تحميل رواية في قبضة اولاد الراوي بقلم ميفو السلطان pdf
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ في قبضة اولاد الراوي بقلم ميفو السلطان.
الفصل 1
كانت تلفظ أنفاسها بصعوبة والدموع تنساب بقوة . قبضت على يد اختها بضعف وهمست بصوت مبحوح يقطر قهرا.....
ماتسيبيش ابني يا ملوك.. خلي بالك منه... ابني يا ملوك.. أوعي تفرطي فيه ليهم. دول جاحدين يا ملوك قلوبهم حجر صوان مابيلينش دول وحوش كافرة بالرحمة مابيعرفوش غير لغة الدم والقهر. هما الأسياد واحنا العبيد ليهم. . أنا حكتلك كل حاجة شفت غدرهم بعيني. شفت الجبروت وهو بيدوس على أي حاجه إنسانية عشان كبرياء عيلتهم ومنصبهم.
شهقت بقوة وهي بتحاول تسحب نفس أخير وعينيها متثبتة في عين توأمها كأنها بتستحلفها.....
خدي ابني وخليه في حضنك أوعي يا ملوك.. أوعي يا توأم روحي تسلميه للديابة دول هياكلوه حي و هيطلعوه مسخ زيهم.. أنا غلطت... غلطت وجبتلك العار وأنتي اللي طول عمرك رافعة راسك ومنورة اسمنا بشهادتك وعلمك بس غصب عني حبيت والله حبيت.... غصب عني حبيت احن خلق الله الحاجه الحنينه إللي عندهم ماكفرتش .. بس الحب عندهم عار والجريمة عندهم إن قلبك يدق لغير نسلهم.. وهما قضوا على الحب ده ودبحوني وأنا لسه بتنفس وحرقو قلبي علي حبيبي .
استندت برأسها للخلف وهي تهمس بكلماتها الأخيرة كأنها وصية من نار وصية
ستحول اختها لكتلة من الجمر...
الناس دي مش بشر يا ملوك دول غيلان لابسة لبس بني آدمين.. خليكي أذكى منهم خدي حقي وحق الواد بس أوعي تظهري ليهم ضعفك.. الوحوش مابتاكلش غير الضعيف. وخافي من كبيرهم خافي من سيد الكون يا ملوك دا لوحده غول صنم في الجحود.. لو تقدري ابعدي بس مش عارفه ساعتها إبني مصير إيه.. خايفه عالواد يبقي شكلهم.
بدأت أنفاسها تتقطع في حشرجة مريرة وكأن الروح تأبى الخروج من جسد لم يذق سوى الظلم. همست بحشرجه... .. ابن.. ني.. اب.. ني.. يا.. م.. لو... و.. ك.. منهم.. لله... عي يلة ال را وي..
تشنج جسدها واهتزت بعنف وهي تقاوم سكرات الموت بين يدي شقيقتها. صرخة ملوك شقت صمت الغرفة صرخة جريح.. لم تكن مجرد صوت بل كانت نداء استغاثة طال عنان السماء... لاااا لاااا هتعيشي لاااا لااا...ابنك تربيه لاااا.
لكن القدر كان أسرع.... في لحظة واحدة ارتخت اليد التي كانت تقبض على يد ملوك وسكنت تلك العيون التي كانت تفيض دمعا وارتقت الروح إلى بارئها تشكو جبروت الوحوش.
سكنت الحجره الا من انفاس الملوك لوهله صارت صنما بعيون جاحظه.. في تلك اللحظة حدث تحول في جسد الملوك.. في تلك اللحظه ماتت مع أختها. تحولت ملامحها إلى هشيم غضب جارف سيحرق الأخضر واليابس في طريقه. جفت الدموع في مقلتيها فجأة . تحجرت عيناها بدموع لم تسقط بل تحولت إلى نظرات حادة كالمشرط.
وضعت ملوك يدها فوق جبين أختها البارد وانحنت تهمس في أذنها بغل السنين.....
نامي وارتاحي يا نصي التاني.. وحياة وجعك ده.. وحياة كل دمعة نزلت منك قهر... وحق لا إله إلا الله وحق اللي خلقني و وصلني للي انا فيه.. لابنك ده لاخد حقه وحقك ولا حد فيهم هيحط فيه من قلبه خلقه. وهيفضل في حضني أنا.. حقك راجع يا حبيبتي حقك هجيبه. هعرفهم إن الله حق. وهربي ابنك أحسن تربية عشان يكسر عينيهم كلهم بأدبه وعلمه. وساعتها هيعرفو تربيه الملوك شكلها إيه وهيخفو علي طرفه .
وقفت ملوك ببطء غطت وجه توأمها برفق لكن يدها كانت ثابتة ثبات الموت. لم تكن تبكي بل كانت تغلي. لم تكن تنوي أن تصبح مسخا مثلهم بل قررت أن تكون حارسة الوصية. نظرت إلى الطفل الصغير الراقد بجوار جثمان أمه وقبضت على يدها بقوة وفي صمت مهيب وضعت يدها فوق قلب أختها الساكن وأخذت عهد موت على نفسها. وهي تقول لنفسها...
من النهاردة مفيش خوف.. ملوك ماتت معاكي يا توأم روحي كان فاضل فيها نفس وإنت كملتي عليها وانهارده جت واحدة تانية خالص. واحدة هتحمي ابنك بروحها وهتعلم الوحوش دي يعني إيه رحمة.. ويعني إيه حق مابيموتش.
مرت مراسم الدفن كأنها كابوس طويل . دفنت الأخت أختها فأصبح النص مفردا.. فقد دفن النصف الآخر وواراه التراب وبقي نصف كجثة تعيش فوق الأرض يتحرك بآلية باردة وقلب خاو إلا من عهد قطعه على نفسه.
دخلت ملوك الغرفة تلك الغرفة التي لا تزال تفوح برائحة الوجع . ارتمت فوق فراش أختها واحتضنت الصغير بقوة كأنها تستمد منه بقايا حياة. استسلمت لسرير الذكريات. تستعيد تلك الأيام التي أكلت من قلبها ونهشته حتى لم يعد لها قلب من الأساس.. رحلة شقاء بدأت منذ زمن حين كان للحكاية ملامح أخرى قبل أن يقتلها الجحود.
وكأن شريط العمر يرتد بها رغما عنها سهمت ملوك جاحظه العينين تقبض علي جسد الرضيع ليعبرها جسر الزمان نحو ماض كان يضج بالحياة قبل أن يغتاله القهر والخسة .
..............
فقد كانت البداية هناك خلف جدار السنين. حيث عاشت أسرة جميلة مكونة من أب وأم جمع بينهما بيت دافئ توجته أقدار الله بثلاث زهرات... كانت البداية مع التوأم ملوك وملك.. ثم أتت تلك الصغيرة مليكة التي اكتملت بها ضحكات البيت لتكون مسك الختام ودلوعة البيت.
كانت ملوك هي الكبرى ليس فقط في الترتيب بل في كل شيء في رجاحة عقلها وفي شخصيتها الفريدة التي جعلتها السند والاحتواء. علاقتها بوالدها كانت أعمق من مجرد رابطة أبوة بل كانت صداقة من نوع خاص. ثقة مطلقة تجعل منهما روحين في جسد واحد.
كانت داىما ماتلتصق بابيها تأخذ حيزا كبيرا من حضنه في سكون الليل تحادثه
تقول له دائما أن الناس تعتقد إن البنت سر أمها ولكن تختلف تلك المقوله عند ملوك وابيها فهو ليس سر فقط بل قطعه من روحه تمشي علي الارض.
وكان رده الدائم بابتسامة فخر وهو يربت على يدها...
أنتي مش بس بنتي يا ملوك أنتي عكازي اللي بتسند عليه وصاحبي اللي بحكيله همومي من غير ما أخاف. البيت ده كله في كفة وعقلك وحنيتك في كفة تانية خالص.
كان الجميع يعلم أن مفتاح قلب الأب هو ملوك من يريد طلبا أو يخشى عتابا يذهب أولا لملوك لتكون هي الشفيع والوسيط.
وعلى النقيض كانت ملك.. التوأم المشاكس.. طائشة قليلا ومندفعة.. لكنها كانت تملك قلبا يفيض حنانا على أخواتها وكأنها النسمة التي تكسر جدية الحياة بضحكتها.
ثم تأتي الصغيرة تلك الرقيقة التي أصبحت مدللة الجميع فكانت ملوك ترعاها كأنها ابنتها والأب يراها آخر العنقود الذي لا يرد له طلب.
عائلة كأي عائلة تتسم بسعادة طاغية .. لم تكن ملوك تدري حينها أن هذا الصرح العظيم من الثقة والأمان سيهتز يوما وأن صديقها وعكازها سيكون هو أول من يشرخ ذلك الجدار ليتركها تواجه وحوش العالم بقلب حطمته الخيانة قبل أن يحطمه الفقد.
مرت الأيام وسحابة الحزن تزحف علي البيت الدافئ. فالله إذا أحب عبدا صب عليه البلاء صبا ليختبر صبر قلبه. وهكذا بدأت المحنة بمرض الأم. تدهورت صحتها رويدا رويدا. وبدأت الأسرة تعاني الأمرين. هنا ظهر معدن ملوك الحقيقي. ففي سن الخامسة عشرة تحولت الطفلة المدللة إلى امرأة حازمة تتولى شؤون إخوتها وتدير البيت بيد من حديد.
لكن الوجع الحقيقي لم يكن في المرض وحده. بل في ذلك الشرخ الذي بدأ يظهر في جدار أمانها.. والدها وصديقها الصدوق بدأ ينسحب من حياتهم ببطء مؤلم.ويتغيب عن البيت بشكل مريب.
ذات يوم دخل الأب المنزل بعد غياب خمسة أيام متواصلة كانت ملوك تقف له كحارس للذكريات الجميلة التي بدأت تبهت.
ملوك بصوت يرتجف من القلق معا... بابا.. أنا عايزة أكلمك مش هينفع تدخل وتنام كأن مفيش حاجة بتحصل.
الأب بتأفف وضيق.... تاني يا ملوك؟ أنا راجع مش شايف قدامي وتعبان من الشغل هو كل يوم تحقيق؟
استدار ليدخل غرفته فهتفت بقلب يتقطع....
بابا.. أنت مابقتش معانا أنا حاسة إن فيك حاجة ولازم أعرفها. أنت ليه بعدت؟ أنا تعبانة وموجوعة.. أنت حبيبي وسندي والروح اللي بتنفس بيها والبيت ده من غيرك بقى ضلمة وأمي بتموت جوه.. أنا عارفاك وحاسة إن فيه حاجه كبيره مخبيه عني.
توقف الأب مكانه فحبه لها كان نقطة ضعفه الوحيدة. استدار واقترب منها ثم احتضنها بقوة وكأنه يحاول إخفاء عينيه عن نظراتها الثاقبة.
الأب بصوت منخفض.... يا قلب أبوكي مفيش غير الشغل ومشاكله.. الدنيا بقت صعبة ومصاريف علاج أمك والبيت محتاجة مجهود مضاعف. سامحيني لو قصرت بس غصب عني.
ملوك وهي تتشبث بقميصه.... يا بابا أنا مش عايزة فلوس. أنا عايزة الأب اللي كان بيحكيلي كل حاجة.. ليه حاسة إنك بتهرب من عيني... ليه ريحتك متغيرة وكلامك بقى قليل؟ الشغل عمره ما كان بياخدك مننا بالأيام وإحنا في أمس الحاجة ليك.
الأب وهو يبتعد برفق... بكرة الأمور تتحسن يا ملوك ادعي لأمك بس.
مرت الأيام والشك ينهش في صدر ملوك كالنار في الهشيم. حتى جاء ذلك اليوم الأسود. كانت تشتري بعض احتياجات البيت. حين اعترض طريقها أحد شباب المنطقة وبدأ يسخر منها بكلمات مسمومة. لم تصمت ملوك بل اندفعت توبخه بشراستها المعهودة فما كان منه إلا أن وجه طعنة لكرامتها في أعز ما تملك.. أبوها.
الشاب بضحكة صفراء.... عامله فيها جامده و مناخيرك في السما وأبوكي قاعد عند وآحده ياختي في طرف الموقف. ده ليل نهار هناك والناس كلها بتتفرج وأنتي نايمة على ودانك وكمان عامله بنت بارم ديله إللي اختشو ماتو .
هجمت عليه ملوك كاللبؤة التي تدافع عن عرينها. تشاجرت معه وسط ذهول المارة لكن الكلمات كانت قد استقرت في قلبها كالخنجر. تدخل الناس لفض الاشتباك. لكن الشاب نكاية فيها ورغبة في كسر كبريائها أخرج ورقة وكتب عليها عنوانا وبصق على الأرض قائلا....
لو مش مصدقة روحي شوفي أبوكي الحبيب بيعمل إيه في العنوان ده. روحي وشوفي ياختي الراجل الشايب بيعمل ايه في شقه مفروشه.
وقفت ملوك في منتصف الشارع الورقة ترتجف في يدها والعالم يدور من حولها في تلك اللحظة سقطت أول لبنة في صرح الأمان الذي بنته طوال عمرها.
استدارت بهياج وغل.. كان العنوان قريبا لكن كل خطوة كانت تخطوها ملوك كانت تشعر وكأنها تمشي على جمر يوقد في صدرها. وصلت إلى البناية وصعدت السلم وهناك تجمدت الدماء في عروقها حين رأت حذاء والده ملقىً بإهمال خارج أحد الأبواب.
دقت الباب بعنف ونار الجحيم تستعر في جوفها.. هذا الرجل هو روحها هو الصديق والسند فكيف يكون هنا؟
فتحت الباب فتاة شابة ملامحها مستفزة بفستان ضيق يبرز مفاتنها ونظرة عين تقطر استهتارا. هتفت الفتاة بضيق...
نعم.. مين أنتي وعايزة إيه؟
لم تنطق ملوك بحرف بل اندفعت كالإعصار للداخل عيناها تجوب المكان بحثا عن خيبتها الكبرى. صرخت الفتاة هستيريا...
أنتي يا زفتة أنتي.. حد يدخل يهجم كدة على بيوت الناس؟ عايزه ايه يا بت انت.
هنا انفجر بركان ملوك فقدت السيطرة وتحولت إلى وحش يدافع عن بقايا كرامة عائلتها. اندفعت نحو الفتاة وبقبضة حديدية أحكمت أصابعها علي شعرها وظلت تضربها بقوة وجنون لم تعهده في نفسها من قبل.
ملوك وهي تصرخ بصوت مبحوح من القهر...
هو فين يا زبالة.. يا خطافة الرجالة هو فين؟ قوليلي مخبياه فين لابسة كدة ليه يا اختي؟ أنتي مين يا بت وبتعملي هنا إيه في بيت مع راجل متجوز وعنده بنات أدك؟
كانت ملوك تطرحها أرضا تمزق ثيابها وتقتلع خصلات شعرها وهي تصرخ بكل الوجع الذي كتمته طوال شهور مرض والدتها وكأنها تفرغ قهرها في جسد هذه الفتاة.
وفجأة شعرت بجسدها يرتفع عن الأرض ويد قوية خشنة تجذبها من شعرها بعنف كاد يقتلع فروة رأسها وصوت جهوري يزلزل المكان بصرخة صدمة وغضب..
أنتي بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي جابك المكان ده يا ملوك؟
تصلبت ملوك في مكانها.. الصوت كان مألوفا لدرجة أنها تمنت لو انشقت الأرض وبلعتها قبل أن تسمعه. التفتت ببطء وعيناها اللتان كانت تشتعلان غضبا انطفأتا فجأة لتفسح المجال لانكسار لم تبرأ منه طوال حياتها.
ملوك بهمس مرير وهي تنظر في عين والدها...
بابا إنت بتعمل إيه هنا..... انت.. أنت بتسألني أنا إيه اللي جابني..
وقفت ملوك مكانها تتنفس بصعوبه. نظرت إلى والدها الروح التي كانت تسكن جسدها والصديق الذي لم تكن تخفي عنه سرا ورأت في عينيه غريبا لم تعرفه من قبل. أشارت بسبابتها المرتعشة نحو تلك الفتاة الصارخة على الأرض وهتفت بصوت يخرج من قهرها..
مين دي يا بابا.. بتعمل إيه هنا في شقق مشبوهة مع واحدة زي دي؟ واحدة ساقطة مالهاش أهل بتبيع نفسها للي يدفع.. أنت يا سندنا أنت اللي كنت بتكلمني ع الشرف. جايب وآحده مشبوهة في شقه مفروشة.
لم تكد ملوك تنهي كلماتها حتى بدأت الفتاه تولول وتدعي الانكسار.
وفي لحظة جنونية ارتفعت يد الأب.. اليد التي لم تمتد يوما إلا لتمسح دموع ملوك وهوت على وجهها بصفعة مدوية زلزلت كيانها قبل جسدها.
واندفع بصراخ هز أركان الغرفة...
اخرسي وحسك عينك تنطقي بكلمة. دي مراتي على سنة الله ورسوله ومراتي يعني كرامتها من كرامتي.. فاهمة يا ملوك؟
تجمدت الدماء في عروق ملوك لم يوجعها ألم الصفعة بقدر ما أوجعتها كلمة مراتي. رأت والدها يندفع نحو الفتاة بلهفة غريبة يحملها بين ذراعيه ويدللها بكلمات حانية وتناسى تماما تلك التي تقف أمام عينه بقلب ينهشه الوجع.
ملوك بضحكة هستيرية ممزوجة بالبكاء...
مراتك.... وأمي.... أمي اللي بتموت هناك.. والبيت وإحنا.. وانا... كل ده اتهد فوق دماغنا؟ بعتنا عشان دي.. بعتب بيتك يا بابا.. اتجوزت.. لا استحاله أبويا مايعملش كدة.. أنت مش أبويا.. أنت واحد تاني أنا معرفوش.. هو فين لا لا فين أبويا إنت مين.
استدار الأب إليها وبدلا من الندم اشتعلت عيناه بغضب أعمى وكأن وجود ملوك يذكره بخطيئته التي لا يريد مواجهتها. صرخ فيها وهو يدفعها نحو الباب بقسوة...
بره مش عايز أشوف وشك هنا روحي بدل ما أطلع روحك.
دفعت ملوك يده بحرقه وصرخت عند الباب... بتطردني انا بتطرد بنتك العروسه عشان بت زباله زي دي
كان الناس تجمعت هنا انفعل الأب وصرخ.. بره يا حيوانه مش عايز أشوف وشك.
دفعها للخارج وأغلق الباب بعنف وكأن هذا الباب هو الستار الذي أسدل على حياتها القديمة.
تهالكت ملوك على درجات السلم الباردة. ضمت قدميها إلى صدرها وانفجرت في بكاء مرير ليس خوفا بل قهرا وهي تسمع من خلف الباب المغلق صوته وهو يداوي جراح تلك الغريبة ويهمس لها بكلمات الاعتذار مفضلا إياها على ابنته وتوأم روحه.
في تلك اللحظة على درجات ذلك السلم المظلم لم تبك ملوك كفتاة مراهقه بل بكت كمحاربة خسرت وطنها وكانت تلك قطرات دموعها الأخيرة . هناك ماتت ملوك الطفلة. وولد بداخلها ذلك الغل الذي سيجعلها لاحقا تقف أمام أعتي الرجال ولا تهتز.
ملوك بهمس وهي تمسح دمعتها بعنف...
بكرة هتدور بيك الأيام يا بابا.. وهتيجي تدور على الحضن اللي بعته بالرخيص ومش هتلاقي غير الندم.
عادت ملوك إلى بيتها . دخلت بخطوات ثقيلة تحمل جبالا فوق كتفيها. بمجرد أن رأت والدتها الراقدة فوق فراش المرض حاولت جاهدة أن ترسم قناعا من القوة لكن عينيها كانتا تفضحان انكسارا لا يداوى.
اقتربت ملوك من أمها وارتمت في حضنها تبحث عن الأمان الذي ضاع منها على تلك السلالم المظلمة. شعرت الأم بانتفاضة جسد ابنتها فمسحت على شعرها بوهن وهتفت بصوت مبحوح...
مالك يا قلب أمك؟ فيكي إيه يا ملوك؟ إيه اللي عمل في وشك كدة وأنفاسك مالها هربانة منك ليه؟
حاولت ملوك أن تبتلع غصتها وأجابت بصوت مرتجف....
مفيش يا أمي.. مفيش شوية تعب وضغط من المذاكرة والبيت متقلقيش عليا.
صمتت الأم طويلا ونظرت في عيني ابنتها بنظرة اخترقت كل دفاعاتها ثم قالت بمرارة...
أبوكي ماعدش بيجي يا ملوك.. أنا حاسة بيه حاجة. قلبي بيقولي إن أبوكي عند واحدة تانية صح؟
اندهشت ملوك وتجمدت الكلمات في حلقها كانت تظن أنها ستحمي أمها من هذه الحقيقة البشعة. لكن رادار الزوجة المكسورة كان أسرع . ابتسمت الأم ابتسامة باهتة تقطر وجعا وتابعت...
أنا بحس يا قلب أمك.. الأيام اللي عشتها معاه خلتني أعرف دقة قلبه قبل كلامه.
هتفت ملوك بقهر.. لا.. لا يا أمي مافيش كده.
همست الأم بوجع ونبرة تقطع نياط القلب.. لا فيه يا ملوك فيه. الست آكتر وآحده بتحس بست تانيه. أبوكي لما لقاني مرضت رماني وراح يدور على اللي تضحك له وتدلعه. ماكنتش متخيلة أبدا إنه يعمل كدة.. دي آخرتها دي مكافأة صبري وخدمتي له طول السنين دي؟
وضعت رأسها على صدر أمها وهتفت بمرارة...
ليه يا أمي؟ ليه الوجع بيجي من أقرب الناس لينا؟ ليه اللي كنا فاكرينه سد طلع هو اللي هيهد البيت فوق دماغنا. أنا مش مصدقه دا مش أبويا.
الأم بصوت يملؤه الرضا الممزوج الانكسار....
عشان الدنيا دي يا بنتي مابتديش كل حاجة. بس خليكي فاكرة يا ملوك الحق مابيموتش واللي بيبيع أصله عشان نزوة بكرة النزوة تبيعه وترميه.. أنا مش زعلانة عليه. أنا زعلانة على عمري اللي ضاع تحت رجلين واحد ما صانش العيش و الملح .
لم تكد الكلمات تخرج من فم الأم حتى زلزل البيت وقع خطوات غاشمة وانفتح الباب بعنف كاد يقتلعه من مفصلاته. اندفع الأب كالثور الهائج وبدون مقدمات. قبض على شعر ملوك وأنهال عليها ضربا مبرحا وهو يصرخ بصوت مغلول...
جاية تفضحيني يا بنت الكلب. جاية تفرجي عليا الناس وتخربي بيتي ؟ مخلف دكر بيستقوي على خلق الله ويقتحم بيوت الناس. أنا النهاردة هطلع روحك في ايدي.
تعالت صرخات الأم المكتومة وهي تحاول النهوض بجسدها المرتعشة... فيه إيه؟ عملت إيه سيبها يا راجل حرام عليك هتموت في إيدك.
نفضته ملوك عنها بقوة لم تعهدها ووقفت بصلابة غريبة وعيناها تلمعان بغل أحرق كل جسور الود القديمة. مسحت الدماء التي بدأت تسيل على وجهها وهتفت بفحيح مرعب...
بتضربني أنا عشان خاطر الزبالة دي؟ بقى ملوك اللي كانت روحك بتهون عليك عشان واحدة ساقطة مالهاش أصل؟ تموت بنتك عشان وآحده بايعه شرفها للي يدفع.
جن جنونه واندفع يلطم وجهها بقوة أدت لشج رأسها وفي تلك اللحظة خرجت ملك من غرفتها مرعوبة من هول المنظر...
في إيه؟ بتعمل كدة ليه يا بابا؟ ملوك عملت إيه لكل ده؟
ضحكت ملوك ضحكة هستيرية والدماء تغطي ملامحها وأشارت إليه بإصبع يرتجف..
بيعمل كدة ليه... .. تعالي يا قلب اختك تعالي يا سنيوره افرحي أبوكي مرافق عيلة صغيرة قد عياله. سايب مراته اللي بتموت وقاعد يتدلع في شقق مفروشة.. شفتي قهر أكتر من كدة.
صرخ الأب وهو يحاول كتم صوتها... اخرسي قطع لسانك دي مراتي على سنة الله ورسوله وأي كلمة تانيه هموتك بأيدي.
شهقت الأم شهقة قطعت نياط القلب وسقطت برأسها للخلف وهي تهمس بذهول... اتجوزت؟ بعتني يا أبو البنات؟
اقتربت ملوك وعيناها تخترق عينه ببرود قاتل...
اتجوز علىكي يا أمي؟ جاب عيلة من دور عياله يصرف عليها وتدلعه؟ أصل أمي بعد عمر القهر معاك مرضت وشاخت فقلت تدور على الفرفشة.. أنت متخيل إن دي هتحبك؟ دي لفت عليك عشان قرشك بكرة هتسيبك لما تخلص على صحتك
جن جنونه وصفعها بجنون وهو يصيح..
اخرسي أنا عايز أعيش حياتي كفاية نكد ومرض.. من حقي ألاقي ست تفتح نفسي على الدنيا أمك خلاص انتهت وأنا لسه راجل بصحتي.
صرخت ملوك بقهر هز أركان البيت... واحنا حياتنا ذنبها إيه.. داحنا مالناش غيرك. ذنبنا إيه نتحرم من أبونا عشان واحدة لمتها من الشارع؟ فين الأصول اللي علمتهالي كت بتعلمهالي ليه.
هتف بجمود كالحجر والتفت ليرحل وهو يلقي بكلماته كالقذائف..
أنتم ملزومين مني صرف وبس.. الأكل والشرب هيوصلكم غير كدة ماليش دعوة بحد وماشوفش وشك في بيتي تاني يا ملوك وإلا قسما بالله هحبسك.
بمجرد أن استدار ليغادر لم تتركه ملوك يرحل وفي صدرها غصة بل اندفعت كالسهم لتقف سدا منيعا أمام الباب وعيناها تلمعان ببريق لم يعرفه فيها من قبل بريق الغل الذي أحرق ملامح الابنة المطيعة.
ملوك بصراخ يقطر قهرا وكبرياء...
ماشي روح فاكر إننا هنبكي عليك ونبوس ايدك عشان ترجع؟ روح.. امشي وادلع وفرفش بس وحياة كل لحظة وجع عشناها. افتكر وقفتك دي قدامنا . افتكر ذلنا ليك وكسرة نفسنا عشان تروح للي بتضحك عليك بكلمتين.
حاول دفعها ليمر لكنها تشبثت بمكانها وهتفت بفحيحٍ كالسكين..
بيع وامشي.. والزمن هيلف يا بابا. بس حسك عينك تفكر ترجع لينا لما الدنيا تلطش فيك. حسك عينك تقول ليا عيال وتدور على السند. السند خدته السنيورة بتاعتك وشبعت بيه.. روح بس كلها كام سنة وهتسند طولك بالعافية وتعرف إنك كنت واهم. وافتكر كلمتي دي كويس اللي خان يتخان.
جن جنونه من كلماتها التي أصابت عين الحقيقة فرفع يده وهوى بها على وجهها بصفعة قوية أرجعت رأسها للخلف...
ضحكت بجنون... اضرب كمان الحقيقه بتوجع .. الواد قالي في الشارع روحي شوفي ابوكي الشايب بينام
مع عيله... هتتجوزك ليه قولي دا بينكو عمر إنت معدي الخمسين وهيا تحت العشرين قولي هتتجوزك علي إيه.. ضحكت.. اتكل علي الله بس وحق لا إله إلا الله لهفضل مستنيه اليوم إللي تقع وتعوز خدمه وبدل مانشيلك ونبقي مداس تحت رجلك مش هتلاقي مستنياك يوم
إلا أنه دفعها بكل قوته لتسقط أرضا وخرج من الباب وهو يرزعه خلفه بعنف زلزل أركان البيت وكأنه يغلق صفحة حياتهم وإلى الأبد.خرج السند ورزع الباب خلفه لتسود حالة من الصمت الجنائزي ملوك تقف عيونها قطعه من الجحيم. الغل يملأ صدرها.
سقطت ملوك على الأرض لكنها لم تبك هذه المرة دموعها تركتها علي سلم القهر هناك . ظلت جالسه تنهج والغل يطيح بقلبها.. مسحت الدماء التي سالت من فمها بطرف ثوبها ونظرت إلى الباب المغلق ببرود مخيف ثم تمتمت بصوت خفيض لم تسمعه إلا هي وأختها المذعورة...
اللي خان يتخان يا ابن الهاشمي.. واليوم اللي هتدق فيه الباب ده وأنت مكسور مش هتلاقي اللي يفتح لك.
التفتت إلى أمها التي كانت تنهج بصعوبة وإلى أختها ملك التي انكمشت في زاوية الغرفة وتلك الصغيره التي تبكي بهستيريه .
علمت ملوك في تلك اللحظة أن البيت قد انهار وأن عليها أن تبنيه من جديد...
هنا دفنت ملوك نفسها وانوثتها وخلق مسخ لا يشعر بأي شيء سوا إنقاذ عائلتها . مرت الأيام والبيت الذي كان يضج بالضحكات استحال إلى مقبرة للصمت والوجع. لم يعد الأب ذلك السند الذي تهرع إليه ملوك بل صار غريبا يلقي بفتات المال من بعيد وزياراته التي كانت تتسم بالحب انقلبت إلى معارك حامية . كانت ملوك لا تفوت فرصة إلا انتقدته حتى ضاق ذرعا بكلماتها فقرر قطع الزيارات تماما مكتفيا ببعث حفنة من المال لا تسمن ولا تغني من جوع.
ومع تدهور حالة الأم التي ذبلت كزهرة في مهب الريح بدأت المصاريف تقل رويدا رويدا. وكأن ملوك وأخواتها أصبحوا عبئا ثقيلا يريد التخلص منه إلى أن انقطعت تماما.
هنا وجدت ملوك نفسها ذو السادسة عشرة على أعتاب الثانوية العامة المرحلة التي كانت تحلم فيها ببالطو الطب. لكنها اليوم لا تملك ثمن الخبز أو دواء أمها المريضة. ابتلعت كرامتها وذهبت إلى عنوانه طرقت الباب لكن الفاجعة كانت بانتظارها.
الباب مغلق.. والشقة خالية.. والجيران يخبرونها ببرود... الناس دي عزلوا يا بنتي ومحدش يعرف لهم طريق.
وقفت ملوك في منتصف البيت تنظر إلى الباب المغلق وشعرت لأول مرة أن الأرض تميد تحت قدميها. لقد تركهم.. رحل تاركا إياهم بلا سند وبلا عائل وبلا رحمة ليواجهوا وحوش الدنيا بصدور عارية.
ملوك وهي تمسح دمعة حرقت وجنتها وتهتف في سرها...
مشيت يا ابن الهاشمي؟ هربت من مسؤوليتك وسيبت تلات بنات لوحوش الدنيا؟ وحياة كل ليلة أمي بكت فيها دم وكل لحظة جوع هنشوفها بسببك لأكبر وأبقى أهم دكتورة في البلد دي.. وساعتها لما الدنيا تدور بيك وتيجي تشحت نظرة مني هكون أنا اللي قفلت الباب في وشك.
عادت ملوك إلى البيت لا تحمل مالا ولا أملا من أبيها لكنها تحمل وحشا ولد في صدرها. قرارا بأنها من اليوم فصاعدا هي الأب وهي الأم وهي السند الذي لن ينكسر أبدا.
عادت ملوك في ذلك اليوم وقد انسلخت من ثوب الطفولة تماما تحولت إلى كائن آخر يشع حقدا على الرجل الذي كان يوما صنمها المعبود. ومات في عينيها صنف الرجال أجمعين فقد زرعت فيها خيانة أبيها عقدة الفقد والتجبر وقررت بقلب من حديد أن تكون هي السند وهي الجدار وهي الحصن لنفسها ولأختيها.
اتجهت لأحد وجهاء المنطقة حكت له مرارة الخذلان. تجمع أهل الخير وخصصوا لهم جزءا من المصاريف لكن ملوك لم تكن لتقبل العيش على الصدقات وحدها فقررت خوض معركة البقاء بنفسها. نزلت للعمل كعاملة نظافة في إحدى المستشفيات الخاصة تمسك الممسحة وتطهر الممرات لكنها كانت صلبة كالصخر تعمل وتدرس وتراعي شؤون بيتها متقمصة دور الأب الذي غدر والأم التي تهالكت تحت وطأة المرض.
التصقت الأختان بها كظلها ملك التوأم تلك الفتاة التي تعشق الحياة والعيش الرغد والتي كانت دائما ما تجنح نحو الطيش فتجد ملوك لها بالمرصاد تردعها بقسوة الخوف عليها. أما الصغيرة مليكة. النسمة الرقيقة فكانت كالندى أصيبت بخلل وضعف لا تتحرك إلا في جناح أختها الكبرى وعيبها الوحيد هو ذلك الخوف المرضي من الدنيا الذي جعلها تلتصق بملوك كأنها طوق نجاتها الوحيد.
مرت الأيام بشعة ينهشهم العوز والمرض وملوك لا تكل ولا تمل تذاكر وسط غبار المستشفيات وأنين والدتها حتى أتى يوم النتيجة.. يوم كان من المفترض أن تشرق فيه الشمس أخيرا.
ملوك وهي تندفع لغرفة أمها والدموع تسبقها...
يا أمي.. يا حبيبتي فوقي وافرحي.. بنتك جابت مجموع الطب. هبقى دكتورة يا أمي هعالجك بإيدي وهرفع راسك لفوق مش هنحتاج لحد بعد النهاردة.. الدكتوره ملوك الهاشمي.
كانت ملوك تشع نورا وهي تلوح بشهادتها بينما مليكة التوأم تجلس في الزاوية تبكي بصمت لدرجاتها المنخفضة التي لم تسعف طموحها. اندفعت ملوك لتطبع قبلة على جبين أمها لكن الفرح لم يكن مكتوبا في قدر تلك العائلة..
دخلت ملوك والغرفة تضيق بأنفاس الفرح تزف لأمها البشرى التي نحتت الصخر لأجلها فإذا بالقدر يزف لها ابتلاء جديدا خلع ما تبقى من قلبها كان مشهدا لتسليم الراية راية القهر التي يجب أن تتحول لنصر يوما ما....
الفصل 2
البارت الثاني... ارتمت ملوك فوق فراش أمها وصوتها يرتجف بلهفة....
ماما..فيه ايه مالك بصي.. بصي يا حبيبتي أنا نجحت هبقى دكتورة يا أمي خلاص التعب راح. هلبس البالطو وأعالجك بإيدي مش هنحتاج لمخلوق بعد النهاردة.. قومي يا ست الكل وشوفي بنتك ملوك عملت إيه الاولي ع المدرسه شايفه تعبنا خلاص ربنا هيفرحنا .
فتحت الأم عينيها بصعوبة ونظرة الوداع تلوح في عيونها ابتسمت بوهن وهتفت بصوت يخرج بصعوبه..
ألف بركة يا قلب أمك.. أنا كدة اطمنت كدة أقدر أمشي وأنا مرتاحة. خلي بالك من إخواتك يا ملوك. أنا خلاص العمر خلص وربنا رحيم هيشيل عنكم عبء مرضي ومصاريفي.
صرخت ملوك بانهيار وهي تحاول جذب يد أمها لتقوم..
بطلي بقه بتقولي إيه أنت كويسة والله هوديكي المستشفى حالا. هعمل المستحيل عشان تقومي. متكسريش فرحتي يا أمي.
قبضت الأم على يد ملوك بقوة مفاجئة. وكأنها تضخ فيها وصيتها الأخيرة....
اسمعي يا قلب أمك.. الأجل حط نهايته وده ابتلاء ليكي وأنتِ قوية. إياكي يجي يوم وتفرطي في حقك زيي. إياكي يجي يوم ويتجبر عليكي راجل زي ما حصل فيا.. إياكي تموتي والناس واكلة حقك. خدي حقك ولو بتموتي. ولو رجليهم على رقبتك اكسري رجليهم وموتي بيها. الدنيا غيلان وأنتِ هتبقي لوحدك يا بنتي.. ملك خلي بالك منها.. هي مش زيك وهتعملك مشاكل عينك عليها يا ملوك أنتِ السند وأنت الضهر.
تعالت شهقات ملوك وهي تهز رأسها بالرفض...
حرام.. بطلي تقولي كده.. حرام تسيبوني لوحدي الدنيا صعبة أوي يا أمي مش هقدر أشيل كل ده... بطلي تقولي كده هتبقي كويسه.
ثبتت الأم نظرها في سقف الغرفة وكأنها ترى مستقبلا بعيدا وقالت...
سايباكي لربنا أحن مني ومنك وسايباكي لقوتك.. ملوك.. الاسم ده مش من فراغ يا بنت بطني. هيجي يوم وملوك يتبصلها ويتمناها الغالي قبل الرخيص. هيجي يوم يا بنتي وروحي هتكون حواليكي وأنتِ مالكة الكل وراسك فوق الكل. ملوك بنت ليلي الغلبانة هتعرف الدنيا إن الملوك لما تقف محدش يقدر عليها.
أغمضت الأم عينيها ببطء وارتسمت على ثغرها ابتسامة نورانية...
شايفة خير هيجي بعد وجع.. شايفة يا بنتي والله اصبري واحتسبي. أنا فيتاكي قوية محدش هيقدر عليكي.. سامحيني يا بنتي إني بوظت حياتكم مرضي كان السبب.
صرخت ملوك بمرارة شقت جدران البيت..
لا.. هو السبب.. هو اللي سابنا وغدر بينا هو السبب منه لله.
همست الأم بكلماتها الأخيرة والروح تنسل بسلام:
خلي بالك من إخواتك.. أنتِ قدها.. أنتِ قدها..انت ملوك.. ملوك الهاشمي بنت ليلي الغلبانه اللي ماحد هيقدر عليها.
شخصت بصرها كأنها تكلم أحدا...
يا رب علي اد ما اديتني غلب اديها قوة. يا رب يقف المتجبر قدامها ينهز من قوتها يا رب ماتحكم عليها ظالم ولا عويل يا رب اديها واعطيها ومن نور الدنيا اسقيها.. يا رب ما تحني لها ضهر.. لا تلين للي ما يصونهاش ولا تحن للي باعها في يوم بلاش. يا رب اجعل قوتها في صبرها وعزوتها في كرامتها ... قلبك غالي صونيه قلب الملوك للملوك يا بنت بطني... حقك عليا خلي بالك من اخواتك. فايتاكي غاليه يا غاليه.
تراخت اليد الدافئة في يد ملوك وسكن الجسد تماما. ظلت ملوك تنظر إلى جثمان أمها بذهول شل حواسها قبل أن ينفجر الصمت بصراخ اخواتها صرخات مدوية هزت أركان البيت والحارة بأكملها. تجمع الجيران واتشح البيت بالسواد.
كان المشهد مهيبا صرخات أخواتها كانت تشق المكان ظلت ملوك جاثية على ركبتيها يدها لا تزال تقبض على يد أمها الدافئة التي بدأت تنسحب منها الروح والحرارة بالتدريج. ولم يرف جفنها كأنها تحاول في تلك اللحظة أن تسحب آخر ذرات القوة من كف أمها قبل أن يبرد تماما.ومع كل صرخة مدوية تخرج من أفواههن كان قلب ملوك يزداد تحجرا.
ومن سواد الفقد إلى سواد القلب.. في تلك اللحظة تحول قلب ملوك إلى قطعة من الجمر ثم انطفأ ليحل محله جمود غريب.
ومع خروج الجثمان من باب البيت خرجت معه روح ملوك القديمة ولم تعد. سارت خلف النعش بخطوات جامدة لم ترتعش قدماها كانت تنظر إلى الخشب الذي يحمل أغلى ما تملك كأنها تنظر أسراب.
وعند القبر وحينما لامست ذرات التراب الكفن الأبيض شعرت ملوك بكل ذرة رمل تسقط فوق أمها وكأنها حجر يُوضع فوق صدرها ليغلقه للأبد. هنا اخيرا تجمعت آخر دمعه في حياه الملوك ولكن لم تسقط .. كانت ملوك تدفن آخر دمعة في عينيها تحت ذلك الثرى.
أغلق الباب على ثلاث فتيات توأمان في السادسة عشرة وصغيرة في الثانيه عشرة. جلست الفتاتان تنتحبان بمرارة بينما جلست ملوك في منتصف الغرفة. تنظر أمامها بجمود مخيف قلبها قد قُد من حجر لا تبكي ولا تدري لماذا جفت منابع دمعها. أحست غريزيا أنها لو استسلمت لدمعة واحدة ستنهار لو بكت ستكون أنثى ضعيفة تتلاطمها أمواج الأيام.
اقتربت ملك التوأم منها احتضنتها وهي ترتجف...
ملوك.. مالك؟ ما تخوفنيش منك أنتي عاملة كدة ليه؟انت مابتعيطيش ليه دي ماما. عيطي يا ملوك مالك ساكته.. أنا خايفة يا ملوك.. خايفة من الجاي ومن الدنيا اللي بقينا فيها لوحدنا.
نظرت إليها ملوك بعينين خاليتين من أي تعبير وهتفت بصوت جاف...
خايفة من إيه.. عشان بقينا لوحدنا.. ده أمر ربنا ولازم نقبله.. مفيش مكان للخوف يا ملك بعد كده .
قامت ملوك بجمود ونظرت لأختيها بصرامة...
اسمعو.. ورايح البيت ده هيمشي بنظام وكل واحدة فيكم لازم تتصرف بمسؤولية. أنا مش هتهاون في أي غلطة. ومش هسمح للدنيا تدعكنا تحت رجليها.. إحنا اللي هنغلب الدنيا دي. وهنعيش ونكبر ونشق طريقنا وماحدش هيقدر علينا.
اقتربت من الصغيرة احتضنتها بقوة مفرطة وكأنها تزرع فيها قوتها ثم أخذتهما ببرود آلي إلى غرفتهما وضعت كل واحدة في فراشها وقبلتهما قبلة الوداع للطفولة وتركتهما يصارعان وجع اليتم في صمت.
توجهت ملوك نحو النافذة ووقفت تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم تتخيل أين يقبع أبوها الآن؟ هل يضحك؟ هل ينام في حضن غريبة بينما بناته يعيشان القهر؟ ابتسمت بسخرية مريرة.
العجيب حين فتشت في صدرها لم تجد قلبا رأت نفسها بلا مشاعر. حتى فاجعة موت أمها أصبحت كأنها سراب كأنها مشهد في فيلم سينمائي تشاهده من بعيد. أصبحت ملوك جثة بلا روح. فتاه قررت أن تتجرد من بشريتها لتتحول إلى آلة تنهش كل من يجرؤ على الاقتراب منها أو من أخوتها.
وقفت في عتمة الليل وعيناها تلمعان ببريق حاد وتمتمت لنفسها بعهد أخير....
بتقولي اعيط اعيط منين يا ملك. اللي كان بيحس فيا مات واندفن مع أمك.. من النهاردة ملوك مالهاش قلب يوجعها ملوك ليها مخ يخطط وراس مابتنحنيش غير للي خلقها.. يا إحنا يا الدنيا يا ابن الهاشمي وهتشوف.
تسللت ملوك من البيت والليل يرخي سدوله لم تكن تخشى وحشة الطريق. فتاة في السادسة عشرة تسير بخطى ثابتة نحو المقابر وكأنها تذهب للقاء نفسها التي ضاعت هناك.
ارتمت فوق تراب قبر أمها وجلست صامتة كتمثال من رخام لأكثر من ساعة. قبل أن تمد يدها وتمسك بالتراب تفركه بين أصابعها بقوة وعنف كأنها تعجن قدرها الجديد.
همست بجمود..
روحتي يا أمي وأنتي بتوصيني.. روحتي وسايبة ملوك اللي كانت بتحس وعندها شويه مشاعر. دمعتي نشفت هنا يا أمي لأني ماعتش بحس ولا عت بعرف الحب شكله إيه.. الدموع للي بيخاف علي وليفه وانا ماعتش ليا وليف...
كانت تجلس أمام القبر والريح تلطم وجهها دموعها التي رفضت أن تنزل وكأنها تبحث عن العدل وسط التراب. خرج صوتها مخنوقا .....
بيقولوا مكنش ينفع تعملي كده إنت عملتي كان لازم تبلعي القهر وتسكتي عشان يفضل. عشان القرشين وعشان منظركوا قدام الناس... صح بس هو اللي اختار يكسر ضهر بناته ويخليهم مسخره في بق الناس لما جاب الغريبة تقعد مكان أمي وهي لسه بتنازع الروح. اللي مابيحترمش شيبة مرضه مايستاهلش احترام عياله. .. بيقولوا الراجل معذور لما مراته تمرض بيدور على حتة ست حقه. بس فين حق الست إللي بتموت في الأوضة اللي جنبه وهو بيحب جنبها بيخش مابيقلهاش حتي إزيك.. ايه المبرر مايعادل بينهم..
.بيقولوا أبوكي مش جوزك أمك تتصرف.. بس إسمي كاتمه لما اتقهرت. أنا مكنتش بتهجم عليه يا أمي ولا بعلمه الأدب . وعمري ماهنته ويشهد ربنا.. كنت بفكره بيكي بحقوقك أنا كنت بصرخ بوجعك إنتي وإنت كاتمه مقهوره .. كنت بحارب عشان حقك وأنتي نايمة مريضة مش قادرة تنطقي وهو رايح يرمي نفسه في حضن عيلة قد بنته وناسي إن لحمه بياكله المرض والقهر.
ضربت علي قلبها بقهره... كنت برفض يقفل علي نفسه قوضه طول الليل يكلمها وسامعه هزاره وإنت جوا بتتقطعي. دا اللي اختشو ماتو.. مش قادر الساعتين يخش يقعدهم معاكي يطيب خطرك حتي. ليه كلبه فين العشره فين عدل ربنا فين... كان بيدخل باكياس سوده يخبيها بالدولاب وياخدهم وهو نازل طب بتجيبهم هنا ليه تقهرنا ليا.واليوم إللي ما هنساه لحد ماموت يوم ماكتي تعبانه وماسكه البرشام وبتقوليلو هات كوبايه ميه وهو بيشيت معاها لحد ماغمي عليكي والبيه ماسابش التليفون . أسكت.. أعملها إزاي طيب انت عيانة تبقي عيانة ومقهوره.
أخذت نفسا ثقيلا كأنها تعاتب روحها وتابعت...
آه كنت بقول لنفسي يمكن لو كنت سكت يمكن لو كنت كتمت ناري في قلبي وضحكت في وشه كان فضل.. بس سألت نفسي هو اللي بيحب بيتلكك على كلمة عشان يطفش؟ هو إللي بيحب بيغدر. اللي عايز يفضل بيفضل لو الدنيا كلها قايدة نار واللي عايز يهرب بيعمل من الكلمة باب يخرج منه وما يرجعش. ساعات بنقهر وأقول يا ريتني بلعت جزمة في بقي وسيبته يجي يرمي قرشين ويمشي أهو حتي كنتي تلاقي تمن الدوا ومتموتيش بحسرتك..
صمتت للحظة قبل أن تشتعل عيناها بقوة القهر:
بس أرجع وأقول اللي يبيع شرف مرضه ويبيع دم بنته عشان نزوه مكنش هيفضل لو عملتله صوابعي العشرة شمع. الأب اللي يبيع ضناه عشان كلمة يبقى ماكانش ناوي يشترينا من الأول. القهر الحقيقي مش في غيابه القهر إننا كنا بنحاول نتمسك بـ قشة فاكرينها سند. وهي كانت أول حاجة اتكسرت وسابتنا نغرق. القهر إنه كان انه باع الكل.طب أنا وحشه جاحدة أخواتي وانت ذنبكم إيه.. الغدار خدها سبب وذريعه يرمي لحمه.
تحولت ملامحها لاشمأزاز.... والست اللي فاكرة إنها استغلت الموقف وخدت الراجل مبروك عليها بواقي راجل لأن الراجل اللي يفرط في مراته وعياله عشان نزوة بيبقى رخيص زي اللي اشتراه. نامي يا أمي وارتاحي بنتك مابقتش بتسمع لكلام حد بنتك النهاردة هي اللي هتحط القوانين.. والشرع اللي بيقول أصون أبويا هو نفسه اللي بيقول.. ولا تظلمون ولا تظلمون.. وهو إللي بيقول العدل . وأنا من النهاردة لا هظلم ولا هسمح لمخلوق يظلمني.
ثم نفضت تراب القبر عن يدها بقوة وقالت بلهجة حاسمة وكأنها تودع حياتها السابقة
خلاص يا أمي.. النهاردة أنا مابدفنش جسمك بس أنا بدفن معاكي آخر حتة كانت فاضلة في قلبي . شفتك بتموتي قدامي وأنتي مستنية نظرة منه وشفت هو كان بيوزع حنيته على مين. من النهاردة مفيش راجل هيدخل حياتي يكسرني زي ما كسرِك ولا كلمة هتاخدني ولا قرشين هيذلوني. اللي يبيع عِشرة العمر عشان عيلة مايستاهلش حتى الندم عليه. نامي وارتاحي بنتك خلاص مابقتش مستنية حد يطبطب . والراجل اللي يفكر إنه يكسرني هيفهم إن بنتك اتعلمت القسوة من أكتر واحد كان لازم يعلمها الحنية. العدل عند ربنا يا أمي.. أما هنا فبنتك هتاخد حقها بايدها.
عهد عليا قدام قبرك وفي عز ضلمة الليل مانا هخاف. مااللي دمعته بتتحبس جواه ويدوب القهر فيه.. قلبه بيموت.. وقلبي مات يا أمي. مش هسمح لصنف راجل يتجبر عليا ولا هخلي مشاعري تسوقني للهلاك زي ما حصل معاكي. مش هكون ضعيفة ولا هخلي حد يكسر عيني أنا وأخواتي.. هعيش ليهم وبس وده عهد الملوك يا أمي.
قامت ملوك وكبشت من تراب القبر كبشه كبيره ثم أخرجت منديل ووضعته بداخله. ونفضت التراب عن ثوبها وتركت خلفها كل ذكريات الضعف وغادرت المقابر بجسد فتاة وروح مقاتل.
انطوت الصفحات وتحول البيت إلى صمت مطبق ينظم بدقة الساعات. دخلت ملوك كلية الطب بينما اتجهت ملك التوأم إلى الصعيد لتدرس في كلية التجارة. قاصدة المدينة الجامعية لتبدأ رحلتها الخاصة. أما الصغيرة فقد صاغها رب العباد بهدوء عجيب كانت نسمة رقيقة لكنها غير متزنة ومهزوزة من هول الفقد مصابه بتلعثم حاد ورهاب من البشر.. فاحتضنتها ملوك بسياج حديدي من الخوف والحرص فسكنت الصغيرة داخل ذلك السياج طوعا. تخشى الدنيا ولا تثق بمخلوق سوى أختها خوفا من طعنة غادرة لا تعلم من أين تأتي.
في المستشفى حين علم رئيسها بتفوقها ودخولها كلية الطب نقلها إلى قسم التمريض. ووضعها تحت يد أمهر الممرضات لتتعلم أصول المهنة قبل دراستها. رعاها أطباء الجراحه بعد علمهم بنيتها ورغبتها وبدأوا يثقلون شخصيتها فهيا تمتلك جبروت انثي طامحه معجبين بكفاح تلك الفتاة التي تدرس بيد وتطهر الجراح باليد الأخرى صامدة في وجه إعصار الحياة بمفردها.
سارت الحياة على وتيرة واحدة هدوء يسبق العاصفة ونظام صارم لا يقبل الخطأ.. ولكن هل ستترك الدنيا ملوك في سلام؟ هل ستكتفي الأقدار بما أخذته منها أم أن هناك لطمة أخرى ستغير حياة تلك الجميلة التي زهدت في البشر وقررت أن تعيش بقلب من حجر؟
لقد كانت ملوك تخشى غدر الزمان لكنها لم تكن تعلم أن الزمان يخبئ لها مواجهة مع قدرٍ لا يرحم.. حيث لا تُقاس قيمة الإنسان بما يحمله في قلبه بل بما يملكه في خزانته وسطوة اسمه.. مواجهة ستبدأ من هناك حيث تنتهي حدود الضعف وتبدأ إمبراطورية الجبروت.
.....
نعود للوقت الحالي...
في ركن قصي من صعيد مصر حيث تضرب الجذور في أعماق الأرض وتعانق السطوة عنان السماء تتربع عائلة الراوي عائله تمثل الارستقراطية الصعيدية الحديثة. هناك على أطراف مدينة الأقصر يمتد سلطانهم في أراض لا تحصيها العين ومزارع وشركات لا حصر لها. يسيطرون عليها من داخل قصر الراوي. ذلك الحصن الذي يُعرف بين الناس بـ قصر الأسياد.
يترأس هذه المملكة الجد سعفان الراوي السيد الذي لا يُرد له أمر. يملك من الحكمة الكثير والتجبر الكثيرين . رحل أبناؤه سعيد وفضل إلى ذمة الله. وتركوا وراءهم إرثا من القوة والنفوذ. .. فسعيد ترك فتاتين شابتين وأطفالا صغار.
أما الحكاية الحقيقية فتكمن في أبناء فضل فيمتلك أولئك الرجال الذين صاغتهم الأقدار من طينة يمثلون الوجه المودرن لسطوة آل الراوي ببدلاتهم الإيطالية الفاخرة بأسلوبهم المعاصر. كانوا يعكسون جيلا لم يحبس نفسه في جلباب الماضي ولا لغتهم الدارجة بل خرجوا للعالم بـ برستيج عصري وعقليات متفتحة على البيزنس والقانون. لكنهم بمجرد أن تطأ أقدامهم أرض الأقصر. ينفضون غبار المدينة ليعودوا جبالا صلبة لا تحكمها سوى كلمة الجد ولا تحركها سوى النعرة الصعيدية التي تجري في دمائهم كالنار.
كبيرهم عامر الراوي.. أسد العائلة وهشيمها
رجل تخطى الثلاثين لكنه يحمل هيبة تجبر القلوب على الارتجاف قبل الأبدان. هو المستشار الفذ في هيئة قضايا الدولة والوحش الذي لا يُقهر في إدارة الأزمات.
يمتلك شموخا إذا دخل مكانا انحنت له الرؤوس تبجيلا لا خوفا فحسب فحضوره يطغى على الجميع. أخذ من أبيه العنفوان ومن جده الدهاء. لا يقبل أن يمسه أحد بكلمة أو يجرؤ مخلوقا على مخالفة أمره. يعيش في زمن الطبقية التي تضعهم اسياد فوق الكل. يمتلك من غرور الطاووس عزة تجعله يرى العالم تحت قدميه. فلا وقت للمشاعر في قاموسه ولا مكان للضعف في قلبه الذي غلفه بالحديد.
ثم يأتي الابن الأوسط.. عمار الراوي.. الجبروت الجامح على النقيض من رزانة عامر. يأتي عمار ضابط الشرطة الذي يمتلك من السلطة ما يغذي نيران غضبه. سلالة الجحود المتجسدة برجل. يده تسبق عقله وعصبيته لا تعرف حدودا. متهور في قراراته ويفرض سطوته دون حساب للعواقب . صنف خاص من كارهي النساء بعد أزمة هزت كيانه قديما. فقد الثقة في هذا الجنس تماما. المرأة في نظره ليست إلا رغبة تُقضى ثم تُداس بالأقدام لا ينظر لإحداهن إلا بعين الاحتقار والازدراء وقد وطّن نفسه على أن بيوم من الايام يتنازل وتكون ابنة عمه ليست إلا وسيلة للحفاظ على النسل وإنجاب الورثة.. ولا شيء غير ذلك.
وفي وسط هذا الجحود يبرز عمر الأخ الأصغر الذي نبت كزهرة رقيقة بين صخور القسوة. قلب الجد النابض شاب يشع حبا وحنانا في بيت لا يعرف إلا لغة القوة والسطوة. يعشق المشاعر الصادقة ويبحث عن الدفء في كل ركن. نافر عن أموال العائلة ونفوذها زاهد في صراعاتهم العقيمة. النسمة التي تلطف جحيم هذا البيت . يمتلك من الرقة ما يجعله يبدو غريبا عن سلالة الراوي.
كانت الساعة تشير إلى السادسة مساء التوقيت المقدس لـ ديوان عائلة الراوي. جلس الجد سعفان الراوي على مقعده الخشبي المحفور بدقة يداعب حبات مسبحته بعينين صقريتين ترقبان الباب الخشبي الضخم.
وفجأة ساد صمت مطبق وتوقف الجميع عن الحركة.. لقد وصلوا.
انفتح الباب ذو الضلفتين بعنف مقصود وكأن إعصارا قد ضرب المكان. دخل عمار الراوي أولا ببذلته العسكرية التي تزيد من عنفوانه الشرس. لم يكن يمشي بل كان يقتحم المكان بخطوات واسعة مقتربا من الجد في مجلسه ملقيا السلام في هيبه إعصار اسود.
دخل بعده مباشرة عمر الراوي النسمة الرقيقة التي تلطف جحيم عمار. كان يرتدي قميصا أبيضا بسيطا بنطلونا جينز يمشي بخفة ابتسامة دافئة تزين وجهه الصبوح يلقي التحية بصوت خفيض حنين على الجميع ويومئ برأسه بأدب جم متوجها مباشرة نحو جده ليقبل يده بحب جارف ثم جلس بجواره يثرثر وجده تزداد ابتسامته له كلما تحدث.
على عتبة الباب اخيرا وقف عامر الراوي وبدت القامة الفارهة وكأنها تسد عين الشمس. لم يقتحم عمار ولم يهرول كعمر.. بل وقف وقفة الملوك على عروشهم. يرتدي عباءة سوداء مطرزة بخيوط الذهب فوق بدلته السوداء المرسومه بعنايه عليه.
ثبت نظره على الحضور نظرة باردة كالثلج ثاقبة كالسيف يزينها خط رفيع لندبة قديمة استقرت تحت عينه اليمنى كأنها وشمت كبرياءه. لم ينطق بكلمة لكن هيبته كانت تتحدث نيابة عنه. ساد صمت حتى عمار الشرس تجمد مكانه واحترم حضور أخيه الأكبر.
تقدم عامر بخطوات موزونة صلبة قبل يد جده بوقار لا يخلو من الكبرياء ثم جلس على المقعد المخصص له بجوار الجد.
دخلت الحجة فؤاده وعلامات الضيق مرتسمة على وجهها فما كان من سعفان إلا أن ضحك بخفوت وهو يعلم سيل الكلام القادم...
آيوة.. خناجة كل يوم.. اتفضلي يا ست فواده دخلتك عارفينها يلا أهم اتجمعو ربنا ما يجعلنا خناجه جصدي عاده .
هتفت فواده بمرارة وهي تضرب كفا بكف...
أنت بتتمجلت يابا الحج. مشجعهم يعني. وكل واحد منهم كد ضلفه الباب فارد قلوعه ولا معبرني كني عدوتهم وإلا مرت أبوهم. اني عايزة أشوف عيال بتجري في الدار دي . أشاور أجيب العرايس لكن لا حد سامع ولا حد واعي.تلات رجاله ورد والجهر معبي جلبي دا حزن عليا.
نظر سعفان إلى عمار بطرف عينه كاتما ضحكته وهو يستفزه...
طب يا حاجه فعلا هما اتوخرو شويه وإللي كدهم خلف. اني معاكي يدي علي كتفك هااا.. إيه جولك يا حضرة الضابط. عينك ما جابتش على حد واصل.. هنفضل اكدة كتير؟
رفع عمار وجهه بغضب جحيمي وصوته يخرج كالرصاص...
هو أنتم ما بتزهجوش يا جدي السيرة دي مالهاش آخر؟
رد الجد بخبث...
يا واد ما أنت لافف مع بنات البلد وسمعتك زي الطين الاسود.. ما تنجي لك واحدة تلمك.
هنا رمى عمار الملعقة بعنف وهمّ بالوقوف صارخا...
أنا هسيب لكم المكان كله... تشبع كلام و تريقه.
في تلك اللحظة شق صوت عامر هدوء المندرة بنبرة باردة كالثلج لكنها لا تقبل الرد أو النقاش....
اجعد يا عمار.. جدك ما أذنش لك تفارج ولما يبقى يأذن ابقى جوم.
انصاع عمار رغما عنه وجلس مغتاظا يكز على أسنانه امتثالا لهيبة شقيقه الأكبر. مالت فؤاده برأسها وقالت بقهر...
أهو عليه العوض في الوسطاني انهبل من المشي مع البنات ونسي حياته.. ينتجم منها ربنا البعيدة المحروجة إللي مرضته.
صرخ عمار بانفجار...
ما تبطلي بقه يا أمي فيه إيه؟
هتف عامر بحدة بسيطة ...
عمااار.. صوتك.. وأمك..
التفت عمار لأخيه بذهول...
أنت مش سامعها دي غنوة كل ليلة.. ده إيه الحرج ده. حد يتحمل اكده ماتعتبروني ميت بلا عيال بلا زفت. دا عيشه
زفت.
هنا هتف عامر بنبره حاده فيها حذير....
سمعني كدة جولت إيه لأمك يا واد فضل؟
كتم عمار غيظه وصرخ بيأس... .
ما جولتش زفت.. خلاص هنكتم.
نظر عامر بجمود و فيها رجاء أكثر من أمره لأمه بنبرة أخف حدة... يا أمي من فضلك.. جفلي السيرة دي من فضلك إنت خابره مش كل شويه خرج .
هتفت فؤاده بدموع القهر...
طب أجيب عيال منين لا كبير ولا صغير معبرني.
تنهد عامر بثقل فانتهز عمار الفرصة ليوجه الدفة لأخيه الأكبر بسخرية...
يلا.. أدي لعامر شوية إنت مابتجيش جنبه اشمعنى أنا؟
ردت فؤاده بغضب...
أديله منين... عامر... هو سيادة المستشار عاد بيعبر حد؟ خلاص كبر علينا أصلنا فلاحين وهو بقى بيه كبير عالي بيجعد مع البهوات .
أحنى عامر رأسه بغضب مكتوم لكنه لم يرد فاحترامه لأمه خط أحمر لا يتجاوزه. أكملت هي...
هتفضل اكدة يا كبيري عديت التلاتين وبتكبر وزهوتك هتروح.. ناجصك إيه؟ بيه وكبير ومعاك عزوة وسلطان وأني مجهورة.. تلات عيال زي الورد ومافيش روح في الدار يا مراري علي خلفتي.
تدخل عمر بلين وحنان محاولا تلطيف الأجواء...
ليه يا أمي أنا فين ما أنا معاكي أهو هتجوز واجبلك صف عيال .
نظرت إليه بأسى...
أنت هو فيه زيك يا نسمة الدار بس أجول إيه.
سخر عمار مجددا...
آيوة.. امسكي في الحزين ده. سيادة المستشار واهب حياته للقانون وأنا بخدم الوطن.
هتفت فؤاده بسخرية لاذعة لعمار...
والنبي ما نتش مكسوف..إني أصلا هجوزك ليه عشان تجيب لي واحدة تعضها صبح وليل؟
ابتسم عمار بسخرية مريرة....
عليكي نور.. أهو خليها بقه عند أهلها عشان ما تتعضش.
ساد صمت مهيب في المندره نظر الجد لحفيده الأكبر عامر نظرة أبوية مغلفة بسلطان الجد وهتف بصوت لين....
سيبك من كل الرط ده. يا ولدي أنت أول فرحتنا وأول عكاز اتسندت عليه عيلة الراوي.. مستني إيه؟ سيبك من كلام أمك وحديتها عن العرايس في الدخلة والخرج. أنا عارف إنك مش أي واحدة تملا عينك ولا أي ست تنفعك. بس يا ولدي شوف حواليك.. ليه نافرين من الجواز كأنه طاعون. شوفلك بت حنينه طيبه تعيش.
وضع عامر فنجان قهوته ببطء شديد واعتدل في جلسته بوقار ونطق بكلمات باردة ....
يا جدي كل شيء بأوانه ..أنا عايز ست بمواصفات خاصة.
استدار بنظرة ثاقبة نحو عمار وعمر وأكمل بجمود:
الجواز يا جدي مش مشاعر وحب زي ما عمر بيحلم. ولا هو نزوة بنقضيها زي ما عمار فاكر.. الجواز ده شركة وعجد نفوذ ومجام وأهم حاجه المجام .. وأنا لحد النهاردة ماشفتش الست اللي تستاهل. اللي تكون حرم عامر الراوي تكون من عيله الأول أنا مابحبش العرايس اللعبة.. أنا عايز كيان يخضع ليا ويحترمني بس في نفس الوجت يكون له أصل والظاهر إن المواصفات دي مش موجودة أصلا.
وقال بكبرياء طاووس...
أنا لما بمشي في المحكمة المستشارين بيقفوا احتراما لـ هيبتي تفتكر هسمح لواحدة مجهولة النسب أو بنت راجل غلبان تيجي تهز الهيبة دي في بيتي؟ الست بالنسبة لي لازم تكون درع لبرستيجي مش غلطة اعتذر عنها قدام الناس. اللي يدخل دارنا لازم يكون من توبنا وإلا هيفضل طول عمره غريب.. والغريب ملوش مكان وسط الأسياد. عامر الراوي مابينزلش عينه للأرض.. أنا عيني دايما لفوج واللي فوج جليلين جوي.
رفع حاجبه بسخرية ممتزجة بالكبرياء ونظر لجده قائلا.
فلما تيجي الست اللي تجدر تخليني أبص لها مرتين من غير ما أحس إني بضيع وجتي.. ساعتها يا جدي هبقى أجيلك وأجولك هات المأذون لكن لحد ما ده يحصل خلوني في شغلي وحياتي.
ضحك عمار بسخرية وضرب كفا بكف... سمعت يا جدي المستشار عايز تمثال متفصل على مجاسه وأني ماعايزش أصلا يعني هنفضل عواجيز في الدار دي الحزين الصغير هو اللي هيملاها عيال.
عمر بعدم اقتناع.... ربنا خلجنا واحد من طين يا عامر. الجلب ماعلهوش مالك إنت لو جلبك جابك هتدعس كلامك ده وافتكر كلامي.
هنا عامر رفع راسه وبص لعمر بنظرة فيها استهزاء ممزوج بقسوة وكأنه بيسمع كلام طفل لسه بيحبي. ضحك ضحكة مكتومة باردة ماوصلتش لعينيه ورد بصوت هادي وواثق...
الجلب اللي بتتكلم عنه ده يا عمر خليه للحكايا اللي بتتحكي في الروايات.. إحنا هنا في مملكة الراوي. والجلب اللي مابيمشيش على الأصول ملوش مكان جوه صدورنا. إنت بتجول ربنا خلجنا من طين واحد؟ صوح.. بس الطين أنواع فيه طين بيطلع زهور مابتعيشش يومين وفيه طين بيطلع صخر بيسند جبال.. وإحنا يا ابن فضل صخور الأرض دي.
قام عامر ووقف بكامل طوله فرد عبايته بهيبة طاغية وكمل كلامه وهو بيثبت عينه في عين عمر..
عامر الراوي جلبه مش ملكه جلبه ملك اسمه ومجام عيلته. بتجول لو جلبي جابني هدعس كلامي؟ تبقى لسه ماتعرفش أخوك الكبير يا عمر. أنا لو جلبي في يوم فكر يوطي عيني للأرض. أو يخليني أبص لواحدة أجل من مجامي.. والله لهكون أول واحد يقتلع جلبه ده من مكانه ويدوسه بمداسه جبل ما يخليني أغلط في حج شرفي. إحنا مابنتخلجش عشان نحب. إحنا بنتخلج عشان نسود.. وافتكر إنت كلامي ده عشان اليوم اللي هتسلم فيه جلبك لواحدة نكرة هيكون اليوم اللي هتخسر فيه أخوك وسندك.
أغمض سعفان عينيه وتنهد بوقار لا يعلم أن هناك في يوم ما سيأتي إعصارا قادما سيحطم أصنام عامر وعمار وأن الست التي يتحدث عنها باحتقار هي التي ستجعله يركع أمام كبريائها يوما ما..
تنهد الجد وقال... القدر مابيسألش يا عامر .. والوجعة اللي بتيجي على غرة هي اللي بتهد الجبال.
صمت عامر وعيناه مصلبتان على الأرض وكأن القدر يجهز له اللقاء الذي سيقلب موازين آل الراوي جميعا.. لم يكن يعلم سيد القصر أن القواعد التي وضعها بصلفه ستتحطم على أعتاب امرأة لم تُخلق من ذهب كما يحلم بل صُهرت في نار المعاناة حتى أصبحت أصلب من صخور جبالهم.
وعلى الجانب الآخر من الحياة حيث لا مكان للغرور ولا وقت للمناظرات العقيمة حول الأصول.. كانت هناك مملكة أخرى تُبنى لكنها لم تُبن بالنفوذ بل بالصبر والعرق.
استمرت حياة ملوك على وتيرة واحدة كانت تعمل في صمت وتقود سفينة البيت بيد من حديد وأوامرها لا ترد. كما أنها اتجهت لمركز فنون قتالية لتتعلمها أيضا حتي تكمل قوتها . وبمجرد تخرجها تعينت على الفور في نفس المستشفى لكفاءتها الشديدة التي شهد لها الجميع. ورغم تكالب الأطباء لخطب ودها والتقدم لها إلا أنها لا تقبل حتي فتح تلك السيرة ابدا رغم أنها عرض عليها الكثير وان تتنعم بكل أنواع الثراء ولكن هيهات الملوك لا تشتري.
أما ملك فبعد تخرجها وجدت وظيفة جيدة في أحد المكاتب الكبرى في الأقصر وكانت تأتي في إجازات قصيرة بينما الصغيرة التحقت بكلية الآثار التي كانت تعشقها وتجد فيها نفسها. واستتبت لهن الحياة وبدأ الاستقرار يطرق بابهن.
لكن الأقدار كانت تخبئ ما لا تشتهيه السفن. لاحظت ملوك بذكائها الفطري أن ملك بدأت تتغيب ولا تأتي للزيارة إلا نادرا. وكلما عاتبتها ملوك تحججت بضغط العمل وافتتاح فرع جديد للشركة. لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير.
عند ملك... كانت قد وقعت في شباك الحب. تعرفت على شاب من قلب الصعيد ثري يمتلك من الأطيان والاراضي ما لا يحصى. توطدت العلاقة بينهما بشدة وتعلق القلب بالقلب. وقررا أن يتوجا هذا الحب بالزواج. لم يكن ذلك الشاب سوى عمر الراوي قلب عائلة الراوي النابض الذي وجد في ملك الرقة والحنان التي يفتقدها في منزله الجاحد.
هنا عمر الذي لم يكن يهتم بسطوة أخوته أو نفوذ عائلته قرر أن يكسر القواعد لأجلها. كان يعلم أن عائلته شديدة لا تتهاون في مسألة النسب. لكنه قرر المواجهة ووعد ملك بالزواج الرسمي. وقرر أن يذهب لعائلته ليفتح معهم موضوع زواجه من تلك الجميلة التي خطفت لبه دون أن يدرك أن هذا القرار سيكون الشرارة التي ستشعل الحرب بين الملوك والأسياد.
دخل عمر إلى المندرة اتجه نحو جده ذلك الحصن الذي يلوذ به دائما. انحنى بهدوء وقبل يده الدافئة وهو يهمس بحنيه صادقه.....
كيفك يا جدي لعلك بخير وفي أحسن حال.
ابتسم الجد وارتسمت على وجهه طيبة السنين....
بخير يا جلب جدك كيفك أنت وكيف شغلك. إيه مابتشوفناش ليه يا ولدي علي طول غايب .
ابتسم عمر برقة....لاه يا جدي انا اهوه مجدرش أغيب عنك واصل.
جلس يفرك يده بارتباك كمن يحمل سرا ثقيلا. ففهمه الجد وهتف.... هات اللي في جلبك يا ابن فضل عايز إيه.
ابتسم عمر بخجل... كنت.. كنت عايزك في حاجة يا جدي.
ضحك الجد بوقار... يوووووه أخيرا هتطلب.. عايز كام من جنيه لمليون. دا أنا في ديك الساعة لما عمر باشا يطلب مني زي الباقي.
أمسك عمر يد جده وقبلها امتنان..... يخليك ليا يا جدي لاه فلوس إيه انا عايز حاجة تانية خالص.
هتف الجد باهتمام.... إيه هي يا ولدي. اطلب واتمنى.
سكت عمر لحظة وكأن قلبه يدق طبول الحرب ثم قال.... عايز أتجوز يا جدي.
بهت الجد وساد صمت ثقيل قبل أن ينطق بذهول.... إيه؟ تتجوز كيف ده؟ وبت عمك ندي اللي مفيش غيرها ليك.
هتف عمر بإصرار.... مالي بيها يا جدي ياخدها عامر ولا عمار أنا ماليش نصيب فيها.
حاول الجد تهدئته.... بس يا ولدي البت بتحبك ومنتظراك ومتعلجة بيك.
هتف عمر والصدق في عينيه.... واني جلبي اختار واحدة تانية. وماهاخدش غيرها لو حصل إيه.
هتف الجد بنبرة هادئة.... براحة اكده يا ولدي ومين هي اللي خطفت جلبك ونسيتك الأصول.
عمر بجديه.... واحدة معايا في الشغل أدب وأخلاج يا جدي.
في تلك اللحظة دخلت أمه فؤاده والابتسامة تسبقها.... إيه يا حبيبي بتكلم جدك في إيه اكدة.
ارتبك عمر فضحكت الأم بحنان... هتخبي على أمك يا واد دا أنا عارفاك قبل ما تنطج.
هتف الجد بنبرة قلقة... عاوز يتجوز يا فؤادة وعينه راحت لبعيد.
بهتت ملامح أمه.... إيه كيف ده وندي؟ إزاي نكسر بخاطر بت عمك يا عمر.
هتف عمر بمرارة.... مالي بيها يا أمي اني حبيت واحدة طيبه وغلبانه وعايزها في الحلال.
فجأة انشق سكون المكان بصوت قاس جمد الدماء في عروق عمر و......
الفصل 3
البارت الثالث.. هدر صوت جحيمي هز المندرة .... بتجول إيه يا ابن فضل حبيت إيه وعايز مين...
استدار عمر ورجف قلبه فخلفه يقف عمار بملامحه الحادة واكمل بتهكم.... ومين بقه بسلامتها اللي هتخرجك عن سلو بلدك يا ابن فضل. تبص بره وتسيب بنت عمك اللي من توبك.
بلع عمر ريقه وهتف عمر بارتباك.... إيه يا عمار سلو إيه وأصول إيه هو إحنا من أيام ساس وستك . اني بطلب الحلال.
اقترب عمار بخطوات مخيفة وهتف بقسوة وشراسه.... الهبل ده مش عندنا أنت مكتوب لندي والكلمة خلصت.
هب عمر واقفا وقد استيقظت كرامته... مش أنت اللي تجول اني مكتوب لمين ولا أنت اللي تختار لي حياتي.
هنا اشتعل الغضب في صدر عمار فهي المرة الأولى التي يقف فيها الصغير في وجهه. فصرخ فيه بصوت هز المكان.... هي حصلت يا ابن فضل؟ تجف في وشي وتعلي صوتك كمان.
رد عمر بشجاعة.... انا ماعليتش صوتي انا بطلب حجي مالك أنت ومال جوازتي انا بكلم جدي.
هتفت الأم بخوف.... براحة يا ولدي اهدى يا عمار دا أخوك الصغير.
اقترب عمار ونظراته تشتعل.... والله دي مسخرة العيال كبرت وبقت تتكلم في الحب. ومين بقه دي.. من الصعيد ومن أنهي ناحية.
هتف عمر بارتباك ورهبه .... لاه... من القاهرة.
برقت عينا عمار ونظر إليه بذهول... ايه بتجول إيه.... ثم انفجر بركان عمار... يا نهار أبوك أسود. رايح تجيب بحراوي.. بحراويه يابن فضل ... مشيت معاها صوح.. بنات فاجرة مكشوفه مالهمش إلا في الحب والسهر والكلام المايع زيك مانت عيل طري وعبيط.
صرخ عمر بكرامة.... اصحك تتكلم عليها كلمة... ملك دي الأدب كله جمال وعفة واحترام.
ضحك عمار بسخرية تقطر سما.... لا والله ماشية معاك وكده هو الاحترام فعلا. تلاجيها ضحكت عليك بكلمتين لما عرفت إنت مين مانت عيل صعيدي أهبل.
صرخ عمر بقلب يملأه القهر.... أنت مالك بيها ملك محجبة ومحترمة وبنت ناس. ماهياش زي اللي في دماغك. وفوج كل ده بحبها ورايدها وماهتجوزش غيرها لو وجفت الدنيا كلها قصادي.
هنا اندفع عمار كالطلقة وأمسكه من قميصه بعنف فبهت الجد وصاح.... براحة يا ولدي على أخوك.
صرخ عمار في وجه عمر وهو يهزه.... يبقى آخر يوم في عمرك. والله أجتلك بيدي ولا أشوفك بتكسر هيبتنا أنت مفكرني إيه مره دانا عمار الراوي ماهجدرش عليك إياك ؟ بت غريبة تنسيك أهلك لااااااا.. انت تنكتم و هنكتب كتابك على بنت عمك من سكات.
دفعه عمر بكل قوته وصرخ بصوت زلزل القصر.... لااا ده لما أكون عيل فعلا وماعنديش رأي. اني مش هاخد بنت عمي اني هاخد اللي جلبي اختارها وغصب عن الكل يا عمار.
هاج عمار واشتعلت النار بقلبه واندفع نحو أخيه كالإعصار وصفعه على وجهه وهو يسبه بأفظع الألفاظ.
فصرخت الأم برعب وهي تحاول تخليص ولدها الصغير من بين يدي الوحش الكاسر.
زمجر عمار وهو يمسك بتلابيب عمر بعنف.... ده لما يكون إللي واجف قدامك مرة ولابسة طرحة يا بن أبوي. عمار لما يجول الكلمة تنسمع من سكات ورجلك فوج رجبتك.
دفع عمر يد أخيه بقوة وصرخ بوجه محتقن.... ده على نفسك أنت أنا ليا جدي وأمي يسألوا عليا. أنت ما تتحكمش فيا ولا تفرض عليا حياتك.
لم يتمالك عمار نفسه لا يصدق انه أخيه الحمل الوديع يقف له بتلك الطريقة فاندفع وصفعه مرة أخرى بقسوة.
فهتف الجد بصوت زلزل المكان وهو يضرب عصاه في الأرض.... اتجننت يا عمار إياك. بكفاية عاد ارفع يدك عن أخوك
ماتحترم حالك اني جاعد.
التفت عمار لجده وهو يلهث من فرط الغضب... اتجننت.... بتجول لي انا اتجننت... ماهو من دلعكم فيه بقى أهبل والنسوان لحست عجله وعايز يسيب بنت عمه ويصغرنا قدام الناس. أنا اللي اتجننت؟ ولما يجيبلنا العار ويجيب بت لا نعرف لها أصل ولا فصل جربوعة ما حيلتهاش اللضا يبقى إيه؟
صرخ عمر بمرارة وقهر... أنت كل اللي بتفكر فيه الفلوس والنفوذ. أنت جاحد وما بتعرفش تحس أنا مالي . مالك بيا أنا؟ أنا ليا جلب بيحب وعايز يعيش.
أمسك عمار برقبته وضغط عليها بقسوة وهو يهمس بفحيح الأفاعي... جلب إيه يا أبو جلب... جايب لي واحدة بتلفلف على الرجالة وتلاجيها عارفة إن عندك شيء وشويات وطمعانة فيك إيه.. واجع جوي للدرجة دي أكيد الهانم بندرية شاطرة لفتك علي صباعها..
هتف عمر بغل وتحد وهو ينظر في عيني أخيه مباشرة... أيوه واجع.. وبحبها وهتجوزها وإن كان عاجبك يا عمار وأعلى ما في خيلك اركبه.
فجأة قطع صوت كصوت الرعد الذي يسبق العاصفة. التفت الجميع بجسد مرتجف. فكان عامر يقف عند مدخل المندرة والغضب يشع من عينيه الصقريتين. اقترب بخطوات وقورة مهيبة ونظر إلى عمار بحدة أخافت القلوب هتف بصوت غاضب هز المكان .... فيه إيه بيحصل اهنه اتجننت يا عمار.. عامل إيه في أخوك.. سيبه حالا...
صرخ عمار وهو يشير بيده نحو عمر باحتقار.... تعالى.... تعالي يا سيادة المستشار. تعالي يا كبير يا سيد الناس. تعالى شوف آخرة دلعكم في ابن فضل الراوي. أخوك عايز يتجوز. تعالى شوف الفرح اللي إحنا فيه. شوف الفضيحة اللي عايز يرمينا فيها. أخوك عايز يتجوز من بحري ويجيب لنا العار.
صمت عامر لوهلة وساد المندرة سكون مطبق وكأن الزمن توقف عند كلماته. نظر لأخيه عمر نظرة ثاقبة مخيفة وسأله بهدوء مرعب... إيه.. يتجوز.. صوح كلام عمار ده يا عمر؟
تنهد عمر محاولا استجماع شجاعته المهزوزة امام اخيه الاكبر.. أيوه يا عامر عايز أتجوز فيها إيه دي هو أنا كفرت؟
قطب عامر جبينه ومال برأسه قليلا كأنه لا يستوعب جرأة أخيه... وبنت عمك نوديها فين والوعد اللي بينا...
هتف عمر بيأس... وأني مالي ومال الوعود دي. أني بحب وعايز أتجوز إنسانة اختارها جلبي هو ده عيب؟
هتف عامر بنبرة هادئة جحيمية نبرة رجل القانون الذي يبدأ استجوابه القاتل... تمام منين؟ وبنت مين؟ وأبوها إيه؟ وأمها وإخواتها شغالين إيه؟وعيلتها مين في مصر ؟
ابتلع عمر ريقه بصعوبة فهو يعرف عامر جيدا ويعرف أن هذا الهدوء هو القناع الذي يرتديه قبل أن يسحق خصمه فهتف بارتباك... مالك بيهم يا عامر أنا عايزها هي مش عايز عيلتها.
رفع عامر نبرة صوته محذرا فهزت جدران المندرة... عمرررر... سؤالي واضح.. انطج.
هتف عمر بقهر ودموعه توشك على النزول... بنت طيبة والله يتيمة من بحري بتشتغل هنا معايا وأمها ماتت من زمان وسابتها وحيدة وبتصرف علي روحها بت زي الدهب.
تجمد عامر في مكانه ولم تتحرك منه شعرة واحدة ثم سأل بصوت خفيض مرعب وهو يرسم على وجهه ظل ابتسامة باردة.... وابوها؟
ابتسم عمر برهبة وهو يظن أن عامر بدا يلين... لاه.. يعني.. يعني أبوها يعني فاتهم من زمان و...
هنا وفي حركة لم يتوقعها أحد انفجر عامر بالضحك... كانت ضحكة مجلجلة ساخرة تقطر كبرياء وازدراء. ضحكة جعلت عمار يبتسم بشماته وجعلت قلب عمر يسقط في قدميه. فالمستشار حين يضحك في مواقف كهذه فإنه يعلن بداية المذبحة.
.ساد صمت مطبق عقب ضحكة عامر صمت كان أثقل من الجبال. اقترب عامر من أخيه بخطوات بطيئه وعيناه مصلبتان عليه ببرود قاتل ثم همس بفحيح مرعب...
يعني بت ملجية من الآخر.. وجميع وكسر .. مش كدة؟
أدار له ظهره بكبرياء واتجه نحو مقعده وجلس واضعا قدما فوق أخرى بزهو الملوك وكأن الأمر انتهى.
هتف عمر بقهر وصوته يرتجف...
عامر ما تجولش كدة إيه ملجيه دي.. أنا رايدها.. دي بنت ناس وأصول.
التفت إليه عامر بسخرية لاذعة...
بنت ناس لا يا راجل وبنت الناس سايبة بحري وجاية تشتغل هنا ليه؟ هي بنت الناس بتشتغل أصلا بالشكل ده؟ وبعدين بنت ناس فين والناس فين أصلا؟ أم ميتة وأب طفشان تلاجيه شمام ولا فلاتي وسايبها صيد سهل قامت جررت تصطاد الهبل إللي زيك ربنا يشفيك .
صرخ عمر بانهيار...
أنت بتجول إيه حرام كدة اتجي الله في أعراض الناس.
هتف عامر بنبرة حادة..
ولااا.. اتعدل بدل ما أعدلك وانسي الكلام الفارغ ده. السيرة دي انجطعت فاهم ياخايب ياهبل ال بتشتغل.
هتف عمر بجنون وتحد لم يسبق له مثيل...
أنا معدول يا عامر وبجولكم إنا هتجوز اللي جلبي اختارها اللي حابب يبارك لي أهلا وسهلا واللي مش حابب يخليه في حاله.
في تلك اللحظة ساد صمت مرعب حتى أنفاس الحاضرين كادت تتوقف. ظل عامر ينظر إليه كـأسد يختبر ضحيته قبل الانقضاض. ثم قام بهدوء مرعب وسار نحوه ببطء وكل خطوة كانت توقع في قلب عمر رعبا جديدا. وقف أمامه مباشرة وهتف بنبرة رعدية زلزلت جدران المندرة...
أنت بتجول لعامر الراوي الكلام ده يا ابن فضل.. عامر الراوي واجف قدامه وتجول له كدة؟
ثم كبش هدومه بعنف و صرخ بقوة فجرت المكان....
ولااااااا... فوووووج... شوف بتكلم مين ياض. عامر الراوي مايتجالوش كدة.. ده أنا أخلص عليك بيدي ولا يرف لي جفن. أنت تحت طوعي ولو خرجت برة طوعي مالكش مكان في الدار دي ولا لك مليم واحد عندنا.
صرخ عمر بكرامة جريحة...
ومين جال لك إني عايز منكو حاجة؟ فلوسكم خليهالكم اشبعو بيها.
لم يكمل عمر كلمته حتى انطلقت يد عامر كالصاعقة وهبطت بصفعة مدوية على وجه عمر أطاحت برأسه جانبا وسكتت معها كل الأصوات.
صرخت الأم برعب وهي تندفع نحوهم....
يا مري يا مري... براحة يا ولدي حرام عليكم.. الواد هيضيع في إيديكم.
تنفس عامر بصعوبة من فرط الغضب وعيناه تطلقان شررا وهو ينظر لأخيه الساقط أرضا وكأنه يعلن أن مملكة آل الراوي لا تقبل التمرد حتى لو كان الثمن قلب الأخ الأصغر.
وقف عامر الجبل الشامخ لم تهتز منه شعرة بل ازداد بروده قسوة. نظر إلى يده التي صفع بها أخاه وكأنها تلوثت ثم أخرج منديلا من جيب جلبابه ومسح كفه ببطء شديد وهو ينظر لعمر الملقى أرضا بنظرة لا تحمل ذرة من الشفقة بل تحمل ازدراء لمن تجرأ وظن نفسه ندا له.
أشار عامر بسبابته نحو عمر وكان صوته منخفضا لكنه كان يملك قوة الزلزال...
الفلوس اللي بتتكلم عنها بجلة أدب دي هي اللي عملتلك جيمة وخلت البندرية تلتفت لواحد زيك. من غير اسم الراوي وفلوس الراوي أنت ولا حاجة مجرد حشرة في طريج واحدة ملجيه زي دي.
حاولت الأم التدخل وهي تبكي فرفع يده في وجهها دون أن ينظر إليها فصمتت رعبا من جبروته...
عامر... ماحدش يدخل اللي يغلط يتحمل ثمن غلطه.
ثم انحنى بجسده قليلا نحو عمر وقبض على ذقنه بعنف ليرفع وجهه إليه وقال بفحيح هادئ مخيف...
اسمع يا ابن فضل... أظن إنت عارف أنا مين... أنا المستشار عامر الراوي.. أنا اللي بكتب المصائر بيدي جبل ما تتنطج في المحاكم. فما تجيش أنت عيل بشخه وتتحداني. البت دي بكرة الصبح تكون ناسي اسمها ولو عرفت إنك كلمتها أو خطوة رجلك داست عتبة بيتها. أنا مش هحبسك ولا هحرمك من الميراث.. أنا همحي وجودها من على وش الأرض وهخليك تدور عليها في دفاتر الأموات وما تلاجيش لها أثر والظلم ساعتها هيبقى قانوني ومختوم بختم الدولة.
انتفض عمر رعبا من تهديده فأكمل عامر بجبروت وهو يتركه باحتقار...
بكرة تجهز عشان نطلب ندي رسمي والكلمة اللي تطلع من بقي تتنفذ وأنت الجزمه في بقك . وممنوع أسمع صوتك غير وأنت بتجول أمرك يا كبير. وإلا قسما برب العزه هتشوف مني اللي ما شافهوش حد جبلك وهخليك تتمنى الموت وما تلاجيهوش.
استدار بوقار مذهل وعدل هندام عباءته وحلس مستندا بعظمه ثم نظر لجده وسعفان بصمت وكأنه ينهي الجلسة.
هنا هتف عمر بجسارة وهو يقف من مكانه ويمسح الدم عن فمه.. دا في أحلامك يا سيادة المستشار.
تجمد عامر في مكانه من وقاحة أخيه التي تجاوزت كل الحدود.. وقام.. فقام الجد مسرعا ومسكه وصرخ أمرا .. اجعد إياك تنطج..
امتثل عامر لجده ونظر لعمر نظرة تميته.
فصرخ عمار بجنون.. هيا حصلت بجاحتك دي... عايزه يفضحنا يا جدي؟ عايزه يجيب زبالة مالهاش أصل ولا فصل تاخد فلوسه وتدخل دارنا لاه ده يا ينعدل يا يموت .
دفعه عمر بكل قوته وهو يصرخ في وجوههم... وانا ماعايزش حاجة منكو واصل ماعايزش فلوس خليهالك اشبع بيها وانا هتجوزها كيف غصب هتجوزها.
صرخ عمار وهو يخرج سلاحه.. أنت ساكت يا عامر؟ شايف جله أدبه أفرغ فيه الفرد دلوك وأغسل عارنا.
ضحك عامر باستهانة وهو ينظر لأخيه بوعيد بارد... بطل هبل يا عمار مالك متعصب كده سيبه أهو يلعب شويه. روح يا شاطر امشي معاها شويتين تلاته دول آخرهم كده. إنما جواز وعيله واحترام مافيش إلا بت عمك. عمر الراوي ماهيجبش بت من تحت الأرض شغالة أبوها طفشان يدخلها عيلة الراوي.. ابقى ارميلها جرشين بعد ما تمشي معاها شويه هتفرح بيهم وتسيبك.
هتف عمار ضاحكا بسخرية لاذعة... والله صوح واللا أجولك اضربلك معاها ورجة عرفي يا بن أبوي واقضي غرضك بدل ما تجيبها الجصر وتفضحنا.
صرخ عمر بانهيار وهو يضع يديه على أذنيه... أنتو إيه إيه مابتحسوش؟ مابتعرفوش يعني إيه جلب؟ بتجسمو وتجطعو فيا كني عبد عنديكو وخايفين علي فلوسكو؟ جولتلكو ماعايزش منكو حاجة خدو كل حاجة.
استدار بقهر ونظر لجده الذي كان يتابع المشهد بصمت ثقيل... اني عايزها يا جدي هو حرام أحب حرام يا جدي؟
كان يبكي من فرط القهر والظلم... حوشهم يا جدي حوشهم عني أنا ليا حج عندك..إني ولدك كيفهم يا جدي لا اني كلب ولا عويل حبيت يا جدي هو حرام.. اموت جلبي ليه عشان فلوسكو.طب طب يا جدي احرمني من الورث إني هموت واتكفن بملايه بيضه ماهاخدش حاجه. الفلوس بتكبر لحم مابتكبرش جلوب.. حوشهم عني يا جدي هما جبابرة إني مش كدهم .أبوس يدك يا جدي خوسهم اني رايدها بحلال الله أنتو مفكريني زيكو؟ أنا مش زيكو اني بعرف أحس يا جاحدين. اشبعو فلوس اديهم نصيبي يا جدي يحرم عليا جرش واحد من بيتكو. اني هتجوز ولو هشحت ماهجبلش بحاجة منكو واصل.
استدار عمر ليغادر لكن عمار هجم عليه كالوحش الكاسر قبض على ثيابه وهو يصرخ بجنون....
تتجوز مين يا واكل ناسك أنت ياض هتمشي كلمتك علينا. أنت مفكرنا هنسيبك إيه مين دي غازية ولا رجاصة. مين المرة السو اللي ضحكت عليك وهتجلبك على عيلتك؟
دفعه عمر بقوة لم يعهدها عمار فيه وصاح بصوت يملأه التحدي...
دي ست البنات ماهياش مرة سو ضحكت عليا وجلبتني عفريت أزرج مابيهداش. مش أنا اللي انجلبت يا عمار مش أنا اللي كنت طيب وحنين وصرت وحش. بص لنفسك أنت اللي انجلب قدامي أهو بتنهش فيا عشان تاخد تارك من واحدة وجعتك وموتت جلبك وموتت في عينك النسوان كلهم. ربنا خلج الحلو والوحش ربك خلج الخير والشر قابيل وهابيل يا عمار. بس أنت خدت الشر واتلفعت بيه وحكمت على صنف النسوان كله بالسو.. منهم أمك وأختك إيه... برضه صنف عويل؟
جن جنون عمار وهجم عليه يمسك رقبته بكلتا يديه...
أنت بتجول لي أنا كدة ياض أدفنك دلوقتي في مكانك.
دفع عمر يده بجسارة...
تدفني وماله اعمل ما بدالك ماللي يتجبر على خلج الله حجه يجول كدة أجول إيه فوضت أمري لله أنا هتجوز بالحلال مش عار ولا رذيلة.
تحرك عامر بخطوات ثابتة وبيد من حديد قبض على عمر ورزعه بالحائط بقوة جعلت العظام تئن ثم انحنى عليه وهمس بفحيح يرعب الحجر....
أنت ياض فجرت فاكر إن كلامك ده هيعدي على دماغي أنت مش عارفني أنت نسيت أنا مين؟
هتف عمر بدموع القهر التي لم تمنع صلابته وصاح في وجهه....
لاه مانسيتش يا سيادة المستشار ياللي واخد الكل عبيد عندك. افتكروا إني عمري ما طلبت منكم حاجة ولا خدت زيكوا افتكروا إني كنت الحنين اللي فيكم مانسيتش أنت مين. مانسيتش إنك حاطط نفسك إله هنا وبتحاسب الكل بس تقريبا الكبير في نظركم مابيعملش كبير إلا بالفلوس والنفوذ أنت المفروض تعدل بين الناس بس تقريبا أنتوا ماتعرفونيش برضه. أنا ماشي وافتكروا إني جيت لحدكم وطيبت خاطركم كأهلي اشبعوا بالفلوس يا ولاد الراوي اشبعوا أنا ماعايزش منكم حاجة واصل.
تركهم ورحل بخطوات واسعة وقلبه ينزف كرامة وقسوة بينما ظل الجد واقفا مصدوما يراقب رحيل عمر الذي أدرك الآن فقط أنه لا يشبه إخوته في شيء وأن روحه أسمى من جبروتهم.
أما الأم فانفجرت تصرخ وتنادي عليه بآهات مزقت سكون القصر لكن صدى خطوات عمر كان أسرع من نداءاتها بكثير وهو يغادر جنة آل الراوي التي لم تعد تتسع لقلبه المشتاق.
خرج عمر من باب القصر العالي بخطوات لم تلتفت خلفها كان وقعه على الأرض يوحي بأن قيود سنوات من التبعية قد تحطمت.
خلفه كان الصمت في المندرة أثقل من الجبال صمت لا يقطعه إلا نشيج الأم الذي كان يرتد على الجدران الباردة.
عامر ظل واقفا في مكانه يده التي دفع بها عمر لا تزال متصلبة وعيناه مصلبتان على الفراغ الذي تركه أخوه. لم يكن الغضب وحده ما يشتعل في صدره بل كانت صدمة الخروج عن الطاعة. فالمستشار الذي يهابه الجميع لم يتخيل يوما أن الهجوم سيأتيه من أضعف حلقات السلسلة ومن داخل حصنه.
أما عمار فكان يلهث والشرر لا يزال يتطاير من عينيه قبض على سلاحه بقوة وهو يزمجر بصوت خفيض...
سيبوه يغور مسيره يرجع لما الجوع ينخر في بطنه والبندرية تنفضه هيجي يحبى على ركبه عشان لجمة من عيش الراوي.
هنا ضرب الجد سعفان الأرض بعصاه ضربة قوية جعلت الجميع ينتفض ونظر لعامر وعمار بنظرة محملة بخيبة أمل لم يشهدها فيه من قبل وقال بنبرة مكسورة ولكن حازمة...
فرحتوا دلوك كسرتم الغصن الطري اللي كان بيلين جساوتكم. عمر مش هيرجع يا عمار. عمر اللي شفتوه النهاردة غير اللي ربيتوه وسطيكو. اللي يبيع الدنيا عشان خاطر جلبه ما بيرجعش يولاد الراوي وافتكروا كلامي ده زين.. البيوت اللي بتتبني على الجبروت بتجع على راس صحابها في الآخر.
ساد وجوم مرعب على وجه عامر الذي شعر لأول مرة بخلل في ميزان عدله الذي نصبه لنفسه لكن كبرياءه منعه من التراجع فعدل هندام عباءته بجمود وقال...
اللي يخرج بره العيلة يسجط من حساباتها والكلمة اللي جولتها مش هتنزل الأرض. عمر هيكتب على ندي سواء كان هو موجود.. أو مش موجود.
التفتت الأم بصدمة لابنها الأكبر وكأنها تراه لأول مرة بهذا الجبروت فصمتت من هول ما تسمع.
صرخ عمار وهو يروح ويغدو في المندرة كالملسوع..... أنت هتسيبه يمشي أنت هتسيبه يا عامر ده بيكسر كلمتنا.
.
هتف عامر باستهانة مغلفة بالغضب وهو ينظر نحو الباب الذي خرج منه عمر... سيبه.. سيبه لما مايلاجيش اللجمة اللي كانت بتتحط جدامه هيرجع. عمر كان متنعم في خيرنا فسيبه برة عشان يعرف جيمة جصر الراوي.
هنا تدخل الجد بنبرة لائمة... يا ولدي أخوك طيب وغلبان وجلبه اللي جابه الحب ماهواش عيب ولا كفر خدوه باللين يا ولاد الراوي.
صرخ عمار والغل يملأ صدره.. جلب إيه؟ مافيش حاجة اسمها جلب مافيش اسألني أنا... النسوان دول أنا اتعاملت معاهم وانجرصت منهم زبالة وبتوع فلوس ورجاصين نسوان مكشوفة مش بتوع عيشة ولو آخر يوم في عمري أخويا ماهياخد بندرية. أنا أجتله لك ولا إنه يبلينا بواحدة منهم يترزي يتجوز بنت عمه وينكتم.
وقفت الأم تبكي بحرقة على صغيرها وهتفت في وجههم... لاه ماحدش يجسى على ولدي ده غلبان أنتوا اللي جبابرة وجلبكم حجر.
هتف عامر بحدة وسلطوية... يا أمه اسكتي كفاية دلع ماسخ وبطلي كلام أهبل إحنا أدرى باللي يلم العيلة ويصون اسمها.
هتفت الأم بغضب جحيمي وصوت هز أركان المكان... كلام أهبل... بتجول لأمك كلام أهبل...
هبت صارخه بعنف.... ماتحترم حالك يا عامر أنت هتكبر على أمك؟ أنت مفكرني عشان ساكتة على طيحانك في الخلج أبقى مكسورة... لااا داني فؤادة بنت السماعنة أوعى لحالك واعرف مجامك كويس أني هسكت بمزاجي لحد ما الهوجة تعدي لكن تكسر ولدي وتكسرني لا يا سيادة المستشار.جانونك علي حالك واللي يخصك إنما أمك وابن جلبها لاه..
وتركته ورحلت وتركت وراها أبواب الجحيم علي مشارف الانفجار.
.......
بينما كانت جدران القصر تهتز تحت وطأة الحرب المعلنة على عمر وحكايته مع بنت بحري... كانت مها وندى الراوي في عالم آخر .. عالم لونه الذهب وطعمه الغرور. في ركنهم الخاص جلستا بكامل أناقتهما لا تشغلهما نيران القصر بل تشغلهما النميمة والضحكات الساخرة.
بعد ساعات من التبضع والبذخ المفرط عادت الفتاتان إلى القصر. كانت أكياس العلامات التجارية العالمية تحاصر الجناح فساتين حريرية.. جلود طبيعية نادرة.. وفى تلك الأثناء كان الطابق السفلي يغلي كالمرجل بمؤامرات آل الراوي لحرق قلب عمر والقضاء على أحلامه.. بينما كانت مها وندى في عالم آخر تماماً.. عالم الشوبينج والدلال المطلق.
مها بعينيها اللتين لا تريان في عامر سوى منصبه وهيبته كانت تبتسم بغطرسة وهي تتخيل نفسها سيدة المستشار تحكم بسلطته وتتباهى بجاه فالحب عندها ليس مشاعر بل هو برستيج وهيبة.
أما ندى فكانت تتمايل بدلال وهي تتحدث عن عمر.. رقة عمر وهدوئه هما غايتها ليس حباً في قلبه بل رغبة في امتلاك هذا الكيان الرقيق الذي يذوب فيه الجميع.
قطع خيالهما تلك الفتاة.. التي تجرأت واقتربت من عالمهم وأكثر من مره وقفت مع عامر إذا اتي. تعالت ضحكاتهما الساخرة وبدأت حفلة التنمر الملكي..
مها بسخريه ... شايفة يا ندى دي فاكرة إنها ممكن تلمس طرف جزمة عامر. أسكتي عرفت إنها ال إيه بتحبه....
ضحكت مها عاليا... بجد المسكينة دي محتاجة مراية تعرفها مقامها.. عامر مش بس مستشار عامر ده قلعة والقلعة مش بتفتح بواباتها للي جايين تحت الأرض والله لو جولت لعامر هيفطس ضحك.
انفجرت ندى بضحكة رنانة هزت أركان المكان ضحكة تحمل في طياتها كل معاني الاستخفاف بالغير ثم التفتت نحو مها وقالت بلهجة يقطر منها الدلال...
أنا بقه بموت في عمر يا مها.. عمر الرجة والذوج. البنات هتتهبل عليه.. بجد الكارثة إنهم مصدجين نفسهم ومفكرين إنهم ممكن يوصلوا له.
رمت ندى حقيبة باهظة الثمن فوق الفراش الوثير وقالت بدلع مستفز وهي تراقب رد فعل مها...
بقولك إيه يا مها.. الفستان ده لوحده تمنه يشتري حي باللي فيه تخيلي البنت الجعانة دي لو شافته ممكن يجرى لها إيه؟ دي آخرها تلبس تيل وتمشي تبيع سمك في الشوارع.
أطلقت مها ضحكة باردة خالية من أي مودة وهي تحدق في المرآة وتعدل خصلات شعرها بغرور لا حد له...
سمك إيه يا بنتي؟ دي يا دوب تلم فضلات الجصر وتبقى محظوظة.. إحنا آل الراوي يا ندى إحنا اللي بنحط الجوانين والناس تمشي عليها. الفلوس واللبس دول هوا بنتنفسه مش رفاهية زي الغلابة دول.
اقتربت ندى منها وفي عينيها لمعة سخرية ونبرة صوتها ارتفعت لتخترق الصمت:..
بس يا خوفي عمر برجته دي يضعف قدام أي حد.. إنتِ عارفة عمر قلبه طيب وممكن يصدق تمثيل أي بنت شحاتة. أو عامر يروح لحد تاني ونموت إحنا بقه في الجهرة.
هنا انتفضت مها والتفتت لها فجأة كانت عيناها تلمعان بطموح مرعب يكاد يحرق من حولها وصرخت بصوت حاد.....
يضعف لمين يا هبلة؟ إنتِ ناسية إحنا مين؟ إحنا هوانم عيلة الراوي. أنا اللي بكرة هبقى حرم المستشار.. عامر ده ملكي أنا بسلطته بهيبته ببدلته الرسمية اللي بتهز المحاكم.. أنا اللي هكون الواجهة اللي تليج بمجامه ومش هسيب أي واحدة تجرب منه فاهمة.
انفجرت ندى في الضحك وهي تصفق بيديها في حركة مسرحية...
حرم المستشار مرة واحدة.. يا واثجة إنتِ.. بس عندك حج عامر ميلجش عليه غير سلطانة زيك.. وأنا عمر محتاج الدلع بتاعي الرطة والبهوات للي زينا يا حبيبتي والبهدلة والفجر لغيرنا.
عادت مها تضحك هي الأخرى بدلال وهي تتلمس ملمس فستانها الحريري...
طبعاً.. إحنا اتخلجنا عشان نتدلع ونأمر وننهي. وهما اتخلجوا عشان يخدمونا ويتفرجوا علينا من بعيد. بكرة لما أبقى ست الجصر ده رسمي. أول حاجة هعملها هعرف كل البنات أنا مين ومافيش بنت هترفع عينها فيا أبداً.
استمرت ضحكاتهما في التعالي والتشابك وصوت مرحهما المسموم كان يغطي على أنين الحكاية التي تحترق تحت أقدامهما ضاربين بكل آلام الآخرين عرض الحائط.
.............
بعيدا عن تلك الكائنات المقيتة في ذلك الصرح الطبي. لم تكن ملوك مجرد طبيبة جراحة تحت التدريب بل كانت تُلقب بـالمشرط البارد. كانت هي الأولى التي تصل والأخيرة التي تغادر. جسدها يبدو وكأنه مصنوع من فولاذ تتحمل نوبتجيات تمتد لـ 36 ساعة دون أن يرف لها جفن أو تهتز يدها وهي تمسك المشرط. في ممرات المستشفى كان صمتها هو هيبتها لا تضحك لا تجامل وعيناها دائما معلقتان بملفات المرضى. بالنسبة لها كل مريض هو معركة يجب ألا تخسره، لأنها ببساطة لم تعد تحتمل خسارة أخرى في حياتها.
خرجت ملوك من غرفة العمليات تخلع قفازاتها الطبية بعنف جبهتها تتصبب عرقا لكن نظراتها كانت حادة كالمشرط الذي كانت تمسكه منذ قليل. وقف أمامها دكتور ماجد يستند بظهره إلى الحائط يراقبها بابتسامة تحمل مزيجا من الإعجاب والغرور الصعيدي.
ماجد بنبرة هادئة وصعيدية واضحة..
عفارم عليكي يا دكتورة ملوك.. العملية كانت صعبة جوي وانت مساعدتك كانت تبهر. بس إنتي جلبك ميت ولا كأنك بنت بندر رجيجة ده إنتي في الجراحة بتبجي بـ ميت راجل.
لم تنظر إليه ملوك بل اتجهت نحو حوض التعقيم تغسل يدها ببرود وقالت دون أن تلتفت...
الجراحة مابتعرفش لا راجل ولا ست يا دكتور ماجد.. بتعرف اللي إيده مابتترعش واللي ضميره صاحي. ويا ريت توفر المدح ده انت عارفني.
اقترب ماجد خطوة وخفض صوته بلمحة تودد واضحة..
وليه الجسوة دي عاد إني جولت كلمة حج..
كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة فجرا . وهيا تقف عيناها غائرتان من التعب ويدها تمسك بكوب قهوة بارد.
اقترب دكتور ماجد بخطوات هادئة وبدون استئذان سحب الكوب البارد من يدها ووضع مكانه كوبا آخر يخرج منه البخار ورائحة القهوة الطازجة.
وقال بابتسامة هادئة ونبرة صعيدية أصيلة... الجهوة المغلية دي هي اللي هتخليكي توجفي على رجلك يا دكتورة.. إنتي بقالك يومين مادوجتيش النوم والجسم له حج عليكي. وإحنا مش عايزين أشطر متدربه في القسم تجع منينا.
نظرت ملوك إلى الكوب ثم إليه لم تبتسم بل قالت بنبرة خفيضة مرهق..
شكراً يا دكتور ماجد مكنش فيه داعي تتعب نفسك.. أنا متعودة على السهر والشغل مابيتعبنيش.
ماجد بجدعنة الصعايده..
تعبك راحة يا دكتورة ملوك.. وبعدين إنتي خابرة زين إني اهنه أخوكي وزميلك. وأي حمل يثقل عليكي إني موجود أشيله معاكي. الحالة اللي في العمليات (3) أنا خلصت لها الورج بتاعها وتابعت الأشعة بنفسي عشان ترتاحي إنتي شوية.
تراجعت ملوك خطوة للخلف وكأن مساعدته لها دَين لا تريد تحمله وقالت بأدب لكن بجمود...
أنا شاكرة جدا مساعدتك يا دكتور ده كرم أخلاق منك.. بس يا ريت بعد كدة تخليني أقوم بشغلي بنفسي. أنا مابحبش أتعود إن فيه حد بيشيل عني عشان لما أبقى لوحدي ما أضعفش.
رد ماجد بلهجة تحمل عتابا رقيقا....
يا دكتورة ملوك الدنيا مش حرب.. والناس لبعضها. إنتي ليه دايمًا بتعاملي الود كأنه هجوم. إني بساعدك لوجه الله ولزمالتنا مش مستني منك غير إنك تكوني بخير.
ثبتت ملوك نظرتها عليه وظهرت في عينيها لمحة من الوجع القديم الذي تحاول إخفاءه وقالت بصوت هادئ وموزون..
دكتور ماجد.. إنت إنسان محترم جدا. وأي حد يتمنى زمالتك ومساعدتك. بس أنا في المرحلة دي من حياتي مابقتش أعرف أقبل (لود ده.. مش جحود مني بس لأسباب . خليني في شغلي وخلّيك زميل عزيز بكنّ له كل احترام.. بس من بعيد. ده هيكون أريح ليا.. وليك.
أطرق ماجد رأسه مدركا أن خلف هذا البرود جرحا لا يندمل بسهولة وقال بوقار فهو معجب بيها بشده ولكن لا يظهر...
اللي يريحك يا دكتورة.. بس خابرة زين إن ماجد السويفي مش بيسيب زميل في ضيجة. جهوتك هتبرد..
هتف ماجد بنبرة بين المزاح والجد..
من الحق.. هو إنتِ بتدربي فنون جتالية بجد.
بصت له بدهشة والارتباك غلف ملامحها للحظة....
إيه عرفت منين قصدي.. ليه بتقول كده؟
هتف بابتسامة غريبة...
أصل كان صاحبي بيكشف في المستشفى وشافك هناك وجه حكالي.. طالي الدكتورة الرجيجة بتجلب في الجيم وحش كاسر.. ليه يا ملوك؟
نظرت له ملوك ببرود ثم قالت بنبرة حادة
وإيه اللي يمنع الطب بيدوي الجروح بس القوة هي اللي بتمنع الجرح من الأساس.
رد المدرب بإستغراب...
يعني.. إنتِ مثقفة والمفروض الكلام يكون بالعجل والحكمة مش بالضرب والصدام.
هنا لمعت عينا ملوك ببريق مخيف واقتربت خطوة وهي تشد على يدها بقوة وكأنها تخنق عدوا خفيا وقالت بجده..
واللي يقل أدبه ويتطبر بالعافية والظلم.. العجل معاه يبقى خيبة. فيه ناس في الدنيا دي يا دكتور مخلوقين من طينة غبرة. فاكرين إن فلوسهم وسلطتهم تخليهم يدوسوا على كرامة الغلابة بدم بارد. النوع ده من البشر الكلام معاهم ضياع وقت.. النوع ده ما بيفهمش غير لغة واحدة.. لغة الوجع اللي بيكسر العين.
صمتت لثانية ثم أكملت بوعيد وكأنها تخاطب كل جبار في خيالها...
اللي فاكر نفسه جزار لازم يقابل اللي يسلخه وهو صاحي. بكرة الأيام تدور وتعرف إن اليد اللي بتمسك المشرط عشان تنقذ روح تقدر بنفس الدقة تنهي جبروت أي حد يفكر بس إنه يلمس شعرة من اللي يخصوني. وساعتها لا طيان ولا شركات هتحوشه من اللي هعمله فيه.
توقف ماجد فجأة وهو يسير بجوارها في الممر الشبه خالي والتفت إليها بوجه يحمل حيرة المستشفى بأكملها وسأل بنبرة خفيضة لكنها جادة مغير الموضوع... ..
دكتورة ملوك.. إني خابر إني ممكن أكون بتدخل فيما لا يعنيني بس المستشفى كلها هتتجنن.. قاسم السمنودي.. راجل الأعمال اللي بيحلموا بس يلمحوا طرف ثوبه. اللي معاه ملايين تغطي الشمس. يتقدم لك وترفضيه بكلمة واحدة.. ليه يا ملوك.. إيه اللي يخليكي تصدي الجاه والعز ده كله وانتي في بداية طريقك.
تسمرت ملوك في مكانها تجمدت ملامحها وكأنها تحولت لتمثال من رخام. ثم استدارت نحوه ببطء مرعب وعيناها تطلقان شررا جعل ماجد يتراجع خطوة لا إرادية للخلف. هدرت بصوت حاد كالمشرط يقطر عزة وعنفا...
دكتور ماجد.... انا واقفة أتكلم معاك وبحترم زمالك.. بس ده ما يديكش الحق إنك تفتح باب أنا قفلته بالشمع الأحمر.. ولا يخليك تفتكر إن حياتي الشخصية مشاع للي يسوى واللي ميسواش عشان يلوك فيها بلسانه.
ابتلعت ريقها بقهر مكتوم وأكملت بنبرة جامدة....
قاسم السمنودي معاه ملايين لروحه.. معاه جاه وسلطان يصرفهم على نفسه. أنا ملوك الهاشمي يا دكتور.. أنا اللي قيمتي في عقلي وفي المشرط اللي في إيديٍ. مش في اسم راجل أتحامى في ظله ولا في شنطة فلوس تشتريني. الملايين اللي إنت مبهور بيها دي تحت رجلي لو كانت هتمس كرامتي أو تخليني جارية في قصر حد واهم إنه بفلوسه يقدر يملكني.
اقتربت منه خطوة واحدة وعيناها تصوبان نحو عينيه مباشرة بصمود أذهله...
سبب رفضي ما يخصش حد لا إنت ولا المستشفى كلها.. والفلوس اللي بتقول عليها دي، أنا شفتها وهي بتذل النفوس الغالية.. فما تجيش إنت توزنني بميزان السوق وتتعجب أنا ليه رفضت. أنا أغلى من كل ملايين. وأكبر من كل طموحاتكم المادية الصغيرة دي.
ساد صمت مطبق كان ماجد ينظر إليها بذهولٍ تام وكأن القناع سقط وظهر أمامه بركان وليس مجرد امرأة.
أنهت كلامها بكلمة أخيرة قاطعة..
اتفضل على مكتبك يا دكتور.. ويا ريت تفتكر إن المرة الجاية لو فكرت تتدخل في مش هيكون الرد مجرد كلام.. هيكون إنهاء لزمالة كنت بكن لها شوية احترام.
استدارت بوقارها المعهود وتركت خلفها دوي خطواتها الواثقة يتردد في الممر بينما ظل ماجد واقفا في مكانه مذهولا يراقب طيفها..
........
عند عمر.... عاد عمر إلى حبيبته والكسرة تملأ صوته لكن الإصرار يلمع في عينيه جلس أمامها وهتف بنبرة صادقة... ملك انا جايلك النهاردة من غير حد من غير عيلة ومن غير فلوس لو جبلاني بوضعي ده هكتب عليكي دلوقت وأشيلك في نني عيوني العمر كله.
صعقت ملك وهتفت بذهول.. بتقول إيه؟ تكتب إيه هما رفضوا يا عمر؟
دمعت عيونه بيأس... انا ماعايزش منهم حاجة واصل أنت بس اللي عايزها من الدنيا انت يا جلبي ترضي بيا عمر وبس من غير فلوس ومن غير سلطة وأطيان؟
نظرت إليه بحنان جارف وقالت... أنت مفكرني حبيتك عشان فلوسك اخص عليك يا عمر أنا حبيتك أنت.
اندفع بلهفة... خلاص نكتب ونتجوز وأكيد لما يعرفوا إني اتجوزت خلاص وبقيتي مرتي على سنة الله ورسوله مش هيعملوا حاجة وهيضطروا يجبلوا بالأمر الواقع.
ظلت تنظر إليه والتردد يأكلها. فكرت في أختها ملوك وكيف ستوافق فقالت بتردد..... طيب سيبني أفكر وربنا يسهل وأرد عليك.
جلسا معا يتبادلان المشاعر على أمل أن تصفو لهما الأيام وتتم الأمور على خير.
لاحقا كلمت ملك أختها ملوك وأخبرتها أن عمر يريد الزواج منها فورا ولكن بدون أهله. .
انفجرت ملوك فيها وصرخت.... أنت مجنونة انسي الكلام ده واحد عيلته مصعورة وجبابرة زي دول ماهيسيبوش أخوهم يروح لواحدة غريبة وهيخلوه يرميكي في الآخر فاهمة.. سيبي شغلك ده وترجعيلي فوراً وده آخر كلام عندي.
خافت ملك من عنفوان أختها ولجأت لعمر وهي تشعر بالذعر فهي تعشقه ولا تتخيل حياتها بدونه وقالت له والدموع في عينيها... عمر هنعمل إيه؟ أنا خايفة قوي وحاسة إن في حاجة وحشة هتحصل.
تنهد عمر وهو يطمئنها.... جومي معايا دلوقت هكتب عليكي رسمي وهتبقي مرتي شرعا عندي مطرح صغير كنت بروحه لما أحب أبعد عن دوشة الجصر وأنا بشتغل وأنت بتشتغلي وهنعيش بالحلال وماعايزش من عيلتي حاجة واصل.
دمعت عيونها وهمست بتردد... أنا خايفة قوي يا عمر خلينا نصبر شوية.
رد بإصرار.... ماهصبرش واصل لو مش رايداني عشان ماليش حد ومعييش فلوس أصرف جولي دلوقت.
نظرت إليه بغلب وقالت... أنت عارف إني بحبك يا عمر ماتقولش كدة فلوس إيه اللي تفرق معايا؟ أنا موافقة يا حبيبي بس الخوف واكل قلبي.
عمر بإصرار وتحدي... لاه ماتخافيش اني جدي طيب وهيهديهم ولما نتجوز و يلاجوهم قدام الأمر الواقع مافيش قدامهم إلا الجبول ماشي يا جلبي إني متوكد والله جدي ماهواش جليل.
وبدأ عمر في التخطيط للزواج السريع كان معه بعض المال القليل الذي ادخره بعيدا عن أعين إخوته وبدأ يجهز الشقة البسيطة بينما ملك كذبت على أختها ملوك وأقنعتها أنها صرفت نظر عن الموضوع تماما لكي تتركها لحالها ولا تجبرها على العودة .
تم الزواج وكتب عمر كتابه على ملك وأتى بها إلى عشهما الصغير وعاشا لبعض الوقت في سعادة غامرة كان عمر يعمل في أي شيء متاح وهو الشاب المرفه الذي لم يعتد التعب لكنه لم يبالِ فقلبه ينبض بعشق تلك الجميلة.
تزوجها على سنة الله ورسوله وهو يظن أن الحلال سيكون درعه وسيله في تلك الدنيا وأنه وضع إخوته أمام حقيقة لا يمكن تغييرها ولكن الأقدار لا تسير دائما كما نريد و كما نظن فخلف الهدوء كانت عاصفة
آل الراوي تتجمع لتبتلع كل شيء.
........
في مكتب عامر...
دخل عمار عليه كالإعصار يضرب بقبضته على المكتب الخشبي العتيق حتى اهتزت محتوياته وهتف بصوت مبحوح من فرط الغل.....
إنت كيف سايبه يا عامر؟ كيف واجف تتفرج عليه وهو بيكسر هيبتنا وبيدوس على أصولنا..الواد راح وماتردش. عمر راح يرمي نفسه في حضن البندرية وإنت جاعد اهنه مبرد دمك وكأن اللي حصل ده عادي.
اكمل بهياج....
.أنت هتسيبه يا عامر.. بقالنا مدة مانعرفش عنه حاجه. هتسيبه للبت الفاجرة دي تلوف عليه وتتمسكن لحد ما تاكل عجله عشان فلوسه؟
رفع عامر نظره ببطء شديد رمقه بنظرة باردة جعلت عمار يتراجع خطوة للخلف رغم ثورته. ثم قال بصوت هادئ كفحيح الأفاعي يخفي خلفه براكين الغضب ونطق بنبرة واثقة......
ليه أنت شايفني مرة قدامك يا عمار؟ أنا بس سايبه يخبط راسه في الحيط وبكرة يرجع ذليل. عمر مش بتاع تعب ولا شجا وزمانها الحرباية دي لما تعرف إنه مابقاش معاه مليم وهدومه اللي عليه هترميه في أجرب خرابة وأنت خابر صنفهم زين.
سكت قليلا ثم سند مربعا يديه وقال بجمود.... اللي حصل ده يا عمار مش عادي بس إنت اللي لسه بتفكر بجلبك المحروج مش بعجلك. عمر فاكر إنه لما يطير بره الجفص هيبقى حر.. ميعرفش إن الطير اللي ملوش سما مسيره يجع تحت رجلينا تاني.
زمجر عمار وهو يميل بجسده فوق المكتب وعيناه تلمعان بشرر الانتقام...
عارف لو طولتها أجيب رجبتها نصين هما بنات بحري فجرة ومالهمش رادع واصل كل عينهم عالفلوس وبس ينهشوا الجلب ويمصمصوه وبعدها يرموه للكلاب. بس يمين الله يا عامر لو رحت وجابلتها لأفلجها نصين مافيش بندرية هتخط عتبة دار الراوي إلا على جثتي.
ساد صمت قليل الا ان عمار كان يغلي فصرخ يكمل بهياج أشد.. ... يا فضيحتنا الناس؟ والجول اللي هيتجال على آل الراوي.. هيجولوا عيل مفعوص كسر كلمة الكبير.. لاه يا عامر.. البندرية دي لازم تتأدب. لازم تعرف إنها لو فكرت تلمس سيدها إيدها تتجطع. سيبني عليها يا عامر. سيبني أوريها إن الله حج بدل ما إنت سايبه يمرغ شرفنا.
هز عامر رأسه ببطء وعيناه تلمعان بمكر المستشار وقال بصوت خفيض....
هاتيلي بس أصل وفصل الحكاية واعرفلي هي مين ومكانها فين بالضبط ولما يتخطى حدوده ويفكر إنه انتصر علينا هجرصه جرصة ناشفة توجعهم العمر كله. أنت عارفني وعارف طبعي بيت الراوي وولاده لازم يخش عليهم هوانم وبنات أصول مش جربوعة جاية من الشارع تلم خيرنا وتتستت في جصورنا.
قام عامر من مقعده بوقار مرعب وداعب وضع الندبة التي تزيين وجهه بابتسامة خبيثة...
أنا مش بس هسيبه أنا هخليه يشبع منها لحد ما يجرف لحد ما يكتشف إن الملجية اللي اختارها أول واحدة هتبيعه لو شافت جرشين زيادة. روح يا عمار راجبه من بعيد خليك الظل اللي بيخنقه بس إياك تلمسه.. أنا عايز أشوفه وهو بيبوس جزمنا عشان نرجعه الجنة اللي خرج منها.
..............
مرت الأيام ثقيلة كأنها دهور وعاد عمر إلى بيت جده يحدوه الأمل أن رياح الغضب قد سكنت دخل المندرة وقبل يد جده بلهفة..... .........
كيفك يا جدي اتوحشتك واصل.
هتف الجد بصوت يملؤه الحزن ... اكدة يا بن الغالي. اكدة يا عمر شهر كامل تبعد عن جدك يا جلب جدك؟
اندفعت فؤادة تحتضنه بدموع حارقة.... اكدة يا جلبي اتوحشتك جوي يا ولدي الدار كانت ضلمة من غيرك.
هتف عمر والندم ينهش قلبه... وأنتِ كمان يا أمي.. اعمل إيه يا جدي ماني جيت وعملتكم كبار وقدرتكم بس الجلب عندكم مابيسواش.
ربت الجد على كتفه... واني والله كلمتهم بس سيبني شوية اني هجنعهم وهجيبهم لطوعك ماتخافش.
ظن عمر أنها اللحظة المناسبة ليضعهم أمام الأمر الواقع لعلهم يلينوا فأخرج ورقة من جيبه وهتف بتردد.... انا.. انا...انا كتبت عليها عرفي خلاص.. لحد ما توافجوا ونعمل فرح يليق بينا.
بهت الجد وشحب لونه فكانت تلك الورقة بالنسبة لعمر وسيلة ضغط فقرر ذلك ظنا منه انهم يوافقون ويعرفون انه عازم. فلم يخبرهم انه رسمي . لكنها كانت بالنسبة لآل الراوي عارا لا يغتسل. وفجأة شق الهواء صراخ هز أركان القصر كان عمار الذي استمع لكل شيء من خلف الباب....
يا نهار أبوك أسود اتجوزت البندرية عرفي يا واطي؟
هجم عمار عليه كالنمر الجائع قبض على رقبته بكل قوته وهتف بفحيح مجنون...
أنا هجتلك أنا هخلص عليك النهاردة وأغسل عارنا.. عيلة الراوي يدخلها فجرة البندر؟
بدأ عمار ينهال بالضرب على أخيه وهو يصرخ.... أنا هعرفك.. جايبلنا واحدة بالسر ممرغ شرفنا في الطين يا ناجص؟
حاول الجد الفصل بينهما وهو يصرخ... ابعد يا عمار اتجننت سيب أخوك.
لكن عمار كان قد فقد عقله... ابعد يا جدي ده أنا هاخد روحه النهاردة.
استغل عمر فرصة ابتعاد عمار عنه لثوان واستدار مسرعا وهرب من القصر فخوفه من رد فعل عامر كان يفوق أي شيء آخر. وما هي إلا دقائق حتى دخل عامر المندرة بخطوات عسكرية ووجه كقطعة من الجرانيت وعرف بما حدث.
تلبسه شيطان الجبروت ووقف أمام جده ولم ترف له جفن بعد أن استدعاه عمار.. نطق بنبرة هادئة جحيمية جعلت الدماء تتجمد في العروق..
بقى كدة بقى الصغير اللي لسه مابيعرفش يغسل وشه يمشي كلمته على عامر الراوي؟
صرخ عمار ونزل وأخذ الورقه التي وقعت من عمر عالارض وصرخ بهياج يلوح بها ... دا كتب عرفي كتب عرفي الواطي.
التفت عامر إلى عمار وقال بجمود مرعب... بطل جعير يا عمار.. الورجة اللي فرحان بيها دي هتبقى كفنها وكفنه.
ضرب عامر بيده على الطاولة بقوة حطمت زجاجها وهتف بجبروت طاغٍ...
فاكر إنه كدة ربطنا والله لخليها تتمنى الموت وما تلاجيهوش والورجة دي هتبقي امضة خرجتها. من اللحظة دي عمر الراوي خرج عن طوعنا والبت دي نهايتها هتبقى درس لكل واحدة تفكر تهوب ناحية أسيادها. الجوازة دي هتتمحي والكلب ده هيعرف يعني إيه يجف قصاد عامر الراوي.
هتف الجد برهبه من منظر عامر.... يابني براحه نتفاهم.
استدار لجده ونظرة عينيه كانت غريبة نظرة تحد وجبروت... ماتتدخلش يا جدي.. المرة دي الجانون جانوني والحساب حسابي واللي هيجف في طريجي هدهسه حتى لو كان أخوي.
بينما كان القصر يشتعل بنيران التحدي وقف المستشار عامر وبنظرة لم يعرفها جده من قبل أعلن الحرب على الجميع.. حتى لو كان الثمن دهس أقرب الناس إليه.
عند ملك وعمار.... في الغرف الهادئة كان هناك قلب آخر يتمزق بصمت.. عمر الذي سكن القهر عينيه
على طرف الفراش كان يغلف كفها الصغير بين يديه كانت ملك تجلس بجوار عمر .. ملست عليه.... مالك بس قول حصل ايه.
أحني راسه بقهر.... مافيش يا حبيبتي بس زعلان علي حالنا كان نفسي اعملك فرح كبير.
هتفت بلين.... فرح ايه المهم انت يا حبيبي انا اعيش معاك في اي حته.
همس عمر وعيناه تلتمعان بصدق...
جدي طيب يا ملك والله طيب.. هو هينادينا انا خابر وهنروح له. هو بيحبني صوح وهيوافج. عشان أنا الطيب اللي فيهم.. جدي ده هعرفك عليه وهيفرح بيكي جوي ولو حصل لي أي حاجة في أي وجت روحيله هو الأمان.
انتفضت ملك والذعر ينهش ملامحها قاطعته بصوت مرتعش...
بتقول إيه يا عمر لو حصل لك حاجة إيه بلاش الكلام ده بالله عليك.
ابتسم بهدوء وحاول امتصاص خوفها وهو يكمل....
ما تخافيش واصل جدي هو السند اللي في عيلة الراوي كلها وأمي كمان طيبة جوي والله إني واثج إننا هنفرح وهتعدي على خير.
ارتمت في حضنه تتشبث به كأنها تخشى فراره من بين يديها وقالت بصوت مكتوم....
هنصبر يا عمر وهنبقى مع بعض في الآخر أنا عارفة ومصدقة حبك.
ابتعد عنها قليلا ثم مد يده ببطء وأخرج من إصبعه خاتما ضخما له هيبة غريبة وضعه في كفها وقال بحزم.....
خدي ده خليه في يدك أمانة وشرف.
شهقت ملك وهي تتأمل تفاصيل الخاتم العتيق....
إيه ده.. ده خاتم عيلتك يا عمر أنت عارف ده معناه إيه.
هز رأسه بابتسامة فخر ممزوجة بالمرارة....
عيلة سعفان الراوي فيها ست خواتم يا ملك تلاتة معانا وتلاتة كانوا لجدي ولأبوي وعمي دول بنتنجلهم من سنين وسنين جيل ورا جيل. إني ما جبتلكيش شبكة تليج بيكي لسه. بس الخاتم ده لحاله ملوش تمن ده عيلة الراوي بحالها. ده شرفنا وعرضنا يا ملك. الخاتم ده لو في يدك كأنك ملكتي عيلة الراوي كلها.
ثبت عمر الخاتم في إصبعها بقوة وكأنه يغرس جذوره في روحها ثم رفع يدها لمستوى عينيه وقال بصوت يخرج من أعماق صدره.....
الخاتم ده يا ملك رجالة سعفان واخدين عليه عهد غليظ إنه مانجلعوش واصل طول ما الجلب بينبض ومعنى إنه فارج يدي واستقر في يدك يبقى إنتي بقيتي عندي العهد والوعد.. الجلب بتاعي وبقيتي أغلى من العيلة ومن دمي اللي شايل اسمها.
سحب مطوه صغيره من جانبه ببطء وفي لحظة تجلت فيها كل هيبته الصعيدية بدأ يحفر بخفة وبراعة خلف فص الخاتم العتيق والشرر يكاد يخرج من عينيه حتى انغرس نصل المطواة الرفيع في باطن الخاتم من الداخل. يحفر بتركيز شديد وعروق يده بارزة وملك تراقبه بأنفاس لينه. حتى انتهى ورفع الخاتم أمام عينيها.
كان قد حفر ببراعة حرفين غائري....
ع & م وبينهما رسمة قلب مشقوقة بعفوية لكنها صادقة.
نظر في عينيها وقال بصوت يرتجف من العاطفة...
الخاتم ده من اللحظة دي مابقاش ملك لآل الراوي.. ده بقى صك بملكية روحي ليكي. لو الدنيا ضاقت بيكي لو أنا غبت أو الزمان جار عليكي. اجلبي الخاتم ده وبصي للحرفين دول.. وافتكري إن فيه راجل من صلب الأسياد كسر الدنيا كلها عشان خاطر نظرة من عينيكي. الخاتم ده يا ملك لو شافوه في يدك هيعرفوا إنك مش بس مرتي.. دي هتبقى رصاصة في جلب كل واحد فيهم فكر ينهي الجواز ده
لمس وجهها بحنان مفرط وأكمل بلهجة آمرة وعاشقة..
أوعي تخلعيه يا ملك.. حتى لو روحي طلعت يفضل في يدك.. ده الأمان اللي سيبتهولك وسط ديابة مابترحمش. إنتي من النهاردة ملكة على عرش عمر الراوي والتاج بتاعك اهو.. محفور بدمي قبل اسمي.
همس وهو يريها اسمها المحفور بجانب اسم عائلته.....
الخاتم ده هو العيلة هو الوتد اللي شادد سجف البيت والنهاردة اسمك اتحفر جوه معدنه زي ما هو محفور جوه جلبي. الخاتم اللي يلبسه كأنك ملك رجابنا كلنا وكأنه بقى محرم على أي حد يمسه بكلمة واصل. أنا سلمتك مفتاح الدار وسلمتك رجبتي معاهم الخاتم ده حرمة يا ملك ومعدنه غالي لأنه شرب من هيبة جدي وعرج أبوي ودلوقتي اتعطر بلمسة يدك.
استطرد وهو يضغط على يدها بحزم ممزوج بحنان...
الخاتم ده فيه سرنا والاسم اللي اتحفر جواه ده مفيش جوة على الأرض تمحيه زي ما مفيش جوة تجدر تخلعك من حياتي يا ملك. خليه معاكي ده الحارس اللي هيعرف الكل إنك ست الدار وصاحبة الشأن وبقيتي حرمه الراوي وعيلته.
نظرت ملك ليد عمر ترقب بذهول .
قالت بصوت يتهدج من فرط التأثر:
حفرت اسمي يا عمر جوه شرف عيلتك؟
أجابها بهيبة تليق بسليل الراوي...
هيفضل شاهد للزمن إنك بقيتي جزء مننا. اللي يلبسه يا ملك مابيلبسش حتة معدن ده بيلبس حماية عيلة كاملة بجيوشها ورجالتها وتاخدي تمام عيله الراوي .
استطرد وهو يضغط علي يدها وكأنه يغلق عليها دائرة الأمان...
الخاتم ده أمانة.. انك الوحيدة اللي ليها حط في رجبة عمر الراوي. خليه معاكي ده الحارس اللي مابينامش واللي يشوفه في يدك يعرف إنك ملك لراجل مايتنازلش عن ملكه واصل ولا شرفه .
أمسك عمر يدها وضغط على الخاتم الذي استقر في إصبعها وقال بنبرة هادئة...
اسمعي يا ملك.. الدنيا دي غدارة وإخواتي جبابرة مابيعرفوش الرحمة لو حد وجف في طريجهم وعامر بالذات طانون وعجل مابينامش. تاني لحولهالك تاني.. لو جرالي حاجة في أي وجت ولو ضاجت بيكي السبل وملجتيش مأوى.. ماتروحيش لأي حد واصل رجلك ماتخطيش غير عتبة سعفان الراوي.
نظرت له ملك بذعر لكنه أكمل بإصرار..
عارفة ليه عشان جدي ده هو كبير الأصول صوح. مش بالاسم ولا باللقب. جدي هو اللي شايل سر العيلة وهو الوحيد اللي عامر وعمار بيعملوا له ألف حساب وبيوطوا يدهم قدامه. جدي هو اللي لسه بيصلي الفجر ويدعي لي بقلب أبيض. روحي له وجوليله أنا أمانة عمر.. جدي عنده كلمة الشرف أغلى من الروح ولو حطك تحت عبايته لو اجتمعت ديابة الصعيد كلها عليكي ماحدش هيقدر يمس شعرة منك.
ابتسم بمرارة وأكمل:
روحي له واحكي له إننا اتجوزنا بالحلال وإنك شيلتي اسمنا بشرف. جدي ميزانه عدل يا ملك ولما يشوف صدج عيونك هيعرف إن حفيده ماغلطش لما اختارك.. هو الأمان اللي باقي لي في الدنيا دي وهو اللي هيقدر يقف في وش عامر ويجوله لاه.. والكلمة اللي بتطلع من بوق سعفان الراوي مابينزلهاش الأرض غير الموت.
قبل يدها وهمس بحنان مغلف بالتعب والقهر .... معلش إنا تعبان إنا داخل أنام.
ودخل ونام. وظلت هيا جالسة تتأمل الخاتم برهبه وبداخلها قبضة غريبه... وهي تشعر ببرودة المعدن في إصبعها وحرارة عشقه في قلبها غير مدركة أن هذا الخاتم الذي تراه أمانا سيكون هو القيد الذي سيجرها لساحة حرب لا ترحم مع الأسياد في قلب الأقصر.لتفيق من سرحانها لتسمع رزعا بالباب اتجهت وغطت شعرها وفتحت الباب لترتعب عندما...........
....
ليه يا رب خلتني كاتبه سيكو بطلعه عليكو
يا جماعة اللي سمع صوت رزعة الباب دي ما يقلقش.. ده قلبي اللي بيترزع اقسم بالله
أنا عارفة إنكم دلوقتي بتدوروا على عنواني عشان تحرقوني أنا وعامر الراوي في ميكروباص واحد وهو يستحق الصراحه بس أحب أطمنكم.. عامر لسه ما ورناش وشّه الحقيقي.. دا المستشار متعبي حزن مغلي.. وملوك بدأت تسخن في الجيم والمشرط بيلمع في إيدها. 🔪🩸
الفصل 4
انحبست الأنفاس في صدر ملك وهي تفتح الباب ببطء. تجمدت الدماء في عروقها وهي ترى أمامها رجلا فارع الطول يرتدي بنطالا وقميصا يبرزان عضلات جسده القوية. كان يبرز من جنبه مسدس يلمع معدنه تحت الضوء الخافت. بجانبه شخص آخر يفيض وجهه ببرود مرعب كأنه صنم صامت. لم ينتظر عمار طويلا بل دفع الباب بجبروت جعلها تترنح للخلف برعب. دخل ه عامر ببرود الجليد الصامت.
تطلعت ملك بذهول وصدمة. كان الشبه بين الرجل الذي اقتحم بيتها وبين زوجها عمر كبيرا جدا. لكن ملامح هذا الرجل كانت مشوهة بالقسوة والغل. لم تستوعب الصدمة إلا وعمار يندفع نحوها كالإعصار. قبض على خصلات شعرها بعنف شديد أدى لالتواء رأسها للخلف. صرخ في وجهها بفحيح سيقبض روحها......
بقى أنتِ الفاجرة اللي لفت على الواد هاه. أنتِ اللي سحبتيه من حضن عيلته ورميتيه في الوساخة يا بتاعة العرفي يا رخيصة.
لم يمنحها فرصة للدفاع أو الصراخ. بدأ ينهال على وجهها بصفعات قوية ومدوية. كانت كل واحدة منها تطيح برأسها جانبا وتترك أثرا داميا على وجهها الرقيق. بينما كانت ملك تتلوى بين يديه وتصرخ بقهر وألم. كان عامر يقف على بعد خطوات بوقاره المهيب. ينظر إليها بعينين صقريتين باردتين كالثلج. لم تحرك صرخاتها فيه ذرة رحمة. كان يراقب سحق كرامتها بهدوء مرعب وكأنه يشاهد حشرة تُباد تحت الأقدام لتطهير اسم عائلة الراوي.
هب عمر من حجرته كالملسوع ليجد إخوته يتوسطون بيته وعمار ينهال بالضرب على زوجته. اندفع كالإعصار ودفع عمار بعنف أطاح به بعيدا. جذب ملك خلف ظهره ليحميها بجسده. ونظر إليهم بعيون تشتعل بنيران الغضب وصرخ بهياج أرعب المكان..... يدك لاجطعهالك.
بهت عمار من جرأة وعنف أخيه الصغير الذي لم يسبق له أن رفع صوته. هتف بغل وهو يحاول استيعاب الصدمة.....
هيا حصلت تدفع أخوك عشان دي.
رد عمر بتحد لم يره أحد فيه من قبل... . وأمد يدي كمان. اللي يجربلها أخفيه من علي وش الدنيا.
هنا تدخل عامر بهدوئه القاتل وبنبرة باردة ابتسم بسخريه.... . طب وليه ده كله. ماني أخفيهالك من علي وش الدنيا هيا شخصيا. إيه جولك.
صرخ عمر بمرارة وقهر زلزل جدران المكان.... . مالكو جايين ليه. سيبتلكو دنيتكو تشبعو بيها. جولتلكو مش عايز حاجة واصل. جايين تخربوا بيتي ليه عاد.
اندفع عمار فجأة وأمسك عمر من ملابسه بقوة منعت حركته. انكمشت ملك في ركن الصاله وهي تصرخ برعب شديد وجسدها يرتجف من هيئة هؤلاء الرجال المرعبة. هتف عمار بغل وهو يقترب منهما......
جاي أرد الرامح وأعدل المايلة يا بتاع العرفي. يا اللي جايب الرخيصة تنام معاها في شجة. اخص عليك وعلي صنفك. مجعد واحدة رخيصة في دار وجاعد وسايب ناسك.
كانت ملك منكمشة ومرتعبة وتقف بعيدا وتشعر بالرعب. فشكلهم كان يفيض بالشر. صرخ عمر صارخا في وجه أخيه... . اخرس. هيا مين اللي رخيصة دي دي أنضف من أي حد. أني حر ويلا بره.
هنا هاج عمار بنبرة تقطر سما... عارف لو روحك طلعت ماهسيبكش للغازية تاخدك يابن الراوي. أجتلك ولأنك تروح معاها.
رد عمر بتحد ... . لاه هروح معاها. ماشي هروح. وماعايزش أعرفكو. أنتو ناس ماتنعرفش.
ضحك عامر بسخرية باردة... . أنت بس مش واعي أخواتك كيفهم هاه. لم نفسك عشان ما أمد يدي عليك قدام الهانم. هرميلها جرشين تغور بيهم.
صرخ عمر بقلب محروق..... أنت مالك بينا. سيبتلكو كل حاجة يا جاحدين. مالكو أنتو منكو لله عايزين إيه. أنا عايش ومبسوط.
صرخ عامر فيه بقوة..... مبسوط بالزبالة اللي بتتحضن في الشجج هاه. لا أصل ولا عيلة. بت فجرانة دا حتى مالهاش أصل. يتيمة... . أبوها طفشان عيلة تعر. اخص عليك تاني وهنعيده تاني. ثم نظر عامر نحو ملك باحتقار وهتف..... الرخيصة بتاعة العرفي.
صرخ عمر بكل قوته.... . بره. ماعايزش أشوف وشكو. واعتبروني مت. أجولكو احرموني من الورث. مايشرفنيش أكون وسطيكو.
هنا اقترب عمار منه بسرعة وشده بعنف..... يبقى مالكش إلا إنك تتلم.
واندفع عمار ووضع على فم عمر قطعة قماش مشبعة بمخدر. بدأ عمر يترنح ويحاول المقاومة بجسده الضعيف حتى وقع مغشيا عليه بين يدي أخيه.
اندفعت ملك تصرخ بهياج وهي تحاول الوصول لزوجها....سيبوه يا كفرة جوزي أبعد عنه.
صرخ عمر... اوعي سيبني ما تخافيش يا ملك أنا مش هسيبك لو موتوني مش هسيبك هجيبك وادخلك دارنا. مرت عمر الراوي عهد عليا لو ما دخلتك ساعتها أكون ميت.
لكن عامر انقض عليها ومسكها من شعرها بقوة شلت حركتها. هتف بفحيح مرعب في أذنها وهو يرى عمار يحمل أخاه الغائب عن الوعي.....خده .
خرج عمار وهو يحمل أخاه. بينما ظل عامر يقبض على شعر ملك التي تصرخ بنحيب مرعب في تلك الشقة التي تحولت لمقبرة لأحلامها .
كانت عيناها تلاحق جسد عمر الهامد بين يدي أخيه.. صرخت باسمه لكن صوتها خرج مخنوقا كأنه آت من بئر سحيق. شعرت في تلك اللحظة أنها لم تفقد زوجها فقط بل فقدت هويتها وحمايتها وأصبحت فريسة عارية أمام ذئاب لا تعرف الرحمة.
وقف عامر فجأة ورماها أرضا بقسوة لتنكمش على نفسها برعب والذعر يجتاح كيانها فشكله كان يوحي بالموت. اقترب منها بخطوات بطيئه وهي تزحف للخلف وترتعش من الخوف. فأبتسم بسخرية مريرة على منظرها المنكسر.
سحب كرسيا وجلس أمامهما محاصرا جسدها المرتجف بين قدميه وهتف بنبرة هادئة مرعبة.....
إيه خايفة.... أنا لو منك أترعب مش أخاف. بصي كده لجزمتي بتلمع صح مش كده شايفه فيها وشك . جزمتي بتلمع زي أي حاجة بتخش حياتنا لازم تلمع. لو فاكرة إنك كسبتي يا بتاعة العرفي تبقي ماتعرفيش مين هو عامر الراوي. سيد الناس وسيد البلد اللي رجالتها قبل حريمها بيركعوا تحت رجليه. عامر الراوي اللي ممشي عيلة وبلد بحالها شركات وأطيان.
انحنى نحو وجهها حتى لفحها أنفاسه وقال بنبرة حادة السكاكين...... .
إيه كنتي فاكرة إنك هتكبشي من الأهبل اللي اصطدتيه.
ضحك عامر بعلو صوته ضحكة باردة أسرت الرعب في أوصالها.... لاااا. عيلة الراوي مابيناسبوش نسوان رخيصة بتتحضن في الخفا. نسوان مالهمش رجالة نروح ناخدهم ونعززهم يا رخيصة. عيلة الراوي يا بت لما تختار تختار اللي من توبها. مش حتة عيلة مجهولة الأهل زيك تفتكر إنها بقت من الأسياد بمجرد ورجة لا راحت ولا جت بصي لنفسك كويس.
اقترب ومسكها من شعرها بعنف لدرجة جعلت صرختها تموت في صدرها.... دلوك قدامك حلين مالهمش تالت. تاخدي جرشين وتغوري من سكات لاما أخرجك حالا بفضيحة وأبلغ عنك وتنحبسي بوساختك برضك من سكات.
كانت ملك ترتجف كعصفور سقط في قبضة إعصار. كانت ضعيفة ووحيدة بعدما انتزعوا زوجها وسندها أمام عينيها. لم تكن تعلم ماذا تفعل ورعب عامر يجتاح حواسها.
لوى خصلات شعرها بقسوة أكبر وهو يزأر في وجهها..... . هاه جولي آخدك ولا نعمل إيه.
لم ينطق لسانها بكلمة واحدة فقد شُلّت تماما عن الحركة أو التفكير. دفعها أرضا باحتقار. أخرج دفتر شيكاته وكتب رقما بسرعة.... . دول ميت ألف. تاخديهم وتغوري. والورجة هتتجطع. ولو لجيتك قدامي تاني أكون مخلص عليكي ومتاوي جتتك وسيبها لكلاب السكك فاهمة.
هزت رأسها بذعر هستيري وهي تشهق بالبكاء. رمى الشيك في وجهها كأنه يلقي بقطعة قماش قذرة..
قام عامر ببطء عدل قميصه ببرود مستفز وكأن سحق حياة إنسانة أمامه لم يكن سوى مهمة روتينية ثقيلة نظر إلى ساعته الفاخرة ثم إليها وقال.... العد التنازلي بدأ.. لو الفجر طلع وإنتي لسه هنا اعتبري نفسك متي يا قطة.
ورحل بوقاره المرعب تاركا خلفه دمارا شاملا.
ظلت ملك ملقاة على الأرض لثوانٍ وجسدها ينتفض برعشة الموت. كانت تشعر بأن جدران الشقة تضيق عليها وأن أنفاس عامر لا تزال تخنقها. انتفضت بذعر وانطلقت نحو الداخل وهي تترنح. كانت تجمع أغراضها بيدين مرتعشتين لا تقويان على حمل شيء. كل ما شغل عقلها هو النجاة بجلدها من هؤلاء الوحوش المسعورة. حشرت متعلقاتها البسيطة في حقيبتها وأهم ما تملك وهي قسيمة زواجها التي كانت بالنسبة شرفها المغدور به
خرجت من الشقة تهرول كالمطاردة تجري في الشوارع. كانت تلملم عباءتها حول جسدها المرتجف وكأنها تحاول إخفاء انكسارها عن أعين المارة. لم تكن تعرف إلى أين تذهب لكن صوت رزع الباب وفحيح عامر كان يطاردها في كل ركن والبرد الذي يسكن قلبها كان أقوى من برودة الليل. كانت تلتفت خلفها برعب مع كل خطوة. تهرب من قدر أسود سحب منها أمانها في لحظة واحدة لتبدأ رحلة تيه لا تعلم لها نهاية.
في قصر الراوي.... دخل عمار الدار كالإعصار وهو يحمل أخاه الغائب عن الوعي فوق كتفه بجبروت وسخط. كان الغضب يعمي بصيرته والغل ينهش قلبه. وضع عمر بعنف وقسوة على الأرض أمام جده سعفان وكأنه يلقي بحمل ثقيل لا قيمة له. كانت ورقة الزواج العرفي التي سقطت من عمر في خناقته الأولى قابعة في جيب عمار بعدما التقطها بغل لتكون صك الإدانة. صرخ عمار بصوت زلزل أركان المندرة.....
البيه جبناه من شجة مع الهانم الرخيصة. اخص عليه وعلى تربيته اللي خلتنا نوطي رؤوسنا في الوحل.
انتفض الجد سعفان من مكانه والذعر ينهش ملامحه. صرخ بصوت مخنوق من الصدمة والخوف على حفيده المفضل...... .
عملتوا إيه في ولدي. عملتوا إيه انطجوا الواد ماله .
وفي تلك اللحظة هرعت فؤادة وهي تلطم خديها بلهفة وحرقة.... . فيه إيه. مالك يا ولدي. عملتو فيه ايه ماله ولدي غايب عن الدنيا ليه يا كفرة.
دخل عامر بخطواته الرزينة المرعبة ووقاره المتشح بالسواد. لم تهتز شعرة في جسده وهو يرى انهيار والدته وجده. هتف ببرود يذبح القلوب..
. هنكون عملنا إيه. اهو قدامك سليم مافيهوش خدش. بس لازم يتجرص ودنه عشان يعرف إنه ولد الراوي. خلصنا الموضوع والبت خدت طرشين ومشيناها. واهيه الورجة العرفي هتتجطع دلوك. ويجعد يكتم ويداري على فضيحته.
أكمل بقرف... زمانه خد غرضه وانبسط بالدلع. يفوج بقى لنفسه ويعجل. اللي تتجوز بالعرفي دي أرخص خلج الله وما تلزمناش. هنبعت نجيب المأذون ونطلبه في الحال. هيتجوز بنت عمه وهينحبس هنا. ماحدش هيخرجه ولا يفك سراحه إلا لما يعطل ويعرف إن عيلته خط أحمر.
هتف الجد سعفان بمحاولة لاستعادة الهدوء والحكمة.... . ليه اكده براحة يا ولدي. إن كان غلط خلاص مش بتجولوا رجعتوه ومشيتوا البت. خلاص براحة وسيبوا الجواز دلوك لما يشم نفسه.
هدر عامر بغضب مقاطعا جده بقوة لم يعهدها الشيخ من قبل..... .
جدي ما تجفش لينا يا جدي. كفاية عمايله الطين ودلعك الماسخ ليه هو اللي وصله لده كله. كلمتي هي اللي هتمشي المرة دي.
في تلك اللحظة دخلت زوجة عمهم تشتعل غيظا وصدمة. صرخت بولولة مستنكرة..... يا مري اللي سمعته ده صوح يا عامر. عمر اتجوز على بنتي اللي مكتوبة له من وهما عيال.
هتف عامر بحزم ينهي الجدال..... ما تخافيش يا مرت عمي. لحجنا كل حاجة في وطتها. حضري بنتك جريب خالص هنجوزها لعمر. البت لابن عمها وده شرعنا وجانوننا.
صرخت زوجة العم بغل وحقد.... . ومين الفاجرة اللي ضحكت على أخوك وازاي تسيبه. كنت فين يا عامر يا كبير العيلة والبت دي بتسحب أخوك للرذيلة.
قاطعها عامر بصوت حاد كالسكين..... مرت عمي صوتك ما يعلاش. جولتلك خلصناها وماسمعش حديت تاني في السيرة دي. فاهمة. جولت بنتك هتتجوز عمر يبقى خلاص الكلمة انتهت.
وقفت زوجة عمهم تغلي من الداخل. عيناها كانت تلمع بطمع وهي تنظر إلى الأطيان والأراضي الشاسعة. كانت تتمنى عامر بوقاره أو عمار بقوته لابنتها. لكن قلب ابنتها ندى مال إلى عمر. ذلك الذي يشع مشاعر وحيوية وسط إخوته الذين يشبهون التماثيل الصخرية في طباعهم الجافة.
هتفت بمكر وهي تحاول رسم الطاعة..
.خلاص إني هعديها يا ولاد الراوي. وخدت كلمتك يا عامر. وكلمة عامر سيف وما تنزلش الأرض واصل. ماشي بنتي ندى هتتجوز عمر وتلمه في دارنا.
كان المشهد يفيض بالقسوة. عمر ملقى كالجثة الهامدة وسط صراعات السلطة والمال والتقاليد. والأم تبكي فوق رأسه. والجد يشاهد هيبة بيته وهي تدار بعقل عامر البارد وقبضة عمار الغاشمة.
نعود لتلك المسكينه... خرجت ملك من البيت بعد أن لملمت أشياءها وهربت مسرعة خوفا وهلعا. كانت تحس بخوف وذعر ينهش أحشاءها فأخوته كانوا كالوحوش الضارية. استقلت أول وسيلة مواصلات وجسدها لا يتوقف عن الارتجاف. وصلت أخيرا ودخلت على أختها ملوك. وما إن فتحت الباب حتى ارتعبت ملوك من منظرها الهالك. وجهها المخطط بآثار الصفعات وعيناها الغائبتان من الرعب جعلتا ملوك تصرخ.. فيه إيه حصل إيه يا ملك.
كانت ملك ترتعش بهستيريا وتتمسك بملابس أختها كأنها طوق نجاة. هتفت بصوت مبحوح وهي تتلفت خلفها......
أنا خايفة. أنا خايفة. خبيني يا ملوك خبيني.
لم تتحمل صدمة الأعصاب أكثر من ذلك لتسقط مغشياً عليها بين يدي أختها.
اندفعت ملوك تصرخ بهلع ونادت أختها الصغري.. مليكة الحقيني يا مليكة. أتت مليكة مهرولة لتجد ملك ملقاة كالجثة الهامدة. حملتاها معا بجهد ووضعتاها في الفراش. أسرعت ملوك بحكم عملها كطبيبة تداويها برعب وعدم فهم. كانت تقيس نبضها المرتجف وتنظر لآثار الأصابع الغليظة على وجهها الرقيق. وقلبها يشتعل بنار لا تهدأ وهي تتساءل.. من هؤلاء الأوغاد الذين تجرأوا على كسر أختها بهذا الشكل البشع.
مر الوقت وفاقت ملك وهي تشعر بالوهن الشديد والضعف واكتسحها الدوار. وما إن فتحت عينيها حتى انهارت في بكاء مرير هز أركان الغرفة. ملوك التي كانت تراقبها بصمت مخيف لم تعد تحتمل فصرخت فيها بعنف...
بطلي عياط فيه إيه انطقي حصل إيه.
نظرت إليها ملك بخوف وذعر والكلمات تتلعثم على لسانها. أغمضت ملوك عيونها تستجمع هدوءها القاتل وهتفت بصرامة...
قولي يا ملك. ماعدتش مستحملة.
انهارت ملك وحكت لها كل شيء. حكت عن عمر والزواج وعن الوحوش الذين اقتحموا بيتها وسحقوا كرامتها. ظلت ملوك تنظر إليها لبرهة تشعر أن قلبها سينفجر من مكانه. الصدمة كانت أكبر من استيعابها همست بذهول....
إيه..... اتجوزتي. اتجوزتي يا ملك. اتجوزتي من غير ما تقوليلي.
لم تحتمل ملوك تلك الطعنة في ظهرها. اندفعت.......
..
يا تري إيه رد فعل ملوك يا تري كرامتها هتتحمل تسكت والا هتعمل إيه تفاااعل يا حلويين...تعليقات عشان خاطري يا قمرات بالله عليكو خمس تعليقات عالاقل بليييز
الفصل 5
...انهارت ملك وحكت لها كل شيء. حكت عن عمر والزواج وعن الوحوش الذين اقتحموا بيتها وسحقوا كرامتها. ظلت ملوك تنظر إليها لبرهة تشعر أن قلبها سينفجر من مكانه. الصدمة كانت أكبر من استيعابها همست بذهول....
إيه..... اتجوزتي. اتجوزتي يا ملك. اتجوزتي من غير ما تقوليلي.
لم تحتمل ملوك تلك الطعنة في ظهرها. اندفعت تمسكها بجنون وهي تصرخ....
تمسكها بجنون وهي تصرخ....
اتجوزتي يا رخيصة يا زبالة يا واقعة عرفي. منك لله دي آخرتها. آخرة تعبي وشقايا عليكو. أهو خدو ابنهم ورموكي. ورمولك قرشين يا رخيصة عشان يغسلوا وسخك.
اندفعت مليكة تمسك ملوك وتحاول تهدئتها وهي تصرخ...
ابوس إيدك يا ملوك سيبيها. البت بتموت في إيدك.أنا خايفة أنا خايفة أبوس إيدك بطلي يا ملوك.
صرخت ملوك بصوت زلزل البيت..
أبطل... أبطل إيه أختك فضحتنا. يا مصيبتي السودا. جم لحد عندك وضربوكي وخدوا الواد. طب إيه اعمل إيه. أروح أنهش قلبهم ولا أحرقك وأحرق نفسي.
سادت لحظة صمت مرعبة لم يقطعها إلا شهقات ملك المحطمة ونظرات ملوك التي تحولت من الغضب إلى لمعة غريبة تقطر شرا وتوعدا. كانت ملوك الطبيبة تختفي الآن لتظهر بدلا منها امرأة أخرى قررت أن تحرق عائلة الراوي ومن فيها.
صرخت ملك بذعر هستيري وهي تحاول تغطية أذنيها بيديها.. لا لا هيموتني. أخوهم هيموتني. هو قال لي هموتك وهتاوي جتتك للكلاب.
انفجرت ملوك كبركان ثائر وصرخت بصوت هز جدران البيت.. هو مين ده بروح أمه.. دانا اللي هنهش قلبه وأطلع روحه بيدي دي. دانا أشرحه بمشرطي حتة حتة.
.
تعلقت ملك بملابس ملوك وهي تبكي بضعف......
أبوس إيدك يا ملوك. عمر بيحبني. هو هييجي أنا عارفة هو قال هيسكتهم وييجي ياخدني ده بيحبني والله.
صرخت ملوك بوجهها وعيناها تجحظان من الغل....
حبتك عقربة تلوشك يا زبالة يا رخيصة. يا مصيبتي السودا على آخر الزمن ننفضح ليه؟ ليه ترخصي نفسك؟ كنتي حاسة بإيه وهو بيديكي فلوس ويقولك يا رخيصة يا زبالة؟ الواطي واقف يقسم ويحكم ويقول ليه؟ كان ربنا البعيد.. خده ربنا يبتليه بمصيبه الفاجر . إنتي فاكراني هسكت ملوك ماهتسكتش لحد. أنا أختي مايتعملش فيها كده. أنا هروح وهبلغ عنهم وافضحهم فضيحة مايلاحقوا عليها. هجرسهم في البلد
ارتعشت مليكه بقوة فهيا ضعيفه ومرتعبه وشخصيتها مهزوزه وانهارت قواها.. أبوس إيدك اسكتي انا خايفه سيبيها تهدي حرام .
انكمشت ملك على نفسها أكثر وهي تشهق بالبكاء. لكن ملوك لم ترحم ضعفها بل استمرت تفرغ شحنة القهر التي تملكها...
حرام... صرختي وبتقولي حرام.. حرام على مين بالظبط هاه؟ قولي أدينا بنعيده تاني. الهانم حبت... عايزة تحبي إنتي كمان؟ يلا روحي حبي عشان يا يفضحك يا يموتك. حبيتوا يا ولاد الهاشمي؟ أهو تاني بنعيده.. هم وحزن. أمك ماتت بسببهم ياللي بتقولي حرام.. ماتت مقهورة بسبب راجل. وأختك انفضحت وانداس على كرامتها بسبب راجل وعيلته.
خبطت علي صدرها بحرقه... ألطم على وشي؟ دي آخرة صبري؟ ده جزاء جريي عليكي وشقايا عشان أرفع راسكم؟ دانا نسيت أنا مين وعايشة عشانكم. ليه؟ حرام إيه؟ أجيب لك عريس وأجوزك تفرحي بالرجالة يا مليكة إنتي كمان؟
صرخت مليكة بذعر وهي تحاول تهدئة ملوك..
لا لا مش عايزة.. بطلي يا ملوك حرام عليكي البت بتموت في إيدنا.
كانت ملوك تدور في الغرفة المجنونة.. تهذي بغضب لا يرحم.. منك لله فضحتيني وخليتي زبالة زي دول يتجبروا علينا. محروقة دمي يا جزمه. هموت وأروح أنهش قلبه. يا مصيبتي أختي تنضرب وتتهان؟ أختي يتعمل فيها كده؟ قعدك تحت جزمته بيديكي فلوس الجعان الواطي عديم الشرف. مين البيه إللي جبروته وفجرو عدو أي نجاسه. ياخدو الراجل من بيته إيه دول ماصوتيش ليه لميتي الخلق.. أعمل إيه انهش قلبهم إزاي يقعدك تحت جزمته أنا أختي تقعد تحت جزمه راجل دانا كنت حشرتهالو في بوقو بس أقول إيه.. رخصتي نفسك منك لله.
انكمشت ملك على نفسها أكثر وهي تشهق بالبكاء. ؟
لم تعبأ ملوك. وجلست فجأة على الأرض تخبط على ركبها بجنون وهي تهذي:
أروح فين وأعدد لمين.. الفضيحة نار بتاكل في جتتي. بس لاااا.. ملوك ماهتسيبش حقها لو في بطن الحوت. لو في بطن ولاد الراوي همد إيدي وأجيب مصارينهم بره. اللي مد ايده عليكي ده.. اللي افتكر إنه كبير وعنده اطيان وشركات يقدر يشتري بيها شرف الناس.. هخليه يتمنى الموت وما يطولهوش.
وقفت ملوك ببطء ومسحت دموعها بعنف. سكنت حركتها فجأة وصار صوتها هادئا بشكل مرعب أكثر من صراخها...
. اللي داس عليكي بالجزمه هخليه يلحس تراب رجليكي. والله يا ملك.. وبحق كل دقيقة ذل عيشتيها في الشقة دي وهو بيمد ايده عليكي.. لأخلي عيلة الراوي دي عبرة للصعيد كله. هعرفهم مين هي بنت الهاشمي اللي استرخصوها.. هعرفهم إن المشرط اللي في إيدي ده ممكن يقطع رقاب مش بس يداوي جروح.
نظرت لملك بجمود وقالت:
نامي.. نامي يا ملك واشبعي نوم. عشان من بكره ملوك تانية خالص هي اللي هتصحي. ملوك اللي هتاخد حق أختها من عيون ولاد الراوي.. واحد واحد. بس هصبر علي قولك إما نشوف البيه هيعمل إيه وهيطلع راجل وإلا زباله زي صنفه.
دخلت ملوك حجرتها وظلت تدور بغل. لم تحتمل ملوك ولبست ونزلت صاله الجيم كانت ملوك تقف في زاوية معتمة من صالة تدريب ملاكمة مهجورة في أطراف المدينة. بعيدا عن أعين أختيها اللتين تظنان أنها في مناوبتها الليلية بالمستشفى. كانت ملوك تفرغ شحنة من الغل والحقد في كيس ملاكمة ضخم أمامها.
لم تكن تتدرب كهاوية. بل كانت تضرب وكأنها تخوض معركة حياة أو موت. صوت ارتطام قبضتها كان يدوي في الصالة كطلقات الرصاص. كانت تتخيل وجه أخوة عمر على ذلك الكيس. ومع كل ضربة كانت تهمس بفحيح مكتوم...
دي عشان القلم اللي نزل على وش أختي.. ودي عشان الوجع اللي في قلبها.. ودي عشان ورقة الجواز اللي استرخصتوها يا واطين.. ودي عشان جزمتك النجسه يا
زباله.
تصبب العرق من جبينها بغزارة لكنها لم تتوقف. التفت حولها حين صاح المدرب بحدة..
أقوى يا دكتورة.. ركزي في الهدف.. اضربي في مقتل.
لم تجبه بكلمة بل زفرت أنفاسها بقوة وانقضت على الكيس بضربة خلفية جعلت السلاسل الحديدية التي تحمله تصرخ من شدة الضغط.
مسحت العرق بظهر يدها وعيناها تلمعان ببريق مخيف خلف خصلات شعرها المبتلة. همست لنفسها وهي تنظر ليديها المرتجفتين من المجهود....
بكرة يا ولاد الراوي.. بكرة هتعرفوا إن المشرط لما بيتحول لسيف.. مابيرحمش.
عدلت ملابسها الرياضية السوداء وأخفت كدمات بسيطة في مفصل يدها وخرجت بهدوء لتعود لمنزلها كأنها لم تفعل شيئا تاركة خلفها صدى ضرباتها الذي لا يزال يهز جدران المكان.
*************
نعود بالزمن لقصر الراوي... دخلت زوجة العم على بناتها والغضب يتطاير من عينيها لتجد ندى غارقة في دموعها وقهرها. صرخت ندى بهياج...
شفتي اللي حصل يا ماما ؟ شفتي عمر عمل فيا إيه؟ إنتِ إزاي ساكتة كده؟ أنا لازم أروح أعمل مصيبة وأفضح البت دي.
هتفت أمها بحزم وهي تلوح بيدها..
مصيبة تشيلك يا حزينة بطلي نواح عاد.. عامر جال كلمته وكلمة عامر سيف على رقجابنا كلنا، لا إنتِ ولا أنا نطدر نكسرها.
صرخت ندى وهي تضرب صدرها بقهر..
يتجوز عليّا؟ يروح لبت من الشارع ويحرج جلبي؟ ده أنا ندى بنت الراوي.
ردت الأم بسخرية لاذعة...
ما أنا جولتلك بلاش عمر.. جولتلك ده بتاع طيش ومشاعر عندك عامر بوقاره ولا عمار بهيبته إنما إنتِ اللي مابتفهميش وركبتي دماغك.
في تلك اللحظة دخلت مها الابنة الثانية كانت تتهادى بدلال لافت وجمال باهر يفيض بالثقة وكأن ما يحدث لا يعنيها. هتفت ببرود وغرور...
لا يا ماما.. عامر إيه اللي ندى تبصله؟ عامر ده بتاعي أنا اصحي يا ندى وماحدش يقرب منه ده الحلم اللي مايطولهوش إلا اللي تفهمو.
نظرت إليها الأم بتعجب وقالت...
أيوة يا مها، بس عامر ده حجر صوان ملوش في الحب ولا في السبسبة اللي ندى غرجانة فيها دي مش زي الخروف ابن عمك اللي البت لفت عليه.
ضحكت مها بجلجلة وقالت بتباه...
يا ماما عامر راجل ملوش في الحزن ده سبسبة إيه وقرف إيه؟ خيبة على الرجالة اللي يمشوا ورا مشاعرهم.. لاه.. ده سيد الناس وسيد البلد وأنا شكلي هبقى ست الجصر ده بجد.. أنا اللي هعرف أروض الحجر ده.
ثم التفتت لأختها المنكسرة وقالت بجمود...
وأنتِ يا حزينة طالما عامر ق
جال يبقى خلاص كلمته ببلد كفكفي دموعك وحضري فستان فرحك عريس مغصوب أحسن من مفيش.
جلست ندى تخبط على ركبتيها وتبكي وتنعى حظها الذي رماها في قلب رجل لا يراها بينما وقفت الأم ومها تراقبونها كل واحدة منهما تنسج خيوط طموحها فوق أنقاض كرامة ندى وكسرة قلب عمر.
***************
خلف الباب الموصود... هب عمر كالإعصار في الغرفة المحبوس فيها كان يضرب الجدران بيديه حتى سالت منها الدماء ويصرخ باسم جده وصوته يشرخ جدار الصمت في سرايا الراوي........
يا جديييي يا جديييي.. افتحلي ياجدي ورحمة فضل عندك يا جدي وعضم التربه افتحلي.. انا عمر حرام عليكو..افتح يا جدي.. ابوس يدك ارحمني من الذل ده.. بيموتوني بالبطيء وأنت سامعني ليه يا جدي؟ هو أنا مش من دمك؟ هو أنا غريب؟ يا جديييييي.. ارفع راسك وبصلي.. أنا عمر اللي كان بيتحامى فيك من الهوا شرفي يا جدي مرتي يا جدي بالله عليك ورحمه ابنك .. دلوقتي بتسلمني ليهم؟ يا جديييييااااااي.. لو الباب ده ما اتفتحش دلوقتي اعتبرني مُت.. اعتبرني مالوش وجود..
صرخ بحرقه بخ فيها صوته ونحيبه يعلو... يا جديييييييييي ارحم كسرة قلبييييي.. يا جدييييييييياااااااااي ماليش غيرك يا جدي انجدني منهم يا جديييي يا جدياااااااااااااااي
لم يحتمل الجد سعفان أنين حفيده المفضل... لاه اني مش جاد هفتحلو...
فقام بوهن وفتح الباب. اندفع عمر كالمجنون إلى وسط الدار و الإخوة يقفون بانتظاره ببرودهم المعتاد.
وقف عمر في مواجهتهم و وجهه يشتعل حمرة وعيناه تطلقان شرارات الغضب مسح دموعه بحرقه.. وصرخ بصوت زلزل السقف...
لتكونوا فاكرين إني هعدي اللي حصل ده يا ولاد فضل.. أنتوا ورايح مالكوش حط ولا أخوة عندي. إني هرجع لحبيبتي أراضيها وآخدها وأفرح بيها أجيب عيال وأعيش متهني. وأنتوا بقى كلوا بعض ربوا في لحمكم المر يا كلاب صعرانة.. اتجوزوا نسوان للنوم والقرف. أنتوا مالكوش تحبوا ومالكوش تتحبوا. أنتوا مالكوش جلب ما بتعرفوش ماعندكوش نعمة الحب من أساسه.
هتف عمار باحتقار وهو يربع يديه فوق صدره الضخم..
سيبنالك النحنحة وجلة الأدب والمسخرة دي ليك يا واد يا خايب.
رد عمر عليه وهو يقترب منه بندقية..
مالكش صالح إني مبسوط هاه.. ليك شوج في حاجة؟
تدخل عامر بوقاره المرعب الذي يخفي خلفه بركانا وقال بنبرة هادئة تخرج من تحت أضراسه..
أنت ياض واجف تباجح ليه؟ أنت فاكرنا بريالة. لا يا شاطر اصحي وفوج، إني عامر الراوي.. خلاص جصة وزبالة وخلصت.
هنا انفجر عمر وصرخ في وجهه..
لا! أنتوا اللي زبالة تتهجموا على النسوان يا عديمي الشرف. تدخل دار أخوك يا بتاع العدل.. عدل إيه يا راجل دا لو حد عرف هتبقى فضيحة. أنتوا دلوك قدامي من غير شرف لا أنت ولا أخوك.
اندفع عامر نحوه وجذبه من ثيابه بغل
ليه عشان مرة نجسة زي دي إني اديتها قرشينات وغارت خلاص جصة وخلصت.
تجمدت الدماء في عروق عمر واتسعت عيناه بذهول وصدمة زلزلت كيانه وهمس بصوت مكسور كأنه لا يصدق...
إيه؟ اديتها إيه؟ أنت مشيت مرتي؟ مشيت حرمتي وادتها فلوس يا بن أبوي؟ يا فضحتي للدرجة دي مافيش نخوة؟ حرمة أخوك تخرجها من دارها؟ حرمة أخوك تمشيها وتديها غلوس في أنصاص الليالي؟ ترمي لحم أخوك منك لله.. ربنا ينتقم منك يا بعيد تدوق حُرجة الجلب يا عديم الجلب. تمشي مرتي بفلوس ليه؟ كلبة؟
دفعه بعنف
.... لاااا.. فوج إني آه صغير بس صعيدي والشرف عندي برجابكم وصنفكم واللي يمس مرتي أنهش جلبه.
ثم استطرد وهو يشير بإصبعه في وجوههم جميعا...
مرتي هترجع وهتبقى ست داري وأي حد هاه.. فاهمين؟ أي حد هدوسه قدامي وهسيح دمه الجتل فيه حلال. إني ماتعاصش في شرفي وأسكت.
تراجع خطوه للخلف ونظر لهم جميعا رفع يده مشيرا إليهم.... ورايح إني متبري منكم ومن أخوتكم ليوم الدين. لا أدخلكم دار ولا تدخلولي دار. عمر الراوي ماعاش لية عيلة ماشي يا عامر يا كبير؟ اجعد فيها وانبسط اجعد من غير جلب خلي الدود ينهش جواك. كمل جثة ميتة يا عامر ياللي خرجت مرت أخوك من دارها.
دار بحرقه... عايز اخرج اعلي صوتي واجول اشهد يا بلد.. عامر الراوي رمي لحم اخوه في الشاااارع.. اخص على الرجالة اخص أنتوا نسب يعر عملت إيه المسكينة دي عشان تناسب جرف زينا كلاب صعرانة بوشوش ناس ماتعرف ربنا.
صرخ عامر وهو يدفعه بقوة أطاحت به أرضا..
دانت فاجر جوي.. داحنا كبسنكم نايمين مع بعض يا زبالة.. وطيت راسنا في الأرض وجاي تتبجح...
كان عمر ملقى على الأرض يضحك بمرارة ودموعه تنهمر يلملم كرامته الجريحة ويستعد ليغادر هذا الجحيم الذي يسمونه بيت العيلة وعيناه تقسمان أن الانتقام لن يكون سهلا.
ساد صمت رهيب في المندرة صمت لا يقطعه إلا أنفاس عمر المتلاحقة التي كانت تخرج كحمم بركانية. نظر عمر لعامر باحتقار لم يره الأخير في حياته وصرخ بمرارة...
وطيت راسكو مين.. إني... دانتو راسكو واطية خلجة... واطية بسلسال الغل والنعرة الكدابة.. واطية لعبادة الأسياد والملوك. الله في سماه يا عامر لأجيب حج مرتي منيكو وهفضحكو وهفرج عليكو خلجه.. ما اللي عدم ناسه يشتريله ناس. وإني عدمت أهلي خلاص.
جن جنون عمار واندفع كالثور الهائج ليرفع يده ويصفع عمر لكن المفاجأة كانت في حركة عمر السريعة فقد أمسك يد أخيه في الهواء بقبضة حديدية وصرخ في وجهه بفحيح مرعب...
لاااا.. كان زمان يا ابن فضل لما كنت عاملك كبير. كان زمان لما كنت شايفك راجل كان زمان أحط خدي مداس ليك ولأخوك.. إنما دلوك؟ خدي ده بعيد عن شنبك وشنب اللي يتشددلك..
نفض يد عمار بقرف والتفت لجده الذي كان يجلس منكسرا وهتف بقهر..
مبسوط يا جدي؟ سيبتهم يخرجوا مرتي من داري.. وجايبلي بت تجوزهالي ليه؟ ليه عملت إيه؟ لااا.. دي مرتي وما هتكونش غير دي، واللي عندكو اعملوه.
هنا اشتعل عامر واقترب بظله الثقيل الذي يلقي الرعب في قلوب الجميع وصرخ...
عملتلك إيه يا نجس عشان تبيع أهلك عشان دي؟
لم يتراجع عمر خطوة واحدة بل اقترب أكثر حتى تلاقت عيونه بعيون عامر وهتف بجمود يسبق العاصفة...
أهلي؟ هما فين أهلي يا عامر؟ هما فين؟ ترضاها على روحك؟ أخش أجيب مرتك من دارك وأخرجها في نص الليل؟ ترضاها.. أنت عندك نخوة أنت؟ ترضاها يا سيد الناس؟ أخرج أجول للناس عامر كبيري خرج مرتي في نص الليل؟ طب عرفني.. خرجتها مستورة وإلا عررتها؟ إني نجس يا عامر؟ انا؟ دانا مابسيبش فرض بس عارف يا عامر؟ مش هجولك عاللي بينا واللي عملته ولا هدافع عارف ليه؟ لأنك مابقتش تهمني ولا يهمني تجول عرفي ولا رسمي مابقاش يفرج.
أخذ نفسا عميقا وتابع وهو يشير إلى قلبه..
حطها حلقة في ودنك.. أخوك مات يا عامر من يوم ما مديت يدك وخرجتها مقهورة. إني لا ناجص ولا عويل. احبس.. اضرب.. عارف اللي هيحوشني عنها إيه؟ موتي مد يدك وموتني عشان ترتاح ساعتها بس عمر الراوي خلص دنيته.. بس خلصها بشرف.. يا عديمي الشرف.
تركهم عمر واقفين كالأصنام وكلماته تنهش في جدران السرايا وفي ضمائرهم التي ظنوا أنها ماتت.
اشتعلت النيران في المندرة بتلك الكلمه أمسك عامر عمر من ملابسه بعنف يزعزع الأبدان، وهتف بفحيح يرعد القلوب.. هبعت أجيب المأذون يكتب كتابك على ندى بت عمك دلوك.. وابقى أنطج بكلمة والله لأحطك تحت رجلي يا فاجر يا بتاع العرفي.
ولأول مرة في حياته فعلها عمر مد يده ودفع أخاه الأكبركبير الراوية بعنف أسقط وقاره أرضا وجعل عامر يتراجع بذهول لم يختبره من قبل. ضحك عمر ضحكة هستيرية ممتزجة بالقهر..
ليه مرة تكتب عليا؟ لاه.. خليهالك ابلعها ولا جوزها لعمار.. ماهو ماتفرقش بهيمة ينام معاها وخلاص.
لم يحتمل عمار الإهانة فاندفع كالثور الهائج..
إني هعرفك مجامك يا جوز الست يا اللي جايب واحدة بتتحضن في الشجج بالعرفي..
اشتبك عمار مع عمر في عراك عنيف الجسد يرتطم بالجسد والأنفاس تخرج كالحميم. صرخ عمر وهو يحاول الإفلات..
إني همشي يا عمار وأعلى ما في خيلك اركبه.. سيبني أمشى..
تجمع النساء عند الأبواب يولولن والجد يصرخ وصوته يضيع وسط ضجيج الصراع. اقترب عامر ليفض النزاع بقسوة وفي لحظة من الجنون والضياع امتدت يد عمر المرتجفة وجذبت الطبنجة من جراب أخيه عمار.
صرخ عمر بوجه محقن بالدماء واصبح ممسوسا... ض.
بعد.. بعد عني إني هموتك.. إني هعرفك إزاي تتهجم على حرمة أخوك إني هوريك الرجولة.
تملك الذعر من قلب عمار لأول مرة ليس خوفا من الموت بل خوفا على أخيه الصغير الذي فقد عقله. صرخ بصوت متحشرج...
هات الزفت ده منك لله هات.. ده ميري يا مخبول هتروح في مصيبة.يدك اوعي طيب اهدي ماهنعملش حاجة.
تلاحم الثلاثة في كتلة واحدة من الغضب والخوف عمر يحاول التحرر بسلاحه. وعمار يصارعه بيدين مرتعشتين لينتزع المسدس الملكي قبل أن تحل الكارثة. وعامر يحاول بجسده أن يفصل بين النارين.
صرخ عامر بزئير أراد به شق هذا الكابوس قلبه سيقف من خوفه علي أخيه الصغير ... ..
سيب يا مخبول هنروح في داهية. ما
هنجيش جارك سيب ورحمة أبوك سيب.
وفجأة.. انشق صمت المكان بصوت انفجار مروع.
صدح العيار الناري في الأفق ليتجمد الزمن في تلك اللحظة. سكتت الولولة وتوقفت الصرخات، وساد صمت جنائزي ثقيل. وقف الجد سعفان في مكانه كالصنم وضع يده على رأسه بذهول والمنظر أمامه يخلع القلوب من مواضعها.
كان الأخوة الثلاثة عامر وعمار وعمر لا يزالون ملتحمين في وضعية الجمود كتلة واحدة لا تتحرك. العطر الفاخر اختلط برائحة البارود المحروق. لم يتنفس أحد ولم يتحرك أحد. والكل يترقب بصدور مخنوقة.. أين استقرت الرصاصة الغادرة؟ هل غرزت أنيابها في قلب الوحوش الذين طغوا؟ أم سكنت في قلب النابض الذي لم يطلب سوى الحق والحب؟
سالت قطرة دم واحدة على الأرض الرخامية لتعلن بداية النهاية.. أو نهاية البداية...
الفصل 6
.. اشتبك عمار مع عمر في صراع مرير جسدا يصارع جسد.. وبينما كان عامر يحاول بجهد جهيد أن يفصل بينهما ويشد المسدس من يد عمر الهائج يستجديه برعب إن يكف انطلقت الرصاصة الغادرة لتشق صمت السرايا وتصيب القلوب قبل الأجساد.
ساد جمود قاتل عامر تراجع للخلف برعب وهو يلهث بينما ظل عمار وعمر ملتحمين للحظة فوق السجاد.. ثم ببطء شديد تحرك عمار ليسقط عمر أرضا وصدره يتفجر بدماء صبغت رخام السرايا.. .
صرخ الجد بجنون هز أركان الدار...
ولديييي.. ولديييي
اندفع الجد يرتمي فوق جسد عمر يبكي بقهر لم يذقه طوال عمره يكلبش في ثيابه ويصرخ بنحيب يقطع الأنفاس..
جوم يا ولدي جوك يا جلب جدك.. لا والله حجك عليا..اني السبب مني لله مني لله.. والله لاجيبلك حجك بس جوم.
نظر عمر إلى جده بوهن وأنفاسه تخرج متقطعة والدماء تنزف من صدره بغزارة همس بصوت واهن....
ماتبكيش يا جدي.. خلاص راح اللي كان بيحبك.. راح اللي ماعايزش من الدنيا إلا الحب وفايتلك إخواتي ربنا عامي جلوبهم.
التفت بعينين ذابلتين لأخيه عمار الذي وقف مشلولا وهتف وهو ينهج بصعوبة..
ارتحت يا عمار؟ منعتني من الرجاصه أهو لا خت رجاصه ولا غيرها.
صرخ عمار هستيريا...
ماكانش جصدي بطل بتجول إيه.. هم شيله يا عامر ساعدني.
لكن عمر كلبش بيد جده بقوة أخيرة ودمه يلطخ يد الشيخ العجوز وقال بمرارة...
خلاص يا ولاد فضل.. النسل بقى لاتنين والفلوس لاتنين والدار والأطيان لاتنين.. إني رايح أهه هرتاح.. خدوا وعبوا ماعايزهاش.
ثم اشتدت قبضة يده على يد جده وبصم بدمه على كف الجد وهو يقول بوعيد الموت...
بحج دمي ده يا جدي.. مرتي يا جدي.. هاتها ورجعلها كرامتها وشرفها.. مرتي تبات في دار الراوي معززة مكرمة. لو ليك غالي وراح جه مكانه مرتي حطها في عيونك.. عاهدني يا جدي.. عاهد ميت رايح يجابل ربه.
حاول عامر الاقتراب بذعر وهو يهتف..
أوعى.. إني هاخده للمستشفى إني هلحجه..
صرخ عمر بآخر ما تبقى له من قوة.... .
عارف لو هموت دلوك ماعايزش نجدة منكم... مرتي يا جدي.. شرفي.. رجع لعمر شرفه اللي إخواته دعكوه على الأرض.. عاهدني يا جدي رجع الحج لأهله.
بدأ بريق عينيه ينطفئ فجذب رأس جده إليه وهمس...
.. جرب يا جدي اجولك حاجه... فيه امانه جرب....
ثم همس في أذنه بكلمات قليلة سر ثقيل جعل حدقة عين الجد تتسع بصدمة كبرى.. ثم فجأة ارتخت يده وسقط رأسه للخلف ولفظ أنفاسه الأخيرة.
وجم الجد وسكتت الدنيا تهالك جسده العجوز أمام هول الفجيعة وسقط بجوار حفيده يصرخ بمرارة شقت جدران السرايا... آآآه.. ولديييي.. ولديييي.. ولدىيييي.
في تلك اللحظة دخلت فؤادة من الخارج لكنها وجدت روحها ملقاة على الأرض والدماء تنزف كالشلال. وقفت مشلولة تنظر بذهول والكلمات تخرج منها متلعثمة.. إيه.. فيه إيه؟ مالكم؟ إيه الدم ده؟ مين.. مين؟
لم يرد احد كانت النظرات المبهوتة هي الجواب. اندفعت بجنون احتضنت جسد عمر البارد وصرخت بآهة زلزلت المكان...
جلبي يا جلبي.. مين عمل فيك اكدة؟ مين يا ناري يا مراري؟ يا ولديييي يا حزني وأيامي الطين.. فتح عينك ماله يا حج؟ ماله الواد ما بيتنفسش؟
أمسكت يده فارتخت وسقطت كغصن مكسور فصاحت بهستيريا.... يا سوادك يا فواده.. . يا حج جوله يجوم هجوزهالك يا ضنايا جوم والله هجوزهالك. ماحد يا جلبي هيزعلك لاعاش ولا كان اللي يزعلك.. يا خرابي ياني جوم يا ولدي يا واخد جلبي.
هتف الجد بصوت مخنوق بالدموع... إنا لله وإنا إليه راجعون..
صرخت فؤادة بوجهه... بتجول إيه أنت؟ بطل... جوم يا واد أما نمشي جوم هجيبهالك تولع السرايا باللي فيها.. جوم حجك عليا.. مابتجومش ليه؟ رد على أمك
ثم التفتت لإخوته بعينين يملؤهما الموت.. ولادي جتلوا ولدي.. عملوا فيك إيه يا جلبي
مصاريني بتجطع.. يا عااالم الكفرة جتلو ولدييييييي.
قامت كالمجنونة وأمسكت عامر من جلبابه تصرخ وتلطمه على وجهه وهو واجم لا يرد....
أنت اللي جتلته.. جول جتلت ولدي يا فاجر.. جتلت ولدي يا واطي ياللي عامل فيها سيد.. جتلت ولدي يا عامر.. جتلت جلب.. ابن بطني.
بكى عامر بنحيب لم يره أحد منه قط والجد يحاول تهدئتها بصوت واهن.. ماجصدوش يا فؤادة.. ده قضاء ربنا.
أما عمار فكان يشهق بعنف صوته يخرج كحشرجة الموت اندفع ليحمل أخاه وهو يصرخ... إني هوديه.. إني هلحجه.
لكنها اندفعت إليه تدفعه بصرخة حارقة.. أنت أنت اللي جتلته بتعيط ليه؟ موت ولدي يا عمار يا جاحد يا أبو جلب أسود.. منك لله يا مدود يا حرابة شر.. إني هجتلكم جتلت أخوك بالمسدس عشان الفلوس.
صرخ عمار بحرقة وهو يشهق ويضرب صدره بذهول... والله ما مسكت المسدس يامه. والله عمر اللي مسكه وكنت بحوشه.
لكن صراخها غطى على كل صوت وهي تعوي فوق جسد ولدها.
اندفع عامر حمل أخاه وجرى به كالمجذوب وعمار خلفه يترنح. لم يكن أيا منهما يرى الطريق. وفوائده تجري كالملسوعه تصرخ وتولول.
*******
في ممرات المستشفى كان عامر يقف أمام غرفه العمليات وجهه الذي كان دائما مرسوما بالهيبة أصبح الآن شاحبا عيناه تائهتا ويداه كانتا ترتجفان وهي مغطاة بدم أخيه الصغير. كان يسند رأسه على الحائط ويتمتم بذهول... جوم يا عمر.. جوم واشتمنا.. جوم واكسر كلمتي بس ما تكسرنيش الكسرة دي..
أما عمار فكان حاله يصعب على الكافر جثى على ركبتيه في زاوية الممر يشهق بشهقات تقطع نياط القلب يغرس أصابعه في شعره ويصرخ بصمت مرعب. رعبا من صورة أخيه وهو يسقط بين يديه. كان ينظر لكفه الملطخ بالدماء ويهمس بانهيار... أنا اللي جتلته.. أنا اللي ضيعت سندي.. يا ريتني أنا يا خوي.. يا ريتني أنا..
خرج الطبيب ونظرته كانت تحمل النهاية. وقف عامر وعمار في ترقب ذبيح ليعلن الطبيب الخبر الذي قفل صفحة القلب النابض للأبد...
البقاء لله.. عمر الراوي في ذمة الله.
لتصدح صرخه ام في المكان صرخة شقت قلوب الكل... ولداااااااااي. ولدييييي ولادي حتلو ولدييييي.
في تلك اللحظة لم يسقط عمر وحده بل سقطت معه هيبة السرايا وانكسر جبروت الإخوة. مات الذي لم يطلب من الدنيا سوى الحب وانتهت حياته بطلقة خرجت من يد شقيقه في لحظة طيش.. لتبدأ حياة عامر وعمار في جحيم من الندم الذي لن يغفره دم الأخ.
*******
قُفل الكتاب على عمر.. وانفتح باب الجحيم على عامر وعمار.. وبدأت رحلة من نوع آخر لتصفية حسابات الدماء في مكان آخر .
خيم السواد على سرايا الراوي وتحولت السرايا التي كانت يوما رمزاً للجاه والسطوة إلى بيت للأشباح. بدأت إجراءات التحقيق الرسمية وسط ذهول الجميع. وقف الجد سعفان أمام النيابة والتحقيق صامدا وشهد بشهادة حق.. أقر بأن الحادث كان قتلا غير مقصد. وأن المسدس كان بيد عمر في لحظة هياج. وأن عمار لم يكن يريد سوى انتزاع السلاح منه ومنع الكارثة. وبشهادة الجد ومعاينة السلاح الميري أُغلقت القضية قانونيا كحادث عارض لكنها فُتحت في القلوب جرحا لا يندمل.
يوم الدفن وبمجرد أن وُري التراب على القلب النابض حدث ما لم يتوقعه أحد.
رفضت فؤادة العودة إلى السرايا وقفت أمام باب المقابر تصرخ في وجه عامر الذي حاول إعادتها..
سيبني ماعايزاش أعيش معاكو.. سيب يدك اللي اتلوثت بدم أخوك. الدار اللي انجتل فيها ضنايا ماعادتش داري والوجوه اللي جتلت فرحتي مابقتش ولادى.
لم تذهب لبيت أهلها بل اتخذت قرارا زلزل كيان العائلة أخذت نجوان التي كانت كظلها وذهبت لتعيش في بيت صغير ملحق بالمقابر بجوار عمر.
حاول عامر مراراً وتكراراً الذهاب إليها كان يقف ذليلا أمام عتبة بيتها الصغير يتوسل إليها بدموع لم يعرفها أحد فيه
يامه... .. ارجعي يا ست الناس السرايا ضلمة من غيرك إحنا ملناش ذنب ده قضا ربنا.
لكن فؤادة كانت تخرج له تنهال عليه بأفظع الشتائم تسب كبرياءه وسلطته التي ضيعت أخاه..
يا جاتل يا اللي بعت دمك عشان شوية طين وهيبة كدابة. غور من وشي لا أنت ولدي ولا أعرفك أنت وعمار شياطين في صورة إنس روحوا لجصوركم اللي بنيتوها على جثث الجلوب.. روحوا اتهنوا بالسيادة والدم مغرج عتبتكم. أنا خصيمه ليكو ليوم الدين.. ولدييييييي
كانت كلمات فؤادة تنهش في روح عامر أكثر من رصاصة عمر يرجع للسرايا محطما يجد عمار غارقا في صمته وذهوله والجد جالسا في المندرة لا ينطق بكلمة،
السرايا فضيت.. والأم سكنت الترب.. وعامر وعمار بقوا أسياد على بيت مهجور كالقبور ..
*************
كان عمار في حالة من الذهول التام الصمت الذي سكن البيت كان ينهش في رأسه . لم يحتمل فكرة أن عمر غادر الدنيا وأن يده هي التي كانت سببا في الرحيل. اندفع كالمجنون ودخل حجرة أخيه الراحل..
نظر عمار لسرير عمر الفارغ وشعر بنار تحرق صدره ففقد السيطرة على نفسه تماما. بدأ يضرب بيده القوية على جدار الحجرة الرخامي وعلى أطراف السرير الحديدي بكل قوته كان يضرب ويصرخ بصمت. ضربات حاقدة على نفسه على ضعفه على طيشه.
استمر في الضرب حتى هشم يده تماما. تكسرت عظام كفه وتفجرت الدماء من أصابعه لتلطخ جدران الغرفة.
دخل عامر الحجرة مذعورا على صوت الارتطام ليرى مشهدا يخلع القلب أخاه القوي سنده في الجبروت يحطم نفسه فوق حطام أخيهما الثالث.
اندفع عامر نحوه وجذبه بعنف بعيدا عن الجدار احتضنه بقوة وهو يصرخ..
كفاية يا عمار كفاية يا خوي.. مش كفاية واحد؟ عايز تكسر ظهري في التاني؟
سقط عمار في حضن عامر جسده يرتجف بقوة ويده المحطمة تنزف بغزارة على ملابس عامر البيضاء. وبدأ يشهق بشهقات مكتومة . ولأول مرة تلاقت دموع الوحوش انهارا وظلا غارقين في بكاء مرير وصامت يحتضنان بعضهما.
***********
اما الجد... تهالك جسد الجد سعفان وانزوى في ركن المندرة وأصبح الحزن هو الحليف والونيس الوحيد له في البيت.
دخل عامر بخطواته الثقيلة لكنها لم تعد تهز الأرض كما كانت فوقف أمام جده ينكس رأسه لأول مرة.
هتف الجد بصوت يخرج من أعماق القبر..
مبسوط دلوك.. شالله تكون ارتاحت بدخلة أخوك تربته؟ ماتروح تجيب المأذون هنجوزه لبت عمك يلا روح.. شور أخوك الغلبان إللي مافرحش.. راح جعد في شجه عفشه بمرته عشان عدم أهله.. يلا روح.. خد فلوس.. لاه ماتاخدش فلوس.. اجولك أعملو صدجه آه نلم من الناس نشورو يا عامر عشان مانصرفش فلوسنا..
صرخ عامر.. بطل تجول فلوس إيه أنا ماببصش لفلوس وإنت عارف.
ضحك الجد بقهر.. عارف إنك مابتبصش لفلوس.. إنت بتبص بمرض الجلوب الميته.. وماشي في توبه مرض أنا العالي والباقي واطي.. أخوك ساب الدنيا بسببكواجعد يا عامر من غير جلب.. اشبع فلوس واطيان..
هز راسه بقهر... لاه مش بسببكو بسببي عشان ضعيف قدامكو سكت لما جهرتو الواد. النضيف فيكو راح.. .. أنت يابني ميت .. وأخوك التاني مات بزيادة بقي زي الجثة.. إنتو تستحجوا تعيشوا في السواد الحزن انكتب عالدار دي راحت فرحتها بروحه الغالي النسمة اللي كانت بتهفهف وسط الدود.
دفع الجد عامر بطرف عصاه في صدره باحتقار ونظر إليه بعينين تشتعلان غضبا رغم الوهن وتابع بزئير مكتوم.....
بس لو فاكر إنها خلصت أكده تبقى غلطان وقسما بمن أحيا وأمات ماني ساكت. عهدي لابن ابني اللي دمه لسه مانشفش إني أرجع مرته لدارها وأعوضها عن غدر الكلاب اللي نهشوا فيها.
تنهد عامر وصمت فقد رأى الجد في حالة سيئة لا تسمح بالنقاش لكن الجد لم يكتفِ بل هتف بنبرة حارقة..
مانطجتش يعني؟ إيه؟ بتاخدني على كد عجلي؟ فاكرني ماهعرفش مكانها؟ لاه يابن الراوي إني بقه هعرف وهرجعها وهتاخد حجها تالت ومتلت.
هتف عامر بحده وقد استثارته الكلمات..
ما هي خدت فلوس يا جدي وراحت لحالها عايز ترجعها ليه وتفتح علينا نار إحنا في غنى عنها؟ عمر كان طيب بزياده ارحمنا بقه.
هنا وقف الجد مستندا على عصاه بصعوبة وصاح في وجهه بعنف هز أركان الغرفة... ..
الفلوس دي للي زيك يا عديم الشرف.. للي بيقيسوا الكرامة بالجرش.. إنما اللي زي عمر شرفه هو روحه. وأنت وأخوك قبضتوا التمن دم..
ثم دفعه بقرف... هو إنت ياض ما عندكش دم..
جحظت عين عامر... وهمس باستنكار.. ياض.
وقف الجد متهالكا ووقف أمامه... ايوه.. امال عايزني اجولك إيه.. آه نسيت.. هو إنت يا معالي سياده المستشار مابتحسش.. يا سياده الباشا يا فرعون الزمان.. أنت مسخ ميت الجلب للدرجادي؟.. كبرت عليا ياض.. مالك مخضوض لية اكده إني بجولك ياض..لا عيب يا سعفان تف من بقك.. الباشا باشا برضك.. أخوك تحت التراب بسبب جبروتك يا باشا .مات مآلات.. يلا . اخرج من إهنه.. اخرج وما تدخلش عليا لا أنت ولا أخوك إللي دم اخوك علي يده.. غورا من وشي يا خيبة الراوي ونكسة الرجاله.
استدار عامر وخرج والغضب ينهش في صدره يرى أن أخاه قُتل بسبب تلك المرأة وأن جده ينهار ويحملهم الذنب وحدهم. وعمار أصبح حطاما بشريا لا يدرك ما حوله وأمهم قاطعتهم وأعلنتهم أعداءً لها.
*****
كانت السرايا تغص بالنساء في عزاء ونواح لا ينقطع. الجد يجلس في صدمته وعامر وعمار بجانبه في صمت مريب، كأنهم تماثيل من رخام.
فجأة انقطع النواح ودخلت فؤادة ومعها نجوان تحمل قفصاً من قرص الرحمة. سكت الكل ورفع عامر وعمار وجههما بصدمة. اقتربت فؤادة بآلية ميتة ومدت يدها بقرصتين لكل واحد منهما وهي تهتف بنبرة خالية من الروح..
خد.. جرصتين من اهنه.. رحمة أخوك.
نظر عامر وعمار إليها بلهفة ودموع متحجرة لكن سعدات هبت بجهل وقسوة..
بتعملي إيه يا فؤادة.. اتهبلتي؟ بتفرجي رحمة الميت علي رجاله الدار نهار اسود.. بعد منك ليه والميت لسه دمه مانشفش بتأكلي الرجالة عشان يروحو.
نظرت إليها فؤادة بجمود يقطع الأنفاس ثم وجهت كلامها لعامر وعمار بصوت ميت
كلوا رحمة أخوكوا..
مد عمار يده بضعف ليأخذ وكذلك فعل عام.
فهجمت سعدات تحاول منعهما لان الاعتقاد أن من يأكل من رحمه الميت لا يكمل السنة الا وهو ميت في قبره....
بطلوا إيه المرار ده بتأكلو رحمة أخوكم؟ ده فأل عليهم اتخبلتي يا فؤادة بطلوا واعجلوا ده قدر ربنا.
هنا وقف عمار بصرامة مهزوزة وهتف...
لاه يا خالة.. خليها ترتاح وتعمل ما بدالها.
أخذ القرص وأعطى أخاه وجلسا يأكلان بآلية وصمت قاتل يبتلعان الرحمة الممزوجة بدموع الندم. ولعلها بيوم تميت ما في قلوبهم فعلا.
لم تحتمل فؤادة المنظر فصرخت فجأة ولطمت وجهها بحرقة فهيا ام رغم. كل شيء..
بطلوا.. بطلوا.. جلبي محروج على ولدي.. يا ولدي.. ااااه
سقطت أرضا فاندفع عامر كالبرق واحتضنها بقوة يشدد عليها وهي تبكي وتنتفض بين يديه إلى أن صمتت من فرط التعب. فرفعها وأجلسها.
حينها زحف عمار وركع تحت قدميها وأمسك يدها المرتجفة بيده المجبسة والمكسورة من أثر ضربه للجدار وهتف بصوت محطم..
والله يا مّا ما عملت حاجة.. ورحمة أبويا ما عملت.. هو اللي اندفع وكنت بحوشه.. ده كان روحي يا مّا.. كان روحي.
نظرت فؤادة ليده المجبسة وشكله الذي يقهر الحجر. فلان قلب الأم بداخلها أمام كسرة وليدها. بدأ عمار يدعو على نفسه بحرقة وهو يبكي...
يارب يا مّا لو كنت قصدي ينجطع يدي دي.. يارب يحرج جلبي زي ما اتحرج جلبك..ولا اكمل سنتي الا وجلبي في التراب.. يا رب بحج تراب أخويا اتدفن مكانه.
لم تحتمل فؤادة دعاءه فوضعت يدها المرتجفة على فمه لتسكت الكلمات القاسية وانفجرت في البكاء فمال عمار على يدها يقبلها بتذلل وندم..
فرفعت يدها رغما عنها ووضعتها علي راسه فاندفع واحتضنها خصرها كصغير يلتمس القوه بأحضانه آمة.. والكل ينظر بذهول إلى وحوش الراوي وهم ينكسرون تحت أقدام أمهم في لحظة صدق نادرة.
*******
مرت الأيام على ملك وكأنها سنوات من العذاب كانت تمشي في البيت كخيال مآتة وجهها شاحبه كالأموات وعيناها اللتان كانت تلمع بالحب انطفأتا ولم يعد يسكنهما سوى الانتظار المرير. كانت تجلس خلف الباب بالساعات ترهف السمع لأي خطوة تقترب لعل عمر يفي بوعده ويأتي لينقذها من هذا الجحيم.
لكن الجسد لم يحتمل القهر أكثر من ذلك. بينما كانت واقفة تساعد مليكة في المطبخ شعرت بدوار عنيف الأرض دارت بها لتسقط جثة هامدة وسط صرخات أختيها.
في المستشفى كانت الصدمة التي زلزلت كيان ملوك. وقفت تنظر إلى تقرير التحاليل بيدين ترتجفان من فرط الغل والحسرة. اقتربت من سرير ملك التي كانت قد بدأت تفتح عينيها بوهن وصرخت فيها بصوت يملؤه القهر....
شفتي المصايب يا بنت سليمان؟ شفتي آخرة الحب والمستخبي؟ أهو بقيتي بعيل في بطنك وهتتفضحي يا ملك الشهر اللي كنتي مستنية فيه الفرج طلع هو اللي هيحفر قبرنا كلنا.
انتفضت ملك من فوق الفراش وهي تضع يدها على بطنها بذعر وكأنها تحمي جنينها من كلمات أختها....
حامل أنا حامل يا ملوك ده ابن عمر.. ده الحتة اللي باقية لي منه.
صرخت ملوك بهياج وهي تضرب بيدها على الحائط...
حتة إيه وزفت إيه ده فضيحة بجلاجل. عيلة الراوي لو عرفوا هيقتلوكي ويقتلوا اللي في بطنك ويغسلوا عارهم بدمنا. أنا مش هسكت.. أنا هروح البلد هناك وهعملهم فضيحة تجرسهم في الصعيد وبحري.. هقلب الدنيا عليهم.
ارتمت ملك تحت قدمي أختها وهي تنتحب بنشيج يقطع القلب...
أبوس إيدك يا ملوك.. لا هيقتلوا ابني ويقتلونا.. اخواته ما بيرحموش ده قلبه كبيرهم قلبه صخر. بطلي يا ملوك.. عمر هييجي أنا عارفة إنه مش هيسيبني هيسكتهم وهييجي ياخدني.. هو بيحبني والطفل ده هو اللي هيرجعه لي.
جلست ملوك على المقعد المجاور وهي تنهج بعنف ملامحها تحولت لكتلة من الحجر الصوان. كانت تنظر للفراغ وعقلها ينسج خيوط الانتقام. همست بفحيح مرعب...
عمر مش هييجي يا ملك.. اللي بياخده الوحوش ما بيرجعوش. عمر أخواته جبابرة عايزين إللي يقف لهم ويجيب دماغهم الأرض. بس وحياة دموعك دي وبحق العيل اللي ملوش ذنب يشيل اسم عيلة قتالة قتلة زي دي.. لأخلي أيامهم سواد. هما فاكرين إنهم اشتروا سكوتنا بقرشين؟ دانا هخلي القرشين دول تمن كفنهم واحد ورا التاني.
ظلت ملك مكومة تبكي بضعف وهي تتحسس بطنها وتهمس باسم عمر تنتظر معجزة تعيد لها أمانها المسلوب.
بينما ملوك كانت قد حسمت أمرها.. المواجهة لم تعد من أجل الكرامة فقط بل أصبحت معركة بقاء لدم جديد سيولد من رحم القهر.
******
دخلت ملوك علي ماجد حجره المشفي .. سألت ملوك بلهجة حاولت أن تجعلها عادية بينما نيران الغدر تأكل أحشاءها..
بقولك يا ماجد.. أنت من الصعيد تعرف عيلة الراوي؟ عامر وعمار الراوي؟"
اندهش ماجد في مكانه ورفع حاجبيه بدهشة...
تعرفيهم منين دول يا ملوك.. دول في بلدنا أسماء بتتهز لها الأرض.
ردت ببرود مصطنع.. لا واحدة معرفة بتسأل.. ابنهم عايز يخطب بنتها.
انقبض وجه ماجد بجدية تامة وهتف بقلق.. نعم.. يخطب من بحري ؟ أنتِ متوكدة يا ملوك من اللي بتطوليه ده؟
ضيقت ملوك عينيها وقالت.. ليه.. فيهم إيه؟
ضحك ماجد بمرارة ضحكة تحمل خلفها ألف حكاية ورواية..
لا يا بنتي.. جولي لصاحبتك ده حلم مش هيحصل. تلاجيه عمر الخايب الغلبان بتاعهم هو اللي وجع الواجعة دي لكن الباقي؟ مفيش حد يجدر عليهم يا ملوك.. دول وحوش الصعيد اللي ما يقدر عليهم إلا ربنا. عيلة الراوي دي سلطة ومال ونفوذ يهدوا بيه بلاد.
رددت ملوك خلفه والغل يأكل قلبها.. وحوش الصعيد؟....
هز ماجد رأسه بتأكيد... آه.. عامر الراوي ده لوحده اسم بيرعب. مستشار في هيئة قضايا الدولة.. جبروت وسيد عالناس مفيش مخلوج يجدر يجرب من حمى داره. عايزة تجولي لي إنه يتجوز واحدة عادية؟ دول بشوات يا ملوك.. وبشوات الصعيد ما يناسبوش إلا اللي زيهم.. دم أزرج ما يختلطش بدم حد تاني.
هتفت ملوك بحدة غير مبررة مدافعة عن كرامة أختها التي سُحقت.... وليه يعني؟ مفيش قلب يحبوا بيه؟
انفجر ماجد ضاحكا... مين يا بنتي أنتِ مالك قالبة كوميديدي النهاردة؟ مين اللي يحب؟ عامر ولا الحلوف التاني أخوه؟ اسكتي يا ملوك.. عامر ده راجل فاجر وجادر والكلمة عنده بطلجة. اللي يناسبه لازم يكون جبل زيه عشان ما ينهرسش تحت جزمته.
في تلك اللحظة مرت أمام عيني ملوك صورة أختها ملك وهي ذليلة تحت قدمي عامر تستعطف جبروته من أجل طفلها.. تذكرت كيف كان يرى رقتها ضعفا وكيف سحق النسمة تحت نعله.
هتفت بمرارة... بس الحب والملح والعيش أجوى من أي جبروت.
سخر ماجد وهو يلملم أوراقه.. وماله.. ده للي بايع الدنيا ومجطع البطاجة بتاعته، لكن عامر الراوي؟ ده طاغية لابس توب الهيبة ملوش في الحب وميعرفش غير لغة الجوة وبس.
وقف ماجد وقفة أخيرة قبل ما يمشي وبص لملوك وقال بصوت خفيض وكأنه خايف إن الحيطان تسمع إسمه....
بصي يا ملوك.. عامر الراوي ده مش بس مستشار ولا وريث عيلة ده راجل مجطوع جلبه. عارفة يعني إيه؟ يعني لو وجف قدام الجطر هيوجفه بعينه. عامر ده اللي الجانون في إيده زي العجينة. والناس في بلادنا بتعمل لخطوته ألف حساب قبل ما يدخل النجع. لو غضب مابيرحمش.. ولو قرر ينهي حد بيمحيه من الوجود بكلمة واحدة ومن غير ما يوسخ يده بدم.
عامر الراوي مش مجرد مستشار ده جانون الغاب اللي لابس بدلة شيك. كلمته سيف على رجاب الكل.. هو اللي يطتل الجتيل ويمشي في جنازته والكل يطأطأ راسه ويجوله عزاؤك واجب يا سيد الناس. عامر مابيعرفش يعني إيه خوف واللي يجف في وشه.. يدوسه ويمشي ومايبصش وراه.. ده راجل ملوش نقطة ضعف يا بنتي الجسوة في طبع عيلة الراوي كأنها وراثة بس هو خد النصيب الأكبر.. ده صخرة مابتنطجش غير بالأمر فبلاش صاحبتك دي تلعب بالنار لأن اللي بيجرب من عامر الراوي مابيرجعش سليم.. ده لو رجع أصلا..
ما إن خرج... وقفت في وسط المكتب زي الرمح عيونها بتلمع بنار الانتقام وهتفت بصوت واطي بس يرعب وكأنها بتخاطب طيف عامر اللي راسمينه في خيالها...
وحش الصعيد؟ مستشار؟ جبروت؟.. طب وحق اللي خلقني كده.. والشرف اللي انذبحوا تحت رجليك يا ابن الراوي لهخلي اسمك ده يبقى هو اللعنة اللي بتطاردك في كل مكان. إذا كنت صخر فأنا القاضيه اللي هتهدك.. وإذا كنت نار فأنا الطوفان اللي هيغرقك. الهيبة اللي الكل بيترعش منها دي أنا اللي همرمغها في طين النجع وهخليك تعرف إن الولية اللي دُست على طرفها عندها جمر يحرق سرايتك وعيلتك وتاريخك كله.
اخدت نفس عميق وهي بتعدل وقفتها بشموخ وكملت بتوعد..
. الأيام بينا يا عامر يا راوي.. وهنشوف مين فينا اللي نَفَسُه أطول ومين اللي هينحني في الآخر يطلب السماح
*******
مرت الايام الجحيم وملوك قلبها كل مادا يغل وملك كل مادا تذبل وتذبل.. دخلت ملوك الغرفة فتوقفت أنفاسها بقهر عند العتبة وهي تتأمل تلك الكتلة من الرقة التي تحطمت بسببهم هيا الاخري..
مليكة.. الزهرة الثالثة.. البتله الرقيقة التي لم تري من الدنيا الا قهرها.
كانت مليكة فتاة كأنها نسمة فجرية ضلت طريقها وسكنت جسدا بشريا. جمالها لم يكن صارخا بل كان جمالا ملائكيا ينسل إلى الروح قبل العين. بشرتها بيضاء بصفاء المرمر تظهر عروقها من شدة نعومتها وكأنها مرسومة بريشة فنان.
شعرها كان يحيط بوجهها كشلال من الحرير الثائر.. وعيناها.. تلك العيون التي كانت يوما تلمع ببريق البراءة أصبحت الآن غارقة في بحر من الدموع تظللها رموش طويلة مبللة تشبه أجنحة فراشة كسرها المطر.
مليكة لم تكن تصرخ بضجيج لأنها لا تعرف الصراخ من أساسه بل كانت تنتحب في صمت يمزق نياط القلب .
فتاة لا يشعر بها أحد تمشي في الدنيا كأنها طيف والآن لم يتبقَ من تلك النسمة إلا أنين واهن ووجه شاحب كالقمر
اندفعت ملوك بقلب يرتجف لتجد أختها مليكة منكمشة على نفسها فوق الأرض تحتضن قدميها وتدفن رأسها بين ركبتيها وهي ترتعش بعنف كعادتها منذ تلك الليلة المشؤومة.
ارتمت ملوك بجانبها وجذبتها إلى صدرها بقوة...
مالك يا قلبي.. فيكي إيه يا مليكه؟ أنا جيت خلاص.. أنا جنبك.
تعلقت مليكة بملابس أختها كأنها تتشبث بالحياة وهمست بصوت مخنوق متقطع يخرج من أعماق القهر...
احـ.. احضنيني يا مـ.. ملوك.. احضنيني قوي.
ضمتها ملوك بكل ما أوتيت من عزم تعلم أن أختها المسكينة لم تعد ترى في الدنيا سوى غابة من الوحوش. ظلت مليكة ترتعش بين أحضانها وجسدها الضئيل ينتفض كعصفور ذبيح. ربتت ملوك على وجنتها الشاحبة وهمست بلينٍ يخفي خلفه غضبا عارما على من أوصلها لهذه الحالة:...
بطلي يا روحي.. بطلي رعشة. أنا موجودة والله ما حد يقدر يقربلك ولا حد يمس طرفك وأنا فيا نَفَس.
لكن الخوف كان قد نبتت في أعماق مليكة. حالة أختها ملوك وقوتها المستمرة كانت تزيدها رعبا فماذا لو انكسر هذا الجبل..
همست مليكة بعيونٍ تائهة..
أنا خايفة قوي يا ملوك.. خايفة الدنيا تغدر بينا . الناس مابترحمش والوشوش بقت بتخوفني.. أنا لو جرالك حاجة هموت يا ملوك مليش مكان في الدنيا دي لواحدي أنا بقيت بخاف من كل حاجه.
دمعت عينا ملوك وقبلت رأسها بحنان
لا يا قلبي فال الله ولا فالك. ما تخافيش.. أنتِ بنتي وبحضني أهو اللي عايز يوصلك لازم يعدي على جثتي الأول. نامي يا روحي .. نامي وحلمي بأيام حلوة أنا وإنت وملك.. وأنا هفضل صاحية أحرسك.. مش هتنقل يا روحي.
استسلمت مليكة أخيرا لدفء أحضان ملوك لكنها ظلت تقبض على يد أختها بقوة كأنها تخشى أن تتركها . كانت براءتها المنكسرة وجمالها الشاحب يحكيان قصة نسمة كسرها القدر.
وربما.. . تلك الهالة الرقيقة التي تحيط بها ليست ضعفا كما تظنون بل هي قوتها الخفية التي ستخيط لها قوة من رحم الأوجاع. فمن يملك قلب الذهب وحده هو من سيعرف أن خلف هذا الارتجاف صمودا لا تكسره الجبال وأن تلك النسمة التي تخاف من خيالها هي الوحيدة التي ستملك مفاتيح اي ان كان وتجبره على الانحناء ليداوي جرحا كان هو يوما سببا فيهِ
*******
مرت الايام.... ملوك كان الصبر قد نفد وتسلل القلق ليأكل روحها وهي تراقب شقيقتها تذبل يوما بعد يوم. دخلت على ملك التي كانت تجلس بشرود وقالت بنبرة حادة تخفي وراءها خوفا عظيما...
الشملول بتاعك ماجاش.. هنعمل إيه؟ هنقعد لحد ما بطنك تبقى قدامك والناس تاكل وشنا؟
بكت ملك بانهيار وهي تتمسك بآخر خيط من الأمل..
مش عارفة.. بس عمر مش هيسيبني عمر ماهيهونش عليه قلبي.. ماتقوليش كدة يا ملوك ماتقوليش كدة...
هتفت ملوك بحسم.. طب يا مليكة.. أنا هتصرف ومش هقعد بقهرتي كده سيباهم يتحبرو علي خلق الله.
صرخت ملك... هتعملي إيه بالله عليكي بلاش.. إحنا مش قدهم.
ردت ملوك بابتسامة باردة ومريرة ونظرة فيها تحدي يهد جبال وقربت من أختها ومسكت وشها بين إيديها بقوة وهمست بصوت زي فحيح الأفاعي..
مش قدهم بالمال.. ولا بالجاه ولا بالرصاص اللي بيضربوه؟ اسمعي يا ملك.. الكبر ده لربنا وحده. والظلم اللي هما فيه هو اللي هيخليهم صغيرين قوي قدامي. هما كبار بالباطل وأنا كبيرة بالحق اللي في رقبتي.. هما كبار بقلوبهم الحجر وأنا كبيرة بوجع أختي وباليتيم اللي ملوش ضهر. الكبر ده يا ملك هو اللي هيخليهم يقعوا واقعة مابعدها قمة واللي بناه سعفان الراوي في سنين أنا ههده في ليلة واحدة.. أنا مش محتاجة أكون قدهم في جبروته. أنا محتاجة بس أكون ملوك اللي مابقاش عندها حاجة تخسرها واللي مابخافش من الموت مابيقدرش عليه إلا اللي خلقه. حقك راجع ودا عهد الملوك وقامت وهيا تعتزم..... مواجهة الأسود واتيان الحق من قلب الوحوش..
...... ***************
*********************
*****************************
هنا انطوت صفحة عمر.. القلب اللي كان بينبض حب اندفن تحت تراب الصعيد وساب وراه نار مابتنطفيش. مات الغلبان اللي كان عايز حياة عشان يصحى الوحش اللي مابيعرفش غير الانتقام.
يا سادة..
سرايا آل الراوي اللي كانت بتتهز لها الأرض النهاردة اتشرخت جدرانها بدم الأخ. عامر وعمار أسياد الجبروت بقوا أسرى لـ ندم بياكل في عضمهم وأم أعلنت إنها خصيمة ليهم ليوم الدين.
لكن.. هل الوجع خلص هنا؟
لأ الوجع لسه بيبتدي. فيه ملوك واقفة في الضلمة ماسكة مشرطها وبترسم ملامح الحساب.. فيه جنين في رحم القهر، هيكون هو السهم اللي هيصيب قلب الوحوش. وفيه زهرة مستخبية لسه مارمتش عطرها مش عارفين هيدوخ مين.
عمر راح.. بس ساب سر في ود جده وساب وساب حق هيتحرق بسببه الأخضر واليابس.
تفتكروا.. لما ملوك الجبل تخطي عتبة السرايا مين اللي هيقدر يقف قدامها؟ عامر المستشار بجبروته؟ ولا عمار اللي كسر إيده وكسر قلبه ورا أخوه؟
...
ونختم بالسؤال الأعظم... قفلت السرايا على وجع وانفتحت في قلب بحري نار.. بس السؤال اللي هيحرق قلوب الكل. يا ترى قلب الملوك لمين؟ لعامر اللي داس على طرفها بجبروته؟ ولا لعمار اللي الندم غسله بدم أخوه؟ الأيام الجاية هي اللي هتقول مين اللي هيركع قدام _الملوك..
الفصل 7
.. ذهبت ملوك إلى عملها وهي عازمة على كشف الحقيقة ومعرفة حقيقه عمر الراوي . دخلت على أحد رؤسائها في القسم وكان طبيبا من أصول صعيدية ويعرف عائلات الجنوب جيدا. طلبت منه خدمة شخصية أن يستقصي أخبار عمر الراوي. أعطته الاسم بالكامل ومكان السرايا ووعدها الرجل بأن يأتي لها بالخبر اليقين.
كانت ملوك تظن في أسوأ كوابيسها أن عمر قد غدر بشقيقتها أو أنه استسلم لجبروت عائلته وقرر نسيانها. خاصة وأنه مر شهران دون اتصال واحد.
لكن الأيام مرت وعاد الدكتور بوجه شاحب يحمل فاجعة لم تكن في الحسبان.
قال لها بصوت منخفض.. يا دكتورة ملوك.. البقاء لله عمر الراوي مات.
تجمدت ملوك... مات مات إزاي دا شاب صغير.. مات إزاي.
تنهد الرجل.. والله دي مصيبه عيله الراوي كلو بيحكي بس إللي عرفتو يا ملوك إنه انقتل بطلقة خطأ في بيته وبين أهله.
وقعت الكلمات على ملوك كالصاعقة. ارتعبت وتجمدت الدماء في عروقها. قتل خطأ.. طلقة بين أهله..
كانت الشياطين تصارع نفسها بداخلها لتتحكم فيها أكثر. وفي تلك اللحظة تأكدت داخلها كل الظنون السيئة عن عائلة الراوي. همست لنفسها بذهول مرعب... قتلو الواد .. هما وحوش قوي كده.. قتلوا ابنهم غدر عشان يمنعوه من البت؟
لم تستوعب ملوك كيف يمكن لعائلة أن تنهي حياة ابنها في عقر داره. جلست مصدومه لأول مره مشلوله ماذا ستفعل الآن؟ وكيف ستنقل الخبر لملك التي تنتظر طوق نجاة من زوجها الراحل؟ كانت ملك تقول دائما إنهم وحوش لكن ملوك لم تتخيل أبدا أن تصل البشاعة بهم إلى سفك دمهم بأيديهم.
دارت بداخلها دوامات من التساؤلات... طب و ملك اللي بقت حامل في يتيم... قتلو ابوه اللي وقع بين أنياب وحوش. قتلوا أبو الطفل قبل ما يشوفه. هعمل إيه البت هتموت كده أعمل إيه يا رب كتير.
دخلت ملوك والحزن يمزق ملامحها كانت تحاول رسم القوة لكن عينيها فضحتا كل شيء. بمجرد أن رأتها ملك هبت واقفة بلهفة وأمسكت بذراع ملوك كأنها تمسك بطوق نجاة..
إيه الدكتور جاب أخبار صح؟ شكلك بيقول إنك عرفتي حاجة.. انطقي يا ملوك عمر فين؟
سكتت ملوك وأشاحت بوجهها بعيدا وهي تعتصر كفيها لم تقو على النظر في عيني أختها.
هنا ارتجفت ملك وبدأ صوتها يعلو هستيريا..
مالك.. عيونك بتقول مصيبة.. جوزوه صح؟ وافق وكسر قلبي وجوزوه؟
بدأت ملك تصرخ وهي تضرب صدرها..
عمر عايش مع غيري.. سابني واتخلى عني عشان يرضيهم.. باعني بفلوسهم وأرضهم؟ قوليللي يا ملوك إنه عمل كدة قولي إنه واطي وخان بس متبقيش ساكتة كدة.
نظرت إليها ملوك بقهر ودموع متحجرة كالعاده هزت رأسها ببطء....
لا.. لا يا ملك ياريت الموضوع كدة.. عمر ما سابكيش بمزاجه.
بلمحة جنون وضعت ملك يدها على بطنها وهتفت برفض قاطع..
لااا هو ما سابنيش اصلا مش مصدقه. عمر قالي إنه هيرجع. قالي يا ملك أنتِ النفس اللي بطلعه هو وعدني.. أنتِ أكيد بتكدبي أو الدكتور جاب خبر غلط هو أكيد محبوس.. عيلته الوحوش حبسوه. لا يا ملوك.. عمر مش هيسيبني لوحدي في الدنيا دي ومعايا حتة منه هو ميعملهاش.
استمرت مليكة في الهذيان وهي تضحك ببكاء مرير..
تلاقيه جاي في الطريق تلاقيه دلوقتي بيجهز السرايا عشان ياخدني هو بس اتأخر شوية.. لكن يسيبني؟ عمر ما يسيبنيش يا ملوك أنتِ مش عارفة عمر بيحبني قد إيه.. هو مش هيسيبني أبدا
بدأت تلطم علي وشها.. لا مش هيتخلي عني لا..
اندفعت ملوك تحتضنها بقوة وهي تبكي بحرقة.... لا يا قلبي عمر ماتخلاش عنك.. عمر دافع عنك وعن حبكم لحد آخر نفس في روحه.
تصلب جسد مليكة في حضن أختها وتوقفت أنفاسها للحظة كأن الزمن جمد دماءها. همست بصوت مرتجف وكأنها ترفض الفهم....
آخر نفس في روحه يعني إيه؟ بتقولي إيه يا ملوك.. أمال ماجاش ليه؟ ملوك أنتِ مخبية إيه أنا ليا فترة قلبي مقبوض وبحلم بكوابيس.. فيه إيه؟
نظرت إليها ملوك بقهر وأزاحت وجهها فصرخت ملك بهستيريا وهي تهز كتفي ملوك.... انطقي يعني إيه؟ عمر جراله حاجة؟ عملوا فيه إيه الوحوش دول؟ انطقي.
هتفت ملوك بغل وحرقة... قتلوه يا ملك.. قتلوا جوزك في وسط بيتهم.
وقعت الكلمات على ملك كأنها صاعقة من السماء شقت صدرها ظلت تنظر للفراغ بحدقتين متسعتين وتهتف بذهول مرعب.. قتلو مين... مين.. عمر.. قتلوا عمر؟ قتلوا حبيبي؟ انت مجنونه قتلوا ابنهم إزاي؟ مين اللي قتله...
هدرت ملوك بغل.. الكلاب إخواته قتلوه وطرمخوها قتل خطأ.
جحظت عيون ملك... إخواته قتلوه ليه.. ليه ييتموا ابنه قبل ما يشوفه؟ للدرجادي كان متمسك بيا وقتلوه؟ كان يطلقني يا ملوك.. كان يرميني في الشارع بس يعيش كان يسيبني والله كنت هسامحه بس يفضل يتنفس..
فجأة انفجر بركان الوجع داخلها فاندفعت تصرخ وتلطم وجهها وجسدها بعنف صرخات شقت سكون الليل وخلعت القلوب... جوزي مااااات.. موتوا سندي... آآآه يا حرقة قلبي يا عمر.. يا كسرة ضهري يا حبيبي.. يا عماااااااار
وضعت يدها على بطنها وهي تصرخ بنحيب يقطع الأنفاس... طب ابني.. ابني هعمل فيه إيه؟ هيشوف أبوه إزاي؟ هيقول لمين يا بابا والقتلة اللي من دمه دبحوا أبوه؟ ياريتني مكنت عرفتك يا عمر.. ياريتني مت أنا وأنت عشت.. ليه يا رب؟ ليه يحرقوا قلبي كدة؟
تواصلت صرخاتها المحملة بوجع السنين صرخات مذبوحة فقدت أغلى ما تملك وظلت تلطم بهستيريا وهي تنادي إسمه...
يا عُمر.. يا حبيبي ارجعلي.. ماليش غيرك يا عُمر... يابو قلب حنين ياللي ماشفت بخنيتك يا قلبي اااااه ..
نظرت لاختها بهذيان... كان قلبو حاسس والله كان حاسس قالي.. قالي مش هرجع يبقي مت.. قالي آه.. كان بيحضن فيا ويوصيني كان بيديني وصيته الاخيره قبل ما ياخدوه... اداني خاتم عيلة وحفر عليه كان عااارف كان عارف يا كفره أنكو هتموتوه..لبسنس الخاتم وقالي روحي لجدي لو جرالي حاجه يا خرررابي يانا..يا حبيبي يا قلبي يا نن عيني من جوا..
لطمت علي قدميها... طب أعمل إيه أعمل إيه.. طب موتوه إزاي قالهم لا هرجع لمراتي جابو قلبو جابو قلب حبيبي الكفرة.. .. اااااه يا حرقه قلبي عليك يا قلبي. خدوك غدر يا وأخد روحي.. مني لله يا ريتني ما وافقت يا ريتني كسرت قلبو بدل ما ياخدو روحو.. إيه كلاب.. إحنا عشنا ماعايزينش حاجه..
.. طب وابني هوديه فين أروح بيه فين يا رااااب خدني يا رااااب أروح لحبيبي يا رااااب ماعتش عايزه دنيا...
لم يتحمل جسدها الضعيف كل هذا القهر فخارت قواها وسقطت في حضن ملوك فاقدة للوعي بينما بقيت صرختها الأخيرة تتردد في أرجاء المكان كأنها نعي لقصة حب ذبحتها قسوة عيلة الراوي.
---
مرت الأيام ثقيلة كأنها دهور كانت ملك واهنة لدرجة مرعبة تحولت لشحوب الأموات. لم تكن تأكل فكل لقمة كانت تشعر بها كأنها جمر يحرق حنجرتها ولم تكن تتكلم فما نفع الكلام بعدما رحلت روحها.
كانت تبكي وفقط.. دموعها تسيل في صمت مريب على وجنتيها وعيناها مثبتتان على الفراغ كأنها ترى طيف عمر يلوح لها من بعيد.
كانت تنعي حبيبها بقلب منفطر تنعي الرجل الذي تحدى الدنيا لأجلها والقلب الذي لم ينبض إلا لاسمها والروح التي قُتلت غدرا في عقر داره وبين أهله.
كانت تهمس باسمه في نص الليل بصوت مبحوح تتلمس خاتمه..
ليه يا عمر ليه سيبتني للوحوش وطلعت للسما؟ كنت خدني معاك يا حبيبي.. ماليش مكان هنا من غيرك.
وضعت يدها المرتجفة على بطنها التي بدأت تبرز قليلا وشعرت بمرارة لا توصف طفلها ينمو في أحشائها بينما أبوه تحت التراب ينمو ليحمل اسم عائلة قتلت من أعطاه الحياة.
قامت بصعوبه ولبست اسدالها وجلست تصلي لعل قلبها يبرد كانت تترنح فجلست أرضا تصلي.. تناجي ربنا بقلب محروق وصوت مبحوح ....
يا رب.. لكل إنسان دعوه وانا ماعتش ليا الا الدعوه دي.. يا رب.. يا رب ماليش طاقة يا رب خدني ليه.. وحياة وجعي ده وحياة الكسرة اللي أنا فيها ماتسيبنيش وسط الوحوش دي.. خذني لعمر يا رب أنا مابقتش قادرة أتنفس هوا. ولا قادرة أشيل ابنه وأنا عارفة إن أهله هما اللي دبحوا أبوه.. يا رب ريحني يا رب خلي روحي تطلع لروحه أنا رخصت نفسي عشانه يا رب خذني لحبيبي.. يا رب انت ادري بقلبي وعالم بيا.. كسره القلب وحع وكسره الروح موت.. خدني يا رب بحق حبيبك محمد خدني وريحني.
سجدت ووضعت راسها تدعو وتدعو علي نفسها وتبني بحرقه .. كانت بتناجي الموت وكأنه طوق النجاة الوحيد.
دخلت ملوك البيت فوجدت مليكة تبكي بقهر.. همست لها... هنسيبها كدة؟ دي هتموت من قلة الأكل والبيبي حرام ملوش ذنب أنا خايفه .
اقتربت ملوك طبعت قبلة حانية على جبين أختها المبلل بالعرق والدموع وهمست.... حبيبتي اهدي قومي ارتاحي وأنا هسهر جنبها الليلة.
دخلت ملوك علي ملك سمعتها تدعو علي نفسها فانقبض قلبها... أنهت ملك صلاتها أقتربت ملوك وجلست واحتضنها وهمست.... وحدي الله يا قلبي.
رفعت مليكة عينيها الذابلتين وهمست عايزة أموت يا ملوك.. عايزه أروح لعمر وحشني قوي الدنيا من غيره ضلمة ومخيفة.
ردت ملوك بحزم محب... حرام كدة وابنك ذنبه إيه؟ فكري فيه هو ملوش غيرك.
نظرت إليها ملك بمرارة وقالت... عايزاني أوديه لأهله.. هيقتلوه ويقتلونا.. نفسي أموت عشان أنتِ فعلا مالكيش ذنب تشيلي شيلتي. سنين وأنتِ شايلة البيت والعيلة وأب غادر سابنا وآخرتها فضيحة وجرسة أنتِ شايلة همنا وما بتشتكيش. جبل واقف سادد عننا الشر لحد ما جبته بأيدي.. أنا نفسي أموت بابني لا أشيل حد همي ولا أتعب حد معايا. بدعي ربنا في كل صلاة ياخدني وحاسة فعلا إني هموت.. أنا اتوجعت بزيادة وقلبي ماعادش متحمل حاسة إن روحي بتتسحب مني.
صرخت ملوك بانهيار...بطلي حرام عليكي هتسيبيني لمين؟ ده أنتِ روحي وتوأمي حرام والله اللي بتعمليه فيا وفيكي.
هتفت ملك بصدق موجع... روحك وتوأمك.. أنا فين وأنتِ فين يا ملوك.. أنا رخصت نفسي.. طول عمري معتمدة عليكي. أنت تشتغلي وتنزلي وتتعبي وأنا بدلع وأتآمر. رحت اتجوزت من غير ما تعرفي وكان عندك حق إني رخصت نفسي. أنتِ تشرفي وأنا عار أنتِ دكتورة وأنا اتقالي يا رخيصة أنتِ عالية وأنا كناسة البطن.
نظرت إليها بقهر.... عمري ماهنسا قعدتي تحت رجل إبن الراوي وهو بيقلي بصي لجزمتي إللي بتلمع.. بصيت والله جزمت فعلا بتلمع عني لأني رخيصه قوي.
صرخت ملوك.. اخرسي إنت مش رخيصه إنت ست الناس وإلا ماكتش عمر ضحي بنفسه عشانك.. اللي يضحي بروحه يضحيها عشان حاجه غاليه.
شهقت مليكه بقه وقبضت علي قلبها... الحسرة مكلبشة في قلبي بشوف نفسي حاضنة عمر كل يوم بس من غير ابني.. يا ترى هيموت من القهر ولا أعمامه هيموتوه؟ لو رحتلهم هيقتلونا ولو فضلت هنا الحسرة هتاكلني.. عمر كان بيحلم ياخدني لجده كان بيقولي جدي حقاني وقلبه طيب وهيفرح بيكي.. وعدته نروح سوا بس الظاهر هموت بوعدي.
صرخت ملوك وهي تحتضنها بقوة.. كفاية بقة أنا ماعدتش متحملة قلبي انهري والله لكل واحد طاقة وأنا طاقتي خلصت.
ردت ملك وهي تمسح علي وجهها .. أنتِ طاقتك طوفان أنتِ جبل يا ملوك. سامحيني يا قلبي إني عملت فيكي كدة سامحيني يا عمري.
احتضنتها ملوك وهتفت.. أسامحك على إيه بس؟ كفاية اللي اتعمل فيكي. إحنا مش عايزين حاجة من حد وابنك في نن عيني هربيه أنا عايشة ليكم وبس.
ابتسمت ملك بوهن.. وأنتِ ذنبك إيه تربي ابن غيرك بدل ما تربي ابنك وتعيشي حياتك؟
ردت ملوك بمرارة وقسوة.. أربي ابني منين.. أنا لو انقلبت الدنيا مش هدخل صنف راجل حياتي.. عايزاني يتعمل فيا زي ما اتعمل فيكي؟ ولا زي اللي عمله أبوكي فينا؟
هتفت ملك بضعف مدافعة عن ذكرى حبيبها.. بس عمر ماكانش وحش يا ملوك.. عمر كان حنين قوي كان قلبه ملوش زي.
هتفت ملوك بصوت مخنوق بالغل...
بس معاه كلاب صعرانة.. معاه وحوش تنهش في الجتة معاه موت وقضا ربنا.. بتقولي إيه أنتِ... بطلي.. أجيب مين وأودي مين. أجيب عيال للدنيا يتعذبوا زيك وزي ابنك اللي أهله موتوا أبوه؟ اسكتي يا ملك.. اسكتي وخلاص هنربي الواد ومش عايزين من حد حاجة.عهد عليا لاربيه أحسن تربيه ولا هحوجه لمخلوق. ملوك هتعيش ليكو وإللي هيقرب منكو هاكل قلبه.. نامي وسيبها لله.. لينا رب.
---
في قصر الراوي كانت الحياة تسير على وتيرة واحدة كئيبة السرايا تحولت إلى بيت للأشباح. الجد سعفان انزوى في عالم خاص به مبتعدا عن الجميع كأنه ينتظر أجله.
أما عامر فقد استمات ليعيد عمار إلى عمله وبالفعل استجاب له أخيرا بجسد حاضر وروحه غائبة. كان عمار يذهب كل يوم للمقابر يرتمي فوق تراب أخيه يتوسل إليه أن يسامحه ويبكي بدموع جفت من كثرة ما انهمرت.
نساء البيت لم يعدن يطقن العيش في هذا السواد... ندى تحول حبها لعمر إلى كره أعمى بعدما علمت بتبجحه وهوانه عليها. وأمها تحثها باستمرار أن تنقل اهتمامها لعمار وتتزوجه لتضمن مكانها بينما مها لا تزال تنتظر في صمت أن تبتسم لها الأيام وتصبح لعامر.وفواده عادت بطلوع روح أبنائها ولكنها دائما ما تذهب لاختها بعيدا.
على الجانب الآخر كانت ملك تذبل كزهرة انقطع عنها الماء. مرت الأيام وجاءت آلام المخاض مبكرة وقاسية. هرعت ملوك بأختها إلى المشفى الخاص بها. دخلت ملك غرفة العمليات في حالة خطيرة للغاية. مرت ساعات كأنها سنين لتخرج ملوك والطفل بين يديها بينما نُقلت ملك للعناية المركزة وهي تصارع الموت.
دخلت ملوك عليها فنظرت ملك إليها بعينين تلمعان ببريق الرحيل وهمست بصوت ضعيف..
خلاص يا ملوك.. قصتنا خلصت يا بنت أبويا سامحيني.. هسيبك وأروح لحبيبي.
صرخت ملوك بانهيار... بطلي بقة أنتِ هتبقي كويسة وهتقومي لابنك.
ردت مليكة بابتسامة باهتة.. كويسة فين؟ ده أنا شايفة عمر.. شايفاه جاي ياخدني وأنا فرحانة. جه إمبارح حضني وقالي مستنيكي يا قلبي الدنيا هنا حلوه قوي وماتخافيش. والله جه ولابس حلو قالي هنعيش هنا يا ملك عندنا بيت حلو قوي. شفتي هعيش وافرح مع حبيبي ماتزعليش أنا هفرح والله هفرح..
مسكت يد اختها بقوة... ... بس عاهديني يا ملوك.. خلي بالك من ابني إياكِ تسيبيهم ياخدوه. ربيه عالحب طلعيه قوي زيك ونضيف شربيه من قلبك دفا إنت عندك دفا يكفي عالم ..
ابتسمت بحب... سميه عمر. عمر عمر الراوي.. قولي له أبوك كان أحسن وأحن أب مات عشانك ومافرطش فيك. قولي له أمك مش رخيصة أمك حبت بجد وراحت لحبيبها. أمك. كانت غلبانه بالدنيا وحيده لقت قلب يحبها حبت ماكفرت.. قولي أمك كان نفسها تعيشلك بس ربنا خدها عشان إنت تعيش أهلك ماكتش هيقبلوك كان هيقولو ابن الرقاصه إللي خطفت ابنهم.. ربنا خد أبوك وخدني عشان إنت تعيش بنساك وتبقي منهم.. بس اوعي يا حبيبي تبقي زيهم.. اوعي يا ملوك.
شددت ملك على يد ملوك وتابعت بنهج متقطع..
أنتِ أمه يا ملوك.. أنتِ السند.. انت بقيتي ملك . ولو جه يوم ياخدوه انهشي قلبهم.. لينا حق عندهم قدرتي تاخديه خديه ماقدرتيش اهربي بالواد. إياكِ تسيبيه للوحوش.. عاهديني يا ملوك.
خلعت مليكة خاتم عمر من يدها وألبسته لملوك بضعف..
ده خاتم عمر.. محفور بخط ايدو.. ده العهد والأمان اللي مابينا وبين سعفان الراوي. دي أمانة عمر لو ضاقت بيكِ اظهريله ووريه الواد.. الخاتم ده يا ملوك هو اللي هيرد حق ابني ده خاتم الواد مابيلبسوش الا رجاله الراوي ومابيتقلعش الا بدمهم.. حبيبي كان حاسس قلعه ولبسهولي.. حقك عليا يا قلب أختك غصب عني حبيت.. غصب عني..
ثم سكتت للحظة وشخصت عيناها نحو السماء بابتسامة باهتة لا يراها غيرها وهمست بآخر ذرة من روحها...
ربي عمر يا ملوك.. ربّيه راوي بالاسم.... وهاشمي بالقلب . .سيف في وش اللي قتلو أبوه... سامحيني يا أختي.. أنا رايحة للي قتلوه عشان يحميني واختار يموت وهو شاينلي..
عمر بيندهلي يا ملوك.. ابني أمانة في رقبتك.. ما تكسريش خاتمه ولا تسيبي حقه.. استودعتك روحي اللي ماشية وروحي اللي باقية في ابني.... أبني يا قلب اختك..
في اللحظة اللي بدأ فيها النفس يهرب من صدر ملك انقشع السواد من قدام عينها وبان نور غريب ملاه المكان. فجأة شافت عمر واقف بعيد متبسم لها بنفس الضحكة اللي خطفت قلبها أول مرة مادد إيده كأنه بيقولها..انا جيت يا قلبي زي ما وعدتك حقك عليا آن الأوان يا ملك.. تعالي في حضني يا وجع قلبي.
ابتسمت ملك بوهن وصدرها اللي كان بيضيق بدأ يرتاح. كانت عارفة إن موتها هو الثمن الوحيد لنجاة ابنها. لو عاشت آل الراوي مش هيسيبوها في حالها وهياخدوا الواد يربوه وسط الغل والدم أو يقتلوه لو طلع شوكة في ضهرهم. لكن بموتها ملوك هتكون هي الدرع وهي السيف ملوك هتاخد الواد ترجع بيه وهي قوية والكل هيفتكر إن ملك الضعيفة راحت ويسيبوا الواد في أمان ملوك.
همست ملك وهي بتطلع آخر نفس بابتسامة صافية..
أنا جاية يا عمر.. جاية لك عشان ابننا يعيش. دمي اللي بيسيل ده هو اللي هيغسل طريق الواد من قرف السرايا. . أنا لازم أمشي يا أختي.. لازم أمشي عشان الواد ده مايشوفش اللي شفته.. عشان يعيش حر مش عبد لاسم الراوي.
شافت عمر بيقرب منها وبدأ صوت ملوك يختفي ويحل محله صوت نبض عمر. كانت مبسوطة وهي بتموت، لأنها عارفة إن ملوك هتربيه يكون سيد مش ضحية وإن موتها النهاردة هو الحيا" اللي وهبتها لابنها عشان يبدأ من جديد بعيد عن غدرهم.
غمضت عينها والابتسامة لسه مرسومة كأنها كانت شايفة الجنة في عيون عمر وفاضت روحها وهي مطمنة إن الأمانة في إيد أمينة.
دوى صراخ ملوك في أرجاء المشفى صرخة مذبوحة خرجت من أعماق قلب لم يعد يحتمل مزيدا من الطعنات...
لاااااا.. لاااااا مش تاني مش تاني يا رب روحي بتروح مني.. نصي التاني راح
قومي يا ملك. قومي عشان ابنك قومي ملوك تعبت الشيلة تقلت قوي يا أختي. ملوك ماعادش فيها مكان للوجع.. قومي. قومي أنا كتير عليا قومي اشيل إيه ماعتش فيا نفس الوجع بينهش جتتي وبيعصر قلبي قومي.
ظلت تصرخ وهي تهز جسد ملك الهادئ كأنها تحاول استرداد روحها منها حتى خانتها قواها وانهارت فوق اختها جثة هامدة من فرط القهر والذهول.
فحتى الجبال العاتية تتزلزل إذا ما انتزعت أساسها وملوك التي كانت سدا منيعا للجميع جف سيل صمودها وهوت أمام قسوة الفقد. فلكل جبل طاقة وقد هدم الموت اليوم قمة ملوك وتركها حطاما فوق جسد توأمها
في تلك اللحظة دخلت مليكه. تلك الفتاة الملائكية التي كانت دائما ما تحتمي بظل ملوك . تسمرت مكانها ورأت المشهد الذي لا يطيقه بشر...
أختيها التوأم ملك فارقت الحياة وسندها الوحيد ملوك ملقي على اختها لا تنطق.
أصيبت مليكه بـ ذعر صامت وتجمدت الدماء في عروقها . حاولت الصراخ ولكن فقدت النطق تماما. الوجع كان أكبر من حنجرتها الضئيلة.
تحولت صرختها إلى شهقة مكتومة مزقت صدرها من الداخل. سقطت مليكه على ركبتيها بجانب جثة ملك وجسد ملوك الهامد عيناها الواسعتان كانتا تفيضان بدموع حارقة لكن بلا صوت.. بلا أنين.
تنتفض بجنون كانت تحرك شفتيها كأنها تستغيث بـ ملوك تنجدها ولكن أين الملوك.. كأن الدنيا قررت إن الرقة دي ليس لها مكان في صراع الوحوش فخرست مليكه لتبقى شاهدة صامتة على دمار عيلة كاملة.لم تحتمل الصدمة فاهتزت بعنف وسقطت هي الأخرى فوق جسد أختيها مغشيا عليها.
ثلاث بتلات.... في دنيا الوحوش..
أحدهم ذبلت قبل الأوان وواراها التراب تاركة خلفها جرحا نازفا لا يندمل وسرا سيظل يطارد القتلة في منامِهم وصحوِهم. ذهبت للحبيبِ الذي ناداها وتركت للدنيا جزء من روحهم.
الثانيه ملاك بقلب حالم وجدت نفسَها وحيدة في ساحة الذئاب خرسها الوجع فلم تعد تملك إلا دمعا يحكي ورعشة تستغيث. النسمة التي انكسر جناحها فتاهت تبحث عن أمان ذبحوه آل الراوي بدم بارد.
واخيرا تأتي الملوك... تلك التي ارتدت قناع الوحش بهيئه مهيبة كالصخر لكنها في الداخلِ ملاك طحنتها الأيام وكال لها الزمن بمكيال القهر فسقطت أخيرا تحت وطأة الأحمالِ التي تكل بها الجبال لتعيد ترتيب أشلاء روحها من أجل الانتقام.
**********
وبكدة.. انفرط عقد التلات بتلات يا جماعة.. 💔
ملك راحت لحبيبها وسابت نار مابتنطفيش ومليكة خرسها الوجع ومبقتش تملك غير الدموع وملوك.. ملوك النهاردة ولدت من جديد بس المرة دي ولدت بمشرط في إيد وقلب محجر مابيعرفش الرحمة.
الوحوش النهاردة افتكروا إنهم كسبوا ميعرفوش إن عمر الصغير والخاتم اللي في إيد ملوك هما اللي هيحفروا قبور آل الراوي واحد ورا التاني. السرايا اللي فرحانة بجبروتها بكرة تنهد فوق دماغهم ببركان الغل اللي ملوك بتحضره.
وهنا.. نقفل بالدم والدموع صفحة عمر الراوي وحبيبته ملك الهاشمي. صفحة انكتبت بوجع القلب وانختمت بكفن أبيض وقصة حب ذبحتها عادات الوحوش وقسوة السرايا.
لكن مع موت ملك انكسر السد.. وصحي من وسط الرماد هشيم ملوك الهاشمي. ملوك اللي سابت قلبها يندفن مع أختها وقامت بجسد صوان وعيون مابتعرفش طعم النوم. الست اللي كانت شايلة الهم بصمت النهاردة اتحولت لعاصفة جاية تكنس قصر الراوي باللي فيه.تفتكروا ملوك الهاشمي هتعمل إيه في الراوي؟
الحكاية مخلصتش دي لسه بتبدأ.. بس المرة دي القواعد اتغيرت والملوك جاية عشان تقلب الترابيزة على الكل.
ملك وعمر راحوا لدنيا أنضف بكتير وسابوا لنا (اليتيم) و(العهد) و(الغل). اللي فات كان دموع ملك واللي جاي نار ملوك. استعدوا.. لأن هشيم ملوك لما بيولع مابيخليش وراه غير الرماد.
تفتكروا ملوك هتعمل إيه باليتيم؟ وإزاي هتدخل السرايا وهي شايلة (الوريث الوحيد) اللي أخوات أبوه قتلوه؟ وهل مليكة هتفضل صامتة كتير ولا صمتها ده هو الهدوء اللي قبل العاصفة؟
استنوا باقي البارت بالليل.. لأن اللي جاي مش مجرد كلام اللي جاي تصفية حسابات ميفو مابترجعش وإيدها فاضية والملوك جاية تاخد الحق تالت ومتل
مرت الأيام ثقيلة فاقت ملوك لتجد نفسها وحيدة مرة أخرى أمام القبر تواري ملك الثرى بجانب أمها. وكأن القدر كتب عليها أن تكون هي دافنة الأحباب والحارس الوحيد لذكرياتهم.
وقفت ملوك أمام القبر المكان هادئ بشكل مرعب لا يقطعه إلا صوت أنفاسها التي تخرج محملة بنار الغل.
انحنت ملوك ببطء وكأنها بتركع للأرض اللي بلعت نصها التاني. مدت إيدها المرتجفة وكبشت تراب القبر بقوة ضغطت عليه لحد ما ضوافرها غرزت في الطين بالظبط زي ما عملت يوم موت أمها.
وبصوت مبحوح لكنه أحد من السيف همست...
المرة اللي فاتت يا أمي كبشت ترابك وعاهدتك إني هكون الجبل.. والنهاردة يا ملك بكبش ترابك وبقولك إن الجبل ده هيتحول لبركان يبلع الأخضر واليابس.
فتحت ملوك ببرود قاتل الكيس الحريري اللي شايلاه من سنين. الكيس اللي فيه تراب قبر أمها وفضت التراب القديم فوق تراب ملك الجديد.. خلطت وجع الماضي بـ نار الحاضر ودمجت دمعة الأم بصرخة الأخت.
ثم.. لمع النصل أخرجت ملوك المشرط وبحركة سريعة ودقيقة شرطت كف إيدها شرطة عميقة نزل الدم ساخنا.. نزل ليغسل تراب القبر والحرير.
حطت كفها النازف على التراب وعينها بتلمع بنور شيطاني...
وعهد الله ووجعك يا ملك إللي حرق قلبك وقلبي .. وعهد الدم اللي بيجري في عروق ابنك.. إني ماهيهمني حد ولا هيغمضلي عين إلا وحقك وحق عمر واصل لمكانه. وزي ما عاهدت أمي إني ما أدخل صنف راجل حياتي النهاردة بجدد العهد.. ملوش مكان في قلبي غير عمر الصغير والغل لآل الراوي. دمي ده يا ملك هو صك البيع لروحي.. أنا بعت الدنيا النهاردة واشتريت كفن عامر وعمار... اسياد الأرض هبلعهم تراب أرضهم..
شالت إيدها من على التراب فتركت بصمة دم معلمة في قلب الأرض. وقفت ملوك مسحت الدم في ثوبها الأسود وبصت للسما بضحكة خاوية...
استعد يا عامر.. الملوك مش بس جاية.. الملوك حلفت بدمها ودم الملوك طوفان يا ولاد الراوي.
---
عادت إلى البيت ذلك البيت الذي كان يوما يعج بضحكات ملك ورقة مليكه فأصبح موحشا باردا لا يكسر سكونه إلا صرخات الصغير..عمر الراوي الصغير.
ذلك الطفل الذي جاء للدنيا يتيما قبل أن يرى النور مات أبوه غدرا وأمه قهرا ولم يكن لهما ذنب سوى أنهما أحبا في زمن لا يعرف أسياده سوى لغة الدم والأرض.
ألا إن ملوك نفضت عنها غبار الضعف سريعا فمعدنها الأصيل لا يظهر إلا في المحن. شدت من أزرها ووقفت كالجبل شامخة ليس لأجلها بل لأجل هذا الصغير الذي يملأ صراخه أركان البيت.
التصقت ملوك بابن أختها وبشكل مفاجئ ومذهل انفجر داخلها حنين الأمومة الذي لم تكن تعلم بوجوده. ملوك الطبيبة القوية العنيفة التي كانت ترفض صنف الرجال وجدت نفسها تذوب أمام ملامح عمر الصغير. التي هي نسخة مصغرة من أبيه الراحل وعيون اختها المكلومه .
كانت تضمه إلى صدرها وهي تهمس في أذنه..
نام يا عمر.. نام يا قلب ملوك. حقك وحق أبوك وأمك في رقبتي ليوم الدين. والله لآخد حقكم من عيلة الراوي نفر نفر ولو كان التمن روحي.
كانت تنظر إلى خاتم عمر في إصبعها وتشعر بمسؤولية تنوء بها الجبال. أصبحت ملوك الآن هي الأب والأم والدرع أصبحت لبؤة تدافع عن شبلها وسط غابة من الوحوش. وبداخلها الف صرخة... الخاتم ده كان قيد في إيد ملك.. بس في إيدي أنا هيكون مشنقة لرقابكم يا عامر.
****
في أوضة ندي و مها كانت قاعدة بتبرد ضوافرها ببرود مستفز وبتقول لندى..
يا بت بطلي عياط على اللي راح.. عمر ما كان ليكي من الأول ده كان مسحور بالبت المصرية دي. ركزي في عمار الجد هيجوزهولك عشان يلم الورث. وأنا عيني على عامر.. السرايا دي بكرة تفضى لينا ونطلع خيالات عمر والبت دي منها البخور. دا بقت عيشة تغم
ندى طلعت صور" كانت مخبياها لعمر بس مها انفعلت وقامت خطفتها منها وقطعتها وهتفت بحده...
اللي بيموت في السرايا دي مابيرجعش.. والحي ابقي من الميت يا حبيبتي اعقلي كده
دخلت عليهم سعدات مغلوله... لازم السنوية دي تعدي والجد يجتنع إن البت غارت في نصيبه دا باعت يدور عليها دا حزن. عمار لازم يتجوزك يا ندى بطلي زفت نواح علي أيامك الطين .. مش ناجصين ورثة غرب يدخلوا يجاسمونا في حلالنا. أنا بعت حد يراقب الجد وعرفنا إنه لسه باعت ناس يدوروا.. بس متوكده أن عامر مش هيسكت وممكن يجلب علينا السرايا.
*******
في زاوية هادئة من الغرفة كانت تجلس مليكه. لم تكن قد نقت تماما من هول الصدمة ولكن عاد صوتها ولكنه عاد متلعثما لا تقوي علي النظر للغرباء تخشى كل شيء.. .
في ذلك المساء كانت ملوك خارج البيت وملك تجلس بمفردها مع الصغير. فجأة انقطع التيار الكهربائي فعم الظلام الدامس أرجاء الشقة. تسمرت مليكه مكانها وشعرت ببرودة تجتاح جسدها النحيل. بدأت ترتعش بعنف ووضعت يديها فوق أذنيها لتحتمي من أشباح الماضي التي بدأت تتراقص أمام عينيها في الظلام.
همست بصوت غير مسموع شفتاها تتحركان بلا صدى
لا.. لا سي بو ني.. سي بو ني لو ا حد ي.
بكى الصغير عمر بحدة فاهتز كيان مليكه. الخوف على الطفل كان أقوى من خوفها على نفسها. تحاملت على ضعفها وبدأت تزحف في الظلام نحو سرير الصغير وهي ترتجف . عندما لمست يداها جسد الطفل أحست بدفء غريب تسلل إلى قلبها الخائف. ضمت عمر الصغير إلى صدرها وبدأت تهزه برفق وهي تهمس بكلمات غير مفهومة كأنها تعويذة تحميه وتحميها.
فجأة طار عصفور صغير كان قد ضل طريقه واصطدم بزجاج النافذة ليسقط على الحافة مرتجفا غير قادر على الطيران.
مليكه التي فقدت نطقها لم تفقد رحمتها. انتفضت من مكانها بخفة تكاد لا تسمع واقتربت من العصفور بعينين تلمعانِ بدموع محبوسة. لم تصرخ ولم تناد أحدا.. بل مدت يدها المرتجفة ببطء شديد.
حملت العصفور بين كفيها الصغيرتين وضمته إلى صدرها بحنان.. فبدأت تهزه برفق كأنها تهز طفلا رضيعا.
في تلك اللحظة..
تحركت شفتاها كانت تحاول أن تغني له هدهده كانت ملك تغنيها لهما وهما صغار.. شفاه تتحرك باللحن.. وعيون تفيض بوجع مكتوم. مسحت برأسها على ريش العصفور وظلت تهمسُ له بروحها..
ماتخافش.. أنت لسه عندك اجنحة.. أنت تقدر تطير وتسيب المحبس ده.. طير أنت يا صغيري عشان أنا مبقتش أقدر خلاص.
عندما استعاد العصفور توازنه وطار بعيدا ظلت مليكه تنظر إليه حتى اختفى في السماء ثم نظرت إلى كفيها اللتين لا تزالان تحتفظان بدفئه وابتسمت ابتسامة باهتة حزينة.. ابتسمت لأنها استطاعت أن تنقذ روحا من السقوط في حين أنها سقطت هي حبيسة مخاوفها ولم يمد لها أحد يده.
---
وعلي بعد آلاف الكيلومترات كان عمار يجلس فوق التراب ملتصقا بقبر أخيه عمر كأنه يحاول استمداد الدفء من جسد واراه الثرى. لم يكن عمار الراوي الجبار الذي يخشاه الجميع بل كان حطام رجل لحيته نبتت بإهمال وعيناه غارقتان في سواد الندم.
سند رأسه على الرخام البارد وبكى بكاء مكتوما يمزق الصدر همس بصوت محشور بالدموع..
سامحني يا خوي.. سامحني يا عمر. الدنيا من بعدك بقت سجن كبير والسرايا اللي كنا بنتعارك عليها بقت جبر بيضيق عليا كل يوم. جتلتك بيدي وأنا فاكر إني بحميك وبحمي شرف العيلة مكنتش أعرف إني بدبح نفسي وبدبح النور اللي كان فاضل في حياتنا.
مسح وجهه بكفه المرتجفة وتابع بنحيب...
أنا ضعت يا عمر.. ضعت وتاه مني الطريج. يجد شايل سيفه في وشي وعامر بقى حجر صوان وأنا.. أنا ميت وباتنفس. يا ريتني كنت مكانك يا خوي ويا ريتك كنت أنت اللي عايش.يا رب خدني إني كمان يا رب مامتحملش. يا رب كان روحي والله يا رب كنت بحوشه ولا اتمنيته ذره اذي يا رب انت عالم حبه في جلبي.. سامحني يا اخوي منها لله حسبي الله فيها.. ااااه يا حرجة جلبي.
كانت الرياح في المقابر تصفر وكأنها ترد على نحيبه وبينما هو حبيسا لندمه وظلمه في شقة القاهرة كانت مليكه تنظر لعصفورها الطائر من بعيد تنتفض من صوت الريح ذاتها حبيسة روحها المفقوده
*****
في زاوية ضلمة من السرايا كانت فؤادة قاعدة بتهز جسمها بوجع وصوت نحيبها المكتوم يقطع القلب. دخلت عليها نجوان وبدأت تمسح على كتافها وهي بتقول بنبرة حادة بس فيها مواساة..
وحدي الله ياما كفاية بكة ونديب العياط مش هيرجع اللي راح وعمر خلاص بقا في دار الحج. ارحمي نفسك وارحمي عامر وعمار كفاية عليهم اللي هما فيه.
فؤادة رفعت راسها وعيونها غرقانة دموع وقالت بصوت مشروخ..
مش جادرة يا نجوان.. مش جادرة يا بتي. جلبي محروج على ولدي. دخل على الجبر جتة هامدة وهو في عز شبابه. النار اللي في جوفي مابيطفيهاش بحور الدنيا. ولدي راح يا نجوان.. راح غدر.
نجوان ضغطت على إيدها وقالت بقهر..
ما تجسيش على عامر وعمار يا ياما.. والله غصب عنهم. هما مكنش جصدهم يكتلوه هما كانوا فاكرين انهم بيدافعوا عن اسم الراوي وعن شرفنا.. ده دماغهم إن البت مسهوكة لافت على عجله. عمار ما جتل أخوه بطلجة طايشة.. عمر إلي مسك المسدس وهو بيحوشه.. عمار ونار الندم واكلاه أكتر مني ومنك. ما تزوديهاش عليهم السرايا محتاجة سند وهما سندنا اللي فاضل.
فؤادة سكتت لحظة وشهقت بشهقة توجع وقالت...
عارفة يا بتي.. عارفة إنهم ولادي وعارفة إنهم مكنش قصدهم.. بس جلبي محروج جلبي واكلني على ولدي الصغير اللي اندفن في عز شبابه عشان خاطر واحدة لا راحت ولا جت. ليه يا عمر؟ ليه يا ولدي رخصت نفسك ورخصت دمك عشان خاطر غريبة؟
ردت نجوان بجمود وهي بتبص لبعيد..
خلاص يا ياما الحساب عند ربنا.اهي جثة واندفنت الا البت دي لو طالتها إيد عامر أو عمار بكرة مش هيسموا عليها. المهم دلوك نلم شمل السرايا ونجوي عامر وعمار عشان يجدروا يجفوا قدام الناس في السنوية بكرة وهما رافعين راسهم.
*******
كانت ملوك في غرفتها والظلام يلف المكان إلا من ضوء خافت يسقط على وجهها الذي تحول لقطعة من الفولاذ. لم تكن ترتاح بل كانت تميت نفسها في التمرين تدفع جسدها لأقصى حدود الطاقة بـ غل يتفجر من عروقها مع كل حركة.
عرقها يتصبب وأنفاسها تخرج لاهثة كأنها شرار نار. كانت تضغط على أعصابها بـ قسوة مريعة وكأنها تعاقب جسدها لأنه لم يحم أختها، وتؤهله ليكون السوط الذي سيجلد كبرياء عائلة الراوي.
وفجأة.. توقفت لاهثه..
اقتربت من النافذة سحبت الستار ببطء وثبتت نظراتها الحادة نحو الأفق.. هناك تخيلت حيث يقبع قصر الراوي شامخا بجدرانه التي تظن أنها منيعة.
لمعت عيناها ببريق شيطاني وهمست بصوت يخرج من دهاليز قلب محروق..
شايفاك يا عامر يابن الرواي.. وشايفة قصرك اللي فاكره حصن. بكرة هتتهد السرايا دي طوبة طوبة فوق دماغ اللي فيها. بكرة هدخلها مش عشان أستخبى في ضلها أنا هدخلها عشان أطفي النور اللي فيها بدمكم. استعد يا ابن الراوي.. ملوك بقت بتحضر كفنكم بيديها
الضربة القاضية لآل الراوي يابن الراوي مفيش حد هيهرب من الحساب. فاكر نفسك في أمان... ضحكت بفحيح .. .. دانا بعدلك الثواني يابن الرواي عشان اوريك أمان الملوك عن حق. .
*******
دخل عمار المكتب وجد عامر جالسا في الظلام لا يضيء المكان الا قنديل صغير
عمار بصوت مبحوح.. مش ناوي تنام يا خوي؟ السرايا بقت بتخوف وهي فاضية.. حاسس بخطوات عمر في كل ممر.
عامر بنظرة جامدة كالصخر.. عمر ماراحش يا عمار.. عمر عايش في جلوبنا....
التفت متنهدا... شفت جدك وعمايله . بيدور عالبت إللي طفشت بالفلوس.. ناوي يرجعها..
عمار بغل وحزن.. ترجع فين.. ده أنا أهد الدار دي قبل ما تعتبها. واحدة رخصت أخونا. كانت السبب في جتله وجنونه زي الممسوس.. منها لله حرجت جلوبنا وفرجتنا عن بعض لو أطولها كت دبحتها.
وجلس وكل منهم مشاعره هائجه يصبانها علي تلك المسكينه التي واراها الثري انها السبب في مقتل اخيهم...
******
دخلت ملوك علي اختها واحتضنتها
نظرت ملوك إلى مليكه ودموعها التي تنهمر بصمت ربتت على وجنتها بحنان وقوة في آن واحد ومسحت دموعها وهمست..
إحنا مالناش إلا بعض يا قلبي أنت وابن أختك الله يرحمها وبس.. واعرفي إنك أنتِ وهو بقيتوا روحي واللي هيقرب منكم هنهش قلبه.
همست مليكه بتقطيع وصوت يرتجف من أثر الصدمة..
طب.. طب.. هنـ.. هنعمل.. إيـ.. إيه فيـ.. في عـ.. عمر؟ لا.. لازم يعـ.. يعرف عيلته.
سهمت ملوك قليلا شردت بعينيها اللتين تحولتا إلى جمر مشتعل وفي ذهنها عاصفة من الغضب والخطط التي ستحرق الأخضر واليابس. لم تكن تفكر في تعريف الصغير بعيلته من أجل صلة الرحم بل من أجل الحق الذي سُلب والدم الذي سُفك.
همست بجمود.. سيبها علي الله وعلي عبدته الفقيره.
ضحكت ضحكة قصيرة لا تصل لعينها وتابعت بجمود مرعب...
استني عليا.. بكرة الملوك توري السادة.. إن الوجع لما بيتحول لمشرط مابيسيبش جتة سليمة.
****
بدأ الجد سعفان يستعيد صحته رويدا رويدا لكن قلبه ظل معلقا بذكرى عمر. لم ييأس بل بعث فريقا من معارفه المخلصين للبحث عن ملك في كل شبر ليرد لها اعتبارها كما وعد حفيده قبل رحيله.
دخل عليه عامر الذي بات يشعر بجفوة جده وسأل بمرارة..
هو أنت دلوك مش معتبرنا عيالك يا جدي؟
هتف الجد بحدة... مالك يا عامر؟ ليك حاجة في تصرفاتي؟ ولا هتيجي كمان تتحكم في جدك؟
اندفع عمار خلف أخيه وهتف بغضب وندم يحاول تصريفه في غير موضعه..
إيه يا جدي؟ أنت لسه بتدور على اللي كانت السبب في جتل أخوي؟
صرخ الجد بصوت هز أركان الغرفة... إنتو اللي جتلتوه أنتو السبب وما هسامحكم واصل لحد ما ألاجيها وأرد لها حقها.
نظر عمار إليه بغضب فحرقته على أخيه تحولت لغل تجاه ملك بينما استمر الجد في إصدار أوامره بصرامة...
سنوية أخوك هتدبح فيها خمس عجول وتجيب شيخ من مصر وتعمل حاجة لله.. فلوس أخوك أمانة في رجبتي ليوم الدين.
هتف عامر بغضب فهو فعلا لا ينظر للمال ابدا. .. وإحنا مابنبصش على فلوس يا جدي..
رد الجد بلسعة سوط... والنبي إيه..وجتلتوه ليه مش عشان الفلوس؟
صاح عامر بقهر علي أخيه ... هو ماكنش جصده ارحم عمار يا جدي كفاية جلبه المحروج.
هتف الجد بسخرية مرة.. يعني ارتدع البعيد.. والا بيحس.. عموما إني برضك ماهسيبش عهدي لو طلعت روحي. عهدي لابن ابني وسره في ودني يتردله حجه.
****
كانت ملوك مستلقية على فراشها جسدها ساكن كالجثة لكن عيناها كانتا تشعان بنور شيطاني وهي تحدق في سقف الغرفة الصامتة. في يدها كانت تمسك بـ مشرط صغير نصله يلمع تحت ضوء المصباح الخافت كأنه عين أفعى تتربص بفريستها.
بدأت تحركه في الهواء بحركات دقيقة ورشيقة كأنها ترسم ملامح خصمها في الفراغ أو كأنها ممسوسة بروح لا تهدأ إلا بالانتقام. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تقشعر لها الأبدان، وهمست بصوت رخيم يملأه الغل...
عاااااامر الراوي...يا ترى هيطلع لك إيه مني يا عامر يا راوي... يا ترى لما أشوفك وشك.. هعمل فيك إيه؟
ضحكت ضحكة قصيرة خاوية من أي مرح وتابعت وهي تزيد من سرعة حركة المشرط في الهواء..
بيقولوا وحش وجبروت... وسيد الناس؟.. يا رب يكفيك شر جبروت حرقة قلب الملوك لما تنوي. الجبروت اللي دست بيه الغلابة هسحقهولك تحت رجلي.. والهيبة اللي لابسها زي التوب هقطعها لك حتة حتة بالمشرط ده.
لمعت عيناها بنار تلتهم الأخضر واليابس وتخيلت للحظة وجه عامر الراوي وهو مكسور العين أمامها وهو يرى سلطته تتهاوى تحت ضربات ذكائها وقوتها. كانت ملوك في تلك اللحظة لا ترى أمامها سوى قصاص عادل ونهاية تليق بأسطورة وحش الصعيد الذي تجرأ وداس على طرفها.
استناني يا ابن الراوي.. ملوك جاية وجايبة معاها نار مش هتنطفي إلا بكسرتك..
*****
أقيمت السنوية وتحولت ساحة القصر إلى مشهد مهيب يجمع كبار البلد والمشايخ ووجهاء القوم. كانت ليلة سوداء في تاريخ العائلة . ليلة تليق بفقيدهم الشاب.
وقف عامر في وسط الجمع شامخا بظاهره محطما بداخله وهتف بصوت جهوري..
اليوم ده اللي فطدنا فيه زين شباب الراوي عمر فضل الراوي. يوم ما يتنساش يوم أسود حل عالعيلة هنفضل عمرنا كله ننعي فيه ذكراه.
وفجأة.. وبينما كان الجميع ينصتون في خشوع لسيد الناس المستشار عامر الراوي . انشق الزحام عن خطوات واثقة قوية وقع كعب حذاء على الرخام كان يضرب القلوب قبل الأرض. توقفت الخطوات أمام عامر مباشرة وسط ذهول عامر ليتفاجيء عندما. ....
*********
بينما كان الراوي يوارون التراب على قطعة من قلبهم كانت هناك ملوك تشحذ مِشرطها في الظلام. لم تكن ملوك تبكي بل كانت تتبلور من جديد.. تتحول من أخت مكلومة إلى قدر لا يُرد.
فيا عامر.. ويا عمار..
لا تغركم حصونكم ولا تغركم ألقابكم. فالحق الذي ذبحتوه في ملك والوجع الذي سكن عيون مليكة والسر الذي دفنه عمر في أذن جده.. كلها خيوط ستنسج حول رقابكم كفن الغرور.
ستدخل الملوك نجعكم لا لتطلب العزاء بل لتأخذ الثمن.. تُدبر في الخفاء وتضرب في العلن. وبين جبروت المستشار وانكسار الفارس وضياع النسمة.. سيبقى السؤال
من الذي سيصمد حين يزأر الحق في وجه الباطل؟
وهنا.. انقسم الزمان لنصفين
نصف ينوح على ما فات ونصف يرتجف مما هو آت. السرايا اللي كانت فاكرة إنها دفنت سرها مع عمر مكنتش تعرف إن القدر بعت لها ملوك عشان تفتح القبور وتحاسب الأحياء قبل الأموات.
يا ولاد الراوي..
الليلة مش ليلة عزا الليلة هي ليلة رد المظالم. ملوك مدخلتش السرايا عشان تطلب رضاكم ولا جاية تدور على مكان في ضلكم. الملوك جاية وفي إيدها اليتيم اللي أنكرتوه وفي قلبها المشرط اللي هيشرح هيبتكم وفي عينيها نار ملك اللي مش هتنطفي إلا بدموع ندمكم.
انتهى زمن الصمت.. وبدأ عصر الملوك
السؤال دلوقتي: عامر الراوي هيعمل إيه وهو شايف نسخة من جبروته واقفة قدامه بوش امرأة؟ وعمار اللي غرقان في ندمه، هيقدر يواجه السر اللي شايله المشرط؟
**تاتش ميفو للفانز**
البارت خلص بس الحكاية لسه بتبدأ.. ملوك دخلت السرايا في عز الزحمة في عز الهيبة وفي عز وجع السنوية. دخلة الملوك دي هي الضربة الأولى في حرب مش هيكون فيها أسرى. تفتكروا أول كلمة هتنطق بيها ملوك قدام عامر وسعفان هتكون إيه؟ وايه اللي هيحصل لما عامر يشوف الخاتم في إيدها؟
الحساب بدأ.. والملوك مابتسيبش حقها استعدوا للي جاي لأن زلزال السرايا لسه في أوله 🖤🔥..
********ومن غرفه الإنعاش تلتقط ميفو انفاسها وبتقولكو يأخي عليها ياختي عليها جت رجليها ماجت رجليها.. ... علقي يام حماده وحياه حمادة وأبوه وأمه.. لا بلاش أمه مابتحبهاش آنتو😂😂😂 .. علقي أبت إنت وهيا هعملكو بلوووووم... زغرطي يا انشراح واهبدي عشر تعليقات يا سماح..يا سماااح
سمعاني يا سماااااح
الفصل 9
.... دخلت ملوك على جمع الرجال تتهادى كأنثى تفيض بالثقة. كل خطوة منها كانت تعلن عن حضور طاغ حتى وقفت في منتصف الجمع تجبر الجميع على النظر إليها.
******وفي تلك اللحظة مرت أمام عينيها صورة أختها الصغري وصدى حديثهما الأخير ماذا سيفعلان .
تذكرت ملوك كيف جلست تفكر طويلا في مصير الصغير عمر.. هل كتب عليه أن يعيش وحيدا بلا عائلة؟ يواجه الدنيا يتيما تذكرت العهد الغليظ الذي قطعته على نفسها أمام جثة أختها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة عهدا بأنها ستعود يوما لتعيد عمر إلى جذوره وأهله.
فكرت ملوك كثيرا.. ماذا لو انتظرت حتى يكبر عمر؟ هل سيظل هناك أمل في أن يقبلوه بينهم؟ استرجعت كلام أختها الراحلة عن الجد وكيف كان زوجها دائما ما يصفه بالرجل العادل صاحب القلب المرهف رغم قسوته الظاهرة.
ظلت تفكر وتفكر صراع مرير ينهش عقلها ماذا لو أخذوا منها عمر فهو ليس ابنها وهم جبروت ؟ لقد أصبح هذا الصغير روحها التي تتنفس بها. وجزءا لا يتجزأ من كيانها.
وفي لحظة حاسمة اتخذت قرارا مصيريا..
قررت أن تنسى حياتها تماما أن تدفن الملوك إلى الأبد وتوارى شخصيتها الثرى لتعيش فقط من أجله.
ستدخل على تلك العائلة بهوية جديدة ستنتحل شخصية أختها الراحلة وتعلن أمام الجميع أنها ملك زوجة عمر الراوي. قررت أن تتحول إلى لبؤة شرسة تدافع عن صغيرها ذلك الحبيب الذي عوضها به رب العباد عن كل فقد. كانت تؤمن أن هذا حقه حتى لو كلفها الأمر حياتها.
فلو مات الجد لاندفنت معه حكاية أختها وضاع الحق للأبد.لم تكن تقف بيديها الخاليتين بل كانت تحمل معها الحقيقة كاملة.. القسيمة الرسمية التي توثق الزواج والخاتم الذي تركه عمر امانه لسعفان الراوي.
وصلت ملوك إلى صعيد مصر مكثت في أحد الفنادق. تركت عمر في أمان مليكة وأمرتها بلهجة قاطعة أن تحافظ عليه كأنها تحافظ على عينيها. فهي لم تأخذها معها إلى القصر لشعورها بالخطر فيجب أن تجث النبض اولا.
أمسكت ملوك بكتفي مليكة بقوة وعيناها تلمعان ببريق مرعب وهي توصيها الوصية الأخيرة.. اسمعي يا مليكة لو غيبت ومارجعتش تختفي بالواد ده الأرض تنشق وتبلعكم ماحدش يعرف لكم طريق ولا مخلوق يلمح طرف توبك فاهمة؟
تلعثمت مليكة وهي تشعر بذعر حقيقي
وصوتها خرج مرتعشا.. مـ.. ملوك إنتِ بتقولي إيه.. بلا ش تروحي يا ملوك أنا خايفة.
شددت ملوك من قبضتها لدرجة جعلت مليكة تئن وهتفت فيها بصوت كفحيح الأفعى...
اجمدي إبن أختك ليه حق.. رعشتك دي هتاكل حقه قبل ما يرجعلنا.. اجمدي وشدي حيلك الواد أمانة في رقبتك ليوم الدين.عمر الصغير مش هيدخل السرايا واطي راسه يا مليكه.. عمر هيدخلها وارث.. والكلاب اللي عضت إيد أبوه بكرة هتبوس إيد ابنه عشان بس يرضى عليهم. أنا مش رايحة أدور على أهل.. أنا رايحة أدق مسمار النعش في جبروت الراوي..
وقفت ملوك تشحذ همتها وتستعد للمواجهة الكبرى. وبخطوات ثابتة اتجهت صوب قصر الوحوش قصر الراوي. وهي تعلم أن خلف تلك الأبواب العالية تبدأ معركتها الحقيقية لاسترداد ما ضاع وإثبات أن دماء الراوي تجري في عروق هذا الصغير.
******عادت بها الذاكرة للحظة وقوفها تستمع لعامر وهي لا تعلم هويته بعد.. كان يقف بوسط الجمع والكل ينصت له باهتمام كأنه سيد الكون.. رأت رجلا نُحت من صخر الصعيد وجهه صارم وعينان صقريتان تلمعان ببريق الغرور والسلطة..
رأت كبرياء متحسد بوقفته الشامخة جعلتها تشعر للحظة بأنها أمام وحش حقيقي لا يعرف الرحمة. وصوته وهو ينعي عمر كان يخرج ببرود استفز كل ذرة غضب في كيانها...
صدح صوته مجلجلا...
النهارده سنوية اخوي وولدي.. انهارده بننعي خيره شباب البلد عمر فضل الراوي.
هنا خطت خطواتها وشق المكان صوتها الأنثوي الذي يفيض بالقوة اقتربت ملوك بخطوات واثقة جعلت عامر يفزع حين رأى من ظنها زوجة أخيه تتهادى أمامه.
قطب جبينه بذهول فتذكر كلام عمر أنها محجبة لكن التي تقف أمامه الآن ترتدي بلوزة سوداء وبنطالا وتترك شعرها الطويل مربوط خلفها بتحد في منتصف الساحة.
صاحت ملوك فيه بلهجة حادة... بيقولك اللي له تار ويسيبه في الصعيد يبقي خسيس وواطي.. هو يابن الراوي عندكو بالصعيد اللي ينعي حد مش ياخد تاره الأول.. وإلا البيت ده مافهيوش رجالة قد التار؟
توقف الكلام وسادت همهمات الصدمة وجحظت عيون عامر وهو يرى شموخ الملوك في عينيها. أين تلك الخانعة التي كانت ترتعش مرعوبة تحت قدميه ؟
أكملت ملوك بجمود... اليوم ده فعلا اللي راح فيه زينة الشباب.. بس راح غدر.
اقتربت ملوك ووقفت في منتصف الساحة وهتفت بعلو صوتها الذي هز أركان المكان......
مين كبير القاعدة دي.
اتجه عامر نحوها بخطوات غاضبة ووقف أمامها بجمود وهو يصيح..انت بتعملي إيه هنا . و إزاي تعلي صوتك في مجلس الرجال؟
لم تكن تعلم هويته ولم يهتز لها جفن بل هتفت بتحد.....
أنا بسأل مين الكبير في القاعدة؟ وإلا القعدة للعيال وبس. وقبل أن ينطق أحد أكملت بصرخة دوت في الأرجاء....مجلس الرجال يابن الراوي اللي بينعي قتيل مغدور مايبقاش مجلس.
أكملت بشموخ... .. عموما أنا هنا عشان أنعي برضه.. واقفه في عقر دار الراوي بنعي عمر فضل الراوي. اللي اتقتل غدر في قلب بيت الراوي يا بلد.
ساد صمت الموت في الساحة وتحولت نظرات الذهول إلى ترقب مشتعل بينما ظلت ملوك واقفة كالجبل لا تتزحزح.
ارتعب عمار وهب وذهب اليها لم يكن يتخيل ان عندها الجراه تقف لهم الا انها لم تكن ملك انها ملوك الفرسه التي ستنهش قلبهم .
ووسط ذهول الجميع هتفت ملوك بعلو صوتها... اللي ينعي حد وما ياخد تاره يا ولاد الراوي يبقى البطحة عالية والفضيحة اطرمخت.
ساد صمت مرعب قبل أن تكمل بإعلان زلزل أركان القصر.... أنا بقى مرات عمر الراوي.. وجاية آخد تاره يا بلد .
جمدت الكلمات الدماء في العروق واتجهت كل الأنظار لفرسان الراوي التي لم تتحرك منهم شعرة بينما كانت ملوك تقف بشموخها معلنة بداية الحرب في قلب دارهم.
أحس عامر بفوران وهياج من وقاحتها التي لم يرها في أنثى قط صرخ فيها بصوت زلزل الساحة.. أنتِ ليكي عين تاجي هنا يا زباله.
لم يتوقف الأمر عند عامر بل صرخ عمار هو الآخر بغل... أنت السبب.. أنتِ السبب في موته.
اقتربت ملوك منهما أكثر بخطوات مرعبة وهتفت بسخرية لاذعة.. مين السبب في موته بالضبط يا بهوات هاه... أنتم مين آه.. تقريبا إخواته صح... إخواته اللي موتوه غدر.
فقد عامر أعصابه وصرخ مهددا... لمي نفسك أحسنلك بدل ما أفلجك نصين.
لم ترهبه بل صرخت بعلو صوتها.....
اللمة دي للمتبعترين اللي اتهجموا على بيوت الناس في أنصاص الليالي.
ثم دنت من عامر أكثر حدقت في عينيه بقوة جعلت الدماء تغلي في عروقه وأكملت...
اللمة ليك ولأخوك اللي دخلوا على حرمة أخوهم وغدروا بيها.
تسمر الجميع في أماكنهم وتصنم الحضور من هول الكلام وشعر عامر برغبة عارمة في الهجوم عليها لقتلها وإسكاتها للأبد فهناك فضيحه تلوح بالافق والجد ليس موجودا بالمكان ليمنع ذلك. .
لكنها ابتسمت بشماتة وواصلت.. إيه كدب بـ كدب أنا ولا بتبلى عليكم؟
دارت للرجال صارخة بغل.... احضروا يا بلد وشوفوا الأسياد جبابرة آل الراوي.. مش جيتوا ليا شقتي وخدتوا جوزي من حضني؟ جيتوا دبحتوا حرمة أخوكم اللي كان نايم قام قلبه مخلوع؟ مش جيتوا وكتمتوا نفسه وخدتوه شيل زي الذبيحة؟ مش جيتوا ليا وضربتوني وادتولي ميت ألف جنيه عشان أمشي؟.
ضحكت بمرارة واستطردت... بس تصدقوا عجبتوني آه والله التخطيط حلو.. تاخدوا الواد وتموتوه وتقوموا تنعوه؟ بحب أنا الناس اللي تمشي خطتها صح.
وعند تلك النقطة مدت يدها داخل حقيبتها وأخرجت رزم المال مائة ألف جنيه وبدأت تنثرها في الهواء فوق رؤوس عامر وعمار وهي تصرخ بتحد...
جايه بنقط فرحتكم يا بهوات الراوي.. دي مني للبهوات الواحد لازم يشجع اللعبة الحلوة برضه..
نثرت المال عليا ليتساقط عليهم...
دي لضرب أخوك وكتم نفسه.
رمت رزمة أخرى وهي تدور حولهم... ودي لاستباحة حرمة بيت أخوكم...
ثم رفعت الرزم الباقية ونثرتها كالمطر عليهم.. ودي لرمي مرات أخوكم في الشارع.
أما دي بقى دي الجون دي اللعبة الحلوة اللي دخلتوا بيها أخوكم القبر.
كان عامر وعمار يقفان والمال يتطاير حولهما ويسقط على رؤوسهما كأنهما أصنام جمدت من هول الصدمة.. عيونهما جاحظة من كثرة الإهانة التي لم يتخيلوا يوما أن يتجرأ أحد على فعلها في قلب دارهما.
ضحكت ملوك بسخرية مريرة وقالت... إيه مالكم اتشليتوا... لسه الشلل جاي.. مش ده المال اللي ادتهولي عشان أسكت؟
لم تكن تعلم أيهما الذي دفع لها المال لكنها كانت تقذف بكلماتها في وجه الجميع بغير مبالاة.
كان عامر يكبس على يده بقوة كالجمر بينما اندفع عمار وصرخ فيها بوعيد... اللي عملتيه ده فيه موتك يا فاجرة.
ومد يده يتحسس مسدسه بحركة تهديد واضحة علها تتراجع أو تخاف.
ضحكت ملوك بقهقهة هزت أركان الساحة.. بتحط إيدك على مسدسك يا غلبان في عقلك فاكرني هخاف؟ طب طلعه يا بطل وموتنى.. موتني زي ما موتو جوزي يا كفرة.
استدارت ملوك للجمع المحتشد وصرخت بأعلى صوتها لتشهد الكل..
أنا جاية أشهد الخلق على بيت ما يعرفش ربنا. على بيت قتل النضافة.. بيت رمى لحمه في الشارع في أنصاص الليالي. أتشد وأتهان وأنضرب وياخدوا جوزي من حضني ويقتلوه؟ أرجع أسأل عليه ألاقي جوزي مقتول.. إخوات جوزي قتلوا جوزي.. وأنا جاية آخد حقي يا بلد.
صرخ عامر والغل ينهش صدره.. أنتِ زباله ليه كدة مين دول اللي جتلوه.. أنتِ ليكي عين تتكلمي وأنتِ واحدة مضروب لها عرفي وبتتحضن في الشجج.
لم يكد ينهي كلمته حتى اقتربت منه ملوك كالبرق ورفعت يدها وانهالت بصفعة قوية على وجهه دوت في أرجاء الساحة.
تصنم عامر في مكانه وسكت الحضور جميعا رعبا وساد صمت جنائزي ثقيل غلف المكان بينما كان عامر يشعر بدمه يغلي لدرجة القتل.
اندفع عامر بغل وهياج وجذبها من شعرها بعنف وهو يصرخ بغل.. بتمدي يدك علي أسيادك يا جربوعه. لو فاكرة إني هفتكرك حرمة وماهمدش يدي عليكي لاه تنسي أنتِ نسيتي كنت مرعوشة إزاي زمان ونظرتك كيف المجاذيب؟.
في تلك اللحظة اشتدت نظرات ملوك حقدا وعلمت يقينا أنه هو الأخ الأكبر الذي وضع كرامة أختها تحت حذائه. وبحركة قتالية خاطفة مدت أصابعها نحو حنجرته وضربته بأطراف أصابعها المدببة في نقطة حساسة..
ليشهق عامر ويتراجع للخلف وهو يمسك رقبته وظل يسعل بشدة وهو يشعر بالاختناق وضيق النفس.
ضحكت ملوك بانتصار وهتفت.. البيه بيعيدها تاني بتمد إيدك تاني وعايز تتهجم عليا؟ صحيح راجل عيلة الراوي مات واندفن.. الراجل اللي دافع عن مراته بروحه وأنا هنا بقى جاية آخد حقه يا عيلة مافيهاش راجل.
هجم عليها عمار وهو يسبها بوضاعة... آه يا زبالة يا أم وش مكشوف.
لكنها لم تنتظر استدارت بمرونة وضربته في بطنه ضربة قوية أسقطته أرضا ليفور عمار غلا بينما وقف الجميع مبهوتين مما تفعله تلك المرأة بفرسان عيلة الراوي.
صرخ عمار وهو يحاول إنقاذ ما تبقى من كبريائه...انا هخلص عليكي يا زباله أنا هدفنك بالحيا. بتمدي يدك علي أسيادك.. يا بتاعه العرفي يا رخيصه.
ضحكت ملوك بسخرية لاذعة وردت عليه.. كنت شفتنا يابن الراوي وإحنا بنضرب عرفي ... انا معايا القسيمة ومعايا عقد البيت اللي اتأجر متسجل في القسم ومكتوب بالعقد زواج رسمي. العرفي دا للي شبهك ...
ثم أكملت وهي تنظر إليهم باحتقار.. بس عشان أنتم كفرة مش نافع معاكم حاجة إلا نيتكم سواد. وأشارت إلى المال المنثور حولهم... .. فاكريني هبيعه بدول؟ والله نسب يعر وبطني قلبت منه.
بعد ما عامر استعاد توازنه من ضربة الحنجرة هجم عليها زي الإعصار وقبل ما تفكر تضربه تاني كان لوي دراعها ورا ظهرها بقوة طرقعت عضمها وكتفها لصدره وهو بيضغط على رقبتها بإيده التانية بقسوة خلت نفسها ينقطع.
قرب وشه من ودنها وهمس بفحيح يقطر غل:
فاكرة إنك واجفة قدام عيل من اللي بتشوفيهم في مصر؟ ده أنا المستشار عامر الراوي.. اللي بكلمة منه يخليكي تدفني بالحيا ومحدش يعرف لك طريج. اليد اللي انمدت دي هتدفعي تمنها ذل ما شفتهوش حُرمة جبل كدة.. أني هربيكي يا جربوعة وهعرفك يعني إيه تدوسي طرف سيدك.
وبحركة مهينة ضغط علي فكيها وقال بصوت واطي ومرعب... الوجع ده.. هتاخديه في أغلى ما تملكي وهخليكي تبوسي يدي عشان بس أعتج رجبتك.
ملوك رغم الوجع اللي كان هيفصل دراعها مابكتش ولا اتوسلت. بالعكس ضحكت ضحكة مكتومة وهي محبوسة في قبضته وقالت له ببرود يحرق الدم...
أغلى ما أملك؟ أنت لسه شفت حاجة؟ ده أنت حتى قبضتك دي خايبة.. مش عارف تكتف حرمة يا سيادة المستشار..
وفي اللحظة اللي عامر ضغط فيها بزيادة من نرفزته ملوك استغلت ثبات جسمه واندفاع غضبه ومالت بجسمها كله لقدام فجأة وسحبت دراعها بحركة دائرية خاطفة أفقدته توازنه ومعاها نطحة قوية براسها لورا لبست في مناخيره مباشرة.
عامر ترنح والدم بدأ يسيل وفي لحظة ملوك لفت بمرونة زي الفرسة....
أهو ده المستشار أهو ده حامي القانون لما غُلب بالكلمة حب يرد بـ الكتف واللوي زي قطاع الطرق مش عيب على شيبتك وهيبتك لما تسترجل على ست وحيدة ولا أنت متعود تغدر باللي أضعف منك..
استدارت للناس ولعمار الواقع مذهول وهي بتضحك بمرارة...
شفتوا سيدكم؟ وشو بقي شوارع من حرمه ومن غير سلاح ولا غدر. اللي يمد إيده على ملك الهاشمي يتدفن مكان ما هو واقف والنهاردة أنا اللي هعلمكم يعني إيه رجولة يا عيلة أشباه الرجال.
جمعت ملوك حفنة من المال ورمتها بقوة في وجه عامر الذي احمر وجهه من شدة الغضب
اندفع عمار نحوها بغل أعمى اليها لكن صوتا جهوريا صدح في الأرجاء كقذيفة أوقفت الجميع في أماكنهم...
..... وجف منك له.
التفتت ملوك نحو مصدر الصوت ولأول مرة اهتزت دواخلها.. رأت شيخا جليلا يقف بهيبة الجبال لكنها شعرت في نظراته بلين وحنان غير عادي لم تتوقعه في هذا البيت.
خطي الجد واقترب من ملوك بخطوات متزنة وهتف بصوت يحمل ثقل السنين وحكومتها... كفاية فضايح يا بتي.. تعالي نجعد ونتكلم جوه.
نظرت ملوك إلى عامر وعمار بنظرات حاقدة ثم وجهت حديثها للجد بقوة لا تخلو من حذر... الفضايح ليها ناسها يا حاج.. وأنا إيه يضمنلي ما جايز تدخلوني ودول يقتلوني جوه.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه الجد سعفان وهتف بلهجة صعيدية أصيلة لا تُرد...
عهد سعفان الراوي.. اللي يدخل داره له أمان الدنيا كلها.
مد يده إليها بوقار واستدار ليدخل القصر تاركا خلفه أحفاده تغلي المرجل في صدورهم.
دخلت ملوك خلف الجد بخطوات يملأها الحذر تتفحص أركان القصر بعيون صقر يترقب الفخ. كان الجد يبدو متهالكا وكأن أحداث الساحة قد استنزفت ما تبقى من طاقته اتجه إلى أقرب أريكة في البهو الواسع وجلس بتعب وهتف بصوت منخفض... اجعدي يا بتي.
لم يكد الصمت يحل حتى اقتحم عامر وعمار المكان والغل ينهش قلوبهم ففي نظرهم هذه المرأة هي الشيطان الذي فرق شملهم. اندفع عامر نحو الجد وصاح بغضب...
بتدخلها اهنه يا جدي دي هي السبب في مجتل أخوي هي اللي عصته علينا وخلته يرمي أهله وناسه.
ثم التفت إلى ملوك بفحيح يقطر شرا وعيناه تشتعلان غيظا... وجاية ليه هاه جاية تفضحي نفسك لما هو نسب يعر... فاكرة إنك هتطولي حاجة من ورا العيلة دي.
ظلت ملوك واقفة بشموخ لم تجلس كما أمرها الجد بل ظلت نظراتها معلقة بعامر باحتقار.
هنا ضحكت ملوك بقهقهة عالية هزت أركان الساحة وقالت بمرارة.. يا خيبة على الرجالة.. مرات أخوك واقفة قدامك وجاية لقلب بيتكم وكل تفكيرك في الفلوس..
ثم نظرت أسفل قدمه بجمود وبصقت بجوار حذائه في إهانة لم يسبق لها مثيل وأكملت... أنا جاية لسبب واحد يابن الراوي فلوسك دي تحت جزمتي.
صرخ عامر بهياج شق صمت القصر وهو يشير بيده نحو الباب....
بره.. بره يا زبالة واحدة زيك ليها عين تتكلم؟ أنتِ اللي جلبتي الواد الطيب وخلتيه شرد وراح يجيب جربوعة ما يتبصلهاش. وإلا جاية تنحدفي علينا تاني بترسمي على إيه؟ لتكوني فاكرة يا بت إننا بالصعيد هنلمك وتبقي مننا يا نصابة. .
وقفت ملوك في مكانها لم تهتز ولم تصرخ بل ثبتت عينيها عليه تتفحصه مليا ببرود يثير الجنون. كان رجلا يملك من الوسامة نصيبا وفي ظروف اخري ستجده وسيما. لكن ملوك لم ترَ فيه سوى قاتل.
اقتربت منه بخطوات هادئة ودققت في عينيه بنظرة احتقار جعلته يشتعل غضبا ثم بدأت تدور حوله ببطء تجوب جسده بنظراتها من فوق لتحت كأنها تعاين بضاعة رخيصة.
وفجأة أطلقت ضحكة عالية رنت في ردهات القصر.. هتفت ملوك بسخرية لاذعة... تصدق والله ده مسخرة هي مين دي اللي ما يتبصلهاش.
ثم رفعت إصبعها وأشارت إلى وجهه بتحد وأكملت... ضحكتني.. ما عادش إلا أنت يا ابو بشلة في وشك زي حرامية السجون.
جحظت عينا عامر وأحس أن أنفاسه تنسحب منه فهو في نظر نفسه سيد الكل والجميع يتهافت على نظرة رضا منه. اندفع بجنون ورفع يده ليدوي بصفعة على وجهها.
لكن ملوك كانت أسرع قبضت على يده في الهواء بقوة حديدية أذهلته ونظرت اليه بتحد جعل الدماء تجمد في عروقه.
اندهش عامر من قوتها وتساءل في سره... كيف لهذه أن تكون تلك التي كانت ترتعب من نظراته في تلك الشقه احس بخلل ما لا يمكن أن تكون هل كانت تمثل الرعب حتي يتركوها ؟
هتفت ملوك وهي تدفع يده بعنف عنها... لاااا يا شاطر . أنت فاكر إيه... فاكر إنك لو مديت إيدك عليا هسكت؟ لااا.. ده أنا هقلع جزمتي ويا ريتني لبست شبشب عشان انسب شبشبي عليك.. صرخت.. اااااإيه أنت مالك طايح في الخلق كدة ليه بكدب أنا.
مدت يدها بجرأة ولامست طرف الندبة التي تزين وجهه فارتجف قلبه من لمستها سرت قشعريرة كهرباء في اوصاله.
هتفت بسخرية تقطر سما... مش بشله دي والا ايه .. روح بص يا شاطر لنفسك في المراية ولا خد من فلوس أخوك اللي سرقتها وروح اعمل لنفسك عملية تجميل.. جايز وقتها حد يرضى يبص في وشك.
اشتعل عامر غضبا حتى كاد ينفجر وصرخ فيها بصوت زلزل جدران القصر وهو يشد قامته بشموخ ... أنتِ عارفة يا زبالة أنتِ بتكلمي مين... أنا المستشار عامر الراوي..
نظرت إليه ملوك لثوان ثم انفجرت في ضحك هستيري وكأنها تسمع نكتة الموسم.
اقتربت منه ببطء وعيناها تشعان بالقرف وهي تتفرس في وجهه المحتقن...
بجد والله.. هو جناب الدوق مستشار.
ثم مالت عليه بهمس مسموع وقالت بصوت يقطر سما... الله يرحمك يا أم شيماء.
رفع عامر حاجبيه بذهول وعدم فهم فضحكت ملوك بمرارة وأكملت... إيه ماتعرفهاش؟ والله كنت أعدي عليها أجيبها ... وتفردلك الملاية ع المستشارين اللي زيك..تقولك يا غلو من شيماء...
سمعت عن أيمن حجاج.. إيه رأيك فيه... ماتعرفش إنه كان مستشار زيك وهيبته وصلته لحد حبل المشنقة عشان قتل مراته شيماء جمال.
تراجعت خطوة وهي تشير بإصبعها إليه باحتقار... بلاش أيمن.. ياسر الوصيف رئيس جنايات دمنهور فضايحه صوت وصورة يا سيادة معالي الباشا الكبير المستشار... ناسي ابن سوهاج اللي كان رئيس جنايات وهيبته بتهز الأرض وفي الآخر اتمسك بشنطة حشيش ورشاوي في عربيته زي أي مهرب في الصعيد.
أكملت ملوك وهجومها يزداد شراسة...
اللقب اللي أنت فرحان بيه ده لو ضاعت الذمة بيبقى حتة ورقة لا بتهش ولا بتنش.. ساعات يا باشا حاميها حراميها وميزان العدل كتير بيميل بالمال.. فبلاش تعيش عليا دور النبي المرسل لأن القضاء منه اللي فوق المنصة ومنه اللي ورا القضبان.. فيه اللي اتشنق وفيه اللي جتته بتدخل السجن بمنظر ما يسرش..
وأشارت إليه بقرف.. وفيه اللي برا قاعد ع المنصه متخبي ورا روب حرير وهو مدود من جوه جتته اتحللت من قرفها .
جن جنون عامر اندفع نحوها كالثور الهائج وقبض على ذراعها بقوة ألمتها وهو يصرخ بفحيح مرعب.. أنتِ قد كلامك ده أنا بإشارة واحدة أحبسك في ثانية.
قام الجد سعفان وضرب عصاه بالأرض صائحا... كفاية يا عامر.
دفعته ملوك عنها باحتقار وهتفت للجد.... ما تسيبه يا حاج يطلع الكلمتين اللي محشورين في زوره بدل ما يشرق بيهم ونفقدو بدري إن شاء الله.
اقترب الجد ووقف حائلا بينها وبين حفيده وهتف بلهجة لا تقبل النقاش.... بِعد أنت.. أنا اللي هتكلم وبجولك اصحك تجرب منها.
نظرت ملوك للجد بتقدير وقالت... أهو ده عين العقل يا حاج يا ريت نتكلم زي الرجالة أصلي مش شايفة غيرك هنا والباقي والله بطني قلبت منهم.. كان الله في عونك يا حاج دا حاجة تقرف.
هدأ سعفان من روعه وقال بصوت رزين... اهدي يا بنتي.. أنتِ بتجولي إن معاكي جسيمة.
اقتربت ملوك منه بجدية وقالت... معايا وعندي استعداد أوريها لك بس آخد أمانك يا حاج.
رد الجد بكلمة شرف تهز الجبال... عهد عليا.. لا أخون ولا أغدر.
أخرجت ملوك القسيمة من حقيبتها وأعطتها له بيد ترتجف من القهر. وهتفت والدموع تلمع في عينيها لأول مرة...
أنا اتجوزت عمر يا حاج وحبيته حب عمري وما كنتش عايزة إلا الحلال.. جه وقالي هنعيش شويه.. عيلتي مش عايزة تقبلك قبلت يا حاج مانا مش هبقى أنا والزمن عليه.. رجع مقهور من عندكم ومغدور بيه قالي ما عادش ليا إلا أنتِ قولتله عيني وقلبي.. نام قام مغدور يا حاج.
ثم التفتت لعامر كاللبؤة الجريحة وصرخت.. البيه وأخوه كبسو علي شقتي زي الهجامة ورموني في الشارع رمى لحم أخوه في الشارع.. هو مفيش شرف؟ البيه ما يعرفش عن الشرف حاجة جثة ع الفاضي لا شكل ولا منظر ولا شرف كمان.
لم يحتمل عامر أكثر انفجر بركان غضبه واندفع يمسك يدها بعنف ليحطم كبرياءها لكن ملوك استدارت بحركة خاطفة وعنيفة وضربت قدمه بقوة أخلت توازنه ليسقط أرضاً تحت وطأة مفاجأته.
وعلى الفور هجمت عليه ملوك كاللبؤة الجريحة أمام أعين الجميع و قفزت فوقه و..
*****
اللي جاي نار..ودمااار.. البت نطت عالواد نطه في الجووون. قلبو يامه.
أدي المستشار وأدي هيبته.. .. ملوك النهاردة فرجت عليه خلقه وعامر الراوي محتاج حد يلمه من على الأرض.. قولوا لي بقى حد فيكم توقع النطحة دي.. يا سماح.. جهزي الزغروطة وعلّي يا بنتي ده الليلة عيد ويا انشراح.. سيبي اللي في إيدك وصوّتي بأعلى صوت ده المستشار وقعته لا عالبال ولا عالخاطر ...
حد يلحق الباشا بـ ميكركروم يا ولاد.. عشان نطحة الملوك في الجووون .اه يا عضمك يا رضا . وروني بقى يا أحلى فانز في الدنيا مين فيكم شمتان في وقعة عامر زيي؟ ومين لسه خايف من غدر الوحوش؟
الفصل 10
التفتت لعامر كاللبؤة الجريحة وصرخت.. البيه وأخوه كبسو علي شقتي زي الهجامة ورموني في الشارع رمى لحم أخوه في الشارع.. هو مفيش شرف؟ البيه ما يعرفش عن الشرف حاجة جثة ع الفاضي لا شكل ولا منظر ولا شرف كمان.
لم يحتمل عامر أكثر انفجر بركان غضبه واندفع يمسك يدها بعنف لكن ملوك استدارت بحركة خاطفة وعنيفة وضربت قدمه بقوة أخلت توازنه ليسقط أرضا.
وعلى الفور هجمت عليه ملوك كاللبؤة و وثبت فوقه . وأخرجت مشرطها الصغير الحاد من جيبها وغرزت طرفه في جلده عند رقبته..
في تلك اللحظة لم يعلم عامر ماذا أصابه كيف انشلت حركته هكذا وارتخي لم يتحرك كأنه مس.. تاهت نظراته في عينيها القويتين.. من هذه الأنثى؟ ومن أين جاءت بهذا الجبروت؟ أهذه هي نفسها التي كانت ترتعش بين يديه قديما؟
كانت ملوك تنقض عليه والغل يملأ ملامحها وعيناها الخضراوان تلمعان ببريق الموت بينما انحل عقد شعرها ليتساقط عليه في خصلات ثائرة غطت وجهيهما كأنها تعمل هاله بهما خاصه تفصلما عن العالم.
وجد عامر نفسه غارقا في تفاصيل وجهها رغم النصل الموجه لرقبته لم يشعر بسن النصل من أساسه.. الشعر المتناثر ويدها تسند علي صدره ستفجر قلبه من دقاته الجنونية .كانت يدها المرتجفة فوق قلبه كأنها قبضت على روحه لا صدره فاستسلم لنبضاته التي تمردت عليه لأول مرة وكأنها تعترف بسلطان هذه الأنثى قبل أن ينطق لسانُه. صراع هائل بين رغبته في قتلها وبين ذهوله من فتنتها المتوحشة التي أخرست لسانه.
سهم عامر قليلا وهو يراقب ثورتها تساءل في سره بذهول... كيف كانت هذه الفرسة الجامحة زوجة لعمر فعمر كان رقيقا حانيا وهذه لا تنفع معها الرقة.فقد .
كانت كتلة من النار.
لاحظ ارتعاشة شفتيها ..و قد احمرتا بشدة من فرط الغضب والأنفاس المتلاحقة. فسلط عينيه عليهما لا إراديا .لأول مرة يشعر عامر الراوي بأن جبروته يتبخر فقد غرق في بحر عينيها الخضراوين.
انتفض عامر من أفكاره عندما صرخت فيه بصوت مزق صمته وهي تلوح بمشرط صغير أخرجته من ثيابها..
اللي هيقرب.. هدب المشرط في رقبته.
نظرت إليه بغل وأكملت بتحد... إذا كنت فاكر إنك هتمد إيدك وهسكت لك.. لااا أنت تقريبا مش عايز تبات ليلتك إلا ووشك متشرح زي بتوع الشوارع.. اعقل كدة عشان لسه الليلة كبيرة وقصة يا كتكوت.
فتح عامر عينيه بذهول من جرأتها وتطاولها. فضحكت ملوك بشماتة وهي تقف فوق رأسه....
إيه مش مصدق إن فيه ست مرقداك؟ مرة صح؟ بتقولوها أنتم كدة.. المرة مرقدة البيه كبير عيلة الراوي.... أهي المرة منيماك زي الدبيحه.. بتتجبر على مرة يا نطع.
ساد صمت مخيف وعامر يشعر أن كرامته تنزف مع كل كلمة تخرج من فمها.. فتحرك بعنف فانغرزت برقبته...
فصرخ عمار... هتجتليه يا فاجره. واخرج مسدسه وصوبه عليها.
.
نظرت إلي المشرط بقرف ولم تعير عمار بالا... كده وسختلي المشرط.انصفو إزاي أنا دلوقتي .
اقترب الجد سعفان بخطوات بطيئة وصوته فيه رجاء خفي...
جومي يا بتي.. بطلي بالله عليكي كفاية. أني إديتك الأمان جومي وسيبيه هو مش هيتعرض لك واصل.
نظرت ملوك لعامر القابع تحتها بسخرية لاذعة وضحكت بمرارة...
لا هيتعرض.. أنا عارفة الأشكال دي لا ليهم كلمة ولا شرف.
وبحركة مهينة مسحت نصل المشرط في ملابسه بقرف ثم قفزت بخفة بعيدا عنه كالفراشة. أخرجت منديلا وبصقت على المشرط لتمسح أثر دماء عامر الذي كان ينظر اليها بجنون يشعر بإهانة لا تغتفر وهو يرى دمه يُمسح باحتقار أمام جده.
أكملت ملوك وهي تطوي المشرط ببرود... عموما لو جرب تاني هيلاقي مشرطي مغروز في قلبه.. أنا لا باقية على حد ولا بخاف من حد.
لم يستسلم لجرح كبريائه بهذه السهولة. وبسرعة البرق استعاد توازنه وهب بجسده الرياضي وجذبها من معصمها بقوة كادت تكسر عظامها ليرتطم جسدها بصدره الصلب كالصخر.
صرخ الجد.. بكفياك بقه هيا ناجصه ولعه..
الا ان عامر من هياجه لم يسمع لجده ثبت عامر ذراعيها خلف ظهرها بيده الواحدة وضغط على خصرها بقوة ليلجم حركتها ثم همس بفحيح يقطر غلا أمام وجهها... فاكرة إن حركات الشوارع دي هتاكل معايا؟ ده أنا المستشار عامر الراوي.. اللي علم أسيادك كيف يحنوا راسهم. واليد اللي انمدت دي.. ثمنها غالي جوي يا جربوعة.. ثمنها عمرك.
ثم في حركة إهانة متعمدة رفع يده وبدأ يمسح بصمة أصابعها عن وجهه وكأنه يمسح قذارة وبصق بجانبها قائلا... الجرف اللي لمس وشي ده غسيله مش مية.. غسيله دمك يا زبالة.
كانت هائجه بين يديه ولكنه عامر الراوي جبروت لا يقبل بانثي تهينه.
ثبتها عامر بين ذراعيه كالقيد الحديدي وكلما حاولت التملص زاد من إحكام قبضته حتى شعرت أن صدره سيسحق أضلعها. مالت برأسها بعيدا عنه وهي تنهج بغضب لكنه قرب وجهه منها بابتسامة تسلية باردة وانتصار مستمتعا بضعفها المفاجئ أمام قوته وهمس بنبرة تقطر سما...
أهو أنتِ تحت يدي.. بمزاجي.. عشتي الدور وعملتِ فيها سبع رجالة وصدجتي نفسك انك جامده وتجدري عليا بس الحجيجة إنك ولا حاجة قدام عامر الراوي. أنا اللي كنت سايبك تهوهوي شوية عشان أشوف كيدك وصل لفين اشوف خصمي أخره اية.. لكن وقت الجد.. أنتِ مجرد فرسة جامحة ومصيرها تنكسر تحت رجلي.
حاولت ملوك أن تضربه برأسها مرة أخرى أو تتحرر من حصاره.. لكنه احتضنها بقوة أكبر لدرجة أنها شعرت بنبضات قلبه الهادئة والمستفزة وضحك وهو يهمس أمام شفتيها مباشرة..
عامر الراوي يجدر يجلبك جطة في ثانية.. جطة مغمضة كمان.. أنتِ فاكرة إن طول اللسان ده هيحميكي؟ ده أنا بكلمة مني أخليكي تتمني الموت وما تلاجيهوش. أنتِ دلوك في عشي .. فاهدي كدة ووفرر مجهودك عشان اللي جاي هينسيكي حتى اسمك. مش عامر الراوي اللي بيتنط عليه ويتهان إنت بس ماشفتش رجاله تجريبا قبل كده.
صرخت بهياج... انت راجل انت..
ضغط عامر على خصرها بقوة أكبر وهو يرى عينيها تشتعلان بالتمرد وقال بصوت منخفض وصارم...
أرجل ما جابلتيه بدليل اهوه.. محبوسة بين يدي وهتموتي مجهوره وانا بضحك.. تعبتي إنت في إنك تدربي وتروحي وتيجي علي الفاضي واخرتها أهو مكباك بجوتي مش أي حد يتعمله ضربتين يجي يجف جدامي...
نظرت اليه بغضب... مانا متعلمه عشان عارفه إن ماتفرقش معاك حرمه من راجل.. سيب بدل ما فرج عليك خلقه..
ضحك باستمتاع... ... بس وماله نسيبك. اعتذري اعتذري وإلا والله ما هتخرجي برأت يدي بطلوع الفجر.
هاجت ملوك بين يديه بكل قوتها تحاول ضربه أو الإفلات من حصاره الحديدي لكنه في حركة مفاجئة أحكم احتضانها تماما ليلجم حركتها فصرخت فيه بذهول وغل...
أبعد عني يا حيوان انا هعرفك إزاي تتجاوز حدودك يا زباله.
هنا صرخ الجد سعفان وهو يضرب بعصاه الأرض بعنف...
اختشي يا عامر جرى لك إيه اتخبلت في عجلك عتمسك حرمة أخوك اكدة قدام عيني عيب هملها يا ولد الراوي.
لكن عامر الذي أعمى الكبرياء بصره لم يتحرك إنشا واحدا بل نظر لجده بتحد وقال وهو يشدد قبضته عليها...
مش هسيبها يا جدي إلا لما تعتذر وتبوس رأسي كمان.. غير كدة الظاهر إنها حابة حضني ومش عايزة تسيبه وأنا معنديش مانع أطول القعدة. الروأي لما بيعوز حاجة بياخدها بنظرة..
حاصرها أكثر بين صدره العريض وجدار القصر البارد غير مبالي بالحضور . كان جسده يشع حرارة غاضبة وأنفاسه اللاهثة تضرب وجهها كلفحة نار. قبض على خصرها بيد حديدية كأنه يروض مهرة جامحة وهبط برأسه نحو أذنها ليهمس بفحيح مرعب لكنه يحمل بحة غريبة...
عشان بس تعرفي قيمتك وإن المستشار عامر الراوي مابيجيش بالقوة يا قطة..
توقع أن يرى الرعب في عينيها أو على الأقل خجل و محاولة للهرب لكنه صُدم ببرودها القاتل. لم تحرك ساكنا في حضنه كأنه لا شيء بل تقربت منه أكثر بخطوة متعمدة كأنها هي من تحاصره لا هو. رفعت وجهها إليه وعيناها تتحدى سواد عينيه بقوة وقالت بنبرة هادئة جمدت الدماء في عروقه...
أُمال بتيجي بإيه يا سيادة المستشار؟
هنا.. ولأول مرة خانت عامر حصونه. غصب عنه سهم في ملامحها تاهت عيناه في تفاصيل وجهها الذي لم يره بهذا القرب من قبل. انخفضت نظراته رغما عنه نحو شفتيها التي كانت تنطق بالتحدي أحس برغبة مجنونة في إسكات هذا اللسان السليط لكن بطريقة لا تمت للقانون ولا للقوة بصلة.
تلاقت الأنفاس وضاعت الكلمات وظل هو عالقا في سحر عينيها يصارع المستشار الذي بداخله ضد الرجل الذي استيقظ فجأة أمام تمردها.
نظرت إليه ملوك تحد اعادته لواقعه وهزت كيانه فمال على أذنها وغمز لها بوقاحة مستفزة....
عارف إني جامد وتأثيري صعب.. وأي ست تتمنا الحضن ده.. اعترفي إنك دوختي يا جطه .
في تلك اللحظة لم ترد ملوك بلسانها بل شحب وجهها فجأة وبدأت تصدر أصواتا وكأنها ستتقيأ عليه من فرط اشمئزازها وبدا وكأن الغثيان سيطر عليها فعلا من قربه.
اندفع الجد بسرعة وجذب عامر بعيدا عنها وهو يصرخ فيه...
ابعد عنها يا مجنون دي غمت نفسها منك.
انسحب عامر وهو يشعر بإهانة داخلية فاقت كل التوقعات ظن أنه انتصر عليها وتحكم في قوتها ولكن أن تُظهر امرأة اشمئزازها منه لدرجة التقيؤ كان طعنة في رجولته وجاذبيته التي لم يسبق لامرأة أن قاومتها فصار ينظر إليها بعيون تشتعل بنار ستحرق القصر وما فيه.
اندفع الجد ومسك ملوك وصرخ... بعد بقه واتلم حد يعمل اكده في حرمه..اهدي يا بتي حجك عليا إني.
تراجع عامر والغل يغلي في عروقه أراد الفتك بها لكن وجود جده منعه فهتف بصوت ساخر يرد الاهانه التي نزلت عليه ... حرمه هيا فين الحرمه ماشايفش ايوتها حرمه.. ثم نظر إليها بقرف.واكمل ..
ولما أنتِ ياختي مش جاية عشان الفلوس إيه اللي حدفك علينا؟ ما خدتيش الميت ألف ليه وغورتِ وما عتبتيش هنا؟ لا إحنا طايجينك ولا عايزينك.
استدارت له كان شي لم يحدث رغم وجعها نظرت إليه بقرف ... أنا جاية اكلم الراجل الكبارة أنت مال أهلك؟ ما تروح تشوف لك غرزة تقعد فيها.. إلا صحيح فضولي هيموتني مين اللي علم على وشك غيري.
جن جنون عمار وصرخ اندفاع.... لا أنتِ عايزة تتلمي كان لازم نجتلك ساعتها.. أنتِ السبب بت مكشوفة ومالكيش راجل.
هنا ساد صمت مفاجئ.. اقتربت ملوك من عمار بخطوات بطيئة مرعبة وعيناها تلمعان ببريق غريب وهتفت بهمس فحيح... مش قتلته... متعود إنت صح.
رجف قلب عمار ولمعت عيناه بخوف ظهر للعيان اقتربت منه أكثر حتى صار وجهها أمام وجهه ثم طرقعت أصابعها فجأة أمام عينيه وصرخت بحدة... أنت صح أنت اللي قتلته.. مش كدة.
ارتجف عمار وتراجع للخلف كأنه رأى شيطانا وصرخ بهستيريا... أنا ما جتلتش حد ما جتلتش حد.
ضحكت ملوك بمرارة وعيناها مثبتتان على عمار الذي كان يرتجف أمامها.... مالك مقهور كدة ليه؟ أنت فاكر إني ماهعرفش؟ مش أنت اللي كتمت نفسه وخدته. يا ترى موته إزاي؟ كملت كتم نفس ولا طلقت فيه النار بعد ما كتمت نفسه هاه؟.
ساد صمت مرعب قبل أن تصرخ في وجوههم والدموع تحجر في عينيها.. طب كنتوا سيبوه.. سيبوه يعيش ليا أفرح بيه ماعايزينش منكم فلوس.. يا ترى دلوقتي مبسوطين. قسمتوا الميراث يا حاج؟ تراب أخوكم دوستوا عليه عشان الفلوس إيه ده؟ إيه السعار ده صحيح النفوس الشبعانة مش أي حد يشوفها.
دارت ملوك حول نفسها في البهو وهي تشير بيديها باحتقار.. شايفة قصور وهيلمان.. وعيلة وعزوة.. بس مفيش نخوة.
ثم اقتربت من عامر بخطوات بطيئة وعندما التقت عيناها بعينيه خفق قلبه بقوة وتجمدت أعضاؤه وكأنه سُحر بجبروتها. وقفت أمامه ونظرت إليه بتلذذ وهي تقول...
حلوة الفلوس يا ابن الراوي حلوة؟ شبعت فلوس عبيت وكبشت في ده؟
ثم خبطت بيدها بقوة على صدره مكان قلبه، وأكملت... تراب أخوك خدت بداله فلوس.
استدارت ملوك ببرود تام وهي تلوك اسمه بلسانها بقرف...
إلا اسمه إيه ده؟ اه.. تقريباً عامر صح؟ يجعلها عامرة بالخراب عليك وعلي بيتك وأهل دارك خراب من وسع.. اللي ينهش أخوه ومرات أخوه عشان الفلوس ربنا مش هيسيبه.
لم يحتمل عامر هذا الهجوم الضاري على شرفه وماله فصرخ فيها بصوت محترق ... وجاية لينا ليه جاية ليه لما إحنا جرف أكدة؟ جاية ليه.
نظرت ملوك إلى عامر باحتقار أخرسه وقالت ببرود...... آجي ليكم أنتم مين عشان آجي لكم أصلا.
ثم استدارت بكامل جسدها نحو الجد سعفان وخفضت نبرة صوتها لوقار يليق بهيبة كبير الراوي.... أنا جاية آخد عهد من كبير الراوي.. جايالك إنت يا حج.. عمر قالي لو جرالي حاجه روحي لجدي كان قلبه كان حاسس بالغدر.. قالي جدي مش زيهم جدي حقاني وشريف وماهيرودكيش.
تنهد الجد بوجع... وعهد عليا لا أردك ولا اخرجك من دار الراوي تجعدي فيه عمر كله.
ابتسمت بلين ثم قالت... انا مش جاية أقعد يا حج أنا عندي ليك أمانتين واحدة معايا دلوقتي وواحدة في الحفظ والصون عشان بيتكم بيت غدر وخسة ماتاخذنيش اخاف عليها .
أكملت ملوك والجد يرهف السمع بقلبٍ يرتجف... يا حاج لو عايز الأمانة أجيبها لك دي أمانة من عمر الراوي.. أمانة قالي اديها لجدي وهو هيعرف بينا إيه.. قولوله عمر باعتلك دي.
هتف الرجل بلهفة وشك.. أمانة إيه دي يا بتي انطجي.
هتفت بجمود وثبات... الأمانة الأولى دي يا حاج اهيه .
ثم رفعت يدها عاليا فشهقت الأنفاس كان خاتم عمر يلمع في إصبعها الخاتم الذي لم يكن يفارق يده أبدا والذي كان يحمل ختم عائلة الراوي.
تسمر عامر وعمار في مكانهما كأن على رؤوسهما الطير بينما غامت عينا الجد بالدموع وهو يرى أثر حفيده الغالي يزين يد هذه المرأة التي تتحدى الجميع.
صاح عامر بجنون وعيناه تكادان تخرجان من جحرهما... يا نهار أبوكِ أسود أنتِ سرجت الواد وخدتِ خاتم العيلة.. ده ما بيتجلعش من يد الراوية واصل.. خلعتيهوله إزاي يا جادره.
اندفع عمار خلفه كالثور الهائج وصوته يرتجف من الغل... أني جولت إنها حرامية وهبلت الواد أنتِ السبب في جتله، أنتِ اللي جتلتيه... إيه فجرك ده خاتم الراوي ما بيطلعش إلا بروحنا.
- ومع كلمته الأخيرة استل مسدسه ورفعه في وجهها بتهور أعمى.
صرخ الجد سعفان وهو يضرب الأرض بعصاه بقوة هزت المكان... بطلوا بقى منكم لله.. أنتم طايحين ليه أكدة؟.
ببرود مرعب ابتسمت ملوك وربتت بملامح هادئة على يد الجد لتطمئنه ثم استدارت لعمار. وبحركة سريعة كالبرق قبضت على يده التي تحمل السلاح وغرزت أظافرها في جلده بقسوة جعلت عمار يأن من الألم... هتموتي يمين بالله هخلص عليكي ولا هيهمني.. مرة من غير راجل.
اقتربت ملوك أكثر حتى لامست فوهة المسدس صدرها وضحكت بقهقهة مستفزة.... هو انت لما بتتزنق بترفع السلاح.. إيه الضعف ده.. ايه القرف ده..
مطت شفتيها... تمام.. يلا اعمل راجل يلا أنا والله ما فارقة معايا واحدة بايعة الدنيا.. يلا اشبع رجولتك أوهم نفسك إني سبب قتله.
ثم زادت من غرز أظافرها في لحمه ووشوشت له بفحيح.. . اعمل راجل.. ما هو رجولتك راحت هناك في بيت أخوك وأنت بتكشف مراته يلا.. عوض النقص اللي فيك. تصدق بالله ولا يهمني لو طلقت دلوقتي.. إللي راح له كل حاجه قلبه مات.. هتموت ميت..
كان عمار يغلي والدموع كادت تفر من عينيه من شدة الانضغاط النفسي بينما وقف عامر مذهولا يراقبها بذهول وكأنها ممسوسة لا تهاب الموت وكان يعلم أن تهور أخيه قد يؤدي بكارثة في أي لحظة.
في تلك اللحظة وتحرك بدافع غريزي بحت لم يحسب له حسابا. اندفع نحو أخيه عمار وجذب يده التي تحمل المسدس بعنف بعيدا عن صدر ملوك وصرخ فيه بصوت مرتعش من الصدمة... نزل السلاح يا مجنون أنت هتعمل إيه عايز تضيعنا وتجيب أجلنا في جلب بيتنا؟.
أبعد عامر أخاه بقوة وهو يتنفس بصعوبة ثم التفت نحو ملوك وعيناه لا تفارق عينيها الخضراوين. لم يجد كلاما منمقا يقوله بل خرج صوته مهزوزا وعفويا وهو يهتف... أنتِ إيه... شيطانية.. واجفة والمسدس في صدرك وبتحزقي في الكلام وبتعايرينا.. إيه الجلب اللي في صدرك ده دي مش جلب بني آدمين واصل.. أني مشوفتش واصل ست بتعمل اللي بتعمليه ده.. أنتِ مين يا بت انت إنت مخبوله ..
هتف عامر بسخرية محاولا استعادة وقاره الجريح.... وأنت يا أخوي ما توسخش يدك خليها تجول اللي هي عايزاه ما هو الرخص مش بفلوس. الخاتم ده اتسرج ولو عملتِ إيه.. عمر ما يخلعوش من يده واصل عشان تعرفي إنك حرامية ونصابة وجاية تاخدي جرشين.. جولي عايزة كام.. رميتِ مية ألف ع الأرض هديكي قدهم مرتين بس تغوري.
ابتسمت ملوك بنعومة مرعبة جعلت الجد يشعر برهبة حقيقية مما سيحدث واقتربت من عامر وهي تقول ببرود... بجد هتديني فلوس يا باشا..
ابتلع ريقه برهبه.... ايوه هديكي ونخلصها.
ابتسمت وغمزت له فارتجف قلبه عندما قالت بدلال.... وماااله
تمام.. اكتب يلا.
تراجع الجميع بدهشة وظن عامر أنه انتصر أخيرا واشترى صمتها أخرج دفتر شيكاته وبغرور كتب لها مائتي ألف جنيه ومد يده بالشيك وهو يقول.... أيوه أكدة.. باني على حجيجتك كلنا كنا متوكدين إنك جاية لمصلحة..ماتجولي من الأول بدل الشو والهيصة إللي عملتيها .
وقبل أن يتم جملته وبسرعة البرق طبقت ملوك الشيك ودسته بعنف في فمه المفتوح.
تجمد عامر وارتعب الجد من جرأتها التي تخطت كل الحدود. كان عامر يقف في وضع مهين للغاية الشيك محشور في فمه وعروق وجهه برزت من شدة الغل والذهول وكأنه أُخرس بماله.
وما جعل عامر يوشك على الانفجار أن ملوك أخرجت هاتفها ببرود ووجهت الكاميرا نحوه وصورته في هذا الوضع المذل.
جن جنونه فبصق الورق من فمه واندفع نحوها كالثور الهائج ليحطم الهاتف وينتقم منها بغل لكن صرخة الجد سعفان كانت أسرع ووقف امامها ...
بكفياااك.. بِعد والله أموتك لو جربت منها هي مش اكدة وأني متوكد .. بِعد عنها واصل.
صرخ عامر بغل.. دي ناجصه ربايه وعايزه اللي يربيها وأني جاد عليها ....
وقفت ملوك تتأمل الصورة على هاتفها بابتسامة خبيثة وقالت كأنها لم تسمعه ... حلوة الصورة دي يا سيادة المستشار.. تنفع ذكرى لما تحب تشتري شرف الناس بفلوسك.. والمرة الجاية الشيك ده هبلعهولك مش بس هحطه في بؤك.
-
صرخ عامر بهستيريا وصدره يعلو ويهبط من فرط الإهانة... بعد يا جدي أني هجتلها.. أني هجتلها يمين بالله أني يتعمل فيا كدة؟ أنا عامر الراوي يتصور بالشكل ده؟.
كان الجد يحجز بجسده ثورة عامر الا ان ملوك صرخت بصوت زلزل المكان... طظ وإلا أقولك طظين قرب وريني نفسك يا دكر الحلوف يا بو بشلة.. ياللي بتتشطر ع النسوان.
جن جنون عامر وحاول الفتك بها والجد يدفعه بكل قوته..
فصرخ الجد... ماتحترم خالك بقه.. وإنت يا بت الناس أسكتي شويه دا مرار إيه ده.
فصرخ عامر بفحيح يملؤه الحقد.. نسيتي يا زبالة قعدتك تحت جزمتي.. والا كان تمثيل عشان تفلتي.. نسيتي.
هنا لم تتمالك ملوك نفسها وصرخت بعيون تشتعل نارا.... عشان أنت نص راجل آه والله.. نص راجل وبتتجبر على خلق الله عشان تحس بنقصك.
صرخ عامر بقوة غاشمة عندما .. وهو يصيح بصوت جهوري.. بِعد يا جدي.. بِعد أني هعرفها دلوقتي مين هو عامر الراوي وهعرفها مجامها اللي نسيته.
وقفت وسط بهو قصر الراوي كأنها إعصار لا يبالي . ارتجفت شفتيها بابتسامة مريرة قبل أن تطلق صرختها...
صرخت... عارفاه أقولك.. اللي أتهجم علي بيت أخوه اللي خطف أخوه اللي قتل أخوه عشان الفلوس .
توقفت الكلمات في حلق عامر كأنها طعنات اشتعلت عيناه بشرر الحقد ومد يده في الهواء ليهوي بها على وجهها لكن يد الجد كانت أسرع دفعه بقوة وهو يهتف...
ما تحترم حالك بقه إني واجف إعملي حساب واتلم هتكبر عليا يابن فضل واجف تتباجح.
تراجع عامر وهو يلهث من فرط الغضب يشير إليها بإصبع مرتعش...
ما شفتش الزبالة دي بتجول عليا إيه؟
ردت عليه بنظرة احتقار... :
زبالة تقطع وشك يابو بشلة يا مشوه يا مريض.
تجمدت ملامح عامر تلك الكلمة مشوه كانت كالملح على جرحه الغائر صرخ بحرقة هزت أركان القصر...
أنا مشوه.. أنا.. دانا بيه.. ما حد يطولني.
بصقت ملوك على الأرض ببرود وعيناها تمسح وجهه بتقزز...
طب أعمل عملية عشان حد يعبرك بتقعد ع المنصة ببشلتك دي إزاي؟
هنا فقد عمار عقله اندفع نحوها محاولا الفتك بها وهو يصرخ في جده:
أنتوا مابتسيبونيش عليها ليه إني هحبسك.
وقفت ملوك بثبات وتراجعت خطوة للخلف وهي ترفع رأسها بشموخ..
طب جرب كده هتلاقيني مجرساكو في كل حتة ونفتح القديم والجديد وهنبقي حديث الساعة
.
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تكمل بقوة...
طب اسمع بقه يا جدع منك له... اللي هيتعرضلي يمين بعظيم لاتلاقي ناططلكم هنا صحافة الدنيا وفضايحكم منشتات أخبار. اسمك هيشرف والفضيحة عالية..خافو علي اسمكو يا عبيد الاسامي. انا آه ماليش ضهر بس ليا دراع ولسان.. وهتحبسوني هكون جامعه صحافة البلد وقابلو بقه.. ونشوف بقه القضية اتقفلت إزاي وطرمختوها إزاي هتقدرو عالفضايح .. هقول جوزي مات غدر وهشتكيكو وقابل بقه فضايح بالكوم.
صرخ عامر وهو يكاد يختنق من غيظه فهيا فعلا بكلمه منها تهز مركزه ...
ليه.. جتالين جتله.
ضحكت بمرارة...
آه.. ونصابين وحرامية وهجامين وعندك بشلة زي الحرامية.
رفع الجد عصاه وضرب بها الأرض مناديا بصوت منهك..
كفاية يا بتي كفاية كتير أكده دا حزن كفايه راعي انه راجل وانت حرمه.
لكن نيرانها لم تنطفئ بعد التفتت للجد وهي تشير لعامر....
ما تخليه يخرس هو بتقولي أنا كفاية؟
انفجر عامر مجددا.بغل ...
اني يتجالي تخرس؟عامر الراوي.....
ضحكت ملك بسخرية مريرة...
أنت عبيط دانا شتمتك لما شبعت.. أنت معاق وقفت على اخرس وبالنسبة لنصاب وحرامي وهجام وببشلة مازعلتكش.. وإلا عشان حقيقة.. دا الإعاقة معدية.
هتف عمار وهو يمد يده بوقاحة..
هاتي يا زبالة الخاتم ده.. ده ورث عيلة الراوي.
وقف الجد حائلا بينه وبينها وقال بصرامة لا تقبل النقاش...
هي ماهتجيبش حاجة يا عمار.
اعترض عامر بذهول...
بتجول إيه أنت عارف الخاتم ده بموتنا مانجلعوش
تنهد الجد بقهر وبدت عليه علامات الانكسار وهو يهمس..
لاه.. عمر قلعه وده السر اللي جاله لي في ودني.
تجمد عمار وعامر في مكانهما ساد وجوم قاتل وهما يتمتمان بذهول...
إيه بتحول إيه؟
التفت الجد لملوك وعيناه غارقتان في الدموع..
عمر ادهولك صوح يا بتي؟
هزت رأسها بصمت أكمل الجد بصوت مرتجف..
وكتب عليه (عمر وملك) من جوه.. صوح؟
هزت رأسها مجددا ثم خلعت الخاتم ببطء وأعطته له.
أمسكه الجد بين يديه المرتعشتين وانفجر بالبكاء بحرقة.. عمر جالي... خاتم الراوي مع مرتي مع شرفي.. خلي بالك من شرفي با جدي..
آه يا ولدي يا طيب يا حنين.. كان خابر وعشان كده ادهولك.
حاول عمار الكلام لكن صرخة الجد أسكتته..
—ولا نفس.. هاه ولا نفس اسمع نفسكم هخلص عليكم.. عمر ادهولها.. هي دي الأمانة يا بتي؟
أومأت برأسها فتنهد الجد بوقار وأردف..
انت دلوك بتمشي بكلمة الراوي الخاتم ده مبيطلعش من يد الراجل إلا لو لجي اللي صانته بجد واليوم اللي عمر قلعه فيه كان عارف إن الرجولة في البيت ده ماتت واندفنت ومبجيش غيرها هي اللي شايلة شرفه.
وأمانة ولدي وصلت.. وده معناه إنك بقيتي (عمر الراوي) بذات نفسه اللي يلبس خاتم الراوي يبقي له حماية وسند وأني يا بتي بديكي الحماية والسند. وهتكوني بأمان.
ساد صمت طويل قطعه تنهيدة ملوك العميقة قبل أن يسألها الجد بترقب..
وإيه هي الأمانة التانية..
نظرت ملوك في عيني الجد ثم طافت بنظراتها على عامر وعمار باحتقار وهتفت بمرارة..
لا يا حاج.. الأمانة التانية عايزة أمان الأمانة عايزة اللي يصون مايخون الأمانة.. ممكن بكرة يدبحوني وأنا نايمة لو غفلت لحظة. أمانة عمر مش في الخاتم ولا في الورق.. أمانة عمر هنا أشارت لقلبها ثم أكملت بصرامة.. واللي عايز يعرف الأمانة التانية يجيلي وهو (راجل) حقيقي مش واحد مستخبي ورا بدلة ميري والتاني ورا فلوس مش بتاعته.
اكملت بوجع ظهر في صوتها.. الامانه عايزة حب يا حاج وعهد رجالة وحقيقي أنا شكة إن فيه هنا رجالة.
انتفض عامر صارخا...
اخرسي.. جطع لسانك.
تراجعت و قالت ببرود قاتل وهي تستعد للرحيل..
أنا كده خدت الرد تقريبا ماهتقدرش على العالم السعرانة دي يا حج وأنتو كده مالكوش أمانة عندي.. أنا جيت وعملت اللي عليا عندكم خاتمكم وأمانتك اللي تخصك وتخص أصولكم في إيدك..
تركتهم في ذهولهم بخطوات ملكية تاركة خلفها بركانا من الغل في قلوبهم ودموعا في عين الجد..
استدارت وهي تظن أن الجد سينادي عليها لتبهت عندما...
.....
وهنا يا حبايب قلبي، "ملوك" سابت بركان وراها ومشت.. سابت "عامر" بيغلي وناره قايدة، و"عمار" مرعوب من كشف المستور، والجد "سعفان" قلبه بيتقطع على ريحة الغالي اللي رجعت بخاتم وصدمة! 💔
يا ترى البت اتخضت ليه مين خضها... وملوك هتقدر تكمل المواجهة دي لوحدها؟
وهل "عامر الراوي" هيسكت على القلم والإهانة وكلمة "أبو بشلة" اللي نزلت عليه زي الصاعقة؟ ⚡️
البارت الجاي فيه ضرب نار.. الحرب بين "جبروت المستشار" و"كبرياء الملوك" لسه في أولها، والأمانة التانية لو ظهرت، هتهد قصر الراوي على اللي فيه! 🏰💣
مستنية رأيكم وتوقعاتكم في الكومنتات.. إيه أكتر مشهد وجعكم؟ ومين فيكم حاسس إن عامر بدأ "يقع" وهو مش داري؟ 😎
_قبضة_أولاد_الراوي
_الكبرياء
_ميفو
******'
بت يا انشراح...
ايوه يا موحه هتعلقي والا نطنش ميفو ونجبلها جلطة..
لا أسكتي أعلق إيه بس.. شفتي اللي حصل؟ البت ملوك دخلت عالواد رقدته وهي بتقوله يا أبو بشلة أنا قلبي كان هيقف من الفرحة
آيوه يا قلبي دانا هرقع زغروته لووز شوفتي وشه لما حشرت الشيك في بقه؟ ده أنا قولت الواد هيجيله تشنج في الحبال الصوتية. والواد عمار الحلوف انشل يا قلب أمه
بس يا موحه ...الواد طلع جامد شد البت شده ايييه.. جامد جامد... ياني هعلق إزاي بس يا عالم الحرمان صعب.. بس هو هيجري وراها أنا عارفه
"يجري وراها؟ ده هيجري ورا نفسه الأول..كفايه قلبه اللي انهز والنبي انهز مش كده يا عيال.. اااااه دوخت..
يا لهوي يا لهوتااااي.. ميفو جت..نطي أبت عالكومنتاااات .. يلا بينا يا اختي نعلق لـ ميفو’ ونقولها.. يا ميفو يا جامدة البارت الجاي عايزينه ولعة....
واه يا واد يا ولعه
**انشراح:** "يوه.. ده الفانز هينفخوا ميفو لو اتأخرت! يلا يا جماعة.. مين اللي نادي عالبت يا عيااال
الفصل 11
كان عامر واقف يغلي عيونه مركزة على ضهر ملوك وهي تبتعد بمنتهى البرود . في اللحظة دي عامر كان محبوس في كبريائه اللي اتهان .. بس عقله كان بيفكر في أخوه وفي الامانه اللي ذكرتها وحس إن كرامة أخوه وكرامته هو شخصيا بقوا رهن للست دي.
نبل داخلي بيجبره يشيل شيلة أخوه.
حاسس إن لو سابها تمشي. يبقى كأنه خان نفسه قبل ما يخون ذكرى أخوه فلو رحلت سيظل عمرا يتسال ماذا لو كانت صادقه. . هو بيكرهها؟ جايز.. عايز يكسرها؟ أكيد.. بس يسيبها؟ مستحيل.
هو مش بس خايف على أمانة أخوه هو بيحس إن فيه خيط نار مربوط بين نبض قلبه وبين خطواتها كل ما تبعد خطوة الخيط ده يتشد ويحرق صدره.
وعشان هو عامر الراوي اللي كلمته سيف ومايفرطش في إللي يخصه مهما حصل ومهما كان كرهه للي قدامه صرخ فيها بصوت عالبارود....
أمانة أخوي في عهدي.. بروحي أحافظ عليها.
تسمرت ملوك مكانها لثانية كانت تتوقع اي شيء إلا أن يردها وينادي عليها لكنها سرعان ما استعادت برودها وأكملت سيرها دون أن تلتفت خلفها وكأنها لم تسمع شيئا.
استشاط عامر غضبا من تجاهلها فاندفع نحوها وقبض على يدها بقوة أوقفتها رغما
أحست بلسعة فشدت يدها منه بقرف وعيناها تشتعلان غضبا. صرخ فيها وهو يحاول السيطرة على أنفاسه اللاهثة....
طلبتي الأمان واني أهه.. عامر الرواي بديكي الأمان.
لفها ليه بعنف بصوت مكتوم من فرط الغل.
ولما أكلمك.. تجفي وتسمعي أنا مش خيال مآتة بتعدي من جنبه والكلمة اللي طلعت مني دي تمنها رجاب.. إنتِ فاهمة يعني إيه عهد عامر الراوي؟
ظلت تنظر إليه بصمت مخيف عيناها تجوبان وجهه كأنها تقيم الموقف لكن بداخلها قرار واحد لن تثق به أبدا.
استدارت لترحل فاندفع يمسكها مرة أخرى بقلة صبر . شدت يدها منه بعنف ووقفت أمامه كالحائط السد وهتفت بفحيح مرعب...
تاني مرة هتلمسني فيها.. هقطع إيدك يا ابن الراوي.
أغمض عينيه بقوة محاولا لجم شيطانه الذي يدفعه لكسر كبريائها بينما ابتعدت هي عنه بضع خطوات وقالت بسخرية..
هاتلي أمارة يابن الروأي.
قطب جبينه استنكار فتابعت هي بسخرية....
هاتلي أمارة إن ليك عهد أو أمان بدل ما ألاقي نفسي تاني يوم محدوفة في مصرف ولا مرمية في أي أرض ومحدش يعرفلي طريق.
هنا انفجر هو غاضبا وصوته يجلجل في المكان...
ليه.. جتالين جتلة؟
وفجأة انفجرت هي ضاحكة.. ضحكة صافية عفوية خفق لها قلبه بعنف لم يعهده من قبل. لانت ملامحه رغما عنه وسهم في وجهها كانت ملامحها جميلة وهادئة. لكن لم يكن الجمال وحده هو ما يسحر بل تلك الهالة التي ترسمها حولها وتلك العيون التي تشع قوة وجبروت.
توقفت عن الضحك فجأة وعادت ملامحها للجمود...
مش لاقية كلام والله.. لا العفو يا سيادة وزير العدل أنتوا تقتلوا.. دأنتم العيبة مابتطلعش منكم.
هنا تدخل الجد ....
لاه يا بتي.. عامر لو جال كلمة هي سيف على رجبته.
التفتت إليه وهتفت بجمود..
وأنا ماعرفوش يا حاج وماعرفش كلمته ولا السيف ده.. السيف ده ممكن يدبحني أنا لو وثقت فيه غلط.
أخذ الجد نفسا وأكمل بجدية...
بكرة لما تعرفيه هتعرفي إن عامر أه شديد بس ساعة الكلمة لو السما انطبجت على الأرض ماهيغيرش كلمته واصل.
تنهدت وأجابت ببرود أحرق دم عامر..
ومين قالك إني هعرفه أو عايزة أعرفه يا حاج. أنا لا عايزة أعرف ده ولا ده.
شعر عامر بالغضب الشديد كيف تتبجح وتعلن زهدها في معرفته هو سيد الناس. هو من تتمنى أجمل النساء وأكثرهن دلالا مجرد لفتة من عينيه.
اكملت وهي توجه حديثها للجد وحده...
أنا هاخد منك أنت عهد وكلمة إنك هتصون الأمانة يا حاج.
أجاب الجد بلهجة مقدسة...
عهد جدام ربنا يا بتي إن أمانة ولدي في نن عيوني وفي جلبي.
هدأت نبرتها قليلا وقالت بصدق لأول مرة...
ماشي يا حاج.. وأنا هصدقك بس عارف ليه.. عشان عمر قالي إنك راجل تعرف ربنا وتحبه قالي نفسي أوريكي جدي كان بيقولي هيفرح بيكي وبينا.. بس مالحقش.
اهتزت ملامح الجد تأثرا...
طب يا بتي.. إيه هي الأمانة؟
أجابت بصرامة...
هجيبهالك يا حاج.. بس تاني هاخد عهد عليك.
هنا لم يطق عمار صمتا فصرخ بسخرية...
لاه.. داحنا هنتشرط وهنجعد نعمل هوانم بقة.
نظرت إليه بقرف...
أعمل هوانم؟ وأنت تعرف الهوانم منين ؟ بس عموما مش محتاجة أعمل.. وأيوة هتشرط يإما همشي ومالكوش عندي حاجة.
ضرب الجد الأرض بعصاه ليصمت الجميع وهتف بترقب...
جولي يا بتي.. إيه شرطك وإيه هي الأمانة؟
هتفت بصوت ثابت...
محدش يجبرني على حاجة ولا ياخد أمانة عمر غصب.
ساد الصمت وظل الكل ينظر إليها بذهول كأنهم يحاولون استيعاب تلك الجرأة لكنها أكملت بلهجة قاطعه...
لأني أصلا مابنجبرش لحد ولا مخلوق على وجه الأرض يقدر يسيطر عليا أصلا.
تنفس الجد بعمق وهتف بوقار
ماشي يا بتي.. ليكي اللي طلبتيه.
لم تعلم هي لماذا اتجهت لعامر بالذات وقفت أمامه مباشرة حتى شعر بهزة في أعماق كيانه لم يختبرها من قبل ابتسمت له بسخرية لاذعة استفزت كل ذرة رجولة فيه لكنه كبت غضبه ببراعة مستشار محنك وهتف بجمود....
ماهنجبركيش يا بت الناس.
ثم التفتت لعمار بنظرة صامتة فظل صامتا يحترق من الداخل فزمجر عامر بصوت هز جدران المكان...
— عماااار.....
تنهد عمار بضيق وتبرم ثم امثل لأخيه وقال بمرارة...
ماهنجبركيش على حاجة.
تنهدت هي بعمق وقالت بوضوح.....
تمام.. أنا دلوقتي همشي واسيبكم تهدوا وتفكروا هنتعامل إزاي مع بعض. بس اعرفوا إني مش هقبل بأي تقليل وأي حد هيقلل مني مالوش عندي حاجة.
استدارت بكبرياء لتخرج وفي تلك اللحظة رجف قلب عامر رغما عنه اندفع وراءها كالمجذوب ووقف أمامها فجأة ليقطع طريقها.
فارتدت هي للخلف بخفة. رفعت هي نظرها بتحد فهتف هو بنبرة تحمل الشك.....
إيه يضمنلنا إنك هتاجي تجيبي الأمانة..
ابتسمت بسخرية وقالت....
يعني لو كلفت نفسك وفكرت.. هتعرف تفكر؟
هنا فقد عامر السيطرة على هدوئه واقترب منها بخطوات غاضبة وهو يهتف بوعيد...
بطلي طريجتك دي إني عديتلك مد يدك وتهجمك عليا.. لكن لسانك ده إني هجطعه إنا ماحدش بيكلمني كده واصل.
لم تتراجع إنشا واحدا بل قالت ببرود استفزه أكثر...
والله أنا أتكلم براحتي وماجيتش عندك أصلا عشان أكلمك.. إنت اللي ناطط في طريقي.
صرخ فيها بغضب جحيمي وعيونه تطق شررا...
مالك شايفه نفسك كده إنتِ ماتعرفيش مين هو عامر الراوي اللي الكل بيحفي عشان بس يلمحه؟
نظرت له من أسفل لأعلى وقالت بكلمة واحدة كانت القنبلة.... أبو بشلة...
ثم انفجرت ضاحكة بلامبالاة .
في تلك اللحظة عمي الغضب بصر عامر انقض على يدها ومسكها بقبضة كادت تحطم عظامها وجذبها إليه وهتف بفحيح مرعب وعروق رقبة بارزة...
لمي نفسك إني ممكن أموتك دلوك ولا يطرفلي جفن.. إيه الجرف ده؟ ما تبصي في المراية وشوفي إنتِ مين وإحنا مين. إنتِ مجرد حتة بت جاية من الشارع وعيلة الراوي اللي بتضحكي عليها دي تدوسك وما تسميش عليكي...
دنت ملوك من عامر ونظرت في عينيه بنظرة اخترقت كل حصونه.. وهتفت بصوت مبحوح يقطر قهرا..
أخوك دلوقت تحت التراب يا ابن الراوي.. يا ترى لو رجع بيك الزمن كنت هتفضله عايش في حضن الجربوعة النصابة زي ما بتقول ولا كنت هتفضله جثة تحت الرخام؟ انطق.. الموت عندك أهون من إن أخوك يحب واحدة برا مقامكم؟
ازداد بريق الدموع في عينيها لكنها لم تسمح لها بالسقوط....
عمر الراوي مات.. ومراته كمان ماتت والله ماتت بسببكم. إحنا بني آدمين على فكرة مش عبيد عندكم في السرايا.. إحنا لينا قلوب بتتحرق ولينا كرامة بتنداس بس إنتو ما بتشوفوش غير الألقاب والمنصب.
ساد صمت مرعب وهي تبتلع غصتها ثم رفعت اصبعها و همست بمرارة زلزلت كيان عامر....
عارف..لو كنت أعرف إن النهاية هتكون كدة لو كان فيه يمين أتحاسب عليه كنت منعت عمر مني.. كنت حبسته في قلبي وسيبته يعيش بعيد عن غدركم سيبته يعيش حتى لو بعيد عني بس يفضل يتنفس. دا اسمه الحب يا باشا دا الفرق بين البت إللي من الشارع ومعالي الباشا الكبير.
اقتربت منه ملوك حتى انعدمت المسافات وضعت يدها فوق نبض قلبه الذي كان ينتفض تحت كفها كعصفور مذبوح ونظرت في عينيه بعيون تلمع همست بوجع..
قلبك.. قلبك ده مابيوجعكش؟ بتعرف تنام.. مرتاح على السرير اللي أخوك اتمنع منه؟ شاب زي الورد اندفن في عز شبابه بسبب عنجهيتكم وكبركم الفارغ إنت مفكر إنك كسبت؟
ابتسمت بمرارة والوجع يصرخ من ملامحها....
عمر دلوقت في الجنة هيقابل مراته في يوم اللي حبها وهيفرح بيها بعيد عن سجنكم.. عمر ماكانش بتاع دنيا كان هيقعد فيها ليه ولمين وإنتو حواليه؟ والحمد لله إنه مات.. بس مات وهو حر.
ثم مالت على أذنه وهمست بنبرة تقطر قهرا جعلت جسده يرتجف بالكامل...
تفتكر لو كان عاش.. كان هيسامحك؟ كان هيفضل فيه صلة دم بينكم بعد اللي عملتوه؟ عمر كان راجل حر ولو كان عاش كان دفنكم بالحيا في قلبه.. إنتو قتلتوه بس هو اللي فاز بالراحة وإنت اللي فضلت هنا.. ميت جوه روبك وطبقيتك و كبرك.
صمت عامر تماما تجمدت الكلمات في حلقه لم تكن لمستها رقيقة بل كانت صلبة كقوة شخصيتها لكنها جعلت قلبه يرجف همست له بنبرة باردة...
اهدى على روحك واتقل.. عشان هي والعة لوحدها و سيب الجربوعة في حالها...
تركته واقفا في ذهوله متخبطا من كلامها الألم ينهش قلبه علي أخيه . واستدارت لترحل لكن صوته خرج مخنوقا بالخوف من غيابها المفاجئ فهتف خلفها باصرار...
هتاجي تاني بجول...
توقفت للحظة لكنها لم تلتفت وقالت بصوت واثق...
وإيه اللي يخليني ماجيش فكر إيه اللي هيجبرني ماجيش أنا إديت كلمة للراجل الكبير اللي جوه وأنا كلمتي عهد.. عهد الملوك يا بن الراوي وبكرة تعرف عنه لما أسمح ليك إنك تعرفه.
استدارت لتكمل طريقها لكنها فجأة توقفت وعادت إليه بخطوات سريعة وقفت أمامه مباشرة وصوبت نظراتها إلى عينيه وهتفت بتحذير أخير
وإياك تبعت حد ورايا.. فاهم؟
رحلت هذه المرة فعلا تاركة وراءها بركانا يغلي وآلاف التساؤلات ظل عامر واقفا يراقب أثرها وكلما ابتعدت خطوة أحس بشيء غريب يسحب من روحه عيناه معلقتان بظهرها وهي تبتعد بوقار الملوك وسط ممر الحديقة.
وصلت ملوك إلى بوابة القصر الضخمة وهناك.. لاحظ عامر توقفها المفاجئ.
كانت ملوك قد استنفدت آخر ذرة من قوتها يومان بلا طعام وأعصاب مشدودة فضت علي البقية من قوتها..
فجأة.. شعرت بضباب أسود يغزو رؤيتها والأرض تميد من تحت قدميها. مالت بجسدها لتركن إلى البوابة .
ترنحت ملوك وقبل أن ترتطم بالأرض اندفع الحارس الواقف عند البوابة ليتلقفها محتضنا إياها ليمنع سقوطها.
في تلك اللحظة انفجر بركان في صدر عامر بلا سبب منطقي. . اندفع كالبرق وبحركة عنيفة تفيض بالامتلاك مد يده وشدها إليه بقوة منتزعا إياها من يد الحارس.
رمق الحارس بنظرة قاتلة نظرة جمدت الدماء في عروق الرجل فانسحب في ثانية خوفا من غضب سيد القصر.
كانت ملوك غائبة عن الوعي تقريبا لا ترى أمامها سوى ضباب رهيب تتشبث بخصره تحاول استجماع شتات نفسها لكن هيهات. .
انحنى عامر فوق وجهها أنفاسه لاهثة تضرب بشرتها الشاحبة. تـأملها وجفونها التي ترتعش بضعف أذاب صخور قلبه. عيونه علي تفاصيلها كأنه سحر او مس جسدها بين أحضانه أطاح برصانته في تلك اللحظة اختفت القوة ولم يتبق إلا ملوك الضعيفة في يد عامر الانسان.
كان قلبه يقرع طبول الحرب . استكانت بجسدها الواهن ومالت براسها علي صدره وظلت مغمضة العينين تنهج أنفاسها لفحت عنق عامر الذي تجمد مكانه.لم يعلم لماذا لم يضعها علي احد الكراسي وظل محاوطها ودخل بها حجره الحارس و غاب معها في تلك الحجره تاركا المستشار الرزين بالخارج .
بدأت ملوك تعود ببطيء وتشبثت بقميصه دون أن تدري.. لعلها تعود.. فتحت عيونها لترى وجهه قريبا منها انتفضت في حضنه وهي تصرخ...
فيه ايه يا بتاع أنت سيبني.. أنت إيه ده.
شعر عامر بغيظ مكتوم بدل أن تشكره على إنقاذها من الأرض تسبه وبحركة مباغتة أفلت يديه عنها فجأة.
لتسقط ملوك على الأرض بارتطام آلم جسدها المتعب. أغمضت عينيها من شدة الألم والدوار الذي رفض الرحيل وظلت جالسة مكانها لا تقوى على الحراك.
وقف عامر أمامها ركن ظهره إلى الحائط وربع يديه ببرود ينظر إليها ببرود ولكن مراحل قلبه تشتعل وهي تحاول جاهدة أن تسند يدها على الأرض لتقف لكن يدها كانت تخونها وتنزلق.
ضحك عامر بنبرة مستفزة..
ممكن تحاولي تجولي جومني عادي على فكرة.. ولا هو جبروت وعناد ع الفاضي وأنتِ مش جادرة تصلبي طولك؟
رفعت عيونها إليه بحدة...
ماتتكل علي الله يا سيادة المستشار.. مش ناقصة خنقة إيه القرف ده.
رفع حاجبيه بدهشة وانحنى قليلا وهو يتأملها..
برضه لسان مبرد هو أنت طبيعية؟ مابتخافيش خالص؟
نظرت إليه باحتقار وهي تحاول التوازن..
وأخاف ليه هو أنت بتخوف ليه بتعض؟
هز رأسه بابتسامة غامضة ظهرت لأول مرة...
على فكرة.. أنتِ بقيتي بالنسبة لي مسلية جوي.
لم ترد عليه بل قبضت بكل قوتها على طرف مقعد قريب حاولت بصعوبة بالغة.
لم يعطيها الفرصة فانحني وامتلكها من خصرها وبشده قويه رفعها للاعلي فارتدت بصدره رفعت يدها تركن عليه رغما عنها وتلاقت نظراتهم لفترة جمود عجيب بينهم وتوهان غريب.. كان يقبض علي خصرها بقوه يتحكم في نفسه الي ان ألم خصرها فانتفضت وتراجعت بصعوبة.
فهتف عامر بنبرة يحاول أن يجعلها طبيعية لم تخلُ من أمر....
همي.. أوصلك.
قطبت جبينها باستنكار..
توصلني؟ توصلني بتاع إيه أنت كمان؟
تنهد بضيق مصطنع..
أهو بعمل فيكي ثواب بدل ماتجعي في نص السكة وعربية تهرسك.. الطريج واعر وأنتِ مش شايفة قدامك.
استجمعت شتات كبريائها ونظرت في عينيه بقوة..
هتفرح ساعتها صح؟ أنت إزاي جواك كم الغل ده كل ده عشان أنا مش من المقامات اللي تشرف حضركم؟
هتف عامر بحدة..
لاه.. عشان ضحكتي على أخوي وهو غلبان وطيب.. أنتِ ماتنفعيش لأخوي واصل.
قطبت جبينها وسألت بمرارة... ليه عشان فقيرة؟
فاندفع عامر وقال بصدق جارح... لاه.. عشان أنتِ فرسة رماح.. عايزة اللي ياخدك يلجمك . حد شديد يملكك ويسيطر علي طيحتك وعمر كان أرق من إنه يجاريكي. اللي يجاريكي لازمه جبروت فوق جبروت
فتحت عيونها على اتساعها من ذهول وصفه لها شعرت ببعض الخوف فهو محق فهيا تختلف عن ملك . أحنت رأسها مرة واحدة ولم تنطق.
هتف عامر بإصرار... جولت أوصلك.. خايفة من إيه؟ عادي أوصلك.
استدارت لترحل وهي تترنح...
أخاف من إيه.. أنت ليه مصمم على كلمة الخوف دي أنتم مابتعرفوش إلا الكلمة دي؟ أنا لو بخاف ماكنتش جيت خبطت على باب بيتكم وأنا عارفة أنتم إيه.. اللي يخاف ده عنده حاجه يخاف عليها انتو خدتو كل حاجه. .. أنا لو بخاف ماكنتش رجعت أرد أمانة وأنا مستنية غدركم في كل لحظة.
صرخ عامر بعزة نفس: إحنا مش غدارين يا بت الناس...
هتفت بسخرية مريرة... بجد؟ لا خالص.. فعلا باين أوي...
لم يشعر بنفسه اندفع وهو يحاول تبرير موقف عائلته لها.. ... أنتِ مش فاهمة اللي حصل ..انت عايزانا نعمل إيه لما نلاجي.....
قاطعته بقوة... لا أنا فاهمة كويس ومش محتاج تفهمني.. عن إذنك يا سيادة المستشار ماينفعش توصل جربوعة زىي.. حد يشوفك ولا حاجة ويقولوا المستشار مركب جربوعة معاه.
استدارت بصعوبة وبدأت تمشي وهي تتطوح يمينا ويسارا.
لم يحتمل عامر منظر وهنا فاندفع ووقف أمامها يسد طريقها بجسده الضخم
أني مابيهمنيش حد.. يلا أوصلك جولت.
نظرت في عينيه بذكاء وقالت...
ريح روحك.. مش هتعرف مكاني. أنا فاهمة لفك ودورانك ده كله ليه مش لوجه الله ولا خايف عليا.. أنت عايز تعرف أنا مستخبية فين بالأمانة التانية.
صرخ عامر وقد فقد أعصابه..
أنتِ اللي نيتك سواد أنا مابلفش ولا بدور ولا بعرفه .. ولو مش عايزة تركبي أولعي.
هتفت ببرود ذبح كبرياءه...
عليك نور.. سيبني أولع بقة. وسع كده إلا الجربوعه توسخلك عربيتك.
استدارت بصعوبة بالغة وخرجت من البوابة تاركة إياه يقف في منتصف الطريق يشتعل بنار الحيرة والغضب وعيناه تلاحقان طيفها المترنح حتى اختفت عن ناظريه.
كان الطريق للقصر ترابي طويل ليسمع هو بعد برهة صياح فخرج علي الفور وجدها تقف كالوحش ترفع مشرطها أمام شابين قلبه وقع في قدميه.
اندفع فورا وطار بعربته كالمجنون إليها ونزل ووقف امامها والغضب بعيونه جحيم الا ان الشابين كانا يعرفانه فهربا علي الفور
اندفع بلهفه عجيبه.. لمسك حد عملك حاجه إنت كويسه. بيكي حاجه انطجي
الا انه انصدم نظرت إليه وهي بتنهج وساندة على العربية همست بسخريه... تبعك دول صح.. باعتهم ورايا عشان تخلص من وجع الدماغ.
عامر التفت ليها ومسح عرق جبينه بهدوء رتنفس ليهدا وقال بنبرة فيها نبل حقيقي لأول مرة. ِ
عامر الراوي لو حب يخلص من حد بيخلص بكلمة من لسانه في المحكمة، مش بغدر في طريج مجطوع. وأنا جولت أوصلك عشان خايف على أمانة أخوي مش عشانك.
وفتح لها باب العربة بكل أدب وقال... اركبي.. وهنزلك في المكان اللي تختاريه ومش هبص ورايا أعرف دخلتي أنهي بيت. المهم ترجعي سالمه.
هزت راسها ببرود... مابركبش مع غرب يابن الناس.. ثم أكملت بصدق.. بس عموما شكرا علي حركه المجدعه.
رفع حاجبيه... غريبه تشكريني مش انا الهجام والحرامي.
مطت شفتيها. بلا مبالاه..... انا لما حد بيعمل ليا حاجه لازم أرجعها لو بموت.. وأنا ماعنديش إلا كلمتي محلتيش غيرها.
واستدارت تمشي وهو يقف مدهوشا بكلامها.
اندفع إليها وهتف بلين غريب.... هتاجي صوح.
نظرت اليه بإستغراب لا تفهم إصراره أو تلك النبرة.. تنهدت وهزت راسها.
مد يده ونظر اليها.... عهد عامر الراوي بيستناكي تجيبي امانه اخوي.
ظلت تنظر ليديه فتره لا تعلم ماذا تفعل ولكنها وجدت نفسها ترفع يدها وتضعها بيده فارتجف قلب الاسد من لمستها وقالت.. عهد بنت الهاشمي يابن الراوي اجبلك امانه أخوك.
شدت يدها من يديه كأنها تسحب روحه واستدارت وهو ظل ساهما كالصنم لا يتحرك الي ان اختفت من أمامه وبداخله عاصفه هوجاء لا يفهمها.
عاد بعد فترة و دخل عامر وعيناه تشتعلان بنار غير مفهومة جلس وكأنه يجلس على جمر يآكل في روحه.
قطع عمار الصمت وهو يوجه كلامه للجد...
إيه يا جدي ناوي تعمل إيه مع البت دي؟ إحنا مش لازم نوثج فيها واصل.. لازم نشوف إيه الأمانة دي وعلى أساسها نتصرف.
رفع الجد عينيه المليئة بالحكمة والقسوة معا وسأل بنبرة جمدت الدماء في العروق...
تتصرف إزاي تموتها.. تموتها هي كمان يا عمار...
هب عمار واقفا كأن لغما انفجر تحت قدميه صرخ بحرقه...
حرام بقة يا جدي جلبي إنهري كفاية.. كفاية الذنب اللي شايله عمري كله إني جتلت أخوي.. كفاية باكل في حالي كل يوم ولا يوم نسيت ارحمني يا جدي.. والله ماعت جادر واصل..
ظل عامر شاردا في طيفها كلامها ملامحها المستفزة وقوتها الغريبة التي هزت كيانه. استدار الجد نحوه وعيناه تراقبانه بحذر وهتف...
بتفكر في إيه يا عامر اصحك تكون بتفكر تأذيها...
رد عامر بصوت مخنوق....
أنت عارفني يا جدي.. إني إديت كلمة خلاص وعامر الراوي كلمته عهد.. بس يا تري إيه الأمانة دي؟ وإيه اللي مخبياه ورا ضهرها؟
سهم عامر قليلا ثم انطلقت الكلمات من بين شفتيه بنبرة خافتة يخاطب روحه...
بس دي كت مرت عمر إزاي... مامصدجش إن دي كت مرت عمر.. إني لما جابلتها زمان كانت مش كده خالص ولا عيونها دي كيف الوحش توجف تاخد جلب اللي قدامها براحة.. كيف دي؟ ماخابرش.. عمر كان حنين وطيب دي إزاي مرته؟ دي عايزة أسد.. وحش يجدر عليها.. دي وجفت نهشت جلوبنا وسط الخلج ولا اتأثرت.. كيفها دي مرت عمر؟
كان الجد ينصت إليه يراقب تشتت حفيده وانبهاره الخفي الذي يحاول مداراته خلف الغضب فقطب جبينه ورد بتعجب...
ماخابرش يا ولدي.. هو جال إنها طيبة وحنينة وكيف الجطة.
هنا انفجر عامر صارخا...
ودي جطة دا مرار إيه ده دي فرسه مالهاش وصف .. وبعدين جال محجبة البت كانت بتلعب عليه وبتمثل إنها طيبة ولابسة ومجفلة.. أيوه وأخوي أهبل وانضحك عليه إني حاسس إننا دخلنا في نار البت دي مش طبيعية واصل.
هز الجد رأسه بوقار وهتف....
ماخابرش يا ولدي.. بس كلام عمر إني مابنسهوش واصل وعهدي ليه هيكمل حتى لو كانت مين حتى لو كانت شيطان مرت عمر هتنشال عالراس كرامة للي راح.
******
بينما كان الرجال في صراع القوة بالأسفل كانت نيران الغيرة تحرق الطابق العلوي. اندفعت ندى داخل الغرفة وهي تلطم على خديها بذهول وحقد...
شفتوا البت الفاجرة.. جت تجول إنها مرته إني حاسة بنار في صدري.. لو ماكنش مات كنت جتلته هي دي اللي خدته منينا وهي دي اللي واجفة تتبجح وتتكلم.. دا مسكت عامر وكانت بتردحله باين عليها جاية من الشارع وما لجتش اللي يربيها.
ردت مها بغل مكتوم وعيناها تلمعان بالشر...
الحيوانة ترفع يدها على أسيادها انا ماعارفاش عامر ماجتلهاش ليه دي كان لازمن تنحبس وتتأدب.. أجول إيه؟ جدي هو اللي سمح هو اللي بوظنا.
أما الأم فكانت تدور في الغرفة بقلق تفرك يديها ببعضهما وهتفت بريبة...
ماعارفاش.. جلبي مش مطمن واصل ودخلة البت دي وراها خراب مستعجل.. جيب العواجب سليمة يا رب البت دي وراها سر كبير إحنا مش هنسكت بيت الراوي إللي هيدخلو غيرنا هيندفن هنا..
'*' *****
ودول حرابيق الروايه مالناش دعوه بيهم..😂😂😂
شفتو ابننا. ماعرفش يسيب بنتنا.. شفتي يا سماح.. . المستشار لما شد البت من الحارس... ياختاااي والا وهو شادد البت يا قلبو إللي اتجاب.. وابننا لما يتجاب مش هيتساب...
الواد خاف ع البت ووقف غضنفر هيبقي شديد بعدين احبو ده رغم إنه حلوف كبيره