تحميل رواية بعينك اسير بقلم شهد الشوري pdf
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صباحًا بأحد الأحياء الشعبيه بمدينة الاسكندريه بمنزل يبدو عليه البساطه نجد هناك فتاة تجلس في غرفتها على فراشها و على ملامحها الجميله يظهر الحزن الشديد لما عاشته و شعور الندم ينهش قلبهاتتمنى فقط لو يعود الزمن بها للوراء لكن الزمن لا يعود تنهدت بحزن على حالها انتفضت مكانها عندما فتح باب الغرفة فجأة بقوة و ظهر من والدتها تدعى سميحة قائلة بحدة و غضب : قاعده كده مفيش وراكي لا شغله و لا مشغله مش كفاية الكلام اللي بنسمعه من اللي يسوى و اللي ما يسواش يا سيلين سيلين بحزن و ألم : محدش ليه عندنا حاجه انا مش...
رواية بعينك اسير الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم شهد الشوري
مرت الأيام بسرعة، وتحولت الأسابيع إلى شهر.
ذات يوم جلست أماليا في شقتها، عيونها تتجول في أرجاء المكان بينما تفكر في سفيان. كان حضور سفيان في حياتها يثير الكثير من التساؤلات رغم تعمق العلاقة بينهما. ظل سفيان غامضًا بعض الشيء مما جعلها تشعر بالحيرة.
هل المشاعر التي بدأت تنمو بقلبها تجاهه هي مشاعر الحب، أم مجرد انجذاب إلى الغموض الذي يحيط به؟
من جهة أخرى كان سفيان يشعر نحو أماليا بشعور لا يستطيع تفسيره. هو حب أم انجذاب لشخصيتها، أم لأنها نوعاً ما ملئت الفراغ والوحدة التي كان يشعر بها مؤخراً؟ كان خائفاً من أن يتخذ خطوة ويظلمها معه مثلما فعل مع ميان.
في غرفة مظلمة لا يكسر سكونها سوى صوت الجهاز الذي يقيس ضربات القلب.
كان يزن يجلس على كرسي بجانب السرير، عيناه مثبتتان على الجسد الهامد أمامه. إنها "بسمة"، لكنها ليست كما عرفها من قبل. ملامحها الشاحبة لا تعكس أي حياة، وكأن روحها غادرت هذا الجسد منذ أن دخلت في غيبوبة قبل شهر.
نظر إلى نفسه في مرآة صغيرة معلقة على جدار مرحاض الغرفة. لم يعرف الرجل الذي يحدق فيه. ذقنه الطويلة، الهالات السوداء تحت عينيه، وجسده الذي بات هزيلاً. كأن الحياة نفسها هجرت كل ما فيه.
ضاق صدره بحمل أثقل من أن يطيقه، حمل الذنب الذي يطارده في كل لحظة. همس بإسمها "بسمة..." لكن صوته كان أقرب إلى نداء يائس، مزيج من الخوف... الحزن... والندم.
عاد بذاكرته إلى الوراء. هل كان فعلاً يحب همس؟ أليس من المفترض أنه كان يحب بسمة من الأساس؟ لكن تلك اللحظة التي رأى فيها بسمة غارقة في دمائها، شعر أن قلبه انتزع من صدره، وكأنها حملت معها جزءاً منه.
لكن إن كان يحب بسمة فلماذا تركها تعاني؟ لماذا ركض وراء همس وترك بسمة تتآكل أمام عينيه؟
ابتسم بسخرية مريرة. لقد فعل نفس الشيء مع همس أيضاً.
"أنا أناني... أنا مؤذي" همس لنفسه وكأن الكلمات تحولت إلى سيف يمزق صدره.
جلس في صمت مستسلماً لفوضى مشاعره. غير قادر على تحديد ما يريده حقاً. هل كان يبحث عن حب جديد مع همس؟ أم أنه لم يحبها من الأساس؟ من أحب، من يريد؟ في تلك اللحظة لم يكن يعرف الإجابة. كل ما يعرفه أن قلبه قد تحطم، وأنه ظلم كل من أحبه.
بعد دقائق... خرج من الغرفة وهو يشعر كأنه يتحرك في ضباب كثيف. لم يكن يشعر بأي شيء. جسده ثقيل وعقله مشوش.
فجأة وجد نفسه وجهاً لوجه مع جميلة، قريبة بسمة. التي كانت تقف عند باب الغرفة. عيناها مشتعلة بالغضب.
"أنت متستهلش حبها!!"
صرخت في وجهه بصوت مليء بالمرارة: "قاعد معاها ليه؟ قالتلك إنها مظلومة مصدقتهاش... أنت مابتحبش غير نفسك وبس."
شعر بثقل كلماتها وكأنها رصاص يخترق صدره، لكنه لم يستطع الرد. كانت عيونه تائهة لا تعرف إلى أين تتوجه. لا تفهم حتى من أين جاء كل هذا الألم.
جميلة لم تتوقف. استمرت في مهاجمته والدموع تغرق وجهها: "لو حصلها حاجة ذنبها في رقبتك... مراعتش إنها بنت في وسط مجتمع هينهيش فيها لو حاجة زي دي نزلت واتفضحت ليه... كانت بتحبك بس مكنش في إيدها حاجة تعملها."
وقف عاجزاً غير قادر على قول شيء.
صوتها كان يعيد له ذكريات تلك اللحظات التي أدار فيها ظهره لبسمة. تلك اللحظات التي اختار فيها أن يهرب إلى همس يعترف لها بحبه بدلاً من أن يواجه الحقيقة ويسمعها.
تابعت جميلة حديثها بحدة ودموع: "هي خسارة فيك، وهمس ربنا بيحبها عشان خلصها من واحد زيك... هي لو خاينة، فأنت خاين أكتر. بدلتها بغيرها وكنت هتتجوز همس عشان تنساها بيها. شوية بتحب بسمة، وشوية بتحب همس. ودلوقتي اتجوزت بسمة وهتموت عليها!!"
كلمات جميلة اخترقت يزن بعمق وشعر بالضياع أكثر، غير قادر على تمييز مشاعره بعد الآن. كل ما يعرفه أنه في تلك اللحظة كان محاطًا بشبحين. أحدهما يمثل حبه الضائع، والآخر يمثل ذنبه الذي لا يغتفر.
لحظة... اثنتان... ثلاث... بعدها لم يعد يزن يشعر بشيء. كل شيء من حوله بدأ يضيق ويخفت كأن الغرفة تتحول إلى نقطة صغيرة في الظلام. عيناه أصبحتا ثقيلتين وصدى كلمات جميلة يطغى على كل صوت آخر في رأسه.
فجأة شعر كأن الأرض تسحب من تحته وسقط. جسده انهار على الأرض بقوة فاقدًا الوعي.
بعد شهر العسل بدأت همس تدريبها في المستشفى الخاصة بفارس برفقة ميان. وفي أحد الأيام، أثناء تجوالهما في ممرات المستشفى، شعرت ميان فجأة بالدوار واستندت على الحائط.
هرعت همس نحوها بقلق قائلة بعدما جعلتها تجلس: "ميان، أنتي كويسة... فيكي إيه؟"
أجابت ميان بتعب وألم شديد في معدتها: "مش عارفة بقالى كام يوم تعبانة."
سألتها همس بقلق: "طب فارس عارف... إزاي تسكتي على نفسك كل ده من غير ما تكشفي.... بتستهبلي والله."
ظهرت علامات الضيق على وجه ميان وهي تستند برأسها على الحائط. ساعدتها همس في الوقوف قائلة بصرامة: "قومي واسندي عليا هنروح نكشف دلوقتي. احنا أصلاً في المستشفى."
بعد حوالي نصف ساعة... كانت الطبيبة تسحب عينة دم من ميان وتدون عليها بضع كلمات. ثم أعطتها للممرضة قائلة: "تحليل مستعجل. النتيجة تطلع خلال ساعة بالكتير."
سألت ميان وهمس معاً: "تحليل إيه ده... ما تفهمينا؟"
ابتسمت مها، التي أصبحت صديقة لهما منذ أن بدأوا العمل بالمستشفى، قائلة: "اهدوا، مفيش داعي للقلق. أنا سألتك حاسة بإيه... قولتي دوخة وآلام في معدتك و زيادة في القيء الفترة دي. وكمان سألتك عن أخبار الضيفة اللي بتيجي كل شهر قولتي اتأخرت."
أومأت ميان برأسها فتابعت مها ضاحكة: "كل ده ما لفتش نظركم لحاجة؟"
ردت همس بضيق ونفاد صبر: "جيبي من الآخر يا مها، قلقتينا، مالها ميان؟"
حركت مها رأسها بيأس وقالت: "دخلتوا طب إزاي.. أنا مش عارفة أصلاً ليه ما رحتوش لدكتور متخصص وجايين لي؟"
ردت ميان بنفاد صبر وتعب: "انجزي يا مها.... في إيه؟"
أجابت مها بابتسامة واسعة: "فيه إني متأكدة بنسبة ٩٠٪ إن الدكتور فارس و حضرتك هتستقبلوا ضيف صغنون إن شاء الله بعد تسع شهور. ينور دنيتكم بس هتأكد اكتر بعد التحليل!"
صُدمت ميان مما قالت وتجمدت مكانها بينما كانت مشاعرها تتداخل بين الصدمة والفرح.
صرخت همس بسعادة وعانقت ميان بقوة: "هتبقي أحلى مامي يا ميان!"
دمعت عينا ميان وشعرت بشعور عميق من الفرح يجتاحها. وبينما كانت دموعها تسقط، لم تستطع إلا أن تفكر في فارس. تصورته وهو يتلقى هذا الخبر. كيف ستتغير ملامحه إلى الفرح والحماس؟ اختلطت مشاعرها بالفرحة العارمة والحماس لمشاركة هذا الخبر السعيد مع فارس.
ابتسمت بسعادة بعدما خطر ببالها شيء. من المفترض أن غداً عيد ميلاد فارس، لكنها ستغير الخطة.
"نايمه؟"
رسالة من كلمة واحدة فقط وصلت لأماليا عبر تطبيق التواصل الاجتماعي "الانستغرام" من سفيان، الذي تردد كثيراً قبل أن يرسلها فالوقت متأخر.
بتردد مماثل له كانت أماليا تجيب عليه برسالة.
"لأسألها محاولاً فتح حديث معها: صاحية ليه لحد دلوقتي؟"
تنهدت وهي تعاود النظر إلى السماء قبل أن ترسل له بتردد وحيرة: "مش جايلي نوم خالص."
تنهد هو الآخر قبل أن يجيب عليها برسالة: "أنا كمان، بس انتي مش جايلك نوم ليه؟"
تكومت بداخل الأرجوحة التي تحتل جزء كبير من شرفتها الصغيرة وهي تقول بحيرة: "بفكر!"
سألها سفيان: "بتفكري في إيه؟"
تنهدت ولم تعرف بما تجيب. هل يمكن أن تخبره أنها تفكر به هو؟
عندما لم تجيب عليه واستغرق الأمر بضع دقائق بتردد، كان يتصل بها. سرعان ما انتفضت الأخرى عندما شعرت باسمه ينير شاشة هاتفها. قلبها يريدها أن تجيب عليه بينما عقلها يرى أن ذلك خطأ كبير. وكالعادة كما يحدث مع الكثير منا، مشاعر القلب تغلبت عن أي شيء آخر وأجابت عليه بتوتر شديد.
صمتت وكذلك فعل هو حتى تجرأ وقطع هو الصمت قائلاً: "بتفكري في مين مطير النوم من عينك؟"
تنهدت قائلة بحيرة: "في واحد غامض بالنسبة ليا."
سألها بهدوء: "ليه غامض؟"
ردت عليه بحيرة أرهقتها: "عشان معرفش عنه حاجة، دايما في حيرة اللي بيعمله حاجة ونظرات الباقين ليه حاجة تانية، مليش حق إني أسأل، بس.... اا... اا...."
صمت للحظات قبل أن يقول بحزن: "بس إيه؟"
رددت بحزن وهي تسمح بيدها على مقدمة شعرها: "مفيش!"
سألها بتردد: "انتي حبتيه؟"
كان الرد عليه صمت دام لدقائق قصيرة. فرد هو بدلاً عنها قائلاً بحزن: "أي واحدة مكانك هتخاف على نفسها وتبعد ويكون ليها كل الحق. انتي تستاهلي تحبي حد أحسن بكتير. ورغم إن هو محتاج ليكي جنبه بس انتي تستاهلي الأحسن منه."
صمتت ولم تجيب، ليتنهد هو قائلاً بحزن: "تصبحي على خير!"
قبل أن يغلق الهاتف جاءه صوتها الخفيض: "مش عارفة بحبه ولا لأ، حاجات كتير أوي بحسها ناحيته، أهمها اني مش عايزاه يبعد عني ومش عايزة يجي يوم عليا من غير ما أشوفه، عايزاه جنبي طول الوقت، لما بيبعد عني بزعل أوي وبحس اني مخنوقة... ونفسي اعرفه أكتر!"
هربت دمعة من عيناها تعبر عن حيرتها وهي تتابع حديثها بصوت خفيض: "لو اللي بيحب بيحس بكده، يبقى أنا..... يبقى أنا كده بـحـبـه!!!!"
ثم تابعت بتساؤل وصوت حزين: "بس هو بقى بيحبني؟"
أغمض عينيه قائلاً بحزن وحيرة: "هو مش عارف حاجة خالص، مش عارف غير إنه مش عايزك تبعدي عنه وتفضلي جنبه!"
ثم تنهد بعمق متابعاً بحزن: "بس في نفس الوقت شايف إنك تستاهلي الأحسن منه بكتير، شايف إنك ملاك وتستاهلي حد يكون شبهك وزيك."
سألته بحيرة: "هو إيه حكايته بالظبط؟"
ردد بسخرية مريرة: "حكايته لو عرفتيها هتكرهيه وتكرهي الساعة اللي شوفتيه فيها، هتبعدي زي ما كلهم بعدوا عنه!"
في اليوم التالي بمنتصفه، عاد فارس للمنزل يبحث في أنحاء المنزل عن ميان لكنه لم يجدها. اتصل بها ليفاجأ بصوت رنين قادم من غرفة النوم.
بدت تعابير الدهشة على وجهه وهو يتوجه إلى الغرفة ليجد هاتفها المحمول على الطاولة بجانب الفراش. تحته ورقة مطوية. فتحها ليقرأ: "عشان تلاقيني محتاج تتعب شوية، فكر في الحاجة اللي كنت تعملها لما نكون متخانقين سوا... بحبك."
ابتسم فارس وضحك بخفة. ثم انتقل إلى الغرفة الأخرى والتي كانت غرفتها السابقة ليجد صندوقاً على الفراش. على الصندوق ورقة مكتوب عليها: "بحبك تاني."
فتح الصندوق ليجد صندوقاً أصغر بداخله. وعندما فتحه وجد ورقة صغيرة مدوناً عليها "بموت فيك".
ضحك فارس بسعادة وهو يتساءل بداخله: "روحتي فين يا ميان؟"
ثم فتح الصندوق الأصغر ليجد ورقة أخرى مكتوبًا عليها: "اهدا يا عم، هتعرف روحت فين... ندخل في الجد بقى، أكتر مكان بحب أقعد فيه بالبيت علطول."
قرأ السطور الأخيرة وابتسم، قائلاً: "عارفه إنه كتير بس رخامة.... دور عليا بقى."
ضحك بقوة وتوجه إلى غرفة المعيشة حيث يجلسان عادةً لمشاهدة الأفلام ليجد ورقة أخرى مطوية. وعندما فتحها ضحك بخفوت: "لا، أنا مش هنا."
توجه إلى الشرفة حيث وجد ورقة مطوية على الطاولة وعليها وردة حمراء. فتح الورقة وابتسم عندما قرأ: "برافو عليك، بس أحب أقولك إن المكان الوحيد اللي أحب أكون فيه بكل الدنيا هو حضنك لأنه المكان الوحيد اللي بحس فيه بالأمان... احم... المهم خلينا في الجد زي الشطور. انزل تحت هتلاقي حد يجيبك عندي، بس الأول روح أوضتنا وافتح الدولاب."
توجه فارس إلى غرفة النوم وعندما فتح الخزانة وجد ملابس له معلقة وعليها ورقة صغيرة مكتوب عليها: "يلا البسني."
ارتدى بنطال جينز أزرق وقميص أبيض، ثم وجد وردة أسفل عطره مكتوبًا عليها "يلا رشني".
ضحك وهو ينثر العطر وسرعان ما لاحظ كلمة "بحبك" التي جعلته يشعر بالسعادة.
نزل إلى الأسفل ليتفاجأ بسائق عائلتها يفتح له الباب بصمت. صعد إلى السيارة وجد ورقة بجانبه مكتوبًا عليها: "طب بذمتك الناس مصعبتش عليك وانت نازل من البيت كده، هيحصلهم زهول لما يشوفوا القمر ماشي على الأرض. أيوه.... ابتسم كمان واخطف قلوبهم أكتر. ع العموم أحب أقولك انني بحبك اكتر منهم ومن اي حد."
ضحك فارس بسعادة تغمر قلبه وتملكه الشوق لرؤيتها الآن!
بعد وقت.... توقفت السيارة في الميناء حيث ترسوا السفن. قبل أن يتحدث شعر بالسائق يضع قماشة سوداء على عينيه، معتذرًا: "أنا آسف يا دكتور فارس... أنا بنفذ الأوامر!"
ضحك فارس بخفوت وتوجه مع السائق إلى القارب الصغير. وبعد وقت توقف القارب. وجاء السائق ليحل العقدة من على عينيه، مشيرًا له بصعود اليخت الكبير.
صعد فارس إلى اليخت وعيناه تبحث عنها حوله بكل مكان حتى وقع نظره عليها. كانت تقف على سطح اليخت المزين بالأضواء والورود الحمراء متألقة بثوب أبيض! كان هذا الثوب هو نفسه الذي أهداها إياه بعد الزواج في أول مناسبة تحضرها معه كزوج وزوجة.
تجمد للحظة، مذهولًا بجمالها ورقتها كأنها تشرق بين الورود. اقترب منها ببطء وعيناه تملؤهما الافتتان. يشعر بقلبه ينبض بقوة.
وقفت ميان أمامه بابتسامة جميلة وعيناهما تتلاقى. حيث شعرت ميان السعادة وهي دوماً ترى نفسها بعينيه أجمل النساء. ومنذ أن عرفته لم تجد بعينيه غيرها فقط.
اقترب منها ببطء، نظراته مليئة بالحب والشغف. لا يصدق كيف لها أن تسرق منه أنفاسه هكذا. جذبها إليه يقبلها بحنان.
"قبلة مليانة بالمشاعر التي يعرف أن مهما تحدث قليل."
ابتعد عنها مستنداً بجبينه على جبينها قائلاً: "أنا بحبك أوي... مفتون بيكي بطريقة مش طبيعية. إنتي عملتيلي سحر صح!"
ضحكت بسعادة وهي تعانقه بحب قائلة بصدق: "أنا مبسوطة أوي يا فارس."
ابتعدت عنه قليلًا وعيناها تملؤهما لمسة من الحزن وسألته: "انت ليه مظهرتش في حياتي من زمان... يا خسارة كل لحظة عيشتها بعيدة عنك وبعيدة عن حضنك اللي عمره ما حسيت فيه غير بالأمان."
تلاقت نظراتهما وفي تلك اللحظة لم يكن هناك حاجة للكلمات. كان هناك حديث صامت بين الأعين، مليء بالمعاني العميقة التي لا تحتاج إلى تفسير.
فارس قد أغرقته سعادته بها ولم يستطع الرد بالكلام. فجذبها إليه مجددًا وقبلها بعمق... قبلة مليئة بالعشق الذي لا ينفك بل يزداد مع كل لحظة.
"كل سنة واحنا مع بعض يا حبيبي."
قالتها ميان بحب وهي تحاوط عنقه بينما الآخر إمارات السعادة تبدو جليه على ملامح وجهه وهو يرى ما قامت بتحضيره لأجله. لم يفرح بتلك الأشياء، بل سعادته الكبرى والوحيدة أنها تذكرته وفكرت به.
لم يجد ما يعبر به من الكلام فباغتها بقبلة أودع بها عشقه الكبير والصادق نحوها.
"ابعدته عنها على الفور قائلة فجأة: إحنا مش لوحدنا!"
ردد بزهول وهو ينظر حوله: "نعم، مين اللي موجود هنا معانا؟!"
جذبته إليها قائلة بخفوت بجانب اذنه: "ده ضيف صغنن خالص."
سألها بتعجب وهو لا يزال ينظر حوله ليعرف من معهما: "مين ده وفين؟"
التقطت يده تضعها على بطنها قائلة بابتسامة واسعة: "هو قاعد هنا!"
لم يستوعب ما قالت فسألها ببلاهة: "بيعمل إيه؟"
ضحكت قائلة بمرح: "بيصيف إيه يا فارس مالك؟"
أغمض عينيه وأخذ يفتحها عدة مرات بزهول وصدمة مردداً بلسان ثقيل من الصدمة: "ده بجد!"
أومأت له عدة مرات ولم تقدر على تمالك دموعها التي انسابت من شدة الفرحة: "هتبقى أحلى بابا يا فارس."
بدون سابق إنذار حملها بين ذراعيه وأخذ يدور بها صارخاً بسعادة لكونه سيصبح اباً عن قريب.
ضحكت ميان بقوة والسعادة تغمر قلبها لرؤيته سعيداً بتلك الدرجة. أنزلها وهو يمسح وجهها بيديه يقبل كل انش به بسعادة. ثم انحنى أخيراً يضع يده على بطنها موضع الجنين تارة يقبله بحنان و تارة يضع رأسها عليها كأنه يعانق طفله.
انحنت لمستواه سرعان ما انتفض يمنعها من ذلك قائلاً بلهفة شديدة وهو يحاوطها برفق: "لا متوطيش، كده غلط عليكي. تعالي انتي واقفة ليه أصلاً."
حملها بين ذراعيه دون ان يعطيها فرصة للحديث يضعها على الأريكة الموجودة بأحد الزوايا قائلاً بلهفة كبيرة: "عرفتي امتى وازاي، انتي كويسة مش نفسك في حاجة، حاسة بأي تعب طيب، طالما حامل بتعملي كل المجهود ده انهارده ليه ومرتاحتيش، احنا هنلف ونرجع دلوقتي نطمن عليكي وعليه، أيوه."
وضعت يدها على شفتيها توقفه عن الحديث وهي تضحك قائلة بسعادة: "براحة واحدة واحدة يا فارس."
جذبها لاحضانه بسعادة دقائق وابتعد عنها مقبلاً جبينها بكل حب. فبدأت هي تسرد عليه كل شيء. وما ان انتهت رددت بسعادة: "ملقتش هدية اجمل من كده تكون هدية عيد ميلادك."
ردد بحب ويضع رأسها على صدره: "انتي أجمل هدية يا ميان، انتي أجمل حاجة حصلت في حياتي، أنا بعشقك."
ابتسمت بسعادة تقبل وجنته قائلة بحب وهيام: "وانا بموت فيك يا فارس♡"
التقط اعينهما بنظرة طويلة مليئة بالعشق. بادرت ميان تلك المرة والصقت شفتيها بخاصته. كان كلاً منهما غارقاً في الآخر.
ابتعد فارس بصعوبة قائلاً: "مش هينفع."
سألته بتعجب من ابتعاده: "ليه؟!"
رد فارس عليها وهو يقف يوليها ظهره مردداً برغبة يكافح لأخماده لأجل سلامتها هو طفله: "انتي لسه في اول الحمل كده غلط و قبل كده كان فيه...."
رددت بصعوبة وهي تتذكر جنينها السابق الذي اجهض بتلك الليلة المشئومة: "متخافش انا كشفت والدكتورة قالتلي ان كله تمام و مفيش اي خطر عليا انا والبيبي يا فارس."
اقترب يعانقه من الخلف وتستند برأسها على ظهره مرددة بحب وعاطفية: "متبعدش يا فارس."
التفت ينظر إليها ليرى مدى رغبتها في قربه. كان متوجساً من الاقتراب حتى لا يؤذيها، لكنها طمأنته قائلة: "متخافش علينا يا فارس، لو فيه اي خطر عمري ما كنت هغامر بالبيبي واضره."
كانت ترى رغبته بها وخوفه من ايذائها هي والجنين فبادرت هي تقبله بحب قائلة: "انت حياتي وروحي يا فارس♡"
حملها بين ذراعيه برفق وبرومانسية ينزل بها لغرفة النوم الموجودة بالأسفل. وما ان دخل أغلق الباب بوجوهنا جميعاً كلاً منهما غارقاً في الآخر.
وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
بعد عودة ميان وفارس إلى منزلهما، سرعان ما انتشر خبر حمل ميان بين الجميع لتغمر السعادة قلوبهم خاصة أهلها وأهله. كانت الفرحة عظيمة لدرجة أن العائلتين قامتا بتقديم الأضاحي كتعبير عن الفرح والشكر لهذا الخبر السار. باتت أجواء الفرح والتهاني تملأ المكان حيث اجتمع الأحبة للاحتفال بهذا الحدث السعيد والكل يترقب بشوق ولادة الطفل الذي سيضيف مزيدًا من البهجة إلى حياتهم.
في غرفة الاجتماعات، بعد خروج الموظفين ظل سفيان وقصي وحدهما. لاحظ قصي تشتت سفيان خلال الاجتماع فسأله: "سفيان مالك طول الاجتماع مش مركز وسرحان، حصل حاجة معاك ولا إيه؟"
تنهد سفيان بعمق ثم قال بعد صمت: "تايه، حاسس إني تايه... جزء من قلبي لسه متعلق بميان، وجزء تاني عايز قرب أماليا، بس خايف أظلمها.... مش متأكد إذا مشاعري حقيقية ولا لأ." ثم تابع بحزن مبتلعاً غصة مريرة بحلقه: "أنا تعبان يا قصي."
نظر إليه قصي بحزن لكنه ردد بجدية: "لازم تواجه نفسك وتاخد خطوة، خليك صريح مع نفسك ومع أماليا. لو مش حاسس إنك تقدر تديلها كل اللي تتمناه يبقى الأحسن تكون صريح معاها وتقولها كل اللي في قلبك."
رد سفيان بحزن: "لكن الصراحة ممكن تأذيها وتجرحها."
طمأنه قصي قائلاً: "الصراحة هي أحسن وأقصر الطرق، خليها هي اللي تقرر بعد كده إذا حابة تكمل ولا لأ."
صمت سفيان مفكراً في كلام قصي، لكن سأل نفسه بقلق كبير وخوف تسرب إلى قلبه: إذا اكتشفت أماليا ماضيه، هل ستقبل به؟ كيف ستنظر إليه؟ هل ستكون قادرة على الوثوق به من الأساس؟
تنهد سفيان وهو يتذكر حديثه مع فريدة منذ فترة قصيرة.
(Flash back)
كان يجلس برفقة فريدة يتناول معها الغداء في صمت. قطعته قائلة بمكر: "عسولة أوي أماليا!"
أومأ لها بصمت ولم يعقب على حديثها، فتابعت: "باين عليها متربية وبنت ناس، ألف شاب يتمناها."
لم يعقب أيضاً، فلم تجد حل سوى أن تقولها مباشرة: "إيه رأيك تتجوزها؟"
جز على أسنانه مردداً بحدة: "فريدة شيليني من دماغك وموضوع الجواز دي انسيه تماماً، طلعي أماليا من دماغك لأني مش هسمحلك تخليها نسخة من ميان."
ردت عليه بحدة وغضب: "ميان... ميان... ميان... إيه مش هنخلص منها ومن سيرتها؟ الحق عليا إني عاملة على مصلحتك، فوق بقى من الوهم اللي معيش نفسك فيه، لسه فاكر إنها بتحبك وفي يوم هترجعلك تبقى غلطان. دي قليلة الأصل وخدعتنا المدة دي كلها، هي لا حبتك ولا باقية عليك، مع أول فرصة جت ليها اتجوزت وعاشت حياتها وسابتك!"
صرخ عليها بغضب ونفاذ صبر: "فوقي انت من الوهم اللي معيشة نفسك فيه، مش كفاية عليكي ذنب ميان عايزة تشيلي ذنب أماليا؟ مفكراني غبي أنا عارف إنك هتلفي وتدوري وتعملي نفس الأسطوانة على أماليا وهتطلعيني ضحية وميان هي المذنبة مع إن العكس صحيح وأنا وانت المذنبين في حقه."
ردت عليه بمكابرة وحدّة: "فين الغلط؟ مش هي بتحبك زي ما بتقول، كان حصل إيه يعني ما ياما بيحصل بين المتجوزين، هي اللي كأنها ما صدقت تخلص منك عشان ترمي حبالها على غيرك."
رد عليها بحدة ونفاذ صبر: "انتي إزاي كده، أنا مش عارف أقولك إيه، فوقي لنفسك يا فريدة قبل ما تخسري كل حاجة، وأولهم أنا، لو قربتي من أماليا أو وصلني إنك بس عملتي نفس اللي عملتيه مع ميان أنا اللي هقف ليكي وساعتها كمان هتنسي إن ليكي حفيد اسمه سفيان، ولو عاملة عليا أنا بقولك ملكيش دعوة بيا، مش محتاجة مساعدتك!"
(Back)
جزء بداخله يخشى فريدة وما يمكن أن تفعله بأماليا. هل سيعاد الماضي وتصبح أماليا نسخة من ميان؟
راقبه قصي بحزن عميق، وهو يعلم بالصراع الذي بداخل سفيان. رأى الألم والحيرة واضحين على وجهه، وعرف مدى معاناته. همس قصي في نفسه بالدعاء متمنياً أن يهدي الله قلب سفيان ويمنحه الراحة والسلام.
"ممكن أعرف طلبت تشوفني ليه؟"
قالتها أماليا بنبرة يملؤها الفضول وهي تنظر إلى سفيان الذي استجمع نفسه ثم أخذ نفساً عميقاً قائلاً بتردد واضح: "اسمعيني للآخر وفكري في كلامي براحتك، بعد كده ردي عليا!"
أومأت برأسها موافقة وهي تستمع إليه بتركيز. فابتلع ريقه وقال بخوف داخلي: "عارف إننا اتقابلنا من فترة قصيرة، وإن طلبي دلوقتي ممكن يكون مجنون بالنسبة ليكي.... وممكن جداً ترفضي."
سألته بتردد وحرج: "قصدك إيه؟"
تنهد بعمق وأجاب بتردد: "قصدي... إني عايز أتجوزك!"
تهربت من نظراته بعيداً وأخذت تحك جلد يدها بتوتر ملحوظ. فتابع سفيان بوضوح: "خلينا نكون صرحاء مع بعض. فيه مشاعر متبادلة بينا. من ناحيتي مش هقولك حب، هقولك ارتياح... لو قولتلك حب هبقى بكذب."
ثم تابع بصوت منخفض يملؤه الحزن: "عارف إن طلبي ظلم ليكي، بس بجد أنا متلغبط وحاسس إني محتاجك جنبي."
نظرت إليه بجدية وسألته: "انت لسه بتحب ميان، مش كده؟"
تحاشى النظر إليها فتابعت هي بهدوء يعكس مشاعرها المختلطة: "شوف أنا محبتش قبل كده، وتجاربي في الحياة مش كتيرة... قرار زي ده مش هيتاخد لمجرد شعور بالارتياح."
ثم تابعت بنبرة جادة: "أنا مش هقبل أكون لواحد وأنا عارفة إن فيه غيري في قلبه.... أنا مش قليلة عشان أقبل أكون زوجة لواحد بيحب غيري وعايزني لمجرد شعور ممكن يختفي مع الوقت وما يتحولش لحاجة تانية.... وساعتها أنا اللي هكون الخسرانة!"
أومأ لها بصمت والحزن ينهش قلبه. فتابعت هي: "بص يا سفيان فيه حاجات كتير أنا معرفهاش عنك، ط لكن من نظرات البعض ليك بحس إن فيها كره. حتى كلامك عن نفسك من وقت للتاني بيخليني أحس إنك كنت شخص مش كويس في الأول، بس اتغيرت وبتحاول تتغير. أنا ماليش حق أسألك عن حياتك اللي فاتت، لكن من حقي أعرف إنك مش بتحبني، وإنك بتحب غيري!"
تنهدت ثم تابعت بصدق: "مش هكدب عليك وأقولك إن مافيش فضول عندي أعرف حياتك كانت إزاي قبل كده، بالعكس... أنا عايزة أعرف...."
تجمدت الكلمات في حلقه وهو يراقب تعابير وجهها المتغيرة. ظل الصمت يخيم بينهما للحظات قبل أن يقاطعها بتوتر لعلها تفكر في الأمر مرة أخرى: "أماليا أنا مقدرش أوعدك إن كل حاجة هتبقى مثالية.... بس اللي أقدر أوعدك بيه إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أسعدك."
نظرت إليه بتفكير وكأنها تزن كلماته في عقلها. لم تكن ترغب في أن تتخذ قرارًا متسرعًا. ولكن شيء ما في صوته وفي توتره، لمس شيئًا في قلبه. ربما هو صدقه، ربما هو إحساسه بالضياع. وربما رغبتها هي في أن تمنحه فرصة!
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء: "سفيان، أنا مش هضحك على نفسي وأقول إني مقتنعة تمامًا، بس فيه جزء مني عايز يديك فرصة يمكن نقدر نبني حاجة مع بعض... يمكن نلاقي في الآخر حاجة حقيقية."
انفرجت أساريره وكأن عبئًا ثقيلاً انزاح من على كاهله. لم يكن يتوقع هذه الإجابة، ولكنها كانت كافية لتضيء له طريقًا كان يظنه مسدودًا: "أنا مش هخيب ظنك، وأعدك إني هبذل كل جهدي عشان نلاقي سعادتنا مع بعض."
ابتسمت بخفة وقالت: "بس فيه شروط يا سفيان."
ابتسم هو الآخر وقد لاحظ أنها بدأت تشعر ببعض الراحة: "قوليلي إيه شروطك وأنا مستعد أنفذها."
نظرت إليه بجدية وأجابت: "أولاً... لازم نكون صرحا مع بعض من الأول... مفيش أسرار.... مفيش تردد."
"تاني حاجة. لو في أي لحظة حسيت إني مش قادرة أكمل تبقى عارف إن ده حقي... مش عايزة نبقى متأذين أكتر من اللي لازم."
أومأ برأسه مؤكداً على كلامها: "اتفقنا هنبني علاقتنا على الصراحة من البداية وحقك في انك تاخدي القرار ده محفوظ طبعاً."
ابتسمت له في هدوء وأكملت: "فيه حاجة تانية يا سفيان."
نظر إليها بترقب: "إيه هي؟"
تابعت بهدوء: "عايزة نبدأ بالعقل قبل القلب. نتعرف على بعض أكتر نتكلم... نشوف إزاي نقدر نتفاهم ونعيش مع بعض. وبعد كده، لو حسينا إن فيه حاجة حقيقية بتتكون نقدر نكمل. يعني عايزة أعرفك أكتر يا سفيان. عايزة أعرف طباعك شخصك."
رد بإصرار وهو يشعر بأنها أعطته الضوء الأخضر للبدء: "موافق.... هنبدأ مع بعض خطوة خطوة."
أحنت رأسها قليلاً موافقة وقلبها ينبض بمزيج من التردد والأمل. ربما هذه الفرصة ستفتح لهما بابًا جديدًا في حياتهما. وربما سيكتشفان أن هناك شيئًا أكبر من الارتياح بينهما.
عادت أماليا إلى المنزل وهي تشعر بالقلق بعد لقائها بسفيان. دخلت إلى غرفة المعيشة حيث كانت والدتها تجلس. تنهدت وبدأت تقص لها ما حدث. وما ان انتهت بدأت تصرخ عليها بغضب. لترد عليها أماليا بجدية: "أنا مليش دعوة بماضيه، أنا ليه دعوة بإنه بقى إيه مش كان إيه!"
قالت والدتها بصوت مرتفع معبرة عن غضبها: "بتقولي كده عشان غبية المفروض تعرفي... تعرفي إيه الماضي اللي هتقبليه ده.... مش مجرد كلام بتردديه وخلاص... مخوفتيش للحظة من الماضي ده؟ مسألتيش نفسك ليه ممكن ميان وفارس يكرهوه بالشكل ده؟"
ارتفعت حدة صوت والدتها، وزادت سرعة كلامها: "صح، لو فاكرة نفسك التانية في حياته... تبقي غلطانة. قبلك كان على ذمته اتنين في وقت واحد.... هو مش بالبراءة اللي انتي شيفاها دي، ده أذى كتير وعمل بلاوي لو سمعتيها، تفكري مليون مرة قبل ما تربطي اسمك مع اسمه.... يا غبية."
استمر النقاش بينهما وكان الجو مليئًا بالتوتر.
رددت أماليا بتصميم: "سفيان اتغير وصلح من نفسه."
صرخت عليها والدتها: "وانتي عرفتي منين... عرفتي كان إيه واتغير في إيه؟ بلاش تحكمي على الأمور بسذاجة."
ردت عليها أماليا برجاء: "أنا مش صغيرة... أنا قادرة أفرق إذا كان اللي قدامي بجد شاريني ولا لا." ثم تابعت بصدق: "قلبي بيقولي يستحق فرصة، قلبي بيقولي إنه يستاهلها ومش هيوجعني."
أجابت والدتها بصوت حزين وتعب: "يا بنتي، مش هيحبك ولا عمره هيحبك... هو بيحب ميان ولحد دلوقتي مش قادر ينساها... انتي متخيلة هتكوني إيه... هتكوني بديل ليها... فار تجارب بيجرب فيكي إذا كان هيقدر ينساها ولا لا... ولو كان لا... أنتي اللي هتكوني خسرانة... لما تكوني في مكان وهي معاكم وده وارد جداً عيونه هتدور عليها قبلك.. ساعتها قلبك هيوجعك، وهتموتي من القهر بدل المرة ألف مرة."
ثم تابعت برجاء لعلها تستمع لها وتقتنع: "اسمعي كلامي يا بنتي، أنتي تستاهلي أحسن منه."
تجمدت أماليا للحظة، ثم ردت بجدية: "ماشي فرضاً هخسر.... هخسر بس أكون اتعلمت. سيبيني أختار.... وأنا اللي هتحمل المسؤولية... أنا مش صغيرة يا ماما."
أخذت والدتها نفساً عميقاً، ووجهت كلامها بصرامة: "أنا هثبتلك إن كلامي صح."
أماليا، وهي تنظر إلى والدتها بعينين مليئتين بالدموع ثم قالت بصوت ضعيف: "أنا عارفة إنكِ خايفة عليا، لكن لازم أعطي فرصة لنفسي وأشوف الأمور بنفسي.... خليني اجرب واتعلم. مس هاخد خطوة الجواز غير لما اتأكد مية في المية انه يستاهلني."
صمتت والدتها ثم قالت بهدوء يسبق العاصفة: "خليه يقابلنا بعد بكره ع العشا في..... خلي أبوكي و اخواتك يشوفوه من غير ما يعرفهم انه عايز يتجوزك. أنا هقولهم اني عزمته ع العشا عشان وقف جنبك في الشغل و ساعدك... كشكر ليه."
قالت ما قالت ثم غادرت و تركت أماليا مكانها تشعر بالتوتر من صمت والدتها المفاجأ. تدعو الله بداخلها ان لا تخيب ظنونها به وان تكون اختارت الصواب.
جاء اليوم المنشود و في منزل ميان وفارس. ارتدت ميان ثوبها الأحمر الطويل، وتطايرت خصلات شعرها مع كل حركة. كانت تنظر إلى نفسها في المرآة بسعادة بينما فارس كان يراقبها من بعيد، مغمورًا بالسعادة.
فجأة، اقترب فارس وجذب ميان من خصرها برفق مما جعلها تلتفت إليه بابتسامة مشرقة. انحنى ليقبلها لكنها ابتعدت قليلاً و وضعت يدها على شفتيه بلطف تدندن بدلال أذهب عقله:
"حلم البنات انت 🎵
ومغرومة فيك إنت وقلبي نقاك انت 🎶
ونحنا لبعض خلقنا من هالليلة وطالع راح يبقى
القلب والع 🎵
ما راح بيضل شارع إلا ويحكي بقصتنا 🎶"
تأمل فارس عينيها، وسحبها إليه أكثر مردداً بحب: "أحبك أكتر من كده إيه، ارحمي قلبي شوية وبراحة عليه هو مش قدك."
ضحكت ميان بسعادة عارمة، وبدأت تدور حول نفسها مرة أخرى بحرص شديد وهي تقول: "أنا مبسوطة أوي أوي يا فارس."
فارس، وهو لا يزال يحتفظ بيده حول خصرها نظر إليها بعيون مليئة بالحب الصادق و قال بابتسامة: "عمري كله فدا ضحكة منك يا ميان."
احتضنته بسعادة غامرة وهي لا تصدق ما هذا الرجل كيف له أن يكون هكذا كيف له أن يعشقها بهذا الشكل ويجعلها عاشقة له بهذه القوة.
بعد وقت... كان فارس وميان يدخلان المطعم الفاخر. تمسكت ميان بذراع فارس، الذي أحاط خصرها بيده وأعطاها ابتسامة محبة. قادهم النادل إلى الطاولة التي كانت تنتظرهم عليها الطبيبة والدة أماليا و عائلتها المكونة من ابنائها الأربعة. تجهم وجه فارس حين رأى سفيان جالساً بينهم. كذلك فعلت أماليا وهي تنظر لوالدتها بلوم. مالت ميان عليه وهمست بخفوت: "فارس من فضلك... خليك هادي الليلة دي احنا ضيوف هنا والناس حوالينا.... بلاش مشاكل."
اقترب الاثنان من الطاولة. رحبت الطبيبة بهما متجاهلة نظرات فارس الغاضبة. وعندما جاء الدور على سفيان صافحه فارس ببرود واضح. جذب فارس ميان لتجلس بجانبه ليصبح هو بالمنتصف بين سفيان وميان. ساد جو مشحون خاصة عندما لاحظ الجميع وجود توتر بين سفيان وفارس. لم يكن أحد يعرف أن ميان هي زوجة سفيان السابقة وأن هناك صلة قرابة بينهما سوى أماليا ووالدتها.
رددت ميان بهدوء، دون أن يلاحظها أحد: "فارس الناس هتلاحظ شكلك باين عليه."
ردد علي شقيق أماليا الأكبر، بمرح: "بس إيه، يا عم فارس، الجواز بيحلي الواحد كده. خلي بالك أنا مش بحسد والله، أنا بقر بس."
ضحك الجميع بخفوت عدا البعض. فتدخل نائل أحد أشقاء أماليا قائلاً بمرح: "والله، برافو عليكي يا مدام ميان.... في جوازة فارس الأولى كان بيكون علطول عصبي لكن واضح إن الوضع اختلف دلوقتي."
ابتسم فارس بزاوية شفتيه وكذلك ميان. بينما كانت أماليا تراقب سفيان بتركيز. لاحظت كيف كان ينظر إلى الأسفل ولكن قبضة يده كانت مشدودة بغضب.
عندما قدم النادل طبق الشوربة الساخنة لميان اهتزت يده وسقط القليل من الشوربة على ميان مما جعلها تصرخ من الألم. انتفض الجميع وأسرع فارس لتجفيف يده. لم يستطع سفيان البقاء هادئاً، فاقترب بقلق واضح قائلاً: "أنتي كويسة.... تحبي نروح لدكتور؟"
رد عليه فارس بشراسة: "ميخصكش!"
تعجب الجميع من قلق سفيان المبالغ فيه من وجهة نظرهم تجاه امرأة يبدو أنه يراها لأول مرة، وكذلك من نبرة فارس الهجومية.
ردت ميان على الفور لتجنب أي شجار قائلة وهي تسحب فارس معها: "فارس معلش تعالى ساعدني هروح اغسل ايدي أحسن."
ذهب معها فارس على مضض، بينما اعتذر سفيان قائلاً بتهذيب: "شكراً على دعوتكم.... بس أنا مضطر أمشي عندي مواعيد بدري بكرة الصبح.... تصبحوا على خير اتمنى لكم سهرة لطيفة."
في صباح اليوم التالي، اقتحم فارس مكتب والدة أماليا غاضباً وصرخ: "إزاي تعملي كده... إزاي تجيبيه وتقعديه معانا على نفس الطاولة وانتي عارفة اللي بينا وبينه..... غرضك إيه من ده كله؟"
ردت عليه بثبات وهي: "أحب أحتفظ بالسبب لنفسي."
بغضب دفع فارس كل ما على مكتبها إلى الأرض مردداً: "قسماً بالله لو اللي حصل اتكرر تاني أو حسيت إنك بتستغلي ميان عشان أماليا، مش هيحصل خير أبداً. أنا مش غبي وفاهم إنتي بتحاولي تعملي إيه، عايزة تبعدي بنتك عن سفيان.... اعملي كده... بس مش على حسابي أنا ومراتي!"
أنهى كلماته وغادر صافعاً الباب خلفه، متجهًا نحو مكتبه. لكن صوت صراخ مرتفع قادم من نهاية الممر استوقفه! هرع فارس إلى مصدر الصوت ليجد رجلاً يمسك بشابة ويضربها بقسوة. بينما كانت الأخرى تصرخ وتستغيث. بدون تردد تقدم فارس بسرعة ودفع الرجل بعيدًا عن الشابة واضعاً إياها خلف ظهره وهو يصرخ بغضب: "إيه الهمجية دي!"
تقدم الرجل نحو فارس غاضبًا وهو يحاول الوصول للفتاة مجددًا: "انت مال أهلك؟"
ازداد غضب فارس فلكمه بقوة فسقط الرجل أرضًا والدماء تنزف من فمه. نهض الرجل بسرعة محاولًا رد اللكمة لكنه تلقى لكمة أخرى من فارس أسقطته أرضًا مجددًا. أشار فارس للأمن ليمسكوا به حتى تأتي الشرطة.
تدخلت طبيبة نسائية كانت شاهدة على الواقعة وقالت بخوف: "الراجل ده من ساعة ما عرف إن مراته حامل في بنت، نزل فيها ضرب وكسر المكتب عندي يا دكتور فارس."
أومأ لها فارس. ثم صرف الواقفين وأخذ الفتاة إلى مكتبه. وما إن سألها عن قصتها حتى انفجرت بالبكاء قائلة بحزن: "غصبوني عليه... ده راجل معندوش لا قلب ولا رحمة... بيضرني دايمًا وبيعيشني في ذل وإهانة. أبويا باعني له عشان الفلوس اللي بياخدها منه كل شهر. أنا تعبت... حتى لما ربنا أراد إني أحمل، مرحمنيش... طو لما عرف إني حامل في بنت، الدنيا قامتمسحت دموعها لكن سرعان ما عادت للبكاء قائلة بقهر ومرارة: "لو عندي مكان أروح عليه أو الجأ له كنت روحت."
شعر فارس بالشفقة نحوها فردد مواسياً اياها: "معندكيش حد من أهلك تقعدي عندههزت رأسها بالنفي قائلة بقهر: "مليش غير أبويا، ولو روحت له هيوديني لأبو عدنان تاني عشان يضمن الفلوس اللي بتوصله كل شهر."
تنهد فارس، وسألها بجدية: "هتعملي إيه لما تخرجي من هناردت عليه بصوت مرتجف: "معرفش... أنا خايفة أوي."
جمع فارس أغراضه، ثم وقف قائلاً بحزم: "لحد ما أمورك تتظبط وأبو عدنان ياخد جزاؤه هتكوني ضيفة عندي وعند مراتي متخافيش، بيتي أمان ليكينظرت الفتاة له بتردد وخوف. فشعر فارس بذلك وردد بصوت حنون: "متخافيش، هتكوني ضيفتنا وهتقعدي معانا معززة مكرمة لحد ما أدبر ليكي شغل ومكان تعيشي فيه بأمان. بس لحد ما ده يحصل، مش هتفضلي في الشارع تعالي معايا، ولو حسيتِ بقلق تقدري تمشي."
اضطرت للموافقة إذ لم يكن لديها خيار آخر.
بعد وقت... دخلت خلف فارس من باب المنزل، لتجد أمامها ميان فتاة جميلة. ابتسمت لها بفضول. التفت فارس نحو ميان وقال بهدوء: "دي مدام جنة.... ضيفة عندنا كام يوم يا حبيبتي."
أومأت ميان برأسها بترحاب ومدت يدها لتصافحها قائلة بابتسامة دافئة: "أهلاً بيكي، نورتينا... أنا اسمي ميان اتشرفت بمعرفتك."
ابتسمت جنة بتوتر وصافحتها بخجل قائلة: "أنا آسفة لو هزعجك بوجودي، بس مليش مكان تاني أروح عليه."
نفت ميان برأسها ونظرت إليها بشفقة فقد رأت آثار الضرب الوحشي على وجهها والنظرة المكسورة في عينيها. ردت بلطف: "إزعاج إيه بس... ده إنتي هتنورينا.... هنقضي وقت حلو سوا.... أنا بكون لوحدي طول اليوم لأن الأستاذ بيكون في الشغل.... هتنبسطي هنا متقلقيش."
ابتسمت جنة بخجل فقادتها ميان إلى إحدى الغرف وأعطتها ملابس لتبدل ثيابها. بعد ذلك، عادت إلى فارس الذي عانقها على الفور قائلاً بتعب: "تعبان ومش قادر أتكلم يا ميان."
بادلت ميان العناق بصمت. وبعد دقائق تركته يجلس على الفراش و توجهت إلى الحمام لتجهزه له. بعد وقت قصير خرج من المرحاض ليتفاجأ بالغرفة معتمة، عدا الضوء المنبعث من الشموع المعطرة.
جذبته ميان برفق ليستلقي على الفراش على بطنه ثم بدأت بوضع الزيوت وتدليك ظهره برفق حتى شعر بالاسترخاء وغفا بين يديها. ابتسمت وهي تطبع قبلة صغيرة على جبينه قبل أن تغادر الغرفة وتتوجه إلى جنة التي كانت قد غفت من التعب.
عادت ميان إلى الغرفة، وتأملت فارس وهو نائم بحب. فجأة تحرك في نومه وجذبها إلى أحضانه مرددًا بصوت ناعس: "بحبك♡"
ابتسمت بخجل وحب قائلة بصوت خفيض قبل أن تغلق عينيها وتستسلم لدفيء أحضانه: "وأنا بموت فيك♡"
بعد بضع ساعات استيقظ فارس من النوم ليجد ان ميان غير موجودة بجانبه. تثاءب بكسل ثم خرج من الغرفة مرتديًا بنطال و صدره عارٍ. اخذ يمرر يده على شعره يبعثره متناسياً الضيفة التي معهما بالمنزل. ليتفاجأ بها تجلس في الصالة برفقة ميان!!
شعر فارس بالحرج عندما رأى جنة فابتسم بحرج قائلاً: "أنا آسف."
ثم هرع سريعًا إلى غرفته فلحقت به ميان قائلة بحرج لجنه التي وطأت رأسها واحمرت وجنتاها من الخجل: "معلش يا جنة، هو بس لما بيصحى من النوم بيبقى مش مركز تلاقيه نسي انك موجودة. هروح أشوفه لو محتاج حاجة!"
أومأت لها جنة بخجل فدخلت ميان خلف فارس وأغلقت الباب قائلة بغيرة: "إزاي تخرج قدام جنة بالمنظر ده!"
فابتسم فارس بمكر واقترب منها قائلاً: "بتغيري عليا؟"
قبل أن تتمكن من الرد جذبها برفق وقبلها برومانسية. استمر الاثنان في الانغماس في تلك اللحظة الحميمة، ناسيين تمامًا وجود جنة.
فجأة، جاء صوت طرق على الباب تبعه صوت جنة من الخارج تقول بخوف: "الباب بيخبط جامد."
خرج فارس بسرعة من غرفته يرتدي قميصه على عجل متوجهًا إلى الباب ليرى من يطرق بهذا العنف. وبمجرد أن فتح الباب وجد كارم واقفًا أمامه و ملامحه تعكس الغضب وصوته يردد: "لازم نتكلم فورًا."
أمسك فارس بذراع كارم وسحبه إلى غرفة المكتب. أغلق الباب خلفهما بهدوء ليضمن عدم سماع أحد لحديثهم.
بادر كارم بالحديث بنبرة حادة: "أبو عدنان ده راجل مش مظبوط وخطير وانت تخبي مراته في بيتك ده هيعرض حياتك وحياة ميان وابنك اللي لسه مشفش النور للخطر!"
رد فارس بحزم: "جنة مسئولة مني، ولازم أحميها بنفسي."
كارم، وهو يحاول السيطرة على غضبه قائلاً: "ما اختلفتش معاك... تفضل مسئولة منك وكل حاجة لكن بعيد عن بيتك اللي مفيش عليه أي حراسة حتى. أنا هاخدها وأخبيها في مكان متأمن كويس لحد ما نقدر نمسك أبو عدنان."
سأله فارس بحدة: "يعني إيه تمسكه مش الأمن سلمه ليك الصبح؟"
ردد كارم بضيق: "ضرب نار على عسكري وهرب!" ثم تابع بجدية: "بلاش عناد يا فارس، ميان هتكون في خطر ده إذا مكنتش خلاص في خطر. أبو عدنان مش هيسكت غير لما يوصل لمراته ويعلم عليك زي ما علمت عليه."
سكت فارس للحظة يتذكر ميان و قد بدا له أن حكايتها تشبه حكاية جنة نوعاً ما. لهذا السبب أراد أن يساعدها. كان يرى في جنة صورة حبيبته ميان والحالة التي كانت فيها، لكن ميان كانت محاطة بالكثير من الناس بينما جنة ليست كذلك ليس لها أحد.
رد على كارم بجدية وتمسك بموقفه: "شوف يا كارم البنت مش هتخرج من بيتي الا لما اضمن ليها عيشة كويسة وحياتها تكون كويسة. أنا اعتبرتها مسئولة مني وزي اختى."
ثم تابع بجدية حتى يريح الآخر: "هات حراس براحتك واحرص البيت بس خروج جنة من هنا مش هيحصل يا كارم!"
استسلم كارم اخيرا بعد مجادلة كبيرة بينهما. جنة كانت تقف قريبة من الباب تستمع لما قيل وقد نمت ابتسامة جميلة على شفتيها لموقف فارس معها ونبله. وتساءلت بين نفسها لماذا لم تحصل مثل زوجته ميان على رجل مثله!!!
بعدما غادر كارم وهو غاضب، دخلت ميان لفارس وسألته بقلق: "ليه كنت بتتخانق أنت وكارم... شكله كان متعصب اوي وهو خارج؟"
تنهد فارس بضيق ثم قص عليها الأمر من بدايته. وما ان انتهى ردد بتعب: "المسألة مش مجرد حماية وبس، الموضوع أعمق من كده... جنة ملهاش حد وأبوها باعها للراجل ده مقابل الفلوس... أنا حاسس إني مسئول عنها لحد ما أقدر أساعدها تبدأ حياتها من جديد بعيد عن الكابوس اللي عايشاه."
سكتت ميان لبرهة ثم رفعت نظرها لفارس وقالت بحزن: "أنا حاسه بيها، لأني عيشت تقريبًا نفس التجربة يا فارس... منكرش إني غيرت شوية من تمسكك بيها، لكن في نفس الوقت صعبانه عليا وزعلت عليها. شعور وحش اوي يا كارم.... بس الحمد لله كنت محظوظة لقيت حد زيك."
نظر فارس إليها بحنان وأخذ يدها بين يديه، قائلاً بصوت مليء بالعاطفة: "ميان، أنتي دايمًا ليكي الأولوية في حياتي... اللي بعمله دلوقتي عشان جنة تلاقي فرصة تانية في الحياة، زي ما إحنا لقينا بعض.... أنا عايز أديها الفرصة تبدأ من جديد، وتلاقي نفسها بعيد عن الراجل اللي دمر حياتها."
ابتسمت ميان بخفة وهي تضغط على يده بلطف ثم تابعت قائلة: "أنا فاهمة و واثقة فيك، خلينا نساعدها مع بعض وأكيد ربنا هيعوضها يا حبيبي."
ابتسم فارس وهو ينظر إلى ميان بحب، ثم احتضنها قائلاً بصوت دافئ محب: "أنا محظوظ لأنك مراتي وحبيبتي، انتي كنزي اللي ربنا رزقني بيه في الدنيا."
ابتسمت له بحب وهي تشعر بالدفء الذي يملأ قلبها بسبب كلماته الصادقة. بينما كانا يعيشان هذه اللحظة الرومانسية، كانت جنة تقف خارج الغرفة، تنظر بصمت إلى الصور التي تجمع ميان وفارس المعلقة على الجدران.
الصور كانت مليئة بالحب والسعادة، تعكس اللحظات التي عاشها فارس وميان معًا. كانت هناك صور تُظهرهما في لحظات من الضحك والرومانسية وأخرى تُظهرهما في لحظات مجنونة مليئة بالحيوية.
لم تستطع جنة منع نفسها من الشعور بغيرة وحقد مفاجئ تجاه ميان. فهي جميلة ربما أكثر من ميان، لكن تساؤل مرير تسلل إلى عقلها. لماذا كان نصيبها أن تكون مع رجل قاسٍ مثل أبو عدنان!! بينما ميان تحصل على كل هذا الحب والاهتمام من رجل مثل فارس!!
كانت تلك الأفكار تتصارع داخلها، تشعرها بالظلم والمرارة. أغمضت عينيها للحظة، محاولة تهدئة نفسها، وتقبل حقيقة حياتها، وهي تفكر في ما قاله فارس لها عن بداية جديدة. لكن الحزن العميق ظل يثقل قلبها وهي تستمر في النظر إلى الصور، متمنية لو أن حياتها كانت مختلفة.
بعد عودة كارم إلى المنزل وهو غاضب دخلت عليه همس بقلق. وسألته عن سبب غضبه. فجلس كارم على الأريكة متأففًا، ثم بدأ يقص عليها ما حدث بينه وبين فارس. وبعد أن انتهى تنهدت همس بلطف ثم قالت بصوت هادئ: "بص يا كارم كل واحد بيشوف الأمور من وجهة نظره. فارس تقريبًا عاوز جنة متكونش لوحدها، هو مش عايزها تحس بالغربة يمكن بيحاول يخليها تحس بالأمان."
توقفت قليلاً ثم نظرت إليه بعينيها المليئة بالتعاطف قبل أن تكمل: "شعور وحش أوي يا كارم لما تحس إنك وحيد، وأقرب الناس ليك باعوك والشخص اللي المفروض يبقى نصك التاني وسندك وأمانك هو اللي بيشتريك وبيعاملك بالقسوة دي... فارس عايز يخليها تحس بدفى العيلة، يمكن افتكر ميان وإنها مرت بنفس العنف ده، عشان كده عاوز يساعدها."
نظرت إليه بابتسامة صغيرة قائلة: "سيبه براحته يا كارم، هو أدرى بيها... وزي ما اتفقتوا زود الحراسة على بيته على قد ما تقدر. ومتزعلش منه انتوا ملكوش غير بعض، اقف جنبه وساعده."
ثم أضافت بلطف: "وأنا بكرة هروح أشوف ميان وأطمن عليها الحمل أكيد تاعبها."
ابتسم لها بحب ثم قال وهو ينظر داخل عينيها: "عقبالك يا حبيبتي."
ابتسمت همس بخجل فاقترب منها كارم واحتضنها بحنان قائلاً بصوت مليء بالشوق: "أنا هموت على اليوم اللي أبقى فيه أب، وأشوف طفل منك. نفسي يكون شبهك في كل حاجة، ويا سلام لو بنت بنفس شقاوتك وجنانك."
ضحكت بخفة، وقبلته على وجنته بحب قائلة بعشق صادق: "أنا كمان بحبك أوي يا كارم."
عانقها كارم بقوة والشعور بالحب والدفء يغمرهما، كأن العالم كله توقف للحظة ليتأمل في تلك اللحظة السعيدة بينهما. كانت تلك اللحظة البسيطة كافية لتزيل كل التوتر والغضب الذي شعر به كارم اليوم.
في صباح اليوم التالي، كانت همس في بيت ميان تطمئن عليها. تعرفت على جنة، لكنها لم تشعر بالراحة تجاهها. كان هناك شيء غير مريح، شيء لم تستطع تحديده.
دخلت ميان إلى المطبخ ومعها همس وجنة. كل واحدة منهن بدأت تحضير بعض التسالي استعدادًا لمشاهدة فيلم معًا.
بعد دقائق من الانشغال جلس الثلاثة في غرفة المعيشة، الأجواء كانت هادئة. نظرت جنة إلى الاثنين وسألتهما بفضول: "انتوا في طب مش كده؟"
هزت همس وميان رأسيهما بحرج خفيف مدركتين أن جنة لم تكمل تعليمها. سألت جنة بفضول: "تخصص إيه إن شاء الله؟"
ردت همس بهدوء: "أنا أطفال."
بينما ميان رددت بابتسامة: "وأنا نسا وتوليد."
صمتت جنة للحظة ثم قالت بنبرة هادئة: "ربنا يوفقكم."
ميان شعرت ببعض التوتر فقامت بالرد مازحة لتحاول تخفيف الجو خشية من ان تكون جنة شعرت بالحزن لكونها لم تكمل تعليمها: "والله مش عارفة كان عقلنا فين واحنا بنقرر نكمل تعليم.... بلا هم ووجع دماغ... اللي خدها من قصيرها ريح دماغه والله."
رددت همس بضحك مؤيدة اياها: "عندك حق والله."
لكن جنة ابتسمت ابتسامة باهتة كانت خالية من الحياة. مشاعرها الداخلية كانت بعيدة تمامًا عن تلك الابتسامة المصطنعة. بداخلها كانت مقهورة تتمنى لو كانت مكانهما. كيف لها عرفت أن همس متزوجة من ضابط... كان واضحًا أنه يحبها. رأت ذلك عندما صعد ليوصلها للبيت ثم ودعها بحب وحنان. لكن هي؟ لم يكن لها حظ في شيء. لا في التعليم، ولا في أهل يدعمونها، ولا حتى في مال يساعدها على تحسين حياتها. حتى في الزواج، لم تحظ بفرصة اختيار شريك حياتها بنفسها.
كانت تشعر بثقل هذا الواقع وشعور الفقدان والحرمان كان يعصف بها بينما تجلس بجوارهم تحاول بكل جهدها إخفاء ما تشعر به.
في منتصف اليوم غادرت همس وعاد فارس إلى البيت متعبًا بعد يوم طويل. منذ أن جاءت جنة للإقامة معهما أصبح يطرق الباب قبل أن يدخل حتى لا يفاجئها وهي في لحظة راحة. فتحت له ميان بابتسامتها الجميلة التي دائماً ما تأسره.
فور دخوله نظر فارس يمينًا ويسارًا يتأكد أن لا أحد يراقبهما ثم أغلق الباب خلفه. فجأة جذبها إليه بقوة قلبه ممتلئ بالحب والاشتياق. همس لها بصوت خفيض "وحشتيني."
ابتسمت ميان بخجل وهي ترد عليه بحب: "وأنت كمان."
فكر في الاقتراب منها مرة أخرى. وجودها دائماً ما يجعله ينسى نفسه. لكنها تراجعت بلطف قائلة: "ميصحش، جنة ممكن تيجي في أي وقت."
لكنه لم يستطع مقاومة جمالها فخطف منها قبلة سريعة. لكن في نفس اللحظة دخلت جنة إلى الغرفة وشهقت بخجل عندما رأتهم في هذا القرب الحميم. عيناها اتسعتا ووجهها احمر خجلاً من المفاجأة. بينما حاولت ميان أن تستعيد هدوءها وتخفف من حرج الموقف.
بعد لحظة من الصمت المحرج قالت ميان بتلعثم: "أنا هروح أحط الغدا." ثم استدارت بسرعة وغادرت محاولة إخفاء خجلها. بينما فارس لم يقل شيئًا توجه لغرفة النوم مباشرة تاركاً جنة وحده.
بقيت واقفة في مكانها مشاعر متضاربة تجتاحها. الصورة التي لم تستطع إخراجها من رأسها. كانت تلك اللحظة الحميمة بين فارس وميان جعلتها تشعر بغيرة مفاجئة وكأن طعنة خفية أصابت قلبها. لم تستطع منع نفسها من التفكير. ماذا لو كانت هي مكان ميان!!
جالت عيناها في الفراغ بينما كانت تتخيل نفسها بين ذراعي فارس. تتمنى لو أن الأمور كانت مختلفة. لو أن فارس كان زوجها هي. لكن هذا الحلم البسيط كان يرافقه شعور باليأس لأن الواقع مختلف وفارس هو زوج ميان. وليس لها.
عادت للواقع ولكن المشاعر التي تملكتها في تلك اللحظة تركتها عالقة في دوامة من الأمنيات والأحلام المستحيلة.
كان عائداً من عمله بوقت متأخر من الليل بعدما اضطر للمغادرة بسبب حالة ولادة متسعرة. ليتفاجأ بعدة سيارات تلاحقه لتسبقه واحدة تقف امامه لتسد عليه الطريق. قطب جبينه بتعجب لما يحدث!
نزل من السيارة بوجه متجهم وقبل أن يتحدث تفاجأ بعدة رجال يخرجون من السيارة ويتقدمهم ذلك الرجل عديم الرجولة الذي كان يعتدي على زوجته أمس بالضرب.
اقترب من فارس، الذي لم يرف له جفن، قائلاً بتهديد: "مش قولتلك مش هسيبك؟ فكرك إنك ترفع ايدك على أبو عدنان ده هيعدي بالساهل. ده انت حفرت قبرك بايدك."
شملها فارس بنظراته مستخفاً به قائلاً: "لو خلصت الشو خلصني يلا وهات أخرك عشان عاوز أنام!"
استشاط الآخر غضباً واقترب منه سريعاً ليلكمه. لكن مسك به فارس مسدداً له لكمة قوية جعلته يقع أرضاً أسفل أقدام رجاله والدماء تنزف من أنفه بغزارة.
تقدم رجال أبو عدنان نحو فارس بعد إشارة منه مستعدين لضربه. لكن فارس وقف بشجاعة لا مبالي بهم. جاهزًا للمواجهة.
هجم عليه الرجال وتبادلوا اللكمات والركلات بشكل عنيف. لكن رغم شجاعة فارس وقوته إلا ان الكثرة تغلب الشجاعة واستطاعوا في النهاية التغلب على فارس وإحكام القبض عليه.
جذبوا فارس بقوة ليقف أمام أبو عدنان الذي رفع يده بغل ليضربه. لكن فجأة.
(نكمل البارت الجاي 🙈)
(سامحوني ع التأخير يا حبايبي غصب عني والله 🥺)
(مستنية رأيكم وتفاعلكم الحلو يا حلوين دعواتكم ليا)
(البارت الجديد ان شاء الله مش هطول يومين بالكتير وهنزله تفاعل حلو شجعوني اكمل ❤️❤️❤️)
رواية بعينك اسير الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم شهد الشوري
هجم عليه الرجال وتبادلوا اللكمات والركلات بشكل عنيف، لكن رغم شجاعة فارس وقوته، إلا أن الكثرة تغلب الشجاعة. استطاعوا في النهاية التغلب على فارس وإحكام القبض عليه.
جذبوا فارس بقوة ليقف أمام أبو عدنان الذي رفع يده ليضربه، لكن فجأة وقبل أن يفعل أي شيء، توقف عندما استمع لصوت محرك سيارة قادم من بعيد.
أنوارها بدأت تخترق الظلام تقترب ببطء حتى توقفت تمامًا.
الجميع كانوا في ترقب ينتظرون ما سيحدث. فُتح باب السيارة ونزل منها شخص آخر. لم يكن يتوقعه فارس في تلك اللحظة.
إنه "سفيان" الذي اقترب منهم بخطواته الهادئة ونظراته الثاقبة، ولم يبدُ عليه أي توتر.
نظر إليهم جميعًا ثم قال بصوت هادئ لكنه مليء بالقوة، بعدما توقع ما يحدث وهو ينظر لفارس:
"الليلة تتفض وكل واحد يروح بيته سليم أحسن."
ضحك أبو عدنان بسخرية لاذعة، وصوت ضحكته كان مليئًا بالتهكم والغضب قائلاً:
"وانت مالك اهلك، مين انت؟!"
رد سفيان بابتسامة باردة تخفي خلفها الكثير:
"تصدق بالله... انت جيت في الوقت المناسب. أنا كنت هموت وأضرب حد وشكلها من نصيبي."
لم يستطع أبو عدنان ولا رجاله استيعاب ما حدث حيث باغته سفيان بلكمة قوية كانت كافية لتطرحه أرضًا في ثانية واحدة.
ما إن سقط قائد الرجال، تشتتوا وعمت الفوضى في تلك اللحظة. انقض فارس على أقربهم، ومن هنا بدأت المعركة.
كانت الضربات تتبادل بين الطرفين.
صرخات مختلطة بأصوات اللكمات والتكسير. الفوضى ملأت المكان.
دقائق قليلة مرت، لكن بدت وكأنها ساعات. انتهى كل شيء. كان رجال أبو عدنان ممددين على الأرض، بعضهم يئن من الألم، ووجوههم مليئة بالدماء. بينما أبو عدنان كان مرميًا بينهم عاجزًا عن الحركة، بالكاد يلتقط أنفاسه.
أمسك هاتفه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، يتصل بكارم ويطلب منه المجيء بعناصر الشرطة وقص عليه ما حدث باختصار.
بعدها جلس فارس وسفيان على مقدمة السيارة، كلاهما يلتقط أنفاسه بصعوبة. لم يكن بينهما حديث أو نظرات، كلاً منهما ينظر للفراغ بعيدًا عن الآخر.
بعد مرور بعض الوقت، وصلت عناصر الشرطة إلى المكان وقبضت على أبو عدنان ورجاله. كارم كان برفقتهم. قبل أن يغادر معهم، ألقى نظرة حادة لائمه على فارس لأنه لم يسمع نصيحته وغادر دون حراسة.
بقي في المكان فقط فارس وسفيان. كلاهما كان جالسًا في صمت تام، عاجزين عن قطع هذا السكون الثقيل.
فارس كان يشعر بصعوبة كبيرة في شكر سفيان على مساعدته، وسفيان بدوره لم يكن يعرف كيف يبدأ الحديث. لكنه أخيرًا قطع الصمت قائلاً بنبرة هادئة:
"مبروك... إنك هتكون أب!"
هز فارس رأسه بهدوء. وبعد لحظات من الصمت، خرجت من فمه كلمة بدت وكأنها ثقيلة عليه:
"شكرًا."
أومأ سفيان برأسه بصمت. اعتدل فارس ليستعد للمغادرة، لكنه ما إن وقف وبدأ في المشي حتى شعر بآلام حادة في قدمه. أطلق آه قصيرة تعبر عن الألم الذي أصابه.
فلاحظ سفيان ذلك فورًا فاقترب منه بنبرة تحمل شيئًا من القلق:
"إيه مالك؟!"
ردد فارس، الذي كان يتألم لكنه يحاول التظاهر بعكس ذلك، بضيق:
"مفيش."
رغم صمت سفيان، إلا أن عيناه لم تفارقا فارس الذي بالكاد خطا خطوة أخرى قبل أن يتكرر الألم من جديد. هذه المرة لم يتردد سفيان، جعله يستند عليه غصبًا وقاده إلى السيارة ثم أدخله برفق وأخذ مكان السائق. في حين جلس فارس صامتًا بجانبه. لم يكن قادرًا على القيادة بسبب إصابته، وكان يشعر بالضيق لأن الشخص الذي يساعده الآن هو الشخص الذي يكن له الكراهية.
في طريقهم إلى المنزل، كسر سفيان الصمت وسأله بلهجة جادة:
"مين الناس دي؟ إيه اللي حصل؟ كانوا بيتخانقوا معاك ليه؟"
فارس التزم الصمت لدقائق، ثم بصعوبة بدأ في سرد ما حدث باختصار شديد. وبعد أن انتهى من الحديث، كان رد سفيان الوحيد:
"انت غبي!"
رد فارس بحدة وهو ينظر له بنظرات غضب:
"انت بتقول إيه؟!"
تجاهل سفيان غضب فارس، واستمر في الحديث بنبرة هادئة:
"أنا مقولتش حاجة غلط... انت فعلاً غبي... إزاي تدخل واحدة زي دي بيتك وهي المفروض غريبة، وجوزها معروف إنه خطر... إزاي تسيبها مع مراتك اللي حامل في ابنك... إنت إزاي أمنت عليهم... يأما مش فارق معاك، يأما انت فعلاً غب..."
قاطعته نظرات فارس الغاضبة، والذي كان يجز على أسنانه من شدة الانزعاج من إهانة سفيان له. لكنه فضل الصمت. في المقابل، صمت سفيان أيضًا.
عندما وصلا إلى البناية، ساعد سفيان فارس على النزول من السيارة ورافقه حتى وصل إلى شقته.
فُتح الباب بواسطة ميان التي شهقت بقوة ما إن رأت هيئة فارس قائلة بقلق وخوف شديد:
"حصل ايه، انتوا اتخانقتوا؟!"
رد فارس عليها بصوت حنون محاولًا تهدئتها:
"حبيبتي ما تتخضيش... ما فيش حاجة."
تقدمت ميان بسرعة نحو فارس لتحاول أن تسنده، لكن سفيان تدخل بسرعة ومنعها بلطف قائلاً وهو ينظر إلى الأرض حتى لا يشعر فارس بالغضب:
"ما ينفعش تسنديه... انتي حامل، وهو تقيل عليكي."
زفر فارس بضيق واضح، كان وجود سفيان في المكان بالنسبة له شيء مكروه، خاصة في وجود ميان.
حاولت ميان التعامل مع الوضع بقدر من الهدوء، خاصة بعدما أشارت لسفيان على مكان غرفة النوم. بمجرد أن وصلوا إلى الغرفة، ساعد سفيان فارس على الاستلقاء على السرير، وبدأ الألم يزداد وضوحًا على وجهه.
بينما كانت ميان تراقب بصمت. انهمرت دموعها وهي ترى الكدمة الزرقاء الكبيرة التي تملأ ساقه، والتي كانت السبب في كل هذا الألم.
في هذه اللحظة، دخلت جنة الغرفة وسألت بقلق:
"إيه اللي حصل؟ مالك يا دكتور فارس؟!"
اقتربت جنة ببطء نحو فارس، ومدت يدها لتلمس الكدمة في قدمه، لكن فارس أبعد قدمه بسرعة، وكان واضحًا ضيقه مما كانت ستفعل.
شعرت ميان أيضًا بالانزعاج من تصرف جنة، لكنها لم تظهر أي رد فعل، مدركة أن الوقت ليس مناسبًا لهذا النوع من المشاعر بسبب تعب فارس.
بنبرة مليئة بالخوف، قالت ميان:
"انا هتصل بالدكتور."
لكن فارس قاطعها وهو يحاول أن يخفي ألمه ويطمئنها عليه:
"الموضوع مش مستاهل... دي كدمة بسيطة وهتروح ما تقلقيش."
لم تقتنع ميان تمامًا، وكانت ستتصل بالطبيب حتى تدخل سفيان قائلاً بجدية:
"انا اتصلت بالدكتور، وهو قدامه خمس دقايق وهيكون هنا."
كان رد فارس على حديثه حادًا:
"وانت مين سمح لك تتدخل اصلاً؟!"
وقفت ميان صامتة، غير راغبة في الدخول في نقاش أو تصعيد الموقف. رغم أنها كانت هي الأخرى لا تطيق سفيان، إلا أنها شعرت بضرورة شكره على وجوده ومساعدته لفارس.
لم تكن تعرف ما إذا كان هناك شجار بينهما أم لا، لكنها كانت متأكدة أن سفيان كان على الأقل واقفًا بجوار زوجها في هذا الموقف الصعب. نظرت إلى فارس بنظرات عتاب مشيرة إلى أنه كان فظًا في حديثه معه. وقبل أن يتمكن سفيان من الرد، رن جرس الباب.
فتحت جنة ودخل الطبيب الذي بدأ بالكشف على فارس. وبعد أن فحصه بدقة، كتب له بعض الكريمات والمسكنات لعلاج الجرح في قدمه والكدمات التي على وجهه.
شعر فارس حينها أنه قد بالغ في رد فعله تجاه سفيان. ورغم أنه لا يحبه ولا يطيقه، إلا أنه لم يستطع تجاهل حقيقة أن سفيان ساعده في وقت الحاجة.
فقال للطبيب قبل أن يغادر وهو يشير لسفيان:
"لو سمحت، اكشف عليه كمان!"
في البداية رفض سفيان، لكن فارس أصر بحزم مما دفعه في النهاية للقبول. كشف الطبيب عليه سريعًا وطمأنه بأنه بخير. ثم غادر بعد الانتهاء.
بينما كان الجميع في حالة من الصمت، لاحظ سفيان شيئًا غريبًا. جنة التي كانت تقف على جانب الغرفة تراقب كل حركة بينه وبين ميان. وكلما اقتربت ميان منه أو وضعت يدها عليه، كانت نظرات جنة تتغير لتصبح مليئة بالغضب والحقد، وكأن شيئًا بداخلها يشتعل.
طلب سفيان من ميان بهدوء دون النظر إليها:
"ممكن شوية مايه؟"
لم ترد لكنها أومأت برأسها وغادرت الغرفة بهدوء دون أن تنطق بكلمة. تبعتها جنة التي، قبل أن تغادر، اقتربت من فارس وقالت بصوت حاولت أن تجعله ناعمًا قدر الإمكان:
"ألف سلامة عليك يا فارس... قصدي يا دكتور فارس. والله خوفتني عليك، الحمد لله إنها عدت على خير."
قالت كلماتها، ثم غادرت الغرفة. لكن فارس لم يرد عليها. بقي هو وسفيان في الغرفة وحدهما.
نهض سفيان ليقف أمامه قائلاً بجدية:
"أنت غلطت لما دخلت الست دي بيتك، وصدقني من اللي شايفه، أحب أقولك هيحصل من وراها مشاكل بينك وبين ميان."
قالها ثم غادر، تاركًا فارس يفكر في حديثه وهو يعلم أنه تسرع بمجيئه بتلك الفتاة لتبقى بمنزله.
التقى سفيان بميان عند خروجه من المنزل، فاستوقفها بهدوء قائلاً:
"خلي بالك من البنت اللي في بيتك يا ميان، نظراتها ليكي مش مريحة أبداً، وعينيها على فارس... فتحي عينك وحافظي على بيتك."
همت ميان بالكلام، لكنه قاطعها بصدق:
"مش قصدي أشكك في إن فارس ممكن يستجيب لها أو يفكر فيها، أنا قصدي إنها ممكن تزرع بينكم مشاكل. لو مش مصدقة، جربي وقربي من فارس وهي موجودة."
اكتفت ميان بالصمت. وقبل أن يغادر سفيان، استوقفته قائلة:
"كنت فاكرة إنك ما هتصدق وتقلبني على فارس."
ابتسم سفيان بهدوء وقال:
"ممكن يكون حصل اللي حصل بينا في الأول، بس ده ما يمنعش إنه راجل بجد وبيحبك، وعمل اللي أنا مقدرتش أعمله معاكي. وجوده جنبك بيسعدك، وده مش بس أنا اللي شايفه، ده الكل شايفه.... أي حاجة تفرحك يا ميان هعملها، لأنك دلوقتي مش بس بنت خالتي، انتي أختي، والأخ ما يهموش غير سعادة أخته."
صمتت ميان ولم تجب. فتابع سفيان بهدوء:
"عارف إن قلبك مش صافي ناحيتي، ويمكن عمره ما هيصفى، وده حقك... بس لو في يوم قدرتي تسامحيني، سامحيني... وأنا موجود دايماً كأخ ليكي."
أومأت ميان برأسها بصمت. فقال أخيرًا قبل أن يغادر ويغلق الباب خلفه:
"ربنا يسعدكم مع بعض، وإن شاء الله البيبي يوصل بالسلامة وتفرحوا بيه."
على مقربة منهما كانت جنة جالسة في غرفتها.
الأضواء خافتة والجو هادئ. كانت تحتسي كوبًا من الشاي وهي شاردة الذهن، تحاول الهروب من دوامة الأفكار التي تسيطر عليها منذ أيام.
كانت دائماً تشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً في حياتها. شيئاً لا تملكه، موجود لدى غيرها. وميان كانت تجسد كل ما كانت هي تحلم به.
سألت نفسها بصوت منخفض:
"ميان أحلى مني في إيه عشان يكون عندها كل ده؟!"
كان صوت فارس وهو يتحدث عن ميان وعشقه لها يتردد في أذنيها كالصدى. حب فارس لميان كان واضحًا في كل نظرة وكل كلمة يقولها عنها. شعرت بغصة في قلبها. غصة مليئة بالغيرة والحقد.
تتحدث مع نفسها بصوت خفيض مليء بالمرارة:
"نفسي في راجل يحبني ربع الحب اللي فارس بيحبه لميان... يحميها ويكون سند ليها!"
دمعة انحدرت على وجنتها، مسحتها بسرعة. لطالما تمنت شيئًا بسيطًا. زوجًا يحبها ويشعر بها و....
فجأة، توقفت ولمعت فكرة في ذهنها كشرارة نار. لماذا لا تحاول أن تكون مكان ميان؟ أليس من الممكن أن يحبها فارس؟ فهي أجمل من ميان ولديها صفات أفضل بكثير.
تعرف كيف تهتم به أكثر، وتجيد جعله يشعر باهتمامها، وهي أيضًا أصغر سنًا منها. أليس من الممكن أن يعجب بها فارس؟
وضعت يدها على بطنها وشعرت بنبض خفيف. إنه جنينها الذي يذكرها فقط بأيام العذاب والذل التي عاشتها مع والده. "هو فارس هيقبل بيا وبابني؟" سألت نفسها محاولة إقناع نفسها بأن الأمر ممكن.
كان عقلها مليئًا بالأفكار المتضاربة، ولكن شيئًا واحدًا كان واضحًا أمامها: أنها أحق بفارس من ميان.
شعرت بروح جديدة تتسلل إلى داخلها، وكأنها وجدت أملاً جديدًا. فارس، الحب الذي كانت تتمناه، الحماية التي كانت تبحث عنه.
نهضت من مكانها، ونظرت إلى نفسها في المرآة.
كانت عيناها تلمعان بتصميم جديد. ابتسمت ابتسامة خفيفة. وشعورها بالغيرة تحول إلى تصميم. وضعت يديها على بطنها مرة أخرى، وعينيها تلمعان برغبة ماكرة.
بعدما علمت ميان بما حدث مع فارس وأنه نجا بمساعدة سفيان في اللحظة الحاسمة، لم تستطع السيطرة على دموعها التي انهمرت بغزارة من شدة خوفها وقلقها عليه. حينها، احتضنها فارس برفق وربت على شعرها ليهدئ من روعها، مطمئنًا إياها:
"أنا كويس يا حبيبتي متخافيش، خلاص كل حاجة هتنتهي قريب!"
بعد لحظات هدأت ميان وهي بين ذراعيه، بينما كان فارس يداعب شعرها بحنان. فجأة، بصوت هادئ سألته:
"ينفع دلوقتي أتكلم مع فارس صاحبي، مش جوزي وحبيبي؟!"
عدل فارس من جلسته وسرعان ما انتبه لحديثها باهتمام. فرفعت وجهها إليه، ما زالت بين أحضانه، وترددت قبل أن تتحدث خشية أن تغضبه:
"حاسة إن غضبي من سفيان مبقاش زي الأول... بحس إن قلبي بدأ يهدى، مسامحتش، بس في نفس الوقت مش قادرة أشيل كل الكره ده."
ثم أكملت وكأنها تخاطب نفسها:
"يمكن عشان قلبي اتملى بحبك... والقلب اللي مليان بالحب ميعرفش الكره أبداً..... فاهمني؟"
حرك فارس رأسه مؤكدًا، ولكن في داخله، لم يكن مرتاحًا لتلك الكلمات، فقد شعر بالضيق لأنها تحدثت عن سفيان وفكرت فيها.
اعتدلت ميان في جلستها، وأحاطت وجهه بيديها بحب ثم قالت معتذرة:
"أنا آسفة لو زعلتك بس والله كنت محتاجة أطلع اللي جوايا يا فارس."
ابتسم فارس برقة، وداعب أنفها بأنفه قائلاً:
"مقدرش أزعل منك يا سكر."
ابتسمت ميان بحب وراحت تطالع عينيه بحب ثم رددت بعد لحظات من الصمت بصوت هادئ مليء بالعاطفة:
"أنا معاك دايمًا... قلبي وروحي ملكك."
توهجت لحظتهم بالحنان والرومانسية. غمرتهما لحظات من السكون الرقيق، وكأن العالم من حولهما قد تلاشى. بدأت أنامل فارس تتحرك برفق على شعرها، فيما راحت ميان تتأمل ملامحه بعيونها المليئة بالحب. همست له بصوت خافت:
"كل لحظة معاك بتخليني أحبك أكتر وأكتر... أنت الأمان اللي كنت بدور عليه طول حياتي."
ابتسم فارس وضمها بقوة إلى صدره هامساً بصدق:
"وأنتي الحب اللي مفيش زيه..... انا مكنش هيبقى ليا وجود من غيرك."
تبادلا النظرات الحميمة لفترة قبل أن يميل فارس نحوها ليطبع قبلة عميقة على شفتيها. في تلك اللحظة شعرا بأن كل ما حولهما يتلاشى وأنهما وحدهما في هذا العالم محاطان بشعور لا ينتهي من الحب.
استسلمت ميان لدفء حبه. تعمقت لحظتهما في الرومانسية واستمرت الليلة بهدوء وسكينة. حيث امتزجت فيها العواطف بالحب، وانتهت بلحظات حميمية ملأت قلبيهما بالراحة والاطمئنان، كأنهما قد وجدا الجنة في أحضان بعضهما البعض.
في المستشفى.
بدأت بسمة تتحرك ببطء من غيبوبتها. في تلك اللحظة، كانت الممرضة التي تهتم بها تتفقد حالتها بشكل دوري وقد لاحظت حركتها فطلبت الطبيب على وجه السرعة. وما إن دخل الطبيب أجرى الكشف عليها وأعلن أنها بدأت تفوق من غيبوبتها.
عم الفرح بين الجميع، جميلة وأفراد عائلة يزن. لكن كان هناك شيء ناقص، إنه "يزن" الذي كان في الغرفة المجاورة، حيث كان فاقدًا للوعي مغمورًا بالمحاليل بسبب سوء تغذيته وعدم اهتمامه بصحته خلال فترة غياب بسمة. كان حاله محزنًا ويعكس مدى معاناته.
بعد فترة، جلست جميلة بجانب بسمة، تحضنها بشدة بكل شوق، وهي تبكي بحرقة. بينما بسمة كانت صامتة كأن عقلها في عالم آخر. وفجأة، سألت بصوت حزين ومجروح:
"ما سألش عليا ولا حتى اطمن مش كده.... ما فرقتش معاه؟!"
كانت جميلة في حيرة لا تعرف كيف ترد. هل تقول الحقيقة عن حالة يزن أم تصمت؟
لم يكن لديها خيار سوى أن تقول الحقيقة. فقصت عليها ما حدث طوال فترة غيابها.
شعرت بألم عميق ووجع كبير. قلبها مليء بالقلق عليه. لكنها ستختار كرامتها وترحل. لن تجبره عليها. لقد اكتفت منه ومن كل شيء. ستغادر وتبدأ من جديد في مكان جديد بعيدًا عن الكل.
عندما استفاق يزن من فقدانه للوعي، وجد نفسه محاطًا بالأجهزة الطبية والمحاليل التي كانت مرتبطة بجسده.
حاول أن يجمع شتات عقله المتعب وسأل بصوت ضعيف عن بسمة.
لم يتلقى أي رد. بعد وقت، كان يعتدل بجلسته يريد الذهاب إليها. فردت عليه والدته بصوت هادئ لكن مع لمسة من الحزن:
"بسمة سابت المستشفى... هي وجميلة مشوا من غير ما حد يحس ومحدش يعرف عنهم حاجة."
تجمدت الكلمات في أذن يزن وأصابته صدمة شديدة. بدا وكأن العالم حوله توقف للحظة. في قلبه تراكمت مشاعر الندم والخسارة. خسر بسمة الآن، كما خسر همس من قبل.
عينيه امتلأت بالدموع وهو يشعر بالوحدة والألم، مدركًا أنه قد فقد شخصين مهمين في حياته بسبب عدم قدرته على التعامل مع مشاعره.
استفاق فارس في الصباح الباكر يتأمل ميان وهي غافية بين ذراعيه بنظرات مليئة بالعشق والافتتان. ظلت عيناه تطوفان على ملامحها الهادئة لفترة طويلة، وكأنه يريد أن يختزن هذا المشهد في ذاكرته للأبد.
بصعوبة تحرك وترك السرير بحذر حتى لا يوقظها. اتجه إلى المطبخ ليُعد الإفطار، مدركًا أن الحمل في بدايته يكون متعبًا عليها، كما أن الخادمة أخذت إجازة لعدة أيام.
بينما كان فارس يجهز الإفطار، دخلت جنة إلى المطبخ تملؤها علامات الاستفهام والدهشة قائلة بصوت لا يخلو من الصدمة:
"دكتور فارس حضرتك بتعمل الفطار بنفسك؟ كنت تقولي وانا حضرته ليك بنفسي بدل ما تتعب نفسك."
رفع فارس نظره نحوها للحظة ثم عاد لما يفعل قائلاً بهدوء وهو يقلي البيض:
"مفيش تعب، أنا متعود على كده من زمان. روحي انتي اقعدي وخمس دقائق والفطار هيكون جاهز تكون ميان كمان صحيت."
جلست جنة على الكرسي الموجود في المطبخ بغيظ عند ذكر ميان وسألته بمكر ظنًا منه أنه سيشعر بالضيق من ميان:
"ميان مش بتعرف تطبخ... أنا بصراحة من ساعة ما دخلت البيت ما شفتهاش في المطبخ."
ابتسم فارس ورد عليها:
"بتعرف حاجات وحاجات."
شعرت جنة بالدهشة من رد فعله الهادئ وسألته:
"ده مش بيضايقك؟"
ردد فارس وهو يعد الطعام وابتسامته لم تفارقه قائلاً بصدق:
"أتضايق لو أنا رحت اتجوزت واحدة عشان تكون خدامة ليا... إنما أنا اتجوزت اللي بحبها، خدتها ملكة من بيت أبوها، وواجب عليا إنها تفضل ملكة في بيتي.... الطبخ وشغل البيت مش بيقلل من الست، عارف بس الحمد لله أنا قادر أخليها ما تعملش أي حاجة وظروفي كويسة، يبقى ليه أتعبها هي؟ من نفسها بتحاول وبتتعلم على قد ما تقدر لأنها حابة كده.... لكن لو مش حابة، دي حاجة ترجع ليها."
ثم سرح بنظره وكأنه يتحدث إلى نفسه، بنبرة مليئة بالعشق والحنين، ناسيًا وجود جنة في المطبخ:
"اصلاً كفاية وجودها جنبي."
شعرت جنة بغيرة شديدة وحقد كبير تجاه ميان، وقررت أن تلفت انتباه فارس إليها وتقترب منه بأي وسيلة. وقفت فجأة، وتمثلت التعب، متأوهة بصوت منخفض وكأنها على وشك الإغماء.
انتفض فارس من مكانه بسرعة، اقترب منها وأمسك ذراعها بحذر قبل أن تسقط، وفي لحظة خاطفة ألقت بنفسها في حضنه وكأن الأمر حادثة غير مقصودة.
كان فارس على وشك إبعادها بغضب، لكن قبل أن يفعل ذلك، دخلت ميان فجأة ورأت المشهد.
توقفت مكانها، وعيناها اللتان كانت تطلقان نظرات مليئة بالحب والحنان عندما استيقظت وهي تتذكر ليلة أمس الرومانسية، تحولت الآن إلى نظرات مشتعلة بالغيرة والغضب.
صاحت بغضب وغيرة واضحة:
"فارس!!"
ابتعد فارس بسرعة وهو لا يزال ممسكًا بيد جنة لمنعها من السقوط، وهو بالكاد يستطيع الوقوف بسبب آلام ساقه. نادى على ميان محاولًا تهدئتها:
"ميان، تعالي ساعديني... جنة دايخة."
رفعت ميان حاجبها في شك واضح، وهي تنظر إلى جنة التي كان من الواضح عليها أنها تمثل. ربما لم تكن ميان لتلاحظ التمثيل لولا أن سفيان سبق وأن نبهها.
اقتربت ميان من فارس ثم دفعته برفق بعيدًا وهي تقرصه في يده التي كان يمسك بها جنة وقالت ببرود يخفي خلفه غضب كبير:
"سيبني أنا أساعدها."
أسندت ميان جنة حتى وصلت بها إلى غرفتها، وألقتها بحذر على الفراش، ثم وقفت بجانبها تنظر إليها بنظرات مملوءة بالمعاني الخفية وقالت بلهجة ساخرة ومغزى واضح:
"ألف سلامة عليكي يا حبيبتي ارتاحي... خدي بالك بقى وابقى سلي نفسك واتفرجي على شادية تمثيلها أحسن بكتير. ركزي مع حركاتها... زي ما أنا بركز مع غيري!"
خرجت ميان من غرفة جنة وهي غاضبة بشدة، عيناها تلمعان بالغيرة والغضب. اندفعت نحو المطبخ حيث كان فارس، وبدون تفكير رفعت سكينًا في وجهه وصرخت بغضب حارق:
"عارف يا فارس لو لمستها بإيدك دي تاني، أو كلمتها، أو حتى وجهت لها نظرة، أنا هقطعك حتت بالسكينة دي، ومحدش هيعرفلك طريق!"
نظر إليها فارس محاولًا تهدئتها، وبدأت ابتسامة خفيفة تتسرب إلى وجهه، يحاول كتم ضحكته بصعوبة:
"اهدي يا حبيبتي مالك، تقمصتي دور المرأة والسطور كده ليه؟!"
لكن ميان جزت على أسنانها بغضب وقالت:
"اسكت يا فارس متعصبنيش أكتر، جرب واعملها، وأنا والله لأدبحك ها!"
في تلك اللحظة، اقترب فارس منها بلطف ممسكًا يديها بحذر ثم أخفض السكين قائلاً بصوت خفيض محب لها ولكل ما فيها:
"وأهون عليكي؟"
ترددت ميان للحظة، وضعفت أمام صدق مشاعره. نظرت إليه بعينيها المليئتين بالعاطفة وقالت بصوت هادئ وصادق:
"عمرك ما تهون عليا أبدًا يا فارس."
ابتسم فارس بسعادة غامرة، وامتلئت عيناه حبًا وامتنانًا. اقترب منها أكثر، وطبع قبلة دافئة على جبينها ممتنًا لوجودها في حياته.
بعد وقت كان فارس وميان ومعهما جنة جالسون على الطاولة يتناولون الطعام بصمت. قطعته جنة بابتسامة لفارس قائلة:
"فارس... قصدي الدكتور فارس حضرلنا الفطار بنفسه، بجد لذيذ جدًا. انتي مش ناوية تتعلمي الطبخ اكتر يا ميان؟!"
رفعت ميان عينيها ببرود زائف ثم ردت بنبرة هادئة لكن مغزاها واضح:
"احنا متعودين على كده، مرة هو ومرة أنا، ميفرقش. ربنا يبعد عننا العين بس."
جنة حاولت تدير دفة الحوار مرة ثانية وعينيها على فارس قائلة بمكر لتوضح لفارس أن ميان لا تصلح أو تجيد مهام الزوجة:
"نصيحة مني يا ميان، الراجل بيحب الست تكون شاطرة في كل حاجة، خصوصًا في الطبخ ده شيء مهم جدًا."
"ميان نظرت لها بابتسامة زائفة كأنها مستعدة تمامًا للرد ثم قالت بنبرة ذات مغزى:
"أكيد، بس تعرفي، فارس بيحب حاجات تانية بردو زي إن الست تكون واثقة في نفسها وما تحاولش تثبت نفسها على حساب حد تاني."
نظرت إليها جنة بغيظ قائلة:
"ماشي، بس مهما كان الأكل والطبخ جزء مهم، دي حاجة كل راجل يحب يشوفها في مراتهم."
التفت ميان للأمام قليلاً ونظرتها كانت ثاقبة وهي تقول بهدوء:
"اكيد، لكن الأهم اننا بنعمل كل حاجة مع بعض، من غير ما حد يحس إنه محتاج يثبت أي حاجة للتاني. الراحة في العلاقة أهم من مين بيعرف يطبخ."
صمتت جنة بغيظ ولم تجد رد، بينما فارس ابتسم بصمت وهو مستمتع بالحوار بينهم.
تراجعت ميان للخلف وهي ترتشف من كوب العصير الخاص بها، غير مبالية. الأخرى بالنسبة لها الحوار انتهى.
أخذ فارس اليوم بأكمله إجازة.
كانت ميان جالسة في الصالة بجانب فارس مستمتعة بالمشاهدة. كان فارس كل فترة وأخرى كان يمسك يدها بلطف ويطبع قبلة على كفها ثم يضع يده على بطنها برقة، كأنه يريد أن يخبر طفلهما المنتظر بأنه هنا ويحبه.
بينما كان الجو هادئًا ورومانسيًا، تسللت جنة من خلفهما ترتدي بيجامة مريحة بدون حجاب، شعرها القصير الناعم يتمايل بلطف بالكاد يصل إلى عنقها.
التفتت ميان بسرعة عندما شعرت بخطوات جنة. بينما كان فارس لا يزال مشغولاً بالفيلم. تحدثت ميان بنبرة حادة خرجت منها دون إرادة بسبب الغيرة التي شعرت بها عندما رأت جنة وهيئتها وأن فارس من الممكن أن يراها بهذا الشكل:
"جنة نسيتي طرحتك ولا إيه، فارس هنا!"
اقتربت جنة منهما بجرأة وعيناها تلمعان بتحدي ثم قالت بصوت هادئ متعمدة أن يظهر فيه لمسة أنثوية جذابة:
"عارفة، أنا أصلاً لبست الحجاب غصب، مكنتش محجبة.... أبو عدنان هو اللي فرضه عليا، وحالياً هو مش موجود ومفيش حاجة تغصبني عليه فليه ألبسه؟"
شعرت ميان بالغضب، بينما فارس بدوره بدا محرجًا. لم يكن يعرف كيف يرد أو يتصرف في هذا الوضع الحساس.
الجو امتلأ بالتوتر وحاولت ميان كتم مشاعرها بصعوبة، لكنها أدركت أن الوضع لم يعد يحتمل الصمت.
دخل فارس غرفته بهدوء غير مبالٍ بنظرات جنة الغاضبة والمليئة بالغيظ لأنه لم ينظر إليها ولو للحظة حتى.
لاحظت ميان مدى استياء جنة من تجاهل فارس لها.
رمت كوبًا زجاجيًا على الأرض بقوة مما أحدث صوتًا مدويًا.
ارتعبت جنة من صوت التحطم قائلة بفزع:
"مش تخلي بالك يا ميان!"
رددت ميان بهدوء لم يريح الأخرى:
"تعرفي يا جنة، لما كنت صغيرة كان عندي كلبه!"
نظرت إليها بدهشة لحديثها الذي ليس بمحله، لكنها لم تقاطعها. فتابعت ميان حديثها الذي كان يحمل بين طياته الكثير:
كانت كلبه صغيرة لقيتها في الشارع، خدتها، نظفتها، واعتبرتها صاحبتي واختي.
صمتت لثواني ثم تابعت فجأة ميان بنبرة حادة:
"كانت طماعة، تخيلي كانت عاوزة تسرق حب بابا مني وكانت تعمل كل حاجة عشان تلفت نظره وتخليها يحبها هي ويبعدني أنا عنه."
كانت جنة تستمع لها بصمت فتابعت ميان بهدوء يسبق العاصفة:
"عارفة لما لاحظت كده عملت إيه؟!"
مجددًا لم ترد. فوقفت ميان فجأة أمام جنة قائلة بشراسة أخافت الأخرى:
"مسكتها وفتحت الشباك ورميتها وماتت، لأنها كانت طماعة وفكرت تاخد حاجة مش بتاعتها. وبدل ما تحمد ربنا بقى إنها لقت اللي يفتح لها بيته، طمعت أكتر."
ثم نظرت إلى جنة بتحدي وأضافت قائلة:
"دي كانت كلبة، ما بالك لو إنسان، أكله بسناني، أنا بدعي علطول إن اللي قدامي ميغلطش عشان ميشوفش قلبي. لأن لو شافها ربنا يعنيه ع اللي جاي."
شعرت جنة بعدم الارتياح والربية من الكلمات القوية التي خرجت من ميان التي تجاهلتها وغادرت بثقة غير مبالية بتأثير كلامها على الأخرى.
دخلت ميان على فارس الغرفة وعلامات الغضب والغيرة بادية عليها قائلة بعصبية:
"شوف بقى يا فارس، اللي اسمه عدنان ده دخل السجن خلاص... أنا مش مجبورة أستحمل وجود اللي اسمها جنة دي في بيتي!"
نظر إليها بجدية قائلاً بهدوء:
"أنا اتسرعت وغلطت لما جبتها هنا، فعلاً قعدتها طولت وما يصحش وجودها معانا... أنا طلبت من بابا يشوف لها شغل في الأوتيل عنده مع سكن طبعًا، اهو يكون بعيد عن أبو عدنان وأبوها.... بابا هيرد عليا بكرة الصبح ولو كده هسفرها ليه في أقرب وقت."
صمتت للحظة، فسألها فارس بفضول:
"ليه قلبتي عليها وعايزاها تمشي؟"
جلست ميان بغضب ثم قالت:
"لأنها مش كويسة، ونظراتها مش مريحة، بحس إن عينيها على كل حاجة عندي يا فارس، بس كنت بكذب نفسي، لكن النهارده اتأكدت.... بتتكلم وكأني حياتي ملكها. البنت دي مش كويسة، وعينيها مليانة حقد، ده غير إن البجحة عينيها منك انت!"
أومأ لها بصمت قائلاً باعتذار:
"حقك عليا الغلط عندي من الأول، أوعدك سيبني يومين بس وأنا هتصرف."
أومأت له قائلة بهدوء:
"متعتذرش يا فارس انت مغلطش انت كان قصدك خير بس هي اللي مقدرتش ده وطمعت في اللي مش ليها، أنا كمان شاركت معاك في القرار ده لما صعبت عليا ووافقت!"
صمت الاثنان غافلين عن جنة التي انسحبت من أمام باب غرفتهم بعد أن سمعت حديث فارس وميان. لم تفهم تفاصيل الحديث بوضوح سوى أنهم قرروا إبعادها وأنها أصبحت مكشوفة أمامهما.
فكرت طويلاً حتى توصلت إلى حل يمكن أن يخرجها من الموقف ويطيل مدة بقائها. دخلت إلى غرفتها.
حتى مضى بعض الوقت ما يقارب النصف ساعة. ارتفع فجأة صوت صراخها في أرجاء المنزل. فهرع فارس وميان نحو مصدر الصوت وصدموا عندما وجدوا جنة ساقطة على الأرض في غرفتها وتنذف دمًا.
فزع فارس، وبدون تفكير حملها بسرعة وتبعته ميان ركضًا معًا إلى المستشفى.
بعد دقائق وصلوا إلى المستشفى. نُقلت جنة على الفور إلى غرفة العمليات بعد الفحص السريع. وقفت ميان بجانب فارس أمام غرفة العمليات.
نست كل شيء وشعرت بالأسف تجاهها عندما تذكرت كيف دخلت لتلك الغرفة من عام وأكثر وكيف خرجت منها.
بعد وقت خرج الطبيب من غرفة العمليات وعلى وجهه ملامح التعب والحزن. اقترب منهم ثم قال بصوت هادئ، لكن مثقل بالأسف:
"النزيف كان شديد، وحاولنا بكل الطرق نوقفه، لكن للأسف مقدرناش ننقذ الجنين، المريضة الحمد لله حالتها مستقرة هننقلها أوضة دلوقتي وتقدروا تطمنوا عليها."
وقفت ميان في مكانها مذهولة وكأن الدنيا توقفت للحظة. صمتت الكلمات في حلقها بينما غامت عينيها بالدموع التي لم تتمكن من النزول فورًا. رفعت رأسها إلى السماء ودعت لها بالصبر، كذلك فعل فارس.
لا يعلم كلاهما كيف سيخبروها بما حدث.
دخل سفيان بيت أماليا بخطوات مترددة وكأنه يشعر بثقل كل خطوة. كان يدرك أن المهمة التي جاء من أجلها لن تكون سهلة.
استقبلته أم أماليا بوجه جامد وبجانبها وقف علي أخو أماليا الكبير الذي سبق وأخبرته والدته عن طلب سفيان ليد شقيقته وعن ضرورة وجوده أثناء هذا اللقاء لعدم وجود والده في الوقت الحالي.
ما إن قام علي ليرد على مكالمة عمل مهمة حتى بادر سفيان بالحديث بدون مقدمات:
"انتي أكتر واحدة عارفة إني اتغيرت.... واني مبقتش نفس الشخص اللي كان في الماضي، ليه رافضة؟"
نظرت إليه والدة أماليا بنظرة حادة مليئة بالازدراء ثم قالت بصوت غاضب مرتفع:
"عشان دي بنتي، تستاهل راجل أحسن منك مليون مرة، ناقصها إيه عشان تتجوز واحد متكونش هي أول فرحته، وتاخد واحد زيك كان متجوز قبلها بدل الوحدة اتنين وحكاياته معاهم مشرفة."
صمتت للحظة ثم أضافت بغضب متصاعد:
"انت أصلاً بتستهبل ولا إيه حكايتك، فاكر عشان عالجتك هسلمك بنتي وأرضى بيك زوج ليها؟!"
رد سفيان بصعوبة متحسسًا كل كلمة:
"أنا شاري بنتك و....."
صرخت عليه بغضبٍ أكبر وعيونها تلمع من شدة الانفعال، بينما أماليا كانت واقفة مزهولة من حدة حديث والدته.
دخل علي من الشرفة على صوت الصراخ العالي وتابع الحوار بعينين متسعتين يحاول أن يستوعب ما يجري.
صاحت أم أماليا بصوتٍ قاسٍ موجهة كلماتها نحو سفيان:
"وأنا معنديش بنات ليك يا سفيان، مش مستغنية عن بنتي عشان ترجعها لي بملاية تحت رجلي أنا وأبوها وأخواتها مطلقة. روح شوف لك حد غيرها بنتي أغلى وأشرف من إنك تلمسها حتى بنظرة."
سكتت الغرفة فجأة وكأن الهواء قد تجمد من شدة التوتر.
وقف سفيان بلا حراك، عيناه تعكسان مشاعر من الانكسار والألم. كان يعرف أن الطريق للارتباط بأماليا محفوف بالعقبات، لكن لم يتوقع أن يكون بهذه القسوة.
الجو في الغرفة كان مشحوناً بالتوتر. نظرت أماليا إلى والدتها بحيرة، بينما كانت الكلمات تتطاير في الهواء بين سفيان ووالدتها كسهام حادة.
حاولت أماليا أن تتماسك لكن قلبها كان يخفق بشدة من فرط الصدمة. لم تستطع تصديق ما تسمعه، فلم تكن قد تخيلت في يوم من الأيام أن الرجل الذي أحبته يمكن أن يكون له ماضٍ بهذه البشاعة.
قالت أماليا بصوتٍ مرتجف، متمنية أن ما سمعته ليس حقيقيًا:
"ماما إيه اللي بتقوليه ده، ملاية إيه.... ااا... ااا..."
رددت والدتها وهي تنظر إليه بنبرة أكثر قسوة:
"لو فاكرة نفسك التانية في حياته تبقي غلطانة، قبلك كان على ذمته اتنين، وفي وقت واحد كمان. هو مش بالبراءة اللي أنتي شايفاها دي، ده أذى كتير وعمل بلاوي، لو سمعتيها هتفكري مليون مرة قبل ما تربطي اسمك مع اسمه."
صمتت قليلاً ثم أشارت إلى سفيان قائلة بحدة:
"قولها ماضيك المشرف، قولها عملت إيه في ميان وإزاي دمرت حياتها ولولا فارس وقف جنبها وخلاها تقف على رجليها من تاني، كانت ضاعت."
ثم تابعت باحتقار:
"قولها إزاي قتلت ابنك بإيدك، احكي يلا ولا أقول أنا عمايلك!"
كانت أماليا في حالة من الذهول والصدمة. لم تستطع التحدث. حاولت تجميع كلماتها لكن صوتها اختنق في حلقها. كل ما استطاعت قوله لسفيان بصوت مهزوز غير مصدقة ما تسمعه:
"الكلام ده صح، انت ساكت ليه، ما تتكلم؟!"
صمت سفيان وعيناه موجهتان إلى الأرض. لم يكن لديه أي دفاع يقدمه. صمته كان اعترافًا بكل ما قالت والدتها التي تابعت بغضب:
"ضربها واعتدى عليها زي الحيوانات، ورماها تحت رجلين أبوها يعتبر من غير هدوم وقدام الكل عمل كل ده وهو عارف إنها حامل، اتهمها في شرفها وكان بيشك فيها، مخلاش مكان مفضحهاش فيه، وهي المفروض قَريبته يعني مرعاش إنها لحمه ودمه. انتي مش هتكوني أغلى منها في يوم من الأيام."
ثم تابعت بقسوة غير عابئة بشيء، كل ما يهمها أن تخرجه من قلب ابنتها وتجعلها تكره نهائيًا:
"ده غير ماضي الست الوالدة المشرف وعمايلها كله على بعضه مينفعكيش يا أماليا. هو مش شبهك، انتي تستاهلي الأحسن يا بنتي، هتظلمي نفسك معاه."
حاول سفيان أن يتحدث لكن الكلمات لا تخرج من بين شفتيه. وقفت أماليا بصعوبة أمامه، قدماها تهتزان كأنهما لا تقويان على حملها. نظرت إليه بعينين تملؤهما الحيرة والرجاء كأنها تتوسل إليه أن ينفي ما سمعته للتو. صوتها خرج مهزوزًا وهي تقول:
"أنت عملت كده فعلاً، دافع عن نفسك، قول إن ده محصلش وهي بتقول كده عشان تخليني أرفض!"
لكن سفيان ظل صامتًا، عيونه مثبتة على الأرض. لم يستطع أن يرفع نظره ليواجهها. كان شعور الخزي يثقل على صدره، كأن جبالاً قد أطبقت عليه.
صمته كان أبلغ من أي كلام. ومع هذا الصمت تأكدت أماليا من أن كل كلمة قالتها والدتها كانت حقيقة.
كانت صدمة أكبر من أن تستطيع استيعابها. الرجل الذي أحبته لم يكن فقط قاسيًا، بل وحشيًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
تراجعت خطوة للخلف، وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول أن تمنع قلبها من الانفجار:
"غلطت لما قلت إن الماضي ميفرقش معايا."
همست لنفسها كأنها تحاول إقناع نفسها بما سمعته. كيف ستعيش مع رجل ارتكب كل هذه الفظائع؟ كيف ستؤمن على نفسها معه بعدما عرفت حقيقته؟
التفتت ببطء لتنظر إلى والدتها والدموع تملأ عينيها. كانت نظراتها مليئة بالحزن والألم. ثم نقلت نظرها إلى شقيقها علي الذي كان يقف متجمدًا في مكانه يحاول استيعاب الموقف.
كان يستطيع أن يشعر بوجع شقيقتها.
اختنقت أماليا بالكلمات وأحست وكأن الحروف تختنق في حلقها. عاجزة عن الخروج. لم تكن بحاجة إلى كلمات الآن، فقد كانت عيونها بدموعها الصامتة تقول كل شيء. كانت تعلم أنها لن تستطيع الاستمرار في هذا الوضع وأن عليها أن تتخذ قرارًا.
في تلك اللحظة أدركت أماليا أن الحب ليس كافيًا ليبرر البقاء مع رجل بلا رحمة. رجل لا يستحق حتى أن يُمنح فرصة لتبرير أفعاله. كان قرارها واضحًا حتى لو كان صعبًا. كان عليها أن تحمي نفسها وتبعد عن هذا الجحيم، مهما كلفها الأمر.
رددت بصعوبة قبل أن تذهب لغرفتها:
"أنا مش عاوزاه يا ماما!"
تبع علي شقيقته لكنه توقف عند الباب بعدما سمع صوت المفتاح. كانت تحتاج للبقاء وحدها لحظة للتفكير والتصالح مع مشاعرها.
وما إن أصبحت بمفردها حتى انهارت في بكاء مرير. أخيرًا اعترفت لنفسها بالحقيقة التي ظلت تنكرها. ليس إعجاب ما تشعر به نحوه، كان حبًا صادقًا. كيف ستعيش الآن مع تلك الحقيقة وذلك الألم؟ يا ليتها لم تره.
وقف سفيان خارج الغرفة، يشعر بألم عميق كأن وجعه يتضاعف مع وجعها. كان يتوقع رد فعلها هذا، لكنه كان يأمل أن تمنحه فرصة، أن تصدق بأنه تغير. كان يتمنى لو أنها لم تعرف شيئًا عن ماضيه على الإطلاق.
التفت إلى والدتها التي كانت تقف خلفه، عيناه مملوءتان باللوم والعتاب. كيف يمكنها أن تكشف كل ما بينهما بهذا الشكل؟ كأنها عرته أمام الجميع. ألم تكن تعرف أن كل كلمة بينهما يجب أن تبقى سرًا؟
سألها بحزن وألم:
"عملتي كده ليه؟ انتي دكتورة وعارفة إن كل كلمة بتتقال بينا سر، مفيش حاجة تطلع برا. أنا مغلطش حسيت بمشاعر ناحيتها وبدل ما ألف وأدور جيت لك طلبت إيدها منك."
همت والدتها بالكلام لكنه قاطعها وصوته مليء بالوجع:
"فضلت تقولي لي طول الوقت، انت مش وحش يا سفيان، كنت ضحية الظروف ووالدتك هي السبب. اللي عملته أثر عليك... كنتي دايمًا تقولي لي إني مش وحش وإني بتحسن، وشايفة التحسن والتغير عليا، لكن أول ما جيت أطلب إيد بنتك نسيتي كل اللي قولتي وعايرتيني بالماضي. وياريته بيني وبينك بس!"
صمت قليلاً ثم تابع بحزن وشدة:
"بدل ما تفضلي تقولي شعارات درستيها يا دكتورة اتعلمي الأول تطبقيها في الواقع."
ردت عليه والدتها بحزم وبرود:
"أنا أم وبنتي عندي أهم منك ومن أي حد سواء كنت بعالجك أو لا. عرفت ماضيك أو معرفتوش، أنت مش الشخص اللي أتمناه لبنتي ولا أتمنى إنها تكمل حياتها معاك."
نظرات سفيان كانت مشحونة بالوجع والخسارة. لم يكن يتوقع هذا الرد القاسي من امرأة ظلت تدعمه طوال الوقت، حتى تحول الماضي إلى سيف مسلط على رقبته.
عندما أخبروا جنة أنها فقدت ابنها، انهارت في نوبة بكاء مريرة وكأن قلبها تحطم إلى آلاف القطع. حاولت ميان تهدئتها مدركة الألم الذي تمر به، فقد عاشت هذا الوجع من قبل. لكن كلماتها لم تكن كافية. ميان كانت تشعر بكل دمعة تنزل من عيني جنة كأنها تعيد تجربة فقدانها الخاصة مرة أخرى.
مرت الأيام ببطء في المستشفى. يومان من الحزن والوجع. لم يفارق جنة الإحساس بالفقد للحظة. رغم كل محاولات ميان وفارس لمواساتها، بقي الألم عالقًا في صدرها ثقيلًا وكأنه لن يزول أبدًا.
في اليوم الثالث قررت جنة مغادرة المستشفى. وجهها شاحب، ونظراتها تائهة. عادت إلى بيت فارس. ما إن أصبحت في الغرفة بمفردها نقلت بصرها بين الأرض والفراش وتحولت نظرات الحزن بعينيها لنظرات أخرى كلها انتصار لأنها حققت مرادها.
كان فارس يجلس في غرفة مكتبه مستغرقًا في عمله ليُفاجأ بصوت الباب يُفتح دون استئذان.
رفع رأسه بسرعة ليرى سفيان يدخل بخطى ثقيلة، دون أن يلتفت إلى فارس متجهًا نحو الأريكة. جلس عليها، ثم ارتمى إلى الوراء، واضعًا رأسه بين يديه في صمت.
سأل فارس بضيق وحنق واضحين:
"إيه اللي جابك؟!"
أطلق سفيان تنهيدة طويلة، وكأنها تحمل أوزانًا ثقيلة من الألم، لكنه لم ينطق بكلمة. كان فارس على وشك أن يطلق سيلاً من الكلمات الحادة، لكنه فجأة توقف عندما رأى الحزن مرسومًا بوضوح على وجه سفيان والتعب يطغى على ملامحه.
رغم كل ما يكنه فارس من مشاعر كره تجاهه، شعر ببعض الشفقة تتسلل إلى قلبه. وبدلاً من الصراخ في وجهه، حاول كبح غضبه بسؤال خرج منه وكأنه مرغم على النطق به:
"إيه اللي حصل؟!"
رفع سفيان رأسه ببطء وعيناه تكادان تشعان بالألم والندم وقال بصوت خافت مملوء بالوجع:
"أنا لحد إمتى هفضل أتحاسب على اللي عملته! غلطت عارف إني غلطت، لكن ندمت وتبت، ومين فينا مش بيغلط!"
نظر فارس إليه ثم رد عليه بحدة:
"غلط عن غلط يفرق، بلاش أفكرك إنت عملت إيه... خلينا ساكتين أحسن."
تنهد سفيان بتثاقل وكأنه يحمل ثقل الدنيا على كتفيه، واستطرد:
"مبقتش طايقة تبص في وشي لما عرفت الماضي بتاعي. حسيت إني اتعريت قدامها، مكنتش قادر أرفع عيني في عينها. قلبي وجعني على وجعها. مديلها كل الحق في ردة فعلها، بس كنت أتمنى لو فضلت جنبي وصدقت إني اتغيرت."
سكت قليلاً فسأله فارس كأنما يسأله عن رأي دفين:
"بتحبها؟"
تنهد سفيان ورد عليه بحيرة وتعب:
"والله مش عارف إذا كان حب ولا احتياج، بس حاسس بوحدة من غيرها، حاسس إن يومي مفيش فيه أي روح."
انحنى فارس إلى الأمام وسأله بحذر:
"إيه اللي حصل بالظبط؟"
أخذ سفيان نفسًا عميقًا وقص عليه كل ما حدث. فرد عليه فارس بجدية:
"هتظلمها معاك لو مش متأكد من مشاعرك. بلاش تاخد الخطوة دي."
هز سفيان رأسه نافيًا:
"أنا مقولتش جواز، فترة خطوبة أيًا كانت المدة اللي تحددها لو كل واحد ارتاح للتاني واتأكد من مشاعره نتجوز."
نظر إلى الأرض بنظرة خالية كأنه يحدث نفسه:
"بس عارف، برجع أقول لنفسي إيه الهبل ده؟ دي تستاهل الأحسن مني."
سكت لبرهة ثم همس:
"أي بنت في الدنيا تستاهل الأحسن مني... أي واحدة هترضى تحط اسمها جنب اسمي رغم الماضي ده... تبقى مجنونة!"
رفع رأسه قائلاً بتوسل لفارس بعد لحظات من الصمت:
"كلم والدتها قولها إني عاوز أشوف أماليا.... قولها إني موافق على أي شروط تقولها.... قولها إني محتاج بنتها... قولها والله إني اتغيرت!"
قبل أن يستطيع فارس الرد اقتحمت ميان الغرفة دون أن تطرق الباب كعادتها.
رفعت عينيها في دهشة وقد صدمتها رؤية سفيان جالسًا والدموع في عينيه. لم تستطع تصديق ما تراه. كيف يمكن لمكان واحد أن يجمع بين فارس وسفيان!
عاد كارم إلى المنزل بعد يوم طويل من العمل، تعب وإرهاق يغمران جسده. ومع ذلك تحول كل ذلك الشعور بمجرد أن رأى مشهدًا أمامه في حديقة الفيلا. همس بابتسامة مشرقة تدفع كرسي والدته بحماس وتضحك معها بكل سعادة.
كانت تلك اللحظات مليئة بالدفء والسعادة، فلم يشأ كارم أن يقطعها بل اكتفى بالمراقبة عن بعد.
صعد إلى غرفته بهدوء وأخذ حمامًا سريعًا ليزيل تعب اليوم. ثم ألقى بنفسه على السرير. وما إن وضع رأسه على الوسادة حتى غلبه النوم سريعًا.
بعد نصف ساعة دخلت همس الغرفة وهي تتنفس بصعوبة من الركض. وما إن رأت كارم نائمًا حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة عاشقة.
اقتربت منه ببطء تتأمل ملامحه التي حفظتها في قلبها قبل عقلها. وبجراءة غير معهودة منها انحنت لتطبع قبلات خفيفة على كل تفاصيل وجهه.
شعر كارم بلمستها واستيقظ لكنه تظاهر بالنوم فضوليًا ليعرف ما ستفعله. نبض قلبه تسارع مع كل لمسة، ومع كل قبلة. لم يستطع التحمل أكثر من ذلك فمد يده في شعرها وجذبها نحوه أكثر.
ابتعد بعد قليل ونظر إلى عينيها المليئتين بالحب والشوق. وقبل أن يتمكن من قول أي شيء، فاجأته همس مرة أخرى بجراءتها حين همست له قائلة بحب: "وحشتني."
كانت تلك الكلمة تحمل الكثير من المشاعر العميقة وصداها في قلبه أكبر من أي كلام قد يقال.
ثم.... وكأن كل الحواجز بينهما تلاشت، تحولت الغرفة في لحظة إلى ساحة مشتعلة بالعواطف. كل واحد منهما كان يسعى أن يظهر حبه للآخر. دون كلمات، فقط العشق هو من يتحدث في تلك اللحظات. كل لمسة، كل نظرة، كانت معركة صغيرة في حرب الحب التي تجلت بينهم.
ولكن فجأة!
في خضم هذا الجنون توقف كل شيء. ابتعد كارم بعدما شعر بشيء غريب.
ابتعد قليلاً، نظراته تحولت من الحب إلى القلق حين رأى همس تتألم. لاحظ أن ملامح وجهها تغيرت وأن كل شيء ليس على ما يرام.
سألها كارم بصوت مليء بالقلق:
"همس إنتي كويسة! إيه اللي حصل؟"
أمسكت بطنها برفق وهي تشعر بألم مفاجئ. همست بصوت ضعيف:
"مش عارفة يا كارم.... أنا تعبانة أوي."
تجمد كارم في مكانه للحظة ثم انتابه الفزع. لم يحتمل رؤية التعب والألم في وجهها.
فردد بصوت مفزوع:
"لازم نروح المستشفى حالًا بسرعة."
قفز من السرير وارتدى ملابسه على عجل. أخذ نفسًا عميقًا محاولًا أن يظل هادئًا ثم ساعدها على ارتداء ملابسها.
حملها بين ذراعيه برفق ولكن بحزم وكأنها أغلى ما يملك في العالم وركض بها إلى السيارة دون أن يفكر مرتين. في تلك اللحظات كان كل ما يشغل تفكيره هو سلامتها فقط.