تحميل رواية «في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار )» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الروايه دي عبارة عن ثلاث قصص مفيش فيها ابطال رئيسيين انا هسيب لكل واحد فيكوا الاختيار مين يكونوا الابطال الأساسيين للروايه ♥️ اتمني من خلال التواقيع انكوا تخمنوا الأحداث مستنيه تفاعل كبير عشان انزلها يا حلوين ♥️ #نورهان_آل_عشري #في_قبضة_الأقدار #الروايه_الجديدة سالم الوزان ♥️ فرح عمران 🌹 سليم الوزان 🔥 جنة عمران 🍓 ياسين عمران 😎 حلا الوزان 🍁...
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الحادي وستون 61 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الأنشودة الأولى 🎼💗
ما حيلة قلبً اضناه شوقه
أن كُتِب علي جبينه الفراق ؟
لم يختر بإرادته نيران الجوى !
انما باغته و نال منه سهمه الأفاق ..
فثار و عصي و علي نهجه لم يأبي الإنسياق ،
فخاب و خسِر و لم يعُد أنين قلبه بأمرًا يُطاق
ولكن المحبوب بات يتألم .
واكتوي فؤاده بنار الجَوْر و ضاق..
فهل كل الذنوب يُمكِن تكفيرها ؟
و هل كل القلوب تُحسِن الإرفاق؟
فالعشق داء لا يفلح معه دوا
ولا يُداوي شجوجه سوي التلاق..
و لكن الغفران بات شيئًا مُستحيلًا
و أصبح دربه وعِرًا تملئه الأشواك
و صار تآلفنا حكاية كُتِب علي نهايتها الفُراق
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
" أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من جديد وأقدم لكم حازم بيه الوزان ! حلوة المفاجأة دي ؟"
برقت الأعين و توقفت الأنفاس بمنتصف الصدور و تجمد الجميع بذهول فعم صمت مُريع المكان لم يقطعه سوى ذلك الصوت المُرتجِف الآتي من خلفهم
" حاااازم !!! "
كانت مفاجأة من العيار الثقيل حتى كاد كلًا منهما يظن أنه يتوهم إلي أن أتاهم صوت أمينة المرتجف والتي لم تصدق ذلك الرجل حين أرسل سيارة دفع رباعي لتأتي بها كي تري بعينيها حقيقة كونه علي قيد الحياة ..
" ماما .. أنتِ جيتي هنا ازاي ؟"
كان هذا صوت سالم الذي كان أول من استفاق من صدمته إثر رؤيته لوالدته التي لم تكن عينيها تري سوي ذلك الذي شيعته ذات يوم بدماء عينيها لتجده أمامها مُلقي أرضًا تكبل يديه اصفاد الذل منحني الظهر فأخذت تجر خطوات سُلحفية تجاهه و داخلها نزاعات مريرة و صراعات قوية هل تفرح برؤيته و بأن المعجزات التي لم تجرؤ علي تمنيها يومًا قد حدثت بالفعل ؟ ام تحزن علي فيضانات الدمع و الوجع التي ذرفتها حزنًا عليه ؟ أم لتلك الكوارث التي تسببها لهم بها و كلفتهم الكثير لتنظيف آثارها ؟
" هو انا مقولتلكش ؟ مش انا كل الكلاب دول مكنش عندي ثقة في ولا واحد فيهم."
هكذا تحدث ناجي و هو يشير للجميع ثم أردف بلهجة ساخرة مطعمة بالشماتة
" فقلت في عقل بالي يا واد يا ناجي خلي الكارت الرابح بتاعك للآخر و اهو منها تعمل عمل إنساني و تلك شمل العيلة المتبعترة دي ..."
اخترقت كلمات ناجي الساخرة عقل سالم الذي كانت عينيه تتفرق بين والدته و شقيقه المُنكث الرأس بخزي يوحي بأن ثوبه ليس نظيفًا وأن له يد فيما يحدث معهم ..
" و طبعًا الجمعه الحلوة دي متنفعش من غير ماما أمينة .. ست الستات .. الغالية مرات الغالي .. قولت لازم اكون اول واحد يقولك الخبر السعيد .."
" مس... مستحيل .."
همس خافت انبثق من بين شفتيها مع أنفاس مُتهدِجة ، ملامح مُرتجِفة بأعين تهتز من ثقل العبرات بين جفونها ، نظرات مصعوقة غير مصدقة ما تراه و صدر يعلو ويهبط لا تعلم إن كان ألمًا أم ذعرًا
كانت تلك هي الحالة المسيطرة علي جنة التي كانت تضم صغيرها الى صدرها الذي تعدت دقاته المليون دقه في الثانية الواحدة مما جعل عقلها يغيب عن العمل فلم تشعر بيد سليم القوية وهي تحتضنها بينما انغرزت أنامله في كتفها بعنف غير مقصود فتلك كانت أول إشارة أرسلها عقله هو حمايتها حتي من نظرات قد تلمحها لرجل لا يعلم في تلك اللحظة هل يحبه أو يكرهه ؟
" حا .. حازم .. أنت هنا صح ؟ أنا مش بيتهيقلي ؟ انت .. عا. عايش ؟؟"
صفوت ، هِمت ، مروان ، طارق ، عمار ، أحمد ، سهام ، نجمة تشارك الجميع الشعور في تلك اللحظة ما بين الدهشة الذهول الخوف و الترقب و انحبست الأنفاس بصدورهم و شعاع نظراتهم مُسلط علي ذلك الذي كانت عبرات الخزي تتساقط من عينيه حتي بللت الأرض أسفله وقد أصاب حديث والدته منتصف قلبه الغارق في وحل ذنوبه فعلا صوت شهقاته حتي اخترق آذان الجميع من بينهم أمينة التي تقدمت الي أن أصبحت علي مقربة من حازم ثم همست بصوت محشو بالوجع
" رد عليا و قول انك عايش و الكلب دا كان خاطفك و أنه مكنش بمزاجك ؟ رد عليا يا حازم .. كلامي صح . مش كده ؟"
" الله يخربيتك انت لساك عايش ؟"
هكذا تحدث عمار بغضب فتعالي صوت بكائه الذي كان نشاذًا علي أسماعهم التي اخترقها زئير قوي لسالم الذي قال آمرًا
" قوم اقف علي حيلك .. و بطل عياط و قولنا في ايه وازاي انت هنا مع الكلب دا ؟"
كان الجميع بوادي وهي بوادي آخر فحين انهي سالم جملته فطنت إلى مكيدة والدها الذي ما أن التفتت إليه حتي وجدته ينوي تنفيذ مبتغاه فصرخت بذعر وهي تهرول لتتصدي لسلاحه الموجه تجاههم
" لا يا بابا...."
اتبع صرختها صوت رصاص اخترق أذانهم جميعًا فالتفتوا ليتفاجئوا من شيرين التي تهاوي جسدها بفعل الطلقة التي اخترقته فكان أول من هرول إليها كان طارق الذي التقطها قبل أن ترتطم بالأرضية الصلبة وهو يصيح كالأسد الجريح
" شيرييين ..."
" بنتي .."
هكذا صرخت هِمت بذعر وهي تهرول الي شيرين الملقاة أرضًا بينما تقدم كلًا من صفوت وسالم و عمار و هم يتبادلون و طلقات الرصاص فصدح صوت سالم الصارخ
" خرج ماما و البنات من هنا يا سليم .."
لم يكد ينهي جملته حتي انطلق سليم و واضعًا جنة خلفه ظهره ومتوجهًا الي امينه فيما اندفع مروان و عمار الذي تراجع ليجذب نجمة المرتجفة بين احضان سهام التي لا تقل عنها ذعرًا و أخذ الرجال يتبادلون الرصاص مع ناجي الذي اختبئ في أحد الغرف وماهي إلا دقائق حتي اقتحمت قوات الشرطة المكان فتوقف إطلاق الرصاص و هرولوا الي الأعلي خلف ناجي فيما التف الجميع حول شيرين التي افترشت الأرض تنزف بين أحضان طارق الذي تعانقت عبراته بدمائها و ارتجفت حروفه خوفًا من فقدانها
" شيرين . ردي عليا . أنتِ كويسه صح ؟"
بصعوبة استطاعت أزاحت جفونها الملتصقة ببعضها البعض و همست بنبرة معذبة
" سا.. سامحوني .."
قبلت همت كفها وهي تقول من بين عبرات غزيرة
" لا يابنتي اوعي تسبيني دانا ماليش غيرك أنتِ و أختك .."
تحدث سالم بخشونة وهو يتجاهل الألم الذي غزا صدره حين رآها غارقة في دمائها
" شيرين . فتحي عنيكِ انتِ كويسه .. و الإسعاف في الطريق ..."
بصعوبة استطاعت إخراج الحديث من بين شفتيها وهي تناظره بأعين اختلط بهم الندم مع الخزي
" كدا .. احسن. . يا سالم .. كفاية. . اللي حصلكوا ... بسببي..."
نهرها بلهجة خشنة
" بطلي الكلام الأهبل دا . وحاولي تتنفسي . أن شاء الله هتبقي كويسة .."
لم يطاوعها قلبها ان تغادر دون نظرة وداع أخيرة الي عينيه التي رست بهم علي شاطئ الأمان للحظات قبل أن تجذبها دوامات غدره الي اعماق المحيط فألقت نظرة خاطفة على ملامحه التي أرادت أن تكن هي آخر ما تراه قبل مغادرة هذا العالم فلاح شبح ابتسامه علي شفتيها و كأنها تخبره
" نجحت في مسعاك و تسللت إلي قلبي حتي سكنته و أتقنت غمس خنجر الغدر بصدري الذى لفظ أنفاسه الأخيرة ذلك اليوم. "
ضغط علي جرحها يحاول أن يوقف تدفق الدماء اكثر وما كادت ان تغمض عينيها حتي صرخ بها وهو يهزها بعنف
" شيرين . فتحي عنيكِ . مش هتموتي سمعتيني مش هتموتي . "
أغمضت عينيها بهدوء فلم تستمع الي جملته الأخيرة حين همس بألم
" مش بعد ما حبيتك تسبيني..."
تعالت شهقات همت فزادت من ألمه الذي تشتت حين شعر بضربة قوية تلقاها كتفه فارتفع رأسه يناظر سالم الذي قال بمؤازرة
" أجمد يا طارق .. هتبقي كويسه أن شاء الله... "
***********
كان سليم يحتضنها بيد ويحتضن والدته باليد الأخري و التي كانت تمسك بيد سهام الممسكه بيد نجمة يحاوطهم كلًا من عمار و مروان شاهرين أسلحتهم في كل الاتجاهات خوفًا من أن تطالهم يد الغدر إلى أن وصلوا الي السيارة فأمر سليم مروان
" مروان خد ماما و الحريم انت و عمار و وصلوهم عالبيت .."
صرخت أمينة بذعر
" و اخوك . حازم ! هتسيبه يا سليم ؟ "
لم يجبها انما التقمت عينيه تلك التي سالت مياه عينيها فتشعب الألم بصدره والتفت إلي الجهة الأخرى فشددت أمينة علي ذراعيه وهي تقول بتوسل
" ورحمة ابوك اوعي تسيبه يا سليم .."
تجاهل ثقل ما يشعر به من ألم و غضب و حرقة و اومئ بصمت وهو يصرخ علي مروان قائلًا بصياح
" خدهم ع البيت يا مروان و خد معاك عربية حراسة تحسبًا لأي طوارئ ..."
تدخل عمار بحدة
" اني چاي معاك يا سليم .."
سليم بحنق
" روح مع مروان يا عمار"
قاطعه عمار بصرامة
" جولتلك لاه يا سليم .. اني چاي معاك .. و الرچاله بره مش هيسيبوا مروان واصل . "
تدخل مروان بنفاذ صبر
" مروان مش رايح في حته .. و مش هيسيبكوا .. انتوا ناسيين اني عارف المداخل و المخارج هنا . "
فهم سليم ما يرمي إليه فنظر الي عمار قائلًا بخشونة
" انت سمعت يا عمار . مروان مينفعش يمشي وانا مش هثق في حد غيرك و أأمنه عليهم .. "
زفر بقوة منصاعًا لأوامر قلبه اولًا والذي يحثه علي البقاء إلي جانبها فأطلق زفرة قوية من جوفه قبل أن يقول بفظاظة
" هوديهم و آچي .. "
لم يجادل وإنما التفت متوجهاً الي الداخل و لكنه توقف بمنتصف الطريق يناظرها بأعين تبلور بهم الدمع وكأنه يعتذر لها عن قسوة العالم معها ..
قادته قدماه رأسًا الي حيث تركه فوجده يستند الي الحائط ورأسه مُلقي إلي الخلف بعد أن جر نفسه الي ركن منزوي الغرفة ليبقي بعيدًا عن أنظار قوات الشرطة التي كان يقف رجالها مع سالم الذي ناظره بنظرة ذات مغزي فتسلل الي داخل الغرفة وقام بجذب يديه المُكبلتين و وضعهما أمامه وهو يصوب سلاحه الكاتم للصوت إلي القيود و قام بإطلاق رصاصة حطمتها ثم جذبه بقوة وهو يتوجه الي النافذة قائلًا بهمس خشن و ملامحه قاسية
" هتخرج من الشباك هتلاقي مروان مستنيك في العربية .. "
التفت يناظره وبداخله لا يعرف كيف يصيغ كلماته فهمس سليم بغضب أرعن
" ولا حرف . و اختفي من قدامي دلوقتي . مش لازم حد يشوفك .. "
طاوعه حازم فهو بالأساس لم يكن يملك ما يقوله و قام بالقفز من النافذة فتوجه سليم إلي الخارج فوجد سالم يقف مع الشرطة بعد أن أتت عربة الاسعاف و اخذت شيرين و معها طارق و همت
و بجانب سالم كان يقف كلًا من احمد الصامت و صفوت المتجهم فاقترب سليم مستفهمًا
" مسكتوه؟"
سالم بقسوة
" للأسف هرب . "
سليم بصدمة
" ازاي يعني ؟ لوحده عرف يهرب ؟"
صاح صفوت بحنق
" كان مرتب كل حاجه . وكان في طيارة مستنياه فحب يلهينا بالرصاص الي ضربه عشان يلحق يهرب ..."
أطلق سليم سبة نابية قبل أن يقول بغضب جحيمي
" أنا همشي يا سالم .. ابقي حصلني .."
التفت صفوت الي سالم قائلًا
" روح معاه .. انا هخلص الدنيا هنا و اجي وراكوا .."
" احمد هنتقابل تاني عشان في حاجات لازم نتكلم فيها .."
هكذا تحدث سالم الي احمد ثم أستأذن من رجال الشرطة وتوجه خلف شقيقه ليستقلوا السيارة ثم انطلق سليم باقصى سرعه يملكها و ما أن وصلوا ابتعدوا عن المكان بمسافة كافية تحدث سالم بصرامة
" اقف علي جنب يا سليم .."
و كأنه كان ينتظر كلمات أخيه فتوقف بغتة وهو يترجل من السيارة صارخًا بملئ فمه
" لييييييه ؟ .. ليييييييه ياربي كدا ليه؟"
كان يركل مقدمة السيارة بقدمه و يوجه لكماته الي جسدها الحديدي فهرول سالم إليه و قام باحتضان كتفيه من الخلف يجذبه بعيدًا و يديه تحكمان تقييد ذلك الوحش الثائر قائلًا بصرامة
" اهدي يا سليم . غضبك دا مش هيحل حاجه .. "
تقاذف الدمع من مقلتيه كما تآزر الوجع بصدره حتي فاض به فأخذ يصرخ دون وعي
" هموووت يا سالم هموووت . ليه بيحصل كدا معايا و معاها ليييه ؟"
سالم محاولًا تهدئته
" ربنا له حكمة يا سليم و انت مؤمن. مينفعش تعترض علي قضاء ربنا ..."
خارت قواه ولم يعد في مقدوره مقاومة قدره فتلاشت أقدامه و سقط بين يدي أخيه الذي لم يتركه يتهاوي ارضًا بل ظل يسنده حتي اتكئ بثقله علي كتفه وهو يقول بقهر
" أنا مش عارف اعمل ايه ؟ افرح عشان اخويا طلع عايش و لا احزن علي ...؟"
لم يستطيع اكمال جملته فقد جن عقله حين داهمه ذلك الهاجس المميت بأنها قد تعود له فصرخ بجنون
" جنة مراتي يا سالم . مراتي انا حتي لو هتطير فيها رقاب .."
كان يصيح وهو يحاول تخليص نفسه من بين ذراعي سالم الذي أحكم تقييده وهو يقول بعنف
" اهدي يا سليم و بطل جنان.. خلينا نعرف نتكلم و نشوف هنعمل ايه في اللي جاي .. "
أخذ صدره يعلو و يهبط من فرط الإنفعال و بدد صوت أنفاسه الهادرة الهدوء حولهم فلجئ للصمت لدقائق كانت أكثر من مؤلمه فكل عضلة في جسده تئن بوجع غير مسبوق ولكنه تجاهله وقال بحنق من بين عبرات غادرة غافلته
" سالم . انت الكبير و أنا عمري ما هتخطاك بس خليك فاكر اني مش هسمح.."
قاطعه سالم بجفاء
" خلي بالك أن في امك في الموضوع.. دا بغض النظر عن أنه اخوك . "
جن جنونه وحين أوشك علي الصراخ ارعد سالم متابعًا
" خلصنا يا سليم . محدش هيجبر جنة علي حاجه و لو هي عيزاك يبقي خلصت .."
أخذ يردد كالمهووس
" ايوا عيزاني . هي بتحبني و عيزاني . انا واثق .. انا واثق يا سالم .."
فاض الكيل و هاج صدره من فرط الألم فاقترب سالم يحتوي شقيقه بين ذراعيه وهو يقول بطمأنه
" حاسس بيك بس مفيش في أيدينا حاجه نعملها . ولازم منقعش دلوقتي بالذات ."
ابتلع غصة صدئة تشكلت في حلقه وهو يتابع بنبرة خشنة
العيلة في خطر .. خليك فاكر أنها ليها حق عليك... "
انهار بين احضان أخيه حتي صار بكاءه نحيبًا تقطع لأجله نياط قلب سالم الذي شدد من عناقه وهو يقول بمؤازرة
" انت جدع و قدها يا سليم . أجمد كدا وصدقني كل حاجه هتتحل ان شاء.. "
اخذ يردد بقلب يتوسل الرحمة وعينين تحولت إلي بركان من الحمم المشتعلة بنيران قلبه
" ان شاء الله .. أن شاء الله كل حاجه هتتحل.."
***********
ضاق القلب بشوق هائل أوشك علي فضح أمر ذلك العشق الذي لا يعلم كيف تسال الي فؤاده لتلك الفتاة التي تكمن قوتها في ذلك الضعف الذي انبعث من عينيها فلم يقاومه قلبه وخر صريعًا أمامها و ها هو يخوض الصعاب و ينخرط بدوامات لا تمت له بصلة فقط لأجلها ..
لأول مرة يشعر بالخوف علي أحدهم بتلك الطريقة يريد أن يغرسها بداخل قلبه فذلك المكان الوحيد الذي يأمن وجودها به ..
" حاجه أمينة انتِ كويسه ؟"
هكذا استفهت سهام فتنبه عمار لأمينة التي كانت جالسة علي المقعد بجانبه ولكنه لم ينتبه لذلك الدوار الذي اجتاحها فترنحت بجلستها حتي كادت أن يصطدم رأسها بالزجاج أمامها فصرخت جنة وهي تمد يدها من الخلف لتسندها و كذلك مد عمار يديه علي رأسها فلامس قطرات العرق التي لمعت علي جبهتها فهتف يحاول طمأنتهم
" متجلجوش. أني هاخدها علي المستشفي العربية اللي واخدة شيرين جدامنا اهيه هنمشي وراها.."
و بالفعل ماهي إلا دقائق حتي وصلوا جميعهم الي المشفي و قام عمار بإستدعاء قسم الطوارئ فأتي المسعفين علي الفور و حملوا أمينة الي الداخل فهمست نجمة التي لأول مرة تتحدث منذ أن وقعت تلك المفاجأة علي مسامعها كونها ابنه صفوت و سهام
" روحي وراها متسيبيهاش لوحدها .."
كانت صوتها متحشرجًا و عينيها زائغة وهي تناظر سهام التي أوشكت علي الإعتراض فتدخل عمار بخشونة
" روحي يا ست سهام معاها. ومتجلجيش علي نچمة اني مش هسبها واصل .."
كان إعلانًا صريحًا منه رحب به قلبها و استنكره عقلها بشدة ولكنها لم تعلق و التفتت تنظر إلي جنة التي كانت تقف وحيدة تحتضن طفلها بيدها يقطر الدمع من عينيها التي كانت نظراتها ضائعة فرق قلب نجمة عليها فهي خابرت شعور الضياع هذا طوال عمرها مما جعل العبرات تتزاحم بمقلتيها تهدد بانفجار عنيف قد ينفجر باي لحظة ولكن لفت انتباهها حين وجدته يتوجه الي جنة حتي وقف أمامها وهو يقول بخشونة
" متبكيش يا جنة و اوعي تخافي واصل . اني چنبك و معاكِ و الكلب دا هياخد چزائه .. "
الوصف الدقيق لما تشعر به هو الاحتراق .. كل خليه بجسدها مرورًا بقلبها تعاني من ألام الاحتراق التي تفترسها دون رحمة للحد الذي جعلها تتمني نعمة الموت ولكن ضن القدر عليها بتلك النعمة و تركها تتلظي بألم قاتل لا تقدر علي الإفصاح عنه
" أنا خايفة ..."
همست بصوت خافت لا يستجيب لرغبتها في الصراخ فقد انقلب عالمها رأسًا علي عقب بعد أن ظنت بأنه أصبح جنة وردية تحوي قلوبهم و الآن ظهر شيطانها المريد الذي هدم كل شئ و ارسلهم الي الجحيم .
" اوعاكِ تخافي جولتلك . محدش يجدر يتعرضلك ولا يمس شعره منك.. لاهو أنتِ جليلة ولا اي؟ أنتِ وراكِ أهل و عزوة و عيلة تاكل الزلط لجل بناتها .. و اللي يرشهم بالمية ترشه بالدم "
هكذا هدر عمار بغضب وهو يحاول أن يجردها من هذا الخوف الذي يكلل نظراتها و لم ينتظر منها رد بل التفت إلي الممرضة التي خرجت لتوها من غرفة امينة و قال آمرًا
" بجولك يا أنسة . عايزني اوضة نجعدها فيها عشان تعبانه و لازمن الدكتور يشوفها .."
كان يتحدث وهو يشير إلى جنة فاطاعته الممرضة قائلة
" حاضر يا فندم . تقدري تتفضلي معايا يا مدام .."
" روحي معاها يا چنة و أني هطمن علي الحاچة أمينة و آجي وراكِ "
هكذا أمرها عمار فانصاعت لأوامره دون جدال فالتفت إلي تلك التي كانت تراقب ما يحدث بصمت تام وحين وجدته يلتفت إليها ادارت رأسها للجهة الأخري تنوي المغادرة لا تعرف الي اين فاوقفته قبضته علي ذراعيها وهو يقول بنبرة خشنة يشوبها التوسل
" نچمة.."
تجاهلت ضجيج قلبها و أجابت دون أن تلتف إليه
" إيوا..."
اقترب حتي صار خلفها مباشرة وقال بصوت متحشرج
" راحة فين ؟"
" ودا يخصك في أي ؟"
هكذا تحدثت بجمود فقام بإدارتها لتنظر إليه فهاله ألمها الذي يتبلور بوضوح في عينيها و قال بخفوت
" كل اللي يخصك يخصني .."
انكمشت ملامحها بألم و تشدقت ساخرة
" من ميتا الحديت دا ؟"
لم يفلح في إخفاء عشقه لذا فالاعتراف به أصبح واجب
" من اول ما سكنتي جلبي و خلتيه مش شايف غيرك . سرجتي النوم من عيني .. بجيت ضايع في غيابك كإنك أمي .. "
لم تستطيع مجابهته ولا مجابهة قلبها في حضرته فنزعت يدها من بين يديه و التفتت تقول ساخرة
"و الحاچات دي معرفتهاش غير دلوق ؟ ولا عشان مبجتش جليلة و بجي ورايا عيلة كبيرة بتخاف علي بناتها و اللي يرشهم بالميه ترشه بالدم! ولما كنت نچمة الغلبانه بت الچنايني دوس علي و ذليتني و شكيت في شرفي ؟"
كررت كلماته بحرقه فتصدعت ملامحه من فرط الصدمة لظنها أنه لم يعترف بمكنوناته الا عندما عرف حقيقة نسبها فاقترب يقول بلهفة
" اوعي تفكري ان عيلتك تهمني أو تفرج معاي .. لازمن تفهمي.. "
قاطعته بقهر منبعه قلبها المكلوم
"معيزاش افهم حاچة . خلاص كل حاچه خلصت و وفر حديتك لنفسك .. معدش له لزوم دلوق ..."
لم يكن من طبعه التوسل لأحد حتي ولو كان قلبه الضحية بالنهاية لذا قطع المسافة التي تفصل بينهم و حاوطت يديه كتفاها وهو يقول بصرامه و تصميم نابع من عينيه
" اني بحبك جوي و شايف في عنيك كتير .. عارف اني ظلمتك و غلطت في حجك. بس أنتِ حجي من الدنيا دي و هاخده. "
قاطع حديثهم خروج الطبيب الذي طمأنهم علي أمينة فاستغلت نجمة خروجه لتهرول الي الداخل تاركه إياه يحترق بشعورين كلاهما اقوي من بعض العشق و القهر ..
**********
بشفاه مرتعشة و لهجة حذره تحدث وهو يناظر ذلك الذي كانت ملامحه جامدة والتماثيل الحجرية
" مروان .. "
ابتلع غضبًا حارقًا كان يتشعب بصدره و تجلي بعروق رقبته النافرة ويده التي كانت تقبض علي المقود بشدة
يعتصره كما يعتصر قلبه ألمًا علي ما فعله عودة هذا الضال مرة أخري . فقد تحقق المستحيل لأجله و عاد !
لا يعلم كيف ولكنه يعلم جيدًا ان القادم لن يكون سهلًا
" مروان انا بكلمك .."
هكذا صاح حازم بنفاذ صبر فجاءه صوت مروان الصارم حين قال
" كلامك وفره لاخواتك .."
التفت يناظره شذرًا قبل أن يتابع بسخرية
" اتمني يكون عندك اللي تقولهولهم..."
ازدرد ريقه بصعوبة فهاقد اقتربت المواجهة التي يخشاها كثيرًا و يحمل همها منذ أن التقي بذلك الحقير الذي استخدمه ككبش فداء لخططه القذرة ..
" مروان .. انا محتاج مساعدتك... "
مروان ساخرًا
" بأي حق بتطلب مني اساعدك أن شاء الله؟ "
حازم بتوتر
" بحق أننا ولاد عم وأصحاب .."
صاح مروان باحتقار
" كنا .. كنا أصحاب ؟ أما انك ابن عمي دي للأسف مش هقدر اغيرها"
حازم بحنق حاول مداراته قدر الإمكان
" تقصد ايه ؟ انت ... انت مش فرحان أن انا لسه عايش .."
قال جملته الأخيرة بتوتر و لكنه تفاجئ حين اوقف مروان السيارة علي حين غرة ثم التفت إليه قائلًا بقسوة
" فرحان . طبعًا فرحان . بعد ما قعدنا سنة و نص نلم في وساختك . و اتحملنا قرفك و عمايلك . سيادتك تطلع عايش لا و بتسأل كمان فرحان انك عايش ولا لا ؟"
اسودت عينيه و برقت ملامحه حين أردف بوعيد
" اقولك انا احنا فرحانين ولا لا.."
لم يكد حازم يستوعب ما يقوله مروان حتي انقض عليه الاخير بلكمة قوية أطاحت برأسه الي الجهة الأخري
فارتطم بزجاج السيارة وسط صيحات مروان الغاضبة
" انت ابجح انسان شفته في حياتي .. كنت فين كل دا و سايبنا في القرف بتاعك ؟ ملقتش غير عدونا الوحيد و ترتمي في حضنه ؟ قد كدا انت زباله ؟"
تجاوز حازم عن صدمته و قد استوعب ما حدث فتناسي كل شئ و جن جنونه فانقض علي مروان محاولًا لكمه ولكن الأخير امسك يديه وباليد الأخري قام بتوجيه ضربه قويه الي أنفه الذي انهمرت منه الدماء التي أغرقت مقدمة صدر حازم فأطلق السباب من فمه و امتدت يديه جاذبًا رأس مروان يدفعه بقوة ليرتطم بالمقود ثم امتدت كفوفه تحكمان الخناق علي عنقه فأخذ يقاوم و يلكمه بكل ما يمتلك من قوة ثم فجأة وجد أحدهم يقوم بسحبه إلي الخلف يخرجه من السيارة وإذا به يري ملامح سالم المرعبة و نظراته التي تفرقت بينهم بغضب مسعور قد يكونا هما الأثنين أحد ضحاياه
" روح اركب مع سليم ..."
هكذا أمره سالم بقسوة فلم يطيل مروان انما توجه وعينيه ترسلان سهامًا مشتعلة الي حازم الذي ضرب الذعر جسده فصار يرتجف وهو يناظر سالم الذي توجه الي كرسي السائق لينطلق بالسيارة باقصي سرعة يمتلكها ...
**********
يقف أمام غرفة العمليات و بداخله ألف شعور و شعور أولهم الندم و آخرهم الألم .. لطالما كان يسخر من مشاعر الحب و ما شابهها حتي تجربة زواجه الأولي لم تكن قائمة علي المشاعر بل كان انجذابًا حسيًا و قد كان هذا مُرضي بالنسبة إليه أما الآن فهو يعاني يتألم يشعر بأن
هناك جزءًا من روحه قد انشق عنه . خاصةً وهي ترقد داخل تلك الغرفة تخضع لعملية خطيرة قد لاتنجو منها كما لن ينجو هو أبدًا من تأنيب ضميره و وصَب قلبه ..
" اه يا بنتي . اه يا حبيبتي. سامحيني يا شيرين . معرفتش اختار ليكِ أنتِ. أختك اب تفتخروا بيه . اخترت شيطان .. حسبي الله ونعم الوكيل.. "
هكذا أخذت همت تنتحب فلم يستطيع التحمل فصاح بنفاذ صبر
" ادعي لها. ادعليها يا عمتي و بلاش كلامك دا .."
همت بألم
" بدعيلها يا طارق . بس قلبي واجعني اوي .. بناتي اتحملوا نتيجة سوء اختياري .. شيرين أتعذبت كتير بسببي و بسبب الكلب دا .. حتي لما اتجوزت ربنا بلاها بمصيبة اكبر . معاشتش حياة طبيعية زي البنات.. كان عندها امل لآخر وقت أنه يبقي كويس فعلًا و احنا اللي وحشين . "
ذرفت اوجاعها مع عبراتها و هي تتابع بقهر
" يوم ما اطرد من البيت بعد ما عرفنا عمايله السودا .. شيرين جالها حمي من كتر الزعل قعدت شهر راقدة في السرير . من وقتها وهي اتبدلت.. بنتي مكنش في اطيب ولا احن منها. هو السبب في كل اللي حصلها. الله ينتقم منه .."
دهست كلماتها علي قلبه الملوث بدمائها فقد كان مشاركًا هو الآخر في معاناتها بعد ان رأي بعينيها نظرة مميزة تخصه وحده . لقد رآها من الداخل و لمس مدي ذلك العذاب الذي تعيشه و التخبط الذي تشعر به .. وبدلًا من أن يحتوي ألمها و يعبر بها الي بر الأمان اغرقها أكثر وغرق معها قلبه الذي لم يكن تخيل بأن ينبض لإمراة بعد كل هذا العمر
خرجت الممرضة بعد وقت لا بأس به فهرول الإثنان إليها للإطمئنان و صاح طارق بقلق
" طمنيني هي عامله ايه ؟"
الممرضة بلهفه
" محتاجين نقل دم ضروري و فصيلة دمها o سالب و دي مش موجوده للأسف عندنا في المستشفى.."
طارق بلهفة
" دي فصيلة دمي .. انا ممكن اتبر...."
بتر كلمته وهو يتذكر ذلك السم الذي يتجرعه والذي يقف بينه و بين إنقاذ حبيبته فدق قلبه بعنف و رفع رأسه للسماء وهو يتوسل بصمت الي الله الذي لطالما كان يعصيه و الآن هو يقف بين يديه مذلولًا بقلب ينفطر و ضمير لا ينفك يعذبه و يذكره بمعاصيه
" في ايه يا طارق ؟ مش انت نفس فصيلتها ؟ "
" ايوا نفس فصيلتها . بس مش هقدر انقلها دم ."
مفارقات القدر عجيبة او لنقل انها عقاب إلهي يستحقه فقد كان يعلم جيدًا بأن الخمر من المحرمات ولكنه لم يكن يهتم و لطالما ذكره والده بالأية الكريمة (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) وبالرغم من ذلك لايزال مستمرًا في المعصية و تناول ذلك السم الذي يقف بينه وبين إنقاذه لحبيبته فود في تلك اللحظة أن يصرخ بملئ فمه طالبًا الصفح علي ما اقترفه من آثام ..
" أني هنجلها دم ..."
هكذا جاءهم صوت عمار الذي جاء الي المشفي للإطمئنان علي أمينة التي ارتفع ضغطها كثيرًا و هاهي تخضع للفحوصات الطبية و معها سهام و نجمة التي لم تلتفت ناظرة الي وجهه للآن فخرج غاضبًا ثم توجه إلي غرفة شيرين للإطمئنان عليها.
التفت كلًا من طارق و همت إليه فهرولت الأخيرة تجاهه وهي تصيح من بين عبراتها
" الله يباركلك يا ابني . ابوس ايدك انقذ بنتي .."
عمار في محاولة لتهدئتها
" استغفر الله يا حاچه متجوليش أكده . أن شاء الله هتجوم و هتبجي زي الفل .."
انهي كلماته ثم اقترب من طارق قائلّا بمواساة
" ادعي و جول يارب .. أن شاء الله هتبجي كويسة .."
اومئ طارق بألم بينما انطلق عمار مع الممرضة للتبرع بالدماء فهمس طارق بألم
" ماليش عين ادعيله .. "
انهي جملته و استند بظهره علي الحائط ثم تهاوي علي الأرض بجسد مثقل بالذنوب و الآثام...
ضجيج هاتفه أنقذه من بئر آلامه فقام بالتقاطه مجيبًا فصدح صوت فرح المرتعب
" طارق طمني عليكوا .. "
طارق بجمود
" كويسين يا فرح . "
لم تروي إجابته ظمأ فضولها فصاحت غاضبة
" في ايه يا طارق . عرفني .. سالم موبايله مقفول و مروان و سليم مبيردوش و الحاجة أمينة معرفش راحت فين ؟"
قاطع إسترسالها في الحديث قائلًا بجفاء
" حازم لسه عايش ..."
صاعقة قويه ضربتها بعنف فسقطت علي المقعد خلفها وهي تقول بصدمة
" بتقول ايه ؟"
طارق بنفاذ صبر
" بقولك حازم طلع عايش و كان مع ناجي و معرفش اكتر من كدا . أنا في المستشفى مع شيرين عشان اضربت بالنار ."
شهقت بعنف و خرج صوتها مرتعشًا
" ايه ؟ طب هي جرالها ايه ؟ و ... و حد تاني اتصاب ؟ "
" لا هي بس .. و لسه مطلعتش من العمليات .. طالبين دم و عمار راح يتبرعلها"
كانت نبرته تقطر وجعً ذرفته عينيها أنهارًا وهي تقول بألم
" طب جنة .. جنة يا طارق فين و عرفت؟"
طارق بتعب
" فين معرفش .. بس هي كانت موجودة و شافت كل حاجه.. "
" يعني ايه متعرفش .."
أوشك علي إجابتها فالتقمت عينيه عمار القادم تجاهه بعد أن تبرع بدمائه لشيرين فهتف طارق بلهفه
" طمني عملت ايه ؟"
عمار بطمأنه
" متجلجش اتبرعت بالدم و عرفتهم لو عايزين اكتر اني موچود .."
ارتاح صدره قليلًا وثم عاد إلي فرح التي صاحت علي الهاتف
" لو دا عمار اديهولي .."
مد طارق الهاتف الي عمار الذي أجاب فهتفت فرح بلهفه
" عمار طمني علي جنة.."
عمار بخشونة
" اطمني چنة في الاوضة و بعتلها الدكتور يطمن عليها و أنا دلوق رايح لها .."
لم يكد ينهي جملته حتي وجد الممرضة التي أمرها بمرافقة جنة تهرول إليه وهي تصيح
" يا حضرة الست اللي قولتلي احجزلها اوضه معرفش راحت فين مش لاقيينها .."
انقبض قلب عمار و هتف بصراخ
" أنتِ بتجولي ايه ؟"
" بقولك مش لاقيينها دخلتها الاوضة زي ما قولت و روحت انادي للدكتور رجعت ملقتهاش طلعت ادور عليها الأمن قالي أنها ركبت تاكسي و مشيت .."
************
اوقف سالم السيارة أمام أحد المخازن بمنطقة نائية فأخذ حازم يتلفت حوله بخوف وترقب قطعه صوت سالم الصارم حين قال وهو يترجل من سيارته
" انزل ..."
لم يجادله انما ترجل من السيارة و كل خليه بجسده ترتجف ذعرًا تجلي في خطواته وهو يتوجه إلي حيث يقف سالم الي كانت عينيه لوحة لبراكين مشتعلة بنيران حارقة بثت الرعب الي أوصاله و قد تيقن من أن نهايته تلك المرة لن تكون مزيفة كسابقتها
" عايز اعرف كل حاجه حصلت من يوم الحادثة لحد النهاردة.. و ايه علاقتك بالكلب ناجي"
هكذا تحدث سالم بقسوة جعلت الكلمات ترتجف علي فمه حين قال
" سا. سالم . أنا . أنا . مظلوم .. الكلب.. اللي اسمه ناجي . دا . هو .. هو السبب .. في .. كل حاجه .."
كان يرتجف رعبًا و عينيه تذرفان الدمع ببزخ فكان مظهره مذريًا للحد الذي آلم قلبه و أثار استنكاره في آن واحد فهو لم يكن يتخيل أن يقف أيًا من شقيقيه في هذا الموقف و بتلك الطريقة لذا همس بهسيس قاتل محاولًا التحلي بفضيلة الصبر قدر الإمكان
" مش هكرر كلامي تاني .. "
يعلم أنه هالك لا محالة ولكنه اراد تخفيف وطأة كوارثه قليلاً فقال يدافع عن نفسه
" ناجي اللي خطط لكل حاجه عشان ينتقم منكوا فيا .هو اللي بعتلي ناصر عشان يشربني مخدرات. و هو اللي خلاني افكر في الهروب و هو اللي خطط لحكاية الموت دي و ساعدني فيها و هو اللي كلم الدكتور عشان يديني الحقنة اللي خلت النبض ضعيف جدا عشان لما تشوفوني تتأكدوا أن أنا ميت . و هو بردو فتح القبر بالليل و خرجوني بعد ما جهزلي ورق السفر المزور هو اللي ورا كل حاجه صدقني يا سالم اقسم بالله ما بكذب.."
انهالت الكلمات فوق مسامعه كالحجارة التي تلقاها صدره وهو يناظر شقيقه الأصغر بأعين جاحظة و انفاس محتقنه و قلب منفطر يجيش به شعور قوي من الخزي الذي تبلور في كلماته وهو يقول بقسوة
" مصدقك . وعارف انك مبتكذبش . مع اني بتمني من كل قلبي انك تكون بتكذب . و ان الكلام دا محصلش .."
اخفض رأسه بخزي من كلمات سالم التي تعري مدي ألمه و صدمته
" مش مكسوف من اللي انت بتقوله ؟ ناجي عمل كل دا و انت كنت فين ؟ عروسة بخيوط بيحركها بإيده؟ "
هكذا تحدث سالم بلهجة مفعمة بالغضب الذي اؤتعب له حازم فحاول تغيير دفة الأمور لصالحه فصاح مبررًا
" نصبلي فخ والله .. و هو اللي رمي البت دي في طريقي ... "
تحفزت خلاياه و برقت عينيه عندما تفوه حازم بجملته الأخيرة و قال بقسوة
" تقصد بالبنت دي لبني .. مش كدا ؟"
وقع في فخ غباءه فلم يستطيع الحديث فقط إيماءه بسيطة بالموافقة فجاءه استفهام سالم الذي كان يخشاه كثيرًا
" انت فعلاً اغتصبتها ؟"
كان جُرمًا لا يمكن إنكاره ولا يعرف كيف ينجو من آثاره فحاول ارتداء ثوب الطريدة إذ صاح مبررًا
" مكنتش في وعيي والله . معرفش حصل ازاي أما فوقت لقيتها جنبي غرقانه في دمها . والله مكنتش حاسس بحاجه......"
لم يكد ينهي جملته حتي تفاجئ بيد قوية تمسكه من ذراعه تديره ليصطدم بقبضة فولاذية نالت من أنفه و ذلك الصوت المرعب يصرخ موبخًا
" يا كلب . يا حقير . ازاي جالك قلب تعمل كدا في بنات الناس .. انا هقتلك و اشرب من دمك
.."
انتفض سالم يحاول انقاذ حازم من بين مخالب سليم الذي كان يكيل له اللكمات بوحشية وهو يصيح هادرًا
" الله يلعنك . يا كلب .. انا لازم اخلص عليك .."
تدخل مروان هو الآخر يساعد سالم في التفريق بينهم فيما صرخ الأخير
" اهدي يا سليم. سيبه هيموت في ايدك .."
سليم و هو ينازع حتي يطال عنق حازم الذي أبعده مروان عن مرمي يديه
" سيبني عليه يا سالم . الكلب الواطي اللي حط راسنا في الوحل. جاي يقول غصب عني . دانا هشرب من دمه..."
لم يستطيع تحمل توبيخ سليم له و انقضاضه عليه بتلك الطريقة فصاح وهو يجاهد حتي يفلت من بين يدي مروان
" وانت مالك اهلك .. كنت وصي عليا ولا وصي عليا طب جرب تقرب مني تاني .."
سليم بغضب جحيمي
" و كمان ليك عين تبجح يا كلب .. موتك النهاردة علي ايدي ..."
ما حدث تخطي حدود احتماله و انهار ثباته و جموده أمام غضبه الضاري و خرج الوحش من مكمنه فقام بجذب سليم بعنف حتي ألقاه أرضًا ثم التفت بنفس اللحظة و وجه لكمة قويه الي وجه حازم الذي كان يستعد للهجوم علي سليم فأردته الضربة ارضًا فيما صاح سالم بزئير ارعد الجميع
" بس انت وهو .. خلاص هتضربوا بعض قدامي . معدش ليكوا كبير . ورحمة ابويا لهكسر عضمك منك له ..."
انتفض حازم زعرًا بينما حاول سليم ابتلاع غضبه فهب من مكانه وهو يقول بلهجة حادة
" انت مش سامع كلامه . دا مغتصب و حقير لا و بيبجح كمان..."
سالم بعنف
" اسكت يا سليم .."
تعاظم الحنق بداخله و لم يستطيع الصمت لذا صاح بعنف
" انت مش كبيري و كلامي مع سالم . و ملكش ضرب عليا."
سليم بتهكم مرير
" صح عندك حق انا مش كبيرك ولا ليا ضرب عليك . لكن مجبر ألملم بلاويك و اصحح عمايلك السودا صح ؟"
حازم بسخرية
" انت ململمتش ورايا . انت اتجوزتها عشان حبيتها. طمعت فيها لنفسك .. فسيبك بقي من دور سوبر مان اللي عايز تلبسه علي قفايا و عمومًا انا رجعت و هصصح غلطي... "
صمت لثوان يتابع وقع حديثه علي ملامح سليم التي اسودت من فرط الصدمة فتابع حازم بتشفي
" و هشيل شيلتي كاملة .. متقلقش .."
"
يتبع....
يا حلوين عايزة رأيكم ♥️
و متنسوش (فوت .. كومنت و فولو ليا )
ملحوظة انا لسه مظبطتش المواعيد فمش عارفه البارت الجديد امتا
دا اقتباس من الروايه الورقي يا حلوين اللي لسه محجزش نسخته يلحق قبل الطبعة الثانية ما تخلص ♥️
أنت الذي كنت تناديني روحي .. كيف استطعت بكل بساطه أن تقتل روحك هكذا ؟؟."
دار المفتاح بالباب الذي انفتح فدخل حامد و تفاجئ من مظهرها فقال بإستفهام
" لماذا تجلسين كالتمثال هكذا ؟"
ارتفعت عيناها تناظره بصدمة و استنكار كيف يقف أمامها بتلك الصلابة و يداه ملطخة بدماء روحها التي ازهقها بفعلته تلك!
كيف ينظر إلى عينيها بهذا الثبات وقد طعنها بظهرها بخنجر خيانته النكراء لها ؟
تألمت كما لم تتألم من قبل و انكوت بنيران لم تعهدها سابقًا وأخذت تناظره دون أي حديث فقط نظرات ضائعة مُعذبة.
كان مظهرها يدعو للريبه وصدمتها جعلت الرعب يغزو قلبه و ارتعدت فرائصه من أن تكون علمت ما فعله و ظل واقفًا في مكانه للحظات لا يستطيع الإقتراب منها إلى أن لفت انتباهه تلك الورقة الملقاة أرضًا فأقترب منها بقدم رخوة ليتفقدها و ما أن التقطها و شاهد قسيمة زواجه من «هبة» حتى سقط قلبه بين أقدامه و اغمض عينيه بشدة فقد انكشف كل شيء
" لما ؟"
بقلب محترق مثقل بعتاب كبير سألته؟ كان سؤال لا فائدة منه ولكن توقف عقلها أمامه ولا يريد استيعاب أي شيء آخر .. فالأمر كان كارثي .. أشبه بأن تشفق على مسكين جائع فتطعمه من خيرات كرمك وحين شعر بالشبع غرز خنجره في منتصف قلبك من دون أي ذرة ندم.
اخترق سؤالها المكون من ثلاث حروف أعماق فؤاده الذي كان يحاول إسكاته طوال هذه المدة ولكن الآن وضعه أمام حقيقة لا يستطيع البوح بها
" لما قتلتني بتلك الطريقة؟ "
أعادت صياغة سؤالها بصورة أقسى فلم يستطيع إجابتها فقد بدأ وكأنها تريد أن تضغط على وجيعته أكثر فما هو مبرره لما فعل ؟
لا يقدر على إجابتها و لا يجد بداخله أي عذر يبرر غدره بها بتلك الطريقة هل يخبرها بأنه قتلها ليحي رجولته أمام والدته ؟
ثار كبرياءه عليه وقال بقسوة
" لم أرتكب شيء حرام او عيب .. فهذا حقي الذي شرعه الله لي ."
برقت عيناها من حديثه الذي أشعل فتيل الغضب و فجر براكين الألم بداخلها فهبت من مكانها قائلة بقسوة
" شرع .. هل شرع الله الكذب ؟ هل شرع الله الخيانة ؟ هل شرع الله الغدر ؟"
صاح بمراوغة
" لم أغدر بكِ و لم أخونك"
ارتفع وجيب قلبها و هاج ألمها أكثر فخرج صوتها متحشرجا حين قالت
" ماذا عن ذلك العهد الذي عاهدتني إياه ذات يوم بأنه لن تسكن أنثي غيري قلبك ولا جدران بيتك ."
كان عتابها قاسيًا و كأنه جلاد سوط لا يستطيع الإفلات من ضرباته فالتفت ينظر إلى الجهة الأخرى وهو يقول بمراوغة
" أنتِ .. أنتِ .. من بدأتي .. حين عاملتِ أمي بهذا السوء. و أنا .. أنا . "
لم يجد ما يقول و فجأة تضائل حجمه بعينيها و رأته بصورته الطبيعية إنسان مجرد من الرجولة لا يملك من أمره شيئًا أضعف من أن يحميها و أقل بكثير من أن يحتوي إمرأة مثلها.
" أنت .. أنت حتى لا تملك عذرًا مقبولًا لفعلتك .. انتظرت أن تخبرني بأنك أحببتها أو أنك وجدت بها ما لم تجده عندي .. ولكنك حتى لا تعلم لما تزوجتها!"
ارتسمت إبتسامة مريرة على شفتيها حين قالت بتهكم
" هل نسأل والدتك لما تزوجتها؟! أخبرني يا حامد هل تذكر اسم تلك المرأة التي تزوجتها أم انك لا تعرفه؟"
صرخ بغضب من إهانتها التي أصابت كبد الحقيقة التي يحاول التملص منها
" كفى .. لا أسمح لكِ "
تجاهلت حديثه وتابعت بإحتقار
" أتساءل هل كنت عمياء لهذا الحد كي لا أرى حقيقتك أم أنت من كان بارعًا بالتمثيل ! "
تجاهل كلماتها المهنيه وقال بنفاذ صبر
" لا مجال لهذا الحديث الآن .. فهذا هو الأمر الواقع وعليكِ أن تتقبليه وتحاولين التأقلم عليه."
تحول الألم بداخلها إلى غضب عارم جعل حدقتاها تصطبغ باللون الأحمر القاني و هتفت صائحه بصوت كان غليظًا
" مخطئ يا حامد .. فذلك الأمر الواقع لم يعد يشملني .. و أنت من يجب عليه التأقلم على ما سيحدث
" ماذا تقصدين ؟"
هكذا سألها بذعر تجلي بوضوح في عينيه
" طلقني .
"#تردي_في_العشق_قتيلاً
#نورهان_آل_عشري
#قيثارة_الكلمات
#معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب٢٠٢٤
#صالة1_جناحa37
#العلا_للنشر_والتوزيع
لطلب الروايه علي الواتساب علي الرقم دا
01026326295
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الثاني وستون 62 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
متنسوش (فوت + كومنت + فولو ليا ♥️)
الأنشودة الثانيه 💗
خلف جدار الكبرياء يوجد خيبات عظيمة و آلام مريرة و أرواح تحرق قهرًا بينما القلوب معبأة
بـ استفهامات مؤلمة تطوف في فلكها علي غير هُدى !
هل تلك هي النهاية ؟ ام أن للقدر الذي جمعنا يومًا قد يُشفِق علي قلوبنا من جراح لن تندمل ولن يفلح في براءها شئ ؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
" انت ململمتش ورايا . انت اتجوزتها عشان حبيتها. طمعت فيها لنفسك .. فسيبك بقي من دور سوبر مان اللي عايز تلبسه علي قفايا و عمومًا انا رجعت و هصصح غلطي... "
صمت لثوان يتابع وقع حديثه علي ملامح« سليم» التي اسودت من فرط الصدمة فتابع «حازم» بتشفي
" و هشيل شيلتي كاملة .. متقلقش .."
انحبست الأنفاس بصدره و شكل الغضب سحابة سوداء مظلمة انعكست علي ملامحه و خيمت علي نظراته التي توحشت و كذلك لهجته التي كانت وعِرة حين قال
" شيلتك ! طب لو راجل فكر بس تنطق اسمها ! وقتها انا اللي هدفنك حي . بس المرة دي مش هتلاقي حد يخرجك من القبر تاني .."
لا ينكر خوفه الذي غذا سائر جسده من كلمات «سليم» ولكنه لم يستطيع الوقوف أمام تهديده صامتًا فصاح مهددًا
" و ابني هتمنعني اجيب سيرته بردو ؟"
أوشك «سليم» علي الحديث فاوقفته كلمات «سالم» الصارمة
" انا اللي همنعك ! "
التفت الجميع الي «سالم» الذي بدت ملامحه مرعبة و كذلك نظراته فلامس الذعر قلبه لذا سلك طريق الضعف الذي يعلم جيدًا أن «سليم» لن ينجرف إليه ولو بكلمة واحدة
" بس انت كدا بتظلمني يا سالم . انا كنت ضحية لتار قديم من قبل مانا اتولد .. عارف اني غلطت بس دفعت تمن غلطي كبير اوي .."
كان أكثر من يعرفه حتي تلك النظرات التي أتقن تزييفها لم تكن لتؤثر به ولكنه يعلم أن «سالم» لطالما كان يعتبره ابنه و ليس شقيقه لذا اقترب منه يحاول أن يمنعه من الانجراف خلف تيار الخديعة فتفاجئ من يد« سالم» التي امتدت لتوقفه بمكانه و كذلك نظراته التي كانت قاسية وهي تناظره فهوي قلبه رعبًا من القادم و خاصةً حين وجد تلك اللمعة الشامتة بعيني «حازم» والتي سرعان ما انمحت لدي سماعه جملة «سالم» التي كانت كالصاعقة علي آذانهم
" المساواة في الظلم عدل ! و انت ظلمتنا كلنا يبقي تاخد نصيبك.."
تحولت تظراته الزائفة الي رعب حقيقي وهو يقول بشفاة مرتجفة
" سالم..."
قاطعه سالم بصرامة
" اخرس ... "
التفت إلي كلاً من «مروان» و «سليم» المتجهم و قال بأمر
" سليم خد مروان و اسبقوني عالمستشفي متسبش عمتك لوحدها هناك .."
«سليم» بجفاء
" و انت ؟"
«سالم» بوعيد
" انا وحازم بينا كلام لسه مخلصش .. "
تدخل «مروان» مستفهمًا بقلق
" طب و ناجي يا سالم دا هرب و هروبه دا مش مريحني انا خايف ليعمل مصيبة ولا يأذي حد بعد اللي حصل دا .."
التقت عيني الشقيقان فتولي «سليم» الرد بدلاً عن «سالم» حين قال بجفاء
" البيت والمزرعة متأمنين كويس.. و صفوت كمان زمانه وصل المستشفي دلوقتي و عامل حسابه لأي حركة غدر . "
ثم التفت إلي «حازم» الذي كان يتابع ما يحدث بخوف وترقب ثم أردف ساخرًا بمراره
" و لو أن الغدر دلوقتي بقي بييجي من اقرب الناس ! "
يود لو يطلق العنان لعبراته أن تنهمر ولكنه يخشي أن لا يتسع العالم لاستيعابها. كما لم يعد صدره يتسع لهذا الألم الذي يفتك به الآن فهذا الذي يقف أمامه هو شقيقه الأصغر الذي كان يعتبره بيوم من الايام ولده علي الرغم من قسوة طباعه ولكن بداخل قلبه كان يحمل الكثير والكثير من الحب و قد بلغ ألمه حدود السماء ذلك اليوم الذي أعلن فيه خبر موته. حتي أنه كان يتمني لو يكن معه و يفديه بروحه و يلقي بنفسه في أحضان الموت بدلًا عنه !
و الآن ها هو يقف أمامه بصدر محترق وعقل ممزق
و روح تائهه تراه عدوًا لا يقدر علي أذيته و حبيب لا يستطيع الاقتراب منه !
بدد الصمت المحيط بهم صوت هاتف «سالم» الذي تأجج قلبه حين رأي اسمها و ود لو كانت الي جانبه في تلك اللحظات العصيبة و الأصعب في حياته لذا لم يتواني عن الرد وهو يشير بعينيه إلي «مروان» الذي لامس كف« سليم» و أشار له بالمغادرة بينما أجاب «سالم» بتعب
" ايوا يا فرح.."
" الحقني يا سالم جنة مشيت و مش عارفين راحت فين ؟ "
صدح صوت بكائها فدوي صداه بين جدران قلبه فصاح مهدئًا
" اهدي يا فرح و بطلي عياط و فهميني ايه اللي حصل ؟"
اخترقت كلمات «فرح» المشجبة قلب «سليم» الذي ارتج مذعورًا حين سمع اسمها و قطع الخطوات الفاصلة بينه وبين «سالم» ليعرف ماذا حدث فهوي قلبه بين أقدامه حين استمع الي حديثها
" كانت معاهم في المستشفي و تعبت شويه فعمار حجزلها اوضه ترتاح فيها و سابها مع الممرضة و راح يتبرع بالدم لشيرين ... وبعدها جت الممرضة تقوله ان جنة مشيت والامن شافها وهي خارجه من المستشفي بتجري و مش عارفين راحت فين .."
لم ينتظر لسماع كلمة أخري بل هرول إلي سيارته و كذلك «مروان» خلفه فقد أظلمت عينيه بذعر وهو يتخيل ألف سيناريو سيء قد يحدث معها ..
" فرح بطلي عياط عشان نعرف نفكر . أنتِ اكتر واحده عارفه جنة . تفتكري تكون راحت فين؟"
هكذا تحدث «سالم» بخشونة فالمصائب لا تنفك عن الوقوع فوق رأسه الذي قاب قوسين أو أدني من الانفجار من كثرة الضغط الواقع عليه
" جنة خايفه يا سالم . و اكيد مش عارفة هي بتعمل ايه ؟ انا مرعوبة ليحصلها حاجة "
هكذا تحدثت «فرح» بشفاة مرتجفة من بين عبرات غزيرة و قلب يتألم علي شقيقتها و ما يحدث معها و قد هاله صوت بكائها فكان أكثر من قدرته علي التحمل فقال بلهجة حانقة
" المرة الكام اللي هقولك بطلي عياط . هتبقي مبسوطة لو وقعتي يعني ؟"
تأثرت من طريقته معها وهمست بألم
" غصب عني.. انا خايفة علي جنة.."
غضب من نفسه لصراخه عليها و قال بخشونة
" كلنا خايفين عليها. و ان شاء الله هنلاقيها. ياريت تتماسكي شويه."
أخذ نفسًا طويلًا عله يطفيء ما بجوفه من حرائق ثم تابع بلهجة مبحوحة مُشددًا علي حروفه
" اتماسكي لحد ما اجيلك بس يا فرح.. "
لم يكن غزلًا ولا إعلان صريح بالحب ولكنها كانت كلمات عميقة تحوي في طياتها مقدار خوفه عليها و عدم رغبته في أن تنهار وهو بعيد عنها .. لكم تعشق هذا الرجل الذي و هو في أحلك لحظاته وغمرة مصائبه يخشي عليها ولا ينساها أبدًا لذا همست بلهجة عاشقة أكثر منها مطمئنة
" حاضر يا حبيبي. بس عشان خاطري خلي بالك من نفسك ... "
لثمت كلماتها جراحه الدامية و هدأ فؤاده بهمسها الناعم فأجابها بخشونة
" و أنتِ كمان خلي بالك من نفسك.."
"حاضر بس الله يخليك لو عرفت حاجه طمني علي طول .. "
هكذا أجابته بلهفة فأجابها باختصار
" أن شاء الله.."
اغلق الهاتف فتفاجئ بكلمات «حازم» المندهشة
" معقول سالم الوزان بجلالة قدره بيحب ؟"
التفت «سالم» وقد تبدلت ملامحه لأخرى قاتمة فتراجع «حازم» خطوتين وهو يرى «سالم» يتوجه إليه قبل أن يقول بقسوة
" كلامنا هيتأجل لحد ما اخلص اللي ورايا . ولحد ما نقعد و تحكيلي اللي حصل اعرف انك ميت! ولو حاولت تثبت العكس هتموت بجد..."
تصدعت ملامحه خوفًا فقد كان يعلم أن ما حدث لن يمر و أن القادم أسوأ بكثير مما مضي ولكنه حاول أن يلامس اللين في زوايا قلب «سالم» فقال بصوت متحشرج يحوي بكاءً مريرًا
" مش هعمل اي حاجه تضايقك من تاني . و مش خايف من عقابك علي فكرة انت ابويا وانا عارف انك حتي لو عاقبتني اكيد مش هتأذبيني .."
لم يتلاشي جموده ولم تهتز ملامحه انما تحدث بجفاء
" انا مش ابوك يا حازم .. انت متشرفش اي حد...
و الحمد لله أن ابوك مات قبل ما يشوفك في الوضع دا.. يالا قدامي .."
****************
مرت دقائق كانت دهرًا الجميع متأهب والجو متوتر مشحونًا بموجات كهربائيه تجعل الصدور تعلو وتهبط من فرط الإنفعال و الأنفاس تتخبط و كلًا يملك بقلبه وجعًا أقسى من الآخر
" الله يخربيتك يا حازم الكلب . قارفنا عايش و ميت .."
هكذا هدر «طارق» بنفاذ صبر وهو يتحدث مع «مروان» علي الهاتف فزفر الأخير حانقًا
" دا حيوان. لو تعرف اللي عمله وقاله لسليم . لولا سالم كان موجود كان دفنه مكانه.."
«طارق» بحدة
" المشكله ان اللي هيطوله هيطولنا احنا كمان . انا معرفش سالم هيعمل ايه في حوار البت اللي اغتصبها دي ؟ "
صاح «مروان» بقسوة
" لا و الباشا بيقولك قمت لقيتها غرقانه في دمها . و مكنش حاسس بحاجة ."
«طارق» بصدمة
" يعني اعترف أنه فعلًا اغتصبها ..؟"
" بقولك بيقول كان شارب و مكنش في وعيه ..."
«طارق» بسخرية
" الواد دا بيكذب .يعني ايه مكنش في وعيه .هو موصلش لدرجة الإدمان عشان يغيب عن الوعي. الحاجه اللي ممكن تعمل كدا الخمرة . "
تصدعت ملامحه من فرط الصدمة و صاح بحنق
" يا ابن ال.... بيدور علي اي حاجه تشفع له عند سالم و تخفف من عقابه . بس لا انا هلفت نظره بردو .. عشان يأدبه صح "
زمجر «طارق» متوعدًا
"هنأدبه ! اسمها هنأدبه . وحياة امي شيرين تقوم بالسلامه بس و هفرتك أمه.."
أخذ عقله منعطفًا آخر و عقب ساخرًا
" اه صحيح ايه دور شاروخان اللي انت عايش فيه دا ؟ "
أوقفه قبل أن يتمادي في سخريته فهو يعرف كم أنه لعين لذا تحدث بفظاظة
" لسانك لو هلفط هقطعهولك .. سامعني صح !"
«مروان» بحنق
" سامعك ياخويا... بس تعرف لايقين علي بعض.. هنعمل قصتكوا فيلم ونسميه العقرب و الأفعي.. من اول بوسه هتموتوا مسمومين أن شاء الله.."
لم يكد ينهي جملته حتي وجد الهاتف قد أغلق في وجهه فلم يبالي إنما التفت إلي «سليم» الذي كان وجهه مكفهرًا و عينيه مشتعلة بنيران الفقد و الخوف و الضياع فاندفع «مروان» باستفهام
" ها في جديد ؟"
اختصر وجعه بكلمة واحدة
" لا .."
التفت صاعدًا الي السيارة و كذلك «مروان» الذي تابع استجوابه قائلًا
" طب ما يمكن الست دي بتكذب عليك .!"
زفر «سليم» بغضب تجلي في قيادته المتهورة و نبرته المرتفعة حين قال
" مجتش عندها يا مروان.. حلفتلي ستين يمين أن من يوم ما سافرت هي و فرح مشافتهمش واصلًا المفتاح معاها يعني لو كانت جت هنا اكيد هتروح تاخده منها.. "
تعاظم القلق بداخله فقد أمضوا أكثر من خمس ساعات يبحثون بكل مكان حتي أوشك الليل علي إسدال ستائره و تشعب الغضب بصدر «سليم» فباتت كل خليه به تؤلمه احتقنت عينيه بنيران القهر و الخوف فلما غادرته بتلك الطريقة؟ و تركته فريسه شهية لأنياب القلق و الخوف الذي كان يقطر من لهجته حين همس قائلًا
" انتِ فين يا جنة؟ روحتي فين بس .."
في المقابر تحديدًا عند قبر المرحوم «محمود عبد الحميد عمران» كانت تجلس طفلة تحمل بين يديها طفلًا صغيراً و هي تستند بكامل ثقلها علي القبر خلفها وكأنها ترجو من في داخله أن يحتضنها حتي يهدأ ذلك الوجع الذي ينخر عظامها دون رحمة ناهيك عن قلبها الذي أكله جمر الخوف الساكن بمقلتيها فذرفته علي هيئة انهار غزيرة روت الأرض تحت أقدامها و كأنها بحار لا تنضب كما لا ينضب الحزن داخلها
" بابا .. انا خايفة .. خايفة اوى .. و مش عارفه اعمل ايه ولا اروح لمين؟ "
هكذا خرج صوتها جريحًا كحال قلبها و خالط الدمع حروفها الواهنة حين تابعت
" لقيت نفسي بجري .. قعدت اجري لحد ما نفسي اتقطع.. و لقيت نفسي جيالك .. زي ما كنت بعمل زمان ، و نفسي اوي اترمي في حضنك و تطبطب عليا و تقولي متخافيش .. "
كانت كلماتها تخرج من بين نهنهات متقطعة تعالت حتي بدد صداها الهدوء حولها و خاصةً حين صرخ «محمود» بين أحضانها فأخذت تناظره بألم و قلة حيلة تجلت في نبرتها حين قالت
" حتي محمود خايف ... انا .. انا مش عارفه اطمن ابني ولا اكونله ام حقيقة .. انا تعبت اوي ... تعبت يا بابا تعبت .."
" جنة..."
كانت الكلمات تخرج متقطعة من بين دموع الوجع الذي ارتد بصدر «سالم» الواقف منذ دقائق يتابع حديثها المتألم ولم يريد مقاطعتها فقد تركها حتي تفرغ ما بجوفها اولًا عل ذلك يساعدها ولو قليلًا ولكن صراخ «محمود» كان اذنًا له بأنه حان أوان تدخله فنادي باسمها فارتعبت حين اخترقت لهجته خلوتها فهبت من مكانها تلتفت اليه فإذا به يتقدم منها بهيبته و حضوره الذي لطالما أخافاها منه ولكنها لم تستطيع منع نفسها من السؤال حين همست
" انت عرفت مكاني ازاي ؟"
«سالم» بخشونة
" سهل اوي اتوقع تفكيرك هيوديكي فين ؟"
" فين ؟"
استفهمت بشفاة مذمومة تجاهد سيل العبرات من الهطول فأجابها بسلاسة
" لأكتر حد يطمنك. و اكتر مكان هتكوني في امان فيه .. بس للأسف اختارتي المكان الغلط يا جنة.."
قال جملته الأخيرة بعتب فتبددت نظراتها المندهشة من إجابته و قد اربكها بُعد نظره و فطنته و كيف أنه توقع مكان وجودها ولكن جملته الأخيرة آلمتها فخفضت رأسها لذا أردف بهدوء
" مينفعش تسيبي كل اللي عندك و تدوري عاللي مبقاش موجود !"
وصل إلي مسامعه صوت نحيبها فاقترب يأخذ «محمود» من بين يديها وهو يقول بتفهم
" انا عارف اللي أنتِ حاسة بيه .. و خوفك من اللي جاي.. بس هروبك مش حل .. دا بيزود المشكلة اكتر .."
همست بيأس
" طب اعمل ايه ؟ انا كل حياتي انهارت و اتدمرت .."
«سالم» بخشونة
" هتنهار لو أنتِ سمحتي بدا .. "
اجتاحت عينيها موجة من التساؤلات فعقب قائلًا
" أنتِ عارفه حالة «سليم» عاملة ازاي دلوقتي ؟"
كيف لا تعلم حال ذلك الذي سكن قلبها و استحوذ علي وجدانها فقد كانت أكثر من يشعر به ؟ ولكن موجة من الضياع جرفتها فلم يعد عقلها يعمل كل ما كان يدور بمخيلتها أنها أصبحت بلمح البصر زوجة لرجلين ..
" عارفه .. انا اكتر حد حاسس بيه و عارفه ايه جواه.."
" طب يرضيكِ حالته دي ؟"
كان استفهامًا يحوي عتابًا قاسيًا علي قلبها ولكنه لم يتيح لها الفرصة للرد إذ تابع قائلًا
" انا كان ممكن أقوله علي مكانك . بس حبيت اتكلم معاكِ الاول .."
رفعت رأسها دلالة علي انصاتها الي ما يريد قوله فقال ويديه تجذبانها الي السيارة حتي يقيها هي و الصغير من هذا البرد القارس
" تعالي نقعد في العربية عشان نعرف نتكلم .."
بالفعل اطاعته حتي استقرت الي جانبه في السيارة التي أدارها ليصل الي أحد المحلات التي تصنع المشروبات الساخنة و قام بطلب كوب من الشيكولاته الدافئة التي أخبرته «فرح» يومًا بأنها تحبها و ناولها الكوب حتي يدفئ جوفها و انتظر أن تهدأ قليلًا قبل أن يقول مشددًا علي كل حرف يخرج من بين شفتيه
" انتِ مش لوحدك يا جنة . أنتِ حواليكي ناس كتير بتحبك فمينفعش أبدًا تهربي وتسبيهم هيتجننوا من القلق كدا .. "
أوشكت علي الرد فاوقفها بحركة من يده حين تابع بصرامة
" هخلص كلامي و قولي اللي أنتِ عيزاه بعدها.. "
اومأت بالإيجاب فتابع بلهجة اهدأ قليلًا
" بخصوص الوضع اللي أنتِ فيه دا فأتأكدي ان محدش هيقدر يفرض عليكِ حاجه . و اللي أنتِ عيزاه بس هو اللي هيحصل . "
همست بضياع
" تقصد ايه؟"
«سالم» بحزم
" اقصد انك مسئوليتي انا من النهاردة. أنتِ و ابنك و كذلك حازم و سليم . شوفي ايه اللي هيريحك وانا معاكي فيه . واوعي تخافي من حد وانا موجود.. سمعاني؟"
لا تنكر شعور الراحة الذي تسرب الي قلبها جراء كلماته فهمست بامتنان
" انا مش عارفه اشكرك ازاي؟"
سالم مقاطعًا
" متشكرنيش و متكرريش اللي عملتيه النهاردة تاني . الهروب عمره ما كان حل بالعكس .. دا هيضرك و هيضر اللي حواليكي .."
نجح في إضرام نيران الذنب بقلبها فقالت بأسف
" انا عارفه انكوا اكيد قلقتوا عليا و أكيد فرح اتجننت.. انا كان نفسي تكون جنبي و اترمي في حضنها كان نفسي اخدها هي و محمود و اهرب لبعيد ..."
تحفزت خلاياه من حديثها و قاطعها بحدة
" فرح دي ملكية خاصة مينفعش تتحرك خطوة واحدة بعيد عني .. "
لاحت ابتسامة باهتة علي شفتيها من حديثه عن شقيقتها و همست بخفوت
" فرح محظوظة بيك.. و بتحبك اوي علي فكرة .."
اي حب الذي يمكن أن يصف ما بينهم أنه تخطي حتي العشق شيء أشبه بالهوس يجعل شوقه لها لا ينضب ابدًا بل كلما اقترب منها يتعاظم الشوق بداخله أكثر فلا يستطيع الابتعاد عنها أبدًا
"عارف ... فرح دي تميمة الحظ بتاعتي .. "
هكذا خرجت الكلمات من جوفه محملة بأشواق عاتية لوجودها بجانبه و عشقًا محمومًا خلق لها فقط..
" ربنا يخليكوا لبعض .."
هكذا همست حين شاهدت تبدل ملامحه وهو يتحدث عنها و نظراته التي رقت ولكن تبدلت لهجته ما أن لاحظ تغيير مسار الحديث فأعاد الدفة الي الموضوع الأساسي مرة أخرى حين قال بخشونة
" قرري أنتِ عايزة ايه ؟ وعرفيني "
لم تستطيع منع نفسها حين قالت بلهفة
" طب . طب انا ممكن اطلب طلب ؟"
" اطلبي .."
تحشرجت نبرتها وهي تقول
" انا محتاجه اقعد لوحدي شويه مش قادرة اتواجه مع حد . ولا أتكلم حتي .."
لم تكن تعرف كيف تصيغ كلماتها ولكنه فطن ما تريده فقال باختصار وهو ينطلق بسيارته
" زي ما تحبي ..."
************
لم يكن يحتمل حتي النفس الذي يُبقيه علي قيد الحياة و ود لو يتوقف قلبه عن النبض يعلن نهايه حياته و ألمه الذي جعله يقف بتلك البقعة النائية في أرضهم وهو يبكي كطفل صغير ضاع عن والدته و الحقيقة أنه لم يكن بكاء بل كان نحيبًا وسط نهنهات قويه تردد صداها بصدره المنقبض وكأن العالم كله يرسو فوقه..
اختار تلك البقعة المعزولة يبكي امرأة لم يتردد في إعطائها قلبه الذي قدمته قربانًا لشياطين الجحيم بخيانتها !
تلك الكلمة تقسم قلبه إلى نصفين كيف لملاكًا مثلها أن يفعل ذلك ؟ إن لم يكن رآها بعينه لم يكن يصدق بل لم يكن يتردد في إفراغ طلقات سلاحه علي من يخبره عنها امرًا كهذا...
كم من التساؤلات تدور في فلك عقله الذي كاد أن يجن كلما تذكر مشهدها بين ذراعيه حتي أنها لم تُكذب ما حدث ! لم تكن تملك إجابة بل تركت له نفسها ليزهق روحها بيديه دون مقاومة منها !
صرخة قويه شقت جوفه تعبر عن الوجع الكامن بصدره الذي أخذ يضرب عليه بقوة حتي يوقف سيل نزيفه و ذلك الألم الذي سيقضي عليه حتماً
ضاق ذرعًا بهاتفه الذي أخذ يرن و يرن دون توقف وقد ظن انها والدته فقام بالتقاطه ليجيب بنفاذ صبر
" عايزه ايه مني يا ماما ؟"
" الكلب اللي اسمه حازم لساته عايش يا ياسين !"
اخترقت جملته أذن «ياسين» الذي صمت لثوان من تأثير الصدمة ثم هدر باستنكار
" انت اتجننت يا عمار حازم مين اللي لسه عايش ؟"
«عمار» بحدة
" بجولك لساته عايش واني شفته بعيني .. و مش أكده وبس دا الكلب طلع عامل بلاوي زرجا .. ده مغتصب بنت و كانت هتروح فيها بسببه .."
انهالت الصدمات علي مسامعه فلم يكد يستوعب ما حدث حتي أضاء عقله بفكرة فوثب واقفًا و قد تعالت أنفاسه و أخذ يدور حول نفسه واضعًا يده الحرة فوق جبهته ثم قال صارخًا وهو يقاطع حديث عمار الذي أخذ يسرد ما سمعه من مكالمة طارق و مروان
" تعرف توصفلي شكله ؟ طوله عرضه هيئته !"
«عمار» باندهاش
" ايه اللي عتجوله ده ؟ اوصفلك ايه ؟ هو أني بجولك چايبلك عروسه ولا اي؟"
لم يتمالك نفسه فصرخ بعنف
" مش وقت سخافتك يا عمار بقولك اوصفهولي .."
اطاعه «عمار» و أخذ يصف له هيئة «حازم» و قد كانت الحروف وكأنها تحرق صدره و علا هدير أنفاسه أكثر و تقاذف الدمع من عينيه وهو يهمس بينه وبين نفسه
" حلا مش خاينه .. مش خاينه.. "
لم ينتظر أكثر انما اغلق الهاتف بوجه «عمار» و أخذ يهرول الي المنزل ليقر عينيه برؤيتها و ليطلب منها الصفح حتي وإن كلفه الأمر أن يتوسل لها أن تسامحه و أخذ يردد عبارات الحمد أن والدته تدخلت في الوقت المناسب لمنعه من اقتراف جرمه العظيم بحقها فو لم تتدخل و أزهقت روحها بين يديه لم يكن يكفيه حتي و إن قتل نفسه بدل المرة ألف
اقتحم المنزل فوجد والدته تجلس بتعب تستند برأسها فوق كفها وهي متجهمة فصاح من بين أنفاسه اللاهثة
" حلا فين ؟"
هبت «تهاني» من مقعدها بخوف تجلي في نبرتها حين قالت
" عايز اي منيها ؟ بجولك ايه يا ياسين.."
قاطعها بلهفه
" عايز اعتذر لها يا ماما . انا ظلمتها ظلم كبير اوي وهي معملتش حاجه ."
صاعقة اصابت «تهاني» التي ضربت بعنف علي صدرها وهي تولول
" يا مُري هو انت عرفت ؟"
أثارت فعلتها حفيظته فتحدث بترقب
" عرفت ايه؟ ماما .. حلا حكتلك حاجه ؟"
لم يكن أمامها بُد من من مصارحته حين اخذت تقص عليه ما أخبرتها به «حلا» و أنهت حديثها محذرة
" يكون في علمك اني مش هجبل اني اخسرك زي ما خسرت اخوك . ابعد عن الموضوع ده. واني اتفجت معاها. جعادها اهنه معاك جصاد انك تبعد عن المچرم ده .."
أيقظت كلماتها جيوش غضبه هل بعد ما حدث لازالت تدافع عن ذلك المغتصب ؟ زمجر باهتياج وهو يتوجه إلي الأعلي و كأنه يتشاجر مع خطواته الي أن اقتحم غرفتهم فوجدها راقدة علي مخدعهم وهي تنظر إلي السقف مغمضة عينيها فاستفهم بلهجة حادة كالسيف
"اللي معاكِ دا كان حازم صح ؟
هكذا استفهم بغضب و ترقب فهبت من مخدعها بجزع وبلهفه اضرمت التوتر بكلماتها حين قالت نافية
" لا . لا . مش حازم .."
لهفتها و نفيها السريع لم يكونا سوي مرآة أظهرت كذبها الذي أضاف نيران آخري غاضبة الي نيران ذنبه العظيم تجاهها
" مستغربتيش سؤالي يعني ! مش حازم دا مفروض ميت ولا ايه ؟"
تبلور الألم مُعانقًا الخوف بمقلتيها التي ذرفت مياهها بغزارة دون أن تملك بداخلها أي كلمات لتجيبه فاقترب خطوتين قبل أن يقول بجفاء
" كنتِ هتسبيني اموتك في أيدي عشان تحميه مش كدا ؟ "
تجاهلت منحني الرد و التفتت مولية ظهرها لنظرات قاسية تخشي ما يكمُن خلفها فهدر بعنف
" كنت هتضحي بحياتك و تحرميني منك العمر كله عشان كلب زي دا؟"
" ايوا و عندي استعداد لحد دلوقتي أضحي بنفسي عشانه .."
هكذا صاحت بقوة وهي تلتفت تناظره بعينين تحويان التوسل الذي لم يلاقي صدي بداخله بل قست نظراته و شابهتها لهجته حين قال
" علي الرغم من أنه ضحى بيكوا و مفرقتوش معاه لا ومش كده وبس ! دا حط ايده في ايد عدوكم عشان يدمركم .."
تعلم أنها الحقيقة المرة ولكنها لم تملك سوي النفي لا تعلم إذا كان حماية لشقيقها العاق ام انقاذًا لما تبقي لها من ماء الوجه أمامه لذا صرخت بحدة
" محصلش .. محدش يعرف ايه اللي حصل معاه طول الفترة دي .."
اغضبه دفاعها عنه و تحدي نظراتها أمامه فبصق الكلمات بوجهها
" طب اعرفي بقي .. البيه اخوكي هرب و عمل ميت بعد ما اغتصب بنت قاصر و سابها بين الحيا و الموت. "
أصابتها كلماته كسهم نافذ اخترق قلبها و خاصةً حين تذكرت كلمات شقيقها بأنه لم يكن في وعيه و أنه شعر بالخوف عليهم لذا هرب !
كل خلية بها تشتهي الانهيار ولكنها لم تعتد علي ذلك فاستجمعت كل ما تملك من ثبات خلت منه لهجتها حين قالت
" كل دا كلام مش عليه دليل . وأنا مش ظالمه عشان احكم من غير ما اسمع منه..."
قاطعها بانفعال
" تسمعي ! أنتِ مجنونه ؟ فكراني هسيبك تعرفي الكلب دا تاني ؟ "
تعلم كم أن الحق في صفه ولكنها كانت يائسة بقلب محترق و عقل ممزق جعلها تقول بصراخ
" هتمنعني عن اهلي يعني؟"
ضرب الجنون عقله فصاح بانفعال
" ايوا همنعك ... "
" ولو سمعت كلامك هتبعد عنه و مش تأذيه؟"
هكذا تحدثت بقهر قابله الغضب والقسوة من قبالته حين قال
" انا مش بس هأذيه انا هفرمه تحت رجلي ..."
دق قلبها بعنف حتي آلمتها دقاته و انفطر قلبها خوفًا من تلك القسوة التي تنبثق من عينيه و كلماته فاستخدمت آخر ما بيدها من حيل حين قالت بجمود
" لو فعلًا ناوي علي كده يبقي مش هعيش معاك لحظة واحدة "
"الباب يفوت جمل ! "
باغتتها قسوته خاصةً أنه لم يفكر للحظة و كأنها لا تساوي شيئًا بالنسبة إليه فأصاب كبريائها في مقتل فتولد العنفوان واستملك مكان العشق لتقول بجمود
" تمام يا ياسين بس اعمل حسابك اني لو خرجت من البيت دا مش هرجع تاني ابدًا لو عملت ايه "
اخترقت كلماتها صدره مُحدثه آلام عظيمة تغلب عليها عناد أهوج فقال بلهجة قاطعه
" مش هعمل يا حلا .."
اومأت بصمت وهي تتوجه الي المرحاض لتتركه خلفها يتلظى بنيران الغضب و الذنب فقد كان ذاهبًا لإسترضائها كيف وصل معها الي تلك النهاية ؟
لم يتمالك نفسه وقام بالتوجه الي المرحاض ليدفع الباب بعنف فوجدها تجلس باكيه علي جدار حوض الإستحمام فجذبها بقوة من رسغها لترتطم بسياج صدره وهو يزمجر بوحشية
" اسمعيني كويس. انا ماصدقت لقيتك و انك بقيتي ليا و مش هسمحلك ولا لأي حد يبعدك عني . فاهمه ؟"
علي صوت نحيبها فتابع وهو يهزها بعنف
" الكلب دا بره عنك ملكيش دعوة بيه ولا باللي هعمله فيه "
لم تستطيع التحمل فحاولت نزع نفسها منه وهي تصرخ من بين عبرات ملتهبه أحرقت وجنتيها
" حرام عليك . دا اخويا بالرغم من كل حاجه . عايزني اعيش معاك ازاي وانا عارفه انك عايز تأذيه .. انام في حضنك ازاي وانت ايديك متلوثه بدمه . مش هو دا اللي انت ناوي عليه .."
انتفض قلبه متألمًا لحالها ولكنه كان هناك نيرانًا من نوعًا آخر تجتاحه لتنال من كرامته و مروئته و يود لو يحرق هذا الشاب حيًا لذا هدر بغلظة
" كدا كدا هو كان ميت .. اعتبري انك مشوفتيهوش و أنه مرجعش .."
جن جنونها و برقت عينيها من كلماته ولم تستطيع سوي ان تصرخ بقهر
" انت اكيد اتجننت و أنا فعلًا مبقاش ليا مكان هنا و روح خد تارك بقى و انساني .."
هكذا تحدثت وهي تتجاوزه و تخرج الي الغرفة لتلتقط حقيبتها وهاتفها فتفاجئت بكلماته العنيفة حين قال
"ابقي وريني هتخرجي من هنا ازاي ؟"
لم تكد تتجاوز حديثه حتي تسمرت بمكانها وهي تستمع الي ثقل الباب فالتفتت لتجده أغلقه بالمفتاح قاصدًا أن يحبسها بالداخل
في الخارج هبت «تهاني» حين وجدته يهرول للأسفل فصرخت توقفه
"ياسين ولدي .. جولي ناوي علي ايه ؟ "
لا يعرف كيف يصيغ كلماته فقال بحرج
" ماما . انا محتاج مساعدتك ضروري.."
" حوصول ايه ؟"
«ياسين» بيأس
" حلا عايزة تمشي و تسيب البيت وانا عايزك تمنعيها .."
انكمشت ملامحها بصدمة وقالت باستنكار
" اوعي تكون مديت يدك عليها تاني ؟"
سارع بالنفي
" لا لا . مفيش حاجه من دي .. "
ثم قام بسرد ماحدث بينهم باختصار لينهي حديثه وهو يقول بلهجة يشوبها بعض التوسل
" أنا مش هقدر اخسرها ولا اسببها تمشي من هنا يا ماما."
فاجأته حين قالت بصرامة
" كويس انك جولت أكده . عشان لو مشيلتش حكاية اخوها دي من عجلك اني بنفسي اللي هوديها عند أهلها.."
*********
تعالي ادخلي يا جنة .. "
هكذا ناداها «سالم» بصوته القوي لتدخل الى تلك الغرفة التي قام بحجزها لها في أحد افخر الفنادق في القاهرة لتحظي بوقت منفرد تعيد فيه حساباتها و تفكر بطريقة صحيحة..
" شكرًا يا أبية سالم .."
تحدثت بامتنان أطل من عينيها بعد أن استقرت في الغرفة و وضعت «محمود» علي السرير بعد أن تناول غذائه فغط في نومًا عميق
" متشكرنيش قولتلك أنتِ مسئولة مني .. و تحت حمايتي .."
ابتسمت بوهن فأمرها بهدوء
" اقعدي خلينا نكمل كلامنا .."
اطاعته بصمت يتنافى مع ضجيج الاستفهامات بعينيها فجلس هو الآخر و ما أن استقر في مقعده حتي تحدث بجمود
" قولي اللي عندك .."
تحمحمت بخفوت قبل أن تقول بحرج
" هو . هو سليم عارف انا فين ؟"
«سالم» باختصار
" بعتله رساله انك معايا .. فين بالظبط مقولتش ."
اخفضت رأسها قبل أن تقول بألم
" انا دلوقتي بقيت مرات اتنين ؟"
أطلق الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول بخشونة
" مش هقدر افتى غير لما اتأكد بنفسي من حكم الشرع في الموضوع دا ."
لاحظ كدرها الذي طغي علي معالمها أكثر فتابع بلهجة ودودة
" بس انا مش عايزك تقلقي من حاجه. مش هيحصل غير اللي أنتِ عيزاه.."
همست بتردد
" بس .. بس الاتنين اخواتك.. هتتحل ازاي لو حازم مقبلش.."
قاطعها بفظاظة
" اخواتي بس مش هقبل بالظلم.. و حازم مالوش يقبل أو يرفض حاجه . الموضوع في ايدك أنتِ "
ودت لو تصرخ بما تريد ولكنها لم تستطيع سوي اخفاض رأسها فوثب «سالم» قائمًا وهو يقول بفظاظة
" فكري و خدي وقتك ... وكلميني .. تقدري تقعدي هنا براحتك "
هبت من مقعدها تناظره بلهفة و كلمات لم تتجاوز حدود شفتيها فأردف باستفهام
" عايزة سليم يعرف مكانك ؟"
" أنا مش عارفه ابص في وشه .. ولا عارفه هقوله ايه ؟"
هكذا رددت بألم فشعر بالشفقة علي حالها لذا هدأت لهجته حين قال
" هسيبك ترتاحي دلوقتي و هنأجل كلامنا لبعدين .. لو عوزتي اي حاجه اطلبيها من خدمة الغرف .. هما مكلفين بتوفير كل اللي تحتاجيه.. و في أي وقت كلميني .."
اومأت بامتنان فتوجه الي باب الغرفة ثم امطرها بوابل أوامره
" تقدري تكلميني في أي وقت . واهم حاجه متنزليش من اوضتك من غير ما اعرف .."
إجابته بإذعان
" حاضر .."
ما أن خرج من عندها حتي قام بفتح هاتفه الذي كاد أن ينفجر من اتصالات «سليم» الذي ما أن أرسل له رسالة نصية يخبره أن «جنة» معه و هو كالمجنون ولكنه قد حمل علي عاتقه حمايتها ولن يتواني عن فعل ذلك أبدًا
دق هاتفه مجددًا ولكن كان المتصل «فرح» فضغط علي زر الإجابة ليأتيه صوتها الغاضب
" ممكن اعرف قافل تليفونك ليه ؟ بقالي ساعتين بتصل عليك مش عارفه اوصلك .. طمني لقيت جنة؟ هي معاك بجد ؟"
توالت استفهامها في أكثر الأوقات خطأً لذا أجابها باختصار و نفاذ صبر
" بجد .."
إجابته كانت مختصرة للحد الذي جعل الغضب يتشعب في أوردتها أكثر فصاحت بانفعال
" ممكن ترد عليا زي الناس انا مش بشحت منك .."
صاح محذرًا
" صوتك يا فرح .. و بعدين هو أنتِ مدياني فرصة اتكلم اصلًا !"
تعاظم الغضب بداخلها مما جعلها تصرخ بدون احتراز
" يمكن عشان حضرتك راميني هنا و مش معبرني واختي هربت ومعرفش راحت فين و البيه اخوك بعد ما عمل كل المصايب دي طلع عايش و راجع يهد كل حاجه علي دماغنا .."
دهست شاحنة كلماتها علي جرحه الغائر و مصابه الي فاحت منه رائحة الخزي فزمجر بقسوة
" تعرفي تخرسي؟ قولتلك اختك معايا يبقي عايزة ايه تاني مني ؟ "
انفجرت براكين الغضب و قذفت حممها علي هيئة عبرات مشتعله ذرفتها عينيها فخالطت حروفها التي خرجت مرتجفة من فرط الألم
" مش عايزة منك حاجة يا سالم . و عمومًا انا كنت هموت من القلق علي اختي عشان كدا اتصلت عليك ؟ ومش هضايقك تاني ولا هسمعك صوتي اصلًا .."
أنهت كلماتها و انهت المكالمة علي الفور بينما ظل هو علي حاله ممسكًا بالهاتف يستند برأسه علي مقعد سيارته بتعب تجلي في نبرته وهو يهمس بحروفها يائسًا
" فرح ..."
أفرغ صدره من الهواء الحارق المشتعل بداخله في زفرة قوية آلمت رئتيه و ظل قابعًا في مكانه للحظات حاول استجماع نفسه التي انهكها التعب و كثرة الصدمات حين رن هاتفه مرة أخرى فوجد المتصل «سليم» فأجاب بعد لحظات ليأتيه صوته الغاضب
" سالم انت بتستهبل مش كدا ؟ قافل تليفونك ليه عايز تجنني ؟"
تجاهل ثورته وغضبه الحارق حين اجابه بفظاظة
" قابلني علي المستشفي .. نص ساعه هكون هناك.."
لم يتيح له الفرصة للإجابة بل اغلق الهاتف و أدار محرك سيارته لينطلق الي المشفى ..
*********
هدأت الأمور قليلًا حين طمأنهم الطبيب علي حالة «شيرين» التي لم تستفق من المخدر للآن و أيضًا عندما زف إليهم «مروان» خبر عثور «سالم» علي «جنة» فتنفس الجميع الصعداء إلا هو ! مع كل دقيقة تمر يتعاظم ألمه و شوقه و غضبه حتي تحولت عينيه الي بركة من الدماء المتقدة بنيران اضعافها بقلبه صار ينفسها بقوة وهو يستند بجزعه علي الجدار فكان مشهده من بعيد مروعًا فلم يجرؤ أحد من الاقتراب منه و هكذا طال صمتهم الي أن قطعه وقع أقدام «سالم» علي الارض الصلبة فتوجه «سليم» إليه وهو يرعد بجنون
" مراتي فين يا سالم .."
تجاهل صوته المرتفع و قال بجفاء
"في الحفظ والصون .."
تجمع كلًا من «مروان» و «طارق» حولهم فهدر «سليم» بعنف
" سالم متجننيش .."
قاطعه «سالم» بزئير
" اهدي عشان تسمع الكلمتين اللي هقولهم . جنة حالتها سيئة و نفسيتها تحت الصفر و طلبت تفضل كام يوم لوحدها عشان تقدر تفكر و تقرر هتعمل ايه ؟"
بهتت ملامحه كما اخترقت الكلمات صدره وكأنها أسهم مشتعلة و خاصةً حين تابع «سالم» بلهجة قوية
" وأنا وعدتها أن مش هيحصل غير اللي هي عيزاه.. و انها تحت حمايتي .."
انكمشت ملامحه بألم لم يفلح في اخفائه و انبثق من بين حروفه حين قال
" حمايتك ! و هتحميها من مين يا سالم مني؟"
يشعر بوجع شقيقه بل حتي اضعافه ولكنه يجب أن يضرب بيد من حديد و يعيد الأمور إلى نصابها حتي ولو طالهم بعض الأذى ولكنه سيضمن سلامة الجميع
" لا مش منك يا سليم . بالعكس . جنة زعلانه عشانك اكتر من نفسها.. بس هي محتاجه أنها تستوعب اللي حصل.."
شوهت وسامته ابتسامة ساخرة جراء حديث «سالم» الذي نال من كبرياءه مرورًا بقلبه ولكنه حاول ابتلاع جمرات الوجع وقال بصوت متحشرج
" اااه.. تستوعب .. وماله.. براحتها.. "
تدخل «مروان» مؤيدًا لحديث «سالم» حين قال
" اديها وقتها يا سليم . الوضع الي هي فيه مش سهل !"
استنكر حديثه وقال بتهكم
" وضع ! أي وضع ؟"
اجابه «سالم» بفظاظة
" أنها بقت مرات اتن..."
" اوعي تكملها يا سالم ..."
هكذا صدح صوته الغاضب للحد الذي جعل شفاهه ترتعش بمرور أنفاسه المتلاحقة فوقها فرق قلب «سالم» لحال شقيقه فقال بلهجة تحوي الطمأنينة بين طياتها
" اوعدك الوضع دا مش هيطول ... "
التفت للجميع وهو يتابع
" اللي احنا فيه مش سهل ! و هروب الكلب دا يقلق . لأني واثق أنه هيقلب الدنيا بعد اللي حصل .."
تدخل «طارق» الصامت منذ بدأ الحديث وهو يؤكد علي حديث «سالم»
" فعلًا يا سليم . احنا لازم نصحصح و نعرف هنعمل ايه مع الحيوان دا .."
لم يتحدث إنما أومأ بصمت فأردف «مروان» باستفهام يشوبه بعض الحرج
" انت . وديته فين ؟"
نظر «سالم» الي ساعته وهو يتحدث بفظاظة
" سيبك منه . خلينا في المهم . انا هروح اطمن علي ماما و شيرين و بعدين هنزل اسماعيليه عشان فرح .."
هتف «طارق» باستنكار
" اسماعيليه ايه اللي تنزلها دلوقتي يا سالم ؟ و لوحدك !"
" خليك في نفسك.."
هكذا أجاب «طارق» بجفاء فتدخل «مروان» مؤيدًا
" طارق عنده حق . استني للصبح نكون روحنا و خد الحراسة معاك و روح هاتها هي و سما.. "
«سالم» بفظاظة
"عيل صغير قدامك أنا مستنيك تقوله يعمل ايه و ميعملش ايه ؟"
أجاب «سليم» بدلًا عن «مروان»
"لا مش عيل صغير بس الظروف دي علينا كلنا ولازم كلنا نتحملها و العيلة ليها حق علينا.. ولا ايه؟"
تبلور الغضب في عينيه و كذلك نبرته حين أرعد بوجههم قائلًا
" لو الحرب قايمه بره مش هسيبها لوحدها و دا موضوع غير قابل للنقاش ."
أوشك «سليم» علي الرد ولكن صدح صوت هاتف «مروان» الذي تبدلت ملامحه فألتقم «سالم» توتره فامتدت يده تلتقط الهاتف وقد صح ظنه عن هوية المتصل فانسحب من بينهم وهو يضغط علي زر الإجابة فصدح صوتها المختنق باللهفة و الخوف
" طمني يا مروان سالم وصل عندكوا ولا لسه ؟"
لعن نفسه كونه احزنها بهذا الشكل فأجابها بلهجة تحمل اعتذار لم يتجاوز حدود شفتيه
" اطمني يا فرح .."
شهقت متفاجئة حين سمعت صوته و اهتز قلبها معلنًا رايه العصيان أمام رجل يندثر أمامه ثباتها و يتحامل عليها قلبها لأجله فقالت بلهجه جافة
" انا بتصل علي مروان اديهولي لو سمحت .."
زفر بتعب قبل أن يقول بخشونة
" حقك عليا .."
ذرفت مياه عينيها تأثرًا بذلك الشجن في صوته ولكنها لم تستطع تجاوز حزنها منه فعاندت قائلة بجفاء
" اديني مروان .."
" حقيقي مكنتش اقصد .."
لم يستطيع تجاوز حزنها كما لم تستطيع تجاوز ألمها منه فواصلت تمردها قائلة
" مش عايزة اكلمك .."
" بس انا عايز.. "
لا يمكنها معاندة رجل له سطوة مطلقة علي كل ذرة من كيانها فرقت لهجتها قليلًا معلنة قرب استسلامها
" ماليش دعوة بيك.."
زفر بتعب تجلي في نبرته حين قال
" فرح انا فعلًا مش متحمل "
تغلب عليها قلقها و همست باهتمام
" فيك ايه ؟ "
" نار .."
كان هذا أبلغ وصف لما يشعر به الآن فتقاذفت عبراتها تشكو له نيرانها هي الأخرى
" من وقت ما عرفت اللي حصل وانا هتجنن عليك و لما رنيت ولقيت تليفونك مشغول كنت هموت من القلق بس كلامك وجعني اوي .."
وجعها كان ثقلًا هائلًا أُضيف الي حقيبة جراحه فهمس بصوتًا أجش
" سلامتك من الوجع يا حبيبتي.. "
صمتت تاركه العنان لعبراتها أن تصف له أي وجع تشعر به فتنهد بحرقة وهو يزمجر باعتراض
" للدرجادي زعلانه مني !"
لملمت جراحها بصعوبة وحاولت إضفاء القوة علي نبرتها وهي تقول باهتمام
" طمني عليك .."
أفصح عن احتياجًا قاتلًا يجتاحه إليها
" محتاجلك يا فرح..."
همست بحب
" انا جنب...."
لم تفلح في إكمال جملتها إثر صوت طلقات الرصاص الذي دوي في أرجاء المكان و اخترق مسامعه فصدح صوته مرتعبًا
" فرح ....."
يتبع...
دا اقتباس من الروايه الورقي بتاعتي اللي لسه مجبهاش فايته كتير حقيقي
كانت منهمكه في إعداد الشاى ووضع الأكواب على الطاولة، وإذا بها تتفاجئ بذراعين قويتين تكتنفان خصرها؛ لتخرج منها شهقة قوية إثر صدمتها فجاء هسيسه المحترق بجانب أذنيها :
هشش، لا تفزعي هكذا حتى لا اضطر لتهدئتك على طريقتي .
حروفه العابثة جعلت طبول الحرب تدق بقلبها حتى دوى طنينها بأذنيها وتعالت أنفاسها، حتى بات التنفس صعبًا وخرجت كلماتها متقطعة:
لقد.. أخفتني.
"لا تلوميني فالقلب يشتاقك حد الجنون"
هكذا تحدث من بين لهاثه المحموم، وأنفه يتحرك بغير هدى علي عنقها البض، فقد تركت شعرها مسترسلًا خلف ظهرها نظرًا لأنه لم يكن هناك شخص غريب في المنزل، فاكتفت بزينتها البسيطة وارتدت ثوبًا بلون الفيروز تتوسطه فراشات ذهبية انطبع بريقها علي عينيها التي كانت منبع هلاكه، والحقيقة أن كل شيء بها مهلك للحد الذي جعله غير قادر على الابتعاد عنها، فأخذ يقربها منه أكثر تاركًا بصمات عشقه خلف أذنيها وعلى عنقها، حتى شعرت بأقدامها تتلاشى من فرط التأثر فأخذت تهمس بنشيج ناعم:
قد يرانا أحد .
" وهل أهتم؟ لا شيء اهتم لأجله سواكِ"
أدارها لتصبح في مواجهته فأسرتها عيناه التي غلفها الشوق واحتلها العشق، الذي فاضت به كلماته حين قال بصوتٍ أجش:
ما رأيك لو أضعك في مكانك الصحيح؟
" ما هذا المكان ؟"
" هنا ."
كان يشير إلى صدره فاشتعل بعينيها شُهبًا دافئًا، وتدفقت الدماء إلى وجنتيها بقوة؛ فازدهرت الورود فوقها للحد الذي جعله يلثم خديها بنعومة فهمست برقه وعذوبة:
كفى لا تخجلني أكثر.
" وهل أنا مجنون لأكف عن ذلك؟"
" لماذا؟ "
همس بخفوت أمام شفتيها:
فأنا أعشق قطف ثمار الفراولة الطازجة من فوق خديكِ.
أحرقها بعشقه وأفعاله التي جعلتها تشعر بقلبها يتضخم بداخلها حتي علت أنفاسها المحترقة فهمست بخفوت:
قد لا أحتمل ما تفعله بي كلماتك تلك.
أتقن الضرب علي أوتار ثباتها الواهي حين أجابها بهمس:
إن اردتي الإنهيار بأي لحظة فصدرى يرحب بكِ كثيرًا.
" بدر "
حذرته من مغبة ما يفعله وخاصةً في هذا المكان فقد يدخل أحد بأي لحظة ويراهما، فاشتد عناقه حول خصرها فأصبحا يتنفسان الهواء ذاته بينما عاندتها شفاهه بخشونة أذابتها:
لا استطيع التبرأ من شوقي واحتياجي لكِ.
" لا استطيع مجاراتك. "
أعلنت شفاهه ما يود قلبها الإعلان عنه
" إذن استسلمي"
#تردي_في_العشق_قتيلاً
#نورهان_آل_عشري
#قيثارة_الكلمات
#معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب٢٠٢٤
#طريق_العلا_للنشر_والتوزيع
#صالة1_جناحa37
اللي مش هيروح المعرض يطلب الروايه اون لاين من علي الرقم دا
01026326295
قراءة ممتعة بليز زودوا التفاعل شويه عشان اتشجع اكتب
البارت الجاي معرفش امتا بالظبط لأني مش قاعدة في بيتي ظروف الوفاة اللي حصلتلي ملخبطة الدنيا معايا اوي فإن شاء الله اظبط الدنيا و انزل علي طول
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الثالث وستون 63 - بقلم نورهان العشري
الأنشودة الثالثة 💗
لا تُبالي لتلك الأسباب السخيفة و العقبات المؤسفة فمن صِدق الشعور تُولد الإرادة و ينحني كل شئ أمام عنفوان الرغبة ، فالأمر لا يقتصر علي الهوى فقط ! بل أنه أعمق من ذلك بكثير فشخص يهواك لا يشبه أبدًا شخص تتلخص حياته في وجودك. إيجازًا للحديث الفرق يكمن في القَدْر! قدرك بقلوبهم إما أن يجبرهم علي خوض الحروب لأجلك او التخلى و كأن شيئا لم يكن !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان الوجع ابلغ من أن تصفه حروف واهية حتي أن قواه العقلية لم تستطيع استيعاب ما يحدث للحظات حين أتاه صوتها المرتعب وهي تقول
" في ضرب نار بره يا سالم و عربيات كسرت بوابة المزرعة و دخلت و نزل منها ناس مسلحين .."
لم يخلق في هذا الكون ما هو أصعب من القهر . الذي كان يمزق قلبه في تلك اللحظة خوفًا عليها وهو الذي لم يكن يعرف الخوف طوال حياته والآن فقدماه لم تكن تحمله من فرط هيمنه ذلك الشعور المروع عليه ..
" اهدي يا فرح و اسمعيني كويس خدي سما و انزلوا المكتب بتاعي اقفلوا عليكوا بالمفتاح لحد ما اجيلك . يالا بسرعه .."
أطلق زفرة قوية من جوفه المحترق ألمًا فتهدجت كلماته حين أضاف بلهجة محرورة
" متخافيش انا معاكِ "
كانت محاولة منه أن يبثها الأمان و القوة التي تتنافي مع ذلك الضعف الذي جعله يستند بيديه علي الحائط خلفه فجاءه صوتها المرتجف ذعرًا
"حا .. حاضر .. "
توجهت بخطًا مرتجفه إلى الخارج فوجدت سما التي كانت تهرول من غرفتها قائلة بذعر
" في ايه يا فرح؟"
فرح بأنفاس متلاحقة
" مفيش وقت يالا بسرعه على مكتب سالم.."
هرولت الفتاتان الى الأسفل و عند بلوغهم درجات السلم السفليه تعاظم الفزع بقلوبهم حين شاهدوا انعكاس خيالات أولئك المسلحين علي باب القصر وهم علي وشك فتحه فتوقفت فرح وقد شعرت بدنو النهاية فهمست إليه عبر الهاتف بنبرة فاقدة الى كل معالم الحياة
" خلاص يا سالم ..."
هوى قلبه بين قدميه من فرط الرعب حين سمع همسها فلم يستطيع التحمل و صرخ حتي تقطعت أحباله الصوتية
" فرح...."
لحظات اخترقها أصوات أعيرة نارية شعر بها تجتاح قلبه وهو يهرول كالمجنون بين أروقة المشفي و خلفه كلا من طارق و مروان و سليم ليصعدوا الى السيارات و ينطلقوا و خلفهم سيارات الحراسة بأمر من سليم الذي كان يخشى في تلك اللحظة أن يفقد شقيقه الذي لأول مرة يراه بتلك الحالة فقد كان ينطلق بأقصى سرعة يمتلكها فأصبحت السيارة كوحش ينهب الطريق كوحش الذعر الذي يلتهم قلبه الآن ..
" تعالي يا فرح بسرعه هنا.."
انتزعها صوت سما كما فعلت يديها فبمجرد أن كاد أولئك الرجال أن يقتحموا باب المزرعه حتي اخترقت جماجمهم طلقات نارية جعلت دمائهم تتناثر علي زجاج الباب بطريقة اقشعر لها بدن فرح التي انصاعت الى يد سما لتجذبها الي غرفة المكتب و اغلقته بينما هو لم ينفك عن ندائها عبر الهاتف الي أن أتاه صوتها المرتجف
" احنا في المكتب يا سالم ..."
خرج زفيره علي هيئة حمم بركانيه أحرقت قلبه المُلتاع فجاء صوته جافًا متحشرجًا وهو يقول
" بسرعه روحي عند الجدار اللي وار الخزنة في تابلوه ارفعيه هتلاقي زرار اضغطي عليه "
بأقدام مرتعشة توجهت لتفعل ما أمرها به و ما أن ضغطت علي ذلك الزر حتي دوى صوت إغلاق قوي فشهقت مرتعبة وهي تقول بلهفه
" هو ايه دا يا سالم ؟"
اجابها بلهجة متحشرجه
" دا سمارت لوك هيقفل الباب و الشبابيك و محدش هيقدر يدخل غير ببصمة ايدي أو الرمز بتاعه حتى الرصاص مبيأثرش فيه بس تحسبًا بردو خليكوا تحت المكتب على ما اجيلك."
سحب نفسًا قويًا حتى يستطيع اخراج كلماته الموقدة
" متخافيش . اوعي تخافي يا فرح مش هسيب حاجه وحشة تحصلك أبدًا.. "
تسرب الى داخلها شعور قوي من الطمأنينة إثر كلماته فصمت أذنيها عن تلك الطلقات التي تدوي في الخارج وقالت بخفوت
" متتأخرش عليا.."
حروف بسيطة كانت كوقود لنيرانه المستعرة داخل قلبه فدعس على دواسة البنزين باقصى قوته ليضاعف من سرعة السيارة التي كادت أن تحلق عاليًا من فرط سرعتها ..
***************
تآذر بها الوجع حتي جعلها طريحة الفراش لا تقوى علي حمل جسدها من فرط الوهن فأخذت تسكب ألمها بين احضان وسادتها التي كانت ترتشف عبراتها الجريحة في مواساة صامتة عما يجيش بصدرها من أوجاع .
لا قوة لها علي مواجهة قدرها المظلم الذي يأبى أن تحيا بسلام فما حدث ليس بالشئ الهين ولا يستطيع أي عقل بشري أن يستوعبه !
فمن بين جميع الرجال وقعت في عشق ذلك الرجل الذي يفصل بينها و بينه بحر من الدماء و الثأر وبعد أن تجاوزا بشق الأنفس تلك الحقائق المروعة و الحروب الدامية حتي تحققت المعجزات و عاد شقيقها من الموت !
هل هذا بشئ يُصدق ؟ هل ما يحدث حقيقي أم أنها في كابوس مريع ؟
نعم كانت حزينة على فقدان شقيقها ولكنها بدأت بالتاقلم علي ألم فراقه ، ولكن الآن ماذا عليها أن تفعل ؟ أن تعيش هانئة بين احضانه وهي تعلم بأنه في ليله من الليالي سيأتي و يديه ملطخة بدماء شقيقها ؟ أم عليها هدم سعادتها و الإرتماء بين أحضان الشقاء الذي كان نتيجه حتمية لإنفصالها عنه ؟
تعالت شهقاتها تعبيرًا عن عجزها عن الأختيار علي الرغم من أنها تعلم أخطاء شقيقها القاتلة ولكن من منا يملك زمام قلبه الذي حتي جراح أحبته لا تفلح في جعله يكرههم !
وضعت يدها فوق فمها تكمم شهقاتها ما أن سمعت قفل الباب يدور فحاولت التمثيل بأنها نائمة ما أن لامست أنفها رائحته و تعاظم اضطراب قلبها مع كل خطوة كان يخطوها تجاهها لتشعر بصاعق كهربائي يضرب أنحاء جسدها حين شعرت به يطوق خصرها من الخلف في عناق دافئ كان كلاهما بحاجة إليه ..
استنشق أكبر قدر من رائحتها بداخله والتي كانت يتخللها رائحة عبراتها التي حاوطت قلبه بغمامة من الألم فقام بدفن رأسه في عنقها وهو يقول بنبرة متحشرجة
" حقك عليا ... "
كان يجاهد الكثير والكثير بداخله وقد تجلي ذلك في تلك الأنفاس الحارقة التي كانت تلهب عنقها من الخلف و كذلك صدره الذي كان يتأجج صعوداً و هبوطًا جراء ما يكبته من غضب بداخله و قد أخافها هذا كثيرًا لذا تجاهلت منحني الرد ليتابع هو بنبرة موقدة
" مقدرش استغني عنك .. كل كلامي كان من غضبي . "
شدد من عناقها أكثر وهو يضيف بنبرة متحشرجة
" مقدرش تبعدي عني لحظة واحدة . بلاش تواجهيني بضعفي قدامك . بلاش تستغليه ضدي .."
اشتدت وتيرة نحيبها وودت لو أطلقت العنان لصرخاتها التي تنحر قلبها من الداخل ، ودت لو أخباره بملء صوتها بأن لا احد في هذا العالم أضعف منها الآن ولكنها كانت خائفة للحد الذي جعلها تتمسك بالصمت خوفًا من مغبة الحديث فقط اطاعت توسلات قلبها حين التفتت تعانقه بقوة توحي مدي ألمها فبادلها العناق بأقوى منه وهو يقول بصوتًا أجش
" كفايه دموع بقي و بصيلي .."
أنهى كلماته وهو يضع أنامله أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه و قد كانت الغرفة مظلمة إلا من شعاع نور بسيط لم يفلح في إبراز مظاهر الألم و البكاء علي وجهها ولكنه شعر بها فقام بتفريق قبلاته بين عينيها في إعتذار صامت اختتمه قائلًا بشجب
" لازم تعرفي اني عمري ما هفرط فيكِ أبدًا.."
أخيرًا خرج صوتها متحشرجًا من فرط البكاء
" متكذبش عليا يا ياسين ... انت عمرك ما هتتراجع عن اللي في دماغك. و لو نفذته تبقي بتنفذ فيا حكم الإعدام ."
يعلم مقدار صدق كلماتها و قد آلمته حتي انفطر قلبه فتابعت بتوسل لم يعهده منها مسبقًا
" وحياة اغلي حاجه عندك متعملش فيا كده .. انا عارفه انه غلط وغلطه كبير بس في سليم في النص و لا هو ولا سالم هيسيبوا حق جنة انا واثقة .."
أنهت كلماتها بسيل من العبرات التي تردد صداها بقلبه الذي وقع أمام ضعفها فشدد من احتضانها بكل ما أوتي من عشق تجاوز حدود الكلمات فهمست شفتاها فوق صدره ..
" ياسين .."
زفر بقوة و قال مرغمًا
" حاضر يا حلا .."
************
مرت حوافر الانتظار علي قلبها الذي كان يرتعب كلما ازدادت أصوات القتال في الخارج فمن فرط صخبها ظنت أنها ستبقي عالقه هنا للأبد ولكن بعد مرور وقت لا تعلم ماهيته توقف إطلاق النار فجأة و قد جعلها ذلك تشعر بالسوء فقد شعرت بإقتراب أقدام من باب غرفة المكتب و قد كان يشير هذا الي أمرين أولهما أن اولئك المسلحين قضوا علي الحراسة في الخارج و جاء دورهم أو العكس وهنا همست بقلب مرتعب
" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
دعاء سيدنا يونس وهو في جوف الحوت لطالما كان هذا نداء استغاثتها ما أن تقع في مأزق ولم يُرَد ندائها يومًا فبعد لحظات جاءهم الغيث حين شعرت بباب الغرفة يفتح و صوته المُحبب الي قلبها وخاصةً في هذه اللحظة
" فرح .."
اندفعت من أسفل المكتب بلهفة فإذا به تراه أمامها فتساقطت عبراتها كتعبير عن الخلاص و قادتها قدماها لتهرول اليه وهي تصرخ بانفعال
" سالم .."
التقطتها يديه ليقوم بغرسها داخل أحضانه غير مصدق أنها بين يديه سالمه.. فكان طوق ذراعيه حولها مؤلمًا لعظامها التي بدأت تئن تحت سطوة عناقه الضاري فهمست بألم
" سالم .. بالراحة"
كان هذا العناق تعبيرًا منه عن خوفه و شوقه و عشقه فلم يكن يفلح في صياغه الكلمات لوصف ما يعتمل بداخله ولكن افعاله كانت تتولي هذه المهمه فلم يكن يشعر بقوته التي لم تحتملها ليأتي همسها المتألم كتحذير جعله يتركها علي الفور وهو يقول بلهفه
" حقك عليا . مقصدش اوجعك ... انتِ كويسه صح ؟"
قال جملته الأخيرة ويديه تتفاحصان جسدها بلهفه تجلت في نبرته التي لم تعهدها منه فاقتربت تحتوي وجهه بين كفوفها بحب انساب من بين شفتيها
" ماتخفش يا حبيبي انا كويسه .."
لم تروي كلماتها ظمأة فقام بوضع يديه أسفل رقبتها ليقربها منه وهو ينهل من رحيق قربها بضراوة كانت أكثر من محببة إليها مما جعل سما تضع يدها علي وجهها بخجل وهي تخرج من الباب لتفسح لهم المجال للإنفراد ببعضهم فما أن خطت الي خارج الغرفة حتي تفاجئت بمروان الذي اقترب منها يحتضنها بلهفه تجلت في نبرته حين قال
" سما أنتِ كويسه ؟"
تلاحقت ضربات قلبها من اقترابه منها بتلك الطريقة والتي كانت المرة الأولي التي يأخذها بين ذراعيه فتورد خداها بقوة أسرت جميع حواسه حين ابتعد ليطمئن عليها فامتدت يديه تبعد خصلات شعرها الي ما خلف أذنها وهو يقول بخفوت
" ايه يا عم الكسوف دا كله دا حضن يعني . اومال لو بوستك هتعملي ايه ؟"
شهقت بخجل و تراجعت للخلف فإذا به يري سالم الذي كان يعطيه ظهره ففطن الي ما يحدث فقال بنبرة ساخرة
" ايه يا جماعه مش كدا خدشتوا حياء البت ..."
ما أن انهي كلمته حتي تفاجئ بسالم الذي قام بركل الباب بقدمه ليغلقه في وجهه حتي يستطيع التنعم بقربها أكثر بينما هي الأخري كانت تشدد من عناقه حتي تهدأ من روع قلبها الذي لا يأمن سوي بوجوده .
فصل اقترابهم ولكن يديه ظلت تحاصرها و تحكم تطويق خصرها في عناق صامت يتخلله دقات قلوبهم التي كانت تضرب بجنون فكانت هي أول من تحدثت بأنفاس متهدجة
" كنت هموت من الخوف يا سالم .."
زفر بقوة محاولًا أن يخرج معه ذلك الشعور المؤلم الذي يجيش بصدره قبل أن يجيبها بنبرة متحشرجة
" اوعي تقولي كدا تاني . طول مانا جنبك اوعي تخافي .."
لثم جبينها بقبلة دافئة قبل أن يتابع بخشونة
"عمري ما هسيب حاجه وحشه تحصلك أبدًا."
رفعت رأسها وهي تناظره بشغف تريد أن ترتوي من بحر عشقه اكثر
" خوفت عليا يا سالم ؟"
خيم الألم علي ملامحه وهو يسترجع شعوره منذ ساعات ثم أجابها بنبرة خشنة
" عمري ما عرفت الخوف في حياتي غير النهاردة .."
سحب قدر كبير من أريجها المحبب الي داخله قبل أن يضيف بلهجة مشجبة
" لما قولتيلي خلاص يا سالم حسيت أن قلبي اتشق نصين .."
لم تحتمل الألم في صوته وملامحه فأرادت محوها قائلة بغرور زائف
" اعترف يالا انك بتحبني ومتقدرش تعيش من غيري.."
راقت لها بسمتها الجميلة و أعجبه غرورها و محاولتها لتهدئته فقال يشاكسها
"بعترف. "
اغتاظت من سخافة إجابته فقد أرادت انتزاع اجابه مشتعلة من بين شفتيه فصاحت بحنق
" انا قولتلك قبل كدا انك رخم"
" قولتي ."
بسمة رائعة أضاءت ملامحه وهو يجيبها باختصار قاصدًا استفزازها أكثر فهتفت مغلوله
" و بارد.."
ردد كلماتها ساخرًا
"و بارد .."
صاحت بصوت اكثر انفعالا
" و مستفز كمان .."
يروق له انفعالها كثيرًا مما جعله يقول ببرود ثلجي
" كل دا قولتيه قبل كدا . دوري علي حاجه جديدة تضيفيها.."
كظمت حنقها منه وهي تقول بسخرية
" بس كدا انت تؤمر.."
باغتتها يديه التي جذبتها من خصرها لتقربها منه و كذلك غزله المبطن وهو يقول بخشونة
" دا انت اللي تؤمر .."
لم تفلح في قمع ضحكتها التي أضاءت ملامحها جراء كلماته الغير متوقعة والتي كانت لها القدرة علي إذابة بقايا الخوف العالق بثنايا قلبها ولكنها قالت بتمنع
" ماتحاولش عشان أنا لسه مخصماك .."
ضيق عينيه بخبث تجلي في كلماته الماكرة
" مكنتيش كدا من خمس دقايق. لو نسيتي تعالي افكرك.."
كان يشير إلي قبلته فتجاهلت تورد خديها وقالت مبرره
" دا كان رد فعل طبيعي بعد الخوف الي كنت فيه . "
سالم بفظاظة
" محستش كدا . بس ماشي مش هتفرق .. "
فرح بانفعال
" يعني ايه مش هتفرق دي ؟"
سالم بملل
" أنا شامم ريحة هرمونات و دا مش وقتها خالص علي فكرة .."
أوشكت علي إجابته ولكن جاء الطرق علي الباب ليوقفها فقام سالم بفتحه فإذا به يجد مروان الذي وضع احدي يديه فوق عينيه وهو يقول بسخرية
" حد خالع راسه ؟"
التفت سالم يناظرها بحنق تجلي في نبرته وهو يقول
" شايفه العاهات اللي مجبر اتعامل معاها ؟ عرفتي ليه بقولك مش وقت هرموناتك .."
تدخل مروان قائلا بجدية مفتعله
" ايه مالها هرموناتك يا فرح ؟ اوعي يكون مزعلك ؟ لا كله الا دا "
سالم بجفاء
" و انت مالك ومال هرموناتها يا بغل . امشي من قدامي .."
مراون بلهفه
" حاضر يا برنس .."
ثم التفت إلي فرح قائلًا بحدة
" ما تظبطي أنتِ وهرموناتك دي يا ستي ناقصين دلع احنا.."
قال جملته ثم هرول الي الخارج ما أن رأي ملامح سالم المتجهمة فاندلعت ضحكة رائعة من بين شفتيها جعلته يكظن غيظه وهو يقول
" ضحكتك اوي كلمته ؟"
فرح بدلال
" طبعا هو اصلا مروان كله عله بعضه سكر وبيضحكني .."
اندلع صوت مروان من الخارج وهو يقول بانفعال
" الله يخربيت مروان و سنينه يا ستي سبيني في حالي دا أيده مرزبة .."
تجاهل حديث ذلك الوغد و أخذت نظراته تبحران فوق ملامحها التي تناظره بتحدي يعلم أنها تود إغضابه ولكنه بالفعل شعر بالغضب فقام بالعض علي شفتيه وهو يقول بوعيد
" هربيكي بس الصبر .."
تورد خدها من كلماته و معانيها المبطنة فاخفضت رأسها خجلًا وقام هو بجذبها الي أحضانه يريد أن يشعر بها بجانب قلبه عل وجودها يخدر اوجاعه ولو قليلًا
في الخارج كان سليم يجلس بغرفة الصالون و طارق الذي كان يقف ممسكا بهاتفه يطمئن علي حال شيرين فاقترب مروان من سليم يحاول انتشاله من بحر أوجاعه قائلًا
" بقولك ايه هو انا المفروض اعمل ايه مع سما في الموقف دا ؟"
التفت سليم يناظره بحنق فلم يكن ينقصه سوي ان يعطي نصائح في الحب لذلك المعتوه إلا يكفيه ما يمر به ؟ فأجابه هادرًا بغضب
" اخفي من وشي .."
مروان بامتعاض
" تصدق انت صح .هي دي أشكال اخد رأيها بردو؟"
كان سليم يوشك علي لكمه ولكن أوقفه صوت سالم الصارم حين قال
" يالا عشان هننزل القاهرة دلوقتي . خلينا نتجمع كلنا في مكان واحد بدل ما نشتت الحراسة .."
اومأ الجميع فتدخل طارق مقترحًا
" طب انا هخلع و انتوا ابقوا تعالوا ورايا ..."
سالم بفظاظة
" مينفعش هنمشي كلنا سوي .."
لوي فمه قائلًا بامتعاض
" سالم . متقوليش انك خايف عليا والأفلام دي .."
نظر سليم الي ساعته وهو يقول بجفاء
" كلها نص ساعه البنات هيلموا حاجتهم و هنمشي اقعد بقي متقرفناش.."
أوشك علي الحديث فاوقفته كلمات سالم الحازمة
" مفيش نقاش و مفيش حد هيمشي لوحده ."
تدخل مروان ساخرًا
" ما انتوا مش عارفين . اصل البيه بيحب جديد .. وعايز يروح يطمن عالمزة .. "
زمجر طارق بحنق
"لم لسانك ياد بدل ما اقطعهولك .."
التفت إليه سالم وهو يقول بفظاظة
" هنشوف الموضوع دا بعدين.."
زفر طارق بحنق مما جعل ابتسامة مستفزة علي ملامحه قبل أن يقول بتهكم
" اقعد اقعد. احسن تروحلها تحدفك ببتاعت الكلوكوز تفتح نافوخك .."
لمعت عيني سالم بابتسامة بينما تعاظم الحنق بداخل طارق الذي قال مغلولًا
" ليك يوم. اتك عالصبر بس.."
صمتت الاحدايث الشفوية و بدأت احاديث العيون فالجميع كان يتسائل بصمت عن القادم ولا يجرؤ أحد علي التفوه بما يجول بخاطره فلم يعد يحتمل مروان ذلك الصمت اكثر و قام بالخروج تزامنًا مع اهتزاز هاتفه و ما أن رآي المتصل حتي تعاظم الغضب بداخله فأخذ ينفثه علي هيئه زفير قوي لم يفلح في تهدئه نيران صدره فمنذ أن رآه حيًا أمامه حتي بدأت عقارب الخوف تلدغ قلبه دون رحمه لم تفلح محاولاته في اخمادها أو ابعاد سمومها عن عقله مهما حاول السخرية التي كانت سلاحه الوحيد في مواجهة أزماته ولكن تلك المرة كان الأمر اصعب بكثير وهو لم يعد يحتمل لذا أخذ ينهب درجات السلم متوجهًا إليها لكي ينهي هذا الصراع اللعين لمرة واحدة وإلي الابد
وصل إلي غرفتها فقام بدق الباب و ما هي الا ثوان حتي وجدها تقف أمامه فألقي بكلماته دفعه واحدة و دون أي مقدمات
" حازم لسه عايش.."
شهقة قويه شقت جوفها حين القي بقنبلته المدوية والتي جعلتها تتراجع خطوتان إلي الخلف قبل أن تتمالك نفسها وهي تقول بأنفاس مقطوعه
" مروان انت بتقول ايه ؟ انت بتهزر صح ؟"
" شكلي شكل واحد بيهزر؟"
نبرته الحادة و ملامحه المتجهمة كانتا خير دليل على حديثه فصاحت بصدمة
" ازاي حصل دا ؟ ازاي ؟ هو في حد بيصحي من الموت؟"
تحاهل ضجيج قلبه و وخزات الألم التي تفشت بجسده وقال باختصار
" كان مع ابوكي و منعرفش لسه دا حصل ازاي ؟"
وضعت يدها فوق جبهتها و أخذت أنفاسها تتلاحق قبل أن تقول بنبرة حزينه
" طب جنة عرفت اللي حصل دا ؟"
اومأ بصمت فصاحت بتأثر
" يا عيني يا ربي الله يكونفي عونها كدا بقت مرات اتنين.."
بترت جملتها وهي تشهق كمن تذكر شئ فصاحت باندفاع
" طب و سليم ؟ سليم هيعمل ايه ؟ دا ممكن يموت فيها ؟ لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم اللتنين دول مش مكتوبلهم يفرحوا أبدا ؟ ايه اللي بيحصل دا بس ياربي ؟"
تحمحم بخشونه محاولا تهدئه نبضاته الثائرة وهو يقول بترقب
" هو دا بس اللي انتِ شايلة همه ؟ "
فاجأته إجابتها القوية حين قالت
" ايوا هو دا بس ..و اوعي تحط في دماغك حاجة تانيه غير كدا .."
تنفس الصعداء إثر كلماتها التي أعادت الحياة لقلبه مرة أخري فصاح بحبور
" الله يحرقك يا شيخه .."
نهرته بغضب
" بطل طوله لسان.."
مروان بسخرية
" انتِ بتكشريلي يا بنت همت ؟"
" مش عاجبك .."
مروان بتودد
" عاجبني و نص .. انا اقدر .."
انهي كلماته وأخذها بين ذراعيه ليؤكد لنفسه حقيقة ما يحدث فهمست بخجل
" مروان .."
همس بخفوت
" هششش اسكتي.. خليكي في حضني شويه .."
انصاعت لمشاعرها الجارفة نحوه و استكانت بين ذراعي عشقه تنشد الراحه و الأمان الذي تبلور في كلماته حين تراجع لينظر الي داخل عينيها وهو يقول بقوة
" انا مش هطلقك يا سما .. ايًا كانت ظروف جوازنا بس انا لما مضيت علي القسيمة دي مكنتش ناوي اطلقك "
ارتج قلبها من فرط المشاعر التي بثتها كلماته في جوفها فهمست بخفوت
" ليه ..؟"
" عشان بحبك . أنا مبعرفش اكذب ولا اخبي . انا فعلا بحبك وعايز اخد فرصتي معاك موافقة؟"
هكذا تحدث بنبرة قوية تصاحبهما نظرات عاشقة انصاعت لسحرها فهمست قائلة
" موافقه .."
مروان بمزاح
" ولا مش موافقه. كفايه انا موافق ...."
ابتسمت علي كلماته وقالت وهي تلكزه في كتفه
" رخم اوي.."
مروان بسخرية
" اه صحيح بمناسبة الرخامة شيرين أضربت بالنار .."
شهقت بفزع اندفع من بين شفتيها
" يا نهار اسود حصل ازاي دا ؟"
لابد لها من أن تعلم الحقيقة لذا قال جفاء
" ابوكي . كان عايز يهرب فضرب رصاصة جت فيها.. بس متقلقيش هي كويسه "
انهارت في البكاء فاقترب منها يحتضنها بين ذراعيه لكي تهدأ وهو يقول
" تعالي النهاري في حضني تعالي .."
تراجعت للخلف وهي تقول بنبرة متحشرجه
" هجهز حاجتي بسرعه عشان اروح اطمن عليها."
لم يعارضها انما أفسح لها المجال لتكمل حزم حقائقها وهو يقول بامتعاض
" ياريتها كانت ماتت كنت فضلت حاضن للصبح .."
*************
بعد نصف ساعه كان الجميع يستقل السيارات في طريقهم الي محافظة القاهرة وقد كانت تجلس في المقعد المجاور لمقعده وعينيها تراقبانه بحزن علي ذلك الجبل الصامد الذي يستند عليه الجميع و كأنه حجر صلب لا يشعر ولا يحزن ولا يتألم بينما كانت الوحيدة التي رأت داخله وكيف يحترق بصمت دون أن يجد من يستند عليه ..
" بتبصيلي كدا لية ؟"
هكذا استفهام سالم فامتدت يديه تتلمسان جانب وجهه بإعجاب صريح تضمنته كلماتها حين قالت
" معجبة .. "
لاح شبح ابتسامه علي شفتيه و لم يجبها فأردفت بخفوت
" تعرف اني اول مرة في حياتي احس بالفخر زي مانا حاسة دلوقتي ؟"
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال
" ليه ؟"
" عشان أنا مراتك .."
لم يجبها انما التقط أنامله التي تتلمس وجهه بحنان تسرب الي وحشة قلبه فاستكانت و قام بوضع قبلات صغيرة علي يديها بينما كانت عينيه مسلطة علي الطريق أمامه فتابعت بحب فاض به القلب و طغي
" بإذن الله كل حاجه هتبقي كويسه . "
زفرة قويه خرجت من جوفه جعلتها تدرك مدي معاناته قبل أن يقول بنبرة مشجبة
" تفتكري ؟"
اقتربت تضع قبلة دافئة علي كتفه ثم تراجعت الي مكانها مرة أخري قبل أن تجيبه بثقة
" طبعاً بس انت قول يارب .."
" يارب .."
خرجت حروفه مشبعه بالتوسل الذي لا يظهر سوي لخالقه ثم قام بمد يده ليجذبها لترتاح بين أحضانه و يرتاح هو بوجودها بينما يديه الأخري علي المقود و عينيه مازالت مسلطه علي الطريق أمامه ...
************
" صفوت .. ممكن اتكلم معاك ؟"
هكذا تحدثت سهام بخفوت وهي تنظر إلي صفوت الذي كان يعطيها ظهره ولم يبالي بحديثها فققامت بالإلتفات لتقف أمامه فتفاجئت من ملامحه الجامدة و عينيه القاسية وهي تطالعها لأول مرة بتلك الطريقة التي افزعتها خاصةً حين أتاها صوته الفظ
" مبقاش في بينا اي كلام .."
أخذت تتلفت يمينًا و يسارًا وهي تحاول قمع فيضان العبرات الذي يهدد بالإنفجار في أي لحظة حتي خرجت لهجتها متحشرجة وهي تقول
" انا مكذبتش عليك في حاجه يا صفوت كل حاجه كنت عارفها...."
قاطعتها صفعة قويه من يديه جعلت رأسها يدور الي الجهة الأخري و بنفس قوة الصفعة جاءت قبضته علي خصلاتها ليجذبها إليه بعنف تجلي في نبرته حين قال
" ولما طلبتي مني الطلاق و روحتيله مكنتيش بتكذبي عليا ؟"
كان شفتيه ترتجف من فرط الغضب المستعر الذي يجيش بصدره فهمست بألم من بين اوجاعها
" عملت كدا عشان بنتي ..."
" بنتك ! ولا عشان وحشك حبيب القلب .."
كان استفهام يمزق قلبه الذي ييتلظي بنيران الجوي و الغيرة فحاولت التملص من بين يديه وهي تهتف بغضب
" اخرس و اوعي تقول حرف واحد . انا اتجوزتك عشرين سنه مشوفتوش فيها ولا مرة واحدة ولا حتي فكرت.."
كان يعلم صدق قولها ولكنها الغيرة و الألم الذي جعلها تنتفض من بين يديه وهي تتابع بكبريااء و شموخ
"بالرغم من أننا أطلقنا وانتهينا بس انا جيلتك عشان اعتذر عن اللي حصل مني واني روحتله عشان عارفه دا جرحك قد ايه بس انا عملت كدا عشان بنتي . و لو رجع بيا الزمن هعمل كدا تاني . "
" يبقي تمشي و ترجعي تاني عند بنتك. "
هكذا تحدث بقسوة فقابلتها بتحدً اضفي نيرانا آخري فوق بركانه المشتعل
" انا فعلا همشي . و الألم اللي ادتهولي دا تمنه غالي اوي يا صفوت خليك فاكر .."
انهت كلماتها و توجهت الي داخل الغرفة فلم تجد لا أمينة ولا نجمة التي كانت تهرول الي خارج المشفي تصاحبها عبراتها التي لم تفارقها منذ ان وعت علي هذه الحياة التي امطرتها بصفعات متتاليه كل واحدة كانت أشد و اقسي من سابقتها و آخرهم أنها تنتمي الي تلك العائلة الكبيرة و أن من خطفها و القي بها في هذا العذاب كان عمها !
جدار بشري صلب اصطدمت به جعلها توشك علي السقوط لولا يد قويه احكمت تطويق خصرها تمنعها من الارتطام بالأرض الصلبة ثم اخترقت قلبها نبرة جافة تعرفها كثيرًا ولكن تلك المرة يشوبها لهفة قوية
" وه. نچمة. أنتِ كويسه ؟"
رفعت رأسها تطالعه بصدمه كانت اضعافها بقلبه الذي اهتز من ملامحها الباكيه فصاح باهتمام
" حوصول ايه ؟ حد زعلك ولا ايه ؟"
بنبرة مرتجفه أجابته
" لاه.. مفيش حاچة. اني كت عايزة اشم شويه هوا .. "
كان يعلم أنها تكذب ولكنها لم يريد الضغط عليها أكثر لذا قال مقترحًا
" طب ايه رأيك نروحوا نشربوا اي حاچة في الكفاتريا ؟"
لم تجد مفرًا للهرب منه و أيضًا كانت خائفة وهو الشخص الوحيد الذي لا تخشي من وجوده حولها لذا ذهبت معاه دون أن تدري أن هناك من يحترق ذعرًا من هاجس فقدانها مرة أخرى
" صفوت ألحقني يا صفوت.. "
التفت صفوت الي سهام المرتعبة فاقترب يحاوط كتفيها بلهفه تجلت في نبرته حين قال
" في ايه يا سهام ؟"
" نجمة مش لقياها مش في الأوضه ."
صُدِم من حديثها ولكنها لم يريد بث الذعر في قلبها أكثر فقد كان يرتعب هو الآخر ولكن جاءت كلماته مطمأنه
" اهدي يا سهام . هتلاقيها هنا ولا هنا ولا ممكن تبقي في الكافتيريا بتشرب حاجه .."
أخذت تهز برأسها يمينًا و يسارًا وهي تقول بانهيار
" وهي تعرف حاجه ايه هنا يا صفوت بنتي اتخطفت بنتي ضاعت مني تاني يا صفوت .."
أنهت كلماتها و ارتخت أقدامها لتقع بين أحضانه مغشية عليها
*************
خطت بأقدامها الي داخل ذلك الطابق السفلي للقصر الكبير و بداخل جسدها شئ ممزق مهترئ بفعل الوجع الكامن بداخلها يسمي بالقلب ! أخذت يديها تتلمس الحائط الي أن وقفت تنظر إلي ذلك النائم علي الأريكة بأعين انبثق منها الخزي علي هيئة عبرات غزيرة من بين نهنهات متقطعه جعلت حازم يهب من مكانه بصدمة سرعان ما تحولت لشعور عارم بالضيق و الحرج فها قد حانت المواجهة التي كان يخشاها ..
أخذت أمينة تتقدم منه بخطٍ سلحفية و نظرات غاضبة جريحة معاتبة الي أن توقفت أمامه مباشرةً و ما أن هم بالحديث قاطعًا هذا الصمت الغير مريح حتي هوت بيدها فوق خده بصفعه قويه لم يكن يتوقعها..
"عملنا فيك ايه عشان تعمل فينا كدا ؟"
كان استفهامًا لا يقوي علي إجابته لذا حاول المناص منها وهو يلتفت الي الجهة الأخري لتقود يدها بجذبه من ذراعه بقوة تجلت في نبرتها حين صاحت
" بكلمك رد عليا .. عملنا فيك ايه ؟ عملت انا فيك ايه ؟ تحرق قلبي عليك كدا ليه وانت عايش؟"
قالت جملتها الأخيرة بصراخ هز أرجاء المكان فحاول أن يهدئ من روعها خوفًا علي حالة قلبها
" اهدي يا ماما شويه . اهدي قلبك مش هيستحمل .."
صاحت مستنكرة بمرارة
" قلبي . قلبي اتحرق بسببك . لسه جاي تفكر في قلبي . مفكرتش في ليه و انت بتكذب علينا و بتمثل انك ميت ؟ مفكرتش في قلبي ليه وانا بدفنك تحت التراب بايديا ؟ "
انخرجت في نوبة عويل دوي صداها في أنحاء المكان حولهم فحاول امتصاص غضبها قائلًا
" ياماما انا اضحك عليا . انا اتلفقلي مصيبة و مكنش قدامي غير اني اعمل كدا.. كان لازم اهرب و ألا كنت هروح في ستين داهيه و انتوا معايا .."
شهقت أمينة متفاجئة من حديثه الذي مر على قلبها بشاحنة ضخمة جعلت حوافر القلق تنشب بداخلها فقالت بذعر
" تق. تقصد ايه ؟"
لم يكن يعلم كيف يخبرها ولا يعلم مدي معرفتها بالأمر لذا توقفت الكلمات علي أعتاب شفتيه لتأتيه النجدة من استنتاجها الغير متوقع
" تقصد موضوع جنة؟ "
" اه . اه اقصد جنة.."
هكذا صاح بلهفه فزجرته باحتقار تجلي في نبرتها حين قالت
" ازاي جالك قلب تعمل في بنات الناس كدا؟ مصعبتش عليك البنت اليتيمة دي تعمل فيها كدا ؟ بنت زي الوردة تضيع مستقبلها .. مفكرتش في اختك حد يعمل فيها كدا ؟ "
اخفض رأسه بخزي أمام هجمات كلماتها التي لم يجد لها مبررًا واحداً سوي أنه حقير فلجأ للصمت و لذرف عبرات
الندم علها تطهره من تلك الآثام و الخطايا فجاءه صوتها الصارخ ليصم آذانه
" انت ايه ياخي شيطان . الله ينتقم منك .. الله يلعن البطن اللي شالتك.. الله ينتقم منك ..ياريتني موت قبل ما خلفتك .."
بتر كلماتها هذا الألم الجسيم الذي شعرت به أيسر صدرها فحال بينها و بين تتفسها فخارت قواها لتسقط بين يدي حازم الذي صاح بصراخ اهتزت له أرجاء القصر
" ماما...."
************
" نجمة .."
صوتًا في الخلف جعلها ترتجف للحد الذي جعل الكوب يهتز من بين يديها و بريق ذلك السائل الدافئ علي ملابسها فاشتعل مكان إصابته فهبت من مكانها حتي كادت أن تقع فامسكها عمار بلهفه وهو يقول
" حاسبي . أكده حرجتي نفسك وكتي هتوجعي.."
جذبت نفسها من يده وهي تتراجع الي الخلف ما أن وصل إليها صفوت الذي انخلع قلبه وهو يراها كادت أن تسقط فأخذت تتراجع الي الخلف وهي تفرق نظراتها بينه و بين عمار الذي أشفق علي خوفها الذي يود لو يفعل المستحيل ليمحيه فقال بنبرة متحشرجة
" متخافيش . محدش فينا هيجدر يزعلك ولا ياجي چارك . احنا اهنه عشان نحميكي .."
همست بحرقة
" بعدوا عني.."
تحدث صفوت بلوعة
" انتِ خايفه مني يا نجمة ؟"
اومأت بالإيجاب بينما تساقطت عبراتها بصمت ينافي عويل قلبها الضائع في أروقة الحياة دون أي هدي
" انا ابوكي يا نجمة اوعي تخافي مني . "
همست بخفوت
" اني عايزة اروِح .."
صفوت بابتسامة مطمئنة
" هنروح كلنا متقلقيش .."
إجابته باعتراض
" لا أني عايزة اروح عند اهلي اللي اني اعرِفهم .."
أجابها صفوت بحرقة بينما غلفت عينيه طبقة كرستاليه من العبرات
" احنا اهلك يانجمة . أنا ابوكي اللي عشت محروم منك ستاشر سنة.. حقك عليا. والله فراقك ما كان بايدي . انا دورت عليكِ في كل مكان . انا مفيش ليلة نمتها مرتاح وانت بعيد عني . أنا و امك اتعذبنا اوي من غيرك . "
أمطرت عينيها ألمًا فاض بن القلب حتي طغي ولم يعد يحتمل فأردف صفوت بتلوسل
" تعالي في حضني تعالي في حضن أبوكي و متخافيش يا بنتي .."
لا تعرف ماذا دهاها كانت علي وشك الرفض ولكن شئ ما جذبها لتلقي بنفسها بين احضان هذا الرجل الذي احتوائها بقوة و كأنها كنزه الثمين و قد كان هذا أول عناق حقيقي تتلقاه في حياتها ..
*****************
وصل الجميع الي المشفي فكان أول من قابلهم همت التي قالت بحبور
" شيرين فاقت .."
ابتهج الجميع و هرولت سما تحتضنها فرحًا و لكن كان هوشعوره مختلف يشبه شخص محتجز في أعماق المياة الدامسة يحبس أنفاسه حتي أوشك علي الهلاك والآن فقط استطاع أن يطفو علي سطح المياة مُطلقاً نفسًا قويًا خرج من أعماق صدره الذي اخترقه سهمًا مشتعل حين سمع كلمات همت المحرجة
" سالم . بصراحة شيرين طلبت تشوفك اول ما تيجي ضروي .."
تجاهلت تلك الغصة بقلبها وهي تشعر بيده تشدد من قبضته عليها قبل أن يلتفت ناظرًا الي عمته وهو يقول بجفاء
" خلي بالك من فرح وديها اوضة ماما ترتاح لحد ما ارجعلها.."
" من عنيا يا سالم .."
هكذا أجابته همت بلهفة فالتفت يتطلع إليها بنظرات خاصة مطمئنة فتحت دربًا للراحة و السكينة ليستوطنوا قلبها قبل أن يقول بخشونة
" ارتاحي لحد ما اجيلك . مش هتأخر عليكِ.."
اومأت بصمت بينما ارتسم علي ثغرها ابتسامه بسيطة كان بحاجه إليها قبل أن يلتفت قاصدًا غرفة شيرين التي ما أن اطل من الباب حتي دعته للدخول فقام بجذب أحد الكراسي ليجلس بجانبها وهو يقول باهتمام
" عامله ايه دلوقت؟ "
" الحمد لله.."
هكذا تحدثت بخفوت لكي لا يزداد ألمها أكثر فقال بنبرة خشنة
" حمد لله علي سلامتك .."
" الله يسلمك.. ينفع اتكلم معاك شويه ؟"
هكذا استفهمت بخفوت فأجابها بهدوء
" ينفع بس لما صحتك تتحسن . هنتكلم . هنتكلم كتير اوي يا شيرين .."
أغمضت عينيها بخزي فقد كانت لهجته توحي بمدي غضبه منها أو لنقل عتابه لها .. فحاولت تجاوز ذلك و قالت بتوسل
" أرجوك يا سالم تسمعني و تديني فرصه اشرحلك .."
بتر توسلها بلهجته القاطعة حين قال
" قولت بعدين يا شيرين. لما تبقي كويسه هنتكلم .."
اذعنت لأوامره ولكن داخلها شي ينذر بالسوء لا تستطيع تجاوزه
" هسيبك دلوقتي ترتاحي وبكرة أن شاء الله هاجي اطمن عليكِ.."
هكذا تحدث فقابلت كلماته ببسمة واهنة وحين كاد أن يفتح باب الغرفة لم تتمالك نفسها وهي تصيح قائلة
" الفويس اللي سمعته لفرح يوم فرحكوا كان بصوت حازم .."
يتبع ...
الفصل دا كان مفروض ينزل بدري بس للأسف انضغطت جدا و الأدمن سهر اللي كانت بتصحح فونها باظ فحاولت علي قد ما اقدر اني اراجعه و ميكونش في أي أخطاء إملائيه
قراءة ممتعة ♥️
متنسوش (فوت + كومنت + فولو ليا )♥️
شكرا لكل الناس اللي سألت عليا وانا تعبانه الحمد لله بقيت احسن بس في نفس الألم في ودني التانيه معرفش دا ايه ربنا يستر لسه هروح للدكتور عشان يشوف و يقولي 🥺
من يوم الحد أن شاء الله هنبدأ ننزل ٣ أيام في الأسبوع عشان نخلص قبل رمضان دعواتكوا
**********
و دي مفاجأة كنت مجهزهالكوا كان مفروض تنزل في راس السنه بس حصلت ظروف و اتأجلت نوفيلتي القمر كواسر أخضعها العشق النوفيلا السكر دي نازله كاملة علي جروب بيت الروايات و الحكاوي المصرية و دا اقتباس منها اللي مقرأهاش فاتوا كتير
حتى وأن عادوا حاملين السبعين عُذرًا فلم يعد ينفع لأننا لم نعد نهتم ! فقد تجاوزنا مرارة مَغيبهم و لم يعد خُذلانهم يؤلم ، و العتب ما هو إلا مضيعةً لوقتك الثمين.. فـ ليرحل من يرحل فـ قلوبنا عزيزة لا يُستهان بـ ودها. لا يسكُنها إلا من شابهها ولا يكسِرها من غاب عنها.
خلاصة الأمر : أن وجودهم لم يعد مُميزًا وغيابهم لم يعد مريرًا ...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
يا إلهي لا . أنه ليس هنا. ليس هنا . أنا أتوهم .. نعم أتوهم .."
أغمضت عيناها بقوة ثم فتحتهما و التفتت تنظر إليه فتفاجأت بأنه لم يكن موجود !
إذًا كانت تتوهم بالفعل . أغمضت عيناها التي تبلور بهما ألمها القاتل الذي اجتاح قلبها حين لم تجده و ضاع قسمها بألا تبكي مجدداً أدراج الرياح . فأخفضت رأسها بتعب ذرفته بقوة من عينيها التي برقت بصدمة حين سمعت صوت جرس الباب يدق ..
نظرت إلى ساعة يدها فوجدتها تشير إلى الثانية عشر بعد منتصف الليل. من الذي سيزورهم بهذا الوقت ؟
أضاء عقلها بفكرة جنونية جعلت جميع حواسها تتأهب
فتوجهت إلى الخارج بأقدام متلهفة و أنفاس مُتلاحقة لتنظر إلى العين السحرية بالباب فشعرت بالدماء تتحول في عروقها إلى جمرات مشتعلة جعلتها ترتجف وهي تتمسك بمقبض الباب لكي تفتحه ..
التقت نظراتهما للحظة كان يغلفها شوقًا قاتلاً حاولت إخفاءه بينما كان هو العكس فقد تحول جميع ما يشعر به من ألم و لوعه و غضب إلى فيضان شوق جارف فلم يمهلها الفرصة لاستيعاب وجوده أمام بيتها الآن بل قام بجذبها من أسفل عنقها بقوة ليسحب أنفاسها بين شفتيه وهو يقبلها بضراوةٍ افزعتها لوهلة فلم تستطيع لا دفعه ولا مجاراته فقط خضوع و استسلام لم يبالِ به فقد بدا و كأنه يدفن أوجاعه بثغرها الذي كان نبيذاً مسكرًا غيب عقله حتى تناسي أنهما يقفان علي باب شقة والدها كل ما كان يتذكره هو شفاهها و شوقه لها و وجودها بين ذراعيه التي كانت تحكم تطويقها و كأنه يخشى أن يفقدها إن لانت قبضته قليلاً .
تململت بضيق بين يديه فقد كادت رئتيها أن تنفجر طالبة ببعض الهواء فتركها علي مضض دون أن يفلتها بل ظلت معلقة بين ذراعيه وجبهتها تلتصق بخاصته وهما يتنفسان بصعوبة من فرط الانفعال الذي جعل نبرته مبحوحة وهو يقول
" اعتذر .."
لو كان الوقت مختلف لكان أول ما فعلته هو صفعه بقوة على تلك الكلمة الواهية التي كحبة رملٍ في مواجهة جبل شامخ ولكن هالها صوت أسنانه التي تصطك ببعضها البعض و ارتجافة ملامحها و كأنه يحجم صرخات قوية تهتاج داخل صدره الذي كانت أنفاسه في شجارٍ عنيف لا يهدأه سوى أنفاسها التي أخذ يتنفسها بقوة بينما هي كانت تجاهد للإفلات من بين براثنه ولكن جسدها لا يطاوعها فشعرت بالحزن عليه و علي قلبها وكل شيء يرفض الابتعاد عن هذا الرجل ولكنها استجمعت جأشها لتقول بألم :
"مضى وقت الاعتذار"
أخذ يهز برأسه للحد الذي تفرقت عبراته حول وجهها وهو يهمس بنبرة محرورة :
"سامحيني"
عاندته شفاهها نكاية بقلبٍ لا زال يحترق لأجله
"انتهى كل شيء .."
كان يشعر بكل ما يدور بداخلها و قد كان هذا آخر أملاً له معها لذا همس بجفاء
"كاذبة"
تعلم أنه يعلم بكذبها ولكنها تمسكت بمَا تبقى من ثباتها وهي تقول بقسوة
"ارحل .. لم أعد أريد أي حياة تربطني بك .. "
عاندها بكل ما أوتي من عشقٍ :
"وأنا لا أريد تلك الحياة الخالية منكِ..."
قست نبرتها وهي تتذكر إعلانه أمام الجميع بخيانتها و تلك نظرات الشماتة التي انهالت عليها من والدته لذا قالت بقسوة وهي تحاول التملص من بين ذراعيه:
"لم تعد رفاهية الاختيار متاحة لك .."
همس بلوعة:
"هدى . "
لوعته أضافت ألمًا آخراً إلى ألمها فلانت نبرتها قليلاً حين قالت
"لقد قضيت على آخر شيءٍ كان يربطنا "
أنت محقة .. ولكن أنا أيضاً كان لدي حق بأشياءٍ كثيرةٍ .. حتى أعظم ذنوبي لم تكن من فراغ .. لم يكن بملء إرادتي خيانتك. أنتِ من دفعتني لذلك .
تعلم أن كل ما يقوله حقيقي و لأول مرة تواجه نفسها بذلاتها ولكن ما حيلة قلبٍ أحرقته الخيانة و تركت ندوباً بشعة لا يفلح أي شيء في مداواتها.
-"صدقت .. لم تكن ذنوبك من فراغ ، و مثل خيانتك لم تكن بإرادتك فغفراني ليس بيدي و أنت أيضاً من دفعتني لذلك ... لذا رجاءً أرحل ، انتهى كل شيئ بيننا "
أزهقت كلماتها بآخر أملٍ كان يملكه لذا أطلق نفساً حاراً من جوف بركانه الأعظم و همس بشجون:
"آه لو تعلمين ما تفعلينه بي و أن كل أخطائي و ذنوبي ما كانت سوى ثورة قلبي الذي أضناه هجرك .."
كل شئ بات يتآمر معها حتي جراحها النازفة بدأت بالخدر من لهيب أنفاسه علي وجهها فحاولت قتل ضعفها قبل أن يقتلها لذا تراجعت عنه وهي تقول بجفاء
"وداعًا شاهين .."
كانت هناك لحظة فارقة بين أن تستمع إلى صوت كبريائها النازف وتغلق بابها في وجهه إلى الأبد و بين أن تلبي نداء قلبها المكلوم وترتمي بأحضانه إلى الأبد . ولكن بالنهاية انتصر صوت الكبرياء و قامت بإغلاق الباب في وجهه وهي تستند عليه تنعي قصة عشقها معه إلى الأبد ..
#كواسر_أخضعها_العشق
#نورهان_آل_عشري
#قيثارة_الكلمات
هسيبلكوا اللينك علي صفحتي ♥️♥️
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الرابع وستون 64 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الأنشودة الرابعة 💓
علينا أن ندرك جيدًا بأن هُناك لحظات فاصلة في حياتنا لا يعود بعدها كل شئ كما كان . لحظات أحيانًا من فرط مرارتها تشعر أنها النهاية ولكنها لم تكن سوي البداية . او لنقل أنها ولادة روح جديدة بداخلك خُلِقت من رحِم المعاناة و قساوة الخذلان الذي حتي و أن استطعت تجاوزه ستظل مرارته عالقة بجوفك لتذكرك بأن لا تغفر أبدًا ..
نورهان العشري ✍️
(كواسر أخضعها العشق ❤️🔥)
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
"هسيبك دلوقتي ترتاحي وبكرة أن شاء الله هاجي اطمن عليكِ.."
هكذا تحدث فقابلت كلماته ببسمة واهنة وحين كاد أن يفتح باب الغرفة لم تتمالك نفسها وهي تصيح قائلة
" الفويس اللي سمعته لفرح يوم فرحكوا كان بصوت حازم .."
هل يمكن لعدة حروف بسيطة أن تصبح طلقات نارية قادرة علي إنتزاع روح إنسان ؟
تجمد بمكانه لثوان يحاول التقاط أنفاسه الهاربة قبل أن تأتيه كلماتها المحملة برذاذ الاعتذار
" أنا اسفة يا سالم . مبقتش قادرة اتحمل كل اللي شيلاه في قلبي . لو اتكتبلي عمر جديد هيبقي بقلب نضيف مش شايل اي مرارة جواه.."
كان الصمت طابعه المميز الذي يكمن بين طياته شموخ و كبرياء ولكن الآن كان صمته خزي و خذلان
اخيرًا اتخذت قرار إخلاء سبيل كل تلك الأسرار المخبئة كالعلقم في جوفها
" حازم كمان اللي ولع في المزرعة يوم فرحكوا. عشان مكنش عايز سليم يقرب من جنة .. وهو اللي خلاني اقنع ماما تحط لجنة الحبوب في العصير عشان تسقطها. مكنش عايزها تخلف ولد يورث فلوسه . وهو اللي خد فلوس الصفقة الألمانية. لما جنة ولدت فكر انه ياخد اي حاجه من ورثه .. "
تناثرت أشواك الحقيقة بقلبه مما جعله يُغمِض عينيه و داخله يبتهل لخالقه أن يستيقظ من ذلك الكابوس قبل أن يقضي عليه . ولكنه لم يكن كابوسًا بل واقع مرير دهس علي ثباته و قوة تحمله حتي كاد أن يسقط في تلك اللحظة من فرط ذلك الثقل الذي لم تعد قواه تكفي لتحمله
اشفقت علي ألمه ولكن لم يكن هناك وقت للتراجع لذا أكملت تجلده بسوط تلك الحقائق المريعة
" هو اللي خطف محمود عشان يساوم جنة أنها تسيب سليم . وهو اللي هدد لبني و أهلها انها تغير أقوالها و تتهم عُدي لما عرف أنه اتجوز ساندي .."
صمتت لثوان قبل أن تضيف بلهجة تتضور وجعًا
" حازم زي بابا بالظبط . نفس الأنانية . نفس الطباع السيئة. معندوش مشكله أنه يأذي اي حد المهم ياخد اللي هو عايزه ."
تعاظم الوجع حتي اسدل ستاره علي ملامح وجهه و طمس بريق عينيه و لهجته التي جاءت متحشرجة و كأنه كان يحاول انتزاع الحروف لتخرج من بين شفتيه
" هو اللي حاول يقتل لبنى ؟"
التقمت عينيها ذلك التوسل الخفي بعينيه لإجابة قد تخفف من وطأة ألمه ولو قليلًا فلم تبخل عليه بها
" لا . بابا اللي عمل كدا . بس بطلب منه . اصلًا سبب هروب حازم كان لبنى دي . حكاية لبنى دي بابا اللي ملفقها زي بردو ما جر حازم عشان يشرب مخدرات . "
سالم بجفاء اطل من عينيه اولًا
" عايز اعرف كل حاجه من البداية .."
اومأت برأسها قبل أن تسهب في سرد ما حدث
" بابا سلط واحد ديلر علي حازم و أصحابه عشان يجرهم للمخدرات و بعد كدا بدأ يجيب رجل حازم عنده في المنطقة الشعبية دي عشان يلبسه تهمه يكسر عينكوا بيها. و لما بدأ حازم يتردد علي الولد دا في منطقته شاف لبني دي و حاول تقرب منها رفضته . فبدأ يتعلق بيها و يروح للولد دا كتير و هو لاحظ نظرات حازم ليها."
صمتت لثوان تسترد أنفاسها محاوله تجاهل ذلك الألم الدامي في كتفها ثم استطردت بتعب
" و من هنا بدؤا يرتبوا لكل حاجه . و يوم الحادثة شربوا حازم مخدرات و خمرا و منشطات . و خطفوا البنت و قفلوا عليها هي وحازم في شقة عشان يعمل عملته . و طبعا حازم لما فاق لقي البنت غرقانه في دمها و انهار و فكرها ماتت و هما أكدوا عليه الاعتقاد دا . و الولد الديلر دا قاله أنه عنده حد يسفره بره و طبعا حازم مكنش في عقل يفكر كل اللي كان في دماغه أنه مرعوب منكوا لتعرفوا بعملته و مرعوب لا يتقبض عليه بتهمه الاغتصاب و القتل . فوافق."
خرجت كلماته قاسية كملامحه في تلك اللحظة
" و طبعا البيه كان مجهزله ورق سفره حتي قبل ما يحصل اللي حصل .."
اومأت بصمت فقد تشعب الخوف الي داخلها من نظراته و ملامحه التي كانت مرعبة و كذلك جاءت لهجته حين أمرها قائلًا
" كملي .."
" بابا مكنش عايز انتقام عادي . كان عايز يدمركوا بمعني الكلمة و طبعًا موضوع حازم دا كفيل أنه يكسركوا العمر كله . اتفق مع الدكتور أنه يديله حقنه هتخلي النبض ضعيف جدًا و هو اللي خلي الدكتور يقولكوا أنه مدمن و دي كانت بداية انتقامه . و بعد ما خرج حازم من القبر سفره علي ايطاليا و منها علي ألمانيا.."
سالم بقسوة
" و عرف امتا أن ابوكي ورا كل دا ؟".
" بابا في الأول قابله في بار بعد ما سابه شهر يتلطم في كل حتة لحد ما حازم كان بيفكر أنه ينتحر وقتها ظهرله في البار كان حازم بيشتغل هناك يعني بينضف الحمامات.."
كانت تشاهد فكه الذي كان يطبق علي الآخر بشدة و عروق رقبته التي كانت بارزة للحد الذي يجعل من يراها يظن بأنها ستنفجر في أي لحظة مما جعلها تبتلع ريقها بصعوبة وهي تكمل
"بابا كان قاصد كدا عشان اول ما حازم يشوفه يترمي تحت رجليه و فعلا دا اللي حصل و اخده معاه علي ألمانيا بعد ما حازم حكاله كل حاجه و بابا طمنه أنه عمره ما هيقول اي حاجه لحد و قبل ما لبني تفوق بتلت ايام سمع بابا وهو بيتكلم مع الواد الديلر دا و بيسأله علي لبني فاقت ولا لسه وقتها حازم اتجنن و قال لبابا أنه هينزل مصر و يحكيلكوا علي كل حاجه . فبابا حب يقرص ودنه راح كلم دكتور يعرفه و كلفه أنه يفصل عنها الأجهزة و كان في احتمالين يا اما تموت و يبلغ عنه لأنه طبعا كان مصوره جنبها يوم الحادثة . يا اما تفوق و تحكي أن حازم اللي اغتصبها خصوصاً أن حازم لما دخل عليها الأوضه كانت فاقت و شافته "
اومأ برأسه فقد استشف ما حدث بعد ذلك و قال ساخرًا بمرارة
" و طبعاً عشان ياكد تمثيليته بعت الشرطه عندنا البيت ؟ "
أكدت علي كلماته قائلة
" فعلًا و حازم وقتها مقدرش يرجع بس اشترط عليه أنه يلبس التهمة لعدي عشان يفضل معاه و بابا وافق كان كل همه أن حازم يفضل معاه عشان يضرب ضربته الأخيرة لما يصدمكوا بوجوده و كمان كان قاصد يجننكوا . وهو اللي أجبر أهل البنت أنهم يهربوا و هددهم أنه هيقتلها و أنه من طرفك! "
أنهت كلماتها بوهن فقد تمكن منها الأعياء مما جعله يكتفي بتلك الجرعة المسمومة التي سُكِبت فوق مسامعه اليوم
" ارتاحي دلوقتي . و بعدين نكمل .."
***************
" سليم . ممكن نتكلم شويه ؟"
هكذا تحدثت فرح التي شعرت بالشفقة علي ألمه المرتسم بين طيات ملامحه و المنبثق من عينيه التي لأول مرة تراها منطفئة هكذا
" سامعك .."
كانت نبرتة جافة تشبة قلبه الذي تيبس من فرط اللوعه و الأشتياق المرير لإمرأة نفخت بقلبه الروح بعد أن كان شَعُوب لسنوات. إمرأة اغرته بالجنة و أسكرته بنعيمها فأصبحت أنفاسها هوائه وعشقها يسري في عروقه مسرى الدماء حتي ظن أن سرمدية بقاءها أمرًا غير قابل للنقاش و إذا به ينال صفعة هجر قاسية سقطت علي قلبه لتنتزع منه تلك الحياة التي بثته إياها ذات يوم ..
" انا حاسة بيك و بوجعك .. بس عارفة و متأكدة أن جنة روحها فيك . و انت كمان عارف دا . "
بشق الأنفس استطاع أن يتحكم في صراخه الذي أن أطلق له العنان سيحطم جدران ذلك المبني . فأي حبيب هذا الذي يقتل محبوبه بتلك الطريقة ؟ ولكنه اكتفي بإيماءة بسيطة قبل أن يقول بتهكم مرير
" عارف .."
شعرت بما تحويه كلماته لذا شددت من كل حرف تتفوه به حين قالت بجفاء
" لازم تقدر موقفها يا سليم . جنة اتحطت في اسوء وضع ممكن واحدة تتحط فيه ؟ تبقي متجوزة اتنين .. "
تلك الكلمة تدهس علي قلبه دون رحمه . حروفها كالسم السريع المفعول الذي يذهب بتعقله الي الجحيم .
التفت بحدة لتقاطعه كلماتها القاسية حين قالت
" شفت انت مش قادر تتحملها ازاي ؟ اومال هي تعمل ايه ؟ جنة مش قادرة تبص في وشك يا سليم . مكسوفه و مرعوبة منك .."
استنكر حديثها قائلا
" مرعوبة مني ؟"
" ايوا مرعوبة منك .. افتكر كنت ازاي معاها قبل ما تعرف حقيقة اللي حصل . افتكر كنت بتعاملها ازاي و بتجرحها قد ايه ؟ "
اندفع. ينفي تلك الشبهات عن نفسه
" وقتها انا كنت متضايق من اللي عملته و الفخ اللي وقعت نفسها فيه. كنت بقسي عليها من غضبي منها "
صاحت بنفس لهجته
" و دلوقتي مش متضايق ؟ مش ممكن تلومها؟ ماهو خيط الغلط لسه موصول . غضبك مش ممكن يخليك تقسى عليها ؟ "
صمت لثوان يتفهم حديثها و يعيد تلك الاسئلة علي كلًا من عقله و قلبه فاستمهل نفسه قبل أن يجيبها بقوة
" لا .. عمري ما هعمل معاها كدا ."
انشرح قلبها لإجابته و رقت لهجتها وهي تقول
" يبقي قولها كدا . طمنها . عرفها انك مش هتلوم ولا هتقسي عليها ابدًا . جنة محتاجه وجودك اوي يا سليم . "
كانت بوادر الاقتناع تلوح في الآفاق ولكنها كانت تعلم بأن كبرياءه يمكن له أن يفسد الأمور لذا خاطبت قلبه العاشق قائلة
" حتي لو زعلان منها مش وقته انت ناسي أنها لسه بتاخد جلسات و دا من غير حاجه بيأثر عليها.."
نجحت في مبتغاها فقد صفت ملامحه قليلًا و اومأ برأسه وأضافت هي بابتسامة بسيطة
" انت اقرب واحد ليها في الدنيا دي . واكتر حد بتحبه ومحتجاه . دا حتي أنا اتركنت عالرف . "
ابتسامة هادئه سطعت في سماء عينيه فحاول الهروب بها عن عينيها فواصلت هجومها تعزز من زخيرته أكثر
" اوعي تسيب حد يدخل بينك و بينها. انتوا شفتوا العذاب ألوان عشان توصلوا لبعض. و معتقدش هتقدروا تتحملوا تاني ولو ربع اللي اتحملتوه قبل كدا .."
نجحت في مسعاها فقد لون التصميم ملامحه و زين نظراته و لهجته حين قال
" عندك حق ...."
" سليم .."
فاجأهم صوت سالم القاسي فالتفت كلًا منهما إليه و قد هالها مظهره المرعب و لكنها كانت أكثر من يعلمه لذا هرولت إليه فقد شعرت أن تلك القسوة خلفها آلام عظيمة . احتوت ذراعه وعينيها تبحران فوق ملامحه باهتمام تجلى في نبرتها حين قالت
" انت كويس ؟"
تجاهلها متعمدًا فعينيها و لمساتها يغريانه بالإنهيار باكيًا بين ذراعيها ولكن التوقيت كان أكثر من خاطئ لذا وجه حديثه الي سليم قائلًا بجفاء
" اطمنت عالحاجة ؟"
زفر بقوة قبل أن يقول باختصار
" لا .."
لم يكن بحاجه لسؤاله عن السبب لذا قال بفظاظة
" هروح اطمن عليها ."
أوقفته يد فرح التي علمت أن الأمر جلل و تعاظم الخوف بداخلها فقالت بنبرة تحوي التوسل بين طياتها
" سالم .."
باغتها حين قال بجفاء
" مش كويس يا فرح . مش كويس .."
شعر سليم بوضع شقيقه فقد كان أكثر من يعلمه و علي الرغم من تفشي الفضول بقلبه الذي فطن الي أن هناك الكثير مما يجهله ولكنه تجاهل كل شئ و اقترب منه قائلًا بخشونة
" هروح اطمن انا عالحاجة. وانت خد فرح و روح .."
لم يكد ينهي جملته حتي جاء رنين هاتف سالم فقام بالتقاطه ليجيب بفظاظة
" في ايه ؟"
كان المتصل أحد الحراس الخاص بالفيلا الذي صاح بلهفه
" سالم بيه والدة حضرتك جاتلها الأزمة وهي عند حازم بيه و جبنا الإسعاف خدتها عالمستشفي وهو هنا مبهدل الدنيا عايز يروح وراها واحنا مانعينه .."
هاج كوحش كاسر
" ولسه فاكر تقولي دلوقتي ؟ "
" يا باشا تليفونك كان مقفول ومكنش قدامي وقت كنت عايز الحق الحاجة زمانها دلوقتي وصلت المستشفي عندك .."
تمالك نفسه بمشقة و قال بقسوة
" اقفل عليه واياك تخرجه أبدًا حتي لو انك حكمت تكتفه .. فاهم ؟"
" بس يا سالم بيه .."
قاطعه سالم بزئير
" نفذ اللي قولتلك عليه و مش هحاسبك نفذته ازاي .."
كان إذنًا بتجاوز الخطوط الحمراء إن لزم الأمر لذا قال الحارس برضوخ
" أوامرك يا سالم بيه ."
اغلق الهاتف فهبت قائلة بخوف
" في ايه يا سالم ؟"
كذلك استفهم سليم الذي توقف إثر سماعه حديث سالم مع الحارس
" حصل ايه يا سالم ؟"
ابتلع جمراته الحارقه و أجابهم بعجالة قبل أن يتوجه الي قسم الطوارئ
" الحاجة جاتلها الأزمة والإسعاف جايبها و جاي .."
تلك اخر كلمات قالها قبل أن يغادرهم متوجهًا للأسفل فهرولوا خلفه بخطْ متلهفه وقلوب مذعورة ..
*************
ذرفت من العبرات ما يكفيها لأعوام ولكنها أبدا لم تكتفي فقد كانت كمن أراد تطهير قلبها من كل شئ فقد جاءتها فرصتها علي طبق من ذهب للتخلص من كل تلك الآثام و الذنوب لذلك عزمت إلا تضيعها من يدها ..
شعرت بباب الغرفة يُفتح فالتقمت عيناها ذلك الذي أطل عليها بجسده الضخم و حضوره الطاغي فحاولت كتم أنفاسها و اغلاق جفونها عن رؤيته ولكنها لم تستطيع منع قلبها الذي تاق لرؤيته فهاجت ضرباته حتي آلمها صدرها ولكنها قمعت كل ما تشعر به داخلها و واصلت التمثيل بأنها نائمة و كم كان هذا شاقًا وهي تشعر به يقف قبالتها و عينيه تطوفان علي ملامحها التي اهتزت و كذلك جسدها حين شعرت بأنامله تتجول بحرية علي ذراعها و كأنه أراد إخبارها بأنها كاذبة فاشلة ..
" انصحك تبطلي تمثيل عشان متتعبيش . انا ناوي افضل هنا طول الليل .."
ولدت شحنات اقترابه نيرانًا هوجاء بداخلها سرعان ما تحولت إلي غضب حارق جراء كلماته فالتفتت بغضب تألم له جرحها فخرجت آهه متألمة من شفتيها جعلته يقترب منها بلهفه لاقت صداها بقلبها خاصةً حين قال باهتمام
" بالراحة .. في ايه ؟ اهدي شويه .."
كان المها جلي علي ملامحها للحد الذي جعلها عاجزة عن الرد فجاءت لمسته حانيه علي وجنتها وهو يقول بنبرته العابثة
" حاسب على نفسك دا انت غالي.."
في تلك اللحظة كانت تود أن تلعنه فهو يقف أمامها بكامل أسلحته و هي عزلاء و جريحه و هناك خيانة تلوح بالآفاق من قلبها الوغد الذي يتأثر بقربه بطريقة كبيرة جعلت لهجتها مرتجفة وهي تقول
" اخرج بره يا طارق.."
" مش هخرج .. "
كان يتحدث بسلاسة استفزتها فصاحت بغضب
" هو انت مش شايف ان انا تعبانه و مش حمل وجع اكتر من اللي انا فيه .."
" ماهو وجعك دا اللي مخليني هنا . "
استنكر عقلها حديثه علي عكس قلبها الذي رضخ بإذعان لوجوده بجانبها علي الرغم من جراحها النازفة
" انت كنت السبب في جزء كبير اوي منه . عشان كدا أخرج .. "
شعرت بثقل السرير الذي تنام فوقه فعلمت أنه جلس بجانبها و سرعان ما شعرت بتيار كهربائي يضرب أنحاء جسدها حين احتوت كفوفه كفها بحنان جعل العبرات تعرف طريقها الي عينيها وخاصةً حين أضاف بخشونة
" انا مكذبتش عليكِ في حرف واحد من اللي قولته . و اتفاقي مع أمينة مكنش اني اوقعك في حبي . كان اني اراقبك و امنعك لو لاقيتك بتعملي حاجة غلط ."
التفتت الي الجهة الأخرى و صاحت حانقة
" مش مصدقاك ."
" مش مهم . "
اثارتها كلمته البسيطة فاعادت نظراتها إليه مرة أخري لتقع أسيرة تلك الابتسامة الرائعة التي أضاءت ملامحه و خاصةً حين أضاف بخفوت
" كلامك اللي هتقوليه دلوقتي كله مش مهم . مش هيأثر في حاجه من اللي جوايا او اللي نويت عليه .."
بللت حلقها الذي جف من نظراته المغويه وكلماته الغامضة و قالت بنبرة متحشرجة
" وهو ايه بقي اللي نويت عليه ؟"
" اني انسي كل اللي حصل و ابتدي معاكِ من دلوقتي. جاهزة نرمي كل حاجه ورا ضهرنا و نكمل المشوار سوي ؟ "
" جاهزة يا طارق ابدأ من جديد .."
لونت ابتسامة عريضة ملامحه استنكرتها هي فقد كانت كلماته عرضاً بالحياة لشخص علي مشارف الموت ولكن ندوب الغدر السابقة مازال وجعها قائم لذا جاءت كلماتها جافة حين أردفت
" بس مش معاك . معنديش نية أبدأ معاك من جديد ولا اكمل معاك في مشوارك .."
لدهشتها لم تنمحي بسمته أو حتي تهتز نظراته إنما أخذت أنامله تلهو فوق كفها بخفة تجلت في نبرته حين قال
" عارفه انا طول عمري مش محبوب في العيلة ليه ؟"
" ليه ؟"
أجابها يشدد علي كل حرف يغادر شفاهه و تؤازره نظراته القوية تجاهها
" عشان أنا اكتر واحد بيعرف يحدد أهدافه صح و بيعرف ازاي يوصلها.
ذوق عافيه إجبار .كل الوسائل عندي متاحة و مفيش حاجه بتقف قدامي . "
لن تنكر ابدًا ذلك الشعور بالبهجة الذي غزي قلبها جراء كلماته ولكنها حاولت ارتداء قناع البرود أمام نظراته التي أذابت عظامها فتابع بخشونة
" طبعًا كل الحاجات دي بالنسبالك عيوب بس هقولك علي ميزة حلو اوي فيا . انا شخص مبيقاوحش في الغلط ولا بيكسف أنه يعترف بيه. و لأول مرة هيعتذر عنه . انا اسف .. سامحيني.. "
فاق الأمر حدود الروعة فهذا الرجل الذي لا تفلح أي كلمات في سرد صفاته يجلس أمامها و يضع قلبه بين كفوفها بل و يعتذر منها علي خطأه الذي بناءً علي ما حدث يُعد غير مقصود . ولكنه يعتذر لأجلها ..
تدفقت العبرات بغزارة من مقلتيها فلأول مرة بحياتها تشعر بأن أحد يحارب لأجلها . يشعرها أنها شئ ثمين يخشي ضياعه .
عبراتها عرت شعورها في تلك اللحظة فانتزعت عينيها من بين براثن عينيه الصقرية وهي تقول بنبرة متحشرجة
" انا تعبانة و عايزة انام .."
جاءت نبرته حانية و كأنها قبله دافئة جراح قلبها الدامية
" نامي و هتصحي تلاقيني هنا .. جنبك. "
شدد من كلمته الأخيرة فأخذت نفسًا عميقًا لأول مرة يحمل الراحه الي صدرها و أغمضت عينيها بينما يديها مازلت عالقة بين كفوفه التي أخذت تمسدها بحنان الي أن خلدت الي النوم ...
**************
انتشر خبر إصابة أمينة بأزمة قلبيه بين الجميع فهرولوا الي غرفة العناية المركزة التي نُقِلت إليها و قد كان الأمر مروعًا علي الجميع و كان أكثرهم تأثرًا سالم الذي اختلط بقلبه الخوف والغضب ليشكلوا شعورًا هائلًا جعل الجميع يتجنبون مواجهته أو الاقتراب منه إلا هي . لم تستطيع تركه فريسة لكل تلك الأحاسيس المروعه التي حتمًا ستنهيه لذا اقتربت منه تتلمس بيدها الحانية ذراعه التي رفعته و وضعته حول كتفها و بيده الأخرى حاوطت خصره واضعه رأسها فوق موضع نبضه الذي كان الجنون حاله فقد صح ظنها بأنه يعاني بقسوة مما يشعر به .
التقمتهم الأعين بنظرات مندهشة و أخري مشفقة علي فرح من رد فعل عنيف قد يصدر منه فقد كان في اقصي درجات غضبه ولكن لدهشتهم و دهشته أيضًا وجد نفسه يقربها منه بقوة و عينيه التي اخفضها لتشتبك معها في حوار صامت كان يحمل التوسل من جانبه بألا تتركه فقد كان قاب قوسين أو أدني من السقوط أمامهم و الانحناء أمام ألمه لأول مرة في حياته ولكن وجودها أنقذه و قام بانتشاله من بحور الوجع الذي كان يقتات علي روحه ..
خرج الطبيب من الغرفة فاندفع الجميع تجاهه فأجاب علي تساؤولاتهم بعملية
" مكدبش عليكوا الحاجه حالتها غير مطمئنة بالمرة صحيح الأزمة عدت بس حالة القلب تعبانه و مفيش في ايدينا غير الدعاء . عن اذنكوا.."
خيم الحزن علي وجوههم علي الرغم من توافد عبارات الحمد علي شفتيهم فجاء صوته آمرًا
" يالا عشان تروحوا البيت . مش عايز حد هنا . "
قبل أن يدع المجال لأحد بالأعتراض تدخل سليم قال مؤيدًا حديث شقيقه
" قعادنا هنا مالوش لزوم . محدش في ايده حاجه يعملها. "
تحدث صفوت بعمليه
" النهاردة اليوم كان متعب عالكل و الفجر أذن اصلًا . يالا يا همت هوصلكوا البيت ترتاحوا شويه و بعدين تبقوا تيجوا تطمنوا علي الحاجه بالليل .."
تدخل مروان مضيفًا
" انا كلمت الشركة و زودت عربيات الحراسة عالقصر و هنسيب اللي بره هنا مع سالم و طارق . و هنروح احنا نرتاح شويه و بعدين هتيجي انا وسليم نبدلهم . "
اومأ بصمت فلم تعد له طاقه للحديث فغادر الجميع الا هي فالتفت يناظرها وحين أوشك علي الحديث سبقته قائله بلهجة قاطعة
" متفكرش لحظة اني هسيبك . "
فاجئها حين امتدت يديه تقربها منه بقوة تجلت في نبرته المتعبة حين قال
" متسبنيش ..."
" مش هسيبك ابدًا يا عمري .."
قالتها فرح بعشق كبير انبعث من عينيها و كفوفها التي حاوطت وجهه بحنو فاخفض نظراته الي بطنها المسطحه و امتدت يديه تتلمسها بحنان و نظراته توحي وكأنه يشكو لصغيره وجع والده دون أن تفصح شفاهه عن أي شئ فشعرت هي به و تآزر قلبها معه و لأنها تعلم أنه لن يفصح عما يجول بداخله حاولت تشتيت انتباهه قائلة بمشاكسه
" نحن هنا علي فكرة . من دلوقتي مطنشني عشانه.. "
لاحت ابتسامه بسيطه علي ثغره فاضافت بحنو
" تعالي ننزل نشرب حاجه تحت و ترتاح شويه من امبارح علي حالتك دي .."
لم يعارضها فلم يكن له طاقه لذلك فتبعها متوجهًا إلي الأعلي ولكن قبل أن يغادر التفت إلي غرفة والدته وهو يلقي نظرة طويلة بها وعينيه تتوسل بصمت ألا تغادره فلا يملك طاقة لتحمل فراقها أبدًا
فوجئ مروان بعمار الذي كان في المقهي الخاص بالمشفي لا يعلم ما عليه فعله ولا يطاوعه قلبه بالمغادرة و تركها خلفه حتي وهي آمنه مع أبويها و فضل الجلوس هنا عله يلمح طيفها و يستطيع تصليح الأمور العالقة بينهم ..
" ايه دا هو عم ذئاب الجبل دا لسه هنا بيعمل ايه ؟"
اجابه سليم بفظاظة
" معرفش و مش عايز اعرف .."
ناظره مروان بامتعاض تجلي في نبرته حين قال
" يا ابني افرد بوزك دا. بطل تشوه خلقتك اكتر واكتر مش كفايه علينا قرعتك دي .."
تعاظم الحنق بداخله فهدر بعنف
" اقسم بالله لو ما بطلت استظرافك دا لهكون مطبقلك وشك انا دمي محروق و مش طايق نفسي ."
لم يبدو عليه التأثر بكلماته المتوعدة بل تابع سخريته قائلًا
" يا بني آدم شغل دماغك دي شويه . يا حبيبي دا ربنا ميز الإنسان عن الحيوان بالعقل شغل عقلك دا هيصدي والله . "
أوشك سليم علي لكمه فجاءهم صوت عمار الذي صاح من بعيد باستنكار
" خبر اي هتضربوا بعضيكوا ولا اي ؟"
مروان بتهكم خافت
" قابل يا عم . اهو شمت فينا اللي يسوي و اللي.. يسوي بردو عشان خاطر العيش و الملح .. "
تجاهل سليم حديثهم وقال بانفعال
" أنا ماشي عشان مرتكبش جنايه .."
أوقفته يد مروان قائلًا بخفوت قبل أن يصل عمار اليهم
يا ابني انت عامل زي النار اللي لما مبتلاقيش حاجه تاكلها بتاكل نفسها."
صاح سليم بنفاذ صبر
" عايز تقول ايه ؟ أنجز ."
مروان بغموض
" خلي النار دي تحرق اللي يستحقها بدل ما تحرقك انت.. "
سليم بتعب
" و امي اللي راقدة بين الحيا والموت فوق دي؟"
مروان باتزان
" يبقي دور عاللي هيطفيها يا سليم . جنة مراتك لوحدك . حقك . سيبك من كل كلامهم دا . "
انتشي قلبه بتلك الجملة كثيرًا حتي أنه استطاع أن يأخذ نفسًا طويلًا ملئ صدره المكتظ بنيران الغضب ولكنه تفاجئ بحديث عمار الذي جاء مستنكرًا
" وهو انت عندك شك في الموضوع ده يا سليم؟"
كان يتجاهل عمار وما يأتي خلفه يريد استردادها و استرداد أنفاسه معها قبل أن يلتفت لتلك العقبة القوية التي سيخلفها ظهور حازم و قبل أن يتمكن من الحديث جاهم صوت سالم الصارم خلفهم
" انت لسه هنا يا عمار ؟"
التفت الثلاثة لسالم الذي كان يتجه إليهم و بجانبه فرح المتخوفه من مغبة هذا الحديث
" ايوا لسه اهنه يا سالم . عندك مشكله في وچودي ؟"
سالم بجفاء
" مش هيبقي في مشكله لو كان السبب مقنع.."
عمار بغضب بدأ يظهر علي السطح
" انا اهنه عشان بنات عمي و خطيبتي !"
تجاهل جملته الأولي بدهاء و علق علي الأخيرة مستنكرًا
" خطيبتك ! هي مين اللي خطيبتك ؟"
كان داخليًا يرتجف من رفضها لتلك العلاقة التي الصقها بها عنوة ولكنه قال بقوة
" نچمة .."
سالم بفظاظة
" و خطبتها امتا و من مين ؟"
عمار بتوتر خفي
" جبل ما تنخطف . طلبت يدها ."
سالم بجفاء
" وقالتلك اي؟"
تنحنح قليلًا قبل أن يجيبه قائلًا
" جالت هتفكر.."
سالم بفظاظة
" طب لما تبقي تفكر و تقرر هنبقي نبلغك.."
كان مروان يقمع ضحكته بصعوبه و كذلك سليم من مظهر عمار الذي يكاد يجن غيظًا فلم يستطيع مروان الصمت اكثر و أراد الثأر لنفسه قائلًا
" اه هي تفكر. و سالم بما أنه البوص هنا هيفكر وسليم ببوزه اللي يقطع الخميرة من البيت دا لازم يفكر . و البغل طارق بما أنه طب علينا زي القضا المستعجل فلازم بردو يفكر . احنا عيلة بنحب نفكر . والا انا بقي لازم افكر تفكير لحد ما تضرب نفسك طلقتين انك فكرت تناسبنا . ولا فاكر نفسك هتاخد النيزك من وسطنا كدا برغيف عيش و حتة جبنة .. لا دا في تار بينا و طلاق تلاته هاخده.."
لم يجيبه عمار فقد شعر بأنه علي وشك ارتكاب جريمه و قد انقذهم قدوم صفوت الذي أخذ عمار ليتحدث معه فيما انطلق سالم في طريقه الي المقهي وسط صيحات فرح الغاضبة ولكنه لم يتوقف سوي أمام الطاولة فخاطبته بحنق
"دي شكرًا اللي بتقولهاله يا سالم ؟"
سالم بفظاظة
" صفوت شكره مره و خلصنا.."
هتفت بسخرية
" كتر خيرك والله . انا هروح اشكره و اعتذر له علي كلامكوا معاه .."
اوقفتها يداه التي امتدت تقبض علي رسغها بعنف و قال بتحذير
" اياكِ . "
عاندته قائلة
" سالم .."
تمكن منه الغصب و فاح من لهجته حين قال
" هكسر دماغك لو خطيتي خطوة واحده .."
لم تحتمل حديثه ولا لهجته فالتفتت تنوي الجلوس بعيدة عنه فجذبها من يدها لتجلس بقربه و قال بلهجة بنفاذ صبر
" اترزعي هنا جنبي و افردي وشك انا علي أخري .."
لم تحتمل طريقته أكثر فقالت بحدة
" انا مبتعاملش بالطريقة دي علي فكرة .."
" يبقي متجبرنيش اعاملك بيها .."
تعاظمت دهشتها قالت باستنكار
" انت مجنون؟ انا عملت ايه دلوقتي ؟"
أجابها بفظاظة
" أنتِ عارفه . و احمدي ربنا اني اصلًا بخليكِ تردي عليه السلام ."
غيرته الواضحه جعلت غضبها يهدأ قليلًا و لكنها لم تمنعها من القول بحنق
" مستبد .."
فاجأها حين قال بغلظة
" ايوا مستبد . اعرفي كدا احسنلك عشان ترتاحي .."
تجاهلت منحني الرد و أدارت وجهها الي الجهة الأخري ثم قامت بلف ذراعيها حول كتفها تقيها من هذا البرد المحيط بهم فتفاجئت به يحاوطها وهو يضع جاكته حولها ثم قام بوضع قُبلة سطحية فوق رأسها قبل أن يضيف بخشونة
" انتِ عارفه طبعي اتأقلمي ...،"
لم تجيبه و تمسكت بصمتها فأطلق الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة قبل أن يضيف بلهجة فظة
" و بغير فحاولي تتعودي .."
خففت كلماته من حدة الموقف فالتفتت تناظره بابتسامة بسيطة لا توحي بالرضا ولكنها توحي بتفهمها للأمر و ما يمر به لذا لم تطيل و استجابت ليديه التي مدها إليها فقد كان يعلم بأنها لا تُجيد الخضوع ولكنها تفهمت دوافعه وما يمر به و قد كان هذا أكثر من كاف لجعله يشعر بالإمتنان نحوها..
.
***************
بعد مرور يومان لم يحدث بهم جديد سوي استقرار حالة أمينة فهدأ باله قليلًا و قرر أن يضع الأمور في نصابها الصحيح لذا امسك بهاتفه ليقرر الاتصال بسليم الذي ما أن أجاب حتي قال بخشونة
" جنة في فندق (..) جناح (..) روحلها.. "
سليم بسخرية
" كتر خيرك والله لسه فاكر تقولي.. انا عارف علي فكرة ."
سالم بفظاظة
" عارف انك عارف. و عارف بردو انك مكنتش هتروحلها غير لما اقولك . جنة مراتك شرعًا و قانونًا انا اتأكدت بنفسي . "
تجاهل ثورة قلبه الذي هاج فرحًا علي الرغم من استنكاره لأي شئ آخر ولكن كانت فرحته عارمه حتي أنه كان أمام المصعد قاصدًا غرفتها فقد كان يقضي ليله ونهاره ما بين المشفي للإطمئنان علي والدته و الفندق ليكون بالقرب منها بانتظار ذلك الفرمان الذي أعاد الحياة لقلبه من جديد
دق باب الغرفة قبل أن يقول مخاطبًا اخيه بجفاء
"أنها مراتي دا شئ مفروغ منه . مشكتش فيه لحظة . انا بس كنت مستني اشوف دماغها هتوديها لحد فين .."
فطن سالم الي ما يحدث فقد كان يعلم بمكان شقيقه فأغلق الهاتف ليتركه يعالج أموره بالطريقة التي يُريد و كم كان يتوق إلي هذه الفرصة فأعاد سؤاله أمامها بنبرة جافة تنافي عتاب نظراته التي اشتاقتها كثيرًا
" دماغك ودتك لحد فين يا جنة ؟"
كان شوقه مُتبادلًا فبكل مرة يدق أحد باب غرفتها تتوسل الي الله أن يكون هو الطارق و كم كان يخيب أملها حين لم تجده ولكن تلك المرة اخترق دعائها السماء السابعة و تحققت امنيتها حين رأته ولم تستطيع منع نفسها من الهمس بين طوفان العبرات التي أغرقت وجهها
" ودتني لحد عندك يا سليم .."
قالت جملتها و اندفعت بين أحضانه كغريق عانق قشة النجاة خاصته...
**************
" أخيرًا البيه عاود و افتكر أن له أهل ..."
هكذا صاح عبد الحميد بغضب ما أن رأي عمار الذي دخل الي باب البيت ولكن استوقفته كلمات جده الغاضبة فالتفت يناظره قائلًا بنفاذ صبر
" اهلًا يا چدي .."
" اهلًا أهلًا . كت بتعمل اي في مصر كل ده ؟"
عمار بملل
" كنك متعرفش يا چدي ؟ ملهاش عازة السؤالات دي .."
هدر عبد الحميد بغضب تجمهر أهل البيت علي إثره
" عارف . و بجولك اهوه لو نفذت اللي في دماغك دي أنا اللي هكسرهالك.. سامع ؟ "
انهي جملته والتفت إلي ياسين الذي كان يقف اعلي الدرج وبجانبه حلا و صاح بتحذير
" سامع يا ضكتور.؟ اللي مش هيخرچ عن طوعي و مهينفذش أوامري يتحمل ما يچراله .."
انقبض قلبها بعنف وتلاحقت أنفاسها خاصةً حين خصها عبد الحميد بتلك النظرات القاتلة و كأنه يعنفها ولكن جاءت كلمات عمار الغاضبة لتجعل جسدها يرتجف من فرط الرعب
" كلام اي ده يا چدي اللي بتجوله؟ انت عايزنا نسيب طارنا ويا الكلب ده ؟ بعد ما مرمغ شرفنا في الوحل ؟"
عبد الحميد بصراخ هز أرجاء القصر
" اجفل خاشمك و اعرف بتجول اي.. بتنا متعززة اهناك في دار چوزها و لو في تار چوزها أولي بيه . و بعدين انت ناسي أن بنتهم حدانا . خلاص موضوع التار ده اتجفل ."
لم يستطيع تحمل حديث جده فالتفت إلي ياسين يبغي المؤازرة
" سامع كلام چدك يا ياسين ؟ عاچبك اللي عم بجوله ده ؟ هنتخلوا عن تارنا لأجل السنيورة مرتك ؟ ".
فجاءه صوت ياسين القاطع الذي كان منصل سكين حاد علي عنقها
" تارنا عمرنا ما نتخلي عنه عشان اي حد يا عمار ..."
***************
ترجل من سيارته وهو ينظر إلي أحدهم قائلًا
" جاهزين ؟"
اومئ الرجال بصمت فتوجه الي الطابق السفلي و قام بفتح الباب فوجد حازم مُلقي علي الأريكة مكبل اليدين و القدمين و اثار الضرب باديه علي ملامحه فما أن رآه حتي صاح بانفعال
" سالم . تعالي شوفي اللي الكلاب رجالتك عملوه فيا ؟"
سالم بجمود
" عملوا فيك ايه ؟"
حازم بانفعال
" ضربوني و كتفوني ازاي ؟"
سالم بسخرية
" غلطانين . مع اني كنت مديهم أوامر يكسروا ايديك و رجليك .. "
صدمه حديث سالم فشهق مستنكرًا
" انت بتقول ايه يا سالم ؟"
تجاهل سؤاله وأضاف بتهكم
" بس يالا معلش انت عريس بردو ومفيش عريس بيحضر كتب كتابه وهو مكسر .."
كادت روحه أن تغادره وهو يقول بارتباك
" عريس ايه انا مش فاهم حاجه .. "
سالم باندهاش زائف
" معقول مش فاهم ؟ دا انت اللي قلت بعضمة لسانك .."
حازم بذعر
" قل. قلت ايه ؟ ؟"
سالم بجفاء
" انك رجعت و هتشيل شيلتك . "
ارتجف بدنه حتي كاد أن يتقئ من فرط الذعر فقال باكيًا
" تقصد ايه يا سالم ؟"
سالم بقسوة
" بصراحة انت وفرت عليا كتير و حكمت علي نفسك. وأنا جاي النهاردة انفذ الحكم . يالا عشان هتكتب كتابك علي لبني دلوقتي .."
وقع حديث سالم كمسامعه وقع الصاعقة فصاح كالمجنون
" لااااا. انت بتقول ايه يا سالم . انا مستحيل اعمل كدا . "
سالم ببرود ثلجي
" ليه مستحيل مش انت اغتصبتها بردو زي ما عملت مع جنة ؟ ولا الشيلة مش علي هواك المرادي عشان مش هتدوس في طريقك علي حد ؟ "
تجاهل ما يرمي إليه و صاح بنبرة محترقة
" انت مش فاهم حاجه يا سالم . مش فاهم !"
سالم بنفس بروده
" فهمني. ؟"
حازم بقهر
" عشان مش انا لوحدي اللي اغتصبتها. الكلب سعيد كان معايا .."
لم تتأثر ملامح سالم عدا عينيه التي قست وهو يحضر لدحر ما تبقي من كبرياءه حين قال بتهكم
" ااااه سعيد . لا متقلقش ماهو خد جزاءه وعلي فكرة هو مستنيك بره . اصله هيبقي شاهد علي جوازك من لبني ."
يتبع..
زودوا التفاعل شويه عشان أن شاء الله هنزل بارتين كمان الاسبوع دا و نفضل ماشيين بنفس الريتم عشان نلحق نخلصها قبل رمضان ♥️
و بنوع الواتباد فين الفوت و الكومنتات اللي بين الفقرات 😭😭 اكتفي بالتنزيل عالفيس بس طيب ولا ايه ؟
فرحوني بقي عشان افرحكم يا حبايب قلبي ♥️
و كومنت علي الفقرات اللي حبتوها ♥️
و دا اقتباس من روايه كواسر أخضعها العشق اللي مقرأهاش فايته كتير حقيقي ♥️ و اللي عايز يقرأها هيلاقي اللينك عندي علي صفحتي هنا و علي فيس بوك ♥️
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الخامس وستون 65 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الأنشودة الخامسة 💗🎼
شريدٌ أنا في مَغيبِكَ
كتائهٍ بين أروقةٍ الحياة ضَلّ
يتلهفُ لعناقٍ صفيّ
ضَن عليهِ بالتلاقِ وبالوصلِ بخَل
يهيمُ مُشجبًا في دروبِ الهوى
ينعي عشقًا بأغلالِ الفراقِ و أصفادهِ كُبِّل
يشتهي الوصالَ وإن أضنته شهيتَه
يُناجي الإلهَ غوثه من عُمقِ جُرحٍ مُستعِر
شابَ الفؤادُ وباتَ كهلاً دونكَ
كعمرٍ بغيابِك غابَتْ عينَهُ و صار مُرٌّ
وروحاً مزّقتها عواصفُ الجوى
وقلباً من فرطِ لَوعته قد ثمَر
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
" تارنا عمرنا ما نتخلي عنه عشان اي حد يا عمار ..."
و كأن أحدهم غمس قلبها في خندق مليء بالجمرات الحارقة التي لم يحتملها جسدها فاستندت على مقدمة الدرج بوهن تحبس أنفاسها ولكن جاءت كلماته التالية لتنتشلها من بين براثن الأنين
" بس دا مش تارنا ! جنة موضوعها انتهى بالنسبالنا من اللحظة اللي بقت فيها مرات سليم الوزان . بقت تخصه هو الوحيد اللي له يقف و يتكلم في الموضوع دا . "
استنكر كلمات ياسين بشدة فصاح غاضبًا
" كلام ايه اللي عم بتجوله دا يا ياسين؟ سليم ايه و زفت ايه دي بتنا و الكلب دا ضحك عليها ."
قاطعه ياسين بقوة
" و أخوه صلح غلطته . و بقت مراته خلاص يبقي تقفل عاللي فات و متفتحش فيه . "
شيعه عمار بنظرات الخسة قبل أن يقول بسخرية
" فاچأتني يا ياسين . بتتنكر من تارك علشان متخسرش السنيورة بتاعتك . يا خسارة .."
هدر بعنف
" خلي بالك من كلامك يا عمار . و مش عيب على فكرة إني أحافظ علي بيتي و بعدين تعالي هنا ما احنا في مركب واحدة . هتقبل تضحي بنجمة ؟ ماهي طلعت بنت الوزان بردو ؟ "
شهقة قوية خرجت من جوفها إثر سماعها تلك الكلمات فأخذتها قدماها لتهرول إلى الأسفل وهي تقول بصدمة
" أنت بتقول ايه يا ياسين ؟"
و جاء استفهام تهاني من خلفها
" كلام ايه دا يا ابني ؟ مين دي اللي بنت الوزان ؟"
ياسين بجفاء
" نجمة . طلعت بنت اللوا صفوت اللي كانت مخطوفة من وهي طفلة .."
تدخل عبد الحميد مُستغلًا الموقف و محاولًا التغلب على صدمته
" چاوب علي ابن عمك يا عمار . هتجدر تضحي بيها ؟ أنا عن نفسي رافض الموضوع من أساسه . لكن لو أن لك شوج فيه مش همنعك .."
تراجع خطوتين للخلف غاضبًا يحاول الهرب من بين براثن الحيرة التي تجلت في نبرته حين قال
"خرجوا موضوعي ده من حديتكوا. اني محدش يجدر يوجف جدامي لو فكرت اتچوزها ."
تدخلت حلا بانفعال
" لا يقدروا. و يقدروا اوي كمان . و هتلاقي بدل الراجل ألف يقفلك .."
غلت الدماء في عروقه من تدخلها في الأمر أمام جده و عمار و خاصةً انفعالها بتلك الطريقة فالتفت يناظرها بعينين مستعرتين و لهجة تشبههما
" اطلعي على اوضتك . "
أوشكت على أن تعارضه فنهرها صارخاً
" يالاا..."
كسى الحرج معالمها و تعاظم الغضب بداخلها فتراجعت للخلف و هرولت إلى الأعلى باكية فحسم عبد الحميد الموقف قائلاً بجفاء
" مش هكرَر كلامي تاني. الموضوع ده خولوص و انتهي . مالناش طار مع ولاد الوزان . بينا نسب و اتفاج مش هنجضده الحديت ده تحطوه حلجه في ودنك منك ليه .."
أنهى حديثه و توجه إلى غرفة مكتبه تاركًا بركاناً مشتعل يوشك على الانفجار في أي لحظة فتدخلت تهاني قائلة برفق وهي تربت بحنو علي كتف عمار
" فكر بعجلك يا عمار يا ولدي بتنا و عايشة و متهنية مع چوزها نروحوا احنا نخرب عليها ليه ؟ الموضوع دا بين چوزها و اخوه احنا ملناش صالح بيه .."
هدأت كلماتها من روعه قليلاً ولكنه لازال غاضباً فتحدث ياسين باتزان
" أنا حاسس بيك و جوايا نار من الكلب اللي اسمه حازم دا . بس عشان جنة هسكت متنساش أنها بتتعالج و اي ضغط هيجيب نتيجة عكسية معاها بلاش نبقي احنا كمان عبئ عليها كفاية اللي هي فيه .."
لم يجيب فقط إيماءة بسيطة من رأسه قبل أن يتوجه إلى غرفته و ما أن غاب عن الأعين حتى تحدثت تهاني بتقريع
" مكنش له لزوم تهب في مرتك أكده يا ياسين . جدر موجفها يا ابني . البنيه دموعها مبتنشفش من وجت الي حصل ده و أعصابها تعبانه . خليك حنين و هادي عشان نعدوا الأزمة دي .."
من دون أي شئ كانت عقارب الذنب تقرضه من الداخل ولكنه تجاهل ما يشعر به و قال بجفاء
" مينفعش يا أمي لازم تتعلم متدخلش في كلام الرجالة. و مينفعش تصغر جوزها كدا ."
" بالهداوة و واحده واحده .مش في الوجت ده . يالا اطلع راضيها "
لم يتراجع عن ما ينتويه لذا قال بفظاظة
" مش وقته لما ارجع . أنا خارج. عن إذنك .."
***************
"عشان مش أنا لوحدي اللي اغتصبتها. الكلب سعيد اغتصبها معايا .."
لم تتأثر ملامح سالم عدا عينيه التي قست وهو يحضر لدحر ما تبقي من كبرياءه حين قال بتهكم
" اها سعيد . لا متقلقش ماهو خد جزاءه وعلى فكرة هو مستنيك بره . أصله هيبقي شاهد على جوازك من لبنى ."
تبلور الجنون بعينيه وهو يصيح كالممسوس
" لا . أنت مش هتعمل فيا كدا يا سالم . عاقبني بأي حاجه إلا كدا . أنا مش بقرون عشان اقبل اتجوز واحدة زي دي ؟"
تقدم سالم يفك وثاقه وهو يقول ببرود ثلجي
" مالها دي ؟ مش أنت اللي ضيعت مستقبلها ؟ و على ذكر موضوع القرون دا بيتهيألي انك سبت جنة اللي هي مفروض مراتك تتجوز سليم عادي و محاولتش حتي تمنع دا !"
صرخ بملئ صوته
" مين قالك اني محاولتش؟ كل حاجه جت فجأة . و الكلب دا كان مهددني . "
هدأ صوته و قال من بين نحيبه
" أبوس رجلك يا سالم متعملش فيا كدا . أبوس رجلك ارحمني عاقبني بأي حاجه غير كدا .."
تمزق نياط قلبه حين رآه يتذلل بتلك الطريقة المُهينة فقد كان وجعه لا يُطاق لذا قال بجفاء
" موافق يا حازم . مش هجوزك لبنى . "
لم يصدق أذنيه حين سمع حديث أخاه و هب من مكانه يقول بلهفه
" بجد يا سالم مش هتعمل فيا كدا ؟"
سالم بهدوء
" بجد . بس للأسف مش هقدر أقف جنبك لما يتقبض عليك بتهمة التعدي على بنت قاصر و هتك عرضها و شروع في قتلها.."
حازم بذعر
" بت. بتقول ايه ؟ لا . ما . ماهو عدي ..."
قاطعه سالم بجفاء
" ماهو عدي خرج عشان معملش حاجه ."
أخذ نفسًا قويًا قبل أن يتابع
"أنا اتفقت مع أبوها تتجوزها بدل ما يبلغ عنك.. و الموضوع في إيدك دلوقتي يا الجواز يا السجن أو الإعدام و للأسف مش هقدر اعملك حاجه .."
أخذ يهز برأسه يميناً و يساراً وهو يصيح بانفعال
" لا . لا. لااااا"
لم يتأثر سالم خارجياً بانهياره بل أخذ يناظره بجمود يخفي الكثير من الخزي و الأسف وفجاة تبدلت نظراته إلى أخرى حانقة وهو يراه يهرول إلى السكين الموضوع بجانب طبق الفاكهة وهو يقول بصراخ
" لا يا سالم مش هقبل باللي أنت عايز تعمله فيا أنا كنت ضحية عداواتكوا مع الكلب ناجي مش هكون ضحيه تاني .."
بدا جامداً لا يتأثر على عكس ما يدور بداخله من وحوش ضارية فقد كان يريد أن يحطم رأسه حتى يريه ما يستحقه ولكنه تحدث بجمود
" دا خيار تالت مكنتش أحب أطرحه عليك. بس أنت وفرت عليا و بالنسبة لينا أنت كدا كدا ميت . مش هنحزن عليك أكتر ما حزنا . هسيبك نص ساعه تقرر .."
التفت إلى الخارج تاركًا حازم الذي كان مصعوقًا من جفاءه و عدم تأثره بهذا التهديد الأرعن..
****************
اختزلت العالم فيك فأرجوك ألا تخذلني ..
استكانت في براح صدره واضعة رأسها فوق قلبه الذي كان يهمس باسمها بين الدقة و الأخرى فكانت أشبه بسجين أُطلِق سراحه بعد أعوام قضاها حبيساً بين جدران مخاوفه وهواجسه ليعانق حريته أخيراً و يتلمس براح إنعتاقه بين جنبات صدره الدافئ الذي احتوى أنينها يريد التنعم بحضورها بعد عناء الغياب الذي كان لعدة أيام قضاها في الجحيم ..
" مشيتي ليه يا جنة؟"
خرجت كلماته حزينة مُحمّلة بعتاب كبير لاقى صداه في قلبها الذي كان يئن وهي تجيب بلوعة
"كنت خايفة اوي أشوف في عنيك أي نظرة لوم . كنت مرعوبة أنك ترجع سليم القاسي بتاع زمان. "
لامس خوفها من انتفاضة جسدها بين ذراعيه فتحدث بنبرة محرورة
" حكمتي عليا من غير ما تديني فرصة"
قاطعه صوتها الشجي وهي تنتحب قائلة
" مكنتش هقدر اتحمل .. كان عندي الموت أهون . أنا كنت بتعذب في كل مرة كنت بتبصلي فيها باحتقار .."
امتزجت عبراتها مع حزنه فاقترب واضعاً قبلة اعتذار على جبينها فأخلت سبيل مخاوفها التي جاءت بين نهنهاتها المتقطعة
" كلامك كان بيقتلني . كنت بتمني الموت في الدقيقة ميت مرة . انا منستش يا سليم. لسه الوجع جوايا كنت بحاول أنساه بيك كنت بترمي في حضنك عشان دا المكان الوحيد اللي كنت بهرب فيه من كل خوفي و ألمي . مكنتش هقدر اتحمل نظرة واحدة منك ترجعني للعذاب دا تاني "
خَطت بأُجاج كلماتها على جراحه الغائرة فاحتدمت و تأجحت ليزداد ألمه أضعافاً مما جعله يشدد من احتضانها وهو يقول بأسى
" في حاجات أنتِ متعرفيهاش يا جنة.. أنا كنت بتعذب أضعاف ما بتتعذبي . أنا كنت ببعدك عني بالكلام دا . كنت بقولهولك عشان اسمعه لنفسي و أحاول أهرب من مشاعري ناحيتك . "
صمت لثوان يسترد أنفاسه الهاربه من براثن ألمه العظيم ثم أردف بنبرة موقدة
" أنتِ اقتحمتي قلبي وحياتي غصب عني . حاولت بكل الطرق ارفضك مكنتش عارف . "
رفعت رأسها تناظره بأعين التمعت بهم نجوم الحب فتابع بعشق انبثق من عينيه و أنساب من بين شفتيه
" كنتِ نقطة ضعفي أنا اللي عمري ما عرفت يعني ايه ضعف .."
لامست كلماته قلبها الذي تأجج بداخلها يشكو له جرحاً لازال نازفاً:
" بس أنا كنت بتوجع يا سليم . كنت بتوجع اوي "
امتدت يديه تحتوي وجهها وهو يقترب منها هامساً أمام عينيها بندم :
" أنا عارف إني غلطت في حقك كتير . بس كان غصب عني . "
سقطت عبراتها على كفوفه المحتضنة وجهها و أجابته بخفوت:
" عارفة .. و خفت المرادي بردو يكون غصب عنك . "
لم يعد يحتمل ندوب الماضي ولا آلام الحاضر فنفض عنه آثار الذنب وهو يقول بخشونة:
" انسي . انسي كل اللي حصل و اوعي تفكري فيه أنا عمري ما هظلمك ولا هوجعك أبداً"
سحب أنفاسها إلى داخله لتطيب بها ألامه قبل أن يتابع بلهجة محترقة :
" أنتِ روحي لا ينفع أعيش من غيرك ولاينفع أعيش بعيد عنك .."
لونت ثغرها التوتي بسمة هادئة سرعان ما انمحت واسدل القلق ستائره على صفحة وجهها و تجلى في نبرته حين قالت :
"طب هنعمل ايه دلوقتي بعد رجوع."
قاطعها بقسوة :
" اللي حصل دا مش هيغير حاجه في حياتنا. رجوعه من عدمه واحد. أنا دفنت أخويا مرة و انتهت ."
تفاجئت من قسوته فهمست بخفوت :
" طب ومحمود ؟"
" ميستاهلوش . محمود ابني أنا و أنتِ . "
كانت لهجته قاطعه ولكنها لم تستطيع إلا أن ان تطمئن فاستفهمت على استحياء :
" طب و ممتك ؟"
سليم بنفاذ صبر:
"هي حرة في موقفها منه . لكن عمرها ما هتقدر تأثر عليا. ولا حتى هتحاول . و اقفلي عالموضوع دا .."
عاندت بتوسل :
" سليم .."
قاطعها بصرامة :
" جنة خلاص . "
اذعنت لرغبته رغمًا عنها فقالت بتذمر :
" طيب "
غيَّر دفة الحديث قبل أن يتشعب أكثر و قال بخشونة :
"أنا كلمت الدكتور بتاعك و قالي لو حابين نكمل جلسات هنا في القاهرة هو هيتابع معانا لأن أصلاً شغله الأساسي هنا ولو حابة نكمل هناك مفيش مشكلة "
تَعلَم طريقته في مراضاتها و أيضاً راق لها أنه من بين كل ما يحدث لم يغفل عن أي شيء يخصها فهمست بخفوت :
" أنت عايز ايه ؟"
"أنا عايزك تكوني مرتاحة اللي هيريحك هعمله."
كم هو رائع هذا الرجل ؟ دلاله و عشقه و حنانه كل شيء به كان له مذاقه الخاص فقد كان نموذجاً مثالياً للجبر بعد طول الصبر
" طب و راحتك أنت؟"
استفهمت بدلال فأجابها بلهجته الخشنة التي تترك بصماتها علي قلبها العاشق :
" راحتي أنك تكوني جنبي و في حضنني على طول.."
استرد أنفاسه من أنفاسها قبل أن يأسرها بين ذراعيه و كأنه يتأكد من أن وجودها لم يكن حلماً بل واقع يعيشه و يتمتع به ثم أردف بلوعة :
" متتصوريش غيابك اليومين اللي فاتوا عمل فيا ايه يا جنة؟ "
مسدت خصلات شعره بأناملها الرقيقة وهي تجيبه بحنو :
" حقك عليا ؟"
أطلق العنان لضعفه في الظهور على السطح فهمس بنبرة مختنقة :
" أول مرة في حياتي أحس إنيّ اتكسرت . "
جملته كانت كالسهم المشتعل بنيران الذنب التي اخترقت قلبها فهاج متألماً فتراجعت عنه بلهفة تنظر إلى داخل عينيه بأسى تضمن كلماتها المتلهفة :
" بعد الشر عنك . حقك عليا يا سليم .. أنا آسفة والله "
بكت بقوة فتناثرت عبراتها على قلبه كالجمرات فأخذ يمحي دموعها بأنامله الحانية قبل أن يقول بوعيد :
"مش قلنا بلاش دموع ولا فاكرة أنك كدا بتثبتيني ؟"
راقت لها نظراته العابثة و سرعان ما حل الشغف محل الأسى فقالت بدلال:
" بحاول .."
اقترب يداعب أرنبة أنفها بأنفه وهو يقول بعبث :
" لا معلش أنا ليا حق عندك وسليم الوزان مابيسبش حقه أبداً .."
" يعني ايه أن شاء الله؟"
دلالها أوقد نيران الشغف بجوفه و عزّزها شوقه الضاري لها فامتدت يديه تعانق خصرها و الأخرى أخذت تنحي خصلاتها الثائرة خلف أذنها وهو يقول هامسًا :
" اومال أنتِ فاكرة أنك هتضحكي عليا بالكلمتين دول ؟ "
ضمت ذراعيها عنقه وهي تقول بغنج :
"طب اضحك عليك بكام كلمة ؟ "
دكنت نظراته المسلطة على حسنها و ازدادت نبضاته بجنون رغبته بها فهمس ضد شفتيها
" قربي وأنا هقولك .."
تراجعت لإنشات قليلة قائلة بخجل :
" سليم بطَّل بقى .."
خجلها ضاعف من حسنها مرة و من رغبته عشرة فقال بنبرة شغوفة :
" أحبك وأنت مكسوف كدا .."
غادرت يديها عنقه و خبئت بها وجهها المشتعل خجلًا فقهقه على مظهرها الطفولي قبل أن تحملها يديه لتجلسها بين أحضانه ليقربها منه هامسًا بجانب أذنها :
" طب عيني في عينك كدا. حضن سليم مش وحشك ؟ "
وهل يمكن أن تنفي لوعة قلبها في غيابه و غبطة و ابتهاج روحها بحضوره ؟
" وحشني جداً لدرجة إني عمري ما هقدر أبعد عنه تاني .."
ضيق عينيه بغضب زائف و شدد من كلماته المتوعدة حين قال :
" جربي كدا عشان اقطع رقبتك المرة الجاية . فكراني طيّب ولا ايه ؟ لا دانا شراني "
أرجعت رأسها إلى الخلف بضحكة خلابة أسرت قلبه كما أسرتها كلماتها العاشقة حين قالت:
"أحلى شرير في الدنيا كلها.."
لم يعد هناك مجال للحديث أمام عشقًا جارف اجتاح كليهما و تنحت كل الحواجز أمام شغفه القوي تجاهها فقام بحملها و التوجه الى الغرفة الداخلية بالجناح وهو يؤكد على عشقه مراراً و تكراراً حتى انطبع على ساحة جسدها و تفنن في سكبه بين أوردتها و فوق ضفتي شفاهها والتي من فرط الجنون تناثرت آهاتها في الغرفة تعزف سيمفونية عاشقان تنحت أمام عشقهم كل الصعاب و فشلت جميع حواجز الحياة في تفريقهم . و هكذا جرفتهم لجة العشق و الولع في تيار اهوج انتهى بعد ساعات غير معلومة وهي مستكينة بين ذراعيه تنعم بالسلام بين أحضان رجل ظنت بأنه الجحيم بعينه ليتضح لها بعد ذلك بأن جحيمه هو النعيم لا تبغي الإجلاء عنه أبدًا
****************
اجتمعت الأنظار على ذلك الذي كان يتقدم وهو محني الرأس بثقل كُل آثامه الذي ظن يوماً أنه يمكنه طمسها و دفنها في ذلك القبر الذي مكث به أكثر من سبع ساعات وهو مرتعب ينتظر خلاصه الذي اتضح بعد ذلك أنه باب من أبواب الجحيم الذي انفتح على مصراعيه و ها هو يوقع على وثيقة احتجازه به و إلى الأبد
" هدخل اخلي لبنى توقع ."
هكذا تحدث محمد والد لبنى وهو ينظر إلى حازم بغل لم يتجاوز حدود شفتيه احتراماً لذلك الرجل الذي يفعل المستحيل من أجل تصحيح أخطاء هذا الشيطان
اومأ سالم بصمت و حاول ألا ينظر إلى حازم فقد كانت رؤيته تسبب له أزمة نفسية كبيرة و خيبة أمل عظيمة
صراخ قوي جعل الجميع يهب من مكانه و كان أولهم سالم الذي توجه على وجه السرعة إلى أحد الغرف فتفاجئ من تلك التي كانت تقف في أحد الزوايا ممسكة بسكين و كل خلية من جسدها تنتفض و حولها أبويها يحاولان ثنيها عما تنتويه
" اهدي يا بنتي أبوس ايدك .. متحرقيش قلوبنا عليكِ أكتر من كدا .."
كان هذا صوت رضا والدتها التي كانت تنتحب قهراً على طفلتها التي نالت منها يد الغدر دون أن تأخذها أي شفقة أو رحمة .
" اسمعي كلام أمك يا بنتي. متخافيش محدش هيقرب منك تاني . "
صرخت لبنى بقهر :
" اسكتوا . أنتوا كل اللي يهمكوا الناس وبس. لو حد فيكوا بيفكر فيا مكنتوش هتجوزوني لمجرم زي دا .."
" سيبوني أنا ولبنى لوحدنا شوية .."
هكذا تحدث سالم بصرامة فأطاعه الوالدان بإذعان و قلة حيلة مع هذا الوضع الأليم الذي فُرض عليهم عنوة..
" ممكن تسيبي اللي في ايدك دي عشان نعرف نتكلم .."
كانت لهجته هادئة بعثت في نفسها الطمأنينة ولكنها أبت الإذعان هي الأخرة و صاحت بانفعال:
" ابعد عني أنا مفيش بيني و بينك كلام . "
سالم محاولاً التحلي بفضيلة الصبر معها
" لا في كلام كتير بينا و كنت مستني الوقت المناسب عشان أقوله ."
لبنى بقهر :
" الوقت المناسب لما تطمن عالمجرم أخوك صح ؟"
سالم بجفاء :
" لا مش صح . أنا كنت مستني اطمن عليكِ. و دلوقتي ارمي اللي في ايدك دا عشان نعرف نتكلم . "
علا صوته في الجملة الأخيرة فاهتزت يدها الممسكة بالسكين و أخذت شهقاتها تعلو وعينيها ترسلان سهاماً نافذة إلى أعماقه فأضاف بلهجة مطمئنة :
" أنا عمري ما هأذيكي يا لبنى . و كل حاجة اتعملت و هتتعمل عشان مصلحتك. ادي لنفسك فرصة تسمعي مش هتخسري حاجة.."
إن تجاوزنا عن لهجته المطمئنة و نبرته التي شابهتها فقد كان الإمتثال لأوامره هو الخيار الوحيد أمامها لذا ألقت بالسكين جانباً٠ قبل أن تفترش الأرض بقهر انبعث من عينيها على هيئة أنهار لم تفلح أي كلمات في ردعها ولكنه اقترب منها خطوتان وهو يقول بنبرة متزنة على عكس ما يجول بخاطره من لوعة و شفقة على حالها :
" أنا عارف إن أي كلام هيتقال مش هيعزيكي ولا هيواسيكي عن اللي حصلك . "
صمت لثوانٍ يتجرع حنظل ما يحمله بجوفه قبل أن يقول بنبرة متحشرجة :
" و على الرغم من أني عمري ما اعتذرت لحد طول حياتي بس أنا مدين ليكِ باعتذار ."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بخشونة:
" أنا آسف يا لبنى. على كل حاجة وحشة حصلتلك بسبب حازم .. "
تعلقت نظراتها بملامحه التي بدا عليها الألم و الكدر و كأنه ينازع ليخرج هذه الكلمات من بين شفتاه
" بس أنت مغلطتش عشان تعتذر .."
سالم بلهجة تتضور وجعاً :
" غلطي أنتِ أصغر من إنك تفهميه . و حازم دا يعتبر ابني و مسئول مني .."
احنى رأسه قائلاً بمرارة :
" وعشان كدا و مهما عمل أنت بتدور على مصلحته و خلتني أتنازل و جوزتني ليه عشان تضمن أنه ميتأذيش .."
فاجأتها كثيراً نبرته التي كانت حادة كنصل السكين :
" لا .. كلامك مش صحيح. جوزتك ليه عشان أضمن حقك و أضمن مستقبلك. "
رسمت معالمها عدم الفهم فأردف بجمود :
" الناس بره مبترحمش . ومهما كنتِ ضحية مش هيتعاطفوا معاكِ . بس اسم الوزان يخليهم يفكروا ألف مرة قبل ما حد يتعرضلك بأذى.."
تعلم مدى صدقه ولكنها لم تكن تستطيع تقبل وجود ذلك الوغد بحياتها أبداً لذا صرخت بقهر :
" بس أنا مش قادرة حتى أشوفه قدام عيني دا واحد سرق مني حياتي و شرفي وعمري كله.ازاي عايزيني ابقي مراته و أعيش معاه ازاي؟"
جاء إنقاذه علي هيئة قنبلة نووية تفجرت الوسط فتبدل كل شيء
" مين قالك أنك هتشوفيه ولا حتى هتعيشي معاه ؟"
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت :
" تقصد ايه ؟"
زفر بقوة محاولاً ابتلاع أشواك حديثه بجوفه قبل أن يجيبها بجفاء :
" يعني دا جواز على ورق يضمن حقك و يضمن أنك متتعرضيش لأي موقف سيء لو فكرتي تتجوزي تاني . لأن هيبقى معاكِ ورقة طلاق .."
فطنت إلى معنى حديثه و الذي من فرط ما يحمله من طمأنة لروحها المعذبة لم تصدقه لذا هبت بتوسل :
" أنت مبتكذبش عليا صح ؟ مش هتسيبه يدمر الباقي من حياتي صح ؟"
امتزج الألم مع الغضب بداخله فشكلا لوحة مريعة لرجل يحاول الثبات أمام ثِقَل تلك الجبال الماثلة فوق صدره و بشق الأنفس استطاع أن يخرج صوته جامدًا حين قال :
" قد ما آذاكي هيتأذي و قد ما خد منك هيدفع .."
" تقصد ايه ؟"
استفهمت بترقب فالتفت ينظر إلى النافذة يحاول كبح جماح غضبه هو يجيبها بمرارة و كأن صباراً نبتَ في جوفه :
" هتعيشي في بيته وهو لأ..هتعيشي وسط أهلك وهو لأ .. هتكملي تعليمك و هو لأ ..هتتمتعي بفلوسه وهو لأ .. كلنا هنبقي حواليكِ وهو لأ.."
أخذ نفسًا قويًا قبل أن يتابع بخشونة :
"قوليلي ايه تاني يرضيكي وأنا هعمله ؟"
لم تصدق ما تسمعه بأذنيها . فلم تكن تبغى العيش بسلام بعيداً عنه فقط بل كانت تشتهي بكل جوارحها انتقام يشفي نيرانها من ذلك الشيطان وقد كان هذا أكثر ما تمنت لذا قالت بخفوت :
" مش عايزة أكتر من إنك تنفذ كلامك دا .."
في الخارج كان يغلي من الغضب وحين سمع صراخها تعاظم غضبه و حقده أكثر لذا همس بنبرة موقدة :
" مش كفايه إنه لبسهالي كمان جايبها لحد هنا يارب تكون ماتت و خلصت منها .."
انهي كلماته ينوي الهرب قاصداً غرفته فقد كان يتحاشى تلك النظرات الثاقبة و التي شعر و كأنها تحرق ظهره من الخلف و لكنه توقف إثر جملة ساخرة أصابت كبرياءه في مقتل :
" مبروك يا عريس .."
كان هذا الصوت الساخر الآتي من الخلف هو لعُديّ الذي كان أقلهم تأثراً بعودة هذا الضّالّ فقد كان يتوقع منه كل شيء فهو أكثر من يعلم بدناءته مما جعل حازم يلتفت وهو يرسل نظراته الإجرامية إلى عُديّ الذي كان يرسم ابتسامة متشفية أراد حازم محوها لذا تشدق ساخراً :
" متفرحش أوي مانت خدت اللي أوسخ منها .."
لم يتمالك عُديّ نفسه و قام بتوجيه لكمة قوية أطاحت بأنف حازم الذي تراجع عدة خطوات إلى الخلف ولم يتثنى له استيعاب ما حدث حتى انقض عليه عُديّ بلكمات متفرقة في معدته و صدره الذي ضاق و لم يعد يستطيع استرداد أنفاسه فعلى الرغم من تعادل قواهما إلا أن ضربات عُديّ كان يغذيها انتقام أهوج أعمى عينيه عن ذلك الذي كان سيهلك بين يديه لولا تدخل سالم الذي هرول ما إن سمع صوت شجارهم و ها هو يمنع جريمة محققة كانت على وشك أن تحدث ..
" أبعد ايدك عنه يا حيوان .."
هكذا صاح سالم قبل أن يلكم عُديّ بقوة مما جعله يتراجع إلى الخلف ثم التفت إلى حازم الذي كان يسعل بشدة و نظراته تحمل اهتماماً ً لم يتجاوز حدود شفتيه و سرعان ما تبدلت نظراته إلى جمود حين رآه يسترد أنفاسه وهو ينظر إلى عُديّ بحنق و حين أوشك على الانقضاض عليه كانت يد سالم أسرع حين منعه وهو يزمجر بوحشية :
" مكانك . "
التفت إلى عُديّ قائلًا بقسوة:
" وجودك هنا مالوش لازمة و ياريت مشوفكش تاني.."
ثم التفت إلى سعيد الذي كان يقبع في زاوية الغرفة يرتعب مما يحدث حوله و مما هو قادم فصاح به معنِّفًا :
" أنت لسه هنا بتعمل ايه ؟ يالا عشان تنفذ المطلوب منك .."
اومئ بلهفة ثم اندفع إلى الخارج وكذلك فعل عُديّ الذي ما إن خطا إلى البوابة الرئيسية فتفاجئ بمؤمن يهاتفه و ما إن أجابه حتى باغته مؤمن صارخاً :
" أنتَ فين يا بني آدم أنتَ؟ أمك و أبوك هنا و مبهدلين ساندي و عيلتها "
هوى قلبه ذعراً بين قدميه وهو يستمع إلى كلمات مؤمن فأطلق لساقيه الريح إلى حيث ترك قلبه بين يديها..
نجمة.."
كان هذا الهمس الحاني لسهام التي قضت أكثر من ساعة تتطلع إلى ابنتها الغالية تتأمل كل تفاصيلها التي اشتاقتها حتى كاد الشوق أن يفقدها عقلها ولكن الآن تغير كل شيء فها هي تعود لتنير تلك الظلمات التي حاوطت حياتها طوال السنين المنصرمة
" أيوا.."
هكذا أجابتها نجمة التي كانت تشعر بالضياع لكل ما يحدث معها حتى و إن استكانت لتلك المرأة و شعرت بحقيقة انتمائها لها إلا أنها لازالت تشعر بالرهبة و الحزن
" سرحانة في ايه ؟"
تحدثت نجمة باقتضاب
" ولا حاچة. "
ابتسمت سهام بحنان تساقط من بين حروف كلماتها حين قالت :
" أنا عارفة إنك متلخبطة و لسه مش قادرة تتأقلمي بينا بس دا كله هيروح أول ما تدي لنفسك الفرصة تقربي مننا . احنا تعبنا اوي يا بنتي عشان نوصلك . "
قالت جملتها الأخيرة بنبرة مشجبة لامست قلب نجمة التي قالت بحزن :
" هو أنتوا ازاي جدرتوا تسبوني كل الوجت ده ؟ اجصد يعني دورتوا عليا ؟"
لم تعرف كيف تصيغ كلماتها ولكن كان العتاب غالب على نظراتها فارتجف قلب سهام ألماً انبثق من بين جفونها وهي تقول بأسى :
" اه لو تعرفي العذاب اللي شفناه في بعدك . أنا كنت بموت . اعتزلت الناس و الدنيا كلها . كنت بتمني الموت كل لحظة وأنا بتخيل أنتِ فين و ولا جرالك ايه ؟"
زفرت بحرقة وهي تتابع من بين نهنهاتها المتقطعة :
" مفيش مكان مدورناش فيه . مسبناش حاجة غير وعملناها و النتيجة واحدة . بنتكوا أكيد ماتت .. الكلمة دي كانت بتحرق قلبي اللي متأكد إنك لسه عايشة. و رافض كل اللي بيسمعه لدرجة إني قربت اتجنن بقيت كارهه نفسي و كارهه الناس و كارهه كل حاجة حتى أبوكي.."
صمتت لثوانٍ فقد غزا قلبها ألماً من نوعٍ آخر ليس له شبيه و لا يمكن الإفصاح عنه
" أبوكي تعب معايا اوي . كان متحمل كل حاجة لوحده اتعذب ألف مرة عشانك و مليون عشاني . كنت بطلع غضبي عليه و احمله مسؤولية اختفائك وهو كان متحمل لحد ما وصل بيا الأمر إني حرّمت نفسي عليه . "
حاولت التحكم بشهقات الألم الذي يحرق جوفها وهي تتابع و كأنها تجلد نفسها بسوط ذنبها العظيم تجاهه
" سنين وأنا محرّمة عليه حتى ينام معايا في أوضة واحدة . سنين بموت و أموته معايا . وهو مكنش يستحق مني كدا . "
احنت رأسها مثقله بذنوب اغرقتها كليًا هامسة بألم :
" متعمليش زي مانا عملت . متظلميهوش هو كمان زي مانا ظلمته .. هو ميستاهلش كدا أبداً .."
كانت عبراتها تؤازر عبرات سهام بل و تفوقها أضعاف فقد كانت كليهما تتشاطران القهر و الألم مع اختلاف المواقف والأماكن لذا امتدت يديها تمسكان بيد سهام وهي تقول بحزن :
" متعمليش في نفسك اكده . كلنا اتعذبنا و اتوچعنا وهو راچل و راچل طيب جوي و عشان أكده اتحمل .."
اومأت برأسها وهي تشدد على كلماتها و كأنها تشكو لها جرحاً نازفاً بأعماقِ قلبها :
" وأنا بغبائي خسرته . خسرت الراجل الطيب دا و مبقاش ليا مكان جواه و مبقاش عنده طاقة يتحملني أو يسامحني .. زي ما يكون مكتوب عليا الوجع . مينفعش أعيش و حبايبي حواليا. لازم عشان اكسب واحد اخسر التاني .. أنا تعبت تعبت اوي يا نجمة . تعبت.."
تبدلت الأوضاع و أصبحت نجمة من تواسيها و كأن ما يربط بينهم تأثر و انتفض لعبرات سهام فقامت بلف ذراعيها حول والدتها في مواساة صامتة كانت تحت مرآى و مسمع منه و قد كان هو الآخر يتشاطر معهما الألم ولكن كعادته صامتاً هادئاً على الرغم من أنه كان أكثر من يحتاج عناق دائم يلثم جراح قلبه ..
دوى رنين هاتفه مما جعل الثلاثة ينتبهون لهذا الوضع و قد كان المتصل كما توقع لذا زفر بغضب و تراجع عنهم دون أي حديث و هو يجيب بحنق
" نعم يا عمار..."
كان هذا العاشق الغاضب بوادٍ و الجميع بآخر . يشتهي قرب المحبوب حتى و إن اضطر لأن يضحي بكل ماهو غالٍ و نفيس لذا تجاهل نبرة صفوت الحانقة و قال بخشونة:
" كيفك يا صفوت باشا . جولت اطمن عليك .."
صفوت بحنق
" بخير يا عمار . ولو أن دي المرة التالتة اللي تطمن عليا فيها النهاردة و العاشرة تقريباً من وقت ما رجعت المنيا. لو في حاجة عايز تقولها اتفضل ."
وصل إلى نقطة اللاتراجع لذا قال بصراحة
" عايز أخد منك معاد عشان آچي اطلب يد نچمة.."
كان يعلم شعوره نحوها ولكن أن يأتي ذلك الرجل ليأخذها من بين يديه وهو الذي لم يتمتع بقربها مقدار ذرة تطفئ ظمأ قلبه من عزيزته لذا قال بجفاء:
" و أنا مش موافق يا عمار..."
**************
" نورتي بيتك يا ختي. كنا مرتاحين والله . "
هكذا تحدث مروان ساخرًا حين وطأت أقدامهم أرض القصر بعد أن صرح الطبيب لشيرين بأن تُكمل علاجها بالمنزل و علي الرغم من أنها كانت لا تُطيق البقاء في المشفي إلا أنها كانت تشعر بالخزي و الذنب من مواجهة الجميع و خاصةً سالم و فرح التي كانت تناظرها بجمود شابه نبرتها حين قالت
" حمد لله عالسلامه .."
الوضع برمته لم يكن مريحًا فقد كان الجميع يتطلع الي بعضهم البعض بهدوء مريب قطعته كلمات شيرين الخافتة
" الله يسلمك.."
غاضبًا من الماضي رافضًا الواقع متوعدًا للمستقبل هذا كان شعور طارق الذي علي الرغم من حنقه من ماضيها و رفضه لواقع تجنب الجميع لها إلا أنه اقسم أن المستقبل لن يكُن هكذا أبدًا
" يالا ندخل جوا عشان ترتاحي شويه .."
اومات بصمت و تركت يديه تقودها الي الداخل برفقتها همت الصامتة و سما التي أرسلت بسمة هادئة الي فرح التي كانت تغلي من شدة التوتر فضيق مروان عينيه قائلًا بمكر
" الحلو بياكل في نفسه ليه ؟"
ناظرته فرح بحنق تجلي في نبرتها حين قالت
" و كأني لو قلتلك هتفيدني يعني !"
مروان بسخرية
"علي حسب هتغريني ازاي ؟"
" اغريك! لا الطرق دي بتاعت جنة . ماليش انا فيها. "
مروان بتهكم
" اه والله البت جنة دي كانت مطرياها علينا . بيضاله في القفص ابن المحظوظة. زمانه هايص .. "
قال جملته الأخيرة بحنق فاقتربت منه فرح قائلة بترقب
" ايه دا هو سليم عند جنة ؟"
دار مروان حول نفسه في حركة تفي بأنه لا يعلم هل حديثها موجه إليه ام لأحدهم بالخلف فصاحت محذرة
" مروان متستعبطش عليا.. و جاوب.."
مروان باستهلال
" ايه دا أنتِ بتكلميني ؟ "
" ايوا بكلمك .."
واصل المراوغة فتهكم قائلًا
" طب و دا كلام . انا بردو اعرف الأشكال الغلط دي ؟ سلومة الاقرع و جنة الأوزعة ؟ دي أشكال تتعرف ؟"
ظلت نظراتها علي جمودها و كذلك ملامحها بينها احتدت لهجتها حين قالت موبخة
" اظن عيب اوي لما تحاول تستعبط مرات اخوك الكبير . صح ولا ايه ؟"
مروان باستنكار
" ايه جو استغلال النفوذ دا ؟ فكراني لما تقوليلي مرات اخوك الكبير هخاف و اعترف مثلًا ؟"
فرح بوعيد
" انت ايه رأيك ؟"
" طبعًا هعترف دا أيده مرزبة هو انا لاقي نفسي . عايزة تعرفي ايه يا اخرة صبري .."
فرح بصرامة
" مكان سليم وجنة.."
حاول الإفلات من بين براثنها قائلًا بمماطلة
" يا بنتي الراجل بقاله كتير مشفش الوليه بالإضافة لإنه لسه ملسوع قلم علي قفاه محترم برجوع الحيوان دا . لولا الغالي ابو قلب حنين اللي مدلعنا و مشخلعنا و رافع راسنا . سالم هو اللي اداله الإفراج النهاردة.."
قال جملته الأخيرة بصياح قابلته بالغضب المطعم بالتهكم حين قالت
" علي ذكر البية الحنين اللي مدلعكوا و رافع راسكوا هو فين من الصبح وليه مبيردش علي تليفونه..؟"
كان يتحدث قاصدًا صرف انتباهها ولكنه في النهاية أوقع نفسه بمصيدة استفهاماتها التي تزداد خطورة اكثر
" اوبا. انا طلعت من نقرة وقعت في دوحديرة . طب بصي بقي . جوزك هيخزق عيني لو قولتلك علي مكان جنة و سليم . و هيقطع رقبتي لو قولتلك علي مكانه . "
شهقت مستنكرة
" للدرجادي ؟ ماشي يا سالم . بقي بتخبي عليا و سايبني هتجنن هنا ولا سائل فيا.."
مروان مستغلًا الموقف
" ما هو أنتِ لو مسيطرة مكنش عمل كدا .انما قعدتي تتساهلي تتساهلي لحد ما عياره فلت . و مبقاش عاملك اي حساب"
فرح بحنق
"عندك حق .."
تابع هجومه عله يصرف انتباهها عما يحدث في الخارج
" بقولك ايه الموضوع دا مينفعش يتسكت عليه. هو فاكرك ايه معدومة الشخصية . لا لازم ترجعي فرح بتاعت زمان اللي طلعت عين أهله وجابته علي جدور رقبته .."
كانت تعلم بأن ذلك الماكر يلهيها بحديثه ولن يفيدها في شئ ولكنها رغمًا عنها تأثرت و شعرت بالغضب يتعاظم بداخلها أكثر لذا قالت بانفعال
" ماشي يا مروان. مفكر انك هتضحك عليا انت وهو . طب انا بقي هعرف بطريقتي و خليك فاكر اني سألتك و انت مجاوبتنيش .."
" مزعل مراتي ليه يا حيوان ؟"
صدح صوتًا قوي خلفهم جعل دقاتها تتقاذف بداخلها ولكنها أتقنت رسم الجمود علي ملامحها لكي لا تتأثر بنظراته التي كانت تشملها كليًا
" وربنا ما جيت جنبها دي هي اللي كانت عماله تستجوبني ولا المفتش كرومبو . واقولها يا بنتي جوزك طالع عينه اهدي عليه شويه و دي راسها و ألف سيف أبدًا سالم بيخونني.."
ارتفع إحدي حاجبيه إثر حديث مروان الذي جعلها تخرج عن طور الجمود الذي تحاول ارتداؤه أمام عينيه فصاحت بانفعال
" انا قلتلك كدا يا نصاب انت ؟"
مروان بحزن زائف
" شايف يا كبير . بتشتمني ازاي ؟ يرضيك ؟"
كان يتطلع إليها بشغف قاتل و كأنها نعيمه الذي يسكن إليه بعد أن نجي من براثن الجحيم ..
" يا كبير . نحن هنا .. شكلي هيبقي وحش جدًا لو مشيت قفايا يقمر عيش كدا .."
لم يقطع ذلك التواصل البصري بينهم انما قال بجفاء موجهًا حديثه لمروان
" امشي .."
تحمحم مروان بخفوت وهو يضيف بسخرية قبل أن يغادر
" ماشي ياعم هطلع جدع واضحي ببرستيچي الغالي في سبيل الحب . أما اشوف البومة بتاعتي في انهي داهية .."
ربعت ذراعيها حول صدرها وهي تقول بجفاء
" سمعاك .."
اقترب قاصدًا العبث بإعداداتها و قلب هذا الجمود الذي لا يروقه أبدًا
" بقي كلام الواد دا يهزك كدا ؟ "
عاتبته بجفاء قائلة
"و ليه لا؟ إذا كان كل كلامه صح !"
اقترب منها قاصدًا جذبها بين ذراعيه فقد كان في أمس الحاجه للحظة سكينة يقضيها بجانبها فاوشكت علي التراجع خطوة لتجد يديه تمتد لتجذبها إلي أحضانة لتحملها ذراعيه من خصرها قاصدًا غرفة المكتب حتي يتثني له مراضاتها و مراضاة قلبه بها وما أن أغلق الباب خلفهم حتي قال بصوتًا أجش
" و ايه هو كلامه الصح ؟ "
التفتت تعطيه ظهرها وهي تقول بغضب
" انك لا بقيت تسال فيا ولا عاملي اي اعتبار.."
لا تفهم مصابه ولا تعي حجم احتياجه لها و الأدهي من ذلك عدم قدرته علي شرح ما يجول بخاطره والذي لخصه بكلمه واحده وهو يدفن رأسه بجانب نحرها المرمري
" وحشتيني.."
اهتز ثباتها و اختلت أنفاسها تأثرًا بقربه فهمست بعناد
" سالم .."
أجابها وهو مايزال يدفن رأسه متنعمًا بطراوة عنقها البض
" هرمونات الحمل دي آخرها امتا عشان بتيجي في أوقات غلط ؟"
إجابته أججت نيران الغضب بداخلها فاحتدت نبرتها حين قالت
" شايف .. اهو بتستهتر بكلامي و بتتجاهلني . سالم انا عمري ما كنت شخص فضولي. ولا بيتدخل في اللي ميخصوش انا بس عايزة اعرف مكان جنة عشان اطمن عليها و اللي يخصك انت حر فيه .."
لم يعد ينفع كوننا انا و أنتِ أما نحن و أما نحن لا خيار ثالث لذا أجابها بخشونة
" اللي يخصني يخصك يا فرح .."
عاندته غاضبة
" مش صحيح .."
كان يود أن يخبرها بأنها فلكه و مداره وأن كونه بأكمله يدور حولها ولكنه اكتفي قائلًا بصوتًا أجش
" أنتِ الوحيدة اللي كل حاجه تخصني تخصها."
لم تجيبه غاضبة فاشتدت ذراعيه حولها فتثني لها الشعور بدقاته الهائجة و أنفاسه الموقدة و شابهتها نبرته حين قال
" الكلام صعب و تقيل يا فرح مش راضي يخرج . مش استهتار بيكِ ولا حاجه. "
تعلم مدي لوعته ولكنه يحرمها من حقها في ترميم جراحه لذا التفتت قائلة بلوعه
"مش يمكن انا اقدر اريحك ؟"
أكد علي عشقه و حديثها بكلماته الدافئة
" هو دا فعلًا اللي بيحصل . انا مبرتحش غير جنبك . عشان كدا مببقاش عايز افتكر اي حاجه غيرك . "
تبادلا الصمت للحظات قطعه رغبة متأججة بداخل صدورهم جذبتهم بقوة في عناق شغوف موقد بنيران عشقًا جارفًا يكمن في قلوبهم
" زهقتي ؟"
جاء استفهامه خافتًا فأجابته بصراحة
" شويه .."
" مني ..؟"
استنكرت و قلبها استفهامه البسيط و قالت مُصححة
"من تحكماتك .. "
لدغت انامله خصرها الرقيق بعتب حوته نبرته حين قال و هو يتراجع ناظرًا الي عينيها
"اللي هي ؟"
تدللت ويديها مازالت تحيط عنقه
" اول حاجه غيرتك اللي فاجئتني بيها بصراحة.."
قاطعها وهو يضيق عينيه متوعدًا
"ولسه ..؟"
"دا تهديد ؟"
صحح استفهامها قائلًا بخشونة
" تنبيه . انا ممكن ابقي عاقل في كل حاجه الا غيرتي عليكِ . دي لا بيخضع ليها عقل ولا منطق ."
اتسع قلبها حتي بات صدرها لا يتسع له حين سمعت كلماته ولكنها حاولت الثبات حين قالت تعانده
" علي فكرة بقي مش صح .."
"مش فارق . "
ارتفع إحدى حاجبيها وهي تقول بتخابث
" تقريبًا اتغيرت ولا انا بيتهيقلي ؟"
اقترب من أذنها هامسًا بعذوبة
"بيتهيقلك.."
لم يكن لها مفر من تأثيره القوي علي حواسها ولكنها أرادت أن تضاعف شغفه اكثر حين قالت بدلال
"بقي سالم الوزان مبقاش يفرقله الغلط من الصح .؟"
أعطاها إجابة تفوق في روعتها أعمق كلمات العشق
" سالم الوزان كيانه كله اتشقلب بسببك .. "
أوشكت علي الذوبان كقطعة من الثلج امام نيران عشقه الضارية ولكنها انتشلت نفسها بصعوبة من بين ألسنه اللهب لتستدير عنه وهي تقول بتذمر
" علي فكرة بقي متحاولش مش ناوية اتصالح"
كانت سلامه وسط تلك الحروب الضارية لذا لم يستسلم أمام زوبعة غضبها الواهية و اعتقل خصرها بيديه لتصطدم قضبان صدره القوي بعظام ظهرها الرقيقة وهو يقول بوقاحة
"أنتِ اللي متحاوليش.. مش هحلك النهاردة...."
لم تجيبه انما أعطته أكثر من الكلمات حين ضغطت بقوة علي يديه المحيطة بخصرها فزمجر بخشونة
" اياكِ تبعدي .. وجودك بيفرق في كل حاجة حتي النفس اللي بتنفسه وأنا جنبك بيكون مختلف .."
همست بعذوبة لتلثم جراح روحه
" حتي لو فكرت ابعد قلبي مش هيطاوعني ولا هيقدر يمشي خطوة واحدة بعيد عنك .."
خبت الكلمات و تسيد العشق دفة الموقف فقام برفع يده و جذب سحاب ثوبها لينزل قليلًا حتي يتثني له نثر ورود عشقه فوق ساحه ظهرها الأملد و يديه تمارسان فنون العشق فوق كل ما تطاله من جسدها الذي اشتعل من فرط التأثر بأفعاله فهمست بضياع
" سالم احنا في المكتب.."
اطلق زفرة قويه حارة من جوفه و تجاهل حديثها قائلًا بولع
" وحشتك ؟"
" فوق ما تتخيل ."
" فين ؟"
لازالت تخجل من التعبير أو الإفصاح عن شوقها إليه ولكنها الآن شعرت بأن ما يقصده كان أبعد من الشوق لذا التفتت تناظره بعينين غلفهما الشغف فوقعت أسيرة لنظراته التي تناشدها فتغلبت علي خجلها بمشقة و اقتربت منه تريد أن تروي ظمأ احتياجه إلي حنانها فتصلب جسده الذي يعانقها وهو يفطن لما تنتويه وحين أوشكت علي نيل مبتغاها و مبتغاه تصاعد رنين الهاتف ليجعلها تفزع بين أحضانه و تتراجع خطوتين فسمعته وهو يلعن من تحت أنفاسه فقالت محاولة أن تهدئ من حدة الموقف
" رد ممكن يكون حاجه مهمة...."
قاطعها حين جذبها إليه بقوة وهو يبتلع باقي حروفها بجوفه مطلقاً العنان لجيوش غضبه لتلتحم مع نيران شوقه و كأنه يعلن التحدي أمام كل العراقيل و الصعوبات التي تحول بينه و بين لحظات راحة ينشدها بين ذراعيها و كانت هي ضحية تلك الحرب الهوجاء وبرغم الألم احتملت لأجله الي أن هدأت وتيرة لمساته لتصبح حانيه و كأنها تعتذر عن ما بدر منه منذ لحظات فلم تبدي اي رد فعل ليفصل اقترابهم تزامنًا مع رنين هاتفه مرة اخري فقام بوضع قبلة اعتذار قويه علي جبهتها قبل أن يتوجه ليجيب علي الهاتف قائلًا بحدة
" انت فين يا زفت مابتردش علي تليفونك ليه ؟"
تفاجئ سليم من حديث أخاه وقال بذهول
" ايه يا سالم في ايه؟"
سالم بجفاء
" رنيت عليك كذا مرة ومردتش .. كنت فين ؟"
سليم بغضب
" كنت مع مراتي اللي بالمناسبة غايبة عني بقالها فترة و أظن انت عارف انا فين .."
كلمات سليم أعادت اليه بعضًا من رشده فتجاهل مقصده وقال بفظاظة
" نص ساعه و تكون عندي انت وهي . رايحين عالصعيد .."
سليم باندهاش
" رايحين نعمل ايه في الصعيد ."
سالم بحدة
" رايحين نشوف اختك ولا نسيتها ؟ "
تحمحم سليم قائلًا بحرج
" لا طبعًا منستهاش .."
سالم بصرامة
" مش هسمح للي حصل دا يأثر عليها . ولازم الناس تعرف اننا جنبها عشان محدش يفكر يتعرضلها..."
سليم بتفهم
" ولازم جنة تكون معانا ؟"
" لازم.."
سليم بإذعان
" تمام اللي تشوفه .."
اغلق الخط ثم التفت يناظرها فتفاجئ من ستائر الحزن التي تغطي ملامحها و لكنها فاجئته أكثر حين قالت بشجن
" بغض النظر عن أي حاجه بس احساس أن البنت ليها اخ ولد بيمارس حقوقه في أنه يحميها و يدافع عنها دا احساس حلو اوي.."
لم يتأثر خارجيًا ولكنه من الداخل شعر بالأسي علي حزنها و كعادته تجاهل كلل شئ و قال بتملك
" كويس أنك معندكيش عشان مكنتش هسمحله يمارس حقوقه دي عليكِ و أنا موجود.."
اغتاظت من تملكه الذي ليس له حدود فصاحت بتذمر
" سالم بقي .."
باغتتها جملته التي استقرت في منتصف قلبها كرصاصة قناص ماهر يتقن إصابة ضحاياه في مقتل
" بحبك يا فرح و دا قدرك اللي مفيش مفر منه.."
ما أن أوشكت علي الحديث حتي تفاجئوا من تلك الجلبة في الخارج فاحتدت ملامحه وهو يتوجه الي باب الغرفة و ما أن فتحه حتي تفاجئ بطارق الذي يقف أمام حازم و معالم الشراسه باديه علي وجهه بينما الآخر تحولت نظراته الي ساخرة حين قال سالم بجفاء
"ايه اللي رجعك تاني مش كنا اتفقنا ؟"
اخرج ورقة مطويه من جيبه و قام بمدها إليه وهو يقول بتخابث
" وانا سمعت كلامك و جيت عشان أشيل شيلتي كاملة .."
هدر طارق بغضب
" شيلة ايه و زفت ايه ؟ ما تجيب من الآخر و تخلصنا.."
برقت عيني سالم حين وقعت علي تلك الكلمات المحفورة في الورقة أمامه فاتسعت ابتسامة حازم الشامتة وهو يقول بتشفي
" عايز اخد مراتي و ابني و امشي من هنا..."
يتبع....
بعتذر عن تأخير البارت اعتقد ان مش كلكوا تعرفوا بس كان عندي حالة وفاة بنت خالتي و اختي و صاحبتي توفت من كام يوم و كانت حالتي النفسية سيئة 💔💔
دعواتكوا لفقيدتي بالرحمة و لينا بالصبر 💔🥺
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل السادس وستون 66 - بقلم نورهان العشري
صباح الورد 🌹
عاملين ايه يا حلوين ♥️
طبعًا أنا كنت ناوية اكتب بارت النهاردة و أنزله بس انا ملامحظة أن التفاعل نايم خالص البارت من امبارح مكملش حتي الألف لايك و في بناويت قالولي مضغوطين بسبب دخلة رمضان و كدا فانتوا ايه رأيكوا اكتفي بتنزيل بارت كمان و نوقف و نستكمل بعد العيد أن ربنا أحيانا أن شاء الله ولا اعمل ايه
الفصول اللي جايه نارية و حقيقي حرام ميبقاش عليها تفاعل كدا
مع العلم اني اقسم بالله بكتب و شايلة فرش بيتي كله عشان بننضف قبل رمضان
شوفوا عايزين ايه وانا معاكوا
حابه أوضح حاجه صغيرة بتفرق معايا اوي أنا بحب الكومنتات اللي بين الفقرات اوي و بحب تعليقاتكوا عليها لإني بكتب كل حرف علي لسان الابطال من قلبي و بقعد افكر الف مرة قبل ما اكتب جملة في الحوار بالذات عشان بكون عيزاها تلمسكوا و تعلم جواكوا و تفتكروا البطل بيها ♥️ الفصل اللي فات تقريبًا كانت الكومنتات قليلة جدا بالرغم من أن مشهد سالم و فرح و سليم و جنة كل مشهد ١٠٠٠ كلمة 🥺🥺🥺
بليز سيبولي كومنتات عالفقرات و الجُمل اللي حبيتوها عشان دا بيفرحني جدا ☺️🥰♥️
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل السابع وستون 67 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
بصوا بقي قبل اي حاجه و قبل ما تقروا البارت دا بقالي عشر ساعات بكتب فيه مليان هئ و مئ و هزار و عياط و في من كل حاجه
وربنا لو ما جاب تفاعل زي الناس هشقلبها فوق دماغه الوزانين وزان وزان و اهلاً بالمعارك 🏹🪚🪛🗡️⚔️
فوت و كومنت و فولو للعبد لله و كومنتات بين الفقرات بالهبل و قد أعذر من أنذر 😂😂
يالا قراءة ممتعة يا حلويات ♥️
الأنشودة السادسة 💗🎼
إمَاطةُ الأذى عنِ القلوب لهُ ثوابٌ عظيم أيضاً فَخلفَ تلك الابتسامات الهادئة ندوب و تصدُّعات لا شَيء يفلح في ترميمها . و ذلك الصَّمتُ الذي يَبدو سلاماً يُخفي كمَّاً هائلًا من الحروب والنزاعات التي تُهلِك الجسد و توحش القلب الذي تأبى شمّسَهُ الشُّرُوق مُعلنة حِداداً قَدْ لا تراه لشدَّةِ بأسِ صَاحبِه.
فهناك الكثير مِمَّنْ لا يُحبِّذون الانهيار حتى ولو أضناهم الأسى ، فرِفقاً بهؤلاءِ و بِقُلوبِهم..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
"ايه اللي رجعك تاني مش كنا اتفقنا ؟"
اخرج ورقة مطوية من جيبه وقام بمدها إليه وهو يقول بتخابث :
" وأنا سمعت كلامك و جيت عشان أشيل شيلتي كاملة .."
هَدَرَ طارق بغضب :
" شيلة ايه و زفت ايه ؟ ما تجيب من الآخر و تخلصنا.."
بَرَقتْ عينيّ سالم حين وقعت على تلك الكلمات المحفورة في الورقة أمامه فاتَّسعت ابتسامة حازم الشامتة وهو يقول بتشفي :
" عايز أخد مراتي و ابني و امشي من هنا..."
رُبَّما هي غريزة الأم في حماية صغارها هي من دفعتها ولا تعلم كيف تحركت تتجاوزه بل تتجاوز الجميع و امتدت يدها لتنتشل الورقة من بين يد حازم فوقعت انظارها على تلك الكلمات التي جعلت عينيها تبرقان من شدّة الصدمة فخرجت حروفها مبهوتة حين قالت :
" يعني ايه الكلام دا ؟ أنا مش فاهمة حاجة .."
بينما جذبَ طارق الورقة من يديها لمعرفة ما بها التفتت هي إليهِ مُستنجدة :
" سالم . ألحق ...."
لم يجيبها ولكن كانت ملامحه في تلك اللحظة مرعبة ، عينان مظلمتان بقسوة عروق بارزة شفاه مذمومة كل ذلك يُحيط بهِ هالة من الظلام الذي كان يحاول ابتلاعها ولكنها كانت تقاومه فجاءها صوته القاسي حين قال :
" وصلت للورقة دي ازاي ؟"
تجمهر الجميع وتعالت الشهقات من رؤيته فالتقمت عينيهِ شيرين التي كانت مدهوشة من مدى وقاحته فتجاهل الذعر الذي كان ينشب مخالبه بشراسة في قلبه وقال بثبات واهي :
" شيرين اللي ادتهالي .."
كلماته استقرت في قلب طارق الذي خابت آماله ولم يعد يعلم مدى قدرته على الغفران لذا التفت يسألها فشاهد الحيرة على معالمها فناولها الورقة بصمت وكذلك فعلت هي حين شرعت تقرأ ما بها لتخرج منها صرخة استنكار :
" محصلش. أنا أول مرة أشوف الورقة دي دلوقتي .."
صاحَ مُهدداً :
" كذابة . أنتِ اللي ادتيهالي عشان كنتِ عايزة تنتقمي من فرح في أختها زي ما خلتيني أسجل الفويس إياه عشان صوتي زي صوت سالم بالظبط كنتِ عايزة تِسمَّعيه لفرح و تخليها تطلّق منه .."
تراشقت كلماته كأسهم نارية بقلب فرح التي التفتت تناظر سالم فوجدت نظراته الفولاذية فأخفضت رأسها حنقًا كان يحوي الشفقة بداخله أما حازم فصمت لثوانٍ وهو يُفرِّق نظراته بين شيرين التي كانت ترتجف خُزياً و بين طارق الذي أظلمت عينيه غضبًا تعاظم حتى وصل إلى ذروتهِ حين أضاف حازم بخبث :
" ما هو أصله حبيب القلب.."
لم يتمالك طارق نفسه حين قام برفع قبضته و لكم حازم لكمة قوية أطاحت به إلى الخلف وهو يزأر بصوت ارعدهم جميعاً
" اخرس يا كلب .. "
لم يَكَدْ حازم يتمالك نفسه حتى اقترب طارق ينوي إعطاءه لكمة ثانية فَجاءهُ صوت سالم الصارم :
" مكانك يا طارق ..."
تراجع طارق امتثالًا لأوامر سالم الذي التفت إلى شيرين متسائلاً :
" الكلام دا صحيح ؟"
تفرقت عينيها بين سالم الجامد و حازم المتوعد فأذعنت للأخير قائلة :
" ايوا أنا .."
" لا يا شيرين . بلاش تبقي أنتِ اللي عملتي كدا !"
كان هذا صوت سما المتوسل لشيرين أن تنفي عن نفسها حقارة ما حدث فإذا بالأخيرة تخفض رأسها قهراً و خزياً فاقترب مروان يحاوط سما من خصرها بمواساة صامتة فالتمع الغضب بعيني حازم الذي قال بِسُمّ الأنانية :
" الله دي احلوت اوي .. مروان بيحضن هو كمان ؟ دانا فاتني حاجات كتير باين "
تجاهل ذلك الاستفزاز الذي يغلفه السخرية و شدد من عناق سما واضعاً قبلة قوية فوق خصلات شعرها وهو يقول بسعادة كمن يَزُف نبأً عظيم :
" فاتك كتير بصراحة يا حازم .. بس ملحوقة لو مكتوبلك تخرج من هنا على رجليك هنبقى نعزمك على فرحنا.. أصلنا كتبنا الكتاب .."
نيران الأنانية و التملك تفشت بقلبه فلم تفت ذلك الذي كان يشاهد جميع انفعالاته بترقُّب ، فصاح حازم ساخراً :
" ايه دا الكل بقى يعمل موف اون بسرعة اوي . أومال فين وعود الحب و العشق و السهر و المقابلات والذي منه ؟ راحت عليه خلاص !"
صاحت همت بانفعال :
" اخرس يا كلب . أنا بنتي طول عمرها أشرف من الشرف .. "
خطة خبيثة و مردودها لن يكون بالهَيّن ولكنه ابتلع جمرات غضبه الحارق و قال بسخرية :
" مش كبرت على حركات المراهقين دي بقي ! ولا مفكرني عيل صغير هييجي واحد هايف زيك يشككه في مراته.. ؟"
تبدلت ملامح حازم إلى أخرى واجمة فتابع مروان يضرب على أوتار كبريائه بيد من حديد :
" و عموماً أنا مقدَّر حالتك ما هو مش سهل بردو على الواحد أنه يلاقي الكل كرفه و قرف منه كدا . "
التمعت عيني سما بالتشفي و خاصةً حين تابع مروان باحتقار يغلفه السخرية :
" أما بخصوص الموڤ اون فصدقني مخدش وقت خالص . أنت كنت أقل بكتير من إنك تسيب أثر يستدعي أي مجهود.."
تلاحقت الإهانات بصدره فلم يعد يستطيع الحديث فجاءه صوت سالم الجامد حين قال:
" نرجع لموضوعنا . وصلت للورقة دي ازاي ؟ "
تفاجئ الجميع من استفهام سالم الذي تبلور الاحتقار على ملامحه و ازدرد حازم ريقه بصعوبة و هو يقول كاذباً :
" ما أنا قلت . شيرين...."
" اخرس ... ولآخر مرة هسألك جبت الورقة دي ازاي ؟"
احنى رأسه غاضباً و قال بخفوت :
" عرفت من الكلب ناجي إن سالم نقل ميراثي باسم جنة و.. ابنها ! و كنت عايز أسرق الورق دا . جبت عربية و فيها رجالة نزلوا اتخانقوا مع مجاهد كان غرضهم يشغلوه عشان ادخل أسرق الورق من المكتب و وقتها سليم جه و ملحقتش اخده بس شفت الورقة دي و خدتها عشان كنت عارف إن ناجي هيغدر بيا!"
تعالت الشهقات حوله فلم يكن يتخيل أحد أن يصل إلى هذه الدرجة من الدناءة و خاصةً هو فصاح متألماً :
" أنتَ ازاي قادر تكون وحش كدا ؟ "
التفت الجميع إلى سليم الذي كان يقف أمام باب المنزل و بيده جنة التي كان الاحتقار يشوه ملامحها وهي تطالع حازم الذي لمع الغضب لوهلة بعينيه و سرعان ما انطفئ حين صاح سليم بحرقة :
" دا ناجي نفسه معملش فينا اللي أنت عملته ؟ احنا عملنا فيك ايه ؟ اه أنا كنت أوقات بقسى عليك بس عمري ما كنت بتحمل عليك الهوى.. "
تشكلت طبقة كريستالية منَ الدموع في مقلتيه وهو يقترب متابعاً بنبرة مُشجبة :
" أمك و سالم و حلا . كلهم كانوا روحهم فيك .. محدش فيهم قسي عليك أبدًا . سالم دا كان بيعتبرك ابنه . يستاهل منك كدا ؟"
تابع بحرقة أصابت قلوبهم جميعاً
" مفكرتش في أمك اللي كذا مرة كانت هتموت مننا بسببك ؟ مفكرتش في حلا . أختك مفكرتش فيها و أنت بتهتك عرض بنات الناس كدا ؟
صمت لثوان قبل أن يضيف بحرقة
"ليه ؟ "
تساقطت العبرات من مقلتيه احتجاجاً على هذا الألم الهائل بصدره فتقدم منه و قام بدفعه بكلتا يديه وهو يزمجر بشراسة ارتعدت لها الأبدان :
" رد عليا لييييه. ..؟"
كان استفهاماً مؤلماً هربت جميع منه الإجابات فلم يلقى صدي سوى رأس مُنَكّث و قلب لأول مرة يزوره الندم فلم يجد من الكلمات ما يسعفه ولم يستطيع حتى مواجهة نظراتهم فتابع سليم بنبرة لوّعَت قلوب الحاضرين :
" معندكش إجابة يا حازم ؟ مفيش مُبرر واحد عندك تقوله يطفي نارنا ؟ حاجه واحدة تخلينا نقدر نرفع راسنا وسط الناس .."
لم يستطِيع تحمُل المزيد فصدح صوته القاسي يبدد كل هذا القهر الذي يتشارك به مع شقيقه:
" كفاية يا سليم . هو اللي حكم على نفسه .."
تقدم من بينهم جميعاً مروراً به و هو يأمره بجفاء :
" ورايا .."
لم يتحدث بحرف بل تقدم خلف سالم محني الرأس فلم يحتمل سليم ما يحدث فانطلق هارباً إلى الخارج حتى أن نداءات جنة لم توقفه فاقتربت منها فرح تمسك بيدها وهي تقول بحنو :
" سيبيه يا جنة .. خليه يهدي مع نفسه شويه . "
جنة بأسى و قلب يتقاسم وجع المحبوب:
" ازاي أنتِ مشوفتيش حالته يا فرح ؟"
تحدث مروان هذه المرة بدلًا عن فرح :
" فرح عندها حق يا جنة . سليم في أقصى مراحل ضعفه و يأسه . بلاش تروحي وراه من غير حاجة هو حاسس بالإحراج منك و مننا كلنا . سيبيه هو عارف هيتخلص من كل دا ازاي .."
لم تستطيع احتمال كل ما يحدث معها فأحنت رأسها لتقترب منها همت بأقدام متوجسة قائلة بترقب تخشى رفضها:
" مروان عنده حق يا جنة. اللي مروا بيه يا بنتي مش سهل. "
رفعت جنة رأسها تطالعها بحزن تجلى في إيماءة بسيطة من رأسها فاطمأنت همت قليلًا و اقتربت تُمسِّد بحنو على كتفها و تضمن لهجتها وهي تقول :
" اطلعي أنتِ ارتاحي شوية في اوضتك على ما هو يكون رجع . ولو عايزة تسيبي محمود معايا عشان تعرفي تنامي براحتك سيبيه..."
نبش القلق حوافره في قلبها فازدادت من ضمة محمود أكثر إلى صدرها فتابعت همت تطمأنها :
" متخافيش عليه يا جنة. دا في عنيا والله . وأنتِ وفرح زي سما و شيرين .. "
انفرطت عقدة دموعها مع آخر كلمة تفوهت بها فتحمحمت فرح ثم قالت بهدوء :
" أكيد طبعًا يا حاجه همت . سيبي محمود معاها يا جنة و اطلعي ريحي فوق.."
ارَسَمَتْ ابتسامة بسيطة على محيّاها قبل أن تناولها الصغير و التفتت تناظر فرح بحزن احتوته فرح بضمة قوية وهي تهمس بأذنها برفق :
"متقلقيش .. خلي عندك حسن ظن بربنا و اعرفي إني مش هسيب أي حد أو أي حاجة تأذيكي طول مانا عايشة .."
هَدَأ الفؤاد بكلماتها فشددت جنة من ضمها قبل أن ترفع رأسها وهي تقول بامتنان :
" ربنا ما يحرمني منك أبداً .."
" ولا يحرمني منك .."
كان الجميع يشاهد ما يحدث بتأثر فتقدم هو إلى حيث تقف وقال بخفوت صارم :
"تعالي ورايا عالمكتب.."
ارتجف قلب شيرين الذي كان يخشى المواجهة كثيراً ولكنها في النهاية اذعنت إلى ما طلبه و تقدمت تجرّ أقدامها المثقلة بذنوبها العظيمة وهي في طريقها إلى المكتب توقفت أمام كُلّاً من فرح و جنة و قالت بصوت مبحوح من ثقل ما تشعر به:
" فرح . لو تسمحي كنت عايزة اتكلم معاكِ شوية . "
اومأت فرح بصمت فأردفت شيرين بخفوت
" ساعة و هعدي عليكِ في اوضتك نتكلم.."
فرح بجمود :
" تمام .."
******************
كانت دمائه تغلي في مراجل بينما لسانه لم يكف عن إطلاق السُباب لكل ما يحدث معه و كأنما القدر يعاقبه على جميع أخطائه دفعة واحدة .
زفر بحنق وهو يستمع إلى صوت إغلاق الباب فحاول أن يستبدل ثاني أكسيد الغضب بأوكسجين نقي فأخذ يكرر عملية التنفس عدة مرات حتى جاءه صوتها المبحوح ليضرب بكل محاولاته في الهدوء عرض الحائط:
" عايزني في ايه ؟"
التفت بسائر جسده وهو يناظرها بغضب تبلور في لهجته التي كانت مرعبة تشبه عينيه حين قال :
" عايز اعرف حازم بيهددك بأيه ؟"
تراجعت خطوتان إلى الخلف من مظهره المرعب و لهجته و عينيه فحاولت أن تشحذ صوتها الهارب وهي تقول بخفوت:
" مبيهددنيش...."
زمجر بوحشية يقاطعها :
" متكذبيش...."
شهقة قوية شقَّت جوفها من صراخه فهمست بخوف :
" طارق أنت مخوفني .."
طارق بشراسة :
" أنا لسه هخوفك لو مجاوبتنيش بصراحة .. مش عايزك تشوفي وشي التاني يا شيرين فأحسنلك جاوبيني ."
لم تتقبل طريقته ولا مخاوفها فنفضت ضعفها قائلة بجفاء :
" بأي حق بتسألني و بتعاملني بالطريقة دي؟ "
ابتلع جمرات غضبه و أجابها بقسوة:
" موضوع حقي و حقك دا خليه على جنب عشان أنا ممكن أوجد ألف حق يخليني اكسر دماغك دلوقتي .. فجاوبيني أحسنلك .."
شعرت بتعب كبير يغزو أطرافها فتقدمت تجلس على أقرب مقعد قبل أن تتهاوي أقدامها و تسقط أمامه و قامت بإسناد رأسها بين كفيها بتعب لامس قلبه الذي أحكم تطويقه حين قال بجفاء:
" احنا في وقت صعب . و الكلب دا محدش يأمن مكره . و اديكي شايفة جري ازاي يهددنا بورقة الجواز دي لولا أننا عاملين حسابنا كان زمانا اتفضحنا في كل حتة. "
رفعت رأسها تطالعه باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت :
" تقصد ايه ؟ أنا مش فاهمة حاجة .. الورقة دي اتعملت ازاي وهو كان متجوز جنة عرفي ؟ و بعدين هو أنتوا كنتوا عارفين أنه سرقها أصلاً ؟"
طارق بخشونة:
" حازم و حلا كانوا عاملين توكيل عام لسالم عشان يتصرف في الورث كله و بالتوكيل دا سالم كتب على جنة و عمل العقد بتاريخ قديم لما كان حازم مسافر انجلترا الصيف اللي فات . و دا عشان تقدر تورثه هي و محمود و محدش يقدر يتكلم عنها بحرف .."
شيرين باندهاش :
" اها صح أنا سمعت بابا بيقول لحازم إن عشان جنة تورث فيه لازم جواز رسمي .."
طارق بجفاء:
" بالظبط . و سالم اكتشف أن الورقة اتسرقت و دا قبل ما نعرف أن الزفت دا عايش و بعد ما عرفنا بدا شكيت أن ممكن يكون حازم سرقها بأي شكل من الأشكال و فضلنا مستنيين نشوف هيحصل ايه عشان سالم يقدر يتصرف معاه صح بعد كدا .."
هبت من مكانها وهي تتساءل بترقب:
" تقصد ايه ؟ سالم ناوي يعمل معاه ايه ؟"
طارق بقسوة ة
" ملكيش فيه .. انجزي و قوليلي الكلب دا بيهددك بأيه ؟"
اخفضت رأسها لا تقوى على إجابته فتقدم يهزها من كتفها بعنف :
" لآخر مرة هسألك و اعرف منك أحسن ما اعرف من حد تاني . جاوبيني مش هيكون أوحش من عمايلك اللي قبل كدا .."
غمس سموم كلماته بقلبها الذي انتفض بين يديه فنزعت نفسها من ذراعيه وهي تقول بألم :
" عمايلي دي أنت كنت هتعمل اسوأ منها لو كنت مكاني . أو شفت اللي أنا شفته .. لو اتحرقت بنار الذل و القهر كنت عملت أكتر من كدا . و على فكرة مش هجاوبك و لو حصلي كارثة بعفيك من أنك تحاول تنقذني .."
أنهت كلماتها و التفتت مهرولة إلى الخارج فاصدمت بفرح التي كانت في طريقها الى الخارج و إذا بها تجد شيرين التي كانت في طريقها للانهيار:
" في ايه ؟ حصل ايه ؟"
هكذا تحدثت فرح بذعر من مظهر شيرين فهمست الأخيرة بحرقة :
" بدفع تمن أخطائي .."
أنهت كلماتها و هرولت إلى الأعلى و شهقاتها تشق جدران المنزل من فرط الألم..
***************
ادينا لوحدنا اهو ياستي اتفضلي قولي اللي عندك .."
اخفضت رأسها بخجل فقد خطت بجانبه إلى الحديقة و بداخلها الكثير و الكثير من الكلمات التي تخجل الإفصاح عنها ولا تعرف كيف تصيغها لتأتيها كلماته العابثة حين قال :
" ايه اوعي تكوني ناوي تتغرغري بيا . لا بقولك ايه شرف العيلة يا بنتي .."
صرخت باستنكار :
" مروان .."
مروان بلهفة:
" خلاص مرمطي شرف العيلة براحتك ولا يهمك .. أنا من ايدك دي لإيدك دي"
اغتاظت من وقاحته فقالت محذرة:
" والله لو ما بطلت هسيبك و امشي..."
مروان باندفاع :
" لا تسبيني و تمشي ايه بهزر معاكِ .. قولي سامعك .."
تعاظم شعورها نحوه للحد الذي لم يعد شيء يستطيع إيقافه و خاصةً بعد أن احتواها و دافع عنها و عن زواجهم بشراسة أمام هجوم حازم الدنيء فقد كانت تلك الخطوة هي الفاصلة لقلبها الذي همس بعذوبة :
" أنا بحبك يا مروان .."
ظلت ملامحهُ على جمودها للحظات فزارها القلق و لكنها تجاهلته و قالت بخفوت :
" مش هتقول حاجة ؟"
تفاجئت من تغير نظراته و ابتسامته التي توحي بمن يراه بأنه طاله مس من الجنون الذي تجلى في نبرته حين قال:
" أقول ايه؟ دا نا هعمل .. أنتِ خليتي فيها حاجة تتقال !"
تراجعت بخوف من مظهره و قالت بذعر:
" هتعمل ايه يا مجنون ؟"
قام بخلع جاكيته و إلقاءه بجانبه وهو يقول بوعيد :
" هبوسك.. تقوليلي بحبك و عيزاني أقول . دانا ههريكي بوس .."
ارتعبت و برقت أنظارها من هذا المجنون و أخذت تتراجع للخلف وهي تقول :
"يخربيتك أنت اتجننت رسمي .."
هرول مروان خلفها وهو يصيح:
"أنتِ لسه شفتي جنان؟ دا أنا من كام يوم بس كنت بحلم اقعد جنبك جاية تقولي بحبك في وشي وربنا أبداً. مش هعتقك النهاردة.."
صرخت وهي تهرول إلى داخل المنزل:
" خلاص والله أنا غلطانة "
برقت عينيه و صرخ باستنكار:
"غلطانة ايه نهارك أسود أنتِ يا بت ..."
تلقفت يد همت سما التي كانت تهرول لاهثة إلى أن احتمت بظهر والدتها من ذلك المجنون فصاحت همت مستفسرة :
"في ايه يا واد يا مروان بتجري ورا البت ليه ؟"
مروان بنفاذ صبر:
"اوعي يا عمتي من وشي دي حاجة بين الراجل و مراته "
صاحت باستهجان:
"راجل مين و مراته ايه ؟أنت صدقت نفسك يا وله ؟"
مروان بانفعال :
"ايه صدقت نفسي دي يا عمتي ؟لا بقولك ايه جو الحموات القرشانات دا من أولها مش هسكتلك هبعت اجيب دولت تيجي تقفلك . مانا مش هيتاكل حقي في البيت دا ."
همت باندهاش:
"حق ايه يا ابني هوا حد جه جنبك ؟"
"ايوا حقي.. بوسة كتب الكتاب مخدتهاش ولا حتى الحضن ايه هتستعبطوني ؟ "
همت باستنكار من حديثه :
"بوسة كتب كتاب ايه يا قليل الحيا ؟"
تشدق ساخراً :
"طبعًا ما أنتِ من أيام القدماء المصريين هتفهمي أنتِ في الحاجات دي ازاي؟ ابعدي شوية الله لا يسيئك .."
آتاهم من الخلف صوت طارق الغاضب :
" في ايه يا ابني صوتك عالي ليه صدعتنا ؟ "
مروان بتهكم:
"اهو شاروخان شرَّف اهوة.."
كان الغضب من نصيب سليم الذي صاح محذراً :
"مروان محدش متحمل رزالتك دي ."
صاح مهللًا بسخرية :
"ايه دا و أميتابتشان كمان شرَّف ! لا أميتابتشان ايه دا مكنش أقرع . اقولك خليك سلومة الأرع أحسن "
تشارك الرجلان شعور الغضب و تبادلا نظرات ذات مغزى قبل أن يقتربا بمكر لون عينيهما تجاه ذلك الذي فطن لما يحدث و أنهم يبيتون نية له فصاح مُحذراً :
"في ايه يا زفت أنت وهو البصة دي مش مرتاحلها؟"
لم يَكَد ينهي جملته حتى تفاجئ منهما يقومان بحمله و التوجه به إلى الخارج فصاح مروان مستنكراً :
" الحقونااااي .."
هرولت كلّاً من سما وهمت خلفه و قالت الأخيرة بلهفة:
" استنى يا واد أنت و هو هتعملوا في ايه؟'
صرخ مروان باستغاثة:
" الحقيني يا همت . الله يسامحك أنتِ و بنتك فقر زي بعض .."
توقف كلّاً من طارق و سليم أمام المسبح ففطن مروان إلى نيتهم و صرخ قائلاً:
" لا بقولكوا ايه أنا لسه مستحمي و متليف الشهر اللي فات . هتعملوا ايه يا ولاد الكالللللب ..."
قال جملته الأخيرة تزامنًا مع إلقاءه في المسبح بيد الرجلان و اللذان كانا ينظران إليه بتشفي فأخذ ينثر المياه عليهم وهو يصيح بغضب
بعد نصف ساعة كان مروان يلتف بشرشف ثقيل و بيده كوب من الشيكولاتة الساخنة و رأسه ملقى على كتف سما التي كانت متأثرة للغاية بحالته التي كان يدَّعيها قائلاً:
" برتعش يا سما .. كل حتة في جسمي وجعاني ..."
سما بتأثر بالغ :
" معلش يا مروان اشرب الشيكولاته دي هتدفيك و هتبقى زي الفل إن شاء الله.."
مروان باستنكار :
" شيكولاته ايه اللي هتدفيني هو أنا عدمتك . دفيني أنتِ .."
اغتاظت من حديثه وقالت بتحذير:
" هقوم و اسيبك .."
مروان بتعب زائف:
" اه قومي و سبيني وأما الحمى تموتني ابقي ارجعي عيطي .."
رق قلبها تأثراً بكلماته :
" حمّى هي وصلت للدرجادي ؟"
مروان بأسى مزيف:
" اومال.. دانا حاسس إن كل عظمة في جسمي وجعاني اااه منه لله اللي كان السبب.."
كان يتحدث وعينيه ترسل نظرات غاضبة لهذا الثنائي الذي يجلس براحة بعد أن قاموا بفعلتهم فلم يتأثروا بنظراته ولا كلماته فتابع متحسراً:
" ما أنتِ لو كنتي وافقتي و خلتيني أبوسك مكنش دا كله حصل لكن هقول ايه؟ بومة.."
"أنت قليل الأدب على فكرة.."
هكذا همست بخفوت فتحدث بنفس لهجتها الخافتة:
" اتنيلي على عينك أنتِ كنتِ لسه شفتي قلة أدب .."
همست بعتاب:
" و بعدين ما أنت اللي خضتني. في حد يطلب حاجة زي دي بالطريقة الغبية بتاعتك دي؟"
ضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال:
" اااه. يعني الطريقة بس اللي غلط . شوف ياخي وأنا اللي ظلمتك .و تقولي عليا قليل الأدب اه يا سافلة .."
زجرته في كتفه وهي تقول بتحذير :
" والله بجد هخاصمك ."
" دا نا أموت . يرضيكي مروان حبيبك يموت ؟"
سما بخجل:
" لا ميرضنيش بعد الشر عنك .."
رفع رأسه يناظر طارق فوجده منشغل بهاتفه و كذلك سليم فوجَّه أنظاره إلى همت التي كانت تتابع حديثهم باهتمام فقال حانقاً :
" بقولك ايه يا عمتي ما تقومي تتفسحي كدا شوية ؟"
" عايزني أقوم ليه ياخويا؟"
مروان بسخرية :
" يعني هيكون ليه يعني يا عمتي ؟ عايزك تهوي رجلك شوية هكون بطرقك يعني!"
همت بسخافة:
" لا أنا قاعدة على قلبك مش قايمة.."
ناظرها شذراً وهو يتمتم بحنق :
" ربنا عالظالم..."
******************
أنهت شيرين كلماتها مع فرح و هرولت إلى الأعلى و شهقاتها تشق جدران المنزل من فرط الألم..
أغلقت باب غرفتها و استندت بكامل ثقلها فوقه حتى خارت قواها فتلاشت أقدامها و سقطت في نوبة انهيار قوية قطعها صوت اهتزاز كان كالشوك في جوفها فقد جاء وقت المواجهة التي لن تمر مرور الكرام أبداً التقطت هاتفها السريّ وهي تجيب بغضب يحوي القهر بين طياته :
" بتتصل عليا ليه ؟ في ايه تاني عايز توحنلني فيه ؟ ولا في بلاوي تانية ناوي تلبسهالي ؟ عايز تسود وشي و تقل من كرامتي أكتر من كدا ايه ؟ بأي عين بتتصل عليا ؟"
قالت جملتها الأخيرة بصراخ أدمى حبالها الصوتية فجاءتها قهقهاته المستفزة و كذلك نبرته حين قال :
" ياااه فكرتيني بالذي مضى يا شيري .. أمك قالت نفس الكلمتين دول من كام سنة و مصعبتش عليا بردو !"
خرجت نبرتها محتقرة حين قالت:
" و مين قالك إني عايزة أصعب عليك . مين قالك إنك بقيت تفرق معايا أصلاً."
ناجي بغضب :
" عارف إنك كلبة و دم الوزان بيجري في عروقك .."
" و أنت عروقك بيجري فيها أيه ؟ مية ؟ ازاي قدرت تأذيني وأنا بنتك اللي من لحمك و دمك ؟"
استفهمت بقهر فأجابها بلؤم:
" متكبريش الموضوع اوي كدا يا شيري؟ و علي فكرة دم الوزان دا أوسخ حاجة فيا . و بعدين ماانتِ طلعتي اوطي مني و بعتيني عشان حبيب القلب ."
أجابته مصححة :
" بعتك لما عرفت كذبك و خداعك ليا .."
ناجي بسخرية :
" و حتى بعد ما عرفتي كذبي هترجعي تساعديني من تاني .."
صاحت بكل ذرة من كيانها :
" مش هيحصل أبداً .. لو عملت فيا ايه عمري ما هساعدك ولا هسمعلك حتى .. كفاية إني مش قادرة ارفع عيني في عنيهم بسببك .."
ما أن أنهت جملتها حتى تفاجئت بفرح التي فتحت باب غرفتها دون استئذان وهي تشير لها باستمرار الحديث فأطاعتها شيرين وهي تستمع إلى كلمات ناجي الآمرة :
" هعتبر إني مسمعتش ولا حرف من اللي قولتيه عشان ردي مش هيعجبك أبداً .."
أشارت لها فرح بالهدوء و الاسترسال معه في الحديث حتى تعلم منه ماذا يريد ففهمت شيرين و قالت بجفاء :
" أنت متصل عايز مني ايه ؟"
ناجي بقسوة
" عايز اوصل للبت مرات سالم دي . تعرفي تجيبي رجليها عشان تقابلني ؟"
شهقت شيرين و ارتعبت فرح من حديثه فاستفهمت شيرين باندهاش :
" و عايز إيه من فرح ؟ "
ناجي بقسوة :
" عايز اكسر عينه .."
كان ثباتها شيء تُحسد عليه ولكنها أشارت لشيرين لتجاريه فهبت الأخيرة باندهاش :
" أنت بتقول ايه ؟ دا سالم كان يدبحني !"
تشدق ساخرًا :
" لما يدبحك هو أحسن من إني أدبح أنا أمك.. ماهي كمان خانتني ولا إيه ؟"
نجح في غرس أسهم الذعر في قلبها فصاحت بقهر :
" أنت شيطان .."
" أسوأ . أسوأ من الشيطان بمراحل . و اسمعي كلامي عشان مترجعيش تندمي بعدين .."
كانت تود أن تذيقه ولو قطرة من بحر العذاب الذي ألقاها به :
" أنا كدا عرفت ليه سهام سابتك زمان و اتجوزت عمو صفوت . "
اخترقت كلماتها عمق جرحاً من فرط مرارته تحول على إثرها لمسخ لا يعرف معنى الرحمة فصاح بصوتٍ جهوريّ :
" هقطع لسانك يا بنت همت . هدفنك حية أنتِ و كل اللي جه على ناجي الوزان في يوم.."
لم تحتمل كلماته ولا صراخه فقامت بإغلاق الهاتف في وجهه و سقطت فوق السرير خلفها وهي تنتحب بقهر جعل فرح تشفِق على حالها وذلك الابتلاء القاسي الذي على هيئة أب لم يعرف قلبه شعور الأبوة يوماً ، فاقتربت منها لتجلس بجانبها بصمت بينما مدت يدها تربت على كتفها برفق لامس قلب شيرين فهمست بنبرة محشوة بالوجع:
" شفتي بقي أنا اختارت ابقى وحشة ليه ؟ شفتي أبويا اللي مفروض يحميني برموش عينيه هو اللي رماني في النار بإيديه .."
تنهدت فرح بقوة وقالت بتأثر:
" شفت . بصراحة مش عارفة اقولك ايه؟"
التفتت شيرين وهي تقول بتوسل :
" سامحيني يا فرح .. مش هقولك مكنتش أقصد اللي عملته لا كنت قاصدة بس مكنش بمزاجي . أنا مش فاكرة اذا كنت حبيت سالم في يوم ولا لأ؟ بس أنا بلف في دايرة انتقام كبيرة مش هقولك كنت ضحيتها لا أنا كنت من جوايا عايزة انتقم من اللي طردوا أبويا و ذلوه قدام عنينا . "
لم تكن ممن يحكمون بمشاعرهم ولهذا تحدثت بعقلانية :
" بصراحة يا شيرين لو مكنتش سمعت مكالمتك معاه مكنتش هتعاطف معاكِ . يعني اللي حصل منك مش قليل . بس اللي سمعته النهاردة غير حاجات كتير جوايا.."
احنت رأسها بألم تجلي في نبرتها وهي تقول:
" أنا عارفة أن ذنوبه هتفضل طوق حوالين رقبتي العمر كله .. بس غصب عني والله . كان مزيف كل حاجة في عنيا. و للأسف مكنتش قادرة حتى احكي ولا أتكلم . مكانليش غيره . و كنت بعيد عن أمي كان صدري الحنين اللي كنت بلجأله من كل العذاب اللي بشوفه مع الزفت اللي كنت متجوزاه .. بس عارفة انا دلوقتي بسأل نفسي ليه محاولش ينقذني من العذاب دا ؟ دا مفيش مرة قالي اتطلقي منه !"
فرح بغضب من ذلك المسخ :
" علشان تفضلي محتجاه على طول و ميكونش ليكِ حد غيره .."
شيرين بقهر:
" صح .. أنا اللي حاسبت على كل حاجة .. و اتحملت كل حاجة . حتى لما يحبوا ينتقموا منه بينتقموا فيا يا فرح .."
قالت جملتها الأخيرة قبل أن تنخرط في دوامة بكاء مريرة فاقتربت منها فرح التي تأثرت بحالتها ولكن هناك هاجس قوي هاجمها بأن هناك مغزي خلف حديثها فقامت بالربت على يديها وهي تقول بطمأنة :
"اهدي يا شيرين و متخافيش . محدش هيقدر يقربلك و أنتِ وسط أهلك و عيلتك .."
أخذت تهز برأسها بأسى تجلى في نبرتها حين قالت :
" أهلي و عيلتي كفاية عليهم اللي شافوه مني . ميستاهلوش أكتر من كدا .."
صدق ظنها فهناك ما تخفيه خلف كلماتها فامتدت يد فرح تعانق يدها وهي تقول باتزان:
" شيرين لو مخبية أي حاجة قولي . أنا حسيت و احنا تحت أن حازم مهددك بحاجة و يمكن دا اللي خلاكي تسكتي و متقوليش أنه لسه عايش . اوعي تسمحي لحد أنه يبتزك . متعمليش زي ما جنة عملت فضلت مخبية سرها و اتحملت اللي ميتحملهوش بشر و في الآخر ندمت . وفري على نفسك بهدلة و عذاب أنتِ في غني عنهم .."
أخذت تزن كلمات فرح التي بعثت الراحة بين أوردتها فتجلي ما تشعر به في عينيها فضاعفت فرح جرعة الطمأنينة أكثر حين قالت :
" متتردديش يا شيرين قولي في ايه يمكن نعرف نلحق المصيبة قبل ما تقع .."
لا تعلم كيف تصيغ كلماتها فهمست بضياع:
" مش هقدر يا فرح أنا هتكسف احكي ..."
قاطعتها فرح بقوة:
" احنا بنات زي بعض هتتكسفي من ايه ؟"
زفرت ضعفها مع ذرات الهواء الذي يحرق جوفها و أخيراً استطاعت أن تخلي سبيل مخاوفها حين قالت :
" بعد ما حازم عرف أن بابا اللي ورا كل اللي حصله قرر يأمن نفسه و في يوم اتخانقت مع أحمد و روحت أريح أعصابي عند بابا و بعدين .. "
صمتت لثوانٍ قبل أن تتابع :
" حازم قعد يتوددلي و يقولي أنه جنبي و أنه أخويا و مش هيسبني و هيطلقني منه . و أنا صدقته و قالي تعالي هعملك عصير ليمون يهديكي وأنا مردتش اكسفه و شربت الليمون.."
احنت رأسها بألم وهي تسترجع ذكرياتها المريرة :
" و بعدها نمت ومحستش بحاجة . ولما صحيت لقيتني نايمة في اوضته وهو جنبي .. من.. من غير هدوم . و لما صرخت هددني أنه هيقول لبابا أني أنا اللي جيتله برجلي. "
شهقت فرح و صاحت باستنكار:
" الحيوان ..."
أضافت شيرين بقهر :
" و مش بس كدا دا كان مصورني وأنا نايمة جنبه.. والله ما عملت حاجة يا فرح . أنا فضلت محافظة على نفسي أقسم بالله عمري ما غلطت . والله ما كنت حاسة بحاجة، حتى لما جه يبتزني بعد كدا عشان يقرب مني رفضت و هددته إني هفضحه و أقول إنه لسه عايش .."
شعرت و كأن كل ذرة من كيانها تصرخ بكره ذلك الشاب الذي فاق الشيطان في حقارته و دنائته . و أشفقت على تلك المسكينة التي كانت فريسة بين أنياب ذئاب لا تعرف الرحمة فاقتربت تحتضنها بقوة وهي تقول بأسى:
" اهدي يا شيرين . الكلب دا مش هيقدر يعملك حاجة. سالم مش هيسمحله .."
انتزعت نفسها من بين ذراعي فرح وهي تقول بلهفة :
" لا يا فرح . أبوس إيدك اوعي تقولي لسالم حاجة .مش عايزة حد يعرف حاجه ارجوكي .."
فرح بترقب :
" شيرين أنتِ خايفة حد تاني اللي يعرف صح ؟"
اومأت بصمت فزفرت فرح بحنق قبل أن تطرأ على بالها فكرة فصاحت مستفهمة :
" أنتِ شفتي أي فيديو ليكِ مع الكلب دا؟"
نفت بلهفة:
لا . هو وراني صور وأنا نايمة على السرير و أنا مقدرتش أكمّل .."
فرح باتزان :
" يبقي تسمعيني .. في أسوأ الإحتمالات حتى لو حصل بينكوا حاجة يبقي اكيد هيبان في الفيديو إنك كنتِ متخدرة و مش بمزاجك زي ما جنة بردو مكنش بمزاجها و عشان كدا سليم سامحها و أنا واثقة أن طارق هيسامحك لو عرف . طارق أصلاً اوبن مايند و متربي بره و هيتفهم أن اللي حصل دا كان غصب عنك .."
شيرين بلهفة :
" تفتكري يا فرح ؟"
" افتكر اوي و دلوقتي يالا عشان ورانا مشوار مهم لازم نعمله .."
شيرين باستفهام :
" مشوار ايه ؟"
فرح بعجالة وهي تمسك بهاتفها:
" هتعرفي كل حاجه بعدين .."
لم تخمد ثورة استفهاماتها فقالت بلهفة :
" طب و هنعمل ايه مع بابا ؟ اللي هو بيقوله دا.."
قاطعتها فرح باستهجان :
" اللي هو بيقوله دا يبله و يشرب ميته . هو مفكر إننا اغبية . "
" تقصدي ايه ؟"
فرح وهي تحاول إجراء مكالمة هاتفية :
" دا فخ . بيلهينا عشان منركزش في اللي هو ناوي يعمله . "
شيرين بتعب:
" أنا مش فاهمة حاجة يا فرح .."
فرح بنفاذ صبر :
" هو مش هيكشف أوراقه قدامك كدا بصراحة . عشان عارف إنك مليون في المية مش هتعملي كدا . خصوصاً بعد ما بان وشه الحقيقي . هو يا إما بيعمل فخ لسالم يا إما بيعمل تمويه على مخططه الحقيقي .."
أنهت كلماتها حين أتاها صوت مروان على الطرف الآخر فقالت بلهفة :
" مروان جهز نفسك عشان تيجي معايا مشوار أنا و شيرين .."
مروان باستنكار:
" أنتِ و شيرين ! ايه هتمصوا دم بعض ولا ايه ؟لا أنا مش فاضي لشغل الحريم دا . احنا ممكن نفضيلكوا الجنينة اللي ورا نعملها حلبة و قطعوا شعور بعض براحتكوا.."
ابتلعت حنقها من ذلك المستفز وهي تقول من بين أسنانها :
" اخلص يا أبو لسان عايز قطعه . أنا لسه مش حاسبتك على اللي عملته قدام سالم من شوية . اتفضل جهز العربية هروح معاد الكشف بتاعي النهاردة.."
مروان بحنق :
" حاضر ياختي مفتريه زي جوزك .."
أغلق الهاتف و هو يخلع عنه هذا الشرشف بينما التفت ينظر إلى سما بحنق تجلى في نبرته حين قال :
انا قلت انك بومه محدش صدقني . شكلي هموت مجلوط بسببك يا سما الكلب..."
**************
كان ينظر إلى المكان برهبة كبيرة و خاصةً أنه لم يكن يعلم ماهي وجهته؟ و لا يجرؤ على سؤال شقيقه الذي كانت كل خلية به تضج غضباً لم يعهده منه ولكنه لم يستطيع الصمت أكثر. فقال بخفوت:
" قد كدا بقيتوا كلكوا تكرهوني يا سالم؟"
سالم بقسوة:
" دا أقصى شعور ممكن تستحقه مننا .."
قسوته كانت مريعة تشبه هذا الوضع الذي أقحم نفسه به لذا حاول أن يدير الدفة تجاهه قليلاً فقال بانكسار:
" ليه مش قادرين تفهموا أنه غصب عني و إن ناجي الكلب هو اللي نصبلي كل دا !"
سالم بجفاء:
" و هو بردو اللي قالك تهددنا بالورقة اللي زورناها عشان ننضف وساختك ؟"
حاول الإفلات من بين براثن ذنوبه قدر الإمكان :
" كانت محاولة فاشلة مني عشان افرض نفسي عليكوا كنت عايز ادخل البيت و مكنتش عارف اعمل ايه ؟ "
سالم بفظاظة:
" و اديك شفت نتيجة محاولتك الفاشلة كانت ايه ؟"
هم بالضرب على وتر يعلم مدى حساسيته :
" يرضيك اللي قالوهولي جوه دا يا سالم؟ مانا بردو ابنكوا مهما كان ؟"
تحدث بقسوة مريرة:
"كل كلمة اتقالتلك جوا أنت كنت تستحقها .. بس احنا منستحقش أخ زيك "
انقلبت لعبته و كان هو أول ضحاياها فصاح محاولاً التمسك بآخر حبال النجاة:
"انا مش وحش يا سالم .."
قاطعه بجفاء :
" فعلًا . انت مش وحش. أنت عايز تتربي . و دا غلطنا الوحيد . "
شعر بأن هناك المزيد خلف حديثه فهتف بلوعة:
" سالم .."
للمرة الثانية التي يقاطعه ولكن كانت تلك هي الأشرس فقد زمجر بقسوة :
" بس أنا المرة دي هضمن بجد إنك هتتربي يا حازم . و دي هتكون آخر فرصة ليك ."
حازم بذعر:
"تقصد ايه؟"
سالم بغموض:
" هتفهم دلوقتي .و صدقني أقسم بالله المرة دي لو متعدلتش مش هتردد اغسل عاري و اقتلك بإيدي زي ما الناس بتعمل مع بناتها لما يقعوا في الغلط .. "
كان مشغولًا بالحديث فلم يدرك ما يحدث حوله ولم يَكد يتحدث حتى تفاجئ بتوقف سالم و بلمح البصر وجد شيئاً مسنن يخترق عنقه وبعدها انعدمت الرؤية لديه و فقد كل اتصال له في الحياة..
************
" تهاني .."
هكذا صرخ عبد الحميد مناديًا على تهاني التي هرولت إليه فقال بغلظة :
" جولي لحلا إن خواتها سالم و سليم چايين عشان يزورونا النهاردة..."
جاءت كلماته تلك تزامناً مع دلوف ياسين إلى البيت فتوقف لثوانٍ يستوعب ما سمعه الآن ولكن باغتته كلمات تهاني الماكرة حين قالت:
" حاضر يا عمي .. والله مظلومة يا حلا . و ربنا راد يرچعلك حجك لحد عنديكي.."
قالت جملتها الأخيرة بعد دلوف عبد الحميد إلى غرفته ثم هرولت إلى المطبخ لتخبر الخدم حتى يُعِدّوا وليمة للضيوف القادمين و من ثم توجهت إلى حلا وهي تقول بغبطة :
" يا حلا .. حلا ."
أطلت حلا من غرفتها وهي تجيبها :
" نعم يا ماما .."
تهاني بحبور:
" خواتك سالم و سليم چايين من مصرعشان يزوروكي .. "
هللت بفرحة :
" بجد يا ماما ؟"
تهاني بمكر وهي تنظر من طرف عينيها لياسين الذي يتابع بصمت :
" بچد يا روح جلب ماما . جولت أفرحك أهلك وناسك مش مفرطين فيكِ و چايين عشان يزوروكي من آخر الدنيا .."
فطنت حلا إلى ما تقصده تهاني فقالت تجاريها:
" ربنا ما يحرمني منهم و يخليهملي دايماً في ضهري و سانديني .."
تهاني بنفس طريقتها :
" يارب يا حبيبتي.. روحي أچهزي أنتِ بجي .. و اني هروح أچهز الوكل . عايزين نعملهم عزومة تليج بيهم ."
"حبيبتي يا ماما ربنا ما يحرمني منك أبداً.."
كان يراقب ما يحدث باستهجان أطل من نبرته حين قال محادثاً نفسه :
" دول بيشقطوني لبعض ولا أنا بيتهيقلي ؟"
لم تتثنى له الفرصة للتفكير أكثر فقد خطر على باله هاجس جعل طبول الحرب تدق بصدره فأخذته أقدامه بسرعة البرق إلى الأعلى فإذا به يجدها تقف أمام الخزانة تنتقي ملابسها فتقدم منها قائلًا بخشونة :
"حلا ."
أجابته بتجهم دون أن تكلف نفسها عناء الالتفات :
" نعم.."
زمجر باستهجان:
"ايه الغتاتة دي ؟"
التفتت تناظره بجمود تجلى في نبرتها حين قالت :
"في حاجه يا دكتور؟"
استنكر ذلك اللقب الذي قلما نادته به:
"دكتور !"
ارتفع أحد حاجبيها باستفهام تجاهله و اقترب منها مغلفاً اعتذاره بعتاب لم تخطئ في فهمه:
" ينفع يا حلا اللي أنتِ عملتيه من شوية تحت؟"
فاجأته حين أقرت بذنبها بسلاسة :
"لا مينفعش عن اذنك.."
استوقفتها يداه وهو يقول بلهفة:
" ايه . ايه ؟ رايحة فين ؟احنا بنتكلم على فكرة !"
جذبت يدها من بين براثنه و واصلت تمنعها قائلة :
"مش فاضية أخواتي جايين و عايزة أجهز عشان أقابلهم .."
استنكر حديثها قائلاً :
"تجهزي عشان تقابليهم ! و ياتري هتحطي مكياج و لا هتلبسي قميص نوم ؟"
لم تجيبه فزمجر بعنف:
" أنا جوزك يا هانم. الوحيد اللي مفروض تتجهزي عشان خاطره . "
واصلت استفزازه قائلة بسلاسة:
" حاضر . في حاجة تاني ؟ "
استفزته ببرودها قاطعة عليه جميع السبل لمراضاتها فهتف باندفاع :
" اه طبعاً في .. أنا الوحيد اللي مفروض ترضيه و تسمعي كلامه ربنا أمرك بكدا "
حلا باستمتاع أخفته جيداً خلف قناع الدهشة
"وهو أنت قلت حاجة وأنا مسمعتهاش ؟"
أجابها باندفاع :
"لا .."
(ايه الغباوة دي يا ياسين ! ) هكذا عنف نفسه قبل أن يستطرد قائلاً بمراوغة كحال جميع الرجال في الهرب من أخطائهم :
"بصي من الآخر بقي أنا مش بتاع اعتذار و الكلام الفارغ دا .."
اغتاظت من حديثه فقالت ببرود :
" وأنا مش مستنيه منك أي اعتذار و عن إذنك عشان اروح أجهز. أخواتي جايين في الطريق ."
تعاظم حنقه و غيرته و صاح بانفعال:
" تاني هتقولي تجهز عشان أخواتها وأنا إيه ؟"
" العب باليه!"
لم يتوقع إجابتها المريعة تلك و صاح باندهاش:
" ايه؟ بقي أنا الدكتور ياسين عمران الوقور المحترم يتقالي العب باليه ؟"
استغلت دهشته و هرولت إلى الحمام مغلقة الباب خلفها وهي تقول بنبرة عابثة :
" دا لزوم القافية بس يا دكتور وقور .."
تجاوز صدمته وتوجه إلى الحمام يدق الباب بعنف وهو ينتوي النيل منها و من لسانها السليط بشتى الطرق فهب صارخاً :
"في واحدة تقفل الباب في وش جوزها ؟ وعلى فكرة بقي أنا ممكن أرد عليكي بنفس الوزن و القافية بس أنا متربي !"
(تفتكروا هيقولها ايه يا حلوين 😂😂
أجابته ساخرة :
"برافو والله ونعم التربية .."
زمجر بخشونة:
"افتحي الباب دا.."
عاندته بدلال:
"باخد شاور ."
رقت لهجته قليلًا وهو يقول :
"طب ما عادي جدا أنك تفتحي وأنتِ بتاخدي شاور . أنا جوزك يا هانم .."
تشدقت ساخرة:
"الناس كلها في البلد والبلاد اللي حواليها عرفت أن أنت جوزي خلاص بقي .."
تعاظم غضبه و شوقه في آن واحد فصرخ قائلاً :
"افتحي بطلي استفزاز بدل ما اكسر الباب .."
لم تريد إغضابه أكثر فهتفت قائلة :
"ياسين لو مفكر إني هحكي لأخواتي على اللي أنت عملته متقلقش بنت الوزان متربية على الأصول .."
كظم غيظه من غبائها بصعوبة فهو إن كان يخشي شيء في هذه الحياة فهو فراقها لذا صدح صوته قاسياً حين قال:
" أولاً مابخفش من حد ثانياً عارف إن سيادتك عارفة الأصول و بلاش كل شوية بنت الوزان دا محسساني أنه وسام شرف.. ناقص تعلقيه على راسك "
قال جملته الأخيرة بحنق فصرخت محذرة:
"عندك شك في كدا ؟"
"مش هفضل اتكلم من ورا الباب كدا افتحي قلت .."
فتحت الباب بغل تجلي في نبرتها حين قالت:
" نعم ."
جاءها رده الهادئ مع تلك الغمزة العابثة:
"عايز اخد شاور أنا كمان .."
غلت عروقها من وقاحته و تجاوزته وهي تقول حانقة:
" اتفضل ادخل.. سيبالك الحمام و الأوضة كلها و خارجة"
جذبتها يديه التي حملتها كعروس فامتزجت دقات قلوبهم بشغف تجلي في نبرته حين قال:
"على أساس أن أنا هسيبك تعتبي برة الباب دا أصلاً.."
تجاهلت تأثرها بوضعهم هذا وقالت بحنق:
"عايز ايه يا ياسين ؟"
احنى راية تمرده أمام عشقها وقال بنبرة شغوفة :
"عايزك تسامحيني و متزعليش مني ."
عانقت رقبته وهي تقول بدلال :
"و أيه كمان ؟"
داعب أنفها بأنفه وهو يقول بعتب :
"تبطلي رخامة و تقبليني زي مانا..."
هتفت غاضبة:
"مانتا مش قابلني زي مانا !"
همس أمام شفتيها بنبرة موقدة:
"قابلك بس ؟ دانا عاشقك يا حلا .."
أدارت وجهها الجهة الأخرى تخفي ابتسامتها الرائعة وحاولت الثبات على موقفها وهي تقول بدلال :
"بإمارة اي؟ دا انت في أول فرصة بتبيعني ولا اكني فارقة معاك أصلا ً"
شددت يديه من احتضانها و قال هامساً بجانب أذنيها:
"أنتِ أكتر حد فارق معايا في حياتي . بس أنتِ متهورة و دا ممكن يوقعنا في مشاكل احنا في غني عنها ."
قال جملته وهو يضعها فوق الأرض بينما يديه لم تفارقها فقد أراد أن تكون في أقصى انتباهها لما يقول فأجابته بتذمر:
"يعني أنت مسمعتش كلام ابن عمك ؟"
" سمعته . عشان كدا زعقتلك . "
هبت معارضة:
" ليه بقى ؟"
ياسين باتزان:
" شيفاه عامل زي الطور الهايج تقومي تقفي قدامه . افرضي كان قالك كلمة ولا علا صوته عليكي كنت هعمل أنا ايه بقي اقف اتفرج ولا اكسرله سنانه و يقولوا إنك خلتينا نقف قدام بعض ؟"
تفهمت دوافعه و مدى خطأها فأخفضت رأسها وهي تقول بخفوت. :
"مانا كان غصب عني .."
ياسين بحنو:
" بردو عارف ، وعشان كدا لازم تتحكمي في انفعالاتك شويه و اعرفي إن محدش هيتجرأ أبداً عليكي ولا على أهلك بالرغم من أي حاجه طول مانا موجود."
اومأت بتفهم :
"حاضر ."
اقترب أكثر وهو يقول بعبث:
"خلاص صافي يا لبن ؟"
تدللت قائلة:
"ماشي .."
يروق له كل شيء منها حتى أنفاسها فهمس يداعبها:
"ماشي كدا حاف ؟"
أجابته برقة :
"حليب يا قشطة .."
أظلمت عينيه و اقترب منها بينما تراجعت هي حين قال بوقاحة:
"طب عايز أدوق القشطة بقى ؟"
تدللت وهي تعطيه ظهرها قائلة بغنج :
"معلش بقى مش فاضية يا دكتور "
قادته أقدامه إلى حيث قلبه وهو يزمجر بشوق:
"يبقي تفضيلي يا بنت الوزان .."
لم تشعر بنفسها سوى وهي محمولة بين ذراعيه التي احتوتها بشغف قاتل أذاب عظامها خاصةً طريقته تلك المرة معها والتي كانت حانية شغوفة و قاسية أحياناً فقد كان يقربها منه كأنه يريد غرسها بين سياج صدره يبثها مشاعر عاتية تركت بصماتها فوق معالمها الرقيقة و جسدها اللين ولكنها لم تكترث فقد غابت معه في دوامة من السحر و الجنون الذي كان ضجيجه يدوي في أرجاء الغرفة حولهم وقد كان هذا يضاعف أشواقه التي بدت و كأنها نيراناً هوجاء لا تخمد و خاصةً وهي تبادله جنونه بشغف جعله يهمس من بين أنفاساً ثائرة:
" مجنون مين يفكر ياخدك مني ؟ أو يبعدك عني . أنتِ حتة مني مقدرش استغني عنها أبدًا "
ملست بأناملها الرقيقة شعيرات ذقنه الكثيفة وهي تقول بخفوت أشبه بالعزف :
" اوعدني إنك مش هتزعلني تاني وأنا اوعدك إن مفيش حد يقدر ياخدني منك أبداً "
لَثم موضع جنونه يرتشف منه وعدها الأخير بأن لا شيء يمكن أن يأخذه منها ثم قال بنبرة محرورة :
" دا ابتزاز صريح بس عشان الشفايف الحلوة دي اللي نطقته. اوعدك .."
كان وعداً يستحق المكافأة ولم تبخل بها فقد اقتربت ترتشف هي الأخرى وعده الرائع فأثارت فعلتها جنونه و أخرجت شياطينه من جحيم رغبته العاتية بها فانهال عليها بعشقه الجارف ينهل من شهدها حتى أسكره نبيذ رمقها و عذوبته ولكن كان لخوار جسدها رأياً آخر فتركها على مضض بينما استندت هي على صدره هانئة القلب على الرغم من آلام جسدها الهائلة ..
**************
دلف سالم إلى المنزل تزامناً مع وصول فرح هي الأخرى و التي ما إن رأته حتى توقفت قائلة بلهفة:
" جيت امتى؟"
سالم بخشونة:
" لسه دلوقتي .. عملتي ايه عند الدكتورة ؟"
التفتت تنظر إلى مروان بعتب قابله الأخير بسخط قبل أن يتوجه للداخل و كذلك فعلت شيرين فاقترب منها مستفهماً:
" قالتلك ايه؟"
فرح برقة :
" متقلقش طمنتني . ممكن نطلع فوق نتكلم شوية.."
لأول مرة بحياته كان يود الهرب منها فقال بجفاء:
" ورايا شغل كتير و مبقاش فاضل على ميعاد الطيارة غير ساعتين بس .."
اقتربت منه واضعة يدها على صدره وهي تهمس قائلة:
" يتأجل . الشغل يتأجل و الساعتين دول يبقوا من نصيبي . هتوحشني اوي.."
هل يمكنه مقاومة إغواء امرأة ملكت قلبه ذات يوم و الآن تملك كل ذرة من كيانه؟
أطاعها بصمت حين أمسكت بيده و توجهت إلى الأعلى و حين دلفوا سوياً إلى الغرفة تحدث ينوي بتر كل محاولاتها للحديث:
" فرح أنا معنديش طاقة للكلام.."
فاجأته حين اقتربت تبتلع باقي حروفه في جوفها في قبلة شغوفة بعثرت كيانه وأطاحت بثباته الذي لا ينال منه سواها ..
بادلها قبلتها الشغوفة بأقوى منها حتى أنه أطلق العنان لعشقه الضاري بامتلاكها محرراً جيوش شوقه العاتية لتتسيد لقائهم الذي كان يحوي من الشغف ما يجعل العظام تذوب و القلوب تحترق فكان هذا التشبيه الأمثل لما يحدث الاحتراق.. كان كلّاً منهما ينصهر بين أحضان الآخر يبثه كافة أنواع الشعور من بينها الألم الذي تقبلته بصدر رحب فقد كان و كأنه يشكو لها مرارة ما يشعر به فتمتصها بكل رحابة و تقبله كأنها تسكب حلاوة ريقها في جوفه فتمحي كل ما يعلق به ولا يتبقى سوى شهدها الرائع فأخذ يسحب منها حتى أنفاسها يختزن ما يكفيه حتى يعود ولكنه كان يخشى عليها من الألم فهمس من بين لهاث محموم:
" لو قسيت عليكِ نبهيني . مش عايز أتعبك ."
تساقط العسل فوق قلبه من شفاهها حين قالت:
" تعبك راحة . و قسوتك على قلبي سكر .."
لثمت بكلماتها جراحه الدامية فأخذ نفساً قوياً معبأ برائحتها العذبة قبل أن يهمس بصوت أجش :
" أنتِ راحتي في الدنيا دي . حضنك دا هو المكان الوحيد اللي بحس إني مطمن فيه .."
استرد أنفاسه الهاربة قبل أن يضيف بنبرة مُشجبة
اوعي تخذليني يافرح أنا مملكش في الدنيا غيرك .."
اقتربت تلثم جبهته بقبلة حانية اتبعتها بأخرى فوق شفاهه وهي تقول بهمس صادق :
" قلب فرح اللي مبيدقش غير ليك. اخذلك ! دا انت روح قلبي يا سالم و عمري كله فداك . "
زمجر بخشونة:
" أنتِ لو قاصدة تجننيني مش هتقولي كدا. أكلك دلوقتي ولا اعمل فيكِ ايه ؟"
همست بدلال :
" أنا من إيدك دي لإيدك دي اعمل اللي أنت عايزه .."
كلماتها أوقدت نيرانه الملتهبة و أذهبت بحسنها عقله فاجتاحها كطوفان أغرقها وغرق معها في لُجة العشق الملتهبة التي توازيها آنّاتها المستمتعة و أنفاسه المتحشرجة فلم يدع مكان حولهم إلا و جعله شاهداً على تلك الملحمة الرائعة التي لن تكفي الحروف لوصفها..
**************
"سليم.."
التفت سليم إلى جنة التي كانت تقف خلفه أمام باب غرفة الملابس فاقترب منها قائلًا بحنو:
" صحيتي امتا ؟"
جنة بخفوت:
" أول ما حسيت بيك دخلت الأوضة .."
حاوط خصرها بحنان تجلى في نبرته حين قال :
" صح النوم يا حبيبي."
لونت ثغرها ابتسامة هادئة قبل أن تقول باهتمام :
" عامل ايه دلوقتي ؟"
سليم بخشونة:
" لما شفتك بقيت أحسن .."
اومأت برأسها قبل أن تقول بلوّعة:
" احنا مش مكتوبلنا نرتاح بقى ؟"
زفر بقوة قبل أن يقترب مُلثماً خدها برقَّة تجلت في نبرته حين قال :
"بالنسبالي حضنك هو راحتي .."
همست بلوّعة :
" خايفه بعد كدا ميبقاش كافي يا سليم ؟"
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
" ليه بتقولي كدا ؟"
جنة بألم :
" هتخسر أخوك عشاني؟"
" أنا خسرته من زمان و دا مالوش علاقة بيكِ .."
هكذا تحدث بجفاء فصاحت متألمة :
" غلط . أنت عيطت النهاردة عشانه . دا أخوك و أنت عمرك ما تخسره يا سليم . هيفضل جواك معزّة ليه مهما حصل .."
تمالك نفسه بصعوبة و قال بقسوة:
" ايوا يعني أنتِ عايزة ايه دلوقتي ؟"
تزاحمت العبرات بمقلتيها قبل أن تقول بشفاه مرتجفة :
" خايفة اخسرك .. "
غرسها بداخل أحضانه بكل ما أوتي من قوة تجلت في نبرته حين قال:
" مفيش حاجة في الدنيا دي هتخليني اخسرك . حتى لو أنتِ نفسك حاولتي تبعديني مش هتعرفي . "
همست بلوّعة:
" سليم .."
قاطعها قائلًا بنبرة محرورة :
" عارفة سليم عايز يعمل ايه دلوقتي ؟"
استفهمت قائلة :
" ايه ؟"
سليم بوقاحة:
" عايز يعضك .."
شهقت مستنكرة :
" ايه ؟"
" اه والله . عايز يعض لسانك اللي بيقول حاجات ملهاش أساس من الصحة دا .."
اغتاظت من وقاحته و قالت بتذمر :
" أنت قليل الأدب .."
مارست يديه فنون العبث على ظهرها وهو يقول بوقاحة :
" حلو إنك فكرتيني بقلة الأدب . تعالي بقي أقولك .."
قال جملته وهو يقترب منها ليهوي على ثغرها بقبلة جامحة يمتص حلاوة نبيذها مع أفكارها السوداء و يؤكد عشقه بالأفعال أكثر حتى يُنقّي قلبها من كل مخاوفه و بينما كان منغمسًا في بحور الهوى معها كانت يديه تحنو على خصلاتها تارة و تقسو تارة و كذلك شفاهه التي تركت بصماتها بكل إنش من جسدها البض فتناست كل شيء حولها فقط ذلك الرجل الذي كان قربه دواء لكل هواجسها و ندوبها فنحت خجلها جانباً و بادلته جموحه فأصابته لعنة الهوس بها فلم يسلم أي شيء حولهم من تلك المعركة الحامية و التي ختمها قائلًا بنبرة مدججة بلهيب الصبوة:
" خايفة تخسريني . دا أنا أموت ولا أبعد عنك لحظة واحدة .."
هتفت بلهفة و بصدر يعلو و يهبط من فرط التأثر :
" بعد الشر عنك .."
انساب عشقه من بين زئير قوي لامس أوتار صدرها:
" أنتِ حقي من الدنيا دي و أنا مش بسيب حقي ولا بفرط فيه."
شاركته شغفه قائلة بجرأة :
" ولا أنا هسمحلك تبعد عني خطوة واحدة أبداً .."
إن كان العشق يقتل فقد كانت هي أول شهدائه و إن كانت لجدران الغرفة صوت لصرخت تعزف سيمفونية رائعة عن ثنائي العشق الرائع الذي لا يصمد أي شيء أمامه و لا يجرؤ عائق على التصدي له
*****************
كان يعمل علي حاسوبه فإذا به يجد رسالة تصل إلي أيميله الشخصي فحين فتحها توقفت الأنفاس بصدره و برقت عينيه من شدة زهولها حين رأى ....
يتبع...
يا حلوين كل سنه و انتوا طيبين البارت اتأخر بس فرط مني عدي ال ٧٠٠٠ كلمة كنت حباه يكون كبير و دسم بالنسبالكوا و راضيتكوا اهو حب و رومانسية و دلع 😂😂
راضوني انتوا بقي بتفاعل قمر زيكوا ♥️
أن شاء الله نكمل بعد رمضان كل سنه و انتوا طيبين و منورين حياتي ♥️♥️
رمضان كريم علينا كلنا ♥️🌙
متنسونيش من دعاكوا ♥️♥️
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الثامن وستون 68 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الأنشودة السابعة 💗🎼
لم يكُن الأمر عادلًا أبدًا حين يتعلق أي شيء بك . تتبدل فيزيائية الأمور و تنحاز المُعطيات و الدوافع و المُبررات وفق إرادتك و إن خالفت كل حدود المنطق ، يختل ميزان النظريات العلمية فلا يعُد لكُل فعل رد فعل بل لفعلك أنتِ ما يُناسبه و يليق بك . حتى و إن خرق ذلك مقاليد الكون والطبيعة ف رُوَاء أنفاسك يُكمم كل هتافات و احتجاجات العقل الذي أسلم رأيته هو الآخر أمام إغواء حضورك ..
فبات كل شئ يتهاون معك رُغمًا عني و عن إرادتي فلم يعُد بُد من الانهزام و ما أشهاه بين حنايا صدرك..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تلاحقت الأنفاس بصدره وهو يرى تلك الصور التي تروي حقارة ذئب لم يتوانى عن نهش أعراض الغيد و هتك سترهن و المُشين أن هذا الذئب ينتمي إلى عائلتهم و يحمل نفس دمائهم ..
زفر طارق بحرقة وهو يُغلِق الحاسوب بينما عروقه تتدافع بها الدماء حتى أوشكت على خرق جلده الخشن فما يحدُث ليس بالهين عليهم وهم رجال فما بالك بتلك الذبيحة التي تم عقد قرانها اليوم على يد قاتلها ؟!
نصب عودة متوجهًا إلى الأسفل فتقابل مع مروان الذي كانت حالته لا تُبشر بالخير هو الآخر فتخاطرت العقول بصمت لثوان قطعه مروان الذي قال بقسوة
_ بدل شكلك كدا يبقى وصلك اللي وصلي..
طارق بحنق
_ و أكيد وصل للكل . متعرفش سالم فين ؟
_ مفروض ينزل في خلال عشر دقايق عشان هيمر على الحاجة أمينة قبل السفر .
زفر حانقًا قبل أن يزأر بنفاذ صبر
_ و الحل ؟ دا بيقولهالنا صريحة اللي بتبنوه من ناحيه ههده انا من الناحية التانيه .
لم يكد مروان يتحدث حتى سمع صوت سالم الخشن وهو يقول
_ مين دا اللي بيهد اللي بنبنيه يا طارق ؟
التفت الأخوان إلى سالم و من خلفه سليم فقال طارق بمراوغة حين التقمت عينيه ظهور كُلًا من جنة و فرح أعلى الدرج و من خلفهم ظهرت شيرين
_ متشغلش بالك شوية مشاكل في الفرع في ألمانيا. هتسافروا امتى ؟
فطن سالم إلى محاولة طارق إخفاء الأمر فألقى نظرة خاطفة على ساعته قبل أن يقول باختصار
_ دلوقتي.
تخطاهم جميعًا إلى غرفة المكتب في أمر صامت حتى يتبعه الجميع و قد كان هذا ما حدث و ما هي إلا ثوان حتى هب سليم من مقعده وهو يصيح كأسد جريح
_ الله يلعنك يا كلب .. وصلت أنه يصورهم بالطريقة دي ؟
اندفع طارق هو الآخر مُضيفًا
_ انا معرفش البني آدم دا جنسه أيه ؟ معندوش ذرة إحساس واحدة !
تشدق مروان ساخرًا
_ على الرغم من أن كل خلفته بنات إلا أنه قذر و ميهموش لو حد فيهم اتأذى !
أوقف سالم سيل صيحاتهم حين قال بجفاء
_ لا يهمه ! و يهمه أوي كمان . احنا بس اللي كنا بنلاعبه غلط !
سليم بتهكم غاضب
_ يعني كنا نأذيه في بناته يا سالم ! دول لحمنا و دمنا..
أضاف طارق بنبرة محرورة
_ لا طبعًا دا دول بناتنا احنا وهو مالوش فيهم حاجه .
ضاق ذرعًا من صياحهم فقال بنبرة صارمة
_ ناجي ميهموش با شيرين ولا سما . ولا يفرقوله بتكلم عن حد تاني خالص ..
انكمشت ملامح الجميع بحيرة قطعها صوته الباتر حين قال
_ إيلينا رودريجز . بنته من مراته الإيطالية !
خيمت الدهشة على ملامح الجميع فكان أول من قطعها صوت سليم المُستفهم
_ بتقول ايه يا سالم ناجي عنده بنت واحنا معرفش !
تولى مروان الإجابة بدلاً عنه
_ بنت عندها خمستاشر سنة عرف أمها في بار و دخل في علاقة معاها و على الرغم أنه مكنش عايز يخلف و شدد عليها دا إلا أنها خلفت و جابت البنت دي و الغريبة أنه حبها و اتعلق بيها لدرجة أنه مخبيها عن كل العيون و حتى منسبهاش لنفسه دا نسبها لأهل أمها عشان محدش يعرف انها بنته .
مزق طارق ثوب الذهول و قال بسخط
_ طبعًا لازم يعمل كدا اسمه لوحده وصمة عار في تاريخها ..
استفهم سليم قائلًا
_ عرفتوا كل دا امتى؟
اجابه سالم بفظاظة
_ النهاردة الصبح . من خلال مراقبتنا له لاحظنا ظهوره واختفائه الغير مُبرر و بدأنا نمسك الخيوط واحدة واحدة لحد ما اتأكدنا ..
لم يصل لمرحلة الثقة الكاملة فأضاف سليم باستفهام
_ وايه عرفك انه خايف عليها اوي كدا ؟ دا كان هيموت بنته بإيده. ما يمكن هيستغلها زي ما عمل مع شيرين !
تولى مروان الإجابة قائلًا
_ تفتكر واحد يسافر من كل بلد و يدخل كذا بيت و يلبس لبس زبال عشان بس يروح يشوف بنته يبقى مابيحبهاش . و بعدين بالرغم من أنه كان بيستغل شيرين إلا أنه عمره ما فكر يحميها ولا حتى يخاف عليها ..
اسودت عيني طارق و ازدادت قتامتها حين قال بقسوة
_ دي حقيقة . دا كان بيرميها في النار بإيديه ..
لاحظ سالم تبدل معالم طارق و حديثه الذي يقطُر غضبًا فقال بلهجة جافة
_ اللي على وشك دا مش عايز اشوفه . الغضب مش هينفعنا أبدًا في المرحلة دي . بالعكس هيضرنا .
طارق بحنق
_ متلومش عليا يا سالم
_ مبلومش يا طارق بنبهك . احنا دلوقتي في حرب باردة معاه عايزة أعصاب من حديد و عقل شغال و واعي يعرف يتصرف صح . فهمتني !
همس باختصار
_ فهمت .
أضاف سالم بجفاء
_ لو سيبنا نفسنا للغضب هنتشتت و هنغلط و الغلطة بحساب . مفهوم ؟
اجابه الجميع بالموافقة على حديثه فنصب عوده يغلق أزرار بذلته وهو يقول باختصار
_ مش هوصيك يا طارق انت و مروان و متقلقوش مش هتأخر هناك .
مروان بحنق
_ بصراحة يا سالم كنت عايز نروح معاك افرض حد من الحوش دول قال كلمه كدا ولا كدا لازم يشوفونا كلنا مع بعض و يعرفوا أن محدش يقدر ييجي علينا و أن ظهور حازم ميهزناش ابدا
سالم بخشونة
_ الزيارة دي إثبات حالة مش استعراض عضلات . هما فاهمين كويس اوي أن مفيش حاجه تهزنا. و ان محدش له حق عندنا .
أنهى سالم النقاش و توجه للخارج فوجد فرح عند مدخل القصر الداخلي فجذبتها ذراعيه تطوق خصرها وعينيه تأسرانها بنظرة خاصة يليها همسه الخشن
_ خلي بالك من نفسك .
همست بعذوبة
_ وحشتني من قبل ما تسافر
زينت شفتيه ابتسامة خطرة كنبرته حين قال
_ الإغراء دا جاي في اكتر توقيت غلط ..
همست بتحسر مفتعل
_ اغراء ايه بقى هو أنت بيأثر فيك حاجة !
نقشت أنامله لحنًا مُغريًا على خصرها الممشوق بينما همست شفتيه بنبرة موقدة
_ مبيأثرش فيا غيرك و مستعد اسيب كل حاجه و أثبتلك دلوقتي بس متجبيش ورا .
غافلتها ضحكة صاخبة لها وقع السحر على قلبه الذي فاقت دقاته حدود المعقول تأثرًا بقُربها فأضاف بنبرة شبه آمرة
_ تعالي معايا !
همست بذهول
_ آجي معاك فين ؟
أجابها بلهجة لا تقبل الجدال
_ هاخدك معايا البلد .
_ سالم بتقول ايه ؟
بتر استفهامها بتعويذة سحرية ألجمت جميع حواسها
_ بقولك مش هقدر ابعد عنك لحظة واحدة . و هتسافري معايا يا فرح .
تأجج قلبها من فرط تأثرها و انحبست الأنفاس بصدرها لسويعات لم تسعفها الكلمات لإجابته فتابع هجومه الساحق حين قال بخشونة
_ سكوتك دا خطر مش عايز اتهور يا بنت الناس في هيبة هتضيع بسببك ..
لا تعلم ماذا دهاها ولكنها همست بخفوت
_ سالم شيلني ..
أطاعها على الفور ليحملها برفق يُنافي قوة تمسكه بها وقد تبدلت نظراته إلى أخرى مُرتعبة
_ تعبانه ولا ايه ؟
تفاجئ حين احتضنته واضعه رأسها فوق صدره و يديها تطوقه بقوة لم يعهدها مُسبقًا و كعادتها تُفاجئه بل و تُدهشه بكُل ما فيها حين همست بجانب صدغه الأيمن
_ ماهو انا لو نفذت اللي قلبي قالي عليه مكنتش هقدر ابص في عيونهم بعد كدا . يبقى اترمي في حضنك انا و قلبي اللي مبقاش عارف يعشقك اكتر من كدا ايه !
لم يُزيد على حديثها بكلمات واهيه لا تفلح في سرد نيران هوجاء تعصف بجنبات صدره فقام بالتوجه إلى السيارة ليضعها بجانبه و احكم ربط حزام الأمان على خصرها الذي تلمسته أنامله بشغف تجلى في نبرته حين قال بجانب أذنيها
_ النهاردة لينا قاعدة طويلة انا و هو عايز اعرف كل اللي مستخبي جواه ..
يعدها بالجنة و هي التي تهفو إلى نسمات هواء قد تحمل أنفاسه العطرة ولكن كحالها دائمًا متمردة تتمنع فتضفي لهيبًا براق على كل شئ يُحيط بهم
_ سالم اعقل احنا رايحين عند اهلي و البلد مينفعش ...
كان مُستمتعًا لأقصى درجة بكل أفعالها و خاصةً ذلك التمرد الذي يجعلها كنيران حارقة تُذيبه و تثير به أقصى درجات الاشتهاء لذا قال بغطرسة تتناسب مع تمردها
_ مفيش حاجه متنفعش مع سالم الوزان .
همسات بغنج يغلفه التهكم
_ اه من سالم الوزان و غروره اللي مالوش حد ..
شملتها عينيه بنظرات متوعدة أشعلت حمية العشق بقلبها وفجأة صدح صوت جهوري أخرجها من لجة بحرها الهائج
_ ايه دا يا كبير انت واخد الست دي و رايح على فين ؟
اربتسم الجمود على ملامحه وهو يُناظر مروان من نافذة السيارة و قبل أن يجيبه تدخلت فرح التي قالت باستهجان
_ ست مين دي يا أبو لسانين أنت ماليش اسم ولا ايه ؟
مروان بتهكم
_ و مالك فخورة كدا ليه اسمك ماهيتاب يعني ؟ اسمك فرح ..
بكل ما تمتلك من غرور أجابته
_ اسمي فرح الوزان ... سمعت ولا مسمعتش .
كانت تنطق حروف اسمها وهي تُشدد على انتمائها له بطريقة أرضت غروره و عززت من نيرانه التي لم تكن هادئة مُسبقًا فالتفت يُناظرها فوجدها تحدج مروان بنظرة مُتشفية قابلها الأخيرة بصياح
_ ايوا بقى استغلال نفوذ و كدا . بتتلزقي في الكبير . ايه رأيك في الكلام دا يا بوص ؟
كان صياحه يُفسد الأجواء حولهم لذا قال بفظاظة
_ اوعى من قدام العربية ..
مروان بصدمة
_ ايه اوعى دي ؟ انت بتنصرها عليا يا كبير ؟
صاحت فرح بسخط
_ ينصر مين يا ابني هو في مقارنة اصلًا بينا ؟
مروان بغرور
_ انا صديقه وكاتم أسراره
فرح بتشفي
_ دا كان زمان .. يا مُره ..
لم يستطيع قمع ضحكاته على ذلك اللقب و تبدل ملامح مروان الذي ما أن رأى ضحكته حتى صاح باعتراض
_ بتضحك يا كبير . عجبتك اوي ؟
سالم بخشونة
_ انا مش فاضي للعب العيال دا .
مروان بسخرية
_ طبعًا معطلاك عن مصالحك انا عارف الحريم مبيجيش من وراهم غير وجع القلب ..
سالم بتهكم
_ طب بمناسبة الحريم لو اللي حصل النهاردة تتكرر تاني هتزعل مني .
مروان بتساؤل
_ تقصد ايه مش فاهم ؟
سالم بجفاء
_ متقربش من سما تاني يا مروان . و بطل شغل الجنان بتاعك دا
امتقع وجه مروان وقال بصدمة
_ مين ابن الجزمة اللي فتن عليا ؟ و بعدين ماهي مراتي يا كبير ..
سالم بجفاء
_ مراتك لما تتجوزوا و اسمعها منها أنها موافقة تكمل معاك . و قبلها موافقة عمتك .
مروان بتحسر
_ عمتي ! يبقى الجوازة باظت . طب دي كارهه الرجالة و الجواز و الدنيا تغرزني جنبها ليه ؟
_ عشان انت راجل و قدها . اعمل اللي قولتلك عليه
التقمت عينيه شيئًا في الخلف فألقى على مروان نظرة ذات مغزى فهمها الأخير على الفور فتراجع إلى الخلف ليُفسح لهم المجال للمرور ..
*************
_ جهزتي حاجات محمود ؟
كان هذا استفهام سليم وهو يناظر جميلته وهي تتأنق و ترتدي ذلك العقد الماسي الذي أهداه لها يوم زفافهم و كان مصيره الإلقاء بإهمال في أحد الأدراج ولكنها اليوم ترتديه و كأنها تخبره و كل من يراها انها زوجته و تفخر بذلك الشئ و خاصةً وهم بصدد التوجه إلى عائلتها فكان هذا إعلان صامت بأنها هانئة تحيا حياة رغيدة في كنفه و قد اسعدته فعلتها للغاية
_ جهزتها و كل حاجه تمام التمام .
مال عليها يلثم خدها برقة قبل أن يجيب بغزل أخجلها
_ مفيش حاجه هنا تمام التمام غيرك .
تراجعت للخلف خجلة من افعاله وحديثه
_ سليم عيب احنا مش في أوضتنا حد يشوفنا
اوقفتها يديه عن التراجع عنه و اعتقل خصرها يحثها على السير قائلًا بوقاحة
_ طب ايه رأيك بقى اني هاجي قدامهم كلهم و ابوسك و خلي حد يفتح بقه .
تعلم أنه يشاكسها ولكنه خجلت رغمًا عنها فهبت باعتراض
_ بطل قلة أدب والله اخاصمك
انتقال يديه تحاط أناملها حتى انسابت بين تجاويف انامله وهو يتابع شن هجومه على ثباتها
_ أنا موافق خاصميني و قدامنا ساعتين في الطيارة اصالحك فيهم على أقل من مهلي .
جنة بمزاج
_ على أساس أن سالم هيسكتلك
قهقه بشدة قبل أن يقول بعبث
_ اقطع دراعي أن ما كان هو كمان عمال يصالح في فرح ..
كان حديثه مُخجل بالنسبة إليها فاكتفت بلكزة في كتفه وهي تتوجه لتأخذ طفلها من همت التي قالت بحنو
_ عايزة اقولك سبيه معايا عشان ميتعبش من السفر بس أكيد اهلك نفسهم يشوفوه ..
جنة برقة
_ كفاية يا عمتو دا اكيد تعبك الفترة اللي سبته معاكِ فيها.
همت بلهفة
_ والله يا بنتي أبدًا دا زي النسمة ربنا يباركلك فيه .
كان الأمر مُريح إليه كثيرًا فقد عادت عمته رقيقة القلب التي تربى بين ذراعيها فاقترب يضع قبلة حنونه فوق مقدمة جبهتها وهو يقول بحب
_ ربنا ما يحرمنا منك يا عمتي ..
كلماته رفعتها إلى أعالي السماء فقد كانت تحاول بكل ما تملك أن تُكفر عن سيئاتها ولا تعلم كيف انقادت خلف شياطينها في لحظة غباء فاغرورقت عينيها بالدموع التي ارفقتها بابتسامة مُمتنة وهي تودعهم للخارج
_ واخد علبة الكانز بتاعتك و ماشي كده من غير ما تسلم . صحيح مين لقى أحبابه نسي أصحابه . عيلة واطية ..
لم يغضب تلك المرة من مُزاح مروان ولكنه بادله سخريته قائلًا
_ سالم شكله نفضلك و جاي تروق علينا معلش يا مارو هي الكيميا كدا غدارة .
ارتسم الامتعاض على ملامح مروان الذي قال بسماجة
_ اضحك يعني ولا ايه ؟ مين قالك تهزر ؟ حد اتهطل في دماغه وقالك أن دمك خفيف . مش كفاية متحملين قرعتك هنتحمل تُقل دمك كمان !
اغتاظت سليم واوشك على لكمه فأوقفته يد جنة التي امتدت تحيط بكفه و هي تقول بثقة
_ انا قولتله أن دمه خفيف و زي العسل . و قرعته دي محلياه و مخلياه قمر ..
و امتدت يديها برقه تلامس ملامح وجهه و خصلاته التي بدأت بالنمو فصاح مروان باستهجان
_ قمر ! دا قمر من انهي اتجاه . و بعدين دلوقتي بقى حبيب القلب و قلبتي على مارو .
تبدلت لهجته إلى العتب حين قال
_ خلاص نسيت يا غالي سهر الليالي و الوعود ..
صراخ سليم غاضبًا
_ ليالي ايه و وعود ايه يا بغل انت !
سرعان ما جن جنونه حين تفاجئ بها وهي تقول بعتب
_ مش انت اللي بدأت و قولت عليا علبة كانز !
تجاهله مروان وهو يقول بصوت خفيض قاصدًا اغاظته
_ يا بنتي دانا بشيل عنك العين وانت حلو و قمر كدا...
قاطعه كلماته شهقة قويه خرجت من جوفه حين وجد ذلك العقد الماسي فصرخ مُهللًا
_ ايه دا ؟؟؟ عقد ألماس .. يا نهارك ازرق بتضيع ثروة العيلة على النسوان والله لهقول للكبير ..
انهى كلماته و هرول من أمام سليم الذي كان على وشك سفك دمائه في تلك اللحظة و لكنه تسمر بمكانه من تبدُل حالة ذلك المجنون و أيضًا تلك الضحكات الرائعة التي اندلعت من جوفها على ما حدث فالتفت يقول بهسيس
_ أنتِ بتضحكي على ايه ؟
تحدثت من بين قهقهاتها
_ مروان دا مسخرة اقسم بالله . اول ما حس أنك هتخلص عليه عرف يضحك عليك و خلع .
تبدلت نظراته فبدت مُخيفة وهو يتقدم نحوها فتراجعت بخوف تجلى في نبرتها حين قالت
_ ايه يا سليم في ايه ؟
هسهس بخشونة
_ بقى أنتِ و الحيوان دا بتشقطوني لبعض ؟ و عمالين تتعاتبوا قدامي ؟ و كمان عماله تضحكي على عمايله فيا ؟
احتمت بمحمود في أحضانها وهي تقول برقة علها تؤثر به
_ انا بهزر والله . و بعدين دا مارو يعني ..
_ مارو ! ايه مارو دا ان شاء الله يا ست هانم ؟ دا واضح انك فايتك كتير عشان تتعلميه ..
كانت يتحدث بغضب يتنافى مع ذلك الوميض بعينيه والذي جعلها تقول برقة أذابته
_ علمني طيب .
جاءت رقتها بنتائجها المرجوة حين اعتقل خصرها بينه و بين الحائط خلفها وهو يقول بهمس
_ قربي طيب عشان اعلمك .
همست بدلال
_ علمني من بعيد
_ لا طبعًا لازم اقرب عشان اكون دقيق . و تتعلمي من اول مرة .
كان قد اقترب حتى لفحت أنفاسها الدافئة وجهه فجاء همسها مُثيرًا حين قالت
_ ولو طلعت تلميذه خايبه !
هسهس بنعومة اذابتها
_ هعيد مرة و اتنين و تلاته و عشرة . هو احنا ورانا حاجه ..
فجأة صدح صوت من أعلى الدرج جمدهم بمكانهم
_ الله يخربيتك انت بتعمل ايه ؟ بتتغرغر بالبت عيني عينك كدا . طب احترم الطفل البرئ اللي بينكوا هتخدشوا حيائه يخربيتكوا..
هذه المرة جن جنونه بالكامل فاندفع في طريقه إلى الأعلى و هو يقول بصوت أرعد الجميع بمكانهم
_ وديني لهطلع عين أهلك النهاردة
صرخت جنه التي نجحت في جذب يديه
_ رايح فين يا مجنون قدامنا سفر .
احتمى مروان بغرفته قبل أن يقول
_ بقولك ايه ابقى قول للكبير أن الفار دخل المصيدة .
استفهمت جنة
_ فار ايه و مصيدة ايه ؟
صاح مروان قبل أن يغلق باب غرفته
_ مش مهم تفهمي قولي لظلبطه يبقى يقوله حبسنا الطيور بيتك بيتك و هو هيفهم .
توقف للحظات لا يدري ماذا يفعل قبل أن تمتد يد جنة تحتضن وجهه خشية أن يصاب بأزمة قلبية إثر أفعال ذلك المجنون
_ سليم يا حبيبي . يلا ورانا سفر . دا معتوه سيبك منه ..
أخيرًا انصاع سليم خلفها بعد أن يأس من أفعال ذلك المعتوه كما وصفته ..
**********
_ ادخلها لوحدك وانا هستناك بره .
هكذا همست وهي تقف معه على أعتاب غرفة العناية المُركزة بالمشفى التي ترقد بها أمينة فاومأ برأسه ليبتسم بامتنان على تفهمها لما يحدُث ثم خطى إلى داخل الغرفة وهو يحصي خطواته كي لا يقلق راحتها ولكنها ما أن شعرت بوجوده حتى فتحت عينيها تناظره بحزن يشوبه العتب فاقترب يُلثم كفها بعذوبة انسابت من بين شفتيه على هيئة كلمات
_ ست الكل . عامله ايه ؟
_ بقيت كويسه لما شفتك .
همسها الخافت يؤلمه ولكنه تجاهل ذلك قائلًا
_ هتبقي كويسه أحسن و أحسن لما تنوري بيتك و تستعدي للوزان الصغير اللي جاي في الطريق .
همست بألم
_ تفتكر هعيش لليوم دا يا سالم ؟
_ هتعيشي بإذن الله و هتفرحي بيه و تجوزيه كمان .
أنتِ جدعة يا حاجه أمينة مش شويه تعب دول اللي يأثروا فيكِ
كلماته حركت رماد الحزن بعيونها التي اغرورقت بالعبارات فهمست بحزن
_ قلبي مبقاش متحمل يا سالم . خيبة الأمل وحشة يا ابني ربنا ما يكتبها لا عليكوا ولا على حد .
نحى مشاعره جانباً قبل أن يقول بتعقل
_ لسه الوقت مفاتش عشان نصحح غلط امبارح يا حاجه . و خيبة الأمل دي ربنا قادر يبدلها . و لا تقنطوا من رحمة الله أنتِ ست مؤمنه . بلاش شيطانك يتمكن منك
_ خايفه يا ابني . و مش عارفه هتتحل ازاي ؟
سالم بنبرة قوية مُطمأنه
_ اتحلت . متقلقيش .
أمينة بكمد
_ ما احنا حلينا اللي قبلها و بعدين ؟ حصل ايه ؟ البذرة فاسدة يا سالم .
هطلت عبراتها بغزارة فهدهدتها يديه كطفل صغير قبل أن يقوم بوضع قبلة دافئة فوق جبهتها وهو يقول بنبرة لا تقبل الجدال
_ هتتعدل يا حاجه . وعد من سالم الوزان هربيه من اول وجديد و هخليه راجل غصب عن عينه . لو كانت دي آخر حاجه هعملها قبل ما أموت .
تدفقت جرعات الأمان التي بثتها كلماته الى قلبها فأسكنت وجعه قليلًا فقالت بامتنان
_ بعد الشر عنك من اي شر يا ضنايا . ربنا يعينك .
كان هناك إستفهام يلوح بآفاق عينيها فأجابه على الفور
_ انا رايح دلوقتي الصعيد عند حلا . و هطمنها عليكِ و هطمنك عليها و احتمال كبير اجيبها هي وجوزها هنا يزوروكِ اهم حاجه لما ارجع الاقيكِ منورة بيتك .
لون الفرح تجاعيد وجهها الذي أشرق بفعل كلماته العذبة فامتدت يديها الضعيفة تعانق وجهه لتقربه منها و تزين جبهته بعطر رضاها عنه ذلك البار الذي كان ولايزال أكثر ما تفخر به في حياتها .
***********
بعد عدة ساعات كان الجميع في مقعده في الطائرة التي ستُقلهم إلى محافظة المنيا و قد كانت عينيه لا تُبارح تلك التي تستلقي بسكينه تجاوره في المقعد و في القلب أيضًا يشعر بالذنب الذي يعبث بطيات قلبه كونه جلبها معهم في هذه السفرة التي قد تُرهقها وهي في شهور حملها الوسطى ولكنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن اطمأن من طبيبتها أن الأمور طبيعية و على الرغم من ذلك هناك نغز لا يتوقف بداخله خوفًا عليها فقلبه بات مُمزقًا بين اشتهائه لوجودها بجانبه و بين خوفه عليها أي لعنة قد ألقتها عليه تلك المرأة لتجعله يتخبط بتلك الطريقة ؟
_ ارتاح يا حبيبي انا كويسة .
ازدانت شفتيه بابتسامة خافته قبل أن يُضيف هامسًا بجانب أذنها
_ و هو بعد حبيبي دي في راحة !
همست تشاكسه
_ انت بتتلكك بقى
_ هتصدقي لو قولتلك اه .
حلاوة غزله بها لها وقعًا مُميزًا يجعل ابتسامة خاصة ترتسم على شفتيها فتزيد من عذابه وولعه بها و خاصةً حين اتبعتها قائلة
_ لا و كمان بقيت تعترف بسهولة . دا ايه الهنا اللي انا فيه دا ؟
مازحها قائلًا
_ قومي بالسلامة بس عشان نشوف موضوع الاعترافات دا و اقدر اقررك بطريقتي .
_ قلبي مش مرتاحلك
التفت ناظرًا أمامه وهو يقول بوعيد
_ حقه !
بعد وقت ليس بقليل كان الجميع يترجل من السيارة أمام منزل عائلة عمران و كان الجميع في انتظارهم و على رأسهم عبد الحميد الذي تحدث بوقار وهو يصافح سالم
_ خطوة عزيزة يا سالم بيه . نورتونا بزيارتكوا الغاليه
سالم بنفس نبرته
_ نيرة بأهلها يا حاج عبد الحميد . و بعدين اشتقنا لأهلنا قولنا نيجي نزورهم
_ طبعا طبعا يا راچل احنا اهل و حبايب بس مكنش فيه لزوم تكلف نفسك كل الحاچات دي .
كان يُشير إلى تلك الزيارة الهائلة التي جلبها معه وفقًا لعادات اهلهم و أيضًا ليُزيد من قدر شقيقته أمامهم لذا قال بلهجة ودودة
_ مفيش تعب ولا حاجه يا حاج ميجيش من بعد خيرك .
كان داخله مُمتنًا لتلك الزيارة كثيرًا و لطريقة سالم في حل الأمور لذا ابتسم ببشاشة ثم توجه لمصافحة سليم قائلًا بقوة
_ الغالي چوز الغاليه والله اتوحشناك يا سليم .
تفاجئ الجميع من بادرة سليم الذي اقترب يعانقه وهو يقول بود حقيقي
_ وانتوا وحشتونا يا حاج عبد الحميد و جنة أصرت نيجي عشان نزوركم..
أومأ عبد الحميد بحبور و توالت السلامات لتنتهي عند مفترق الوحوش الذان كانا يتبادلان السلامات بنظرات متوعدة ختمها عمار حين قال بصوت خفيض بجانب إذن سالم
_ عايزك في المكان اللي اتجابلنا فيه جبل سابج ..
ابتسم سالم ساخرًا قبل أن يُجيبه
_ ما بلاش المكان دا في ذكريات مش ولا بد .
تعاظم الحنق بداخله و تبلور في عينيه ولكن يد سالم التي ربتت على كتفه فاجأته و كذلك حديثه حين قال
_ عمومًا انا عارف انت عايزني في ايه و متقلقش .
رغمًا عنه تبدلت معالم وجهه إلى الترقب و اللهفة التي سرعان ما أخفاها جيدًا قبل أن يقول بلهجة خشنة يشوبها الغرور
_ مش جلجان . اني باخد اللي رايده ولو من خشم السبع ..
ابتسم سالم على جملته و قد ارتاح لإصراره كثيرًا فتجاهل ثقته المزعومة قائلًا
_ تعجبني . بس متنساش أنه مش سبع واحد . دول كتير . خليك ذكي عشان تكسب ..
في الداخل ما أن رأت حلا قدوم كلًا من فرح و جنة حتى اندفعت لا إراديًا لمعانقة الأخيرة وسط شهقات لم تفلح في قمعها فأخذت جنة تربت على كتفها في محاولة لتهدئتها و استغرق الأمر عدة دقائق لتهدأ حلا التي ما أن رفعت رأسها حتى همست بخزي
_ أنا اسفه يا جنة.
تلك المرة ارتفعت يد فرح لتربت على كتفيها قائلة
_ خلاص يا حلا . مالوش لازمة الكلام دا .
_ انا عايزة اقول كلام كتير يا فرح بس مش عارفة اقول ايه ولا ابتدي منين بس انا بجد أسفة . ياريت في أيدي حاجه غير كدا اقولها .
امتدت يد جنة تكفكف عبراتها قبل أن تقول بحنو
_ متقوليش حاجه يا حلا اللي حصل دا مش ذنب حد و بعدين دا قدري و ربنا راضاني بمحمود و سليم ..
عند ذكر الطفل اقتربت تهاني التي كانت تحمله لتضعه بين احضان حلا وهي تقول بقوة مفتعلة
_ خدي حطتيه في حضنك و شمي ريحته الحلوة ياكش تچبيلي واد عسل أكده زيه ..
ابتسمت حلا و قامت باحتوائه بين أحضانها وهي توزع قبلاتها على معالم وجهه الجميل وتوزع نظراتها المُمتنة للشقيقتين بينما كان الرجال في الداخل يتحدثون في أمور شتى إلى أن بادر سليم بالسؤال
_ حلا عامله ايه ؟ عايز أشوفها .
تقدم ياسين الذي كان صامتًا منذ قدومهم ولكنه قطع صمته مُقررًا الحديث
_ حلا موجودة هناديلها تيجي تسلم عليكوا بس قبلها لازم نتكلم ..
تدخل سالم بنبرة حازمة
_ مفيش كلام عشان نقوله يا ياسين . حلا بنتنا مراتك و جنة بنتكوا مرات سليم . و الموضوع منتهي لحد كدا .
ياسين بجفاء
_ و رجوع حازم ..
بتر سالم جملته بحسم
_ دا وضع يخصنا احنا . ميأثرش عليكوا في حاجه .
تدخل عمار مستفهمًا
_ مش جلة ذوق ولا حاچة بس نفسروا بأيه زيارتكم دي في الوجت ده بالذات ؟
سالم بجفاء
_ احنا جايين نشوف بنتنا و انتوا تشوفوا بناتكوا اللي هما في الحفظ و الصون عندنا زي ما بنتنا عندكوا في الحفظ و الصون كدا ولا ايه يا حاج عبد الحميد ؟
فطن عبد الحميد لمحاولات سالم في جعل الأمور في مكانها الصحيح فايده قائلًا
_ عداك العيب يا ولدي . و دلوق شيعوا للبنات ياجوا نطمنوا عليهم .
ما أن ذهبت الفتيات لتخبرهم بالتوجه إلى مجلس الرجال حتى هرولت حلا لرؤية أشقائها و ما أن التقمت عينيها سليم حتى اندفعت إلى أحضانه تعانقه بقوة بادلها إياها وهو يضمها إلى صدره بحرارة جعلت العبرات تتدفق من مُقلتيها بغزارة و قد ضاق صدره حين شاهد زوجته تبكي بين أحضان شقيقها بتلك الطريقة ولكنه التزم الصمت و اكتفى بالمشاهدة وهي تنتقل الى أحضان سالم الذي احتواها هو الآخر بشوق بالغ و قام بوضع قبلة قوية فوق جبهتها كان كوسام يوحي بمدى غلائها على قلبه.
_ ربنا ما يحرمني منكوا أبدًا .
هما همسات حلا فقابلها استفهام سالم
_ أنتِ كويسة ؟
تفننت في سكب الطمأنينه في أوردته حين قالت بصدق
_ أوي ..
لمعة عينيها كانت كافيه لتُريحه فابتسم بهدوء بينما توجهت جنة إلى جدها لتحتضنه بشوق كبير دون تحفظ على عكس فرح التي احتضنته بود ولكن يشوبه الرسمية و قامت بمصافحة الجميع إلى أن وصلت إلى عمار الذي قال بنبرة خفيضة
_ نورتي يا ضكتورة ..
ابتسمت بود وهي تقول
_ خلاص بقى يا عمار ..
عمار بود
_ في نظري هتفضلي فرح بت عمي العيلة الزغيرة اللي حلمها تبجى دكتورة .
شعرت بيد قوية كصاحبها تخترق حديثهم بضمة خشنة آلمت خصرها و نبرة أخافتها أكثر
_ الدكتورة دي تبقى بنتك . لما تتجوز دا أن حصل و تخلف . ابقى طلع بنتك دكتورة .
برقت عيني عمار ولكنه تجاهل غضبه بشق الأنفس قبل أن يُضيف بجفاء
_ وماله و اهي تحجج حلم عمتها .
تدخلت تهاني قائلة بحبور
_ الوكل چاهز يا حاچ ..
تقدم الجميع لتناول وجبة الغداء وسط أحاديث هادئة ولكنها لم تخلو من نظرات متوعدة لفرح من جانب ذلك الذي يحاول الهرب بضراوة من بين براثن غيرته الجنونية بها و التي جعلته يُصر على المُغادرة بعد الغداء لرؤية صفوت بعد أن جمعه بعبد الحميد حديث قصير و لكنه كان مُجزيًا
_ حاج عبد الحميد انا عارف اللي بيدور في دماغك و عشان كدا انا هتكلم معاك دوغري
عبد الحميد بوقار
_ تعچبني يا وزان . جول أنا سامعك
تحمحم بخشونة قبل أن يقول
_ اللي حصل و رجوع حازم دا مش هيأثر ولو للحظة على جنة . و أظن أننا حلينا موضوع الجواز العُرفي و جنة دلوقتي مرات سليم وسليم راجل و يقدر يحميها و أظن بردو انت شفت هو بيحبها قد ايه .
عبد الحميد بخشونة
_ كلامك زين واني بنفسي شاهد عليه بس دول خوات يعني وارد يتچمعوا مع بعضيهم بتنا ايه وضعها ؟
_ بنتكوا مرات سليم و دا سيف على رقبة اي حد يفكر يبصلها مع ان دا مش هيحصل.
هكذا تحدث سالم بقوة فأجابه عبد الحميد بلهجة هادئة فقد شعر بالشفقة عار ما يحدث معهم
_ واني مصدجك وعارف اني ناسبت مين و ان بناتي في يد أمينة . و اوعاك تجلج على بتكوا دي في عنينا و ده اني اضمنهولك برجبتي لكن بجى هي لازمن تعرِف أن الأمور مهتمشيش على كيف حد
قاطعه سالم بجفاء
_ كلامك مالوش لزوم يا حاج عبد الحميد حازم مسافر و مش هيرجع دلوقتي و مفيش مجال أن حلا تشوفه .
_ ده في الوجت الحالي انما بعد أكده مسيره يرچع
للمرة الثانية يقاطعه بها حين قال بنفاذ صبر
_ محدش عارف بكرة في ايه ؟ مش هنتناقش في سنين لسه جايه يا عالم مين يعيش ومين يموت.
_ على جولتك يا ابني . المهم زي ما جولتلك بتكوا في عنينا متجلجش عليها واصل
انتابته الراحة إثر حديث عبد الحميد فقال بهدوء
_ عارف يا حاج عبد الحميد و اتأكد اني واثق من دا من قبل ما آجي هنا ..
انتهى النقاش بينهم فتوجه سالم إلى حلا وهو يقول بحنو
_ هنبات الليلة عند صفوت وبكرة نتغدى سوى و هكلم ياسين عشان ناخدك معانا تشوفي ماما .
تدخل ياسين إثر سماعه كلمات سالم فقال بجفاء
_ حلا مش هتقدر تسافر في أي مكان قبل أربعين بابا يا سالم بيه . دي الأصول .
أظلمت عيني سالم و حين أوشك علي الحديث تدخلت حلا تهدئ من حدة الموقف قائلة
_ معلش يا أبية ماما تهاني لوحدها و لسه مفاقتش من صدمة الموت وأنا أول ما اطمن عليها ياسين هيجبني و ييجي على طول .
التفتت تناظره برجاء خفي وهي تقول
_ صح يا ياسين ؟
راق له انصياعها له و احترامها لحديثه أمام شقيقها فقال بلهجة ودودة
_ طبعًا . هنيجي كلنا نطمن على الحاجه . دا واجب ..
هدأت الأمور قليلًا و بعد جلسة لم تكن طويلة توجه الجميع إلى السيارات و لكن قبل المغادرة اقترب سالم من عمار قائلًا
_ هستناك بكرة الساعه ستة عند صفوت متتأخرش .
عمار بنفاذ صبر
_ و ليه مش النهاردة ؟
سالم بملل
_ عشان مش هيدخلك من بوابة الفيلا اصلًا ..
لون الامتعاض ملامحه ولكنه لم يقدر على الاعتراض حتى لا يخسر حليف كسالم قد تودي عداوته به إلى الهلاك ..
***********
_ وبعدين هتفضلي مقطعانا كدا كتير يا بنتي ؟
كان هذا صوت سهام المُشجب و المُشبع بانكسار عظيم فمن ناحيه خسرت زوجها و من ناحية آخرى تتجاهلها طفلتها التي لم ترتشف من عذب قُربها الا الفُتات
_ اني مش مجاطعاكوا ولا حاچة اني بس زهجانه ..
_ طبيعي هتزهقي وأنتِ طول الوقت قاعدة لوحدك . اطلعي اقعدي معايا أنتِ وحشاني اوي ..
هكذا تحدثت سهام بحزن ارتج له قلب نجمة التي اقتربت ويبدو على وجهها إمارات التردد فتابعت سهام بشجن
_ أنا بطلت آخد الحبوب المُهدئة وهتعالج . هتعالج عشان أنتِ جنبي . انا خسرت صفوت و مش هقدر اخسرك انتِ كمان .
لم تستطيع منع استفهامها من الصعود على السطح
_ ليه تخسريه ؟
سهام بألم
_ خلاص مبقاش في قلبه اي حاجه تشفع لي . صفوت اتعذب معايا كتير اوي و كانت آخر حاجه يوم ما طلبت منه الطلاق لما ناجي هددني بيكِ . مبقاش ليا عين اطلب منه يسامحني ..
غافلتها الكلمات حين قالت بلهفه
_ اني ممكن اطلب منه . مش هيرودني صوح ولا اي ؟
التمع وميض الأمل بعينيها وهبت الكلمات تتدافع من بين شفتيها
_ بجد يا نجمة ؟ أنتِ هتعملي كدا عشاني ؟
لم تعُد قادرة على الاستمرار في تلك الدولمة أكثر فلتخطو بأقدامها إلى بر الأمان لذا قالت بعزم
_ ايوا . هعمل أكده عشانك وعشاني و عشانه . اني تعبت بجى مبجاش فيا حيل للمناهدة و العذاب ده
لم يعد هناك مجال للحديث فقد اجتذبتها ذراعي سهام لتحتضنها بشغف وشوق بالغ دام لوقت طويل و قد كان كل هذا يحدُث أمام أعين تشتهي أن يُضمها ذلك العناق و لو ثوان عله يُرمم تلك الندوب التي تفتك بروحه ..
قطع تلك اللحظات قدوم الخدم لتخبره بأن الجميع في الأسفل بانتظاره فحاول ارتداء ثوب القوة وهو يقوم بطرق باب الغرفة قائلًا بخشونة
_ سالم الوزان تحت و معاه سليم و فرح و جنة . يالا عشان تستقبلوا الناس .
كانت أكثر من يعرفه لذا فقد أخبرتها عينيه أنه قد استمع لحديثهم فقالت بهدوء
_ امرك ثواني و هننزل وراك .
اربكته كلمتها الأولى فقد ذكرته بها عندما كانت تُحاول إرضاءه في السابق ولكنه لم يدع الأمر يؤثر عليه إذ تراجع للخلف دون قول كلمة واحدة
_ باين عليه بيحبك .
هكذا تحدثت نجمة فأجابتها سهام بحبور
_ وانا والله بحبه .
التمع الخبث بنظراتها وهي تضيف
_ و باين كمان أن في عاشق ولهان و ابوكي هيطلع عينه
غمرها الخجل فهبت قائلة
_ ايه الحديت الماسخ ده ؟ عاشق ايه و بتاع اي؟
سهام بمكر
_ ايوا عاشق و اسمه عمار وابوكي طرده من البيت يجي خمس مرات الاسبوع اللي فات
نجمة بإنكار
_ عمار ايه واني مالي و ماله الجحش ده ؟ اني ماليش صالح بيه ده مُفتري و يستحج ما يچراله ..
صاحت سهام بحماس
_ لا بقى دا أنتِ باينك شايله منه اوي . دا احنا لازم نقعد نحكي كتير بس بعد ما الضيوف يمشوا عشان نتكلم على رواقه..
**************
_هتفضلي تتهربي مني لحد امتى ؟
انتفضت في مكانها إثر سماعها صوت طارق الآتي من الخلف لتتحول برودة الجو إلى لهب ساخن جعل دقاتها تتقاذف بقوة حتى أوشكت على الفتك بضلوعها مُعلنه رايات التمرد عليها لأجله
_ انا مبهربش . انت اللي مُصر تعيش جو الأكشن .
صاح هادرًا
_ متكذبيش عليا . و بطلي تحوري . عشان لو فضلتي كدا هتشوفي جو الأكشن بحق و حقيقي .
لم يعُد في مقدورها المراوغة فقالت بوهن
_ طارق ارجوك متضغطش عليا . مش كل حاجة هقدر احكيها أو اتكلم فيها . سيبني اخد وقتي..
كان لضعفها وقعًا لم يتخيله على قلبه فاقترب منها يحاول بثها أمان يعلم بأنها تفتقده
_ أنا عايز احميكِ . مش عايزك تخافي أبدًا
لم تستطيع منع هواجسها و ألمها الذان تبلورا في استفهام مؤلم
_ وياترى المرة دي بأمر من مين ؟
زفر غضبه و وجعه في آن واحد وقال بنبرة جافة
_ انا محدش بيأمرني . و اللي حصل قبل كدا مش زي ما أنتِ فاهمه .
جاءت فرصتها للتملص من استجوابه فانصاعت خلف جراحها وقالت بهتاف
_ وانا مش عايزة افهم . ولا هقدر انسى و انت كمان مش هقدر تنسى اي حاجه حصلت قبل كدا يبقى كل واحد يلزم حدوده مع التاني . دا رجاء . ابعد عني يا طارق .
قالت جملتها و هرولت إلى الأعلى تحاول قمع شهقاتها التي أن تركت لها العنان لصمت جميع الآذان ..
***********
أخذت تدق بهاتفها بغضب تحاول الاتصال بشيرين مرارًا و تكرارًا ولكنها لا تُجيب و قد شعرت بالقلق و لا تُريد أن تُثير أي بلبلة في الوسط و إلا لكانت هاتفت سما لتخبرها اين هي ولكنها اكتفت بالصمت فقامت بوضع الهاتف على المنضدة تزامناً مع شهقة قويه شقت جوفها حين جذبتها يديه التي احتجزت خصرها بقوة اجفلتها ولكن تبدد كل شيء حين سمعت همسه الخشن
_ غلطاتك كترت اليومين دول . اعمل فيكِ ايه دلوقت ؟
أجابته بدلال و يدها تقبض على خاصته المُلتفة حولها
_ غلطات ايه ؟ انت بتتلكك على فكرة .
همهم باستمتاع وهو يستنشق رائحتها قبل أن يتحدث بهسيس قاتل
_ الصراحة اه بتلكك بس دا ميمنعش انك عايزة قرصة ودن
تدللت هامسة
_ دا ليه بقى ؟
_ بتعاندي .و العند وحش يا فرح و خصوصًا معايا .
فهمت ما يرمي إليه فقالت بهدوء
_ مبعاندش يا قلب فرح انت اللي بتعمل من الحبة قبة
لم يعجبه حديثها فقست أنامله على خصرها وهو يقول بفظاظة
_ اعتبريه كدا . نتلم بقى عشان القبة دي متقعش على دماغك .
أوشكت على أجابته ولكنه بتر حديثها بكلماته المتوعدة
_ نيجي للمهم . و اللي مش هعديه أبدًا
استفهمت قائلة
_ اللي هو ايه ؟
تحدث هامسًا خلف أذنها و أنفاسه المحرورة تُذيب عظامها
_ عمالة تحلوي و أنا بصراحة مبقدرش اقاوم .
التفتت بين ذراعيه حتى تستمتع بدفء قربه أكثر قبل أن تقول بدلال
_ ومين قالك تقاوم ؟
أجابها و أنفاسه تتلاحم مع خاصتها
_ اخاف عليكِ .
أراحت رأسها فوق منبع ارتوائها الذي يضخ عشقها ضخًا وهي تقول بنبرة هامسة
_ طول مانا هنا في حضنك انا في أمان و مش عايزة حاجه في الدنيا. مفيش حاجه تأذيني غير اني اكون بعيدة عنك .
عزفت أنامله سيمفونية رائعة فوق سائر جسدها وقد قضت بكلماتها على آخر ذرة مقاومة لديه فهمس بخشونة
_ طب اعرفي بقى انك أنتِ اللي قولتي و متلومينيش عاللي هعمله .
انهى كلماته و بلمح البصر وجدت نفسها محمولة بين ذراعيه التي أغرقتها في بحور عشق رائعة تتقاذفها الأمواج العاتية بين جنبات صدره الدافئ الذي لم يعُد به مُتسع لشعوره نحوها و لم يبقى هُناك مجال للسيطرة على جيوش شوقه التي لا تهدأ أبدًا فأخذ يبثها شغفه بها تارة و يقتنص ولعها به تارة أخرى و لم تكد تهدأ زوبعة مشاعرهم حتى تتجدد مرة أخرى إلى أن جاء صوت صراخ قوي قادم من الخارج فتبدد عالمهم الوردي و هرول سالم لإرتداء ملابسه لمعرفة ماذا يحدث فإذا به يتجمد عند أعلى درجات السلم حين شاهد ...
يتبع..
فرحوني بقى بتفاعل حلو عشان اكمل ربنا يعلم انا بكتب ازاي في ظروفي دي و متنسوش تدعوا لممتي ♥️
و متنسوش (فوت * كومنت * فولو ليا ) و كتروا من الحلويات اللي بين الفقرات بجد وحشتني اوي 🥺♥️
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل التاسع وستون 69 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الأنشودة الثامنة 🎼♥️
بُليت بقلب لا يلين و كبرياء لا يعرف الخضوع .. فأصبحت اُُفارق و أنا في أمس الحاجة إلى البقاء ، اهجر الجميع و أنا أكثر من يهاب الوحدة ، أُتقِن ارتداء قِناع الصلابة بينما بداخلي ينهار وبشدة ، اتوارى خلف جدار القسوة هربًا من رحمات قلبًا قد تودي بي إلى الهاوية ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
_ ايه اللي بيحصل هنا ؟ و أنتِ مين يا ست أنتِ ؟
كان هذا صوت صفوت الذي صدمه مظهر تلك السيدة التي كانت وجهها مُلطخًا بالدماء و كأن أحدهم اختاره كوسيلة لأفراغ شحنات عنفه و حقارته فهرول سالم هو الآخر من أعلى الدرج تزامنًا من كلماتها المتقطعة
_ الحجني يا بيه .. هيموتني .. الظالم المُفتري ..
_ اهدي يا ست أنتِ وقوليلنا في ايه ؟
لم تكد تُجيبه حتى آتاهم صوتًا مذعور من الأعلى و الذي كان لنجمة التي صرخت قائلة
_ أمه ...
آذرتها نجيبه التي صاحت بلهفه
_ بتي . نچمة ..
هرولت الفتاة لتُلقي بنفسها بين أحضان والدتها التي ربتها و التي كانت تنتفض إثر وجع قلبها و جسدها في آن واحد فكان مشهدًا مُروعًا يلونه الألم و تُكلله العبرات الغزيرة التي عرفت طريقها إلى عيني سهام الواقفه بجمود تهفو نفسها لاحتواء كهذا من ابنتها التي حرمها منها شيطان مريد ..
_ فيكِ ايه ياما و ايه اللي عِمِل فيكِ أكده ؟
أخيرًا استطاعت نجيبه أن ترفع رأسها و تستند على نجمة التي حاوطتها و تقدم منهما سالم ليُقرب إليها المقعد حتى تُريح جسدها فوقه و ناولها صفوت كوب من المياه لتُبلل حلقها الجاف من فِرط الألم قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة
_ اللي ميتسماش .. چه مش شايف جدامه و جعد يزعج فينا و في خواتك لچل ما ياخد كل الفلوس اللي في الدار و لما ملجاش حلف ستين يمين لازمن يخلي عبير تنزل تشتغِل ولما جولتله دي زغيرة جعد يضرُب في و في البنات سيبته و چيت على اهنه ..
لونت الصدمة معالم نجمة التي تربعت على الأرض أسفل قدم نجيبه وهي تقول باندهاش
_ أنتِ بتجولي ايه ياما ؟ ابوي اني يعمل أكده ؟
إلى هُنا لم يحتمل فاندفعت الكلمات من فمه مُستنكرة
_ دا مش ابوكي يا نجمة .
استدارت رؤوس الجميع إلى صفوت الذي كان ثائرًا و عروقه نافرة فأجابته نجمة بعتب
_ بس هو اللي رباني . و كان بيعاملني زي بته و مكنش بيفرج بيني و بين بناته واصل ..
تدخل سالم قائلًا باستفهام
_ ولما هو كويس كدا تفسري اللي عمله في والدتك و اخواتك دا بأيه ؟
تدخلت سهام بهدوء
_ تعالي معايا يا حاجه نجيبة اغسلي وشك و ريحي شويه و نجمة هتحصلك ..
التفتت نجيبه تناظر نجمه بتردد فأومأت الأخيرة بطمأنه و سارت مع سهام إلى الداخل ليُعيد سالم استفهامه مرة أخرى
_ ها يا نجمة . قوليلي تفسري بأيه اللي حصل دا ؟
نجمة بضياع
_ معرِفش . اني مش مصدجه اللي حوصول . ابوي طول عمره طيب وفي حاله و حتى لما نزلت اشتغِل مكنش موافج .. واني اللي اصريت عليه ..
صفوت باستخفاف
_ ولما هو كدا بهدل والدتك بالشكل دا ليه ؟
لم تجيبه فتدخل سالم مُستفهمًا
_ قوليلي يا نجمة أنتِ عرفتي امتى ان دول مش أهلك الحقيقيين ؟
ارتخت أقدامها لتتربع على المقعد خلفها وهي تقول بحزن
_ كنت لساتني زغيرة في الإعدادية كانت أمه نچيبه تعبانه و مصاريف علاچها كتير و كان ابوي معهوش فلوس ..
ترددت في إكمال حديثها فحثها سالم على الحديث قائلًا
_ كملي يا نجمة سامعك ..
زفرت بحزن تجلى في نبرتها حين قالت
_ سمعت امه نچيبه وهي بتجوله نبيع السلسة اللي معاها دي اهي تصرِفنا حبابه بس هو رفض و جالها دي آخر حاچه باجيه من أهلها ..
صمتت لثوان تحاول تجميع تلك الومضات من الذاكرة ثم تابعت بتشوش
_ جعدوا يتعاركوا و سمعت امي بتجوله يبجى تجعد من المدرسة احنا أولى بفلوسها ..
عبئت صدرها بالأكسجين النقي قبل أن تُضيف بنبرة مُشجبة
_ و جعدت من المدرسة و بعدها بسنتين او تلاته اتجدملي عريس و امي نچيبه وجتها وجفت لابوي و جالتله مش هنشيل شيلة غيرنا معناش فلوس لچهاز ولا غيره و وجتها حكتلي أني مش بتهم و ان اهلي ماتوا في حادثه و أنهم ربوني و من وجتها واني بدأت اشتغِل عشان اساعدهم..
نشب الوجع حوافره في قلب صفوت و تعاظم معه غضبه من ذلك المسخ الذي اختطف زهرة حياتهم و غمسها بالوحل ولكن كان لسالم رأيًا آخر حين واصل استجوابه قائلًا
_ طب أنتِ يا نجمة بتقولي أن والدك كان راجل طيب لكن تفتكري انه كان عارف ان ناجي خاطفك من أهلك و خايف يتكلم مثلًا !
زحفت الحيرة لتحتل ملامح وجهها قبل أن تُجيبه قائله
_ معرِفش . بس مظنيش .
_ ولا والدتك . اقصد الحاجه نجيبة ؟
بدأ أمرًا مقبولاً إلى حد ما بالنسبة إليها ولكنها لم تُفصِح عنه إذا قالت بحسم
_ لا . مظنيش أنها تعرِف ..
اومأ سالم بغموض قبل أن يقول
_ طب يا نجمة روحي أنتِ شوفي والدتك .. و لو عرفتي خليها تقعد معاكِ كام يوم .
لا إراديًا التفتت بلهفة تُناظر صفوت الذي كان للوهلة الأولى مُستنكر الأمر ولكنه شعر بأن هناك خطب ما يدور في رأس سالم فقال باختصار
_ مفيش مشكله ..
بعد دقائق كان سالم يغلق باب غرفة المكتب فباغته سؤال صفوت الغاضب
_ ايه في دماغك يا سالم ؟
صدمه سالم الذي أجاب بفظاظة
_ الست دي مزقوقه عليك..
******************
شهقة قويه شقت جوفه حين شعر بالماء يُلقى فوقه بقوة افزعته وأخرجه من سُباته الذي دام لأكثر مما يستطيع معرفته فهب من مكانه مذعورًا ليجد نفسه بمكان رث ذو رائحة كريهة تُشبه روث الحيوانات فأخذ يتلفت حوله بضياع و نظرات مشوشة إلى أن جاءه ذلك الصوت الخشن الذي زاد من فزعه
_ قوم اصحى نمت كتيِر . ورانا حاچات نعملها ..
خيم الذهول على ملامحه من ما يدور حوله فقال بلا وعي
_ انا فين ؟
الرجل بغلظة
_ في الدنيا .. جوم يالا . مفضيينش للرط ده ..
كان ك المصعوق لا يُصدِق ما يحدث حوله حتى أن قدماه قادته يتجول في هذا المكان المُتسِخ بشكل يُثير الاشمئزاز إلى أن خطى إلي الخارج فتفاجئ بتلك البقعة الصفراء المُمتدة أمامه بصورة لا نهاية لها و هاله تلك الأصوات الآتيه من الخلف فالتفت ليجد قطيع من الماعز و بجانبهم هذا الرجل الضخم الذي ناداه بقسوة
_ ايش فيك تشن عليا . هِم يالا هِم لنوكل المِعزي.
كان الأمر برمته كارثي لا يُصدق ان شقيقه قام بالزج به في هذا المكان المعزول في أعماق الصحراء مع هذا الرجل المجنون و حيواناته. و الأدهى من ذلك أنه من المُفترض به أن يُساعده !
لم يتحمل عقله ما يحدُث فصرخ حتى جُرِحت أحباله الصوتية
_ لاااااا . دا مش حقيقي . انا مش هنا . انا بحلم . اكيد بحلم .
أخذ يدور حول نفسه كمن طاله مس من الجنون الذي تضاعف حين لم يجد أي رد فعل من ذلك الرجل الضخم الجثة والذي كان يرتدي جلباب ابيض وفوقه صدرية باللون الرمادي و يلف شالًا فوق رأسه فود حازم في تلك اللحظة لو ينحر عنقه و لكنه تراجع إلى داخل الغرفة صافقًا الباب خلفه واضعًا يديه حول رأسه الذي كاد أن ينفجر من شدة ما يشعر به ..
***************
كان صباحًا مُشرقًا كملامحها التي بدا عليها الارتياح و ظهرت بشائره مُتجلية في ابتسامتها الجميلة على طاولة الإفطار وهي توزع ضحكاتها هنا و هناك لأول مرة منذ زواجها ، فأسرت أنظار الجميع و على رأسهم هو . كان يُطالعها بإعجاب كبير و نظرات شغوفة يشوبها الإمتنان وهو يرى اهتمامها بوالدته و حنانها التي تُغدقها به و كذلك جده الذي تفاجئ بها تسأله عن دواءه و تُغدِق عليه ابتساماتها الرائعة حتى عمار نال حظه هو الآخر بأن صنعت له أحد الأصناف المُحببه له . فوجد نفسه أمام استفهام يحمل الكثير بين طياته
هل لقاءها بعائلتها له هذا المفعول القوي عليها للحد الذي يجعلها كشمس مُشرقة تتوهج أشعتها مُضفيه نورًا وضاحًا على أرجاء المنزل ؟ ماذا أضاف وجودهم لها ؟ ماذا فعلوه أكثر مما يفعله لأجلها؟
جاءت كلمات تهاني لتُنير عقله بأشياء كانت غائبة كليًا عنه
_ شفت مرتك نورت ازاي لما شافت اهلها وخواتها ؟
ياسين بسخرية
_ شُفت و مستغرب بصراحة ..
تهاني بتعقل
_ لا متستغربش . اهل البنت دول سندها و ضهرها . عزوتها جدام چوزها. البت اللي أهلها يعززوها ميكسرهاش اي راچل واصل.
استنكر حديثها قائلًا
_ هو انا عمري هكسرها يا أم ياسين ؟ تفتكري انا ممكن اكون وحش كدا ؟
تهاني برزانه
_ لا مش وحش يا دكتور. ولا هتبجى جاصد تكسرها في يوم . بس افتكر كدا في اليوم المشؤوم إياه عِملت فيها ايه؟
هب من مقعده غاضبًا
_ اي راجل في مكاني كام هيعمل كدا لما يشوف مراته يتحضن راحل غريب .
_ عِندك حج بس اسأل نفسك أكده لو كان سالم و لا سليِم مكانك كانوه عيملوا ايه ؟ اجولك اني كانوا هيجعدوا مع بتهم و يفهموا منيها حوصول ايه ؟ مكنوش هيضحوا بيها في لحظة اكده لولا ستر ربنا ..
كان حديثها يحوي تقريع خفي لم يُخطئ في فهمه ولكنه حاول الدفاع عن نفسه قائلًا
_ الوضع يختلف يا امي ..
_ اديك جولت يختلف . جفل على اللي حوصول وانت عرفت غلطك . ناچي للمهم .مرتك روحها و عجلها في أهلها و انت شفت بعنيك زيارتهم عِملت فيها ايه ؟ و بدلتها ازاي يبجى تشتريهم لجل خاطرها .
ياسين بحدة
_ وانا عملت فيهم ايه ما أنا عاملتهم أحسن معاملة .
تهاني بعتب
_ لاه. طريجتك كانت ناشفة معاهم واني شفت بعيني . و بعدين لازمن تفهم انك مش طرف في حدوته چنة و حازم دي . حازم دا ابنهم و چنة مرت ابنهم التاني يعني منيهم في بعضيهم احنا ملناش صالح .
حاول مقاطعتها قائلًا
_ يا أمي ازاي بس ..؟
_ زي الناس . سليم راچل و روحه في مرته هيحافظ عليها اكتر منيك كماني . خرچ نفسك و مرتك من الليلة دي . عشان تعرِف تعيش مرتاح . مرتك بت اصول و اهلها ناس محترمين و حازم ده موچود في كل عيلة . دا ابتلا يا ولدي ربنا يعافينا منه. انما الچدعين أن كان سالم ولا سليم التنين رچاله و ولاد أصول ميتخيروش عنك .
تغلغل حديثها إلى عقله و بدا عليه الاقتناع ولكنه يشعر أنها ترمي إلى أبعد من ذلك
_ حاضر يا أمي .
_ يحضرلك الخير يا جلب أمك. جوم يالا شوف مرتك و اوعاك تزعلها بت الأصول كبرتك جدام أخوها بالرغم من أنها كان ليها حج تزعل منِك ..
وصل إلى مبتغاها من الحديث فقال بتذمر
_ قفلي ع الحوار دا يا امي.
تهاني بإصرار
_ لاه مهجفلش . الحج حج و البنية أمها مرميه في المستشفى و هي يا حبة عيني هيتجلعلها عين و تشوفها يبجى تخليك راچل بتفهم ولا اي يا ضكتور ؟
جعد ما بين حاجبيه و أوشك على الرد عليها ولكنه توقف إثر دخول حلا إلى المطبخ لتقول ببشاشة
_ ماما تهاني هنعمل أكل ايه النهارده ؟
تهاني بحبور
_ يا نهار الهنا الغالية مرت الغالي بنفسها چايه تطبخ
حلا بغرور مصطنع
_ اومال ايه هو أنتِ متعرفيش أن انا شيف مُحترم ولا ايه ؟ دا انا الوحيدة اللي كانت الحاجه أمينة تاكل الملوخية بتاعتها و تقولي الحاجه الوحيدة اللي خدتيها مني يا حلا ..
قالت جملتها الأخيرة بشجن لاقى صدى كبير بداخله و بداخل تهاني التي قالت بتعاطف
_ ربنا يجومهالك بالسلامة يا بتي ..
اقترب ليقف إلى جوارها يناظرها بأعين تلتمع بوميض الشغف
_ دا احنا عندنا مواهب مدفونة بقى محدش يعرف عنها حاجه ..
ناظرته شذرًا فقد كانت تخجل من وجود تهاني معهم لذا قالت بارتباك
_ هاه . لا . عادي يعني . متكبرش الموضوع..
ضربها بكتفه قاصدًا مُشاكستها
_ لا دا الموضوع كبير و كبير اوي كمان .
اغتاظت من طريقته و ما تحمله عينيه من عبث فقالت بسخط
_ بطل هزارك السخيف دا ..
ياسين مُدعيًا البراءة
_ لا هزار ايه ؟ انا اهزر في أي حاجه إلا الملوخية . و خصوصًا اللي بالجمبري . اي هزار مع الفوسفور بيقلب بقلة أدب وانا راجل متربي ..
قال جملته الأخيرة بجانب أذنها التي احمرت و شاطرتها وجنتاها اللائي نبت بهم محصول التفاح الشهي ليُزيد من ولعه بها بينما هي مشغولة بمُراقبة تهاني التي اعطتهم ظهرها لتُفسِح لهم المجال بالحديث على راحتهم و قد استغلت ذلك حين لكمته في معدته وهي تقول بغضب مُطعم بالخجل
_ بطل استهبال ممتك واقفه عيب ..
أعجبه خجلها الذي ولد لعنه الاشتهاء بداخله فصاح بصون عالْ
_ بقولك يا حاجه تهاني هاخد حلا نصايه فوق اعرف منها طريقة الملوخية بالجمبري و اجي نطبخها سوى . الغدا النهاردة علينا ..
انهى كلماته ثم جذب حلا من يدها وسط قهقهات تهاني التي جعلتها تتمنى لو أن الأرض تبتلعها من أفعال ذلك الماكر الذي ما أن اختلى بها حتى غمرها معه في عناق قوي اندهشت له كثيرًا ولكنها استمتعت به و خاصةً حين انحني يُزين جبينها بقبلة دافئة انتشى لها قلبها كثيرًا فقالت بخفوت
_ هو انا وحشاك اوي كدا ؟
كوب وجهها بين يديه التي كانت حانية كنظراته و نبرته حين قال
_ بتوحشيني في كل وقت يا حلا . بتوحشني طلتك الحلوة اللي كنتِ حرماني منها الفترة اللي فاتت دي كلها و النهاردة بس رويتي قلبي بيها ..
كان غزله كغيمة ورديه حملتها إلى أقصى درجات السعادة التي غمرت جسدها فاستكان بين يديه التي أخذت تُداعِب خصلاتها الناعمة بينما داعبتها كلماته حين قال
_ عماله تتنقلي من حضن سالم لحضن سليم زي ما يكون قاصدة تجننيني .
همست بلهفه
_ لا والله دول كانوا واحشني اوي و..
قاطعها همسه الخافت أمام شفتيها
_ ماهي دي المشكلة الكبيرة . قد كدا كانوا واحشينك ؟
اندلعت ثورتها على هيئة عبرات غزيرة و كلمات متقطعة
_ اوي . اوي . روحي. ردتلي . لما .شوفتهم
التهم بشفتيه عبراتها و لثم عينيها باعتذار صامت لم يتجاوز حدود شفتيه ولكنه عبر عن بطريقة أخرى
_ يعني أنتِ كدا كأنك بتقولي أن قلبك مش ليا لوحدي. و أأقلم نفسي اني ليا بدل المنافس اتنين ..
لثمت كلماته جروحها فقالت بهمس
_ مفيش حد في الدنيا يقدر ينافس مكانك في قلبي .
ابتهج قلبه بكلماتها و لكنه معها تخلى عن فضيلة القناعة فصار نهمًا لكل ما يصدُر منها لذا قال بعتب
_ بتضحكِ عليا بكلمتين
اندفعت بلهفة
_ لا والله انت حبيبي و جوزي اغلى حاجه عندي في الدنيا ..
وصل إلى مبتغاه و الذي كان مذاقه أروع مما تخيل فاقترب حتى اختلطت أنفاسهم و أوشكت شفاههم أن تتعانق حين همس قائلًا
_ انا ايه ؟
فطنت إلى هول ما تفوهت به فأغمضت عينيها تُحارب خجلها الذي كان أكثر من عاشقًا له ولكنه كان كالناسك الذي ينتظر أمام أبواب الجنة لتفتح له مغاليقها حتى يتنعم بثرائها فهمس بنبرة مُلحة
_ قوليها يا حلا . عايزة اسمعها منك ..
اسكرها عشقه و أذابها قربه فأعلن قلبها راية التسليم لتُعلِنها بنبرة موقدة
_ بحبك يا ياسين ..
اقتطف ثمار إعلانها بين شفتيه التي كانت نهمة حد القسوة التي ولدتها نيرانًا هوجاء عصفت بسائر جسده الذي اوقده إعلانها الصريح فتاه بها في بحور العشق و تقاذفتهم أمواجه العاتيه التي تناقلتهم بين هنا و هناك تاركين بصمات عشقهم بكل أرجاء الغرفة التي أصبحت لوحة مُبعثرة لعشق أهوج يتأجج بين جنبات صدورهم و يُهلك تلك الأجساد التي كانت تئِن من فرط الجنون الذي يكتنفهم و تلك النغمات الصاخبة التي كانت كسيمفونيه رائعة عزفتها شفاهها لتُطرب قلبه الغارق في لُجة الهوى فأخذ يغترف المزيد من شهدها و يُمارس طقوس العشق باحترافيه على ساحة جسدها الذي لم يعُد يحتمِل جنونه أكثر فسكن بين ذراعيه ناشدًا الراحة فلبى استغاثته على الفور وهو يقول بلهفة من بين أنفاسًا مُتهدجة
_ أنتِ كويسة ؟
لم يخرج صوتها فأومأت تطمأنه بابتسامة هادئه فاقترب يُزين جبينها بقبلة اعتذار قابلتها بأخرى مُمتنة فهمس يداعبها
_ طب اعملك ايه ماهو أنتِ اللي مُصرة تجننيني ..
همست بنبرة مُتحشرجة
_ انا عملتلك ايه طيب ؟
اجابها بنبرة عاشقة
_ جننتيني يا حلا . خلتيني زي المهووس بيكِ..
رفرفت برموشها وهي تقول بنبرة خافته
_ مش لوحدك على فكرة ..
_ اوعي تزعلي مني أبدًا . حقك عليا في اللي فات كله . من النهاردة هنبتدي صفحه جديدة .. صفحة كلها حب و سعادة و بس ..
كان الأمر رائعًا حد تدافُع العبرات من مُقلتيها تأثرًا بكلماته الدافئة والتي شابهتها لهجتها حين قالت
_ وانا معاك في كل حاجه . و أوعدك اكونلك الزوجة اللي بتتمناها ..
صمتت لثوان ولكن عينيها تولت اكمال الحديث الذي عجز لسانها عن سرده و كانت نظراتها كافية لترويه له فأجاب حديثها الصامت قائلًا
_ هوديكِ تشوفي ممتك و تطمني عليها و عمري ما همنعك عنها ولا عن اخواتك أبدًا.
احتوت كفوفها وجهه وهي تقول بامتنان بلغ عنان السماء
_ ربنا ما يحرمني منك أبدًا . لو تعرف كلامك دا عمل فيا ايه ؟
لم تُسعِفها الكلمات و طغى تأثُرها حد اندفاع العبرات من مقلتيها و تحشرُج نبرتها فأخذت يديه تُهدهدانها برفق و تُكفكِف دموعها ثم قال قاصدًا مشاكستها
_ لا اهو أنا كدا بقى هبتدي اغير و لو غيرت هرجع في كلامي ..
شقت ابتسامة جميلة ثغرها ثم قالت بلهفة مقصودة
_ لا و على ايه الطيب أحسن .
_ قد كدا الموضوع كان مسببلك أذى؟
_ طبًعًا . دول أهلي يا ياسين في حد يقدر يستغنى عن أهله ؟ بكرة لما تجرب و ربنا يديلك بنت هتعرف معنى كلامي دا كويس ..
التمع وميض المكر بعينيه فقال بلهجة عابثة
_ حلو دا . انا احب موضوع التجارب دا أوي. احنا نجيب البنت عشان نتأكد أن كان كلامك دا صح ولا غلط ..
أنهى كلماته و شرع في التهامها وهو يغدق عليها من زخات عشقه ما يُنسيها مرارة الماضي و لوعته و قد كان قربه على قلبها أشهى من العسل ..
****************
انتصف النهار و تجمعت الفتيات بجانب سهام التي رحبت بهم كثيرًا و كذلك نجمة ولكن على استحياء إلى أن دق جرس المنزل فتوجهت أحد الخدم ليفتح الباب و إذا بشمسه تُشرِق على قلبها الذي انتفض ليجعلها تهب واقفه ما أن رأته و كذلك هو ليتوقف به الزمن ثوان يُريد أن ترتوي عينيه من رؤيتها فقد اشتاقها بحجم هذا الكون و أكثر .
كان مشهدًا صامتًا ولكنه يحمل بين طياته صخب و ضوضاء حنين و شوق ضاري لا يُسمح بالإفصاح عنه بل تعيشه قلوبهم بتفاصيله المؤلمه و وخزاته المُبرحة والتي استشعرها جميع الحضور فتوجهت سهام لتُحيط بكتف ابنتها في مؤاذره صامتة بينما جاء صوت صفوت القاسي ليُمزق هدوء المكان حولهم
_ ايه اللي جايبك يا عمار ؟
التفت عمار يُناظر صفوت بحنق تجاهله بشق الأنفس قبل أن يقول بجفاء
_ أكده عترحب بضيوفك يا صفوت بيه ؟
لم يُمهله سالم الوقت لإجابة عمار إذ قال بفظاظة
_ أنت مش ضيف يا عمار . انت من أهل البيت .. صفوت بيحب يهزر ..
أنهى جملته وهو يرمُق صفوت بنظرات مُحذرة لم يتقبلها الآخر بل اندفع إلى غرفة مكتبه فتبعه سالم بعد أن أومأ لعمار بالدلوف إلى الداخل و ما أن أغلق باب غرفة المكتب خلفه حتى صاح صفوت بغضب مُريع
_ بص يا سالم مصلحة العيلة اه بس نجمة ملهاش ذنب و مش مُجرد رصيد هتعزز بيه علاقتك بولاد عمران.
كان مُتفهمًا لحالته لذا تمسك بفضيلة الصبر حين قال
_ انا مش محتاج لدا و انت عارف كدا . بس لو أنت عايز تستخدم العُذر دا شماعه عشان تبرر بيه أنانيتك فهقولك لا
صفوت باستهجان
_ أنانيتي يا سالم ؟
سالم بتعقل
_ انت شُفت بعينك بيبصوا لبعض ازاي ؟ الأعمى يفهم أنهم بيحبوا بعض . وانت فاهم و عارف دا من قبل ما تعرف انها بنتك .
أوشك على مقاطعته فتابع سالم بإصرار
_ نجمة مش هتعوضك عن سهام . انا عارف انك عايز تشبع منها بس طريقتك دي مش صح . متظلمش سهام و تاخدها بذنوب مش بتاعتها..
قهقه بسخرية تجلت في نبرته حين قال
_ انا باخدها بذنوب مش بتاعتها اومال لو مكنش الكلب دا اتكلم قدامك كنت قولت ايه ؟
سالم بجمود
_ الكلب دا مقالش حاجه اكتر من أنه كان بيحبها و اي تزويد في الكلام معروف أنه كان عشان يستفزك و انت اكتر واحد عارف دا . لأن لو كان كلامه صح بنسبه واحد في الميه مكنتش هتقبل تتجوز سهام .
ضاق ذرعًا من ذلك الحديث الشائك فقال غاضبًا
_ يا سالم انت مش فاهمني.
_ لا فاهمك و عشان فاهمك واجبي أحذرك من خطورة اللي انت ناوي عليه . انت من الأول اختارت سهام و انت عارف انها كان في مشاعر من ناحيتها لأخوك و هو كمان كان بيحبها .
صرخ مغلولًا
_ مكنش بيحبها كان كل شويه مع واحدة و كل علاقه أقذر من التانيه
سالم باتزان
_ حلو . هي مش ذنبها انك حبيتها و اختارتها . و مع ذلك عشت معاها أيام جميلة و كانت زوجه صالحة ليك لحد ما حصل اللي حصل .
أوشك على مقاطعته فتجاهله سالم بنبرة قاطعه
_ لو مكنتش كدا مكنتش هتصبر عليها كل دا يا صفوت متغالطش نفسك . و دلوقتي انت كرامتك وجعاك من اللي حصل و عايز تنتقم بس من الشخص الغلط . سهام ملهاش ذنب . ولا نجمة ليها ذنب تحرمها من حد بتحبه .
تجاهل انصياع قلبه لكلمات سالم و قال بحزن
_ انا ملحقتش اشبع منها عشان ياخدها مني ..
سالم برفق
_ مين قالك أنه هياخدها منك ؟ بنتك هتتجوز جنبك و هتشبع منها و حتى الجواز مش هيكون خبط لزق كدا . لازم الحمار اللي بره دا يتسوى عالجنبين .
هُدِرت طاقته في الجدال فاقترب يلقي بجسده على اقرب مقعد واضعًا رأسه بين يديه بتعب تجلى في نبرته حين قال
_ انا تعبت اوي يا سالم . حقيقي تعبت . مبقتش عارف اعمل ايه ؟
سالم بمواساة
_ طبيعي تتعب بعد كل اللي حصل دا. و خصوصًا أن الخصم المرة دي من دمك مش غريب . بس انا عايزك متدمرش حياتك بإيدك . بُعدك عن سهام دا انتصار ليه . و هزيمة مش هتتحملها لا انت ولا هي .
رفع رأسه غضب و قال بنبرة يتخللها القهر
_ انا هتجنن . كرامتي و قلبي و كل حاجه ضدي . مش عارف ارضي مين ولا مين ؟ مش عارف اقف على أرض صلبة
_ انت فعلا على أرض صلبه مراتك و بنتك في حضنك . يبقى تحفر انت ليه؟ توقع نفسك و توقعهم ؟ عايز اسألك سؤال هتتحمل أن سهام تتجوز ناجي
هب واقفًا وهو يصيح بلهجة لا تقبل الجدال
_ لا طبعًا انت بتقول ايه ؟
زفر بما اراده فقال بلهجة ودودة
_ بقول تعقل و تطلع تصالح مراتك و تقعد مع الراجل اللي بره دا تشوفه عايز ايه و لو بنتك عيزاه مش هتلاقي احسن منه . حاوط بيتك وعيلتك يا صفوت . و متدمرش حياتك بأيدك
زفر صفوت بنفاذ صبر و لكنه بداخله انشرح قلبه لحديث سالم الذي أزال غمامة الانتقام من عينيه فهدأت سحبها و بدأت تصفو و تجلى ذلك في نبرته حين قال
_ دخلهولي ..
التمع المكر بعيني سالم حين قال
_ عنيا . عايزك تربيه على أقل من مهلك . هدية و وقعتلك من السما طلع فيه كل الكبت اللي جواك و ادعيلي...
لم يفلح في قمع ضحكاته على كلمات سالم الذي خرج ليُشير إلى عمار بالدلوف و الذي ما أن دخل حتى تفاجئ من هدوء صفوت المُريب فقال بغلظة
_ كولات دا بتتحدتوا في ايه ؟ بجالي ساعة مستني ..
لمع الخُبث في نظرات صفوت الذي قال
_ لحقت زهقت من الانتظار ! لا دا انت كدا هتفرهد مني بسرعة . و دا مش حلو علشانك..
عمار بعدم فهم
_ تجصد اي انا مش فاهمك ؟
صفوت بوعيد
_ بقى انت عايز تتجوز بنتي صح ؟
عمار بلهفة
_ ايوا صوح..
صفوت بمكر
_ حلو . طبعًا انت عارف ان دي بنتي اللي طلعت بيها من الدنيا . يعني مش هديها لأي حد ..
عمار بغرور
_ واني اي حد ولا اي ؟ اني زينة شباب المنيا و عيلتي أحسن عيلاتها و انت خابر أكده زين ..
صفوت بتخابث
_ لا طبعًا في دي عندك حق بس انت عارف الأصول و طبعاً كل عيلة و ليها سلو صح ولا لا
_ ايوا صوح .
صفوت بمكر
_ احنا بقى اللي ياخد بنت من بناتنا لازم يمُر بشويه اختبارات كدا عشان يثبتلنا أنه يستاهلها ..
كان الأمر مُثيرًا للحنق ولكنه كان يبغى الخلاص و الفوز بها لذا قال بنفاذ صبر
_ وماله . جولي مفروض اعمل ايه و اني اعمله ..
التمع المكر بعينيه و تجلى في نبرته حين قال
_ هقولك ...
***************
_ هو صحيح حازم لسه عايش ؟
كان اسفهامًا يبغُضه كما يبغُض إجابته و كل تلك الظروف التي تُحيط بهم و تجعلهم في دائرة النار التي تحرقهم بكل ثانيه
_ عرفتي منين ؟
انتفضت اوداجها غضبًا تجلى في نبرتها حين قالت
_ جاوب على سؤالي . حازم لسه عايش ؟
أجابها بصراخ اجفلها
_ ايوا يا ساندي لسه عايش . ارتاحتي ؟
كان شعورها ابعد ما يكون عن الراحة فقد ألقى بها في مراجل تغلي بنيران الجحيم الذي لون حدقتيها و نبرتها حين قالت
_ ازاي حصل دا ؟ مش معقول . اكيد في حاجه غلط . دا حد شبهه . صح ؟
عُدي بسُخرية مريرة
_ و هو حازم في حد شبهه ؟ على الأقل في القذارة . لو كنتِ فاكرة انك ضحيته الوحيدة فأنتِ غلطانه . حتى عيلته مسلمتش من أذاه. طلع حاطت ايده في ايد عدوهم و عمال بيحارب فيهم من بعيد لبعيد.
لم تستطِع أقدامها حملها فأراحت جسدها فوق المقعد وهي تقول بذهول
_ انت بتقول ايه ؟
_ بقول اللي سمعتيه . حازم دا أقذر انسان شفته في حياتي . و لازم تنسيه وتمحيه من ذاكرتك عشان نعرف نكمل حياتنا زي الناس ..
استنكرت كلماته التي أيقظت جروحها الغائرة فآنت عليها و بشدة للحد الذي جعلها تصيح باستهجان
_ حياتنا ! حياة مين ؟ انت بتجمعنا سوى ليه ؟
اقترب منها بخطٍ وئيده حتى وصل إلى مقعدها و دنى ببطء مُثير واضعًا يديه حولها وهو يقول بهسيس خشن ضد عينيها
_ عشان احنا سوى . هنعيش سوى و نموت سوى ..
كان قربه كفيضان قوي أصاب سدًا هش فحطمه في الحال للحد الذي جعلها ترتجف أمامه و جعل الحروف تخرج مُتقطعه من بين شفتيها
_ أن . انت . بتقول . ايه ؟ . ان . انا . لا . يُمكن . اك . اكمل . حياتي . معاك .."
تألم لحالتها و لضياعها و تخبط نظراتها فامتدت كفوفه تحنو على ملامح وجهها و قال مُخاطبًا عينيها بصدق
_ أنتِ معنى الحياة بالنسبالي يا ساندي . مفيش حياة من غيرك . و مش هسمح تكونلك حياة من غيري . "
صمت لثوان يُخاطب عينيها بنظرات متوسلة رافقت كلماته حين قال
_ هنمشيها خطوة خطوة. نبتديها أننا نرجع أصحاب تاني و ارجع عُدي صاحبك اللي مبتخبيش عنه الهوا و اللي مبترتاحيش غير لما تفضفضيله و تخرجيله كل اللي في قلبك وانا هسمعلك لو قولتي ايه ؟
صمت لثوان قبل أن يُضيف بمُزاح
_ و طبعاً أنا كمان هحكيلك على كل مصايبي زي زمان . و تقعدي تخانقيني و تزعقيلي و اقعد أشد شعرك و اجري وراكِ و في الآخر اتعاقب اني اقعد اعملك ضفيرة من اللي بتحبيهم ..
استمهل نفسه لثوان قبل أن يسحب أنفاسها العطرة بجوفه قائلًا بنبرة مُتحشرجة
_ مش وحشتك الضفيرة بتاعتي ؟
خانها جسدها و أعلن عن شوقه بتلك الأيماءة البسيطة و التي كانت مؤشرًا قويًا كونه على الطريق الصحيح فاردف بخفوت
_ و بعدين نرجع من تاني نذاكر سوى في أيام الامتحانات و نقعد نولول على الوقت اللي ضيعناه و على الزنقة اللي زنقنا نفسنا فيها .
ابتسم و شاطرته ابتسامته بأخرى بسيطة و كأنها مُغيبه عن واقعها الأليم تحت سطوة ذكرياتهم الرائعة معًا ليُزيد جرعات الأمان بقلبها حين قال
_ و بعد ما يمُر كل دا هتلاقي واحد بيعشقك واقف على بابك مستني بس تطُلي عليه و لو بنظرة . حتى لو اتأخرتي هيفضل مستني . عارفه ليه ؟
لم يفلح في قمع عبرات الألم التي انبثقت من مُقلتيه وهو يُضيف بعشق تخطى حدود احتماله
_ عشان أنتِ النفس اللي بتنفسه . النور اللي بينور حياتي . يكفيني اشوفك بخير حتى لو كان التمن انتظاري ليكِ العمر كله. انا موافق .
تاهت الكلمات من فوق شفتيها و تبدلت أشياء كثيرة بعينيها التي كانت ضائعة تتقاذفها الظنون و تلهو بها الهواجس ماذا لو صدقت و نالت خذلان آخر ؟ و ماذا لو لم تُصدقه و خسرت كل شئ ؟ و كان هناك استفهامًا مُلحًا يدور بأفاق عقلها هل سيفلح النسيان في العبور من بوابات الظلام المُحيط بها ؟ و هل سيتمكن ذلك العشق الذي يعدها به من ترميم جروحها النازفه و شفاء ندباتها البشعة؟
**************
عادوا إلى الديار بعد وقتًا كان مُتعبًا مع الجميع و بالرغم من كل ما حدث ولكنه لا يستطيع أن يُنكِر شعور الراحة الذي تسرب إلى قلبه حين اطمأن على وضع شقيقته و أنها آمنه هُناك .
أنتهت طاقته إلى هذا الحد و أشارت الساعة إلى الواحدة بعد مُنتصف الليل فقد عادوا ظهر اليوم و هاهو لم يُبارح مكتبه يُحاول إنجاز الكثير من الأمور المُتراكمه فوق رأسه الذي كاد الصداع أن يفتك به و للحظة تذكر وجهها البديع الذي يُضفي سكينة من نوع خاص على صدره فيهدئ و يستكين و لأن القلوب أن عشقت فإنها تغدو مُتصله ببعضها البعض بخيوطٍ خفيه فقد تململت في نومتها لتجده لم يعُد بعد فأخذتها خطواتها المُتلهفة إليه في أكثر وقت ينشُد وجودها فيه فإذا بها تقوم بفتح باب غرفة مكتبه لتُطِل عليه بحضورها الطاغي و بهاء وجهها المُتورد بفعل العشق و كعادتها معه لبت ندائه الصامت و توجهت رأسًا إلى حيث يجلس لتقوم بمحاوطة رأسه ليستكين فوق موضع قلبها الصارخ بعشقه و أخذت كفوفها الحانية تتلمس خُصلاته بهدوء جعله الاسترخاء يعرف طريقه إليه و بعد عدة دقائق هانئه لثمت مُقدمة رأسه بقُلبه دافئة اذابت صقيع شباط الذي يُحيط بهم و اتبعتها بحنو كلماتها
_مش كفايه شغل بقى انت تعبت اوي النهاردة ..
احتوى خصرها بذراعيه رافعًا رأسه يُناظرها بنظرات حانيه مُمتنة لوجودها و أجابها بلهجة خشنة
_ كُنت تعبان لحد قبل ما تدخلي من الباب ..
همست ضد شفتيه بعذوبة
_ و ايه اللي حصل بعد ما دخلت من الباب ؟
نقشت أنامله لحنًا مُغريًا فوق خصرها قبل أن يقول بنبرة شغوفه
_ طلتك الحلوة ضيعت كل التعب و بدلت الليل نهار في عنيا ..
مازحته و يديها تتلمسان شعيرات ذقنه القصيرة
_ ايه دا كله ؟ سالم الوزان بقى يقول شعر ؟ أنا اكيد بحلم !
قست أنامله في مكان ما أسفل ظهرها ردًا على مزحتها قبل أن يقول بعبث
_ ماهو أنتٌ الصراحة تخلي الحجر ينطق و بعدين سالم مابيقولش سالم بيعمل . و لا ايه ؟
أنهى كلماته بغمزة اربكتها و أشعلت حمية العشق بقلبها فأخذت تُداعب أنفه بأناملها قبل أن تقول بخفوت
_ بحب فيك اوي لما تتبدل من الشخصية القوية اللي الكل بيخاف منها و تبقى في حضني عاشق بيعمل المستحيل عشان يفرحني .
جملتها أيقظت رماد الندم بعينيه فاقترب غارسًا بتلات عشقه فوق قلبها النابض قبل أن يُعيد دفة نظراته إلى عينيها وهو يقول بنبرة مُتحشرجة
_ حقك عليا يا فرح . انا مدين ليكِ باعتذار ..
قطبت جبينها قائلة باستفهام
_ اعتذار ايه ؟
تحمحم بخشونة قبل أن يقول بجفاء
_ عشان لما قولتيلي إن شيرين سمعتك فويس بصوتي مصدقتكيش . و طلع عندك حق. بس انا مش ساحر يا فرح..
قاطعت حديثه بوضع إبهامها فوق شفتيه ثم بدلته بشفاهها التي لثمت خاصته بقبلة دافئة اتبعتها بعذب كلماتها
_ اوعى تعتذر أو حتى تفكر في كدا يا عيون فرح . هو انت فاكر أن حيرتك دي كانت سهلة عليا ؟ انك تبقى هتتجنن قدامي عشان مش قادر ولا قلبك مطاوعك تكذبني دي عندي كبيرة أوي يا سالم .انا عارفه انك عمرك ما شكيت فيا. وصدقني بندم على كل حرف قولته في الليلة دي ندم عمري ..
قاطعها ليمحي ذرات الندم التي تنبعث من عينيها
_ اي حد مكانك كان هيعمل و يقول كدا . حازم صوته نفس صوتي بالظبط . انا بعد كدا لما هديت عذرتك .
تدللت بحزن أضرم النار بقلبه
_ انت وجعتني أوي بكلامك اليوم دا ..
أجابها بلهفة قلما تظهر عليه
_ ندمت ندم عمري على كل حرف قولته وجعك اليوم دا . بس غصب عني لهفتي عليكِ خلتني مكنتش شايف ولا حاسس بنفسي ..
لن تُفسِح المجال لأي شيء في هذا العالم في إفساد سعادتهم حتى و لو كانت تك الذكريات المؤلمه لذا استراحت بثُقلها على ساقه ويديها تُحيط عنقه بينما نظراتها تدللت كنبرتها حين قالت
_ طب ايه رأيك كل واحد فينا يصلح غلطته اليوم دا ؟
انكمشت ملامحه بحيرة قطعتها جُملتها التي تحمل وعود العشق الذي يتراقص في مُقلتيها بإغواء و ذلك الشغف الذي يقطُر من نبرتها حين اقتربت من أذنه هامسه
_ هسبقك على اوضتنا قُدامك رُبع ساعة و تيجي هتلاقي عروستك مستنياك اوعى تتأخر ..
لم تترُك له مجال لاستيعاب كلماتها إذا استقامت مُتوجهه للخارج بعد أن زرعت بصدره ألسنة العشق المُتوهجة فأصابته بلعنة الأشتهاء التي جعلت الدقائق تمُر على ظهر سُلحفاه وهو ينتظر مرور المدة التي حددتها حتى يظفر بقُربها الذي ما أن يتخيله فيجف حلقه و تتصاعد دقات قلبه للمليون دقه في الثانية الواحدة و بشق الأنفس استطاع أن يتحمل لدغات الثواني ليقطع الخطوات الفاصلة بينه و بين غرفته بلمح البصر و يقوم بأدارة مقبض الباب ليتصنم مكانه وهو يراها بفستان زفافها مُطلقه العنان لخُصلاتها الثائرة لتُحيط بها كأشعة الشمس فتُعطيها توهجًا براقًا و جمالًا آخاذًا يفوق جمالها ذلك اليوم فأخذته قدماه إليها دون وعي منه فقد أسرته فعلتها حد الجنون الذي تحول لرغبة عاتيه في إمتلاكها يتخللها عشق أهوج قد لا تحتمله تلك المجنونه ولكن سبق السيف العزل ففعلتها أطلقت جيوشه الآتيه من الجحيم فقام بجذبها بعنف لترتطم بسياج صدره المُعضل الذي لا يحتمل جنون قلبه بها في تلك اللحظة فجاءت نبرته مُتحشرجة من بين أنفاس مُتهدجة حين قال
_ أنتِ عارفه خطورة اللي بتعمليه دا ايه ؟
تعانق العشق بالرغبة بداخلها فبدد كل شعور بالخوف من ظلمة نظراته و رغبته الموقدة و التي يستشعرها جسدها في تلك اللحظة فهمست بجُرأة غير معهودة
_ عارفه و مستعدة لكل حاجه منك .
اغمض عينيه يُحاول تنظيم دقاته الهادرة و تحجيم شعوره المُروع بها الآن فتفاجئ بها تقترب منه حتى تعانقت أنفاسهم الموقدة والتي تُشبه نبرتها حين قالت
_ انا بين ايديك يا سالم . خدني لدنيا تانيه بعيد . مفهاش حد غيرنا . مش عايزة حد غيرنا .
دعوة صريحة من إمرأة اجتمعت بها عجائب الكون في نظره فهل يملِك من الحول ما يُمكنه من رفضها وهل لذلك العقل الذي أكثر ما يُميزه القُدرة على مجابهة نظرة واحدة منها؟
إجابته كانت قُبلة ساحقة أودت بها إلى الهلاك بين ذراعيه التان عزفت اقسى و اروع معزوفة فوق جسدها الذي كان أصبح كنوت بيتهوفن الذي أطلق العنان لجميع مشاعره ليُبدِع في أنشودة غرام كان صداها يتردد في جميع أنحاء الغرفة و ترتج له الجدران و تنتفض لها الأبدان التي غمرتها نشوة العشق فصارت تنهل بنهم لا يُقصيه تعب ولا يُبدده ألم . فقد فاض بهم العشق و طغى حتى صار مسموعًا محسوسًا و ملموساً فوق تلك الاشياء المُحطمة و الملابس المُبعثرة ولكن كان فرسان الغرام بوادٍ آخر غير عابئين بأي شيء سوى ترميم صدوع الشوق الذي لا ينضب و لا يخمده ثورة المياة التي غمرتهم فشدد من جذبها ليلتصق ظهرها بصدره وهما بحوض الإستحمام الذي ملؤه سالم بالمياة الدافئة علها تُهدئ من آثار تلك المعركة الداميه التي نشبت بينهم ولكن هيهات فمُجرد نظرة بسيطة منها تنشب مخالب الصبوة بقلبه فكيف بوجودها بين ذراعيه
_ لو كنت اعرف انك هتعوضيني عن اليوم دا بالطريقة دي كنت كررته كل شويه ..
ابتسمت من بين ذلك التعب المُضني الذي أَلم بجسدها و قالت بنبرة مُتهدجة
_ لو كنت اعرف الأفترى بتاعك دا كنت كملت نوم و مكنتش نزلتلك من الأساس.
قهقه بصخب نادر ما يحدُث فلم تُريد أن تُضيع تلك الفرصة ان تستمتع بضحكاته الرائعه فالتفتت تُناظره بلهفه كان لها وقعًا خاصًا عليه
_ احنا بنجيب ورا بقى اومال فين القطة المخربشة اللي كانت من شويه ؟ و أنا بين ايديك و قصاد عينيك و الكلام دا كله ؟
فرح بمزاح
_ سحبته .
_ جبانه
_ مُفتري
_ بس بحبك ..
همسه القاتل و إعلانه الصريح جعلوا قلبها يرتج بين ضلوعها فهمست بوله
_ وانا بعشقك . خلاص افتري براحتك .
تعالت قهقهاته على كلماتها و شدد من احتضانه لها وهو ينثُر عشقه فوق كتفها المرمري قائلًا بشغف
_ يااه يا فرح كنتِ فين من زمان ..
_ كنت محافظة على قلبي عشان اقابلك .
_ لو كنت قابلتك من بدري كان زمان حاجات كتير اتغيرت.
همست بعذوبة
_ كل حاجه بتيجي في وقتها بتكون احلى.
_ أنتِ أحلى حاجه جتلي . و مش هيجيلي احلى منك مهما جالي .
انتشى القلب بكلماته التي اذابت عظامها من فرط روعتها فشددت من نفسها لتلتصق به أكثر وهي تقول بخفوت
_ خليك ماسك فيا اوي يا سالم . انت كل حاجه فيا. كل حياتي بتتلخص في وجودك . متبعدش عني ولا ثانيه .
_ الحاجه الوحيدة اللي مقدرش عليها في الدنيا دي هي بُعدك . اطمني ..
تعانقت اضلُعهم و هنئت قلوبهم و استكانت أرواحهم لثوان قبل أن تقول بهمس يعرف الطريق لقلبه جيدًا
_ قلبي مطمن بيك.
**************
_ قال وعلى رأي المثل جه الحزين يفرط طلعتله همت في البخت ..
صححت ريتال كلماته قائلة
_ اسمها جت الحزينة تفرح ملقتلهاش مطرح . متبوظش الأمثال يا عمو .
زفر مروان بحنق
_و أنتِ مالك أنتِ ابوظ ولا مبوظش هو المثل كان بتاع ابوكي..
ريتال بتقريع
_ عيب يا عمو اسمه بابي ..
مروان باستنكار
_ بابي . اميتابتشان دا بقى بابي . يا بنتي دا عربجي . ابوكي دا تقوليله يابا يا بويا و اصلًا متناديش عليه .
ريتال مُدافعه عن والدها
_ لا طبعًا دا بابا دا اجمل اب في الدنيا كلها .
مروان بسخرية
_ اجمل اب . لا و أنتِ الصادقة دا سفن اب .ماهو كدا انتوا يا بنات متحبوش غير اللي يديكوا على دماغكوا لكن يكون انسان مُرهف الحس زيي و بيحافظ على مشاعركوا يبقى دا جزاته
_ هو مين اللي مُرهف الحس ! اكيد مش انت ..
كان هذا صوت شيرين الساخر فقابل مروان سخريتها قائلًا بتهكم
_ حوش مين بيتكلم ! يا بنتي دا انتِ عندك كميه برود لو اتوزعت على الصعيد الناس هتتجمد .
_ دمك يُلطش ..
مروان بنبرة ذات مغزى
_ طبعًا دمي يُلطش ماهو عشان مش محشور في الهدوم ولا فاتح القميص و مبين نص صدري هيبقى دمي يُلطش المبادئ في ذمة الله .
التفتت شيرين إلى ريتال قائلة بتعجب
_ هو ماله دا اتهبل ولا ايه ؟
ضاق ذرعًا من وجودهم فاندفع بنفاذ صبر
_ أنتِ مالك يا باردة أنتِ وهي واحد قاعد يندب حظه جايين تقرفوه في عيشته ليه ؟
اقتربت شيرين لتجلس بقربه وهي تقول بتعاطُف
_ لا يا مارو مقدرش اسيبك تزعل أبدًا قولي مالك مين مزعلك
مروان باندفاع
_ المخفية أُمك وقفالي زي العُقلة في الزور .
لكزته في كتفه بقوه وهي تقول بغضب
_ احترم نفسك يا حيوان متقولش كدا على ماما ..
مروان بتحسر
_ هو انا في أيدي حاجه غير اني اقول . كشفت شعري ودعيت عليكِ يا همت يا بت رئيفة هانم . يبتليكِ باللي أقوى منك .
_ بس يا حيوان .
زجرها بعنف
_ اسكتي و سبيني انا هتجلط منها. طب هي مُعقدة و ربنا وقعها في ابوكي راجل ابن ستين كلب انا مالي احاسب عالمشاريب ليه ؟ تقولي بنتي لسه صغيرة و مش ناويه اجوزها دلوقتي . اومال هتحنطها !
قال جُملته الأخيرة بصُراخ و ما أن أوشكت أن تنهره حتى جاءهم صوت غاضب من الخلف
_ في ايه يا ابني انت عمال تولول ليه صدعتنا ؟
مروان بسخرية
_ اهي كملت . غُربان البيين هَل .
شعرت بحزمة من المشاعر الموترة تتفشى في سائر جسدها حين استشعرت حضوره ولكنها لم تلتفت بل ظلت بجانب مروان الذي شعر بما يحدُث فضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال
_ شيري بقولك ايه ما تيجي نقوم نكمل كلامنا جوه. عيب دي اسرار بردو .
استشاط طارق لدى سماعه كلمات مروان وهب غاضبًا
_ أسرار ايه اللي بينكوا دي ؟ و بعدين ماتتكلموا هنا هو انا غريب ؟
مروان بمكر
_ لا طبعًا مش غريب بس دي أسرار بين الأصدقاء و بعدين زي ما بحفظ أسرارك لازم احفظ اسرار شيرين صح ولا ايه ؟
حضوره كان طاغيًا للحد الذي لم يجعلها تنتبه لذلك المكر الذي يقطُر من بين كلمات مروان و انصب اهتمامها على كلمة أسرار فتفشى الفضول بقلبها و قالت باندفاع
_ والله هو طارق كمان عنده اسرار ؟!
مروان ببراءة مُزيفة
_ طبعًا عنده أسرار مش بنى ادم ولا ايه ؟ ماهو زي الهِلف قُدامك اهو . إلا عنده أسرار دي . دا عنده حتة سر هولندي بشعر أصفر و عنين زرقا انما ايه. يالهواي يخربيت ابوها..
اندلعت الحرائق في جوفها فالتفتت بقوة تناظره بأعيُن التمع بهُم الغضب الذي جعله يقول بجفاء
_ ايه يا زفت انت الهبل اللي بتقوله دا ؟ هولندي ايه و شعر أصفر ايه ؟
مروان مُدعيًا البراءة
_ كان احمر باين ؟ ايه دا اه انت سبتها . صح نسيت .
وجه كلماته الى شيرين قائلًا
_ مقولكيش بقى يا بت يا شيري على السر الروسي يالهوااي حاجة كدا نووي . دمار شامل . روسي روسي صناعه محلي يعني .الهي يطفحها .
تجاهل نظرات و تحذيرات طارق بالصمت و خرجت الأمور عن السيطرة فهبت شيرين من مجلسها بعصبية تجلت في نبرتها حين قالت
_ والله و طارق بيه طلع مش سهل و قال و احنا اللي كنا فاهمينه غلط .
اختتمت كلماتها و هربت قبل تتدافع العبرات من مُقلتيها فهب طارق خلفها مُحاولًا أن يراضيها وسط قهقهات مروان المُتشفية و الذي التفت إلى ريتال قائلًا بارتياح
_ احسن كدا الكل يفركش. اومال اقعد اندب حظي لوحدي . لا . نندب كلنا سوى . أما اقوم انكد على جنة وسليم كمان . عشان يبقى الندب للرُكب . بت يا جنة . أنتِ يا أوزعة..
**************
_ صح النوم . يالا يا كسلان ..
همساتها الناعمة ايقظته من غيبوبة النوم التي قضاها بين ذراعيها ليفتح عينيه على مهل و كان أول و أشهى ما رآه هو وجهها الصبوح الذي يُضيء الكون بضحكاته الساحرة و التي تبعث الراحة و الطمأنينة إلى قلبه الذي يشتهي ابعد من ذلك فمد يده في دعوة صريحة إليها لبتها على الفور فاكتنفها بين جنبات صدره الذي كان يضُخ عشقها إلى سائر جسده .
_ يعني حد يسيب القمر دا و يقوم بردو ؟ دا أنتِ الكسل جنبك فضيلة و نعمة ...
اخترقت ضحكاتها أذنيه فاطربتها كما اطربتها كلماته الرائعة للحد الذي جعلها تقول بخفوت
_ الحقيقة أن انت اللي وجودك في حياتي اجمل نعمة يا سليم ..
اشتهى الجنة فقبلها بقوة و شغف اذابا عظامها ففصل قُبلته قائلًا بأنفاس مُتهدجة
_ أنتِ لو قاصدة تجنني أمي مش هتقولي كدا ..
لكزته في كتفه برقه وقالت مُعاتبه
_ أُمك ست طيبة ملهاش دعوة بجنانك . دي مواهب مُكتسبة ..
أجابها بوقاحة
_ على ذكر المواهب دانا عندي شويه مواهب مدفونه يا بت يا جنة بس ايه يستاهلوا بقك ..
قهقهت بصخب أطاح الباقي من ثباته و لكنها أوقفت جموحه قائلة بتحذير
_ الوقت اتأخر و زمان الناس عايزة تفطر أجل مواهبك دي لوقت تاني ..
سليم بتذمر
_ ناس مين و فطار مين بقولك مواهب مدفونه مبتطلعش غير للحبايب .
صاحت بتحذير
_ سليم بطل و قوم بقى ..
تلبدت سماءها بالغيوم وهي تُضيف بخفوت
_ و بعدين انا متضايقة ..
اعتدل جالسًا وهي بين ذراعيه التي احتوتها بضمة حانيه و كذلك لهجته حين قال
_ مالك يا حبيبي ؟ ايه اللي مضايقك ؟
لم تفلح في إخفاء التوسل من نبرتها حين قالت
_ سليم هو انا ينفع اتكلم معاك في موضوع مهم . و تسمعني للآخر ؟
_ ينفع طبعًا ..
لم تستطيع احتمال ما بجوفها فاطلقته بوجهه دفعة واحدة
_ أنا عايزة اكتب محمود على اسمك انت ..
للوهلة الأولى لم يستوعب كلِماتها فخرج استفهامه دون وعي
_ ايه ؟
بللت حلقها و قالت بلهجة جافة
_ اللي سمعته. محمود يستحق انه يكونله اب زيك . يستحق أنه يتربى بين أبوه و أمه . تقدر تقولي لما يكبر و يسأل عن أبوه هنقوله ايه ؟ مات ولا عايش و مينفعش تشوفه ؟
ألقت ببارود كلماتها في وجهه الذي امتقع لثوان و تماوجت تعابيره ما بين الغضب الذي ظهر جليًا في عينيه التي أصبحت كبركه من الدماء و بين الحُزن الذي تجلى في قسمات وجهه التي تهدلت من فرط شعوره بالعجز عن إجابتها و أيضاً القسوة التي تجلت في يديه التي تُحيط بها ولكنها لم تعبأ بذلك بل احتوت كل انفعالاته بكفوفها الحانية وهي تقول بنبرة محشوه بالوجع
_ انا عارفه انت بتتألم قد ايه ؟ و عارفه انك اكتر حد حاسس بوجعي . و متأكدة أن جواك نار بتحرقك زي اللي جوايا و مُجبر تخبيها جواك عشان اللي حواليك . بس النار دي هتخلص عليك في يوم . لو انت هتقدر تتحملها عشان هو اخوك انا مش هقدر ..
ابتلع جمرات غضبه الحارق و عجزه المُميت و قال بجفاء
_ أنتِ كدا بتنتقمي منه ؟ بانك تنسبي ابنه لحد غيره ؟
هبت من مكانها قائلة بقهر
_ ميستاهلوش . ابنه اللي حاول يموته وهو في بطني ميستاهلش ضافره ..
همس بنبرة مُلتاعه
_ و انا ؟
لم تفهم مغزى استفهامه فأضاف موضحًا
_ انا فين من انتقامك دا ؟
اقتربت منه بأعيُن التمع بهم العشق و تجلى في نبرتها حين قالت
_ انت أحسن حاجه حصلتلي في حياتي . الحاجه الوحيدة اللي منعتني اني اطلع بروحه في أيدي اول ما شفته و عرفت أنه لسه عايش ..
تبدلت نظراتها حين أطلقت جُملتها الأخيرة فناقضت برائتها و هاله ما بها من انتقام و بُغض جعله يقول باستفهام
_ لو حازم قدامك ممكن تخلصي عليه يا جنة ؟
هبت باندفاع و لهجة مُدججة باللوعة و القهر
_ اكيد هخلص عليه. هاخد روحه بايدي و مش هندم لحظة واحدة.
بهتت ملامحه حين رآى انفعالاتها و تبدل حالها من تلك الفتاة الرقيقة إلى النقيد و لكن جاءت كلماتها المُعذبة لتُلقي به في غياهب الألم
_ انا منستش يا سليم . كل العذاب و القهر اللي شوفته من يوم ما عمل اللي عمله فيا لسه فكراه و فاكرة قهره قلب فرح و وشها اول ما فوقت من الحادثة . فاكرة احتقارك و احتقار أهلك ليا من اول يوم دخلت فيه بيتكوا ، فاكرة لما ماما أمينة عرضت عليا فلوس كأني واحدة من الشارع عشان أسيب ابني . انا فاكرة كل حاجه يا سليم . انا مبلومش على حد فيكوا. ولا شايله في قلبي منكوا . بس مش قادرة انسى و خصوصًا بعد ما شفته قدامي عايش .
صمتت لثوان تُحاول التحكم في سيل العبرات الذي يتسابق في الهطول من حدقتيها ثم تابعت بنبرة مغلولة
_ حتى لو عملتوا في اي . لو عاقبتوه بأيه ؟ مش هيطفي ناري القايدة جوايا .
لأول مرة بحياته يختبر ذلك الشعور المرير بل مُميت يقف بصمت يُتابع انهيارها و عذابها و لوعة قلبها و هو عاجز حتى عن كفكفة عبراتها . فهُناك ماهو أشد و اقسى بجوفها ولن تُخمِده أو تُهدئ من فداحته ايًا من محاولاته معها .
لم تعُد الأرض تحمله ولم يعُد يستطيع الصمود أمام انهيارها و وجعه أكثر فتوجه الى الحمام مرورًا بها فأوقفته يديها التي قبضت على خاصته بقوة تجلت في نبرتها حين قالت
_ رايح فين ؟ مش هتسبني يا سليم . صح ؟
رفع عينيه التي عاتبت عينيها بقسوة و جاءت لهجته مُشبعه بالوجع حين قال
_ مش هسيبك يا جنة حتى لو كان وجودي زي عدمه بالنسبالك ..
امتقع لونها جراء كلماته التي توحي بمقدار ألمه الهائل و فهمه الخاطئ لحديثها فاندفعت تُعانقه بكل ما أوتيت من عشق تجلى في نبرتها التي جاءت من بين انهيار عظيم
_ اوعى تقول كدا . انا عايشه عشانك . من غيرك كان زماني موت أو انتحرت . انت بتجري في دمي. بس انا غصب عني . في نار جوايا يا سليم .
حاوطتها يديه بحنو لم تُفصِح عنه شفتيه انما اكتفى بمواساة صامتة لم تكفي لوع قلبها فانتزعت نفسها من بين ذراعيه تقول بانفعال
_ انت زعلان عشانه صح ؟ زعلان عشان اخوك ؟ قولي متخبيش . ماهو اخوك بردو..
كانت تتحدث بعشوائيه تُنافي جموده و ثباته حين أجابها
_ هو فعلًا اخويا يا جنة . سواء قبلت دا أو رفضته اخويا.
اشتد سواد عينيها و غلفتها طبقة من الحقد و صاحت بنبرة مغلولة
_ و دا اللي مخليك ترفض تكتب محمود على اسمك ؟
استهلك جميع طاقته في استجداء الصبر الذي لم يكُن أبدًا من شيمه لكي لا يصرُخ حتى تتهدم الجدران من حولهم و قال بجمود يُحسد عليه
_ انا مش هقدر اعمل كدا عشان دا حرام . اني انسب طفل ليا و أبوه عايش بالرغم اني اتمنى من كل قلبي لو كان ابني فعلًا
استفهمت بلهجة حادة
_ يعني ؟
سليم بجمود
_ يعني مش هرتكب ذنب زي دا . ولو مش مصدقه أنه حرام يالا نروح دار الإفتاء و أسألي هناك..
تنحى آخر شعاع للعقل برأسها و قالت بانفعال
_عشان حرام ولا عشان هو أخوك ؟
سليم بثبات يُهدد بالانهيار في أي لحظة
_ عشان حرام ...
اندفعت تلكمه في كتفه بغل تجلى في نبرتها حين قالت
_ و اللي حصلي مش حرام ؟
تسلل القهر إلى لهجته حين قال
_ حرام . قوليلي ايه ممكن اعمله عشان اصلح اللي حصل .
تسللت السخرية المريرة إلى لهجتها حين قالت
_ لا كتر خيرك لحد كدا . انت شيلت الشيلة كامله و صلحت غلطته و اتجوزتني....
على حين غرة جذبتها يديه تُلصقها بسياج صدره بقسوة غير معهودة بل غير مقبوله فقد شعرت بأن ضلوعها تحطمت جراء حركته المُباغته و لكن جاءت لهجته أشد وأقسى حين قال مُحذرًا
_ إياكِ تعيدي اللي قولتيه مرة تانيه . و إلا هتزعلي مني و هتشوفي مني وش ماحبش انك تشوفيه ..
لم تعي ما تحمله كلماته من غضب لأجلها و لأجل ذلك التشبيه المقيت و الوضع المُشين الذي تضع نفسها تحت طائلته فقد كان العقل غائبًا و أبخرة الانتقام تتراقص أمام عينيها مما جعلها تنتزع نفسها من بين يديه بقسوة تجلت في نبرتها حين قالت
_ معتقدش انك لسه عندك حاجه وحشة انا مشوفتهاش . بس تصدق انت دايمًا بتبهرني . و خصوصًا لما الموضوع يتعلق بحد من أهلك . بتتحول . يا بختهم بيك والله..
بشق الأنفس استطاع تجاوز غضبه وجراحه الهائلة وقال بلهجة غليظة
_ لو هما اهلي ف أنتِ أنا يا جنة .. افهميها علي مهلك..
القى جُملته و تجاوزها قاصدًا الهروب من تلك الحرب التي كان قلبه اول ضحاياها فإذا بها تُلقي به إلى التهلُكة بكلماتها القاسية
_ في المستشفي يوم ما ولدت وعدتني تجيبلي حقي من اللي ظلمني . و اهو اللي ظلمني طلع عايش . هاتلي حقي منه . و اعرف اني مش هبقى انت ولا هنتمي ليك بعد النهاردة إلا لما تجبلي حقي منه يا سليم .
توقف الزمن به لوهله شعر بها بأن الكون بأكمله ضاق به حتى أنفاسه أصبحت ثقيلة على صدره والتفت يُطالِعها بنظرات هي القهر بعينيه ثم قال مُستفهمًا
_ يعني ايه يا جنة ؟
لم تقصد تلك القسوة التي تضمنتها لهجتها حين قالت
_ افهمها على مهلك ....
يتبع ...
الفصل نزل متأخر انا عارفه بس عيزاكوا تعرفوا اني مطبقة زيي زيكوا عشان اكتبه و بكتب فيه بقالي يومين كان ممكن اققله علي ٣٠٠٠ أو ٤٠٠٠ كلمه بس محبتش دا كنت عيزاه حاجه تليق بانتظاركوا فصل ٨٠٠٠ كلمة مش قلة تقدير مني ولا حاجه و مستاهلش منكوا أبدا كلمة تكسر خاطري أو تزعلني 🥺 ربنا يعلم ظروفي ايه و بكتب ازاي اتمنى الاقي منكوا ولو شويه تقدير مش عايزة اكتر من كدا 💔
حقيقي أنا كتبت كل كلمة من قلبي اوي و برغم تعبي الا إني حاسه اني راضيه اوي عن الفصل دا محتاجة اعرف رأيكوا عشان يكتمل رضايا و احس ان تعبي مرحش هدر
متنسوش فوت كومنت فولو ليا و كومنتات عالفقرات و الجُمل اللي تعجبكوا 💗💓
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل السبعون 70 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الأنشودة التاسعة 💗🎼
أكرم قلبك بالرحيل عن كل ما هو لا يليق به. وانأى بذاتك عن تُرهات القوم حتى و لو ألزمك الأمر المُضي في الإتجاه المُعاكِس ! فليس كُل دارِج حق و ليس كل مُغاير بغي …
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
نشيج صامت ، عبرات بكماء ، جسد ساكن و روحٍ مذبوحة تبغي النجاة و لكن اي نجاة حين ينشب الإنتقام مخالبه في أعماق النفوس ؟ فيتبدل قوس قزح إلى رمادي و ذلك الصفاء إلى غيوم تُهدد بإنفجارات مُروعة .
_ أنا نازل ورايا شغل في الشركة .. اتمنى لما ارجع تكوني هديتي ..
هكذا تحدث بنبرة رغم جفاءها إلا أن الحزن كان متشعبًا بداخلها على عكس نبرتها حين قالت ساخره
_ اتمنى !
زفرة قوية أحرقت جوفه كما احرق الحزن قلبه الذي بالرغم من كل شيء قاده إليها بخطٍ وئيده ليلثم جبينها الدافئ باعتذار صامت نثرته شفاهه كتعبير عن ذلك الحزن المرير الذي يجيش بداخله و كان اضعافه بداخلها لذا أغمضت عينيها تستشعر قربه الذي هو أحب ما يشتهي قلبها الذي يود الصراخ طالبًا منه عدم المغادرة و لكنها تفاجئت بعد لحظات بباب الغرفة يُغلق إعلانًا عن رحيله .
كظمت غيظ قلبها و ألمه و قامت لتتوجه إلى المرحاض كي تخلع عنها كل هذا الوجع فوقفت أسفل المِسحاح بملابسها لينهمر شلال المياة فوقها و تمتزج معه بحور الدمع المُنبثِق من عينيها لتتشكل صورة مُريعة لإمرأة خاضت مع الحياة معارك ضارية و حين أوشكت على الظفر بجولتها الأخيرة انتهى الوقت !
*************
_ طب انت كدا هتبقى متشتت يا حبيبي ما بين القاهرة و اسماعيليه ؟
هكذا تحدثت فرح وهي تساعد سالم في إرتداء معطفه فاستدار مُلثمًا خدها الأيمن وهو يقول بخشونة
_ موضوع الانتخابات دا مفيش في رجعة . مُضطرين نتحمل لحد ما نشوف هترسى على ايه ؟
كانت عينيها تتابعانه بفخر يتخلله إعجاب كبير
_ هترسى اني هبقى مرات سيادة النائب أن شاء الله ..
سالم بتخابث
_ شامم ريحة استغلال نفوذ من دلوقتي .
تدللت وهي تقف على أطراف أصابعها لتحوي عنقه بين ذراعيها و تصبح على مقربة منه حتى تعانقت أنفاسهم
_ تعرف من الحاجات اللي بتعجبني فيك انك لماح .
عانقت ذراعيه خصرها بينما أخذت أنامله تعزف بعبث فوق ظهرها وهو يقول بصوت أجش
_ لماح و بس ؟
لكم تهوى تلك النظرات الشغوفة التي تعِدها بجنته التي باتت إدمانها و ترياق الحياة بعينيها
_ هو انا قولتلك قبل كدا انك اجمل راجل شافته عيني !
هالك لا محالة أمام إمرأة تحوي فتنة العالم أجمع بعينيها و نبيذ العشق بين شفتيها و دفء العالم بين طيات ذراعيها
_ عايز اسمع كل اللي اتقال و اللي متقالش .
همست بخفوت
_ طب و مشوار اسماعيليه ؟
_ يتأجل !
تدللت قائلة
_ و الانتخابات ؟
تماوجت نظراته حتى دكنت وهي تتوقف أمام ضفتي التوت خاصتها ليقول بخفوت وهو يلامسهم بتمزز من فرط نعومتهما
_ تتأجل . كل حاجه في الدنيا تتأجل إلا أنتِ ...
تغنجت قائلة بابتسامه مغوية
_ وهو دا المطلوب إثباته .
ما أن انهت كلماته حتى اقتنص تلك الثمار الشهية من فوق شفتيها الناعمتين و أخذ يتمزز بطعمهم الرائع بينما يديه تعزفان بشغف فوق ساحة جسدها البض وهي تبادله تأخذ و تعطي بنهم أفقده صوابه للحظات قطعها شعور بالخوف تسلل إلى قلبه الذي لازال يتذكر ليلتهم العاصفة و ما تلاها من دمار ليقطع قبلتهم وهو يحويها بضمه قوية اتبعها قائلًا بخشونة اذابتها
_ خلتيني بين نارين يا فرح . اعمل فيكِ ايه ؟
همست بحنو
_ سلامتك يا قلب فرح ..
رفع رأسه يناظرها بحنق وهو يزمجر معترضًا
_ وبعدين يعني ؟
تعلم أنها تلهو فوق اوتار صبره الذي لا ينفذ سوى معها لذا ابتسمت قائلة بدلال
_ لا بقولك ايه هتتعصب عليا هزعل و أنا الزعل خطر عليا
هتف بتذمر
_ والله أنتِ اللى خطر عليا ..
ابتسمت بحب وهي تعانق يديه ليتوجها للأسفل فإذا به يلحظ الخروج العاصف لسليم من باب المنزل وسط صيحات مروان
_ اسلومه ؟ انت يا ابني ؟
لم يجيبه سليم فوجه حديثه إلى ريتال قائلًا باندهاش
_ ماله دا مابيردش ليه ؟ يكونش عشان شعره طول شويه محدش مالي عينه ؟
ريتال باستنكار
_ أو يمكن يكون مش فاضي أو متضايق مثلا ياعمو !
ناظرها مروان بسخط تجلى في نبرته حين قال
_ و أنتِ بقى عينوكي محامي عن كل اللي في البيت ؟ أنتِ مالك أنتِ اصلا ؟
_ عامل دوشه ليه عالصبح ؟
كان هذا صوت سالم الفظ وهو يتدلى من أعلى الدرج وبجانبه فرح تتأبط ذراعه فالتفت مروان يناظرهم وهو يقول بنبرة ساخطة خفيضة
_ شوف البت لازقة فيه ازاي ؟ عامله زي القُرادة بالظبط .
ريتال بخفوت
_ و انت مالك يا عمو مش مراته !
_ طب اسكتي . اسكتي .
انطلق ليقابل سالم عند أسفل الدرج وهو يقول بتهليل
_ الله اكبر ؟ دا صباح الفل و الورد و الياسمين على الكبير بتاعنا
قام بنزع يد فرح من يده وهو يقول بفظاظة
_ ايدك بس من هنا معلش .
تابع وهو ينظر إلى سالم بفخر تجلى بنبرته وهو يصيح
_ ايه يا ابني الحلاوة دي والله انت خسارة في البلد دي . تعالى أما ارقيك .
سالم بامتعاض
_ مروان قصر .
مروان بصياح
_ والله أبدا لازم ارقيك . هو احنا عندنا كام سالم الوزان و بصراحة العين وحشة و خصوصا الخضرة المدورة اللي لسه مستوتش دي ..
كان يتحدث وهو ينظر إلى فرح التي كان الغيظ يأكلها من أفعاله الغير مُبرره ولكنها فضلت الصمت و ارسال سهام نظراتها المستفزة ليتوجه الجميع إلى طاولة الإفطار فتابع مروان حديثه قائلًا
_ ايه الشياكة والحلاوة دي بس ؟ عليا النعمة برنس . حلوة البدلة دي .
خرجت الكلمات مُحمله بفخر يتخلله العشق الذي اطل من عينيه حين قال
_ ذوق فرح .
مروان بصراخ اجفلهم جميعًا
_ وحشة . الصراحة تقرف . عندك بدل أحلى . اتفضل غيرها
سالم بحدة
_ نعم !
تدخلت فرح تتغزل بسالم قاصدة اغاظة مروان
_ البدلة حلوة عشان انت لابسها يا روحي . انت اللي محليها اصلا ..
لا تفلح ريتال في قمع ضحكاتها ثم قالت بتشفي
_ كدا انطي فرح واحد و عمو مروان صفر .
مروان بسخط
_ ايوا اضحكي عليه . اضحكي عليه.
سالم بفظاظة
_ انا مش فاضي للعب العيال دا .
التفت موجهًا حديثه لفرح
_ فرح مش هوصيكِ . أنتِ عارفه هتعملي ايه ؟
فرح بحنو مطمأن لقلبه
_ متقلقش يا حبيبي ..
استنكر مروان ما يحدث قائلًا
_ ايه دا معلش ؟ هو في اسرار بينكوا انا معرفهاش؟
فرح بتشفي
_ طبعًا في . اومال هيبقى أسراره معاك انت مثلًا !
مروان بتهكم
_ طبعًا أسراره معايا ..
فرح بسخرية
_ كان زمان و جبر .
مشاكساتهم اضفت جوًا مرحًا على المكان خاصةً و أن جميع الوجوه مُغبرة إلا من سما التي كانت تبتسم على مشاكساته فجاءها صوت همت المُمتعض
_ بقى دا المعتوه اللي عايزة تكملي حياتك معاه ؟!
أجابتها سما بخفوت و لهجه تحمل من الحب الكثير
_ والله يا ماما دا عسل أوي ..
_ عسل أسود ..
هكذا تحدثت همت بحنق و نبرة مرتفعة قليلاً فجاءها صوت مروان الممتعض حين قال
_ هو أنتِ كل حاجه عندك سودا ؟ حتى العسل ! دا حِزن ايه دا اللي حط عليك دا يا مروان ؟
همت بحدة
_ بتقول حاجه يا مروان ؟
مروان بلهفة
_ لا يا حبيبتي دانا بقول أن اللون الاسود لون جميل . و ميحبهوش غير العظماء . اللي زيك كدا !
_ اه انا بحسب !
مروان بتملق
_ لا تحسبي ايه هو انا اقدر دا أنتِ لو بتحبي الاسود اسخمطلك وشي هباب عشان خاطرك ..
همت بسخرية
_ لا وعلى ايه ؟ هو أنت ناقص تشويه في منظرك ؟
تعالت الضحكات و من بينهم ضحكات شيرين المُجلجلة و قهقهات كُلًا من طارق وهمت المتشفية و شاركتهم أيضًا ريتال فناظرهم مروان بسخط وهو يقول
_ عجبتكوا اوي ؟ والله ما فيكوا صاحب يتصاحب ! ماليش غير البت جنة هي اللي حبيبتي.
طافت أنظاره على الطاولة ولم يجدها فقال باستفهام
_ اومال هي فين ؟ منزلتش ليه ؟
لم يُمهلهم الوقت للرد بل قال بسخط موجهًا حديثه لفرح
_ ما تقومي تشوفي أختك بدل ما أنتِ لازقة فيه كدا !
زجره سالم قائلًا
_ اظبط نفسك بدل ما اظبطك .
لا تعلم لما انتابها شعور قوي بالقلق على شقيقتها لذا التفتت تناظره قائلة بهدوء
_ هقوم اطمن على جنة و اشوفها اتأخرت ليه ؟
سالم بصرامة
_ افطري الاول عشان تاخدي دواكِ . وبعد كدا اعملي اللي أنتِ عايزاه ..
أوشكت على الاعتراض فاوقفتها نظرته الصارمة فلجأت للصمت إلى أن انتهى وقت الإفطار و توجه سالم برفقة كُلًا من مروان و طارق إلى غرفة المكتب و توجهت هي رأسًا إلى غرفة جنة التي كانت تجلس أمام المرآة ترتدي ثوب الإستحمام و خصلاتها تتناثر منها قطرات المياة كما تناثرت قطرات الألم من عينيها التي كان احمرارها يوازي جمرات مُشتعلة بنيران الجحيم التي أُلقيت به !
_ الجميل سرحان في ايه كدا ؟
استفاقت من شرودها على كلمات فرح المداعبة فحاولت محو معالم حزنها قبل أغتصاب ابتسامة واهنة على ملامحها الشاحبة و هي تقول
_ فرح . صباح الخير .
_ صباح الورد و الفل و الياسمين . عامله ايه النهارده ؟
هكذا استفهمت فرح بحنو و قد شعرت بخطب ما في نظرات شقيقتها ولكنها لم تفصح عن مكنوناتها
_ الحمد لله تمام . أنتِ عامله ايه ؟ منزلتيش الفطار ولا ايه ؟
_ لا نزلت و فطرت و خدت دوايا و جيت اشوفك منزلتيش تفطري ليه ؟
اجابتها وهي تعيد لملمة خصلاتها
_ لسه صاحية ويدوب خدت شاور و كنت هنزل .
هربت من أسر نظرات شقيقتها متوجهة إلى داخل غرفة لملابس وهي تقول
_ ثواني هغير هدومي و اجي ننزل سوى ..
استراحت فرح على الفراش خلفها وهي تحاول نفض تلك الأحاسيس المُخيفة التي تنتابها من حين لآخر و تحاول قمع رغبتها بفتح ذلك الأمر الشائك مع شقيقتها التي خرجت بعد وقت ليس بكثير مُرتديه فستان قطني باللون الأزرق القاتم و هو ليس من ضمن قائمة ألوانها المفضلة لطالما كانت تحب الألوان المُبهجة التي تُشعرها بالحياة .
_ مزاجك مش حلو ولا ايه ؟
هكذا استفهمت فرح فغزى الأضطراب قلب جنة التي لم تكُن تُريد الخوض في أي حديث قد يودي بها إلى إنهيار آخر
_ لا ليه بتقولي كدا ؟
فرح بنبرة ذات مغزى
_ اصل اللون الكحلي مش أحسن حاجه بالنسبالك ؟
ابتسمت جنة بمرارة خالطت نبرتها حين قالت
_ أنتِ لسه فاكرة يا فرح ؟ خلاص بقت كل الألوان شبه بعضها .
خطت فرح إلى حيث تقف و قامت بامساك رسغها لتُديرها إليها وهي تقول بحنو
_ بتهربي من ايه يا جنة؟ و بتداري عيونك مني ليه ؟
بشق الأنفس استطاعت اغتصاب تلك البسمة و استجداء بعضّا من ثباتها وهي تقول
_ بهرب ايه بس ؟ أنتِ مالك النهاردة ؟
_ انتِ اللي مالك يا جنة؟ عنيكِ فيها دموع كتير على الرغم أن الحمار دا معناه انك عيطتي كتير أوي . حصل ايه لكل دا ؟
هل تجروء على الحديث دون أن تصرخ حتى تهتز أرجاء هذا المكان ؟ هل تستطيع احتمال ثقل كلماتها و ذرف وجعها و قلة حيلتها أمام رغبتها العاتية في الإنتقام مِن مَن قام بتدمير حياتها ؟
_ مفيش حاجه يا فرح. انا بس شديت مع سليم شويه .
باغتها استفهام فرح الصادم
_ بخصوص حازم ؟
امتقع لونها جراء استفهام فرح التي تكهنت بما حدث ولكنها لم تُدرِك مدى فداحته ولا تأثيره على جنة التي استدارت تحاول انتزاع أنفاسها الغاضبة قبل أن تقول مغلولة
_ متجبيش سيرة الحيوان دا قدامي ..
_ ينفع نقعد نتكلم شويه ؟
عاندت قائلة
_ مفيش كلام نقوله يا فرح ..
فرح بإصرار
_ لا في يا جنة . و في كتير لازم يتقال ..
التفتت بحدة اجفلت فرح التي هالها حديث شقيقتها حين صرخت بحدة
_ مش عايز اتكلم عن الزفت دا . مش عايزة اسمع اسمه . و لا حاجه تفكرني بيه ..
فرح بتعقل
_ ياريت تكوني نسياه فعلًا يا جنة وقتها مش هيكون في كلام يتقال فعلاً .
جنة بسخرية مريرة
_ هو النسيان سهل اوي كدا ؟
فرح بهدوء
_ لا . بالعكس دا صعب . بس مش مستحيل. دي نعمة ربنا انعم علينا بيها عشان بيحبنا ..
جنة بانكسار
_ واللي مش عارف ينسى يبقى ربنا مابيحبوش !
اقتربت فرح خطوتين تحاول احتواء ذلك الألم الهائل الذي يقطر من عيني شقيقتها
_ لا طبعًا . ربنا نعمه كتيره علينا يا جنة. و نبقى وحشين لو معترفناش بنعم ربنا علينا . عشان وقتها ربنا هيغضب علينا ..
تاهت الاحرف من من شفتيها واحتارت كيف تصيغ مُعانتها فادارت رأسها إلى الجهة الأخرى بيأس احتضنته كفوف فرح الحانية التي حوت وجهها لتُديرها إليها وهي تقول
_ راميه نفسك في بحور نار و مستنيه منها تعوم يا جنة !
استنكرت بقهر
_ انا اللي رميت نفسي يا فرح ؟
فرح بتصحيح
_ ربنا اختبرك يا جنة . و لما صبرتي كافئك . يبقى تيجي تعترضي و تسيبي نفسك للشيطان يشوه كل الحلو اللي حواليكِ ؟
اندفعت بلهفة
_ لا طبعًا أنا والله بحمد ربنا كتير على كل حاجه حصلتلي خير او شر . حتى مرضي انا راضيه بيه و بكل اللي يجيني منه . بس ...
صمتت لثوان غير قادرة على سرد ما بجوفها من أوجاع ثم قالت بلهجة محشوة بالألم
_ مش قادرة اتخيل أنه ممكن يعيش و يتهنى بحياته بعد كل اللي عمله فيا و في غيري ؟ مش قادرة اتخيل أنه ممكن يشوف ابني عادي كدا و يقوله يا بابا ؟ مش قادرة اتقبل فكرة أن نفسه يكون موجود في مكان انا فيه ..
قالت جملتها الأخيرة بصراخ ارتج له قلب فرح التي احتوتها بعناق قوي علها تقذف بعض الطمأنينة في قلبها قبل أن تقول بحنو
_ اهدي يا حبيبتي . مفيش حاجه من دي هتحصل .
انتزعت نفسها من بين أحضانه فرح وهي تقول بحنق من بين الدمع المتدفق بغزارة من مقلتيها
_ لا هيحصل يا فرح و هتشوفي . أنتِ مفكراهم هيعملوا في ايه ؟ دا اخوهم . آخرهم هيبهدلوه شويه و خلاص. عمرهم ما يقدروا يأذوه ولا يعاقبوه العقاب اللي يستحقه .
فرح باستفهام
_ و ايه العقاب اللي يستحقه في نظرك ؟
صرخت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر
_ الموووت !
هالها مظهر شقيقتها و مدى القهر و الحقد الذي يتساقط من بين كلماتها و تبرزه نظراتها بقوة فحاولت امتصاص وجعها قدر الإمكان حين قالت
_ و هو النفي مش موت يا جنة ؟ في طرق كتير للموت . غير اللي في دماغك. و على فكرة أنا اللي بأكدلك أن حازم مش هيرجع البيت دا تاني . ولا هيعيش فيه زي اي حد هنا .
صرخت بقهر
_ و ايه اللي يضمن كلامك دا ؟
فرح بقوة
_ انا يا جنة اضمنهولك . انا مبقولش كلام و خلاص . انا عارفه بقولك ايه؟
جنة بسخرية
_ طبعا سالم قالك كدا عشان يثبتك !
فرح بحدة اخرستها
_ جنة . بلاش تغلطي عشان مترجعيش تندمي . سالم مش عيل صغير ولا عمره هيقولي كدا . بس انا عارفه جوزي كويس . سالم راجل و راجل عارف ربنا و مُنصف . و مُستحيل يضيع حق حد . و أنتِ بالنسباله مش حد .
استمهلت نفسها لثوان قبل أن تُضيف
_ أنتِ مرات اخوه و أنتِ عارفه سليم بالنسباله ايه ؟ و بنت اتظلمت و أنتِ شفتي بعينيك عمل ايه عشانك قبل اي حاجه و في المقام الأول أنتِ أختي و بنتي و هو عارف ان اي حاجه تمسك تمسني .
أعادت كلمات فرح بعض النور إلى ظلمة قلبها ولكن أبت شيطاين الجحيم الصمت فإذا بها تقول جفاء
_ و تفتكري يا فرح لو خيروا سالم بينك وبين حازم بكل أخطاءه هيختار مين فيكوا ؟
إلى هنا و فطنت فرح إن هناك أشياء خفية تحدُث مع شقيقتها لتجعلها تصل إلى الكل المنعطفات الخطرة ولكنها اجابتها ببراعة
_ ومين قالك اني ممكن احط نفسي في مقارنة زي دي ؟
صمتت لثوان قبل أن يصل إلى عقلها هاجس خطير جعل وميض الغضب يتراقص في مُقلتيها فجاءت نبرتها قوية حين قالت
_ اللي سالم و سليم فيه دا ابتلاء ربنا يكفينا شره . انا دوقت ناره لما عرفت في المستشفى انك مدام مش آنسه يوم الحادث . و عارفه قد ايه طعمه مُر . و بشفق عليهم منه .
حاولت مقاطعتها فاوقفتها يد فرح الحازمة و كذلك كلماتها حين قالت بجفاء
_ وبعدين لما ابقى عارفه نقطة ضعف جوزي و ادوس عليه ابقى انا كدا ظالمه . و ربنا ميرضاش بالظلم يا جنة.
جنة بقهر
_ واللي حصل معايا يافرح مش ظُلم
فرح بقوة
_ ظُلم . يتحاسب عليه اللي اتسبب فيه . مش ناس ملهاش ذنب ! ناس وقفت جنبنا و احتوتنا و طبطبت على وجعنا. ناس ربنا بعتها لينا عشان يقولنا أن بعد الصبر جبر . و بعد الضلمة نور ..
كانت تعلم أن الحديث لا يدور حول سالم من الأساس وقد تكالبت عليها اوجاعها للحد الذي جعلها تتراجع لتسقط فوق السرير بتعب تجلى في زفرة حادة مزقت جوفها كما فعلت كلماتها حين قالت
_ انا وجعته أوي يا فرح . قولت كلام صعب مكنتش اتخيل أقوله . ضغطت على نقطة ضعفه بكل قوتي . انا حسيت عينيه بتترجاني اسكت و مسكتتش .
تناثر الألم من مقلتيها حد التدافع لتتحول موجة بكائها إلى نحيب فعلا صوتها وهي تقول من بين عويلها
_ انا دوست على نقطة ضعفه بكل قوتي . مرحمتوش . ولا رحمت قلبي اللي كان بيترجاني اجري اترمي في حضنه ...
لن ينج الغريق ما لم يجد تلك القشة التي تنقذه والتي تمثلت في عناق فرح القوي وهي تحاول تهدئة جنة التي تنتفض حزنًا و قهرًا تساقط من بين حروفها وهي تُضيف
_ غصب عني يا فرح . جوايا نار قايده . كل ما اتخيل السنين تمر و يجمعني بيه أو بابني مكان احس بنار جوايا . مقدرش يشاركني في ابني بعد ما كان عايز يقتله وهو في بطني . مقدرش أحس أن سليم بيحبه أو شايله اي مشاعر جواه.
حاولت فرح تهدئتها قائلة
_ اهدي يا جنة و بطلي عياط . كل حاجه هتتحل و اللي بتفكري فيه دي مش هيحصل ..
صاحت بقهر
_ دا كلب يا فرح . ميستاهلش يعيش . انا بكرهه . بكرهه . ربنا يحرق قلبه زي ما حرق حياتي و حولها لجحيم . يارب يدوق كل وجع اتوجعته و كل قهره اتقهرتها .
كانت كلماتها أسهم ناريه تخرج من عمق قلبًا أصبح الجحيم مسكنه فأخذت فرح تربت على ظهرها بلطف وهي تقول بلوعة
_ اصبري و احتسبي يا جنة . كله عند ربنا و اللي عند ربنا مبيروحش صدقيني .
رددت جنة بأسى
_ حسبي الله ونعم الوكيل.
★★★★★★★★
_ الصفقة دي هنسبها لمعتز الهلالي .
هكذا تحدث سالم فهب مروان مُعارضًا
_ بتقول ايه يا كبير ؟ ليه نسبهالهم ؟
شاطره اعتراضه طارق ولكن على طريقته
_ متقوليش ان دي قصاد موضوع الانتخابات عشان احنا مش محتاجين نعمل دا !
سالم بفظاظة
_ احنا فعلا مش مضطرين نعمل دا . بس في حاجه اسمها ذكاء في التعامل مع الناس .
صمت لثوان قبل أن يقوم بفك شيفرات حديثه
_ تقدر تقولي الصفقة دي هتجبلنا كام ؟ ولا الفلوس اللي هتيجي منها هتغنينا ؟
طارق بتفكير
_ يعني . بس الموضوع مش موضوع فلوس
سالم بجفاء
_ كويس انك قلت كدا . الناس دي مش محتاجه الصفقة دي ولا احنا محتاجينها بس محتاجين نكسب بعض أو على الأقل منبقاش أعداء .
مروان بتفكير
_ هو انا حاسس اني فاهمك بس مش مترجم
سالم بفظاظة
_ احنا دخلنا الانتخابات من غير ما تقول لحد و دي كانت في ملعبهم ، و الناس طلعوا محترمين و ولاد اصول . يبقى لما هما ييجيوا يدخلوا المناقصة دي قدامنا نطلع احنا بردو زيهم ولاد اصول و نسبهالهم و نبقى كدا كسبنا بدل الفلوس عيلة زي الهلالية لو مش هنحتاجهم هنأمن مكرهم ..
مروان بتهليل
_ اللهم صلي عالنبي . دماغ الماظ عليا النعمة . انا موافق عالموضوع دا
طارق بسخرية
_ على أساس انك بتفهم اوي ؟
تجاهل مروان كلماته و أردف بسخرية
_ و ياحبذا بقى لو وطدنا علاقتنا معاهم بالنسب في عندهم حتة بت عبيطة و بكدش كدا كنت بشوفها بتجري ورا عربية الرش ممكن نجوزها لطارق .
ألم يفلح سالم في قمع ضحكاته من حديث مروان اما عن طارق فلون السخط معالمه وتجلى في نبرته حين قال
_ و متتجوزهاش انت ليه ؟
مروان بشماتة لم يُخفيها
_ لا يا غالي انا متجوز الدور و الباقي عليك سنجل بائس ولا اقول هيمان في بحر العشق المالح لما جتتك هتنشف أن شاء الله .
تراقصت أبخرة الغضب أمام عيني طارق ولكن فجأة لمع عقله بفكرة رائعة جعلته يلتفت إلى سالم قائلًا باندفاع
_ بقولك ايه يا سالم انا قررت اتجوز !
لم تتغير معالم سالم بل تشابهت مع جمود لهجته حين قال
_ و ايه كمان ؟
طارق بجديه
_ مابهزرش . انا فعلا عايز اتجوز .
سالم بفظاظة
_ فين الهزار في كلامي . مش مفروض كلامك له كماله ؟ ولا عايز اتجوز و اقطم عار كدا ..
تحمحم طارق بخفوت قبل أن يقول بخشونة
_ اه طبعاً له كماله . انا عايز اتجوز شيرين .
تدخل مروان بسخرية
_ شيرين عبد الوهاب ؟ لا رجعت لحسام حبيب معلش . خدلك لفة و ارجع تاني تكون خلعته ولا حاجه ..
طارق بحدة
_ اتلم ياد بدل ما الخبطلك معالم وشك ..
مروان ببراءة
_ يا ابني مش بعرفك . اومال أسيبك على عماك..
طارق بسخط
_ عمايا ايه يا متخلف انت ؟ عايز اتجوز شيرين بمن عمتك ..
مروان بتحسر
_ لا انت اكرملك تستنى لما شيرين تخلع حسام عشان عمتك قافله على بناتها زي الكماشة و مش هتطول صوباع من واحدة فيهم .
صمت لثوان قبل ان يندفع في الحديث دون أن يعي ما يقوله
_ و كمان أنا ضارب بينكوا إسفين ميخرش المية يعني استحالة هتبص في خلقتك تاني ..
زمجر طارق بشراسة
_ ما انت عشان حيوان و لسانك عايز قطعه ..
أوشك مروان على الحديث فتدخل سالم قائلًا بصرامة
_ بطل هري يا مروان . ركز معايا يا طارق . شيرين موافقه عاللي انت بتقوله دا ؟
اجاب مروان بدلًا عنه
_ ولا عارفه ولا عايزة تعرف شكله اصلًا
زفر طارق بحدة قبل أن يقول بغلظة
_ متعرفش . لسه مفاتحتهاش .
سالم بحزم ليُنهي النقاش في الأمر
_ يبقى تأجل الكلام في الموضوع دا لحد ما تعرف رأيها و بالمناسبة خليك حذر في التعامُل معاها عشان هتلاقيني في وشك .
لم يعجبه الحديث فزمجر غاضبًا
_ سالم انت كدا بتقطع عليا كل الطرق .
سالم بغلظة
_ لا بختصرهالك في طريق واحد مفيش غيره و انت مُجبر تلتزم بيه .
زفر بحنق فهو يعلم بأنه مُحِق في حديثه ولكن ما حيلته أمام كل تلك العوائق التي تضعها في طريقهم !
★★★★★★★★
_ طب انا تحمل ازاي تكوني قدامي كدا من غير ما احضنك كل شويه ؟
هكذا تحدث ياسين وهو يحويها بنظراته العاشقة فتململت في مقعدها بجانبه في السيارة وهي تقول بتذمر
_ ياسين عشان خاطري . نفسي اعمل ليا أصحاب بجد . انا هنا لوحدي خالص .
ياسين بلوم
_ لوحدك ! و انا مش مالي عينك ولا حاجه ؟
اقتربت تلامس وجنته بدلال تجلى في نبرتها حين قالت هامسة
_ يا سينو يا حبيبي انت مالي عيني و قلبي . و مفيش حد يتقارن بيك اصلًا
ارتج قلبه لحديثها و دلالها ولكنه استنكر ذلك اللقي الذي أطلقته عليه لذا قال بتبرم
_ شوفي مش انا كنت معترض انك تعملي نفسك متعرفينيش . بعد سينو دي إياكِ تقولي لحد انك مراتي . هتجرسينا في البلد .
تعالت قهقهاتها من حديثه و قالت بمزاح
_ ليه هو سينو وحش ؟
ياسين بتهكم
_ وحش ! طب جربي تقولي سينو دي قدام جدي احتمال يجيله زبحة صدرية لو سمعها . يالا قدامي . قال سينو قال ..
تدلى من السيارة وهي بجانبه على اتفاق بأن يفترقا على مشارف بوابات الجامعة فتركها على مضض بعد إلحاح كبير منها فزفر بحنق تجلى في نبرته حين قال
_ أنتِ غير منطقية وانا موافق بس عشان مزعلكيش بس الوضع دا مش هيستمر كتير . اعملي حسابك .
حلا بلهفة
_ حاضر . والله أوعدك ..
لم تفلح لهفتها ولا لهجتها الرقيقة من التخفيف من غضبه ولكنه تركها على مضض بعد أن شدد عليها قائلًا
_ متخرجيش من الجامعه غير لما اكلمك اقولك اني مستنيكِ بره . اتفقنا ولا لا ؟
_ حاضر اتفقنا .
واصل تنبيهاته إذ قال آمرًا
_ و مفيش اي اختلاط بأي شباب . اللي ييجي يقولك نتعرف تخرمي عينيه و تناديني اخرم العين التانيه .. سامعه
حلا بلهفه
_ حاضر سامعه . والله سامعه .
ياسين بوقاحة
_ طب فرصة وأنتِ مُسالمة كدا ما تجيبي بوسه .
شهقت من وقاحته وقالت تؤنبه
_ ياسين . انت اتجننت احنا في الشارع !
ياسين بامتعاض
_ مانا معذور بردو . مسمعتش منك حاضر دي من يوم ما اتجوزتك . جايه تقوليها في نص الشارع ! يالا ياختي ..
حلا بيأس من أفعاله
_ مجنون والله مجنون .
★★★★★★★★
_ جهزت العربية ؟
صحح مروان جملة سالم قائلًا
_جهزت العربيات ! احنا مش هنروح معاك يا كبير ولا ايه ؟
سالم بملل
_ هتروحوا معايا تعملوا ايه يا مروان ؟ هجيب الحاجه واجي على هنا . مش مستاهله زحمة في الفاضي ..
مروان باستنكار
_ ايه زحمة في الفاضي ! ليه هي اي حد ؟ دي الحاجة أمينة على سن و رمح . قليل لو ما جبنالها زفة من المستشفى لحد هنا .
تدخل طارق بسخط
_ انت متخلف يا ابني ؟
مروان بنفاذ صبر
_ دا تقدير يا جاهل . روح اجري شوف شادية الهبلة بتسأل عليك ... قصدي شادية الهلالي .
_ اللهم طولك يا روح .
لم يكُن ينتبه لحديثهم فكانت عينيه تُراقب فرح التي كانت ملامحها لا تُفسر وتتنافى مع بريقها قبل الصعود لرؤية جنة و هاهي قد بدأت أحدى الأزمات المؤجلة في الصعود على السطح .
زفر بقوة قبل أن يُرسِل أليها غمزة فحواها ماذا يحدُث فتلقى إيماءة من رأسها بمعنى لا مجال للحديث فزفر بتعب قبل أن يقول بجفاء
_ سليم زمانه سبقني على المستشفى هحصله على هناك و انتوا استنونا هنا ..
مروان بصياح
_ طب والزفة ؟ دانا كنت ناوي اجيب مزمار !
صاح طارق بنفاذ صبر
_ انت واثق في الحيوان دا ازاي يمسكلك الحملة الإنتخابية بتاعتك ؟
سالم بجفاء
_ والله انا خايف ألاقيه بيلف بحمار في البلد و بيقولهم انتخبوا سالم الوزان !
★★★★★★★★
_ فيك ايه يا سليم ؟ عنيك مطفيه ليه ؟
هكذا استفهمت أمينة بهدوء وهي ترى ذلك الظلام الذي يُغلف نظراته و يعكس ذلك الحزن الدفين بأعماق قلبه والذي تجاهله وهو يقول بمزاح
_ الحاجه أمينة بتفوق عليا ولا ايه ؟ مالها عنيا ؟
اكتفت بكلمه واحدة تحوي الكثير بداخلها
_ مبتلمعش .
مع كل هذا الألم الذي تستشعره روحه هل يمكِن لعينيه ألا تنطفئ !
_ قرب مني يا سليم ..
هكذا تحدثت قبل أن تُتيح له الفرصة للحديث فتقدم منها بخطٍ وئيدة و كأنه يحارب الانهزام بين ذراعي والدته التي احتوت كفوفه بين يديها وهي تقول بحنو
_ طول عمرك حقاني يا سليم و اللي بيختار طريق الحق لازم بيتعب .
احتار من مغزى كلماتها فتبلورت حيرته فر نظراته فانتزعته من بئر هواجسه قائلة
_ انا عارفه كل حاجه مخبيها في قلبك يا سليم . و حاسه بالنار اللي جواك .
لا يقوى على الهرب ولا يستطِع اطلاق العنان لكلماته شفقةً و رأفة بحال تلك الأم المكلومة والتي لا تفلح في أخفاء وجعها عن أعينهم و حتى لو اخفته جسدها لا يتحمله
_ نار ايه يا أمي ! مفيش اي حاجه من اللي بتقوليه دا. انا بس قلقان بسبب أن جلسة علاج جنة قربت و أنتِ عارفه هي بتتعب قد ايه فيها .
تأثر قلبها بمحاولته للهرب من هذا الحديث الشائك رأفةً بها ولكن لم يكُن هناك مفر من المواجهة لذا قالت بهدوء
_ اللي تاعب جنة مش جلساتها . سبب تعب جنة كلنا عارفينه . عشان كدا بقولك اللي بيختار طريق الحق بيتعب .
ألى هُنا لم يعُد يستطيع التحمُل فصاح كنمر جريح
_ و الحل ؟ هفضل اتعب لحد امتى؟ هفضل اشيل ذنب مش ذنبي لحد امتى ؟
أمينة بأسى
_ دا ابتلاء يا ابني و منملكش إلا الصبر عليه .
_ صابر . صابر و بقول يارب . و مش معترض . بس مش قادر اعمل حاجه . حاسس اني متكتف . حاسس اني عاجز يا أمي قصاد وجعها و وجعي واجبي تجاه عيلتي .
صمت لثوان قبل أن يقول بقهر لم يفلح في إخفاءه
_ انا مش مطفي و بس . انا بموت بالبطيء.
كان الألم ابلغ من أن تُعبِر عنه لذا اختارت تجاوزه و بشق الأنفس استطاعت اخراج حديثها بتلك النبرة القوية
_ و ليه تسمح لنفسك أنها توصل بيك لكدا ؟
_ و مطلوب مني اعمل ايه ؟
_ تصبر . و تدي لنفسك و ليها وقت تستوعبوا اللي حصل . و خليك عارف و متأكد أن جنة اللي هي فيه دا شيء عابر جاي نتيجة صدمتها .
سليم بغضب مُروع
_ اشمعنى دلوقتي ؟ ليه ساكته كل دا ؟
أمينة بتفكير
_ يمكن كانت بتقاوم ؟
صمتت لثوان قبل أن تُضيف بغموض
_ أو يمكن يكون حصل حاجه حركت النار اللي جواها دي و خلتها تشعلل تاني !
توقف سليم لبرهه يزن كلمات والدته والتي جعلت حوافر القلق تنشب مخالبها في عقله ولكنه تداركها وقال باستفهام
_ هي جنة كلمتك ؟ يعني اقصد بتتكلمي بناءً على ايه ؟
أمينة بصدق
_ مش محتاجه أن جنة تكلمني يا سليم . بس انا كنت متوقعه أن رد فعلها هيظهر في أي وقت . ولما شوفتك النهاردة عرفت انها بدأت تعبر عن اللي جواها .
زفر بيأس تجلى في نبرته حين قال
_ والحل يا أمي ؟
أمينة بتعقل يُنافي لوعتها من الداخل
_ بالهداوة يا سليم . كل شئ بييجي بالهداوة . وانت بتحبها وهي روحها فيك يبقى نصبر على بعض واوعى تسمع لكلامها هي أصلًا مش عارفه بتقول ايه ؟ متاخدش كل حاجه على قلبك . طاطي للريح يا سليم . دا مش ضعف منك بالعكس دا ذكاء . عدي بحياتك لبر الأمان معاها و صدقني مش هتندم ..
لا يعلم كيف يُجيبها حتى أنه لأول مرة بحياته يتمنى الهرب . الهرب من كل ذلك الشعور المقيت الذي يتآمر على روحه فيُمزقها إلى أشلاء ..
★★★★★★★★
كانت السماء صافية مزينة بنجومها المُتلئلئه التي تُحاكي في روعتها عينيها الجميلة و خصلاتها السوداء كليل طويل حالك السواد الذي كانت ترى به مُستقبلها على الرغم من أنها تحيا في كنف والداها الحقيقيين ولكن هناك الكثير من التخبطات بداخلها تجعلها فريسة للكآبة المُضنية التي تحجب عنها رؤية كل ما يُحيط بها من جمال و فجأة أطلت صورته من قرص القمر الذي يتوسط السماء الآن فأخذت تتذكر ما حدث منذ يومين حين كان مع والدها بمكتبه
عودة لوقت سابق
_ انت عتچول ايه يا صفوت بيه ؟
صفوت بجمود
_ اللي سمعته يا عمار ؟
هب عمار من مكانه وهو يقول بغضب
_ دا انت جاصد اللي بتجوله ! بجى أنا عمار عمران حفيد الحاچ عبد الحميد عمران اشتغل حداكوا في بيت الحمير !
صحح صفوت كلماته بهدوء مُثير للأعصاب
_ اسمه اسطبل خيل .
عمار بصراخ
_ وهي تفرج !
صفوت بتحذير
_ صوتك يا عمار ! و بعدين ماهي بنت الوزان وانت شغلتها في الزريبة عندكوا !
عمار بحدة
_ مكنتش بجت بنت الوزان . ولا كنت حبيتها ، وبعدين انت لو مفكر انك أكده بتنجم مني فلاه . مش هيحوصول و خليني افكرك أن لولاي مكنتش عرفت انها بتك من الأساس ..
كانت محاولة جيدة منه بتذكيره بأن له اليد العليا في اكتشاف هذا السر ولكنه أبى الاعتراف بذلك و قال بجفاء
_ صح انت عندك حق . بس انا بقى حر في شروطي للي هيتجوز بنتي . لازم اتأكد أنه شاريها
تبدلت نظراته إلى أخرى غامضة وهي يقول بتحذير
_ يعني ده آخر حديت عندِك ؟
صفوت باختصار
_ ايوا..
صاح عمار بزئير ارعد الجميع
_ يبقى متلومش غير نفسك ..
صفوت بحدة
_ انت بتهددني ؟
عمار مُصححًا
_ لا بعرفك .
صفوت بسخرية
_ بتعرفني ايه أن شاء الله ؟ ناوي تعمل ايه
_ هخطوفها . اني هخطوفها.
لم يُمهله الوقت للحديث بل اندفع للخارج أمامهم جميعًا وهو يصيح كالثور
_ بصي يا بت الحلال اني دخلت البيت من بابه و الباب اتجفل في وشي . انا اكده عداني العيب يا وزانين . عداني العيب يا سالم يا وزان . لما ابجى أخطوفها ميبجاش حد يلومني .
كان سالم يقمع ضحكاته بصعوبة على مظهر عمار و كلماته و قد فطن ألى أن صفوت قد أثقل العيار قليلاً لذا قال بتسلية
_ وماله يا عمار و انت بردو متلومناش على رد فعلنا ..
كلماته كانت وقودًا لنيران عمار الهوجاء فصاح الأخير بجنون
_ وماله وخليها حرب عالكل . و مبجاش عمار عمران أن ما خدتك يا نچمة من خشم السبع .
داخليًا تراقص قلبها فرحًا إثر كلماته التي توحي بمدى عشقه لها ولكنها شعرب بالخجل يغمرها وهي ترى نظراتهم المستمتعة بما يحدُث حولهم فصاحت بتلعثم
_ ايه الحديت الماسِخ ده . خشم ايه و سبع أيه فاكرني جطة ولا اي ؟
عمار باستنكار
_ جطة فرخة ولا حتى بجرة هتجوزك يعني هتچوزك .
اغتاظت من تشبيهاته النكراء فهتفت باستنكار
_ بجرة ! بيجول ايه البغل ده ؟
همست فرح بجانب أذن سالم
_ سالم أنا هولد قبل اواني مش قادرة امسك نفسي هموت من الضحك .
سالم مُحذرً
_ اظبطي نفسك و إياكِ تضحكي ..
جاءهم صوت صفوت من الخارج و الذي بدا مُستمتعًا بمظهر عمار الأقرب للجنون
_ بقرة؟ اهي عشان بقرة دي في اختبار تاني لازم تمر بيه اومال تقول على بنتي بقرة و اسكتلك !
عمار بسخرية
_ اختبار تاني ؟ اه و ماله ! و المرة دي ايه بجى يكونش عايزني اوكلك الطير ولا حاچة ؟
صفوت بتسلية
_ لا الطيور دي انت هتجبها جاهزة عالطبخ على طول مش فاضيين نربي ..
_ كَمان ! و ايه بجى الاختبار اللي اني اساسًا مش ناوي اعمله دا !
صفوت بهدوء مستفز قاصدًا تذكيره بمعاناتها السابقة بسببه
_ عايز ابني اوضتين ورا البيت نربي فيهم معزتين و بصراحة مستخسر أجيب بنى و انت موجود . ايه رأيك تيجي تبدأ فيهم من بكرة ؟
تذكر حين كانت تعمل في البناء بعد ذلك الاتهام المُروع الذي قذفها به لذلك تجاهل ما يحدُث و اقترب من صفوت قائلًا بتصميم و نبرة جافه
_ انا واعي للي بتعمله زين . بس أكده انت مش بتاخد تارك ولا بتعوض بتك عاللي حوصول .فكر في حديتي زين و اعرف اني مبسبش حاچة رايدها لو على جثتي ..
التفت يُناظرها بعشق يتنافى مع لهجته القويه حين قال
_ و اني رايدها .
عودة للوقت الحالي
كلما تذكرت تلك الكلمة يرتج قلبها تأثرًا بها و يضرب
بتحذيرات عقلها عرض الحائط فتجد نفسها أمام حقيقة قوية لا غبار عليها انها واقعه بعشقه حد النخاع .
كانت تستند على الحاجز الحديدي لشرفة الغرفة تعطي ظهرها للخلف و فجأة شعرت بشيء مُدبب يخترق جسدها من الخلف ووووو
بعتذر عن التأخير بس انا اتعرضت لدروبات جامدة أولها محاولة اختراق صفحتي على الفيس بوك و بلاغات بالهبل عشان تتقفل و لحد امبارح بحاول اظبط الدنيا ادعوا ربنا يسترها عشان بجد أنا تعبت فيها جدا 🥺🥺🥺