تحميل رواية «اربعة في واحد» PDF
بقلم فاطمه عبد ربه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ اربعة في واحد بقلم فاطمه عبد ربه.
رواية اربعة في واحد الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الواحد والثلاثون
كان أحمد ما زال يجلس مع ثلاثتهم على تلك الطاولة في ذلك المطعم حتى من جرس هاتفه.
أخرجه ونظر له، ظهر اسمها يضيء شاشته، ولدقيقة شعر بأنفاسه تنحبس بداخله، فقط اسمها
على شاشة هاتفه قد بعثره لتلك الدرجة ؟ هو لا يعرف ما الذي يحدث له الآن ....
ابتلع لعابه ونهض قائلا لهم بأنه سيجري مكالمة وسيعود، ثم خرج بسرعة ووقف في مكان فارغ من المارة أمام المطعم، وفتح المكالمة يقلب مضطرب ثم رفع الهاتف لأذنه
ازيك يا أحمد أنا آسفة إلي بتصل ب" جاء صوتها فقاطعها "أنت مش محتاجة تعتذري لكونك اتصلت بيا في أي وقت يا داليا."
صمتت الفترة قصيرة ثم أجابت "هو أدهم معاك؟ أنا يحاول اتصل بيه موبايله مقفول " حزنت ملامحه مرة أخرى ونظر للأسفل وهو يبتلع لعابه "أدهم ؟"
"أيوة يا أحمد ... تعرف هو فين؟"
ليه ؟ محتاجاه في حاجة؟ بعد فترة من الصمت نطق اخيرا محاولا جعل نبرته طبيعية لكن على العكس، ظهرت مهزوزة وهو قد أدرك هذا عندما سألته هي بالمقابل " هو أنت كويس ؟"
صمت ونظر حوله وهو يحاول ابتلاع القصة التي تكونت في حقه، ولم يمتلك سوى الإجابة يصدق "لا، مش كويس يا داليا"
"مالك ؟"
"تايه إزاي ؟!"
عارفة لما تكتشفي فجأة في نص الطريق إنك ماشية غلط، وتقفي في النص لوحدك متن عارفة تعملى إيه؟ ولا حتى قادرة تعرفى أنهى الطريق الصح؟"
"أيوة عارفة بس أظن ساعتها بنحتاج مساعدة ترشدنا للطريق الصح " أجابت فتساءل " مساعدة في إيه ؟"
زي هدف، أو شغف ... دافع يخلينا نمشي الطريق الصح وما لبصش ورا ثاني حاجة تخلينا نكمل بعد ما وقعدا، " قالت وهي تتذكر أن ما جعلها تستفيق وتراجع نفسها بشأن دراستها هو هدفها
بجعل طليقها يرى بأنها لم تنكسر حتى الآن
وعلى الجهة الأخرى كان الآخر يستمع ويفكر مليا في حديثها
والهدف ده ممكن يكون إيه؟" استقهم فأكملت ممكن يكون أي حاجة حرفيا، كل واحد له حاجة مختلفة بتكون هي المحرك ليه يعني أنا مثلا يحب أبان قوية، وممكن يكون ده دافعي
أنت بتحب إيه؟"
بدون تفكير أجاب "بحب أخلي اللي حواليا مبسوطين وأساعدهم وأدعمهم عاطفيا."
وبدون تفكير هي أيضا أضافت "خلاص، دور على حد ممكن يكون هو محتاج ده منك، وحطه دافع قدامك انك مكمل في الطريق الصح عشانه، واللي هيتأدي مثلا لو أنت قررت تمشي غلط
تاني "
قطب جبينه وفكر مليا فيما قالته، شخصا يحتاج مساعدته ويحتاج دعما عاطفيا ويحتاج أن يجعله سعيدا؟ وعلى حسب حالته فيجب أن تكون فتاة؟ كي تكون دافعا له لعدم العودة
المطاردة الفتيات من جديد ......
"أحمد أنت معايا ؟" وصل صوتها المسامعه فابتسم ابتسامة جانبية وأجاب بهدوء "أنا معاك"
"فهمت أنا قصدي إيه ؟"
زم شفتيه وابتسم وهو يومئ وكأنها تراه "فهمت"
"بس أهم حاجة يكون عندك النية، النية أولا ثم الدافع والتنفيذ ما فيش حاجة بتتم طالما ما عندناش فية ليها "
عندي النية" قال وهو يضع يده في جيبه فأكملت طلب تمام كده ناقصك الدافع. "
رفع عينيه للسماء وهمس لها "وعندي الدافع."
لطب خلاص كده ان شاء الله ربنا يهديك للخير يا أحمد "
بس تفتكري ممكن حد يتغير؟"
تنهدت وأجابت التغيير صعب بس فيه حاجات بتغيرنا غصبا عننا يا أحمد ... ساعات بتكون المغمضين وفجأة تيجي حاجة تلطشنا بالقلم فتخلينا نفتح، ولما ينفتح ينتصدم وبعدها بتتغير"
قفزت سلمی امام عينيه مجددا لتجعل نبضات قلبه تتسارع والحزن يطفى عليه من جديد
وهمس لها " عندك حق " ثم أكمل مغيزا الموضوع "ما قولتيش كنت عايزة أدهم في إيه ؟"
الجدته في المستشفى، أنا هناك أنا وماما معاها، لأن ما حدش فينا يعرف رقم جده ...
بعد ساعة كان أدهم يهرول الداخل تلك المشفى باندفاع ويجنون وهو يسأل هنا وهناك يبلغ عن غرفة جدته، حتى وصل إلى الغرفة التي قادته لها الممرضة، وجد داليا تجلس على الكرسي أمام الغرفة بجانب والدتها وكلاهما واجمان، لكنها نهضت له تطمئنه عندما رأته في تلك الحالة. أخبرته بأن ضغطها كان منخفضا جدا وبأنها بخير الآن لكنها نائمة، وهنا تداخت والدتها التي
و بخته بشأن تركه لجدته وحيدة في ذلك المنزل
ابتلع العابه ونظر لداليا ليجيب أنخاتقنا أنا وهي عشان اللي قالتهولك " فقطيت داليا جبينها بضيق وأومات "حصل خير بس ما تسببهاش تاني، دي ست كبيرة."
كان الثلاثة قد وصلوا إلى الغرفة عندما دخل أدهم لرؤية جدته، ابتلعت داليا لعابها عندما اصطدمت بأعين أحمد، ضربات قلبها قد ارتفعت بقوة وتوترت كثيرا لكن أنا من هذا لم يظهر
على وجهها الذي بقى ثابتا باردا
تقدم أحمد ليصافح والدتها وبدأ يعرفها على نفسه بأنه من كان يدخن السجائر في شرفة أدهم. ولقد شرع يفتح بعض المواضيع مع أمها التي بدأت تستلطفه كما هو واضح وكما كان هدفه
تماما في حين تابعتهما داليا بصمت
بس تعرفی یا طنط حضرتك شبه ماما جدا" قال لها أحمد فابتسمت بتوسع وحينها كان قد أخرج هاتفه ليربها والدته مع بعض صور العائلة حيث بدأ يعرفها عليهم فردا فردا وبالاسم، مع إلقاءة لبعض المرحات التي قد جعلتها تضحك
بينما كانت داليا قد عقدت حاجبيها وهي لا تفهم ما الذي يحدث هنا؟
لكنها تشتت عندما تقدم هشام يعدل من نظارته وتساءل هي تيتا سعاد كويسة؟" فأومأت له داليا بهدوه.
فتقدم قيس ليجلس بجانبها على الكرسي المجاور، وحينها وجد أحمد يرفع عيناه فجأة وينظر له ثم نظر لداليا، لكنه سرعان ما عاد لوالدتها ليكمل حديثه معها، وذلك لم يمنعه من القاء بعض
النظرات القيس الذي حك عنقه ونظر لداليا متسائلاً عما حدث؟
خرج أدهم بعد قليل وطمئنهم وأخبرهم بأنه سيبيت معها الليلة.
كانوا جميعا في طريقهم إلى خارج المشفى عندما توقف أحمد وأصر أن يوصل داليا ووالدتها لأن الوقت بات متأخرا، وتحت تصميمه ذلك قبلا وركبا معه سيارة الأجرة.
ومنذ أن راهما لحين وصولهما إلى المنزل، هو لم يرمى يحرف حتى إلى داليا، بل كان كل كلامه إلى والدتها بل وحتى قد أخذ رقمها، استغربت داليا فعلته تلك كثيرا ولم تفهم ماذا يريد من
أمها ؟ حسنا أمها أرملة لكن هي أكبر منه بكثيرا لا يمكن أن يكون يحاول التودد إليها!
صعدت والدتها على الدرج وكانت ستلحق بها عندما أوقفها أحمد "داليا " فاستدارت له بهدوء
ابتسم واقترب منها فراقيته يصمت وهي تتنفس بصعوبة حتى وقف أمامها وأمال عليها ليهمس على فكرة البلوزة بتاعتك أنت لابساها بالمشقلب"
توسعت عينيها ونظرت سريعا لسترتها التي ليستها سريعا دون التركيز لكي تلحق بسيارة الإسعاف ... ولقد كان محقا .....
قبل أن تتكلم وجدته يتحرك متخذا طريقه للخارج.
فور صعودها قد وجدت والدتها تزيل الحجاب عن رأسها وهي تقول بابتسامة واسعة "أحمد ده
عسول خالص، ومدردح كده وكلاماتجي ودمه خفيفه
قلبت داليا عينيها ولم تعلق بشيء بل سارعت بالدخول إلى غرفتها.
في اليوم التالي اجتمعوا سويا في منزل أدهم ليذاكروا هناك لأنه لا يستطيع ترك جدته بمفردها.
كانت سعاد قد استفاقت صباحًا وعرفت ما حدث وقد وجدت حفيدها الوحيد نائفا على الكرسي بجوارها، فور رؤيته بدأت بالبكاء لأنها ظنته لن يعود وظنت نفسها ستموت وحيدة في ذلك
المنزل ولن يعرف أحدهم إلا بعد أن تتحلل جنتها فزوجها دائم الغياب عن المنزل ...
طمئنها أدهم واعتذر لها وأخبرها بأن داليا وأمها هما من جلباها إلى هنا وهي من اتصلت به ليعود خجلت من نفسها كثيرا لكونها قد أساءت لتلك الفناة ليس لمرة واحدة، بل لبضع المرات.
عادت معه إلى منزلها حيث أخبرها أدهم بأنه لن يتركها ثانية وقبل رأسها وجلسا يأكلان سويا في سريرها، كان على وشك فتح موضوع التقدم لسارة معها عندما جاء ثلاثتهم بالكتب وبكل شيء، ودخلوا يطمئنون على أحوالها.
حاول أحمد إضحاكها بتعليقه لعلمك، أدهم كان بايت عندي "
قلبت عينيها وضحكت بتعب هذه المرة فنفى قيس "لا كان بايت عندي أنا يا تبعل "
لكن هشام تدخل بس أنا كنت موجود کمحرم یعنی ."
بس ياض يا جزمة منك له " تهكم أدهم ودفعهم جميعا للخارج ليتركونها ترتاح قليلا ويركزوا
هم على مذاكرتهم.
كان قيس قد مل من المذاكرة عندما رفع رأسه لأحمد بس انت مالك كده اتحولت من إمبارح ؟ أنت مش كنت على وشك تقطع شرايينك وعاملنا فيها أسير الاحزان؟"
توتر أحمد وحمحم "مافيش، عادي يعني!"
أوماً قيس بابتسامة ساخرة، فلا هو لا يصدق ويعرف ما هو سر هذا التحول السريع ... الغريب أنه لم يتلكك بتدخين سيجارة ليخرج إلى الشرفة اليوم لكنه لم يستريح إلا وهو يجر قدم
مشاح المشكلة
"وأنت إيه أخبارك مع رحومة ؟"
" والا لم نفسك يالا" زمجر هشام فابتسم الآخر باستقرار "خليك كده زي الفرحة البلدي احد ما تطير منك إن شاء الله وتروح تشوفلها ديك شجاع بيتكلم "
"قصدك ايه ؟ "
رفع فيس كتفيه بابتسامة خبيثة "ما قصديش"
لكنه ترك هشام والدناء تغلي في عروقه وهو يفكر مليا فيما قال ذلك الوغد لدرجة أنه لم يستطع إكمال المذاكرة بنفس التركيز.
في اليوم التالي كانت أم داليا قد طرقت على الباب المقابل لها وهي تحمل صينية من الكثافة منزلية الصنع، والتي هدتها لجدة أدهم التي شعرت بالخزي من نفسها أكثر وجلسا سويا في
صالون المنزل يتكلمان قليلا وحينها حمحمت سعاد وتكلمت
"ما تزعليش مني يا ام داليا، وقولي لداليا ما تزعلش .. دي زي أدهم والله."
ابتسمت الأخرى ابتسامة متفهمة وأومأت "مافيش حاجة، على فكرة أدهم ده زي أبني وزي أخوها داني كده"
وفور انهائها لجملتها قد وجدت داني يتسلل إلى الداخل وهو يحمل قطته وقفز ايجلس على قدمها "ماما، قطتي جعانة."
مش تسلم على نيتا الأول ؟"
نظر لها الطفل ببراءة وتقدم بخجل ليصافح تلك العجوز التي سحبته لتقبلة على وجنته من فرط لطافته، ثم نهض تستند على عكازها وهي تتمتم "تعالى، أدهم بيجيب أكل للقطط على طول ...
تعالى ناكل قطتك".
ا في مكان آخر كانت غادة واقفة في الشرفة منذ الساعة ولم يظهر ذلك الوغد حتى الآن!
نفخت الهواء من فمها وكانت ستدخل عندما خرج هو عاري الصدر من جديد، ورغم سعادتها بأنه قد ظهر لكنها زمت شفتيها بضيق وهي تنظر للأسفل بغيظ كونه لا يرتدي سترة
استند على السور ونظر هذا وهناك وهي أمامه، حتى تقابلت أعينهما .. تبادلا النظرات لوهلة ... كلاهما ينتظر الآخر أن يتحدث لكن لا أحد منهما فتح فمه بحرف
حك مراد شعره وهو ينظر نحوها من جديد، ترتدي ملابس فضفاضة، كانت جميلة هو لا ينكر هذا، وجهها نحيف وملامحها رقيقة مع بشرة بيضاء وشفاه ممتلئة وأعين سوداء ...
تذكر قول أحمد بأنها قد (شرشحت له عندما أراد مغازلتها وابتسم، فهذا يعني أنها لم تدخل إلى
حسنا لن يكذب، كانت هناك تلك الفتاة الألمانية التي توددت له كثيرا فعال إليها رغما عنه، حتى بدأت تحاول إغوائه لما يغضب الله فرقص فغضبت ووجدها في اليوم التالي تتبادل القبل مع رجل آخر أمام عيناه ... لم يؤثر فيه الأمر كثيرا لأنه بالفعل كان ليس مقتنها بها، وفعلتها تلك قد زادته تصميها على عدم الزواج إلا من فتاة مسلمة شرقية، لذا فهو لا يعتبرها علاقة بالأساس.
اشتعلت غادة خجلا عندما وجدته سارخا وهو ينظر إليها فهرعت لتدخل إلى شرفتها، وحينها قد وجدت أمها في وجهها تبتسم وتقول بنبرة خبيثة
"عيني فيه وأقول إخبه "
قطيت جبينها وزمجرت "قصدك ايه ؟"
قصدي طيرت الواد ودلوقتي لما طار بقى حلو ؟! منك الله يا شيخة"
حزنت ملامحها وتحركت نحو أمها لتحمحم بنيرة حزينة "ماما، هو ما ينفعش تجيبه ثاني ؟"
ليه ؟ هو مش كان سلبونة وعلى جنتي أنجوز سلبونة يا ماما ؟ " تهكمت من جديد فبدأت الأخرى ترجيها بأن تجد لها حلا ولقد تركتها الأخرى تذلل قليلا حتى أومات "طب ماشي ... سيبيني هفكر".
كان دكتور مصطفى يجلس في منزله يرتدي تلك البذلة الرسمية وبجانبه ابنته سارة التي ارتدت فستانا أبيض بسيط وابتسامة خجولة تعلو شفتيها، كلاهما ينتظران العريس القادم اليوم
جانت والدتها وجلست بهدوء بعيدا عن اثنيهما حينما تحدث مصطفى " وأنت متأكدة من أخلاقه؟"
أيوة يا بابا وحضرتك هتشوقه دلوقتي بنفسك "
"لما نشوف " سخر مصطفى وقطب جبينه بضيق يبدو الغضب على وجهه جليا لزوجته التي تجلس على مقربة منه وتعرف بماذا يفكر جيدا .. فهو لا يريد من سارة أن تتزوج وتتركه، هي ابنته الوحيدة ولا يستطيع تخيل أن رجلا آخر سيأخذها.
رن جرس الباب فنهضت سارة لتفتح لأدهم الذي وجدته يرتدي بدلة سوداء أنيقة ويحمل في يده باقة من الورود الحمراء، ابتسم لها وهمس "عاملة إيه؟ وحشتيني ."
خجلت وابتستمت وهي تتمتم "الحمد لله .. وأنت كمان "
سمعت حمحمة من والدها فتحركت بعيدا عن الباب حينما أخذ أدهم نفتا عميقا في استعداد المواجهة دكتور مصطفى الذي لا يعرف حتى الآن كينونة العريس الذي يطلب يد ابنته. ترجل للداخل حينما نهض مصطفى ليصافحه لكن فور وقوع عينيه على وجه أدهم كان الغيظ قد اشتعل في رأسه فجأة
"أنت إيه اللي جايبك هنا؟"
مثل أدهم المفاجاة وحمحم بصدمة دكتور مصطفى هو حضرتك تبقى أبو سارة؟"
نظرت لهما سارة بدون فهم "أنتوا تعرفوا بعض ؟"
وحينها ضحك مصطفى وسخر بصوت مرتفع "البيه ده اللي انت عايزة تتجوزيه وبتقولي عليه مودب ؟ دو بلطجي و مصاحب حبة صبع .. هما اللي كسرولي مكتبي، و دلوقتي جاي تتقدم لبنتي؟ يا بجاحتك يا أخي !"
توالي .. أدهم أنت قولتلي إنك في ميكاترونيكس ما قولتش إنك في ميكانيكا!" توجهت سارة بالسؤال له فأجاب بنيات "أنا قولتلك ميكا ... مش ذنبي إنك فهمتيها ميكاترونيكس، أنا كان قصدي ميكانيكا."
خد وردك ده كده انت مرفوض من دلوقتي ... يلا مع السلامة " قال مصطفى فنهضت زوجته يا مصطفى طب اسمعه مش يمكن الولد مظلوم "
تبادل أدهم النظرات مع سارة التي ترفرقت عينيها وهي تنظر له بحزن فابتلع لعابه وعاد برأسه إلى مصطفى
یا دكتور مصطفى إحنا اعتذرنا ليك كذا مرة!"
و اعتذاركم مش مقبول ولعلمك التوا الأربعة قسما بديني ما هننجحوا ولا تعدوا من القسم ده طول ما أنا رئيسة "
كانت زوجته ستتدخل عندما وجدت ابنتها قد جلست تبكي لكنه صرخ في وجهها "أمل، اسكني . مافيش ولا كلمة زيادة ... وأنت اخرج برا دلوقتي "
رفعت سارة عينيها لأدهم الذي زم شفائيه وتمتم لها يأسف حقا "أنا أسف." ثم رفع عينيه لأمها وتمتم بحزن " بعد إذنك يا طنط "
وسرعان ما خرج مهرولا من ذقتهم حتى ترك البناية كلها، وعند أول سلة مهملات كان قد ألقى باقة الورود من يده فيها، ثم أكمل سيره بهدوء
كان حزينا نعم، لكنه يشعر بالراحة النفسية كثيرا ... فالآن لقد أصبح كل شيء واضح، حتى لو تدمرت علاقته بسارة ... الأهم أنه أصبح لا يمقت نفسه ولا يستحقرها فلقد أثبت أنه رجل وعند كلمته لأخر لحظة.
عاد إلى منزله فاصطدم بداليا وأمها وأخوها يجلسون مع جدته قطب جبينه وترجل بهدوء ليرحب بهم ثم جلس بدون فهم فأخبرته جدته أصلي عزمت خالتك هناء وداليا يتغدوا معانا "
الوهلة نسي حزنه ورمى بابتسامة نحو داليا التي ابتسمت له أيضا لعلمهما بأنهما يستطيعان التحدث سويا من جديد الآن ... ولقد شرعا يتكلمان بالفعل عندما جلسا بجانب بعضهما على السفرة حيث همس لها "أبو سارة رفضتي."
توقفت عن مضغ الطعام وتوسعت عينيها و همست له "يخربيتك أنت روحت اتقدمت لوحدك؟" مش هتفرق ما هو رفضني " سخر وأكمل أكله فسمعها تهمس معلش ... ربنا هيعوضك إن شاء الله"
انتظرها حتى وضعت لقمة في فمها فتكلم من جديد " وسلمى ماتت."
توقف الطعام في حلقها وبدأت بالسعال ثم نظرت له بأعين جاحظة "إيها؟"
فرفع كتفيه وكرر "سلمى ماتت وأحمد شكله هيلم نفسه .."
ابتلعت لعابها ومثلت اللا مبالاة وهي تجيب "يلم نفسه ولا ما يلمس نفسه، أنا مالي أصلا"
كانت سعاد مشغولة بإطعام داني الصغير الذي يدى لها بأنه لعبة لطيفة قد وقعت لها من السماء فهي كانت دائما وأبدا محبة للأطفال غير أن الله لم يرزقها إلا بابن وحيد قد توفى وترك لها حفيدا واحدا فقط قد أصبح أغلى شيئا لها وتطمح برؤية أبناءه قبل أن تقضي أجلها في تلك
الحياة.
بينما راقبت هناء أدهم وداليا يتوشوشان بخفوت، وشعرت بالألم في صدرها وقلبها، فلولا ما حدث مع ابنتها لكان أدهم قد أصبح زوجا مثاليا لها، تراهما متناغمان كثيرا لكنها تعرف بأن ابنتها لا تناسبه كونها مطلقة وليس هذا فقط، بل أن هذا حدث دون زفاف .. تسمع الجميع يتهامسون على ابنتها بأنها هي من سلمت نفسها لخطيبها قبل الزفاف ولا يصدقون بأنه قد اعتدى عليها لينتقم منها :
اخفضت رأسها بحزن ومسحت فمها بالمنديل، فلقد فقدت شهيتها فجأة ووانتها رغبة بالبكاء الآن بينما أكمل أدهم مشاكسته لداليا
عبني في عينك؟ مش مهتمة ؟"
"أدهم ... أنا شيلت الموضوع ده من دماغي تماما، لا أحمد ولا غيره."
وضع الطعام في فمه وهمس "طب كلي وامشي وقابليني في البلكونة".
في نفس الوقت كان هشام يجلس أمام رحمة في ذلك المقهى، يلتفت حوله باستمرار وبصورة مستمرة وكأنه كاللص الذي يستعد لنقل أحد الراكبين في حافلة نقل عامة ممثلثة عن آخرها بمواطني الطبقة المتوسطة.
بينما كانت الأخرى تنظر له بسعادة بالغة تغلف ثناياها، ولم تصدق أنه اتصل بها وطلب مقابلتها حقا لدرجة أنها طلبت من أختها أن تصنعها على وجهها لكي تتأكد، وعندما تأكدت بأن هذا حقيقي كانت قد سارعت بانتقاء أفضل ملابسها وتزينت ثم اخترعت حجة مناسبة لوالدها و خرجت
لكنه يجلس منذ الربع ساعة أمامها ولم ينفوذ رأي شيء
"ما تنجز يا اسطا أنا قابلة لأبويا نازلة أشتري كريم من الصيدلية" تعتمت بحنق لتدفعه كي يتكلم ويدلي بما يريد التصريح به فحك عنقه وتكلم
"تشربي ايه؟"
توسعت عينيها ورمقته بغيظ لا مش وقت شرب يا حبيبي مافيش وقت ... إحنا مش في برنامج صباح الخير يا مصر."
عدل من نظارته وحمجم "أنا كنت عايز أقولك حاجة، حاجة مهمة. "
"أه، إيه هي الحاجة بقى ها؟ إيه هي الحاجة ؟"
أنت عارفة اني شوية ومتخرج وكده واني بقيت بشتغل في مصنع المرشدي وكده وبعد ما اتخرج إن شاء الله كمان فتعين معيد لأني الأول في الأربع سنين اللي فاتوا والسنادي كمان مكون الأول إن شاء الله "
اه عارفة " قالت بابتسامة واسعة فابتلع لعابه ليبال حلقه الذي جف، ومسح العرق عن جبينه
بمنديل وهو يتنفس بصعوبة
ولیلی هندجوز ... أكمل فيهكمت "ألف مبروك يا سيدي، عقبالك "
"ما هو ... ما هو إن شاء الله يعني أكيد بعد ما هي تتجوز أنا مخطب وكده ."
صمتت و ابتسمت ابتسامة خجولة، بدأت تشعر بأن الموضوع يجري بسلاسة الآن وبأنها ستقال ما تريد أخيرا وسيخبرها الآن بأنه يحبها ويريد الزواج بها، لذا فهي تركت له مساحة ليتكلم
"أنا عارف إنك بتحبيني، وعايزة تتجوزيني " صدمها بجملته فسقطت ابتسامتها ورفعت عينيها ببطء نحوه ورماته بغيظ "نعم ١٢"
"أورده الناس كلها عارفين ماما وبابا وليلى ده حتى قيس وأحمد وأنهم عارفين " أكمل فقضمت شفتها السفلى بغيظ ونطقت من تحت أسنانها
"لا والله ؟ "
"أه والله !"
صكت على فكيها ورمقته بنظرات حارقة ودخان وهمي قد بدأت يخرج من أذنيها.
"طلب إيه؟ أجي أتقدملك يعني ؟ " سخرت بغل دفين فتقى برأسه "لا، أنا عايزك تستنيني لحد ما
أكون نفسي وأشتري شبكة وكده وأجي اتقدملك "
تناست كل شيء وابتسمت بتوسع " بجد؟" فأوماً بابتسامة محرجة "
طب وهنتقد ملي ليه ؟"
رفع كتفيه وأجاب "محترمة وحلوة وأهلك ناس طيبين ومتعلمة ويتحبيني، ما أتجوزكيش ليه؟ بصي أينعم أنت عبيطة شوية كده ودماغك لاسعة بس مش مشكلة يعني ماحدش كامل."
سقطت ابتسامتها ورمقنه باز بهلال ومالك جاي على نفسك كده ليه ؟"
لم يفهم فنهضت تسحب حقيبتها وهي تسخر "لا يلاها الجوازة دي أصلا، أنا زهقت منك ياض أنت مش كفاية صابرة على غبائك بقالي أربع سنين ولسه كمان مصبر زيادة وتقولي هتتجوزني
عشان بحبك، وأنك هتقبل بيا رغم إن دماغي لاسعة ! أنت هتجبي عليا !"
تحركت أعين الجميع نحوهم فنهض هشام با حراج ليمسك بحقيبتها "ما تبقيش مجنونة الناس بتبص علينا !"
يبصوا ولا ينيلوا اوعى إيدك بالا، سيب الزفتة عايزة أمشي " صرخت في وجهه وسحبت
حقيبتها فشدها منها وزمجر بلاس قلة أدب، لمي نفسك ....
"أنا اللي قليلة الأدب يا دبش ياللي ما تعرفش حاجة اسمها ذوق!"
أنا مش ديش، أنا بس مكسوف أقولك إني معجب بيكا" نطق باندفاع ولم يعي ما قد تفوه به
إلا عندما صمتت وهدأت وتعلقت أعينها وأعين الجميع عليه
ابتلع لعابه وترك الحقيبة وبدأ يتلفت حوله مثل اللصوص من جديد في حين ابتسمت هي بتوسع و همست "ايه ؟!"
"لا مافيش - " قال فصاحت "لا أنت قولت إنك معجب بيا، صح؟"
لم يجيب فجاء صوت شاب من آخر المقهى "ياعم ما تخلص وقولها إنك يتحبها بقى قرفتونا".
رواية اربعة في واحد الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الثاني والثلاثون
إزيك يا طنط، ماما باعثة لحضرتك طبق المحشي ده، أصلنا عملنا حلة كبيرة وأنت عارفة إن أنا وهي بس قاعدين لوحدنا فمستحيل تخلصها، وهي عارفة إن حضرتك بتحبي المحشي وكده" قالت غادة بطريقة لطيفة وهي تمد يدها بذلك الطبق الكبير المغلف بورق الألومنيوم
أخذته أم مراد من يدها وهي تبتسم " قوليلها تسلم إيديها."
"ربنا يعزك يا طنط هستأذن حضرتك قالت وهي تتراجع لكن يد أم مراد سبقتها "والله ما يحصل، لازم تدخلي وتشربي حاجة."
"المرة الجاء " همت لتعترض لكن الأخرى قاطعتها "أنا حلفت بالله، ولا أنت عايزة ترمي حلفاني في الأرض ؟"
ابتسمت بتوتر ودخلت معها وهي تنظر حولها مستكشفة المكان منزلهم لطيف، الأثاث وكل شيء يبدو غاليا وهي حتما تعرف من دفع ثمن كل هذا.
أجلستها أم مراد في الصالون ثم استأذنت منها لتنهض وتجلب لها شيئا تشريه، ورحلت لتترك غادة بمفردها تنظر حولها وهي تبتلع لعابها با حراج، لم يكن عليها أن تسمع كلام أمها وتفعل هذا. الوضع محرج بشدة ...
عادت أم مراد بعد قليل وهي تحمل صينية يعلوها كأنا من عصير المانجو وطبقا صغيرا به قطعة جاتوه، وضعتهم على الطاولة وحلفتها بالله أن تأكلهم، ثم بدأت تفتح معها بعض الأحاديث عن أشياء عشوائية.
هذا حتى خرج مراد من غرفته بعد قليل بصدر عار يحك شعره وعينيه بنعاس ويقول بنبرة خشنة من آثار النوم "ماما، أنا جعان "
بدا طفوليا كثيرا بتلك الجملة التي تفوه بها ووجهه الأحمر وشعره الأشعث الغير مصفف
توسعت أعين والدته ووبخته " يا ابني البس حاجة، عيب كده عندنا ضيوف !"
فتح عينيه ليتبين من هم الضيوف فوجد غادة تخفض رأسها وتعلق عينيها على طبق الحلوى في يدها، توقف عقله قليلا لعدم فهمه ما الذي سيجلب غادة إلى منزله ؟
حركت والدته رأسها لغادة وبدأت تعتذر لها "معلش يا حبيبتي، من ساعة ما جه وهو قاعد لنا بالمنظر ده، وكل ما حد يكلمه يقول الجو هنا حر عن ألمانيا وأنه أتعود على الجو هناك ومش
طابق الهدوم."
قلب مراد عينيه وتجاهل ذلك الحديث ثم كرر "جعان يا ماما"
"خد فيه طبق محتى سخن لسه خالتك أم غادة باعتاه أهو دي حتى غادة هي اللي عاملاه" قالت وهي تشير له على طبق المحشي فحرك عينيه نحو غادة التي وجدها تنظر له محاولة تبين ردة فعله، لكنها أخفضت عينيها بسرعة عندما نظر لها.
تحرك ليجلس وفتح الطبق بهدوء، ثم تذكر ونهض للمطبخ ليجلب شوكة، أثناء عودته سمع صباح أمه " يا ابني البس حاجة ما تتعبش قلبي !"
لكنه تجاهل ذلك وتحرك ليجلس أمامهما وسخر "عادي، ما هي شافتني سلبوتة كثير .. مش
جديدة يعني "
تم غرس شوكته في الطبق ووضع إصبع المحشي في فمه، مضغه أولا مستكشفا طعمه، ثم بدأ يتلذذ به عندما وجده جيدا
رفع رأسه لغادة وضيق عينيه "حلو، أنت اللي عاملاه؟"
جف حلقها ونفت برأسها و همست بصوت مبحوح "لا لا لا .. مش أنا لا "
بس ماما قالت إنك أنت اللي عاملاه!"
ارتفعت ضربات قلبها و حمحمت "أنا وماما عملناه سوا .. ما هي علمتني أصلها ."
"اوعي تكوني بس حاطالي فيه سم مزح مذكرا إياها بما قالته له عندما تقابلا في تلك المقابلة المنحوسة، عندما أخبرته بأنها لو زوجته كانت لتضع سم الفئران في طعامه.
ضحكت بإحراج ونفت براسها ثم وضعت طبق الحلوى من يدها ونهضت تعدل من حجابها "طب هستأذنك يا طنط عشان زمان ماما قلقت عليا."
أومات لها أم مراد ونهضت لتوصلها للباب أثناء متابعة مراد لها بعينيه.
رحلت وأغلقت أمه الباب ثم عادت بابتسامة ماكرة له، وقبل أن تتفوه بأي شيء كان أحمد قد خرج من غرفته يضحك عاليا وجلس بجانبه ثم سخر " أنت بتتشقط بطبق محشي يا اسطا!"
ركله مراد بقدمه وهو يضع إصبع محشي آخر في فمه، ثم جلست والدته بابتسامة واسعة تقول "على فكرة، واضح إنها رجعت في كلامها وعايزة الموضوع."
أكمل مراد مضغه للطعام وتمتم "بس حلو المحشي "
" واللي جابت المحشي حلوة برضه " قهقه أحمد وضرب كفه بكف والدته أثناء خروج أبويهما من غرفته يحرك عجلات كرسيه
تعالى يا بابا، شوف ابنك الكبير بيتشقط بطبق محشي " صاح أحمد وهو يكمل قهقهته فركله مراد مرة أخرى وزمجر "والا، لم نفسك بالا "
بس يا أحمد سيب أخوك في حاله " قال والده ثم نظر لمراد وتساءل بجدية "حلو المحشي ده یا مراد؟"
أوما فوجد والده يقهقه طب على خيرة الله، نروح تخطبها لك أمتى ؟" ثم ضرب كفه بكف أحمد الذي أمسك ببطنه من كثرة الضحك
تذمر مراد وقلب عينيه فنهضت والدته تربت على ظهره وتحتضنه "مالكش دعوة بيهم يا حبيبي "
"أه، هو حبيبك وتحضنيه وأنا يتقالي يا زفت با قطران يا قرف ولما أجي أبوسك تهشيني زي الفراخ " تهكم أحمد وهو يكمل ضحكاته فسخر مراد "ما أنت قرف فعلا، ماما عندها حق."
" على الأقل ما يتشقطش بطبق محشي !"
بس ياض، وأيوة هو ابني حبيبي قرة عيني، إنما أنت؟ أنت جايلي غلط، أكيد بدلوك في المستشفى بعد ما ولدت "
"باااس، أنا أروح أحضن وأبوس أبويا ولا تقوليلي يدلوك ولا لقيناك قدام باب جامع" قال وهو ينهض ليحتضن أبيه لكن أباه قد دفعه بعيدا وضحك "لا، روح احضن أمك "
وقف في وسطهم ينظر لهم بأعين ضيقة ثم توعدهم "تمام، حلو أوي كده .. أنا هروح أحضن المزة بتاعتي .. بس ما تبقوش تزعلوا، لأن أصلا لو أنتوا بتحضنوني ماكنتش دورت على حضن تاني برل"
هتحضن أنهي مزة فيهم طيب ؟" ضحك مراد عاليا فتبعاه والداه وسخرت أمه "مزة واحدة؟ تقول هيحضئله خمسة ستة، ده حضنه كبير ويساع من الحبايب خمستاشر."
ثم تلاها أبيه "خمستاشر؟ أنت مستقليه بقدراته للدرجة دي ؟ ده مرة كنت معاه وعاكس واحدة
وفي ظرف ربع ساعة كان واحد رقمها."
ضحكوا عاليا فوقف أحمد ينظر لهم "خلاص ؟ خلصتوا ضحك ؟ طب لعلمكم أنا ما عنديش أي مرز دلوقتي وسنجل بانس حزين"
أوماً مراد وقال بجدية بعد أن توقف عن الضحك آه يا جماعة بصراحة الولد خلاص تاب وهو دلوقتي ما عندوش أي مزز."
نظرت له أمه بشك ثم رجعت بعينيها لأحمد "ده بجد؟"
"أه والله سيبتهم كلهم." أوما وهو يحك عنقه بتوتر فابتسمت و رفعت كفيها للسماء تدعو له "ربنا يهديك يا أحمد يا ابني وتسيبك من البنات خالص"
لكن الآخر سارع بإمساك يدها "لا كده الدعوة غلط، أسيبني من البنات خالص هروح لصنف تاني هنروح في داهية كده"
جديته لحضنها وأحاطت به لتعانقه وهي تقول "ربنا يهديك ويرزقك ببنت الحلال اللي تمشيك على عجين ما تلغبطهوش يا حبيبي"
"هحضنك أنت بقى وخلاص لحد ما هي تيجي تمتم وهو يضحك فدفعته عنها ونهضت له تخلع خفها "أه يا كلب "
هرول بعيدا لكن خفها كان قد لحق به بالفعل فانحنى والنقطه عن الأرض ثم هددها "ولما أرميهولك في الشارع دلوقتي ؟ " لكنه وجد الخف الآخر يلتصق به.
كانت ليلى قد خرجت من كليتها برفقة رحمة وبعض زميلاتهما عندما وجدت قيس يستند على سيارته في وجهها، قطبت جبينها واستأذنت منهم ثم تحركت نحوه وهي تعدل من خمارها بتوتر
قيس، بتعمل إيه هنا؟"
لاحظت ملامح وجهه الحزينة والقلق قد اعتراها فأردفت "مالك؟ أنت كويس ؟ "
نفى برأسه ثم طالعها بنظرة بائسة "ممكن تروح مكان تتكلم فيه؟ ولا أصحابك هيتضايقوا؟ أنا ممكن أمشي لو . " قاطعته "لا مش هيتضايقوا .. ثواني هروح أقولهم وهتصل ببابا أقوله."
أوماً وراقبها تبتعد لتتحدث إليهم ثم اتصلت بأبيها الذي سمح لها بسبب حبه غير المبرر القيس .... لا تعلم حقا لماذا أصبح أبيها متساهلا مع قيس هكذا! ما الذي فعله ليتلقى تلك المعاملة المميزة
منه ؟
عادت فوجدته في السيارة بالفعل، فتح لها الباب فجلست بجانبه وانطلق في طريقه بهدوء وأثناء ذلك كانت تراقبه يقلق حتى سألته "مالك بقى فيه إيه؟ احكيلي "
رفع كتفيه وضحك فجأة " ماكانش فيه حاجة ده أنا كنت زهقان من المذاكرة وعايز أخرج بس ... ها تروحي دريم بارك ولا الماجيك لاند؟"
سقط فكها ونظرت له بصدمة .. ماذا عن ملامحه الحزينة والنظرة البائسة في عينيه؟
" يعني أنت كنت بتمثل عليا عشان أخرج معاك ؟"
نبيهة .. يحب فيك ذكائك" ضحك عاليا وهو يلقي لها بنظرة ماكرة لها ثم مد يده المشغل الأغاني وفوجئت بأغنية باسمها للشاب خالد حيث بدأ ينشد أغنية مخصصة باسمها.
ضحكت ونظرت له بطرف عينيها فأعطاها ضحكة ماكرة وامتدت يده ليعلي الصوت أكثر وبدأ يغني مع الأغنية وهو يضع يده على قلبه "قلبي بيك أنا مشغول ... تحلم بيك فياق ونوم ... لالالالا لاي لاي لا لليلي - "
وضعت يدها على فمها تم أنفجرت ضاحكة، لكنها كانت ضحكة خجولة حقا، لا تستوعب ذلك المجنون الذي قد خطبت إليه ! لم تكن معتادة على هذا بالأساس فجميع الذكور الذين تعاملت معهم بدنا بأبيها مرورًا بأخيها نهاية بخطيبها السابق جميعهم جادون جدًا في تعاملهم وجميعهم عكس قيس.
علقت عسليتيها عليه وهي تضحك لتراقيه يبتسم ويغني مع الأغنية وهو يحرك عجلة القيادة بيد واحدة، تارة ينظر لها ويلقي لها بغمزة وتارة يعود بعينيه إلى الطريق ... وهي في تلك اللحظة تحديدا شعرت بقلبها ينبض بصورة غربية وحرارة عالية مرت بجسدها فجأة جعلتها تتنفس
بوتيرة سريعة وتبتلع لعابها بصعوبة .. هذا الشعور هي لم تشعر به قط.
ظنت أن الأغنية قد انتهت لكنها فوجئت بأغنية أخرى باسمها يليها ثالثة ورابعة وخامسة .. بدا قيس أنه قد جمع كل الأغاني باسم ليلى ليشغلها لها اليوم انشغل هو بالغناء وانشغلت هي بالسيطرة على دفعة المشاعر التي انفجرت بداخلها على حين غرة، ولا تعلم متى قد حدث هذا
و اين!
كان أدهم يقف في شرفته ممسكا بهاتفه ويضعه على أذنه مستمعا للصوت الأنثوي الذي يتحدث من الجهة الأخرى وهو يرفع عينيه إلى السماء بضيق
"سارة، أنت مش محتاجة تعتذري عن تصرف باباك خلاص اللي حصل حصل " قال مقاطعا وصمت لوهلة ثم أكمل "أنا اللي أسف، أرجوك سامحيني "
خرجت داليا لتشرب سيجارة فوجدته يتحدث في الهاتف، كانت ستستدير لتعود للداخل لكن أدهم أشار لها بيده أن تنتظر فوقفت بعيدا تشعل سيجارته ولم تقصد الإصتنات لكنها استمعت رغما عنها
صارة أظن إن إحنا كدا خلاص علاقتنا دي مالهاش مستقبل وباباك عمره ما هيقيل بيا، لو كملنا يبقى احنا بتلعب وأنا مش حابب أعمل كدا" قال بهدوء تام استغربته داليا التي عقدت حاجبيها وطالعته بصمت من بعيد
"تمام .. في حفظ الله أكمل وأنزل الهاتف عن أذنه وأغلقه ثم وقف ينظر أمامه لدقيقة حتى حرك رأسه لداليا ورفع كتفيه كان لازم ده يحصل " فأومأت له الأخرى بتفهم لكنها اقتربت وهي
تستفهم
بس انت ماكنتش بتحبها؟"
"ما أظنش، هي أول بنت اتكلمت معاها، والعيال كانوا بيجبروني أتعامل معاها باسلوب معين ماكنتش على طبيعتي معاها عموما وكدبت عليها كثير ... هي ما تستحقش حد كان بيمثل عليها."
وافقته داليا وابتسمت "تعرف إنك لطيف جدا."
بدا متفاجئا من ثنائها عليه لكنه توتر وشد السيجارة من يدها وتذمر "بطلي سجاير بقى !"
ضحكت وأومأت "محاول، حاضر " تم توترت ولملمت شعرها خلف أذنيها "بس سارة مش
متضايقة ؟"
زم شفتيه بحزن وتمتم كانت بتعيط، بس تفهمت الموقف " ثم نظر لها وتساءل " وأحمد بيكلمك ؟"
نفت برأسها "كلم ماما!"
كانت الأجواء متوترة بينهما الآن والصمت يطغى على كل شيء، أدهم يختلس النظرات نحوها في حين أخفضت هي رأسها لتنظر إلى الشارع حتى فتح هو بابا للحديث مرة أخرى "مش تحسي الدنيا دي غريبة ؟"
حركت راسها له تم استدارت واستندت بظهرها إلى السور وتساءلت "غريبة إزاي ؟"
" يعني ساعات يتحصلنا حاجات ما بنبقاش عايزينها بس الحاجات دي بتوصلنا لحاجات تانية
ممكن تكون كويسة. "
صمتت لوهلة وكأنها تفكر في كلامه ثم ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها وقالت وهي تضع سيجارة أخرى يغمها "ساعات ... بس فيه ناس بيوصلوا لحاجات أسوأ"
شد السيجارة من فمها وألقى بها في الشارع مرة أخرى وأكمل كلامه وكأنه لم يفعل شيء "ما
ممكن الحاجة السيئة دي تكون حلوة بس إحنا مش واخدين بالنا؟"
نظرت للسيجارة في الشارع ثم إليه ورفعت إحدى حاجبيها بغيظ فأكمل " ولا أنت شايفة إيه ؟"
"أنا شايفة إنك هتنزل تشتريلي علبة سجاير عشان أنت رميتلي آخر سيجارتين"
ضحك ورفع كتفيه ليقول بلا مبالاة "لا."
ثم ترجل لداخل غرفته ليتركها واقفة تنظر لظهره بفك ساقط وسرعان ما حولت عينيها للشارع نحو السيجارتين الواقعتين بضيق ثم رجعت بعينيها نحو باب شرفته وصاحت "طب أنا بسحب كلامي، أنت مش لطيف ولا نيلة."
كان أحمد ليعطيها سيجارة الآن وبذكر أحمد فهو قد اتصل بوالدتها لمرتين حتى الآن، يتصل ليسأل عن صحتها ولا تعلم في ماذا يتكلمان حقا لكنها تسمع ضحكات أمها فقط ! لم تستطع عدم الشعور بالتوتر والغيرة والضيق ولم تستطع عدم التفكير في أنه يحاول التقرب من أمها!
تحركت نحو الداخل وتوجهت إلى المطبخ لتعد شطيرة لها كي تأكلها وتكمل مذاكرتها، وقفت تحرك عينيها يمينا ويسارا وهي تفكر ماذا تعد للأكل؟
بعد خمسة دقائق جاء صوت جرس انذار الرسائل من هاتفها فلعقت بعض الكاتشب العالق في إصبعها والتقطت هاتفها وفتحته لتجد أنها رسالة من أحمد، عقدت حاجبيها وفتحتها ...
وجدتها صورة مضحكة وقد أرفقها برسالة افتكرتك لما شوفتها . مع بعض الوجوه الضاحكة. ابتسمت وبدأت بالنقر على هاتفها وأرسلت له بعض الوجوه الضاحكة هي الأخرى ثم وضعت الهاتف جانبا.
لكنها لم تلبث أن سمعت صوت رسالة أخرى فالتقطته وفتحتها لتجدها صورة أخرى، لكن هذه المرة عن فتاة غامضة من الخارج وبجانبها صورة لقطة لطيفة من الداخل
أنا مش قطة من جوايا على فكرة نقرت وأرسلتها له وسرعان ما ظهر أنه يكتب ثم جائتها رسالته قطة على فكرة.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها وهمت بالرد عليه ليدخلا إلى تلك المجادلة التي كان هدف أحمد منها أن يتواصل معها من جديد وهدف الأخرى منها أن تثبت له بأنها ليست لطيفة كما يعتقد .. لكنها خسرت بالنهاية وصمم أحمد على موقفه بأنها قطة لطيفة مسالمة من الداخل
وانتهى بها الأمر تضحك وتتذمر بأنها ليست هكذا، فيجيبها الآخر بأنها هكذا وبأن الإنكار يجعلها تبدو لطيفة أكثر.
طب أنا هقوم دلوقتي ورايا مذاكرة. قال فنقرت على هاتفها بضيق [آه ... أنا كمان رايحة أذاكر. سلام.
أغلق هاتفه و فرد جسده على تلك الأربكة التي يجلس عليها أخيه بجانبه، والذي تساءل "هو
أنت مش مخلص مذاكرتك ؟ قفلت معاها ليه ؟"
ابتسم الآخر بتوسع ونظر له نظرة خبير وهو يجيب "بص يا مراد .. ما ينفعش تلزق للبنت طول الوقت .. وبرضه ما ينفعش تبعد عنها طول الوقت لا .... خليك بين البينين، تبقى موجود لفترة معينة وفي الفترة دي حسسها إنها أهم حاجة عندك، وبعدها امشي وخليها تعرف الفرق بين وجودك وعدم وجودك .. يعني أنا مثلا هموت وأكمل كلام مع داليا من مدة طويلة كمان بس هل لما أعمل كده دلوقتي هيوصلني لهدفي؟ لا ."
عقد حاجبيها واستدار له بكامل جسده فهمتك ... طب وبعد الوصول للهدف؟"
عادي براحتك بقى بس خدلك برضه حبة وقت كل فترة كده تبعد عنها شوية عشان أنت مشغول في كذا حاجة هما بيحبوا كده، لعبة القط والفار .... أما اللي لازقلهم في أي وقت ده بيرموه وبيزهقوا منه."
أوما مراد مقتنعا لكنه ورغم ذلك جادل طب افرض هي احتاجتني في الوقت ده؟"
يبقى تسيبك من كل حاجة وتبقى جنبها لأن ساعتها هتكون هى اللى طالبة ده وعدم تلبيتك الطلبها متنفسرها إهمال وعدم اهتمام بيها"
ابتسم مراد ابتسامة ماكرة ورفع عينيه للأعلى ثم عاد ونظر لأخيه ودفعه في كتفه " وأنت بتعمل كده ليه مع داليا؟"
"عايزها تحبني زي ما بحبها " أجاب أحمد ببساطة وهو يرفع كتفيه فتساءل الآخر "بس هو مش المفروض الحب حاجة بتيجي بدون تخطيط وكده؟"
ضحك أحمد وأوما موافقا " بتيجي بدون تخطيط معانا كرجالة بس لو قعدنا نستنى الموضوع ييجي بدون تخطيط معاهم كبنات يبقى إحنا أغبيا، ليه؟ لأن إحنا المطاردين وهما الفريسة. الأسد لما بيجوع بيقوم ويطارد الغزالة لحد ما توقع ويفوز بيها، أما لو قعد استنى الغزالة تيجي
لحد عنده فممكن يموت من الجوع، إلا لو غزالة عبيطة مثلا"
تم أكمل " وبالنسبة لداليا فهي مش غزالة عبيطة بالعكس دي غزالة خايفة أصلا .. يعني قاعدة على أهبة الاستعداد وبتبص يمين وشمال عشان لو لمحت أسد بيقرب تهرب منه بسرعة فحتى اسلوب المطاردة الطبيعي بتاع أي رجل طبيعي خلقه ربنا مش هينفع معاها .. داليا عايزة حد عارف هو بيعمل إيه كويس أوي .. وحظها وقعها فيا."
رمقه مراد بذهول، هو حقا لو يستوعب كيف أن أخيه لديه تلك المعلومات الكثيرة في هذا الشأن وكأنه خبيرا فيما يفعل وفيما يقول ... لكنه تذكر غادة وعاد ليستفسر
"طب لو عايز أعلق غادة ؟ "
ضحك أحمد بصخب وسخر لفتت نظرك بطبق المحشي طبقا !"
صمت فأكمل أحمد وهو ينهض ليربت على كتفه من خلال خبرتي أقدر أقولك أنت مش محتاج تعلق غادة، أنت علقتها بالفعل، فياريت تحاول تجر معاها كلام وتتجوزها لأحسن أمك هتبيض وتجوزك " ثم تحرك بعبدا
" على فكرة هتجوزك أنت كمان " قال مراد فتصنم أحمد في مكانه واستدار لمراد "يجد؟ هي قالتلك كدا؟ "
أومأ مراد "بس لو نجحت."
سقطت ابتسامة أحمد وحك رأسه وهو يتمتم يضيق "ان شاء الله".
في الثامنة مساءً كان قيس وليلى يخرجان من حديقة الملاهي، وهو يمد يده لها بحلوى غزل البنات هتاكلي دي كمان يعني هتاكلي دي كمان "
ضحكت وهرولت مبتعدة وهي تردف "لا." فهرول خلفها حتى لحق بها ووقف أمامها "خلاص
بجد مش هشتربلك حاجة ثاني، دي آخر حاجة."
نظرت له بأعين طفولية وترجته " قيس .." فقلدها بطريقتها "ليلى ."
تنهدت بيأس وأخذت منه الحلوى فابتسم وتمتم يلا عشان نروح هشام هاربني مكالمات من الصبح".
ترجلا معا للمكان الذي ركن فيه سيارته وبينما هما قد وصلا إلى مكان السيارات وجدا ثلاثة شباب يستندون على سيارة في المقدمة
ده إيه القمر المحتشم ده قال الشاب الذي يقف في الوسط بين إثنان آخرون
جفلت ليلى وتوقف قيس عن المشي، رفعت رأسها له يخوف لأنها وجدته يعقد حاجبيه وملامحه متجهمة
شدد على فكه واستدار وهو يكور يده على شكل قبضة فأمسكت ليلى بذراعه وهمست له بنبرة مترجية قيس بالله عليك بلاش مشاكل "
نظر لها ثم للمجموعة وأحس بأنه لو افتعل شجارًا وليلى معه فلن يكون الوضع جيدا وهو لأول
مرة في حياته يسيطر على غضبه ولا يفعل أشياء متهورة.
أمسك بيدها واستدار متحركاً بعيدا لكنه سمع ضحكات المجموعة وصوت الشاب في المنتصف يقلد صوت ليلى ساخرا "شاطر يا قيس"
رمقه قيس بطرف عيناه وصدره بدأ يعلو ويهبط لكنه قابل أعين ليلى الخائفة فأعطاها إيماءة بسيطة وأكمل تحركه حتى وصل إلى سيارته وفتح لها الباب
جلست براحة لأنها أدركت أن الأمر قد انتهى لكنها فوجئت بها يوصد الباب ولا يدخل ثم حذرها "أيا كان اللي هيحصل ما تخرجيش، تمام؟"
قيس بالله عليك بلاش مشاكل ضربت الزجاج بيدها لكنه قد تحرك بعيدا بالفعل وهو يستجمع كل ذرة غضب بداخله
وجدته تلك المجموعة أمامهم فجأة وفي ظرف ثانية واحدة كان قد لكم الذي في المنتصف في منتصف وجهه وهو يسخر " أنا مش شاطر للأسفه".
كانت ليلى في سيارته تجلس بقلب مرتجف والدموع تنساب من عينيها ببطء وجسدها يرتعش بخوف ولم تستطع سوى البكاء بصمت وهي تنظر يمينا ويسارا.
بعد ربع ساعة وجدت الباب يفتح ويجلس فيس في مقعد السائق، رفعت رأسها له فوجدت
سترته متلطخة ببعض الدماء وهناك دماء تلطخ أنفه لكنها متوقفة - وثغره كان ميتسفا !!!!
بتعيطي ليه ؟ ما حصليش حاجة !" قال بهدوء وهو يلتقط أنفاسه
" أنت اتجننت؟ أنت إزاي تعمل كده؟ افرض كان حصلك حاجة " صرخت في وجهه من بين شهقاتها
قهقه بخفة ورفع يده يمسح فمه وهو يجيب ما كانش هيحصلي حاجة، دي عيال عندها أنيميا وبيضربوا مخدرات ومش قادرين يصلبوا طولهم حتى "
نظرت له بأعين مغرورقة بالدموع فسقطت ابتسامته وأدرك بأنه أرعبها وبأنها كانت تجلس هنا بمفردها وهي تشعر بالهلع لكون قد ذهب ليتشاجر
يعني عايزاني كنت أعمل إيه؟ اد ا سمعهم بيعاكسوك واسكت ؟" حاول إعطاءها سببا فصرخت في وجهه
"أنت ما يتقدرش تسيطر على غضبك وبتعمل حاجات متهورة وأنا مش هينفع ابقى ماشية معاك وحاسة إنك هتنتهز أي فرصة عشان تتخانق حرام عليك أنا كنت مرعوبة وخايفة !"
أخفض رأسه يندم وسب نفسه في عقله فأكملت هي بكاءها حتى أصبحت شهقاتها مسموعة
افرض كان جرالك حاجة ؟ كنت هعمل إيه أنا وأنا لوحدي ؟" أكملت بنيرة متحشرجة فاعتدل في جلسته واقترب منها اصطدمت به يمسك بيدها وهو يهمس "طب بطلي عياط .. مش هعمل كدا تاني "
كانت في حالة لم تسمح لها بالتركيز حقا لكنها جفلت عندما شعرت بشفتيه على كفها من الداخل وهو يهمس "والله ما هعمل كدا تاني"
سحبت يدها بتوتر منه فاستقام ومد يده ليلتقط منديلا من علية المناديل الموضوعة على مقدمة السيارة، ثم مد يده ليمسح به وجهها حتى توقفت عن البكاء وهدأت
"بحبك" همس فجأة فرفعت رأسها له وفوجئ بعينيها تترقرق من جديد فسارع بالمزاح "لا ما تعيطيش تاني طب ما يحبكيش على فكرة .. أنا كداب أساسا."
ضحكت رغما عنها ومسحت عينيها بطفولية ورفعت سبابتها في وجهه توعدني انك مش هنتخانق تاني؟"
أومأ لها بهدوء ليجيب بصدق "مش هتخانق تاني "
ثم حرك رأسه للأمام ومد يده ليدير المفتاح وحرك السيارة ليخرج بها بسلاسة ويمضي في طريقه.
رواية اربعة في واحد الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الثالث والثلاثون
وقف احمد وهشام وأدهم أمام القاعة التي سيمتحنون بها اليوم أول امتحان لهم، كان هشام يراجع من المذكرات التي كتبها بخط يده ملخصا لأهم النقاط التي يجب التركيز عليها، والتي حفظها جيدا عن ظهر قلب. أما أدهم فقد كان يمسك بشطيرة يأكل منها بلا مبالاة وكأن ليس امامه بعض الوقت على امتحان يمكن أن يهان فيه واحمد الذي يستند على الحائط وهو يشرب سيجارة بهدوء مراقبا الطلبة هنا وهناك حتى حرك رأسه الإثنيهما متساءلا
"هو قيس اتأخر ليه ؟ "
رفع أدهم كتفيه وأجاب "قالي إنه في السكة. " بينما هشام لم يهتم ولم يرفع عينيه عن الورق الذي في يده.
ظهر قيس بعد قليل بابتسامة واسعة متقدما منهم، اعتدل أحمد وأدهم في استعداد ليرحبا به الله لكنه تجاهلهما وأحتضن هشام فجأة "أبو نسب اللي واحشني "
دفعه هشام بعيدا وسخر وهو يعدل نظارته "وأنت مش واحشني "
لیه پس ده حتى شوف جايبلك إيه .." قال وهو يخرج علبة جلدية بدت ثمينة فنظر لها هشام بدون فهم ثم رفع عيناه لقيس الذي فتحها وأخرج منها قلما غاليا "القلم ده عشان تكتب وتلعلع بيه كدا في ورقة الإجابة."
" واشمعنى أنا ما جيبتليش قلم ؟!" تدخل أدهم بقم مزموم وهو يشبك يداه أمام صدره ويعلق عينيه المتسائلة على قيس وكأنه كالزوجة الثانية التي أشترى زوجها هدية لزوجته الأولى ولم يشتري لها مثلها.
حك قيس عنقه وحمحم "ما هو .. نسيت . "
"نسيت ليه إن شاء الله ؟!"
قيس، مسألك سؤال وتجاوبه بصراحة - " قال بطريقة درامية جعلت قيس يتشتت بشدة ويشعر كما لو أنه يتم استجوابه بواسطة ضابط في قسم الشرطة
طالعه بأعين ضيقة ثم أكمل ببطء وهو يتقدم ليقف أمامه أنت بتحب هشام أكثر مننا ؟!"
عقد قبس حاجبيه وشعر بحلقه يجف وتوقف عقله عن العمل وكأنه لا يستطيع استيعاب ما قد قيل له من الأصل ! وبمواجهة أعين أدهم فقد ابتلع لعابه لينظف حلقه وسارع بالتحدث بتقطع محاولاً تجميع جملة مفيدة لكنه لم يستطع وكل ما تفوه به هو "إيه ؟!"
مد هشام يده بالعلبة لأدهم وأردف "خده يا أدهم مش عايزه أصلا" لكن قبل أن يلتقطه أدهم كان قيس قد دفع بيد هشام "لا، ده ليك أنت، أنا هشتري لأدهم واحد"
حزنت ملامح أدهم وأشاح بوجهه بعيدا فقلب أحمد عيناه ثم ألقى يعقب سيجارته أرضا وهمس له وكأنه يراضي طفلا صغيرا "يا ابني تلاقيه بيعمل كدا عشان عايز هشام بخششه جول"
أخذه هشام على مضض وهو يهمهم "شكرا عموما، سيبني في حالي بقى عشان أكمل مذاكرة"
ابتسم قيس باتساع وأوما "صح، أنا هسكت خالص أهو وهسيبك تكمل مذاكرة، مستقبلنا يعتمد عليك يا بطل."
رفع هشام عينيه عن الورق له بدون فهم "نعم ؟!"
اقترب منه قيس وأحاط عنقه بذراعه وهو يقول ببساطة "لو عوزت منك سؤال ولا حاجة هكحلك برقم السؤال لو كحة واحدة يبقى السؤال الأول، كحتين يبقى الثاني .. وهكذا، فافهم ها .. أنا مقعد جنبك."
أزاح هشام يده عنه وزمجر لا ده عند الست والدتك الكلام ده أنا ما يغشش، الغش حرام ومن غشنا فليس منا !"
"ما هو مش انت اللي هنغش أنت هنغشش .. أنا اللي هغش مالكش دعوة" برر فنفى هشام برأسه "لا"
"شومة ... ده أنا خطيب أختك وأبو نسب وكدا .. يرضيك ولاد أختك يبقى أبوهم خارج بملحق ؟" حاول استعطافه فسخر هشام طب عشان أبو نسب دي وربنا ما هفششك."
"لو سقطت أختك هتفضل مخطوبالي سنة كمان من غير جوان ده مش من مصلحتك على فكرة " قال بنبرة لئيمة جعلت أعين الآخر تتسع ويتقدم منه بجنون "قصدك إيه ياض؟"
"ما قصديش ... بس راعي العيش والملح اللي بينا !"
طب قسما عظما ما هفششك، وهي كبرت في دماغي بقى صاح هشام وحينها تدخل أحمد ليقف بينهما ويدفع بقيس بعيدا وهو يقول "خلاص هغششك أنا ارحموا ميتين أمي، مش هنتخانقوا قبل الامتحان كمان"
قلب قيس عينيه وتهكم "هفش منك أنت؟ شوفلنا حد يغششنا أنا وأنت يا اسطا!".
استدار له أحمد بكامل جسده وضيق عينيه وهو يجيب بهدوء وثقة " على فكرة أنا تقديري جيد جدا! مش محتاج أغش من حد يا أبو ملحق "
توسعت اعين ثلاثتهم ونظروا لأحمد بدون تصديق فاستفهم أدهم "جيد جدا ؟!"
اه جيد جدا! مالكم مستغربين ليه ؟ "
"أنت بتجيب وقت منين تذاكر وتعلق بنات الله يخربيتك " قال أدهم بدون تصديق وهو يضرب كفيه ببعضهما.
فاقترب منه قيس سائلا بشك " والا يا أدهم، أنت تقديرك إيه؟"
حمحم أدهم وأجاب بحرج مقبول أو جيد مش فاكر - " وفوجئ بقيس يحتضنه عميقا وهو يقول "حبيبي يا أسطا .. أنت من النهاردة أنت الوحيد اللي صاحبي جوز الدحيحة دول مش عايز أشوف وشهم تاني .. يهود."
تمام، شوف مين هيفششك بقى - " هدده أحمد واستند على الحائط وهو يخرج سيجارة أخرى ليضعها في فمه ثم رفع إحدى حاجبيه وتمتم "هغشش أدهم وأنت لا. "
نفى أدهم برأسه "لا، ما يغشش ."
ابتسم هشام وصاح نخو قيس شايف الناس المحترمة ؟ مش أنت يا رخم !"
كان سيتقدم قيس ليتشاجر معه من جديد لكن أحمد صرخ فيه "ما قولتلك هغششك، اخرس بقى !"
ورغم قول أحمد لهذا، فإن قيس لم يقتنع بكونه مجتهذا وذكيا وذو تقدير مرتفع، ليس مقتنعا إلا بالغش من هشام وهشام فقط.
دخلوا إلى قاعة الامتحان وحرص قيس على الجلوس في الوسط بين هشام وأحمد، وكان أدهم على الطرف الآخر بجانب أحمد.
تم توزيع الورق وهم أربعتهم بالإجابة، هذا حتى مر نصف الوقت وترك قيس القلم من يده وبدأ يختلس النظر نحو ورقة هشام، انتبه له الآخر فأحاط ورقته بذراعه اليسرى وهو يكمل كتابة
باليد اليمني ...
"هشومة .. " همس قيس له فقلب هشام عينيه ولم يجيب فأكمل الآخر "السؤال الخامس ("
تجاهله هشام فهمس ياض ده إحنا نسايب يالا!"
انتبه له المراقب فصاح "اللي بيتكلم ورا."
حك قيس ذقته وتمتم "لا، ده أنا كنت بسأله على أستيكة بس " ثم نظر في ورقته وهمس لهشام
"طب أحسنلك بعد اللجنة ترجع جري على بيتكم عشان لو وقعت في إيدي مش هحلك "
همس له هشام "ما ذاكرتش ليه!"
فآثر الآخر إستفزازه وأجاب بابتسامة ماكرة "كنت بكلم أختك."
احتقنت الدماء في وجه هشام وحرك رأسه له بأعين قائلة لكنه أختار تجاهله وركز على ورقته من جديد.
حرك قيس رأسه لأحمد وهمس " والا ... أنا مش واثق فيك بس ما قداميش غيرك .. هات السؤال
الخامس أ."
وبهدوء كان أحمد قد ابتعد عن ورقته وقربها قليلا من قيس الذي بدأ ينقل الإجابة بهدوء لكنه عقد حاجبيه وتساءل "بس سالب أربعة جات إزاي ؟!"
جات بالميكروباص أنت مال أمك جات إزاي ؟!" همس له أحمد بغيظ فصمت وأكمل نقل
الإجابة.
حرك أحمد عينيه لأدهم وهمس "عايز حاجة ؟ "
بدا أدهم متوترا جدا لكونه ليس معتادا على الغش إطلاقا، لكن هناك سؤالا ذو عشرة درجات يقف معه، حك عنقه وهمس بتوتر "السؤال الثالث."
حرك أحمد ورقته نحوه ومثل أنه يراجع، لاحظ المراقبة تنظر له وتنتبه لما يحدث، ولكونها صغيرة بالسن قشتتها بابتسامة جانبية منه وهو يقضم شفته السفلى وينظر لها بنظرات مغازلة ثم أنهى الأمر بغمزة سريعة من عينيه ذات الرموش الطويلة والتي قد جعلت الدماء تصعد
لوجهها وأشاحت ببصرها عنه فوزا وهي تمثل بأنها لم تره.
لكن المراقب قد انتبه لهما وصاح "الإثنين اللي لابسين أسود، تعالولي برا"
نظر أحمد وأدهم لبعضهما ونهضا بهدوء حيث أدهم بدأ يدافع عن نفسه "ليه؟ أنا ما عملتش حاجة !"
اطلعلی برا قولت صاح المراقب فأعطاه أحمد نظرة مستهزءة وتحرك بهكوء وهو يمسك بورقته ثم أعطاها للمراقب وهو يسخر "أنا خلصت أصلا"
وقبل أن يخرج كان قد ابتسم للمراقبة من جديد، ورغم كونها أكبر منه بقليل، ألا أنه كان نو
کاريزما ووسيما كفاية ليجعلها تخجل مرة أخرى.
لحقه أدهم الذي سلم ورقته هو الآخر ووقفا ينتظران قيس وهشام.
كان قيس قد بدأ يهمس لهشام من جديد طب السؤال الثالث، ياض ما تبقاش واطي كدا!"
تجاهله هشام للمرة المئة فتوعده قيس بداخله ثم صاح على المراقب " لو سمحت يا حضرة
المراقب الواد ده قاعد يقولي هات السؤال الخامس وعايزني أغششم"
توسعت أعين هشام ورفع رأسه عن الورقة يصدمة ليجد جميع من في اللجنة ينظرون نحوه. جف حلقه وعدل من نظارته ونهض يزمجر ما حصلش، هو اللي قاعد يناديني من الصبح."
"قومولي من جنب بعض " صاح المراقب وهو يتقدم منهما وسحب هشام بورقته بعيدا عن قيس الذي جلس يتململ ثم نظر حوله وأدرك بأن هذه هي للنهاية وانتظاره لن يفيد بشيء، فنهض وسلم ورقته وخرج ليلحق بالإثنان الآخران ووقفوا في انتظار هشام.
" هو الواد بيكتب إيه كل ده تذمر قيس بعد أن مرت نصف ساعة أخرى فرفع أحمد كتفيه وتمتم أدهم " مش عارف !"
مرت ربع ساعة أخرى وهشام لم يخرج، وحينها سخر قيس ده شكله بيسمع المنهج كله جوا بروح أمم "
ضحك إثنيهما ثم حك أحمد عنقه وتمتم "طب أنا همشي دلوقتي عشان عندي مشوار كدا نتقابل بالليل يقي "
ودعه أدهم وقيس بعد أن أخبره قيس بأنه سينتظره في شقة الزمالك.
توجه أحمد نحو كلية الآداب في نفس الجامعة، كان من حظه الرائع أن داليا في نفس جامعتهم ... الغريب أنه ذهب إلى هناك من قبل لكنه لم يرها هناك قطا توقع بأنها لم تكن من هواة الحضور.
فور دخوله بدأ يسأل عن مكان انعقاد امتحان السنة النهائية لقسم اللغة الإنجليزية حتى وصل أمام ذلك المبنى الذي وجد بعض تجمعات الطلاب أمامه، ومن خلال السؤال عرف أن ده يتبقى ساعة على بداية الامتحان، بحث عن داليا هنا وهناك لكنها لم تكن متواجدة
وقف ينتظر حتى مرت نصف ساعة وبدأ الطلاب بالدخول نحو القاعة وهي لم تظهر بعد؟ ما المشكلة مع تلك الفتاة حقا !
أخرج هاتفه واتصل بها بتوتر، أين هي ؟!
جاءه صوتها وهي تنهج من المشي "ألو ؟"
"ألو ايه! أنت فين ؟!"
ظهرت من بعيد وهي تتحرك بسرعة دون الإنتباه له وأجابته "رايحة الامتحان!"
اعترض طريقها فجأة وهو يخفض يده بالهاتف ويغلق المكالمة اصطدمت به و عقدت حاجبيها
بدون فهم عندما وجدته أمامها ...
"إيه اللي جابك هنا؟" تساءلت فنظر لها بضيق وتهكم "الناس بتقول : إزبك ؟ عامل إيه ؟
وحشتني .. مش إيه اللي جابك هنا!"
جعدت وجهها وسخرت "وحشتني ! لا أنت طموحاتك عليت أوي ."
ليه يا عم عبده ؟ الكلام ملزق ومش عاجبك بس الدبش اللي بتدبشيه في وشي حلو ؟!"
أعطته نظرة مهددة وهي تكرر "عم عبده؟"
ابتسم وهمس لها "أحلى عم عبده والله - " توترت و الملمت خصلات شعرها خلف أذنيها فأكمل
"ما قولتش يا عم عبده، متأخر ليه ؟"
"عادي أنا على طول بتأخر - "
ابتسم وأوماً " ومذاكرة كويس ؟"
ضحكت ونفت برأسها فمرح "طب معاك برشام؟"
قلبت عينيها و ضحكت بصوت مرتفع وهي تنفي برأسها مرة أخرى لكنه قال بجدية "عموما أنا واثق إنك هتحلي كويس عشان أنت ذكية، ادخلي بس بسرعة يلا"
حكت شعرها وتمتمت "أنا كنت رايحة أشتري ازازة ماية الأول، أنا عطشانة !"
"أنت بتستهبلي ادخلي الامتحان بدأ أصلاا"
كانت ستعترض لكنه صمم وأدخلها رغما عنها.
أخذت ورقتها من المراقب وجلست بهدوء ثم استنشقت نفسا عميقا وبدأت بحل ما تعرفه.
مر عشرة دقائق قبل أن تجد أحمد يقتحم اللجنة ويستأذن من المراقب أن يعطي داليا زجاجة الماء وعلبة العصير مع قطعة شوكولاتة معللا بأنها كانت تشعر بالهبوط.
أوصلها لها المراقب في وسط متابعة من أفراد الدفعة لأحمد الذي ابتسم لها وخرج كما دخل.
أخذتهم بإحراج وسارعت بفتح زجاجة الماء لتتجرع منها.
ارتسمت ابتسامة على وجهها طوال الوقت، وكان من الصعب إزالتها حقا، حاولت وحاولت
وفشلت.
لاحظتها صديقة لها تبتسم ببلاهة وهي تحل في ورقة الإجابة وكأنها تقرأ قصة لطيفة لما قبل النوم، لكنها حتما عرفت بأن الفتى الذي جلب لها تلك الأشياء هو السبب.
كان هشام قد خرج أخيرا فوجد قيس في وجهه بابتسامة مستفزة قبل أن يسخر " وها قد
ظهرت الرؤية !"
اقترب منه هشام وهو يستعد لمشاجرة بقى أنا هفش منك أنت يا فاشل يا بايظ ؟"
"لا، بس كنت ينتقم منك عادي " ضحك قيس فنفخ هشام الهواء من فمه ثم أخرج الورق ليراجع إجاباته دون الإهتمام بقيس وأدهم اللذان يتسامران في أشياء تافهة بجانبه.
سلمت داليا الورقة عند نصف الوقت وخرجت بسرعة كانت تنفي في عقلها فكرة أنها تريد رؤيته بالخارج، وعللت خروجها بتلك الطريقة بأن هذا هو المعتاد فهي دوما تخرج بعد نصف الوقت مباشرة .... لكن كل ذلك كسر عندما خرجت ولم تجده، شعرت بالإحباط يطغى عليها رغما عنها ورغم محاولتها لإنكار الأمر ... وقفت تبحث برأسها هنا وهناك حتى وجدت يدا توضع على
كيفها.
نبض قلبها والتفتت بسرعة فوجدتها صديقتها التي كانت تطالعها بابتسامة ماكرة "بتدوري على
حد؟
وصل أدهم إلى منزله، كان جده يجلس بالداخل، وفور دخوله كان قد سأله "عملت ايه ؟"
تمام الحمد لله - " أجاب باختصار وكان سيتحرك نحو غرفته لكن جده أوقفه "اصبر، عايزك"
استدار بهدوء وتقدم ليجلس أمامه، ذلك الرجل الذي ملأ الشيب رأسه، ورغم ذلك بدا مهيب
الهيئة بتلك الأعين الثاقبة التي ينظر بهما إليه
جلس أمامه وهو يبتلع لعابه.
"أنا عارف إن مش وقته، بس هتعمل إيه بعد التخرج ؟"
" هشتغل !" أجاب فأوماً له جده "هتشتغل إيه؟"
"مهندس يا جدي .. عادي !"
ابتسم له جده و هز رأسه موافقا "طب إيه رأيك تدخل أكاديمية الشرطة وتبقى ظابط مهندس ...
ونبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد؟"
حك أدهم عنقه ونظر لجده، بدا الآخر وكأنه يترجاه وبهدده في نفس الوقت .. فلطالما كانت عائلته من ضباط الشرطة أو الجيش، هو من كسر القاعدة وأصر على الالتحاق بكلية الهندسة
"أنا موافق بس بشرط " قال فتهللت أسارير جده وبدا مستعدا للموافقة على أي شيء من أجل التحاق أدهم بأكاديمية الشرطة
"مش هتجوز شيري، وأيا كان هتجوز مين فدي حريتي الشخصية وهتوافقوا عليها ما دام البنت مؤدبة ومحترمة وأهلها ناس كويسين .. أيا كانت بقى هي مين، ماشي؟"
صمت جده قليلا وطالعه بتركيز "أنت بتفكر في واحدة؟"
"لا مش بفكر " قال وهو يبتلع لعابه فضيق جده عيناه وأومأ ببطء "تمام .. موافق "
لكن الآخر كرر مؤكدا مش هتتدخلوا ما دام البنت محترمة وأهلها كويسين، تمام؟ سواء بقى كانت فقيرة أو أيا كان ظروفها الاجتماعية إيه ؟ .. هتبقى ليا حرية مطلقة في اختيارها؟"
نفخ جده الهواء من فمه وأوماً على مضض فابتسم الآخر براحة ونهض يصافح جده " يبقى متفقين يا سيادة اللواء".
في مكان آخر وقف مراد في الشرفة، وهو يتذكر نصيحة أخيه الصغير: بادر بالكلام مع غادة. كان يرتدي بنطاله فقط كالعادة ويدخن سيجارته الوحيدة التي يدخنها كل يوم؛ فهو وإن كان
مدخلا فلا يزيد عن سيجارة واحدة بعد الغداء تقريبا.
خرجت غادة بملامح وجه حزينة هذه المرة، نظرت للأسفل بتيه وبدت بائسة حقا، مما جعل الآخر يهتم ويحمحم جاذنا انتباهها "مالك؟ فيه حاجة ؟"
نفت برأسها وأكملت نظرها للأسفل لكنها رفعت عينيها له فجأة وتساءلت "ممكن اخد رأيك في حاجة ؟ "
أوما لها فنظرت يمينا ويسارا وعرف هو بأنها لا تود الحديث هنا، حيث يمكن للجيران سماعها تاخدي رقمي ؟" اقترح بتردد ولوهلة هي قد أبعدت عينيها عنه لتفكر ثم عادت برأسها له وابتسمت وهي تجيب "ماشي".
بعد خمسة دقائق كانت قد سجلت رقمه في هاتفها واتصلت به فأقفل مكالمتها وسجل اسمها واتصل هو "ها مالك؟"
"أنا مش لاقية حد أتكلم معاه ومش هينفع أقول الموضوع ده لماما ...
صمت مراد ليعطيها كامل الحرية في التحدث فأكملت بص، أنا مش عارفة مامتك قالتلك ولا لا. بس بابا سابتي أنا وماما لوحدنا من ساعة ما أنا أتولدت وما يعرفش عننا حاجة ولا إحنا نعرف عنه حاجة ماما ريتني لوحدها."
ضدم مراد تماما ونظر لها بحزن، لكنه أوماً فأكملت مش عارفة هو جاب رقمي منين بس اتصل بيا وبيسأل عليا وعايز يشوفني وأنا مش عايزة أشوفه ولا أكلمه ولا أسمع منه أي حاجة .. بس
مستحرمة .. هو لو أنت مكاني هتعمل إيه ؟"
ابتلع لعابه وحك شعره، بدا متحيزا بشدة ولا يستطيع إيجاد إجابة شافية، فكيف يخبرها بأن تذهب لأبيها الذي بالفعل تركها طفلة رضيعة ولم يعبأ بها أو بأمها؟ لكن في نفس الوقت كيف يخبرها بألا تراه وهو ما زال أبيها؟
تبا للأشخاص الفاقدي الإحساس والشعور بالمسؤولية، لماذا يتزوجون ويجلو بن أطفالا لتلك الحياة إذا لم يكونوا على استعداد لتحمل مسئوليتهم ؟!
"أنا بكرهه .. هو سبب حاجات كتير أوي وحشة في حياتي - " أكملت غادة بنبرة مرتعشة وهي تخفض رأسها للأسفل، نبرة صوتها على وشك البكاء ...
طلب ما تعيطيش ... همس لها فمسحت عينيها من دمعة كانت ستسقط منها وأومأت له
"لو مكانك، هروح الأول أشوفه عايز إيه .. مش عشانه عشان ربنا، عاملي ربنا فيه لأن هو مايستاهلش".
كانت غادة غير مقتنعة ورافضة الذهاب لكن مراد أقنعها بالنهاية واستعمل فضولها ليحركها ويجعلها تذهب لملاقاة ذاك المسمى بأبيها ...
" هو أنت مش سقعان؟ مهما كان الجو ساقع جدا يا ابني ! " تساءلت فضحك وأجاب "والله سقعان بس بغيظك "
"لا، ما أنا أتعودت خلاص ..." قالت باندفاع من وسط ضحكاتها لكنها استشعرت ما قد تفوهت به وتوردت وجنتيها فوزا "قصدي .. يعني ...
أكمل ضحكاته وأوماً "للأسف مش معرف أقلع أي حاجة ثانية عشان أغيظك .. مش هينفع."
راها تخجل أكثر ثم استأذنت منه بإنهاء المكالمة وهربت بسرعة للداخل فدخل هو الآخر ليلتقط سترة مرتديا إياها وألقى بجسده على سريره بابتسامة واسعة، حسنا .. لم تكن مقابلته الأولى بغادة ألطف شيء، لكنه كان حزينا وخائفًا من أن يعود إلى ألمانيا خالي الوفاض ووحيد من جدید
كانت الوحدة تقتله هناك، وكان شيطانه سيتغلب عليه لبعض المرات وهذا جعله خائفا ... خائفا من ترك الفرصة سانحة أمام الشيطان ليستغل وضعه كرجل أعزب في تلك البلد التي كل شيء مباحًا فيها ولا رقيب عليه إلا الله.
لكن تحول غادة المفاجئ معه قد جعل أمله يعود بأن يرجع إلى ألمانيا وهو معه زوجة .. أينعم زوجة لسانها طويلا أحيانا، لكنه يعرف بأنه يستطيع ترويض ذلك فيها، وهذا بالفعل قد ظهر:
فقادة منذ مدة وهي تبدو خجولة ومتأدية أمامه.
وصل هشام لمنزله وفور دخوله ترجل الغرفته ليبدل ملابسه، لكن سبقه رنة هاتفه، أخرجه من جيب بنطاله، وجدها رحمة ! ... توقع بأنها تريد منه أن يشرح لها شيء ورغم تعبه هو قد فتح
المكالمة مرحبا بها
"عملت إيه في الامتحان؟" تسائلت الأخرى باهتمام فارتسمت ابتسامة غريبة على وجهه وأجاب " الحمد لله، كان كويس جدا."
عم الصمت بينهما حتى سألها "عايزاني أشرحلك حاجة ؟"
ضحكت وأجابته "لا يا هشام مش عايزة أنا كنت بسأل عليك بس ."
شعر بالحرج الشديد وابتسم وهو يجلس على السرير لا يعرف ما الذي يرد به الآن حقا؟ لم يسبق له أن كان في وضع مماثل
بس لو عايزاني أشرحلك أي حاجة أنا فاضي يعني ... في أي وقت عايزاني اتصلي بيا" همس لها وبالرغم من كونه لم يقل لها شيئا رومانسيا قد يجعلها تخجل فقد خجلت وحمحمت "شكرا با هشام
استشعر خجلها وضحك بخفة وهو يقلدها "العفو يا .. رحمة."
فوجئ بالباب يفتح وأبيه يظهر من ملفه فارتعب وأغلق المكالمة في وجه رحمة وكأنه فتاة قد
أمسك بها أبيها تحادث شانا غريبا على الهاتف
"أنت كنت بتكلم مين؟" استفهم والده بدون فهم فجف حلق الآخر وكذب "ده ده ... ده قيس ... أصله .. هو كان عايزني أنزل أقابله"
صدقه والده وفتح معه حديث عن كيف كان أول امتحان له وبعد خروجه قد سارع بالاتصال برحمة ليعتذر لها عن غلق المكالمة في وجهها.
كان لا يعرف ما الذي يقوله لرحمة حقا وهذا قد جعله يسب نفسه مراراً وتكرارا لكنه تذكر أحمد وعرف من الذي سيساعده في تلك المسألة.
وصل هشام الشقة الزمالك مساءً فوجد ثلاثتهم بالداخل بالفعل ويذاكرون لكنه وقف ينظر لهم بضيق وقال " بقولكم إيه ؟ هو أنتوا بتكلموا البنات تقولولهم إيه؟ أو بتفتحوا كلام إزاي ؟"
ابتسم قيس ابتسامة ماكرة ونهض له يقول بنبرة خبيثة "ما تقولش .. رحمة ها؟"
"مالكش دعوة ياض أنت أنا بكلم أحمد وأدهم."
ترك أحمد الكتاب واستند بظهره على حافة السرير وهو يقول "عادي، تقولها عاملة إيه النهاردة؟ حاسس إن يومي كان ناقص من غيرك وحشتيني .. هو أنا ما وحشتكيش ؟ طب يحبك ....
وهكذا."
جعد هشام وجهه وصاح "بحبك ووحشتيني ؟! لا لالا .. شوف حاجة ثانية أنا مش هقول أنا الكلام ده "
ليه يا أسطا ما تقولش؟ هو أنت واخدها تخليص حق ؟!" سخر أحمد فاقترب قيس منه وهو يضيف
سيبك منه .. أنت تجيلها وش كدا وقولها ما تيجي نتقابل، ولما تقابلها امسك إيدها وقولها إيدك ناعمة زيك "
لكنه فوجئ بهشام يستدير له ويمسك بسترته الزرقاء ويزمجر بتهديد "والا، أنت مسكت إيد أختي ؟!"
وبرغم أنه فعل فعلا لكنه نفى ودفع هشام عنه أختك دي إيه اللي همسك إيدها ! ده أنا مرة قولتلها وحشتيني عيطت ونكدت عليا !"
نظر هشام لأدهم وقال قولي أنت يا أدهم، أنت محترم"
لكن قبل أن يفتح أدهم فمه كان قيس قد سخر "أتلم المتعوس على خايب الرجاء"
علق هشام عينيه على أحمد، وشعر بأنه لو سيسمع لشخص فأحمد هو المرجح أن يسمع كلامه ... لكن في نفس الوقت بدا أحمد تانها في أفكاره فجأة، كان موضوع واحد يدور حول عقله .. فئة كبيرة من الرجال لا يعرفون كيف يعاملون الإناث ويفهمونهم وكيف يتصرفون معهم!
لكنه لديه من الخبرات ما يكفيه ليعطي نصائح جيدة لهم....
الآن ماذا لو أستغل هذا في شيء مفيد؟ مثل ... قناة على اليوتيوب ؟
لمعت عينيه فوزا، ربما هذا سيكون هدفًا جيدا يركز عليه غير استخدام معلوماته في مطاردة الفتيات ! نعم .. بدلا من أن يفعل هذا سيساعد الرجال أمثال أدهم وهشام وغيرهم بأن يحصلوا على الفتاة التي يحبونها !
"أحمد .. أعمل إيه ؟ " تساءل هشام وهو يجلس بجانبه فحرك رأسه له بابتسامة عريضة وقال وهو يرفع عينيه نحو السقف "هقولك.".
رواية اربعة في واحد الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الرابع والثلاثون
كان قيس يستند على ظهر سيارته بجانب أحمد وأدهم جميعهم في انتظار هشام الذي بالطبع لن يخرج إلا بعد نهاية الوقت.
رن هاتفه فأخرجه ووجدها ليلى ... ابتسم ثم استقبل مكالمتها بترحاب شديد
"إيه يا كنكوتي خرجت من الامتحان ؟ " فوجئ بها تقول هذا وقد تصبغ وجهه باللون الأحمر وقطب جبينه بغضب طفولي وهو يتذمر "كتكوتي إيه يا ليلى !"
اصتنت لمحادثته تلك أحمد وأدهم بهدوء
"يا ليلى أنا قولتلك دلعيني بس مش تقوليلي كتكوتي وأرنوبي والكلام الغريب دها أنت فاهمة الدلع غلط " تذمر مرة أخرى وحينها علت قهقهات أدهم ثم صاح عليه أحمد
وطي صوتك يا كتكوتي الجامعة كلها عرفت إنك أرنوبها."
تم ضرب كفه بكف أدهم، حينما أعترى الغيظ قيس وزمجر لليلى من خلال الهاتف "أنا مش رفت كتكوت تمام اتكلمي عدل معايا بدل ما تشوفي مني وشي تاني"
دقيقتان مرتا على الزمجرة الذكورية تلك قبل أن يتراجع ويهمس "طب خلاص ما تعيطيش ... مش قصدي والله. "
سمع قهقهات أحمد وأدهم من جديد فابتعد عنهما وهمس لها محاولاً إيقافها عن البكاء "ماشي مش مهم قوليلي كتكوتي خلاص ... بس مش قدام حد".
عاد لهما بعد خمسة دقائق وهو يقطب جبينه ويقول بغضب مزيف "أنا زعقتلها، قولتلها إيه كنكوتي دي أنت مخطوبة لرجل واسمي زفت قيس مش كتكوتي "
و يا ترى زعقتلها ولا صوصوتلها ؟ " سخر أحمد وهو يضحك عاليا حينما أمسك أدهم بطنه التي أوجعته من كثرة الضحك فبدأ دخان وهمي يخرج من رأس قيس المشتعل حقا
يعني عايز تفهمني إن ما فيش ولا بنت من البنات اللي أنت صاحبتهم قالتلك يا كتكوتي ويا أرنوبي والكلام ده؟!" صرخ قيس في وجهه بإسلوب هجومي فوضع أحمد السيجارة في فمه وأشعلها ثم أجاب
"لا، قالوا طبقا .. بس اللي كانت منهم يتقولي كدا كنت بعرفها مين فينا الكتكوت وبخليها تتكسف وتسكت ما تبقاش قادرة تفتح بونها بنص كلمة."
قضم فيس شفته السفلى وتساءل "إزاي ؟"
رفع أحمد كتفيه وأجاب ببساطة "عادي عاكسها معاكسة قليلة الأدب شوية فتنكمش على
نفسها في الكتكوت المبلول ويبقى كل واحد فينا أسترد مكانته الحقيقية."
ابتسم قيس ابتسامة بلهاء وهو يرفع رأسه للسماء ويقول "قلة أدب ؟ يااااااه ... " ثم أنزل راسه الأحمد وأكمل تصدق بالله؟ أنا خلاص من قلة قلة الأدب خلاص نسيت قلة الأدب، هي قلة الأدب دي بتتعمل إزاي يا أسطا ؟"
تدخل أدهم في الحوار ساخرا "أحسن، عشان الجوازة تتم "
ابتسم قيس ببلاهة من جديد وهو يتمتم " على بال ما تتم هكون بقيت شيخ جامع شكلي كدا .." ثم سخر "ما هو أنا برضه اللي غلطان ما كانش ينفع أخطب أخت هشام"
ابتسم أحمد ابتسامة جانبية ونفخ دخانه ثم تساءل بتمثل عليها إنك محترم؟"
"لا، هي بالفعل عرفت إني قليل أدب أنا يمثل عليها إني توبت."
مرت فترة صامتة بينهم حتى تكلم قيس من جديد الواحد مشتاق لزمن قلة الأدب الجميل ... الولية أم رامي اتصلت بيا من كام يوم، قفلت السكة في وشها وأنا قلبي بيتقطع كدا .. قولتلها:
أنا آسف يا أم رامي بس أنا خطبت وهتجوز وبحبها."
مين أم رامي دي؟" تساءل أحمد فأجابه "ولية في سن اليأس وبتلعب في الوقت الضايع."
رمقه أدهم بنظرات مشمئزة "أم رامي ؟! يا أخي جاتك القرف في ذوقك، احترم نفسك بقى وقدر
النعمة اللي معاك "
" وهو حد قالك إني مش مقدرها ؟ طب قسما بالله لساني ما خاطبش جنس ست من ساعة ما
ريت أحمد على كتفه وشجعه جدع ما تعملش كدا .. الخيانة وحشة. "
رمقه أدهم بطرف عينيه وسخر "شوف مين بيتكلم!"
تحرك أحمد بعينيه ببطء لأدهم، بدا حزينا فجأة وهو يبتسم ابتسامة مكسورة "ما أنا للأسف اتعلمت الدرس متأخر يا صاحبي "
تذكر أدهم أمر سلمى ووبخ نفسه كثيرا على ما تفوه به في حين أبقى أحمد عينيه فثبتة على اللا مكان، فلا .. هو لم يتخطى بعد أمر سلمى ... ما زال يتذكرها وما زالت صورتها تداعب خياله من حين لآخر عندما يكون بمفرده، ينتظر الليل كل يوم يقرأ لها جزء من القرآن ثم ينام فتأتيه أحيانًا في حلمه، ورغم ما فعله معها فإنه براها مشرقة كالملائكة .. ورغم عدم علمه بتفسير
الأحلام فهو توقع بأنها في مكان أفضل من هنا مكان لا يوجد فيه رجل خائن مثله ليفطر قلبها.
أيقظه من شروده نكزه من قيس الذي تساءل "مالك ؟"
فابتسم وأجاب ساخرا "مافيش يا كتكوتي ...
قلب قيس عينيه وتذمر "والا! مش كل شوية هتقولي يا كتكوت".
في السادسة مساءً وقفت غادة أمام ذلك المطعم الذي وافقت أن تقابل والدها فيه، لا تعرف
شكله بالأساس ولا تعرف كيف ستتعرف عليه ؟
بدت فكرة المجيئ الآن خاطئة بشدة، ما الذي جلبها لتقابل هذا الرجل الغريب الذي تحمل اسمه فقط
وما الذي يريده منها بعد كل هذا الوقت ؟ .. لماذا يظهر فجأة بعد ثلاثون سنة من الغياب لم تمتلك إجابة واضحة لذلك السؤال، وهذا ما قد دفعها لمقابلته.
ابتلعت لعابها وفتحت الباب وهي تتلفت حولها بتوتر، ضربات قلبها مرتفعة وكأنها في سباق للجري ...
كانت ترى بعض الأشخاص منهم بعض الكبار في السن، والغصة وقفت في حلقها عندما لم تتعرف أيا منهم هو والدها المزعوم.
وجدت رجلا منهم يشير إليها، كان يجلس على الطاولة المقابلة لها تماما، وكم اقشعر بدنها عندما أدركت بأنه كان أمامها تماما وهي لم تتعرف عليه.
ابتلعت لعابها وتحركت نحوه تقدم خطوة وتؤخر الأخرى حتى أصبحت أمامه فنهض لها بابتسامة واسعة على وجهه المجعد بفعل عوامل الزمن
مد يده نحوها راغبا مصافحتها وهو يقول بلهفة واضحة "غادة، إزيك؟"
نظرت ليده يتردد، هي ليست معتادة على مصافحة الرجال ولم تشعر إلا أنه رجلًا غريبا عنها. وذلك جعلها تقبض على يدها بجانبها وتسحب كرسيا لتجلس عليه بهدوء.
تراجع هو بيده واختفت الابتسامة عن وجهه لكنه سرعان ما ابتسم مرة أخرى وهو يعود ليجلس في مكانه، ركز عينيه على وجهها وكأنه يتفحص ملامحها جيدا
في حين كانت هي تنظر ليديها المشبوكتان على الطاولة، وكأنها لا تريد النظر لوجهه
"كبرت .." قال بابتسامة فرفعت رأسها لها بابتسامة ساخرة وأومات بصمت مما جعله يبتلع لعابه
ويسحب قائمة الطعام وهو يضيف "هتاكلي ايه؟"
مش عايزة أكل، لو سمحت قولي عايز مني إيه بسرعة " جانته إجابتها الجافة التي جعلته يضع القائمة بيد مرتعشة واختفت ابتسامته تماما
مش عايز حاجة عايز أنا وأنت تتكلم و ... و .... ونتواصل سوا زي أي أب وبنته !"
لم تمتلك الصبر والسيطرة على انفعالاتها أكثر منطقت باندفاع وبنيرة تهكمية "أب وبنته ؟ أنت بتتكلم بجد؟"
أيوة بتكلم بجد يا غادة ماشي أنا عارف إني ماكنتش موجود معاكم بس صدقيني أنا ندمان "
ندمان بعد إيه؟ بعد تلاتين سنة؟ بعد ما بقيتش محتاجاك في أي حاجة في حياتي ؟ كنت فين
أنت وأمي بتشتغل في البيوت عشان تربيني .. كنت فين ؟!"
لجم لسانه ونظر للأسفل هاربا من عينيها فأكملت أتجوزت وخلفت وعيشت حياتك .. وكأني مش موجودة وفي الآخر بتقولي إنك ندمان؟ أعمل إيه بندمك أنا مش فاهمة ؟"
رفع عينيه الدامعة ليقول بطريقة متقطعة " معوضك .. أنا جيت أهو وهعوضك باللي أنت عايزاه .. يا غادة مهما عملت أنا هفضل أبوك وأنت بنتي شايلة اسمي مش هتعرفي تهربي من ده لمدة طويلة !"
"أبويا .. طب تعرف علي ايه ؟"
صمت ولم يجد شيئا ليقوله لكنه نطق باندفاع أعرف إنك بنتي وده كفاية! ده الدين بيقول أطيعوهم ولو كانوا كفار!"
ده لما تبقى أب فعلا، إنما أنت كنت قدامي وما عرفتكش، ولو أنت تعرف إني بنتك، أنا بقى
ما عرفتش إنك أبويا " قالت ونهضت تسحب حقيبتها وهي تكمل
ولو سمحت ما تتصلش بيا تاني، حتى لو بتموت ما تتصلش بيا، لأن حتى اسمك بيبقى مصدر إزعاج ليا، ولو عقلك المريض صورلك إنك ممكن تعمل اللي أنت عايزه وبعدين تيجي تطلب السماح وأنا أسامحك فلا أنا مش مسامحاك، ولو مت مش هد عبلك بالرحمة، هدعي ربنا يقتص
منك وياخد حقي وحق أمي "
نهض لها محاولا ايقافها "غادة ..."
لكنها كانت قد سبقته واندفعت الخارج المطعم بسرعة، كانت تترجل بأقصى سرعة تمتلكها دون النظر خلفها، وعندما ابتعدت عن المكان بمسافة قليلة، توقفت فجأة في وسط الطريق وأجهشت
بالبكاء وهي تنظر حولها وكأن العالم يدور ولا تستطيع رؤية أي شيء
مسحت عينيها في محاولة لمنع البكاء لكنها لم تستطع وسقطت دموعها رغما عنها.
نظرت خلفها فوجدته يقف أمام المطعم يطالعها بأعين مترقرقة هو الآخر لكنها استدارت بسرعة وأكملت طريقها وهي تمسح عينيها بظهر يدها.
بينما في منزل داليا كانت تتصفح هاتفها عندما وجدت اسم أحمد يظهر كمكالمة على هاتفها، وبدون تفكير كانت قد استقبلت مكالماته
رحب بها وبعد السلامات المعتادة كان قد قال "داليا أنا عايز الجاكت بتاعي "
عقدت حاجبيها بدون فهم لم تكن تتذكر ما الذي يتحدث عنه "جاكت ايه؟"
الجاكت بتاعي الأسود اللي غطيتك بيه عايزه دلوقتي "
استوعبت و همهمت "أيوة .. بس دلوقتي !؟"
"أيوة، لازمني دلوقتي مستنيكي في كوستا كافيه سلام " أجاب ثم أغلق المكالمة ولم يعطها فرصة للإعتراض أو حتى الرد.
نظرت للهاتف بضيق وبدت في حيرة من أمرها حقا فهي لا تحب الخروج من منزلها بالأساس لكن هذا معطفه وهو يريده، لا تريد أن تظهر وكأنها لا تريد إرجاعه له.
بعد ساعة كانت تترجل لداخل المقهى وهي تلقي نظرة على الجالسون حتى وجدته يشير لها وهو يطفئ سيجارته في المطفأة أمامه.
تحرکت بهدوء نحوه حينما تابعها هو بعينيه وابتسامة بسيطة على محياه، إنما متشابهان بطريقة غربية لا يستوعبها حتى الآن: فدخوله لأى مكان عادة ما يكون دخول ينتبه له الجميع انه معتادا على امتلاك تلك الهالة من الكاريزما حوله والتي وبشكل أو بآخر يلاحظها الجميع، أما داليا؟ فداليا كان دخولها لذلك المكان باردًا لا مباليا وكأنها تمتلك ذلك المقهى بأكمله، وحتقا هذا
جعل دخولها ملحوظا أيضا ....
هذا جعل قلبه ينبض عندما وقفت أمامه وارتسم شبح ابتسامة على وجهها وهي تمد يدها بالمعطف، علق عينيه على المعطف ثم رفع عينيه لها ولم يأخذه "اقعدي يا داليا، خدي نفسك."
سحبت يدها بالمعطف وشدت كرسيا ثم جلست عليه ووضعت المعطف على قدميها حينما هو ابتسم ورجع بظهره إلى الكرسي وهو يأخذ نفسًا عميقا وأخرجه بهدوء ثم قال "تشربي إيه؟" "مش لازم - " أجابت لكنه أصر وتحت إصراره ذلك كانت قد طلبت مخفوق اللبن بالشوكولاتة مما جعله يضحك ويرفع حاجبيه بمكر ميلك شيك ؟ خيبت ظني قولت هتطلب بيرة ولا حاجة !"
ارتسمت ابتسامة متوترة على وجهها وفوجئ بها تردف تعرف أن ساعات بتراودني رغبة إني أجربها فعلا؟ بس هي مرة واحدة بس ... عندي فضول أعرف طعمها إيه مش أكثر."
ارتفع حاجبيه وضحك بخفة وهو يحك ذقنه ويطالعها بدون تصديق .. لكنه لم يملك غير الغمز
لها وهو يقول بطريقة ماكرة لما نتجوز هجيبلك بيرة حاضر."
"مش بهزرا" تذمرت فرفع إحدى حاجبيه بلؤم وأضاف "ولا أنا!"
قلبت عينيها وضحكت لكلامه الذي ظنته مزاحا رغم قوله بأنه لا يمزح، تابعها أحمد بعينيه بهدوء وهي تضحك على كلامه ذلك بهدوء وهو يستعجب بداخله، كيف تكون ذكية جدا وغبية جدا في نفس الوقت؟ هو لا يعلم حقا!
لكنه حتما أحب هذا الخليط جدا، وأحب كونها لديها بعض الأفكار المنحرفة في رأسها وهو يعرف بأنها أجبن من أن تنفذها بمفردها، لكنه هنا الآن وحسنا .. تريد تجربة البيرة؟ سيشتري لها واحدة، تريد التدخين سيجلب لها السجائر .. تريد الرقص تحت المطر في ليلة شتوية عاصفة ؟ لا مانع لديه، بل إنه يرحب بهكذا أشياء ... أن تستطيع ممارسة تلك الأشياء مع الفتاة التي تحبها
كصديقك المفضل هو أفضل شيء يمكن أن يحصل عليه رجل..
"داليا .." جذب انتباهها فرفعت عينيها له وهي ترتشف من مخفوق الحليب فأكمل " هو أنت كتب بتحبي طليقك ؟"
جفلت وكأنها لم تتوقع ذلك السؤال تم صمتت لتفكر وكأنها لا تملك إجابة حتى أيقظها أحمد "لو مش عايزة تجاوبي خلاص "
مش عارفة، مش عارفة المفروض الإنسان يحس بإيه لما يحب أصلا .." أجابت فابتسم وأردف . "المفروض الإنسان لما بيحب بيعرف لوحده!"
صمتت و رفعت كتفيها "مش عارفة !"
ما دام مش عارفة يبقى ما حسبتيهاش."
لملمت شعرها بتوتر خلف أذنيها، الحديث عن المشاعر يربكها حقا ولا تعرف بماذا تجيب لذلك فهي قد قررت لف الطاولة وجعل الحديث يدور عن مشاعره هو " وأنت؟"
ضيق عينيه وضحك بخفه وهو يحك أسفل أنفه "قصدك مين فيهم ؟!"
انفجرت ضاحكة فجأة وقد كان في فمها مخفوق الحليب فسارعت بوضع منديلا على فمها بعد أن سعلت ودخل السائل إلى قصبتها الهوائية.
نهض لها أحمد بقلق وهو يحاول عدم الضحك وربت على ظهرها "بالراحة طيب .." لكنها ورغم شعالها كانت ما زالت تضحك.
هدأت بعد قليل وعاد أحمد الكرسيه وهو يطالعها بأعين ضاحكة حينما كانت هي تهدأ نفسها "خلاص مش هضحك تاني خلاص " لكنها سرعان ما نظرت له وضحكت من جديد مما جعله
يقلب عينيه ويضحك هو الآخر.
أخذت نفسا عميقا وحادثت نفسها بجد خلاص ... مش هضحك. لكنه قال "كنت مرتبط بخمسة في نفس الوقت، أه والله تقريبا كنت بحقق تارجت."
وهذا تسبب بجعل قهقهاتها تعلو مجددا وتمسك ببطنها التي بدأت تؤلمها في حين ضحك هو بخفة وهو يراقبها تضحك بهستيرية والناس قد بدأت تنظر لهما لكنه لم يهتم.
" الله يحرق أمثالك يا أخي " سخرت من بين ضحكاتها فقضم شفته وضحك " على فكرة أنا توبته "
هدأت ونظرت له بجدية وكأنها تستفهم هل ما قاله حقيقيا أم لا فأضاف وقد خفتت ضحكاته " من بعد سلمى خلاص ... أنا عارف إن أدهم قالك على سلمي "
و عرفت منين إن أدهم قالي ؟"
"الشلة كلها عرفت إنه بيروح يفتنلك بكل حاجة خلاص بقى مش موثوق فيه" أكمل مازحًا فابتسمت وأومأت لكنها تحاذقت
ممكن تكون بطلت بس عينيك هتفضل زايغة"
كل الرجالة عينيهم زايغة. أنت مفكرة كل الرجالة اللي مرتبطين دول ما بيبصوش لأي واحدة ثانية غير اللي معاهم؟ بيبصوا بس فيه منهم الغبي اللي بيتقفش وهو بيبص والذكي، وفيه منهم
اللي بياخد أكشن ويخون واللي ما بياخدش "
"طب ما أنا ممكن أكون عيني زايغة أنا كمان، إيه ردة فعلك؟"
ده احتمال وارد، يعني عايزة تفهميني إن أي ست متجوزة أو مرتبطة لو شافت ليوناردو دي كابريو في الشارع مش هتبص عليه وتتحسر على أبو كرش اللي جنبها ؟ كلنا عنينا زايغة بنسب
متفاوتة."
تصدق كلامك منطقي! " ضحكت فأوماً "أنا بقولك كلام واقعي من واقع خبرتي كرجل، طب
عندك الواد قيس أهو بيحب ليلى وما بيخونهاش بس هل ده معناه إنه من بيبص حتى ولو نظرة عابرة؟ لو قال لا يبقى كداب .. طب بلاش قيس عندك أدهم وأهو مؤدب و محترم ومتدين
.. عادي كان مرتبط بسارة وعدت مزة من قدامنا بص عليها. "
توسعت عينيها بدون تصديق وهي تضحك "أدهم!"
رفع أحمد كتفيه وسخر "عادي يعني بعدين لعلمك بقى الصابع لما بيتوب بيبقى أحسن من المؤدب أصلا، هقولك ليه ؟ عشان بيبقى زهق خلاص بس المؤدب لما بيبدأ ينفتح ده تخافي منه، لأنه لسه ما جريش وعايز يمارس نشاطه."
صمتت لتفكر في كلامه لكن أحمد تكلم مجددا في بعض المواضيع العشوائية حتى مر عليها ساعتين لم تدرك بأنهما مرا بتلك السرعة حتى !
"طب أنا همشي بقى " قالت وهي تنهض فنهض تبعا لها وصمم على إيصالها بعد أن دفع الحساب وتحرك بجانبها ليفتح لها باب المطعم كرجل نبيل ثم تحرك خلفها.
كان الطريق بينهما ممتلئ بالأحاديث مرة أخرى وعندما وصلا أمام بنايتها ابتسم ووضع يديه في جيب بنطاله ثم رفع رأسه للبناية ثم رجع بعينيه لها وقبل أن يفتح فمه كانت قد سبقته "وصلنا، شكرا."
تحركت بسرعة نحو مدخل البناية لكنها تذكرت شيئا فالتفتت له وعادت بضع خطوات "صحيحأنا نسيت أسألك حاجة."
" هو أنت مالك ومال ماما ؟"
للوهلة الأولى بدا وكأن أحمد لا يستوعب السؤال، علامات الاستفهام غلفت وجهه وهو يرمقها بحاجبين معقودين
"مش فاهم !"
" بتكلمها كثير وبعتلها أد على الفيسبوك عايز ايه من ماما؟"
"أصلها قمر أوي بصراحة شبهك " مزح وغمز لها ثم ضحك لكن داليا أبقت عينيه عليه بصدمة!
بس دي أكبر منك !" هاجمته فتوقف عن الضحك فجأة وتوسعت عينيه "إيه!"
"أكبر منك ! دي قد أمك يا ابني !"
توقف عقله عن العمل وبدأ يضحك بصورة غربية وهو ينظر لداليا باذبهلال تلك الغبية الحمقاء
امشي يا داليا امشي .. ربنا يسهلك."
لم تفهم وكانت ستتكلم لكنه استدار وترجل بعيدا وهو يسب بداخل عقله، الغبية تظنه يتودد لأمها لكل هذا الوقت؟ إن مقدرتها على فهم التلمحيات صفر، بل ربما تحت الصفر بقليل ....
لكنه أخبرها بوضوح أنه يحبها من قبل، إذا ما مشكلتها تلك الحمقاء؟
لم تنتبه حتى بأنه لم يأخذ معطفه منها وتركه معها ثانية كي يتخذه حجة ويراسلها بأن تعيده له
مرة أخرى!
سرعة بديهتها معدومة .. رائع.
لكنه ابتسم وضحك بداخله وهو ينظر للسماء متذكرا كيف كانت تضحك وتبدو سعيدة برفقته كثيرا .. هي لن تستطيع الهرب منه، مستحيل.
كان مراد في طريقه الخارج منزله لملاقاة بعض أصدقائه القدامي عندما كانت تدخل إلى شارعهما، راقبها بهدوء، كان وجهها أحمر وأنفها وعينيها منتفختان ويبدو عليها آثار البكاء
بوضوح، وسرعان ما تذكر أن اليوم موعدها لملاقاة أبيها ...
علق عينيه عليها حتى دخلت إلى منزلها ثم وقف بنيه في وسط الشارع لا يدري أيذهب لتلك السهرة مع أصدقائه أم يتراجع ويحاول مكالمتها كي يعرف ماذا حدث؟
وهنا ظهر أحمد أمامه ولوح في وجهه بسخرية "مالك واقف كدا ليه ؟"
بقولك إيه، أنا كنت خارج وبعدين شوفت غادة وشكلها معيطة ... أتصل بيها دلوقتي ولا لما أرجع ولا أعمل إيه ؟ "
لمعت أعين أحمد ونكره تتصل بيها دلوقتي طبقا، ده أحسن وقت تظهر فيه قدامها .. وهما معيطين بيكونوا في أضعف حالتهم والبنات رغاية فبيحبوا يتكلموا عن اللي مضايقهم، وهنا هتلاقيك أنت بتسمعلها وبتخفف عنها فمخها هيربط بينك وبين الشعور بالأمان تلقائيا."
عقد مراد حاجبيه ورغم ابتسامته هو قد نظر لأخيه بيأس وتمتم "أنت شيطان."
"يا ابني أنا عايز أجوزكم بس عشان أخلص من زن ماما وأخلص من غادة، عصفورين بحجر واحد" سخر وهو يكمل طريقه إلى بدايته في حين أخرج مراد هاتفه وسارع بالاتصال بغادة وهو يتخذ طريقه إلى خارج الشارع.
كانت غادة قد وصلت لغرفتها وألقت بأشيائها بعيدا وتكورت على نفسها لتكمل وصلة البكاء لكن هذه المرة بصورة أكبر قاطعها عن هذا صوت رنين هاتفها فظنت أنه شيئا يخص العمل مما جعلها تهدأ قليلا وهي تلتقط هاتفها لكنها وجدته مراد ...
صمتت لوهلة مفكرة أتجيبه أم لا ؟ .. كانت سترفض المكالمة لكنها توقفت ولا تعلم لماذا قد استقبلت المكالمة لتجيب بنبرة مرتعشة "ألو ."
"أنا آسف إني بتصل بيك بس كنت خارج وشوفتك جاية معيطة من برا، أنت كويسة ؟"
لم تمتلك غير البكاء مجددا وهي تجيب بنبرة متحشرجة "لا، مش كويسة "
"طب اهدي .. أنا معاك وسامعك .. باياك صح ؟ " قال بهدوء ثم ابتسم بداخله عندما بدأت غادة بسرد ما حدث معها بنبرة ضعيفة يظهر فيها ألمها وكم هي يائسة بائسة تحتاج الشخص تعتبره صدرا آمنا لها .. يبدو أن أحمد كان محقا.
"إيه يا كوكو . " قالت ليلى وهي تستقبل مكالمة قيس الذي ابتسم كالكتكوت متهللا بتلك المعاملة الجديدة التي بات يحصل عليها من ليلى .. لم يفهم سر تغيرها فجأة لكنها متغيرة منذ أن كانا معا في الملاهي!
"وحشتيني" همس لها مجربا الأمر وكأنه يجس نبضها فقط ليعرف ردة فعلها.
صمتت هي قليلا على الجهة الأخرى لكنه تذكر كلام أحمد وهمس لها " هو أنا ما وحشتكيش؟"
"وحشتني . " نطقت بطريقة خجولة فتوسعت عينيه وابتسم ببلاهة وكأنه لا يصدق ما قد سمعه باذنيه !
"قيس .. أنت هنا ؟ "
"أيوة يا قلب كوكو، بصي أنت تقوليلي كتكوتي وأرنوبي براحتك عادي، " ضحك وسمع ضحكتها الخجولة من الجهة الأخرى فشعر بقلبه ينبض بقوة على غير المعتاد،
بينما في الجهة الأخرى كانت ليلى لا تستطيع معرفة ما سر التغير الذي طرأ عليها فجأة، لكن منذ أن كانا معا في الملاهي وهي تشعر بمشاعر غربية نحوه، ورغبة قوية بتدليله ومعاملته كطفلها الصغير، ويبدو أن هذا يعجب قيس.
بينما في مكان آخر كان أدهم يقود سيارة جده الذي أخذها لأول مرة - بموافقة جده دون أخذها سرقة.
توقف في إشارة، علق عينيه على الطريق أمامه، هذا حتى انتبه لشخص ينظر له من السيارة التي بجانبه، حرك رأسه فاصطدم بتلك الفتاة تنظر له لكنها خجلت وأشاحت بوجهها بعيدا عندما
أدركت أن أدهم قد أمسك بها تحدق فيه.
ابتسم الآخر ابتسامة جانبية ماكرة وهو ينظر لها بطرف عينيه، لم يبدو خجولا جدا كما اعتاد من قبل، ولم يدري ما سر تلك الثقة التي حلت عليه فجأة لكنه قد بدأ يدرك بأن محادثة الفتيات ليست بتلك الصعوبة التي كان يظنها، كما أنه وسيم، غنى ومن طبقة اجتماعية عالية كما أنه
يتذكر نصائح أحمد جيدا، فلم التوتر إذا؟
قاطعه عن محاولة الحديث لها انفتاح إشارة المرور فحرك السيارة يضيق، لكن القدر قد لعب لعبته معه عندما سمع فرقعة إطار سيارة الفتاة بعد مسافة قليلة فأبطأ في قيادته حتى وجدها تنزل وتنظر إلى الإطار بغضب ثم ركلته بقدمها ونظرت حولها بتوتر
ركن سيارته جانبا ونزل لها على محياه ابتسامة لطيفة متسائلا "الكاوتش نام؟"
توترت عندما وجدته هو لكنها هرعت نحوه لطلب المساعدة "آه .. هو ينفع تساعدني ؟ أنا مش بعرف أركبه ودي أول مرة أسوق لوحدي ومش عارفة أعمل إيه ؟"
ضحك بخفة وهو يومئ "اهدي، مافيش مشاكل .. معاك استين؟".
رواية اربعة في واحد الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الخامس والثلاثون
سو .. هو ممكن أصورك ؟ " طلبت فنظر لها أدهم بدون فهم فأكملت "هو طلب غريب أنا عارفة. بس أنا فوتوجرافر وكدا ويعني ... من ساعة ما شوفتك وأنا عايزة أصورك"
ابتسم وحك عنقه ثم تساءل وليه من ساعة ما شوفتيني وأنت عايزة تصوريني ؟"
"أصل وشك هادي " أجابت بابتسامة خجولة فضحك وأوماً تمام يا جميلة، ممكن تصوريني مافيش مشاكل "
طب بص، هو ممكن تسند على عربيتك وتخلي الجرافتة مخلوعة شوية وتشمر أكمام قميصك ؟" قالت وهي تتوجه نحو سيارتها لتلتقط الكاميرا حينما ابتلع هو لعابه وحرك يده.
بهدوء نحو ربطة عنقه ليشدها قليلا للأسفل ثم ثني أطراف أكمامه وأستند على سيارته بصمت
عادت له وبدأت تضبط كاميرتها ونظرت له من الكاميرا تم رفعت عينيها واقتربت منه، اصطدم بها ترفع يدها لتبعتر خصلات شعره، جف حلقه قليلا لكنه تماسك لكي لا يبدو متوترا أمامها
"أنت عايزة تطلعيني بمظهر فهمل صح ؟" تساءل فابتسمت وأجابت بشغف حقا "ملامحك
الهادية مع مظهر لا مبالي عاملین میکس فظيع
ضحك بخفة ورجع بظهره إلى السيارة عندما ابتعدت هي ورفعت الكاميرا إلى عينيها
"ابتسم ابتسامة جانبية .. نزل وشك لتحت شوية، وبصلي" همست وهي تركز كامل انتباهها على ما تفعل حينما اتبع هو كامل تعليماتها
أخذت بضع صورا له تم أنزلت الكاميرا عن عينيها وتحركت نحوه لتريه "ها إيه رأيك؟"
رفع حاجبيه بإعجاب وتمتم "جميلة !"
"أيوة؟"
ضحك ونفى برأسه "لا، قصدي .. الصور جميلة."
ضحكت با حراج وهي تخفض الكاميرا ثم وقفت تحك عنقها وتنظر لسيارته ثم سيارتها وأردفت "طيب، شكرا يا أدهم بجد إنك غيرتلي كاوتش العربية وشكرا على الصور - "
" مافيش مشاكل "
توجهت نحو سيارتها بهدوء وهي تتساءل متى سيطلب رقمها ؟ لماذا لم يسأل عن رقمها حتى الآن ؟
وصلت لباب سيارتها وأدهم لم يتحدث، لكنها استدارت له لتقول بتوتر "صحيح، مش عايز الصور؟"
"أكيد عايزها."
طب هات رقمك أبعتهو ملك على الواتساب " تمتمت بنبرة مبحوحة وحينها توسعت أعين الآخر وصفع نفسه داخليا، لقد كان يشعر بأنه ينسى شيئا ما، لكن أي شيء؟ لم يكن لديه أدنى فكرة.
"أه طبعا ... أجاب وأملى عليها رقمه الذي سجلته جميلة بابتسامة طفولية وحينما انتهت كانت قد قبضت على هاتفها ولوحت له بسعادة ثم هرولت نحو سيارتها بحماس.
توجه أدهم نحو سيارته ليديرها هو الآخر ومضى في طريقه .. فتاة لطيفة.
في اليوم التالي كانوا جميعا يجلسون في قاعة الامتحانات.
العيال دي كلها شكلهم مركزين وأنا الوحيد اللي مسقط " قال قيس بداخل عقله أثناء جلوسه أمام تلك الورقة التي لم يحل فيها سوى القليل، والتي تركها وبدأ يتلفت حوله لينظر إلى الجميع.
حرك عينيه نحو أدهم الذي كان ينظر نحو ورقته ولقد ظنه مركزا لكنه لم يعلم أن أغنية "بيبي شارك دودو دودو بيبي شارك دودو دودو بيبي شارك دودو دودو بيبي شارك" تدور في عقله ال منذ الساعة ولا يستطيع إيقافها.
توجه بعينيه نحو أحمد لكنه كان مشغولاً بالنظر إلى المعيدة بنظرات خاطفة وهو يهمس بداخل عقله "صاروووخ .. شبه داليا، بس داليا أحلى .. هي أينعم بائسة وعدمية بس على وضعها."
استدار قيس برأسه نحو هشام الذي كان يعض قلمه بقلق ولقد بدا كأكثر شخص متوتر بينهم لكنه كان يحسب بداخل عقله "أنا كدا ناقص نص درجة في السؤال الأول ودرجة في التالت، أنا شكلي مسقط - "
ابتلع قيس لعابه وعاد إلى ورقته من جديد ونظر لتلك الفراغات البيضاء التي لم يكتب بها شيئا لكنه انتبه للفتاة التي تهمس له من خلفه "قيس ... السؤال الرابع."
" يا شيخة النيلي، هو أنا عارف اتنيل أهيب حاجة " سخر وهو يسند خده بطفولية على يده التي يسند بها على الورقة
حرك هشام عينيه نحوه فانتبه لملامحه الحزينة نظر حوله فأدرك أن المراقب هذه المرة قد أبعد أحمد عن الجميع ورماه في مقعد بعيد بمفرده بعد أن أدرك بأنه يغشش من حوله.
تلاقت عينيه بأعين قيس فزم شفتيه بحزن وأشاح بوجهه بعيدا، من تلك الملامح قد توقع بأن قيس سيرسب في هذه المادة لا محالة؛ فالإمتحان حقا صعبا جدا .. وهذه هي مادة دكتور مصطفى
بدأت تراوده فكرة إعطاءه آخر سؤال والذي يحتوي على أكبر درجة في الإمتحان بأكمله، لكن ضميره قد بدأ يردد عليه بأن الغش حرام .. وهذا لم يمنع صوتا في مؤخرة رأسه يجيبه بأن دكتور مصطفى يتعمد جلب الامتحان صعبا هكذا ليجعل كما كبيرا من الطلبة يرسبون.
بدأ يتلفت حوله كلصوص المواصلات ثم همس لقيس "والا، أكتب ورايا السؤال الرابع بسرعة."
لم يصدق قبس ما قد سمعه وظنه لا يحادثه فهمس له "أنا؟"
"أومال خالتك اكتب ورايا انجز سخر هشام وبدأ يملي عليه الإجابة وقيس يكتب خلفه بسرعة وعندما انتهى كان قد أخرج زفيرا يحبسه .. الآن لن يرسب، وهذا بفضل هشام.
" على فكرة..." همس قيس له فنظر له هشام بطرف عينيه دون أن يتكلم فأكمل الآخر "شكرا."
"العفو، ما تتعودش على كدا بس " ابتسم له هشام فأومأ الآخر.
خرجوا جميعا بعد انتهاء الوقت المحدد حيث وقف أحمد يستفسر عما فعل أدهم فقال أنه قد اجاب عما يضمن له النجاح
" إحدا فاضلنا كدا امتحانین هنخلصهم وبعدين ننفذ الخطة ؟ " قال قيس وهو يحك يديه معا بحماس فأومأ له هشام بابتسامة ماكرة "أيوة، قبل ما يلحقوا يعلموا الورق "
"جماعة، هو لو الخطة دي فشلت هنعمل إيه ؟" تساءل أدهم بتوتر وهو يحك عنقه فنظروا لبعضهم بحزن وحينها تكلم هشام ساخرا
" هيحصل إيه يعني ؟ هنسقط كلنا بس!"
"لا إن شاء الله مش هنفشل الخطة دي لازم تنجح، أنا أمي قالتلي هتجوزني لو نجحت وأنا خلاص بجد مش هقدر أستحمل أكثر من كدا وعايز أتنيل " أضاف أحمد باندفاع وكأن حياته كلها تعتمد على زواجه
اهدى شوية واشرب زيت خروع عشان بدأت أقلق منك " سخر هشام فتساءل أدهم " بيعمل إيه زيت الخروع ده؟"
ضحك قيس وشده بعيدا ليهمس في أذنه ببعض الكلمات وحينها عقد أدهم حاجبيه وضحك عاليا "طب ما تشرب أنت كمان زيت خروع يمكن ربنا يهديك"
اخرس ياض منك له مش هشرب أنا زيت خروع " قلب أحمد عينيه فاستفزه قيس "أنت بالذات هتشربه هتشريه عشان انت الوحيد فينا اللي هتدخل الجيش لأن عندك أخ ولد ....
بيحطوه للمجندين في الأكل."
ضحكوا جميعا في حين اشتعل أحمد غيظا وتهكم "هاهاها ... المفروض أضحك يعني؟ بعدين أنا عندي كسر في رجلي واحتمال أخد إعفاء زائد إن مراد هيسافر وبابا قعيد وممكن أقول إني أنا معيل الأسرة، ولو ماخدتش فهي سنة هدخلها وهخرج."
بياخدوا المهندسين ظباط ثلاث سنين ... تخيل لو لبست ظابط ثلاث سنين يا أحمد ... ثلاث ستين بتأكل أكل مطبوخ بزيت الخروع " أكمل قيس فسخر الآخر
"لا أحمد إيه بقى بعد ثلاث سنين خروع أنا كدا هخرج أحمدة، بالتاء المربوطة."
"المهم، بكرة عيد ميلاد ليلى أنا عاملهولها مفاجأة في النادي، تعالوا كلكوا وأنت يا هشام هاتها هي ورحمة وكدا بس ما تقولهاش عشان عاملهولها مفاجأة .. وأنت ياض ابقى هات داليا وأنت يا أدهم هات اللي أنت عايزه ... عايزينها تبقى حفلة لطيفة " قال قيس بحماس فأومأوا جميعا.
في اليوم التالي كان قيس يجلس على تلك الطاولة التي عليها كعكة كبيرة بصورة ليلى، ويجلس معه أدهم وأحمد وداليا التي جاءت بعد الحاح كبير من كلاهما، أدهم من جهة وأحمد من جهة أخرى
"التورتة حلوة يا جماعة ؟ سأل قيس للمرة الخمسون فأكدوا عليه جميعا بأنها رائعة
طب داليا، بصي كدا على الفستان ده، قوليلي حلو ولا ايه ؟ قال وهو ينهض ليعطي لداليا الهدية التي قد جلبها لليلى فتفحصته الأخرى بابتسامة وطمانته حلو يا قيس جدا، ما تقلقش " "
يعني هيعجبها ؟"
ضحكت وأومات أكيد طبعا هيعجبها."
ابتسم لها وأعطاها إيماءة بسيطة ثم أمال على أحمد بابتسامة ماكرة "طول عمرك بتعرف تنقي يا ابن المحظوظة"
حمحم أحمد وهمس له بنبرة مغرورة " عيب عليك يا ابني "
"شقطتها ؟ " همس له قيس متسائلاً فنفى الآخر وهمس له وهو يضحك "لا، أنا مفهمها إننا أصحاب، بس أنا ناوي أتجوزها."
ضحك قيس عاليا وضربه في كتفه لكن داليا كانت قد التقطت كلمة "هتجوزها." فعقدت حاجبيها وتوجهت لأحمد بالسؤال "هتتجوز؟!"
ضحك وأوما برأسه "أها كنت بدور على عروسة وكدا، ما تعرفيش عروسة قمر؟" ثم غمز لها
قطبت جبينها ولوهلة بدت مستاءة لكنها محت ذلك عن وجهها وقالت يبرود "هشوفلك."
ضحك أحمد وأمال على فيس ليهمس له "بص، دي بقى عندها استعداد تشرحلك طريقة انقسام الذرة دلوقتي بس متخلفة في التلميحات ... أراهنك إنها فكرتني عايز أشوف عروسة فعلا ... غياء لا متناهي "
"ما نفس التخلف اللي معايا، كلنا لها " أجابه قيس في حين علق أدهم عينيه على داليا وحك ذقته ثم همس لها
" على فكرة، أحمد كان قصده عليك."
لكنها نفت برأسها بثقة "لا طبقا، ده كان بيهزر عادي "
وحينها عقد أدهم حاجبيه باستغراب، ما بالها تلك الحمقاء؟ الفتى يكاد ينهض ليصرخ لها بأنه يحبها وهي تظنه يمزح ؟ ما مشكلتها حقا ؟!
لكنه على كل حال صمت حتى ظهر هشام برفقة ليلى ورحمة، وحينها نهض قيس بابتسامة واسعة ليصرخ لليلى من بعيد "Isurprise"
ضحكت وتقدمت منه وهي تصيح له مش سربرايز ولا حاجة، هشام قالي !"
سقطت ابتسامة قيس ونظر لهشام بغيظ دفين وقد احمر وجهه وأذنيه وود لو يقفز عليه الآن ليهشم جمجمته تماما ذلك الوغد مفسد اللذات ومفرق الجماعات الذي يبتسم ويرحب بالجميع
وكأنه لم يفعل أي شيء!
وقفت ليلى أمامه وقد انبهرت بالكعكة حقا ثم همست له شكرا يا قيس، أنا عمري ما أتعملي عيد ميلاد، أنت أول واحد يفتكره"
وحينها فقط هو قد هذا قليلا وأبعد نظراته الحاقدة عن هشام وعلق عينيه عليها بابتسامة لطيفة "كل سنة وأنت معايا" ثم كالطفل المتحمس قد التقط حقيبة الهدايا ليعطيها لها "هديتك "
"خلصوا، خلينا تقطع الكيكة " تذمر هشام فتمتم قيس "عيل مفجوع".
كانت ليلى قد أخذت هدية قيس ورحمة وأدهم وأحمد وداليا والوحيد الذي لم يجلب هدية كان هشام، لأنه ما زال يظن أن أعياد الميلاد شيئا سخيفا وليس بتلك الأهمية، ولعل الوحيدة التي كانت تشاركه نفس التفكير هي داليا التي جلبت هدية فقط من أجل الذوق العام، أما هي فلا تعطي لعنة لتلك الشكليات الفارغة.
" شكرا جدا يا جماعة ما كانش له لازمة تتعبوا نفسكم " قالت ليلى بسعادة فتمنوا لها جميعا عيد ميلاد سعيد وجلسوا يأكلون الكعك مع بعض الأحاديث التي دارت بينهم، الضحكات تتناثر
هنا وهناك بينهم وقد انسجمت رحمة مع داليا جدا رغم اختلافهما الشديد، عكس ليلى التي
كانت تجلس بجانب قيس وتركز فقط على ما يقوله خطيبها
الجميع قد لاحظ نظراتها تلك نحو قيس وضحكها لأي شيء سخيف يقوله قيس، حتى ولو لم
يكن مضحكا، هي كانت تضحك وبصدق ...
التفت لها قيس فجأة أثناء حديثه وهو يضحك فوجدها تتأمله بابتسامة بالفعل لكنها خجلت وأخفضت عينيها عندما أمسك بها في حين تلاشت ضحكته وأبقى على ابتسامة لطيفة وهو يحك عنقه ويكمل حديثه لأحمد بتوتر بس زي ما قولتلك ... إحم ... الشتا ما كانش ساقع للدرجة
ادي يعني "
أومأ له أحمد بضحكة مكتومة لكونه وبكل تأكيد لاحظ ما قد حدث للتو ثم نظر لداليا فوجدها تنظر بصمت فقط، وعندما نظر لها كانت قد تنبهت ورفعت عينيها له
"تعالى" قال ونهض يمسك بيدها فعقدت حاجبيها بدون فهم وعلق الجميع أعينهم على أحمد حتى تساءل أدهم "رايح فين ؟!"
"أصل فيه ملاهي صغيرة هنا وداليا عايزة تروحها " أجاب وهو يسحب داليا التي لا تدري أن
هناك أي شيء هنا ولم تطلب شيئا بالأساس!
طلب أنا جاي معاك أنا وليلى، اصبر " قال قيس وأخذ ليلى في وسط مراقبة من هشام لكنه تركه يذهب على أية حال، هو ينق بأخته ويعرف بأن قيس لا يستطيع تعدي حدوده معها ولو فعل فهي ستفضحه.
"ما نروح معاهم؟" اقترحت عليه رحمة فنفى برأسه "لا." مما جعلها تجلس ممتعضة وهي تنظر لهم بضيق ثم حولت عينيها إلى أدهم الذي أعطاها ابتسامة لطيفة.
فور أن ابتعد أحمد كان قد وقف ينظر لقيس بغيظ وهمس له "أنت إيه اللي جابك؟ أنا عايز داليا
لوحدها."
فأعطاه قيس ابتسامة صفراء وهمس بالمقابل يعني أنا اللي عايزك معايا ! أنا قولت كدا عشان هشام يسيبني مع ليلى لوحدنا .. وعموما أجري شوف انت رايح فين"
وجدته ليلى يمسك بيدها ويسحبها لطريق آخر فاستفهمت بدون فهم بس مش هنروحمعاهم ؟"
ابتسم ونفى برأسه لا هنتمشى شوية كدا لوحدنا يا جميل".
عاد أحمد لداليا التي ترمقه بأعين ضيقة "هو قيس وليلى مشيوا ليه؟"
رفع كتفيه وأجاب "أصل قيس عايزها لوحدها .. أنت عارفة بقى مخطوبين وقربوا يتجوزوا وكدل"
" واحنا هنروح فين؟"
ابتسم ابتسامة ماكرة وأشار لها بسبابته "تعالي".
بعد خمسة دقائق كانا يتسللان نحو القاعة التي بها حوض السباحة، كانت فارغة تماما من البشر فقط ضوء خافتا ينير المكان والمياه تتلألأ بهدوء ..
خلعا أحذيتهما ووضعا أقدامهما في الماء فابتسمت وحركت رأسها له "المكان هنا لطيف"
أخرج علية سجائر ووضعها بجانبها فالنقطتها باستغراب لتجده يغمز لها "كان ليك عندي علية سجاير بالشوكولاتة، مش ناسيها. "
ارتسمت ابتسامة خجولة على وجهها وهي تضعها أرضًا من جديد " أنا بفكر أبطل سجاير."
" وأنا كمان" أجاب وهو يستدير بنصف جسده لها
طلب ما تيجي نبطل ؟ " قالت فضحك ونفى برأسه "لا، أنا بفكر بس"
قهقهت ونكزته في كتفه ثم أخرجت سيجارة ووضعتها في فمها وأعطته واحدة فالتقطها منها ووضعها في جانب فمه ثم أخرج قداحته يشعلها ويشعل لها، ثم جلسا يدخنان منها بهدوء وهما بحركان قدميهما في المياه
راقبها بطرف عينيه، إنهما لا يتكلمان .. لا يوجد حديث بينهما الآن، لكنه يستغرب حقا .. لماذا هو مستمتع ؟ يستمتع برفقتها حتى وهما صامتان
لاحظته ينظر لها هكذا ولوهلة خجلت وأخفضت رأسها بابتسامة تحاول إخفائها عن طريق شعرها الذي سقط على جنبي وجهها
كانت قدمه في المياه على مقربة من قدمها ورغم ذلك هو لم يحاول لمسها إطلاقا، رفعت رأسها له فوجدته ينظر لها وعندما تقابلت أعينهما ابتسم ونفخ الدخان من قمه
تعرفي إني أول مرة أكون قاعد ساكت مع حد ومع ذلك مبسوط؟"
لم تجيبه، كانت تنظر له بصمت وكأن شيئا ما يشغل تفكيرها، وهو قد لاحظ هذا جيدا فاعتدل
وتكلم بجدية "يتفكري في إيه؟"
حركت راسها لتنظر إلى المياه ثم فتحت فمها يتردد هو أنت ليه اتصلت بيا .. وقولتلي إنك زبالة وبتاع بنات ومش ناوي تتغير وانك هتبعد عني لمصلحتي ... وبعدين ظهرت في حياتي
فجأة تاني ؟ "
ابتسم "عشان لما كلمتك كنت زبالة ومش ناوي أتغير فعلا بس لما ظهرت ثاني ماكانش عندي نفس المفهوم .. أنا رجعت عشان عارف من جوايا إني مش هأذيك، لأن مفهومي عن حاجات
كثير الغير "
يعني أنت في الأول كنت ناوي تلعب بيا؟ تساءلت وبالرغم من أنه أخذ بعض الوقت صامنا لكنه أوماً بالأخير "أه كنت هعمل كدا، بس ما عملتش .. بعدت "
هزت رأسها بإيماءة صغيرة ورجعت بظهرها إلى الأرض وهي تزيل السيجارة عن فمها وعلقت عينيها على السماء من فوقها، وجدته يقلدها ويسند ظهره أرضا هو الآخر
أشار النجمة بعيدة وتمتم " اتمني أمنية."
يا ابني ارحمني بقى قولتلك مش يؤمن الحاجات دي " ضحكت وهي تدير رأسها ناحيته على الأرض فاستدار برأسه لها هو الآخر وضحك "طب بتؤمني بإيه ؟"
" ولا أي حاجة" رفعت كتفيها فتأملها لبرهة قبل أن يفتح فمه "بتؤمني بتوأم الروح ؟"
رفعت إحدى حاجبيها بمكر ثم نفت "لا."
" بالأشباح ؟"
" بالكائنات الفضائية ؟ "
"أهل "
يعني بتؤمني بالكائنات الفضائية وتوائم الروح لا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله .. سخر وضحك ثم
سمع قهقهاتها
"طب أنت بتؤمن بايه ؟" تساءلت بعد فترة وهي تحرك رأسها تجاهه، واحمرت خجلا وجف
حلقها عندما همس وهو يعلق عينيه على عينيها "بينا"
أشاحت بوجهها ورفعت عينيها للسماء وهي تجيب رغم فهمها "مش فاهمة."
"مش مهم " أضاف وهو ينفخ الدخان إلى السماء.
على الجانب الآخر كان قيس قد وصل إلى الملاهي الصغيرة المخصصة للأطفال لكن هذا لم يمنعه من الجلوس وليلى على إحداهم
"مش هتقع ؟ " تساءلت ليلى وهي تتفحص اللعبة التي كانت عبارة عن مقعدين يتأرجحان للأمام والخلف
لا مش هتقع، دي حديد" قال قيس وهو يدفعها قليلا للأمام كي يأرجحها فضحكت وتشبئت بالسلسلة الحديدية
عجبك الفستان ؟ ما جيبتش حاجة قليلة الأدب أهوا" ضحك فخجلت وأومأت "جميل"
"أنت أجمل " همس وهو ينهض ليقف خلفها فرفعت رأسها بتوتر هتعمل إيه؟" ليجيبها بمكر "إيه ؟ مش هاكلك .. أنا هزق المرجيحة".
كان أدهم قد استأذن ونهض ليترك هشام ورحمة بمفردهما رغم توتر هشام وإصراره على جلوسه معهما في وسط مراقبة صامتة من رحمة التي بدأت نسبه في عقلها، لكن أدهم رحل
حك ذقته وابتلع لعابه وهو يبتسم لرحمة ويحمحم "كلهم مشيوا."
"تخيل !"
اه .. حاجة آخر قلة ذوق بصراحة "
" يا سلام ؟"
حمحم مرة أخرى منظفا حلقه وحاول فتح حديثا معها تشربي حاجة ؟ أطلبلك أي حاجة ؟" "ل"
آخرسته برفضها، كان يراقب ملامح وجهها بنظرات خاطفة، تبدو غاضبة وممتعضة .. هل لأنه
رفض النهوض ؟
"حلو الفستان ده" قال محاولا تصليح أي شيء فتهللت رحمة فجأة "بجد؟"
"آه بس ضيق شوية، ولا أنت تخنت ؟"
سقطت ابتسامتها ورمقته بأعين ضيقة مغتاظة وهي تصك على فكيها بغل واضح "لا ما تخنتش، هو ضيق شوية."
طب مش قلة أدب دي يعني لما تلبسي حاجة ضيقة ؟ الفستان ده ما يتلبسش تاني، فاهمة ولا
"والله مالكش حكم عليا، أبويا شافني وأنا نازلة بيه " زمجرت بغيظ فقطب جبينه "يعني إيه ماليش حكم عليك ؟ "
يعني مالكش حكم عليا "
بقى كدا؟"
اه كدل"
" هو أبوك ما قالكيش إن بابا كلمه ولا أنت بتستعبطي ولا إيه ؟" صرخ في وجهها فجأة فخافت ونظرت له بصدمة "إيه أبوك كلم بابا؟"
"أه كلمه ومتفقين بعد الزفت النتيجة ما تطلع هنيجي البيت يعني إيه بقى ماليش حكم عليك؟" زمجر فأخفضت رأسها "بابا ما قالش، ماكنتش أعرف"
"طب أديك عرفت، والفستان ده ما يتلبسش تاني وليسك كله يبقى واسع أحسنلك، أديني حذرتك أهو."
رغم صياحه في وجهها كانت تبتسم ابتسامة بلهاء وهي تنظر للأسفل بفرحة عارمة، سيخطبها بعد النتيجة ؟!
"حاضر" همست فضيق عينيه وأشاح بوجهه بعيدا وهو يحاول تمالك أعصابه، لقد عصبته بقولها بأنه لا يستطيع الحكم عليها تلك الغبية
"أنا فكرتك بتحاول ترحم عليا."
عاد برأسه لها وقد لانت ملامحه أكيد مش قصدي أرخم عليك هو الفستان حلو بس ضيق ... وأنا ما أحبش حد يبص للبنت اللي هتبقى مراتي "
خجلت وابتسمت بتوسع عندما لقيها بإمرأته ثم حاولت مداراة هذا ينظرها بعيدا .. فلاحظ ذلك وابتسم رغما عنه وهو يهز رأسه يمينا ويسارا بقلة حيلة.
كان أدهم يتجول بمفرده وهو يستمع لبعض الموسيقى من خلال سماعة أذنه، حتى وجد فتاة تلوح له من بعيد، أزال سماعة عن أذنه ودقق النظر لها أثناء اقترابها منه فوجدها جميلة، ابتسم مرحبا بها
"بتعملي ايه هنا ؟"
" عندي فوتوسيشن هنا - " أجابت وهي ترفع كاميرتها فأوماً "طب مش هعطلك "
لكنها أوقفته "لا أنا خمساية ومخلص خلاص ما تيجى معايا وبعد ما تخلص أعزمك على حاجة ؟"
ضحك ورفع إحدى حاجيبه ساخرًا "تعزميني ؟! لا ما دام هتعزميني يبقى هستنى طبقا."
ابتسمت واردفت طب تمام، أنا خمسة وجايا لك".
كان أحمد قد عاد برفقة داليا ليجد هشام يتحدث مع رحمة وهو يريها شيئا على هاتفه وعلى وجه كلاهما ابتسامة سعيدة، عكسه هو وداليا، كلاهما متوتر بصورة غربية وكلاهما يلاحظان هذا.
رفع هشام عينيه لهما وتساءل عن قيس وليلى فأخبره أحمد بأنهما ما زالا في الملاهي فأوما وعاد لرحمة وهو يشير إلى شاشة هاتفه وأكمل "الصورة دي ضحكتني جدا".
حرك أحمد رأسه لداليا التي وجدها كانت تنظر له لكنها حركت عينيها لشيء آخر وهي تحك عنقها بإحراج، إنه حتى لا يدري ما الذي يحدث الآن ولماذا كلاهما متوتران هكذا؟ كانا متناغمان
بشدة .. لكنهما الآن يشعران بأن هناك شيئا غريبا يجري بينهما.
حمحم وهو ينظر بعيدا مرة أخرى لكنه سرعان ما حرك رأسه لها، راقيها تحاول إلهاء نفسها باللعب في هاتفها فنهض واقترب بكرسيه مبتسمًا وهو يقول بتوتر "وريني بتعملي إيه ؟"
رفعت رأسها له فتلاقت أعينهما، سارعت بإخفاض رأسها وأعطته الهاتف ليرى ذلك المنشور الذي كانت تقرأه
علق عينيه على الشاشة دون قراءة المنشور حقا، لكنه ركز على شيء آخر .. وضعهما سويا، لم يكن متونزا هكذا بجانب فتاة من قبل!
كان قيس قد جلس على الأرجوحة من جديد وأسند رأسه على السلسلة الحديدة وهو ينظر
لليلى "بعد النتيجة هنكتب الكتاب "
عقدت حاجبيها بدون فهم "أنت أتفقت مع بابا على كدا؟"
لا، ما قولتش لحد .. بس أنا خلاص زهقت وقررت إننا نكتب الكتاب بعد النتيجة لحد معاد
الفرح عشان نبقى براحتنا شوية.
"براحتنا إزاي يعني؟"
يعني براحتنا يا جميل . " غمز لها فخجلت ونظرت نحو الأرض مما جعله يقهقه "والله بحبك."
بری و جنت بها متوردتان بالفعل فقضم شفته وأضاف "مش براحتنا أوي يعني .. بس نخرج وكدا وهشام ما يغلسش علينا."
أومات موافقة وكاد لا يصدق أنها وافقت حقا، لقد ظنها لن توافق لكنها فعلت ! وهذا جعله يقفز
بسعادة ليقف أمامها "أنت موافقة بجد؟"
ضحكت وأومأت فابتسم باتساع "طب ما نكتبه دلوقتي ؟"
دلوقتي ! يا سلام سخرت وهي تقهقه بخفوت فهمس لها بلؤم " أصلي عايز أبوسك "
ركاته في قدمه وتذمرت "لم نفسك. " قفز بعيدا وهو يضحك "حاضر هلم نفسي "
تحرك ليدفع الأرجوحة من جديد حينما صمتت هي ثم بعد وهلة رفعت عسليتيها نحوه "قيس. هي مامتك تعرف ؟"
"قولتلك ماحدش يعرف غيرنا، وبعدين تعرف ما تعرفش مش هتفرق"
"أصل ... أصل أنا حاساها مش بتحبني .." همست وهي تبتلع الغصة في حلقها فتوقف قيس عن دفع الأرجوحة وتحرك ليقف أمامها "هي عملتلك حاجة ؟"
"اتصلت بيها من يومين عشان أسلم عليها، كلمتني بطريقة وحشة جدا وقفلت السكة في وشي
من غير ما تقولي سلام، هي أكيد كان مش قصدها."
تجهم وجهه بغضب، يعرف جيدا أن أمه تفعلها وليلى ليست بالكاذبة وهو يعرف أيضا أن أمه كانت تقصدها، تريد إفساد تلك الزيجة لأنها لا تحب ليلى.
"ما تتصليش بيها ثاني " قال فتوسعت عينيها وهمت التعترض بس دي مامتك والأصول و..... لكنه قاطعها
"مالكيش دعوة بماما، أنا وأنت اللي هنتجوز وأنا ما بحبش حد يتدخل في حياتي فمالكيش دعوة بماما، خلي تعاملتكم سطحية. "
أومأت بيأس و همست له بتردد بس أنت مش هتزعل ؟ " فابتسم ونفى برأسه "لا".
عادا بعد قليل ليجلسا معهم ففوجنا بجميلة التي قدمها لهما أدهم بعد أن قدمها للباقون والتي نهضت لتصافح ليلى كل سنة وأنت طيبة، أنا ماكنتش أعرف والا كنت جيبت هدية بس أنا كنت مستنياكم عشان أخدلكم كلكم صورة"
"بتصوري ؟" تساءل قيس فسخر أدهم "لا، لابسة الكاميرا كسلسلة."
ضحكت جميلة ونهضت لتظبط جلستهم جميعا، حيث كانت ليلى قد جلست بجانب قیس بالفعل وعن يمينها رحمة التي بجانبها هشام، يليه أدهم وداليا بجانبه وعلى جانبها الآخر أحمد الذي فرد ذراعه على كرسيها وبدا من الوهلة الأولى وكأنه يحيط بكتفيها بذراعه لكنه لم يكن
يلمسها بل يلامس الكرسي.
طب يا جماعة، نبتسم كلنا " قالت جميلة وهي ترفع الكاميرا إلى عينيها، كان حس الفنان يخبرها بالفعل بأن على الأقل ثلاثة من الجالسون في علاقة وهي قد انتظرت تلك اللحظة التي توقعتها، حيث أمال أحمد جهة داليا بحركة تلقائية منه وكأنه يثبت لنفسه وللجميع ملكيته لها، فرفعت هي عينيها له بابتسامة متوترة ونظرة متسائلة، وحيث التفت قيس وليلي لبعضهما. بابتسامة يفهمانها، ورحمة التي نكزت هشام كي يبتسم فقلب عينيه وضحك مرغفا .. وأخيرا
أدهم الذي على محياه ابتسامة بسيطة وهو ينظر نحو الكاميرا
التقطتها جميلة بسرعة، ثم تلتها صورة حيث أحمد قد رفع حاجبيه لداليا وأعطاها نظرة بريئة. ثم ليلى تخجل وتنظر نحو الكاميرا، وهشام يضيق عينيه نحو رحمة التي تتظاهر بأنها لم تفعل
شيء. ثم أدهم يلتفت لهم ويضحك
كانوا جميعا لطفاء جدا الآن، ومن فهمها للغة الجسد فهي قد استقرأت مشاعرهم جميعا وابتسمت بداخلها وهي تقترب لتريهم الصور بسعادة بالغة.
نقلتهم لهاتف أدهم الذي بعثهم لهواتف أحمد وداليا وهشام وقيس، وحينها أخذت رحمة هاتف هشام لتتفحص الصور من جديد بابتسامة تكاد تشق وجهها.
هذا حتى ظهرت رسالة في أعلى هاتفه فجأة من اسم مسجل ب عيطات إيه يا إتش، بقى كدا يا شقي بعد ما كنا مع بعض ما تسألش عليا عشان إمتحاناتك ؟ أنا مخاصماك.]
جحظت أعين هشام ونظر الرحمة بتردد فوجد ابتسامتها قد سقطت ووجهها مشتعلا وتتنفس بسرعة وكأنها تخرج دخانا من أنفها
شقي وكنتوا مع بعض وعطيات ؟ صرخت فجأة في وجهه وقبل أن يجيب كانت قد نهضت وألقت بهاتفه في وجهه بتخوني مع واحدة اسمها عطيات يا معفن!"
كان لا يعرف من هي عطيات وكيف حصلت على رقمه ولماذا بعثت له بتلك الرسالة بالأساس لكن رحمة أمسكت به متلبسا في مسرح الجريمة ولا يستطيع قول أي شيء
" يعني يوم ما تنحرف تنحرف مع واحدة اسمها عطيات ؟ " سخر أحمد فنظر له هشام بصدمة
لكنه وجد رحمة تصرح "طب ما أنت حلو ومنحرف أهو اومال دبش و محترم معايا ليه ؟!"
"إحسسسسس" أضاف قيس بابتسامة شامتة
والا، خليك في حالك صاح هشام ثم نهض الرحمة " يا بنتي والله ما عرفش مين عطيات دي !"
"لما ما تعرفهاش متسجلة ليه في موبايلك يا خاين؟" صاحت فأجاب "يمكن التروكولر عادي بتحصل !!!"
" وعرفت منين إنك إتش وعندك امتحانات ؟"
لم يجد شيئا ليدافع به عن نفسه فأكملت الأخرى وبعدين مع عطيات؟ يا مقرف ... طب كنت خوني مع واحدة اسمها هايدي حتى !"
يعني أنت مشكلتك في الاسم بس الخيانة عادي؟" سخرت داليا فاشتعل وجه هشام ورفع سبابته في وجهها "أنت بالذات خليك في حالك"
ماشي يا بتاع عطيات أردفت بابتسامة مستفزة قد جعلت الدماء تحتقن في وجهه فنهض له أحمد ليحيط بعنقه وتكلم بجدية
بص يا صاحبي، لما تعوز تنحرف لازم تنحرف صح، تعالى أنا هظبطك مع واحدة اسمها نادين "
تم ضحك عاليا وضرب كفه بكف قيس الذي تمتم "حلوة."
يا جماعة حرام عليكوا مش يمكن عطيات دي تكون عند ربنا أحسن مننا؟" تحدث أدهم وضحكوا جميعًا ليأخذ نصيبه من الكعكة هو الآخر
"أنا مش عايزة اعرفك تاني يا بتاع عطياتها یا بتاع عطیات" صاحت رحمة وسحبت حقيبتها وتحركت بعيدًا فهرول هشام خلفها وهو يصيح
"والله ما أعرفها ! أنا مش فاضي للمسخرة وقلة الأدب دي!"
لم تجيبه وأكملت سيرها لكنه لحق بها وأمسك بذراعها يعني أنت تعرفيني من قد إيه ؟ عمرك شوفتيني بتنيل أكلم بنت؟ هاجي أكلم بنات وأصبع وأنا هتجوز"
صمتت لكنها أعطته نظرة متشككة فأكمل "طب دي بتقولي يا شقي، بزمتك أنا شقي؟ ده أنا قعدت أربع شهور بحاول أقولك إني معجب بياك!"
" يعني أنت ما تعرفهاش ؟"
خدي اتصلي بيها واسأليها على شكلي كدا طيب، أراهنك إنها مش هتعرف أنا شكلي إيه، ولا خدي فتشي في الموبايل ... هفتحلك أي أبلكيشن انت عايزاه" قال وهو يعطيها هاتفه
التقطته من يده وأخرجت الرقم ثم اتصلت به في وسط مراقبة من الجميع، وفجئوا جميعا
بهاتف قيس برن، وحينها حرك هشام رأسه نحوه بالتصوير البطيء
حمحم قيس ونهض حينما تقدم منه الآخر وهو يصيح "أه يا ابن ال ..... طب وربنا ما هسيبك"
هرول قيس بعيدا وهو يضحك في حين أكمل هشام جريه خلفه وهو يصيح "بقى أنا تعمل فيا کدا یا حیوان"
عشان تبقى تقول لليلى إني عاملها عيد ميلاد وتبوظ المفاجأة حلو .. يا رزل" صاح قيس بالمقابل من بين ضحكاته
أكملوا الجري لمدة قبل أن يتعب هشام ويقف ملتقظا أنفاسه في حين أن الآخر لم يتعب وكان على استعداد تام لخوض جولة أخرى من الجري نظرا لكونه رياضيا ويتمرن كل يوم "لو مسكنك ... هضربك" قال هشام من بين أنفاسه اللاهثة فسخر الآخر " يا عم الحج خد نفسك الأول بس "
"إزاي اسمك ظهر عندي عطيات ؟"
معايا خط تاني غيرت اسمه على التروكولر بعطيات وبعتلك الرسالة منه " أجاب قيس وهو يقهقه عاليا فرمقه هشام بأعين ضيقة وملامح مقروفة ثم تمتم "عيل متخلف"
أكمل يسمع قهقهته وتقدم منه وهو يقول بنبرة ماكرة بس الحتة طلعت بتغير عليك، يلا أي خدمة "
ابتسم هشام رغما عنه وقلب عينيه تم تذمر "أنا مش طايقك على فكرة "
ليه بس يا ابو نسب ده أنا بحبك " قال ثم أضاف " ويحب أختك "
ليجد الآخر يهرول خلفه من جديد وهو يصبح "ده أنت عيل ما أثريتش".
رواية اربعة في واحد الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل السادس والثلاثون
تقدم هشام من ثلاثتهم عندما كانوا ينتظرونه في ذلك المقهى الذي يعتادون الجلوس فيه، كان قد جاء هشام ليشرح لثلاثتهم آخر مادة سيمتحنونها كانت صعبة وحتى أحمد تعثر في بعض الأجزاء التي لم يفهمها.
فور جلوسه أمامهم كان قد توجه برأسه لقيس وسخر "أهلا يا عطيات "
وبالرغم من تلقيبه له باسم أنتوي لكنه ضحك ولم يعترض.
طيب مش فاهمين إيه بالظبط؟" تساءل وهو ينظر لثلاثتهم فأجابه أحمد "الفصل الثاني من الباب الرابع، مش فاهمه "
ثم أجاب أدهم "يص بقى الباب الرابع كله مش فاهمة الصراحة."
تعلقت أعينهم على قيس الذي رفع كتفيه وأجاب "الكتاب كلم "
نعم يا روح أمك هشرحلك الكتاب كله إزاي أنا!"
"والله مش مشكلتي أنت مش هتتعين معيد والمفروض متشرح كل ده؟"
بس مش ليلة الامتحان "
"ما إحنا قدامنا لحد بكرة إحنا نطلع على شقتي ونيات هناك ونطلع على الجامعة على طول"
حرك هشام عينيه لأحمد و ادهم فوجدهما موافقان على هذا الاقتراح، فقلب عينيه وأخرج هاتفه على مضض وهو ينهض ليقول طب هقول لبابا، أنا ما بيتش برا البيت قبل كدا".
بعد ساعة كانوا جميعا في شقة قيس حيث رمى أدهم بجسده على السرير ورفع عينيه للسقف. وجلس أحمد على الأريكة بينما غاب قيس في المرحاض ووقف هشام يتفحص الكتاب في يده.
هذا حتى حرك أحمد عينيه نحو مسدس المياه الذي كان بجانبه على الأريكة ...
النقطه وتفحصه قليلا قبل أن ترتسم ابتسامة ماكرة على وجهه عندما أدرك أنه مسدس مياه. ويهدوء كان قد صوب فوهة المسدس نحو هشام، ولم يلبث أن ضربه في ظهره فالتفت له الآخر بدون فهم حتى وجده يمسك بذلك المسدس، وكان سيفتح فمه ليصيح عليه بأن يتوقف عن
حركات الأطفال تلك لكن أحمد سبقه برشه على وجهه.
والا، بطل هبل، خلينا تخلص الزفت عندنا مذاكرة" تذمر وفوجئ بأحمد يضحك ويرشه من جديد
استدار لهما أدهم ليشاهد فوجد أحمد يرشه في وجهه هو الآخر، وقبل أن يصبح هشام من جديد كان أحمد قد بدأ برشه للمرة الثالثة، فقد أعصابه وتقدم منه وانتزع منه المسدس بعنف، ثم بدأ برشه في وجهه هو الآخر وهو يصبح "طب أهو .... عشان تعرف إنها حركة غلسة يا
غلس "
هذا حتى ظهر قيس بمسدس مياه اخر ورش هشام في قفاه فاستدار له ليجده يضحك ويصيح"حركة غلسة فعلا"
"أنا عايز مسدس أنا كمان ماليش دعوة " تذمر أدهم وهو ينهض لهم فحك قيس عنقه وأردف "المحل بتاع اللعب بعد شارعين من هنا، تعالوا ننزل نجيب"
"آه يلا ننزل نجيب مسدسين كمان عشان يبقوا أربعة." قال أحمد فوقف هشام ينظر لهم بدون تصديق ننزل فين! إحنا هنلعب ؟ إحنا عندنا امتحان بكرة والمفروض نذاكر
"ما إحنا هتلعب شوية وبعدين نذاكر عادي " أضاف قيس فوافقه أدهم "بالظبط كدا."
بدأ هشام يغير رأيه قليلا وحرك أنظاره نحو ثلاثتهم، الثلاثة موافقون ويريدون هذا وهو بالفعل
قد انتهى من مذاكرة كل شيء ولا يوجد ما يضره.
"ماشي، بس بعدها هنقعد نذاكر؟"
تمام " وافقه فيس وأحاط بعنقه ثم سحبه للخارج.
وصلوا إلى ذلك المتجر، كان دخولهم كجماعة لذلك المكان المخصص للأطفال مريبا بالكامل توجهت لهما إحدى الفنيات اللاتي يعملن في المتجر لتسأل بأدب "حضراتكم عايزين حاجة معينة ؟ "
اه، عايزين مسدسات ماية " أجابها قيس فقطبت جبينها باستغراب قليلا لكنها تداركت الموقف "كبيرة ولا صغيرة ؟ "
كبيرة، بصي أنا كنت واخد مسدسين من هنا عايز زيهم " أردف قيس وتحرك معها ليرى أين هي تلك المسدسات، بينما توجه أدهم لقسم الدباديب ولحقت به فتاة أخرى
"بكام دبدوب الباندا ده؟" تساءل وهو يشير إلى ذلك الدب الكبير فأجابته الفتاة باستغراب "خمسمية جنيه يا فندم "
"وديدوب دورا؟"
"ميتين جنيه "
" اشمعني ؟ ما هما نفس الحجم ؟!"
عادي يا فندم والله ما أعرفش، هي الأسعار كدا!"
ممكن عشان دورا رخمة وما حدش بيشتريها ؟ "
سقط فك الفتاة ونظرت له بعدم استيعاب ثم ابتسمت ابتسامة مزيفة وهي تجيب "جايز يا
فندم".
كان أحمد قد توجه نحو قسم مساحيق التجميل فلحق به هشام متهكما "طب لا مؤاخذة أنت رايح تشتري ميك أب لمين ؟!"
"أهو يتفرج، البت داليا كانت عاملة لاف على درجة روج في صورة على الفيسبوك وشكلها عاجباها .. هشوفها."
اصطدمت الفتاة التي تقف في قسم أدوات التجميل بشابان أمامها
"إزيك؟ يقولك إيه يا جميل .. عايز درجة روج اللي هي نبيتي دموي كدا."
نظرت الفتاة حولها بريبة لكونها ليست معتادة على قدوم أي شاب لذلك القسم تحديدا، لا سيما إن كان يسأل عن طلاء شفاة!
بينما أمال هشام على أحمد وهمس له "يخربيتك !"
ده لمين يا فندم؟" تساءلت الفتاة بفضول فنظر أحمد إلى هشام وأجاب "أكيد مش ليا، بصي،
هي نفس لون بشرة هشام كدل"
جحظت أعين هشام وشعر بالغيظ يتملكه فتركه وذهب يبحث عن قيس الذي وجده يمسك بمسدسان ويصيح "يا عيال، فيه مسدسات خرز ومسدسات ماية، بس الخرز ممكن يجي في
عينينا، نجيب الماية أحسن ؟"
كانت الثلاثة فتيات حرفيا لا يستوعبون ما يحدث هنا فواحد يبحث عن مسدسات أطفال والآخر يسأل عن الدباديب، والثالث يجرب طلاء الشفاة على يديه ليختار اللون الأنسب
هاتلي واحد خرز عشان هأنشك في عينك إن شاء الله " صاح هشام عليه فضحك وسخر ماشي يا أبو نسب، ما هو هيبقى في وشك هتبقى مجوز أختك لواحد أعور".
في حين كان أدهم قد أمسك بعلية عروسة باربي وتفحصها يمينا ويسارا وهو يسأل الفتاة تفتكري اللعبة دي مناسبة لبنت؟"
"عندها كام سنة يا فندم؟"
"إثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين."
قضمت الفتاة شفتها السفلى بيأس ونظرت للأعلى وهي تهمس بداخلها "ده شكله متخلف".
وعلى الجانب الآخر كان أحمد بمسك بإصبعين من طلاء الشفاة ويفاضل بينهما "تفتكري ده
أحسن ولا ده أحسن ؟"
" الإثنين حلوين يا فندم والله !"
طلب لو أنت، هتختاري أنهي فيهم؟"
"ما تخليها هي تيجي تختار يا فندم"
"لا ما أنا جايبهولها هدية، ولا أجيبلها برفيوم أحسن ولا أنت رأيك إيه؟"
ابتلعت الفتاة لعابها ونظرت لأقرانه، حيث قيس أمسك بمسدس الخرز وهو يقول " ينفع أجربه هنا؟"
التجيبه الفتاة بس ممكن يجي في حاجة يا فندم!"
"لا ما تخافيش، أنا هضريه في هشام".
كان هشام قد وصل لأدهم وسحبه بالقوة من ذراعه وهو يزمجر "أنا عارف إنك عاقل عن الإثنين
دول، قولهم يخلصوا ويلا عشان نمشي من هذا."
"اصبر بس هدفع طيب حق لعبة باربي دي ونمشي "
"باربي إيييييييه أنت كمان؟" صرخ في وجهه تم وقف ينظر أمامه بغيظ "بصوا، أنا خارج برا، خلصوا الهبل اللي بتعملوه ده وحصلوني " ثم تركه ورحل.
بدأ قيس بالبحث عن هشام ليجرب فيه المسدس فلم يجده، لكنه وجد بعض البلالين المنفوخة فقرر ضرب واحدة، والتي أحدثت صوتا عاليا عندما فرقعت وكان يقف بجانبها رجلا وابنه
وفرعا من الصوت.
استدار الرجل القيس بغيظ وصرخ عليه " أنت عبيط؟"
"معلش كنت بجرب المسدس " أردف بلا مبالاة
"مسدس إيه يا متخلف أنت اللي بتجربه !"
" بقولك إيه يا عم الحاج، لم نفسك وتوكل على الله عشان الطلقة الجاية مش هتبقى في البلونة
بتاعة المحل، هتبقى في بلونتك أنت".
كان أحمد مستندا على الطاولة وهو ما زال ينظر للونين بحيرة حتى أخبر الفتاة "طب ما تجربيهم على شفايفك كدا عشان أتأكد؟ أنت شفايفك أصلها شبه شفايفها شوية."
توسعت عينيها وفقدت أعصابها وصاحت فيه شفايف ايه يا حيوان أنت؟ أنا ساكتالك من الصبح أنت شكلك مريب أنت وأصحابك من ساعة ما دخلتوا".
كان أدهم قد استمع لصوت شجار فتوجه بسرعة نحوه فوجد قيس يتشاجر مع أحد الرجال. تدخل بينهما لفض النزاع محاولا تهدئة الرجل اهدى حضرتك، حصل إيه بس ؟"
"الحيوان، بيقولي هضرب الطلقة في بلونتك وأنا مش ماسك بلونة يبقى يقصد إيه يبلونتك
دي ؟"
ظهرت ضحكة على وجه أدهم رغما عنه فاشتعلت الدماء في رأس الرجل أكثر ودفعه عنه وصاح "أنت معاه؟ أيوة ما أنت شكلك عبيط أنت كمان بلعبة باربي اللي أنت ماسكها دي".
اقترب أحمد منهما وسارع هو الآخر بفض النزاع " فيه إيه يا جدعان؟"
"عادي، فرقعت بلونة عشان أجرب المسدس والبيه مش عاجبه " قال قيس وهو يدحرج عينيه بعيدا بضيق
"ما تقوله إنك قولتلي مفرقع بلونتك وأنا ماكنتش ماسك أي بلونة تقصد إيه يبلونتك دي يا
سافل یا وقح ؟ "
يعني حضرتك ما عندكش أي بلونة ؟" استفهم أحمد فأومأ الرجل، لكن عينيه جحظت عندما وجد الآخر يكمل "طب ما تدور تاني كدا يمكن فيه بلونة وأنت مش واخد بالك."
انفجر قيس ضاحكا هو وأدهم ثم تذمر قيس ما خلاص ياعم ما كانتش بلونة قولتلك هفر قعهالك، بعدين ده أنت تحمد ربنا لو فرقعتهالك، أكيد مافيش واحد يحب يبقى عنده بلونة بالمنظر ده! "
تصدق إني هروح دلوقتي القسم أعمل فيك محضر سب وقذف " صرح الرجل فسخر الآخر "هتروح تقولهم إيه ؟ هددتك إني أفرقعلك بلونتك؟ ياعم ما كانتش بلونة !"
وهنا جاء صراخ الرجل "فين الأمن؟ يا أمن .. يا أمن".
كان هشام قد شعر بالضيق والغيظ لتأخرهم بالداخل فتوجه نحو المتجر مرة أخرى لكن قبل أن يدخل وجدهم يدفعون للخارج وقيس يصبح طب قسما بالله لو مسكتك لهكون مفرقعلك
بلونتك يحق وحقيقي "
" فيه إيه وبلونة إيه اللي تفرقعها ؟" استفهم هشام فتذمر الآخر ده رجل قليل الأدب عنده بلونة عايزة تتفرقع."
فين المسدسات؟" نظر لهم فقلب أحمد عينيه " ما لحقناش تحاسب عليها."
اومال جيبتوا إيه ؟"
رفع أدهم يده بعلبة باربي وحمحم " أنا جيبت باربي "
بزمتك مش مكسوف من نفسك؟ راضي زمتك وضميرك يا أخي مش مكسوف وأنت ماشي ماسك لعبة باربي كدا؟ انا مش عارف أقولكم إيه منكم لله، إحنا كان المفروض بنذاكر دلوقتي " ويخهم هشام فنظر ثلاثتهم لبعضهم يضيق وندم
يلا ورايا من سكات، وتمشوا عدل عشان نروح تذاكر أشار لهم بسبابته و استدار متحركا فتحركوا خلفه.
" هو بيز عقلنا كدا ليه ؟ إحنا ما عملناش حاجة همس لهما قيس بخفوت فهمس له أحمد " هو واد
هادم للذات كدل"
ثم أضاف أدهم " يا جماعة هو أنا شكلي عرة أوي بعروسة باربي دي؟"
"بصراحة شكلك مسخرة" ضحك أحمد وضرب كفه بکف قیس فاستدار هشام لهم فجأة وزمجر "هو أنا قولت ايه ؟ لو ما مشيتوش ساكتين مش هشرحلكم حاجة."
ابتلعوا لعابهم وصمتوا وأكملوا المشي فهمس أدهم من جديد "ماحدش معاه كيس أسود بلاستك طيب ؟"
استدار له هشام ووبخه من جديد وعايز كيس أسود ليه يا حبيبي؟ ما تخليك ماسكها كدا يمكن جدك يكون معدى بالتشريفة بتاعته ويشوفك، هو في ديك الساعة لما حفيده اللي عايز يدخله أكاديمية الشرطة يبقى ماسك باربي في الشارع !"
على فكرة بقى مالكش دعوة والباربي دي مش ليا دي لداليا عشان عيد ميلادها، وأن هدخل أكاديمية الشرطة وأنت أول واحد هحبسه، هحبسك غلاسة كدا."
"تحبسني ؟ والنبي ابقى اتخرج الأول بس وبعد كدا ابقى احبسني "
" بمناسبة التخرج، إحنا هنخطف دكتور مصطفى بكرة ولا بعد بكرة ؟ " تساءل قيس فتوقف هشام عن السير واستدار لهم على حسب إحنا عايزينه لوحده في البيت."
طب و هنخليه لوحده في البيت إزاي؟" استفهم أدهم وصمت ثلاثتهم مفكرون حتى لمعت أعين أحمد "عادي سهلة.".
شرح هشام الفصل الرابع لهم وهنا قد انتهت مهمته عند أدهم وأحمد، لم يتبقى سوى قيس الذي ينتظر شرح المادة بأكملها ... رفع هشام عينيه له فأعطاه قيس ابتسامة جانبية، جعد حاجبيه ونظر للكتاب المكون من عشرة فصول مكونين من ثلاثمائة وخمسون صفحة .. وهو يجب عليه شرح كل هذا اليوم؟
"أنت مش فاهم الكتاب كله فعلا؟"
فكر هشام قليلا وعلق عينيه على الكتاب بضيق لكنه بدأ يشرح على مضض. وبعد ساعة من الشرح والإعادة والتكرار قد تعب ونظر للكتاب ثم لقيس بيأس ...
ت "بقولك ايه، فكك .. أغششك بكرة أسهل ؟"
مد قيس يده بسرعة له وهو يجيب بابتسامة واسعة "موافق" فصافحه هشام وأرتميا على الأريكة يتنفسان الصعداء.
"جماعة، هو احنا مش هتشوف بعض تاني بعد التخرج ؟ " تساءل أحمد الذي اعتدل في جلسته على السرير ولمح القلق يطفى على وجه ثلاثتهم فوزا ثم هب فيس وافقا
"لا اسمعوا .. إحنا لازم نبقى مع بعض على طول ... تمام ؟"
"بس أحمد هيسافر وأنا هروح أكاديمية الشرطة .. مش هيتبقى غيرك أنت وهشام، تمتم أدهم بضيق وهو يضع يده أسفل خده
"لازم نلاقي نشاط مشترك يجمعنا، " أضاف هشام فصفق قيس بيديه بحماس "نروح الجيم؟"
قلبوا جميعا أعينهم وبصوت واحد رفضوا "لا"
تتفق تلعب كرة سوا كل جمعة ؟ " اقترح قيس من جديد وبدت الفكرة جيدة لهم عدا أحمد الذي ابتلع الغصة في حلقه وتمتم بحزن "مش هتفرق، أنا كدا كدا مسافر."
اعتلى الإحباط وجوههم وعم الصمت بينهم حتى اقترح قيس من جديد "هو أنت لازم تسافر يعني؟ ما تشتغل هنا ... هخلي بابا يعينك في المصنع معانا."
نفى أحمد برأسه وتمتم بيأس مراد عايزني أسافر وأنا مش هينفع أقوله لا .. كفاية إنه شايل البيت كله فوق دماغه بقاله أكثر من عشر سنين."
عم الصمت بينهم لفترة في وسط تبادلهم للنظرات حتى تكلم أحمد مجددًا
"بس عموما أنا عايز أقولكم إني مبسوط إني أتعرفت عليكم وإني بحبكم كلكم جدا ورغم أن معرفتي بقيس كانت سوء فهم وخناقة بس أنا مش متضايق عشان بسببها اتجمعنا إحنا الأربعة
إحنا مش شبه بعض آه، ومافيش حد فينا يشبه الثاني، بس في الفترة اللي قضيناها سوادي قدرنا نتعايش سوا ونتقبل بعض باختلافاتنا .. ولو عليا عايزنا نفضل أصحاب للأبد، أنا مصاحب ناس كثير .. يعتبر مصاحب كل الناس بس ماحدش منهم كان قريب وواقف في ضهري زيكم أنتوا الثلاثة .. ولو أتحطيت في مشكلة بتبقوا أول ناس بتيجي في دماغي "
"خلاص ياعم الحساس ماتخلينيش أعيط ماحدش قالك إننا هنموت لسه لابسين في بعض لحد مشروع التخرج ولحد النتيجة ما تظهر " مزح قيس في محاولة منه لتخبئة مشاعره وتأثره بكلام أحمد
يلا تنام، تصبحوا على خير" قال أدهم وأدار جسده ناحية الحائط لكنه لم يغمض عينيه حقا ... يصعب التخيل بأنه سيتوقف عن رؤيتهم، وبأن أحمد سيسافر بعيدا وبالتأكيد سيأخذ داليا معه ! سيتركانه هنا وحده من جديد؟
شعر بشخص ينام بجانبه ومن رائحته عرف أنه أحمد لأن هشام نام على الأريكة وقيس فرد ملائة وتطوع بالنوم أرضا ...
"صحيح لعبة باربي إيه اللي أنت جايبها لداليا دي؟" سخر أحمد بجانبه فاستدار وتمتم بهدوء "أصلها قالت إن كان نفسها في باربي وهي صغيرة."
أوما أحمد بتفهم فعقد أدهم حاجبيه لوهلة "أنت متضايق إن أنا وداليا أصحاب؟"
قطب أحمد جبينه بالمقابل ونفى برأسه "لا طبعا .. أنا عارف أنكم أصحاب بس، وبعدين دي حاجة حلوة إن يكون بيني أنا وهي صديق مشترك هنجيبك تصلح بينا لما تتخانق "
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه الآخر وهو يتمتم "مش هاجي .. لأنكم هتسافروا . "
ثم استدار ووضع وجهه في الحائط من جديد ليترك الآخر غارقا في أفكاره، ماذا عن أمه وأبيه؟ سيتركهما ايضا ولن يستطيع التسكع مع أبيه ومضايقة أمه في المطبخ حينما تسنح له الفرصة ؟
ولن يستطيع رؤية أصدقائه ؟
أشفق على مراد حقا في هذه اللحظة، إنه بمفرده منذ وقت طويل ولا يدري كيف فعلها!
لكنه أشفق على نفسه أيضًا، سينعزل هناك ولن يكون بجانبه سوا داليا ومراد والكثير من الفراغ
ويذكر مراد فلقد كان يقف في شرفته الآن ويراقب غادة التي تتحدث على الهاتف بانفعال واضح في الشرفة التي أمامه
"أنا مش قولتلك ما تتصلش بيا؟" زمجرت غادة من تحت أسنانها وهي تتحدث لأبيها على الهاتف وبيدها الأخرى تقبض على السور الحديدي للشرفة التي تقف فيها
مش عايزة أسمع منك أي حاجة ومش محتاجاك في حياتي خلاص، وقولتلك ما تدخلش في أي حاجة تخصني " صرخت رغما عنها ثم أغلقت الهاتف في وجهه ووقفت تصك على فكيها بغيظ وهي تنظر للشارع بأعين فارغة حتى سمعت حمحمة رجولية قادمة من الشرفة التي أمامها
رفعت عينيها نحو مراد لم تدرك وجوده سوا الآن حاريت الرسم ابتسامة مزيفة على وجهها لتحييه بها لكنه تمتم " مش مضطرة تبتسمي أنا عارف إنك متضايقة "
تلاشت ابتسامتها ونظرت للأسفل وهي تومئ وتحاول منع نفسها من الكلام لكنها لم تستطع و رفعت رأسها لتبدأ بالترترة مش راضي يسيبني في حالي "
"هو عايز منك حاجة ؟ "
صمتت لفترة وأشاحت بوجهها بعيدا قبل أن تنطق بنبرة ساخرة "بيقول جايبلي عربس"
لم يبدو على وجهه أية ردة فعل ملامحه ما زالت ثابتة بطريقة جعلت غصة تعلو حلقها، لم يبدو غاضبا أو حزينا أو حتى متأثرا بأية طريقة .. وكأن الموضوع لا يعنيه!
"آه، تمام .." هذا كل ما تفوه به مما جعلها تغضب أكثر وتصك على فكيها بغيظ.
" وأنت مش عايزة العريس عشان منه ولا مش عايزة أي عريس في العموم؟ أصلي حاسس إنك مش عايزة تتجوزي أصلا - " تساءل فحركت عينيها له
هتجوز" لما ييجي حد مناسب"
طب ما يمكن العريس اللي هو جايبه مناسب !"
بدأ رأسها يشتعل من الغيظ ولم تعرف ما الذي يحاول مراد أن يصل له؟ هل يدفعها لمقابلة العريس حقا أم أنها تتوهم ذلك!
" يعني أنت رأيك أروح أشوفه؟"
كان سؤالا مفخخا له وهو شعر بهذا فلم يعطها إجابة بل بطريقة دبلوماسية - كان قد أجابها بسؤال أيضا "أنت عايزة؟"
"لا مش عايزة طبعا."
ولا عايزة أي عريس ؟"
كان يريد إجابة واضحة ومباشرة منها لأنه لن يعرض لنفسه الموقف محرج بتقدمه لها مرة أخرى دون معرفة رأيها، في حين أدركت هي بذكائها أن مراد يريدها أن تخبره مباشرة بأنها تريده أن
يتقدم من جديد
عينيه الزرقاء المعلقة على وجهها في ترقب واضح جعلتها تخجل قليلا ولا تجد طريقة مناسبة القول ما يريد هو سماعه
"أه ممكن أعوز عريس، أنت عندك عريس ؟" أجابت بنبرة مازحة قليلا مع ابتسامة تعلو شفتيها فابتسم هو الآخر وحك شعره الفوضوي
فيه عريس أه" قال مازحًا ولم يجد بدا من الأسلوب الغير مباشر الذي يتبعه؛ فالأفضل أن يتحدث مباشرة وبوضوح، فهذه هي شخصيته في العموم، إنه شخص صريح وواضح ومباشر خاصة فيما يريد، وهو يجد غادة مناسبة له ولا يريد العودة لألمانيا خالي الوفاض ليجلس بين
أربعة حوائط يحتضن وسادته وينام وحيدا مجددا.
"غادة، ماما بتزن عليا إنها تكلم مامتك تاني وبتقول إنها حاسة إنك هتوافقي وإن المرة اللي فانت كانت سوء تفاهم، فأنت شايفة إيه؟ أنا مش عايز أخد قرار بدون ما أسمع رأيك"
احمرت خجلا ونظرت للأسفل وهي تومئ "هو .. يعني .. ماشي تمام موافقة"
"تمام يعني أ. " تكلم فقاطعته "أه .. أنت ممكن تجيب مامتك وباباك وكدل"
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يهز رأسه بالإيماء، تصادمت زرقاوتيه بعينيها فاحمرت خجلا أكثر وأخفضت رأسها، بدت كالحمل الوديع الآن بعد أن كانت في أول مقابلة لهما كالثور الهائج .. لكن
أحمد ظهر في رأسه فجأة مرددا بصوته
" حتى أسوأ وأعنف بنت بتقلب كيوت مع الرجل اللي هي بتحبه."
رجع بعينيه إلى غادة التي تتفادى النظر له وعلى وجهها ابتسامة لطيفة مزينة بوجنتين
حمراوين، وتساءل هل غادة تحبه ؟
"هتيجوا إمتى ؟ " سألت وهي تحارب لترفع عينيها فأجاب "ماما هتبلغ مامتك إن شاء الله "
"ماشي" أردفت بنبرة ممتلئة بالفرحة فضحك رغما عنه وهذا جعلها تعلق عينيها عليه، حسنا ... ليس كل الرجال أوغاد كابيها ... مراد ليس كذلك مراد من ذلك النوع من الرجال الذين يشعرونك بالهيبة والرزانة بحيث يجبرونك على احترامهم رغم أنفك لطالما فكرت في رجل مثل هذا.
ليكون أنا جيدا وقدوة حسنة لأطفالها .. وصورة مراد البطولية لا تفارق خيالها.
من قال أن الأبطال الخارقون يجب أن يمتلكوا قوة هائلة ويتواجدون في الأفلام فقط؟ لأن من قال هذا غبي؛ فالأبطال الحقيقيون يتواجدون حولنا وهم بسطاء ولا يمتلكون قوة خارقة إلا القوة الداخلية، ستجد البطل الخارق في عامل نظافة قد انحنى ظهره طوال عشرون عاما ليطعم أولاده، ستجد البطلة في فتاة يتيمة تعيل نفسها بالحلال رغم أن الحرام سهل وقريب، أو في أم تخدم في البيوت التربي ابنتها بمفردها، مثل أمها، أو في شاب ضحى بشبابه ليعيل أسرته. مثل مراد.
ربما لم تكن لتغير نظرتها نحو أي رجل ولم تكن لتتخلص من عقدتها نحو الرجال لو لم تقابل مراد وتطلعها والدتها على قصته التي وبكل تأكيد تنفي عنه تهمة النذالة .. وهي حقا شاكرة لمقابلته وظهوره في حياتها.
" بالمناسبة لو اتجوزنا تبطل تقلع تيشيرتك قدام حد ماشي ؟" تحدثت بنبرة مازحة فضحك ورفع إحدى حاجبيه وشبك يديه أمام صدره وهو يتساءل بطريقة ماكرة "ليه ؟ بتغيري ؟"
خجلت وأخفضت رأسها لتتفادى النظر إليه لأنها نعم تغير وبشدة، ولا يمكن لأي شخص إنكار أنه جذاب كثيرا بتلك الخصيلات البيضاء التي تتخلل شعره ولحيته، وعينيه الزرقاء ووجه الهادئ مع جسده الرياضي، تلك الأسرة الصغيرة تمتلك جيدات رائعة، بداية من الأم والأب مرورا بالأبناء
وبإذن الله يمتد الموضوع للأحفاد لأنها وبكل تأكيد تريد ابنا يشبه مراد.
في اليوم التالي، تحديدا بالسادسة مساءً، كان أربعتهم يجلسون في النادي أمام داليا التي شرحوا لها ما يريدون منها فعله بالتفصيل الممل، أخذت نفسا عميقا وهي تزم شفتيها بضيق
تلمح الرجاء في أعين أربعتهم ولا تستطيع حقا معرفة ماذا تخبرهم؟
ابتلعت لعابها لتقول بتردد بس أنا مش يعرف أمثل !"
يا داليا حاولي، عايزينك تعملي شخصية ولية بيئة ... جربي كدا طيب" قال أحمد
فحمحمت و حاولت افتعال نبرة بلدية ده أنا هفضحه وهخلي الطلاب كلهم ي ."
أوقفها أحمد "داليا، دي نبرة صوت واحدة من جاردن سيتي يا حبيبتي دي وش هتعرف إنك واحدة من طلابه وبتعملي فيه مقلب، إحنا عايزين نبرة صوت واحدة من مساكن زينهم."
نفخت الهواء من فمها وتذمرت مش عارفة ما بعرفش أردح أنا وعمري ما دخلت خناقة !"
نظروا لبعضهم بيأس لكن أحمد صمم "لا بصي .. الموضوع ده لازم يتم، أنت عارفة فيفي عبده؟"
اومات فأكمل تعرفي تقلدي طريقة كلامها ؟ "
فكرت قليلا ثم نفت برأسها فرفع يده يمسح على وجهه وتمتم "هجيبلك فيديوهات ليها دلوقتي ونقلدها، ماشي؟".
بعد ربع ساعة كانت داليا تقول " يعني أنا أتكلم بزعيق كدا وكأني يشوح بإيدي وأقعد أقول يا حبيبتشي وأحط شين بعد أي تاء؟"
"آه، وخدي حطي اللبانة دي في بوقك وتقمصي الدور بقى " مد يده لها بعلكة فالتقطتها من بده بتردد ثم ابتلعت لعابها وأومأت "طب هانوا الرقم "
أملى عليها أدهم رقمها ثم اتصلت بها في وسط مراقبة منهم جميعًا حتى أجابت زوجة دكتور مصطفى على الهاتف من الجهة الأخرى "ألو؟"
"ألو .. حضر تشك مراة دكتور مصطفى ؟"
"أيوة، مين معايا ؟ "
"حضرتشك ما تعرفينيش بس جوزك يعرفني كويس أوي ... قوليله عيب اللي هو بيعمله ده وخليه يرد على تشليفونه بالذوق بدل ما أعمله فضيحة بجلاجل."
"أنت مين وفضيحة إيه ؟ مش فاهمة ؟"
"أنا مراته جوزك متجوزني بعقد عرفي وقالي سنة وهيقولك بس السنة بقت سنتشين يا حبيبتشششي وأنا دلوقتي حامل ومن ساعة ما عرف وهو بيتهرب مني وعايزني أسقط الجنين بس لا .. مش أنا اللي تتختشم على قفاها، ده أنا أبهدله في الأقسام وأجرسه في الجامعة بحالها قدام الطلبة يتوعه، وابني هولده وهيتسجل باسمه ويورثه بعد ما ربنا ياخذه إن شاء الله "
" ايه ؟ مصطفى أتجوز عليا " ظهرت نبرة السيدة مرتعشة وعلى وشك البكاء فأجابتها داليا " وأنا حامل منه، قطعوا الرجالة وسنينهم، كلهم خاينين وولاد كلب ويستاهلوا ضرب الجزم."
نظر هشام لها بغيظ لكونها ضمنها قد سبتهم وفي وجههم، ولسبب يجهله كانت تنظر له هو تحديدا وهي تقول تلك الجملة !
ده واطي ده اتجوزني وهو ما حيلتوش تعريفة، ودلوقتي جايبلي ابن يورت في فلوسي !" صرخت السيدة بانهيار
شرع ربنا بقى يا حبيبتشي نعمل إيه يعني؟ قوليله بس يرد على تشليفونه لأحسن يلاقيني جاياله الجامعة بكرة وأخلي اللي ما يشتري يتفرج عليه."
ماشي يا مصطفى، أنا هوريك ماشي يا مصطفى، أنا هخليك لوحدك زي كلاب السكك .....
تمتمت السيدة تم أغلقت المكالمة في وجهها.
أكيد هتسيبله البيت وتمشي صح ؟" سأل أدهم فأومات داليا "قالت إنها هتخليه لوحده زي كلاب السكك "
"حلو .. كذا أكيد دكتور مصطفى هيبقى لوحده في الشقة بكرة، وأحنا معانا نسخة مفاتيحسارة هنطلع بكرة نحط المنديل اللي فيه مخدر على وشه لحد ما ينام ونشيله وننزل نرميه في عربية قيس وتطلع على العزبة بتاعة جد أدهم " قال هشام فتسائلت داليا " افرض البواب
شافكم ؟"
صمتوا ونظروا لبعضهم ... يحتاجون شيئا ليلهوا به البواب...
جمجم أحمد وابتسم ابتسامة بلهاء وهو ينطق برجاء "ديدو - "
توسعت اعين داليا ورفعت سبابتها في وجهه "لا، كفاية لحد كدا "
"عشان خاطري"
شبكت ذراعيها أمام صدرها وأشاحت بوجهها بعيدا " قولت لا يعني لا."
اقترب منها وهو يسبل عينيه في استعداد للتأثير عليها ثم همس بنبرة صوته الرخيمة تلك "داليا، لو جيت معانا نلهى البواب هاجيبلك بيج ماك وهأخدك أعزمك على أيس كريم من عند العبد في وسط البلد وبعدين هدخلك سينما تتفرجي على آخر فيلم لمارفل "
انفكت عقده حاجبيها وابتلعت لعابها ورفعت عينيها لتفكر في ذلك العرض، الوغد لقد استعمل كل نقاط ضعفها في عرض واحدا
" والواد قيس هيشتريلك سلسلة كتب هاري بوتر كلها " أكمل أحمد فأوما قيس بسرعة، عقدت حاجبيها باستغراب من أين عرف أنها تحب هاري بوتر ومارفل ؟ هل أحمد يراقبها ؟
ارتسمت ابتسامة جانبية ماكرة على وجهها الآن عندما أدركت أنهم سيفعلون لها أي شيء تريده كي تأتي وتنفذ معهم خطتهم .. رفعت يدها تحك ذقتها بتفكير ....
ما تنجزي يا حاجة كل ده ومش عاجبك " تذمر هشام فزمت شفتيها ونظرت له ياعين ضيقة متوعدة
" مبدأنا أنا مش هتحرك قبل ما الواد ده تحديدا يعتذرلي دلوقتي عشان قالی قبل كدا یا ست
ه كخة "
توسعت أعين هشام وفغر فاهه وكأن ما سمعه دريا من دروب الجنون فهو أبدا لن يعتذر لها ... على جثته.
اعتذر يا هشام يلا دفعه أحمد فنطق من تحت أسنانه مش معتذر، على جثتي "
"ما تنجز وتعتذر يا هشام، ما أنت غلطت فيها برضه " أضاف أدهم ثم تلاه قيس " يا عم انجز خلصنا"
"مش هعنذر واللي عندكم اعملوه" ركب رأسه وأشاح بوجهه بعيدا
"شوفتوا؟ هو من الأول وهو مش طايقني، بصوا يا ولاد الحلال ... أنتوا تشوفولكوا واحدة تانية
للمهمة دي، أنا أصلا مكسلة "
علق ثلاثتهم أعينهم على هشام بضيق ثم اندفع أحمد نحوه وهمس في أذنه "لو سقطنا فأنت أكثر واحد متضرر فينا، إحنا هنعيد السنة عادي، إنما أنت لو سقطت هيضيع عليك التعيين للأبد"
جف حلقه وصك على فكيه ثم نظر لداليا وتمتم بقرف "أنا آسف"
"لا، قولها يأدب لو سمحت ... يعني خليك مستشعر الأسف كدا وأنت بتقوله "
تصبغت وجنتيه الآن بحمرة الغضب وود لو يلكمها على وجهها ليوقعها أرضا لكنه جز على أسنانه وتمتم "أسف .. حلو كدا؟"
تمام، ماشي .. يبقى كدا بيج مالك وايس كريم وفيلم وسلسلة كتب هاري بوتر و " كانت ستكمل فقاطعها هشام "لا خلاص كدا ... مافيش (و) .. (و) مافيش "
"لا فيه، أنا عايزة حاجة تانية."
اقترب أحمد منها بابتسامة لطيفة ثم قال بنبرة دافئة جعلتها تتوتر وتخجل كثيرا "اللي أنت عايزاه هعملهولك، عايزة إيه؟"
جف حلقها ورفعت يدها لتضع خصلات شعرها خلف أذنيها في حين راقبهما الثلاثة شبان حيث رفع فيس حاجبيه وحمحم أدهم ثم قلب هشام عينيه بحنق
"عايزة أركب موتوسيكل، من اللي هو ريس ده. قالت بنبرة مبحوحة وفوجئت بأحمد يميل
على أذنها ليهمس لها "هاجر لك موتوسيكل ريس، حاضر."
كان بالكاد يمنع نفسه من تقبيلها الآن الفتاة تثير جنونه بطريقة غريبة، أفكارها الحمقاء تلك تعجبه كثيرا ويريد إعطائها أي شيء تريد تجربته الخليط الخجول البارد المتهور الذي بداخلها يجعله على الحافة، ولعل أصدقاءه الثلاثة لاحظوه ينظر إلى شفتيها وهو يبلل شفتيه بلسانه غير أنه لم يكن منتبها حقا لما يجري حتى جاءه صوت هشام متذمرا بنبرة منخفضة
"ممكن تبطل محن بقى وتخلصونا ؟"
فأعطاه أحمد نظرة غاضبة وشكر الله بداخله لأن داليا لم تنتبه لما قاله هشام أو النظراته الغريبة تلك لها.
"ماشي خلاص موافقة " قالت أخيرا فتنفسوا الصعداء كانوا جميعًا يتبادلون النظرات القلفة لكون غذا يوم حافل، إلا أحمد الذي ابتسم لداليا واستند على الحائط بجانبها وهو يحاول السيطرة على ضربات قلبه المضطربة، لم تكن مضطربة لأنه قلها بشأن الغد، بل يسببها هو يعرف بهذا.
"مالك ؟ " التفتت له داليا حينما وجدته ينظر لها فحمحم بتوتر ونفى برأسه "مافيش بس أصل متوتر عشان موضوع بكرة ده."
هو أنتوا ليه ضربتوا بعض في مكتب الدكتور؟" استفهمت فأجاب كان سوء تفاهم بيني وبين قيس وهو فكرني علقت البت بتاعته وكدا."
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها وتمتمت "آآه .. يعني برضه عشان بنت؟" دي كانت حاجة في الماضي على فكرة وأنا وهو ما بقيناش كدا دلوقتي " "لا والله ؟ "
"آه والله، وكدليل عندك قيس أهو خطب، وأنا توبت والله توبة نصوحة "
توبة نصوحة ؟ والله شكلك كداب
اكتسى القلق وجهه وهم ليدافع عن نفسه بجدية "والله أبدا أنا بطلت من ساعة موضوع سلمى الله يرحمها ولا يمكن أعمل كدا تاني، أنا عارف إن كلكم شايفيني بضحك ويهزر وعايش حياتي
عادي وكأن مافيش حاجة حصلت - " ثم أخفض رأسه وأكمل بضيق "بس أنا مش ناسي أنا
عملت ايه، ولا عمري هنسي ."
مش هنسى صورتها في المستشفى بسببي .. تعرفي إن المشهد ده بيتكرر في دماغي كل يوم بالليل، كل ما أحط دماغي على المخدة عشان أنام صوت الصفارة بتاعة جهاز نبضات القلب وهو
بيصفر بيظهر في دماغي ....
أومات بحزن فرفع رأسه ليعلق عينيه على عينيها وأكمل بجدية "أنت عارفة إني ما بكدبش ساعة ما اتصلت بيك قولتلك اللي زبي ما يبتغيروش ... بس بعدها اكتشفت إن ممكن قلم ينزل على وشهم فجأة يفوقهم."
"معاك حق "
تعرفي إني هسمي بنتي سلمى ؟"
ابتسمت وأردفت "حلو اسم سلمى"
" بجد؟ يعني مش معترضة ؟"
" وهعترض ليه؟ أنا مالي أصلا!"
"أنت مش عايزة تخلفي؟"
"لا مش عايزة " أردفت وهي تبتلع لعابها فقطب جبينه وشبك ذراعيه أمام صدره "ده ليه بقى
إن شاء الله ؟!"
"عادي، مش عايزة!"
"أيوا ليه ؟"
شعرت بغصة تعلو حلقها ولسبب مجهول أحست بأن أحمد يحاصرها في مكان حيث يفترض أن تدافع عن نفسها الآن وتبرر موقفها وتطلعه على أسبابها، وهذا أكثر شيء يضايقها، أن يضطرها أحدهم لأن تشرح مشاعرها وأحاسيسها هو الجحيم بأكمله، خاصة إذا كان يتعلق بتلك الحادثة
التي لم ولن تفارق عقلها
"أنت مالك أصلا؟ مش عايزة أخلف وخلاص، حاجة ما تخصكش أساسا يعني عشان تسألني عليها، أنا ما يحبش الأطفال، كائنات مزعجة واللي بيحبهم مزعج زيهم "
جفل أحمد بعينيه بصدمة، لم يتوقع ردة الفعل هذه ابدا فلقد كانا يتحدثان بطريقة ودودة منذ بضع دقائق
"أنا مش قصدي يا داليا .. أنا بس كنت بسأل عشان مستغرب موقفك، أصل كل البنات نفسهم يخلفوا ويبقى عندهم نونو صغير وكدل"
صكت على فكيها ولاحظ أنها تتنفس بصورة سريعة الآن ثم أجابت بنبرة مهزوزة "مش لازم كلنا
نحب نفس الحاجة، أنا مش عايزة أخلف ولا عايزة أطفال "
هناك ألم أصاب صدره الآن لا تريد الإنجاب؟ لكنه يريد الكثير من الأطفال ويريد تكوين أسرة كبيرة لأنه يحب الأطفال ... لكنه هدأ نفسه بأنها تقول هذا الآن لكن بعد الزواج بالتأكيد ستغير رأيها، سيغرقها بحبه حتى يجعلها تتمنى قطعة منه في رحمها ... هذا على الأقل ما قد منى نفسه
به ليوقف أفكاره القلقة التي تدفقت نحو عقله دفعة واحدة.
تبا لتلك المشاعر التي أصبح يكنها لها وهي لا تعطيه الفرصة لإخبارها بها، هل شعرتم يوما بكم كبير من الحب تجاه شخص أو شيء ما، بحيث تنتابكم الرغبة لاحتضانه عميقا أو ربما أكله؟ لأن هذا باختصار ما يشعر به نحوها.
"أنا اسفة إني هاجمتك " فوجئ بها تعتذر له ونبرة الندم تغلف صوتها فابتسم ونفى برأسه "ما زعلتش " فأجبرت نفسها على رسم ابتسامة مزيفة وعلقت عينيها على السماء أمامها.
الحمل بأطفال؟ لا ... الضيق يعتلى صدرها وتشعر بأن نوبة هلع ستصيبها الآن بمجرد التفكير في الأمر، لكنها حاولت إخراج الأمر من عقلها الآن وتشتيت تفكيرها عن ذلك الشيء؛ فهي لا تريد الظهور بمظهر ضعيف بائس أمام أحمد إذا أصابتها نوبة هلع هنا لكن فعل هذا لم يبدو بتلك
السهولة، فهي تجد صعوبة في التنفس الآن وبدأ تشويش يعلو رؤيتها .
"صحيح، إيه نكهتك المفضلة في الايس كريم ؟" تساءل أحمد فجأة وكأنه بسؤاله كان طوق النجاة الذي شتت عقلها عما تفكر فيه لتفكر في شيء آخر.
"أنا يحب الفانيليا والمانجا " أكمل فحمحمت وحاربت لتخرج نبرة صوت طبيعية "أنا .. أنا ... يحب الشوكولاتة والليمون .."
مسكر ومزز .. كان لازم أتوقع إنك هتختاري حاجة حلوة ومززة - "
" اشمعني؟"
"أصل دي تركيبة شخصيتك".
رواية اربعة في واحد الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل السابع والثلاثون
كانت الثانية فجرًا عندما وقفت داليا في شرفتها ترتدي عباءة سوداء وحجاب يعلوا رأسها
وتنظر نحو أدهم الذي يقف في شرفته هو الآخر
"أنا خايفة !" همست أثناء النظر للشارع فهدأها الآخر "همسكك ما تقلقيش يا داليا"
"لا، أنا مش هنط أنا خايفة - " كررت فكرر هو الآخر "طب اخرجي من بابا شقتكم وبلاش تنطي
لبلاكونتي "
"لا، ماما قاعدة برا ومش هتخليني أنزل الساعة إثنين الفجر! "
طب نطي وهنخرج من عندي "
"y"
خاصا تلك المحادثة للمرة الثالثة على التوالي، حيث تكرر هي أنها خائفة وأدهم يقنعها بأنه سيمسك بها، ولا حياة لمن تنادي ....
كان قيس وهشام وأحمد بالفعل يقفون بالسيارة أسفل منزل أدهم ويرون ما يحدث بالأعلى، حتى قرر أحمد الصعود لهما، وفي ظرف خمسة دقائق كان أمامهما ، شرح أدهم له الموقف فأوما الآخر بتفهم وحرك عينيه نحو داليا الخائفة
"داليا، هاتي إيدك " قال ومد يده نحوها فنظرت له ثم ليده ومدت يدها بتردد فقبض عليها وأكمل "أنت عارفة إن عمري ما هسيبك صح ؟ "
لم تعرف بماذا تجيب، هل هي تثق بأحمد فعلا مثلما يظن؟ لا .. هي لا تثق بأي شخص على وجه البصيرة وخصوصا لو كان رجلا.
لكن تربيتة من أحمد على يدها التي يحكم قبضته عليها ونظرة ثقة في عينيه وهو يردف "أنا عمري ما هسيبك تقعي " جعلتها تغمض عينيها بيأس وتصعد على السور يقلب مرتجف .. وفور أن أصبحت أعلى السور ترك أحمد يدها لتحتضن الجدار الفاصل بين شرفتها وشرفة أدهم، لكنه
بالمقابل كان قد احتضن قدمها.
تحرکت پسارا نحو شرفة أدهم وقفزت للداخل بأعين مغلقة لتجد نفسها فجأة في حضن أحمد الذي ابتسم ابتسامة ماكرة لكنها سرعان ما ابتعدت عنه يتوتر بعد أن جف حلقها.
لحظات صمت مرت عليهما قبل أن يتذمر أدهم "ممكن ننجز؟".
خرجوا جميعا من منزل أدهم وتسللوا على السلالم بدون إصدار أي صوت حتى خرجوا من العمارة ووجدوا أنفسهم أمام سيارة قيس، ثم وقفت داليا تنظر للسيارة ثم لأربعتهم بنظرات قلقة حتى تكلمت
"أنا مش هركب معاكم العربية."
ليه ؟" تساءل هشام
"ما ممكن تخطفوني !"
"يا بنتي عيب عليك على فكرة دي أشكال تخطف حد؟" أردف قيس
"أنت عبيط يا ابني ؟ أنتوا رايحين تخطفوا الدكتور أصلا!"
"آه صح ... بس ده الدكتور وهيسقطنا وكدا، إنما مش هنخطفك أنت يا داليا .. عندك أنا مثلا خاطب وبحب خطيبتي والواد هشام أصلا شيخ ومالوش في الكلام ده، وأدهم ده رجل على
باب الله يعني ما أنت عارفة."
اطمئنت قليلا لكنه أكمل "لو حد ممكن يخطفك فعلا فهو أحمد "
توسعت أعين داليا ونظرت لأحمد بتوتر فحمحم وهو يحك علقه ويبتسم، طالعته بحاجبين مضمومين بقلق ثم تساءلت بطريقة بدت له طفولية قليلا " هو أنت ممكن تخطفني ؟!"
رفع حاجبيه وزم شفتيه معا وهو يجيب "ممكن؟ لا أنا already عايز أخطفك بس للأسف مش فاضي دلوقتي رايح اخطف دكتور مصطفى ... خليك انت الخطفاية الجاية إن شاء الله ويبقى
ختامها مسك "
كانت تبدو وكأنها لا تستطيع فهم هل أحمد يتحدث جديا أم يمزح ؟ والآخر استشف هذا فأجاب كاذبا "بهزر معالي أكيد مش هخطفك يعني !"
مررت عينيها على أربعتهم، تشعر بالقلق كثيرا رغم أنها باتت تعرفهم جيدا، لكنها تعانى من مشكلة ثقة في أي رجل وهي أمام أربعة وليس واحدا.
يكون في علمكم، أنا قابلة لصاحبتي إني نازلة معاكم وقايلة اسمكم الثلاثي واحد واحد، يعني لو حصلي أي حاجة الجريمة لابساكم لابساكم " قالت وهي ترفع سبابتها في وجوههم فقلبوا أعينهم وهزوا رأسهم بحسنا
تمام، يلا بقى ؟" أردف قيس لكنها نفت برأسها وتحركت نحو مقدمة سيارته وأخرجت هاتفها تم صورت أرقام سيارته وبعثت بها في رسالة لصديقتها ثم رفعت بهاتفها لقيس وتمتمت
لو جرالي حاجة هيجيبوك على فكرة."
أخذ قيس نفسا عميقا محاولا تهدئة نفسه وأوماً "ماشي "
لكنها كانت ما زالت تبدو خائفة ومترددة ولا تريد الركوب معهم وحينها تقدم أدهم منها وعلق عينيه عليها ثم نطق بنيرة دافئة مطمئنة
"داليا، لو قلقانة ومش عايزة فخلاص ... ماحدش هنا هيجبرك على حاجة، بس لو خوفك جاي مننا إحنا، فخليك عارفة إن حتى لو حد فينا فكر يعمل حاجة غلط وده احتمال غير وارد ... ثم أخفض صوته وهمس لها فأحمد مش هيسمح بحاجة زي كدا، وأنت عارفة ده كويس."
رفعت عينيها نحو أحمد ثم عادت إلى أدهم وهمست بس أنا أصلا خايفة من أحمد!"
كان سيضحك عاليا الآن لكنه سيطر على نفسه، لماذا الجميع حرفيا يشكون بأحمد فقط؟ حسنا .. إنه يبدو كالفتى السيئ الذي لن يريد أحدًا العبث معه، لكن من خلال معرفته بأحمد، فأحمد ما زال يملك بعض المبادئ وهو دبلوماسي وليس متهوزا، يزن الأمور بعقله أولا قبل أن يفعل أي شيء غبي، لن يبالغ لو قال أن أحمد أكثرهم توازنا وأقلهم تهوزا لكن الجميع يفهمونه بطريقة خاطئة.
عاد برأسه لداليا وهمس لها " على فكرة والله أحمد طيب جدا وحنين، هو يبان إنه مش كويس بس هو مش كدا."
"أصلي بحسه بيبصلي بصات مريبة شوية وبيفضل باصصلي كثير ... همست بتردد فقطب أدهم جبينه وتمتم وده ما لفتش نظرك لحاجة ؟!"
أجابت بغباء "حاجة إيه؟"
كان أحمد يراقبهما يتهامسان منذ فترة ولم يستطع الصبر أكثر فتدخل بغضب " هو لا مؤاخذة يعني أنتوا قاعدين تتوشوشوا في إيه؟ ما تنجزوا."
ابتلعت لعابها واومات ثم صعدت للسيارة بالخلف، وسارع احمد بالجلوس بجانبها بينها وبين أدهم وهو يلقي بنظرات حادة نحو أدهم، هذه الصداقة التي تربط داليا وأدهم بانت لا تعجبه لقد شعر بالغيرة تأكله حيا وهو يراهما يتهامسان بعيدا عن عينيه دون أن يعرف ماذا يقولان؟
وجهه كان متجهما بصورة واضحة للعيان، غير أن أدهم لم ينتبه له، ومن انتبهت له هي داليا التي قطبت جبينها بالمقابل وهو ينظر لها بنظرة حانقة
"مالك؟" همست له فظهرت نبرته ساخرة "مافيش والله هو فيه حاجة تضايق مثلا حصلت ؟" "مش فاهمة !"
"ما أنت على طول مش فاهمة " رمى بكلماته وأشاح بوجهه بعيدا فنظرت له بغيظ وأشاحت بوجهها للجهة الأخرى أيضا فبديا كطفلان كلا منهما ينظر بعيدا عن الآخر بغضب طفولي.
راقبهما هشام الذي يجلس في المقدمة بجانب قيس من مرآة السيارة، عظام فك أحمد بارزة في وجهه من قوة ضغطه عليهم، يبدو وكأنه يحترق داخليا، لم يبدو أحمد غاضبا لتلك الدرجة من
قبل
رفع قيس عينيه لينظر لهما هو الآخر فاصطدم بأحمد يمسك به وهو ينظر إلى داليا، لكنه سرعان ما رجع بعينيه نحو طريقة ليترك الآخر والدماء تغلي في عروقه وهو ينظر لداليا بقيظ
" أنت إيه اللي لبسك العباية دي؟" همس لها بغضب من جديد فحركت رأسها له ببطء وزمجرت " وانت مالك ؟ "
" هو ايه ده اللي أنا مالي ؟ أنت إيه اللي لبسك العباية دي؟" ارتفع صوته فحرك أدهم عينيه نحوهما بينما حمحم قيس وتبادل نظرات متوترة مع هشام
لم يكن قيس ينظر لها لأجل العباءة؛ فما ترتديه داليا ليست العباءة التي تجذب أنظاره بالأساس إنها ترتدي عباءة واسعة بشدة وحجاب يغطي جزعها العلوي .. بدت وكأنها قد ارتدت عباءة والدتها ... لكن أحمد بالتأكيد فهم الأمر بطريقة خاطئة.
"أنت بتزعقلي ؟ " نطقت بطريقة مهددة هي الأخرى وفوجئت به يكمل طريقته الهجومية "اه بزعق أنت ما تلبسيش البتاعة دي تاني."
طب قسما بالله لأكون لابساها تاني، عشان أنا ماحدش يقولي البسي وما تلبسيش، ومالكش دعوة بيا وما تكلمنيش تاني" نطقت وأشاحت بوجهها ناحية الزجاج وحينها حاول أدهم التدخل
بينهما "اهدوا يا جماعة فيه إيه؟"
لكنه أصطدم بأحمد يصبح في وجهه "مالكش دعوة."
حرکت داليا رأسها نحو أدهم وأشارت بسبابتها لأحمد شايف طريقته؟ من ساعة ما شاف وشي وهو بيتعامل بالطريقة المتخلفة دي "
احتقنت الدماء في وجهه أحمد أكثر ونطق من تحت أسنانه "طريقتي متخلفة؟ أه بقى أنا متخلف وطريقتي متخلفة، لا تكوني فكراني من العيال الأوبن مايند."
اشتعلت عينيها ورمقته بحقد ثم صاحت على قيس "وقف العربية دي، أنا مش رايحة معاكم في حنة "
توسعت أعين ثلاثتهم ثم استدار هشام محاولا تهدئتها "حصل ايه بس؟ استهدوا بالله كدا وصلوا على النبي "
تمتموا جميعا بالصلاة على النبي ثم أكملت بس برضه توقف العربية، أنا مش هروح مع البني آدم ده في حالة "
ليه طيب؟ اتخانقتوا ليه ؟"
بيقولي لابسة عباية ليه وأنت مالك أنت ألبس عباية ولا لا؟"
رفع فيس عينيه عن الطريق وتمتم "معلش يا داليا، أصل فيه شباب زيالة بتبص على البنات اللي لابسة عبايات تحديدا، وهو مش عايز حد يبصلك بس عموما أنت مش لابسة النوع ده من العبايات العبايات الثانية دي بتبقى ضيقة ومفصلة الجسم. أنت عبايتك واسعة ومحترمة .. بس هو حمار مش قادر يفرق "
زم أحمد شفتيه بندم و نظر جاننا بضيق عندما فهم كلام قيس، بينما أومات داليا على مضض ونظرت إلى النافذة ثم عم الصمت بين الجميع ...
هذا حتى أمال عليها بعد فترة وهمس "أنا آسف، ما تزعليش "
لم تجبه وأكملت مشاهدتها للطريق فأكمل العباية حلوة عليك، والحجاب لايق في وشك"
حركت رأسها له بتردد وبنظرات حزينة ثم نطقت بنبرة معاتبة لم يتوقعها "أنت من ساعة ما شوفتني وانت بتزعق من غير سبب !"
ما حصلش، لما كنا في البلكونة ما زعقتش أنا زعقت بعد ما كتب واقفة تتوشوشي أنت وأدهم "
قطبت جبينها ونظرت للأعلى بتفكير، وبدت له وكأنها أخيرًا استوعبت لماذا غضب فجأة .. لكنها ظنت أنه سمع محادثتها مع أدهم وغضب لأنها قالت بأنها خائفة منه هو تحديدا
" على فكرة أنا ما كانش قصدي أقول إني مش عايزة أركب العربية معاكم عشان خايفة منك" جفل بعينيه وسقط فكه "تواني .. هو أنت ماكنتيش عايزة تركبي العربية عشان خايفة مني
أنا؟!"
صمتت فضحك بيأس وأكمل لنفسه بنيرة خافتة "لا، ده غباء متفشي ومنقطع النظير والله ." "أصلك بتعمل معايا تصرفات غربية بتوترني" أكملت فتساءل "تصرفات إيه دي اللي غربية وبتوترك ؟"
" بتبصلي كثير وبتحاول تعرف عني معلومات كثير، وحاسة إنك بتراقبني "
ارتسمت ابتسامة يائسة على وجهه وكوب رأسه بين يديه وهو يهمس " يا ديني على الغباء .."
"إيه؟ مش بتبصلي وأنا فهمت غلط ؟"
بس يا داليا، بس الله لا يسنيك."
"مالك ؟"
"لا مافيش، ده هو تكفير ذنوب بس .. أنا فهمت خلاص أنا بكفر عن سيناتي، وبأمانة الله أنا
عملت بلاوي كثير فتقريبا ربنا بيقتص مني."
كانت ستتكلم لكن قاطعها قيس بركنه للسيارة جانبا على بعد شارع فقط من بناية دكتور
مصطفى واستدار لهم
"داليا هتنزل تلهي البواب وتطلع أنا وهشام وأحمد تخطف دكتور مصطفى وأدهم يكون مستنينا بالعربية تحت عشان أول ما ننزل بدكتور مصطفى يتحرك بالعربية على طول "
"أنتم متأكدين بس إن ما فيش كاميرات في العمارة ؟ " استفهم هشام فأوما أدهم بثقة "مافيش. حتى الأسانسير مافيهوش."
طب خلاص كدا، تتوكل على الله" قال أحمد فسخر هشام "تتوكل على الله وإحنا رايحين نخطف الدكتور".
بعد خمسة دقائق كانت داليا تقترب من العمارة وهي تتلفت يمينا ويسارا بتوتر اللعنة عليهم.
هي ليست الشخص المناسب لتلك المهمة لكنهم لم يجدوا غيرها.
وجدت حارس العقار بالفعل يجلس في مدخل العمارة فتحركت ناحيته لتسأل عن إحدى البيوت والذي كان في شارع مجاور، ومع ارتدائها لعباءة سوداء وقولها بأنها خادمة جديدة في المنزل الذي تبحث عنه، مع نبرتها الرقيقة ووجهها الجميل، قد جذب حارس العقار وتطوع كأي رجل تقطر منه الشهامة ليوصلها بنفسه إلى المنزل المنشود.
تحرك الثلاثة شباب بسرعة نحو البناية وصعدوا على السلالم يحذر أحمد يمسك بالمنديل الذي قد وضعوا فيه المخدر، وهشام يمسك بمفاتيح الشقة، وقيس يمسك بالشرشف الذي سيلفون فيه دكتور مصطفى.
وصلوا إلى باب الشقة وتلفتوا يمينا ويسارا ليتأكدوا من أن لا أحد هنا، ثم أدخل هشام المفتاحفي المنزل بحذر، صوت تكة القفل تفتح ثم ها هو الباب ينفتح ...
ترجلوا بهدوء للداخل، كانت الأضواء مطفئة والصمت يخيم على كل شيء، تحركوا بأعينهم في جميع الإتجاهات محاولين تبين أين هي غرفة النوم؟
وعندما وجدوها قد تحركوا بسلاسة للداخل، فتح أحمد الباب بحذر وترجل إلى الداخل وخلفه ثلاثتهم، كان الظلام دامشا وبالكاد يتحسسون خطواتهم، لكنهم استطاعوا رؤية جسده يدام
بسلام على السرير واللحاف يغطيه، من هيئته جسده الضخمة تلك وصوت شخيرة، عرفوا أن
كل شيء يجري بسلاسة وبأن دكتور مصطفى في خبر كان.
تحرك أحمد نحوه وبسرعة وضع المنديل ذو المخدر على فمه، كانت تكفيه ثلاثون ثانية ليسقط نحو ظلام تام ولا يستيقظ إلا بعد أن ينتهي مفعول المخدر، لكن أحمد وضعه لدقيقة للتأكد. وبعد أن تأكد بأن دكتور مصطفى قد تخدر بالكامل نظروا لبعضهم
"يلا نلفه بالملاية، " همس قيس وكان سيقترب لكن أحمد أوقفه "لا، إحنا نشيله باللحاف أسهل "
أومأوا بسرعة ولقوه باللحاف ثم خرجوا وهشام أمامهم يتأكد من أن لا أحد بالخارج، ثم أغلقوا الباب خلفهم وأسرعوا للأسفل ...
"جماعة، أنا حاسس إني ماسك حاجة طرية " همس قيس فنظر له هشام بقرف وتهكم "ما تبطل قلة أدب بقى !"
"لا أنا حاسس إني ماسك حاجة طرية فعلا!!!" كرر فقلب أحمد عينيه وأردف "ما دكتور مصطفى طري و متهدل أنت محسسني إننا خاطفين بطل الأوليمبيات في سباحة !"
صمت قيس على مضض وأكملوا طريقهم نحو الأسفل.
لم يكن حارس العقار متواجدا .. لكن أدهم كان يقف بسيارة قيس ويعلق عينيه على مدخل العمار بقلق، حتى وجدهم يخرجون ويحملوا دكتور مصطفى.
ترجلوا بسرعة نحو السيارة وفتح هشام الصندوق الخلفي ثم ألقوا بدكتور مصطفى بالداخل واغلقوا الصندوق بسرعة وركبوا في السيارة فتحرك أدهم بعيدا قليلا وانتظر حتى عاد البواب بابتسامة جانبية تعلو شفتيه
قطب أحمد جبينه وزمجر " هو الرجل ده ماله منشكح كدا ليها هي البت دي قالتله إيه
بالظبط !!!"
تحرك أدهم بالسيارة نحو الشارع الآخر ليأخذوا داليا ولم يجيبه أحدهم.
أخذ نفسا عميقا بضيق وراقبها تتوجه بسرعة نحو السيارة وركبت بجانبه، لكنه تجاهل موقفهم هذا ونظر لها بغضب "أنت عملت إيه مع البواب ده؟"
"عادي كنت بلهيه "
"أصله راجع منشكح ومبسوط أوي !!!"
ارتسمت ابتسامة بلهاء على وجهها ثم ضحكت وضربت بكفيها معا أصلي قولتله إني خدامة فهو أعجب بيا وكدا وطلب رقمي."
اشتعلت الدماء في رأسه ونطق من تحت أسنانه "واديتيه رقمك ؟"
"لا، إديته رقمك أنت وقولتله يبقى يرن عليا"
لم تكد تنتهي حتى وجد أحمد هاتفه يرن فعلا فأجاب المكالمة بتوعد "مين؟"
مش دية نمرة صفاء صفصف ؟ " جاء صوت حارس العقار بلكنته الصعيدية من الجهة الأخرى فتوسعت أعين أحمد ونظر لداليا بتهديد وهو يكرر "صفاء صفصف؟!"
" ولا النمرة غلط ؟ " أضاف الحارس فصاح أحمد في وجهه ايوة غلط، ولو اتصلت هنا يا ابن ال ... لهكون مهزقك " ثم أغلق الهاتف وعلق نظراته القاتلة على داليا
"صفاء صفصف، ها؟"
"أنت قولتلي الهيه . " رفعت كتفيها بلا مبالاة فصرخ "أنا قولتلك الهية مش اشقطيه !"
قلب الثلاثة شباب أعينهم بضيق عندما وجدوهما يتشاجران للمرة الثانية على التوالي
"أنت النهاردة تصرفاتك مستفزة الصراحة " تمتمت ونظرت إلى النافذة فسخر " أنا اللي
تصرفاتي مستفزة ... ماشي ..... ماشي .. ماشيييي "
حرکت رأسها له فرفع سبابته في وجهها "أنا متحمل بس لحد ما النتيجة تظهر .. بعدها هنشوف مين اللي تصرفاته مستفزة."
"مش فاهمة !"
" وأنت من امتى بتفهمي قوليلي على مرة واحدة فهمت فيها كدا؟"
قطبت جبينها بغضب وزمت شفتيها بحزن لماذا يصرخ في وجهها منذ الساعتين؟ ما الذي فعلته له ؟ ولماذا يتهمها بالغباء؟
"أنا مش عايزة أكلمك ثاني همست بنبرة متحشرجة، ثم أوقف أدهم السيارة أمام منزلها ... سقطت دمعة من عينها وهي تخرج لكنها مسحتها بسرعة راقبها أحمد يقلب مرتجف وكان
سيخرج خلفها لكن هشام أمسك بذراعه "مش وقته "
تحرك أدهم بالسيارة في حين حرك أحمد رأسه لينظر نحو مدخل عمارتها، شعر بالسوء يغمره الآن، لقد أبكاها لكنها استفزته بطريقة سيئة ... لقد أعمته غيرته تماما وصب كامل غضبه عليها ...
ولقد أخبرته بأنها لا تريد محادثته مجددا.
"أنت مالك يا ابني من الصبح وأنت قاعد تزعقلها وما ارتاحتش إلا لما خليتها تعيط!" وبخه ادهم وهو ينظر له بنظرة خاطفة من خلال المرأة
قضم الآخر شفتيه وأسند رأسه على السيارة ثم تمتم " هي استفزتني "
"هي ما عملتش حاجة، دافع أدهم عنها فقطب الآخر جبينه وتذمر "أنا قاعد بلمحلها إني بحبها وهي ولا الهوا، أنا بدأت أحس إنها بتستغبى قاصدة .. ما هو مش معقولة كل ده ومش فاهمة."
صمت أدهم وركز عينيه على طريقه الذي يتخذه نحو عزلة جده التي تقبع على طريق مصر
اسكندرية الصحراوي، حيث لا يوجد أحدا هناك سوا خادمة وحارس.
في حين أخرج أح هاتفه وفتح غرفة محادثته مع داليا، كان يحرك أصابعه بتردد على لوحة المفاتيح، لا يعرف ما الذي يقوله تحديدا اصف؟ ما تزعليش ؟ أنا غيران ؟ أنت مش حاسة بيا وده عصبتي ؟)
مرر يديه على لوحة المفاتيح وكتب ببطء أنا آسف ... لكنه عاد ومسحها ثم كتب كنت غيران ... لكنه مسحها ونظر أمامه بضيق ...
حسلا، إن كانت لا تفهم التلميحات حقا فهو سيأتي مباشرة لها، عاد برأسه إلى هاتفه وصك على فكيه بتصميم ثم نقر أنا بحبك. وقبل أن يرجع في قراره قد ضغط إرسال وأغلق بيانات هاتفه
ثم أغلق هاتفه بالكامل ووضعه في جيبه .. أيا كان ما ستقوله فهو لا يريد سماعه الآن.
كانت الأخرى تقف في شرفة غرفتها وتضع رأسها على السور أمامها وتنظر إلى السماء بملامحخاوية وأعين حزينة، حتى سمعت صوت إشعار من هاتفها فنهضت والتقطته، وجدتها رسالة منه فاعتلى الغضب وجهها وأغلقت الهاتف ثم ألقت به بعيدا دون أن تفتحها.
كانوا قد وصلوا بعد أربعة ساعات من القيادة إلى عزبة رافت مقلاد، واستقبل الحارس أدهم بترحيب واستغراب شديد، لكن أدهم أخبره بأنهم سيمضون اليومان القادمان هنا بعيدا عن
زحمة المدينة واقتنع الحارس تماما.
تحرك أدهم بالسيارة إلى تلك الفيلا المكونة من طابقين الخادمة بالتأكيد نائمة الآن رغم أن الساعة وصلت إلى السابعة صباحا.
أوقفوا السيارة وخرجوا ثم فتحوا صندوق السيارة وحملوا دكتور مصطفى، وتوجهوا بسرعة نحو الداخل، وضعوه بالشرشف الذي يغطيه على إحدى الكراسي ونظروا لبعضهم
" هو قدامه قد إيه ويفوق ؟" تساءل هشام وهو يمسح بعض العرق عن جبينه فأجاب أحمد
تقريبا ساعتين "
طب يلا نكتفه على الكرسي ده كدا قبل ما يفوق " قال قيس وأخرج الحبال ثم شرعوا يلفونها حول دكتور مصطفى على ذلك الكرسي
يا جدعان شيلوا اللحاف من على وشه لأحسن يتخنق ويموت" قال أدهم فاقترب أحمد ليشد اللحاف عن وجهه، لكنه فزع فور رؤيته للوجه الذي أمامه
أصابت الصدمة أربعتهم ونظروا لبعضهم بذهول وكان أول المستفيقين هو قيس الذي صاح بعلو صوته ويجنون
"قولتلكم حاسس بحاجة طرية حاسس إلي ماسك حاجة طرية !! قعدتوا تقولولي بطل قلة "!!! أدب
كوب هشام رأسه بين يديه ورفع أحمد يده ليشد شعره للخلف في حين وقف أدهم مصدوما لا يدري ما الذي يحدث وصك قيس على فكيه بحقد .. لأن الشخص الذي اختطفوه ليس دكتور مصطفى، بل زوجة دكتور مصطفى.
رواية اربعة في واحد الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الثامن والثلاثون
قولتلكم حاسس اني ماسك حاجة طرية، حاسس إني متنيل ماسك حاجة طرية، منكم الله وديتونا في داهية " أكمل قيس صراحه عليهم فصاح هشام عليه بالمقابل " وإحنا كنا نعرف منين يعني!"
" بالظبط أنت ما عندكش خبرة، بس أنا خبرة وكان لازم تسمعوا كلامي، شككتوني في نفسي الله يخربيتكم" صرح قيس من جديد في حين صمت هشام ونظر نحو أحمد وتذمر محاولاً القاء اللوم عليه
"ما كنت تقول إن فيه حاجة طرية، لو كنت أنت قولت كنا إتأكدنا."
رمانه أحمد بطرف عينيه ونطق باندفاع " وأنا أعرف منين أنا كمان أنا كنت ماسك رجلها !"
"أهو، يعني أنتوا الإثنين معانيه كان لازم تسمعوا كلامي " صوب قيس سبابته في وجهيهما بينما وقف أدهم يشاهد لأن لا دخل له بتلك الغلطة، فلقد كان ينتظرهم في السيارة...
طيب، ممكن نرجعها ثاني بسرعة ونشوف دكتور مصطفى فين ونروح نخطفه ؟ " قال أدهم أخيرا فحرك ثلاثتهم رؤوسهم نحوه ورمقوه بنظرة جعلته يبتلع لعابه ويصمت بعد أن عرف ردهم على خطته الغبية تلك
"إحنا كدا مش ساقطين بس احنا كدا ساقطين وهنتسجن " تمتم هشام وهو يسند بظهره على الحائط بخيبة أمل.
"لا، هنتسجنوا انتوا الثلاثة أنا جدي مش هيسيبني اتسجن، وبعدين أنا ماليش دعوة، أنتوا اللي خطفتوا الولية بالغلط " تمتم أدهم فحركوا رؤوسهم نحوه ليرمقوه بنفس النظرة من جديد لكن أحمد تقدم منه بابتسامة صفراء ووضع يده على كتفه وقال بأكثر نبرة شامتة يمتلكها
"أنت نسيت دي مزرعة جد مين فينا؟"
قطب أدهم جبينه وجف حلقه فأكمل الآخر ومراة دكتور مصطفى مخطوفة فيها."
أخذ قيس نفسا عميقا ونطق بضيق "أنا بقول ما دام كدا كدا إحنا لابسين في مصيبة، ما تتصل بدكتور مصطفى نساومه بمراته؟"
"ما هو هيبلغ البوليس كدا أضاف هشام بعد أن رفع رأسه فنفى قيس "لا ما إحنا نهدده لو بلغ إننا هنغتصبها."
"الله يخربيتك ويخربيت الاغتصاب، أنا زهقت منك لدرجة إني ممكن أقوم اغتصبها دلوقتي عشان تبطل تقترح عليا الإقتراح ده صرخ هشام بنفاد صبر وقد نفرت العروق في عنقه ويده
من فرط عصبيته
طب عندكم حل تاني ؟ " شبك قيس يديه أمام صدره وحرك عينيه عليهم واحدا واحدا منتظرا أن يتكلموا لكنهم نظروا لبعضهم وصمتوا لأنهم لا يجدوا ما يقولونه
يبقى خطتي هي اللي هتتنفذ، أنا هتصل بدكتور مصطفى أهدده وأقوله إننا طالبين فدية مقابل مراته وهو لما يعرف إن الفدية دي يا دويك إنه ينجحنا هيوافق" أكمل وأخرج هاتفه لكن أحمد سارع نحو والتقط الهاتف منه
"لا بلاش أنت، أنت بتعك الدنيا وانت بتتكلم وما بتفكرش قبل ما تفتح بوقك، أنا اللي هكلمه "
"لا أنت ني أنا اللي هكلمه أنا عارف الأشكال دي كويس شد قيس الهاتف من جديد لكن أحمد أمسك بيده قولتلك أنا اللي هكلمه، أنت يتحدف غباء من بوقك"
ايوة أحمد هو اللي يكلمه وافق هشام ثم تلاه أدهم "أنا برضه بقول أحمد يكلمه أضمن يا قيس "
صك قيس على فكيه ثم نظر للهاتف ولأحمد وبعدها تخلى عن الهاتف ورفع يديه باستسلام تم تحرك ليستند بظهره على الحائط وشبك يديه أمام صدره وكأنه ينتظر فشل أحمد في مهمته التي لا يعلم لماذا يشعر بأن لا أحد منهم الثلاثة سينجح بها سواه، ولا أحد سينجح بإخافة دكتور مصطفى كما كان هو سيفعل، لكن بما أنه إجماع فسيتركها لأحمد بصوته الرحيم الهادئ الذي لا
يدل إطلاقا على أي خطر ....
لن ينكر بأنه لو وقف هو وأحمد بجانب بعضهما قسيظن الناس أن أحمد هو الفتى الأسوأ، لكنه متأكد بأنهما إذا تكلما فسيدرك الناس من منهما الأسوأ حقا.
اقترب أحمد منه بالهاتف ليفتح له الرمز السري فمد يده بملل ليمرر أصبعه على الشاشة وفتحها
تم تمتم اتصل بالشريحة الثانية عشان مش متسجلة باسمي "
أوما أحمد ثم أخرج رقم دكتور مصطفى واتصل تم وضعه على أذنه في وسط مراقبة وترقب من ثلاثتهم .. الساعة الآن الثامنة، بالتأكيد دكتور مصطفى مستيقظ.
استقبل دكتور مصطفى المكالمة وفورا تحدث أحمد "ألو، دكتور مصطفى؟"
"أيوة مين معايا ؟"
"إحنا خاطفين مراتك "
"والله ؟ "
"أه ورينا."
"طب خليها عندكم، سلام " قال وأغلق المكالمة فنظروا للهاتف بصدمة ثم أعاد أحمد للاتصال به
من جديد
بقولك إحنا خاطفين مراتك ياعم أنت !"
على فكرة قولها حركات العيال دي إحنا كبرنا عليها وإني مش هرجع البيت إلا لما هي تيجي تصالحني وتعتذر زي ما طردتني من الشقة تيجي ترجعني "
ياعم إحنا مالنا إحنا ومال مشاكلكم الأسرية بنقولك خاطفينها !!!"
" بجد؟"
قسما بالله خاطفينها هو أنا مضحك عليك ليه ؟"
"طب وعايزين إيه ؟"
"عايزين فدية."
فدية ! دي طارداني من الشقة ! لا خليها عندكم " قال وأغلق الهاتف في وجه أحمد للمرة الثانية
فسارع الآخر بالاتصال به للمرة الثالثة
" بقولك إيه يا عم أنت، أنت لو قفلت السكة في وشي تاني هنجيبك أنت كمان"
"طب عايزين كام؟ أنا مش هدفع أكثر من ألفين جنيه."
" ألفين جنيه !"
" موافق ولا تقتلوها ؟ "
" يا عم اديني فرصة أنا اللي أهددك لا حول ولا قوة إلا بالله !!!!"
يعني موافق على الألفين جنيه ؟"
"ألفين جنيه إيه يا عم أنت هو إحنا سرقنا العجلة بتاعتك !!!!"
"بص أنا بقول بما إن الألفين جنيه مش عاجبينك يبقى تتوكل على الله وتقتلها."
أزال أحمد الهاتف ووضع يده عن السماعة ثم صاح "لا خدوا كلموه أنتوا يا جماعة ده رجل
ما عندوش دم !"
ابتسم قيس بانتصار وتقدم ثم النقط الهاتف من يد أحمد ووضعه على أذنه ثم نطق بنبرة خشنة مهددة "اسمع يا رجل يا ابن ال... أنت، أنت لو قفلت السكة قسما بالله لهكون ..... مراتك معانا
وأنت عارف إحنا ممكن تعمل فيها إيه، فاركز كدا وأنت بتتكلم عشان ما أطلعش ميتين أهلك"
صمت مصطفى على الجهة الأخرى بعد أن بدأ يشعر بأن الأمر جديا فأكمل قيس "أنا مش عايز أقولك إحنا ممكن نعمل ايه في مراتك وسمعتك وسمعة بنتك هتبقى عاملة إزاي "
"أنا مبلغ البوليس " نطق مصطفى بنبرة مهزوزة هذه المرة فضحك قيس وأضاف بأكثر نبرة شريرة يمتلكها "جرب عشان تلاقي فيديو منشور لمراتك في نفس الساعة .. مش هتعرف لا
أنت ولا بنتك توروا الناس وشكم بعد اللي هيحصل "
كان قيس قد بدأ يسمع صوت تنفس مصطفى السريع من الجهة الأخرى ثم جانته جملة مصطفى البطيئة "عايز كام؟"
"مش عايز فلوس"
" اومال عايز إيه ؟"
عارف آخر دفعة ميكانيكا اللي أنت بتديلهم مادة المحركات السنة دي ؟" "مالهم ؟"
" ينجحوا كلهم، مافيش ولا واحد منهم يسقط "
يعني إيه ينجحوا كلهم وافرض ساقطين أنت عايزني أخالف ضميري !" أجابه مصطفى بالدفاع
"ضميرك؟ هو أنت أساسا عندك ضمير؟ أول مرة أسمع إن عندك ضمير، ده أنت يتسقط نص الدفعة كل سنة !"
"أنا مش هنجح حد، وإيه رأيك إني هسقطهم كلهم."
طب قسما بالله لو ده حصل فعلا مش هتغتصب مراتك هتغتصبك أنت، وهنصورك ونفضحك في كل حتة، واللي يخلينا قدرنا نجيب مراتك مش هيخليها صعبة إننا نجيبك أنت"
ضحك أدهم رغما عنه لكنه حبى فمه بيده بسرعة عندما رمقوه بنظرة متوعدة
"مراتك معانا لحد النتيجة، ولو حصل عكس اللي أنا قولته بعد النتيجة ما تظهر فأنت اللي هتبقى مكانها " أردف قيس ثم أغلق الهاتف في وجهه قبل أن يرد الآخر
جدع باض يا قيس اقترب هشام وريت على ظهره لأول مرة، هذه أول مرة يتني هشام على شيء قد فعله وهذا جعله يبتسم رغما عنه .
" هو إحنا هنسيب الست دي هنا لحد النتيجة فعلا؟" تساءل أدهم فرفع قيس كتفيه "مافيش حل ثاني "
"ومين هيقعد معاها ؟ " استفهم مرة أخرى فنظر له ثلاثتهم بندرة يعرفها جيدا مما جعله يصرخ "لا .. لا !!! من مقعد أنا هنا لحد النتيجة !"
ما هي دي مزرعة جدك، يعني أنت أكثر واحد مش مشكوك فيك إنك تقعد هنا، زائد لو اتصلت بجدك وقولتله إنك بتغير جو في العزبة مش هيقول حاجة لأنه عارف مكانك!" حاول هشام
إقناعه لكن الآخر صمم "لا، مش هقعد لوحدي "
"أنا مش هقدر أبات برا المدة دي كلها، أمي أصلا بتشك في صوابع رجلي وأخويا رايح يتقدم للبت اللي قدامنا بكرة" تنهد أحمد فرافقه هشام " وأبويا عمره ما هيسيبني، زائد أن عندي شغل ولو اختفينا كلنا مرة واحدة إحنا أول ناس هيتشك فيها!"
"أدهم، أنا المفروض أنا وليلى ننزل نجيب العفش وكدا عشان نجهز الشقة " أضاف قيس ليتركوه محصورا في زاوية لا يستطيع الخروج منها.
يعني انا اللي هتنيل اتحبس هنا لوحدي ولو حصل حاجة أنا اللي هتمسك لوحدي" قال بحاجبين مقطوبين فنفى أحمد برأسه "يا ابني هما هيعرفوا طريقك متين بس!"
والله مش عارف، ما يمكن يجيبوا العنوان من المكالمة اللي كلمتهاله! ساعتها أنا هألبس فيها لوحدي !"
تلبس لوحدك ؟ طب قسما برب العزة إني متأكد انك هتعترف علينا من أول قلم لو اتمسكت " سخر قيس وهو يقلب عينيه
"أه على فكرة والله لأعترف عليكم واحد واحد ما أنا مش هألبسها لوحدي!"
"أدهم، لو حصل حاجة اعترف علينا، تمام؟ بس فعلا ما حدش هيعرف يقعد هنا المدة دي غيرك. أنا لو بت برا أكثر من يومين أمي هتفكرني أتجوزت عرفي" حاول أحمد إقناعه وبدا الآخر وكأنه قد بدأ يلين قليلا
بس واحد منكم يجيلي كل يومين ويجيبلي شيبسي والحاجات اللي بحبها، " رفع سبابته فقلب قيس عينيه يا ابني ما فيه فاكهة وحاجات طبيعية هنا! ما تطفح منها."
قولتلكم واحد منكم ييجي ويجيبلي معاه شيبسي وبيبسي وحلويات وشاورما سوري " صمم
وشبك يديه أمام صدره وأعطاهم نظرة متحدية ليعلمهم بأنه لن يتراجع عن قراره مهما حدث
خلاص تمام موافقين وافق أحمد بالنيابة عن الإثنان الآخران فأخذ أدهم نفسا عميقا وتمتم ماشي.
ركب ثلاثتهم سيارة قيس ووقف أدهم بجانب السيارة ينظر لهم بتوتر فأخرج أحمد رأسه من النافذة وصاح عليه عندما بدأ قيس يحرك سيارته هتصل بيك كل شوية، ما تقلقش ... اعمل زي ما إحنا قولنالك بس ولو فيه حاجة اتصل بأي حد فينا، هنجيلك كل يومين "
هز رأسه بحسنا وراقب السيارة حتى خرجت من مجال بصره بالكامل، وقف ينظر إلى الأرض بضيق وشعر بغضب دفين يجتاحه ما دخله هو بكل هذا؟ لقد كان يريد فقط رؤية العراك القائم بين أحمد وقيس وهشام، ليجد نفسه منغمشا في جريمة مثل تلك!
أوقظه وقوف الخادمة خلفه "سي أدهم، مش هتفطر؟"
استدار لها لكنه أصطدم بفتاة في العشرون على أقصى تقدير، نظر لها باستغراب واستفهم " أنت. مين؟ وفين دادة حسنى؟"
هي تعبانة وأنا هنا بدالها، أنا بنتها، لو عوزت أي حاجة نادي قول يا أميرة بس." أجابت الفتاة وهي تسحب الشال الأزرق الذي يغطي شعرها بعد أن أزاحه الهواء قليلا وظهرت خصلاتها
الشقراء من خلفه
قطب جبينه وعلق عينيه على وجها قبل أن يقلب عينيه بضيق وكأنه لا يستحسن الأمر برمته تم تركها وترجل للداخل وهو يهمهم "باينها أيام سودا"
في حين وقفت القناة تعلق عينيها الخضراء على ظهره من الخلف غير فاهمة لتصرفه ذلك ولا تعرف ما الذي قالته هي ولم يستحسنه ؟
لكنها لم تمنع نفسها من اللحاق به وهي تصيح بلكنة فلاحي غير واضحة تدل على أنها تحاول. التحدث بلكنة أهل المدن "يا سي أدهم، مش هتفطر؟"
استدار لها الآخر عندما كان على عتبة المنزل وصاح مش هتنيل، سيبيني دلوقتي، لو عوزت حاجة هنادي عليك"
أخفضت رأسها بحزن وأومأت وكان سيتحرك لكنه استدار لها مرة اخرى وضيق عينيه " هو أنت بنباتي فين يا أميرة؟"
هنا يا سي أدهم عشان أنا اللي بنضف البيت وباخد بالي منه " همست دون رفع عينيها فاستدار مكملا طريقه نحو الداخل وهو يهمهم " هي أيام سودا أنا عارف "
ليتركها واقفة تنظر إلى ظهره باستغراب من جديد، ما باله لا يطيق النظر في وجهها هكذا؟ هي ليست قبيحة لذلك الحدا فهي شقراء وذات أعين خضراء فاتحة اللون، وبشرة تكتسبها الحمرة من الشمس !
رفعت كتفيها وتحركت نحو المزرعة لتنتقى بعض الخضروات، ثم توجهت نحو عشة الدجاج وأمسكت بدجاجة، كي تعود بسرعة نحو البيت التجهيز الغداء له، فإن كان لن يفطر فهو بالتأكيد سيجوع قريبا وسيطلب الطعام.
بينما في مكان آخر استيقظت داليا التي نامت رغما عنها بالبارحة، وشعرت فورا بالفضول يتملكها لتعرف ما الذي فعله الشباب بشأن خطف الدكتور؟ وهذا جعلها تلتقط هاتفها بسرعة مقررة الاتصال بأدهم، لكنها اصطدمت برسالة أحمد التي لم تفتحها، كانت تتوقع أن يعتذر، وهي
قد هدأت وشعرت بأنها في حالة جيدة تسمح لها بالرد عليه ...
ولجت لها، لكن لسانها انعقد وهي تمرر عينيها على حروفها أنا بحبك.]
فتحت فمها بصدمة وعادت بعينيها نحو الشاشة مجددا وكأنها تتأكد مما رأته، ما الذي يعنيه بهذا ؟ يحبها؟ مثلما قال من قبل ؟
إذا ما شعرت به لم يكن خيالا كما تصورت؟ لقد كانت تشعر بالفعل بأن هناك شيئا ما غريبا في تصرفاته معها لكن يأسها من كل شيء قد جعلها تنكر أن ما تشعر به صحيحًا، حتى باتت تصدق بأن أحمد لا يعني أي شيء بتصرفاته تلك وبأنه فقط يحاول أن يكون لطيفا معها .
قرأت الرسالة مرارا وتكرارا ونبض قلبها بقوة، لكنها سرعان ما تذكرت وضعها وتذكرت جدة أدهم التي تشاجرت معها لكي تبتعد عن حفيدها ... ونظرة الناس لها ... ثم طغى الحزن على وجهها ...
ربما لم يقصد أحمد ذلك النوع من الحب؟
ربما كان يصالحها فقط لأنه كان سيلا معها بالأمس؟
لكن ماذا لو يقصد الشيء الآخر؟
لقد باتت تشعر بأنها لا تستحق حتى أن تحب، أو بأنها ليست جيدة كفاية لكي يأخذ أحدهم هذه الخطوة معها برغم أنها جميلة ومن أسرة جيدة ومتعلمة وكشخص فهي شخص مسالم هادئ يسهل التعامل معه، وكانها كالفستان الفاخر المعروض في فاترينة الجميع يتوقفون عنده ويعجبون به، لكنهم لن يشتروه أبدا وسيظل الفستان معروضا في الفاترينة.
وربما كان هذا الإحساس هو السبب الخفي وراء فهمها لتصرفات أحمد بطريقة خاطئة ... لم تكن تتوقع أنه يمكن أن يحبها بالأساس، ولم تكن تريد التعلق بهذا الأمر ....
لم تكن غبية، هي فقط تشعر بأن لا أحد سيحبها، وبالتالي أي شعور شعرت به تجاه أحمد فسرته بأنها من فهمت الأمر بطريقة خاطئة وبأن أحمد لم ولن يقصد ما فهمته وأنه فقط يمازحها.
تربعت على السرير وهي تحملق في هاتفها ثم دخلت إلى صفحته الشخصية وتفحصت صوره بابتسامة خافتة، يحبها؟ حقا!
لم تستطع عدم الشعور بالفرحة، كان الأمر خارج سيطرتها، فقط شعورها بأنها ما زالت تستحق أن يحبها أحدهم قد جعل شعورا بالراحة يغمرها.
لكن هذا الشعور سرعان ما تبدد ووضعت الهاتف جانبا عندما تذكرت من هو أحمد؟ إنه الفتى السبئ زير النساء اللعوب الذي أخبرها بلسانه بأنه خائن وذو أعين زائغة
ابتلعت لعابها وتذكرت كلامه بشأن سلمى وأنه قد تغير ولا يريد العودة لذلك الطريق مجددا ... وهي ليست غبية لكي لا تلاحظ صدقه من كذبه فلقد كان أحمد صادقا معها في المرتين، عندما أخبرها بأنه خائن وعندما أخبرها بأنه قد توقف ....
هو قد تغير فعلا هي بإمكانها الشعور بهذا، ورغم الراحة التي سببها ذلك الشعور فإن سرعان ما تملك منها ضيق ورهبة شديدين عندما تذكرت ما الذي سيقوده هذا الحب؟ بالطبع سيقود إلى ... زواج
بدأ تنفسها يعلو وسيطرت رجفة على يدها وجسدها بعد أن شعرت بالبرودة تسري في خلاياها ... حاولت السيطرة على نفسها وإخراج تلك الفكرة من عقلها لكنها لم تستطع إخراج الأمر من
تفكيرها ...
تشوشت رؤيتها وشعرت بحجر يوضع على قلبها فلم تعد تستطع التنفس بصورة طبيعية أصابتها توبة هلع معتادة وانتهى بها الأمر متكورة على نفسها وتبكي حتى هدأت وسقطت نائمة في مكانها على السرير وهي تحتضن ركبتيها إلى صدرها وكأنها تخبئ نفسها عن العالم بأكمله.
ولو رأها أحدهم في تلك اللحظة لأشفق عليها، وشعر بأن برودها الخارجي ما هو إلا غطاء وهمي لوضعها المزري، بدت ضعيفة هشة وسهلة الكسر لكنها أيضا بدت وكأنها في حاجة لحضن يضمها ويربت على رأسها بأن كل شيء سيكون بخير، وبأن هذه مرحلة وستمضي، لأن عقلها لا ينفك يذكرها بكل شيء، كلما حاولت تخطي الأمر يبدأ عقلها بإعادة كل شيء وكأنه حقيقة
تعرض امام عينيها في الوقت الحالي ...
إذا ذكر الزواج أمامها تذكرت اليوم حيث اعتدى طليقها عليها، إذا ذكر الأطفال يرجع عقلها بذكريات ذلك اليوم الأغبر ... وكأنه يحذرها من خوض تلك التجربة مجددا لأنه خائفا من أن
ينجرح ثانية.
داليا وبرغم صلابتها الخارجية لكنها كانت جبانة من الداخل، تخاف أن تتألم، تخاف أن تجرحتخاف أن تشعر بالفقد أو الخذلان .. وللأسف لقد ذاقتهم جميعهم دفعة واحدة، حتى تحول
خوفها لهلع.
حلمت بأحمد في الساعة التي نامتها، كان يبتسم لها ... وهي كانت سعيدة في تلك الرؤية، مد يده لها فحاولت التحرك لتمسك بيده لكنها شعرت بجسدها متصلب ولا تستطيع الحراك ثم تبدلت ابتسامتها لخوف وحاولت تخليص نفسها بكل قوتها، وعندما نجحت كانت قد استيقظت
من النوم.
فركت عينيها ونظرت لهاتفها من جديد، هي لم تجبه حتى الآن ولا تعرف بماذا تجيبه بالأساس ... ستكذب لو قالت لا أحبك، وستكذب لو قالت أريدك وستصيب الصدمة قلبها لو رفضته تم وجدته مع أحداهن.
الشعور بأنه ملكها الآن يسيطر عليها بطريقة قوية، وهي متملكة بشأن أشياءها كثيرا .. خاصة تلك الأشياء التي تمثل شيئاً جميلا لها، وأحمد بدفئه معها كان جميلا ...
لكنها ستكون ظالمة لو قررت أخذ سعادتها على حساب سعادته، لأنها لا تناسبه .. بل لا تناسب أي رجل بالأساس وليس فقط أحمد.
كانت تتمنى في تلك اللحظة لو كانت قد قابلته قبل أن يحدث كل هذا، وقبل أن يتشوه قلبها فلا يعود صالحًا للاستخدام.
وضعت الهاتف جانبا وهي تبتلع غصة قد توقفت في حلقها، هي لن تجيبه برسالة، يجب أن يتقابلا، يجب أن يرى ملامح وجهها، لأنها لو أجابته برسالة ستكون خاوية وسيظن أنها لا تهتم الأمره ولا تريده لأنها لا تحبه بالمقابل، وهذا ليس بالصحيح.
هي تشعر بشيء تجاه أحمد، وإنكارها لذلك لن يفيد بشيء، لكن قبولها بالأمر مستحيل.
كان أحمد قد وصل إلى منزله ودخل إلى غرفته ثم ألقى بجسده على السرير بتعب، لقد كان يوما شاقا .. سرعان ما تذكر أمر الرسالة فرفع جزعه قليلا وسحب هاتفه من جيب بنطاله الخلفي وفتحه، كان ينتظر على أحر من الجمر كي يلج إلى غرفة محادثتهما ويرى ماذا قالت ... لكن كل
ذلك قد تحول إلى عدم فهم عندما رأى العلامتان الزرقاوان تحت رسالته مما يعني أنها قد رأتها،
ابتلع لعابه بصعوبة واعتدل في جلسته كي يستطيع التنفس بصورة جيدة لأنه فجأة شعر بانفاسه تحتبس علق عينيه بغم مزموم نحو الأسفل على كلمة نشط الآن) التي تظهر أسفل اسمها .. إذا هي نشطة الآن وقد قرأت رسالته منذ الساعتين ولم تقل أي شيء؟ هذا هو الأمر؟
الغضب قد تملك منه وهو يحدق في كلمة نشط الآن) منتظرا منها أن تتحول في أي لحظة إلى يكتب الآن لكن مرت ربع ساعة وهذا لم يحدث، بل اغلقت داليا وتركته بمفرده مع أفكاره التي تصور له أسوأ شيء يمكن أن يحدث، لكنه ليس الشخص الذي ينتظر ويتوقع .. لم يكن هو أبدا.
وهذا جعله يخرج رقمها ويتصل بها بتصميم، يجب أن يحصل على إجابة، وهو سيحصل على
إجابة رغم أنفها.
استقبلت مكالمته بنبرة مبحوحة "أهلا يا أحمد"
تجاهل ترحيبها به ونطق باندفاع "بعتلك رسالة ؟ "
"آه شوفتها."
"آه، ولما انت شوفتيها، ما ردتيش ليه ؟"
" إحدا ممكن نتقابل النهاردة ؟"
صمت وهذا عندما طلبت منه هذا، لم يكن يتوقع شيئا كهذا، ولن ينكر أن هذا جعل الأمل يعود له ... رؤيته لها ستجعله قادرا على التأثير عليها بصورة أكبر من مجرد رسالة، فنظره لعينيها وإمساكه ليدها مع نبرته الحنونة قادرة على إذابتها وجعلها تخنع له، كان متأكدا من هذا .. لم تقاومه أية فتاة من قبل حتى عندما كان يتلاعب بهن، والآن صدقه في مشاعره يعتبر أقوى
سلاح سيستخدمه معها.
تمام، نتقابل النهاردة".
كان أدهم يجلس أمام التلفاز في غرفة المعيشة التي تكونت من أريكتين وأربعة كراسي يلتقون حول منضدة من الرخام وأمامها تلفاز لا يشاهده حقا، لكنه يفكر في ماذا سيحدث؟ لقد وضع المنديل المخدر على أنف زوجة دكتور مصطفى مرة أخرى وهذا يضمن أنها ستنام العشرة
ساعات أخريات سيتثنى له فيهم أن يهدأ قليلا ..
ظهرت فجأة أميرة أمامه وهي تضع الصينية التي تحمل أعلاها الطعام الغدا يا سي أدهم"
حرك عينيه للطاولة فوجد دجاجة مقلية وملوخية وأرز كانت أكلته المفضلة !
اعتدل في جلسته مستعدا للأكل وهمهم لها "شكرا."
ابتسمت بتوسع لأنه حدثها بطريقة جيدة أخبرًا، وكانت ستتحرك بعيدا لكنه أوقفها "أنت
ما بتدرسيش؟"
اختفت ابتسامتها واستدارت له لا، ابويا خرجني من الإعدادية، قالي البت مسيرها لبيتها وجوزها."
" وأنت متجوزة على كدا؟"
نفت برأسها ورفعت يدها تخبئ طرف وجنتها بالشال وهي تنظر للأسفل، بينما رفع هو حاجبيه بدهشة، لماذا لم تتزوج؟ إنها جميلة بشدة وبذكر ذلك فقد صفع نفسه داخليا ووبخه نفسه، لأنه
مؤخرا بات ينتبه للفتيات أكثر من المعتاد ...
" ولا مخطوبة ؟" سأل من جديد وهو يضع ملعقة من الارز في فمه
نفت برأسها مرة أخرى فاستفهم "ليه؟"
"أصل كل اللي اتقدمولى كانوا جاهلين، وأنا يعرف أقرأ وأكتب اه والله "
ضحك ورفع إحدى حاجبيه بجد؟ بتعرفي تقرني وتكتبي ؟!"
" وربنا المعبود بعرف أقرأ وأكتب ولو مش مصدق هات أي حاجة أقراهالك "
علت قهقهاته ونفى برأسه "لا خلاص مصدقك يا ستي".
رحلت الفتاة بعد بعض الأحاديث التي خففت عنه وجعلته يتناسى الحمل الذي يحمله على أكتافه قليلا، جيد أن قيس وأحمد لم ينتظرا معه فلو فعلا بوجود تلك الأميرة ذات الأعين الخضراء هنا لكان الوضع غير مستحبا وخصوصا قيس الذي سيجذبه حتما اللكنة الفلاحي وهي
تناديه ب "سي قيس " فهو من محبي الخادمات وهذا هو نوعه المفضل.
كانت الساعة السادسة مساءً عندما خرج أحمد من المرحاض بعد أن لف منشفة حول خصره و توجه نحو غرفته ثم وقف أمام المرآة ورفع يده يتحسس ذقته، شعر بأنها طويلة قليلا فالتقط مكنة الحلاقة ليشذبها، وبعد أن انتهى أخذ معطر جسده ووضع من القليل ثم توجه نحو خزانته ووقف أمامها يمرر عينيه على كل ثيابه، ثم مد يده وسحب بنطال جينسي ثلجي ومعطف جلدي
أسود وسترة بيضاء مخططة بالأسود.
وضعهم أمامه على السرير وشبك يديه أمام صدره العاري، هل هذا الطقم جيد؟ إنه يريد الظهور بمظهر رائع أمامها اليوم بحيث يجعل رفضها له صعبا.
ارتادهم ووقف يتفحص هيئته في المرأة فوجد أنه لا يأس هكذا، توجه نحو المرأة ووضع القليل من دهان الشعر على شعره ومشطه بيده للخلف، لم يمشطه بالممشط لأنه يريده مخصلا بطريقة عشوائية، ارتدى حذائه الرياضي الأبيض ثم ارتدى ساعته الفضية ورش بعض المعطر على ملابسه ثم النقط هاتفه وعلبة سجائره ومحفظته ووضعهم في جيبه الخلفي وخرج من الغرفة.
وجد أمه في وجهه والتي تسمرت أمامه ونظرت له من أعلى الأسفل بتفحص، ثم ارتسمت ابتسامة صفراء على وجهها ووضعت يديها في خصرها على فين العزم إن شاء الله ؟"
"ماما شكلي حلو كدا؟" أجابها بسؤال فسخرت خلاص عرفت، يبقى أكيد رايح تقابل واحدة."
يعني شكلي حلو؟ ولبسي تمام ؟"
ضربته على كتفه وسخرت "آه يا روح أمك شكلك حلو، اعتبر نفسك شقطتها من دلوقتي حسبي الله ونعم الوكيل "
ابتسم بتوسع وأمال عليها ليضع قبلة على وجنتها ثم هرول للخارج بثقة، بينما وقفت هي تنظر إلى باب الشقة بيأس، لن يتغير .. لن يتغير أبدا..
ترجلت نحو غرفة مراد وطرقت عليها ثم دخلت فوجدته يغلق المكالمة التي معه بعد أن قال طب سلام يا غادة دلوقتي "
اقتربت منه وفوحى بها تحتضنه وتضع قبلة على جبهته "ربنا يكملك بعقلك يا حبيبي .. أنا مش عارفة بس هعمل ايه لما تسافر."
احتضنها بالمقابل وربت على ظهرها بحزن عندما تذكر أنه سيسافر قريبا.
وصل أحمد إلى وجهته، لم يكف مقهى أو مطعم كالمعتاد، بل كان منكقة متطرفة أمام النيل وهي التي اختارتها بنفسها، لكنها لم تكن متواجدة لأنه بالتأكيد قد وصل قبلها، لكنه لم يلبث أن وجدها قد ظهرت أمامه وتقدمت منه بتباطئ فاعتدل في وقفته مستقبلا إياها بابتسامة، في حين رمقته الأخرى من أعلى الأسفل ولعنته ولعنت نفسها، لأنه متأنق كثيرا بينما هي قد التقطت أول بنطال جينسي أسود وسترة صوفية واسعة باللون الأحمر الداكن وارتدتهما، حمدت الله لأنها مسحت حذائها الأسود ومشطت شعرها على الأقل.
وقفت امامه فابتسم وقال بطريقة جدية على فكرة بتوع الأرصاد دول كذابين "
قطبت جبينها بدون فهم فأكمل "قالوا الجو مغيم والقمر مش طالع النهاردة."
ابتسمت رغما عنها لكنها صفعت نفسها داخليا وذكرت نفسها في عقلها "لا لا لا .. امسكي نفسك. مش هيضحك عليا بكلمتين "
قطبت جبينها ورسمت ملامح جدية مزيفة على وجهها لكنه لم يلبث أن تحدث من جديد بعدين أنت جايبانا في المنطقة المقطوعة دي ليه ؟ أنا قلقان منك مش معنى إني قولت إني
بحبك يبقى هتاخدي مني أي حاجة غصبا عني، قلبي آه، جسمي لا."
أخفضت رأسها وقضمت شفتيها محاولة عدم الضحك بصعوبة لكنها فشلت فضحكت وأشاحت بوجهها بعيدا وهي تسبه في عقلها، ضحكت عاليا ووضعت يدها على جبهتها أثناء هزها لرأسها بیاس، ماذا تفعل معه الآن؟!
"أحمد ممكن نتكلم جد شوية لو سمحت ؟ " قالت بنبرة ضاحكة فابتسم وأوما لكنه سرعان ما نظر حوله وتذمر
ده حتي مافيش مكان نقعد فيه ورجلي وجعتني وأنا رجل على باب الله لسه جاي من عملية خطف أنت لو رفضتيني بعد كل ده هقتلك هنا وهتاوي جنتك في النيل "
ضحكت من جديد ثم صرخت عليه "ما تبس بقى !!!"
"خلاص هيس ماشي - " تمتم ضاحكا ووضع يداه في جيبا بنطاله في حين لملمت هي خصلات شعرها خلف أذنيها وهي تحاول تهدئة نفسها واستعادة طريقتها الجدية
"منك لله نسيتني كنت جاية أقولك ايه !" ضربت يكفيها معا
ضحك وقضم شفته السفلى، إنه ينجح .. إنه ينجح وهو يشعر بهذا، سيجعل أمر رفضه الان أصعب قرار قد تتخذه فتاة قط، سيصعب الأمر على داليا كثيرا بحيث لن يكون أمامها إلا خيارا
واحدا.
اقترب منها ليدخل في دائرتها الشخصية فلفحها عطره، أمال بجسده لينظر إلى عينيها ورمش بأجفانه وهمس "اتفضلي قولي كنت عايزة تقوليلي إيه، مش مهزر ثاني خلاص"
ارتفعت ضربات قلبها وتراجعت للخلف وهي تبتلع لعابها لتبلل حلقها الذي جف فجأة، لقد جعل الكلمات - اللاتي حضرتهن جيدا يهربن من عقلها، وتركها متوقفة العقل تحاول فقط تهدئة
نفسها .. اللعنة عليه.
رفعت سبابتها في وجهه وقالت بجدية ممكن ما تقتحمش دايرتي الشخصية عشان بتوترني؟"
استقام ونظر حولها "فين الدايرة اللي أنا اقتحمتها دي؟"
أشارت بيدها وشرحت له يعني بص، بمسافة متر بعيد عني دي دايرتي الشخصية، هي دايرة
وهمية كدا حوالين كل واحد"
من قدمه واقترب منها مجددا وقال بطفولية "اللي أنا دخلتها دلوقتي دي ؟"
ضحكت وابتعدت عنه ثم تذمرت "أحمدا"
"خلاص تمام مش هقتحمها، أنت بتحسسيني إني اقتحمت خط برليف !"
"بص من الآخر كدا أنا كنت عايزة أقولك إني - " بدأت بالكلام لكنه قاطعها " هترفضيني ؟ باينة أوي على فكرة جاية شكلك يقطع الخميرة من البيت ومكشرة ومش عايزة تضحكي وشكلك
محیط كمان، عينك وارمة أهي بس كنت بتعيطي ليه؟"
توقفت الكلمات في حلقها وصمتت وأخفضت رأسها لتهرب من عينيه فابتسم ابتسامة حزينة وتساءل بنبرة منخفضة دافئة "كنت بتعيطي ليه يا داليا ؟"
"عشان ... عشان .. " بدأت بالتنشئة فاوماً معطنا إياها نظرة مشجعة لكي تتكلم فأكملت "عشان ماكنتش عايزة أرفضك "
طب وهترفضيني ليه ما دام مش عايزة؟" همس وهو يقترب منها
"فاكر لما سألتك أنت عايز مني إيه وأنت قولتلي مش عايز حاجة ؟ " قالت فأغمض عينيه بضيق
ونظر أرضاء كان يعرف ما الذي ستقوله الآن لأنه يتذكر جيدا
"ساعتها قولتلك: أنا ما عنديش حاجة أقدر أقدمهالك بالفعل "
پس ده كان زمان والوضع دلوقتي مختلف، صح؟" نطق باندفاع
أخفضت رأسها ورأى الدموع تسقط من عينيها فرفع يده ليمسك بدقتها ويرفع وجهها ليواجه عينيها الدامعة وهمس "ممكن تكوني لسه ما حبتينيش، بس أنا متأكد إنك حاسة بحاجة
ناحيتي "
"حتى لو كنت بحبك أنا مش هقدر أديك أكثر من كدا. تمتمت وهي تشيح بوجهها بعيدا فوقف هو ينظر لها ويحاول فهم ما الذي تعنيه بكلامها هذا؟ حتى لو كانت تحبه فهي لن تستطيع إعطائه أكثر من هذا ؟
مش عايز أكثر من إنك تحبيني يا داليا .. همس فتحركت بعينيها لتنظر له وسخرت وهي تمسح عينيها يظهر يدها
كداب متعوز أكثر من كدا وأنا مش هقدر أديك اللي انت هتعوزه وساعتها هتكرهني "
شبه بدأ يفهم الآن ما الذي ترمي هي إليه لكنه استفهم ليتأكد "قصدك إيه؟"
مسحت عينيها من الدموع من جديد واستجمعت كل قوتها لتنطق بثبات وبوضوح وهي تنظر في عينيه " يعني أنا مش هقدر أكون معاك زوجة طبيعية، أنا بعد اللي حصلي وأنا بيجيلي ثوبة هلع، فهمت كدا ولا الموضوع مش واضح ؟"
زم شفتيه ولم يعرف ما الذي يقوله؛ فنعم هو قد فهم الآن لماذا لا.
فهمت أبوة ... فهمت يا داليا أجاب وهو يهز رأسه دون النظر لها
لكنه رفع رأسه لها بعد قليل وتقدم منها "بس ... بس ممكن تروحي لدكتورة نفسية أو نسا أو أي حاجة وأنا هكون معاك هتعدي الموضوع سوا وكل شيء هيتحل إن شاء الله و " قاطعته "لا. مش رايحة ومش عايزة .. مش عايزة أي حاجة تفكرني باليوم اللي أنا يحاول أنسام" مش عايزة تبقى معايا ؟!"
مش عايزة أفتكر، كل ما رجل بيقرب مني بفتكر، وأنا مش عايزة أفتكر يا أحمد"
ابتلعت لعابها وأكملت ببؤس "أنا مش هينفع أظلمك معايا."
أوماً وهو ما زال ينظر إلى الأرض، لكنه رفع عينيه وفوجئت به يضحك .. كانت ضحكة حزينة والحقها بتهكمه تخيلي جملة مش هينفع أظلمك معايا دي كانت أكثر جملة بقولها للبنات !"
توقفت عن البكاء ونظرت له بدون فهم فأكمل وقد ظهرت نبرة صوته مرتعشة "أنا في حياتي دي كلها حبيت أثنين، أنت وسلمى "
"سلمى ماتت .. بسببي "
بس بسببها أنا كنت قررت إني أبطل كل القرف اللي أنا فيه ... كان كل ما الشيطان يلعب في دماغي بتظهر قدامي وبقول: لا، عشان سلمى"
وقربت منك عشان كنت عارف إني بعد اللي حصل ده مش هعمل حاجة تجرحك ... بس تخيلي
إن أنا دلوقتي اللي مجروح ؟"
ابتلعت لعابها وأخفضت رأسها أرضا لكنه أكمل بس أنا مش متضايق لا .. أظن أنا كدا حدث عقابي .. سلمى تموت، وأنت .. أنت ترفضيني .. أصل كان لازم ده يحصل، فاهمة ؟"
لم تجبه فابتلع لعابه ورفع رأسه وهو يرسم ابتسامة مزيفة على وجهه "تمام يا داليا، أنا هختفي من حياتك تماما."
بس قبل ما أمشي حايب أقولك حاجة، اللي أنت بتعمليه في نفسك ده غلط، أنت بتعاقبي نفسك على حاجة انت ما عملتيهاش ومش كل الرجالة زي الحيوان طليقك، ومش كلهم بيتعاملوا بنفس الإسلوب الهمجي العدواني، وإني كنت هعاملك بحنية وأنت عارفة إني كنت
محتويك وهكون حنين معاك "
ثم تركها واستدار ليرحل بينما هي قد توقفت تنظر إلى ظهره بأعين دامعة، فوجئت به يستدير ويقول "تعالي أوصلك لأحسن حد يطلع عليك في المنطقة المقطوعة دي ويعمل فيك حاجة
ويتهموني فيك "
ضحكت من بين دموعها وتقدمت منه بصمت وهي تمسح عينيها فابتسم ومد يده لها بمنديل تم سارا معا بصمت.
وصلا إلى منزلها بعد نصف ساعة حيث كانت قد توقفت عن البكاء، توقفت ورفعت رأسها لها "شكرا إنك وصلتني "
"مافيش مشاكل، سلام" قال واستدار ليرحل لكنها أوقفه "تعرف ...
حرك رأسه لها وشبك يديه أمام صدره فأكملت لو كنت عرفتك قبل كدا، أعتقد إني كان ممكن أحبك أنت شخص لطيف يا أحمد"
ابتسم محاولا تخبئة حزنه الذي يتغلغل بداخله الآن ثم أوماً " وأنت كمان شخص لطيف، بس أنا ملاحظ إن الدنيا دايما يتكون مش لطيفة مع الناس اللطيفة."
أومات وتحركت لتدخل إلى بنايتها بينما أتخذ هو طريقه بعيدا، ليس غاضبا منها ولا يكرهها، إن حنقه وغضبه وكرهه الآن منصبا على طليقها، يحقد عليه من قبل أن يراه حتى، ولا يستطيع تجاهل شعوره بالغيظ تجاهه، رغب لو يمسك به الآن ويحطم وجهه ليشوهه له كما شوه روح
الفتاة التي يحبها وجعلها ترفضه.
كان أدهم قد تحرك نحو الغرفة السفلية للمنزل، والتي يحبسون فيها زوجة دكتور مصطفى وعندما وصل وجدها ما زالت نائمة، وقف ينظر لها بندم، السيدة لا تستحق كل ما يحدث الآن!
فوجئ بهاتفه يرن فأخرجه بسرعة ووجدها سارة، لماذا تتصل به الآن ؟ لم يتحدثا منذ آخر مرة عندما رفضه والدها!
استقبل المكالمة بتوتر وأعطى ظهره للسيدة "إزيك يا سارة؟"
وجدها تبكي عاليا أثناء همسها "ماما أتخطفت يا أدهم وأنا مش عارفة أعمل ايه !"
"اهدي بس .. اتخطفت إزاي وعرفتوا منين؟"
بابا قالي واتصلوا بيه وصحينا مالقيناش ماما في الشقة " أجابت بشهيق مكتوم ثم أكملت بنبرة حزينة "أنا آسفة إني بتصل بيك بس حاسة إني لوحدي ومالقيتش غيرك ممكن يساعدني.
هو ممكن تكلم جدك عشان احنا مش عارفين نطلب البوليس ؟ "
تجمدت الدماء في عروقه، يتصل بجده ليخبره بأن والدة سارة قد الخطفت ويطلب منه البحث عن الجناة، بينما السيدة تتواجد في مزرعته ؟ تبدو ورغم غرابتها فكرة رائعة سبتعد عنهم كل الشبهات
"لا طبقا ما تقوليش كدا، أنا متصل بيه وأشوف أنا أقدر أعمل إيه بطلي بس عياط يا سارة وإن
شاء الله تلاقيها "
فور انتهاءه من جملته سمع صوتا أنثويا من خلفه يهمس بتعب "أدهم؟ أنا فين ...".
رواية اربعة في واحد الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل التاسع والثلاثون
بس كدا يا طنط، والله ده كل اللي حصل عايز يسقطني عشان اتقدمت لسارة وبحبها، طب راضي زمنك يا طنط أنا عملت إيه غلط؟ هو أنا جاي من الشارع يعني؟ ده أنا مهندس محترم وجدي لواء وبابا الله يرحمه كان نقيب في الداخلية وأنا هخلص وهدخل كلية الشرطة، وجيت دخلت البيت من بابه واتقدمت لسارة عشان بحبها، يقوم يرفضني وعايز يسقطني، ومش أنا بس، أنا وأصحابي " قال أدهم بأسف وهو ينظر للأسفل بحزن أثناء جلوسه أمام السيدة التي تستمع له بتعاطف
هشام اللي هو عايز يسقطه ده الأول على الدفعة الأربع سنين وعايز يتعين معيد، لو سقط مستقبله هيضيع، أحمد هيسافر ألمانيا يشتغل هناك ولو سقط المصنع مش هيقبله، وقيس، ده فرحه كمان شهر و أبوه حالف لو سقط مش هيجوزه يرضي ربنا ده؟ ترضي دكتور يعمل مع سارة بنت حضرتك كدا ؟ "
نفت السيدة برأسها يخزي من تصرفات زوجها فأكمل وهو يرفع كتفيه "بس، فأضطرينا نخطفه زي ما قولتلك بس ماكناش نعرف إن حضرتك اللي هتبقي موجودة مش هو."
أصلي طردته عشان أتجوز عليا، ده أنا أتجوزته وهو معيد كحيان ما حيلتوش إلا ماهيته، فيقوم بعد كل ده يتجوز عليا" أردفت السيدة بملامح باكية فنفى الآخر برأسه بأسف وتمتم
بقى يسبب القمر ده ويتجوزا عشان تعرفي يا طنط إنه خلاص مخه ما بقاش فيه، اللي يسيب حضرتك ويتجوز واحدة تانية يبقى أكيد اتجنن "
ديل الكلب بقى نعمل إيه بس أنا مصممة إنه يطلقها."
طب وهو قالك إنه مش هيطلقها ؟ "
"لا أنكر إنه متجوز بس كداب دي مراته اتصلت بيا وسمعتها بودني دي."
"أنا يقول يا طنط نعمل خطة وحضرتك تقعدي معانا هنا في العزبة تروقي أعصابك وتغيري جو وتسيبيه يعرف قيمتك ويروح يطلق الست اللي أتجوزها، ويلف حوالين نفسه عشان يرجعك وفي نفس الوقت إحنا ننجح."
نظرت السيدة حولها بتفحص لأنها لا تتبين أي شيء من ذلك القبو الذي تتواجد فيه "هي دي
"أه دي عزبة جدي، فيه مزرعة وزرع ومواشي وأبراج حمام ... جدي بييجي هنا لما بيعوز يروق أعصابه ويأكل أكل نضيف ويشم هوا نضيف، وأميرة شغالة هنا بتنضف البيت وبتعمل الأكل. اعتبري نفسك في أجازة يا طنط. "
" والله فكرة، خليه يلف حوالين نفسه كدا وما يبقاش فاضى للسنيورة بتاعته، " قالت السيدة بابتسامة شريرة مستحسنة للموقف بأكمله
"أهو كل ده هيبقى بتاعي يا طنط، ورغم كدا رفضني لما اتقدمت لسارة، يعني مش لو كنا اتجوزنا كان كل ده هيبقى بتاعها وحضرتك وهو كنتوا تيجوا في أي وقت أنتوا عايزينه هنا!" تمتم بأسف مفتعل فأومات السيدة بحزن
"بس عموما كل شيء قسمة ونصيب ماحدش بياخد أكثر من نصيبه،" أضاف يحزن وهو يهز راسه يمينا ويسارا بدون رضى لكن السيدة سارعت بالنفي
"لا ماتقولش كدا، لك عليا إن شاء الله بعد ما الموضوع ده يخلص إنى أجوزهالك، هجوزهالك غصبا عنه "
جف حلقه ورسم ابتسامة مزيفة على وجهه ثم رفع يده يحك عنقه بتوتر " بجد؟"
اه والله، ما دام بتحبها كدا يبقى خلاص سيبك منه، هو أصلا مش عايز يجوزها وعايز يخليها تخلل جنبي، ده رافض خمس عرسان لحد دلوقتي "
ابتلع لعابه بصعوبة وهو يومئ بإذن الله، أنجح بس لأحسن أنا لو سقطت جدي مش هيسيبني في حالي، ده حالف يحرمني من الورث لو سقطت "
توسعت أعين السيدة ونفت برأسها "لا طبقا، إن شاء مش هتسقط لا، بس أنا ما عنديش هدوم هنا! مقعد هنا إزاي ؟"
بسيطة، أنا مطلع وهبعتلك أميرة بهدوم جدتي ليها هدوم هنا " قال ونهض ثم هرول للأعلى وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، لا يصدق أنه أقنع السيدة حقا بالبقاء هنا والانتقام من دكتور مصطفى معهم!
جانت أميرة ببعض الملابس الزوجة دكتور مصطفى التي التقطتهم بسرعة ونهض وبدأت تبديل ثيابها أثناء إستدارة أميرة وإعطائها ظهرها، كانت تتساءل من هي تلك السيدة؟ وماذا تفعل في قبو أدهم؟ وما الذي جلبها إلى هنا؟ لكنها تعلمت جيدا أن تبقي فمها مغلق ولا تتدخل فيما لا يعنيها، فهذا ما قد حذرتها والدتها منه لأن اللواء رأفت مقلاد لا يحب لأحدهم أن يأخذ ويعطي
معه في الحديث، وبالتأكيد أدهم مقلاد الحفيد الوحيد يتبع تصرفات جده.
"أنا خلصت، هو ممكن أطلع من هنا؟ قالت زوجة دكتور مصطفى فاستدارت لها أميرة وأومات بسرعة لتقول بلكنتها اللطيفة "اتفضلي حضرتك "
التسير معها السيدة وهي تتفحص المكان حتى صعدت للمنزل نفسه، والذي وجدته ذا طابقا ريفيا لكن انيقا بشدة ... ابتسمت عندما تنفست هواء نقيا لم تتنفسه منذ أمد بعيد في القاهرة.
"أخضر لحضرتك العشاء" تساءلت أميرة فأومأت الأخرى "فيه أكل إيه؟"
فيه كل اللي حضرتك عايزاه عايزة طبيخ ماشي فاكهة موجود فطير بالسمنة البلدي وعسل نحل برضه موجود"
اتسعت ابتسامة السيدة ورفعت يدها تلملم خصلات شعرها الأسود القصير خلف أذنيها ثم نظرت للخارج، حيث الشرفة المطلة على الزرع وقالت "طب أنا مقعد هناك هاتيلي فطير
وعسل "
أسرعت أميرة فوزا نحو المطبخ وتركت السيدة تتجول بعينيها في كل مكان، وعندما دخلت الشرفة وجدت أدهم هناك بالفعل، كان يعبث بهاتفه لكنه أغلقه فور وقوف السيدة بجانبه
"اتفضلي يا طنط" أشار إلى الكرسي بجانبه فجلست وعلقت عينيها على المكان أمامها، رمقها أدهم بطرف عينيه، لا يصدق أنه استطاع إقناعها بمجارتهم حقا سيقفز الرفاق فرحا عندما يعلموا بهذا.
"مصطفى ما اتصلش تانى؟" تساءلت فنفى برأسه امتعضت ونظرت أمامها، إن حنقها يزيد عليه شيئا فشيئا، وهي تقسم بأنها لن ترجع له إلا عندما يعرف قيمتها جيدا.
تقدمت أميرة بصينية الطعام ووضعتها أمام السيدة التي ابتسمت وشكرتها ثم همت بالأكل وحينها استأذن أدهم ونهض لاحقا بأميرة محاولا فتح حديثا معها
جهزت الأوضة اللي هتنام فيها؟"
"الأوض كلها نضيفة يا سي أدهم، أنا بنضفها كل يوم " تمتمت بتوتر وهي تحكم إغلاق شالها على رأسها فحك عنقه وأوماً .. كانت سترحل لكنه أوقفها
هو جدي مش سايب هدوم بتاعته هنا ؟"
"لا ليه ؟"
"أصلي ما جيبتش هدوم ومش لابس غير البلوفر ده والبنطلون ده، وبقوا ملياتين عرق ولازم يتغسلوا " تذمر وهو يشد سترته الصوفية بضيق
أحمرت خجلا وهي تقول بطريقة متلعثمة ممكن .. ممكن تدخل أوضتك يا سي أدهم .. و و .... تقلعهم وأنا مغسلهو ملك وأنشفهو ملك بسرعة."
لم يستحسن الفكرة وحاول التفكير في شيء آخر طب مافيش حد بيبيع هدوم قريب؟" في المركز بس ده ساعة من هنا وما ينفعش دلوقتي، الدنيا ضلمت "
أخذ نفسا عميقا بضيق ثم نظر لسترته وتمتم طب بصي، اغسلي البلوفر بس، لأني مش هقدر أقعد هنا من غير بنطلون أكيد ثم ضحك فخجلت وابتسمت
طب هاته وهغسلهولك بسرعة، فوربرة مش هتلحق حتى تحس"
ضحك على مصطلحها الغريب ثم أوماً ورفع سترته وخلعها بسرعة ليعطيها لها، انتشلتها من يده سريفا وهي تخفض عينيها للأسفل لكي تتفادى النظر له، بينما هو سارع بالرحيل نحو غرفته وهو يصيح عليها
قولي للست إني نايم وخليها تاخد راحتها وتعتبره بيتها."
أومات كالطفل المطيع وكأنه يراها أثناء قبضها على سترته الصوفية .. وعندما اختفى عن أنظارها كانت قد علقت عينيها على سترته الصوفية البيضاء وتفحصتها بعينيها، لا تبدو متسخة! تبدو نظيفة ! .. ربما رائحتها ؟
رفعتها إلى أنفها لتشمها لكنها لم تجد إلا رائحة العطر يفوح منها .. ماذا كان أدهم يقصد عندما قال أنها متسخة !
قطبت جبينها بدون فهم ثم تحركت نحو المرحاض لكي تغسلها على كل حال.
كانت قراءة فاتحة مراد وغادة اليوم، مراد يتجهز منذ النصف ساعة والجميع بدا في أهبة الاستعداد عدا أحمد الذي كان في غرفته المليئة بدخان السجائر يرتمي بملابس بيتية على سريره ويدخن من سيجارته بهدوء أثناء تعليقه لعينيه على السقف
لا يستطيع استيعاب أنه قد خسر سلمي وداليا مرة واحدة!
يتذكر أنه من تسبب في موت سلمى فينقبض صدره ويكره نفسه، ثم يتذكر أن داليا تعاقبه على شيء فعله طليقها فيوجه حقده نحو ذلك الشخص الذي لم يلتقيه أبدا ...
لكنه لا يعرف ماذا يفعل الآن؟ إن قلبه يؤلمه ولا يصدق أنه قد خسر داليا أيضا، لقد أحبها ويصدق، بل يكاد يشعر بأنها الحب الوحيد الحقيقي في حياته، لقد كانت الفتاة الوحيدة التي يتوتر بجانبها، الفتاة الوحيدة التي تجعله يتحدث براحة بدون تكلف أو ترتيب .....
قاطع تفكيره فتح أمه للباب ونظرها له بضيق "لسه ما ليستش؟ "
اعتدل في جلسته وأطفأ عقب سيجارته في المطفأة وهو يهمهم "قايم أهو يا ماما."
"الله يخربيت السجاير يا أخي ارحم نفسك وارحمنا بقى حرام عليك خاف على صحتك حتى ! ده انت صحتك دي ربنا هيسألك عليها يوم القيامة وهيقولك ضيعتها في إيه؟"
رسم ابتسامة متكلفة على فمه وهو ينهض بصعوبة عن السرير واقترب منها محاولا تقبيل رأسها لكنها دفعته بعيدا وتذمرت "ما تقريش مني ما بحبش ريحة الزفت اللي بتشربه "
ابتلع لعابه بالغصة التي وقفت في حلقه وأوما ثم تحرك للمرحاض بسرعة ليأخذ حماما ويغسل أسنانه ويرتدي ملابسه.
كان مراد يقف بجانب كرسي أبيه المتحرك وأمه المتجهزة ينتظرونه حتى أنتهى وخرج لهم يرتدي بذلة سوداء وقميص أسود وقد هندم نفسه جيدا وتلاشت رائحة سجائره ليحل محلها عطر فاخر يفوح من على بعد خمسة أمتار منه ..
اقترب من مراد وربت على كتفيه بابتسامة بسيطة "مبروك ياعم قعدت تقولنا بس مش هتجوز سوكا العبيطة وهي تقولك مش هتجوز واحد سلبوتة وأهو هتتجوزا."
ضحك مراد عاليا ودفعه "عقبالك يا لمض."
تلاشت ابتسامته وأوما " إن شاء الله يلا بقى عشان ما تتأخرش على سوكا."
قطب مراد جبينه وحذره والا، ما تقولش عليها سوكا، اسمها غادة ولاحظ إنها هتبقى مرات أخوك الكبير، يعني لم نفسك كدا."
ضحك وأوما ثم خرج مراد ومعه والدته بعد أن أخبرهم أحمد بأن يسبقوا هما وبأنه سيتكفل
بكرسي والده.
بدأ يدفع الكرسي وإنزاله في وسط مراقبة له من كامل الذي تكلم فجأة "مالك يا أحمد؟ انت كويس ؟"
"أه كويس" أجاب كاذبا لكن كامل أكمل "لو متضايق عشان هنخطب لمراد وأنت لا فوالله أنا وأمك متفقين تخطيلك بعد النتيجة "
شعر بالألم يضرب صدره وارتسمت ابتسامة مزيفة على وجهه ونفى برأسه "لا، مش عايز ... خلاص شيلت الموضوع من دماغي"
قطب كامل جبينه ورفع رأسه له ليرى ملامح وجهه العابسة وتساءل "هو أنت وداليا كويسين؟" ابتلع لعابه وتجاهل ذلك السؤال عندما خرجا أخيرا من بنايتهم ودفع بالكرسي نحو البناية التي أمامهم بالضبط
"هي سابتك ولا إيه ؟ " تساءل أبيه من جديد فارتفعت ضربات قلبه وسخر بمرارة "لا، هي ما قبلتنيش أصلا عشان تسيبني، رفضتني "
"ليه أنت عملت ايه ؟"
يا بابا هو لازم أكون أنا نيلت حاجة ؟ والله ما عملت حاجة حد غيري عمل وأنا اللي لبستها ... بس والله ما هسيبه، هي كبرت في دماغي بقى وقسما بالله ما هسيبه" تحدث بانفعال وصك
الله على فكيه بحقد
تسيب مين وعمل إيه؟ أنا مش فاهم !"
مافيش يا بابا، ومش مهم تفهم أكمل وهو يدخل الكرسي إلى البداية حيث شقة غادة.
كانت غادة ترتدي فستانا برونزيا لامعا وتجلس بهدوء على نفس الأريكة بجوار مراد يتجرعان
من العصير بعد أن قرأ جميعهم الفاتحة واتفقوا تقريبا على كل شيء
طب إحنا هنعمل الخطوبة إمتى ؟ " تساءلت أم غادة فنظر لها مراد بحاجبين معقودين "خطوبة ايه يا طنط ؟ احنا هنعمل كتب كتاب على طول. "
يعني مش هتعملوا فرح؟"
كان سيجيب لكن والدته تدخلت بسرعة مين ده اللي مش هنعمله فرح؟ ده أول فرحتي وهنعمله فرح كبير في فندق واعزمي اللي أنت عايزاه يا أم غادة، دول أول فرحتنا"
"أنا شايف ما فيش داعي للفرح، إحنا نعمل كتب كتاب ودخلة على طول وأنا معوضها بشهر
عسل كويس " قال مراد فانقلب وجه أمه وأم غادة ورمقاه بامتعاض
" يعني إيه مافيش فرح؟ ده أنا مستنية اللحظة دي عشان أفرح بيها!" قالت أم غادة بحدة فحاولت غادة تهدئتها "يا ماما أنا أصلا مش عايزة فرح فرح يعني رقص وأغاني، هنبتدي حياتنا بذنوب يعني!"
ابتسم مراد وتبادل معها النظرات فنظر الأمان لبعضهما بضيق مما جعل كامل يتدخل "خلاص يا جماعة، سيبوهم هما حرين، يعملوا اللي يعملوم"
"لا بقى، أنا قولت فيه فرح يعني فيه فرح" زمجرت أم مراد فتضامنت معها الأخرى " والله معاك حق يا أم مراد هو فيه جواز من غير فرح !"
خلاص يا ماما، هنعمل فرح على الضيق كدا عشان بس ما أزعلكيش ولا أزعل طنط أم غادة." قال مراد محاولا إنهاء النقاش فتهللت ملامح ام غادة ونهضت تحتضنه "لا طنط أم غادة إيه بقى ؟ قولي يا حماتي "
ضحك وأومأ لها في حين أمال أحمد على غادة وقال بنبرة خفيضة "مبروك يا غادة، ويا ريت ما تزعليش مني لو كنت عملت معاك حاجة ضايقتك أنت في مقام أختي دلوقتي وأنت ما
تتخيليش أنا بحب ويحترم مراد قد إيه "
ابتسمت وهزت رأسها بحسنا وهي تتمتم ما حصلش حاجة، أنت زي اخويا الصغير يا أحمد "
اطمأن وعاد إلى كرسيه بابتسامة لطيفة تم تبادل النظرات مع أخيه ليعلمه بأنه قد أنهى النزاع بينه وبين غادة تماما فأعطاه مراد نظرة ممتنة.
رحلت عائلته بعد بعض الوقت واستأذن من أم غادة ليأخذ ابنتها إلى مطعم ليأكلوا ويتحدثوا قليلا وهي قد وافقت، لتجد غادة نفسها تجلس أمامه على طاولة في مطعم أنيق في الزمالك خلال نصف ساعة.
سألها مراد يتبل عما ستأكل وأملى طلبهما على النادل ثم رحل وبقيا بمفردهما
"أنا حاسس إنك متضايقة، هو فيه حاجة زعلتك ؟" تساءل بعد فترة من النظر لوجهها فابتلعت لعابها ونفت برأسها لكنه لم يصدقها، تبدو حزينة نوعا ما ...
"غادة، إحنا اتكلمنا قبل كدا واتخانقنا برضه قبل كدا، وأظن إن إحنا الإثنين عندنا فكرة عن بعض، بس أنا حابب نتعرف بشكل أكبر وما نخبيش على بعض حاجة، يعني لو فيه حاجة مضايقاك يا ريت تكوني مباشرة معايا وبلاش جو البنات اللي تفضل تقولك مافيش بالرغم من إنه فيه، لو فيه حاجة قولى وهتحاول نحلها سوا."
حمحمت و نظرت إلى يديها اللتان تفركهما ببعضهما بتوتر ثم ابتلعت لعابها وتحدثت بنبرة خفيضة "مافيش بس ... متضايقة عشان .... عشان .. كان نفسي بابا يبقى معايا، وعشان هسافر معاك وهسيب ماما لوحدها .... أنا مش عايزة أسيبها لوحدها."
زم مراد شفتيه وهز رأسه بتفهم ثم رفع يده يحك ذقنه " هو أنت متأكدة إنك مش عايزة تصالحي باباك؟"
كويت وجهها بين كفيها أثناء إسناد ذراعيها على الطاولة وقالت بتيه "مش عارفة " "عايزة رأيي؟"
اومات فأكمل "لازم تكلميه."
نظرت بعينيها بعيدا وبدأت تفكر في كلام مراد الذي أكمل جاذبا انتباهها "أما عن مامتك وإنك
مش عايزة تسيبيها لوحدها فأنا عندي ليك خبر حلو بس الموضوع ده سر بينا ما يتقالش لحد
ولا حتى مامتك ومامتي، ماشي؟"
أومأت بسرعة فأكمل "أنا بصفي شغلي هناك وخلال سنة بالظبط هيكون العقد بتاعي انتهى، أنا بقالي سنتين بعمل دراسة جدوى المشروع مصنع خاص بيا هنا في مصر، هو مش هيكون مصنع كبير أكيد في الأول، بس أنا متفائل خير إنه إن شاء الله هينجح ويكبر "
تهللت ملامح وجهها ونظرت له بدون تصديق " بجد؟ يعني سنة واحدة بس هناك؟"
أوما بابتسامة بسيطة وأردف بهدوءه المعتاد زهقت من القعدة لوحدي هناك، لا فيه أهل ولا أصحاب، كل حاجة حلوة بس لوحدي ... وماما اللي بتتصل تعيطلي طول ما أنا هناك بتخليني قاعد متنكد، وأحمد حاسس إنه محتاج لوجودي هنا جنبه بابا لا بيهش ولا بينش معاه .. أنا
كنت متحمل لحد ما أكون فلوس أقدر أبدأ بيهم حياة كويسة هنا."
"أقولك على حاجة ؟" قالت غادة بحماس قد لفت انتباهه فأعطاها كامل تركيزه علقت عينيها على زرقاوتيه وأكملت بضحكة تحاول منعها "أنا كنت متعقدة من كل الرجالة لحد ما شوفتك "
ضحك بخفة وتساءل "إشمعنى ؟"
كان كل اللي حواليا نماذج سيئة، أولهم بابا طبعًا، فخلاص أنا كبرت وأنا عندي عداء تجاهكم كلكم كرجالة، وطبقا العداء ده طلع عليك في أول مرتين شوفنا بعض فيهم - " ضحكت فرافقها وأوما لكنها هدات وأكملت
"بس ماما لما قالتلي على حكاية باباك، واللي أنت عملته، وقد إيه أنت إنسان كويس، بدأت أحس إن لا فيه رجالة كويسة أهو ويعتمد عليهم ومحترمين وولاد ناس"
ابتسم وكان سيتكلم لكن النادل قاطعهما بوضعه للأطباق على طاولتهما فانشغلا بالأكل عن الحديث لكنه كان يلقي بنظرات خاطفة عليها من حين لآخر دون أن تنتبه له، إذا لقد كانت تملك عقدة تجاه الرجال؟ وهذا ما جعلها ترفض الجميع حتى أصبحت في التاسعة والعشرون رغم كونها شكليا لطيفة بشدة، كما أنها متدينة ومحترمة .
وضع قطعة من اللحم في فمه بابتسامة خافتة، إنه فقط لا يصدق كيف أن القدر قد جعل كل شيء يمشي بتلك الطريقة، وكيف بأن غادة تملك كل المواصفات التي يريدها.
" هو أنت ليه ما أتجوزتش واحدة صغيرة؟" تساءلت الأخرى فجأة فقطب جبينه وأجاب بطريقة ساخرة " يمكن عشان أنا مش صغير مثلا؟"
بس كل الرجالة بيحبوا ال." همت لتدافع عن وجهة نظرها فقاطعها
"أنا عيشت تقريبا نص حياتي برا، وعقلي غير عقول الذكور اللي هنا، وأنا مؤمن تماما إن لازم أختار واحدة سنها يكون مناسب سني، أنا عندي خمسة وثلاثين سنة وأكبر منك بست سنين، يعتبر مناسب جدا لزوج وزوجة، أما إني أروح أخطب بنت أقل من خمسة وعشرين سنة فده غباء وقلة عقل، لأن بعد خمس سنين بالظبط، أنا هكون رجل في الأربعينات، وهي لسه ماكملتش الثلاثين، هي عايزة تخرج وتتنطط وتروح هنا وهناك وده حقها، وأنا عايز اعيش حياة هادية
لطيفة في جو أسري دافي وده حقي "
توسعت عينيها عندما سمعت ذلك الكلام منه، غير أن نبضات قلبها قد ارتفعت كثيرا، إن إعجابها بذلك الرجل يزيد بصورة غير طبيعية، غير أنها متأكدة بأنها بالفعل قد وقعت في حب رجاحة عقله وهيئته الوسيمة ... الآن إنها تشعر بأنها قد حصلت على مكافأة نهاية الخدمة، لأنها رفضت الكثير ممن لا يروقونها لأسباب قد تبدو للبعض تافهة، لكنها بدت لها أسبابا كافية لرفضهم، حتى انتهى بها الأمر مع الشخص الذي كانت تملك صورة مسبقة عنه في خيالها.
"أنت ما دخلتش في أي علاقة مع واحدة من هناك ؟ " تساءلت فرفع رأسه وأبطأ مضغه للطعام
ثم أجاب بثبات "كان فيه .. أنجيلا ."
تجهمت ملامح وجهها فوزا ثم صمتت ونظرت لطبقها بغيظ وغيرة يفتكان بها، كانت تحارب الكلمات في فمها لكنها لم تستطع الصبر ورفعت رأسها له لتنطق باندفاع " وكانت إيه طبيعة علاقتك بالظبط بأنجيلا دي ؟!"
"عادي أنا وهي كنا معجبين يبعض، وكنت هتجوزها بس هي كانت عايزانا نمشي بعادات البلد عندهم والحياة تبقي عادي من غير جواز، وعشان أنا رفضت فهي حيث تخليني أغير عليها وخليتني أشوفها وهي بتبوس واحد وبس ... قطعت علاقتي بيها، هي حيث تعتذر بعد كدا وتقول إنها هتمشي زي ما أنا عايز ونتجوز وكدا، بس الموضوع بالنسبالي كان محسوم."
ابتسمت ودعت بداخلها لأنجيلا تلك ثم أكملت طعامها براحة وسعادة وعندما انتهت استأذنت منه لتنهض وتغسل يدها، وحينما تأكد مراد بانها ابتعدت كان قد التقط حقيبتها وأخرج هاتفها بسرعة محاولاً فتحه لكنه اصطدم برمز سري يمنعه من فتحه بالأساس لكنه وجد أنها تفعل في هاتفها ميزة التعرف على الوجه فأخرج هاتفه ثم عبث به بسرعة وأخرج صورتها التي التقطها لها منذ الساعة ووضعها أمام هاتفها فانفتح فوزا ... ابتسم بمكر وعبث به قليلا ثم نقل شيئا ما من هاتفها إلى هاتفه وسارع بوضعه من جديد في حقيبتها قبل أن تظهر هي بعدها بدقيقة وتجلس
بابتسامة تعلو محياها فابتسم لها بالمقابل وكأنه لم يفعل شيئا.
انقضى اليوم سريفا وصعدت زوجة دكتور مصطفى نحو غرفتها وغطت في نوم عميق، وفي صباح اليوم التالي حضر هشام وقيس يحملان معهما الأشياء والحلوى التي طلبها أدهم، لكن
فور دخولهما إلى المنزل انصدما بالسيدة في وجهيهما
سقطت الأشياء من يد هشام وهم بالجري لكن قيس أمسك بسترته وهدده "اثبت ياض"
وقف وعدل من نظارته ثم حمحم بتوتر "هو .. هو أدهم فين؟"
"أنتوا أصحابه اللي خطفتوني معاه ؟ " تساءلت السيدة وهي تضيق عينيها نحوهما فسارع هشام بالنفي برأسه "لا لا ما حصلش، ده هو خطفك لوحده."
ابتسمت السيدة بتفهم لأنها ترى كم أنه مرعوبا الآن ثم شبكت يديها أمام صدرها وأضافت "طب عموما هو حكالي كل حاجة وأنا قررت أساعدكم "
توسعت اعين قيس بينا قطب هشام جبينه بدون فهم لكن السيدة تركتهما وخرجت عن المنزل وهي تكمل "أنا رايحة أتمشى وسط الزرع شوية مع أميرة."
أمال قيس على هشام وهمس "مين أميرة دي؟ هو الواد أدهم جاب نسوان هنا ولا إيه؟"
ظهر أدهم بعد قليل فسارع قيس نحوه وأمسك بسترته "أنت ياض فكيت الولية دي ليه وهيبت ايه من غيرنا ؟ "
يا عم اوعى كدا، فين الشاورما ؟ " دفعه عنه فوقف قيس ينظر له بغيظ شاورما إيه يا ياض يا معدوم الدم أنت؟ ما تقول حصل إيه وتنجز؟".
بعد أن حكى لهما ما حدث قفز فيس على الأريكة وبدأت بتأدية حركة رقص عشوائية "يعني إحنا كدا في السليم."
عدل هشام من نظارته وأوما ثم تذمر "انزل يا ابني أنت من على الكتبة يا معفن، بنقعد عليها دي اللي أنت واقف عليها بالجزمة."
"سي أدهم . " جاء صوت أميرة فجأة من خلف قيس فتصنم في مكانه ونظر لأدهم وهشام اللذان أمامه وهمس "هو أنا بيتهيألي ولا . " قبل أن يكمل أعادت أميرة "يا سي أدهم "
استدار لها قيس بابتسامة بلهاء فاصطدم بأعين خضراء تحدقان فيه ثم قفز عن الأريكة ووقف ينظر لها بطريقة مريبة أريكتها
"يا سي أدهم، هتاكل ؟ "
ضحك ونظر لأدهم وهو يشير لها بسبابته "ثواني، هي دي أميرة صح ؟"
خجلت الفتاة وخبنت وجهها بالشال المطرز بورود حمراء فتجاهله أدهم ونظر لها ليجيب ينيرة حانقة "مش هاكل، امشي دلوقتي، ما تجيش إلا لما أندهلك."
اعتلت ملامح محرجة وجهها وأومأت بصمت ثم لملمت كرامتها وابتعدت، وحينها استدار قيس له بغيظ وصرخ عليه بتزعل المزة ليه يا متخلف؟"
أمال هشام رأسه بتركيز نحو قيس الذي تناسى وجوده تماما وأكمل "سمعتها وهي بتقول يا سي أدهم؟ خدت قلبي والله في نفس اللحظة."
اشتعل الغضب في رأس هشام ونهض يزمجر من تحت أسنانه "تصدق بالله، لو القتل مش حرام كان زماني واخد روحك .. ما تلم نفسك وتظبط يالا بدل ما أتصل بليلي أقولها على الكلام ده كلها"
هربت الدماء من وجه قيس وابتلع لعابه ليبلل حلقه الذي جف وأردف بنبرة مبحوحة " يا ابني بهزر .. بعدين يعني أنا هبص الواحدة خدامة؟"
ده هو ده النوع المفضل بتاعك أصلاا" استنكر هشام فنهض أدهم ليقف بينهما " بقولكم إيه. مالكوش دعوة بيها دي بت غلبانة وفي حالها، يا ريت ماحدش يجيب سيرتها وخرجوها برا حواراتكم دي."
"أنت معجب بيها أنت كمان ولا إيه ؟ الله يخربيتكم " صاح هشام بدون تصديق ونظر الإثنيهما حيث أمال قيس وهمس في أذن أدهم " البت دي تخصك ؟"
" في بيتي تبقى تخصني، سامع يا بتاع نعمة ونجلاء؟"
"أنا خاطب أصلا، اشبع بيها " سخر قيس وألقى بجسده على الأريكة لكن عينيه تعلقت على الممر المؤدي للمطبخ، ايتلع لعابه ونفى برأسه ثم أشاح بوجهه بعيدا وهو يكرر بداخل عقله "لا لا
.. أنا خاطب" لكنه سرعان ما عاد برأسه نحو الممر من جديد.
كان المساء قد حل على أحمد الذي يجلس في شرفة منزله ينام برأسه على ذراعه التي وضعها على السور الحديدي، أثناء تعليقه لعينيه على الشارع بنيه، ثم أخرج هاتفه وعبث فيه حتى دخل إلى صفحتها الشخصية على الفيسبوك من جديد و كالعادة لم يجدها قد نشرت شيء أو حدثت أي شيء ... تبا لها ولشخصيتها الغربية تلك، نفخ الهواء من فمه ووضع هاتفه في جيب بنطاله الاسود القطني من جديد ثم عاد برأسه إلى الشارع، لقد اعتاد على محادثتها يوميا،
ورؤيتها يوما بعد يوم، والآن هو غير مسموح له رؤيتها ومحادثتها أو معرفة أي شيء عنها ؟ إنها تؤلم قلبه وهو حقا يشعر بالتعاسة ... داليا كسرت قلبه لكنه ما زال غير قادر على كرهها، بل إنه
يكره من تسبب بوضعهما في ذلك الموقف.
ظهرت ابنة الجيران التي تماثله في السن بل وكانت معه في نفس المدرسة في الشرقة التي في المبنى المقابل له تحديدا فوق شرفة غادة ... انتبه لها لكنه سرعان ما رجع وأسند رأسه بملل على ذراعه ونظر للشارع من جديد .. يجب أن يعتاد على غياب داليا هو يعلم بهذا، لكنه فقط لا يملك غير الاشتياق لأحاديثهما بشدة، غدًا عيد مولدها، يحسبه منذ أكثر من أسبوعين .. لقد اشترى لها هدية، لكنه لا يعلم أيذهب ويعطيها لها ؟ أم يتجاهل الأمر؟
لسه متضايق ؟" ظهر صوت والده بجانبه فجأة بعد أن تقدم يحرك عجلات كرسيه المتحرك فتنهد الآخر وعلق عينيه على أبيه ثم أجاب "لا يا بابا أنا كويس "
طب هفرحك، أنا وأمك كنا بتتكلم امبارح بالليل وقولتلها تاني إننا عايزين نخطبلك زي مراد وإن شاء الله بعد النتيجة تشاور لنا بس على اللي أنت عايزها وهنروح نخطبهالك يا عم "
مش عايز أردف بضيق وابتلع الغصة في حلقه ثم علق عينيه على الشارع من جديد، فصمت والده الذي أدرك بأنه أصبح لا يريد أية فتاة إلا داليا، تلك الفتاة التي حدثه عنها الكثير والكثير من المرات، وفي كل مرة يحدثه عنها تلمع عينيه بلمعة غريبة لم يرها في عينيه من قبل، إنه الشغف، أحمد يبدو شغوفا بها، هو يعرف ابنه جيدا، لكنه لا يفهم لماذا قد ترفضه داليا إن كان
يحبها هكذا ومستعدا لخطبتها؟ وأحمد لا يتكلم ولا يبدو أنه يريد التكلم.
كانت أميرة قد جهزت العشاء وبدأت بالبحث عن الجميع، فوجدت أدهم والسيدة يتحدثان في الشرفة، وقيس في غرفة المعيشة بشاهد مباراة لكرة القدم ولم تعلم ابن هشام؟
صي قيس، أنا جهزت الأكل، هتاكل ؟ " سألته فالتفت لها بابتسامة وقال بطريقة ماكرة " بتقولي
إيه ؟ ما سمعتش ؟"
"هسمعك أنا بتقولك يا سي رفت يا قطران هتطفح ؟ حلو كدا؟" سخر هشام الذي ظهر من العدم فجأة فتلاشت ابتسامة فيس وابتلع لعابه بخوف ثم حك عنقه وأوما
"آه ماكل "
رحلت أميرة وظل قيس يحدق في أثرها وهشام يتابعه بعينيه حتى انتبه له فأبعد بصره بعيدًا واستعاذ بالله من الشيطان ثم تحرك للخارج وأخرج هاتفه ليتصل بليلي
ايه يا كوكو عامل ايه ؟" استقبلت ليلى المكالمة فابتسم رغما عنه وتمتم تمام يا قلب كوكو
أنت عاملة إيه ؟ تعرفي إنك وحشتيني وبكرة عايز أشوفك "
طب قول لبابا وتنزل "
"ماشي، نقول لبابا حاضر " تمتم ووضع يده في جيبه بنطاله ثم سمع تلك اللكنة الفلاحي من خلفه "الأكل هيبرد يا سي قيس" ثم رحلت بسرعة.
سمعتها ليلى التي ارتفعت ضربات قلبها فجأة وتساءلت بطريقة مندفعة من خلال الهاتف "مين دي؟ أنت فين؟"
"أنا في عزبة أدهم ودي بنت شغالة هنا، فيه إيه !"
"لوحدك؟"
"هشام وأدهم معايا."
هشام قال إنكم هتباتوا هناك، أنت هنبات ؟"
لا مش هبات، أنا جاي النهاردة"
بس هشام قال إنكم متفقين تباتوا!"
"كنا متفقين وغيرت رأيي وجاي النهاردة، مش هقعد أنا هنا."
ليه ؟ هو إيه اللي حصل ؟ "
" فيه إيه يا ليلى، هو تحقيق ؟ " قال بطريقة هجومية ثم تمتم بقولك إيه أنا رايح أكل عشان همشی کمان نص ساعة، لما أرجع هبقى أكلمك ، سلام" وقبل أن يعطيها الفرصة للرد كان قد أغلق هاتفه ووضعه في جيبه، بالتأكيد لن يبات هنا، على جثته أن يبات هنا، سيأكل طعامه
وسيرحل فورا.
على طاولة الطعام تحدث أدهم إلى السيدة من جديد على فكرة يا طنط، أنا نيمت دكتور مصطفى وسارة وقولتلهم إلى كلمت جدي وبتاع وهو هيتصرف"
ابتسمت السيدة وأومات أحسن كدا، عشان ما يبلغش البوليس "
أوما أدهم بالمقابل ثم وضع لقمة في فمه بابتسامة ماكرة، لا يعلم متى وأين قد بدت توانيه تلك الأفكار الشريرة؟ ومتى وكيف أصبح مستعدا لتنفيذها؟ لكنه فقط يعرف بأنه الآن مختلفا، ليس كليا لكنه مختلفا .. وهذا الاختلاف يعجبه بشدة.
بعد انتهائهم من تناول الطعام صمم قيس على الرحيل، فعانده هشام وأصر على البقاء لكن الآخر هند بتركه هنا والرحيل بدونه ثم لن يجد وسيلة للرجوع بدون سيارته فمثل هشام التهديدات الآخر ورحل معه مجبزا رغم أن غذا عطلة من العمل وهو أراد الاستجمام هذا قليلا.
في صباح اليوم التالي وقف أحمد أسفل شجرة في شارع سكني، علق عينيه على مدخل بناية بيضاء اللون، وضع سيجارة في فمه وأشعلها ثم أستند إلى جزع الشجرة يدخنها ببطء، لم ينزل عينيه عن مدخل البناية حتى ظهر رجلا في الثلاثون من عمره تتأبط ذراعه زوجته، يحادثها فتبتسم وتخجل ثم تصفعه على ذراعه بخفة، ارتفعت ضربات قلب أحمد وهو يحرك عينيه ببطء معهما ليتابع كل خطوة يفعلانها، وصل الرجل ببذلته الرسمية السوداء تلك ولحيته الطويلة إلى سيارة فضية وأخرج مفاتيحه ثم فتح سيارته ودخل وتلته إمرأته .. حرك السيارة ليخرج في حين ترجل أحمد مقترنا منهم قليلا ليتفحص السيارة التي انطلقت من الخلف، علق عينيه على ظهرها ثم ألقى بعقب سيجارته ودعسه بقدمه بدون أية ملامح تعلو وجهه، وسرعان ما رفع رأسه لينظر نحو الطابق الثاني ثم نظر مجددا إلى الطريق الذي رحلت منه السيارة .. هذا هو. طارق إسماعيل، وهذا منزله، وهذه سيارته، وهذا شارعه، وهذا هو موعد خروجه للتسوق برفقة زوجته كل يوم جمعة، لقد بحث في صفحة زوجته جيدا فوجدها قد كتبت منشورا منذ شهر تقول فيه أن موعد تسوقها برفقة زوجها يوم الجمعة هو الموعد الأسوأ طوال الأسبوع لأنه لا يتوقف عن التذمر بشأن شراء الأشياء .... أليس مرعبا كيف أن منشورا واحدا على موقع تواصل اجتماعي من الممكن أن يخبر الكثير؟ وأليس مرعبا كيف أن هناك شخصا يستطيع عيش حياته سعيدا بدون ذرة تأنيب ضمير بعد أن دمر حياة شخصا آخر لم يمسسه بسوء؟
نفخ آخر نفس دخان كان يحبسه في الهواء ووضع يده في جيبه ثم ترجل بعيدا وهو يقسم بأنه سيجعله يدفع الثمن غاليا، غاليا جدا .. غاليا بصورة تساوي ما قد أخذه من دانيا.
رواية اربعة في واحد الفصل الأربعون 40 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية اربعة في واحد الفصل الاربعون
"اللي هيخلص الأيس كريم ده الأول هيطلب طلب من الثاني ولازم ينفذه " قال قيس بنبرة ماكرة فضيقت ليلى عينيها ونظرت له بتفحص، لا تثق في طلباته تلك، لكن حماسه الشديد تجعلها توافق.
"ماشي "
"ماشي واحد .. إثنين ... ثلاثة " قال وشرعا في الأكل بسرعة دون الاهتمام بحقيقة أنهما يجلسان على طاولة في مقهى والناس حولهما، كانت ليلى تحاول مواكبته لكن الأمر خرج عن سيطرتها وقيس ربح في النهاية
ضحك والنقط منديلا يمسح فمه الذي تلطخ بينما قطبت الأخرى جبينها بطفولية وتذمرت "اطلبه"
ضيق عينيه بابتسامة خبيثة ورفع يده ليحك ذقنه ممثلا التفكير ثم بدأ كلامه "بعد الجواز ." وقبل أن يكمل قاطعته ليلى "لم نفسك وبطل قلة أدب"
توسعت عينيه واستنكر "هو أنا كل ما أفتح بوني تقولولي أبطل قلة أدب! هو أنا لسه اتكلمت حتى !"
" ما أكيد هتقول حاجة قليلة الأدب"
ليه بس؟ ده أنا حتى مؤدب .." همس لها بطريقة لنيمة فلكمته في يده "بطل قولتلك "
"ماشي ياعم ... أنا كنت هقولك بعد الجواز تطبخيلي اكل صحي عشان الجيم لأني ما بأكلش طبيخ أو نشويات شوفتي بقى إن دماغك هي اللي شمال "
قلبت عينيها و ضحكت فرفع سبابته في وجهها "اعترفي إن دماغك هي اللي راحت لحاجة قليلة
الأدب "
بس ما أنت كلت آيس كريم أهوا" حاولت تغيير الموضوع فرفع كتفيه وأجاب "مرة واحدة في الأسبوع مش هيحصل حاجة، أنا بعك مرة واحدة وبعدين أروح أعاقب نفسي في الجيم."
"حلو على فكرة إنك مهتم بصحتك وكدا، تعرف محمود كان غير كدا خالص وكل أكله فاست فود وحاجة قرف"
قالت ورغم كونها شكرت فيه وذمت في محمود خطيبها السابق، الا أن ملامح الآخر تجهمت وبدا كشخص آخر فجأة وزمجر " وأنت إيه اللي يفكرك بالزفت ده أصلا؟! أنت لسه بتفكري
فيه ؟"
توترت وخافت من نبرته تلك ونفت برأسها لكنه أكمل بطريقة أخافتها "ماحدش طلب منك تقوليلي محمود ده كان عامل إزاي يبقى ما تجيبيش سيرته تاني، تمام؟"
أومأت بسرعة فصمت وحدجها بنظرة أخافتها، لقد تحول فجاة طريقته في الحديث بدت مهددة ومخيفة، لكنها باتت تعرف غيرته الشديدة وما يترتب عليه عندما يغير .. أي شخص سيعرف قيس وعائلته وأين هو قد تربى وترعرع لن يظن أبدا أنه غيورا لتلك الدرجة، لكنه كان مستعدا لتحطيم فك أي رجل ينظر لها.
"يلا نقوم نمشي " قال ولم يعطها الفرصة ثم نهض يخرج محفظته ووضع النقود على الطاولة وتحرك للخارج فنهضت خلفه تتعرقل في خطواتها وتحاول مواكبته، وصل إلى سيارته وفتحها ثم ركب وعلق عينيه بضيق على الطريق أمامه منتظرا ليلى حتى فتحت الباب وجلست بجانبه بهدوء.
ادار المحرك وحرك السيارة دون أن ينبس ببنت شفة في حين علقت عينيها عليه، ما الذي فعلته التتلقى تلك المعاملة ؟ تقلبات مزاجه تلك تزعجها بشكل كبير، وأحيانا لا تفهم حقا لماذا يتصرف هكذا؟ لكنها باتت تفهم أنه يتصرف هكذا عندما يغضب، وبأنه بالنظر لما يفعله حقا عندما يغضب من أي شخص يعاملها بلطف عندما يغضب منها.
تفهمت بعد وهلة بأنه شعر بالغيرة من كلامها عن محمود عقله طفوليا كثيرا لكنها بادرت
بمصالحته
"أنا آسفة، ما كانش قصدي بعدين أنا شايفاك أحسن منه بمراحل " تمتمت فحرك عينيه عن الطريق لها وقد لانت ملامحه قليلا لكنه تحدث باندفاع وإيه اللي يفكرك بيه أصلا؟"
صمتت وأخفضت رأسها فعاد بعينيه نحو الطريق بضيق، لكن لم يلبث أن شعر بيدها تشده من قميصه الأزرق "بحبك"
ارتسمت ابتسامة خافتة على وجهه غير أنه لم يحرك عينيه نحوها وأيقى عينيه على طريقه.
شعر بأنه يريد سحبها نحو حضنه الآن وطبع قبلة على جبينها، لقد بات يحبها ويعتبرها جزء مهما من حياته، محادثاتهما التي غالبا ما يتشاجران فيها ثم يتصالحا باتت فصلا لطيفا من فصول يومه .. سيكذب لو قال بأنه خاض علاقة مثل تلك من قبل ... جميع علاقاته السابقة كانت سرعان ما تتحول العلاقات جسدية حيث لا وجود للكلام إلا عن شيء واحد فقط، أما علاقته بليلي كانت نظيفة، حيث يراعي كلماته أحيانًا وتصرفاته أحيانًا، وحديثهما يمكن أن يمتد الساعات عن أشياء سخيفة يتجادلان بشأنها، وهو أحب ذلك كثيرًا وشعر بأنها هدية الله التي بعثها في طريقه، لقد تشاجر مع أحمد بشأن دينا وضربا بعضهما في مكتب دكتور مصطفى بوجود هشام الذي لم يفكر أن يحداثه طوال الأربع سنوات في الجامعة، لينتهي بهم المطاف أصدقاء ويذهب لمنزله ليقابل ليلى ... أليس القدر أحيانا يبدو عظيقا؟ كيف تترتب الأحداث العشوائية لتقودك إلى شيء رائعا لم يخطر على بالك قط! لقد قاده القدر إلى ليلى التي لفتت نظره من الوهلة الأولى عندما سمع أمها تناديها ب (ليلى) .. لأن اسمه هو قيس .... ورغما عنه رفع رأسه ليرى من هي تلك الليلى فاصطدم بوجهها اللطيف وعينيها العسلية الواسعة ... شعورا أخبره في تلك اللحظة أنه يجب أن يحصل على تلك الفتاة، وهو قد حصل عليها، ويبذل كامل جهده لكي يحافظ على ما قد حصل عليه، ربما ضعف قليلا أمام بعض الفتيات بعد خطبته لكنه حرص على إنهاء الأمر وعدم التواجد حولهن، ثم يهرع لليلى، ليحادثها أو يراها، وكأنه يذكر
نفسه بحجم ما سيخسره لو فعل شيئا سيئا.
حرك عينيه لها أخيرا وتمتم وانا كمان بحبك بس ما تعصبينيش وما تجيبيش سيرة الزفت ده تاني، ماشي؟"
اومات بسرعة بطريقة طفولية فضحك وركز عينيه على طريقه مجددا، لقد لاحظ الجميع أن طريقة قيادته قد تغيرت مؤخرا، أصبح يقود بحذر أكثر وتخلى عن تهوره الذي تسبب له أحيانا في بعض الحوادث، لكن منذ أصبحت ليلى تركب معه وهو أصبح حذرًا كثيرًا ويخفف من سرعته ... الفتاة بدون حتى أن تشعر قد غيرت كثيرا في تصرفاته ... فقط لو تعلم كم هو يغير من نفسه لكي يوائمها، لم تكن لتتركه أبدا.
كانت رحمة قد وصلت إلى منزل ليلى وضغطت على الجرس لتقابل ليلى ويذهبا سويا لشراء بعض الأشياء كما اتفقا منذ يومين، لكن هشام من فتح لها ابتسم فور رؤيتها وعدل من نظارته
" إزيك يا رحمة ؟"
توسعت ابتسامتها وأجابته تمام يا هشام، هي ليلى فين؟"
قطب جبينه بدون فهم "ليلى ليلى خرجت مع قيس، هي ما قالتلكيش ؟ "
توسعت أعين الأخرى وسقطت ابتسامتها ثم همست من تحت أنفاسها "آه يا واطية، بتبيعيني
عشان خطيبك !"
"نعم ؟ " رفع هشام إحدى حاجبيه بعدما سمعها تسب أخته أمامه فغيرت أقوالها "لا مافيش طب اوعى كدا لما أدخل أسلم على طنط وعمو."
كانت ستدخل لكنه وقف في طريق الباب وضحك "لا، ما ينفعش تدخلي "
" ليه يعني؟"
"أصل أنا جوا لوحدي، مافيش حد"
وخايف مني يعني ؟ " سخرت فضحك "لا، خايف عليك."
خجلت و حمحمت ثم عدلت من حجابها وتمتمت "طب خلاص أنا هروح لوحدي "
تروحي فين لوحدك ؟ " تساءل وهو يعدل من نظارته فرفعت كتفيها وأجابت "رايحة أشتري
حاجات من وسط البلد"
"لوحدك؟"
"اه لوحدي"
"لا لا، ما تروحيش لوحدك، خدي حد معاك "
طب ما تيجي انت معايا ؟ " قالت بطريقة ماكرة فحمحم وعدل من نظارته ثم نظر لساعته وحك عقته "هتتأخري ؟ "
نفت برأسها بابتسامة خبيثة فابتسم وتحرك للخارج وهو يلتقط المفاتيح من الباب وأغلق الباب خلفه "رايحة وسط البلد ليه ؟"
"رايحة أشتري هدوم "
تلاشت ابتسامة وجهه وتمتم لنفسه هدوم يا ريتني ما كنت جيت، دي هتفضل تلف على المحلات بالخمس ساعات زي صاحبتها."
"مالك ؟ أنت رجعت في كلامك ؟" رفعت إحدى حاجبيها فنفى برأسه "لا، ما أكيد مش هسيبك تروحي لوحدك يعني، وبعدين أهو أعرف هتشتري إيه بدل ما تجيبي حاجات ضيقة "
بتغيري يا بيضا؟" قالت بطريقة طفولية فأحمرت وجنتاه ورفع سبابته في وجهها مزمجزا لمي نفسك أنا مش بيضا "
ضحكت وترجلت أمامه لينزلا سويا من المنزل ثم أوقف سيارة أجرة وصعدا بها، جلس هشام في المقدمة بجانب السائق وجلست هي بالخلف وهي تعلق عينيها عليه في المراة، جيد أن ليلى قد رحلت؛ فهي بذلك قد أعطتها الفرصة للخروج مع كائن الدبش) هذا، الذي وبالرغم من كونه ديش فهو لطيف للغاية.
كانت ليلي قد وصلت إلى المنزل برفقة قيس الذي صعد ليوصلها ويتحدث مع هشام قليلا. لكنهما لم يجدا أحدا بالداخل
هشام شكله نزل وبابا وماما مش هنا ! همست ليلى برعب وهي تنظر لقيس الذي يقف في منتصف الصالة، هما بمفردهما هنا الآن!
طب ايه ؟" غمز لها واتخذ خطوة للأمام فهلعت للخلف برعب وبدأ جسدها يرتعش لكنه توقف
في مكانه وقهقه عاليا
"بهزر يا بنتي، أنا لازم أمني أصلا .. سلام"
فتح الباب وهرول للخارج بسرعة فوقفت تضع يدها على قلبها، الوغد لقد أخافها، إنها تعرف أن قيس يمكنه أن ينتهز الفرصة لفعل أي شيء يريده، لكنها لم تتوقع منه أبدا أن ينسحب بتلك السرعة وكأنه يهرب حرفيا، في حين أن الآخر وصل إلى سيارته بسرعة وجلس في مقعده يبتسم بتوسع، لقد هرب بسرعة قبل أن تأتي أية فكرة حمقاء على رأسه، لقد بدأ هذا الإسلوب
ينجح بشدة، يهرب من أي شيء قبل أن توسوس له نفسه بشيء سيئ .. رائع.
كان المساء قد حل على هشام الذي يمشي متكدزا خلف رحمة وهو يحمل الكثير من الحقائب ويتذمر "ما خلاص يا حاجة !"
"عايزة أشتري لسه كذا حاجة للبيت وهكون خلصت قالت وهي تجره نحو متجزا للهدوم المنزيلة الأنثوية، تصبغ وجه هشام وحمحم وهو ينظر بعيدا وبدا محروجًا للغاية من تواجده هناء
"هتشتري إيه انت فيه إيه؟ هو أنت هتتجوزي بكرة " استنكر فأجابت "الحاجات دي لجهازي فعلا، أنا هشترى كام بجامة للبيت كدا وخلاص"
تصنم في مكانه وبدأ يستوعب فحمحم وبدأ يلتفت حوله ثم نظر لها، ونظر حوله من جديد
وهمس لها "طب ممكن أنقي ؟"
ضحكت وأشارت له بأن يتفضل وينتقي فأبتسم باتساع وألقى لها بالحقائب التي يحملها ثم بدأ ينظر حوله لكل تلك الملابس اللطيفة وهو يعدل من نظارته، لقد أنت فرصته على طبق من ذهب ليختار ما يشاء.
كان هذا يوم عيد مولد داليا، جلست في شرفتها بمفردها تنظر إلى السماء بحزن، لم يتصل بها أي شخص، ولم يتمنى أحدهم عيدًا سعيدا لها .... هذا متوقع لها على كل حال، لكنها ظنت أن أحمد سيفعل، لكنه لم يفعل، يبدو أنه يطبق ما قاله بالحرف، لقد وعدها بأن يختفى من حياتها تماما وهو قد فعل: فمنذ حينها لم يكلمها أو يقابلها أو يحاول البعث برسالة لها حتى تبا له، وتبا لكونها قد بدأت تستلطفه بشدة، هي ستمحيه من عقلها تماما .. على الأقل هذا ما قد قررته.
كان طارق طليق داليا السابق - قد انتهى من عمله في مكتب المحاماة خاصته بمدينة نصر في تمام الساعة الحادية عشرة مساء، لعلم أوراقه في حقيبة يده وعدل من ربطة عنقه السوداء وترجل لخارج مكتبه وأغلقه خلفه لأنه كان آخر من يرحل كل يوم نظرا لكونه يعطي أولوية كاملة لعمله ولا يرحل إلا بعد أن يتأكد أنه أنجز كل ما يريد إنجازه، وقف أمام المصعد وضغط
عليه وسرعان ما وجد الباب يتفتح أمامه فمدينة نصر في تلك الأثناء تكون هادئة تماما، حتى الشوارع تكون مظلمة ولا يوجد من يمشي بها، خاصة لأننا الآن في فصل الشتاء والجو بارد. ويعتبر متأخرا إلى حد ما.
خرج من المصعد ومد يده في جيبه ليخرج مفاتيح سيارته التي تقف على بعد مسافة خمسة مترات من البداية وترجل باتجاهها حتى أصبح أمامها ووضع مفتاحه في الباب، لكنه توقف عندما سمع صوتا خلفه، قطب جبينه واستدار برأسه ينظر يمينا ويسارا، وعندما تأكد أن لا أحد بالجوار عاد برأسه إلى سيارته وكان سيفتح الباب لكنه فوجئ بشخص يكمم فمه وأنفه بمنديل من الخلف، حاول تخليص نفسه وبالفعل نجح ودفع أيا كان من يقف خلفه، لكنه فجأة شعر بأعصابه ترتخي وعينيه تنغلق وحقيبته التي يمسك بها تقع من يده، حاول الحفاظ على عينيه مفتوحة لكنه لم ينجح وانغلقت رغما عنه ثم سقط أرضا تحت أقدام أحمد الذي يرتدي سترة سوداء وبنطال أسود ويرتدي كاب على رأسه يغطي به تقريبا نصف وجهه العلوي، بينما لحيته السوداء الطويلة تكفلت بإخفاء الجزء السفلى من وجهه، رمقه أحمد بقرف تم سحبه بعيدا اليضعه في سيارة قيس التي كانت مركونة بجانب سيارته بالضبط، فتح احمد الباب الخلفي ووضع طارق فيه، ثم جلس بجانبه وأشار لقيس الذي يجلس أمام عجلة القيادة بالانطلاق فحرك الآخر سيارته بسرعة وتحرك حيث مصنع أبيه الذي يتواجد في منطقة مهجورة بالمنطقة الصناعية، ويكون فارغا سوى من الحراس في هذا الوقت.
حد شافنا؟" تساءل أحمد فتفى قيس برأسه "ما أظنش، ما حدش كان واقف، حتى البواب ماكانش موجود"
تنفس أحمد الصعداء وأوما ثم رجع برأسه إلى الخلف ولم يلبث أن حرك رأسه نحو طارق الذي يرتمي بجانبه، رمقه بنظرة حاقدة وكم رغم أن يبصق عليه الآن فلولا هذا الوغد لم تكن داليا مكتئبة الآن، لولاه ما كانت رفضته ... ولولاه لكانت ظلت بكرا لم يلمسها أي شخص .. فكرة أنه المسها، لمس الفتاة التي يحب وليس برضاها، بل رغما عنها ... هذه الفكرة تجعل النار تتأجج بداخله لتحرقه حيا، لكنه سيأخذ حقها الان ... سيشفي غليله من ذلك الرجل حتى ولو لم تقبل به داليا، حتى لو أبقت داليا على رفضها له، هو لا يهتم الآن سوى بالإنتقام منه وسيفعل.
وصل فيس إلى مصنعه ففتح له الحارس البوابة الحديدية بدون استفسار أو كلام، فقط حياه وفتح البوابة، لم يمنع نفسه من إلقاء نظرة بالخلف لكنه أصطدم بأعين أحمد الذي حدجه بنظرة ثاقبة جعلته يبقى عينيه بعيدا، ثم دخل قيس بسيارته وأغلق الحارس البوابة خلفه.
أوقف قيس سيارته أمام باب المصنع وترجل للخارج في حين نزل أحمد وحمل كلاهما الرجل ثم توجها بالرجل نحو مكتب قيس الذي خصصه له والده وألقيا بالرجل على الأريكة ثم وقف قيس يحك عنقه وينقل بصره بينه وبين أحمد
"أنت لسه مصمم على اللي هتعمله؟"
قطب أحمد جبينه وأجاب من تحت أسنانه "أيوة"
"بس أصل ... أنا شايف الموضوع كبير، كنا مسكناه رزعناه علقة وخلاص"
"لا، هنضربه وبعدها هيخف وهيرجع لحياته عادي ولا كأن حصل حاجة، أنا عايز أعلم عليه
للأبد"
أخذ قيس نفسا عميقا وتنهد ثم أوماً "طب يلا نربطه قبل ما يفوق روح هات الحبل والبلاستر خلينا نكتفه ونحط البتاعة على بوقه عشان الحارس برا ما يسمعش صوته".
بعد ربع ساعة كانا قد انتهيا من تكثيفه ووضع اللاصق على فمه وربط عصابة على عينيه، بحيث يكون غير فاذا على الرؤية أو التحرك أو الكلام، لا يستطيع إلا السمع والتنفس فقط.
"أنا حاسس إننا بقينا عصابة والله ضحك قيس لكن الآخر لم يضحك وسخر "يستاهل ولا ما يستاهلش؟"
يستاهل يا صاحبي عموما أنا خارج برا هبعت الواد بتاع الأمن يروح يشتريلنا بيرة ولا حاجة عشان يحس إننا معانا واحدة ست و هقوله ما يجيبش سيرة لحد وهغمزه بفلوس"
أوما أحمد ثم راقبه يرحل ويغلق الباب خلفه، بينما ابتعد قيس وتوجه نحو الحارس الذي تهلل فور رؤيته وحينها حك قيس أنفه وابتسم له بقولك يا سيد .. بتعرف تسوق ؟"
"أيوة بعرف يا قيس بيه"
طب ما تاخد العربية وتروح تشتريلنا ثلاث أزايز بيرة وحد الباقي عشانك" وضع قيس مئتين جنيه في يده فابتسم الآخر وأوماً "أنت تؤمر يا قيس بيه. "
كان سيتحرك لكن قيس أوقفه بقولك يا سيد .. ما تقولش لبابا إني جيت هنا وماتجيبش سيرة لحد، عشان بابا لو عرف إني جايب واحدة هنا هيعملي مشكلة."
"عيب عليك يا قيس بيه، سرك في بير "
جدع یا سید" ريت قيس على كتفه وراقبه يبتعد نحو السيارة ثم أخذها ورحل، لكنه أثر البقاء مكان حارس الأمن لكي يتأكد من أن لا أحد سيدخل إلى المصنع.
في مكتب قيس كان طارق قد بدأ يستفيق فوجد نفسه مكبلا على الأرض وهناك عصابة على عينيه ولاصق على فمه يمنع من فتح فمه حتى بدأ يحرك جسده بكل الطرق كي يفك قيده لكن بدا الأمر مستحيلا فأعصابه ما زالت مرتخية من المخدر الذي شمه والحبال التي تكتفه بدت مربوطة بقوة، يشعر بها حول كامل جسده ويده المكبلة خلف ظهره .. أدرك بعد وهلة بانه
مخطوف ومن خطفه يريد شيئا منه، وهكذا هو قد بدأ التحرك والتملص ليعلم الخاطف بأنه قد
استفاق
"أنت صحيت، صح؟" جاءه ذلك الصوت الرجولي الذي لم يسمعه قط، فأوما بسرعة عله يعرف لماذا هو مخطوف؟
" وأكيد طبقا عايز تعرف أنا مين وخاطفك ليه ؟"
أوما طارق مرة أخرى فأكمل أحمد بنبرة بدت سعيدة من الآخر كدا، أنا خاطفك عشان
أخصيك "
سكن جسد طارق وكأنه يحاول الاستيعاب أو تكذيب ما قد سمع بأذنيه.
تعرف إن الإخصاء الكيميائي يعتبر عقاب للاغتصاب في بعض الدول " أضاف فارتعب الآخر ثم بدأ يحاول بكامل جهده أن يحرر نفسه لكنه لم يفلح
بس أنا للأسف ما عرفتش الإخصاء الكيميائي ده بيتعمل إزاي بس عرفت الإخصاء الجراحي بيتعمل ازاى الموضوع أسهل من الإخصاء الكيميائي بكتير مش هيحتاج غير سكينة."
هلع الرجل وهم بتحريك رأسه يمينا ويسارا وهو يحاول الصراخ لكن اللاصق الموضوع على فمه
يمنعه
"شكلك وأنت قاعد تفلفص كدا وبتحاول تصرخ، ما فكركش بحد؟ حد انت الغتصبته ؟ دمرت حياتها، ومش حياتها بس خليت شمعتها وسمعة أهلها على لسان كل الناس، جيبتلها إكتئاب شوهتها من جوا وخليتها لا تصلح لأي ارتباط ؟"
هدأت حركة الرجل وكأنه يسترجع كل شيء في ذاكرته
على فكرة ربنا مش هيحاسبني، عشان أنا مجرد هعمل فيك نفس اللي أنت عملته فيها، تعرف إن الإخصاء معناه إن جسمك مش هينتج هرمونات الذكورة تاني إلا بنسب معدومة ؟ عارف ده هيترتب عليه إيه ؟ هيترتب عليه إكتئاب، ضمور في العضو التناسلي وظهور صفات أنثوية، يعني من الآخر هتبقى .... لا مؤاخذة - " ضحك وأكمل "مرة."
لو بصيت عليها من منظور تاني هتلاقيه نفس اللي أنت عملته في داليا، زي ما دمرت حياتها حياتك هتتدمر، زي ما خليت سمعتها في الأرض أنت كمان مش هيبقى عندك أي سمعة، هيجيلك إكتئاب زيها، ومش هتكون صالح لأي علاقة .. يعني أنسب عقاب ليك والجزاء من جنس العمل "
سمع الرجل صوت سكينة تسحب وصوت أحمد يكمل "ما تخافش، دي سكينة جديدة، يعني حامية والموضوع هيخلص بسرعة، وفيه شاش وقطن، مش هسيبك تنزف لحد ما تموت، عشان بصراحة الموت هيريحك وأنا مش عايزك ترتاح."
لم يشعر إلا وهو يبلل بنطاله بعد أن فشل في السيطرة على جسده وتملك منه الرعب لدرجة جعته يرتعش في مكانه أثناء تحريكه لرأسه يمينا ويسارا بسرعة وبدون توقف وكأن نوبة هلع أصابته، لكنه وجد منديلا يوضع على أنفه ثم شعر بالنعاس، قاوم رغبته بالنوم لكنه بالنهاية أغمض عينيه رغما عنه وسقط نحو ظلام لم يستيقظ منه إلا بعد تقريبا خمسة ساعات حيث وجد نفسه ملقى في شارع جانبي مهجور والظلام يعم الأرجاء الدوار كان ما زال يفتك برأسه ويحاول تجميع أفكاره المشوشة .. لكنه هلع ونظر إلى ما بين ساقيه فور تذكره لكل شيء، ولم يلبث أن شعر بالألم في ذلك المكان شد بنطاله بألم ليتأكد وعند النظر للداخل بدأت دموعه التسلسل من عينيه رغما عنه ثم سقط أرضا يتأوه بتألم، ربما الألم الجسدي لم يكن هو المسيطر عليه الآن بل الألم النفسي ...
منظره هكذا جعله يسترجع شكل داليا وهي متكورة على نفسها أرضا والدماء تلطخ فستانها والدموع تنهمر من عينيها بصمت أثناء ارتجافة جسدها بدون توقف وكان الكهرباء قد مستها لم يكن يظن أنه سيصبح في نفس الموقف، ظن أنه سيفلت بها كونه محامي ويعرف أن النيابة لم تكن لتلتفت إلى بلاغ من زوجة قد اغتصبها زوجها حتى ولو لم تتم الزيجة، يكفى فقط قسيمة الزواج، أراد أن يكسرها لرفضها له وكم كان معتدا بنفسه عندما فعل واتهمها أمام الجميع بأنها هي من سلمت نفسها له بإرادتها.
لكنه الآن محامي ويعرف أن تقديم بلاغ بما حدث لن يفيد بشيء، لأنه لا يملك أي معلومات عن هوية الجاني، كان معصوب الأعين ومخدر، فلا يستطيع معرفة أين كان أو شكل من فعل هذا، كل ما يعرفه أنه له علاقة بداليا.
قبض على حفنة من التراب في يده وصرخ بأعلى صوته وهو يكتم نفسه في التراب.
في صباح اليوم الثاني كان أحمد قد وصل إلى عزبة جد أدهم، كانت زوجة دكتور مصطفى ما زالت هناك تعرف عليها أحمد و كعادته مع النساء - لقد بدأت السيدة تستلطفه بشكل فائق فعندما استيقظ أدهم من نومه ونزل للأسفل كان قد سمع قهقهات السيدة وهي ترفع حاجبيها
الأحمد بدون تصديق "بجد؟"
"آه والله، بس الموقف عدا يعني ودكتور مصطفى ساعتها ما عرفش إنه أنا، الكلام ده كان في سنة أولى " أردف أحمد في حين حك أدهم عينيه بدون فهم ثم ترجل نحو المرحاض وهو يحك شعره المشعث، اصطدم بأميرة في طريقه فسقطت الأطباق من يدها
لكنه كان ناعنا وتذمر لما انت قصيرة كدا، امشي على جنب!"
نظرت له أميرة بخوف وسارعت بالإنحناء ولملمة الأطباق وهي تردد " أنا آسفة والله هدفع حقهم "
توقف عن سيره ورجع بعينيه لها ثم قرر المزاح والتلاعب بها فمثل نبرة شريرة وزمجر "حقهم ؟ أنت فاكرة نفسك هتكسري خمس أطباق صيني من أيام زغلول باشا وهتدفعي حقهم عادي كدا
يعني ؟!"
زغلول باشا يا حوستي السودا، والله يا سي أدهم ما كنت أعرف، كانت تتقطع إيدي دي قبل ما يوقعوا يتكسروا " انتحبت وهي تنهض للتترجاه فحاول كتم ضحكاته بصعوبة لكنه لم يستطع فانفجر ضاحكا ونظر لها بدون تصديق، الفتاة لطيفة بشدة ...
"أنت بتضحك عليا، صح ؟" استوعبت أميرة وهمست بطريقة طفولية فأوماً وبحركة تلقائية ربت على رأسها وكأنه يربت على رأس قطة، وتمتم "لمي الأطباق يا أميرة "
ثم رحل نحو المرحاض ليتركها واقفة تنظر نحو ظهره بابتسامة خافتة.
في الثالثة عصرًا كانت داليا جالسة في شرفتها تدخن سيجارة كعادتها السيئة، سمعت جرس الباب لكنها لم تهتم لأنها تعرف أن أمها وداني أخيها الصغير وجدها يجلسون بالخارج، نفخت الدخان من فمها ثم أطفأت السيجارة والقت بعقبها في الشارع واسندت رأسها على سور الشرفة ثم علقت عينيها على السماء، دقائق قبل أن تسمع صياح والدتها باسمها فتحركت للخارج بملل وفور أن فتحت باب غرفتها وترجلت للصالة وجدت عددا من أفراد الشرطة في وجهها
"أنت داليا منتصر؟ " سأل أحد الضباط وهو يتقدم منها فأومات يتوتر ليكمل الضابط "طب يلا معانا على القسم."
هربت الدماء من وجهها ونظرت لأمها بدون فهم وحينها ظهر جدها المسن من غرفته وتقدم من الضابط يحييه "ازيك يا سعادة الباشا، هو حصل ايه ؟ دي حفيدتي !"
"هتعرف في القسم، دلوقتي يا ريت تغير هدومها وتيجي معانا بهدوء، لو فيه غلطة أكيد وهي ما عملتش حاجة هنسيبها وهترجع خلال ساعة بالظبط"
نظرت لجدها مستنجده به قربت على كتفيها وتمتم ادخلي غيري هدومك يا بنتي وانا هغير هدومي وجاي معاك، إن شاء الله خير".
بعد ربع ساعة كانت تترجل أمام الضباط وخلفها جدها الذي طلب من الضابط أن يوصلها بنفسه للقسم فسمح له الضابط على أن يذهب أحد العساكر معهما.
خلال نصف ساعة بالضبط كانت داليا تترجل لداخل القسم فقادها الضابط إلى مكتب ضابط آخر حيث اصطدمت بطارق طليقها في وجهها، والذي كانت ملامحه متأججة غضبا ويبدو وكأنه لا يستطيع الجلوس بشكل مريح
"اتفضلي يا مدام داليا، أشار لها الضابط لتجلس فجلست بهدوء ثم علقت عينيها على الضابط متجاهلة ذلك الذي يلقي عليها بالنظرات الحارقة
"افتح يا ابني المحض " أشار الضابط للكاتب الذي يجلس بجانبه ثم نظر لداليا
"كنت فين امبارح بالليل ؟ " سأل فرفعت كتفيها وأجابت ببساطة " في البيت عادي " " يعني ما خرجتيش؟"
"لا أنا ما خرجتش من البيت طول اليوم.
كلمت حد أو تواصلت مع حد امبارح ؟"
"لا، ما حصلش بيني وبين أي شخص مكالمة ولا شات"
"مش غريبة شوية يا مدام داليا؟"
"أنا شخص إنطوائي جدا ودائرة معارفي صغيرة ومنغلقة، وماليش اختلاط بحد، ويومي معظمه بقضيه في الفرجة على المسلسلات أو الأفلام على النت في أوضتي" أجابت بسلاسة
فأوما الضابط ثم مد يده لها "ممكن موبايلك ؟"
"مش قبل ما أعرف أنا هنا ليه؟ أنا ماليش علاقة بالشخص ده بأي شكل من الأشكال عشان يتم استجوابي في حاجة ليها علاقة بيه !" قالت وهي تلقي بنظرة مقروفة على طارق
"أستاذ طارق الخطف إمبارح من قبل شاب، والشاب ده اعتدى عليه وعمله عملية إخصاء كإنتقام منه على طلاقه ليك" أجاب الضابط بجدية وتوسعت عينيه عندما وجدها تهتز وتقضم شفتيها محاولة منع نفسها من الضحك بصعوبة.
ثم لم تأخذ ثانية قبل أن تنفجر ضاحكة بالفعل، جلجلت ضحكتها في أنحاء الغرفة مما جعل وجه طارق يشتعل ويصرخ "شايف يا حضرة الظابط مبسوطة إزاي؟ لو سمحت سجل الكلام ده في المحضر، اكتب إنها ضحكت لما سمعت الكلام ده وكانت مبسوطة."
حاولت الأخرى التكلم من بين ضحكاتها "أنا آسفة يا حضرة الظابط بجد، بس .. هو ... الموضوع ... ضحكت مرة أخرى وضربت بكفها على فخذها ثم أكملت "مضحك"
" لو سمحت يا مدام داليا ناخد الموقف بجدية عشان تكمل المحضرا" حاول الضابط الشاب ردعها عن الضحك بطريقته الصارمة فقضمت شفتيها بين أسنانها وأومأت بصعوبة.
وكان سيتكلم مجددًا لكنها ضحكت عاليا ونظرت لطارق لتصبح أنت أتعملك عملية إخصاء فعلام"
ضحك الضابط رغما عنه ووضع يده على فمه ثم عدل من باقة قميصه وزيف نبرة غاضبة "مدام داليا يا ريت تركزي معايا هنا عشان تكمل المحضر !!!"
"أنا أسفة بجد ... خلاص دي آخر مرة مش هضحك تاني تمتمت وهي تضحك بالفعل ثم وضعت يدها على فمها، أخذ الضابط نفسا عميقا وتحدث " إيه أقوالك فيما هو منسوب إليك؟"
هو ممكن بس سؤال ؟ " قالت بأدب فحمحم الضابط وأوما ليجدها تضحك مجددا " هو كان إخصاء إخصاء ولا إخصاء نص نص ؟ يعني إيه اللي اتقطع بالظبط ؟"
كاد طارق أن يقوم ويتهجم عليها من فرط غيظه لكنه اصطدم بالكاتب نفسه يضحك ويخين وجهه بيده التي وضعها على جبهته
يا مدام داليا دي آخر مرة أحذرك يا ريت تجاوبي على أسالتي بدون التطرق لمواضيع ثانية. دلوقتي إيه هي أقوالك ؟" صرخ الضابط في وجهها لأنها تجعل التحقيق يبدو كمهزلة الآن وهذا يؤثر على تركيزه
أكيد مش أنا اللي عملتله عملية الإخصاء دي يعني ! أنا بقرف أصلا"، سخرت فكرر الضابط
حد له علاقة بيك، الأستاذ طارق بيتهمك إنك أجرتي بلطجية عشان يخطفوه ويعملوله عملية
إخصاء عشان تنتقمي منه إنه طلقك "
"يا حضرة الظابط انتقم منه إيه إنه طلقني ؟ ده انا كنت مخلعه قبل ما يطلقني، طب قسما بالله كنت محضرة ورق القضية وموكلة محامي عشان يخلعه ويغور وماشوفش وشه ثاني."
طب وأنتوا أنطلقتوا ليه ؟"
نظرت لطارق بطرف عينيها وابتسمت "ما تقوله إنطلقنا ليه ؟ ساكت يعني ؟!"
كان يعرف بالفعل أنها ترمي لكونه قد اعتدى عليا، لكنه يعرف بالفعل بأنه لو اعترف بهذا أمام الضابط فسيجر نفسه إلى جريمة أخرى، وبالرغم من أن هذا هو السبيل الوحيد لتأكيد أن داليا هي المشتبه الأول لأنها تريد الانتقام لكنه لم يستطع الإعتراف بهذا
" انطلقنا عشان خونتها هي طلبت الطلاق وطلقتها " أجاب طارق
ضحكت داليا وأشارت إلى طارق وهي تقول للضابط بالله عليك حضرتك، دي خلقة تخون؟ ده أنا كنت متجوزاه من مبدأ الشكل مش كل حاجة)، وقولت أهم حاجة أخلاقه، فطلع كمان خاين وما عندوش أخلاق، يعني لا شكل ولا أخلاق .. ده يوم ما طلقني وزعت بيبسي على أصحابي دي كانت جوزاة سودا سعادتك."
" لو سمحت يا حضرة الظابط سجل ده في المحضر عشان ده يعتبر سب وقذف" نهض طارق يصيح فرمقته بلا مبالاة وحينها صرخ الضابط وهو يضرب بيده على المكتب "بس ! مش عايز حد فيكم يتنفس من غير ما أقوله."
جلس طارق مجددا فأخذ الضابط نفسا عميقا وأشار لداليا "هاتي موبايلك"
"خد الموبايل أهو " أعطته الموبايل فأمسكه لكنه سرعان ما سألها عن الرقم السري فأعطته له ثم نادي على أحد العساكر وأعطاه الهاتف قائلا " خد الموبايل ده وديه لنادر باشا وخليه يكشف عليه ويشوفلي الأرقام اللي هي كلمتهم في آخر 3 أيام"
بدت وكأنها لا تهتم حقا بما يفعل لأن لا أحد حدثها بالفعل لكنها أوقفته "لو سمحت فيه ميم ماتريال في الصور، يا ريت ما فيش حاجة تنمسح من الموبايل عشان دي حاجات مهمة "
میم ماتريال يا بنتي أنت متهمة في قضية إخصاء دي فيها أقل حاجة سبع سنين سجن، دي عاهة مستديمة" صرخ الضابط في وجهها فتذمرت حضرتك أنا ما عرفش حاجة عن الموضوع ده، وقولت اللي عندي، يخصوه بقى يغتصبوه أنا ماليش دعوة."
ضحكت مجددا واقتربت لتهمس للضابط " هو ممكن أسألك آخر سؤال بجد؟"
نظر لها الضابط بضيق فأكملت "ما تعرفش حضرتك لو كانوا أغتصبوه كمان ولا الموضوع كان إخصاء بس؟"
قومي يا مدام داليا، قومي امشي بعد إذنك ولو حصل حاجة هنستدعيك ثاني " تمتم الضابط
بيأس وهو يرجع ليسند بظهره على الكرسي ويمسح بيده تحت عينيه بتعب
نهضت تعدل من ثيابها فنهض طارق ينظر لها بهلع وصاح تمشي فين حضرتك؟ إزاي تمشي
يعني!"
مدام داليا ما عليهاش أي حاجة تستدعي إنها تفضل في القسم " أجاب الضابط فصرخ الآخر " بقول لحضرتك اللي خطفني قال إنه تبعها!"
تدخلت داليا "يعني بزمتك يا حضرة الظابط بالمنطق كدا، أنا لو مأجرة واحد فعلا يعمل فيه كدا. هقوله يقول إنه تبعي ! ده حتى يبقى غباء أكيد البني آدم ده بيكدب عشان يدبسني في مصيبة
وخلاص "
"أنا ما يكدبش صرخ طارق فسخرت ليه يعني؟ سيدنا يوسف الصديق ؟ يا ابني ده أنت
مسيلمة الكذاب!"
تقدري تمشي يا أستاذة داليا " كرر الضابط فصرخ الآخر مرة أخرى "يعني ايه تمشي حضرتك حقق معاها كويس !"
"جرا إيه يا أستاذ طارق أنت هتعرفني شغلي ولا إيه اتعدل في الكلام عشان ما أعد لهو لكش" صاح الضابط في وجهه هو الآخر فتراجع طارق عن صياحه ونظر بغيظ نحو داليا التي وقفت تسأل بلا مبالاة
"ممكن آخد موبايلي ؟"
"لا، موبايلك هيشرف معانا لحد بكرة، وبكرة تقدري تيجي تاخديم "
أومات بضيق وخرجت لتقابل جدها الذي استقبلها بقلق ليستفسر عما حدث بالداخل.
بعد وصولها إلى منزلها كانت قد جلست في غرفتها وبدأت تعصر عقلها وتفكر في كل شيء قد حدث، لكنها قد اهتدت لكون طارق يكذب ليضعها في أية ورطة، لأن لا أحد من طرقها سيفعل شيئا كهذا، فالوغد قد أخذ على خالها تعهد في القسم بعد طلاقها، ومنذ حينها يخاف أي شخص من عائلتها الاقتراب منه لأن المشتبه به الأول سيكون خالها، لكن خالها مسافرا خارج البلاد منذ
أكثر من اسبوعين الآن، لذلك فموقفهم جميعا أمن.
كان مصطفى قد ظهر أمام نفس القسم الذي رحلت داليا منه منذ الساعة ودخل يندر يمينا ويسارا حتى وقف أمام أحد الضباط وقال "لو سمحت عايز أعمل بلاغ."
" بلاغ بايه ؟"
"مراتي مخطوفة واللي خطفوها طالبين فدية مليون جنيه".