تحميل رواية بعينك اسير بقلم شهد الشوري pdf
بقلم شهد الشوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صباحًا بأحد الأحياء الشعبيه بمدينة الاسكندريه بمنزل يبدو عليه البساطه نجد هناك فتاة تجلس في غرفتها على فراشها و على ملامحها الجميله يظهر الحزن الشديد لما عاشته و شعور الندم ينهش قلبهاتتمنى فقط لو يعود الزمن بها للوراء لكن الزمن لا يعود تنهدت بحزن على حالها انتفضت مكانها عندما فتح باب الغرفة فجأة بقوة و ظهر من والدتها تدعى سميحة قائلة بحدة و غضب : قاعده كده مفيش وراكي لا شغله و لا مشغله مش كفاية الكلام اللي بنسمعه من اللي يسوى و اللي ما يسواش يا سيلين سيلين بحزن و ألم : محدش ليه عندنا حاجه انا مش...
رواية بعينك اسير الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شهد الشوري
بمنزل رأفت القاضي.
انتفضت عليا بنومها تصرخ بصوت عالي باسم ابنتها بفزع:
- ميااااان!
انتفض رأفت الذي لم ينم بالأساس بل كان ينظر للفراغ بشرود على صوت صراخها قائلاً بقلق:
- في إيه يا عليا مالك؟!
تمسكت بيده قائلة بخوف وقلق:
- بنتي فيها حاجة يا رأفت، بنتي مش كويسة أنا متأكدة، بنتي حصلها حاجة.
صمت ولم يعرف بما يجيبها هل يخبرها أنه يشعر بنفس شعورها ما أن ودعها بعد الزفاف.
تنهد بحيرة هو نفسه يشعر بالقلق كيف سيهدئها لذا ردد بقلق:
- أنا كمان يا عليا قلقان عليها، قلبي بيقولي في حاجة هتحصل!!
انتفضت واقفة تردد بسرعة:
- أنا هغير هدومي وهروح أطمن عليها.
أوقفها قائلاً:
- استني بس يا عليا هنروح دلوقتي، الوقت متأخر احنا عدينا نص الليل.
عليا بغضب:
- إن شاء الله يكون إيه، هروح أطمن على بنتي.
لم يجادل معها فبدل الاثنان ثيابهما وغادروا على الفور متوجهين حيث فيلا العزايزي!!!
.........
اقترب منها وبلحظة كانت تسقط على الفراش خلفها أثر صفعته القوية التي جعلت الدماء تنساب من جانب شفتيها من قوتها وقبل أن تعي ما فعل ارتعبت عندما رأته يسحب حزام بنطاله يلفه حول يده وعينيه تناظرها بكل شر.
الآن أيقنت أن شعورها لم يكن سوى حقيقة ستحدث ستبقى الليلة أسوأ ليلة بحياتها.
يصفع يركل لم يترك شيئاً إلا وفعله بينما هي لم تقو على الدفاع عن نفسها تعالت صرخاتها العالية كلما نزل بحزامه الجلدي على جسدها الدماء تنزف من جسدها بغزارة.
جذبها من خصلات شعرها قائلاً بغضب ونبرة تقطر شراً وتوعداً:
- قسم بالله ليكون انهاردة أسوأ يوم بحياتك، واحدة زبالة زيك تخوني إيه متقدريش تعيشين من غير رجّالة وتسلمي جسمك للي يسوى واللي ميسواش.
دفعها على الفراش خلفها بقسوة ثم اعتلاها ممزقاً بقايا ثيابها التي كانت قد تمزقت بالفعل قبل قليل من ضربه الوحشي لها متجاهلاً صراخ الجميع عليه ليفتح الباب.
تابع ما يفعل حطم ما تبقى منها اغتصبها بأبشع طريقة كل ذلك وهي تجاهد لتبقى عيناها مفتوحة لتحفظ كل ما فعل حتى تكرهه أكثر وأكثر.
ابتعد عنها يرتدي ثيابه ينظر لحالتها التي تدمي القلوب بلا ذرة ندم أو شفقة انحنى بوجهه هامساً بجانب أذنها بقسوة:
- بعد اللي هيحصل مش هتقدري ترفعي عينك في عيني طول عمرك، لو عندك شوية كرامة ماتخلنيش أشوف وشك بعد انهاردة.
توقف عندما استمع لصوت يعرفه جيداً يأتي من الأسفل وهو صوت رأفت العالي ابتسم قائلاً بتهكم:
- أبوكي تحت جيه في وقته!!
ألقى على جسدها فراش أبيض خفيف يلف به جسدها ثم جذبها بقسوة وعنف من يدها للأسفل ليجد الجميع بما فيهم عليا ورأفت الذي ما أن رأى حالة ابنته صعق من المنظر وقبل أن يتخذ أي ردة فعل كان سفيان يلقي بها أسفل قدم والدها قائلاً بغضب وسخرية:
- بنتك عندك اهي متلزمنيش، انتي طالق!!!!!
صرخت عليا بفزع تحاول إفاقة ابنتها لكن الأخرى لا تستجيب انحنى رأفت يحمل بين يديه جسد ابنته الساكن كسكون الأموات قائلاً بتوعد لسفيان:
- قسم بالله لتدفع التمن غالي لو بنتي جرّالها حاجة مش هيكفيني عمرك يا سفيان!!!
غادر رأفت سريعاً وزوجته تلحق به نظر عمار لشقيقه بخيبة أمل واشمئزاز ثم لحق بهم يتولى القيادة لأقرب مستشفى بدلاً من رأفت الذي لو كان الموقف يسمح لتشاجر معه!!!
بينما نرمين كانت تتابع ما يحدث بشماتة وسعادة كبيرة سرعان ما شهقت عندما هوت فريدة بكف يدها على صدغ سفيان بصفعة قاسية مصحوبة بصراخها الغاضب:
- انت إيه اللي عملته ده، وصلت للي بقيت فيه كده ازاي، مش بتحبها إن شاء الله عنك ما حبيتها إنما تبهدلها وتعمل فيها كده ليه، انت مش بني آدم ما بتحسش معندكش لا قلب ولا دم.
صرخ عليها بغضب:
- انتي السبب دبستيني في جوازة منها مكنتش عاوزها مع واحدة زبالة وخاينة زي دي، خانتني كنتي عاوزاني أعمل إيه أسكت.
صرخت عليه بغضب:
- الخاينة اهي واقفة وراك روح حاسبها، منك لله.
قالتها ثم غادرت الفيلا تنظر له بحسرة.
فأخذ الأخر يكسر كل ما تطوله يداه اقتربت منه نرمين قائلة بحزن زائف:
- متزعلش نفسك يا حبيبي، انت عملت الصح هي تستاهل اللي بيحصل فيها الخاين لازم يكون عقابه قاسي واللي حصلها قليل عليها، انت عمرك ما هتلاقي حد يحبك قدي ويكون مخلص ليك زيي يا سفيان!!
.........
كان يركض كل من رأفت وعليا وعمار خلف الترولي الذي يحمل جسدها الساكن متوجهاً للطوارئ.
بعد دقائق خرج الطبيب يأمرهم بتجهيز غرفة العمليات لخطورة حالتها مع استدعاء طبيب الأمراض النسائية الذي ما أن رآه عمار ردد بتعجب:
- انت!!!
تعجب الأخر من تواجده هنا لكنه أومأ له برأسه ثم دخل للغرفة ليباشر عمله ليتفاجأ بنفس الفتاة التي حضر زفافها قبل بضع ساعات فقط!!
.........
بكت عليا بقوة وأخذت تصرخ عالياً ورأفت يحاول تهدئتها، ما أن علم الجميع بذلك الخبر المفزع تجمعوا بالمستشفى جدها سالم وهمس ووالديها حتى لينا الجميع بانتظار خروج الطبيب!!!! بعد وقت حضرت فريدة التي ما أن رأتها عليا ركضت إليها تصرخ بغضب:
- انتي إيه اللي جابك!!!
رددت فريدة بحزن:
- جاية أطمن عليها.
صرخت عليها عليا بغل:
- يقتل القتيل ويمشي في جنازته مش كده.
فريدة بتبرير:
- أنا معملتش حاجة، مكنتش أعرف إن سفيان هيعمل كده.
عليا بغضب:
- معملتيش حاجة، بسببك بنتي بين الحياة والموت هخسرها بسببك انتي وحفيدك لولا اللي عملتيه في الأول ومساومتك ليها على حياتك، قابلتي اللي عملته عشانك واختيارها لحياتك بقلة أصل وندالة في الأخر تقولي معملتش حاجة، منك لله يا شيخة حسبي الله ونعم الوكيل فيكي انتي وحفيدك ربنا ينتقم منك ومنه.
قترب عمار من خالته قائلاً برجاء بالنهاية فريدة جدته وسفيان شقيقه:
- خالتي كفاية عشان خاطري ملوش لازمة الكلام.
اقترب سالم قائلاً بحدة ونظرات توعد لها ولحفيدها فقط لتمر تلك الأزمة:
- امشي من هنا ورجلك متخطيش مكان فيه حفيدتي يا فريدة والحساب بينا لسه مخلّصش بس كل حاجة وليها وقتها واعرفوا إن باللي اتعمل في حفيدتي فتحتوا أبواب جهنم عليكم!!!
غادرت فريدة برفقة عمار الذي أوصلها للمنزل ثم عاد للمستشفى مرة أخرى ليبقى بجانب الجميع حتى وإن كان وجوده غير مرحب به من البعض لكنه لم يهتم ابنة خالته وشقيقته التي وقفت بجانبه بأصعب أيام حياته لن يتخلى عنها!!!
.......
مر وقت طويل حتى خرج طبيبان من الغرفة لتتفاجأ همس عندما رأت فارس أمامها فرددت بصدمة وصوت خافت سمعه يزن:
- فارس!!
تنهد الطبيب الأخر قائلاً بجدية:
- أنا آسف عاللي هقوله بس حالتها ما تطمنش أبداً، اتعرضت لاعتداء عنيف جداً، كسر في إيدها اليمين وشرخ في الشمال وكدمات كتيرة جداً وآا... آا....
تدخل فارس قائلاً:
- العنف اللي اتعرضتله اتسبب في إجهاض الجنين!!
توسعت أعين الجميع بصدمة فرددوا جميعاً معاً:
- جنين!!!
أومأ فارس لهم قائلاً:
- ادعولها تعدي الأربعة وعشرين ساعة الجاية على خير هتتنقل دلوقتي للعناية المركزة.
بكت عليا بقوة قائلة بقهر وحزن:
- ربنا ينتقم منه، حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
جذبها رأفت إليه يشدد من احتضانها بصعوبة تمالك نفسه حتى لا ينهار حزناً على وحيدته.
تحدث الطبيب بجدية:
- لو سمحتوا من فضلكم بلاش صوت عالي عشان المرضى، أصلاً وجودكم ملوش لازمة تقدروا تيجوا بكرة الصبح.
نفت عليا برأسها قائلة بدموع:
- أنا مش همشي وأسيب بنتي.
تدخل سالم قائلاً بصرامة:
- عليا اسمعي الكلام هتروحي دلوقتي انتي والكل، الصبح تعالوا.
بصعوبة غادر الجميع واحداً تلو الآخر ليتبقى فقط سالم ورأفت بينما عمار أوصل لينا وخالته للمنزل ثم توجه حيث شقيقه وما أن رآه اقترب منه ثم باغته بلكمة قوية جعلته يرتد للخلف ولأول مرة يفعلها عمار ويرفع يده على شقيقه الذي ردد بصدمة:
- بترفع إيدك عليا يا عمار، على أخوك الكبير!!
أومأ له عمار قائلاً بغضب:
- أه أرفعها على أخويا، بس متقولش كبير لأن الكبير كبير بتصرفاته وانت بتصرفاتك بتصغر في عيني مرة عن التانية.
نزلت فريدة من غرفتها قائلة بفزع:
- انتوا بتضربوا بعض!!
تجاهل الاثنان الرد عليها وصرخ سفيان على عمار قائلاً بغضب:
- بترفع إيدك عليا علشان الخاينة دي عم......
صرخ عليه عمار قائلاً بغضب:
- فوق بقى بلاش غباء حكم عقلك، ميان مش خاينة الخاينة اللي انتي معيشها في بيتك ومشيلها اسمك، ميان انت متستاهلش ضفرها أصلاً.
صرخ عليه بغضب وهو يدفعه بصدره ليرتد الأخر للخلف من أثر الدفعة:
- متغلطش في مراتي يا عمار.
عمار بغضب:
- غبي وكلمة توديك وكلمة تجيبك فكرت تسألها الأول عن أي اتهام بتتهمها بيه، ميان اللي مش عجباك وخليتها مرمية في المستشفى بين الحياة والموت، عالجت أخوك مدمن المخدرات!!
شهقت فريدة بصدمة وكذلك سفيان ليتابع الأخر بغضب:
- مصدومين ليه، أيوه كنت مدمن مخدرات مكنتش مسافر زي ما قولتلكم.
ثم تابع بغضب وصراخ عالي:
- أنا كنت قاعد في بيت الظابط كارم لحد ما اتعالجت لينا اللي مش عجباك دي بتقولي متنفعش زوجة ليا فضلت معايا لحد ما خفيت ووقفت على رجلي حتى همس محدش فيهم سابني يمكن انت لو كنت مكانهم مكنتش عرفت تتصرف!!!
ثم تابع بتلك الجملة الصادمة:
- مراتك وكاميليا وزاهر بسببهم أخوك كان مدمن، مكنش بمزاجي ده كان غصب!!!
قالها ثم غادر بدون تفسير أي شيء ينظر لشقيقه بخيبة أمل واشمئزاز ضربت فريدة كفاً بأخر ثم صعدت لغرفتها مصدومة تضب أغراضها لتغادر حيث منزلها بينما هو غادر الفيلا بأكملها!!!
.......
ما أن دخل فارس من باب الفيلا اقترب منه كارم الذي كان ممدداً بجسده على الأريكة بالبهو:
- انت لحقت ترجع من السفر عشان تنزل الشغل!!
تنهد فارس قائلاً بتعب وهو يلقى بجسده على الأريكة الأخرى:
- كانت حالة ولادة متعسرة ومفيش دكاترة في المستشفى فكان لازم أروح.
ثم صمت ونظر للفراغ بشرود فسأله كارم:
- سرحان في إيه!!
تنهد فارس قائلاً:
- البنت اللي حضرت فرحها من كام ساعة.
- مين، ميان ولا التانية؟!
فارس بشفقة:
- ميان، جت المستشفى عندي وحالتها صعبة أوي.
قص عليه فارس ما حدث متجاهلاً ذكر حملها وإجهاضها للجنين ناهياً حديثه قائلاً بقرف:
- بس أيا كان تحليلي قرفان من الشخص اللي عمل فيها كده ازاي أصلاً في راجل يرفع إيده على ست مهما كان اللي عملته مينفعش راجل ده لو فرضنا إنه راجل يعني يتطاول على واحدة بإيده، لو تشوف حالتها تقطع القلب.
ردد كارم بشفقة:
- قتلها في ليلة المفروض تبدأ فيها حياة جديدة.
غيّر فارس مجرى الحديث قائلاً بابتسامة:
- انت مش ناوي تتجوز بقى وتدخل دنيا.
تنهد كارم قائلاً بحزن وألم:
- اللي عايزها واتمنتها من قلبي مش عايزاني، اختارت غيري.
ربط فارس على قدمه قائلاً:
- مفيش عالقلب سلطان، زي ما انت مش قادر تنساها ومش قادر تحب غيرها هي كمان أكيد زيك اختارت اللي بتحبه و.....
قاطعه كارم قائلاً بحزن وصوت مختنق:
- أنا عارف ده وعاذرها بس في نار في قلبي كل ما أتخيل إنها مش هتكون ليا وإنها بتحب غي.....
صمت ولم يقدر على إكمال جملته فأشفق عليه فارس قائلاً:
- محدش عارف بكرة في إيه يا بن عمي، لو كانت من نصيبك هتكون ليك مهما حصل، كل حاجة تيجي من ربنا خير متزعلش نفسك.
أومأ له كارم بصمت ثم تنهد قائلاً:
- سيبك مني انت مش ناوي.
ضحكت فارس بسخرية قائلاً:
- أنا جربت حظي مرة خلاص.
ضحك كارم قائلاً:
- عايز الصراحة أنجي تعقد أي حد من الجواز، أنا مش عارف يا أخي تفكيرك كان فين وانت بتتجوزها.
زفر فارس بضيق قائلاً:
- قولت اهي بنت خالي وهي أولى تكون مراتي بدل ما أروح أتجوز واحدة معرفتهاش وفي الأول والأخر بنت خالي عارفها وعارف طبعها اللي كان مجرد صورة مزيفة، في حاجات مش بتبان غير قدام.
ربط كارم على قدمه قائلاً بهدوء:
- ربنا يرزقك بالأحسن منها.
........
عاد من الخارج بعدما قضى طوال الليل يدور بسيارته بالشوارع يفكر بحديث شقيقه الذي اللقى بوجهه بضع كلمات ثم غادر دون أن يفسر له كم هو أحمق حتى وإن فسر هل كان ليصدقه.
عاد لمنزله بمنتصف الليل الظلام يعم المكان أخبرته الخادمة التي كانت بالمطبخ ترتشف المياه وخرجت عندما استمعت لصوت الباب يفتح:
- سفيان باشا،
الست فريدة سابت البيت و مشيت تنهد بحزن ثم صعد لأعلى حيث غرفته ليتوقف مكانه ما إن استمع لصوت زوجته بالداخل تصرخ غاضبة على أحدهم بالخارج فجأة جعل الصدمة حليفته و تسمّر بمكانه كأن دلو من المياه الباردة سُكب فوق رأسه بأكثر ليلة باردة.
«عمار قال لسفيان إن إحنا و أنت و كاميليا سبب إنه بقى مدمن، أنا خايفة يصدقه، سفيان أصلاً بقاله فترة بارد معايا خايفة يكون اتأثر بكلامهم و بطل يصدقني، ميان لازم تموت».
صمتت لوقت ثم عادت تصرخ غاضبة:
«المفروض كنت أغرز السكينة في قلبك أكتر من مرة عشان أتأكد إنك موت و خلصت منك، كان زمانها مرمية لي السجن لحد ما تعفن فيه، أنت بتحب فيها إيه أنت و هو».
عادت لتصمت ثم صرخت مرة أخرى بغضب:
«بطل تهددني، أنت شكلك نسيت أنا مين و عملت إيه، أنا طلعت و لا نزلت رقاصة و ربنا ما يوريك قلبت الرقاصات يا زاهر كاميليا اه نضفتني و خلتني بنت ناس عشان أوقع ابنها بس أنا لسه زي ما أنا و الطبع غلاب يعني يوم ما تفكر تأذيني أهد الدنيا فوق دماغك، حتى كاميليا لو فاكر إنك تقدر تغدر بيها تبقى غلطان كاميليا دماغها سم أكتر مني و منك اللي تعمل في ولادها كده و تقتل مش هتسمي عليك و تعمل الأو..... من كده».
زفرت بصوت مسموع ثم أغلقت الهاتف بوجهه فتحت باب الغرفة لتخرج منها سرعان ما صدمت بسفيان الذي كانت تعابير وجهه لا تبشر بخير أبداً كانت مزيج من الصدمة و الشراسة.
أخذ يقترب منها و هي تعود للخلف برعب قائلة:
«سفيان أنت هنا من إمتى».
ما إن أصبح داخل الغرفة صفعها بقوة حتى سقطت أرضاً من قوة الصفعة ثم جذبها من خصلات شعرها قائلاً بغضب و صدمة:
«ليه، ليه تعملي كده اتجوزتك فضلتك عليها دافعت عنك قدام الكل خليتك هانم عليهم، كل اللي كنت بتطلبيه أوامر بتتنفذ في الأخر الغدر ما يجيش غير منك أنتي!!!».
صرخت بألم عندما صفعها بقسوة مرة أخرى يليها العديد من الصفعات بركان و انفجر ركلات صفعات لكمات يسبها بأبشع الألفاظ ثم جذبها من خصلات شعرها قائلاً بغضب:
«اسمعي يا بن..... هتقولي كل اللي تعرفيه و الو..... اللي عملتيها كلها عرفتي كاميليا منين و إيه علاقتك باللي اسمه زاهر و إلا قسماً عظماً لاكمل عليكي لحد ما تموتي و تغوري في داهية».
أومأت له سريعاً ثم بدأت تقص عليه كل شيء من البداية حتى اليوم بصعوبة و ما إن انتهت بكت بقوة قائلة برعب و هي تقبل يده:
«أبوس إيدك سامحني أنا عملت كده عشان أضمن إنك ليا أنا حبيتك بجد يا سفيان».
صفعها بقوة قائلاً بغضب و قرف:
«أنتي متعرفيش تحبي، اللي زيك ميعرفش يحب أنتي كلبة فلوس و بس أقسم بالله نهايتك أنتي و هما على أيدي!!».
ثم جذبها من خصلات شعرها للخارج و الأخرى تصرخ تستنجد بأحد ليخلصها من بين يديه كان الخادمات يراقبون ما يحدث بعدما انتفضوا من نومهم مفزوعين من صوت صراخهم العالي بصدمة لم يفعلها رب عملهم من قبل مع زوجته!!
صرخ سفيان على كبير الحراس بالخارج و ما إن أتى له دفعها إليه قائلاً بغضب:
«تاخذها تخفيها في أي داهية لحد ما أفضاله».
ثم صرخ عليها بقرف و هو يركلها بمعدتها بعدما سقطت أرضاً أسفل قدم الحارس:
«أنتي طالق بالتلاتة!!!!».
.........
تائه يمشي بالطريق بلا هوادة يشعر بأن الدماء سحبت من عروقه يمشي و لا يعلم وجهته إلى أين كان يرى نفسه مظلوم و الجميع يرونه ظالم كذب الجميع و صدق ذاته فقط ظلمها و خسرها بسبب تلك الشياطين على هيئة بشر و لكن الحقيقة لم يخسرها بسببهم بل بسببه هو بسبب سذاجته و غضبه الذي أعماها عن كل تلك الحقائق.
عن زوجة خائنة فضلها على الجميع و طعنته بظهره أحبها و غدرت به، و عدو دبر له تلك المكيدة التي جعلته بخسرها و يخسر قلباً أحبه و عشقه بصدق.
كلماتها تتردد بأذنه حتى الآن:
«هتندم و الندم وحش أوي يا سفيان بلاش تجربه».
كان من غبائه يسخر منها و لكن هي محقة الندم أبشع شعور يشعر به الإنسان عندما تقف تنظر لعقارب الساعة تتمنى إن يعود الزمن للوراء قليلاً لكن ذلك مستحيل لكن حذره الجميع و ليته استمع، ألم و جع كبير بقلبه بدرجة لا يتحملها بشر أكثر اثنان من المفترض إنه يكونا سنداً له طعنوه بظهره، الأولى والدته التي لطالما كرهته بدون سبب منذ صغره و الثانية زوجته التي باعته من أجل المال.
خانته مع عدوه يقسم إنها لو كانت طلبت منه لأعطاها الضعف.
بداومه كبيرة ما الذي حدث غير ذلك ما الذي لا يعلمه بماذا خدعوه أيضاً.
قادته قدمه لذلك المكان الذي يعلمه بل يحفظه على ظهر قلب ذلك المكان الذي قبلها به أول مرة، ذلك المكان الذي شهد على انهيارها الكامل أمامه، ذلك المكان الذي سخر منها و من عشقها!!
ضحك بسخرية مريرة عند تلك النقطة دائمًا ما كان يسخر من عشقها و لم يكتفي بذلك بل فعل الأسوأ بكثير!!
نظر للبحر و صرخ بعلو صوته موجوعاً:
«آآآآآآآآهآه مليئه بالوجع آه».
تعبر عن ما يشعر به قلبه المتألم.
قلبه الذي لو كان يتكلم لكان صرخ بعلو صوته هي أيضًا تألمت هي شعرت بما تشعر به الآن و أسوأ و لكنك لم ترحمها أبداً بل دهستها... دمرتها جعلت منها حطام أنثى أحبت و خُذلت 💔.
.........
باليوم التالي مر يزن على همس حتى يوصلها للمستشفى حيث ميان و بالطريق سألها بفضول:
«مين فارس!!».
رددت الاسم بتعجب من سؤاله فسألها مرة أخرى:
«إمبارح قولتي اسمه لما شوفتيه تعرفيه منين».
رددت ببساطة:
«ابن عم كارم!!!».
سألها بضيق فشل في إخفائه:
«كارم ده الظابط اللي كان موجود ساعة خطفك صح».
أومأت له ببساطة فزفر بضيق قائلاً بأمر:
«علاقتك تتقطع بيهم هما الاتنين».
شبكت يدها أمام صدرها قائلة بسخرية:
«في أوامر تانية تحب تضيفها».
ردد بحدة و ضيق:
«همس أنا مش بهزر».
همس بحدية:
«أسبابك إيه!!».
ردد بصرامة:
«من غير أسباب أنا خطيبك و لازم تسمعي كلامي».
رددت هي الأخرى بحدة:
«أسمع كلامك لو مقتنعة بيه».
رد عليها بغضب:
«أولاً مفيش صداقة بين ولد و بنت ثانياً حتى لو مجرد زمالة و معرفة سطحية تخلي بينك و بينه حدود، خاصة إنه واضح أوي من نظراته ليكي إن فيه مشاعر تجاهك».
أومأت له قائلة بهدوء:
«أنا عارفة حدودي كويس، أنا و كارم متربين سوا نعرف بعض من و أنا عندي سبع سنين، مش هقطع علاقتي بيه لمجرد إنك عاوز كده، ببساطة كارم أخويا اللي أمي مخلفتهوش وقف جنبي في حاجات كتيرة جداً و بثق فيه مش هينفع أنسى كل ده و أقطع علاقتي بيه عشان حضرتك عاوز كده و خلاص و أنسى كل اللي هو عمله معايا».
ثم تابعت بصرامة:
«أبويا لو كان شاف أي حاجة غلط كان قالي الكلام ده قبلك على فكرة».
يزن بحدة:
«أنا مليش دعوة بأبوكي كل واحد حر أنا مش هقبل إن مراتي تكون على علاقة بواحد حتى لو كانت العلاقة بينهم مجرد أخوة».
همس بغضب:
«بتقول اللي أنت مش هتقبله و عايزني أنفذه تمام أنا كمان مش هقبل إن جوزي يكون بيفكر في واحدة تانية غيري حتى لو كانت ميتة الفرق بيني و بينك إني شيفه أخ لكن أنت......».
صرخ عليها بغضب:
«اسكتي!!!».
نفت برأسها قائلة بحدة:
«لأ مش هسكت».
صرخ عليها بغضب:
«والله أنتي قبلتي بالوضع ده من الأول».
أومأت له قائلة بحدة:
«وقف العربية».
لم يستمع لها و أكمل قيادته فصرخت عليه بغضب:
«بقولك وقف الزفتة دي».
صف سيارته جانباً فقام بإزالة خاتم الخطبة تضعها بيده قائلة بغضب:
«قبلت من الأول و غلطت و بصلح غلطي الخطوبة اللي بينا ملغية شبكتك هتوصلك لحد عندك».
ثم غادرت السيارة صافعة الباب خلفها بغضب ثم استقلت سيارة أجرة نحو المستشفى حيث ميان.
.........
قادتها قدمه إليها لم يجد أحد أمام باب الغرفة التي علم بمكانها مسبقاً من الاستقبال بالأسفل استند بيده على زجاجها الشفاف ينظر لحالتها بفزع و صدمة ماذا فعل، كيف كان غبياً لتلك الدرجة دمرها و هي التي فعلت الكثير لأجله.
نزلت دموعه تنساب على وجنتيه بغزارة هي لا تستحق ما حدث، كيف سينظر لعيناها بعد الآن!!
كيف سيطلب منها المغفرة على كل ما اقترفه بحقها و ظلمه لها!!
جاء صوت غاضب من خلفه:
«أنت بتعمل إيه هنا!!!».
التفت للخلف ليجد أنها همس و خلفها الجميع فقد كانوا مع عليا التي فقدت وعيها من كثرة البكاء على ابنتها و تم نقلها لغرفة أخرى.
مسح سفيان دموعه التي سرعان ما تنساب مرة أخرى و تتجدد و لحسن حظه إن سالم و رأفت مع عليا بالغرفة التي بآخر الممر.
سأله عمار بضيق:
«جاي تعمل إيه يا سفيان».
همس بغضب:
«جاي يشمت طبعاً أنت حيوان والله الحيوان عنده قلب عندك، لو فاكر إنك باللي عملته فيها راجل أحب أقولك إنه أبعد ما يكون عن الرجولة، أنت مش راجل أصلاً اللي يستقوى على ست لا راجل و لا عمره كان راجل من أساسه».
عمار بضيق:
«همس كفاية».
همس بغضب:
«لأ مش كفاية، ده القتل قليل عليه شوف حالتها و شوف عمل فيها إيه بعد كل اللي عملته و ضحت بيه علشانهم ردوا الجيميل بإيه».
كانت دموع سفيان تنساب و يستمع لكل ما يقال بصمت يستحق ما يقال و أكثر من ذلك جاء رأفت من خلفهم مسرعاً بعدما رآه من بعيد ثم باغته بلكمة قوية مشحونة بغضبه و غله تجاهه اقترب كارم على الفور يفصل بينهما قبل إن يعود رأفت و يلكمه من جديد:
«أستاذ رأفت إحنا في مستشفى ميصحش كده».
رفع رأفت إصبعه بوجهه قائلاً بغضب:
«تغور في ستين داهية من هنا، لو شوفتك جنب بنتي قسماً بالله لأقتلك و أشرب من دمك، الحساب بينا مخلّصش أول ما بنتي تخرج من هنا أبواب جهنم هتتفتح عليك يا بن كاميليا».
دفع عمار شقيقه قائلاً بضيق:
«امشي يا سفيان من هنا دلوقتي».
لكن قبل إن يتحرك اقترب أحد الضباط منهم قائلاً بجدية:
«إحنا هنا بخصوص ميان القاضي، جالنا بلاغ إنها اتعرضت لاعتداء و.....».
تدخل عمار قائلاً بجدية:
«مظبوط حضرتك هي دلوقتي في العناية و حالتها ما تسمحش إنها تتكلم!!!».
رأفت بغضب:
«اللي عمل في بنتي كده، قدامك يا حضرة الظابط، سفيان العزايزي!!!!!!!».
رواية بعينك اسير الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شهد الشوري
بعد مرور عدة أيام، كان يجلس بداخل الحبس، حيث تم إلقاء القبض عليه بعدما شهد الجميع عليه أنه الفاعل، وباعترافه أيضًا.
أخذ يعيد حساباته من جديد، كم كان مغفلاً أحمق عندما سمح لهم بالتلاعب به هكذا. دمروا حياته، أو بالأصح هو من سمح لهم بذلك. حقًا، لا يعرف بأي عين سيطلب منها السماح على ما اقترفه بحقها.
بينما على الناحية الأخرى، فتحت عيناها ببطء، سرعان ما عادت وأغلقتها من شدة الضوء. بدأت تفتحها مرة أخرى رويدًا رويدًا حتى اعتادت على الضوء.
تشعر بألم بشع يجتاح كل خلية بجسدها. حاولت رفع يدها، لكنها لم تقدر بسبب الجبيرة الملتفة حولها. حتى يدها الأخرى نفس الشيء. نظرت لقدمها لتجدها على نفس الحالة، ملتفة بجبيرة.
الذكريات عصفت بعقلها تلك الليلة التي مهما عاشت لن تنساها. لقد تعرضت لكافة أنواع الذل والظلم والقسوة. نزلت دمعة من عيناها، يليها المزيد حتى تبللت الوسادة أسفلها.
تعالت شهقاتها، كانت تبكي وتنتحب بقوة لدرجة أنها لم تشعر بالطبيب فارس. ما إن دخل للغرفة، اكتفى بالصمت ولم يعرف ما يقول، كيف يخفف عنها، كيف يواسيها؟ لا توجد كلمات تخفف من وجع فتاة تعرضت لذلك الكم من العنف والقسوة، فبليلة من المفترض أن تكون بداية جديدة لها.
كم يشفق عليها ويحتقر ذلك الشبيه بالرجل الذي فعل بها ذلك. لقد جعل منها حطامًا.
حمحم، منظفًا حلقه، ثم ردد بابتسامة لطيفة:
"صباح الخير."
انتفضت بمكانها ونظرت له، ليتابع هو بمرح لعله يخفف عنها:
"أما انتوا البنات خميرة عكننة، تموتوا في النكد. ينفع كده واحدة تصحي من النوم بعد أيام طويلة أول حاجة تعملها تعيط؟"
لم تهتم بما قال وسألته بتعجب:
"مش انت.... اتقابلنا عند كارم صح؟"
أومأ لها قائلاً بابتسامة:
"مظبوط، أنا هو فارس. اتقابلنا عند كارم، وحضرت فرحك، وأنا اللي بعالجك كمان!"
صمتت ونظرت للفراغ بشرود، ولازالت دموعها تنساب على وجنتيها. سحب مقعدًا ثم جلس بجانبها قائلاً بابتسامة صغيرة:
"اسمحيلي أتدخل وأخد من وقتك خمس دقايق. هقول كلمتين، لو ضايقوكي كأنك مسمعتيش حاجة."
أومأت له برأسها بصمت، ليتابع هو:
"بلاش الضعف اللي انت فيه ده، بلاش تستسلمي كده. لو مش عشانك، يبقى عشان الناس اللي واقفين ورا الباب ده. لو تعرفي كام واحد واقف بره مستني بس يطمن عليكي وإنك تقومي بالسلامة."
تنهد ثم تابع حديثه بشفقة عليها:
"أنا معرفش إيه الحكاية وإيه اللي حصلك، ومش عايز أعرف. أنا بس عايز أقولك إن مش ده اللي تزعلي عليه، ولا حتى تزعلي منه. اللي تهوني عليه يوصلك للحالة دي، اعرفي إنك هتهوني عليه طول عمرك. كفاية إنه قتل أب..."
صمت ولم يكمل جملته. ولم تكن هي غبية حتى لا تفهم. وضعت يدها على رحمها تتلمس مكان موضع الجنين، ودموعها تنساب بصمت وحزن قائلة:
"خسرته... مش كدا."
أومأ لها بصمت وشفقة. انتظر لحظات ثم استأنف حديثه قائلاً:
"اللي حصل صعب، بس شوفي الجانب الإيجابي من اللي حصل. انتي عرفتي اللي قدامك، واحمدي ربنا إن الموضوع خلص على كده. مش أحسن ما كان ابنك يتولد يلقى أب زي ده ليه؟ وانتِ بدل ما تخلصي منه، تلاقي اللي يربطك بيه العمر كله."
خرج محرمة ورقية من جيب بنطاله، بينما هي تردد بداخلها بغضب كبير وشر:
"أبدًا مخلصتش على كده!"
مد يده بها ناحيتها، فأشارت بعيناها نحو يدها المجبرة، ليردد هو بحرج:
"آسف، نسيت. تسمحيلي؟"
قال الأخيرة وهو يمد يده تجاه وجنتها مجففًا دموعها. التقت عيناه بعينيها للحظات، سرعان ما ابتعد بحرج قائلاً:
"أنا كنت جاي أطمن عليكي، وبصراحة مقدرتش أمنع نفسي إني أقولك الكلام ده. لأن لما دخلت وشوفت حالتك، شوفت في عينك واحدة مستسلمة للي حصل وكأنه نهاية العالم. مع إن العكس، ساعات كتير بنكون فاكرين إننا خلاص وصلنا لنهاية الطريق وإن دي النهاية، بس الحقيقة إن كل نهاية بداية حياة جديدة. وبدايتها في إيدك، يأما تختاري تكملي في اللي فات، أو تختاري تبدأي من جديد وكأن الماضي ده معداش عليكي من الأساس."
منحها ابتسامة صغيرة ثم وقف قائلاً:
"حياتك في إيدك، وانتِ اللي بتختاري انتي عاوزة تكملي في إيه وتعيشي إزاي. وأخيرًا، آسف لو كلامي ضايقك، وآسف لو أزعجتك ع الصبح كده. بإذن الله تقومي بالسلامة."
ثم تابع بمرح وهو يتوجه ناحية الباب:
"هطلع أطمن عليك الجيش اللي بره، وشوية وشوية كلهم يدخلوا يطمنوا عليكي."
ما إن وضع يده على مقبض الباب، أوقفته قائلة:
"يا دكتور."
التفت إليها، فمنحته ابتسامة صغيرة باهتة قائلة:
"شكرًا على كلامك."
ابتسم ثم غادر الغرفة.
مر وقت قصير، وكان الجميع بغرفتها، وأولهم عليا التي ركضت نحو ابنتها تقبل كل إنش بوجهها بحب والدموع تنساب من عينيها وهي تردد:
"ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، الحمد لله إنك قومتي بالسلامة وبقيتي بخير."
ثم تابعت بقهر ودعاء:
"منهم لله اللي كانوا السبب، ربنا ينتقم منهم."
ابتلع عمار غصة مريرة بحلقه، يقف في المنتصف لا يعلم بأي عين سيدافع ويقف بجانب شقيقه. ابتلع بضيق دعاء عليا على شقيقه وعلى جدته. لأول مرة بحياته يشعر بالخزي لكونهما عائلته.
زجر رأفت عليا بعينيه قائلاً بعتاب:
"عليا، إحنا قولنا إيه؟"
انتحبت أكثر قائلة بدموع وقهر:
"عايزني أشوف بنتي كده ومدعيش على اللي كان السبب في حالتها دي؟ غصب عني يا رأفت."
تنهد رأفت بحزن ثم دنا من ابنته مقبلاً جبينها بحب قائلاً بصوت مختنق بالدموع:
"ألف سلامة عليكي يا قلب أبوكي."
اقترب سالم هو الآخر مقبلاً جبينها قائلاً بحنان:
"سلامتك يا غالية."
استقبلت كلمات الجميع بابتسامة صغيرة ممتنة لوجودهم، لتتفاجأ بحضور كارم، حتى والدة لينا المريضة قدمت لأجلها، وكذلك قصي وسيلين. كم هي ممتنة لتلك المواقف الصعبة التي تبين للإنسان معادن الناس الحقيقية.
ردد سالم بقوة:
"حقك هيرجع لغاية عندك يا بنتي، دلوقتي هو مرمي في الحبس، ولسه لما تقولي شهادتك واللي عمله فيكي ده غير اللي لسه هيحصله."
رددت ميان بصدمة:
"سفيان في الحبس؟!"
أومأ لها رأفت قائلاً:
"أيوه، تاني يوم على طول من دخولك المستشفى وهو في الحبس. الظابط على وصول عشان ياخد أقوالك."
صمتت ميان، وبالفعل مر وقت قصير جدًا وحضر الضابط، وبعد أن أخذ أقوالها غادر. لتمر لحظات وكان رأفت يندفع لغرفة ابنته قائلاً بغضب:
"انتي جنسك إيه؟ بعد كل اللي عمله فيكي برضه طلعتيه من الحبس واتنازلتي عن حقك؟ عندك كرامة ودم زي البشر، ولا إيه بالظبط اللي بيجري في عروقك ده؟ إيه؟"
ألمتها كلمات والدها وأدمت قلبها، خاصة أنه نطق بها أمام الجميع الذين دخلوا خلفه ليهدؤه. نفت برأسها قائلة بغموض ونظرات عتاب له:
"طلعته من الحبس آه، لكن اتنازلت عن حقي؟ مش هيحصل يا بابا!"
باليوم التالي، خرج سفيان من القسم متوجهًا حيث تلك المرأة، ليكون أول لقاء بينه وبينها بعد سنوات طوال. أسئلة لا إجابة لها سوى عندها.
"سفيان!"
قالتها كاميليا بصدمة ما إن فتحت باب غرفتها بالفندق الذي تقيم فيه حاليًا بعد أن طردتها عليا. رأت سفيان أمامها.
أفسحت له المجال ليدخل، وما إن أغلقت الباب، اقتربت منه كادت أن تحاوط وجهه بيدها قائلة بحنان زائف:
"ابني حبيبي."
لكنه تراجع للخلف، غير سامحًا لها بلمسه، مرددًا بسخرية مريرة وعدم تصديق:
"ابنك؟ بجد أنا ابنك؟ طب انتي متأكدة إنك شيلتيني في بطنك تسع شهور؟ متأكدة إنك أمي وأنا ابنك؟"
صمتت ولم تجب، فقط ستأخذ دور للمستمع حتى تعرف ما سبب زيارته ولماذا يقول هذا الحديث، وخاصة الآن بالتحديد. فتابع هو بعدم تصديق:
"لو انتي أمي فعلاً، جالك قلب إزاي تعلمي في ولادك كده؟ دمرتي حياتي وحياة عمار عشان إيه؟"
ثم صرخ عليها بغضب وقهر:
"عشان الفلوس يا شيخة! ملعون أبو الفلوس اللي تخلي أم تعمل في ولادها كده. ذنبه إيه عمار عشان تدمريه وهو لسه في بداية حياته؟ أنا ذنبي إيه تخدعيني كل السنين دي؟ ميان ذنبها إيه يحصلها كده؟ بعدتيني سنين عن الوحيدة اللي حبيتها من قلبي ليه؟"
ثم أشار بيده نحو قلبها قائلاً بغضب:
"هنا مستحيل يكون فيه قلب زي البشر. هنا في حجر فيه سواد بس."
رددت كاميليا بقهر ينهش قلبها منذ زمن:
"هنا فيه قلب بيحس وبيتوجع وبيحب، بس هما استكتروا عليه كده."
"هما مين؟"
رددت بسخرية مريرة:
"كلهم. انت ملكش ذنب ولا عمار ليه ذنب ولا حتى ميان ولا أبوك كان ليه ذنب. الذنب ذنب عمك و كوثر وفريدة. الذنب ذنب أبويا وذنب عليا ورأفت، كلهم السبب!"
سألها بغضب:
"طالما ملناش ذنب ليه كده؟ محدش فيهم اتسبب ليكي في أذى عشان تقولي عليهم كده؟ الذنب ذنبك انتي وبس."
سألته بغضب وغل:
"تعرف منين أذوني ولا لأ؟ اللي بتدافع عنهم دول أخدوا مني أجمل سنين عمري وعشت حياتي كلها في وجع بسببهم."
صرخ عليها بغضب واشمئزاز:
"مفيش أم تأذي ولادها وتعمل فيهم كده. مهما كانت أسبابك مش هقبلها، ولا عمري هقبلها. اللي زيك متستاهلش تكون أم ولا زوجة ولا أخت. اللي زيك متستاهلش تكون بني آدمة أصلًا."
ابتسمت قائلة بتهكم:
"ماتشوفش نفسك أوي عليا، كلكم وحشين وأسود من جوه، بس الفرق إني كنت صريحة. حتى انت نسخة مني، تصرفاتك كلها كأني أنا بالظبط اللي أنا عملته في شريف، انت عملته مع ميان. وخالتك أنا وانت نسخة من بعض، بس أنا على أسوأ شوية."
ثم تابعت بسخرية:
"عمار هو اللي شبه أبوك في كل حاجة، مخدش حاجة مني زيك. ويمكن ده من رحمة ربنا بيه."
نظر لها بغضب كبير، لتفاجئه بذلك.
"السؤال: نرمين فين يا سفيان؟"
رد عليها بغضب:
"في المكان اللي تستحقه. ولولا إنك للأسف أمي، كان زمانك معاها ومكنتش هرحمك."
رفع إصبعه بوجهها قائلاً بغضب وتحذير:
"مش عايز أشوفك ولا ألمحك، ابعدي عن حياتي. قسماً بالله المرة الجاية ما هرحمك وجربي كده وشوفي اللي هيحصلك."
قال ما قال ثم غادر، صافعًا الباب خلفه بقوة، تاركًا إياها في تساؤلاتها وخوفها من القادم.
بالـمستشفى، فتحت عيناها ببطء عندما شعرت بيد تتلمس خصلات شعرها بحنان، وكذلك وجهها. لتحتد نظراتها ما رأت الفاعل "زاهر"، فصرخت عليه بغضب:
"انت بتعمل إيه هنا؟ اطلع بره!"
اقترب منها قائلاً بصوت خفيض:
"حبيبتي، وطي صوتك. متخافيش مني. أنا بس كنت جاي أطمن عليكي. وحياتك عندي، حقك هيرجع. هخليه يتمنى الموت ع اللي عمله فيكي."
ثم تابع بعتاب:
"شوفتي اختيارك الغلط وصلك لفين، وهو عمل فيكي إيه؟ الغبي، لو أنا مكانه عمري ما كنت هعمل فيكي كده أبدًا. أنا بحبك وهو لأ."
صرخت عليه بغضب:
"تولع انت وهو في ساعة واحدة، غور بره، اطلعوا من حياتي بقى!"
رددت بضيق:
"أنا مش هرد على كلامك ده عشان عارف إنك متضايقة من اللي حصل. بس ليه تكرهيني؟ أنا عمري ما أذيتك، بالعكس أنا أكتر واحد بيحبك في الدنيا دي كلها. ادي لنفسك فرصة بس تعرفيني، وأنا متأكد إنك هتحبيني زي ما بحبك بالظبط."
قال الأخيرة بصوت حزين متوسل، فصرخت عليه بغضب:
"اللي زيكم ميعرفوش الحب. واحد بحقارتك دي وقلبك الأسود وعمايلك، عمر ما يكون في قلبه ذرة حب، لأن الكره والحب ميجتمعوش مع بعض."
صرخ عليها بغضب:
"أنا وحش وزبالة، بس تعرفي إيه عني أصلًا؟ تعرفي عشت إيه ولا شوفت إيه؟ دخلتي جوه قلبي عشان تحكمي عليه إنه مش بيحب ولا يعرف الحب؟ أنا حبيتك ودي حقيقة لازم تتقبليها، ويكون كويس لو تتقبليها بسرعة، لأن من هنا وطالع هكون جزء من حياتك، مش هتغيبي عن عيني لحظة، وقريب أوي هتكوني ليا يا ميان."
صرخت عليه بغضب:
"اطلع بره، ومش عايزة أشوف وشك تاني. ده أنا أموت ولا أكون لواحد زيك."
كاد أن يرد، لكن باب الغرفة فتح ودخل منه فارس، الذي كان يمر من أمام باب الغرفة وسمع لصوت صراخهم العالي.
قطب جبينه قائلاً بجدية لميان:
"في حاجة؟"
تدخل زاهر قائلاً بحدة:
"انت مالك؟ روح شوف شغلك وغور من هنا."
رفع فارس حاجبه ثم دخل للغرفة ليقف أمامه قائلاً بتحدي:
"لو ما شوفتش شغلي وغورت من هنا، إيه اللي هيحصل يعني؟"
ردد زاهر بغضب:
"هيكون آخر يوم ليك في المخروبة دي. انت مش عارف أنا مين؟ بتلفون واحد مني أرميك بره."
فارس بتهكم:
"لو تعرف اعملها بس. يا ترى فيه واحد بيتطرد من حاجة ملكه؟!"
ثم ردد بتحدي:
"فارس الحسيني، صاحب المستشفى!"
ردد زاهر بغضب:
"حصلنا الرعب."
ابتسم فارس بزاوية شفيته وتجاهل الرد عليه، ثم نظر لميان قائلاً بهدوء:
"الأخ مضايقك في حاجة؟"
رددت بضيق:
"خرجه بره لو سمحت."
وأومأ لها بصمت، ثم أشار بيده للباب لزاهر حتى يخرج، لكن الأخير بقى بمكانه ينظر له بتحدي. فردد فارس بهدوء:
"طول عمري بكره العنف ومش بحب الأسلوب ده، بس شكلي هستخدمه معاك. قدامك حلين مفيش تالت: يا تخرج بالذوق، يا تخرج وكرامتك ممسوحة بالأرض و بقضية كمان."
نظر زاهر لميان بعتاب، ولذلك المستفز بغضب كبير، فقد فهم مغزى كلمات الآخر وما سيفعله إن رفض الرحيل. فغادر مرغمًا، لكن قبل ذلك ردد بغضب وتوعد كبير:
"حسابي معاك بعدين وهتشوف!"
ردد فارس بسخرية وتحدي:
"لأ، ما هو أنا ما بشوفش الزبالة. بتقرف!"
ابتسمت ميان بخفوت، فغادر زاهر بغضب صافعًا الباب خلفه بقوة. ليردد الأخير بضيق:
"المفروض تجيب معطر ع حسابك يضيع ريحة الزبالة دي. ده لو راحت كمان."
استمع زاهر لما قال، ازداد غضبه أكثر، بينما ميان ضحكت بقوة. التفت فارس لها مبتسمًا بخفوت، ثم ردد بعد لحظات صمت من تأمله لها:
"تاني مرة لو حد ضايقك، اضغطي هنا. الممرضة هتكون عندك على طول."
تنهدت قائلة بسخرية:
"يا ريت مرة بس حضرتك تاخد بالك إن أيدي الاتنين خارج نطاق الخدمة."
ضحك بخفوت، ثم استأذن منها وغادر لعمله، بينما هي نظرت للفراغ بشرود تفكر في القادم وكيف ستجعلهم يدفعون ثمن ما حدث لها.
بعد وقت بالمستشفى، خارج الغرفة، كانت همس تجلس بجانب لينا التي تنظر للفراغ شاردة. سألتها همس:
"مالك؟ حاسة إنك متغيرة بقالك يومين وبتتعاملي مع عمار بطريقة غريبة وبتتهربي منه. هو عملك حاجة؟ انتوا متخانقين سوا؟"
نفت لينا برأسها، لتسألها همس:
"أومال إيه مالك؟"
تنهدت لينا قائلة بحزن:
"أنا خايفة أوي يا همس. أنا بحب عمار، بس بعد اللي حصل من سفيان وجدته، بقيت أخاف منه. خايفة يكون زيهم، وخايفة يوجعني ويحصل فيا اللي حصل في ميان."
ردت عليها همس بجدية:
"أسئلة زي دي عمرها ما هتخطر في بالك لو انتي بتحبي عمار وواثقة فيه."
لينا بحزن وصوت مختنق بالدموع:
"بحبه وبثق فيه، بس خايفة وده غصب عني. أي واحدة مكاني هتخاف."
ردت عليها همس برفق:
"أي واحدة مكانك هتحمد ربنا إنها لقت حد زي عمار بيحبها. وافتكري دايما إنه عشان يحميكي حتى من نفسه سابك، كان عايز الأفضل ليكي. تفتكري واحد زيه ممكن حتى يفكر يأذيكي؟"
نظرت لينا للأسفل، فربتت همس على كتفها قائلة:
"طلعي الأفكار دي من دماغك. صوابعك مش زي بعضها يا لينا، والله انتي وعمار تستاهلوا بعض. شبه بعض في كل حاجة."
أومأت لها لينا قائلة بصدمة عندما وقعت عيناها على يد همس:
"انتي مش لابسة دبلتك ليه؟"
همس بغضب:
"رميتها في وشه."
لينا بتساؤل:
"ليه؟ حصل إيه بس؟"
قضت عليها همس ما حدث، فعاتبتها لينا:
"حذرتك أنا وميان من الأول، بس مسمعتيش مننا. دي إشارة ليكي يا همس عشان متاخديش الخطوة دي، والحمد لله إنكم لسه ع البر وإنها مجرد خطوبة."
أومأت لها همس بصمت، فضحكت لينا بخفوت قائلة:
"عارفة الإنسان ده غريب أوي، دايما بيجري ورا الحاجة اللي بتتعب قلبه، رغم إن راحته وسعادته قدام عينيه."
"ليه بتقولي كده؟"
تنهدت لينا قائلة:
"انتي كارم رهن إشارة منك ومع ذلك مش حاسة بيه وعايزة واحد غيره، وميان نفس الشيء. أياد فضل يجري وراها ومع ذلك مكنتش شايفة حد غير سفيان. دايما الإنسان بيجري ورا اللي تاعبه، مع إن راحته بتبقى قدامه بس مش بيبقى شايف كده."
أومأت همس برأسها قائلة بسخرية:
"عندك حق."
صعد لغرفته ليبدل ثيابه التي بقت عليه لأيام طويلة. بعد كل ما فعله بها، تثبت له أنها الأفضل. لقد تنازلت عن المحضر حتى يخرج من السجن.
ما إن دخل لغرفة الملابس، التقط بيده ذلك الدفتر الملقي أسفل الخزانة ويظهر جزء منه. ذلك الدفتر يعرفه، لقد أهداه لها بآخر عيد ميلاد حضره معها. جلس على المقعد يفتح أول صفحاته ليتفاجأ بصورة تجمعه بها أمام كعكة عيد ميلادها، تبتسم بسعادة، كذلك هو.
بكى بقوة والندم ينهش قلبه مع كل كلمة يقرؤها بمذكراتها التي تكتب بها كم تحبه وتلومه على قسوته. عندما توصل لتلك الصفحة المدون أعلاها ذلك التاريخ، أنه يوم زواجه بنرمين. الورقة مجعدة، يبدو أنه ابتلت ثم جفت. توقع أنها دموعها، خاصة مع كلماتها التي آلمت قلبه.
مسح دموعه بظهر يده، لكنها تعود وتنساب من جديد بقهر. يتمنى حق أن يعود الزمان للوراء، يتمنى لو لم يكبر أبدًا، ليتهما ظلا كما هما بالسابق. بكى بقوة صارخًا بعلو صوته: "آآآه". مرددًا بداخله: "ليتنا لم نكبر يومًا". 💔
"خير."
قالتها همس بحدة ما إن فتحت باب المنزل لتجد يزن أمامه.
ردد بجدية:
"البسي وتعالي، عايز أتكلم معاكي."
ردت عليه بحدة:
"مش فاضية، ومليش كلام بينا يتقال يا دكتور. غير عن الدراسة، وإحنا في إجازة دلوقتي."
زفر بضيق قائلاً بغضب:
"همس، ردي عدل واتكلمي معايا بأسلوب كويس. أنا جاي لحد عندك بطلب منك بذوق، عايز أتكلم معاكي."
همس بحدة:
"وأنا رديت وقلت مش فاضية."
زفر بضيق قائلاً بنفاذ صبر:
"همس!"
صرخت عليه بغضب:
"جاي ليه عشان تعايرني بوضع أنا قبلته بعد ما انت طلبت مني فرصة وأنا عطيتهالك، وآخرتها تعايرني بيها؟ ليه؟ ده انت اللي طلبتها، ولا كنت أنا اللي جريت وراك وقلتلك تعالي اطلب إيدي واخطبني؟"
ظهرت بتلك اللحظة كارم من خلفه قائلاً بحدة:
"في حاجة يا همس؟ صوتك عالي ليه؟"
جاء أيضًا والدها ووالدتها من خلفها ليردد عاصم بتساؤل:
"صوتك عالي ليه يا همس؟ انتوا بتتخانقوا؟"
يزن بضيق:
"مفيش يا عمي، سوء تفاهم. بعد إذنك ممكن أتكلم مع همس شوية لوحدي؟"
كادت أن تعترض، لكن أومأ له عاصم قائلاً لزوجته:
"هبة، خذيهم الصالون."
ثم تابع حديثه قائلاً لكارم الذي ينظر ليزن بغضب وخوف كبير بداخله من أن يستطيع ذلك الطبيب إقناعها بالعدول عن قرارها والعودة له من جديد.
"تعالى معايا ع المكتب."
كانت تجلس أمامه تحرك قدمها بعصبية شديدة، ليردد هو بهدوء:
"ممكن تهدي شوية عشان نعرف نتكلم."
ردت عليه بغضب:
"قلتلك مفيش حاجة نتكلم فيها. دبلتك معاك، والباقي هطلع أجيبه والخطوبة دي فضيناها خلاص."
يزن بعتاب:
"مش اتفقنا تصبري عليا، تستحمليني؟ مش من يوم وليلة هنسى. أنا..."
قاطعته قائلة بغضب:
"استحملت وصبرت، بس انت مشلتش ده ليا، بالعكس عايرتني بيه وشايف إن طالما قبلت بالوضع من الأول أكمل عليه وأسكت."
تنهد قائلاً بضيق:
"لما خيرتك بينا، اخترتيه."
رددت بحدة:
"زي ما أنا خيرتك بيني وبينه واختارتها."
نفى برأسه قائلاً بضيق:
"صعب أنسى في فترة قليلة كده، لكن برضه أنا اخترتك وعايزك، عشان كده جيت النهارده ومتمسك بيكي يا همس."
لم تقتنع بكلامه، فرددت بضيق:
"بتقول كلام وبتعمل عكسه."
يزن بحزن:
"بسمة بالنسبة ليا حاجة كبيرة أوي، صعب أتخطاها، خصوصًا إنها ماتت بسببى. لولا إن هي اللي ساقت بدالي، كان زماني أنا اللي ميت وهي لسه عايشة. غصب عني والله يا همس، أنا محتاج منك تساعديني وتقفي جنبي. إنتي من أول موقف بعدتي. مش اتفقنا من الأول تستحمليني لحد ما أقدر أتخطاه؟"
ردت عليه بحدة:
"اتفقنا أستحملك آه، إنما متفقناش تعايرني بيه. أنا بعدت من أول موقف، بس انت اللي بدأت الأول بالمعايرة، وخليك عارف كويس أوي إنك مش لاوي دراعي ومش ماسك عليا حاجة عشان أقبل بالوضع ده. فلو هنبندي بمعايرة، يبقى المفروض أنا اللي أعاير مش انت، لأن أنا اللي قبلت بيك بالوضع ده، مش انت."
ردد بضيق ورمقها بنظرات حادة غاضبة:
"همس!"
رفعت إصبعها بوجهه قائلة بحدة:
"متبصليش كده. أنا اللي بقوله صح وانت عارف كده كويس. أنا لسه متخلقش اللي يعايرني ويكلمني كده وأسكت له، مهما كنت عندي إيه هرد عليك الكلمة بعشرة وهقفلك. أبويا رباني السنين دي كلها عشان تيجي انت تكلمني كده واحنا لسه ع البر، أومال قدام هتعمل إيه؟ الحكاية بانت من أولها خلاص، النهاية هتبقى إيه، فأنا بنسحب عشان مش بائعة نفسي."
ردد برجاء أن لا تخذله:
"همس، بلاش تتسرعي. فكري، أنا مح..."
قاطعته قائلة بضيق:
"تسرعي كان من الأول لما قبلت بكده، بس مش مشكلة، محدش بيتعلم ببلاش."
تنهد ثم وقف قائلاً بضيق:
"كنت فاكر هيكون نفسك طويل عن كده وهتكوني جدعة معايا وتوفي باتفاقنا من الأول، بس كنت غلطان."
همس بتهكم:
"أنا كمان كنت غلطانة من الأول، بس في حق نفسي مش في حقك."
غادر يزن غاضبًا، ليتقابل بالأسفل مع كارم. تبادل الاثنان النظران للحظات، فغادر يزن أولًا بغضب، تاركًا كارم يتنهد براحة أخيرًا وقد علم من هيئة يزن أنها رفضت العودة له.
مر ما يقارب الشهر على الجميع. شهر بالكامل قضته بداخل المستشفى حتى شفيت تمامًا. بقيت تلك المدة بأمر من جدها ووالدها. لقد حاول سفيان رؤيتها طوال ذلك الشهر تعلم، لكن جدها ووالدها وقفوا لها بالمرصاد، لم يجعلوه يرى طيفها حتى.
ارتدت ثيابها، ثم نظرت لهيئتها بالمرآة. اختفت الكدمات، تخلصت من جبيرة يداها وكذلك قدمها. دخلت لتلك المستشفى محطمة منكسرة، وستخرج منها أقوى من السابق. لن تفكر بأحد! لن تجعل من فعل بها ذلك يفلت من العقاب. سيطول الجميع انتقامها!
خرجت همس من المرحاض تجفف وجهها، وما إن رأت ميان تقف هكذا شاردة، رددت بحزن:
"عشان خاطري يا ميان، انسى اللي حصل وبلاش تفكري في اللي فات. أنا عارفة انتي ناوية على إيه، ناوية تنتقمي منه. كفاية اللي حصلك بسببهم، خليكي بعيد بقى. المرة دي نجيتي من الموت بأعجوبة يا عالم، المرة الجاية في إيه؟"
نفت ميان برأسها قائلة بغل:
"المرة الجاية هما اللي هيروحوا ع الموت برجليهم مش أنا. مش هطلع خسرانة تاني ومش هعمل حساب لحد من النهارده. راعيت مشاعره وخبيت جوايا أسرار واتحملت عشانه، وفي الآخر عمل فيا كده. شاف مني الحب والتضحية، لكن من الساعة دي كل اللي هيشوفه مني الكره وبس. عندي استعداد أعمل أي حاجة بس أشوفه مذلول ومقهور."
ثم تابعت بدموع لمعت بعينيها وقهر:
"عمري ما هنسى رميته ليا تحت رجلين أبويا وأمي بالمنظر ده، ولا هنسى كلامه ليا. عمري ما هنسى لما قالي بعد كده مش هتقدري ترفعي عينك في عيني. كسرني وذلني، وهكسره وأذله."
همس بحزن:
"انتي كده بتدمري نفسك. انسى..."
قاطعتها ميان قائلة بغضب:
"متقوليش انسى. انتي لو مكاني مش هتنسي. هو مخبطش فيا بالغلط، والنسيان مش بالساهل. هقول هنسى فهنسى."
ثم تابعت بصوت مختنق بالدموع:
"أنا فيه نار جوايا ربنا بس العالم بيها، موجوعة ومكسورة وعايزة آخد حقي. ناري مش هتهدى غير لما يدوق اللي أنا دوقته يا همس."
أحتضنتها همس بقوة، فبادلتها ميان العناق وأخذت تبكي بقوة حتى تعالت صوت نحيبها. دخلت لينا الغرفة، فأدمعت عيناها لبكاء ميان الذي يمزق القلوب. اقتربت منهما تتشارك معهما العناق، حزينة على حالتها.
"نورتي بيتك يا بنتي."
قالتها عليا بسعادة لابنتها ما إن دخلا للمنزل، فمنحتها الأخرى ابتسامة صغيرة باهتة.
كاد والدها أن يساعدها على الصعود بسبب قدمها التي مازالت تؤلمها قليلاً ولم تتعافى كليًا، لكنها أوقفته قائلة بهدوء:
"هعرف أطلع لوحدي."
ما إن صعدت واستمعت عليا لصوت إغلاق باب غرفتها، نظرت لرأفت مرددة بحزن:
"وبعدين يا رأفت، حالتها ما تطمنش. الكلمة بتطلع منها بالعافية وعلطول ساكتة. أنا خايفة عليها أوي."
ربت رأفت على كتفها قائلاً بهدوء زائف:
"اهدي يا عليا، اللي هي فيه ده طبيعي. مش بالساهل هتنسى وتعدي."
ردد سالم بجدية:
"خلينا كلنا نبقى حواليها، منديش ليها فرصة تقعد مع نفسها وتفكر في اللي حصل."
أومأ له الاثنان بحزن، فتابع هو:
"يلا خليهم يجهزوا الغدا وأنا هطلع أشوفها وأجيبها عشان نتغدى سوا."
"مليش نفس."
قالتها ميان رافضة تناول الطعام، ليبتسم سالم قائلاً:
"بس جدك مأكلش حاجة من امبارح ولازم ياخد علاجه. تعالي كلي معايا عشان تفتحي نفسه."
سألته بغتة وبدون مقدمات:
"حاجتي جت من بيته ولا لأ يا جدو؟"
نفى برأسه قائلاً باستنكار:
"لأ، لسه. انتي عايزاهم في إيه؟ تولع بكرة يكون عندك الأحسن منها."
صمتت ولم تجب، فتنهد سالم قائلاً:
"سكوتك مش مطمني. بتفكري في إيه؟"
ابتسمت بسخرية قائلة بغموض:
"الكلام كله خلص، مبقاش فيه حاجة تتقال. العتاب واللوم وقته فات خلاص، دلوقتي وقت الفعل."
سألها بتوجس:
"بمعنى..."
"ناوية على إيه؟"
نظرت للفراغ قائلة بنظرات كلها توعد:
"مش خير، أكيد مش خير يا جدو."
باليوم التالي، صعدت همس برفقة عليا حيث غرفة ميان. بعد تبادل الحديث القصير، طلبت ميان من والدتها بتهذيب:
"من فضلك يا ماما ممكن تسبينا مع بعض شوية."
أومأت لها عليا ثم غادرت بصمت. وما إن أغلقت الباب، سألتها همس بفضول:
"في إيه؟"
توقفت ميان قائلة بجدية:
"هننزل سوا مشوار مع بعض، بس لو سألوكي رايحين فين قولي هننزل نتمشى شوية وراجعين."
"طب ليه؟"
تنهدت ميان قائلة بتحذير:
"عايزة منك حاجة، بس قبل ما أتكلم لو كلمة طلعت منك بره هتكون آخر علاقتي بيكي يا همس."
أومأت لها همس، فبدأت ميان تسرد عليها ما تريد باختصار. انتظرت رد همس لتجد الصمت فقط، فسألتها:
"ساكتة ليه؟"
رددت همس بعد صمت:
"لو قولتلك رافضة إيه اللي هيحصل؟ هتسمعي رأي؟"
نفت ميان برأسها قائلة بتصميم:
"لأ، اللي هعمله مفيش فيه رجعة."
تنهدت همس قائلة بحيرة:
"أنا بين نارين يا ميان. هما آه يستاهلوا، بس انتي كده هتدخلي في طريق وحش، يا عالم إيه آخرته."
ميان بغل:
"مش فارقة، المهم آخد حقي. قسماً بالله لأخليه هو اللي ميقدرش يرفع عينه في عين أي حد بعد اللي هيحصل له. كل اللي حصل الليلة دي هيترد له أضعافه."
همس برجاء:
"ميان، اللي يخليكي كفاية بقى."
ردت عليها بغضب:
"مش كفاية. يا تبقي معايا يا لأ."
ثم تابعت بتحذير:
"بس لو لأ، زي ما قولتلك، لو كلمة طلعت بره هيكون آخر علاقتي بيكي."
تنهدت همس بعمق، ثم صمتت للحظات قبل أن تقول بضيق:
"معاكي يا ميان، وربنا يستر."
بعد وقت قصير، كانت ميان تجلس بجانب همس التي تقود السيارة، وتسألها بحيرة:
"عنوان مين ده؟"
صمتت ميان طوال الطريق، وما إن وصلت لوجهتها، سألتها همس:
"طب ع الأقل أعرف أنا فين؟"
ميان بصرامة وهي تشير بيدها ناحية شخصًا ما:
"امشي وراه من غير ما تخليه يحس."
ثم تابعت بجدية:
"ده دراع سفيان اليمين، بيعتمد عليه في كل حاجة. أكيد هيروح عند نرمين، يا هو يا سفيان، لأن سفيان مش بيثق غير فيه، ومكانها مش هيتعرف إلا من هما الاتنين."
همس بسخرية:
"ما يمكن يكون مروح بيته أو رايح لمكان تاني."
نفت ميان برأسها قائلة:
"تؤ، بيت إيه اللي يروحه في عز النهار؟ غير كده، ما بيفارقش سفيان لحظة، والمكان اللي بيروحوا سفيان لازم هو يكون موجود فيه. سفيان دلوقتي في الشركة وكلفه يروح ليها بداله."
همس بتعجب:
"عرفتي منين؟"
ميان بضيق:
"عرفت وخلاص، مش لازم ندخل في تفاصيل، وبلاش أسئلة كتير يا همس."
بعد وقت، توقفت السيارة على جانب الطريق بعيدًا قليلًا عن سيارة الآخر، فرددت همس بقلق:
"المكان هنا مقطوع خالص يا ميان."
نزلت ميان من سيارتها بعد أن قالت:
"عايزة تنزلي، حصليني. مش عايزة استنى هنا."
نزلت همس خلفها، وبحذر تقدم الاثنتان من ذلك المتسودع القديم الذي نُقش عليه من الخارج أنه تابع لشركات العزايزي. المخزن خالي من الخارج، لا يوجد رجال. اقتربت ميان من أحد النوافذ الزجاجية المفتوحة لترى ما بالداخل، لتتفاجأ بنرمين ملقاة أرضًا، بينما الرجل يحقنها بشيء ما في يدها. رأت من مكانها حوالي أربعة رجال متواجدين بالمكان. سحبت همس من يدها ثم غادروا المكان. فسألتها همس:
"ناوية على إيه؟"
ردت عليها ميان بغموض:
"اطلعي دلوقتي على...، وانتي هتعرفي."
زفرت همس بضيق من ميان وصمتها الذي يثير غضبها، وفعلت ما قالت. بعد وقت، كانت تقف برفقة ميان التي تتحدث مع ذلك الرجل الذي يرتسم الإجرام على ملامح وجهه. أخذت تنظر له باشمئزاز، تحول لصدمة عندما بدأت ميان تسرد عليه ما يجب أن يفعل، ليرد عليها الآخر بطمع:
"أمرك يا هانم، بس الفلوس مش قليلة."
ردت عليه ميان بصرامة:
"لو كل حاجة مشيت صح، الفلوس هتزيد وحلاوتك محفوظة لوحدها. بس خلصيلي الموضوع ده زي ما اتفقنا."
رد عليها بسعادة:
"من عنيا يا ست هانم، انتي تأمري أمر."
سألتها همس بصدمة ما إن غادر الرجل:
"إيه اللي أنا سمعته ده؟ وانتي تعرفي الأشكال دي منين أصلًا؟ انتي بجد ناوية تعملي كده؟"
ميان ببرود:
"هو مش خد دفعة من الفلوس ومشي قدامك، يبقى فعلاً هعمل كده."
همس بصدمة:
"اتغيرتي يا ميان، اتغيرتي أوي."
ميان بتهكم:
"البركة فيهم. المهم محدش يعرف حاجة. الموضوع يفضل بيني وبينك. لولا إن مش هعرف أخرج لوحدي مكنتش عرفت حد باللي هعمله."
غادرت همس بالسيارة تشعر بالغيظ والضيق من تصرفات ميان وصمتها الدائم. لقد تغيرت مئة وثمانون درجة عن السابق.
باليوم التالي، كانت ميان تراقب هاتفها. ما إن وصلت رسالة لها، ابتسمت بتوسع عندما رأت الصورة التي أرسلت إليها. سرعان ما هاتفت ميان زاهر، الذي أجاب على مكالمتها على الفور بلهفة وعدم تصديق:
"ميان، انتي بجد بتكلميني؟"
غصبت نفسها على التحدث بهدوء وأدب:
"أنا عايزة أشوفك، ممكن؟"
رد عليها فورًا وبدون تفكير:
"ده ممكن أوي، ده أنا اللي نفسي أشوفك. انتي مش متخيلة وحشتيني قد إيه."
ردت عليه بهدوء:
"أنا في شقتنا اللي في... هستناك. عايزالك في موضوع ضروري جدًا. موافقة على جوازي منك بس بشرط."
سألها بصدمة ولهفة:
"إيه هو؟"
ردت عليه بغموض قبل أن تغلق الهاتف:
"لما أشوفك هتعرف. مستنياك!"
أغلقت معه الهاتف لتأتيها مكالمة من الرجل يخبرها:
"كله تمام يا هانم، هي موجودة دلوقتي في المكان اللي قولتي عليه، مستنين الراجل يوصل زي ما قولتي."
"هو على وصول. مش عايزة أي غلطة."
أغلقت معه الهاتف لتردد همس بضيق:
"أنا مش عارفة إزاي طاوعتك. لو البلطجي ده اتمسك، فكرتي هيحصل إيه؟ مش وارد جدًا يعترف عليكِ؟"
ردت عليها ميان ببرود:
"مش هيحصل."
زفرت همس قائلة بضيق:
"ربع ثقتك دي، بتتكلمي ببرود ولا كأن فيه كارثة هتحصل شوية كده."
ابتسمت ميان بزاوية شفتيها قائلة بثقة:
"كارثة ليهم مش ليا!"
بعد وقت ليس بقصير، بداخل مكتب سفيان بشركته.
"يعني إيه؟!"
قالها سفيان بغضب وصراخ على أحد رجاله الذي زف إليه خبر هروب نرمين وتعرضهم لهجوم من رجال آخرين.
أخفض الآخر وجهه قائلاً بخزي:
"مقدرناش عليهم يا باشا، العدد كان كبير زي ما يكونوا حافظين المكان شبر شبر."
صرخ عليه بغضب وعصبية شديدة:
"غور من وشي، وقبل ما الليل يليل تكون بنت... دي تكون عندي، فاهم!"
لكن قبل أن يغادر الرجل، دخلت سكرتيرته برفقة أحد الرجال الذي صافح سفيان قائلاً:
"رمزي عبد التواب، كنت عاوز حضرتك في موضوع."
سأله سفيان بفضول:
"بخصوص إيه؟"
رد عليه الآخر بحرج:
"بخصوص زوجتك نرمين. أنا آسف ع اللي هقوله لحضرتك، بس المدام بتاعتك موجودة عندنا في القسم."
قطب سفيان جبينه وسأله بصدمة:
"قسم؟!"
أومأ له قائلاً بحرج:
"من حوالي ساعة تم القبض عليها بوضع مخل مع رجل الأعمال زاهر تمام، في شقة في..."
البارت خلص♥️
البارت الجاي فضيحة بجلاجل لسفيان 😂
داخلين ع أحداث نار 🔥
مستنية رأيكم يا قمرااااتي ♥️😘
رواية بعينك اسير الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شهد الشوري
بعدما حدث، أشيع الخبر بين جميع الموظفين بالشركة، لقد تم القبض على زوجة المدير بوضع مخل.
لم يقف انتشار الخبر إلى هنا فقط، بل وصل لسوق العمل وأصبح الجميع يعلمون بذلك الخبر بعدما تم نشره بعدة صحف كبيرة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
أسهم شركته انخفضت بيوم وليلة وأصبح علكة بأفواه الجميع.
كل ما استطاع فعله أنه رفع قضية "زنا" عليها.
لقد تم سجنها هي وزاهر، بينما هو يحبس نفسه بمنزله منذ الأمس لا يقدر على مواجهة أي أحد.
تذكر جملته لها بتلك الليلة:
"بعد اللي حصل مش هتقدري ترفعي عينك في عيني، لو عندك شوية كرامة متخلنيش أشوف وشك تاني."
نزلت دموعه بقهر، أنها سخرية القدر.
أصبح هو الذي لا يقدر على رفع عيناه بعينيها، يتهرب من لقائها للآن.
كرامته هي التي دهست بعدما حدث.
أخذت فاطمة تنقل بصرها بين كلاً من فارس وكارم، كلا منهم شاردا بعالمه الخاص.
حيث كان كارم ينظر للفراغ شارداً، يظهر على وجهه الهجوم.
عكسه تماماً كان فارس الذي كان ينظر للفراغ وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يتذكر موقف صغير مر عليه من قريب مع ميان.
Flash back
كعادته كل يوم يمر عليها في الصباح، طوال مدة مكوثها بالمستشفى لمدة شهر.
فبأحد الأيام دخل عليها يحمل بيده صندوقاً صغيراً يحوي بداخله قطة صغيرة.
كان الصندوق مغطى بقماشة حريرية، فلم ترى ما بداخله.
لكنه اقترب منها قائلاً وهو يضع الصندوق على قدميها:
"هدية بسيطة تسليكي طول ما أنت قاعدة في المستشفى."
قطبت جبينها ورفعت الغطاء من على الصندوق بتوجس، وهي تتمنى أن تكون ظنونها خطأ.
توسعت عينها بفزع عندما أبصرت ما بداخله.
"الأحمق بماذا جاء لها؟ إنها لديها فوبيا من القطط!!"
صرخت بفزع ثم ألقت الصندوق بيدها قائلة بخوف شديد وهي تشير للصندوق الذي سقط أرضاً:
"إيه اللي انت جايبه ده؟"
تعجب من ردة فعلها قائلاً بضيق:
"في حد يرمي الحاجة كده؟ أنا غلطان يعني عشان فكرت فيكي وجبت ليكي هدية تسليكي طول ما انت قاعدة في المستشفى؟"
أشارت بيدها نحو الصندوق قائلة بغضب وخوف:
"هو اللي يجيب هدية مش يسأل اللي قدامه بيحب إيه؟ رايح تجيبلي قطة وأنا عندي فوبيا من القطط؟ العقل زينة فعلاً!"
جز على أسنانه قائلاً بغضب من كلماتها الأخيرة:
"شكراً يا محترمة."
لم تهتم بنبرة السخرية التي في صوته، فأشارت نحو الصندوق قائلة بخوف شديد:
"خرج الصندوق ده بره."
جذب الصندوق بحدة غاضباً مغتاظاً منها، صافعاً الباب خلفه بقوة.
لتتنفس الأخرى بارتياح.
Back
ضحك بخفوت وهو يتذكر هيئتها حينها.
سأله كارم بفضول:
"بتضحك على إيه؟"
نفى فارس برأسه قائلاً:
"مفيش."
ثم تابع بتردد:
"مش واجب نروح نزور ميان؟"
كارم بهدوء:
"أبوها عازمنا مع كل اللي كانوا معاه في المستشفى ع الغدا بكرة."
أومأ له فارس بصمت.
وتابع كلاهما تناول طعامه في صمت، كلاً منهما شارداً فيما يخصه.
باليوم التالي.
استقبل رأفت وسالم الجميع، همس ووالديها ولينا برفقة والدتها كذلك، عمار وكارم وفارس ويزن.
لقد قام بدعوة كل من سانده بالأيام الماضية.
بعد وقت، كان الجميع يجلسون بغرفة المعيشة.
فسألت همس عليا:
"هي ميان فين؟"
تنهدت عليا قائلة بحزن:
"في أوضتها مش بتطلع منها خالص، بالعافية كمان بترضى تاكل."
تنهدت همس بحزن كذلك.
لينا التي رددت بابتسامة حزينة على حال رفيقتها:
"هنطلع نشوفها."
كان يزن وكارم يتبادلون النظرات بضيق، بينما فارس يتبادل الحديث مع رأفت وعمار.
مر وقت قصير، ثم نزلت همس ولينا وخلفهم ميان التي أقنعوها بصعوبة حتى تنزل.
صافحت الجميع ثم جلست بجانب جدها تنظر للأسفل بصمت، غير مهتمة للمشاركة بحديثهم، تشارك فقط بكلمات قليلة مقتضبة.
كان فارس يتابعها بعينيه من حين لآخر مشفقاً عليها.
بعد وقت من تناول الطعام، طلبت ميان التحدث مع كارم وهمس بمفردهم.
لتسأله على ما طلبته منه منذ أيام، ليخبرها أن كل شيء على ما يرام وسيكون التنفيذ بالغد.
فما هو يا ترى؟
جاء اليوم المنتظر.
ابتسمت ميان بانتصار وهي تتابع مواقع التواصل الاجتماعي التي انتشر بها ذلك الخبر الكارثي الذي من المؤكد سيحطم سمعته بين الجميع.
"تم القبض على حرم رجل الأعمال المعروف سفيان العزايزي بوضع مخل برفقة رجل الأعمال زاهر تمام بداخل أحد المنازل."
أغمضت عيناها تسترجع ما حدث بالتفصيل وكيف اتفقت مع ذلك الرجل المدعو بمرعي ليقوم بخطف نرمين من رجال سفيان، ثم أخذها لمنزل زاهر القديم الذي كان يتقابل فيه مع نرمين قبلاً، ثم هاتفت زاهر ليتقابل معها بمكان معين ليكون بانتظاره رجال مرعي حيث قاموا بتخديره واختطافه، ثم أتوا به حيث توجد نرمين.
كل ذلك تم بالاتفاق مع حارس البناية الذي أخذ مبلغاً وقدره ليسهل للرجال دخولهم للبناية دون أن يشعر بهم أحد، ومسح سجلات المراقبة الخاصة بالبناية، فهو الوحيد الذي يمتلك نسخة من مفتاح شقة زاهر للطوارئ.
بعدها قام الرجال بتجريدهم من ثيابهم، ثم اتصلوا برجال الشرطة وتم القبض عليهما بذلك الوضع المخزي.
الآن تخلصت من زاهر ونرمين.
يتبقى فقط كاميليا، حسابها معها سيكون عسير.
لقد قتلت شقيقها الوحيد، دمرت عائلتها ودمرت سعادتها.
كانت قد كلفت قبلاً أحد الرجال ليراقب كل تحركاتها.
الآن هي تقيم بأحد الفنادق، لقد نفذت كل أموالها التي كانت قد أخذتها سابقاً من نرمين قبل أن يحدث ما يحدث.
فقامت برهن عقد الماصي الذي كانت قد احتفظت به قديماً من زوجها السابق لتستطيع سداد فاتورة قيامها بالفندق.
بعدها استأجرت بالمال القليل المتبقي منزلاً صغيراً بمنطقة شعبية.
الآن هي تماطل مع صاحب المنزل الذي يطالبها بدفع إيجار الشهر وهي لا تملك سوى القليل جداً من المال.
جهزت ثم غادرت المنزل، حيث المنطقة التي تقيم فيها، ملتقية بصاحب المنزل الذي دفعت له مبلغاً من المال حتى يلقي بها خارج منزله.
انتظرت بالأسفل تبتسم بسخرية وهي تستمع لصوت كاميليا الغاضب:
"أنت بتطردني يا حيوان؟ أنت كنت تطول أصلاً إن كاميليا هانم تقعد في بيتك المعفن ده؟"
دفعها خارج المنزل قائلاً بغضب:
"أما إنك ولية لسانك طويل صحيح، مش كفاية قبلت أقعدك في الشقة مفروشة بالملاليم اللي بتدفعيها ده، حتى الملاليم دي مش عارفة تدفعيها؟ وقال هانم قال، مش لاقية تأكل و تتمنظر ع الناس."
صفعته بقوة، فاشتعل غضباً ودفعها خارج المنزل بقوة مغلقاً الباب خلفه.
ثم دخل للمنزل وبدأ يلقي بأغراضها من شرفة المنزل الصغيرة.
صرخت بهستيرية وهي تطرق على الباب بقوة.
صرخ عليها من الداخل بتهكم:
"خدي الهلاهيل بتاعتك من الشارع يا..... يا هانم."
نزلت للأسفل سريعاً فتعثرت بأحد الأحجار فسقطت على وجهها صارخة بألم.
كادت أن تقف لكنها توقفت ما إن رأت أحدهم يقف أمامها.
رفعت رأسها رويداً لتتوسع عيناها بصدمة ما إن رأت ميان.
فرددت بصدمة وذهول:
"إنتي!!!"
أومأت لها ميان بسخرية قائلة:
"ده مكانك اللي تستحقيه يا كاميليا..... مقدرش أقول هانم بمنظرك ده، تؤ تؤ يا حرام تصدقي صعبتي عليا، أصلك دلوقتي زيك زي كلاب الشارع ملهمش لا مكان لا مأوى يعيشوا فيه."
انتفضت كاميليا واقفة بغضب وهي تشعر بألم بشع بساقها:
"كاميليا هتفضل طول عمرها هانم غصب عن الكل، لولا إن أمك حرامية وكل نصيبي من ورث أبويا كان زماني عايشة هانم لحد دلوقتي."
رددت ميان بسخرية ونظرات مشتعلة غاضبة:
"عشان كده قتلتي ابنها ودمرتي حياة بنتها؟"
لم تنكر الأخرى وصاحت بغضب وتحدي:
"آه قتلت أخوكي وأنا ونرمين قتلنا الحارس في بيت زاهر عشان تلبسي التهمة، بس لولا إن الغبي زاهر ده بسبع ترواح كان زمانك مرمية في السجن دلوقتي."
كونت ميان قبضة يدها بغل قائلة بغضب:
"إنتي واحدة مريضة، هوديكي في ستين داهية."
ضحكت كاميليا بسخرية قائلة:
"لو عرفتي تثبتي حاجة اثبتي يا شاطرة. البلاوي اللي عملتها في حياتي كتير وكلهم محدش عرف يمسك عليا حاجة، هتيجي بت مفعوصة زيك توقعني؟ كان غيرك أشطر."
ظهر من خلف ميان كارم وهمس وخلفهم عدد من العساكر قائلاً بقوة وتهكم:
"لأ ما هي طلعت شاطرة فعلاً."
رددت كاميليا بذعر:
"إنتوا مين؟"
ردد كارم بقوة:
"مقبوض عليكي بتهمتين قتل، الأولى قتل مروان رأفت القاضي والحارس رامز منصور، ومحاولة قتل زاهر تمام."
رفعت ميان بيدها جهاز صغير قائلة بتهكم وتشفي:
"تسجيل بأذن نيابة يا كاميليا، المفروض بقى نعكس الجملة، محدش كان شاطر زيي."
اقترب أحد العساكر منهما حتى يضع بيدها الأصفاد.
فدفعته بعيداً قائلة بهستيرية:
"أنا معملتش حاجة، هي اللي هددتني عشان أقول كده، أنا بريئة، مقتلتش حد، دي نرمين مش أنا."
اقترب العسكري منها مرة أخرى لكنها دفعته بعيداً قائلة بغضب:
"إبعد عني محدش يقرب مني، أنا مظلومة."
رمقتها كلاً من همس وميان باشمئزاز، تحول لصدمة عندما خطفت سلاح العسكري توجهه نحوهم قائلة بغضب:
"محدش يقرب مني، أنا معملتش حاجة، أنا بريئة."
كارم بقوة وغضب:
"نزلي سلاحك، اللي بتعمليه ده مفيش منه فايدة، التهمة لبساكي و باعترافك ده، غير صاحب عربية النقل اللي عمل الحادثة مع مروان القاضي وشهد أنه عمل كده بالاتفاق معاكي، مكنش حادث بالخطأ ولا حاجة زي ما اتأيد في التحقيق."
صرخت عليهم بغضب:
"كذاب، أنا معملتش حاجة."
كارم بغضب:
"نزلي سلاحك، مفيش داعي لمقاومتك، مش هتعرفي تهربي من هنا."
اقتربت منها ميان قائلة بغضب:
"كنتي فاكرة إيه يا كاميليا؟ هتفضلي عايشة تقتلي وتدمري حياة الناس من غير ما تتحاسبي في الآخر؟ ربنا يمهل ولا يهمل."
كاميليا بغل:
"هقتلك يا ميان، هقتلك وأقهر قلب عليا ورأفت عليكي، قسماً بالله لتدفعي تمن اللي عملتيه ده، مش هرحمك."
رددت ميان بتهكم:
"كان غيرك أشطر يا كاميليا."
تراجعت ميان للخلف، فتقدم منها كارم قائلاً بقوة:
"نزلي سلاحك، كفاية لحد كده، ما تزوديش في جرايمك."
اقترب منها كارم يوجه ناحيتها السلاح، خو بيده الأخرى الأصفاد.
ما إن اقترب منها خطوة أخرى شعرت بالخوف وضغطت على الزناد لتخرج رصاصة من سلاحها تصيب كارم.
فصرخت ميان وهمس بقوة، بينما الجميع ركضوا إليه.
ما إن سقط أرضاً يمسك جرحه بألم، استغلت كاميليا انشغال الجميع وفرت سريعاً هاربة.
حاوطت همس كارم بيدها تبكي خائفة قائلة:
"كارم رد عليا، هتبقى كويس، متغمضش عينك."
رفع كارم يده نحو وجنتها مردداً بخفوت:
"بحبك."
ثم سقطت يده بجانبه فاقداً للوعي.
بكت همس بقوة.
حمله العساكر سريعاً لسيارة ميان متوجهين نحو المستشفى، بينما همس لم تترك يده لحظة واحدة تضغط على جرحه حتى يتوقف النزيف، بينما دمائه أغرقت ثيابها.
كانت همس تجلس على أحد المقاعد بجانب غرفة العمليات حيث يوجد كارم بالداخل، تنظر ليدها بأعين حمراء من البكاء ودموعها تنساب على وجنتها بغزارة.
تنظر ليدها الملطخة بدماءه بصدمة.
اقتربت منها ميان قائلة بدموع وأسف:
"إن شاء الله هيبقى كويس يا همس، كل اللي حصل ليه بسببي."
لم تجب عليها همس.
دقائق و كانت والدة كارم تقترب منهم باكية برفقة فارس.
تردد بهلع:
"ابني، ابني فين؟"
أخبرتها ميان برفق ما حدث له، فسقطت على الفور أرضاً فاقدة للوعي.
لحق بها فارس حاملاً إياها بين ذراعه بقلق راكضاً بها لغرفة الطوارئ.
لحقت به ميان، لتبقى همس فقط وحدها تنظر إليها مصدومة.
رفعت رأسها عندما شعرت بأحدهم يقف أمامها لتردد بصدمة:
"يزن بتعمل إيه هنا؟"
تنهد قائلاً بحزن:
"ميان قالت للينا، ولما قابلت النهاردة لينا بالصدفة حكتلي، ولما سمعت باللي حصل فجيت أطمن عليكي، قصدي عليكم."
رددت همس بدموع:
"أنا كويسة بس..... بس كارم....."
لم تقدر على نطقها، فجذبها يزن لاحتضانه قائلاً بحزن:
"إن شاء الله يقوم بالسلامة، ادعيله."
رددت بحزن وصوت بكاءها أخذ يتعالى:
"مكنش عندي أخوات بس هو كان أخويا، كل أسراري كانت معاه، ذكريات طفولتي كلها كان هو جزء منها كلها، أنا خايفة أوي يحصله حاجة."
ربت على كتفها بحزن حتى خرج الطبيب.
انتفضت مبتعدة عنه قائلة بخوف ولهفة:
"طمني يا دكتور، هو كويس صح؟"
اقترب منه فارس الذي جاء من خلفها برفقة ميان:
"خير يا دكتور، طمنا."
ردد الطبيب بابتسامة بشوشة:
"الحمد لله، اتكتب ليه عمر جديد، الرصاصة كانت جنب القلب علطول لولا ستر ربنا، هننقله دلوقتي العناية."
شرح لهم الطبيب حالته بالتفصيل ثم غادر.
لتردد همس بدموع:
"الحمد لله يارب، الحمد لله."
بعد وقت، كانت ميان تجلس بعيداً تبكي بصمت.
اقترب منها فارس قائلاً:
"ليه الدموع؟"
رددت بحزن ودموع:
"إنت مش شايف اللي بيحصل، كارم هنا بسببي، أنا بأذي نفسي وبأذي اللي حواليا، أنا ليه عايشة، ليه بيحصل فيا كده؟"
عاتبها قائلاً برفق:
"مفيش حاجة اسمها ليه، ربنا يعمل اللي هو عاوزه وإحنا عباده نرضى بقضاءه، ربنا مش بيجيب حاجة وحشة، كل اللي بيحصل لينا في حياتنا ليه حكمة."
نظرت له بدموع ليتابع هو:
"مخطرش على بالك إن اللي بيحصل ده اختبار من ربنا ليكي، عايز يشوفك هترضي ولا لأ، ربنا شايلك الأحسن، ويمكن ربنا دوّقك الوجع عشان لما تعيشي السعادة تحسي بطعمه."
مسحت دموعها لتعاود وتنساب من جديد، فأعطاها فارس محرمته قائلاً بابتسامة جميلة:
"ارضي بقضاء ربنا وكوني متأكدة إن كل حاجة بتحصل ليها سبب وكله مقدر ومكتوب، متحمليش نفسك فوق طاقتها، اللي حصل لكارم قدر."
جففت دموعها ليصمت هو للحظات ثم تابع:
"خليكي متأكدة دايماً إن ربنا شايل ليكي الأحسن، وعشان تتجاوزي أزمتك محتاجة أربع حاجات: الصبر والرضا والإرادة والقوة، ارضي بقضاء ربنا واصبري وخلي عندك إرادة وخلّيكي قوية عشان تتخطي اللي حصل."
رددت بسخرية مريرة:
"الكلام سهل بس الفعل بيبقى صعب."
تنهد قائلاً بحذر:
"أنا مش بقلل من وجعك بس فيه عاشوا الأصعب من كده وكملوا حياتهم، مفيش حاجة بتيجي بالساهل، لازم تتعبي وتعافري عشان سعادتك، أصل مفيش حاجة بتيجي ع الجاهز، مش دليفري هي."
قال الأخيرة بمرح فضحكت هي بخفوت.
فتأملها للحظات قبل أن يقول بإعجاب:
"ضحكتك حلوة على فكرة، والحزن مش لايق عليكي خالص، تعرفي إن من ساعة ما عرفتك ما شوفتكيش مرة بتضحكي."
رددت بتمني وحزن:
"يا ريت أرجع زي ما كنت، يا ريت."
وقف قائلاً بهدوء قبل أن يتوجه لغرفة والدة كارم ليطمئن عليها:
"كله في إيدك على فكرة، قلتهالك قبل كده، حياتك الجاية في إيدك تختاري هتكون إزاي."
كانت همس تجلس كما هي.
اقترب منها يزن قائلاً باعتذار:
"أنا آسف يا همس."
نظرت له قائلة بضيق ودموع:
"مش وقته الكلام ده."
نفى برأسه قائلاً بحزن:
"أنا آسف ع اللي قلته وعشان طلبت منك تقطعي علاقتك بكارم، أنا كنت غلطان."
لم ترد عليه، فتابع هو بحزن:
"طب ردي عليا."
أجابت عليه بضيق وهي تمسح دموعها:
"مفيش حاجة يترد عليها، الموضوع ده اتقفل خلاص."
رد عليها يزن بحزن:
"أنا يا همس منكرش إني بحس ناحيتك بمشاعر، بس كل اللي محتاجة وقت، حتى إنتي نفس الكلام، الشعور متبادل بينا، ليه تبعدي؟ عشان كلام طلع مني في وقت غضب، كنت متضايق من قربك من كارم."
همس بضيق وحزن:
"كلام طلع في وقت غضب بس صح."
يزن بنفي:
"لو صح مكنتش جيت لحد عندك، طلبت منك ترجعيلي، إنتي غالية عندي يا همس وشايفاكي، لو ليا خاطر عندك اديني فرصة أخيرة، أنا محتاجلك جنبي."
همس بحزن:
"مش واثقة فيك عشان أديك الفرصة دي، مش عايزة أخاطر، خايفة تخليني أندم."
يزن برجاء:
"طب جربيني يا همس، عمري ما أخليكي تندمي بعد ما وثقتي فيا ووقفتي جنبي."
إلحاح كبير منه لم تراه من قبل، كلماته تدور بعقلها: "إنتي غالية عندي يا همس وشايفاكي، لو ليا خاطر عندك اديني فرصة أخيرة، أنا محتاجلك جنبي."
هل حقاً يريدها وكلماته كانت وقت غضب؟
ما يجعلها مترددة أنه طوال الشهر الماضي يطلب منها إعطائه فرصة أخيرة والآن أيضاً يطلب منها.
هل ذلك لأنه يريدها ولم يقصد ما قال؟
إنما هي لا تنكر أنها تشعر بانجذاب نحوه، وطوال الشهر الماضي لم يغب عن تفكيرها.
هل توافق الآن على العودة له؟
في كل الأحوال توسله لها الأيام الماضية أعادت لها كرامتها بأنه هو الذي يركض خلفها وليس العكس.
تنهدت قائلة بحيرة:
"أوعى تخليني أندم يا يزن."
ابتسم بهدوء مقبلاً يدها بعد أن أخرج من جيب سترته خاتم خطبتهما السابق، يضعه بإصبعها.
عادت ميان للمنزل في صباح اليوم التالي بعدما أخبرت والدها ما حدث وكيف هربت كاميليا وطلبت منه إخفاء الأمر عن والدتها التي بالتأكيد ستنهار ما إن تعلم ما فعلته شقيقتها الوحيدة بعائلتها.
استقبلها والدها وجدها بوجوم.
وما إن دخلت معهم لغرفة المكتب ردد رأفت بغضب:
"فهميني لأمتى هتفضلي تعملي اللي في راسك من غير ما ترجعي لحد؟ فكرك إني مش عارف إن ليكي يد في الفضيحة اللي حصلت لسفيان العزايزي؟ بس سكت وقلت بنتك هتيجي تحكيلك، عديها المرة دي، لكن الظاهر إن سكوتي خلاكي تتمادي وبتتصرفي على إن مالكيش كبير ترجعيله قبل ما تعملي المصايب دي كلها."
ردت عليه ميان بحزن:
"أنا كل اللي عملته إني كنت بأخد حقي."
صرخ عليها بغضب:
"حقك هييجي، أبوكي لسه عايش مماتش، وجدك ربنا يديه الصحة ويطول في عمره موجود، ولاد عمتك موجودين ووراكي رجالة يعرفوا يجيبولك حقك، عاملة فيها هيرو وبتتفقي مع بلطجية وبتعملي مؤمرات، وصل بيكي الحال لكده."
ردت عليه بصوت مختنق:
"هما اللي وصلوني لكده يا بابا، هما السبب."
رد عليها بغضب:
"مش هما بس السبب، إنتي اللي سمحتي ليهم بكده من الأول، دلقتك عليه وتمسكك بيه في كل مرة هانك فيها خلتهم عرفوا إنه مهما عمل هترجعيله."
انسابت دموعها على وجنتها بغزارة قائلة بغضب:
"أنا فوقت قبل فوات الأوان يا بابا، كنت هبعد بس خوفي على فريدة خلاني أوافق على كتب الكتاب، ويوم ما كنت هنهي كل حاجة وأطلق منه أجبرتني بالحيلة أكمل معاه، وبعدين حتى لو اللي قولته يا بابا صح، هل ده يديهم الحق يعملوا فيا كده؟"
سالم بحزن ورفق:
"يا بنتي أبوكي يقصد حقك هيرجع، بس بطريقتنا تكوني إنتي بعيد عن الصورة."
رددت ميان بحزن:
"أنا اللي اتضررت منهم يا بابا واتأذيت، كنت عايزة آخد حقي، أشفي غليلي منهم، مكنتش هرتاح غير لما أعمل كده بنفسي، اللي شوفته مش شوية عشان أتخطاه كده وأنسى."
رأفت بحزن:
"كلنا اتأذينا معاكي، عارفة شعوري أنا وأمك كان إزاي؟ كنت أنا وهي حاطين إيدينا على قلبنا بندعي ربنا إنه ينجيكي وما تفارقيناش زي أخوكي الله يرحمه."
رأفت بعتاب:
"أي كان اللي كنتي عايزاه كنت هعمله ليكي، بس كل اللي كنت مستنية منك تيجي تقوليلي تاخدي رأيي، كنت هعمل اللي عاوزاه وأنا ضامن إن مفيش أي حاجة هتأذيكي، نفسي تفهمي وتفهمي إن أنا أبوكي، محدش هيخاف عليكي قدي، نفسي تبطلي تمشي بدماغك وترجعي للي حواليكي قبل ما تاخدي أي خطوة."
اخفضت وجهها ملقية بنفسها بين أحضانه قائلة بصوت مختنق وأسف:
"حقك عليا يا بابا."
ربت على رأسها بحنان متنهداً بعمق قبل أن يقول بعتاب وحزن:
"يا بنتي ماشيك بدماغك هو اللي وصلك لهنا، كلنا فضلنا ننصح فيكي، بس حبك ليه كان عاميكي عن كل ده."
تمسكت به قائلة بدموع وصوت مختنق:
"أنا عايزة أرجع زي ما كنت يا بابا، عايزة أرجع ميان القديمة، أنا تعبانة أوي."
شدد رأفت من عناق ابنته وقلب يتفتت من الألم حزناً عليها.
تنهد سالم بحزن ثم اقترب منها مربتاً على كتفها وكتف ابنه بمواساة.
بينما بالمستشفى عادت همس باليوم التالي بعدما غادرت بالأمس بعد إصرار من الجميع.
كانت تقف أمام غرفة كارم برفقة والدته وفارس ووالديها.
خرج الطبيب بعد وقت قائلاً بابتسامة:
"تقدروا تدخلوا تطمنوا عليه بس بلاش نجهده بالكلام."
أومأ له الجميع ودخلوا للداخل.
ابتسم كارم بتعب ما إن رآهم.
كان مثبتاً نظراته على همس.
احتضنته والدته بحذر حتى لا تؤلمه:
"ألف سلامة عليك يا بني."
قبل جبينها بحنان.
تمنى له الجميع الشفاء.
بقي معهم لوقت قصير بعدها أمره الطبيب بالخروج، لكن طلب من همس البقاء.
اقتربت منه قائلة بابتسامة:
"موتني من الخوف عليك يا كارم."
سألها بلهفة وأعين لامعة:
"بجد خوفتي عليا؟"
أومأت له قائلة:
"أكيد، طول عمرك أخويا وسند ليا بعد بابا."
ارتسم الإحباط وخيبة الأمل على ملامح وجهه.
رفعت همس يدها تحك مقدمة أنفها ليجتذب نظره الخاتم اللامع الذي زين إصبعها.
فسألها بصدمة:
"رجعتي ليزن؟"
توترت وشعرت بالحرج والخجل الشديد، فأومأت برأسها بصمت وهي تتحاشى النظر له.
أومأ برأسه عدة مرات بصمت قائلاً بعدها:
"قولي لفارس يسأل الدكتور هخرج إمتى؟"
سألته بصدمة:
"خروج إيه اللي بتفكر فيه؟ أنت مستوعب إيه اللي حصلك وإنك نجوت بصعوبة؟"
نظر لها كارم بخيبة أمل مردداً بداخله بحزن وألم:
"الرصاصة ما قتلتنيش، رجوعك ليه هو اللي قتلني يا همس."
غادر سالم ورأفت المنزل بصمت ذاهبين أولاً للأطمئنان على كارم بعدها سيتوجهون للقسم لمتابعة ما حدث لكاميليا وهل عثروا عليها أم لا.
كل ذلك وعليا لا تعلم بما حدث.
علم عمار ما حدث من لينا وبدوره أخبر سفيان، فركض الاثنان للمستشفى ظناً من سفيان أن ميان قد أصابها مكروه.
ليكون من سوء حظه أنه التقى بكلاً من رأفت وسالم اللذان اشتبكوا معه ما إن أبصروه أمامهم.
فض فارس النزاع بينهم قائلاً:
"اهدوا يا جماعة، إحنا في مستشفى، ميصحش كده."
قبل أن يرد رأفت بغضب، رن هاتفه برقم لينا.
أجاب عليها ليأتيه صوتها الخائف:
"أونكل رأفت الحقني، من سمعت صوت صريخ من عندكم وقدام باب الشقة فيه بقع دم، أنا مش عارفة أعمل إيه، بخبط الباب محدش راضي يفتح ليا."
أغلق رأفت الهاتف قائلاً باستنتاج وفزع:
"كاميليا، كاميليا في البيت عند عليا وميان."
ركض الجميع خلفه، من ضمنهم فارس.
بعد دقائق كان يتسللون جميعاً من باب الخدم.
ليكون ظهر كاميليا مقابلاً لهم، قبل أن يتقدموا منها.
توقفوا مكانهم والصدمة مرتسمة على ملامح وجههم، خاصة سفيان وعمار مما استمعوا.
قبل قليل كانت ميان بالمنزل بمفردها، بينما والدتها كانت بمنزل لينا تطمئن على والدتها.
تعالى رنين جرس المنزل، ظنت أنها والدتها، ذهبت لتفتح لتتفاجأ بكاميليا أمامها.
قبل أن تبدي ردة فعل، هوت كاميليا بعصا خشبية على رأسها بقسوة فسقطت فاقدة للوعي.
جرتها من قدمها بصعوبة لداخل المنزل ثم أغلقت الباب قائلة بغل وغضب:
"هحرق قلبها عليكي، هقتلك وأقتل أمها، حتى كوثر، وكمان وفريدة ورأفت، هقتلهم كلهم، محدش فيكم يستاهل يعيش، كلكم آذيتموني."
بعد وقت دخلت عليا للمنزل، سرعان ما شهقت بقوة وهي ترى ابنتها ميان ملقاة أرضاً، الدماء تسيل من رأسها فاقدة للوعي.
وعالم آخر وشقيقتها تقف بجانبها تصوب السلاح على رأسها.
كادت أن تنحني لتتفحص ابنتها، لكن الأخرى هددتها قائلة بغضب:
"خليكي مكانك، لو اتحركتي هموتها وأقهر قلبك عليها يا عليا."
عليا بدموع وخوف:
"بلاش بنتي يا كاميليا."
ردد الأخرى بغل وحقد:
"أنا كده بسببكم، إنتي وكوثر وبابا، إنتوا اللي عملتوا فيا كده!!!"
عليا بدموع وكل تركيزها على ابنتها:
"كاميليا اعقلي وسيبي ميان، أي كان اللي حصل بنتي ملهاش ذنب فيه."
حركت الأخرى رأسها بنعم قائلة بغضب:
"هي ملهاش ذنب ولا مروان كان ليه ذنب، بس إنتي اللي خليتيني أدخلهم جوه الأنتقام."
رددت عليا بذهول وصدمة:
"تنتقمي من مين؟ من اختك يا كاميليا؟"
صرخت عليها الأخرى بغل:
"إنتي عمرك ما كنتي أختي، طول عمرك عدوتي."
رددت عليا بحزن:
"إحنا أخوات ملناش غير بعض، عمري ما آذيتك، ليه بتكرهيني وإنتي مشوفتيش مني غير كل حب."
نزلت دموع كاميليا بحزن وحقد قائلة:
"إنتي أكتر واحدة آذيتيني وعمرك ما حبيتييني يا عليا."
أخفضت يدها الممسكة بالسلاح قائلة بحزن وهي تسترجع ذكرياتها المؤلمة:
"لو كنتي حبيبتيني بجد ما كنتي خطفتي بابا مني، ما كنتيش فضلتِ دايماً تثبتي ليه إنك أحسن مني، كنتي دايماً بتتعمدي تنجحي في الحاجة اللي بفشل فيها عشان يحبك أكتر مني ويكرهني."
استمعت لها عليا بصدمة والأخرى تتابع بغل:
"من يوم ما اتولدتي وخلّيتيه يكرهني ويبعد عني، حتى ماما موتيها يوم ما جيتي ع الدنيا."
عليا بحزن:
"بابا عمره ما كرهك، بابا كان بيحبنا إحنا الاتنين زي بعض وعمره ما فرق بينا، مفيش أب بيكره حد من أولاده."
نفت كاميليا برأسها قائلة بدموع:
"لأ فيه، هو كرهني زي ما أنا كرهت ولادي، أنا طلعاله هو كان بيكرهني وأنا برضو كرهت ولادي يا عليا، عملت زي ما عمل فيا بالظبط، آذيتهُم زي ما كان بيأذيني."
أغمضت عينيها بحزن تسترجع تلك اللحظات المؤلمة:
"لو كان بيحبني ليه مكنش بيقولي كده زي ما بيقولك طول الوقت، ليه كان بيجيلك إنتِ حاجات حلوة وهو راجع من الشغل وأنا لأ، وكل ما أسأله مجبليش ليه يقولي إنتي كبرتي ع الحاجات دي، مكنتش لسه كملت الـ 12 سنة وإنتي لحد ما دخلتي الجامعة كان بيجبلك."
ثم تابعت وهي تكرر كلماته والأخرى تستمع لها بحزن وألم:
"دايماً يقولي إنتي فاشلة مش نافعة في حاجة، إنتي كذا وكذا، ده أنا حتى يوم نتيجة الثانوية قالي لو سقطتي مش هتعيدي تاني وتقعدي في البيت، إنتي مش نافعة في حاجة."
ثم تابعت بغل وحقد كبير ودموعها تغرق وجهها:
"بس إنتي قالك إيه كان مجموعك، متزعليش يا حبيبتي، ده نصيبك وقدرك، ولو عايزة عيدي لحد ما تجيبي المجموع اللي إنتي عاوزاه وتدخلي الكلية اللي نفسك فيها."
رددت عليا بدموع:
"كاميليا..."
قاطعتها الأخرى مرددة بكره:
"أنا كل كلمة لسه فاكراها لحد دلوقتي، عمري ما بنساها وبتترن في ودني كل يوم وكل دقيقة، ومع كل مرة بفتكر بكرهك أكتر وبكرهه وبكره ولادي."
ثم اقتربت منها تدفعها بكتفها قائلة بغضب:
"المفروض كان يكرهك إنتي مش أنا، إنتي اللي لما اتولدتي موتيه مش أنا."
عليا بتبرير:
"بابا كان بيحبك بس يمكن عبر عن حبه غلط."
صرخت عليها الأخرى بغضب كبير وحزن:
"متقوليش بيحبك، مفيش أب بيعامل بنته كده، أنا عارفة إني كنت بعمل تصرفات طايشة بس ده عشان ألفت نظره، كان كتير أوي بيتجاهلني فكنت ببقى عايزاه يكلمني يحس بوجودي."
ثم تابعت بخذلان وحزن عميق:
"عمري ما أنسى فرحته يوم ما دخلتي جامعة كبيرة إزاي كان بيبصلك بفخر وأنا نظراته ليا كلها خيبة أمل لما جبت مجموع يدوب دخلني كلية ملهاش أي لازمة."
ثم تابعت وهي تشير لنفسها بحزن وحرمان:
"بس لو كان قعد وذاكر معايا قد ما ذاكر معاكي واهتم بيا زيك كنت هجيب مجموع أكبر منك كمان."
ثم تابعت بغل وكره:
"ساكتة ليه؟ عشان أنا عندي حق مش كده؟ هو بيكرهني، أي حد سهل يشوف كده وإنتي كنتي بتساعديه على إنه يكرهني."
عليا بدموع وحزن:
"عمري ما عملت كده كاميليا وربنا شاهد عليا."
صرخت عليها الأخرى بحدة:
"إنتي كدابة، كنتي بتخليه يكرهني في كل مرة تنجحي في حاجة كان بيكون فرحان بيكي وأنا دايماً باصصلي بخيبة أمل كأنك قاصدة تقولي له شوف أنا عملت اللي كاميليا فشلت فيه."
تمسكت عليا حتى لا تنطق بتلك الكلمات التي عاهدت قبلاً والدها أن لا تخبر أحد بها:
"يوم ما رأفت جه يتقدملك قبلها بابا قاله عليا ورفضني وقاله إنه عايزك إنتِ، ومرة تانية اترفضت من حد بعد بابا عشانك يا عليا، كنت بكرهك أوي ولحد دلوقتي لسه بكرهك وكنت بحاول على قد ما أقدر أسرب رأفت منك بس هو كان متمسك بيكي مهما أعمل يرفض ويقولي إنه بيحبك."
ثم تابعت بدموع وحنين لتلك الأيام:
"بعدها اتعرفت على راشد العزايزي، كان حنين أوي، بيعاملني غيرك إنتِ وبابا، أول لما بقوله ع إنجاز عملته حتى لو كان صغير كان بيشجعني وبيحسسني بقيمتي، كنت بشوف في عيونه احترام عمري ما شوفته في عيون بابا، حبيته يا عليا ومحبتش في حياتي غيره."
نزلت دموعها أكثر تتذكر تفاصيل ذلك اليوم:
"يوم ما قولت هعترفله صدمني بأنه عايز يتجوز واحدة تانية بيحبها والقصة بتتعاد تاني، قولتله إني بحبه ويسيبها ويتجوزني أنا، بس رده كان اختيارها هي واترفضت بردو منه."
جلست أرضاً تبكي بقوة:
"يا قهرتي يومها اتوجعت أوي، ليه كله مش بيحبني، ليه إنتي بس اللي تتحبي يا عليا وأنا لأ، ليه السعادة ليكي إنتي بس."
اقتربت منها عليا مشفقة عليها قبل أن تضع يدها على كتفها.
صرخت عليها كاميليا وهي تنتفض واقفة:
"متقربيش مني."
صمتت لدقائق ثم عادت تستكمل حديثها بقهر:
"أخوه اتقدملي بعد ما شافني كذا مرة وحبني، ساعتها وافقت عليه وبصراحة مكنتش مصدقة مشاعره ناحيتي، ما هو مفيش واحدة هتترفض من دول كلهم وأبوها على رأسهم وحد يجي يحبها، أنا خلاص كنت اقتنعت إن مفيش حد بيحبني ولا أنا ينفع أتحب."
ثم تابعت بغل وغيره:
"كنت كلما أشوف كوثر مع راشد أتجنن وأتقهر، كنت بشوفها إزاي مبسوطة، أبقى نفسي أعيش زيها، مكنتش قادرة أتقبل شريف، كنت طول الوقت بعمل مشاكل بينهم وأنا اللي سقطتها أول مرة لما كانت حامل، ليه هي تشيل في بطنها ابنه وأنا لأ، أنا كنت بحبه أكتر منها."
كانت عليا تستمع لها بصدمة وترى فداحة ما فعل والديها بالماضي بكاميليا وبالأخص والدها.
ثم رددت كاميليا بحزن:
"بعدت سنين بعد ما اتجوزت واحد تاني عشان محتاجة فلوس، بعد ما بابا كتب ثروته كلها ليكي حتى في دي فرقت بيننا."
نزلت دموع عليا بشفقة عليها قائلة:
"بس يا كاميليا..."
لكن الأخرى لم تستمع لها وتابعت حديثها:
"جبت نرمين، كانت رقاصة في كباريه، شوفتها صدفة، نضفتها وزقتها عليه، تبقى عيني وسطهم، عرفتها إزاي تقنعه واتفقنا مع شوية بنات عشان يخلّوه يشك في ميان وساعدتها تتجوز."
مسحت دموعها التي سرعان ما تتمرد وتنساب على وجنتيها قائلة بحقد:
"كنت بعيد عن هنا بس عيني كانت عليكم كلكم، كل ما أعرف إنكم مبسوطين في حياتكم، أتقهر، ليه أنا مش كده، ليه إنتوا تكونوا مبسوطين وأنا لأ يا عليا."
أخذت نفس عميق ثم عادت لتستأنف حديثها الذي جعل عليا تصاب بالذهول والصدمة:
"أنا عملت كتير أوي بس بردو مش مبسوطة، دمرت سعادتكم، قهرت قلبك على ولادك الاتنين يا عليا، بس بردو مرتحتش."
رددت عليا بذهول:
"أذيتي ولادي في إيه؟ ميان وعارفة اللي عملتيه فيها، مروان اللي يرحمه عملتي في إيه؟"
رددت كاميليا بغل وشماتة:
"أنا اللي ورا حادثة موته عشان أقهر قلبك عليه وتدوقي شوية من اللي أنا عيشته وبعيشه، وعشان أقهر قلب رأفت كمان لما رفضني في كل مرة حاولت أسرب رأفت منك عشان أخرب بيتك عشان متكونيش أحسن مني."
رددت عليا بصدمة وقهر:
"ابني!!!"
أكملت باقي حديثها الذي صدم الأخرى بدموع:
"بس عارفة اللي قهرني إيه يا عليا، إن بعد اللي أبوكي عمله فيا ده وتفضيلك عني في كل حاجة، عرفت إنه مش أبويا ولا إنتوا عيلتي ولا إنتي تبقي أختي حتى!!!"
البارت خلص.
رواية بعينك اسير الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شهد الشوري
صرخت كاميليا بغضب:
ليه عمل فيا كده يا عليا، لو كان قالي إني مش بنته كنت عرفت مكاني كويس، مكنتش عيشت حياتي كلها أسأل نفسي أنا غلطت في إيه عشان يكرهني.
ثم تابعت بقهر:
مكنتش فضلت معيشة نفسي في مقارنة بيني وبينك، مكنتش هعيش شايفة إني أستاهل السعادة اللي كل واحد فيكم عاشها وأنا لأ.
سقط السلاح من يدها أرضاً وجلست هي على ركبتيها قائلة بدموع وألم:
لو كان قالي كنت هقبل بوضعي وأعرف إن مش من حقي أطالب بأي حقوق، مش حقي. بس هو عيشني في قهر وذل وحرمان طول عمري.
نظرت لعليا قائلة بحيرة:
السؤال اللي فضل محيرني أنا أصلاً مش فارقة معاه ليه؟ يخبي ليه مقاليش يا عليا. ليه استكتر يديني تبسط حقوقي؟ لا منه اعتبرني بنته وعاملني كويس، ولا منه قالي وعرفني الحقيقة وقالي أنا أبقى مين. هو السبب يا عليا، المفروض هو اللي يتحاسب مكاني على كل الجرايم دي.
ترددت عليا بدموع:
كان بينفذ وصية ماما الله يرحمها يا كاميليا!
سألتها الأخرى بصدمة:
انتي كنتي عارفة!!!
أومأت لها قائلة بحزن وهي تجلس بجانبها أرضاً:
لما كنت في الثانوية، كنت مستغربة السنين اللي فاتت دي معاملته ليكي، اتشجعت وسألته وحكالي كل حاجة من الأول وحلفني الكلام اللي يتقال ما يخرجش بيني وبينه.
ثم تابعت بتذكر لذلك الحديث الذي دار بينها وبين والدها الراحل منذ سنوات طوال:
قالي إن قبل ما يخلفوني كانت فرصة حمل ماما ضعيفة، كانت عايزة تتبنى بس بابا رافض الحكاية دي، بس وافق عشان خاطرها لحد ما حصل وقدرت ماما تخلف وأنا جيت ع الدنيا. ساعتها هو كان عايزها تتخلى عنك وترجعوكي من المكان اللي جيتي منه، بس هي رفضت. لحد آخر يوم في حياتها كانت متمسكة بيكي ووصت بابا بعد موتها إن سر إنك مش بنتهم يدفن معاها. بس هو...
لم تقدر عليا على قولها فقالت كاميليا بدلاً عنها بقهر:
مقدرش يحبني ولا يتقبلني، مش كده؟
سألتها عليا بقهر وهي تتفحص ابنتها بقلق:
ابني كان ذنبه إيه وبنتي ذنبها إيه يا كاميليا؟
سألتها الأخرى بدموع:
أنا كمان ذنبي إيه؟
ثم تابعت بحقد:
الذنب ذنبك وذنب أبوكي وذنب راشد عشان محبنيش زي ما بحبه، وذنب كوثر عشان هو حبها وأنا لأ. أنا مستهلش كل ده يحصلي.
جاء صوت عمار من خلفها قائلاً بقهر وحزن:
طب أنا وسفيان ذنبنا إيه؟ المفروض أنا، إحنا ولادك.
اقترب سفيان من ميان يتفحصها بقلق شديد ليتفاجأ بيد رأفت تدفعه بعيداً عنها بقسوة.
رأفت قائلاً بحدة:
ابعد إيدك الو... دي عن بنتي.
انحنى فارس على الفور يتفحص جرحها حتى يسعفها سريعاً، بعدها وقف سريعاً يجذب أحد المفارش التي تزين أحد الطاولات يلفها حول رأسها سريعاً حتى يتوقف النزيف، ثم حملها بين ذراعيه ليتوجه بها للمستشفى قائلاً لرأفت بسرعة:
الوضع ما يسمحش إن حضرتك تمشي، أنا هاخد ميان ع المستشفى بسرعة وأبقى حصلني على هناك.
أرغم رأفت على الموافقة سريعاً قائلاً برجاء:
خلي بالك منها يا بني.
أومأ له سريعاً ثم غادر وخلفه همس متجهين للمستشفى، بينما رأفت التفت ينظر لكاميليا بأعين قاتمة تنوي على كل شر، لكنه توقف مكانه عندما رأى عليا تحتضن كاميليا وكلتاهما تبكيان بقوة.
جذبها بقسوة قائلاً بغضب لعليا:
انتي بتعملي إيه؟ دي قتلت ابنك وكان هتموت بنتك وتوديها في ستين داهية، في الآخر تحضنيها!!!
عليا بقهر واعتراف منها:
أبويا السبب يا رأفت، ابني مات بسبب أبويا، الذنب اللي ارتكبه زمان معاها. ولادي بيدفعوا تمنه وولادها كمان، كلنا دفعنا تمن اللي عمله. مش طايقاها وصعبانة عليا في نفس الوقت، قلبي محروق على ابني وبنتي و...
لم تكمل حديثها فقد سيطر على الجميع حالة من الفزع والصدمة عندما سقطت كاميليا أرضاً والدماء تغطي وجهها أثر تلك الرصاصة التي اخترقت منتصف جبينها.
انحنى عمار يتفحصها بصدمة وأعين جاحظة كذلك سفيان. كلاهما طوال الأعوام الماضية لم يكف كلاهما عن قول إنهما يكرهونها، لا يكترثون بها، لكن تلك اللحظة تبخرت تلك الكلمة من قاموسهما. الانكسار والحزن سيطر عليهما. تلمس عمار جبينها قائلاً بدموع:
قومي كلميني، مش هقولك بكرهك تاني. هقولك بس قد إيه بحبك وقد إيه كان نفسي تفضلي جنبي متسبنيش. هقولك برغم كل اللي عملتيه قلبي مش عارف يكرهك يا... أمي.
حالة صمت سيطرت على سفيان، لم ينطق بأي كلمة، فقط ينظر لها مصدوماً. كان رأفت وسالم والرجال يبحثون عن من أطلق النار، لكن لا أثر لأحد.
احتضنها عمار وسفيان متشبثين بها بقوة، كلاهما في حالة صدمة وعدم تصديق. ألم عاصف يضرب قلبهما على ما مرت به والدتهما. مذنبة، لا أحد منهما ينكر، لكنها أيضاً ضحية.
مرت الجنازة والعزاء بحضور سفيان وعمار. تجاهل الجميع تعزية سفيان تماماً، اكتفوا بتقديم واجب العزاء لعمار وحده، مما أثار حزن سفيان أكثر. بيده جعل الجميع يبغضه وينفر منه، لقد أصبح وحيداً بهذه الحياة. يتمنى لو الزمن يعود، لما سمح لهم بخداعه. لكان استمع لها وكانت الآن بين ذراعيه بجانبه.
بينما ميان خرجت باليوم التالي من المستشفى. لقد كان جرحها سطحي، وعلمت كل ما حدث من جدها. لم تشفق عليها أبداً، فلا مبرر لجرائمها، هي من اختارت أن تكمل حياتها هكذا.
"أنا ابتديت أحس إن الجوازة دي منحوسة!"
قالها قصي بإحباط لسيلين التي كتمت ضحكتها بصعوبة قائلة:
ليه بس كده؟
رد عليها بضيق ونفاذ صبر:
إنتي عارفة كام مصيبة حصلت من بعد الفرح لحد دلوقتي، ده إحنا الحمد لله إن لسه عايشين أصلاً.
أومأت له قائلة بابتسامة حزينة وهي تحتضنه:
اللي حصل الفترة اللي فاتت دي صعب أوي، ميان صعبانة عليا أوي. اللي حصل صعب على أي حد يتحمله، تخيل في ليلة المفروض إنها ليلة العمر زي ما بيقولوا يحصلك كل ده. قتلها وهي هي لسه عايشة، معندوش قلب. أياً كان كرهك لشخص ده ميعنيش إنك تدمره بالشكل ده.
تنهد بحزن قائلاً:
سفيان طول عمره متهور، بيحكم من غير ما يسمع. علاقته بنرمين زمان من أيام الجامعة كانت قوية، كانوا أصحاب جامد أوي، كان بيثق فيها. في نفس الوقت ثقته في ميان مهزوزة على الآخر، كام كلمة منها نهوا الثقة تماماً ناحية ميان.
سيلين بحزن ودعاء:
ربنا يعوضها ويرزقها بالأحسن منه، بنت حلال وجدعة وتستاهل كل خير والله.
اقترب منها قائلاً بمكر:
بقالنا ساعة بنرغي سوا مع إن المفروض كنا نستغل الوقت ده!
سألته بعدم فهم:
نستغله في إيه؟ مش فاهمة!
ردد بابتسامة ماكرة:
حالاً هفهمك.
باللحظة التالية كان يحملها بين يديه لداخل الغرفة مغلقاً الباب بقدمه. سرعان ما تعالى صراخها بسعادة عندما أخبرها أن شهر عسلهم المؤجل سوف يبدأ من الغد حيث سيسافر الاثنان بداخل مصر لمدة أسبوعين، والاثنان غافلان عن ما ينتظرهم بعدها.
بينما بأحد السجون كان زاهر يستمع لأحد المساجين الذي يتحدث معه بصوت خفيض:
كله تمام يا باشا، الست اللي قولت عليها باتت الليلة في قبرها، والباشا الكبير بيقولك هيخرجك من هنا لما ييجي الوقت المناسب يا زاهر باشا.
أومأ له الآخر يبتسم بتوسع. لقد تحققت واحدة من أمنياته، كاميليا ماتت، لقد انتظر تلك اللحظة سنوات طوال. صحيح أنها لم تمت بيده، لكن المهم أنها ماتت أخيراً. تلك الحقيرة سبب كبير من أسباب دمار حياته سابقاً. الرصاصة التي قتلت بها غالية، كثيراً على رخيصة مثلها.
بينما بسجن آخر خاص بالنساء كانت امرأة بحالة يرثى لها تنظف الأرض بخرقة قديمة. تلك المرأة بالطبع جميعاً نعرفها، إنها هي "نرمين".
كانت تنظف وهي تشعر بالإنهاك الشديد، تحاول أن تنهي عملها سريعاً حتى لا تتعرض للضرب المبرح من المسجونات التابعات لكبيرة السجن التي تدعى بـ "تفاحة". لكن يبدو أن اليوم لن تفلت من أيديهم أيضاً، فقد اقتربت منها تفاحة تركلها بقدمها في جانبها حتى سقطت أرضاً و تبللت ثيابها بالماء، فضحكت المسجونات عليها. وضعت الأخرى قدمها فوق وجهها تضغط عليه بنعلها بقوة، حاولت الأخرى الابتعاد لكن دون جدوى، فتلك تفاحة بنيتها ضخمة لن تقدر عليها. حاولت حتى استطاعت في النهاية، فسقط الأخرى أرضاً فوق ظهرها أثر جذب نرمين لقدمه.
تراجع نرمين للخلف برعب عندما انهالت عليها المسجونات بالضرب المبرح دفاعاً عن كبيرتهم التي وقفت قائلة بغضب كبير:
ده أنتي ليلة أهلك سودا، كتفوها يا ن...
وهتوها.
كانت تنتحب بقوة، سرعان ما توسعت عيناها بذعر عندما رأتها تخرج شفرة حادة، سرعان ما نزلت بها على وجهها تشوهه لها، والأخرى تصرخ بعلو صوتها طالبة النجدة، لكن بعد ماذا؟
مرت الأيام سريعاً. مضى شهران على وفاة كاميليا. لم يحدث بهم شيئاً جديداً سوى أن عمار ذهب برفقة فريدة وسفيان لطلب يد والدة لينا لتصبح الأخرى خطيبته رسمياً، وهمس تتقرب من يزن يوماً بعد الآخر، وميان منذ أن بدأت الدراسة وهي تصب كامل تركيزها عليها.
اليوم هو حفل خطبة "لينا وعمار". حفل بسيط بأحد المناطق المفتوحة على البحر، يقتصر فقط على المقربون والأصدقاء كما رغب الاثنان بذلك. حضر أيضاً كلاً من فارس وكارم وحضر يزن. بينما رأفت وعليا وسالم اعتذروا عن الحضور. لقد كانت حالة عليا النفسية مدمرة على الأخير بسبب ما حدث من كاميليا وطريقة موتها البشعة. كان رأفت بجانبها طوال الوقت. بينما سالم قد عاد للبلد ليتابع أعماله المعطلة منذ فترة.
كان سفيان يقف بجانب منفصل عن الجميع. الكل يتعامل معه بحدود بعدما فعل ما فعل مع ميان. سقط بنظر الجميع وخسر احترامهم.
كان يتابع باب الدخول بلهفة بانتظار دخولها. لم يراها سوى مرتان يوم مكوثها بالمستشفى ويوم اعتداء والدته بالضرب عليها. حبست أنفاسه ما إن رآها تدخل من الباب بفستان أسود طويل بدون أكتاف وخصلات شعرها المموجة طليقة. صبغت شفتيها بأحمر شفاه ناري. خطواتها كلها ثقة. نظراتها مختلفة عن السابق. تلك لا يعرفها. يعرفها!!!
ضحك بسخرية كأنه كان يعرفها قبلاً. لو كان يعرفها قبلاً لكان صدقها ووثق بها، لكنه أبداً لم يفهمها. مضت من أمامه دون أن تعطيه نظرة واحدة وتخطته مقتربة من لينا وعمار تهنئهم ولم تعره أي اهتمام. بعدها بحثت عن همس لتجدها تقف بجانب يزن، الاثنان مندمجان بالحديث، وكذلك قصي وسيلين.
ذهبت باتجاه طاولة كارم وفارس. ما إن وجدت أنها لا تعرف بالزفاف سوى هما. حيث عائلة سيلين يقفون بجانب فريدة وبالطبع هي لا تطيق النظر إلى فريدة حتى لا الحديث معه. منحتهم ابتسامة صغيرة فحياها الاثنان بنفس الابتسامة، لكن ابتسامة فارس تختلف، فقد كانت ممزوجة بأعجاب شديد بجمالها. أبعد عينيه عنها بحرج بعدما لاحظ أنه بقى متأملاً فيها لوقت.
عكسه كان كارم الذي يكور قبضة يده بحقد وغِل من يزن الذي يقف ويتبادل الحديث باندماج واستمتاع مع همس التي تبادله الحديث بشغف أيضاً.
ردد فارس بخفوت وحزن بعدما غادر كارم بعيداً:
بيحبها أوي.
أومأت ميان قائلة بأسف:
سهل إن أي حد يعرف إنه بيحبها، بس للأسف قلبها مع غيره. أنا أكتر واحدة جربت وجعه، بس الفرق إن وجعي على حد ما يستاهلش.
ردد فارس بهدوء:
محدش بيتعلم ببلاش.
رددت بخفوت وهي تتحسس موضع رحمها:
بس التمن كان غالي أوي.
أخذت تغلق عينيها وتفتحها عدة مرات تمنع نفسها بصعوبة من البكاء، خاصة في وجوده، فهي متأكدة مئة بالمئة أنه يراقبها الآن. تركت فارس وتوجهت ناحية الشاطيء تقف أمامه تأخذ نفساً عميقاً وتخرجه تحاول أن تهدأ من انفعالها بعدما داهمت الذكريات عقلها بقوة.
أخذت تتحسس ذراعيها تشعر بالبرد الشديد فقد تركت الفروير الخاص بها بالسيارة. كادت أن تلتفت لتذهب وتأتي به، لكنها توقفت مكانها ما إن شعرت بأحدهم يضع على كتفها سترته. بالطبع علمت من أنه هو، رائحته التي تميزها من بين الجميع. قبلاً كانت تعشقها، أما الآن تشمئز منها حقاً. انتابتها رغبة ملحة بالتقيؤ. التفتت دافعة سترته من على ذراعيها بقرف.
كادت أن تغادر لكنه أوقفها متمسكاً بيدها مردداً برجاء:
ميان اسمعيني لحظة بس.
دفعت يده بعيداً عنها بقرف دون أن تنظر له أو توجه له أي كلمة، ثم اقتربت من طاولة فارس مرة أخرى الذي كان يتابعها بعينيه منذ البداية. نظر لها ليجدها تحك جلد معصمها وملامح الاشمئزاز والقرف مرتسمة على وجهها.
سألها بهدوء:
فيكي حاجة؟
نفت برأسها قائلة بنفس ملامح الاشمئزاز وهي تلتقط حقيقة يدها الصغيرة:
أنا ماشية.
لحق بها سريعاً وأعين سفيان تتابعهم بغيرة شديدة. لا يعرف من ذلك الرجل الذي تقف بجانبه منذ مجيئها، ثم لحق بها الآن. ما إن غادرت. لحق بهما ليتوقف بمكانه بصدمة مكوراً قبضة يده بغل عندما شاهد ما يفعل ذلك الرجل.
لحق فارس بها قائلاً بهدوء:
استني، مينفعش تمشي دلوقتي ولوحدك.
رددت بقهر:
مش قادرة أستنى هنا، مش طايقة أشوفه. لو فضلت هنا دقيقة كمان مش بعيد أقتله من غلي وغضبي منه.
كانت ترتجف من الغضب والبرد. أزال سترته سريعاً يضعها على كتفها قائلاً بقلق:
طب اهدي وخذي نفس، أنا هوصلك.
دفعها برفق نحو سيارته، والأخرى ترتعش من الغضب من الذكريات التي عصفت برأسها. صعدت للسيارة تردد بغضب كأنها تحدث نفسها والآخر يقود السيارة بصمت ويتابعها بشفقة وحزن:
عايزني أسمعه، طب هو مسمعنيش ليه؟ سنين فضل يهين ويذل فيا من غير ما يسألني ويسمع ردي، عمل فيها قاضي وحكم من غير ما يسمع، سنين فضلت أتحايل عليه يسمعني مسمعش، اتهمني في شرفي أكتر من مرة من غير ما يدي لنفسه فرصة يسمعني، حتى أجمل ليلة في حياة كل بنت خلاها أسوأ ليلة في حياتي عشان برضه مسمعنيش.
توقف فارس بسيارته على جانب الطريق ينظر لها بشفقة وحزن قائلاً:
انسي و...
قاطعته قائلة بغضب وقهر:
بطلوا تقولولي انسي، مش زرار هو هضغط عليه وأنسى على طول. محدش فيكم مكاني، محدش شاف اللي شوفته. واللي قاهرني إني مش قادرة أشتكي من الوجع اللي جوايا لأن متأكدة أول كلمة هتتقالي انتي اللي عملتي في نفسك كده. قبلت الأول وبعدين انسحبت وأنا ع البر، بس هي استكترت عليا ده، أجبرتني أكمل معاه وخلتني غصب عني جوه اللعبة بعد ما كنت انسحبت منه.
دخلت بنوبة بكاء مرير وهي تضع يداها على وجهها. تنهد بحزن عليها. التفت بجسده إليها ثم برفق نزع يدها عن وجهها والأخرى ترتعش من شدة البكاء. رفع يداه يحاوط وجهها برقة ثم أخذ يزيل دموعها بحنان قائلاً بنبرة لينة:
كفاية دموع يا ميا.
أخذ يمرر إصبعه على وجنتها برفق يمسح دموعها التي تعود وتنساب من جديد. تفاجأ بها تعانقه وتبكي بقوة. تعالت ضربات قلبه من قربها. رفع يده يضمها إليه هو الآخر. كانت تبكي بقوة وترتعش بين يديه. لم تكن تعي ما تفعل. تعالى رنين هاتفها جعلها تنتفض بعيداً عنه مصدومة مما فعلت.
رفع يده يحك عنقه بحرج من الموقف. رددت ميان باعتذار وخجل من فعلتها:
آآ... آسفة.
ردد هو الآخر بحرج:
أنا كمان آسف، خليني أوصلك ع البيت يلا.
قبل أن يقود سيارته أعطاها منديلًا وزجاجة مياه. التقطتهم منه قائلة بصوت خفيض:
شكراً.
بعد وقت توقف بسيارته أسفل منزلها. شكرته وقبل أن تنزل من سيارتها أوقفها قائلاً:
المستشفى عندي بتقبل متدربين في الفترة دي، يعني لو حابة تقدري تيجي المستشفى بكرة. أنا قولت لهمس ولينا وموافقين. لو انتي كمان موافقة بكرة الساعة عشرة الصبح تعالي المستشفى.
أومأت له بصمت ثم غادرت السيارة على الفور. بقى مكانه يراقبها حتى اختفت عن أنظاره ثم انطلق بسيارته مغادراً يفكر بها. لما باتت تشغل حيزاً من تفكيره في الفترة الأخيرة. تنهد مجيباً نفسه بنفس الإجابة التي كان يخبر نفسه بها الأيام الماضية، إنه فقط شعور الشفقة والحزن عليها بسبب ما مرت به هو الذي يسيطر عليه تجاهها لا غير.
قام عمار بتوصيل لينا لمنزلها. فبعد انتهاء الحفل ذهب الاثنان لتناول العشاء بالخارج. قبل أن تنزل من السيارة رددت بمزاح:
على فكرة شنطة السكاكين لسه مجبتهاش.
ضحك قائلاً بغيظ مقلداً إياها:
متنساش الساطور.
ضحكت بقوة وهي تتذكر ما حدث بينهما قبل يوم من وفاة كاميليا.
Flash back
- لينا مالك فيكي إيه؟
قالها عمار بنفاذ صبر للينا التي كانت تتهرب منه.
رددت لينا بتوتر وتهرب من الجواب:
ماليش فيا إيه يعني.
زفر بنفاذ صبر قائلاً بضيق:
معرفش والله بس إنتي اللي عارفة.
تهربت من النظر إلى عيناه قائلة بتوتر وكذب:
بيتهيألك يا عمار أنا كويسة.
رد عليها عمار بسخرية قائلاً:
كويسة!!!
أو ما اتلغوا عدة مرات بصمت. فـ رآفـ..ـع هو يده يثبت بها وجهها حتى تنظر له قائلاً بتهكم وعدم تصديق:
كان ممكن أصدقك لو قولتي الكلام ده من غير ما تتهربي بعينيكي.
ردت عليه بصوت مختنق:
مش بهرب.
صرخ عليها بغضب قائلاً:
إيه يا لينا بقالك فترة متغيرة معايا. قولت يمكن من اللي حصل بس إنتي معايا أنا بس. لو زعلانة مني قولي علطول.
أنسابت دموعها على وجنتيها فسألها عمار بنبرة لينة قائلاً بعتاب:
طب بتبكي ليه دلوقتي؟ أنا زعلتك في حاجة من غير قصد؟ فهميني إيه يا لينا.
نفت برأسها فسألها بعتاب:
طب اومال إيه يا لينا فيكي إيه؟
بعد صمت دام لدقائق قليلة رددت هي بتوتر وخوف من رد فعله على ما ستقول الآن:
أنا خايفة يا عمار.
سألها بصدمة:
من إيه؟
ردت عليه بخوف وحزن:
منك ومن اللي ممكن يحصل قدام.
سألها بصدمة:
مني!!! ثم تابع بانكسار: خايفة مني ليه عشان كنت مدمن؟
نفى برأسها فسألها بحزن:
اومال إيه، إيه اللي عملته عشان تخافي مني؟
رددت بانهيار وخوف:
معملتش حاجة بس خايفة تعمل. خايفة تبقى زي سفيان بعدين. خايفة أكون مكان ميان في يوم من الأيام.
صمته للحظات قائلاً بحزن:
لكي حق تخافي.
كاد أن يرحل من أمامها لكنها وقفت أمامه تمنعه من الرحيل قائلة بحزن:
رايح فين؟
ردد بألم وحزن منها:
فهمت رسالتك مش عايزة تكملي، بس مكنش فيه داعي للف ودوران. كنتي قولتي من ساعة ما حسيتي مني بالخوف إنك مش عايزة تكملي بدل ما تفضلي تتهربي مني كده.
رددت بتوسل أن يفهمها:
عمار افهمني بس...
قاطعه قائلاً بألم:
أنا فاهمك كويس يا لينا.
نفت برأسها قائلة بدموع:
لأ مش فاهمة.
ثم تابعت بحزن وهي تتمسك بيده:
فاكر أول مرة قولتلي بحبك قولتيلي إيه كمان؟ قولتلي انتي يعني أنا. رديت عليك وقلتلك وأنا يعني إنت. أنا بتكلم معاك دلوقتي كأني بكلم نفسي.
ثم تابعت بعتاب:
أنا بقولك ع اللي جوايا مش عشان تسيبني وتبعد. بقولك عشان تطمنيني يا عمار، تطمنيني إنك دايما جنبي وهتحبني ومستحيل تكون كده.
عاتبها قائلاً:
المفروض إنتي تكوني عارفة كده من نفسك ويكون عندك ثقة فيا.
تنهدت قائلة بحزن:
مين قال إن مش واثقة فيك. كل الحكاية إن محتاجة أطمن يا عمار، مش محتاجة منك لوم وعتاب. أنا بس محتاجة منك تطمني. صورة ميان مش بتفارق بالي من يومها مرعوبة خايفة يجي يوم يحصلي اللي حصلها.
تنهد قائلاً وهو يحاوط وجنتيها بحنان:
أنا جنبك ومعاكي صدقيني. الموت عندي أهون من إني أخليكي تعيشي اللي هي عاشته. إنتي بنتي قبل ما تكوني حبيبتي والأب عمره ما يأذي بنته.
ضمت شفتيها قائلة وهي تمسح دموعها بظهر يدها:
طب لو عملت كده في يوم من الأيام.
ضحك بخفوت قائلاً بمرح:
هشترلك شنطة سكاكين بحالها ادبحيني بيهم كلهم لو جيه اليوم ده، مع إني واثق زي ما أنا شايفك دلوقتي إن عمره ما هييجي.
ضحكت بخفوت قائلة وهي تلكمه بصدره:
مستني تتأكد إن معاهم الساطور.
ضحك بقوة قائلاً وهي يضع يده على رقبتها بمزاح كأنه سيخنقها:
ساطور ها.
أومأت له بضحك فجذبها لاحضانه قائلاً بعشق:
أنا بموت فيكي يا قلب عمار.
Back
ضحك الاثنان بقوة مقبلاً يدها قائلاً بحب:
مبروك عليا إنتي يا لينا وعقبال كتب الكتاب والفرح.
باليوم التالي اتفق الثلاث فتيات مع فارس على التدريب بالمستشفى الخاص به بداية من الغد. ابتسمت ميان بسخرية وهي تجلس أمام فريدة التي فاجأتهم بزيارتها صباح اليوم تخبرها عندما جلست معها بمفردها كما طلبت:
أنا عارفة إن سفيان غلط بس ندمان، ارجعيله يا بنتي.
قاطعتها ميان قائلة بسخرية:
إنتوا الاتنين بتحبوا بعض وندمان والكلام اللي كنت بتشجعيني عليه زمان كنتي بتستغلي حبي ليه عشان توصلي للي عاوزاه، بعد كل اللي حصل جيتي بس عشان صعب عليكي حفيدك إنما أنا أولع بجاز، كل اللي قولتييه غلط وندمان ارجعيله.
نظرت لها باشمئزاز متابعة حديثها بغضب:
غلطه بقى ده نتج عن إيه، دمر مين بسببه ولع مين ما يخصكيش انتي. كل اللي يخصك حفيدك بس.
صمتت ميان لحظة قائلة بغضب:
حقارة سفيان دي أنا عرفت منين جدته مثل أعلى والست الوالدة طبعاً. ده في مثل بيقول الإحساس نعمة بس للأسف مش عندك ولا عند حفيدك.
فريدة بحدة:
ميان اتأدبي واعرفي إنتي بتكلمي مين.
ردت عليها ميان بصرامة:
اطلعي بره!
سألتها فريدة بصدمة:
إنتي بتقولي إيه!
ميان بغضب بعد أن نادت على الخادمة:
اللي سمعتيه. بعاملك بالأسلوب اللي بتفهمي بيه. مش عايزة أشوفك تاني حتى لو صدفة. وإن كان على حفيدك يولع بجاز ميهمنيش.
جاءت الخادمة فأمرتها ميان بحدة وصرامة:
وصليها للباب.
نظرت لها فريدة بغضب كبير ثم غادرت نادمة على مجيئها إليها.
بمنزل عاصم الشريف حيث يجتمع العائلتان على الغداء. رددت والدة يزن فجأة وبدون مقدمات:
إيه رأيكم نخلي الفرح بعد شهر؟
ردت عليها والدة همس:
ليه الاستعجال بس؟
نفخت الأخرى برأسها قائلة بحماس:
لأ استعجال ولا حاجة يا هبة. بذمتك مش نفسك تشوفي ولادهم بيلعبوا حواليكي كده ويقولولك يا تيتا وتفرحي بيهم؟
هبة بتمني:
ده أنا مستنية اليوم ده بفارغ الصبر.
ثم نظرت لعاصم قائلة:
إيه رأيك يا عاصم؟
صمت عاصم للحظات ثم قال وهو يشير ليزن وهمس اللذان يستمعان للحديث بصمت:
والله الرأي رأيهم هما الاتنين لأنهم اللي هيتجوزوا مش إحنا، وهما اللي يقرروا مستعدين للخطوة دي دلوقتي أو لأ.
ردد والد يزن مؤيداً حديثه:
معاك حق يا عاصم.
صمتت همس تنتظر سماع رد يزن فعلى أساسه ستقرر شيئاً ما. ليصمت الآخر متحدثاً بعد لحظات:
أنا عن نفسي موافق.
ابتسمت همس بخفوت تنظر لوالدها تحرك رأسها بنعم. فردد صلاح بسعادة:
يبقى على بركة الله نبدأ بالتجهيزات من انهاردة.
كان عاصم صامتاً طوال الوقت. وما إن غادر الجميع استوقف ابنته قبل أن تصعد لغرفتها قائلاً:
همس لآخر مرة هسألك، إنتي مرتاحة ومبسوطة؟ إحنا لسه ع البر لو مش مرتاحة قولي فكري كويس يا بنتي ده جواز.
منحته ابتسامة صغيرة قائلة:
أنا كويسة يا بابا ومبسوطة متقلقش عليا.
صعدت لغرفتها فجلست هبة بجانب عاصم تلومه:
مالك يا عاصم؟ كنت ساكت خالص طول ما كانوا هنا. بتسأل همس كده ليه؟ هو حصل حاجة؟
عاصم بقلق:
أنا مش مرتاح يا هبة، يزن محترم وكل حاجة، بس مش بيحب بنتي.
سألته بتعجب:
ليه بتقول كده بس؟
عاصم بشرح لتلك التفاصيل التي لم تفوت عليه:
لما والدته فتحت موضوع الجواز مكنش عنده لهفة. يعني أي واحد بيحب واحدة بيكون ملهوف عليها ومستني اللحظة اللي تكون مراته، بس هو لأ. لو فرضنا مثلاً إنه خجول، مفيش أي تأثر في عينه. بالعكس شوفت حزن. حتى ساعة الخطوبة كان نفس الكلام. لما اتخانقوا ورجعوا اتصالحوا رجع صالحها بعد إيه.
تنهد قائلاً بحزن:
اللي مسكني إن بنتك مبسوطة وموافقة.
هبة بابتسامة صغيرة:
والله هتطلع كل شكك ده أوهام ملهاش داعي. إنت بس ادعيلهم ربنا يسعدهم سوا.
أومأ لها بصمت وعقله مشغولاً بابنته يتمنى حقاً أن تكون أوهام وأن يخيب ظنه.
بعد مرور ثلاثة أسابيع كان سفيان يجلس ببهو فيلته التي أصبحت ساكنة بدون حراس وخدم يعيش بداخلها بمفرده. كانت حالته يرثى لها، أهمل عمله، هيئته غير لطيفة بالمرة. ينظر للفراغ بأعين حمراء من البكاء. لقد خسر الجميع، ميان لا تقبل النظر لوجهه حتى أو الحديث معه بكلمة واحدة. كل يوم يذهب إليها ينتظرها أسفل تلك المستشفى التي تعمل بها مؤخراً برفقة ذلك الطبيب الذي يتمنى حقاً تشويه وجهه وقتله دوماً بجانبها. نظراته لها تثير غيرته. أغمض عينيه يتذكر ما حدث منذ ما يقارب الأسبوعان عندما ذهب للحديث معها لتفاجئه بردة فعلها.
Flash back
دخل للمستشفى يسأل عنها حتى علم أنها بغرفة العمليات. صعد لها على الفور. ما أن وصل رآها تخرج من غرفة العمليات برفقة ذلك الطبيب تبتسم بتوسع وهي تحمل بيدها طفل رضيع يلتف بفراش صغير أزرق، والآخر يحمل على ذراعه طفلة صغيرة ملتفة بفراش مماثل لكنه ذو لون وردي.
اقترب منهما والغيرة والندم ينهشان قلبه، لكن توقف ما أن استمع لوالد الطفلين يقول بسعادة:
توأما.
أومأت له ميان قائلة بابتسامة جميلة:
ألف مبروك، يتربوا في عزك وعز مامتهم.
ردد ذلك الطبيب بابتسامة جذابة:
مكنتوش تعرفوا؟
أومأ الرجل برأسه وهو يأخذ الطفلة منه:
قولنا نخليها مفاجأة، وكانت أحلى مفاجأة. كرم ربنا كبير رزقنا بيهم بعد خمس سنين حرمان.
ربت على كتفه قائلاً بابتسامة:
ألف مبروك، زوجة حضرتك هتتنقل أوضتها وتقدر تطمن عليها، هي بخير وأولادك كمان بخير، بس الممرضات هيبدلوا هدومهم وعلى ما المدام تفوق هيكونوا خلصوا.
أومأ له الرجل بلهفة فتسألت ميان بفضول:
هتسميهم إيه؟
نظر لهم الرجل بابتسامة بشوشة قائلاً:
حضرتك اسمك إيه؟
ردت على سؤاله فكرر سؤاله للطبيب فأجابه منحهم ابتسامة جميلة قائلاً:
فارس وميان، أسامي ولادي.
توسعت أعين الاثنان بصدمة وسعادة، لكن فارس ربت على كتفه قائلاً بابتسامة:
متستعجلش وخذ رأي المدام. ربنا يبارك لك فيهم ويجعلهم ذرية صالحة.
ابتسم الرجل وقرب شفتيه من أذنهم مؤذناً بها، ثم أخذهما الممرضات ودخل الرجل للغرفة مع الباقين ليساعد زوجته. فرددت ميان بابتسامة واسعة:
شوفت يا دكتور فارس حلوين إزاي ما شاء الله، زمان مامتهم هتفرح بيهم أوي.
ابتسم بهدوء قائلاً:
أكيد، إنتي خلاص نويتي تتخصصي في أمراض النساء والتوليد؟
أومأت له قائلة بابتسامة:
إن شاء الله، بس يا ترى لما أتخرج ليا مكان هنا أشتغل فيه ولا أشوف مستشفى تانية.
ابتسم بزاوية شفتيه قائلاً:
المستشفى كلها تحت أمرك، اعتبريني ضيف عندك واعملي اللي عاوزاه.
ضحكت بخفوت قائلة:
مش للدرجة دي يعني، أصل بصراحة بعد اقتراحك ليا إني أتدرب هنا حبيت جو المستشفى أوي وحبيت الشغل هنا وحابة أستمر إن شاء الله.
نظر لها للحظات ثم قال:
انبسطت إنك مرتاحة معانا هنا، وزي ما قولتلك المستشفى كلها بتاعتك.
كادت أن ترد لكن ماتت الكلمات على شفتيها ما أن استمعت لصوت تعرفه بل تحفظه على ظهر قلب. إنه هو "سفيان" منادياً اسمها.
التفتت له تنظر لوجهه الذي كلما لمحته تعود ذكريات تلك الليلة تتدفق لعقلها وكلماته الممزوجة بصوت صراخها ترن بأذنها. انتفضت ما أن وضع يده على ذراعها قائلاً بتوسل أن تستمع له ولو لمرة:
ميان، ممكن تسمعيني.
ينظر لعيناها لتصدمه بنظرات نفور وكره كبير لم يسبق أن رآه بداخل عينيها. دوماً ما كان يرى الحب، الحب فقط. خطت للأمام متجاهلة إياه تماماً. فعاد وركض خلفها يتمسك بيدها حتى لا تذهب، لكنها دفعته بقوة كبيرة بعيداً عنها مشمئزة نافرة منه وحاقدة عليه. أشار لها بيده أنه لن يقترب قائلاً:
مش هقرب ومش هلمسك، بس اسمعيني. أنا كنت معمي ومغفل وغبي، أنا غلطان يا ميان وغلطي كبير مش سهل يتغفر، بس حطي نفسك مكاني. كل حاجة كانت بتقول إن لازم أكدبك ولازم أصدقها. أنا شوفتك بعيني وسمعت. أي حد مكاني كان هيفكر كده. أنا مش بحط مبرر بس، بس يمكن اللي بقوله يشفعلي عندك إنك تسامحيني. أنا بحبك وكل كلمة كنت بقولها وبوجعك بيها كانت من صدمتي فيكي ووجعي منك.
كان فارس يضم ذراعيه لصدره يتابع ما يحدث بهدوء، لكن عيناه لا تتوقف عن إلقاء نظرات محتقرة نحو الآخر. يتساءل أي نوع من الرجال هذا. كلمات اعتذار واحدة تلو الأخرى يقولها والأخرى تستمع له دون حديث. وما أن انتهى نظرت له مطولاً ثم تحدثت له ولأول مرة بعد تلك الليلة:
عايز تعرف ردي مش كده؟
أومأ لها بأعين حزينة والندم يقطر منها. فابتسمت هي بزاوية شفتيها ظناً أنها اقتنعت بما قال وابتسم بسعادة سرعان ما تبددت عندما رفعت يدها ثم هوت بها بقوة على صدغه. صفعة قوية تعالى صداها بالأرجاء، صفعة قوية مهينة لكرامته.
تعالت همسات الجميع من حولهم على بينما اعتدل فارس بوقفته متأهباً إن حدث أي شيء. رددت ميان بقوة واشمئزاز:
ردي وصلك صح، بس عايزة أقولك حاجة. أنا مش هحط نفسي مكانك لأن ميان القاضي مكانها مش الزبالة.
صفعة وكلمات مهينة شهدها الجميع. كور قبضة يده غاضباً وصمت مبتلعاً الإهانة لأنه يستحق.
Back
مسح دموعه التي عادت تنساب على وجنتيه من جديد من شدة الندم والحزن على حالته التي وصل لها بفضل غبائه وتهوره.
دخل عمار من الباب المفتوح بإهمال ليتفاجأ بحالة شقيقه. اقترب منه قائلاً بحزن واشفاق عليه:
هتفضل ع الحال ده لحد إمتى؟
لم يرد عليه فتابع هو بضيق:
دي مش عيشة دي يا سفيان. فوق بقى وارجع اقف ع رجليك. إنت كده بتخسر كل حاجة. شغلك وحياتك واللي بنيته السنين اللي فاتت هيضيع منك.
رد عليه بحزن وألم:
كل ده ملوش لازمة من غيرها. ياريت كل ده يضيع واكسبها هي من تاني. الندم بينهش قلبي يا عمار وجملتها مش بتفارقني. قالتلي الندم وحش أوي بلاش تجربه وياريتني سمعت منها. ياريت كنت سألتها يا عمار. كاميليا ماتت بعد ما دمرتني ومع ذلك رغم كل اللي عملته موتها كسرني يا عمار.
تنهد عمار قائلاً بحزن متجاهلاً الحديث عنها:
خسرتها فبلاش تخسر كل حاجة يا سفيان. فوق لحياتك بقى وابعد عنها. سيبها تعرف تداوي جرحها اللي في كل مرة بتشوفك فيها بيرجع يتفتح من تاني. إنت مخبطش فيها بالغلط، شافت منك وجع وعذاب سنين عشان تيجي إنت وتختمه باللي عملته. إنت وميان الحياة بينكم بقت مستحيلة. وإن كانت هتنفع زمان فدلوقتي وبعد اللي حصل.
أسف سفيان بغضب وأمل:
بس أنا مش هيأس. أنا وراها لحد ما تسامحني. هي بتحبني يا عمار. حب سنين مش ممكن يتنسي في بسهولة كده. هي بس محتاجة شوية وقت.
قبل أن يتحدث عمار بكلمة كان سفيان يخرج من الفيلا سريعاً متوجهاً حيث هي، سيحاول الحديث معها اليوم أيضاً.
كرامتها استُردت الآن!
كبريائها الذي كان يدهسه يوماً بعد يوم عاد إليها من جديد وهي تراه يقف بتلك الهيئة المزرية وحالته التي يرثى لها. يكاد يقبل قدمها لكي تنظر له نظرة واحدة ليس فقط كلمة! بل يتمنى نظرة!
ابتسمت بتشفي وهي تراه من الأعلى عبر واجهة المستشفى الزجاجية التي تعمل بها. يجلس على مقدمة سيارتها. شعره مشعث وذقنه التي كانت دوماً حليقة نبتت وأصبحت مشعثة. ملابسه التي كانت دوماً مهندمة لم تعد كما كانت. لقد تغير كلياً. الحزن يملأ قسمات وجهه. عيناه زابلة حمراء من كثرة البكاء. كلما رق قلبها له تذكرت نفسها بما فعله قبل شهور طويلة وكيف بكل برود دفعها عارية لا يسترها إلا القليل أسفل قدم والدها قائلاً بجبروت وقسوة:
بنتك مبقتش تلزمني، إنتِ طالق!
ربما كانت تغفر له ما مضى بأكمله، لكن ما حدث تلك الليلة وفقدان طفلها الذي قتله بقسوة وبدون رحمة كانت نقطة تحول. لقد جعلها تلك الليلة من امرأة عاشقة له إلى أخرى لم تكره بالعالم سواه.
تراجعت للخلف متوجهة للمرحاض تهندم من ثيابها. تنظر لنفسها بالمرآة مرددة بغل:
لسه، الحكاية مخلصتش على ندم وبس، الحكاية مخلتصش لحد كده يا سفيان. كل اللي أنا عيشته إنت لازم تعيشه وأكتر... أكتر بكتير!
نظرت لنفسها بثقة ثم غادرت المرحاض متوجهة لخارج المستشفى بخطوات واثقة وكبرياء. ما إن لمحها تخرج من الباب ركض إليها متوسلاً:
ميان ارجوكِ كفاية كده بلاش سكوتك ده. اصرخي اتكلمي وعاتبي حتى لو هتضربيني مش هقدر أفتح بوقي بكلمة. اعملي أي حاجة بس بلاش سكوتك وتجاهلك ده، بيموتني بالبطيء.
توقفت عن السير بينما هو يسير خلفها كالمتسولين. التفتت له قائلة بابتسامة لا تنم عن خير أبداً. مرددة بثقة وغِل:
أحب ما على قلبي إنك تموت بالبطيء!
قالتها ثم صعدت لسيارتها مغلقة إياها عليها من الداخل، بينما هو يطرق على الزجاج حتى تنظر له أو تسمعه، لكنها لم تلتفت له من الأساس بل قادت سيارتها غير مبالية به أو بتوسلاته.
الوقت يمر سريعاً كذلك الأيام. لقد جاء اليوم المنتظر، إنه زفاف همس ويزن الذي سيقام بأحد الفنادق الكبيرة بحضور الجميع بلا استثناء. علم كارم قبلها بيوم فقط من عاصم. لم تكن همس تملك الجرأة لتخبره بذلك. لينهار حرفياً. وضع يده على قلبه يحاول أن يتنفس قائلاً بصعوبة:
فرحها بكرة يا فارس.
فارس بحزن:
كارم اهدى عشان خاطره.
في الآخر برأسه قائلاً بدموع وألم لا يحتمل ينهش قلبه على ضياع من حلم بها وعشقها:
هتبقى معاه هيلمسها، بعد كده مش هيكون ليا حق أفكر فيها. هتبقى لغيري، هعيش إزاي من غيرها؟ اللي كان مصبرني إن كان فيه فرصة ليا معاها عشان مكنش فيه في حياتها حد. أما دلوقتي أعيش إزاي؟ رد عليا يا فارس هكمل إزاي من غيرها؟
عانقه فارس بقوة فلم يجد ما يواسيه به غير العناق. أخذ يردد بداخله داعياً له أن يصبره الله على القادم. إن كان الآن وهكذى فكيف القادم.
في صباح يوم الزفاف كانت بسمة تخرج من منزلها، لكن قبل أن تفتح باب المنزل استوقفها صوت شقيقتها هند تسألها:
رايحة فين يا بسمة؟
تنهدت بسمة بعمق قائلة:
اتصلوا بيا من الأوتيل بيقولوا فيه فرح. إنها ردة محتاجني معاهم فهقطع الإجازة بقى وأرجع الشغل.
ردت عليها هند بعتاب:
مش كان زمانك بتشتغلي في مستشفى محترمة بدل الخدمة في الأفراح.
تنهدت الأخرى بحزن قائلة:
ياريت كان ينفع، بس أنا في نظر الكل ميتة. يعني لازم إثبات وبطاقة وحاجات كتير. أنا يدوب بمشي نفسي بالبطاقة المضروبة اللي عم مصلحي عملهالي. لولا برضو قرايبته مع صاحب الأوتيل مكنتش عرفت أشتغل لأنهم كانوا عايزين فيش وورق مش هعرف أتصرف فيه.
هند بتعنيف:
والله إنتي اللي عملتي في نفسك كده.
بسمة بضيق وغضب:
مش هنخلص بقى من الأسطوانة دي بتاعت كل يوم. قولتلك مية مرة أنا مش قده.
هند بغضب وتهكم:
فالحة بس تقولي أنا بحب يزن. والله لحد دلوقتي أنا مش شايفة أي دليل على كلمتك دي.
بسمة بغضب ووجع:
إنتي مش في النار عشان كده بتحكمي ع الأمور بمنظورك إنتي بس. إنتي مش مكاني عشان تحسي باللي حاسة بيه يا هند.
هند بحزن وضيق:
لأ مقدرة بس الغلط عليكي من الأول. يزن بيحبك لو كنتي قولتي له كل حاجة من الأول كان زمانك معاه دلوقتي من غير ما تكدبي الكدب ده كله.
- مش هيصدقني.
هند بتصميم على موقفها:
مش بتقولي بيحبك.
أومأت لها بسمة بصمت لترد عليها الأخرى:
لو بيحبك هيصدقك.
تهربت منها قائلة بتعجل:
لازم أمشي هتأخر ع الشغل.
هند بسخرية:
اهربي زي كل مرة، بس هييجي يوم والحقيقة هتبان. ابقى شوفي بقى هتواجهي يزن إزاي هتبرري عملتك بإيه. إنتي عارفة ومتأكدة إنه زمانه موقف حياته عليكي وسنين ضاعت من عمره وهو معيش نفسه في وهم. مش بعيد يكون بيلوم نفسه إنه سبب موتك.
ابتلعت بسمة ريقها بصعوبة وهي تستمع لحديث الأخرى:
لما ييجي يوم ويعرف الحقيقة وتتواجهوا هتقوليله إيه يا بسمة؟ هتبرري اللي عملتيه بإيه؟ بعدتي عنه عشان خايفة عليه وعلى نفسك فعملتي الأسوأ صح.
ثم تابعت بغضب:
اللي المفروض يخاف نادر مش إنتي. روحي ليزن عرفيه الحقيقة حتى لو بعد عنك بس تكوني ريحتي ضميرك. الله أعلم اللي اسمه نادر ده معيش أخته إزاي. ذنب العيلة دي وذنب يزن وأخته في رقبتك لأنك عارفة الحقيقة وسكتي. خلتيهم لحد دلوقتي مخدوعين فيه.
غادرت بسمة بغضب صافعة الباب خلفها بقوة. حديث شقيقتها صحيح لكنها خائفة وبشدة. لقد ذاقت الكثير من حقارة نادر لذا تخشاه. شرفها وعرضها بين يديه صور ليست بزائفة من يراها سيظن إنها حقيقة. هي بالفعل ذلك لكنها كانت رغماً عنها. سيتركها يزن ويشمئز منها ربما لا يصدقها حتى. الجميع سيظن إنها فتاة بلا شرف. عائلة والدها بالصعيد متشددين للغاية إن علم أحدهم بأمر تلك الصور فستكون النهاية الموت الحتمي لها.
دخل زفافها يجر قدمه للداخل بصعوبة ومعه فارس. بينما والدته رفضت الحضور وتعـ..ـلت بمرضها. لم تشأ رؤية حلم ابنها الوحيد يذهب لغيره. لا تكره همس على العكس هي تعدها ابنتها التي لم تنجبها. كم يعز عليها تركها بيوم كهذا لكنها لم تقدر.
ابتلع كارم غصة مريرة بحلقه بصعوبة و لمعت عيناه بالدموع وهو يراها تجلس بفستانها الجميل مثلها تماماً تستقبل التهاني من الجميع. يرى السعادة بوضوح مرتسمة على قسمات وجهها. يا ليتُه مكان ذلك الرجل ليتلك الابتسامة والضحكة له، ليت اليوم زفافه عليها. يا ليت.
ردد فارس بخفوت وحزن شديد لأجله:
ورحمة أبوك اهدى وامسك نفسك. أنا مكنتش عايزك تحضر بس إنت اللي صممت. بارك لها وامشي على طول.
أومأ له كارم بصمت ثم اقترب منها بينما كان يزن منشغلاً بالترحيب بأصدقائه قائلاً بابتسامة رسمها على شفتيه غصباً:
مبروك يا عروسة.
تفاجأت بوجوده فتحاشت النظر له خجلة من الموقف. نظرت للأسفل تحاول إيجاد كلمات تواسيه بها لكنها لا تجد:
كارم آآ... أنا...
تنهد قائلاً بابتسامة حزينة متألمة:
أجمل عروسة في الدنيا كلها.
ترى الألم بعينيه بوضوح وتشعر به في صوته. عيناه اللامعة الممتلئة بالدموع المهددة بالسقوط في بأي لحظة. كل ما نطقت به:
ربنا يرزقك بالأحسن مني يا كارم.
ردد بداخله بقهر:
إنتي مفيش أحسن منك في الدنيا يا همس.
أخرج من جيب سترته الداخلي وردة بيضاء كما تحب هي يضعها خلف أذنها قائلاً بوداع:
يارب تكون حياتك الجديدة مليانة سعادة وتكون كل أيامك جميلة زيك. إنتي تستحقي كل خير يا همس.
تراجع للخلف ثم اختفى عن الأنظار قبل أن يغادر برفقة فارس. استوقفتهم والدة همس قائلة بعتاب:
ماشين على طول جيتوا في إيه وماشين في إيه؟ استنوا حتى لكتب الكتاب ما يخلص.
ابتعد يزن قليلاً ليخرج من القاعة فهو لا يحب الصوت العالي والضوضاء. لكن قبل أن يخرج تفاجأ بكارم يقف أمامه قائلاً بصعوبة وهو يشير برأسه ناحية همس:
خدت فرصة غيرك بيتمناها. معاك كنز كبير حافظ عليه بأيدك وسنانك. عاملها كبنتك قبل ما تكون مراتك. هي عنادية بس من كلمة حلوة بتلين. اللي في قلبها على لسانها صدقني إنت لو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي زيها.
نظر له يزن مشفقاً عليه، لكن سرعان ما تحول لضيق عندما قال كارم قبل أن يبتعد من أمامه:
أنا بقولك كده عشان قلبي بيقولي إنك بدل ما تكون سبب سعادتها هتكون سبب في وجعها.
خرج يزن من القاعة يستنشق الهواء قليلاً ثم سيعود. لكن بمجرد خروجه اصطدم بفتاة تمشي بسرعة كادت أن تسقط فمسك بكتفيها ليحول دون ذلك. لكن بمجرد أن رفعت رأسها توسعت عيناها بصدمة. كذلك هو. ابتعدت للخلف سريعاً فزعة. سرعان ما تحولت لصدمة أكبر عندما قال أحد المدعوين وهو يضع يده على كتفه قبل أن يدخل للحفل:
مبروك يا عريس.
ردد يزن بصعوبة وعدم تصديق:
بسمة، إنتي عايشة!!!
سقطت مغشياً عليها من الصدمة فحملها على الفور قبل أن تسقط. يضمها لصدره بقوة متشبثاً بها كالطفل الصغير المتشبث بوالدته خائفاً من أن تضيع منه مرة أخرى. حملها وركض بها خارج الزفاف والفندق بأكمله لأقرب مستشفى متناسياً كل شيء. فقط ما يفكر به الآن هي فقط. بينما التي بالزفاف من أعطته ثقتها وقلبها لم يفكر بها. لم تأت على باله للحظة. تركها تواجه الجميع.
بعد وقت طويل مضى تعالت همسات الجميع من حولها، منهم المشفق، منهم الشامت. وهي تجلس مكانها لا تبكي فقط تردد بخفوت وعدم تصديق:
هيجي يزن هيجي. هو مش ممكن يعمل فيا كده.
بدأ المعازيم يغادرون الزفاف واحداً تلو الآخر، بينما هي تجلس مكانها. حتى اقترب والدها منها قائلاً بحزن ظهر بوضوح بصوته وهو يتوعد لذلك الوغد على ما فعله به وغاليته:
يلا يا همس خلينا نمشي.
حركت همس رأسها بنفي وعيناها تدور بالمكان رافضة تصديق ما يحدث. لا يمكن أن يحدث معها هذا بعد كل ما تحملته لأجله وفعلته له. يتركها بيوم كهذا ويغادر.
والدها بغضب:
مش هييجي يا همس. يلا خلينا نمشي أنا اللي...
قاطعته قائلة بسعادة:
يزن!!!
التفت عاصم للخلف لتقع عيناه على يزن الذي دخل لقاعة الزفاف يتمسك بيد فتاة. بينما همس اقتربت منه قائلة بسعادة ولم تلاحظ الفتاة:
أنا بردو قولت مستحيل يعمل فيا كده. إيه اللي حصل وخلاك تتأخر عن الفرح.
اخفض وجهه قائلاً بحزن:
أنا آسف. مش هقدر.
همس بعدم فهم وهي تنظر للفتاة التي تتمسك بيده بقوة وكذلك يفعل هو. يبدو وجهها مألوفاً لها. ابتسامة مماثلة كم تشفق على تلك الفتاة:
مش فاهمة. مش هتقدر إيه ومين اللي إنت ماسك إيدها دي!!!
صمت للحظات قبل أن يقول بحزن وهو يتحشى النظر لعينيها وخلفه تلك الفتاة تنظر لها بحزن مماثل. كم تشفق على تلك الفتاة:
آسف. لأني مش هقدر اتجوزك.
صدمة حلت عليها. نظرت له بخزي بعدما دقت بالنظر لوجه تلك الفتاة إنها هي. حبيبته السابقة. لقد عادت فتخلى عنها.
ركضت لخارج القاعة والدموع تغرق وجنتيها بقلبها ألم لا يحتمل. لقد خذلها. تخلى عنها بسهولة. كم هو أناني بلا قلب. كانت تركض خارج الفندق وبلحظة ظهرت سيارة أمامها صدمتها بقوة لتسقط أرضاً والدماء تحيط بها من كل جانب.
رواية بعينك اسير الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شهد الشوري
يركض الجميع خلف السرير الذي يحمل جثمانها لغرفة العمليات، والقلق ينهش قلوبهم.
بينما بداخل الغرفة، كان الأطباء ملتفين حولها يحاولون إسعافها، لكن يبدو أن الأخرى مستسلمة تمامًا للموت. سادت حالة من الفزع عندما بدأت نبضات قلبها تنخفض رويدًا رويدًا حتى تلاشت، ليصرخ الطبيب عليهم بسرعة: "جهاز تنشيط القلب".
قرب الجهاز من قلبها، فعلها مرة... اثنتين... ثلاثة... لكن لا استجابة. لم ييأس الطبيب، فعلها مرة أخرى حتى شهقت الأخرى فجأة، وأعلن الجهاز عودة نبضات قلبها لطبيعتها، معلنًا عن عودتها للحياة، لكن بهمس أخرى تختلف عن السابق بكثير... همس أخرى تكره جنس آدم.
***
كان يجلس بحديقة الفيلا، يضع رأسه بين يديه، قلبه يؤلمه على ما وصلت له همس بسببه. لقد اختار سعادته على حسابها، مخطئًا، ولا يوجد مبرر لتصرفاته، حتى ذلك التبرير السخيف الذي يحاول إقناع نفسه به لا يستطيع أن يتقبله هو نفسه.
"أسيبها دلوقتي واحنا على البر أحسن ما أسيبها بعدين، هو ده الصح؟!"
دخل للفيلا بقدم ثقيلة، ليتفاجأ أمامه بوالده يقف ينظر له غاضبًا، والشر يتطاير من عينيه، بينما والدته تقف بجانبه تنظر له بخذلان وخيبة أمل. خلفها ببضع خطوات تقف ياسمين تنظر له ممزقة، وبجانبها نادر الذي برع في رسم الحزن على ملامحه.
تنهد بحزن. وقبل أن ينطق بكلمة، كانت يد والده تهوي على صدغه بصفعة قاسية قوية، لأول مرة بحياته يتلقاها، ومن والده خصيصًا!
ردد مصدومًا: "بابا!"
جذبه والده من مقدمة ثيابه قائلاً بغضب واحتقار: "إيه مصدوم من القلم؟ دي نفس صدمتنا فيك، بس العيب مش عليك، العيب عليا أنا، كان لازم تاخد القلم ده مني من زمان عشان تفوق لنفسك وتتعلم تبقى راجل قد كلمتك."
ردد يزن بحزن وألم: "أنا عشان راجل مرضتش أكمل في الجوازة دي، بعد ما لقيت بسمة عايشة في كل الأحوال كنت هرجع لها، فالأفضل إني أبعد عنها من دلوقتي أحسن من بعدين يا بابا."
رد عليه والده بغضب: "لو فاكر إن اللي عملته ده رجولة تبقى غبي، اللي عملته ده ميطلعش من عيل حتى، ده يطلع من واحد خسيس، واحد أناني مترباش، اختار سعادته على حساب غيره."
رد عليه يزن بغضب ونفاذ صبر من الضغوط التي يمر بها ونظراتهم التي لا ترحمه: "أنا مضروبتش على إيديها يا بابا، هي عارفة من الأول إني بحب بسمة، قولتلها ووافقت..."
صفعة أقسى من سابقتها هوت على وجهه من كف والده الذي صرخ عليه بغضب: "عشان غبية! غبية عشان وثقت في واحد زيك، فاكر إن بنات الناس لعبة تحت أمره وقت ما يحب، راح لبيت أهلها وطلبها من أبوها عشان يستندل معاها، فاكر إن اللي عمله رجولة وهو سبب ليها فضيحة بين الناس هتعيش بيها العمر كله هي وعيلتها."
أخفض وجهه أرضًا بخزى من نفسه، ووالده يلقي عليه كلماته القاسية: "خسرت البنت سمعتها وشرفها اللي هيبقى لبانة في بوق كل واحد شوية، دمرت سمعة أبوها اللي وثق فيك وسلمك بنته، خسرت صاحب عمري بسببك، بسبب أنانيتك دمرت كل حاجة!"
ردد يزن بحزن وحدة: "حد غيري كان المفروض يعمل إيه في موقف زي ده؟ صعبة عليك وابنك مش صعبان عليك يا بابا؟ كأن هي اللي بنتك، أنا عارف إني..."
دفعه والده بقسوة للخلف قائلاً بغضب: "ياريتك يا أخي ما كنت ابني وهي اللي بنتي، ياريتني كنت مت قبل ما أشوف اللي ربيت فيه سنين بالندالة دي."
أشار صلاح للباب قائلاً بقسوة: "تلم حاجتك وتغور بره البيت ده، معدش ليك مكان فيه تاني، وانسى إن ليك أب، لأني ميشرفنيش أكون أب لندل زيك!"
تمسكت أحلام بيده قائلة بصدمة: "انت بتقول إيه يا صلاح؟!"
رد عليها بقسوة: "اللي سمعتيه، لو ابنك صعب عليك افتكري اللي مرمية في المستشفى بين الحياة والموت وخسرت كل حاجة بسبب ابنك وأنانته، هتصعب عليك أكتر منه، وفي الحقيقة ابنك ما يتزعلش عليه، ده مكسب للبنت إنها خسرته!"
صعد صلاح لأعلى وخلفه أحلام التي نظرت لابنها بغضب وعتاب. فأقتربت ياسمين منه قائلة بسخرية مريرة وخذلان: "شايفاك مش مستحمل نظراتنا ليك، موجوع!"
أشاح بوجهه بعيدًا، فتابعت هي حديثها قائلة بغضب، دافعة إياه بيدها في صدره: "ما بالك هي بقى اللي هتواجه الناس مش انت، هي اللي هتسمع كلامهم وهتواجههم، ده لو نجت من الحادثة اللي انت سبب فيها."
ثم تابعت بغضب وتهكم: "عيشت سنين محمل نفسك ذنب موت بسمة، وهتعيش محمل نفسك ذنب همس طول عمرك، لأن ده ذنب حقيقي تعاقب نفسك عليه، لأن اللي حصلها كان اختيارك انت، مش زي بسمة اللي كان قدر ومكتوب، وفي الآخر أصلاً طلعت بتشتغلَك، تقدر تقولي كانت فين كل السنين دي؟!"
غادر يزن صافعًا الباب خلفه بقوة وغضب، تاركًا ياسمين تنظر لأثره بغضب. كان نادر يتابع ما يحدث سعيدًا وبنفس الوقت يرتجف من الداخل من الخوف. بسمة حية، إذا نهايته اقتربت. عليه التصرف في أقرب وقت!
اقتربت ياسمين منه قائلة بغضب: "صبري بدأ ينفذ منك يا نادر، لو اللي حصل النهاردة طلع من تدبيرك انت والزبالة التانية، ههد المعبد على اللي فيه ومش هيهمني حد!"
قالت ما قالت ثم صعدت، وتركت تقف عقله يدور يحاول إيجاد حل للخروج من ذلك المأزق!
***
الأيام تمر سريعًا، لكن عليها كانت تمر ببطء شديد. لقد مضى شهر وهي على ذلك الحال. تجلس كما هي كل يوم، تخرج من منزلها قبل استيقاظ الجميع، إلى هنا ولا تعود إلا بعد في المساء، تهرب من نظرات الجميع حتى والديها. حالتها يرثى لها، خسرت الكثير من الوزن، عيناها ذابلة، فاقدة للحياة، تحاوطها هالات سوداء. لا تبكي، فقط صامتة، تنظر لأمواج الشاطئ المتلاطمة بقدمها التي وضعتها بأهمال داخل المياه.
حل المساء عليها وهي بنفس الحالة، انسابت دمعة ساخنة من عيناها بندم. شعرت بيد توضع على كتفها، لم تلتفت، فهي تعرف من الفاعل، والذي من المؤكد أنه "كارم".
جلس بجانبها قائلاً بحزن وألم عليها: "وبعدين يا همس؟!"
كان الجواب الصمت، كحالها الأيام الماضية. وضع يده على وجهها يديره تجاهه قائلاً بحزم: "كلميني زي ما بكلمك، لأمتى هتفضلي كده؟ شهر بحاله على نفس الحالة، لأ أكل ولا شرب، حتى الكلمة مش بتطلع منك. والدك ووالدتك هيموتوا من القلق عليكي. ازعلي محدش قال متزعليش، بس متوقفيش حياتك كده، ما تموتيش نفسك بالبطيء والزبالة التاني عايش حياته عادي."
انسابت الدموع من عيناها بقهر وندم، فتابع هو بحزن ووجع لوجعها: "محدش في الدنيا متوجعش يا همس، ربنا بيعيشنا الوجع عشان لما نعيش السعادة نفرح ونحس بقيمتها. ربنا بيجيب الخير دايمًا. اللي حصلك أكيد خير ليكي من ربنا وله سبب، بس قولي الحمد لله، كويس إنك لسه على البر. خسارة اللي زيك مكسب ليكي، وخسارة ليه لأنه غبي وضيعك من إيده."
رفعت يدها تضعها على موضع قلبها قائلة بألم ودموع انسابت من عيناها بغزارة: "قلبي واجعني أوي يا كارم."
جذبها لأحضانه معانقًا إياها بقوة، متمتمًا بحزن: "سلامة قلبك..."
ابتلع باقي جملته بداخله، لو يستطيع أن يأخذ ألمها بدلاً عنها، لو أن بيده شيئًا ليفعله حتى يشفي جراحها لفعل دون تردد، لكن ليس بيده الأمر، لكنه لن يستسلم، سيظل بجانبها حتى تشفى جراحها وتعود همس كما كانت بالسابق.
تمسكت بقميصه من الخلف تبكي بقوة، وهو يحاوطها بذراعيه صامتًا. ابتعد وأبعدها عنه بعد دقائق، قائلاً برفق وهو يحاوط وجهها يزيل دموعها بيديه: "دموعك الغالية دي خسارة فيه والله. هنرجع دلوقتي بيتك، ولو ليا خاطر عندك عشان خاطر والدك ووالدتك، بلاش تعملي في نفسك وفيهم كده. سيادة اللوا طلب مني أدور عليكي وأرجعك البيت، والدتك اغمى عليها واتبعتت أوي."
انتفضت واقفة مرددة بصدمة وقلق: "ماما!"
توقف هو الآخر قائلاً برفق: "بقت كويسة، متقلقيش."
ارتدت حذائها قائلة بسرعة ودموع: "روحني البيت يا كارم بسرعة، هي في البيت صح؟"
أومأ له بصمت، ثم جذبها باتجاه سيارته متوجهًا حيث منزلها، لتركض خارج السيارة لأعلى ما إن توقفت أسفل منزله.
دخلت على الفور لغرفة والدتها التي تجلس على الفراش بوجه متعب، ولينا وهمس اللتان لا تفارقان منزلها منذ ما حدث سوى للضرورة، يجلسان بجانبها.
قبلت يد والدتها قائلة بدموع واعتذار: "حقك عليا يا ماما، أنا السبب."
جذبتها هبة لاحضانها قائلة بدموع وحزن: "انتي مش السبب يا بنتي، اللي كان السبب ربنا ينتقم منه. متقلقنيش عليكي تاني يا همس، أنا وأبوكي هيجرالنا حاجة طول ما انتي بحالتك دي."
أومأت لها همس بصمت. اقترب عاصم الذي دخل للغرفة للتو، جاذبًا الاثنتين لأحضانه بقوة. نظرت لينا لميان مشيرة لها برأسها حتى تخرج برفقتها ليتركوهم سوياً الآن.
نزلوا للأسفل ليجدوا كارم يجلس برفقة عمار الذي جاء منذ دقائق ليوصل لينا ويطمئن على همس.
سألهما عمار بقلق: "أخبارها إيه دلوقتي؟"
لينا بحزن شديد: "مش كويسة خالص، مفيش حد فيهم كويس."
ميان بحزن: "أزمة وهتعدي إن شاء الله."
رددت لينا بتعب: "محدش فيهم هينزل دلوقتي، خلينا نسيبهم مع بعض، ونبقى نيجي الصبح."
وافقها الجميع الرأي، غادر كارم معهم، ملقيًا نظرة أخيرة على صورة همس الكبيرة التي تزين الحائط، تضحك فيها بسعادة، وجهها يشع حيوية عكس الآن.
أغمض عينيه يتذكر ما حدث بعد يومين من دخول همس المستشفى، كيف ذهب لذلك الندل ولقنه درسًا لا ينسى، لكنه قليل جدًا على ما فعله بحبيبة قلبه. كيف بحث عنه بكل مكان، وما إن علم أنه بالجامعة الآن، ذهب إليها. كان يقف برفقة أحد الطالبات بمنتصف الجامعة، اندفع تجاهه، وعلى بغته جذبه من مقدمة ثيابه، ثم لكمه برأسه بمنتصف وجهه، فسقط الآخر أرضًا والدماء تسيل من أنفه!
صرخ الجميع وشهقوا بفزع من الصدمة، لكن كارم لم يعطه فرصة ليصدم، فقد جذبه مرة أخرى يلكمه بقوة جعلته يرتد للخلف، مرددًا بغضب: "قلبي طول عمره كان حاسس إنك هتوجعها، حبيتك من قلبها وأنت متستاهلش الحب ده، كسرت قلبها بعد ما وثقت فيك وفكرتك راجل وأنت اب... ندل، غدرت بيها."
رد له يزن اللكمة بغضب من إهانته له أمام الجميع بتلك الطريقة. مسح كارم الدماء التي تسيل من جانب شفتيه، ثم رد له اللكمة أقوى بكثير، واشتد النزاع بين الاثنين، لكن كان لكارم التفوق نظرًا لخبرته وغضبه المشحون تجاه الآخر. حضر الأمن وفضوا النزاع بينهما، وكارم لم يتوقف عن سب الآخر.
***
في صباح اليوم التالي، ارتدت ثيابها بأهمال، على عكس عادتها تكون ثيابها مرتبة أنيقة. كادت أن تغادر غرفتها لتتوجه لجامعتها التي أهملتها الفترة الماضية، لكنها توقفت بآخر لحظة. ستذهب وربما تراه، ويراها. لن تسمح له بأن يراها منكسرة حزينة وهو يعيش حياته مع تلك عديمة الضمير التي لم تمنعه حتى من فعلته بها وتركها لها يوم الزفاف، بل كانت تقف صامتة موافقة على ما يفعل!
بدلت ثيابها لبنطال جينز وكنزة صيفية جميلة، مصففة خصلات شعرها ورفعته لأعلى مع لمسات خفيفة من مستحضرات التجميل. ثم أخذت أغراضها مغادرة المنزل تحت نظرات والديها القلقان عليها.
ما إن فتحت باب المنزل، كانت جارتها بالشقة المقابلة لها تخرج هي الأخرى. رمقتها بشفقة. غضبت ونزلت للأسفل دون استخدام المصعد، راكضة تود الهروب من نظرات الجميع المصوبة إليها، حتى حارس البناية لم تسلم من نظراتها.
استقلت سيارة أجرة متوجهة لجامعتها التي ما إن خطت بداخلها ووصلت لكليتها، صوبت نظرات زملائها عليها، وتعالت همساتها. من سوء حظها أن زفافها كان كبيرًا، حضره زملاؤه سواء كان معيدًا أو طبيبًا، بالإضافة لعدد كبير من الطلاب هنا، ومن أتى نقل الخبر لمن لم يأت.
نظراتهم لا ترحمها، سواء مشفق أو شامت. حديثهم الخافت يصل إليها. ندمت وبشدة على مجيئها. كادت أن تغادر، لكنها التفت عندما شعرت بأحد يضع يده على كتفها.
إنها لينا التي وضعت يدها على كتفها الأيمن، مثلها ميان على الأيسر، قاصدين إخبارها: "نحن هنا بجانبك."
ابتسمت لهما بامتنان، وهمست لها لينا بدعم: "ميهمكيش حد، تهربي من الناس لو انتي اللي غلطانة، لكن انتي مظلومة وبريئة. اللي يهرب الندل اللي سابك مش انتي!"
ميان بابتسامة: "يلا نحضر محاضراتنا وبعدها نفطر سوا، وهنقعد معاكي نفهمك كل اللي فاتك، مش فاضل كتير على الامتحانات."
أومأت لهما بصمت. فرددت ميان بشماتة: "تعرفي إن كارم جه الجامعة بعد الحادثة علطول وعطاه علقة محترمة ومسح بيه الأرض؟ الكل لسه بيتكلم عليها لحد دلوقتي."
بقيت على صمتها أيضًا، فحاوطتها لينا بذراعها قائلة بمغازلة ومرح: "بس إيه القمر ده يا هموسة!"
ابتسمت لها همس بخفوت. وما إن وصلت معهم باتجاه مبنى المحاضرات، تفاجأت به يخرج منه يمسك بيدها، يبتسم لها بحب. سرعان ما اختفت ابتسامته ما إن رآها أمامه. أخفض وجهه بخزى، مقتربًا منها قائلاً بتوتر: "همس ا... أنا..."
تجاوزته ومرت من جانبه دون أن تتفوه بأي كلمة. لطالما كانت تؤمن أن في الصمت يكمن الكثير، خاصة أن عجز اللسان عن الحديث.
رمقته ميان ولينا باشمئزاز، فرددت لينا قبل أن تغادر هي وميان ليلحقوا بهم: "البجحين كتروا اليومين دول!!!"
***
"سيادة اللوا، همس محتاجة تبعد شوية."
قالها كارم لعاصم الذي يجلس خلف مكتبه، يضع رأسه بين يديه حزينًا مهمومًا. ما حدث لابنته ليس سهلاً أبدًا، لا يعرف ما يفعل حتى تعود كما كانت.
"ماتديهاش فرصة تقعد مع نفسها."
تابع كارم حديثه بجدية: "لازم ما تفضلش قاعدة مع نفسها وتقعد تفتكر اللي حصل، لازم نشغلها طول الوقت بحيث ما يكونش فيها أي فرصة إنها تفكر فيه."
تنهد عاصم بحزن ولا يزال صامتًا، فتابع كارم: "أنا عندي اقتراح لحضرتك. الامتحانات مش فاضل كتير عليها، بعد ما تخلص ممكن همس تسافر تغير جو. أنا ووالدتي وفارس كنا هنسافر شرم الشيخ عند عمي ومرات عمي. ممكن همس تيجي معانا، وحضرتك طبعًا ومدام هبة، ده حتى أنا كنت هقترح على ميان ولينا يبقوا معانا."
أومأ عاصم برأسه قائلاً بحزن: "فكرة حلوة يا بني، على بركة الله. بس يارب همس توافق. معنديش مانع أعمل أي حاجة بس المهم ترجع بنتي زي ما كانت."
ردد كارم بألم وحزن: "إن شاء الله هتنسى مع الوقت، هو بس الموضوع محتاج صبر. حالتها النفسية الفترة دي مش هتكون أحسن حاجة، هي محتاجة لينا نكون جنبها."
أومأ له عاصم، وقبل أن يغادر استوقفه نداء عاصم عليه، مرددًا بامتنان: "تسلم يا بني، راجل وجدع زي أبوك الله يرحمه بالظبط، عرف يربي."
ابتسم له كارم بخفوت مترحمًا عليه، ثم غادر مكتب عاصم تاركًا إياه والندم ينهش قلبه، ليته عارض ابنته من البداية وفعل ما شعر به قلبه، ذلك اليزن الحقير لم يحب ابنته، وفي الأخير غدر بها.
***
كانت تجلس تضم قدمها لصدرها، تتذكر حديثها مع يزن عندما سألها أين كانت كل تلك السنوات، ولم اختفت، وكيف نجت. أسئلة كثيرة انهالت عليها منه، ليكون ردها للخروج من ذلك المأزق: "مش فاكرة أي حاجة يا يزن، أنا فقت لقيت نفسي في بيت واحدة ما أعرفهاش، ومكنتش فاكرة أي حاجة. فضلت عايشة معاها لأني مكنتش عارفة أروح فين وأجي منين. من كام يوم بس ابتديت أفتكر كل حاجة. واليوم اللي سألت عليك فيه عشان أشوفك عرفت إنك في الفندق، بس مكنتش أعرف إنك العريس!!!"
لقد قلبت الطاولة عليه لكي تخرج من ذلك المأزق. عاتبته لأنه سيتزوج بغيرها، وأنه نساها. بداخلها خوف كبير، خوفها أكبر بكثير من حبها له.
تعالى رنين جرس المنزل. ذهبت لتفتح الباب فتفاجأت به أمامها. رددت بصدمة وخوف: "نادر!!!"
دفعها للداخل ثم دخل مغلقًا الباب خلفه، مرددًا بغل: "ده الحلوة طلعت عايشة ومغفلانة!"
صرخت عليه بغضب وخوف حاولت إخفائه: "انت جاي عاوز إيه؟"
ربت بيده على وجنتها مرددًا بمكر: "إيه يا حبي؟ معقول نسيتي اللي كان بيننا؟"
دفعت يده بعيدًا عنها باشمئزاز قائلة: "مفيش بيني وبينك حاجة، لا فيه وعمرُه هيكون فيه يا نادر، أنت سامع؟!"
غمزها بعينيه قائلاً بخبث: "طب الصور اللي معايا دي إيه؟"
صرخت عليه بغضب: "بالغصب، ومصيري يوم هفضحك قدام الكل."
ضحك قائلاً: "عشم إبليس في الجنة يا روحي، ده مش هيحصل أبدًا، كان غيرك أشطر."
ثم جذبتها من خصلات شعرها قائلاً بقسوة وشر: "مش هيحصل عشان لو بس فكرتي تفتحي بوقك وشرف أمك هتتفضحي في كل حتة، وصورك هتبقى بتتوزع على الشمامين وفي كل المواقع على النت يتفرجوا على الجمال الرباني ببلاش، ولو فتحتي بوقك هتكوني خسرانة من كل النواحي، هتخسري يزن، ما هو مش هتطلعي بريئة، ده انتي هتكوني شريكتي في كل حاجة، ده غير الفضيحة اللي هتطولك!!"
دفعته بعيدًا عنها قائلة باحتقار: "أنت أحقر واحد أنا شوفته في حياتي."
يسخر منها قائلاً ببرود: "ميرسي يا حياتي."
ثم تابع بضيق وسخرية: "طلعتي بسبع أروح، بس أموت وأعرف نجيتي إزاي وغفلتنا كلنا."
تعالى رنين الجرس مرة أخرى. ذهب ليرى الطارق من العين السحرية ليتفاجأ بياسمين. ابتسم بسخرية ثم فتح لها الباب بنفسه قائلاً بتهكم: "نورتي يا زوجتي العزيزة!"
دخلت للداخل وما إن رأتها بسمة، رددت بصدمة: "ياسمين!!"
رمقتها باحتقار هي وهو قائلة: "آه ياسمين، مصدومة من وجودي مش كده؟"
ابتلعت بسمة ريقها بصعوبة، فرددت الأخرى بقرف: "مكنتش أتخيل إنك بالحقارة دي."
بسمة بضيق: "أنا مش هسمحلك تغلطي فيا."
أشارت لها بإصبعها من أعلى لأسفل قائلة باحتقار: "مستغربة يزن حب في واحدة زيك إيه، وضحى بهمّس عشانك. محدش يعرف حقيقتك انتي وهو، قدي وقريب أوي هتتكشفوا!"
ثم تابعت بغضب كبير: "غبتي سنين ودمرتي حياة أخويا، ولما رجعتي دمرتي حياة بنت تانية بريئة. جنس ملتك إيه؟ بس هستغرب ليه؟ معقول نادر هيجيب واحدة عندها أخلاق عشان ترسم على أخويا الحب وتوافق تخدعه؟ ما هي لازم هتكون معندهاش لا أخلاق ولا ضمير."
بسمة بغضب: "أنتي متعرفيش حاجة."
ردت عليها بغضب ونادر يتابع ما يحدث بصمت: "أنا عارفة كل حاجة، ويزن كمان، هقوله عشان يعرف إن ضيع سنين من عمره وخسر بنت زي همس على واحدة زيك مستاهلش."
رددت بسمة بخوف: "هتفضح جوزك يعني؟!"
رد عليها نادر تلك المرة قائلاً بغضب وهو يقبض بيده على حجابها من الخلف: "مش هيحصل يا بيبي، اعمليها كده وأنا أعيشك عمرك كله بفضيحة انتي وأهلك، وبالفضيحة دي هاخد ابنك ومش هتشوفيه طول حياتك، ولا تشمي ريحته أبدًا طول العمر!"
دفعها بقسوة قائلاً وهو يرمق الاثنين باستخفاف، مرددًا قبل أن يغادر البيت: "رجالة بشنبات معرفوش يعملوا كده، هيجي اتنين أهبل من بعض زييكم يهددوا."
رددت عليه بسمة بغضب قبل أن يغادر: "عشان كده مش بتتشطر غير على الهبل وبتتهدد فيهم، خايف ليفضحوك عند الرجالة!!"
***
جاء اليوم المنشود وهو سفر الجميع لشرم الشيخ. اعتذر والدي كلاً من ميان وهمس عن المجيء، فذهب كارم ووالدته وفارس وعمار ولينا وهمس كذلك. ميان بعد مرور ما يزيد عن الساعتان، كان فارس يدخل بهم للفندق الكبير الذي يملكه والده. رحب بهم الجميع ترحيبًا شديدًا.
"مين التلات قمرات دول يا فارس؟!"
قالتها والدة فارس بابتسامة جميلة وهي ترحب بهم.
أشار لهم فارس قائلاً بابتسامة: "همس بنت اللوا عاصم يا أمي، ولينا وميان أصحابها، عمار خطيب لينا وابن خالة ميان."
ردد والد فارس ويدعى "أيمن" بابتسامة: "أهلاً وسهلاً، نورتونا والله."
رد عليه الأربعة بابتسامة: "أهلاً بحضرتك."
رددت والدة فارس وتدعى "كريمان" بابتسامة وهي تمسك بيد والدة كارم: "أحلى جناح على البحر لأجمل بنات، اتجهز مخصوص عشانكم، يارب يعجبكم."
رددت ميان بابتسامة: "شكراً لحضرتك."
ربتت كريمان على وجنتها قائلة بابتسامة لطيفة: "يا روحي عليكي زي القمر."
ابتسمت لها ميان ببعض الخجل. قادهم النادل وهو يقوم بجر حقائبهم، وبرفقتهم عمار الذي سيقيم في غرفة بجانبهم. أمسكت كريمان بيد فارس تجذبه لبعيد قليلاً، فسألها بتعجب: "نعم يا ماما؟ ماسكاني كده ليه؟"
سألته باهتمام: "ميان دي مرتبطة؟!"
نفى برأسه قائلاً بضيق وقد فهم نية والدته: "لأ، مطلقة يا أمير."
رددت بحزن: "ليه دي باين عليها لسه صغيرة."
تنهد بحزن مرددًا: "هي فعلاً كده، بس قريب هتكون مرتبطة."
قال الأخيرة بشرود، فلكزته بذراعه قائلة بحزن: "يا خسارة، أنت يا واد طول عمرك فقري، ضيعت إنجي من إيدك، والبنت دي كمان زي القمر والله، أول ما شوفتها حسيتها ليك."
كزفر بضيق قائلاً بتهكم: "عندك حق يا أمي، بس نعكس الجملة، اللي يتجوز إنجي ده يبقى فقري، ده أنا الحاجة الوحيدة اللي عملتها صح في حياتي إني طلقتها."
تذمرت قائلة بضيق: "مش بقولك وش فقر، دي إنجي زي القمر."
تنهد مرددًا بسخرية: "ياريت جمال الشكل كان نفس جمال القلب."
قالها، ثم توجه صوب كارم يسأله: "ليه قولت لعمك يجهز جناح كبير للبنات؟ ما كانت أوضة لكل واحدة فيهم أحسن عشان كل واحدة تبقى على راحتها، الخصوصية وكده."
ردد كارم بحزن: "مش عايز همس تكون لوحدها، مش عايزها تفضل تفكر في اللي حصل وتتضايق أكتر."
تنهدت فارس بحزن على حال ابن عمه، ربت على كتفه ثم غادر هو الآخر متوجهًا لغرفته التي لحسن حظه مجاورة لغرفة الفتيات.
***
في المساء، اجتمع الجميع حول مائدة كبيرة مستديرة على الشاطئ، جو ساحر جميل والموسيقى تعم المكان من حولهم. لكن رغم ذلك، كان كلاً منهم شارداً بعالم آخر. كارم الذي يتحدث مع همس التي تنظر لكل شيء حولها بفتور، بمواضيع عدة يشغل عقلها عن التفكير في شيء آخر. بينما لينا وعمار بملكوت آخر. كانت ميان تنظر لهما بابتسامة صغيرة، دومًا ما كانت ترى لينا وعمار مثال جيد للحب، يليقان ببعضهما جدًا، مرحان ذو طباع هادئة نوعًا ما، بينما تناغم جميل جدًا.
تنهدت بحزن على حالها وألم عاصف يضرب قلبها كل يوم. لقد مر ما يزيد عن الخمسة أشهر منذ تلك الليلة المشؤومة، والألم لا يقل بل يزداد. روحها مهشمة، تشعر بالانكسار، ما مرت به أبشع شعور يمكن لفتاة أن تمر به. أغمضت عيناها بحزن.
كان فارس يتابعها بعينيه باهتمام وحزن عليها. مال برأسه عليها متمتمًا بخفوت: "انتي كويسة؟"
أومأت له بنعم. يريد أن يفتح معها حديث، لكن كيف يفعل؟ طوال الفترة الماضية حديثه معها بخصوص العمل فقط.
سألها بابتسامة: "عجبك الأوتيل هنا؟"
أومأت له قائلة بابتسامة: "جدًا، المكان حلو أوي وموقعه ممتاز، حتى تصميمه، كل حاجة فيه جميلة ما شاء الله."
كان كلاً منهم منشغل مع من بجانبه، والديه وزوجة عمه يتحدثان سويًا، كذلك كارم وهمس، ولينا وعمار. لا يوجد سوى هو وهي.
لاحظت هي الأخرى نفس الشيء، فرددت: "انت بتحب المكان هنا؟"
أومأ لها قائلاً بابتسامة: "جدًا، بس للأسف شغلي في إسكندرية مقدرش أسيبه، لكن بابا ما بيحبش يبعد عن هنا خالص، فحياتي بين إسكندرية وشرم الشيخ."
رددت بأعجاب بالمكان: "عنده حق ما يبعدش عنه، أصل هو فيه مجنون يبعد عن الجنة دي."
تذكرت لينا موقفًا ما عندما رأت الفرقة الموسيقية تصعد لمكانها لتبدأ بالعزف، فرددت وهي تنظر للفتيات: "فاكرين يا بنات يوم حفلة التخرج من ثانوي لما طلبوا منا نغني في الحفلة واتفقنا نغني أغنية وطلعنا غنينا أغنية تانية خالص."
سألها فارس بتعجب: "انتوا التلاتة بتعرفوا تغنوا؟"
أومأت له لينا قائلة بابتسامة: "أنا صوتي مش أوي بس مقبول، لكن همس وميان صوتهم تحفة. أصلًا اتعرفنا على همس من وإحنا صغيرين واتصاحبنا من حصص الموسيقى في المدرسة."
سألها عمار بفضول: "كان مطلوب منكم تغنوا إيه وغنيتوا إيه؟"
ضحكت ميان قائلة بحنين لتلك الأيام: "كان مطلوب نغني أغنية 'امسك في حلمك لو تعرفها'، فأحنا بقى غنينا لشيرين 'صبري قليل'."
ضحك الجميع، فرددت همس هي الأخرى بحنين: "إحنا التلاتة بنحب صوتها أوي وكل أغانيها."
تدخلت والدة فارس قائلة بحماس: "طب ما تغنوا يا بنات، سمعونا صوتكم."
تبادل الثلاثة النظرات بابتسامة، ثم حركوا رؤوسهم بنعم. أشارت كريمان بيدها للنادل ليأتي بميكروفون لهم. اتفق الثلاثة على أغنية ما، ثم بدأوا بالغناء. اختارت ثلاثتهم "خليه يدور عليا".
تعالى التصفيق بالمكان بعد انتهاء الثلاثة من الغناء. مال فارس على ميان قائلاً بخفوت: "صوتك حلو أوي."
شكرته بابتسامة صغيرة. بينما عمار قبل يد لينا بحب قبل أن يقول كارم شيئًا. التفت ميان للخلف ما إن شعرت بأحدهم يضع يده على كتفها، لتتفاجأ بسفيان. انتفضت واقفة مرددة بصدمة وحدة: "انت بتعمل إيه هنا؟!"
توسلها قائلاً بخفوت متمسكًا بيدها والجميع يراقب ما يحدث بتعجب، وعمار يزفر بضيق: "ميان، أرجوكي، ممكن نتكلم شوية."
أبعدت يده سريعًا قائلة باشمئزاز: "ابعد إيدك عنيا."
اقترب عمار من شقيقه قائلاً بضيق وصوت خفيض: "امشي يا سفيان، مش وقته، الناس عيونها علينا، وعيب اللي بيحصل ده."
سفيان برفض: "أنا عايز اتكلم معاها، خليها تسمعني يا عمار، هما خدعوني، أنا ندمان..."
توقف عن الحديث واقترب من ميان التي كادت أن تذهب، يمسك بيدها قائلاً برجاء وهي تحاول إبعاد يده عنها: "ميااان!"
انتفض فارس واقفًا يجذبها لتقف خلفه، ثم ردد بغضب بوجه سفيان بعدما دفعه بصدره ليرتد الآخر للخلف عدة خطوات: "أنت عايز منها إيه؟ طالما بتحبها أوي كده محافظتش عليها ليه؟ قتلتها وقتلت سعادتها، خليت أجمل يوم في حياة كل بنت أسوأ يوم ليها ليه؟!"
ردد والد فارس بصرامة: "فارس!"
انتفض كارم مكانه يفصل بين الاثنين، حيث كان سفيان على وشك لكم الآخر، لكن كارم أمسك به يمنعه من فعل ذلك.
ضغطت ميان بيدها على ذراع فارس قائلة برجاء: "عشان خاطري بلاش خناق، الناس كلها عيونها علينا."
ثم تابعت وهي تنظر لسفيان باحتقار: "اللي زيه خسارة فيه الكلام، قولت قبلك ياما وعملت، لكن مفيش فايدة، اللي زيه خسارة فيه الحب والكره كتير عليه كمان، ده حتى ميتزعلش عليه، خسارته مكسب لأي حد."
عمار بضيق: "يلا يا سفيان نمشي، بلاش مشاكل هنا كمان."
لم يستمع له سفيان واقترب منها قائلاً بتوسل: "أنا بجد بحبك، ليه مش مصدقاني؟"
ارتفع صدرها وهبط لانفعال، قائلة بغضب: "عايز تتكلم ماشي، تعالى."
قالت الأخيرة ثم ابتعدت بعيدًا لخارج الحفل، فلحق بها متلهفًا، وعمار يزفر بضيق طوال الوقت. جلس الجميع مرة أخرى، واعتذر عمار عما حدث. كان فارس ينظر لمكان ذهبت إليه الاثنان بغضب، وأخذ يتملل بجلسته غير مرتاحًا، ينظر من الحين والآخر لهناك، بينما والديه لم تخفَ عليهما نظراته، كذلك كارم.
بينما هناك، حيث تقف ميان تصرخ على سفيان بغضب، قاصدة إهانته والتقليل منه كما كان يفعل دوماً: "خلي عندك شوية كرامة، مش عاوزاك، ولا عاوزة أشوفك عامل زي اللازقة، كل ما أبعد عنك ترجع تجري ورايا. أخبار كرامتك إيه؟"
زفر بضيق ليتحكم بأعصابه، لتتابع هي بتهكم: "بالمناسبة، هديتي عجبتك؟"
نظر لها بعدم فهم، فتابعت هي بحزن واهي: "تؤ تؤ، أخص عليا، إزاي معرفتكش؟!"
سألها بتوجس: "عرفتيني إيه؟!"
رددت بابتسامة عريضة وتشفي: "مش أنا اللي عملتلك الفضيحة وخلت مصر كلها تجيب في سيرتك وسببت ليك أزمة في الشغل؟"
نظر لها مصدومًا، كيف تكون هي؟ حركت رأسها بنعم قائلة ببراءة زائفة: "آه، ما هو أنا اللي خطفت نرمين من عندك، وأنا اللي بلغت عنها هي وزاهر، مش بس كده، أنا اللي بلغت عن كاميليا. شوف كل بلوة حصلت في حياتك آخر فترة، أنا اللي كنت وراها."
بعد أن انتهت من سرد كل شيء، ذمت شفتيها قائلة: "قليل اللي عملته، مش كده؟!"
نفى برأسه قائلاً بصدمة وعدم تصديق: "انتي مستحيل تكوني عملتي كده يا ميان!"
ضحكت بسخرية مرددة بتشفي: "لأ عملت، أه والله زي ما بقولك كده. مش أنا قولتلك زمان ربنا ما يوريك، قلبتي؟"
"ليه؟!"
رمقته باستهزاء قائلة بتهكم: "حد غيرك يسأل السؤال ده؟ أي حاجة تحصل فيك حلال والله."
أقترب منها قائلاً بحزن: "ارتاحتي كده؟"
نفت برأسها قائلة بغل: "عمري ما هرتاح طول ما انت عايش على وش الدنيا. أنا بجد مش قادرة أصدق جايب منين البجاحة اللي تخليك تطلب مني أسامحك."
ثم تابعت بسخرية ترد بها إهاناته السابقة لها: "طب بس سؤال، لو حطينا احتمال إني سامحتك، مش محتاجة أقولك طبعًا إن ده احتمال صفر في المية."
أشارت له قائلة باحتقار وقسوة: "هأمن على نفسي إزاي معاك؟ ده العيلة كلها بسم الله ما شاء الله تعرف باستثناء عمار طبعًا، ربنا كان رحيم بيه. جدتك ويضرب فيها المثل في البجاحة، والبعيد ما شاء الله وارث عنها الحتة دي بس على أسوأ. نيجي بقى للست الوالدة، حدث ولا حرج. غل إيه وقرف إيه وقلة أصل إيه وندالة إيه، يا أخي الواحد مش عارف يعد الصفات اللي زي الزفت اللي فيها من كترهم. وارث منها كل حاجة ما شاء الله."
صرخ عليها بحدة وعصبية: "ميان، كفاية كده، فوقي واعرفي انتي بتقولي إيه!"
لن تبالي بل ضمت يدها لصدرها قائلة ببرود: "مش أنت اللي طلبت نتكلم، وبعدين أنا فايقة بس للأسف اتأخرت أوي على ما فهمت اللي زيكم بيفهموا بأسلوب إيه."
جز على أسنانه قائلاً بغضب: "ميااان!"
لن تصمت بل تابعت بقسوة قاصدة التقليل منه: "تصدق خوفت، كنت الأولى روح زعق كده في اللي خانتك معايا شوية فيديوهات ليها، إنما إيه يخليك تقعد في بيتك العمر كله متعرفش توري وشك للناس من الفضايح. عايز تشوفه؟ هخليك تشوفه، بس ابقى سلم لي بقى على رجولتك."
تابعت بتهكم والآخر يكور قبضة يده بغضب يحاول التحكم بأعصابه قدر المستطاع: "عامل فيها مفتح وشايف نفسك عليا وبتقارن بها، أهي طلعت مغفلاك ومقضياها، لأ وإيه كانت بترقص لمصر كلها معايا فيديو برضه. تحب تشوف؟"
قبض على كتفيها قائلاً بغضب: "ميااان بس اسكت!"
صرخت عليه بغضب و قد جاء بوقته يريد أن يخرج غضبه بأحدهم: "أنت مالك أهلك أنت؟!"
رمقه فارس باشمئزاز يسأل ميان بقلق: "عملك حاجة؟ انتي كويسة؟"
أومأت له قائلة بتهكم وهي تنظر صوب سفيان: "معلش يا دكتور فارس، استحمله، أصله لسه واخد درس محترم، وأهو كل واحد عرف مكانه وأصله!"
ردد سفيان بحزن وصدره يعلو ويهبط بانفعال: "اتغيرتي أوي يا ميان."
ردت عليه باستهزاء وسخرية مريرة قبل أن تغادر من أمامه لغرفتها: "البركة فيكم!"
نظر فارس لسفيان باحتقار، ثم غادر خلفها، وما إن تأكد من وصولها لغرفتها، نزل يتمشى على الشاطئ في صمت، يفكر بحاله، لما يشعر بانجذاب تجاهها؟ شهور طويلة قضاها برفقتها بالعمل كمتدربة تحت يده، كل يوم يشعر بانجذاب نحوها، يشعر بضيق شديد عند رؤيتها برفقة ذلك المدعو بسفيان، بالإضافة لمشاعر أخرى تدفق بداخله. ما إن يراها، هو عازم على قرار ما، لا يعلم أن كان صواب أم لا، بكل الأحوال لن يخسر شيئًا.
***
"أنتم مين؟!"
قالها قصي بتساؤل ما إن دخل لمكتبه ورأى فتاة بملابس قصيرة، خصر ضيق للغاية.
ردت عليه بابتسامة رقيقة وصوت رقيق بشكل مبالغ فيه: "أنا نانسي يا مستر قصي، السكرتيرة الجديدة."
أشار إلي هيئتها مرددًا باحتقار وصرامة: "اللي عملاه في خلقتك ده يتشال وتلبسي لبس محترم، انتي مش في كباريه."
رددت بتلعثم وتوتر: "حاضر، اا... أنا آسفة."
جلس خلف مكتبه مرددًا بصرامة دون النظر لها: "القهوة والاجتماعات اللي عندي النهارده."
خرجت على الفور تنفذ ما قال، فهاتف هو عمار على الفور يسأله بغضب: "مين اللي عين اللي بره دي؟!"
"مدير الحسابات يا قصي، قريبه وطلب مني أشغلها، شوفت ورقها لقيتها مناسبة عينتها."
قصي باستنكار وغضب: "دي تتعين في كباريه مش شركة محترمة."
رد عليه عمار بمشاكسة: "إيه؟ اتحرشت بيك؟"
عنفه قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت، انت ترجع بسرعة عشان تعينها سكرتيرة ليك، وهاخد أنا سكرتيرتك، مش أنت اللي قبلت ولبستها ليا قدامك حل من اتنين، يا تعمل زي ما قولت يا همشيها!"
رد عليه عمار بعبث: "شكل سيلين مسيطرة."
أغلق الهاتف بوجهه وهو يزفر بضيق. أكان ينقصه تلك التي بالخارج؟ يكفي العمل الذي سيديره بمفرده، فقد سافر عمار وسفيان تاركين إياه يتحمل هو كل شيء وحده.
***
بينما على الناحية الأخرى، كانت همس تجلس بمطعم الفندق وحدها تنظر للفراغ بشرود. اقترب كارم منها قائلاً بابتسامة: "القمر سرحانة في إيه؟"
نفت برأسها قائلة: "مفيش."
"طب قاعدة لوحدك ليه؟"
تنهدت قائلة بفتور: "لينا مع عمار محبتش أزعجهم، وميان لسه نايمة."
سألها بابتسامة: "فطرتي ولا لسه؟"
ردت عليه بتعب: "مليش نفس."
أشار للنادل ليأتي، ثم طلب منه أن يأتي بطعام الإفطار قائلاً: "مينفعش كده، لازم تاكلي كويس عشان تقدري تلفي معايا الأماكن. هنا تحفة وهتعجبك، خصوصًا الأوتيل هنا هيعجبك أوي."
أومأت له بصمت حتى لا تدخل بنقاش، فليس لديها القدرة على الحديث حتى.
سألها بابتسامة محاولاً فتح أي حديث معها حتى لا تفكر بأي شيء يزعجها: "مش عايزة تتصوري؟ أنا عارف إنك بتحبي التصوير، خصوصًا لو في مكان أول مرة تروحيه."
أومأت له بصمت وأخرجت هاتفها تلتقط عدة صور لها بفتور. جلس بجانبها قائلاً بمرح: "إيه الأنانية دي؟ أنا كمان عايز أتصور."
ابتسمت بخفوت والتقطت لهم عدة صور، فعاد ليجلس مكانه يتحدث معها بعدة مواضيع، وهي ترد عليه بفتور، عقلها بشيء آخر. تفكر ماذا لو قامت بنشر تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يراها، ليعلم أن حياتها لم تتوقف من بعده. اختارت صورها مع كارم خصيصًا، مقررة نشرها.
عقلها يفكر بشيء ما تريد بشدة فعله، لكن إن فعلته ستحتقر نفسها. كارم لا يستحق منها ذلك.
***
"أنتم مين؟!"
قالها قصي بتساؤل ما إن دخل لمكتبه ورأى فتاة بملابس قصيرة، خصر ضيق للغاية.
ردت عليه بابتسامة رقيقة وصوت رقيق بشكل مبالغ فيه: "أنا نانسي يا مستر قصي، السكرتيرة الجديدة."
أشار إلي هيئتها مرددًا باحتقار وصرامة: "اللي عملاه في خلقتك ده يتشال وتلبسي لبس محترم، انتي مش في كباريه."
رددت بتلعثم وتوتر: "حاضر، اا... أنا آسفة."
جلس خلف مكتبه مرددًا بصرامة دون النظر لها: "القهوة والاجتماعات اللي عندي النهارده."
خرجت على الفور تنفذ ما قال، فهاتف هو عمار على الفور يسأله بغضب: "مين اللي عين اللي بره دي؟!"
"مدير الحسابات يا قصي، قريبه وطلب مني أشغلها، شوفت ورقها لقيتها مناسبة عينتها."
قصي باستنكار وغضب: "دي تتعين في كباريه مش شركة محترمة."
رد عليه عمار بمشاكسة: "إيه؟ اتحرشت بيك؟"
عنفه قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت، انت ترجع بسرعة عشان تعينها سكرتيرة ليك، وهاخد أنا سكرتيرتك، مش أنت اللي قبلت ولبستها ليا قدامك حل من اتنين، يا تعمل زي ما قولت يا همشيها!"
رد عليه عمار بعبث: "شكل سيلين مسيطرة."
أغلق الهاتف بوجهه وهو يزفر بضيق. أكان ينقصه تلك التي بالخارج؟ يكفي العمل الذي سيديره بمفرده، فقد سافر عمار وسفيان تاركين إياه يتحمل هو كل شيء وحده.
***
بينما على الناحية الأخرى، كانت همس تجلس بمطعم الفندق وحدها تنظر للفراغ بشرود. اقترب كارم منها قائلاً بابتسامة: "القمر سرحانة في إيه؟"
نفت برأسها قائلة: "مفيش."
"طب قاعدة لوحدك ليه؟"
تنهدت قائلة بفتور: "لينا مع عمار محبتش أزعجهم، وميان لسه نايمة."
سألها بابتسامة: "فطرتي ولا لسه؟"
ردت عليه بتعب: "مليش نفس."
أشار للنادل ليأتي، ثم طلب منه أن يأتي بطعام الإفطار قائلاً: "مينفعش كده، لازم تاكلي كويس عشان تقدري تلفي معايا الأماكن. هنا تحفة وهتعجبك، خصوصًا الأوتيل هنا هيعجبك أوي."
أومأت له بصمت حتى لا تدخل بنقاش، فليس لديها القدرة على الحديث حتى.
سألها بابتسامة محاولاً فتح أي حديث معها حتى لا تفكر بأي شيء يزعجها: "مش عايزة تتصوري؟ أنا عارف إنك بتحبي التصوير، خصوصًا لو في مكان أول مرة تروحيه."
أومأت له بصمت وأخرجت هاتفها تلتقط عدة صور لها بفتور. جلس بجانبها قائلاً بمرح: "إيه الأنانية دي؟ أنا كمان عايز أتصور."
ابتسمت بخفوت والتقطت لهم عدة صور، فعاد ليجلس مكانه يتحدث معها بعدة مواضيع، وهي ترد عليه بفتور، عقلها بشيء آخر. تفكر ماذا لو قامت بنشر تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يراها، ليعلم أن حياتها لم تتوقف من بعده. اختارت صورها مع كارم خصيصًا، مقررة نشرها.
عقلها يفكر بشيء ما تريد بشدة فعله، لكن إن فعلته ستحتقر نفسها. كارم لا يستحق منها ذلك.
***
"أنتي مين؟!"
قالها قصي بتساؤل ما إن دخل لمكتبه ورأى فتاة بملابس قصيرة، خصر ضيق للغاية.
ردت عليه بابتسامة رقيقة وصوت رقيق بشكل مبالغ فيه: "أنا نانسي يا مستر قصي، السكرتيرة الجديدة."
أشار إلي هيئتها مرددًا باحتقار وصرامة: "اللي عملاه في خلقتك ده يتشال وتلبسي لبس محترم، انتي مش في كباريه."
رددت بتلعثم وتوتر: "حاضر، اا... أنا آسفة."
جلس خلف مكتبه مرددًا بصرامة دون النظر لها: "القهوة والاجتماعات اللي عندي النهارده."
خرجت على الفور تنفذ ما قال، فهاتف هو عمار على الفور يسأله بغضب: "مين اللي عين اللي بره دي؟!"
"مدير الحسابات يا قصي، قريبه وطلب مني أشغلها، شوفت ورقها لقيتها مناسبة عينتها."
قصي باستنكار وغضب: "دي تتعين في كباريه مش شركة محترمة."
رد عليه عمار بمشاكسة: "إيه؟ اتحرشت بيك؟"
عنفه قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت، انت ترجع بسرعة عشان تعينها سكرتيرة ليك، وهاخد أنا سكرتيرتك، مش أنت اللي قبلت ولبستها ليا قدامك حل من اتنين، يا تعمل زي ما قولت يا همشيها!"
رد عليه عمار بعبث: "شكل سيلين مسيطرة."
أغلق الهاتف بوجهه وهو يزفر بضيق. أكان ينقصه تلك التي بالخارج؟ يكفي العمل الذي سيديره بمفرده، فقد سافر عمار وسفيان تاركين إياه يتحمل هو كل شيء وحده.
***
بينما على الناحية الأخرى، كانت همس تجلس بمطعم الفندق وحدها تنظر للفراغ بشرود. اقترب كارم منها قائلاً بابتسامة: "القمر سرحانة في إيه؟"
نفت برأسها قائلة: "مفيش."
"طب قاعدة لوحدك ليه؟"
تنهدت قائلة بفتور: "لينا مع عمار محبتش أزعجهم، وميان لسه نايمة."
سألها بابتسامة: "فطرتي ولا لسه؟"
ردت عليه بتعب: "مليش نفس."
أشار للنادل ليأتي، ثم طلب منه أن يأتي بطعام الإفطار قائلاً: "مينفعش كده، لازم تاكلي كويس عشان تقدري تلفي معايا الأماكن. هنا تحفة وهتعجبك، خصوصًا الأوتيل هنا هيعجبك أوي."
أومأت له بصمت حتى لا تدخل بنقاش، فليس لديها القدرة على الحديث حتى.
سألها بابتسامة محاولاً فتح أي حديث معها حتى لا تفكر بأي شيء يزعجها: "مش عايزة تتصوري؟ أنا عارف إنك بتحبي التصوير، خصوصًا لو في مكان أول مرة تروحيه."
أومأت له بصمت وأخرجت هاتفها تلتقط عدة صور لها بفتور. جلس بجانبها قائلاً بمرح: "إيه الأنانية دي؟ أنا كمان عايز أتصور."
ابتسمت بخفوت والتقطت لهم عدة صور، فعاد ليجلس مكانه يتحدث معها بعدة مواضيع، وهي ترد عليه بفتور، عقلها بشيء آخر. تفكر ماذا لو قامت بنشر تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يراها، ليعلم أن حياتها لم تتوقف من بعده. اختارت صورها مع كارم خصيصًا، مقررة نشرها.
عقلها يفكر بشيء ما تريد بشدة فعله، لكن إن فعلته ستحتقر نفسها. كارم لا يستحق منها ذلك.
***
"أنتي مين؟!"
قالها قصي بتساؤل ما إن دخل لمكتبه ورأى فتاة بملابس قصيرة، خصر ضيق للغاية.
ردت عليه بابتسامة رقيقة وصوت رقيق بشكل مبالغ فيه: "أنا نانسي يا مستر قصي، السكرتيرة الجديدة."
أشار إلي هيئتها مرددًا باحتقار وصرامة: "اللي عملاه في خلقتك ده يتشال وتلبسي لبس محترم، انتي مش في كباريه."
رددت بتلعثم وتوتر: "حاضر، اا... أنا آسفة."
جلس خلف مكتبه مرددًا بصرامة دون النظر لها: "القهوة والاجتماعات اللي عندي النهارده."
خرجت على الفور تنفذ ما قال، فهاتف هو عمار على الفور يسأله بغضب: "مين اللي عين اللي بره دي؟!"
"مدير الحسابات يا قصي، قريبه وطلب مني أشغلها، شوفت ورقها لقيتها مناسبة عينتها."
قصي باستنكار وغضب: "دي تتعين في كباريه مش شركة محترمة."
رد عليه عمار بمشاكسة: "إيه؟ اتحرشت بيك؟"
عنفه قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت، انت ترجع بسرعة عشان تعينها سكرتيرة ليك، وهاخد أنا سكرتيرتك، مش أنت اللي قبلت ولبستها ليا قدامك حل من اتنين، يا تعمل زي ما قولت يا همشيها!"
رد عليه عمار بعبث: "شكل سيلين مسيطرة."
أغلق الهاتف بوجهه وهو يزفر بضيق. أكان ينقصه تلك التي بالخارج؟ يكفي العمل الذي سيديره بمفرده، فقد سافر عمار وسفيان تاركين إياه يتحمل هو كل شيء وحده.
***
بينما على الناحية الأخرى، كانت همس تجلس بمطعم الفندق وحدها تنظر للفراغ بشرود. اقترب كارم منها قائلاً بابتسامة: "القمر سرحانة في إيه؟"
نفت برأسها قائلة: "مفيش."
"طب قاعدة لوحدك ليه؟"
تنهدت قائلة بفتور: "لينا مع عمار محبتش أزعجهم، وميان لسه نايمة."
سألها بابتسامة: "فطرتي ولا لسه؟"
ردت عليه بتعب: "مليش نفس."
أشار للنادل ليأتي، ثم طلب منه أن يأتي بطعام الإفطار قائلاً: "مينفعش كده، لازم تاكلي كويس عشان تقدري تلفي معايا الأماكن. هنا تحفة وهتعجبك، خصوصًا الأوتيل هنا هيعجبك أوي."
أومأت له بصمت حتى لا تدخل بنقاش، فليس لديها القدرة على الحديث حتى.
سألها بابتسامة محاولاً فتح أي حديث معها حتى لا تفكر بأي شيء يزعجها: "مش عايزة تتصوري؟ أنا عارف إنك بتحبي التصوير، خصوصًا لو في مكان أول مرة تروحيه."
أومأت له بصمت وأخرجت هاتفها تلتقط عدة صور لها بفتور. جلس بجانبها قائلاً بمرح: "إيه الأنانية دي؟ أنا كمان عايز أتصور."
ابتسمت بخفوت والتقطت لهم عدة صور، فعاد ليجلس مكانه يتحدث معها بعدة مواضيع، وهي ترد عليه بفتور، عقلها بشيء آخر. تفكر ماذا لو قامت بنشر تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يراها، ليعلم أن حياتها لم تتوقف من بعده. اختارت صورها مع كارم خصيصًا، مقررة نشرها.
عقلها يفكر بشيء ما تريد بشدة فعله، لكن إن فعلته ستحتقر نفسها. كارم لا يستحق منها ذلك.
***
"أنتي مين؟!"
قالها قصي بتساؤل ما إن دخل لمكتبه ورأى فتاة بملابس قصيرة، خصر ضيق للغاية.
ردت عليه بابتسامة رقيقة وصوت رقيق بشكل مبالغ فيه: "أنا نانسي يا مستر قصي، السكرتيرة الجديدة."
أشار إلي هيئتها مرددًا باحتقار وصرامة: "اللي عملاه في خلقتك ده يتشال وتلبسي لبس محترم، انتي مش في كباريه."
رددت بتلعثم وتوتر: "حاضر، اا... أنا آسفة."
جلس خلف مكتبه مرددًا بصرامة دون النظر لها: "القهوة والاجتماعات اللي عندي النهارده."
خرجت على الفور تنفذ ما قال، فهاتف هو عمار على الفور يسأله بغضب: "مين اللي عين اللي بره دي؟!"
"مدير الحسابات يا قصي، قريبه وطلب مني أشغلها، شوفت ورقها لقيتها مناسبة عينتها."
قصي باستنكار وغضب: "دي تتعين في كباريه مش شركة محترمة."
رد عليه عمار بمشاكسة: "إيه؟ اتحرشت بيك؟"
عنفه قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت، انت ترجع بسرعة عشان تعينها سكرتيرة ليك، وهاخد أنا سكرتيرتك، مش أنت اللي قبلت ولبستها ليا قدامك حل من اتنين، يا تعمل زي ما قولت يا همشيها!"
رد عليه عمار بعبث: "شكل سيلين مسيطرة."
أغلق الهاتف بوجهه وهو يزفر بضيق. أكان ينقصه تلك التي بالخارج؟ يكفي العمل الذي سيديره بمفرده، فقد سافر عمار وسفيان تاركين إياه يتحمل هو كل شيء وحده.
***
بينما على الناحية الأخرى، كانت همس تجلس بمطعم الفندق وحدها تنظر للفراغ بشرود. اقترب كارم منها قائلاً بابتسامة: "القمر سرحانة في إيه؟"
نفت برأسها قائلة: "مفيش."
"طب قاعدة لوحدك ليه؟"
تنهدت قائلة بفتور: "لينا مع عمار محبتش أزعجهم، وميان لسه نايمة."
سألها بابتسامة: "فطرتي ولا لسه؟"
ردت عليه بتعب: "مليش نفس."
أشار للنادل ليأتي، ثم طلب منه أن يأتي بطعام الإفطار قائلاً: "مينفعش كده، لازم تاكلي كويس عشان تقدري تلفي معايا الأماكن. هنا تحفة وهتعجبك، خصوصًا الأوتيل هنا هيعجبك أوي."
أومأت له بصمت حتى لا تدخل بنقاش، فليس لديها القدرة على الحديث حتى.
سألها بابتسامة محاولاً فتح أي حديث معها حتى لا تفكر بأي شيء يزعجها: "مش عايزة تتصوري؟ أنا عارف إنك بتحبي التصوير، خصوصًا لو في مكان أول مرة تروحيه."
أومأت له بصمت وأخرجت هاتفها تلتقط عدة صور لها بفتور. جلس بجانبها قائلاً بمرح: "إيه الأنانية دي؟ أنا كمان عايز أتصور."
ابتسمت بخفوت والتقطت لهم عدة صور، فعاد ليجلس مكانه يتحدث معها بعدة مواضيع، وهي ترد عليه بفتور، عقلها بشيء آخر. تفكر ماذا لو قامت بنشر تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يراها، ليعلم أن حياتها لم تتوقف من بعده. اختارت صورها مع كارم خصيصًا، مقررة نشرها.
عقلها يفكر بشيء ما تريد بشدة فعله، لكن إن فعلته ستحتقر نفسها. كارم لا يستحق منها ذلك.
***
"أنتي مين؟!"
قالها قصي بتساؤل ما إن دخل لمكتبه ورأى فتاة بملابس قصيرة، خصر ضيق للغاية.
ردت عليه بابتسامة رقيقة وصوت رقيق بشكل مبالغ فيه: "أنا نانسي يا مستر قصي، السكرتيرة الجديدة."
أشار إلي هيئتها مرددًا باحتقار وصرامة: "اللي عملاه في خلقتك ده يتشال وتلبسي لبس محترم، انتي مش في كباريه."
رددت بتلعثم وتوتر: "حاضر، اا... أنا آسفة."
جلس خلف مكتبه مرددًا بصرامة دون النظر لها: "القهوة والاجتماعات اللي عندي النهارده."
خرجت على الفور تنفذ ما قال، فهاتف هو عمار على الفور يسأله بغضب: "مين اللي عين اللي بره دي؟!"
"مدير الحسابات يا قصي، قريبه وطلب مني أشغلها، شوفت ورقها لقيتها مناسبة عينتها."
قصي باستنكار وغضب: "دي تتعين في كباريه مش شركة محترمة."
رد عليه عمار بمشاكسة: "إيه؟ اتحرشت بيك؟"
عنفه قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت، انت ترجع بسرعة عشان تعينها سكرتيرة ليك، وهاخد أنا سكرتيرتك، مش أنت اللي قبلت ولبستها ليا قدامك حل من اتنين، يا تعمل زي ما قولت يا همشيها!"
رد عليه عمار بعبث: "شكل سيلين مسيطرة."
أغلق الهاتف بوجهه وهو يزفر بضيق. أكان ينقصه تلك التي بالخارج؟ يكفي العمل الذي سيديره بمفرده، فقد سافر عمار وسفيان تاركين إياه يتحمل هو كل شيء وحده.
***
بينما على الناحية الأخرى، كانت همس تجلس بمطعم الفندق وحدها تنظر للفراغ بشرود. اقترب كارم منها قائلاً بابتسامة: "القمر سرحانة في إيه؟"
نفت برأسها قائلة: "مفيش."
"طب قاعدة لوحدك ليه؟"
تنهدت قائلة بفتور: "لينا مع عمار محبتش أزعجهم، وميان لسه نايمة."
سألها بابتسامة: "فطرتي ولا لسه؟"
ردت عليه بتعب: "مليش نفس."
أشار للنادل ليأتي، ثم طلب منه أن يأتي بطعام الإفطار قائلاً: "مينفعش كده، لازم تاكلي كويس عشان تقدري تلفي معايا الأماكن. هنا تحفة وهتعجبك، خصوصًا الأوتيل هنا هيعجبك أوي."
أومأت له بصمت حتى لا تدخل بنقاش، فليس لديها القدرة على الحديث حتى.
سألها بابتسامة محاولاً فتح أي حديث معها حتى لا تفكر بأي شيء يزعجها: "مش عايزة تتصوري؟ أنا عارف إنك بتحبي التصوير، خصوصًا لو في مكان أول مرة تروحيه."
أومأت له بصمت وأخرجت هاتفها تلتقط عدة صور لها بفتور. جلس بجانبها قائلاً بمرح: "إيه الأنانية دي؟ أنا كمان عايز أتصور."
ابتسمت بخفوت والتقطت لهم عدة صور، فعاد ليجلس مكانه يتحدث معها بعدة مواضيع، وهي ترد عليه بفتور، عقلها بشيء آخر. تفكر ماذا لو قامت بنشر تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يراها، ليعلم أن حياتها لم تتوقف من بعده. اختارت صورها مع كارم خصيصًا، مقررة نشرها.
عقلها يفكر بشيء ما تريد بشدة فعله، لكن إن فعلته ستحتقر نفسها. كارم لا يستحق منها ذلك.
***
"أنتي مين؟!"
قالها قصي بتساؤل ما إن دخل لمكتبه ورأى فتاة بملابس قصيرة، خصر ضيق للغاية.
ردت عليه بابتسامة رقيقة وصوت رقيق بشكل مبالغ فيه: "أنا نانسي يا مستر قصي، السكرتيرة الجديدة."
أشار إلي هيئتها مرددًا باحتقار وصرامة: "اللي عملاه في خلقتك ده يتشال وتلبسي لبس محترم، انتي مش في كباريه."
رددت بتلعثم وتوتر: "حاضر، اا... أنا آسفة."
جلس خلف مكتبه مرددًا بصرامة دون النظر لها: "القهوة والاجتماعات اللي عندي النهارده."
خرجت على الفور تنفذ ما قال، فهاتف هو عمار على الفور يسأله بغضب: "مين اللي عين اللي بره دي؟!"
"مدير الحسابات يا قصي، قريبه وطلب مني أشغلها، شوفت ورقها لقيتها مناسبة عينتها."
قصي باستنكار وغضب: "دي تتعين في كباريه مش شركة محترمة."
رد عليه عمار بمشاكسة: "إيه؟ اتحرشت بيك؟"
عنفه قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت، انت ترجع بسرعة عشان تعينها سكرتيرة ليك، وهاخد أنا سكرتيرتك، مش أنت اللي قبلت ولبستها ليا قدامك حل من اتنين، يا تعمل زي ما قولت يا همشيها!"
رد عليه عمار بعبث: "شكل سيلين مسيطرة."
أغلق الهاتف بوجهه وهو يزفر بضيق. أكان ينقصه تلك التي بالخارج؟ يكفي العمل الذي سيديره بمفرده، فقد سافر عمار وسفيان تاركين إياه يتحمل هو كل شيء وحده.
***
بينما على الناحية الأخرى، كانت همس تجلس بمطعم الفندق وحدها تنظر للفراغ بشرود. اقترب كارم منها قائلاً بابتسامة: "القمر سرحانة في إيه؟"
نفت برأسها قائلة: "مفيش."
"طب قاعدة لوحدك ليه؟"
تنهدت قائلة بفتور: "لينا مع عمار محبتش أزعجهم، وميان لسه نايمة."
سألها بابتسامة: "فطرتي ولا لسه؟"
ردت عليه بتعب: "مليش نفس."
أشار للنادل ليأتي، ثم طلب منه أن يأتي بطعام الإفطار قائلاً: "مينفعش كده، لازم تاكلي كويس عشان تقدري تلفي معايا الأماكن. هنا تحفة وهتعجبك، خصوصًا الأوتيل هنا هيعجبك أوي."
أومأت له بصمت حتى لا تدخل بنقاش، فليس لديها القدرة على الحديث حتى.
سألها بابتسامة محاولاً فتح أي حديث معها حتى لا تفكر بأي شيء يزعجها: "مش عايزة تتصوري؟ أنا عارف إنك بتحبي التصوير، خصوصًا لو في مكان أول مرة تروحيه."
أومأت له بصمت وأخرجت هاتفها تلتقط عدة صور لها بفتور. جلس بجانبها قائلاً بمرح: "إيه الأنانية دي؟ أنا كمان عايز أتصور."
ابتسمت بخفوت والتقطت لهم عدة صور، فعاد ليجلس مكانه يتحدث معها بعدة مواضيع، وهي ترد عليه بفتور، عقلها بشيء آخر. تفكر ماذا لو قامت بنشر تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يراها، ليعلم أن حياتها لم تتوقف من بعده. اختارت صورها مع كارم خصيصًا، مقررة نشرها.
عقلها يفكر بشيء ما تريد بشدة فعله، لكن إن فعلته ستحتقر نفسها. كارم لا يستحق منها ذلك.
***
"أنتي مين؟!"
قالها قصي بتساؤل ما إن دخل لمكتبه ورأى فتاة بملابس قصيرة، خصر ضيق للغاية.
ردت عليه بابتسامة رقيقة وصوت رقيق بشكل مبالغ فيه: "أنا نانسي يا مستر قصي، السكرتيرة الجديدة."
أشار إلي هيئتها مرددًا باحتقار وصرامة: "اللي عملاه في خلقتك ده يتشال وتلبسي لبس محترم، انتي مش في كباريه."
رددت بتلعثم وتوتر: "حاضر، اا... أنا آسفة."
جلس خلف مكتبه مرددًا بصرامة دون النظر لها: "القهوة والاجتماعات اللي عندي النهارده."
خرجت على الفور تنفذ ما قال، فهاتف هو عمار على الفور يسأله بغضب: "مين اللي عين اللي بره دي؟!"
"مدير الحسابات يا قصي، قريبه وطلب مني أشغلها، شوفت ورقها لقيتها مناسبة عينتها."
قصي باستنكار وغضب: "دي تتعين في كباريه مش شركة محترمة."
رد عليه عمار بمشاكسة: "إيه؟ اتحرشت بيك؟"
عنفه قائلاً بغضب: "اخرس يا زفت، انت ترجع بسرعة عشان تعينها سكرتيرة ليك، وهاخد أنا سكرتيرتك، مش أنت اللي قبلت ولبستها ليا قدامك حل من اتنين، يا تعمل زي ما قولت يا همشيها!"
رد عليه عمار بعبث: "شكل سيلين مسيطرة."
أغلق الهاتف بوجهه وهو يزفر بضيق. أكان ينقصه تلك التي بالخارج؟ يكفي العمل الذي سيديره بمفرده، فقد سافر عمار وسفيان تاركين إياه يتحمل هو كل شيء وحده.
رواية بعينك اسير الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شهد الشوري
بينما الجميع منشغلون بحالهم لم يشعر أحد بأختفاء ميان.
كانت لينا ترافق عمار طوال اليوم، كذلك همس التي تجلس بعيداً عن الجميع وكارم معها طوال اليوم كظلها لم يفارقها.
كانت ميان تصرخ على سفيان:
"بقولك رجعني للبر حالاً، كفاية لعب عيال لحد كده."
رد عليها بتصميم:
"قولتلك نتكلم الأول."
صرخت عليه بغضب:
"مش عايزة اتزفت! هتنطق تقول ايه؟ وأنا هرد عليك أقول ايه؟ هتقولي بحبك وندمان؟ هرد عليك وأقولك ملعون أبو ده حب مش عايزاه."
رد عليه بصراخ مماثل:
"ليه مش عايزة تحاولي يا ميان؟ أنا وانتي كنا ضحية ليهم، ليه منحاولش تاني مع بعض؟"
ثم تابع بنبرة لينة يرجوها:
"أنا بحبك وعندي استعداد أفضل وراكي العمر كله بس عنيكي ترجع تبصلي زي ما كانت الأول، نفسي أرجع أشوف نظراتك ليا زمان بدل الكره اللي شايفه فيهم دلوقتي."
ردت عليه باحتقار:
"كنت حاولت انت الأول لما أنا كنت بعمل اللي انت بتقوله ده كان قلة كرامة بالنسبة ليك، لكن دلوقتي انت بتعمله عشان بتحبني زي ما بتقول."
نظرت له لأعلى ثم لأسفل بقرف ثم رددت بتهكم:
"بتحلل لنفسك وبتحرم الحاجة لغيرك، بتسميها بالمسمى اللي يعجبك عشان دلوقتي عيشت وجربت اللي أنا عيشته ومريت بيه."
يرد عليها بحدة وألم:
"هنفضل في الموال ده لحد امتى؟ أنا غلطت متنيل على عيني عارف، بس كل غلط كنت بغلطه في حقك كان من وجعي منك، كل ما كنت بكون موجوع وأنا بفتكر منظرك في حضن غيري كنت بوجعك اكتر."
أشاحت بوجهها بعيداً بسخرية.
فأدار وجهه له.
سرعان ما نفضت يده عنها بعنف فتابع بحزن:
"غلطت واستاهل ضرب الجزمة، بس اللي مريت بيه مش سهل خالص يا ميان، اللي دمر حياتي المفروض إنها أمي ومراتي، أكتر اتنين المفروض يخافوا عليا طعنوني في ضهري."
ردت عليه بسخرية وهي نصفق له ببرود:
"يا حرام، وأنت فاكر إنك كده هتصعب عليا وأقول آه ده اللي حصله صعب؟ لأ، الكلام ده كان زمان."
ثم تابعت بغضب:
"ما تيجي كده نعد مع بعض غلطاتك قد إيه."
تنهد بحزن.
فدفعته بظهر يدها بصدره مرددة بغضب:
"بعدت زمان وسبتني في وقت كنت فيه كل حاجة بالنسبة ليا، وترجيتك يومها ما تسبنيش وسبتني."
عادت تضربه بصدره مرة أخرى مرددة بغضب:
"بعدت سنين ووجعتني أكتر يوم ما خالفت العهد اللي كان بينا واتجوزت، كلامك السم اللي كنت بتفضل ترمي عليا بيه."
عادت وسددت له ضربة أخرى بصدره بيداها الاثنتان مرددة بغضب أكبر:
"اتهامك ليا في شرفي، حاجات كتير أوي عملتها وختمتها بالكبيرة."
رد عليه بأعين دامعة محتقراً نفسه:
"اتظلمت وانتي كمان اتظلمتي، لحد امتى هنفضل في الدوامة دي؟ كل اللي طالبة منك فرصة أعوضك عن كل اللي عملته، أنا محتاجلك وانتي كمان محتاجة ليا يا ميان، يبقى ليه البعد؟"
ردت عليه بحدة:
"لأ لحظة بس، أتكلم عن نفسك. أنت رصيدك عندي خلص خالص، واللي لازم تعرفه إن عمري ما هحتاجلك لا دلوقتي ولا بعدين، ده أنت البعد عنك مكسب وخير."
ثم تابعت بقسوة:
"أصلاً مين في حياتها تحب تقرب من واحد زيك؟ يأما غبية، يأما عايزاك بنك زي مراتك اللي غفلتك."
ثم تابعت بسخرية مريرة:
"للأسف أنا في يوم من الأيام كنت الغبية، بس فوقت، بس بعد فوات الأوان."
رددت برجاء مرة أخرى:
"ميان الله يخليكي......"
زفرت بضيق قائلة بنفاذ صبر:
"مش هنخلص بقى من التلزيق، إيه مش سامع بقولك مش عايزاك، مش طايقاك، أغنيهالك مثلاً يمكن تفهم؟"
صرخ عليها بغضب:
"كفاية بقى بطلي تتعاملي بالطريقة دي، انتي مش كده، لا كنتي ولا عمرك هتكوني كده."
سخرت من حديثه قائلة:
"لا أنا كده، وبعدين إيه اللي يخليك مصدق إنها بريئة؟ أنت اللي سمعته من كاميليا ونرمين يبرأني أه، لكن مين قالك إني مكنتش ماشية مع كل واحد شوية؟ أصل أنت هتعرف منين وهما هيعرفوا منين؟"
صرخ عليها بغضب وهو يمسك بكتفيها بقوة:
"ميان!"
اندفعت يده بعيداً عنها بقرف قائلة بغضب:
"ابعد إيدك عني، إياك إيدك تلمسني، أنت فاهم؟"
ركلت الأرض بقدمها قائلة بغضب كبير:
"أرجع بالزفتة دي حالاً!"
***
في منتصف الليل، ما إن عادت لينا وهمس للجناح الخاص ليتفاجئوا بعدم وجود ميان.
سألتها همس:
"لينا مشوفتيش ميان النهارده؟"
نفت لينا برأسها وغادرت الغرفة لكي تبحث عنها لتتقابل مع عمار فأخبرته أن ميان مختفية.
أخرج هاتفه يتصل بها ليتفاجأ بهمس تقترب منهما والهاتف بيدها قائلة بقلق:
"نسيته في الأوضة، أنا كنت فاكراها معاكم!!"
رددت لينا بلوم لنفسها وقلق:
"أنا فكرتها معاكي الصبح، طلعت من الأوضة وهي كانت نايمة!!"
اقترب منهما كارم وفارس حيث كان الاثنان يتوجهان لغرفتهما.
سألهم كارم بتعجب:
"مالكم في إيه؟!"
رددت لينا بقلق:
"مش لاقيين ميان، محدش شافها من الصبح، وكمان ناسية تليفونها في الأوضة."
ردد فارس بقلق:
"كانت معايا الصبح ع البحر، بعدها سابتني ومشيت، ممكن تكون قاعدة هناك."
أنهى حديثه ثم ركض لهناك.
بحث الجميع عنها على الشاطيء بأكمله لكن لا أثر لها.
سأل فارس الاستقبال إن كانت غادرت أم لا لكنهم نفوا ذلك.
تفاجأ الجميع بها تنزل من القارب الذي اقترب من الشاطيء بوجه غاضب برفقة سفيان الذي ينظر لها بحزن كبير.
اقتربت منها لينا قائلة بقلق وهي تنظر لسفيان بغضب واحتقار:
"ميان كنتي فين؟ قلقتينا عليكي أوي."
لم ترد عليها ميان بل تابعت سيرها نحو غرفتها.
سألتها همس:
"رايحة فين طيب؟"
أجابتها بغضب:
"في داهية."
اقتربت لينا من سفيان قائلة بغضب:
"عملتلها إيه؟ أنت لسه ليك عين أصلاً تكلمها أو توري لينا وشك؟ عايز منها إيه تاني؟ مش كفاية اللي عاشته بسببك؟ أنا عمري ما شوفت حد بالبجاحة دي!!"
اقترب عمار منها قائلاً بحدة:
"بس يا لينا."
نقلت نظراتها بينه وبين سفيان ثم غادرت وخلفها همس التي عاتبتها ما إن ابتعدوا:
"لينا أنتِ الذات مينفعش توجهي أي كلمة لسفيان لأنك مرات أخوه، اللي هيبقى صعب عليه مهما كان يقف يسمع إهانة أخوه بودانه كده ويسكت."
أومأت لها لينا بصمت والاثنان ركضوا خلف ميان تاركين الأربعة شباب يتبادلون النظرات بصمت، من بينهم فارس الذي أخذ صدره يعلو ويهبط بانفعال مكوراً قبضة يده بغضب كبير وغيرة لم يسبق أن شعر بها.
نظر له سفيان بغضب مماثل، وهيئتها وهو فوقها في الصباح لا تذهب من باله.
اقترب منه مردداً بغضب وتهديد صريح بجانب أذنه:
"اشتري نفسك وابعد عنها، قسماً بالله لو لمحتك جنبها بس لأندمك."
سخر منه فارس قائلاً بغضب وتحدي:
"طب أبدأ ندمني عشان مش ناوي أبعد!!"
لكمه سفيان بغضب فأرتد الآخر على أثرها للخلف.
سرعان ما اعتزل ورد له اللكمة أقوى.
اقترب عمار يفصل بينهما كذلك كارم الذي قبض بيده على مقدمة ثيابه قائلاً بقوة:
"الزم حدك بقى عشان أنا أصلاً مش طايقك ولا حد هنا طايقك، الإيد اللي تترفع على ابن عمي تتكسر، لولا إنك أخو عمار قسماً بالله لكنت دفعتك التمن غالي الأيام اللي هتشرفنا فيها هنا تقعد باحترامك وإلا هنسى إنك أخوه وأنت مين وهعاملك بطريقة متحبش أبداً تعرفها!!"
قال ما قال ثم سحب فارس عنوة وغادر تاركاً كلاً من سفيان وعمار وحدهما.
ما إن تأكد عمار أنهما وحدهما صرخ على سفيان بضيق وحدة:
"جيت ليه يا سفيان؟ جيت تعمل مشاكل وخلاص؟ ميان وقالتلك مش عايزاك، أبعد عنها بقى سيبها تاخد نفسها وتفوق من اللي مرت بيه، حتى ده مش عايزها تعمله لازم تفسد كل لحظة في حياتها."
تنهد بضيق قائلاً:
"أنت عارف إننا بصعوبة أقنعناها تيجي تبعد شوية وتغير الجو، تقوم أنت جاي ورانا وتدمر كل حاجة. أصلاً زمانهم كلهم فاكرين إن أنا اللي قولتلك تيجي، افهم بقى يا سفيان إنك قطعت كل الطرق اللي ممكن تجمعك بميان وبإيدك."
ردد سفيان بسخرية مريرة:
"شايفك اتخليت عن أخوك يا عمار."
ردد عمار بحزن:
"متخليتش، بس أنت مسبتش خيار ليا تاني بعد اللي عملته، ياما كلنا نصحناك بس ما سمعتش منا، ميان كانت جنبي في أكتر فترة صعبة في حياتي متخلتش عني، وكمان دي أختي، ولما بقول كلمة أختي بسأل نفسي طالما هي أختي إزاي هرضى بيك ليها بعد اللي حصلها منك. انتوا الاتنين أخواتي مش عارف أقف مع مين، بس اللي أعرفه إن مش مع الغلط يا سفيان. وقبل ما تلومني افتكر إنك بإيدك وصلتنا لكده."
قال ما قال ثم غادر من أمامه وتركه للندم الذي ما إن علم بالحقيقة ينهش قلبه كل لحظة.
***
باليوم التالي حسم فارس أمره وذهب للجناح الخاص بالفتيات يطرق الباب.
مرت دقيقة وكانت ميان تفتح الباب له.
سألته:
"في حاجة يا فارس؟"
أومأ لها قائلاً بهدوء:
"لو ينفع عايز أتكلم معاكي شوية."
أومأت له بنعم فردد بهدوء:
"طب اجهزي وأنا هستناكي."
رددت بهدوء وهي تدخل للداخل:
"أنا جاهزة، هجيب بس تليفونيا."
أومأ لها بنعم.
دقائق قليلة وكان يجلس برفقتها على الشاطيء.
تنهد قائلاً بجدية:
"أنا مش هلف وادور عليكي يا ميان."
صمت للحظات ثم سألها بجدية:
"تتجوزيني يا ميان؟"
نظرت له بصدمة قائلة بزهول:
"إيه؟"
كرر عليها طلبه مضيفاً إلى حديثه:
"أنا كنت عايز أفاتح والدك بس قولت أسمع رأيك الأول قبل ما أكلمه."
قاطعته قائلة بهدوء:
"ليه أنا؟"
ردد بهدوء وبعض التوتر:
"عشان شايفك مناسبة ليا، تقدري تقولي اللي بحسه ناحيتك أكتر من إعجاب، في حاجة بتشدني ليكي يوم عن التاني، حاسك ليا وتخصيني يا ميان."
نظرت له بصدمة ثم توقفت لتغادر.
فسألها:
"موافقة ولا رافضة؟"
تنهدت ثم ردت عليه بحيرة وعقلها يفكر بشيء واحد فقط:
"هفكر وهرد عليك يا دكتور فارس."
***
بعد أن غادرت اقترب منه كارم قائلاً:
"كلمتها خلاص."
أومأ له بصمت.
ف عاد الآخر يسأله:
"قالتلك إيه؟"
تنهد فارس قائلاً بهدوء:
"هتفكر وترد عليا."
ابتسم كارم بزاوية شفتيه متمتماً:
"أنا عارف ردها هيكون إيه."
نظر له فارس بتعجب.
ف تابع الآخر حديثه:
"هتوافق عليك."
"عرفت منين؟"
تنهد كارم بعمق قائلاً:
"مجروحة وعايزة تنتقم من اللي جرحها، عايزة ترد ليه كل اللي عمله فيها، وأنت هتكون الرد."
سأله فارس بتوتر:
"قصدك إيه؟"
رد عليه كارم بجدية:
"قصدي إنك لو كملت في الموضوع ده يا فارس هتتوجع، أنت رايح تطلب إيدها في وقت هي لسه طالعة فيه من تجربة وحشة جداً والانتقام هو اللي مسيطر على كل تفكيرها، دلوقتي مش بتفكر في استقرار وبيت وعيلة زي ما أنت متخيل."
صمت للحظات ثم استأنف حديثه:
"هتوافق عشان تنتقم من سفيان بيك."
صمت فارس وتحاشى النظر له.
ف تابع كارم:
"أنت أصلاً عارف كده من الأول بس عملت نفسك عبيط، أنت حاببها يا فارس وعايزها عشان كده عملت نفسك أعمى عن كل الحاجات دي."
فارس بأمل:
"عندي أمل إني أقدر أنسيها اللي حصل ويكون ليا فرصة معاها، كل يوم بيعدي يا كارم بحس إني مشدود ليها أكتر عن اليوم اللي قبله، الموضوع ده في بالي بقالي فترة بقول دايماً أستنى أتأكد الأول من رغبتي في إني أتجوزها، بس كل ما الوقت يمر أحس بنفس الشعور ونفس الرغبة إني أكمل لأني شايف إنها تستاهل."
رد عليه كارم بابتسامة صغيرة:
"على فكرة كلامي مش معناه إني بكرهها أو شايفها مش مناسبة ليك أو وحشة، بالعكس دي بنت بمية راجل، كفاية الوقفة اللي وقفتها مع عمار في محنته، في كمان مواقف كتير كانت جدعة فيها، همس كانت بتحكيلي عنها."
قام بوضع يده على كتف فارس مردداً برفق:
"أنا بس بفهمك أنت داخل على إيه، لازم تقدر حالتها وتمشي معاها خطوة خطوة، ولو اتجوزتوا هي مش هتكون جاهزة تقوم بواجبها ناحيتك، الموضوع هيكون صعب عليها أنت فاهم؟"
يردد فارس بتصميم:
"هستنى، هي تستاهل إني أحاول."
***
يومان مرا عليهما بتلك الرحلة.
كانت ميان تتحاشى الالتقاء بفارس تماماً.
بينما كارم لم يفارق همس للحظة، وعمار ولينا بعالم آخر يبقى معها منذ بداية اليوم حتى نهايته.
بينما سفيان عاد للاسكندرية باليوم التالي من شجاره مع كارم وفارس.
قبل العودة بيوم جاء الرد من ميان بالقبول.
شعور بالارتياح والفرح غمره.
سرعان ما ذهب لوالديه يخبرهم برغبته بالزواج منها ولم يجد اعتراض منهم أبداً بل شجعه الجميع على تلك الخطوة فقد كانت والدته تنتظر تلك اللحظة منذ سنوات.
***
زفرت بضيق ونفاذ صبر من كارم الذي ما أنهت طعام الإفطار جذبها عنوة لمكان مجهول فقد كان يغطي عيناها بقماشة سوداء.
ابتسم عليها وهو يناظرها بهيام يمسك يدها ويمشي بحذر مردداً:
"دقيقتين وهنوصل."
طوال حياتها تكره المفاجأت.
زفرت بضيق، وما إن وصل بها ردد بابتسامة:
"هشيلها بس ما تفتحيش عينك طول."
أومأت له قائلة بنفاذ صبر:
"ماشي يلا بسرعة بقى."
أزال القماشة عن عيناها ثم قال بابتسامة:
"فتحي."
فتحت عيناها ببطء ونظرت حولها ثم قالت بسعادة وهي تتأمل المكان حولها والذي لم يكن سوى حلبة ملاكمة والمكان خالي تماماً.
كم تعشق هي تلك الرياضة منذ صغرها.
سألته بسعادة:
"ده بجد؟"
أومأ لها قائلاً بابتسامة وهو يرمي عليها أحد قفازات الملاكمة ذات اللون الأسود:
"بقالك قد إيه ما اتدربتيش يا دكتورة، شكلك نسيتي إزاي تلعبي."
نظرت له بتحدي قائلة بسعادة:
"مش همس اللي تنسى، وبيننا الماتش ده ونشوف مين اللي هيكسب، واللي هو أنا طبعاً."
ضحك ثم أومأ لها ودخل أحد الغرف وارتدى ملابس رياضية بنطال باللون الأسود تيشرت مماثل له.
أما عنها فبدلت ملابسها أيضاً لملابس رياضية أعطاها لها.
جمعت خصلات شعرها بعشوائية ثم ارتدت القفازات وتوقفت أمامه على حلبة الملاكمة تنظر له بتحدي وحماس.
بينما هو كان سعيداً لسعادتها وقد شعر بالارتياح كون مفاجأته أدخلت السرور على قلبها ولو قليلاً.
سألته بتحدي وابتسامة جميلة سحرته:
"جاهز للخسارة يا حضرة الظابط؟"
كارم بتحدي هو الآخر:
"المهم انتي تكوني مستعدة ليها، أصل محسوبك ما بيقبلش الخسارة أبداً."
رددت عليه همس بتحدي:
"هنشوف، واحد...اتنين....تلاتة!!!"
بدأ التحدي بين الاثنين بحماس شديد حتى أن همس نست كل شيء.
كانت سعيدة جداً.
رفعت يدها لتلكمه ولكنه تفاداها بمهارة مردداً بابتسامة مشاكسًا إياها:
"اعترفي إنك متقدريش تكسبيني يا قطة."
ردت عليه همس بغيظ:
"ما بلاش الثقة الزايدة دي مش حلوة."
ضحك بقوة قائلاً بتحدي:
"مالك بس متغاظة كده ليه، اهدي ليطقلك عرق."
نظرت له بغيظ، وفي لحظة وضعت قدمها بين قدميه فتعركل بها وسقط أرضاً.
اقتربت منه قائلة بابتسامة:
"مش قولتلك الثقة الزايدة ما بتبقاش حلوة."
ابتسم بخبث ثم بلحظة جذبها أرضاً لتصبح أسفله وهو أعلاها يضع يده بجانب رأسها.
اقترب من أذنها مردداً بمكر:
"مش كارم الحسيني اللي يخسر."
نظرت له بغيظ وتوتر وخجل بنفس الوقت من قربه.
أما عنها فنظر إلى عيناها وهو هائم بها وبجمالها، عيناها التي تجذبه إليها دائماً من دون شعور.
اقترب منها وهو مغيب تماماً يريد أن يقبل وجنتها التي تلونت باللون الأحمر القاني من الخجل.
لكنها دفعته قبل أن يفعل ذلك مرددة بحرج وتوتر:
"بيتهيألي اتأخرنا ولازم نمشي بقيا."
أومأت لها بحرج هو الآخر ثم قال وهو يشير لغرفة الملابس:
"تمام غيري هدومك يلا عشان نمشي."
ركضت سريعاً لغرفة الملابس فالجو أصبح مشحوناً.
أبدلت ثيابها كذلك هو ثم خرجت له قائلة:
"يلا أنا جاهزة."
ردد كارم بمرح حتى يضيع التوتر بينهما بسبب خطأ كان سيرتكبه عندما تغيب عقله للحظات:
"يلا وعازمك على الغدا يا ستي عدي الجمايل."
ضحكت بخفوت قائلة بمرح مماثل:
"لأ أنا اللي هعزم."
كارم بنفي وتصميم:
"لأ أنا، ويلا أنتِ مش ماشية مع سوسن يا أختي."
همس بمرح:
"تمام يلا يا سوسن..... قصدي يا كارمن."
نظر لها بغيظ فضحكت عليه بقوة.
خرجوا من المكان متجهين للفندق والسعادة تغمر قلب كارم لرؤيتها هكذا مبتسمة وسعيدة.
***
دخل للمقابر وهو يمسك بيده باقة ورد ثم جلس أرضاً بعد أن وضعها على قبر منقوش عليه "هنا قبر المغفور له بأذن الله مروان رأفت القاضي".
تنهد قائلاً بحزن:
"وحشتني يا صاحبي، عارف إن الزيارة دي جت متأخر أوي، وأكيد أنت مش طايق تشوف وشي."
أخفض وجهه بخزى وخجل من نفسه:
"أنا منفعتش أبقى صاحب ولا حتى حبيب، بعدت عنك قبل ما تموت ومودعتكش حتى، وموقفتش على كده لأ دمرت أكتر حاجة كنت بتحبها في حياتك."
انسابت دموعه مردداً بألم وندم:
"ميان، ميان اللي كنت بتغير عليها مني، اللي ياما كنت بتوصيني عليها من واحنا صغيرين، وأنا ما حفظتش عليها وضيعتها من إيدي، ياريتك كنت هنا دلوقتي يمكن كنت تنصحني وتقولي أعمل إيه."
ضحك بخفوت قائلاً بسخرية وحزن:
"طبعاً مكنتش هتهدي النفوس وكنت هتخليها تبعد عني غصب كمان، ما أنا عارفك غيور أوي خصوصاً عليها بالذات."
تلمس قبره بيده مردداً بحنين:
"ياريت الأيام دي ترجع وكنا نفضل صغيرين، كل ما بنكبر هموم الدنيا بتكبر أكتر وأكتر."
ثم تابع بندم:
"أنا ضيعت ميان من إيدي، حاسس إني تايه وضايع، الندم والوجع بينهش في قلبي وندمي بيزيد أكتر لأني السبب في كده، أنا اللي بإيدي دمرت حياتي، أذيت الوحيدة اللي حبتني وحبيتها، الكل كان عنده حق وأنا الوحيد اللي كنت غبي."
يمسح دموعه التي تغرق وجهه مردداً بتصميم:
"أوعدك إني هفضل وراها لحد ما تسامحني، هرجعها أحسن من الأول وعمري ما هزعلها، هخليها تسامحني، بس المرة دي هحافظ عليها ومستحيل أسيبها تضيع من إيدي تاني ولو على موتي، عمري ما هبقى سبب في وجع تاني ليها يا مروان."
توقف ثم رفع يده يقرأ له الفاتحة ثم ردد بابتسامة صغيرة حزينة:
"الله يرحمك يا صاحبي."
***
"أنا يشرفني أطلب إيد بنت حضرتك."
قالها فارس لرأفت الذي يجلس خلف مكتبه بشركته فقد ذهب إليه مباشرة ما إن عادوا من السفر.
سأله رأفت بهدوء:
"ليه بنتي؟"
ابتسم فارس بخفوت. لقد سأل نفس سؤال ابنته. مردداً بهدوء:
"لو قولت إن اللي بحسه ناحيتها أكتر من إعجاب وإني شايفها مناسبة ليا وحاسس دايماً إنها مسؤولة مني، حضرتك هتصدقني؟"
ابتسم رأفت بزاوية شفتيه قائلاً:
"ليه مصدقكش."
ردد فارس بهدوء:
"يعني بعد التجربة اللي مرت بيها أكيد حضرتك هتكون حريص في موافقتك على أي حد يتقدم ليها بعد كده."
تنهد رأفت قائلاً بعد أن التف ليجلس على المقعد أمام فارس:
"شوف يا بني أنا نظرتي عمرها ما خابت، في يوم من الأيام حصل موقف من سفيان ساعتها عرفت بعده إنه مش ده اللي أسلمه بنتي وأطمن عليها، وكل ما السنين تمر أتأكد إنه هيكون وجع بنتي في الدنيا مش سعادتها."
ثم تابع بحزن والآخر يستمع له باهتمام:
"يوم ما اتجوز زمان قبلها حمدت ربنا قولت خلاص هيطلع من حياة بنتي للابد."
تنهد متابعاً بحزن:
"بس للأسف محصلش كده، بنتي اتوجعت أكتر، مشكلة ميان إنها لما بتحب بتحب أوي، بتفضل تحط أعذار وحجج تبرر بيها غلط اللي بتحبهم رغم إن ده أكبر غلط أي حد ممكن يعمله، اللي قدامك طالما عارف إن ده هيوجعك وعمله يبقى أنت هنت عليه مرة وهتهون عليه بعدين وأعذارك ملهاش فايدة."
ثم ابتسم قائلاً بصراحة:
"نظرتي ليك من قبل ما أعرفك في المستشفى يوم الحادثة اللي حصلت ليها إنك محترم وجدع، يعني اللي عرفته من همس إنك قابلت بنتي قبلها مرتين بس تقريباً مع ذلك وقفت جنبها طول ما كانت في المستشفى ولحد ما خرجت، غير كده أنت كنت معايا صريح عكسه تماماً، يوم ما جالي طلب إيدها كان بيلعب بالكلام مكنش معايا صريح زي ما أنت بتتكلم دلوقتي."
رد قائلاً بحزن:
"ميان مكنتش عايزة تكمل أو تكون على ذمته بس عملت كده مجبورة وتحت ضغط، ويوم ما حبت تبعد غدروا وعملوا اللي يخليها تنجبر تكمل في الجوازة دي، أنا عارف إنك مش فاهم معظم كلامي، بس أنا مش هقدر أوضح ليك وأحكيلك اللي حصل بالتفصيل لأن ميان بس اللي من حقها تحكي."
سأله فارس بابتسامة:
"يعني حضرتك موافق؟"
رد له نفس الابتسامة قائلاً:
"موافقتي لوحدي مش كفاية، لسه هي!!!"
***
"أشمعنا وافقت على فارس على طول؟"
قالتها عليا لرأفت ما إن أخبرها بطلب فارس بالإضافة لموافقة ميان التي تعجبت منها.
ابتسم رأفت قائلاً:
"بذمتك أنتِ كمان ما فرحتيش من طلبه ومن موافقة بنتك عليه؟"
أومأت له بنعم قائلة:
"أكيد فرحت بس مستغربة موافقتك على طول."
رد عليها بهدوء:
"أهله كويسين ومحترمين جداً، سألت عاصم بما إنه على علاقة بيهم من زمان ونفس الكلام اللي الناس قالوه هو قاله، غير كده محترم يا عليا، كفاية وقفته جنبنا الفترة اللي فاتت، نظرتي متخيبش أبداً."
رددت بصدق:
"الصراحة الوالد مؤدب جداً، بس أنا مستغربة بردو موافقة بنتك على طول كده."
صمت رأفت وهو يعلم تمام العلم ما تفكر به ابنته.
ابتسم وهو يتذكر شيئاً ما يتمنى أن ينجح حقاً.
***
في صباح اليوم التالي استيقظت سيلين في الصباح تشعر بكسل شديد ورغبة ملحة للنوم مرة أخرى.
نظرت بجانبها لم تجد قصي.
التقطت هاتفها تنظر للساعة لتجد أنها تجاوزت الحادية عشر، أي أنه ذهب لعمله.
أخذت تلوم نفسها، من المؤكد أنه لم يتناول إفطاره لأنها لم تستيقظ.
خرجت بكسل للمطبخ تعد بعض الساندوتشات سريعاً ثم وضعتهم بحافظة الطعام مقررة أن تفاجئه اليوم بذهابها لعمله.
بعد وقت كانت تدخل من باب الشركة و الجميع يرحب بها بابتسامة، فأغلبهم حضر الزفاف ويعرفونه.
مرت من مكتب السكرتيرة لكنها لم تجدها.
نظرت حولها يميناً ويساراً ثم دخلت للمكتب.
سرعان ما سقط الصندوق من يدها بسبب ما رأت.
قبل قليل كانت نانسي سكرتيرته قد دخلت مكتبه تردد بصوت رقيق ناعم:
"مستر قصي فيه ورق حضرتك لازم تمضيه."
ردد دون النظر لها:
"هاتيه وبعدين اعمليلي قهوة."
أومأت له ثم اقتربت تقف بجانبه تضع الأوراق أمامه.
لمحت بعينيها قدوم سيلين التي تعرفها تمام المعرفة من الصور بالطبع تقترب من باب المكتب، فكان مكتب قصي محاوط بزجاج يسمح له برؤية من بالخارج والعكس.
تصنعت أن قدمها اصطدمت بطرف المكتب ثم سقطت بجسدها بأحضان.
تجلس على قدميه قبل أن يبدي ردة فعل كانت سيلين تدخل للمكتب.
رددت بصدمة:
"إيه اللي بيحصل ده؟!"
ابتعدت نانسي عن قصي متصنعة أنها تعدل من ثيابها قائلة بحرج زائف:
"مدام سيلين حضرتك فاهمة غلط."
اقترب منها قصي قائلاً بقلق كأنه لم يحدث شيء:
"سيلين إيه اللي جابك الشركة؟ فيكي حاجة؟"
كانت نظراتها مصوبة على نانسي التي أجادت رسم الارتباك على ملامحها بالإضافة إلى أنها قامت في الخفاء بتلطيخ طلاء شفتيها بأصبعها ليتبين أنهما كانا يتبادلان القُبل لتزيد الطين بلة بفعلتها التي كانت بدون قصد لحسن حظها وسوء حظه عندما سقطت على قدميه اصطدمت شفتيها بقميصه الأبيض من فوق.
نظر قصي إليها قائلاً بصرامة ونظرات حادة:
"روحي شوفي شغلك."
أومأت له ثم غادرت.
كانت سيلين على حالتها مصدومة والدموع تنساب على وجنتيها بغزارة.
اقترب منها قصي قائلاً بتهدئة:
"سيلين اهدي وأنا هفهمك كل حاجة، الموضوع مش زي ما أنتِ شوفتي."
صرخت عليه بغضب أعمى:
"مش زي ما أنا شوفت؟ ليه؟ حد قالك إني عامية؟ ربنا عمل كده وخلاني أجي في الوقت ده عشان أشوف خيانتك ليا، بقى هي دي اللي بتخليك تروح الشغل من صباحية ربنا وترجع آخر الليل وتقولي الشغل؟ أنا عرفت دلوقتي إيه الشغل ده!"
جز على أسنانه مردداً بغضب:
"سيلين حاسبي على كلامك وبلاش تهبلي، اسمعيني الأول وبعدين احكمي!"
ردت عليه بصراخ وغضب:
"أسمع إيه؟ المرة اللي فاتت ساعة أمل كان ينفع أصدقك، إنما دلوقتي إزاي أصدقك وأنا شوفت بعيني خيانتك؟ هتقولي حجة إيه دلوقتي؟"
صرخ عليها بغضب:
"فوقي لنفسك وبلاش تقولي كلام تندمي عليه، المرة دي كلامك مش هيبقى فيه رجعة."
قاطعته قائلة بغضب أعمى:
"ده لو فضلت على ذمتك لحظة واحدة، أنت خاين زيك زي."
جذب أغراضه سريعاً ثم قبض بيده على معصم يدها يجرها خلفه لخارج الشركة تحت صراخها العالي عليه بأن يتركها والجميع يشاهد ما يحدث بصدمة.
بعد وقت قصير كان يدخل للمنزل ويدفعها للداخل بقوة مغلقاً الباب خلفه.
دخلت لغرفتهما تضب أغراضها بعشوائية.
اقترب منها قائلاً:
"سيلين إ..."
صرخت عليه بقهر ودموعها تنساب على وجنتها:
"فكرتك غير الكل، افتكرت إنك بتحبني بس طلعت خاين زيك زيها."
اقترب منها قائلاً بتهدئة:
"سيلين اسمعيني الأول بلاش تحكمي من غير ما تسمعي مني اللي حصل."
دفعته بصدره بقبضة يدها فارتد على أثرها عدة خطوات للخلف قائلة بغضب:
"أسمع إيه؟ أسمع إنك خاين؟ شوفتك بعيني بتخوني؟ استنى أسمع إيه تاني يا قصي؟"
قصي بضيق ونفاذ صبر:
"مش كل حاجة بنشوفها بتبقى صح، صدقيني هي اللي عملت كده، كنت لسه هبعدها بس أنتِ اللي دخلتي، صدقيني يا سيلين."
ضحكت بسخرية قائلة بغضب وصوت عالي:
"المفروض إني أصدق الكلام الأهبل ده مش كده؟ شايفني عيلة صغيرة قدامك هتضحك عليها بكلمتين."
صرخ عليها بغضب وصرامة:
"أنا مش مضطر أكدب ولا ألف قصص، أنا لو خونتك مش هخاف أقولك يا سيلين، أنا قصي العزايزي مش الصرصار اللي كنتي متجوزاه، فوقي وشوفي أنتِ بتقولي إيه ولمين."
سيلين بغضب وتهكم:
"هتقولي هه، عمرك شفت حرامي بيسرق وييجي يقول أنا سرقت؟ أنت كداب، طلقني يا قصي أنا لا يمكن أفضل على ذمتك لحظة واحدة."
مسك معصمها بقوة قائلاً بغضب:
"مش هطلقك يا سيلين ومسمعش منك كلمة طلاق دي تاني، أنتِ هتفضلي مراتي وأنا لحد دلوقتي لسه باقي عليكي ومستحمل جنانك، فوقي كده عشان شكل مخك طق خلاص وراحت منك."
صرخت عليه بغضب وعدم وعي لما تقوله:
"كان بمزاجك هو، أظن قولتلك عايزة أطلق مش عايزة أعيش معاك، إيه مبتفهمش؟ هتعيش معايا بالعافية، مش راجل ولا عندك كرامة و..."
"آها!!"
أطلقت صرخة عالية عندما قاطع حديثها بصفعة قوية هوت على وجنتها بقوة فوقعت على أثرها على الفراش وخط دماء ينساب من جانب شفتيها أثر صفعته القوية.
تنظر له بصدمة وزعر من هيئته التي لم يسبق لها أن رأته عليها من قبل.
انحنى بجسده فوقها على الفراش يعتصر فكها بين يديه مردداً بقوة ونبرة أرعبتها:
"شكلك نسيتي نفسك يا بنت كمال، بقى أنا مش راجل ومعنديش كرامة مش كده؟"
ثم تابع بتوعد وغضب وهو يجذبها من خصلاتها:
"الظاهر إني أخدتك عليا أوي كده لدرجة إن لسانك يطول، بس مش مشكلة هقصهولك."
سيلين بغضب شديد رغم شدة خوفها الشديد:
"يا أخي طلقني مش عاوزاك، أنت مبتفهم، أنت خاين مش هأمن على نفسي معاك."
ثم تابعت بغضب واحتقار:
"أنت وابن عمك نسخة واحدة، هو عمل في ميان اللي مفيش راجل في الدنيا يعمله، تلاقيك كمان ماشي بشورته ودل دول ليه و..."
اسودت عيناه من شدة الغضب وسرعان ما هوى على وجنتها بصفعة أقوى من سابقتها.
لم يسبق له أن رفع يده على امرأة ويوم أن يفعلها فعلها مع زوجته.
وقعت أرضاً من قوة الصفعة فجذبها من خصلات شعرها بقوة قائلاً باحتقار:
"هطلقك مش عشان أنتِ عايزة كده لأ، عشان أنا اللي قرفت منك ومبقتش عاوزك، قرفت منك ومن عيشتي معاكي، شخصية ساذجة ومتخلفة، كلمة توديكِ وكلمة تجيبك، عديت مرة واتنين وزي ما بيقولوا التالتة تابتة يا بنت خالة."
نظرت له بصدمة وغضب فتابع هو بسخرية يرد لها سيل الإهانات والاتهامات التي ألقتهم عليه:
"مش عايزة تعيشي معايا وبتتقرفي مني، المفروض أي واحدة غيرك كانت حمدت ربها إن لقت حد يتجوزها أو يبص في وشها، مش كفاية قبلت أتزوجك متطلقة؟"
ما أقسى كلماته، لقد عرف كيف يرد لها الإهانة.
بكت بقوة ليتابع هو بسخرية ولم تؤثر به دموعها فقد سئم منها:
"كنت بحبك يا سيلين بس باللي عملتيه وقولتيه دلوقتي، قتلتي أي حب في قلبي ليكي، وأنا اللي مش عاوزك، لكن قبل ما أطلقك عايزك تشوفي ده."
قال الأخيرة وهو يرفع شاشة هاتفه أمام وجهها لتسأله بصعوبة من وسط بكائها:
"إيه ده؟"
ضحك قائلاً بتهكم:
"ده أنا وأنا بخونك، بس عاوزك تشوفيه من أوله."
صوت وصورة.
أمسكته بأيدي مرتعشة وشاهدته وشاهدت تلك الوقحة وهي تقترب من زوجها.
انتهى الفيديو.
فقالت بصدمة محاولة إيجاد كلمات:
"قص...."
قاطعها هامساً بجانب أذنها بسخرية وغضب:
"مش قصي العزايزي اللي يبقى دلدول ولا يعيش مع واحدة بتقرف منه، خليكي عارفة وحطي ده في بالك كويس أوي، لو آخر يوم في عمري مش هتبقى على ذمتي تاني يا سيلين."
قبل أن تتحدث اعتدل قائلاً:
"أنتِ طالق يا سيلين."
***
بناءً على رغبة ميان وفارس كان طلب يدها مقتصراً على العائلة فقط على أن يكون كتب الكتاب مع زفاف صغير بنهاية الشهر.
لم يكن لأحد علم بالأمر سوى المقربين فقط، لم يكن لسفيان علم بالأمر.
كانت لينا مثل كل يوم تحاول إقناع ميان بالعدول عن قرارها لكن دون فائدة.
"أنتي اتجننتي يا ميان."
صاحت بها لينا وهي تدفع ميان بكتفها بغضب كبير.
لترد الأخرى بكل برود:
"اللي بعمله ده هو الصح."
لينا بغضب:
"إيه الصح في كده؟ عشان تنتقمي منه تروحي تتجوزي أي جوازة والسلام؟ متعلمتيش يا ميان سفيان لحد إمتى هيبقى سبب كل قرار تاخديه في حياتك؟ انسيه بقى."
صرخت عليها ميان بغضب وقهر:
"لا يمكن أنساه، إن كان زمان تفكيري فيه من الحب فدلوقتي اللي مخليه في بالي وبفكر فيه هو كره وبس، اللي عمله مش هيخلص على كده، وحياة ابني اللي ملحقتش أفرح بيه وحياة كل لحظة اتوجعت فيها لاحرق قلبه واخليه يجي راكع، صدقيني اللي جاي كله سواد عليه."
لينا بغضب:
"أنتِ كده بتضري نفسك وبس، الانتقام مش سهل يا ميان، ابعدي عنه وشوفي حياتك وانسي إنك تعرفي حد بالاسم ده، هتظلمي نفسك وهتظلمي فارس معاكي."
ثم تابعت برجاء:
"فكري وطلعي الموضوع ده من دماغك، لو ناوية تتجوزي بجد من فارس يبقى قرري عشان تدي لنفسك فرصة تبتدي من جديد، مش عشان تحرقي قلب سفيان."
ميان بهدوء زائف:
"عشان أعرف أبتدي من جديد لازم أقفل كل الحسابات القديمة، لازم اللي دوقته هو كمان يدوقه."
كادت أن تتحدث لكن ميان تابعت حديثها قائلة بصرامة ونبرة غير قابلة للنقاش:
"كلامك مش هيقدم ولا هيأخر يا لينا، كتب الكتاب بعد يومين خلاص."
***
جاء اليوم المنشود.
زفاف بسيط بحضور العائلتين بالإضافة لحضور همس وعائلتها وكذلك لينا ومعهم والدتها وعمار، كذلك كارم ووالدته وبعض الأصدقاء المقربين والجيران.
زينة بسيطة وفروع أنوار مزين بها المكان.
كان المأذون يجلس بين فارس ووالد ميان التي تجلس على الأريكة بين والدتها ووالدة فارس.
أنهى المأذون حديثه مردداً بابتسامة وتهنئة وهو ينزع المنديل عن يداهما:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
قامت ميان بوضع توقيعها بتوتر وللحظة ندمت على تلك الخطوة.
لمحت بعينيها سفيان يقف على باب منزلها ينظر لكل شيء حوله بزهول وعدم تصديق.
ابتسمت بتشفٍ وهي ترى هيئته وألمه الظاهر بوضوح على ملامح وجهه.
لمحه عمار فسارع بالذهاب نحوه قائلاً برجاء:
"بلاش مشاكل يا سفيان امشي من هنا دلوقتي."
سأله بصدمة وعدم تصديق:
"اتجوزت خلاص يا عمار؟"
تنهد عمار بحزن قائلاً:
"كل شيء قسمة ونصيب يا سفيان، بلاش تدمر حياتها في يوم زي ده، كفاية اللي حصل قبل كده."
دفعه للخارج فسقط سفيان على الدرج مردداً بألم وهو يضع يده على قلبه ودموعه أخذت تنساب بغزارة على وجنتيه:
"خسرتها خلاص يا عمار، بقت على اسم راجل تاني."
تنهد عمار بحزن فتابع الآخر بقهر:
"بقت لحد تاني هيلمسها ويقرب منها، قلبي واجعني يا عمار، ليه عملت كده؟ كنت هتغير عشانها بس هي تديني فرصة واحدة."
ردد عمار بحزن:
"اللي حصل حصل يا سفيان، مبقاش ينفع الكلام ده، خلاص هي شافت حياتها، ادعيلها ربنا يوفقها وبلاش تقف في طريق سعادتها من تاني."
انتفض عمار بفزع وهو يرى تحول لون وجه سفيان للون الأزرق ويأخذ أنفاسه بصعوبة.
***
صباح اليوم التالي بفيلا مهران استيقظ الجميع على ذلك الخبر الصادم.
"معانا أمر بالقبض على نادر عبد الحق."
قالها أحد عناصر الشرطة مقتحماً فيلا مهران بالصباح.
سألهم صلاح بقلق:
"في إيه يا بني خير؟ هو حصل إيه؟"
رد عليه الضابط بعدما أشار الضابط للعساكر للامساك بنادر الذي نزل لتوه من غرفته ليتفاجأ بهم:
"في القسم هتعرفوا كل حاجة."
"تهريب سلاح ومخدرات!!"
قالتها والدة ياسمين بصدمة وهي تجلس على الأريكة بعدم تصديق.
ردد يزن بغضب وبجانبه تجلس بسمة تنظر لياسمين التي تجلس ببرود كأن من سجن ليس بزوجها:
"من زمان كمان، والبوليس كان مراقبه بقاله فترة لحد ما قدروا يمسكوا دليل عليه المرة دي."
ربتت أحلام على قدم ابنتها بدموع وحزن:
"متزعليش نفسك يا بنتي ده...."
قاطعتها ياسمين مرددة ببرود وابتسامة واسعة:
"أزعل مين؟ قالك إن أنا زعلانة؟ ده أنا لو أطول أرقص وأزغرط هعمل كده، نادر ده هم واتشال من على قلبي."
رددت ياسمين بخوف وتهرب:
"هستأذن أنا مضطرة أمشي."
انتفضت ياسمين تقبض بيدها على معصمها مرددة بقوة وتوعد:
"رايحة فين يا عروسة أخويا؟ استني ده الكلام اللي جاي كله يخصك."
رددت أحلام بتهدئة ظناً منها أن كل ذلك بسبب صدمتها بزوجها:
"ياسمين اهدي يا بنتي ميصحش اللي بتقوليه ده."
رددت ياسمين بابتسامة:
"أنا هادية يا ماما، واللي بقوله ده من زمان نفسي أقوله ليكم، نفسي أصرخ من زمان وأقول إن كنت متجوزة أحقر واحد في الدنيا وربنا زرع في قلب أخويا واحدة زبالة، كلبة من كلاب نادر وحطها في طريق أخويا عشان توقعه."
صرخ عليها يزن بضيق:
"ياسمين فوقي لنفسك أنتِ بتقولي إيه؟"
ردت ياسمين بصرامة وغضب:
"بقول الحقيقة اللي لازم الكل يعرفها، معنتش هخاف تاني، الزبالة اللي اتقبض عليه بيبقى ابن خالتها مش مقطوعة مش شجرة زي ما أنت فاهم، لا ده هو اللي حطها في طريقك تمثل عليك الحب عشان تسرق فلوسك ويضحك عليك، ومش بس كده هو اللي دبر الحادثة اللي حصلت معاك من سنتين أنت وهي."
يسألها والدها بصدمة:
"انتي بتقولي إيه؟ جبتي الكلام ده منين؟"
ردت عليه بغضب:
"منه هو اللي قالي كل حاجة يوم ما سمعته بالغلط مكالمة ليه مع اللي اتفق معاه يبدر ليك الحادثة."
قبضت والدتها على يدها قائلة بغضب:
"لسه فاكرة تقولي؟ طالما هو زبالة كده ليه فضلت على ذمته المدة دي كلها؟"
صرخت عليهم مرددة بغضب كبير وقهر:
"عشان كان غاصبني، كنت مجبورة أفضل على ذمة واحد مينفعش يتقال عليه راجل لما يسجل لمراته فيديوهات وهي معاه ويهددني بيهم، يوم ما عرفت كنا بره البلد ضربني واعتدى عليا."
نزلت دموعها مرتده بقهر:
"قالي هفضحك أنتِ وأهلك لو حد عرف بحاجة."
ثم أشارت بيدها تجاه بسمة التي تقف بمكانها تشعر بالخوف الشديد من القادم:
"يوم ما عرفت مكانها بعد ما ظهرت وطلعت عايشة روحتلها ولقيته عندها، الهانم مكنتش فاقدة الذاكرة زي ما فهمتك يا يزن."
ردد يزن بصدمة وعدم تصديق:
"يعني إيه؟"
شطت عليه ياسمين قائلة بدموع وهي تنظر باحتقار نحو بسمة:
"يعني نادر وبسمة متفقين مع بعض يا يزن، هو اللي دبر ليك الحادثة من سنين وهو اللي حط بسمة في طريقك عشان ترسم الحب عليك."
التفت نحو بسمة ليجدها تبكي بصمت.
سألها بصدمة:
"أنتي ساكتة ليه؟ دافعي عن نفسك."
لم تجب فقط تبكي بصمت.
فسألها بانكسار:
"يعني الكلام اللي بتقولوه صح؟"
لا إجابة أيضاً.
قبض بيده على زراعيها يصرخ عليها بغضب شديد:
"ما تنطقي، قولي إيه."
ردت بصعوبة شديدة وهي تحرك رأسها بنفي:
"مش بالظبط، فيه حاجات كتير أوي متعرفوهاش."
ثم تابعت بحزن وهي تخفض وجهها أرضاً:
"نادر أه ابن خالتي بس كنت مغصوبة أعمل اللي بيقولي عليه."
رددت بقهر وانكسار:
"خدرني في مرة وصورني صور وحشة وبهددني بيهم، هو اللي خطط أول مقابلة بينا وقبل الحادثة روحت ليه وقولتله إني حبيتك ومش عايزة أكمل في التمثيلية دي وهقولك على كل حاجة."
أخذت نفساً ثم تابعت بدموع:
"استغربت ساعتها من هدوءه بس فهمت كل حاجة بعد الحادثة، عرفت إنه ضرب عصفورين بحجر، قتلني عشان ما أفضحوش وقتلك عشان بعد عمر طويل مراته هي بس اللي تورث."
اقتربت من يزن الذي دفعها بعيداً عنه باحتقار قائلة بحزن ودفاع عن نفسها:
"أنا مظلومة، مكنتش عايزة أقولك عشان كده، كنت خايفة عليك ومن ردة فعلك."
صرخ عليها بغضب:
"أنتِ خوفتي على نفسك وبس."
رددت بحزن ودموع:
"خوفت عليك وعلى نفسي، نادر مش سهل، عايز ينتقم بأي طريقة منكم، لو فاكر إن بدخوله السجن الموضوع خلص تبقى غلط."
سألها صلاح بعدم فهم:
"ينتقم من إيه؟"
صمتت للحظات ثم قالت له بحزن:
"نادر ابن صباح، فاكرها يا عمي؟"
رواية بعينك اسير الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شهد الشوري
صباح!
كلمة ترددت بعقل صلاح عدة مرات، كيف لا يعرف بهذا الاسم؟ صاحبته، الخطأ الوحيد الذي ارتكبه بالماضي، وذلك الخطأ كاد أن يدمر عائلته وأسرته ويفقد زوجته التي عشقها.
نظرت أحلام بصدمة له، فبادلها هو نفس النظرة. وياسمين ويزن يتبادلان النظرات بعدم فهم.
فرددت ياسمين قائلة بتساؤل لوالدها:
"مين صباح دي يا بابا؟"
تنهد صلاح بعمق ونظر لأبنته بندم وقال:
"صباح دي أقذ... شخصية ممكن تقابليها في حياتك."
تنهد بحزن قائلاً:
"صباح كانت خدامة هنا من زمان، وفي فترة من الفترات حصل بيني وبين والدتكم مشاكل كبيرة بسببها، كنا هنطلق كمان. وساعتها ما كنتوش انتوا جيتوا ع الدنيا لسه. هي سابت الفيلا وراحت عند أهلها. وفي يوم أسود كنت راجع مش في وعي، لما صحيت لقيتها في سريري ومعرفش ده حصل إزاي. ساعتها والدتك شافتنا سوا وطلبت الطلاق والمشاكل زادت. بس كان فيه خدامة تانية حكت كل اللي حصل، قالت إنها شافتها وهي بتستغل إني كنت سكران وهمتني إني عملت كده. طردتها وفكرت إن الموضوع خلص على كده. بس بعدها بفترة أنا وأمكم الأمور اتصلحت ما بينا وكانت حامل بس..."
تنهد متابعاً بحزن:
"بس اتهجمت على أمكم في غيابي وفقدنا أخوكم قبل ما يشرف ع الدنيا. ساعتها دخلت السجن وخدت حكم. من بعدها معرفش أي حاجة عنها، معرفش أصلاً إنها كانت مخلفة. حتى عاصم يعرف الموضوع ده لأن هو اللي تابعه بنفسه زمان."
رددت بسمة بحزن:
"بس هي كانت مفهمة نادر وماما إن حضرتك كنت مواعدها بالجواز وضحكت عليها واتجوزت غيرها، وإنها لما جت عشان تنتقم منك عشان شرفها سجنتها سنين. ونادر كان عاوز ينتقم من حضرتك عشان فاكرك كنت سبب بعد أمّه السنين دي كلها عنه، وفكر إنك أنت اللي بعت ناس يقتلوها في السجن عشان متفضحكش."
نفى صلاح برأسه عدة مرات، وقبل أن يتحدث صرخت أحلام عليها بغضب واحتقار:
"الوس... اللي فيكي وفي الزفت نادر ربنا ينتقم منه مش جاية من بره. انتي وهو دمرتوا حياة ولادي. قوليلي إيه اللي ممكن أعمله فيكي غير الموت عشان أشفي غليلي منك انتي وهو!"
كان يزن يقف مكانه مصدوماً، وكذلك ياسمين. بينما أحلام دفعت بسمة بقسوة للخارج، مغلقة الباب بوجهها. بينما صلاح ردد بغضب ليزن:
"هي دي اللي سبت همس عشانها واللي جيت النهاردة عشان تطلب رضايا أنا وأمك عشان تتجوزها؟ طلعت زبالة ولا تسوى وضيعت سنين عمرك عليها!"
تمسكت ياسمين بيد والدها قائلة بحزن وشفقة:
"بابا كفاية عشان خاطري، يزن كمان ضحية زيي."
رد عليها بغضب:
"لأ مش ضحية. إيه اللي يجبره يسيب بنت لوحدها في موقف زي ده؟ حد ضربه على إيده؟ لأ، هو اللي اختار بنفسه. اللي بيحصل إنهاردة وبيعيشه ده ذنب همس واللي عمله فيها بسبب أنانيته!"
غادر يزن يمشي تائهاً بالشوارع، وكلمات والده تتردد بأذنه: وهي الحقيقة. ما يحدث له ذنب همس!
***
تفاجأت والدتها ما إن فتحت باب المنزل بهيئتها المزرية، الدموع تنساب من عيناها، ويسيل منها الكحل الأسود، ترتدي ثيابها بإهمال، كذلك حجابها. أمامها حقيبة ملابس كبيرة.
ضربت سميحة بيدها على صدرها مرددة بفزع:
"يلهوي مالك يا بنتي، حصل إيه، وإيه اللي عمل فيكي كده!"
ارتمت بأحضانها والدتها تبكي بقوة، ومن بين شهقاتها العالية استطاعت أن تسمع والدتها فقط:
"قصي طلقني يا ماما!"
شهقتها والدتها مرددة بصدمة:
"يا مصيبتي، طلاق إيه!"
لم تشعر بعدها سوى بتراخي جسد ابنتها بين يديها، فاقدة للوعي. فسقطت بها أرضاً تنادي على زوجها النائم بصوت عالٍ وفزع. فركض الآخر مفزوعاً مردداً بقلق وخوف:
"سميحة في..."
توقف عن الحديث مردداً بفزع وهو يحمل جسد ابنته للداخل، وخلفه زوجته:
"حصل إيه يا سميحة!"
رددت بنحيب وهي تساعده وتعدل جسد ابنتها على الفراش وتضع الغطاء عليها:
"والله يا أخويا ما أعرف، قالت قصي طلقني وبعدها لقيتها وقعت من طولها. جيب العواقب سليمة يارب!"
التقط كمال زجاجة المياه وبدأ بنثر القليل على وجه ابنته، بينما سميحة تفرك كف يدها. دقيقتان وبدأت تفتح عيناها ببطء. سرعان ما تذكرت ما حدث وبدأت تبكي وتنتحب بقوة.
فسألها كمال بقلق وهو يربت على رأسها:
"مالك يا بابا، فيكي إيه وقصي إزاي يسيبك تنزلي بالحالة دي وطلاق إيه اللي أمك بتقول عليه!"
سيلين ببكاء شديد وندم:
"قصي طلقني يا بابا!"
سألها بصدمة وعدم تصديق:
"طلقك ليه، إيه اللي حصل بس؟"
لم تجب، فسألها بنفاذ صبر وقلق:
"ما تنطقي يا بنتي فهمينا في إيه!"
قصت عليهم ما حدث من البداية. فرددت سميحة بنحيب لزوجها:
"كلمه يا كمال، قوله يخزي الشيطان وما يهدمش بيتهم عشان غلطة، ساعة شيطان وراحت لحالها خلاص."
رد عليها كمال بسخرية وحدة وهو يضرب كفاً بأخرى:
"أكلمه أقوله إيه يا سميحة؟ أقوله بنتي معرفتش أربيها؟ بنتي اللي دايماً جايبة المشاكل لنفسها وخربت بيتها بأيديها. أقوله يرجع بنتي اللي غلطت في جوزها وقالتله مش راجل وعيبت فيه!"
صرخ بآخر حديثه بغضب:
"أكلمه أقوله إيه ولا إيه؟ الراجل مغلطش، الغلط مننا اللي معرفناش نربي بنتنا كويس يا سميحة."
قال ما قال ثم رحل صافعاً الباب خلفه بقوة، تاركاً الاثنين ينتحبان بشدة، أحدهما نادمة والأخرى تخشى ما سيحدث بعدما يسمع الناس بخبر طلاق ابنتها للمرة الثانية!
***
كان عمار يجلس بجانب فراش سفيان بالمستشفى. فبالأمس عندما واجه صعوبة في التنفس وكاد أن يختنق على الفور، ذهب به لأقرب مستشفى، وها هو يجلس معه منذ الأمس. وما إن علم قصي جاء على الفور، وهو الآن بالأسفل يحضر أكواب القهوة لكلاهما.
أخذ منه عمار خاصته قائلاً:
"قصي روح انت بقى، زمان سيلين لوحدها وقلقانة عليك، انت بايت هنا من امبارح."
رد عليه قصي ببرود:
"متخافش مش هتقلك، طلقتها!"
انتفض عمار واقفاً مردداً بصدمة:
"طلقتها؟ انت بتقول إيه يا قصي، وبتقولها ببساطة كده عادي ولا كأنك عملت مصيبة؟"
قصي بضيق وهو يكور قبضة يده:
"طلاقي ليها مش مصيبة، ده العقل بعينه. بعد اللي حصل منها طلاقي ليها قليل."
أسأله عمار بغضب:
"عملت إيه يعني؟ انتوا الاتنين بتحبوا بعض وبعد سنين بعد اتجوزتوا تقوم بسهولة مطلقها بعد شهور من جوازكم؟ فين العقل يا قصي!"
ردد قصي بغضب:
"قولها هي الكلام ده، بس مش هيحوق أصل مفيش عندها عقل خالص. هي اللي هدمت حياتنا وقضت على أي فرصة ممكن تجمعنا مع بعض من تاني!"
قال ما قال ثم خرج من الغرفة غاضباً وأخذ يلكم الحائط بيده بعنف حتى نزفت يداه.
بينما عمار ضرب كفاً بأخرى، لا يفهم ما يحدث. آخر طلق زوجته فجأة، وآخر يركض على فراش المستشفى، وأخرى تزوجت بالأمس. بات يرى أشياء غريبة. ترى ما سيحدث اليوم أيضاً!
***
ما إن علمت فريدة بما حدث لسفيان، ذهبت له على الفور. وأخذت فريدة تربت على خصلات شعرها بحنان مرددة بمواساة وغضب من ميان:
"ما تزعلش نفسك يا سفيان، دي متستاهلش اللي انت عامله في نفسك ده. عمرها ما حبيتك لو كان صحيح بتحبك كانت هتسامحك، لكن دي كأنها ما صدقت وراحت اتجوزت!"
أبعد يدها عنها بجفاء مردداً بغضب وصدمة:
"طب قولي كلام غير ده يا فريدة. لو حد مشكوك في حبه فهو أنا. مش هي. انتي سبب من أسباب دمار حياتها وأنا قبلكم كلكم."
ثم تابع بقهر وندم:
"أنا اللي بعتها الأول يا فريدة، أنا اللي خدتها بذنب مش ذنبها. أنا اللي سمعت كلام عليها وصدقته من غير ما أسألها حتى. كأني ما صدقت و روحت فوق كل ده اتجوزت غيرها."
رددت بغضب وكره:
"انت لسه بتدافع عنها؟ حد غيرك المفروض يشكك في حبها ليك. دي اتجوزت غيرك بعد ما كانت قرفانا كل شوية إنها بتحبك و م..."
قاطعها قائلاً بحدة وغضب:
"فرق كبير بين اللي أنا عملته وهي بتعمله. اللي هي بتعمله رد فعل ع اللي أنا عملته يا فريدة."
ثم تابع مواجهاً إياها بالحقيقة:
"كفاية بقى تيجي عليها عشاني. استغلتيها زمان علشاني وكنتي بتحبيها ولما خرجت عن سيطرتك وكلامك بطل يجيب معاها نتيجة بقت عدوتك. خليكي صريحة يا فريدة وواجهي نفسك بالحقيقة. ميان اتظلمت واللي هي بتعمله دلوقتي نقطة في بحر من اللي عملته فيها!"
***
استيقظ في اليوم التالي بعد أن قضى الليل كله يفكر بما هو مقبل عليه. أغمض عينيه متذكراً ما حدث في المساء عندما انتهى الزفاف.
ما إن دخلت برفقته من باب المنزل وودعهما عائلتهما، كانت تحك جلد يدها بعنف وشعرت بالندم لأنها خطت تلك الخطوة وهي ليست مستعدة لها تماماً. انتفضت بذعر مبتعدة للخلف عندما وضع يده على كتفها برفق.
ردد بلين ورفق وهو يهدأ من روعها منه:
"مالك اتخضيتي وخوفتي ليه؟ مش بعض والله."
نفت برأسها قائلة بتوتر ملحوظ وخوف:
"مش بخاف."
ابتسم بزاوية شفتيه قائلاً بهدوء:
"طيب ادخلي غيري هدومي على ما أجهز العشا."
كادت أن ترفض، لكنها فكرت أن رفضت لن يكون أمامها وقت تضيعه حتى تتهرب مما هي مقدمة عليه. أومأت برأسها ثم دخلت مباشرة للغرفة، تغلق الباب خلفها بالمفتاح. شعر بالضيق من حركتها تلك.
بعد وقت ليس بقصير، كانت تجلس على الفراش تحرك قدمها بتوتر وهي تقبض بيدها على طرف بيجامتها السوداء الحريرية.
صوت طرقات على باب الغرفة، فانتفضت بمكانها قائلة بتلعثم:
"اا...ن...نعـ."
سأل بقلق:
"انتي كويسة؟ اتأخرتي ليه!"
خطت بصعوبة تجاه الباب تفتحه بتوتر، وما إن فتحته نظر لها فارس مطولاً، ونظرات الإعجاب والهيام بجمالها واضحة بعينيه. أزاحت بيدها خصلات شعرها خلف أذنها بحرج وتوتر من نظراته.
ابتسم قائلاً بهدوء:
"يلا العشا جاهز."
أومأت له ثم خطت أمامه بتوتر نحو طاولة الطعام، تجلس عليها بتوتر. جلس هو الآخر يراقبها كيف ترتجف يداها من التوتر ومن الحين للآخر تحك جبينها بتوتر.
تنهد بعمق ثم وقف قائلاً بهدوء ليرحمها من الخوف الذي يستحوذ عليها:
"أنا تعبان وهموت وأنام، هدخل أغير هدومي."
أومأت له سريعاً، وما إن دخل للغرفة تنفست براحة. انتظرت مكانها ما يزيد عن النصف ساعة، بعدها مشت على أطراف أصابعها وفتحت باب غرفته ببطء شديد وحذر. ما إن رأته نائماً على الفراش والأضواء مغلقة، ابتسمت بسعادة ثم عادت تلملم الأطباق سريعاً، ثم نظفت الطاولة ودخلت لغرفة أخرى مجاورة له تنام براحة، تعلم أنها مؤقتة، لكن المهم أن اليوم مضى!
بينما هو شعر بها ولم ينم طوال الليل يفكر في القادم. يبدو أن أمامه الكثير والنتيجة غير مضمونة. سيفشل أو ينجح، وهو يتمنى حقاً الأخيرة، فإن حدثت الأولى سيكون مؤلماً جداً وصعب!
***
في المساء توالت الزيارات عليهما من أقاربهما. جذبت همس ميان لغرفتها، فلحق بهما لينا وأغلقت الباب خلفها. فغمزتها همس مرددة بمشاكسة وهي تجلس على الفراش:
"مبروك يا عروسة."
منحتها ميان ابتسامة صغيرة. كانت لينا تنظر لها بعتاب. فسألتها ميان بحزن:
"انتي لسه زعلانة مني!"
أشاحت بوجهها بعيداً مرددة بضيق:
"انتي شايفة إيه!"
اقتربت منها ميان تعانقها عنوة مرددة باعتذار:
"حقك عليا، متزعليش مني."
تنهدت لينا قائلة بحزن:
"مش زعلانة منك يا ميان، أنا زعلانة عليكي، شيفاكي ماشية في طريق آخره وجع ليكي أكتر من الأول."
رددت ميان بسخرية مريرة:
"مش هيجرى أكتر من اللي جرى."
نفت لينا برأسها مرددة بحدة تواجهها بالحقيقة:
"لأ هيجرى، هتظلمي حد زي ما انتي اتظلمتي زمان. دخلتي فارس جوه انتقامك من سفيان والكل عارف إنه اتجوزك مش جواز صالونات ولا معرفة، لا هو حاسس ناحيتك بمشاعر وقبولك للجواز معناه إنك عطيتيه أمل إن ليه فرصة معاكي."
ثم سألتها بسخرية:
"يا ترى بقى وانتِ بتفكري تنتقمي إزاي من سفيان فكرتي بفارس ولا بقيتي أنانية زيك زيهم؟ مفرقتيش عنهم حاجة."
قبل أن تتحدث ميان سبقتها لينا قائلة بحدة:
"هتقولي ظلموني هقولك انتي كمان بتظلمي فارس."
هدأت همس من الحدة بينهما قائلة بلوم:
"كفاية يا لينا مش وقته الكلام ده."
جلست ميان على الفراش خلفها تضع رأسها بين يديها حزينة. فاقتربت منها لينا قائلة بحزن ورفق:
"متزعليش مني أنا بقول كده والله عشان خايفة عليكي ويهمني مصلحتك."
رددت ميان بحزن وهي ترتمي بأحضانها:
"من غير ما تحلفي أنا عارفة ومتأكدة إن ده اللي يهمك يا لينا."
غيرت همس من الموضوع قائلة بمرح:
"المهم سيبك من ده كله، هتقضوا شهر العسل فين؟"
"شهر عسل!" قالتها ميان بتوتر وتعجب.
سألتها همس بحماس:
"إيه مستغربة ليه؟ ده الطبيعي، انتوا ما اتفقتوش هتروحوا فين ولا إيه!"
نفت برأسها بضيق.
فقالت همس:
"طب حطوا من ضمن القايمة جزيرة بالي، طول عمري نفسي أروحها، يخربيت جماله."
رددت لينا بهيام هي الأخرى:
"عندك حق حلوة أوي، أنا كمان هموت وأروح."
رددت ميان بفتور:
"بس أنا مش عايزة أروح في أي مكان!"
صمت الاثنتان بحزن. لطالما كان هذا حالها منذ ما حدث، لا ترغب بأي شيء ولا تريد شيء، ولم توافق على السفر إلى شرم الشيخ إلا لأن همس تحتاجها.
***
بعد أن غادر الجميع، دخلت للغرفة على الفور تغلق الباب خلفها. تنهد هو بضيق ثم جلس على الأريكة يشاهد التلفاز بملل. هو ليس ممن يفضلون الجلوس بالمنزل لوقت طويل، يشعر بالملل حقاً.
يريد أن ينزل ليذهب لأي مكان، لكن لو توافق هي. أغلق التلفاز ثم اقترب من الباب، حاسماً أمره. سيطلب منها المجيء. طرق ثلاث مرات، ففتحت له قائلة بتوتر متحاشية النظر له:
"نعم يا فارس، كنت محتاج حاجة؟"
سألها بابتسامة وكلمات ذات مغزى:
"مش زهقانة خصوصاً وانتِ قاعدة في الأوضة لوحدك من امبارح."
كان ما يقصده بحديثه أن تجلس معه لا أكثر، لكنها ظنت أنه يتحدث عن نومها بغرفة أخرى وأنه يريدها أن تصبح زوجته. حكت يدها ببعضها بتوتر تحاول إيجاد عذراً، لكنها لم تجد.
سألها بحماس:
"أنا زهقان، تعالي ننزل نتعشى بره ونقعد ع البحر شوية، ولو عايزة تروحي أي مكان مفيش مشكلة."
نظرت لساعة الحائط قائلة بتعجب:
"دلوقتي؟ الساعة عشرة يا فارس."
ابتسم قائلاً بعدم اكتراث:
"إيه يعني؟ الساعة عشرة مش نص الليل ولا حاجة، وحتى لو انتي نازلة مع جوزك. إلا بقى لو انتي مش عايزة تنزلي معايا."
أزاحت خصلات شعرها خلف أذنها قائلة بتوتر:
"هدخل البس."
أومأ لها بابتسامة ثم غادر هو الآخر يبدل ثياب المنزل بأخرى للخروج. ارتدى قميص أبيض وبنطال من الجينز أسود. خرجت هي الأخرى بنفس الوقت، فضحك بخفوت ما إن رأى ما ترتدي، وابتسمت هي الأخرى فقد كانت ترتدي مثله، بنطال أسود واسع يشبه التنورة ومن أعلى كنزة بيضاء بأكمام قصيرة.
مد يده لها لتتمسك بها. شعرت بالحرج وبقت يده ممدودة. ضمها مرة أخرى يعيدها بجانبه وهو يشعر بالحزن. والإحراج. بينما ميان ما إن رأت تبدل ملامحه من الحماس للحزن، لامت نفسها على ما فعلت.
خطى خطوة للأمام فلحقت به تمسك بكف يده بتوتر. نظر لها مبتسماً. فتحاشت النظر له. جذبها برفق خلفه مغلقاً الباب وهو يشعر بالحماس، عكسها فقد فقدت الشغف بكل شيء، تشعر بالفتور الشديد بكل ما حولها. لم تعد كما كانت في السابق!
***
كانت عليا تجلس على الفراش بجانب زوجها الذي يتفحص هاتفها مرددة بقلق:
"رأفت، فارس وميان كل واحد فيهم كان نايم في أوضة امبارح."
قطب جبينه قائلاً بتساؤل:
"عرفتي منين!"
ردت عليه بحزن:
"دخلت أوضة الضيوف عشان أظبط طرحتي في المراية لقيت هدوم لبنتك في الأوضة وكمان الفستان اللي كانت لابساه متعلق فيه."
تنهد رأفت بعمق وصمت.
فعاتبته بضيق:
"هو أنا بقولك عشان تسكت يا رأفت."
رد عليها بهدوء:
"اللي بنتك عملته شيء متوقع، لسه مخدتش عليه خصوصاً بعد الفترة اللي مرت بيها. سيبيهم يصرفوا أمورهم سوا مع بعض ومتتدخليش."
ردت عليه بضيق:
"إزاي مش عايزني أتدخل وأنا شايفة بنتي..."
قاطعها قائلاً بهدوء:
"بنتك مطلبتش النصيحة. ده شيء بينها وبين جوزها يا عليا. سيبهم يصرفوا أمورهم سوا ومهما كان الوضع ده مش هيدوم كتير. بنتك كل اللي محتاجاه شوية وقت. أنا متأكد."
رددت عليا بغل:
"منه لله اللي كان السبب. طول ما هو عايش بنتي هتفضل تتعذب. نفسي تنساه بقى وتبدأ من جديد."
رد عليها رأفت بهدوء:
"بنتك اتخلصت من حبه يا عليا لأنه اتحول لكره خلاص. اللي ناقص بس إنها تنسى وتتخلص من فكرة الانتقام منه."
سألته بصدمة:
"هي اتجوزته عشان تنتقم من سفيان!"
ضحك بخفوت قائلاً:
"كنت فاكرك أذكى من كده يا عليا. أكيد اتجوزته عشان تنتقم من سفيان. ما هو مش معقول بنتك اللي زمان اتحايلتي ياما عليها توافق ع العرسان توافق على فارس وسط كل البلاوي اللي اتعرضت ليه."
تنهدت عليا بحزن.
فربت رأفت على يدها قائلاً:
"اطمني يا عليا، فارس عارف بكل ده وعارف إنها متجوزاه عشان كده. أنا فهمته كل حاجة قبل ما يتجوزا وقالي إنه متأكد إنها وافقت عشان كده."
ابتسم متابعاً بهدوء:
"قالي أنا شاري بنتك وهفضل معاها وهحاول ومش هييأس. دي هي اللي هتزهق مني ولحد ما يجي اليوم اللي بنتك تقول طلقني بلسانها ساعتها بس هبعد."
رددت عليا بفرحة:
"ربنا يهدي بنتك بس. والله أنا قلبي مرتاح لفارس. ربنا يحميهم هما الاتنين ويهديهم لبعض."
أمنت على دعائها ثم أغلقت هاتفها وجذبها لأحضانها.
هو حقاً يشعر بالتفاؤل من القادم. حقاً، فأهم شيء أنه بزواج ابنته من فارس سيضمن ابتعاد سفيان عنها!
***
ما إن عادوا من الخارج، كانت الابتسامة ترتسم على شفتيهما. كادت أن تدخل للغرفة، لكنه استوقفها قائلاً بابتسامة جميلة:
"استني، إيه رأيك نسهر شوية في البلكونة."
أومأت له بتردد. فقال وهو يشير للغرفة:
"طب غيري هدومك على ما أعمل حاجة نشربها."
أومأت له بصمت. مر وقت قصير وكانت تجلس تنتظره. جاء من خلفها فوجدها تضع يدها على كتفها، يبدو أنها تشعر بالبرد. وضع الأكواب من يده على الطاولة بجانب الشرفة. ثم توجع لغرفته وجاء بمفرش صغير. اقترب منها ثم برفق حاوط كتفيها به.
انتفضت بفزع عندما شعرت بيدين تلامس كتفيها. هدأ من روعها قائلاً برفق:
"ده أنا، متخافيش."
أومأت له ثم شكرته وهي تضم الغطاء عليها. جاء بالأكواب ثم أعطاها واحداً والآخر له. طال الصمت لدقائق، فسألها محاولاً فتح أحاديث معها:
"قوليلي صحيح انتي كنت طفلة عاملة إزاي؟ يعني هادية ولا شقية!"
ضحكت بخفوت ثم سألته بابتسامة:
"تفتكر انت كنت إزاي؟ خمن كده."
ضحك قائلاً بابتسامة:
"كنتي طفلة مشاغبة وشقية، الصراحة استبعد هادية دي خالص."
أومأت له ضاحكة، ثم سألته بفضول:
"ليه خمنت كده!"
نظر لداخل عينيها قائلاً:
"والدتي دايماً كانت تقولي أنا وأختي واحنا صغيرين، بكره تشوفوا الأدوار هتتبدل، الشقي فيكم بكره هيبقى الهادي والعكس."
مرت الأيام وفعلاً كلاهما كان صح.
تنهد متابعاً بابتسامة:
"بس عندك عرفت إن مش ع الكل بيمشي الكلام ده. اللي يشوفك دلوقتي وبهدوءك ده يقول كانت بنوتة شقية وهي صغيرة، لكن من بعض المواقف اللي بسمعها من الكل قبل ما تمري بالفترة دي يعني كانت المواقف دي كلها شقاوة وحيوية. يعني ده معناه إنك كنتي شقية وانتي طفلة و حتى لما كبرتي."
مازحته بابتسامة لطيفة:
"كل أم بتقول لولادها نفس اللي مامتك قالته."
ثم تابعت بحنين واشتياق:
"ماما كمان كانت بتقولي كده أنا ومروان الله يرحمه. هو كان هادي أوي وهو صغير وكنت أعمل كل مصيبة والتانية وهو يشيل مكاني."
ثم تابعت بحماس وهو ينصت لها باهتمام كبير:
"عارف زمان قبل ما التليفون التاتش يظهر بقى واللاب والحاجات دي كان ساعتها في كمبيوتر. ماما كانت من الأمهات اللي بتقول إيه ممنوع اللعب عليه في الدراسة وكانت تشيله من أوضنا وتدخله في أوضة الضيوف. في مرة هي مشيت مع بابا وأنا كنت مع مروان والدادة في البيت لوحدنا."
اعتدلت بجسدها تضم قدميها، تقص له البقية بحماس، خاصة عندما رأت أنه منصت لها باهتمام:
"اتسحبت براحة ودخلت أوضة الضيوف وشغلته. بس فجأة لقيت الفيشة بتاعته ضربت وطلعت نار والستارة اللي ورا اتحرقت. الظاهر كان في حاجة بايظة فيها. قعدت أصرخ، أول واحد دخل عليا كان مروان، بعدها الدادة دخلت وخرجتنا بره لما شافت النار مسكت في معظم الأوضة واتصلت بالمطافي. بابا وماما طبعاً عرفوا ولما سألوا مين اللي عمل كده مروان خاف عليا ومن نفسه قال أنا اللي عملت كده. يومها ماما عاقبته جامد، قالتله مش هياكل معانا ع السفرة لمدة أسبوع ومفيش تلفزيون كمان."
تنهدت بحزن متابعة بحنين لتلك الأيام:
"عاقبت كمان نفسي زيه، كنت باخد الأكل وأدخل آكل معاه ومتفرجتش ع التلفزيون أنا كمان. على فكرة المصيبة دي مش حاجة جنب اللي كنت بعمله والعقاب اللي هو بيتعاقبه مكاني لحد ما كبرنا كان كده، بيشيل عني دايماً. لما مات حسيت بالخوف والوحدة."
ترحم عليه بصوت خفيض، فأمنت على دعائه قائلة لتغير مجرى الحديث:
"بصراحة مش عارفة أخمن انت بقى كنت هادي ولا شقي وانت صغير."
"- ليه!"
ردت عليه بصراحة:
"عشان مش عارفة انت دلوقتي هادي ولا شقي. يعني أول مرة شوفتك عند كارم كان باين إنك هادي كده ورزين، لكن بعد اللي حصل من شوية بسحب كلامي أصلك كنت مجنون ع الآخر."
ضحك قائلاً بمرح وكلمات ذات مغزى:
"في واحدة متبقاش عارفة طبع جوزها ستات إيه دي بس يا ربي. بس ع العموم يا ستي كل يوم في نفس الوقت ونفس القعدة دي هحكيلك شوية عني وانتِ نفس الكلام، إيه رأيك."
أومأت له بصمت، فعاد هو يكمل حديثه بابتسامة:
"كنت طفل هادي جداً، عارفة الطفل الخنيق اللي هو تقيل في نفسه كده الكلمة تطلع منه بالعافية."
أومأت له ضاحكة، فتابع بمرح:
"كنت أنا بقى الطفل ده، الكلمة تطلع بالعافية وتقيل كده في نفسي علطول قاعد بذاكر. الولاد كلها تلعب بس أنا بقى قاعد وسطهم أتابع بس من غير ما أشارك. كارم كان علطول بيتضايق مني ومن تصرفاتي لأن أنا وهو عكس بعض تماماً، الصراحة هو طول عمره كده الفرق إنه عقل بس شوية صغيرين مش أكتر. أنا كل ما بفتكر تصرفاتي أصلاً زمان بقرف وأتغاظ من نفسي أوي."
ثم تابع بحنين لشقيقته الراحلة:
"بس أوركيد الله يرحمها كانت عكسي تماماً. كانت شقية زيك، ولما كبرت وأنا كبرت اتبدلت الأدوار، هي اللي عقلت وأنا اللي اتجننت."
سألته بفضول واهتمام:
"انت ليه مش عايش مع والدك ووالدتك في شرم الشيخ وقاعد بعيد عنهم!"
رد عليها بابتسامة:
"لأن والدي لما اشترى الأوتيل في شرم الشيخ كنت أنا أسست مستشفى خاصة بيا هنا، ومتجوز وحياتي كلها هنا، فكان صعب أسيب كل ده وأروح معاهم."
سألته بفضول واندماج بالحديث معه:
"أنا أعرف إنك كنت متجوز، بس معرفش حاجة عنها. ليه سبتوا بعض!"
تنهد بعمق قائلاً:
"كانت بنت خالتي. والدتي في فترة فضلت تلح عليا اتجوز وأنا مش بالي الموضوع أصلاً، بس عشان أريحها وافقت. قولت بنت خالتي ومتربيين سوا وأعرفها وأحسن ما اتجوز حد من بره معرفش طباعه. واتجوزنا بس للأسف ما اتفقناش خالص وانفصلنا بهدوء."
كانت على علم ببعض الأشياء من والدة كارم التي ألقت بكلمة ما بوسط الحديث إنها زوجته السابقة كانت صعبة الطباع وكانت المشاكل لا تفارقهما طوال فترة الزواج. وهنا احترمته وقدرت له ذلك الموقف أنه رفض الحديث عن ابنة خالته وزوجته السابقة بطريقة غير لائقة.
تلقائياً قارنت بينه وبين سفيان. هي أيضاً كانت ابنة خالته، وماذا فعل بها؟ خاض بعرضها أكثر من مرة أمام الجميع وأهانها، بينما فارس عكسه تماماً!
التقط كوب الشوكولاتة الحارة الخاصة بها يعطيها إياها مردداً:
"اشربي يلا زمانها برد."
أومأت له وبدأت ترتشف منها. وما إن أنزلت الكوب، ضحك هو بخفوت عندما تلطخت أعلى شفتيها بالمشروب على هيئة شارب.
بعفوية انتقل بكرسيه ليكون على مقربة منها، ثم مد يده تجاه شفتيها يزيله بأصبعها مردداً بضحكة مرحة:
"زي الأطفال بالظبط."
شعرت بالحرج والخجل الشديد من فعلته. في البداية كان لمسه لشفتيها حركة عفوية، سرعان ما تحولت لرغبة ملحة بداخله للمسها وتذوقها. ابتلع ريقه وهو محدقاً بها، يمرر إصبعه عليها برفق كأنه يرسمها!
حاوط بيداه وجنتيها بلحظة تغيب بها عقله، مال برأسه قليلاً يريد تقبيلها، لكن انتفضت هي واقفة مرددة بتوتر وحرج وهي تضع الكوب من يدها:
"الوقت أتأخر، أنا عايزة أنام، تصبح على خير!"
قالت ما قالت ثم فرت هاربة إلى غرفتها تغلق الباب خلفها بالمفتاح بعد أن رأت نظراته الراغبة بها. شعرت بالخوف فأغلقت الباب بالمفتاح كضمان إذا حدث أو صدر منه شيء!
بينما هو زفر بضيق وشعر بالحرج خاصة بعدما رأى نظرات رفض صريحة لقربه بعينيها وبصرفاتها، ليس خجل إنما رفض!
***
في صباح اليوم التالي.
كانت همس تجلس بالمكتبة الخاصة بالجامعة تذاكر بعض دروسها بذهن شارد. وحينما عجزت عن التركيز نزلت لكافتيريا الجامعة تحتسي قهوتها وهي تتجاهل عن عمد همسات الجميع عليها وكم تتألم من ذلك!
شعرت بأحدهم يجذب مقعداً بجانبها. نظرت للفاعل لتجده كارم الذي ردد بابتسامة وغزل:
"الجميل قاعد لوحده ليه."
تنهدت قائلة بهدوء:
"لينا مجتش انهاردة وكمان ميان أكيد مجتش، فحضرت لوحدي وكنت بشرب قهوة وهكمل بقيت المحاضرات اللي عندي."
ثم تساءلت:
"انت بتدخل الجامعة هنا إزاي؟ ده هنا بيطلعوا روحنا عشان ندخل لازم اللي يدخل معاه الكارنيه ولو حد معاه إثبات صلة القرابة ومش عارفة إيه!"
تراجع بظهره للخلف يضع قدم فوق الأخرى مردداً بفخر وغرور:
"بيقولوا إنه ظابط يا دكتورة نص كوم انتي. نفسي أعرف هتشتغلي إزاي دكتورة وأنتي أبسط الحاجات اللي المفروض تخمنيها معرفتيش. دكاترة آخر زمن يا ناس!"
سخرت منه قائلة بغيظ:
"نيني، خليني ساكتة وخلّي الدفاتر مقفولة يا حضرة الظابط. مش هيبقى حلو في حقك اللي هيتقال."
رد عليها بلا مبالاة:
"أنا كلي مميزات يا حبيبتي مفيش عيوب."
أومأت له قائلة بسخرية:
"عندك حق، بس مش غريبة إن راجل طول بعرض ظابط قد الدنيا لسه لحد انهاردة بيخاف من الفيران."
رد عليها بتهرب:
"محصلش، دي كلها مجرد إشاعات."
أومأت له قائلة بابتسامة واسعة:
"إشاعات أه، طب اكدب على حد ملكش معاه سابقة لأ ومنيلة بنيلة كمان. أنا فاكرة إن مرة واحنا صغيرين كنا بنلعب في أوضتك ولقينا فار، طلعت تنط فوق السرير من الخوف وتصوب وتعيط أكتر مني. ده حتى مامتك قالتلي إنك لسه بتخاف منهم لحد دلوقتي."
ردد بقرف:
"فرق بين الخوف والقرف يا مقرفة انتي بالسيرة اللي فتحتيها دي. أنا كان ليا حق أخاف، إنما انتي مكنتيش خايفة عشان كنتي من نفس فصيلتهم!"
رمقته بغيظ شديد، فردد هو بابتسامة:
"على فكرة الضحكة اللي راسماها على وشك دي وإنك طلعتي من اللي انتي فيه ده بين يوم وليلة، الجو ده مش عليا. أنا عارف كويس إنك الضحكة دي قناع عشان متزعليش مامتك وسيادة اللوا."
ابتلعت غصة مريرة بحلقها، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنه، فأداره له من جديد لتنظر له مردداً برفق وحب:
"مثلي قدام الكل زي ما انتي عايزة، بس عندي أنا مش هتقدري لأني فاهمك أكتر من نفسك يا همس، وعارف لما بتكوني مبسوطة بجد بتعملي إيه!"
تنهدت بحزن قائلة:
"كلامهم وصوتهم وهم بيتهمسوا عليا بيقتلني يا كارم. أنا كل يوم بخرج من البيت بالعافية. لو طلعت أشوف جيرانا اللي شمتان واللي زعلان عليا بتقهر."
ثم تابعت بخزي من نفسها:
"ساعات بتخطر بالي حاجات كتير عشان انتقم منه زي ما عمل فيا. والغريبه إني كنت معارضة ميان في اللي بتعمله، بس مع الوقت لقيت جوايا نفس الشعور اللي هي حاسة بيه ونفسي أعمل كده."
سألها بهدوء:
"طب معملتيش كده ليه!"
ردت عليه بخزى:
"مين قال لك إني ما حاولت أعمل كده؟ بالعكس حاولت مرة واحتقرت نفسي أوي بعدها ولقيت إن الشخص ده ميستاهلش مني كده. ميستاهلش استخدمه أداة أحقق بيها انتقام وهو عندي أغلى من كده بكتير وياما وقف جنبي ونفسي يسامحني لما يعرف إني فكرت في كده!"
صمت للحظات ثم قال بهدوء:
"هو عارف يا همس ومسامح وكفاية إنك اتراجعتي وقولتي إنه عندك أغلى بكتير."
نظرت له بتوجس للحظات. هل يعلم أنها قبلت التقاط الصور معه عندما كانوا بشرم الشيخ من أجل أن ترفعها على مواقع التواصل الاجتماعي وتثير غضب الآخر وتخبره أنه أفضل بدونها؟
أومأ لها قائلاً بابتسامة:
"كنت عارف بتفكري في إيه وسكت عشان عارف مش هتكملي فيه لأن همس مش كده."
ابتسمت له ممتنة، فسألها مازحاً ليغير مجرى الحديث:
"تعالي بقى نروح نتغدا سوا وبعدها أوصلك ع البيت بلا محاضرات بلا بتاع."
ضحكت وهي تمشي بجانبه. سرعان ما توقفت عندما ظهر يزن أمامها من العدم، يبدو أنه يريد الحديث معها. ستكون أول مواجهة كلامية بعد ما حدث!
الجميع ينتظر لهما بفضول مترقبين ما سيدور بينهما. العروس والعريس الذي تركها بيوم الزفاف، كيف ستكون المواجهة!
***
"- بتعملي إيه!"
قالها فارس بصوت ناعس بعدما خرج من غرفته ليجدها تقف بالمطبخ.
ردت عليه بهدوء وهي تضع الطعام على الطاولة:
"حضرت الفطار، اغسل وشك وتعالى يلا قبل ما يبرد."
أومأ لها، وقبل أن يغادر التفت مرة أخرى قائلاً بابتسامة جميلة:
"صحيح نسيت أقولك صباح الخير."
ردت عليه الصباح بابتسامة صغيرة. دقائق وكان يجلس معها يتناولون الإفطار. ردد بشهية:
"شكله يفتح النفس."
ثم التقط كف يدها يقبله مردداً بابتسامة حب:
"تسلم إيدك."
سحبت كف يدها بتوتر وخجل، والتقطت كوب الماء ترتشف منه بحرج. فابتسم هو عليها وبدأ يتناول الطعام. سألها بفضول:
"انتي بتعرفي تطبخي!"
نفت برأسها قائلة بأسف:
"مش أوي، حاجات وحاجات، واللي مش عارفاه أكتر من اللي أعرفه."
ردد ببساطة:
"الحال من بعضه يعني. أنا كمان بطبخ على خفيف."
سألته بحذر:
"انت زعلت عشان مش بعرف أطبخ!"
سألها أيضاً بتعجب:
"ليه قولتي كده!"
رفعت كتفها لأعلى قائلة:
"أصل معظم الرجالة بيتضايقوا لما مراتاتهم مايكونوش بيعرفوا يطبخو."
رد عليها بابتسامة وبكل بساطة:
"انتي قولتي أهو معظم. وبعدين في حاجات في الجواز أهم من الطبخ والكلام ده. حابة تتعلمي براحتك دي حاجة ترجعلك. أنا أصلاً متفق مع شغالة هتيجي تساعدك من الأسبوع الجاي طبخ وتنضيف وكله. لو حابة تجيبي تاني معنديش مانع!"
ثم تابع بجدية:
"انتي أصلاً متركزيش مع التفاهات دي وركزي في دراستك عشان تجيبي تقدير كويس واللي هو امتياز إن شاء الله. لو حابة أشرحلك أي حاجة أنا معنديش مانع في أي وقت تعالي."
منحته ابتسامة ممتنة قائلة بشكر:
"شكراً يا فارس، أنا مش عارفة أقولك إيه."
رد عليها بابتسامة:
"متقوليش ومش لازم شكراً على فكرة، أنا معملتش حاجة. اللي بقولوا ده الطبيعي واللي لازم يحصل."
أومأت له برأسها وشعرت بالتوتر والارتباك عندما نظر لداخل عينيها مطولاً. تصنعت الانشغال بالطعام، فابتسم عليها وأبعد عينيه عنها ليرحمها.
***
بعد الإفطار كانت تنزل معه لأحد المكتبات لتشتري ما ينقصها من كتب ومراجع تحتاج إليها. كانت تخرج من باب المكتبة برفقته ولم تنتبه لحفرة صغيرة أسفل قدمها، فاستندت يدها تلقائياً على السور بجانبها، ولسوء حظها كان عليه زجاج مكسور متناثر.
صرخت بألم، فهرع إليها يتفحص يدها بفزع، ثم أخرج منديل يلفه حول يدها مردداً بقلق شديد وهو يجعلها تصعد للسيارة والأخرى تبكي من الألم:
"معلش استحملي خمس دقايق في مستشفى قريبة من هنا، متبكيش معلش."
كان يردد كلمات متأسفة على حالها طوال الطريق. بالطبع مرت خمسة دقائق وكان يدخل بها للمستشفى لقسم الطوارئ. كانت الطبيبة تضمد يدها بينما هي تبكي بألم. اقترب فارس جالساً بالقرب منها يمسح دموعها برفق. فرددت بألم:
"بتوجع أوي."
رددت الطبيبة برفق:
"حطيت بنج ومش هتحسي بحاجة."
أومأت لها وهي تضغط بيدها على الفراش. مر ما يقارب النصف ساعة وكانت تخرج من الغرفة تستند على يده. لمحت بعينيها من بعيد سفيان يخرج من أحد الغرف برفقة عمار وفريدة وأيضاً قصي!
لا تعرف ما السبب، لكن ما إن رأته اشتعل لهيب الانتقام بقلبها. فتمسكت بيد فارس قائلة برقة وصوت مجهد:
"فارس ممكن تشيلني، حاسة إني دايخة ومش قادرة أمشي خالص."
أومأ لها برأسه بدون تردد. انحنى يحملها برفق مردداً بقلق شديد:
"طب طالما لسه تعبانة تعالي نكشف تاني ولو كده ممكن تعلقي محاليل. أنا أصلاً..."
قاطعته قائلة بهدوء:
"أنا بس محتاجة أرتاح يا فارس، خدني ع البيت."
أومأ لها، ثم مشى بها وسط الجميع، وأغلب النظرات مصوبة عليهما، لكنه توقف ما إن رأى أمامه سفيان يستند على يد قصي وعمار الذي ردد بصدمة:
"انتوا بتعملوا إيه هنا؟ ميان انتي كويسة!"
ردد سفيان بقلق هو الآخر وغيرة تنهش قلبه وهو يرى الآخر يحملها هكذا والأخرى تحاوط عنقه بيدها:
"انتي كويسة!"
رد فارس وهو يشعر بضيق يحتل صدره، فعندما نظر لداخل عينيها تهربت من النظر له، كانت خجلة، فعلم أنها فعلتها عن قصد، لقد طلبت منه حملها لتثير غضب وغيرة الآخر.
سأله عمار بقلق:
"مالها ميان يا فارس!"
رد عليه بهدوء زائف:
"كنا في مشوار وحطت إيدها على إزاز بالغلط فجينا نخيط الجرح."
سألها قصي بهدوء:
"انتي كويسة دلوقتي يا ميان!"
رددت فريدة بفظاظة:
"ماهي كويسة وزي القردة أهي نازلين أسئلة فيها ليه."
نظر الثلاثة لها باستنكار، فردد فارس بتهكم:
"طبعاً لازم تكون كويسة مش بعدت عن الهم اللي كانت عايشة فيه."
كادت فريدة أن ترد، لكنها لم يعطيها الفرصة وغادر ملقياً السلام على قصي وعمار فقط. فرددت فريدة خلفهما بغيظ وغضب:
"تلاقيها جت هنا مخصوص عشان تحرق دمه وتخليه يمرض أكتر، سوسة البت ومش سهلة وسبحان الله ربنا رزقها باللي شبهها، واد لسانه طويل و..."
قاطعها سفيان مردداً بحدة وهو يكور قبضة يده بغضب وغيرة:
"خلصنا يا فريدة بقى خلينا نغور من هنا بقى!"
كانت النيران مشتعلة بقلب سفيان من الهيئة التي شاهدهم عليها منذ قليل. سيناريوهات كثيرة تخيلها، هل اقترب منها أم لا؟ هل سمحت هي له بذلك!
لكن أبداً لم ينسى نظرة التشفي والانتصار التي رمقته بها قبل أن تغادر!
بينما فارس وضعها داخل السيارة وطوال الطريق صامتاً، وهي تنظر له من حين لآخر ترى كيف يقبض بيده على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصل يده.
يبدو أنها ستواجه أول شجار معه ما إن تصل للمنزل، لقد أخطأت وعليها تحمل ما سيصدر منه!
***
خرجت من غرفتها بعد قضت طوال الوقت تبكي وتنتحب بقوة والندم ينهش قلبها على ما فعلت. كيف كانت حمقاء لتلك الدرجة، كيف تشك بقصي بعد كل ما مروا به!
دخلت على والدتها المطبخ وكانت الأخرى تطهو الطعام وهي تنتحب بقوة وحسرة. أخرجت من باب الثلاثة زجاجة مياه، وما إن رفعتها لشفتيها شعرت بدوار حاد يصيبها جعلها تترنح بوقفتها وسقطت الزجاجة من يدها!
التفتت سميحة بفزع لتجد جسد ابنتها يتهاوى أرضاً. صرخت بفزع تنادي بعلو صوتها على زوجها الذي ركض للمطبخ يحملها بين يديه للغرفة يحاول إفاقتها لكن دون جدوى. رددت سميحة بفزع:
"اجري يا كمال هات الدكتورة اللي في الدور التاني، البت مش كويسة خالـ..."
ركض على الفور. دقائق وكانت تجلس الطبيبة تفحصها. بعد دقائق بدأت تستعيد سيلين وعيها. فسألها الطبيبة عدة أسئلة.
ما إن انتهت سألها كمال بقلق:
"خير يا بنتي طمنينا!"
ردت عليه بابتسامة بشوشة:
"خير يا راجل يا طيب، بنتك بس مجهدة شوية وأنا شاكة في حاجة كده بس زيادة تأكيد تروحوا تعملوا تحليل وتكشفوا عند دكتورة."
سألها كمال وسميحة بنفس الوقت بقلق:
"حاجة إيه؟ كفى الله الشر!"
ردت عليهما بابتسامة:
"خير إن شاء الله، بس الظاهر كده إنها حامل!"
***
بينما بفيلا آل مهران كان محامي العائلة يخبرهم بأسف شديد ذلك الخبر الصادم:
"البقية في حياتكم، نادر بيه اتوفى!"
رواية بعينك اسير الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شهد الشوري
- بتعيطي ليه دلوقتي؟
قالتها ضحى لبسمة التي تنتحب بقوة، متحسرة على ما حدث لها اليوم.
لم تجب عليها، فسألتها مرة أخرى:
- مش انتي اللي عملتي في نفسك كده؟ انتي اللي بأيدك خليتي نفسك في نظره كده.
صرخت عليها بسمة بغضب وبكاء:
- بس بقى كفاية لوم. انتي مش مكاني ولا هما مكاني. محدش كان هيصدقني، حتى هو اهو أول ما عرف ما صدقنيش واتخلى عني من غير ما يسمع مبرراتي.
ردت عليها ضحى بصرامة:
- ايه يعني مكنش هيصدقك؟ ان شالله ما عنه صدقك، هو اللي هيكون خسران واتكشف على حقيقته. انما دلوقتي انتي اللي ركبتي نفسك الغلط. عيشته في كدبة كبيرة وضيعتي من عمره سنين عايش بذنب موتك ووجع فراقك. بدل ما كنتي روحتي تمثلي عليه الحب، كنتي روحتي قولتي كل حاجة. وهما عيلة ايدها طايلة كانوا هيعرفوا يوقفوه عند حده.
صرخت عليها الأخرى بقهر:
- ده كله كلام ميضمنش ليا اني ماتفضحش. انتي بنت، بنت افهمي بقى. انتي زيي المفروض تحسي بيا. انا بنت وعايشة لوحدي. لو حد عرف خبر مش هيسموا عليا وهيموتوني. انا بنت ومليش الا شرفي. كان لازم احافظ عليه بأي طريقة كانت. عملت اللي شوفته صح. الخوف جوايا كان أكبر من أي حاجة تانية.
سألتها ضحى بحزن:
- طب والعمل دلوقتي؟ نادر ربنا ينتقم منه مات وغار في داهية. اللي كان مسبب ليكي رعب في حياتك خلاص معدش ليه وجود. هتعملي ايه؟ هترجعي يزن ليكي ازاي وهو عنده حق في بعده عنك؟ أي حد مكانه هيعمل كده.
ردت بقهر وألم:
- يزن مش هيرجعلي. يزن نسيني أصلاً يا ضحى. انتي عارفة كام مرة غلط وقال اسمها قدامي. يزن بيقنع نفسه انه لسه بيحبني بس هو نسيني خلاص.
رددت ببكاء ووجع:
- ما قالهاش بس انا حسيتها. يزن اللي معايا دلوقتي مش يزن بتاع زمان. بعدي عنه زمان خسرني، ليه دلوقتي؟
بكت بقوة قائلة بصوت يمزق القلوب:
- قلبي واجعني اوي يا ضحى. ليه كل مرة اخسر حاجة؟ ليه حب غيري؟ ليه بيحصل معايا كده؟
احتضنتها الأخرى بحزن وأسف عليها. تنهدت بحزن، عازمة على فعل ما لعله ينفع بشيء.
***
اقترب منها بانكسار وهو يتحاشى النظر لعيناها من شدة الخزي:
- همس، أنا آسف.
لأن لينا تعرف صديقتها تمام المعرفة، علمت أن ما يحدث لن يمر مرور الكرام. ولكي ترد الإهانة له، فتحت هاتفها على الفور ودخلت على الصفحة الخاصة بالجامعة وبدأت بتصوير فيديو بث مباشر. دقائق وكان عدد كبير يشاهده.
ردت همس بسخرية وصوتاً عالي:
- المفروض ده يترد عليه؟ يتقالوا إيه؟
نظر الجميع لبعضهم، وبدأت الهمسات تتعالى. فرددت بسخرية مرة أخرى وتعجب:
- لأ بجد؟ حد يقولي ده يترد عليه؟ يتقالوا إيه؟
ثم صرخت بعلو صوتها غاضبة:
- المفروض السؤال للكل. انتوا يترد عليكم؟ يتقال أيها.
أشارت لمجموعة من الفتيات قائلة بغضب:
- لما انتوا بنات زي وبتترموا عليا بالكلام وبتجيبوا اللوم عليا بدل ما تدافعوا عني، وكل واحدة حطت نفسها مكاني يترد يتقال إيه؟
ثم أشارت لمجموعة شباب قائلة بغضب وصوت عالي ليسمع الكل:
- لما كل واحد فيكم بيرمي عليا بالكلام، حضرتك مفكر نفسك راجل كده يعني.
ثم أشارت ليزن قائلة باحتقار ونظرات مشتعلة بالغضب والنفور:
- لما واحد زيه، أقل كلمة تتقال ليه إنه مش راجل ولا ينفع واحدة تأمن على نفسها معاه وتثق فيه.
ضحكت بسخرية ثم تابعت بحدة وسخرية مريرة:
- بعد كل اللي عمله فيا ودمر أجمل يوم بتعيشه كل بنت وخلاني أعيش كابوس، كان ممكن أخسر حياتي بسببه، جاي يقولي آسف!
صرخت بغضب وهي تدفعه بكتفه بقوة ارتد على أثرها للخلف:
- يترد يتقال إيه!
انخفضت الهمسات والجميع يتابع بصمت. سرعان ما تعالت الشهقات من الصدمة عندما رددت همس بغضب وهي تراه ينظر لها بندم:
- أقل حاجة يترد بيها عليه، واخد حقي منه بيها.
صمتت للحظات وهي تحك أصابع يدها ببعضها، ثم بلحظة هوت بها على صدغه بقوة مرددة بغل:
- القلم ده لو كان حد من أهلك ضربه ليك زمان، كنت اتعلمت إن بنات الناس مش لعبة. يوم ما تعوزها تقرب، ويوم ما تعوز تبعد تبعد.
ثم تابعت بصراخ عالي واشمئزاز:
- اللي قدامكم ده جالي وفضل يترجى فيا عشان أقبل بيه، وبعد ما قبلت جاي يوم فرحنا يقولي آسف: "مش هقدر أتجوزك". دلوقتي كمان جاي يعتذر تاني يقولي آسف على اللي عملته، كأنه خبط فيا بالغلط ومسببش ليا فضيحة بين كل الناس.
ثم تابعت بحدة وهي ترى الصدمة مرتسمة على ملامح وجهه من فعلتها وشعور الإهانة تملك منه:
- يترد على كلمة آسف بتاعتك دي إنك واطي وندل وملكش أمان. وأي واحدة تفكر ترتبط بيك هتضرب نفسها بالجزمة بعدين عشان عملت في نفسها كده. اللي تقبل بيك هتعيش حياتها معاك كلها في خوف. هتبقى خايفة طول الوقت من ندالتك.
ثم تابعت بغضب وهي تشير له بيدها من أعلى لأسفل باحتقار:
- اللي حصل مكسب ليا مش خسارة. ده من رحمة ربنا إنه حصل كده عشان اسمي ما يرتبطش باسم حيوان زيك وأعيش حياتي كلها أندب حظي إني قبلت بيك.
تدخل كارم قائلاً:
- كفاية يا همس.
نفت برأسها قائلة بغضب:
- لأ مش كفاية. كام شهر فات على اللي حصل وأنا بس اللي شيلت اللوم والعتاب من الكل. دلوقتي جه الوقت اللي كل واحد يعرف مقامه ويعرف مين اللي غلطان. مع إنه معروف، بس إحنا بقى في مجتمع متخلف دايماً اللوم على البنت والراجل يا عيني ملاك نازل من السما مش بيغلط.
كانت ميان تتابع البث المباشر وهي تضحك بسعادة وفخر بصديقتها مرددة:
- عاش يا أجدع وأجمل صاحبة في الدنيا.
اقترب منها فارس قائلاً بتعجب:
- مالك بتضحكي على إيه وبتسقفي كده وصوتك عالي؟
أشارت لشاشة هاتفها مرددة بفخر:
- مسحت بيه الأرض، يستاهل أكتر من كده.
لم يجيبها، فقد شاهد الفيديو بصمت. أغلقت شاشته تسأله بحزن وحرج:
- أنت زعلان مني؟
توقف قائلاً بتهرب من الحديث معها:
- أنا عندي مشوار مهم ولازم أنزل.
تمسك بذراعه قائلة بتبرير وهي تتهرب من النظر إلى عيناه لأنها تكذب:
- فارس، أنت فاهم غلط.
أبعد يدها برفق قائلاً بتهكم قبل أن يغادر:
- طالما بررتي ودماغك راحت للنقطة دي بالذات، يبقى أنا مش فاهم غلط ولا حاجة.
غادر وتركها تشعر بالندم على فعلتها. لقد ظنت أنه سيثور، سيغضب، لكنه لم يفعل. عاتبها بعيناه وبتصرفاته.
***
ما إن غادرت التجمع الكبير، جذبها كارم لسيارته متوجهاً حيث الشاطئ بمكان خالٍ نوعاً ما من الناس مردداً بمدح:
- هي دي همس اللي أعرفها. بس عارفة، لو في يوم فكرتي ترجعيله، أنا اللي همسح بكرامتك الأرض.
رددت بصرامة:
- صفحة واتقفلت خلاص. بعد اللي عمله، لو روحي فيه حتى مش هعبره تاني.
تردد بهدوء وهو يمشي بجانبها على الشاطئ:
- تعرفي إن جوز أخته اتقبض عليه امبارح، واتقتل في السجن النهارده.
قص عليها تهمته بالتفصيل، فرددت باشمئزاز:
- زبالة ويستاهل. خسارة فيه مراته.
سألها بتعجب:
- ليه قلتي كده؟
رددت بضيق:
- عينه زايغة يا كارم وضايقني قبل كده واديتها على دماغه واتوصيت بقى، انت عارفني.
تردد ضاحكاً بخفوت:
- عارفك. ده ربنا رحمة إنه مات النهارده.
رددت بسعادة وهي تشبك يدها ببعضها:
- أقولك على حاجة.
أومأ لها بنعم على الفور، فتابعت بسعادة غامرة:
- بعد القلم اللي ضربته ليه والكلام اللي قولته، حاسة إني ارتحت وزي ما يكون طاقة كده دبت فيا مرة واحدة.
ابتسم مردداً بسؤال لم يستطع كتمانه أكثر من ذلك:
- لسه بتحبيه؟
تنهدت قائلة بهدوء:
- مقدرش أقول بحبه، لأن أصلاً من الأول وأنا عارفة إن مشاعري ناحيته مش الحب الجامد اللي بيقولوا عليه. بس قولت طالما فيه إعجاب وشوية مشاعر، يبقى مع الوقت هيتحول لحب.
ثم تابعت بعتاب لنفسها:
- بس كنت غبية لما فكرت كده. بابا بعد اللي حصل ده كله قالي الاختيارات مش لازم نعتمد فيها على القلب بس أو العقل بس، لا لازم الاثنين يكونوا متفقين مع بعض على كل قرار.
جلس أرضاً على الرمال وهي بجانبه مردداً:
- فكرت إنك لسه بتحبيه، لأن الأيام اللي فاتت...
فهمت ما سيقول، فتابعت هي بصدق:
- زعلي ووجعي الفترة اللي فاتت مش عليه ولا منه يا كارم. زعلي كان على نفسي واختياري الغلط وإني بأيدي وثقت فيه وعملت في نفسي كده. وجعي كان نفس وجع أي بنت هتتحط في الموقف ده. لكن هو ميتزعلش عليه، لأن هان عليه يعمل فيا كده وأنا اللي هان عليّ. عمري ما أزعل عليه ولا منه.
تنهدت بعمق قائلة بسعادة:
- بس أنت بجد مبسوطة أوي باللي عملته فيه النهارده يا كارم. عارف الإنسان لما بيكون مبسوط وعايز يصرخ من السعادة، اهو أنا نفسي أعمل كده.
ثم تابعت بتشفٍ وهو يتابعها بعيناه بسعادة لسعادتها:
- منظره وهو واقف مكسور ومش قادر يرفع عينه في عيني ولا عين أي حد من الطلاب فرحتني. ولينا لسه بعتالي رسالة بتقولي إنه قدم استقالته من الجامعة بسبب الشتايم اللي خدها ونظرات الطلاب كلهم ليه بعد ما مشيت. دول فضلوا يشتموا فيه. طبعاً كمان لينا متوصتش، دي صورت اللي حصل لايف والكل شافوه. اللي أنا عيشته بسببه، هو دلوقتي بيعيشه.
تردد بابتسامة حب:
- لو أعرف إنك هتنبسطي كده، كنت خليتك ضربتيه القلم ده وهزقتيه قدام الكل من زمان.
أبعدت خصلات شعرها التي تتطاير بفعل الهواء خلف أذنها مرددة بامتنان:
- لينا وميان حكولي إنك جيت تاني يوم الحادثة ضربته قدام الكل ومسحت بيه الأرض.
تردد بصرامة:
- ده اللي كان لازم يحصل. لعب في عداد عمره لما فكر يأذيكي انتي بالذات.
نظرت له مطولاً ثم ضحكت، فسألها بتعجب:
- بتضحكي على إيه؟
توقفت عن الضحك مرددة:
- عليك. أموت وأعرف حبيت فيا إيه.
ثم تابعت بجملة استمعت لها بمسلسل تلفزيوني:
- أقسم لك بالله أنا شخصية لا تطاق.
ضحك مردداً بمرح:
- يعني هو في حد غاوي عذاب ومرمطة؟ منه لله بقى قلبي ده اتعمى عشان يختارك انتي من باقي البنات.
ضحكت تصدم كفها بكفه، فتابع هو بهيام وهو ينظر لداخل عينيها:
- حبك على إيه؟ نفسي أعرف. ده انتي لا عينك زرقا زي البحر تغرق كل اللي يبص فيكي.
توترت من نظراته وكلماته، فتابع هو بهيام وهو يرفع يده يمررها على وجهها برفق:
- ولا زي القمر تخلي الواحد يحتار، القمر من إمتى بقى بيطلع في عز النهار كده. ولا مجنونة وبتتصرفي زي الأطفال ساعات كتير تخلي اللي يحبك يعيش شعور الأبوة أول مرة معاكي.
ثم تابع بفخر وعشق كبير:
- ولا جدعة ولا سند، لو الواحد وقع يبقى واثق إنك هتكوني في ضهره.
ثم تابع بخفوت وعشق مقترباً بوجهه منها:
- تفتكري حبك ليه؟
ابتعدت على الفور مرددة بتوتر شديد:
- أنا لازم أمشي، اتأخر...
جذبها مرة أخرى من يدها، فالتفتت له تبتلع ريقها بصعوبة من شدة التوتر. رفع كارم يداه يحاوط بها وجنتيها برقة. كادت أن تبتعد، لكنه كان كالمغيب. مال برأسه يضع قبلة صغيرة أعلى شفتيها.
***
ما إن دخل من باب المنزل، استوقفته والدته قائلة بصرامة:
- المرة دي مش هتتهرب مني يا قصي. حالا تفهمني إيه اللي حصل ده وإزاي تطلق مراتك.
ردد بتهكم وهو يلقي بجسده على الأريكة:
- يعني بسلامتها مقالتش ليكي؟
عنفنه قائلة بغضب:
- اتكلم عن مراتك بأدب.
رد عليها الآخر بغضب أشد:
- مراتي مراتي، مراتي اللي بتدافعي عنها دي اتهمت ابنك بالخيانة وفضحته قدام الموظفين بالشركة وقالت عني مش راجل، وهي اللي طلبت الطلاق بلسانها. كنتي مستنية مني إيه؟
ردت عليه بصرامة:
- كنت مستنية منك تتصرف بعقل. مراتك غلطت أه، بس كل الستات في المواقف دي الغيرة بتتحكم فيهم.
قاطعها قائلاً بحدة:
- المفروض تكون واثقة فيا، خصوصاً إننا اتعرضنا لمواقف زي دي وكل مرة كانت بتتصرف بنفس الطريقة دي وترجع تندم لما تعرف إني بريء. قولت لها اسمعيني، مسمعتش. دي غلطت فيا وقالت كلام ميتقالش.
ردت والدته بتهدئة:
- يا بني استهدى بالله، وهي هتراضيك وتبوس راسك كمان. ده انتوا بقالكم كام شهر بس متجوزين، الناس تقول إيه؟ مش كفاية كلامهم السم زمان، ما بالك دلوقتي والجوازة مفاتش عليها غير كام شهر.
ردد بقسوة وغضب:
- ميخصنيش. صفحة سيلين اتقفلت خلاص ومعدتش هتتفتح تاني يا أمي.
كاد أن يدخل لغرفته، لكنها استوقفته قائلة:
- حتى لو عرفت إن سيلين حامل يا قصي!
تصنم جسده بمكانه للحظات، ثم التفت لها قائلاً بجمود واقتضاب:
- حتى حملها مش هيغير حاجة. وكلمة زيادة كمان يا أمي، بدل ما أردها هطلقها بالتلاتة.
***
اقتربت ميان من فارس الذي يشاهد التلفاز باهتمام تسأله وهي تريد فتح حديث معه، فهو منذ أن عاد من الخارج يتجاهلها:
- فارس، هو إحنا هننزل الشغل إمتى؟
سألها باهتمام وهو يغلق التلفاز عندما فتحت ذلك الموضوع الذي كان يريد التحدث معها فيه:
- أنتي هتكملي تدريب في المستشفى؟
ردت بتوتر:
- أنت عندك مانع إني أكمل؟
نفى برأسه قائلاً:
- لا أبداً، بس الامتحانات قربت وفكرتك هتقعدي من التدريب وتلتزمي بمحاضراتك عشان تلحقي تعوضي اللي فاتك.
سألته بتوتر:
- طب إيه رأيك أنزل على الأقل يوم في الأسبوع؟ أصل بصراحة حبيت التدريب في المستشفى.
تردد بابتسامة:
- اللي بقوله مش أمر يا ميان، أنا بقترح عليكي وفي النهاية انتي اللي تقرري اللي حباه وعاوزاه، حتى لو هتتدربي كل يوم انتي حرة.
أومأت له، فتابع بابتسامة:
- لكن لو محتاجة نصيحتي، الكلام اللي قولتي في الآخر ممتاز. كفاية يوم في الأسبوع وبعد الامتحانات ابقي اتدربي زي ما انتي عاوزة.
أومأت له بنعم، فتمسكت بيده قائلة باعتذار:
- أنا آسفة، متزعلش مني يا فارس.
لم يرد عليها كالمعتاد، كلما فتحت ذلك الأمر. كاد أن يدخل لغرفته، لكنها وقفت أمامه:
- عشان خاطري خلاص، حقك عليّ.
نظر لها مطولاً ثم قال وهو يدخل لغرفته ويغلق الباب خلفه:
- تصبحي على خير.
وقفت أمامه باب غرفته، والتي من المفترض أنها غرفتهما، لكنها لم تدخلها سوا مرات قليلة تعد على أصابع اليد. التفتت حولها باحثة عنه لتجده يقف بالقرب من خزانة الملابس، نصفه العلوي عارٍ.
شهقت بقوة وخجل وهي تضع يدها على عينيها مرددة باعتذار:
- أنا آسفة، مكنتش أعرف إنك هتغير هدومك. وبعدين أنت لحقت؟ ده أنت لسه داخل قدامي دلوقتي.
تردد بسخرية:
- لو كنتي قولتي إنك داخلة ورايا كنت استنيت.
ردت عليه بحرج:
- طب يلا البس حاجة، مش هكلمك وأنا واقفة كده.
- فتحي عينك.
أزاحت يدها عن عينيها ببطء وحرج، سرعان ما أعادتها مرة أخرى مرددة بغيظ:
- أنت لسه زي ما أنت!
اقترب منها حتى أصبح يقف أمامها مباشرة، ثم رفع يده يبعد يدها من على أعينها مردداً برفق:
- ملبستش، لأن المفروض إن حضرتك مراتي وأنا أبقى جوزك، يعني مفيش داعي تغمضي عينك.
أشاحت بوجهها بعيداً مرددة بخجل وتوتر:
- ميصحش برضو ألبس حاجة.
ابتسم بهدوء ثم انحنى بوجهه يريد تقبيل وجنتيها، لكنها ابتعدت سريعاً عنه تخرج من الغرفة بخطوات شبه راكضة.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت مفزوعة عندما شعرت بيد أحدهم تربت على كتفها بسرعة. رددت بزهول وهي ترى فارس يقف أمامها، جزعه العلوي عارٍ:
- في إيه يا فارس؟ أنت بتعمل إيه هنا وإزاي...
قاطعها قائلاً بسرعة:
- قومي بسرعة، أهلي وأهلك على وصول.
سألته بصدمة والنعاس يغلب عليه:
- ليه؟ حصل إيه؟
أردف عليها بسرعة وهو يلملم أغراضها التي بالغرفة ينقلها لغرفته:
- هو ده وقته يا ميان؟ قومي انقلي الحاجة بسرعة معايا للأوضة التانية.
أومأت له سريعاً وهي تحاول طرد النعاس بعيداً عنها. كان كلاهما يركضان من هنا إلى هنا بسرعة، وأعادوا كل شيء لمكانه. جلست ميان على الأريكة تلتقط أنفاسها بصعوبة، وكذلك هو. فسألته بلهث:
- هما جايين ليه؟
ردد وهو يرتشف من زجاجة المياه التي أمامه:
- معرفش. صحيت على مكالمتهم لقيتهم بيقولولي ساعة وهنكون عندكم نتغدى سوا ونقضي اليوم مع بعض ويطمنوا عليكي. انتي ناسيه إن قولنا لهم امبارح على إيدك اللي اتخيطت.
أخذت زجاجة المياه منها ترتشف منها قائلة:
- طب خلصنا بسرعة كويس، يدوب نجهز نفسنا.
انتظرته إجابة لكنه لا يجيب. أبعدت الزجاجة عن شفتيها تنظر له متعجبة من صمته، لتجده بعالم آخر. الوقح ينظر لجسدها. نظرت تلقائياً هي الأخرى لتشهق بصدمة وخجل من تعجلهم. لم تنتبه أنها ترتدي بيجامة سوداء قصيرة تكشف الكثير من جسدها.
ركضت على الفور نحو غرفته تغلق الباب من خلفها. فضحك هو بقوة مردداً بصوت عالي ومرح وهو يلحق بها يطرق باب الغرفة:
- ليه قطع الأرزاق ده طيب؟ هو لا ده ولا ده.
فهمت مغزاه الوقح. لم تكن تتخيل أنه هكذا. عنفته قائلة بحدة:
- بطل قلة أدب يا قليل الأدب.
ضحك قائلاً بمرح:
- طب افتحي الباب.
- لأ.
أردف عليها بمكر:
- طب هقابلهم إزاي طيب؟ يعني هو انتي لوحدك اللي قلعة؟ ما أنا كمان عايز أستر نفسي بحاجة.
نفت برأسها قائلة:
- قابلهم كده عشان تحرم تبقى قليل الأدب تاني.
استند على الباب قائلاً بمكر:
- والله لو عليا أنا معنديش مانع. أنا عامل عليكي انتي. لو شافوني كده هيقولوا قاعد كده ليه وكان بيعمل إيه، مع إنهم ميعرفوش اللي فيها.
جزت على أسنانها قائلة بغيظ:
- فارس بس أنا أصلاً غلطانة إني بحاول أصالحك. أنت طلعت قليل الأدب أوي.
ضحك بقوة فتمتمت هي بضيق:
- هجهز أنا، وبعدين أنت ادخل.
بالفعل مر وقت قصير جداً، وكانت تفتح الباب له. فتأملها مطولاً بفستانها الزهري الطويل الذي غطى جسدها بأكمله. ابتسم بزاوية شفتيه وهو يراقبها تقف أمام المرآة تصفف خصلات شعرها وتحاول جاهدة إغلاق سحاب فستانها من الخلف للآخر لأنها تستخدم يد واحدة.
ظنت أنه دخل للمرحاض. وما إن رأته يقف مكانه يطالعها من الخلف بابتسامة مشاكسة، أعادت خصلات شعرها للخلف تغطي ظهرها به، ترمقه بنظرات حادة.
اقترب منها حتى أصبح يقف أمامها مباشرة، ثم رفع يده يبعد خصلات شعرها يضعها برفق على كتفها، ثم برفق كان يسحب السحاب لأعلى متعمداً لمس بشرة ظهرها.
ما إن انتهى، أعاد خصلات شعرها مكانها، يشتم عبيرها حيث تفوح منه رائحة الياسمين. ابتعدت قليلاً عنه مرددة بحرج:
- شكراً، ادخل أجهز بقى، زمانهم على وصول.
نظر لها مطولاً ثم أومأ لها بصمت ودخل للمرحاض. ما إن أغلق الباب، تنهد بعمق. يعلم الله وحده كم يجاهد ليستطيع ضبط نفسه عنها. كل ما بها جميل. عيناها فتنة من نوع خاص، أما شفتيها حكاية أخرى يطوق لقرائتها بشفاهه. لم يسبق له أن رغب بفتاة هكذا. حتى زوجته السابقة كان الأمر بالنسبة له عادياً، لكن معها الأمر مختلف. لا يرغب بلمسها فقط، بل يرغب أيضاً بامتلاك قلبها وعقلها مثلما فعلت هي معه.
بعد قليل، كان الاثنان يستقبلان الجميع بابتسامة جميلة. عانقت والدة فارس ميان مرددة بسعادة وهي تقبل وجنتها:
- يا روحي عليكي، زي القمر.
ضحكت ميان بخفوت، فحاوط فارس كتف والدته مردداً بمرح:
- إيه يا أمي، كل ما تشوفيها تفضلي تبوسي فيها وتقولي زي القمر؟ هتتفهمي غلط كده.
ضحك الجميع، فوكزته والدته بذراعه قائلة بغيظ:
- بس يا واد يا قليل الأدب.
ردد بضجر وغيظ:
- هي إيه حكاية قليل الأدب اللي عمالة تتقالي النهارده دي؟ هو أنا فيه في أدبي؟
جلس الجميع، وكانت ميان تجلس على الأريكة بين فارس ووالدته التي رددت بتهكم:
- هو مفيش أدب أصلاً يا حبيبي.
ضحك الجميع، فسألتها ميان بابتسامة:
- هو فراس مش معاكم ليه؟
ردد والد فارس بابتسامة:
- عنده مدرسة. إحنا سيبناه مع الدادة بتاعته. مضطرين قولنا نطمن عليكم ونرجع على طول.
أومأت ميان برأسها، بينما والداها كانوا يتابعون ابتسامتها المرسومة على وجهها بسعادة. لم تكن ابتسامتها مزيفة، بل كانت نابعة من القلب وصادقة. قبلت والدة فارس ميان عدة مرات، فردد فارس بصوت خفيض مغتاظ وصل لميان:
- يا بختك يا ست الكل.
لم تستطع الصمت، فانفجرت ضاحكة. غصباً عنها وبعدها فارس، سألتها والدتها بابتسامة:
- ضحكونا معاكم طيب، في إيه؟
نفت ميان برأسها، فردد فارس بمرح:
- مفيش يا ست الكل.
توقفت ميان قائلة:
- هقوم أعمل حاجة نشربها.
لحق بها فارس بعد دقيقتين، فمال عليها مردداً بغزل يراها تضع السكر في الأكواب:
- سكر بيحط سكر يا ناس.
ابتسمت بزاوية شفتيها. كل يوم وساعة تكتشف طبع جديد به. مرح جداً، يستطيع أن يسرق منك ابتسامة أو ضحكة من القلب. سألته دون الالتفات له:
- أنت جاي ورايا ليه؟
استند بمرفقه على الثلاجة مردداً بتفكير وهو يعبث بهاتفه للحظات:
- عشان نشوف هنطلب إيه من بره للغدا.
سألها وهو يضع الهاتف بيدها على قائمة الطعام:
- اختاري مامتك وباباكي بيحبوا إيه.
اختارت بعض الأصناف، وفعل هو المثل لوالديه قائلاً بمشاكسة وهو يغمزها بعيناه وهو يأخذ صينية المشروبات منها:
- ده إحنا النهارده هيجيلنا السكر بسببك يا سكر.
ضحكت بخفوت، تلزكه بيده برفق قائلة:
- بس يا فارس، أنت مالك النهارده؟
ردد برفعة حاجب وهو يخرج برفقتها من المطبخ:
- يعني لو سكتنا مش عاجب، ولو اتكلمنا مش عاجب. اثبت على رأي بقى يا سكر. الحق عليا يعني إنك مهونتيش عليا و صالحتك.
رددت بضحك:
- لأ أرجع خاصمني تاني، أنا راضية يا سيدي.
اقتربوا من الجميع الذين يراقبون همساتهم بسعادة، خاصة والدي ميان. بعد قليل جاء الطعام، سألتها والدة فارس وهو يجلسون على طاولة الطعام:
- أنتي ما بتعرفيش تطبخي يا ميان؟
نظرت ميان لها بتوجس، ول فارس الذي يتابع بصمت، فنفت برأسها قائلة بحرج:
- يعني مش أوي.
صفقت والدته بيدها قائلة لزوجها:
- شوفت من تريقتك عليا زمان، اهو ربنا رزق ابنك بزوجة مش بتعرف تطبخ، مش أنا لوحدي.
تردد زوجها بسخرية:
- حبيبتي، هي بتقولك يعني معنى كده إنها بتعرف شوية، إنما انتي لحد النهارده كل معلوماتك عن الطبخ تعملي بيضة.
ضحكت ميان بخفوت قائلة بمرح:
- إنجاز برضو يا عمي.
ضحك ضارباً كفه بكفها، فرددت الأخرى بغيظ:
- كده يا ميان، وأنا اللي قولت إنك هتكوني في صفي. بتتريقي عليا معاه.
ضحك فارس مقبلاً يد والدته قائلاً:
- شوفتي اللي عمالة تحبي فيها من شوية؟ باعتك وراحت لصف جوزك عشان تعرفي إن ملكيش غير ابنك حبيبك تحبي فيه.
أبعدته قائلة بمرح:
- حبك برص.
ضحكت ميان بقوة قائلة:
- يلهوي على كسفتك يا حازم.
دفع فارس ميان برفق قائلاً لوالدها بمرح:
- خد بنتك وانت مروح يا عم.
دفعها رأفت هو الآخر قائلاً بمرح:
- لأ كفاية عليا أنا كده، خليها عندك.
نظرت ميان لوالدها قائلة بغيظ:
- كده يا بابا، شكراً.
أوردد والد فارس بابتسامة حنونة:
- خلاص، لا انت ولا هو. إحنا ناخدها معانا واحنا ماشيين، تنورنا.
ضحك الجميع وتناولوا الطعام في جو أسري أكثر من رائع. تناست فيه ميان ما حدث وعاشت تلك اللحظات وجمالها. كان فارس يطعمها لأن يدها اليمين أصيبت بها. كان تتناول منه بحرج وخجل شديد من نظرات الجميع التي لم يهتم هو بها من الأساس. كان كمن وجد فرصة ليقترب منها. كان يتلمس شفتيها بيده عمداً، وكلما نظرت له بحدة غمزها بعيناه في الخفاء مشاكسًا.
كانت تتناول الطعام منه وهي تفكر: فارس تغير كثيراً عن الأمس. حقاً لا تعرف ما به. صمتت للحظات، ربما لم يتغير هو هكذا بالفعل، وهي التي لم تعطي لنفسها فرصة بالتعرف على طباعه بسبب عزلتها معظم الوقت بغرفتها.
***
قامت فريدة بعزيمة لينا على الغداء بمنزلها، وكذلك دعت سفيان. لم تتوقف لينا عن النظر له باحتقار، لولا ترجي عمار لها أن تأتي لما سألت فيه الاثنان. بالطبع لم تخبر ميان بقدومها حتى لا تحزن. تعالى رنين هاتفها، فكانت المتصلة ميان. أجابت عليها، فجاءها صوت الأخرى قائلة:
- كويس إنك رديتي عليا على طول، همس معاك.
ردت عليها لينا وهي تنظر لسفيان بتشفٍ:
- لا يا ميان، مشوفتش همس النهارده.
جزت فريدة على أسنانها بغضب، بينما سفيان صب كامل تركيزه معه.
رددت ميان بقلق:
- بكلمها تليفونها مقفول. كنت هقولك هاتيها وتعالي نقعد مع بعض سوا النهارده، الكل هنا.
ردت لينا بتوتر:
- مرة تانية بقى إن شاء الله. أنا مع عمار.
ثم تابعت بمكر:
- هقفل بقى دلوقتي وهبقى أكلمك بعدين. سلميلي على فارس.
قبض سفيان بيده على الشوكة حتى ثنيت قليلاً. فرددت فريدة بغضب:
- أنت تقطعي علاقتك باللي اسمها ميان دي بما إنك هتكوني واحدة من عيلة العزايزي.
ردت عليها لينا بهدوء:
- أنا هبقى مرات عمار العزايزي، هو بس اللي الكلام ده. طالما هو مش معترض، يبقى مفيش حد من حقه يقولي أعمل إيه ومعملش إيه. وقبل ده كله، ميان أختي. مش من حق أي حد مهما كان يقولي أقطع علاقتي بيها.
عمار بصرامة:
- لينا، كفاية لحد كده.
صمتت مجبرة، فتابع سفيان بجدية ونيران الغيرة تحرقه من الداخل والندم ينهش قلبه:
- لينا معاها حق. مشكلتك مع ميان يا فريدة تخصك انتي، لكن مش من حقك تفرضي على حد يقاطعها بسبب كده.
نظرت له فريدة بغضب. فتنهد عمار قائلاً:
- لينا اتأخرت ولازم تمشي. هوصلها وارجعلكم.
أومأ الاثنان له، فجذبها وغادر. وما إن وصل الاثنان للأسفل، عاتبها بضيق:
- لزمته إيه اللي حصل فوق ده يا لينا؟
سألته بمراوغة:
- هو إيه اللي حصل؟
رد عليها بغضب:
- مكنش فيه أي داعي للشو اللي عملتيه قدام الكل عشان تغيظي سفيان.
ردت عليه بصراحة:
- لأ كان فيه داعي. أنا متغاظة منه ومقهورة على ميان. أنا كنت بشوف ميان وأقعد معاها أكتر منك. أنت عارف إن في أول جوازه كان بيعمل كده كتير فيها. كنا بنبقى قاعدين معاها أنا وهمس نلاقي رسايل من رقم غريب مبعوتة ليها كأن اللي بعتها قصده يقهرها. لما كشفنا على الرقم عرفنا إنه ليه.
تنهدت ثم تابعت بغضب:
- الموقف اللي عملته فيه مش حاجة جنب اللي عمله فيها. أنا كنت بحاول أرد جزء من حق اختي وأقهره زي ما قهرها يا عمار. وما تلومنيش، أنا عارفة إنه أخوك الكبير، بس ميان كمان أختي. غصب عني بتطلع مني التصرفات دي.
جذبها لأحضانه، يلوم بداخله شقيقه الذي وضعه بتلك الدوامة والحيرة. لا يستطيع أن يقف معه أمام الجميع، ولا يستطيع أن يدافع.
***
رددت أمل ابنة عمة سيلين بمكر:
- عفارم عليكي يا بت، مكنتش متخيلة إنك هتنجحي في اللي قولتلك عليه بالسرعة دي.
ردت عليها بسخرية:
- من إمتى نانسي بتهزر في الشغل؟ طالما قبضت بشتغل بضمير.
ثم تابعت ببرود:
- بس للأمانة، اللي حصل كان صدفة. أنا شفتها جاية من بعيد، روحت رميت نفسي عليه وطبعت روج على قميصه وشوية حركات بقى ولعت بيهم الدنيا.
ثم دفعت الأخرى بكتفها قائلة:
- مع الرسايل اللي كنت ببعتها ليها من أيام. أنا أصلاً كنت فقدت الأمل من موضوع الرسايل ده، بس قولت على الأقل تزرع الشك جواه.
مضغت نانسي العلكة بطريقة تجعلك تشمئز منها قائلة بنبرة ذات مغزى:
- لولا الصور اللي مسكتها على المدير ده مكنتيش هتعرفي تدخليني من باب الشركة.
رددت الأخرى بملل:
- جيبي من الآخر وقولي إنك عاوزة فلوس زيادة.
ردت عليها بابتسامة صفراء:
- كلك نظر يا أمولة.
أعطتها مبلغ مالي كبير قائلة:
- امسكي، تستاهليهم يا بت. ده طلقها ورماها في الشارع، ده أنا ناقص أزغرط من فرحتي.
رددت نانسي بمكر:
- دلوقتي بقى دورك. الواد يا قلب أمه هيبقى محتاج اللي تطبطب وتدلع.
سخرت الأخرى منها قائلة:
- مش قصي اللي يفكر كده. بس أنا عارفة هجيبه إزاي. وحياتك في ظرف أسبوعين ويمكن أقل هكون مراته.
ضحكت الأخرى بمكر قائلة:
- قادرة وتعمليها ياختي.
***
في المساء، كان فارس يجلس أرضاً وبجانبه ميان مع والدته ووالدتها يلعبون لعبة الورق، بينما والد ميان ووالد فارس يلعبون بعيداً عنهم الشطرنج وهم يتسامرون.
ردد فارس بمكر:
- الدور ده هنلعب الشايب واللي هيخسر هنحكم عليه.
رددت والدته بمرح:
- هنحكم عليك انت إن شاء الله.
ردد فارس بفخر:
- الأمهات كلها تفرح لمكسب ولادها، إلى أمي العكس. شايفة الحنان.
ضحكت ميان وبدأت بتوزيع الأوراق للعب. مرت دقائق قصيرة، وكانت ميان تسحب ثلاث ورقات ليعلم كل منهم كم حكم سيحكم عليها.
كان من نصيب فارس ورقة بثمانية. فردد بمكر:
- حلاوتك يا سكر.
ألقت والدته ووالدتها الورق قائلين بلا مبالاة:
- مسامحين.
ردد فارس بمكر ومرح:
- سامحوا انتوا براحتكم، لكن أنا لأ مش بسامح.
زفرت ميان قائلة بغيظ:
- احكم وخلصني.
سألها بمكر والاثنتان يراقبان ما سيقول بفضول:
- الورقة اللي في إيدك بكام؟
ردت عليه بعدم فهم:
- تمانية.
أشار لوجنته مردداً بمكر:
- تمن بوسات. انقليهم هنا.
ضحكت والدة ميان بخجل، بينما والدته لكزته بذراعه قائلة بضحك:
- اتأدب يا ولد.
ردد بمكر وهو ينظر لميان التي تناظره بحدة:
- عيب إيه يا ست الكل، دي مراتي. ده حتى الورقة عليها رقم زوجي، كأنها بترد تقول ده زوجي.
ضحكت الاثنتان، بينما ميان رددت بحدة:
- مستحيل أعمل كده.
ردد برفعة حاجب:
- لأ، متفقناش على لعب العيال ده. اللي خسر يتحكم عليه وينفذ من سكات.
رددت والدته بضحك:
- اعملي اللي بيقولك عليه يا بنتي، مجنون ومش هيكسر بعدين، ده جوزك مش غريب يعني.
ردد فارس بمكر:
- قولي لها والله يا ماما، أصلها بتنسى كتير.
نظرت له بحدة وغيظ، فشجعتها والدتها بمكر:
- يلا يا بنتي خلصينا، عايزين نبدأ دور جديد.
اقتربت منه، والآخر يجلس متأهباً. قبلته مرة واحدة على وجنته برقة، ثم ابتعدت قائلة بخجل شديد:
- هو... بس كده.
ضحكت الاثنتان على خجلها، خاصة عندما توقفت قائلة بتوتر:
- أنا هروح أجيب حاجة نشربها.
توقف قائلاً هو الآخر بابتسامة ليلحق بها:
- هروح أساعدها، نسيت إنه إيديها مجروحة.
تبادلت الاثنتان النظرات بمكر، وهم يرون كيف لحق بها. ما إن دخل للمطبخ، تفاجأ بها تقابله بالسكين قائلة بشراسة لم تخفِ خجلها الشديد:
- تاني مرة إياك تعمل كده، وخصوصا قدام حد. بتستغل الفرص حضرتك.
اقترب منها حتى اصطدمت بالثلاجة خلفها مردداً بمكر وهو يحاوط بيديه حتى لا تهرب:
- مكنتش أعرف إنك بخيلة كده. كل ده عشان بوسة؟ بسيطة يا ستي، أرجعها لك.
ثم مال ببطء طابعاً قبلة رقيقة على وجنتيها. قبل أن تدفعه أو تصدر عنها ردة فعل، جاء صوت والدتها من خلفهما:
- احم احم، ليك أوضة يا بجح، احترم إننا لسه موجودين.
ردد بخفوت لم يسمعه أحد:
- وجودكم عز الطلب.
خرجت ميان قائلة وهي تشير للنافذة الزجاجية:
- الدنيا بتمطر بره.
ردد والد فارس بضيق:
- ياه، ع الحظ. هنروح كده إزاي؟
ردد رأفت بضيق مماثل:
- عندك حق. المطر شديد أوي، هيبقى صعب ننزل دلوقتي.
ردد فارس سريعاً:
- خلاص ناموا هنا النهارده، الأوض فاضية أه.
ردد والده بجدية:
- للأسف مفيش حل غير كده.
ردد فارس بهدوء وهو يشير للغرف:
- طب الأوض أهي، اتفضلوا. هنجيب هدوم حالا ليكم.
دخلت ميان وهو خلفها تشعر بالتوتر الشديد. جذبت ملابس لوالدتها ووالدته ومناشف، وكذلك فعل هو. بعد وقت قصير، كان الجميع بغرفهم عدا فارس الذي كان يحضر الماء. ما إن دخل من باب الغرفة، بحث عنها، لم يجدها. توجه للشرفة ليجدها تقف تضع يدها تحت المطر كالأطفال الصغار تلهو بها.
اقترب منها كالمغيب، يضع يده على خصرها والأخرى يمسك بيدها التي تحت المطر. شهقت بفزع، فطمأنها قائلاً بصوت دافئ حنون:
- ده أنا، متخافيش.
ابتعدت عنه سريعاً قائلة بتوتر:
- أنا هدخل أغير هدومي قبل...
شهقت بتفاجؤ عندما جذبها من يدها لتصطدم بصدره محاوطاً إياها من خصرها مردداً بصوت هائم مسحور بجمالها وحبها:
- في جمالك مشوفتش، وأنا إمتى أصلاً قبلك كنت بشوف.
قال ما قال، ثم رفع يده يضعها على وجنتيها يلمس شفتيها برقة. والأخرى تقف مكانها تأخذ أنفاسها بصعوبة. تريد مشتته، مال برأسه حتى يقبلها. وما إن لمست شفتيه خاصتها، جاءت صورة سفيان أمامها، فبدأت تدفعه بعيداً عنها حتى ابتعد مرددة بصوت حاد غاضب:
- متلمسنيش.
رواية بعينك اسير الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شهد الشوري
قال ما قال ثم رفع يده يضعها على وجنتيها يلمس شفتيها برقة.
والأخرى تقف مكانها تأخذ أنفاسها بصعوبة، تريد مشتته.
مال برأسه حتى يقبلها، وما أن لمست شفتيه خاصتها جاءت صورة سفيان أمامها.
فبدأت تدفعه بعيدًا عنها حتى ابتعد مرددة بصوت حاد غاضب:
"متلمسنيش!"
غضبها ونفورها الواضح كان إهانة كبيرة لكرامته ورجولته.
كور قبضة يده بغضب كبير وعيناه تقدح شرار.
بينما هي كانت تقف تضع يدها على شفتيها تسمحها بعنف، صدرها يعلو ويهبط بانفعال.
دخل للداخل وبطريقة دفع طاولة خشبية بأحد الأركان فسقطت محدثة صوتاً مزعجاً.
انتفضت هي على أثره ثم جلست أرضاً تضم قدميها لصدرها وجسدها بأكمله ينتفض.
مرت دقائق قصيرة حتى هدأت واستوعبت الخطأ الفادح التي ارتكبته.
هل سيصدقها إن قالت أنها تذكرت سفيان، لكن بتلك الليلة فقط؟
تلك الليلة التي للآن تسبب لها كابوس مزعج كل ليلة لا ينتهي أبداً.
دخلت للغرفة بنفس اللحظة التي خرج منها فارس من المرحاض، لكنه لم يعطيها نظرة واحدة.
التقط وسادة وغطاء ألقاهم أرضاً بإهمال ثم أولاها ظهره.
حاولت عدة مرات الاقتراب منه والحديث، لكنها لا تملك الجرأة.
هو غاضب ومحق بغضبه، لكن هي أيضاً ليس لها ذنب، ما حدث رغماً عنها.
***
كان عاصم يجلس بالأسفل برفقة هبة قائلاً:
"كارم حكالي اللي عملته فيه قدام الجامعة كلها والفيديو انتشر في كل حتة.
ده حتى قدم استقالته وغار في داهية من الجامعة خالص."
رددت هبة بارتياح:
"الحمد لله، أهو بعد عنها.
والله كل ما كانت بتروح الجامعة كنت بفضل شايلة الهم وقلبي يوجعني عليها من اللي بتحسه كل مرة تشوفه فيها."
ثم تابعت بابتسامة واسعة:
"أنا أصلاً حساها ابتدت تتخطى اللي حصل شوية شوية، بشوف إنها بترجع لطبيعتها."
ثم اختفت ابتسامتها متابعة بحزن:
"بس برجع وأشك وأقول يمكن تكون بتعمل كده عشان تعبي."
ردد عاصم بغموض:
"تؤ، بنتك مبسوطة بجد يا هبة.
كارم بيحكيلي قد إيه كانت طايرة من الفرح لما خدت حقها منه وفوقه كمان بنتك مكنتش بتحب أصلاً."
سألته بدهشة:
"إنت معين كارم مخبر ينقلك كل أخبار بنتك ولا إيه يا عاصم؟"
ضحك بخفوت قائلاً:
"أكيد لأ، بس عشان عارف إنه قريب من بنتك خصوصاً الفترة دي بطمن عليها منه.
بأسأله وهو بيجاوب، صحيح مش بيقول كل حاجة بس اللي عرفته منه كفاية عشان أطمن وأعرف إيه اللي هيجد بعد كده."
بينما بالأعلى كانت همس تجلس على الفراش تقضم أظافر يدها بخجل شديد وغضب كلما تذكرت ما فعل كارم الوقح.
كيف يقبلها؟ تذكرت كيف دفعته وكادت أن تصفعه، لكنه تمسك بيدها.
***
في صباح اليوم التالي
كانت همس تجلس بالمنزل وحدها بعدما ذهب والدها للعمل وذهبت والدتها لتبتاع بعض الأغراض من السوبر ماركت.
تعالى رنين جرس المنزل.
ذهبت لتفتح الباب لتتفاجأ أمامها بآخر شخص تتوقع رؤيته.
رددت بصدمة ممزوجة بحدة:
"انتي!"
أومأت لها قائلة بصوت مختنق من الدموع:
"ممكن أدخل، محتاجة أتكلم معاكي ضروري."
رددت همس بحدة واحتقار:
"مفيش بيني وبينك أي كلام ممكن يتقال."
رددت بسمة بانكسار:
"أنا ما آذيتكيش في حاجة، ليه بتعامليني كده؟"
رددت همس بتهكم:
"بجد والله ما آذيتكش في حاجة، إنتي زيك زيه، كنتي عارفة إنه هيوقف الجواز وهيقول فيا كده في موقف زي ده وفضلتِ ساكتة.
ممنعتيش ليه اللي هيحصل؟ مقولتيش لأ ليه واعترضتي؟ بس الموضوع كان جاي على هواكِ."
رددت بسمة بانكسار:
"يزن بيحبك على فكرة."
ردت عليها بشراسة ونفور:
"حبك برص إنتي وهو، اومال لو بيكرهني كان عمل فيا إيه."
بسمة ببكاء شديد وانكسار:
"اسمعيني للآخر لو سمحتي."
رددت همس بغضب:
"أنا لا عايزة أسمعك ولا أسمعه ولا أسمع حاجة عنكم من أصله.
وتاني مرة متفكريش تطلعي في طريقي وإلا هندمك على اللحظة اللي فكرتي فيها كده، إنتي فاهمة؟"
قالت الأخيرة بصراخ حاد بنفس اللحظة كان يأتي صوت والدها من الخلف برفقة كارم وعلامات التعجب مرتسمة على وجوههما:
"إيه اللي بيحصل هنا!"
ما أن دخل للمنزل برفقة كارم بعدما أفسحت لهما بسمة الطريق، ردد بحدة:
"مش إنتي اللي كنتِ معاه!"
أومأت همس برأسها قائلة بغضب وتهكم:
"هي يا بابا، وبكل بجاحة جاية لحد هنا عايزة تتكلم معايا وبتقولي بيحبك إنتي."
ضرب عاصم الباب بيده بغضب قائلاً بصرامة:
"كارم خد همس وادخل دلوقتي وسيبني معاها."
فعل كارم ما طلب منه، بينما عاصم ردد بتحذير لبسمة التي ترتجف من الخوف:
"اسمعي الكلمتين دول كويس واحفظيهم عشان توصليهم ليه كمان يحفظهم.
قسماً بربي لو لمحت ضلك إنتي أو هو جنب بنتي ما هرحم حد فيكم.
بنتي خط أحمر واللي حصل ليها مش هيعدي بالساهل أبداً، وقوليله يستنى مني قريب درس لو كان أبوه عمله زمان فيه كان زمانه طلع راجل بدل ما طالع عيل لا بيصون كلمة ولا عهد."
ثم تابع بصراخ وغضب:
"دلوقتي بقى غوري من وشي وآخر مرة ألمحك فيها."
غادرت بسمة على الفور بخوف.
بينما بالداخل كان همس تحرك قدمها بغضب وكارم يقف بجانبها.
أراد أن يمازحها قليلاً ليخفف من غضبها، لكن دخل عاصم بتلك اللحظة قائلاً بصوت حاد لكارم:
"تعالى معايا ع المكتب يا كارم، همس اعملي لينا قهوة وهاتيها."
أومأت له ولحق به كارم الذي انتظر ليدخل عاصم المكتب.
فجذب همس من معصمها مردداً بمشاكسة:
"اعملي القهوة حلوة زيك ومظبوطة بدل ما المرة دي هنشن في النص مش فوق."
قال الأخيرة بوقاحة وهو ينظر لشفتيها.
جزت على أسنانها بغضب ثم دعست قدمه بقدمها بقوة قائلة بوقاحة مماثلة وكلمات ذات مغزى:
"طب أعملها كده وأنا أخليك تتحسر على مستقبلك."
رفع حاجبه لأعلى من مغزى كلماتها الوقح، فجذبها من يدها يقربها منه قائلاً بمكر:
"ما هو مستقبلك إنتي كمان يا روحي، أصل الصراحة أنا مش ناوي أسيبك."
ثم رفع ذقنها مرة واحدة قائلاً بتصميم وعشق:
"وراكي وراكي لحد ما أخلي ده يبقى بتاعي."
قالها وهو يضع يده على موضع قلبها.
توترت من نظراته، وقبل أن تبدي رد فعل كان صوت عاصم الحاد يأتي من الداخل:
"كارم إنت نمت عندك ولا إيه!"
دفعته بعيداً عنها وركضت للمطبخ تضع يدها على قلبها الذي تعالت دقاته بصخب.
تنهدت ثم بدأت تصنع القهوة.
سرعان ما طرأ على عقلها فكرة خبيثة بدأت بالبحث عن أحد العلب.
ما أن وجدتها ابتسمت بمكر وأخذت تصفق بيدها بحماس.
***
دخلت بالقهوة لهما بالمكتب.
أخذها منها كارم وهي يبتسم بطرف شفتيه مشاكساً إياها بنظراته.
ابتسمت بتشفي عندما ارتشف من فنجانه ليتحول وجهه للون الأحمر مبتلعاً ما بفمه بصعوبة.
"المجنونة قد وضعت بفنجانه على الأغلب ملح بدلاً من السكر."
تناقش مع عاصم ببعض أمور العمل.
لكنه استوقفه عاصم قبل أن يغادر غرفة مكتبه قائلاً بغموض:
"كارم مش عايز أي غلطة مفهوم!"
ردد كارم بابتسامة تنم عن كل شر:
"هيحصل زي ما أنت عايز يا سيادة اللوا!"
أومأ له عاصم وسمح له بالذهاب.
بحث يميناً ويساراً عن همس ليجدها تقف بأحد الزوايا تخرج له لسانها بتشفي.
ركض بخفة نحوها يجذبها لأسفل الدرج حيث تلك المنطقة المعزولة عن نظر الجميع.
مردداً بتوعد:
"إنتي قد اللي عملتيه ده."
ردت عليه بتحدي:
"لو مكنتش قده مكنتش عملته وهعمل أكتر لو فكرت تاني تقرب مني وتلمسني زي ما عملت المرة اللي فاتت يا قليل الأدب."
قبض بيده على خصرها مقرباً إياها منه مردداً وهو ينظر لداخل عينيها بثقة:
"أنا كمان قد اللي عملته ولو مكنتش قده مكنتش عملته يا همس."
ثم تابع بمكر وهو يضع يده أسفل ذقنها لتنظر له:
"لو عاوزاني أبعد ساعتها ليه سبتيني أقرب من الأول."
توترت من نظراته وما قال، فردد بهمس بجانب أذنها بينما يمسك بيدها يضعها على قلبها:
"افتحي ده ليا وبطلي تشوفيني على إني زي أخوكي، ساعتها متأكد إنك هتحبيني يا همس زي ما بحبك!"
تاهت بين كلماته ونظراته المليئة بالحب، ليتوه هو الآخر مردداً بتنهيدة عشق وهو يدنو منها مقبلاً عينيها برقة:
"تاهت عيوني في بحر عيونك واختار قلبي إن يغوص بها فيغرق."
***
ودع الاثنان الجميع بابتسامة متكلفة لم تصل لعيناهما.
وما أن غادرا اقتربت منه قائلة بحرج:
"فارس ممكن نتكلم مع بعض شوية."
لم يرد عليها ودخل لغرفته.
فلحقت به قائلة:
"فارس أنا بكلمك، طريقتك دي م..."
كور قبضة يده ثم التفت لها قائلاً بغضب كبير ونيران تكاد تخرج من عيناه:
"أشتري نفسك وخلّيكي بعيدة عني لحد ما أهدى وإلا كلامي هيضايقك ويوجعك بجد!"
قال ما قال ثم غادر المنزل صافعاً الباب خلفه بغضب كبير.
ليجد قدمه تأخذه لابن عمه وصديقه الوحيد.
ليسأله الآخر بقلق بعدما جلس معه وطال صمته:
"مالك فيك إيه!"
لم يجيب الآخر وكان يحرك قدميه بغضب كبير.
فسأله كارم بقلق:
"يا بني قولي مالك حصل إيه وليه نزلت وسيبت ميان لوحدها؟ مش المفروض إنك في شهر عسل؟"
زفر فارس بضيق ثم وضع رأسه بين يديه.
ليسأله كارم بتوجس:
"فارس حصل إيه بجد أنا بدأت أقلق أوي."
قص عليه ما حدث والغضب يتصاعد بداخله أكثر.
ليأتيه رد كارم الصادم:
"اللي حصل طبيعي جداً."
صرخ عليه بحدة:
"كارم متعصبنيش!"
تنهد كارم قائلاً:
"إنت متعصب ليه دلوقتي؟ إنت اتجوزتها وإنت عارف إنها مش بتحبك وخارجة من تجربة زي الزفت، متوقع منها العكس ليه ومستني منها تتقبل قربك؟"
رد عليه بغضب:
"طلبي للجواز منها في الأول، كان غرضي منه إنها تكون زوجة مش أتجوزها وتقعد في أوضة لوحدها."
رد عليه كارم بصرامة:
"طالما من أول يوم قبلت وسكت يبقى تسكت على طول لحد ما هي اللي تكون مستعدة."
ثم تابع بمكر:
"بعدين بقولك إيه، إنت كل مضايقك ومخليك تخبط في الكلام إنك فاكر إنها رفضت تلمسها عشان لسه بتحب سفيان."
صرخ عليه بغضب وغيرة كبيرة:
"متنطقش سيرته قدامي يا كارم، متعصبنيش أكتر!"
تنهد كارم قائلاً:
"على فكرة هي بعدت عنك بسببه."
"آه كارم!"
رد عليه كارم بتهدئة:
"اسمعني للآخر، إنت ليه خدت رفضها ليك عشان لسه بتحبه ومخدتهاش عشان اللي عمله فيها؟ جاتلك المستشفى ومتبهدلة على الآخر ومتعرضة لاغتصاب منه، أكيد تجربة زي دي تخليها تخاف من أي جنس راجل يقرب منها."
كور فارس قبضة يده بغضب وغل من سفيان.
فتابع كارم بعتاب:
"فارس إنت غلطت من الأول لما اتجوزتها وإنت عارف من جواك إنها غرضها تنتقم منه وترد كرامتها."
ثم تابع بتوضيح:
"بس على فكرة هي كمان غلطت، جوازكم إنتوا الاتنين كانت غلط من الأول في الوقت ده وفي الظروف دي."
صمت فارس للحظات ثم تنهد بحزن قائلاً بألم:
"أنا بحبها أوي يا كارم!"
ثم تابع بحزن كبير:
"والله ما عارف ليه وامتى، كل اللي أعرفه إن بنجذب ليها يوم بعد التاني ومن غير ما أحس لقيت نفسي بحبها."
عبث بيده بخصلات شعره مردداً باعتراف يخرج منه لأول مرة:
"أنا اتجوزتها في الظروف دي عشان خوفت تحن وترجعله تاني، ساعتها أنا هعمل إيه، نار بتقيد في قلبي لمجرد بس ما أتخيل إنها مش عايزاني أقرب منها لأنها لسه بتحبه."
ثم تابع بسخرية مريرة:
"إنت أكتر واحد عارف إني مكنتش حابب أتجوز إنجي زمان لأني كنت رافض الجواز اللي زي كده، كنت عايز أتجوز اللي بحبها ويوم ما ألاقيها وأحبها ليه أتوجع كده."
تنهد متابعاً بحيرة وكارم ينظر له حزيناً.
هو أكثر من يعلم كيف يكون مؤلم أن تحب من لا تريدك.
"بقيت بقرب منها وبقينا بنقعد كتير مع بعض ونتكلم عكس الأول وضمنت إنها بقت بتاعتي وعلى اسمي بس بردو على الرغم إنها قريبة بحس إنها بعيدة عني."
أو ينظر له قائلاً بألم كبير:
"أبوها قبل الفرح بيوم حكالي كل اللي حصل معاها واللي سمعته منه يخليني أعرف إن مهما عملت عمري ما أوصل لنص الحب اللي في قلبها لسفيان، ده حتى في نومها بتنطق اسمه."
هرب كارم على قدمه بمواساة.
فتابع الآخر بحزن:
"حاسس إني في دوامة، بحبها بس مش عارف أبدأ بأيه وأعمل إيه، عايزها ليا يا كارم، قلبها وعقلها يبقوا ليا مش ليه. صعب أتحمل إن مراتي واللي بحبها تبقى معايا وتفكيرها في غيري."
كاد أن يرد كارم لكنه سبقه قائلاً بوجع:
"متقوليش إنت اللي قبلت، آه أنا قبلت بس كنت أعمل إيه لو رجعت ليه والله ما كنت هتحملها يا كارم."
ردد كارم بحزن:
"جوازك منها مش ضمان إنها بقت ليك، ممكن في أي لحظة تقولك طلقني عشان ترجعله، ساعتها هتعمل إيه يا بن عمي!"
صمت فارس للحظات ثم تنهد بحزن.
هل سيقبل حقاً تركها بعدما حصل عليها أخيراً!
***
بعدما غادر جلست تبكي بقوة حزينة على ما فعلت به بدون قصد منها.
جاءها اتصال من لينا فردت عليها ليأتيها صوتها من الجهة الأخرى قائلة بسرعة:
"ميان بسرعة حطي نفسك في أي عربية وتعالي الجامعة.
الدكتور غفلنا النهارده وعمل امتحان مفاجأ عليه أعمال السنة، معاكي ساعة إلا."
أغلقت معها وتجهزت على الفور تحاول الاتصال بفارس لكن هاتفه مغلق.
لذا غادرت مضطرة.
بعد أن انتهى الامتحان جلست معهما فسألتها همس بمرح عندما لاحظت شرودها:
"مالك سرحانة في إيه؟ هو الجواز بيخلي الواحد يسرح كده؟"
رددت لينا بهيام:
"عقبالي يارب."
رددت همس بمرح:
"بكرة تقولي يوم واحد من أيام العزوبية."
طال صمت وشرود ميان فسألتها لينا بقلق:
"مالك يا ميان بجد، فيه حاجة؟"
نفت برأسها قائلة بتهرب:
"مفيش بس بفكر إزاي هلم اللي فاتني ده كله."
رددت همس بهدوء:
"هتلحقي متخافيش، كل يوم نقعد مع بعض نذاكر ونحاول نلم وننجز شوية في المنهج وربنا يستر."
أومأت لهما ثم ذهبت تجلب لها قهوة.
وبعد قليل رددت لينا بصدمة لهمس:
"يا نهار أسود!"
رددت همس بضيق:
"بتسودي النهار ليه يا بومة!"
لكزتها بذراعها قائلة بخوف:
"بصي مين هناك."
رددت همس على الفور بصدمة:
"يا نهار أسود، سفيان!"
اقترب منهما فرددت همس على الفور بغضب:
"إنت جاي ليه هنا وعايز إيه تاني؟ مش كنا خلصنا منك خلاص."
زفر بضيق قائلاً بصرامة:
"اتكلمي باحترام وبعدين أنا مش جايلك أنا جاي عشان لينا."
ثم التفت للينا قائلاً بهدوء:
"ممكن نتكلم مع بعض شوية لوحدنا في الكافيه هنا."
اقتربت ميان منهما وهي تضع حقيبتها على ظهرها ولم تلاحظ وجود سفيان:
"أنا لازم أمشي دلوقتي هك..."
صمتت عندما رأته أمامها.
ردد باشتياق وأعين لامعة:
"ميان أخبارك إيه."
قبل أن تبدي ردة فعل جاء صوت فارس الحاد من خلفها قائلاً:
"ميان!"
انتفضت مكانها كذلك لينا وهمس.
اقترب منهما قائلاً بهدوء يسبق العاصفة:
"خلصتي محاضراتك!"
أومأت له فتابع وهو يقبض على يدها:
"يلا خلينا نمشي."
جذبها وغادر وأعين سفيان تتابعهما بألم.
ذهبت لينا مع سفيان غاضبة.
بينما همس جلست مكانها غاضبة منه تود أن تذهب إليه وتدق عنقه من شدة غضبها.
فيبدو أن ميان ستدخل بشجار كبير مع فارس بسبب أنها رأها تقف معه.
***
ما أن دخلا من باب المنزل رددت بتوضيح:
"فارس مش زي ما إنت شوفت هو..."
رد عليها بغضب كبير:
"محسساني زي ما أكون أعمى وغبي ومش بفهم، هتتبرري بأيه وقوفك معاه النهارده."
نفت برأسها قائلة:
"مش زي ما إنت شوفت صدقني هو كان..."
قاطعها قائلاً بغضب وغيرة تتحكمان به:
"المرة اللي فاتت قولتي نفس الكلام مش زي ما إنت فاهم، بتتعاملي معايا على إني غبي، وفوق كل ده خرجتي من غير ما تعرفيني لولا إن همس كلمت كارم جنبي وعرفِت إنك معاهم في الجامعة."
قبض بيده على كتفها قائلاً بوجع:
"بعد كل اللي عمله وشوفتيه منه لسه بتحبيه؟ طب ليه وعشان إيه عقلك مش بيفكرك كل مرة قلبك يحن ليه باللي عمله فيكِ."
ردت عليه بغضب ودون قصد ودموع وهي تدفع يده بعيداً عنها:
"لو كان عقلي مش بيفكرني مكنتش اتجوزتك!"
كم ألمت كلماتها قلبه.
رد عليها بغضب وتهكم:
"ده على أساس عيشتنا دي تتسمى جواز، إنتي شايفة إن كل واحد يقعد في أوضة وتفضلي حابسة نفسك ليل نهار فيها جواز."
غضب تملك منها وهي تراه لا يستمع لها.
فرددت بغضب وهي تقوم بحل أزرار قميصها:
"إنت اتجوزتني عشان كده، يعني هو ده اللي إنت عاوزه حقك."
قبض على معصمها مردداً بقسوة من إهانتها له:
"لو على حقي فيكي أقدر آخده ومش بمزاجك لأنك مراتي، بس أنا امبارح خدت عهد على نفسي ما أقرب منك تاني."
ثم تابع بسخرية مريرة وهو يشير إلى جسدها:
"مش هو ده اللي عاوزاه، يكون هو الوحيد اللي لمسك مش غيره، بتخافي على نفسك ليه."
دفعها بعيداً عنه وهو ينظر لها بأعين تكاد تصرخ من الألم الظاهر بوضوح بها.
فرددت هي بدموع وحزن:
"فكرتك غير يا فارس، مفرقتش عنه حاجة!"
قالت ما قالت ثم دخلت لغرفتها تغلق الباب خلفها من الداخل بالمفتاح.
وفعل هو المثل يحطم كل ما تطوله يده من شدة الغضب والإهانة التي تعرض لها.
***
"خير!"
قالتها لينا بضيق لسفيان بعدما جلست برفقته بالمقهى الجامعي.
تنهد بعمق قائلاً بهدوء:
"لينا أنا مش هزوق الكلام، إنتي مش طيقاني ولكي حق الصراحة.
إذا كنت أنا مش طايق نفسي ولا قادر أسامحها على اللي عملته."
ابتلع غصة مريرة بحلقه متابعاً بحزن:
"أنا كل اللي عاوز أقوله إن فيه دلوقتي بيني وبين كرهك ليا بسبب اللي حصل في صحبتك بسببي عمار.
عمار اللي بتضايق كل ما يشوف إزاي إنتي مش متقبلة حد من عيلته لأنه من صغره بيحب لمة العيلة.
كرهك لينا معناه إنك بتحطيه بين نارين يا إحنا يا إنتي وأنا مش عايز أخليه يكون في الحيرة دي، عايزه يكون مبسوط."
أزاحت بوجها بعيداً ليتابع هو بحزن:
"كل اللي طالبه منك تحاولي تتقبلي وجودي أنا وفريدة في حياتك عشان خاطر عمار اللي متأكد إن سعادته تهمك.
وتاني حاجة تسامحيني على الكلام اللي قولته ليكي قبل كده، ساعات الإنسان بيكون في غفلة بيعمل كتير أوي حاجات بيكون مغيب فيها ويجي قلم جامد يفوقه زي ما حصل معايا كده."
رددت بضيق:
"مش عمار بس اللي بيني وبينك إنت وفريدة، لأ فيه ميان أختي اللي كل ما هشوفك قدامي هفتكر الوجع اللي عاشته بسببك والبهدلة اللي اتعرضت ليها من تحت راسك وخسارتها لحاجات كتير."
تنهد بحزن قائلاً بألم:
"مهما كانت خسارتها متأكد إن خسارتي أكبر بكتير، كفاية إني خسرت احترام الكل وحبهم وخسرت نفسي والأهم من ده كله خسارتي ليها اللي هعيش بيها طول عمري.
كفاية الندم اللي هيفضل ينهش في قلبي طول العمر."
صمتت ولم تجيب ليردد هو بصوت مختنق بالدموع التي تلمع بعينيه تهدد بالنزول بأي لحظة:
"كل اللي طالبه منك تحاولي وأوعدك لا أنا ولا فريدة هنضايقك وعلى قد ما هنقدر هنقلل فرص احتكاكنا بيكي عشان تكوني مرتاحة."
أومأت له بصمت فتابع بابتسامة صغيرة:
"يمكن متتقبليش مني الكلام ده بس طول عمري نفسي أجوز عمار ويكون ليا أخت كمان بدل أخ، أنا موجود في أي وقت لو احتاجتي مني أي حاجة مش هتردد ثانية إني أساعدك.
و تاني مرة بعتذر منك على اللي قولته في حقك قبل كده."
أومأت له بصمت.
وقبل أن يقوم سألها سؤال لم يكن ليستطيع كتمانه وصوت مختنق:
"هي ميان مبسوطة مع فارس؟"
أومأت له قائلة بقوة لتثبت له صدق حديثها حتى يبتعد عنه ويظن أن هناك أمل في العودة لها:
"مبسوطة أوي وهو كمان مبسوط، ربنا عوضها أخيراً باللي يستحقها وتستحقها."
أومأ لها والألم يرتسم بوضوح على ملامح وجهه.
استأذن منها وغادر المكان.
بقيت هي تحدق في أثره بشفقة.
كم من المؤلم أن يعيش الإنسان بشعور الندم طوال عمره.
تشفق عليه وتقول إنه يستحق بالوقت ذاته.
فقد وهب الله عقلاً لكل إنسان ليميز الصواب من الخطأ، لكنه اختار أن يكون بلا عقل وسمح لهم بالتلاعب به.
***
كان يجلس خلف مكتبه ينظر للفراغ بشرود.
كم تمنى أن يكون ابناً لطفل منها وما أن يحدث هذا الشيء تنقلب حياتهما رأساً على عقب.
بتساؤل كيف تشك به هو بالأخص؟ هو أكبر من هذا بكثير.
أحبها طوال حياته، غفر لها خطئها بحقه قديماً.
إن كان أحداً مشكوكاً بحبه فهو هي.
ماذا قدمت له بالأساس؟ دائماً ما يأخذ منها الشك والألم فقط.
تنهد واضعاً رأسه بين يديه بحزن.
أخرجه من دوامة تفكيره طرق على باب مكتبه.
وما أن سمح للطارق بالدخول ظهر سكرتيرته الجديدة قائلة بجدية:
"مستر قصي في واحدة برا طالبة تشوف حضرتك."
سألها بضيق دون النظر إليها:
"اسمها إيه!"
"مقلتش بس بتقول إن حضرتك تعرفها."
زفر بضيق قائلاً:
"دخليها."
خرجت ولحظات كانت الأخرى تدخل المكتب في كامل أناقتها وتعمدت ارتداء ملابس تشبه ما ترتديها سيلين.
قائلة بصوت رقيق وهي تجلس أمام مكتبه:
"أخبارك إيه يا قصي."
رفع رأسه بصدمة من وجودها، سرعان ما تحول لامتعاض قائلاً بحدة وهو يتوقف من على مقعده:
"جاية ليه تصطادي في المية العكرة وتقولي زعلانة والشغل بتاعك ده كله عارفه وحافظه."
التفتت له فأصبحت تقف أمامه مرددة بصراحة:
"لأ مش جايه أقول كده يا قصي، مش هقولك زعلانة عشان مفيش حد في الدنيا فرحان قدي إنها بعدت عنك أخيراً."
اقتربت منه أكثر قائلة بدموع وألم:
"ليه هي يا قصي؟ خدت منها إيه عشان تحبها كده؟ وأنا قدامك على طول بعشقك وبعشق التراب اللي بتمشي عليه وكل اللي هتطلبه مني هعمله، إنما هي حبيتها ليه وكل اللي خدته منها وجع."
جلس بمكانه بوجع.
أليس هذا كا كان يواجه به نفسه قبل أن تأتي إليه؟
هو دوماً من يعطي بتلك العلاقة، ماذا عنها هي؟
لما دوماً الإنسان لا يحب إلا من يجلب له الألم والحزن، في حين أن هناك من يتمنى منك نظرة فقط.
اقتربت منه تحاوط وجهه بين يديها مستغلة حالة التيه المسيطرة عليه قائلة بتوسل:
"حبني ربع الحب اللي بتحبه ليها بس يا قصي وأنا أعيش خدامة ليك طول عمري.
أنا في حياتي كلها ما حبيت قدك ولا عايزة أحب غيرك، أنا من يوم ما وعيت ع الدنيا قلبي ملك ليك إنت وبس ورهن إشارة منك."
نظر إليها بتوهان وعقل مشتت.
لتتجسد أمامه صورة سيلين بدلاً منها.
ليجد نفسه يدفعها للحائط خلفها يقبلها بقوة، قبلة قوية ينتقم بها منها على الألم الذي تسببه إليه دوماً.
مرت دقائق قليلة جداً.
وكان سفيان يفتح باب مكتبه شاعراً بالصدمة عندما رأى الحماقة التي يرتكبها ابن عمه.
فردد بحدة وغضب:
"قصي إنت بتعمل إيه!"
ابتعد قصي عنها مصدوماً.
بينما هي كانت في أشد سعادتها عندما فعل ذلك وظن عقلها الأحمق أنها استطاعت التأثير عليه.
جذبها سفيان بقسوة يليقها خارج المكتب ثم دخل مغلقاً الباب خلفه ينظر لابن عمه مصدوماً.
سأله سفيان بصدمة:
"ليه عملت كده يا قصي، ليه!"
تنهد قائلاً ببرود وكبرياء:
"مش أنا خاين، خليني بقى أوريها الخيانة على حق."
جذبه سفيان من مقدمة ثيابه قائلاً بغضب:
"تثبت إيه وزفت إيه بدل ما تفكر في ابنك، ابنك اللي لازم يجي ع الدنيا يلاقي أبوه وأمه مع بعض."
صرخ عليه قصي بغضب:
"ارجعلها عشان ابني، طب واللي عملته فيا."
رد عليه سفيان بغضب مماثل:
"ترجعلها عشان بتحبها وبتحبك، ترجعلها عشان ابنك، ترجعلها عشان إنت غلط زي ما هي غلطت."
صرخ عليه قصي بغضب كبير:
"أنا مغلطتش معاها في حاجة بالعكس دايماً هي اللي بتغلط وأنا بتحمل غلطها، دايماً أنا اللي بدي في العلاقة دي، سيلين دايماً معيشاني معاها في قلق مش واثق فيها."
تنهد سفيان قائلاً بهدوء:
"اللي حصل لسيلين من راغب زمان وطلاقها وكلام الناس اللي كانت بتسمعه واللي عملته فيك زمان طبيعي تفقد الثقة في نفسها وإنك متستاهلهاش عشان كده طبيعي إنك تكون متوقع ده يحصل منها، المفروض كان دورك تطمنها مش تقولها الكلام ده."
كاد أن يتحدث قصي فتابع سفيان سريعاً:
"هي كمان غلطانة يا سيدي، اتسرعت في حكمها وما استنتش تسمع منك ونسيت كل اللي عملته وغلطت في الكلام اللي قالته ليك."
تنهد قائلاً بهدوء:
"غلط وهي غلطت، روح ليها واتفاهموا وحلوا مشاكلكم سوا، اسمع منها يا قصي وفكر في ابنك."
ردد بصوت مختنق:
"متعملش زي يا بن عمي."
ضرب قصي المقعد بقدمه قائلاً بغضب وصرامة:
"مش مبرر، مش قادر أقتنع باللي بتقوله، ولو اقتنعت مش هقدر أسامحها على الكلام اللي قالته، سامحت أول مرة بصعوبة لكن دلوقتي مش قادر ولا حتى عشان خاطر ابني، المرة دي هشتري كرامتي يا سفيان مش عايزها!"
***
مرت ثلاثة أيام وكلاهما يتجاهل الآخر.
هو يعود ثم يدخل لغرفته على الفور ولا يخرج منها سوى للضرورة وهي نفس الشيء.
يوصلها صباحاً لجامعتها بصمت ويعود يوصلها ثم يعود لعمله.
هاتفتها لينا مساء اليوم.
وما أن علمت أن الخصام بينهما مازال مستمر نصحتها برفق:
"ميان حبيبتي كده مينفعش، المشكلة مش هتتحل بالتجاهل، روحي اتكلمي معاه وقوليله إيه اللي ضايقك منه وإن مكنش قصدك، الموضوع خد أكبر من حجمه، كان يوم ما أسود يوم ما فكر يجيلي الجامعة يتكلم معايا، كان جاي عايز يصلح العلاقة معايا عشان أخوه فبوظ علاقتك مع فارس."
تنهدت ميان بحزن ما أن أغلقت معها الهاتف.
وبعد نصف ساعة من التفكير حسمت أمرها، يجب أن تتحدث معه.
لينا محقة بالأخير، هي مدينة له باعتذار عن ما حدث ذلك اليوم.
بخطوات مترددة كانت تذهب لغرفته تطرق باب الغرفة.
وما أن سمح لها بالدخول دخلت لتجده يجلس على الفراش يقوم بالعمل على حاسوبه.
اقتربت منه قائلة بتوتر وهي تراه يعتدل ويبعد الحاسوب بعيداً لكنه لا ينظر إليها:
"عايزة أتكلم معاك ممكن."
أومأ لها بصمت فجلست بجانبه على الفراش تأخذ نفساً عميقاً قبل أن تقول بجدية:
"كلامي ليك على فكرة كان من غضبي منك، بس مكنش قصدي أقوله."
التفت إليها قائلاً بتهكم:
"المفروض مين اللي يغضب من مين، أنا عايز أفهم!"
رددت بخزي من نفسها:
"أنا عملت حاجات غلطت عارفة بس كان ليا حق أتضايق لما أقولك اسمعني ومتسمعنيش."
تنهدت بحزن ثم رددت:
"كنت متضايقة عشان افتكرته، إزاي كنت بحكي ليه بس مكنش بيصدقني وأحياناً مكنش بيسمع مني، اتضايقت لما إنت عملت زيه وفضلت تلوم في."
ردد بضيق من نفسه:
"أنا عارف إني غلطت في الحتة دي، بس غلطي ده مش معناه إنك تقولي..."
قاطعته مرددة بخزى:
"يوم ما كان أهلي وأهلك هنا لما قولتلك متلمسنيش مكنش قصدي أي إهانة ليك."
كور قبضة يده بغضب لا يخمد بداخله بسبب ذلك الموقف المهين له.
لاحظت هي ذلك فمسكت يده بحرج قائلة بحزن وصوت مختنق وأعين تلمع بالدموع:
"اللي حصل إني افتكرت الليلة دي والكلمة كنت بقولها ليه لما افتكرت اللي حصل، غصب عني يا فارس مش قادرة أنسى اللي حصل يومها."
شدد بيده على يدها التي تمسك يده كمواساة.
فتابعت بحزن:
"في اللحظة اللي إنت قربت فيها مننا هو كان لسه مقرب كمان مكلمنيش ولا كلمة ولا أنا كمان كلمته، ومش عايزاه كان جاي لينا يتكلم معاها هي وطلب يقعد معاها يتكلموا سوا، موجهش ليا أي كلمة قبل ما أسيبهم وأمشي لقيتك جا."
ردد بعتاب وقلبه يتألم:
"عشان كده بترددي اسمه وإنتي نايمة!"
نظرت له بتعجب فتابع هو بعد صمت:
"يوم ما نمنا هنا سوا صحيت الصبح على صوتك وإنتي بترددي اسمه في نومك."
نزلت دموعها قائلة بوجع:
"متفسرش الحاجة من غير ما تسألني يا فارس، مش كل حاجة بتكون زي ما بنشوفها ونسمعها، اسمه بردده وأنا نايمة مش حب، دي كوابيس بتطاردني كل ليلة بسبب اللي حصل، أنا مش بحبه ومش هينفع أفكر فيه تاني زي ما كنت الأول عشان مفيش حد بيحب اللي دبحه وعيشه الوجع ده كله، الشعور الوحيد اللي بحس بيه ناحيته هو الكره."
رفع يده ليزيل دموعها لكنه أنزلها سريعاً قبل أن تلمسها متذكراً عهده أنه لن يلمسها بعد الآن إلا حين تطلب هي ذلك.
لكنها تمسكت بيده قبل أن ينزلها قائلة باعتذار:
"متزعلش مني وحقك عليا اللي حصل مني يومها تصرف وحش جداً بس والله كان غصب عني، السبب مش منك إنت."
ثم تابعت بخزى من نفسها:
"كمان لما رديت عليك يوم ما رجعنا من الجامعة كنت متضايقة عشان مسمعتنيش، عارفة إن ده مش مبرر للي قولته وإن مكنش يصح أقول كده، حقك عليا متزعلش مني عارفة إن غلطي كبير."
قاطع حديثها يده التي امتدت تزيل دموعها برفق قائلاً بابتسامة صغيرة:
"خلاص يا ميان أنا مش زعلان."
نظرت له بشك قائلة:
"بجد ولا كلام وخلاص، لو لسه زعلان مني قول و هيكون معاك حق."
ابتسم قائلاً بصدق:
"وحياتك عندي مش زعلان، بس المهم إنتي متكونيش لسه زعلانة مني، حقك عليا وبعد كده وعد هسمعك الأول قبل ما أتكلم، أصلي مش قد كلامك القاسي ده، يخربيت اللي يزعلك يا شيخة."
قال الأخيرة بمرح فضحكت بقوة تمد يدها له قائلة:
"خلاص صافي يا لبن."
صافحها قائلاً بابتسامة جميلة:
"حليب يا قشطة."
نظر لها مطولاً نظرة كانت تحمل الكثير.
رأت فيها حاجته إليها، رأت كيف يكور قبضة يده يمنع نفسه من عناقها.
توقفت قائلة بابتسامة صغيرة:
"هسيبك تخلص شغلك بقى، تصبح على خير."
قالت الأخيرة ثم غادرت وتركته ينظر لأثرها بابتسامة واسعة تزين ثغره وهو يتابع عمله على الحاسوب بذهن مشتت بالتفكير بها.
***
ذهبت لغرفتها هي الأخرى تبتسم بسعادة وكأن جبلاً قد أزيل من فوق قلبها.
لم تكن تعلم أنه يعز عليها حزنه منها.
كان الأمر في غاية البساطة لو تعلم هكذا لكانت حلت الخلاف بيومها.
بدلت ثيابها للنوم ببجامة سوداء حريرية كما تفضل دوماً.
وما أن دخلت لفراشها داهمتها نظراته وقارن عقلها على الفور بينه وبين سفيان.
سرعان ما طردت تلك الأفكار بعيداً وخرجت من فراشها بخطوات مترددة نحو غرفته.
طرقت الباب فسمح لها بالدخول.
أغلقت الباب خلفها بحرج قائلة بخجل:
"هنام هنا النهارده ممكن."
أومأ لها بنعم على الفور وهو لا يصدق ما يسمع.
صعدت بجانبه على الفراش كان الاثنان يجلسان بجانب بعضهما.
سألها بابتسامة واسعة سعيدة:
"بتنامي في النور مطفي ولا والعة!"
رددت بحرج وخجل شديد:
"مش بعرف أنام في النور، لكن لو إنت بتحبه خليه زي ما تحب، براحتك."
رد عليها بابتسامة وهو يغلق الضوء بجانبه:
"أنا كمان بحب أنام في الضلمة."
أومأت له مدد الاثنان جسدهما على الفراش.
مرت دقائق عليهما في صمت وتوتر.
حتى حسمت ميان أمرها، ستفعل ما جاءت لأجله، لن تتراجع.
امسكت ذراعه وهو يراقبها بصدمة وتعجب.
كيف أبعدت ذراعه واندست بين أحضانه تضع رأسها على صدره وتجعل يده تحاوطها مرددة بصوت خفيض خجلة مما فعلت:
"تصبح على خير يا فارس."
سعادة غمرت قلبه من فعلتها وتعالت دقات قلبه ومن المؤكد أنها استمعت لها.
حاوطها بذراعه مردداً بحب وهو يضع قبلة صغيرة على رأسها:
"وإنتي بخير، يا حبيبتي."
قال الأخيرة بداخله بينما هي ابتسمت بخفوت.
كان الغرض من مجيئها هنا اعتذار على ما فعلت وبنفس الوقت تعطيه العناق الذي رأت كم يريده بعينيه.
***
"صباح الخير."
قالتها ميان بابتسامة صغيرة خجولة وهي ترى فارس يقف بالمطبخ يحضر طعام الإفطار.
رد عليها الصباح ثم قال:
"صباح الخير يا سكر، يلا حطي الأكل على السفرة."
أومأت له وبدأت بتحويل الطعام على الطاولة ثم جلست وجاء هو.
فرددت بحرج:
"كنت صحيني أحضره إن."
ردد بابتسامة:
"أنا حضرته وخلاص مفرقتش مين اللي عمل المهم إن إحنا بنفطر دلوقتي!"
أومأت لها فبدأت تتناول طعامها بصمت وهو يتأملها من حين لآخر بابتسامة عاشقة.
ما أن انتهوا توقف قائلاً:
"هشيل الأكل وأعمل حاجة نشربها، تشربي إيه!"
رددت بحرج:
"ارتاح إنت أنا هشيل وأعمل حاجة نشربها."
نفت برأسه رافضاً وفعلت هي المثل.
فردد:
"خلاص هشيل أنا الأكل وأعملي إنتي حاجة نشربها."
أومأت له قائلة:
"تحب تشرب إيه!"
رد عليها وهو يوليها ظهره:
"قهوة مظبوط."
بعد دقيقتان دخل خلفها المطبخ ليجدها تقف على أطراف أصابعها تحاول جذب علبة القهوة من الرف العلوي لكنها لا تصل له.
كان يقف خلفها يبتسم بزاوية شفتيه.
وما يئست من أن تصل له تراجعت للخلف فاصطدمت بظهرها في صدره.
كادت أن تبتعد لكنه تمسك بخصرها وبخفة رفعها لأعلى فالتقطت ما تريد.
أنزلها ببطء وهو يشتم رائحة الياسمين المنبعثة من خصلات شعرها بهيام.
ابتعدت بعيداً عنه بخجل وحرج شديد وبدأت بصنع المشروبات.
بينما هو بقى مكانه للحظات ثم خرج للخارج ينتظرها لتأتي.
مرت دقائق طويلة وكانت قد جاءت وجلست بجانبه على الأريكة تسأله:
"إنت عندكش شغل النهارده!"
رد عليها بابتسامة:
"عندي أكيد بس متأخر شوية ساعة كده وهقوم أجهز."
أومأت له قائلة وتلتقط كوب مسحوق الشوكولاتة الساخن الذي صنعته لنفسها:
"خلاص هنزل في طريقك أروح أشوف ماما وبابا وبعدها هطلع الجامعة عندي محاضرة متأخرة شوية هبقى أروح أنا ولينا مع بعض."
أومأ لها بنعم وهو يرتشف القهوة مردداً بتلذذ:
"تجنن تسلم إيدك."
ابتسمت بخجل وسعادة كأي أنثى تسعد عند سماع المدح من الآخرين.
نظر لساعة يده قائلاً:
"اللي هتساعدنا في البيت هتوصل كمان نص ساعة متخافيش هي موثوق فيها وأنا مجربها قبل كده عرفيها المطلوب منها قبل ما ننزل."
تعالى رنين جرس المنزل.
ذهب ليفتح ليتفاجأ أمامه بخالته وابنتها.
ردد بتعجب:
"خالتي!"
أومأت له قائلة بابتسامة متكلفة:
"آه خالتك يا حبيبي مالك مصدوم كده، لو مش مرحب بيا أنا وبنت خالتك نمشين."
نفى برأسه قائلاً بتهذيب:
"متقوليش كده يا خالتو، البيت بيتك اتفضلوا!"
دخلت خالته للمنزل وخلفها ابنة خالته التي تدعى بسمر.
تعجبت ميان من دخوله خلف تلك السيدتين.
توقفت مكانها تنظر له بتساؤل ولم ترتاح لنظرات الاثنتين المتفحصة لها من أعلى لأسفل.
طلب منهم الجلوس قائلاً بهدوء وهو يحاوط خصر ميان التي جلست بجانبه بعدم فهم:
"أقدم لك يا حبيبتي خالتي شهيرة وابنتها سمر وحضرتها تبقى مراتي وحبيبتي ميان."
ردت شهيرة بعده بمكر وهي تنظر لميان:
"خالتك وحماتك سابقاً يا حبيبتي."
كور فارس قبضة يده بضيق في الخفاء لكنه كان ينظر إليها بنفس الهدوء.
ثم مال على ميان قائلاً بضيق من نظراتهم التي لا ترحمها:
"ادخلي غيري هدومك."
أومأت له بصمت حيث كانت لا تزال ببيجامتها السوداء الحريرية منذ الأمس.
استأذنت منهما ثم غادرت.
وما أن دخلت للغرفة رددت شهيرة بعتاب:
"كده بردو يا فارس تروح تتجوز واحدة غريبة متعرفش أصلها من فصلها ويا عالم يمكن يكون وراها بلاوي وتسيب بنت خالتك مراتك اللي كان أولى ترجع لها!"
ردد بضيق وغضب:
"خالتي البيت ده بيت مراتي وإنتي قاعدة فيه دلوقتي يبقى من الأصول إنك تحترمي صاحبه.
مراتي مفيش في أخلاقها وأنا بندم إني اتعرفت عليها متأخر، يا ريتني شفتها قبل بنتك اللي ربنا كان رحيم بيا إني طلقتها وخلصت نفسي من الهم اللي كنت عايش فيه معاها."
ردت خالته عليه بحدة:
"فارس اتكلم معايا بأدب وخد بالك من كلامك على بنتي مش هسمحلك."
رد عليها بصرامة:
"زي ما إنتي بتدافعي على اللي يخصك ومش قابلة عليه الغلط، أنا كمان زيك يا خالتي ميان مراتي تخصني أنا وهي واحد اللي يزعلها كأنه زعلني وإنتي عرفاني من زمان بندم أي حد بيفكر يزعلني أو يجي على اللي يخصني!"
تدخلت سمر قائلة بضيق:
"خلاص يا فارس مكنتش كام كلمة ماما قالتهم من ضيقها هي كان قصدها إن الأولى ترجع إنجي وتصلح العلاقة معاها، هي أولى من الغريب."
قاطعه قائلاً بصرامة:
"تقصد أو ما تقصدش مش هسمح بأي تلميحات أو غلط في مراتي وأظن كلامي مفهوم كويس."
أومأت له بضيق وغيظ كبير كذلك خالته التي صمتت بكمد.
خرجت ميان من الغرفة ترتدي بنطال جينز وتعلوه كنزة شتوية ذات لون زهري.
نظراً لبرودة الجو هذه الأيام.
تفحصتها سمر وشهيرة بامتعاض.
بادلتهم ميان النظرات بابتسامة مجاملة ولم ترتاح أبداً لكلتاهما.
نظرت لساعة يدها قائلة بصوت خفيض لم يسمعه سواهما فقط وأعين الاثنتين تراقبهما:
"ادخل إنت أجهز على ما أقدم حاجة ليهم."
أومأ له ثم استأذن منهما وغادر.
فسألتهما ميان:
"تحبوا تشربوا إيه!"
رددت شهيرة بامتعاض وهي ترمقها بغيظ وغل:
"شاربين يا حبيبتي."
رددت عليها ميان ببرود:
"زي ما تحبي حضرتك."
رددت سمر بخبث:
"غريبة إن فارس سايبك كده بشعرك أصله بيحب البنت المحجبة ده لبسه لأختي إنجي غصب."
كانت تستمع لها ميان بوجه خالي من التعابير.
فتابعت شهيرة حديث ابنتها بخبث:
"تلاقيهم بس عشان لسه متجوزين قريب، نصيحة مني يا حبيبتي أنا زي مامتك متتعلقيش بفارس أوي أصله بيحب إنجي وناوي يرجع لها."
أومأت سمر قائلة بحزن واهي:
"مظبوط، كل الحكاية إنه بس اتجوزك عشان يغيظها كنوع من العقاب يعني، أصل الاتنين بيحبوا بعض أوي لولا بس الشيطان دخل بينهم بس طبعاً إنتي عارفة إن كل اتنين بيحبوا بعض مسيرهم في الآخر يرجعوا لبعض."
تابعت شهيرة بمكر:
"لو تشوفيهم مع بعض قد إيه حلوين وفيه انسجام بينهم، فارس طول عمره بيحبها وبيرتاح ليها."
ضحكت ميان بسخرية وهي ترفع أحد حاجبيها وتضع قدم فوق الأخرى تراقب الاثنتين.
واحدة تغني والأخرى ترد عليها.
رددت سمر بحزن ومكر:
"إنتي ساكتة ليه أو إوعي تكوني زعلتي يا حبيبتي، إحنا بس قصدنا ننصحك وتزعلي دلوقتي أحسن ما تزعلي بعدين!"
رددت ميان ببرود:
"هزعل من إيه، أنا واثقة في جوزي هو خدني من بيت أهلي وكان قد الكلمة اللي عطاها لأبويا إنه يحافظ عليا، ثم يعني حضرتك سؤال لو هو مرتاح مع بنتك وبيحبها أوي كده مرجعش ليها ليه."
رددت سمر بغيظ:
"ما قولنا عشان يعاقبها بعد ما الشيطان دخل بينهم واضطر يطلقها!"
ضحكت ميان بخفوت قائلة بتهكم وتصنع التفكير:
"بجد وإهو لسه فاكر يعاقبها بعد طلاقهم بكل السنين دي، طب إزاي قلبه استحمل يبعد عنها كل المدة دي طالما بيحبها."
رجعت بظهرها للخلف قائلة بمكر:
"بيتهيألي حضرتك كان لازم تشوفي فكرة أحسن من دي عشان تشككيني في جوزي قبل ما تيجي هن."
رددت سمر بغضب:
"إنتي بتقولي إيه يا بتاعة إنتي، اعرفي إنتي بتقولي إيه ولمين!"
ضحكت ميان قائلة بتهكم:
"والله أنا عارفة أنا بقول إيه ولمين، بس إنتوا اللي شكلكم لسه مش عارفين بتتكلموا مينا."
أشارت لهما ثم تابعت بتهكم:
"بلاش تستخفوا بذكائي، حضرتك بتغني وابنتك بترد عليكي وجايين عشان تخربوا بيتي وتشككوني في جوزي، وأنا بقى موتي وسمي خرابين البيوت!"
جاء فارس بتلك اللحظة قائلاً بتساؤل:
"بتتكلموا في إيه!"
كادت سمر أن تخبره ما قالت زوجته وتشحنه ضدها.
فرددت ميان بمكر:
"مفيش يا حبيبي ده أنا كنت بتحايل عليهم يشربوا حاجة بس قالوا شاربين ولازم يمشوا عشان متأخرين."
جزت سمر على أسنانها بغيظ وكذلك شهيرة التي قالت بابتسامة زائفة:
"فعلاً اتأخرنا ولازم نمشي يا فارس، أنا بس كنت جاية أبارك ليك ولعروستك وأعزمكم على فرح علي ابن خالتك يوم الخميس والدعوة أهي اتفضل فيها العنوان."
ثم تابعت باعتذار:
"زي ما إنت عارف مشغوليات الفرح بتبقى كتيرة، مشغول على الآخر لولا كده كان هيجي معانا النهارده مش هيتأخر عليك."
أومأ لها فارس قائلاً بهدوء:
"مبروك يا خالتي ربنا يتممله على خير."
شكرته بابتسامة متكلفة ثم غادرت برفقة والدتها وكلتاهما تشتعلان من شدة الغيظ.
التفت فارس ينظر لميان مطولاً فخجلت من نظراته.
ضحك بخفوت قائلاً بمشاكسة:
"هو بعد حبيبي اللي قولتيها من شوية دي، يبقى فيه كسوف يا سكر!"
نظرت لساعة يدها قائلة بتهرب:
"على فكرة هنتأخر، هي مش المفروض الست توصل من شوية ولا إيه!!!"
أومأ له برأسه قائلاً:
"المفروض آه بس تلاقي الطريق زحمة."
أومأت له بصمت.
لحظات وتعالى رنين جرس المنزل.
ذهب ليفتح وبعدها دخل إليها وخلفه سيدة تبدو أنها في الأربعينات ذات وجه بشوش تدعى "رضا".
استقبلتها ميان بابتسامة جميلة وبدأت تخبرها الأشياء التي تقوم بها.
بعدها غادرت برفقة فارس الذي يتأملها طوال الطريق بحب.
***
في نهاية اليوم ذهب ليأخذها من الجامعة.
وبطريقهم سألته بتعجب:
"ده مش طريق البيت، إحنا رايحين على فين!"
رد عليها بابتسامة وغزل:
"مش فرح ابن خالتي بعد كام يوم، هنشوف فستان حلو لما تلبسيه يحلو أكتر وبدلة ليا ولو ناقصك أي حاجة نشتريها ونجيب اللي ناقص البيت."
أومأت له بخجل من غزله فابتسم عليها.
بعد وقت كان يمشي بجانبه داخل أحد المولات الكبيرة.
دفعها برفق لداخل أحد المتاجر الخاصة بالفساتين.
توقفت أمام أحد الفساتين ذو اللون الأبيض بدون أكمام ينزل باتساع لأسفل ومرصع بحزام رفيع يتدلي منه نجوم لامعة باللون الذهبي لا يشوبه شائبة.
لكن عيبه الوحيد أنه ظهره من الخلف بأكمله مكشوف وعبارة عن عدة خيوط رفيعة معقودة على هيئة أنشوطة.
وقف بجانبها فرددت بأعجاب:
"حلو أوي ولونه كمان جميل."
ابتسم قائلاً بمشاكسة:
"هو من ناحية حلو فهو حلو بس لو هتلبسيه ليا لوحدي إنما لو عايزة تمشي بيه كده فهو ممكن بس في حالة واحدة بس."
نظرت له بتساؤل فردد بسخرية:
"في حالة لو ماشية مع سوسن يا روحي."
ضحكت بخفوت قائلة:
"مش هقبل أمشي بيه أصلاً بس شكله عجبني أوي."
أومأ له بصمت فبدأت تشاهد غيره حتى وقعت عيناها على فستان آخر ذو لون أسود.
كادت أن تقترب منه فسبقها فارس قائلاً بسخرية:
"كفاية أسود من ساعة ما شوفتك دايماً لابسة فساتين سودا ما عدا يوم فرحنا الحمد لله قدر ولطف كنتي لابسة أبيض."
ضحكت بخفوت قائلة:
"بحب اللون الأسود في الفساتين وبعدين أول أشوف رجالة مش بتحب اللون الأسود."
ضحك قائلاً بفخر:
"إحنا نختلف عن الآخرون يا حبيبتي عندك أنا مثلاً بحب اللون الأبيض هو بحب الأسود آه بس الأبيض في القمة عندي."
رددت بخجل دون النظر له وهي تتفحص أحد الفساتين المعلقة:
"الأبيض حلو وبيليق عليك أصلاً."
ابتسم بتوسع وتابع الاثنان البحث عن فستان لها ليستقروا بالأخير على فستان ذو لون زهري فاتح فاتح طويل وبحمالات عريضة مزينة بورود جميلة.
كان بسيطاً ورقيقاً جداً.
عندما جاء ليحاسب تفاجأت بالعاملة تضع الفستان الذي أعجبها.
قطبت جبينها قائلة:
"إحنا اخترنا الفستان ده بس مش..."
قاطعها قائلاً بابتسامة:
"أنا قولتلها تجيبه مع ده."
صمتت لحين خرجوا من المتجر فسألته بتعجب:
"أنا مش هلبسه أصلاً يا فارس، ليه اشتريته!"
ردد بابتسامة حب:
"كفاية إنه عجبك."
صمتت بخجل ومشيت بجانبه بصمت.
ليأتي الدور عليه كان ينتقي بدلة خاصة به.
وبالرغم إنه كان يريد اختيار قميصاً ذو لون أزرق داكن عدل عن اختياره وأختار ذو لون أبيض.
انتقى بعدها عدة ملابس له وكذلك فعلت هي.
وبعدها ذهب الاثنان للسوبر ماركت ينتقوا بعض الأغراض الناقصة للمنزل.
جلس بجانبها بأحد المطاعم يتناولون الطعام فسألته بفضول:
"هي طليقتك يا فارس كانت محجبة."
أومأ لها قائلاً بتعجب:
"آه بتسألي ليه!"
حركت كتفيها قائلة بنبرة عادية:
"فضول مش أكتر."
ثم تابعت بتساؤل:
"طب إنت اللي أجبرتها تتحجب لأنك بتحب مراتك تكون محجبة!"
تنهد قائلاً بهدوء:
"أكيد لأ، إنجي محجبة أصلاً من قبل ما نتجوز والدها الله يرحمه متشدد شوية في الأمور دي لدرجة إنه خلالها تتحجب وهي في ابتدائي رغم إننا حاولنا معاه كتير بس مفيش فايدة."
سألته بتوجس:
"يعني إنت مفرضتش عليها الحجاب."
تنهد قائلاً بابتسامة ليطمئنها:
"ميان في أمور مينفعش فيها الإجبار، هو آه أنا حابب جداً إن مراتي تكون محجبة، بس الحجاب لازم يكون عن اقتناع من جوه البنت مش حد يفرضه عليها.
يعني مثلاً أنا كنت في الجامعة بشوف بنات تلبس الطرحة وهي مروحة وطول اليوم بشعرها ولا كأنها في حنة بنت خالتها ده ليه بقى عشان هي انجبرت عليه فبالتالي مش مقتنعة بيها."
أومأت له بابتسامة صغيرة وقد تأكدت من نوايا تلك المرأة أنها تكذب.
فقد استمعت لحديثها مع فارس في الخفاء وكيف تحدثت عنها وتلومه لأنه فضلها على ابنتها ولم يعد إليها.
بعد وقت كان الاثنان يدخلون من باب المنزل.
أخذت منه الحقائب الخاصة بها ودخلت لغرفتها قائلة له بابتسامة جميلة أسرت قلبه:
"اليوم كان جميل أوي يا فارس انبسطت جداً، تصبح على خير."
كم أراد أن يخبرها أنه جميل لأنها كانت جزءاً منه لكنه اكتفى بتمني ليلة سعيدة لها ثم دخل لغرفته يرتمي بجسده على الفراش يحتضن الوسادة التي تحمل رائحتها الجميلة.
كم تمنى أيضاً أن تأتي اليوم أيضاً تشاركه ذلك الفراش البارد وتضع رأسها على صدره تستمع لدقات قلبه الذي تملك نبضاته.
***
جاء يوم الزفاف في المساء.
خرج من غرفته وهو يرتدي ساعة يده ليتجمد جسده بأكمله عندما رأها تخرج من غرفتها بطلتها التي تسلب الأنفاس من رقتها وجمالها وخصلات شعرها التي صففت بعناية وتنساب بنعومة خلف ظهرها وزينته بسلسال ماسي رفيع ولمحة خفيفة من مستحضرات التجميل.
عندما طال صمته وتحديقه بها سألته بتوتر:
"شكلي مش حلو ولا إيه!"
ابتلع ريقه بصعوبة مردداً بهيام وهو يقترب منها حتى أصبح يقف أمامها:
"ما قولتهالك قبل كده، في جمالك مشوفتش."
حاشت النظر النظر له بخجل فمسك يدها برفق يجذبها خلفه لغرفته فسألته بتعجب:
"فارس إنت واخدني على فين!"
لم يرد عليها فقط جعلها تقف أمام المرآة وهو خلفها يخرج من جيب سترته علبة قطيفة سوداء ليظهر بداخلها قرط جميل ماسي.
أزال ما ترتديه ثم البسها إياه ببطء متعمد النظر لداخل عينيها في المرآة حتى خجلت منه وتحاشت النظر إليه.
ابتسم عليها قائلاً ما أن انتهى يمد يده إليها حتى تتمسك بها:
"يلا نمشي."
أومأت له بابتسامة جميلة وهي تضع يدها بيده فجذبها برفق للخارج وعيناه لا تتوقف عن النظر إليها وقد فتنته بسحر جمالها.
***
كان الزفاف كبيراً يضم أفراد عائلته بأكملهم.
تفاجأت ميان بوالديه وابن شقيقته الصغير حضروا فقد جاءوا من السفر على الزفاف مباشرة.
قام الاثنان بتهنئة العروسين.
ليشاكسه ابن خالته "عمرو" بصوت خفيض:
"شوف يا أخي بالرغم إن إنجي أختي بس شكلك هتكون موفق في الجوازة دي، طول عمرك بتقع واقف حظك بس خاب مع أختي."
لكزه فارس بذراعه بغيظ ثم جذب ميان والتفت ليغادر.
ليتفاجأ هو وهي أمامهم بسفيان يقف خلفهم.
صافحه عمرو مردداً بابتسامة واسعة:
"نورت الفرح يا عم سفيان، عاش من شافك."
نظر فارس لابن خالته بغيظ وغضب كبير.
ليعرفهم على بعضهم قائلاً:
"فارس الحسيني ابن خالتي ومراته ميان، وحضرتك تبقى سفيان العزايزي فيه بينا شغل كتير من زمان."
حاوط فارس خصر ميان مقرباً إياها منه وهو ينظر لسفيان بغيرة كبيرة.
كذلك يفعل الآخر.
وضعت ميان يدها على يد فارس التي تحاوط خصرها تبتسم له متجاهلة النظر لسفيان الذي يركز بصره على يد الآخر التي تحاوط خصرها يريد قطعها.
جاءت والدة فارس من الخلف عندما لاحظت حرب النظرات بينهما والجو الذي أصبح مشحوناً قائلة بمرح وهي تجذب ميان نحوها:
"هاتيلي مرات ابني القمر دي أعرفها على باقي قرايبنا، دي من ساعة ما دخلت وعينهم هتاكلها، ما شاء الله عليها زي القمر."
غادر فارس معهما وعمرو متعجباً مما حدث ولا يفهم شيئاً.
الاثنان وكأنهما بحرب وسيقتلان بعضهما.
كور سفيان قبضة يده بغل وغيرة كبيرة وهو يراها تتجول معه بالزفاف هنا وهناك وتبتسم بسعادة.
كان يقف بجانب والديه وخالته فاقتربت منه سمر قائلة بمكر لفارس متجاهلة ميان تماماً:
"منور الفرح يا فارس."
جذب فارس ميان من خصرها لتكون قريبة منه مردداً بنظرات محبة وقد تعمد إغاظة الأخرى لأنها تجاهلت زوجته:
"أنا بنور دايماً، بنور مراتي، فلو الفرح منور بيا زي ما بتقولي يبقى الفضل ليها."
كانت إنجي قد جاءت واستمعت لما قال فأقتربت منه مرددة بصوت رقيق معاكساً للغيرة التي تنهش قلبها والحقد تجاه ميان:
"فارس ليكي وحشة."
ثم اقتربت منه تقبل وجنتيه برقة فابتعد على الفور بعدما باغتته بتلك القبلة.
بينما ميان رفعت حاجبيها بصدمة من جرأة الأخرى.
رددت والدة فارس بضيق:
"ميصحش كده يا إنجي، فارس مبقاش جوزك عشان تبوسيه كده احترمي إن إحنا واقفين واحترمي الحجاب اللي إنتي حطاه على راسك."
ردت عليها إنجي بمكر:
"مش قصدي يا خالتو أنا بس متعودة على كده من زمان وبعدين فارس أكيد عارف إن إني مقصدتش وإن اللي حصل تعود مش أكتر، إلا بقى لو مراته بتتضايق."
ثم نظرت لميان قائلة بحزن زائف:
"متزعليش نفسك يا حبيبتي بس خليكي عارفة إن اللي حصل ده بس عادي مش قصدي حاجة كده ولا كده، فارس مبقاش جوزي آه بس ابن خالتي في الأول والآخر."
ضحكت ميان بسخرية ولم تجب عليها بل ركزت نظراتها داخل عينيها بقوة.
ثم نظرت لحذائها فتوترت الأخرى وشعرت بالارتباك قائلة:
"إنتي بتبصيلي كده ليه، هو كلامي مش عاجبك، اتضايقتي منه."
ضحكت ميان بسخرية قائلة لفارس متجاهلة الأخرى تماماً مما أثار حنقها وغيظها:
"تيجي نرقص الأغنية دي تحفة أوي."
أومأ لها وهو يبتسم بزاوية شفتيه وقد فهم ما تحاول فعله.
فجذبها من خصرها للمكان المخصص للرقص يحاوط خصرها بيديه وهي بدورها أحاطت عنقه بيديها تتمايل معه على أنغام الموسيقى.
ردد فارس بصوت خفيض هائم وهو ينظر لداخل عينيها الجميلة:
"سبحان من خلق الجمال وجملك."
ابتسمت بخجل وهي تنظر للأسفل.
ليجد نفسه بتلقائية يقبل جبينها بحب.
لم تمانعها ميان كاذبة إن قالت إن بداخلها تريد إثارة غيرة الآخر وجعله يشعر بالقهر كلما رآها سعيدة وأنها تخطته.
تريده أن يتألم مثلما جعلها تتألم.
سعيدة وهي ترى بطرف عينيها كيف يعلو ويهبط صدره بانفعال متمالكاً نفسه بصعوبة.
لكن سعادتها معكرة حيث يتعالى ذلك الصوت بداخلها يخبرها "ما ذنب فارس!".
كان هناك العديد من العيون تتابعهم بغيرة وحقد.
من بينهم سفيان الذي أخذ يضغط على الكأس بيده حتى انكسر وبدأت الدماء تنساب من بين يديه.
يريد أن يغادر لكنه إن غادر لا يعرف متى سيراها وقد بلغ اشتياقه لها عنان السماء.
إن أراد رؤيتها عليه أن يتحمل النيران المشتعلة بصدره وهو يراها برفقة ذلك الحقير من وجهة نظره.
فقد اختطفها منه.
ضحك بسخرية مريرة.
الزمن يعيد نفسه كل ما فعله بها قديماً يرد له الآن أضعافاً مضاعفة.
بعد أن انتهت الرقصة ذهبت لتجلس برفقته.
لكنها توقفت ما أن استمعت لأحدهم ينادي عليها.
التفت الاثنان لتتفاجأ بآخر شخص متوقع رؤيته هنا:
"أياد!"
أومأ لها قائلاً بابتسامة واسعة:
"أخبارك إيه يا بنتي اختفيتي فجأة إنتي والبنات مبقتش أشوفكم غير صدفة.
لكِ وحشة، أحم قصدي ليكم وحشة."
رفع فارس حاجبيه وهو يشتعل من الغيرة.
ليتابع الآخر بصوت بدا حزيناً لكن الفرحة تتراقص بداخل عيناه:
"أنا كلمت لينا من فترة لما كنت بره مصر قالتلي إنك اتجوزتي من اللي اسمه سفيان ابن خالك واتطلقتي."
ثم تابع بصوت خفيض وصل لمسامع فارس ليزيد من غيرته وغضبه أكثر:
"الحمد لله يعني!"
ردد فارس بحدة وهو يحاوط خصرها بيده:
"مين القمر ده!"
رددت ميان بتوتر:
"ده أياد كان زميلي أنا ولينا وهمس في الجامعة بس هو اتخرج خلاص."
قطب أياد جبينه وهو يرى يد ذلك الغريب تحاوط خصرها فسأل هو الآخر بتوجس وغيرة:
"مين حضرته يا ميان وإزاي يحط إيده عليكي بالشكل ده!"
اقترب منه فارس ومثل أنه يهندم له بدلته من الأمام.
لكن بلحظة كان يجذبه من ياقته مردداً بصوت غاضب وشرس:
"حضرتِ أبقى جوزها وأحط إيدي مكان ما أحط، القمر ماله بقى يخصه في إيه!"
ردد أياد بصدمة وحزن ظاهر بوضوح:
"جوزها!"
ثم أبعد أياد يده عنه متابعاً بغضب وحزن ظاهراً بوضوح على
رواية بعينك اسير الفصل الثلاثون 30 - بقلم شهد الشوري
تصنّم جسده مكانه وسقطت المنشفة من يده وهو يرى باب الشرفة مفتوح على مصراعيه والأخرى ترفع قدمها على السور.
ركض إليها على الفور مردداً بفزع وهو يجذبها نحوه:
– أنتي بتعملي إيه!!
دفعته بعيداً عنها مرددة بثمالة:
– عايزة أطير زي تنا ورنا ما بتطير.
ثم نظرت له قائلة بابتسامة واسعة بلهاء:
– معاك شوية تراب أساطير.
رد عليها بتعجب:
– تراب أساطير!!!
ذمت شفتيها مرددة بضيق وهي تحك خصلات شعرها بأصبعها بتفكير:
– شكلك مش معاك خلاص هتطير أنا.
ثم بلحظة صعدت على طاولة بجانب الشرفة ترفع يدها مقلدة شخصية كرتونية شهيرة قائلة بصوت ثمل:
– إلى اللانهاية وما بعدها.
ردد هو بصدمة مما يرى:
– لا هي هتبقى نهايتك فعلاً!!
نظرت له بحدة قائلة بتزمر طفولي:
– متقاطعنيش سيبني أطير بتركيز.
قبل أن تفعلها لحق بها يجذبها من يدها ثم حملها على كتفه يدخل للغرفة مردداً بزهول:
– يا بنت المجنونة!!!
ألقاها على الفراش فتأوهت مرددة بألم:
– آآه راسي.
أغلق الشرفة ثم عاد إليها سريعاً يسألها بقلق:
– مالك أنتي كويسة؟
اعتدلت بجسدها جالسة ثم اقتربت منه تلكمه بصدره بغيظ ثم تخطته تخرج من الغرفة مرددة:
– أنا حرانة أوي، الجو حر كده ليه؟
لحق بها على الفور ليجدها تدخل لغرفتها وتغلق الباب خلفها بخطوات مترنحة.
فتح الباب على الفور ليتفاجأ بها تقف بمنتصف الغرفة تزيل أكتاف الفستان من على جسدها حتى كاد أن يسقط من عليه.
فردد بصدمة وهو يقترب منها سريعاً يرفع الفستان قبل أن يسقط من عليها:
– يا نهار أسود أنتي بتعملي إيه!!!
أبعَدَتْهُ عنها مرددة بضيق وهي ترفع إصبعها بوجهه بينما جسدها يتمايل من الثمالة:
– أنت تاني، ماشي ورايا ليه، عايز مني إيه مش عارفة أطير براحتي مش عارفة البس براحتي أنت رخم ليه؟
ردد بصدمة:
– أنا رخم!!
أومأت له برأسها عدة مرات اختل توازنها وكادت أن تسقط فلحق بها يجذبها نحوه.
نظرت له ببلاهة تغمض عينيها وتفتحها عدة مرات والآخر يضحك بخفوت عليها كم تبدو لذيذة وهي تتصرف هكذا.
اقتربت منه تحاوط عنقه بيديها مرددة بغزل مفاجئ:
– تعرف إن عينك حلوة أوي أنا عايزاها!!!
ردد بزهول وعدم فهم:
– عايزاها إزاي يعني!!
قربت يدها من عينيه مرددة بحماس:
– عايزاها يعني هبدّل عيني بعينك بص مش هيوجعك هدخل إيدي وهاخدها بسرعة مش هتحس بحاجة.
ابتعد عنها بزهول لقد أذهب الخمر عقلها على الأخير.
انفجرت هي باكية تردد بحزن:
– أنت مش عايز تديني عينك ليه، مليش دعوة أنا عايزاها أشمعنى أنت عندك زيها وأنا لأ.
اقترب منها مردداً بسرعة يردد كأنه يحدث طفلة صغيرة:
– حاضر هديهالك بكرة بس بطلي عياط.
نظرت له قائلة بشك:
– أنت بتضحك عليّا ومش هتديني حاجة، أوعدني الأول يلا.
ردد بداخله بضحك:
– سامحني يا رب مضطر أجاريها وأخدها على قد عقلها.
ثم تابع بابتسامة لها:
– أوعدك اطمنتي كده.
أومأت له برأسها كادت أن تخلع فستانها مرة أخرى فلحق بها مردداً بسرعة:
– هتعملي إيه!!
رددت بضجر ونفاذ صبر:
– أنت زهقتني أوي، بطل تقاطعني كل شوية.
تنهد قائلاً بنفاذ صبر وتعب:
– أنتي مش كنتي عايزة تنامين؟
فت برأسها قائلة بضيق:
– مين الحمار اللي قال كده؟
رد عليها بغيظ:
– أنتي اللي قولتي.
ردت عليه بضيق وهي تقترب منه:
– يا كداب مامتك مقالتلكش إن اللي بيكدب بيروح النار مش بيروح مارينا!!
ثم تابعت ما كانت ستفعله حاولت جر سحاب فستانها من الخلف لكنها فشلت.
نظرت إليه قائلة بضجر:
– تعالى افتحلي البتاع ده رخم أوي زيك.
اقترب منها قائلاً بغيظ وهو يكور قبضة يده ويرفعها أمام وجهها:
– لسانك طويل كده ليه!!
أخرجت لسانها قائلة ببلاهة:
– لا أنا لساني صغير خالص حتى شوف.
ابتسم عليها فضحكت قائلة وهي تضع إصبعها في خصره سرعان ما أبعدها قائلاً بضحك:
– بسن.
فت برأسها وتابعت دغدغته بخصره والآخر يتراجع للخلف يضحك بقوة كذلك هي حتى سقط على الفراش وهي فوقه.
قلب الوضع وبدأ يفعل مثلها والأخرى صوت ضحكاتها العالي يرن بالأرجاء يطرب أذنيه.
بعد دقائق كان يرتمي بجانبها على الفراش يأخذ أنفاسه وكذلك هي.
التفت برأسه ينظر إليها لتفعل هي المثل.
رفع جسده قليلاً ثم مال عليها ليصبح فوقها رفع يده يتحسس كل جزء بوجهها بداية بجبينها نهاية بشفتيها التي أخذ يمرر يده عليها برقة شديدة كأنه يرسمها والأخرى تنظر له بصمت.
نظر لداخل عينيها مردداً بعشق لها:
– تعرفي إني بحبك أوي، نظرة منك بس كفيلة إنها متخلّينيش قاعد على بعضي.
استند بجبينه على جبينها ثم تابع بحب:
– اتجوزت قبل كده آه بس مكنش اختياري، إنما أنتي اختياري الوحيدة اللي اختارتها وشوفت فيها إنها بتكملني، قلبي عايز قربك دايماً وعقلي مش بيفكر غير فيكي، عملتي فيّا إيه عشان أحبك كده.
كانت تستمع بصمت وما إن انتهى رفعت يدها هي الأخرى تضعها على وجنته مرددة:
– خليك جنبي، متسبنيش!!
نظر لها بصدمة ثم ردد بوعد ممزوج بسعادة:
– عمرها ما هتحصل أنا جنبك دايماً، لحد ما أنتي تقولي ابعد خلاص وتزهقي مني.
اقترب منها ببطيء ملتقفاً بشفتيه شفتيها بشغف وحب كبير طار عقله من السعادة وهو يشعر بها تحاول أن تجاريه بينما تضع يدها بخصلات شعره تقربه منها أكثر.
في صباح اليوم التالي فتحت عينيها ببطيء وهي تشعر بصداع شديد يؤلم رأسها.
نظرت حولها بتعجب تحاول معرفة أي هي لكن الأهم من ذلك الذي يحاوط خصرها من الخلف ويلتصق بها هكذا.
التفتت سرعان ما شهقت وانتفضت مكانها عندما رأت الوضع: فارس ينام عارياً بجانبها يرتدي بنطالاً فقط وهي ترتدي قميصه!!!
استيقظ أثر دفعها ليده مردداً بصوت ناعس:
– صباح الخير.
انتفضت من على الفراش تقف بعيداً عنه مرددة بصدمة وهي ترى ثوبها ملقى بجانب الفراش كذلك ملابسها الخاصة:
– إيه اللي حصل ده!!
اعتدل ينظر لها مطولاً وألم بشع ينهش قلبه من فزعتها هكذا لأنها تظن أنه حدث بينهما شيئاً.
تحسست جبينها تحاول تذكر ما حدث قائلة:
– أنا آخر حاجة فكرها لما طلعنا سوا من الفرح، إيه اللي حصل بينا امبارح يا فارس!!
اقترب منها حتى أصبح يقف أمامها قائلاً بهدوء ظاهري لا يمس لقلبه المشتعل من الداخل بصلة:
– تفتكري أنتي إيه اللي حصل؟
رددت بضيق ونفاذ صبر وهي تنظر للفراش الغير مرتب بالمرة كل ما حولها يشير لشيء واحد تتمنى أن يكون خاطئاً:
– لو أعرف مكنتش سألت أنا مش فاكرة حاجة خالص، رد عليّا إيه اللي حصل بينا؟
تنهد قائلاً بملامح وجه جامدة:
– اللي أنتي بتفكري فيه!!!
ابتلعت ريقها بصعوبة مرددة بصدمة:
– حصل بينا حاجة؟
صَمَتْ وَلَمْ يُجِبْ فَتَحَسَّسَتْ بِشَرْمَةِ عُنُقِهَا بِصَدْمَةٍ كَادَتْ أَنْ تَرْكُضَ مِنْ أَمَامِهِ لَكِنَّهُ أَمْسَكَ بِهَا يَجُذْبُهَا نَحْوَهُ قَائِلًا:
– رايحة فين؟
ردت عليه بعنف غير مسبوق منها معه:
– اللي حصل بينا أكيد أنا مكنتش في وعيي لأني.....
قاطعها قائلاً بتهكم والألم يرتسم بوضوح داخل عينيه مهما حاول إخفاءه:
– لأنك لو في وعيك أكيد مش هتسمحيلي أقرب منك مش ده اللي كنتي هتقوليه؟
رددت بحدة وعدم وعي:
– أنت قربت مني ليه وأنت عارف إني مش في وعيي استغليت حالتي صح؟
قبض على يدها مردداً بغضب:
– بجد بس ده مكنش كلامك امبارح لما كنتي عايزة قربي منك، مكنش كلامك وأنتي بتقولي متسبنيش خليك جنبي، مكنش كلامك لما جيت أبعد لكن أنتي اللي رفضتي وكنتي عايزة القرب يمكن أكتر مني.
ردت عليه بحدة:
– مكنتش في وعيي أنا مستحيل أعمل كده.
كادت أن تغادر لكنه قبض على يدها مرة أخرى مردداً بغضب كبير وشعور بالأهانة يتملك منه بقوة:
– كل لحظة حلوة بينا بتتفنّني إزاي تدمريها، بس متخافيش مقربتش منك ولا هقرب لا دلوقتي ولا بعدين يا ميان، محصلش بينا حاجة!!!
قال الأخيرة وهو يدفعها للخلف بعيداً عنه بحدة.
نظرت له بصدمة وعدم تصديق ليتابع هو بتهكم:
– لو مش مصدقاني وخايفة على نفسك تقدري تروحي تكشفي عشان تعرفي إذا كان جوزك لمسك ولا لأ!!
بَقِيَتْ مَكَانَهَا مُصْدُومَةً فَرَدَّدْ بِحَدَّةٍ وَغَضَبٍ مِنَ الأَهَانَةِ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا الْآنَ وَدُونَ النَّظَرِ إِلَيْهَا:
– اطلعي بره!!
بَقِيَتْ مَكَانَهَا مُصْدُومَةً فَأَقْتَرَبَ مِنْهَا يَقْبِضُ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهَا يَدْفَعُهَا خَارِجَ الْغُرْفَةِ ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ بِوَجْهِهَا.
ثُمَّ عَادَ لِلدَّاخِلِ يَرْكِلُ الْمَقْعَدَ بِقَدَمِهِ بَعْدَهَا جَلَسَ أَرْضًا يُحَاوِلُ تَهْدْئَةَ النِّيرَانِ الْمُشْتَعِلَةِ بِدَاخِلِهِ مِنْهَا.
وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى ثِيَابِهَا الْمَلْقَاةِ أَرْضًا بِالْأَمْسِ كَانَ حَقًّا عَلَى وَشْكِ إِتْمَامِ زَوَاجِهِمَا لَوْلَا أَنَّهُ بِآخِرِ لَحْظَةٍ تَعَالَى رَنِينُ هَاتِفِهِ لِيَجْعَلَهُ يَفِيقَ مِمَّا كَانَ سَيُقْدِمُ عَلَيْهِ!!!
يَحْمَدُ اللَّهَ الْآنَ أَلْفَ مَرَّةٍ إِنَّهَا اسْتَفَاقَتْ بِالْأَمْسِ بِالْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ وَإِلَّا كَانَ حَتْمًا سَتَكُونُ الْأَهَانَةُ أَكْبَرَ.
بَيْنَمَا هِيَ انْفَجَرَتْ بَاكِيَةً مَا إِنْ أَصْبَحَتْ بِمُفْرَدِهَا وَهِيَ تَقِفُ أَسْفَلَ مَرْشِ الْمِيَاهِ تَحْكُ جَسَدَهَا بِعُنْفٍ حَتَّى سَبَّبَتْ بَعْضَ الْجِرُوحِ لِنَفْسِهَا.
بَيْنَمَا عَلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى كَانَ قَصِيٌّ يَتَرَاجَعُ بِظَهْرِهِ لِلْخَلْفِ بِتَعَبٍ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يُجْهِدُ نَفْسَهُ بِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِلَا انْقِطَاعٍ.
كَانَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ بِتَعَبٍ وَهُوَ يَشْعُرُ بِتَخَدُّرٍ بِأَكْتَافِهِ وَعِظَامُ رَقْبَتِهِ تُؤْلِمُهُ.
شَعَرَ بِيَدٍ عَلَى أَكْتَافِهِ انْتَفَضَ مَكَانَهُ عِنْدَمَا فَتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَجِدَ أَنَّهَا سِيلِينْ.
صَرَخَ عَلَيْهَا بِغَضَبٍ:
– أَنْتِ إِيهِ الَّذِي دَخَلَكِ هُنَا!!
نَزَلَتْ دُمُوعُهَا قَائِلَةً بِحُزْنٍ وَاعْتِذَارٍ:
– قَصِي اسْمَعْنِي بَسْ.....
رَدَّدَ بِتَهْكُمٍ وَسُخْرِيَةٍ مُرَّارَةٍ:
– غَرِيبَةْ مَا أَنَا كُنْتْ بَقُولَكْ بَرْدُو اسْمَعِينِي الْأَوَّلْ، بَسْ مَا رَدَّيْتِيشْ عَلَيَّ عَرَفْتِي دَلْوَقْتِي إِدْ إِيهْ مُهِمْ إِنَّكْ تِسْمَعِي الْأَوَّلْ قَبْلْ مَا تِتْكَلَّمِيْنْ.
فَتْ بِرَأْسِهَا قَائِلَةً بِنَدَمٍ:
– مَكْنَشْ قَصْدِي عَقْلِي اتْغَيَّبْ لَمَّا شُفْتْهَا قَرِيبَةْ مِنْكْ، غَيْرَةْ وَعَقْلِي مَكْنَشْ فِيَّا لِيْهْ مِشْ عَايِزْ تَعْذَرْنِي فِي غَيْرَتِي عَلَيْكْ.
سَخِرَ مِنْهَا قَائِلًا بِغَضَبٍ:
– أَنْتِ مُصْدِقَةْ نَفْسَكْ غَيْرَةْ إِيهْ الَّذِي يِخْلِيكِي تِقَلِّلِي مِنِّي بِالشَّكْلْ دَهْ، غَيْرَةْ إِيهْ الَّذِي يِخْلِيكِي تِكَرْرِي نَفْسَ الْغَلَطْ مِنْ تَانِي وَكَمَانْ قُدَّامِ الْمُوَظَّفِينْ.
رَمَقَهَا بِغَضَبٍ مُتَابِعًا بِنَفَاذِ صَبْرٍ مِنْهَا وَأَلَمْ:
– عَذَرْتَكْ كِذَا مَرَّةْ بَسْ طَاقْتِي نَفَذَتْ زَهِقْتْ مِنْكْ وَمِنْ شَكِّكْ الَّذِي مُمْكِنْ فِي لَحْظَةْ يِهْدِمْ حَيَاتْنَا.
وَضَعَتْ يَدَهْ عَلَى رَحِمِهَا قَائِلَةً بِرَجَاءٍ:
– طَبْ وَابْنْنَا!!!
نَظَرَ لَهَا لِلْحَظَاتٍ ثُمَّ تَابَعَ بِغَضَبٍ:
– حَتَّى الْلِي فِي بَطْنَكْ مِشْ هَيْكُونْ سَبَبْ عَشَانْ أَرْجَعْلَكْ وَأَرْدَكْ مِنْ تَانِي يَا سِيلِينْ.
نَظَرَتْ لَهْ بِوَجَعٍ وَكَادَتْ أَنْ تَغَادِرْ لَكِنَّهُ اسْتَوْقَفَهَا عِنْدَمَا رَأَى أَمَلْ بِالْخَارِجْ عَلَى وَشْكِ الْدُّخُولْ قَائِلًا:
– مِشْ تِقُولِيلِي مَبْرُوكْ الْأَوَّلْ قَبْلْ مَا تِمْشِيْ!!
– عَلَى إِيهْ!!
رَدَّدَ بِقَسْوَةٍ:
– إِصْلِي هَتْجُوزْ قَرِيبْ، دَهْ حَتَّى الْعَرُوسَةْ مِشْ غَرِيبَةْ عَلَيْكِي أَمَلْ بِنْتْ عَمْتَكْ!!
ابْتَسَمَتْ أَمَلْ بِاتْسَاعٍ بَعْدْمَا اسْتَمَعَتْ لِمَا قَالَ فَأَقْتَرَبَتْ مِنْهُ مُرَدِّدَةً بِمَكْرٍ:
– أَنْتْ قُولْتْلَهَا يَا حَبِيبِي كُنْتْ سَيْبْنِي أَنَا أَقُولْهَا بِنَفْسِي أَحْسَنْ تِزْعَلْ إِنِّي مَا قُولْتْلَهَاشْ وَتِفْكِرْ إِنِّي كُنْتْ عَايْزَةْ أَخْبِي عَلَيْهْ.
انْفَتْ سِيلِينْ بِرَأْسِهَا قَائِلَةً بِعَدَمْ تَصْدِيقٍ:
– قَصِي الْكَلَامْ دَهْ مِشْ صَحْ أَكِيدْ.
سَأَلَهَا بِسُخْرِيَةٍ وَهُوَ يِتْمَسَّكْ بِصُعُوبَةْ أَمَامَهَا:
– إِيهْ الْلِي يِخْلِيهْ مِشْ صَحْ؟
أَقْتَرَبَتْ مِنْهُ قَائِلَةً بِدُمُوعٍ:
– أَنْتْ مَتْعْمِلْشْ فِيَّا كِدَهْ وَمُسْتَحِيلْ تِتْجُوزْ دِي بِالذَّاتْ.
رَدَّدَ بِسُخْرِيَةٍ مُرَّارَةٍ:
– كَانَ الْأَوْلَى تِثْقِي فِيَّا مِنَ الْأَوَّلْ بَدَلْ مَا وَصَلْتِينَا لِكِدَهْ بِتَسْرِعَكْ وَغَبَائَكْ.
رَدَّدَتْ أَمَلْ بِتَهْكُمٍ:
– طُولْ عُمْرْهَا كِدَهْ يَا حَبِيبِي، بَسْ يَلَّا مَحْدُشْ بِيْتْعَلَّمْ بِبِلَاشْ وَأَهِي أَدِّيهَا اتْعَلَّمَتْ الدَّرْسْ، بَسْ أَشْكْ أَصْلْ الْلِي فِي دَاءْ مَا بِيْبْطَلُوشْهْ.
جَمَعَتْ عَلَيْهَا سِيلِينْ تَجُذْبُهَا مِنْ خُصْلَاتْ شَعْرِهَا صَارِخَةً عَلَيْهَا بِعَصَبٍ وَغَلْ:
– أَنْتِ تِخْرَسِي خَالِصْ يَا خَطَّافَةْ الرِّجَالَةْ أَنْتِي، هَقْتُلَكْ بِأَيْدِي يَا خَرَّابَةْ الْبُيُوتْ.
أَبْعَدَهَا قَصِيٌّ عَنْهَا بِصُعُوبَةْ مُرَدِّدًا بِغَضَبٍ:
– بَسْ بَقَى، ابْعَدِي عَنْهْ.
صَرَخَتْ عَلَيْهِ سِيلِينْ بِدُمُوعٍ وَقَهْرٍ:
– بِتْزَعْقْ فِيَّا عَشَانْهَا يَا قَصِي نِسِيتْ هِيْ عَمْلَتْ فِينَا إِيهْ، هَتْتْجُوزْ دِي، الْلِي فَضَلَتْ تِبْعَتْلَكْ فِي صُوَرْ زِي بَنَاتِ اللَّيْلْ مَا بِتْعْمَلْ،
دي رخيصة هتتجوزه.
ثم تابعت بتيه:
"طب وأنا هتتخلى عني أنا وابنك!!"
رد عليها بوجع ظهر بوضوح مهما حاول يخفيه:
"أنا متخلتش عنك، أنتي اللي اتخليتي. أما بخصوص ابني فمتخافيش، أنا عمري ما أعملها. رجالة عيلة العزايزي مش خايني ولا بيرموا لحمهم."
مقال الأخيرة بقوة.
فعادت سيلين تهجم على أمل من جديد لكنه لحق بها قائلاً بغضب:
"قولتلك ابعدي عنها."
نفت برأسها عدة مرات قائلة بغل:
"مش هبعد، هي السبب أكيد. هي اللي خربت بينا، مفيش حد غيرها مستفاد. أني أبعد عنك غيرها الحرباوية دي."
صرخ عليها بغضب:
"كفاية فضايح بقى."
دخلت سكرتيرته قائلة باعتذار وهي ترى الوضع:
"مستر قصي أنا آسفة م......"
صرخ عليها بغضب وعصبية:
"كنتي فين داهية؟ إزاي تسيبي مكتبك عشان كل من حب يدخل يدخل كأنها وكالة من غير بوابة."
اعتذرت قائلة بخوف:
"أنا آسفة، كنتي جايبة الملف اللي حضرتك طلبته من الأرشيف. معرفش إن ده......"
قاطعها قائلاً وهو يشير لسيلين:
"طلعيها بره!!!"
نطقت باسمه بعدم تصديق وهي تشعر بالأهانة:
"قصي!!"
دخل سفيان قائلاً بغضب:
"إيه اللي بيحصل هنا ده؟ صوتكم عالي ليه؟"
نظر قصي لسكرتيرته بغضب قائلاً:
"سمعتي أنا قولتلك إيه؟ طلعيها بره."
همسكت السكرتيرة بيد سيلين لكن سفيان أبعدها قائلاً بصدمة وحدة:
"قصي أنت اتجننت؟ إزاي تعامل مراتك كده قدام الموظفين!!!"
رد عليه بضيق:
"مبقتش مراتي، دي طليقتي يا سفيان."
ركضت سيلين للخارج، حاول سفيان اللحاق بها لكنه لم يلحق:
"سيلين استني بس!!"
تنهد ثم عاد للداخل قائلاً بغضب لأمل:
"أنتي بتعملي إيه هنا؟ اطلعي بره."
ردت عليه بتحدي:
"قصي بس اللي من حقه يطردني مش أنت، لأني في مقام خطيبته ومراته قريب يعني. تكلمني كويس."
"خطيبته!!!!"
نظر سفيان لقصي قائلاً بصدمة:
"الكلام اللي بتقوله ده صح يا قصي؟"
التفت قصي لها قائلاً بصرامة:
"اطلعي بره."
بقت مكانها مصدومة فصرخ عليها بحدة:
"مش قولتلك غوري بره!!!"
ما إن غادرت التفت سفيان لقصي قائلاً:
"أنا بجد مش عارف أقولك إيه غير بلاش تكرر غلطي يا قصي. بلاش غضبك يعميك وتضيع كل حاجة من إيدك. أعمل حساب ابنك اللي لسه مشافش النور، بدل ما تهدم بيتك أرجع بنيه من تاني وشوف إيه اللي كان ناقصه من الأول وعَمره."
ثم تابع بقهر وألم:
"بسبب غلطي في حقها ضيعتها من إيدي وبقى أقصى طموحي إني أشوفها وأملي عيني فيها، بضرب نفسي مية جزمة وأقول لو ترجع يا زمن 💔....."
قبل إن يذهب لعمله مر أولاً على بيت خالته ليجد والديه وابن شقيقته الراحلة مازالوا هناك.
فتحت له خالته الباب وبقبل إن تتحدث دخل للداخل كالعاصفة يقبض بيده على يد إنجي مردداً بغضب:
"حركاتك دي مش هتبطليها، اللي فيه داء عمره ما يبطله الو...... في دمك أنتِ وأختك، فاكرة إني ممكن أرجعلك؟ لو عايزك كنت رجعتلك زمان بس أنا ما صدقت خلصت منك."
ردت عليه بحدة:
"أنت اتجننت يا فارس؟ إزاي تكلمني وتمد إيدك عليا كده فوق لنفسك."
رد عليها بغضب وهو يدفعها بقسوة للخلف:
"أنا فايق كويس لكن أنتِ اللي لازم تفوقي من الوهم اللي معيشة نفسك فيه. لو السما انطبقت ع الأرض مش راجعلك يا إنجي. احترمي نفسك واحترمي الحجاب اللي على راسك وبلاش الحركات الرخيصة اللي أنا عارفها كويس وعارف إنها متجبيش إلا منك."
تدخلت خالته قائلة بغضب:
"أنت زودتها أوي يا فارس. احترم وجود الكبار وحتى راعي إنك بتغلط فينا وفي قلب بيتنا!!"
صرخ بغضب عليهم:
"لما تعلمي أنتِ بناتك إزاي بحترموا نفسهم يا خالتي ابقى تعالي حاسبيني على أي تصرف يطلع مني، لما بنتك المحترمة تخدع مراتي إمبارح وتحطلها في العصير wine عشان تسكر يبقى بناتك محتاجين إعادة تربية من جديد."
صرخ عليه سمر بغضب:
"إحنا معملناش حاجة، روح اسأل اللي سكرت كانت بتشرب فين ومغفلك."
صرخ عليها فارس بغضب أفزع الجميع:
"لسانك لو نطق بكلمة معجبتنيش في حق مراتي، هتشوفي مني وش هيزعلك أوي وهنسى إنك بنت خالتي، مراتي خط أحمر وأشرف منك ومنها ع الأقل مبتعملش حركات رخيصة!!"
جذبت والدة فارس يده وهي تنادي بعلو صوتها على فراس الصغير ليأتي من الغرفة بينما والده جذبه من ذراعه ليغادروا.
وقبل إن تغادر نادين رددت بحدة لشقيقتها:
"ربي بناتك يا شهيرة، ربيهم كويس وابعديهم عن ابني ومراته وإلا هتخسريني......."
كانت همس تجلس بجانب لينا التي تتحدث مع عمار على الهاتف وهي تتظر للفراغ بشرود وتبتسم وهي تتحسس وجنتها وتاره فوق شفتيها وكلمات كارم تتردد بأذنها.
أغلقت لينا الهاتف والتفتت لها قائلة بمكر وهي تلاحظ حالة الهيام المسيطرة عليها:
"سرحانة في إيه، مين اللي واخد عقلك يا هموسة!!"
رددت همس بتوتر من نظرات الأخرى:
"محدش وبلاش تلميحاتك دي، مش اللي في دماغك."
رددت لينا بمكر وبراءة زائفة:
"الله، طب أنتِ إيه اللي عرفك اللي في دماغي؟"
جزت همس على أسنانها قائلة بغيظ:
"لينا!!"
صمتت لينا لكن صمتها لم يطول ورددت بمكر:
"طب أنا أحلفلك ع المصحف إنك بتحبيه."
سألتها همس بتوتر:
"هو مين ده؟"
غمزتها لينا قائلة بمكر:
"يعني مش عارفاه، كارم!!"
رددت همس بتوتر وهي تتحاشى النظر لها:
"أنا بحب كارم!!!"
ردت عليها لينا بنفاذ صبر:
"لأ أبوه."
ثم تابعت بغيظ:
"يا بت ده أنتِ من بدري سرحانة وعينك بتطلع في قلوب، ده غير التلفون اللي مش مبطل رن وأنتِ هتموتي وتردي عليه وعلى طول معاه. ده إحنا بقينا نشوفك صدفة، ده أنتِ لولا الجامعة مكناش هنشوفك."
رددت همس بسخرية:
"شوف مين اللي بتتكلم، ده أنتِ طول الوقت مع عمار. أومال لما تتجوزيه بقى مش هنشوفك؟"
ردت عليها لينا بمكر:
"طب عمار خطيبي، كارم بقى إيه نظامه؟"
حكت يدها ببعضها لتدفئها قائلة بتوتر ملحوظ:
"زي أخويا!!"
نظرت لها لينا بغيظ قائلة:
"أقسم بالله أنا مسكت دلوقتي لساني بالعافية عشان مشتمش، بقى كارم أخوكِ بقى كل ده وأخوكِ. أومال لو جوزك كان إيه اللي هيحصل بقى؟"
حمحمت همس ثم توقفت قائلة بضيق:
"أنا رايحة أجيب حاجة أشربها عشان شكلك مش هتسبيني في حالي انهاردة."
جاءت بعد دقائق ميان تجلس بجانب لينا صامتة وشاردة هي الأخرى فرددت لينا بضيق:
"لأ بقى أنتِ كمان جاية سرحانة. فيكِ إيه أنتِ وهي طب همس وعارفة سرحانة في إيه، أنتِ بقى مالكِ إيه اللي واخد عقلك؟"
نفت ميان برأسها قائلة بصوت مختنق:
"مفيش حاجة، أنا بس مصدعة شوية!!"
جاءت همس تجلس بجانبهما قائلة:
"أنتِ جيتِ طب كويس اهو تحل عني شوية."
رددت لينا فجأة بسعادة:
"على فكرة أنا كتب كتابي آخر الأسبوع ده يعني بعد حوالي خمس أيام."
نظرت لها ميان قائلة بزهول:
"نعم!!!"
بينما همس حدجتها بغيظ قائلة:
"امتى حددتوه، إحنا آخر من يعلم يعني يا ندلة!!"
ضحكت لينا قائلة:
"حصل فجأة والله أنا لقيت عمار وأخوه مرة واحدة طبوا علينا إمبارح عايز يحدد ميعاد كتب كتاب لحد ما نقرر الفرح امتى والشقة تكون خلصنا تجهيزها."
ثم تابعت بحماس:
"عشان كده عايزين ننزل سوا نجيب فستان لكتب الكتاب يكون حلو عشان يعجب قرة عيني."
ضحكت همس قائلة بحماس:
"هنلبس إحنا التلاتة لون فستان واحد، كتب الكتاب هيكون في البيت عندك."
كانت ميان شاردة بعالم آخر فسألتها لينا بقلق:
"ميان بجد مالكِ فيكِ إيه؟"
سألتها همس هي الأخرى بقلق:
"أنتِ متخانقة مع فارس!!"
نظرت لهما للحظات ثم أومأت برأسها عدة مرات والدموع تنساب من عيناها بحزن:
"متخانقين وكالعادة أنا اللي غلطانة، أنا دايماً اللي بغلط والحق بيكون عليا، دايماً بزعله غصب عني بس المرة دي زعلته جامد أوي ومليش عين أروح أكلمه أصلاً واعتذر منه. مش قادرة أحط عيني في عينه أصلاً."
تبادلت لينا النظرات مع همس التي سألتها بقلق:
"إيه اللي حصل طيب قوليلنا يمكن نعرف نحل الموضوع."
نفت ميان برأسها فسألتها لينا بتفهم:
"حاجة مينفعش تحكيها يعني خاصة بينكما؟"
أومأت لها بنعم فرددت همس برفق:
"كل مشكلة وليها حل. فارس بطبعه هادي وهيتفهم، أنتِ بس سيبيه يهدأ الأول وبعدها اتكلمي معاه واعتذري منه وإن شاء الله كله يبقى تمام."
بكت ميان قائلة بحزن:
"كل مرة أقول آسفة وكل مرة أغلط، كل وقت يكون بينا حلو بغبائي أضيع كل ده وأزعله مني. لسه مصلحاه من كام يوم ودلوقتي زعلته تاني. أكيد زهق مش هيسمع مني أصلاً وهيكون عنده حق. غلطي المرة دي كبير أوي وجرح."
هربتت لينا على كتفها قائلة برفق:
"طب اهدي متعيطيش، هتتحل والله."
نظرت لها همس بحزن وصمتت وحدسها يخبرها إن المشكلة التي حدثت بينهما بالطبع لسفيان دخل بهالكنه صمتت ولم تتحدث بالأمر فقط سألتها:
"طب هو فارس فين دلوقتي؟"
رددت ميان بدموع وحزن:
"في المستشفى، أنا كمان المفروض كنت أروح انهاردة عشان يوم التدريب بتاعي زي ما اتفقنا بس خوفت أروح وهو أصلاً زعلان مني أكيد مش هيبقى حابب يشوفني."
جذبتها همس من يدها قائلة بحماس:
"أنتِ تطبي عليه دلوقتي وتاخدي معاكِ ورد شيك كده وحلو وتصالحيه كده في حموتها عشان يعرف إن زعله عندك بالدنيا ومقدرتيش تستني لحد ما يرجع البيت."
أيدتها لينا قائلة باقتناع:
"الصراحة شايفة إنها فكرة حلوة."
أومأت لهما وبعد الفعل اشترت باقة ورد جميلة وهي بطريقها للمستشفى لتصدم ما إن وصلت أمام غرفته بما استمعت له!!!......
قبل قليل كان يجلس بمكتبه بعدما إنتهى لتوه من عملية ولادة متعسرة ليتفاجأ بمن تدخل مكتبه إنها إنجي.
انتفض بمكانه قائلاً بحدة:
"ليكِ عين تيجي لحد هنا!!"
اقتربت منه قائلة بعتاب وصوت رقيق:
"بقيت قاسي عليا أوي يا فارس، حصل إيه مني يعني عشان تبقى كارهني كده وأنا اللي في حياتي محبتش حد قدك؟"
قبض على يدها قائلاً بغضب:
"بلاش كدب، ورقك كله مكشوف قدامي أنا بالذات. قولي بحب فلوسك، كنت متجوزاك عشان أخرج كن سجن أبويا متجوزاك عشان استغلك. أنما حب اللي زيك متعرفش. الحب اللي زيك بتاخد و بس ومش عايزة تدي."
ثم تابع بحدة وهو يدفعها بعيداً عنه:
"سنين جواز عيشتهم معاكِ في قرف ومصدقتش خلصت منه. عايزاني أرجع ليكِ برجليكِ تاني ده أنا ما صدقت خلصت منك."
رددت بضيق وشعور الإهانة يلازمها:
"مش بقولك بقيت قاسي."
اقتربت منه قائلة بإغواء:
"حبيتها يا فارس مش كده، حبيتها بس يا ترى قدرت تنسيك إنجي!!"
دفعها بعيداً بقرف فتابعت هي مرة أخرى بدلال:
"بتعرف تعمل اللي أنا بعمله، بتبسطك زي ما كنت بتتبسط معايا، ولا حبيبتها خلاص ونسيتك الدنيا باللي فيها."
رفعت إصبعها تضعه على وجنته مرددة بإغواء:
"بذمتك موحشتكش يا فارس، نسيت ليالينا سوا!!"
كانت ميان بالخارج تستمع للحديث الدائر بينهم تملك الغضب منها سرعان ما فتحت الباب و......!!!!!
.......ما إن غادرت ميان رأت همس كارم يأتي بسيارته من بعيد ركضت قائلة للينا بسرعة:
"أنا رايحة أجيب حاجة وجاية!!!"
ذهبت لتختبأ بمكان ما بينما كارم اقترب من لينا قائلاً بابتسامة صغيرة:
"أخبارك إيه يا لينا؟"
ابتسمت بخفوت قائلة:
"كويسة الحمد لله، أنت ازيك؟"
رد عليها ثم نظر لسيارة همس قائلاً بتساؤل:
"هي فين همس!!"
ضحكت لينا قائلة:
"أول ما شافتك جاي من بعيد هربت."
ضحك بخفوت لتتابع هي بمكر:
"اسمع مني أنا بتحبك والله بس هي متبتة في حكاية زي أخويا دي، خليك وراها متزهقش مع إنها تزهق بلد أنا عارفة."
قالت الأخيرة بمرح جعلته يضحك بسعادة فتابع حديثها مرة أخرى:
"أنت بس خليها تولع، الشطة والليمون بتاع الحب خليها تغير وتحس إنك هتضيع من إيدها وهي اللي هتتمسك بيك، مش هي شافت أخوها أتعامل ع الأساس ده وهي لما تشوف كده من نفسها هتخاف تخسرك وبدل ما تبعد هتقرب."
نظر لها قائلاً بابتسامة جانبية:
"مش سهلة أنتِ يا لينا!!!"
ضحكت قائلة بمرح:
"اللي تصاحب ميان وهمس بكمية الغباء اللي فيهم خصوصاً في الحب لازم تبقى بالمكر ده عشان يلاقوا اللي تنصحهم مع إنهم مش بيسمعوا مني وقولت زي ما قولتش."
قالت الأخيرة بمرح فضحك عليها بقوة قائلاً:
"ربنا يكتر من أمثالك يا ست لينا. ع العموم ألف مبروك، عمار اتصل يعزمني انهاردة عقبال الفرح يارب."
شكرته وأكدت عليه المجيء بينما هو غادر وكلمات لينا تدور في عقله سيعمل على تنفيذها بأقرب وقت يا هو يا هي تلك المجنونة ♡.......
عاد من العمل باكراً ليجد والدته أمامه قائلة بنبرة صارمة حادة:
"اسمع بقى أنا سكت وقولت يمكن يعقل لكن طالما معقلتش وعمال تغلط يبقى لازم اللي يوقفك عند حدك مين أمل دي اللي رايح تتجوزها،"
قالت الأولى:
لو عايز تتجوز، تفكر في مراتك أم ابنك اللي مش في حساباتك خالص.
رد عليها بسخرية:
هي لحقت اشتكتلك.
ردت عليه بحدة:
ما قالتش حاجة. اللي أنت ناوي تتجوزها من غير ما تعرف أمك، رايحة توزع الخبر على الكل، وأمها من شوية بتتصل بيا تقولي دي أخرتها، أعرف من الغريب يا ابن بطني.
أغمض عيناه بغيظ من الأخرى.
ردت والدته بصرامة وغضب:
نهاية الموضوع ده قسماً عظماً، لو مردتش مراتك يا قصي ورجعتها بيتها وقطعت علاقتك بالزفتة التانية، لا أنت ابني ولا أنا أعرفك، ولساني ما يخاطب لسانك طول العمر، بدل ما تراعي مراتك في الفترة دي وتروح معاها للدكتور وتطمن على ابنك، رايح تقول هتجوز الزفتة دي!!