تحميل رواية بعينك اسير بقلم شهد الشوري pdf
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صباحًا بأحد الأحياء الشعبيه بمدينة الاسكندريه بمنزل يبدو عليه البساطه نجد هناك فتاة تجلس في غرفتها على فراشها و على ملامحها الجميله يظهر الحزن الشديد لما عاشته و شعور الندم ينهش قلبهاتتمنى فقط لو يعود الزمن بها للوراء لكن الزمن لا يعود تنهدت بحزن على حالها انتفضت مكانها عندما فتح باب الغرفة فجأة بقوة و ظهر من والدتها تدعى سميحة قائلة بحدة و غضب : قاعده كده مفيش وراكي لا شغله و لا مشغله مش كفاية الكلام اللي بنسمعه من اللي يسوى و اللي ما يسواش يا سيلين سيلين بحزن و ألم : محدش ليه عندنا حاجه انا مش...
رواية بعينك اسير الفصل الأول 1 - بقلم شهد الشوري
صباحًا بأحد الأحياء الشعبيه بمدينة الاسكندريه بمنزل يبدو عليه البساطه نجد هناك فتاة تجلس في غرفتها على فراشها و على ملامحها الجميله يظهر الحزن الشديد لما عاشته و شعور الندم ينهش قلبهاتتمنى فقط لو يعود الزمن بها للوراء لكن الزمن لا يعود تنهدت بحزن على حالها انتفضت مكانها عندما فتح باب الغرفة فجأة بقوة و ظهر من والدتها تدعى سميحة قائلة بحدة و غضب :
قاعده كده مفيش وراكي لا شغله و لا مشغله مش كفاية الكلام اللي بنسمعه من اللي يسوى و اللي ما يسواش يا سيلين
سيلين بحزن و ألم :
محدش ليه عندنا حاجه انا مش اول و لا اخر واحدة تتطلق يا ماما
سميحه بغضب و قسوة :
بسببك عمتك في الراحه و الجايه ترمي بالكلام و تقول اتجوزت سنة و اتطلقت و زمان خالتك كوثر شمتانه فينا رفضتي ابنها اللي مفيش بنت ترفضه كان شاريكي و روحتي مسكتي في واد صايع و ضايع ادي النتيجة اشربي بقى ابقى قابليني لو حد فكر بس يعبرك او يجي يتقدملك
القت عليها كلماتها القاسية مثل قلبها تماماََ ثم خرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بقوة مقلية سباب لاذع من بين شفتيها
اما الأخرى وضعت يدها على وجهها و دخلت بنوبة بكاء مرير اذا كانت امها تحدثها هكذا ماذا تركت للغريب !!!
في احد الأحياء الراقيه في منزل جميل جدا خاص باللواء عاصم الشريف
في غرفه جميلة كل شئ بها باللون الأبيض و الأزرق نجد فتاة تخرج من غرفة الملابس بعد أن ةارتدت ملابسها ثم اخذت حقيبتها و هاتفها و نزلت للأسفل و هي تدندن بصوت جميل عذب :
خليه يدور عليا كل شويه و ما يلقنيش خليه يتعب شويه و يحلم بيه و ما يشوفنيش
نزلت الأسفل و جدت ابيها يجلس يترأس المائده على يمينه تجلس والدتها اقتربت منهما قائلة بأبتسامتها الجميلة :
صباح الورد و الفل و الياسمين على عيونك يا ابو همس واحشني والله
ضحك عاصم بخفوت ثم ردد بحنان :
يا بت بطلي بكش بقى و اقعدي افطري
قطبت والدتها هبة جبينها قائلة بغيظ زائف :
طبعا يا اختي الصباح ده كله لأبوكي و انا لأ ما انتي من يومك دلوعة ابوك
همس بعبث و مشاكسة :
اييييدا الحق يا عصوم ده الحاجه بتغير عليك مني الصراحه ليها حق ده انت مز والله لولا أن انت ابويا كنت اتجوزتك و خليتك تطلقها
ضحك عاصم بقوه على جنان ابنته و مرحها بينما نظرت لها هبه بغيظ و تناولوا فطارهم بمرح و بعد ذلك ودع عاصم و همس هبه
ثم نزلوا للأسفل استقلت همس سيارتها و انطلقت لجامعتها فاليوم هو بداية عام دراسي جديد و والدها أيضا ذهب لعمله و خلفه سيارة حراسة
على الناحية الأخرى بمنزل لا يقل جمال عن سابقه هو منزل " رأفت القاضي "
تخرج ميان من غرفتها سريعاََ و هي تنظر لساعة يدها لتجد والديها يتناولون طعام الإفطار سويًا اقتربت و قبلت كلاهما غادرت سريعًا قائلة :
اسفه اسفه بس للأسف لازم اروح الجامعه عشان اتأخرت و النهارده اول يوم سلام
عليا بحنان :
طب افطري الأول يا بنت
ميان بصوت عالي نسبيا و هي تخرج من غرفة الطعام :
هفطر في الجامعه مع همس و لينا
توقفت قبل ان تخرج من باب المنزل تنظر لصورة شقيقها الراحل الكبيرة التي تزين الحائط المقابل لباب المنزل بحزن و اشتياق دعت له بالرحمة
ثم غادرت و اغلقت باب المنزل خلفها متوجهة للشقة المقابلة لهم حيث تسكن " لينا " هي صديقة ميان منذ صغرها و جارتها أيضا من الصغر يحبان بعضهما جدا مثل الأخوات
توفى والد لينا منذ عامين و من حينها تولى رأفت مسئولياتها هي و والدتها فكان والدها صديقه المقرب و كان شريكه في الصيدليات الخاصة به لذلك كل شهر يأخذ رأفت نصيب والد لينا و يعطيه لها فهو يدير العمل لحين تكون لينا قادره على استلامه في الوقت الذي تحبه
خرجت لينا مسرعة هي الأخرى و ركض الاثنان للأسفل حتى يلحقوا بأول محاضرة لهم
في احد البلاد الأوروبية " ألمانيا "
في شوارع ألمانيا نجد ذلك الشاب الوسيم يركض في الشوارع يركض بقوة لعله يهدأ تلك النيران المشتعلة بقلبه منذ ما يزيد عن العامان لا تهدأ تزداد يوماََ بعد الاخر
بعد وقت عاد لمنزله و جسده يتصبب عرقاََ تخلص من كنزته و اخفض رأسه تحت صنبور المياه الباردة مردداََ بداخله بحزن و وجع :
انساها بقى يا قصي انساها !!!
بعد ذلك اخذ حماماََ بارداََ لعله يخفف من النيران التي تشتعل بداخله و بعد وقت خرج من المرحاض كاد ان يبدل ملابسه لكن توقف عندما تعالى رنين هاتفه التقطته ليرى ان المتصل " سفيان " ابن عمه ما ان أجاب جاءه صوته قائلاََ باشتياق :
عامل ايه يا بن عمي ايه مش مكفيك غربة بقى ولا ايه واحشني يا
ضحك قصي بخفوت و قال بحزن جاهد ان يخفيه من نبرة صوته :
متخفش قريب ان شاء الله هرجع يا
سفيان بفرح و لهفة :
بجد و لا بتقول كده عشان تسكتني و ما اسمعكش كام كلمة دي كل مرة عشان ترجع
قصي بحب لابن عمه و شقيقه الثاني :
لأ بجد قريب اوي هرجع ، امي وحشتني و انت و الواد عمار و حبيبة قلبي ديدا كمان
سفيان بمرح :
فريده لو شافتك هتضربك بالشبشب بسبب الغيبة دي كلها
ضحك قصي و ظل الاثنان يتحدثان سوياََ لدقائق قبل ان يغلق سفيان ليستقبل احد العملاء المهمين لديه و بعد ان انتهى فتح احد الادراج بمكتبه ليخرج ملفاََ منها لكن توقف عندما وقعت عيناه على ذلك السلسال الذهبي الرفيع الذي يتدلى منه دائرتان صوره تخصه و الأخرى تخص طفلة صغيرة اخد يلمس صورتها بأصبعه قائلاََ بحزن :
ياريتنا ما كبرنا و ياريتها ما كانت أمي و لا انتي كنت تقربيها
قاطع حديثه مع نفسه دخول سكرتيرته قائلة بدلال اشمئز هو منه :
مستر سفيان الاجتماع هيبدأ كمان خمس دقايق الكل وصل
قاطعها مشيراََ بيده للباب لتخرج دون النظر إليها فاغتاظت هي بشده منه و خرجت و هي تكاد تنفجر من غيظها اما هو وضع السلسله مكانها ثم خرج متوجهاََ لغرفة الاجتماعات بثقه و غرور لا يليق الا به
بكلية الطب
بعد ان انتهاء المحاضرة الأولى نجد الثلاث فتيات و هن همس و ميان و لينا يجلسون على مقدمة السيارة كانت لينا تقضم الشطيرة التي بيدها و هي تضحك على ما تقول ميان :
بجد حاجه تقرف دكتور متخلف نفسي اعرف مين اللي سماه جميل مش لايق على اسمه خالص
ابتلعت لينا ما بفمها قائلة بمرح :
عينه طول المحاضره عليكي بيبصلك بهيام
همس بمرح و هي ترتشف من قهوتها :
يا بت و لا يهمك شاوري انتي بس و انا اخليلك وشه زي البيتزا اختك سدا
ضحكت ميان بخفوت لتردد لينا بمرح و سخرية :
طول عمرك راجلنا يا همس اللي بيجيب حقنا
ضحكت ميان بقوة تلك المرة بينما همس تنظر للينا بغضب قائلة بغيظ :
اخرسي يا سحليه انتي
ا كادا الاثنان ان يتشاجرا فأوقفتهم ميان قائلة :
اهدوا انتوا الاتنين بقى عندنا محاضره دلوقتي يلا عشان منتأخرش
بالفعل ذهب الثلاثة لكن توقفت ميان للحظات و هي تخرج هاتفها الذي اهتز بيدها معلناََ عن وصول اشعار جديد من احد الحسابات التي تتابعها على احد مواقع التواصل الاجتماعي لتجد انها تخص معذب قلبها و الوحيد الذي عشقته !!!
فتحته باشتياق و لهفة متمنية ان ترى صورة جديدة له لكن سرعان ما تبدلت تلك اللهفة لحزن و ألم يعتصر قلبها عندما وجدت له صورة لكن كانت تشاركه تلك الصورة زوجته و هي تحيط يدها بعنقه الاثنان يضحكان و السعادة مرتسمة على وجههما
اخذت تتساءل بحزن و هي تلحق بهمس و لينا لما نساها و استبدلها بأخرى لما أخذها بذنب لم ترتكبه لقد كانت طفلة لا تفقه شيء كأنه كان ينتظر لسبب ليبتعد و ابتعد !!!
بنفس الوقت توقفت سيارة سوداء فخمة أمام مبنى كلية الطب و ترجل منها ذلك الشاب الوسيم صاحب الثلاثون عاماََ و هو يخطو لداخل المبنى بهيبة و وقار للقاعة التي سيدرس بها محاضرته الآن
ما ان دخل انخفضت الأصوات تدريجياََ حتى عم الصمت مالت همس على ميان قائلة بسخريه و صوت خفيض جداََ :
والله بعد الداخله اللي ترعب دي و الأناقه دي هيطلع شاحت البدله
كتمت ميان ضحكتها هي و لينا التي سمعت صوت همس بصعوبه
صعد المنصة التي يشرح عليها معرفاََ عن نفسه بكل هدوء :
انا الدكتور يزن مهران اظن معظمكم عارفني ان شاء الله هدرس لكم السنة دي مادة
ارتدى نظارة النظر الشفافة الخاصة به قائلاََ بجدية :
نتفق الأول على شوية حاجات عشان نمشي مع بعض طول السنة من غير مشاكل مش بحب الاستهتار و الفشل اللي هيتأخر على المحاضرة لو دقيقه بعد دخولي ميدخلش احسن مش بحب عدم الالتزام بالمواعيد لأن عدم التزامك يعني عدم تقدير ليا و تقليل مني و انا مش هسمح بدا ، دلوقتي نبدأ المحاضره بقى لو محدش عنده أي أسئلة
بالفعل بدأ في الشرح لينال شرحه اعجاب الجميع بعد حوالي ساعتان و نصف خرج من القاعة و خلفه الطلاب و كان اولهم ميان و لينا و همس التي ما ان خرجت من المدرج قالت بسخرية و ابتسامة مرحة :
شكله كده شاحت البدلة والله و قال ايه يزن مهران شكله هيطلع سباك
نظرت للينا و ميان الذين ينظرون لشئ خلفها بحرج شديد و خوف نظرت للخلف فوجدت ذلك السباك كما قالت منذ قليل خلفها اقترب منها قائلاً بغضب :
الظاهر انك متعرفيش و معندكيش اي فكره عن الاحترام عشان تشتمي الدكتور بتاعك بالطريقه دي
ابتلعت همس ريقها بتوتر و قالت بهمس سمعه يزن و ميان و لينا :
والله شكلي هبلط سنه زياده في الكليه دي
ثم رفعت صوتها و قال بتحدي و رفض للاعتراف بخطئها :
بلاش غلط يا دكتور انا محترمة
يزن بسخرية و حدة :
اه ما هو واضح الاحترام فعلا ، ع العموم جهزي نفسك عشان هتبلطي سنه زياده في الكليه دي زي ما قولتي و مش بعيد ازود قعادك كمان سنتين الا اذا اعتذرتي مني دلوقتي
همس بغيظ :
انت بتهددني و لا ايه في قانون انا ممكن اشتكيك فوق لنفسك انا همس عاصم الشريف بنت اللوا عاصم الشريف يعني القانون كله شكلك لسه متعرفش انا مين يا دكتور انزل اسأل اي حد في الكلية هيقول مين همس و خصوصاََ الشباب
يزن بسخرية و اهانة :
ليه شكلك مدوراها معاهم بقى
جزت على أسنانها بغضب ثم قالت بتحدي :
لا بس عشان معظم الشباب اللي تحت ايدي علمت عليهم و ضربتهم في منهم اللي اتطاول و اللي قل ادبه و اللي اتجرأ و هددني
اشعلت عيناه بغضب قائلاََ بحدة :
انتي مش متربية و قسماََ بالله لو ما كنتيش بنت صدقيني كنت عرفتك معنى الكلام اللي بتقوليه و ربيتك على طولة لسانك
ثم ذهب و تركها و هو يشعر بالغضب الشديد منها ود ان يلكمها في وجهها و يقطع لسانها السليط هذا لكنه تمالك نفسه فهو لم و لن يرفع يده على امرأه ابدا اما هي بعد مغادرته ركلت الأرض بقدمها بغيظ شديد قائلة بغضب :
مين دي اللي مش متربية يا حيوان يا بارد
انتيان بضيق و غيظ :
طول عمرك بتحبي المشاكل قد عينك و في يوم هتودينا في داهيه يا همس
لينا بغيظ :
قال ايه هو اللي بارد ده انتي اللي مستفزه و بارده الراجل محترم واللي بس البعيده هي اللي لسانها مسحوب منها
همس بضيق :
ما خلاص انتي و هي اللي حصل حصل و شكلي كده هبلط في ام الكليه دي
لينا و ميان بتشفي :
احسن عشان تحترمي نفسك بعد كده و تبطلي طولة لسان
نظرت لهم بغيظ و غادروا هم المكان و اتجهوا لتناول الغداء في مطعم قريب بعد ذلك سيذهبون للمنزل كل ذلك و همس تفكر كيف تنتقم من ذلك الحقير الذي اهانها رافضة الاعتراف بأنها هي من بدأت بالإهانة !!!
بعد يوم شاق في العمل توقف بسيارته امام فيلا العزايزي الكبيرة لا يرغب في الدخول ستبدأ جدته الاصرار عليه ليتزوج مرة اخرى على زوجته التي لا تستطيع الإنجاب رافضة قراره بالاكتفاء بزوجته التي يعشقها و كذلك هي
زفر بضيق ثم دخل للداخل قائلاََ بتعب لجدته فريدة التي تجلس أمام شاشة التلفاز الكبيرة بغرفة المعيشة :
مساء الخير ازيك يا ديدا
جدته بحنان :
كويسه يا حبيبي انت اخبارك ايه
سفيان بتعب و توسل خفي بأنه مجهد حتى لا تفتح معه حديثها المعتاد :
بخير يا حبيبتي بس انهارده كان الشغل كتير اوي يوم متعب جدا و مش قادر خالص
فريده بحنان :
ربنا يقويك يا حبيبي
سفيان بتساؤل و هو يقف ليغادر :
صحيح فين نرمين
فريده بتهكم و سخرية :
هتكون فين يعني خرجت مع صحبتها زي كل يوم
سفيان بضيق :
في ايه بس يا فريده نفسي اعرف مبتحبيش نرمين ليه مش انا و هي بنحب بعض و مبسوطين سوا في ايه بقى
فريده بغضب :
مش بحبها لأنها مستهتره مش بتحب الا نفسها مش عارفه يعني ايه مسئولية و بيت كل همها سهراتها صحابها و بس مش بتاخد بالها منك و كمان مش قادره تجيبلك ابن تفرحك بيه
سفيان بضيق :
يا حبيبتي نرمين كويسه بعدين انا ببقى في الشغل طول اليوم خليها تخرج مع صحبتها بدل ما تزهق كمان اهو نفسيتها تتحسن مش سهل ان واحده تعرف ان عمرها ما هتبقى ام ، نا مبسوط معاها و بحبها دول مش كفايه
فريده بهمس لم يسمعه سفيان و تهكم :
ال يعني تفرق معاها دي زمانها مبسوطة عشان متشيلش مسئولية و تفضل حره
زفرت بضيق ثم تابعت بغضب و صوت عالي :
اللي يريحك انا خلاص فقدت الأمل منك و بعدين خالتك نفسها تشوفك و تتطمن عليك بقالها سنين بعد ما امك كامليا سافرت تشوفك بس
سفيان بغضب :
فريده انا مش عاوز اعرف اي حاجه تخص كامليا او اي من حد قرايبها متهمنيش الست دي بكل حاجة تخصها ميلزمنيش اعرفها بعدين لو سألتك تاني قوليلها هو اعتبركم ميتين و ما تفرقوش معاه
فريده بغضب :
سفيان ما تخدش حد بذنب حد تاني عشان الظلم وحش يا بن شريف وحش
و سفيان بغضب :
محدش منهم يهمني في حاجه و لا عاوز اعرف حاجة عنهم مش هفضل طول عمري اغنيها بقى
كاد ان يذهب لتوقفه قائله بخبث :
طب و ميان !!!
توقف مكانه بصدمة بعدما استمع لاسمها تلك التي كانت بيوم من الأيام حبيبة قلبه و أول من احب لكن الآن اختفى كل تلك المشاعر
التفت لها قائلاََ بجمود :
مالها
فريده بخبث :
مش عاوز تشوفها
تنهد بعمق قائلاََ بصرامة :
سبق و قولتلك اي حاجه تخص كامليا هانم و اي حد يقربها ما تهمنيش ياريت نقفل سيرتهم بقى
اعطاها ظهره ثم غادر دون إضافة اي كلمة متوجهاََ مباشرة لغرفته ثم للمرحاض متخلصاََ من ملابسه ليقف اسفل المياه الباردة مغلقاََ عيناه بحزن عندما داهمته ذكريات الماضي الأليم
بعد وقت اغلق المياه ثم خرج و هو يحاوت خصره بمنشفة كبيرة شارداََ اقتربت منه زوجته نرمين التي وصلت للتو من الخارج تحيط عنقه قائلاََ بصوت رقيق و هي تقبل وجنته :
حبيبي اتأخرت عليك يا روحي معلش
انهت ما قالت ثم احتضنته ليبادلها العناق بحب قائلاََ بهدوء :
انا لسه واصل اصلا و لا يهمك
ابتسمت له برقة ليقول هو بهدوء :
بس ياريت تخفي خروج مش كل يوم تخرجي مع صحباتك
نرمين بضيق و حزن :
يعني اقعد اتحبس في البيت مثلا مش بلاقي حاجة اعملها فبخرج افك عن نفسي مع صحابي مش كفاية مش قادرة اكون ام و اجيبلك البيبي اللي نفسك فيه مش بحب اقعد عشان مسمعش كلام من جدتك كله معايرة عشان مش بخلف
سفيان برفق و حزن :
انا مقلتلكيش اتحبسي و متخرجيش يا حبيبتي انا بقلك خفي شويه مش كل يوم خروج ممكن لو عاوزه تجيبي صحباتك هنا بدل خروجك و انا هتكلم مع فريدة متزعلش نفسك دي ارادة ربنا
اومأت له بحزن و لم تتحدث متوجهة للمرحاض اما عنه ابدل ملابسه ثم توجه لغرفة شقيقه عمار كعادته كل يوم منذ ولادة شقيقه قبل ان يخلد للنوم
بينما بغرفة قريبة من غرفته نجد ذلك الشاب الوسيم و هو " عمار العزايزي " يجلس على فراشه يعبث بهاتفه الذي تعالى رنينه أجاب سريعاََ عندما عرف هوية المتصل قائلاََ بمرحه المعتاد :
حبيبتشي حبيبتشي والله يا ميمونه
على الجهه الأخرى اجابته بغيظ :
أخرس يا زفت و بطل تقولي ميمونه
عمار بمرح :
بهزر معاكي يا ميمونه
اجابته بضيق و غيظ :
انا غلطانه اني عبرتك و اتصلت بيك
ضحك عمار قائلاََ :
خلاص يا بت اهدي سكت اهو قوليلي ايه سر المكالمه دي ما انا عارفك مصلحجيه
اجابته ببرأه :
انا ده انا كيوت و بريئه خالص و ملاك بجناح
عمار بسخرية :
اه انتي هتقوليلي ده انا عارفك و حافظك صم لخصي عاوزه ايه يا
ميان بدلال :
مش انا بنت خالتك حبيبتك ميان
عمار بضحك :
طبعا يا قلبي هو انا عندي كام ميان روحي و قلبي يلا ها بقى عاوزة ايه الفضول هياكلني
ميان بضحك :
بصرف النظر عن الكدب اللي قولته ده بس انا عاوزه اطلب منك طل
عمار بفضول و حب اخوي :
قولي يا حبيبتي عيوني
ميان بتردد :
عاوزاك في مهمه خطيرة
عمار بفضول :
خير و لا شر
جابته بضيق و تردد من تلك الخطوة لكنها مجبرة :
شر ، مستنياك بكره في الجامعه الساعة تسعة الصبح اوك
عمار بحماس :
اوك ، هترجعونا لأيام الشقاوة تاني
ميان بأبتسامه و حب اخوي لذلك الذي كان دائماََ شقيق لها يعاملها بلطف عكس سفيان شقيقه :
سلام يا
اغلق الاثنان الخط غافلين عن من استمع لما دار بينهم من حديث و فهمه خطأ بالطبع انه سفيان الذي جاء ليطمئن على شقيقه ليستمع له قائلاََ " طبعا يا قلبي هو انا عندي كام ميان روحي و قلبي يلا ها بقى عاوزة ايه الفضول هياكلني " علم ان شقيقه سيذهب ليلقاها غداََ كور يده بغضب شديد و هو يظن انها ألقت بشباكها على شقيقه و هو لن يسمح بذلك ابداََ لن يسمح !!!
رواية بعينك اسير الفصل الثاني 2 - بقلم شهد الشوري
بعد أن أنهى عمله بالجامعة، توجه للمستشفى الكبيرة الخاصة بعائلته ليمارس مهنته التي يعشقها. انتهى وعاد للفيلا منهكًا ويشعر بالتعب.
التقى بوالدته تنتظره حتى يعود، قبل جبينها ثم استأذن منها ليصعد لغرفته لشعوره بالتعب الشديد، لكنه أوْقَفَته قائلة بحدة:
"يا بني حرام عليك اللي بتعمله في نفسك ده، لا أنت أول ولا آخر واحد خطيبته تموت."
قاطعها قائلاً بصرامة:
"ماما لو سمحتي نقفل ع الموضوع ده، أنا تعبان وعايز أطلع أرتاح. عندي شغل بكرة الصبح."
كاد أن يغادر، لكنها صرخت عليه بغضب:
"أوقف عندك وأنا بكلمك، من الاحترام والتربية يا دكتور إنك تقف تسمع أمك لحد ما تخلص كلامها للآخر."
التفت لها بصمت، لتتابع هي بغضب:
"بتموت نفسك بالبطيء ليه، مش قادر تستوعب إن الحياة مش بتقف على حد. بسمة ماتت وأنت لازم تتقبل ده. حياتك كلها شغل وجواز أو خطوبة حتى مش عايز ده، حتى إحنا اللي اسمنا عيلتك بقينا بنشوفك صدفة."
أجابها بحزن، مبتلعًا تلك الغصة المريرة بحلقه:
"بالنسبة ليكي الحياة مش بتقف على حد، بس بالنسبة ليا وقفت لأنها كانت حياتي كلها."
قالها ثم صعد لغرفته، ملقيًا أغراضه بإهمال على الأريكة، متجهًا لتلك الصورة الكبيرة المعلقة على الحائط الذي يواجه فراشه، تخص حبيبته الراحلة.
مرددًا بحزن وأعين دامعة:
"فراقك صعب أوي، والأصعب إني مش قادر أعيش وأنا عارف إني سبب... سبب موتك. وحشيني أوي."
تنهد متابعًا بألم:
"محدش كان بيفهمني غيرك. بالنسبة ليهم الحياة مش بتقف على حد عزيز بنحبه، لكن انتي كنت حياتي اللي خسرتها بموتك وبعدك عني."
قالها ثم ألقى بجسده على الفراش وعيناه مثبتة على صورتها كعادته كل يوم حتى غط في نوم عميق، متمنيًا أن يراها بأحلامه.
صباح اليوم التالي.
بقاعة المحاضرات بكلية الطب، كان الجميع بالداخل بانتظار وصول الدكتور يزن. ما إن دخل، عم الصمت. بينما هو بحث عنها بين الجميع، ينوي تلقينها درسًا.
قال بخبث وصرامة وهو يضرب بيده على المدرج أمامها، والأخرى كانت تنظر للجهة الأخرى تجاه لينا:
"انتي يا آنسة..."
انتفضت همس مكانها قائلة:
"بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. في إيه؟"
تعالت ضحكات الجميع، سرعان ما عم الصمت مرة أخرى بعدما ألقى عليهم نظراته الحادة. ثم التفت لهمس قائلاً بحدة والجميع يتابع ما سيحدث بفضول:
"دي محاضرة يا آنسة، انتي وهي مش كافية تدردشي انتي وهي فيه. ثم أنا نبهت عليكم إمبارح كلكم إن الفوضى وقلة الاحترام ممنوع في محاضرتي."
تراجع خطوة للخلف، متابعًا بصرامة وهو يشير للباب:
"اتفضلوا بره، ولما تتعلموا إزاي تحترموا الدكتور بتاعكم، أبقى أحضروا."
نظرت له همس بسخرية رغم غضبها الكبير الذي تشعر به، بينما لينا وميان نظروا لهمس بغيظ وغضب لأنها سبب ما يحدث لهما الآن.
جمعت همس أشياءها قائلة ببرود استفز الآخر:
"تمام يا دكتور. ع العموم كويس إنها جت منك، أصل إحنا جعانين أوي وعايزين نفطر."
قالت الأخيرة ثم غادرت المكان برفقة ميان ولينا، الغاضبتان بشدة من لسان رفيقتهم السليط الذي سبب لهما تلك الإهانة الكبيرة اليوم أمام جميع الطلاب، وبالتأكيد سيضعهم برأسه طوال السنة.
الثلاثة وقفن أمام باب الجامعة في انتظار وصول عمار. وكانت همس تتناول العصير بيدها بهدوء، وهي تستمع لتوبيخ ميان لها:
"أنتي غلطانة وطولة لسانك سبب اللي حصلي إنهاردة. هيفضل حاططنا في دماغه."
لينا بغيظ:
"اتخدنا في الرجلين بسببك لمجرد إننا نعرفكم."
ميان بغيظ:
"هو بيستهبل. وطالما خدنا في الرجلين ظلم لمجرد إننا نعرفها وطردنا من حضور محاضرته نهائي، يبقى يستاهل اللي هيحصل إنهاردة عشان يبقى فيه سبب يطردنا من محاضرته على طول بقى."
لينا بحرج:
"أنتي مش قولتي ابن خالتك جاي يا ميان؟ والله أنا مش عارفة هنطلب منه إزاي كده. شكلنا هيبقى محرج أوي وهنكسف نفسنا."
همس بضيق:
"بقولك إيه، أنتي وهي. أنا ناوية أعمل اللي جيت الجامعة عشانه إنهاردة. اللي هتبقى معايا، ياريت تبطل ترمي الكلام كل شوية وتندب. عارفة إني متنيلة غلطانة، وكنت ناوية لو المحاضرة عدت تمام من غير ما يستقصدني هعتذر وأرجع في كلامي. وكده بقى هو اللي بدأ."
زفرت لينا بغيظ وكذلك ميان، لتقول لينا بغيظ:
"نفسي ربع برود الأعصاب اللي عندك ده يا همس."
صمتت اللحظة. توقفت سيارة عمار السوداء أمامهم. ترجل منها ملقيًا عليهم السلام قائلاً بمرح:
"صباح الخير يا قمامير."
ثم نظر لميان قائلاً بمشاكسة:
"صباح الفل يا ميمونة."
ميان بغيظ:
"متضايقنيش أنا أصلاً متضايقة ومش ناقصة."
تبادل معها الحديث لدقائق كثيرة ليعرف سبب ضيقها، وهو طردهم من المحاضرة. ليشاكسها قائلاً:
"يا بنتي عادي، خليكي. أنا متعود على كده لدرجة لو عدى يوم من غير ما أتطرد أحس إن فيه حاجة ناقصة. فـ أعمل أي حاجة قصد عشان أسمع كلمة اطلع بره."
ضحكت لينا بخفوت، لتجذب انتباهه. فهو قد ألقى عليها نظرة عابرة هي وهمس، واستمر بالحديث مع ميان. تأملها بإعجاب. فتاة ذات شعر أشقر مجعد بقصد أو كما يطلق عليه "كيرلي". ترتدي فستانًا يصل لبعد ركبتيها بكثير، ويعلوه سترة مصنوعة من الجينز. كانت ثيابها محتشمة رغم أنها غير محجبة. توقف بعينيه على وجهها متأملًا إياه بإعجاب، خاصة عيناها ذات اللون الأخضر "العسلي".
لاحظت الأخرى نظراته تجاهها، فاخفضت وجهها أرضًا بخجل وحرج. ولم تكن الوحيدة من لاحظت نظراته. فميان وهمس قد لاحظ ذلك.
رفعت همس يدها، صفق بها أمام عينيه حتى يفيق بعدما نادته أكثر من مرة لكنه لم يكن منتبهًا سوى لتلك الجميلة التي سلبت منه تركيزه:
"أنت يا أستاذ. طب يا شبح."
ضحكت ميان. فتابع عمار بذهول ولم ينتبه سوى لكلمة "شبح" التي استنكر خروجها من فتاة:
"شبح؟!"
ضحكت ميان ولينا، لتلمع عينا الآخر مجددًا بإعجاب عندما رأى ضحكتها الجميلة، مرددًا بداخله:
"يالهوي يا ناس، هو في جمال كده."
ابتسم لها قائلاً لميان:
"مش تعرفينا على بعض؟"
ميان وهي تشير لهمس ولينا:
"همس ولينا صحابي من وأنا صغيرة."
ثم أشارت لعمار قائلة:
"عمار ابن خالتي يا بنات، حكيت لكم عنه قبل كده."
همس بتعجل:
"آه، عارفينه. سيبكم من كل ده. المهم، بص يا برنس. الدكتور اللي بيدرس لينا السنة دي حاططنا في دماغه، مش هيخلينا نحضر ليه طول السنة. فهو طرد بقى بطرد. عايزين نعلم عليه. تساعدني معاهم نفرقع ليه عجل العربية ونخربشها ونكسر له الإزاز. عايزاه يتقهر عليها."
ضحك عمار قائلاً بحماس:
"بغض النظر عن شبح وبرنس والحاجات دي، أنا موافق. أهو نرجع زمان وشقاوة زمان."
غادر الأربعة متفرقين نحو الجراج، غافلين عن زوج العيون التي تراقبهم من البداية بغضب. ذهب خلفهم بدون أن يلفت النظر، ليراهم من بعد وهم يقومون بإتلاف أحد السيارات.
بعدها توجهوا للخارج، وهو سبقهم منتظرًا إياهم بجانب سيارتهم المصفوفة.
كان الأربعة متوجهين لسيارتهم، لكن توقفت ميان فجأة عندما وقعت عيناها على سفيان من بعيد. تعالت ضربات قلبها، مرددة بهمس وصوت معذب:
"سفيان!!!"
عمار بصدمة وتعجب:
"بتعمل إيه هنا يا سفيان؟!"
سفيان بغضب وحدّة:
"أنت اللي بتعمل إيه هنا؟!"
عمار بهدوء:
"كنت بشوف ميان وباطمن عليها."
سفيان بغضب:
"تطمن عليها ولا بتوقع نفسك في مشاكل عشانها؟ إيه لحقت لفت حبالها حواليك؟ مش كفاية عليها الغرب، قالت الأقربون أولى."
عمار بتحذير حاد:
"سفيان، حاسب على كلامك. دي بنت خالتك."
صرخ عليه شقيقه بغضب، والأخرى تستمع له بصمت وقلب مقهور:
"قلت لك ألف مرة ملناش دعوة العيلة دي كلها. نسيت اللي حصل لنا منهم؟"
عمار بحدة:
"اللي حصل زمان غلطة شخص واحد بس، وأنا عمري ما هاخد حد بذنب التاني. ميان بنت خالتي، أشوفها في أي وقت هي وخالتو عليا. أنت رافض كده يبقى ده يرجع لك ويخصك أنت مش أنا."
سفيان بغضب:
"بتعصى كلامي يا عمار؟ إيه؟ مثلت عليك بكلمتين ودموع تماسيح عشان تخليك تعصي أخوك وتعارض كلامه؟"
عمار بغضب:
"أعصى أخويا وأعارضه لما يكون بيفكر ويتصرف غلط وعايز يسحبني معاه في الغلط."
إلى هنا وكفى. لم تقدر على الصمت أكثر من ذلك. نظرت لعمار والفتيات قائلة بهدوء زائف:
"سيبونا معاهم خمس دقايق من فضلكم."
نفذوا ما قالت. ليبادر هو بالحديث قائلاً بسخرية:
"إيه ناوية تعملي نفس اللي عملتيها على عمار عشان تصعبي عليا؟"
قاطعته قائلة بقهر:
"أنت ظالم وقاسي. اللي قدامي ده مش سفيان اللي كنت بجري في حضنه أستخبى فيه. مش سفيان اللي عمره ما جرحني بكلمة."
شاح بوجهه بعيدًا عنها باستهزاء. لتتابع هي بحزن:
"نسيت وعودك ليا زمان؟ بتقول إنها بتمثل. طب أنت تبقى إيه؟ ما أنت كمان كنت بتمثل وبتقول كلام معملتش بيه. أول ما حصل اللي حصل، كأنك كنت مستني حجة عشان تبعد وبعدت. أنا مش بمثل يا سفيان، لأني لحد النهاردة بعمل بكل وعودي ليك. الدور والباقي على اللي خلف بيها وراح اتجوز ولا عاش حياته ولا كأن فيه واحدة خلاها تحبه وفي نص الطريق سابه."
تظاهر بالبرود على الرغم من تأثره الشديد مما تقول. لكن سرعان ما عاد لقسوته متذكرًا ما حدث بالماضي. سخر منها قائلاً:
"أداء حلو وعشرة على عشرة. بس بردو مصعبتيش عليا. وش البراءة والمسكنة ده مش هيأثر فيا، لأني أكتر واحد عارف اللي من صنفك."
نفت قائلة بقهر ودموع:
"مش بقولك كده عشان أصعب عليك. أنا بقولك كده عشان تعرف مين اللي بيمثل ومين اللي ظالم."
صعدت لسيارتها دون حديث آخر وهي تبكي بقهر. لما لا تستطيع أن تنتزع هذا الحب من قلبها. تريد أن تتخطاه وتحيا بسلام مثلما فعل هو وتخطاها.
غادر خلفها. وكلما أشفق عليها ذكر نفسه بذلك الماضي وبما فعلت به قديمًا ليعود يقسي قلبه عليها مرة أخرى.
منذ الصباح وهي تدور من مكان لآخر محاولة إيجاد عمل تنشغل به وتبقى خارج المنزل لأطول وقت ممكن لتتجنب كلمات والدتها القاسية التي تؤلمها أكثر من سماعها من الغريب الذي من المفترض أن يقف بجانبها ويساندها أكثر من يلقي عليها اللوم والعتاب والكلمات القاسية.
ليتها منذ أن أصبحت مطلقة، هي هكذا معها منذ زمن. منذ أن كانت طفلة صغيرة لا تفقه شيئًا. لقد ارتكبت خطأ واحد بدون عمد وهي تحاسبها عليه للآن. لم تلتمس لها العذر.
أغمضت عينيها وهي تجلس على أحد المقاعد الجانبية بالشوارع، متذكرة كلماتها القاسية عندما علمت أنها ستبحث عن عمل:
"أنتي ناوية تخلصي عليا بعمايلك دي؟ مش كفاية اللي راح زمان؟ عايزة تخليني أحصله؟ الناس تقول إيه؟ اتطلقت وراحت تلف على حل شعرها؟ شغل إيه وهبل إيه؟ اترزعي في البيت وبلاش نسمع كلام زيادة عن اللي بنسمعه بسببك."
نظرت لها سيلين مطولاً قائلة بحسرة بعد صمت دام لدقائق قليلة:
"ياريتك ما جبتيني ع الدنيا دي، وياريتك ما كنتي أمي ولا أنا كنت بنتك. ياريتني كان بأيدي أختار أم ليا. ياريت."
قالتها ثم غادرت المنزل، مقلية باعتراضها عرض الحائط. لقد أخذت موافقة والدها الحنون الذي كان أقرب إليها منها. هربت دمعة من عينيها بحزن. الندم ينهش قلبها من الداخل على ما اقترفته سابقًا بحق نفسها. ها هي تحصد ما فعلت.
عادت لمنزلها بعد أن استطاعت أن تجد عملًا بأحد المطاعم الكبرى كنادلة. وعادت لمنزلها ثم توجهت لغرفتها متجاهلة توبيخ والدتها لها.
بمكتب سفيان بشركة العزايزي.
يقف أمام الزجاج الشفاف الذي صنع منه واجهة مكتبه، يشاهد حركة السير بالشوارع بشرود. وكلمات كاميليا والدته القاسية تتردد بأذنه، وكانت آخر ما استمع له منها منذ سنوات طوال.
Flash Back.
كانت تقف أمام والده قائلة بكل برود:
"زي ما سمعت يا شريف، أنا عايزة أطلق."
سألها بصدمة:
"تطلقي ليه؟ أنا عملتك حاجة؟ ده أنا عمري ما ضايقتك بكلمة. طب وولادنا؟"
أجابته بكل برود وقسوة:
"ربيهم أنت. السبب اللي كنت مستحملاه العيشة معاك عشانه راح."
ردد بصدمة:
"سبب؟!"
أومأت له قائلة ببرود:
"تقدر تقولي هتصرف عليا منين؟ هنعيش إزاي؟ اللي نفسي فيه هتقدر تشتريه ولا لأ؟ أنا مقدرش أعيش في مستوى أقل من اللي اتعودت عليه."
سألها بصدمة وعدم استيعاب:
"هتسيبي ولادك عشان خاطر الفلوس؟ طب وأنا حبنا كل دول مش مهمين عندك؟"
أجابته بتأفف:
"الحب والعواطف مش هيصرفوا عليا ويخلوني أعيش مرتاحة ومبسوطة."
ردد بصدمة وتوسل وألم شديد يغزو قلبه:
"هقف على رجلي من تاني وهقدر أرجع زي ما كنت، بس خليكي جنبي. أنا بحبك يا كاميليا."
كاميليا بنفاذ صبر:
"كل ده كلام مش مضمون. وبعدين ما تتعبش نفسك معايا، أنا مصممة على كلامي. وياريت ننفصل بهدوء ومن غير شوشرة. بلاش كلام ملوش لازمة، لأني خلاص مقررة وهتجوز بعد العدة."
ثم تابعت بسخرية وقسوة:
"عشان بس تعرف إن طيبة، مش هطالبك بحقوقي عشان عارفة محلتكش حاجة. وبلاش تدخل السجن، على الأقل الولاد يكون معاهم واحد مننا."
نظر لها مطولاً بخيبة أمل وصدمة من قسوة قلبها التي يراها لأول مرة. يبدو أن عشقه لها قد أعماه عن رؤية حقيقتها كل تلك السنوات.
"أنت طالق... طالق بالتلاتة."
زفر بارتياح وغادرت القصر على الفور، غير عابئة بأبنائها اللذان استمعا لكل شيء والصدمة مرتسمة على وجوههم. لقد كان سفيان حينها شابًا ببداية المرحلة الجامعية، وعمار الإعدادية برفقة ميان. لقد كانا مستوعبان ما تقول. كانت عمار يبكي بصمت، بينما سفيان كان يناظرها وهي تغادر بجمود، لكنه كان ينهار من داخله حرفيًا. ليس سهلًا من السهل أبدًا أن يستمع لتلك الكلمات من والدته.
لقد كانت تلك الليلة هي نهاية علاقته بوالدته وبأي شخص يخصها أو يقربها. قاطع خالته وعائلتها بأكملها، حتى إنه نقل شقيقه لمدرسة أخرى ليكون بعيدًا عنهم. كل ذلك الكره تمكن منه تجاههم، وبالأخص والدته عندما تعرض والده لنوبة قلبية حادة بنفس اليوم التي تركتهم ورحلت، وكاد أن يفقده حينها.
انتشله من ذكريات ذلك الماضي الأليم صوت باب مكتبه الذي فتح ودخل شخص للداخل بدون إذن.
التفت وكاد أن يوبخه، لكنه صمت وتوسعت عيناه بصدمة عندما رأى...
البارت خلص.
مستنية رأيكم يا قمراااتي.
ميعادنا إن شاء الله بكرة في بارت جديد.
متنسوش الفوت.
رواية بعينك اسير الفصل الثالث 3 - بقلم شهد الشوري
انتشله من ذكريات ذلك الماضي الأليم صوت باب مكتبه الذي فتح ودخل شخص للداخل بدون إذن.
التفت وكاد أن يوبخه، لكنه صمت وتوسعت عيناه بصدمة عندما رأى... ابن عمه "قصي" أمامه.
الذي ما إن دخل من باب المكتب قال باشتياق:
"واحشني يا بن عم."
سريعاً ما تحولت صدمة سفيان لسعادة، مسرعاً نحو ابن عمه وشقيقه معانقاً إياه بقوة مردداً:
"واحشني يا أخويا."
تبادل الاثنان العناق باشتياق، وبعد لحظات ابتعد الاثنان ليردد سفيان بسعادة:
"فريدة هتفرح أوي لما تشوفك، هي وعمار."
قصي باشتياق:
"وحشتوني أوي والله، وأمي وحشتني كمان وحشاني."
سفيان بضيق:
"حاولت معاها كتير تسيب بيتها وتيجي تقعد معانا، رافضة. مش عاوزة تسيب بيت عمي."
قصي بحزن:
"الله يرحمه."
سفيان بتساؤل:
"مقولتش ليه إنك جاي النهاردة؟ كنت استقبلتك في المطار أنا وعمار."
أجابه بابتسامة بسيطة:
"حبيت أعملها مفاجأة."
سفيان بسعادة وهو يربت على كتفه:
"أحلى مفاجأة والله. خلينا يلا نروح الفيلا تسلم على فريدة وعمار، مجاش الشغل النهاردة ونتغدى كلنا سوا زي زمان."
قصي بابتسامة:
"تمام، بس هسلم عليهم وأمشي. أمي وحشتني أوي وكمان عايز أرتاح من تعب السفر."
على مضض وافق سفيان أن يذهب دون أن يتغدى معهم على أن تكون بيوم آخر.
***
بعد أن انتهى من محاضراته المقررة عليه تدريسها اليوم، توجه لجراج الجامعة لتتوسع عيناه من الصدمة عندما وجد جميع إطارات السيارة فارغة، والخدوش على كل جانب من السيارة، حتى الزجاج محطم من الأمام!!
السيارة أصبحت حطاماً!!!
أغمض عينيه بغضب متوعداً بالهلاك لمن فعل ذلك.
ألقى نظرة أخيرة على السيارة قبل أن يغادر، لكن استوقفه ذلك الطوق اللامع الموجود بالأرض بجانب سيارته. التقطه بيديه ليجد أنه متدلي منه قلب منقوش بداخله اسم "همس".
جز على أسنانه مردداً بغضب وغل:
"جابته لنفسها، وحياة أمي لأوريكِ."
طلب من سائق والده أن يأتي للجامعة ويتولى أمر السيارة، بينما هو خرج من الجامعة بأكملها يلعن تلك سليطة اللسان الوقحة ويتوعد لها بالعقاب الشديد، فقط ليراها!!!
***
بأحد البنايات الكبيرة التي لا يسكنها سوى أصحاب الطبقة المخملية، كان قصي يضع رأسه على قدم أمه بعد عناق طويل ودموع مرفقة بكلمات معاتبة على كل ذلك الغياب:
"انت مش هتسافر تاني، ما تبعد عني. أنا كبرتك وربيتك عشان تفضل جنبي، مش عشان تسيبني وتسافر كل ده."
تنهد قائلاً بابتسامة بسيطة:
"مش هسافر تاني، على عيني بعدي عنك يا أمي."
مسحت كوثر بحنان على خصلات شعره قائلة:
"ادخل ارتاح شوية من السفر، وهتصحى تلاقي الأكل اللي بتحبه كله."
قصي بابتسامة وحنان:
"متتعبيش نفسك يا أمي، أنا هنام أصلاً باقي اليوم، بكرة إن شاء الله."
أومأت له قائلة بحنان:
"أوضتك جاهزة، أنا كنت بخلي البت نرجس تنضفها كل يوم وتنضف شقتك كمان عشان لو رجعت في أي وقت."
أومأ لها بابتسامة مقبلاً جبينها قبل أن يدلف لغرفته مغلقاً الباب خلفه.
نظر لكل زاوية بالغرفة باشتياق، هنا قضى مراهقته وشبابه، هنا كبر عشقها بقلبه يوماً بعد يوم، هنا قضى ليالي هائماً بها طوال الليل، إلى هنا ركض باكياً عندما رفضته لأنها تعشق آخر. لقد قالته بوجهه بكل قسوة.
فتح درج مكتبه الموجود بأحد زوايا الغرفة مخرجاً منه ذلك الدفتر الكبير، يقلب بين صفحاته، حيث رسم بحرفية شديدة العديد من الوضعيات لها، تارة تضحك، وتارة حزينة، وتارة وهو يضع يده حول عنقها وهي تنظر له. لقد رسم تلك من خياله، هي لم تحدث بالفعل، لكنه تمنى أن تكون حقيقة.
ارتمى على فراشه ينظر لسقف الغرفة شارداً بها، يتساءل كيف هي الآن؟ هل هي سعيدة؟ يعشقها، يعاملها برفق؟ أم ماذا!!!!
تعالى ذلك الصوت بداخله، منفعلًا نفسه، لما يفكر بها للآن؟ لما يعذب نفسه؟ لما عشقها كاللعنة التي لا يستطيع التخلص منها!!!!
***
بمنزل همس، بعد وقت طويل من استذكار دروسها، أخذت تعبث بهاتفها بعدما فشلت في التواصل مع ميان، التي منذ أن حادثت سفيان بالصباح، وهي ركضت لمنزلها رافضة الحديث مع الجميع.
بفضول لا تعرف سببه، كانت تبحث عن صفحة ذلك البغيض على موقع التواصل الاجتماعي. أخذ الأمر منها دقائق قليلة حتى عثرت على صفحته، التي لم يقم بنشر أي شيء عليها منذ وقت طويل جداً، وآخر ما تم نشره هو صورة له برفقة فتاة محجبة تبتسم بسعادة، وكذلك هو، وقد علق عليها بكلمات غزل رقيق:
"إنّ لها وكل شيء بي يخصها ♡"
خاطب أو ربما متزوج. لكن بحثت عن حالته الاجتماعية بصفحته، فوجدت أنه خاطب. إذاً، لما لم يشارك أي شيء منذ تلك الفترة التي قاربت على السنتين ونصف!!!
شاهدت عدة صور لهم، والحب ظاهراً بوضوح بينهم.
ربما انفصلا، لكنه لم يغير حالته الاجتماعية.
قطبت جبينها قائلة بضيق من فضولها:
"طب وأنا مالي بيه؟ مهتمة أوي كده ليه أعرف؟!!"
***
في صباح اليوم التالي، حضرت همس المحاضرة الأولى بملل بمفردها، بعد تأخر ميان ولينا في المجيء. انتهت منها، ثم خرجت من مبنى المدرجات بملل ونفاذ صبر. كم تكره أن تكون بمفردها في الجامعة، تشعر بملل شديد.
ضيق عندما تكون بمفردها.
اعترض طريقها فجأة هاني، إنه أسوأ شاب بالجامعة على الإطلاق، الجميع يعرف أنه دخل كلية الطب بأموال والده.
اقترب منها خطوة قائلاً بابتسامة:
"صباح الفل يا قمر. إيه مش ناوي تحن عليا بقى؟ ده أنا شاري ونفسي أنول الرضا."
نظرت له مشمئزة، ثم أزاحته من أمامها حتى تمر، قائلة بملل وضيق:
"ابعد من وشي يا شهاب، أنا مش طايقة نفسي."
شعر بالإهانة مما فعلته، فصرخ عليها بغضب:
"جرا إيه يا بتاعة أنتِ؟ سايقة العوج عليا ليه؟ عشان أبوكِ لوا يعني؟ طب ما أنا أبويا ليه اسم كبير في السوق. بإشارة منه يقعد أبوكِ في البيت، وأوديكِ أنتِ وهو وأهلك كلهم ورا الشمس. فتزي الشاطرة كده، خافي على نفسك وعليهم، وخلينا نقضي سوا ليلتين ننبسط فيه."
صدمة جمدته عندما هوت بيدها على صدغه بصفعة قاسية قائلة بغضب:
"انت إزاي تتجرأ يا حيوان وكلمني كده؟ ده أنت ولا حاجة، أنت وأبوك، وأقل من أي جزمة. والعيب عليه عشان معرفش يربيه، ولا صح هيعرف يربي إزاي وهو مش متربي."
رفع يده ليصفعها، وجسده بالكامل ينتفض من شدة الغضب، لكنه أمسك يده قبل أن يفعل ذلك. ثم بلحظة كان هو مسطحاً بجسده على الأرض بعدما عركلته بكل بساطة، لطالما كانت عاشقة لألعاب الفنون القتالية.
أخذت توجه له العديد من الركلات والضربات بغضب وغل قائلة:
"بتترفع إيدك عليا يا حيوان يا عرة الرجالة اللي اتحسبت عليهم بالغلط."
بدأت تلقي عليه السباب، لم تكف عن ضربه، والجميع ملتف حولهم يتابعون ما يحدث بصدمة وفضول لما سيترتب على تلك المشاجرة!!!
على مقربة منهم، كان يزن خرج من المبنى يبحث عنها بعينيه، لتتوسع عيناه بصدمة وهو يراها تبرح ذلك الشاب ضرباً بعدما اعترض طريقها. منع الأمن من التدخل وفض النزاع، مخبراً إياهم بأنه سيتصرف ويحل تلك المشكلة بنفسه.
توجه ناحيتهم وعيناه تتابع تلك صاحبة الشخصية الجريئة المتمردة بإعجاب، لدفاعها عن شرفها دون الحاجة لتدخل الآخرين.
جذبها من يدها لتقف مبتعدة عن شهاب الذي يئن من الألم أرضاً، قائلاً:
"تقضي ليلتين مع مين يا حيوان؟ وتودي مين ورا الشمس؟ شمس دي تبقى أمك يا ضنا."
صرخ عليها يزن بغضب:
"اهدي بقى وكفاية طولة لسان."
همست بغضب وهي تحاول إبعاده عنها:
"سيبني عليه، هموته بإيده الحيوان ده."
جذبها بعيداً قائلاً بغضب:
"قولت اتزفتي اخرسي، خدتي حقك خلاص، خلصنا. احمدي ربنا إن أنا اللي اتدخلت، لو الأمن اللي اتدخل هتاخدي فصل أنتِ وهو."
ابتعدت وصدرها يعلو ويهبط بانفعال قائلة:
"هاخد فصل ليه؟ هو اللي بدأ."
يزن بضيق:
"هتاخدي فصل عشان إحنا مش في شارع هنا، أنتِ في جامعة ولازم تحترمي المكان اللي فيه. لو زميلك ضايقك تشتكي للأمن وهما هيتصرفوا. طولة اللسان مش شطارة، بالعكس دي قلة أدب."
لمت لترد عليه تعنفه على إهانتها، لكنه سبقها قائلاً بحدة:
"بلاش بجاحة ومترديش الكلمة بكلمة. أنا عارف إنك أنتِ اللي بوظتي العربية امبارح."
أنكرت مرددة بكذب:
"عربية إيه اللي بتتكلم عنها؟"
ضحك بسخرية ثم قال:
"العربية اللي خربشتيها وخرمتي العجل بتاعها وكسرتي الإزاز، وبغبائك وقعتي سلسلتك جنب العجل."
همست بغضب:
"آه عملت كده، ولو..."
صرخ عليها بحدة:
"اتعدلي واتكلمي بأدب، لا أنا قدك ولا من سنك عشان تتكلمي معايا كده. أنا دكتور وأنتِ مجرد طالبة، يعني تلزمي حدودك في الكلام."
ردت عليه بضيق:
"أنت اللي مستقصيني وعاوز تسقطني السنة دي."
يزن بجدية:
"أنا مستحيل أعمل كده لأن ده يخالف مبادئي. كان ممكن تنهي كل اللي حصل ده من البداية وتعتذري من غير مكابرة."
تنهدت قائلة رغماً عنها:
"أنا آسفة."
يزن بهدوء:
"قبلت اعتذارك، وياريت تعاملك مع الكل يكون كده من غير تجاوز حدود وباحترام، وأنا هنسى اللي عملتيه كله. وزي ما قولت في المحاضرة، أنا زي أخوكم الكبير، وقت ما تحتاجوني أنا موجود."
أومأت له قائلة بهدوء:
"تمام يا دكتور، عن إذنك."
أفسح لها المجال لتعبر، وما إن غادرت، ابتسم بهدوء مغادراً الجامعة بأكملها.
***
بشركة العزايز، بعد انتهاء أحد الاجتماعات الهامة التي حضرها كلا من سفيان وقصي وعمار.
عاتب سفيان قصي قائلاً:
"انت لحقت ترتاح من السفر عشان تنزل الشغل؟"
قصي بهدوء:
"ما أنت عارف مش بحب قعدة البيت وبحب الشغل."
أومأ له سفيان قائلاً:
"طب اعمل حسابك هتتغدى معانا النهاردة."
قصي باعتذار:
"معلش، خليها مرة تانية، عندي كام مشوار هعمله."
بعد إلحاح كبير من سفيان، لم يوافق الآخر واعتذر بتهذيب ثم غادر لمكتبه الذي لم يخطو بداخله منذ سنوات. باشر عمله لوقت قصير ثم غادر ليزور بعض أصدقائه، ثم توجه على ميعاد الغداء لأحد المطاعم القريبة منه.
سبب رفضه الذهاب لتلك الفيلا هو زوجة سفيان التي يمقت رؤيتها. ضحك بداخله بسخرية، الجميع يعرف أنها تستغله، وهو الوحيد الذي يرفض التصديق. حبه أو هكذا هو يظن، يعميه عن رؤية حقيقتها البشعة.
كان يستند بيده على الطاولة واضعاً رأسه بين يديه، حتى شعر بأحد يقف بجانبه. رفع رأسه ملتقطاً من النادل قائمة الطعام دون النظر له حتى، لكنه توقف عن تمرير الصفحات عندما استمع لصوت يعرفه تمام المعرفة:
"قصي!!!"
رفع رأسه قائلاً بصدمة:
"سيلين."
تطلع لكل ملامح وجهها باشتياق فاق الحدود، لكن سرعان ما تكرر صوتها بأذنه، كأنه يسمع تلك الجملة منها الآن: "أنا آسفة يا قصي، أنا وراغب بنحب بعض وهنتجوز قريب أوي، عقبالك."
نظرت له باشتياق مماثل هي الأخرى قائلة:
"قصي، أنت... أنت رجعت من السفر إمتى؟"
تجاهل الرد على سؤالها قائلاً:
"بتعملي إيه هنا يا بنت خالتي؟"
سيلين بحرج وهي تفرك يدها بتوتر:
"بشتغل هنا."
سبب بداخله ذلك الحقير، كيف جعلها تعمل بتلك البساطة، بل ونادلة أيضاً.
سألها ببرود زائف:
"أظن أنتِ معاكي شهادة ما اشتغلتيش بيها ليها."
أجابته بحرج:
"طالبين خبرة، فعشان كده ملقتش شغل."
سألها بضيق فشل في إخفائه:
"وإنتِ تشتغلي ليه أصلاً؟ وإزاي جوزك يقبل بكده؟"
أجابته بحرج، مبتلعة تلك الغصة المريرة التي تسد حلقها قائلة:
"أنا وراغب انفصلنا."
صدمة جمدته، لا يعرف يحزن أم يفرح، لا يفهم ما شعوره الآن، لكن المؤكد أنه مجروح منها وبدرجة كبيرة، ما فعلت ليس هيناً أبداً.
أومأ لها قائلاً ببرود:
"مكنتش أعرف، على العموم ربنا يوفقك ويعوضك الأحسن منها."
أومأت له قائلة بصوت مكتوم من الدموع:
"شكراً، تطلب إيه؟"
أجابها باقتضاب:
"قهوة سادة."
غادرت من أمامه ليتنهد هو بألم. كانت ترد عليه بحزن وانكسار، هل لازالت تحب زوجها؟ لذلك حزينة على فراقه؟ حمقاء، لما تحزن عليه؟ لو كان يحبها لما فرط بها أبداً.
جاءت بعد قليل بالقهوة، أخذها منه ببرود، متعمداً عدم النظر إليها، فغادرت من أمامه بحزن.
دقائق وتعالى بالمكان صوت صراخ أحد الرجال:
"مش تفتحي؟ أنتِ عمياء مابتشوفي؟"
انتفض بمكانه متوجهاً لهم عندما علم أن تلك الإهانة موجهة لسيلين، التي قالت بخوف لذلك الشاب الذي صرخ عليها:
"آسفة، مكنتش أقصد أوقع العصير عليك حضرتك."
اقترب قصي قائلاً بحدة:
"في إيه؟"
الشاب بغضب متجاهلاً الرد عليه:
"أنا عايز صاحب المطعم ده دلوقتي."
جاء صاحب المطعم سائلاً:
"خير يا فندم؟"
الشاب بغضب:
"البت دي وقعت العصير على هدومي، بتجيبوا الأشكال دي منين؟"
بكت سيلين بصمت، بينما قصي تألم قلبه لرؤيتها هكذا وشعر بالغضب الشديد مما يحدث. اقترب من الرجل الذي يصيح قائلاً بغضب وصرامة أخافته:
"تعتذر منها حالاً وتغور من هنا، أحسن ما أطلعك من هنا على ضهرك."
تدخل الرجل صاحب المطعم قائلاً:
"قصي باشا نورت المطعم والمكان كله، أسفين على إزعاج حضرتك."
قصي بصرامة:
"اللي قولته يتنفذ."
همس صاحب المطعم ببضع كلمات للشاب، فاعتذر مغادراً المكان على الفور.
جذب قصي صاحب المطعم بعيداً قائلاً بصرامة:
"دي تخصني، لو عرفت إن حد ضايقها بنص كلمة، لهدم المطعم عليك وعلى اللي فيه. سامع؟"
أومأ له الآخر سريعاً قائلاً بخوف:
"اللي تؤمر بيه يا باشا."
غادر الرجل، فاقتربت سيلين من قصي بتوتر، قائلة بامتنان وحرج:
"شكراً يا قصي على اللي..."
قاطعها قائلاً بهدوء:
"ده واجبي يا سيلين، أنتِ أختي وبنت خالتي، وأي حد مكانك كنت برضه هدافع عنه."
غادر طالباً منها أن توصل السلام لخالته وزوجها لحين يراهم، بينما هي استأذنت لتغادر باكراً اليوم، فوافق الآخر على الفور حتى لا يدخل بمشاكل مع قصي.
توجهت لمنزلها ثم لغرفتها، ودخلت بنوبة بكاء مريرة، الندم ينهش قلبها لحظة بعد الأخرى.
***
بأحد المناطق الشعبية، وبالأخص بتلك الشقة التي تقع بالطابق الأخير بناية متهالكة مهددة بالسقوط.
يجلس ثلاث شباب على الأرض أمامهم الكثير من زجاجات الخمر وأرجيلة، وفتاة ترقص بدلال أمامهم بفجر، بينما هم يصفقون لها وعيونهم تكاد تلتهمها.
بعد وقت قصير من الرقص، ارتمى أحدهم بجانب الآخر قائلاً بضيق:
"إيه يا عم راغب؟ هتفضل متنكد كده ومش طايق نفسك لحد إمتى؟ من ساعة ما طلقت البت اياها وأنت مش مظبوط. انساها بقى."
راغب بغضب وغل:
"أنسى مين؟ ده أنا ورحمة أمي ما هسيبها، أما خليتها تفضل تلف حوالين نفسها من الرعب ما أبقاش أنا بنت ال..."
"بلغت عني وجبرتني أطلقها، وحياة أمها لأوريها بس تصبر عليا."
أجابه الآخر ببرود وهو يرتشف من زجاجة الخمر:
"يا عم فكك منها، مجاش من وراها غير الهم. هي مسنودة من ناس كبار، إنما أنت لامؤاخذة كحيان، مش هيسموا عليك. وأديك جربت لما بس عرفوا باللي عملته فيها سجنوك، وكنت هتروح في داهية."
راغب بغضب وتوعد:
"مش هيحصل، قبل ما أندمها على اللي عملته فيا، هي وأهلها. بنت ال..."
زفر ثالثهم بضيق قائلاً:
"ما تقفلوا أم السيرة دي بقى. وبصراحة بقى راغب عنده حق، خليه يشفي غليله منها، مش كفاية لا طال منها فلوس ولا حتى قربلها واتسجن. طلع من الجوازة دي خسران."
راغب بغل:
"حقي وهاخده منهم، بس الصبر. أنا وراها والزمن طويل."
ثم حدث نفسه بغل:
"اللي بينا لسه مخلصش يا سيلين، مش هتخلصي مني بسهولة!!!"
***
كانت نرمين تجلس على فراشها تضع طلاء الأظافر، تشعر بالغيظ الشديد والغضب من فريدة، التي لولا تدخلها بحياتها، لكانت الآن خارج المنزل، تقضي ذلك الوقت برفقة صديقاتها، وبالأخص...
تعالى رنين هاتفها، فالتقطته بيدها لترى المتصل، توسعت ابتسامتها عندما رأت ذلك الرقم المسجل باسم _ جيجي _ أجابت على الفور قائلة بدلال:
"واحشني يا بيبي!!!!"
رواية بعينك اسير الفصل الرابع 4 - بقلم شهد الشوري
كعادتها هذا اليوم كل أسبوع، نزلت في الصباح الباكر تركض على الشاطئ وتضع سماعات الأذن.
بعد مرور أكثر من ساعة، توقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة. جلست على رمال الشاطئ تنظر للسماء شاردة. الحزن يخيم على قلبها منذ سنوات. لقد ذاقت مرارة فقدان حبيبها أولاً، ثم شقيقها، أقرب ما لها بتلك الحياة، لكنه تركها ورحل.
تعالى رنين هاتفها باسم "فريدة". أجابت على الفور قائلة بحب:
"فريدة، وحشاني أوي."
فريدة (جدة سفيان) باستنكار:
"كدابة ومش مصدقاكي. آخر مرة شوفتك فيها كان إمتى يا بت انتي. حتى المكالمة مش بتتصلي إلا فين وفين."
ميان بحزن:
"هشوفك إزاي بس يا فريدة. ما انتي عارفة إن مش هقدر أدخل الفيلا عندكم عشان سفيان ما يضايقش. حتى مش بحب أتصل عشان ما أعملش ليكي مشاكل معاه."
فريدة بحدة:
"بس يا بت مشاكل مع مين. طب هو حر يخبط دماغه في أي حيطة. هو هيفرض اللي عايزه عليا ولا إيه. ده أنا فريدة، يعني كلامي يمشي عليكي وعليه، انتي وأي حد في العيلة دي."
ميان بابتسامة:
"طبعاً يا ديدا، بس برضه بلاش نعمل مشاكل."
فريدة بصرامة:
"اسمعي يا بت، انتي تقومي دلوقتي تلبسي وتجيلي، ولو اتكلم نص كلمة حسابه معايا."
ميان باعتراض:
"يا فريدة مش..."
فريدة بصرامة:
"سمعتي أنا قلت إيه."
ثم أغلقت الهاتف وتركت الأخرى في حيرة من أمرها. لا تريد الذهاب وترى غريمتها التي حصلت على ما حلمت طوال حياتها أن تحصل عليه. لا تريد رؤية من فازت بقلب حبيبها، ومن حملت اسمه، ومن عاشت لحظات السعادة والحب التي حلمت أن تعيشها هي. لا تريد أن تذهب وترى سارقة أحلامها. لا تريد!
***
يتناول الإفطار برفقة والدته التي من الحين للآخر تنظر له بتوتر، تريد قول شيء ثم تعود وتصمت.
يسألها بهدوء:
"قولي اللي عايزة تقوليه يا أمي."
تسأله بتوتر:
"مش هتتضايق ولا تكسفني في اللي هطلبه منك."
يقبل يدها بحب قائلاً:
"انتِ تؤمري يا ست الكل، واللي عايزاه هيحصل."
ابتسمت له قائلة بتوتر:
"كنت بكلم خالتك النهارده وعرفت إنك رجعت، فطلبت مني وأصرت إننا نروح نتغدى معاهم بكرة، وحلفت مية يمين وأنا معرفتش أرفض."
صمت للحظات ثم قال بكل بهدوء:
"طب وفيها إيه يا أمي. بكرة هخلص شغل بدري ونروح سوا."
ابتسمت قائلة بحنان:
"تسلم لي يا حبيبي."
يسأله بتردد:
"سيلين اتطلقت دلوقتي يا بني، يعني الطريق قدامك مفتوح. لو جوازك منها هيسعدك اتجوزها. انت بتحبها و..."
قاطعها قائلاً بهدوء:
"سيلين ماضي يا أمي وانتهى. وبعدين لو لسه بحبها زي ما بتقولي، مبقتش تلزمني. عيشت من غيرها السنين دي كلها وهعرف أعيش الباقي من غيرها. الحياة مش بتقف على حد. مش انتي اللي قولتيلي كده يوم جوازها."
سألته بحزن:
"مبقتش تلزمك عشان مطلقة."
نفى برأسه قائلاً:
"لأ، مطلقة أو أرملة، ده ما يفرقش معايا. بعد اللي رفضها واللي حصل منها زمان، يخلي علاقتي بيها كابن خالة قبل ما أكون بحبها، ما ترجعش زي ما كانت زمان."
تنهدت قائلة بحزن:
"البنت حالتها تصعب ع الكافر. أمها مش رحماها خالص، على طول بتسمع كلامها بالكلام ومحبوسة على طول في البيت، ونزلت تشتغل من يومين بس عشان تهرب من وش أمها اللي قومت الدنيا وقعدتها لما عرفت إنها ناوية تشتغل."
ردد ببرود، و بداخله يتمزق حرفياً حزناً عليها:
"هي اللي اختارت زمان وعملت في نفسها كده."
سألته بصدمة:
"انت شمتان فيها."
عاتبها قائلاً:
"إيه اللي بتقوليه ده يا أمي. دي بنت خالتي مهما حصل. أنا أقصد إن كل واحد بيحصد نتيجة اختياره. هل ده معناه إني شمتان فيها."
استأذن منها ثم دخل، غادر المنزل ليتهرب من ذلك الحديث الذي لا يروقه.
***
بمنتصف اليوم، شعر سفيان ببعض الإرهاق، فقرر العودة للمنزل ليرتاح ويتناول الغداء برفقة زوجته وجدته. قبل أن يدخل للداخل، توقف عندما رأى سيارة نرمين تدخل من بوابة الفيلا. انتظرها حتى تترجل منها، وما إن اقتربت منه، قبلته من وجنته قائلة بابتسامة:
"حبيبي، رجعت من الشغل النهارده بدري ليه. انت كويس صح."
أومأ لها قائلاً بابتسامة وحب:
"مفيش يا حبيبتي، شوية إرهاق مش أكتر."
"تحب أطلب الدكتور."
نفى برأسه بصمت، ثم حاوط خصرها وخطا الاثنان للداخل. لتتساءل نرمين وهي ترى فريدة تجلس برفقة فتاة تعطيهم ظهرها:
"عندنا ضيوف؟!"
فريدة بابتسامة صفراء لم تصل لعيناها:
"دي ميان بنت خالة سفيان وعمار."
اشتعل الغضب بأعين سفيان، بينما ميان التفت للخلف، وما إن رأت سفيان الذي حاوط خصر زوجته، أما الأخرى كانت تنظر لها بغرور. نظرت ميان بأعين سفيان بلوم وعتاب، كأنها تقول: "لماذا فعلت هذا بي يا حبيب قلبي؟ جعلتني أحبك وأهيم بكَ عشقاََ. تركتني بمنتصف الطريق عالقة. تركتني ورحلت ولم تعلمني كيف أعيش دونك. لم تعلمني كيف أتوقف عن حبك مثلما فعلت أنت؟" 💔
كاد سفيان أن يصرخ ويعلن عدم رغبته من تواجدها هنا، لكن نرمين سبقته قائلة بترفع:
"آه بنت خالته، بس الصراحة يا فريدة هانم، أنا مستغربة إزاي تدخليها هنا، وحضرتك عارفة إن سفيان مش بيقبلها ولا بيقبل أي حد من عيلتها."
كورت ميان قبضة يدها بغضب قائلة:
"أياً كان اللي بيني وبين ولاد خالتي، مش مسموح ليكي إنك تتدخلي فيه يا... قولتيلي اسمك إيه."
نرمين بسخرية:
"ابن خالتك اللي مش بيعترف بيكي ولا بقرابتكم. اسمي نرمين، يعني أعتقد اسمي بالنسبة لكِ ما يتنسيش، لأني فزت بقلب حبيبك الأول وقدرت أخطف قلبه اللي إنتي فشلتي توصلي ليه."
ابتلعت ميان غصة مريرة بحلقها، تنظر لسفيان بعتاب، لا تملك غيره. ليس بيدها شيء سوى أن تعاتبه، لكنه لم يبالي وأحاط خصر زوجته أمامها، ينظر لداخل عينيها بتحدي.
فريدة بحدة:
"أنا اللي اتصلت بميان وعزمتها ع الغدا."
سفيان بحدة:
"لكن أنا مش عايزها في بيتي، لا هي ولا أي حد ليه علاقة بالعيلة دي. ويا ريت تخليها تغور بره البيت ده، لأن وجودها فيه بيلوثه."
ودت أن تصفع نفسها ألف مرة على مجيئها لهنا. أغلقت عيناها وفتحتها عدة مرات، تمنع نفسها بصعوبة من البكاء. التقطت حقيقتها وكادت أن تغادر، لكن أوقفتها فريدة ممسكة بيدها قائلة بغضب:
"سفيان، إنت بتقول إيه. إنت بتطرد الضيفة بتاعتي من بيتي."
سفيان بغضب ولم يعي ما يقول:
"البيت ده بيتي وبيت مراتي، ووجود البني آدمة دي هنا مش مرغوب."
وذلك تحت نظرات نرمين المتحدية والـشامتة، بينما فريدة توسعت عيناها بصدمة من كلمات حفيدها.
صرخت ميان عليه بغضب:
"إنت اتجننت يا سفيان، خلاص فوق لنفسك. اللي بتكلمها دي جدتك، ميصحش كده."
عاتب نفسه قبل أن تقول هي تلك الكلمات، لكنه جادل قائلاً بغضب وسخرية:
"مبقاش غيرك إنتي عشان تعرفيني الصح من الغلط."
قالها ثم اقترب من فريدة يود الاعتذار منها وتقبيل يدها، لكنها ابتعدت عنه تنظر إليه بخيبة أمل. بينما ميان لم تتحمل الإهانة وخرجت من الفيلا سريعاً، تستند على سيارتها ودموعها تنساب من عيناها بصمت. لحظات وخرج سفيان الذي لم يتحمل رؤية جدته تناظره هكذا. تفاجأ بها أمامه تبكي، كاد أن يتخطاها، لكنها توقفت أمامه قائلة بدموع وألم:
"أنا مش غبية، مش غبية عشان أصدق إنك تقطع علاقتك بيا وبعيلتي عشان شوية تخاريف متدخلش عقل أي حد."
تمسكت بسترته من الأمام قائلة بتوسل ودموع:
"كرهتني ليه وبعدت عني؟ قولي السبب يا سفيان، من حقي أعرف. ريح قلبي."
تمسك بيدها التي تقبض بها على سترته قائلاً بجمود، رافضاً التأثر بدموعها الكاذبة:
"صدقيني، آخر همي إني أريحك."
ثم دفعها بعيداً وغادر، تاركاً إياها حزينة، حائرة، الألم ينهش قلبها يوماً بعد الآخر. بينما كانت تقف نرمين من خلف الزجاج تشاهد ما حدث بالخارج وهي تبتسم بمكر.
بينما فريدة صعدت لأعلى، ومعها الخادمة، وما إن أغلقت الباب أمرتها بصرامة:
"جهزي الشنط، كل حاجة خاصة بيا لميها."
بينما هي بدأت في ارتداء ملابسها واستعدت لتغادر تلك الفيلا لتذهب لمنزل زوجها الراحل الذي كانت تقيم به قبل أن يزدهر عمل زوجها وتتحسن حالتهم المادية، عازمة على الخروج من تلك الفيلا وعدم الرجوع لها نهائياً.
***
عاد قبل موعد الغداء بوقت ليس بالقصير، ليبدل ملابسه، ثم يصطحب والدته لمنزل خالته. تخلص من ملابسه الرسمية الخاصة بالعمل، أخرج من الخزانة قميصاً دون النظر إليه، لكنه توقف للحظة عندما رأى لون القميص البترولي، يتذكر كلماتها جيداً عندما رأته يرتدي ذلك اللون الذي يحبه، وعلى العكس هي تكرهه للغاية:
"قصي، إيه اللون ده؟ من قلة الألوان يعني؟ ده لون مش حلو خالص ومش حلو عليك."
أجابها حينها بغرور زائف وهو ينظر لهيئته بالمرآة:
"بس يا بت، هو انتي بتفهمي حاجة؟ ده لون شيك كده، كل البنات اللي في الشركة عينهم طلعت قلوب أول ما شافوني لابسه."
نكزه بذراعه قائلة بغيظ:
"بنات سا. بتاع البنات. خالتي عندها علم بالموضوع ده إن ابنها بيفرح بلمة البنات حواليه، وتلاقيك طبعاً مقرطسنا كلنا وتقعد تعاكس البنات."
قرص وجنتها بأصبعيه قائلاً بغمزة ومرح:
"سيلو ابن خالتك بيتعاكس، ما يعاكسش."
تمتمت بغيظ:
"نينيني. ليه توم كروز وأنا معرفش."
نفى قائلاً بمشاكسة:
"تؤ، أحلى منه."
تذمرت قائلة وهي تضع يدها على خصرها:
"نص الغرور اللي عندك ده."
ضحك بخفوت، لتتابع هي بضيق:
"متلبسش اللون ده تاني، أنا مش بحبه ومش بحب أي حد يلبسه."
ثم تابعت بإعجاب:
"عارف، اللون الأسود والأبيض والأزرق بيبقوا تحفة عليك أوي، وبتطلع فيهم قمر وابن ناس."
ضحك قائلاً بمرح:
"يعني لو لبست اللون ده مش هبقى ابن ناس."
أومأت له بابتسامة، ظناً منها أنه اقتنع بكلامها، ليقول هو بضحك:
"هخلعه ومش لابسه تاني. قفلتيني منه يا بومة."
نظرت له قائلة بغيظ:
"أنا مش بومة. الحق عليا بنصحك باللي يليق عليك."
داعب أنفها بأصبعيه قائلاً بمشاكسة وحب جعلها تبتسم بسعادة:
"طب خلاص، فكي التكشيرة دي. مش هلبس اللون ده تاني عشان ما أشوفش التكشيرة دي."
عاد للواقع وهو ينظر للقميص الذي بيده. ذكرياته معها جميلة لا يشوبها شائبة، لولا ما فعلته. 💔
***
بعد وقت، كان يقف أمام منزل خالته يحمل بيده باقة ورد، ووالدته تحمل بيدها علبة شوكولاتة فاخرة. ضغط بأصبعه على زر الجرس وهو يرسم الثبات على ملامح وجهه. فتح زوج خالته الباب قائلاً بابتسامة بشوشة:
"أهلاً بالغالي."
أخذت خالته سميحة الباقة من يده حتى يستطيع أن يحتضن زوج خالته قائلاً بحب:
"نورت بلدك يا غالي يا بن الغالي."
قصي بابتسامة وحب لذلك الرجل:
"بنورك يا عمي، ليك وحشة والله."
رحبت به خالته بحفاوة ودخلوا جميعاً للداخل. وهي للآن لم تأتِ. مر وقت قصير وخرجت ترتدي فستاناً باللون الأزرق، وفوقه حجاب باللون الأبيض. لم ينظر لها، وتصنع انشغاله بالحديث مع زوج خالته. بينما هي توقفت مكانها للحظات عندما رأته يرتدي ذلك اللون. عادت للوراء بذاكرتها لتتذكر نفس المشهد. لمعت عيناها بالدموع. لقد خسرت قصي الصديق والأخ قبل الحبيب. لتلك الدرجة أصبح لا يهمه ما تحب وما تكره. ماذا كانت تنتظر بعدما فعلت أن يركض إليها؟
صافحته قائلة بحزن:
"إزيك يا قصي."
قصي بهدوء:
"الحمد لله يا سيلين، انتي أخبارك إيه."
سيلين باقتضاب:
"الحمد لله."
جلسوا جميعاً يتحدثون سوياً بمواضيع مختلفة. كان قصي متجاهلاً سيلين تماماً، مهما حاولت والدتها جذب انتباهه لها وأن تشركهم في حديث، ينهيه هو ببعض كلمات مقتضبة.
لتردد سيلين بداخلها بحزن وندم:
"يا ريت لو تقدر تسامحني. صحيح الواحد مش بيعرف قيمة الحاجة غير لما تروح من إيده."
انتبهت لوالدتها تقول باستنكار وحزن:
"شوفت اللي حصل لبنت خالتك يا قصي. بعد سنة جواز من المخفي اللي اسمه راغب والويل اللي شافته معاه، طلقها."
نظرت لوالدتها بغضب. ماذا سيظن هو وخالتها بها؟
قصي باقتضاب، رغم أن فضوله يكاد يقتله ليعرف ماذا فعل ذلك الحقير بها:
"ربنا يعوضها بالأحسن منه إن شاء الله."
نظر كمال لزوجته بغضب ويتوعد لها بداخله، خاصة حين أكملت بمكر وكذب:
"يارب يا بني. سيلين لما عرفت إنك جاي عملتلك الأكل اللي بتحبه كله."
ابتسم قصي بزاوية شفتيه، فهو يعلم تمام العلم أن خالته تكذب، ويعلم بماذا تفكر.
كمال بابتسامة لم تصل لعيناه ونظرات حادة:
"جهزي الغدا يا سميحة يلا."
"حاضر، ثواني ويكون جاهز."
مر وقت وتناول الجميع الغداء، وبعدها جلسوا يتناولون الحلوى التي أعدتها سميحة، ولكنها نسبت لـابنتها، والجميع يعلم ما تحاول فعله. أخذ كمال يتوعد لها فقط ليغادر الجميع.
تعالى رنين جرس المنزل. ذهبت سيلين لتفتح الباب، فتفاجأت بوجود عمتها وابنتيها الاثنتين. ابتسمت بتصنع قائلة:
"أهلاً يا عمتي، اتفضلي. تعالي يا أمل انتي ونهى."
فتحت بابتسامة صفراء وهي تدخل:
"طبعاً يا حبيبتي، اتفضلي ده بيت أخويا الغالي."
بادلـتها سيلين نفس الابتسامة ودخلت خلفهم. تأفأف قصي بداخله، فهو لا يطيق تلك المرأة وبناتها أبداً، كذلك الجميع، ومن بينهم شقيقها، بسبب أفعالهم، لكنه مجبور لتحملها، فهي أولاً وأخيراً شقيقته الصغرى.
فتحت بابتسامة واسعة:
"قصي، ليك وحشة يا بني. كل دي غيبة؟ قعدتك في بلاد الغرب عجبتك ولا إيه؟ بس العيب مش عليك، العيب ع اللي كان السبب في سفرك. منه لله بقى."
والدة قصي بحدة:
"متدعيش على حد يا فتحية. ابني مكنش مهاجر، دول سنتين كان بيتابع فيهم شغله ورجع، مش حكاية."
اغتاظت فتحية وابتسمت لها اصفراراً، لتسألها سميحة (والدة سيلين) بابتسامة صفراء:
"صحيح يا فتحية، إيه سبب الزيارة دي؟ بقالك شهرين يعني مش بنشوفك."
فتحة برفعة حاجب:
"ده بيت أخويا يا حبيبتي، أزوره في الوقت اللي أنا عايزه. مش كده يا أخويا."
كمال بضيق:
"تنوري في أي وقت يا فتحية."
فتحة وهي تنظر بشماتة لسيلين:
"المهم، كنت جاية أبشركم. نهى بنتي جالها عريس، ما شاء الله عليه. لا سجارة ولا كاس ولا ليه في الحاجات دي. ويعرف ربنا، دكتور وعنده عيادة وشقة كاملة من مجمعه. إن شاء الله الخطوبة بعد أسبوع. مستنياكم."
كمال بابتسامة لم تصل لعيناه، لأنه يعلم تمام العلم أنها شامتة بابنته:
"مبروك يا فتحية، عقبال أمل إن شاء الله."
فتحة بابتسامة:
"إن شاء الله. تسلم يا خويا. عقبال سيلين. مع إن أشك..."
صمتت سميحة بكمد وغيظ، لتتدفع والدة قصي عن سيلين التي كورت قبضة يدها بغضب وتحارب حتى لا تنهمر دموعها وتخذلها أمام الجميع. بينما قصي يراقبها بحزن أخفاه تحت قناع وجهه اللا مبالي.
"ليه فتحية؟ مالها سيلين؟ ناقصة إيد ولا رجل عشان متشوفش نصيبها مع حد تاني؟ دي ألف مين يتمناها. ده حتى ابنك واحد منهم، وسميحة قالتلي إنه لحد النهارده شاريها وعايزها وبيجري وراها عشان بس تديله ريق حلو. هي بس سيلين اللي مش بتفكر في موضوع الجواز ده دلوقتي. ومتنسيش إنك زمان كنتِ مطلقة واتجوزتي تاني وخلفتي ولد وبنتين. الحياة مش بتقف يا حبيبتي."
ثم تابعت بحدة:
"عندك بنتين يا فتحية على وشك جواز، فبلاش تشمتي."
فتحة بلوية فم وهي تحرك يدها بالهواء:
"كلام إيه اللي بتقوليه ده؟ معقول هشمت في بنت أخويا؟ ربنا ما يجعلنا من أهل الشماتة يا حبيبتي."
نظرت لها كوثر وسميحة بضيق وصمتوا. بينما تدخل كمال مهدئاً الوضع. كان قصي شارد، فضوله يأكله من الداخل، يريد معرفة ما فعل ذلك الحقير ليـوصلها لتلك الحالة.
أفاق من شروده على أمل قائلة برقة مبالغ فيها:
"صحيح يا قصي، إنت هتستقر ولا هتسافر تاني."
قصي ببرود دون النظر لها:
"هستقر."
أمل بسعادة:
"أحسن حاجة والله. مفيش حاجة تستاهل إنك تسيب بلدك عشانها."
قالت الأخيرة وهي تنظر لسيلين، فرد عليها قصي ببرود وهو ينظر للساعة بيده:
"أنا بس اللي من حقي أحدد الحاجة دي تستاهل أو لا، مش انتي."
تحرجت أمل من رده فصمتت ولم تتحدث. مر وقت قصير وغادرت فتحية وبناتها. وما إن أغلق الباب، هبت سميحة من مكانها صارخة بغضب:
"شايف يا كمال؟ شايف بنتك واللي عملته فينا؟ خلتنا نسمع الإهانة من اللي رايح واللي جاي وتلقيح الكلام. ادي آخرة اللي خدناه من خلفة البنات."
كمال بغضب وشدة:
"سميحة، اخرسي خالص. سامعة."
لم تصمت وتابعت معنفة ابنتها التي دخلت بنوبة بكاء مرير:
"راحت اتجوزت ولد صايع وزبالة وخلتنا ندخل الأقسام على آخر الزمن. طلقها ورماها. ده أنا كان عندي تموت أهون من إني أسمع كلام من الرايح واللي جاي بسببها."
كوثر بحدة:
"بس يا سميحة، ما يصحش كده."
سيلين بكل ألم ودموع، مخرجة تلك الكلمات التي تحملها بداخلها:
"حرام عليكي بقى. ارحميني. أنا بنتك مش واحدة لقياها في الشارع. كل شوية كلام الناس، كلام الناس يولعوا الناس. الناس اللي عاملة حسابهم دول مش بيعملوا حاجة غير إنهم يتكلموا وبس. ارحميني بقى. مستنية إيه منهم إذا كان انتي مش رحماني وجاية عليا زيهم. انتي اللي المفروض أمي، بترمي عليا بالكلام وعمرك ما دافعتي عني زي ما حصل من شوية، وخالتي اللي قالت اللي المفروض انتي تقوليه. مستنية منهم إيه؟ مستنية منهم يعملوا اللي انتي نفسك مش بتعمليه. أنا بكرهك وبكره نفسي لأني عندي أم زيك. كل اللي بتعمليه فيا ده عشان محمد مات، ياريتني أنا اللي مت وهو اللي فضلك، مع إن متأكدة إنه بموته ارتاح منك."
قالت ما قالت ثم ركضت خارج المنزل. سرعان ما التفتت كوثر قائلة لقصي بقلق:
"اجري وراها يا قصي، لتعمل في نفسها حاجة."
بالفعل، هو قد ركض خلفها بقلق، والحزن ينهش قلبه عليها. بينما كمال، ولأول مرة، رفع يده على زوجته، صفعها قائلاً بغضب:
"القلم ده يمكن يفوقك ويخليكي تعقلي بقى يا سميحة. انتي إيه؟ مش بتحسي ولا عندك قلب لحد إمتى هتفضلي تحاسبي بنتك على ذنب مش ذنبها؟ لحد إمتى هتفضلي معيشانا في النكد ده؟ خسرتي محمد زمان، ولو فضلتِ على كده هتخسريني أنا وبنتك، وهتفضلي لوحدك."
تركها وذهب لغرفته، جسده بأكمله ينتفض من الغضب والحزن على ابنته. بينما سميحة انهارت تبكي بقوة بين أحضان شقيقتها.
***
يبحث عنها بعينيه يميناً ويساراً، إلى أن وجدها أخيراً تسير بنهاية الشارع. ركض قصي خلفها حتى يلحق بها قبل أن تعبر الطريق السريع بحالتها تلك، لكنه تأخر، فقد لمح تلك السيارة تأتي مسرعة، بينما هي قد خطت بقدمها للأمام. !!!
رواية بعينك اسير الفصل الخامس 5 - بقلم شهد الشوري
يبحث عنها بعينيه يمينًا ويسارًا إلى أن وجدها أخيرًا تسير بنهاية الشارع. ركض قصي خلفها ليُلحق بها قبل أن تعبر الطريق السريع بحالتها تلك، لكنه تأخر. فقد لمح تلك السيارة تأتي مسرعة، بينما هي قد خطت بقدمها للأمام.
ركض مسرعًا بكل ما يملك من قوة، جاذبًا إياها من يدها حتى استقرت باحتضانه قبل أن تصدمها السيارة. ليكون الوضع كالتالي: تحاوط هي خصره بيدها وتدفن رأسها باحتضانه، تبكي بألم وحزن، بينما هو يحاوطها بيده. صوت أنفاسه اللاهثة من الركض والخوف هو الصوت الوحيد الذي يصدر منه، لكنه بالطبع لم يطغَ على صوت بكائها العالي الذي يمزق القلوب.
تمتمت بحزن وشهقات عالية: "س... سيبتني."
أفاق على حاله، فأبعدها عنه برفق قائلًا: "يلا خليني أروح."
نفضت رأسها عدة مرات قائلة ببكاء: "مش راجعة البيت ده تاني."
تنهد قائلًا بحزن: "سيلين، يلا أرجوكي، كفاية دموع وامشي معايا ع البيت. أبوكي وأمك زمانهم قلقانين عليكي."
صرخت عليه بدموع وغضب: "قول بابا عشان أصدقك. أما هي، كل اللي بتعمله فيا ده وتقولي قلقانة عليكي؟ دي كانت بتقتلني كل يوم بكلامها."
بالبطيء، تمسكت بمقدمة قميصه قائلة ببكاء وحزن: "سيبتني ليه وسافرت؟ بعدت عني ليه وأنت عارف إن ماكنش ليا غيرك؟ بعدت ليه وأنت عارف إنك الوحيد اللي بأمن ليه في حياتي؟ سافرت ليه؟"
قالتها وهي تنظر لوجهه الذي مهما حاول أن يبدو جامدًا، إلا أنه فشل وظهر الحزن بوضوح عليه: "مش أنتِ اللي كنتِ عايزة كده. كنتِ عايزاني أبعد."
صرخت عليه بقهر: "عمري ما كنت عايزة تبعد وعمري ما حبيته."
ثم تابعت ببكاء يفطر القلوب: "أنا كنت مغيبة، كنت مصدومة لما جيت وقلتلي إنك بتحبني وعايز تتجوزني."
سألها بسخرية: "إيه اللي يصدم في كده؟"
صرخت عليه بغضب ودموع: "اللي يصدم إن كنت متخيلة إن اللي بتعمله معايا ده كله بدافع الأخوة والصداقة وبس. عمري ما تخيلت إن ممكن ده يكون حب. أنا لحد يوم الفرح مكنتش مستوعبة اللي بيحصل، مكنتش مستوعبة أنا فين ومين ده، وإنك سافرت خلاص ومش هشوفك تاني."
صره عليها بغضب: "كفاية كذب."
نفضت رأسها قائلة بدموع: "مش بكذب يا قصي، أنا مش بكذب."
قبض بيده على كتفيها وأخذ يحركها بغضب: "اومال مين اللي قالتلي ابعد عني وعن حياتي؟ مين اللي جات في نص شغلي تصرخ عليا ابعد عنها وعن خطيبها وأسيبكم في حالكم؟"
بكت ولم تجب. أكمل هو بغضب: "مين اللي جات وعملتلي فضيحة بين الموظفين تتهمني فيها بصفات عمرها ما شافتها مني؟ مين اللي رفعت إيدها وكانت عايزة تضربني؟ مين اللي بكل برود بعتتلي دعوة فرحها كغريب وقاصدة توجعني بيها؟ مين اللي اتهمتني وقدمت بلاغ فيا إن اعتديت بالضرب على خطيبه؟"
دفعها للخلف قائلًا بغضب وسخرية: "ما تردي، مين اللي عمل كده؟ أنتِ ولا خيالك؟"
لم تجب واكتفت بدموعها. فسحبها من يدها لداخل سيارته أسفل منزل خالته، وصعد ليأخذ والدته. أخذ الإذن من والدها حتى تبقى معهم عدة أيام حتى تهدأ. فوافق الآخر بعد إصرار من والدته حتى تبقى معها، وأن قصي سيبقى في منزله المقابل لشقتها.
أما أن نزل للأسفل بمدخل البناية، ربتت والدته على كتفه قائلة بفخر: "خير ما فعلت يا بني، تقعد عندنا أحسن ما تقعد عند حد غريب."
أومأ لها بصمت واصطحبهم للمنزل وهو يتجاهل سيلين طوال الطريق.
كان قصي بغرفته يلملم أغراضه حتى يغادر للشقة المقابلة له. بينما بغرفة سيلين، انتفضت مكانها عندما شعرت بيد تلمس جسدها بجرأة. انتفضت قائلة برعب ما إن أبصرت الفاعل: "راغب!"
انتفضت تضم الغطاء لجسدها تحجبه عن عينيه التي تناظرها بكل وقاحة، قائلة بخوف وفزع: "انت بتعمل إيه هنا؟"
اقترب منها هامسًا بغل وشر: "جاي آخد روحك يا حلوة."
انتفضت قائلة بخوف وهي تنظر حولها: "متقدرش، بابا مش هيسيبك، وكمان..."
قاطعها قائلًا بمكر وخبث: "قصي، حبيب القلب مش كده؟"
نظرت له بخوف، فقال بتوعد وشر: "وحياة أمك هحرق قلبك عليه."
قالت بدموع وهي ترتجف حرفيًا بفزع: "لو قربت منه هقتلك."
ضحك بخبث قائلًا: "الأيام بينا يا حلوة، وبكرة تشوف."
ثم اقترب منها قائلًا بنبرة بثت الرعب بأوصالها وهو يلعق شفتيه بطريقة مقززة: "دلوقتي بقى خلينا في موضوعنا ده. أنا جايلك مخصوص يا حلوة ومش همشي غير لما آخد اللي عاوزه منك."
تملك منها الرعب وأخذت تحرك رأسها بنفي قائلة بصراخ عالٍ يصم الآذان: "قصي!"
ركض قصي بخوف على إثر صراخها، ثم فتح باب الغرفة بدون تفكير. ليجدها تنام على الفراش، تحرك رأسها يمينًا ويسارًا، وجهها متعرق بشدة وتهذي بكلمات غير مفهومة، يبدو أنها ترى كابوسًا. أغلق الباب على الفور عندما انتبه لما ترتدي، وتوجه لوالدته التي خرجت هي الأخرى من غرفتها الآن بعدما استمعت لصراخها. أخبرها أن تدخل تجعلها ترتدي شيئًا ليدخل يطمئن عليها.
بالفعل، توجهت لها تجذبها لأحضانها بحنان، والأخرى ترتعش بخوف. مسحت كوثر بيدها على رأسها وأخذت تتلو آيات من القرآن الكريم حتى تهدأ. وبالفعل بدأت الأخرى تسكن بين يديها. فأعطتها كوثر كوب الماء قائلة برفق وحنان: "اشربي يا بنتي."
ارتشفت منه سيلين وهي تشعر بتعب شديد، وبداخلها تحمد الله ألف مرة أن كل ذلك لم يكن سوى كابوس.
أعطتها كوثر إسدالًا خاصًا بالصلاة قائلة: "البسي ده يا بنتي، قصي بره عايز يدخل يطمن عليكي."
أومأت لها بخجل والتقطته منها ترتديه بحرج، بينما كوثر طلبت من قصي الذي كان يقف بقلق كبير أمام باب غرفتها يريد الاطمئنان عليها بالدخول.
تحكم بنفسه متصنعًا الهدوء قبل أن يدخل للغرفة، قائلًا بهدوء: "عاملة إيه دلوقتي؟"
اخفضت وجهها بحرج قائلة: "كويسة. أنا آسفة سببت ليكم إزعاج من أول يوم. أنا بكرة هرجع البيت."
قاطعتها كوثر قائلة بعتاب: "إيه اللي بتقوليه ده يا بنتي؟ ده بيت خالتك يعني بيتك ومفتوح لك في أي وقت. أنتِ هتقعدي معايا لحد ما تزهقي مني. الواد قصي بيروح الشغل، ما بيرجع غير بليل، نقعد أنا وأنتِ نسلي بعض."
أومأت لها سيلين بامتنان. فقال قصي ببرود ظاهري: "أنا كده اطمنت عليكي. بعد إذنك يا أمي، خلي نرجس تنقل باقي الحاجة بكرة على شقتي."
سيلين بحرج: "أنا آسفة لأني..."
قاطعها قائلًا بجدية: "زي ما سمعتي يا سيلين، ده بيت خالتك يعني بيتك، مش مضطرة تتأسفي. تصبحوا على خير."
ثم غادر المنزل بأكمله متوجهًا للشقة المقابلة لهم، ملقيًا بجسده على الفراش يتنهد بألم. ليتها لم تفعل ذلك به، ليتها اكتفت بأنها حطمت قلبه عندما أحبت آخر. بل فعلت ما جعل قلبه غير قادر على الغفران لها بيوم من الأيام.
عاد عمار للفيلا ليتفاجأ بفريدة غير موجودة. هي ترفض إخباره السبب، وشقيقه أيضًا كان سفيان يشعر بالخجل من نفسه أن يخبر شقيقه بما فعله. كلاهما يرفض الحديث، وهو يشعر بالحيرة.
باليوم التالي، كان الثلاث شباب (سفيان وعمار وقصي) يعملون بداخل مكتب سفيان. فجأة، فتح باب المكتب ودخل منه شاب. وقفوا جميعًا له قائلين بابتسامة سعيدة: "يزن!"
يزن بابتسامة: "واحشيني يا شوية اندال، ما بتسألوش."
ضحك سفيان قائلًا: "ما كانش أسبوع اللي مشفناش بعض فيه."
يزن برفعة حاجب وهو ينظر لقصي: "طب والبه اللي لما رجع مفكرش يرفع سماعة تليفون وندل من يومك."
قصي بمرح وهو يحتضنه: "ليك وحشة يا يويو."
يزن بغيظ: "احترم نفسك أهلك وبطل الاسم الزفت ده، بدل ما أديك بوكس يرجعك ألمانيا من تاني."
قصي بصوت نسائي: "يا وحش يا قاسي."
ضحكوا عليه بقوة. فقال عمار بحماس: "طب بالمناسبة دي، يلا نروح نتغدى كلنا سوا."
يزن بابتسامة: "تعالوا نروح المطعم اللي كنا بنروح ليه أيام زمان."
رحب سفيان وقصي بذلك، وبالفعل توجهوا للمطعم جميعًا.
خرجت الثلاث فتيات من المحاضرة. كانت همس تقص عليهم ما حدث وأنها أنهت خلافها مع يزن. لاحظ الاثنان شرود ميان الذي يلازمها منذ أن التقوا في الصباح. سألتها ليان بقلق: "مالك يا ميان؟ سرحانة في إيه؟"
نفضت رأسها قائلة: "مفيش."
ثم تابعت لتغير مجرى الحديث: "عندنا محاضرات تانية؟"
همس بنفي وحماس: "لأ، هي محاضرة واحدة بس اللي علينا النهاردة. تعالوا نستغل اليوم ونخرج مع بعض، نروح المول نتسوق شوية وندخل سينما، وبعدها نتغدى في مطعم السمك اللي ع البحر اللي متعودين نروح له."
صفقت لينا بيدها بحماس، بينما ميان اعتذرت: "أنا مليش مزاج أعمل حاجة."
همس بإصرار: "الكلام ده عند طنط عليا في البيت. إحنا خارجين وأنتِ هتيجي معانا بمزاجك أو غصب عنك، ويلا بقى بلاش كآبة وحياتك."
لم تدع لها همس مجالًا للاعتراض، وسحبتها من يدها هي ولينا لسيارتها متوجهين لذلك المول للتسوق.
بعد وقت طويل، كان الثلاث فتيات يجلسون على تلك الطاولة الموجودة بجانب سور قصير من الخشب مزخرف، وخلفه الشاطئ مباشرة. كان المنظر جميلًا يأسر القلوب.
ميان بتعب من كثرة المشي: "مش قادرة أمشي خطوة زيادة."
همس بتعب هي الأخرى: "أنا كمان والله وجعانة أوي."
لينا هي الأخرى: "أنا هموت من الجوع، مش عارفة اتأخروا علينا في الأكل ليه."
همس وهي تشير برأسها ناحية الباب: "بصوا كده مين اللي دخل المطعم."
نظرت ميان لما تشير، صدمت بشدة عندما رأت سفيان برفقة عمار وقصي ويزن.
ابتسم قصي ما إن رآها، وكذلك عمار الذي بقى مثبتًا نظراته على لينا. بينما سفيان تهجم وجهه على الفور، ويزن أصابته الدهشة عندما توجه قصي ناحيتهم، وكذلك عمار.
بادر عمار بالحديث قائلًا لميان بمرح وعيناه لازالت مثبتة على لينا: "ميمونة، واحشاني."
ميان بغيظ وهي تتجاهل النظر لسفيان: "مش هرد عليك."
قصي بابتسامة واشتياق: "أخبارك إيه يا ميان؟"
ميان بابتسامة وحب أخوي: "أخبارك أنت إيه يا قصي؟ عاش من شافك. كل دي غيبة بره مصر؟"
كاد أن يرد، لكن يزن تحدث قائلًا بهدوء: "انتوا تعرفوا بعض؟"
أومأت ميان قائلة بهدوء: "مظبوط يا دكتور. عمار يبقى ابن خالتي، وقصي زي أخويا بالظبط."
تعمدت عدم ذكر اسم سفيان، مما جعله يشعر بالغضب، لكنه تظاهر بالبرود ليسأل قصي: "تعرفي يزن منين؟"
ميان بهدوء: "دكتور يزن بيدرس لنا أنا وهمس ولينا في الجامعة."
قالتها وهي تشير لهمس ولينا اللتان التزما الصمت تتابعان ما يحدث بهدوء.
عمار بمرح: "اوعى تكون أنت الدكتور اللي دمرت عربيتهم مع التلت مصايب دول."
حمحت لينا بحرج، وتهربت همس وميان بأعينهن. ليضحك يزن بخفوت قائلًا: "آه يا أخويا، وبرحمة أبوك لهتحاسب أنت ع المشاريب."
عمار بخوف زائف: "أنا مالي يا عم، هما اللي قالولي أعمل كده."
يزن بسخرية: "وانتي يا بطة؟ أي حد يقولك حاجة تعمليها؟"
عمار متصنعًا الأسى وبنبرة مضحكة: "آه يا أخويا، ما أنا غلبان وعلى نياتي."
ضحكت لينا بخفوت لتسرق نظرة إعجاب من أعين عمار الذي يراوده شعور دائم منذ أن رأى تلك الفتاة أنها من يبحث عنها لتكون شريكة حياته وقلبه. يعلم أن كل ما يقول ضرب من ضروب الجنون، فهو التقى بها مرة واحدة والآن الثانية. كيف له أن يفكر هكذا؟
عمار بتساؤل: "بتعملوا إيه هنا؟ صح؟"
همس بسخرية: "بنلعب. تلعب معانا؟"
ثم تابعت بتهكم: "قاعدين في مطعم يبقى بنعمل إيه؟ أكيد بنطفح."
عمار بغيظ: "بت انتي ابرمي لسانك الطويل ده وخليه جوه بوقك، يخربيت كده بلاعة واتفتحت. ما كانش سؤال."
همس بغيظ: "سؤال غبي زي..."
قاطعها قائلًا بحدة: "زي إيه؟"
ابتسمت بتصنع ولم تجب. ليقول قصي بابتسامة: "ممكن نتغدى سوا كلنا، ولا هنضايقكم؟"
نفى الثلاث فتيات بإحراج. كاد أن يعترض سفيان، لكن عندما جلس الثلاثة جلس هو الآخر مرغمًا.
جاء النادل أخيرًا بالطعام لهم، وبعد وقت قصير جاء الطعام الذي طلبه الشباب.
عمار وهو ينظر للينا وهي ترتدي ذلك القفاز الشفاف تحاول بشتى الطرق أن تقشر تلك السمكة التي بيدها، لكنها تفشل. سألها بمرح: "مش بتعرفي تعمليه؟"
نفضت رأسها بحرج قائلة بصوت حزين: "بابا الله يرحمه كان هو اللي بيعملها."
كان الجميع منشغلين بالأحاديث الجانبية، فلم ينتبه أحد لما يقولوا. لذا بصمت، أخذ من يدها السمكة وبدأ هو بتقشيرها ويضع واحدة تلو الأخرى بصحنها. ابتسمت له قائلة بخجل وحرج: "شكرًا، تسلم إيدك."
ابتسم هو الآخر قائلًا: "بالهنا والشفا."
لاحظ الجميع ما فعل معها، بينما سفيان كتم بداخله ضيقه. ما فعل شقيقه وما يراه بعينيه ويعرف نهايته، لكنه اكتفى بالصمت كباقي الجالسين.
رفعت ميان رأسها صدفة لتجد ذلك الشاب يدخل من باب المطعم برفقة امرأة ورجل كبار بالسن. على الفور، خمنت أنهم والداه. فقالت سريعًا: "يا بنات شوفوا مين هنا. أياد ووالده ووالدته تقريبًا."
التفتت لينا وهمس لحيث أشارت برأسها، فرآهم. أياد متوجهًا لهم برفقة والديه قائلًا بابتسامة وهو يصافحهم بحرارة، وخاصة ميان التي لم يخفض عينيه عنها: "أخباركم إيه وعاملين إيه في الدراسة؟"
همس بابتسامة: "بخير. أنت عامل إيه يا أياد؟"
رد عليها بابتسامة ثم أشار لوالديه قائلًا: "أعرفكم والدي ووالدتي."
ردت والدته بابتسامة ودودة: "أهلًا يا بنات. مين فيكم ميان؟"
ميان بابتسامة بسيطة: "أنا ميان، ودي همس ودي لينا."
ابتسمت قائلة: "أهلًا يا حبايبي. ده أياد ملوش سيرة غيركم، وخصوصًا أنتِ يا ميان."
تَحَنَّحَت ميان بحرج ولم تجب. اشتعلت عينا سفيان بغضب وغيره. ظن أنه تخلص منها، لكن لما عاد يراوده هذا الشعور الآن. بينما عمار لم يكن بحال أفضل منه وهو يرى لينا تتحدث وتبتسم لذلك الشاب. فقال بابتسامة زائفة: "مش تعرفونـ..."
ميان بابتسامة: "أياد كان زميلنا في الجامعة واتخرج. والده ووالدته..."
ثم أشارت بيدها للجالسين قائلة: "عمار ابن خالتي، وقصي ابن عمه، ودكتور يزن بيدرس لنا في الجامعة وصاحبهم."
تصافح الجميع، بينما سفيان كان يكوّر قبضة يده بغضب كبير وهو يراها تصافح ذلك المدعو أياد، تبتسم له، والآخر يناظرها بكل هذا الحب الظاهر للعيان. استأذن منهم هو وعائلته وغادر لطاولة فارغة بالداخل.
همس بمكر وهي تشرب من كأس العصير الذي أمامها، قاصدة إثارة غضب سفيان والثأر لميان: "من كام يوم أياد كلمني وكان عايز رقم والدك. قالي إنه عايز يتقدملك، بس للأسف رقم أونكل رأفت مش معايا."
سعلت ميان قائلة بحرج وهي تنظر لهمس بحدة: "احم، بعدين نتكلم في الموضوع ده."
عمار بابتسامة سعيدة ومكر هو الآخر: "إيه ده؟ هو معجب بميان؟"
همس بابتسامة: "قول بيموت فيها. ده كان يحضر معانا المحاضرات بتاعتنا بس عشان يشوفها، وكان الفراغ اللي بين المحاضرات بيقضيه معانا."
سفيان بغضب: "نسيب الأكل بقى ونفضل نتكلم في سيرة الأستاذ؟"
همس بمكر: "طب ده مضايقك في حاجة؟"
جز على أسنانه بغيظ ولم يجب. بينما عمار وقصي يبتسمون بتشمّت.
أتت رنين هاتف لينا، أجابت عليه وقامت بتشغيل مكبر الصوت. سرعان ما انتفضت عندما استمعت لصوت الخادمة تقول ببكاء وخوف: "ست لينا، والدتك تعبت واغمى عليها. كلمنَت الدكتور وجاي."
ركضت خارج المطعم، وخلفها الجميع بقلق بعدما دفع أحد الشباب الحساب.
وصلت لينا لمنزلها، ثم صعدت لأعلى مسرعة وخلفها الجميع. لتجد باب المنزل مفتوحًا على مصراعيه. دخلت هي والجميع لتجد رأفت والد ميان الذي استنجدت به الخادمة ليساعدها، يخرج برفقة الطبيب. فهرعت إليه تسأله بقلق ودموع: "ماما مالها؟"
الدكتور بعملية: "ضغطها كان عالي. يا ريت تهتم بأكلها وتنتظم بمواعيد الأدوية بتاعتها، وإن شاء الله تبقى كويسة."
غادر الطبيب. أما لينا فركضت للداخل لكي تطمئن على والدتها وهي تبكي بقوة. فخرجت عليا والدة ميان من الغرفة بعد لحظات لتتفاجأ بسفيان وقصي وعمار، الذي ما إن رآها اقترب منها معانقًا إياها باشتياق قائلًا: "وحشتيني أوي يا خالتو."
بادلته الاحتضان باشتياق هي الأخرى. أما رأفت فنظر لسفيان بضيق وقال لميان بجدية: "ميان هتفضلي الليلة دي مع لينا، ماشيين؟"
ميان بهدوء: "حاضر يا بابا، أنا أصلًا كنت ناوية على كده."
همس بجدية: "أنا كمان هستنى معاكم، هتصل أستأذن بابا."
أومأ لهم رأفت بصمت، بينما اقترب قصي وعمار مصافحين إياه، وتعرف على يزن متجاهلًا سفيان تمامًا مثلما تجاهله. حتى عليا التي تحدثت معها تجاهلها وتجاهل الرد عليها، مما جعل غضب رأفت يزداد تجاهه ويمقته أكثر بعدما كان يعتبره ابنًا له بيوم من الأيام.
بعد أقل ربع ساعة، غادر الشباب ومن بينهم عمار الذي شعر بالضيق والحزن لأجل لينا، والغضب من شقيقه الذي منذ سنوات وهو يتصرف خطأ ويخسر جميع أحبابه.
بمنزل عاصم الشريف، بعد أن أغلق الهاتف مع همس التي كانت تأخذ منه الإذن لتبقى اليوم عند لينا، وصلته رسالة على هاتفه. ما إن قرأها شعر الصدمة والخوف تملك من قلبه، فقد كانت تنص على صورة لابنته من أحد المطاعم اليوم ومكتوب أسفلها: "عندك اللي تخاف عليه يا سيادة اللوا، روحها قصاد اللي عندك."
كانت سيلين تجلس برفقة كوثر أمام شاشة التلفاز تتابع بشرود، عقلها شارد بما حدث قبل سنوات. لم تفق من شرودها سوى على صوت كوثر قائلة: "سيلين يا بنتي، معلش نص ساعة كده وخذي العشا لقصي، هو هيرجع متأخر وإحنا هنكون نمنا، فخذيه الشقة عنده وهو يبقى يسخن."
أومأت لها وبصمت أخذت الطعام ومفتاح المنزل الثاني الذي بحوزة خالتها. وضعت الطعام بالمطبخ، كادت أن تغادر، لكن تفاجأت به يفتح باب المنزل. ما إن رآها سألها بتعجب: "بتعملي إيه هنا؟"
أجابته بحرج: "خالتو قالتلي أحطلك العشا في المطبخ."
أومأ لها بصمت. كاد أن يدخل لغرفته، فأوقفته قائلة بحزن وألم: "مفيش أمل نرجع زي زمان يا قصي؟"
التفت لها قائلًا بسخرية: "مفيش حاجة بترجع زي الأول يا سيلين، اللي اتكسر عمره ما بيتصلح."
اقتربت خطوة إليه قائلة بدموع وصدق: "بس أنا... أنا بحبك والله بحبك. مش من دلوقتي، من زمان. كنت فاكرة إن اللي بحسه ناحيتك أخوة، مكنتش أعرف إنه حب."
قاطعها قائلًا بجمود: "تمام. وبعد ما عرفتي، وبعد اللي قولتي، مستنية مني إيه؟ مستنية أقول إيه يا سيلين؟"
بكت بصمت، ليسألها بسخرية: "مشاعر الأخوة اللي كنتِ حساها، خليتك تقدري اللي بينا والعشرة قبل ما تعملي اللي عملتيه زمان فيا أنتِ وخطيبك. أنتِ ما اهتمتيش بأي حاجة زمان يا سيلين، دستي وكملتي ومعملتيش اعتبار لأي حاجة."
اقترب منها قائلًا بسخرية مريرة: "أنتِ باللي عملتيه خسرتيني كأخ وكصديق وحتى كحبيب. اللي جابرني أتعامل معاكي هو للأسف إنك بنت خالتك."
كاد أن يغادر، فتوقف عندما سمعها تتمتم بخفوت: "غصب عني، كنت مجبورة."
التفت إليها قائلًا بغضب: "كفاية كذب بقى، إيه اللي يجبرك تعملي كده؟ مفيش أي سبب تقدري تقنعيني بيه، ولا فيه سبب يخليني أرجع أعاملك زي الأول."
صرخت عليه بقهر: "سفيان، ابن عمك هو اللي قالي أعمل كده!"
توسعت عيناه بصدمة مما قالت، لتتابع هي سرد عليه ما حدث منذ سنوات: "هو اللي بعت ناس ضربوا راغب وطلب منه يقدم بلاغ فيك. بعدها قالي أجلك الشركة وأبهدلك وسط الموظفين، وقالي أقولك كلام يجرح. وهو اللي قالي أبعتلك دعوة الفرح. كل اللي حصل كان من تخطيطه هو. سفيان اللي قالي أعمل كل ده!"
رواية بعينك اسير الفصل السادس 6 - بقلم شهد الشوري
كان سفيان يجلس وحيدًا ببهو الفيلا، حيث اعتاد أن يجلس برفقة جدته، لكنها الآن تركته ورحلت، رافضة أن تنظر لوجهه، حتى لقد ارتكب خطأ فادحًا بحقها. شقيقه تركه وغادر ليكون معها.
رنين جرس المنزل علا بشدة مع طرقات عالية على الباب. بسرعة كان يتوجه للباب ليفتح بقلق، سرعان ما تفاجأ بلكمة على وجهه من يد قصي. من قوتها جعلته يتراجع عدة خطوات للخلف.
دخل قصي للداخل صارخًا عليه بغضب وغل:
"روحت لسيلين وطلبت منها تعمل فيا كل ده ليه؟ يا بنت عمي بدل ما تهدي بينا، روحت زودت النار ليه؟"
سفيان بغضب وهو يعتدل بجسده:
"انت اتجننت يا قصي؟ إيه اللي بتقوله ده؟"
قصي بغضب وهو يدفعه بكتفه:
"ما روحتش لسيلين وطلبت منها تكرهني فيها، ما طلبتش منها تقولي كل الكلام ده، ما طلبتش منها تيجي وتبهدلني بين الموظفين، ما طلبتش من خطيبها يقدم بلاغ فيا بأني ضربته، وانت اللي كنت بعت رجالة يضربوه."
سفيان بغضب:
"أيوه أنا اللي عملت كده، أنا اللي خططت لكل ده. كنت عايزني أعمل إيه وأنا شايفك كل يوم بتموت بالبطيء لأنها مش بتحبك وهتتجوز غيرك؟ مشوفتش نفسك ساعتها كنت عامل إزاي؟ كنت لسه بتحبها وهي متستاهلش حبك، سابتك وراحت اختارت واحد زبالة ميسواش ضفرك كان. كان لازم أخليك تكرهها عشان تقوى وتقف على رجلك بدل ما كنت قاعد تبكي وتولول زي الستات."
قصي بغضب وهو يلكمه بقوة:
"حد قالك إني قاصر مش هعرف أتصرف عشان تتدخل أنت في حياتي؟ طب كنت شوف نفسك أنت الأول ولاقي حل لحياتك."
سفيان بغضب:
"أنا عملت كل ده عشانك، عملت كده عشان شوفت إنه الصح وعشان هي متستاهلكش، باعتك زمان وراحت لغيرك."
قصي بغضب كبير:
"باعتني لو كانت عشمتني بحاجة وسابتني، لكن هي عمرها ما عملت كده، كانت شيفاني أخ وأنا اللي فهمت إنه حب. ولو زي ما بتقول ما شوفتش نفسك في سيلين، ما عملتش كل اللي أنت قلته دلوقتي مع ميان، ما فضلتش توعد وفي الآخر خذلتها ومشيت وما التفتش ليها مرة واحدة."
ثم تابع قصي بسخرية مواجهًا إياه بحقيقته:
"انت عايزني أبقى نسخة منك؟ عايز بعقلي وجسمي مع واحدة وقلبي مع غيرها."
سفيان بغضب:
"أنا قلبي قبل عقلي وجسمي مع مراتي، أنا كلي ليها."
قصي بغضب وسخرية:
"اضحك على نفسك بالكلام زي ما طول عمرك بتعمل. أنت لحد اللحظة دي عمرك ما نسيت ميان، ما نسيتهاش ولا عمرك هتنساها مع إنها متستاهلش واحد زيك."
سفيان بحدة:
"ميان اللي أرخص من جزمتي متستاهلنيش، ميان اللي لحد دلوقتي موقفة حياتها و عايشة على أمل إني أكون ليها في يوم من الأيام. الأصح تقول إن هي اللي متستاهلنيش."
قصي بغضب:
"انت مريض يا سفيان، مريض."
سفيان بغضب:
"أنا مش مريض، هي دي الحقيقة. متتخدعش بوش البراءة اللي بيلبسوه دول، بيتلونوا بمية لون لحد ما ياخدوا اللي عايزينه."
ثم تابع وهو بغل وغضب كبير:
"منهم كاميليا، غرضها من أبويا كان الفلوس، أول ما خلصت سابته وسابتنا. وحتى سيلين كانت بتستغلك بحجة إنك ابن خالتها وزي أخوها، وكانت بتعمل معاك كل اللي فشلت إنها تعيشه في بيت أهلها، خروجات وفسح، وأول ما لقت البديل بتاعك وحبته سابتك بحجة إنها بتشوفك أخوها. وميان اللي ما تفرقش حاجة عن كاميليا، أول ما اديتها ضهري نسيتني و........"
توقف عن متابعة حديثه معنفًا نفسه على ما كان سيقوله. ليسأله قصي بحدة:
"ما تكمل، عملتلك إيه ميان؟ وحتى لو عملت، صنف الستات كله مش وحش زي ما أنت فاكر. فيه منهم جدتك وأمي ومراتك اللي أنت شايفها ملاك، وسيلين اللي عمرها ما استغلتني زي ما بتقول، وأنا اللي كنت فارض نفسي عليها. أنا اللي كنت بخرجها من غير ما تطلب، أنا اللي كنت لما تقول بس نفسي في كذا بينها وبين نفسها، حتى كنت بجيبه تحت رجليها من غير ما تطلبه مني. أنا مقدرش ألومها إنها مقدرتش تحبني، ولولا اللي عملته كان زماني أنا وهي على الأقل قادرين نتعامل مع بعض، دلوقتي لا هي قادرة تحط عينها في عيني ولا أنا قادر أنسى اللي عملته. كان ممكن تيجي وتقولي إنه شخص زبالة وبيضحك عليها، ساعتها كان هيبقى عندي فرصة معاها، كنت هتصرف وأعرفها الحقيقة، لكن أنت نهيت وقفت كل الأبواب اللي ممكن ترجعنا لبعض أو حتى أقبلها كبنت خالتي وأختي."
تنهد بحزن قائلاً قبل أن يغادر:
"أنا مش مسامحك على اللي عملته ده يا.... بن عمي."
دخلت كوثر من باب منزل قصي بالمفتاح الذي تحمله معها، لتجده يجلس على الأريكة المقابلة للباب يضع رأسه بين يديه.
اقتربت منه مربتة على كتفه بحنان:
"مالك يا حبيبي؟"
تنهد ثم سألها بعد تردد:
"إيه اللي حصل مع سيلين يا أمي عشان تطلق؟"
كوثر بحزن:
"أنا عرفت من قريب، خالتك كانت كاتمة على الموضوع مش عايزة حد يعرف ويشمت فيها."
ثم تابعت تسرد عليه ما سمعته من شقيقتها:
"يوم فرحهم بعد ما راحوا بيتهم، سمعته بالصدفة بيتكلم مع واحد صاحبه على باب الشقة، كان فاكر إنها في الأوضة. وعشان نيته سودا زيه، طلعت بالصدفة وسمعته بيقولوا إنه عمل كده عشان عاجباه ومش طايلها، وعشان حد دفعه فلوس يدخل حياتها. وهو أول ما قفل الباب لقاها في وشه، صرخت بس هو سكتها وفضل يضرب فيها. خلصت نفسها منه بصعوبة وضربته بحاجة على دماغه وقفت على نفسها الباب لحد تاني يوم. خالتك وجوزها لما راحوا يزوروهم في الصباحية شافوا اللي حصل لبنته، قوم الدنيا وقعدها. ولما حاول ياخد بنته هددوه إنه هيبلغ عنهم. جوز خالتك مشي من هنا والواطي حاول يقرب منها غصب، بس جوز خالتك رجع تاني البوليس واتقبض عليه وكان شارب. اتعملوا كذا محضر، فضلت سيلين قاعدة في بيته، وقبل ما يخرج من السجن بفترة رجعت بيت أهلها على أساس فيه بينهم مشاكل ومش متفقين. رفعت عليه قضية طلاق وهو في السجن واطلقوا. بس الصراحة الواد ولا كان يبان عليه إنه بالأخلاق دي، وبينك وبينك خالتك اتصرفت صح، لو كانت اتطلقت تاني يوم كلام الناس مكنش هيرحمها، عشان كده أبوها وافق. ولما خرج من السجن اتهجم عليهم في البيت، وجوز خالتك في شغله ونزل في سيلين ضرب، وخالتك صوتت ولمت الناس وخلصوها من إيديه بالعافية بعد ما كسر دراعها وموتها من الضرب وهرب قبل ما يلحقوها."
تنهد لها بصمت ويكور قبضة يده بغل متوعدًا للآخر بكل شر.
"فقط صبرًا."
ربتت والدته على يده قائلة:
"قصي، أنا يا بني عارفة إن اللي سيلين عملته مش سهل، بس لو لسه بتحبها يا حبيبي اتقدملها، ربنا حفظها لكِ ولسه زي ما هي وندمانة على اللي عملته. بلاش تعذب نفسك يا بني واتجوزها وارحمها من كلام الناس وريح قلبك وقلبي واتجوز، خليني أفرح بيك يا حبيبي."
تنهد بحزن قائلاً:
"مش هينفع يا أمي، صدقيني مش هينفع. اللي سيلين عملته مقدرش أنساه، كلامها اللي يوجع ولسه فاكرة لحد دلوقتي هيفضل بيني وبينها. أنا آه بحبها، بس قدرت أعيش من غيرها يبقى هقدر أكمل اللي باقي من عمري من غيرها، وهقدر أتجاوز عادي. الحياة مش بتقف على حد، أنا مش هقدر أتقبلها لا حبيبة ولا زوجة ولا حتى أخت وصديقة زي الأول. أنا بالعافية قادر أتعامل معاها لأنها في الأول والآخر بنت خالتي."
لم تجد ما تقوله، تعطي كل الحق لابنها، سيلين تجاوزت كل الحدود بتلك الفترة، كلماتها القاسية لوالدها الجارحة لرجولته وكرامته عالقة بذهنها للآن. قدم خطيبها بلاغ ضد ابنها وكانت هي شاهدة على الواقعة بالكذب، لقد رأت منها ومن ابنها كل خير وقابلته بالسوء.
كان عاصم يجلس بمكتبه الموجود بالطابق الأسفل بمنزله، القلق ينهش قلبه بعد وصول تلك الرسالة، يخاف على ابنته بشدة. على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يصل له تهديدات بشأن ابنته، إلا أن تلك المرة هؤلاء الناس لا يعرفون الرحمة. لقد تعب هو وفريقه سنوات، وبالأمس استطاع أحد الضباط الماهرين بفريقه "كرم" أن يتحصل على تلك المستندات التي تدينهم. يقوم بتسليمها أم يحافظ على حياة ابنته الوحيدة؟ وإن وافقهم كيف يضمن التزامهم، وإن غدر كيف يضمن حماية ابنته؟ خائف ولأول مرة!
قاطع شروده رنين هاتفه فالتقطه مجيبًا على الفور عندما رأى أن المتصل هو "صلاح"، صديقه القديم الذي فرقته الأيام وانشغل كلا منهم بحياته، لكن من حين لآخر يلتقون أو يتحدثون على الهاتف.
عاصم بشرود:
"أخبارك إيه يا صلاح؟"
صلاح بابتسامة:
"بخير يا صاحبي، أنت أخبارك إيه؟"
عاصم بشرود:
"مش كويس خالص يا صلاح."
صلاح بقلق:
"خير، المدام وبنتك كويسين؟"
قص عليه عاصم ما حدث خاتمًا حديثه بضيق:
"همس عنيدة ومش هترضي أبداً تمشي بين حراس. حتى لما كنت بعمل كده غصب، كانت بتهرب منهم، هي دايما شايفة إنها تقدر تحمي نفسها كويس."
صلاح بهدوء:
"عاصم، أنت في كل الأحوال مفيش ضمانات إنهم يوفوا بكلامهم زي ما قولت، هما مفيش في قلوبهم رحمة وخطر أوي، وأنت عارف كويس إنك مستحيل تقدر تخالف مبادئك والقسم اللي أقسمته. اعمل اللي عليك وقدم الورق والمستندات اللي معاك وربنا إن شاء الله يعدي الموضوع ده على خير. أما بنتك تقدر تعين اللي يحموها من بعيد لبعيد من غير ما تاخد بالها لو رفضت رغبتك في إن يكون معاها حراس، أو ممكن تخليها في البيت لحد ما الفترة دي تعدي."
تنهد عاصم بحيرة ليتابع صلاح مغيراً مجرى الحديث:
"أنا عارف إنه مش وقته، بس كنت بتصل بيك عشان أعزمك على الغدا أنت وأسرتك لأنِ اكتشفت إننا أصحاب بقالنا قد إيه وعمري ما اتعرفت على أسرتك ولا أنت نفس الحكاية."
عاصم بابتسامة بسيطة:
"في الحالة دي يبقى العزومة عندي أنا المرة دي."
ضحك صلاح بخفوت قائلاً:
"عندي وعندك واحد يا صاحبي."
ابتسم عاصم قائلاً قبل أن ينهي الحديث معه:
"خلاص هنستناكم بكرة بإذن الله."
بمكان نذهب إليه لأول مرة، بأحد غرف الفنادق الفخمة، كانت تقف تلك السيدة ذات الجمال الساحر الذي رغم مرور العمر إلا أنها لازالت تحتفظ به. كانت تتحدث عبر الهاتف بجدية وصرامة:
"اعمل اللي قولته لك عليه وأنت ساكت، بكرة أسمع الخبر، ولو له حصل حاجة ولا مات، هطلع بروحك. أنت فاهم يا عزوز؟"
أجابها الآخر بطاعة:
"اللي تؤمري بيه يا هانم، بس المبلغ هيزيد شوية، دي برضو عملية مش سهلة وهيبقى فيه سين وجيم."
صرخت عليه بغضب:
"خمسمية ألف جنيه مفيش غيرهم، أومال لو بقولك اقتله هتاخد كام؟ بلاش طمع يا عزوز، في غيرك كتير يقدروا يعملوا كده."
قالتها ثم أغلقت الهاتف بوجهه ما إن أخبرها بالموافقة على المبلغ الذي حددته. جلست على الفراش تدخن سيجارتها بشراهة وهي تخطط لخطواتها القادمة بعقل خبيث كقلبها تمامًا، الذي تملك منه الحقد والغل حتى باتت لا تريد من الدنيا شيئًا سوى إفساد سعادة الجميع!
في صباح يوم جديد، خرجت ميان من غرفتها وهي تحاول مقاومة رغبتها الشديدة في النوم، لكن تعالي رنين جرس المنزل أقلق نومها هي ووالديها، فلم يعتادوا على زيارات بهذا الوقت الباكر.
فتحت ميان الباب، سرعان ما توسعت عيناها بصدمة، كذلك والديها من خلفها.
لتردد هي بصدمة:
"انتي!"
اقتربت عليا والدة ميان من الباب قائلة بصدمة:
"كاميليا إيه اللي جابك؟"
كاميليا بانكسار:
"ممكن أدخل يا عليا، ولا وجودي مش مرحب به؟"
عليا بهدوء زائف ونظرات لوم وعتاب:
"بيتي مفتوح لكِ من زمان يا بنت أبويا وأمي، وبيت أولادك كان هيفضل مفتوح لكِ لو بس فكرتي فينا قبل ما تعملي عملتك وتمشي."
فسحت لها ميان المكان لتدخل وهي تلقي عليها نظراتها الغاضبة والكارهة بدون حرج في إظهار بغضها لها، فتلك المرأة لا تستحق أي شفقة أو مجاملة، حتى يكفي أنها سبب تعاستها!
عليا بعتاب:
"اتخليتي عن الكل ومشيتي يا كاميليا، كرهتي ولادك فينا وفيكي ليه؟ عملتي كده؟"
جلست كاميليا على الأريكة قائلة بدموع:
"غصب عني يا عليا، أنا خوفت. خوفت من الفقر لما طلبت من شريف الطلاق، قالي إنه هيطلقني مقابل إني أبعد عنه وعن ولادي، حتى كل الحوار اللي دار بيني وبينه وعمار وسفيان سمعوه كان باتفاق معاه عشان يكرهوني ويبعدوا عني."
ميان بغضب:
"أنا كدابة! عمي شريف عمره ما يعمل كده، إحنا زي ما عارفينك عارفيننه وعندنا عقل نميز مين اللي مظلوم ومين الظالم. ولو فرضنا، ما ظهرتيش ليه بعد ما مات؟"
رأفت والدها بحدة:
"ميان، متدخليش في كلام الكبار، وإياكِ تكلمي خالتك بالأسلوب ده تاني."
كورت قبضة يدها بغضب وضيق ثم غادرت لغرفتها. فالتفتت عليا عندما قالت كاميليا بدموع:
"غصب عني يا عليا، أنا خوفت. رجعت، كنت هقولهم إيه؟ هقولهم أبوكم فرقنا عن بعض؟ هقولهم إيه بعد اللي سمعوه مني وهحط عيني في عينهم إزاي؟ حتى أنتِ مكنتش قادرة أرفع عيني في عينك وأشوفك، كنت بطمن عليكم من بعيد وده كان كفاية."
سألتها بحدة:
"طب وجوازك بعد العدة على طول من محمود تسميه إيه يا كاميليا؟"
أجابتها بدموع وحزن:
"قولتلك خوفت، خوفت من الفقر، خوفت أترمى في الشارع. شريف كان خسر فلوسه كلها، كنا هنعيش إزاي وفين؟ كنت هتجوز محمود وأخدهم يعيشوا معايا، بس شريف رفض. اضطريت أوافق وياريتني ما وافقت. ولادي وحشوني أوي يا عليا، نفسي آخدهم في حضني، ندمانة على كل اللي عملته، نفسي بس يسامحوني وأخدهم في حضني وأشبع منهم. منه لله شريف هو السبب."
عليا بضيق وشك بحديثها:
"أنتِ جيالي دلوقتي أعملك إيه؟"
كاميليا بحرج ودموع:
"هو..... أنا يعني ممكن..... ينفع أقعد معاكم كام يوم لحد ما أشوف مكان أقعد أعيش فيه على قد فلوسي اللي معايا."
نظرت عليا لرأفت الذي أومأ لها بنعم، تتصرف مثلما تريد، فلم تقدر عليا على الرفض، فهي بالنهاية شقيقتها الكبرى.
كانت ميان تدور بسيارتها بالشارع غاضبة من ظهور تلك المرأة ومن موافقة والدتها على إقامتها معهم. تلك المرأة كاذبة، تعلم تمام العلم أنها تخطط لشيء، فقد استمعت لما قالته لوالديها ما إن غادرت، أو هكذا ظن الجميع، فقد اختبأت خلف أحد الجدران. نظرات عيناها تحمل مكر وخبث، مهما تظاهرت بالحزن والبكاء، إلا أنها استطاعت أن تراه بوضوح.
توقفت بسيارتها بعيدًا عندما رأت نرمين زوجة سفيان تخرج من إحدى البنايات، وأحد الرجال يحوط خصرها بحميمية، والأخرى تضحك وتطبع قبلة على شفتيه بجراءة قبل أن تركب سيارتها وتغادر.
في منتصف اليوم، كان عمار يخرج من باب الشركة متوجهًا لمنزل فريدة، وذهنه شارد بتلك الحسناء التي اجتذبته، قلقًا عليها ويريد رؤيتها، لكن بأي صفة سوف يذهب لمنزلها؟ فقط هي تعجبه، لكن لا يستطيع أن يحدد إن كان ذلك حب أم لا. يريد أخذ خطوة رسمية، لكنه متردد.
كان شاردًا ولم ينتبه للسيارة التي ظهرت أمامه فجأة من العدم. حاول تفاديها وبالفعل حدث، لكن اصطدمت سيارته بجدار ضخم فتحطمت سيارته من الأمام واشتعلت بها النيران.
كانت فريدة تجلس أمام الطعام الذي أعدته خادمتها تهاني بدون شهية، لازالت حزينة مما فعل سفيان، الذي تغير حاله منذ أن تزوج من نرمين.
تعالى رنين المنزل، فظنت أنه عمار. فتحت الخادمة الباب لتقول هي بدون أن تلتفت للخلف:
"نسيت مفتاحك ولا إيه يا عمار؟"
جاءها صوت سفيان من الخلف قائلاً:
"أنا سفيان، ينفع أدخل؟"
سألته بضيق:
"جاي عايز إيه؟"
اقترب منها ثم انحنى مقبلاً يدها وجبينها قائلاً بأسف وحزن:
"حقك عليا يا ست الكل، ده بيتك وهيفضل بيتك أنتِ طول العمر وإحنا ضيوف عندك. والله ما أقصد حاجة باللي قلته، كان بس كلام وقت غضب."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه بصمت متجاهلة النظر له. ليقبل يدها مرة أخرى قائلاً بتوسل:
"حقك عليا يا فريدة، والله زعلك عندي بالدنيا. قوليلي أعمل إيه بس عشان تسامحيني؟ ده أنتِ عمرك ما عملتيها، مش عايرة تبصي وشي حتى."
فريدة بعد صمت دقائق قالت بصرامة:
"أنا موافقة أسامحك وأرجع الفيلا، بس بشرط!"
سفيان بلهفة وبدون تردد:
"أؤمري بس."
صمتت لحظات ثم قالت بصرامة:
"تتجوز ميان!"
رواية بعينك اسير الفصل السابع 7 - بقلم شهد الشوري
كان سفيان يركض في طرقات المستشفى يبحث بعينيه عن رقم الغرفة المتواجد بها شقيقه.
فريدة تستند على يد خادمتها تمشي بتعجل، قلقة وتشعر بالرعب على حفيدها الذي قام المارة بالطريق بأسعافه على الفور وجاءوا به لأقرب مستشفى قبل أن تنفجر سيارته.
خرج الطبيب من غرفة عمار مع وصول سفيان وفريدة. قصي جاء من خلفهم فقد علم من يزن صاحب تلك المستشفى، وهو من اتصل بسفيان عندما علم بوجوده مصاباً بالمستشفى.
سفيان بقلق ولهفة: "عمار، أخويا ماله يا يزن؟ عمار كويس، مش كده؟"
يزن بتهدئة: "اهدأ، مفيش داعي للقلق، هو بخير الحمد لله."
فريدة بقلق: "طمني يا بني عليه."
يزن بهدوء: "عمار كويس والله، بس فيه شوية كدمات وكسر في إيده الشمال."
قصي بقلق: "نقدر نشوفه؟"
يزن بهدوء: "هيفوق على بكرة الصبح إن شاء الله. تقدروا تمشوا دلوقتي، والصبح تبقوا تطمنوا عليه. مسموح يفضل معاه واحد بس."
سفيان بجدية لقصي: "وصل فريدة البيت، وبكرة عدّي تجيبها هنا. أنا هفضل مع عمار."
تجاهل قصي النظر والحديث معه، ولم يشأ أن يدخل معه بحديث ومجادلة بعدما علم ما حدث له بسببه كل تلك السنوات.
رفضت فريدة أن تغادر، لكن بعد توسل من سفيان غادرت برفقة قصي لتأتي في الصباح الباكر.
بينما سفيان راقب شقيقه من خلف الزجاج الشفاف بقلق وخوف. ربت يزن على كتفه قائلاً: "هيقوم بالسلامة إن شاء الله، اتطمن."
ثم تابع وهو يشير لداخل الغرفة: "ادخل عنده الأوضة. أنا طلبت منهم ينقلوا سرير تاني عشان تفضل معاه."
ربت سفيان على كتفه قائلاً بامتنان: "تسلم يا صاحبي."
أعطاه يزن ابتسامة صغيرة ثم غادر لمكتبه بالمستشفى، مقرراً المبيت هنا اليوم ليبقى برفقة صديقه.
وما أن دخل وجلس خلف مكتبه، التقط بيده ذلك الإطار المصنوع من الخشب، حيث يحتوي على صورة له ولخطيبته الراحلة وحبيبته "بسمة".
ينظر لصورتها باشتياق وتأمل. لقد كانت أجمل شيء بحياته، رحلت ورحل معها كل شيء جميل، ابتسامته وسعادته ورغبته بالعيش. رحلت وتركت جسداً بلا روح، يتألم لفراقها الذي كان بسببه.
أغمض عينيه وعقله يسترجع آخر شيء بتلك الليلة قبل أن يفقدها للأبد، وكيف استند بجبينه على جبينها قائلاً بكل عشق: "بحبك."
بعدها انقلبت سيارتهما عدة مرات، ولم يدري بنفسه إلا بعد أن أفاق من غيبوبته التي استمرت بضعة أيام، ليفجع بذلك الخبر، حبيبته توفيت بدون سابق إنذار. رحلت وتركته وحده، دُفنت قبل أن يودعها لآخر مرة.
أفاق من شروده والدموع تغرق وجهه على صوت رنين هاتفه. التقطه بيده مجيباً على الفور ما أن رأى هوية المتصل، إنها شقيقته الصغرى "ياسمين".
تزوجت منذ خمس سنوات ولديها طفل صغير، تعيش برفقة زوجها بدبي.
"حبيبتي، أخبارك إيه؟ وحشاني، ونادر عامل إيه؟ أوعى يكون مضايقك في حاجة."
ابتسمت شقيقته على الناحية الأخرى قائلة: "الحمد لله يا حبيبي، كلنا كويسين."
ثم تابعت بابتسامة ساخرة، مبتلعة غصة مريرة تسد حلقها: "وبعدين نادر مين اللي يزعلني؟ ما أنت عارف هو بيحبني قد إيه."
أومأ برأسه قائلاً بابتسامة: "عارف يا حبيبتي، أنا بس بهزر. ربنا يحفظكم لبعض. زين حبيب قلب خاله عامل إيه؟"
ابتسمت قائلة: "بخير يا حبيبي. المهم أنت أخبارك إيه؟ طمني عليك."
تنهد قائلاً بحزن وصوت مختنق: "اهو، عايش."
عاتبته قائلة بدموع وحزن لأجله: "وهي دي عيشة يا يزن؟ حرام عليك اللي بتعمله في نفسك. شغل وبيت بس. بسمة ماتت يا يزن، اتقبل الحقيقة دي، الحياة مش بتقف على حد."
تنهد بحزن قائلاً: "بس عندي أنا وقفت. هي كانت كل حياتي، وخسرتها. خسرتها وخسرت معاها يزن القديم، خسرتها وخسرت كل أحلامي."
ردفت شقيقته على الناحية الأخرى بحزن: "ماما زعلانة أوي يا يزن وقلقانة، نفسها تشوفك مبسوط وتفرح بيك. حتى بابا مهما اتظاهر إن الموضوع مش فارق معاه وأنت تتجوز أو لأ، بس أنا متأكدة إنه زيها قلقان عليك ونفسه يطمن."
غمغم هو بحدة وغضب: "كلكم أنانيين. ليه أتجوز واحدة مش بحبها عشان بس هما يتبسطوا؟ أنا مش هبقى مبسوط لما أتجوز ولا هقدر أديها اللي هي عاوزاه، لا حب ولا حتى ود واحترام. مش هبقى قادر أبص في وشها حتى، وساعتها هظلمها وهظلم نفسي معاها وهخون بسمة."
ياسمين بعتاب: "محدش فينا أناني يا يزن. لو أنانيين زي ما بتقول، كنا ضينا لحالنا بس وسيبناك. كنا قولنا ملناش دعوة، هو حر. لا كنا هنقعد نقولك ليه نصايح قرفاك. عن إذنك يا أخويا."
قالتها ثم أغلقت الهاتف دون سماع إجابة منه. شقيقها الأحمق يعيش بوهم كبير، سبق وعاشت به، وهو يمكنه تخطيه ويمضي قدماً، وليس مثلها. ظلت عالقة به، لا يمكنها البوح بما ترى وتتعايش، فقط تعطي نصائح لا تفيد ولا يمكنها فعل أي شيء سوى ذلك، وإلا...
عاد قصي لمنزله، وما أن هم ليضع المفتاح بباب المنزل، تفاجأ بصوت فتح باب شقة والدته من خلفه. ظن أنها والدته لتطمئن على عمار، لكنه تفاجأ بسيلين. فسألها بجدية: "خير يا سيلين؟ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ محتاجة حاجة؟"
أومأت له قائلة بأعين تلمع بالدموع: "آه محتاجة. محتاجة إنك تسامحني. غصب عني اللي حصل يا قصي، أنا كنت مشوشة، مش عارفة أعمل إيه. ولا مرة خطر على بالي إنك ممكن تكون بتحبني، وكنت مصدومة. كنت عايزة أخليك تكرهني عشان تكمل حياتك."
اقترب منها قائلاً بسخرية: "طب اديني كرهتك وكملت حياتي، عايزة إيه تاني يا سيلين؟ مش كل اللي عاوزاه حصل."
انسابت دموعها على وجنتيها قائلة بندم: "أنا بحبك يا قصي."
أومأ لها بابتسامة ظنت أن قلبه قد لان، لكن كلماته صدمتها: "طب ما أنا كمان بحبك. ده أنتي بنت خالتي وأختي الصغيرة، في حد يكره أخته؟"
رددت بصدمة ودموع: "أختك؟"
أومأ لها بصمت ثم دخل لمنزله وأغلق باب الشقة خلفه بقوة، جعلتها تنتفض بمكانها. بكت أكثر ثم دخلت للشقة هي الأخرى تحت أعينه التي تراقبها بحزن من ذلك الثقب الموجود بالباب.
ألقت سيلين بجسدها أسفل المياه الباردة بالمرحاض ما أن دخلت للغرفة، تبكي بقوة وقهر. قرار فقط اتخذته جعلها تخسر كل شيء. ها هي الآن الندم يأكل قلبها لحظة بعد لحظة ويوماً بعد يوم. لا ترحمها نظرات الناس التي تلحق بها العار كونها حصلت على لقب يعده مجتمعنا العقيم وصمة عار بحق المرأة، وبين كره والدتها لها. أدت اضطرت بسببها أن تترك منزلها لتأتي هنا، تشعر كل دقيقة أنها ضيفة ثقيلة وتزعجهم بوجودها، رغم عدم إظهار ذلك ولو بكلمة أو تصرف واحد.
خالتها لازالت حزينة ولم تصفُ لها بسبب ما فعلته بقصي بالماضي، حتى هو بالكاد يتحملها.
ماذا تفعل بنفسها؟ هي ثقيلة على الجميع، ليس لديها من تذهب إليه يتحملها. لا تريد توبيخاً أو تعنيفاً أو عتاباً. هي فقط تريد عناقاً دافئاً وكلمات مطمئنة تداوي قلبها المتعب. ليست بحالة أن تداوي جروحه حتى يسامحها وتسترجع عشقه الذي اكتشفت بعد غيابه عنها أنها تكن له عشقاً أكبر منه، وهي تحتاج من يداوي جروحها.
لا تريد العودة لمنزل والديها، لكنها مجبرة. انتظرت حتى جاء الصباح، وقبل موعد استيقاظ الجميع رحلت، تاركة له تلك الرسالة التي دفعتها من أسفل باب منزله.
ما أن أشرقت الشمس، كانت ميان تركض بطرقات المستشفى برفقة والديها ليطمئنوا على عمار. تعجبت عندما أصرت لينا على المجيء معها. حتى همس ما أن علمت قررت أن تأتي وتطمئن عليه هي الأخرى بنفس الوقت.
وصل قصي برفقة كلا من فريدة ووالدته، يمشي برفقتهم بشرود. تلك الرسالة التي تركتها له جعلت قلبه يدمي من الحزن على حالها وحاله.
دخل الجميع للغرفة ما أن جاء يزن وسمح لهم بالدخول قائلاً بابتسامة لعمار الذي أفاق منذ ساعات قليلة: "حمد الله ع السلامة يا بطل."
عمار بابتسامة متعبة: "الله يسلمك."
اقتربت منه خالته عليا قائلة بدموع وهي تقبل جبينه بحنان: "ألف سلامة عليك يا بني، قدر ولطف. الحمد لله إنك قمت بالسلامة."
التقط كف يدها مقبلاً إياه بحب: "الله يسلمك يا خالتو."
ربتت على رأسه ليأتي دور فريدة وبعدها كوثر. الجميع حوله بلا استثناء يطمئنون عليه. كم شعر بتلك اللحظة بالسعادة، الجميع مجتمعين معاً لأول مرة منذ سنوات طوال، بو كان يعرف ليفعله قاصداً.
اقتربت لينا خطوات قليلة من فراشه قائلة بابتسامة رقيقة: "ألف سلامة عليك يا أستاذ عمار."
عمار بمشاكسة ومرح: "أحلى حمد الله ع السلامة اتقالتلي والله."
ضحك الجميع عليه لتقول همس بمرح وهي تحيط كتف لينا: "يا بني أنت في إيه ولا في إيه؟ قوم بس كده وابقى عاكس براحتك. نفسي أعرف مين الحمار اللي قالك اركب عربية طالما أنت بتعرفش تسوق؟ بتركبوا عربيات ليه؟"
تنحنح عمار مشيراً بعينيه لسفيان الواقف بجانبه، لتنظر له فابتسم لها بتصنع.
سألته بحرج: "أنت الحمار؟"
نظر لها بحدة فضحكت قائلة بمرح: "متزعلش، ما هو أحمر منك عشان مش بيعرف يسوق كويس."
عمار بمرح وهو يعتدل بجسده بمساعدة قصي الذي أخذ دور الصامت منذ أن جاء: "يا بنتي والله أنا أحمر منك ما شوفتش. بدل ما تكحليها عميتيها."
ابتسمت لها بتصنع قائلة: "مش هرد عليك."
عمار بسخرية: "لا والنبي ردي."
ميان بضيق: "ما بس أنت وهي إيه قط وفار؟"
عمار بطفولة: "هي اللي لسانها طويل يا ميان."
همس بسخرية: "عاجبني."
لينا بعتاب وهي توكز همس بخفة: "بس يا همس."
عمار بهيام ونظرات إعجاب واضحة للجميع: "أنت مصاحبة دول إزاي؟ ما تعلميهم شوية رقة."
شعرت لينا بالحرج فاستأذنت منهم قائلة: "عن إذنكم هعمل تليفون بس."
برغم أنها غادرت، جلست عليا بجانب عمار على الفراش قائلة بهمس: "عاجباك؟ أخطبهالك؟"
عمار بهمس مماثل وأعين لامعة: "يا ريت يا خالتو، بس أنا عايز أتعرف عليها وخايف آخد الخطوة دي. هي عجباني الصراحة وأوي."
ابتسمت قائلة بهمس وهي تربت على يده: "هتتفقوا، متخافش. قلبي حاسس إنها هتبقى من نصيبك دي لينا دي العاقلة اللي في جوز المجانين دول. صدقني."
ضحك بخفوت لتقول هي: "قوم أنت بس بالسلامة، ونبقى نشوف الموضوع ده سوا، وتكون فكرت بردو وخدت قرار."
أومأ لها بابتسامة واكتفى بالصمت. كان سفيان يتابع الحديث الدائر بينهم بفضول وضيق لتقارب عمار منها ومن تلك العائلة، مهما حاول إبعاده عنهم منذ سنوات.
دقائق وعادت لينا بعدها. دخلت عليهم نرمين بكامل أناقتها. نظرت لها ميان باشمئزاز وتألم قلبها ما أن اقتربت من سفيان تتعلق بذراعه قائلة لعمار برقة، بالتأكيد زائفة، فالوضع المشين الذي رأتها به ينفي وجود تلك الصفة بشخصيتها الخبيثة: "حمد الله على سلامتك يا عمار."
رد عليها بدون ابتسامة وجفاء: "متشكر."
كان والد ميان من حين لآخر ينظر لسفيان بغضب، بعدها ينظر لابنته متحسراً، يتساءل ما الذي تحبه فيه. لقد رفضها واختار أخرى لتكون زوجته، وابنته الحمقاء رغم ما يوجه لها من إهانة لا تزال تعشقه. بداخله يقين أن نهاية ابنته ستكون بسبب هذا الحب. لطالما كان سفيان لعنة، وحبه بمثابة لعنة أصابت قلب ابنته. ابت، تركها.
كان يتابعها بحزن وهي تنظر بقهر لتعلق زوجته بيده بدلال، والآخر يحيط كتفها بحب غير مبالٍ بالجميع.
تمسك رأفت بيد ابنته، يدعمها، ناظراً إليها بعينيه كأنه يقول: "أنا هنا بجانبك يا ابنتي مهما حدث، سأظل بجانبك داعماً لكِ بأي وقت وبأي ظرف."
التقطت عينا نرمين وميان معاََ صدفة، كلا منهما تنظر للأخرى بتحدي. كلاهما توعد للأخرى، لكن من منهم ستنتصر بالنهاية؟
مر وقت وغادر الجميع، وتبقى فقط سفيان رافضاً الرحيل وترك شقيقه.
بوقت الغداء، عادت همس للمنزل متأخرة نصف ساعة عن الميعاد، فوالدها قام بعزيمة صديقه وعائلته وطلب منها المجيء باكراً، لكنها تناست نفسها ومر الوقت وهي برفقة لينا بمنزلها لكي تطمئن على والدته.
دخلت للمنزل واستمعت لصوت يأتي من الصالون. ذهبت هناك على الفور قائلة باعتذار: "آسفة ع التأخير."
شعرت همس بالصدمة والتعجب ما أن رأت يزن أمامها. كذلك هو. والآن فقط تذكر أين استمع لاسم عاصم الشريف عندما عرفهم والدهم على بعض منذ قليل.
غمغمت همس بتعجب: "أنت!"
تساءل عاصم: "انتوا تعرفوا بعض؟"
يزن بهدوء: "همس طالبة عندي السنة دي."
ردد صلاح، والد يزن، بابتسامة: "ما شاء الله، بنتك زي القمر يا عاصم، ربنا يخليهالك."
شكرته همس ثم قالت بتهذيب: "أهلاً بحضرتك."
ثم اقتربت وصافحته، وما أن وقفت أمام والدة يزن، أحلام، جذبتها لأحضانها قائلة بحنان: "أهلاً يا حبيبتي، أنا أبقى أحلام، مرات الراجل ده وأم الدكتور القمر ده."
ضحكت همس بخفوت ثم قالت بمرح: "شكلك كده يا طنط ماشية على نفس الخط بتاعي، بتحبي الفرفشة؟ مش زي سيادة اللواء وحرمه."
ضحك الجميع عليها، عكس يزن الذي ابتسم بخفوت. فقال صلاح بابتسامة: "ربنا يخليهالك يا عاصم. بسم الله ما شاء الله عليها قمر، هتلاقي العرسان عليها قد كده."
ضحكت هبة، والدة همس، قائلة بغيظ من ابنتها: "من ناحية قد كده، فهما فعلاً قد كده، بس عمر ما حد فيهم طلع من البيت ده زي ما دخل."
لم يفهم صلاح وأحلام وكذلك يزن ما تقصد، فوضح لهم عاصم بضحك: "أصل همس بتقوم بالواجب، مرة تكسر رجل، مرة ذراع. كل واحد ونصيبه بقى."
ضحك صلاح وأحلام، أما يزن فاكتفى بابتسامة صغيرة كعادته. فردت همس ببراءة: "يعني يرضيك حضرتك؟ مرة واحد فيهم حرق دمي، جاي هو وأهله يتشرطوا علينا، قال إيه: أنت رفيعة كده ليه؟ مش بتاكلي ليه؟ هما أهلك بخلا ومش هتكملي تعليم؟ أنا عايز ربة منزل. ورموا بكلام يحرق الدم. طبعاً أنا مش طالعة هادية لسيادة اللواء، قمت من غيظي ضربته بطفاية السجاير في دماغه. غلط أنا كده ولا هو اللي غلطان؟"
ضحك صلاح بقوة فردت أحلام بمرح: "لا هو طبعاً اللي غلطان، وكويس أوي إنك مسكتيش ليه وضربتيه وخدتي حقك."
همس بمرح وغرور محبب لوالديها: "شوفتوا بقى إنِ عندي حق في اللي عملته، وإنكم ظالمني."
ردد يزن بداخله بابتسامة جذابة: "مجنونة."
التفت عاصم لزوجته قائلاً: "جهزي الغدا يلا يا حبيبتي."
أومأت له هبة بابتسامة، فقالت أحلام: "استنى هاجي أساعدك."
رفضت هبة، لكن بعد إصرار من الأخرى وافقت وتوجه الاثنتان للمطبخ. بعدها استأذنت همس من الجميع قائلة: "طب عن إذنكم دقيقتين وراجعة."
صلاح بابتسامة: "اتفضلي يا بنتي."
صعدت همس لغرفتها، قامت بأداء ما فاتها من فروض، ثم بدلت ملابسها لفستان طويل باللون البني الفاتح به بعض النقوش من نفس اللون لكن بدرجة أغمق، وصففت خصلات شعرها ونزلت للأسفل حيث المطبخ قائلة بابتسامة: "أساعدكم في إيه يا حلوين؟"
التفت الاثنتان لها فردد أحلام بإعجاب: "بسم الله ما شاء الله، زي القمر يا همس."
همس بابتسامة وهي تبعث لها قبلة بالهواء: "ده أنتي اللي قمر."
ضحكت أحلام، فقالت هبة: "ضحكت أحلام مربتة على وجنتها بحنان وعادت تكمل ما تفعله هي وهبة، وهي عازمة بداخلها على شيء ما."
بينما على الناحية الأخرى بمنزل سيلين، دخلت لغرفتها تغلق الباب عليها، رافضة كل محاولات والدتها للتودد لها، واكتفت فقط بإلقاء السلام على والدها الذي يشعر بالحزن على ابنته التي تذبل يوماً بعد يوم.
يوماً كانت تستند برأسها على الحائط تنظر للفراغ بشرود، تتذكر ذلك الموقف الذي مهما مر من العمر لن تنساه أبداً.
Flash Back
كانت ابنة الثمانية أعوام، وكانت حياتها برفقة والديها يسودها الحب والسعادة التي اكتملت عندما علموا بقدوم مولود آخر ينضم لعائلتهم الصغيرة. لقد كان صبياً، وكانت والدتها في شهرها السابع.
كانت تلهو برفقة أصدقائها أمام باب المنزل بكرة القدم، والألعاب متراصة بأحد الجوانب بعشوائية. كانت والدتها تصعد الدرج بحذر من عند جارتهم بالأسفل وتضع يدها على بطنها المتفخ، ووالدها بالداخل يقرأ أحد الكتب.
كانت تقذف الكرة لطفل آخر بعمرها ليلتقفها الآخر، ممرراً إياها لطفلة أخرى ثم لها. جاءت لتقذفها له، لكنها تلك المرة قذفتها بقوة دون قصد، لتأتي بوجه والدتها التي ظهرت فجأة خلف الطفل، ليختل توازنها من المفاجأة، فوقعت من على الدرج تنزف الدماء بغزارة. وتعالى صراخها هي والأطفال، ليهرع الجميع من منازلهم مصدومين. ركض كمال لأسفل حاملاً زوجته بين يديه لأقرب مستشفى، تاركاً ابنته عند أحد الجيران. ليصعق مما قال الطبيب بعد عملية دامت لساعات: زوجته ولدت طفلهم متوفياً، والأسوأ أنهم حتى يتمكنوا من إيقاف النزيف مضطرين لاستئصال الرحم.
ما أن تعافت والدتها من تلك الحادثة، وباتت تعاملها بقسوة وغلظة، حرمتها من حنانها، محملة إياها ذنب ما حدث لها ولشقيقها المقرر تسميته محمد. وكانت تحاول خالتها تعويضها وكذلك قصي، الذي كانت ملجأها عندما تريد الشكوى من قسوة والدتها.
Back
تنهدت بحزن ثم ألقت بجسدها على الفراش تضم قدمها لصدرها متخذة وضعية الجنين. دموعها تنساب بصمت حتى غفت مكانه.
ما أن أصبح الوقت متأخراً وخفت الأقدام بالمكان، نجد أسفل المنزل ذلك الماكر برفقة صديقه يصعدون الدرج حيث منزلها بخفة مثل اللصوص. أخرج أحدهم مفتاحاً من جيبه ثم وضعه بالباب فاتحاً إياه بحذر.
ثم سار كلاهما على أطراف أصابعهم. توجه أحدهم لغرفة والديها مخرجاً بخاخ مخدر، ناثراً منه على وجه كلاهما بحذر، وما أن تأكد من تخديرهم، خرج متوجهاً لغرفة أخرى برفقة صديقه مبتسماً بمكر. ما أن وجد مبتغاه "سيلين" تنام على الفراش بسكون. كلن مصيرها مثل والديها. خدرها الاثنان وحملها أحدهم مغادرين بحذر ودون إصدار صوت، منطلقين بتلك السيارة التي تنتظرهم أسفل البناية يقودها ثالثهم.
عاد رأفت من عمله يشعر بالإرهاق بوقت متأخر. بحث بعينيه عن ابنته أو زوجته. لم يجدهم. كاد أن يصعد الدرج ليتفاجأ بكاميليا، شقيقة زوجته، تنزل الدرج ترتدي فستاناً بالكاد يغطي ركبتيها، ضيق ويرسم منحنيات جسدها بوضوح. فللعلم مازالت تحتفظ كاميليا برشقاتها وجمالها رغم سنوات عمرها.
أدار وجهه سريعاً، متنحنحاً بحرج: "احم احم."
كامليا بخوف ورقة: "رأفت، أنا آسفة. مكنتش أعرف إنك رجعت."
رأفت بحرج: "حصل خير. اتفضلي اطلعي يلا."
كامليا برقة وهي تصعد: "حاضر."
لكن فجأة شهقت بألم وجلست على الدرج قائلة وهي تتمسك بقدمها: "آه، رجلي اتلوت."
التفت رأفت لها بعدما كان يعطيها ظهره بخوف: "أنتي كويسة؟"
كامليا بوجع وصوت رقيق ساحر: "مش قادرة. رجليا بتوجعني أوي يا رأفت."
رأفت بحيرة وهو ينظر حوله: "طب حاولي تمشي عليها كده أو حركيها."
بالفعل توقفت تحاول السير عليها، وما أن فعلت تعركلت، فثبتها بين يديه بتلقائية، فأصبحت قريبة منه للغاية وهي بتلك الهيئة. بقى لوقت غير معلوم، حتى هي ابتسمت برقة، لكن هي بداخلها تضحك بمكر وخبث شياطين، مرددة بغل: "مش هبقى أنا لوحدي اللي خسرت يا عليا!"
لم يفق الاثنان من شرودهما سوى على صوت ميان التي دخلت للتو من باب المنزل بعدما كانت تسهر برفقة لينا، مرددة بصدمة: "بابا!!!"
رواية بعينك اسير الفصل الثامن 8 - بقلم شهد الشوري
لم يفق الاثنان من شرودهما سوى على صوت ميان التي دخلت للتو من باب المنزل بعدما كانت تسهر برفقة لينا.
مرددة بصدمة: بابا!!!
ما إن استمع رأفت لصوت ابنته انتفض مبتعداً عن كاميليا، ينظر لميان التي رشقته بنظرة عتاب. فقد رأت كيف ينظر تلك الأفعى.
فتمتم بتوتر وحرج وهو يتخشى النظر لها، ويلعن بداخله نفسه على ما فعل وعلى نظرة ابنته له: رجليها اتلوت وكانت هتقع، فمسكتها.
قال ذلك ثم صعد لأعلى، متحاشياً النظر لابنته.
وما إن غادر، صعدت كاميليا بضجر من مجيء ميان بذلك الوقت، متناسية أنها من المفترض أن قدمها تؤلمها كما تقول.
فلاحظت ذلك ميان التي جزت على أسنانها بغضب، وقد فهمت ما تنوي تلك الأفعى، أنها تريد سرقة زوج أختها وهدم عائلتها.
انتظرت حتى صعدت لغرفتها، وصعدت هي خلفها مغلقة الباب بالمفتاح جيداً، قائلة بقرف ونظرات تنم عن كل شر: اسمعي مني الكلام ده كويس ولآخر مرة. أنا مش أمي اللي بدموع التماسيح بتاعتك هتصعبي عليها، لأنك في الأول والآخر أختها للأسف. ومش أبويا اللي قبلك في بيته مجبور عشان ما يزعلش أمي. ومش زي كل اللي بتضحكي عليهم بدمعتين يا كاميليا.
اقتربت منها قائلة بشر: صدقيني أنا أسوأ مما تتخيلي. ولو بس حسيت إن اللي أبويا وأمي بنوه كل السنين دي والبيت اللي حافظوا عليه بيتهد بسبب واحدة زيك، قسماً عظماً لأخليكي تشوفي الأسوأ، وأقدر أخليكي تمشي تلفي حوالين نفسك من الرعب.
كامليا ببرود وتحدي: تصدقي خوفت. روحي العبي بعيد يا شاطرة. وبعدين في بنت محترمة ومتربية تنادي لخالتها باسمها من غير ألقاب وتهددها كمان. لأ بجد عرفت تربي صح.
ميان بغضب وتوعد: مظبوط. أنا بقى متربتش يا كاميليا، واتقي شر أحسن لك. أنتِ تعرفي ميان البنت الصغيرة، لكن متعرفيش لسه ميان بعد ما كبرت تقدر تعمل إيه.
نظرت لها كاميليا ببرود رغم غضبها الداخلي من حديثها بتلك الطريقة معها.
فغادرت ميان بغضب، صافعة الباب خلفها بقوة. انتفضت الأخرى على أثره.
نزلت ميان لأسفل حيث طاولة الطعام، لتجد والدها يجلس على الطاولة وقد أبـدل ملابسه، ينظر للفراغ بشرود.
فجلست على المقعد يمينه قائلة بعتاب: بابا، أنا عندي ثقة كبيرة فيك إنك لا يمكن تجرح أمي أو تخليني أفقد في يوم احترامي ليك. الست دي داخلة بيتنا وهي ناوية على كل شر، بعد ما طلعت مشيت عادي يعني كانت بتمثل.
أومأ لها قائلاً بصدق: أنا في حياتي كلها ما جبتش حد قدام مز حبيت عليا يا ميان. لا يمكن أجرحها أبداً، كوني واثقة في ده. أما بالنسبة لكاميليا، أنا هعرف أتصرف معاها.
بعد دقائق انضمت لهما كاميليا وعليا.
كانت ميان تتابع كل ما يصدر من كاميليا بترقب.
سعل والدها بمنتصف الطعام، كادت أن تعطيه عليا الماء، فسبقتها يد شقيقتها قائلة برقة: اتفضل يا رأفت.
نظر لها بطرف عينيه بقرف واستنكار، ثم تجاهلها ملتقطاً الكوب كزوجته، شاكراً إياها بابتسامة جميلة.
شعرت كاميليا بالحرج، والتقـت عيناها بعين ميان صدفة، لتجدها تناظرها بتحدي وقرف.
بعد دقائق، قال رأفت بجدية: أنا اشتريت شقة في العمارة اللي قصادنا عشان كاميليا تنقل فيها وتكون على راحتها. تقدر تنقل فيها من بكره.
ابتسمت ميان بتوسع.
فقالت كاميليا بضيق وحرج زائف: أنا آسفة لو وجودي مضايقكم.
رأفت بجدية: ده حل أفضل عشان تكوني على راحتك، وبكره الشغالة لما تيجي خليها تنقل حاجتك هناك.
وأومأت له كاميليا بضيق قائلة: تمام، عن إذنكم، أنا شبعت.
بعد أن غادرت، سألته عليا: ليه عملت كده يا رأفت؟
ميان بتأييد لتصرف والدها: بابا عمل الصح يا ماما.
نظرت لهم عليا باستغراب مرددة: أنا مش متضايقة، بس ليه عملت كده من غير ما تسألني يا رأفت؟ في حاجة حصلت منها ضايقتك؟
رأفت بابتسامة جميلة: لأ، أبداً يا حبيبتي. أنا عملت كده عشان هي تكون على راحتها وإحنا على راحتنا، دي كل الحكاية.
وأومأت له بصمت.
فقالت ميان بابتسامة: أنا طالعة أنام، تصبحوا على خير.
وأومأ لها الاثنان.
وما إن غادرت، لثم رأفت يد عليا قائلاً باعتذار: أنا آسف يا علي.
سألته بعدم فهم: آسف على إيه يا رأفت؟
ابتسمت بخفوت قائلة: على كل حاجة. على أي تصرف عملته وضايقك من غير قصد، وعلى كل حاجة.
عليا بحب: أنت آخر واحد ممكن يضايقني يا رأفت. عمو بحاله عيشته معاك وأنت مراعي ربنا فيا، وعمرك ما خلفت بوعدك مع بابا اللي يرحمه وهو بيسلمني ليك، وصنت الأمانة.
ابتسم مقبلاً يدها مرة أخرى بحبه، وبداخله متعجباً شتات بين الشقيقتان، فكيف للرجل والمرأة اللذان أنجبا عليا أنجبا تلك الحية أيضاً!!!
في الصباح الباكر.
كانت تنتقي أحد الكتب الخاصة بالطب من مكتبة الجامعة لحين وصول ميان ولينا. لم تجد أحد ليساعدها لتلتقط ذلك الكتاب الموجود بالرف العلوي ويصعب أن تصل له، فكانت المكتبة خالية بذلك الوقت الباكر.
فاستعانت بذلك المقعد الخشبي القديم الذي يهتز. صعدت عليه بحذر، وما إن التقطت الكتاب المنشود، استمعت لصوت أحدهم يأتي من خلفها مباشرة قائلاً بجدية: بتعملي إيه يا دكتورة.
صوته فزعها، فقبل ثوانٍ لم يكن أحد موجود. اختل توازنها وسقطت فوق جسده، فقد كان يقف خلفها مباشرة، فسقط الاثنان وهي فوقه!!!
لتتفاجأ ما إن رفعت وجهها له بأنه "يزن".
الذي كان ينظر لداخل عينيها الزرقاء بانجذاب لا يعلم سببه. مهما حاول الإنكار، تلك المجنونة صاحبة اللسان السليط، يعجبه شخصيتها وجمالها البريء الذي لا يتلاءم مع صفاتها أبداً.
لتشرد به هي الأخرى، جذاب ذو هيبة تطغى بأي مكان يدخله. يعجبها هدوء شخصيته وشخصيته الرزينة والثقيلة.
انتبهت بعد لحظات لوضعهم، فابتعدت على الفور، كذلك فعل هو.
محمحماً بحرج وعتاب ولوم تملك منه لأنه نظر لأخرى غير حبيبته حتى ولو للحظات بدون وعي منه.
تمتم همساً بخفوت وحرج: آسفة.
بنفس النبرة تمتم يزن هو الآخر بحرج: حصل خير. بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟
التقطت الكتاب الذي وقع أرضاً مثلها قائلة: المحاضرة الساعة تمانية النهارده، وصحابي موصلوش لسه، فقولت أجيب كتاب أتسللى فيه على ما يوصلوا، بس مطولتش، فوقفت على الكرسي، ولما سمعت صوت اتخضيت لأنِ كنت فاكرة ما فيش غيري هنا.
وأومأ لها بصمت قائلاً: حصل خير. بعد إذنك عندي محاضرة دلوقتي.
وأومأت له بصمت، فغادر هو من أمامها حزيناً ويلوم ذاته ويعنفها على ذلك الخطأ الفادح الذي ارتكبه بحق حبيبته الراحلة.
أفاقت سميحة في الصباح تشعر بألم شديد برأسها، كذلك زوجها. لكنها لم تهتم وذهبت لتحضر الإفطار.
بينما كمال توجه لغرفة ابنته ليطمئن عليها. طرق مرة، اثنتان، ثلاثة، لكن لا رد. فتح الباب ودخل بحذر خشية أن كانت مستيقظة أن يوقظها.
لكنه تفاجأ بالغرفة فارغة. قطب جبينه بقلق. أين ذهبت من الصباح الباكر؟
كاد أن ينادي على زوجته، لكن رنين الجرس منعه من ذلك.
عندما تعالى رنين جرس المنزل، ذهب ليفتح، فـتفاجأ بقصي أمامه.
فسأله بقلق: خير يا بني؟ هي سيلين معاك؟
سأله قصي بقلق هو الآخر: هي ما رجعتش امبارح؟
كمال بقلق: رجعت، بس صحيت الصبح ملقتهاش في أوضتها.
بنفس اللحظة صعد صاحب القهوة المقابلة للبناية قائلاً بسرعة: الحق يا عم كمال، الواد وعنتر وهو بيفتح سجلات الكاميرا شاف شابين نازلين امبارح في نص الليل، وفي منهم واحد شايلها وهي مش واعية.
توسعت عينا قصي وكمال بصدمة. فركض قصي مسرعاً للغرفة ينظر لها بتفحص. لا يوجد أي أثر لشجار، كل شيء مرتب مكانه.
كاد أن يغادر، لكنه توقف عندما دعس شيء بقدمه. أنزل عينيه ليرى ما هذا. ليجد أنها زجاجة مخدر كما مدون عليها.
التقطها بيده بغضب، ثم خرج للرجل صاحب القهوة قائلاً بصرامة: فين تسجيل الفيديو ده؟
كانت سميحة تبكي وتنوح بقوة على ابنتها، بينما كمال لحق بالرجال لأسفل ليروا تسجيل الفيديو.
سيارة سوداء بها شخص واثنان. كلاهما يصعدان للبناية. مر وقت قصير وخرجوا منها، أحدهم يحمل سيلين بين يديه وانطلقوا بها مغادرين.
قصي بحدة: قرب وجيب لي رقم العربية ده.
دقيقة وكان يغادر المنطقة بأكملها قائلاً بصرامة لزوج خالته: اطمن يا عمي، بنتك هتبات في حضنك الليلة من غير ما يمسها أي سوء.
بعد ما يقارب الساعة ونصف، وصلت رسالة لقصي من أحد رجاله بمكان تواجد السيارة ومالكها وعنوانه، الذي كان بأحد المناطق الشعبية.
توجه لهناك على الفور برفقة عدد من رجاله ليصعد الدرج المتهالك وخلفه رجاله.
استمع لصرخة تأتي من سطح البناية، يعرف صاحبتها جيداً!!!
بينما بالأعلى كانت سيلين مقيدة من قدمها ويديها بطرف الفراش المتهالك، وتوجد قماشة على فمها تمنعها من الصراخ بتلك الغرفة الصغيرة.
بينما بالخارج كان ثلاث شباب يقفون أمام الباب، من بينهم راغب الذي لمعت عيناه بشر وهو يستمع لصوت صراخها المكتوم قائلاً بشر: ست الحسن والجمال فاقت أخيراً. وحياة أمها لأكسر عينها.
نظر لهم قائلاً بوقاحة: هدخل أنا الأول وأبدأ معاها، وأنتوا ورايا علطول. ظبطوا سوا بقى مين هيكون بعدي.
يضحك الاثنان بحماس وكلاهما لعق شفتيه بإثارة. فردد أحدهما برغبة: طب أنجز، وحياة أبوك.
ابتسم الآخر بشر ودخل للداخل، صافعاً الباب خلفه، مقترباً منها، وأمارت السعادة والانتشاء من الزعر الذي ارتسم على ملامح وجهها ما إن رأته يدخل من باب الغرفة.
تحسس بوقاحة قدمها الظاهرة أمام عينيه، فقد كانت ترتدي جلباب مفتوح من الجانبين يصلح للنوم فقط.
حاولت سحب قدمها بعيداً، لكنه أحكم قبضته عليها قائلاً بشر: مالك خايفة ليه؟ ده الليلة ليلتك يا حلوة.
تابع لمساته الوقحة على جسدها قائلاً بغضب: اجمدي كده معايا عشان ليلتك طويلة لسه، ده فيه أنا واثنين بره مستنين دورهم. وحياة أمي لتدفعي تمن كل ساعة قعدتها في السجن، هخليكي كل دقيقة تتمني الموت.
امتدت يده ببعد خصلات شعرها بعيداً عن وجهها حتى يقبلها، لكنها أخذت تحرك وجهها يميناً ويساراً.
حاولت أن تصرخ، أقرأ وفعلتها بعدما انحصرت تلك القماشة بين شفتيها!!!
ركض قصي لأعلى ما إن استمع صراخها، وتفاجأ بشابان أمامه، تصرف معهم أحد رجاله.
بينما اقترب من باب الغرفة، دافعاً إياه بقدمه بكل قوة. انتفض على أثرها راغب مبتعداً عن سيلين التي تبكي بقوة، جسدها يتنفض من الخوف.
اقترب من راغب لكمه بكل قوة، صارخاً على رجاله أن يبقوا بالخارج. بقى يلكم الآخر حتى فقد وعيه والدماء تغطي وجهه بأكمله.
ثم توجه لسيلين يحل تلك الحبال من عليها، ثم دثرها بذلك المفرش الخفيف، حاملاً إياها بين يديه، ثم غادر بها البناية، طالباً من رجاله التحفظ على الثلاثتهم.
بعد وقت.
كان يدخل بها من باب شقته التي تكون أمام شقة والدته، التي بالطبع هي الآن بمنزل شقيقتها تخفف عنها وضعها على الفراش برفق. كانت فاقدة للوعي.
ثم توجه لمنزل والدته يأتي لها بثياب، ثم اتصل على الطبيبة التي تقيم أسفلهم، يطلب منها أن تصعد لتفحصه.
بعد وقت غادرت الطبيبة، وبدأت هي تستعيد وعيها. وما إن تذكرت ما حدث، صرخت بفزع وهي تنظر حولها.
اقترب منها قائلاً بقلق: سيلين، اهدي يا حبيبتي. اهدي، مفيش حاجة، أنتِ كويسة دلوقتي وفي أمان.
تمتمت بذعر وهي تضم بيدها جسدها: كا...كان....عااا..اايز يق...
قاطعها قائلاً برفق: ملحقش. متخافيش، وقسماً بالله هخليه يشوف جهنم على الأرض. وحقك هيرجع، وماحدش يقدر يقرب منك طول ما أنا عايش.
كان جسدها يرتعش بطريقة تثير القلق، وهي تردد بخوف وذعر: أنا خايفة أوي يا قصي. مش هيسكت، هيرجع من تاني. دي مش أول مرة يعمل كده.
احتضنها لاحضانه قائلاً برفق وحب: أنا هنا يا سيلين. اهدي يا حبيبتي، مش هيقربلك تاني أو حتى هتلمحيه. وعد مني يا حبيبتي.
تمسكت به بخوف، ولا يزال جسدها يتنفض بين يديه حتى هدأت بعد وقت وغفت بين يديه.
أعادها للفراش وجلس بجانبها يتأملها بحزن.
خرج عمار من المستشفى باليوم التالي، ولم يرد البقاء أكثر من ذلك، رافضاً الذهاب لتلك الفيلا وقرر الإقامة بمنزل فريدة.
بينما سفيان قد ذهب لمنزله بعد أن أوصله لهناك واطمئن عليه، وقام بتعيين ممرضة تعتني به.
قررت ميان زيارته، وتلك المرة رافقها لينا فقط.
استقبلتهم فريدة بحفاوة، قبل أن تأخذهم لغرفة عمار للاطمئنان عليه.
عمار بمرح ما إن رآهم: يا مساء الورد.
كان يقولها وهو ينظر للينا بتأمل. جميلة تلك الفتاة بحق، بخصلات شعرها الصفراء وعيناها الجميلة، ملامح وجهها التي أقرب ما يكون وجه طفل صغير يحمل براءة الأطفال. تأملها إعجاب بفستانها الأخضر الفاتح الذي يصل لكاحلها بحمالات رفيعة، وبتجمع خصلات شعرها المموج بكعكة غير منظمة.
خجلت من نظراته التي لاحظتها ميان وفريدة، التي ابتسمت بتوسع. حفيدها معجب بفتاة، يبدو أن سيدخل عش الزوجية قريباً.
اطمئن عليه ميان لدقائق قليلة، ثم غادرت برفقة فريدة التي غمـزتها بالخفاء ليبقى الاثنان سوياً.
صمت يعم المكان بعد أن غادر الاثنتان. قطعته هي قائلة بحرج: أنا هروح أشوفهم.
أوقفها قائلاً بابتسامة: خليكي قاعدة معايا.
جلست مرة أخرى تفرك يدها بتوتر وخجل من نظراته المتأملة لها. تمتمت بخجل: بس بقى.
سألها بابتسامة: بس إيه؟
لينا بضيق زائف وهي تتهرب من النظر لعيناه التي لا ترحمها بنظراته: بطل تبص لي كده وإلا همشي.
غازلها بمرح: طب أنا ذنبي إيه؟ عيوني هي السبب. طول عمرها بتعشق القمر وتحب تتأمله. يوم ما تلاقيه جنبها تبطل تتأمله، ده حتى يبقى ظلم ليها وليه.
ابتسمت بزاوية شفتيها بخجل وهي تخفض وجهها أرضاً واكتفت بالصمت.
ليبـتسم هو الآخر بدوره. حاول تحريك جسده، وما إن فعل تأوه بألم شديد.
فانتفضت هي قائلة بقلق مقتربة منه: مالك؟ حصل إيه؟ حاسس بإيه؟ وجعك؟
ربت على يدها التي لامست كتفه بعفوية من القلق، ثم التقطها بين يديه مقبلاً باطن كفها برقة، جعل جسدها يرتعش من الخجل.
فسحبتها منه على الفور قائلة بخجل وضيق مما فعل: أنا كده اطمنت عليك، ولازم أمشي. عن إذنك. وأه، يا ريت تاني مرة ما تتجاوزش حدودك معايا وتعمل اللي عملته من شوية يا أستاذ عمار. عن إذنك.
قالتها ثم غادرت للخارج بدون أي كلمة إضافية، متجاهلة محاولته لإيقافها.
بينما بالخارج، قبل خروجها، كانت ميان تجلس برفقتها صامتة، تشعر بالحيرة. إلى من ستحكي ما رأت؟ تبقى صامتة أو تحكي له حتى يعرف حقيقة زوجته. اهتدى عقلها أن تخبر فريدة، فهي الوحيدة التي إن أخبرت سفيان سيصدقها.
فريدة....
طال صمتها لتسألها فريدة: مالك؟ من ساعة ما جيتي وأنتي ساكتة. عايزة تقولي إيه وخايفة؟
ابتلعت ريقها قائلة بصعوبة: فريدة أنا....
صمتت مرة أخرى لتزفر فريدة بضيق قائلة: أنتي إيه؟ هتفضلي تنقطيني بالكلام.
نطقت بصعوبة وهي لا تعرف إن كان ما تفعله صواب أم خطأ: أنا شفت نرمين مع واحد.
فريدة بتساؤل: مين؟
خفضت وجهها قائلة بحرج وصعوبة: كانوا قريبين من بعض و....
صمتت ولم تجد القدرة على متابعة الحديث، فتابعت فريدة بدلاً منها: عايزة تقولي إن نرمين بتخون سفيان؟
أومأت لها بصمت.
لتتابع فريدة بابتسامة حزينة لأجل حفيدها الغالي: أنا عارفه.
توسعت عينا الأخرى بقوة، قبل أن ترفع رأسها تنظر لها بصدمة، متمتمة: من امتى وإزاي ساكتة يا فريدة؟
فريدة بضيق: أنا عرفت من فترة قريبة أوي، وما كنتش عارفة أعمل إيه. سفيان بيسمع ليها وواثق فيها ثقة عمياء، مش عارفة السبب إيه. حتى أنا لو قلت له مش هيصدقني. ما كانش معايا دليل، وخوفت لو حصل وصدقني يموتها ويودي نفسه في داهية.
ميان بذهول: إزاي مش هيصدق يا فريدة؟ ده عمره ما حب حد قدك أنتِ، ودايماً بيسمعلك أنتِ وبس.
فريدة بسخرية مريرة: بيتهيألك. سفيان اتغير خالص، وأنتِ أكتر واحدة عارفة هو اتغير قد إيه. سفيان كلمة توديه وتجيبه من نرمين، وحقيقي مش عارفة ليه بيسمع لها كده. طردني من بيتي ونسب بيتي ليه ولزوجته لمجرد إنك غلطتي فيها، وإن دخلتك الفيلا ده مش دليل إنه مستحيل يصدق عليها كلمة.
تنهدت بحزن قائلة: ما قدرتش أعمل حاجة غير إني أسكت وألح عليه يتجوز واحدة تانية عشان يخلف ويتلهي معاها، وما يفضلش موقف حياته على واحدة متستاهلش زي دي. بس هو عنيد ومش بيسمع مني، خايف على شعورها.
قالت الأخيرة بسخرية، لتسألها ميان بعد صمت لحظات: عرفتي إزاي يا فريدة؟
فريدة بضيق: للأسف أنا اللي ببقى قاعدة أغلب الوقت معاها في الفيلا، يعني ببقى شايفة اللي سفيان مش هيشوفه، لأنها طول ما هو موجود بتمثل دور الزوجة المخلصة.
تنهدت متابعة بحدة: سمعتها مرة بتتكلم في التليفون معاه بصوت واطي، بعدها قدرت صدفة لما نسيت تليفونها مفتوح وطلعت لأوضتها، وأنا فتحت سجل المكالمات على تاريخ اليوم ده والساعة، وكنت حفظتهم كويس. لقيت الرقم باسم بنت، حفظت الرقم على تليفوني بسرعة، وفي نفس الوقت وأنا ماسكاه جالها رسالة من نفس الرقم، واتأكدت إن اللي باعتها راجل مش ست زي ما مسجلة الرقم، ومن ساعتها بقى وهي تحت عيني.
أخرجت هاتفها قائلة وهي تضعه بيد ميان: قدرت أعرف اسم اللي بتكلمه وأجيب صوره. هو ده اللي شوفتيه معاها.
وأومأت لها ميان بصدمة.
لتتابع فريدة بحدة وقرف: اسمه "زاهر السلطان".
سألتها بحيرة بعد صمت: طب والعمل يا فريدة؟
فريدة بجدية: أنا قلت لسفيان يتجوز، واخترت له عروسة.
ابتلعت ميان غصة مريرة بحلقها، سرعان ما صدمت عندما قالت فريدة بصرامة: العروسة تبقي أنتِ يا ميان!!!
ميان بصدمة: أنت بتقولي إيه يا فريدة؟ سفيان مش طايقني أصلاً، تقوم أنت تقول له يتجوزني!
فريدة برجاء: ميان، أنتِ الوحيدة اللي أقدر آمن على سفيان معاها، لأنِ عارفة إنك بتحبيه.
ميان مغمغة بحزن: بس هو لأ. سفيان نسيني.
فريدة بثقة: بيحبك والله يا بنتي. لسه بيحبك وزي الأول وأكتر. هو بس محتاج اللي يفوقه من اللي فيه. سفيان بيمر بأزمة يا ميان، أنا عارفة إنه مصدوم من اللي حصل زمان لسه، وإنه مش قادر يتجاوز صدمته في أمه. اقفي جنبه وساعديه يبعد عنها. أنا متأكدة إن بوجودك معاه مش هتاخدي وقت كتير والحية دي هتكون بره حياتهم.
ميان بسخرية مريرة: أنت بتضحكي عليا بالكلام يا فريدة. سفيان نسيني، حب غيري ومبسوط معاها حتى لو متستاهلش، بس حبها ومبسوط. أنا مقدرش أوافق على اللي بتقوليه. ولو أنا وافقت، بابا أو ماما هيوافقوا.
ثم تابعت حديثها قائلة: أنا لا يمكن أقبل أكون زوجة تانية، ولا هقبل على نفسي أكون مجبورة عليه.
فريدة برجاء: طب وهو هتسيبيه كده على عماه معاه؟
ميان بسخرية: مش هيصدقك أنتِ يا فريدة، وهيصدقني أنـ...
توقفت قائلة بحزن وعينان تلمعان بالدموع: أنا يا فريدة يوم بعد يوم بكره نفسي عشان بحبه. بكره نظرته ليا اللي وراها سبب كبير، أموت وأعرف. أنا نفسي أكره سفيان يا فريدة، نفسي أكرهه وأنساه وأطلعه من حياتي.
خرجت لينا بتلك اللحظة تطلب المغادرة، فغادرت معها ميان على الفور، تتهرب من نظرات فريدة المتوسلة لها كي توافق، غافلة أنها تطلب المستحيل. فإن وافقت هي، كيف سيكون رد الآخر الذي ما إن أخبرتها بشرطها الزواج منها، ثار وكاد أن يكسر هذا المنزل من الغضب!!!
كانت همس تجلس وحيدة بالجامعة تتذكر ذلك يزن الذي يجذبها يوماً بعد يوم. لقاءهم وحديثهم قليلة، لكنها تشعر بانجذاب نحوه. هي هادئة الطباع عكسها تماماً، كتلة من الحركة والجنون، متنقلة من مكان لآخر. لطالما كانت دوماً تقول إن شرطها الأساسي بزوجها المستقبلي أن يكون مختلفاً عنها، لا تريده يمتلك نفس صفاتها وشخصيتها المجنونة، بل تريده هادئاً، ثقيلاً، يتمتع بالرزانة التي تغيب عن شخصيتها المجنونة تماماً. فما الجيد أن تتزوج بشخص يشبهها؟ هي لا تفضل ذلك أبداً. ذلك الطبيب يتسلل لقلبها وإعجابها به يزداد يوماً بعد يوم!!!
لمحته من بعيد وهو يستقل سيارته مغادراً الجامعة. تنهدت ثم وقفت لتذهب لمرحاض الجامعة، حراس والدها يحوطوها من كل جانب تنفيذاً لأوامره الصارمة.
دخلت وهم ينتظرونها بالخارج. بعد دقائق كانت تقف أمام المرأة الكبيرة التي بعرض الحائط تضبط ثيابها. كان المرحاض خالياً من الفتيات، خاصة بذلك الوقت، فالشمس على وشك الغروب والجميع يغادرون.
كادت أن تخرج لتتفاجأ بثلاث سيدات منتقبات، أحداهن فاقدة للوعي والاثنتان يساندونها. سألتهم بقلق: تحبوا أساعدكم في حاجة أو أتصل بالدكتورة؟
إحدى السيدات بمكر: طبعاً يا حلوة نحب أوي إنك تساعدينا.
تفاجأت همس بصوت رجالي وليس صوت فتاة، وقبل أن تأخذ رد فعل كان أحدهم يأتي من خلفها راشقاً ذلك السن الرفيع برقبتها، فسقطت فاقدة للوعي.
كشف الثلاثة عن وجوههم، ولم يكن سوى رجلان وفتاة. تخلصت من نقابها حتى ترتديه همس ليتمكنوا من الخروج بها من هنا.
كان رجل يساعد الفتاة والآخر يغلق باب المرحاض حتى ينتهوا. لحظات وخرجت الفتاة أولاً، ثم بعدها الرجلان بنفس الطريقة التي دخلوا بها، ولم يشك أحد بهم، فالوضع كان طبيعياً. ثلاث فتيات رفيقاتهن فاقدة للوعي ويساندونها.
ابتعد الاثنان بها لخارج الجامعة، ومن ثم أخذها منهم ثلاثة آخرون مطلقين لوجهتهم البعيدة!!!
أفاقت سيلين من غفوتها تشعر بألم بكامل جسدها، لتتفاجأ بقصي غافياً على المقعد بجانبها. اعتدلت تنظر حولها بصدمة وهي تتذكر ما حدث في الصباح.
تأملت وجهه بحزن وحب. كيف لها أن تكون حمقاء لتلك الدرجة؟ كيف تفضل ذلك الحقير عليه؟ كيف أوصلتهم لتلك الحالة!!
فتح عيناه ليجدها تتأمله بحزن وحب ظاهر بوضوح بعينيها. قبل أن يتحدث سألته بحزن: لامتى يا قصي؟
لم يفهم ما تقصد، فتابعت هي بحزن وألم: لامتى هتفضل بعيد ولامتى هنكون كده؟ مرة أنت تقرب وأنا أبعد، والوقت أنا أقرب أنت تبعد.
كل ما خرج من بين شفتيه تلك الجملة: أنتي اللي وصلتينا لكده.
توقفت أمامه قائلة بدموع: بقيت تكرهني خلاص.
نظر لداخل عينيها قائلاً بحزن وسخرية: يا ريتني قادر أكرهك كنت ارتحت. مش قادر أنسى اللي عملتيه يا سيلين.
تمسكت بكف يده قائلة بدموع: طب أنا غلطت، بس غلطي يستاهل تعاقبني ببعدك طول العمر؟ يستاهل نتوجع إحنا الاتنين؟ غلطتي ملهاش فرصة تانية. أنا بحبك يا قصي.
تنهد قائلاً بحزن: يبقى ليها فرصة تانية، لكن للأسف يا سيلين.
انتظرت أن يتابع تلك الجملة، التي ما إن نطقها تألم قلبها أكثر: أنا مش واثق في حبك ده ولا واثق حياتنا هتكون إزاي قدام.
رجته مرة أخرى قائلة بحزن ودموع: طب أنا بس عايزة فرصة واحدة بس يا قصي، هكسب ثقتك من تاني.
أشاح بوجهه بعيداً عنها قائلاً بحزن: جهزي نفسك، لازم نمشي. أهلك زمانهم قلقانين عليكي. أنا لسه مكلمتش حد.
جلست على الفراش تبكي بقوة وجسدها يهتز من شدة بكائها: أنا محتاجاك جنبي، متسبنيش يا قصي. أنا عايزة أرجع زي ما كنت زمان، عايزة أرجع سيلين القديمة اللي كنت بتحبها، عايزة الزمن يرجع بينا لأيام زمان، يا ريتنا ما كبرنا ويا ريتني ما عملت اللي عملتها.
اقترب منها جالساً بجانبها على الفراش مردداً بقلق وحزن: اهدي يا سيلين.
بكت أكثر قائلة بانهيار: يا ريتني ما جيت ع الدنيا دي، ويا ريت أنا اللي مت عشان أرتاح وترتاحوا مني. ومحمد هو اللي فضلها، أنا حمل ع الكلت.
تنهد محاوطاً وجهها بيديه يمسح دموعها التي تقتله من الداخل: سيلين، اهدي.
تمسكت بيده التي تحاوط وجهها قائلة بدموع عادت تنهمر من عينيها: سامحني.
تمتم بحزن: مش هقدر أنسى.
نظرت لداخل عينيها قائلة بتوسل ودموع: هنسيك.
نظر لعيناها لحظة قبل أن يردد!!!
بينما تلك الحية الأخرى كانت تجلس على تلك الأريكة بالمنزل الذي انتقلت إليه كما قال رأفت، تكاد تموت من الغيظ مما فعل. لكنها أبداً لن تصمت. فإن فشلت في التواجد بداخل منزله لديها طرق أخرى.
أما الآن فيجب أن تعود لتلك الفيلا التي سبق وتركتها منذ سنوات، ولن يسعدها سوى شخص واحد فقط!!!
التقطت هاتفها ثم على الفور رددت بغل ما إن جاءها الرد: اسمعي، أنا ما صرفتش عليكي كل ده ولبستك ونضفتك عشان تفضلي نايمة في الخط وما استفدش منك بحاجة. أنا لازم أدخل الفيلا وأرجع أعيش فيها، وإلا عليا وعلى أعدائي. زي ما دخلتك النعيم اللي عايشة فيه ده، أقدر بسهولة أخرجك منه. يا مرات ابني!!!
رواية بعينك اسير الفصل التاسع 9 - بقلم شهد الشوري
تمسكت بيده التي تحاوط وجهها قائلة بدموع عادت تنهمر من عيناها:
سامحني.
تمتم بحزن:
مش هقدر أنسى.
نظرت لداخل عيناه قائلة بتوسل و دموع:
هنسيك.
نظر لعيناها لحظة قبل أن يردد بحزن:
وكلماتها منذ ذلك اليوم تتردد بأذنه، لا يستطيع نسيانها، وكلما تتردد في عقله يأبى الاستسلام لتلك المشاعر التي تسببت في التقليل من كرامته ورجولته مرة أخرى، ليتها تعلم أن ما يفعله هو الآن أنه يحمي قلبه الذي لن يتحمل غدر واستهانة بحبه مرة أخرى.
مفيش غبي بيوقع في نفس الغلطة مرتين.
كلماته حطمت قلبها، عشقه لها خطأ لا يريد الوقوع به مرة أخرى، قبل أن تتفوه بأي كلمة وتتوسله مرة أخرى تراجعت عن ذلك، وقد تعالى صوت كرامتها على صوت قلبه.
لذا بصمت أحكمت وشاح الأسدال الذي ترتديه على رأسها، ثم تماسكت بصعوبة حتى تقف على قدمها قائلة بهدوء أقلقه:
شكراً على مساعدتك، عن إذنك.
أوقفها قبل أن تغادر الغرفة قائلاً بهدوء:
استني، هوصلك، بلاش تمشي لوحدك في الوقت ده.
أشارت لساعة على الحائط قائلة:
الوقت مش متأخر أوي، أقدر أروح لوحدي.
تنهد قائلاً بصرامة:
أنا أصلاً رايح عشان أجيب أمي لأنها عندكم من الصبح، فطريقنا واحد، يلا.
أومأت له بصمت ثم غادر الاثنان، والصمت يسود الجو بينهما، لا هو يجد ما يقول ولا حتى هي.
***
قلب عاصم الجامعة رأساً على عقب مما علم باختفاء ابنته. سيارات الشرطة ملأت المكان، وبعضهم يتابع كاميرات المراقبة التي ظهرت بها وهي تدخل المرحاض ولم تخرج منه.
كان عاصم متمالكاً نفسه بصعوبة حتى لا يضعف أو ينهار من خوفه على ابنته. كان يزن عاد للجامعة ليأخذ هاتفه الذي نساه بمكتبه ليتفاجأ بما حدث. بقى معهم حتى يقدم مساعدته، ولا يعلم لما شعر بالمسئولية تجاه تلك الفتاة.
كان "كارم" ذلك الشاب الضابط صاحب الثلاثين عاماً، والذي يتمتع بوسامة عالية، يراقب شرائط المراقبة بتركيز شديد أكثر من مرة، ومن خبرته من عمله لاحظ ثلاث فتيات منتقبات دخلن للمرحاض. قام بتبكير أحد اللقطات لهم وهم يدخلون للمرحاض، كان الفتاة الفاقدة للوعي ترتدي حذاء أسود ذو كعب عالٍ وقصيرة القامة، بينما عند خروجهم كانت ترتدي الفتاة حذاء رياضي وأطول، وفتاة ترتدي حذاء أسود ذو كعب مماثل للمنتقبة. ترقب أثر هؤلاء حتى وجد سيارة مصفوفة على بعد ليس بقليل من المرحاض، ومن ثم تفاجأ بأحد المنتقبات تكشف عن وجهها دون رقم السيارة.
سريعاً، ثم هرول لعاصم الذي يحاول تهدئة زوجته عبر الهاتف، والتي تبكي بانهيار طالبة منه إعادة ابنتها لها.
سيادة اللوا، فيه تلت منتقبات...
ثم قص عليه كل ما رأى باختصار، ناهياً حديثه بسرعة:
بعت الرقم على كل لجان المرور وجاري البحث عنها.
حضرتك، لكن خيبة أمل أصابت الجميع وجعلت الخوف متمكناً من قلب عاصم أكثر عندما جاءهم خبر بتواجد السيارة متفحمة على أحد الطرق الصحراوية.
عاصم بقلق:
طب وبعدين؟ محدش اتصل ولا عارفين ليها طريق، أعمل إيه؟ هينقموا مني في بنتي.
يزن بتهدئة:
اهدي بس حضرتك، إن شاء الله هترجع وهتبقى بخير وتطمن عليها.
تعالى رنين هاتفه برقم ميان رفيقة ابنته، أجاب سريعاً على أمل أن تكون توصلت لها، وبالفعل ما إن أجاب قالت بسرعة ولهفة:
عمو عاصم، همس امبارح خدت مني عقد عجبها عشان تلبسه انهاردة، وبابا كان حاطط فيه جي بي إس وفتح على تليفون بابا وحدد مكانها.
عاصم بلهفة:
ابعتيه بسرعة.
على الفور نفذت ما قال ليجد المكان المنشود بمنطقة صحراوية خالية من الناس. قام بتجميع قوات كبيرة وانطلق بها ومعه يزن الذي فسر له سبب ذهابه معهم:
همس تلميذتي يا عمي وغالية عندي، ولازم أقف جنبها في وقت زي ده.
أثارت تلك الكلمات ريبة كارم الذي انقبض قلبه ما إن رأى ذلك الطبيب وشعر بالخطر نحوه.
بعد وقت طويل، كانت عناصر الشرطة تحاوط المكان بهدوء شديد وتصيب الرجال الذين يحرسون ذلك المبنى. مرحباً بخفة وبدون إصدار صوت حتى لاحظ أحد الرجال وأطلق النار عليهم، وبعدها بدأ الجميع يتبادلون إطلاق النار.
بينما قبل قليل، داخل ذلك المبنى المهجور الذي يقع على الطريق الصحراوي، كانت همس مستلقية على الأرض الصلبة بإهمال، ويداها مقيدة بحبل سميك، فاقدة للوعي، ليست على دراية بما يحدث ولا بعائلتها، بل جميع معارفها الذي دب القلق بقلوبهم على اختفائها، خاصة والدها.
فتحت عيناها ببطء وهي تشعر بصداع رهيب يضرب رأسها. ما إن فتحتها شعرت بشيء يقيد يدها، بل إنها بمكان لا تعرفه بالمرة. انتفضت بمكانها عندما تذكرت ما حدث بمرحاض الجامعة.
تحاملت على نفسها وتوقفت متجهة نحو ذلك الباب الخشبي تحاول فتحه، لكنه مغلق بمفتاح. دفعت الباب بقدمها صارخة بعلو صوتها:
انتوا مين؟ طلعوني من هنا.
لا إجابة، فاستمرت بركل الباب بقدمها صارخة:
انتوا يا بهايم خرجوني من هنا.
الرد كالمرة السابقة. استمرت بركل الباب حتى شعرت بالتعب فجلست أرضاً تتنفس بعنف من المجهود والغضب.
لحظات وانفتح الباب ودخل منه رجل يبدو في الأربعين من عمره يتفحصها بعيناه الوقحة متمتماً باعجاب باللغة الإنجليزية:
مثيرة.
صرخت عليه بغضب:
انت مين؟
اقترب منها قائلاً بفحيح بجانب أذنها بلهجة عربية متقنة:
أنا عزرائيل، اللي هياخد روحك.
تراجعت للخلف قائلة بغضب وتحدي:
طب ما تفك الحبل ده ونشوف مين فينا اللي هيكون عزرائيل وياخد روح التاني الأول.
ضحك الآخر بسخرية قائلاً:
حلوة وشرسة، خسارة في الموت بس هعمل إيه في أبوكي اللي مش عاوز يجيبها لي.
صرخت عليه بغضب وقرف:
أبويا هيعمل لواحد زيك إيه؟
قبض بيده على فكها متمتماً بغل:
عمل كتير، كتير يا حلوة. ده أقل الأسباب قتله لأخويا الصغير، وأكبرهم وأسوأ غلطة عملها معايا إنه عايز يلف حبل المشنقة حوالين رقبتي وضيق عليا كل الطرق في تهريب السلاح.
همست بغضب واشمئزاز:
ما هو ده شغلة أبويا يخلص الناس من الو... اللي زيك ويريح الدنيا من قرفهم.
جذبها من خصلات شعرها متمتماً بشر:
لسانك طويل، شكلك كده طالعة لأبوكي ال...
صرخت عليه بغضب وتوعد:
اياك تغلط في أبويا أو تجيب سيرته على لسانك الو... ده، وإلا قسماً بالله هقتلك.
دفعها على الفراش خلفها قائلاً بسخرية:
بجد؟ طب إزاي وأنت متكتفة كده؟
اعتدلت على الفور وكادت أن تركض، لكنه جذبها من خصرها يلصقها بصدره ويقربها إليه أكثر قائلاً باعجاب وأعين تلمع بإثارة ورغبة بها:
قبل ما أبعتك عند اللي خلقك، هستمتع الأول بالجمال، وبعدها هخلي رجالتي تستمتع زيك.
يزن تابع باستمتاع وهو يتخيل تلك الفكرة وما ينتج عن تنفيذها:
تفتكري سيادة اللوا هيحصل له إيه لما يشوف بنته في الوضع ده؟ يمكن يموت ويطب ساكت فيها، أو يعيش مزلول.
صرخت عليه بغضب:
ده أنا أموت نفسي ولا إني اسمح لأي مخلوق يمس شعرة مني، ولا إني أعيش أبويا مذلول.
ثم تابعت بتحدي وهي تقف أمامه:
لو كنت راجل، مع إنِ أشك في كده، فك الحبل ده وخليني أشوف ساعتها هتقرب مني إزاي.
نظر لها بتحدي مماثل قائلاً:
زي ما تحبي يا قطة، تعرفي إنِ بموت في القطط المخربشة اللي زيك كده.
حل الحبال من حول يديها، وما إن فعل تفاجأ بركلة أسفل بطنه جعلته ينحني من الألم، وعلى الفور سددت له ضربة قوية بقبضة يدها بعيناه، والأخير يتأوه من الألم وهو يضع يده على عيناه.
اعتدل حتى يصفعها وينتقم منها، لكنه لم يجدها أمامه، وقبل أن يلتفت ليبحث عنها بأنحاء الغرفة تفاجأ بضربة قاسية على رأسه من همس التي التقطت تلك الخشبة القديمة الملقاة بأحد زوايا الغرفة وضربتها على رأسه بكل قوتها، فسقط أرضاً، الدماء تنساب على وجهه تزامناً مع صراخه وصوت طلقات رصاص انتشر بالمكان.
ركضت لتختبأ أسفل الفراش وجسدها ينتفض من الخوف الذي جاهدت حتى لا يظهر عليها أمام ذلك الحقير.
***
استطاع يزن وكارم وعاصم وبعض الضباط دخول المبنى، يقتلون كل من يظهر أمامهم. أخذ يبحث عنها كارم بجميع الغرف ومعه يزن، وما إن وصل لتلك الغرفة فتحها وكاد أن يغادر، لكنه توقف عندما رأى تلك الجثة وصوت أحد يبكي أسفل.
دخل للغرفة وخلفه يزن الذي يبحث عنها بعيناه، يحاول معرفة أين صوت البكاء، هل من الشرفة المكسور زجاجها، أم من الخزانة، أو أسفل الفراش.
كارم بقلق وصوت حنون دافئ:
همس، انتي هنا؟ اطلعي، متخافيش، أنا كارم.
ما إن سمع صوته خرجت من أسفل الفراش بجسد يرتجف من الخوف، تلقت بنفسها بدون تفكير بأحضانة ودموعها تنساب على وجنتيها مرددة بخوف وذعر:
طلعني من هنا يا كارم، أنا خايفة أوي.
ربت على رأسها وخصلات شعرها بحنان متمتماً:
حاضر، اهدي، خلاص مفيش حاجة ومحدش يقدر يأذيكي، كلنا هنا عشانك يا همس، اهدي، متخافيش.
كان يزن يقف بالخلف يتابع ما يحدث، وشعور الضيق والغضب تمكن منه عندما رآهم هكذا.
أخذ يتساءل: لما هو هنا الآن؟ لماذا شعر بالضيق من هيئتهم تلك؟ أسئلة كثيرة عصفت برأسه، عجز عن إيجاد إجابة لها.
ابتعدت همس عنه ولازالت تبكي، جعلها كارم تستند على يده قائلاً بحنان:
سيادة اللوا هيموت من القلق عليكي، خلينا ننزل نطمنه.
سألته بدموع:
طب هو مطلعش ليه؟
تنهد قائلاً بتردد:
سيادة اللوا اتصاب في دراعه، مفيش خطر عليه، متخافيش، الإسعاف قربت توصل.
توسعت عيناها بصدمة، وقبل أن تصرخ أو أوقفه قائلاً بتهدئة:
أرجوكي اهدي، احنا هننزل عشان يطمن عليكي وتطمني عليه يا همس.
ركضت للأسفل مسرعة تلقي بنفسها بأحضان والدها الذي ضمها لصدره بارتياح مغمغماً بخفوت:
الحمد لله يارب.
عاد الجميع لمنازلهم، وبعد إصرار من عاصم وكارم رحلت همس ووالدتها للمنزل، وتبقى هو برفقة عاصم بالمستشفى.
بينما يزن، ابتهجت ملامحه وسعادة تملكت منه وهو يحتضن ابن شقيقته الصغرى الذي ركض إليه ما إن دخل من باب الفيلا صارخاً بصوته الطفولي الجميل:
خالو!
يزن بحنان واشتياق وهو يقبل جبين الصغير:
حبيب خالو اللي واحشني.
يضحك الصغير بمرح عندما دغدغه يزن برفق. اقتربت شقيقته الصغرى منه "ياسمين" فجذبها معانقاً إياها بيده الأخرى مقبلاً جبينها قائلاً بحنان:
واحشاني يا ياسمينة.
ابتسمت له قائلة باشتياق مماثل:
مع إنِ زعلانة منك عشان آخر مكالمة، بس انت كمان وحشتني أوي يا أخويا.
ابتسم قائلاً بخفوت:
حقك عليا.
ابتسمت له هي الأخرى، فاقترب منه زوجها "نادر" مغمغماً ابتسامة واسعة:
حبيبي يا أبو النسب، واحشني.
اقترب منه يزن معانقاً إياه بابتسامة قائلاً:
أخبارك يا نادر، واحشني.
يتبادل الجميع السلام بحرارة، ثم جلسوا بالصالون يتبادلون الحديث.
أحلام والدة يزن وياسمين:
أنا قولت للخدم يجهزوا الأوض ليكم، خمس دقايق بس وتطلعوا ترتاحوا يا حبايب.
نادر بابتسامة:
تسلمي يا أمي، بس إحنا هنقعد في أوتيل لحد ما نشوف شقة جديدة بما إننا ناوين نستقر في مصر خلاص.
صلاح باعتراض:
إيه اللي بتقولوه ده؟ أوتيل إيه اللي تنزلوا فيه؟ وبيت أهلكم مفتوح، وبلاش بيت جديد كمان، زي ما انتوا شايفين الفيلا واسعة وكبيرة، اقعدوا معانا نتونس ببعض.
بعد إلحاح من الجميع وافق نادر وصعد ليرتاح هو وياسمين التي لم تفارق البسمة وجهها سعيدة ببقائها بمنزل عائلته.
ما إن دخلوا للغرفة أغلق نادر الباب بالمفتاح، ثم اقترب من ياسمين يحتضنها من الخلف متمتماً:
وحشتيني.
أبعدت يداه من عليها قائلة بحدة:
متلمسنيش.
جز على أسنانه قائلاً بغضب:
انتي مراتي.
ابتعدت عنه قائلة بقرف وغضب:
مية مرة أقولك إياك تلمسني، أنا بقرف منك.
جذبها بحدة يلصق ظهرها بالحائط بغضب وتوعد:
أنا صبري له حدود، اتعدلي عشان ما أعدلكيش أنا، مش عشان بقينا في بيت أهلك هتسوقي العوج ومش هعرف أنا أعدلك.
جذب خصلات شعرها بقسوة قائلاً بشر:
لا وحياة أمك، ده أنا أعدلك وأعدل اللي خلفوكي كمان، اظبطي كده عشان اللي معايا مش شوية، اللي معايا يفضحك انت وأهلك كلهم فضيحة بجلاجل لأخر يوم في عمركم.
أبعدت يده عنها خصلات شعرها بغضب قائلة:
أنا وأهلي أنضف منك انت واللي خلفوك، واللي مكنتش تحلم حتى تناسب عيلة زينا، ولا نسيت أنت كنت إيه وبقيت إيه بعد ما دخلت بينا؟
قبض بيده على فكها بكل قوة قائلاً بغضب وفحيح جاعلاً الخوف يدب بأوصالها وأنفاسه الساخنة تضرب وجهها تصيبها بالاشمئزاز أكثر منه:
آه، أنا زبالة وأوسخ مما تتخيلي، فخافي مني، انتِ مش أغلى من اللي راحوا اللي من دمي بأيدي قتلتهم، ما بالك انتي يا بنت أكتر حد كرهته في حياتي، هتكوني أغلى منهم مثلاً؟
حركت رأسها بقوة لتفلت من قبضة يده قائلة بغضب وقهر:
لو شايف نفسك قوي، فأحب أقولك إن فيه الأقوى منك ومن الكل، ربنا اللي خلقني وخلقك، ربنا العادل اللي قال إن اللي بيعمل حاجة بيشوفها، من قتل يقتل، وبسمة اللي قتلتها ذنبها في رقبتك.
ثم تراجعت للخلف قائلة بتحدي:
زي ما أنت لاوي دراعي، أنا كمان لاوية دراعك، أخويا هيعمل إيه لما يعرف إنك أنت اللي قتلت خطيبته؟ هيعمل إيه لما يعرف لعبتك الحقيرة؟
***
في صباح اليوم التالي.
الجميع بأعمالهم وأشغالهم، بينما هاذان الاثنان بتلك الغرفة يفعلون الفاحشة الكبرى. بعد وقت طويل كانت تلقي برأسها على الوسادة تتنفس بعنف، كذلك هو.
اعتدلت جالسة قائلة بضيق:
أنا خايفة من كاميليا يا زاهر، كنت فاكرة إن بجوازتها الأخيرة هتبعد عني وتحل عني، وأهي رجعت تاني عايزة فلوس وعايزة ترجع للفيلا وسط ولادها. لو فتحت الموضوع ده مع سفيان مش بعيد يطلقني.
زاهر ببرود وهو يدخن السيكارة التي بيده بشراهة:
كاميليا مش سهلة أبداً، محدش في الدنيا دي يعرفها، ادي ودماغها سم، ده الشيطان يتعلم منها. كل اللي عملته في حياتها وشغلها ال...
سألته بضيق:
طب ساكت ليه؟ ما تبعته لسفيان ونخلص منها.
زاهر بضيق:
بلاش غباء، أهلك ده، إحنا عايزين نكسب كاميليا وتبقى في صفنا لحد ما نوقع سفيان، وبعدها نبقى نغورها في داهية، مش عايزين شوشرة أو مشاكلك.
نرمين بضيق:
طب الفلوس اللي عايزاها دي أجيبها منين؟
زاهر بضيق قائلاً:
مش قضية يعني، هبقى أدفعهم أنا.
أومأت له قائلة بفضول:
بتكره كاميليا ليه كده يا زاهر؟ وكرهك لسفيان بسببها ولا في سبب تاني؟ وليه طلبت مني أكرهه في ميان ونعمل كل الفيلم ده؟
حدجها بحدة قائلاً:
نرمين، وجع دماغ مش عاوز، مش كل حاجة لازم تعرفيها، إحنا اللي بينا مجرد وقت نقضيه سوا وننبسط، متتدخليش في اللي ميخصكيش، اللي يخصنا مسموح تتكلمي فيه، أما اللي يخصني وأنا بخليكي تعمليه بتقضي تمنه وغالي أوي، مرة مني ومرة من ابن العزايزي اللي بيتمنالك الرضى ترضيه.
زفرت بضيق وغيظ ولم ترد، ليتجاهلها هو ببرود شارداً في الفراغ، بينما الاثنان يتحدثون بأريحية، كان هناك من يستمع لكل شيء بصدمة.
***
بينما على الناحية الأخرى بمنزل فريدة، كان عمار يستمع من غرفته لمشاجرة شقيقه مع فريدة بصدمة.
حيث صرخ الآخر غاضباً من طلبها المتكرر للمرة الثانية بالزواج من ميان:
ميان مين اللي عاوزاني اتجوزها يا فريدة؟ دي بالذات لو فكرت أصلاً أتجوز هتبقى آخر واحدة أفكر فيها.
فريدة بغضب:
مالها ميان؟ عملت لك إيه؟ فوق من الوهم اللي انت معيش نفسك فيه، لامتى هتفضل تضحك على نفسك؟ أنت شايف إن نرمين دي تتحب؟ ولحقت تحبها إمتى وتقرر تتجوزها؟ وأنت كنت لسه قبلها بتقول بحب ميان وعايز أتجوزها. طلع لي عيب واحد في ميان يخليك رافضها كده؟ بتحبك وبتحبها وأخلاقها عالية.
سفيان بغضب وصرامة:
أنا حر يا فريدة، وبقولك مرة تانية وتالتة ولآخر يوم في عمري، ميان عمرها ما هتشيل اسمي.
فريدة باصرار وقوة:
طيب يا سفيان، أقسم بالله لو ما اتجوزت ميان، لا تبقى حفيدي ولا أعرفك، ومش عاوزة أشوفك تاني، وابقى خلي حبيبة القلب مراتك اللي عمالة تخسرك أهلك واحد ورا التاني تنفعك.
سفيان بصدمة وغضب:
ليه يا فريدة؟ عايزة توصلي لإيه؟ بتجبريني على واحدة مش عاوزها ولا بطيقها ليه؟
فريدة بهدوء:
بكرة تعرف السبب وتعرف إنِ بعمل كده لمصلحتك، وتيجي تشكرني، وكلامي هيمشي يا سفيان، ولو رفضت يبقى أنت اللي اخترت.
سفيان بصرامة وبعد تفكير:
مش هعمل حاجة، مراتي مش موافقة عليها، لو رفضت يبقى انسي الموضوع ده، لو وافقت أنا موافق يا فريدة، أنا مش هقهر مراتي، وصدقيني لو الجوازة دي تمت يبقى أنت اللي حكمتي عليها بالعذاب، صدقيني هخليها تتمنى الموت.
فريدة بسخرية:
متخافش، مراتك هتوافق، بعدين يوم ما تفكر تأذي ميان، محدش هيقفلك غيري يا بن شريف، سامع؟
نظر لها بغضب كبير مغادراً المكان صافعاً باب المنزل خلفه بقوة. تنهدت فريدة قائلة بحزن:
صدقني يا بني، أنا عايزة مصلحتك، بكرة تفوق من الوهم ده، يارب تفوق قبل ما الأوان يفوت.
***
بينما بذلك المصنع الكبير الخاص بالأدوية، كان رأفت يلقي نظرة على العمال قبل أن يدخل لمكتبه ليرى الضيفة التي في انتظاره ورفضت التعريف عن نفسها للسكرتير.
ما إن دخل تفاجأ بكاميليا تجلس أمام مكتبه، تضع قدم فوق الأخرى بغرور وبكامل زينتها وأناقتها. من يراها يظن أنها في بداية الأربعين كأقصى تقدير، لطالما كانت تتمتع بجمال وملامح جريئة خلاف عليا شقيقتها التي تمتلك ملامح هادئة تشع براءة.
سألها بجدية:
خير يا كاميليا هانم، في حاجة؟
أومأت له قائلة برقة زائدة:
آه، قولت أجي بنفسي وأشكرك يا رأفت ع البيت وعلى كل اللي عملته عشاني.
قالت الأخيرة وهي تقترب منها، وضعت يدها على صدره تتحسسه بدلال محاولة اغواءه، ثم فجأة مالت عليه مقبلة وجنته برقة ليضع يده على يدها.
رواية بعينك اسير الفصل العاشر 10 - بقلم شهد الشوري
قالت الأخيرة وهي تقترب منها، وضعت يدها على صدره تتحسسه بدلال، محاولة إغواءه. ثم فجأة مالت عليه مقبلة وجنته برقة.
ليضع يده على يدها. ظنت أنها استطاعت التأثير عليه، لكن سرعان ما شهقت بألم عندما قام يثني ذراعها خلفها ليصبح ظهرها أمامه.
صارخة عليه بحدة:
"رأفت! أنت اتجننت؟!"
دفعها بعيدًا عنه باشمئزاز، قائلاً بحدة:
"المجنون هو أنتي. محدش مجنون ومريض غيرك يا كاميليا."
أشار لها بيده من أعلى لأسفل، متابعًا بقرف:
"السنين عدت وأنتي بردو لسه بنفس الوس... اللي معرفتيش تعمليه زمان بتحاولي تعمليه دلوقتي."
نظرت له بغل من إهانتها. ليتابع الآخر بغضب:
"أختك اللي هي مراتي لحد دلوقتي متعرفش إن أختها من زمان بتحاول تسرق جوزها منها وتدمر حياتها وبيتـها. وبعد كل السنين دي راجعة بنفس تفكيرها الـ... اللي متغيرش واللي أي حاجة في الدنيا تتغير إلا هو!"
ضحكت بخفوت مبتلعة إهانتها، قائلة بتحدي:
"متنكرش إني عجباك."
ضحك بقوة، قائلاً:
"عمرك شوفتي حد بتعجبه الزبالة والحاجات الرخيصة المكشوفة؟"
جزت على أسنانها بغل وصمتت. ليتابع هو:
"مفيش صح. ما عشان كده أنا اتجوزت عليا زمان ومرضتش بيكي لما خيروني بينكم."
رفعت يدها لتصفعه، لكنها ظلت عالقة بالهواء:
"اخرس يا حيو..."
قام بثني ذراعها، قائلاً بغضب:
"لولا إنك ست كنت كسرت عضمك. اللي مصبرني عليكي هي عليا، اللي لولاها ما كنتش قعدتك دقيقة واحدة في الشقة ولا عبرتك ورميتك في الشارع."
ثم تابع بقرف، والأخرى تتألم من ذراعها الذي قام بثنيه بعنف، تستمع إهانته وقد فشلت في الرد على أي منها. لطالما كان هكذا دوما، يوقفها عند حدها كلما حاولت إغواءه، وقد ظنت أن السنوات غيرته:
"متستاهليش أخت زي عليا، ولا ابن زي عمار. مش هقول سفيان لأنه طالعلك نسخة منك يا كاميليا. ولا كنتي تستاهلي شريف اللي يرحمه."
غمغمت بغل وتوعد:
"صدقني هتدفع تمن كلامك ده غالي أوي."
استهزأ بها قائلاً بحدة:
"أعلى ما في خيلك اركبيه. وحذاري يا كاميليا تقربي من عيلتي أو تأذي حد فيهم. هحيكي من على وش الدنيا."
ضحكت بقوة، قائلة بغموض:
"هو أنا لسه هقرب يا رأفت؟ ما أنا قربت خلاص!"
قطب جبينه، قائلاً بعدم فهم:
"قصدك إيه؟"
لوحت له بيدها، قائلة بتوعد وغـل:
"بكره تعرف. وبلاش تهدد وتقول كلام مش هيحصل. كان غيرك أشطر يا..."
"جوز اختي!"
***
كانت لينا تجلس برفقة ميان بشرفة غرفتها، تفرك يدها بتردد، بينما ميان تقف تراقب الشارع بتركيز، مصوبة عيناها على تلك البناية المقابلة لها بالتحديد.
دخلت عليهما همس فجأة، قائلة بابتسامة واسعة:
"لقيت نفسي فاضية، قولت أعدي عليكم أحكي الأكشن اللي حصل معايا كله."
ثم جلست بجانب لينا، تضع قدمًا فوق أخرى، مرددة بغرور زائف:
"هاتيلي عصير فراولة."
ميان بسخرية دون الالتفات لها:
"كان على رجلك نقش الحنا وأنا معرفش. قومي اعملي لنفسك، أنتي عارفة طريق المطبخ."
همس بغيظ:
"باردة."
سألت لينا بتردد:
"ميان، هو عمار كويس؟"
ميان دون أن تنظر لها:
"آه، بيتحسن."
سألتها بتردد مرة أخرى:
"طب مش واجب تروحي تزوريه؟"
التفتت لها ميان لحظة، تسألها:
"ليه؟"
شاكستها همس قائلة بمرح وغمزة من عيناها:
"ياواد أنت يا بتاع الواجب!"
لينا بضيق وغيظ:
"أنا غلطانة. كنت عايزة أعمل الواجب وأطمن على ابن خالتها."
همس بمرح:
"اطمني عليه، وتطمني أنتي كمان. مش كده؟ الواد ده شكلك وقعك والله."
لينا بضيق:
"إيه وقعك دي؟ هتعملوا عليا حفلة. بس أنا اللي غلطانة إني اتكلمت ونـصحتها."
همس بسخرية:
"متغلطيش تاني بقى. ولو قلقانة عليه، أهو أنتي عارفة طريقه فين. روحي أنتي يا لينو."
همس بضيق:
"بت انتي مالك واقفة عمالة تبصي للشارع كده ومش معبراني أنا وهي؟ إيه اللي مركزة معاه أوي كده؟"
ميان بتوتر:
"مفيش."
لينا بشك:
"معاها حق. أنا بردو من ساعة ما دخلت وأنتي واقفة كده ومركزة مع حاجة. في إيه يا ميان؟!"
ميان بانفعال:
"قولت مفيش حاجة. هي قصة."
همس بحدة:
"بت انتي تعدلي ومتعليش صوتك، وقولي اللي عندك أحسنلك، وبلاش لف ودوران."
ميان بحدة مماثلة:
"مش بلف وبدور. قولت مفيش حاجة."
تعالى رنين هاتف ميان، أجابت على الفور ما إن علمت اسم المتصل، والذي لم يكن سوى حارس البناية المقابلة لهم، قائلاً بلهفة:
"ست ميان، الست كاميليا لسه طالعة من العمارة دلوقتي ووقفتلها تاكسي ومشيت خلاص."
شكرته، ثم ركضت لداخل غرفتها تجذب ذلك الصندوق الصغير، وتركض للخارج، وخلفها الاثنتان لا يفهمان شيئًا.
قطبت همس جبينها وهي ترى ميان تدخل لتلك الشقة وتضع أجهزة تعرفها جيدًا من عمل والدها. إنها أجهزة تصنت صغيرة الحجم. تضعها بأماكن مختلفة: غرفة النوم، المطبخ، الصالون، الشرفة. لم تترك مكانًا إلا ووضعت به.
لينا بضيق:
"ميان، أنتي بتحطي إيه في بيت الست دي؟"
همس بعدم فهم:
"ست مين؟"
لينا بضيق:
"خالتها كاميليا، أم سفيان وعمار."
ميان بضيق مماثل:
"هفهمكم كل حاجة، بس مش وقته. خلينا نمشي من هنا بسرعة قبل ما ترجع."
عادوا معها حيثما كانوا من البداية بغرفتها، تقص عليهما ما حدث من البداية:
"لما شوفت نرمين واتأكدت من فريدة، خليت الشغالة اللي بتنضف البيت عنده تعمل نفس اللي أنا عملته من شوية وحطت أجهزة تصنت في كل مكان. وسمعتهم بيتكلموا وجابوا سيرة كاميليا."
ثم جعلتهما تستمعان للحوار الذي دار بين نرمين وزاهر. وما إن انتهى، قالت بغضب:
"كان لازم أراقب كاميليا هي كمان. بعت حد يراقبها زي ما عملت مع نرمين، واللي اسمه زاهر لازم يكونوا تحت عيني. أنا دلوقتي اتأكدت إن سفيان لسه بيحبني، وإنهم عملوا حاجة كبيرة أوي خلتوه يبعد عني كده. هما السبب في عذابي السنين دي كلها وبعدنا عن بعض."
همس بحزن لأجلها:
"ميان، سفيان بعد عنك قبل حتى اللي عملوه. هو ما يستاهلكيش. صدقيني."
ميان بدافع عنه:
"غصب عنه يا همس. اللي حصل بردو مش سهل. أنا عاذراه، وأكيد اللي عملوه التعابين دول كبير لدرجة تخليه يعاملني كده."
همس بغضب:
"باقية عليه يا ميان؟ ليه؟ ده لو مكتبك وصلات أمانة ومتبرعلك بكليته مش هتعملي كده. إش حال ما بيفوتش فرصة إلا لما يسمعك كلام زي السم. ابعدي عنه يا ميان واشتري كرامتك، وهو اللي هيجيلك زاحف."
ثم تابعت بقرف:
"اللي زي سفيان ده طول ما أنتي لازقة فيه هيشوف نفسه عليكي. لكن لما تتجاهليه وتديه بالجزمة، هيلف ويدور حوالين نفسه عشان بس يرجعك ليه زي ما كنتي ويرضي غروره. هو ما ينفعش معاه غير العقربة اللي متجوزها. طلعي نفسك من الليلة دي يا ميان، بتتعبى نفسك ع الفاضي. مش هيصدقك زي ما جدته قال."
ميان بدموع مهددة بالنزول:
"هيقضوا عليه. هو بيحبني بس محتاج اللي يشيل الغشاوة دي من على عينه."
لينا بحزن لأجلها:
"همس معاها حق يا ميان. البعد عن اللي زي ده راحة. أنتي تستاهلي الأحسن منهم."
ميان بدموع:
"مش بإيدي والله. مش عارفة أشوف غيره. مش قادرة أنساه. نفسي أطلعه من دماغي والله مش عارفة. سفيان كويس مش وحش، هو بس محتاجني جنبه عشان آخد بأيده وأطلعه من اللي هو فيه."
همس بضيق وحزن:
"إحنا نبهناكي يا ميان، وأنتي حرة. بس هقولك حاجة أخيرة، إحنا مش عايزين غير مصلحتك. ومراية الحب عامية. إحنا شايفين اللي أنتي مش شيفاه. اسمعي مننا وبيعيه مرة زي ما طول عمره بايعك، واشتري نفسك وكرامتك. بلاش تجري ورا وهم."
ثم تابعت وهي تنظر للساعة بهاتفها:
"أنا لازم أمشي. هعدي ع المستشفى عشان بابا هيخرج من المستشفى كمان ساعة. يدوب الحق."
ميان وهمس معا:
"ألف سلامة عليه، وحمد الله على سلامتك يا همس."
أومأت له بابتسامة، ثم غادرت. فالتفتت لينا لميان، قائلة بتردد وتوتر:
"ميان، هو عمار مش شبه أخوه صح؟ يعني مش نفس الطباع، مش كده؟"
تنهدت ميان، قائلة:
"بتسألي ليه؟"
لينا بضيق:
"هو السؤال حُرم؟ كل ما أتكلم ليه؟ ليه. لو مش عايزة تجاوبي متجاوبيش، وبطلي تعملي عليا حفلة أنتي وهمس بقى."
ميان بابتسامة خافتة:
"خلاص، متزعليش."
ثن تابعت وهي تربت على يدها:
"عمار مش زي سفيان خالص، متقلقيش منه. عمار طيب وبيعرف يحكم عقله كويس ولين في المعاملة، وفي صفات كتير أوي حلوة عنده. عيب واحد بس."
لينا بقلق:
"إيه هو؟!"
زمت الأخرى شفتيها، قائلة بغيظ:
"بيقولي يا ميمونة."
تمزح، بينما هي أصابها القلق مما قالت. فوكزتها بكتفها، قائلة بضيق:
"تصدقي إنك رخمة وباردة أوي."
ضحكت ميان بخفوت، قائلة:
"بهزر. قومي يلا خلينا نمشي."
"على فين؟!"
ابتسمت ميان وهي تضبط خصلات شعرها قبل أن تغادر وتجذب الأخرى معها:
"نروح نطمن ع الواد. زمانه مشتاق هو كمان وقاعد على نار."
لينا بهدوء تخفي به لهفتها:
"معنديش حاجة ممكن أروح معاكي عادي."
ميان بمشاكسة وغمزة من عيناها:
"يا واد يا تقيل..."
***
ارتدت سيلين ملابسها بأهمال، متجاهلة والدتها التي تحاول منعها، قائلة بقلق:
"رايحة فين يا بنتي خليكي مرتاحة."
أحكمت سيلين حجابها حول رأسها. فاقتربت منها سميحة، قائلة بحزن:
"حقك عليا يا بنتي. أنا عارفة إني قصرت في حقك وكنت قاسية عليكي، بس أنا ندمت وفوقت متأخر صحيح، بس عشمانة إنك تسامحيني."
نظرت لها سيلين للحظات، مرددة بنبرة خاوية من المشاعر:
"فوقتِ متأخر."
ويبكت سميحة بندم، بينما كمال كان يراقب ابنته بحزن وألم على حالتها التي وصلت إليها. لم تعد كما كانت في السابق. لا بهيئتها ولا بشخصيتها. سيلين التي أمامه ليست ابنته التي كبرت أمامه يومًا بعد يوم!!!
***
كانت ميان تقود سيارتها متجهة لمنزل فريدة برفقة لينا. سرعان ما توقفت بسيارتها عند إشارة المرور، وعندما نظرت لجانب الطريق، وقعت عيناها على سيلين. لما تتعرف عليها للوهلة الأولى، لكن عندما دققت النظر بها، ابتسمت وصفّت سيارتها على جانب الطريق ونزلت منها هي ولينا التي لا تفهم شيئًا.
وما إن اقتربت منها، قالت بلهفة:
"سيلين!!!"
قطبت الأخرى جبينها، قائلة بخفوت:
"حضرتك تعرفيني؟"
ميان بابتسامة جميلة:
"مش فكراني؟ أنا ميان بنت خالة عمار وسفيان، كنا بنلعب سوا واحنا صغيرين. وكمان قصي ومروان أخويا اللي يرحمه."
تذكرتها سيلين، فابتسمت لها الأخرى، قائلة:
"ميان، أخبارك إيه؟"
جلست ميان بجانبها على المقعد الحجري الذي يطل على البحر، قائلة بابتسامة:
"أهو عايشة. أنتي أخبارك إيه؟"
تنهدت سيلين بحزن، مرددة:
"عايشة بردو."
انسبت دموعها على وجنتيها بحزن. فسألتها ميان بقلق وهي تضع يدها على كتفها:
"بتعيطي ليه؟ أنتي كويسة؟"
لم تجب سيلين، واكتفت لينا بمتابعة الحديث بصمت. فـتنهدت ميان بحزن، قائلة:
"أنا عرفت اللي حصل زمان من فريدة. ليه عملتي كده في قصي؟ كلنا كنا عارفين إنه بيحبك."
سيلين بدموع وندم:
"أنا الوحيدة اللي كنت غبية. كنت شايفة معاملته ليا معاملة أخ لأخته. وكنت فكراه بيتعامل معايا على الأساس ده. ومكنش في دماغي حاجة تانية. لما طلب مني الجواز وقال لي إنه بيحبني، اتصدمت يا ميان واتلخبطت. أنا كمان يومها كنت رايحة أقوله إني معجبة بشاب معايا في الجامعة اتعرفت عليه من سنة أولى وطلبني للجواز وأنا وافقت. لقيت نفسي يومها بقول له: 'أنا بحب راغب وهتجوزه' وسيبته ومشيت. واتفاجأت بسفيان بعدها بكام يوم عندي بيتهمني إن سبب حالة قصي وإنه حابس نفسه. قالي إني مسئولة عن اللي هو فيه ولازم أعمل اللي هيقول عليه عشان قصي يقف على رجليه من تاني."
تنهدت ثم أكملت حديثها:
"كنت يومها مصدومة يا ميان، مش قادرة أشوف قصي غير أخ زي كل السنين اللي فاتت. فاخترت راغب ورفضت قصي. ساعتها سفيان قالي: 'اعملي كل اللي عملتيه عشان يكرهني ويقف على رجليه من تاني ويكمل حياته'."
بكت أكثر، قائلة بحزن:
"نفذت وعملت اللي طلبه. عارفة إنه غباء، بس هتكلم مع مين وأخد رأيه؟ وهو كان الوحيد اللي قريب مني، أقرب من أبويا وأمي اللي رماني من سنين."
ميان بصدمة:
"سفيان؟!"
أومأت لها سيلين. عم الصمت للدقائق، بعدها أردفت ميان بحزن:
"قصي بيحبك."
أومأت سيلين برأسها، قائلة بندم وحزن:
"بس مش هينسى الكلام اللي كنت بقوله له. صعب، مفيش حد يقبل على نفسه كده."
ميان وهي تربت على يدها بحزن وشفقة:
"طريقكم لسه مفتوح، وفي فرصة."
نفت برأسها عدة مرات، قائلة بدموع:
"اترجيته بدل المرة ألف، لسه مفيش فايدة. كل اللي على لسانه: 'أنتي اللي وصلتينا لكده'. ومش هيقدر ينسى."
نطقت ميان بتلك الجملة التي لم تصدقها بالأساس:
"الوقت بينسي كل حاجة."
سألتها ميان لتغير مجرى الحديث:
"أنتي بتشتغلي إيه يا سيلين، وبتعملي إيه في حياتك؟"
سيلين بدموع:
"مش بعمل أي حاجة."
ميان بسخرية:
"مقضياها بكى ليل نهار يعني؟"
ثم تابعت بجدية:
"كده غلط. ضعفك واستسلامك ده غلط. البكى هيعملك إيه يعني؟ ضعفك ده غلط يا سيلين. اشتغلي وكملي حياتك. بلاش تخسري كله. مش عشان خسرتي قصي، مع إني متأكدة إنكم هترجعوا لبعض، بس هي مسألة وقت. توقفي حياتك عليه. الحياة فيها حاجات تانية لازم تعيشيها غير البكى والدموع."
سيلين بدموع وسخرية:
"مكملتش آخر سنة في الجامعة. مين هيرضى يشغلني أصلاً؟"
ميان بتشجيع:
"أمرها سهل. إيه رأيك تشتغلي مع بابا؟ هو كان بيدور على سكرتيرة بقاله يومين، وهو مستحيل يرفض لما يعرف إن أنتي اللي هتشتغلي."
صمتت سيلين بحيرة وهي تشعر بانعدام رغبتها بفعل أي شيء. فعادت ميان تبث الحماس فيها:
"فوقي يا سيلين. أنتي ليه ميتة في نفسك كده؟ فوقي كده وعيشي حياتك. اخرجي واشتغلي والعبى رياضة، مارسي هوايتك. الحياة فيها حاجات جميلة أوي أحسن من الدموع والبكا. طب ما أنا كمان زيك، يمكن أكتر منك، بس مخلتش حزني يأثر على حياتي. كملت، ولسه بكمل."
تنهدت سيلين بحزن وصمتت لدقائق، لتقول ميان بتردد:
"هحاول أساعدك عشان ترجعوا لبعض."
سيلين بلهفة:
"إزاي؟!"
ميان بابتسامة صغيرة:
"هقولك، بس تسمعي الكلام!"
***
كالعادة، اطمئنت ميان على عمار وتركته برفقة لينا، التي لا يفوت عمار فرصة إلا وغازلها بطريقة جعلتها تخجل بشدة.
بينما فريدة كانت تؤدي فرضها، كانت ميان تجلس بالصالون تستمع لتلك الأصوات التي تنبعث من جهاز التصنت التي قامت بوضعه بمنزل كاميليا!!!
***
حيث كان الوضع على الناحية الأخرى كالتالي:
أسفل البناية التي تقيم بها كاميليا، كانت فتاة منتقبة تدخل بحذر لمدخل البناية، ثم استقلت المصعد، ضاغطة بيدها على زر الطابق المنشود. لحظات وكانت تدخل الشقة، والأخرى أغلقت الباب خلفها بقوة، صارخة عليها بغل:
"بعد كل اللي عملته ليكي بتغدري بيا وبتتهربي مني؟ نضفتك وخليتك هانم وساعدتك تتجوزي سفيان بتنكري جميلي عليكي، وعايزة تلهفي كل العز ده لوحدك؟"
أزالت الأخرى النقاب عن وجهها، قائلة بغضب:
"عملتي كل ده لمصلحتك يا كاميليا، وزي ما كنت باخد كنت بديكي. نسيتي الفلوس اللي كنت بسحبها منه أيام الخطوبة وكنت بغرقك بيها؟"
ثم تابعت بحدة:
"نسيتي اللي عملته عشان أبعد ميان عنه؟ ونسيتي إني كذبت عليه زمان عشان يكره ميان ويطلعها من حياته؟ نسيتي راغب اللي عرفتك عليه عشان توقع سيلين وتتجوزها عشان تنقمي من اللي خطفت حبيب القلب زمان؟ بلاش أعد لك الباقي اللي عملتيه ليا. نقطة في بحر من اللي عملته ليكي يا كاميليا."
كاميليا بغل:
"بتهدديني يا نرمين؟"
نرمين بسخرية وغرور:
"اللي أقصدُه لا تعايريني ولا عايرك. الفلوس اللي بتعوزيها بتاخديها ع الجزمة، لكن إياك تطلبي مني أرجعك الفيلا من تاني وأفاتح سفيان في كده."
صفعتها كاميليا بقسوة، قائلة بغل:
"هقول له ع الحقيقة وهفضحك."
ردت لها نرمين الصفعة بقوة أكبر ببرود، قائلة بسخرية وعدم مبالاة:
"قول له. أولاً هتخسري الفلوس اللي بتسحبيها مني، وإنـسي إنك تعرفي تضحكي على ولادك أو حد منهم يصدقك. وقبل كل ده..."
اقتربت منها، قائلة بتحدي:
"سفيان نفسه مش هيصدقك. إيه يا كاميليا؟ ده إحنا دافنينه سوا. وكله كان بتخطيطك. إزاي أقدر أسيطر عليه وأخليه ميصدقش غير اللي أنا أقوله بس، وإزاي أفضل في نظره ملاك نازل من السما؟"
جزت الأخرى على أسنانها بغل وحقد:
"خليكي مطيعة وارضى باللي بتاخديه مني يا كاميليا، بدل ما أقطعه عنك وأروح لأختك وأقولها كل بلاويكي، وساعتها هتطردك من بيتها زي الكلاب."
ثم ربتت على وجنتها، قائلة باستهزاء:
"في الآخر مش هيبقى ليكي غيري. وساعتها يا أقبل أساعدك، يا لأ."
أغلقت ميان هاتفها بصدمة مما سمعته. لحظات ودخلت عليها فريدة، قائلة بلهفة:
"فكرتي في اللي قولته وموافقة صح؟!"
ميان بصدمة وعدم تصديق:
"سفيان وقع نفسه في إيه يا فريدة؟ كلهم عصابة عايزين يدمروه. كل مرة بكتشف حاجة تخليني أتصددم فيهم وقد إيه هما شر والكره مالي قلوبهم."
فريدة بعدم فهم:
"عرفتي إيه؟"
قصت عليها ما حدث، لتكون الصدمة حليفة الأخرى، قائلة بغضب:
"الوضع ده ما يتسكتش عليه. هقول له واللي يحصل يحصل. هقول له!"
هي ما إن أخبرته، كما توقعت، لم يصدقها، قائلاً بغضب:
"مستحيل أصدق الكلام الفارغ ده. وميان مين دي اللي ممكن أصدق اللي تقوله وأدمر بيتي بأيدي وأهده عشان شوية كلام قالته من غيرتها من مراتي عشان هي مش مكانها؟"
فريدة بغضب:
"عملالك إيه عشان تبقى معمي كده؟ فوق بقى لنفسك. أنت بتمسكك بيها بتدمر نفسك وحياتك. مش مصدقني؟ روح دور في تليفون مراتك، هتلاقيها مسجلة عشيقها باسم واحدة من صحابها اسمها جيجي. يارب تفوق بقى، لأن محدش هيخسر غيرك."
غادر بغضب من أمامها، وما إن وصل للفيلا، ركض لأعلى حيث غرفته. وجد زوجته بالمرحاض. تماسك بصعوبة حتى لا يلتقط هاتفها ويفعل ما قالت جدته. لكن لحظة، اثنان، ثلاثة، ولم يصمد، والتقطه يبحث عن اسم جيجي واتصل بها. لحظات وجاءه الرد، لتتوسع عيناه بصدمة عندما استمع!!!