تحميل رواية «اربعة في واحد» PDF
بقلم فاطمه عبد ربه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ اربعة في واحد بقلم فاطمه عبد ربه.
رواية اربعة في واحد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الواحد والعشرون
وصل هشام الشارع جامعة الدول العربية، هذا هو المكان حيث اتفق مع سامية بأن يتقابلا، تجول قليلا وهو يبحث بعينيه يمينا ويسارا حتى وقعت عينيه عليها، عدل من نظارته وابتسم بشر ثم توجه ناحيتها
كانت منشغلة بالحديث مع رجل في سيارة وهي تميل بدلال على شرفته وتتشدق بالعلكة في فمها لكنها لمحت هشام فافتعلت مشاجرة مع الرجل لتجعله يرحل، ثم استقامت وابتسمت ابتسامة حبيتة
ازيك يا هشومي؟ غمزت له فأجبر نفسه على رسم ابتسامة وحمحم " إزيك يا سامية؟"
"واحشني، كنت عارفة إنك هتجيني اقتربت منه وفوجئت به يتراجع للخلف ويعدل من نظارته بتوتر واضح "سامية أنا مش جايلك عشاني"
اختفت ابتسامتها وزمت شفتيها بضيق وسرعان ما صرخت في وجهه بطريقة هو جاء "اسمع بقى أما أقولك، أنا مش رايحة لدكتور رفت ده تاني ! ده كان هيسجني!"
نفی هشام براسه فوزا وسارع بالشرح لا مش لدكتور مصطفى لا، فاكرة الواد أبو عضلات صاحبنا ده اللي اسمه قيس ؟"
ضحكت ضحكة خليعة وأومات وهي تصفعه على صدره بخفة "أبوة الشقي ده." فابتسم وأوما لها "أيوة بالظبط هو الشقي ده."
رمقته بصمت و سرعان ما أعتلى الضيق صدرها وأنت مش عايزني ليه يعني ؟ مش قد المقام ولا مش قد المقام ؟ ماشي أنا عارفة إنك شاطر ومثقف، پس ده ما يمنعش يعني!"
يا سامية أنا مش بتاع الكلام ده بس عايز منك خدمة وهد فعلك حقها، قيس متقدم لأختي وأختي دي غلبانة أغلب من القلب وهو عيل صايع مش محترم، وأبويا مش مصدقني .. فأنا عايزك تروحيله شفته هو لوحده دلوقتي، وتسجليله عشان تنقذ بنت بريئة من إنها تتجوز
حیوان زی ده"
لم تكن سامية مهتمة بأي شيء من تلك القصة السخيفة وقالت بطريقة سوقية "أنا ماليش دخل بمشاكلكم الأسرية، هيطلعلي كام من المصلحة دي ؟ "
"أنت عايزة كام؟"
"أنا بأخد خمسمية جنيه بس مادام فيها تسجيل وفضايح يبقى إيدك على سبعمية جنيه وقولي عنوان شقته دي فين" أردفت وهي تمد يدها له فنظر لها بغيظ لكنه أو ما مضطرا وبدأ يملي عليها عنوان شقة الزمالك التي قال قيس أنه يذهب إليها من حين إلى آخر عندما يريد الابتعاد
عن منزل والديه.
كان قيس يجلس أمام التلفاز ويلعب بجهاز الإكس بوكس في الغرفة الوحيدة المفروشة بالأثاث في شقته، فقد اشترى بنفسه سرير وتلفاز وأربكة وخزانة وجهزها جيدا لتصبح ملجأ له حين يتشاجر مع والديه لأنه يتشاجر معهما كثيرا..
سمه جرس الباب فظن أنه أحد أصدقائه وترك جهاز التحكم من يديه ونهض دون أن يهتم بارتداء سترة تغطي صدره العاري
فتح الباب ليتفاجئ بسامية تستند بدلال على حافة الباب مثلث الصدمة ورفعت حاجبيها "إيه ده ده باين العنوان غلط بس أنا شوفتك قبل كده صح؟"
ابتسم وأوما بابتسامة جانبية "أه مش أنت سامية ؟"
ضحكت ضحكة رقيعة وأومات طب ما أنت فاكرني أهو " فأومأ لها بخبث وأجاب بطريقة.
ماكرة "لا إزاي أنسى طبعا يعني !"
طلب ما إيه؟ أنت عندك حد جوا ولا ينفع أدخل ؟ " قالت وهي تتقدم للداخل بالفعل وفوجئ بها تضع يدها على صدره وتهمس تعرف إنى كنت بفكر فيك من ساعتها؟"
ابتلع لعايه بصعوبة ونظر ليدها على صدره بتوتر وبحركة لا إرادية تراجع للخلف وهو يحمحم "لا مافيش حد . "
"طب وراك حاجة ؟" قالت وهي تدخل وتغلق الباب خلفها وخلعت معطفها الثقيل لتظهر من تحته بسترة حمراء ضيفة ذات حمالات رفيعة جعلت حلق الآخر يجف ويزدرد لعابه وهو يحدق فيها بنيه.
راقبها جيدا من أعلى لأسفل وهي تتحرك بذلك البنطال الجينسي الضيق الذي يكتنز دهونها بداخله بصعوبة، حك عنقه ونظر حوله بعقل متوقف عن العمل، لا يستطيع معرفة ماذا يفعل الآن؟
تذكر أمر ليلى وكأن رشده عاد له فجأة ليعطيه إجابة واضحة على سؤاله، فهو ليس بالخائن، هو حقا لا يحب الخيانة، ربما هو سيئ ولو لم يكن قد تقدم لخطبة فتاة لكان قد جاري تلك الفتاة فيما تريد، كما أنه شعر بأنه سيصبح غير مرتاحا في علاقته بليلي مستقبلا وهذا دفعه للوقوف أمام سامية التي كانت في طريقها لغرفته وقال بطريقة صارمة "لا أصل أنا مش فاضي "
"طب أجيلك وقت ثاني؟" همست وهي تضع يدها على صدره من جديد فأمسك بيدها ليبعدها عنه "ولا وقت تاني، أنا خاطب."
أعطته سامية نظرة ساخرة "والله؟ اومال كنت بتعاكستي ليه المرة اللي فاتت؟"
ما عاكستكيش، أحمد هو اللي كان شاقطك مش أنا، أنت أكيد فهمت غلط، ولو سمحت البسي هدومك واخرجي لأني أصلا خاطب وهتجوز"
يا ولا؟ اطلع من دول ... أنت عايزني أتحايل عليك يعني؟ " صخرت فارتسمت ملامح الضيق على وجهه والغضب يتملك منه خاصة وهو يريد أبعادها عن هنا بأقصى سرعة ولا يريد مواصلة
النظر لها بتلك السترة الضيقة
بقولك ايه، أجري اتكلي على الله قولتلك طريقك أخضر يلا . " زمجر في وجهها لكنها لم التراجع واقتربت منه محاولة احتضانه ولوهلة كان قد تصلب في مكانه لكن سرعان ما دفعها عنه بعيدا وصاح "أنا قولتلك خاطب، ما يتفهميش؟"
كان يكرر كلمة "خاطب" كثيرا وكأنه يذكر نفسه وعقله بها قبل أن يذكر سامية.
غمزت له وقالت بطريقة لعوبة "طب ما تيجي أعلمك "
"لا والله، متعلم جاهز مش محتاج حد يعلمني، متشكرين أفضالك ..".
"أنت مالك بس قافش عليا كده ليه هو أنا مش عاجباك؟ مثلث نبرة حزينة فلان وجهه وابتلع العابه ثم قال بطريقة هادئة يا ستي عاجباني والله بس أنا خاطب مش هينفع .. عارفة لو كنت
جيت أسبوع بدري، ماكنتش عملت كده بس أنا خاطب دلوقتي."
طب هو مين هيقول لخطيبتك؟"
"ما حدش بس أنا مش هبقى لسه متقدملها من كام يوم ودلوقتي أخونها يعني ! وبعدين أنا خلاص زهقت من الرمرمة، ومرمت كثير، كفاية كده"
"إخس عليك، يعني أنا ومرمة ؟ " مثلث البكاء وفوجئت به يجيب "بصراحة أم"
على صوت بكاءها فابتلع لعايه واقترب منها ثم أمسك بمعطفها وأعطاء لها قائلا بنيرة مبحوحة
"طب معلش يصي لمي أشياءك واتكلي على الله ."
" يعني أنا بعيط وأنت بتقولي امشي ؟ " عاتبته فرسم ملامح باكية على وجهه وترجاها وهو يضع المعطف على كتفها ليغطيها " والنبي تلبسي وتمشي يا سامية مش عايز أخون البت، أنا قاعد
لوحدي أهو وبألعب إكس بوكس ومستعيذ من الشيطان وما بعملش حاجة !"
تركته ودخلت نحو غرفته وجلست على سريره تكمل بكاءها المفتعل فاقترب منها وهو يبتلع العابه ويحاول عدم النظر نحوها وجلس بهدوء طب بصي، خدي متين جنبه وامشي بلا إيه رايك ؟"
" يعني أنا مشاعري عندك بتساوي فلوس ؟"
يا ستي حرام عليك بقى والله حرام كده يعني أنا حتى وانا لوحدي الرذيلة هي اللي تجيلي! وبعدين قولتلك متتيل خاطب واللي خاطبها دي مؤدبة ومتدينة، حطي نفسك مكانها يا سامية.
ترضي خطيبك يخونك؟"
كنت متجوزة عرفي وجوزي خاني بعد يوم واحدا أجابت فحك عنقه وتمتم رافعا كتفيه "ما ا يمكن عشان أنت أصلا واطية يا سامية ! بس ليلى مش كده ."
"ليلى؟ يعني ليلى أحسن مني ؟ " اقتربت منه وهي تتلمس صدره من جديد فجف حلقه وتزحزحبعيدا لكنها أكملت تقدمها منه وهي تهمس "طب أنا أحلى ولا هي؟"
"هي طبعا دي قمر .. يخربيت عينيها، عليها جوز عيون عسلي مجندين أمي، ولا شفايفها .. ".
همس بطريقة هائمة وكأنه لا يراها بالأساس فنكزته في كنفه وابتعدت عنه مستسلمة للأمر. الواقع، فهو يبدو محبا لتلك الفتاة فعلا ولا تعلم لماذا هشام يريد تدمير تلك الزيجة، لكنها أشفقت على قيس ونهضت تمسك بمعطفها
"طب تمام، أنا ماشية ... وألف مبروك على الخطوبة, خليها تنفعك " سخرت فتنفس الصعداء وهو يراقبها تلملم حاجياتها وتغادر شقته.
رمي بظهره على السرير وهو يبتلع لعابه بصعوبة وينظر للسقف مخرجا زفيرا كان يحبسه، لقد كان ذلك وشيكا .. لكنه سعيدا بأنه لم يفعل شيئا قد يجعله لا يستطيع النظر في أعين ليلى مجددا، وفي نفس الوقت فخورا بنفسه لكونه قد تمالك أعصابه وسيطر على أفعاله ولم يقم بشيء سيئ فهذا أراح ضميره كثيرا بشأن كذبه على ليلى وتمثيله لدور الشاب الجيد أمامها لأنه أصبح فتي جيدا الآن، صحيح؟
في مكان آخر وقف هشام ينظر لسامية بدون تصديق يعني إيه مارضيش ؟ أنت حاولت معاه كويس؟"
ده أنا اتحرشت بيه وهو كل اللى على لسانه أنا خاطب، كأن فيه عفريت مسكه اسمه " أنا خاطب" وعموما أنت معاك التسجيل اللي سجلتهوله كله "
ارتسمت ابتسامة صفراء على وجه هشام وشبك يداه أمام صدره وسخر "إيه يعني؟ تاب؟" "بص، من خبرتي كده فهو ما تابش ولا حاجة وعنده استعداد يرمرم تاني لو ماكانش خاطب اللي مانعه بس إنه خاطبه"
أخذ هشام نفسا عميقا بغيظ وأوما وهو يصك على فكيه، ماذا يفعل الآن؟ هو لا يعرف، لكنه ليس مقتنعا بقيس وما زال لن يعطيه شقيقته مهما كلفه الأمر لأنه لن ينسى أمي نجلاء ونعمة وبائعة النعناع ودينا والله وحده أعلم من أيضًا.
في مكان آخر صفع أحمد ظهر أدهم الجالس أمام حاسوبه من مدة يلعب لعبة بابجي وصاحهي ما خرجتش البلكونة ليه ؟"
مش عارف هي بتطلع تشرب سجاير دلوقتي اطلع شوفها تاني كده" تذمر الآخر وهو يعيد تركيزه إلى اللعبة أمامه فعقد أحمد حاجبيه ونهض نحو الشرفة لكن للمرة السادسة لم يجدها
ولم يدري ماذا يفعل ليجعلها تخرج ؟
نظر حوله ووجد بعض مشابك الغسيل الخشبية موضوعة في حقيبة بلاستيكية على الأرض فانحنى والتقط البعض ثم بدأ يلقي بهم على زجاج نافذتها المغلق
تنبه للباب يفتح وداليا تخرج باستغراب تنظر حولها حتى وجدته على وشك رمي المشبك الخامس قزمت شفتيها ييأس ونظرت للأعلى وكأنها تهدأ نفسها حتى لا تقفز عليه وتقتله
"المشابك بتاعتنا وقعت عندكم هاتيها." قال بابتسامة ماكرة فأنزلت راسها ببطء وسخرت
" يعني مش أنت اللي حدفتها ؟"
ليجيبها "اه ما أنا اللي حدفتها!"
"أنت شكلك ماحرمتش من جردل الماية اللي دلفته عليك " هددته فضحك وغمز لها "لا ما حرمتش الصراحة."
ابتسمت رغما عنها واستندت على الجدار لتنظر إلى السماء وفوجئت به يمد يده لها بسيجارة. أخذتها بصمت ووضعتها بين شفتيها فمد يده لها بالقداحة ليشعلها لها قبل أن يشعل سيجارته
وقفا يدخنان بصمت حتى أشار لها إلى نجمة لامعة جدا في السماء "شايفة النجم ده ؟ "
نظرت للأعلى إلى حيث يشير وأومات
"أنا قرأت إن لما نبص لنجم ييلمع أوي ونتمنى أمنية بتحصل "
الكلام ده مش علمي ومش منطقي، ولعلمك اللي إحنا شايفينه ده أصلا مش النجم نفسه، ده الضوء اللي واصلنا منه، وممكن يكون هو دلوقتي مات وما بقاش له وجود" أجابت مدمرة
لحظته تماما وهادمة لكلامه القادم الذي كان سيبنيه على تلك الجملة
زم شفتيه و نظر لها وهو يحاول تمالك أعصابه ثم نظر للنجم وقرر عدم إفساد اللحظة والاستمتاع بما يجري بينهما من حديث حتى ولو كان غير مخطط له ولذلك فهو أعاد رأسه لها " هي النجوم بتموت ؟"
"أيوة بتموت، بس قبل ما يموت بيعمل حاجة اسمها نوفا، بيجدد فيها طاقته، وبعدها بيعمل سوبار توفا كمحاولة أخيرة في إنه يفضل عايش، ولو فشل طاقته بتخلص وبيموت" أجابت
وهي تصوب نظراتها الخاوية نحو ذلك النجم
حك ذقته ومزح أول مرة أعرف إن النجوم بتموت !"
ارتسمت ابتسامة جانبية مزيفة جدا على وجهها وقالت بغصة وهي تخفض يدها بالسيجارة "كل حاجة بتموت لما طاقتها بتخلص "
وكأنه قد شعر بأنها تتحدث عن نفسها فمازحها وهو ينفخ دخانه "أنا مليان طاقة، لما طاقتك تخلص هسلفك شوية من عندي، عشان تفضلي عايشة"
لم تعطيه أي رد فعل وصمتت لتكمل سيجارتها بهدوء وأثناء ذلك تفحصها هو من أعلى الأسفل، بنطال قطني زيتي وسترة صوفية صفراء واسعة، شعر مبعثر واعين يحيط بها السواد، يعرف
بأن هناك شيء ما بها، لكنه فقط لا يستطيع معرفة ما هو؟
قاطعهما دخول قطة رمادية اللون من باب شرفتها، تجاهلتها داليا في حين علق أحمد عينيه عليها، ليجدها قد قفزت على السور وتخطت الجدار الفاصل بين مكانه ومكانها وأصبحت في شرفته هو وحينها حركت داليا رأسها ناحيته لتتابع ما يحدث في حين بدأت القطة تنمسح في قدميه وتلف حول ساقه وهي تنظر له وتموء ابتسم وانحنى ليداعبها فقفزت على الجدار
ووفقت أمامه تحك رأسها بصدره مستمتعة بتمسيده لفروتها
"قطتك بتحبني " مزح وهو يتلمس فروة القطة فنفخت داليا دخان سيجارتها وأجابت بابتسامة ماكرة "مش قطتي، دي قطة دايمون."
لم يسألها من دايمون لأنه يعرف بالفعل بأنه أخيها الصغير داني، لكنه أثر إكمال تمسيده للقطة بنعومة والقطة تلتصق به أكثر في حين كانت داليا تمنع ضحكة عالية من الخروج الآن حتى نظر
لها وتمتم "لطيفة"
فوجئ بها تقضم شفتها السفلى بابتسامة تحاول محوها وهي تمتم بسخرية "طب ما دام مستلطفها قياد"
ضيق عينيه وتساءل "يلا ايه ؟"
ليجدها تغرق بالضحك وهي تجيب "أصلها عايزة تتجوز، فما صدقت شافت ذكر "
توسعت عينيه ونظر للقطة بارتياب تم حرك رأسه لداليا واستفهم "أنت بتهزري ولا بتتكلمي جد؟"
هربت ضحكة عالية منها ونفت برأسها "والله عايزة تتجوز، دي فاضحانا وجيبناها أول امبارحالله من الشارع، كانت عايزة تمرمغ شرف العيلة في الوحل مع قط بلدي بس أنت شكلك عاجبها "
ضحك ونظر للقطة مازحا قائلا بأسف والله يا قطة أنا حاسس بيك بس كان على عيني، إحنا
مش من نفس الفصيلة للأسف "
أكملت الأخرى ضحكاتها وهي تلملم شعرها للخلف
طب ما تجيبولها قط حرام عليكم اتقوا الله يا مفتريين، أنا حاسس بيها ."
وضعت سيجارتها في فمها ورفعت كتفيها "جيبنالها قط رومي طلع هفأ، ضربته، هي هتموت على قط بلدي عريجي "
دي لو شافت قيس هنا نصيه على كده " ضحك عاليا قنظرت له داليا بدون فهم "قيس مين؟"
فأجاب وهو يضحك "قط بلدي عريجي "
طب ما تجيبه عشان تنقذها من الضباع اللي هي فيه " قالت بجدية لكنهما فوجنا بأدهم يجيب من خلف أحمد وقد دخل توا "لا، أصله خطب خلاص"
استوعيت داليا أنهما يتحدثان عن شخص حقيقي وليس قط فاقترب أدهم وحرك رأسه لها في حركة مرحبة في حين عقد أحمد حاجبيه وتابعهما جيدا بعيناه
"أنتوا أتكلمتوا؟ " تساءل وهو ينقل بصره بينهما فايتسم أدهم وأجاب "أه، ينتفرج على مسلسل
"سول Friends
تجهم وجه أحمد رغما عنه وزم شفتيه وقد بدأ يتنفس بسرعة والشكوك تراوده نحوهما، ثم نقل بصره لداليا فوجدها متهللة بوجود أدهم كثيرا وقد بدأت تسأله عن حاله وما إن كان قد شاهد آخر فيلم قد نزل سينمات هوليود، لكنه ضيق عينيه وقرر قلب تلك الطاولة فنظر لأدهم وسخر
وسارة تعرف الكلام ده؟"
عقدت داليا حاجبيها ونظرت لادهم في حين حمحم هو ولم يجيب لكنها ابتسمت ابتسامة جانبية وتسائلت "سارة مين؟"
سبقه احمد باجابته "سارة اللي هو مرتبط بيها، أصلها غيورة وشكاكة شوية فممكن لما تعرف asil امان الى مكرم"
إنكم أصحاب تغير وكده"
علقت داليا عينيها على أدهم الذي قلب عينيه ونظر للشارع دون أن يجيب، فوجئ بها أثنيهما
تضحك "آه يا نفس، مع إن ما يبائش عليك يعني!"
ومن ردة فعلها هذه أحمد قد هذا كثيرا، فلقد كان يراقب كامل تعبيراتها ليستطيع التحديد ما هي مشاعرها نحو أدهم تحديدا، لكن الذي قلق منه هو ضيق أدهم وعدم استحسانه لما حدث.
حتى أنه أجبر نفسه على رسم ابتسامة مزيفة وهو يحك عنقه ويومئ دون الخوض في تفاصيل
قطب أحمد حبيته وهو يتابع كامل تحركات ادهم بعينيه حتى وقعت أعينهما سويا على بعضهما وتبادلا نظرات غريبة حيث أحمد أعطاه نظرة متشككة وأدهم أعطاه نظرة غاضية
طب، أنا هدخل بقى . " قالت داليا بعد أن أنهت سيجارتها وألفت بآخر جزء منها أرضا ثم لوحت لأدهم وألقت ابتسامة لأحمد الذي بادلها بإيماءة بسيطة وراقبها أثنيهما تعود نحو غرفتها وتغلق باب الشرفة.
استدار أدهم لأحمد فور رحيلها وتذمر بصوت منخفض "أنت قولتلها ليه ؟"
فرفع أحمد إحدى حاجبيه وسخر "وما أقولهاش ليه؟"
"عشان موضوعي أنا وسارة ده خاص بيا وأنا لو عايز أقولها كنت قولتلها!"
تجهم وجه أحمد وأشاح بوجهه بعيدا وهو يسخر افتكرتك قولتلها، أصل باين عليكم إنكم بتتكلموا كثير وواخدين على بعض " ثم حرك له رأسه ببطء وتساءل "بتتكلموا من امتى ؟"
"مش من مدة طويلة، بس أنا وهي شبه بعض جدا ولينا نفس الإهتمامات وينحب نفس الحاجات فعادي بتتكلم !"
ساد الصمت بينهما في حين كان أحمد يغلي من الداخل والغيرة بدأت تفتك به . به حرفيا ولم يستطع الصمت أكثر فاستدار لأدهم وتطق بنبرة مهددة "أنت عارف إني معجب بيها، صح ؟"
تخرج أدهم عينيه بعيدا وتهكم "أنت معجب بكل البنات"
ولم يكن الآخر يملك إجابة على صديقه فصك على فكيه بضيق وألقى بسيجارته أرضا، لقد زاده أدهم شكا على شكه، هل أدهم معجبا بها ؟ لكن ماذا عن سارة التي قال لجدته بأنه يحبها ويريد خطبتها ؟ أم أنه لم يكن يتحدث عن سارة بالأساس؟ نقد تشوش عقله بشدة لكن الأكيد الآن أنه يشعر بالغيرة والخوف لا يريد التشاجر مع صديقه لأجل فتاة لكن الأمر لن يمر يتلك البساطة لو أدهم أيضا يمتلك مشاعر نحوها
بس دي مختلفة، تمام ؟ " قال وهو ينظر لأدهم في عينيه فسخر الآخر " إيه؟ عايز تقولي إنك هتتجوزها ؟"
توقفت الكلمات في حلقه وتكلم بنيرة منفعلة " وأنت مالك بيها؟ خايف عليها مني ؟"
فوجئ بالآخر يومئ أن خايف عليها منك ارتاحت انت كده؟ أي بنت هتيجي جنبك هنتاذي. طبيعي أكون خايف عليها مثله "
وانت ولي أمرها يعني ؟ " نبرته الغاضبة أوضحت للآخر بأن الموضوع لن ينتهي بهدوء فتراجع عن تلك المجادلة وأجاب بنبرة طبيعية ليتفادى أي شجار قد ينشب بينهما
"لا، بس ممكن تبعد عنها ؟ هي ما تستحقش يحصلها كده، مافيش بنت تستحق يحصلها كده. بالله عليك مالكش دعوة بيها ."
له أخفض أحمد عينيه وحزنت ملامحه ثم نطق بنبرة مهزوزة "للدرجة دي أنا وحش ؟"
"أه أنت مش شايف اللي أنت بتعمله؟ هي البنات دي لعب بالنسبالك مش بني آدمين؟ حرام عليك".
اوما بصمت وابتلع الغصة في حلقه ثم ربت على كتفيه وتمتم "معاك حق يا صاحبي، بس أنا مش عارف مالي ومالها .. هي من النوع اللي أنا بحبه من البنات عموما، أنا يحب البنات
الساذجة السهلة داليا دي جاية عليا بخسارة أصلا . "
خلاص لو كده يبقى تقطع علاقتك بباقي البنات " أعطاه أدهم حلا سريعا فضحك ورفع كتفيه
"أنا لسه مفركش مع مريم عشان اكتشفت إني بخونها مع شيماء، وفركشت مع شيماء عشان خالفت كلامي ونزلت صورتنا سوا على النت ما يتفضلش غير سلمى .... أنا مش هقدر أفركش مع سلمى، سلمى ليها مكانة خاصة عندي وبقالنا سنتين سوا."
توسعت أعين أدهم وطالعه بدون تصديق وهو يضرب كفا بكف وسرعان ما زمجر " طب مالك مال دالیا ؟
"مش عارف !"
سقط فك أدهم وحدجه بنظرة ساخطة وتمتم "ربنا يهديك أو يهدك عشان زهقت منك والله".
في صباح اليوم التالي تقابل هشام وقيس في المصنع الذي أصبحا يعملان به سويا، قابله قیس
بابتسامة مرحبة معتقدا بأنه قد وافق على الأمر في حين رفع هشام سبابته في وجهه وتحدث بنيرة المستعد للشجار "بص، أنا هديلك فرصة تفركش الجوازة دي وترجع تاني حبايب وسمن
على عسل "
سقطت ابتسامة قيس وأعطاه نظرة حزينة "يا اسطا ليه كده؟ ماشي أنا عارف إني ما استحقهاش وإني عملت حاجات زبالة كثير بس ما كلنا بنغلط يعني انت عمرك ما غلطت ؟"
لا عمري ما عملت حاجات زبالة زي دي، وديل الكلب عمره ما هيتعدل "
صك قيس على فكيه وكرر كلب ؟! طب تمام ... عموما أنا متصل بأبوك النهاردة أعرف منه رده. ولو وافق فالخطوبة هتبقى الأسبوع الجاي حضر بدلة كويسة تحضر بيها وابقى وريني بقى
هتعمل ايه يا أبو نسيه"
ما تقوليش يا أبو نسب " صرخ هشام في وجهه فابتسم باتساع وأضاف باستفزاز "أقولك يا
أخو مراتي ؟"
قبض هشام على يديه مانغا نفسه بشتى الطرق من أن يلكمه للمرة الثانية على وجهه ثم تحرك عاصفا بعيدا عنه وهو يمد في خطواته كي لا يرى وجهه من جديد، لكن من سيخدع؟ فهو يرى قيس في المصنع وفي الجامعة وقريبا في البيت لأن والده ووالدته وشقيقته موافقون على هذا الحقيرا لو انتظر أكثر فسيجد قيس يخرج له من سرواله !
انتهى من نوبة تدريبه وتوجه نحو الجامعة حيث وجد قيس بالفعل يجلس مع أحمد وأدهم هناك في آخر مدرج من قاعة المحاضرات التي احتوت على عدد ضئيل من الطلاب، اتخذ طريقه
ناحيتهم على مضض ثم ألقى بجسده بجانب أدهم
"كويس إنك جيت. إحنا لسه ما فكرناش هنعمل إيه مع دكتور مصطفى، ما عندكش أي خطة ؟"
قابله أدهم بسؤاله ذلك فقلب عينيه وأشاح بوجهه بعيدا دون أن يجيب
"أنا بقول ن." هم قيس بالكلام لكن أحمد قاطعه لا مش هتغتصبه، تمام ؟ "
"أنا ماكنتش هقول تقتصبه بعد الإمتحانات تخطفه ونحبسه في مكان لحد ما هيئة الدكاترة
يخلصوا تصحيح الورق، وبعدين نطلق سراحه"
توجه ثلاثتهم بأعينهم له وكأنه قد أنقذهم لتوه وأخيرا قال شيئا جيدا
حلو الكلام ده وأنا جدي عنده عزبة صغيرة كده على طريق الواحات، ماحدش هناك غير اللي شغالين فيها، ممكن نحبسه هناك " أضاف أدهم واعتدل هشام في جلسته وعدل من نظارته
طب الفرضوا بلغ عننا بعد ما نسيبه ؟"
فأجاب أحمد ممكن تلبس ماسكات على وشناء مش هيعرفنا وكده نبقى احنا بعاد عن
الموضوع."
حك هشام شعره وأوما "طب إحنا كده محتاجين تذاكر وتخلص المشروع !"
وافقه جميعهم ثم تساءل أدهم " هي الإمتحانات امتى؟"
كمان شهر تقريبا"
طب هنخطفه إزاي ؟"
ابتسم هشام ولمعت عيناه يمكر "أنا عارف هنخطفه إزاي، ولعلمك الموضوع ده هيبقى أسهل
وأنت مرتبط بينته أنت كل اللي عليك تسرق مفاتيحها".
رواية اربعة في واحد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الثاني والعشرون
كان امين والد هشام يجلس في غرفته، ممددا جسده على سريره يستمع باستمتاع لصوت أم كلتوم القادم من جهاز الراديو الذي وبالرغم من قدمه ما زال يعمل جيدا، اليوم يوم أجازته الابتسامة تعلو شفتيه في تلك اللحظة كان يشعر بالراحة تغتره كليا، لا يحمل للدنيا هم، هذا حتى طرق الباب ودخل همه الأكبر في تلك الأيام
عدل هشام من نظارته وحياه كالمعتاد ثم ترجل وجلس أمامه بعد أن استأذنه بإغلاق الأغنية لأن لديه موضوعا هاما يجب أن يتكلمان فيه أخذ أمين نفسا عميقا في استعداد لسماع ما يتوقع السماعة، سيحادثه هشام عن قيس من جديد فلا موضوع يتكلم فيه هشام سوی قیس ولیلی مؤخرا.
أخرج هشام هاتفه من جيبه بثقة وبدون أي كلمة شغل التسجيل الذي سجلته سامية القيس: فهو وبالرغم من كونه لم يفعل معها شيء، لكنه تفوه بالكثير، تفوه بأنه كان ليفعل لو أنه لم يكن في
خطبة فتاة أخرى، وهذا إثبات كافي على أن قيس ليس بالفنى الحيد الذي يظنه والده.
اصتنت والده جيدا لتلك المحادثة حتى آخر كلمة بها، وعندما انتهت رفع عينيه لهشام وسأله من أين له بذلك التسجيل ؟
أجابه هشام بصدق، بأنه هو من أرسل القيس بتلك الفتاة كي يثبت له أن قيس وغد، لكنه فوجى بردة فعل والده الذي صاح في وجهه "يعني من الآخر كده أنت بعدله فتاة ليل عشان يزني معاها، صح كده؟ أنا فهمت صح ؟"
جف حلقه وابتلع لعابه ولم يمتلك إجابة فأكمل والده " يعني من الآخر كده قواد؟"
يعني أنت سايب كل حاجة وماسك في اللي أنا عملته ؟" نهض يصرخ فنهض له والده ورفع سبابته في وجهه قائلا بنبرة صارمة
"كلمة كمان وقسما عظقا ما مراعي إنك كبرت، وامشي غور من وشي، أنا مصدوم فيك، وبعدين الولد ما عملش حاجة، ما كلنا إتشاقينا وأحنا صغيرين، هنجلده يعني؟ أهو ربنا تاب عليه وأنت اللي بقيت بتعمل حاجات قذرة"
صك على فكيه بغيظ واشتدت قبضة يده على هاتفه حتى كاد يتفتت أرضا، لكنه أخفض رأسه بإذعان لوالده الذي حقا يهابه ولم يجرؤ على التفوه بحرف، ثم سارع بالخروج من الغرفة وصفع الباب خلفه، لكنه عاد بعد خمسة دقائق وفتح الباب على مصراعيه وصرخ
"طب قسما بالله الخطوبة دي ما هتتم إلا على جنتي وهي ركبت في دماغي بقي".
في مكان آخر كان أحمد يجلس بجانب أدهم على سريره، يشاهدون مسلسل "Friends" الذي أصر أحمد على مشاهدته بعد أن جاء يبيت مع أدهم الذي سافر جده وجدته للمزرعة للقضاء
أسبوع هناك
كانا قد انتهيا من الموسم الثالث حينما سأله أدهم "عشان" داليا ؟" فضحك وأوما له ثم نظر نحو الشرفة وتساءل لماذا لم تخرج داليا منذ الصباح ؟
ليجيبه الآخر بأنه لم يرها منذ بضعة أيام، وبالرغم من شك أحمد بأن أدهم معجبا بها أيضا لكنه انتبه لأن أدهم لم يكن يقلقه إختفائها هكذا، فقط هو الذي قلق وحك عنقه بتوتر وهو ينظر إلى الشرفة ثم عاد برأسه لأدهم ونكزه ليحته على تشغيل الموسم الرابع.
كان أدهم من هؤلاء الذين يتامون مبكرا عكس الآخر، الذي يقى مستيقظا لقبل الفجر التيه لصوت موسيقى خافتة يأتي من الخارج، ولم يلبث أن نهض بحذر عن سرير أدهم ويلتقط معطفه عن الكرسي لبقيه من البرد بالخارج ثم توجه نحو الشرفة، فتحها بهدوء وأخرج رأسه لينظر للجهة التي تقف فيها هي
اختين بجانب الباب فورا وراقبها جيدا عندما وجدها تتحرك بخفة على أنغام الموسيقى، تضع السيجارة في فمها، تسحب الدخان تزيل السيجارة وتنفخ الدخان على شكل حلقات وهي تتمايل بجسدها بدون توازن كانت تبدو منتشية وغير ثابتة للحد الذي جعله يظن أن تلك السيجارة في يدها تحوي نوعا من المخدرات
توقفت فجأة ورفعت يدها بالسيجارة تم الفتها في الشارع واخفضت رأسها نحو الأسفل وخينت وجهها بيديها، ولم يلبث أن سمع صوت نحيب مكتوم يختلط بصوت الموسيقى الخافتة في الخلفية
تناقلت أنفاسه وكأنه يختنق هو الآخر أثناء مراقبته لها في تلك الحالة، لم يكن يريدها أن تعرف بأنه رأها، لكنه لم يستطع أن يقف مكتوف الأيدي فقط يشاهدها تبكي ا لم يكن هو ابدا ذلك الشخص المشاهد، بل الذي يتحرك ويبادر ويأخذ الخطوة الأولى ....
أخذ خطواته البطيئة نحوها، وقف في آخر السور، عند أقرب نقطة تفصله عن سور شرفتها. انتبهت له فاستدارت ومسحت عينيها بسرعة ثم نطقت بنبرة متحشرجة "أنت هذا من امتى ؟"
" من ساعة ما كنت بترقصي " أجاب فقلبت عينيها وسخرت بصوت بالا "أنا ما بعرفش أرقص" فابتسم وأوما "أي أعمى هيشوفك هيعرف إنك ما بتعرفيش مش محتاجة توضيح يعني "
صمتت فأكمل متحاذقا فقط ليجعلها تمزح رغم أن من ضمن أولوياتي في البنت اللي هتجوزها
إنها تكون بتعرف ترقص، بس أنا متنازل عن الشرط ده خلاص"
أعطته ابتسامة مهزوزة على مزحته فتلاشت ابتسامته وطالعها بحزن
" بتعيطي ليه ؟"
" هو الإنسان بيعيط ليه ؟" تحاذقت عليه هي الأخرى
"عشان وحيد؟" اقترب أكثر من السور الذي يفصلهما أثناء مراقبة داليا
وممكن عشان يقدر يكمل " أجابت بجدية ورفعت إحدى حاجبيها لتكمل "تعرف أن البكاء بمثابة مسكن للألم ؟ علميا اكتشفوا إن لما بتبكي، ألامك بتتخدر ... وإن العياط وسيلة دفاع
ممتازة ؟"
"أنا عمري ما عيطت " أردف فضحكت ولا أنا بس كنت محتاجة مخدر، فغصبت على نفسي و عيطت."
استمع لكلامها بملامح ثم نظر لعلبة سجائرها الموضوعة على السور وعاد بعينيه لها هي السيجارة اللي كنت بتشريبها دي فيها حاجة ؟"
ضحكت ونظرت له بأعين ماكرة ثم نظرت حولها رغم أنهما بمفردهما تماما، واقتربت منه لتهمس
بضحكة مكتومة "لاد بس كان نفسي يبقى فيها. "
نظر لها بشك، تصرفاتها غريبة، لا تنتمي إلا لشخص منتشي، إنها تهتز في وقفتها حتى عينيها حمراوان الهالات السوداء تحيط بعينيها .. لو أقسمت له بالله الآن بأنها مستفيقة فلن يصدقها
" السيجارة دي كان فيها ايه ؟" استفهم بضيق وهو يمد يده ليلتقط علية سجائرها وفتحها
ليتفحص السجائر فوجدها عادية لا يوجد بها شيء مثير الريب، إذا ما هذا؟
فيها تبع، هيكون فيها إيه يعني " ضحكت بطريقة مربية فقطب جبينه ونظر لها يشفقة "طب مالك؟ كأنك مش صاحية ؟"
ضحكت و استندت على السور الذي يفصل بينهما وأشارت له بأن يعطيها أذنه فاقترب يتردد فوجدها تهمس " أصلي ما نمتش بقالي ثلاث أيام "
توسعت عينيه ونظر لها بصدمة، ما الذي يجري مع تلك الفتاة حقا بقد بدأ يشعر بالرعب عليها. والأسى على حالها
"ما نمتيش ليه ؟"
نظرت له في عيناه وخرج صوتها متحشرجا وكأنها على وشك البكاء مجددا "مش عارفة !"
ولم تلبث وأن أكدت وجهة نظره وبدأت بالبكاء مجددا، غصة ضربته في صدره، لم يكن يدري ما الذي يفعله ليخفف عنها؟ ما الذي يقوله وهو لا يدري ما الذي بها؟
راها ترتعش وهي تنظر ليدها وتتذمر بطريقة طفولية من بين بكاءها "إيدي سقعانة ..".
امتدت يده ليحيط بيدها وباليد الأخرى مسح بعض الدموع عن وجنتيها
"أنا معاك" همس لها ورفع يدها ليضع قبلة صغيرة على باطنها فوجدها تغمض عينيها رغما عنها
هاتي الكرسي ده واقعدي عليه " قال وهو يشير بعينيه للكرسي المبطن بالإسفنج المريحالموضوع على بعد سنتيمترات قليلة منها فسحبته إلى جانب السور وجلست وأسندت رأسها إلى الحائط باستسلام
رفعت عينيها تنظر إليه ممسكا بيدها محاولا تدفنتها بكامل جهده، تارة بالنفخ فيها وتارة بحكها بيديه، كان يعطي كامل اهتمامه ليدها الباردة، ابتسمت مع تحرك عينيه لها، نظراته المهتمة القلقة جعلتها تتوتر وتتكور حول نفسها على الكرسي ثم اغمضت عينيها لتهرب من أي شعور يؤلمها في تلك اللحظة.
ولم يمر عشرة دقائق حتى وجد يدها تنقل وتقع من يداه فأدرك بأنها قد نامت.
تأملها قليلا، جميلة، لكنها حزينة ومتعبة، لو أن هنالك وصفا للحزن فهو وجه دانياء
ولو أن هناك أمنية وحيدة له الآن فسيتمنى أن يقفز إلى شرفتها ويحشر نفسه بجانبها ثم يضعها ا في حضنه ليحميها من أي شيء يضرها حتى ولو كان الذي يضرها هو العالم.
امتدت يده لعلبة سجائرها وأخرج سيجارة، تفحصها بابتسامة جانبية، بالفراولة مرة أخرى ... لكنه لم يهتم ووضعها في فمه وأخرج قداحته ليشعلها، ثم بقى واقفا بجانبها يدخن السيجارة بهدوء متلذذا بمذاق الفراولة في فمه، انتبه لها ترتعش من جديد فخلع عنه معطفه ووضعه عليها برفق، غمغمت وخبلت نفسها أسفله فابتسم وألقى عليها بنظرة أخيرة وهو يطفئ السيجارة تم
تحرك مبتعدا.
فتحت عينيها في اليوم التالي عندما وقعت أشعة الشمس على وجهها، تلفتت حولها بدون فهم. ما الذي تفعله هنا في الشرفة ؟ هي لا تتذكر ما الذي قد جلبها إلى هنا بالأساس، كل ما تتذكره هو انها كانت ناعسة كثيرا ...
انتبهت للمعطف الموضوع عليها، لم يكن ينتمي لها، هذا المعطف رجالي
رفعته وتفحصته، قريته من أنفها، رائحة عطر رجولي ممتزجة برائحة سجائر، ولم تأخذ الكثير من الوقت قبل أن تنتبه للورقة الموضوعة على سور الشرفة وفوقها كوب زجاجي يمنعها من الطيران
النقطتها فوجدت مكتوب عليها بخط أنيق قد رأته من قبل وتعرف صاحبه الذي تعرفت على رائحته أيضا ( صباح الخير، يتمنى تكوني نمت كويس.)
امسكت بمعطفه و استنشقت رائحته من جديد، لقد كانت الرائحة المنبعثة منه جميلة ودافئة الدرجة أنها دفنت وجهها فيه واحتضنته مبتسمة.
قاطعها حمحمة ذكورية بجانبها فارتعبت وألقت بالمعطف بعيدا عندما وجدت أدهم يحدق فيها
وهو يحك عنقه
جاكت أحمد ده صح ؟ " تساءل بضيق فنهضت تحك عينيها "أنا مش فاكرة إيه اللي حصل امبارح .
"داليا، ممكن أقولك على حاجة ومن غير ما تسأليني ليه بقولك كده؟" قال وهو ينظر للأسفل نحو الشارع فصمتت ولم تجيب لكنه أكمل على أية حال " ابعدي عن أحمد".
ورغم غرابة الجملة التي قالها لها أدهم فهي لم تعطى لها بالا ولم تهز بها شعره، هل يظنها أدهم غبية ؟ لا تعرف من هو أحمد ؟ بلى ... إنها تعرفه جيدا، إنه أحمد.
كان أربعتهم مجتمعون في كافتيريا الجامعة، وعلى غير العادة جميعهم مشغولون بالمذاكرة. الإمتحانات تقترب، ورغم كونهم اتفقوا على خطة جديدة فإن تلك الخطة لن تنجح إلا لو اجتازوا الاختبارات.
هذا حتى وضع أحمد كتابه على الطاولة وأشعل سيجارته قائلا "كنت بفكر في موضوع سارة اللي عايزة أدهم يقابل أبوها، قدامنا حلين "
نفخ دخان الهواء من قمه وأكمل "يا يفركش معاها وتنهي الموضوع ده يا فيه واحد صاحبي في حقوق اسمه خالد، شبه أدهم تقريبا نفس الطول ونفس الدقن ولون الشعر والبشرة، تخليه يقابل دكتور مصطفى على أساس هو أدهم، كده كده سارة مش هتكون موجودة معاهم"
قبل أن يتكلم قيس وهشام سارع أدهم بالموافقة "أيوة حلو حكاية واحد تاني يقابل دكتور مصطفی ده، خليه هو يروح يقابله."
لكن هشام زجره استنی پس حلو إيه افرض خالد ده طلع عبيط وعك الدنيا وفضحنا ؟ "
ضحك أحمد ونفى برأسه وهو ينفخ الدخان من فمه مرة أخرى خالد عبيط ؟ خالد ده نسخة أحمد في حقوق، ده ما سايش بنت إلا لما علقها، ما عدا بنت واحدة علمت عليه .. ده خليفتي في الملاعب يا ابني!"
"خلاص يا أحمد أنت تخلي خالد ده يقابل أبوها لحد ما تتخرج وتتصرف .." ترجاه أدهم فأوماً الآخر وأطفأ سيجارته خلاص اعتبر الموضوع انتهى. "
فوجئوا قيس يسأل بعلو صوته "إحنا هنخطف دكتور مصطفى امت.... كمم هشام فمه وصرخ ا في وجهه هو الآخر بصوت عال " يلا قول للجامعة كلها إننا بنخطط لخطف دكتور مصطفى !"
طالعهما أحمد بإذبهلال وهو يلمس داخل فمه بلسانه وتمتم داعيا عليهما "ربنا يشلكم في لسانكم، قادر با کریم یا رب
وجد أدهم ينهرهما بصوت أعلى من صوتهما "يلا افضحونا، افرضوا حد سمعكوا وراح قال
لدكتور مصطفى ؟"
وضع أحمد السيجارة في طرف فمه واعلم أشياءه ونهض عن الطاولة وتركهم وهو يتمتم "حسبي الله ونعم الوكيل "
نظروا لبعضهم بدون فهم ثم نهضوا خلفه ليلحقوا به.
في المساء كانوا خمستهم يستندون على سيارة قيس المركونة بجانب الرصيف في وسط البلد أعطى أحمد سيجارة لخالد الذي كان وبطريقة مريبة يشبه أدهم شكليا، غير أن شخصياتهما لا تتشابهان في أي شيء
التقطها خالد منه وأخذ نفسا وأخرجه ثم تمتم "موافق، بس بشرط "
طالعة الأربعة بانتظار فأكمل وهو ينفخ دخانه فيه عندي دكتور مش طايقه، اسمه فوزي، بعد
التخرج عايز أضربه، هتيجوا معاي ."
لم يكمل جملته ووجد قيس يجيب بحماس " أنا جاي معاك يا أسطا، تعالى نضريه دلوقتي".
ضحك خالد ونفى برأسه "لا، بعد التخرج، موافقين ولا إيه؟"
أوما الثلاثة الآخرون مجبرون ووقفوا يشاهدون الطريق، مرت أمامهم فتاة ترتدي بنطال يكاد يتمزق على جسدها مع كم لا بأس به من مساحيق التجميل التي لطخت وجهها لتمحي ملامحها و ترسم بدلا عنها ملامح جديدة
لفتت أنظار خمستهم خصوصا أحمد وقيس وخالد لكن هشام علق عينيه على قيس الذي حمحم ورفع رأسه للسماء بسرعة وهو يحك عنقه ممثلاً بأنه لم ينتبه لذلك الفتاة ولا يريد النظر
"أيه؟ فيه حاجة تايهة منك في السما يا حبيبي؟" سخر هشام بغيظ
أنزل قيس عينيه وضحك وهو يضع يده على كتف هشام "لا ده أنا بغض بصري بس يا ابو نسب
" ولا بطل تقولي كلمة أبو نسب دي بتعصيني " صاح وهو يدفع يده بعيدا فابتسم قيس من جديد ورفع كتفيه ليجيب ببساطة "بس هتفضل أبو نسب برضه والجوازة مش هتتفشكل رغم
محاولاتك، زائد إن الخطوبة خلاص الخميس الجاي "
هتتفشكل بس اصبر، ولو ما الفشكلتش فأبشرك بجوازة سودة فوق دماغك.."
ضحك قيس من جديد وأوماً "ماشي يا خال العيال "
التيه خالد المناوشتهما تلك وتساءل "أنت متخطب ؟"
أوما قيس فضحك الآخر وهو يحرك رأسه ليغمز لفتاة أخرى "وإيه اللي جاي عليك من وجع القلب ده يا ابني ما تفكك وتشوفلك أوزة حلوة وخلاص "
وافقه هشام بسرعة "أيوة ما تفكك وتشوفلك أوزة يا حلوة يا بغلا"
لكن الآخر شبك ذراعيه أمام صدره وصمم "لا."
ضرب أحمد صدر خالد وسخر وأنت أخبار الأوزة اللي علمت عليك إيه ؟"
فقطب خالد جبينه وتذمر وهو ينفخ دخانه "ما تجيبليش سيرة البت دى، بعد بن بيقولوا هریت من أهلها تقريبا، فكك مش عايز أفتكرها "
قهقه أحمد عاليا ثم هم بفضحه أمامهم واستقراره بشأن هذا الموضوع مجددا، فهذا الموضوع هو أكثر ما يضايق خالد ويجعله يفقد أعصابه مش عيب عيب أوزة زي دي تعلم عليك ... يا خسارة تربيتي فيك."
أخفض خالد سيجارته وتنمر بطريقة طفولية "أنت ما تعرفهاش، دي بت قوية ومفترية." لكن أحمد نفى برأسه "لا، مهما تقول خلاص سمعتك كزير نساء بقت في الحضيض "
لكنه فوجئ بأدهم يميل عليه ويهمس في أذنه ساخرًا ما بلاش أنت يا بتاع داليا."
احتقنت الدماء في محله وتوتر و سكت مكملا سحارته حتى أنماها و الله يعقبها أيضا تم نظر
احتقنت الدماء في وجهه وتوتر وسكت مكملا سيجارته حتى أنهاها وألقى يعقبها أرضا ثم نظر لأدهم ودفعه بأن يتصل بسارة ويخبرها بأنه يريد مقابلة أبيها غذا في مقهى وأن يؤكد عليها بألا تاني لأنه يريد محادثة أبيها على انفراد.
ابتعد عنهم أدهم وأخرج هاتفه لبعد ما قد قال أحمد لكنه عاد بعد عشرة دقائق بملامح مستغربة وأعين متشتتة يخبرهم بأن سارة هي من توترت وقالت بأن أبيها مشغولا الآن بشأن وضع الامتحانات الطلابة
"ما ينفعش تسرق الإمتحان ؟ اقترح قيس فنقى هشام لا ده غش الغش حرام" فسخر الآخر " العش حرام وخطف الدكتور مش حرام؟".
بينما في مكان آخر سارعت سارة بالاتصال بصديقتها لتؤكد لها صدق نظرتها وثقتها الكاملة في أن أدهم رجل جيد فلما تجده هذه الأيام.
وفي مكان ثالث تماما، تحديدا في متجر للفساتين كانتا رحمة وليلي وخلفهما والدة ليلى ينتقلان من فستان لآخر، يحاولان إيجاد فستانا مناسبا لكلاهما
" يعنى هو كان لازم خطوبة دلوقتي الامتحانات قربت - " تذمرت ليلى فنكرتها رحمة "ما دام أبو العريس هو اللي هيدفع فخلاص اتخطبي وأنت ساكنة."
لكن قاطعما صوت رئين هاتف ليلى برقم غريب غير مسجل باسم، أجابته بابتسامة وفوجئت بأنها والدة قيس تقول بنيرة مستغلية دون حتى مقدمات انت اختارت الفستان ولا لسه؟"
توترت ليلى وقالت بصوت خفيض "إحنا في الأتيليه أهو يا طنط .."
وكان والدته أصابتها الصاعقة فقالت مندفعة " من غير ما تقولولي ؟ لا لا، خليك عندك ما تشتريش حاجة, قوليلي أنتوا فين أنا جيالكم عشان أشوف هتجيبوا إيه الأول، الفرح مليان ناس مهمين ورجال أعمال، لازم أشوف الفستان الأول"
قطبت ليلى جبينها لكنها لم تعترض وأجابت بنبرة راضخة لتعطيها العنوان ثم أنهت المكالمة و وقفت تنظر لوالدتها وصديقتها حتى تكلمت رحمة
الولية دي أنا مش مرتحالها، شكلها ولية فرشانة"
لكن والدة ليلى ريتت على كتفها وتمتمت بنبرة حنونة "معلش، عامليها بالحسنة واعتبريها في مقام والدتك يا بنتي الولد وأبوه كويسين وهي تلاقيها غيرانة على ابنها الوحيد .. نستحملها شوية وخلاص أنت مش هتقعدي معاها بعد الجواز وليك شقة ثانية"
مما جعل ليلى تبتسم وتومي
مرت ساعة قبل أن تظهر والدة قيس بمظهرها الأرستقراطي ومن خلفها ابنتها بلقيس الوسطى بين قيس وابنتها الكبرى المتزوجة، واللقاء بين العائلتين لم يكن وديا بل كان فاتزا من قبل
السيدة وابنتها
نظرت حولها بقرف الفساتين المعروضة ثم فتحت فمها تقول بطريقة مشمئزة "الأتيليه ده بلدي ايه القرف ده !"
نظرت ليلي لوالدتها لا تدري ماذا تفعل أو تقول فهمت أمها بالإجابة بدلا عنها "إحنا لسه بنشوف ما اشتريناش حاجة ."
تعالوا هنروح مكان تاني، بدل المكان المقرف ده أمرت وتحركت للأمام وهي تخرج مفاتيحسيارتها بتكبر الضيق واضح على ملامح ليلى والغضب على وجه صديقتها، لكن أمها حذرتهما هامسة "ماحدش فيكم يفتح بونه بكلمة، خلوا اليوم يعدي".
بعد خمسة ساعات وصل ثلاثتهم لمنزل ليلى، يحملون فستان مغلف رمادي اللون، بدى غاليا وفخما بشدة، لكن ليلى ألقته على الأريكة وجلست تبكي بجانبه فهو لم يكن ورغم جماله - من اختيارها.
في الغرفة المجاورة كان هشام يجلس أمام حاسوبه، ينظر للحساب المزيف الأنثوي الذي أنشأه للتو، باسم (مدام عزة) والذي وضع به صورة سيدة في الثلاثينات وجدها على الإنترنت، ضحك بداخله لأن هذا تحديدا ذوق قيس، فلو كان شخصا آخر لاختار صورة فتاة في العشرينات
بعث بطلب صداقة لقيس الذي تأكد بأن العلامة الخضراء تظهر بجانب اسمه من حسابه الأساسي، انتظر طويلا ولم يتم قبول الطلب، فقرر البعث له برسالة بها بعض الإيحاءات
الوضيعة في محاولة لإغوائه وانتظر .....
شاهد قيس الرسالة، تظهر العلامة الزرقاء بجانب الرسالة، وظهر أيضا الثلاثة نقاط الذين يتحركون ذهابا وايانا ليعلموه بأن قيس يكتب رسالة الآن أيضا توسعت ابتسامته وحك يديه بحماس وبدأ يتخيل أصوات مفرقعات الإحتفالات تضرب فوق رأسه
لكن كل ذلك تلاشى عندما جائته رسالة قيس أنا خاطب، وبلا يا بنت الكلب من هنا ..
رواية اربعة في واحد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الثالث والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة ... أه أه وعريسنا الزين كحيل العين وعروسته حلوة وجميلة . " بدأت الزفة المعتادة التي استقبلت العروسان فور ترجلهم من باب الفندق الذي يقام
فيه الغرس
توردت وجنتي ليلي التي ترتدي نفس الفستان الذي اختارته حماتها، وهي ورغم استياءها من تدخل السيدة ألا أن ذوقها كان رائعا فالفستان كان كفستان الأميرات
ضحك قيس وعدل من بذلته السوداء الرسمية عندما بدأوا يلقون بالورود الحمراء عليهم، نظر نحو ليلي سعيدا بما يحدث الآن ثم تركها وترجل نحو والده يقبل رأسه، فهو قد نفذ له ما يريد ووقف أمام والدته التي بالكاد تحرك يديها وتصفق.
كان الجميع في هذا الفرح سعداء، إلا ثلاثة، هشام، والدة فيس، وأخت قيس التي حاولت التصرف بطريقة متعالية مع هشام عندما كانوا يجلبون العروس من مركز التجميل فزجرها
هشام وأعطاها نظرة حادة جعلتها تخاف وتصمت
كانت رحمة بفستانها الأحمر الضيق وحجابها المماثل في اللون متوسعة الابتسامة تقف خلف صديقتها تعدل لها الفستان تارة وتصفق تارة، ثم نظرت لهشام فوجدته مكلوم الوجه، نكرته وضحكت "افرد وشك شوية !"
فعدل من نظارته وزجرها هي الأخرى مالكيش دعوة يا بت أنت وبعدين إيه الفستان الأحمر الملغلط اللي أنت لابساه ده!"
ضحكت وتمسكت بفستانها تفرده و تقول باستفزار حلو صح ؟" فغضب وزمجر "ضيق، وايه التلطيخ اللي في وشك ده؟ هو مولد النبي ؟"
سقطت ابتسامتها وزمت شفتيها بغيظ ثم تهكمت "مش أحسن ما أكون إتمة وغلسة ومكلضمة وشي في فرح ؟"
توسعت عينيه وحدجها بنظرة مهددة فخافت وابتلعت لعابها ثم هرعت خلف الزقة في حين وقف هو يبحث بعينيه يمينا ويسارا عن أدهم وأحمد اللذان لم يظهرا بعد، يفترض أن يكونا هنا! لكنه على كل حال تحرك للداخل بسرعة لأنه أقسم يجعل هذا الفرح أسود فوق رأس فيس، لن يتركه ينعم ويفلت بفعلته.
في عمارة أدهم كان قد ارتدى بذلته السوداء ووقف أمام باب منزل داليا ينتظرها تخرج فلقد وجدها فرصة جيدة ليحثها على الخروج وترك منزلها، لم تكن تريد لكنه ألح وألح وألح، وذهب
ليستأذن والدتها وتوسل لها وأخيرا قد وافقت
خرجت الأخرى بعد قليل بفستان ستان أسود ذو أكمام طويلة، واسع عند الوسط، وعقد فضي توسط رقبتها الظاهرة بوضوح شعره را مسترسلا خلف ظهرها، وطلاء شفاه باللون النبيذي على فمها فقط
حمحم ورفع يده يهذب لحيته في حركة تلقائية ثم ابتسم "شكلك حلو بس يلا عشان ما تتأخرش "
ابتسمت وتحركت خلفه وهي تتذمر من الكعب العالي الذي ترتديه لكنه طمأنها "معايا عربية جدي، مش هنمشي " فأومات وتحركت خلفه بحذر.
راقبتهما أمها من الشرفة بابتسامة أملة حتى دخلت إلى سيارته وكان سيتحرك ليدخل هو الآخر لكنها نادت عليه من فوق "خلى بالك منها يا أدهم فايتسم ورفع رأسه بابتسامة مطمئنة جعلتها تهدا وتومئ له.
في قاعة الفرح جلس فيس بجانب ليلى التي كانت بجهد تلقي عليه نظرة أو نظرتين، لكنه أمال عليها وتكلم "إيه القمر ده ....
وقبل أن يكمل جملته وجد هشام فوق رأسه يسحبه بعيدا عنها وهو يزمجر " ابعد كده بس
عشان ما أعملهام معاك"
قطب جبينه و رفع رأسه له بدون أن يتكلم ثم صل على فكيه يمنع غضبه بكل صعوبة، لكنه نهض له يزمجر هو الآخر لكن بابتسامة مزيفة لكي لا يلفت انتباه أحد المعازيم "هشام، خلي الليلة تعدي يا صاحبي وبلاش مشاكل "
فاقترب الآخر منه يتحدي وابتسامة صفراء خطبت أختي غصبا علي فاستحمل بقى يا حلو".
وصل أدهم برفقة داليا التي توترت فور دخولها إلى ذلك المكان المزدحم بالناس، وودت لو تهرول بعيدا عن تلك الضوضاء، بينما تعلقت أعين أدهم على الإثنان اللذان يتهاوشان على المنصة أمام الناس هو يعرف تلك النظرات، سيضربان بعضهما ..
نظر لدانيا وقال يقلق "داليا، أنا هروح أشوف الإثنين المجانين دول شكلهم هيضربوا بعض... اقعدي على أي ترابيزة، أنا جايلك " تم هرول دون أن ينتظر ردها ليتركها واقفة تبحث بعينيها يمينا ويسارا بتوتر.
ابتلعت لعابها ووقعت عينيها على الباب الذي يؤدي للسور الحديدي الذي يفصل بين القاعة والنيل وتوجهت نحوه.
وصل أحمد الذي ظهر بجانبه أخيه مراد الذي جاء منذ يومين من ألمانيا لقضاء بعض الوقت مع عائلته بعد أن توسلت له أمه كثيرا كي يعود لكنه كان يعرف ما سبب هذا الإصرار على القدوم فقد كانت والدته تحادثه بشأن الزواج مؤخرًا قائلة بأنه سيتمم الخامسة والثلاثون قريبا ويجب عليه أن يختار زوجة وإلا سيفوته قطار الزواج، وليكن صريحًا هو بالفعل مقتنها بكلامها، فالوقت يمر ولم يعد فيه بقية ليقضيها وحده.
كان يمتلك بشرة قمحاوية وقامة متوسطة الطول مع بنية نحيفة قليلا وشعرا أسودا يتخلله بعض الشعيرات البيضاء الغير مرئية وملامح تشبه ملامح شقيقه الأصغر عدا عن عينيه الزرقاء
التي كانت مختلفة عن أعين أحمد البنية الفحاطة برموش طويلة
"بص أنت تنقيلك عروسة بقى من هنا، ماما موصياني تشوفلك عروسة كويسة، " تكلم أحمد في حين ابتسم شقيقه بهدوء وهو ينظر حوله ثم أجاب مش شايف إنها طريقة ردينة عشان اناني عروسة ؟ "
رفع أحمد كتفيه وسخر هو أنت يعني كنت جيت قولتلنا بحب واحدة وقولنالك لا؟ أنت سنجل من أيام الهكسوس، فخلاص بقى نعملك ايه؟ أشقطلك أنا واحدة يعني؟"
حك مراد ذقته المشذبة جيدا وتذمر "ما أنا طول عمري معكوك في الشغل من ساعة حادثة بابا! ماكنتش فاضي لأي حاجة مصاريف البيت كلها فوق دماغي ..
أوما أحمد بتفهم وربت على كتفيه ونكزه "بص، هتخرج ومسافر معاك وهتبقى على دماغنا إحنا الإثنين ماتقلقش "
أعطاه مراد إيماءة بسيطة ودار برأسه متفحصا الأوجه أمامه في حين بدأ الآخر يتفحص البنات أيضا ويدقق فيهم واحدة واحدة ليحدد من ستقع في شباكه اليوم.
خرج هشام من القاعة بوجه أحمر مشتعل غيظًا وهو يسب بأبشع الألفاظ من تحت أنفاسه، وقف أمام السور المطل على النيل وضرب بقدمه وهو يصيح "ميتين ده فرح."
انتبه للتي تقف بجانبه وتوافقه "سخيف صح؟"
أوما وسخر "أنا أصلا بكره الأفراح، نفسي أطريق الفرح ده فوق دماغهم."
" وأنا كمان ما بحبش الأفراح ." قالت وهي ترفع كتفيها فحرك رأسه وصوب نظراته المتفحصة
عليها ثم استوعب من هي وأردف بدون تفكير
"مش أنت البت اللي أحمد بيحاول يشقطها؟"
زمت شفتيها ونظرت له بطرف عينيها قادرك ما قد قال وحمحم وهو يوسع ربطة عنقه "مش قصدي، أنا آسف ."
فوجئ بها تضحك وتنفي برأسها "لا أسف على إيه؟ ما أنا فعلا البت اللي أحمد بيحاول
ابتسم وحك ذقنه بإحراج ثم ثبت عينيه على النيل أمامه ولم يلبث أن تحدث مجددا " أنا هموت وأقتل العريس "
اه ما أنا واحدة بالي، بس ليه؟"
عيل حيوان ومالقاش إلا أختى المحترمة يتجوزها" أجاب بغيظ وضرب بكفه على السور
"ما يمكن يتغير . " تمتمت فنفى برأسه "لا مفيش حد بيتغير الزبالة بيفضل طول عمره زبالة
والمحترم بيفضل محترم "
"أنت مقتنع باللي انت بتقوله ده؟ مع احترامي لوجهة نظرك بس اسلوبك مش عقلاني ولا منطقي، يعني ايه مافيش حد بيتغير؟ ده ربنا بنفسه بيقول الله يهدي من يشاء)! ثم أن منين حکمت إن المحترم بيفضل محترم ؟ ما يمكن ربنا يبتليه باختبار ويفشل فيه ويتحول من شخص عابد الشخص عاصي؟ وعلم النفس كمان بيقول إن فيه صدمات الإنسان بيتعرضلها ممكن تغيره مية وثمانين درجة !"
عقد حاجبيه وطالعها بحيرة ولم يكن يمتلك ردا حقا على ذلك الكلام فايتلع لعابه وصمت لكنه لم يليت أن ابتسم ابتسامة جانبية وتمتم
"أنا كنت ناوي أقولك ابعدي عن أحمد كنصيحة لوجه الله بس دلوقتي ... لا. أنت تقربي منه أكثر وتعلمي عليه، حاولي كمان تسببيله صدمة نفسية يمكن يعقل "
ضحكت بخفة وهزت رأسها بلا ثم أجابت بهدوء "أنا عمري ما هختار أكون سبب في إني أسبب لأي إنسان مهما كان صدمة نفسية، إحنا كلنا ماشيين من الدنيا دي مش الأفضل نمشي من غير ما تجرح حد؟ "
بس الناس بيجرحوا لازم ناخد حقنا منهم " اعترض بعد أن استدار لها بكامل جسده وشيك ذراعيه أمام صدره
كان يتوقع أن تعترض أو تجادل لكنها لم تفعل، بل أومات ونظرت بعيدا وهي تجيبه " عندك
أعطاها إيماءة بسيطة وحمحم ثم استأذن منها وتوجه للداخل من جديد.
كان قيس يجلس غاضبا على كرسيه عندما جاء أحمد ليبارك له فأمسك به وشده ثم همس في أذنه " ابعد عني هشام، أنا ماسك نفسي بالعافية عشان البت الغلبانة اللي قاعدة جنبي، إنما أنا قسما بالله عندي استعداد أقوم اضربه قدام أهله كلهم "
قطب أحمد جبينه ثم أوماً وربت على كتفه بمعنى حسنا، وهذا طمأنه قليلا، فأحمد دبلوماسي ماهر وسيكون أفضل من أدهم في إبقاء هشام بعيدا.
كان أدهم ببحث بعينيه عن داليا ولا يجدها، لكنه وجد بدلا عنها إيناس ... صديقة سارة التي جانت له مبتسمة وهي تمد يدها تصافحه "أنت أدهم صح ؟ مش فاكرني ؟ "
جف حلقه وابتلع لعابه ثم رسم ابتسامة مزيفة وصافحها "لا، فاكرك طبعا .. مش أنت صاحبة سارة ؟
أومات وضيقت عينيها ثم بدأت باستجوابه عن ما إذا كان من أهل العريس أم أهل العروس وعن إن كانت سارة تعرف بأنه هنا أم لا فأخبرها بأنه من أهل العريس وبأن سارة تعرف، ثم أستأذن منها وابتعد بضيق وهو لا يدري ماذا يفعل؟ إن داليا هنا معه وهو يخاف أن تراه إيناس فتذهب التخير سارة، ولا يستطيع ترك داليا بمفردها، لقد قطع وعدا لها بالبقاء قريبا منها ! لكنه على كل
حال لا يجدها، وظن أنها خرجت الحديقة الفندق فهرول للخارج يبحث عنها ..
كان أحمد يقف بجانب قيس مطمئنا حتى ظهر هشام بملامح شريرة فشده وابتعد قليلا ووقف ينهره عن تصرفاته الطفولية، بل هنده بالذهاب واخبار والده، ثم بدأ يقنعه بأن يترك الليلة تمر بسلام لأجل شقيقته التي ستتدمر فرحتها فقط، كان يستمع على مضض لكنه أو ما مرغما مما جعل أحمد يعطي نظرة لها معنى إلى قيس الذي أخد نفضا براحة ونظر لليلى مينسها
حلو الفستان، أنا ماكنتش أعرف انك حلوة كده الخمار مكبرك شوية . " قال فأردفت يخجل "شكرا يا قيس"
لكن عينيها توسعت عندما وجدت يده تلمس يدها الموضوعة بجانبها فسحبت يدها بعيدا بتوتر مما جعله يضحك ويبلل شفتيه بحركة سريعة من لسانه خجولة كثيرا ... التلاعب بها بات
يعجبه
دخلت داليا للقاعة مرة أخرى واستندت إلى ركن بعيد تراقب الجميع بحثا عن أدهم الذي لم تجدد ثم سبت نفسها على سماعها لكلامه فها هو يتركها بمفردها بالكامل ولا تعرف أين ذهب حتى ا لكنها غفلت عن سماع صوت هاتفها الذي يرن منذ مدة ولا تسمعه من صوت الموسيقى العالية.
عاد أحمد المراد ووضع ذراعه على كتفيه قائلا بمكر "ها؟ ما فيش واحدة عجبتك ؟ "
دار مراد براسه من جديد حتى علق عينيه على تلك التي تقف في زاوية بعيدة وهي تنظر للجميع يضجر وتتأفف من فستانها وتلقي ينظرات ساخطة على المجموعة التي ترقص في المنتصف
نكز مراد أحمد وأشار له على تلك الفتاة سائلا إن كان يعرفها أم لا فأدار أحمد رأسه ليرى من تلك التي استحوذت على اهتمام أخيه فأصطدمت عيناه بداليا، ما الذي جلبها هنا وماذا تفعل ولماذا هي؟
تعرفها دي؟ شكلها لطيفة - " أردف مراد فابتلع أحمد لعابه وأوماً ثم سخر "لا يا اسطا معلش دي بالذات تخصني "
قلب مراد عينيه وتذمر "أنا حاسس إن كل البنات في الفرح يخصوك، ما أنا عارفك بص أنت تشاورلي على اللي تخصك من دلوقتي كده عشان نبقى على نور."
ضحك أحمد وحك ذقته وهو يجيب هي دي بس والبت أم فستان أحمر هناك دي احتمال في المستقبل تخصني أصل أنا بعز الفساتين الحمرا."
ضحك مراد ودفعه بعيدا وهو يتهكم طول عمرك .... مش عايز أنتم بس أنت عارف اللي في
نيتي "
بص البت اخت قيس اللي مش متجوزة دي حلوة لسه شايفها من شوية بس للأسف مش هينفع عشان صاحبي وكده وهي أكبر مني أصلا فأنا متبر علك بيها بما إنك ناوي على جواز "
طب ما تتبر علي باللي واقفة مش طايقة نفسها اللي هناك دي ؟ " قال مراد بغية استفزازه فقط وهو قد نجح فوجد وجه أحمد يشتعل غضبا ويحدق فيه بنظرة قاتلة "لا، دي لا، وبعدين مش نوعك دي بتشرب سجاير وشخص منطوي كتيب "
توسعت اعين مراد وحدجها بطريقة غير مصدقة وهو يتمتم " مع إن ما يبانش عليها، باين عليها
هادية !"
أو ما له أحمد الهدوء ده برود مش هدوء، هي باردة أصلها."
ضحك مراد ورمقه بطرف عيناه وانت مالك بيها بقى مادام فيها العبر كده؟" ليجد أخيه يضيق عيناه وينظر لها يمكر وهو يجيب بابتسامة جانبية ما هي محتاجة حد يسيح الجليد اللي على
قلبها ده، وأنا هعمل كده.
ماشي يا عم الميكروويف " سخر مراد في حين ربت أحمد على كتفه وأشار لبلقيس شقيقة قيس وغمز نحوه "أهي هي دي، حلوة ما تنكرش"
هذب مراد ذقته وتفحصها من أعلى الأسفل، فستانها مبالغ فيه، رغم كونه ليس بالعاري جدا لكنه لم يكن جيدا بالنسبة لعقليته الشرقية
بقولك إيه، شوفلي واحدة محجبة تذمر مراد فعقد أحمد حاجبيه "طب ما داليا مش محجبة وكانت عاجباك"
"داليا لابسة فستان مقفول، أنت منقبلي واحدة لابسة فستان عريان"
تأفف أحمد ودار ببصره على الفنيات ثم عاد يبصره لمراد "ما تنقي أنت يا أخي! هو أنا اللي متجوز"
تذمر وترك شقيقه تم تحرك نحو داليا بابتسامة جانبية ماكرة ده ايه القمر ده؟ هتصدقي او قولتلك إنك أحلى من العروسة؟"
قلبت داليا عينيها وابتسمت بهدوء ولم تعلق عليه فاستند على الجدار بجانبها وتساءل " أنت تقربي للعروسة ولا حاجة ؟ "
نفت برأسها ورفعت كتفيها "أدهم طلب مني اجي معاه بس راح يهدي هشام عشان كان هيروحيضرب فيس"
ده أنت عرفت السلة كلها كده!"
اومات وشبكت يديها أمام صدرها فطالعها من أعلى الأسفل وغازلها من جديد " جامد الفستان وشعرك حلو أوي بالتسريحة دي أنت كده مش مدياني فرصة غير إني أعاكسك"
"ما أنت بتعاكس أهو ! " سخرت فقضم شفته السفلى وهمس لها "لسه ما عاكستش، ده انا همشی وراك أعاكسك النهاردة لحد ما الفرح يخلص "
خجلت و نظرت بعيدا فضحك بخفة ووقف أمامها باستعراض ما قولتيش، إيه رأيك في البدلة ؟ "
حركت رأسها له وضحكت "حلوة البدلة " فغمز لها وتمتم " وبالنسبة للي جوا البدلة؟"
وحلو اللي جوا البدلة " قالت وهي تكتم ضحكتها فرفع يده لينفض عن كتفيه تراب وهمي ويضيف بغرور "العلمك لسه واحدة معاكساني بس قولتلها أنا محجوز للعسل اللي واقف توحده
ماتفكك من البؤين دول وتقولي البوفيه فين ؟" سخرت فسقطت ابتسامته وعض على شفتيه واستفهم "البوفيه؟ أنت كل اللي هامك البوفيه ؟!"
"أم أدهم قالي إن البوفيه هيكون حلو فجيت !"
" هو أنت أدهم بيستدرجك بالأكل ؟ يديلك شوكولاتة تتكلمي معاه، يجيبلك بيتزا تصاحبيه
يقولك فيه بوفيه حلو تخرجي معاه ؟ "
توسعت عينيها وزمت شفتيها وبدأت تعيد التفكير في كلامه لتجد أنه محق ! أدهم يستدرجها بالاكل
"رغم أن اهتماماتنا مختلفة، وإني مهتم بيك وأنت مهتمة بالأكل بس ممكن تلاقي أرض مشتركة، تعالي هوديك البوفيه وبعدها هديلك سيجارة، حلو كده؟"
ابتسمت باتساع وأومات فمد يده ليمسك بيدها وشبك ذراعها في ذراعه لكنها سحبتها مما جعله يتذمر "عادي مش هخطفك يعني ! ده فرح وماحدش مركز مين ماسك ايد مين
اعادت ذراعها له يتردد فقبض عليها ومازحها أي حد هيشوفنا كده هيفتكرنا مرتبطين"
ليجدها تسحب دارعها وتلكمه على كتفه فضحك وشد ذراعها من جديد "بهزر، لعلمك أنا مستحيل أرتبط بيليه"
رمقته بطرف عينيها وسخرت " والله ؟ ده هشام لسه قابلي إنك بتحاول تشقطني "
ماشي يا هشام الكلب " همس من تحت أنفاسه وهي قد سمعته فضحكت وهزت رأسها بدون
تصديق فادار رأسه ناحيتها ورفع كتفيه
الواد هشام ده على فكرة غير موثوق في كلامه، أنا ما يحاولش أشقطك، أنا يحاول ارتبط بيك وممكن الموضوع يدخل في خطوبة وجواز ودوم تناتاكنال دوم تاكناك وكده، أصل واضح ان فيه بينا كيميا وأنا بصراحة بتخيلنا أنا وأنت وأحنا قاعدين في بلكونة بيتنا يشرب سجاير سوا ويتغلس على بعض .. الموضوع أمتع من إني أسبلك بعينيا فتقومي تمثلي إنك مكسوفة وكده"
ضحكت وهزت رأسها يمينا ويسارا بدون تصديق لم تبعته بصمت.
عاد أدهم للداخل وتحرك ليقف بجانب هشام الحائق تم سخر "خلاص بقى، وحد الله يا عم بخ "
في حين كانت إيناس قد التقطت صورة له بهاتفها وبعثت بها إلى صديقتها مع رسالة تخبرها فيها بأن أدهم في نفس الزفاف، ولم تلبث سارة أن اتصلت به تخبره بأنه يبدو وسيقا كثيرا بتلك البذلة، وحينها فقط عرف أنه مراقب في ذلك الزفاف فعلا، لكنه عرف أن داليا مع أحمد فارتاح
وفلق في نفس الوقت، داليا ليست بمفردها، لكنها مع أحمدا
جلبت والدة قيس الشبكة ليلبسها لليلى، كانت عبارة عن خاتم من السوليتير وهذا جعل ليلى تنظر له يدون فهم ثم أمالت على قيس وتساءلت "هو ده خاتم فضة؟"
فضحك وهز رأسه مخبرا إياها بأنه سوليتير وأنه باهظ الثمن أكثر من الذهب بكثير، ثم هم ليلبسه لها لكنه فوجئ بها تلتقطه من العلبة وترتديه بمفردها ابتسم بإحراج وفعل المثل مع ديلته الفضية، لقد وضعها في إصبعه بمفرده ... لكنه لم يفهم ما سبب فعلتها تلك ولماذا لم تدعه يلبسها الخاتم؟ وأبقى عينيه المتسائلة عليها الفترة حتى قال رجل الدي جي بأن رقصة السلو
ستبدأ وطلب من الثنائيات أن يتقدموا للرقص
ابتسم قيس وكان سينهض لكنه فوجئ بهشام فوق رأسه مهددا "مافيش رقص، ما عندناش بنات
بترقص احناء "
قطب جبينه بغضب وزمجر "أنا خطيبها وده فرحنا !"
لما تبقى جوزها ابقى ارقص معاها، بس قسما عظما أو إيدك لمستها لهكون عاملك مشكلة ومبوظ الفرح فوق دماغك "
خدجه قيس بنظرة مليئة بالشر ثم حول رأسه لليلى وزمجر "شايفة أخوك؟"
جمجمت ليلى ورفعت كتفيها ما هو معاه حق، ما ينفعش نرقص وأحنا مش متجوزين "
صل قيس على فكيه وعلق عينيه على الثنائيات يتقدمون للرقص فبدا بهز ساقه با ضطراب وهو ينظر لهشام بحقد دفين.
كان هشام يقف على مقربة من رحمة التي سمعها تضحك وتقول لليلى "طب أنا عايزة أرقص "
فاستدار لها وصاح عليها "بت لمي نفسك أنت كمان وروحي اتلقحي على الترابيزة بتاعتك جنب أمك، لو لمحتك بترقصي هنفضك، فاهمة ولا لا ؟ "
" انت مالك بيا اصلا؟" رفعت إحدى حاجبيها بابتسامة مستفزة فأعطاها نظرة قاتلة جعلتها تخاف وتبتلع لعابها وتتحرك بعيدا وهي تبرطم "حسبي الله ونعم الوكيل."
راقبها من ظهرها حتى جلست بضيق على الطاولة ووضعت يدها أسفل خدها بحزن، فحول رأسه عنها ليركز على قيس ليتأكد بأنه لن يقترب من شقيقته، لكنه لم يلبث الخمسة دقائق حتى فوجئ برحمة ترقص أمامه مع شخص ما لم يستطع تبين من هو لأن ظهره كان يقابله.
شعر بالدماء تغلي في عروقه وهرول ناحيتها ليشدها بعيدا عن ذلك الشخص الذي أكتشف أنه ابيها .....
جف حلقه وهربت الدماء من وجهه وهو يحول نظراته بينها وبين أبيها ثم حارب ليخرج صودا مبحوحا "احم .. عمو .. إيه رأيك في الفرح؟".
كان مراد قد وقف بجانب بلقيس مغلونا على أمره وطلب منها الرقص، وافقت و تحركت معه لكنها لم تتوقف طوال الوقت عن السخرية من العروس بطريقة جعلت الآخر يشمئز منها ويستأذن منها لإجراء مكالمة هامة فلو كانت ملكة جمال هو لن يرتبط بفتاة تملك كل ذلك الحقد ال في قلبها بدون سبب، خرج إلى الحديقة فوجد أدهم فقط بالخارج
جلس بجانبه على ذلك المقعد، ولم يثبت أن سأل أنت إيه اللي مقعدك هنا؟" فأجابه
"أصلي متراقب، صاحبة حبيبتي هنا وبتصورني وتبعثلها، مش عارف أتحرك أي خطوة."
ضحك مراد ونظر حوله بحثا عن تلك الفتاة ثم قال "هي فين؟"
غمر أدهم بعينيه إلى الفتاة بالفستان الوردي الطويل التي تقف على بعد منهما وهمس "هي دي اللي وافقة بعيد، بتراقبني وفاكراني مش شايقها."
ضحك مراد من جديد والتفت لإيناس التي حركت عينيها بسرعة لتمثل بأنها لم تكن تنظر ناحيتهما ثم عاد برأسه لأدهم وأكمل قهقهته فنكزه "ما تبصلهاش بقى لأحسن تعرف إلى عارف
إنها بترافيني "
لكن مراد عاد بعينيه لها من جديد، تبدو لطيفة جدا لكنها في الثانية والعشرون، أصغر منه بكثير .. وهذا جعله يحزن ويبتلع غصة في حلقه ثم نظر بعيدا يضيق، لكنه لم يلبث أن وجدها تنظر نحوه، ظنها تنظر لأدهم لتكمل مراقبته لكنه فوجئ بها تخجل وتسرع للداخل عندما اصطدمت بزرقاوتيه.
ارقصي معايا" قال أحمد وهو يمد يده كالسيد النبيل لداليا التي تستند على الحائط يملل فنظرت ليده تم له ولم تلبث أن قلبت عينيها وأجابت "لا."
اعتدل في وقفته وسحب يده ثم أعطاها نظرة متضايقة "ليه ؟"
"ما بعرفش أرقص، وأنت عارف إني ما بعرفش."
" يعني هما كل دول مولودين في حلية رقص ؟ بعدين دي رقصة سلو عادي انجزي ما تبقيش رحمة " ألح عليها ولكي تنتهي من إصراره هذا أخذت نفسا عميقا وتحركت معه، فابتسم باتساع
وقادها إلى حيث يرقص الثنائيات
لاحظ أنها توترت كثيرا وبدت وكأنها تسب نفسها على قرارها هذا لكنه لم يعطها فرصة للتراجع وأمسك بيدها اليمني تم لف يده الأخرى حول خصرها وقربها منه رأى تنفسها يعلو بصورة غربية ليشعر بأنها غير مرتاحة لذلك الوضع وتتلفت حولها باستمرار فابتعد قليلا وأبعد يده عنها بحيث أصبح يلمسها بشكل طفيف.
كان قيس ما زال يجلس بدون راحة في مكانه تارة ينظر نحو الساحة التي يتجمع فيها الثنائيات يرقصون وتارة ينظر لليلى التي بجانبه بضيق تم أمال عليها وسخر " أنت أكيد ماخليتينيش البسك الخاتم عشان ما المسش أيدك طبقا ل"
أومات فقلب عينيه وضحك ضحكة غير مصدقة ثم نظر بعيدا وتمتم لنفسه "باينها خطوبة سودة فعاد".
علق أحمد عينيه على داليا ليجدها ما زالت على نفس حالتها فهمس لها اهدي، مافيش حاجة كبيرة، دي مجرد رقصة ."
"ما يحبش حد يلمسني " أجابت بصوت مبحوح فابتسم وأمال عليها ليهمس في أذنها "تعرفي إن اللمس نوع من أنواع التعبير عن المشاعر؟"
انحبست أنفاسها واخفضت رأسها وهي تجيب "مش دايما الضرب نوع من أنواع اللمس، تفتكر ده تعبير عن المشاعر؟"
"أيوة، تعبير عن مشاعر الحقد والكراهية بس فيه نوع تاني من اللمس، بيعبر عن الحب، والود واللطف ."
صمتت ولم تنتبه لكونها وضعت رأسها أمام كتفه فابتسم وأكمل رقصتهما بهدوء وهو يحاول السيطرة على قلبه الذي يضرب بشدة بداخل جسده، رفعت عينيها فجأة لتنظر لعينيه، ابتسمت و نظرت بعيدا فأمال عليها وهمس "عيني حلوة أنا عارفه "
"أنت بتستخدم إيه لرموشك ؟ " باغتته بذلك السؤال الذي جعله يضحك عاليا ويجيب مازحًا
كريم فاتيكا، خبير شعرك في علبة."
ضحكت وقلبت عينيها وهي تتذمر "رموتك طويلة مش لايقة لولدا المفروض تبدل !"
"لا معلش كله إلا رموشي، ممكن أديك قلبي بس رموشي لا "
ضحكت وحدقت في عينيه في حين ثبت هو عينيه عليها بابتسامة خافتة، لكنه رأى الفرحة في
عينيها تتبدل وتتلاشى ابتسامتها شيئا فشيئا ثم ابتلعت لعابها بصعوبة ولاحظ رجفة سريعة تمر على يدها القابعة في يده أخفضت رأسها وهي تغمض عينيها ولم تلبث أن ابتعدت عنه فجأة وهي تقول
"أنا عايزة أمشي، أنا ما يحبش الأفراح."
ولم تعطه فرصة ليتحدث حتى ووجدها تهرول للخارج فهرول خلفها وهو يصيح "طب استني
هوصلك .. اصبري ما ينفعش تمشي لوحدك دلوقتي "
استدارت له عندما خرجا من تلك القاعة وأصبحا بمفرديهما وصدم من الدموع في عينيها وهي تصيح عليه ابعد عني، مالكش دعوة بيا، ماشي ؟"
تقدم منها ووقف أمامها، حدق في عينيها ثم أردف "لاء مش ماشي".
جاء هشام وجلس بجانب أدهم ومراد وهو يتذمر "أنا زهقت، هو فين الواد حمد؟"
ليجيبه مراد ساخرا تلافيه بيشقط البنت أم فستان أحمر "
توسعت أعين الآخر وحرك رأسه له مستقهما "إيه ؟ البت أم فستان أحمر ؟!"
أوما مراد، وأكمل "أن قال إنها عاجباه"
نهض هشام وكان الصاعقة أصابته ثم هرول للداخل من جديد وهو يبحث عن رحمة كالمجنون لكنه لم يجدها، بدأ يلف حول نفسها ويتحرك هنا وهناك باحثا عنها في كل مكان حتى وجدها
في ركن الطعام تمسك بطبق وتنتقي أصناف كثيرة لتضعهم فوق بعضهم في طبقها
هذا والتقط أنفاسه وهو يسب أحمد في عقله ثم سخر "ده أكل لعيلتك كلها ده أكيد صح ؟"
رمقته بطرف عينيها ثم أكملت وضع الطعام دون الرد عليه فاقترب ضاحكا "كفاية، البوفيه هيخلص !"
أكملت تجاهله لأنها غاضبة منه، وظنت أنه سيبتعد عندما تفعل هذا لكنه كان يتبعها كالطفل الذي يتبع أمه وأكمل مضايقتها "طب يعني انت عايزة تقنعيني إنك هتاكلي ورك الفرخة وحنة اللحمة والجلاس والكبيبة والمحشي وكتف الديك الرومي لوحدك يعني ؟ "
جلست على طاولة ووضعت الطبق فسحب كرسي وجلس بجانبها وهو ينظر حوله بحثا عن أحمد ثم عاد برأسه لها
"أنت إيه اللي مقعدك معايا ؟ " تذمرت فابتلع لعايه وتمتم "عادي، قاعد معالي احتياطي لأحسن تفطسي من كثر الأكل اللي هتاكليه ده!"
قطبت جبينها أكثر وهمت بقضم قطعة لحم وهي تلقي عليه بنظرة مغتاظة في حين نظر هو
حوله بحثا عن أحمد من جديد ليتأكد بأنه ليس في الجوار.
ولم يكن أحمد في القاعة بل كان يقف بجانب داليا أمام النيل مديده لها بسيجارة، أخذتها بهدوء ورفع قداحته ليشغلها لها ثم أشعل سيجارته وأخذ نفشا منها ثم نفخه ببطء وهو يعلق عينيه عليها، ينتظرها أن تتكلم وتفصح عما بها، لم يكن ليتركها اليوم دون أن يعرف ما الذي يجري معها، ليس بعد أن رأها تنتحب بمفردها فجرا وتخبره بأنها لم تتم لثلاثة أيام وليس بعد أن حاولت الهرب منه منذ قليل.
ابتلعت لعابها وأخفضت يدها بالسيجارة "أنا كنت مخطوبة ومكتوب كتابي، كان المفروض اليومين دول اكون يجهز الفرحي برضه ماكنتش عايزة أجي الفرح عشان مش عايزة افتكر بس
أدهم الله يسامحه قعد يزن عليا وعلى ماما" بدأت كلامها بابتسامة ساخرة
عقد حاجبيه ودقق للمرة المئة في يدها ولم يكن هناك دبلة مما جعله يستفهم " وحصل إيه ؟"
رفعت يدها بالسيجارة وأخذت نفسا ثم أخرجته بضيق للأسفل وهي تستند بيديها على ذلك السور الحديدي وضحكت "خاني، واحدة صاحبتي شافته قاعد مع واحدة وماسكين إيد بعض وبيضحكوا والجو شاعري على الآخر."
"قعد يعطيني ويتأسف ويعتذرلي ويقولي إنها كانت غلطة وإنه عمل كده عشان انا ماكنتش مهتمة بيه في الفترة دي تخيل كان بيحاول يقلب عليا الترابيزة ويطلعني أنا غلطانة؟"
صممت على الطلاق وهو بطل يعتذر وبطل يرد على مكالمات أهلي عشان ييجي يطلقني وبقى بيتهرب منهم لما يروحوا يقابلوه ... وبعدين عمل حاجة أقبح وأسوأ من إنه يخوني "
ارتعشت يدها وابتسمت ابتسامة مقهورة ونظرت للأسفل متفادية أعين أحمد وأكملت
في يوم أستنى لحد ما أنا كنت لوحدي في البيت وأول ما ماما نزلت السوق مع دايمون يشتروا حاجة هو طلع فكرتها هي ونسيت حاجة فما يصيتش من العين السحرية ... فتحت لقيته هو زقني ودخل و ..... " ابتلعت لعابها وحاولت السيطرة على ارتجافة يدها وحبس الدموع التي
غلقت عينيها
"كان جاي ي .. يعتدي عليا .. كان بيقولي: أنت اللي خليتيني أعمل كده بتصميمك على الطلاق وإن كل الرجالة عادي بتخون وإني مكبرة الموضوع " ضحكت ورفعت يدها تمسح عينيها
وبيضحكوا والجو شاعري على الآخر."
"قعد يعطيلي ويتأسف ويعتنرلي ويقولي إنها كانت غلطة وإنه عمل كده عشان أنا ماكنتش مهتمة بيه في الفترة دي تخيل كان بيحاول يقلب عليا الترابيزة ويطلعني أنا غلطانة ؟"
صممت على الطلاق وهو بطل يعتذر ويطل يرد على مكالمات أهلي عشان بيجي يطلقني وبقى بيتهرب منهم لما يروحوا يقابلوه ... وبعدين عمل حاجة أقبح وأسوأ من إنه يخوني "
ارتعشت يدها وابتسمت ابتسامة مقهورة ونظرت للأسفل متفادية أعين أحمد وأكملت
" في يوم أستنى لحد ما أنا كنت لوحدي في البيت وأول ما ماما نزلت السوق مع دايمون يشتروا حاجة هو طلع، فكرتها هي ونسيت حاجة فما يصيتش من العين السحرية .. فتحت لقيته هو زقني ودخل و ..... " ابتلعت لعابها وحاولت السيطرة على ارتجافة يدها وحبس الدموع التي غلقت عينيها
كان جاي ي .. يعتدي عليا .. كان بيقولي: أنت اللي خليتيني أعمل كده بتصميمك على الطلاق. وإن كل الرجالة عادي بتخون وإني مكبرة الموضوع " ضحكت ورفعت يدها تمسح عينيها وأكملت بغصة في حلقها
"أنا ضعيفة جدا جسمانيا، حاولت أقاومه بكل قوتي بس ما نجحتش لأن هو ضخم جسديا ... ضربني و .... توقفت الكلمات في فمها وسقطت دمعة من عينها في حين كانت الدماء محبوسة في وجه أحمد الذي يستمع لكل شيء بأنفاس هائجة، الآن يفهم الآن يفهم نظرة البؤس في عينيها
عملته محضر في القسم إنه اعتدى عليا، بس جالهم بقسيمة جوازنا وقالهم إنه جوزي، وفي القانون المصري مافيش حاجة اسمها اعتداء جنسي من زوج على زوجته لأن ده حقه الشرعي ... وخرج " رفعت كتفيها وأكملت ضحكاتها المقهورة ورفعت يدها تمسح الدموع عن عينيها
بسرعة
كان عارف إني لو رفعت عليه قضية خلع بعد الحادثة دي مخلعه بسهولة، وعشان كده طلقني وأنت عارف بقى المجتمع الشرقي العظيم بقى بيبصلي ازاي الجيران بدأوا يقولوا إنه خد اللي عايزه منى ورماني .. وعشان كده ماما سابت العمارة بتاعتنا ودلوقتي قاعدين مع جدي، عشان ماحدش يضايقني بحاجة. "
أخفض عينيه أرضا وعقله تجمد تماما وكأن كل كلمات المواساة التي في جميع اللغات تبخرت من لسانه فشل تماما ولم يملك سوى مد يده ليمسك بيدها المرتجفة ثم رفع عينيه إليها ورفع يده الأخرى يمسح الدموع عن وجنتيها
"كان اسمه أحمد، صح ؟ هي البلاوي دي ما بتجيش إلا من الاحمدات أنا عارف " تساءل فلم تتمالك نفسها وضحكت من بين بكاءها ثم تذمرت "ما تضحكنيش!"
"أنا عايز أحضنك مش عشاني .. عشانك بس لو حضنتك هتضربيني في مكان حساس وتقطعيلي الخلف طبقا" أكمل فلكمته في كتفه وهي تمسح دموعها عن عينيها بابتسامة بائسة وتذمرت من جديد
" هو أنت ربنا باعتك عشان تضحكني وتبوظلي مود الحزن اللي أنا فيه ؟"
ريت على يدها وأمسك بيدها المرتعشة ثم رفعها ليطبع قبلة على باطنها وهو يمسح بيده الأخرى بقايا الدموع عن وجنتها، إنها لا تستحق لا تستحق أي شيء مما حدث معها، لقد تدمرت حياتها وسمعتها وتدمر قلبها ... لم تكن تستحق ما فعله هذا الوغد بها، ولا تستحق ما سيفعله هو
بها.
كان مراد قد دخل يبحث عن شقيقه عندما أصطدم بإيناس تتحرك للخارج، كادت تسقط فأمسك بها بخوف واعتذر "أنا آسفه "
ابتسمت وتعلمت شعرها خلف أذنيها وهي تجيب بإحراج "ولا يهمك . " ثم كانت ستتحرك لكنها توقفت وضيقت عينيها ثم تساءلت "أنت صاحب أدهم؟"
نفى برأسه وأخبرها بأنه شقيق صديق أدهم، كانت فرصة أمامه ليتحدث إليها، لكنه وبخ نفسه وابتعد عنها فوزا؛ فهو أن يفعل تلك الفعلة بالزواج من فتاة تصغره بثلاثة عشرة سنة .. هو يريد فتاة قد تعدت الخامسة والعشرون على الأقل.
في حين وقفت الأخرى تنظر الظهرة بابتسامة بلهاء وهرولت للخارج لتخرج هاتفها وتتصل بسارة تقول بحماس "لسه شايفة حدة من بعدين زرقا، قمر يخربيته كبير شوية في السن بس دادي في نفسه كده، أنا أول مرة أبقى في فرح كل اللي فيه مزز كده بس كله كوم وأبو عنين زرقا و شعريتين بيض ده کوم ثاني خالص، ياريتك كنت هنا عشان تشوفي المزده"
لكنها فوجئت بأدهم يقول من خلفها "عاجبك ؟ أجيبلك رقمه ؟"
تجمعت الدماء في وجهها واستدارت له ببطء وبملامح باكية وهي تحمحم لتنظف حلقها "لا ما هو ... احم ... ولم تلبث أن أطلقت قدميها للرياح وهرولت من أمامه فاصطدمت بمراد مرة أخرى
وهذه المرة سقطت على وجهها.
حك قيس يديه وبدا وكأن الحساسية قد أصابته فجأة وبدأ يفرك في مكانه ثم نظر لليلى وسخر " يعني دبلة ومالبستاش، رقص وما رقصتاش ... طلب مش كنت تقوليلي كنا وفرنا حق القاعة؟"
ثم نظر حوله وأكمل "ده حتى فقرة التورنة ما العملتش أنا قايملهم أطريق الفرح فوق دماغهم. لازم أشوف فقرة التورتة ما اتعملتش ليه؟ أنا مش قليل في مصر عشان فقرة التورتة
ما تتعملش .
كان سينهض لكن ترجته ليلى بألا يفعل مشكلة فاحتبست الدماء في وجهه وبدأ بهز قدمه بدون راحة ولم يلبث أن نهض وتركها صاحت عليه تسأله أين سيذهب فصاح بالمقابل "رايحأرقص مع أصحابي، أنا زهقت."
تم هرول متجها نحو الشباب الذين يرقصون وخلع معطف بذلته وبدأ بالرقص معهم بكامل حماسه على أغنية شعبية.
بينما اتصل أدهم بسارة وبدأ شجار معها " يعني إيه يعني قاعدين تتكلموا عن الرجالة ؟ .. والله ؟ انت بتستهبلي ؟ أنا ما قريتش ناحية أي واحدة، ما أنت مخلية صاحبتك تراقبني ! ... آه بتراقبني ! ما تعرفيش؟ یا سلام أنت مفكرة نفسك يتكلمي عيل صغير وهتقوليله بحبك عشان تنهى
الخناقة ؟ "
صمت لمدة وابتلع لعابه ثم ابتسم وهمس لها " وأنا كمان بحبك".
كانت رحمة ما زالت تأكل من طبقها والآخر بجانبها يراقبها "إيه يا حاجة ؟ هتخلصي امتى في ليلتك دي ؟ الفرح قرب يخلص وأنت لسه بتاكلي مش خايفة طيب يطلعلك كرش من كثر الأكل روم
" وأنت مالك يطلعلي كرش ولا لا؟ كنت هتتجوزني؟" قالت بضيق فسخر وهو يشبك يديه أمام صدره والله باین کده ها لبس فيك بس لو طلعلك كرش مستحيل!"
توقفت عن مضغ الطعام ونظرت له بأعين متوسعة، ما الذي قاله للتو؟ سيتزوجها؟
وضعت قطعة الكفتة من يدها بأدب والتقطت منديلا تمسح به فمها وأردفت برقة مصطنعة "لا خلاص أنا شبعت أصلا."
ضحك ونظر بعيدا وهو يحك ذقته، لكنه انتيه لنظراتها الفضولية نحوه، بالتأكيد تريد أن تعرف ما إن كان ما قاله حقيقي أم لا .. لكن هذا ليس الوقت المناسب لذلك الأمر.
جلست ايناس أمام مراد وأخذت زجاجة المياه من يده لتتجرع البعض في حين راقبها هو باهتمام "ها؟ كويسة؟"
اومات وهي تخفض الزجاجة عن قمها فضيق زرقاوتيه وتساءل بالمناسبة كنت بتجري ليه؟" وهذا جعلها تسهل بقوة فمد يده لها بالزجاجة من جديد.
عاد أحمد الداليا يطبق كبير من الحلوى وعبوتان من البيبسي، ثم جلسا أرضا في ركن بعيد بعد أن خلعت حذائها وتربعت أمامه وأمسكت بشوكتها، وأخذت قطعة كعك ثم وضعتها في فمها بتلذذ
انتبهت لكونه لا يأكل فأجابها بأنه قد نسي جلب شوكة له، نظرت لشوكتها بتردد ثم له، ولم تلبث ان مدت يدها بها نحو فمه وهي تقول "أنا عموما بقرف أكل مكان حد بس - " قبل أن تكمل
وجدته يأخذ قطعة الكعك يغمه بهدوء
كان الحديث بينهما قليل بعد ما أخبرته بكل شيء عنها، فقط يجلسان يتبادلان أخذ نفس الشوكة ويأكلان بصمت، لكنه كان صمنا محبنا لها، عكسه ... لم يكن صمنا جيدا، كان في دوامة
من أفكاره، لا يعرف ما الذي يفعله مع تلك الفتاة؟
يشعر بشيء مميز نحوها وهناك تلك المشاعر التي تخالجه معها دوما، لكنه يعرف نفسه، هو ليس جيدا لها، وبالتأكيد سيحطم قلبها، ولم يكن ليهتم بتحطيم قلبها لو لم يعرف بأن قلبها فهشم بالفعل، هي لا تحتاج وغذا آخر في حياتها ليقضي على الجزء الذي تبقى حيا منها، لكنه في نفس الوقت لا يريد الابتعاد عنها، وجهها الحزين يؤلم قلبه ويجعله راغيًا بالبقاء ورسم ابتسامة على شفتيها كما يفعل دوما ... لقد تشوش عقله وقلبه ولأول مرة هو ليس لديه أدنى فكرة عن ما هي
خطوته التالية؟
بتفكر في إيه ؟" باغتته بسؤالها المازح فرفع عينيه وهمس بنبرة دافئة "فيك".
انتهى يوم الخطبة ورحلت داليا مع أدهم ورحل أحمد برفقة أخيه الذي أخذ رقم إيناس بعد تبادلهما لبعض الأحاديث
وركبت لیلی سيارة قيس الذي كان مبتسما بعد أن أجهد نفسه بالرقص مع أصدقاءه حتى أصبحفقط يريد الذهاب لمنزله والنوم
لكنه فوجئ بالأخرى تحرك رأسها له وتقول بنبرة غاضبة "أنت سيبتني لوحدي طول الفرح !"
" عايزاني أعمل إيه يعني ؟ زهقت من القعدة "
بس ما كانش يصح تسيبني طول الوقت كده"
قلب عينيه وسخر "أه. هنبدأ النكد بقى ..."
كانت ستفتح فمها وتتحدث لكنه قاطعها بنبرته الصارمة "بلاش تنكدي عليا عشان ما أنكدش عليك، أنا أصلا مش طابق أخوك ولميت الليلة عشان خاطرك، فياريت تسكني لحد ما أوصلك
بيتك وخلي اليوم يعدي "
توسعت عينيها ونظرت له بصدمة، لماذا يحادثها هكذا؟ هو لم يكن هكذا! لقد كان الطيف من قبل ! ماذا حدث الآن؟
طب ما أنت خاطبني وعارف صاحبك أنا ما ضحكتش عليك " قالت بنبرة باكية وحققت النبوءة فعلا ودمعت عيناها وبتشخط فيا ليها عشان ما رقصتش معاك؟ ما هو حرام
قلب عينيه وتذمر "بلا، تختمها بعياط كمان ما هو هي دي الجنة الناقصة."
فوجئ بها تهمس من بين بكاءها نزلني هنا، وقف العربية ونزلني هنا مش هروح معاك "
قطب جبينه وتهكم "أنزلك فين أنت راكبة ميكروباص رايح السبتية؟ والله لو ما سكت لهكون ماسك إيدك، وأنت عارفة يعني إيه مسك إيد بالنسبالك روحي اعمليلي محضر تحرش بقى. ا قوليلهم مسك ايدي "
ضحكت رغما عنها وأشاحت بوجهها بعيدا وهي تمسح عينيها ثم هددته بطريقة طفولية "هقول الهشاب "
حرك عينيه من الطريق إليها وضحك طب قسما بالله هشام ده خد مني بوكس قبل كده كومه على الأرض ربع ساعة، أنا بس ساييه عشان خاطرك بس أول ما تتجوز وعد هبوسك قدامه
عايز بس أشوف ردة فعله"
تصبغت وجنتيها بحمرة طفيفة وتذمرت "أنت قليل الأدب !"
لكنه ضحك ولم يجيب، ثم حمد الله بداخله بأنهما لم يكملا تلك المشاجرة
صمتا لمدة وركز على القيادة حتى همست له "قيس - "
قضم شفتيه مائها ابتسامة من الظهور بسبب نبرة صوتها الرقيقة تلك وهي تهمس باسمه، ظنها سنقول شيئا رومانسيا تعوضه به عما حدث اليوم لكنه أصطدم بها تكمل
"أنا مش عيوطة، أنت أكيد هتفكرني عيوطة عشان بعيط، بس أنا مش عيوطة."
ضحك ورمقها بطرف عينيه "أومال اللي بيعيط بيسموه ايه ؟"
ابتلعت لعابها وهمست "عيوطة ."
"ماشي يا عيوطة".
رواية اربعة في واحد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الرابع والعشرون
الباشا كان فين كل ده؟" تساءل هشام بضيق عندما جاء قيس متأخرا على ثلاثتهم فيما كانوا ينتظرونه أمام الجامعة كي بذهبوا لمحل الميكانيكي الذي سيشترون من عنده بعض الأشياء التي يحتاجونها للمشروع
ابتسم الآخر ووضع هاتفه في جيبه وأجاب بتلقائية "كنت بكلم أختك"
اشتعل وجه هشام واقترب منه مهددا "بابا، أنا مقدر إنها بقت خطيبتك، بس راعي الفاظك شوية يحرق ميثين شكلك !"
قلب قيس عينيه وتذمر ما كانش قصدي عموما بس انجزوا يلا خلونا نروح بسرعة قبل ما الدنيا تضلم، عربيتي مركونة الناحية الثانية أهي "
تحركوا خلفه بينما ربت أحمد على كتف هشام وهمس له ما تزعلش منه، ما أنت عارف إنه حمار وما بيفكرش في الكلام قبل ما بيقوله "
أوما الآخر على مضض وتحرك بحنق خلفه مع إبقاءه على نظراته الحاقدة على ظهر قيس، وفي عقله قد بدأ يتخيل الهجوم عليه واقتلاع رأسه والقاءها في أقرب سلة مهملات، فهذا المكان الطبيعي لعقل قيس.
ركبوا السيارة وحركها قيس لكن بعد خمس دقائق بالضبط فوجئ قيس بسيارة تتوقف أمامه فجأة فاصطدم بها من الأمام رغما عنه، بدأ صدره يعلو ويهبط من الغضب ولم يتمالك نفسه ففتح بايه بعنف وخرج لهم من سيارته متجهم الوجه وعلى أتم استعداد للشجار ثم صاح
"أنت أعمى يعني؟ ولما أكسرتك عربيتك فوق دماغ أمك دلوقتي هتنبسط ؟"
خرج له خمسة رجال من السيارة المقابلة لكن هذا لم يحرك فيه شعرة
وليه سيرة الأم؟" نطق السائق بنبرة تهديد لكن الآخر ابتسم بسخرية وبصق كلماته "عشان خلقت جحش زيك
خرج أحمد من السيارة محاولا التدخل وفض النزاع لكن قيس أبي، وكأنه قد وجد ضالته في عراك كان يبحث عنه منذ أمد بعيد وقد جاء له على طبق من ذهب عن طريق خبط سيارته العزيزة
لاحظ أحمد سيارة أخرى قد توقفت والتي كان بها خمسة رجال آخرون ولم يستلزمه الكثير من الوقت قبل أن يدرك يفطنته أن السيارة هذه تبع السيارة الأخرى وبأن الرجال عددهم عشرة
"ما تلم نفسك وتتكلم عدل " هدده السائق فوضع قيس يداه في خصره وأردف باستفزار "ولو ما لمتش ؟ "
لكنه فوجئ بأحمد يهمس في أذنه "بلاش يا اسطا."
تجاهله ودفعه بعيدا عندما أجابه الرجل "إحنا نلمك " تم هجم على الخمسة رجال بمفرده غير مدركا لعواقب فعلته، ولم يمتلك أحمد أي خيار آخر فدخل في العراك مع صديقه
نظر أدهم وهشام لبعضهما ولم يستغرقهما الوقت قبل أن يخرجان ويشتبكان في القتال أيضا. وكادت كفة القتال ترجح لهم خصوصا مع وجود قيس الذي يضرب بعنف حقا وفي كل الإتجاهات وبسرعة فائقة، لكن الخمسة رجال الآخرون انضموا إلى ساحة الحرب فجعلوا
المعركة أربعة ضد عشرة، وكما يقولون الكثرة تغلب الشجاعة.
بعد ساعتين كانوا يجلسون في مشفى حيث قيس يخيط يده التي احتاجت الثنتي عشرة غرزة.
وهشام يجبس يده التي انكسرت، وأدهم يربط ضمادة حول رأسه التي فتحت بجرح عميق .... وأحمد يرتكز على عكاز لأن قدمه اليمنى أصابها شرحًا بسيطا ولن يستطيع الإتكاء عليها لفترة
"عاجبك كده؟ قولتلك بلاش بلاش الله يحرفك يا أخي " صرح أحمد في قيس فقلب الآخر عينيه وتذمر ما كانتش غلطني هو اللي حمار وفرمل فجاة"
فأضاف أدهم "ما هو ما كانش ينفع برضه تقل أدبك وتشتمهم بالأب والأم وهما عشرة وأحنا أربعة !"
" هو شتمهم بالأب والأم بس؟ ده لعن سلسفين اللي جابوهم، أنا سمعت شتايم أول مرة اسمعها في حياتي " صرخ هشام هو الآخر
في حين طالعهم قيس بابتسامة عريضة بلهاء جعلتهم ينظرون له بضيق ويتهكم هشام بتضحك على ايه يا معدوم الإحساس أنت؟"
"أصل دي أحسن خناقة دخلت فيها في حياتي، فكرة إننا كلنا دخلنا خناقة وكده وكنا فريق واحد عجبتني، ثم إن عادي يعني دي إصابات طفيفة !"
جحظت أعين أحمد ورفع عكازه في وجهه وهو يصرخ إصابات طفيفة يا بجح؟ رجلي اتشرخت والواد أدهم أتبطح وهشام إيده انكسرت وأنت واحد الناشر غرزة وتقولي إصابات طفيفة !"
نفخ الهواء من قمه وأشاح بوجهه بعيدا عنهم ثم نهض عن المقعد الذي يجلس عليه وتقطع بجسده قائلاً "طب يلا عشان أوصلكم "
"متسوق إزاي وأنت واحد الناشر غرزة في إيدك اليمين؟" طالعه أدهم من تحت الشاش الذي
يغطي كامل جبهته
نظر ليده ثم إليهم، أدهم لن يرى جيدا، هشام يده مكسورة، لا يوجد سوى أحمد سليم اليدين
" والا، بتعرف تسوق ؟" توجه بسؤاله إلى أحمد فأوماً بابتسامة ماكرة، فلقد كانت لديه رغبة ات دقيقة منذ زمن بقيادة سيارة قيس الغالية، ألقى له قيس بالمفاتيح وأردف "طب يلا".
دخلوا السيارة وجلس أحمد في مقعد السائق بابتسامة واسعة حسنا هو ليس جيدا في القيادة. لكنه بكل تأكيد لن يخير قيس بهذا، وضع المفتاح في المحرك وأدار السيارة ببطء في حين كان
قيس يراقبه جيدا وسرعان ما حاول التأكد
"أحمد أنت يتعرف تسوق فعلا؟"
فأومأ له الآخر بثقة "عيب عليك قولتلك بعرف ماتخافش مش هنموت."
"لا أنا مش خايف على حياتنا، أنا خايف على سونيا لو خيطتها هخلي ليلتك سودة، كفاية اللي
حصلها."
مش هيحصلها حاج " قال وهو يرجع بالسيارة للخلف وأصطدم فجأة بالرصيف
"الله يخربيتك " صرح قيس ونزل بسرعة يتفحص سيارته فوجد الجزء الخلفي من السيارة قد تدمر والكشافات مكسورة، وضع يده على صاحها وهمس بحزن "سونيا ... يا حبيبتي، أنا آسف"
صاح أحمد من الداخل "يلا عشان تروح " ففوجئ بقيس يهرول نحو باب السائق ويشده للخارج " بمنتهى السهولة كده بعد ما خيطت سونيا ؟ "
رفع أحمد إحدى عكازيه في وجهه وهدده "أنا ماليش دعوة بعلاقتك العربية بسونيا! أنت اللي قولتلي سوق !"
"ولما ما بتعرفش تسوق وافقت ليه ؟"
"قولت أجرب "
بتجرب في سونيا ! ده أنا هطلع ميتين أهلك".
نظر هشام وأدهم لبعضهما البعض بالداخل بملامح حانقة ثم خرج هشام رأسه ليصرخ عليهما "ما تيلا ياض أنت وهوا بعدين بتتخانقوا وواحد ماشي على عكاكيز والثاني واحد الناشر
غرزة!"
" على جثتي يلمس سونيا ثاني " صرح قيس وهو يشبك يديه أمام صدره فسخر أحمد "من جمال أمها يعني !"
كان رجلاً يمر على مقربة منهما فوقف يشاهد تلك المشاجرة باستمتاع كعادة المصريين في أي عراك
"أيوة، سونيا دي أغلى حاجة في حياتي، وأنا كنت غلطان لما وثقت فيك وقولت إنك صاحبي ومش هتأذيها وهتخاف عليها."
قلب أحمد عينيه وتذمر "أنا كنت بحاول بس دي كانت أول مرة ليا، أنا ماجربتش قبل كده
وخلاص يعني ماجراش حاجة !"
جحظت أعين الرجل ووضع يده على فمه وهو يحاول استيعاب ما يسمع بأذنيه!
"ماجراش حاجة ؟ ده انت دمرتها ! والا قسما عظقا ما هتلمس سونيا ثاني طول حياتك" صرخ قيس من جديد
طب لو هي غالية عليك كده أنا مستعد أصلح اللي أنا عملته " حاول أحمد تهدئته فنفى برأسه وتعلم
" اللي انكسر عمره ما يتصلح، مش هترجع زي الأول ثاني سونيا حبيبتي اتشوهت خلاص بسببك أنت عمرك ما هتلمسها ثاني أنا مغامر وهديها لأدهم، أدهم مش غشيم زيك"
فوجنا برجل يصرخ فيهما "أعوذ بالله من غضب الله، أعوذ بالله من غضب الله ! " ثم تحرك بعيدا وهو يضرب بكفيه معا ويتمتم يا رب خلي القيامة تقوم عشان تخلص من الأشكال النجسة
انتهى بهم الأمر على أدهم يجلس أمام كرسي السائق ويقود السيارة باحترافية؛ فلقد كان يقود سيارة جده من قبل، لكن بعد خمس وعشرون دقيقة من القيادة اصطدموا بكمين للشرطة
أوقف الضابط السيارة وأمال على نافذة أدهم ينظر لهم بربية جميعهم مصابون .. شكلهم غريب ومريب، عاد يبصره لأدهم وقال بطريقة فظة "رخصك."
ابتلع أدهم لعابه ونظر للضابط بتوتر "رخص العربية ؟"
ابتسم الضابط ابتسامة صفراء وسخر "رخصك ورخص العربية يا جميل "
التفت أدهم لقيس الذي أجاب بلا مبالاة رخص العربية عندك في التابلود."
سارع أدهم بإخراج الرخصة وأعطاها للضابط فتفحصها وابتسم باتساع "حلو، ورخصك بقى يا حلو ؟"
زم أدهم شفتيه بقلق وابتلع لعابه ليبال حلقه الذي جف في حين طالعه ثلاثتهم يخوف وقد صدق حدسهم عندما أجاب بصراحة كده مش معايا رخصة."
"حلو، انزلي بقى أنت والثلاثة اللي معاك، أنتوا شكلكوا حوادث أصلا وأنا شاكك فيكم "
سارع قيس بالتكلم يا باشا العربية دي بتاعتي أنا وأنا معايا رخص، بس مش عارف أسوق عشان واحد الناشر غرزة في إيدي!"
"ماليش دعوة اللى كان بيسوق ما معهوش رخص، يبقى تنزلولي كلكم كدا بربطة المعلم "
امتعض وجه قيس وصرخ "لا أنت شكلك ما تعرفش أنت بتكلم مي...." قبل أن ينهي كلامه وجد عسكري يفتح الباب ويجره للخارج
فنزل ثلاثتهم بهدوء دون أي اعتراض، وقف الضابط أمامهم بابتسامة عريضة وهو يحك يديه مقا بحماس "حلو أربعة مرة واحدة .. باينها ليلة مفترجة."
وحيلها حاول أحمد التدخل ليحل الأمر بدبلوماسيته المعهودة يا باشا الموضوع مش مستاهل أدهم معاه رخص بس في البيت، صح يا أدهم؟"
فوجئ بأدهم يجيب "بصراحة لا مش معايا رخص أصلا"
صمت أحمد تماما ووجدوا الضابط يشير للعساكر "خدولي الأربعة دول على البوكس وروقوهم. وخصوصا اللي بيزعق ده عشان عايز أشوف ابن مين في مصر يعني هو "
أمال هشام على أدهم وهمس في أذنه "ما تقوله إن جدك لواء!"
سمعه الضابط وأمسك به من سترته وسحبه بقوة فسقطت نظارته بتقول ايه ياض؟ هو أنا كل ما أمسك حد يقولي أبوبا عقيد جدي لوا! ايه؟ البلد كلها ظباط اومال أنا هقبض على مين!"
ثم دفعهم نحو السيارة وهو يصبح " هي ركبت في دماغي بقى أحبسكم، ولو طلع جدك رئيس الوزراء بنفسه، طالما ما معاكش رخص محيسك هجيسك"
ركبوا السيارة ونظروا لبعضهم البعض فسارع قيس بإخراج هاتفه للإتصال بوالده الذي أجاب فورا فتكلم قيس "بابا، أنا في البوكس، رايحين القسم "
"ثاني! يخربيتك عملت ايه المرة دي يا ميلة بختي يا حظي الأسود في الحياة؟ أوعى تكون انتفشت آداب المرة دي! " صاح والده بالمقابل
توسعت أعين قيس وحمحم آداب إيه يا بابا مش هتوصل إني أروح لشقة دعارة !"
نظر هشام بطرف عينيه له وسخر "أيوة ما يتروحش بتجيب الدعارة لحد عندك في الشقة. " نكر أحمد أدهم وهمس له "اتصل بجدك ياض " لكن أدهم نفى برأسه يخوف "لا، جدي لا، جدي
ما يعرفش إني باخد عربيته من وراه ولو عرف هينفخني "
" يعني هما هيحسسوا عليك في القسم يا روح أمك دول هيكدرونا الظابط شكله مجنون !"
تكديرة الظابط أرحم من تكديرة لواء، أنا مش هتصل بجدي مستحيل، " صمم أدهم على موقفه حتى فرمل البوكس أمام قسم شرطة إمبابة فارتعب أحمد ونظر للخارج ثم لهم وقال بهلع
ده قسم إمبابة عارفين يعني إيه قسم إمبابة؟ إحنا هنتفسح النهاردة وهيطلع علينا القديم
والجديد"
نظر لهم قيس بضيق ثم وجدوا العساكر يشدوهم للخارج مما جعله يصرح في العسكري "نزل إيدكا" لكنه فوجئ بصفعة على وجهه ولم يلبت ثانية حتى ردها بلكمة أوقعت العسكري أرضا.
فتح باب الزنزانة وألقوا بأربعتهم للداخل دون حتى عمل محضر هذا بعد أن تشابك قيس مع
العسكري وانتهى بهم الأمر يرسلون إلى الزنزانة مباشرة
ضرب قيس على الباب وهو يصرخ "والله لأعرفكم مين هو قيس المرشدي "
فوجئوا برجل ضخم الجنة ولديه جرح بطول وجهه ينهض وهو يزيل سيجارة عن فمه ويلقيها أرضا ثم تقدم من قبس وهو يقول بصوت غليظ مستهزئ مين بقى هو قيس اللي عامل دوشة وصحاني من نومي فيكم يا خيخة منك له؟"
اختبئ ثلاثتهم خلف قيس وصدروه في الواجهة أمام الرجل فابتلع لعابه وحمحم "معلش يا اسطا صحيناك من النوم "
ارتفع حاجب الرجل وسخر بطريقة مهددة "أسطا؟! بألعب معاك في الشارع أنا ولا إيه ؟ اوعى ياض تكون فاكرني عيل من العيال اللي بيقعدوا جنبك في المحاضرات، أنا المعلم تلضم، عارف يعنى إيه المعلم شلضم ؟!"
عدل هشام من نظارته وقال بأدب مبالغ فيه "احنا اسفين يا معلم سلضم، وممكن تروح تكمل نوم إحنا مش هنتكلم ثاني نوفا هنيلا وأحلاما سعيدة."
"سعيدة دي تبقى أمك اقلع ياض انت وهو الليس ده شكله نضيف عجبني " صرح لضم في وجههم وحينها ابتسم قيس ابتسامة جانبية وتقدم منه بدون خوف وبدأ بتهديده
بص يا اسطاء لم نفسك وغور في داهية عشان ما أعملهاش معاك هدومنا مش هتتقلع على جنتي، ولو قربت خطوة زيادة أنا اللي هقلعك هدومك "
ضيق تلضم عينيه فأعطاه قيس نظرة متحدية واثقة، هذا قبل أن يجد ستة من نفس عينة شلضم يتقدمون منه ومن هشام وأحمد وأدهم فابتلع لعايه وتراجع للخلف.
بعد نصف ساعة من الضرب المتواصل وقف شلضم يخلع ملابسه في استعداد للبس ملابس قيس الذي وقف بسرواله الداخلي يقول "البنطلون جاي على مقاسك كده يا معلم ولا تاخد بنطلون هشام ؟"
تم جلس بجانب الثلاثة الآخرون الذين يجلسون بملابسهم الداخلية أيضا
نظر له أحمد بطرف عينيه وهمس من تحت أسنانه "عاجبك؟ دي آخرة تهورك، في يوم واحد اتضربنا بسبيك مرتين "
اخرس باض ياللي يتتكلم " صاح شلضم من بعيد فنهض هشام بغيط " على فكرة إحنا ما ينفعش تقعد كده دول خدوا هدومنا !"
" بتقول ايه ياض؟ " نهض له شلضم فسارع بالجلوس مغلوبا على أمره وهو يتمتم "ما يقولش."
في حين أخفض أدهم عينيه من السقف وحرك رأسه لهم وتحدث "أنا جهان يا جماعة "
رمقه قيس بقرف وسخر نطفحك إيه يعني دلوقتي ! بعدين ايه اللي أنت لابسه ده؟ لابس بوكسر سبونج بوب"
قلب أدهم عينيه وتهكم " يعني أنت اللي لابس بوكسر رجل أعمال ؟ ما أنت لابس بوكسر
سبايدرمان!"
هم قيس بالدفاع "بس على الأقل سبايدرمان مش سبونج بوب!"
نظر أحمد السرواله الداخلي براحة فلقد كان أسود سادة، وهشام كان يرتدي سروال رمادي بدون رسومات
الواد أبو يوكسر الرجل الوطواط، وطي صوتك شوية مش عارفين تتخمدا" صاح أحد المساجين جاعلا من اثنيهما يصمتان تمافا
لكنهما فوجتا برجل مريب الشكل وذو كرش كبير مع شعر طويل أشعت يتقدم ويجلس بجانب ادهم وينظر لأربعتهم بنظرات مريبة
" فيه حاجة يا عم الحج ؟" تدخل أحمد بعد أن شعر بعدم الراحة من نظراته
مسح الرجل شفتيه بيده وابتسم أصل شكلكم تضيف، أول مرة أشوف الصنف ده."
لم يفهم سوى احمد الذي قال بصدمة وهو يخين صدره العاري بيديه صنف إيه يا عم الحجا ابعد عنه ياض يا ادهم.
طالعه أدهم بدون فهم لكنه ارتعب عندما همس له الرجل " وأنت اسمك إيه يا قمر أنت شكلك
طيب وغلبان "
اشتعل الغضب بداخله، لماذا هو؟ لأنه يرتدي سروال مرسوم عليه سبونج بوب؟ وهذا جعله ينهض ليصرح بنفاد صبر وكان غيظه اندمج مع جوعه ليجعلاه شخصا آخر
"أنت قصدك إيه يا ابن ال...؟ لا لا مؤاخذة أنا لابس بوكسر اسبونج بوب آه بس أنا غير اللي في دماغك خالص".
أمال أحمد على هشام وتساءل "هو أدهم اللي بيشتم ده بجد ولا أنا بدأت أتخيل من كثر الضرب ؟"
استدار أدهم للجميع وصرخ أي حد هيقرب مني والله ما هيطلع عليه شمس، أنا أدهم مقلاد. عارفين يعني إيه أدهم مقلاد؟ جدي رأفت مقلاد لواء في الداخلية وأبويا كان ياسر مقلاد نقيب
في الداخلية."
أمال أحد السجناء على شلهم وهمس في أذنه يا معلم، أنا أعرف رأفت مقلاد به .. الواد ده ممكن يودينا ورا الشمس او طلع جده فعلا رافت مقلاد"
ارتعب شلضم ونهض متقدما من أدهم محاولا لملمة الموضوع وقال وهو يضع يده على كتفه ماتزعلش يا باشا، حقك عليا، ما حدش هيقرب منكم ثاني
دفعه أدهم بعيدا وزمجر "ما تلمسنيش يا ابن ال... أنت بالذات والله ما هملك "
طب أنت عايز ايه وأحنا نعملهولك ؟ "
مبدأيا تجيب لبسي اللي سرقته دلوقتي " قال الآخر فنهض له أحمد وهمس له " ولبسنا يا اسطا " فرجع أدهم بعينيه الشلضم وزمجر " ولبس أصحابي "
أوماً شلضم فابتسم أدهم ونظر لجميع السجناء بانتصار ثم عاد برأسه الشلضم ورسم ملامحشريرة من جديد " وحاجة كمان "
"حاجة ايه ؟ " تساءل شلضم فقال الآخر بمنتهى الجدية "عايز أكل."
طالعه تلخم بدون فهم فصرح الآخر فجأة "أنا لو ماكلتش مطلع ميتين أبوكوا واحد واحد"
تدخل أحمد مؤيدا "أيوة يا اسطا أحسنلكم تجيبوله أكل، أنت ما تعرفش ده ممكن يعمل فيكم
ايه لو جاع!".
أعطاه شلضم بعض شطائر الحلاوة الطحينية والجينة فشدهم من يده بتوعد وجلس يأكل بهدوء بعد أن ارتدى ملابسه بدأ يهدأ ويعود لطبيعته ثم نظر لهم وتمتم "هاتوا موبایل، هتصل بجدي".
بعد ساعة وجدوا العسكري ينادي باسماء هم فنهضوا وخرجوا، كانت مكالمة واحدة من جد أدهم قد جعلتهم أحرازا مجددا
فور ترجلهم من باب القسم نظر لهم هشام وصاح طب مبدأيا كده أنا مش عايز أعرفكم ثاني ومش عايز الصحوبية بنت الجزمة دي خلاص أنا من ساعة ما شوقت وشكم وأنا ما يشوفش غير المصايب" ثم تحرك بعيدا
لحق به أحمد وهو يتكئ على عكازيه بصعوبة ويصيح استنى يالا، ما تبقاش الموصة كده!"
بينما نظر ادهم لقيس وتمتم بفكر أقطع صحوبيتي بيكم أنا كمان والله " لكن قيس ابتسم ولف ذراعه حول عنق الآخر وضحك طب بزمتك، من كانت مغامرة جامدة؟"
توقف أحمد وعاد إليهم يتذمر "الواد مشى بجدا" فأضاف قيس يقلق هو مش هيصاحبنا تاني فعلام " فحك أدهم عنقه وقال يحزن " يعنى هنسقط ؟"
لكنهم فوجئوا بهشام يعود وهو يرفع سبابته في وجوههم "أنا هستحملكم بس لحد التخرج. هنروح للميكانيكي نجيب حاجات المشروع أمتى ؟"
وجد ثلاثتهم يضحكون ويدفعونه بمزاح فتذمر وهو يقلب عينيه "أنا قولت لحد التخرج بس!"
"أيوة صح "
"تمام يا اسطا."
"ماشي، لحد التخرج".
رواية اربعة في واحد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الخامس والعشرون
وقف في شرفة منزله في الرابعة فجرا، يستند بيد على السور الحديدي كونه ما زال لا يستطيع الإتكاء على قدمه اليمنى بعد، وباليد الأخرى قبع هاتفه مفتوحا على صفحة داليا الشخصية في موقع الفيسبوك، وبين شفتيه استقرت سيجارة، يدخنها بيطي قاتل ويخرج دخانها بمثل، إصبع إيهامه يقلب إلى أعلى وإلى أسفل متفحصا ما تنشره تلك الفتاة، ولم يكن هذا سهلا، لأن داليا لیست من هواة مواقع التواصل الاجتماعي، ونادرا ما تكتب شيء، وعندما تكتب فإنها لا تكتب شيئا شخصيا يمكن أن يخوله بأن يعرف أي شيء عنها، هذه المرة الخامسة التي يدخل فيها إلى صفحتها ولا شيء جديد
أغلق هاتفه ووضعه في جيب بنطاله ثم نفت دخان سيجارته للأعلى، رقمها لديه، صفحتها لديه. يشتاقها بشدة، وهي كالمغناطيس له .. لكنه لم يكن تائها هكذا من قبل.
لم تكن الأجمل، لم تكن الألطف، لكنه وبكل تأكيد أحس بكم أنهما يشبهان قطعتي الأحجية، يكمل أحدهما الآخر ويتناغمان سويا ليخرجا بصورة كاملة، رغم اختلافهما الشديد.
فقد عقله وسحب هاتفه وكاد يتصل بها الآن لكنه توقف عند آخر لحظة وتراجع عن الأمر، هي تي لديها ما يكفيها، لا ينقصها إياه ليأتي ويدمر حياتها أكثر.
أعاد هاتفه إلى جيبه ونظر للأسفل وهو ما زال يفكر، ومع بزوغ الفجر كان قد اتخذ قراره النهائي بشأن داليا ... سيعتبرها الرفيقة التي لم يحصل عليها، الحب الضائع، من ستداعب مخيلته دوما حتى وهو برفقة إمرأة سواها، الفتاة التي سيحكي لأطفاله عنها ويشعل نيران غيرة زوجته بها. والقناة التي ربما ستزوره في أحلامه حتى يموت كما باتت تفعل مؤخرا .... هو حتما لا يعرف ما الذي ستمثله داليا له، لكنه يريدها وبكل قوة أن تمثل له شيء .. أي شيء ...
هناك احساس غريب يداعب صدره عندما يكون بقربها أو يتذكرها ، لم يشعر بذلك الشعور من قبل قط، لكنه أحبه كثيرا وانسه وكأنه الشيء الحقيقي الوحيد الذي قد شعر به، وربما هذا ما يجعله يصر على أن تكون داليا بمثابة شيئا ما له، لأن أيا كان ما يشعر به الآن فهو ليس مزيف وهو لا يريد فقدانه .
لكن داليا لا تستحق وغدا مثله.
قاطعه دخول مراد لينضم له بصدر عار ويتطال قطني أسود، وشعر أسود فوضوي، نظر لأخيه وطلب منه سيجارة فأعطاه أحمد سيجارة بهدوء وأشعل لنفسه واحدة أخرى
"ألمانيا غيرتك، علموك تقف عريان في البلكونة كده؟ افرض طنط أم غادة شافتك ؟ " مازحه أحمد محاولاً فتح حديث ليوقف عقله عن التفكير
قهقه مراد بخفة وهو يخفض يديه بالسيجارة ولم يجيب فعقد أحمد حاجبيه وتساءل "مالك ؟"
تنهد الآخر وأخفض رأسه للأسفل لتساقطت خصلات شعره على جبهته وتمتم "فاكر إيناس اللي .." قاطعه أحمد "آه، مالها؟"
كانت عجباني وكده و ... كنا بنتكلم ... بس حاسسها تافهة وسطحية وكمان مش ناضجة وطفلة وأنا زهقت وماما قاعدة تزن عليا كل دقيقة في موضوع الجواز."
قطب أحمد جبينه وصمت مفكرا، راقب ملامح أخيه الحزينة، مراد ... لقد ضحى بكل شيء لأجل تلك العائلة شبابه ونقوده ووقته ... لا يعلم لماذا الرجال الجيدون لا يجدون الفتيات الجيدات ؟ الفتيات الجيدات يقعن مع أمثاله !
ابتلع الغصة في حلقه وتساءل "يعني مش عايز إيناس ؟" فأوماً مراد "مش حاسس ناحيتها بحاجة انجذبت ليها شكليا بس "
طب إيه رأيك في داليا؟" انسابت تلك الكلمات من بين شفتيه ببطء شديد، ولا يدري متى وأين تحول الشعور الجميل في قلبه إلى ألم مبرح !
توسعت أعين مراد وحدجه بنظرة غير مفهومة "مش دي اللي أنت بتحب.." قاطعه أحمد "لا، أنا وهي علاقتنا ما وصلتش لكنه طبقا، إحنا أصحاب بس داليا بنت كويسة وعاقلة على فكرة.
وانت طيب ومحترم ومش هتجرحها."
بدى مراد تائها، نعم يتذكر أنها لفتت انتباهه، لكن ورغم قول أحمد بأن علاقتهما مجرد صداقة فإنه لا يصدق أخيه، أحمد لا يصادق الفتيات بل يرتبط بهن.
"لا، مش نوعي بتشرب سجاير وكده. لا ... تملص مراد من هذا وراقب أحمد لوهلة تنهال ملامحه لكنه سرعان ما مثل عدم المبالاة وتمتم "أه .. ماشي .. براحتك عموما."
ضحك مراد بخفة وهو يراقبه متوترا بشدة رغم محاولته في إظهار عكس ذلك "بتحبها ؟ "
اه .. لا .. يص ... هو عموما .. إحم .." خرجت جملته لا علاقة لها ببعضها ثم ابتلع لعابه وأكمل
طب ما يلا .. اتجوزها قبل ما تسافر في الشركة هناك لما يعرفوا إنك متجوز هيبقى ليك امتيازات ثانية"
"لا دي بالذات ما ينفعش أتجوزها"
"ليه ؟"
"أصلها ذكية ولو خونتها هتقفشني يا اسطا وأنا عيني زايغة ورايح ألمانيا كمان والمزز هناك كثير مش ضامن نفسي لا، وهي مش ناقصة تتخان، حاسسها على شعرة عشان تقطع شرايينها "
ضحك مراد عالها حتى زجره أحمد وأخبره بأنه سيزعج الجيران فتوقف وتمالك نفسه
"أنا لقيتلك حل، إحنا نخزق عينيك بخازوقين عشان ما تقدرش تشوف ثاني، وبكده تبقى ضمننا إنك هتلم نفسك "
"أنت فاكر يعني عشان مش هشوف هسكت وهلم نفسي؟ همتي أحسس يا أسطا، أنا شاكك إني مريض بالنسوان "
إزدادت فهقهات مراد التي حقا جلجلت في الشارع الهادئ لتوقظ جارتهم في العمارة التي أمامهم، كانت فتاة في أواخر العشرينات، نهضت عن سريرها بانزعاج والتقطت حجاب لتضعه على رأسها بعد أن ارتدت عباءة بيتية، وترجلت نحو الشرفة وهي تشب في عقلها وتنوي إخراج
كل كلمات السباب من عقلها إلى فمها.
فتحت شرفتها وهي تستعد للصباح "أنتوا يا بني ادمين ياللي ما عندكوش ريحة ال .." توقفت عندما استدار لها مراد بكامل جسده فجحظت عينيها عندما وجدته شبه عاري
"أوبس .. أنا آسف والله " اعتذر بسرعة ووجدها تسارع بتخينة عينيها وهي تصيح "إيه قلة الأدب دي يا بني آدم !"
ماكانش قصدي خلاص هوطي صوتي "
"صوتك إيه أنت إزاي تسمح لنفسك تقف عريان كده في البلكونة " صرخت وهي تنظر له من بين أصابعها ثم تعود لتغمض عينيها من جديد.
نظر لنفسه تم لها، ورغم كون الأمر عاديا بالنسبة له لكنه تفهم الموقف واعتذر مما جعلها تهدده بالا يقف هكذا مرة أخرى ثم تنسحب للداخل من جديد بعد أن وعدها بأنه لن يفعل مرة أخرى وبعد أن ألقت عليه هي بنظرات مشمئزة مستحقرة.
"استر نفسك بقى، بطلوا قلة أدب" سخر أحمد ثم تذمر "خليت سننا الشيخة تطلع تدينا درس في الأخلاق أنت ألمانيا بوظتك "
"هي مين دي ؟ " تساءل مراد فابتسم الآخر ابتسامة ماكرة وأجاب "غادة."
توسعت عينيه بذهول "غادة اللي كانت بتضرب العيال في الشارع؟ هي لسه ما اتجوزتش ؟" "لا أهي متلقحة عشان تقرف فينا، ما تتجوزها وتسافر عشان تخلص من وشها وهتبقى عملت
خدمة للمنطقة كلها والله "
"عايزني أنجوز واحدة كانت بتضرب العيال في الشارع؟ أنت عبيط بالا؟"
" هي عموما مش هتعبرك مستشيخة وكمان قاعدة ترفض في العرسان لحد ما عنست، ده أنا حاولت الاغيها قبل كده من باب الجيرة بدل ما هي قاعدة بين أربع حيطان، كانت هنشر شحلي "
"لا فكك أنا عموما قررت خلاص إن أمك تمشيها صالونات، قالتلي إنها شافتلي عروسة فيها نفس مواصفاتي اللي أنا طالبها وهنروح نشوفها قريب".
كان اليوم هو موعد أول زيارة من قيس إلى بيت ليلى من بعد الخطبة، حرص على جلب شوكولاتة غالية لعائلتها، ولم ينسى الحلوى الطفولية التي تحبها هي؛ فقد توقف بسيارته ونزل إلى إحدى المتاجر وبدا يتقى الشيبسي والجيلي كولا ورقائق البسكويت، وبعض الحلوى
والمقرمشات الأخرى، ثم عاد إلى سيارته بابتسامة واسعة.
ريما بالرغم من كونه فتى سيئ كما يقولون عن أمثاله فهو ليس بارغا بكلمات الحب والغرام التي يذوقها الرجال ويرتبونها في عقولهم قبل أن يتفوهوا بها، لكن لطالما كانت طريقته في التغيير عن حبه واهتمامه هي بشراء ما يحتاجونه أو يحبونه.
استقبلته والدة ليلى بترحاب شديد، وهو من المرة الأولى التي وقعت عينيه فيها عليها وهو قد الفها كأنها أمه، ويسره الآن كونها تعامله كابن لها، مثل هشام.
استقبله حماه بالترحاب أيضا، هو يحب هذا الرجل مثل زوجته، ولوهلة شعر بأنه قد وجد عائلة ت أخرى قد كان يبحث عنها منذ زمن، ذلك الدفء في هذا المنزل يعجبه.
هذا حتى ترجل إلى غرفة استقبال الضيوف ووجد هشام ينتظره بالداخل، ملامح وجهه جامدة غير راضية، لكنه ألقى عليه بالتحية رغم أنهما كانا سويا بالأمس فقط عندما كانوا يشترون حاجيات المشروع.
"أنا مش ناوي أرخم عليك عشان مش فاضي لك عندي مذاكرة، بس يا ريت تحترم البيت اللي أنت فيه " قال هشام ونهض عن كرسيه غير معطنا الآخر فرصة للحديث وتوجه للخارج مع دخول ليلى من باب الغرفة الذي بقى مفتوحا حتى لا تصبح خلوة بينهما.
جلست على الكرسي الذي يجاوره بابتسامة خجولة تعلو شفتيها، كانت تضع بعض أحمر الشفاه ورغم لونه الغير فاقع فهو بدى واضحًا على بشرتها البيضاء، ابتسم عندما راى هذا وقال بصوت حاول جعله منخفضا
" اللون ده لايق في وشك "
اعتقدت أنه يتحدث عن خمارها البنفسجي لكنه صحح لها "قصدي الروج."
راقبها تنكمش على نفسها وهي تعض جلد شفتيها بتوتر وخجل في أن واحد، وهذا جعله يضحك بخانة ويحك عنقه ثم يمد يده بحقيبة الحلوى، أخذتها من يده باستغراب لكن عينيها توسعت عندما تبينت ما الذي بالداخل، رفعت رأسها له بأعين لامعة وحمرة طفيفة على وجنتيها وابتسامة واسعة لا تستطيع محوها
شكرا يا قيس، ربنا يخليك " تمتمت بفرحة جعلت السعادة تغمره هو الآخر.
كانت هناك الكثير من الأحاديث بينهما قليلي من النوع المتكلم رغم خجلها الزائد منه، لكنه كان يركز في كيف أنه محظوظ بالحصول على فتاة كتلك، يسمعها تتحدث وتحكي له عن رحمة وباقي صديقاتها واساتذتها في الجامعة، بل حتى عن خططها المستقبلية ... تضحك تارة وتعود التخجل منه تارة، يستغرب فقط كيف أن خجلها هذا بات يعجبه بشدة، وهو لم يكن أبدا من محيي الخجولات المتعلقات
يعني مش عايز جيلي كولا آخر كلام ؟ " تساءلت وهي تمسك بآخر قطعة جيلي كولا في يدها يمكر فضحك ونفى يرأسه "ما ياكلش السكريات عشان الجيم يا ليلي"
وضعتها في فمها براحة وأعطته ابتسامة منتصرة "الحمد لله، أنت كده هتسيبلي كل الحلويات أكلها لوحدي ".
ابتسم وأمال برأسه يتأملها وتمتم بنبرة دافئة عكس صوته الخشن "لو عايزة هجيبلك مصنع حلويات
توردت وجنتيها بخجل من جديد وهربت بعينيها بعيدا عنه، وهو قد ضحك في عقله على كم أنها تتخرج من أشياء بسيطة، ثم نظر لها بأعين لقيمة الثانية عندما مرت بعض الأفكار السيئة على مخيلته، فقط تفكيره بأن تلك الفتاة وقعت معه يضحكه بشدة، سيفسدها تماما وهو متأكدا من هذا.
كانت ليلى تخطف بعض النظرات إليه رغم محاولاتها بالعكس، لكن الأمر خرج عن سيطرتها، الفتى وسيم بشدة تذكرت محمود خطيبها القديم، ولوهلة شعرت بأنها كانت مخطوبة لحمار
مخطط يرعى في براري الأمازون.
انتهت زيارته عند التاسعة مساء، لأنه حرص على الظهور بمظهر الفتى الجيد أمام والديها، ولان
يجعل هشام يطمئن له قليلا، فهو لا يريد أية معارضة عندما يطلب الخروج معها قريبا.
في اليوم التالي كان أدهم يجلس منذ الثلاثة ساعات مع سارة على نفس الطاولة في كافتيريا الجامعة، كلاهما يذاكران بجد هذا حتى وضع أدهم رأسه على الكتاب وأغمض عينيه، تنبهت له الأخرى ووضعت الكتاب جانبا تم مدت يدها بتردد تشعره، بدى ناعقا بشدة
انتفض فور أن لمست شعره ورفع رأسه عن الكتاب بنعاس وبابتسامة كسولة "حاضر، هكمل
مذاكرة "
وضعت يدها أسفل خدها وأسندت ذراعها على الطاولة "إحدا ممكن تاخد بريك لو عايز "
"لا، بس ممكن تطلبيلنا قهوة ؟ مكسل أقوم . " قال وهو يمد يده في جيبه ليخرج نقود لكن الأخرى ضحكت ونهضت تمسك بحقيبتها تمام، بعدين أنت عبيط هنديني حق قهوتك ؟" عقد حاجبيه ونظر لها وتحقيبتها ثم نهض وتمسك بالحقيبة ومد يده لها بالنقود بإصرار "لا، أنا اللي محاسبه"
ضحكت سارة وبدأت بسحب الحقيبة لكن أدهم أحكم قبضته عليها ولم يبدو وكأنه يمزح. اضطرت بالأخير لتركها له وأخذ نقوده، ثم توجهت نحو المبنى لتطلب لهما كوبا القهوة؛ فهي اصبحت تعرفه جيدا وتعرف كم أنه يحب أن يتصرف بلبل وطالما هي معه فلن يدعها تدفع حتى لكيس من المناديل.
فور أن تأكد أدهم من ابتعادها، ابتلع لعابه وحرك رأسه ببطء الحقيبتها التي تقبع على فخذيه. تلفت حوله ليتأكد من أن لا أحد يراه، ثم عاد بأيد مرتعشة ليفتح حقيبتها، لا يتخيل أنه يفعل هذا، فتح حقيبة فتاة والتفتيش فيها؟ هذا منافي لمبادله بالكامل ... لكنه فعلها.
بعد البحث تدقيقة في حقيبتها كان قد وجد مفاتيحها، أخذهم ووضعهم بسرعة في حقيبة ظهره ثم أغلق حقيبتها ووضعها على الطاولة بسرعة حينما عادت سارة يكويا القهوة ووضعتهما على الطاولة أمامه بابتسامة واسعة
" القهوة يا جميل "
رمانها أدهم بأعين حزينة رغم الابتسامة التي تعلو وجهه، وقلبه الذي ينقبض بسبب ما يفعله بها. كل شيء بينهما مزيف، لكنها نظنه حقيقي، وهذا يجعلها سعيدة بحق، لكن هو الذي يعتصر صدره هنا.
ربما لو كانا قد تقابلا قبل أن يحدث كل هذا، لكان الان سعيدا بجانبها، سعيدا باهتمامها به وحبها له، وبكيف هي فتاة رائعة طيبة القلب وذات أخلاق عالية، ولكان قد أحبها بصدق.
لكنه يجلس هنا ينظر لها، يشعر بإحساس، وهذا الإحساس لا شيء سوى الشفقة والندم وتأنيب الضمير.
"أدهم" جذبت انتباهه عندما وجدته ساركا يتجرع من كوبه على مهل فرفع عينيه لها
" شكرا إنك في حياتي " أكملت وهي تبتسم بصدق، ابتسامة حقيقية يستطيع الشعور بها، عكس ابتسامته المتألمة التي صعدت لوجهه وهو يجيب بالمقابل شكرا إنك أنت في حياتي يا سارة."
خجلت وعادا للمذاكرة، في حين علق هو عينيه عليها يتابعها جيدا، ما بني على باطل فهو باطل هذا هو ما يعرفه، وهو سيصحح هذا الباطل قريبا.
تركها بعد ساعة وتوجه ليقابل أصدقاءه الثلاثة حضروا المحاضرات سونا وأعطاهم المفاتيح. وحينها النقطها هشام بابتسامة واسعة خططه ستكلل بالنجاح، وهم سينجحون، رغما عن أنف مصطفى، لكن تنفيذها لم يحن بعد.
عاد كل واحد منهم إلى بيته وحين عاد أدهم كان يحمل في يده شطيرتان من الشاورما، واحدة له وواحدة لصديقته التي أصبح محظوظا بتواجدها في الشرفة المقابلة بجانبه دوما
كانت تشرب سيجارة كعادتها في ذلك الوقت عندما ترجل وشد منها السيجارة ليلقيها أرضا على غفلة منها، قلبت عينيها واستدارت بجسدها مستعدة للتذمر لكنه قاطعها بمد يده بشطيرة الشاورما، وكأنه قد أعطاها مهدئ قابتسمت وأخذتها من يده ثم وقفا يأكلان مع بعض الأحاديث
القصيرة حول كل شيء
"امتحاناتك أمتى؟ تساءل فرفعت كتفيها "مش عارفة."
" يعني ايه مش عارفة؟ كل الجداول نزلت خلاص !"
"أنا مش رايحة اصلا" أجابت فقطب الآخر جبينه وطالعها بصدمة "هي مش دي سنة تخرجك؟ أنت بتهزري ؟ يعني إيه مش رايحة ؟"
" يعني مش رايحة "
طب لو ما ذاكرتيش ممكن تلحقي تلمي المنهج عادي ا لسه فيه وقت.
ضحكت بسخرية وتمتمت "أنا لو عايزة ألم المنهج علمه ليلة الإمتحان يا أدهم، مش محتاجة أذاكر قبلها بيومين حتى بس أنا مش رايحة زهقانة ومش رابحة ومش فارقة معايا"
بدأ حديقا معها ليحاول إرجاعها عن ما تريد وإقناعها بالعكس، بأن تذاكر وتذهب، لكن داليا بدت غير قابلة للإقناع، وليست على استعداد لترك غرفتها والذهاب لقاعة الإمتحانات السبعة أيام.
"أحمد يعرف إنك هتعملي كده ؟ " تساءل وحينها تلاشت ابتسامتها وابتلعت لعابها بضيق تم نفت
برأسها "أحمد" ما كلمنيش من ساعة لما كنا في الفرح."
جحظت أعين ادهم ونظر لها بدون تصديق، كيف لم يفعل أحمد ؟ لقد كان "سيبيض " حرفيا ليحصل على هذا القرب منها وبعد أن يفعل ... يبتعد؟
هل هذا كان مخططه منذ البداية؟ أن يجعلها تعجب به ثم يبتعد ويكسر قلبها ؟
عاد ببصره لها ليجدها تضع آخر قطعة من شطيرتها في فمها وهي تمسح بعض الدموع عن عينيها قبل أن يراها وحينما تنبهت له كانت قد مزحت "تراب دخل في عيني " "وما كلمكيش ليه ؟"
"لأنه مش عايز يكلمني " أجابت بثقة فلم يفهم أدهم مما جعلها تشرح
لو فيه ولد عايز يكلم بنت فمش متفرق إيه ظروفه أو ظروفها هيلاقي طريقة عشان يكلمها. و معنى إنه ما اتكلمش يبقى مش مهتم يتكلم الموضوع بسيط جدا بس البنات معظم الوقت. ما بيفهموش كده وبيطلعوا تفسيرات وهمية من دماغهم معظمها غلط عشان يبرزوله إنه ما أتكلمش "
كان تفسيرها صحيح، وهو كرجل يعرف بهذا جيدا، لكنه كرجل ايضا لاحظ كونها تمثل اللا مبالاة رغم أن عينيها تترقرق بالدموع مرة تلو الأخرى لكنها تحبسهم بالداخل ولا يسقطون.
داليا قوية، قوية جدا؛ فبعد ما حدث معها والذي بات يعرفه بعد أن ألح عليها، هو ما زال لا
يستوعب كيف أنها صامدة، لم تنهار للآن
لكنه أدرك بأن اقتراب أحمد منها جعلها هشة قليلا، فهو يعرف كم أن أحمد له تأثيرا قويا على الفتيات، ولا يهم كم أن داليا باردة، هو قد اخترق حصنها المنيع، وبعد أن فعل هو قد ابتعد ليتيت لها بأنها باتت غير صالحة.
"أنا مشوفه كده " قال فسارعت داليا بمنعه عن هذا، ولقد رضح لرغبتها رغما عنه، لكن في تلك الليلة، وبعد أن عاد إلى غرفته، هو قد سمع نحيبها الخافت بعد ساعة، لم يخرج لها لأنه لا يدري ما الذي يقوله ؟ أسف لأن الرجل الذي أحببته من قبل قد خانك وغدر بك ثم ألقي بك بعيدا؟ أسف لأن صديقي قد تقرب منك حتى أعجبت به وبعدها تركك كما يفعل بكل الفنيات؟
لكن صدره قد أشحن بالغضب تجاه أحمد، وهذا ظهر في اليوم التالي عندما اقترب من ثلاثتهم في وسط الحرم الجامعي وأعطى أحمد لكمة جعلت سيجارته تسقط من فمه.
رواية اربعة في واحد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل السادس والعشرون
كان أحمد يستند على سيارة قيس بجانب هشام وقيس اللذان يتهاوشان كعادتهما، غير أن تلك المرة هو تركهما ولم يعبأ بهما، صب كامل تركيزه على سيجارته التي بين يديه، رأى أدهم يتقدم من بعيد، وجهه بدا عايشا بشدة، ولقد قلقه منظره هذا فاعتدل في وقفته باهتمام، لكن حين اقترب الآخر فوجئ بلكمة تسدد مباشرة إلى وجهه، تحرك وجهه قليلا للجهة الأخرى وسقطت سيجارته أرضا وتوقف هشام وقيس عن استفزاز بعضهما ونظرا لأدهم بصدمة.
عاد أحمد برأسه يحدق في أدهم بنيه وبدون فهم ممتزجان بصدمة وإحباط، لم يكن أبدا سريع الغضب، ولعل هذا ما حافظ على وجه أدهم سليم حتى هذه اللحظة.
"مش هتسألني ضربتك ليه ؟" صرخ أدهم في وجهه فنظر له الآخر بهدوء غريب استفزه، ثم نطق "أكيد عندك سبير ".
صك أدهم على فكيه بغيظ وزمجر أنت عملت مع داليا كده ليه ؟ أنت مش هتبطل قذارة بقى؟ كام بنت قربت منها وكسرت قلبها ؟ أنا كنت بعتبرك صاحبي بس أنا قرفت منك ومن تصرفاتك القدرة "
تجمعت الأنظار حول أربعتهم، كانت ملامح أدهم مشمئزة تنظر لأحمد باستحقار واضح، وكأنه مقروفا منه
"أنا ما عملتلهاش حاجة" أجاب وهو يحاول تجاهل تلك النظرات التي يلقيها صديقه إليه
عملت أنت عارف كويس موقفها، بس أنت حيوان ما يهمكش إلا أنت عايز إيه وبس "
بدأ الغضب يتملك من الآخر وابتلع لعابه بغصة "أنا بعدت عنها عشان عارف موقفها، لو قربت
منها هجرحها "
وأنت فاكر دلوقتي ما جرحتهاش؟ هي مفكرة إن العيب فيها هي " صرخ ودفعه في صدره فصك أحمد على فكيه وهو يحاول تهدئة نفسه، فآخر ما يريده هو الدخول مع أدهم في عراك. لأنه لو فعل حقا فلن يخرج أدهم من تلك المعركة سليم.
فوجی به ادهم يخرج هاتفه ويعبث به حتى أخرج رقم داليا اتصل بها ووضع الهاتف على أذنه في صمت تام وترقب من جهة أدهم الذي لا يفهم ما الذي يفعله الآخر؟
انتهى الجرس ولم ترد. ضغط ثانية ثلاثة أربعة خمسة .. هي لا تجيب!
"أنت بتعمل إيه ؟" تساءل أدهم بالدفاع لكنه اصطدم بأحمد يمد يده في بنطاله ويأخذ هاتفه ويفتحه دون صعوبة لأنه بالفعل يعرف رقمه السري
طلب داليا، وحينها أناه صوتها فوزا ، إذا تجيب أدهم ولا تريد إجابته هو ؟
رحبت بأدهم لكنها وجدت أحمد هو من يجيب "أنا مش أدهم، أنا أتصلت بيك كثير من رقمي وما ردتيش !"
ماكنتش سامعة" أجابت ببرود فايبتلع القصة في حلقة وطأطأ رأسه ثم أردف " أنا متصل عشان أقولك حاجة واحدة بس "
صمتت في ترقب لما سوف يقول، توقعت مثلاً أن يعتذر يبرر فعلته ؟ أو من شخص مثل أحمد فربما سيحاول أن يأكل بعقلها حلاوة كما يقولون، لكنها ابدا لم تتوقعه يقول
"أول حاجة لازم تعرفيها عني إلي عيني زايغة وزيانة وخاين وبتاع بنات وقدر زي ما أدهم قال وده السبب اللي خلاني أبعد عنك أنت ما تستحقيش شخص حيوان ثاني في حياتك تاني حاجة لازم تعرفيها إني بحبك وقراري ماكانش سهل أبدا عليا وماكنتش عايزه، بس عملته لمصلحتك لأني مش ناوي أتغير واللي زبي ما بيتغيروش هعيش كده و هموت کده، سلام"
أغلق المكالمة دون سماع ردها ثم ألقى بالهاتف في وجه أدهم وابتعد عنهم بدون أن يتفوه بأدنى كلمة، حاول قيس اللحاق به لكنه أخبره بأنه يريد البقاء بمفرده وأيدي إصرارا كبيرا قد جعل فيس ينسحب ويعود للإثنان الآخران حيث وقف هشام يوبخ أدهم وتصرفه المتهور ولم يكن الآخر يملك شيئا ليقوله فوقف يتلقى التوبيخ كالطفل الصغير بكثير من القدم.
هرول أحمد بعيدا وأخذته قدماه إلى النيل، وبتهور قفز على السور الإسمنتي وجلس معطيا ظهره للشارع ووجهه للمياه، أخرج سيجارة وأشعلها ثم وضعها في فمه أثناء تعليقه تعيناه على تلك النسمات الخافتة التي تحرك سطح المياه في منظر جميل، لكن ذلك لم يمحي شعور السوء بداخله، وكأن صخرة قد وضعت على قلبه تخنقه ولا تدعه يتنفس بسهولة.
قاطعه صوت تنبيه برسالة من هاتفه، ظنها من أحد أصدقائه الثلاثة ولم يكن ليكلف نفسه عناء النظر لكنه وضع السيجارة في جانب فمه وأخرج هاتفه جحظت عينيه عندما وجدها من داليا
كانت قصيرة ومحددة شكرا.]
لم يستطع تحديد مشاعره نحو تلك الرسالة، أيحزن أم يفرح أم لا يشعر بأي شيء هو لا يعلم.
كل ما فعله هو وضع الهاتف في جيب بنطاله من جديد وإكماله السيجارته، بينما في مكان آخر وقفت داليا في شرفتها تدخن سيجارة هي الأخرى بوجه خال من المشاعر، كلماته تعاد على رأسها مرة تلو الأخرى، وشيخ ابتسامة يرتسم على وجهها كلما تأتي للمقطع حيث يخبرها فيه بأنها يحبها، لكنها تسارع بمحوها فوزا والتركيز على سيجارتها، ثم تتذكر وتبتسم مرة أخرى رغما
الغبي، يظنها لا تعرف بأنه زير نساء ؟ لقد كانت تعرف منذ الوهلة الأولى قد عرفته، حاول أدهم تحذيرها باسلوب غير مباشر لكنها كانت تضحك بداخلها بسببهما، من يظناها؟ فتاة غبية ؟
ربما قد خدعت في خطيبها القديم لأنه كان يرتدي ثوب التدين، ولم تتوقع منه أن يفعل ما يغضب الله؛ فهذا الكائن كان يحتها دائما على لبس الحجاب وعدم الاختلاط، لقد كانت صفحته الشخصية ممتلئة بالأحاديث الدينية والذكر وصورته بملابس الإحرام بجانب الحرم المكي الشريف ... لكن نفس الشخص قد خانها واعتدى عليها وأعطاها درشا فيها بألا تصدق المظاهر.
أما عن أحمد؛ فهو كان واضحا لها جدا، كوضوح القمر يوم تمامه، لأن الرجال على شاكلة أحمد براقون وجذابون للغاية، يسهل تمييزهم.
لكنها لم تتوقع أن ينسحب لكي لا يجرحها، لأنه يظن نفسه غير جيدا كفاية لها، ولأنه يهتم لها ولا يريد إيذائها، وربما هو قد كسب احترامها له بهكذا موقف أما مشاعرها تجاهه؟ فهي كانت واضحة أيضا منذ الوهلة الأولى، عندما أخبرته بأنها لا تملك شيئا لتقدمه له، لكنها تظن أحمد لم ينتبه لهذا أو ربما لم يكن يريد أن ينتبه.
لقد أحبت تواجده حولها، هي أن تنكر هذا، مزحاته، مغازلاته التي تضحكها، كيف أنهما يتنافران بطريقة لطيفة، ولن تنكر أيضا أنها تتوتر حوله هو تحديدا، لكن ارتباط ؟ هي لا تصلح لهذا بعد ما قد حدث معها.
فهناك نوعا من البشر، إذا خاص تجربة سيئة فهو يقسم على ألا يجربها مرة أخرى ما حيي، وهي كانت منهم، كل شيء قد ألمها لن تعيده ولو وضعوا السيوف على رقبتها، لقد قضي الأمر وانتهى.
في مكان آخر على النيل، وصل مراد وأمه إلى المكان حيث سيلتقيان بالعروس ووالدتها، كجلسة تعارف قبل أن يدخل بيتهم، كان مطعقا فخما يليق بمن اختاره هندم مراد خصلات شعره السوداء للخلف وعدل من لحيته بحركة سريعة ثم أمال على والدته سائلا
"أنت شايفاهم ؟"
نظرت والدته يمينا ويسارا حتى وقعت عينيها على والدة الفتاة تجلس بمفردها على طاولة منعزلة نسبيا أمام النيل مباشرة ابتسمت وأشارت له عليها فحمحم وتحرك خلفها وهو ينظر القميصه الأزرق المشابه للون عينيه يتفحص ارتاح لمظهره الأنيق مع سرواله الأسود وحداته الأسود الكلاسيكي، ووقف بجانب والدته يحبي السيدة التي لم تكن ابنتها معها
جلسوا جميعًا وعندما تكلمت السيدة العروسة في الحمام بتظبط حجابها وجاية."
ابتسم مراد تكون أمه قد استمعت له والتقت له فتاة محجبة، ولم يلبث أن وجد أمه تنهض وتسحب السيدة من يدها مازحة "طب تعالي بقى نقعد أنا وأنت على ترابيزة تانية ونسيب العرسان يتكلموا مع بعض "
أطاعتها السيدة ونهضا معا إلى طاولة أخرى، وتركوا الآخر ينظر حوله لدقيقة ثم أخرج هاتفه
يعبث به بعد أن طلب من النادل قهوة، هذا حتى شعر بأحدهم يجلس أمامه، أغلق هاتفه ورفع
راسه مبتسما لكن ابتسامته تلاشت عندما تبين من هي تلك الأعين الثاقبة التي تحدق فيه بذات النظرة البشرة البيضاء والشفتان الحمراوان بدون ملمع شفاه الوجه المحدد الغاضب الذي قابله من قبل
" هو أنت" زمجرت
"أنت"
"أنا لا يمكن أتجوز واحد فاسق زيك هاجمته فوزا فقطب جبيله وسخر ليسترد كرامته التي
تبعثرت برفضها الفوري
" يعني اذا اللي هموت واتجوز واحدة كانت بتضرب العيال في الشارع! أنا لو أعرف أنها أنت ماكنتش جيت أصلا"
نهضت عن كرسيها وصاحت "ماما، أنا خلصت المقابلة يلا نمشي "
جانت والدتها بهلع وتذمرت تمشي إيه بس يا بنتي انتوا لحقتوا!"
"أه. أنا مستحيل أتجوز واحد بيقف في البلكونة سلبوتة من غير هدوم"
جحظت أعين مراد ونهض لها "سلبوتة !"
"آه سلبوتة " صممت وشبكت يديها أمام صدرها
"لا بقى مش سلبونة، أنا كنت لابس بنطلون ثم إن أنا اللي هموت وأتجوزك يعني؟ ده أنت
العيال كانوا مسميينك غادة البوابة"
تدخلت أمه لتصلح الموقف "يا حبيبتي أصله عايش في ألمانيا وهناك الكلام ده عندهم عادي
مش عيب أن الرجل يكون لابس بنطلون بس"
دي قلة أدب ... ده كان واقف سلبوتة خالص" رمقته باستحقار من جديد فتدخل الآخر بتحدي
طلب العلمك بقى هناك الكلام ده مش عادي، وأنا اللي قليل الأدب فعلا وكنت واقف صلبوتة
براحتي، ومن هنا ورايح هقفلك سلبوتة في البلكونة غلاسة ووريني هتعملي إيه؟"
يا ولاد استهدوا بالله استهدي بالله يا غادة استهدى بالله يا مراد ... يا ولاد را عوا ان سنكم كبر وما حدش معبركم ! " قالت والدته فسقط فك مراد وتوترت غادة ثم نظرا لبعضهما بصمت وكأنهما
أدركا بأنهما في تلك المصيبة سويا
فربتت والدتها على ظهرها وقالت "خليك عاقلة، وأنت يا مراد حقك عليا يا ابني، هي بس مقفلة حبتين "
ثم شدت يد أم مراد وتحركا بعيدا من جديد.
جلس مراد على مضض بينما ظلت الأخرى واقفة وشيكت يديها أمام صدرها بتصميم ثم
اشاحت بوجهها بعيدا عنه بكبرياء.
رفع عينيه لها وتهكم " متفضلي واقفة كده؟"
"أحسن"
مرت فترة من الزمن قبل أن تؤلمها قدماها وتسحب الكرسي وتجلس بضيق، تجاهلها الآخر وبدأ
ينظر حوله وهو يشرب من قهوته التي جليها النادل يصمت
"إحنا هنقولهم إيه ؟ " جذبت حديثا معه فأجاب وكأنه لا يهتم "هتقولي لأمك إنك مش عايزة تتجوزي واحد بيقف سلبوتة، وأنا هقول لأمي أنى مش عايز اتجوز واحدة لسانها متبري منها
وعايز قطعه.
"ما تلم نفسك ! " زمجرت فقطب جبينه وسخر "أنا عرفت ليه أنت ما اتجوزتيش، ده انت لو مراتي كنت قطعتلك لسانك "
"وأنت نو جوزي كنت حطيتلك سم قران في أكلكته "
"ما تفتكريش إلي هقولك لو كنت مراتي كنت أكلته، لا لو كنت مراتي كنت طفحتهولك "
توقفت الكلمات في حلقها، لكن وجهها أحمر بالكامل وهمست من تحت أسنانها "أنت قليل الذوق "
" وانت قليلة الأدير"
تجمعت الدموع في عينيها ونظرت إلى والدتها وصاحت بنبرة باكية طفولية " يا ماماااااا، تعالي انا مش هتجوز البني آدم ده على جنتي "
"لا والنبي الجوزيني لأحسن هموت لو ما أتجوزتينيش ده أنت اللي يتجوزك ياخدك وياخد معاك الضغط والسكر والمرارة، بومة والعياذ بالله "
"أنا بكرهك " صرخت فسخر "لا أنا اللي دايب في دباديب غرامك !"
ثم تذمر "أنا كان مالي ومال الشغلانة دي بس يارب ما كان قدامي المزز الألمان على قفا مين يشيل .. حبكت اجي أتجوز من هنا قال إيه عشان ألاقي واحدة تعملي محشي، يا شيخة يغور المحشي اللي من وشك "
لم تتحمل أكثر وأنفجرت باكية، لم يهينها أي شخص بتلك الطريقة من قبل بالعادة .. هي من اعتادت على إهانتهم ثم يأتي هذا الوقح المتعجرف ويفعل هذا؟
لم يهتم ببكاءها وأخذ رشفة من فنجانه ببرود قاتل نظرت له بأعين دامعة وكل ما حدث لم يردعها من تهديدها له من جديد "عارف لو شوفتك واقف عربان في البلكونة هعمل فيك إيه ؟ "
"أنت مهتمة ليه بأني واقف عريان في البلكونة ؟ إيه ؟ عجبتك وخايفة تغضبي الله؟" قال بنبرة ماكرة وابتسامة لنيمة قد جعلت فكها يسقط وتسارع بالنفي ده في أحلامك، أنت أصلا مشر
حلو"
"يا بنت الكدابة !" انفلت فمه يتلك الشتيمة فجحظت عينيها وزمجرت "ما أنت مش محترم! متوقع منك إيه يعني "
نهض عن كرسيه وأخرج نقودًا من محفظته ثم ألقى بها على الطاولة ونظر لها وسخر "ما كانتش فرصة سعيدة خالص إلى أتعرف عليك يا غادة، وإن شاء الله هتعنسي ومش هتلاقي كلب بيض في وشك طول ما أنت ما بتعرفيش إزاي تعاملي الرجل وتحترميه عشان يحترمك."
ثم تركها ورحل يجريد والدته بقوة، بينما بقيت هي تنظر أمامها وهي تمسح عينيها بظهر يدها. اقتربت منها والدتها وجلست تحدق فيها بحزن، لا تعرف ما الذي تقوله
يا بنتي ليه كده؟ هو عشان أبوك كان زبالة وسابنا ومشي من زمان يبقى كل الرجالة زيه ؟ ده مراد مؤدب ورجل وشايل مسئولية بيتهم كله فوق دماغه ده أنا كنت بدعي ليل نهار يبقى بختك أحسن من بختي
"أنا مش عايزة اتجوزا مش عايزة أنت مصممة تجوزيني ليه أنا مرتاحة كده ومش عايزة !" صرخت من بين شهقاتها فسارعت أمها باحتضانها والتربيت على رأسها وهي تتمتم بالمعوذات علها تهدأ ويبتعد عنها الشيطان الذي تظنه يتلاعب بعقلها.
كان مراد يجلس بجانب والدته في سيارة أوبر التي طلبها، ملامح وجهه متجهمة ويحاول عدم الغضب لكنه فشل وحرك رأسه لها
هي دي مواصفاتي ؟ أنا قولت محترمة ومؤدبة ولطيفة وست بيت وحلوة ومش مليانة في الجسم ومحجبة وماتكونش أقل من خمسة وعشرين سنة !"
"يا ابني ما هي غادة عندها تسعة وعشرين ومحجبة ومؤدبة ولا عمري شوقت منها العيبة ولا عمر عينيها الرفعت عن الأرض وهي ماشية دي بتشوفني في الشارع شايلة حاجة تقبلة تقولي عنك يا ماما، وحلوة ما شاء الله عليها وفوق ده كله متعلمة وست بيت وشايلة أمها، أنا ما توقعتش يكون طبعها كده."
ابتلع لعابه وقضم شفته وهو يومئ مرغفا، تم تمتم بهدوء هذه المرة "عموما أنا مش رايحصالونات ثاني، وياريت ما تجيبيش سيرة الزفت الجواز ثاني، لما النصيب يبقى ييجي هبقى اتنيل، روحي جوزي ابنك الصغير، أهو هيموت ويتجوز"
جانه جوازة في عينه، أنا محذراه لو فتح معايا الموضوع ده تاني قبل ما يتخرج هخلي ليلته سودة، أنا عايزة أفرح بيك أنت يا حبيبي وأشوف عيالك قبل ما أموت أنا وأبوك، أما الصغير ده پاکش تصفر عليه وربنا بهده ده كل يوم بيكلمني عن واحدة مختلفة، إشي نورهان، مريم
سلمى شيماء ريم ناهد لميس، إسراء، وهلم جرا لدرجة إلى مش فاكرة باقي اساميهم يا ابني. تقولش بيكسبهم في بنك الحظا"
ضحك مراد رغما عنه وربت على كتفيها وهو يدعو الله أن يهديه هو الآخر ثم بدأ يتحذيرها بس نصيحة، ده بالذات ما ينفعش يسافر وهو مش متجول اسمعي كلامي وجوزيه، عشان والله هيبوظ أكثر من كند."
"ما هو لسه وراه جيش .." حاولت والدته المراوغة لكن مراد نفى وذكرها بالشرخ الذي حدث في قدم أحمد، والذي ربما سيتسبب في إعفاءه من الخدمة لأن لديه كسرا آخر ملتتم في قدمه الأخرى.
صمتت والدته تفكر في كلامه ولقد أدركت أن ما يقوله مراد عقلاني، هذا الفنى لا يجب أن يرحل عن هذا دون زواج فهذا بالذات يمكنه أن يرافق فتاة ألمانية من غير ملته ولا ثقافته ثم يتزوجها .. لا لا .. هي ستزوجه قبل أن يسافر، لن يخط خطوة خارج البلاد إلا ومعه زوجته.
كان هشام في تلك الفترة من الترم ينشغل جدا بمذاكرته، فتراه لا يتحرك عن مكتبه ولا ينفك يرفع عينيه عن الكتاب لأي سبب حتى يعود له مسرعا، ولعل هذا ما قد جعل رحمة تتذمر في
غرفة شقيقته
"هو أخوك مات جوا ولا إيه؟"
"يا بنتي انقلي شوية مش كده" ضحكت ليلى وهي تقذف عليها بالوسادة فالتقطتها وصفعتها بها على وجهها " هو اللي حيوان، قالي انه هيتجوزني وبعد كده ما كلمنيش تاني، شوفيلك صرفة معاه انا زهقت."
مش قالك هيتجوزك؟"
"
خلاص اتطمني هشام ما بيرجعش في كلامه وما بيقولش حاجة الا وهو دارسها كويس وما تتوقعيش إنه هيلزقلك ويكلمك ويحب فيك وكده هشام مش بتاع الكلام ده
كانت رحمة ستهم بالكلام لكن صوت هاتف ليلى قد أوقفها، ومن الابتسامة على وجهها عرفت أن المتصل قيس ولا أحد غيره لكن ليلى اعتذرت منه لأن رحمة هنا، وأخبرته بأن يتحدثا في وقت لاحق.
قيس ابن الملوح ده عامل معاك إيه ؟"
"ما عملش حاجة تضايقني من بعد ما نكد عليا يوم الفرح، لحد دلوقتي كويس ومحترم ومهتم وحنين معايا."
قالك بحبك بقى وكده؟" تساءلت بأعين لامعة فخجلت الأخرى ونفت برأسها ثم سخرت
"ماليش أنا في قلة الأدب دي، ما أنت عارفة "
اومات رحمة ثم جلست ووضعت يدها أسفل خدها وهي تنظر للحائط الذي يفصل غرفة هشام عن غرفة ليلى، ماذا لو كان يمزح ولم يكن يعني أنه سيتزوجها حقا ؟
سمعوا طرقا على الباب فصاحت ليلى سامحة لأمها بالدخول، لكن من فتح الباب هو هشام
تهللت ملامح رحمة لكنها فوجدت به يوبخهما ما كفاية رغي ! إيه ؟ دودودودود و ما بتفصلوش؟ صوتكوا جايب عندي في الأوضة ومش عارف أركز منكم أنتوا مش عندكوا امتحانات؟ ما تتنبلي تذاكري با فاشلة منك ليها!"
قلبت ليلى عينيها وتأففت فحرك عينيه الرحمة وقطب جبينه " وأنت؟ مش ناوية تبطلي كلام فارغ وتركزي في حياتك ؟"
توسعت عينيه عندما أجابته بضحكة خبيثة "ما أنا مركزة في حياتي " مشددة على كلمة (حياتي)
هل غازلته للتو بطريقة غير مباشرة أم أنه يتوهم ذلك؟ شعر بالإحراج وعدل من نظارته ثم
حمحم وتراجع بتوتر "أيا كان، وطوا صوتكول "
ثم رحل وأقفل الباب خلفه وعاد نحو غرفته وجلس أمام مكتبه من جديد، أمسك بقلمه وعدل من نظارته مرة أخرى محاولاً التركيز على ما أمامه، لكنه تشتت ورفع رأسه نحو الجدار الفاصل بينه وبين غرفة ليلى متذكرا تلك الماكرة وهي تخبره بأنها تركز على حياتها بطريقة مريبة
هز رأسه بمينا ويسارا محاولاً إبعادها عن عقله وهو يردد بداخله أكيد ما كانش قصدها.".
بينما في الغرفة الأخرى همست هي بهيام "قمر يخربيت نضارته "
فتكرتها ليلى وسخرت "أنا بقول روحي القدميله أنت عندك بابا قاعد برا أهو اطلبي ايده يلا"
"طب العلمك في مصر القديمة كان الستات هي اللي بتتقدم للرجالة عادي، مش عارفة ليه الموضوع ده أختفى تخيلي لو واحد عجبك تروح تقابلي أمه وأبوه .. الدنيا كانت هتبقى
أسهل "
ضحكت لیلی و هزت رأسها بمينا ويسارا بدون تصديق، فصديقتها متيمة بأخيها تماما رغم غلاظته وقذفه للحجارة من فمه، ولا تعلم لماذا؟ ما الذي يجعلها تنجذب لهشام هكذا؟ هي حقا لا تستوعب، نعم أخيها جيد الهيئة ومثابر ومجتهد لكنه لم يبذل أي مجهود في التقرب من رحمة
لكنها لم تعرف بأن الآخر يحاول بكامل جهده الآن التركيز على صفحات الكتاب وهو يحفز نفسه بأنه يجب أن يبذل كامل جهده لكي يصبح الأول على الدفعة هذه السنة أيضا كي يتم تعيينه معيدا ولكي يكون قادرا على الوفاء بالكلمة التي قالها لرحمة؛ لأنه أبدا لن يرجع في كلمته، ولقد قال ما قال لأنه قلب الموضوع في رأسه ووجد أن رحمة مناسبة له جذا، بل هي الأنسب، ولو أراد الزواج فهي الخيار الأول، كما أنها تحبه وفتاة محترمة ومؤدية هذا لو تجاهل معاكستها له أحيانًا ولن ينكر أن معرفته بأن أحمد قال أنها تعجبه عندما كانا في الفرح قد أشعلت الغيرة
بداخله وشعر بالتملك نحوها ... ولم يكن هو من هواة فقدان شيئا يخصه.
وصل أحمد إلى منزله في الثانية عشرة ليلا، الجميع نيام ترجل إلى غرفته بهدوء وأغلق الباب خلقه بالمفتاح ثم خلع حذائه ومعطفه وألقاهم على غير عادته أرضا، ثم سقط بجسده على السرير وهو يزيل سيجارته عن قمه وينفت دخانها عاليا، رفع جزعه قليلا لكي يسحب هاتفه من جيب بنطاله الخلفي، ثم أعاد السيجارة لجانب فمه وهو يعبث بهاتفه حتى أخرج رقم سلمي
طلبها وانتظر حتى أجابت بصوت ناعس فتعب فابتسم وهمس لها "حبيبتي، صحيتك؟"
لقت الأخرى الأمر وأخذا يتحدثان لبعض الوقت حين توقف أحمد فجأة عن الكلام ثم همس لها
اعملي حسابك، بعد نتيجتي ما تطلع أنا هاجي أكلم باباك قبل ما أروح الجيش."
جاءه صوت الأخرى فركا وغير مصدقا لما سمعته حقا "يجد يا أحمد؟"
ضحك وأوما وكأنها تراه ثم اعتدل على سريره وأجاب "أيوة بجد يا عيون أحمد، المهم، تتقابل بكرة؟ أنت وحشتيني ومن ساعة آخر مرة ما شوفتكيش يا سو، وكل مرة بتقوليلي تعبانة !"
"لا لا .. أصل فرح بنت ... بنت خالتي بكرة، أصلي ومش هعرف أنزل - " سعلت بين كلامها ولعل هذا ما جعل الآخر لا يركز على الدفاعها بالتملص من رؤيته بقدر تركيزه على شعالها "حبيبتي. أنت كويسة ؟ "
أكملت سعالها وهي تجيب "شرفت بس .."
"ألف سلامة عليك يا بيب طب خلاص مش مشكلة، لما تقضى تتقابل " قال ثم أكمل بنبرة دافئة منخفضة " وألف مبروك لبنت خالتك عقبالنا أنا وأنت هتبقي أحلى عروسة بالفستان الأبيض "
ضمنت الأخرى فظنها خجلة فأكمل "بحبك"
وأنا بحبك يا أحمد ربنا يخليك ليا، أنت اللي بتخليني مكملة ولولا وجودك كان زماني زهقت من الحياة كلها."
ضحك وأكمل تغزله فيها حتى أنهى المكالمة ورفع رأسه إلى سقف غرفته، حسنا، لم يكن يكذب بشأن زواجه من سلمى، ولم يكن يكذب بشأن حبه لها، لكن الفرق بين سلمى وداليا هو فرق جوهري
فسلمى معه منذ السنتان، وخلال تلك الفترة هو يخونها كل شهر تقريبا لكنها لم تشك به ولو لمرة واحدة، أما داليا فهو يعرف جيدا بأنها ستمسك به من المرة الأولى، ولن تسامح فيها.
عندما يكون مع سلمى فهو يشعر بأنها طفلته الصغيرة التي يريد تدليلها والاعتناء بها، أما داليا فهي قد أعطته شعورا مختلفًا ... شعور الرفقة.
الحياة مع سلمى ستكون هادئة رومانسية ولطيفة، أما مع الأخرى فهما سيمضيان الأمسية يلعبان لعبة فيديو وينتهي الأمر بهما يتشاجران والخاسر يتهم حكم الكومبيوتر بأنه مرتشى.
وأعمق فرق بين علاقته بالإثنان، أنه لو لعب لعبة فيديو مع سلمى فهو سيريح مئة بالمئة، أما داليا؟ فهو لا يعرف من منهما سيربح، وهذا هو بيت القصيدة، داليا رفيقة وليست حبيبة.
أما ما يريد هو ؟ فهو يفعل ما يريد الان.
رواية اربعة في واحد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل السابع والعشرون
خرجت ليلى من باب منزلها لتجد فيس ينتظرها في سيارته أمام المدخل، ابتلعت لعابها ورفعت عينيها نحو النافذة تلقي بنظرة متوترة إلى والدتها التي شجعتها بابتسامتها الواسعة، ترجلت نحو سيارة قيس وهذه المرة هي قد جلست بجانبه مباشرة.
ابتسم لها فور دخولها لسيارته وإغلاقها الباب خلفها ثم ألقى نظرة سريعة عليها من أعلى إلى أسفل، لكنه على عينيه على شفتيها، توترت و جمجمت لظنها بأنه ينظر لشفتيها لكنها فوجئت به يقطب جبيته ويقول بنبرة صارمة وهو ينتشل منديلا من العلبة الموضوعة أمامه
" امسحي الزوج دم"
نظرت له بدون فهم فأكمل "امسحي الروج قولت، حطي في البيت براحتك، وأحنا برا لا "
التقطته من يده يتردد ونفذت ما قال مع عبوس على وجهها، ألقت بمنديلها جانبا ونظرت أمامها وهي تشبك ذراعيها أمام خصرها بضيق، هذا حتى مد يده بعلبة هدايا مغلفة بورق أحمر لامع
"دي ليك " قال وهو يشغل محرك السيارة وينطلق بها ارتسمت ابتسامة على وجهها وتناست
غضبها منه ثم نظرت للعلبة بفضول "ايه دي؟"
ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه ورفع يده يحك جانب قمه وهو يجيب "فستان، بس للبيت .. مش بتاع خروج."
شكرته ليلى بنبرة فرحة وهي تحاول فتح العلبة لكن الآخر أوقفها مخبرا إياها بأن تفتحها عندما تعود إلى المنزل فأزعنت له ووضعتها جانبا.
كان يقود سيارته عندما أخبرها نروح مطعم ناكل، إيه رأيك ؟ " فوافقته بدون أي اعتراض. امتدت يده لمشغل الأغاني وضغط على الزر فصدح صوت المغني في السيارة بصوت ليس بالعالي ولا بالخفيض.
كانت أغنية لعمرو دياب، اصتنت ليلى جيدا لكلمات الأغنية وأنكمشت على نفسها وقد توردت وجنتيها من الخجل في حين كان قيس يقود بهدوء وعلى محياه ابتسامة خافتة.
نظر نحوها نظرة خاطفة فسارعت هي بالنظر من النافذة هاربة من عينيه، قضم شفتيه مانغا ضحكة من الظهور وعاد بعينيه إلى طريقه، خجولة، تعجبه.
بتحبي عمرو دياب؟ " تساءل بعد فترة من الصمت قاصدا فتح محادثة بينهما رغم أن الصمت بينهما كان لطيف معنى بأجواء شاعرية
نفت برأسها وهي تنظر للأسفل نحو يديها فسأل من جديد " بتسمعي لمين؟"
"ما بسمعش أغاني " اجابت بنبرة خفيضة فعقد حاجبيه واستفهم وهو ينظر لها ثم يعيد نظره للطريق "ليه ؟!"
"أصلها حرام."
زم شفتيه معا وشعر بالغرابة حقا "بس أصل الموسيقى لطيفة يعني وبتدينا مشاعر حلوة .. مش شايف فيها حاجة تدعو إنها تكون محرمة !"
بس حرام" صممت فقلب عينيه ونظر للجهة الأخرى وامتدت يده نحو مشغل الأغاني ليغلقها على مضض وأمضى باقي الطريق مزعوجا كل حقا، ما السيئ في هذه الأغاني اللطيفة؟ لم يشغل أغنية تحمل معاني سيئة، بل كانت أغنية جميلة وهادئة ورومانسية!
"أنت اتضايقت ؟" تساءلت هي بعد فترة من وجومه فنفى برأسه على الرغم من ملامحه التي تصرح بنعم..
"أنا عايزة مصلحتك وخايفة عليك " تمتمت بحزن وفوجئت به يفرمل فجأة ويركن السيارة جاننا ثم حرك رأسه لها متكلفا بجدية
"بصي يا ليلى، أنا مدرك ومستوعب إنك متدينة ومن أسرة متحفظة، وأنا حابب ده فيك لأني اصلا طبعي غيور، بس أنا ما يحبش التشدد والتزمت .. يعني خدي الحياة بطريقة أبسط من كده، أنا مش شخص متدين ولا محافظ بس هحاول أواكب ده معاك عشان نبقى مناسبين بعض فياريت أنت كمان تحاولي تواكبيني عشان تلاقي أرض مشتركة بينا، أنا حبيت أقولك كده عشان أنا شخص مباشر ما يحبش ألف وأدور وما بحبش حد يفصلني من مودي"
ولم ينتظر ردها وحرك المفاتيح ليشغل السيارة مرة أخرى وهذه المرة هو كان يقود بطريقة أسرع مع إبقاء ملامح وجهه المتجهمة والصمت القاتل بينهما في حين كانت هي تنظر له من وقت لآخر بتوتر وضيق ... ما الذي فعلته ليغضب هكذا؟
إنه عصبي كثيرا كما أخبرها في يوم مقابلتهما، لم يكن يكذب حقا بشأن ذلك ....
امتدت يدها نحو مشغل الأغاني وضغطت على زر التشغيل فعادت الأغنية بصوت هادئ من جدید، تفاجئ بهذا الفعل كنيزا وسقطت انعقادة حاجبيه ونظر للمشغل ثم لها وشعر بنفسه بهذا كثيرا وعادت ابتسامته من جديد.
تنفست هي الصعداء عندما لمحته يبتسم وعاد ليقود بهدوء مرة أخرى.
حسنا .. لقد اكتشفت شيئا جديدا به اليوم، إنه عصبي لكنه يهدأ بسرعة وهذا سلاح ذو حدان، لا تعرف كيف ستؤثر هذه الصفة عليهما في المستقبل لكنها أحبت كونهما سويا وتستطيع معرفة ردات فعله، عکس خطيبها السابق الذي لم تكن ترى منه سوى حروفا مكتوبة في الواتساب، أما عن لماذا سمح لها والدها بالخروج معه بمفرديهما ؟ فيبدو أن قيس قد كسب ثقة والدها ووالدتها بقوة، اعترض هشام في بادئ الأمر لكن مع موافقة والدها لم يمتلك غير الموافقة مرغقا بعد أن سمعته يتصل بقيس في غرفته ويهدده بأنه سيقتله ويشرب من دماءه لو تجرأ ووضع يده عليها أو فعل لها أي شيء لا يعجبه، ضحكت بداخلها كثيرا عندما سمعت تلك المكالمة بينهما .. هي
تحب هشام كثيرا، وتحب كيف أنه يتصرف وكأنها أغلى شيء له.
كانت وبشكل أو آخر تعلم أن هشام في مكان ما الآن يقضم إظفره وهو يتصفح هاتفه من حين إلى آخر منتظرا أية مكالمة استغاثة منها بأن قيس قد اختطفها ويريد بيعها كأعضاء بشرية ريماء
وكان توقعها صحيح، فهشام يجلس الآن مع أدهم في شرفة غرفته أمام طاولة يقبع عليها الكثير من الكتب والملازم، ويحاولان المذاكرة، غير أن أدهم يشخبط في دفتره برسومات سخيفة والآخر يهز ساقه بدون راحة وهو يعض في جلد شفتيه الحمراء بالفعل ويمسك بالقلم وهو يهزه فقط.
فوجئوا بصوت أنتوي ساخر يأتي من الجهة الأخرى بقى دي أشكال هتذاكر أصلا!"
التفت هشام للخلف ليجد داليا تدخن سيجارتها بهدوء وهي تنظر امامها فنطق بطريقة فظة " بقولك ايه يا ست كخة روحي شوفي أحمد فين وفكك مندا"
طب ما تروح تشوف أنت رحمة الأول، أنا سمعت إنها عاجباه " سخرت فنهض بسرعة عن
الطاولة وتوجه لها بأعين يتطاير منها الشرر "إيه ؟!"
توقع أن تخاف منه مثل الجميع، لكنها رمقته بطريقة باردة وأزالت سيجارتها عن فمها ثم نفخت دخانها في الهواء واعطته ملامح متحدية جعلت الآخر يصك على فكيه ويزمجر "خدي بالك من الكلام اللي بتقوليه معايا"
فسخرت "خد بالك أنت عشان مش أنت لوحدك اللي يتعرف تحدف ديش، المرة الجاية هتخبط فيا مزعلك "
"ما طبيعي تبقى دي أخلاقك، متوقع إيه من اختيار أحمد يعني ؟ " سخر لكنه أصطدم بها تجيبه "طز فيك وفي أحمد"
ثم ضحكت وهي تضع سيجارتها في طرف فمها أثناء عودتها إلى داخل غرفتها.
استدار هشام لأدهم فوجد الآخر يضحك، لكنه توقف فور أن رمقه هشام بتلك النظرة القاتلة. حمحم واعتدل في جلسته ومثل الجدية لكن فور جلوس هشام أمامه من جديد كان قد بدأ يضحك من جديد وهو يحاول عض شفتيه لمنع نفسه من إصدار أي صوت
" هو الواد أحمد صابها ليه ؟ تصدق بالله ؟ هي تستاهل أحمد فعلا وهو يستاهلها، يا أخي سبحان الله لا يقين على بعض بشكل غريب، الإثنين توكسيك وهيكفروا سيئات بعض " تكلم هشام وعلى
جديد
طالعه هشام بتفحص ملامحه واضحة للغاية، أدهم لا يروقه ما قد قاله
"مالك؟ أنت معجب بالبت دي ولا ايه؟"
رفع أدهم عيناه ببطء وهو يبتلع لعابه ثم سارع بالنفي "لا طبقا يا ابني ... أنا وهي مش شبه بعض "
كتاب، انت قولتلي قبل كده إنك مصاحبها عشان أنت وهي شبه بعض جدا وبتحبوا نفس
الحاجات ومتوحدين في بعض "
ابتلع لعابه من جديد ولاحظ هشام تفاحة آدم تتحرك في عنقه، لكنه قطب جبينه وزمجر بأسلوب هجومي " يعني ايه متوحدين؟"
"أدهم، ما تغيرش الموضوع !"
صمت الآخر ثم نظر له بأعين قلقة حزينة وزم شفتيه بضيق وهو يقول بنبرة منخفضة "مش عارف ... بس مافيش حاجة ممكن تتم بيني وبينها أيا كان أنا حاسس بايه جدي وجدتي مستحيل هيوافقوا عليها عشان هي مطلقة، دي حتى جدتي حذرتني من دلوقتي وقالتلي أقطع علاقتي بيها عشان فكرت فيه بينا حاجة، فأنا بعتبرها صديقة وبس .. ما يمنعش إنها حلوة وشخصيتها جذابة وبينا حاجات كثير مشتركة، بس زي أختي يعني ."
أوما هشام بتفهم ثم تساءل " وأحمد سابها عشان كده؟"
نفى أدهم برأسه ثم ركز على دفتره محاولاً إغلاق تلك المناقشة بينهما، فهو لا يريد الخوض في محادثة محورها مشاعره مؤخرا لأنه بالفعل بات لا يفهم نفسه .. لا يعلم ما الذي يشعر به نحو سارة ولا داليا ولا أية فتاة قد تقترب منه في تلك المرحلة ... لكنه كان يعرف شيئا واحدا ويكاد يكون متأكدا منه، أنه سينتهي بمفرده في النهاية.
وصلا قيس وليلى إلى المطعم الذي قد انتقاد الآخر، مطعم كلاسيكي يبدو أن الوجبة فيه بمقام راتب شهر من مرتب والدها، ولقد كانت تحاول أن تخبره بأنهما ليس عليهما أن يأكلا هنا وليوفر نقوده لشيء مهم، لكنها سرعان ما تذكرت أن قيس ووالديه وضعا مختلفا عنها، وأن هذه الأشياء لا تهمهم حقا ...
نظر قيس للنادل وبدأ بالطلب "بص عايز شربة سي فود وجمبري مشوي وسلطة. و ..." نظر نحو ليلى بتفكير، طالعها من أعلى الأسفل بتفحص ثم عاد برأسه للنادل وأكمل " ومكرونة.
لبشاميل ومحشي وبانيه وستيك "
توسعت عينيها وكانت ستتكلم لتسأل إن كان هذا الطعام لها أم لا لكنه أكمل
" والحلو ليا أنا سلطة فواكه، وليها مولتن كيك بالشوكولاتة، وزود الشوكولاتة على قد ما تقدر يعني، وياريت تحط فوقهم مكسرات وأيس كريم.
طالعته ليلى بصدمة، من سيأكل كل هذا الطعام ؟
انصرف النادل وعاد قيس بابتسامة واسعة لها وغمر " إيه؟ نفسك في حاجة ثانية ؟ أطلبلك
بسبوسة ؟"
"لا لاا كفاية كده، ده كده كثيرا"
اوماً ورمى لها بنظرة لعوبة وهو يهمس "أنا قولت كده برضه، ما ينفعش بسبوسة تأكل بسبوسة. طب ايه رأيك في كثافة ؟"
احمرت خجلا و نفت براسها بإحراج و جلست بصمت تنظر لأي مكان متفادية أعين قيس المعلقة عليها ولا يحيد بنظره يمينا أو يسازا، لدرجة أنها بدأت تتوتر حقا من نظراته تلك حتى تكلم
"إيه مالك ؟ أنت عمرك ما خرجت مع حد قبل كده؟"
نفت برأيها ونظرت للأسفل فقضم شفته السفلى باستمتاع "ما هو ده اللي عاجبني فيك، بس بصي، أنا يحب الخروج وكده فاتعودي بقي "
ابتسمت وأومات وهي تمد يديها التشبكهما أمامها على الطاولة، لكنها جفلت بصدمة عندما وجدت يده تلمس يدها، طالعته بأعين متوسعة وسحبت يدها فوزا لكنه مثل وكأنه يلعب في المزهرية الموضوعة على الطاولة وابتسم ابتسامة ماكرة قائلا "حلوة الفازة صح ؟"
"أه .. أه حلوة . " أجابت بتقطع فاقترب وهمس "مش أحلى منك يا قمر، عليا الطلاق أنت أحلى مزة شوفتها."
تصيغت وجنتيها ونظرت له بذهول، عليا الطلاق ؟ مزة؟ من هذا ؟!
قيس، لو سمحت أنا ما بحبش الإسلوب ده" قالت بطريقة صارمة متوقعة بأنها ستضعه عند حده لكنها فوجئت به يضحك ويغمز لها "طب يتحبي أنهي أسلوب يا عسل ؟"
"ما يحبش أي أساليب يا قيس ولو سمحت خط حد بينا في الكلام، أنا مجرد خطيبتك "
أه وممنوع أقول لخطيبتي إنها مزة؟ أقول لواحدة من الشارع يعني ؟ "
"لما أيقى مراتك ابقى قول ! " تذمرت وشبكت يديها أمام صدرها فارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه " بعد الجواز أقول؟ لا، نحن رجال أفعال لا أقوال "
"قصدك ايه ؟ "
قصدي يعني أحدا مخطوبين وهتتجوز بعد الامتحانات قبلاش تحبكيها أوي، عشان ما تقفلينيش منك، ثم إلي ما قولتش غير إنك مزة ! "
" هي مزة دي شوية ؟"
اه شوية، اومال لو قولتلك شفايفك صاروخ هتعملي إيه؟"
سقط فكها وشعرت بضربات قلبها تعلو وبديها تبرد لكن الآخر سارع بالتحدث "أنا قولت (لو) يعني أنا ما بقولش إن شفايفك صاروخ !"
ظلت على نفس حالتها ترمقه باذيهلال فتوتر وحمحم "مش قصدي إنها وحشة هي صاروخ فعلا .. بس أنا ما قولدش "
ضحكت رغما عنها وضربت جبهتها بالطاولة وهي تتمتم "استغفر الله العظيم".
جاء الطعام وشرعا في الأكل، كان قيس يراقبها جيدا وهي تأكل، ومن حين إلى آخر يخبرها بأن تأكل أكثر لكنها قد امتلئت ولم تستطع الإكمال مما جعل الآخر يترك طعامه وينظر لها بضيق كملي أكلك، خلصي الأطباق دي كلها "
" مش قادرة!"
وجدته يمسك بشوكتها ويضع فيها قطعة كبيرة من المعكرونة ثم غرسها في فمها فجأة "كلي يا حبيبتي، الأكل مفيد للصحة."
جحظت عينيها وحاولت التملص منه لكنها لم تستطع فمضغت ما في فمها وابتلعته وهمت لتتكلم لكنها اصطدمت بقطعة لحم كبيرة تحشر في فمها
نظرت له بأعين باكية وتذمرت "أنا شبعت "
"لا أنت شكلك خاصة كده وهفتانة، فمش هنقوم إلا لما تخلصي طبقك كله، ولا عايزة ولادنا بيجوا مرضانين ؟"
اخفضت رأسها يحزن و همست بتردد "بس أنا مش خاصة !"
"لا أنت خاسة، اسمعي متي ... شكلك هفتان كده وزي ماتكوني ما بتاكليش كويس، وشك أصفر
من قلة الأكل."
شكلها في نفسها ونظرت للطعام بتردد و همست "بس أنا بأكل كويس ."
"يا حبيبتي يعني هو أنا هضرك؟ ده أنا عايز مصلحتك، الأكل هيخليك أجمد
"أحمد ؟ " استفهمت فابتلع لعابه وحمحم قصدي قوية يعني، هيديك صحة."
الا مش قادرة يا قيس خلاص ."
طالعها يحزن وأوما مرغمًا لكنه سرعان ما ابتسم وتمتم "جمعة، عشان يبقى فيه مكان للمولتن كيك والايس كريم".
عادت ليلى إلى منزلها تمسك ببطنها وتتحرك بصعوبة، قابلها هشام الذي فتح لها الباب وبدأ يتفحصها بغضب راقبها جيدا ثم اقترب منها مز مجزا بصوت خفيض
بت، أنت ماسكة بطنك ليه ؟ الواد ده عملك ايه؟ قوليلي عملك ايه وبطنك واجعاك ليه ؟"
"هشام، أنا مش ناقصاك أنت كمان " صاحت ليلي في وجهه ودفعته بعيدا ثم رمت بجسدها على أقرب كرسي وأمسكت ببطنها "أكلني نص المطعم منه الله.".
بعد ساعة كانت ليلى قد هدأت وأمسكت بعلبة الهدايا لتفتحها بفضول، قابلتها رائحة عطر جميل فور نزعها للغطاء وبالداخل لمحت القماشة الشيفونية السوداء مدت يدها بسرعة لتلتقط ذلك الفستان الذي اتضح انه ليس بفستان بل بشيء آخر قد جعل الدماء تصعد لرأسها، ثم ألقت به في العلبة وهي تعض على شفتيها وتنوي رميه في وجهه عندما تراه، لا تفهم ما الذي يحاول قيس فعله بالضبط؟ لكن أيا كان ما يفعله فهي لم ولن تقبل به.
دخلت والدنها تسأل بفضول عن الهدية فأرتها ليلى لها وأخبرتها بأنها ستتشاجر معه كي يتعلم بأن هذه الأشياء غير مقبولة، لكن والدتها جعلتها تتراجع عن هذا بعد أن أعجبها ذوق قيس وتبينها أن هذا الثوب غاليا بشدة ولن يكون من الجيد إرجاعه له، وأقنعتها أنهما سيتزوجان بعد الإمتحانات .. فما الداعي ؟
في مكان آخر كان مراد يقف في الشرفة عاري الصدر منذ الساعة، يشرب سيجارة وينظر نحو شرفة غادة يتحدي يرى الضوء يصدر منها، ويكاد يكون متأكد بأنها قد رأته بطريقة ما، لكنها لم
تخرج حتى الآن.
بينما في الشقة المقابلة له، وقفت غادة أمام والدتها وهي تزمجر "شايفة قلة الأدب ؟ واقف سلبوتة تاني في البلكونة، والمرة دي أراهنك إنه عاملها عددا فيا ! سيبيني أطلع أهزقه السافل
الحيوان ده."
تمسك والدتها بيدها وترجتها من جديد "يا بنتي حرام عليك مش عايزين مشاكل "
"اوعي يا ماما هو فرحانلي بشعر صدره، والله لأطلع أمسح بكرامته الأرض، دفعت يد والدتها وتحركت مندفعة نحو الشرفة بعد أن وضعت حجابا على رأسها.
فور خروجها كان قد أشعل سيجارة أخرى، تجاهلها وركز على سيجارته لكنها صاحت "أنت يا معدوم الإحساس أنت، يكون في علمك، لو ما دخلتش ليست حاجة والله لأكون طالبالك البوليس "
استند على سور الشرفة بذراعيه ونفخ الدخان من فمه وسخر " اطلبيه، نمرتهم مية اثنين وثلاثين، قوليلهم واقف سلبوتة."
یا .. همست من تحت أنفاسها وبدأت تبرطم ببعض الشتائم في عقلها فرمقها الآخر بتحدي ولم تملك سوى ضرب سور الشرقة بقدمها ثم الهرولة لداخل بيتها بعد أن صفعت باب الشرفة بقوة.
قطب الآخر جبينه وهمس لنفسه "بت عايزة تتربي".
كان أخيه في الغرفة المجاورة يجلس على سريره أمام حاسوبه المحمول في مكالمة فيديو مع شيماء التي عاد إليها بعد أن رجعت هي تعتذر له عن نشرها لصورهما معا رغم تحذيراته لها بالا
تفعل.
"وحشتنی یا مودی - همست بدلال وهي تلعب في شعرها فضحك الآخر بطريقة ساخرة وازال السيجارة عن فمه أنت هتصيعي عليا يا شيماء، ما أنت مقضياها!"
بس انت غيرهم يا مودي وبعدين لو غيران عليا ما ترتبط !"
تسرء، فكك من الموضوع ده. خليها كده أحسن ... وريني بقي لابسة إيه؟"
ابعدت الفتاة هاتفها قليلا ليظهر ما ترتدي، ثم همست له بطريقة مانعة "ما قولتلك البيت قاضي يا مودي، ما تبجي
قلب عينيه وتذمر "شيماء، قولتلك مليون مرة أنا مش هعمل كده ... أنا أخرى أنت عارفاه كويس "
" و يعني انت عايز تفهمني إنك هتفضل كده؟ ولا أنا اللي مش عاجباك؟"
قولتلك مش هعمل كده إلا بجواز" قال وهو يضع السيجارة في جانب فمه فضحكت ضحكة
رقيعة وتمتمت "طب ما تيجي نتجوز."
"لا أنت عارفة إني بحب سلمى ومش هتجوز غيرها.
"عايز تفهمني إنك هتتوب يعني يا مودي؟"
ضحك وهو يرجع يظهره إلى السرير وغمز لها هو إيه دخل الجواز بالتوبة؟ بعدين انت قبيلة النهاردة وماسكة في صيرة الجواز والإرتباط ليه من امتى ده يعني!"
أصلي زهقت من القرف ده ونفسي أستقر .. وبصراحة، أنت أكثر واحد بحبه"
كان سيجيب لكن والدته فتحت الباب فجأة سارع بإغلاق حاسوبه لكن والدته كانت بالفعل قد المحت فتاة ترتدي قميص نوم أحمر تظهر على الشاشة من خلال المرأة الموجودة في ظهر
سريره المقابل للباب مباشرة.
اعتدل في جلسته وهو يبتلع لعابه ويحك ذقته بتوتر وخوف أثناء مراقبته الملامح والدته المتجهمة.
جلست أمامه و نظرت له ثم للحاسوب وتساءلت عما كان يفعل لكنه نفى أنه كان يفعل أي شيء. ورغم تصميم والدته هو أصر على موقفه حتى يأست ونظرت له يحزن
هي دي سلمى اللى قولتلي عايز تتقدملها ؟"
سارع بالنفي فوزا وبدأ بالمدافعة عن سلمى "سلمى مين يا ماما اللي بتشبهيها بواحدة شمال سلمى دي ضفرها برقبة أي واحدة .. دي حتى اتحجبت وبطلت تخرج معايا وبقت تحفظ قرآن"
" ويتخونها ليه يا ابني ليه تمشي مع الأشكال دي ؟ حرام عليك هتنقطني !"
صمت وأخفض رأسه وكأنه لا يجد إجابة ليقولها، فنهضت الأخرى عن سريره وهي تضرب بكفيها معا وتدعو الله بأن يهديه ويرحمه برحمته، راقبها أحمد حتى خرجت ولم يهتم ثم فتح حاسوبه من جديد ... وجد شيماء ما زالت موجودة، وجهها بدى عابشا، وعندما سألها عما بها قالت بأنه لا يوجد أي شيء، ثم أكملا مكالمتهما الوضيعة التي يستحي المرء عن ذكرها حتى، وبعدها أغلق
حاسوبه ثم أغلق النور وتعدد بجسده على السرير ثم أغمض عينيه بدون الشعور بأي ذرة ندم أو تانیب ضمیر نحو سلمی او داليا أو شيماء أو أية قناة قد مرت عليه في حياته.
لكنه لم يدري أن شيماء كانت قد استمعت لمحادثته مع أمه، وبأنه لقيها ب (شمال) ولهذا فقد كانت عابسة طوال الوقت ولم تكن تطيق وجهه حتى رغبت بأن تشتمه بالمقابل، فهو أيضا شمال في نظرها، لكنها أرغمت نفسها على إكمال مكالمتهما حتى تسجلها له، ولم تنتظر الصباححتى التبعث بذلك المقطع إلى صفحة سلمى على الفيسبوك .. لأنها إن كانت سيئة حقا وليست بظهر سلمى، فهو أيضا وغذا ولا يستحق سلمى بطهارتها تلك، سلمى يجب أن تعرف حقيقته
جيدا قبل أن تنغرس معه في زيجة ستتسبب بقتلها على قيد الحياة.
رواية اربعة في واحد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الثامن والعشرون
هو ده؟" وقفت ابنة خالتها بجانبها ينظران إلى مراد من طرف الشباك فأومات لها غادة وقالت بغيظ "أيوة هو مش هسيبه ينتصر عليا لازم أصوره وأفضحه على النت، عشان يبقى يقف عربان حلو
علقت ابنة خالتها المراهقة عينيها على مراد الذي كان يجلس ببنطال جينسي فقط ويضع سيجارة في فمه أثناء تركيز زرقاوتيه على حاسوبه المحمول الموضوع على فخذيه، خصلات شعره الناعمة واقعة على جبهته ... وغادة تريد منها تصويره هكذا وفضحه على الإنترنت؟
"ما بلاش يا غادة، أنا وافقدك عشان افتكرته رجل بكرش واقفلك بشورت أبيض في البلكونة .... بس بالمنظر اللي أنا شايفاه ده يا حبيبتي مش هتبقي بتفضحيه على النت، هتيقي بتشهريه على النت .. البنات جيعاكسوه وهيروحوا يجيبوا الأكاونت بتاعه يا مامال"
يعني ايه يعاكسوه هو مش حلو للدرجة دي عشان يتعاكس أساسا " سخرت غادة فنظرت لها ابنة خالتها بحاجبين مقطوبين وعلامات الاستفهام تغلف ملامحها، ثم رفعت يدها في وجه غادة وتساءلت بسخرية
دول كام؟ أنت بتشوفي كويس ولا نظرك ضاع ولا إيه؟ الواد قمرا اللي زي ده يتاخد عشان يتحسن بيه النسل "
علقت غادة عينيها على مراد، تابعته جيدا من أعلى الأسفل، ثم رجعت بعينيها بتردد لابنة خالتها. وبعدها حركت رأسها المراد من جديد، تجهم وجهها عندما أدركت فجأة أن ابنة خالتها محقة، هي لن تستطيع فضحه على مواقع التواصل الاجتماعي، لو نشرت صورته بهكذا وضع مستشهره وان تشهر به
"طب انتقم منه إزاي؟" تساءلت بغيظ فنظرت لها الأخرى وضحكت ثم قالت "مالوش إلا انتقام واحد اتجوزيه ... ده أكبر عقاب ممكن بني آدم يتعاقب بيه."
ضربتها عادة في كنفها وزمجرت "لمي نفسك بدل ما أقول لأمك على هيتومة حبيب القلب ها ... اتعدلي "
"لا ما أنا خلاص بعد المنظر ده هفركش مع هيثم، عشان والله إحنا ما شوفنا رجالة نضيفة."
"أنا مش عارفة عاجبكم فيه إيه ده سافل في أخوه. ما هو أخوه سافل زيه كده العيلة دي كلها واضح إنها ما شافتش بربع جنيه تربية "
لمعت أعين الأخرى واقتربت منها بابتسامة خبيثة " هو ليه أخ ؟ شبهه كده ولا إيه نظامه ؟ عنده كام سلة ".
ظهر أحمد في الشرفة، رفع مراد رأسه له تحادنا قليلا وأعطاه مراد سيجارة ثم وقف الآخر يستند على السور لبدختها بهدوء وهو ينظر نحو اللا مكان بينما في الشرفة المجاورة وقفت ابنة حالة غادة تنظر له بأعين متوسعة ثم همست لغادة
"لا أنا كده لازم أشوف أبوهم عايزين تشكره على الإنتاج العظيم ده."
ردت غادة من تحت أسنانها أبوهم وهو صغير كان أحلى منهم الإثنين، پس مراد ده واخد عين أبوه الزرقاء أحمد واحد عين امه بس هي كمان رموشها طويلة وهو طالع زبها .. وواحدين لونها.
الإثنين قمحاويين، بس واخدين طول أبوهم."
وخلفوا اتنين بس؟ المفروض كانوا يجيبوا ذرية نحسن بيها جينات الكوكب"
اومات لها غادة وبدأت تقص عليها بأسف أصل عمو کامل ده عمل حادثة ومن ساعتها وهو قعيد، ساعتها أحمد ده كان صغير بس مراد كان كبير شوية ... كان طالب في كلية الهندسة قسم الميكانيكا، ماما بتقولي إن عدت عليهم أياد سودة من بعد حادثة عمو كامل، وإنهم حتى كانوا هيعزلوا من هنا ويروحوا بينهم القديم اللي في منطقة شعبية لأنهم ما كانوش عارفين يدفعوا الإيجار ولا حتى لاقيين فلوس للأكل والشرب عشان فلوسهم راحت على العمليات بتاعة عمو کامل بس مراد ده نزل اشتغل ميكانيكي في ورشة عم سيد اللي على ناصية الشارع، لحد ما خلص كليته، وبعدين جاتله فرصة يعمل ماجيستير في ألمانيا، سافر .. ومن ساعتها وهو هناك. وأخوه لما كبر دخل قسم ميكانيكا زيه، واضح انه بيحبه وواخده مثل أعلى "
أومأت لها الأخرى ثم نظرت لمراد بحزن ورجعت بعينيها لها "خلاص ما تتجوزيهوش يا غادة صعب عليا، ما يستاهلش بحراله کده
بالرغم من ضيق عادة مما قالته ألا انها علقت عينيها على وجه مراد الذي يضع كامل تركيزه على حاسوبه منذ جلس هنا، لا يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، لديها إحساس عميق بأنه لا يفعل، بل يعمل كما اعتاد أن يعمل منذ أن كان في الجامعة .. تذكرت أباها العامل الذي هرب وتركها هي ووالدتها بلا فعيل والذي بسببه قد فقدت الثقة في جميع الرجال، وأضمرت لهم الحقد والكراهية، وعملت جاهدة على جعل نفسها لا تحتاج الرجل قط في حياتها، اجتهدت في حياتها حتى أصبحت محاسبة في بنك معروف .... لكنها ورغم هذا ما زالت فاقدة للثقة والأمان.
ربما مراد بقصته البطولية الصغيرة تلك قد جعلت معتقدها يتزعزع قليلا من مكانه، وبدأت تشكك في أن ليس جميع الرجال مثل أبيها، فالبعض سيترك عشه الدافئ وكرامته ومظهره الاجتماعي وينزل ليعمل في ورشة ميكانيكا كي تعيل أسرته التي على شفا الإنهيار، ولا شك أن أحمد شقيقه الصغير يعتبره مثلا يحتذى به قلو كانت هي من ضمن تلك الأسرة الأعتبرته مثلا
أعلى لها.
انتبهت على ابنة خالته تسحبها من يدها بسرعة وتغلق الستارة، لم تفهم غادة ما يحدث فضحكت الأخرى وهي تضع يدها على قلبها "اللي اسمه مراد ده كان بيبص ناحيتنا، يا رب ها
يكون شافنا."
توسعت أعين غادة ثم نفت برأسها "لا ، أكيد ما شافناش إن شاء الله".
بينما في الشرفة المقابلة أنهى أحمد سيجارته واستدار المراد ساخرا " اومال الشيخة ما طلعتش النهاردة لتخانق يعني ؟"
فضحك الآخر وأجاب "يا ابني دي واقفة بقائها ساعة هي وواحدة تانية يبصوا من ورا الستارة كان شكلهم عبيط أوي يعني."
وأنت بتشتغل ولا واحد بالك منهم يا حويط؟"
أغلق مراد حاسوبه وقال بثقة وهو يكتف ذراعيه أمام صدره "الإثنين "
ضحك الآخر وكان على وشك التحدث لكن صوت رلين هاتفه قاطعه، أخرجه من جيبه فوجد اسمی سلمى يضيء الشاشة، استأذن من أخيه وترجل إلى غرفته وأغلق الباب خلفه ثم فتحالمكالمة بابتسامة واسعة مرحبا بها "ازيك يا حبيبتي ؟"
لكنه صدم من نبرة صوتها المتحشرجة بالبكاء "حبيبتك ؟"
خفتت ابتسامته و توترت ملامح وجهه "مالك يا سلمى؟ أنت محيطة ؟"
سمع صوت بكاء عاليا قادما منها فهلع ونطق باندفاع "حبيبتي، مالك؟ فيك حاجة؟ طب أنت فين؟"
"لما أنا حبيبتك وبتخاف عليا، بتخوني ليه ؟ " جاء صوتها ضعيفا فتصنم في مكانه وبدأ تنفسه ينقل صوب نظراته نحو اللامكان ولم يمتلك شيئا ليقوله... من أين قد عرفت؟ ولماذا الآن!
كنت فاكرني مش هعرف ؟ أديني عرفت .. أنا بس مش عارفة أنا عملتلك إيه عشان تخوني؟" أكملت بكائها وشعر بالقصة تعتلي صدره واخفض رأسه وكانه يهرب من عينيها رغم كونها ليست امامه
"لا ومش مع واحدة بس مع أربعة أنا كنت بالنسبالك لعبة ؟ بتلعب بمشاعري ؟"
"حبيبتي والله يحبك، وعمري ما شوفتك لعبة .. سلمى .. أنا أسف والله ما هتتكرر، سامحيني المرة دي ... أرداف بالدفاع وهو يرفع يده ليشد خصلات شعره للخلف أثناء قضمه لجلد شفتيه بتوتر .. لم يسبق له أن شعر بكل هذا الخوف قطا الأمر يدى له وكأنه كابونا لا يستطيع
التصديقه، لا يريد سلمى أن تنفصل عنه ... لا ...
طب ليه خولتني ؟ طب أنا عملت معاك إيه وحش؟ أنا مش قادرة أصدق لحد دلوقتي إنك عملت كده ده أنت قايلي هتيجي تقابل بابا بعد الامتحانات همست وهي تشهق من بين بكانها، بدت مفطورة من البكاء كالطفلة الصغيرة وكان سيهم بالتحدث لكنه سمع صوت الهاتف يسقط وصوت ارتطام شيئا آخر في الأرض
تملك منه الرعب وصرخ "سلمى ؟ سلمى انت كويسة ؟ والله مش هعمل كده ثاني ... حبيبتي .... والله يحبك ."
لكن صوتا أنتويا آخر ينتمي لشقيقتها هو من أجابه "ما تتصلش تاني هنا، ولا تحاول تقابلها، أنت أقذر إنسان شوفته في حياتي ازاي عارف انها مريضة وبتموت وتسمح لنفسك كمان إنك تلعب
بيها ؟"
توسعت عينيه وجف حلقه وشعر بعقله يتشوش وكرر بدون فهم مريضة ؟ مريضة إزاي ؟ يعني
ايه بتموت ؟"
لكنه وجد المكالمة تنغلق في وجهه فهرع ليتصل بالرقم من جديد بأيد مرتعشة، لكنها لم تجبه. فاتر إكمال اتصالاته حتى وصل للمكالمة التاسعة عشر وحينها وجدها تجيب
"أنا مش قولتلك ما نتصلش هنا تاني ؟"
" يعني أيه بتموت وفين سلمى ؟ " صرخ فيها فسخرت " يعني مش عارف إن عندها لوكيميا وإنها. بدأت تتعالج منه من قريب؟"
تصاب جسده وسرت قشعريرة من قلبه مرورا بكامل أوصاله وتمتم بدون تصديق ويتقطع وقد بدأت الدموع تتكون في عينيه يعني ايه؟ يعني إيه سرطان دم ويعني إيه بتموت؟ أنا ... أنا ماكنتش أعرف .... ليه ما قالتليش ؟ .. أنا .. والله ما كنت أعرف ماكنتش أعرف !!"
وجد المكالمة تنغلق في وجهه فسارع بالاتصال مجددا ولم ينتبه للدمعة التي هربت من عينه. وجد الهاتف مغلق فتملك منه حالة يأس وإنكار لكل شيء وهرع للخارج وهو يلتقط محفظته.
في ظرف ساعة كان أمام منزلها، ولقد فقد عقله لدرجة أنه تجرأ على الصعود والضغط على الجرس، لكن الباب لم يفتح، هربت منه آخر ذرة صبر وبدأ يطرق على الباب يعنف فوجد حارس العقار خلف ظهره متكلفا
مش موجودين يا بيه مع الست الصغيرة في المستشفى والبيه في شغله "
استدار له أحمد وهو يبتلع لعابه ويرفع يده ليمسح على عينيه وحاول إخراج نبرة طبيعية لكنه فشل و خرجت مهزوزة "فين ... فين عنوان المستشفى دي ؟".
وصل للمشفى الذي وصفه له حارس العقار، سأل موظفة الاستقبال عن غرفة سلمى حافظ فأخبرته بأنها قد نقلت العناية المركزة منذ النصف ساعة بعد أن فقدت وعيها وتباطنت نبضات
قلبها أثناء أخذ جرعة الكيماوي.
كاد يفقد وعيه وامتلئت عيناه بالدموع ثم تبع الممرضة وهو ينظر للاسفل لا يقوى على رفع رأسه من خزيه الذي يشعر به، أثناء ذلك أخبرته الممرضة بأن حالتها تزداد سوء لأنها اكتشفت المرض متأخرا جدا كم أنها اشتباه بجلطة في القلب، خلطة في القلب كان مصدرها هو ؟ لوهلة شعر بساقيه تعجزان حمله ورغب بالقاء نفسه من شرفة هذا الصنى فيسقط جسده صريفا الله ويتوقف ذلك الألم في قلبه.
وصل للعناية حيث تركته الممرضة ورحلت، اقترب من الزجاج حيث راها ترقد شاحبة الوجه على ذلك السرير تماما كالأموات والأجهزة موصلة بجسدها، عروق جسدها ظاهرة زرقاء من أسفل بشرتها الباهثة, شعر حاجبيها واقعا وهو متأكد من أن شعرها قد وقع كذلك رغم أن حجابها الأبيض يغطيه ... الآن يفهم سر تهربها منه في الفترة السابقة، التزامها المفاجئ، سعالها المتكرر .. التصاقها به أكثر والتلهف لمكالماته ومحادثاته، تكرريها على مسامعه بأنها تحبه وانه يعطيها دافعا للبقاء .... كم كان غيبا عندما لم يشك في كلماتها تلك ! لأنه كان مشغولاً بخيانتها
بدأت دموعه تنهمر وهو يهمس لها "أنا آسف سلمي .."
فوجئ بشقيقتها تشده من سترته بعيدا وهي تصرخ في وجهه أنت إيه اللي جابك يا حيوان؟ دلوقتي زعلان عليها؟ أنا بكرهك أنت السبب ... أنت اللي خليتها تاخذ جرعة الكيماوي وهي منهارة، منك لله، ربنا ينتقم منك ".
كان سيتحدث لكنهما وجدا صوت صفير عال يأتي من الجهاز الموصل بجسد سلمى فتصلب كلاهما بدون استيعاب لينظران إلى الداخل حيث وجدا بعض الأطباء والممرضات يهرولون لي الداخل الغرفة
كانت نبضات قلبها لتباطئ بشكل خطير، فقدت والدتها وعيها وهي ترى الأطباء يضربون جسد ابنتها بالكثير من الشحنات الكهربية لإنعاش قلبها لكن الجهاز ما زال يصدر ذلك الصغير العالي الذي يدل على أن محاولاتهم نبوء بالقتل
توقف الزمن عند أحمد الذي لم يحفل بعينيه المتحجرة بالدموع وهو يرى الجهاز برسم خط مستقيم والأطباء يخفضون رؤوسهم يحزن والممرضات ينظرن لبعضهن يأسف.
كانت دموعه تتساقط من عينيه فقط وكأنه كالنائم يرى كابوشا ولا يستطيع الخروج منه.
اخترقت أذنيه صرخة شقيقتها التي قد بدأت تنتحب باسمها لكن حتى تلك الصرخة العالية لم
تستطع إفاقته.
راقب الممرضة تشد الغطاء على وجهها فاقترب بسرعة من الزجاج وهو يحاول رؤية ملامحها الآخر مرة رغم أن الرؤية كانت مشوشة بالنسبة له والدموع تغلف مقلتيه لتمنعه من رؤية سوى صورا مهتزة، غير واضحة.
"سلمى - " همس وهو يلصق يديه بالزجاج وكأنه يتلمسها وفقد كامل عقله عندما أنتهت الممرضة من تغطية كل جسدها ووجهها بذلك الغطاء، ثم خرجت تنظر لهم وتتمتم بأسف "البقاء "لله
وحينها فقط تخلى عن إنكاره وضربه الألم كما لم يشعر من قبل الخزي والندم والعار قد اجتمعوا عليه ليوقظوا ضميره الذي مات كي ينهض ويعطيه من العذاب ما يستحق، ولم يعترض هو على ذلك الوجع، بل رحب به وسمح له بإيلامه أكبر لأنه أبدا لن يستطيع الغفران لنفسه، وهو أبدا لن ينسى ما قد فعل يسلمى استسلم تماما لشعوره بالحقارة والوضاعة، ولشعوره بجرح
عميق يرتسم بسكين وهمي داخل قلبه، كان يعرف في تلك اللحظة بأن ذلك الجرح لن يشفى قط، كما أن صورة سلمى يشحوبها وهزالة جسدها لن تمحى عن عقله قط، مرت عليه تلك
السنتان الاتي أمضاهما مع سلمى مقابلتهما، ضحكهما ... ابتسامتها الخجولة الصادقة، صفعها ليده عندما يحاول الإمساك بيدها وتذمرها الطفولي عندما يخبرها بشيء يخجلها، ومرت عليه أيضا صور لخياناته المتكررة لها مع فتيات ربما لن يتذكر أسمائهم حتى ...
كانت دموعه قد أغرقت وجهه دون أن يشعر ودون أن يجفل بعينيه لمرة واحدة، حتى استقرت صورتها بذلك الحجاب والملابس الواسعة في آخر مرة قد رأها كم كانت بريئة وصافية، شفتيها اللاتي منحاه ابتسامة بريئة هو لا يستحقها، فأغمض عيناه وخارت قواه ثم سقط أرضا يكوب وجهه بين يداه وانفجر باكيا كطفل صغير قد عاد إلى منزله ليصالح أمه التي أغضبها فوجدها
كان قد حل الليل عندما حاول هشام النوم، لكن صوت بكاء عاليا أرق منامه وجعله يعتدل في سريره ويجعد جبينه يضيق، ثم التقط نظارته ونهض متتبعا الصوت الذي وجده قادها من غرفة
شقيقته
دخل عليها ليجدها منهارة في البكاء وصوت شهيقها يصل للحي الآخر، هرع نحوها ليجلس بجانبها وسأل بثقة "فيس صح ؟"
أومأت وهي تهمس من بين تحييها "الحيوان قليل الأدب"
اشتعل الجنون في رأس هشام وبدأ جسده يغلي ونهض يصرخ عليها "عملك ايه السافل ؟ أنا كنت عارف من الأول إنه قدر ونسوانج.." قاطعته ليلى بشهقيها
تخيل السافل بيسألني عن شكل ولون .... قاطعها هشام وهو ينطق من تحت أسنانه "شكل ولونا بس خلاص ما تقوليش ... عرفت"
ده أنا هخلي ليلة أهله سودة ... حلو أنا كنت عارف انه مش هيعرف يمثل إنه محترم كتير " قال وهو يرفع أكمام سترته وكأنه على استعداد للقتال لكنه وجدها تكمل
"شكل ولون شعري ."
توقفت الكلمات في حلق هشام وعلت ملامح الصدمة على وجهه ونظر لأخته بريبة وكرر "لون شعرك ؟!"
اومات له وهي تمسح عينيها بظهر يدها فسأل ليتأكد "لون شعرك متأكدة ؟ "
"أه تخيل !"
"متخيل أه ... ."
"ولما رفضت أقوله أتقمص واتخانق معايا وقالي إلى خليفة وهو أصلا اللي سافل وحيوان وأنا مش عايزة أتكلم "
قطب هشام جبينه ولم يتكلم ليفاجئ باخته تنهض له هشام أنت لازم تتصل بيه دلوقتي
وتهزقه وتقوله إن بنات الناس مش لعبة وأن أنا من عيلة محترمة مالهاش في المسخرة دي، وإنه زودها معايا وأنا مش هسكتله بعد كده، وأنه لو ما لمش نفسه معايا هفضحه."
ريت على كتفيها وأوما طبقا، أنا هروح اتصل بيه دلوقتي واهزقه المتخلف به، ما تقلقيش انت بس وبطلى عياط
ثم تحرك نحو غرفته وأخرج هاتفه طالبا رقم قيس وفور إجابته زمجر
ولا انت مزعل أختي ليه؟ وشكل ولون شعر إيه اللي ينسألها عليهم ؟ انت مال أهلك أنت ومال
لون شعرها ؟"
"أختك خنيفة !" تذمر قيس
"احنا عيلة معقدة يا عم مش عاجبك تعالى خد شبكتك وفركس الجوازة وأهو نفض الشبكة
السودة دي "
لا مش هنولك مرادند برضه والجوازة دي هتكمل "
قلب هشام عينيه وهمس من تحت أسنانه "أنا كان، بعد إذنك روح صالحها أنا مش عارف أنام
من صوت عياطها، ما لقرفونيش !"
"ماشي - " كان سيغلق الهاتف لكن هشام حذره "وأخرك معايا لون الشعر لو عرفت إنك سألتها على لون أي حاجة ثانية مقطعت قسما بالله"
كان سيغلق المكالمة لكن هشام تكلم من جديد وقسما عظما، لو حاولت تعدي حدودك مع أختي الهرتكب فيك جناية، أنا بحذرك أهو ... أنا معديلك حاجات بمزاجي بس لو اشتكتلي منك تاني اعتبر الجوازة دي ملغية، وخاف على سونيا، عشان مطلعلك ميتين أبوها "
ابتلع قيس لعابه عندما أغلق هشام المكالمة في وجهه ونظر للهاتف بتوتر، ما الذي قالته ليلى الهشام بالضبط ؟ لقد بدأ يقلق من أن تخبره الفناة بشأن ما اشتراه لها أو بشأن محاولته في لمس
سارع بالاتصال بليلي، أجابته بنبرة باكية، ارتفعت ضربات قلبه وجف حلقه، تم تمتم "ايه يا ليلى، هو أنت أي حاجة هتحصل بينا هتقولي لهشام؟"
" اسمع، أنت قاعد تضايقني وأنا زهقت ماشي؟ أنا مش بتاعة الكلام ده وعمر ما حد اتعامل معايا كده وبالنسبة للهدية بتاعتك قوالته ماما منعتني بالعافية عن إني أرميها في وضك "
يا ليلي دي ماما هي اللي جايباه، قالتلي إنها كانت بتشتري حاجات البلقيس وشافته وعجبها. وأنا أصلا ما شوفتوش وبعدين هو أنا كنت قولتلك البسيه ولا جيبتلك سيرته ؟ أنا مش قصدي
أضايقك والله !".
صمتت فأكمل " وفيها ايه يعني لما أجيبلك حاجات تشيليها في جهازك؟ أصلا المفروض العريس هو اللي يجيب كل حاجة، أنا يحاول أساعد عمو ...
"لا شكرا، أنا هدومي خلصانة."
فوجئت به يحمحم "طب جيبب عبايات سودة من اللي هي ضيقة وستان دي ؟"
توسعت عينيها وسقط فكها تم رفعت يدها تسحب شعرها للخلف وهي تزمجر "أنت واضح ان ما فيش فايدة فيك القفل عشان والله كلمة كمان وهروح أقول لهشام، وبالمناسبة أنا مش مخرج
معاك ثاني، عايز تشوفتي يبقى في بيتي، سلام"
أغلقت المكالمة ورمت الهاتف على سريرها ثم ضمت ركبتيها لصدرها ونظرت أمامها بنيه، تتركه وتكون المرة الثانية التي تفسخ فيها خطبتها ؟ أم تصر على موقفها وتضعه عند حده ؟ .. لكنها بدأت تكن له المشاعر رغما عنها، حسنا هو سافل حقا لكنه طيب القلب ويعاملها بطريقة جيدة ....
لكن ماذا تفعل في اسلوبه الغير مهذب هذا؟
نظرت لهاتفها عندما ظهرت رسالته على الشاشة طب أجيبلك بيبي ليس ؟)
ارتسمت ابتسامة رغما عنها على شفتيها وخبنت وجهها بين ذراعيها، لوهلة بدى لها مجرد غبي
يريد شراء هدايا لخطيبته لكن بسبب كونه غبي فإنه يختار أشياء مريبة.
اطب اعمليلي لسنة بنوع الهدايا اللي مش هتضايقك رسالة أخرى جالت منه جعلتها تلتقط هاتفها بهدوء وتفتح المحادثة بينهما
اقيس، أنا مش محتاجة هدايا.
قطب الآخر جبينه بدون فهم وهو ينظر لتلك الحروف كان عقله مشوشا بشدة: فمعظم الفتيات اللاتي ارتبط بهن كن يطلبن منه أشياء وهدايا كثيرة بدون أي إحراج، حتى ظن أنه السبيل القلب أية فتاة .. أن يعرفها بهداياه الغالية تلك!
طب محتاجة ايه ؟]
محتاجة إنك تفهمني، وتعرف إنك بتتعامل معايا بطريقة غلط .
صمت وهو ينظر لتلك الرسالة جبينه مقطوب بشدة - حسناء أن ينكر أن ما تطلبه ليلى أصعب من الهدايا الغالية التي يشتريها، خصوصا وهو حقا لم يكن في علاقة شبيهة بتلك من قبل. الفتيات اللاتي كان يرتبط بهن، كن جميعهن من نوع واحد، وهو النوع المضاد لليلى تماما، في العقل والمظهر والاسلوب والتربية .. هل يتعامل معها بطريقة خاطئة حقا مثلما تظن؟ وماذا لو نفرت منه ؟
انقبض صدره على ذكر تلك السيرة، ونفى براسه رافضا فكرة أنها ستكرهه، فهو لا يريد هذا. يريدها أن تحيه لانه بالفعل يحبها ولم يتصور أن يقرر الزواج يوفا، لكنه فعل عندما تخيل
حياتهما الدافئة البسيطة سويا بعيدا عن بنات الوسط الاجتماعي الذي ينتمي اليه.
لم يستطع إخراج تلك الأفكار عن عقله وكعادته عندما يريد أن يهرب من أفكاره فإنه نهض متوجها للحديقة حيث قبع كيس ملاكمته متعلقا في شجرة كبيرة وبجانبها صندوق يحوي قفازاته و أشياءه التي يحتاجها، خلع عنه سترته وألقاها أرضا ثم وقف يلف الرباط على كفيه وارتدى قفازيه ثم أنهال على كيس الملاكمة باللكمات.
كانت داليا تقف في شرفتها تدخن سيجارة بهدوء عندما خرج لها أدهم من باب شرفته وهو يحمل حاسوبه ويقول باندفاع متحمنا "داليا، لسه محمل حنة فيلم هيعجبك جدا، تعالى تتفرج عليه سول"
لكنه فوجئ بداليا تشيح بوجهها عنه وتجيب بطريقة باردة "مش عايزة."
توقف في مكانه وعقد حاجبيه وطالعها بدون فهم "مالك؟"
استدارت له وسخرت "اسأل جدتك ولو سمحت ما تكلمنيش تاني، اعتبرني هوا واقف في البلكونة "
توترت ملامحه ووضع حاسوبه على الطاولة ثم استقام واقترب منها "جدتي عملت ايه ؟"
عملت اللي عملته بس عموما أنا مش عايزة الصحوبية دي تاني، ما دام أنت عيل صغير وجدتك خايفة إني أضحك عليك ... أنا ما يكلمش عيال " قالت وهي تلقي له بنظرة مخذولة وغاضية تخفي بها حزنها وبأسها الواضحان
تم رمت بسيجارتها وتحركت لداخل غرفتها وتركته واقفا ينظر إلى مكانها الفارغ، شعر بالضيق يعتلي صدره وغصة توقفت في حلقه تمنعه عن بلغ لعابه حتى أخفض رأسه نحو حاسوبه، ثم رجع بعينيه لشرفتها، لماذا فعلت جدته هذا؟
جلس على كرسيه ورفع ركبتيه ليحتضنهما بذراعيه وأسند رأسه عليهما، ثم نظر لمكانها من جدید کلمات داليا ما زالت ترن في عقله، هي لا تريد مصادقة طفلا صغيرا ... تظنه طفلا صغيرا وليس برجل ...
ايتم بسخرية وهو يحرك عينيه نحو السماء، جميعهم يظنوله نفس الطفل، هو يعرف بهذا ... لكن لا يعرف لماذا؟ فقط لكونه هادئ ومسالم ولا يريد أذية أحد يعتبرونه طفلا؟ هل الرجولة هي أن يتحرك هنا وهناك وهو يلقي بالشتائم ويتعامل بإسلوب غير مهذب ؟
نهض عن كرسيه وتوجه للداخل بالدفاع، تحرك نحو الصالة حيث وجد جدته تجلس أمام التلفاز وتتابع إحدى مسلسلاتها المفضلة وكأنها لم تفعل أي شيء على الإطلاق، شد سلك التلفاز ليطفئه ثم وقف أمامها فرفعت عينيها له "بتقفله ليه ؟"
" وانت قولت ايه لداليا ؟ أنت من كلمتيني وأنا قولتلك إلى يعتبرها في أختي؟ إيه لازمتها السمعيها كلام مالوش لازمة ؟"
"يا ابني أنت ما تعرفش اللي زي دانيا دول بيبقوا عايزين يشبطوا في أي رجل وخلاص، وأنت غلبان با قلب أمك وممكن تضحك عليك "
اشتعلت الدماء في رأسه وبدأت عروق جسده تنفر في رقبته وصاح "إيه تضحك عليا دي؟ أنت. شایقانی قبل صغير مش عارف هو بيعمل ايه ؟ وبعدين لو سمحت ما تغلطيش فيها .. داليا ما كانتش عايزة تكلمتي أصلا وأنا اللي حاولت أكلمها ليه قولتلها كده؟ أنت أساسا ما تعرفيش أي حاجة عنها عشان تفترضي إنها بتدور على رجل داليا لو عايزة أي رجل فأحمد كان بيتنطط قدامها زي الأراجوز عشان توافق عليه أنت فاكراه كان بييجي هذا كل شوية ليه؟"
صدمت جدته كثيرا من طريقته تلك ونهضت له بأعين غاضبة وهي تتكئ على عكازها "أنت بترفع صوتك عليا يا ولد وبتقول إنك مش عيل ؟ طب إيه رأيك بقى إنك عمل وما تعرفش أي حاجة في أي حاجة، وهتتجوز شيري غصبا عنك، وداليا دي لو شوفتها ثاني مهزقها، ووريني
بقى هتعمل ايه ؟"
ألقى إليها بنظرة قاتلة تم هرول نحو غرفته بالدفاع وهو يصيح "طب تمام، أنا معرفك أنا عيل ولا مش عيل "
ثم فتح خزانته والتقط حقيبته وبدأ يلملم بعض ثيابه وكتبه ووضعهم بعشوائية بداخلها. ترجلت حدثه خلفه لترى ماذا يفعل وفوجئت به يغلق حقيبته ويضعها على كيفه ويلتقط حاسوبه وهاتفه
"أنت بتعمل إيه ؟ " تساءلت بخوف فسخر وهو يمر من جانبها "سايبهالك، أنا معايا ورث بابا وماما أصلا ومش محتاجكم في حاجة."
حاولت التمسك بحقيبته وتهديده لو خرجت من باب الشقة والله لهكون متصلة يجدك ما تفتكرش عشان هو مسافر مش هيجيبك "
شد الحقيبة ورمقها بنظرة كارهة لأول مرة ثم زمجر قوليله، خليه يحبستي، حلو كده ؟
ثم هرول نحو الباب وفتحه وخرج دون أن يعطيها أية فرصة للتحدث أو الرد.
رواية اربعة في واحد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل التاسع والعشرون
وقف أحمد بعيدا، بجانب تلك المقبرة التي تبعد عن مقبرة عائلة حافظ بمقبرتين، يتابع بعينيه النعش الذي يحمل جسدها الصغير بداخله، كانت الدموع تهطل من عينيه بلا توقف، يسمع همهمات الرجال مرددين "إنا لله وإنا إله راجعون" ولا يصدق أن هذه الكلمات التي تخترق اذنه ثقال الحبيبته الراحلة !
خبط جبهته بالحائط الذي يستند عليه الدمع في عينيه لا يكفيه، شعر بقلبه يبكي كذلك ولم يستطع فعل شيء سوى القرفصة أرضا وتخبنة وجهه بيديه، ود لو يغمض عينيه الآن ويفتحهها ويكون قد رحل عن الحياة لاحقا بها فقط ليخيرها بأنه أسف ... على كل شيء فعله.
بعد مدة انقض الجمع وأغلقوا المقبرة، وقف أبيها وأعمامها يدعون لها، ثم استند أبيها إلى أحد
إخوته وتحركوا نحو السيارات.
نهض أحمد يمسح عينيه يظهر يديه بعد أن عم الصمت، وتحرك بساقين مرتعشتين إلى تلك المقبرة التي تضم جسدها، اعترض طريقه حارس المقابر، نظر لوجه أحمد البائس الذي بدأ يتمتم بعبارات مترجية متقطعة جعلت قلبه يرق قليلا لكنه لم يسمح له بالعبور قبل أن يعطيه
ورقة نقدية من فئة الخمسون جنيها.
ترجل ببطء نحو مدفتها كانت دموعه تزداد كلما اقترب، وعندما وصل كانت رؤيته معدومة ولا يرى سوى الماء يغلف عينيه نظر للأسفل لزاوية أخرى وكأنه خجلا من النظر إلى مكانها، خارت قواه وجلس أمام ذلك التراب يكمل بكاءه الذي همس بـ "اسف" كثيرا أثناءه.
لا يعرف ما الذي يفعله هنا، يطلب السماح ؟ لا. فهو لا يستطيع حتى مسامحة نفسه، لكنه لم يكن بود الرحيل وتركها بمفردها، كانت صورتها تتمثل أمامه باستمرار لا تدعه يغمض عينيه، لا يستطيع إخراجها من عقله، لم يستطع النوم منذ البارحة، ولا يظن أنه سيغمض عينيه من جديد دون أن تظهر سلمى في عقله اتعذبه وتذكره بفعلته الحقيرة.
بالأمس دخل في مرحلة الإنكار حيث رفض تصديق أنها قد رحلت وبدأ كالمجنون يتصل برقمها متمنيا أن تجيب ليخبرها بكم أنه أسف، ونادم ويترجاها بأنه أبدا لن يفعل تلك الفعلة مجددا، لن يرفع عينيه في فتاة أخرى حتى .. سيبقى مخلصا مهما حدث، لكن هاتفها كان مغلقا طوال الليل. ولم يمتلك سوى ذلك المقطع المصور الذي صوره لها على عقلة منها. عندما كانت تأكل الأيس كريم وقد تلطخت شفتيها وأنفها فمد يده بمنديل يمسحه لها، وعندما اكتشفت أنه يصورها
كانت قد ضحكت وصفعت يده .... أعاده مرارا وتكرارا وهو ينظر لوجهها وينتحب..
جاء: حارس المقابر يحثه على النهوض فنهض مرغها، ولقد أشفق عليه الحارس الدرجة أنه من يدة ليساعده على الخروج، فرحل مخفضا الرأس هائما على وجهه لا يعرف أين يذهب.
كان أدهم قد بات ليلته في نزل قريب وعندما حل الصباح وفتح عينيه، اعتدل في جلسته وأمسك بهاتفه يفتحه بعد أن أغلقه طوال الليل كي لا يستقبل مكالمات جده، أخرج رقم احمد كأول شخص، لكنه تذكر شجاره معه وأنهما لا يتكلمان منذ أن لكمه ولم يرد الآخر له اللكمة، فربما لو فعل لكانا متعادلان الآن.
لم يملك سوى الاتصال بقيس، حكى له ما حدث ولم ينتظر الآخر أن ينهي أدهم كلامه حتى قاطعه "أنا قاعد في شقة الزمالك من إمبارح عشان متخانق مع ماما أنا كمان، مستنيك، تعالى".
بعد فترة كان أدهم يترجل لداخل شقة قيس والآخر يرحب به بابتسامة واسعة "أنت وقعتلي من السما أنا زهقان أساشا، ومش عايز أقعد لوحدي."
رسم أدهم ابتسامة مزيفة على وجهه وهو يلقي بحقيبته على سرير قيس ورفع رأسه له فور دخوله الغرفة، ثم سأل يتردد " قيس ... هو أنا عيل ؟ "
شبك الآخر ذراعيه أمام صدره وهو يستند بظهره على زاوية الباب "مين قالك كده ؟"
"كثيرا" سخر وهو يبتلع لعابه بضيق وأخفض رأسه للأسفل
"لا يا اسطا مش عيل، بس فيه ناس ما بينفعش معاهم غير قلة الأدب، نص الشعب ماشي
بالبلطجة وعايز اللي يبلطح عليم "
"يعني لازم أكون بلطجي وقليل الأدب ؟"
ضحك فيس وتقدم ليجلس بجانبه مش لازم قليل الأدب، بس تبقى ناشف وبلطجي شويتين وبص ... خلاص انت قاعد معايا، يعني خاف على نفسك، مش بعيد بعد أسبوعين تنزل تثبت الناس في الشارع "
ضحك رغما عنه وأوما فأكمل الآخر وهو يرجع بظهره إلى السرير "تعالى تعمل اتفاق ... أنت تعلمني الأدب وأنا أعلمك قلة الأدب ؟"
نظر له آدهم بدون فهم فشرح له قيس ليلى ... البت قريت تطفش مني ... أنا مش ببقى قاصد إني أضايقها وأقل أدبي معاها الموضوع بيطلع غصب علي !"
صمت أدهم قليلا وكأنه يقلب الموضوع في رأسه محاولا إيجاد حل ثم رجع بعينيه لقيس "أنت عملتلها ايه بالظبط ؟ "
رفع كتفيه وسارع بالتحدث مندفعا وكأنه يدافع عن نفسه والله ما لحقت أعملها حاجة !"
ضيق أدهم عينيه وكأنه لا يصدق ثم نهض يخلع سترته وهو يسخر "خد بالك بس من هشام عشان هشام غبي ما بيشوفش قدامه، وقوم وريني الحمام عايز أخد دش".
و يذكر هشام ... فلقد كان الفتى يجلس وحيدا في تلك المحاضرة ينظر يمينا ويسارا بتشتت بحنا عن أي فرد من الثلاثة الذين قرروا الغياب جميعا فجأة دون اخباره
هشام، أنا كنت بقول إيه؟" صاح الدكتور في مكبر الصوت فنهض الآخر بتوتر ولأول مرة هو ليس لديه أدنى فكرة عما كان يقوله الدكتور، ابتلع لعابه وأخفض رأسه بخزي متمتها "اسف يا دكتور ما كنتش واخد بالي."
طب اقعد وخد بالك " أشار له الدكتور بالجلوس لكنه لم ينتبه وأكمل بحثه بعينيه عنهم، ما
المشكلة ؟ هل هناك شيئا قد حدث وهو لا يعرفه ؟
اخرج هاتفه وبعث برسالة الأحمد، لكن لم يأتيه وذا، فكان الخيار التالي أمامه أدهم الذي وجد هاتفه مغلقا بالفعلا وعندما كان على وشك الاتصال بقيس وجد الدكتور يصبح "اطلع برا با هشام " فرفع رأسه بأعين متوسعة وحمحم منظفا حلقه وهو يعدل من نظارته تم نهض ياملم
حاجياته وخرج.
في مكان آخر كانت داليا قد استيقظت اليوم على مكالمة من صديقتها، تخيرها فيها بأن طليقها قد إف بالأمس لم تهتم بأنه قد تزوج بقدر اهتمامها بأنه يعيش حياته بصورة طبيعية بعد أن دمرها، لقد قتلها داخليا في حين أنه يحيى بسعادة لكنها لوهلة شعرت بأنها تجعله ينتصر عليها
باستسلامها في كل شيء، حتى بالتخلي عن مستقبلها الدراسي
لأول مرة منذ الأربعة أشهر تقفز عن السرير بذلك التصميم لتلملم كتبها ومذكراتها وأقلامها، هي يجب أن تجعله يعرف بأنه لم ينجح بكسرها، لن تظهر بذلك الضعف أمامه فهو لا يستحق أن يراها هكذا، ولا يجب أن يراها من جديد إلا بثوب التخرج وابتسامة واسعة تعلو وجهها، فأقوى
هزيمة العدوك هي أن يراك مبتسما.
المذاكرة قبل إسبوعين فقط من الامتحانات؟ هذا بالنسبة لها وقتا كافيا لتخرجها بتقدير حتى فهناك شيئان لامعان في شخصية داليا اللامبالاة القاتلة والإنجاز بسرعة وبأقل جهد.
خرج أدهم من المرحاض وجلس بجانب قيس على السرير، كلاهما يعرفان بأن الامتحانات قريبة جدا وبأنه يجب عليهما المذاكرة، لكن كلاهما يكره المذاكرة كفاية لكي لا يفتحا الموضوع حتى وعلى العكس وجد أدهم يتحدث
"أنت مش قولت هتصيعني ؟ "
حك قيس ذقته النامية وأوما فأردف الآخر "طب ما تيلاا"
"عايز تعمل إيه صايع ؟ كان نفسي أوجب معاك بحاجة تظبط دماغك بس ماليش لا في كحول ولا سجاير ولا أي حاجة من دي وما أحبش إنك تشريهم الحاجات دي بتضر الجسم ويتطير
العقل "
"تواني، يعني دماغك دي طبيعي أصلا ومن ضاربة من البانجو ؟!"
زم قيس ضفتيه وقلب عينيه وهو يحاول عدم الضحك أثناء إساحته بوجهه بعيدا ...
ده أحنا كلنا مفكرينك بتضرب بانجو أو بنشم كولة الدرجة الواد أحمد قبل كده قالنا: معلش ما هو البانجو بيعمل كده.
"يا ابني انت عمرك شوفتنی دخنت لو حد مرجح إنه يشرب حاجة فالواد أحمد أول واحد ممكن يعملها مش أنا أنا صابع في حنة ثانية بعيدا عن المخدرات والخمرة."
طب ما تجيب بنات " قال أدهم فرمقه قيس بضحكة يحاول كتمها بصعوبة "بنات؟ لا أنا ما بعرفش بنات، أنا يعرف نسوان"
طب هات نسوان مش مهم."
"ما للأسف النسوان اللي أنا بعرفهم مش هيعجبوك مش نوعك دول نسوان بلدي، خليك في النسوان اللي معاك"
"قصدك سارة ؟"
هي أينعم مش نسوان أوي بس عادي أهو أي حاجة وخلاص "
"لا سارة محترمة - " قال ثم طأطأ رأسه وأكمل بيوس وأنا كمان محترم مش بتاع نسوان ولا
بنات، أنا بوه أساسل"
"والله أنا عارف إنك بوء بس سايبك تعيش شوية، يعني هو أنا كنت هجيب نسوان فعلا ولا ده منظر نسوانجي ده انت شبه الخيال اللي بيروحوا يتطوعوا في الجمعيات الخيرية"
ضحك وهو يهز رأسه بأجل لكنه سخر "أنا مش عايز أزفر لك شقة الزوجية بس "
"لا هي متزفرة جاهزة، لدرجة أني بفكر أبيعها واشتري شقة في مكان ثاني متر عايز أجيب ليلي هذا خالص.
"أوعى تكون لسه يتلعب بديلك ؟"
زم قیس شفتيه بابتسامة خافتة ونفى برأسه ثم أجاب بهدوء وبصدق "لا، خالص والله، من ساعة ما قابلتها وأنا نويت إلى أطلع برا كل القرف ده وأفتح معاها صفحة جديدة .. وندمان على كل اللي عملته واللي موصلني دلوقتي إن عقلي يكون زبانة معاها، لو ماكنتش عملت أي حاجة ما كنتش هبقى بضايقها دلوقتي .. بس أنا مش ببقى قاصد فاهمني؟"
أو ما أدهم بتفهم "بس لم نفسك "
"ما أنا بحاول، بس هي حنيفة أوي برضه كل حاجة حرام حرام حرام .... ده أنا بقولها لون شعرك إيه؟ الاقيها باعتالي هشام يهددني " تذمر وقبل أن يضيف كلمة أخرى سمعوا صوت طرقا على
الباب فنهض قيس ليفتح وأصطدم بهشام يدخل بضيق
"أنتوا مختفيين فين وماحدش فيكم بيرد ليه ؟ أبوك قالي إنك هنا، ماشوفتش أدهم وأحمد ؟"
ترجل للداخل قبل أن يسمع رد قيس فوجد أدهم هناك، قطب جبينه ونظر حوله باحثا عن أحمد لكنه لم يجده وسرعان ما أدرك أن ثلاثتهم هنا وأحمد هو المختفي، وهذا أقلق أكثر شيء أدهم الذي حك عنقه وأخفض رأسه بتوتر، هل أحمد ما زال غاضبا منه ؟
دخلت والدة مراد ليلا إلى غرفته بدون الطرق عليها لتجد الآخر يتمدد على سريره ويعبث بحاسوبه الذي يعمل عليه ليلا ونهارًا حتى وهو في أجازته، ثم سألته بقلق "مراد، هو أخوك ما
الصلش بيك؟"
رفع زرقاوتيه لها ونفى برأسه " هو كل ده لسه ماجاش؟"
نفت برأسها وهي تبتلع لعابها بتوتر، فالساعة أصبحت تشير إلى الثانية عشرة ليلاً وهو لم يظهر منذ البارحة وهاتفه مغلق
قطب مراد جبينه ونهض بضيق عن السرير يلتقط هاتفه ويحاول الاتصال به من جديد لكن هاتفه ما زال مغلقا، أعاد هاتفه إلى جيبه ونظر لأمه "ما فالش هو رايح فين حتى ؟"
نفت برأسها من جديد فسأل عما إن كان أحمد قد فعل تلك الفعلة من قبل ؟ بأن يختفي ليومان كاملان فتفت والدته الأس وهذا جعله يقلق أكثر ورفع يده يحك شعره وهو يفكر ماذا يفعل مع ذلك الفتى حقا ؟ فهو أخيه الكبير نعم لكن تصرفاته بالكامل خارجة عن السيطرة وبانت لا تعجبه والدته طيبة وفشلت في السيطرة على أفعاله الهوجاء، أما والده فهو بالفعل لا يهتم بالتصدي له .. لكنه لن يمرزها له مرور الكرام هذه المرة، فإن كان لا يوجد من يضعه عند حده فهو هنا الآن كأخيه الأكبر.
طب روحي نامي يا ماما وأنا متصرف كده، هدور على أصحابه أكيد هما عارفين هو فين" قال وريت على كتفيها فأخفضت رأسها بباس و اومات ثم تحركت للخارج لكنها جلست في الصالة. على الكرسي أمام الباب وأسندت رأسها على خدها وعلقت عينيها على الباب وهي تدعو بداخلها
أن يأتي، لكن الساعة تعدت الثالثة فجزا وهي قد غفت في جلستها وأحمد لم يظهر بعد.
كان مراد في الشرفة ما زال يعلق عينيه على الشارع، يصك على فكيه بغضب وهو يتوعد أحمد بداخله، فحتى أصحابه لا يعرفون أين هو ؟
وجد عادة تخرج إلى الشرفة، لكنه قلب عينيه ونظر للجهة الأخرى بسام، بينما هي تفاجئت به يرتدي سترته لأول مرة، لكنها لاحظت الضيق على وجهه فأعطته نظرة مستحقرة وعادت إلى الداخل بسرعة كي لا يظن أنها تقف هنا لأجل جمال عيونه.
أخرج مراد هاتفه وفتح الواتساب ليبعث برسالة لرقم أخيه احتوت على الكثير من كلمات التهديد الممتزجة بالخوف فهو قد بدأ يظن أن هناك شيئا سيئا قد حدث لأخيه والأسوأ هو أنه لا يعرف كيف يتصرف ؟
في اليوم التالي وصل ثلاثتهم إلى الجامعة ولم يجدوه، وهنا بدأ الخوف يتسلل إليهم حقا. خاصة بعد مكالمة مراد لهشام وقيس بالأمس اتصلوا بمراد ليعرفوا إن كان قد وجده لكنه نفى الأمر ...
استند قيس على سيارته يجبين مقطوب بينما وقف هشام يعدل من نظارته ويبحث بعينيه يمينا ويسارا وأدهم يحاول الاتصال بهاتفه المغلق.
"أول مرة يعملها " قال قيس فأوماً هشام بضيق بينما رفع أدهم عينيه وسأل بتردد "لا يكون جراله حاجة" فزجره هشام وهو يضيف "لا إن شاء الله لا "
طب بصوا، إحنا نسأل الناس اللي هو يعرفهم هنا، أحمد مصاحب الدفعة كلها أصلا .. أكيد حد منهم يعرف هو فين" ضرب قيس على كتفيهما تم تفرقوا جميعا ليسألوا أكبر قدر ممكن من زملائهم، لكن الأمر باء بالفشل وأصابتهم خيبة الأمل، وحينها لمعت أعين أدهم وقال بسرعة
ممكن تكلم سلمى؟ بس مش معانا رقمها .. ممكن تكون عارفة"
طالعه قيس بدون فهم "سلمى مين؟"
سلمى اللي هو مرتبط بيها، كان دايما بيحكيلي عنها هي تحديدا دونا عن باقي البنات اللي يعرفهم، قالي قبل كده إنه عايز يتجوزها " أجاب أدهم تم ضرب جبينه بيديه بس مش معانا
رقمها."
أخرج هشام هاتفه وابتسم بمكر أكيد هتلاقي الأكاونت بتاعها عنده".
لكن بعد البحث في حساب أحمد قد وجدوا سبعة عشرة فتاة تدعى سلمى وهنا وقف هشام وهو یزم شفتیه بغيظ "طبقا كان لازم أتوقع، البيه بروح أمه عنده لسنة كاملة باسم سلمى وأحدا ما نعرفش اسمها سلمى ايه !"
نفي أي واحدة عشوائية طيب، تعالوا نعمل حادي بادي " قال أنهم لكن قيس رفض "لا يا ابني، افرض ماشي مع كذا واحدة اسمهم سلمى كده هتبقى ليسناه في مشكلة "
أوما إثنيهما وصمتوا جميعا حتى اقتربت منهما دينا، زميلتهما في الدفعة، وتحديدا تلك التي تشاجرا يسببها وكانت السبب في كل ما يحدث.
تجهم وجه قيس وحدجها بنظرة مغتاظة، فهو لن ينسى أبدا خيانتها له تلك الخائنة التي استعملته كي تخرج معه ويدفع لها الحساب وكانت تطلب منه ما تشاء من هدايا، ثم يتفاجئ بها
قد ارتبطت بشخص آخر غيره
"إزيكم يا شباب، هو انتوا لقيتوا أحمد؟" تساءلت بنبرة قلقة لم يفهمها ثلاثتهم غير أن قيس أجاب بفظاظة " وأنت مالك ؟"
عادي يعني يسأل " أضافت فنفى أدهم وتبعه هشام "مش لاقييته، أنت ما تعرفيش حاجة عنه یا دينا ؟ ما كلمكيش ؟"
ابتلعت لعابها ونفت برأسها وفوجئت بقيس يتكلم بطريقة هجومية وأعين ضيقة متشككة "ما قولتيليش أنت مالك وماله ؟ هو حاول يكلمك ولا ايه ؟"
"لا؟ ولما هو لا، مالك ومال أحمد ؟ " زمجر وأمسك بذراعها فجأة فحاولت الابتعاد عنه وهي تزمجر "سيبتي يا قيس !"
"لما أعرف الأول مهتمة ليه ؟ وده مش عشان جمال عيونك قولي الحقيقة، هو حاول يكلمك ؟"
يا فيس ما حاولش يكلمني يا قيس، أنا اللي كنت عايزة وهو رفض واتخانقنا سوا وشتمته عشان أرد كرامتي ومن ساعتها حاسة بالذنب وكنت بدور عليه عشان اعتذر له، سيب إيدي !!"
صاحت الفتاة في وجهه فدرك يدها
" وبطل حركاتك دي أنا قولتلك بحبك زي أخويا " أضافت فضحك عاليا وسخر "أخوك؟ أنا متن هفكرك انت عملت ايه لأن ده ما يتعملش مع أخوات واجري غوري بالا، أنا خطبت وهتجوز لعلمك، ست سنك ومش كلية فلوس وخاينة زيك، ثم إن أنا محيتك من دماغي أصلا وكنت
يسأل عشان ما أحبش صاحبي يعمل كده، أما أنت أونعي بجاز عادي "
أعطته نظرة مغناطة حاقدة وسخرت "ده الله يكون في عولها، أكيد أمها داعية عليها."
ليه وأنت فاكراني بعاملها زيكم ولا إيه؟ أنتوا حبة أوباش كنت بمشي معاهم ولا يمكن كنت أفكر أتجوز واحدة مشيت معاها، أما هي فمحترمة، والمحترم بتحترمه، " قصف جبهتها ولم لا تستطع ايجاد شيئا لنرد به فتحركت بعيدا.
حل الصمت عليهم من حديد حتى تحدث أدهم بفضول معتاد " هي البت دي نفضتلك ليه؟"
"كانت عايزاني أقعد أقولها كلام رومانسي ملزق بروح أمها، وأنا لا كنت بحبها ولا زفت عشان اقولها كلام رومانسي واحب فيها، أنا كنت بحاول أشقطها مش أحبها !" أجاب ساخرا بملامحمشمئزة وحينها وجد هشام يهدده
والا، لو جربت تحب في أختي هضربك."
" يا عم اقعد يا عم، أختك دي لو قولتلها حاجة هتعيط دي ربنا باعتهالي عشان تطلع عليا القديم والجديد"
قبل أن بهم هشام بالإجابة انتبهوا جميعا للأربعة عساكر القادمين نحوهم، ينظرون لأدهم، وهو يعرف جيدا من هم ولماذا هم هنا
"أستاذ أدهم، تعالى معانا. " قال أحدهم فوقف أدهم بجدية يسأل "جدي عايزني صح ؟"
أوما فابتسم أدهم ابتسامة جانبية، ولم يثبت أن باغتهم وهرول فجأة بكامل سرعته من أمامهم فلحقوا به وهو يصيح أثناء جريه "قولونه مش راجع، وربنا ما هرجع وقسما بالله ما هتجوز شيري "
كان الهروب منهم صعبا يحق لكنه فعلها وخرج من الجامعة بأكلمها ثم قفز في أول حافلة أمامه. ووقف أربعتهم ينهجون وهم ينظرون إلى ظهر الحافلة بخوف..
بينما في مكان آخر، في شقة قديمة ممتلئة بالتراب، كان أحمد يجلس في غرفة منفردة كانت تنتمي له في طفولته، نفس السرير الصغير والخزانة التي نقش عليها اسمه واسم أخيه بخط طفولي داخل قلب مضحك الشكل.
كان متكوزا حول نفسه على ذلك السرير ويستم بظهره إلى الحائط وينظر بعينيه - الحمراء بالفعل إلى اللا مكان بدى كالغير واعي بما يدور حوله، وجهه لا يحمل أي تعبير، ولا حتى الحزن .. رفع يده ليضع السيجارة في فمه وأخذ منها نفشا بطيئا وأخرجه بهدوء، لم يتم منذ أكثر من
يومان ونصف، ولم يدق الطعام، فقط دخن على الأقل خمسة عشر علبة سجائر.
تملك منه التعب واغمض عينيه غصبا عنه لكن سلمى ظهرت في عقله وأغرورقت عيناه من جديد بعد أن ضربه الألم في أطرافه حتى وصل إلى قلبه، فتح عينيه بسرعة وأخفض رأسه للأسفل مستسلما لكل ما يشعر به، عله يطهره قليلا مما قد فعل ... لكن مهما حدث فهو يعرف أن ذنب سلمى سببقى متعلقا في رقبته إلى أن يلحق بها، وعندها بالتأكيد ستخاصمه أمام الله وتأخذ حقها منه.
زمی بسيجارته بعيدا وانفجر باكيا من جديد تم سقط على السرير وهو يضم ركبتيه إلى صدره. ولم يشعر إلا وهو يغفو على حالته تلك والدموع قد جفت على وجنتيه.
رواية اربعة في واحد الفصل الثلاثون 30 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الثلاثون
كانت غادة في طريقها إلى مدخل شارعها عندما علقت تنورتها في شيئا جديدا معلقا في الحائط ولم تسمع إلا صوت فتق في تنورتها السوداء من الخلف، توسعت عينيها وألصقت ظهرها
بالحائط بسرعة، ارتفعت ضربات قلبها وهي تمد يدها تتحسس ما حدث، لتجد أن تنورتها قد انقطعت وقدمها من تحت الركبة ظاهرة بالكامل، هرعت لتخرج هاتفها من حقيبتها ثم اتصلت بوالدتها والتي لم تجب الهاتف على غير عادتها ... طلبتها مرة واثنان وثلاثة والأخرى لم تجيب حتى ظنتها غادة قد تست هاتفها في المنزل ونزلت لشراء شيء.
وقفت بخوف تنظر يمينا ويسارا علها تجد شخصا تعرفه، لكن القدر قد جعل آخر شخص ترغب بطلب مساعدة منه يظهر أمامها، كان مراد في طريقه للخارج، ثم استدار فاصطدمت عینیه بهار كان سيفت الطرف ويمضي في طريقه لكنها لم تجد أمامها سواه، فأشارت له بيدها أن يأتي.
عقد حاجبيه وتقدم نحوها بتردد وهو يضع يداه في جيب بنطاله، وقف أمامها بتساؤل فهمست له بإحراج "مراد .. الجيبة بتاعتي شبكت في مسمار وانقطعت من ورا برن على ماما مش بترد .. وأنا مش عارفة اتحرك"
وجهها لأول مرة كان لطيف مستعطف وكأنها تستجير بملاذها الأخير.
طب خليك هنا، أنا خصة وجايلك " قال وتحرك بسرعة ظنته سيذهب لمنزلها لكنها وجدته بهرول الخارج شارعهما بالكامل | قلبت عينيها وسيته في عقلها، ظننه هرب ليضعها في موقف مخرج وينتقم منها، لكنها وجدته يعود وفي يده حقيبة صغيرة بعد سبعة دقائق بالضبط
وقف امامها ومد يده بالحقيبة وهو يقول بخفوت اشتريتلك حبيبة من المحل بتاع الهدوم يمي هقف قدامك والبسيها بسرعة من فوق الجيبة الثانية من غير ما حد ياخد باله."
أومات والتقطتها من يده ثم أعطته حقيبتها فأخذها وأعطاها ظهره وهو يحرك عينيه هنا وهناك ليتأكد من أن لا أحد ينظر، ثم شعر بيدها على ظهره، بدت وكأنها تستند عليه كي لا تقع، حمجم منظفا حلقه ووقف بثبات حتى انتهت وتحركت لتقف أمامه
ابتسمت ومدت يدها تنتشل حقيبتها وقالت له بامتنان شكرا يا مراد، حقيقي أنت أنقذتني ... وأنا أسفة على أي حاجة قولتهالك قبل كده"
ابتلع لعابه وأومأ لها بلا بأس، لكنه بدى تانها قليلا لأنها ولأول مرة تحادثه بتلك الطريقة اللطيفة !
"الجيبة اللي أنت اشتريتها بكام؟ " سألت وهي تخرج محفظتها من حقيبتها، وهنا قد عقد حاجبيه وزم شفتيه معا بضيق
على فكرة مش لازم تتصرفي بطريقة سخيفة كل مرة أكيد مش هاخد منك حق الزفتة " رمى بكلماته وتحرك بعيدا دون أن يعطيها فرصة للحديث أو المجادلة.
كان بالفعل يشعر بالضيق ولا يستطيع التركيز في أي شيء بسبب شقيقه المختفي منذ الثلاثة أيام الآن، لكنه سيفعل محاولة أخيرة وسيذهب إلى المكان حيث يعتقد أن أحمد هناك شقتهم القديمة التي قضيا فيها طفولتهما سويا مع جدتهما التي توفت قبل أن ينتقلا للشقة الجديدة حيث تغير كل شيء بحادثة والدهما.
أوقف سيارة أجرة وأخبره بالعنوان ثم أخرج سيجارة، أشعلها ووضعها في فمه وأشعلها وهو يأخذ نفسًا منها بالفعل، علق عينيه على النافذة أمامه حيث الطريق مظلما عدى من ضوء
السيارات والمتاجر.
إن أمه منهارة في المنزل هي وأبوه، وهو يقسم بأنه لو وجد أحمد هناك سليقا معافئ فهو لن يتركه يفلت بتلك الفعلة، يكفي طيشه وتهوره عند ذلك الحد، يجب أن يعرف أنه هنا بدلا عن والده المقعد الآن.
بعد الساعة كان يقف أمام ذلك الباب المغطى بالتراب أزال السيجارة عن فمه وألقاها في الأرض. تم داس عليها وطرق على الباب بهدوء، لكن لم تاتيه إجابة وهذا جعله يخرج المفتاح من جيبه ويفتح الباب بعصبية لم يستطع حقا التحكم فيها.
دخل ووجد الضوء مشتعل، هو هنا، وهذا ذاد من غضبه وترجل باندفاع نحو الغرفة التي يأتي الضوء منها، هذا عندما وجد أخيه ملقى على السرير بلا حول ولا قوة وأعقاب السجائر مرمية حوله في كل مكان، كان نائفا كما يتضح ....
صك مراد على فكيه محاولاً إمساك أعصابه قليلا لكي لا يقيقه بصفعة على وجهه الآن، لكنه لم يحتمل وأمسك بسترته فجأة وهذه ففزء الآخر وبدا يردد باسم سلمى بهلع وكان نوبة اصابته ... توتر مراد و تركه بسرعة في حين بدى الآخر وكأنه لا يعي ما حوله ولا يرى من أمامه، بدأ يتراجع للخلف حتى ألصق جسده في الحائط وترقرقت عيناه من جديد تم شرع يتمتم بـ "اسف - "
اقترب منه مراد بهدوء هذه المرة بعد أن أصابته غصة في قلبه على حال أخيه وشعر بالتيه والقلق "أحمد .. أنا مراد "
رفع عينيه له ومسح بظهر يده على عيناه وهو يومئ يجسد مرتعش فجلس مراد بجانبه وهو يتساءل "مالك ؟"
تر فرقت عيناه من جديد وأخفض رأسه بخزي وبعدها حارب ليخرج صوتا مبحوحا وبدأ يقص عليه كل شيء بينما أنصت الآخر جيدا حتى انتهى الآخر من كل شيء ومعه بدأ ينتحب من جدید.
سحبه مراد نحو عناق وربت على كتفيه رغم غضبه الشديد مما فعل أخيه، لكنه أشفق عليه حقا.
عشان تتعلم أن البنات من لعبة، وإن الخيانة مش حاجة سهلة يا أحمد .. بس رغم كل ده هو ده كان عمر سلمى ربنا لا بيقدم أجل حد ولا بباخره بس بيسبب الأسباب، ولعله يكون درس ليك عشان تتربى وتعرف أن السكة اللي أنت ماشي فيها دي غلط "
أو ما الآخر بهدوء قربت الآخر على ظهره "قوم يلا، أمك وأبوك هيموتوا عليك في البيت، الغسل وشك وظبط نفسك ما تخوفهومش عليك أكثر، وخليك رجل كده ... الرجل من باليدات حواليه الرجولة بتحمل المسؤولية وبالاحترام الرجولة إنك تبقى رجل في كلمتك ومشاعرك أنت عارف انا ما قربتش من أي بنت ليه ؟"
نفى أحمد برأسه فأكمل مراد عشان ماكنتش شايف نفسي أقدر أقدم لأي واحدة حياة كويسة وطول ما أنا مش قادر فالأفضل إني ما أبهدلش بنات الناس معايا .. مع اني كان ممكن أعمل أي حاجة تخطر على بالك معاهم كان ممكن أكذب وأخدع وأخلع ... الموضوع سهل وانت عارف به كويس، إنك تبقى عمل ده سهل الأصعب إنك تبقى رجل له كلمة ويعتمد عليه وتبقى عالي في نظر نفسك وعارف قيمتك كويس "
أو ما أحمد وتمتم "معك حق."
فأكمل شقيقه " ثم إن الحاجات الرخيصة مهما كانت كثير مش هتساوي ثمن حاجة واحدة أصلية وغالية المشاعر برضه كده ... المشاعر المزيفة اللي انت بتحس بيها مع كم كبير من البنات مش هتساوي أي حاجة قدام حب حقيقي مميز تحس بيه مع واحدة بس "
أوما فابتسم شقيقه وأكمل ده حتى ربنا بيقول: ولقد خلقنا لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة. فين المودة وقين الرحمة لما طرف يبقى خاين؟ طب لما تكون مرتبط ببنات كثير ... أنهي واحدة منهم اللي هنسكن إليها ؟ "
فوجی بالآخر عينيه تترقرق وبكى من جديد وهو يهمس "أنا كنت حاسس يده مع داليا، بس هي ما تستحقش واحد زبي "
طلب سيبك من ده دلوقتي وقوم، قوم يلا وبعدين هتشوف موضوع داليا هانم ده الله يخربيتك ما يتبطنش أبدا مزح فابتسم الآخر رغما عنه وتنمر "قولتلك سيبتها!"
قلد مراد نبرته وهو يسخر "سيبتها! ماشي ... طب قوم يا عم التائب خلينا نروح عشان تستحمى، ريحتك معفنة وسجاير وفرق .. ده داليا وسلمى ربنا رحمهم "
وجد الآخر يسخر " ده عشان أنا حزين بس!"
الحزين تقوم ما تستحماس؟ وإلا أنت ما بتصليش يالا صح ؟"
ضحك وصمت فسحبه مراد من سترته وهو يزمجر "كنت عارف إن أمك الغلبانة دي هي وأبوك
لا هيعرفوا يهشوا ولا يتشوا معاك بس ماشي .. أنا جيتلك وهربيك من الأول"
دفعه أحمد عنه وتذمر مازحا " ياعم يصلي بس بقطع ."
"أه يتقطع ... لا ما فيش تقطيع من النهاردة يا روح أمك، قوم بالا شده مراد من جديد فنهض وعدل من هندام سترته وهو يسخر "أنا سابيك بس عشان انت أخويا، بس لو حد غيرك مسكني
المسكة دي ماكنتش هعديها."
"شاطر، وتلم نفسك كده وتنظبط عشان أخوك الكبير ما يضطرش يظبطك "
" أنظبط ازاي يعني ؟" استفهم بدون فهم فاقترب منه مراد ووقف أمامه "تتعدل، تبطل السكة اللي أنت ماشي فيها دي وتقرب من ربنا وتصلي ويا ريت لو مافيهاش تتقبل على جنابك تخف سجاير شوية بدل ما يجيلك سرطان رئة وتموت مخلوق انا ما يقولكش بطلها، بس خف على نفسك "
حك أحمد شعره وأوما بهدوء.
في مكان آخر كان قيس يمارس تمرين الضغط في غرفته تلك وعلى السرير ادهم الذي يشاهد التلفاز وهو يقلب في قنواته يملل، حتى نهض له قيس وضربه على قدمه "ما تقوم تتمرن معايا بدل ما أنت معصعص كده"
أخفض أدهم يده بجهاز التحكم ونظر القيس وكأنه يفكر فدفعه الآخر مجددا "قوم !" فنهض بتكامل عن السرير وانبطح بجانب الآخر يؤديان ذلك التمرين.
حتى أنتيها وعندها وقع أدهم على وجهه أرضا وهو يلتقط أنفاسه بسرعة، بينما قفز الآخر ليمسك بهاتفه ويأخذ صورة لنفسه بابتسامة ماكرة انتبه له ادهم فسأله ماذا يفعل ليجيبه الآخر
بأن تلك الصورة سيبعث بها إلى ليلى، وحينها هب أدهم واقفا ليمنعه
"ما ينفعش تبعتلها صورتك وأنت مش لابس تيشيرت البس حاجة وبعدين اتصور"
بدى فيس معترضا وغير مقتنعا وهو يجادل "أنت عبيط ولا فاهم حاجة، كل البنات بيحبوا كده. دول كانوا بيطلبوا مني أتصور أصلا"
بس ليلى مختلفة، وممكن تضايق، فأنت ما ينفعش تبعتلها صورتك عريان! بعدين أنت مش قولتلي إننا هتعمل اتفاق وإني أعلمك الأدب؟ أنا دلوقتي بقولك ده ما يصحش "
نظر له قيس بضيق وأخذ نفسا عميقا ثم أخرجه وبعدها كان قد تخلى عن تلك الصورة والنقط سترته ليرتديها وبعدها أخذ صورة بابتسامة لطيفة ثم بعثها لها ورفع حاجبيه لأدهم بمعنى: جيد
الآن ؟ فاقترب الآخر وربت على كتفه وهو يضحك "مطور".
جاء لهما هشام لأجل المذاكرة، لكن بدلا عن ذلك قد فتحوا موضوع أحمد وغيابه الغير مفهوم من جديد لكن هشام قال بأنه أنهى الجزء الخاص بأحمد في المشروع الذي انتهى بانتهاء جزء أحمد، وفي وسط حديثهم هذا كان أدهم قد نهض للشرفة ليتصل بمراد الذي أخبره بأنه قد وجد أحمد وبأنه في منزله الآن، ثم تملص من قيس وهشام وأخبرهما بأنه سيذهب ليشتري شيئا، فو لم يكن يريد أن يذهبوا لأحمد جميعهم فجأة هكذا، خصوصا وهو يشعر بأنه الأخير ليس بخير.
بعد ساعة كان واقفا أمام بيته في المهندسين، رن الجرس يتردد ورسم ابتسامة لطيفة على وجهه عندما فتحت له تلك السيدة التي كان الإرهاق يغلف ملامحها، حياها بأدب وتساءل عن إن كانت والدة أحمد رغم تأكده بأنها هي أومأت له السيدة وعلى الفور تعرفت على هويته لأن أحمد دائم الكلام عنهم جميعا واقد أخبرها بأن أدهم ألطفهم، ثم أفسحت له الطريق وأجلسته في غرفة الصالون حيث بدأت تسأله عما إذا كان يعرف ما الذي حدث لابنها فنفى معرفته بالأمر .. وهذا جعلها تهز رأسها بيأس وتنهض لتقوده نحو غرفة أحمد بهدوء ثم تركته على الباب بعد
أن قالت "خد راحتك، أنت في بيتك "
طرق أدهم على الباب فجاءه تذمر أحمد من الداخل " يا ماما قولتلك مش جهان !"
فتح أدهم الباب وهو يمزح ومش عايز تأكل ليه ؟ وإيه ده ؟ أوضتك مليانة دخان يا ابني أنت عايز تقتل نفسك !"
اعتدل أحمد في جلسته على سريره فجأة وأفسح لأدهم مكانا ليجلس فيه وهو يخفض السيجارة عن قمه، نظر له أدهم يصمت ثم حول بصره المطفئة السجائر الممثلثة عن آخرها
بأعقاب السجائر
"أنت كنت فين ؟"
رفع أحمد السيجارة لفمه وأتاح بوجهه بعيدا فشدها أدهم من يده وأطفاها "أنت لسه متضايق مني ؟ طلب أنا أسف أني ضربتك "
زم أحمد شفتيه ونظر للأسفل فأكمل أدهم طب قولي فيه إيه وهتفكر سواء إحنا مش يتعمل كده لما يبقى عندي مشكلة ؟ "
نظر له وابتلع لعايه بضيق وأكمل "سلمى ..."
"اللي أنت مرتبط بيها؟ مالها ؟ خانتك هي كمان؟"
نقى برأسه وترقرقت عيناه ونظر للأسفل وهو يجيب بغصة "ماتت "
لجم نسان أدهم ونظر لصديقه ليجده يمسح الدموع عن عيناه وأكمل سرده لما حدث فترقرقت
أعين أدهم هو الآخر واقترب ليعانقه ويريت على ظهره
"أقولك على حاجة؟" قال فابتعد أحمد عنه ورمقه بهدوء فأكمل الآخر "بيقولوا رب ضارة نافعة. وأنا شايف فعلا إنك كنت محتاج تقعد مع نفسك وتعيد حساباتك ثاني، خصوصا في الموضوع ده و موضوع كمان "
"موضوع كمان إيه ؟"
"السجاير ارحم نفسك وارحم أبونا بقى كلنا بندخن سلبي بسببك " مازحه وضربه في كتفه
فوجئوا بالباب يفتح ويظهر قيس وهشام من خلفه
"النوا بتعملوا إيه من غيرنا هنا؟ يبقى أكيد طنط سعاد كانت صح لما قالت الكوا لا مؤاخذة ...... مزح قيس يصخب ودخل ويليه هشام الذي دخل يعدل من نظارته يمكر ويردف
"أنا سمعتك وأنت بتكلم مراد وبعدها قولتلنا إنك نازل تشتري حاجة، شكلك كان عبيط أوي وانت بتكدب
"أيوة، وشكينا فيكم الصراحة خصوصا مع تلميحات تينا سعاد، فقولنا نيجي نتأكد بنفسنا " أكمل فيس وهو يرمي بجسده بجانب أحمد
"أنت كنت فين بالام متعملنا فيها مكتتب ومنطقي ؟" مازحه هشام فقلب أحمد عينيه وتذمر "ما أنا مكتتب فعلا!"
ده منظر واحد مكتتب ؟ ده انت مستحمي وحاطط جل في شعرك وريحتك كولونيا خمسات وقاعد تشرب سجاير سخر هشام وهو يحشر نفسه بجانبهم على ذلك السرير الصغير وحينها
حاول أحمد دفعهم.
قوم ياض أنت وهو السرير هيقع !"
لكن قيس هر جسده على السرير وهو يقول بثقة مش هيقع ده سرير جام... قبل أن يكمل جملته كان السرير قد وقع بأربعتهم فنظر له ثلاثتهم بغيظ
انا جعان، ما تيجوا ننزل تأكل ؟ " أضاف هشام فنهره قيس أنت قرفت ميتين أهلي طول الطريق جهان جعان "
"أنت مالك أصلا؟" دفعه هشام في كتفه فنظر قيس لكنفه ثم رفع عينيه لهشام وهنده " أنت قد
الضربة دي ؟"
اضريني، أو رجل اضربني عشان أروح أقول لبايا إن أبو نسب ضريني ويفركش الجوازة فوق دماغك " نطق هشام بنبرة متحدية
ابتسم قيس ابتسامة صفراء وأمسك بوجنتي هشام وهو يقول من تحت أسنانه " يقى أنا هضرب أبو نسب برضه؟ بس اصبر عليا بعد كتب الكتاب بس - "
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه هشام وسخر ده او وصلنا لمرحلة كتب الكتاب"
شرعا بالتهاوش كعادتهما حيث نهضا ليقفا أمام بعضهما كالديكان اللذان يتناقرآن كل الإثبات
سيطرته، بينما راقبهما أحمد بضحكة مكتومة ونهض أدهم ليقف بينهما ويزمجر "هتتخانقوا في
بيوت الناس يا قليل الذوق أنت وهو ؟"
وحينها فقط توقفا عن التشاجر وعادا ليتحدثان وكأن شيئا لم يحدث تم جروا أحمد للخارج وذهبوا إلى إحدى المطاعم ليأكلوا، وعندما كانوا أمام بعضهم على تلك الطاولة، صعقهم أدهم يحملته
" على فكرة أنا قولت لسارة تأخدلي معاد مع أبوها."
توقفوا عن الأكل وطالعوه بصدمة فأكمل "أنا لا يمكن أطلع ندل معاها "
" بالنسبة لأن أبوها لو عرفك هيرفضك؟ وبالنسبة لإنك سايب بيتكم وجدك وجدتك قالبين عليك الدنيا ؟" سخر هشام فأجاب الآخر بهدوء
"ما يرفضني عادي بس ما أبقاش ندل في نظرها ونظر نفسي، وبالنسبة لجدي وجدتي فهما فاكريني مش مسئول عن نفسي وعيل وأنا هثبتلهم إلى رجل ويا يقبلوني كده يا إما أنا مستقل بحياتي"
عقد أحمد حاجبيه وأوقفه "تواني، أنت سبيت البيت ليه ؟"
حك عنقه وحرك رأسه لينظر في أعين أحمد الجالس قبالته وهو يجيب "جدني قالت لداليا كلام مش كويس عشان عرفت إنها مطلقة ... فكرتها بتلف عليا عشان تتجوزني "
جفل أحمد لوهلة وشعر بالضيق يعتلي صدره من جديد تم ابتلع لعابه وأخفض رأسه نحو وجبته دون أن يتفوه بأي حرف لكن عقله بدأ يغلي من الداخل ... لماذا تلك الفتاة سيئة الحظ في كل
شيء؟ حتى فيه هوا وكأن القدر يرسل لها بالاشخاص السيئين ليزيدوا همها هذا ...
كانت داليا في ذلك الوقت تجلس في شرفتها أمام طاولة صغيرة تذاكر عندما خرجت قطة داني شقيقها وقفزت على السور لم توليها داليا اهتماما كبيرا حتى وجدت القطة تتحرك السور شرفة أدهم نهضت لها داليا بسرعة وبدأت تناديها، لأنها تعرف أن أدهم ليس بالداخل وهي لا تريد الاحتكاك بجدته، لكن هيهات فالقطة قد دفعت الباب وحشرت نفسها في جزء صغير ودخلت لغرفته وبعدها شرع صوتها يعلو كدليل على أنها لا تستطيع الخروج وقد حبست بالداخل.
حكت داليا شعرها ونظرت إلى الشرفة وهي تفكر، تقفز وتخاطر بحياتها لأنها ربما ستقع؟ أم
تطرق باب تلك الجدة الشمطاء وتطلب المساعدة؟
في موقف غير هذا كانت لتقفز لكنها لو سقطت فسيظن الجميع أنها منتحرة، وهي أبدا لن تقبل أن يظن عدوها اللدود بأنها أنهت حياتها بسببه؛ لذا فهي اعلمت شعرها في كعكة وخرجت على مضض التطرق باب الشقة المقابلة لهما طرقت كثيرا ولم يأتيها رذا، لكنها لاحظت أن الباب
مفتوحا بالفعل غير أنه موارب.
ابتلعت لعابها ونظرت حولها بتوتر، ثم دفعت الباب قليلا بتردد، لكن عينيها جحظت فور رؤيتها للجدة واقعة أرضا بجانب الباب وعكازها ملقى بجانبها، تملك منها الهلع ولم تستطع فعل شيء سوى الصراخ على أمها وجدها.