجرها بنظراته بعدما كادت تضغط على أحد الازرار في السيارة دون معرفة ما تفعل :
" لا، لا مشكلة، سوف آتيكِ المشفى، خمس دقائق واكون أمامك "
أنهى حديثه وهو يغلق المكالمة ينظر جواره لفيور التي كانت تلوي فمها بحنق شديد، بينما هو لم يهتم يتحرك بسيارته مرددًا بجدية :
" سوق نذهب للمشفى لاقابل شخصًا ما فيور وعليكِ أن تلتزمي الهدوء هناك، حسنًا ؟!"
" هذه حبيبتك ؟!"
نظر لها ماركوس بطرف عينه وهو يقول بجدية :
" حبيبتي ؟! لا فيور هي ليست كذلك، هي ليست حبيبتي، ولا تصلح لتكون هكذا "
نظرت له فيور بعدم فهم :
" لا تصلح لتكون حبيبتك ؟! هل هي متقدمة لوظيفة لديك ؟! "
ضحك ماركوس وهو ينحرف بسيارته في أحد الطرق الفرعية مرددًا بينما يده تعبث بشعرها في شكل مغيظ لها :
" لا، لكن من خلال معرفتي القصيرة بها، فهي لا تلائمني بأي شكل من الأشكال، أنا لدي مطالب خاصة في الفتاة التي أود الارتباط بها، فأنا لم احفظ مشاعري طوال تلك السنوات حتى اهدرها في علاقة لن تنجح فيور "
نفخت فيور فمها بحنق من حديثه :
" وكأن الحب سيستأذنك قبل أن يزورك، ويجلس معك في جلسة ودية ليرى إن كان الأمر يناسب متطلباتك أم لا، يا رجل هو يأتي كصفعة على وجهك، لا تشعر بها إلا بعدما ترتطم بوجنتك، كما لا يمكنك توقع أين ستسقط، أو من جهة من ستأتيك الصفعة، هي فقط ستباغتك "
نظر لها ماركوس بسخرية ثم قال يتوقف بسيارته أمام المشفى :
" هيا اهبطي قبل أن اصفعك أنا يا حمقاء "
ختم كلماته وهو يهبط من السيارة يشير لها أن تتبعه، لكنها اخرجت رأسها من النافذة، وهي تصيح بصوت يشبه العجائز :
" تذكر هذا أيها الشاب، يومًا ما ستأتي باكيًا من صفعة الحب، وعندها لا تقل أن فيور لم تحذرك "
استدار ماركوس وهو ينظر لها، بينما يسير بظهره :
" وقتها سأضع بعض الثلج مكان الصفعة، ثم أخرج مسدسي و ..."
توقف عن حديثه وهو يرفع إصبعين يشير بهما نحو فيور في علامة المسدس، وبعدها أشار بعلامة إطلاق الرصاصة مكملًا :
" هكذا ببساطة "
انهى كلماته بغمزة لتلحقه اصوات فيور المضحكة التي تحاول بها تقليد الساحرات في الافلام :
" احذر يا فتى، احذر من الحب "
_____________________________
أقدامه تغوص في الثلوج أسفله بعدما فشل في التحرك بالسيارة بسبب الثلوج، وقد بدأت ملامح الطرق تختفي من حوله لكثرة الثلوج استعدادًا لعاصفة قوية، كان يسير وهو يضم يديه لصدره يحاول تدفئة نفسه يلعن راسيل ويلعن نفسه لأنه استمع لها وجاء هنا، وقد أخذ عهدًا على نفسه أن يعود للبلاد إن نجى من تلك العاصفة، ولتحترق القضية والمكتب وراسيل، وليحترق هو أيضًا معهم علّ تلك النيران التي ستحرقه تدفئ جسده .
نفخ وهو ينظر حوله وقد كانت الطرقات فارغة بشكل مريب، وكأن المدينة تمت ابادتها بالكامل، لمح بطرف عينه لافتة مدون عليها اسم محطة الوقود التي أخبرته عنها راسيل، وقد بدأت حروف اللافتة تتلاشى شيئًا فشيء بسبب الثلوج التي كانت تغطيها .
تحرك نحوها بأقدام مرتجفة بسبب البرودة وهو يحاول التحدث ومقاومة تجمد جسده :
" راسيل.....راسيل أين أنتِ ؟! راسيل ؟؟"
حاول اخراج هاتفه ليتصل بها، لكن عانده القدر وهو يرى أن هاتفه لا يعمل، ضم شفتيه بغضب، ثم بدأ يحاول الصراخ مناديًا إياها وكل خوفه أن تكون تجمدت الآن، فهو تأخر لأنه جاء سيرًا على أقدامه ..
" راسيل، أيتها الحمقاء أين أنتِ ؟؟ كل هذا بسببك يا غبية، ليتني ما جئت معك لهنا "
أنهى حديثه وهو يتحرك في محطة الوقود يبحث عن أي مخبأ قد تكون به، وصوت تمتماته الحانقة يعلو شيئًا فشيء :
" لقد جعلتيني اتخلى عن مبادئي واتحرك من مقعدي لأجل البحث عنكِ، اقسم إن كنتِ ميتة بعد كل هذا لاحرقن جثتك واستخدمها للتدفئة "
" تبًا لك يا حقير، أنا هنا بسبب فشلك، يا أفشل من عرفت روما "
استدار مارسيلو بسرعة صوب الصوت ليجد أنه قادم من خلف باب حديدي مفتوح جزء صغير لمكان يشبه المحزن، تحرك نحوه ركضًا وهو ينادي باسمها :
" راسيل، هل أنتِ هنا ؟!"
" أنا هنا "
ورغم أن صوتها كان خافتًا إلا أنه وصل لمارسيلو واضحًا وهو يفتح الباب الثقيل بصعوبة، يتسائل كيف فتحته هي، هل هي قوية لتلك الدرجة، أم أن البرودة أثرت على أطرافه؟!
دخل المكان ليجد أنه ممتلئ بالكثير والكثير من عبوات البنزين الملقاة بإهمال في شكل يدل على أنها فارغة، وقد كان ذلك أشبه بمخزن لوضع العبوات الفارغة .
تحرك بصعوبة الداخل بعدما اغلق الباب جيدًا خلفه يرى راسيل تتكوم في أحد الأركان كـهر بعد إخراجه من دلو مياه، همس بخوف من أن تكون تأذت :
" راسيل هل أنتِ بخير ؟!"
فتحت راسيل عينها بصعوبة وهي تهمس من بين أسنانها التي تتحرك بسرعة والبرودة قد جمدت دمائها تقريبًا :
" أشعر بالبرودة، الجو بارد "
تحدث مارسيلو ساخرًا من حديثها :
" نعم لقد لاحظت ذلك، ربما ستمطر في الخارج.....أيتها الغبية ما الذي أخرجك من الفندق ؟!"
" أردت فقط الابتعاد عن وجهك قبل أن انزعه من على جسدك "
ابتسم لها مارسيلو وهو يجلس على الأرضية الباردة جوارها يتحدث بسخرية :
" تغارين من وسامتي يا قبيحة، انظري ها أنا الآن سأموت قبل أن استغل وسامتي، وكل هذا بسببك راسيل، إن خرجنا من هنا احياء سوف اخصم لكِ و..."
لم يكمل كلماته بسبب رؤيته لاجفانها التي انغلقت فجأة ورأسها تعود للخلف حتى سقطت ارضًا بقوة، فتح مارسيلو عينه بصدمة وهو يهمس :
" راسيل، هل متِ ؟!"
تحدثت راسيل التي كانت تحاول بث بعض الحرارة لجسدها :
" نعم، دعني ارحل في سلام"
صمتت ثم قالت بحسرة وهي تبكي :
" لم أتخيل أن تكون نهايتي بتلك البشاعة، أن أموت من البرودة رفقتك، هذا ابشع مما تخيلت بمراحل "
فتح مارسيلو فمه بعدم تصديق وهو يتحدث بغيظ :
" هيييه توقفي عن هذا، لقد تركت دفء الفندق وجئت لكِ خصيصًا "
" ولِمَ جئت إن لم تكن ستنقذني من الأساس ؟! "
صمت ثم قال بجدية :
" لم اجد سيارة تحضرني بسبب الثلوج؛ لذلك اضطررت للسير على الأقدام وهذا أضاع وقت طويل، ولم نعد نستطيع الخروج لأن العاصفة على وشك أن تهب؛ لذلك الافضل أن نبقى هنا حتى تنتهي ولندعي أن نعيش لوقتها "
" لِمَ لم تعد عندنا أدركت أنك لن تصل لي في وقت مناسب؟! لِمَ خاطرت بهذا الشكل ؟!"
" هل تعلمين أنني توقفت في منتصف الطريق وانا افكر في هذا الأمر، وقعت في حيرة ما بين أن أعود للفندق وانقذ نفسي وما بين أن آتي هنا وابقى معك، حتى اخبرك قبل أن تموتي أنني كنت محقًا عندما رفضت المجئ، رأيتِ أن الكسل مفيد ؟!"
لم تجب راسيل عليه، وقد أصبح صوت تنفسها عالي، اقترب منها مارسيلو بسرعة وهو يحاول رفع جسدها له، يستخدم حرارة جسده لتدفئتها ...
" تستغل الأمر للتقرب مني ؟!"
" استغل ماذا أيتها الواهمة، أنا فقط احاول تدفئتك حتى لا تموتين "
ابتسمت راسيل بسخرية على حديثه وعينها تجاهد للنظر له، ليتابع هو بجدية مضحكة يحاول صرف انتباهها عن كل ما يحدث :
" أتعلمين أنني أخرج حرارة من جسدي تعادل المدفئة ؟!"
" لماذا هل أنت مستذئب ؟! "
ابتسم مارسيلو وهو يردد بخبث :
" لا، لكن الجميع يخبرني ذلك، أن أحضاني دافئة كثيرًا "
" الجميع من ؟!"
" النساء "
تبع كلمته بضحكة ماكرة، لتبتسم هي على اثرها وهي تضع يدها على صدره تضم جسدها لخاصته أكثر لتبث بعض الدفء لجسدها، مرت دقائق قليلة قبل أن تقول هي مستخدمة آخر ذرات وعينها :
" هن محقات، أحضانك دافئة كثيرًا "
ابتسم مارسيلو بسمة صغيرة حنونة قلما خرجت منه وهو يحاول ابعاد خصلات شعرها عن وجهها يردد بصوت خافت :
" لا وجود لهن راسيل، أنتِ الأولى التي اسمح لها باستوطان أحضاني"
صمت ثم أضاف :
"لقد اخترت أن آتي إليكِ؛ لأنني خفت أن اتركك وحدك راسيل "
أنهى كلمته وهو ينحني ببطء ينظر لوجهها الساكن بين أحضانه، يقترب منها بتردد قبل أن يطبع قبلة صغيرة حنونة على عينها هامسًا :
" لم أكن لاتركك وحدك "
وأثناء اقتراب وجهه من وجهها شعر مارسيلو بتباطؤ تنفس راسيل، مما جعله يضيق عينه بريبة وهو يهمس محركًا يده على جسدها صعودًا وهبوطًا علّه يبثها بعض الدفء :
" راسيل، لا تستسلمي للنوم، راسيل افيقي "
ولم يصل له رد منها، ليشعر فجأة بتوقف لحظي لضربات قلبه وهو يعتدل في جلسته يهز جسدها بقوة وهو يقول برعب تلبس جسده كله :
" يا ويلتي، راسيل افتحي عينكِ، افتحي عينكِ، هيا هيا انظري إلىّ، لا لا، راسيل افيقي راسيل "
________________________
يجلس أمام لوحاته يحرك أصابعه بعشوائية لا يعلم هدفها، فقط يحاول تخفيف الغضب من داخله، يقسم أنه لم يقصد عناق هايز، الأمر كان خطأ فقط، تنهد يدرك غضب ادم وعصبيته، هو يعلم جيدًا شعور أن يقترب أحدهم من شيء يهمك، هو يغار على حلوى روز، ماذا إن اقترب أحدهم منها هي؟! زفر بضيق وهو يلقي فرشاته، ثم تحرك من غرفته بغضب .
في غرفة ادم كانت هايز تجلس على المقعد أمام مقعده وهي تضم يديها لقدمها تنظر له من طرف عينها تحاول معرفة إن كان مايزال غاضبًا، أم أن نيران غضبه قد خمدت، لكن بالنظر لملامحه، علمت جيدًا أنه مازال غاضبًا، تنحنحت وهي تجلي حلقها .
" آدم "
رفع آدم وجهه كالرصاص ينظر لها نظرة جعلتها تتراجع عما كانت تود قوله، لكن ثواني فقط حتى تمالكت خوفها منه، ثم قالت بجدية :
" في الصباح لم أجد ثياب ارتديها، وطلبت من روز أن تعرني القليل من ثيابها فقط، وبعدها خرجت لتناول قهوتي مع روز في المطبخ، وكنت اضع المنشفة على شعري حتى يجف، وبعد دقائق فقط من دخولي حيث روز، أشارت لي أنها ستعود سريعًا، ثم تركتني ورحلت، وبعد دقيقة تقريبًا جاء جايك، وظن أنني روز، الأمر أنه أخطأ بيننا فقط ادم "
حرك آدم قدمه في حركة عصبية ثم هتف بضيق :
" أنا أعلم "
نظرت له هايز باستنكار، لِمَ الغضب إذن إن كان يعلم ؟! تحدث آدم بسخرية لاذعة من نظراتها :
" هايز حبيبتي هل تظنين أن جايك أو أي شخص في هذا المنزل قد ينظر لامرأة آخر؟! أو تظني أن أحدنا قد يشك في آخر؟! "
تجاهلت هايز كل ذلك وهي تبتسم له غامزة :
" أصبحت تكثر من حبيبتي في الآونة الأخيرة آدم "
ارتسمت بسمة غير مصدقة على فم ادم وهو يرى أين ذهبت بتفكيريها، تحرك من مقعده صوبها يقف أمام خاصتها، ثم انحنى قليلًا حتى يصل لمستوى رأسها يهمس لها بصوت خدرها :
" أتعلمين أكثر ما يعجبني بكِ هايز ؟!"
أغمضت هايز عينها تحاول تمالك نفسها قربه، هل يعقل أنها الآن تعيش أحلامها؟! رفقة ادم من سقطت في حبه منذ انتقل لجامعتها، من كانت تجتمع به كل الصفات الحسنة وقتها، فتحت عينها ببطء ترمقه بحب :
" ماذا ؟!"
ابتسم لها آدم بسمتها ذوبتها كقطعة سكر مسكينة تحارب امواج مشروب ساخن :
" ثقلك، يعجبني ثقلك هذا يا فتاة "
رمقته هايز بعدم فهم لثواني ومازالت تتسطح على غيمتها الوردية تردد بعدم تصديق :
" حقًا ؟!"
نظرة واحدة لصدمتها من حديثه جعلت آدم ينفجر ضاحكًا عليها، يضرب رأسها بإصبعه ثم نزع نظارتها الطبية وهو يقول مقبلًا وجنتها :
" لا حبيبتي أنا أمزح معكِ، فآخر ما قد تمتلكينه هو الثقل "
نظرت له ثواني تحاول فهم هل اهانها للتو ام ماذا !؟
" هل سخرت مني للتو ؟؟ هل تظنني الاحقك آدم؟!"
ابتسم ادم بسمة جانبية، لتجيب هي بحنق :
" لا تبتسم هكذا، أنا لم الاحقك يومًا، بل أنت يا سيد من كنت تظهر في وجهي كلما حاولت تخطيك وعيش حياتي دونك، ثم أنا كنت قد تناسيتك منذ سخريتك مني أمام الجميع في الجامعة، ولم افكر بك إلا عندما رأيتك ذلك اليوم في المشفى "
" اسخر منكِ أمام الجميع ؟؟ يا فتاة هل تحاولين اتهامي بشيء لم أفعله ؟! أنا لم اقترب منكِ يومًا في الجامعة "
فتحت هايز فمها بصدمة من حديثه، ثم قالت مستنكرة :
" ماذا عن تلك الرسالة التي ارسلتها لي مع رفيقك وقام بقرائتها على مرأى ومسمع الجميع ؟! "
فتح ادم فمه بعدم فهم لحديثها ولم يكد يجيبها إلا وسمع صوت طرق على الباب، ابعد عينه عنها بصعوبة وهو ينظر للباب يأذن للطارق بالدخول .
دخل جايك الغرفة وهو يحمل في يده علبة سوداء صغيرة مليئة بالحلوى التي يفضلها آدم، ينظر ليده بتردد قبل أن يرفع عينه لادم الذي ابتسم له بسمة صغيرة .
رفع جايك يده ملقيًا العلبة بعنف في وجه ادم حتى أن آدم كاد يسقط من الصدمة وهو يستمع لصوت جايك يقول بحنق :
" آسف، لم اقصد ضربك "
أنهى جايك كلمته ثم تحرك صوب الباب وخرج بكل بساطة تاركًا الاثنين ينظران في اثره بصدمة، ابتسم آدم بعدم تصديق وهو ينظر للعلبة في يده يهمس :
" هذا الحقير ..."
بينما أمام الغرفة كان جايك يتنهد براحة بعدما صالح ادم بكل لطف وتسامح، الآن فقط سيستطيع الجلوس دون أن يشعر بتأنيب ضميره، لكن وقبل أن يتحرك من أمام باب غرفة آدم، فتح الباب مجددًا يطل برأسه متسائلًا بجدية :
" أنت لم تتأذى كثيرًا صحيح ؟! "
رمقه آدم باستخفاف وهو يبتسم بسمة مستفزة يرفع له حاجبه وكأنه يقول له ( ما رأيك ؟!)، لكن جايك نفخ بضيق وهو يقول :
" أنت أيضًا قمت بضربي آدم، حسنًا أنا آسف مجددًا، سعيد الآن؟؟"
ضحك آدم ضحكة عالية وهو يتجه له يفتح الباب ثم جذبه يضمه بحب يربت على ظهره وكأنه هو الكبير، وليس جايك هو من يكبره ببضعة اشهر :
" كنت سآتي إليك إن لم تأت أنت جايكي "
ابتسم له جايك وهو يبادله العناق :
" لا تغضب مني اقسم لم اقصد "
" اعلم جايك، اعلم "
ابتسم له جايك وهو يبتعد عنه، ولم يكد يتحدث كلمة، حتى لمح بطرف عينه روز التي تتحرك صوب غرفته تحمل في يديها صينية كبيرة، ليقول بسرعة وهو يغمز لادم :
" حسنًا الآن اتركك مع طبيبتك، واذهب أنا لمعالجة قلبي "
أنهى حديثه مازحًا، ثم تحرك صوب غرفته بأقدام سريعة، بينما آدم ترك الباب مفتوحًا ثم تحرك صوب هايز ولديه حديث يكمله، لكن يبدو أن هايز لم ترد أن تغوص في تلك المنطقة مجددًا حيث نهضت بسرعة وهي تقول اثناء نظرها لساعة يدها :
" لقد تأخرنا على أيان، سوف اذهب لأتجهز"
وقفت على بداية الغرفة وهي تقول برجاء :
" ستأتي معي لحفل لم الشمل صحيح ؟! "
هز ادم رأسه لها بنعم، لتمنحه هي الطف بسمة رآها في حياته، ثم خرجت تاركة إياه ينظر لاثرها بشرود قبل أن يلقي بجسده على المقعد وهو يتنهد بتعب :
" اه يا هايز، ما الذي تفعلينه بقلبي ؟!"
____________________________
كانت تضم شفتيها بغيظ وهي تضع يديها حول عنقه بينما رأسها تستقر على كتفه، تتحدث بضيق من تعنته :
" انطونيو دعني ارضًا لقد جعلت جميع رواد المشفى يشاهدونني وانا محمولة هكذا "
ابتسم لها انطونيو يضعها في سيارته بحنان شديد، ثم قبل مقدمة رأسها يقول بغمزة صغيرة :
" لا بأس جميلتي ليروا، أنا لا اهتم لأحد غيرك "
ابتسمت له روما تراه يدور حول السيارة، ثم استقر على المقعد المجاور لها، ينطلق في طريقه صوب المنزل، بعدما سمح لها الطبيب بالخروج والعودة للمنزل، وها هي تجلس جواره في سيارته .
صمت عم المكان على غير العادة عند اجتماعهم، تحدث انطونيو يقطع ذلك الصمت الغريب الخانق :
" ما بكِ جميلة الجميلات، تصمتين على غير عادتك "
نظرت له روما نظرات غامضة تتذكر حديثها مع ديفيد، تحاول ألا تظهر شيئًا مما يدور في خلدها على ملامحها :
" كنت افكر فقط "
" في ماذا ؟؟"
" ما الذي قد يفرق يومًا بيني وبينك ؟؟"
نظر لها انطونيو بحاجب مرفوع يتعجب سؤالها ذلك، لكنه ارجع الأمر لأنها نهضت للتو من غيبوبة قصيرة واجهت فيها الموت :
" هل تريدين الافتراق روما ام ماذا ؟!"
هزت روما رأسها سريعًا بلا، ليبتسم هو لها بسمة صغيرة باردة :
" جيد لأنني لم أكن انتوي أن أفعل حتى ولو كانت حياتي تقف على ذلك، افضل الموت عن تركك "
ابتسمت روما بسمة سوداء وهي تقول بغموض :
" وأنا لن أسمح بذلك انطونيو، فلا وجود لحياتي في غيابك"
أنهت حديثها وهي تتحرك بجسدها أكثر نحوه، ثم انحنت برأسها تضعها على قدمه، تقول بجدية :
" لقد اشتقت للجميع في المنزل "
ورغم تعجب انطونيو من فعلتها، إلا أنه ابتسم بحنان يربت على شعرها بينما يده الأخرى على المقود وهو يتحدث بمزاح :
" وأنا أيضًا اشتقت للجميع، أنا أشعر أنني لم ارهم منذ سنوات، أخشى أن أعود وأجد المنزل مشتعلًا، فغيابي أنا وجدي مرة واحدة، أمر غير مطمئن "
ضحكت روما وهي تضم خصره هاتفه :
" أشعر أن جولي حققت حلمها وفجرت المنزل في غيابك طوني "
" تلك العجوز، كم أتمنى أن اتخلص منها "
صمت ثم قال بغيظ كبير يشعر بروما تعتدل في جلستها :
" تسمي شرير حكايتها الخيالية انطونيو، تلك الـ.. اقسم أن أريها كيف يكون الشرير حقًا، وذلك الوكر الوهمي الذي تتهمني بالهجوم عليه سوف اهدمه فوق رأسها هي ومارتن "
ختم حديثه بشر، لتتعالى ضحكات روما أكثر وأكثر وهي تقترب منه مقبلة خده بلطف شديد هامسة :
" لا بأس طوني من أن تكون شرير حكايتها، يكفيك أنك بطل جميع قصصي "
ابتسم انطونيو بكل حب لها وهو يقول :
" وهذا شرف لي أن أكون بطل حكايات الأميرة روما "
ختم حديثه بغمزة ليتعالى صوت روما وهي تقول بكبرياء مصطنع :
" بل الملكة يا انطونيو "
" يا فتاة أنتِ جشعة "
" في حبك أنا اكبر جشعة طوني، وسأظل هكذا، وكل من تسول له نفسه الاقتراب منك او التدخل بيننا فستتحول تلك الملكة لوحش "
ابتسم لها انطونيو وهو يمسك خدعها غامزًا :
" أرى أن جلوسك معي كثيرًا أضرك "
" وما احلاه من ضرر عزيزي "
__________________________
عاد للمنزل رفقة توفيق بعدما كُللت مهمته بالنجاح، يشعر بالراحة بدأت تنتشر في أي أوصاله، وقد خطى لتوه أولى درجات السلم الذي تقبع حرية حبيبته لي في نهايته، دخل للمنزل وتوفيق خلفه يرفع عباءته على يده وهو يقول بتعب شديد :
" يااه واخيرًا خلصنا، الواحد حس بضغط عمره ما حس زيه في حياته، أنك تشيل حاجة صعبة زي دي على اكتافك، حاجة مرهقة "
لم يهتم له جاكيري وهو يتحرك داخل المنزل يبحث بعينه عن رفقة ليزف لها الاخبار السعيدة ويخبرها أنه خلال أيام فقط سيكون قد حقق اولى خطوات انتصاره في تلك المعركة التي يخوضها فقط لأجل عينيها .
سمع صوت توفيق يهتف من الخلف :
" ايه ده بقى ؟! فين التلفزيون اللي كان هنا ؟! تلاقيها الست الحيزبونة اللي أنت جايبها معاك، دائما كده مش بتحب تيجي غير على الحاجة اللي بحبها "
اشتد غيظ توفيق وهو يبحث بعينه عن سيلين :
" بس على جثتي اسكت لها المرة دي، مش كفاية العوامة بتاعتي، والله لأنا موريها "
تحرك بأقدام متعجلة صوب غرفته وهو عازم على التخلص من سيلين، تاركًا جاكيري ينظر حوله باحثًا عن رفقة قبل أن يتحرك صوب الدرج ينتوي الصعود لغرفتها بحثًا عنها، لكن توقفت أقدامه على بداية الدرج وهو يبصر رفقة تتهادى نحو الأسفل ترسم بسمة واسعة على فمها تستقبله بها، بينما تنظر له بخجل، وخلفها تسير سيلين رافعة رأسها بفخر وكبرياء تراقب صنع يدها، لكن في الاسفل كان جاكيري يقف وهو يرمق رفقة بصدمة وعينه تكاد تخرج من محاجرها، يشعر بقلبه يتهاوى لما يرى .
اتسعت بسمة رفقة وهي تشعر بالثقة لنظرات جاكيري التي أوضحت جيدًا مقدار تأثره بمفاجئتها، اصبحت رفقة على بُعد درجة واحدة من جاكيري، لتردف بثقة وبسمة واسعة :
" اعجبتك ؟! "
لكن لم يصل لها ردًا من جاكيري سوى صدمة كبيرة جعلت فمه مفتوحًا، وهو يحاول التحدث، لكن فشلت محاولاته كلها، نظرت رفقة خلفها لسيلين بتعجب من حالة جاكيري، لكن سيلين تحركت نحوهما تقول بفخر :
" ألم اخبرك يا فتاة أنه سيحب ما فعلناه كثيرًا، انظري إليه فقد النطق من هيئتك الجديدة "
ابتسمت رفقة وهي تعود بنظرها لجاكيري الذي قال هامسًا بصدمة :
" أيتها المجرمة "
لم تسمع رفقة همسته بشكل واضح؛ لذلك اقتربت منه أكثر وهي تقول ببسمة :
" ماذا قلت ؟!"
هنا وصرخ جاكيري بجنون وهو ينظر لهيئة رفقة :
" أيتها المجرمة، ما الذي فعلتيه بصغاري؟! ما الذي فعلتيه ؟!"
عادت رفقة للخلف بفزع من هيئته وقد صدمتها ردة فعله، لكن جاكيري لم يتوقف عند هذا، بل اسرع وأمسك خصلات شعرها الناعمة والتي قامت بتصفيفها لتبدو مسترسلة :
" احبائي المساكين ما الذي فعلته بكم تلك المجرمة؟! لقد دمرتكم "
فتحت رفقة فمها بعدم تصديق لحديثه، تحاول جذب أطراف خصلاتها من بين يديه :
" ماذا ؟! ألم يعجبك شعري الجديد "
صاح جاكيري بحسرة وقهر وهو يرمق شعرها الذي لم يعد مجعدًا :
" يعجبني ماذا ؟! لقد دمرتي خصلاتي العزيزة "
" هيييه هذه خصلاتي أنا"
رفع جاكيري إصبعه في وجه رفقة التي حركت عينها على إصبعه بصدمة وهي تسمع صوته يردد بشر :
" لا لم تحذري، تلك الخصلات خاصة بي، والآن سوف تذهبين وتعيدينها كما كانت، مجعدة ثائرة كما احبها "
بدى الرفض واضحًا على وجه رفقة وهي تردد :
" بالطبع لا، أنا سئمت من الشعر المجعد، وسوف استقر على هذه التصفيفة و...."
توقفت بفزع وهي تعود بقوة للخلف لدرجة أننا سقطت على الدرج خلفها بخوف من نظرات جاكيري الذي امسك خصلاتها بين يديه يحاول تجعيدها :
" لا لا، لا أريده هكذا، أنا لا أريد هذا، أعيدي لي الشعر المجعد "
صاحت رفقة بتذمر وهي تحاول ابعاد يده عن شعرها :
" توقف، هذا شعري أنا وانا من يحق له تقرير التصفيفة التي افعلها به "
خرج صوت جاكيري حانقًا معترضًا وهو يعبث بخصلاتها يحاول تجعيدها :
" لا، ليس لكِ الحق في فعل هذا به، أنتِ هكذا شريرة، أيتها المجرمة، قد اسامحك على ارتكاب جريمة قتل، لكن أبدًا لن اسامحك على هذا "
نجحت رفقة أخيرًا في إبعاد يده عنها بصعوبة وهي تنظر له بحنق، ثم ركضت للأعلى بسرعة وهي تصرخ بعناد :
" لن اغيره جاكيري وسوف يظل هكذا "
نهض جاكيري يركض خلفها وقد بدأ غضبه يطفو على ملامح وجهه صارخًا :
" إذًا سوف احلقه لكِ خيرًا من أن أراه بهذا الشكل، أعيدي عزيزي مجددًا كما كان "
كانت سيلين تراقب ما يحدث بينهما بصدمة وفمها مفتوح، هي تعلم أن جاكيري مجنون اغلب الوقت، لكن ليس لهذه الدرجة، فاقت من شرودها على صوت خلفها يقول بفحيح وبلغة لم تفهمها :
" تحبي بقى تتباعي قطع غيار، ولا مستعمل ؟!"
استدارت سيلين ببطء وهي ترمق ذلك العجوز يحمل في يده منشار ومفك وحبال وادوات اخرى لم تفهم غرضها، وهو يقترب منها قائلًا بشر :
" تعرفي قطع الغيار الإيطالي عاملة كام في السوق دلوقتي ؟!"
__________________________
كان يجلس في مكتبها الخاص وعينه تتحرك على وجهها ينتظر أن تتحدث، لكن هي فقط التزمت الصمت وهي تفرك يديها أمامها تحاول ايجاد نقطة بداية لحديثها؛ لذلك قرر هو البدأ في الحديث وهو يقول بجدية :
" دكتور سارة، طلبتي رؤيتي، هل هناك شيء خطير حدث ؟!"
هزت سارة رأسها بهدوء وهي تجيب بصوت رزين عاقل :
" لا تقلق لم أطلب لقائك لأجل شيء سيء، الأمر فقط أنني كنت اود الحديث معك على انفراد "
أنهت حديثها وهي تلقي نظرة عابرة على تلك الضيفة الغير مرغوب فيها والتي كانت تجلس على المقعد المجاور لماركوس، ترمقها بتقييم .
اقتربت فيور من ماركوس وهي تهمس في أذنه بخفوت :
" هل هذه هي التي لا تتطابق معك ؟! يا رجل أنها تتطابق مع أي أحد، حتى أنها تتطابق معي ؟!"
ابتسم ماركوس بسمة ثلجية وهو يبعد وجهها عنه هامسًا بحنق :
" لا دخل لكِ في اختياراتي فيور "
همست له بصوتها المشابه لصوت العجائز :
" أنا فقط اريد مصلحتك يا ولدي "
كتم ماركوس ضحكته وهو يبعد يدها عنه :
" ارجوكِ دعيني أتعامل مع حياتي كما اريد "
فتحت فيور فمها لتجيب، لولا صوت نحنحة سارة التي اغتاظت من تهامسهما ذاك وتجاهل وجودها كليًا، لكنها تحكمت في انزعاجها وهي تردد بجدية وعملية :
" أنا فقط أردت تصحيح سوء الفهم الذي حدث اخر مرة، صدقني كان الأمر مجرد خطأ أحمق مني، لقد ظننتك شخص آخر "
رفع ماركوس حاجبه باستنكار وهو يهمس غير مستوعبًا حديثها :
" شخص آخر؟! أي شخص آخر هذا ؟! هل هناك من يشبهني واخطأتِ بيننا ؟!"
" لا هذا ليس مقصدي، بل ..."
توقفت وهي لا تريد ذكر أمر الرسالة التي قلبت كيانها، وقد ظنتها منه وفي النهاية كان المجهول خلفها هو خطيبها، اندرياس العزيز الذي عاملها بكل حنان ولطف في الأيام السابقة، لدرجة جعلتها تتعجب وهي تفكر هل هو نفسه خطيبها العملي الهادئ في التعامل ؟! ارتسمت بسمة بلهاء على فمها وهي تتذكر حديثه لها واتصالاته طوال تلك الأيام السابقة .
" لنقل فقط أن الأمر كان سوء فهم وغباء مني، ولم يكن خطأك؛ لذلك اقبل اعتذاري عن حديثي في آخر لقاء "
رمقها ماركوس ثواني دون ردة فعل، قبل أن يبتسم بسمة صغيرة وهو يهز رأسه ببساطة :
" لا بأس دكتورة أنا في الأساس لم اهتم كثيرًا بما حدث آخر لقاء لنا "
" أي لقاء هذا ؟!"
وكان هذا الصوت قادم من اتجاه الباب الذي فُتح لتوه، ودخل اندرياس للغرفة وهو يرمق ماركوس بتساؤل وكذلك خطيبته العزيزة التي اعتدلت في جلستها وهي تقول بجدية كبيرة :
" السيد ماركوس كان المرافق الخاص بادم فوستاريكي وفي آخر لقاء لفحص ادم حصلت مشاداة بيننا؛ لذلك أردت الاعتذار عنها "
رفع اندرياس حاجبه بشك وهو يتحرك نحو مكتبها يبتسم بسمة صغيرة وهو يوجه حديثه لماركوس الذي كان يظهر ملامح محايدة على وجهه بكل براعة :
" هكذا إذن؟! دعني اعتذر لك سيد فوستاريكي عما بدر من مخطوبتي، هي رقيقة، لكنها احيانًا تغضب بشكل مخيف "
تبع اندرياس حديثه بقبلة رقيقة على رأس سارة التي ابتسمت بسمة لطيفة محبة له، وقد بدأ اندرياس يبني مقرًا ثابتًا في قلبها .
ابتسم ماركوس بسمة لطيفة وهو ينهض يستأذن من الاثنين :
" لا بأس سيد اندرياس، تشرفت بمعرفتك "
ختم حديثه وهو يصافح اندرياس، ثم استدار ينظر لفيور حتى يذهبا ليجدها ترمق اندرياس وسارة بحسرة كبيرة، وبعدها نظرت له بحنق وكأنه أضاع للتو شيئًا ثمينًا، جذب ماركوس يدها يدعوها للنهوض، والتحرك معه للخارج، بينما هي ترمق الاثنين بحسرة تهمس خلف ماركوس بقهر :
" أيها البائس، انظر لقد خسرت الفتاة الجميلة، من سيقبل بك الآن ؟!"
جذبها ماركوس بحنق صوب سيارته يستعد للعودة إلى المنزل :
" لا بأس سيدة فيور، إن لم يقبل بي أحد، سوف اضطر آسفًا للزواج بكِ "
نزعت فيور يدها منه وهي تصعد للسيارة مرددة بسخرية :
" تضطر آسفًا ؟؟ وانا لا يرضيني أن تفعل هذا، سوف اعفيك من تلك المسئولية يا سيد واتزوج جدك الوسيم ولتحترق أنت في نيران العزوبية"
تحرك ماركوس بالسيارة وهو يقول بضيق :
" إذن أنتِ تعترفين أنكِ تستغلين صحبتي لأجل التقرب من جدي ؟!"
" نعم "
" كان هذا قاسيًا "
تبع ماركوس كلمته بضربة حانقة على رأس فيور التي أطلقت صوتًا مغتاظًا، تحاول ابعاد يده عن وجهها وهي تصرخ به :
" توقف عن هذا، وإلا صرخت واتهتمك بخطف قاصر "
ضحك ماركوس عليها وهو يهز رأسه بتعب يشرد في الطريق أمامه وهو يتنهد، يفكر في مستقبله وما يحمله له، هل سيظل اعزبًا كما تقول فيور، ام أن القدر يخفي له من تشاركه حياته ؟!
" فيور أخبريني بشأن حياتك القديمة "
_____________________
ضوضاء تخترق أذنه، إضافة للإضاءة التي تكاد تصيبه بالعمى، كل ذلك لا شيء جانب صراخ لولو الذي بدد نعاس فبريانو وهي تصيح جوار أذنه :
" ما تصحى بقى بقالي ساعة بحاول اصحيك "
فتح فبريانو عينه بضيق شديد يحاول النظر حوله، لكن أشعة الشمس المسلطة مباشرة لعينه تحول ما بين ذلك، وضع يده أمام عينه وهو يحاول تقليل ضرر الأشعة الموجهة له بصعوبة ثم اعتدل في جلسته، يحاول تحريك جسده الذي تصلب من نومته الخاطئة مساء الأمس، نظر جواره يرمق وجه تلك العجوز التي تشرف عليه وهي تردد بسخرية :
" واخيرًا، نموسيتك كحلي يا حبيبي "
لم يهتم فبريانو لها ولا لسخريتها وهو ينهض يحاول تحمل وجع عظامه، ثم نظر للنافذة التي قضى ليلته أسفلها يناجي صاحبته، لكن قطعت عليه لولو تأملاته وهي تقول بجدية :
" مش هنا "
نظر لها بعدم فهم، لتردد لولو وهي تتحرك صوب الداخل ببطء :
" روبين مش هنا، طلعت من الصبح راحت التدريب "
راقبها فبريانو وهي تبتعد، يخطط في رأسه أن يعود المنزل الخاص به ثم يستحم ويتناول فطوره وبعدها يلحق بها، وبالفعل ترك لولو التي تحدثه وهي تعطيه ظهرها وتحرك صوب الخارج يحتل سيارته بجسده، ثم تحرك بها تاركًا لولو ترمقه بحنق، سرعان ما تبدل لخبث وهي تقول :
" وانا اللي كنت هقولك روبين نويالك على ايه ؟! يلا ملكش في الطيب نصيب "
هبط فبريانو من سيارته بعد قيادته لدقائق قليلة بسبب قرب منزله من منزل روبين، ثم تحرك نحو منزله بخطوات سريعة يصعد الدرج، يتجه صوب شقته الخاصة.
غاب دقائق قبل أن يهبط من منزله بحركات سريعة وقد ارتسمت بسمة غامضة على فمه، ينتوي الكثير والكثير لروبين، صعد سيارته بسرعة يتحرك بها، وكله عزيمة أن يعيد روبين له، ويطلب منها سماعه، حتى وإن اضطر لتقييدها واجبراها على سماعه .
بعد مرور بعض الوقت كان يتوقف أمام المركز الذي تتدرب به روبين، هبط من سيارته، ينزع سترته السوداء من على المقعد المجاور له، ثم يتحرك وهو يرتديها، وأثناء دخوله صوب الغرفة التي تتدرب بها روبين، لفت نظره إعلان الحفل السنوي، توقف أمامه فبريانو ثواني، قبل أن يتحرك ويكمل طريقه صوب الغرفة، فتح الباب دون طرق ليجد عدة فتيات يتحركن بشكل متناغم، بحث بعينه عنها بينهم، لكن لا شيء .
انتبهت له سيدة لترفع حاجبها وهي تقول بحنق من اقتحامه غرفة التدريب دون استئذان :
" مين أنت وازاي تفتح الباب بكل وقاحة كدة؟!"
لم يهتم لها فبريانو وهو مازال يمرر نظراته على جميع الفتيات بحثًا عن ارنبه الوردي، يتجاهل جميع النظرات المتفحصة والفضولية التي تكاد تحرقه :
" أنا بدور عن روبين، هي فين ؟! "
ألقى فبريانو سؤاله الاخير وكأنه يقف أمام مجرم يحقق معه، مما أثار دهشة المدربة من لهجته، وهي تنظر حولها للفتيات، ثم عادت بنظرها له وهي تقول بهدوء مستفز :
" اولًا أنا مش هعاتبك على وقاحتك في اقتحام الكلاس بالشكل ده، لأن شكلك واضح عليه اوي أنك شخص مش بتفهم في الذوق "
هز فبريانو رأسه يؤيدها في حديثها :
" ده حقيقي فعلًا، فين بقى روبين ؟!"
فتحت المدربة فمها بعدظ تصديق، ثم قالت بضيق وهي تريد أن تصرفه بعيدًا عن أعين الفتيات :
" روبين حولت لفرقة الرقص الاستعراضي "
ضيق فبريانو عينه وهو يهمس بنبرة خطيرة :
" وما هو هذا ؟!"
رمقته المدربة بعدم فهم للغته التي تحدث بها، ليستوعب هو ما قاله :
" فين الزفت ده ؟!"
" أنت شخص وقح اوي "
" عارف، فين روبين؟! قولي المكان "
حاولت السيدة أن تهدأ نفسها وهي تقول متمسكة بآخر ذرات احترامها :
" آخر الممر على اليمين، بس مش هيسمحوا ليك تدخل عشان هما دلوقتي بيـ"
ولم يدعها فبريانو تكمل جملتها وهو يخرج من الغرفة معلقًا الباب خلفه بعنف جعل السيدة تفتح عينها بصدمة مرددة :
" مش معقولة قليل الادب ده "
تحرك فبريانو في الممر وهو يحاول اقناع نفسه، أن تلك الفرقة التي تحدثت عنها السيدة، مجرد فرقة فتيات ترقص بحركات استعراضية، نعم هذا هو ما سيكون عليه الأمر .
توقف أمام بوابة كبيرة وهناك موسيقى عالية إنجليزية تأتي له من الداخل لا يصاحبها أي اصوات أخرى، امسك مقبض الباب يفتحه، لكن لم يستطع ذلك فقد شعر بوجود شيء خلف الباب، عض فبريانو شفتيه بغيظ وهو يعود للخلف، ثم اندفع وهو يضرب الباب بقدمه في شكل عنيف وبعدها اقتحم المسرح، ليدرك أن ما كان خلف الباب لم يكن سوى رجلين، وقد اسقطهما هو، همس ببسمة صغيرة سوداوية :
" جيد أنني لم افكر في استخدام سلاحــ "
توقف عن الحديث وعينه معلقة بصدمة على ما يحدث أمامه حيث كانت هناك جبال تتدلى من أعلى المسرح ومعلق فيها شاب وحبال أخرى تتدلى منها فتاة والشاب يضمها وهما يقومان بحركات استعراضية على الاغاني التي تصدح في المكان، كان الأمر ليكون عاديًا، لو لم تكن تلك الفتاة التي تراقص الشاب بكل تلك الاريحية، هي روبين .........
______________________
يجلس مقيدًا في مقعده ورغم ذلك كانت بسمته الواثقة تخيف من أمامه، كان يضع قدمًا على الاخرى بكل كبرياء، لا يهتم بيده المقيدة، يرمق من أمامه بشكل جعل الآخر يتحفز وهو يقول بخبث :
" لا تنظر لي هكذا، أخبرتك أن إقامتك هنا أنت من سيحدد مدتها، احضر لي احفادك وسأدعك تغادر برفقتهم بعدما نتناقش بكل هدوء "
ارتسمت بسمة مخيفة على فم اليخاندرو والذي كان قد فك قيد يده بكل سهولة، يتحدث بصوت مخيف مهيمن :
" ومن قال أنني إن أردت الخروج سأحتاج لاذنك ؟! أنا اجلس هنا برغبتي، كما أنني اتيت معك برغبتي، وادعيت الاستسلام برغبتي، والآن القادم سيكون أيضًا حسب رغبتي ............"
_______________________________
ومن الغباء أن تقف أمام القطار، ثم تتذمر أنه كاد يدهسك أسفل عجلاته، وكذلك هم كالقطار، إن واجهتهم، اذاقتك عجلات غضبهم مرارة التراب اسفلك .
واحذر فلا تدري من أي باب قد يأتي جحيمك .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمة نبيل
- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، قَالَ: « لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا تَعَلَّمَ وِلْدَانُهَا الْقُرْآنَ» .
صلوا على نبي الرحمة .
_________________________
دخل القصر وهو يحملها بين يديه رافضًا أن تسير هي بنفسها، وذلك لتجنب أي ضعف أو اغماء قد يحدث لها، بعدما قضت فترة ليست بالقصيرة في المشفى تتناول عقاقير من شأنها إخماد نشاط جسدها، هذا دون ذكر أمر تسممها وما سببه لها من مضاعفات على جسدها .
كانت روما تضم عنق انطونيو وهي تستكين برأسها على كتفه، تتنفس براحة لشعورها بالأمان جواره وأن كل شيء بين أحضانه يختفي، فتحت عينها ببطء وهي تنظر حولها تستوعب أنهما وصلا للمنزل، وأن الجميع تقريبًا يجلس في البهو وينظرون إليهم.
نظرت جولي لمارتن وهي ترمق ما يحدث أمامها :
" انظر يا مارتن ذلك القبيح يتواقح أمام الجميع "
أبتسم مارتن بسمة ساخرة وهو يجيبها :
" يتواقح ؟! عزيزتي انطونيو الآن في أقصى مراحل احترامه للجميع؛ لأن وقاحته تلك التي تتحدثين عنها، أنا نفسي سأخجل من رؤيتها "
فتحت جولي عينها بصدمة وجوارها مارتن يضحك بقوة، بينما كان جايك يلتصق في روز وهو يختطف كل شيء من يدها، فكلما فكرت أن ترفع بعض الحلوى وتقدمها لمارتن أو آدم أو ماركوس، اختطفها من يدها وتناولها بعناد أمام مرأى الجميع، زفرت روز وهي تخرج دفترها الصغير الذي تستخدمه عادة لكتابة ما تريده، وخطت عليه بعض الكلمات، ثم رفعته في وجه جايك الذي قرأه بصوت خافت :
" توقف عن افعالك الطفولية جايك "
نظر جايك لها بصدمة وهو يشير لنفسه :
" أنا أقوم بأفعال طفولية ؟! أنا فقط جائع، توقفي عن ظلمك لي، أنتِ تتصرفين بلؤم معي منذ آخر لقاء بيننا "
رمقته روز بحنق وهي تتذكر حينما ذهبت لغرفته ومعها طعام وبعض الاسعافات لمعالجة جروحه والاطمئنان عليه، لكن بعد طرق طويل للغرفة لم تسمع منه ردًا؛ لذلك قررت الرحيل والمجئ لاحقًا، لكن ما كادت تلتفت حتى وجدت فجأة جسد يتكأ عليها بقوة، فتحت فمها بفزع وكادت تطلق صرخة عالية، لولا رؤيتها الفاعل والذي كان ذلك الأبله الذي ابتليت بحبه .
كانت روز ما تزال تتنفس بسرعة إثر صدمتها، لكن جايك لم يكن يرى ما فعل فهو بمجرد رؤيتها لها تتجه لغرفته جاء بسرعة وهو يدعي التعب، ثم اقترب منها ووضع يده على كتفها وأسند رأسه عليها وهو يقول بصوت مرهق مصطنع :
" اه أشعر بالدوار، اشعر بأن نهايتي اقتربت زهرتي، جسدي كله يأن وجعًا"
نظرت له روز ثواني وهي لم تستفق من الصدمة بعد، لكن فجأة تحولت نظراتها للحزن وهي تتحمل ثقل جسده عليها، والصينية على يدها، ثم فتحت الباب بصعوبة ودخلت للغرفة وهو ما يزال متعلقًا بها كالعلقة، وضعت الصينية على اول طاولة قابلتها، ثم استدارت وساندت جسده حتى الفراش، لكن ما كادت تضع جسده على الفراش حتى شعرت به يجذبها معه وهو يتأوه مرددًا :
" أنا احتضر، أشعر بموتي يقترب، أنا قادم يا امي "
فتحت روز عينها بتعجب من حديثه، كل هذا لأجل شجار مع ادم لم يتلقى به سوى لكمات قليلة ؟! هل يعقل أنه مريض ؟!
رفعت روز يدها سريعًا ووضعتها على رأسها تحاول معرفة إن كان مريضًا ام لا، لكن لم يكن به شيء، نظرت له بعيون ضيقة وهي تحاول تبين إن كان يكذب أو يخدعها، لكن هو لم يستسلم واستكمل ما يفعل مشيرًا للصورة جوار فراشه، والتي كانت رسمتها الأولى له في المشفى :
" اعطني رسمتي العزيزة أود الموت وهي بين أحضاني، ضعوها على قبري حين دفني "
صمت، ثم قال بهزيان مصطنع :
" اخي اريد اخي احضري لي اخي لتوديعه، انطونيو فقط لا تحضري جاكيري، فهو سيأتي ليشاركني فراش الموت ويزعجني في موتي، وبعدها يرقص على قبري فقط "
ابتعدت عنه روز ببطء، ثم فجأة هبطت بيدها على كتفه بقوة، مما جعله ينتفض بقوة وهو يرمقها بحنق يفرك كتفه :
" ما بكِ يا فتاة ؟! أهكذا تعاملين رجلًا يحتضر ؟! أنتِ قليلة احترام "
اغتاظت روز من حديثه ومزاحه السخيف، ثم تحركت بعنف واقدام سريعة، ذكرته بالرسمة التي رسمها لها في دفتره ذات يوم وهي تسير بهذه الطريقة المضحكة، وجوارها يسير ذلك القط في الرسوم المتحركة، وكم اضحكته تلك الرسمة وهو يراهما متشابهين، والآن غضبها يدفعه للانفجار في موجة ضحك، راقب روز وهي تعود له حاملة دفترها وقد خطت عليها بضع كلمات صغيرة :
" جايك أنت مخادع احمق، لن احدثك مجددًا أيها المخادع "
وبعد هذه الكلمات اختفت من الغرفة تاركة إياه يحقق أمنيته في الضحك بقوة ......
فاقت روز من شرودها على صوت مايك الذي دخل للمنزل الآن وهو يرتمي بجسده على الأريكة مرددًا بتعب :
" يا ويلتي جسدي كله يبكي وجعًا وجوعًا، ألم تعدوا طعام ؟!"
ابتسمت روز وهي تنهض تشير لمايك أنها ستحضر الطعام للجميع، بينما نهض جايك تباعًا لها وهو يمسك يدها قائلًا بعناد :
" لا، لن تفعلي له شيء، لينهض ويحضر لنفسه "
نظرت له روز بتعجب، لتجده يقول بحنق وهو يرمق مايك الذي كان يبادله النظرات بسخرية :
" هيا قم وحرك جسدك أيها الكسول وابحث عن طعامٍ لنفسك "
أطلق مايك ضحكة ساخرة وهو يجيبه :
" الآن ايها الناكر تحدثني هكذا؟! وانا اول شخص اخبرك بأمرك أنت والصهباء، أنت شخص ناكر للجميل "
رمقت روز جايك بتأنيب، ثم تحركت بهدوء صوب المطبخ وخلفها جولي، بينما جايك نظر للجميع بحنق وهو يجلس على الأريكة بضم ذراعيه وهو يردد بضيق شديد :
" حمقى "
تحدث انطونيو بهدوء مخيف :
" من الحمقى جايك ؟!"
" الجميع عداك اخي "
____________________________
كانت بين يديه فاقدة لكل معالم الحياة، بوجهٍ شاحبٍ، وجسد بارد برودة تنافس برودة الأجواء حوله، ضمها مارسيلو لجسده أكثره وهو يحاول بث حرارة لجسدها، يهمس محاولًا أن يفيقها :
" هيييه راسيل افيقي، هيا افيقي "
لكن لم يصل له أي رد وكأن الحياة قد غادرت جسدها تاركة إياها تقبع بين يديه مجرد جسد فارغ .
نظر مارسيلو حوله يحاول التفكير بسرعة في حل لهذه الورطة، هل يحملها ويخرج للبحث عن أحد ينقذها، أم ينتظر أن تنتهي العاصفة في الخارج وبعدها يخرج؟! لكن بالتفكير في في الاختيار الثاني وجد أن انتظاره قد يطول، وعندها قد تفارق روحها الحياة؛ لذلك ابتلع ريقه وهو يقرر المغامرة والخروج بها من هنا، ابعد رأسها قليلًا عنه ثم نزع معطفه الصوفي ووضعه على جسدها حتى يمنحها ولو القليل من الدفء، ثم نهض وحملها، وقربها منه علها تنال بعضًا من دفء جسده .
نفخ انفاس دافئة عكس الأجواء حوله، ثم تحرك بها في حذرٍ شديد نحو الخارج وهو ما يزال يضمها إليه، دفع الباب بقدمه يخرج من المكان وهو يرى أن الأجواء حوله قد ازدادت شراسة .
تحرك في الجليد وهو يهمس باسنان مرتجفة من البرودة :
" أنا لا الومك على شيء راسيل، صدقيني عزيزتي هذا ليس خطأك كما قلت سابقًا، بل الأمر كله خطأي أنا "
صمت ثم أضاف وهو ينظر لها بهدوء :
" لو أنني اخرجت سلاحي وفجرت رأسك بمجرد عرضك أمر السفر، لما حدث كل هذا، لكن لا بأس فقط ننتهي من هذا وسوف اريكِ الجحيم "
أنهى كلماته وهو يرفع جسدها أكثر بعدما كاد يسقط من بين يديه بسبب شعوره بتجمد اطرافه، والألم انتشر في جسده بشكل كاد يجعله يرميها ارضًا ويركض لأي مكان، سمع تأوه يخرج من فمها وهي تلتصق به أكثر تهمس بصوت متعب :
" الجو بارد، الجو بارد، لِمَ الجو بارد بهذا الشكل ؟!"
نظر مارسيلو حوله للثلوج التي تنتشر في المكان كله بشكل جعله يشعر أنه سقط في عبوة قطن يردد بسخرية لاذعة :
" آسف حبيبتي أطفأت المدفئة لتوفير الكهرباء، الفاتورة الشهرية جاءت آخر مرة اكبر من إمكانياتي "
حاولت راسيل فتح عينها بصعوبة بعدما أفاقت من غفوتها القصيرة جدًا وهي تردد :
" لِمَ خرجت من المخزن ؟! هل جننت ؟!"
" أيتها الـ "
توقف مارسيلو وهو يمنع نفسه من سبها سبة هو متأكد أنها لم ولن تسمعها يومًا، ثم قال بصوت مغتاظ :
" لقد كنتِ ميتة في الداخل يا حمقاء، وخلت أنكِ تلفظين انفاسك الأخيرة فأردت أن أجد مشفى أو مكان لانقاذك "
نظرت له راسيل ثواني بتأثر من حديثه وانتبهت للمعطف الذي يضم جسدها بحنان :
" آسفة لم اشعر بنفسي، لقد سقطت في النوم من التعب "
" اصمتي راسيل، فهناك افكار في رأسي الآن تدفعني لسلخ جلدك وصنع معطف لنفسي منه "
فتحت راسيل عينها بصدمة وهي ترتجف رعبًا وبردًا، شعرت بمارسيلو يتوقف وهو يتنفس بقوة، فالبرودة وصعوبة السير في الثلج وايضًا حملها، كل ذلك جعله يشعر بأن طاقته على وشك خذلانه .
" يمكنك أن تنزلني أنا بخير "
نظر مارسيلو لها ثواني، ثم تحرك مجددًا دون كلمة وهو يردد بصوت هادئ بعض الشيء بعيد عن أي سخرية تمتع بها يومًا :
" لقد هدأت العاصفة، أتمنى أن نعثر على أي مكان يستقبلنا قبل أن تشتد مجددًا "
شعرت راسيل بالذنب مما يحدث :
" أنا آسفة، لم اقصد كل هذا "
" اششش لا بأس لا تعتذري، دعينا نخرج من هنا وبعدها اقتلك راسيل "
ابتسمت راسيل وهي تهز رأسها بحسنًا تستند برأسها على صدره وهي تقول بخمول وقد بدأت تشعر بالبرودة تجبرها على الغياب عن الواقع مجددًا:
" أنت ألطف مما تحاول إظهاره مارسيلو "
نظر لها مارسيلو قليلًا قبل أن يعود بعينه للطريق مرددًا :
" ها أنتِ ذا تسقطين في حبي متناسية تحذيري لكِ أنني لا أحب العلاقات التي تنشأ في العمل "
لم تجيبه راسيل وهي تسقط في غيبوبة قصيرة سريعة تاركة إياه يكاد يسقط ارضًا من التعب والارهاق، رفع عينه ينظر حوله للمكان يحاول البحث عن أي مكان قد يستقبلهما الآن، مكان مزود بالتدفئة، لكن تلك المنطقة التي كانت بها المحطة كانت منطقة اسواق فقط، والآن هم في منطقة سكنية؛ لذلك تحرك بأقدام هزيلة صوب اول باب قابله وطرقه، لكن لم يصل له أي رد، طرقه مرة أخرى وهو يحاول التماسك وايضًا لا رد، رفع جسد راسيل مجددًا بعدما كاد يسقط منه، ثم تحرك بعيدًا يبحث عن منزل آخر ينظر للمدافئ التي تعلو المنازل ليبحث عن المنزل الذي يخرج من أعلاه دخان فهذا يدل على وجود أناس به، وبالفعل توقف أمام منزل به إضاءة ودخان مدفأة، طرق الباب بعنف وقد بدأ يستسلم للوهن، مرت دقائق قليلة، حتى وجد سيدة تفتح له وهي تقول مختبأة بجسدها خلف الباب تظهر فقط رأسها :
" من ؟!"
همس مارسيلو بصوت واهن وقد وصلت البرودة لعقله يرمق السيدة من بين غيوم عينيه وهو يشير لراسيل التي أصبحت شفتيها بيضاء بشكل مرعب وجسدها اصبح كقطعة خشب لا روح فيها :
" ساعديها رجاءً، تكاد تموت "
________________________________
كان يقف في بداية غرفة المسرح وهو يشاهدها تغمض عينيها وتقوم بحركات في الهواء، والشاب جوارها يقوم بحركات متناغمة معها، ثم يقترب منها ويمسك بيديها ويدور بها على الاحبال، كل ذلك أمام أعين فبريانو الذي كان ورغم برودته الظاهرية، يشعر بنيران تنشب في صدره، كانت عينه تتحرك معها ومع يد الشاب التي تضمها، غير مهتمًا بمن يصيح جواره وهو لا يصدق كيف اقتحم ذلك الغريب المسرح بهذا الشكل الهمجي .
تحرك فبريانو غير عابئًا بالصراخ حوله عن هويته، أو حتى اهتم بمن ركض صوبه لمنعه من التقدم للمسرح، رفع يده يدفع أحد الشباب الذين حاولوا منعه، ثم استدار له يهمس بنبرة مرعبة وبلغته الام، متجاهلًا أن لا أحد هنا يفهمه :
" اقسم إن اقترب أحد مني لمنعي، فسيلقى مني نفس ما سيلقاه ذلك الحقير المعلق "
أنهى كلماته وهو يدفع أحد الأجساد بقوة، ثم تحرك صوب المسرح وعيونه تطلق نيرانًا، صعد المسرح ينظر حوله متجاهلًا الجميع، يتحرك صوب الكواليس يبحث عمن يتحكم بتلك الحبال، بينما تحرك المدرب خلفه يصيح بصوت مخيف :
" أنت يا حضرة، أنت مين وداخل هنا بتعمل ايه ؟!"
استدار له فبريانو يقول بجدية وهو يبحث بعينه حوله عن الأداة الخاصة بالحبال :
" الحبال اللي متعلقين فيها دي بتنزلوها ازاي ؟!"
" نعم ؟! أنت مجنون؟؟ فين الأمن وازاي يسمحوا ليك تدخل هنا؟! روحي يا ريتا نادي الأمن يجي يجرجروا الاستاذ ده برة "
ركضت الفتاة المدعوة ريتا والتي كانت تتولى أمور الكواليس وهي تنتوي البحث عن الامن، وفي نفس الوقت عم الهرج والمرج في المسرح وتوقف العرض، وروبين تنظر للاسفل بتعجب وهي تنظر لرفيق رقصتها :
" هو فيه ايه تحت ؟؟"
هز الآخر كتفه بعدم معرفة وهو يجذب الحبال في اشارة على رغبته في النزول :
" معرفش أنا كنت مركز في العرض معاكِ "
نظر أسفله وهو يقول بصوت عالي يشير لأحد أعضاء الفرقة :
" هاني أقفل الاغاني، وخلي حد ينزلنا "
تحرك المدعو هاني يفعل ما قاله صديقه، بينما روبين في الاعلى شعرت بتوقف قلبها فجأة وهي ترى المدرب الخاص بها يلقى على المسرح وفبريانو يخرج من الكواليس وهو يقول بصوت مخيف :
" نزلوهم من فوق "
فتحت روبين عينها بفزع وهي ترى حالة فبريانو تلك، وتجمع الشباب حوله وهم يحاولون إخراجه بعنف، لكن هو قاوم وبعنف مطيحًا بهم ارضًا وقد هز صراخه المكان مخرجًا سلاحه :
" انزلوهم الآن"
صرخت روبين وهي تنظر للاسفل محاولة التحكم في ارتجاف يدها التي تمسك بالحبال جيدًا :
" استاذ معلش نزلني ارجوك، نزلني "
نظر المدرب لأحد الشباب نظرة بمعنى أن ينزلهم، لكن روبين صرخت على ذلك الشاب الذي تحرك نحو الرافعة :
" أنا بس، نزلني أنا بس، اوعى تنزل رامي "
نظر لها فبريانو نظرة مخيفة وهو يرى جسدها ينزل شيئًا فشيء، يردد ساخرًا منها بالايطالية مستغلًا عدم فهمها له :
" حقًا روبين ؟! أتظنين أن تلك الحبال ستنقذه مني؟! رصاصات سلاحي يمكنها الوصول إليه بسهولة لعلمك، كما يمكنني أيضًا قطع الاحبال إن أردت "
في ذلك الوقت كان روبين قد وصلت للأرض وأخذت تفك الاحبال من حولها بمساعدة صديقة لها وهي تقول معتذرة من الجميع على الجنون الذي قام به فبريانو :
" بعتذر عن اللي حصل، هو مش قصده، أنا اسفة "
أنهت كلماتها وهي تتحرك نحوه بعنف جاذبة إياه من يده وبقوة للخارج غير مهتمة لأي أحد، بينما هو طاوعها وسار خلفها، لكن لم ينس أن يلقي نظرة أخيرة على الشاب حتى يحفظ صورته في رأسه، وبعدها سار خلف روبين وهو يسمعها تعتذر للجميع بخجل من أفعاله الغير مسئولة بالمرة، يهجم على المكان ويضرب الجميع ويخرج سلاحًا ويهدد أحد الرجال هنا، أين يظن نفسه بحق الله ؟!
كانت عين روبين تشتعل غضبًا مما حدث وهي تشعر بفبريانو يسير خلفها بكل هدوء وكأنه لم يفتعل فضيحة في الداخل، سحبته لغرفة تبديل الثياب وللمرة الثانية، تستغل أنها فارغة في ذلك الوقت بسبب انكباب جميع الفرق على التدريبات، أغلقت الباب بقوة ثم استدارت لفبريانو وهمست بعيون دامعة غاضبة :
" ايه اللي عملته جوا ده ؟؟ كنت هتقتل المدرب، هتقتل بني ادم عادي كده ؟؟ اه صح نسيت أنك قتال قتلة "
لم يتحرك في فبريانو أي شيء وهو يستمع لحديثها بوجع من نظرتها له على أنه مجرد قاتل لا قلب له، ألم ترى ما فعلته به، هو منذ عرفها لم يقتل أحد إلا القليل فقط، واعتمد أن يصيبهم في أطرافهم، ورغم أنه من وجهة نظرة لم يخطأ أو يقتل بريئًا يومًا، إلا أن نظرتها الآن له جعلته يشعر بالدونية.
" هل هكذا تنظرين إلىّ روبين ؟!"
" أنا لم اعد اعلم كيف انظر إليك فبريانو، غادر ارجوك "
اقترب منها فبريانو وهو يراها تحاول منع دموعها من السقوط، ثم ابتسم بسمة صغيرة وهو يقول :
" روبين هل تتذكرين يوم أخبرتك أنني لم اجدك لاتركك؟! أنا ليس لدي استعداد للعودة لما كنت عليه، لا اريد أن أعود إلى ذلك الفبريانو الذي كان يعيش بلا هدف، صباحه كمساءه "
صمت ثم قال وهو يخرج هاتفه يقول بجدية :
" وبما أنك معطتنيش فرصة اشرحلك وحكمتِ من نفسك، فأنا مضطر إني أخذ منك الفرصة دي بالغصب "
نظرت له روبين من بين دموعها وهي تشعر بالوجع لكلماته، تعشقه وتتألم لأجله، لكن هي لا تستطيع، لا تستطيع العيش رفقة رجل يعطي نفسه حق أخذ حياة شخص آخر برئ، شخص يمتهن القتل بكل دم بارد .
وعند تلك النقطة انفجرت في البكاء وهي تركض للخارج، رافضة أن تستمع له، خوفًا أن يخدعها مجددًا، لكن وقبل أن تخطو للخارج، كان هو الأسرع وهو يجذبها بقوة نحو صدره يكتفها مانعًا إياها من الحركة وهو يخرج هاتفه ينظر في عينها بقوة :
" ليس هذه المرة، أنا تركتك سابقًا حتى لا اجبرك على شيء، لكن انتهينا روبين "
أنهى كلماته وهو يجري اتصالًا ويفتح المكبر، كان ظهر روبين مستند على صدره وهي تحاول الفكاك منه رافضة أن تستمع له، وبكائها يزداد كلما سمعت منه كلمة، حتى سمعت فجأة صوت انثوي يصدح جوار اذنها، ولم يكن أي صوت انثوي، بل كان صوتًا مألوفًا لها وبشدة، همست بعدم تصديق وهي تستدير له فجأة :
" جاسي؟! "
كان يسلط عينه عليها وهو يتحدث ببرودة وكأنه تحول فجأة لدراجون راميًا فبريانو المستفز جانبًا :
" مرحبًا جاسي"
وصل لمسامع روبين التي لا تعلم ما علاقة فبريانو باختها، صوت جاسي:
" سيدي "
انتبهت حواس روبين لما يحدث وسبب مناداة جاسي لفبريانو بسيدي، لكن ما سمعته لاحقًا جعلها تفتح عينها بصدمة :
" جاسي هل يمكنك القول من أنا؟!"
" ماذا ؟!"
" افعلي ما قلته عميلة ١٠٣ "
وصل لمسامع روبين صوت اختها وهي تتحدث بانضباط وبرودة غريبة عليها وهي من كانت دائمًا المشتعلة الغاضبة :
" أنت العميل ٩٩ مخابرات سيدي، والملقب بدراجون وقائد الوحدة ٤٠ والتي اكون أنا أحد أفرادها "
" حسنًا جاسي شكرًا لكِ "
وبهذه الكلمات أنهى فبريانو المكالمة، ثم انحنى قليلًا لروبين يهمس جوار أذنها :
" أنا لا أمتهن القتل روبين، ولا انحدر من عائلة مجرمين كما قالت روزيلا، هذا فقط ما نريد نحن للجميع أن يظنه، أنا أعمل ضابط بالمخابرات، ومالك الذي قابلتيه هو قائدي الغير مباشر، أنا لستُ سيئًا لهذه الدرجة روبين "
أنهى كلماته وهو يترك يد روبين ببطء ثم ابتعد عنها وهو ينظر لها نظرة أخيرة، واقترب منها مجددًا بتردد يرى نظرات الصدمة مازالت تزين عينها، قبلها بحنان على جبهتها، ثم همس لها بصوت حنون :
" إن كنت سيئًا في أحد الجوانب ارنبي الوردي، فهو حبك، أنا سيء جدًا في حبك "
وبهذه الكلمات اختتم فبريانو اللقاء وهو يتحرك للخارج تاركًا روبين تنظر في أثره بصدمة، تجلس ببطء على أحد المقاعد ودموعها تهبط دون شعور، وقد شعرت فجأة بأنها لا تعلم شيئًا بأنها حمقاء كما يخبرها الجميع، مسحت دموعها وهي تدفن وجهها في يدها تتأوه بتعب مما يحدث معها .
________________________________________
" مارتن ابتعد عن هؤلاء الحمقى وتحدث في مكان أكثر هدوئًا "
هكذا تحدث جاكيري بحنق وهو لا يستطيع سماع صوت مارتن بسبب الضوضاء جواره، حيث الجميع، نفخ بضيق وهو يمسح وجهه باشتياق لمثل تلك الجلسات، يود فقط أن ينتهي من كل هذا ويأخذ رفقة ويعود لأحضان عائلته الغالية .
وصل له صوت مارتن واضحًا :
" كنت اخبرك أنني وصلت لتسجيلات ذلك اليوم الذي أخبرتني عنه، هل تريد مني أن ابحث لك عن التسجيل، ام ارسلهم جميعًا لك وتبحث أنت؟!"
كان مارتن يأخذ أذنه في البداية احترامًا لرغبته، حتى لا يرى شيئًا قد لا يود جاكيري لأحد أن يراه .
تحدث جاكيري من الجانب الآخر بجدية :
" لا مارتن، ارسل لي فقط التسجيل الذي يخص ما حدث، لا اريد البحث بنفسي، أنت تعلم أن صبري قليل، ولن احتمل أن ابحث في كل هذا "
هز مارتن رأسه وكأن جاكيري يراه، ثم انتبه لاقتراب جولي منه وهي تقول مشيرة للخارج بصوت خافت :
" هيا مارتن للطعام "
هز مارتن لها رأسه وهو يلقي لها بسمة حنونة، ثم قال بجدية :
" حسنًا جاكيري، اعطني فقط ساعات قليلة وستجد كل شيء أمامك، بالتوفيق يا اخي، ننتظر عودتك "
ابتسم جاكيري بحنان وهو يهمس مرهقًا :
" اه يا مارتن لكم اشتاق للمنزل والجميع، حسنًا اذهب الان وانتهي من الأمر، انتظر منك القادم "
اغلق جاكيري المكالمة وهو ينهض من فراشه يحمل ثيابه التي سبق وجهزها، ثم تحرك صوب المرحاض حتى يغسل كل ارهاقه مما حدث، في نفس الوقت الذي دخلت به رفقة للغرفة وهي تحمل صينية طعام تنظر في جميع أنحاء الغرفة باحثة عنه، تود مصالحته، تحركت تضع الصينية على الطاولة ثم جلست على أحد المقاعد، متنهدة بتعب من أفعال جاكيري، فهو منذ رأى ما فعلت بشعرها وهو جن جنونه ولم يتحدث لها، هي لم تعلم أن تلك ستكون ردة فعله، ظنت أنها ستنال إعجابه بهيئتها الجديدة، لكن جاكيري يفاجئها بردة فعله كالعادة .
مرت دقائق، حتى سمعت صوت غلق الماء تبعه خروجه من المرحاض، وهو يجفف شعره، لكن فجأة توقف وهو يراها تجلس أمامه مبتسمة بسمة لطيفة، وكاد أن يبادلها البسمة بأخرى، لولا رؤيته لشعرها الذي أفسد مزاجه وهو يقول بحنق مضيقًا عينه :
" أيتها الشريرة "
نظرت له رفقة بعدم تصديق أنه حتى الآن ينعتها بالشريرة، نهضت من مكانها وهي تتجه له للتحدث معه بجدية، لكن بمجرد اقترابها منه حتى التصق في الخزانة خلفه وهو يشير لها أن تعود بفزع مصطنع :
" لا ابتعدي عني ولا تلمسيني بتلك اليد التي قتلت صغاري أيتها القاتلة، واخرجي من غرفتي فأنا لا اقبل بقاتلة بها "
أطلقت رفقة شهقة عالية وهي ترفع طرف شفتيها بتشنج قائلة بصوتٍ عالٍ حانق :
" أنا قاتلة عشان غيرت تسريحة شعري، والاستاذ اللي بيقتله كل يوم اتنين على الريق يكون ايه ؟! بياع عرق سوس ؟!"
أنهت حديثها ثم ترجمته له بلغته حتى يفهمها، وبنفس اللهجة الحادة الساحرة قالت :
" إن كان هناك قاتل هنا فهو ليس أنا عزيزي، تحاول الابتعاد عن يدي!! حسنًا جاكيري سوف ارحل من هنا ولن ترى وجهي مجددًا حتى تتقبلني كما أنا "
راقبها جاكيري وهي تتحرك صوب الباب بنظرات غاضبة حادة، لكن لم يرأف بها أو بحالها، فهو حتى الآن ورغم مزاحه غاضب وبشدة من فعلتها، فهي تظنه يمزح عندما اخبرها أنه عاشق لخصلاتها الثائرة .
كانت رفقة تتحرك صوب الباب بخطوات غاضبة، لكن وعلى حين غرة استدارت وركضت صوب جاكيري بشكل باغته، وانقضت عليه تمسكه بيدها التي يدعي أنها يد قاتلة تقول بتشفي :
" انظر لقد لوثتك القاتلة الآن، أنت أيضًا قاتل جاكيري "
صرخ جاكيري وهو يحاول ابعاد يده عنها وكأنها تحمل مرضًا معديًا، يصيح بأعين مفتوحة وهو ينظر ليدها التي تمررها عليه عنادًا به :
" لا ابعدي تلك اليد عن جسدي الطاهر "
وأمام باب الغرفة كان يقف اسكندر وهو يرمق الاثنين ببلاهة وفم
مفتوح باتساع، يحاول معرفة ما يدور داخل رأس هذين الاثنين، يتساءل كيف يجتمع اثنين بمثل تلك الحماقة في علاقة واحدة، ألا وجود لأحد يفكر منهما كما الناضجين؟! كلاهما مجنون ؟!
تحرك اسكندر من أمام باب الغرفة وهو يضرب كف بكفٍ وقد شعر بقرب إصابته بمرض قلبي إن استمر في الوقوف .
بينما في الداخل استطاع جاكيري الفكاك من يد رفقة وهو يلقي بها على فراشه، ثم اقترب منها وهو يقول بصوت مخيف هامس :
" لقد تخطيتِ جميع الحدود التي وضعتها لكِ سابقًا رفكة، والآن لن امرر لكِ فعلتك تلك دون عقاب، وعقاب قاسي أيضًا "
نظرت له رفقة بشك وهي تردد :
" هل تمزح جاكيري ؟! أي عقاب هــ "
ولم تكمل حديثها بسبب شعورها بأصابع جاكيري تزغزغها بعنف، لتنطلق ضحكات رفقة عالية وهي تتحرك بقوة تحاول الفكاك من بين يديه، وهو لا يرحمها، ليسمع صوت رفقة وهي تقول من بين أنفاسها اللاهثة :
" لا توقف، أنا اسفة، سوف أعيد شعري كما كان اقسم، توقف جاكيري ستنقطع انفاسي "
كانت تتحدث من بين ضحكاتها، ليضحك عليها جاكيري وهو يقترب منها مقبلًا وجنتها بقوة مرددًا لها بحب :
" انظروا لحبيبتي المطيعة "
نظرت له رفقة ببسمة قبل أن تستغل قربه وتمسك وجهه جاذبة خديه وهي تقول بمزاح :
" انظروا لحبيبي المجنون "
ضحك جاكيري وهو يتسطح جوارها يضمها إليه وهو يهتف مقبلًا وجنتها بحنان :
" سماع هذا اللقب منكِ تحديدًا يسعدني يا فتاة "
ضحكت رفقة بقوة وهي تدفن نفسها في أحضانه مرددة بحب شديد :
" جاكيري "
" اممم "
" أنا أحبك كثيرًا، لا تغضب مني، أنا فقط ظننت أنك ستحب أن أغير من هيئتي قليلًا "
" رفكة حبيبتي أنا سأحبك بأي شكل وأي هيئة، وما فعلته كان فقط مزاحًا معكِ، إن اردتِ الاحتفاظ بهذا الشعر أنا لا أمانع، فأنا احببت رفكة بكل ما فيها واتقبل رفكة بكل ما فيها، لكن لا استطيع القول أن شعرك المجعد يمتلك مكانة كبيرة في قلبي، فقد كان هو أول ما تلمحه عيني منكِ عندما علمت أنكِ فتاة، هو اول ما سقطت بعشقه، لكن لا بأس سأحاول التأقلم مع هذا لأجل رفكة فقط "
ابتسمت رفقة بسمة واسعة وهي تضع رأسها على صدرها مرددة بحب :
" وأنا لا اريد الاحتفاظ بهذا، سوف أعيد القديم، فهو شاركنا العديد من الذكريات جاكي "
ضحك جاكيري وهو يستمع لاسم تدليله من بين شفتيها :
" حسنًا الآن أنا مضطر لمنع أي أحد من نطق جاكي من بعدك، فلا أظن أن هناك من يمكنه سرقة قلبي بنطقه مثلك "
صمت قليلًا وهو يراقب نظراتها المحبة ليقول بحنان وهو يتلمس وجنتيها بلطف :
" رفكة لقد اقتربنا من نهاية تلك القصة عزيزتي، ونحن الآن على أعتاب بداية جديدة، بداية تضمن بين سطورها، رفكة وجاكي فقط "
____________________________
كان انطونيو ينحني قليلًا على أذن روما وهو يهمس لها بصوت خافت محب :
" أنا مللت من صحبة هؤلاء الحمقى، ما رأيك أن نتركهم ونصعد للغرفة ؟! "
ابتسمت روما بسمة صغيرة وهي تنظر حولها تحاول التأكد أن لا أحد ينظر إليهم، ثم اردفت بخجل من تصرفات انطونيو:
" انطونيو بحق الله توقف الجميع ينظر إلينا "
نظر لها انطونيو، ثم استدار فجأة للجميع، ليبعدوا أعينهم عنه برعب، وينظروا في جهات بعيدة عنهم خوفًا من غضب انطونيو، عاد انطونيو بنظره لروما، ثم اقترب هامسًا لها بخبث :
" ما رأيك في شهر عسل غير ذلك الذي أفسدته واتسون الغبية"
نظرت له روما بحنق وقد تذكرت فجأة تلك الفتاة :
" اه تلك الغبية، لقد أفسدت اجمل ايام حياتي "
أطلق انطونيو ضحكة عالية جعلت أعين الجميع تعود له بفضول يسمعونه وهو يقول بتسلية :
" لا تقلقي هي لم تفسد حياتنا نحن فقط، يبدو أنها أفسدت حياة عزيزنا فبريانو "
تحدث مايك الذي لم يكن يفهم عمن يتحدثون أو ماذا يحدث هنا، لكنه قال بتنهيدة :
" على الاقل لديكما حياة لتفسدها، وانا المسكين إن جاءت إلىّ لن تجد ما تفسده "
ولم يكد يكمل حديثه حتى وجد زجاجة مياه تصطدم في وجهه بعنف، مما جعله يصرخ وهو يسب صاحب الزجاجة والذي لم يكن سوى مارتن الذي ارتفع صوته :
" تبًا لك يا حقير، اقسم أن كل ما يحدث معنا بسبب حديثك هذا "
رمقه مايك بحدة وهو يبادله الصراخ :
" لقد كدت تصيبني بالعمى يا حقير، كيف كنت سأصمم الثياب للجميلات ها ؟!"
أبتسم مارتن بسخرية وهو يستمع لصوت جولي جواره تهمس له :
" مارتن، هل مايك مصمم مشهور حقًا أم أنه يمزح معنا ؟!"
" للاسف بنية العينين هو كذلك، ذلك الاحمق "
ابتسمت جولي بسمة صغيرة وهي تقول بصوت منخفض وخجل :
" إذًا هل يمكنه تصميم فستان الزفاف خاصتي ؟؟ اريد أن اصمم واحدًا كما كنت اتخيله "
استدار لها مارتن نصف استدارة ثم قال بجدية وحنان :
" تريدين ذلك ؟!"
هزت رأسها ببسمة، ليبادلها هو آخرى :
" إذن سأخبره أن يصنع لكِ اجمل فستان زفاف، وبعدها اقطع يده حتى لا يصمم مثلها لأحد غيرك "
" يا احمق يكفي أن تخبرني أنك تريده فستانًا فريدًا مميزًا وانا لن اصمم مثله"
هكذا تدخل مايك في الحوار بينهما وهو يصيح بحنق شديد، بينما كانت اعين روما تدور على وجه مارتن بغموض، وهناك بسمة صغيرة ترتسم على فمها .
اقتربت روز من الجميع في ذلك الوقت وهي تشير لهم على السفرة التي تتوسط المكان، وهناك بسمة لطيفة تنير وجهها، وخلفها يقف جايك ينظر للجميع بشر وكأنهم اخذوا للتو شيئًا يخصه .
تحرك الجميع مع روز صوب السفرة وهم يتحدثون احاديث جانبية لا علاقة لها ببعضها، تقدم مارتن من المقعد المجاور لخاصته، يسحبه لجولي التي ارتسمت على فمها بسمة واسعة وهي تهمس له بحب :
" أنت لطيف مارتن "
انحنى مارتن قليلًا بالقرب من أذنها بعدما جلست وهو يهمس :
" أنا لستُ لطيفًا في العادة، أنا فقط لطيف لأجل جولي "
نظرت له جولي ببسمة واسعة، بينما هو غمز لها بمشاكسة .
كتم ماركوس ضحكته على حديث فيور والتي اقتربت منه وهي تهمس :
" أين جدك الوسيم عم ماركوس، أنا لا أراه في الجوار؟!"
نظر ماركوس لانطونيو وهو يقول كاتمًا ضحكته :
" صحيح انطونيو، أين هو جدي؟! لم أره منذ عدنا من المشفى آخر مرة ؟؟"
تحدث مايك وهو يتناول بعض الطعام أمامه :
" جدك يا فتى لا يطيق الجلوس في المنزل دون سيلين، أنا أشعر بوجعه وهو يراها في كل مكان، يتخيل طيفها يركض خلفنا بعكازها، إن جدك يتألم الآن، ولا أظن أن ألمه سينتهي أو هو سيعود إلا عندما نعيد له روحه يا اخي ....سيلين "
انتهى مايك من كلماته والجميع ينظر له ببلاهة، بينما هو رمقهم بتعجب لنظراتهم تلك :
" ماذا ؟! هل اكذب الآن؟! جدك لم يطأ المنزل منذ رحلت سيلين، ولا ادري لما يكابر حبه، أعني أنا لا امانع أن يتزوجها وينجب لنا عمًا صغيرًا و.."
تدخل ماركوس في الحديث وهو يمنع أخيه من إكمال كلماته :
" تجاهل سؤالي رجاءً، هذا يكفي "
تنهد انطونيو وهو يضع الطعام أمام روما بحنان وصوته خرج بجدية :
" جدك ذهب لاجتماع طارئ مع بعض الرجال، لقد حدثني منذ يوم تقريبًا وأخبرني أنه سيعود قريبًا، بعدما ننتهي من الطعام سوف اتحدث إليه لاطمئن على سير الأمور بشكل صحيح "
صمت الجميع عقب كلمات انطونيو، في نفس اللحظة التي رأى الجميع ادم يدخل للمكان وخلفه هايز، بعدما رحلوا منذ ساعتين تقريبًا في نصف الجلسة لرؤية الصغير ايان، تحرك ادم صوب الطاولة وهو يلقي بالتحية على الجميع، وجواره هايز التي كانت غاضبة لأنه لم يسمح لها بالعودة للمنزل والبقاء به .
" إذن آدم كيف حال الصغير ؟!"
رفع آدم عينه لمايك وهو يجيب ببسمة صغيرة :
" هو بخير مايك، أخبرنا الطبيب أنه استفاق في الصباح لثواني قبل أن يعود لغفوته مجددًا، وهذا أمر مبشر في الحقيقة، وقريبًا سيجري الجراحة الثانية "
هز مايك رأسه وهو يلقي بعض الكلمات المواسية لهايز التي كانت تبتسم للجميع بسمة صغيرة، بينما انطونيو كانت عينه تمر على الجميع حوله ولا أحد يدري فيما يفكر .....
____________________________
كانت النظرات المتبادلة بين الاثنين أشبه بحرب طاحنة اجتمع بها جيشين لدولتين ذواتا بأسٍ شديد، والاثنين وقفا أمام بعضهما البعض في ارض المعركة، وكل واحدٍ منهما ينتظر أن يبدأ الآخر بالهجوم .
تحدث الرجل وهو يجلس على مقعد وثير أمام المقعد الذي قيد به اليخاندرو :
" أنت لا تساعد في هذا سيد اليخاندرو "
هز اليخاندرو كتفه هزة صغيرة وهو يردد بعدم اهتمام :
" ومن اخبرك أنني أود المساعدة من الأساس ؟؟"
ابتسم الرجل له بسمة صغيرة وهو يحرك وجهه ينظر للمكان حوله، ثم انحنى قليلًا يستند بيديه على ركبتيه يهمس بصوت خافت يحاول :
" صدقني ما تحاول ادعائه الآن لن يفيدك "
" أي ادعاء هذا يا صغير ؟! اتظنني مثلك ؟!"
تحدث الرجل أمامه بحاجب مرفوع :
" مثلي ؟!"
" نعم مثلك، منذ احضرتني لهنا وأنت تدعي الخطورة، لكن صدقني لولا قوة تحملي، لكنت انفجرت في الضحك من تصرفاتك البلهاء تلك، حتى حفيدي الاصغر بين الجميع أكثر خطورة منك ومن رجالك كلهم، أنت تبدو ابلهًا "
نظر له الرجل ثواني دون رد فعل وعلى حين غرة رفع يده ولكم اليخاندرو بعنف شديد ارجع رأس الآخر للخلف، ولم يكد الرجل يسحب يده جواره مجددًا حتى كان جسده ممدًا أسفل قدم اليخاندرو، بعدما دفع مقعد الرجل بعنف شديد، وبعدها ضرب معدته بعنف مستخدمًا قدمه وهو يهمس بشكل مستفز :
" أنت يا فتى لم تذق يومًا طعم الاحترام، حتى حفيدي الثالث أكثر احترامًا منك "
نظر له الرجل الذي يتسطح ارضًا بشر وعيونه تنطق بكل ما يدمره، نهض ببطء وهو يتحدث بشكل مخيف يضغط على معدته :
" جعلتني الآن متشوق لمقابلة أحفاد والتعلم منهم سيد اليخاندرو "
ابتسم له اليخاندرو بسمة صغيرة وهو يراقبه يخرج من الغرفة :
"حسنًا أنا حاولت صرف نظرك عن الأمر، لكن يبدو أن إصرارك أكبر مما توقعت، لا بأس احضرهم فأنا مللت البقاء هنا على أية حال"
_______________________________
ضوضاء عالية تخترق مسامعه، جعلته يسب بصوت عالي وهو يتقلب في فراشه جاذبًا الغطاء أعلى وجهه، لكن صاحب الضوضاء لم يكتفي بضوضاءه، بل وصلت به الوقاحة لجذب الفراش من على وجهه وهزه بعنف، انتفض مارسيلو في جلسته وهو يصرخ بجنون :
" ماذا ألا يستطيع أحد النوم في هذا المنزل ؟!"
عادت راسيل للخلف بفزع من صراخه، مما أسقطها ارضًا بعنف بسبب ارتدادها العنيف، رفعت نظرها ترمق مارسيلو بغيظ وضيق :
" أي منزل هذا ؟! تتحدث وكأنك في منزلك "
نظر مارسيلو حوله بتيه وهو يحاول تبين مكانه، لكن كل ما ظهر له هو أساس غريب وجدران غريبة، حرك عينه للأرض حيث تستقر راسيل التي ماتزال تتمتم معتاظة من أفعاله .
" أين نحن ؟! "
" حقًا ألست أنت من احضرنا هنا يا سيد ؟!"
رمقها مارسيلو بعيون ضيقة وهو يحاول تذكر ما تتحدث عنه، حتى ضربته فجأة ذكراه وهو يحملها أمام أحد المنازل وهي بين يديه تلفظ أنفاسها الأخيرة، قبل أن تفتح له إحدى السيدات الباب ووقتها لم يشعر بشيء .
فرك مارسيلو خصلاته وهو ينظر حوله مرددًا :
" منذ متى ونحن هنا ؟!"
نظرت له راسيل وهي تستند على يديها بعدم اهتمام :
" يوم تقريبًا "
فتح مارسيلو عينيه بصدمة وهو يصرخ منتفضًا من مكانه :
" ماذا ؟! يوم ؟!"
هزت راسيل له رأسها وهي تنفخ بضيق تقص عليه ما حدث منذ الصباح حتى الآن:
" عندما استيقظت وطدت سيدة كبيرة جواري تخبرني أنك سقطت مغشيًا عليك بسبب البرودة الشديدة خاصة أنك لم تكن ترتدي ثياب مناسبة "
قالت كلمتها الأخيرة بصوت خافت آسف على ما تعرض له بسببها، ثم ابتلعت ريقها وهي تكمل :
" ومن وقتها وانا هنا جوارك بعدما احضرنا لك طبيب واخبرنا أن لا شيء نقلق عليه "
نظر له مارسيلو، ثم حرك عينه لثيابه وهو يقول بعدم فهم :
" وهذه الثياب ؟!"
" أنها ثياب حفيد السيدة صاحبة المنزل "
هز مارسيلو رأسه وهو يتنهد، ثم مسح وجهه يحاول ترتيب أفكاره، ينظر لها من بين أصابعه وهو يقول بجدية :
" أعطني هاتفك راسيل، فقد تعطل خاصتي "
مدت راسيل يدها للحقيبة المعلقة برقبتها منذ استيقظت، ونزعت منها هاتفها واعطته له، امسكه مارسيلو ورمقه قليلًا وهو يحاول تذكر أي رقم لأحد أفراد عائلته، ثواني فقط حتى أخذ يضغط على بعض الأزرار بسرعة .
صمت قليلًا يستمع للجانب الآخر ينتظر ردًا، حتى وصل له صوت ناعس يقول بحنق :
" أقسم أن كان الأمر الذي اتصلت بي لأجله لا يستحق، لاقتلنك مهما كنت "
كان ذلك صوت جايك الذي وصل ناعسًا بعدما أجاب على هاتفه دون حتى النظر للرقم ومعرفة من يتصل به، لكن انتفض وهو يستمع لصوت مارسيلو الذي وصل له عبر الأسلاك يخبره بعض الكلمات المقتضبة، ثم اغلق الهاتف وأعطاه لراسيل التي لم تفهم شيئًا من حديثه، وكأنه كان يتحدث بشيفرة ما .
تحرك مارسيلو من الفراش وهو ينظر للخارج من النافذة يقول بجدية :
" هيا سوف نذهب لذلك الرجل إلى منزله ونحاول أن نصل منه لحل بشكل ودي، وبعدها نعود للبلاد "
نهضت راسيل بسرعة من جلستها وهي تركض صوبه تتمسك في ذراعه بشكل جعله ينظر ليدها ثواني، قبل أن يعود لعينها يرمقها بتعجب شديد، لكن راسيل نظرت بعيدًا عنه وهي تهمس :
" فقط حتى نخرج ارجوك "
ضيق مارسيلو عينه بشك من حديثها وهو يستشعر وجود خطأ، ورغم ذلك تحرك للخارج، متجاهلًا تعلقها به، كطفلة تتعلق بوالدها حين المرور بمجموعة من الكلاب المخيفة .
تحرك مارسيلو على الدرج الخاص بالمنزل والذي كان يتضح الثراء في جميع أركانه، وبمجرد وصوله للطابق الاسفل سمع صوت رجالي يتحدث بنبرة خشنة :
" إذن لقد استيقظت سيد مارسيلو ؟!"
ابتسم مارسيلو بسمة سمجة وهو يقول بنبرة مستفزة :
" لا لم أفعل "
ابتسم له الشاب الذي كان يقف أمامه والذي بدا له في عمر مارتن تقريبًا، أي يكبره ببضعة أعوام.
تحركت عين الرجل على راسيل وهو يقول ببسمة صغيرة :
" ارى وجهك مشرقًا الآن آنسة راسيل "
لم تكد راسيل تبدي أي ردة فعل على حديثه حتى شعرت فجأة بقشعريرة تمر على جسدها، ويد مارسيلو تضم خصرها بتملك وصوته يصدح بهدوء شعرت به يخفي الكثير خلفه :
" من اخبرك أنها آنسة؟! "
نظر له الرجل بعدم فهم ليقول مارسيلو ببسمة سمجة :
" لم نتعرف بشكل ملائم، أنا مارسيلو فوستاريكي، وهذه السيدة راسيل فوستاريكي....... زوجتي "
بُهت وجه الشاب وهو ينظر لهما بتفاجئ، ثم تحولت ملامحه للضيق فجأة وهو يشير للطاولة جواره :
" تشرفت بكما سيد مارسيلو، ارجوكما تفضلا فقد أعدت جدتي الطعام، هي سوف تلحق بكما "
انهى حديثه وهو يتحرك للخارج يقول دون النظر لهما :
" أنا لدى اعمال مهمة، وإلا لكنت شاركتكم الطعام، استأذنكما "
راقب مارسيلو خروجه وهو يقول بصوت حاد :
" هل ازعجك ؟!"
هزت راسيل رأسها بسرعة وهي تقول بهدوء :
" لا سيدي لم يفعل "
نظر له مارسيلو ثواني بغموض قبل أن يتحرك صوب الطاولة وهو ينظر لها ببسمة قائلًا :
" يبدو الطعام شهيًا "
ودون حتى أن ينتظر الجدة، انقض على الطعام وهو يتناوله بشراهة كبيرة جعلت راسيل تفتح عينها بصدمة مما يفعل، لكن هو لم يهتم وهو يتناول الطعام باستمتاع مرددًا :
" هيا تناولي الطعام قبل أن نذهب من هنا، علينا أن ننتهي من هذا كله ونعود، فقد ضقت بهذه البلاد "
________________________
نهضت ببطء من جواره، تتأكد أنه نائم، ثم تحركت من الفراش تحمل هاتفها، وهي تنظر كل ثانية وأخرى للخلف بجدية، تشعر بضربات قلبها تضرب صدرها، لدرجة خشيت أن تُسمع الجميع ويستيقظون، أغمضت عينها وهي تقف أمام غرفتها تضغط على هاتفها بقوة وتتحرك صوب الخارج، حتى وصلت لخارج القصر وهي تضع الهاتف على اذنها تتحدث عبره ببرود شديد :
" أنا الآن في الخارج، ما الذي تريده الآن؟!"
وصل صوت ديفيد عبر الهاتف وهو يقول بهدوء وحنان مصطنع :
" آه هل تسببت في استيقاظك جميلتي ؟!"
" لا بأس ديفيد كل هذا يثقل ميزانك عندي "
وصل لها صوت ديفيد الذي قال بعدم اهتمام للهراء الذي تتحدث به :
" اصرفي الحراس من أمام البوابة الشرقية للقصر "
ضغطت روما على شفتيه بغضب شديد وهي تتحرك صوب البوابة الشرقية تتحدث في الهاتف بعنف :
" ما الذي تخطط له ديفيد ؟! اقسم إن اذيت أحدهم سوف ترى مني ما لا يسرك "
" اهدأي يا جميلة أنا فقط اريد الحاسوب الذي سرقه رجال عائلتك مني بكل وقاحة، أنا فقط استعيد ما هو ملكي من البداية "
أنهى حديثه ثم قال بجدية :
" فقط اصرفي الحراس وهنا ينتهي دورك "
توقف روما على بُعد صغير من البوابة الشرقية وهي تتنفس بصوت عالي، ثم تحركت نحو البوابة وهي تقول بصوت فزع بعض الشيء :
" هناك ...هناك صوت تبادل نيران يأتي من الجهة الجنوبية للقصر "
التفت الجنود بفزع لذلك الصوت خلفهم، ليجدوا انها لم تكون سوى زوجة اكبر رجال هذا المنزل، تحرك أحد الحرس جهتها وهو يقول بعدم فهم :
" أي اصوات تلك، لا شيء يصلنا "
" ماذا تقصد ؟! أنا سمعت من النافذة صوت تبادل نيران، كما أنني بحثت عن انطونيو في كامل القصر ولم أجده، أخشى أن يكون في اشتباك مع أحدهم "
نظر أحدهم للباقيين قبل أن يأمرهم بعينه أن يتبعونه تاركين البوابة فارغة، وكل ما في رأسهم أن هناك هجوم على القصر، وفي هذه الحالة فقط مسموح لهم بمغادرة أماكنهم حسب أوامر سيدهم، راقبت روما رحيلهم، ثم تحركت بخطوات هادئة صوب القصر من البوابة الخلفية وهي تتحدث في الهاتف بصوت خافت :
" تم الأمر ..."
______________________________
دخلت لولو الغرفة الخاصة بحفيدتها وهي تقول بسعادة بالغة :
" روبين، اهلك جايين كمان يومين، جاسي لسه قافلة معايا وقالتلي أنهم جايين كــ"
توقفت عن الحديث وهي ترى حفيدتها التي تجلس على النافذة الخاصة بغرفتها تشرد في السماء ولا تنتبه لها، ضربت لولو بعكازها، ثم قالت بحنق :
" يابنتي بتعملي في نفسك كده ليه ؟! هتدمري نفسك عشان كلب ولا يسوى ؟! يا شيخة اللهي تــ"
انتفضت روبين من جلستها وهي تقاطع لولو بفزع :
" لا يا لولو اوعي تدعي عليه "
رفعت لولو حاجبها ورفعت طرف شفتيها في تزامن ساخر مع حاجبها وهي تردد متشنجة :
" يا ضنايا يابنتي، وده من امتى يا حبيبتي ؟! مش ده الواطي الكداب الخاين اللي مش عايزة تسمعي سيرته تاني ؟؟"
لوت روبين شفتيها بحنق وهي تضع رأسها على قدمها تهمس بصوت منخفض :
" اعمل ايه يا لولو يعني أنا بحبه، هو أنا كده ابقى مهزقة ؟!"
ضحكت لولو وهي تنظر للنافذة جوارها :
" ابقي خليه هو يقولك يا مهزقة"
لم تفهم روبين شيء من حديث لولو إلا عندما وصلها صوت جوارها يهمس بنبرة حنونة :
" لا ارنبي الوردي أنتِ لطيفة رقيقة حبيبتي "
انتفضت روبين برعب وهي تستدير فجأة للنافذة المفتوحة جوارها تراقب فبريانو الذي كان يجلس على فرع الشجرة العتيقة التي تلتصق بنافذتها بشكل يكاد يجعلها تدخل للغرفة، فتحت روبين عينها بصدمة، هي حتى لم تسمع صوت تسلقه أو تنتبه لشيء، استفاقت وهي تستمع لصوت لولو خلفها :
" اهو سمحتلك تدخل البيت، فين بقى حقي ؟!"
كانت لولو تتحدث وهي تنظر بعيون مترقبة لفبريانو الذي انتزع حقيبة ظهره وأخرج منها حقيبة صغيرة، ثم قذفها لـ لولو يقول بجدية :
" هذا نصيبك لولو "
ابتسمت لولو بسعادة وهي تقول اثناء تحديقها في الحقيبة :
" بيبي بلو ؟!"
" لا، لم أجد ذلك اللون الذي طلبتيه، فاحضرتك لكِ واحدة حمراء "
ابتسمت لولو بسعادة وهي تغادر الغرفة وكأنها حازت للتو أثمن هدايا عمرها :
" حمراء حمراء هو أنا كنت طايلة، واخيرًا هكمل المسلسل المكسيكي، ربنا مايحوجنا لروبين ولا حد "
كانت روبين تتابع خروجها بصدمة واعين مفتوحة، تردد بصدمة :
" بعتيني بسماعة يا لولو ؟! "
" ونص كيلو لب"
استدارت روبين لفبريانو ترمقه بعدم فهم، لتجده يقول ببسمة سمجة :
" سماعة ونص كيلو لب، ولبانة بالنعناع، دي الراجل عطاها ليا هدية مع اللب "
أطلقت روبين ضحكة ساخرة وهي تقول :
" عطاها ليك هدية ؟! صحيح مش كل من تعلم لغة بقى من أهل البلد، اللبانة دي بقيت فلوسك يا اهبل "
رمقها فبريانو بعدم فهم ثواني، قبل أن يهز كتفه بلا اهتمام وهو يضع على النافذة جوارها، علبه تشبه خاصة لولو لكن تلك وردية وهو يقول ببسمة :
" احضرتها لكِ وردية لتناسب ارنبك الوردي"
صمت يراقب زيها الذي كان اخضر اللون على شكل تمساح، يعلو رأسها وجه تمساح فبدت كما لو أن رأسها تقبع داخل فمه، همس فبريانو بخبث :
" أصبحتِ خطيرة روبين "
نظرت له روبين بعدم فهم، ليشير هو إلى زيها، لكنها لم تهتم به وهي تقول بجدية :
" أنت فاكر إني هنسى كل حاجة بالسماعة دي ؟!"
أخرج فبريانو من حقيبته حقيبة بلاستيكية كبيرة مليئة بالحلوى والمثلجات يضعها على النافذة جوارها، ثم نظر لها يترقب وكأنها يخبرها ( والآن؟؟) .
ضحكت روبين بسخرية وهي تقول :
" حقًا فبريانو ؟! هل تراني حمقاء لهذه الدرجة ؟!"
صمتت ثم نظرت له وهي تقول بصوت متعب :
" أنت خلتني احس شعور وحش، خلتني أتأكد من كلام الكل اني هبلة، ومش بفهم حاجة، يعني أنت سبق وقولت للولو أنك ظابط وقاتل وكلام كتير أنا فكرته هزار، لكن كل ده طلع بجد، أنا بقيت قاعدة افتكر أنت قولت ايه تاني وأنت بتهزر لاحسن يكون بجد مش هزار "
تنهدت وهي تمسح وجهها بتعب :
" حتى لو أنت ظابط، بس أنا لسه حاسة بشعور وحش جوايا يا فبريانو، طبعًا ده دون ذكر اللي عملته يوم ما اتخطفت مع اللي اسمها موزريلا دي"
ابتسمت بسمة مغتاظة ثم همست:
" بتمط ؟!"
لم يبدو أن فبريانو فهم ما ترمي إليه، لكن هي لم تهتم وهي تكمل سخريتها :
" بتمط في ايدك كده صح ؟! سايب الشيدر ورايح للموزريلا اللي من غير طعم عشان بس بتمط، اقول ايه معندكش ريحة الذوق "
زفر فبريانو بضيق وهو يقول بجدية لينهي ذلك الأمر :
" روبين انا كنت مضطر لفعل ذلك حتى اشتت انتباهها لحين يأتي الرجال ويخرجوكِ من المكان وبعدها انتهي أنا منها "
بكت روبين وهي لا تتحمل تلك الذكرى :
" أنت قولتلها إني مش حبيبتك "
" بجد؟! وهو مين اللي كان قال كده الاول ؟؟ "
بكت روبين أكثر وهي تجذب قبعة الزي الخاص بها أكثر حتى تخفي وجهها تقول بصوت عالي من وسط بكائها :
" أنت اللي ضحكت عليا الاول، مرة تقولي بستاني، ومرة تقولي راجل اعمال، ومرة قاتل، ومرة ظابط "
مسحت دموعها وهي تقول بحنق :
" مع أنك أساسا تنفع ممثل يا فبريانو "
زفر فبريانو وهو يقول بجدية :
" اقسم أنني كنت سأخبرك بكل شيء بمجرد الانتهاء من تلك المسرحية الهزلية"
رفعت روبين عينها له بعدم فهم وهي تردد :
" أي مسرحية تلك ؟!"
نظر لها فبريانو ثواني دون أي ردة فعل، قبل أن يقفز من الشجرة للنافذة بشكل افزعها وهي تتمسك به في قوة كبيرة خشية أن يسقط، لكن هو منحها بسمة واسعة وهو يقول يمسك وجهها بين كفيه في حنان شديد :
" هل تريدين مني أن اخبرك بكل شيء من البداية ؟!"
نظرت روبين لعينه، ثم هزت رأسها ببطء تتحدث بوجع :
" لا اريد أن أشعر أنني حمقاء فبريانو، ولا اريد الشعور بالذنب كلما نظرت لوجهك وتذكرت عدد من سبق وقتلت"
" سأخبرك بكل شيء، لكن فقط عديني ألا يعلم أحد ما سأخبرك به روبين، لا أحد، لا أحد يعلم ما سأقوله سواي أنا وعائلتي، وأنتِ ...."
هزت روبين رأسها بسرعة وهي تنظر له بترقب، ليس لفضول، ولكن لتريح قلبها من جهته، لتنظر في وجهه وهي لا تشعر أنه شخص سيء، ليعود في نظرها فبريانو اللطيف .
"حسنًا الأمر بدأ منذ كان جدي شاب في بداية حياته ......"
________________________________
انتفضت لورا بعنف للخلف وهي تسمع صوت ضرب مديرها على المكتب أمامه، فتحت عينها بفزع تراقب حركاته من خلف مكتبه وهو يتجه نحوها، وها هي للمرة الثانية تكسر الرقم القياسي في عدد المرات التي دفعت فيها مديرها للتخلي عن عرشه الملكي .
عادت لورا للخلف أكثر وهي ترى اقتراب مدير المجلة منها يهمس من بين أسنانه :
" ألا تتحدثين الإيطالية آنسة لورا ؟!"
" بلى افعل سيدي "
ابتسم المدير بسمة بلاستيكية قبل أن يصرخ في وجهها بصوت تكاد تقسم أن جميع من في المجلة استمع له :
" إذن لِمَ لم تفهمي حديثي السابق عن كم أنا غير مهتم بمشاكلك مع عالم الحيوان ؟! ما شأني أنا وشأن متابعي المجلة بسبب صراخ الحيتان في المحيط ؟!"
سعلت لورا بقوة وهي تحاول ابعاد وجهها عن وجهه الذي يكاد يطلق نيران لها، ثم ابتلعت ريقها وهي تجيبه مصطنعة الهدوء :
" سيدي هذه أمور علمية مهمة، لا يجب أن يقتصر دور المجلة على الأمور السخيفة كالازياء وغيرها "
" وماشأنك أنتِ بمجلتي ؟؟ ثم لا أحد يهتم بما تكتبين عنه، إن كنتِ مازلتِ متعلقة بدراستك القديمة، لِمَ لا تبحثين لنفسك عن عمل بها ؟!"
رفعت لورا عينها له ثواني قبل أن تقول بصوت خرج عاديًا، لكن داخلها كان يصرخ وجعًا على آخر أحلامها التي تخلت عنها لأجل والديها :
" لم يوافق والدىّ على الأمر سيدي، ورأوا أن العمل بما درسته في علوم الحيوان لن تفيدني شيء؛ لذلك ها أنا هنا احقق حلمهما في أن أصبح كاتبة مقالات معروفة "
قالت آخر كلماتها ببسمة مقهورة ودموعها على حافة السقوط، تكره المدير وتكره المجلة وتكره العمل بها، وللحقيقة هي تكره نفسها أيضًا، ها هو ذلك الرجل المقيت يضغط بقوة على جرح سبق وخاطته، لكن الآن أدركت أنها لم تنظف جرحها من القيح قبل أن تخيطه، ومجرد ضغطه صغيرة عاد نفس الألم السابق، بل وزاد عليه الألم للضعف.
عاد المدير لمكتبه بهدوء وهو يشعر بطاقته نفذت بسبب وقوفه وصراخه ذلك، ثم استند على ظهر مقعده ونظر لوجه لورا ثواني قبل أن يقول :
" حسنًا يؤسفني أنني لا أستطيع مساعدتك في ذلك الأمر آنسة لورا "
صمت يراقب وجهها الذي كان يحاكي الموتى، ونظراتها الشاخصة بعيدًا عنه، وكأنها إن نظرت لعينه ستنهار :
" سأمنحك اليوم فقط حتى تجمعي أغراضك آنسة لورا وتسلمي لي استقالتك"
هنا وكفى، دموعها ليست بهذا الضعف لتستسلم لجسارة جفونها، ها هي تهدم أسوار جفونها منطلقة لاحتلال خدها، لتثبت للورا كم هي قوية، و تثبت للعالم كم أن لورا ضعيفة .
هزت لورا رأسها بهدوء، ثم تحركت بهدوء صوب الخارج دون كلمة واحدة، تسير كالاموات، تخلت عن حلمها وتخلت عن شخصيتها وتخلت عن كل شيء لأجل هذه الوظيفة التي حصل والدها بصعوبة عليها، وها هي تخسر ما تخلت عن كل شيء لأجله .
كانت تسير في ممرات المجلة وهي تبكي دون صوت، دموعها تهبط فقط والجميع حولها ينظر لها ما بين شفقة وتشفي، ويبدو أنهم استمعوا لصوت تقريع المدير لها .
اقترب موسى بسرعة من لورا وهو يتألم على تلك الصغيرة التي منذ مجيئها وهو يراها كأخته الصغيرة التي اضطرت للزواج بعيدًا عنه :
" لورا هل أنتِ بخير ؟!"
لم تجب لورا وهي تزداد في البكاء تمسح دموعها بعنف، تكمل سيرها في الممرات وهناك فكرة واحدة تقفز برأسها في تلك اللحظات، هي خسرت الكثير بالفعل، ولا ضير من خسارة اخيرة، خسارة تنهي بها كل ذلك الألم.
ومن بين افكارها السوداء انبثق شعاع نور صغير في نهاية الممر متمثل على شكل رجل يبتسم لها وهو يرفع حقيبة بلاستيكية في الهواء، يلوح بها لها .
وكان ذلك الرجل هو نفسه مايك الذي نهض صباحًا مع رغبة ملحة في رؤيتها؛ لذلك خرج وأحضر بعض الحلوى وقد انتوى الذهاب معها للشاطئ مثل تلك المرة وتناول الحلوى ونسيان العالم، وها هو لم يكد يخطو الممر الذي يقبع فيه مكتبها، حتى وجدها تسير في نفس الممر صوبه، رفع الحقيبة التي بيده يلوح بها ببسمة واسعة وسعادة، سرعان ما تلاشت وهو ينتبه لدموعها .
وبمجرد أن رأت لورا مايك حتى سمحت لصوت بكائها بالارتفاع، وهي تركض صوبه بسرعة كبيرة ملقية نفسها في أحضانه تنهار باكية، وكأنها بذلك تعلن ترقية مايك من مجرد منقذ صغير في بعض المواقف، لبطل كبير في حياتها .
فتح مايك عينه بفزع وهو يترك الحقيبة لتسقط ارضًا، ثم ضم لورا وهو يتحدث بفزع :
" ما الذي حدث ؟! ما بكِ لورا هل فعل لكِ أحد شيء ؟!"
كان يتحدث وعينه تمر على الجميع حوله الذين كانوا يراقبون ما يحدث بفضول كبير لمعرفة من ذلك الذي تعانقه لورا، لكن زاد ضمه للورا أكثر متجاهلًا الجميع وهو يسمع صوتها الباكي يهمس بتقطع :
" لا اريد البقاء هنا، ارجوك، لا اريد البقاء، أخرجني من هنا مايك "
وكم تألم قلب مايك لرؤيتها تبكي بهذا الشكل، ربت على ظهرها بحنان جعلها تزداد في البكاء، ثم أبعدها بلطف وهو يمسك يدها بقوة متحركًا للخارج، لا يعير أحدًا أي اهتمام .
راقب موسى رحيل لورا بهذا الشكل وعيونه تدمع بقوة على حالتها، لكن رؤيته لها مع ذلك الرجل الذي تحررت أمامه وتحدثت، جعله يستريح بعض الشيء وهو يدعو لها في قلبه أن تتخطى كل أحزانها تلك، وأن يكون ذلك الرجل هو الترياق الذي كانت لورا تبحث عنه منذ سنوات .
مسح موسى دموعه وكاد يتحرك لمكتبه، لولا أنه لمح ماليكا تنزل هاتفها بعدما كانت ترفعه في الهواء وكأنها تصور شيئًا ما مبتسمة بخبث شديد، ثم تحركت صوب مكتبها، عض موسى شفتيه بغيظ وهو يتوعد لها في نفسه، إن اقتربت من لورا سيريها من الجحيم الوانًا .........
توقفت سيارته بالقرب من الشاطئ، هبط منها متجهًا صوب مقعدها يفتح لها الباب، لكنه تفاجئ من رؤيتها سقطت في النوم، نظر لها بصدمة وهو يتذكر أنها كانت منذ دقائق فقط مستيقظة، كيف سقطت في النوم بهذه السرعة ؟!
ولم يدري مايك أن تلك كانت وسيلة لورا الوحيدة للهروب من كل اوجاعها، فيدو أن جسدها سئم الوجع، وعينها ملت البكاء؛ لذلك تدخل العقل وقرر منح الجميع راحة .
جلس مايك القرفصاء جوارها وهو ينظر لملامحها بحزن على كل ذلك الوجع الذي يسكن ملامحها، تنفس بتعب وهو ينهض يمد يده لتعديل وضع المقعد، حتى يناسب نومتها وتكون أكثر راحة من هذا، ثم ترك الباب مفتوحًا حتى يدخل لها نسيم البحر وجلس ارضًا جوار الباب الخاص بها، يشرد أمامه يفكر في حالتها وسببها، ينظر كل ثانية وأخرى عليها كلما شهقت أثناء نومها، شهقات صغيرة كما لو كانت تبكي، وكم اوجعه قلبه أن تعاني كل هذا، شرد يتذكر أول مقابلة لهما عندما انهارت في مكتبه وتناولت بعض الحبات، هل يعقل أنها تعاني مرضًا يسبب لها كذلك ؟!
ولم يتح رنين الهاتف الفرصة لمايك أن يفكر في إجابة لسؤاله، أخرج هاتفه وهو ينظر لتلك الرسالة التي وصلت له مرفقة ببعض الصور، وقد كان مضمون الرسالة هو ( أظن أن تلك الصور ستنال اهتمامك ) فتح مايك الصور بعدم فهم ليجدها صور لـ لورا تعانق رجلًا بقوة وتدفن وجهها في رقبته بشكل حميمي، وصدمة مايك لم تكن لأجل هذه الصور، بل لأن ذلك الرجل هو نفسه، وتلك الصور تم التقاطها قبل قليل عندما انهارت لورا في أحضانه باكية، وظهرت له وكأنها صور حميمية، تعجب مايك من غرض تلك الرسالة، لِمَ يرسل أحدهم رسالة كتلك بها صور لنفسه؟! هل هو معتوه من ارسلها ؟!
لكن فجأة استوعب مايك الأمر وهو يدرك الآن أن تلك الصور لم تُرسل لمايك، بل أُرسلت لمافو، حيث انتبه أن الرسائل وصلت على الرقم الذي خصصه لأعماله كـ مافو، هذا يعني أن من أرسل الرسائل يظن أنها ستغصب مافو، ظنًا أن مافو في علاقة مع لورا............
______________________________
منزل كبير تصدح منه موسيقى عالية، وأصوات ضحكات أعلى، وهناك العديد والعديد من البالونات التي تتطاير في الأجواء، والزينة التي تكاد تخفي معالم الحديقة الخاصة بذلك المنزل.
هبط آدم من سيارته وهو يتحرك نحو الباب الخاص لهايز يفتحه بسرعة لها، ثم مدّ يده لها يمنحها بسمة رائقة، جعلتها تشرد في ملامحه بحب وهي تسلمه يدها بكل طواعية، تخرج من السيارة تبتسم له بحب .
غمز لها ادم وهو يخلل أصابعه في خاصتها بحميمية، ثم تحرك نحو الحفلة التي جاء إليها فقط لأجل تلك الجميلة التي تتأبط ذراعه، لا ينسى حتى الآن مظهره وهو يراها تطل عليه بمثل هذه الزينة وذلك الفستان الذي لم يرها سابقًا ترتدي مثله، وقد كانت روما هي المشرفة الاولى عليها لتخرجها بهذه الهيئة، وهذا لا يمنع أنه سبق ووقع بعشق هايز البسيطة اللطيفة .
دخل ادم رفقة هايز للحفل الذي تنظمه رفيقتها القديمة حسب اقوالها، يلمح بعينه جميع اصدقاء الجامعة، كانت أغلب الأعين مسلطة عليهم والجميع ينظر لهم بشكل جعله يظن أنهم هبطوا لتوهم من المريخ .
راقب ادم فتاة طويلة الجسد بشكل مبالغ، رشيقة القوام تتجه لهم وهي تفتح ذراعيها ببسمة واسعة تقول بسعادة ظاهرة :
" هايز حبيبتي، لا اصدق أنكِ اتيتِ "
ابتسم هايز لها وهي تسحب يدها ببطء من يد آدم وانطلقت صوبها تضم رفيقتها بحب كبير، تكاد تبكي من شوقها لتلك الرفيقة التي كانت تمثل لها عالمًا باكملًا قبل أن ترحل وتتركها وحدها بلا رفيق أو صديق .
كان آدم يراقب ما يحدث ببسمة حنونة، لكن فجأة شعر بمن يربت على كتفه وصوت مألوف يصدح خلفه :
" آدم، واخيرًا خرجت من مخبأك "
استدار ادم ببطأ، قبل أن ترتسم بسمة صغيرة على فمه وهو يعانق رفيقه، يربت على ظهره هامسًا :
" اشتقت إليك كثيرًا "
عاتبه صديقه بلطف :
" حقًا ؟! إن كنت اشتقت إلىّ لكنت حاولت التواصل معي "
ابتسم له ادم بسمة صغيرة وهو يلقي بنظرة سريعة على هايز التي كانت ماتزال تتحدث مع رفيقتها وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمها، ثم عاد بنظره لصديقه الذي انتبه لنظراته ليقول بخبث :
" اه في النهاية اخترت هايز ؟؟ أليست تلك الفتاة التي كانت تلاحقك ؟!"
اسود وجه ادم فجأة وقد اختفت بسمته، ثم قال بجدية مرعبة وهو يمسك ذراع صديقه يجذبه بعيدًا عن كل تلك الضوضاء، حتى توقف به في أحد الأركان يقول بجدية :
" جيد أنك ذكرت الأمر، فأنا كنت سأفاتحك به على أية حال "
" أي أمر تقصد ؟!"
احتدت عين ادم وهو يقول بشر :
" هل سبق واعطيتك رسالة لتوصلها إلى هايز؟؟"
على الجانب الآخر كانت هايز مندمجة في الحديث مع رفيقتها بسعادة كبيرة، لكن قاطع سيل ذكرياتهما صوت عالي ينادي صديقتها، استأذنت منها الأخيرة وهي تخبرها أنها ستعود سريعًا .
وعلى بُعد صغير من هايز كانت تقف نفس الفتاة زميلة هايز والتي قابلتها في مدينة الملاهي سابقًا وصرخ آدم في وجهها، كانت تقف رفقة صديقاتها وهي تقول ببسمة واسعة :
" اه الأمر يسير كما خُطط له يارفاق، بقيت فقط الخطوة الأخيرة "
نظرت لها إحدى الفتيات بتردد :
" مورا لِمَ لا تنسين الأمر ؟! أعني لقد احبها آدم تزوجها والآن لديهما طفل صغير، فقط انسي الأمر ولا تفتعلي مشاكل أكثر "
استدارت لها الفتاة فجأة وهي ترمقها بشر :
" إن كنتِ خائفة فارحلي "
صمتت الأخرى وهي تنظر ارضًا تراجع نفسها، ثم رفعت رأسها تحركها ببطء وبعدها ابتعدت بهدوء عن الجميع، تاركة مورا ترمقها بغضب وهي تقول صارخة في الجميع :
" هل يود أحدكم الرحيل أيضًا ؟!"
نظرت الباقيات لبعضهن البعض ثم قالت احداهن :
" نحن معك مورا، أنتِ تعلمين أننا لا نتخلى عن بعضنا البعض "
ابتسمت مورا وهي تهز رأسها ثم قالت وهي تتحرك مبتعدة عنهما :
" جيد، الآن الخطوة الثانية "
تحركت مورا بخطوات رشيقة صوب إحدى الأركان التي كان يقف بها منظم الحفلة وهي تمد يدها بذاكرة إلكترونية مرددة ببسمة مغوية :
" تفضل عزيزي، هذه هي الذاكرة التي ستعرضها "
ابتسم منظم الحفل وهو يأخذ منها الذاكرة ثم قال بجدية :
" حسنًا، سوف تُعرض في الوقت الذي اتفقت به مع صاحبة الحفل "
أعطته مورا بسمة صغيرة، ثم تحركت بعيدًا عنه وهي تقول بانتصار :
" لا بأس عزيزي، خذ كل وقتك "
_______________________________________
خرج مارتن من القصر وجولي خلفه يقول بتحذير وهو يشير لها :
" اقسم إن علمت أنكِ أنتِ من أخفيتِ الحاسوب سوف تلقين مني عقاب لن يعجبك جولي "
صعدت جولي السيارة وهي تقول بحنق :
" أخبرتك أنني لم افعل به شيئًا منذ أخبرتني أنه يحوي اشياء خطيرة، وانا لم اقترب منه، ثم أنت أخذته واخفيته في مكتب القصر ولم تخبرني حتى أين وضعته، لربما أخذه انطونيو "
تحرك مارتن بسيارته وهو يقول بتنهيدة :
" حسنًا سوف نعلم عندما نصل للشركة، والآن جولي لن اعيد حديثي و..."
قاطعته جولي وهي تكرر على مسامعه التعليمات التي جعلها تحفظها فقط ليوافق على اخذها للعمل معه :
" لن اتحرك من المكبت، ولن اتحرك في المكتب، سأجلس بكل هدوء جوارك العب في حاسوبك، ولن افتح ملفات خاصة بالعمل، ولن أنشأ حساب على الـ Facebook مرة ثانية "
ابتسم مارتن وهو يقول بتصحيح :
" بل مرة سادسة "
" نعم، لن افعل، أنا في الأساس لم اعد أحب تلك الأمور، أعني أن تكون مجبرًا على مشاركة المعجبين أمور كثيرة، هذا أمر مرهق، كما أن متطلباتهم مرهقة، البعض يطالبني بالظهور في بث مباشر والبعض يطالبني بعمل لقاء كبير لهم "
نظر مارتن لها نظرة جانبية وهو يقول بسخرية :
" نعم أن يكون لديك أكثر من ١٠ متابعين، لهو أمر مرهق حقًا "
" بل أكثر من ٥٠ مارتن، آخر صفحة اغلقتها لي كانت تحتوي ٥٤ متابع "
أنهت حديثها وهي تضم يديها لصدرها تهمس باعتراض :
" أنت أصبحت متحكم بشكل لا يطاق، أصبحت تضيق الخناق علىّ مارتن "
ضحك مارتن بسخرية :
" حقًا ؟! هل كنت لافعل أيًا من هذا، إن كنتِ تتصرفين بطبيعية؟! يا فتاة لقد كدتِ تفشين اسرار العائلة بأكملها في اخر حساب انشأتيه "
ابتسم جولي وهي تنظر له ترفرفر برموشها :
" اقسم أنني لم اقصد، فقط سألني أحد المتابعين عن افضل مكان يشتري منه أسلحة "
" فـ قمتِ بالاشارة لانطونيو "
ضحكت جولي بصوت عالي :
" حسنًا قصدت هذا، لربما كان شرطيًا متخفيًا ويلقي القبض على انطونيو ونتخلص من ذلك الرعب الذي نعيشه في المنزل حين رؤيته "
هز مارتن رأسه بيأس وهو يردد :
" صدقيني المرة القادمة، لن استطيع منعه عنكِ جولي؛ لذلك توقفي عن محاولة اخراج وحوشه "
ضحكت جولي وهي تلقي رأسها على كتفه مرددة بحب :
" لا أخشى انطونيو ولا وحوش انطونيو، طالما أن فارسي الحبيب في ظهري "
نظر لها مارتن بحنان وهو يقبلها قبلة سريعة على خدها هامسًا :
" لاخر نفس بنية العينين "
وأمام القصر كانت تقف سيارة سوداء بعيدة بعض الشيء عن محيط الكاميرات التي تحيط بقصر آل فوستاريكي، وبها بعض الرجال والذين هم نفسهم من اقتحموا القصر مساء الأمس وعادوا صباحًا للتأكد من نجاح خطتهم، أخرج أحدهم هاتفه بمجرد رؤيتهم لسيارة مارتن تتحرك خارج القصر وعينه تراقب حركة سيارة مارتن التي وضع بها جهاز تتبع ومستشعر حركات.
" مرحبًا سيدي لقد تحركت السيارة "
على الجانب الآخر كان ديفيد يدور بمقعده وهو يردد بجدية :
" هل نفذتم ما اتفقنا عليه ؟!"
ردد الرجل من الطرف الآخر بجدية :
" نعم سيدي، هو الآن يقود سيارة بلا مكابح، فقط دقائق ونسمع خبر اصطدام سيارته و"
صمت الرجل ليتحدث ديفيد ببسمة منتصرة :
" ونودع النصف الأيسر من عقل آل فوستاريكي .............."
_________________________
ليس من الضروري أن يكون كل صوتٍ عالٍ هو صوت إنفجار، لربما هو صوت دقّ آخر مسمار في نعشك .......
واحذر فبمجرد أن تخطو لهم، فالجحيم آتيك من كل بابٍ .
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل السادس عشر 16 - بقلم رحمة نبيل
السلام عليكم جميعًا، عساكم بخير يارب.
من قلبي بعتذر عن فصل بكرة من رواية ( الوجه الاخر للمافيا) وده لاني والله الأسبوع ده فعلًا متبهدلة في موضوع فحوصات عيني، وانا حاليا بكتب البوست وانا لسه داخلة البيت، ومن الساعة ٢ برة البيت، وامبارح كذلك الأمر، بقالي ايام متبهدلة بسبب الفحوصات، ده غير إن فصل يوم الاتنين اللي فات انكتب وانا عيني اليمين كانت مخبوطة ومورمة ( بالمناسبة عيني اليمين هي الأضعف في عيوني 😂)، المهم أنا منزلتش اعتذار غير دلوقتي، لأن حتى آخر لحظة بقول هحاول اكتب، لكن للاسف والله لسه داخلة البيت ودماغي حقيقي هتنفجر من الصداع + بكرة برضو مش هكون موجودة في البيت وعليه ....
لو قدرت اكتب فصل صغنن قمر كده ليوم الجمعة ( قصدي بالصغنن فصل زي بتوع الجزء الاول يعني نفس حجم الفصل في الجزء الاول ) هكتب وانزل يوم الجمعة، مقدرتش يبقى معادنا يوم الاتنين وهعوضكم جامد بإذن الله، وحقيقي اتمنى تعذروني، بس والله فعلًا مش هقدر انزل خالص بكرة تحت أي ظرف، ووعد هحاول اكتب واحد ليوم الجمعة، بحيث مأخرش عليكم .
ربنا يعلم والله اني مش بيهون عليا اخليكم تستنوا، وبزعل لما الغي أو أاجل فصل والله عشان مش بحب اخليكم تكونوا على نار الأحداث، بس والله غصب عني، دعواتكم الدنيا تتيسر وشكرًا مقدمًا .
واسفة لاي حد دخل وفكره فصل جديد، اسفة لتخييب امالكم 💜😂
وفي النهاية ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل.
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحمة نبيل
ها هي رحرح تعود بعد غياب قصير يا رفاق ...
بارت خفيف تعويضًا عن غيابي يوم الخميس؛ ولاني وعدتكم اني لو قدرت هنزل ليكم بارت انهاردة، وبالفعل بدأت فيه الصبح وانتهيت منه قبل ثواني من نشره، عشان مش حابة أتأخر عليكم، وعشان والله مش بيهون عليا اسيبكم كتير على نار، قراءة ممتعة احبائي .
"لا تَرتَجي مِن عبادِ اللّـهِ مَسألةً
فَالعبدُ عَبدٌ وربُّ العَبدِ مَن يهبُ".
صلوا على نبي الرحمة
________________________
كانت تجلس أمام الحاسوب الخاص بها تتابع مسلسلها المفضل منذ الأمس، حيث لم يغمض لها جفن وهي تسهر طوال الليل أمامه، سعيدة بسماعتها التي حازت عليها بكل شرف بعد بيع مصلحة حفيدتها لذلك البيومي المخيف .
لكن فجأة أزعج جلستها الرائعة تلك صوت موسيقى عالية قادمة من الخارج، انكمشت ملامح لولو بتعجب وهي تمسك عكازها الذي كان يستقر جوار فراشها، وبعدها تحركت بثقل للخارج، لتصدم بمجرد خروجها بروبين ترتدي فستان وردي مليئ بالزهور البيضاء يصل لنهاية قدمها دون أكمام، تبدو كمن خرجت للتو من أحد الأفلام القديمة، وهي تتراقص على موسيقى إحدى الأغنيات بكل سعادة، تتحرك في المنزل وهي تردد كلمات الأغنية بهيام :
" الدنيا حلوة واحلى سنين....بنعيشها واحنا يا ناس عاشقين ....ننسى اللى فاتنا ونعيش حياتنا....ع الحب متواعدين "
رفعت لولو حاجبها وهي تقول بسخرية :
" الظاهر بيومي قالها أنها مهزقة فعلًا "
كانت روبين ما تزال تغمض عينها وهي ترقص بكل استمتاع وكأنها البارحة فقط لم تكن على وشك الدخول في حالة اكتئاب، هزت لولو رأسها بعدم اهتمام وهي تتحرك صوب غرفتها تكمل مسلسلها المفضل وهي تصبر نفسها ببضعة كلمات :
' خلاص يوم ولا حاجة واهلك يجوا يخلصوني من همك، واقعد مع المسلسل بتاعي براحتي "
ازدادت بسمة روبين وهي ترقص وترفع يدها في الهواء، تقفز بسعادة ولم تدرك أن كل ذلك يحدث أمام عين فبريانو الذي كان يتكأ بكتفه على باب الغرفة وهو يبتسم بحنان يراقبها بكل سعادة، يشعر بقلبه يشاركها تلك الفرحة، وهو يتنهد براحة أنه واخيرًا تمكن من إعادة البسمة لوجهها بعدما قص عليها البارحة كل شيء، كل شيء حتى ما لم يقصه جده على الباقيين اخبرها به، فهو لا يود أن يعاني أيام كتلك التي عاشها بعيدًا عن لطفها ذاك، ابتسم وهو يمرر عينه على فستانها اللطيف الذي ذكره بارنبه الوردي العزيز والذي اشتاقه كثيرًا .
ومن بين غمرة السعادة التي كانت روبين تعيشها، شعرت فجأة بجسدها يصطدم في جسد ما، ودون حتى أن تفتح عينها أدركت صاحب ذلك الجسد الذي امسك يدها وهو يتحدث قريبًا من أذنها :
" تبدين كفراشةٍ وردية تتنقل بين ازهار جنة قلبي، أنتِ تزدادين قبحًا في عيني يومًا بعد يوم فاتنتي "
فتحت روبين عينها وهي تطلق ضحكة عالية على حديثه تقول وهي تبتعد عنه :
" اول جملتك خلت قلبي هيقف من الرعب وانا مفكرة إني خبطت في حد غريب، وبعدين طمنتني في الآخر أنه انت "
ختمت كلمتها وهي تجذب يده ليشاركها الرقص تغني له ببسمة وهي تمسك يده وهو يبتسم لها، بينما هي تردد الأغنية وهي تنظر له وكأنها توجه كلماتها له :
" انسى اللي راح على طول على طول......ماتسبش زعلك مرة يطول....افرح شوية واضحك شوية.....كدة خلى روحك عالية وهاي "
ابتسم فبريانو بسمة وقد أخذ فجأة قرار أن يشاركها جنونها ذاك، حيث أخذ يتحرك معها دون حسبان لما يفعل، يراقصها وهو يلف جسدها برقة، يتأمل بسمتها الجميلة، يشعر أنه في تلك اللحظة عاد نفسه فبريانو، فبريانو الصغير الذي كان يركض باكيًا لوالدته يشتكي لها نعت الجميع له باللطيف فتأكد له والدته أنه بالفعل أكثر الأشخاص لطفًا، ويبدأ هو بالتذمر منها، وقتها تنقض عليه والدته بالقبلات و تبدأ في زغزغته بقوة حتى يصرخ من بين ضحكاته أنه يستسلم وأنه لطيف كما تقول، تلك الكلمة التي كره أن يناديه أحد بها، لم يسمح أن يتم نطقها أمامه سوى من اثنين، وهذان الاثنان هما امرأتين، والدته وارنبه الوردي .
نظر فبريانو لروبين التي تتراقص أمامه بفرحة وهو يشعر بعينه التمعت بما يشبه الدموع، بعدما دخل حجرة عقله التي كان قد اغلقها بالكامل منذ سنوات، ابتسم بسمة صغيرة وهو يقترب من روبين يضمها فجأة دون مقدمات، يدفن وجهه في كتفها، ورغم أن روبين تفاجئت من فعلته، إلا أنها ابتسمت له بحنان وهي تربت على كتفه ظنًا أنه يعانقها بشكل عابر، لكن فبريانو كان في أشد حالاته حاجة لها، يود فقط أن يعيش تلك اللحظات كـ فابري الصغير وبعدها وبمجرد خروجه من عناقها سيرمي كل ذلك جانبًا ويعود فبريانو الحقير .
" إن اخبرتِ أحد أنني راقصتك، سأقتله "
صدمت روبين من حديثه الغريب ذلك، وها هي تتفهم سبب ذكره للقتل في كل احاديثه، لذلك مازحته بخشونة مثله :
" هو مش المفروض تقول هقتلك؟!"
" لا سأقتله هو، فـ أنا لا أستطيع العيش بدونك، أما هو فاللجحيم"
______________________________________
" نعم سيدي أنا اراقبهم الآن على جهاز التتبع امامي، وهم يقتربون من المنعطف الذي تقف عنده سيارتنا الثانية "
ابتسم ديفيد من الجانب الآخر وهو يردد كلمة واحدة مترفعًا عن الحديث :
" نفذ "
ختم ديفيد حديثه وهو يغلق الهاتف يتكأ بظهره للخلف وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمه يتنهد بارتياح، فإن فشلت خطته السابقة في التخلص من أنطونيو، فهو هذه المرة سيتمم خطته كما خطط لها، بعد خداع تلك الحمقاء روما اخبرها أنهم فقط سيأخذون حاسوبه، وبعد أن أعطتهم فرصة اقتحام وكر اليخاندرو، استغل الأمر وقام رجاله بإفساد مكابح سيارة مارتن التي كانوا يراقبونها لأيام، لمعرفة الطراز الخاص بسيارته ومعرفة خط سيره اليومي لوضع الكمين أمامه وها هو ديفيد يضرب ضربته الثانية .
على الجانب الآخر تحدث أحد رجال ديفيد مع رفيق له في المجموعة وهو يراقب بعينه سيارة مارتن التي تقترب من منعطف يمر منه يوميًا أثناء طريقه للعمل :
" هو يقترب منك، يقود سيارة سوداء من طراز Bugatti ورقمها هو....."
__________________________
خرج انطونيو من الاجتماع الذي كان يعقده منذ الصباح وهو يخرج هاتفه يتفقده بعدما فتحه مجددًا ليجد العديد من الاتصالات والرسائل من مارتن التي تخبره عن اختفاء الحاسوب، ويسأله إن كان أخذه ام لا ؟!
رفع انطونيو حاجبه وهو يجري اتصالًا لمارتن أثناء تحركه صوب مكتبه يشير بيده لمساعده ألا يلحق به وهو يردد بجدية :
" ليس الآن، نصف ساعة وأحضر لي باقي المواعيد "
انتهى انطونيو من حديثه يدلف لمكتبه بخطى واثقة ينتظر رد مارتن .
وعلى الجانب الآخر كان مارتن يقود السيارة بانتباه وهو يستمع لرنين هاتفه الذي بيد جولي؛ لذلك تحدث بجدية وهو لا ينزع نظره من على الطريق :
" جولي من يتصل ؟!"
" أنه انطونيو "
" اه واخيرًا انتهى الاجتماع، حسنًا افتحي المكالمة وكذلك المكبر حبيبتي "
ابتسمت له جولي تهز رأسها بحسنًا، ثم نفذت ما طلبه منها مارتن، وهي تستمع لصوت مارتن الذي تحدث بهدوء كعادته :
" مرحبًا انطونيو، أنا أوشكت على الوصول للشركة "
" ما هذه الرسائل التي ارسلتها لي مارتن؟! عن أي حاسوب تتحدث ؟!'
نظر مارتن للهاتف ثواني ثم قال :
" ذلك الحاسوب الذي احضرناه من المهمة الأخيرة انطونيو، أنا لم أجده في أي مكان في القصر "
" حقًا؟! هل تأكدت أن حبيبتك العجوز لم تأخذه لتحاربني به في خيالها ؟!"
كتم مارتن ضحكة كادت تفلت منه وهو ينظر لوجه جولي الذي أحمرّ غضبًا وخجل من إطلاع انطونيو على تلك النقطة من حياتها، ثم قالت باعتراض :
" مهلًا يا سيد أنا لم أمس شيئًا، كما أن مارتن أخفاه بعيدًا عن عيني "
أنهت كلماتها وهي تنظر جانبًا تظهر لمارتن كم هي مستاءة من حديث ابن عمه الوقح، لكن مارتن نظر لها بحنان وهو يقول واثقًا بها :
" لا انطونيو، جولي لم تفعل شيء أنا واثق في ذلك"
مسح انطونيو وجهه بتعب وهو يقول :
" حسنًا مارتن تعال إلى مكتبي بمجرد وصولك "
نظر مارتن للطريق أمامه :
" لا بأس أنا اقتربت كثيرًا "
" حسنًا لا تتأخر "
وعلى الجانب الآخر جوار القصر كان رجال ديفيد ما يزالون يرابطون هناك وهم يراقبون حركة سيارة مارتن في المتتبع، واعينهم تكاد تخرج عليه، وقد ارتفع الادرينالين في أجسادهم جميعًا، أخرج الرجل الذي يبدو قائدهم هاتفه وهو يضعه على أذنه يتحدث مع سائق السيارة الذي يرابط عند المنعطف :
" هيا استعد لقد وصل عندك "
" لا تقلق سيدي لقد رأيت السيارة "
انتهى سائق السيارة من حديثه وهو يراقب تلك السيارة التي تتوافق مواصفاتها مع المواصفات التي حصل عليها، وانتظر حتى عبرت من أمامه، ثم تحرك هو خلفها بسرعة كبيرة يلاحقها، ويصطدم بها من الخلف .
واستمر اصطدامه بالسيارة حتى أجبرها على تغيير اتجاهها صوب المنطقة الجبلية، وهو مازال خلفها يضرب السيارة بسيارته في عنف كبير، حتى رأى أن السيارة بدأت تفقد القدرة على التحكم، توقف السائق عن الاقتراب من السيارة وهو يراها تتجه نحو المنحدر والحركة المجنونة تظهر أن قائد السيارة يحاول التحكم فيها أو إيقافها، لكن لم يدرك أن لا مكابح في السيارة، ثواني فقط حتى شاهد السائق السيارة تسقط من المنحدر وصرخات عالية تنطلق منها، وكل ذلك كان يسجله في هاتفه وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمه، ثم أرسله لقائده يرفقه بجملة صغيرة ( تم الأمر سيدي )
وبعدها تحرك السائق من المكان بأكمله وهو مازال يستمع لصدى الصرخات تترد في المكان كله .
_________________________
استيقظت لورا وهي تنظر حولها بتعجب، تستشعر النسمات المنعشة التي تصطدم في وجهها، لا تعلم أين مكانها، لكنها تود البقاء هنا للابد، ابتسمت بسمة صغيرة وهي تستوعب بالنظر لما هي فيه، أنها ماتزال في سيارة مايك، تلونت بسمتها بالحسرة وهي تتذكر آخر ما حدث لها في العمل، سقطت دموعها بهدوء ثم مسحت وجهها وهي لا تتخيل ما كانت تفكر فيه، هي كانت على وشك ....
توقفت عن التفكير وهي تستمع لصوت يأتي من خارج السيارة التي كان بابها مفتوح :
" ها أنتِ ذا، لقد نمتِ لساعات يا فتاة "
اعتدلت لورا في جلستها ترتب خصلات شعرها بعدم اهتمام وهي تردد ببساطة :
" ربما كان الحمل ثقيلًا هذه المرة على عقلي"
نظر لها مايك بعدم فهم لكنها لم تهتم وهي تخرج من السيارة، وتتحرك لتجلس على الرمال الباردة أسفلها وهو تحرك ليفعل المثل، جلس مايك جوارها وهو يرمقها بغموض، بينما هي فقط تستمتع بالنظر للبحر أمامها حتى اخرجها صوت مايك من شرودها :
" ما الذي حدث لكِ ؟!"
" طُردت من وظيفتي "
بكل بساطة نطقت تلك العبارة وهي لا تهتم للصدمة التي ارتسمت على وجه مايك، هي حقًا لا تهتم، هي من الأساس لم تكن مغرمة أو شغوفة بعملها؛ لذلك هي ليست حزينة على تركه، بل هي حزينة على خسارتها للشيء الذي ضحت بكل ما تمتلكه لأجله، حزينة لما ستلاقيه من والدتها ووالدها في المنزل .
سقطت دموعها دون أن تبكي بصوت، مما أوجع قلب مايك عليها وهو يقترب منها ف جلسته يقول بصوت حنون :
" لورا ..."
ولم يكمل جملته بسبب صدمته من رأس لورا التي استقرت على كتفه وهي ما تزال تضم قدميها بيديها، تبكي على كتفه خذلان العالم لها، وكأنها لا تصدق أن هناك أخيرًا كتف يستطيع احتواء أحزانها، تهمس من بين صوتها الذي ضعف بسبب كثرة بكائها :
" أنا بائسة، أنا بائسة، أشعر بالوجع يتملك مني، أخشى العودة للمنزل حتى لا اجد جميع أحزاني في انتظاري لتأرق مضجعي "
صمتت وهي تدفن وجهها في كتف مايك تهمس بوجع :
" خسرت الشيء الذي تخليت عن نفسي لاجله، هل هناك من هو أكثر بأسًا مني ؟؟"
رفع مايك يده بهدوء يربت على ظهرها بحنان شديد وهو يضم رأسها له مرددًا :
" أنتِ لستِ فاشلة، بل أنتِ افضل وامهر صحافية رأيتها، لم يجرأ أحدهم على اقتحام مكتبي سابقًا، أو حتى لم يتمكن أحدهم أن يرى وجهي سواكِ، وهذا يثبت كم أنتِ صحافية بارعة "
رفعت لورا رأسها وهي تتحدث من بين شهقاتها :
" أنا لست صحافية حتى مايك، أنا لست صحافية، أنا أعمل بتلك الوظيفة لأجل والدىّ فقط، أنا في الأساس درست علم الحيوان ومن المقرر لي أن أكون باحثة في ذلك المجال، لكن لا لم يسمحا لي بفعل ما أريد"
فتح مايك فمه بصدمة من حديثها، ثم صمت قليلًا وهو يقول بجدية :
" إذن افعليها لأجل نفسك، ليس من المفترض أن يعلما بالأمر، أعني لا اعتقد أنهما يحضران كل يوم للتأكد أنكِ تعملين صحافية "
نظرت له لورا من بين دموعها بعدم فهم، ليوضح مايك حديثه وهو يبتسم لها :
" كوني أنتِ لورا ولا تعبأي بشيء آخر "
صمتت لورا ثواني فقط قبل أن ترتسم بسمة مترددة على فمها وهي تقول بتردد :
" هل تقصد أن...."
" حان الوقت لتنتفض لورا من أسفل أكوام الرماد تلك، لكن قبل أن تفعل عليها أن تثبت شيئًا أخيرًا للجميع، وبعدها لن تهتم سوا لنفسها فقط "
صمت قليلًا ثم أضاف وهو يقرب وجهه منها ببسمة بريئة مصطنعة :
" ولمايك"
رفرفت لورا برموشها في بلاهة، قبل أن تسمع ضحك مايك العالية وهو يضع يده على كتفه :
" لا تقلقي أمر للاهتمام بي سهل للغاية، فالأمر يحتاج فقط لترتيبات وبعض الثياب المثــ..."
" توقف عن هذا "
" عن ماذا يا فتاة ؟! أنا اخبرك كيف تهتمين بي، حسنًا لا بأس سنتحدث به لاحقًا، والآن انهضي سوف ننفذ الخطوة الأخيرة لجعل الجميع يندمون "
نهض مايك وهو ينفض ثيابه من الرمال، ثم أمسك يدها يجذبها له وهي لا تفهم ما يقصد :
" ماذا ....ماذا تعني ؟!"
غمز لها مايك بخبث وهو يقول :
" سوف نستغل اسم مافو يا مليحة الوجه "
_____________________________
" إذن ؟!"
نظر مارسيلو جواره يرمق راسيل بتساؤل، لكن كل ما صدر منها هي زفرة عالية وهي تقول مشيرة للمنزل الكبير أمامها :
" إذن سيد مارسيلو، هل نظل أمام المنزل حتى المساء؟! ألن نتحرك ونتناقش معه ؟!"
" حسنًا كل ما في الأمر أنني حقًا لستُ مستعدًا لاي مقابلة "
نظرت له راسيل بعدم فهم، هل هو خائف ام ماذا ؟! حاولت أن تحيد أفكاره عن تلك النقطة حتى تنتهي من كل هذا وتعود للبلاد وتترك ذلك العمل الذي كاد يودي بحياتها مئات المرات :
" حسنًا سيدي، لا تقلق إن شعرنا أنه لن يــ "
توقفت عن الحديث وهي ترى التفات مارسيلو لها وهو يتشنج بشكل مخيف ويردد بحنق :
" اقلق ؟؟ اقلق من ماذا ؟! يا فتاة أنا لستُ مستعدًا للنقاش، أنا أكثر كسلًا من أن اخوض نقاشًا قد يطول عن خمس دقائق، أعني أنا حتى مجرد التفكير في الأمر يدفعني للملل والتفكير في الرحيل من هنا وليحترق هو ومكتبي "
صمت وهو يطرق مفكرًا تحت صدمة راسيل في حديثه، هل هناك من هو اكثر كسلًا ولا مبالاة في هذه الحياة منه ؟!
" ما رأيك أن اقتله، سيكون اسهل من النقاش معه "
" أنت.... أنت.... أنت، أنت شخص غير معقول، اقسم أن أوصالي بدأت ترتجف من برودتك أنت وليس برودة الجو "
رمقها مارسيلو بعدم اهتمام وهو يتنهد، ثم هبط من السيارة يتحرك ناحية باب المنزل يردد بجدية :
" حسنًا لا تنظري لي هكذا، سوف ادخل للتناقش معه، لكن اقسم إن أستمر الأمر لأكثر من ساعة واحدة، سوف انهض وارحل وليحدث ما يحدث، أنا أملّ هذه الأحاديث السخيفة "
توقف مارسيلو أمام الباب يطرقه بعنف شديد وكأنه أتى لاقتحام المنزل وليس لنقاش ودي للوصول لحل سلمي لتلك المعضلة التي وضع بها مكتبه بسبب كسله وترفعه عن الذهاب المرافعات بنفسه، نظر مارسيلو للمنزل وهو يراه منزلًا متوسط الحجم، لكن تصميمه فريد من نوعه بشكل نال إعجابه ليردد وهو ينظر حوله :
" ذلك المنزل جميل "
نظرت له راسيل بحاجب مرفوع ليقول هو متجاهلًا نظراتها :
" ربما اشتري واحدًا مثله في المستقبل "
قلبت راسيل عينها بملل وهي تنتبه للباب الذي فُتح و الوجه الذي قابلهما وهو يقول بتعجب وصدمة لوجود الاثنين هنا :
" السيد والسيدة فوستاريكي ؟! "
تحفز جسد مارسيلو وهو يراقب ذلك الرجل الذي فتح الباب، ودون مقدمات ضم خصر راسيل بين ذراعيه بقوة وهو يرسم بسمة بلاستيكية على فمه يحي ذلك الرجل الذي قابله صباح اليوم في منزل الجدة وهو نفسه حفيدها :
" لا تخبرني أنك ذلك الحقير صاحب المنزل الرائع هذا "
فتح الرجل عينه بصدمة من حديث مارسيلو، ثم ردد بعدم فهم :
" حقير ؟! ماذا تقصد ؟! هذا منزل عمي الأكبر "
تحدث مارسيلو ببساطة وهو يصحح حديثه السابق :
" إذن عمك هو الحقير "
ولم يكد الرجل يجيب بسبب الصوت الخشن الذي انطلق من خلفه :
" نعم يا عزيزي عمه هو نفسه الحقير الذي تسببت في سجن اخيه بسبب غبائك "
التفت الشاب الذي كان يقف على الباب وهو يردد بصدمة :
" أنت من سجنت عمي الأصغر ؟! "
نظر له مارسيلو بحنق وهو يردد محتجًا على حديثه :
" لا ليس أنا، بل أحد محامي مكتبي، ثم لا تتحدث وكأن عمك ذلك كان قديسًا، هو قتل رجلًا بريئًا كل ذنبه أنه رفض إعطائه بعض المخدرات الإضافية "
فتح الشاب عينه بصدمة من حديث مارسيلو يتشدق بصدمة :
" ماذا ؟! مخدرات ؟!"
سخر منه مارسيلو :
" هذا ما لفت نظرك؟! ماذا عن القتل هل هو أمر عادي ؟!"
التفت الشاب لعمه يتجاهل حديث مارسيلو وهو يقول بجدية :
" هل ما يقوله صحيح ؟! هل عمي فعل ذلك ألم تخبرني أنه تشاجر مع أحدهم بسبب اختلافات بينهما ؟!"
ردد مارسيلو وهو يهز رأسه ببرود :
" نعم هو لم يكذب عليك، فقد اختلفا على كمية المخدرات "
صرخ عمه موبخًا إياه في عنف :
" لا تتدخل في الأمر جيرمي"
التفت بعدما لمارسيلو وهو يقول بحدة وهناك صوتًا يخبره أن يخرج سلاحه ويقتله :
" وأنت ما الذي تريده بمجيئك لمنزلي ؟! "
أخرج مارسيلو شيئًا من جيب بنطاله وهو يعطيه له ثم قال ببسمة صغيرة :
" فقط اردتك أن ترى هذا وبعدها نتحدث، لكن المرة القادمة التي نتحدث بها أنت من ستأتي إلىّ يا سيد "
انتهى مارسيلو من حديثه وهو يسحب يد راسيل ويرحل تاركًا الرجلين أحدهما يرمقه بحيرة وعدم فهم، والآخر يرمقه بشر وتوعد وهو يضغط على الذاكرة الالكترونية التي تتوسط راحة يده .
تحدث مارسيلو وهو يخرج من محيط المنزل :
" عجبًا انتهى الأمر اسرع مما تخيلت ".
تحدثت راسيل وهي لا تفهم شيء مما حدث::
" ما الذي حدث للتو ؟!".
نظر لها مارسيلو بخبث وغموض وهو يردد :
" مجرد قرصة اذن صغيرة حتى يعلم مع من يلعب، وايضًا ليفكر جيدًا قبل أن يرسل من يختطفنا "
شهقت راسيل بصدمة :
" هو من حاول اختطافنا من المطار ؟!".
نظر لها مارسيلو يدعي الاستنكار :
" من تظنين إذن قد يفعل ويحاول اذيتنا؟! "
" لا ادري ظننته مجرد شخص تجمعك به عداوة، خاصة أن صاحب القضية لا يعلم كيف تبدو "
" وهل سيصعب عليه الوصول لشكلي؟! ثم أنا لا امتلك أعدائًا "
صمت ثم أردف بجدية :
" أنتِ تتحدثين مع رجل ابيض كالثلج آنسة راسيل "
اخرجت راسيل صوت ساخر من حلقها وهي تردد بصوت منخفض :
" إن كنت ستأخذ من الثلج أحد صفاته سيد مارسيلو، فهي برودته، غير ذلك لا علاقة لك بالثلج "
______________________________
يقود سيارته كعادته المتهورة، غير مهتمًا لذلك الزحام الذي يتجنبه بشكل جنوني قد يودي بحياة الكثير، يبتسم باتساع وهو ينظر للعلبة أمامه، تلك العلبة التي تحوي دليل براءة رفقة، كان جاكيري يقود وهو يشعر أنه يطير من الفرحة، فقد استيقظ صباحًا بين احضان رفقة على صوت رسالة من مارتن والذي ارسل له فيديو جعله يفتح عينه بعدم تصديق، لقد استطاع مارتن فعلها، رغم إثبات المحضر أن الكاميرات كانت معطلة ذلك الوقت، ها هو ابن عمه يتغلب على نفسه ويحصل على جميع التسجيلات الخاصة بقضية رفقة.
تنهد براحة كبيرة وهو ينظر أمامه يقود نحو المخفر ليلاقي المحامي هناك ويسلمه ذلك الدليل، وبعدها يقدمه المحامي للنيابة ومعه موافقة مسبقة على ذلك التسجيل، الموافقة التي استطاع فبريانو الحصول عليها بمساعدة قائده .
توقف جاكيري بسيارته أمام القسم بشكل غريب حتى أنه كاد يعبر بها الجدار، وبسبب هذا تحرك صوبه عسكري يصرخ بغضب كبير :
" أنت يا أعمى، ايه هتدخل على وكيل النيابة من الحيطة ؟!"
هبط جاكيري من السيارة وهو ينظر للرجل ببسمة واسعة، فهو في هذه اللحظة في أقصى حالاته انتعاشًا؛ لذلك لا يعتقد أن هناك ما قد يزعجه، ابتسم وهو يتحرك نحو العسكري وعانقه بشكل جعل العسكري يفتح عينه بصدمة وهو يستمع لصوت جاكيري الذي خرج وبه لكنة غريبة :
" وه يا بوي "
وبمجرد انتهاء كلمة جاكيري حتى ترك العسكري يقف في مكانه وهو يحدق بصدمة كبيرة في الفراغ الذي تركه، يكرر كلمة جاكيري بعدم فهم، يشعر بالريبة مما حدث، هل ذلك أحد المجانين؟!
تحرك العسكري من مكانه بسرعة يلحق بجاكيري، لكن للاسف كان جاكيري قد اختفى فجأة وكأنه لم يكن، وقف أمام المركز وهو ينظر حوله ليتأكد أن لا أحد انتبه للجنون الذي حدث منذ ثواني .
وفي الداخل كان جاكيري يعطي العلبة للمحامي وهو يقول ببسمة واسعة :
" هل انتهى الأمر هكذا ؟! اصبحت رفقة بريئة ؟!"
ضحك المحامي بسخرية وهو ينظر للعسكري الذي يقف أمام الباب :
" انتهى الأمر؟! نحن لم نبدأ سيد جاكيري، سوف ادخل أنا وارى ما سيحدث وانت ارجوك انتظرني هنا "
وبمجرد انتهاء حديث المحامي حتى تحرك للداخل تاركًا جاكيري يرمق أثره بعدم فهم، ثم تحرك بهدوء يجلس على المقاعد المصطفة على جانب الجدار، يشرد فيما رآه في التسجيل صباحًا، حبيبته الجميلة لكم عانت، يشفق عليها مما رأت، لقد سبق وقصت عليه الأمر، لكن أن يرى بعينه يختلف تمامًا، اغمض عينه وهو يعد نفسه أن يعمل جاهدًا على تعويضها عن كل هذا، فقط يعود معها لبلاده وسوف ينسيها كل هذا .
فجأة فتح جاكيري عينه بأنزعاج وهو يسمع صوت صراخ وبكاء يكاد يصم الآذان، نظر جواره ليجد عدة أناس ملتفين حول شيء ما وهناك من يصرخ بجنون بينهم، تحرك نحوهم بأقدام بطيئة وهو يحاول معرفة ما يحدث، مستغلًا السماعة التي يضعها باذنه ليصل إلى أذنه صراخ وبكاء رجل .
" حسبي الله، حسبي الله، منهم لله "
ورغم أن جاكيري لم يفهم سبب ما يحدث، إلا أن القهر في صوت الرجل اوجعه وبشدة، تحرك أكثر وهو يخترق الجمع ليرى ما يحدث، ليتوقف جسده فوراً وهو يرمق ذلك الجسد الصغير الذي كان ملتفًا ارضًا وجواره الرجل يصيح بقهر وهو يصرخ .
تحرك أحد العساكر ليفسح المكان :
" خلاص وحد الله، وحد الله، كل واحد يروح لحاله "
هكذا هتف العسكري وهو يزيح الأشخاص الذين تحدث أحدهم وهو يضرب كف بكفٍ يردد :
" يا اخي ازاي يجيلهم قلب يعملوا كده في طفلة، الراجل يبلغ عن بنته مختفية وبعد أسابيع يعرف أنها مرمية في خرابة ومتاخد منها كل أعضائها "
ارتجف جسد جاكيري وهو يعود بنظره للرجل الذي كان ينظر بين الفنية والأخرى للجسد المسجى ارضًا ويبكي كطفلٍ صغير :
" منهم لله، حسبي الله ونعم الوكيل"
شعر جاكيري بقلبه يهتز بقوة في مضجعة وهو يتراجع للخلف ينظر نظرة أخيرة للرجل الذي كان العسكري يحاول إقناعه أن جثة ابنته يجب أن تتحرك من هنا.
تحرك جاكيري للخارج بأقدام مرتجفة وهو يتجاهل ما أتى لأجله، يشعر بجسده كله ينتفض رعبًا وذكرى قديمة تعود لرأسه وصوت طفل صغير يبكي مرتعبًا ( لقد فتحوا معدته فبريانو، سوف يفعلون معنا الأمر ذاته، لقد أخذوا كل ما في معدته، لقد رأيتهم اقسم )
تحرك جاكيري صوب السيارة وهو يقودها مبتعدًا عن المكان ويده ترتجف بقوة، يشعر بانفاسه تتقلص شيئًا فشيء وهو يخرج هاتفه يضعه على أذنه ينتظر الرد، ثواني حتى هتف بسرعة ولهفة :
" لقد فعلوها مجددًا فبريانو، لقد فعلوها مجددًا يا اخي "
________________________________
" ما الذي تتحدث عنه آدم، ابعد يدك عني "
اشتد ضغط آدم على تلابيب ثياب صديقه وهو يقول بعين حادة، بينما يده تجذب رفيقه إليه أكثر وأكثر :
" كما سمعت يا صديقي، هل سبق وأن أعطيتك رسالة توصلها لهايز؟!"
نظر له الشاب ثواني قبل أن يهز رأسه بلا في حركة بطيئة جعلت آدم يغضب أكثر وهو يقرب وجهه من صديقة مرددًا بحدة :
" وهل سبق وأن اعطيتها أنت رسالة باسمي ؟!"
ثواني مرت قبل أن يهز الشاب رأسه ببطء وهو ينظر لوجه آدم الذي اسود فجأة، ثم دون مقدمات كانت لكمة آدم تسقطه ارضًا وبعدها انحنى ادم بالقرب منه وهو يهمس له :
" أيها الحقير، تلك كانت الفتاة الوحيدة التي أُعجبت بها، وأنا أخبرتك بهذا لانك صديقي، لا لكي تبعدها عني بهذا الشكل "
كام يتحدث آدم والغضب يتلبسه، يشعر بنيران تتآكله، يتذكر إعجابه الطفيف بتلك الفتاة صاحبة النظرات الذكية واللطيفة والغبية بنفس الوقت، الفتاة التي خشي أن يسقط في حبها فابتعد عنها وأخبر صديقه باعجابه لها، لكن ما لم يتوقعه هو أن يفعل صديقه هذا بها .
" أنت حقير، أنت أكثر شخص حقير قابلته في حياتي "
مسح رفيقه الدماء عن جانب فمه وهو يحاول أن ينهض يهمس من بين أنفاسه المرهقة بسبب الضرب الذي تلقاه من آدم:
" فعلت كل هذا لأجلك "
رمقه آدم بسخرية لاذعة وهو يقول :
" حقًا ؟! لأجلي ؟! هل تمازحني ؟!"
ابتسم صديقة بسخرية وهو يستند على يده ومازال مسطحًا في الأرض :
" أنت كنت جديدًا في الجامعة ادم لا تعلم شيء عن الجميع بها، وتلك الفتاة التي سقطت بعشقها في ذلك الوقت كانت ستكون أكبر خسارة تتلقاها؛ لذلك افتعلت أمر الرسالة لابعدها عنك "
نظر له ادم بعدم فهم لينهض صديقه ببطء وهو يقول مقتربًا من آدم يربت على كتفه :
" صدقني أنت لم تكن لتستطيع أن تتعامل مع ما واجهته الفتاة ذلك الوقت "
" ما الذي حدث لها ؟! "
نظر له صديقه ثواني، ثم هز رأسه بلا شيء وهو يتحدث بجدية :
" لا شيء، فقط انس الأمر، لقد مرت أعوام كثيرة عليه، الآن عش كما تريد رفقة حبيبتك ادم "
نظر له آدم يتابع سيره بعيدًا عنه وهو يشعر بقلبه ينقبض من إشارته لذلك الشيء الذي كان سيجعله يتوجع مع هايز، تحرك ادم مبتعدًا عن ذلك الركن وهو يبحث عن هايز وعينه تحمل اصرارًا لمعرفة ما حدث معها، يود اخذها والرحيل من هنا ومعرفة ما حدث، لكن لم يكد يتحرك من مكانه صوب هايز التي تقف رفقة صديقتها، حتى ارتفع في المكان صوت موسيقى يصدر من جهة الشاشة الكبيرة التي تتوسط الحديقة .
تحركت صديقة هايز وهي تتوسط الحديقة تقول بصوت عالي وسعيد :
" حسنًا بهذه المناسبة قررت أن أجمع بعضًا من ذكرياتنا عن كل شخص تمت دعوته "
أنهت حديثها تستمع تصفيقًا حادًا من الجميع، لكن ادم لم يكن يهتم كثيرًا وهو يتحرك صوب هايز، لكن توقف وهو يستمع تصفير عالي وقد بدأ الفيديو بعرض فيديوهات مختلفة لبعض الاصدقاء والجميع يضحك كلما أتت ذكرى سخيفة لشخصٍ ما، حتى رأى ادم فيديو يخصه وهو يجلس في المكتبة وصديقه يحاول ازعاجه ليبدأ هو في مشاجرته بشكل لطيف وتتعالى ضحكات الاثنين ويتم طردهم من المكتبة، نظر آدم بطرف عينه لصديقه الذي نظر له باعتذار .
ولم يكد يتحرك مرة أخرى حتى ارتفع صوت صرخات وبكاء، ولم تكن الصرخات غريبة على أذنيه، تحركت رأسه بسرعة صوب هايز وقد ظن أن الصرخات قادمة منها، لكن كان جسد هايز متصنم وشاحب كالاموات وانظارها معلقة بالشاشة أمامه، تحرك ببطء ينظر للشاشة وقد صدم مما يرى .
فيديو يعرض صورة لشاب يضحك بشكل مخيف وهو يقترب من هايز التي كانت تجلس في ركن صغير وهي تصرخ وتترجاه أن يبتعد تحاول أن تثبت نظارتها على وجهها المكدوم :
" لا لا ارجوك، أنا لم أفعل لك شيء، ارجوك، دعني وشأني أنا أتوسل إليك ارجوك "
كان جسد آدم متصنم في مكانه وهو يشاهد ما يُعرض أمامه، ويده تشتد ضغطه بلا إرادة منه، يرى هايز تصرخ وتتلوى بثياب مقطوعة بين يدي شاب عُرف في الجامعة بأفعاله الغير أخلاقية ورهاناته السخيفة، صدح صوت الشاب وهو يردد بأسف مصطنع :
" للاسف هايز لا يمكنني ذلك، فقد خسرت الرهان، وهذا هو عقابي، تخيلي أن أُعاقب بقضاء بعض الوقت معكِ، هذا مقرف صحيح ؟!"
بكت هايز وهي تتوسل له أن يدعها، وصوت صراخها يعلو أن يساعدها أحد.
في تلك اللحظة تحرك صديق آدم من مكانه وهو يصرخ في منظم الحفل :
' أنت أيها الحقير اغلق هذا التسجيل، اغلق هذا الأن"
وكذلك فعل المنظم الذي صدُم مما يعرض أمامه، لدرجة أن الصدمة شلته في مكانه.
كانت صديقة هايز تكتم شهقتها بصدمة على ما رأت، لا تعلم من وضع هذا الفيديو هنا، تقسم أنها لم تفعل، بكت بقوة وهي تتحرك صوب هايز تتحدث بخوف عليها :
" هايز...هايز اقسم أنني لا اعلم شيء بشأن ما ..."
توقفت عن الحديث وهي ترى ابتعاد هايز عنها خطوة للخلف، تشير لها ألا تقترب، تحت أنظار مورا التي اتسعت بسمتها وهي تنجح للمرة الثانية في إذلال هايز، بعد أن تسببت المرة الأولى في خسارة الرهان الذي اوصلها لتلك الحالة .
كان آدم يحدق في الجميع بنظرات غامضة، ثم ببساطة تحرك نحو الخارج تاركًا الجميع يحدقوت في أثره بشفقة مما رأى، فكل ذلك حدث قبل أن ينتقل هو لجامعتهم .
راقبت هايز رحيل آدم بأعين مقهورة وهي تحاول كتمان آهة داخلها، لم تكن تتمنى لأحد أن يرى ما حدث لها، يكفيهم أنهم سمعوا عن الأمر فقط أيام الجامعة، لكن أن يروه الآن وكذلك ادم أمر حطمها بقوة .
توقف آدم أمام باب الحديقة ثواني قبل أن يمد يده ويغلقه بكل بساطة وبعدها نظر لصديقة هايز وقال بصوت مخيف :
" اغلقي ذلك الباب "
نظرت له الفتاة من بين دموعها بصدمة قبل أن تتحرك صوبه بسرعة بعد رؤية نظراته وتقف أمام لوحة القفل الخاصة بالباب الرئيسي للحديقة، وبعدها اغلقته بالرقم السري الخاص به .
ابتسم ادم وهو يعود مجددًا حيث الجميع، ثم اتجه صوب هايز وامسك يدها بلطف وهو يجرها خلفه حتى طاولة تترأس الحديقة واجلسها عليها بهدوء وقرب أحد اكواب العصير الموضوعة أمامها وقال ببسمة صغيرة :
" ابقي هنا حبيبتي لحين انتهى من هذا "
همست هايز بقهر ووجع :
' آدم أنا لم....."
انحنى ادم جوار أذنها هامسًا :
" اششش، فقط استمتعي بالعرض "
اعتدل بعدها في وقفته بعد أن طبع قبلة على وجنتها، وهو يحرك يده لظهره يخرج سلاحه الذي يخبأه خلف سترة بذلته يجهزه للاطلاق وهو يقول ببسمة مخيفة :
" والآن دعونا نبدأ الحفلة يا سادة "
________________________________
كان ماركوس يجلس على فراشه وهو يشعر بجسده كله يترجاه للبقاء في المنزل اليوم وأخذ راحة، نفخ بضيق وهو يتقلب في فراشه بملل شديد، يحاول فتح عينه يستحثها للاستيقاظ .
سمع صوت اشعار يصل لهاتفه، جعله يتحرك بكسل شديد لا يدري ما أصابه اليوم، كل ذلك من تحت رأس القصيرة الغبية فيور التي جعلته يطيل السهر مساء أمس وهو يراقبها تلعب لعبتها السخيفة باستخدام هاتفه .
امسك الهاتف ينظر له بملل ونعاس، قبل أن تنقشع غيمة النعاس عن عينه بسرعة وهو يفتح عينه بصدمة يهمس من بين أنفاسه المصدومة :
" فيور أيتها الـ..."
صمت يضغط على شفتيه بصدمة وهو يتحرك من فراشه ينفض المفرش بعيدًا عنه، يتحرك صوب الخارج ودماؤه تغلي غضبًا وقهرًا مما يرى أمامه، اقتحم غرفة فيور بعنف وهو يصرخ صرخة هزت أركان القصر كله :
" فيــــــــــور "
لكن إن ظن أنه بصراخه هذا سيدفعها للنهوض من مكانها فقد أخطأ، حيث أنها لم تتحرك ولو القليل في نومتها الغريبة تلك، وهي تفتح فمها تهمس بعدة كلمات غير واضحة أثناء نومتها .
انقض ماركوس على الفراش الخاص بها وهو يهزها بقوة صارخًا :
" فيور...أيتها الغبية استيقظي، ما الذي فعلتيه بهاتفي ؟!"
تمتمت فيور بحنق من بين نومتها وهي تحاول ابعاد يد ماركوس عنها، لكن ماركوس لم يسمح لها وهو يرفع رأسها بقوة من على وسادتها يهزها بعنف وهو يصرخ :
" استيقظي أيتها الحمقاء واخبريني ما هذه الحماقة التي فعلتيها ؟!'
استدارت فيور في نومتها ولم تهتم بما يحدث حولها، لتشعل بذلك غضب ماركوس الذي ألقى هاتفه بقوة على الفراش وحمل فيور بين يديه وهو يتجه للمرحاض يتمتم بغضب :
" سوف اريكِ أيتها القصيرة الحمقاء اقسم أن اجعلك تتحسرين على نفسك "
انتهى ماركوس من حديثه وهو يضغط بقدمه على الصنبور الخاص بحوض استحمام فيور، وانتظر ثواني فقط قبل أن يلقي بجسد فيور في الحمام بعنف .
انتفضت فيور وهي تشهق بعنف شديد بعد أن شعرت فجأة بمياه باردة تضرب جسدها، لكن ما هي سوى دقيقة فقط حتى اعتاد جسدها على المياه وعادت للنوم مجددًا مما جعل ماركوس يفتح عينه بصدمة وهو ينقض عليها :
" أنتِ أيتها الجثة، استيقظي اللعنة عليكِ "
فتحت فيور عينها وهي تنظر له من بين اجفانها الناعسة :
" ما الذي تريده وكيف تسمح لنفسك باقتحام احلامي يا رجل ؟!"
" اقتحام احلامك؟! اقسم أن أقحم مسدسي لعقلك "
ختم كلماته وهو يرفع جسدها بقوة رغمًا عنها يسحبها للخارج يلقي المنشفة في وجهها لتبدأ هي في تجفيف فمها بحنق، قبل أن تستمع لصوته يردد بصوت لاهث غاضب وهو يرفع هاتفه في وجهها :
" ما هذا؟! "
" هذه صورتك"
" نعم هذه صورتي، وماذا تفعل صورتي على موقع زواج وتعارف ؟!"
نظرت له فيور ثواني قبل أن تضع المنشفة وتربت على الفراش جوارها وهي تتحدث بهدوء كعجوز تخطت الثمانين :
" اجلس هنا يا بني "
" لا يا جدتي لن أجلس حتى افهم سبب وضعك لصورتي على موقع زواج وتعارف ؟! هل تظنيني عجوز بائس ؟! يا فتاة أنا حتى لم اتخطى السابعة والعشرين "
نظرت له فيور بحاجب مرفوع :
" وهل تظن هذا رقم يستهان به، أنت على مشارف الثلاثين يا رجل ولم تحظى في حياتك بعلاقة عاطفية واحدة "
امسك ماركوس تلابيب ثيابها وهو يهتف من بين أسنانه :
" وهل تراني اشتكيت لكِ؟! ما شأنك وعلاقاتي يا فتاة ؟!"
" يا بني أنا أخشى عليك أن تقضي بقية حياتك وحيدًا تعيسًا "
نظر لها ماركوس ثواني قبل أن يقترب منها على حين غرة منها يهمس أمام وجهها وانفاسه تضرب وجهها بشكل جعلها تفتح عينها وهي تبتلع ريقها، تستمع لصوت ماركوس الهادئ الاجش :
" إن وصلت لتلك المرحلة من البؤس، سوف اتخذك شريكة لحياتي عنوة فيور، وسأضطر لمشاركتك يومي وحياتي وقلبي أيضًا، ما رأيك ؟!"
نظرت فيور له وهي تشعر بقلبها يضربها بقوة وكأنه يرقص طربًا مما سمع، كأنه يحثها أن تقول نعم، وقبل أن تفتح فمها شعرت بقبلة صغيرة على خدها وصوت ماركوس يهمس جوار أذنها :
" قلبي هذا لم يشاركني به أحد سابقًا لأنني لم اسمح بهذا، ليس لأنني بائسٌ فيور، هناك فرق صغيرتي "
انتهى ماركوس من حديثه وهو يبتعد بغتة كما اقترب بغتة تاركًا فيور تنظر لرحيله بأنفاس مقطوعة وهي تشعر بالضباب حولها، تستمع لصوت الذي وصل لها قبل أن يغلق الباب :
" هذا آخر تحذير لكِ، توقفي عن لعب دور امي فيور "
راقبت فيور خروجه بانفاسه لاهثة وهي تضع يدها على صدرها تهمس :
" ويلتي كاد قلبي يتوقف قربه، ذلك الحقير يستغل وسامته لاضعافي وتحطيم أهدافي "
_________________________________
خرج انطونيو من المكتب وهو ينفخ بضيق يتحدث في الهاتف مع أحدهم بغيظ :
" ماذا ماركوس ؟! أين أنت؟! "
تحدث ماركوس من الجانب الآخر وهو يحمل في يده كوب قهوته يجلس خلف مقوده، يتحرك بسيارته بسرعة لتجنب غضب انطونيو :
" في الطريق انطونيو، آسف لقد استيقظت متأخرًا "
" حسنًا لا تتأخر فذلك الحقير مارتن لم يأت بعد للعمل ولا اعلم السبب، وانا لدي اجتماع خارجي "
تحدث ماركوس وهو يتابع الطريق بعينه في عدم فهم :
" ماذا تقصد ؟! لقد مر مارتن علىّ قبل رحيله للسؤال عن ذلك الحاسوب، وكان ذلك منذ ساعات طويلة، هذا يعني أنه من المفترض أنه وصل "
تحدث انطونيو بحنق وهو يصعد بسيارته يشير للسائق بالتحرك :
" لا اعلم أين هو ولا اهتم، كل ما أريده أن يأتي أحد للبقاء في الشركة ويدير امورها حتى انتهي من ذلك الاجتماع، ومارتن حسابه معي ثقيل هو وتلك العجوز الغبية "
انتهى انطونيو من حديثه وهو يشير للسائق بالتحرك، بينما هو اندمج في مكالمة أخرى غامضة بكلمات مقتضبة لا تدل على اي شيء :
" نعم أنا الآن في طريقي لهناك، لا فقط ساعة واحدة وأصبح هناك، في انتظارك "
اغلق المكالمة وهو يضع الهاتف جانبًا، ثم شرد خارج النافذة وعينه تلتمع ببريق مرعب، وهناك بسمة صغيرة ترتسم على فمه وهو يردد في نفسه :
" حان الوقت للانتقام "
مرت ساعة تقريبًا، وتوقفت سيارة انطونيو أمام أحد القصور الكبيرة، هبط من السيارة وهو يرتدي نظارته السوداء التي تتلائم مع بذلته السوداء، حتى قميصه اسود، لكن على غير العادة لم يكن مرتديًا رابطة عنق، ابتسم وهو يتحرك داخل القصر دون أن يجرأ أحد على ايقافه، ليس لشيء ولكن لأن رجاله سبقوه لهنا وافسحوا له الطريق، أخرج انطونيو سلاحه يحركه بين أصابعه وهو يدخل للمنزل بعدما تخطى الحديقة .
نظر في جميع الجهات يبحث عن شيء حتى وقعت عينه على إحدى الغرف المغلقة، تحرك صوبها وملامحه تزداد قتامة، توقف أمام الباب ثواني قبل أن يقتحم الغربة متسببًا في انتفاضة ذلك الذي يتوسط مكتبه في الداخل .
" مرحبًا ديفيد "
نظر ديفيد أمامه برعب وهو يرى أن انطونيو فوستاريكي يقف الآن في منزله دون حتى أن يعلم بذلك، نظر حوله وخارجًا يبحث عن رجاله أو أي أحد قد يحتمي خلفه من انطونيو، لكن لا شيء، انطونيو فقط وهو .
ابتسم انطونيو على صدمته يدخل المكتب وهو يقول ببسمة :
" يبدو أن عمل رجالي كان هادئًا لدرجة أنك لم تشعر بالأمر "
نظر له ديفيد بجهل وهو يراقب تحرك انطونيو حتى المقعد الذي يقبع أمام المكتب يضع مسدسه على طاولة المكتب وهو يقول ببسمة صغيرة :
" ارجو ألا تكون زيارتي ثقيلة عليك سيد ديفيد، لكن هناك حساب صغير نحتاج لتصفيته "
سقط قلب ديفيد وهو يتخيل أن روما الحمقاء أخبرته بكل شيء، لكن حديث انطونيو التالي جعله يبتسم بسخرية :
" ألا ترى أن أمر تسميم زوجتي أمر وقح سيد ديفيد ؟!"
ابتسم ديفيد وهو يعود بظهره للخلف يقول ببرود :
" نعم هو أمر وقح، لكن سيد انطونيو هي لم تكن مقصودة بذلك، بل كتن أنت المقصود "
رفع انطونيو حاجبه ثم قال بمزاح مخيف :
" نعم هذا يحسن موقفك قليلًا في عيني "
هز ديفيد كتفه بمعنى لا بأس ثم أضاف :
" ألا تظن أن تكبدك العناء ومجيئك حتى منزلي لأجل امرأة كـ روما مضيعة للوقت ؟!"
وبجملته الصغير تلك استطاع ديفيد انتزاع فتيل غضب انطونيو الذي حمل المطفأة أمامه وألقى بها في وجهه بعنف جعل الاخير يصرخ بجنون وهو يمسك عينه التي شعر بها تنفجر من قوة الضربة وصوت انطونيو يصل له مخيفًا :
" أنت هكذا لا تساعد نفسك "
رفع ديفيد عينه التي لم تصاب وهو يهمس بغل وغضب شديد :
" لا تغضب هكذا، فصدقني تلك المرأة لا تستحق ما تفعله، تلك المرأة التي اتيت لهنا فقط لأجل الانتقام لها،ةهي نفسها من بــ "
ولم يكمل كلمته بسبب الرصاصة التي أصابت ذراعه ليطلق على إثرها صرخات هزت القصر كله وصوت انطونيو خرج غاضبًا وهو يهمس بفحيح :
" زوجتي خط احمر، بل خطوط حمراء، لا أحد يتخطاها، ومن يفعل سيلقى مني ما لا يسره "
نهض ديفيد من مكتبه وهو يصرخ بألم، ثم قال بعنف ملقيًا حديثه النابع من رغبته في الانتقام :
" زوجتك تلك يا سيد هي من تعاونت معي لتدمير عائلتك "
فتح انطونيو عينه بشكل مخيف جعل ديفيد يبتسم بتشفي وهو يراقبه قد تخلى أخيرًا عن عرشه، يقف جوار المكتب وهو يقول بصوت مخيف :
" ما الذي تقصده ؟!"
" آسف هل جرحتك ؟! لكن تلك هي الحقيقة وانا لا يهون علىّ تركك لمثل تلك المخادعة، زوجتك البارحة هي من سمحت لرجالي بدخول منزلك يا سيد، وهي نفسها من سمحت لي بفعل ما أريده بمنزل "
صمت ثم قال بخبث :
" صحيح كيف حال ابن عمك "
نظر له انطونيو نظرات سوداء ليكمل ديفيد بصوت خبيث مخيف :
" مارتن فوستاريكي......... "
______________________________________
بعتذر لو كان الفصل قصير بس حقيقي أنا كتبته في يوم بالعافية، وإن شاء الله هعوضكم ببارت مليان احداث بإذن الله يوم الاثنين، بس دعواتكم اخلص الدنيا اللي متبهدلة عندي دي .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رحمة نبيل
كانت تقف أمام مكتب الإدارة الخاص بمركز الرقص الذي تدرب به، وخلفها يقف فبريانو كعامل تخويف لذلك الموظف المسكين الذي كان قلقًا من نظراته وهو يقول بتوتر من نظرات فبريانو :
" دي المرة التالتة اللي تغيري فيها الفرقة يا آنسة روبين، كده مش هتعرفي تركزي تدريباتك على مكان معين "
نظرت روبين نظرة عابرة لفبريانو، قبل أن تعود بعينها للموظف وهي تقول ببسمة غبية صغيرة :
" اصل انا كنت يعني بجرب عشان اشوف هستقر على ايه ؟!"
" ده على اساس أنك جديدة في المركز يا روبين ؟؟"
استدارت روبين هذه المرة ورمقت فبريانو بحنق وكأنها تخبره أنه هو السبب في هذا كله، لكن فبريانو وحفاظًا على وعده لها لم يتحدث بكلمة أو يتدخل في شيء، حتى تنتهي هي من كل ذلك وتعود مجددًا لفرقة الباليه النسائية، زفرت روبين بغيظ وهي تعود بنظرها للموظف وهي تستخدم آخر سلاح لها :
" معلش والله دي آخر مرة، أنا بس عايزة ارجع لفريق البنات "
انحنت روبين قليلًا وهي تهمس للموظف مشيرة لفبريانو :
" اصل بعيد عنك ده خطيبي ودماغه ناشفة شوية، ورافض إني افضل في فريق فيه رجالة، أصله من أصول صعيدية ودماغه ناشفة حبتين "
رفع الموظف نظراته بتشنج لوجه فبريانو وقال بسخرية :
" ده صعيدي ؟! على كده انا صيني بقى"
تنهد ثم أضاف بحنق وهو ينقر على الحاسوب أمامه :
" تمام يا آنسة روبين، اعتبريه حصل، بس دي آخر مرة لأن المركز مش بيشجع الانتقال الكتير بين الفرق ده عشان التشتت في التدريبات "
ابتسمت روبين باتساع وهي تهز رأسها بحسنًا، ثم سحبت يد فبريانو وخرجت للممر وهي تردد براحة كبيرة :
" شوفت لما سكت وايدك دي فضلت جنبك الموضوع مشي بسرعة ازاي ؟!"
ابتسم فبريانو بسمة جانبية خطفت لبها، ثم نظر لساعة يده وهو ينحني عليها قليلًا هامسًا :
" لقد استمر النقاش الخاص بكِ معه خمسة عشر دقيقة، بينما أنا كنت استطيع انهاءه في دقيقة واحدة فقط "
أنهى كلماته بغمزة، ثم تحرك تاركًا إياها تنظر لاثره بفم مفتوح، لا تصدق نهجه في الحياة، وكيف يفكر في الأمور بكل هذه البساطة.
توقف فبريانو عن السير وهو يسمع صوت رنين هاتفه، أخرجه من جيب بنطاله وهو يجيب عليه متجاهلًا حديث روبين الحانق خلفه :
" مش معنى اني عرفت اللي فيها تبقى تــ ..."
لكن لم يعطها فبريانو فرصة اكمال كلماتها وهو يشير لها بيده أن تصمت، وعينه تضيق بشكل أخافها، ثم فجأة انتفض من جوارها وهو يركض للخارج دون كلمة واحدة، مما جعل روبين تنظر لاثره بصدمة وخوف أنّ شيء خطير حدث، كادت تركض خلفه لكن صوت محرك سيارته أوقفها وهي تنظر لباب المركز بتعجب، لا تفهم ما حدث للتو، نظرت حولها بحيرة، هل تلحق به أم تذهب للتدريبات وتحدثه في الهاتف ؟؟ حتى إن أرادت اللحاق به فهي لا تعلم أين رحل .
كان يقود سيارته بسرعة مخيفة وهو يتحدث في هاتفه وقلبه ينبض مرتعبًا بين جنبات صدره، وصوت ابن عمه يثير فزعه :
" ما بك جاكيري ؟! ما الذي حدث ؟! وفعلوا ماذا ؟! ومن هؤلاء الذين فعلوا ؟!"
وصل صوت جاكيري الذي كان يقود من الجانب الآخر لا يعي ما يحدث حوله، وكأنه انفصل عن الواقع يرى فقط مشاهد قديمة، جاهد سابقًا على دفنها في ابعد نقطة في عقله، والآن مجرد لحظات صغيرة اعادتها له وبقوة :
" لقد رأيت طفلة صغيرة كذلك الصبي في طفولتنا، لقد أخذوا كل ما في معدتها فبريانو، لقد ...لقد "
توقف جاكيري فجأة وهو يشعر بالألم ينخر جسده، ومن الجانب الآخر كان فبريانو مرتعبًا من حالة جاكيري، وقد تفهم الآن سبب ما قاله، هناك ما لمس النقطة السوداء داخل جاكيري، النقطة التي تخطاها جاكيري في طفولته بصعوبة، ذهب لأطباء وعانى من صدمات متتالية حتى أنه فقد النطق لفترة في عمره .
وصل لفبريانو صوت جاكيري الذي كان يظهر به غصة بكاء ووجع ارهقته هو :
" لقد أنهار والدها، كان جسدها يبدو صغيرًا، كانت طفلة فبريانو "
" أين أنت جاكيري ؟!"
هز جاكيري رأسه وكأن فبريانو يراه :
" لا اعلم، أنا لا أريد العودة للمنزل الآن لا اريد رؤية أحد"
تحدث فبريانو بحنان شديد :
" حسنًا عزيزي لا تعد سوف ارسل لك موقع منزلي وتعال عندي، أنا الآن على وشك الوصول، حسنًا ؟!"
" حسنًا "
وبالفعل اغلق فبريانو الهاتف وأرسل موقع الشقة التي يقطن بها لجاكيري وهو ينحرف في قيادته داخل الشارع الذي تقع به شقته، توقف بالسيارة الخاص به أمام المنزل، ثم صعد للأعلى ينتظر جاكيري، دخل فبريانو الشقة الخاصة به يلقي المفتاح بلا اهتمام على اول طاولة قابلته، ثم تحرك صوب الثلاجة يبحث عن عصائر وطعام لجاكيري .
دقائق قليلة مرت قبل أن يسمع فبريانو صوت رنين جرس منزله، تحرك بسرعة صوبه، ثم فتح الباب ودون كلمة واحدة جذب جسد جاكيري لأحضانه بقوة وهو يربت على ظهره بحنان ولطف وصوت جاكيري وصل له مختنق بغصة :
" عاد الوجع اقوى فبريانو، أشعر بقلبي يبكي كمدًا "
_______________________________________
ارتسمت بسمة واسعة على فم ديفيد وهو يراقب ملامح انطونيو الذي كان يجاهد لاحتواء صدمته، ثواني مرت فقط قبل أن تصدح ضحكة ديفيد في المكان وهو يقول بشكل استفز جميع خلايا انطونيو :
" أنا آسف حقًا، لكن نظرتك تلك تضحكني "
صمت ثم نظر له بشكل مختل :
" ماذا ألم تشعر بغيابه اليوم عن العمل ؟!"
رفع انطونيو نظره لديفيد وجسده كله ينتفض غضبًا، لكن ديفيد لم يهتم وهو يتحرك صوب مقعده بهدوء ووجع؛ بسبب الرصاصة التي تلقاها في ذراعه للتو وهو يردد بشفقة مصطنعة :
" للاسف يبدو أن غياب مارتن عن العمل سيطول .... للابد "
تحفز جسد انطونيو وهو يضيق عينه في انتظار ما سيقوله ديفيد، لكن وكأن ديفيد هوى اللعب على اوتار صبر انطونيو؛ لذلك اتكأ بظهره للخلف وهو يمسك ذراعه المصاب يردد بصوت مرهق بعض الشيء :
" اتمنى ألا تنزعج من ذلك، أنا فقط أردت أن تخفف من الكثافة السكانية داخل القصر "
اشتدت قبضة انطونيو على سلاحه وكل ذلك تحت نظرات ديفيد الخبيثة وهو يقول :
" ربما الآن وفي هذه اللحظة التي نتحدث بها، يكون مارتن في السماء "
وبمجرد انتهاء حديث ديفيد اتبعه بضحكة عالية وهو يرى أن خطته سارت على خير ما يرام والآن منحه انطونيو فرصة رؤية نتائج أفعاله متمثلة على وجهه، ها هو قد احرز للتو هدفه في مرمى انطونيو، بدأ شعور الانتشاء من رؤية صدمة انطونيو تستحوز على جسده، فتح فمه ليضيف جمله أخرى يطعن بها انطونيو الطعنة الأخيرة، لكن توقفت كلماته على باب فمه وهو يفتح عينه بصدمة يرى ذلك الجسد الذي دخل لمكتبه بكل كبرياء، ازداد اتساع عين ديفيد وهو يرى البسمة التي ترتسم على وجه ذلك الزائر الغير متوقع .
" هل أتيت في وقت غير مناسب ؟!"
تحركت عين روما وهي تنظر لوجه ديفيد الذي كان شاحبًا وكأنه رأى شبحًا للتو، لتتسع ابتسامتها وهي تلقي عليه نظرة باردة تشبه خاصة انطونيو :
" مر وقت طويل ديفيد، عجبًا أنت تزداد قبحًا يومًا بعد يوم "
أبتسم انطونيو بسمة مخيفة وهو يتحرك صوب المقعد الذي كان يحتله في بداية الجلسة واستقر به واضعًا قدم على الأخرى، وأمامه جلست روما على المقعد المقابل لهما وخلف المكتب يقبع ديفيد في جلسة تبدو عادية للبعض وكأنهم في اجتماع أو ما شابه، وهكذا كانوا بالفعل، لكن اجتماع من نوع خاص ....
" ماذا ديفيد هل ظننت بعقلك الصغير ذاك أنني قد اساعدك ضد عائلتي ؟؟"
اشتعل غضب ديفيد وهو يبتسم بسمة تخفي خلفها غضب لو خرج لاطاح بالقصر وحوله لرماد :
" ألن تتساءل سيد انطونيو عن الشخص الذي ساعدني في التخلص من ابن عمك؟! "
صمت ثم أضاف بمكر شديد وهو يضرب ضربته التالية :
" كل ذلك بفضل زوجتك الحبيبة، التي لولاها لما تمكنت من الدخول للقصر والعبث بمكابح سيارة مارتن، حسنًا حتى اكون منصفًا هي لم تعلم أنني سأفعل هذا، أنا فقط أخبرتها أنني اريد الحاسوب الذي يحتوي على معلومات ستؤدي بكم للهلاك وهي كانت أكثر من مرحبة بذلك "
نظر انطونيو جواره لروما وهو يقول بهدوء :
" هل صحيح ما يقول روما ؟! أنتِ من ساعدتيه في ذلك؟!"
هزت روما رأسها بلا وهي تقول :
" لا لا ديفيد ارجوك إن أردت شكر أحد على الأمر فيمكنك أن تشكر زوجي، فهو من أرسل رسالة الحراس وأمرهم أن ينفذوا ما اطلب أنا؛ لذلك اشكر انطونيو، فهو صاحب الفضل في دخولك القصر "
نظر ديفيد بتشوش لانطونيو وهو لا يفهم الحوار الذي يدور بين الاثنين الآن، حدق في انطونيو الذي اعتدل في جلسته وهو يقول ببسمة:
" لا داعي للشكر ديفيد، فنحن بيت كرم كما تعلم، نستقبل جميع ضيوفنا بصدر رحب "
ضحك ديفيد ضحكة عالية ساخرة ثم قال :
" حقًا هل تسخرون مني الآن ؟؟ آسف لاخباركم أنني رغم كل ما تفعلونه اتقدم عليكم خطوة "
اقترب انطونيو منه وهو يقول بجدية :
" وأنا اتقدم عليك برحلة كاملة عزيزي ديفيد، وكل ما فعلته انت كان ما سمحت له أنا بالحدوث، وذاك الحاسوب الذي سرقته من منزلي البارحة لا قيمة له، فقد قام مارتن بجعله قطعة حديد بلا فائدة "
ابتسمت روما على ملامح ديفيد وهي تتذكر الخطة التي وضعها انطونيو حتى يصلوا لهذه اللحظة، انطونيو الذي أحيانًا تخشى تفكيره وبشدة ...
" مارتن، هذه هي الخطوة التي اتحدث عنها يا سيد انطونيو والتي تعمدت أن تتغافل عنها وتنشغل بزوجتك عنها، هل زوجتك اغلى عندك من ابن عمك ؟! "
نظر انطونيو له ثواني فقط دون رد، ثم أخرج هاتفه وهو يجري اتصالًا تحت نظرات ديفيد الساخرة ونظرات روما المترقبة، ونظراته هو المخيفة، ثواني فقط حتى صدح صوت عالي في المكتب كله بعدما فتح انطونيو المكبر ...
" حسنًا اعلم أنك غاضب لأنني لم آت للعمل انطونيو، لكن صدقني أنا لا يد لي بالأمر "
ابتسم انطونيو وهو ينظر لديفيد الذي شعر أن الهواء فرغ من حوله :
" أين أنت مارتن ؟!"
________________________________________
" إذن أين هو ذلك الحقير ؟!"
هكذا صدح صوت آدم وهو يقف في منتصف الحفل يبحث بعينه عن ذلك الشاب الذي ظهر في الفيديو للتو وهو يقترب من هايز بشكل اثار شياطين آدم .
بدأ الجميع يتحرك بقلق من هيئة آدم وعلت الأصوات في المكان والكل يشعر بالخطر يقترب منهم، البعض بدأ يتحرك لمحاولة إيجاد مخرج من تلك الحفلة التي ستنقلب لمجزرة بعد ثواني فقط، بينما مورا تراجعت ببطء للخلف وهي تشعر بالرعب يتملكها، نظرت حولها تحاول ايجاد مخرج لها من تلك الورطة، هي لم تعتقد أن آدم سيجن بهذا الشكل، بل اعتقدت أنه فقط سيترك هايز ويرحل بكل بساطة .
تحدث صديق آدم وهو يحاول الاقتراب منه لمنعه من التصرف بحمق :
" ادم ما الذي تفعله بحق الله؟! الأمور لا تُحل هكذا "
لكن رصاصة واحدة خرجت من مسدس آدم جعلت جميع الاجسام تتصنم في أماكنها وهو يتحدث بشر مخيف بعيد كل البعد عن آدم اللطيف، ادم الهادئ المتفهم، وكأن من يقف الآن بين الجميع هو أخوه الأكبر...فبريانو .
" اقسم أن تستقر الرصاصة التالية في رأس أي شخص يتحرك خطوة واحدة من مكانه، الجميع سيظل هنا ليشهد الحفلة، ولن يرحل أحد إلا عندما أخبره أنا بذلك، وإلا سأحرق ذلك المكان فوق رؤوس الجميع "
ختم آدم حديثه بصراخ جعل الجميع ينتفض وبكاء الفتيات يعلو برعب، ومن ضمنهم مورا التي كانت ترتجف بذعر مما هو قادم.
كانت هايز تجلس على المقعد وهي تشعر بجسدها يستسلم، تشعر بالمهانة تغطيها، الآن وقد رأى الجميع مرة أخرى كم تعرضت للذل قديمًا ستصبح علكة في الافواه، لن تستطيع محو تلك المشاهد من روؤس الجميع، بعدما ظنت أنهم نسوها قديمًا، فقد نُشرت قديمًا مشوشة بعض الشيء وفقط جزء صغير هو ما نُشر لها وهي تبكي وتصرخ أن يساعدها أحدهم، لكن الآن عُرض المشهد كاملًا بلا نقصان أو تشويش، وعند هذه النقطة خرجت منها آه عالية وهي تستوعب فجأة ما حدث، تنغمس في بكاء عنيف وكأنها ما تزال محبوسة في تلك اللحظات المهينة.
ركضت صديقة هايز لها وهي تضمها بقوة تحاول أن تتحكم في ارتجاف جسدها مرددة :
" لا بأس حبيبتي كل شيء سيصبح بخير "
رفعت وجهها وهي تقول بحقد وغضب :
" ذلك الحقير لم يأت للحفل أنا لم ادعوه لمنزلي "
تدخل صديق آدم في الحديث وهو يقول نافيًا :
" بلى لقد أتى ادم، أنا رأيته بنفسي في طرقات المنزل مع إحدى الفتيات منذ ساعة تقريبًا "
فتحت الفتاة عينها بصدمة وهي تستوعب أن ذلك الحقير الذي كاد يدمر حياة صديقتها أتى لمنزلها دون حتى أن تعلم، لكن افاقت فجأة على مظهر ادم وهو يتحرك بشكل مخيف صوب منزلها .
وعم صمت خانق بين الجميع، والكل ينظر لبعضهم البعض، وكأنهم يبحثون بأعينهم عن المجرمين الذي اشتركوا فيما حدث، والكل يترقب القادم .
تحدثت إحدى رفيقات مورا بارتجاف :
" سوف اتحدث مع الشرطة "
وقبل أن تضع الهاتف على أذنها كان صديق آدم ينتزعه بقوة وهو يقول ببسمة خبيثة :
" ما بكِ عزيزتي، لِمَ كل هذا الخوف ؟! المخطأ فقط هو من يحق له الخوف؛ لذلك اهدأي فقط وشاهدي العرض، أم أنكِ تخشين شيء ما ؟!"
كان يتحدث وهو ينظر لمورا التي كانت على حافة الانهيار، وما كادت مورا تفتح فمها بكلمة، حتى وصل للجميع صوت صراخ عالي يأتي من داخل المنزل، ثم ازدادت حدة الصرخات وهم يراقبون ذلك الجسد الذي أُلقى في منتصف الحفل وصوت آدم يقول ببسمة مخيفة :
" الآن نبدأ اللعبة "
تناقل الجميع النظرات بينهم وهم يحاولون تخمين ما يدور في رأس آدم، لكن لم يصلوا لشيء، إلا أن آدم أشفق عليهم من تلك الحيرة وهو يقول ببسمة صغيرة :
" اللعبة تدور حول معرفة كل شخص كان له علاقة بما حدث، حتى ولو بكلمة واحدة، سوف نبدأ من هذا القذر "
ختم كلماته بضربة في معدة الشاب الذي صرخ بوجع وهو يسب آدم، لكن ادم لم يهتم وهو يكمل :
" أنا سوف أشير عليه، وهو سوف يشير على شخص آخر كان معه في تلك اللعبة ويخبرنا دوره، والشخص الآخر سيشير على شخص آخر ويخبرنا دوره وهكذا حتى نعلم عدد القذرين بيننا، والآن لنبدأ "
نظر آدم للأسفل وهو يوجه حديثه للشاب الذي رفع وجهه وهو يبصق بوجع في الأرض ...
" لتذهب للجحيم "
ابتسم ادم بسمة صغيرة ثم رفع مسدسه وأطلق رصاصة توسطت قدم ذلك الشاب الذي ارتفعت صرخاته في المكان بشكل جعل الجميع يغلقون آذانهم برعب وقد بدأت الأجساد تنتفض ذعرًا، يشعرون أنفسهم كفئران تجارب في هذه اللعبة، لم يمنح آدم الشاب وقت حتى لإكمال صرخاته وهو يقول بجدية مخيفة :
" هل نبدأ الآن؟! "
بكى الشاب بصوت مرتفع كان من الممكن أن يدفع الجميع للبكاء معه شفقة عليه، لكن الجميع هنا يعرف فعلته التي استحق عليها هذا الألم؛ لذلك كل ما تلاقاه هو نظرات غاضبة والبعض متوجسة .
أشار آدم على الشاب وهو يقول :
" نبدأ باللاعب الأساسي في هذه القذارة، والآن دورك "
رفع الشاب يده وهو يشهق باكيًا بقوة بشير لشاب آخر كان يقف في أحد أركان الحديقة يحاول إخفاء جسده عن أعين الجميع :
" هو من وضع الرهان "
تحركت أعين الجميع صوت الشاب الذي صرخ بجنون يدافع عن نفسه تحت نظرات الجميع له :
" هو يكذب أنا لم أفعل شيء اقسم، هذا الكاذب هو يـ "
لكن توقف حديثه بسبب تلك الرصاصة التي مرت جانب ذراعه وصوت آدم يصدح في المكان بقوة :
" أي اعتراض وأي شخص سيعطل لعبتنا ستتم معاقبته، هيا أكمل دون أي اعتراض "
كان الشاب يمسك ذارعه الذي تم خدشه بسبب الرصاصة وهو يقول بوجع مشيرًا لشاب ثالث يرتجف بقوة وكأنه يعلم أنه التالي :
" كان طرفًا في الرهان "
ابتسم ادم وهو يتحرك بنظره صوب الشاب الذي رفع أصابعه التي كانت ترتجف مشيرًا لشاب رابع :
" هو من وضع العقاب للخاسر "
تحركت أعين الجميع على ذلك الشاب الذي كان ينظر ارضًا وأشار بيده الحرة على شاب خامس وهو يقول :
" هو من صوّر ما حدث "
ومجددًا تحركت الأعين على ذلك الشاب الذي بكى رعبًا وهو يشير على شاب سادس :
" هو من اقترح نشر الفيديو بين الجميع "
كانت هايز تتحرك بعينها بين الجميع وهي تشعر أنها على وشك السقوط ارضًا، الجميع كان يتخذها مجرد لعبة، سقطت دموعها بقهر وشعور بالظلم يكاد يخنقها، تشعر أنها تود الهروب من تلك اللعبة والاختفاء عن أعين الجميع .
ابتسم ادم وهو ينظر للشاب الذي وصلت عنده اللعبة، وقد رفع يده يشير بحقد ودموع غضب من نفسه، هو بالأساس كان يعاقب نفسه منذ سنوات على ما حدث، أشار بكل غضب صوب إحدى الفتيات وهو يقول :
" كانت هي من أخبرتني أن اقترح هذا الاقتراح على الجميع "
تحولت جميع الأنظار لتلك الفتاة التي ارتجفت وهي تشعر بقرب انهيار تسمع صوت آدم يتحدث بهدوء مخيف وهو يقول بحماس مصطنع :
" عنصر نسائي ينضم للعبتنا ؟! هذا مثير للاهتمام "
صرخت الفتاة برعب من نظرات الجميع لها وهي ترمق مسدس آدم بخوف مشيرة لمورا :
" ليس أنا، أنها هي مورا من أخبرتني أن أخبرهم بالأمر، وهي نفسها سبب خسارة الرهان، بعدما علمت العقاب المخصص للرهان، جعلتهم يخسرونة فقط لتنفيذ ذلك العقاب، وهي نفسها من وضعت الفيديو الآن، هي الملامة الوحيدة، إنها مورا اقسم"
كانت تتحدث وهي تبكي وتصرخ بجنون ويدها ترتعش مشيرة لمورا التي تحولت جميع الأنظار لها، عادت للخلف وهي تهز رأسها بلا، تحاول ايجاد كلمات تبعد بها تلك النظرات عنها، تبتلع ريقها بخوف :
" لا تنظروا لي هكذا، ابعدوا أعينكم العفنة عني، لا تنظروا لي وكأنكم بلا خطايا، جميعكم مخطئون وجميعكم اشتركتم في الأمر بمشاركتكم للمقطع المصور، كنتم تتسابقون على نشره أيها العفنون "
ابتسم ادم وهو يرى أن الأمر ازداد حماسة؛ لذلك أشار لهايز أن تتقدم وهو يقول بهدوء وحنان :
" تعالي هنا هايز "
نظرت له هايز برجاء الا يجبرها على الوقوف بوجوههم الآن، لكنه تجاهل نظراتها وهو يخبرها أن تقترب، ساندتها رفيقتها وهي تجبرها على التحرك صوب آدم، وبمجرد أن أصبحت جوار آدم حتى ضم ادم خصرها وأمسك سلاحه واضعًا إياه في يدها وهو يقول بشكل مخيف :
" خذي بثأرك هايز "
________________________
" سيد مارسيلو ما تفعله لم يعد محتمل، هيا أخرج رجاءً لنرحل من هنا "
كانت راسيل تتحدث بغضب وهي تكاد تحطم الغرفة التي يبيت فيها مارسيلو ليلته داخل الفندق الذي سبق وحجزت به سابقًا، لكن هو لم يصدر منه أي رد وهي الآن تقف على باب غرفته تكاد تشتغل غيظًا منه، لقد تأخروا كثيرًا على ميعاد رحلتهم .
زفرت وهي تحاول أن تتحلى بآخر ذرات صبرها، تذكر نفسها أنها بمجرد أن تطأ ارض ايطاليا، سوف تهرب لمنزلها بعيدًا عنه :
" سيد مارسيلو، هل أنت مستيقظ ؟! "
أتاها صوت مارسيلو الناعس من الداخل وهو يتحدث بحنق :
" وهل يستطيع أحد النوم مع صرخاتك تلك ؟! لقد افسدتي نومي يا فتاة، والآن ارحلي حتى اعوض تلك الدقائق الثمينة التي اضعتها بصوتك"
نفخت راسيل براحة وهي ترى استجابة منه واخيرًا، ثم أضافت بهدوء وصوت محايد، حتى لا يعاندها :
" اعتذر سيدي على تصرفي الاهوج، يمكنك طردي بمجرد الوصول للبلاد ارجوك، والآن هلّا تحركنا لربما نلحق معاد الطائرة، يمكنك النوم بها إن أردت "
ورد مارسيلو كان كلمة واحدة أشعلت غضبها :
" لا "
هنا وجُنّ جنون راسيل وهي تضرب الباب باقدامها وصراخها يرنّ صداه في الممر :
" لا ماذا يا لعين ؟! اقسم إن لم تخرج من تلك الغرفة لاتركنك واغادر وحدي وبمجرد وصولي للبلاد سوف ارفع دعوة عليك لاصابتي بأمراض نفسية عدة، واطالبك بعلاج لاعصابي التي اتلفتها ببرودتك تلك، افتح ذلك الباب اللعين تبًا لك "
أنهت كلماتها الصارخة والحادة وهي تضرب الباب بقوة متجاهلة نظرات رواد الفندق الذين كانوا يرمقونها بصدمة من أفعالها الغير مسئولة، بينما راسيل كانت تلهث بعنف بسبب صراخها السابق وهي تشعر أنها اخرجت كل غضبها في تلك الصرخات، لكن لم تجد أي رد من مارسيلو؛ لذلك رفعت يدها عاليًا تنتوي أن تكسر بها ذلك الباب الغبي الذي يمنعها عن تحطيم وجهه، ومن حظها السيء أو الجيد، فُتح الباب فجأة لتسقط ضربتها على مارسيلو الذي امسك يدها كردة فعل سريعة من جسده وجذبها بقوة مما جعل اتزانها يختل وتسقط في أحضانه .
رفعت راسيل عينها برعب ومازالت دقات قلبها تضرب بقوة وهي تشعر أن أنفاسها تخرج بصعوبة، تنظر لوجه مارسيلو الذي كان يرمقها بحنق :
" أنتِ يا فتاة أكثر شخصًا مزعجًا قابلته في حياتي، ألم تسمعي يومًا عن الهدوء ؟؟"
نزعت راسيل جسدها عنوة من بين أحضانه وهي تقول بغيظ وقد فاض كأس صبرها حتى فرغ :
" يكفينا هدوئك سيد مارسيلو، والآن سوف انتظرك في الاستقبال في الاسفل "
رفعت اصبعها في وجهه تكمل حديثها بتهديد :
" وحذاري أن تعود للنوم للمرة الرابعة "
نظر مارسيلو لاصبعها قبل أن يقول بهدوء مرهق لاعصاب راسيل :
" وقليلة الادب أيضًا، أنتِ مثال سيء لمساعدة شخصية لمحامٍ معروفٍ مثلي"
أطلقت راسيل ضحكة عالية وهي تتحرك بعيدًا عنه مرددة :
" نعم صدقت، محامي معروف بفشله، أيها الفاشل "
لاحقها مارسيلو بنظراته وهو يتعجب غضبها هذا، لكنه لم يهتم كثيرًا وهو يعود لغرفته حتى يتجهز، بعدما أفسدت راسيل نومته للمرة الرابعة .
بعد ساعة كان مارسيلو يتقدم في المطار وخلفه راسيل تسير حانقة منه بعدما عزفت عن الحديث معه منذ خرجوا من الفندق، وكأنها بذلك تعلن نهاية رحلتها معه، كانت تسير وهي تضع وجهها ارضًا تقنع نفسها بأن ما قررته بشأن تركها للعمل، هو أكثر القرارات الصحيحة التي قد تتخذها في حياتها، وأثناء انشغالها في افكارها تلك، شعرت برأسها تصطدم بعنف في شيء صلب أمامها، أغمضت عينها بغضب وهي تسمع صوت الشيء الصلب يتحدث بلهفة :
" ويلتي لقد نسيت جوربي البرتقالي في غرفة الفندق "
كان مارسيلو يتحدث بصدمة كبيرة وهو ينظر خلفه لها يراها تغمض عينها بعنف وكأنها تكبت وحوشها عنه، لكن هو لم يهتم وهو يكاد يتحرك للعودة :
" لنعد ونحضره و...."
توقف مارسيلو وهو يراها تتحدث بفحيح مخيف :
" اقسم إن تحركت خطوة من هنا سوف اقتلك في منتصف المطار، ثم أي جورب هذا يا احمق ؟! هل هناك من يرتدي جوربًا برتقاليًا؟! "
" أنا أفعل "
" وأنا لا اهتم حقًا لا اهتم، أخبرك شيئًا ؟؟ هيا عد للفندق، أنا سوف اكمل الرحلة وحدي "
أنهت راسيل حديثها وهي تتخطاه تاركة إياه يرمق أثرها بحنق، ثم زفر بضيق وهو يلحق بها متحدثًا بجدية :
" حسنًا أنتِ تدينين لي بجورب برتقالي جديد "
توقفت راسيل فجأة ثم تركت حقيبتها ارضًا وهي تستدير له، مما جعل مارسيلو يبتسم لها بسمة صغيرة كطفل اغضب والدته ثم ابتسم في وجهها وكأن شيئًا لم يكن، اقترب راسيل من مارسيلو بهدوء، ثم ودون مقدمات وبشكل صدم مارسليو عانقته راسيل وهي تضم خصره بقوة تربت على ظهره بلطف كما لو كان طفلًا صغيرًا مشاغبًا :
" حسنًا يا عزيزي دعنا نعود للبلاد وسأحضر لك كل ما تشاء من الجوارب، حسنًا ؟!"
ابتعدت عنه وهي تبتسم له بلطف، ثم تحركت وحملت حقيبتها متجهة صوب بوابة التفتيش وفي رأسها علمت كيف تجعله يصمت، يتصرف كطفل صغير مشاغب، إذن ستعامله كطفل مشاغب .
كان مارسيلو ينظر لاثرها بصدمة وهو يحاول استيعاب ما حدث منذ ثواني، ينظر لها تقترب من بوابة التفتيش، تحرك صوبها وهو يحاول الخروج من صدمته لما قامت به منذ قليل، وايضًا يحاول التماسك حتى لا يذهب هو ويعانقها هذه المرة ويستشعر لذة عناقها ذلك مجددًا ........
_____________________________________
تحركت فيور على الدرج وقد ملت الجلوس في الغرفة، وقررت أخيرًا أن تهبط وترى ما يمكن أن تفعله لتبديد ذلك الملل، لكن بمجرد وصولها للطابق الارضي حتى وجدت أن لا أحد به، انكمشت ملامحها بتعجب وهي تهمس متحركة في المكان :
" ما هذا ؟! هل اختفى جميع سكان المنزل ؟!"
وبينما هي تسير بهذا الشكل انتبهت للصوت القادم من المطبخ، استدارت برأسها ببطء ترى أن روز تقف في المطبخ تعد اشياء لا تعلم هويتها، ابتسمت فيور بسعادة وتحركت صوبها وهي تقفز بحماس أنها واخيرًا وجدت من يمكنها الحديث عنه.
" مرحبًا روز "
استدارت روز وهي تبتسم بسمة لطيفة تشير بيدها لفيور في حركة تحية، اتسعت ابتسامة فيور وهي تقترب أكثر من روز تقول بملامح لطيفة :
" هل هناك ما يمكنني فعـــ "
ولم تكمل كلماتها بسبب تلك الجملة التي جعلتها تنتفض من محلها وهي تصرخ برعب :
" أنتِ يا فتاة لقد اخفيتِ الزهرة خلفك، انحني جانبًا "
كانت فيور تصرخ برعب وهي تنظر حولها بحثًا عن الصوت حتى أبصرت جايك الذي كان يجلس جوار باب المطبخ حيث لم تره، واضعًا قدم على الأخرى وهو يحمل بين أصابعه قلمًا وعلى قدمه يستقر دفترًا صغيرًا وينظر لها بحنق .
رمقت روز جايك بغيظ وهي تشير له أن يخرج من المكان، لكن جايك هز رأسه بلا وهو يقول مندمجًا في رسمته :
" لا أنا لم انتهي من رسم زهرتي بعد "
دارت فيور بعينها في المكان بحثًا عن تلك الزهرة التي يتحدث عنها، حتى انتبهت واخيرًا لزهرة جميلة الشكل موضوعة في إناء على الطاولة التي تتوسط المطبخ؛ لذلك تطوعت بكل لطف وهي تحمل الزهرة وتقربها من جايك واضعة إياها أمامه مباشرة تقول ببسمة :
" هكذا افضل يمكنك الآن رسمها دون أن يزعجك أحد "
تحدث جايك وهو ينظر للزهرة الصغيرة أمامه متحدثًا بتعجب :
" ما هذا ؟!"
أجابت فيور ببساطة :
" زهرتك "
لكن رد جايك اتاها ليمحي البسمة عن وجهها وهو يشير خلفها :
" لا بل هذه زهرتي، وأنتِ الآن تقفين في وجهها ولا يمكنني استكمال رسمها، هيا تنحي جانبًا "
اغتاظت روز من حديثه هذا الذي اخجلها أمام فيور؛ لذلك اخرجت دفترها وخطت به بعض الكلمات وهي تقترب منه ترفع الورقة في وجهه، رفع جايك وجهه لها ببراءة وهو يقرأ كلماتها ( أخرج من المكان بأكمله جايك ) .
تشنج جايك معترضًا :
" لتخرج هي، فأنا اتيت قبلها "
نظرت له روز بغيظ، لكنه لم يهتم وهو يكمل رسمته مرددًا :
" أنتِ اصبحتِ شريرة كبيرة روز "
شعرت فيور أنها تقف هنا حائلًا بين الاثنين؛ لذلك تحركت ببطء خارج المطبخ وهي تبتسم على تلك القصة اللطيفة أمامها .
بينما روز كانت ما تزال تقف أمام جايك وهي تهز قدمها بحنق وغيظ منه، لكنه لم يهتم وهو يتحدث مكملًا رسمته :
" أصبحتِ لا تطيقين البقاء معي، لدرجة أنني لم اعد ارسمك سوى مرتين فقط في اليوم "
رفع عينه ينظر لروز نظرة الطفل الصغير لوالدته :
" هل مللت مني روز ؟! هل اتسبب لكِ في الازعاج بجلوسي الطويل معك ؟!"
نظرت له روز ثواني وقد فاجئها بسؤاله ذاك؛ لذلك اعتدلت في وقفتها وهي تنظر له بتردد لا تعلم بما تجيبه، نظرته تلك تضعفها، زفرت بضيق وهي تخرج دفترها مجددًا تخط عليه بعض الجمل، لكن تصنمت يدها فجأة وهي تشعر بذقنه تستند على رأسه وجسدها يُجذب لخاصته، ويد جايك تضم ظهرها وهو يهمس بصوت أجش :
" آسف إن كنت أفعل روز، لكنني لا أستطيع أن امتنع عن تلك العادة بعدما تغلغلتي داخل اوردتي، أنا أصبحت استنشق رحيقك بدلًا من الهواء زهرتي "
ختم جايك حديثه وهو يضمها أكثر يهتف بعشق لم يعترف به مباشرة :
" فقط قربك هو ما يجعلني أشعر أنني حي؛ لذلك ابقي جوار قلبي هنا "
وبعد تردد قصير مدت روز يدها تحيط خصر جايك تتمسك به كهرة صغيرة، اغمض جايك عينه بحب وهو يهتف :
" أنتِ هي الرسمة الوحيدة التي عجزت عن رسمها كما أراها؛ لذلك استمر في المحاولة مرة بعد مرة وكل مرة افشل فشلًا ذريعًا، حاولت، اقسم أنني حاولت رسمك كما اراكِ، لكن الورقة امامي كل مرة لا تستوعب مقدار التفاصيل التي احفظها لكِ في عقلي"
سقطت دمعة متأثرة من روز وهي تدفن وجهها أكثر في صدر جايك، تحاول مقاومة دموعها التي قد تهبط الأن وهي تهمس في نفسها أن قريبًا جدًا ستخبر جايك بأمر تحدثها، بعدما تحصل على ما عاهدت نفسها ألا تتحدث أمامه إلا عندما تسمعه منه، فقط بعدما تطمئن أن جايك لن يتخلى عنها تحت أي ظرف ستتحدث، وعندها ستتحدث ولن يستطيع أحد جعلها تصمت .
____________________________________
كان يجلس وهو يشرد في الفراغ أمامه يفكر فيما يحدث الآن مع أحفاده، هل هم بخير أم هناك ما حدث ولم يعلم به ؟! زفر اليخاندرو بضيق وهو يرى أن بقاءه هنا طال أكثر مما يجب؛ لذلك هو سيخرج من هنا واليوم، هو في الأساس بقى لمعرفة أين سيصل التفكير بذلك الغبي الذي اختطفه لينتقم لعمه منه، عمه ذلك الحقير الذي قتله بيده يوم الاجتماع الكبير، وهو نفسه كان أحد المتسببين في موت أبناءه الثلاثة، اغمض اليخاندرو عينه بحنق وهو يرفض الدخول لتلك المنطقة من عقله، كاد ينهض من مقعده، لكن صوت فتح الباب أوقفه، ليعود ببرود لمقعده وهو يعيد يده للخلف ممسكًا ببعض الحبال وكأنه مازال مقيدًا.
سمع اليخاندرو صوت اقدام تقترب منه، لكن لم تكن نفسها صوت خطوات ذلك الاحمق الذي احضره هنا، بل كانت خطوات أكثر ...رقة.
فكر اليخاندرو في كلمته الأخيرة وهو يلمح أمامه فتاة صغيرة في العمر بعض الشيء، تقريبًا في عمر أحفاده، لم يهتم اليخاندرو كثيرًا وهو يراقب اقتراب الفتاة منه بحذر :
" لا تخف أنا لن اؤذيك "
رفع اليخاندرو حاجبه بتهكم، ثم قال وهو يبتسم لها بسمة صغيرة :
" لكم أنا ممتن للطفك آنستي، كان جسدي يرتجف رعبًا منكِ منذ قليل "
ابتسمت له الفتاة بسمة جعلت اليخاندرو يدرك أمام أي نوع من الحمقاوات يجلس، صمت يستمع حديثها وهي تنظر حولها بحذر :
" أنا أتيت لمساعدتك وإخراجك من هنا "
صمتت، ثم قالت ببسمة صغيرة وهي تنحني برأسها أمام وجه اليخاندرو الذي رفع حاجبه بترقب لما ستقول :
" لكن بشرط أن تصطحبني معك "
ابتسم اليخاندرو وهو يستمع لصوتها يردد :
" صدقني أنا لست سيئة كأخي ولست مهتمة بالانتقام لعمي حتى "
مرت عينها على وجه اليخاندرو قبل أن تقول وهي مندفعة خلف رغبتها في الثورة على تقاليد أخيها :
" أنت حقًا وسيم، رغم سنوات عمرك التي تظهر واضحة على وجهك "
واخيرًا تكرم اليخاندرو بالحديث وهو ينظر لها ببرود :
" اذهبي من هنا يا صغيرة، أنا حقًا لست في مزاج جيد لمثل تلك الالاعيب "
" هل تظنني امزح ؟! اقسم أنني اتحدث بجدية، وسوف افك وثاقك حتى لتتأكد من أنني اتحدث بجدية "
ضحك اليخاندرو وهو يلقي الاحبال ارضًا ثم نهض أمام أعين الفتاة التي اتسعت بصدمة وانبهار وهي تراه يدفعها جانبًا يردد بحنق :
" لست متفرغًا لمثل تلك الترهات يا صغيرة "
" مهلًا أنا لست صغيرة كثيرًا أنا فقط أصغرك ببضع سنوات، ما رأيك أن ترافقني "
أطلق اليخاندرو ضحكة عالية وهو يخرج من الباب الذي تركته تلك الصغيرة مفتوحًا :
" للأسف أنا هذه الأيام مشغول، لكن يمكنني ارسال أحد احفادي لمرافقتك، هم يكبرونك ببضع اعوام فقط، لكن لا بأس افضل من أن يكبرونك باعوام تتجاوز عمرك كله، سأرسل لك ماركوس، هو لطيف ومتفهم"
صمت قليلًا قبل أن يخرج وردد بجدية :
" أو ربما ارسلهم كلهم ويمكنك حينها الاختيار بينهم، لكنني لا انصحك بأول ثلاثة منهم، فهم يأكلون الفتيات الصغيرات "
أنهى اليخاندرو حديثه بغمزة وهو يخرج يعطيها ظهره ملوحًا لها وهو يضيف بنبرة مخيفة متوعدة :
" اخبري اخيكِ أنني سأرسل له احفادي؛ كي يشكرونه على حسن ضيافته لي "
ختم حديثه وهو يخرج سلاحه يقتل اول شخص قابله، ثم تحرك نحو الخارج وفي رأسه تدور حروب طاحنة، يعلم جيدًا أن اختطافه السخيف لم يكن انتقامًا لعمه، بل كان تلبية لأوامر البعض الذين تجمعه بهم قصص طويلة، قصص هو سينهيها بيده .
ابتسم اليخاندرو بسمة مخيفة وهو يتحرك خارج ذلك المنزل الذي كان يسجنه به ذلك الرجل، يقتل كل من يقابله في طريقه مستغلًا سرعة بديهته، وعنصر المفاجأة، انحنى اليخاندرو جوار الجسد الذي أسقطه للتو وأخذ منه هاتفه، ثم تحرك للخارج وهو يردد بشر :
" لقد استمرت تلك المسرحية أكثر مما يجب، والآن حان وقت إسدال الستار"
_________________________________
ركض موسى في ارجاء المجلة وهو يبتسم باتساع ينادي الجميع في الممر كمجنون، انطلق صوب المكاتب يقتحمها وهو يصرخ :
" اجتماع مهم في بهو المجلة الرئيسي "
خرج موسى متجهًا صوب مكتب مدير المجلة وهو يطرق الباب بعنف حتى سمع صوت صراخ المدير من الداخل وهو يسب الطارق، لكنه لم يهتم وهو يقتحم المكتب قائلًا ببسمة كبيرة :
" سيدي هناك اجتماع مهم في بهو المجلة "
نظر له المدير بعدم فهم :
" أي اجتماع هذا ؟! ثم من الذي عقد هذا الاجتماع دون اخباري ؟!"
تحرك موسى صوبه وهو يجذبه بقوة من على مقعده يقول بسرعة جاذبًا إياه للخارج :
" سيدي لا وقت للحديث، هيا الآن لنلحق ببداية الاجتماع "
تحرك موسى في الممرات وهو يكاد يطير فرحًا بما على وشك الحدوث، وصل مع المدير حتى البهو، يخترق الجمع الذي كانت همهماتهم المتعجبة تعلو أكثر واكثر ولا أحد يفهم سبب تجمعهم المفاجئ، ترك موسى يد المدير وهو يتجه صوب الشاشة الكبيرة التي تتوسط البهو، ثم أخذ يحاول أن يربطها بهاتفه والجميع يترقب ما يفعل، دقائق قليلة فقط حتى نجح موسى فيما يفعل، وابتعد وهو يحمل هاتفه الذي يظهر كل ما به على الشاشة، يتحرك أصابعه بخفة حتى فتح Facebook وبدأ يبحث فيه عن شيء وهو يقول بحماس شديد :
" إذن هل الجميع هنا ؟! أين ماليكا ؟!"
رفعت ماليكا يدها بعد فهم وهي تقول :
" أنا هنا "
" جيد عزيزتي فانتِ اهم شخص هنا "
ابتسمت ماليكا بعدم فهم وهي تقول :
" ماذا هل حان وقت اعلان جائزة الصحفي الافضل للعاصمة ؟!"
" لا، بل افضل من ذلك كله "
راقب الجميع الشاشة التي تظهر صفحة المجلة الرسمية على Facebook، ثم راقبوا ما يحدثوا وقد تفاجئ الجميع من أن هناك بث مباشر على الصفحة يحضره الآلاف الأشخاص، والإعداد في تزايد حتى قاربت للمليون، ولا أحد يفهم ما يحدث، أو من ذلك الذي خرج في بث على موقع المجلة وهم جميعهم هنا .
فجأة ظهرت صورة امرأة جميلة ذات وجه معروف للجميع، تتوسط الشاشة وهي تجلس على مكتب تقول ببسمة هادئة رقيقة :
" مرحبًا بكم في مركز التصميم الرئيسي للسيد مافو، معكم مولي المساعدة الشخصية للسيد مافو "
تعالت الهمسات بين الجميع ولا أحد يفهم ما يحدث وكيف وصلت مساعدة مافو شخصيًا لصفحة المجلة، اقترب المدير من الشاشة يطالعها بعيون مترقبة، وجد المساعدة الشخصية تنهض من مكتبها والكاميرا تتحرك خلفها في أروقة المركز التي تحمل شعار مافو الاصلي، حتى وصلت لباب كبير فتحته بهدوء وهي تدخل وخلفها الكاميرا، توقفت المساعدة وهي تستدير تغطي الرؤية خلفها متحدثة بلباقة :
" والآن أترككم مع السيد مافو نفسه "
وبمجرد تحرك الفتاة حتى ظهر رجل في الشاشة والصدمة أن أمامه كانت تقبع لورا والتي كانت تنظر لصاحب الظهر ذلك ببسمة واسعة .
على الجانب الآخر عند مايك كان يجلس وخلفه مساعده الشخصي يحمل الكاميرا وهو يصوره بظهره وأمامه تجلس لورا التي رفضت رفضًا قاطعًا أن يظهر بوجهه لأجلها، وأخبرته إياها صراحة، لن تتخلى هويتك التي جاهدت للحفاظ عليها سنوات لأجلي، ابتسم مايك وهو يراقب توتر لورا التي صدمت بمجرد اخبارها خطته .
رفعت لورا نظرها لمايك ترمقه بتوتر، لكنه أشار لها خفية أن تهدأ، ثم غمز لها بخفة وهو يمنحها بسمة داعمة وبدأ التحدث ليخفف عنها وطأة الموقف :
" اشكرك آنسة لورا لمنحي اليوم شرف رؤيتك والجلوس معكِ وجهًا لوجه "
نظرت لورا له بتوتر، ثم قالت ببسمة صغيرة :
" الشرف كله لي سيد مافو، الجلوس هنا معك هو شرف كبير لأي شخص "
ضحك مايك بانتشاء من حديثها ولولا البث الذي يذاع الآن لكان شاكسها كثيرًا غيظها أكثر :
" شكرًا لك هذا من لطفك "
كان الجميع خلف الشاشات يتابع ما يحدث بافواه مفتوحة بصدمة، لا أحد يصدق أن مافو قرر التخلي عن غموضه الذي أحاط به لسنوات عدة، والخروج والتحدث هكذا بكل اريحية مع أحد .
تنفست لورا وهي تحاول استمداد الثقة من نظرات مايك، تذكر نفسها بكل من استهان بقدراتها، بكل من ساهم يومًا في هدم جسور ثقتها، بكل من تحدث بكلمة سابقًا كان من شأنها تحطيم قلاع ثباتها .
بدأت لورا تطرح أسئلة كثيرة حول مافو، أسئلة كانت تراود البعض وكانت دائمًا تراها تزين الصفحات وامامها علامات استفهام كثيرة، وها هي الآن تزيل تلك العلامات واضعة الإجابة خلف كل سؤال .
كانت ماليكا تشاهد ما يحدث بغضب شديد تخرج هاتفها حتى تتأكد أن الصور والرسالة وصلوا لمافو والذي حصلت على رقمه الخاص من هاتف صديقها بصعوبة كبيرة، ليظهر لها أن الصور وكل شيء قد وصل له، بل وقد رآها أيضًا .
تعالت الهمسات حول ماليكا بشكل جعلها تزداد غضبًا وهي تسمع أحاديثهم :
" هل هذه لورا ؟!"
" كيف وصلت لمافو بل وتجلس معه بهذه الاريحية؟!"
" ألم يكن من المفترض أن تكون ماليكا هي من تقوم بتلك المقابلة ؟؟"
" ربما لم تستطع الوصول له، فلا أحد يستطيع "
" لكن لورا فعلت "
تنفست ماليكا بعنف وهي تعيد نظرها للشاشة تتابع اللقاء بغضب كبير تراقب ما يحدث والحوار الودي بين لورا ومافو، ولِمَ التعجب وهي رأت بعينها كيف كان يتعامل معها كما لو أنها حبيبة له .
عند مايك و لورا كانت لورا قد اندمجت بالحديث مع مايك حتى أنها نست أمر الكاميرا وأمر البث وهي تنغمس معه في حديث ودي، ومايك فقط يبتسم وهو يشرد في ملامحها الرقيقة البسيطة واللطيفة، كم هي جميلة وبريئة .
مرت نصف ساعة تقريبًا قبل أن تلقي لورا كلمة الختام لذلك اللقاء، وتودع الجميع بكلمات بسيطة لطيفة، ويغلق المساعد الكاميرا، ثم خرج من المكتب واغلق الباب خلفه بإشارة من مايك الذي كان ينظر لفرحة لورا أمامه بسعادة، لكن ما لم يتوقعه هو أن تنهض لورا وتعانقه بقوة وهي تصرخ سعيدة :
" لا اصدق، اقسم أنني لا اصدق ما فعلت للتو، لقد كان هناك الآلاف في البث"
ابتسم مايك باتساع وهو يربت عليها بحنان مرددًا بلطف :
" الأمر الآن بيدك لورا، أما أن تكملي، أو ترحلي وتحققي ذاتك "
ابتعدت لورا عنه ببطء وهي تهمس له بصوت خافت ممتن :
" حان الوقت لتعيش لورا كما تريد لورا ولأجل لورا "
ابتسم مايك وهو يضمها بحنان هامسًا بخبث :
" ومايك ؟؟"
ضحكت لورا بخفة وهي تقول :
" نعم ومايك، الصديق الأقرب لقلب لورا "
ضحك مايك بصخب وهو يبعد وجه لورا عنه هامسًا بغمزة :
" ها نحن نتقدم اسرع واسرع، أنا أرى في نهاية هذا الطريق منصة زواج مزينة بالورود البيضاء منقوش عليها مايك ولورا "
ابتعدت عنه لورا وهي تبتسم له بسمة صغيرة، ثم حملت حقيبتها وقالت تصرف ذهنه عن ذلك المزاح :
" وهل انتهى مايك من فستاني الخاص لحضور زفاف قريبي ؟؟"
لوى مايك شفتيه وهو يقول بغيظ من حديثها ذلك :
" على وشك الانتهاء منه "
" أنت يا رجل كسول "
اقترب منها مايك وهو يهمس :
" وأنتِ يا فتاة ناكرة للجميل "
ابتسمت له لورا وهي ترفرف برموشها تضم يديها لصدرها :
" بل أنا مجرد مسكينة تحتاج لفستان جميل تحضر به زفاف احمق مجبرة على الذهاب له مايك "
نظر لها مايك بحنان ثم انحنى قليلًا وكأنه يلقي التحية على أميرة ما :
" مايك والفستان والمركز كله طوعًا لكِ اميرتي العربية ...."
__________________________________
تحفزت حواس ديفيد وهو يستمع للصوت القادم من هاتف انطونيو، ابتلع ريقه وهو يقول بعدم فهم وصدمة :
" لكن...لكن رأيت سيارته بعيني تسقط من المنحدر، هل تحاول خداعي ؟؟"
نظر له انطونيو بتعجب ثم ردد :
" حقًا ؟!"
تحدث موجهًا حديثه لمارتن الذي كان في ذلك الوقت يجلس في أحد المطاعم وهو يغمز لجولي ويتناول طعامه من يدها :
" مارتن، ألم تذهب بسيارتك للعمل اليوم ؟!"
" اه في الحقيقة انطونيو هناك شخصٌ مسكين كان في حاجة لسيارة فـأعرته خاصتي، واشتريت أنا واحدة تشبهها تمامًا حتى لا أشعر بالحنين لخاصتي "
ابتسم انطونيو بتقدير وهو يقول :
' كم أنت حنون يا مارتن، محظوظة تلك العجوز بك "
ضحك مارتن من الجانب الآخر وهو يلقي قبلة في الهواء لجولي ويقول لها بمزاح :
" انطونيو يمدحك حبيبتي "
رفع انطونيو نظره لديفيد الذي كان يبدو كما لو أنه انفصل عن عالمهم ذاك، لا يفهم شيء، هو خطط لكل شيء بدقة وحرافية، لم يكن هناك أي خلل في خطته، كيف حدث هذا، كيف افلتوا منه ؟!
تحدث انطونيو وهو يدعي الجهل :
" إذن من ذلك المسكين الذي استعار منك سيارتك مارتن ؟!"
" اه ماذا كان اسمها ؟! اعتقد روزيلا واتسون، نعم صحيح روزيلا واتسون "
فتح أنطونيو فمه مبتسمًا وهو يجيب مارتن :
" خيرًا فعلت يا اخي، عسى الله أن يسعدك جراء ذلك الخير الذي تفعله مع المساكين "
في تلك اللحظات كان ديفيد قد تلقى الطعنة الأخيرة وهو يسمع ما قاله مارتن، تلك السيارة التي سقطت كانت تحمل جسد أخته على متنها ؟! هو من قتل أخته بنفسه ؟! سقطت دموع ديفيد وهو يشعر بقلبه يتصدع قهرًا على ما حدث .
تحدثت روما بشفقة مصطنعة :
" أنا آسفة لفقدك ديفيد، ما رأيك أن تلحق بها ؟!"
رفع ديفيد عينه بغل وحقد ودموعه تسقط بقهر ووجع على أخته وآخر من تبقى له في حياته وهو يهمس :
" أيتها الحقيـــ "
وقاطع كلمته رصاصة انطونيو التي استقرت في صدره لينهي بذلك جملته وحياته، بينما روما أغلقت عينها بقوة وهي صدمت من ردة فعل انطونيو الذي نهض من مقعده وتحرك صوبها وهو يضمها بحنان له هامسًا :
" لنرحل من هنا جميلة الجميلات، انتهينا من هذا الفصل "
تحركت معه روما وهي تلقي نظرة أخيرة على ديفيد الذي كانت نهايته ابسط مما توقعت، أغمضت عينها وهي تستقر في السيارة جوار انطونيو تتذكر بداية الأمر كله، حينما عادت من المشفى وصارحت انطونيو بكل شيء، تتذكر نظرة الالم التي علت نظراته وهو يتخيلها بين احضان رجلٍ آخر، لكن روما لم تسمح له أن ينجرف في تلك التخيلات وهي تندفع له تضم وجهه بين يديها هامسة بعشق :
" انطونيو، لا تنجرف في تلك الأفكار، اقسم أنه لم يلمسني يومًا، لم أكن اسمح له، ولا ادري السبب لكن وقتها كان قلبي يؤلمني عندما يقترب مني؛ لذلك منعته الاقتراب، أنا في حياتي كلها لم يمسني رجلٌ سواك حبيبي، انظر إلىّ "
نظر لها انطونيو بوجع لتقترب روما منه تقبل وجنته بحنان :
" اقسم أنني حتى لم احبه، وقتها كنت اعتقد أنني معجبة به، كنت مراهقة في السابعة عشر انجرفت وراء حكايات حمقاء من صديقاتها عن كم هو رائع أن تحصل على رفيق وحبيب"
أبعد انطونيو يدها عنه بهدوء، ثم تركها ورحل من الغرفة كلها تاركًا إياها تبكي بقهر وندم، تتمنى لو يعود بها الزمن مرة أخرى فتمحي تلك النقطة من سجلها، واستمرت طوال الليل تبكي وانطونيو لم يعد حتى بداية النهار، وعندما عاد لم يتحدث سوى بجملة واحدة :
" افعلي ما يخبرك به روما "
وهكذا منذ ذلك الوقت كان كل شيء بينها وبين ديفيد على مرأى ومسمع انطونيو، وكل شيء تفعله بأمر من انطونيو.
يوم فتحت الباب لرجال ديفيد كان انطونيو يجلس خلف شاشة حاسوبه يراقب كل ما يفعلون، وعندما رأى ما حدث بسيارة مارتن، تحرك وايقظ مارتن وأخبره كل شيء وبسرعة كبيرة كان انطونيو يجري اتصالاته ويحضر سيارة طبق الاصل من سيارة مارتن ويضعها في المنزل ويأتي بسيارة نقل لأخذ سيارة مارتن التي تعطلت بها المكابح حتى المخزن، ثم وضع بها روزيلا وحركها بالناقلة حتى مفترق طرق وعندما اقترب مارتن من ذلك المفترق أتخذ طريقًا غير الذي يؤدي للشركة، ووقتها تحرك أحد رجاله بسيارة مارتن التي تعتليها روزيلا حتى أوشك على بلوغ المنعطف، ثم قفز من السيارة تاركًا روزيلا تصارع للنجاة من خطة وضعها اخيها، لكن أدارها انطونيو .....
نظرت روما جوارها لانطونيو الذي كان ينظر من النافذة شاردًا، ثم بتردد مدت يدها تلتقط خاصته وهي تقول بصوت خافت :
" طوني "
نظر لها انطونيو ثواني قبل أن يبتسم لها بسمة صغيرة، ثم سحب يده من أسفل يدها وعاد بنظره للنافذة وجواره روما تحاول التحكم في دموعها بسبب جفاءه معها، لكن فجأة سمعت جملته التي خرجت منه هامسة :
" أنا لستُ غاضبًا منكِ روما، أنا فقط أشعر بالغيرة تحرقني، سنتحدث في المساء جميلتي حسنًا ؟!"
نظرت له روما وقد تساقطت دموعها وكأنها تسأله بعينها إن كان جادًا أم لا؟! وانطونيو الذي لم يتحمل بكائها ووجعها يبتسم لها بحنان وهو يجذب رأسها لاحضانه مقبلًا إياها وهو يهمس لها بلطف :
" انتهى كل شيء روما، انتهى كل حزن جميلتي "
______________________
" يا رفقة اهدي بقى مش كده، تلاقيه يا ستي لسه مشغول مع المحامي "
توقفت رفقة عن السير يمينًا ويسارًا وهي تنظر لروبين بشر، ثم صاحت وقد نفذ صبرها :
" اصبر ايه ؟! بقولك جاكيري مش بيرد على تليفونه ومختفي، وأنتِ جاية تقوليلي إن فبريانو جاله اتصال وبعدين جري وهو مرعوب، يبقى اكيد حصله حاجة "
صمتت فجأة هي تفتح عينها بصدمة ثم هتفت باكية :
" مصيبة يكون عمل حادثة لوحده، وهو بيسوق زي الطور الهايج، تلاقيه لبس في حيطة ولا خبط في عربية "
كانت رفقة تبكي وهي تلطم وجنتها بخوف وقد بدأت الأفكار السيئة كلها تتجمع في رأسها وروبين ترمقها بضيق :
" أنا استاهل اني سيبت التدريبات وجيت على ملى وشي عشان اشوف العرض الهابط ده، تلاقيه بيلف هنا ولا هنا، أنتِ عارفة دماغه ضاربة اساسا "
توقف رفقة عما تفعل وهي ترمي بسهام لروبين صارخة بشكل جعل روبين تنكمش على نفسها على الأريكة :
" أنتِ بتتكلمي عنه كده ليه ؟!"
بسطت روبين يدها أمامها بخوف :
" اتكلم عنه ازاي ؟! والله ما عملت حاجة "
صرخت رفقة وهي تبكي خوفًا عليه، لكن تحاول اخفاء كل ذلك أسفل حديثهاالغاضب :
" لا أنتِ بتتريقي عليه، وبتقولي دماغه ضاربة، وهو مش كده جاكيري طيب وعاقل على فكرة "
هزت روبين رأسها برعب وهي تكاد تبكي من صراخ وبكاء رفقة :
" حاضر حاضر، أنا اسفة هو مش دماغه ضاربة، فبريانو هو اللي دماغه ضاربة، اهدي أنتِ بس "
نظرت له رفقة ثواني وهي تتنفس بعنف قبل أن تنهار باكية على المقعد وهي تدفن وجهها بين يديها قائلة بصوت مختنق :
" قلبي بيوجعني اوي، من الصبح وقلبي مقبوض ومش عارفة ليه ؟! خايفة يكون عرف حاجة وحشة عن قضيتي وخايف يقولي لازعل، يرد عليا بس واطمن وفي ستين داهية اي حاجة "
بكت روبين حزنًا على رفيقتها، ثم تحركت تجلس جوارها وهي تضم جسدها لها بحنان هاتفة وهي تربت عليها بلطف :
" متخافيش يا حبيبتي اكيد هو بخير، يمكن مشغول ومش سامع تليفونه "
بكت رفقة أكثر وهي تهتف من بين شهقاتها :
" لا، هو عمره ما قعد ده كله من غير ما يكلمني، قلبي مقبوض يا روبين، حاسة أنه مش كويس، قلبي مقبوض عليه "
سقطت دموع روبين حزنًا عليها وهي تواسيها :
" متخافيش يا حبيبتي حتى لو حصل حاجة فأكيد فبريانو معاه "
" كده قلبي هينقبض أكثر، أنتِ كده مش بتطمنيني يا روبين "
دفعت روبين رأس رفقة بعيدًا عن أحضانها وهي تقول حانقة:
" على فكرة أنا برضو مش بحب حد يتكلم عليه، فبريانو مش بعبع يعني عشان كلكم تيجوا عليه كده، أنتِ ولولو على طول كده جايين عليه، وشايفين أنه وحش، مع أنه والله طيب وحنين ولطيف "
مسحت رفقة دموعها وهي تبتسم بسمة صغيرة :
" روبين يا حبيبتي احنا مش شايفين أنه وحش، هو بالفعل وحش ومخيف، بس الظاهر أن المرايا بتاعة الحب عندك متدشدشة( متحطمة) فالبعيدة مش شايفة إن اللي معاكِ مش شكل شخص لطيف، ده شكل جزار اساسًا "
صمتت روبين ثم قالت بشفاه مزمومة :
" مش اوي، هو جزار شوية صغيرين، بس جزار طيب والله "
ضحكت رفقة وهي تمسك هاتفها تتصل بجاكيري للمرة التي لا تعلم عددها ....
_________________
على الجانب الآخر كان جاكيري يضع رأسه على قدم فبريانو الذي كان يلقي برأسه على الأريكة خلفه وجاكيري يتحدث بصوت ضائع :
" مازال الأمر يطاردني، لم انسه لحظة واحدة، اتمنى لو أفقد ذاكرتي "
سمع فبريانو صوت رنين هاتف جاكيري فألقى عليه نظرة يبصر اسم ( صاحبة الشعر المجعد ) ينير شاشته، ثم قال ببسمة ساخرة :
" حقًا؟! لكن إن فقدت ذاكرتك، فسوف تنسى أيضًا صاحبة الشعر المجعد خاصتك "
" تلك هي الوحيدة التي لن انساها، وحتى إن حدث، فسوف يتذكرها قلبي "
ابتسم عليه فبريانو وهو يصفعه بخفة مرددًا :
" أما نحن فلا بأس بنسياننا أيها النذل، لم تكمل معها عامًا واحدًا حتى، والقيت بسنوات عمرك معنا عرض الحائط ؟!"
ابتسم جاكيري بسمة صغيرة وهو يرفع رأسه لفبريانو يرمقه بحب :
" لا تخف يا اخي فأنا عندها سأفقد ذاكرتي، ولن أفقد حياتي، أنتم اساس حياتي فبريانو، وخاصة أنت يا اخي "
صفعه فبريانو مجددًا وهو يقول :
" إن ظننت أنك بحديثك هذا ستقنعني، فأنت محق "
ضحك جاكيري، ثم صمت وهو يشرد في السقف وقال بصوت مختنق وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيه :
" لو أننا لم نختطف ذلك اليوم ولم أرى ما رأيته وقتها، هل تعتقد أنني كنت سأكون مرتاح البال الأن "
اغمض فبريانو عينه بحزن على جاكيري الذي تعرض لاسوء ما قد يتعرض له إنسان وكل هذا أثناء طفولته، ذلك اليوم الذي خرج به من مدرسته مع جاكيري الذي كان يكبره بأربع سنوات، وكان مكلف أن ينتبه له، وقتها لم يشعرا بأنفسهم سوا وهم في حجرة مظلمة ملقيين وسط مئات الأطفال في اعمارهم وأصغر منهم، وقتها كان جاكيري يضمه بقوة رافضًا أن يتركه يبتعد عنه خطوة واحدة، ومرت ساعة وبدأ بعض الرجال في الدخول وسحب الاطفال واحدًا تلو الآخر، وجاكيري فقط يضم ابن عمه بين أحضانه وهو يمنعه من رؤية ما يحدث، يهمس في أذنه أن والده سيخرجهم، سوف يخرجون من هنا .
لكن ما حدث كان أن والده تأخر كثيرًا في معرفة مكانهم وقد جاء الدور على فبريانو الذي ظل يصرخ ويبكي وجاكيري يتمسك به في عنف رافضًا تركه وهو يصرخ بجنون :
" دع اخي....دع اخي من بين يديك العفنة "
لكن الرجال تجمعوا حول جاكيري يجذبونه بعيدًا عن فبريانو الذي كان يصرخ بخوف بعدما أدرك ما يفعلونه من صرخات الاطفال، في ذلك الوقت ثارت حمية جاكيري تجاه ابن عمه وهو يفلت من بين يدي الرجل ويحمل صخرة عملاقة ملقيًا إياها في وجه الرجل الذي يمسك فبريانو، ثم صرخ بجنون وهو ينقض عليه بالصخرة متسببًا في انفجار دماء رأسه:
" أخبرتك أن تترك اخي"
في ذلك الوقت جن جنون الرجال وتركوا فبريانو وقاموا بسحب جاكيري معهم بالقوة، تحت صرخات فبريانو الذي كان يتمسك في اقدام جاكيري وهو يبكي برعب يخشى أن تكون صرخات أخيه هي التالية التي يسمعها؛ لذلك بكى وصرخ وهو يتمسك في جاكيري الذي كان يحاول أبعاده عنه حتى لا يأخذونه معه، كان في تلك اللحظة يفكر أنهم لحين ينتهون منه سيأتي والده وعمه لانقاذ فبريانو، ضرب جاكيري فبريانو بقوة وهو يبعده عنه :
" اتركني فبريانو، اتركني "
بكى فبريانو أكثر وهو يتمسك في أقدامه :
" لا، لا اريد ارجوك ابقى معي جاكيري، أنا خائف "
" ابي سوف يأتي لأجلنا فبريانو، انتظره سوف يأتي لأجلك عزيزي "
في تلك اللحظة سحب الرجال جاكيري للخارج تحت صرخات فبريانو الذي كادت حنجرته تتمزق بسببها، وجاكيري يسير معهم دون مقاومة خوفًا أن يعودوا لأخذ فبريانو.
دفع به الرجال لإحدى الغرف، ثم أغلقوا الباب ورحلوا، استدار جاكيري برعب وهو ينظر حوله يشتم رائحة الدماء في كل مكان، تراجع للخلف بخوف وهو يرى بعض الرجال يلتفون حول فراش وهناك ادوات مليئة بالدماء تحتل أيديهم، لكن وأثناء تراجعه اصطدمت قدمه في شيء يقبع في الأرض، حرك عينه ببطء ليرى ابشع مشهد قد يراه طفل، جثة طفل آخر صغير جسده فارغ تمامًا من جميع أعضاءه، حتى عينه، في تلك اللحظة شعر جاكيري برغبة في التقيأ وهو يعود للخلف باكيًا برعب يسمع صوت بعض الرجال :
" ألم تخرجوا الجثة تلك بعد ؟! هيا اخرجوها وأحضروا ذلك الصغير وخدروه "
بكى جاكيري وهو يركض صوب الباب يصرخ ويطرق عليه برعب ينادي والده وينادي جميع أعمامه وجده وأمه وكل من يعرفهم، لكن فجأة شعر بشخص يجذبه من الخلف وهو يكتف جسده، وصوت بكاء جاكيري يعلو أكثر وأكثر، حتى شعر بجسده يقع بعنف على فراش معدني، ثم حقنة تقترب منه وهناك من يمسك قدمه ويده، صرخ وقاوم بكل ما يمتلك لكن بالنهاية هو طفل صغير، ثواني فقط حتى ارتفع صوت تبادل رصاصات في الخارج، لتتوقف يد الطبيب في الهواء وهو يشير لاحدهم بالذهاب ورؤية ما يحدث .
في الغرفة التي تحوي الاطفال اقتحمها اليخاندرو بجنون وهو يبحث عن أحفاد بين الجميع ينادي باسمائهم :
" جاكيري، فبريانو ....جاكيري "
صرخ فبريانو بصوت خافت بسبب صراخه السابق :
" جدي "
استدار اليخاندرو بسرعة صوب فبريانو وركض له وهو يتلقفه بين أحضانه برعب يتأكد أنه بخير ثم تحدث برعب من الإجابة :
" جاكيري ؟! أين هو فبريانو ألم يكن معك ؟!"
بكى فبريانو وهو يشير للخارج :
" لقد أخذه الرجال ومنذ قليل سمعت صراخه يا جدي لقد قتلوا جاكيري"
في تلك اللحظة كان والد جاكيري يقف على الباب يستمع لكلمات فبريانو برعب وهو يهز رأسه رافضًا لتلك الكلمات، ثم ركض كالمجنون يقتحم جميع الغرف ويقتل كل من بها دون تفريق، حتى اقتحم إحدى الغرف ووجد بها طفله الصغير مسطح بلا حياة على فراش وأمامه بعض الرجال يمسكون ادوات حادة ولم يحتج التخمين عما كانوا ينتوون ....
" فبريانو ....فبريانو "
استفاق فبريانو فجأة على هزة جاكيري لجسده وهو يقول ساخرًا :
" منذ ساعات وأنت تنصحني بعدم الانغماس في الذكريات وها أنت أوشكت على الانتهاء من تذكر مرحلة طفولتنا كلها "
ضربه فبريانو على جبهته بغيظ وهو يبعده عنه :
" ابتعد عني، هيا أنا لا أحب التقارب هذا "
ابتعد جاكيري عن فبريانو وهو يرمقه بحنق يفرك جبهته :
" أنت أيها اللئيم أنا الآن أمر بحالة سيئة، احتاج الاحتواء وأنت لم تتوقف عن ضربي منذ وضعت رأسي على قدمك "
ضحك فبريانو ضحكة صغير وهو يفتح له ذراعه :
" هيا تعال سأعانقك "
لوى جاكيري شفتيه بحنق يدرك جيدًا أن فبريانو يحاول صرف تفكير عن كل شيء :
" لا شكرًا لك، سوف اذهب لرفقة واعانقها هي، لا ينقصني سوى أن أعانق دمويًا مثلك "
ضيق فبريانو عينه بسخرية ثم انقض على جاكيري يجذبه بعنف لاحضانه وهو يصيح :
" حقًا ؟! تترفع الآن عن أحضاني أيها الحقير، بعدما كنت تأتي إلىّ باكيًا ؟! هيا انظر ها أنا الآن اعانقك "
صرخ جاكيري وهو يتحرك، يحاول ابعاد فبريانو عنه :
" لا سأتقيا ابتعد عني، اريد عناق زوجتي فقط "
ضحك فبريانو عليه بصخب، قبل أن يستمع لصوت رسالة تصل له على هاتفه في نفس وقت وصول رسالة على هاتف جاكيري، نظر الاثنان لبعضهما البعض ثم أمسك كل منهما هاتفه وهو يقرأ الرسالة بصوت عالي :
" اجتماع طارئ غدًا في القصر "
نظر الاثنين لبعضهما البعض بتعجب قبل أن ترتسم بسمة واسعة على فم فبريانو وهو يهمس :
" هل اشتم رائحة متعة في الأجواء ؟؟"
____________________________________________
كانت يد هايز ترتجف وهي تمسك السلاح وتنظر للجميع، ثم استدارت ببطء تنظر لادم وهي تهز رأسها برجاء تخاف من الجميع وتخاف من نظراتهم :
" لا اريد ادم ارجوك دعنا نرحل من هنا "
صمتت وهي تبكي بقوة، ليجذبها ادم لاحضانه بلطف وهو ينظر للجميع، ثم قال بعد صمت قصير :
" حسنًا الأمر يخصك عزيزتي وأنتِ فقط من لكِ الحق في الحكم عليهم، لكنني لن اتنازل عن أن يركع الجميع ويتوسل غفرانك "
تبادل الجميع النظرات بصدمة، وهم يرمقون المجموعة التي ارتكبت كل هذا الفعل القذر، والكل يرميهم بنظرات مشمئزة مما فعلوا، لكن آدم لم يهتم بكل هذا وهو يقول :
" أما هذا أو لا أعدكم أن تخرجوا من هنا على ارجلكم "
زحف الشاب الذي كان ظاهرًا في الفيديو وهو يقول ببكاء :
" أنا آسف هايز، أنا آسف"
تقدم أحد الشباب وهو يجلس على ركبته ارضًا ثم اخر ثم اخر حتى ركع الجميع أمام هايز عدا الفتاتين، لكن وبنظرة واحدة من آدم اقتربت الفتاة الاولى وهي تجلس مصغرة على ركبتها تهتف ببكاء :
" أنا آسفة سامحيني "
نظر آدم لمورا التي كانت ترمق هايز بحقد وكأنها لم تكتفي بكل ما فعلت، وكأنها لم تكن المتسببة في احياء تلك الندبة، تحركت مورا ببطء صوب الجميع، ثم بهدوء جلست على ركبتها وهي تقول بدموع هبطت منها ولم ترفع نظرها لهايز :
" سامحيني هايز "
كانت هايز تبكي وهي تنظر للجميع، تتذكر ما عانته بسببهم، هي ليست ملاكًا حتى تهز رأسها ببسمة وتخبرهم أنه لا بأس، هي تحقد عليهم جميعًا، تبغضهم، تكرههم من كل قلبها، تقدمت بخطوات بطيئة من الشاب الذي كان يحاول الاعتداء عليها، ثم دون مقدمات صفعته صفعة رنّ صداها في المكان، ولم يكد الشاب يستوعب الأمر حتى عاجلته بأخرى وأخرى وهي تصرخ في وجهه :
" أنا أيضًا توسلتك، أنا أيضًا طلبت عفوك، أنا أيضًا بكيت "
كانت تتحدث وتصرخ دون الشعور بنفسها، ثم بعدها صفعت مورا بغضب وكره، ورفعت عينها للجميع الذين ينحنون أمامها وبصقت عليهم وهي تصرخ :
" للجحيم أنا لن اسامح أحدًا منكم، وحتى آخر نفس لي في هذه الحياة لن افعل، أنا اكرهكم من كل قلبي "
أنهت كلماتها وهي تلقي عليهم نظرة مستحقرة، ثم تحركت مرفوعة الرأس أمام الجميع وقد شعرت فجأة أنها حرة، أنها ليست مضطرة لتنحني أمام أحد، وقفت أمام آدم وهي تهمس بأنفاس لاهثة :
" أخرجني من هنا آدم "
ابتسم لها آدم ثم أمسك يدها وهو يرمي لهم بسمة أخيرة وهناك بسمة غامضة مخيفة ترتسم على فمه وهو يردد :
" لم ينتهي الأمر بعد "
تحرك ادم وهو يشير لصديقة هايز أن تفتح لهم البوابة، ثم عبر منها مع هايز التي كانت ترفع رأسها في وجه الجميع وجوارها يسير ادم وهو يلقي عليهم نظرة متوعدة .
استدارت صديقة هايز وهي ترمق المتسببين في كل هذا، ثم خلعت حذائها والقته في وجوههم وقالت بغضب :
" خارج منزلي يا حثالة، وإياكم أن أرى أحدكم أمامي "
ابتسم صديق آدم وهو يخلع حذائه كذلك، ثم ألقاه في وجه الشاب الذي خطط لكل هذا وهو يقول بتوعد :
" الويل لمن ألمح طيفه بالقرب مني، لعنة الله عليكم يا قذرين"
بدأ سباب الجميع يعلوا وهم يلقون كل ما يقابل أيديهم عليهم، قبل أن ينهض الجميع ويخرجوا من المنزل تحت سباب ولعنات الجميع، يحاولون تفادي كل ما يلقى عليهم، وقد اضحوا منبوذين من الجميع الآن.
ابتسم الجميع بمجرد انتهاء كل هذا، ثم صاحت صديقة هايز لمنظم الحفل :
" موسيقى يا عزيزي "
تقدم صديق آدم منها وهو يمد يده لها غامزًا :
" تسمحين لي ؟!"
ابتسمت له الفتاة وهي تضع يدها بيده :
" بالطبع اسمح، رغم أنني لم أنس لك فعلتك بهايز سابقًا "
ضحك الشاب وهو يجذبها لمنتصف الحديقة يراقصها وكأنه برحيل كل القذرين من حياتهم أصبحت أرواحهم، تطوف بخفة وحرية .
في السيارة عند ادم كانت هايز تخرج رأسها من السيارة وهي تسمح للهواء البارد أن يصطدم بوجهها وشعرها يغطيه، وهناك بسمة واسعة صافية ترتسم على وجهها، وكأنها للتو فقط شعرت أنها تحيا، روحها للتو تحررت من قيود الحزن، كان آدم ينظر لها وهناك بسمة واسعة ترتسم على وجهه وهو يحضر في رأسه مصائب لكل من سولت له نفسه في حرمانه من تلك البسمة سابقًا، سمع صوت هايز تهتف براحة :
" أشعر بروحي تطفو من خفتها، أنا الآن أشعر براحة لم أشعر بها يومًا آدم "
ضحك آدم وهو يغمز لها بحب :
" حسنًا أظن أنني استحق مكافأة كبيرة الآن"
ابتسمت له هايز تضم يدها لصدرها وهي تقول ببسمة صافية :
" أنا أحبك آدم"
تأوه آدم بحب وهو يهمس لها :
" حسنًا كانت هذه المكافأة افضل مما توقعت "
ضحكت هايز وهي تقف في السيارة تشير لادم بأن يفتح لها السقف، ثم فردت يدها وهي تغمض عينها تستقبل الهواء بسعادة تصرخ بصوت عالي، وآدم يزيد من سرعة قيادته وهو يشاركها الصراخ بجنون وقد قرر أن يشاركها لحظات جنونها، عله يتحرر هو أيضًا من تلك القيود التي تقيد قلبه .
______________________
بعد ساعة :
كان الجميع بمن فيهم آدم وهايز اللذان وصلا منذ دقائق فقط، يجلسون في البهو والضحكات تتعالى فيما بينهم على جايك الذي كان يمسك يد روز مانعًا إياها أن تعطي أحد حلوى مما طهت لهم وهو يصرخ :
" تبًا لكم جميعًا كل واحدٍ يملك فتاة لتنهض وتعد له ما يريد "
ضم انطونيو روما وهو يقول ببسمة مستفزة :
" لكنني أحب حلوى روز بالتحديد "
لوى جايك فمه بقهر وهو يهتف بغيظ :
" اخي ...."
ضحك انطونيو بصوت عالي وهو يداعب خصلات جايك بشكل مستفز :
" ماذا ؟! أيها الغبي هل تغار على طعام ؟!"
أبعد جايك يده عن رأسه وهو ينظر لماركوس الذي كان يمد يده بشكل خفي لأخذ حلوى :
" أنت أيها السارق، أنا اراك ماركوس "
توقف ماركوس وهو يقول مشيرًا جواره :
" ماذا ؟! كانت هذه لفيور وليس لي "
تحدثت فيور وهي تهز رأسها بلا :
" هو يكذب، كانت هذه له "
نظر ماركوس جواره لفيور وهو يقترب منها هامسًا :
" أنتِ أيتها الجدة، اقسم أن أريك الويل فيور "
نظرت له فيور ببراءة :
" ماذا يا بني ؟! أنا فقط لا أود أن أراك تكذب، هكذا ستصبح لص وايضًا كاذب "
" أنتِ أيتها الــ ..."
لكنه توقف عن الحديث بمجرد رؤيته لنظراتها التي تعلقت خلفه وهي تهتف بسعادة :
" ويل قلبي، لقد عاد جدك الوسيم "
استدار الجميع صوب الباب ليظهر لهم اليخاندرو الذي كانت ثيابه غير مرتبة كما العادة وهو يتحرك لهم يهتف ببسمة حانقة :
" أيها الحمقى انتم هنا تمرحون، وأنا مقيد في مقعد غير مريح؟! الآن أدركت صدق سيلين، أنتم لم تتذوقوا يومًا طعم الأدب ........"
___________________________
عندما ظننت أنك تفوقت عليهم، كانوا هم يتلاعبون بك كما يشاؤون، وما فعلته ليس اجتهاد منك، بل كان فقط ما سمحوا هم بحدوثه .
الناس اللي بتشتكي من القفلات، اظن دي قفلة لطيفة خفيفة اهو عشان تعرفوا اني بدلعكم، استعدوا بقى للي جاي
دمتم سالمين
رحمة نبيل .......
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رحمة نبيل
" اجعل كل دعائك أن يعفو اللّٰه عنك؛
فإن عفَا عنك أتتك حوائجك من دون مسألة "
ابن القيم
صلوا على النبي.
____________________________
توقفت سيارة أمام بناية متوسطة الحجم، ثم هبطت منها راسيل التي كانت مبتسمة باتساع وكأنها سجينة حازت للتو حريتها، ركضت للسيارة من الخلف تنتظر أن يهبط مارسيلو ليساعدها في اخذ حقيبتها، لكن طال وقوفها؛ لذلك تحركت مجددًا نحو المقعد وهي تتمتم بغيظ شديد :
" فقط تحملي راسيل، تحملي راسيل "
وقفت أمام المقعد الذي كانت تحتله وجوارها كان يجلس مارسيلو وهو يقود السيارة التي أرسلها له ماركوس، تحدثت بقوة وغيظ :
" أنت أيها السيد أين مروءتك و...."
توقفت عن الحديث وهي تفتح فمها ببلاهة تراقب مارسيلو الذي كان يضع رأسه على المقود في شكل غريب اثار ريبتها، وبعد ثواني من التأمل، اعتدلت في وقفتها وهي ترمقه بصدمة تحاول معرفة متى سقط في النوم، منذ ثواني فقط كان يقود السيارة ؟! هل يعقل أنه مات ؟!
عند هذه الفكرة فزعت راسيل وهي تستدير بسرعة حول السيارة متجهة صوب المقعد الخاص به تصرخ في فزع :
" لقد مات ...لقد مات "
وقفت راسيل جوار المقعد الخاص به وهي تمد يدها بخوف تربت على رأسه ببطء شديد، لكن لم يصدر منه أي ردة فعل؛ لذلك انتفضت للخلف وهي تقفز في مكانها صارخة :
" يا ويلتي لقد مات، لقد مات "
كانت تتحدث وهي تبكي فزعًا من الفكرة، فهو فقط منذ ثواني كان يقود السيارة والتفسير الوحيد لحالته تلك فجأة، أنه أما سقط في اغماء، أو أنه مات، وضعت راسيل يدها على فمها وهي تحاول التماسك، ثم اقتربت منه مجددًا تمد إصبعها فقط نحو شعره تهزه برفق وهي تقول :
" سيد مارسيلو، سيدي هل أنت بخير ؟!"
صمتت تبتلع ريقها مقتربة منه أكثر تردد بصوت خافت أكثر :
" سيدي هل تشعر بشيء، هل أنت واعي أما أقول ؟!"
لكن وكأنها كانت تحدث حجرًا، فلم يصدر منه أي حركة مما جعل راسيل تبكي فزعًا وهي تشعر بالعجز، هل تنادي أحدهم ليأخذه معها للمشفى أم تتحدث مع أحد من عائلته ؟! ويبدو أن الفكرة الثانية نالت استحسانها وقررت أن تلقي بمصيبته على أكتاف عائلته، فلا ذنب لها أنه مات أمام منزلها، اقتربت منه أكثر وهي تمد يدها للوصول إلى هاتفه الذي يستقر أمامه، كانت ترتعش وهي تنظر لوجهه الهادئ ورأسه المستقرة على المقود، شعرت بوجع كبير يضرب قلبها، لتنفجر فجأة في البكاء وهي تهتف من بين شهقاتها :
" اقسم أن ما حدث لم يكن إحدى دعواتي التي امطرتك بها، لقد دعوت فقط أن اتخلص منك، لكن ليس لهذه الطريقة "
كانت تتحدث وهي تشهق بعنف، تشعر بالوجع لأجله، وبلا إرادة أخذت تتذكر تصرفاته الحنونة معها وقت العاصفة، وحديثه المستفز لها، اخذت الهاتف بسرعة وهي تنظر له بعجز فقط كان محمي بكلمة سر، لكن هداها تفكيرها لاستخدام مكالمات الطوارئ وبالفعل وجدت عدة ارقام موضوعة في قائمة الطوارئ؛ لذلك تحدثت مع اول رقم فيهم وهي ترتعش وتنظر له في الوقت ذاته، تنتظر صوتًا يجيب عليها .
____________________________
وعلى الجانب الآخر كانت أعين الجميع معلقة في صدمة بوجه اليخاندرو الذي تحرك ببطء صوب اول مقعد قابله وألقى عليه بثقله وهو يقول بحنق شديد :
" لو أنني قُتلت ما كنتم لتشعروا بي أيها الحمقى "
لم يكن أحد يستوعب شيء من حديث اليخاندرو الذي تجاهل كل ردات فعلهم وهو يقول بجدية :
" لقد تحدثت مع جاكيري وفبريانو وهم على وشك المجئ، استعدوا جميعًا فلديكم مهمة جديدة "
تحدث انطونيو بحدة غير مقصودة :
" أي مهمة تلك واللعنة، ما الذي حدث لك جدي وأي اختطاف ذلك؟! ومن تجرأ وفعل ذلك معك ؟!"
ابتسم اليخاندرو بسمة صغيرة وهو يراقب ملامح الجميع التي تتراوح مابين قلق وغضب وترقب، اعتدل في جلسته وهو يتنهد براحة، يكفيه أنه يراهم الآن أمام عينه دون أي أذى، وإن كان الضرر من نصيبه فسيتلقاه بكل صدر رحب، المهم ألا يمس أحفاده أذى صغير، خاصة بعدما عثر كل واحدٍ منه على نصفه الآخر الذي جعله يتشبث بالحياة أكثر وأكثر :
" لا تقلق انطونيو لم يحدث لي شيء، في الحقيقة كان الأمر ممتعًا بعض الشيء، استمتعت كثيرًا بوقتي هناك، ولأجل هذا سأرسلكم لشكرهم بأنفسكم فهم يتحرقون شوقًا لرؤيتكم "
ارتسمت بسمة غامضة على أفواه الجميع وقد أدركوا أن المهمة التي يتحدث عنها اليخاندرو تخص الخاطفين الذين تجرأوا واقتربوا منه، فجأة صدح صوت في المكان يقول بخجل وبسمة واسعة :
" أنا أول من انتبهت لغيابك سيد اليخاندرو "
دار اليخاندرو بعينه بين الجميع بحثًا عن مصدر الصوت حتى وجدها تجلس جوار ماركوس وهي تبتسم بسمة صغيرة، تحولت عينه لماركوس الذي كان يرمقها بغيظ دفع بسمة مشاكسة للظهور على فم اليخاندرو وهو يقول :
" أنا أقدر لكِ ذلك جميلتي، شاكر للطفك الكبير حبيبتي "
خرج صوت ساخر من فم ماركوس وهو يقول بهمس متهكم :
" حبيبتي ؟! أنت هكذا لا تساعد جدي، سوف تجعلها تلتصق بك أكثر "
ابتسم اليخاندرو، ثم حرك عيناه يتفحص الجميع وهو يلقي عليهم التحية، وبعدها انتبه فجأة وهو يقول :
" أين هما مارتن وجولي؟! لم اراهما منذ أتيت "
تحدثت روما بهدوء وبسمة :
" لقد أخذ مارتن جولي للتنزه قليلًا جدي "
هز اليخاندرو رأسه، ثم نهض بتعب وهو يقول :
" حسنًا سأذهب للاغتسال حتى يكتمل الجميع ونتناول العشاء سويًا، انطونيو اتصل بأي مطعم واطلب منه احــ "
اندفعت روز في مقعدها وهي تشير بيدها بحركة رفض، ثم أشارت لنفسها وللمطبخ في إشارة واضحة أنها أعدت الطعام، ابتسم اليخاندرو بسمة حنونة، ثم أشار لروز أن تقترب منه، وكذلك فعلت روز تحت نظرات جايك المتحفزة وجسده الذي تصلب في انتظار ما سيحدث، والذي كان عناقًا ابويًا حنونًا من اليخاندرو لتلك الجميلة الرقيقة والتي كانت من اغلى الأشخاص على قلبه بعدما اوصاه والدها عليها، ربت على ظهرها بحنان قبل أن يقبل رأسها وهو يردد بامتنان :
" اتعبناكِ معنا روز "
وعند تلك النقطة انتفض جسد جايك من مكانه معترضًا وهو يتحرك نحو جده الذي يعانق روز بتلك الطريقة التي اشعلته، لكن فجأة تيبست أقدامه بالأرض وهو يرى انتفاضة جسد روز الصغير بين احضان جده فيما يشبه البكاء المكتوم، ليدرك أنها تذكرت والدها، تراجع جايك مكانه مجددًا رافضًا أن يتدخل ويحرم زهرته من مشاعر افتقدتها في غياب والدها .
كان اليخاندرو يربت على ظهره روز بحنان وهو يقترب منها هامسًا في أذنها :
" لا تبكي روز فهناك من يكاد يحرقنا بعينه "
ابتعدت روز وجهها ببطء عن صدر اليخاندرو، ثم رمقت الاتجاه الذي يجلس فيه جايك لتراه ينظر صوبها بحنان وحزن لدموعها؛ لذلك ابتعدت عن اليخاندرو وهي تمسح دموعها، ثم أشارت على المطبخ وتحركت ببطء له، وكالعادة ما كان جايك ليتركها، بل اندفع خلفها وهو ينهب الأرض اسفله، وبمجرد دخوله للمطبخ حتى اتجه لها وهو يقف خلفها يقول بهدوء حتى لا يخيفها :
" تريدين مساعدة ؟!"
استدارت له روز وهي تمسح دموعها مبتسمة له بحنان، ثم أشارت له على بعض الأطباق في إشارة منها أن يساعدها في صب الطعام، وبالفعل تحرك جايك بهدوء صوب الاطباق، ثم عاد ووضعها بكل هدوء دون كلمة أو مشاكسة منه كالعادة، ووقف جوارها يراقبها تصب الطعام بكل هدوء وملائكية جعلت قلبه يخفق بعنف وهو يقترب منها يقول بلطف :
" روز "
استدارت له روز وهي ترمقه بترقب ليقول هو بحنان وهو يمسك يدها يداعبها بخفة :
" ما رأيك أن نخرج سويًا ونمرح لبعض الوقت، أنتِ لم تطأي باب المنزل منذ أتيتِ إليه"
نظرت له روز متعجبة اقتراحه ذاك، لكنها لم تمتلك سوى أن تهز رأسها ببطء موافقة على حديثه وهناك بسمة واسعة ترتسم على شفتيها.
بادلها جايك البسمة وهو يقول تاركًا يدها وقد دبت الحماسة في جسده مشيرًا للطعام :
" حسنًا لا تضعي طعام للحثالة في الخارج فقط جدي وانا وأنتِ، لا تطعمي أحد من طعامك روز، أنا لا أحب هذا "
نظرت له روز ببلاهة من طلبه الغريب المفاجئ، قبل أن يتركها ويتحرك للخارج وهو بيقول بسعادة :
" جيد إذن سأخرج لاخبرهم أن يحضروا طعام لأنفسهم، ابقي هنا واخفي هذا الطعام عن الأعين، لا تخافي أنا سآكله كله "
راقبت روز خروجه بأعين مفتوحة من تصرفاته الغريبة، بينما هو لم يهتم وهو يقتحم البهو يقول بصوتٍ عالٍ :
" أنتم أيها الكسالى حركوا اجسادكم تلك وأذهبوا للحصول على طعام لكم، فـ روز لن تــ "
وقاطع باقي كلامه انتفاضة جسد مايك الذي كان يتحدث في الهاتف وهو يهتف بشكل ارعب الجميع :
" ما بــــــه اخـــــــــــــي ؟!"
________________________
" أخبرتك أن ترفع قدمك العفنة تلك عن سجادي الثمين "
كانت تلك صرخة سيلين التي دخلت المطبخ لتمارس هوايتها المفضلة وتطهو للجميع، لكن بمجرد أن خطت للمطبخ وجدت ذلك العجوز المزعج الذي كانت تتجنب الاصطدام به في آخر فترة، وهو يجلس على طاولة الطعام يضع أمامه اطباق كثيرة متسخة، بينما قدمه تدهس سجادها الحبيب بلا أي رحمة .
رفع توفيق وجهه الذي كان منكبًا به على الطعام وهو ينظر لها بتعجب، ثم نظر لقدمه التي كانت تستقر على السجادة أسفله وهو يقول ومازال يمضغ بعض الطعام بفمه :
" سجادك ايه ؟! انتِ جايباه من بيتكم ولا ايه ؟؟"
رفعت سيلين حاجبها وهي تقترب منه أكثر تحاول أن تهدأ نفسها حتى لا تدخل في شجار آخر معهم ينتهي بإصابة أحدهما، لكن بمجرد أن وقفت أمامه حتى أطلقت صرخة هزت جدران القصر باكمله وهي تشير برعب للطعام على الطاولة أمام توفيق :
" أنه يأكل سمكًا متعفنًا، رائحته ستخنقني، أنت أيها القذر كيف ادخلت ذلك الطعام لمنزلي "
رفع توفيق حاجبه وهو يلقي نظرة على الطعام أمامه، ثم قال بتعجب :
" فيه ايه ده حتى رنجة مش قديمة يعني، دي بقالها اربع شهور بس "
ختم حديثه وهو يمد يده ليمسك بكوب الماء جواره، لكن توقف برعب وهو يستمع لصرخة سيلين التي خرجت منها مرعبة وبحق :
" إياك أن تمس الكوب بيدك العفنة تلك "
نظر لها توفيق ثواني قبل أن يحرك يده اقرب من الكأس وهي تحذره :
" إياك"
أبعد يده ثم قربها مجددًا وهي تنظر له بشر، وهو يقرب يده ويبعدها وكأنه يتلاعب معها، حتى امسك بالكوب أخيرًا ورفعه لفمه دفعة واحدة وأمامه سيلين تنظر له بصدمة، ثم ودون تفكير كانت تهبط بعكازها فوق رأسه وهي تصرخ :
" أيها العجوز العفن لوثت الكوب "
صرخ توفيق بوجع وهو ينهض بعنف مرددًا :
" اه يا نفايات الكوكب أنتِ، طب والله المرة دي لاوريكِ "
أشار لطبق الطعام أمامه وهو يقول :
" مش ده اللي مضايقك ؟! أنا بقى هطفحهولك "
كانت رفقة ما تزال في البهو رفقة روبين وهناك صرخات تتناهى لمسامعهم آتية من جهة المطبخ، نظرت روبين خلفها لباب المطبخ قريبة وهي تقول :
" ما تشوفي يا رفقة الاتنين اللي هيقتلوا بعض دول "
" مش فايقة ليهم يا روبين، هما شوية وهيزهقوا من الخناق ويبطلوا لوحدهم أو لما يفصلوا شحن "
ضحكت روبين بصخب وهي تنظر خلفها لباب المطبخ تحاول رؤية ما يحدث في الداخل وصرخات الاثنين تصل لهما بوضوح، لكن قاطع كل ذلك صوت الباب الخارج للمنزل، وتبعه دخول جاكيري وملامحه تبدو مرهقة بشكل جعل رفقة تنتفض من مكانها وهي تركض صوبه برعب تبكي بمجرد أن لمحت هيئته :
" جاكيري ما الذي حدث ؟! أين كنت؟! لقد كدت أموت خوفًا عليك "
نظر لها جاكيري بعيون عاشقة يتخللها وجع كبير، يرفض أن يظهر أمامها هي تحديدًا يرفض أن يكون نقطة ضعف لها في تلك الأوقات التي من المفترض به أن يكون داعمها :
" أنا بخير حبيبتي لا تقلقي "
نهضت روبين بحرج من البقاء بينهما في هكذا وقت؛ لذلك حملت حقيبتها وهي تتحرك صوب الخارج :
" بما اننا اطمئننا عليك سوف اذهب الان "
أوقفها جاكيري وهو يهتف بصوت جاد :
" فبريانو هو من أوصلني، ستجديه في الخارج، الحقي به قبل أن يرحل "
هزت روبين رأسها وهي تتحرك بسرعة للخارج تقفز الدرجات وكأنها فراشة تحلق فوق حقل من الزهور الربيعية، ابتسمت وهي ترى السيارة الخاص تتحرك من أمام الباب، صاحت بصوتٍ عالي وهي تلقي بنفسها أمام السيارة .
داخل المنزل قبل جاكيري رأس رفقة بحنان شديد ثم همس لها :
" أنا بخير حبيبتي، فقط احتاج للراحة، فأنا سأسافر غدًا "
راقبت رفقة تحركه من أمامها بقلب قلق تهمس باسمه :
" جاكيري تحتاج للتحدث ؟!"
استدار لها رفقة نصف استدارة وهو يقول ببسمة صغيرة :
" ربما، لكن ليس الآن رفقة، لا اريد أن تزاحم مشاكلي عقلك، يكفيكِ ما تعانينه جميلتي، تصبحين على خير "
رحل تاركًا إياها تنظر في أثره، بوجع لحديثه، تعلم أنه لا يريد أن يثقل عليها أو يحزنها، لكن هي تريد أن تشاركه آلامه، تريد أن تربت عليه بحنان علها تنسيه كل أحزانه التي تلوح على وجهه في تلك اللحظة، لكن هو أبى إلا أن يصنع حاجزًا بينها وبين أحزانه، وهي أبدًا لن تسمح بهذا ......
________________________
كان فبريانو ينظر للباب الخاص بمنزل جاكيري وهو يتنهد بتعب، يتمنى أن يكون جاكيري بخير، زفر بضيق وهو يتحرك بسيارته من أمام المنزل ليغادر ويرى روبين بعدما تركها دون أي مقدمات، لكن وقبل أن يتحرك بسيارته وجد روبين تلقي بنفسها أمامها في شكل أفزعه وهو يضغط المكابح بسرعة مخيفة كادت تقلب السيارة رأسًا على عقب، كما أن عجلاتها احتكت في الأرض بعنف مخيف كما لو أنها ستولد نيرانًا أسفلها، كل ذلك وروبين تقف أمام السيارة تبتسم له بسمة بلهاء وهي تقول :
" كويس إني لحقتك "
فتح فبريانو فمه بصدمة وهو يصرخ :
" أيتها اللعينة كدت ادهسك أسفل عجلات سيارتي "
ضحكت روبين وهي تتحرك صوب المقعد المجاور له، تصعد بصعوبة بسبب طول وارتفاع سيارة فبريانو وهي تقول :
" مكنتش ههون عليك "
" أيتها الحمقاء لم أكن اراكِ من الاساس، كنت سأقتلك وارحل دون حتى أن أعلم بذلك "
وضعت روبين يدها على قلبه وهي تقول ترفرفر برموشها :
" قلبك سيشعر بي فابري اللطيف "
ضرب فبريانو يدها وهو يقول بحنق متحركًا بالسيارة من أمام المنزل :
" لولا ذلك الاحمق، لكنت قتلتك منذ أول يوم عرفتك به روبين "
ضحكت روبين بصوتٍ عالٍ وهي تردد بجدية :
" شوف مهما تقول ومهما تعمل هتفضل اكبر لطيف في حياتي "
ابتسم فبريانو بسمة لم يستطع كبتها وهو يقود سيارته، ثم أضاف :
" اتمنى أن تكون لولو قد أعدت الطعام، فأنا اتضور جوعًا "
_______________________
قبل مارتن رأس جولي وهو يشير لها بالتزام مكانها على طاولة المطعم داخل مركز التسوق الكبير :
" ابقي هنا حتى أعود جولي، حسنًا ؟!"
هزت جولي رأسها بلا وهي تنهض متحدثة بجدية كبيرة تلتصق في يده :
" سوف آتي معك "
نظر مارتن لذراعه قبل أن يعود بعينه لها يتنهد بحنق يحاول نزع يده منها :
" جولي لا يمكنك ذلك "
" لماذا ؟!"
" لأنني ذاهب للمرحاض حبيبتي "
تحول وجه جولي للأحمر فجأة من الخجل وهي تبعد يدها شيئًا فشيء عن مارتن، ثم تحركت ببطء وجلست على الطاولة تبتسم بغباء :
" حسنًا أنا سأنتظرك هنا، هيا اذهب "
هز مارتن رأسه وهو يضحك بصخب عليها، ثم انحنى قليلًا طابعًا قبلة على خدها هامسًا بحب جوار أذنها :
" لن أتأخر حبيبتي، فقط ابقي هنا "
هزت جولي رأسها بحسنًا وهي ترمقه بحب تراقب تحركه نحو منطقة المراحيض، تنفست بقوة، قبل أن تمد يدها وتمسك هاتف مارتن مجددًا كما كانت تفعل، لتجد فجأة صوت رنين يخرج منه بشكل مفاجئ لدرجة أنها انتفضت بعنف ملقية إياه ارضًا، مما جذب أنظار رواد المطعم لها، ابتسمت جولي بخجل مجددًا وهي تنحني لتحضر الهاتف مرددة بخوف :
" مارتن سوف يقتلني، لقد تحطمت شاشته "
كانت تتحدث وهي تنظر حولها، ثم نظرت للهاتف الذي توقف عن الرنين، لكن ما هي سوى ثواني فقط حتى ارتفع رنينه مجددًا و أضاء اسم انطونيو الشاشة في اتصال ملح بمارتن؛ لذلك ودون تفكير أجابت جولي وهي تقول بترفع وتكبر :
" ماذا تريد يا سيد ؟؟"
" اربد التحدث مع مارتن يا عجوز، اعطيه الهاتف "
" مارتن ليس هنا عندما يعود سأخبره بأن يعاود الاتصال بك "
وصلتها ضحكة عالية ساخرة من الاتجاه الآخر وصوت انطونيو يصدح بسخرية :
" حقًا ؟! ياله من كرمٍ كبيرٍ سيدة جولي "
صمت قليلًا ثم قال بصوت حاد وأمر :
" اذهبي إليه واعطيه الهاتف أنا لست متفرغًا لاي من افعالكما تلك "
" لا يمكنني أن أفعل ذلك، انتظر قليلًا وسوف يعود "
تحدث انطونيو بغيظ ظنًا أنها تلعب بهاتف مارتن كالعادة وتأبى أن تعطيه له حتى يحدثه :
" أنتِ أيتها العجوز، انهضي واذهبي لمارتن واعطه ذلك الهاتف اللعين فوراً"
صاحت جولي بالمثل في أذنه :
" أخبرتك أنني لا أستطيع هو مشغول الآن "
" مشغول في ماذا ؟!"
" لا شأن لك "
ومع نهاية هذه الجملة أغلقت جولي المكالمة في وجه انطونيو، ثم نفخت بضيق وهي تسبه بكل ما تعلم من السباب، وبعدها نظرت حولها تبحث عن مارتن، لكن يبدو أنه لم يخرج بعد؛ لذلك نهضت بسرعة وهي تتحرك خارج المطعم نحو محل للهواتف رأته أثناء مجيئها مع مارتن هنا، تاركة الطاولة خلفها فارغة إلا من بعض بقايا الطعام .
وبعد خروجها بدقيقة تقريبًا، كان مارتن يتحرك نحوها وهو يعدل من وضع ساعته قائلًا بجدية :
" آسف للتأخر حبيبتي، لكن أسقطت بعض القهوة على بنطالي وخفت أن اخبرك فأقلقك و...."
توقف عن التكلم وهو يبصر مقعد جولي فارغًا، نظر حوله يمينًا ويسارًا، لكن لم يجدها، تحرك نحو المراحيض علها لحقت به ولم ينته، لكن أيضًا ام يجدها، عاد الطاولة مجددًا ليجد أن النادل بدأ يرتبها ظنًا أنهما رحلا، تحرك مارتن صوبه وهو يقول بقلق :
' مرحبًا ألم ترى الفتاة التي كانت معي؟! تركتها منذ دقائق والآن لم اجدها "
هز النادل رأسه بلا وهو يكمل عمله، بينما مارتن جن جنونه وهو يبحث عنها خوفًا أن تصل طريقها في هذا المكان الكبير والذي اخبرته أنها يومًا لم تطئه بقدمها، بحث بعينه عن هاتفه وكما توقع لم يجده، خرج بخطوات سريعة خارج المطعم وهو يبحث عنها كالمجنون، وكأنه أب فقد ابنته الصغيرة في المكان، كان يركض في الممر وهو يبحث بعينه في جميع المحلات، لكن لم يعثر عليها وجملة صغيرة ترن في أذنه
( إن كان هناك شعور أكرهه غير الوحدة، فسيكون أن اشعر بنفسي ضائعة )
وعلى الجانب الآخر كانت جولي قد وصلت أخيرًا للمحل وهي تحمل الهاتف سعيدة، دخلت بأقدام مترددة وهي تنظر حولها بانبهار لكل هذه الهواتف الحديثة، ثم تحركت صوب المكتب الذي يقف خلفه عدة عمال تقول وهي تمد يدها بالهاتف :
" مرحبًا هل يمكنك مساعدتي في إصلاح هذا ؟!"
نظر الرجل للهاتف الذي في يدها، ثم منحها بسمة وهو يشير على مقاعد الانتظار :
" نعم تفضلي لحين انتهي آنستي "
هزت جولي رأسها، ثم تحركت ببطء نحو المقعد وجلست عليه تنتظر أن ينتهي من الامل وهي تلعب في أغطية الهواتف الملونة بانبهار شديد.
ومارتن كان قد وصل لحافة جنونه وهو يبحث عنها، وقد قرر أن يتوجه لمنطقة المراقبة الخاصة بالمركز، تحرك لهناك وهو يتنفس بقوة بسبب ركضه، يقول للعمال هناك :
" مرحبًا اريد مساعدتكم "
كانت جولي تجلس بكل استمتاع في المكان وهي تراقب عمل الرجل الذي بدأ يصلح الهاتف، حتى انتهى منه وهو يناديها :
" آنستي لقد انتهينا "
نهضت جولي من مكانها وهي تستلم الهاتف منه مبتسمة بسعادة كبيرة، لقد عاد وكأنه جديد، حملت الهاتف وضمته لها وهي تشكره :
" شكرًا لك كثيرًا، كم يكلف ؟؟"
ابتسم لها الرجل ثم اخبرها بالسعر، اخذت جولي تتفحص جيوب بنطالها بحثًا عن المال الذي يتركه معها مارتن دائمًا تحسبًا لأي موقف، وبالفعل أعطته ثمن الهاتف، ثم تحركت للخارج نحو المطعم مجددًا، لكن توقفت أقدامها وهي تحاول التذكر من أي طريق أتت، تحركت مجددًا في إحدى الاتجاهات التي خمنت أنه الاتجاه الصحيح، لكن يبدو أن ذاكرتها خانتها تلك المرة وهي تجد نفسها تقف في منطقة كل المحلات بها مغلقة.
هنا وبدأ قلب جولي يرتجف خوفًا، بعدما نظرت للساعة وهي تتخيل جنون مارتن الآن، هبطت دموعها بخوف وشعور الضياع يخنقها، ورغم أن الأمر لا يستحق، إلا أنها كانت دائمًا تخشى الضياع؛ لذلك بكت بخوف وهي تعود أدراجها نحو محل الهواتف، لكن مجددًا اضلت الطريق، هنا وانفجرت طاقة تحملها وهي تحتضن الهاتف خائفة، هي حتى لا تستطيع الاتصال بمارتن فهاتفه يقبع هنا بين أحضانها، كان بكائها يجذب جميع الأنظار حولها بتعجب، وهي تتحرك بلا هدف غير مهتمة بأحد، لكن فجأة سمعت صوت يتردد في انحاء المكان، صوت ينادي اسمها، ولم يكن أي صوت بل كان صوت مارتن :
" جولي ...جولي حبيبتي هذا أنا مارتن، إن كنتِ تسمعينني الآن فتوجهي صوب مركز الادارة الخاص بالمكان، اسألي أي أحد ليدلك عليه "
ضرب قلب جولي جنبات صدرها وهي تستمع لصوت مارتن، لتهبط دموعها أكثر وهي تنظر حولها بلهفة تبحث عن أحد ليدلها على الطريق وصوت مارتن مازال يصدح في المكان :
" أنا انتظرك هناك جولي، لا تهلعي ولا تخافي حبيبتي، فقط اهدأي واسألي أي أحد عن الطريق "
تحركت جولي صوب اول رجل قابلته، ثم أشارت له أن يساعدها :
" ارجوك هل يمكنك أخذي لمركز الإدارة هنا ؟؟"
كان مارتن يجلس في المكتب وهو خائف عليها يشعر أنها الآن منهارة، يتذكر جيدًا حديثها له، أنها تخشى وبشدة تركه، تخشى أن تضل عنه، تختنق من شعور أنها وحيدة تائه، منذ كانت طفلة، كانت تنهار خوفًا حينما تشعر أنها تائهة او وحيدة، مسح وجهه بتعب وهو ينظر للباب، ثم نهض مجددًا يتجه صوب المكبر حتى يتحدث به بأي شيء قد يطمئنها مجددًا، أي شيء يجعلها تشعر أنه جوارها، لكن ما كاد يقترب منه إلا ورأى الباب يُفتح وجولي تندفع له وهي تصرخ باسمه باكية :
" مارتن "
ركض مارتن صوبها وهو يتلقفها في أحضانه قائلًا بحنان :
" يا قلب مارتن، أنا هنا حبيبتي لا تخافي أنا هنا "
كان الشرطي المخصص بالمراقبة يفتح فمه ببلاهة وهو يرى أن تلك الجولي التي كاد ينهار خوفًا عليها هي آنسة ناضجة كان بإمكانها الرحيل ببساطة عندما ضلته أو حتى الاتصال به، كبت سخريته داخله وهو يهز رأسه، ثم تحرك خارج المكتب ليكمل أعماله بينما جولي كانت تبكي بقوة وهي تتحدث دون وعي :
" لقد تحطم هاتفك ...ذهبت لتصليحه واختفى المطعم، لم اجده مارتن وضللت الطريق ولم استطع العودة لك، لم أستطع حتى العودة للمنزل أنا لا أعرف طريقه، كنت خائفة كثيرًا شعرت أنني...أنني "
ربت عليها مارتن بحنان وهو يرى أن الأمر ليس طبيعيًا، فخوفها المرضي من الوحدة لغى عقلها تمامًا، لم يتحدث أو يلومها، لكن بكل بساطة قبّل رأسها بحنان وهو يردد :
" لا بأس بنية العينين، إن ضللتي أنتِ سأجدك أنا، لا تخافي فقط اهدأي "
ضمته جولي أكثر وهي تبكي رعبًا من الأمر، تخاف أن تتكرر نفس المأساة مجددًا، تخاف أن تضل عنه كما ضلت عن والدها في طفولتها، تلك الذكرى المقيتة التي ماتزال تطاردها، هي وحدها بين الآلاف الأشخاص في مكان واسع كبير وقد ضلت والدها، بكت وصرخت وترجت الجميع أن يعيدوها لوالدها، لكن كل ما استطاعوا فعله وقتها هو أن يلقوا بها في ذلك الملجأ الذي أكملت به المتبقي من طفولتها، وكل ذلك لأنها ضلت والدها، الأمر الذي لم تخبر به أحدًا حتى مارتن، والآن أصبحت تدرك جيدًا أن الضلال يعني وحدة جديدة عذاب جديد، وعقدة جديدة تضاف برأسها .....
" جولي حبيبتي هيا لنرحل من هنا "
ابتعدت عنه جولي وهي تهز رأسها، ثم أعطته الهاتف وهي تقول بفم مزموم :
" لقد اصلحت الهاتف "
زفر مارتن وهو ينظر للهاتف بين يديها :
" للجحيم أنا لا يهمني سواكِ جولي، هيا حبيبتي لنعد للمنزل "
سارت معه جولي للخارج وهي ما تزال تلتصق به وهو كان أكثر من مرحب بذلك، وصل معها للسيارة ثم فتح لها الباب بكل لطف وربط لها الحزام وبعدها منحها قبلة لطيفة على وجنتها، واستقر في لمقعد الخاص به خلف المقود وهو يتحرك بسيارته قائلًا بحنان :
" نامي قليلًا حبيبتي حتى نصل "
نظرت له جولي بأعين تائهة ثم قالت بخجل بعدما استوعبت تصرفاتها في الداخل وبكائها بهذا الشكل فقط لأنها ضلته، شعرت بالعجز من عدم استطاعتها التصرف في هكذا موقف :
" مارتن أنا آسفة"
" اششش، لا تتحدثي في هذا الأمر مجددًا، كل ذلك انتهى وها أنتِ جواري الآن لا بأس حبيبتي "
نظرت له جولي بامتنان ثم قالت وهي تغلق عينها :
" أنت الوحيد الذي لم ييأس البحث عني مارتن، أنت الوحيد الذي لم يترك يدي أو يمل مني، شكرًا لك "
رفع مارتن يده يربت على شعرها بحنان وهو يهمس بعدما رآها تسقط في النوم :
" حتى آخر انفاسي بنية العينين "
_____________________________
كان شاردًا في سقف الغرفة فوقه يتنهد كل ثانية والأخرى بارهاق جسدي، بسبب استنزاف طاقته فيما حدث منذ ساعات، بقاءه مع فبريانو تلك الساعات خفف عليه وطأة الوجع، ولا يدري كيف كانت لتكون حالته إن لم يكن فبريانو جواره .
افاق جاكيري من شروده على صوت طرق على الباب علم صاحبه جيدًا؛ لذلك تحدث بهدوء دون أن يعتدل :
" رفكة حبيبتي أنا بخير اقسم، فقط احتاج للــ "
ووقفت باقي كلماته على باب فمه وهو يرمق ذلك الشخص الذي فتح باب غرفته، ثم دخل لها واغلق الباب خلفه ووقف في منتصف الغرفة بكل كبرياء يقول بصوته الخشن المضحك :
" مر وقت طويل سيد جاكيري "
نظر له جاكيري ثواني بلا أي ردة فعل قبل أن ينفجر في الضحك وهو يتحرك من الفراش لذلك الشخص يتلقفه بين أحضانه بقوة وهو يدور به ضاحكًا :
" اشتقت لك يا صديقي "
ضحك الشخص بين ذراعيه وهو يبادله العناق متحدثًا بصوت رخيم بشكل مضحك :
" أخبرتني رفقة أنك تحتاج لمن تتحدث معه، ولا تريد التحدث معها هي، يمكنك أن تتحدث مع اسكندر كما تشاء يا سيدي "
ضحك جاكيري وهو يترك جسد رفقة من بين يديه، حيث كانت ترتدي تلك الباروكة وثياب الرجال وتبدو كما لو أنها عادت للوقت الذي كانت تتنكر فيه كأسكندر، رمقها جاكيري بحب وهو يقترب منها متحدثًا بخفوت :
" لكن اسكندر يا صديقي، أن نتحدث أنا وأنت خلف أبواب مغلقة، هذا سيثير الشكوك كثيرًا، سيظن البعض أننا لسنا طبيعيين "
ضحكت رفقة وهي تعدل من وضعية باروكتها، ثم سحبت يده خلفها نحو الشرفة التي تقبع وهي تقول بصوت رجالي :
" لا بأس أنا شخصيًا كنت أظنك من هذا النوع، الآن اجلس سيد جاكيري وأخبرني بالتحديد ما هي مشكلتك وصدقني لن تعلم رفقة شيئًا عنه "
ابتسم جاكيري وهو يجلس على المقعد جوار رفقة، ثم قرب خاصته منها حتى أصبح المقعدين ملتصقين وأراح رأسه على كتفه وهو يشرد في السماء أمامه يتحدث ببسمة صغيرة :
" أحيانًا يطاردك الماضي الخاص بك بجسارة، فبعدما ظننت أنك تخلصت منه تجده يعود لك وهو يبتسم في وجهك باستفزاز مقيت ملوحًا بيده وهو يقول مرحبًا جاكيري هل تتذكرني "
رفعت رفقة يدها وهي تخللها في خصلات جاكيري بحنان شديد جعله يغمض عينه بارتياح شديد، ثم قالت بهدوء شديد وهي تمسك يده بيدها الأخرى هامسة بحب :
" أحيانًا تحتاج للتمسك بيد تجتذبك من بحار الماضي تلك إلى شاطئ المستقبل عزيزي"
" اممم، وهذه اليد ستكون أنت اسكندر ؟!"
ابتسمت رفقة وهي تنظر له ببسمة :
" إن أردت سأكون "
مد جاكيري يده وانتزع الباروكة التي تعلو رأسها، ثم نثر خصلاتها التي مازالت حريرية وهو يقول :
" لا بل أنا أريد رفكة، رفكة وفقط، أنا أحب اسكندر هو صديقي، لكن رفكة هي دنياي "
صمت يراقب عينها اللامعة بعشق، ثم قال وهو يجذب خصلة من شعرها بغيظ ومازال رأسه يسترح أعلى كتفها :
" لم تعيدي صغاري بعد ؟!"
" جاكيري مابك اترك شعري، ثم أنا أخبرتك أنني سأعيدها، فقط انتظر فترة صغيرة حتى لا أفسد شعري "
ابتعد جاكيري عنها، ونهض وهو يبعد مقعده أيضًا من جوارها وهمس بحنق شديد :
" إذن حتى تلك اللحظة، اياكِ ولمس جسدي الطاهر "
أطلقت رفقة صوتًا ساخرًا وهي تنظر له بحنق :
" يعني قتال قتلة ورقاص وبتقول طاهر؟! يا بجاحتك يا اخي ده أنت ناقص تبيع مخدرات عشان تكون عملت هاترك"
" أنا افهمك رفكة، ثم على الأقل عندما اقتل فأنا اقتل الأشرار الذين يؤذون الآخرين، بينما أنتِ ما الذي اذاكِ به صغاري ؟! أنتِ شريرة كبيرة، أشعر حقًا بالغضب "
اعتدلت رفقة في جلستها وهي تقول محتدة :
" مهلًا مهلًا، ألم نتحدث في هذا الأمر واخبرتني أنك ستتقبلني بأي هيئة، أم أن ذلك كان مجرد حديث لا أساس له ؟!"
هز جاكيري رأسه بهدوء :
" نعم أنا قلت هذا، لكن أنتِ أيضًا بالمقابل قلتِ أنكِ ستعيدين شعرك لما كان عليه، ثم هل رأيتِ في حياتك رجلًا يصدق حديثه "
هزت رفقة رأسها وهي تقول بعناد :
" نعم "
تحدث جاكيري بحنق وغيظ :
" يا فتاة ما الذي فعلتيه، لقد افسدتي الحوار للتو، من المفترض بكِ أن تقولي لا، وأنا اخبرك، ها رأيتِ"
تنفس بغيظ ثم مسح وجهه وقال :
" حسنًا أيًا يكن اعيدي صغاري مجددًا "
نهضت رفقة وهي تتخصر باعتراض :
" وماذا إن لم أفعل "
" سأحلق شعرك بالكامل رفقة، افضل أن تكوني صلعاء على ذلك الشعر الناعم المستفز"
صمت ثم أضاف بغيظ :
" كلما لامسته شعرت به يتسرب من بين اصابعي بشكل مثير للغضب"
ابتسمت رفقة، ثم اقتربت منه وهي تلقي نفسها بين أحضانه في شكل فاجئه هو لدرجة أنه تراجع للخلف وهو يسمعها تردد بلطف :
" هيا جاكي، ألا يمكنني الاحتفاظ به أيام قليلة أخرى"
" لا وتوقفي عن استخدام تلك الكلمة لاستغلال ضعفي تجاهك "
ابتعدت عنه رفقة بحنق شديد، ثم امسكت الباروكة الخاصة بها وهي تقول بغضب مدبدبة باقدامها في الأرض :
" حسنًا جاكيري تذكر هذا، سوف أجعلك تندم، فقط انتظر وسوف ترى "
انتهت رفقة من حديثها وهي تغادر مغلقة الباب بعنف خلفها مما جعل جاكيري يصرخ بصوت عالي حتى يصل لها :
" أنا لا اخافك يا فتاة فلتفعلي ما تريدين لا اهتم، ثم لا أحد يهددني أنا لست لطيفًا كما أظهر معكِ، أنتِ تتحدثين مع مجرمٍ سمعتِ، ولا تدخلي غرفتي مرة أخرى لغوايتي أيتها القاتلة الشريرة "
فتحت رفقة الباب مرة أخرى بقوة، ثم تحركت بخطوات حادة شرسة صوب الفراش والقت بنفسها عليه وهي ترفع الغطاء عليها قائلة بعناد لا تود تركه اليوم وهو بهذه الحالة :
" حسنًا سيد جاكيري، لنرى كيف ستشارك الفراش مع قاتلة شريرة مثلي "
ابتسم جاكيري بخبث وهو يتحرك صوب الفراش مرددًا :
" إن كان ذلك عقابًا "
تبع كلماته بجسده الذي توسط الفراش، ثم جذب رفقة لاحضانه مقبلًا رأسها بحنان :
" عاقبيني طوال الوقت، أنا أحب ذلك العقاب الذي ينتهي بين احضانك "
ضمت رفقة رأسه لها وهي تردد بحنان مربتة على ظهره :
" حبيبي أنا دائمًا هنا لأجلك، ودائمًا ستكون أحضاني هي نهاية يومك جاكي الحبيب "
___________________________________
" اسرع أيها الحقير، اخي مات وتعفن وأنت تقود كسلحفاة تنافس سيلين في العمر "
كان ذلك حديث مايك الصارخ وجواره يقبع آدم الذي يقود السيارة وفي الخلف ماركوس الذي كان كل ثانية وأخرى يصرخ في وجه ادم :
" ادم اسرع ما بك، الطريق خالي أسرع أكثر "
ضرب ادم المقود وهو يصرخ :
" تبًا لكما وللحقير مارسيلو، هذه أقصى سرعة للسيارة، ماذا افعل ؟! هل احمل السيارة على كتفي واركض بها ؟!"
صمت ادم وهو يتنفس بعنف يحاول أن يهدأ نفسه، ويعود لحالته التي استطاع الاحمقان جواره أن يخرجون منها :
" إن سمعت كلمة إضافية من احدكما، سوف اقفز بالسيارة في أول منحدر يقابلني وعندها سنلحق ثلاثتنا باخيكما "
صمت ثم تمتم بغيظ وضيق :
" لا أعلم لِمَ أنا بالتحديد من حُكم عليه باصطحابكما؟! وكأنه ينقصني اليوم "
نظر مايك له ثواني، ثم هبط على كتفه بضربة عنيفة يصرخ في وجهه بتعنت :
" هل تتحدث معي بقلة احترام الآن ؟! أنا الكبير هنا "
نظر له آدم وهو يعض شفتيه ثم قال بصراخ :
" أنني اتحمل فقط لأجل أن ننتهي من هذا كله، لكن إن لمستني مرة أخرى سوف اترك المقود ولنرى من سيوصلنا لمارسيلو، هذه سيارتي وأنا من يقود؛ لذلك يا سيد أنت مجبر على احترامي "
صمت مايك وهو ينظر لماركوس في الخلف وملامح الصدمة من طريقة تعامل ادم الخشنة تحتل أوجه الاثنين، لكن تجاهلا كل ذلك طالما سيوصلهما لاخيهما الذي حدثتهم فتاة عنه منذ ساعة تخبرهم أنه مات .
أشار مايك لسيارة تقف جوار بناية وهو يصرخ :
" ها هي السيارة التي أرسلتها له، توقف جانبًا ادم"
وبالفعل اقترب آدم من السيارة وهو يتوقف بخاصته، ولم يكد يستقر بها جوار الرصيف حتى سارع مايك يخرج من السيارة وهو يصرخ :
" اخي ..."
تبعه ماركوس بفزع يركضان صوب السيارة التي تقف أمامها فتاة تبدو كهر مبتل، كانت ترتعش وتبكي خوفًا وهي تردد بتوتر وقلق :
" لقد كان بخير حتى أوصلني هنا، وعندما توقف بالسيارة هبطت لإحضار حقيبتي، لكنه لم يهبط ليساعدني، وعندما اتيت رأيته بهذا الوضع "
كانت راسيل تتحدث وهي تنظر لمارسيلو بخوف عليه، بينما مايك يقترب من مارسيلو وهو يقول بتأثر ودموعه تكاد تهبط :
" يا اخي ما الذي حدث لك ؟!"
تحدث ماركوس وهو يقترب من السيارة :
" هل تناول شيئًا ؟!"
هزت راسيل رأسها وهي تنفي حديثه :
" فقط طعام الطائرة "
نظر آدم وماركوس لبعضهما البعض وشعور أنه ربما تسمم هو الأقرب للحقيقة، نظر ماركوس لمايك الذي كان يحاول رفع رأس مارسيلو من على المقود بهدوء وحنان شديد وهو يهمس :
" مارس عزيزي من فعل بك هذا ؟؟"
لكن وأثناء رفع رأس مارسيلو تمتم مارسيلو بشيء وهو يبعد يد مايك بغيظ وبعدها عاد واستند برأسه على المقود يعود لحالته الاولى، وبمجرد حدوث ذلك حتى عادت راسيل للخلف برعب ظنًا أنه استافق من موته، لكن مايك ضيق عينيه وهو يقترب منه يخفض رأسه حتى يرى وجهه، ثم تحدث بهدوء :
" مارسيلو ؟! "
ولم يصل له رد من مارسيلو، لذلك ودون تفكير مد يده وصفعه صفعة عنيفة وهو يصرخ :
" استيقظ ايها الكسول كدت تقتلنا "
فتحت راسيل فمها بصدمة من حديث مايك، ثم اقتربت وهي تقول بعدم فهم ونظراتها تتحرك على وجه مارسيلو الذي كان يفرك وجهه بنعاس :
" ما الذي حدث ؟! هل كان نائمًا ؟! لفظ حاولت اكثر من مرة ايقاظه لكنه لم يفعل "
ابتسم مايك بحنق وهو يدفع جسد مارسيلو بعنف المقعد المجاور للسائق وهو يقول برتابة تدل على أن ذلك يحدث كثيرًا :
" لا بد وأنه لم ينم في الامس، هو يصبح كالزومبي عندما لا ينال قسط من الراحة تكفيه للتحرك، وتجديه ينام في أي وقت وأي مكان بلا أي مقدمات "
أنهى كلماته وهو يصفع وجه مارسيلو بغيظ :
" ذاك الكسول هو هكذا منذ كان طفلًا "
رمقته راسيل بصدمة وهي تنظر له بعدم تصديق، ثم ألقت نظرة سريعة على مارسيلو قبل أن ترتسم الحدة على وجهها وهي تصرخ بغضب جعل مايك يتراجع في مقعده بصدمة وجسده يسقط على المقعد المجاور له حيث كان ينام مارسيلو :
" للجحيم أنت والغبي مارسيلو، أنا لا أريد العمل معه مجددًا، أنا استقيل "
انتهت راسيل من كلماتها وهي تتحرك نحو البناية بخطوات سريعة جعلت الجميع يراقبها بعدم فهم، ثم عادت الأعين لمارسيلو وتحدث ماركوس بحنق وهو يتحرك صوب سيارة آدم :
" سأقتله عندما استيقظ "
تحرك آدم خلفه وهو يقول بفحيح :
" اللعنة على ثلاثتكم أيها الإخوة Ma "
نظر له مايك بتشنج ثم أخرج رأسه من السيارة وهو يصرخ بغيظ :
" وما شأني أنا أيها الاحمق؟! أنا أيضًا كاد قلبي يتوقف رعبًا على ذلك الكسول"
ختم كملته وهو يصفع مارسيلو مجددًا ليعلو صوت حانق من مارسيلو وهو يدير وجهه بعيدًا عن مايك، بينما مايك تحرك بسيارته وهو يتحدث بنزف:
" أيها المغفل كيف تنام هكذا في أي مكان، ماذا لو كنت في مكان خطير وسقطت كالجثة هكذا ؟! من كان سيعلمنا؟! جيد أن مساعدتك المجنونة اتصلت بي وإلا لكان ظهرك كُسر من النوم الطويل في السيارة "
كان مايك يقود وهو يقول بغيظ :
" فقط استيقظ وسأريك الويل "
____________________________
تجلس كعادتها جلستها المفضلة أعلى منزل لولو وجوارها يجلس فبريانو الذي كان يشرد في السماء، قبل أن يقول بصوت خرج بعد تنهيدة قصيرة :
" سوف اعود غدًا لإيطاليا لأجل الــ "
لكن لم يكمل كلمته بسبب استدارة روبين المفاجئة له وهي تفتح عينها بصدمة :
" هترجع وتسيبني هنا ؟! "
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة، ثم قال وهو يعود لسابق عهده يحترف التمثيل على تلك الحمقاء جواره؛ لذلك ادعى الحزن وهو يقول بتنهيدة حاول جعلها حزينة مهمومة :
" في الحقيقة روبين أنا فكرت كثيرًا قبل أن اخبرك ذلك، أعني لقد تعبت كثيرًا من الركض خلفك، أنا أود العودة للبلاد والاستقرار هناك، علّي أجد من تريح قلبي واخيرًا "
وشهقة روبين جواره أخبرته أنه أحرز الهدف في منتصف المرمى الخاص بروبين، نهضت روبين تقف أمامه وهي تقول متخصرة :
" تــ ايه يا حبيبي ؟! تريح قلبك ؟! ده أنا هريحك الراحة الأبدية لو فكرت تعمل كده، مش بعد ما اضيع كل الوقت والجهد والأكل ده معاك تيجي تقولي أود العودة للبلاد "
روبين أخرى تصدم فبريانو بظهورها المفاجئ، كان يراقبها وهي تحرك يديها أمام وجهها بشكل غريب وفمها يلتوي في حركات مضحكة، حيث ترفع طرف شفتيها تارة وتهبط به تارة .
ضربت روبين كفيها في بعضهما وهي تكمل حديثها السوقي :
" لا فوق يا حبيبي مش انا اللي هبكي على اطلالك، ده أنا هخليك أنت نفسك اطلال، اوعاك تكون مفكرني هبلة وعبيطة، لا ده انا لساني اطول من لسانك اللي عايز قطعه، لكن أنا اللي مش بحب المشاكل "
صمتت روبين وهي تتنفس بحدة، ثم فجأة تركته مذهولًا من ردة فعلها وركضت بعيدًا عنه بشكل فاجئه وبشدة، تحركت عين فبريانو مع جسد روبين التي ركضت للاسفل تاركة إياه لا يصدق ما رآه .
سمع صوت جواره يقول بتسلية :
" ايه رأيك بقى فيها ؟! تهبل "
نظر لها في فبريانو بتساؤل :
" أنتِ من علمتيها أن تفعل هذا ؟!"
" امال يعني اسيبك تيجي على البنت عشان غلبانة ؟؟ من بعد ما زعلتها المرة اللي فاتت وانا قولت مبدهاش يا لولو لازم تثقفي البنت "
نهض فبريانو بقوة وهو يقول بحنق شديد :
" ما الذي فعلتيه أيتها العجوز، لقد حولتِ ارنبي الوردي لقطة متشردة "
ابتسمت لولو وهي تعود بنظرها للحاسوب المحمول أمامها تقول بعدم اهتمام :
" وأنت عايزني اسيبها ارنب عشان تعملها على ملوخية وتطفحها؟! لا ده انا هخليها تخربش فيك لما تبوظ خلقتك دي "
في ذلك الوقت عادت روبين من الأسفل وهي تتحرك نحو فبريانو تمسح باقي آثار الدموع التي ركضت لتخفيها عن عينه، يكفيها أن تظهر أمامه الفتاة الباكية الغبية، والآن ها هي بكت كما تريد، حان الوقت لاستكمال جولة " الردح المصري "، رفعت روبين وجهها لفبريانو الذي تأوه بحب وهو يقترب منها يجفف باقي الدموع عن وجهها وهو يهمس بحزن :
" ماذا فعلت بكِ تلك المجرمة ارنبي الوردي ؟! لقد حولتكِ، وادي النيل تلك "
استدارت لولو فجأة كالرصاصة وهي تقول بصوت مخيف :
" أنت قولت ايه ؟! ملكش دعوة باسمي ياجدع أنت"
" ولا أنتِ ليكِ دعوة بروبين يا لولو وإلا هتلاقيني بكرة ماشي في الحارة كلها وماسك ميكرفون وبنادي عليكِ "
ضمت لولو شفتيها بغيظ، ثم نظرت لروبين التي يبدو أنها أنهت جرعة الشراسة دفعة واحدة، والآن عادت مجددًا حمقاء يتم خداعها بمجرد بسمة وكلمة ..
" خليه يضحك عليكِ يا هبلة عشان يلسوعك تاني، خيبة عليكِ وعلى خلفتك"
تحدث فبريانو بغيظ :
" سيدة وادي "
" خرست، جاك مصيبة تاخدك، مش فاهمة بيتحدفوا علينا منين دول ؟!"
ضحكت روبين من بين شهقاتها وهي تنظر للولو مرددة :
متدعيش عليه يا لولو "
تشنجت لولو بغيظ، ثم عادت بنظرها للمسلسل الذي تتابعه وهي تردد بخفوت وحنق شديد :
" هتعيشي وتموتي مهزقة، حتى اكتر من بطلة المسلسل المكسيكي اللي جوزها عطاها بالجذمة ورجعت ليه زي الكلبة "
جذب فبريانو يد روبين وسحبها بهدوء للمكان الذي كان يجلس به معها وهو يقول بهدوء يشرح لها كل شيء :
" حبيبتي أنا سأعود للبلاد لأن جدي يريد ذلك، وليس لأنني سأستقر هناك، روبين أنا استقراري وطمأنينتي حيث أنتِ اعلمي هذا "
هزت روبين رأسها بتفهم وهي تقول :
" يعني أنت مش هتخوني ؟!"
ضحك فبريانو بخفوت على كلماتها :
" نعم لن اخونك حبيبتي "
ابتسمت له روبين، ثم عادت بنظرها للسماء وهي تقول بجدية :
" بابا وماما وجاسي راجعين بكرة برضو "
نظر لها فبريانو بترقب لتكمل هي ببسمة :
" ولأول مرة من سنوات طويلة هنتجمع "
ابتسم لها فبريانو وهو يمسك يدها يحرك اصابعه على كفها بحنان، ثم قال ببسمة واسعة وسعادة كبيرة :
" هذا يعني أنني بمجرد أن أعود لمصر، سوف آتي وأطالب بك ارنبي الوردي، ووقتها صدقيني لن ارحل من أمام منزل بدونك، وإن عارضني العالم كله فليحترق، فلا امرأة لي سواكِ، ولا حياة لي في بعدك "
كانت روبين ترمقه بترقب لباقي حديثه لكنه صمت وقد انتهى بالفعل لتضيف روبين بعدم فهم :
" بس كده ؟؟"
" ماذا ؟!"
اعتدلت روبين في جلستها وهي تقول بتوضيح :
" مش حابب تضيف حاجة، زي قبيحة أو أكثر النساء قبحًا، يعني كلامك خلص كده ولا أنت بتجرجرني الاول وبعدين تديني على دماغي ؟!"
ضحك فبريانو بصخب، ثم أمسك خديها بمشاكسة وهو يقول :
" هل تزعجك كلماتي اللطيفة ؟!"
" لطيفة ؟! هي دي كل فكرتك عن اللطف ؟! امال لو كنت قاصد تتنمر أو تكسر بخاطري كنت قولت ايه ؟! "
ابتسم فبريانو وهو يقترب منها هامسًا "
أخبرتك سابقًا أنه عندما اخبرك كم أنتِ قبيحة، فأنا اقصد العكس، روبين أنا لا استخدم كلمة جميلة هذه سوى في حالات السخرية فقط "
صمت ثم أضاف بجدية :
" والآن ما رأيك بعناق وداع حنون ؟!"
__________________________
خرج انطونيو من المرحاض وهو يرتب خصلات شعره بيده، ينظر في أرجاء الغرفة بحثًا عن روما، لكن لم يجدها، انكمش وجهه بتعجب يتحرك خارج الغرفة بعدما بدل ثيابه الرسمية لأخرى منزلية مريحة، تحرك حافي القدمين في ممرات القصر يبحث عن روما، وما كاد يفتح فمه لينادي عليها حتى لمح باب غرفة روز مفتوح و روما تجلس على الفراش رفقتها وهي تبكي بشكل أصاب قلبه في مقتل .
توقف انطونيو جوار الباب وهو يستمع صوت روما الباكي وهي تتحدث مع روز، رغم عدم مقدرة روز للرد _ حسب معرفة انطونيو _ إلا أن روما لم تتوانى عن البكاء والشكوى :
" لقد أخبرني أنه ليس غاضبًا روز، لكنني في داخلي اعلم جيدًا أنه حزين وغاضب، هو فقط يحاول تخفيف من وطأة الأمر "
صمتت ثم قالت ببكاء أكثر :
' أشعر بالرعب من فكرة أن انطونيو قد يتغير معي، أو يقلل ..."
صمتت وهي تنفجر في البكاء، لتتدخل جولي من حيث لا يدري في تلك اللحظة وهي تربت على روما تقول بهدوء :
" الجميع هنا روما يعلم جيدًا كم يحبك ذلك القبيح، ورغم كرهي له، إلا أنني لا اعتقد أنه من ذلك النوع الذي يقل مقدار حبه بمجرد موقف صغير كهذا "
تحدثت روما بصراخ لم تتحكم به من بين شهقاتها :
" أي موقف صغير هذا جولي؟! هل ما حدث تسمينه صغير ؟؟"
وضعت روما يدها على فمها وهي تحاول تمالك أعصابها تهمس بتعب :
" أنا أشعر حقًا بالخوف جولي، بل الرعب من فكرة أن انطونيو قد يمل مني يومًا "
وها هي روما قد لمست النقطة التي تسببت في أرق جولي أيام، و مازالت تفعل لدى روز التي تخشى أن يتركها جايك يومًا ...
" روما "
لم يكن ذلك الصوت من جولي أو حتى روز، بل كان صوتًا اجشًا هادئًا، صوت انطونيو الذي كان يقف خارج الغرفة يتحدث بهدوء وبسمة :
" كنت ابحث عنك منذ دقائق، هيا حبيبتي للنوم "
مسحت روما دموعها بسرعة وهي تنظر للفتيات بتردد، لكن دفعة جولي القوية كادت تسقطها ارضًا وهي تزجرها بنظراتها مغتاظة :
" اذهبي له يا فتاة ما بكِ ؟!"
ابتلعت روما ريقها وهي تنهض من الفراش تتحرك نحو انطونيو ببطء وتردد تحت نظرات جولي المغتاظة، ونظرات روز المشجعة، ثم وقفت أمام انطونيو ولم تكد تتحدث، حتى سحب هو يدها بلطف معه تاركًا روز وجولي ينظران لاثرهما بلطف، قبل أن تتحدث جولي وهي تلوي شفتيها :
" أنا اكره هذا الرجل حقًا "
في الغرفة بمجرد أن دخل انطونيو اغلق الباب خلفه وماكادت روما تفتح فمها وتتحدث، حتى تفاجئت به يضمها لاحضانه بكل حنان وهو يهمس قرب أذنها برفق :
" اشتقت لكِ جميلة الجميلات "
فتحت روما فمها بصدمة وهي تستشعر ضمته وقد بدأت دموعها تتجمع في عينها مجددًا تهمس بصوت مختنق بالدموع :
" انطونيو اقسم أنني لم اقصد أن اخفي عليك أمرًا كهذا، لكنني ظننت بكل غباء أن الماضي يمكن دفنه ونسيانه، اقسم لك هو لم يقترب مني يومًا أنا لم اســ "
" اشششش انتهينا من هذا كل روما، ارجوكِ أنسي كل هذا حبيبتي، ودعينا نبدأ الفصل الجديد من حياتنا دون أي شائبة من الماضي "
ابتسمت روما بسمة صافية صغيرة وهي تدفن وجهها في صدره انطونيو هامسة بحب :
" شكرًا لك طوني، أنت افضل طوني في هذا العالم كله "
استند انطونيو بذقنه على رأسها وهو يهمس بحنان :
" وأنتِ العالم كله جميلة الجميلات "
____________________________________
كانت ترتاح على فراشها وهي تعتمد على بطنها تقلب أقدامها في الهواء تدندن بصوت شجي، وفي يدها تمسك ورقة وقلم وتدون بها كل ما تشعر به والأجواء الهادئة حولها تساعد حقًا على السلام الداخلي الذي لطالما بحثت عنه سابقًا.
لكن كل ذلك تلاشى فوراً وهي تسمع صوت فتح الباب بعنف مخيف، ثم بعدها صوت خطوات عنيفة تتجه صوبها، وصوت صراخ جعل جدران الغرفة تهتز :
" فيور أيتها اللعينة الصغيرة، ألم اخبرك أن تحذفي كل تلك الأشياء الخاصة بي من على الموقع ؟! منذ الصباح وهاتفي لا يتوقف عن الرنين بسبب غبائك"
زحفت فيور برعب منه وهي تحاول الاحتماء في الجدار الذي يستند عليه الفراش، لكن ماركوس لم يسمح لها وهو يجذبها بقوة وهي تتمسك في الفراش وتصرخ برعب وكأن هناك وحشًا يسحبها للجحيم ...
" لا اتركني، أنا حذفت كل شيء اقسم لك حذفت كل شيء "
كانت تتحدث وهي تمسك غطاء الفراش الذي جذبه ماركوس معه وهو يقترب من وجهها الذي كانت تخفيه خلف الغطاء :
" حذفتِ كل شيء ؟! إذن ما هذه الرسائل التي تصلني كل دقيقة ؟!"
ختم حديثه وهو يرفع هاتفه في وجهها ليريها رسالة من إحدى الفتيات التي كانت تتغزل في كم هو وسيم وكم أن شعره جذاب، وتتغزل في عينه التي سحبتها لبحار عشقه من النظرة الاولى، وبلا إرادة تحركت عين فيور لماركوس وهي تنظر لها تبحث عن تلك البحار التي تتحدث عنها الفتاة :
" أي بحار التي تتحدث عنها تلك الكاذبة، أنا لا أرى سوى عواصف "
" وتلك العواصف ستقتلع رأسك فيور إن لم تتوقفي عن لعب دور أمي، يا فتاة أنتِ تصغرينني بسنوات؛ لذلك لا تضعي نفسك في مكانة ليست لكِ "
لوت فيور فمها وهي تنظر له ثم أخبرته بجدية :
" حسنًا أنا بالفعل حذفت الصفحة الخاصة بك، لكن ربما هؤلاء الفتيات رأينها قبل الحذف واحتفظن بصورة منها أو أيًا يكن، لكن اقسم أنني حذفتها، ثم ما بك الفتاة كانت تغازلك، في حياتي لم أر رجلًا يغضب بهذا الشكل لأن امرأة تغازله "
ضغط ماركوس على فكه وهو يقول بغضب :
" هذا لأن هذه المرأة لا تعني لي شيئًا، هي ليست امرأتي لاتقبل منها غزلًا كهذا، الأمر لا يروقني فيور، بل يصيبني بالاشمئزاز فقط "
نظرت فيور له بخوف وهي تهز رأسها بحسنًا :
'" حسنًا أنا آسفة، اقسم أنني لن أتدخل بحياتك مجددًا، حتى وإن رأيتك تشيخ وحيدًا، سأتركك وحدك كـ كلبٍ اجرب لا يجد من يحنو عليه "
ختم حديثها بغيظ، لينقض عليها ماركوس وهو يصرخ في وجهها :
" حينما سأتي والتصق بكِ ليصيبك الجرب أيتها الغبية، ثم من أخبرك أنني سأظل وحيدًا طوال حياتي ؟! فتاتي موجودة في هذا العالم في مكانٍ ما تنتظر أن أراها فقط، وأنتِ من ستبقين كالكلب الاجرب هكذا لن تجدي أحد يقبل بقامتك الضئيلة تلك "
فتحت فيور عينها بصدمة من وقاحته، ثم صرخت في وجهه :
" ليس كل الرجال حمقى مثلك ينظرون لي كما لو أنني طفلة، هناك في هذه العالم في مكانٍ ما رجل وسيم ولطيف ينتظرني، ووقتها سوف امسك بيده واقف به امامك واخبرك أنني يا سيد ماركوس حصلت على شريك حياتي الذي يقبلني بقامتي وتصرفاتي وكل شيء، ولا ينزعج حينما ألعب دور والدته"
كانت تتحدث فيور بعصبية وصدرها يعلو ويهبط بقوة، قبل أن تجد حاجب ماركوس يرتفع ثم ابتسم يمد يده :
" حسنًا سأعتبر هذا تحدي، وآخر من يجد شريك حياته كلب اجرب "
صافحته فيور وهي تبتسم بخبث له :
" لك ذلك ....عم ماركوس "
_______________________
هبط انطونيو في صباح اليوم التالي وهو يعدل من وضعية بذلته ليجد جده يتوسط طاولة الفطور وحوله جميع افراد العائلة بلا استثناء عدا فبريانو و جاكيري، ابتسم انطونيو بسمة واسعة وهو يتجه صوب المقعظ المجاور لروما يمنحها غمزة مشاكسة، ثم جلس وهو يتناول قطعة فاكهة مرددًا ببسمة واسعة :
" هل هناك مناسبة اليوم لنجتمع على الفطور ؟!"
كان يتحدث وهو يرمق الجميع ، ليأتيه الرد من جده وهو يقول ببسمة صغيرة :
" لا فقط استيقظت وأنا أشعر بالحنين للاجتماع مجددًا على طاولة طعام واحدة "
أنهى حديثه ثم رفع قطعة خبز لفمه وهو يقول بهدوء دون حتى أن يجيد بعينه عن الطاولة :
" أيقظ ذلك الاحمق جوارك جايك "
نظر جايك جواره لمارسيلو الذي كانت رأسه مستقرة أعلى طاولة الفطور، ثم ضرب رأسه بغيظ وهو يقول :
" يا رجل أنت نائم منذ مساء البارحة ما بك ؟!"
رفع مارسيلو رأسه وهو يرمق الجميع بعين مغلقة، رغم أن جده أجبره على أخذ حمام بارد عله يفيق، همس مارسيلو بحنق وصوت متذمر:
" أنت لا تقدر كم المعاناة التي مررت بها في تلك الرحلة، لم أكن أنام الليل يافتى، كنت منكبًا على العمل طوال أيام رحلتي، حقًا العمل شاق للغاية "
ارتشف مايك بعض مشروبه وهو يردد بسخرية :
" نعم شاق لدرجة أن مساعدتك الشخصية الجميلة استقالت وتركت لك العمل"
رفع مارسيلو عينه لأخيه وهو يهمس بأعين شبه مغلقة :
" استقالت ؟! ومن هذا الذي سيسمح لها بالاستقالة؟! "
صمت وهو يمد يده يتناول كوبًا من القهوة علّه يستفيق :
"لا يمكنها الاستقالة وتركي بعدما جعلتني اتخلى عن اهم شيء في حياتي لأجلها "
انتبهت حواس الجميع لحديث مارسيلو وارتسمت بسمات واسعة على أوجه الجميع، قبل أن يبادر ماركوس يتساءل بجدية :
" لا تخبرني أنك فرطت في قلبك بهذه السهولة يا اخي ؟!"
ضربه مايك بغيظ وهو يعنفه، ثم نظر لمارسيلو يقول ببسمة :
" لا تستمع من ذلك المتحجر، أخبرني كيف تخليت عن قلبك لأجلها "
رفع مارسيلو حاجبه وشفتيه في تزامن ساخر وهو يردد يتناول من حلوى روز التي كان جايك يضعها امامه، رغم زمجرات الأخير وهو يقول بفم ممتلئ بالطعام :
" أي قلب هذا ؟!"
لوى مايك شفتيه ثم قال بغيظ :
" ألم تخبرني أنك تخليت عن اغلى شيء بحياتك لأجلها ولذلك لا تريدها أن ترحل ؟!"
" نعم كنت اقصد جوربي البرتقالي، أنا لن ادعها ترحل حتى تحضر لي واحدًا جديدًا "
ركله مايك بنظرات مشمئزة وهو يردد مغتاظًا :
" جورب برتقالي؟! أنت صاحب ذوق بشع، مقرف "
" لا ادري ما مشكلة الجميع مع جوربي البرتقالي ؟! "
نظر آدم جواره لهايز التي كانت تبدو شاردة :
" ما بكِ هايز، هل هناك شيء ؟!"
" عملية ايان غدًا آدم"
اهتز قلب آدم لحزنها، ثم اقترب منها وهمس لها بلطف :
" سوف يكون بخير جميلتي ويعود إلينا، وسوف نحضره معنا للمنزل هنا "
نظرت له هايز بخوف، ليرفع ادم يدها بلطف مقبلًا إياها :
" اطمئني جميلتي، صغيرنا قوي "
بادلته هايز النظر وهي تقول برجاء :
" اريدك جواري آدم غدًا، أنا لا استطيع البقاء وحدي في انتظار انتهاء العملية"
" سأكون موجودًا جوارك هايز لا تقلقي حبيبتي "
تحدث مارتن وهو يجذب انتباه مايك له :
" سيد مايك أنت لم تتحدث معي بشأن فستان زفاف جولي "
ارتشف مايك من كوبه وهو يقول بتكبر :
" معذرة سيد مارتن، كنت مشغولًا في الآونة الأخيرة، يمكنك أخذ ميعاد من مساعدتي الشخصية إن أردت، وسوف تجيب عليك بالميعاد المناسب "
تناول مارتن قطعة الخبز وهو يعود بظهره للخلف يهز رأسه بموافقة وهو يضيف :
" وتحزن عندما اخبرك أنني سأقطع يديك، اقسم إن لم تحضر لي فستانًا يجعل جولي أميرة، سوف احرق لك مركزك اللعين مايك "
تجاهله مايك ولم يجب عليه وهو ينظر لهاتفه يرسل رسالة صغيرة لرقم لورا وهو يبتسم بسمة واسعة، لكن فجأة انتفض وهو يشعر بشيء يرتطم بوجهه في عنف شديد مما أدى لسقوط الكوب الذي كان يحمله ارضًا، رفع مايك وجهه بسرعة وهو يرمق مارتن بشر صارخًا :
" أيها الغبي لقد سكبت مشروبي ارضًا "
" عندما احدثك إياك وتجاهلي مايك، سمعت يا احمق ؟!"
كان اليخاندرو أثناء ذلك الحوار يتحدث بكل برود لانطونيو :
" بعد الفطور اريد الجميع في المكتب انطونيو "
هز انطونيو رأسه وهو يقول بهدوء :
" لك ذلك جدي "
نظر مايك بحسرة للمشروب الذي كان يسيل ارضًا جوار قدمه، قبل أن يمتصه المفرش أسفله، لوى فمه بكل أسف، وما كاد يرفع رأسه للسفرة مجددًا حتى وجد فجأة شيء يسقط على رأسه وصوت يصرخ بغضب جحيمي :
" أيها الوقح تستغل غيابي لتفسد سجادي الثمين، بدلًا من إحضار منشفة وتجففه، تراقب السجاد وهو يمتصه ؟!"
نظر مايك بصعقة لسيلين التي كانت تقف جواره وهي ترمق السجادة بحسرة وحزن، والجميع حوله لا يصدقون أن سيلين عادت، انتهت ايام الحرية في القصر والآن عادت من ستعد عليهم أنفاسهم .
في نفس الوقت كان جاكيري وفبريانو يدخلون للقصر بعدما عادوا سويًا رفقة سيلين إلى البلاد .
تحدث جاكيري وهو يرى نظرات الجميع لسيلين :
" ها أنتِ ذا يا سيلين تعودين لمملكتك بعيدًا عن ذلك العجوز"
نظر جايك صوب سيلين وهو يقضم طعامه بغيظ، فعند عودة سيلين ستحتل المطبخ مجددًا وهذا يعني أن فرصة بقاءه مع روز في المطبخ وحدهما أصبحت صفر ..
" اخي ما الذي جعلك تعيدها ؟! "
نظر جاكيري صوب جايك وهو يتحرك ناحية الطاولة يجلس على مقعد جوار جولي يتناول الطعام بنهم شديد :
" لقد أخبرتني أن أعيدها، كما أنني لم اعد احتمل ضوضائها كل يوم "
رمق جايك سيلين بشر وكأنها أضحت خصمًا له في معركة ما، بينما فبريانو كان قد استقر في مقعده جوار جده من الجهة الأخرى ومقابله يجلس انطونيو الذي نظر له وحياه ببسمة صغيرة وهزة رأس .
وهكذا أصبحت الصورة في عين اليخاندرو مكتملة بحضور جميع أحفاده، ابتسم اليخاندرو بسمة واسعة وهو يراقب الجميع، ثم قال بهدوء ونبرة ذات مغزى :
" مرحبًا بكما احبائي، جئتم في الوقت المناسب تمامًا ....."
______________________________
حبيت بارت اليوم تكون احداثه خفيفة لطيفة تحضيرًا الأحداث القادمة.....كونوا على الموعد .
اتمنى يكون البارت عجبكم والاحداث فيه نالت رضاكم، لأن حقيقي البارت اتكتب في فترة صعبة بمر بيها، واتمنى تكون الأحداث رغم ذلك كما توقعتم .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل العشرون 20 - بقلم رحمة نبيل
"أليستْ كل أمورك بيد الله؟
فليطمئن قلبُكَ" ❤️
صلوا على نبي الرحمة .
___________
كانت تقف في صالة المطار تنتظر عائلتها بشوق كبير تشعر بالحنين قد استبد بقلبها، وجوارها يقف العم توفيق واسكندر اللذان أصرا على الحضور معها، اسكندر لأنه يود رؤية جاسي، وتوفيق لأنه ملّ البقاء في المنزل .
ثواني حتى ظهر جسد جاسي على مرمى بصر الجميع وهي تجر حقيبة خلفها وترتدي حقيبة أخرى اصغر على كتفها وتغطي عينها بنظارة سوداء، كانت تسير بملامح جامدة بعض الشيء قبل أن تنفرج شيئًا فشيء وهي ترى اندفاع روبين صوبها، ارتسمت بسمة واسعة على وجه جاسي وهي تتحرك بسرعة صوب اختها تتلقفها في أحضانها بحب كبير وشوق قد اضناها، ولم تستطع أن تأخذ إجازة من عملها سوى الآن فقط ولولا توسط دراجون لها لما حصلت عليها حتى، يبدو أن معرفة قائدها باختها ستجني ثمارها الآن.
" وحشتيني اوي اوي يا جاسي وحشتيني اوي "
بادلتها جاسي العناق بحب وهي تقول بحنان :
" وأنتِ وحشتيني اكتر يا حياتي "
ضمتها روبين أكثر وهي لا تصدق أنها الآن وبعد كل تلك السنوات رأت اختها والتي كانت قد سافرت مع والدها منذ سنوات لا تعلم عددها حتى ولم تكن تراها سوى في المناسبات، وحتى أنها كانت لا تحضر البعض منها متعللة بعملها الذي عرفت هويته مؤخرًا بعدما قص عليها فبريانو كل شيء .
ابتعدت روبين عن اختها وهي تمسح دموعها، ثم بحثت بعينها خلفها عن والديها، لتجد أن جاسي جائت وحدها، انكمشت ملامح روبين بتعجب وهي تقول :
" امال فين بابا وماما ؟! مش المفروض انهم معاكِ ؟!"
هزت جاسي رأسها بنعم ثم وضحت الأمر :
" أيوة ياقلبي المفروض كانوا هينزلوا معايا، لكن على آخر لحظة بابا طلع ليه مشكلة في الشركات وتصفيتها، فقرر أنه يمد إقامته يوم كمان، وماما مرضتش تسيبه المرة دي وتنزل "
أنهت حديثها وهي تنحرف بعينها لاسكندر الذي اقترب منها وهو يمنحها بسمة هادئة وقلبه يضرب بعنف بين جنبات صدره :
" حمدالله على سلامتك يا جاسي، نورتي مصر كلها "
منحته جاسي ابتسامة اذابت قلبه للمرة المليون منذ لمحها قادمة نحوهم تتحدث بتعجب :
" اسكندر ؟! عاش من شافك يا راجل ؟! ايه الغيبة دي كلها ؟!"
ابتسم اسكندر وهو يحك رقبته :
" ظروف بقى بس خلاص عدت "
ابتسمت ليه جاسي وهي تنظر الرجل الذي كان يقف خلف اسكندر، ثم ضيقت عينها وهي تحاول تذكر إن كانت تعرفه أم لا، أشارت عليه وهي تقول مخمنة :
" وأنت تبقى ....."
صمتت قليلًا تحاول معرفة هويته، لكن توفيق لم يمنحها حتى فرصة التفكير وهو يدفع اسكندر وروبين جانبًا يحتل الرؤية أمام جاسي وهو يعدّل من وضع ثيابه المكونة من قميص وبنطال قماشي :
" أنا ابقى توفيق، اكيد تعرفيني او سمعتِ عني، اصل أنا مشهور في ايطاليا "
فتحت جاسي فمها وهي تحاول معرفة إن كانت رأته في ايطاليا ام لا، لذلك خمنت بجهل :
" مشهور في ايطاليا ؟؟ صاحب مطعم معروف ؟!"
" لا لا حاجة اكبر، ايه يا حضرة الظابط ده احنا حتى زُملة في المجال يعني، مش أنتِ ظابط برضو ؟!"
رفعت جاسي حاجبها بصدمة من معرفته بأمرها لدرجة أنها شكت لوهلة أنه ربما أحد القادة الكبار؛ لذلك تحدثت بشك :
" أنت واحد من القيادات العليا ؟!"
استدار توفيق للخلف وهو يتحدث بجهل لروبين :
" ايه القيادات العليا دي، أنا مش معايا رخصة "
رددت جاسي حديثه بجهل :
" رخصة ؟! رخصة ايه ؟!"
" مش القيادات دي تبع إدارة المرور!! هما اللي بيدوا رخص قيادة وكده، بس انا مش بعرف اسوق عربيات عشان مكدبش عليكِ، بس بعرف اسوق الكارو ( عربة تُجر بحمار ) "
شعرت جاسي أن رأسها أصبح مشوشًا منا تسمع :
" إدارة مرور ايه وكارو ايه ؟! أنا مش فاهمة حاجة ؟!"
نظرت لروبين وقالت بتعجب :
" مين ده ؟!"
ابتسمت روبين بسمة غبية صغيرة تخشى أن تعلم اختها أنها هي من أخبرت اسكندر وتوفيق بحقيقتها أثناء الطريق ودون شعور انجرفت في الحديث معهم واخبرتهم بحقيبتها :
" ده ...ده ده عم توفيق يبقى قريب رفقة واسكندر "
نظرت جاسي لتوفيق ثم رددت بجهل :
" يعني هو مش ظابط ولا واحد من القيادات العليا؟! امال ايه حكاية زملة وازاي عرف إني ظابط اساسا ؟!"
تدخل توفيق وهو يوضح الأمر لها :
" زملة عشان أنا كمان ضمن فريق حماية الأمن الايطالي، بشتغل فرد أمن على مجموعة شركات فوستاريكي، اما بقى مين اللي قالي فهي روبين، حكت لينا على كل حاجة "
حركت جاسي وجهها ببطء صوب روبين اللي منحتها بسمة غبية وهي تشير لباب الخروج :
" مش يلا عشان ترتاحي ؟! لولو عملت ليكِ الكيكة اللي بتحبيها "
همست جاسي بشر :
" يا ويلك مني يا روبين "
تقدم اسكندر واخذ منها الحقائب ثم أشار بيده لها :
" يلا عشان اوصلكم "
نظرت له جاسي وهي تبتسم له بلطف :
" مكنش لازم تتعب نفسك يا اسكندر"
" تعبك راحة يا جاسي يلا عشان منتأخرش "
وبالفعل تحرك اسكندر نحو السيارة وهو يحمل حقيبة جاسي، يشعر بخيبة الأمل، فجاسي مازالت تتعامل معه كأخ لها، ولم تنظر له حتى نظرة واحدة تبث الامل في علاقة بعيدًا عن الإخوة، تنهد بتعب وهو يهمس لنفسه :
" شكل الطريق طويل اوي "
________________________________
" أنا لا أريد فوضى، فقط أريدكم أن تذهبوا وتعلموا من وراء خطفي دون ترك أي دليل عليكم، لا اريد منهم أن يأخذوا حذرهم، بل اريدهم أن يتصرفوا كما لو أن شيئًا لم يكن، دعوهم يظنون أنهم مازالوا يتقدمون علينا بخطوة وأنهم ماز......"
قطع حديثه اليخاندرو المهم لاحفاده صوت تمتمات عالية صدرت فجأة من جهة احد أحفاده، ثم خمدت فجأة، عض اليخاندرو شفتيه بغيظ وهو ينظر صوب مارسيلو الذي كان غارقًا في نومه بشكل محير فهو لم يسبق له أن نام كل هذا الوقت :
" فبريانو اضرب هذا الاحمق "
نظر مايك لجده وهو ينهض من مكانه يتحرك صوب أخيه :
" لا بأس جدي أنا سأضربه "
" قلت فبريانو مايك "
نظر مايك صوب أخيه بشفقة، ثم عاد ببطء صوب مقعدة يراقب فبريانو الذي مد قدمه، ثم ضرب مقعد مارسيلو بعنف كبير تسبب في إسقاط مارسيلو ارضًا ولم يكد يستوعب ما حدث حتى وجد شيء يهبط فوق رأسه بعنف شديد، فتح مارسيلو عينه وهو يصرخ بفزع :
" يا حمقى، هكذا تتعاملون مع النائم ؟! تبًا لكم، من الغبي الذي ضربني ؟!"
أشار الجميع على فبريانو الذي ابتسم له بسمة صغيرة، ليبتلع مارسيلو ريقه وهو ينهض ويعدّل من وضعية مقعده، ثم يجلس عليه بهدوء وكأن شيئًا لم يكن، ونظر لجده منتبهًا، ابتسم اليخاندرو، ثم أكمل حديثه :
" حسنًا كما قلت، دعوهم يعتقدون أن لهم الأفضلية في تلك اللعبة، أود أن يكون الهجوم على قصر ذلك الاحمق ابن شقيق ايدن ( الرجل الذي قتله اليخاندرو أثناء الاجتماع ) كما لو أنه مجرد هجوم عادي من بعض الاخصام، انتم تعلمون أن ذلك المجال لا يخلو من العداوة والغدر "
كان الجميع يركز على حديث اليخاندرو بكل جدية، بينما اليخاندرو تحرك من خلف مقعده بعدما كان يعرض لها صور المداخل والمخارج التي التقطها بكاميرا الهاتف الذي أخذه من أحد الحراس بعد قتله، استقر اليخاندرو على مقعده الوثير وهو ينظر لمارتن بجدية :
" وأنت مارتن، أود أن يكون ذلك القصر بكل ما فيه امامي، اريد أن اتحكم في كاميرات المراقبة الخاصة بهم من مكاني هنا، وكل التسجيلات السابقة لأي اجتماع أريدها عندي هنا "
هز مارتن رأسه ثم قال :
" فلتعتبره امامك جدي "
صمت اليخاندرو ثم نظر لجاكيري ثواني، نظرات جعلت الجميع يتعجب قبل أن يزداد تعجبهم ويتحول لصدمة وهم يسمعون صوت اليخاندرو يقول بجدية :
" جاكيري أنت لن تذهب معهم "
رفع جاكيري حاجبه باستنكار :
" ماذا ؟!"
" أنت فقط ستنتظرهم بطائرة للخروج من المكان باسرع وقت"
" جدي أنا يمكنني حضور المهمة وقبل انتهائها أخرج واتجهز بالطائرة كما افعل دائمًا "
رمقه اليخاندرو قبل أن يقول بتعنت :
" لكن هذه المرة أنا لا أريد أن تحضر المهمة جاكيري، هل ستخالف اوامري ؟!"
نهض جاكيري من مكانه وملامحه تزداد قتامة، لكن رغم ذلك ابتسم بسمة صغيرة، ثم تحرك بعنف للخارج وهو يقول بلا اهتمام :
" إذن اعتقد أن وجودي هنا لم يعد له أهمية، اعذروني "
راقب الجميع خروج جاكيري من المكان كعاصفة هوجاء تكاد تقتلع ما يقابلها، ولم يتجرأ أحد على مناقشة أوامر جدهم، فهم يعلمون جيدًا أنه لا يخبرهم بشيء سوى بعد تفكير عميق، وأن كل أمر منه غير قابل للنقاش، وأنه لم يكن ليفعل شيئًا به ضرر لهم .
لم يتمكن انطونيو من الصمت أكثر وقد توجع لحزن أخيه :
" لِمَ جدي ؟! أنت تعرف أن جاكيري سيفيدنا كثيرًا في المهمة تلك "
هز اليخاندرو رأسه، ثم ضغط على الجهاز أمامه وهو يعرض صورًا لم يرد عرضها في وجود جاكيري :
" هذا القصر الذي سيتم الهجوم عليه، ليس قصرًا مخصصًا للعيش به كخاصتنا، بل هو قصر مخصص فقط للاجتماعات السرية التي يجريها ذلك الغبي، وايضًا ليخفي بها أعماله الغير قانونية كـ تجارة الأعضاء "
نظر الجميع لغرفة مظلمة لا يظهره منها سوى بعض الاجساد المتلاحمة، وقد استوعب الجميع الآن سبب استبعاد جاكيري من المهمة، اليخاندرو لا يريد انتكاسة لحفيده، فهو يعلم حساسية جاكيري بالنسبة لهذا الأمر تحديدًا.
نفخ فبريانو أنفاسه بغضب، ثم نهض وهو يقول :
" سأذهب لارى جاكيري لا بد أنه حزين "
تحرك نحو الأعلى بأقدام سريعة، ثم اتجه صوب غرفة جاكيري ....
وفي الأعلى كانت الموسيقى تخرج من غرفة جاكيري الذي كان يقف أمام المرآة الخاصة به وهو يصفف شعره ويغني مع الأغنية بسعادة كبيرة، ويحرك أقدامه مع الموسيقى .
كان فبريانو يقف وهو يستند على الباب بكتفه يراقب جاكيري وهو يبتسم بخبث، يعلم جيدًا أن ما أظهره جاكيري في الاسفل لم يكن حزنًا أو شيء من هذا القبيل، على العكس هو كان سعيدًا لأنه سيرتاح من المهمة وهو الوحيد الذي يعلم هذا جيدًا فلا أحد في هذا المنزل يعلم دواخل جاكيري كما يفعل هو، ربما لأنه أكثر المقربين له.
" ارى سعادتك تكاد تبلغ السماء "
انتفض جاكيري بفزع خوفًا أن يكتشف أحد سعادته بعدم خوض المهمة، لكن بمجرد أن لمح أن المتحدث هو فبريانو حتى ابتسم بسمة واسعة وهو يقول :
" وماذا تظن أنت؟؟ بينما أنتم تقاتلون وتُقتلون وتصابون، أنا سأكون في طيارتي العزيزة اتجرع بعض المشروبات الغازية واستمع لبعض الموسيقى "
ضحك فبريانو بصخب، ثم تحرك صوبه وهو يقول بتفكير قصير :
" يبدو الأمر ممتعًا، ما رأيك أن اتهرب من المهمة وابقى معك ؟!"
تحدث جاكيري بتشكك :
" حقًا ستفعل ذلك ؟!"
" لا هل تمازحني، متعتي الخاصة تقبع في تلك القتالات، لست مثلك ايها الكسول "
ضحك جاكيري وهو يستند بيده على كتف فبريانو يضيف بجدية :
" يا اخي أنا لستُ كسولًا، بل أنا فقط شخص مسالم "
" نعم اصدقك "
صمت جاكيري، ثم قال بعد تفكير :
" ما رأيك في سهرة قبل المهمة نحن جميعًا لم نخرج سويًا منذ فترة طويلة جدًا "
فكر فبريانو ثواني قبل أن يتحدث بلا اهتمام :
" لِمَ لا "
________________________________
تحرك من خلف مقعده وهو يراها تتحرك كعادتها بكل آلية تتمدد على الأريكة المخصصة للحالات، جلس الطبيب جوار الأريكة، ثم حمل دفتره وهو يقول ببسمة :
" مالي أرى بسمة واسعة ترتسم على فمك لورا ؟؟"
اتسعت بسمة لورا أكثر وهي تتحدث بصوت يقطر سعادة :
" أنا سعيدة جدًا، دكتور هل تصدق أنني أشعر بالسعادة، يا الله الأمر يبدو غريبًا لي "
صمتت ثم قالت بحماس شديد وبسمة واسعة :
" لقد تركت عملي "
رفع الطبيب حاجبه بتعجب :
" واخيرًا فعلتيها، لكن لِمَ هذه السعادة لتركك العمل ؟! أتذكر أنني نصحتك سابقًا بترك كل شيء يؤذيكِ، لكنك كنتِ ترفضين رفضًا قاطعًا ما الذي تغير الأن؟!"
اعتدلت لورا وجلست على الأريكة وهي تستند بيديها عليها تنظر لقدمها قليلًا ثم رفعت رأسها وقالت بجدية كبيرة :
" لقد شعرت أن بقائي في ذلك العمل لن اجني منه سوى الوجع فقط، أنا منذ ذهبت للعمل بتلك المجلة، لم اتلقى سوى السخرية والتقريع، كنت اتحمل واقول أنه لايهم طالما أن والدىّ يودان هذا، لكن بعدما ازداد ذلك الوجع هناك، لدرجة أنني شعرت بأن الأكسجين نفذ من حولي"
صمتت كثيرًا وطال صمتها، ثم قالت وهي تختنق بعباراتها :
" دكتور أنا كنت على وشك الانتحار بسبب هذا العمل، تخيل لقد فكرت في قتل نفسي"
لم يبدي الطبيب أي ردة فعل يحاول احتواء مشاعره جراء ما تقول وينحي أي شيء جانبًا مذكرًا نفسه أنها الآن طبيبة بغض النظر عن أي علاقة صداقة تجمعها به :
" وما الذي منعك؟!"
رفعت لورا عينها له وللعجب كانت تبتسم، كانت عينها تلتمع، لكن تلك المرة تلتمع سعادة وليس من الدموع وهي تهمس باسمه :
" أنه مايك، لن تصدق عندما فكرت بتلك الفكرة وكنت على وشك تنفيذها وجدته يقف في نهاية الممر الخاص بالمجلة وكأنه يقف لي بمصباح في نهاية نفق أحزاني، يخبرني ألا أيأس، ليس هذا فقط بل ..بل ساعدني لاثبت نفسي في المجلة قبل رحيلي واريهم أنهم خسروا صحافية جيدة "
أنهت حديثها وهي تضحك ضحكة صغيرة بينما الطبيب يبتسم لأجلها، ثم نظر لها وهو يهز رأسه يقول بصوت خافت بعض الشيء :
" أرى أن العلاج يؤتي نتائج مبهرة "
رفعت لورا عينها له وهي تقول بتعجب :
"لكن دكتور أنا لا اتناول أي علاج، أنت رفضت أن تصف لي علاجًا آخر مرة، تتذكر ؟!"
" نعم اتذكر لورا، لكنني وقتها لو تتذكرين منحتك علاج آخر"
نظرت له لورا بعدم فهم قبل أن يتحدث هو ببسمة بسيطة حنونة :
" منحتك علاج العلاقات السوية، العلاقات التي لا تقوم على المصالح، العلاقات التي تدفع شعور الراحة والأمان لكِ، وها هو العلاج يثبت فعاليته أمام أي دواء آخر كتبته لكِ "
اتسعت بسمة لورا وهي تقول بتعجب :
" هل يمكن أن يكون شخصًا ما علاجًا لشخصٍ آخر ؟!"
" نعم، نحن نحتاج في حياتنا لأشخاص نتمكن من الشعور بالأمان والحرية جوارهم لورا، هذا اكبر علاج للروح"
صمت ثم قال بهدوء وبسمة :
" إذن سأكتب لكِ أن تستمري على ذلك العلاج اسبوعًا آخر، وبعد اسبوع نرى إن كنا سنتسمر عليه أكثر ام لا "
ابتسمت له لورا وهي تهز رأسها وتحمل حقيبتها متجهة للخارج وهي تشعر بروحها خفيفة، لقد أصبحت حرة من كل القيود، العمل والتظاهر والمحيط الكاذب، تبقى فقط أن تحصل على عمل في مجالها الذي عشقته .
سمعت فجأة رنين هاتفها، حملته وهي تنظر له بتعجب لترى أن والدها هو من يتحدث إليها، تنفست نفس عميق وهي تجيب على المكالمة :
" مرحبًا ابي "
"حبيبة أبوها يا ناس اللي رفعت راسه بين الكل، حكى معي مدير المجلة من شوي وخبرني أديشك محررة موهوبة، كان عم يحاول يتواصل معك من لما التقيتِ مع مافو هاد بس ما قدر مشان هيك حكى معي"
كانت لورا تستمع لحديث ابيها وهي لا تعلم كيف ستخبره بالأمر، يعز عليها أن توجعه، كادت للحظة واحدة تستسلم مجددًا لما يحدث وتعود للحديث مع المدير بعدما وضعت رقمه ورقم كل من بالمجلة في القائمة السوداء على هاتفها، لكن فجأة خرج من فمها جملة واحدة لم تعلم كيف خرجت :
" أي بابا بخصوص هاد ، كنت بدي خبرك إني تركت الشغل بالمجلة ورح دَور على شغل جديد بشهادتي"
_______________________________
كانت اصوات الشجار بين روما وجولي تعلو في المنزل بشكل مزعج، بينما فيور تجلس على الأريكة وهي تنظر للجميع بترقب لا تود التدخل بينهما .
هبطت روز الدرج وهي تتثائب بتعجب، تشير للجميع متسائلة عما يحدث، لكن جولي لم تجب وهي تبعد يد روما عنها تتحسس ذراعها الذي تلقت فيه ضربة للتو من روما، وهي تردد بحنق شديد :
" ماذا كل هذا لأجل القبيح ؟! تخسرين صداقتك معي لأجل ذلك الاحمق؟! حسنًا أنا لن اغير حديثي في شيء، زوجك يا فتاة احمق قبيح ومخيف "
أنهت حديثها بلا اهتمام ثم استدارت لفيور التي كانت تنظر للجميع برعب :
" مرحبًا چيور "
" بل فيور "
" إذن أنتِ صديقة ماركوس اللطيف ؟!"
تعجبت فيور من حديثها، لكنها هزت رأسها بنعم وهي تحاول رسم رسمة صغيرة على فمها، حتى لا تظهر رعبها الذي من شجارهما العنيف، لكن حديث جولي جعل ملامحها تنكمش بتعجب ...
" جيد أنكِ اخترتِ ماركوس فهو أفضل الاوغاد هنا وأكثرهم لطفًا وحنانًا على الجميع، لقد كان يحضر لي الحلوى "
أنهت حديثها ببسمة واسعة سعيدة تصف بها قدر امتنانها لماركوس، بينما فيور لا تفهم اي اوغاد تتحدث عنهم ؟! ولِمَ تصفهم هكذا وصف وهي تعيش معهم ؟! ولم تبخل علينا جولي بالإجابة وهي تقترب منها في الأريكة، بينما جلست روما تراقب ما يحدث بسخرية، وتحركت روز للمطبخ حتى تحضر شيء تشربه..
تحدثت جولي بجدية وهي تحرك يديها تشرح للفتاة ما يحدث أسفل سقف ذلك القصر :
" حسنًا يا صغيرة، أنتِ لستِ غريبة فقريبًا ستصبحين زوجة ماركوس، هذا القصر يحوي اكبر اوغاد العالم، تسع اوغاد وجدهم اللطيف الذي أخطأ سابقًا في تربيتهم كما حكت لي سيلين، ذلك الرجل المسكين لم يستطع قديمًا تربية أي واحد في التسعة سوى عزيزي مارتن "
أنهت كلماتها ببسمة واسعة ثم أكملت الحديث بجدية :
" الوغد الأكبر انطونيو وزوج تلك المجرمة روما، هو أكثر اوغاد العالم قذارة صدقيني، وحش قبيح يتناول الأطفال، ويخيف الجميع؛ لذلك اياكِ والحديث معه حتى لا يقتلك "
أنهت حديثها ولم تشعر سوى بضربة عنيفة أتت على ظهرها وصوت روما يصدح بغضب :
" هيييه هو ليس بهذا السوء أيتها الكاذبة "
" نعم صحيح بيور هو ليس بهذا السوء، بل هو اسوء، أين كنا ؟! نعم الوغد الثاني، اممم في الحقيقة أنا لم أرى شيئًا سيئًا يصدر من جاكيري لكنه ..."
صمتت ثم اقتربت من فيور بحرص وكأنها ستخبرها سرًا :
" لكنه مختل ومجنون، يظل يقفز هنا وهناك طوال الوقت وإذا صدف وركبتي سيارة معه، عليكِ بتوديع حياتك "
ثم ابتعدت وهي تقول بكل جدية :
" الوغد الثالث هو فبريانو أكثرهم دموية، شخص مرعب لا يتحدث جملة واحدة دون أن يضع بها كلمة قتل، حديثه يتمحور حول القتل والتعذيب، شخص مخيف ولا ادري ما رأت به روبين حتى تتخذه حبيبًا، الرابع هو عزيزي اللطيف والجميل مارتن، ألطفهم واكثرهم تفهمًا "
اخرجت روما صوتًا ساخرًا من فمها وهي تردد :
" نعم صحيح، من يتفهمك، فهو اكثر رجال العالم تفهمًا "
لم تهتم لها جولي وهي تكمل:
" بعدها يوجد مايك، واحذريه لأنه خطر لأي امرأة، لايوفر فرصة حتى يمارس هوايته المفضلة..... وهي مغازلة النساء"
صمتت وهي تفكر في القادم :
"ثم نأتي لمارسيلو، في الحقيقة أنا لا أعلم ما هي صفاته فهو ينام نصف وقته والنصف الآخر يجلس ويرمق الجميع بلا اهتمام، وبعدها ماركوس هو لطيف بعض الشيء، لكنه وغد أيضًا كالجميع، ثم جايك ذلك الوقح الذي لم تتكلف والديه عناء تعليمه أصول التربية حتى، هو حبيب الغبية روز على أية حال، وفي النهاية يوجد آدم هو هادئ، لكنه غليظ وفظ كأخيه فبريانو، حمدًا لله أن عزيزي مارتن ليس مثل اخويه الاحمقين، واخيرًا هناك الجد اليخاندرو "
كادت جولي تكمل حديثها لولا صوت ضحكات خافتة خرجت من خلفها جعلتها تنتفض وهي تنظر برعب لاليخاندرو الذي وصل للتو يردد بيأس وهو يتحرك لمكتبه :
" يا فتاة أنتِ خطيرة حقًا، اشعر أن مارسيلو كان محقًا حينما قال أن نهاية تلك العائلة على يديك"
لوت جولي شفتيها بحنق وهي تنظر لروما التي انفجرت بالضحك بمجرد رحيل اليخاندرو :
" اقسم أنني كنت سأمدحك يا جدي "
أنهت حديثها وهي تقول بتذمر :
"ثم نهاية ماذا؟! أنا فقط اخبرها كم هم اوغاد، ولم اخبرها شيئًا بشأن اعمالكم الــ "
ولم تكمل بسبب انقضاض روما عليها تكمم فمها مانعة إياها من استكمال حديثها، تحت نظرات فيور المصدومة مما يحدث ومرتعبة من جولي وافعالها...
فجأة ارتفع صوت روما وهي تقول متعجبة رحيل الجميع سويًا، فأنطونيو اخبرها بالفعل أن المهمة تبدأ غدًا، إذن أين هم الآن؟! ولم تدري أنها كانت تفكر بصوتٍ عالٍ حتى سمعت الإجابة من جولي في نفس وقت خروج فيور من المطبخ :
" لقد سمعت مايك يُحدث مارتن وهو يخبره أن السهرة اليوم ستكون للصباح "
استدار الجميع صوب جولي بصدمة من حديثها وللصدمة تحدثت روز امام فيور وهي تقول :
" سهرة ماذا تلك ؟! "
فتحت فيور فمها وهي تدرك أن روز ليست خرساء، لكن بنظرة من روما أدركت أنها عليها ألا تفكر في الأمر، لم تكن فيور تستوعب شيء، وصوت روز يصدح بغضب :
" أنتِ أيتها الحمقاء أي سهرة تقصدين ؟! سمعتِ أنهم سيسهرون رفقة نساء وتركتيهم يرحلون دون تحذيرنا ؟!"
" لا لا روز هم فقط خرجوا للاستمتاع من اخبرك أنهم سيسهرون مع النساء ؟!"
ضربتها جولي على رأسها بغيظ وهو تهتف من بين أنفاسها الثائرة :
" وإن لم تكن سهرتهم تضمن نساء، مع من سيسهرون أيتها الحمقاء ؟! مع كلاب الهاسكي ؟!"
صمتت جولي ثواني وكأنها تفكر في الأمر بجدية قبل أن تفتح عينها فجأة وهي تهمس :
" هل تعتقدين أن مارتن سيجلس مع امرأة غيري ؟!"
ابتسمت روما وهي تنهض، ثم انحنت عليها تهمس في أذنها بغيظ من غبائها :
" لندعو الله أن يتوقف الأمر على الجلوس مع امرأة، والآن كيف سنعرف اين هم ؟!"
" أنا سأخبركم "
استدار الجميع صوب الصوت الذي خرج من الممر القابع في الطابق الأرضي والتي لم تكن سوى سيلين اللي ابتسمت بخبث :
" لقد سمعت مايك المنحرف يتحدث معهم على مكانٍ ما للذهاب إليه"
ابتسمت روما بسمة صغيرة ثم قالت :
" جولي حبيبتي اجري اتصالًا مع روبين ورفقة، ربما ستكونا مهتمين بأمر كهذا "
_________________________________
كانت روبين تتناول الطعام رفقة جاسي ولولو بعدما غادر كلًا من توفيق واسكندر متعللين أن رفقة وحدها في المنزل، رغم أن توفيق كان على وشك الجلوس وتناول الطعام لولا جذب اسكندر له.
رفعت روبين عينها لجاسي وهي تشير على طبق جوارها :
" معلش يا جاسي ناوليني طبق الــ "
صمتت وهي ترى نظرات اختها لها وكأنها كانت تحرقها حية في رأسها، نظرت روبين صوب لولو بريبة وبعدها عادت بنظرها لجاسي وهي تقول ببسمة صغيرة غبية ؛
" مالك يا جاسي يا حبيبتي اكل لولو معجبكيش ؟!"
تحدثت لولو بحنق وهي تنظر لجاسي :
" اكل مين اللي ميعجبهاش ؟! هي تطول اساسا تاكل اكلي ؟!"
استدارت لها جاسي تتحدث بتذمر :
" فيه ايه يا لولو أنا نطقت بكلمة ؟! أنا مش عارفة مش بتطقيني ليه "
" عشان واحدة قادرة زي امك، إنما الهبلة روبين دي يا حبة عيني متخلفة وعبيطة زي ابوها "
نفخت جاسي بعدم اهتمام فهي اعتادت ذلك منذ زمن طويل، ثم وجهت بصرها لروبين وهي تقول بجدية وغيظ :
" من بين كل رجالة العالم ملقتيش غير دراجون وتحبيه ؟!"
" فبريانو ؟!"
" زفت الطين، مش موضوعنا اسمه دلوقتي، اشمعنا هو، وازاي اساسا وقعتي في طريقه ؟!"
ابتسمت روبين بسمة خجلة ثم قالت بتردد من نظرات اختها :
" هو أنا اكيد مكنتش ناوية احبه يا جاسي، غصب عني لقيت نفسي كده، وبعدين أنتِ مش طيقاه كده ليه ؟! ده حتى بيعزك جدا "
حسنًا كذبت في آخر جملة، لكن لا بأس من بعض الكذب لتقرب ما بين اختها وفبريانو، فهي لا ينقصها أن يكسب عدواً آخر في عائلتها، لكن ضحكة جاسي التي رن صداها في جميع أرجاء المنزل اعلمتها جيدًا أنها كشفت كذبتها وهي تضيف بسخرية لاذعة :
" بيـ ايه يا ضنايا ؟! بيعزني ؟!"
اشتد بعدها ضغط جاسي على فكها وهي تقول بصراخ :
" ده كان بيكدرني بالايام زي الكلبة "
ابتسمت روبين بسمة متوترة بسبب نظرات اختها ثم قالت بغباء :
" كله عشان مصلحتك يا جاسي"
" مصلحة مين يا ام مصلحة، ده مرة وقفني خمس ساعات في درجة حرارة تحت الصفر، ده واحد معندوش دم ولا بيحس، أنا اساسا مش عارفة ولا متخيلة إزاي واحد زيه ممكن يكون انسان طبيعي ويحب"
انقلبت ملامح روبين بغيظ وهي تضرب الطاولة أسفل يدها :
" طب على فكرة بقى هو اكتر شخص حنين في الدنيا دي كلها، عمره ما زعلني ولا عمره آذاني، ولو في مرة زعلني بيصالحني على طول "
كانت تتحدث وهي تبكي دون وعي، تكره أن يسيء له أحد تكره أن يرى الجميع جانبه المظلم فقط، هي لم تكذب، هي بالفعل تراه أكثر الأشخاص حنانًا ولطفًا لم يجبرها يومًا على فعل ما لا تريده أو يحزنها يومًا بكلمة هذا إن تغاضينا عن ذكره لقبحها أكثر من ذكر اسمها .
انتهت روبين حديثها، ثم تحركت من المكان تركض لغرفتها تعلن عصيانها واعتزالها لأي مكان يُذكر فيه هو بالسوء .
راقبت جاسي رحيلها بحزن كبير، قبل أن تشعر بضربة قوية على رأسها، استدارت بفزع لـ لولو وهي تصرخ متوجعة :
" ايه يا لولو هتكسري دماغي "
تحدثت لها لولو بغيظ وغضب :
" أنا قولت أنك ست قادرة ومفتربة زي امك، مش بتلاقوا غير الغلبانة دي وتيجوا عليها، لكن لا يابنت لينا، لا انتِ ولا امك ولا حتى ابوكِ الطيب الاهبل ليكم حاجة عند روبين، وهتعمل اللي هي عايزاه غصب عن عينكم واحد واحد، وابقوا وروني هتفرضوا رأيكم ازاي عليها وانا لسه عايشة "
تحسست جاسي رأسها بوجع وهي تبرر :
" يا لولو أنتِ مشوفتيش بتحب مين ؟! ده ..."
" ده بيحبها يا جاسي، بيحبها وبيخاف عليها اكتر منكم كلكم، الوحيد اللي حسيت إن روح روبين رجعت معاه، روبين اللي أنتِ وابوكِ سبتوها لأمها عشان تبيع وتشتري فيها زي ما هي عايزة، روبين اللي كلكم بتستغلوا أنها مش بتقول غير حاضر ونعم عشان تمشوها على كيفكم، بس لا يا بنت لينا، روبين هتفضل مع فبريانو، وإلا أنا اللي هاخدهم واجوزهم بعيد عنكم كلكم وابقوا وروني هتجيبوني منين "
" يا تيتة أنتِ بتتكلمي كأني مش حابة الخير لأختي ليه؟! أنا مفيش في حياتي حد اغلى من روبين، دي بنتي مش اختي، بس أنا خايفة عليها من حياته، ومنه هو شخصيا مش متخيلة أنه ممكن يديها الحنان اللي هي بتتكلم عنه ده حجر يا تيتة وروبين عايزة واحد لين وحنين "
ابتسمت لولو بسخرية وهي تصف لها ما رأته بعينها :
" يبقى مشوفتيش بيبص عليها ازاي وهي زي الهبلة مش واخدة بالها، دائما بيلف حواليها زي العيل الرخم اللي مش بيسيب امه، لما زعلت منه اخر مرة فضل سهران تحت شباكها، باختصار مظنش أنه ممكن يكون فيه حد هيحب روبين قد الجدع ده "
كانت جاسي تفتح فاهها بصدمة :
" دراجون ؟!"
نهضت لولو وهي تشير بيدها بعدم اهتمام :
" أنا عارفة اللي ليه ميت اسم ده"
راقبت جاسي لولو وهي تتحرك، ثم نهضت صوب غرفة روبين التي بمجرد أن دخلت لها حتى وجدتها تبكي وهي تدفن رأسها في الفراش؛ خطت للغرفة وهي تتحرك صوبها مرددة بمزاح :
" عشت وشفت حد بيعيط على دراجون بعد ما كان بيخلي الوحدة كلها تعيط "
رفعت روبين عينها لاختها بحزن وهي تقول :
" لو جاية تتكلمي عليه وحش يبقى متتكلميش معايا يا جاسي"
ضحكت جاسي وهي تجلس جوارها على الفراش مرددة بحنان :
" يا روبي يا قلبي لو دراجون ده بيعاملك زي ما لولو بتقول، أنا اول واحدة هقف معاكِ، هو أنا اكره أن اختي تلاقي واحد يحبها ويحميها، خصوصا لو واحد زي دراجون يعتمد عليه "
نظرت ليها روبين بتعجب لتتنهد جاسي بتعب وهي تتسطح جوارها مرددة :
" في الحقيقة هو مش وحش بالشكل اللي قولت عليه، أنا بس اللي مش بطيقه بسبب عمايله معايا، بس هو شخص جد وقوي وواثق من نفسه ويقدر يدير منظمة كاملة بدون غلطة واحدة، وبعد تفكير قصير عرفت أن محدش يليق بالاميرة غير الوحش، لأن الفارس النبيل مش هيكون قوي بالمقدار الكافي عشان يحمي قلعة الأميرة "
ابتسمت روبين وهي تمسح دموعها ثم ضمت اختها وهي تقول :
" أنا بحبك اوي يا جاسي "
" وانا بحبك يا قلبي، أنا معنديش اغلى منك في الدنيا دي يا روبين "
ابتسمت روبين بخبث وهي ترفع وجهها تستند على مرفقها مرددة :
" الله طب واسكندر ؟؟؟"
________________________________________
" اممم يعني أنت زعلان عشان بتعاملك كويس ؟!"
كانت تلك كلمة رفقة وهي تتناول قضمة من التفاحة بيدها، تنظر لأخيها باستنكار بعدما أتى وقص عليها سبب حزنه، لكن اسكندر اعتدل في جلسته وهو ينفخ بضيق شديد :
" يا رفقة أنتِ مش فاهمة، هي بتعاملني بتحفظ، مش عطياني فرصة اقرب منها "
تحدث توفيق من بين قضماته الموز في يديه :
" يا خويا بلا قرف، أنت كنت نيلة خالص قدامها، فيه ايه يابني تنشف كده شوية "
نظرت رفقة لأخيها وهي تستمع لحديث توفيق :
" الكلام ده صحيح يا اسكندر ؟!"
نهض اسكندر من مكانه وهو يجذب شعريات رأسه بغيظ يحاول ايصال ما يشعر به مع جاسي، لكن لا أحد يشعر به، سمع اسكندر صوت مصمصة شفاة خلفة وتوفيق يتحدث بحسرة :
" عيني عليك يا ابني، منها لله اللي مرمطتك معاها دي، أنا عارف ياختي البت دي عاملة كده ليه ؟! اللي يشوفها ميقولش أنها اخت روبين الهبلة، البت جبروت اوي يا ستير يارب "
أنها حديثه ثم نظر برفقة وهو يضيف :
" بالك يابت يا رفقة، الست دي بتفكرني بالمرحومة، كانت ولية قادرة ومفترية زيها كده، مكنتش اعرف أخد منها حق ولا باطل، الله يرحمها ورتني الويل "
أنهى حديثه وهو يتنهد بتعب ثم ارتشف بعضًا من العصير أمامه :
" بس والله كانت بنت حلال وبحبها "
ضحكت رفقة عليه وهي تقول :
" واضح فعلًا أنك بتحبها يا عم تو...."
توقفت عن حديثها وهي ترى شاشة هاتفها تنير برقم دولي من ايطاليا جعلها تنظر له بريبة وهي تحمل الهاتف وتنظر للرقم بتعجب متسائلة من قد يتصل بها من ايطاليا غير جاكيري ؟! لكن ورغم كل تلك التساؤلات إلا أنها أجابت بهدوء :
" مرحبًا ..."
" مرحبًا رفقة كيف حالك "
صمتت رفقة قليلًا تحاول تبين ذلك الصوت قبل أن تقول ببسمة :
" جولي ؟!"
" نعم يا فتاة هذا رقمي الجديد الذي أحضره لي مارتن وقد اشترى لي أيضًا هاتفًا جديدًا، أليس هذا لطيفًا ؟! مارتن حقًا حنون و..."
توقفت جولي عن الحديث وهي تشعر بشخص ينتزع الهاتف من على أذنها وصوت روما يصدح موبخًا :
" نحن لم نتصل بالفتاة لتتغزلي في حبيبك جولي، اعطني هذا الهاتف.....مرحبًا رفقة "
تحدثت رفقة من الجانب الآخر بتعجب :
" مرحبًا روما، هل هناك مشكلة ام ماذا ؟؟"
تحدثت روما وهي ترمق الملهى الذي دخل إليه الجميع وجوارها جميع الفتيات وسيلين أيضًا :
" لا لا الأمر بسيط، فقط جاكيري يخونك "
_________________________________________
كان الشباب جميعهم يجلسون على طاولة كبيرة تدور بينهم احاديث ودية وأخرى مضحكة، و ها هم يجتمعون مجددًا بعد مدة طويلة وكلٌ منهم تشغله أموره الخاصة، ضحك مايك بصخب وهو يضرب كتف أخيه :
" يا فتى أشفق على تلك الفتاة تكاد تتوسلك لتنظر لها مرة، أي احمق هو أنت ؟!"
حرّك ماركوس عينه بملل من على وجه اخيه حتى استقر على وجه الفتاة التي يتحدث عنها والتي منذ دخل لم تنزع عينها عنه، قلب عينه بملل، لكن فجأة قفزت في رأسه ذكرى حديثه مع تلك الصغيرة فيور، مما جعله يعود بنظره للفتاة وهو يعتدل يمنحها بسمة صغيرة، ويبدو أن الفتاة لم تصدق الأمر حيث أسقطت الكأس من يدها بصدمة جعلت ماركوس يطلق ضحكة صاخبة، ومارسيلو أمامه يتجرع بعض المشروبات الخالية من الكحول، يراقب أخيه بسخرية وهو يردد :
" احذر النساء يا فتى "
ضرب جاكيري كتف جايك وهو يشير له أن يرافقه على حلبة الرقص، ولم يتأخر جايك عليه ثانية وهو يتحرك معه بسرعة والجميع خلفهم يصيح بحماس، ابتسم فبريانو وهو يتكأ بظهره على الأريكة السوداء خلفه وجواره انطونيو يراقب الجميع ببسمة، ثواني فقط حتى بدأت النساء تلتم حولهم ليس لشيء سوى في محاولة حثيثة للحصول على بعض الاموال، فهم يظهر عليهم الثراء وبشدة .
اقترب فتاة من فبريانو وهي تجلس جواره على الأريكة تغمز له ببسمة، ابتسم لها فبريانو وهو يخرج مسدسه ووضعه على الطاولة أمامها ثم غمز لها غمزة كخاصتها جعلتها تبتلع ريقها وهي تتحرك بعيدًا عنه بخوف، ضحك فبريانو عليها بقوة وهو يرفع أحد اكواب المشروبات لفمه يراقب الأجواء حوله يردد :
" هذا ممتع "
بينما انطونيو كان يجلس وهو يتحدث مع مارتن :
" ليتني لم استمع لحديث الاحمق مايك، حينما يهبط الاحمقين جاكيري وجايك من على منصة الرقص، دعونا نرحل لأحد المطاعم الهادئة ونتناول عشاء هادئ ".
أيده مارتن في حديثه وهو ينظر للاجواء حوله بغيظ :
" يا رجل النساء هنا يسيل لعابهن على أي حفنة أموال "
ابتسم له انطونيو بسخرية :
" هذا عملهن هنا مارتن "
وبمجرد انتهاءه من كلماته حتى شعر بيد تسير على ذراعه بشكل جعل جسده يرتعش بعنف متقززًا، انتفض فجأة بشكل جذب أنظار الجميع وهو يلقي الفتاة بعيدًا عنه بقوة يرميها بنظرة مشتعلة والفتاة مرتعبة منه، بينما انطونيو جسده مازال مشتدًا كوتد وهو يشعر بالتقزز من لمستها، وكل ذلك وفبريانو يراقب ما يحدث بأعين مستمتعة ومايك يجلس رفقة فتاة وهو يتحدث معها متجاهلًا الجميع .
في نفس الوقت التي اقتحمت فيه الفتيات المكان، اخذت روما تبحث بعينها عن أي أحد منهم وخلفها جميع الفتيات، تحمل في يدها هاتف به مكالمة مرئية مع رفقة التي كانت تجلس في منزل روبين، والذي أجبرت اسكندر على أن يأخذها إليه حتى تخبر روبين ما يحدث .
كان وجه روبين يكاد يلتصق بالهاتف وهي تبحث عن فبريانو :
" يا خاين يا واطي، قالي مش هيروح يخوني، ومن اول يوم وقاعد في كباريه "
دفعت رفقة وجهها بعنف بعيدًا عن الهاتف وهي تصرخ في وجهها :
" ابعدي خليني اشوف المرحوم جاكيري "
في الملهى الليلي كان جاكيري وجايك قد أشعلوا المنصة برقصهما البارع والمنظم وحولهما الفتيات يشجعن ويصرخن بمرح وصخب، وماركوس كانت الفتاة التي تغازلة تلتصق به.
لمحت جولي بطرف عينها مارتن الذي كان يقف أمام فتاة وهو يحاول منع انطونيو عن قتلها، لكنها لم ترى ذلك، بل رأت أن الفتاة تكاد تحتضنه من الخلف، فتحت فمها وهي تصرخ صرخة عالية لم تصل لهم بسبب الصوت العالي تركض صوبهم، انتبهت لها جميع الفتيات وتحركت خلفها .
بينما سيلين ابتسمت وهي تتحرك صوب البار الخاص بالمشروبات وبعدها سحبت مقعد وهي تجلس عليه تقول بغمزة للساقي الذي تعجب وجود سيد. بمثل عمرها في المكان ..
" اعطني كأسًا يا فتى دعني استمتع بالسهرة "
انقضت جولي على الفتاة التي تتمسك بسترة مارتن وهي تجذبها بعيدًا من خصلات شعرها بشكل جعل الفتاة تطلق صرخة جذبت أنظار الجميع .
كانت روبين تنظر للهاتف الذي يعرض وجوه الجميع وهي تبحث عن فبريانو الذي وجدته يجلس كعادته في ركن وهو يراقب الجميع ببسمة وبأعين شغوفة، مصمصت روبين شفتيها بتأثر :
" حبيبي ربنا يحرسك يا ابني، شايفة قاعد ازاي زي الملاك، اهو ده اللي كلكم جيتوا عليه، هو الوحيد اللي سالك فيهم "
نظرت رفقة لها بشر قبل أن تعود بنظرها للشاشة تترقب أن يظهر جاكيري حتى تسود عليه عيشته كلها ...
في الملهى كانت روما تقف ملتصقة في انطونيو وهي تنظر حولها بتحفز تقول بشر :
" ماذا فعلت لك تلك الفتاة التي تكاد جولي تأكلها ؟!"
تفاجئ انطونيو من وجود الفتيات في المكان وهو يقول بصدمة :
" ما الذي تفعلينه هنا روما ؟! وكيف علمتم مكاننا ؟!"
" جئنا لكي نخرب عليكم ليلتكم حبيبي، وسيلين هي من احضرتنا "
انتهت من كلماتها وهي تشير للمقعد الذي تجلس عليه سيلين بكل راحة أمام البار، لترفع سيلين الكأس في وجه انطونيو وهي تضحك، بينما انطونيو عض شفتيه بغيظ وهو يهمس :
" تلك العجوز "
جذب مارتن جولي بصعوبة من فوق الفتاة وهو يضمها لصدره بقوة يقيد يدها بعنف :
" حسنًا يكفي جميلتي لقد أصبحت صلعاء بالفعل "
صرخت جولي بين يديه :
" دعني تبقت شعرتين فقط، سأنتزعهم قبل أن تنهض "
ضحك مارتن بصخب وهو يقبل وجنتها هامسًا :
" يا فتاة هي بالأساس كانت تغازل انطونيو وليس أنا "
كان مايك ومارسيلو يشاهدان ذلك العرض باستمتاع شديد ومارسيلو يردد ببسمة واسعة :
" حسنًا علىّ الاعتراف أن هذا امتع من النوم "
ضحك مايك وهو يتحدث :
" أن تكون حرًا هو افضل ما في العالم "
نظر له مارسيلو بسخرية :
" أولست أنت من يشكو دائمًا لأنه لا يمتلك حبيبة ؟! "
" نعم أنا، ومازلت اشكو، لكن بالنظر لتلك الورطة التي سقط فيها الجميع أشعر بالنشوة والانتصار عليهم في أمرٍ ما "
ضحك مارسيلو على أخيه وهو يغمز له :
" استمتع بالعرض يا رجل "
في ذلك الوقت كانت الفتاة التي تغازل ماركوس قد أخذته للمنصة وهي تحاول التقرب منه للرقص، وهو يجبر نفسه على ذلك، عليه فعل ذلك علّه يتقرب منها ويحوز ما انتظره دائمًا فالفتاة ليست سيئة أبدًا، بل هي مثيرة جميلة بشكل مرهق، لكنها جريئة بعض الشيء وفي الواقع هو لا يكره الفتاة الجريئة، لكنه أيضًا لا يحبها .
وبينما هي تتعلق بعنق ماركوس وتراقصه حتى تفاجئت بفتاة تحشر جسدها في المنتصف بينها وهي تقول ببسمة مستفزة :
" حقًا يا فتى؟! رفضت جميع الفتيات التي احضرتهن لك من أجل هذه ؟! خيبت املي بني "
تفاجئ ماركوس من وجود فيور، يرمقها ببلاهة حتى أنه ظن لوهلة أن كل ذلك من خياله، لكن فيور التي دفعت الفتاة جانبًا ثم وقفت في المنتصف وهي تقول ببسمة سمجة :
" يا فتى أنت حقًا لا أمل بك، لقد انتقيت لك فتيات كالورد، تتركهن لأجل تلك الصبارة ؟! عارٌ عليك "
" ما الذي أتى بكِ هنا يا صغيرة ؟؟ كيف سمحوا بدخولك للمكان من الأساس ؟!"
تخصرت فيور وهي تقول ببسمة باردة :
" احضرت مرافق "
رفع ماركوس حاجبه بعدم فهم، لتشير هي على الفتيات اللواتي كانت تنشأ بينهن معركة وبين الجميع عند طاولة الشباب، ابتسم ماركوس بعدم تصديق، ثم قال بسخرية :
" ها وتسألين ما سبب عدم ارتباطي حتى الآن؟!"
" والآن أنت تعترف أنك لا تود الارتباط لأجل أن تعبث رفقة الفتيات أيها الماجن "
ابتسم ماركوس وهو يجذب خصر فيور بين يديه فجأة، ثم حرك يده الحرة وجذب بها رأسها صوبه وهو يهمس أمام وجهها :
" اممم ليس تمامًا، أنا فقط لم أجد من تطابق مع مواصفاتي المستحيلة "
نظرت له فيور بتخدر وهي تهمس :
"وكيف هي ؟!"
" عكسك تمامًا جدتي "
ابتسم ماركوس على ملامح الصدمة التي ارتسمت على وجهها ثم دفعته بعيدًا عنها وهي تصيح بجنون :
" وكأنني اموت شوقًا للارتباط بك، للجحيم يا فتى "
انتهت من حديثها وهي ترحل بعيدًا عنه، لكن توقفت فجأة وهي تستدير له صارخة :
" بالمناسبة أنت أيضًا لست نوعي المفضل، وانتظر لترى الذي سأرتبط به ايها الاحمق "
ضحك ماركوس بصخب عليها وهو يراقب رحيلها، ثم تحرك خلفها وهو يقترب من الطاولة الخاصة بهم، يستمع لحديث روما وهي تصرخ في فتاة أمامها :
" اللعنة عليكِ وعلى الملهى كله أنا لا اهتم "
شعرت روما بالهاتف يهتز في يدها، فرفعته وقد تذكرت فجأة أمر رفقة لتسمع صوت رفقة :
" اريني ذلك الحقير جاكيري "
" رفقة جاكيري ليس هنا، ربما لم يأتي معهم "
ضحكت رفقة بسخرية ثم قالت :
" ابحثي عن منصة الرقص روما ستجدينه هناك، هو لن يفوت فرصة كهذه"
وبالفعل حركت روما هاتفها حتى وصلت لمنصة الرقص التي كان جاكيري يرقص عليها بكل استمتاع وجواره جايك الذي كانت روز تراقبه ببسمة ساخرة تضم يديها لصدرها وكأنها تتوعد له، ثواني فقط حتى انتهت الرقصة وهبط كلًا من جايك وجاكيري عن المنصة وهم يتوجهون للجميع ببسمة قبل أن تنمحي البسمة تدريجيًا عن وجه جايك الذي رأى روز تنتظر وهي تحرك قدمها في حركة رتيبة، بينما جاكيري لم يهتم بأي شيء وهو يلقي بجسده جوار فبريانو يرتشف المشروب وهو يردد بتشفي :
" يبدو أن أحدهم وقع في مأزق "
صمت بعدما رأى روما تقترب منه بخطوات خبيثة جعلته يرفع حاجبه.
رفعت روما الهاتف في وجه جاكيري الذي بصق المشروب من فمه وهو يستمع لصراخ رفقة عبر الهاتف :
" سأحيل حياتك لجحيم أيها الراقص صاحب الجسد الطاهر "
رفع جاكيري وجهه لروما وهو يقول بشر :
" أقسم أن أجعلك كعجينة البيتزا أسفل عجلات سيارتي روما"
ابتسمت عليه روما بتشفي :
" أنت لا تمتلك سيارة جاكيري "
صحح جاكيري حديثه بنبرة مختلة :
" أسفل عجلات سيارة جايك "
بينما كان جايك يقف أمام روز وهو يبتسم لها بلطافة :
" أقسم أنني كنت ارقص فقط "
رفعت روز حاجبها وهي تبتسم بسمة جانبية ليردد هو بصدق :
" أقسم لكِ بزهرتي أنني لم افعل شيئًا سيئًا "
ويبدو أنه استطاع بحديثه أن يجبرها على الابتسام له، هي في الأساس لم تكن غاضبة ولم تأتي هنا كي تفتعل مشاكلء بل فقط أتت لأنها لم ترد الجلوس وحدها .
مسح انطونيو وجهه وهو يرى أن السهرة قد فسدت؛ لذلك جذب روما لاحضانه وهو يقول بأمر :
" لنخرج من هنا ونذهب لأي مكان آخر نكمل سهرتنا به رفقة الفتيات، لقد تدمرت الحانة على أية حال "
وبمجرد انتهاء حديثه حتى خرج من المكان يتبعه الباقون صوب السيارات في الخارج وركب كل واحد منهم سيارته وانطلقوا صوب مكان آخر أكثر هدوئًا.
في سيارة روما كانت ما تزال تنظر من النافذة بغيظ، لتشعر فجأة بجذب انطونيو لها وهو يهمس جوار أذنها :
" الآن اصبحتِ تقودين حزب معارض روما؟! تأتين بالفتيات وتفسدي ليلتنا "
نظرت له روما ثم ابتسمت وهي تقول :
" حسنًا في الحقيقة أنا فعلت هذا لأجل الفتيات الأخريات وليس لأجلي طوني "
" اه كم أنتِ حنونة روما، محظوظ أنا بكِ "
ضحكت روما بصخب وهي تقترب منه مختطفة قبلة منه قبل أن تعود لمقعدها وهي تقول له ببسمة :
" إذن أين سنذهب؟!"
" لمطعم هادئ لطيف سوف نقضي سهرة عائلية هناك "
ابتسمت له روما بحب قبل أن تنكمش بسمتها وهي تقول بصدمة وكأنها تذكرت فجأة :
" سيلين ....نسينا سيلين "
وفي الملهى كان سيلين تتجرع الكأس الخامس عشر وهي تقص حكايتها على الساقي :
" ثم جاء ادم الاخير ومنذ أن اكتمل التسعة وسجادي الثمين لم يعد نظيفًا، لقد أخبرت اليخاندرو مئات المرات والمرات أن ينتبه لتربيتهم، لكنه لم يستمع لحديثي وها هم تسع اوغاد كبار لا فائد منهم "
____________________________________
" أنتِ يا فتاة اكبر خسائري في هذه الحياة، لم اندم يومًا على شيء بقدر ما ندمت على الاحتفاظ بكِ "
ختمت والدة لورا حديثها وهي ترتمي على الأريكة تنفجر في البكاء وجوارها تجلس لورا بملامح جامدة وهي تنظر أمامها دون أي ردة فعل، فبعدما أخبرت والدها بقرارها اغلق معها المكالمة بهدوء ومنذ عادت للمنزل اخذت تستمع بصراخ وحديث والدتها عن كم هي مدللة وكم هي حمقاء، أكملت والدتها وصلة التأنيب وهي تبكي بقوة وكأنها هي الضحية في الأمر :
" كنت صغيرة عندما حملت بك، وقتها أجبرني والدك على الاحتفاظ بالجنين، يا ليتني وقتها عارضته على الاقل لم أكن اعيش تعاستي الحالية مع فتاة مدللة مثلك تفسد كل شيء، تركتِ رجل تحلم به كل فتاة، وتركتِ عمل يتمناه أي شخص، لِمَ تدمرين حياتك بهكذا قرارات غبية ؟!"
لم تجب لورا وهي مستمرة في النظر أمامها ودموعها بدأت تلتمع في عينها، نهضت بهدوء شديد دون قول كلمة واحدة، ثم تحركت صوب باب المنزل دون أن تعير صرخات والدتها أي اهتمام ..
" لورا توقفي، أين تظنين نفسك ذاهبة يا فتاة؟!"
وبدأ صوتها يتلاشى بمجرد أن أغلقت لورا باب المنزل بهدوء، ثم تحركت صوب سيارتها وصعدت لها بهدوء وقادتها دون أن تنطق بكلمة واحدة، وأخرجت هاتفها وهي تضعه على أذنها تنتظر الرد الذي جاءها :
" مرحبًا بالباحثة المشهورة لورا "
صمتت لورا وهي تمالك غصتها حتى تتحدث، لكن أنفاسها لم تساعد في ذلك حيث وصلت ثائرة للطرف الآخر.
توقف مايك الذي كان على وشك الدخول للمطعم وهو يبتعد عن الجميع يقول بخوف :
" لورا ما بكِ ؟! هل أنتِ بخير ؟!"
هنا وانفجرت لورا في البكاء بصوت عالي وهي تصرخ بوجع :
" ما فهمتني بيوم، مفكرتني مدللة وجدبة، شايفتني خسارة إلها، بتتمنى لو إني ما ولدت، بتضل عم تقتلني بكلامها، بتخليني فكر موت حالي مليون مرة باليوم الواحد، متمنية الموت وما عم لاقيه، ما اتفهمت مرضي، بتتمسخر عليه وبتقول إني عم أتدلل، أنا جدبة وحقيرة غبية ومدللة، مايك أنا كل هاد كل هاد. "
شعر مايك بالعجز وهو لا يفهم شيء من حديثها؛ لذلك حاول تهدئتها :
" اشش اهدئي لورا، اهدئي جميلتي وقولي ببطء وبلغة افهمها ما تريدينه "
" أنا احتاج إليك مايك ....ارجوك احتاج للبقاء جوارك في هذه اللحظة تحديدًا أخشى أن أضعف وافعل ما لا اريده ارجوك "
ورغم جهله معنى جملتها الأخيرة إلا أنه نظر خلفه لاسم المطعم قبل أن يقول بحنان ولطف :
" هل تحبين التجمعات العائلية الهادئة؟؟"
__________________________________
كان آدم يجلس أمام هايز في أحد المطاعم بعدما عاد معها للتو من زيارة ايان الذي طمأنهم الطبيب عليه واخبرهم أنه يستطيع العودة معهم للمنزل بعد العملية التالية .
وضع آدم قائمة الطعام على الطاولة أمامه بعدما انتهى من اخبار النادل ما يريده، كانت هايز في هذا الوقت تنظر حولها وهي تقترب منه :
" ادم ما هذه الأسماء التي أخبرت بها النادل منذ قليل ؟؟ هل طلبت لنا اكلات فضائية أم ماذا ؟؟"
ضحك آدم ثم اقترب برأسه منها وهو يهمس لها بنفس الشكل :
" لا هي اكلات لذيذة ستنال أعجابك "
ابتسمت له هايز وهي تعود برأسها للخلف ثم اعتدلت في جلستها وهي تقول بأسف شديد :
" اعتذر منك آدم، لقد ضيعت عليك فرصة الخروج مع عائلتك "
" لا بأس هايز، ربما لاحقًا نخرج مجددًا "
ابتسمت له هايز قبل أن ترى اقتراب النادل منهم وهو يرص الاطباق على الطاولة أمامهم وآدم يشكره بلطف شديد، انتهى النادل مما يفعل ثم نظر لادم وقال ببسمة صغيرة :
" شيء آخر سيدي ؟!"
هز آدم رأسه وهو يجيب :
" شكرًا لك "
عاد ادم بنظره للطاولة ثم أخذ يضع منشفة بيضاء صغيرة على ثيابه وهو يحمل الشوكة والسكين يقول ببسمة واسعة :
" هيا هايز سوف تحبين هذا كثيرًا، الأطعمة هنا طازجة "
نظرت هايز للاطباق أمامها وهي تضيق عينها تحاول التعرف على ماهيتها، ثم أمسكت ملعقتها وغمستها في طبق حساء حتى ترتشف منه، لكن فجأة شعرت بشيء يعوق الملعقة، نظرت لادم الذي كان يتناول طعامه بتلذذ وكأنها تخبره أن هناك شيء في حسائها، لكن ادم كان يأكل باندماج .
نظرت هايز حولها ثم مدت معلقتها في الطبق أكثر تحاول إخراج ذلك الشيء من حسائها وبمجرد ما أمسكته حتى أخرجته بسرعة لتتفاجئ بكائن بحري له مخالب ويتحرك، فتحت فمها بصدمة وهي تنظر له وهو ينظر لها، ثم ثواني فقط قبل أن تصرخ هايز صرخة جذبت أنظار الجميع في المطعم، وهي تلقي ذلك الكائن عاليًا، لكن من حظها العثر أنه سقط عليها هي وأمسك بمخالبه في ثيابها لتصرخ هايز بصوت اعلى وهي تنتفض من على طاولتها تحاول أبعاده عنها تقفز مكانها :
" آدم النجدة، أبعده عني، أبعده عني، أنقذوني "
نهض آدم بسرعة وهو يشير لها أن تهدأ :
" اهدأي هايز فقط اهدأي أنا سوف انزعه "
" اهدأ ماذا ؟! أنه حي ادم "
كانت تصرخ وهي تقفز في مكانها حتى بدأ تشعر به يقترب من جسدها ليزداد جنونها وهي تركض في أرجاء المطعم تصرخ بجنون وآدم يراقبها بفم مفتوح :
" هايز توقفي سوف انزعه أنا، توقفي "
كان يركض خلفها وهو يضحك بصخب على مظهرها وهي أمامه تبكي وتصرخ أن يساعدها أحد والجميع في المطعم مصدومين مما يحدث، وآدم سقط في الأرض من كثرة الضحك على مظهر هايز التي كانت تقفز وتركض في المكان .
وأثناء حركة هايز الجنونية اصطدمت فجأة في جسد ما وهي تصرخ، ولم يكن ذلك الجسد سوى جسد جولي التي جاءت مع الجميع للمطعم الذي غالبًا يقصدونه في العائلة .
صدم الجميع من مظهر هايز، وكانت أول من يتحرك هي جولي التي ركضت خلفها وهي تصرخ بجنون يوازي جنون هايز:
" النجدة ذلك الكائن سيأكل الفتاة "
هنا وازداد صوت ضحكات آدم أكثر وهو يمسك معدته ومارتن يضع يده على وجهه بحنق من غباء جولي، بينما جولي انقضت على هايز ونزعت منها ذلك الكائن ثم ألقته بسرعة ليسقط في أحد الاطباق التي تعلو صينية يحملها نادل، وبهذا الشكل تسبب ذلك الكائن في إسقاط الصينية ارضًا وتدمير كل ما عليها من اطباق، وارتفعت أصوات بعض الصرخات بسبب تناثر الطعام الساقط عليهم .
ابتسم انطونيو وهو يشير للمكان :
" اخبرتكم أنه أكثر الامائكن هدوئًا في ايطاليا "
في نفس الوقت ابصر مايك دخول لورا التي تفاجئت من الفوضى التي عمت المكان وهي تفتح فمها بصدمة، ضحك مايك وهو يشير لها أن تقترب منها وبالفعل اقتربت لورا ليضمها من كتفها كصديق له وهو يقول :
" مرحبًا بكِ لورا في عائلتي المسالمة "
نظر انطونيو للجميع ثم قال ببسمة وهو يستدير صوب الباب :
" حسنًا دعونا نكمل سهرتنا في المنزل، فلا أظن أن هناك مكان قد يتحمل جنون البعض منا "أنهى كلماته وهو ينظر لجولي التي أشارت لهايز وهي تقول بتبرير :
" ماذا لقد كاد يأكل الفتاة "
تحرك ادم صوب هايز وهو مازال بضحك بصوت عالي يضمها بقوة وهو يقبل وجنتها هامسًا من بين ضحكاته :
" أخبرتك أن الطعام هنا طازج "
___________________________
كانت روبين تتمدد على الفراش الخاص بها في راحة شديدة وجوارها رفقة تتمدد هي الأخرى على الفراش وهي تقول :
" مين كان يتخيل يا روبين أن تلف بينا الدنيا ونتجوز في بيت واحد وعيال عم "
تنهدت روبين وهي تقول :
" ايييه دنيا "
" تفتكري يا روبي لما نتجوز سوا هنعامل بعض عادي ولا هنبقى زي السلايف ونحقد على بعض ؟!"
" ايييه دنيا "
نظرت رفقة لروبين وهي ترفع حاجبها تقول :
" روبين أنتِ سرحانة ومش معايا صح ؟!"
" اييييه دنيا "
وفجأة أنتفضت روبين على صفعة قوية من يد رفقة التي صرخت بها مغتاظة من تجاهل روبين لها وشرودها بعيدًا عنها :
" هو أنا بكلم نفسي ؟! يعني أنا سايبة حالي ومحتالي ومجرجرة اخويا اللي اختك مطلعة عين امه تحت عشان تقوليلي اييييه دنيا ؟؟ دنيا ايه ياختي، محسساني أنك عندك قرطة يتامى مستنينك في البيت عشان تأكليهم، ايش حال ما أنا اللي ورايا بلاوي "
نظرت لها روبين بحنق وهي تصرخ :
" ايه يا رفقة الهزار البايخ ده؟! ايدك تقيلة "
" ايدي تقيلة ولا دماغك اللي تخينة، يعني أنا متنيلة قاعدة معاكِ وأنتِ هيمانة في الاستاذ بتاعك ؟!"
لوت روبين شفتيها بحنق وهي ترفع اصبعها محذرة رفقة :
" لو هتقولي كلمة عنه فأنا بحذرك بلاش عشان أنا كنت هخسر اختي الضهر بسبب الموضوع ده، خلاص روبين الهبلة اللي كانت بتسكت عن أي كلام ماتت بح، دلوقتي أي واحد عقله يوزه يجيب سيرة فبريانو هــ "
توقفت عن الحديث وهي تستمع رنين هاتفها بالنغمة المخصصة له، انتفضت في مكانها وهي تبعد الأغطية من فوق هاتفها تلتقطه بلهفة شديدة تتجاهل رفقة وهي تتحرك لنافذتها متحدثة ببسمة وغباء شديد :
" الو "
" مرحبًا ارنبي الحبيب، كيف حالك ؟!"
ابتسمت روبين بخجل وهي تقول :
" بخير، وأنت عامل ايه ؟؟"
" جيد "
صمت ثم قال بعد تنهيدة صغيرة :
" اشتقت لطعامك روبين "
كانت رفقة كل هذا تجلس على الفراش وهي تراقب تحركات روبين الغبية أمامها قبل أن تقرر الهبوط وترى أين وصل حديث اخيها الاحمق الثاني من جاسي المتجبرة.
صدمت روبين لجملة فبريانو، ثم قالت ببسمة :
" هعتبر أن التعبير خانك وكلمة طعام اتحشرت بين اللام والكاف بالغلط "
ضحك فبريانو وهو يراقب بعينه خروج الجميع من المطعم بعدما تخلف عنهم لينتهي من مكالمته ما روبين ثم يلحق بهم، رمقهم بعدم فهم يرى جاكيري يقترب منه وهو يصعد بسيارته مرددًا :
" لقد فسدت الليلة اصعد سنكملها في المنزل "
هز فبريانو رأسه، ثم صعد السيارة جوار جاكيري واستقر خلف المقود وهو يوصل السماعة في أذنه متحدثًا أثناء التحرك بالسيارة :
" إذن هل عاد والديكِ روبين ؟!"
وصل له جواب روبين من الجهة الأخرى وهي تقول :
" لا، بس هيرجعوا بكرة، جاسي بس اللي جات انهاردة "
" لا بأس سأقابلهم بمجرد عودتي، ماذا تفعلين الآن ؟!"
ابتسمت روبين وهي تراقب رفقة التي عادت الغرفة بوجه متجهم ويبدو أن أخيها أبعدها عنهما حتى لا تكون عزولًا بينهما :
" قاعدة مع رفقة "
ردد فبريانو بتعجب :
" رفقة ؟؟"
وبمجرد سماع جاكيري اسم رفقة حتى نزع الهاتف من على الحامل الخاص به وقطع الاتصال بينه وبين السماعة في رأس فبريانو وهو يتحدث به بكل وقاحة :
" اعطي الهاتف لرفكة روبين "
نظرت روبين جوارها لرفقة التي كانت ملامحها غاضبة، ثم مدت هاتفها لها وهي تقول :
" جاكيري عايز يكلمك "
أنتزعت رفقة الهاتف من يد روبين بسرعة ثم تحركت صوب النافذة تردد بصوت هامس لطيف :
" مرحبًا جاكي "
تشنجت روبين وهي ترفع طرف شفتيها لأعلى في حركات حانقة تقترب من رفقة وهي تجاورها في النافذة تستمع لها تتحدث بصوت رقيق غير ذلك الصارخ الحانق منذ قليل:
" اشتقتك جاكيري "
ابتسم جاكيري من الجهة الأخرى وهو يقول بحنان :
" وأنا أيضًا حبيبتي، لا تقلقي تبقى يوم واعود، وقد حدثني المحامي اليوم وهو يخبرني أن كل شيء يسير على ما يرام وقريبًا سيرفع الشبهة عنكِ، ويتم التحقيق مع المشتبه الآخر "
ابتسمت رفقة بتأثر ثم همست له بشجن :
" جاكيري لولاك لما حدث أيًا من هذا، شكرًا لك "
" بل شكرًا لكِ رفكة فـ لولاكِ لكنت الآن وحيدًا في حياتي السابقة التعيسة "
انحرف فبريانو بسيارته بعنف مما جعل جاكيري ينتبه فجأة له وهو يستمع لصوت فبريانو يقول بحنق :
" انتهي من هذا سريعًا، أريد هاتفي "
رمقه جاكيري بحنق، ثم تجاهله تمامًا وهو يردد بلطف :
" إذن حبيبتي قصي علىّ يومك ...... لا لا أنا لدى الوقت بأكمله خذي كل راحتك "
ضغط فبريانو على شفتيه بغيظ قبل أن يترك المقود فجأة وينقض على جاكيري قائلًا بغضب :
" هذا هاتفي أنا"
قاوم جاكيري انتزاع الهاتف من يده وهو يصرخ بصوت عالي :
" اترك الهاتف من يدك، لم انتهي بعد "
كانت السيارة تتحرك بشكل عشوائي على الطريق حتى أنها اصطدمت في سيارة جايك الذي أخرج رأسه من السيارة صارخًا بغضب :
" تبًا لكما تلك السيارة التاسعة خلال هذه السنة "
لكن أيًا من جاكيري أو فبريانو لم يهتما به وهما يتشاجران على الهاتف وعلى الطرف الآخر كانتا رفقة وربين متعجبتين مما يحدث ولتلك الأصوات التي تخرج من الهاتف فتحدثت روبين بقلق :
" فبريانو فيه ايه ؟! انتم كويسين ؟؟"
كان انطونيو يراقب حركة السيارة الخاصة لفبريانو وهو يظن أن جاكيري في إحدى نوبات حنونة اثناء القيادة؛ لذلك حمل هاتفه واتصل بجايك وهو يقول :
" جايك اطحن سيارة هذين الاحمقين "
اعتدل فبريانو في جلسته وقد فاز أخيرًا بالهاتف وهو يضعه على أذنه يقول بهدوء وكأن شيئًا لم يكن :
" أين كنا ارنبي الوردي ؟!"
_________________________________
انقضت الليلة وأتى صباح اليوم التالي الذي كان الجميع فيه قد تجهزوا للتحرك نحو المهمة التالية .
هبط فبريانو من غرفته وهو يحمل حقيبة كبيرة على ظهره يستمع لصوت سيلين الذي يرج أرجاء المنزل من قوته :
" رأيت ماذا فعلوا بي احفادك يا اليخاندرو ؟! لقد تركوني وحدي في ذلك الملهى، ماذا كان سيحدث لو أن أحد السكارى حاول التهجم علىّ "
فرك مارسيلو رأسه بملل وهو يقول :
"الخمر يلغي العقل سيلين لا العين، لا تقلقي لم يكن أحد ليقترب منك "
فتحت سيلين فمها وهي تصيح بصوتٍ عالٍ :
" ماذا ماذا ماذا ماذا؟! ماذا تكرمت وقلت أيها الشاب ؟! هل قلت للتو أنني لست جميلة "
" لا لم اقل سيلين، لكنكِ استشفيتيها من حديثي "
نظر اليخاندرو لاحفاده الذين كانوا يجلسون أمامه كلٌ في عالمه غير مهتمين لصياح سيلين :
" هل فعلتم هذا ؟!"
تحدث انطونيو بهدوء وهو ينظر لجده :
" نحن لم نقصد الأمر جدي لقد نسيناها فقط "
أشارت سيلين لهم وهي تصرخ :
" سمعت بأذنك قلة الأدب؟! لقد نسوني متعمدين اقسم لك، حسرتي على احفادك يا اليخاندرو، لم ينجو أحد منهم من موجة سوء الخلق التي غطتهم جميعهم "
تحرك فبريانو نحو الجميع وهو يقول :
" ما هذه الضوضاء على الصباح سيلين ؟! ألا تملين الصراخ ؟!"
نظرت له سيلين وكادت تسمعه صراخها الذي يتذمر منه لولا صوت آدم الذي أشار على الحقيبة التي تعلو ظهر أخيه :
" ما هذه الحقيبة أخي ؟! هل ستسافر الآن ؟!"
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة ثم قال بخبث :
" هذه فقط لأجل المتعة "
نهض انطونيو وهو يشير للجميع أن يتحرك خلفه :
" لنذهب "
ودون كلمة أو أي مجادلة كان الجميع يتحرك للخارج في منظر مهيب، الكل يعلم دوره ويعلم ما سيفعل في تلك المهمة، راقب اليخاندرو تحرك أحفاده للخارج قبل أن ينهض ويتحرك نحو مكتبه بهدوء تاركًا الباقيين ينظرون بخوف على الجميع.
تحركت سيارة انطونيو تتبعها سيارات الجميع والدراجة النارية الخاصة بجاكيري الذي كان يرتدي خوذة سوداء تلائم سواد ثيابه، والسيارات تسير في طريقها نحو مهبط الطائرات، الكل كان كما لو أنهم في سباق ضخم، على من يصل اولًا، دقائق مرت قبل أن تتوقف السيارة دفعة واحدة وبقوة لدرجة أن احتكاك الاطارات أصدر اصواتًا عالية، هبط انطونيو من سيارته ومعطفه الرصاصي اللون يتطاير حوله، وجواره يسير باقي ابناء عمومته وإخوته، الذين تميزت ثيابهم حميعًا بألوان قاتمة عدا جايك، يسير الجميع صوب الطائرة التي ستقلهم لمكان المهمة والتي سيكون جاكيري هو قائدها .
ابتسم انطونيو وهو ينظر خلفه لأبناء عمومته :
" كما أخبركم جدي اعزائي، نحن فقط سنريهم كم نحن ممتون لاستضافتهم جدي طوال تلك الأيام، عاملوهم بكل رقي وتحضر وهدوء .........."
__________________________
أحيانًا لا تحتاج لسماع صوت مدوي حتى تبدأ بالخوف، فالصمت يحمل في طياته رعبًا ينافس رعب الاصوات؛ لذلك إياك والاطمئنان لهدوئهم فخلفه يقبع جحيمك ...........
وعندما تخطو لذلك الجحيم، احذر أن تحرقك نيرانهم .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
_______________
لاي حد بيحب الانيميشن الكوميدي أو مثلا عنده حد مش بيحب يقرا بس بيحب يتفرج على كارتون، أنا حاليا بكتب قصص كوميدية لليوتيوب وبيتم تحويلها لانيميشن كوميدي، القصة بتحكي عن اتنين صحاب فشلة سافروا من الشرقية للقاهرة عشان يدرسوا ويشتغلوا وفجأة بيحصل دروب في حياتهم وبيتعرضوا لمصايب لم تكن في الحسبان و.......
لو حد مهتم يقدر يلاقيها على اليوتيوب، يكتب بس في البحث ( روطه في شنطة ) وهيظهر ليه القصة، نزل منها حتى الآن خمس حلقات وكل يوم فيه حلقة جديدة بضحك جديد ومغامرات جديدة ....
ومتنسوش لو اتفرجتوا وعجبتكم تعملوا لايك وتسيبوا كومنت برأيكم .
القصة كتابتي واداء صوتي لصديقة ليا 💜
ودي شكل القصة هتلاقوا منها نزل خمس حلقات .