تحميل رواية «قصر آل الزيني» PDF
بقلم Salma Khaled
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في هذا القصر لا شيء يحدث مصادفة..... ولا أحد يخرج بلا ندبة... ففي ليلة شتوية ابتلعت الامطار أحلامنا ، و في غمضة عين اختفت الآمال بين السحاب المغيم ويبقى الحب... ولكن سرعان ما يصعقه برق تلك الليلة، لتنتهي القصة قبلما تبدأ ويالها من ليلة.
قصر آل الزيني الفصل الاول 1 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه وحشتوني في روايات كتير مكملتهاش انا عارفة بسبب الشغل للاسف ولكن دي نظرا لأنها قصة حقيقة جزء كبير منها حصل حبيت ارجع للروايات تاني عن طريقها عايزاكم تحمسوني و تبعوا معايا علشان اكمل وان شاء الله هتعجبكم أحداثها
مواعيدها جمعة و سبت مفيش ساعة معينة اي وقت في اليومين دول شلوها في المكتبة عندكم علشان وقت ما تنزل يجيلكم نتفكيشن
جاهزين ؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الأول
[ نحن ابناء عبدالله الزيني ]
_ قولتلك احترم نفسك احنا في شغل ولو حد سمعنا هنروح في داهية
تحدثت في نبرة صوت خفيض مازحة و على شفتيها ابتسامة صغيرة
أجاب وهو يبتسم مازحًا هو الآخر:
_ اعمل ايه بحبك طيب وانتي شكلك بقيتي تستغلي الحب دا و تتقلي عليا و تهتمي بالشغل اكتر مني
_( شهاب) اهدى و متنساش ان بابا كمان شغله هنا و الشيخ عبدالله متحفظ ومش بيحب المرقعة في شغله حبتين ولا الموضوع جديد عليك؟؟
_ خلاص يا آنسة ( هانيا) بما انه مش مسموح لا كلام ولا هزار في الشغل لأنك خايفة الشيخ او ابوكي يقفشك خلينا نخرج النهاردة بعد الشغل نتكلم اكتر و نظبط معاد اجي اخطبك فيه بقا علشان اهزر براحتي وعلى مزاجي
ابتسمت و تابعت شغلها تلك الفتاة التي كانت تشبه سكون الليل في هدوئها و القمر في جمالها ونظرت بعينيها البنية الواسعة إلى شاشة الحاسوب و باصابعها الناعمة بدأت تضغط على الازرار لتكتب
كانت تفوق الجميع في صمتها و رقتها ولم تكن ميزة جيدة بالنسبة للكل فكان البعض يراها ميزة والآخر سلبية.
أطلقت زفيرًا طويلًا وتركت العمل لترتاح قليلًا وأخذت تداعب شعرها القصير الذي كان يغطي رقبتها وفقط وهي ترمق شهاب حبيبها بنظرات يملأها الحب و الشغف، وكان الاخر قد لاحظ تلك النظرات لذا أخذ يبادلها النظرات نفسها وهو يقلدها ويداعب شعره الذي يغطي رقبته مثلما تفعل فقد كان لديه شعر طويل
ابتسمت لفعله ثم اخذت تتابع عملها.
وعقب مرور بعض من الوقت، دخل مدير القسم الذي يعملان فيه، فقد كانا يعملان في قسم التسويق داخل شركة الزيني الكبيرة و المعروفة كأحدى أكبر شركات لبيع و تصدير الملابس للأسواق المحلية.
يدخل المدير وهو يلتفت كأنه يبحث عن شخص ما وما إن وجدها حتى ابتسم وأخذ يقترب منها وتحدث في ابتسامة عريضة:
_ هانيا ازيك عاملة ايه دلوقتي؟
رفعت إليه رأسها وتحدثت في ابتسامة:
_ انا تمام الحمدلله يا ( جياد) وانت ايه الأخبار؟
_ كله حلو، انا بس قلت اطمن عليكي لانك بقالك يومين غايبة من الشغل
_ كان عندي دور برد والله شديد ما صدقت فوقت منه شوية
_ الف سلامة عليكي، الحمدلله انك اتحسنتي، انا بجد قلقت حتى سألت (روني) عليكي قالتلي تعبانة شوية فقلقت اكتر يا ترى هيكون عندك ايه وانا عارف ان روني مش هتحب تقولي علشان مقلقش فاستنيت اول ما روحت البيت خليت( مايا) اختك ترن على مامتك علشان اطمن منها بنفسي
_ كبرت الموضوع يا جياد والله
تحدثت وهي تبتسم ثم تابعت مازحة:
_ يعني تعبت شوية قلبت الدنيا و كلمت اخواتي كلهم وماما!
_ اومال انتي فاكرة ايه؟! مش لازم اطمن؟ روني عايشة معاكي في البيت وخلاص محسوبة علينا اختك ولا بتفيدني في أي حاجة، أما مايا حبيبتي مرات اخويا حبيبي هي اللي بطمني عليكي دايما و بتكبرلي المواضيع زي ما انا حابب
ضحكت وردت:
_ لان روني عايشة معايا في البيت وشايفة اني عادي يعني شوية برد وكدا فعشان كدا مش بتاخد المواضيع بجدية او بقلق كدا على عكس مايا أما تقولها اختك غايبة من الشغل بقالها يومين ومش عارف مالها وبتاع أكيد هتقلق لأنها مش عارفة انا فيا ايه علشان كدا هتكبرلك المواضيع
ابتسم ورد:
_ المهم انك بخير دلوقتي ودا اهم حاجة عندي
ابتسمت في خجل ولم ترد
وكان شهاب يرمقهما في غيرة يكد ينكب عليه يبرحه ضربًا حتى لا يمازح او يتحدث أو يمر حتى بجانب حبيبته مرة أخرى ولكنه مديره وهذه اخت زوجة أخيه فبطبيعة الحال بينهما مواضيع و أحاديث لا يستطيع ان يقطعها أو يمنعها حتى تلك الزيارات العائلية من وقت إلى آخر لا يستطيع أن يمنع هانيا ان تحضرها ولكن ماذا يفعل في قلبه الذي يتمزق عندما يراه يتحدث معها بتلك الطريقة فهو يعلم جيدًا تلك النظرات ولا يخفى عليه أن جياد معجبًا بحبيبته.
************
" اعملي القهوة بتاعتي يا عم محروس واظبطها بالله عليك "
تحدثت الفتاة وهي تضع يدها على جبينها تشعر بالصداع، ليرد عليها الرجل:
_ حاضر خمس دقايق وتكون عندك
_ تسلم
انصرف الرجل وأخذت هي تلتفت حولها وتمتمت:
" مدخلش النهاردة خالص، مدير تقيل موت موت يعني"
وفي تلك الأثناء بينما هي شاردة الذهن، كانت فتاة في الجهة الأخرى ترمقها في ضيق وتحدثت إلى ابنة خالتها:
_ (تالية )
تركت الفتاة ما في يدها ورفعت رأسها إليها قائلة:
_ يلا قوليلي( روني) عملت ايه حرق دمك تاني بسرعة بس علشان ننم عليها بسرعة و بعد كدا ارجع اكمل شغل
_ انتي بتتريقي عليا يا تالية؟
_ لا يا غالية خالص بس بجد أنا فعلا مش شايفة ان بين يزيد و روني اي حاجه تستدعي القلق غير ان روني اخت مايا و يزيد اخو فاتح جوز مايا فبطبيعة الحال اما بيدخل و يشوفها بيهزر معاها وهي كمان بتهزر معاه و بيس يعني مفيش حاجة ماهو عارفها بقاله سنين لو كانت في دماغه كان خطبها
_ سنين إيه؟؟ دي هي سنة، مايا و فاتح متجوزين بقالهم سنة بس
_ ماهو باباهم شغال مع خالنا عبدالله بقاله سنين
_ ماشي بس كانوا كلهم في قطر يا بنتي انتي نسيتي؟! بناته ماكنوش معاه
_ طيب كان اتلحلح بقاله سنة اهو لو عايز حاجة منها كان عملها
_ بس انتي عارفة يا تالية ان البت دي بتبص له و في عنيها لمعة كدا كل اما يدخل القسم سواء يتكلم معاها أو مع غيرها الاقي عنيها لمعت ووشها كله بيضحك
_ يا (أسيل) ما تلمع ولا تولع حتى!
اهم حاجة ان يزيد مش مديها وش
_ نفسي افهم يا تالية مستني ايه ويجي يخطبني، من زمان وخالي عبدالله قايل مش هجوز عيال اخواتي غير لعيالي
_ الحال من بعضه يا أسيل أنا كمان مستنية جياد يطلبني بس هنعمل إيه بقا مش عارفة خالي نسي ولا إيه؟!
صمتتا برهة حتى تابعت أسيل الحديث قائلة:
_ تفتكري يمكن لانه لسه راجع مصر بعد ما قضى عمره كله تقريبا في قطر و مشغول بقا بالفرع الجديد و كذا حاجة فمش فاضي لخطوبة عياله حاليا؟!
_ جايز دا نساه فعلا بس لازم على الأقل يزيد و جياد يفتحوه في الموضوع علشان لو ناسي يفتكر
_ نخلي أمهاتنا تفكر أمهم؟
_ ايه الدلقة دي اتقلي شوية يا أسيل مش كدا
_ خايفة والله، يزيد وسيم و كاريزما و غني و فيه كل أي حاجة بنت تتمناها، فخايفة أي واحدة تنتشه واديكي شايفة البنات عاملة ازاي في الشركة بجد أشكال و ألوان يخربيتهم
_ ما سيم دا نفس الحال مع جياد اخوه بردو
_ محظوظة بنت مجدي السَّلّاب قدرت تتجوز فاتح و تدخل العايلة منها لله
_ عادي بقا نصيب، ماهو مجدي السَّلّاب مش سهل بردو قاعد عامل نفسه الناصح الأمين لخالك و واحدة واحدة أقنعه بيه و كسب ثقته ثم خلى ابنه يتجوز بنته ...سلّاب فعلا
صممتا وتابعت تالية عملها بينما أسيل لازالت تراقب روني و تصرفاتها.
وضع الرجل لها كوب القهوة فشكرته وأخذت رشفة و التالية وهي تداعب شعرها الذي يصل إلى كتفيها
كانت تدعى (رانيا) ولكنها تكره ذلك الاسم وتكره من يناديها به لذا أصبح الجميع ينادونها ( روني).
البعض يراها مغرورة و الآخر يراها واثقة ولكنها لم تكن بسيطة بالنسبة للكل ولم يتفق أحد على هدوئها فلم تكن هادئة كأختها الصغيرة هانيا ولا حتى اختها الكبيرة مايا، كانت سيئة بالنسبة للبعض و جيدة بالنسبة للبعض الآخر و السبب انها لم تعتد على ترك حقها ولم تعتد على الصمت وكل ما يخطر في بالها تقوله لذا كانوا يخافون من مواجهتها احيانًا.
أما الشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه أنها كانت شديدة الجمال رغم ملامحها الحادة قليلًا.
ولما يئست من عدم مجيئه قررت هي أن تذهب إليه وبالفعل تحركت في ثقة وما ان رأتها أسيل تتحرك حتى قررت أن تراقبها فهي الآن عملها الجاد وحسب.
كانت أسيل جميلة للغاية ولديها جسد متناسق وملامح حادة وعيون بنية ضيقة و شعر طويل إلى حد ما ولكن ما كان ينقصها الثقة تشعر دائمًا أن الفتيات حولها يتميزن بشيء عنها.
وقفت روني أمام المكتب لتقرأ جيدًا اللفتة المكتوبة على الباب [ Finance Manager ]
Yazid Al Zieny
فكان مدير المالية الخاص بشركة والده، وكانت هي و أسيل و تالية بنات عمتاه يعملن كموظفات لديه في القسم فكن محاسبات.
طرقت الباب وانتظرت حتى أذن لها وما إن دخلت قالت:
_ إيه الأخبار
رفع رأسه إليها قليلًا ورد في ابتسامة صغيرة:
_ كله حلو وانتي عاملة ايه؟
أطرقت فهي لا تعرف ماذا تريد وما الذي أتى بها إلى هنا. ولما لاحظ شرودها تحدث:
_ هاي، روحتي فين؟
التفتت إليه وردت :
_ لالا أنا مروحتش في حتة... معاك اهو
_ متأكدة؟
_ اه
_ طب قولي كنتي عايزة إيه؟
أخذت تقترب منه حتى جلست على الكرسي وهي تقول:
_ هو بصراحة كدا كنت عايزة اطمن على مايا اختي اللي عندكم
ابتسم ولم يرد، فتضايقت وتابعت:
_ إيه! بتضحك على إيه؟!
_ ما ترني عليها!
أطرقت برهة ثم ردت في ثقة:
_ رصيدي خلص
_ يعني انتي سايبة الشغل و جيالي أنا لحد هنا مخصوص علشان ارنلك على اختك لانك مش معاكي رصيد؟!
_ آه
_ ايه؟
تحدثت حتى تعدل موقفها أمامه فقالت:
_ لا مش دا بس اللي كنت عايزاه اكيد أنا مش تافهة يعني، ما كان ممكن اشحن أو اقول لحد في التيم يديني أكلمها
_ ماهو دا رأيي بردو
_ لا أنا كنت جاية علشان...... فيه حد دايقني في التيم، وهو مش انت المدير؟
ابتسم وسكت، فتابعت بضيق أكبر:
_ هو انت بتضحك تاني؟!
_ مين اللي دايقك يا روني قوليلي
_ لا خلاص ولا حاجة شكلي مضيعة وقتك ومش عايز تسمعني اصلا أنا هقوم أمشي أحسن
اطرق مرة أخرى وأخذ يبتسم بشكل أكبر مما استفزها و جعلها تنهض في عجلة وهي تقول:
_ شكرا اوي مستر يزيد عن اذنك
قالتها وأخذت تسير في سرعة وهي غاضبة، وهو لا يزال يضحك ثم تمتم ما ان خرجت:
" مجنونة "
وما ان رأتها أسيل وهي بذلك الشكل ابتسمت و تمتمت:
" أحسن يكش يكون هزقك "
ثم اتجهت هي نحو مكتبه و طرقت الباب ولما اذن لها فتحت وهي تبتسم وتقول:
_ مساء الخير
_ أسيل مش وقته مشغول حاليا وقت تاني تعالي
اغتاظت بشدة و رمقته في غضب ثم غلقت الباب في قوة خلفها وسارت غاضبة مثلما سارت روني قبل قليل.
أخذ يزيد يتابع عمله وهو يبتسم ما ان تذكر حجج روني كي تتحدث معه و تراه فهو من تعمد عدم الدخول إلى القسم مثلما اعتاد أن يفعل و ترك مساعده يتولى الأمر تلك المرة ليختبر رد فعلها، كان يفكر في الزواج منها من بين الحين و الآخر و لكن ما يعوقه تلك الفترة هو كثرة العمل و الازمة التي حلت على الشركة فكان مضغوطًا للغاية.
كان معروفًا بجماله الهادئ و لحيته السوية و شعره المرتب و بدله الأنيقة ولم ينس أي أحد حكمته و رزانته و هدوئه المعروف بهم في الوسط
**********
كانت عائلة الشيخ عبدالله الزيني تقيم في واحدة من أرقى مناطق الشيخ زايد، حيث يقع قصرهم الضخم في أليجريا، ذلك المجتمع الهادئ المخصص لرجال الأعمال و النخبة.
كان قصر الشيخ عبدالله الزيني ينهض على أطراف المدينة كتحفةٍ نادرة، يختلط فيها عبق الفخامة بوقار السنين. جدرانه البيضاء تلمع تحت الشمس كأنها مكسوّة بطبقة من اللؤلؤ، تعكس مهابة الرجل الذي شيّدها، وتُعلن بوضوح أنّ صاحب المكان ليس رجلًا عاديًا، بل أحد كبار رجال الأعمال في صناعة الملابس ومُلّاك المصانع.
يتقدّم الزائر عبر ممر طويل مفروش بالحجر الطبيعي، تتوزّع على جانبيه أشجار نخيل شاهقة تهتزّ مع الريح كحراسٍ مخلصين. وفي منتصف الباحة الأمامية تمتدّ نافورة رخامية ضخمة، تتراقص مياهها بصوتٍ رخيم يمنح المكان هيبة وهدوءًا في الوقت نفسه.
المدخل الرئيسي يرتفع بباب عملاق من الخشب المحفور يدويًا، تُزيّنه نقوش عربية دقيقة تحكي عراقة العائلة وامتدادها. وعلى جانبي الباب، تنتصب أعمدة رخامية بلون العاج، تُضفي على الواجهة إحساسًا بالقوة والاتزان.
تحيط بالقصر حديقة واسعة أشبه بحدائق القصور الأوروبية؛ مسطحات خضراء مترامية الأطراف، أزهار بألوان زاهية، ومسارات ضيقة ملتفّة تؤدي إلى جلسات خارجية مُظلّلة، كانت زوجته تحب الجلوس فيها كل صباح مع أولادها الستّة.
ومن بعيد يمكن رؤية شرفة كبيرة تطل على الحديقة، تُضاء ليلًا بفوانيس ذهبية تجعل القصر يبدو وكأنه لوحة رسمتها يد فنان.
كان المكان بأكمله يهمس بثروة الشيخ عبدالله الزيني ونفوذه… لكنّه في الوقت نفسه يعكس بيتًا حيًّا، تنبض صوت الحياة.
في الحديقة الخلفية للقصر يقف شابًا في أواخر العشرين من عمره وحوله العديد من القطط، يحمل أحدهم ويلعب معه و يطعم الآخر في حب و جو هادئ وهو ينادي عليهم حتى يقتربون منه و يلعبون معه وكانت قطته المفضلة تدعى لونا وكانت قطة صفراء شقية تمازحه دائمًا. وبينما هو بينهم، نادت عليه سيدة في الخمسين من عمرها وقالت في صوت عالي:
_ يلا يا حسّان كفاية لعب مع القطط سيب الاكل ليهم وتعالى علشان عايزة اتكلم معاك شوية
نظر إليها ورد في ابتسامة:
_ إيه يا أمي، والدي و اخواتي جم؟ جعان ومستنيهم علشان الغدا
_ لسه مجوش، نص ساعة و يكونوا هنا. اخلي نادية تقولهم يحطولك انت يا حبيبي؟
_ لا، هاكل مع اخواتي و والدي
_ ماشي يا حبيبي، تعالى نتكلم بقا
_ حاضر يا أمي هلعب بس شوية مع لونا و جيلك علطول
نظرت إليه في خيبة أمل ثم انصرفت.
وفي إحدى غرف القصر، كانت (مايا ) الاخت الكبرى لروني وهانيا تطل من الشرفة برأسها تتحدث مع والدتها عبر الهاتف فقد كانت تقول:
_ مش عارفة هعرف اجي اتغدا معاكم النهاردة ولا لا
_ ليه؟ دا انا حتى عملالك الأكل اللي بتحبيه
_ مش عايزة اسيب فاتح لوحده وياكل لوحده يا ماما
_ يا حبيبتي مين قال إنه هياكل لوحده، هاتيه معاكي أو كلميه قوليله الغدا عند ماما يخلص شغل ويعدي علينا هو اصلا بيحب أكلي
_ مرة تانية لانه مضغوط و ممكن ميجيش على معاد الغدا هيقولي كلي انتي عند أهلك وانا أما ارجع ابقى اكل لاني مش ضامن مواعيدي واكيد مش هفضل سايب الناس مستنياني على الأكل فلازم أكون معرفاه قبلها بشوية علشان يقدر يضبط مواعيده
_ خلاص زي ما تحبي، قوليلي حماتك عاملة إيه معاكي؟
ابتسمت الفتاة وردت:
_ لو كنتي جبتي سيرة ربع جنيه مخروم كان هيبقى افضل
_ ليه؟
_ اهي حماتي شيفاها انا واقفة في البلكونة وشيفاها جاية
_ جاية منين هي كانت فين؟
_ انا عارف لها! كانت سارحة في الجنينة
_ مالها يعني عملت إيه جديد معاكي؟
_ مش بتبطل والله يا أمي... سيبك منها المهم أخبار روني و هانيا إيه معاكي؟
_ ولا ليهم لأزمة بيرجعوا من الشغل يناموا زي الخرفان و تاني يوم يروحوا الشغل و هكذا، شغل البيت كله عليا والله وان قلت لواحدة فيهم تساعدني تقعد تقولي مش قادرة يا ماما تعبانة يدوب اخد شاور و أنام
وقاطع حديثها مع والدتها صوت دقات الباب، فتحدثت مقاطعة والدتها:
_ ماما اقفلي هكلمك تاني اشوف بس حماتي عايزة إيه
_ ماشي واول ما تمشي كلميني عرفيني قالت إيه
_ حاضر
فتحت الباب بعدما أنهت المكالمة مع والدتها وتحدثت في ابتسامة ما ان رأت حماتها:
_ ماما اتفضلي
دخلت السيدة ثم جلست على السرير و تحدثت:
_ عمك عبدالله كلمني وقالي انهم هيتأخروا شوية في الشغل النهارده علشان عندهم ضغط، وأنا قلت انتهزها فرصة و نروح للدكتورة
نظرت الفتاة إلى الأرض في خجل ثم تحدثت:
_ أنا كنت لسه عندها مليش شهر
_ وقالت إيه؟
_ قالت لسه ربنا مأردش
_ لا انا هخليها تشوف لي حل لأنها لازم تشوف حل، ابني كسر التلاتين وانتي وهو بقالكم سنة متجوزين واحنا هنا هنتجنن ونشوف له عيل حتى، وانتي مش عارفة تجيبي والواد منكد وكلنا منكدين
_ وانا ذنبي إيه؟ دا مش بأيدي دي حاجة في ايد ربنا
_ ذنبك انك مهملة، تابعي مع كل الدكاترة خدي دوا اعملي أي حاجة مش معقول كدا الطب تقدم و موضوع الخلفة دا بقا سهل و الفلوس معانا ان شاالله نسفرك برا حتى بس المهم تحملي و نشوف حفيدنا لكن تفضلي كدا تعتمدي على القدر و متاخديش بالأسباب عمرك ما هتشوفي ضفر عيل حتى فهمتي؟
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ ألبس يعني دلوقتي؟
_ اه يلا لازم نشوف لنا صرفة
قالتها ثم خرجت وما ان غلقت الباب حتى تمتمت الفتاة:
" قرفتيني يا شيخة، مش عارفة مش بتجوز اي حد من عيالها ليه و ارتاح منها ومن زنها شوية! كل أما تزهق تيجي تغتت و تنكد على مايا، ماهو مفيش غير مايا في أم القصر دا قاعدلها.
**********
" أنا مش عاجبني الحال دا يا مجدي لازم تشوف لي حل، ونظم ميتنج فيه كل مديرين الأقسام بحضور فاتح طبعا حركة البيع بطيئة ودا شيء مدايقني"
تحدث الشيخ (عبدالله الزيني)_ وكان الشيب قد ملأ رأسه و لحيته؛ فقد كان في الستين من عمره _ في نبرة حادة تملأها الجدية و القليل من الغضب إلى مساعده و مستشاره الأول السيد ( مجدي السَّلّاب)، والذي كان يصغره بستة أعوام، ورد عليه مجدي:
_ متقلقش أنا مكلم كل مديرين الأقسام و منظم الأمور مع فاتح يشرف عليهم وجياد طمني على حركة التسويق الفترة دي قالي انهم نازلين بحملة ترويج كبيرة اوي و هتسكر الدنيا و يزيد قالي ان اقتصاد الشركة رجع يتوازن بعد ما كان واقع الفترة اللي فاتت و كاميليا طمنتني ان الموظفين رجعوا بقوا مرضيين و مبقاش عندنا عجز كمان حاليا
_ عمري ما كنت متعود على اللي حصل دا يا مجدي، مستغرب جدا بقالي سنين شغال في قطر ودايما رقم واحد في السوق اول ما رجعت مصر من سنتين بس وبدأت انقل الفرع الرئيسي هنا وانا حاسس ان الأمور كلها خرجت عن السيطرة
_ مفيش حاجة خرجت عن السيطرة ولا حاجة، دا طبيعي احنا لسه جداد بالنسبة للسوق المصري وفيه شركات كبيرة اوي هنا و المنافسة مش سهلة اخدنا وقتنا و الحمدلله فيه تحسن عن الأول بكتير
أطلق الشيخ زفيرًا طويلًا ورد:
_ الحمدلله يا مجدي، ابقى خصص جزء من الفلوس و طلعه لله يمكن دا كان سبب المحنة اللي كنا فيها
_ حاضر اعتبره حصل
_ والله يا مجدي مش عارف اشكرك ازاي طول ما انت ورايا انت و أولادي انا ببقى مطمن على فلوسي وحالي
_ ربنا يطمن قلبك دايما.... العيال عرفوا يعيشوا في مصر و اتأقلموا؟
_ آه حاولوا لحد أما بطلوا يقولوا هنسافر يا بابا، يزيد دا بالذات من ساعة ما رجعنا مصر وهو هسافر وهمسك لك الفرع اللي هناك، هسافر هسافر ماصدقنا ربنا هداه و بطل يقول الكلام دا
_ معلش معذورين بردو، دي قطر دي تعتبر دولتهم اتولدوا اتربوا و اتعلموا و عاشوا هناك طفولتهم و حياتهم وجم هنا على كبر لازم يكونوا متأثرين
_ عارف علشان كدا ماكنتش بدايق من كلامه هو كمان صحابه كلهم هناك، يزيد بالذات مش بيصاحب ولا بيتعود على حد بسهولة علاقاته كلها سطحية، يعرف الدنيا كلها بس اللي يقربهم منه لازم يعملهم فلترة كل شوية
_ دا الصح، الناس مبقتش تضمن اصلا يا شيخ عبدالله... يلا ربنا يفرحك بيهم قريب يارب
_ آمين يا مجدي وعقبال ما تفرح ببناتك، يلا ارجع المكتب بتاعك و متنساش تنظم لي معاد للميتنج وقولي عليه قبلها علشان اظبط مواعيدي
_ أكيد، يلا عن اذنك
************
وعقب انتهاء مواعيد العمل، اتصلت روني على هانيا والتي سرعان ما ردت قائلة:
_ قوليلي يا بيبي
_ يلا هتمشي امتى ولا ناوية تباتي في الشركة!
_ روني، روحي انتي
_ طب وانتي؟
ابتسمت وتحدثت في صوت خفيض:
_ انا خارجة مع شهاب مش هروح معاكي
_ هانيا اقول إيه لبابا وماما؟؟
_ قوللهم خرجت مع واحدة صاحبتها تشرب معاها القهوة وجايه ومش هتتأخر
_ وهو الأستاذة رايحة فين؟
_ مش عارفة هيخرجني فين بس مش هطول.... روني
_ خير
_ احتمال يقولي امتى هيقابل بابا النهاردة و اخيرا هنتخطب و هبطل اقابله في السر
_ اتمنى ياختي بدل ماهو محنطك جمبه كدا بقاله سنتين
_ مش كنت بتخرج وكان بيخلص في شقته!
_ ماشي ياختي خليه يجي بقا و يبطل حجج علشان بابا لو اكتشف هيطير رقبتك، سلام أنا هقوم اروح
ما إن أنهت المكالمة مع أختها حتى أقبل شهاب جهتها وهو يقول:
_ خلاص خارجين؟
_ اه يلا
حملت أشيائها وكذلك فعل ثم خرجا معًا من الشركة وركبا سيارة الأجرة وبينما هو يجلس جوارها تذكر ما حدث بينها وبين جياد صباح اليوم وعليه قال:
_ هو الشيخ عبدالله دا عياله قد إيه؟
_ لسه ماتعرفهمش؟ بقالك سنتين في الشركة!
_ بتلغبط فيهم حاسسهم كتير
_ هما ٦
_ ما شاء الله .... وجياد الكبير بقا ولا يزيد؟
_ بص الترتيب بتاعهم، فاتح ثم حسّان ثم كاميليا ثم يزيد ثم جياد ثم ماهي
_ مين حسان دا؟ ماسك قسم إيه في الشركة، حاسس اني مسمعتش اسمه قبل كدا بينهم
_ هو مش في الشركة اساسا ومش شغال حاجة، حسان دا طيب كدا و على نياته اوي مش بيعرف يتعامل مش شبهم من الاخر هو تحس انه مش راجل ناضج زيهم عامة
_ عيل يعني
_ حاجة شبه كدا عقله لسه صغير بس هو طيب اوي و حنون جدا و بيحب الحيوانات و بالذات القطط، قلبه نضيف ابيض زي الطفل الصغير فعلا اللي ملوستهوش أفعال البشر
_ ربنا معاه بقا
_ ايه الرد اللي ملوش علاقة بالكلام دا؟
_ فكك احنا خارجين ننبسط مش نجيب سيرة عيال الزيني
_ طب هتوديني فين بقا؟
_ خليها مفاجأة
*********
اجتمعت عائلة الشيخ عبدالله الزيني على المائدة حتى يتناولون الغداء فكان الشيخ يجلس بجوار زوجته السيدة عبير و على جانبه الأيمن يجلس ابنه فاتح بجانب زوجته مايا و بجانبها تجلس ماهي ثم حسان وعلى الجانب الآخر يجلس يزيد و بجانبه كاميليا ثم جياد، ابتسم الشيخ ما ان رآهم بجواره وأخذ يشكر الله على أنعمه التي انعمها عليه وتحدث في صوت مسموع:
_ طبعا احنا عارفين ان عواد جوز عمتكم فاطيمة مات وعلشان كدا انا اقترحت على فاطيمة تيجي هي و عيالها باسم و تالية يعيشوا معانا هنا بدل ما يقعدوا لوحدهم لان الولاد طول اليوم بيكونوا في الشغل وهي بتفضل قاعدة لوحدها وانا مدايق بسبب دا علشان كدا هخليها تيجي تعيش معانا، القصر كبير و يشيل
ابتسمت عبير زوجته وردت:
_ تنور الدنيا ولو مشلتهاش الأرض اشيلها فوق رأسي يكفي أنها اخت جوزي و حبيبي الشيخ عبدالله
ابتسم ورد:
_ بنت أصول يا عبير من يومك ربنا يرضى عليكي
ثم نظر إلى أبنائه وتحدث:
_ أنا فخور بيكم جدا عدينا الازمة على خير يا أبطال و بأقل الخساير ودا يخليني مبسوط و مطمن على فلوسي و املاكي أنها في ايد رجالة صحيح
رد فاتح في ابتسامة:
_ الشكر الأول و الأخير بيعود ليك يا شيخ لانك ادتنا الثقة
واستأنف جياد الحديث متفقًا مع أخيه قائلًا:
_ كان ممكن تجيب حد خبرة لكن انت وثقت فينا رغم خبرتنا البسيطة و سننا الصغير على الإدارة دلوقتي، كوني أكون مدير قسم الماركتينج في شركتك الكبيرة و موظفينها الكتار وانا عندي ٢٤ سنة، لسه متخرج من ٣ سنين دي ثقة كبيرة تشكر عليها يا شيخ
ابتسم ورد:
_ وانتم كنتوا قد الثقة و رفعتوا رأس الشيخ يا أولاد
ثم التفت إلى بناته و تحدث:
_ في أي تعليق عايزين تقولوه يا بابا ليا؟
ابتسمتا وردت كاميليا:
_ فاتح و جياد قالوا بالنيابة عننا يا شيخ قالوا نفس كلامنا، شكرا على الثقة انك تخليني مديرة لل HR و تسيب شغل التوظيف عليا كان ريسك كبير بس انا كان لازم أكون قده
وكانت (ماهيتاب ) الشهيرة ب ( ماهي) تهز رأسها متفقة مع كلام أختها
ابتسم الشيخ و عقب مرور فترة قصيرة حمد الله و نهض و لحقت به زوجته، وفي تلك الاثناء لاحظ فاتح شهية زوجته المغلقة فهاهو طبقها لم ينقص منه شيء وعليه تعجب و همس قائلًا لها:
_ مالك يا مايا ماكلتيش ليه؟
لم ترد عليه فقد كانت شاردة تلعب بالملعقة وحسب فتابع:
_ مايا؟
التفتت إليه فجأة خارجة عن شرودها وردت:
_ نعم؟
_ بقولك ماكلتيش ليه؟
تركت الملعقة و ردت وهي تنهض:
_ مليش نفس، انا هطلع ارتاح في اوضتي شوية، كُل و اطلع لي
أنهت كلامها و انصرفت كان يرمقها في تعجب ولكنه لم يهتم كثيرًا بالأمر فقد كان جائعًا أكثر مما ينبغي لذا تابع طعامه.
كان الشيخ عبدالله يبدل ملابسه و كانت زوجته عبير تساعده وتحدثت:
_ بقول يا شيخ
_ قولي يا عبير
_ بما ان الحمدلله الازمة في الشغل عدت على خير، إيه رأيك بقا نخطب للعيال والله هموت و افرح بيهم و بعيالهم
_ لا يا ستي و تموتي ليه نخطبهملك هو احنا عندنا كام عبير
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ ربنا يحفظك و يديمك لينا يا تاج راسي انت
ابتسم وجلس على الاريكة وتحدث:
_ العيال قالولك على حد معين؟
_ لا، بس كدا كدا من زمان واحنا متكلمين على رهف بنت اختك حليمة ليزيد
_ كانت أسيل مش رهف
_ ماهو أسيل عندها ٢٥ سنة وهو ٢٦ في سنه كدا بس بدوب فرق بينهم.
احنا هناخد الصغيرة ليزيد و الكبيرة أسيل لحسان وبكدا حليمة ولما تيجي فاطيمة نخطب تالية لجياد و نعمل فرح يسمع في مصر كلها لعيالي التلاته و يفرح قلبي بيهم عقبال ما يفرح ببناتي كمان
ابتسم ورد:
_ ايوا يا عبير بس ماينفعش نكون قايلين على أسيل ليزيد و نيجي ناخد أختها!
_ ابنك وقتها اللي قال مش عايز أسيل وعايز رهف واللي وقفه عن خطوبته ليها اننا كنا لسه راجعين مصر و مضغوطين كمان في جواز فاتح فأجل هو نفسه بس هو والله قال عايز رهف وبما انه الصغير ياخد الصغيرة و حسان الكبير ياخد الكبيرة
_ بس...
اقتربت و جلست جواره وقالت:
_ مبسش يا شيخ عبدالله خلينا نفرح ولا انت عايز تجوز الواد بالعافيه؟
_ استغفر الله، لا لا يا عبير حد الله بيني وبين الباطل
_ خلاص يبقى نطلب اللي هو قال عليها دا جواز ولازم راحة و نفسية فيه، وبعدين حليمة هتعوز ايه تاني ماهو بناتها الاتنين اتستتوا اهو واتجوزوا زينة الشباب!
_ طيب بكرة روحي الصبح لحليمة و شوفي الدنيا الأول ولو تمام الأمور عندهم ناخد حسان و يزيد و نطلب البنات
_ حاضر من النجمة
ردت في ابتسامة عريضة.
************
في غرفتها الهادئة، جلست ماهي على طرف السرير، يحتضن الضوء الخافت ملامحها كما لو أنّه يشاركها سرّاً لا يُقال. كانت تمسك هاتفها بيدٍ ترتجف خفوتاً، تُقلّب الصور واحدة تلو الأخرى، وكأنّ كل صورة تنبض بقلبه هو، لا بقلبها.
تتأمّل وجهه كما لو أنها تراه لأول مرة… ابتسامته المائلة قليلاً، نظرة عينيه التي تُشعل في صدرها دفئاً لا يهدأ. وكلما مرّت صورة، مرّ معها سؤال صامت:
هل يبادلني هذا الشوق؟ أم أنّ قلبه مشغول بغيري؟ هل أنا مجرّد عابرة في حياته… أم أنّي أقرب ممّا أظن؟
تبتسم أحياناً دون وعي، ثم تغيم ملامحها فجأة حين يزورها ذاك القلق الذي لا يكفّ عن الهمس: ربّما هناك واحدة أخرى… ربما يحبّ غيري… ربما يحادث فتاة الآن بينما أنا أتصفّح صوره كطفلة تخشى أن تُؤذى أحلامها.
أغلقت الهاتف لحظة، ضغطته إلى صدرها بقلبٍ نابض، كأنها تحاول احتضان كل ما تشعر به. لكن الاشتياق كان أقوى، فعادت تفتحه سريعاً، تبحث عنه كما لو أن رؤيته وحدها تطمئن روحها.
وبين الصور والظنون، بقيت ماهي معلّقة في منطقةٍ رماديّة…
لا هي قادرة على الاعتراف، ولا هي قادرة على التراجع.
تحبّه بصمت، وتحنّ إليه وكأنّ قلبها يعرفه منذ زمن، لكنها لا تزال تجهل الجواب الأهم:
هل لها مكان في قلبه… أم أن قلبه مغلقٌ عليها؟
تركت الهاتف جانبًا و اتجهت نحو غرفة اختها الكبيرة كاميليا ودخلت عليها فوجدتها تقلب في هاتفها هي الأخرى و ما ان رأتها حتى غلقت الهاتف ولفظت:
_ ماهي؟
ابتسمت الفتاة وقالت:
_ هعطلك عن حاجة؟
_ لا خدي راحتك قوليلي
اقتربت الفتاة و جلست جوارها و تحدثت في ابتسامة:
_انا... أنا بحب
ابتسمت كاميليا وعلقت:
_ شيء جميل يا حبيبي، أنا اعرفه؟
_ تقريبا تعرفيه... هو معانا في الشركة
_ في قسم موارد تحتي؟
_ لا في قسم الماركتينج تحتي أنا و جياد، اسمه شهاب... شهاب مظهر
سكتت كاميليا برهة ثم علقت:
_ طب ودا منطقي؟
_ مش فاهمة ؟
_ اقصد منطقي إنك تتجوزي واحد موظف عندك؟ مش بقلل منه بس في الشكل العام حتى بينك وبينه انتي مديرته هيشوفك مديرته ولا مراته؟
_ مش شايفة فيها مشكلة يعني، ممكن اسيب القسم دا لجياد و امسك قسم تاني
_ بالبساطة دي؟
_ ليه صعب يا كاميليا؟
_ عايزة تاخدي مكان مدير تاني وتتحطي في حتة مش بتاعتك و تبوظي الشغل علشان مستر شهاب مظهر؟
سكتت لم ترد، فتابعت كاميليا:
_ على العموم يا ماهي انتي ناضجة كفاية وعارفة الصح من الغلط مش محتاجة توجيه اعملي اللي يريحك وجايز هو يقبل يتجوز مديرته وأعتقد ما هيصدق اصلا
_ قصدك طمعان؟
_ انتي و بديهتك بقا وكدا كدا بابا أكيد عنده رأي في الموضوع دا
_ مش هيوقف ضد سعادتي أنا عارفة بابا
_ بس هيخاف عليكي من الاستغلال
_ متخافيش أنا مش غبية.... أنا بس اللي قلقني حاجة واحدة بجد
_ ايه هي؟
_ يكون في دماغه واحدة تانيه او بيحب
_ في ايده دبل؟
_ لا ممكن يكون مرتبط مواعد واحدة من غير دبل عادي
_ صدقيني هيكرفلها اما يعرف إنك عايزاه... هو يطول؟؟
_ كاميليا أنا مش عايزة واحد يحب منصبي او فلوسي أنا عايزة واحد يحبني أنا
لم ترد عليها فقط اكتفت بالنظر إليها فتابعت الفتاة:
_ حد يحب ماهي لشأنها وانا شايفة فيه شهامة مش طبيعية مع كل زمايله في القسم بيساعد الكل و الكل بيحبه و بيحترمه... الفلوس مش كل حاجة يا كاميليا هو اه مش غني زيي ولكنه عنده كل مقومات الراجل الشهم اللي تحتاجها أي بنت وانا اكتشفت دا فيه ودا اللي شدني ليه و خطفني خطف
_ خلاص يا ماهي جربي اتكلمي معاه ولو مرتبط هيبان ووقتها تبعدي عنه
_ تفتكري؟
_ افتكر إيه؟
_ هقدر ابعد عنه؟
نظرت إليها في تعجب ولم ترد وشردت الأخرى...
**********
وكان هو في أجواء صافية جميلة كان يتمناها منذ وقت طويل مع فتاته كانا يمشيان على كرنيش النيل يشربان المشروب الساخن الحار حمس الشام يضحكان بلا سبب يخلقان جوًا من المزح و الحب و الشغف و الضحك وتحدثت وهي تنظر إلى ساعة يدها:
_ شهاب، انا عايزة اقولك اني مستحيل انسى اليوم دا رغم أنها مش اول مرة نخرج مع بعض بس مزاجنا النهاردة غير حسانا شاربين حاجة كدا
_ تصدقي وأنا؟ انا معاكي اصلا يا هانيا بنسى الدنيا... تصدقي شعر معاكي يا هانيا بنسى الدنيا وبتمنى بس لو فرصة تانية تجمعني بيكي يا هانيا يا هانيا
ضحكت لتظهر اسنانها وردت:
_ علشانك يا شهاب قلبي قفل كل الأبواب محدش غيرك قدر يملكه يا جذاب و بحبك يا شهاب يا شهاب
ضحك الآخر ورد في حماس:
_ قولي بحبك يا شهاب بصوت عالي سمعي كل اللي ماشين على الكرنيش و الي راكبين مراكب في النيل
_ بس بقا و بطل جنان
_ يلا يا بنت النهاردة اصلا يوم الجنان
_ قلت لا بتكسف أنا معرفش اعمل الكلام دا
_ خلاص هعمل انا
_ لا بردو بتكسف اسكت
لم يعط لكلامها اهتمام و صرخ في صوت عالي:
" بحبك يا هانيا "
شعرت الفتاة بالخجل الشديد ما ان رأت الناس ينظرون إليهما، و نكزته في كتفه قائلة:
_ مجنون ... يلا نبعد بقا بسرعة من هنا قبل ما حد يصورنا وينزلنا فيس العالم دي مابتصدق
وبالفعل ابتعدا عن المكان في سرعة وفعل مثلما أرادت وما ان ابتعدا عن المكان قال:
_ كدا اطمنتي؟
_ شوية اه بطل الجنان دا ياض أما نتخطب ابقى اقول بحبك براحتك للعالم
_ طب ما انا هتقدملك الاسبوع الجاي خلاص
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت في فرحة:
_ متقولش؟؟ بتهزر صح؟
_ لا مش بهزر والله بتكلم جد
_ الأسبوع الجاي دا خلاص صح؟؟
_ صح
_ مش مصدقة والله
_ مش مصدقة ليه هما قالولك عني اني بتسلى ولا إيه؟
_ اخرتها اوي علشان كدا كنت مستغربة ليه مقولتش لحد دلوقتي
_ مش عايز اجي الا وانا عارف هقول لوالدك إيه، شقتي كانت بتخلص معايا فلوس علشان مهرك و دهبك و المقدم والكلام دا، كل دا احتاج وقت ماكنش ينفع افضل اقولك جاي جاي وخلاص كان لازم أكون جاهز علشان كلمتي وعد طالما قولتلك جاي الأسبوع الجاي يبقى جاي
احتضنته في فرحة شديدة وكذلك فعل الآخر وقالت:
_ اخيرا وبعد سنتين حب هنتخطب و نتجوز!!
_ اه يا ستي وجاي يوم الجمعة الجاية الساعة ٧ بعد صلاة العشاء يلا جهزي الدنيا بقا و بلغي اهلك
_ دا ياه على الفرحة اللي أنا فيها بجد، هنفرشلك الأرض فل و ياسمين يوم الجمعة
_ والله انا كل اللي عايزه و بتمناه ان ابوكي يوافق عليا ويرضى يخطبك ليا مش فارق معايا لا الورد ولا الياسمين انا مش فارق معايا غيرك
أنهى كلامه و لمح في نفس الآن اللفتة المكتوب عليها[ night club ] ملهى ليلي، فصاح في صوت عالي:
_ يلا ندخل بالله عليكي ندخل
ردت في سرعة:
_ لا لا الأجواء دي مش شبهنا ولا احنا شبها
_ علشان خاطري عايز ارقص بس معاكي جوا
_ يا شهاب غلط كدا يلا نروح بقا الوقت كمان اتأخر اوي
_ احنا هندخل نرقص بس والله يلا بينا بقا
_ المكان دا لا احنا شبهه ولا هو شبهنا يا شهاب
_ هو انا بقولك هنسكر؟ احنا هنرقص بس
_ لا بردو غلط، احنا كلنا مع بعض و وفرحنا و ضحكنا و خرجنا خروجة حلوة خلاص كدا، احنا لسه بلبس الفورمال اصلا احنا مكانة و قيمة مش هنقلل من نفسنا وسط العالم اللي جوا دا، ويلا بقا روحني اتأخرت و بابا هيعملي حوار
_ طب يلا خلاص
وأثناء سيرهما قال:
_ بس اما نتجوز هنسهر هنا و نرقص
_ لا بردو ولا حتى اما نتجوز فكرني هسيبك تبصبص على النسوان ولا إيه
_ مش شايف غيرك ولا هيجي بعدك نسوان اصلا كلهم جعفر بالنسبالي
ضحكت في صوت عالي و نكزته قائلة:
" بكاش"
ليضحك الآخر و يتابعا السير.
**********
كان عبدالله يحضر فرشته كي ينام وما ان رأته عبير زوجته حتى قالت:
_ هتنام؟
_ اه... في حاجة ولا إيه؟
_ يعني كنت عايزة اقولك حاجة كدا
_ قولي خير
_ فاكر جيرنا ولاد سيادة المستشار حماد الدمياطي؟
_ اه، ماله؟
اقتربت و جوارته و تابعت:
_ عايزين ناخد بنته منى يا حرام يادوب اول ما تجوزت مكملتش سنة و جوزها استشهد كان ظابط هو
_ ايوه هنطلبها لمين؟ انتي هتاخدي أسيل لحسان و تالية لجياد و رهف ليزيد، عايزة منى دي لمين؟ مفيش ولاد تاني عندنا
_ لا فيه.. فاتح
وضربت على صدرها شاهقة تلك التي كانت تسمعهما ما ان لفظت حماتها بذلك الطلب فهي تود أن تزوج زوجها بأخرى
تابع الشيخ:
_ ماهو متجوز، هتجوزيه تاني ليه؟
_ علشان مراته مبتحلفش ولا هتخلف تقريبا الدكتورة النهاردة مطمنتناش خالص
بكت مايا بكاءً شديدًا ولم تستطع أن تكتمه وسمعا هما صوتها من الخارج.
**************
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت
نتقابل يوم السبت
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثاني 2 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين ؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثاني
[ صدمات متتالية ]
سلمى خالد احمد
وفتح الشيخ الباب فلم يجد أحدًا في الخارج وعليه تعجب وقال:
_ هو مش كان فيه صوت برا صح؟
فردت عليه زوجته:
_ حاسة اه اني سمعت صوت حد شهق كدا و عيط بس اهو ادينا خرجنا ملقناش حاجة
نظر إليها ولم يرد ثم دخل غرفته مرة أخرى و تابعته هي، بينما مايا في غرفتها غارقة في دموعها التي فاضت على وسادتها.
وفي نفس الوقت، دخل فاتح الغرفة فوجدها في تلك الحالة وعليه اختض ثم أسرع جهتها وهو يقول:
_ مايا مالك في إيه؟
وحاول ان يبعد يدها عن وجهها ليرى ما أصابها فوجد الدموع تتساقط على خديها والقهر يسكن ملامح وجهها و الحسرة تكد تمزق خلايا قلبها، لذا اختض بشكل أكبر وتحدث في خوف:
_ مالك بتعيطي كدا ليه حصل إيه قوليلي في إيه؟
ردت وهي تبكي و اصوات شهقاتها تتعالى:
_ انت هتتجوز عليا يا فاتح؟ عايز تخلف وانا السبب؟؟
_ مين اللي قال الكلام دا؟
_ سمعت امك بتقول لابوك انها بكرة هتروح تتقدم لجارتنا منى و تجوزك ليها علشان انا مبخلفش يا فاتح
ضمها إلى صدره واخذ يربت على كتفيها وهو يقول:
_ طب اهدي بس بالله عليكي بطلي عياط، خلي ماما تقول اللي هي عايزاه انا مش هتجوز عليكي ولا حاجة
ردت في نبرة صوت متقطعة اثر العياط:
_ بس انت مصيرك هتتجوز لو مش النهاردة هيبقى بكرة صح؟
تنهد ورد في هدوء:
_ مايا انا بحبك ومختارك وموضوع الخلفة دا انتي ملكيش ذنب فيه، كان وارد جدا اكون انا اللي مبخلفش هل كنتي هتسبيني؟ أكيد لا، أنا هفضل معاكي واللي عايزه ربنا هيكون أكيد هنلاقي حل و هنخلف حتى ان الموضوع طول مش مشكلة بس المهم اننا مع بعض وبس... فممكن بقا تهدي و تخلي ماما تقول اللي هي عايزاه؟
ضمته إلى صدرها في قوة وتحدثت في خوف يشوبه توتر:
_ انا بحبك، بحبك اوي، اوعا تسبني ارجوك لأي سبب انا مليش ذنب فيه واوعا توافق تتجوز عليا هموت من القهر والله يا فاتح هموت
أخذ يربت على كتفيها وهو يطمنها:
_ لا متخافيش أنا لا هسيبك ولا هكون سبب في قهرك ولا اي حاجة من دي، انتي مراتي حبيبتي اللي مش عايز غيرها في الدنيا
أخذت تهدأ شيئًا فشيئًا وهي بين ذراعيه ما ان سمعته يلفظ بتلك الكلمات.
***********
_ هو كل دا ولسه هانيا مرجعتش؟
تحدث مجدي مخاطبًا زوجته عقب انتهائه من وجبة الغداء وكان متجهًا نحو غرفته، فردت عليه:
_ روني كلمتها وقالت انها خلاص في الطريق
_ ماشي، انا يدوب هاخد دوش يكون الاكل اتهضم و أنام
بينما هو يخرج ملابسه من الخزانة قالت:
_ بقولك يا مجدي
_ قولي يا ( حورية)
_ ايه اخبار الشغل مع الشيخ عبدالله الزيني
_ الشغل ماشي كويس الحمدلله
_ يعني استقر زي ما كنتوا في قطر؟
_ اه الحمدلله
_ طب كويس
قبلما يدخل الخلاء تابعت:
_ بقولك تاني
_ اخلصي يا حورية عايز استحمى
_ اصل يعني... يعني كنت عايزة أسألك في حاجة
_ قولي
_ هو الشيخ عبدالله مطلبش ايد واحدة من البنات لحد من عياله؟ يعني ما شاء الله عنده يزيد و جياد على وش جواز واحنا بردو عندنا بنتين فهل مطلبوش واحدة منهم؟
_ يعني هيكونوا طلبوا وانا مخبي عليكم؟!
_ مش قصدي بس... اصل غريبة يعني
_ ايه اللي غريبة؟
_ خدوا مايا وهو بيثق فيك معقولة مش عايز يناسبنا تاني؟!
_ حورية اجلي الحوار الحمضان دا لانه ضيع وقتي، كان زماني خدت الدش، هو عارف اني عندي بنات و أولاده عارفين والبنات اصلا شغالين في نفس الشركة تحت ايد ولاده يعني لو عايزين مفيش حاجة هتمنعهم، انا بقا مش هروح اتسول على بناتي!
_ لا لا مش القصد خالص أنا بس
_ مبسش, يلا انا رايح اخد دوش
تركها ودخل، زفرت في ضيق وتمتمت:
" معقولة البنات معجبوش ولاده؟ نفسي يزيد ياخد روني و جياد ياخد هانيا و يعيشوا مع اختهم في نفس القصر و المستوى... يارب حقق لي الأمنية دي يارب."
**********
عادت هانيا إلى غرفتها تلك الليلة بخطواتٍ خفيفة كأن الأرض لا تكاد تلامس قدميها. كانت ابتسامة واسعة ترتسم على شفتيها، ابتسامة لم تستطع إخفاءها مهما حاولت. ما زالت كلمات شهاب تتردد في أذنيها: "سأتقدّم لخطبتكِ الأسبوع القادم." جملة واحدة كانت كفيلة بأن تُشعل في قلبها فرحًا يشبه المطر حين يهطل بعد صيف طويل.
جلست على سريرها، وضعت حقيبتها جانبًا، وألقت رأسها إلى الخلف وكأنها تستعيد كل لحظة من يومهما الطويل. تذكّرت نظراته، يده التي احتوت يدها، ضحكته التي كانت تكفي لإزاحة كل ما مرّ عليها من تعب. اشتعل وجهها خجلًا وهي تستعيد اللحظة التي قال فيها كلمته الحاسمة، تلك اللحظة التي شعرت فيها بأن قلبها ينبض أسرع من أي وقت مضى.
وضعت يدها على صدرها، وكأنها تحاول تهدئة نبضٍ يرفض الهدوء. كانت تشعر أنّ العالم كلّه صار أوسع، وأن الغد لا يخيف، بل يقترب منها كهدية طال انتظارها. فتحت نافذتها، ودخل نسيم الليل، فابتسمت وقالت بصوتٍ خافت: "أخيرًا... بعد سنتين من الانتظار."
في تلك اللحظة، شعرت هانيا أنّها أسعد فتاة على وجه الأرض؛ فحبيبها الذي صبرت معه، وساندته، وحلمت به، قرّر أخيرًا أن يجعل الحلم حقيقة. كان الفرح يغمرها حتى آخر خلية في جسدها، وكأن الحياة نفسها تبتسم لها.
وفي تلك الاثناء دخلت روني عليها فوجدتها في تلك الحالة لذا ابتسمت وهي تقترب نحوها وقالت:
_ وشك بيقول خير
_ والا خير يا روني، خلاص شهاب اداني معاد و أكده، قالي يوم الجمعة الجاية الساعة ٧، حقيقي حساني هيغمى عليا من كتر الفرحة، مش مصدقة ان اليوم دا هيجي وان بعدها هكون مراته عايشة معاه في بيت واحد
ارتمت روني على السرير وهي تبتسم قائلة:
_ شعور تحفة يا هانيا انا قادرة احس بيكي، ونفسي اعيشه اوي انا كمان
جاورتها و امسكت بيدها وردت:
_ ان شاء الله يا روني يزيد يجي يتقدم لك قريب وتعيشي نفس احساسي واحسن كمان
_ يارب، حاكم دا تقيل موت يا هانيا و زهقت منه بجد
_ هو مش تقيل هما كانوا مضغوطين بس، الفترة اللي فاتت كلنا كنا مضغوطين اوي، يمكن دلوقتي بما ان الضغط قل ينطق بقا
_ شهاب هيعيشك فين يا هانيا ؟
_ في مدينة نصر مكان ماهو عايش، عنده شقة هناك في الدور الرابع دي بتاعته و قصدها علطول بيت دورين الي عايش فيه حاليا مع مامته و اخواته البنات، دا البيت اللي باباهم سبهولهم
_ مرتبه كام في الشهر؟ زي مرتبك؟ ولا عنده شغلانة تانية بزود بيها دخله؟
_ ليه بتسألي؟
_ لان لازم تاخدي بالك ان مايا عايشة في قصر و متجوزة general manager ابن رجل الأعمال الكبير الشيخ عبدالله الزيني وانا عيني من اخوه finance manager وعايزة اعيش في القصر، فلما تبقى دي حياة اخواتك لازم توازني علشان مستوى المعيشة يكون واحد و أولادنا في المستقبل ميحسوش بفرق، وأنا اعتقد ان شهاب اقل تقريبا من مستوانا احنا... دا واحد والده متوفي وهو بيعول أمه و اخواته بيصرف عليهم فيعني راجل شقيان، انتي ابوكي مساعد و ناصح للشيخ مكانة عالية و مستوى عالي لازم تبصي لدا
_ مش فارق معايا كل الكلام دا، انا بحبه و هتجوزه و هعيش معاه حتى لو مش معاه فلوس خالص، انتي مش متخيلة درجة العشق اللي انا وصلالها، فمش الماديات دي اللي هتعطلني ولا قوة ممكن تبعدني عنه انا خلاص هكون مراته يعني مراته
سكتت لم ترد عليها ثم نهضت و قالت:
_ هروح انام، تصبحي على خير يا هانيا
_ وانتي من اهله
خرجت روني و تمتمت هانيا:
" قال اسيبه قال، دا انا مصدقت انه جاي اخيرا يطلبني!"
**********
وفي صباح اليوم التالي، كانت ماهي في مكتبها تعمل لمدة دقيقة و تفكر في شهاب في الدقيقة الثانية لا تستطيع أن تركز ولا أن تمنح عملها كامل الوقت و الاهتمام وعليه طلبت من السكرتيرة الخاصة بها أن تأتي به لها وبالفعل جاء و دخل وهو يبتسم قائلًا:
_ صباح الفل يا ماهي
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ صباح الجمال يا شهاب، اقعد
جلس الشاب وقال:
_ اؤمري
تنهدت وردت:
_ انت عارف اننا عملنا الفترة الأخيرة حملة إعلانية ضخمة علشان الترويج للموسم صح؟
_ صح، كلنا تعبنا في الحملة دي جدا، محدش يقدر ينساها
_ فيه طريقة جديدة عايزة اعمل بيها ترويج، هي مش جديدة بالنسبة للعالم بس جديدة بالنسبة للشركة عندنا
_ ايه هي؟
_ انت طولك و عرضك حلوين اوي و متناسقين و شكلك حلو بالنسبة للكاميرا الكاميرا حباك، علشان كدا قررت اديك شغل إضافي هيليق عليك و بيك
_ وضحي اكتر
_ هتلبس اللبس اللي نازلين بيه الاسواق الفترة الجاية و هتتصور و هنزلك و هنعملك موديل بالنسبة للشركة.
طبعا احنا عندنا موديلز كتير بس لتيم الماركتينج فأنا برشحك أنت، ها إيه رأيك؟ جاهز بقا للتصوير و زوايات التصوير و الجراءة و الحركات ولا هنتكسف؟
ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ انا موافق جدا و مرحب اوي كمان، و اوعدك مش هخيب ظنك و شكرا لتيم الماركتينج انه اختارني أمثل المنتج بنفسي و اطلعه للنور و متقلقيش انا من ناحية الكاميرا بتحبني فاه جدا وانا بحبها و بعرف أتصور و بعرف أصور كمان
_ يبقى اتفقنا يا شهاب، وقت ما كل الأمور تكون تمام هقولك علشان نبدأ و هعرفك طبعا هنبدأ ازاي وكل حاجة هتفهمها في الوقت الصح
هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ تمام
_ تقدر تروح على شغلك
_ تمام
نهض و تابع في ابتسامة :
_ عن اذنك
_ اتفضل
هم بالخروج وهي تتبع أثره في ابتسامة عريضة و نظرات مليئة بالاعجاب.
**********
_ اقعد يا ( أمجد )
تحدث الشيخ عبدالله الزيني في نبرة حادة، و رد عليه الشاب وهو يجلس:
_ خير يا خالي
_ مش بنقول في الشغل يا خالي و يا عمي يا أمجد، انا هنا المدير التنفيذي واسمي الشيخ عبدالله، أما خالي دا في العزومات و الخروجات العائلية
_ انا بعتذر يا شيخ عبدالله عن الخطأ دا و اوعدك مش هيتكرر
_ تمام، دي و خلصنا منها خلينا بقى نتكلم في اللي انا جايبك فيه دلوقتي
_ اتفضل قول سامعك
_ انا من ساعة ما عينتك sales manager لشركتي دي وانا شايف انخفاض في البيع، هو انت نايم انت و الموظفين اللي تحتك ولا ايه الموضوع يا أمجد؟
_ لا لا اطلاقا والله كل المسألة إنه
_ مسألة إيه و إنه إيه يا أمجد! متخلنيش اندم اني حطيتك في المنصب دا و مسكتك إدراة و تقول ماهو خالي و بتاع ومهما اعمل مش هيعمل حاجة، لا فوق انا بحاسب عيالي حساب الملكين انا في الشغل مبهزرش ولا برحم، فلو شايف نفسك مش قد المكانة دي قولي وانا انزلك موظف و اخلي حد غيرك عنده استعداد و تحمل للمسؤولية يمسكه
نكس الفتى رأسه ورد:
_ بعتذر عن أي تأثير حصل يا شيخ و اوعدك هتشوف شغل تاني و نظام تاني خالص بس انت اديني فرصة اخيرة
_ ماشي أما نشوف و افتكر انها اخر فرصة يمكن تصحى من الغيبوبة دي
_ فهمت، استأذنك
_ اتفضل
هم الفتى بالخروج غاضبًا وكان يسرع في خطواته حتى يختفي عن أنظار خاله تمامًا في أسرع وقت، وما إن فتح الباب حتى وجد كاميليا تجاهلها و تابع طريقه في سرعة و جدية، تعجبت الفتاة من رد فعله هو حتى لم يلقي السلام عليها وما إن رآها والدها في ذلك الموقف قال:
_ تعالي يا كاميليا قوليلي كنتي عايزة إيه؟
دخلت وهي تحمل الملف الذي وضعته على الطاولة ثم أشارت إليه:
_ دا اهو الملف يا شيخ اللي فيه كل التقارير بتاعت الأسبوع
أخذه و ثم بدأ يقلب فيه و رد:
_ هايل، خلاص سبيه وانا هبقى اقرأه في وقت مناسب
_ تمام، عن اذنك
وقبلما ترحل نادى عليها فوقفت وردت:
_ اؤمرني
_ اقعدي يا كاميليا
جلست الفتاة وردت:
_ اهو قعدت في إيه؟
_ ايه رأيك في أمجد؟
_ من ناحية؟
_ لو بقى زوج ليكي ؟
بدأت دقات قلبها تتسارع و احمر وجهها اثر الخجل و نكست رأسها، ابتسم الوالد وتابع:
_ بيقولوا علامة السكوت رضا صح؟
لم ترد عليه بل ازداد الخجل و السكوت، فاتبع هو مرة أخرى:
_ انا مش عايزك تتكسفي مني او تتوتري لو عايزة تردي عليا بعدين تكوني فكرتي او تكوني قادره تتكلمي اعملي كدا
رفعت رأسها و لمعة عيناها قد ظهرت إليه بوضوح لذلك ابتسم وقال:
_ دا شكلنا موافقين اهو
ردت في خجل يشوبه ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها:
_ هو..هو طلبني امتى من حضرتك؟
_ مش مهم امتى، بس المهم انتي رأيك إيه؟
هزت رأسها موافقة، فابتسم ورد:
_ يا سلام بالسرعة دي! دا احنا فعلا كأننا كنا خلاص مستنيين على تكة
شعرت بالخجل أكثر وعليه ردت:
_ متكسفنيش بقا، ماكنتش مستنية ولا حاجة بس... بس أمجد شاب وسيم و مسؤول و انا اصلا كنت يعني معحبة بيه من زمان... بثق فيه كمان كفاية إنه ابن عمتو حليمة، يعني حد ثقة و حضرتك مأتمنه على أموالك وهو عمره ما ضيعها يبقى اكيد مش هيضيع بنتك بردو
نهض من مكانه و اقترب منها ووضع قبلة صغيرة على جبينها و قال في ابتسامة:
_ ربنا يهينكي يا بنتي و يعوضك خير عن اللي خسرتيه
**********
في ذلك الصباح، لم تستطع أسيل أن تذهب إلى العمل. كانت يدها ما تزال ترتجف منذ سمعت أمّها حليمة تخبرها بأن عبير، زوجة خالها، ستزورهم غدًا. تلك الزيارة لم تكن عابرة، ولم تكن كسابقتها؛ فعبير قالت بصوتٍ محمّل بإيحاءاتٍ خفية: "وحشتوني... وحاسة إن بكرة لازم نتكلم في موضوع مهم."
كانت الجملة وحدها كافية ليقفز قلب أسيل من مكانه.
أغلقت باب غرفتها عليها، وجلسـت أمام مرآتها الكبيرة، وفي عينيها بريق يشبه بريق فتاة تستعدّ لخطوبة لا تعرف موعدها بعد، لكنها تشعر بها في أعماقها. مدت يدها إلى مستحضرات التجميل، وبدأت تضع طبقة خفيفة من كريم الأساس، ثم لمست وجنتيها بحمرة هادئة... كأنّها لا تتهيّأ للقاء عادي، بل لقدرٍ كانت تنتظره منذ زمن.
كانت تغني بصوت منخفض، أغنية تحبّها منذ المراهقة، أغنية تجعلها دائمًا تتخيّل اليوم الذي ترتدي فيه فستان خطوبتها. وبين كل حركة وأخرى كانت تقف، تنظر إلى نفسها في المرآة، وتبتسم بخجل:
"هل يُعقل أن تكون عبير قادمة لتطلبني لابنها يزيد؟"
يزيد... الاسم وحده كفيل بأن يجعل قلبها يخفق. ذلك الشاب الذي لطالما بدا لها مؤدبًا، هادئًا، مهذبًا، والذي تمنّت في سرّها لو يلتفت إليها يومًا. وكلما تذكّرت طريقة حديث عبير عنها أمام العائلة، شعرت بأن الأمر أقرب للحدوث من أي وقت مضى.
نهضت من على كرسيّها، وبدأت ترتّب سريرها بعجلة، تفتح الستائر، وتعيد زجاجات العطور إلى مكانها، وكأنّ عبير ستقف على عتبة غرفتها الآن. ثم جلست مجددًا، وضعت قليلاً من الكحل الذي يبرز عينيها، ومرّرت يدها على شعرها لتتأكد أنه منسدل كما تحبّ.
كانت كل ثانية تمرّ تزيد من حماسها وقلقها في الوقت نفسه. تطلّعت إلى باب غرفتها كمن ينتظر حدثًا عظيماً، ثم همست بحلمٍ يكاد يخرج من صدرها:
"يا رب... تكون جاية علشاني."
وعقب مرور نصف ساعة، سمعت أمها ترحب بسيدة قصر آل الزيني في الخارج في ترحيب حار، لذا أطلت برأسها و أخذت تبتسم بشكل لا إرادي.
دخلت عبير و تبعتها حليمة والتي صاحت:
" أسيل اعملي فنجانين قهوة على الريحة بسرعة"
ثم التفتت إلى السيدة وقالت:
_ اهلا اهلا يادي النور يادي النور احنا زارنا النبي
_ البيت منور بأصحابه يا حليمة، هي أسيل مش في الشغل؟
_ لا صحيت تعبانة شوية النهارده وقالت تريح
_ ماشي.
_ عاملة ايه يا ست عبير كله كويس؟
_ الحمدلله كله كويس
_ انتي والعيال و اخويا الشيخ عبدالله تمام؟
_ اه الحمدلله كلنا تمام
وفي تلك الاثناء دخلت أسيل وألقت التحية ثم وضعت الكوبان و خرجت مثلما طلبت منها أمها، وما ان خرجت حتى ألصقت أذنها بالباب كي تسمع ما يقال، وهنا جاءت (رهف) اختها الصغرى والابنة الأخيرة لحليمة، وما إن رأتها تتصنت عليهما حتى قالت:
_ بتعملي إيه؟
وضعت يدها على فهمها و همست:
_ بس اخرسي وطي صوتك، مرات خالك هنا وعايزة اسمع اللي بيتقال
_ ومالك متذوقة كدا ليه؟؟
_ رهف اسكتي شوية بعد اذنك
ألصقت الأخرى أذنها وأخذتا تسمعان معًا
_ فين جوزك عبدالعزيز الكبير
_ اشمعنى؟
_ يعني القعدة عايزة ابو البنات يكون موجود
ابتسمت حليمة و تسألت كأنها لم تفهم:
_ ابو البنات هيعمل ايه في القعدة يا عبير هانم بس؟!
_ خلاص يا ستي خليني اقولك جايين ليه و انتي بنفسك هتتأكدي، وكدا كدا عبدالله بيجس نبض و لو تمام الأمور هيجي بنفسه علشان نتكلم في تفاصيل
ابتسمت وردت:
_ تفاصيل إيه، و موضوع إيه؟
_ احنا يا ستي بنطلب ايد بنتك أسيل لابننا حسان و بنتك رهف لابننا يزيد، ها قولتي إيه؟
تجمّدت أسيل في مكانها، ما إن سمعتها تتلفظ بتلك الكلمات،
لم تعد تسمع شيئًا بعدها... كأن الجملة سقطت على قلبها بثقل جبل.
رفعت عينيها نحو رهف بدهشة، ثم نحو الأرض في لحظة فقدت فيها قوتها كلّها. شعرت بوخزة حادة في صدرها، كأن شيئًا انكسر... شيء كانت تبنيه في خيالها يومًا بعد يوم، ليلًا بعد ليل.
يزيد؟ لرهف؟
وهي... لحسان؟
لم تستوعب الفكرة في البداية. كل ما شعرت به هو دوخة مفاجئة، وحرارة ترتفع في وجهها، ودمعة تكاد تُولد لكنها تصرّ على ألّا تسقط.
تحركت خطوة للخلف، متشبثة بالجدار، وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. كان قلبها ينقبض بشدة، ليس لأن يزيد رُسم له مسار آخر... بل لأن الحلم الذي كانت تبنيه بلؤم طفلة، بانفعال شابة، وبأملٍ كبير... انهار فجأة أمامها بدون إنذار.
سمعت صوت رهف يتمتم بجانبها:
"أسيل... إنتِ كويسة؟"
لكن أسيل لم تستطع الرد.
كانت تتساءل في داخلها:
كيف لثانية واحدة أن تغيّر كل شيء؟
كيف يتحول الفرح إلى خيبة... والانتظار إلى صدمة؟
شعرت بأن شيئًا ساخنًا يتحرك في حلقها، خليط من الغيرة، والكسرة، والخذلان. كانت تعشق يزيد بصمت، بانتظار طويل، بقلق وخجل ورغبة. والآن، بكل بساطة، لم يعد لها بل لاختها!!
تراجعت خطوة إضافية، حاولت أن تبتسم ابتسامة مصطنعة كي لا تنهار أمام رهف، لكن الشفاه التي كانت منذ ساعات تبتسم للمرآة... لم تعد تعرف كيف ترتسم عليها الابتسامة.
كان كل ما يدور في داخلها كصرخة مكتومة:
"ليه... ليه مش أنا؟"
وبينما عبير تواصل حديثها في الداخل، كانت أسيل تقف خلف الباب تحمل قلبًا أثقل من أي خبر يمكن لفتاة أن تتحمله في يوم واحد.
ثم ركضت فجأة جهة غرفتها هاربة كأنها لم تسمع شيئًا وعليه لحقت بها أختها والتي حزنت كثيرًا بعدما سمعت ذلك الطلب
ابتلعت حليمة ريقها و ردت:
_ طب ليه يزيد مش لأسيل؟
_ اشمعنى؟ ما دي بنتك ودي بنتك يعني!
_ عارفة بس...
_ يزيد طلب رهف، دي رغبته نعمل إيه؟ وانا قلت ناخد التانيه بما اني عندي ابن تاني بدل ما نطلع برا، أهو ناخد ولاد أخوات جوزي مضمونين عن الغريب ومش هيطمعوا في فلوسنا ولا املاكنا... وعامة لو مش عايزين حسان خلاص ناخد رهف ليزيد زي ما طلب و بلاها أسيل و حسان خالص
همت بالرد قائلة:
_ لا لا انا كنت مجرد بسأل يعني اكمن أسيل كانت صاحبة و قريبة من يزيد اوي فاستغربت انك مطلبتيهاش هي ليه لكن بما انه هو اللي طلب رهف بنفسه مش مجرد ترشيح منك أو رأيك فأكيد مش هنعترض يعنى، ناقشتك أما فكرت القرار بتاعتك فكنت بناقشك لاني كنت شايفة أسيل افضل ليه واقرب ومعاه في نفس الشركة و القسم وكدا
_ فهمتك يا حليمة بس لا هو دا طلبه هو انا مدخلش في موضوع جوازهم دا، لا انا ولا ابوهم بندخل في جواز او تعليم العيال يختاروا الشريك اللي يعوزوه و يتعلموا بالطريقة اللي يحبوها في الدولة اللي يشاورا عليها.
فها خلاص انتي تمام معاكي رهف ليزيد؟
_ أكيد
_ طيب و حسان و أسيل؟
_ بردو أكيد يا عبير هانم، أنا هلاقي أحسن و أفضل من عيالك انتي وأخويا فين؟! انا عارفة و متأكدة ان أسيل و رهف محظوظين جدا باولادكم
ابتسمت عبير و أخذت رشفة و الأخرى من قهوتها.
***********
كان يزيد جالسًا على كرسي مكتبه في الشركة، يحاول بجهدٍ يائس أن يركّز في الأوراق المبعثرة أمامه. كان يقلب الصفحة ثم يعود ليقلبها من جديد، وكأن الكلمات تتلاشى في كل مرة ينظر إليها. لم يكن السبب ضغط العمل... بل تلك الفتاة التي احتلّت أفكاره أول لقاء
(روني)
كلما أغلق عينيه لحظة، ظهرت صورتها أمامه واضحة كالشمس.
كانت تتهادى في ذهنه بثقتها الهادئة، وخطواتها الرشيقة، ونظرتها التي تجمع بين الجرأة والرقي. تذكّر شعرها المتموّج المنسدل بأناقة، ولون بشرتها الدافئ الذي يليق بثيابها الفاخرة. وتلك الملامح... الملامح التي لا تُنسى.
كان يزيد يحبّها في صمت، صمتٍ يشبه معركة لا يريد الاعتراف بأنه يخسرها كل يوم. هي أيضًا تحبه، يعلم ذلك من التفاصيل الصغيرة... من طريقة مراقبتها له حين تظنّ أنه لا ينتبه، ومن ارتباكها حين يقترب، ومن الكلمات التي تخرج منها ببطء وكأنها تخشى أن تفضح مشاعرها.
لكن كلاهما يلعب دور "القوي".
كلاهما يختبئ خلف قناع البرود.
مدّ يزيد يده إلى قهوته ثم أعادها دون أن يشرب. تنفّس بعمق وهو يشيح بنظره عن شاشة الحاسوب، وكأنه يعترف لنفسه أخيرًا:
"كيف أركّز... وهي بهذا الجمال؟"
كانت روني من النساء اللاتي يفرضن حضورهنّ قبل أن ينطقن بكلمة.
جمالها لم يكن صاخبًا... بل راقيًا، لافتًا، يحمل فخامة امرأة تعرف قيمتها جيدًا.
بشرتها بلون العاج، ناعمة متوهّجة تحت الأضواء، وعيناها كبيرتان، فيهما حدّة أنثى وهدوء ملكة. شعرها البني المتموّج ينزل على كتفيها كأن كل خصلة منه صُممت لتُبرز ملامحها الساحرة.
أما قوامها، فكان يشبه أناقة عروض الأزياء...
قويًا، رشيقًا، وخطواتها ثابتة كأن الأرض تسعى لاتّباع إيقاعها.
في ثوبها الرسمي، كانت تبدو كأنها لوحة فنية؛ الظلال الناعمة على بشرتها، التفصيلة الدقيقة عند الأزرار الذهبية، وانحناءة خصرها التي تضيف لمظهرها مزيجًا من الرقة والهيبة. حُليّها اللامعة-الأقراط واللآلئ المتدرجة-كانت تزيدها جمالًا دون مبالغة.
روني كانت من النساء اللواتي لا يمكنك النظر إليهن مرّة واحدة فقط.
يجذبك فيها شيء... ثم آخر... ثم ثالث... حتى تجد نفسك غارقًا في تفاصيلها دون مقاومة.
ولهذا كان يزيد ضائعًا في عمله اليوم.
فهي ليست مجرد امرأة يراها...
بل امرأة يراها بقلبه.
واخيرًا وعقب مرور سنة ونصف، اعترف بهزيمته و نهض كي يرفع الراية البيضاء، وفي خطوات واثقة سريعة يتجه إلى مكتب والده وطرق الباب، وما إن اذن له والده حتى دخل ثم ألقى التحية وجلس في ابتسامة عريضة وقال:
_ أخبار حضرتك إيه؟
_ تمام يا يزيد وانت قولي ايه الأخبار؟
_ كله حلو يا شيخ
_ مجيتك وراها حاجة، فيه مشكلة في الشغل ولا حاجة؟
_ لا لا الحمدلله الشغل مستقر يعني
_ ماشي كويس، قولي بقا في إيه؟
_ بص يا شيخ أنا.. أنا يعني كنت.. كنت عايز اتجوز
ابتسم الشيخ ورد:
_ وانت ليه محرج؟ الجواز حقك وانا اصلا واخد بالي وعلشان كدا قلت لأمك إننا لازم نعجل بالموضوع دا
ابتسم الفتى ورد:
_طب كويس، باقي بقا تعرفوا أنا عايز مين
اختفت ابتسامة والده ورد في استغراب:
_ عايز مين؟ هو فيه حد في دماغك معين غير رهف؟
_ رهف مين؟ بص يا بابا انا كنت صغير و سايبكم تقولوا هنجوزك مرة أسيل ومرة رهف ومرة معرفش مين وانا كنت لسه بدرس ومش عارف حاجة وكنت سايب الموضوع لماما على أساس الجواز التقليدي لكن أما كبرت و نضجت لقيت انه من حقي اختار شريكة حياتي بنفسي مش لازم اتجوز بنت عمتي يعني ممكن تكون واحدة مش قربتي خالص، أنا بعز عماتي و بناتهم بس مش شايف فيهم حاليا غير اخواتي
_ لا حول ولا قوة إلا بالله
_ ايه بس يا والدي، هتجوز بالعافية يعني؟!
_ أكيد لا يا يزيد مفيش حاجة بالعافية يعني بالأخص الجواز بس، بس امك يا ابني راحت النهاردة لعمتك حليمة وطلبت ليك رهف وقالت انك اللي قلت عليها
_ مش المفروض يعني تسألوني قبلها؟ ولا أنا مليش رأي في القصة دي؟
اطرق والده شاعرًا بالاحراج منه ومن اخته التي وعدتها زوجته اليوم، وعليه قال:
_ ومين اللي في دماغك؟
ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ روني
_ روني؟!
_ ايوة رانيا البنت الوسطانية لعمي مجدي السَّلّاب ابو مايا مرات فاتح... ايه يا بابا هيغيب عنك عمي مجدي السَّلّاب مساعدك و مستشارك الأول!
_ لا مش غايب عني ولا بنته كمان غايبة عني، انا بس مستغرب ايه حكايتكم مع بنات مجدي السَّلّاب!
_ فاتح كان معجب بمايا بنته الكبيرة وانا معجب بروني بنته الوسطانية هي دي حكايتنا معاه
أخذ الوالد يفرك جانب ذقته يفكر في الأمر ثم أجاب:
_يعني هو مجدي السَّلّاب حد يؤتمن له و مراته ست محترمة ومايا بنت متربية و مشفناش منهم حاجة وحشة بصراحة بس...
_ مبسش يا شيخ هو خلاص كدا انت قلت عين العقل، ناس محترمة وانا عايز بنتهم وكنت جايلك علشان تكلم والدها و ناخد منه معاد و نروح نطلبها على سنة الله ورسوله
سكت ولم يرد عليه، فتابع الشاب:
_ يلا يا والدي وافق و فرحني والله هتجنن عليها بقالي كتير و خايف تتخطب، سامع أنها بيتقدم لها ناس كتير وخايف مرة توافق و اندم، أنا استنيت لحد ما الأمور اتحسنت في الشغل وضامن أنها هتوافق بيا بس مش عايز بقا اتأخر عن كدا
هز رأسه موافقًا، ليسرع الشاب و يقبل رأسه و يده شاكرًا له وقال:
_ امتى هتكلم أبوها؟
_ هبلغ امك بس تعتذر من حليمة و تفهمها سوء الفهم دا و بعدها هكلم مجدي السَّلّاب
ابتسم الفتى وهز رأسه موافقًا.
********
كانت أسيل في غرفتها، الباب مغلق بإحكام كأنها تحاول أن تحبس العالم كله خارجًا. ما إن دخلت حتى انهارت... لم تستطع التماسك لحظة واحدة. سقطت على الأرض بجانب سريرها، ودفنت وجهها بين كفيها، وانفجرت في بكاء مرتجف، بكاء يخرج من أعماق قلبٍ انكسر فجأة بلا رحمة.
كانت الدموع تنهمر بلا توقف، ساخنة، موجعة، وكأن كل واحدة منها تحمل معها جزءًا من الأمل الذي ظلّت تبنيه لسنوات.
كيف؟
كيف يمكن لجملة واحدة سمعتها من وراء باب أن تمحو كل شيء كانت تنتظره؟
رفعت رأسها قليلًا، ونظرت إلى المرآة المقابلة لها... كان وجهها متورمًا، وعيناها حمراوان، وكحل الصباح الذي وضعته بحماس تحول إلى خطوط داكنة على خديها. منظرها وحده زادها بكاء، ليس ضعفًا... بل لأنّها شعرت بالخذلان مرتين: من القدر... ومن نفسها التي سمحت للحلم أن يكبر.
جلست على الأرض مسندة ظهرها إلى السرير، وضمّت ركبتيها إلى صدرها، وكأنها تبحث عن شيء تتشبّث به.
كانت تتنفس بصعوبة، والدنيا كلها تبدو ضيقة، ثقيلة فوق صدرها.
"يزيد؟"
الاسم وحده جعل دمعة جديدة تهرب من عينها.
لم تكن تعرف أنها تحبه إلى هذا الحد... إلى درجة تجعلها تنهار حين يتجه إلى غيرها.
كانت تظن أنها تسيطر على مشاعرها، أنها أقوى من أن تُكسَر... لكن قلبها أثبت لها أنها أضعف بكثير أمام الشعور الذي أخفته طويلاً.
كانت تتخيل-رغمًا عنها-يوم الخطبة... الناس، الضحكات، يزيد واقف بجانب رهف، ينظر لها نظرة الإعجاب نفسها التي تمنّت يومًا أن تكون لها.
هنا اختنق صوتها.
غطّت فمها بيدها وهي تبكي بصمتٍ شديد، محاولة ألا يسمعها أحد في البيت.
بين شهقة وأخرى، كانت تهمس بكلمات مكسورة:
"ليه... ليه مش أنا؟ أنا اللي كنت مستنياه... أنا اللي كنت بدعيلك كل يوم."
لم تكن تغار من رهف... لكنها تغار على قلبها الذي خُذل، وعلى حلمها الذي اختفى أمامها كالسراب.
وحلمها الوحيد هو أن تستيقظ لتجد أنّ ما حدث لم يكن أكثر من كابوس.
وكانت رهف لا تكل ولا تمل من الطرق على بابها كي تفتح لها، ولما يئست منها فتحت الباب في قوة و الدموع لا تتوقف كأنها شلال، ما إن رأتها رهف في تلك الحالة حتى صرخت:
_ يالهوي انتي هتموتي نفسك؟؟ مش هاخده مش موافقة عليه أهدي ايش حال انك عارفة كويس اني بحب باسم ابن خالتو فاطيمة و أكيد مش يوم ما هاخد غيره هاخد يزيد حبيب طفولتك
ارتمت أسيل في حضنها وأخذت تبكي أكثر فأكثر وتحدثت في نبرة صوت متهدج:
_ لو انتي رفضتي هيتقدم لغيرك، المشكلة مش فيكي اصلا يا رهف المشكلة انه مختارنيش انه محبنيش زي ما كنت متخيلة و فاكرة زي ما كنت بحبه و عايزاه
وفي تلك الأثناء، مرت أمهما بعدما ودعت ضيفتها فرأت ما يحدث وعليه أخذت تقترب منهما و قالت:
_ بتنحوي ليه يا أسيل؟ وانتي عمالة تطبطبي عليها كأن جوزها مات ليه كدا؟ فيه إيه؟
ردت رهف:
_ سمعنا اللي اتقال بينك وبين عبير هانم، انهم طلبوني انا ليزيد وهي لحسان وانتي عارفة يا ماما ان أسيل كانت بتحب يزيد وعايزاه علشان كدا بتعيط
ابعدتها عن حضن أختها وهي تقول:
_ اخرجي بس كدا ياختي من حضنها وبطلي خيبة وهبل
صرخت الفتاة في قهر:
_ خيبة وهبل؟ مسمية مشاعري و احساسي خيبة وهبل!! انتي شايفة كدا؟
_ تعالي نتكلم يلا... سبينا شوية يا رهف
دخلتا و غلقت الام الباب و جلست جوار ابنتها على السرير وقالت:
_ دلوقتي احنا مش هنعرف نغير اللي اتقال خلاص اهم حاجة انك هتكوني كنة ليهم و هتعيشي في القصر و هتبقي أسيل هانم و عبير هتحبك انتي و هتكوني كتف في كتف ليها، كدا كدا بدأت تضايق من مايا لان حملها اتأخر و رهف هبلة لا بتاخد ولا بتدي، مين بقا اللي هيقعد معاها و هيكون ليها المستشار الأول في كل أمور القصر و يحضر الحفلات بنفسه ويكون جمبها؟! أسيل مرات ابنها العاقلة الحكيمة و بنت اخت جوزها و...
نهضت الفتاة رافضة صارخة:
_ لا، لا والف لا مش علشان اكون سيدة أم القصر دا على كلامك دا اتجوز واحد مش بحبه نهائي واحد مش راجل اصلا، إيه حسان دا! دا غير مؤهل للجواز راجل عبيط و محدش بيحترمه ولا بيعمله حساب، درويش من الآخر عايزاني أنا أسيل الكبير ملكة الجمال أقبل بدا زوج ليا؟؟ دا حتى طوله في طولي، قصير و لابس نضارة قد الطبق و لا ليه كلمة ولا هيبة في القصر الكل بيعامله كأنه عيل صغير، دا حتى في الشركة محدش بيحترمه، ابوه مش ممسكه إدارة زي باقي اخواته، يا شيخة دا حتى مش موظف عادي زيه زي الباقي في الشركة لانه مش بيعرف يتعامل و الناس بتتريق عليه، عايزاني اخد دا زوج ليا؟ من يزيد و أحلامي مع يزيد الراجل بكل ما تحمله الكلمة لدا؟؟ وتقوليلي هتكوني سيدة القصر؟ دا انا هكون مهزأة القصر لو قبلت اتجوز الراجل دا، اصلا حرام على أهله يخطبوله لانه هيظلموا اللي هتاخده بس هما فاكرين بفلوسهم يقدروا يشتروا العالم والناس
نهضت والدتها وردت في حدة وغضب:
_ وطي صوتك يا قليلة الادب انتي افتكري إنك بتتكلمي مع أمك
_ مش هتجوزه
_ هتتجوزيه يا أسيل وغصبن عنك
_ اقسم بالله ماحد يقدر يجبرني والا أروح اقول لخالي انك بتجبريني على الجواز من ابنه الاهطل دا و خلي العلاقات تتقطع بقا ولا تولع
_ أسيل متتحدنيش
صرخت والدتها ثم تابعت:
_ فكري في مصلحتك في مكانتك في الفلوس اللي هتطلع لك، شوفي ازاي هتنقلينا نقلة تانية و...
_ عندك بنتك رهف هتتجوز يزيد وتبقى تنقلكم كلكم أما أنا مش هتجوز العبيط دا أنا
قالتها ثم خرجت من الغرفة وهي لا تزال تصرخ وتحدثت في صوت عالي:
" على آخر الزمن هتجوز الجعر دا وتلقاه ملوش فيه أصلا و يلبسوني أنا جنان... أي جنان هو "
كانت أمها تسمع ما تتلفظه في أنحاء المنزل قاصدة أن يسمع والدها المريض و الملقي على السرير اثر حادث السير الذي تعرض له منذ ستة أشهر، وعليه هزت رأسها متوعدة لها، وفي تلك الأثناء، سمعت صوت هاتفها يصدح و رأت بوضوح اسم عبير هانم يعلو شاشة الهاتف، أخذت تهدأ قليلًا ثم استقبلت المكالمة قائلة:
_ ايه يا عبير هانم قوليلي، جايين خلاص النهاردة بليل أبلغ عبد العزيز ابوهم؟
_ والله ما عارفة أقولك إيه يا حليمة أنا مكسوفة منك اوي
_ مش فاهمة؟
_ لسه عبدالله مكلمني من مفيش وقال إن يزيد عايز بنت مجدي السَّلّاب مش رهف، فأنا بعتذرلك اوي والله كدا إحنا هناخد أسيل بس بقا لحسان
_ إيه؟ انتي بتقولي ايه؟!!
*********
كانت هانيا تمشي في الشارع وكأنّ الهواء ينحني احترامًا لخطواتها. جمالها كان من ذلك النوع الذي يدخل القلب دون استئذان، ويترك فيه أثرًا لا يُمحى.
وجهها يحمل ملامح ناعمة، مرسومة بدقّة وكأنّ فنانًا أمضى عمره يضع كل خطّ فيها. عيناها واسعتان، فيهما بريق خافت يشبه ضوء الصباح الأول، ونظرتها ثابتة، واثقة، تُظهر هدوء امرأة تعرف تمامًا من تكون.
شعرها القصير المموّج يحيط بوجهها بإطلالة كلاسيكية فاخرة، وكأنّ نسمة خفيفة مرّت عليه لتضفي عليه جمالًا مضاعفًا.
أما بشرتها، فكانت نقية، دافئة، تُشعّ بلمعة خفيفة تزيدها إشراقًا طبيعيًا لا يحتاج لأي تجميل.
ترتدي معطفًا طويلًا بلونٍ ترابيّ ناعم، ينسدل على جسدها برقيّ دون تكلّف، ونسّقت تحته قميصًا أبيض وبنطالًا من اللون نفسه، فبدا مظهرها كله كلوحة متناغمة من البساطة والأناقة. حذاؤها الرياضي بلونه الهادئ منحها لمسة عصرية تضاعف سحر حضورها.
كانت تمشي بخطوات هادئة، يداها في جيبيها، وكأنها تسير في عالمٍ صنعته على مقاسها.
جمالها ليس مجرد ملامح... بل روح انعكست في كل تفصيلة منها.
جمال يُرى... ويُشعَر... ويبقى عالقًا في الذاكرة طويلًا.
وبهذه الطريقة وصفها ذلك الذي كان يطل برأسه من نافذة مكتبه يرمقها أثناء سيرها أمام الشركة، ابتسم وتمتم:
" هانيا ربما فخامة الاسم وحده تكفي فعلا، هلهلتي قلبي يا هانيا"
وفي تلك الأثناء صدح صوت هاتفه فوجدها أمه رد عليها قائلًا:
_ إيه يا أمي عاملة إيه؟
_ كويسة، قولي انت كمان قبل ما نغلط نفس غلطة اخوك، اخطبلك تالية من عمتك فاطيمة ولا إيه ؟
_ لا لا تالية إيه و فاطيمة إيه! كويس إنك سألتي، مش عايز تالية لا
_ اومال انت عايز مين انت كمان؟ مستغربالكم بجد هتلاقوا في جمال تالية و رهف فين؟ و يكفي انهم ولاد عماتكم يعني حد نعرفه و نثق فيه!
_ لا يا أمي معلش
_ طب اخلص عايز حد معين يعني ولا هو رافض لمجرد الرفض انت كمان؟؟
نظر من النافذة عليها مرة أخرى كي ينطق اسمها و يطلب من امه ان تطلبها له لكنه سرعان ما اختفت ابتسامته ما إن رأى شهاب يقف معها و يضحكان بشكل لا يصر فتضايق و صمت شاردًا في المشهد ونسي امه تلك التي كانت تردد اسمه كي يجيب.
وخرج عن شروده أثناء قولها في صوت عالي:
_ جياد، انت روحت فين يا ابني!
_ معاكي يا ماما قوليلي
_ انت اللي قولي اسمها إيه ولا بنت مين؟
_ طب بعدين هقولك يا ماما، سلام علشان بس في ايدي شغل كتير
قالها و أنهى المكالمة وأخذ يمعن النظر و اصوات ضحكاتهما تصل إليه، بدأت دقات قلبه تتسارع اثر الغيرة و الضيق و عليه أمسك هاتفه واتصل عليها، أخرجت الهاتف من حقيبتها فرأت اسمه يعلو شاشة الهاتف، فسألها شهاب:
_ مين؟
_ جياد
_ وعايز ايه الزفت دا؟
_ بس بقا استنى علشان هرد
زفر في ضيق وسكت بينما هي ردت قائلة:
_ ألو
_ إيه يا هانيا فينك؟
_ انا تحت الشركة
_ و بتعملي ايه تحت؟
_ كنت روحت زي ما طلبت مني اتأكدت من المكان و ان كل حاجة تمام زي ما كنا عايزين علشان الإعلان الترويجي وكل حاجة فعلا عجبتني و
_ لا متدنيش feedback في التليفون، اطلعي بما إنك رجعتي و تعالي مكتبي احكيلي كل حاجة
_ اتفقنا حالا
أنهت معه المكالمة وعليه سأل شهاب:
_ عايز إيه؟
_ ولا حاجة بيتكلم في شغل عايز feedback المشوار اللي روحته علشان يتأكد ان كل حاجة تمام فطلع اقوله
_ كنت عايز اقولك ماهي كلفتني بأيه
_ معلش حببيي أنا عارفة انك عايز تقولي على الموضوع دا من بدري بس اديك شايف انا مشغولة ازاي، خليني اطلع اقوله اللي حصل و اقفل شغل و أكون معاك انت بقا للصبح
ابتسم و هز رأسه موافقًا، ابتسمت له وذهبت، كان يتبع أثرها في ابتسامة اختفت ما إن لمح جياد يراقبهما من شرفة المكتب وما إن علم جياد أنه لمحه حتى أخذ ينظر إليه في تحدي أما شهاب فكان متعجبًا من نظراته إليه، ولكن كل تلك الإشارات لا تؤكد له إلا ما يخشاه.... جياد معجبًا بحبيبته.
فتحت الباب بخفّة، ودخلت إلى مكتب جياد بخطوات هادئة تحمل ثقة لا تتكلّف. ما إن رفعت رأسها نحوه حتى بدا المشهد وكأن شيئًا تغيّر في الهواء. كانت أنيقة، متوازنة، تحمل ذلك النوع من الحضور الذي يجعل المكان يُعيد ترتيب نفسه حولها.
اقتربت من مكتبه وهي تقول بصوتٍ هادئٍ واضح:
" جياد، عايزة أطمنك... كل شيء في الموقع بقى جاهز، التنظيم ممتاز، والفريق انتهى من اللمسات الأخيرة للّقطات اللي هنستخدمها في الإعلان الترويجي. حتى الإضاءة... ضبطناها بشكل مثالي."
كانت تتحدث باحتراف، تسرد التفاصيل بدقة، وتشير بيدها برشاقة وكأنها ترسم كلامها في الهواء.
لكن جياد... لم يسمع شيئًا تقريبًا.
كان يحدّق فيها بصمت، ملامحه جامدة من الخارج، لكن ذهنه كان في مكان آخر تمامًا.
كان يراقب طريقة تحرك شفتيها وهي تتكلم...
لمعة عينيها التي تظهر حين تتحدث عن العمل بشغف...
وهدوء خطواتها التي دخلت بها المكتب وكأنها دائماً تنتمي إليه.
صوتها يتردد أمامه، لكنه لا يتلقّى منه إلا نبرة الأنوثة الهادئة.
جمالها خطف تركيزه من أول لحظة، حتى شعر أنه فقد القدرة على سماع أي كلمة بوضوح.
بعد دقائق من حديثها المتواصل، توقفت وسألته بلطف:
"حابب تشوف التقارير دلوقتي؟"
رمش جياد كأنه يعود من غفوة قصيرة، وحاول أن يجمع شتات تفكيره قبل أن يجيب.
لم يُرِد أن يظهر عليه شروده، لكنه لم يستطع منع نفسه من النظر إليها مرة أخرى... نظرة أطول مما ينبغي، نظرة بالكاد تخطئها عين امرأة حساسة مثلها.
وللحظة... شعر أنه لو بقيت في مكتبه دقيقة أخرى، لن يستطيع التظاهر بالبرود أكثر.
ولما لاحظت ذلك سكتت و شعرت بالخجل وتركت التقارير على الطاولة و تابعت:
" التقارير اهي أنا قلت اللي عندي عملت check على كل حاجة وكله تمام، هرجع بقا شغلي "
نهض وأخذ يقترب منها في خطوات بطيئة ثم نظر إلى عينيها وقال و عيناه تلمع:
_ مشكورة تعبتك معايا، بس ماكنتش عايز اي حد ينزل كان لازم حد بثق فيه و بيفهم ينزل ويقولي.. حد يكون عيني هناك و يسردلي الحقيقة كاملة من غير تزييف
ابتسمت وردت:
_ العفو معملتش حاجه... شكرا على الثقة
كان يشعر أنه يفقد التوازن على نفسه أمامها لذا أبعد عيناه عنها فجأة و قال:
_ روحي شغلك
تعجبت من أسلوبه ولكنها ردت على أي حال:
_ تمام
ثم انصرفت، كان يتبع أثرها وتمتم:
" ماينفعش اطلبك الا أما اتأكد إنك عايزاني.. مينفعش اترفض.."
**********
رحبت عبير بمجيء فاطيمة ما إن عادت من منزلها ووجدتها تنتظرها هناك، و بعدما استقرت الأوضاع و رتبت فاطيمة أغراضها في غرفتها الجديدة في منزل أخيها و الخادمات قمن بترتيب أغراض ولديها ( باسم و تالية ) في غرفة كل منهما الجديدة، جلستا في حديقة القصر تحتسيان كوب من القهوة، وتحدثت فاطيمة:
_ دا وانا بجهز الاوضة و الحاجات، لقيت حليمة بتتصل بيا و زعلانة وبتقول بعد ما قلت للبنت وفرحت يرجع يزيد يقول لا؟!
ردت عليها عبير في خجل:
_ والله حقها عليا أنا فضلت اعتذر لها كتير واقولها حقك عليا بس انا والله مليش دعوة كلها أوامر الشيخ اخوها وانا عرفتها دا، قولتلها هو اللي قالي روحي اخطبي البنات وهو اللي قالي خلاص يزيد رفض
_ وهو رفض ليه، هيلاقي احسن من بنت حليمة فين؟
_ والله دا رأيي، قال عايز بنت مجدي السَّلّاب
_ آه ... قولي كدا
_ يعني ايه؟
ردت عليها:
_ يعني مجدي السَّلّاب و مراته حورية لعبوها صح
اطرقت عبير محاولة أن تدرك ما يقال فتابعت فاطيمة:
_ مجدي السَّلّاب استغل قربه من الشيخ عبدالله و جوز بنته لابننا فاتح ودلوقتي عايز يجوز التانية ليزيد ومش بعيد يطمعوا يجوزوا التالتة لجياد كمان
تذكرت السيدة مكالمتها مع ابنها والتي كانت عبارة عن رفض قاطع لزواجه من تالية و سكتت، فتابعت فاطيمة:
_ الناس دي داخلة على طمع واضح... مجدي مكفهوش انه شغال مع أخويا و كمان مساعده و مستشاره الأول ودراعه اليمين يعتبر، لا راح دخل بناته التلاته الشركة يشتغلوا هناك و يحط كل واحدة تحت المدير اللي هتوقعه بالظبط علشان يبقى هو و بناته الورثة الوحدين للشيخ ماهو بناته بس اللي هيخلفوا و العز دا كله يكون لبناته و اولادهم، خطة متخرش المية.... والبنات حلوة خلينا نقول الحقيقة يا عبير و أولادك شباب بردو أما يلاقوا دلع و جمال و هشتكة هيوقعوا و هيقولوا طب ما فاتح عاملها و اخويا الغلبان يقع في الخية و يفتكر ان مجدي يدوب بيطيع أوامره و بناته الجميلات مجرد بيشتغلوا بس في الشركة لحد أما هو و بناته يستحوذوا على كل املاك آل الزيني و تقعدي انتي و بناتك ميبقاش ليكم حاجة خالص، أما بنات مجدي السَّلّاب يسرقوا كل حاجة و ياخدوا كل حاجة لنفسهم و يستغلوا جمالهم و وقوع عيالك في حبهم لصالحهم
نظرت إليها في خوف و ردت:
_ تفتكري دا مخطط؟
_ اه طبعا، صدفة يعني يكون واحد عنده ٣ بنات يجوزهم كلهم لتلاتة اخوات و اغنية كلهم و مديرنهم في الشغل!
ولا بردو صدفة يزيد يغير رأيه فجأة بعد ما يقول عايز رهف يرجع يقول روني! رهف اللي كانت هتحافظ على فلوسه و املاكه و بيته و انتي واثقه في دا، يرجع يقول لا مش عايز! تخطيط اهو البت مش ساكتة معاه في نفس القسم و مدورة عليه الشغل
كانت السيدة صامتة تفكر في كلامها جيدًا فكل ما كانت تخشاه هو ان يتم استغلالهم أو سلب أموالهم وتابعت فاطيمة في دس السم:
_ كمان مايا مش بتخلف الله اعلم ما يمكن أخواتها يكون عندهم نفس المشكلة.
أو يمكن عايزين يدخلوا روني علشان تخلف هي و يكون ليهم من القسمة نصيب
محدش عارف نيتهم إيه بالظبط بس الواضح لينا إنه مفيش سلكان في نيتهم خالص.
ثم انهم مش من مستوانا علشان يتجوزوا مننا، دول ناس شغالة عندنا مينفعش يتساوو بينا، أكيد كل اللي همهم الفلوس و العز اللي هيطلوه من نسب زي دا وبس وأخويا على نياته مش فاهم اللعبة كويس وواثق في اللي اسمه مجدي السَّلّاب دا..... أنا وعيتك ياختي وانتي براحتك، قارني بين رهف و روني دي و شوفي بنفسك، رهف بنت اخو جوزك اللي متربية على الغالي و العز هي اللي هتطمع في ابنك و فلوسه، ولا روني بنت مجدي السَّلّاب الجعان اللي عايش في بيت قد علبة الكبريت و أكيد نفسه يطلع على حس جوزك؟!
قارني بقا وفكري في النهاية يا عبير هانم القرار قراركم.
كانت عبير شاردة تفكر فيما قالته فاطمية. بينما فاطيمة تحتسي قهوتها.
***********
كانت أسيل تحكي لوالدها( السيد عبدالعزيز الكبير ) ما تريد أمها فعله، وكان السيد يسمع وهو حزين مستلقيًا على سريره مشلولًا غير قادر على الحركة اثر حادث السير الذي تعرض له، فمنذ نومته هذه وأصبحت كل الأمور في يد زوجته حليمة والتي أصبحت تفعل ما يحلو لها دون الرجوع إليه، و بينما الفتاة تشكي لوالدها، دخلت حليمة و علامات الغضب تشكل ملامحها وصرخت:
_ هتتجوزي حسان يعني هتتجوزي حسان والا انتي عرفاني
صاح عبدالعزيز وهو متعب:
_ بس يا حليمة متتكلميش مع البت بالأسلوب دا ومش هتقدري تجبريها تتجوز ابن اخوكي الدرويش دا.
بنتي تستحق الف جنتل يستاهلها و يحبها و يكون راجل ليها، ابن اخوكي دا عيل مش راجل وحرام بنتي تتظلم معاه وكل الحق أصلا على أهله اللي عايزين يجوزوه واحدة متشبهوش في أي حاجة، كل الحق عليهم لأنهم عايزين يجوزوه اصلا
صرخت السيدة في غضب:
_ عبدالعزيز اسكت انت، أنا عارفة انا بعمل ايه
ثم نظرت إلى ابنتها وتابعت:
_ بنت مجدي السَّلّاب هي اللي هتتجوز يزيد، عرفتي؟؟ سيبي ولاد السلاب ياخدوا كل حاجة وانتي قاعدة هنا لسه بتفكري تقبلي حسان ولا لا
صاح الرجل في ضيق:
_ تغور كل اموال اخوكي دي، املاكه دي لنفسه وهو وعياله احنا ملناش دعوة بيه، مش هنببع عيالنا علشان قرشين زيادة ولا جوازة و السلام عشان القعدة في القصر!
ردت أسيل في خضة:
_ روني؟ هيتجوز روني؟!
_ ايوا ياختي روني، لا انتي ولا اختك وأخويا العرة ماشي وراه و هيكلم مجدي السَّلّاب علشان يطلب بنته و ينفذ كلام الواد
بدأت الدموع تتسلل من عينيها و هي تتمتم:
" روني... كنت حاسة كأن قلبي كان حاسس"
_ افضلي انتي عيطي كدا و خليها هي واختها عايشين في عزكم و فلوسكم خلو مجدي السَّلّاب يكوش على كل حاجة يا شوية هبل
ثم أمسكت بذراع فتاتها و أخذت تجرها إلى الخارج، و عبدالعزيز يصرخ:
" سيبي البت في حالها يا حليمة متتغطيش عليها"
ولكنها لم تسمع له و استمرت في جرها حتى خرجتا من الغرفة و دخلتا غرفة أخرى و ما إن دخلتا حتى غلقت حليمة الباب وقالت في حزم:
_ اسمعي، حسان دا ماهو الا مجرد سلم هيوصلك وبس فكري فيها كدا وبطلي غباء، هتسيبي بنات مجدي السَّلّاب ياخدوا كل حاجة؟ ادخلي الحرب دي بعين قوية و استخدمي كل اللي فيها كأنهم أدوات مساعدة علشان توصلي وبس لهدفك
_ بس يا ماما أنا هتقهر اوي، هتقهر اوي لو شفته معاها هموت هيكونوا في وشي كل يوم عايشين معايا في نفس المكان و...
_ بدل ما هنتقهر و نموت نعمل كل حاجة ترجعلنا حقنا، ترجع لك يزيد و فلوسك منها.
الحرب دي بتاعتك و لازم تدخليها والا هتفضلي طول عمرك مقهورة.
أنا هقولهم انك موافقة تتجوزي حسان، انتي اللي هتطرديها من القصر، انتي اللي هتستردي منها مكانتك أما تبيني للكل أنها نصابة و طمعانة في فلوسهم
_ بس وقتها حتى لو يزيد طلقها مش هيتحوزني، أنا مرات أخوه أكيد مش هيتجوزني أنا دون عن كل البنات
_ لا وقتها هيبان انك مكونتيش عايشة مع راجل بجد و يعتبر مش متجوزة اصلا و أما تطردي بنت مجدي و يبان إنك اللي خايفة على فلوس خالك و وافقتي على الجواز دا علشان تظهري الحقيقة ولكن انتي مش مبسوطة وهما عارفين ابنهم عامل ازاي هيعوضوكي و هيجوزوكي يزيد و هيقولوا خلاص ملكش انك تختار تاني لانك كنت هضيع العايلة كلها
نظرت إليها الفتاة بعينين مترددة خائفة رافضة غاضبة، فتابعت أمها:
_ سيبي المشاعر و العواطف دلوقتي تماما وفكري في اللي هيوصلك وبس لأن أنا فاهمة كويس الناس دي بتفكر في إيه، انتي اللي هتبقي الأولى و الأخيرة من بعد عبير هتغطي على مايا و روني دول تماما
_ يا ماما بقولك عبيط عبيط
_ مصلحة ماهو لازم يبقى عبيط علشان نعرف نوصل للي احنا عايزينه من وراه، وافقي بقا ومتبقيش خايبة خليكي زي عيال مجدي السَّلّاب بيفكروا في مصالحهم بس الأول واديها أهو خطفت الواد منك ومن أختك..
انا والله بعد رفضك دا كنت هتصل ارفض حسان خالص واقولها قالت لا بس الاقيها بتتصل تقولي إنه كمان يزيد بيقول لا على رهف علشان روني بنت مجدي! لا كدا المسألة فيها إن و السلاب و بناته مش ساكتين
نظرت إليها الفتاة وهزت رأسها موافقة، ابتسمت السيدة وتابعت:
_ هي دي بنتي من بطني فعلا
**********
اتصل يزيد على روني وطلب منها أن تأتي إليه مكتبه قبل انتهاء موعد العمل و رحيلها، أتت الفتاة وألقت عليه التحية وقالت:
_ نعم
_ خلصتي شغلك؟
_ اه كله تمام
_ مروحة دلوقتي؟
_ اه... هو في حاجة؟
_ تعالي اقعدي
أقبلت و شدت الكرسي ثم جلست وقالت:
_ اهو قعدت
ابتسم ورد:
_ أنا بحبك
ها هي روني تجلس أمامه، ولا تزال الكلمة تتردد في أذنها كرجع صدى بعيد: "أنا بحبك ."
جملةٌ انتظرتها سنة ونصف كاملة، من التقل، والبرود، والحياد القاتل... والآن فقط نُطقت.
تجمّدت روني لوهلة، كأن الزمن اصطدم بها وتوقف. لم تعد ترى المكتب، ولا الأوراق المبعثرة، ولا ضوء الشاشة المنعكس على وجهه... صار كل شيء ضبابًا خفيفًا، بينما كلمة "أحبك" تلمع في صدرها كشرارة تهز قلبًا أنهكه الانتظار.
نبضاتها ارتفعت حتى شعرت أنها تسمعها بوضوح، وجفّت أنفاسها كمن خرج من جريٍ طويل.
ارتعشت يدها قليلًا؛ لم تكن ترتجف خوفًا، بل اندهاشًا، ارتباكًا... وشيئًا يشبه الفرح الذي حاولت كتمه طويلًا.
رفعت عينيها إليه ببطء، نظرة مُحمّلة بدهشةٍ صافية، وعينان تتّسعان كأنهما تتأكدان من أنه قالها فعلًا. بدا المكتب حولها كأنه يضيق، يقترب، يختنق معها من هول المفاجأة.
لم تعرف ماذا تقول؛ لسانها انعقد، وابتسامة صغيرة-غامضة، خجولة-تسللت إلى شفتيها رغمًا عنها.
شعرت بحرارة تسري في وجهها، وبشيء ينكسر داخلها... ذلك الجدار الذي بنته طوال شهور كي لا ينكشف ضعفها أمامه.
وبين صمتها المتوتر، وهمستها المكبوتة، كان قلبها يردد:
"أخيرًا... قالها."
كانت حالتها مزيجًا بين الذهول والارتياح، بين رغبة في البكاء ورغبة في الضحك، بين أن تركض إليه... وأن تعاتبه لأنه تركها تحترق انتظارًا كل هذا الوقت.
تابع ما إن أحس أن صمتها سيطول:
_ عارف انها متأخرة بس أنا اصلا ماكنتش متأكد من مشاعري و كنت بفكر ارجع قطر تاني و مش مستقر داخليا و مذبذب و مضغوط بسبب الشغل علشان كدا كنت ساكت لكن عيني كانت بتقول كل حاجة و طاقتك ليا كانت بتوصل، أنا دغري.
قبل ما انطق الكلمة دي لاني عارف كويس معناها و تقلها و قيمتها محبتش تكون مجرد كلمة سهلة من كام حرف يقدر أي حد يقولها، علشان كدا قلت لبابا يقول لابوكي و ياخد معاد علشان نتقدم وبكدا أكون حافظت على معنى وقيمة كلمة بحبك و استخدمتها في الصح و الحلال ... تقبليني زوج ليكي؟
ها هي تجلس أمامه، وما زالت تحاول استيعاب اعترافه الأول...
لكنه لم يمنحها فرصة لتتنفس، حتى فاجأها بطلبه.
فشعرت وكأن الأرض تحركت من تحت قدميها.
لم تكن الصدمة هذه المرّة صدمة حبّ فقط، بل صدمة قدرٍ تغيّر فجأة، دفعة واحدة، بلا مقدمات... ولا مهلة لتستوعب.
شعرت بأن الهواء ثقل في صدرها، وبأن صوت عقارب الساعة في المكتب صار أعلى من المعتاد-رغم أنها لم تكن تسمع شيئًا سوى كلمته الأخيرة:
" تقبليني زوج ليكي"
عيناها اتّسعتا حدّ الذهول، وتجمدت ملامحها بين صدمة وفرح وخوف جميل يشبه ارتعاشة ما قبل البكاء.
قلبها يخفق بعنف، وكأن كل نبضة تدفع دموعها إلى حافة الجفون، لكنها تحاول مقاومتها بكل ما تستطيع.
وضعت يدها على ركبتها لعلها تثبّت نفسها، فهي تشعر كأن جسدها خفيف، وكأنها لو لم تتمسك بشيء ستطير من مكانها من قوّة الخبر.
حرارة غريبة صعدت إلى وجهها، وشفتيها ترتجفان بخجلٍ واغتباطٍ لم تستطع السيطرة عليه.
كانت تريد أن تقول شيئًا... أي شيء... لكن الكلمات خانتها تمامًا، وكأن اللغة كلها اختفت من رأسها.
نظرت إليه، نظرة ممتلئة بذهولٍ طفولي... وصمتٍ أعمق من كل الصمت الذي بينهما طوال سنة ونصف.
وفي داخلها صوت واحد يصرخ:
"هو بيكلمني أنا؟... دا ليا أنا؟... دلوقتي؟... بجد؟"
كانت حالتها أقرب إلى الانهيار الجميل:
انهيار الفتاة التي صبرت طويلًا... ففاجأها القدر بكل ما تمنت دفعة واحدة.
كاد الصمت أن يقتله فهو يودها أن تبادله أحبك أنا أيضًا ولكنها لم تقل وبعدها أحس بخجلها حاول أن يستوعب لغة عيناها ما إن رفض لسانها أن ينطلق، فقرأ جيدًا لمعة الحب داخلهما وظلا ينظر إليها صامتًا يتأملها وحسب وكانت الأخرى صامتة اثر الخجل و الصدمة.
نظر إلى يديها المرتجفتين ثم وضع يده فوق يدها وأخذ يلمس أصابعها وهو يبتسم لها وقال:
_ اهدي، انتي متوترة اوي كدا ليه
سحبت يداها فجأة أثر الخضة و نهضت مرة واحدة وما إن قامت حتى شعرت بدوار وذلك لخفة جسدها و روحها وما إن رآها تكد تسقط حتى لحق بها لتقع بين ذراعيه، ومن كثرة الصدمات كانت لا تصدق أنها بين يديه فلفظت في همس:
" يزيد"
_ عيوني
اغمضت عيناها فاقدة الوعي، حملها بين ذراعيه ووضعها على الأريكة، وأخذ يشممها رائحة العطر الخاص به حتى تفيق وما إن افاقت حتى عقدت حاجبيها في استغراب وتمتمت:
" هو أيه اللي حصل"
قالتها ثم اعتدلت وأخذت تنظر حولها وتابعت:
_ هو أيه اللي حصل يا يزيد؟
_ مش عارف، قولتلك بحبك و هتقدملك و كنت مستني تقبلي او تقولي ايه لقيتك مش بتردي وبعدها وقعتي من طولك... مالك؟
نهضت وردت في ثقة بعدما استجمعت قواها:
_ مأكلتش كويس اول ما قمت حسيت بدوخة كدا مش أكتر ولا انت فاكر ايه؟
ابتسم ورد:
_ طب ابقي كلي كويس بعد كدا علشان مش حلوة توقعي من طولك كدا!
ردت في ثقة وهي ترجع شعرها للخلف:
_ نصيحة مقبولة thank you همشي بقا كدا هانيا و بابا هيستعوقوني
نظر إليها في ضيق وهز رأسه موافقًا ثم قال:
_ ماشي اتفضلي
اتجهت نحو الباب وفتحته وقبل الخروج قالت في صوت مسموع:
_ بس انا موافقة على فكرة يعني
نظر إليها و ابتسم، ابتسمت هي الأخرى ثم خرجت.
*********
وفي تمام الساعة التاسعة مساءً، كانت روني قد وصلت البيت و قصت على أمها و أختها ما قاله لها يزيد.
وكانت تود أن تخبر والدها ولكنه كان في الخارج مع الشيخ عبدالله ولم يأت بعض إلى المنزل، وما ان انتهت تمنت لها هانيا التوفيق و كمال فرحتها ودخلت كي تتحدث مع حبيبها عبر الهاتف قبلما تنام، بينما حورية والدة روني كانت في كامل حماسها لذا أخذت تفكر مع ابنتها فماذا سترتدي و ماذا سيفعلون وماذا سيقدمون لهم إذا جاؤوا وفي تلك الأثناء سمعتا صوت الباب، اتجهت روني كي تفتح قائلة:
_ مين؟
لتسمع صوت عبير من الخارج ترد:
_ أنا عبير هانم الزيني
ابتسمت الفتاة واسرعت جهة أمها واخبرتها ثم اتجهتا نحو الباب، وفتحت روني الباب في ابتسامة عريضة وقالت:
_ اهلا وسهلا البيت نور
وعليه ردت أمها:
_ عبير هانم زارنا النبي والله، اتفضلي اتفضلي يادي النور يادي النور
دخلت السيدة في ترحيب حار منهما الأم و ابنتها، ثم جلست فقالت حورية:
_ تشربي إيه؟
_ ولا حاجة أنا جاية اقول كلمتين و همشي ومش عايزة اتأخر لأن مينفعش ماكنش في البيت لازم اوصل قبل وصول الشيخ
جلست حورية وردت:
_ خير في إيه يا عبير هانم؟
وعليه جلست روني بجانبها وردت عبير:
_ جاية اقولك كفاية.. كفاية يا حورية انتي وجوزك مجدي السَّلّاب اوي لحد كدا، ابعدي بناتك عن ولادي وخلاص بلاش طمع بقا خدنا من عندكم واحدة ومهياش نافعة ومش بتخلف ومش عايزين نعيد التجربة تاني.
انا هنا علشان تبطلوا تلفوا على ولادي أنا واعية جدا للي بيحصل وبلاش تخربوا على بنتكم اللي عندنا ولا على شغلكم اللي بينا في شركتنا
ثم وجهت حديثها إلى روني وتابعت:
_ اثبتي حسن نيتك وارفضي يزيد لان اللي جاي معايا واللي الكل شايفه انكم طمعانين فينا وعلى رأي المثل إذا كان حبيبك عسل متلحسوش كله. انا عارفة انتي عايزة ايه او انتوا عايزين إيه، ودا ممكن نطلبه بهدوء من غير ما نتجاوز حدودنا و الطمع يعمي عنينا
كانت الفتاة في صدمة مما تسمعه وكذلك أمها.
لتفاجئهما عبير بفعل أبشع فقد قامت بفتح الحقيبة و أخرجت المال الذي جلبته معها و ألقته أمام الفتاة ثم قالت:
_ اهو وكل اما تعوزوا اطلبوا عادي احنا أهل المفروض لكن بفكركم الطمع وحش وبيقل ما جمع.
نظرت روني إلى المال الموضوع على الطاولة ثم إليها في صدمة كبيرة....
*********
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت و الاحداث
نتقابل يوم الجمعة الجاية
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثالث 3 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين ؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثالث
[ حب من طرف واحد ]
سلمى خالد احمد
************
وما كان لحورية سوى أن تصمت كما اعتادت أن تفعل عندما يتعلق الأمر بعبير أما روني فمن هول الصدمة شلت حركتها و شل تفكيرها.
نهضت عبير تاركة المال على الطاولة و تحدثت في نبرة صوت صارمة:
_ زي ما اتفقنا اهو انا معاكم في أي حاجة بس سيبوا ابني في حاله و ارفضوه واي فلوس تحتاجوها تعالولي
أنهت كلامها وحملت حقيبتها متأهبة للذهاب، فوقفت روني مانعة إياها قائلة:
_ استني عندك
وقفت السيدة والتفتت إليها فاقتربت منها الفتاة ووضعت المال بين يديها وردت في شموخ:
_ احنا مش عايزين فلوسك دي في حاجة ولا تلزمنا أصلا، خديها معاكي انتي فاهمة غلط، احنا ناس شبعانة مش شوية الفلوس اللي سبتيهالنا على الترابيزة دي اللي هتخلينا نتغر ومش هتعرفي تشترينا بيهم وكان لازم تتعلمي أصول التعامل مع الناس اللي منسباها وتفكري الف مرة في حركة زي دي قبل ما تعمليها
صاحت السيدة في غيظ:
_ انتي يا عيلة انتي اللي هتعلميني ازاي اتكلم؟!
_ مادام بتتكلمي معايا
_ اخرسي
اقتربت حورية ووقفت بينهما وتحدثت في سرعة:
_ احنا اسفين يا ست عبير روني مش قصدها
_ ماما!
_ اسكتي
ثم التفتت تارة أخرى إلى عبير وتابعت:
_ بس الحركة زعلتها وهي في نيتها حب و خير وعايزة تأيد صوابعها العشرة شمع لابنك فإنك تشككي فيها وان كل هدفها فلوسه رغم ان نيتها تجاهه تحمل العكس لازم دا يزعلها، فمعلش حقك عليا
_ علمي بنتك ازاي تتكلم مع الكبار مقاما و سنا علشان مرة تانيه مش هسمح بالكلام معايا كدا تاني
هزت رأسها مؤكدة، فالتفتت إلى روني وتابعت:
_ مش عايزة فلوس احسن وفرتي بس ابقي افتكري اني عرضت وعملت اللي عليا، وابني كدا كدا أما هيتقدم هترفضيه
قالتها وأخذت تسير إلى الأمام كي ترحل منها، فاستوقفتها كلمات روني وهي تقول:
_ هقول لابنك اني برفضه علشان أمه جت تحط لي فلوس في ايديا وتقولي ارفضي لانك استغلالية وهدفك الوحيد فلوس ابني، ونشوف هيعمل ايه الكرة في ملعبه هو بقا و الشيخ
التفتت إليها وأخذت ترميها بنظرات يملأها التحدي وردت:
_انتي بتتحديني؟
_ لا خالص، انا هقول اللي حصل بالظبط هسرد الحقيقة يعني وكل واحد حر يفسرها براحته، لو هما كمان وجهة نظرهم زيك يبقى بلاها الجوازة دي خالص، أما أنا مش هرفض مش هرفض من نفسي لاني عايزة لو هو بقا اللي مش عايز حاجة ترجع له
نظرت إليها في قرف ثم أدخلت المال في الحقيبة و انصرفت في غيظ.
وما إن ذهبت حتى لامت حورية ابنتها وحدثتها في نبرة حادة قائلة:
_ إيه اللي انتي هببتيه دا؟
_ إيه؟
_ انتي مجنونة؟ حد يكلم عبير هانم سيدة قصر آل الزيني بالأسلوب دا؟ هتبقى حماتك في يوم ورايحة تعاديها و تكلميها بالأسلوب الزباله دا! كان لازم تاخديها على قد عقلها
_ عقلها إيه دا اللي اخدها على قده هي عيلة صغيرة؟ اديكي بتقولي سيدة القصر يبقى تنضج وتعامل العالم باحترام
_انتي بقا اللي هتعلميها؟ احنا هناخدها معاها عند، واختك عندها وعايزة تخرب عليها
_ ماما انا مبفهمش الكلام دا، اللي اعرفه ان اهم حاجة عندي كرامتي، انا فضلت بحب يزيد سنة ونص كاتمة وعمري ما عملت حاجة تقلل مني وكان عندي استعداد ادوس على مشاعري وقلبي اكتر علشان قيمتي قصاد نفسي، فأما تيجي ست زي دي تكلمني بالأسلوب دا مش هسكت لها مهما كانت النتيجة إيه حتى ان الجوازة اللي مستنياها بقالي كتير باظت بس اهم حاجة كرامتي محدش لمسها، وانتي تقوليلي تخرب على أختك! وجوزها دا إيه طرطور يتقاله يمين يمين شمال شمال يعني ولا إيه؟؟
تصبحي على خير يا ماما
ذهبت إلى غرفتها و تمتمت والدتها:
" يخربيت دماغك الناشفة و العند بتاعك يا شيخة هيخرب لنا كل حاجة، أنا مش عارفة خلفتها منين دي ولا جت لي منين؟؟"
**********
ولم يعد الشيخ إلى منزله ولا حتى مساعده لانهما ذهبا إلى نادي يقع في أحد الأحياء الراقية في القاهرة، مكان محافظ وهادئ، مصمم ليجمع بين الثقافة والرفاهية. الجدران مزينة برفوف كتب كلاسيكية وحديثة، مع لوحات فنية هادئة، وبعض التحف التي تعكس الذوق الراقي للملّاك. الأرضية خشبية داكنة، والإضاءة دافئة من مصابيح معلقة وأرضية، تخلق جوًا هادئًا ومريحًا.
يوجد ركن خاص للغزف والغناء: منصة صغيرة بها بيانو كلاسيكي وكراسي للغناء، مع مكبرات صوت مخفية بشكل أنيق، بحيث يمكن للمجموعة الاستمتاع بالموسيقى مباشرة خلال اللقاءات. هذا الركن منعزل قليلًا عن بقية النادي ليمنح خصوصية للأداء ويترك للضيوف مساحة للاستماع دون إزعاج.
الطاولات خشبية متفرقة، وبعضها بجانب نوافذ تطل على حديقة داخلية صغيرة أو نافذة تطل على منظر خارجي هادئ، مع كراسي مريحة تسمح بالجلوس لساعات طويلة. في الركن الآخر، توجد زاوية لتقديم الشاي والقهوة والمشروبات الخفيفة وبعض الحلويات البسيطة، لتكمل تجربة الراحة والاسترخاء بعد يوم عمل طويل.
يجلس الشيخ عبدالله الزيني بالقرب من زاوية الكتب، متأملاً بعض الوثائق ويشرب مشروبه الخاص بينما مجدي السَّلّاب يحرص على ترتيب الأمور بسلاسة، ويجيب ما يحتاجه الشيخ والزوار.
وكان معهم بعض رجال الأعمال الأصدقاء يجلسون على طاولات قريبة، يشاركون النقاش ويتبادلون أطراف الحديث.
وبينما هم يضحكون تارة و يتسامرون تارة أخرى، تحدث أحدهم إلى الشيخ:
_ يا ترى بقا بتعرف تعزف يا شيخ؟
ابتسم ورد في ثقة:
_ طبعا بعرف وعلى الجيتار و البيانو كمان
فرد اخر في تحدي:
_ طب ما تقوم تعزف كدا، نخلي الجدع اللي بيعزف دا يقوم وانت تعزف مكانه
هز رأسه موافقًا ورد:
_ ومجدي بيغني صوته حلو اوي
ابتسم مجدي، و ارتفعت الأصوات وبدأ الكل يطلب منهما البدء في الغناء و العزف
واستأذنو ممن كانوا في الركن الخاص بالغناء ليمسك الشيخ بالجيتار ويبدأ العزف، بينما مجدي يستعد لالقاء يبدأ الغناء ويقول:
"أصابك عشق أم رميت بأسهم
فما هذه إلا سجية مغرم
ألا فاسقيني كاسات وغني لي
بذكر سليمة والكمان ونغمي
توقف عن الغناء تاركًا الجميع يستمتع بعرف الشيخ لبضع ثواني وتابع:
أيا داعيا بذكر العامرية أنني
أغار عليها من فم المتكلم
أغار عليها من ثيابها
إذا لبستها فوق جسم منعم
وبدأ الجميع يصفق في تلك الجزئية بالذات بالأخص لان مجدي أبدع وهو يلقيها عليهم وصاحوا والشيخ لا يزال يعزف:
ليل ياليل ليل الليل يا ليل يا ليل
يا ليل يا ليل يا ليل، يا يا يا ليل يا ليل
يا ليل يا ليل يا ليل، يا ليل
وصاحوا تارة أخرى:
" الله " ما ان انتهت المقطوعة تلك حتى أخذوا ينسجمون مع طريقة عزف الشيخ وهم يهتفون له في حرارة، وتابع مجدي في حرارة و نبرة صوت أقوى:
أغار عليها من أبيها وأمها
إذا حدثاها بالكلام المغمغم
وأحسد كاسات تقبلن ثغرها
إذا وضعتها موضع اللثم في الفم
صاحو في تشجيع حار، ليتابع مجدي وهو يعيد المقطوعة في انسجام أكبر بينما عزف الشيخ لا يزال يحافظ على قوته و جماله:
أغار عليها من أبيها وأمها
إذا حدثاها بالكلام المغمغم
وأحسد كاسات تقبلن ثغرها
إذا وضعتها موضع اللثم في الفم
ليل يا ليل
يا ليل
يا ليل
يا ليل
اخذوا يصفقون لهما و يهتفون باسمهما
وقد كان جوًا لذيذًا مسليًا بعيدًا عن ضغط العمل و أحاديث الشغل المملة.
********
" وانت معاك كام علشان دهب العروسة يا شهاب ولا هنروح عند الناس نتكسف؟"
تحدثت والدته أثناء جلوسهما معًا في صالة المنزل، فتحدث وهو يضع يده على خده:
_أكيد اقل حاجة هجيب تقم، سلسلة و خاتم و اسورة و الدبلة
_ كتير
_ اعمل إيه طيب؟
_ كفاية الدبلة و معاها اسورة وخلاص
_ لا يا ماما مش عايز استرخص فيها من أولها كدا
_ قولتلها على موضوع الشقة؟
_ خايف اوي يا ماما بعد ما تعرف موضوع الشقة تسبني
_ شهاب، مش وقته هانيا خالص انت لسه بتكون نفسك و حتى الشقة اللي عملتها اتسحبت مننا والقرشين اللي معاك يدوب، الجواز دا عايز تجهيزات يا ابني وانت مرتبك يا دوب ١٢ الف!
_ ماهو أنا هشتغل شغل إضافي بليل وهغضط على نفسي، هي استنت معايا كتير خايف تسبني، هانيا جميلة و الف مين يتمناها...
اطرق برهة وتذكر نظرات جياد لها وتابع:
_ هانيا مينفعش تتأجل تاني خلاص ثم اني وعدتها اني جاي خلاص يوم الجمعة الجاية
_ ماشي بس هنعمل ايه في موضوع الشقة و قلة الفلوس دي؟ انت مرتبك على مرتب اختك مش مكفي هي بتاخد ١٠ وانت ١٢ يعلموا إيه في الزمن دا؟ وانت عارف كويس ان اختك (شاهندا )داخلة السنادي جامعة و مصاريفها كتير
_ ماهو يا ماما ماكنش عقل بردو إننا ندخلها خاص واحنا مش معانا، (وعد) بتشتغل و بتجهز نفسها و كتر خيرها بتساعدك و بتحط في البيت وهي كل مرتبها ١٠ تلاف وانا بساعد وبجهز نفسي و كمان بجهز شاهندا وبساعد وعد في جهازها، تقوم شاهندا مزودة علينا وعايزة تدخل جامعة خاصة مش حرام دا؟
_ ماهي مجابتش مجموع تعمل إيه في نفسها يعني؟
_ ماشي تدخل حاجة بسعر أقل شوية مش كدا!
_ هي دي أسعار الخاص تعمل إيه هي؟ وانت بدل ما تفكر في اخواتك البنات و تطمن عليهم هما الأول وبعدها تشوف نفسك؟! لا همك نفسك وبس، عارف ان ابوك مات و مسبش غير البيت دا وانا جسمي اتهلك من الشغل ومن تعب الشغل وسني كبر بقا وعايزة ارتاح ورقبتي بنتين لازم يتعلموا و يتجهزوا غلطانة يعني اني اعتمدت عليك؟ انزل اشتغل انا و اتمرمط؟
زفر في ضيق ورد:
_ خلاص يا ماما قولتلك هشوف شغلانة تانية بليل و كمان ماهي مديرتي جابت لي شغلانة إضافية بمرتب ازيد لاني همثل الشركة قصاد الكاميرا ودا بفلوس تانيه وبعد الشيفت هقف بقا في مطعم ولا اشوف كول سنتر شيفت ليلي ولا اي حاجة علشان لا اضيع هانيا ولا أثر من ناحية اخواتي البنات ولا البيت هنا خلاص؟ وبالنسبة للفلوس اللي شايلها خليها دي على جمب للجواز وانا هجيب غيرهم لاخواتي
زفرت في ضيق فتابع:
_ والله يا ماما هتتحل بس انتي استحملي معايا شوية، انا مقدرش والله اتجوز واحدة غير هانيا وهي كتر خيرها استنت معايا كتير حرام افضل راكنها جمبي كدا لو واحدة من اخواتي مقبلش يحصل معاها كدا
_ امسك على ايدك واحنا عند اهلها مش كل حاجة يقول عليها أبوها تقول حاضر زي الأهبل خليني انا اتكلم
_ ايه يا ماما ناوية تبوظي لي الجوازة؟!
_ أكيد لا بس لازم نتكلم ونعترض مش كل شوية نقول حاضر و هنفذ فهمت؟
نظر إليها في خيبة أمل ولم يرد
********
وقد عاد باسم الابن الأكبر لفاطيمة الأخت الصغرى لعبدالله من عمله فقد كان يعمل في شركة خاله هو الآخر وكان منصبه مدير تصميم الأزياء،( design manager ) فكل الملابس من تصميمه هو و الفريق الذي تحت يده.
تخرج من كلية الفنون التطبيقية، وكان في السابعة و العشرين من عمره كان يكبر يزيد بسنة واحدة و يصغر كاميليا بسنة واحدة.
حيث كان يزيد في السادسة و العشرين من عمره بينما كاميليا فكانت في الثامنة و العشرين من عمرها.
جلس على الأريكة في بهو القصر وتحدث في صوت مسموع:
_ فين كبير الخدم المسؤول هنا؟
أسرعت مقبلة نحوه وتحدثت في ابتسامة:
_ انا يا فندم، معاك نادية مختار كبيرة و رئيسة الخدم هنا و مسؤولة عن تنظيمهم وكل ما يخص القصر
_ ماشي يا نادية حلو انا جعان لسه راجع من الشغل وعايز آكل قوللهم يحطوا الأكل يا نادية
ابتسمت ابتسامة خفيفة وردت:
_ فيه بروتوكول معين للأكل، الغدا بمعاد ومعاده الساعة سابعة بحيث يكون الشيخ رجع هو وأولاده اما حاليا الساعة ١١ معاد الغدا راح حاليا دا معاد العشا، تحب احطلك العشا؟
_ عشا؟
_ ايوه يا فندم، مواعيد الفطار الساعة ٦ ونص ل ٧ و معاد الغدا الساعة ٧ و معاد العشا من ٩ل١١ وبعد كدا معاد النوم، وهي دي بروتوكولات القصر في مواعيد الطعام
كان يفتح فمه في بلاهة لا يستوعب ما تقوله، فعندما كان في بيته كان يأكل وقتما أراد ويفعل ما يريده في أي ساعة شاء، ما هذا؟! ما تلك القوانين التي يفرضها خاله الشيخ على الجميع، حتى عليه هو و أمه وكل من يسكن القصر! ولكنه على أي حال تنهد ثم رد:
_ ماشي يا نادية قوليلهم يحطوا اي حاجة تتاكل انا جعان و متغدتش لاني كنت مشغول برا ولسه اصلا راجع
_ تمام مستر باسم هقولهم
قالتها ثم ذهبت، كان يفرق جانب ذقته متعجبًا من قوانين القصر، وفي تلك الأثناء، ظهرت والدته وهي تنزل من فوق وما إن رأته ابتسمت ثم أخذت تسير نحوه وما إن وصلت حتى جاورته وهي تقول:
_ اتأخرت برا ليه كل دا؟
_ أشغال يا ماما والقصر عرف يعاقبني قالولي مفيش غدا
ابتسمت وردت:
_ للغدا مواعيد
_ طب والناس اللي بتتأخر تعمل إيه؟ وبعدين إيه للغدا مواعيد دي هو انا قاعد في فندق؟! قال راح عليا معاد الغدا قال!
_ معلش دي قوانين و بروتوكولات القصر من زمان مش هنيجي احنا نغيرها، حاول تيجي معاهم ما انت بتخلص في نفس مواعيدهم، اتغدا وبعدها روح مطرح ما انت عايز بس بلاش تتأخر على معاد الغدا تاني إلا لو ناوي تأكل برا
_ مستغرب والله، ما اتأخر براحتي وأما ارجع يحطولي الأكل يعني هيخسوا حتة؟!
_ قولتلك هو دا نظامهم بقا، المهم في جديد في الشغل؟
_ لا زي ماهو
_ عايزاك كتف في كتف كدا لخالك و تطلع له التصاميم اللي هو عايزها بالظبط و تصحصح معاه كدا
_ بعمل من غير ما توصي، اومال فين تالية؟
_ تلقاها نامت، المعظم نام اصلا ان ماكنش الكل الساعة داخلة على ١٢ وهما عندهم شغل بدري
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ هقعد أنا اطفح جبن و كلام فاضي بعد ما كنت ناوي على زفر علشان خاطر معاد الغدا راح عليا و هتخمد علشان الشغل بكرة ولفي بينا يا دنيا
_ حبيبي لو عايز وجبة و لحوم وكدا اطلب أوردر متحرمش نفسك من حاجة
_ لا هنام خفيف أحسن خلاص نفسي اتقفلت بعد اللي نادية قالته دا
**********
وفي صباح اليوم التالي وداخل شركة الزيني بالأخص في قسم التسويق، كان شهاب يجلس على مكتبه مهمومًا شاردًا لمدة دقائق لا يعمل ولا يحرك ساكنًا، فلاحظته هانيا لذا سريعًا أنهت ما في يدها ونهضت ناحيته وجلست جواره وتحدثت في نبرة صوت هادئة:
_ مالك يا حبيبي شارد في إيه؟
نظر إليها ولم يرد، فتابعت:
_ مالك يا شهاب بس فيه إيه؟ ايه مزعلك بالله عليك قولي، انا ملاحظة انك زعلان من بدري او فيه حاجة مديقاك فقولي في إيه؟
تنهد ثم رد:
_ هانيا، أنا آسف بس...
اختضت وردت في قلق وخوف:
_ بس ايه؟ واسف على إيه؟
_ عمي، بابا كان مفهمنا إنه خلص كل حاجة معاه واداله حقه كامل، بصي بيتنا متكون من دورين انتي عارفة المهم دا كان بيت لجدي الله يرحمه وسابه لبابا و اخوه اللي هو عمي المهم بابا قال إنه خلص حق عمي في البيت علشان يخلي البيت دا ليا انا و اخواتي البنات، فعمي راجع يقول لا انا عايز حقي في البيت ابوك مدانيش حاجة مع ان بابا مأكد ليا ولماما إنه مديله حقه
_ ابوك سجل الكلام دا في الشهر العقاري او فيه اي أوراق تثبت إنه خلص حق أخوه؟
_ للاسف لا وعمي بيحلف ان بابا كداب والحقيقة ضاعت في النص محناش عارفين مين اللي كداب لان محدش كان معاهم ومفيش دليل
_ طب مامتك مش عارفة فعلا ازاي ابوك اتصرف وخلص حق أخوه؟
_ سألتها قالتلي معرفش ابوك مش دايما بيتكلم ولا بيقول جاب الفلوس منين كل اللي قاله ليها اني خلصت حق اخويا والبيت دا ملك لينا ولعيالنا وبس
_ طب وايه المشكلة دلوقتي؟ عايز تلاقي دليل علشان كدا زعلان ولا ايه محتاجه طيب بالظبط وانا اساعدك؟ بسبب المشكله يعني مش هتعرف تتقدم لي علشان كدا بتعتذر؟
هز رأسه نافيًا ثم قال:
_ ماما جاية معايا عادي يوم الجمعة الفكرة بس هفهمك انا كنت كونت نفسي واشتريت شقة في الدور الرابع في مدينة نصر زي ما قولتلك بس أما عمي اتكلم ماما قالت هنديله شقتك علشان يفضل البيت لينا وانا هيكون ليا الدور التاني كله بتاعي واخواتي الدور الأول هيقسموه بس بعد عمر طويل لماما يعني فأنا بعتذرلك لاني كدا هدخلك بيت عايلة وانا كنت متفق معاكي اسكنك لوحدك
وضعت يدها على يده وتحدثت في ابتسامة:
_ الموضوع مش محتاج تقلق منه اوي كدا، انا معنديش مشكلة اعيش معاك في بيت أهلك المهم عندي اني معاك... ومتقلقش يا سيدي ان شاء الله عمك مش هيطلع ليه حاجة وهنقدر نثبت دا وساعتها تاخد منه شقتك وأنا مش مستعجلة أنا معاك في أي حاجة
ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ ولا ابوكي هيمانع ويطلب إنك تسكني برا؟
_ لا هو أهم حاجة عنده اني تمام وعايزة كدا فهو خلاص مش هيمانع طالما أنا عايزة ومرحبة
_ ربنا يخليكي ليا و ميحرمنيش منك ابدا، أنا لو لفيت الدنيا كلها عمري ما هلاقي واحدة زيك تحبني كدا وتختارني رغم كل الظروف وهي مش مضطرة
ابتسمت وردت:
_ لا مضطرة علشان بحبك يا شهاب وعمري ما أقدر اتخيل نفسي عايشة مع غيرك
اقترب من وجهها فابتسمت وهتفت:
_ ولا ركز احنا في شغل انت عبيط ولا إيه؟
_ يخربيت الشغل
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ معلش كلها شوية وهيتقفل علينا باب واحد الصبر حلو هانت
_ وقتها مش هحل
وهنا دخلت ماهي القسم فرأتها هانيا فتحدثت في توتر:
_ ماهي ماهي أنا هروح على مكتبي بقا مش ناقصة كلمتين
قالتها واسرعت جهة مكتبها.
اتجهت ماهي نحو مكتب شهاب ووقفت وهي تبتسم وقالت:
_ صباح الخير يا شهاب
_ صباح النور يا ماهي اؤمري
_ جاهز؟
_ أكيد
_ طب تعالى معايا
ذهبا معًا، بينما هانيا تمتمت:
" يارب وفقه واكرمه ووسع رزقه في الشغل الإضافي دا علشان نتجوز بقا يارب"
وقفت أمام مكتب باسم وكان شهاب يقف خلفها فقرأ الافتة المكتوب عليها
[ design manager]
Bassem Awad
[مدير قسم التصميم]
باسم عواد
ودخلا بعدما أذن لهما وابتسم ما إن رأى ماهي قائلًا:
_ صباح الفل المكتب نور يا ماهي
_ منور بأصحابه يا باسم
مد شهاب يده كي يصافحه في ابتسامة، فمد الآخر يده وصافحه وتحدثت ماهي:
_ دا باسم يا شهاب اعرفك، مدير قسم التصميم الخاص بشركتنا ويكون ابن عمتي كمان
ثم التفتت إلى باسم وتابعت:
_ دا شهاب يا باسم من اكفأ الموظفين عندي في القسم
رد باسم:
_ اهلا و سهلا اؤمري يا ماهي
_ بص يا باسم انا كنت عايزاك تعمل تصميم فورمال بدل بالأخص لان الشركة قررت تنزل الموسم دا بالفورمال اكتر وجبت لك شهاب اختارته الموديل اللي هيمثل الموسم من رجال جبته علشان المصممين اللي عندك يشوفه و يعملوا على مقاسه
ابتسم ورد:
_ ايوا يا ماهي بس هو طويل وعريض وحلو ماشي بس معظم الشعب المصري قصير و رفيع وبكرش اساسا حاسه تبع فئة بسيطة مش هيناسب الكل
_ ماهو دي بدل يا باسم والبدل لازم تكون على الموديل متناسقة علشان تجذب الناس أكيد
_ فاهم بس اللي كان بيمثل قبله التيم كان مناسب اكتر منه جسمه حلو و متناسق وفي نفس الوقت مناسب أجسام الرجالة هنا علشان الناس ميجلهاش عقدة اما يشوفوه ويحسوا إنه ناقصهم كتير.
وهو ينفع يكون موديل لبراند عالمي او لشركة أوروبية اكتر
نظر إليه شهاب في ضيق ثم رد:
_ انا مصري على فكرة وعلى فكرة بردو انت في طولي وفي جسمي وكمان يزيد وفاتح و أمجد و جياد معظمكم طويل و معضل واصلا براند الزيني مش في متناول الأيدي يعني اللي هيشتري بدلة بالسعر دا هيكون مهتم بشكله وجسمه وصحته وان كان اقصر ولا اطول ولا اتخن ولا ارفع أكيد هيكون فيه مقاسات انما الموديل لازم يكون متناسق علشان يقدر يجذب الانتباه أما الناس تشوف المنتج عليه و يقرروا يشتروا أصلا، فانت أكيد مش هتجيب واحد رفيع و بكرش يلبس بدلة تكلفتها ٣٠ الف جنيه.
انت فاهم في حتتك وانا فاهم في حتتي انا ماركيتنج انا اللي ببيع المنتج اللي انت بتصممه أصلا ودي مديرتي وشايفة إني مناسب وشايفة ان المنتج هيحقق مبيعات و قسم السيلز كدا كدا ليهم شغلهم بردو مش هيأثروا
كان ينظر إليه يصغى إليه في اهتمام ورد:
_ ماشي يا شهاب انا قلت وجهة نظري وكدا كدا على رأيك التسويق والبيع مش مسؤوليتي أنا مسؤول ان المنتج يطلع من تحت ايدي انا والموظفين تحتي بأفضل شكل زي ما الشيخ وفاتح قالوا غير كدا انا مليش دعوة
ثم نظر إلى ماهي وتابع:
_ انا قولتلك ان الموديل اللي فات كان كويس وحققنا من خلاله فلوس كويسة بس كونك هتغيريه دي مخاطرة فيها احتمالية النجاح أو الفشل، عايزة تتحمليها براحتك أنا بس قلت أقول رأيي بمنتهى الصراحة
ابتسمت وردت:
_ وأنا واثقة فيه وواثقة إن الإيرادات هتزيد من خلاله الموسم دا، اهو هسيبه عندك علشان المقاسات و الذي منه
انهت كلامها ونهضت ثم وجهت حديثها إلى شهاب وتابعت:
_ أول ما كل حاجة تخلص أرجع على الشغل علطول، هسيبك انا بقا معاه علشان ورايا شغل
هز رأسه موافقًا في ابتسامة عريضة.
**********
طرقت روني باب مكتب يزيد في تردد لا تعرف هل ما ستفعله مناسبًا أم لا، لدرجة انه سمح لها بالدخول ولكنها كانت شاردة الذهن فلم تسمعه إلا في المرة الثالثة حين قال في صوت عالي " ادخل" ففتحت الباب وابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
_ صباح الخير يا يزيد
ابتسم ما رآها ورد:
_ صباح النور يا روني، تعالي
كانت تمشي في خطوات بطيئة شاردة حتى وصلت إلى الكرسي وجلست فتحدث:
_ ها يا ستي قوليلي
شردت تفكر هل تقص عليه ما حدث بينها وبين أمه ليلة أمس أم لا؟ هل تخبره عن مدى غضبها أم تسره في نفسها؟
فتابع:
_ فيه إيه يا روني؟
_ مفيش.... أنا بس..بس حبيت... حبيت أسألك يعني هتيجوا امتى وكدا؟
ابتسم ورد:
_ بابا قالي إنه خد معاد من أبوكي بكرة بليل الساعة ٩
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ يعني خلاص انتوا جايين بكرة الساعة ٩؟ مفيش حاجة باظت حاجة اتغيرت حد اعترض ولا اي حاجة صح؟
عقد حاجبيه في استغراب و رد:
_ حاجة باظت حد اعترض؟ انتي إيه بتتوقعي الأسوأ ليه؟ لا يا ستي مفيش حاجة باظت ولا حد اعترض لاني مش عيل ولا بابا كلمته ممكن تنزل الأرض ابدا وبالذات بقا مع مجدي السَّلّاب حبيب قلبه
ابتسمت ابتسامة عريضة وشعرت إنه لا داعي للقلق وردت:
_ خلاص تمام على خير إن شاء الله
_ هو فيه حاجة؟
ردت في سرعة:
_ لا لا انا بس قلت اجس نبض علشان الحق اشوف ألبس إيه قبل ما تفاجئني فقلت اجرجرك في الكلام واعرف جاي امتى واريح ونفسي
ابتسم ورد:
_ ماشي يا ستي وانا اتجرجرت عادي خالص اهو وقولتلك
نهضت من مكانها وتحدثت أثناء سيرها:
_ اوكيه مستنياك بكرة، يلا هروح على شغلي
_ تمام
خرجت من مكتبه واطمأن قلبها قليلًا فعلمت أن عبير لم تقل ولم تحكي أي شيء قد حصل ليلة أمس وعليه عادت إلى مكتبها وجلست أمام الحاسوب، وقبلما تبدأ عمل مرة أخرى سمعت صوت أسيل والذي كان عاليًا تقول:
_ طلعي ورشي يا تالية برفيوم طلعي ورشي هفطس من الريحة، فيه ريحة كدا قذرة اوي جاية من الناحية دي بالذات من المكتب دا مش فاهمة في إيه بجد
عقدت روني حاجبيها في استغراب فإن تلك الناحية وذلك المكتب يخصونها هي فهل تلك المجنونة تقصدها؟ وعليه شمت نفسها وملابسها في تلقائية وتمتمت:
" مالها ريحتي زي الفل؟! هي مجنونة دي ولا إيه على الصبح؟"
تابعت الأخرى:
_ مش عارفة يا تالية بجد القذارة و العفانة اتحدفت علينا منين، فيه شوية ناس زباله كدا معفنين بينسوا يستحموا عايزين يتربوا و يتعلموا الأدب علشان مفكرنها حرية شخصية انهم يموتونا بريحتهم دي ميعرفوش ان ريحتهم طالعة و الناس كلها شامة وعارفين الالعاليب بتاعتهم القذرة
تحدثت واحدة في القسم في ضجر:
_ عايزين نركز في الشغل يا أسيل بعد اذنك، ريحة ايه وقذازة إيه مفيش حد فينا شامم حاجة!
ردت تالية في نفس نبرة الصوت التي تحدثت بها أسيل قبل قليل:
_ ماهي الريحة مش وصلالك يا روحي لان ربنا نجدك ومكتبك بعيد عنها
قالتها ثم وجهت وجهها ناحية روني التي أشارت إلى نفسها في تعجب:
_ انتي بتبصيلي كدا ليه؟ بصي قدامك يا حبيبتي
_ حبك برص، ابص مكان ما انا عايزة ولا انتي هتتحكمي في عيني؟
فردت أسيل:
_ فضحتيها يا تالية كدا! فرضنا نسيت الديودرين بتاعها كدا تكسفيها وتبصي عليها تخلي الكل يعرفها ويبعد عنها؟!
نهضت روني وردت في ثقة:
_ أنا؟ دا أنا اللي معلماكي انتي وهي يعني إيه نضافة يا بت ولا نسيتي؟! بلاش نتكلم واحترمي نفسك واقعدي ساكتة احنا في شركة محترمة مش في الشارع ولا انتي شوارعية فمتعودة على خناقات المصاطب؟!
_ انا اللي شوارعية يا جربوعة، انا خالي مدير الشركة اللي انتي وابوكي واخواتك شغالين فيها وعايشة في بيت متحلميش بيه ولا ممكن يخطر في بالك... أنا يا روح أمك أسيل الكبير اللي ملهاش كبير
كان الموظفون قد وقفوا وحاولوا التدخل بينهما لما اشتدت المشادة الكلامية، ولكن روني ردت لما غاظتها تلك بتلك الكلمات قائلة:
_ وانا يا حلوة خطيبة ابن مدير الشركة و اخوتي تبقى مرات مساعد مدير الشركة و ابويا المستشار الأول لمدير الشركة وبيتي ثرايا يمرح فيه الخيل، ولو انتي يا روح خالتك أسيل الكبير اللي ملهاش كبير فأنا روني السّلّاب لتعليم الرباية و الأدب للكلاب
فردت أسيل في غيظ:
_ زباله وقذرة وريحتك طالعة وكمان خطافة رجالة
فردت روني:
_ انا مش هرد عليكي علشان أنا شغالة في شركة محترمة عند ناس محترمة وانا بنت محترمة
فتحت أسيل فمها كي ترد ولكنها فوجئت بصوت يأتي من الخلف يقول في حزم و صرامة:
_ ايه دا ايه دا؟ إيه اللي بيحصل في قسمي دا؟
التفتت أسيل في سرعة لتجده يزيد ذلك الواقف وعلى ملامح وجهه ارتسمت كل معالم الغضب والضيق، فعلمت حينها لماذا حفظت روني لسانها فجأة قبل قليل.
جلست على كرسيها قائلة في هدوء:
_ مفيش حاجة
التفت إلى روني وقال:
_ فيه إيه يا روني صوتكم عالي ليه؟ وايه العبط اللي كانت بتقوله دا؟ إيه اللي حصل؟
_ ماهي قالتلك مفيش حاجة
_ والله؟
_ اه
نظر إليهما ثم إلى الموظفين الواقفين وصاح:
_ يلا كل واحد على شغله
ثم صاح في ضيق:
_ يلا
وبالفعل اتجه الجميع إلى مكتبه، بينما هو نظر إليهما هما الاثنتين لبضع ثواني ثم انصرف.
نهضت روني من على مكتبها واتجهت نحو مكتب أسيل وهمست جانب أذنها:
_ الحشرات القذرة بنرشها بمبيد حشري او بيرسول رخيص مرمي في أي كشك في صمت لأن مفيش داعي نثير البلبة أو نجيب سيرتهم علشان منعملهمش سيط و قيمة على الفاضي وأنا هنا مش قصدي على الحشرات
رفعت إليها عينيها المليئة بالغضب و الإنتقام فابتسمت روني وذهبت، فتمتمت وهي تتبع أثرها:
" أنا هوريكي يا حشرة ازاي هفعسك تحت رجلي ونبقى نشوف مين فينا اللي رخيص"
**********
" تعالى يا حسان علشان نتكلم شوية مع بعض يا حبيبي "
تحدثت عبير وهي تجلب ابنها نحو الارجوحة في حديقة القصر كي يجلسا عليها و يتحدثان معًا مثلما تريد، فجلس الشاب وهو يضع قطته المفضلة لونا على حجره وتحدث:
_ اهو يا أمي قعدت اتفضلي قوليلي
جلست السيدة جواره وتحدثت في ابتسامة:
_ حبيبي انت بقا عندك ٢٩ سنة وما شاء الله كبرت و بقيت شاب زي الفل، أنا وابوك قررنا نجوزك إيه رأيك؟
ضحك ورد في ابتسامة عريضة:
_ بجد يا أمي هتجوز؟ أنا فرحان اوي انا مبسوط اوي والله يعني انا من بدري كان نفسي اتجوز بس كنت مكسوف أقول
_ وليه يا حبيبي كنت مكسوف؟
نكس رأسه ورد:
_ يعني ممكن مين تقبلني؟ أنا عمر ما في واحدة حبتني يا أمي ولا مرة كان في حياتي بنت زي باقي اخواتي و أصحابي علشان كدا فكرت إني هكون وحيد طول عمري وتأكدت من دا فصحابت قططي لان لقيت فيهم الأمان والحب اللي ملقتهمش في البشر
_ لا يا عم ابسط هتتجوز و مش هتكون لوحدك و البنت بتحبك و هتشيلك جوا عنيها كمان
_ بجد يا ماما؟
_ اه يا حبيبي بجد وهيكون ليك اولاد يملوا عليك البيت و يفرحوا قلبك
ابتسم ورد في تلقائية:
_ طب الحمدلله فكرت هفضل وحيد، فكرت إني هموت جمب قططي لأن مليش غيرهم ولا فكرت في موضوع ولاد ويجروا حواليا وكدا دا
_ لا فكر بعد كدا بقا وعايزة أحفاد كتير اوي منك عايزة امشي اتكعبل في عيال حسان وبس كأني مخلفتش غيرك
ابتسم وتحدث في فرحة عارمة:
_ انتي احلى ماما ودا احلى خبر سمعته بحبك يا أحلى أم
ثم نظر إلى قطته و قبلها وتحدث إليها في فرحة:
_ لونا أنا هتجوز يا لونا وهجيب أولاد أشقية زيك يلعبوا معاكي و هتحبيهم اوي ماشي؟
فتابعت والدته في ابتسامة عريضة:
_ مش عايز تعرف مين العروسة؟
_ انتي اختارتيها كمان؟
_ اه وانا ابوك اخدنا معاد علشان نتفق مع أهلها على كل حاجة ونخطبهالك
_ أنا اعرفها؟
_ عز المعرفة
_ مين يا ترى يا أمي؟
_ أسيل بنت عمتك حليمة
ترك قطته والتي سرعان ما ركضت كي تلعب و ضم إليه أمه في قوة وهي يتحدث في فرحة عارمة:
_ أسيل! أسيل الجميلة دي قبلتني أنا صح؟ موافقة عليا صح؟ قالت اه ولا لسه هنشوف يا امي؟ يعني قالت اه موافقة على حسان ولا لسه هتفكر و نقولها؟ أصلها جميلة شعرها طويل وريحتها حلوة و شكلها حلو
نظرت إليه والدته في حزن عليه ووضعت وجهه بين كفيها وردت عليه:
_ حبيبي، متشفش نفسك أقل منها ها، هي حلوة وانت بردو حلو، هي اصلا ماكنتش تطول واحد زيك في جمالك و حنيتك و طيبة قلبك هتلاقي فين زيك؟ فعلشان خاطري متشفهاش أحسن منك لان يا حبيبي دي مش حقيقة ها؟
ابتسم وهز رأسه موافقًا وأخذ يغني في فرحة:
_ هتجوز هتجوز هتجوز، هتجوز أسيل وهتجوز أسيل هتجوز أسيل وهتجوز أسيل
نظرت إليه في خيبة أمل وسكتت.
*********
ومع أذان العصر، وصلت حليمة شركة الزيني واتجهت نحو مكتب أخيها وطرقت الباب، وما إن دخلت وذلك بعدما سمح لها، تحدثت في ابتسامة:
_ مساء الخير يا شيخ عبدالله
_ مساء الفل يا حليمة، تعالي
غلقت الباب خلفها وجلست على الكرسي وتحدثت في ابتسامة:
_ اؤمر يا شيخ قولتي تعالي العصر مكتبي يا حليمة اديني اهو جيت
_ انا في ضغط شغل والله يا حليمة بقيت ارجع الشغل يوميا الساعة ٩ و ١٠ بليل حتى اسألي فاطمية من ساعة ما جت وقعدت عندي في القصر واحنا مش عارفين نتقابل حتى
_ عارفة يا اخويا من غير ما تقول ربنا يعينكم، ما انا عيالي أمجد و أسيل بيقولولي وانا عارفة ضغط الشغل عامل ازاي
_ دا وقت البريك بتاعي فضي دماغي شوية واصلي العصر و افصل بسناكس كدا لحد معاد الغدا، فقلت اجيبك فيه اقولك اللي عايز أقوله قبل ما ادخل بيتك بشكل رسمي وكدا
_ قول يا خويا أنا سمعاك
_ فيه مثل بيقول يا حليمة اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك وانا بصراحة بآمن بالمثل دا جدا، انا مهم معايا اختار حد بطل شهم يؤتمن على العِرض علشان اسلمه واحدة من بناتي.
انتي عارفة ان كاميليا بقا عندها ٢٨ سنة وأكيد مش ناسية الحادثة اللي حصلت معاها زمان أما كانت مع خطيبها وعملوا حادثة وهو مات
_ اه طبعا أكيد مش ناسية دي فضلت سنين لابسة الأسود و الحزن حوالين عنيها و التعب كله مالي وشها احنا مصدقنا إنها قلعت الأسود و بقت بتبتسم احنا كنا فين وبقينا فين يا عبدالله بس!
_ بالظبط كدا ورفضت فرص متتعوضش خلال الفترة اللي فاتت دي بسبب حزنها على خطيبها وانها مكانتش عارفة تفتح قلبها تاني لحد.
وبصراحة ومن غير لف ودوران أنا اه مش معاهم طول الوقت في البيت بس عيوني موجودة في القصر كله وعرفت ومش مهم ازاي انها معحبة بابنك أمجد وحقيقي ماكنتش مصدق نفسي ان كاميليا هترجع تحب و تتحب وتفرح و تعيش حياتها و تخلف كمان تقريبا كنا فقدنا الأمل لان الحادثة حصلت وهي عندها ٢٣ سنة ودلوقتي بقت ٢٨ فكنا استعوضنا ربنا فيها، فإنها ترجع وتفتح قلبها تاني دا شيء انا مبسوط بيه اوي وسألتها بنفسي وتأكدت انها فعلا معحبة بيه وهتوافق لو أتقدم علشان كدا قلت اقولك تشوفيه لو هو كمان بيبادلها نفس المشاعر ونبدل انا اديكي بنتي وانتي تديني بنتك
ردت في فرحة عارمة:
_ والله لولا اننا في الشركة لكنت رقعت زغروطة دلوقتي سمعت الدنيا كلها.
يا عبدالله انت عارف اني لو لفيت الدنيا كلها لا هلاقي في ادب ولا في أخلاق عيالك ولا نسب يشرف قد نسبكم، وشيء يسعدني اوي ان بنتك رجعت تحس و تحب تاني من خلال ابني وهو موافق اصلا انا حاسة بيه عارفة انه كان عينه منها
_ يبقى على خيرة الله، بعد بكرة هاجي أنا و عبير و حسان نطلب أسيل ونتفق على كل حاجة و بعدها حددوا انتي و عبدالعزيز جوزك يوم تيجوا تطلبوا كاميليا ونتفق بردو
هزت رأسها موافقة وردت:
_ وهنتفق يا اخويا وربنا ما يجيب خلاف و يجعلنا دايما متفقين يارب.
*********
دخل يزيد مكتب أخيه جياد وهو يحمل الطعام وتحدث في ابتسامة:
_ بريك قلت نأكل انا وانت من برا النهاردة علشان انا هسهر برا وهيفوتني معاد الغدا وملقتش غير اخويا حبيبي اتغدا معاه
ابتسم جياد ابتسامة عريضة ورد:
_ فرحتني والله يا يزيد تعالى يا حبيبي طبعا نأكل مع بعض
دخل الفتى وهو يقول:
_ شيل بقا الاب توب و الورق والاقلام و الكلام دا وخليني احط الأكل
_ جايب إيه؟
_ بيتزا و كريب
_ بس كدا المكتب يتبهدل
_ يا عم هنضفه متقلقش، شيل بقا الكلام دا خليني احط الأكل يا جياد اخلص
أبعد الأشياء ووضعها جانبًا، فوضع الآخر الطعام وأخذ يخرجه من الحقيبة وتحدث:
_ عايزك تدوق بقا وتقولي رأيك، المطعم دا كلت من عنده مرة وحقيقي الأكل عنده تحفة
_ يارب يعجبني
_ أكيد ما انت عارف ذوقي في الأكل
وبينما هو يخرج الطعام لاحظ شرود جياد كأن شيئًا ما يشغل باله فتحدث:
_ مالك يا جياد؟
_ مفيش
_ لا فيه والا بقا انت مش طايقني وهقوم اخد أكلي و امشي
_ لا لا يا عم مش للدرجادي ما انا لو مش طايقك كنت طردتك من زمان ما انت عارف
_ ما انا بقول كدا بردو
_ انا كل الموضوع بحب بس
ابتسم يزيد ورد في خبث:
_ شاغلة بالك بقا ها؟ مصوماك يا عيني مش كدا؟
_ اه يا يزيد
_ ليه كل دا؟ هي مين أصلا؟ أنا اعرفها؟
_ اه، هانيا اخت مايا و روني
_ آه، طب تحفة دا احنا التلاته خدنا التلاته الأخوات حقيقي موضوع جميل اوي هما بيحبوا بعض واحنا كمان فهنتجنب الطمع و الغيرة والحقد اللي بيكون بين السلايف دا
_ اه بس دا لو هي عايزاني أصلا
عقد حاجبيه في استغراب و رد:
_ قصدك حب من طرف واحد؟
_ شكله كدا
_ طب ليه بتقول كدا؟ هل انت سألتها وقالت لك؟
_ لا، بس هي مفيش منها اي إشارات او علامات تدل على اهتمامها بيا أو إعجابها بيا، هي بتتعامل معايا على إني مديرها واخو جوز اختها وبس، مش بحس منها بحاجة
_ تفتكر في حد شاغل بالها؟
_ شاكك
_ مين؟ من الشركة؟
_ انت عمرك حسيت؟
_ لا، لأن أنا عمري ما ركزت مع هانيا أساسا، طول الوقت كنت مركز مع روني صراحة
_ وهي كانت بتبادلك؟
_ طبعا وفعلا البنت لو عايزاك هتبادلك المشاعر و هتديك إشارات او علامات كونك مش حاسس يبقى هي لا مش مهتمة
هز رأسه مؤكدًا ثم قال:
_ كنت عارف و قولتلك
_ طب والحل؟
_ معرفش بقا
_ طب تعرف مين اللي في دماغها؟
_ هيفيد بأيه؟
_ تعرف بس؟
_ شاكك في واحد عندي كدا في التيم معاها زميلها اصلا اسمه شهاب بس مش متأكد إنه هو يعني
_ أنا رأيي تصارحها
_ وافرض رفضت؟
_ هو انت يعني هتكون اترفضت من منظمة الأمم المتحدة؟! ما ترفض بس تكون عرفت وريحت نفسك على الاقل حاولت.
قولها بينك وبينها وجس نبضها هيجي منها ولا لا لو تمام قول لبابا يخطبهالك في نفس اليوم اللي انا هخطب فيه روني
_ انت هتخطب روني امتى؟
_ بكرة بليل الساعة ٩ هنكون عندهم، ويلا بقا كل الأكل برد من كتر زنك يا أخي!
نظر إليه ثم إلى الطعام وشرد مرة أخرى.
********
في مستشفى النساء التخصصية داخل إحدى العيادات، تجلس مايا أمام الطبيبة ولم تستطع ألا تمنع نفسها من الانهيار أمامها، فتحدثت الطبيبة في هدوء:
_ اهدي يا مايا أنا قولتلك إن شاء هنلاقي حل
_ يا دكتوره حل إيه دا ناويين يجوزوه عليا انا لازم اتصرف، قوليلي أي حاجه هعمل أي حاجه تقوليها
_ احنا بناخد الأدوية وماشين على العلاج انا مش فاهمة كل دا عادي، انتي لسه ملكيش سنة فيه ناس كتير بتقعد سنين متخلفش وتفقد الأمل تماما لحد ما ربنا يريد وبيفضل عندهم أمل لآخر وقت، اهدي مش كدا اصلا انك تقعدي سنة متخلفيش دا عادي وناس كتير اوي حصلها كدا عادي ومن غير مايكون عندهم مشاكل فقط بتكون المسألة معاهم مسألة وقت
_ هما مش مستنيين عليا، حماتي مش مستنية عليا.... بقولك يا دكتورة أنا أقدر اسافر برا؟ هلاقي حل؟
_ هما برا مش هيسحروا وانا هنا اصلا بكتبلك العلاج المستورد أصلا وعلى كل لو عايزة تجربي السفر سافري بس انا شايفة ان دا مش وقت كافي تحكمي فيه على نفسك ان مفيش منك أمل أو ان الوقت اتأخر ولازم اطلع برا اشوف حل.
انتي عندك كام سنة يا مايا؟
_ ٢٦ سنة
_ طب لسه صغيرة اهو وكمان بصحتك اهدي متخافيش بقا
هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ انا بس عايزة دوا سريع ومفعوله حلو يحسسني اني بعمل حاجة بالله عليكي يا دكتورة
هزت رأسها مستعجبة أمرها وتمتمت :
" لا حول ولا قوة إلا بالله "
***********
" قوليلي يا ماما كنتي عايزاني في إيه؟"
تحدث يزيد مستفسرًا من والدته التي طلبت ان تتحدث معه فردت عليه:
_ بلاش موضوع إنك تتجوز روني دا
_ ليه؟
_ مش حساها بنت قوية كدا و سليطة اللسان، ومش معنى كدا اني بقولك علشان تتجوز رهف اللي نقتها لك والكلام دا لا بالعكس انا بس بقولك رأيي البنت دي مش مناسبة، اه احنا خدنا اختها بس مش بالضرورة هي تكون زي أختها مايا متربية عنها، دي شديدة وهتوريك الويل، قول لابوك خلاص وفكك منها
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ انا عارفها كويس بقالي سنة ونص بحبها اصلا وهي مش قليلة أدب ولا سليطة لسان ولا اي حاجة من دي، هي اه مش بتسيب حقها و قوية ودي حاجة متزعلنيش، من امتى الخيبة كانت ميزة؟!
ماما اجهزي علشان انا مش هغير رأيي وهاخدها، بكرة انتي اللي هتغيري رأيك وهتعرفي إنك كنتي فهماها غلط و هتحبيها كمان
_ كمان؟
_ اه
_ دي عايزة فلوسك دي طمعانة فيك
_ ايه الدليل؟
_ اومال ليه بتقرب منك وخدتك وعمت عينك عن بنات عمتك وخلتك غيرت رأيك
_ هو حد قالك عني إني طفل بريالة؟! إيه خدتني و غيرت رأيي والكلام الغريب دا يا ماما! ماما الكلام دا مهين ليا انا شخصيا لانه بيصغرني.
أنا كبير كفاية افهم في نوايا اللي قدامي، أنا اللي اختارت روني، هي متعرفش حتى بحوار بنات عمتي دا فارجوكي يا ماما سبيني اطلع ارتاح يومي طويل بكرة عن اذنك
بينما ينصرف كانت تتبع أثره وردت في صوت عالي:
" بكرة تندم وتقول ياريت سمعت كلام أمي بس هيكون فات الأوان يا يزيد"
*********
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت روني مبكرًا ولم تذهب إلى العمل بل أخذت ترتب و تنظف المنزل مع والدتها حتى يبدو في أبهى وأحسن شكل لاستقبال الضيوف في الأمس.
وقد جاءت مايا كي تساعد في إعداد الطعام فهي تعلم جيدًا ما يحبه حماها الشيخ عبدالله و زوجته أيضًا.
وكان يزيد في شركته يود أن ينجز عمله في أقصى سرعة كي يطير إلى القصر و يستعد لتلك الليلة التي طال انتظارها.
وقبل الغروب استأذنت هانيا من العمل لتمشي مبكرًا ساعتين لتذهب مع روني كي تشتري الفستان الذي سترتديه اليوم
وبالفعل ذهبتا معًا في تمام الساعة السابعة مساءً.
ذهبتا إلى أكثر من محل حتى اختارت في النهاية فستان طويل يسجد تفاصيل جسدها ساتر لجميع أعضاء جسدها حتى ذراعيها وكان لونه ( بيج) بسيط وهادئ. وأخذت هانيا تختار لها ما يناسبها هي الأخرى إلى أن يأتي دورها يوم الجمعة ويتقدم شهاب لخطبتها.
ودقت الساعة الثامنة والنصف وبقى ساعة واحدة ونصف على مجيء العريس و أهله وفي ذلك الوقت اتصلت حورية على هانيا والتي استجابت سريعًا قائلة:
" ايه يا ماما ؟ "
" بقولك الخاتم بتاعي عند خالتك روحي انتي هاتيه علشان البسه و خلي روني ترجع علشان يدوب تلحق تلبس "
" دا وقته خاتم يا ماما؟"
" اه طبعا وقته عبير هتيجي تتفشخر بدهبها وانا اظهر فاضية كدا؟ روحي انجزي لخالتك قوليلها هاتي خاتم ماما "
" وهو هناك بيعمل ايه بس ؟"
" ما انتي جوزها البركة فيه بيعها دهبها، وهي كانت استلفته مني تحضر بيه فرح بنت صاحبتها، اخلصي وبطلي أسئلة كتير واطلبي اوبر واخلصي"
" ماشي يا ماما سلام"
قصت هانيا على روني ما تريده والدتهما فوافقت روني و اتجهتا كلًا منهما إلى وجهتها المقصودة وكان هناك من يراقبهما.
وقفت روني تنتظر سيارة الأجرة التي طلبتها منذ فترة كي تأخذها إلى المنزل.
وعقب مرور تلت ساعة وقفت السيارة أمامها فتأكدت من السيارة وركبت وقبلما تغلق الباب، دفعها أحدهم في قوة فدخلت وهي تصرخ ثم دخل هو الآخر وغلق باب السيارة ورفع سلاحه قائلًا للسائق:
_ اطلع على المكان اللي هقولك عليه واي محاولة كدا ولا كدا هفرتك دماغك
ثم التفت إليها وتابع:
_ وانتي أي صوت هيطلع منك هموتك فاهمة؟
هزت رأسها موافقة في خوف و سكتت تنظر حولها في رعب لا تعرف ماذا تفعل.
*******
كان العريس استعد و لبس بدلته الأنيقة و كذلك انتهى والده وأصبح جاهزًا وكذلك والدته وركبوا السيارة متجهين نحو منزل العروس.
كان يبتسم وقال لوالده:
_ بابا تفتكر اللي احنا جايبينه للناس دا كفاية؟
_ اه انا شايفه كويس، لو عايز نضيف حاجة تانيه قول
_ لا تمام كدا انا كنت بطمن بس
تمتمت عبير:
" وكمان هيتشرطوا، دول ما يصدقوا ان حاجة تتبعت لهم و يحمدوا ربنا و يهمدوا "
*********
دقت الساعة التاسعة والنصف فوصلت هانيا إلى المنزل وقد جلبت الخاتم معها وسألتها أمها في استغراب عن أختها فكيف لم تأتِ حتى الآن؟
وتعجب الجميع وبدأ القلق يتسرب إلى قلوبهم وبالأخص عندما وجدوا هاتفها مغلقًا فأين هي يا ترى؟
وصل المكان وطلب منها ومن سائق السيارة أن ينزلا وهو يهددهما بالسلاح، وبالفعل نزلا وهما يضعان يدهما خلف رأسهما في وضع الاستسلام، نظرت فوجدت نفسها في مكان أشبه بمهجور مخيف يملأه السكون، دخلا الشقة والتي كانت عبارة عن تراب و بيوت العناكيب طلب من السائق أن يجلس على الكرسي وقام بربطه فيه كي لا يستطيع الهرب ومن ثم جرها إلى الغرفة الوحيدة المجهزة بعض الشيء في تلك الشقة فكان بها سرير و ضوء وبعض من الملابس ما إن دفعها إلى الداخل حتى صرخت وهي ترتمي على السرير والتفتت إليه سريعًا رأته يدخل وهو يغلق الباب وتحدث:
_ النهاردة هعمل الحاجة اللي هتحرم عليكي عايلة الزيني طول العمر وهتعلمك الأدب
أخذت تمعن تركيزها في عيناه وتسمع جيدًا لصوته هي حقًا تعرفه صوته لم يكن غريبًا عنها ابدًا ولا حتى هيأته ولكنها لم تتحقق جيدًا ممن يكون يا ترى ولماذا يريد أن يفعل بها ذلك؟
*********
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت بالفوت ومعادنا يوم السبت وفيه لسه السبت دا احتمال ميكونش ثابت هغيره بيوم تاني وهبقى أبلغكم بيه
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الرابع 4 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين ؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الرابع [ توهان ]
سلمى خالد احمد
**********
كانت صارمة تقف ولا تبدي أي خوف منه ومن داخلها ترتعش وتحدثت:
_ أنا حاسة إني عرفاك بس عايزة افهم انت ليه بتعمل كدا؟ هتستفاد إيه من اللي عايز تعمله دا؟
لم يرد بل أخذ يتهجم عليها ولصقها بالحائط فغرست اظافرها في خديه بقوة وكانت تحدق في عيناه في تحدي كان ينظر إليها متألمًا فقد كان لديها أظافر طويلة و حادة وبعدما غرستها داخل خديه ثم ركلته بركبتها في بطنه ومن ثم ابتعد عنها يضع يداه أثر الوجع وعليه أسرعت جهة حقيبتها الملقية على الأرض وفتحتها في سرعة أخرجت سلاحها الصغير ( قطر) ووضعته خلف ظهرها، فعاد يقترب منها في قوة أكبر كي ينتقم منها على فعلتها لتضع علامتها سريعًا بالإلة الحادة على أحد خديه مما جعله يصرخ أكثر يود أن يكشف عن وجهه كي يرى ما حدث له وكانت تود أن تنتظر كي تتعرف عليه ولكن الخوف منعها مما جعلها تركض إلى الخارج تفر هاربة ناجية بنفسها وما إن أصبحت في الخارج حتى أخذت مفاتيح السيارة الملقية على الأرض وتحدثت إلى السائق المقيد وهي تتابع جريها:
" رقمي معاك على الابلكيشن أما يسيبك كلمني ارجعلك العربية معلش مضطرلها وهو مش هيأذيك شكرا"
وخرجت تجري في سرعة تتلفت حولها تبحث عن السيارة وما إن وجدتها حتى ابتسمت و أسرعت جهتها وفتحت الباب وبعدما دخلت وجدت فستانها الذي اشترته في المقعد الخلفي مما جعلها تضحك وقادت السيارة منتصرة.
**********
" يعني إيه يعني اختفت إيه الجنان دا؟"
صرخ مجدي متعجبًا خائفًا وقبلما ترد عليه زوجته سمعوا صوت جرس الباب، نظر إليهن وقال:
_ الناس جت، روني فين؟ روني فين؟
كان تائهًا لا يعرف ماذا عليه أن يفعل واتجه نحو الباب و فتحه وتصنع الابتسامة قائلًا:
_ اهلا وسهلا نورتونا اتفضلوا
اعطوه ما جلبوه معهم و دخلوا غرفة استقبال الضيوف واضطر هو أن يدخل خلفهم وقبلما يدخل قال لزوجته:
_ شوفوا البت فين و اتأخرت ليه علشان لو فضلت متأخرة ومش بترد كدا هضطر اوقف كل حاجة و ادور عليها
هزت رأسها موافقة وكانت هانيا لا تتوقف عن الاتصال بها ولكن هاتفها كان مغلقًا فشعرت بالضيق و الخوف في آن واحد وتحدثت في توتر:
" بردو مغلق بردو مغلق"
وعادت مايا من الخارج فأسرعتا جهتها فهزت رأسها نافية وقالت:
_ روحت لحد المحل هناك ملقتهاش وفضلت ادور في ضواحيه قلت لتكون فعلا زي ما قلتوا بتجيب شنطة ولا جزمة بس بردو ملقتهاش
ضربت حورية بيدها على صدرها وهي تتوجس خيفة وقالت:
" بنتي فين هاتولي بنتي، بنتي راحت فين بنتي فين؟ "
داخل الغرفة رحب بهم مجدي مرة أخرى ولكن عبدالله يعرفه جيدًا هناك أمر ما يضايقه ملامحه غريبة متوتر ربما وعليه سأله:
_ انت كويس يا مجدي؟
هز رأسه مؤكدًا وقال:
_ اه يا شيخ انا تمام بس..
_ بس إيه؟
_ تشربوا إيه؟
_ فيه إيه يا مجدي؟
تعجب يزيد و توتر قليلًا من نظرات ذلك الأب ملامحه لا تعكس السعادة ابدًا بينما عبير تمتمت:
" أحسن شكلها سمعت بالنصيحة ورفضت وابوها مش عارف يجبهلنا منين "
تحدث مجدي متهربًا من اسئلته:
_ هروح اقولهم يعملولك القهوة اللي بتحبها يا شيخ
وما إن خرج حتى تحدثت عبير إلى زوجها:
_ شكلنا مش مرحب بينا هنا يا شيخ يلا خلينا نمشي
رد يزيد:
_ يعني إيه نمشي دي يا ماما مش فاهم! اهدي بعد اذنك
_ شايفني مجنونة يعني ولا إيه ما تلزم حدك
_ مستغرب ايه نمشي دي؟
_ انت مش شايف أبوها قالب خلقته ازاي، شكلها رافضة وهو محرج يقول
_ لا هي مش رافضة اذا كان لسه امبارح قايلالي انتوا جايين امتى علشان اجهز نفسي و نظبط أمورنا وانا معرفها إن بابا هيكلم أبوها وقالتلي موافقة دا بسم الله الرحمن الرحيم كدا من قبل ما نحدد وقت ولا حاجة مجرد بس سألتها تقبلني زوج ليها ولا لا
تدخل الشيخ حاسمًا الأمر:
_ بلاش نبص للأمور بالسطحية دي جاهز فيه حاجة باظت منهم برا جاهز اتخانق هو ومراته لأي سبب احنا براه جايز فيه حاجة مظبطتش زي ما كانوا عايزين جايز ألف حاجة مش لازم يكون الموضوع يخصنا، ومادام هو متأكد اوي كدا من قبوله خلاص ادينا هنشوف.
وبمجرد خروج مجدي من الغرفة حتى أخذ يبحث عن ابنته وتحدث:
_ لسه مظهرتش بردو؟ أنا هروح ادور عليها
ردت حورية في خوف:
_ هدور عليها فين؟
_ مش عارف بس أكيد مش هفضل قاعد كدا وبنتي مختفية! لازم اعمل حاجة
اقترب من الباب و فتحه وما إن فتحه حتى وجدها تقف أمام الباب في استعداد لطرقه، ابتسم ابتسامة عريضة وضمها إلى صدره قائلًا:
_ الحمدلله إنك بخير يا حبيبتي
اقتربت أمها وكذلك اختاها وتحدثت حورية في خوف:
_ كنتي فين يا روني، كنتي فين كل دا قلقتينا عليكي يا بنتي!
_ بعدين بعدين، الناس وصلت؟ انا حقيقي جاية بجري
قالتها واسرعت جهة غرفتها وهي تحمل الحقيبة التي بها الفستان وغلقت الباب بالمفتاح وما إن غلقته حتى أخذت تُلهث، وكأن الهواء نفسه يضيق عليها. أسندت ظهرها إلى الباب وجسدها يرتجف، ثم انزلقت إلى الأرض لحظة، قبل أن تجبر نفسها على النهوض. كانت يداها ترتجفان، تنظر إلى أظفارها التي غرستها فيه بكل ما تبقى لها من قوة لا تصدق كيف فعلت ذلك ومتى. تشعر بلسعة الألم في كفّيها، وكأن عقلها لا يستوعب ما حدث.
نظرت إلى وجهها في المرآة، فوجدت عينيها تلمعان بدمعٍ يأبى السقوط… حتى انهارت.
بكت بصوتٍ مكتوم، خافتٍ مرتجف، بكت على خوفها، على الوحدة التي سكنت قلبها لحظة لم تجد فيها أحدًا يحميها، بكت لأن جسدها ما يزال يرتجف رغم نجاتها، ولأنها لا تعرف حتى الآن مَن ذلك الذي حاول تدمير حياتها ولما فهي لم تؤذٍ أحدًا قط؟!
ومع ذلك… لم يكن أمامها وقت.
تتنفّس بصعوبة، تمسح دموعها بظهر يدها، وتخلع ما عليها بسرعة، كأنها تريد أن تنزع عن جلدها أثر اليد التي أمسكت بها، وأصابع الخطر التي التصقت بذاكرتها. تُمسك فستانها يدهشها أنها ما زالت قادرة على الوقوف أصلًا.
كانت تسمع ضجيج أهل العريس في الخارج، أصواتًا تزداد قربًا كأن العالم يضغط على صدرها.
ترفع رأسها قليلًا، تحدّق في نفسها، تتساءل كيف يمكن لفتاة خرجت من قبضة الموت منذ دقائق… أن تبدو الآن عروسًا يُنتظر منها الابتسام
تنفست بعمقٍ متكسّر، وغمغمت لنفسها:
"مش دلوقتي … مش وقت الانهيار. يا روني اجمدي"
ثم ارتدت فستانها بيدين ترتعشان، ومسحت دموعها للمرة الأخيرة، محاولةً أن تجمع ما تبقّى من شجاعتها قبل أن تخرج لمواجهة حياة جديدة… بينما في داخلها جرحٌ ما يزال ينزف.
وبمجرد خروجها رأت الجميع ينتظرها في الخارج وتحدث والدها:
_ هدخل أنا ليهم وانتي شوية و هندهلك انتي وأمك علشان تدخلوا
قالها وذهب، اقتربت هانيا من روني فهي تعرفها هناك خطب ما بها وهمست:
_ مالك؟ كنتي فين واتأخرتي ليه؟
_ هانيا بالله عليكي غيري الموضوع دا لو اتكلمت فيه هعيط بعدين لو سمحتي أنا واقفة على رجلي بالعافية انا بترعش
ردت الأخرى في خوف شديد:
_ ليه ليه حصل إيه لدا كله؟
_ قلت بعدين بقا بعدين
خرجت حورية من المطبخ وهي تحمل القهوة وخلفها مايا تسير وهي تحمل طبق الفواكه.
اقتربت حورية من روني وتحدثت:
_ خدي القهوة اهي دخليها للناس
_ والله يا ماما ماهقدر اشيل قهاوي ممكن اقع بيها مثلا
_ ليه يعني!
ردت هانيا بدلًا منها:
_ خلاص يا ماما دخليها انتي وهي هتدخل معاكي
_ اه بس لو افهم مالها وكانت فين!
ثم حملت الأكواب ودخلت وألقت السلام ثم جلست جوار زوجها وعقب قليل دخلت روني تمشي على استحياء وسلمت على الجميع وابتسم لها يزيد ما ان جلست فلم تبتسم له فهي شاردة الذهن ربما رأته يبتسم ولكن عقلها في عالم آخر مما جعله يتعجب ولكنه ظن لربما توتر الخجل يبدو أنها منكسة الرأس لا ترفع عيناها في وجه أحد ربما الخجل السبب....ربما
ومن هول صدمتها ومن شدة عدم تركيزها شردت بعيدًا كأنها لا تسمع ما يقولونه عنها في تلك الأمور التي تخص عقد القرآن و الخطوبة و هكذا.
***********
دخلت حليمة غرفة ابنها أمجد بعدما سمح لها وتحدثت في ابتسامة:
_ خفت تكون نمت يا حبيبي
_ لا يا ماما صاحي أنا أصلا كنت عايزك كنت لسه هتصل بيكي اعرف نمتي ولا فيه إمكانية نتكلم
_ انا كمان كنت عايزاك
_ خلاص ابدأي انتي أنا سامع
تنهدت وردت في ابتسامة:
_ خالك عبدالله طلبني في مكتبه النهاردة
_ وبعدين؟
_ وبعدين قالي كلام كدا كتير ملخصه يعني انه عايز يجوزك انت و كاميليا لبعض وأنا الصراحة فرحت اوي كدا يبقى انت و أسيل هتتجوزوا منهم كان نفسي كمان رهف بس يلا بقا مش نصيبها تدخل قصر آل الزيني
نهض في سرعة ورد صارخًا معترضًا:
_ هو أيه اللي خالي خطبني لبنته دا هو أنا ولية بتخطبوني؟! إيه التهريج دا يا ماما
_ ايه دا فيه إيه مالك بتزعق و بتصوت ليه؟ ايه المشكلة خالك شايف بنته بتحبك وهي البنت كويسة وحلوة وعرض عليا وانا شايفة انك مرحب يعني عملنا إيه غلط يعني؟!
_ عملتي ايه غلط؟ هو أنا عيل صغير قاعدين بتختارولي هتجوز مين؟ انتي إيه اكدلك اوي كدا اني عايز كاميليا؟ ولا إيه اللي اكدلك اوي كدا اني مش في دماغي واحدة تانية مثلا! اسمعي يا ماما أنا مش أسيل علشان تسيطري عليا زي ما روحتي لبستيها في جوازة مع حسان وهتحكمي عليها بالموت علشان شوية فلوس
صرخت السيدة في نبرة صوت صارمة:
_ هو فيه إيه مالكم بقا؟ طب هي رفضت حسان علشان ضعيف و على الله إن شاء الله إنما كاميليا مالها إيه عبها يعني؟
_ يا ستي هي زي الفل والله بس أنا بحب غيرها غريبة عليكي دي؟
_ ومين دي بقا اللي انت شايفها تستحق تكون زوجة ليك عن كاميليا؟!
تنهد ورد:
_ ماهي.... أنا بحب ماهي أختها
ضربت على صدرها في خضة وردت:
_ يادي النيلة عليا وعلى بختي المهبب، يعني هي ترفض حسان علشان يزيد وانت عايز ترفض كاميليا علشان ماهي؟
_ اه انا بحب ماهي من زمان انا مالي ومال المعقدة اللي اسمها كاميليا دي دي واحدة كئيبة و جدية كدا في نفسها شبه أمها حيزبون تحسيهم الاتنين.
أما ماهي فرفوشة بتحب الحياة علطول بتضحك بتمرح شقية كدا وعندها روح حلوة علشان كدا عجباني واصلا هو دا الموضوع اللي كنت عايز اكلمك فيه
_ إنك بتحب ماهي؟
_ اه وكنت هطلب منك تروحي تطلبيها من خالي في مرة
عقدت ذراعيها أمام صدرها وردت:
_ وانت بقى متأكد ان ماهي هتوافق عليك يعني؟
_ اعتقد اه، ماهي مفيش في حياتها حد، سألتها اكتر من مرة قالتلي لا مش مرتبطة حتى لو موافقتش يا ستي هاخد وقتي معاها واكون في حياتها اخد فرصتي يعني إنما اروح ارتبط باختها وأنا عايزها دا بقا جنان
_ لا مينفعش بعد ما هو يقولي بنفسه كاميليا لأمجد ارجع اغير رأيي واقوله لا والله خلاص أمجد عايز ماهي؟
_ مش هو عمل كدا واختار راحة ابنه ! مش رجع قالك لا خلاص مش عايزين رهف! ولا هو عادي واحنا حرام؟!
_ قال مش عايزين رهف وخد من برا مش خد أختها
_ ماهو قهروا أسيل يا ماما لانهم كانوا عارفين كويس انها عايزة يزيد فإنهم يطلبوا رهف دي وقاحة منهم بس هما عادي مهمهش، عمالين يتعاملوا مع عيالك كأننا دمية وانتي ولا على بالك
_ ما انا لو روحت رفضت كاميليا وقولتله أمجد بيه مش موافق هيقولي ماشي بس مش هيديك ماهي فهتبقى خسرت الاتنين
_ ليه مش هيديني ماهي؟
_ لانه البيه قال لبنته وهي عندها خبر إنك هتطلبها قريب و مستنية فمينفعش يجي يخطب أختها ليك هيعقدها تاني اكتر ماهي معقدة
زفر في ضيق وصرخ ناهضًا:
_ هو أيه بقا فيه إيه بقا هو بيتعامل معانا بمزاجه؟ أنا كأمجد مطلبتش بنته دي بيدبسهالي ليه؟
_ خالك وشايف بنته بتحبك و قالي جسي نبضه من بعيد ولو خير تمام ايش عرفه انك عينك من بنته التانيه وقاعد ساكت لحد أما بقا عندك ٢٨؟ ثم إنه ماهي عندها ٢٣ سنة أصغر منك بكتير انما كاميليا قدك
_ ماهو العقل و المنطق بيقول إني اخد الصغيرة مش اخد اللي في سني دا طبيعي جدا يعني! اديكي قولتي قدي... قدي ليه اروح اتجوز واحدة قدي بس يا عالم ليه؟؟ وفوق دا كله كمان مش عايزها!
_ ومقالتش عليها من بدري ليه؟ خليت خالك حس إنه مفيش حد في دماغك فحب يعمل خير ويوفق راسين في الحلال و يجوزك بنته ويأتمنك عليها وعلى شرفه، اخص عليك بجد اخص وطيت راسي وراسه وخيبت ظننا فيك
_ هو ايه ياماما الدراما اللي انتي بتقوليها دي محسساني إني ضيعتلكم شرف العايلة! وايه كم الأخص و الخذلان اللي في نبرة صوتك دا انا حيالله بقولك مش عايز اتجوز كاميليا لاني عايز ماهي فين الجريمة اللي عملتها بقا علشان تهزقي فيا كدا و احطكم في الطين وأفلام الدراما دي!
_ انا قلت اللي عندي، أنا مش هرفض ولا هقبل ولا هتكلم في الموضوع دا أصلا، لو سألني هقوله اسأل أمجد هو اللي معاه الرد وساعتها بقا ابقى شوف هتقول إيه ولا هتعمل ايه بس بفكرك لو رفضت كاميليا مستحيل لو وقفت على شعر رأسك انت وماهي حتى لو اختارتك عبدالله يوافق و يجوزكم فأنت بايدك تختار تخسر الاتنين ولا تقبل بواحدة فيهم و تكون باشا رأسك برأس عياله فاتح و يزيد و جياد مش بس خالك لا كمان جوز بنته الكبيرة العاقلة اللي بيحبها و بيخاف عليها من كلمة اللي مسكها شغله وقسم موارد كله و HR تحت ايديها، أما ماهي الطايشة دي مش ممسكها قسم لوحدها مخليها مجرد مساعدة لجياد في نفس القسم.
احسمها انت وشوف مين فيهم افيدلك وبلا حب بلا بطيخ
أنهت كلامها معه بتلك الطريقة ثم انصرفت يتبع أثرها وما ان خرجت حتى حمل الطاولة ثم ألقاها على الأرض في قوة من شدة غضبه و ضيقه.
***********
وذهبت أسرة الشيخ بعدما اتفقوا مع مجدي السَّلّاب على كل شيء والتي لم تتذكر روني من تلك المحادثة أي شيء. وعندما عاد الجميع يسألها قالت في اختصار أنها اضطرت للذهاب إلى مكان أبعد حتى تشتري فستان آخر و بسبب فقد بطاريتها الشحن لم يستطعوا الوصول إليها ولم تستطع أن تطلب سيارة أجرة مما دفعها إلى ركوب الحافلة والتي أخرتها كثيرًا على معادها وكان التوتر حليفها ما إن جاءت ووجدتهم هنا وهي لم تحرك ساكنًا.
صدقها والدها وكذلك والدتها واتجها نحو غرفتهما كي يناما، بينما هانيا لم تصدقها تشعر أن هناك شيئًا آخر تخفيه وتخشى أن تكشف عنه وبالفعل انتظرت حتى ناما والداها ورجعت مايا إلى بيت زوجها ودخلت إليها الغرفة وحاولت مرارًا أن تعرف الحقيقة ولكن روني أبت أن تغير رأيها ولازالت تؤكد أن ما قصته عليهم هي الحقيقة التي لا تستطيع هانيا أن تصدقها بسهولة بالأخص أنها ارتدت نفس الفستان الذي اختارته معها. ولما يئست هانيا ذهبت إلى غرفتها وهي على يقين أن هناك سرًا لا تعرفه بينما روني ارقها التفكير ولم تستطع النوم، وعليه نهضت تسير في أرجاء الغرفة بخطًى متعثّرة، كأن الأرض تحتها لم تعد تثق بها.
شعرت ان وزنها سيختل وستقع أرضًا فهي لا تستطيع أن تقف على قدميها لذا ارتمت على سريرها أسندت جبينها إلى الخشب البارد، وأغمضت عينيها؛ لقد ظنّت أنّها ستنهار أمامهم جميعًا، لكنها قاومت… قاومت حتى آخر رمق.
ودفنت وجهها بين كفّيها. كانت ترتجف… ليس من الحدث الذي نجاها الله منه فحسب، بل من الكذب الذي اضطرّت أن تتقنّه منذ لحظة دخولها البيت.
"اتأخرت شوية… كنت بجيب الفستان… وتليفوني فصل."
ردّدتها أكثر من مرة، حتى بدأت تصدّق صوتها وهي تكذب.
لكن الحقيقة كانت ثقيلة، تضغط على صدرها، وتخنق صوتها.
لم تستطع أن تخبر أباها… خافت من نظرة الهلع في عينيه لو عرف أن ابنته كادت تُهان. خافت من شدّة خوفه عليها، ومن قراره المفاجئ بإلغاء كل شيء، فقط ليؤمّنها.
ولم تخبر أمّها… خشيت من بكائها، ومن عجزها عن النوم بعدها خوفًا على ابنتها.
ولم تخبر أختها هانيا، الأقرب إلى قلبها… لأنها تعرفها جيدًا؛ كانت ستثور، وربما تتصرف بطيش، أو تجرّهم إلى مواجهة لا يُعلم مداها.
أما يزيد… فكان الخوف منه أشدّ.
لم تكن تريد أن يصل إليه الخبر، لا إليه ولا إلى أمّه.
كانت تتخيل ــ فقط تتخيّل ــ أن يعرف، أن يسمع أن خطيبته كادت أن تُمسّ قبل ساعة من لقائه… كيف سيبتلع الصدمة؟ وكيف ستُكمل معه وهي ترى الانكسار في عينيه؟
كانت تخشى أن تنظر أمّه إليها تلك النظرة التي تُشعرها بأنها "مصدر مشاكل"، أو فتاة تجلب المتاعب أينما ذهبت، وتُصَدَق أقاويلها عليها أنها لها علاقات سابقة ولكنها تصر على ابنها طمعًا في ماله وها هو الشخص الذي خدعته يحاول أن يوقع بها مناعًا إياها من الزواج من غيره، ربما عبير تقول ذلك عليها كذبًا و افتراءً كي تتخلص منها.
كانت تخشى الأحكام الجاهزة… والهمسات… والشكوك… وأن يصبح كل ذلك وصمة تلازمها دون ذنب.
لهذا ابتلعت الحقيقة.
دفنتها في أعماقها كما يُدفن الجمر تحت الرماد.
لكنها كانت تشعر بحرارتها كلما حاولت التنفّس.
رفعت رأسها أخيرًا، ونظرت لنفسها في المرآة… لم ترَ العروس التي رآها الجميع، بل فتاة تحمل سرًا ثقيلًا، أكبر من جسدها، وأكبر من قدرتها على الاحتمال.
ولأول مرة منذ أن عادت إلى البيت، همست بصوتٍ مكسور:
"لو حكيت… هخسر الدنيا كلها."
ثبّتت ظهرها، ومسحت دمعتها بإصرار، كأنها توقّع مع نفسها عهدًا جديدًا:
لن تدع أحدًا يعرف…
لن تدع أحدًا يمنعها من حياتها…
ولن تسمح لذلك الغريب أن يسرق منها أكثر مما حاول أن يأخذ.
**********
جلس في بهو قصر آل الزيني متجهّم الملامح، كأن الغضب قد نُقِش على وجهه نقشًا لا يُمحى. كان الليل ساكنًا في أرجاء القصر، غير أنّ صوته المتقطّع وهو يزفر مع كل نفسٍ يُشعل السكون حوله.
ألقى نفسه فوق المقعد الجلدي العريض، وراح يُقلّب سيجارته بين أصابعه بضيقٍ ظاهر. أشعل واحدة، ثم ثنّاها بأخرى قبل أن تنطفئ تمامًا، كأن النار وحدها قادرة على تهدئة ما يشتعل داخله. كان الدخان يتصاعد من فمه بحدّة، يعلو ثم يلتف حول رأسه، قبل أن يتبدّد في فضاء البهو الواسع.
ملامحه كانت تنطق بكل ما عجز لسانه عن قوله؛ حاجباه معقودان بقوة، وجبينه مثقل بقطبات لا تهدأ. شدَّ على أسنانه حتى برز عظم فكه، وظهرت تلك الزاوية الحادة التي لا تظهر إلا حين يفقد صبره. عيناه كانتا مضيقتين، تلمعان بحدّة رجلٍ يحاول أن يبتلع غضبه فلا يستطيع؛ يركّز نظره في نقطة لا يراها أحد، كأنه يعاتبها أو يهدّدها أو يكتم بينها سرًّا يرفض أن يخرج.
كان يضرب بإصبعه على ذراع المقعد بمللٍ نافذ وصوتٍ متتابع، نسخة واضحة من توتر داخلي لا يهدأ. مرّة ينفخ دخانًا بغضب، ومرّة يهمس لنفسه بكلماتٍ غير مفهومة، ومرّة يُلقي بالسجارة أرضًا ليفركها بعصبية دون أن يلتفت.
ولو رآه أحد في تلك اللحظة، لأدرك أن هذا ليس مجرد انزعاجٍ عابر… بل غيظ مكتوم، يوشك أن ينفجر في وجه أول من يقترب.
وضايقته أكثر تلك التي استفزته حينما قالت:
_ مستر باسم ممنوع التدخين جوا القصر بعد اذنك، غلط دا تماما انت بكدا هتسبب لي في عقاب
نظر إليها ورد في ضيق ونبرة صوت تكاد تكون أقرب إلى العالية:
_ ابعدي عن خلقتي دلوقتي يا نادية بعد اذنك
_ معلش اعذرني أنا بنفذ بروتوكولات القصر مش اكتر ممنوع تدخين هنا ولا في الجنينة
تحدث ساخرًا:
_ اومال ادخن فين؟ في الجراج؟
أشارت بيدها توصف وهي تتحدث:
_ على اليمين هنا فيه smoking room اللي يحب يدخن يدخلها وممنوع التدخين في أي حتة في القصر إلا فيها حتى في الاوض الخاصة ممنوع
ابتسم ساخرًا من تلك القوانين ورد:
_ حوراتك معايا كترت يا نادية شكل خالي معينك علشان تقوليلي انا بالذات كل شوية ممنوع و مرفوض
_ العفو يا مستر باسم أنا بشوف شغلي وبس... ممكن بعد اذنك تطفي السجارة ؟
وفي ضيق مكتوم غرس السيجار في المطفأة وهو ينظر إليها في غيظ وقال:
_ ارتحتي دلوقتي؟ اتكلي بقا
وتدخلت والدته فاطيمة ما إن جاءت ورأت في عيناه كل ذلك الضيق واشارت إلى نادية كي تذهب هي ثم جاورت ابنها وتحدثت:
_ كل دي سجاير حرقتها؟
_ ايه جاية تقوليلي القصر بيحددلك تشرب كام سيجارة في اليوم ولا إيه؟
_ لا جاية اقولك خاف على صحتك
توقفت لثواني عن الكلام وذلك عندما وجدت اللاصق الطبي على خده الأيمن وسألته في تعجب:
_ مال وشك؟ حاطط عليه لزق طبي ليه؟ انت اتعورت؟
_ متشغليش بالك جرح بسيط
_ جرح بسيط؟ من إيه؟
_ قلت جرح بسيط بقا وخلاص
نهض وهو يلملم اشياءه وعلب سجائره وتابع:
_ بروتوكولات القصر دي بدأت تخنقني بفكر نرجع بيتنا أحسن الواحد حاسس نفسه مسجون ومش واخد راحته، خلي نادية تهدى عليا وتروح تسمع القوانين اللي حفظاها لحد غيري
انهى كلامه واتجه نحو غرفة التدخين الخاصة وغلق الباب خلفه بشدة وصلت إلى والدته والتي تمتمت في تعجب:
" هيكون إيه اللي عوره بس؟ اوعا يكون اتخانق في حد؟؟"
********
وفي صباح اليوم التالي داخل مكتب جياد كان عارض الأزياء السابق في مكتبه يشكي ويبدي اعتراض حيث قال:
_ أنا مش قصدي ازعجك خالص يا مستر جياد ولكن كوني كنت الموديل الخاص بالتيم لفترة طويلة وفجأة ميس ماهي تغيرني بواحد تاني معندوش خبرة قدي ولا أكون أصلا عملت غلط ولا قصرت والاقيني فجأة مش في مكاني؟ دا حرام
_ مدايقش نفسك يا محمود ماهي ليها وجهة نظر بردو أنا هسألها بنفسي وافهم هي ليه عملت كدا وهرد عليك
_ ياريت بسرعة لان النهاردة أول يوم تصوير وشهاب جهز و راح خلاص
تحدث في صوت عالي في نبرة صوت تحمل الضيق:
_ إيه؟ شهاب؟ شهاب مظهر؟
_ ايوا هو، هو فيه حاجة ولا إيه؟
نهض في سرعة وقال وهو يسير جهة الخروج:
_ ارجع لشغلك يا محمود وبعدين هنتكلم
تعجب الرجل ولكنه على أي حال خرج من المكتب هو الآخر.
كان شهاب يقف أمام الكاميرا والفريق الإعداد يقف حوله وكانت ماهي تشرف بنفسها على ذلك الإعلان حتى تضمن نجاحة بنسبة مئة في المئة.
كان المعد يطلب منه النظر إلى الكاميرا بشكل معين و بزاوية معينة والسير بحركات معينة ليست سريعة ولا بطيئة.
وكان الآخر بنظراته الجرئية الحادة استطاع أن يتفوق على الكاميرا ليخرتقها بجذبيته.
كان يسير في خطوات واثقة تظهر جمال المُنتَج عليه، وقطع عليهم ذلك جياد حينما صرخ:
_ cut cut
توقف كل شيء ونظر إليه شهاب في استغراب واقتربت منه ماهي كي تستفسر منه عن سبب فعله ذلك ولكنه كان أسرع منها وأقترب من شهاب وتحدث ساخرًا منه:
_ أقلع يا ابني انت البدلة دي ووقفوا حالا الكلام الفاضي دا انا شركتي مش هتتحمل أي خسارة بسببك، محمود هو اللي هيعمل الإعلان دا
_ إيه الغلط اللي انا عملته يا مستر جياد ؟
سأله شهاب في تعجب، فرد عليه في ضيق:
_ انت كلك على بعضك غلط فهمت
نظر لمن حوله فالجميع يرى تلك المعاملة، اقتربت ماهي وتحدثت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ متوجهش ليه هو أي كلام وجه كلامك ليا أنا لأن أنا اللي اختارته تمام؟
_ وانتي بأي حق تختاريه و تتجاهليني؟
نظرت لمن حولها ثم ردت:
_ وطي صوتك الناس واقفة وتعالى نتكلم على انفراد
ذهب معها حتى وقفا بعيدًا عن الأضواء و الناس وتحدث:
_ بقينا لوحدنا اهو ممكن افهم بقا عملتي كل دا ليه من غير ما ترجعيلي وكأني مش مدير القسم؟
_ جياد احنا من امتى بنمشيها كدا! أنا بقدر اخد قرارات عنك عادي ولا نسيت اني مديرة بردو؟
_ لا انتي مساعد أول لمدير القسم وهي دي ال job title بتاعتك و مينفعش تاخدي قرار من غير ما ترجعيلي
_ إيه اللهجة اللي انت بتتكلم معايا بيها دي؟ حقيقي خسارة احنا بنتعامل كتيم واحد من امتى بنبص على ال job title?
_ لا، لان الشيخ عبدالله أما الإعلان الترويجي يبوظ بسبب الشخص اللي مش مناسب دا اللي انتي اختارتيه هيحملني أنا كامل المسؤولية
_ وقتها قوله بنتك ماهي اللي بوظت الدنيا
_ هو أيه اللي بنتك ماهي اللي بوظت الدنيا دا؟ لا طبعا مستحيل يقبل هو بالهبل دا من امتى بابا بيدخل بنتك وابنك في الشغل؟!
_ جياد بليز من غير غلط، أنا متأكدة مليار في المية إن الإعلان دا هينجح اطمن بقا وثق فيا
_ محتاج افهم ليه تمشي محمود طالما كان شاطر و ناجح و تحطي مبتدئ مكانه؟ الراجل جيه اشتكى
_ انا ممنعتش محمود أنا قلت الإعلان دا لشهاب كتجربة لطاقة شخص تاني وملامح تانيه وجسم تاني مختلف عن محمود وانا متأكده انه مناسب، وبعدين فيه اعلان كمان الفترة الجاية للكاجوال يبقى محمود يعمله.
وعادي أما يكون عندنا اكتر من موديل مناسبين و مختلفين
_ وكان ممكن أي حد تاني يعمل الإعلان دا غير شهاب، اشمعنى شهاب؟ ليه شهاب يعني؟
_ طب وانت إيه مشكلتك مع شهاب؟
جياد خليني اخلص بعد اذنك الوقت بيضيع والموسم هيتسرق مننا بسبب اللاشيء
_ الموضوع دا مش هيعدي على خير تجاهلك ليا و قراراتك اللي من دماغك علشان انا مديكي كامل الثقة دا يا ماهي مش هيعدي على خير.
نظر إليها النظرة الأخيرة في ضيق قبلما يسير ثم اختفى عن نظرها في بضع ثواني بسبب سيره بشكل سريع.
كانت في تعجب من طريقته ولكنها عادت إلى الفريق مبتسمة وتحدثت في صوت عالي:
_ يلا كل واحد يرجع لشغله مفيش حاجة تعطلنا يلا
**********
مع تمام الساعة الثامنة مساء
كانت مايا تجلس على المرجيحة الخشبية في جنينة القصر، تتأرجح ببطءٍ يكاد لا يُرى، كأن الهواء نفسه يحاول مواساتها. الليل هادئ، والأشجار تحرّك أوراقها بخفوت، بينما ضوء الحديقة الأصفر ينساب فوق وجهها الشاحب كلمسةٍ واهنة لا تكفي لطمأنتها.
وضعت يديها في حجرها، وأصابعها تتشابك وتنفلت مرارًا، كأنها تبحث عن شيء تستمسك به فلا تجده. كانت تحدّق أمامها دون أن ترى شيئًا؛ عيناها تائهتان في مسافةٍ أبعد من الحديقة، أبعد من القصر… وأقرب ما تكون إلى جرحٍ لا يلتئم في صدرها.
لم تُرزق بطفل… وهذه الحقيقة كانت تسكنها كثقلٍ لا يُزاح.
كانت تحاول تجاهلها، الهروب منها، دفنها تحت انشغالات اليوم… لكن الليل دائمًا يجرّها من يدها ويجلسها أمام وجعها وجهًا لوجه.
مرّت كلمات حماتها في ذهنها كطعنةٍ باردة:
"البيت لازم يكون فيه عيل… ولو مايا ما حملتش، لازم نجوز فاتح من منى جارتنا"
جارتهم التي تُكثر حماتها من ذكرها، وتحوّل اسمها في عقل مايا إلى شبحٍ يطاردها في كل لحظة.
شدّت مايا قبضتها على طرف المرجيحة، وكأنها تمنع نفسها من الانهيار.
لم تكن تخاف من منى بقدر ما كانت تخاف من الشعور بالاستبدال… أن تُصبح كقطعة أثاث لم تعد تليق بالمكان. كانت تخشى أن يُصبح الغياب الذي يسكن رحمها مبرّرًا ليهدّد كل ما بنته.
رفعت رأسها نحو السماء، تنظر إلى نقطةٍ بعيدةً، كأنها تبحث هناك عن رحمة، عن علامة، عن كلمة تطمئنها.
ثم أخفضتها ببطء، وامتلأت عيناها بدموعٍ صامتة.
لم تبكِ بصوت… لم تُطلق نحيبًا… فقط سمحت للدموع أن تنساب، لأن الكلام صار أكبر من قدرتها على النطق.
همست لنفسها بخوفٍ ينهش قلبها:
"ماذا لو لو تزوجها؟ ماذا لو فعلتها؟ ماذا لو… لم أكن كافية؟"
وتأرجحت المرجيحة من جديد، ببطءٍ أشدّ، كأنها تحمل معها ثقلًا أكبر من جسد مايا… تحمل قلبًا مُتعبًا، وروحًا مرهقة، وامرأة تخشى أن يخونها القدر قبل الناس.
وفي تلك اللحظات لمحها حسان وعليه اقترب وتحدث في ابتسامة:
_ مرات اخويا الجميلة بتعيط لي؟
التفتت إليه في سرعة ولحظة إدراك أنه هنا وردت:
_ مش بعيط يا حسان ولا حاجة أنا بس عيني بدمع من الهوا شوية أحيانا
قبّل قطته و جلس جوار مايا وتحدث في نفس الابتسامة:
_ أنا عارف انتي بتعيطي ليه؟
التفتت إليه وسألته مستفسرة:
_ ليه؟
_ لأن ما أكتر البني ادمين المؤذية، أكيد حد منهم اذاكي وعيطك وخلاكي قاعدة وحيدة سرحانة بتفكري في كل حاجة وبتحسبيها ومش عارفة ازاي هتحليها
أطرقت شاردة.... فتابع:
_ الناس لسان فكك متعيطيش بسبب لسان
ضحكت وردت:
_ بسبب لسان؟
_ اه بسبب لسان، نسيت اقولك النهاردة بعد ما بابا الشيخ عبدالله الجميل يرجع من الشغل ويتغدى هنروح نخطب أسيل ليا بنت عمتي حليمة وهتحضري فرحي بقا و تبطلي تعيطي، اهو تفرحيلك شوية يا شيخة!
ابتسمت وتابعت:
_ ربنا يهنيك يا حسان ويديك على قد نيتك
_ اهي هي الدعوة دي اللي مودية الناس كلها في داهية... سلكان نية مفيش
_ حتى انت يا حسان؟
_ لا انا نيتي جميلة بس الناس كلها مش أنا
_ ياريت الناس كلها حسّان
_ ياريت بقا يا مايا اقعدي اتمني بدل العياط دا
ضحكت وسكتت فحمل قطته وتابع ما إن نهض:
_ متفضليش تعيطي بقا يا مايا انزلي الجيم افيد، يلا همشي أنا بقا علشان منقلش منك طاقة سلبية أنا راجل عريس
ضحكت أكثر تتبع أثره وتمتمت:
" حرام تتجوز أسيل دي بجد، واحد بطيبة قلبك ازاي يتجوز واحدة في جحود أسيل؟
دايما كدا عبير دي بتعمل بلاوي "
********
كانت روني تلملم اشيائها كي تذهب إلى المنزل عقب يوم عمل شاق بذلت فيه كل مجهودها كي تركز وحسب في العمل وهي تقاوم شرودها و نعاسها كي تعمل فلم تنم منذ ليلة أمس.
حملت الحقيبة وقبلما ترحل وجدت يزيد يقف أمام وجهها وتحدث:
_ استأذنت ابوكي وقولتله هاخد بنتك ونروح كافية علشان محتاجين نتكلم
_ وهو وافق؟
_ اه اومال انا هنا بعمل إيه؟ يلا بينا
أخرجت هاتفها ترسل لاختها أنها لن تذهب معها إلى المنزل اليوم كي لا تنتظرها.
تضايقت هانيا ما إن قرأت الرسالة وتمتمت:
" لا هنفذ اللي في دماغي بردو"
ودخلت خلاء الشركة وأخذت تبدل ملابسها فلبست فستان جميل محتشم ولمت شعرها في شكل تسريحة تشبه تسريحات المناسبات وارتدت صيغتها وهاتفت والدتها تخبرها بأنها اليوم لن تأتي إلى البيت عقب موعد العمل لأنها ستذهب إلى زفاف صديقتها.
ثم هاتفت شهاب واخبرته أنها تنتظره في المكان المتفق عليه.
*********
كانت ماهي تتمم على عملها و تقارير اليوم حتى تأكدت ان كل شيء تمامًا فخرجت من مكتبها واتجهت نحو مكتب شهاب فلم تجده فشردت لدقائق تتذكر ملامحه وجسده أمام الكاميرا.
أخذت تقترب من مكتبه، تلمس سطحه بيدٍ خفيفة كأنها تتحقق من وجوده، لم يكن هناك… لكن حضوره ظلّ معلّقًا في الهواء.
جلست على طرف الكرسي المقابل، وسرحت نظراتها نحو الفراغ… فاندفعت ذاكرتها تعود إلى الصباح، إلى اللحظة التي ظهر فيها شهاب أمام الكاميرا.
تذكّرته واقفًا تحت أضواء الاستوديو، طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي البدلة التي اختارتها له كي يظهر بها في الإعلان، كأنها صُنعت خصيصًا لكتفيه. كان يقف بثباتٍ مدهش، ظهره مستقيم، وذراعيه على جانبيه بإحكامٍ يوحي بثقة لا يتكلّفها.
وعندما أمال رأسه قليلًا ليبدأ المشهد، شعرت ماهي يومها بأن الكاميرا ليست الوحيدة التي التقطت جماله… بل قلبها أيضًا.
تذكّرت كيف رفع زرّ البدلة الأول ببطء، وكيف شدّ رابطة العنق بإتقانٍ بدا غير متعمّد، وكيف تحرّكت عضلات ذراعه تحت القماش الناعم وهو يقوم بأبسط حركة.
حتى ابتسامته الخفيفة طوال التصوير وعندما انتهى التصوير… تلك التي بدت كأنها خرجت منه بلا وعي… علقت في ذهنها كصورة لا تُمحى.
ارتخت كتفاها وهي تستسلم للسَرحان، وابتسمت من دون قصد.
ثم أدركت فجأة أنها وحدها تجلس على مكتبه، وأنها غارقة في تفاصيل رجلٍ لا يجوز أن تتعلق به، وإن كانت لا تستطيع منع قلبها من الانتباه له.
رفعت يدها، ومررت أصابعها في خصلات شعرها بتوترٍ خفيف، ثم همست لنفسها:
"هو ليه تأثيره عليّ بالشكل ده؟"
لكنها لم تُكمل السؤال… حتى سمعت خطوات قدميه تتحرك ناحيتها فابتسمت في تلقائية وابتسم هو الآخر ما إن رآها تجلس على كرسيه الخاص وتحدث:
_ يظهر بدوري عليا
ابتسمت وردت:
_ لا مش بالظبط بس كنت عايزة اقولك متزعلش من اللي حصل النهاردة من اخويا جياد، والله هو قلبه طيب ومش متعود ولا بطبعه يكسف حد بس هو شكل ضغط الشغل تاعب نفسيته
_ عادي حصل خير ربنا يعينه
اقترب من مكتبه وأخذ يلملم اشياءه كي يرحل فتحدثت:
_ انت ماشي دلوقتي؟
_ اه، اصلا معاد الشغل خلص من بدري بس انا كنت في الحمام.... هو فيه حاجة عايزاها مني؟
نهضت وأخذت تقترب منه وردت:
_ يعني كنت عايزة لو نروح كافية و نتكلم شوية
تذكر حبيبته المنتظرة في المكان الخاص بهما فرد في ابتسامة خفيفة:
_ ممكن نخليها وقت تاني؟
ماما تعبانة شوية ومفيش حد في البيت ومحتاج أروح علشان أكون جمبها
_ الف سلامة عليها، أنا ممكن اجي معاك ناخدها بعربيتي و نروح لاقرب مستشفى نطمن عليها
_ لا لا مفيش داعي متغلبيش نفسك هي بتتعب كدا شوية تعب عادي بسبب شغل البيت الكتير وبتبقى عايزة حد يكون جمبها مش اكتر الوضع مش خطر يعني
_ انت وحيدها؟
_ لا عندي بنتين اخواتي، وعد مظهر اللي بتشتغل هنا في نفس الشركة بس في قسم السيلز ماهي اختي
_ بجد؟ أختك شغالة هنا معانا كمان؟
_ اه والله
_ حلو اوي أول مرة اعرف... طب ليه هي متبقاش معاها؟
_ هتتأخر النهاردة في الشغل بتشتغل وقت إضافي عليها تارجت انتي عارفة شغل السيلز بيكون صعب ازاي
_ اه فهمتك
_ بس و شاهندا بقا اصغر واحدة بتدرس في الجامعة وداخلة على امتحانات فا الحقيقة مفيش غيري حاليا يكون جمب ماما، عن اذنك مش عايز اتأخر عليها، بس وعدك مرة تانيه أكيد هنتكلم
هزت رأسها موافقة في ابتسامة تتبع أثره وهو يرحل وتمتمت:
" جميل اوي بجد كمان بار بمامته وبيقعد جمبها وقت تعبها و بيساعد اخواته البنات، انت إيه عيوبك يا ابني كلك مميزات بس؟"
**********
وداخل أحد المطاعم الهادئة و الراقية، كان يزيد يجلس ومعه روني وقد طلبا الغداء كي يتناولا الطعام معًا.
وبينما هما في انتظار الطعام، تحدث هو:
_ فيه إيه بقا يا ستي؟
_ في إيه في إيه مش فاهمة؟
_ امبارح يا روني طول ما احنا بنتكلم وانتي سرحانة خالص وكل حاجة تقولي اللي بابا يشوفه كأنك مش معانا، كإنك تايهة... روني انتي مش غريبة عليا فيه إيه مدايقك؟
_ مفيش حاجة يا يزيد صدقني أنا أما بكون مكسوفة بتوتر و بتوه، قالولك اني اتخطبت قبل كدا؟!
تنهد ورد ساخرًا:
_ وانتي وش كسوف اوي
_ اه وبكرة الأيام تثبت
_ طب بصي يا خجولة، أنا بقول أسبوع و نكتب الكتاب و نعمل الفرح علطول، يعني احنا بقالنا سنة ونص عارفين بعض معتقدش محتاجين وقت نتعرف فيه على بعض تاني فمفيش داعي للخطوبة، ها قلتي إيه؟
هزت رأسها موافقة في ابتسامة عريضة ثم قالت:
_ موافقة طبعا دا أحسن حاجة قولتها
_ بصراحة مشفتش في خجلك خايف اكون بخدش حيائك ولا حاجة
_ لا يا راجل متقولش كدا الكلام اخد و عطا... هو الأكل دا هينزل امتى أنا ميتة جوع
ينظر إليها في استغراب متعجبًا من ذلك التناقض.
*********
وصلت سيارة الأجرة بهانيا إلى المكان الذي ستنتظر فيه حبيبها، دفعت له وأخذت تنتظر، دقائق ووصل الآخر وأخذ يقترب منها في ابتسامة عريضة وتحدث ما إن رآها:
_ إيه القمر دا كله، انتي رايحة فرح ولا إيه؟
_ اضطريت البس دا كأني رايحة فرح علشان وأنا مروحة أبرر سبب التأخير
_ جدعة بتعرفي تفكري، بس عايز أقولك إن شكلك تحفة بجد، دا ياحظي و يا بختي بيكي بجد
_ بطل مغازلة وقولي عملت إيه في الشغل الجديد؟ كنت هايل مش كدا؟
_ انتي إيه رأيك؟ شايفة إيه؟ يا بنتي المعدين البنات كانوا هيتجننوا وأنا واقف بتصور وعينهم منزلتش من عليا
_ طب احترم نفسك علشان بغير
_ انا بقولك اللي حصل
_ شهاب
_ خلاص أنا آسف.
المهم يا كوتي فكك بكرة الجمعة وخلاص جاي اطلبك بفكرك بس
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ وعلشان كدا قلت لازم اقابلك قبل بكرة
_ ليه؟
كانا يسيران معًا دون تحديد أي اتجاه معين يتحدثان وحسب فتابعت:
_ لو بابا سألك وقالك هانيا هتعيش فين بلاش تقول في بيت أهلي، قوله في شقتي المنفصلة في مدينة نصر وبس
_ بس هو بعدين..
_ سيبك من بعدين أنا في قبلين دلوقتي، بعد ما يوافق و نتخطب هبقى أقوله حوار عمك دا و اني قابلة اعيش في بيت عايلة بس متدخلش بسلبية كبيرة كدا بالنسبة لبابا من one day فهمت؟ لانه مش هيحب كدا وانا عايزة الأجواء تكون كويسة واليوم يعدي على خير ونتفق
وقف ممسكًا بكتفيها وتحدث في ابتسامة عريضة:
_ وحياة أغلى حاجة عندي وهي انتي لهعوضك و هسعدك وهحطك تاج فوق رأسي وعمري ما هنكر أي حاجة حلوة عملتيها علشاني ولا وقفاتك دي حتى إن كانت بسيطة
أنهى كلامه وجذبها إلى حضنه وهو يهمس:
" بحبك بحبك بحبك "
" وأنا كمان بموت فيك "
ثم ابتعدت عنه وقالت في حرس:
_ خلي بالك احنا في الشارع متنساش ها
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ خليني بقا يا مراتي العزيزة أقولك بحب آكل إيه
_ عارفة من غير ما تقول واتعملت الطبخ مخصوص علشان اعملهم
_ هويتي ؟
_ أنا اللي هساعدك فيها لحد أما تبقى أكبر وأشهر فنان
_ أول ما نتخطب بس هاخدك ونروح نادي لتعليم ركوب الخيل علشان تتعلمي و هطحن نفسي شغل صبح وليل علشان أحقق لك أمنياتك و اجبلك الخيل اللي نفسك فيه
_ عايزاها خيلة
_ خلاص خيلة متزعليش تكون بنوتة حلوة زيك
_ و اسميها لولي
_ و نسميها لولي و نتبناها كمان
_ بس هحطها فين تفتكر هيكون فيه ليها مكان؟
_ ربنا يقدرني واقدر اجبلك بيت بعد الجواز ليه جنينة صغيرة علشان حصانتك تقعد فيها
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ بجد يا شهاب!! واروح كل يوم ألعب معاها؟
_ اه يا روحي وتجبلك عيال كتير يملوا عليكي الجنينة
_ وانت تقعد ترسمني وأنا راكبة عليها وبجري بيها في الجنينة
_ والرسمة تحقق مبيعات كتير وابقى مشهور وليا فانز على الانستا كتير واعمل صفحة فنان
_ هنحقق كل الأحلام دي يا شهاب مش هنستغنى عن ولا حلم فيهم
_ طول ما احنا مع بعض هنحلم و نحقق احلامنا وبس لحد أما نكبر ونكبر وميبقاش لأحلامنا ولا طموحنا سقف
رفعت يداها عاليًا وأخذت تدعي الله:
" يارب بكرة يجي بسرعة و الأمور تمشي بسلاسة و نتجوز على خير و نحقق كل أحلامنا مع بعض، يبقى عندنا بيت بجنينة تمرح فيها حصانتي و شهاب يكون فنان مشهور ليه فانز و يبقى أنجح واشطر واحد في الدنيا "
ليبتسم الآخر من طريقتها ويرفع يداه يقول في صوت مسموع:
_ آمين آمين
********
كانت حليمة تتأكد بنفسها من أن كل شيء على أهبة الاستعداد قبل مجيء عائلة الشيخ لطلب يد ابنتها ولم يعكر صفو ذهنها إلا مكالمة أختها فاطيمة لها وهي تخبرها أن عقد قرآن و زفاف يزيد و روني الأسبوع القادم.
ابهذه السرعة؟ ماهو نوع السحر الخاص بتلك المدعوة روني التي سحرت الشاب وجعلته لا يستطيع الانتظار يودها في بيته في أسرع وقت؟
واتجهت نحو غرفة ابنتها العروس
جلست أسيل أمام المرآة، تحدّق في وجهها كما لو أنه وجه غريبة. مرّرت فرشاة الشعر بين خصلاتها بحركةٍ غاضبة، ثم وضعتها بقوة فوق الطاولة، فارتجّت أدوات التجميل وتناثرت في مواضعها.
لم يكن في ملامحها أثر لفتاةٍ تُجهّز نفسها لخطبة… بل لامرأةٍ تُساق إلى مصيرٍ لم تختره.
تنفست بحدّة، ورفعت شعرها إلى الأعلى، ثم تركته يهوي على كتفيها بغيظ.
"لِمَ يجب أن يكون هو؟"
همست بها وهي تنظر في انعكاس عينيها اللتين امتلأتا بقهرٍ صامت.
كانت تعلم أن البيت يستعد في الخارج… وأن أمها ترتّب الأطباق، وأبوها يراجع كلماته بعدما اعطته الموافقة عن رضا، والضيوف على وشك الوصول.
الجميع سعيد… إلا هي.
الجميع يرى في هذا الزواج "سترًا وخيرًا"… إلا روحها التي تبكي بلا صوت.
مدّت يدها إلى فستانٍ كحليّ علّقته على الحامل. فكّت السِحّاب ببطء، وكأنها تفك خيطًا من صدرها، ثم ارتدته على مضض.
انحنى جسدها لحظة وهي تسحب القماش إلى الأسفل، وكأن الفستان ثقيل… ليس بثقله، بل بثقل اسمه:
حسّان.
ذلك الذي لم يدخل قلبها يومًا.
ذلك الذي يشبه بابًا مُغلقًا… بينما أخوه كان نافذةً تُطل منها روحها.
وقفت أمام المرآة ثانية، قلّبت نفسها من جانبٍ إلى آخر، نظرت لوجهها الغاضب، لعيونها التي تتلألأ بالقهر.
رفعت كفّها ومسحت دمعة كانت في طريقها للسقوط قبل أن تُفضح.
"لا يجب أن أبكي… لن أسمح لهم أن يروا انكساري."
لكن قلبها كان يصرخ.
تسأل نفسها آلاف الأسئلة التي لا إجابة لها:
لماذا قُدّر لها أن تُجبر؟
كيف تحيا مع رجلٍ لا تحبه؟
وماذا تفعل بقلبٍ يحفظ اسمه… والاسم ليس حسان؟
اقتربت من نافذة غرفتها، نظرت إلى الحديقة التي بدأت تُضاء استعدادًا لاستقبال الضيوف.
شعرت أنّ كل ضوءٍ فيها يضيق على صدرها.
فأغمضت عينيها، وأسندت جبهتها إلى الزجاج البارد.
ودخلت أمها وتحدثت في ضيق:
_ قاعدة عندك بتعملي ايه؟ يلا خلاص الناس قربت توصل وريني شكلك وريني وشك
نظرت إليها في برود فتابعت أمها:
_ ما شاء الله رايحة عزا؟ ايه الفستان الغامق والميك الخافت اللي خافي جمالك دا؟ قومي البسي فستان لونه فاتح وفرفشي كدا
_ هو دا اللي عندي والا والله اخرب كل حاجة حالا
_ مجنونة، اخربي كل حاجة ياختي و روني و يزيد فرحهم الجمعة الجاية
التفتت إليها في لهفة ودهشة وقالت:
_ إيه؟
_ خالتك فاطيمة اتصلت بيا وقالتلي يزيد طلب من ابوه ميعملش خطوبة قال إيه هو و المحروسة عارفين بعض كويس و يعملوا زفاف علطول وهو اخويا دا قالها علشان يجهزوا هيكون فيه فرح في القصر قريب علشان يعملوا حسابهم وأكيد هيقولي النهاردة انا كمان بعد ما يطلبوكي لابنهم
نهضت من مكانها وأسرعت جهة أمها وتحدثت في تحدي وغضب:
_ قولي لخالي يعمل حسابه يوم الجمعة الجاية في فرحين فرح ابنه حسان وابنه يزيد، انا كمان مش محتاجة خطوبة تأكدلي ان ابنه أهبل ومش راجل... كلنا عارفين وأكيد أنا أولى اقول مش محتاجة خطوبة انا متربية مع خالي وعياله وعرفاهم كلهم.
ابتسمت والدتها ابتسامة عريضة وضمتها إلى صدرها قائلة:
" برافو عليكي... انتي كدا كل شوية بتثبتي إنك بنت حليمة الزيني مش عبدالعزيز الكبير "
*********
وفي صباح اليوم التالي، اتجهت هانيا إلى غرفة والدها بعدما عاد من المسجد عقب صلاة الجمعة وطرقت باب الغرفة في استئذان، ابتسم ما إن رآها وتحدث:
_ تعالي يا هانيا
اقتربت منه وجلست جواره وتحدثت:
_ بابا فيه حاجة عايزة اقولك عليها
_ قولي يا حبيبتي
_ أنا.. أنا فيه عريس هيتقدم لي النهاردة الساعة ٧ على فكرة هو كويس اوي وانا موافقة عليه من غير حاجة
ابتسم ورد:
_ دا يظهر إنك عرفاه بقا!
ألقت بصرها إلى الأرض واطرقت في ابتسامة وردت:
_ اه عرفاه... وأعتقد إن حضرتك كمان عارفه
_ مين؟
قبلما تنطق اسمه، صدح صوت هاتفه طلب منها ان تنتظر ورد على الهاتف قائلًا:
_ حبيب قلبي الشيخ عبدالله الزيني جمعة مباركة اؤمر
كان مجدي يستمع إلى ما يقال وهو ينظر إلى ابنته و يبتسم وكانت الأخرى تبتسم تعلم اقتراب معاد زفاف روني لربما الشيخ يتحدث معه في تلك الأمور
وسمعت والدها مجدي السَّلّاب يتلفظ بتلك الكلمات في ابتسامة:
" قالتلي... قالتلي يا شيخ متقلقش، أنا بس استغربت انك مقولتيش من بدري..... لا لا أنا جاهز بس..... خلاص خلاص حصل خير
دخلت روني وهي تنادي على هانيا قائلة:
_ هانيا تعالي بسرعة
خرجت تاركة والدها يتحدث مع الشيخ وتحدثت إلى أختها:
_ فيه إيه؟
_ الكيكه باظت مني وشكلها اتحرقت من تحت ومش عارفة اعمل ايه وخايفة اقول لماما تصقف على وشي لأنها مشغولة بحاجات كتير موت جوا
_ كدا يا روني؟ دا أنا عملاها مخصوص لشهاب بيحبها اوي يأكلها محروقة كدا؟
_ حقك عليا، نعمل إيه نجيب جاهز ولا إيه؟
_ وريني يمكن اعرف اتصرف فيها
دخلتا معًا المطبخ وانشغلتا بقية اليوم في أشياء كثيرة ومنها أن زفاف روني الأسبوع القادم فكانت حورية مشغولة للغاية لا تعرف من أين تبدأ ومن أين تنتهي وكانت مايا تساعدها أما روني كانت مع هانيا تهتم بشكلها و مظهرها في تلك الليلة.
وها هي هانيا تقف أمام مرآة غرفتها، والابتسامة تتسلل إلى وجهها كما تتسلل الشمس فوق سطح بحر هادئ. كانت ملامحها مشدودة بالفرح، عيناها الواسعتان تلمعان كأنهما تعرفان الطريق إلى السعادة قبل أن تخطو إليه. لم تستطع منع نفسها من لمس وجنتيها بين الحين والآخر، كأنها تتحقق أنها بالفعل تعيش هذا اليوم الذي طالما انتظرته.
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا وأنيقًا بلون وردي فاتح، يأخذ شكلها برقة ويُظهر كتفيها الناعمين، مع أكمام شفافة خفيفة تهتز كلما تحركت. شعرها البني القصير صففته روني بعناية؛ تركت بعض من خصلاته على رقبتها، وأخذت جزءًا صغيرًا منه وربطته خلف رأسها بدبوس فضي يلمع كما لو أنه يحتفل معها.
روني كانت واقفة خلفها، ممسكة بفرشة المكياج، تساعدها وبين الحين والآخر تطلق ضحكة مكتومة وهي تقول لها مازحة:
"انتي هتفرحي ولا هتموتي من الرعب؟ وِشِّك بيقول إنك داخلة حرب مش خطوبة."
فتضحك هانيا بخجل، وتخفض عينيها:
«مش قادرة أستوعب إنه خلاص… النهارده هييجي يطلبني رسمي.»
تتقدم روني خطوة وتعدل السلسلة الرقيقة على رقبة أختها، تبتسم هانيا، وتتنفس بعمق محاولة تهدئة خفقات قلبها التي كانت تسابق الوقت. شعرت بدفء يغمر صدرها وهي تتذكر رسائله، واهتمامه، ووعوده الصغيرة التي لم ينسَ واحدة منها.
وقفت أمام المرآة مرة أخرى، ترفع ذقنها، تتحسس الفستان، تضبط شعرها لآخر مرة. كانت تبدو كزهرة تفتحت أخيرًا في وقتها المناسب.
اليوم… شهاب سيأتي ليطلبها.
واليوم… حلمها الطويل سيلبس شكله الحقيقي.
وما إن انتهت ولم يبق سوى ارتداء الحذاء تحدثت وهي تسمع أصواتًا في الخارج:
_ هما جم ولا إيه يا روني؟
_ شكلهم كدا
نظرت إلى الساعة وتعجبت قائلة:
_ جاي بدري ساعة ليه؟ لسه الساعة ٦ قال جاي ٧!
_ عادي مفرقتش يمكن جهزوا بدري فقالوا يبدروا
_ جايز... ماشي، هعمل إيه اخرج دلوقتي ولا استنى ولا اعمل ايه انا خايفة
_ اهدي اهدي متخافيش، هتخرجي أما ابوكي يقولك يلا... شش اهدي بقا
وعقب مرور ربع ساعة دخل والدها وهو يبتسم وقال:
_ إيه يا عروسة مش هتخرجي بقا؟ احنا اتفقنا وقرينا الفاتحة كمان
أطلقت حورية زغروطة عالية بينما هانيا أخذت تضحك في فرحة عارمة وأخذت تحمد الله أن والدها اتفق مع حبيبها أخيرًا، فتابع والدها:
_ يلا معايا قدمي القهوة وادخلي فرحانة كدا
خرجت في سرعة و الإبتسامة تكبر وتكبر على شفتيها وملامح وجهها كلها كانت تبتسم.
فتح مجدي الباب ودخل كي يقدمها وهو يقول:
_ ادخلي يا عروستنا
دخلت وهي تحمل القهوة تبتسم ولكن سرعان ما اختفت ابتسامتها ما إن رأت الشيخ عبدالله الزيني و زوجته وابنهما جياد، وألقت الصنية على الأرض لتتحطم كل الأكواب...
*********
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت نتقابل يوم الجمعة الجاية
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الخامس 5 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الخامس[ زواج بالأجبار]
سلمى خالد احمد
**********
" بسم الله عليكي"
لفظها مجدي وهو يركض جهة ابنته بعدما اوقعت الصنية وتحدث إليها:
_ انتي كويسة؟ خلاص اهدي محصلش حاجة
بينما لوت عبير فمها وتمتمت:
" عيلة خايبة مش قادرة تمسك صنية القهوة "
تنظر إليه الفتاة وهي لا تصدق ما تراه بعينيها ثم ركضت بعيدًا، التفت إليهم مجدي وتحدث معتذرًا:
_ معلش هي اصلا من النوعية اللي بتتكسف بسرعة واعصابها كانت مشدودة جايز من الكسوف وقعت الصنية...
رد عبدالله وهو يرفع عنه الحرج:
_ مش مشكلة يا مجدي محصلش حاجة، حصل خير
كان مجدي في قمة احراجه من الشيخ لا يعرف ما الذي يجري مع بناته، منذ يومين كانت روني لا تبتسم في وجه أحد منهم وتأخرت ووضعته في مأزق و اليوم ابنته تحطم كل شيء و تركض تاركة الجميع.
لذا تصنع الابتسامة و نادى على زوجته وطلب منها أن تحضر لهم قهوة أخرى
كانت حورية تضرب صدرها في خوف وقالت:
_ انا قلت هي عين باصلنا الناس مستكترة علينا نفرح
اقتربت منها مايا وقالت:
_ حصل خير يا ماما، ادخلي انتي اقعدي معاهم وانا هعمل القهوة وهدخلها
اقتربت منهما روني وقالت:
_ لا يا مايا ادخلي انتي شوفي هانيا وخليكي معاها وانا هروح اعمل القهوة
تعجبت مايا من طلبها فهي دائمًا ما تكون أقرب إلى هانيا منها ولكنها فكرت لربما لان مايا الكبيرة فلابد من احتواء لأختها الصغيرة في ذلك الوقت بالذات، وعليه اتجهت إلى غرفتها، بينما روني دخلت المطبخ واتصلت على شهاب والذي ما إن استجاب حتى أخبرته بأن والدها قد سافر في رحلة عمل مفاجأة مع الشيخ عبدالله ولم يستطع الرفض وطلبت منه ألا يأتي ويؤجل خطبته لأختها في يوم آخر.
وقع الخبر عليه كالصاعقة واقتربت منه أمه تسأله:
_ مالك؟ يلا أنا جهزت اهو علشان نروح نخطب البت
نظر إليها وهز رأسه رافضًا، فتعجبت أمه وسألته:
_ هو إيه هو دا؟ انت غيرت رأيك فجأة ليه، حصل إيه؟
تحدث في نبرة صوت تحمل الأسى نبرة صوت منخفضة:
_ أبوها جاله سفرية مفاجأة
_ ايه هو دا مفيش دم خالص؟ هو مش عارف إنه فيه ضيوف جياله النهاردة ومرتبط بمواعيد؟
_ معرفش بقا يا ماما هي روني قالتلي كدا
_ هي مش كان اسمها هانيا؟
_ آه بس روني دي أختها
_ وهي ليه هي متكلمكش بنفسها؟
_ قالتلي بتعيط علشان زعلانة إن أبوها راح... أنا عارف انها زعلانة انا وهي هنتجنن ونتخطب أصلا وأكيد كمان محرجة مني علشان كدا روني قالت تكلمني هي
_ ايه العبط دا؟ أنا هروح اغير هدومي و اعمل العشا
انصرفت أمه بينما هو كان لا يصدق فإن فرحته تحولت إلى حزن كبير فجأة بعدما كان ينتظر...فقد عاد لينتظر مرة أخرى.
على الصعيد الآخر كانت تبكي هي بحرقة داخل غرفتها لا تصدق ما سمعته من والدها قرأوا الفاتحة وتمت الموافقة؟!
أين شهاب، أين حبيبها؟ من هولاء، ومن الذي أتى بهم في هذا الوقت؟
تحولت الضحكة إلى بكاء وعويل والفرحة إلى صراخ و بقى القهر يسكن قلبها، تبكي وهي تشد شعرها حتى افسدته وأخذت تزيل الروج عن شفاتيها في عنف ولا تزال مايا تطرق الباب في ترجي كي تفتح لها وهي تأبى حتى أن ترد عليها.
أما مجدي السَّلّاب فلم يكن يعلم عن النيران التي تأكل خلايا قلب ابنته شيئًا فكان مع ضيوفه بجانب زوجته يتفقون على كل شيء.
واوضح الشيخ:
_ بص يا مجدي أنا مش هختلف معاك في حاجة خالص، أنا يعتبر خدت بناتك التلاته واللي ملكش غيرهم أصلا فالدهب و المهر اللي تقول عليه أنا معاك
ابتسم مجدي ورد:
_ أنا والله يا شيخ ما مصدق أصلا أنا اللي يشرفني إن بناتي كلهم يتجوزوا من عيالك، هلاقي فين شهامة و رجولة في حد زي عيالك! انا كدا خلاص بقيت مطمن على مستقبل بناتي في قصرك.
ابتسم الشيخ ورد:
_ يبقى على خيرة الله، يزيد طلب يعجل فرحه واتفق على كدا هو و روني و كمان أسيل و حسان معندهمش مانع يعجلوا فرحهم هما كمان وهما اختاروا يوم الجمعة الجاية، فايه رأيك بالمرة نخلي جياد و هانيا معاهم تبقى ليلة واحدة بحيث افرح بعيالي كلهم مرة واحدة وفي نفس الوقت اخلص مش كل شوية هننشغل بأمور الفرح دي ونعزم الناس و نسيب مصالحنا! لا هي ليلة واحدة تشهد بيها مصر كلها فرح تتجهزله الدنيا والصحافة تتكلم عنه، فرح عيال الزيني وبنات السلاب وبس كدا بعدها الولاد يتهنوا واحنا نخلص منهم.
كل حاجة جاهزة أنا مش عايزك تحمل هم البنات كل المطلوب منهم طول الأسبوع دا يظبطوا نفسهم مسكات ويهتموا بنفسهم وبس ويشوفوا إيه نفسهم فيه ويجبوه و عرسانهم هيسيبوا لهم فلوس.
اوضة جياد جاهزة وكذلك يزيد اوضتهم شبه اوضة فاتح كدا كبيرة فيها حمام خاص و دولاب و كل حاجة والبنات هما اللي هينزلوا يختاروا الاوضة بنفسهم ومن أي مكان يحبوه حتى ان كان برا مصر هجيبه.
وزي ما عملنا مع مايا هنعمل معاهم بالظبط.
ابتسم مجدي ورد في فرحة:
_ وانا معنديش مشكلة والله انا شايف ان دي فكرة كويسة واهو نخلص مش كل شوية فعلا فرح واحدة، بس يا شيخ أحنا كدا اتزنقنا اوي خلينا اسبوعين حتى
_ يا راجل ولا زنقة ولا حاجة انتوا اصلا مش مطلوب منكم تجيبوا حاجة
ولو على اللبس هما يختاروا وهيجلهم بالكميات حتى لو هيشتروا اونلاين، مفيش داعي للف خلينا نفرح.
وانا هخليلهم الأسبوع دا اجازة بحيث يجهزوا و يضغطوا على نفسهم شوية بس في النهاية الأمور و الأوضاع هتبقى أحسن وأي فلوس أو الذي منه أنا متكفل بيه تماما أنا وعيالي.
تدخلت حورية قائلة:
_ أنا موافقة ودي فكرة جميلة يا شيخ
ثم أطلقت زغرودة عالية بينما عبير كان الضيق يحتل ملامح وجهها كانت في قمة غيظها من زوجها و أبنائها الذين لا يرون سوى السلاب و بناته.
مر الوقت و ذهب الشيخ و أسرته، بينما مجدي كان يجلس مع زوجته في الصالون يشكرون الله على نعمته، وبينما حورية تتحدث معه تدبر الأمور وماذا سيفعلون في الأيام القليلة المتبقية، خرجت عليهم هانيا وهي تصرخ:
_ مش هتجوز جياد الزيني
نظر إليها والدها في استغراب ورد:
_ انتي مجنونة يا بت؟ مش انتي اللي جيتي وقولتي الصبح فيه عريس وموافقة وانت عارفه وكنتي فرحانة والضحكة من هنا لهنا ولا انتي اتلبستي؟
صاحت في غضب:
_ انا كان قصدي شهاب يا بابا شهاب صديقي في التيم وهو اللي كنت متفقة معاه يجي وهو اللي طلب يجي يطلني منك
نظر إلى ساعة يده ورد:
_ طب هو فين سي شهاب دا؟ الساعة بقت ٨ هو مش معاده هنا ٧؟ مجاش ليه؟
تعجبت من سؤاله وشعرت بالحيرة فهي لا تعرف أين هو بالفعل ولكنها ردت في نفس نبرة الصوت:
_ أنا مش هتجوز جياد يعني مش هتجوز جياد أنا مش بحبه ومش عايزاه
_ وطي صوتك احنا بنتكلم براحة
_ ما أنا مش هتجوزه
_ ليه؟ إيه يعيب الشاب يعني؟ دا كفاية إنه مديرك انتي وشهاب بتاعك و ابن عبدالله الزيني بجلالة قدره بترفضي انتي ليه؟
_ علشان عايزة شهاب
صاح في غضب:
_ وفين هو زفت الطين يعني؟
_ هكلمه وهيجي مش عارفة إيه عطله هشوفه، وهيجي و وافق عليه يا بابا وقول للشيخ إني.. إننا.. كنا مستنيين حد تاني الموضوع جيه غلط قوله غلطنا
نهض صارخًا:
_ انتي بتقولي إيه يا بنت؟ أنا اديت كلمتي و سألتك قبلها وانتي وافقتي وأنا مقدرش اقول للشيخ لا بعد ما اتفقنا، احنا حتى اتفقنا على كتب كتابك
صرخت وامتزج صراخها بدموعها:
_ وليه حضرتك تعمل كدا؟ تقيلة عليك اوي أنا؟ مصدقت تخلص مني؟ فيه حد بيتخطب و يتجوز في نفس الوقت كدا؟!
_ ماكنتش اعرف، أما شفت ضحكتك وفرحتك قلت مش هتقولي لا وأكيد كنتم عارفين بعض من قبلها وهتحبي إنك تتجوزي في نفس اليوم مع أختك
_ مش عايزاه مش عايزاه قولهم خلاص شكرا
_ اهدي وبطلي صويت وصريخ لان انا موقفي وحش، الراجل دا شغلي معاه واخواتك الاتنين واحدة مرات ابنه والتانيه هتبقى مرات ابنه التاني، اللي هقوله دا هيبوظ علاقتنا علشان خاطر واحد مجاش أصلا ولا التزم بمعاده ولسه هنتصل نعرف هو فين!
تلقاه بيضحك عليكي ولا بيستغلك أو مش جادي واديه اهو مجاش وخلع
ثم اني أكيد مش هرفض جياد علشان موظف عادي، هيجبلك إيه دا؟
_ يجيب اللي يجيبه يكفي إني سعيدة معاه
_ هانيا، أنا عمال اتغاضى عن اسلوبك الوحش وصوتك العالي، أنا ابوكي اوعي تنسي دا، وأنا مش متهم قصادك علشان تكلميني بصيغة الأوامر دي ولا أنا اللي روحت جبت جياد تمام؟
_ ماشي بس قوله لا، قوله لا بنتي رفضت فكرت في الموضوع وقالت لا حست أنها وجياد مش مناسبين
_ هيقولي عملها إيه؟
ثم إني عمال اقوله فرحانة وما هتصدق تجهز لفرحها وفي الآخر اقول العبط دا؟
_ اومال أنا اللي في الآخر اتجوز واحد مش بحبه؟
تدخلت والدتها وتحدثت في غضب:
_ هانيا خلاص إيه بحبه بحبه ومموتة نفسك عليه كدا ايش حال انه مجرد صديق ليكي في التيم ولا بقا الحب كان مولع في الدرة عندكم وماكنتش مجرد علاقة عابرة؟
صاحت الفتاة في عدم تصديق:
_ دلوقتي بتشككي في اخلاقي؟
_ أكيد لا بس مش فاهمة مستموتة عليه ليه كدا؟!
_ انا فرحتي باظت كل حاجة باظت في غمضة عين، ارفضوا الجوازة دي أبوس ايديكم
تدخل مجدي في استغراب كأن زوجته وضحت شيئًا كان لم يأخذه في عين الاعتبار:
_ انتي فعلا هتموتي عليه كدا ليه؟ في حين حتى ملامحه مش شايفنها، فين هو سبع البرمبة دا؟
_ هتصل بيه يجي
صرخ والدها في غضب:
_ من غير ما تتصلي بيه هو واخد معاد مجاش ليه؟
_ هعرف ماله، جايز حصل حاجة معاه ويمكن اللي اسمه جياد دا هدده
_ هي حصلت تشككي في أخلاق عيال الشيخ بالشكل دا؟
_ بابا..
_ خلاص يا هانيا قولتلك مفيهاش، اتكلمي مع جياد و اقعدي معاه وحاولي تقربي منه دا فعلا يا حبيبتي شخص ميتعوضش، انا هكون مطمن عليكي معاه اكتر
أضافت زوجته قائلة:
_ دا شهاب دا بياخد ١٢ الف بس في الشهر دي مرتبها هي أكبر من مرتبه، وعايزة تسيب جياد علشان الجربوع دا
_ بس أنا عايزاه عايزاه
_ اصرارك دا غريب..مفيش فيها حل خلاص حاولي تتقبلي جياد الأول ادي لنفسك فرصة معاه وبعدها احكمي ولو....
قبلما يتابع والدها حديثه، صرخت في قهر غير مسيطرة على نفسها:
_ يعني انت اهم حاجة عندك الزيني وعياله أما أنا بنتك أولع وتقولي مفيهاش وعادي تقهر قلبي!
بس ماهي مش جديدة عليك طول عمرك دلدول للشيخ إيه الجديد؟؟
سكتت تنتبه لما قالت وضربت أمها صدرها ما إن هانته ابنته بذلك الشكل وكذلك ركضت روني تتوسل له كي لا يصب غضبه على أختها الآن.
اشار إلى نفسه في صدمة وصرخ:
_ أنا دلدول الشيخ يا بنت الكلب يا قليلة الرباية و الأدب
وانقض عليها يجذبها من شعرها القصير والذي آلمها بشدة بسبب قصره، كانت روني تحاول أن تبعد يده عن شعر أختها بكل الطرق وهي تصرخ متوسلة له، بينما مجدي أخذ يبرحها ضربًا في غضب قاتم غير آبه لصراخها ولا صراخ أختها ولا توسل والدتها كي يتركها وصاح بينما هو يضربها:
_ والله العظيم وعليا الطلاق بالتلاتة ما هتتجوزي حد غير جياد الزيني ووريني هتقولي لا ازاي
ترك شعرها وضمتها أختها إلى صدرها وهي تربت على كتفيها تهدىء من روعها، بينما حورية صاحت:
_ بتحلف بالطلاق ليه بس؟؟
_ هو كدا، وقولي لابنتك تحترم نفسها علشان يظهر خروجها للشغل جننها وخلاها تنسى حيائها وتقولي بحب وتعرف شاب وهتتجنن عليه كمان، يظهر الثقة اللي ادتها كانت غلط كلها وفي الآخر تقولي أنا اللي بتعب عليها علشان تلبس أحسن لبس و تعيش أحسن عيشة وممرمط نفسي علشانها هي واخواتها، دلدول الشيخ!!... ماشي أنا هربيكي من الاول وجديد أنا هوريكي يا سافلة.
البت دي هتقعد ملهاش شغل هتجهز للجواز وبس
كانت الفتاة بين ذراعي أختها تصرخ حتى بدأت احبالها الصوتية تتجرح ويختفي صوتها من كثرة العويل تسمع إلى كلام والدها في غير رضا وصاحت غير آبه لشيء:
_ هروح اقول للحيوان جياد دا إني بكرهه وهقول لابوه مش عايزة ابنك
رد والدها صارخًا في تحدي:
_ اعملي كدا وانا أقطع عيشه واخلي الشيخ يرفده من الشغل و نطلع عليه سمعة في كل السوق كل أما يروح شركة ويتقال عليه مشي من شركة الزيني لانه كان حرامي محدش يقبل يشغله عنده.
وانتي هتترزعي في البيت لا ليكي شغلة ولا مشغلة وبرضو مش هتتجوزي شهاب إلا في أحلامك واعندي معايا واقفي قصادي ند بند كويس يا حقيرة
تركها تصرخ في قهر وألم واتجه إلى غرفته في سرعة شاعرًا بنغزة في قلبه.
صاحت أمها في بكاء:
_ اخرسي بقا هو انتي إيه عايزاه يموتك خالص ولا عايزة تقضي عليه وانتي عارفة إنه تعبان، كفاية مرقعة وقلة ادب وقلة حيا
أنهت كلامها واتجهت كي تطمئن على زوجها.
بينما الفتاة بين ذراعي أختها تتحسر تشعر بتمزق خلايا قلبها ولم تعد قدماها قادرة على النهوض بها أكثر فوقعت على الأرض وجسدها يرتعش وصراخها لا ينقطع.
**********
طرقت تالية باب غرفة نوم والدتها، ففتحت لها فتحدثت:
_ فكرتك نمتي
تركتها السيدة وسارت حتى جلست على سريرها وتحدثت ساخرة:
_ هو فيه حد يعرف ينام بعد اللي سمعه دا!
غلقت الفتاة الباب واتجهت نحو جلوس أمها ثم جلست وردت:
_ مش فاهمة، حصل إيه؟
_ عبدالله
_ ماله خالي؟ هبب إيه تاني؟
_ راح النهاردة خطب لجياد هانيا آخر بنت لمجدي السلاب
صرخت ضاربة صدرها في خضة:
_ إيه؟ مش المفروض يا ماما جياد كان يتجوزني أنا؟ أنا كنت مستنياه يطلبني! إيه اللي انتي بتقوليه دا يا ماما!
_ والله يا بنتي اتفاجئت زيي زيك، فجأة لقيته بينداهلي تعالي يا فاطيمة روحت قالي يوم الجمعة الجاية فرح يزيد ابني وعايزكم تستعدوا و تجهزوا نفسكم و ترفعوا راسي في الفرح ولاب لاب لاب.
باركت وعملت نفسي مبسوطة قام رزعني الخبر، قالي احتمال كمان اخلي يوم فرح يزيد هو نفسه يوم فرح جياد.
فرحت اوي اوي قلت بس هيقولي دلوقتي بطلب تالية بنتك لجياد، اتفاجئ بيه بيقولي بس أما نشوف عروسته هتوافق ولا لا وتفتكري ممكن ترفض ولا هتحب يكون فرحها في نفس ليلة أختها.
اتصدمت بقا وفهمت منه انه رايح يخطب هانيا لجياد واكيد هتوافق زي ما أسيل وافقت... كدا فرح ولاد الزيني الباقيين كلهم يوم الجمعة الجاية
حسان و يزيد و جياد.
كانت قوية أو بمعنى أصح تدعي القوة وتحدثت ساخرة:
_ ربنا يهنيه
نظرت إليها في ضيق وردت:
_ يهنيه! بتتمني ليه الهنا مع غيرك؟!
أنهت جملتها ثم نهضت معطية لفتاتها ظهرها وتابعت وهي تسير في خطوات بطيئة:
_ خلاص كدا.
معروف املاك و فلوس اخويا كلها هتروح لمين وفين... كلها هتتكب في حجر مجدي السَّلّاب اللي لعبها صح ووقع بناته التلاته في طريق شباب الشيخ علشان احفاده يبقوا هما الورثة الوحدين للشيخ.
أما روني تخلفلها عيلين و التانيه تخلفلها تلاته يبقى مين اللي هيورث!
حتى يوم ما اختاروا مننا اختاروها لحسان العبيط اللي شكله ولا هيخلف ولا بيعرف أصلا.
ثم التفتت فجأة إليها وتحدثت في نبرة حادة وأعلى:
_ وانتي تقوليلي يتهنى!
صاحت الفتاة في غضب:
_ اومال عايزاني اعمل إيه؟ أقلل من نفسي ومن كرامتي! ولا أروح ابوس ايد جياد واقوله من فضلك اتجوزني أنا؟!
هو راح فضل عليا بنت السلاب اللي متأكدة انها مش بتحبه ولو وافقت عليه يبقى علشان فلوسه وبس ويبقى احسن ربنا انتقم لي منه علشان يندم عليا عمره كله
اقتربت منها والدتها وتحدثت في استفسار:
_ مين قالك انها مش بتحبه؟ إيه اكدلك كدا؟
_ لأن الشركة كلها عارفة ان هانيا بتحب شهاب مظهر ومن زمان كمان فلما فجأة توافق على جياد يبقى في دماغها مخطط هي وأهلها، ويبقى خالي يستاهل هو وعياله علشان راحوا اختاروا من برا
_ يبقى احساسنا انا وحليمة صح، الناس دي داخلة على طمع واحنا ماينفعش نسيبهم، لازم نحافظ على ملك اخونا بمساعدتكم انتوا
_ يعني عايزاني اعمل ايه؟
اطرقت أمها برهة ثم ردت:
_ بما إنك بتقولي ان البت دي بتحب غير جياد يبقى ليها نقطة ضعف ليها حاجة نمسكها عليها ونكشف بيها الاعيبها قصاد العايلة كلها وأكيد أختها روني دي ليها اغلاط بردو.
من الآخر كدا هنسيب الجواز يتم لأن مفيش في ايدينا حاجة نعملها والوقت ضيق دا يدوب احنا كمان نجهز لانه هيكون فرح ملوكي، بس الجاي كله واللعب معاهم كله هيجي بعد الفرح علشان نكشف الاعيبهم واحدة ورى التانيه و يطقلوا ويرجعوا مطلقين لابوهم وميلاقوش حد يبص في وشهم تاني و يتحسر عليهم ويعرف ان الله حق، ويندم إنه فكر في يوم يدخل عياله في لعبة زي دي كبيرة عليهم كلهم.
**********
ها هو عبدالعزيز باشا الكبير ممدّدٌ فوق فراشه العريض، جسدٌ ضخم كان يومًا يملأ المكان حضورًا وهيبة، أصبح الآن ساكنًا كجذعٍ مُنطفئ. ضمّت الأغطية أطرافه الواهنة، فيما استقرّ رأسه على الوسادة كمن يُسلِّم روحه للغفلة، لا يقوى على الحراك إلا بقدر ما تسمح له أنفاسٌ متقطّعة.
كانت عيناه - إذا انفتحتا - تجوسان في السقف بلا تركيز، نظرة رجلٍ اعتاد أن يُشير فيُنَفَّذ، ويأمر فَيُطاع، فإذا به اليوم غريبٌ في بيته، عاجزٌ عن إدارة حتى أصغر شؤون نفسه.
يستعيد في صمتٍ غاضب صورة المصنع الذي بناه حجراً فوق حجر؛ أصوات العمال، حركة الشاحنات، رائحة اللحم الطازج، خطوط الإنتاج، جولات التفقد التي كان يقودها بخطوات ثابتة.
كل ذلك كان عالمه... ثم خَطَفَه حادثٌ واحدٌ من بين يديه.
يتنهّد تنهيدة مُثقلة، تختلط فيها الحسرة بالمهانة؛ فما كان يظنه قوةً دائمة، انقلب فجأة إلى سجنٍ من العجز. يرفع أصابعه ببطء، محاولًا أن يتحقق إن كانت ما تزال تنتمي إليه، فتأتي الحركة ضعيفة، مرتجفة، كأنها تُذكّره كل لحظة بأنه لم يعد ذاك الرجل الذي كانت الأبواب تُفتح لمجرد سماع اسمه.
ومن خلف الباب، تتردّد أصوات خطوات حليمة زوجته، تُدير البيت بصوتٍ عالٍ وحضورٍ نافذ، تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، تُصدر الأوامر باسمه، وتُغيّر ما تشاء، حتى بات يشعر أنه يعيش في مملكته القديمة وقد استولت عليها ملكةٌ لا ترحم.
كان يسمعها تُوبِّخ خدمًا، أو تُعطي تعليمات لأولاده، فيُغمض عينيه بحرقة، مردّدًا في صدره:
أبهذا السهولة يُسلَب الرجل حقّه؟ أبهذا اليسر يُمحى أثره؟
يختنق صوته في حلقه، فيحبس دمعةً حارقة، دمعة رجلٍ كُسر لا جسده فقط، بل كبرياؤه.
وفي لحظة هدوء، عندما يختفي صخب البيت، ينصت إلى صمته الداخلي؛ يسمع نبض قلبه المتعب يذكّره بأنه ما زال حيًّا، ولكن حياةً ناقصة، حياة رجلٍ أصبح يرى أيامه تمرّ من خلف زجاج، يتمنّى أن يمدّ يده إليها... ولا يستطيع.
دخلت عليه زوجته كي تنام فرأته شاردًا في السقف، تنهدت. جلست جواره وتحدثت وهي تبدل ملابسها:
_ فرح أسيل خلاص الجمعة الجاية هتكتب الكتاب و تدخل حاسة إننا مزنوقين اوي وبقى اليوم متعرفت مش بلحق اعمل حاجة
تحدث ساخرًا دون النظر إليها:
_ كنتي اجلتي الفرح زانقة نفسك ليه؟
_ عبدالله عايز يعمل ليلة واحدة لعياله كلهم حسان و يزيد و جياد والسلاب معترضش رغم انه من عنده بنتين انا اللي هعترض؟
_ احنا مالنا ومال السلاب؟ احنا مش لازم نقول سمعا وطاعة زيه
_ مش سمعا ولا طاعة ولا زفت، أنا عايزة بنتي يكون ليها نصيب في الهيلمان اللي هيتعمل يوم الجمعه الصحافة كلها هتتكلم وهيكون فرح ولا اي فرح في مصر.
هو عبدالله الزيني شوية؟ دا كفاية اسمه بس
التفت إليها في ضيق ثم رد:
_ مموتة بنتك بالحيا علشان فلوس!
صاحت في ضيق:
_ عبدالعزيز متعصبنيش.
مش كل شوية تقولي الاسطوانه المحروقة دي، بنتك جاتلك بنفسها وقالتلك موافقة يا بابا
_ لعبتي في دماغها حرام عليكي انا وافقت وقعدت اما قالت موافقة وكانت بتمثل البسمة بس يوم ما جم هنا البت كانت حابسة دموعها وماكنش فيه أي علامات فرح على وشها وأنا عارف بنتي كويس.
تنهد وتابع:
_ أسيل كانت بتحب ابن خالها حب برىء بس أما مخترهاش انتي فضلتي تلعبي في دماغها علشان تدخليها في دوامة انتقام ولعب هي ملهاش فيه و تستغليها علشان توصلي للفلوس وبس اللي طول عمرك مش هامك غيرها كأن الحياة دايمة لحد
_ انا بحب بنتي زي ما انت بتحبها بالظبط ويمكن اكتر كمان، أنا اللي شلتها في بطني وتعبت عليها حمل ٩ شهور وسهر فمش انت اللي هتحبها أو هتخاف عليها قدي، بنتي عايزة تجيب حقها وبس
صرخ في غضب:
_ حقها من مين وحقها دا إيه اصلا.. يطلع إيه حقها دا؟
_ عايز مجدي السَّلّاب هو وعياله اللي يتمرمغوا في عز اخويا و املاكه وأنا واختي نطلع من المولد بلا حمص؟؟ احنا اللي وقفنا جمب عبدالله ودعمناه بورثنا لحد أما طلع ونجح وبقا عنده كل دا
_ والراجل مشكور رد ورثكم أضعاف وشغل عيالكم كلهم عنده ومنساش وقوفكم جمبه وشايلكم فوق رأسه يعمل إيه تاني يعني؟!
وأما أختك فاطيمة حست بوحدة بعد موت جوزها و انشغال عيالها قالها بيتي مفتوحلك انتي وعيالك وقاعدة عنده آكله شاربة هي وشحطين كمان، مش فاهم مطلوب منه يعمل إيه تاني؟!
نهضت من جواره صارخة في غضب:
_ عبدالعزيز خليك في حالك و متدخلش بيني وبين اخويا، احنا أحرار في بعض ولو على بنتك هي عندك اتأكد منها ميت مرة ان هي اللي عايزة حسان وقاعدة تستعد ليوم فرحها حتى إن كانت مش هتنول من الجواز دا غير أنها تعيش في القصر و نعيم القصر، دا لوحده كفاية وتعويض ليها عن الحرمان اللي حست بيه بعد ما روحت اتنازلت انت بكل بساطة عن المصنع والبيت الكبير بتاع ابوك حمدي باشا ومبقاش حيلتنا غير البيت دا
شعر بكدمة في قلبه كأنها صعقته وتحدث في نبرة صوت متقطعة أثر الصدمة:
_ بتعيريني يا حليمة؟ دلوقتي بتعيريني وانتي عارفة اللي حصلي يومها وخلاني اتنازل واهو قاعد مشلول قدامك ومش عارف عايزة إثبات تاني إيه اكتر من كدا!"
بتعيريني و بتحسسيني بعجزي كأني كنت بالنسبالك مجرد فلوس و املاك واما راحت خلاص ومش فارق معاكي صحتي ولا نفسيتي اللي راحت معاهم؟
زفرت في ضيق وردت:
_ انا طول عمري بنت عز وهفضل كدا ومش هعرف اعيش في مستوى متدني مهما حصل، فسبني بقا أنا احاول ارجع ولو شوية من اللي انت ضيعته وخلتنا في مستوى متدني بدل ما ترفع من شأننا زي ما اخويا الشيخ عبدالله رافع من شأن عبير مراته ومخليها هانم على الكل هي وعيالها.
أنهت كلامها بتلك الطريقة معه ثم خرجت وغلقت الباب خلفها في شدة وصل صوته إليه مما زاد حسرته على نفسه بشكل أكبر.
*********
وضعت حورية عصير الليمون على الطاولة وطلبت من زوجها أن يشربه كي يهدئ أعصابه قليلًا، ثم ناولته له وهي تقول:
_ اهدى بالله عليك ما تزعل نفسك يا مجدي
_ شفتي بنتك قالتلي إيه و اتكلمت معايا ازاي؟
_ شفت، بس بردو بالله عليك ما تزعل نفسك اهي عيلة بردو و بتقول أي حاجة... جايز الولد اللي اسمه شهاب دا ضاحك عليها بالقوي وصدّرها هي ليك واختفى هو.
شباب اليومين دول بقوا عدماء الضمير و التربية وبنتك لسه صغيرة ممكن وقعت في فخه تحت مسمى الحب
تنهد ورد في ضيق:
_البنت كنت لسه هقولها اقعدي معاه ولو مش عاجبك او لقيتي نفسك لسه مش قادرة تكملي ساعتها ممكن اعتذر للشيخ واقوله اختلفوا مقدرتش تكمل ولا اي حاجة وكنت هطلب كمان تأجيل لفرحها بحيث تدخل وهي متقبلاه او ترفضه خالص.
بس تقاطعني و في الاخر تقولي انت دلدول الشيخ؟؟
_ ما انا قولتلك بقا اللي فيها وانت عارفها دي آخر العنقود و دلوعتك، هتيجي زي الكلبة معترفة بغلطها وتبوس ايدك كمان بس انت متزعلش نفسك
_ لا، أنا لا عايزها تعتذر ولا تبوس ايدي ولا اشوف وشها من أصله، كلها اسبوع وهتغور من هنا، لأنها مبقتش صغيرة علشان متعرفش تسيطر على نفسها وتقول لابوها كلام زي دا، دي بقا عندها ٢٢ سنة يعني مش عيلة علشان تهلفت بالكلام.
وضع الكوب على الطاولة وتابع:
_ روحي يا حورية هاتي تليفونها منها قبل ما تتصل بجياد تقوله كلام ملوش لازمه دي مجنونة وساعتها تخرب الدنيا كلها.
وكدا كدا ملهاش خروج إلا معاكي انتي واختها وهي بتنقي الحاجات علشان فرحها لاني مش هسمح لها تروح مكان لوحدها وكويس إن الشيخ اداهم هما الاتنين اجازة من الشغل فملهاش حجج علشان تخرج.
هزت رأسها موافقة وذهبت كي تأخذ منها الهاتف.
اضاف أثناء سيرها:
_ واكدي على روني متدهاش الموبايل بتاعها ابدا والا غضبي هينزل عليها هي كمان.
في زاوية الغرفة خافتة الضوء، جلست هانيا على طرف السرير كأن الأرض ضاقت بها، ووجهها مدفون بين كفّيها. كانت تبكي بكاءً مُنهكًا، بكاءً لا دموع فيه بعد أن جفّ كل ما يمكن أن يُذرف، فلم يبقَ إلا صوت متحشرج منكسر... ثم اختفى.
انقطع صوتها تمامًا من شدّة النشيج، وباتت أنفاسها تصعد وتهبط كأن صدرها يختنق بما لا تستطيع قوله.
ارتجف كتفاها، وارتفع جسدها في حركاتٍ قصيرة مكتومة، وكلّما حاولت أن تلتقط أنفاسها، عادت الذكريات تصفعها:
وجه شهاب حين وعدها... ضحكته... أحلامهما التي نسجاها معًا.
ثم صورة جياد، الجالس بدلًا منه متقدمًا لخطبيتها.
جياد القادم بعد أسبوع ليكون زوجها بالقوة، صورة تشبه غُصّة لا تنزل ولن تزول.
كانت الغرفة تغرق في صمتٍ حزين، لولا صوت روني الجالسة إلى جوارها، تحيط كتف أختها بذراعٍ دافئة، وتمسح على شعرها برفقٍ مُحاول، لكن هانيا لا تسمع.
كانت غارقة في بحرٍ من الظلم، تتخيل حياتها تُنتزع منها، تُقذف في مسارٍ لم تختَره، كأن عمرها كله تُكتب صفحاته الآن بدون إرادتها.
رفعت رأسها أخيرًا...
كانت عيناها حمراوين، منتفختين، يحيط بهما إرهاق ليلة طويلة من الوجع. حاولت أن تتكلم فلم يخرج منها إلا هواءٌ مقطوع، كأن الكلمات احترقت في حلقها.
فأخذت تضع يدها على صدرها وتبكي بلا صوت، بكاءً موجوعًا، أقرب إلى ارتجاف روحٍ تُستنزف.
أما روني، فكانت تُمسك بيديها بقوة، تهمس بكلمات طمأنينة لا تدري إن كانت تصل أم تضيع، لكن عينيها كانت تمتلئهما الدموع هي الأخرى؛ فحزن أختها كان أثقل من أن يُحتمل.
وفي تلك اللحظة، شعرت هانيا بأنها محاصرة:
بين حب لا تستطيع الوصول إليه،
وزواج يُفرض عليها،
وبين قلبٍ ينادي شهاب... وحياة تُدفع نحو جياد.
فانحنت مرة أخرى، وانهار جسدها على كتف روني، تبكي بكاءً هيستيريًا...
كأن قلبها نفسه يستغيث.
وفي تلك الأثناء دخلت حورية لتجد ذلك المنظر و دون أن تنطق بكلمة واحدة أخذت تبحث في الغرفة عن هاتفها حتى وجدته فأخذته وانصرفت، ولم تعلم هانيا من جاء ومتى ذهب فهي لا تهتم بأمرهم، أما روني فقد عرفت ما فعلته والدتها وعليه سكتت وتابعت في اطمئنان أختها كأن شيئًا لم يحدث.
**********
كانت ماهي تجلس في غرفتها شاردة لا تعرف لماذا لم تنم حتى الآن والساعة دقت الثانية بعد منتصف الليل.
كانت تتقلب ارقها التفكير كثيرًا حتى ابعدت عنها الغطاء وفتحت هاتفها تقلب فيه، فوجدت رسالة من أمجد ابن عمتها قد أرسلها لها منذ ساعتين ونصف ولكنها لم تنتبه إليها إلا الآن.
وكان محتوى الرسالة أنه يريد أن يتحدث معها في أمر ما
فردت أنها موافقة.
كان هو الآخر لم ينم شاردًا يفكر فيما قالته أمه وماذا سيفعل مع خاله إذ به يريد الزواج من ماهي لا كاميليا.
وخرج من شروده على صوت رسالتها فابتسم ابتسامة عريضة واتجه نحو الهاتف يحمله في فرحة وتمتم:
" ردت عليا وموافقة نتكلم دي بقا فرصتي"
كتب لها أنه ساهرًا لم ينم واذ هي الأخرى تستيطع أن تتحدث معه الآن لا بأس من مقابلة في الحديقة حتى يسليا وقتهما إلى أن يغلبهما النعاس فوافقت وعليه شعر بسعادة كبيرة تغمر قلبه وعليه استعد للمقابلة، فوضع عطره الخاص ورتب شعره وهندم ملابسه.
وهي الأخرى رتبت شعرها وارتدت معطفًا خفيفًا فوق منامتها ونزلت تنتظره في الحديقة.
ولم تمر إلا ثواني معدودة حتى وجدته قادمًا جهتها وهو يبتسم لها، ابتسمت هي الأخرى وأخذا يسييران معًا في الحديقة فتحدثت:
_ قولي بقا يا عم إيه اللي كنت عايز تقولهولي؟
ثم توقفت برهة تفكر في أمر ما وعليه سألته:
_ هو انت بايت النهاردة عندنا؟
هز رأسه مؤكدًا وقال:
_ باسم كان اتصل عليا وقالي تعالى اسهر معايا، خلصت شغل وسهرت معاه برا شوية وجينا هنا على الساعة ١٢ ونص كدا، قالي بات معايا النهاردة وكدا ووافقت....
سكت برهة وأضاف مازحًا:
_ هو وجودي مدايقك ولا إيه؟
هزت رأسها نافية وهي تقول:
_ اكيد لا طبعا يا ابني انت فهمت إيه!
انا بس استغربت فكرت عمتو حليمة جت تقعد معانا في القصر وانت و اخواتك أسيل و رهف جيتوا معاها علشان كدا سألت
_ طب ولو احنا فعلا جينا نقعد عندكم دا شيء ممكن يدايقكم؟
_ أكيد لا طبعا.
بابا طول عمره بيحب اخواته وهما عايلته اللي بيحبهم وميقدرش يستغنى عنهم، واحنا كمان زيه... ثم اننا على فكرة بنحب العزوة و الونس والقصر واسع و يشيل من الحبايب كتير.
ابتسم ورد مازحًا:
_ لا يا ستي متخافيش احنا مش هنيجي ولا حاجة. بابا عمره ما هيوافق، انتي عارفة إنه عنده عزة نفس كبيرة تمنعه من إنه يعيش في بيت اخو مراته في يوم من الأيام
_ طب سيبنا من السيرة دي بقا وقولي كنت عايز تتكلم معايا في إيه علشان فضولي هيموتني
_ بعد الشر عليكي... خلاص هقولك وخلاص
ابتسم وتابع:
_ ماهي....هو انتي... هو انتي بتحبي؟
عقدت حاجبيها في استغراب، لما يطرح عليها سؤلًا هكذا في مثل ذلك الوقت! لذا اطرقت ولم ترد....فأضاف:
_ مش قصدي حاجة والله، أنا بس قصدي أشاركك مشاعري
_ تشاركني مشاعرك ازاي؟ وبعدين انت مش لاقي غير الوقت دا المتأخر دا تتكلم فيه عن مشاعرك؟
_ انتي فكرتي يعني هعوز إيه؟
_ فكرتك هتتكلم عن مشكلة في الشغل حصلت، بابا زعلك في حاجة مدايقاك ومش مخلياك عارف تنام او كدا؟
_ خلاص يا ستي لو مدايقك اوي كدا خلاص اعتبرنيني مش عايز حاجة
انهى كلامه ونظر بعيدًا عنها، تنهدت وردت في هدوء:
_ حقك عليا متزعلش، يمكن لان دماغي مشغولة بكذا حاجة وكمان فرح اخواتي التلاته بعد اسبوع و جياد هيسيب ضغط الشغل كله عليا بالإضافة لحاجات تانية اتكلمت معاك بالأسلوب الوحش دا، فأنا تاني بعتذر انت تقدر تتكلم معايا في أي حاجة وفي أي وقت يا عم أنا هنا اختك وهسمعك في أي وقت. زيي زي أسيل و رهف بالظبط
التفت إليها في سرعة لا يصدق ما سمعته أذنه توًا وابتسم ابتسامة تحمل في طياتها السخرية ورد في نبرة صوت جاهد في أن يخرجها:
_ زيك زي أسيل و رهف؟
هزت رأسها مؤكدة وقالت:
_ يلا قولي كنت عايز تقول إيه؟ قول أنا كلي أذن صاغية
رد وهو يشعر بتوهان وفقدان أمل:
_ أنا...لا...أنا...أنا ما..ماكنتش عايز اقول حاجة
_ تبقى لسه زعلان من اسلوبي
_ خالص، الفكرة كلها إني كبس عليا النوم اوي وحاسس لساني تقل ومش قادر اتكلم، تصبحي على خير نكمل كلامنا بكرة أو وقت تاني أما تكوني فاضية
انهى كلامه وانصرف قبل أن تتسلل دموعه وتنزل على خديه أمامها وما إن ولى ظهره لها حتى سالت الدموع، دموع فقدان الأمل و الشعور بالخيبة.
كانت تتبع أثره غير آبهة لما يشعر فهي تعلم جيدًا أن تلك المشاعر لها ولكنها لا تريدها لأن قلبها يدق باسم رجل آخر ( شهاب مظهر ) وحسب.
********
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت هانيا من نومها أو بالأحرى نهضت من على فراشها فهي لم تنم ولم يغفل لها جفن منذ البراحة.
خرجت من غرفتها تعلم جيدًا أن والدها قد ذهب إلى العمل في هذا الوقت واتجهت نحو غرفة روني وما إن دخلت دون استئذان حتى وجدتها تبدل ملابسها تستعد للخروج فتحدثت في سخرية:
_ طبعا نازلة تجيبي حاجاتك ما انتي عروسة
_ لازم اجهز مفيش وقت وانتي كمان لازم تجهزي
صاحت في وجهها:
_ انتي اجننتي ولا إيه! أنا مش هتجوز جياد البتاع دا يعني مش هتجوزه
_ هانيا بلاش عند اجهزي مفيش وقت بدل ما يجيلك اجهزة و اوضة متعجبكيش
ضحكت في سخرية وردت ساخرة أيضًا:
_ أنا اساسا العريس نفسه مش عاجبني هتفرق معايا اوي الأوضة! مش لما اقتنع بصاحب الأوضة الأول ابقى انزل انقي وافرفش كدا زيك... ما علينا تليفوني فين؟
_ معرفش
_ لا انتي عارفة انتي الوحيدة اللي كنتي معايا في الأوضة امبارح، قالولك خديه منها وعملتي كدا؟
اقتربت منها وردت:
_ هانيا، بابا حلف بالطلاق
_ وانا مالي! مش هو اللي حلف هو اللي يشيل
_ ماشي اتعاملي بأدب معاه جايز يمسعك ويوقف كل حاجة
قالتها واتجهت نحو الباب كي تخرج فقد استعدت، لتتفاجأ باختها وهي تبكي في حرقة وتقول:
_ ماهو لو كنتي انتي اللي حصلك دا ماكنش زمان دا بقا رد فعلك، لو حد بس كان استجرأ وجيه عليكي ومنعك من يزيد بس اقول ايه اللي إيده في المياه مش زي اللي إيده في النار
كنت فكراكي انتي اكتر حد حاسس بيا لكن طلعتي زيك زيهم
أسرعت جهتها تضمها إلى صدرها في سرعة بينما الأخرى تموت قهرًا بين ذراعيها وتحدثت في نبرة صوت متحشرج:
_ أنا عايزة موبايلي، عايزة اكلم عمو مؤمن، عايزة اكلم معتصم.
ارجوكي ساعديني يمكن يقدروا يخلوا بابا يغير رأيه، مش عايزة موبايلي هاتي تليفونك انتي اتصل منه عليهم
_ عمو مؤمن سافر للأسف أول امبارح دبي الموجود بس معتصم
_ ماشي هاتي اكلمه
كانت على وشك أن ترفض ولكن دموع أختها كادت أن تُفتك بقلبها، وعليه اعطتها الهاتف وتحدثت:
_ هتكلميه وانا واقفة علشان اضمن انك مش هتكلمي شهاب لانه مينفعش خلاص تكلميه، بابا حالف والدنيا هتتقلب لو عملتي كدا
هزت رأسها موافقة ثم أخذت الهاتف تطلب رقم ابن عمها و صديقها منذ الطفولة [ معتصم] والذي سرعان ما إن رد حتى سمع دموعها تتحدث بدلًا تتحدث في نبرة صوت متحشرجة:
_ الحقني يا معتصم بابا عايز يجوزني بالعافية ومليش أخ ولد ولا سند يوقف لي غيرك يا معتصم.
*********
منذ أن وصل إلى العمل وباله مشغول لا يعمل شارد الذهن يشعر أن شيئًا ما خطأ يحدث والذي أكد شعوره أكثر هو عدم رد هانيا على مكالماته رغم وصولها إليه، وعدم وجودها هي شخصيًا اليوم في المكتب.
كان لا يكل ولا يمل من اتصاله عليها كان لديه أمل أنها ستجيب عليه مرة.
وعقب مرور ساعة و الثانية لا شيء يتغير، لا رد و لا أثر لها.
وتظاهر أنه يعمل ويركز.
وفي الجانب الآخر وصل معتصم شركة الزيني ودخل يسأل عن مكتب عمه مجدي السَّلّاب ورغم أن هذه المرة لم تكن الزيارة الأولى له لعمه في مكتبه ولكنه نسي مكانه من كبر الشركة و كثرة اقسامها و موظفينها.
وما إن دخل حتى ابتسم مجدي وأشار له سامحًا له بالجلوس، جلس الشاب وابتسم قائلًا:
_ عامل ايه يا عمي؟
_ الحمدلله وانت يا معتصم طمني عليك
_ أنا بخير الحمد لله
_ دايما يارب، تشرب إيه؟
_ ولا حاجة يا عمي أنا فطرت وشربت الشاي وكله تمام، أنا جاي علشان اتكلم معاك في موضوع هانيا
_ موضوع هانيا منتهي لا نقاش فيه زي ما بيقولوا
_ يا عمي لو على الحلفان صوم ٣ تيام
_ انت هتفتي بقا ولا إيه؟ شغال مفتي بعد العصر؟
_ انت كنت غضبان والحلفان دا أكيد ليه كفارة لأن تنفيذه هيجي على بنتك وهيخليها تتم جواز باطل
_ ليه باطل؟
_ لأنها مش عايزة تتجوزه!
تنهد عمه ورد:
_ بص يا معتصم، أنا من اول ما جيت الشركة الصبح وانا اول حاجة عملتها هي تحرياتي عن شهاب دا، هو موظف في قسم التسويق تحت جياد مرتبه أقل من مرتبها والده متوفي و بيعول اخواته، شاب مجتهد لكنه مش مناسب لبنتي.
هانيا المفروض تتجوز واحد أعلى منها أو على الأقل زيها في نفس المستوى المادي مش أقل منها!
أختها مرات فاتح الزيني والتانية هتاخد يزيد الزيني وهي عايزة تتجوز واحد لا ليه اسم ولا كنية ولا عايلة ولا حتى معاه فلوس.
الشاب دا ضاحك عليها وبيستغلها وعرف يلعب على مشاعرها، أما ابن الشيخ عبدالله هو اللي هيعرف يحافظ عليها و يصونها ويخليها هانم جوا القصر.
_ يا عمي أنا متفهم دا جدا، بس بردو الجواز اللي هيتم يوم الجمعة دا بين جياد و هانيا باطل، لأن هانيا مش موافقة مهما كانت رؤيتك للزواج دا عاملة إزاي لازم رضاها هي في الأول و في الآخر
هز رأسه موافقًا ثم رد في يأس يشوبه بؤس:
_ ماشي، هي تقدر تقعد مع جياد يومين تلاته و تطلب منه تأجيل فرحها هي وفي النهاية هقول للشيخ أنها مش مرتاحة و نفشكل الجوازة دي، بس.... بشرط
_ إيه هو؟
_ مش هتتجوز شهاب لو وقفت على شعر رأسها ومش هترجع تشتغل تاني لا في شركات الزيني ولا في أي شركة غيرها لأنها وطت رأسي باللي عملته دا
_ عملت إيه؟
_ سمعت أنها كانت بتخرج مع الحيوان دا وكمان سمعتها هي وهو في الشركة مسمعة بالأخص جوا القسم، و يا عالم حصل إيه كمان وخايف يكون سبب تمنعها من الجواز من جياد هو خوفها من....
قاطعه قائلًا:
_ بس يا عمي استغفر ربك، هانيا مش كدا ولا واحدة من بناتك كدا.
هانيا متربية أحسن تربية ولو كانت خرجت ولا عملت متأكد كانت ملتزمة حدودها ورفضها مش خوف بل ضعف، هانيا بتحبه فعلا وعايزاه هو علشان كدا بترفض جياد
_ استغفر الله العظيم يارب استغفر الله العظيم، وصلتني لان دماغي تلف وتروح وتيجي.
انا يا ابني مش بتاع الكلام ولا افهم فيه، أنا مبفهمش غير في الأصول واللي بنتي متعلمتش منها حاجة للأسف.
أنا اللي عندي قولته، قولها ابوكي موافق يرفض جياد وميجوزكيش ليه واذكر لها شروطي وهي حرة تختار بس فعلا والله ماليها خروج من بيتي إلا وقت خروجها لبيت جوزها اللي هيبقى يجلها عاجلًا أوآجلا، لا تقولي شغل ولا زفت ولا اي حاجة تقعد تساعد أمها في شغل البيت افيد بدل ما يضحك عليها أكتر والاقيها هربت معاه ولا جابتلي مصيبة أنا مش ناقص أنا سمعتي وسمعة بتاني وعايلتي أهم حاجة عندي.
فهمت هتقولها إيه؟
********
في غرفتها، كانت هانيا واقفة أمام النافذة كمن ينتظر حكمًا سيقع عليه، لا تعرف من أين تبدأ ولا إلى أين تهرب. وما إن دخل معتصم وأغلق الباب خلفه، حتى استدارت نحوه بعينين متورّمتين من كثرة البكاء، كأن الدموع لم تعد تفارقها منذ أيام.
لم يستطع أن يطيل التمهيد، فحمل كلمات والدها الثقيلة وألقاها عليها بصوته الهادئ المتردد، كلمةً بعد كلمة... وكل عبارة كانت كسكينٍ جديدة تُغرس في قلبها.
فلما أنهى حديثه، بدا كأن الهواء انقطع عن الغرفة.
وقفت هانيا للحظة، ساكنة تمامًا... ثم تراجعت خطوة إلى الخلف، وارتعشت شفتاها ارتعاشًا خفيفًا لم يسبق لمعتصم أن رآه منها. رفعت يدها إلى فمها كأنها تحاول إخفاء شهقةٍ مباغتة، لتتفجر بعدها نوبة بكاء حادة، انحنت معها ركبتاها حتى سقطت بالجلوس على طرف السرير.
أجهشت بالبكاء بصوتٍ مرتفع، بكاء مخلوط بالخوف والمهانة والدمار الداخلي.
كانت تمسح دموعها بيدين مرتجفتين وهي تردد بصوت متقطع مكسور:
"بابا... يشك فيَّ؟ أنا؟!
هو شايفني إزاي؟ شايفني عاملة إيه؟ ليه... ليه يا رب؟"
كانت كلمات أبيها - التي نقلها معتصم - تضربها كصفعات متتالية:
"مش هتشتغلي... خرجتي معاه... خايف تكوني عاملة حاجة... مش هتتجوزيه مهما حصل... تفضلي حابسة في البيت..."
كل عبارةٍ كانت تهدم داخلها شيئًا.
دفنت وجهها في كفّيها، وارتفع صوت بكائها حتى خُيِّل لمعتصم أن قلبها نفسه ينهار. لم تكن تبكي خوفًا من الشرط فقط، بل من الصورة القبيحة التي تخيّلها أبوها عنها، الصورة التي ما كانت تستحقها يومًا، ولا فعلت ما يبررها.
شهقت شهقة طويلة مؤلمة، ثم حاولت الكلام فلم تستطع، فخرج صوتها مبحوحًا متقطعًا:
"أنا... أنا مش وحشة...
ليه شايفني كدا؟!
أنا كنت بحب شغلي... ليه يا رب؟
ليه يتحبس مستقبلي علشان... علشان ظنه علشان يجوزني بالعافية؟"
كانت تتحرك كمن يضربه ألمٌ في الداخل لا يُمسك، تمسح دموعها بحدة ثم تعود لتبكي من جديد، وتضرب كفًا بكف كأنها لا تجد منفذًا للخلاص.
ثم وضعت رأسها على كتف معتصم، تبكي بلا توقف، صوتها مخنوق وكلماتها تتحطم بين أنفاسها:
"هو ظلمني... ظلمني أوي...
أنا مش مستحملة... مش قادرة..."
أما معتصم، فكان يقف عاجزًا، يرى انهيارها أمامه ولا يعرف كيف يحمل عنها هذا الألم. كانت هانيا في تلك اللحظة طفلةً خائفة فقدت أمنها، وامرأةً مكسورة تُسلب خيارات حياتها، وبنتًا موجوعة بطعنةٍ جاءت من أقرب الناس إليها.
وفي وسط شهقاتها وتوتر أنفاسها، أحست بأن الغرفة تضيق، بأن العالم كله ينغلق عليها.
كان كل ما تعرفه، أن قلبها يُنتزع منها، وأن الشروط التي وضعها والدها لم تترك لها حياة... بل قيدًا.
وبكت... حتى خمد صوتها، وانهارت على السرير منهكة، كأن الحزن سحب روحها كلها.
*******
مرَّ يومٌ... ثم آخر، وكلُّ يومٍ كان يذوب من روح هانيا كما يذوب الشمع تحت نارٍ صامتة.
كانت تمشي في البيت كأنها ظلٌّ لا يُسمع له وقع، لا تتكلم إلا قليلًا، ولا ترفع رأسها إذا ناداها أحد.
عيونها مجهدة، وجهها باهت، وفي داخلها ضجّة بكاءٍ لا يسمعها غير قلبها.
في اليومين الماضيين، لم يتوقّف أحد عن الحديث إليها:
روني تأتيها كل ساعة، تجلس على حافة السرير وتقول بصوتٍ لطيف:
"يا هانيا... على الأقل ارتاحي من الحبس دا... الجواز دا هينقذك.
شهاب عمره ما هيكون ليكي بابا اقسم دا على دا كل ما في الأمر هتكوني خسرتي زوج زي جياد و فرصة كويسة انك تخرجي للعالم وتطوري من نفسك و تسافري وتركبي خيل زي ما كان نفسك، العند هيوديكي في داهية وهيحبسك في البيت تنضفي وتطبخي لحد اما تتجوزي صالونات أي واحد "
وأمها تقف عند باب الغرفة، يدها على صدرها، تحاول أن تبدو قوية رغم قلقها:
"يا بنتي وافقي... جياد شخص مناسب بكل الطرق دا كفاية اللبس و الحاجات قد كدا اللي باعتها علشان فرحكم، وعيشتك دي مش هتنفع اوعي هتفتكري إنك هطيقي تقعدي في البيت يوم واحد، لو خسرتي حلم واحد احسن ما تخسريهم كلهم "
أما مايا، فكانت أكثر صراحة، تقترب وتضع يديها على كتفيها وتهمس:
"اللي بينك وبين شهاب انتهى... انسي، وشهاب بكرة هينسى ويتجوز ويشوف حياته، بقالك ٣ ايام من يوم الجمعة اللي فاتت غايبة ولا سأل فيكي، هو هيشوف حياته وانتي هتكوني خسرتي شغلك و حياتك وفرصة متتعوضش زي الجواز من جياد الزيني،
جياد مش هيظلمك صدقيني، جياد هيجبلك نجمة من السما، قبل ما تتمني هتلاقي واخرسي كل الالسنة ... وافقي وخلاص."
كانت الكلمات تتكرر عليها كل يوم، نفس الإقناع، نفس الوجوه التي تحاول أن تبدو مطمئنة...
لكن قلبها لم يكن فيه إلا فراغ كبير.
كانت تجلس في غرفتها طويلًا، تنظر إلى الحائط دون أن تدرك ما تنظر إليه.
تفكيرها يتيه بين خوفٍ ممتدّ وحزنٍ ثقيل.
لم تكن تفكر في الزواج بقدر ما تفكر في الخسارة:
خسرت حبها.
خسرت شغلها.
وخسرت احترام أبيها لها... أو هكذا شعرت.
أما شهاب...
فكلما خطر اسمه على بالها، سقط قلبها سقوطًا موجعًا.
كانت تردد في سرّها: "خلص... بح... ضاع."
تتخيل نظراته الأخيرة، تتخيل خروجه من الشركة مطأطأ الرأس، تتخيل أنه لن يمرّ بجوار مكتبها مرة أخرى...
ولن تراه في الممرات...
ولن يسمعها أحدٌ تناديه باسمه من بعيد.
وفي النهاية، حسمت أمرها.
لم يكن حسمًا نابعًا من قناعة...
بل من تعب.
من إنهاك روحيّ جعلها عاجزة عن المقاومة.
وافقت.
وافقت وهي لا تشعر بشيء.
كأن روحها أصبحت صفحة بيضاء مُطفأة، لا كتابة فيها إلا كلمة واحدة: مجبورة.
كانت تمشي في البيت صامتة، لا تجادل ولا تبكي ولا تعترض، وكأن جزءًا منها سلّم واستسلم وطفِئ تمامًا.
كانت تعلم أن يوم الجمعة يقترب، وتعلم أن شهاب أصبح ماضيًا لن يعود، وأن الباب الذي كان يُرجع منه الأمل قد أُغلق إلى الأبد.
كانت تعرف كل ذلك...
ومع ذلك تمضي.
ليس لأنها اختارت...
بل لأن الطريق الوحيد الذي تُرك لها هو الطريق الذي لم ترغب فيه يومًا.
وفي نفس اليوم مساء، طرق باب منزل السيد مجدي السَّلّاب ففتحت مايا الباب والتي كانت على أهبة الاستعداد أن تعود إلى منزل زوجها، وتحدثت:
_ مين حضرتك؟
_ مش دا منزل آنسة هانيا مجدي السَّلّاب؟
هزت رأسها مؤكدة وهي تقول:
_ مظبوط، مين حضرتك؟
_ أنا شهاب...شهاب مظهر.
*********
نزلت بدري يوم اهو، متنسوش الفوت ورأيكم علشان الحماااس
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت نتقابل يوم السبت
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل السادس 6 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل السادس [ الزفاف ]
سلمى خالد احمد
*******
نظرت إليه في ضيق ثم دفتعه للخارج وخرحت هي الأخرى من البيت وغلقت الباب خلفها وتحدثت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ عايز إيه يا شهاب؟
_ انتي مايا صح؟
_ مظبوط
_ طيب، أكيد هانيا كانت قايلاكم اني كنت جاي يوم الجمعه وأنا فعلا كنت جاي بس روني اتصلت عليا و...
قاطعته قائلة:
_ عارفة كل دا..... بابا رفض
_ رفض إيه مش فاهم؟
رد في توتر، فأجابت:
_ رفض جوازك من هانيا
تفاجأ من قولها شاعرًا بغصة في حلقه ورد:
_ على أي أساس يقبل أو يرفض! هو حتى مسمعنيش ولا
_ رفض لأنك مش مناسب لهانيا خالص هو سمع منها وعارف عنك كل المعلومات ورفض وبدون احراج ليك، بدل ما تيجي انت وأهلك وتترفض.
فكل المطلوب منك دلوقتي هو انك تبعد عن هانيا وبس وكفاية اللي هي فيه
_ ممكن طيب اقابلها؟ قوللها شهاب عايز يكلمك أو ردي عليه بليز
هزت رأسها رافضة وردت:
_ شهاب انت اللي بليز ابعد عن هانيا لان ملكمش نصيب مع بعض خلاص
_ طيب طيب هي ليه مش بتيجي الشغل بقالها يومين؟
_ تعبانة شوية وأكيد مدايقة من قرار بابا، بس هي شوية وهتبقى كويسة متقلقش
كان واقفًا لا يعرف ماذا يقول، ملقيًا بصره على باب المنزل يود أن يقتحمه بكل ما فيه من قوة ويخطف حبيبته منهم وتحدث وهو يتوسل:
_ بليز يا مايا خليني اقابل أبوكم مجدي بيه وأنا هقنعه بيا جايز فيه حاجات هو مش فاهمها أنا هوضحها والله، أنا هانيا هشيلها جوا عيوني هفرشلها الأرض سعادة وهنا و....
_ ارجوك يا شهاب بلاش كلام الروايات و المسلسلات دا، اللي هيسعدها هو الفلوس أما تكون كل طلبتها موجابة أما الكلام بدون افعلل دا مش بأكل عيش
_ لا هيكون فيه أفعال يا مايا خلي عمي يطلب ليها اللي يعوزه وأنا هوفره كله، الشبكة الشقة المهر أي حاجة يطلبها هجيبها ليها، أنا لازم اتكلم معاه لازم اديني فرصة بس
هزت رأسها رافضة للمرة الثانية ثم قالت:
_ الموضوع انتهى بالنسبة لبابا ولو اصريت بابا هيكسفك وانا عمالة احاول ارفع عنك الحرج واقولك بهدوء خلاص كدا خلصت
رد في تلعثم:
_ خلصت ايه هي إيه اللي خلصت لا لا متقوليش كدا في وشي يا مايا والنبي
_ عن اذنك العربية جت ولازم ارجع القصر دلوقتي وأنا زي ما قولتلك متحاولش ترجع تخبط على الباب لان بابا اصلا مش جوا لا هو ولا هانيا وكمان لو كان جوا هيكسفك جامد أنا قولتلك وانت حر
تركته وذهبت يتبع أثرها ثم سلط بصره على الباب مرة أخرى لا يستطيع أن يمشي دون أن يرى حبيبته.
حاول أن يجد أي نافذة يطل عليها من خلالها ولكنه فشل
حاول أن يهاتفها كي ترد ولكنها لم ترد أيضًا.
حاول ان يهاتف والدها مرتين ولكن لا رد منه.
ارسل لأختها روني وطلب مقابلتها واخبرها إنه في الخارج يقف منتظرًا أمام الباب ولكنها لم ترد عليه هي الأخرى حتى انتاب عليه شعور اليأس ولكنه لم يستسلم فاتجه نحو الباب وطرقه وما إن علمت حورية أنه هو لم تجيب عليه وذلك بعدما اخبرتها ابنتها بمجيئه.
مرت ساعة والثانية وهو في ذلك الوضع لا يعرف كيف يصل لها ولا أحد يجيبه مما قاد به إلى الذهاب من حيث أتى ناويًا أن يقابل والدها ويحدثه غدًا في العمل.
*********
وفي صباح اليوم التالي، استعدت روني صففت شعرها و ارتدت صيغتها ودخلت إلى أختها هانيا وتحدثت في ابتسامة:
_ احنا نازلين دلوقتي علشان نجيب الاوضة، يلا بينا البسي بسرعة
نظرت إليها بعينين حرقتهما نيران القهر وتحدثت في نبرة صوت ضعيفة أثر التعب:
_ مش هروح في حتة ولا فارق معايا هتجيبوا ايه ولا هتعملوا إيه حتى
اقتربت منها وجلست جوارها وردت:
_ يلا يا هانيا بلاش اللي بتعمليه دا، خلاص كلها يومين وهتبقى في بيته
نظرت إليها بتلك العينين واجهشت بالبكاء، ضمتها أختها إلى صدرها وأخذت تربت على كتفيها تهدئها.
********
كان يقف أمام مكتبه وقرر أخيرًا أن يقابله مستعدًا إذا نهره أو ضايقه، وقبلما يطرق الباب، جاءت إليه السكرتيرة الخاصة به وتحدثت:
_ حضرتك واقف قصاد مكتب مجدي بيه ليه؟
التفت إليها ورد:
_ أنا شهاب مظهر موظف في قسم التسويق هنا في الشركة وكنت عايز اتكلم معاه في موضوع مهم يخص الشغل
_ بس للأسف مستر مجدي مش هنا
_ اومال فين مجاش؟
_ لا جيه بس خرج وبقاله ساعة غايب ومقاليش رايح فين.
ممكن حضرتك تستنى في مكتبك واول ما يجي هبلغك
نظر إليها في خيبة أمل وهز رأسه موافقًا وانصرف في صمت و خذلان.
*********
وصل الشيخ عبدالله الزيني برفقة زوجته عبير هانم و ولداه يزيد و جياد.
ولم تمر إلا دقائق قليلة حتى أتى مجدي السَّلّاب بسيارته رفقة زوجته وابنته روني وحسب.
ابتسم يزيد لروني ما إن سقطت عيناه عليها وهي أيضًا ابتسمت له.
أما جياد فقد لاحظ سريعًا عدم وجود هانيا وعليه سأل والدها:
_ الله! اومال فين هانيا يا عمي؟
تنحنح الرجل ورد في خجل:
_ هانيا جالها نزلة برد جامدة اوي ومقدرتش تنزل قولنلها ترتاح في البيت واختها كدا كدا عارفة ذوقها وهتختار لها معاها
اختض عليها ورد في سرعة:
_ طب كويسة؟ محتاجة حاجة؟ اتحسنت؟ اروح اوديها للدكتور؟
ابتسم مجدي مطمئًا بشكل أكبر على ابنته مع ذلك الشاب الملهوف عليها ورد عليه:
_ متقلقش عليها احنا نزلنا للدكتور وقال يلزمها راحة وكتب لها علاج وهي دلوقتي بترتاح، البرد بتاعها بيكون صعب شوية ومش بيسبها بسهولة
وأضافت حورية:
_ وكمان كلها كام يوم وهتبقى عروسة لازم ترتاح
ابتسم مطمئن عليها ورد:
_ طب كويس الحمد الله إن الموضوع بسيط.
اطرق برهة ثم تابع:
_ أنا بس كنت بتصل بيها مش بترد عليا
نظرت حورية إلى زوجها تشعر بارتباك فتابع هو في ابتسامة بسيطة مصطنعة:
_ أكيد من التعب مقدرتش ترد
تدخل الشيخ قائلًا:
_ خلاص بقا الوقت هياخدنا واحنا مضيعينه في الكلام ولسه مجبناش أي حاجة وانت جياد بعد ما نخلص ونشتري اللي عايزينه ابقى ارجع مع عمك مجدي اطمن على خطيبتك بنفسك وخلاص
هز رأسه موافقًا وسار صامتًا.
دخلت روني مع يزيد محلَّ الأثاث الكبير، تعلو وجهها مسحة خفيفة من الترقب، يتقدّمها والدها وأمها، وخلفهم والدة يزيد التي كانت تفتح النقاش في كل قطعةٍ تقع عليها عينها.
كان المكان ممتلئًا بروائح الخشب الجديد، والأضواء الصفراء المنعكسة على الأسِرّة والخزائن فتزيدها فخامة.
وقفت روني أمام أول غرفة نوم تُعرض عليهم، تراقب التفاصيل بصمتٍ يعكس تركيزها، لكن قلبها كان يخفق بخفةٍ لا تُخفى. كل قطعة ترسم في ذهنها جزءًا من بيتها القادم، حياتها القادمة... ووجود يزيد بجوارها كان يضفي على اللحظة شيئًا يشبه الأمان.
كانت والدة يزيد تتقدم بخطوات واثقة، تشير إلى سريرٍ دون آخر، وتعلّق على الخشب والألوان، وتستعرض خبرتها الطويلة في تجهيز البيوت.
لكن يزيد... كان لا يلقي بالًا إلا لرأي روني. كان يلتفت إليها كل مرة، وكأنه لا يرى في المكان سواها.
كان يقترب منها قليلًا ويقول بصوتٍ منخفض لا يسمعه غيرها:
- "لو مش عاجباكي نغير... إنتِ ذوقك أحلى من كل دا."
فتتورد وجنتاها رغم محاولتها إخفاء ابتسامتها.
كلما اختارت قطعة، كان يزيد يبتسم ويوافق بلا تردد، يمرر يده بخفة على طرف الخزانة ثم يلتفت إليها قائلًا:
- "طالما هي عجبتك، تبقى أحلى غرفة في المحل كله."
أما روني، فكانت تعيش مشاعر متشابكة:
فرحة هادئة تتسلل إلى قلبها وهي ترى يزيد يحترم ذوقها ويقدّر وجودها، وإحساس داخلي بأنها تختار ما سيكون جزءًا من حياتها الطويلة معه.
كانت تسترق النظر إليه أحيانًا، فتراه يتابعها بعينين فيهما دفء، وكأنه يعوّضها عن كل لحظة خوف أو قلق عاشتْها قبل هذا اليوم.
وفي أثناء اختيار الملابس والمفروشات، اقترب منها يزيد مرة أخرى، وصوته يحمل شيئًا من الغزل الرقيق:
- "على فكرة... أي حاجة بتلمسيها بتحلى."
تشاغبت ابتسامة خجولة على شفتيها، ورفعت رأسها نحوه بنظرةٍ سريعة كمن يلومه بينما قلبها يرقّ له.
كانت تدرك أن أمّه تحاول أن تُظهر رأيها في كل شيء، لكنها في الوقت نفسه تشعر بأن يزيد يقف حائطًا رقيقًا بينها وبين أي ضغطٍ خارجي.
كان يمنحها شعورًا بأنها ليست وحدها.
ومع كل قطعة تُشترى، كانت روني تشعر بأن خطوة جديدة تُبنى في علاقتها بيزيد...
خطوة تحمل طمأنينة، وقبولًا، ودفئًا بدأت تتعلق به أكثر مما كانت تتصور.
********
دخلت رهف غرفة أسيل أختها فوجدتها تجلس داخل الشرفة معلقة بصرها نحو السماء شاردة.
جاورتها وتحدثت وهي تضع يدها على كتفها:
_ لسه معانا وقت نرفض... لسه معاكي وقت ترفضي تدخلي الحرب دي
التفتت إليها وتحدثت في هدوء:
_ خلاص يا رهف دا نصيبي وانا قبلت وسلمت بيه
_ اومال مالك قاعدة كدا ليه زي الشريدة؟
_ عادي بفكر.... خلاص كلها كام يوم وحياتي كلها هتتغير وهكون زوجة في أسبوع طبيعي أكون سرحانة
_ انتي في ايدك تختاري تمدي فترة الخطوبة
_ عارفة بس أنا مش عايزة
_ ليه؟
_ اهو مش عايزة وخلاص مش هستفاد حاجة أما أضيع وقت
صاحت رهف فب غضب قائلة:
_ انتي مجنونة؟ انتي داخلة حرب ولا هتتجوزي؟ انتي مستوعبة انتي بتقولي ايه؟
صرخت الفتاة:
_ رهف حبيبي بيتجوز من واحدة غيري يا رهف وعايزاني اقف اتفرج
صرخت الأخرى:
_ اه توقفي و تسيبك منه خالص مش تضيعي نفسك وترمي نفسك جوا لعبة سخيفة انتي الخسرانة منها
_ انصحي الكلام دا لنفسك يا حبيبتي
_ مش فاهمة، وانا مالي أنا؟
تنهدت أسيل وردت ساخرة:
_ يعني عايزة اشوف تماسكك انتي كمان وانسحابك من اللعبة أما تعرفي إن باسم حبيب قلبك بيحب روني
اطرقت رهف لبضع ثواني تستوعب ما قالته أختها ثم ردت في صدمة:
_ إيه؟
_ ايوه يا حبيبتي باسم بيحب روني وكان بيجلها القسم كل شوية يتحجج ويتكلم معاها ويعمل نفسه عايزها في شغل وانا و تالية كنا قاطعين عليه وعاملين من بنها وأنا متأكدة إنه مش هيسكت بسهولة أما يعرف ان الخنزيرة دي قبلت تتجوز من ابن خاله وهو لا.
كانت الأخرى صامتة تسمعها وتبتلع كلامها دون أي رد منها، فتابعت أسيل:
_ هقوم أنا بقا لازم اجهز لازم اخلص لبسي وحاجاتي علشان بكرة هشتري الاوضة لأنه خلاص كلها يومين و هبقى مرات اخيب واعبط راجل في عايلة الزيني.
********
ومرت الأيام و الفتاة تضعف وباتت مريضة بالفعل متعبة منهكة أما روني سعيدة ملتهية في زفافها الذي بالكاد اقترب. حتى جاء اليوم المشهود.
خرج الصباح كأنه يومان مختلفان، لكلٍّ منهما روح ومصير...
يومٌ يلمع بالفرح، وآخر مكسوّ بالحزن.
---
روني... بين الفرح والخِفّة
كانت روني تسير إلى الكوافير بخطواتٍ خفيفة كأن الأرض تحت قدميها بساطٌ من نور.
لم تكن تمشي... بل تكاد تطير، والابتسامة لا تفارق شفتيها.
عيناها تتلألآن ببهجة صافية، ووجنتاها محمرّتان كمن غمرته الحياة بحلوها أخيرًا.
جلست أمام المرآة في الكوافير، فانطلقت البنات حولها يجهزن شعرها ويضعن لها اللمسات الأولى من المكياج، وهي تضحك بلا توقف، تتبادل المزاح مع مايا وروني وتراجع رسائل يزيد كل بضع دقائق.
كل مرة يهتز هاتفها، كانت تشرق أكثر.
يكتب لها يزيد:
"جاهزة تبقي أجمل عروسة في الدنيا؟"
فترد وهي تبتسم ابتسامة أكبر من وجهها:
"من زمان."
كانت يدها ترتجف من السعادة، وجسدها كله يشع حماسًا وطمأنينة.
تشعر أن الدنيا تفتح لها ذراعيها... وأن هذا اليوم هو بداية حياة حلمت بها طويلًا.
---
هانيا... ليلة لا تشبه الأعراس
وفي الغرفة المجاورة... كان المشهد نقيضًا كاملًا.
جلست هانيا أمام المرآة ذاتها، لكن انعكاسها لم يكن عروسًا...
كان ظلًّا باكيًا، شاحبًا، مكسورًا.
كانت كلما وضعت خبيرة التجميل طبقة من المكياج، انهمر الدمع مُذيبًا كل شيء.
تجفف دموعها بيدها المرتجفة، ثم تعود تبكي من جديد.
عيناها متورمتان، شفتيها ترتجفان، وصدرها يعلو ويهبط كأنها تُساق إلى قدرٍ لم تختره.
لم تكن تشعر بأنها ذاهبة إلى فرحها...
بل كأنها ذاهبة إلى نهاية روحها.
كانت أمها تحاول تهدئتها:
"كفاية يا هانيا... الناس تحت مستنيين."
لكن هانيا لم تكن تسمع.
كانت غارقة في خوفها، في خسارتها، في حبٍّ دفنته رغماً عنها، وفي مستقبل لا تعرف وجهه ولا تشعر تجاهه بشيء سوى الرفض.
كانت تفكر:
"كيف سأقف بجواره وأنا لا أحبه؟
كيف أعيش حياة لم أخترها؟
كيف أبتسم اليوم وأنا قلبي كله يبكي؟"
كل شيء فيها كان ينكسر بصمت.
---
مشهدان... وقلوبٌ متعاكسة
في نفس الكوافير...
في نفس الساعة...
تحت نفس الأضواء...
كانت روني تزداد جمالًا لأنها سعيدة.
وكانت هانيا تزداد شحوبًا كلما زاد بكاؤها.
روني تُجهَّز لحياةٍ تنتظرها بشغف.
وهانيا تُدفع إلى حياةٍ تخشاها بكل ما تبقّى في قلبها من نبض.
وفي الخارج...
كانت السيارات تنتظر لنقل العروسين،
لكن كل واحدة منهما كانت تحمل داخلها ليلة ليست كالأخرى.
كان يزيد وجياد يقفان عند مدخل القاعة كصنمين من الأناقة، يلفّهما ضوءٌ أبيض ناعم ألقى على ملامحهما مزيدًا من الوسامة والثبات.
كانا يرتديان بدلتين فاخرتين، قصّتهما دقيقة، تنسدل بسلاسة على الكتفين وتبرز عرض الصدر وأناقة الوقفة.
يزيد اختار بدلة بلونٍ داكن يليق بحضوره الهادئ الواثق؛ ربطة عنقه كانت منسّقة بعناية، وشعره مصفف بطريقة تمنحه وقارًا ينسجم مع شخصيته الرزينة. كان يحمل باقة ورد بيضاء بين يديه، يضمّها كما لو كانت وعدًا جديدًا يبدأ الليلة. عينيه لامعتان بفرحٍ خالص لا يخفى، وابتسامته تهتز كلما تخيّل لحظة ظهور روني أمامه، وكأنه طفل ينتظر هديته الأغلى.
أمّا جياد، فكان يرتدي بدلة رمادية فاخرة تُبرز وسامته الحادة وملامحه الرجولية القوية. كان يضغط بخفة على باقة ورد حمراء؛ لونها كان يشتعل كقلبٍ لم يعرف الخوف يومًا. ملامحه تشعّ ثقة وفخرًا، وكأنه ينتظر لحظة تتويجه، فابتسامته العريضة لم تفارقه، وعيناه تلمعان بفرحٍ واضح، غير قادر على إخفائه.
كلاهما كان واقفًا مشدودًا، متحمسًا، تتراقص داخلهما توقعات الليلة.
وكانت كل ثانية تمرّ تُثقل الانتظار وتُشعل الحماس.
وعندما يسمعان وقع الخطوات القادمة من أعلى السلم، كان قلب كلٍّ منهما يقفز دفعة واحدة...
فها هي اللحظة التي انتظراها، اللحظة التي سيهديان فيها وردتيهما لمن ستصبح زوجتهما بعد دقائق قليلة.
*******
في الجهة الأخرى، كان المشهد مختلفًا تمامًا...
حيث جلست أسيل في الكوافير كأنها ليست من المكان ولا من اللحظة، غارقة في صمتٍ ثقيل يشبه الغرق في بئر لا قرار له. كانت تحدّق في المرآة أمامها دون أن تراها، عيناها شاردتان، كأنهما تبحثان عن إجابة في شيءٍ لا يُرى...
هل ما تفعله صواب؟ أم أنها تستسلم فقط لأن الجميع يدفعها إلى الطريق ذاته؟
يد المصفّفة تتحرك في شعرها، ترفعه، تثبّته، تزينه... لكن أسيل لا تشعر بأي شيء.
كل ما تشعر به هو الضيق في صدرها ورجفة خفيفة في أطرافها كلما تذكرت الليلة، والزواج، والاختيار الذي لم يكن اختيارًا من الأساس.
كانت أمها تجلس بجوارها، تراقبها بعينٍ قلقة، ثم تقترب كل بضع دقائق، تربّت على كتفها وتقول بصوتٍ حازم يخالطه خوف:
«شدّي نفسك يا بنتي... اجمدي، وبُكرا هتشكريني. ما تضعفيش دلوقتي.»
كلمات حليمة لها كانت كالصفعات... تُفيق جسد أسيل لكنها لا تُفيق قلبها.
كانت تخاف أن تنهار، أن تتراجع، أن تُعلن رفضًا متأخرًا... لذلك كانت أمها تعيد عليها الجملة نفسها مرارًا لتُبقيها واقفة على قدميها.
أمّا رهف، أختها، فكانت تقف بجوارها في صمتٍ ثقيل، تحمل شفقتها بين عينيها.
تنظر لأسيل وكأن قلبها ينكسر معها، تعرف جيدًا أنها لا تريد هذا الزواج، تعرف أن أختها تُدفع دفعًا، وتعرف أنها لو مدّت يدها لتمنعها، ستسقط عليها الجبال كلّها.
كانت رهف تقترب بين حينٍ وآخر، تلمس يد أسيل برفق، تقول لها بصوت منخفض:
«لو مش قادرة... قولي. محدش يستاهل دمعتِك.»
لكن أسيل لم تكن تبكي.
كانت فقط صامتة... ثقيلة... محاصرة.
تشعر أن اليوم ليس يومًا عاديًا... بل يومٌ تُغلق فيه أبواب كثيرة، وتُفتح أبواب أخرى لا تعرف ما ينتظرها خلفها.
كانت تتنفس ببطء، كأن الهواء نفسه يؤلمها.
وكأنها، رغم الزينة والضجيج وروائح العطور... تعيش وحدها داخل غرفة ضيّقة من الحيرة والاضطراب والخوف من غدٍ لم تختره.
كان حسّان واقفًا عند مدخل القاعة، ببدلته الأنيقة التي اختارها بعناية كطفلٍ يتحمّس لعيده الأول. كان يبدو أطول قليلًا ممّا هو عليه عادةً، ربما لأن الفرح يرفع الشخص دون أن يدري... أو لأن التوتر يشدّ كتفيه إلى الخلف في محاولة للظهور ثابتًا.
كان يُمسك بباقة ورد بسيطة لكنها مرتّبة بإخلاص، وكأنّه اختارها بيده، أو على الأقل تمنى لو فعل.
عيونه تتحرك في كل اتجاه، ثم تعود لتستقر على السلم الذي من المفترض أن تهبط منه أسيل.
كل دقيقة ينظر إلى ساعته...
كل لحظة يرفع يده ويعدّل النظّارة على أنفه رغم أنها لم تتحرك أصلًا.
كان طيبًا... على نياته... قلبه واسع لدرجة تبان في طريقة وقوفه، في ابتسامته المربكة
كان يُحارب توتره بمحاولة تثبيت ملامحه، يضع يديه خلف ظهره تارة، ثم أمامه، ثم يعقدهما، ثم يفكّهما...
يحاول يظهر رجل واثق، مستعد، سعيد...
والحقيقة أنه سعيد فعلًا.
سعيد جدًا.
يشعر أنه على وشك أن يبدأ حياة جديدة، وأن أسيل ستكون السند الذي يحلم بيه.
لم يكن يدري بقلقها... ولا بمعركتها الداخلية...
كل ما يعرفه أنها فوق، تتحضّر له كي تكون زوجته...
وهو ينتظرها بقلب طفل ونوايا رجلٍ لا يريد منها إلا الرضا، والبيت الهادي، والحياة الطيبة.
********
كانت روني أوّل من أنهت استعداداتها، وقفت أمام المرآة تتأمّل انعكاسها وقد اكتمل زينتها. كان مكياجها هادئًا مشرقًا يبرز ملامحها دون مبالغة؛ ظلالٌ لامعة خفيفة فوق جفنيها، خطّ كحلٍ دقيق يطوّق عينيها فيزيدهما اتساعًا، وشفاهٌ وردية متألّقة تُشبه ابتسامتها التي لا تُفارقها.
أما فستانها الأبيض فكان منسدِلًا بنعومة، ويأخذ طابعًا ملكيًّا بسيطًا، يجعلها تبدو كعروس واثقة، سعيدة، تمشي بخفّة كأن الأرض تُفسح لها الطريق.
في المقابل، كانت هانيا واقفة بجانبها كأنهما صورتان من عالمين مختلفين...
انتهت من مكياجها، لكن وجهها كان يحمل أثر الليلة الطويلة من البكاء؛ حاولت خبيرة التجميل أن تُخفي الاحمرار وتورّم الجفون، فوضعت مكياجًا هادئًا شديد الرقة ليخفّف آثار الحزن، إلا أنّ عيون هانيا ظلّت حزينة مهما تجمّلت.
أما فستانها فكان في غاية الجمال؛ فستان أبيض منسدل واسع الذيل، مطرّز بتطريزات رفيعة تُشبه خيوط الحرير، يحيط بكتفيها بلمسة شفّافة تزيدها رقة... لكنه بدا عليها كأنه ثقلٌ ترتديه لا زينة.
وقفت الأختان أمام المرآة للحظة قصيرة، إحداهما يعلوها بريق الفرح، والأخرى يغمرها ظلّ من الأسى لا يزول.
وحين نزلتا السلالم باتجاه يزيد وجياد، كانت خطوات روني خفيفة نشيطة، كأنها تهبط إلى قدرٍ تمنّته،
بينما خطوات هانيا بطيئة مترددة، كأن كل درجة تنزع من قلبها جزءًا من حلمٍ فقدته.
كانت اللحظة أشبه بانفصال الزمن عن مجراه...
ما إن ظهرت روني و هانيا أعلى السلالم حتى توقّف كل شيء، كأن القاعة حُبست في نفسٍ واحد لا يخرج.
يزيد كان أول من رفع نظره، وما إن رآها حتى اتّسعت عيناه بدهشة لم يستطع إخفاءها.
كأنّ روني أضاءت المكان بمجرد حضورها؛ شعره بالدهشة امتزج بفرح طفلٍ رأى حلمه يتحقق أمامه.
انفرجت شفتاه بابتسامة واسعة، عفوية، واندفع خطوةً للأمام دون أن يشعر، ممسكًا بالبوكيه بقوة كأنه يحتضن الفرح نفسه.
قال دون صوت، لكنها قرأته على شفتيه:
"يا الله... إزاي جميلة كده؟"
أما جياد...
فلم يكن رد فعله صاخبًا كالآخر، بل صامتًا مهيبًا.
حين ظهرت هانيا، تجمّد مكانه؛
حدّق فيها بذهولٍ طويل، كأنه يراها لأول مرة في حياته.
جمالها الهادئ، وحزنها المختبئ تحت طبقات المكياج، جعل ملامحه تلين فجأة.
قبض على بوكيه الورد بيدٍ متوترة، ابتلع ريقه، واتّسعت عيناه بنظرة امتزج فيها الإعجاب بالعطف وبشيءٍ من الغموض.
وللحظة قصيرة جدًا... بدا عليه كأنه يريد أن يقترب ليطمئنها قبل أن يهنّئها.
نظر إليها يزيد وقال مغازلًا:
_ مش عايز اروح الفرح عايز اخدك على البيت علطول مش قادر اتحمل كم الجمال دا بجد
بينما هي ابتسمت في خجل واتجهت نحو السيارة فاتجه خلفها وفتح لها الباب وأطلقت أمها زغرودة عالية.
بينما هانيا لم تعط لجياد فرصة في أن يغازلها أو يتحدث معها حتى فما إن نزلت حتى اتجهت نحو السيارة فحاول أن يلحق بها ليفتح لها الباب وتحدث:
_ ايه براحة شوية للدرجادي مستعجلة؟
وفتح لها الباب فدخلت وتجاهلته طوال الطريق وكلما حاول أن يتحدث معها أو يغازلها تمنعه دون حتى النظر إليه فكانت تنظر جهة النافذة هاربة بعينيها منه وكان هو في تعجب من أمرها.
********
ظهرت أسيل من باب الكوافير كأنها انبثقت من ضوءٍ خافت...
خطواتها هادئة، مترددة، لكن جمالها كان أعلى من ترددها.
الفستان الأبيض انساب على جسدها بانسيابية رقيقة، يعلو كتفيها بخامة ناعمة كأنها تُخفي فيها كل الحزن،
والطرحة المتدلية على ظهرها كانت تتحرك مع كل خطوة ببطءٍ شاعري خافت.
وجهها كان هادئًا، لكن عينيها تحملان قصة كاملة؛
كأنها تخاف أن تفرح، وتخاف ألا تفرح.
لكن اللحظة الحقيقية...
كانت حين وقعت عينا حسّان عليها.
تجمّد تمامًا.
كأنه نسي كيف يتنفس.
أمسك بالنظارة وعدّلها بسرعة - ليس لأنه محتاجها، بل فقط ليخبي ارتباكه.
عيناه اتّسعتا بدهشة صافية، ذهول طفل يرى القمر لأول مرة.
ظلّ ينظر إليها بلا رمشة، فمه انفتح قليلًا،
وقلبه - لو كان مسموعًا - لسمع الجميع خفقاته.
ولوهلة...
شعر أن الدنيا كلّها اختفت،
وأن هذه المرأة الجميلة - بكل رقتها وخوفها وضعفها -
ستكون له هو فقط.
لم يصدّق جمالها،
ولا فكرة أن القدر اختار أن يضعها في طريقه،
فابتسم تلك الابتسامة الخجولة المليئة بالامتنان،
وكأنه يقول بصمت:
"معقول الجمال دا... يبقى نصيبي؟"
اقترب منها واعطاها باقة الورد اخذتها منه وابتسمت ابتسامة صغيرة ثم اتجهت نحو السيارة متجاهلة إياه تسبه في سرها:
" غبي"
وعلى الجانب الآخر تقف حليمة تدعو الله ان تمر هذه الليلة على خير دون أن تخطئ ابنتها أو تفعل أي شيء يندم الجميع عليه.
********
كانت القاعة أشبه بلوحة مُذهِّلة صُمِّمت لتُعلن عن حدثٍ استثنائي لا يُشبِه سواه.
فكل ركنٍ فيها كان يشي بعظمة المناسبة، وبمكانة آل الزيني بين رجال الأعمال والنُّخَب.
الثُريّا الضخمة المتدلية من السقف، كانت كنجمةٍ بلورية تتناثر منها خطوط الضوء على الأرضية اللامعة،
تشعُّ بألوانٍ هادئة كالذهب الأبيض، فتزيد المكان مهابة ورُقياً.
امتدَّ السجاد الفاخر على طول الممرّ بلون خمري داكن،
تحفُّه أعمدة مزخرفة تتلألأ فوقها شموع كهربائية تُضفي دفئًا ملكيًّا على المشهد.
الطاولات كانت مستديرة، مزينة بمفارش حريرية بلون عاجيّ،
وفوق كل طاولة مزهرية كريستالية شاهقة تحمل باقات من الزهور البيضاء والذهب الهادئ،
كأنها غيوم صغيرة تُضيء بروائح الياسمين والفاوانيا.
وفي صدر القاعة، ارتفع مسرح العرائس بجدار خلفي مُغطّى بستائر مخملية داكنة،
تتخللها إنارة خفيفة تُبرز بساطة الاسم المكتوب بخط عربي راقٍ:
"آل الزيني"
كأنها علامة ملكية لا تحتاج إلى شرح.
أما المقاعد الأمامية، فكانت محجوزة لأسماء ثقيلة؛
رجال أعمال معروفين، أصحاب شركات كبرى، سياسيين، إعلاميين،
وكأن القاعة جمعت صفوة المجتمع في ليلة واحدة.
الصحافة كانت في كل زاوية:
كاميرات تتحرك، أضواء تومض،
مراسلة تهمس في الميكروفون،
ومصور يلتقط اللحظة كمن يوثّق تاريخًا جديدًا لأسرة لا تقل عن الأسَر الأرستقراطية نفوذًا وسمعة.
كانت الموسيقى الهادئة تنساب في الخلفية،
أنغام بيانو رقيقة تُضفي على الصخب هيبة،
وعلى الرفاهية لمسةً واثقة لا تُخطئها عين.
وبين هذه الفخامة كلها...
كان واضحًا أن الليلة ليست مجرد زفاف،
بل احتفال كبير يليق بآخر ثلاثة شباب من آل عبدالله الزيني،
وتأكيد جديد أن اسم هذه العائلة لا يزال يتصدر الصفوف الأولى أينما حلّ.
كان عبدالله الزيني يقف عند مدخل القاعة كما لو كان عمودًا من أعمدة المكان نفسه؛
ثابتًا، راسخًا، تُحيط به هيبة رجلٍ لم يأتِ إلى الدنيا ليملأ مكانًا... بل ليُنشئ مكانًا حوله.
كان طويل القامة، عريض المنكبين، يملك تلك الوقفة التي لا يتقنها إلا رجال الأعمال الذين اعتادوا أن تُرفع لهم القبعات احترامًا.
بدلته السوداء الراقية منسابة على جسده بثقة، وربطة عنقه الذهبية الهادئة تضيف توقيعًا أخيرًا على مظهر رجلٍ يعرف تمامًا وزنه وقيمته.
تتدلّى من وجهه ملامح جامدة صلبة،
خطوطها محفورة بتجارب وسنين من الكفاح،
لكن عينيه - السوداوين العميقتين - كانتا تتحركان بثبات محسوب،
ترصد كل الداخلين، وتزن كل ابتسامة، وتُقدّر كل يد تُصافحه.
كلما اقترب أحد كبار رجال الأعمال، ارتسمت على شفتيه ابتسامة وقورة،
ابتسامة لا تكشف أكثر مما يجب،
ولا تُخفي من الاحترام إلا ما يليق برجلٍ يقف على قمة سُلّم النفوذ.
وبجواره - على يمينه - كان يقف مجدي السَّلّاب، مساعده ومستشاره،
ووالد الفتيات.
كان مجدي متأهبًا،
عيناه تتحركان بيقظة على الضيوف، بدلته لم تقل أناقة وثقل عن بدلة الشيخ كأنه يعرف جيدًا أنه يقدم ابنتاه الليلة في صورته و هيأته.
يُرحّب، يُشير، يشرح...
ولولا حضوره الهادئ لأحسّ الناس أن مدخل القاعة ينقصه ضلعٌ أساسي.
أما على يسار عبدالله، فكان يقف ابنه فاتح الزيني،
ذراعه اليمنى وامتداد اسمه بين الشباب.
كان فاتح نسخة أصغر وأشد صلابة من أبيه؛
وقفته مشدودة، كتفاه مرفوعتان،
وعيناه تحملان ذكاء رجلٍ يعرف أن الليلة ليست احتفالاً فقط...
بل عرض قوة وسمعة وصورة للعائلة أمام المجتمع كله.
كان هو الذي أشرف على كل ترتيبات ليلة زفاف إخوته،
من أصغر التفاصيل إلى أكبر القرارات،
حتى بدا وكأنه الجنرال المسؤول عن إنجاح معركةٍ بلا خسائر.
كلما دخلت شخصية مهمة،
انحنى عبدالله الزيني قليلًا بوقار،
صافح بثبات لا يرتجف،
ومجدي السَّلّاب يقدّم الضيف بكلمات قصيرة،
وفاتح يبتسم ابتسامة رجلٍ يكمل الصورة.
كان مشهدهم الثلاثي على الباب - الأب والابن و والد الفتيات -
أقرب إلى لوحةٍ تُجسد قوة العائلة، وثقة الرجال الذين يُمسكون بخيوط كل شيء؛
ثلاثتهم واقفون كأنهم سورُ القصر الحقيقي،
يستقبلون كل ضيفٍ بثباتٍ يُشبه المهابة الملكية...
ويبثّون في القاعة كلها معنى واحدًا:
ليلة آل الزيني بدأت.
كما كان عبدالعزيز الكبير، والد أسيل وزوج أخت الشيخ عبدالله، يجلس على كرسيه المتحرّك بجانب عبدالله الزيني ورفاقه، يحيط به شعورٌ بالوقار رغم قيده الجسدي.
كانت ملامحه ما زالت تحمل ثقل السنين والخبرة؛ عيون حادة تتفحص الداخلين، وابتسامة هادئة تكاد لا تظهر إلا في لحظاتٍ نادرة، لكنها كافية لتُشعر من حوله بالاحترام.
كان يلوّح بيده أحيانًا للضيوف، يحييهم بصوت هادئ لكنه حازم، كل كلمة منه موزونة بدقة، وكأن كل حركة صغيرة على كرسيه تحمل وزن مكانته في العائلة والمجتمع.
وجوده هناك أعطى القاعة إحساسًا بالاستقرار والتوازن؛
بين عبدالله الزيني ونجله فاتح، ومجدي السَّلّاب على الجهة الأخرى، كان عبدالعزيز يجلس كصخرة ثابتة، يضيف وقارًا هادئًا ومكانة محترمة للحدث، يذكّر الجميع بأن هذه العائلة ليست مجرد ثروة أو نفوذ، بل جذور ممتدة من الحكمة والتجربة.
ومع كل ضيف يمر، كانت عيناه تراقب، صوته يحيّي، ويده تلوّح بالترحيب، بينما كرسيه المتحرك يبدو وكأنه جزء طبيعي من الهيبة التي تحيط به، لا ضعفًا يذكر، بل رمزًا لعزيمةٍ لم تنكسر رغم مرور السنوات والتجارب ورغم تعبه وارهاق جسده ألا أنه تحامل على نفسه كي يكون موجودًا في زفاف ابنته، وبجانب عبدالعزيز الكبير، كان يقف ابنه الأكبر أمجد، يكسوه شعورٌ واضح بالثقة والحرص على الظهور بأبهى صورة.
ارتدى بدلته الأنيقة بعناية بالغة، كل خط فيها متقن، وربطة عنقه مضبوطة بدقة، وكأنها توقيع على شخصيته الطموحة.
كانت عيناه تتحركان بين الداخلين والكاميرات، يراقب كل عدسة تلمحه، وكل ضوء يسلّط عليه.
لم يكن هدفه الترحيب بالضيوف فحسب، بل أن يظهر، يلمع، يخطف الأضواء، ليؤكد حضوره ومكانته أمام الجميع.
ابتسامته كانت محسوبة، رأسه مرفوعًا، ووقفته مشدودة، كأن كل حركة من حركاته مدروسة لتبدو طبيعية أمام التصوير، لكنها في الواقع تخطط لتترك انطباعًا قويًا ومؤثّرًا.
كان واضحًا أن هذا اليوم بالنسبة له ليس مجرد زفاف، بل فرصة ليتألق ويثبت نفسه في وسط رجال الأعمال والمجتمع الراقي، وأن يكون اسمه مرتبطًا بالظهور الأنيق والهيبة التي لم يتركها أحد من حوله يفلت منها، وبجانب أمجد، كان يقف باسم، يبدو في مظهره الأنيق والمرتب شخصًا كامل الحضور؛ بدلته مصممة بعناية، شعره مصفف بعناية، وابتسامته الطبيعية تكاد تظهر لو لم يكن شيءٌ ما يثقل قلبه.
لكن الملامح لم تخفِ شعوره الداخلي؛
كانت حواجه مشدودة، وعيناه تنطق بالقلق والهمّ،
وشفتاه شبه مضغوطتين كأنه يحمل ثقلًا داخليًا لا يراه أحد،
وعلى فمه كان تكرار النفخ كإشارة على توتره وعدم ارتياحه،
كمن يحاول تفريغ شيء ما من صدره، لكن لا يجرؤ على الكلام.
باسم كان واضحًا أنه غارق في أفكاره، متضايق ومثقل بالهموم،
وفي الوقت ذاته يحاول الظهور أمام الجميع بمظهر أنيق وهادئ،
كأن كل حركة محسوبة لإخفاء الاضطراب، لكنه لا يستطيع أن يخفّي ما في قلبه من قلق.
وكانت عبير، زوجة الشيخ عبدالله الزيني، تقف في جانب من القاعة، تفيض أناقة وجمالًا، كأن حضورها جزء من الديكور الراقي نفسه.
كان فستانها منسجماً مع المكان، بسيطًا لكن فاخرًا، خطوطه الناعمة تُبرز رشاقتها، وألوانه الهادئة تتناغم مع الذهب والفضة المنتشرة في القاعة.
شعرها مصفف بعناية، ومكياجها يبرز ملامح وجهها دون مبالغة، ليضفي عليها هالة من الثقة والجاذبية المتزنة.
كانت تتحرك بخفة وأناقة، ترحب بالضيوف النساء من زوجات رجال الأعمال والمشاهير، كل ابتسامة منها محسوبة، كل إيماءة دقيقة،
وكأنها تعرف تمامًا كيف تجعل كل ضيفة تشعر بالترحيب، وفي الوقت نفسه تُثبت مكانتها بين النخبة الحاضرة.
عيونها كانت تلمع بالذكاء الاجتماعي، وصوتها رقيق لكنه واثق، يلقى استحسان كل من حولها،
وكل خطوة تخطوها تجعلها رمز الأناقة والوقار النسائي في القاعة، دون أن تضطر إلى رفع صوتها أو فرض وجودها، فقط بحضورها وسحرها الطبيعي.
وكانت كاميليا، الابنة الكبرى لعبير، واقفة بجانب والدتها على اليمين، تفيض ثقة وأناقة.
فستانها البيج الفاخر كان مصمَّمًا ببساطة راقية، يلتف حول جسدها بانسيابية تبرز رشاقتها، مع لمسة تطريز ناعمة عند الصدر والخصر تزيدها فخامة دون مبالغة.
شعرها مصفف بعناية، وابتسامتها تملأ المكان إشراقًا، وكأنها تعرف تمامًا كيف تُكمل حضور والدتها في هذا المشهد الكبير.
وعلى اليسار، كانت الابنة الصغرى ماهى، والأخيرة، تقف بجانب والدتها، فستانها الشفاف قليلاً من الأسفل لكنه متقن التصميم، ينساب على قدميها بخفة،
وتسريحة شعرها ناعمة مع طلة بريئة، لكن وجهها يحمل ثقة مبكرة تتجاوز سنها الصغير، وكأنها تعلم أن كل نظرة توجه لها تُحسب، وأنها جزء من هذا المشهد المهيب.
كانت الثلاثة معًا صورة متناغمة من الثقة والجمال والأناقة، كل واحدة تكمل الأخرى،
ويمتزج حضورهن بالفساتين والابتسامات المحكمة، ليشكّلن خطًا نسائيًا متماسكًا يفيض بالأناقة والهيبة في القاعة الفخمة.
حين اقتربت لحظة دخول العرائس، ارتفعت الموسيقى تدريجيًا، تملأ القاعة أنغامًا ناعمة تحاكي نبض القلوب.
أول الداخلين كان حسان وأسيل.
وقف الحضور لحظة عند رؤيتهما، فحسان بدا واثقًا، وجهه يشع طيبة طبيعية، وابتسامته المشرقة تخفي توتره البسيط أمام هذا الجمع الكبير.
أما أسيل، فكان حضورها ملفتًا؛ خطواتها هادئة، رأسها مرفوع، عينيها تحملان وقارًا فطريًا،
كأنها تعرف قيمة اللحظة وتقدّر مكانها بجانب حسان، _ لم يكن لأجل حسان نفسه بل لأنه حسان الزيني وحسب.
وعلى الرغم من توتر قلبها الداخلي، كان مظهرها الخارجي يتحدث عن احترامها للمناسبة ورصانتها وثقتها بنفسها.
كل حركة فيها محسوبة، وكل ابتسامة خافتة كأنها تقول:
"أنا هنا، وأنا أستحق هذه اللحظة."
ثم دخل يزيد وروني، زوجان خاطفان الأنظار، ومعهما الهواء ينبض بالحماس.
روني كانت تمشي بخفة ورشاقة، فستانها الأبيض يتألق تحت الأضواء، وابتسامتها مشرقة لا تخفي فرحها.
أما يزيد، فكان يرافقها بثقة واضحة، خطواته متزنة، ويداه تمسكان باقة الورد بقوة وهدوء،
وكأنهما كائن واحد في المشهد، يجذب الأنظار كلما تقدّمَا.
كل حركة منهما تنطق بالفرح والاطمئنان، كل ابتسامة تُثبت انسجام قلبيهما، وتُشعر الحاضرين بنوع من الحماس المار.
وأخيرًا، دخل جياد وهانيا، خطواتهما مثقلة بالوقار، لكنهما ثابتان كالتماثيل الرشيقة.
جياد يمشي بثقة محسوبة، عيناه متجهتان نحو هانيا، وكأنها محور كل شيء في عالمه،
أما هانيا، رغم الحزن الطاغي الذي يختبئ خلف عينيها، فقد حملت وقارها بثبات،
وفستانها الأبيض ينساب بانسيابية، يحاكي كل خطوة، كل حركة فيها تنطق بالأناقة والرصانة.
كان دخولهما معًا لحظة استقرار وجمال، تشبه مشهدًا مرسومًا بعناية فائقة،
يحمل توقيع الثقة، الثبات، والهيبة التي تناسب مناسبة فخمة كهذه.
وبعد دخول العرائس الرئيسيات، جاء الركن النسائي الثاني في القاعة، حاملًا حضورًا متوازنًا بين الأناقة والوقار والفرحة الصافية:
كانت مايا، تمشي بخطوات هادئة، فستانها بلون كريمي دافئ مع تطريز ذهبي بسيط عند الصدر والخصر، ينساب على جسدها برشاقة. ملامحها متزنة، وعيناها تتلألأان بالفخر والسرور لأخواتها، وكل حركة منها تُظهر ثقتها بنفسها وأناقتها الطبيعية تناسب الكنة الأولى و الزوجة لابن الزيني الأكبر
وبجانبها تسير حورية في شموخ عيناها تلمع بفخر وفرحة صافية ببناتها، ووقوفها المهيب يعكس ثقتها التامة بالمكانة التي وصلت إليها العائلة.
فستانها الأخضر الزيتوني الداكن يتلألأ بخيوط متقطعة من الذهب، ينساب على جسدها بثبات ورصانة، وكأن كل تفاصيله تبرز هيبتها وذكاءها الاجتماعي.
أما حليمة، أم أسيل و أخت الشيخ عبدالله، فقد اختارت فستانًا خمريًا داكنًا، مزينًا بتطريزات دقيقة على الأكتاف والكمّين،
يحمل توازنًا بين الفخامة والرصانة. كانت تمشي بخطوات متزنة، مبتسمة، لكن وقارها العميق لا يخفى على أحد.
وأخيرًا بجانبها تسير كلًا من فاطيمة ورهف، كانتا تكملان المشهد:
فاطيمة بفستان بنفسجي فاتح، حريري ينساب على طول ساقيها، يضفي عليها نعومة وأناقة، وابتسامتها تحمل هدوءًا طبيعيًا ووقارًا واضحًا.
ورهف، بفستان أخضر داكن، شعرها مصفف بعناية، وملامحها تعكس براءة ووضوح الشخصية، لكن مع ثقة متنامية في حضورها.
معًا، شكلن خطًا متماسكًا من الأناقة والهيبة والفرحة،
كل واحدة منهن متناسقة مع الأخرى، وكل فستان يعكس شخصيتها،
مما جعل هذا الركن النسائي مصدر إشعاع وجمال في القاعة الفخمة، يوازِنه حضور الرجال المهيب في الجانب الآخر.
وعقب قليل، أتى الماذون أولًا وقبل أي شيء كي يتم الزواج.
نزلوا وجلسوا على الطاولة وكان المأذون يتحدث في المايك كي يسمعه الجميع وانتظر الموافقة من أسيل والتي ردت في نبرة صوت مسموعة إلى حد ما:
" موافقة "
وكان والدها يشعر أنها في عالم آخر ولكنه سبق وقام بتخذيرها هي وأمها أكثر من مرة.
وتم زواجهما.
وما إن أتى دور روني حتى صرخت في صوت عالي جعلت الجميع يصفق في حرارة من شدة حماسها:
" موافقة موافقة"
ثم ابتسمت ابتسامة عريضة ليزيد الذي انشرح قلبه يشعر بدقاته من فرحتها بوجوده وبكونه سيصبح زوجها وعليه قام وجذبها أمام جميع الحاضرين إلى صدره ثم حملها وطاف بها في منتصف القاعة ليخطفا الأجواء و الكاميرا ويسلط الضوء عليهما.
كانت أسيل تتجاهل ما يحدث تشعر أنها ستقوم بتحطيم الطاولة و الكراسي على رؤوس جميع الحاضرين فكانت تكبت غيظها بالضغط على يدها من آن لآخر تحت الطاولة كي لا تُلاحظ كما أنها لم تنظر إليهما مرة واحدة فكانت تتعمد في تعليق بصرها إلى زاوية أخرى غيرهما، هذان اللذان جذب الانتباه من الجميع بكل بساطة.
ما إن جاء دور هانيا حتى سكتت ولم ترد مما أخاف مجدي كثيرًا وجعله يتوتر فعاد عليها المأذون سؤاله مرة أخرى ففتحت فمها كي تتحدث ولكن سقط بصرها نحو ذلك الشخص الذي لم تتغافل عنه ابدًا، تعرفه إذا كان يسير بين ملايين، إنه حبيبها يقف ناظرًا إليها واضعًا يده في جيبه...
********
انا عمالة انزل بدري اهو عن المعاد، فمتنسوش
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت ولقاؤنا يوم السبت
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل السابع 7 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
اعملوا فوت على البارت دا مجرد تشجيع ليا ان البارت عجبكم علشان نكمل بدون فقدان شغف لاطول وقت ممكن😂
جاهزين؟؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل السابع [ هروب الفتاة]
سلمى خالد احمد
***********
" بص انا عايزة اقولك اني... مش عارفة اجبهالك ازاي والله بس.. احنا قرينا الفاتحة غلط"
رفع حاجبيه في استغراب و رد في تعجب:
_ مش فاهم حاجة؟ انتي عايزة تقولي ايه وضحي كلامك
_ اقصد ان اللي كان هيقرأ فاتحتي حد تاني غيرك حصل لخبطة.... بص انا كنت فكراك هو
_ والله؟ هو انتي مش عارفة شكله ولا ايه!! ولا انتي بتستهزأي بيا؟
_ خالص بس والله فعلا ماكنش المفروض يكون انت بس بقا انت فممكن انت تقول لبابا و نفسخ الخطوبة دي لانه انا قولتله وقالي لا
_ انتي شكلك عبيطة باين ولا ايه!!
_ صدقني دا اللي حصل و...
_ خلاص نكلم عمي في الموضوع دا نقوله بنتك عايزة تسبني علشان كانت فكراني واحد تاني وقرأت الفاتحة غلط و نشوف رأيه
_ لا لا بلاش بابا خالص بعد اذنك أصله مش هيسكت والله ولا...
_ بقولك ايه انا ورايا شغل وزي ما دخلت البيت بالمعروف هخرجه بالمعروف مع والدك اللي اداني كلمة لان اهلي وأهلك ادخله اما الهبل اللي انتي بتقوليه دا انا مش فاهم منه حاجة يلا عن اذنك ورايا شغل..
وبينما الجميع كان ينتظر ردها كانت هي شاردة تلوم نفسها لما لم تتصل به في مرة قبل ساعتها هذه وتخبره بما حدث وتخبره أن والدها اجبرها لينهي الأمر هو من جانبه ولكنها خشيت ردوده تلك التي كانت تتخيلها كلما راودتها فكرة الاتصال عليه واخباره، خافت من غضب والدها القاتم ومن عقابه الذي لن تنجو منه بسهولة لو فعلت ذلك واظهرت عنه تلك الصورة السيئة أمام الشيخ أو حتى أولاده.
كل ذلك كان يجول في خاطرها لا تسمع الاغاني المشتعلة في الارجاء و لم تلاحظ روني وفرحتها بيزيد عقب عقد القرآن كأنها في عالم آخر أو مكان آخر غير هؤلاء.
حتى عندما جاءت اللحظه الحاسمة كي توافق على الزواج سكتت إلى أن وقعت عيناها على حبيبها، تتخيل وقوفه هناك وهو يلومها على فعلتها، كيف لها أن توافق بغيره يصبح زوجها! لم يكن هناك بجسده ولكن روحه كانت تجول في المكان حولها تلومها و تذمها.
اتجهت الكاميرات نحو المكان الذي شردت به العروس فلم يكن سوى الحاضرين، وخرجت هي عن شرودها على صوت جياد وهو يهمس جانب أذنها:
" هانيا فيه إيه؟ ارجوكي الكاميرات كلها باصة علينا، ردي على المأذون سرحانة في إيه؟!"
التفتت إليه ثم إلى والدها فأحست برجفة يداه وجسده وتوتره الذي وصل إليها رأت الانكسار داخل عينيه وخجله من الجميع، يجلس منكس الرأس حاملًا الهم و أيقن من أنه حان الوقت لتسترد حقها منه أمام الجميع صارخة وهي تشير إليه هو ذلك الذي جبرني.
فصرخت في فرحة:
" موافقة"
لتفاجئ الجميع وتضع والدتها سريعًا يدها على قلبها تتنفس مرة أخرى بعدما توقفت أنفاسها لثواني.
ابتسم جياد ابتسامة عريضة ورجعت علامات الفرح تشكل ملامحه مرة أخرى بعدما سلبت منه تلك الفتاة روحه لوقت قدره دقائق معدودة.
ما إن صفق الجميع وبدأ المأذون يتابع بقية عمله، تلاقت عيناها الحزينة مع عيني والدها والذي شعر بالندم للحظة وأسرع يضمها إلى صدره هامسًا:
" أنا آسف "
فاجهشت بالبكاء بين ذراعي أخذ يربت على كتفيها واقتربت مايا منها سريعًا وأخذت تمسح لها دموعها وهي تتحدث في صوت خفيض:
" بس بس اهدي بوظتي الميك اب وبوظتي شكلك يا هانيا مش كدا"
اقتربت حليمة من أذن أختها الجالسة جوارها فاطيمة وهمست:
_ مالها دي؟
لترد عليها الأخرى في ابتسامة:
_ المدام الموقرة بتحب واحد تاني غير جياد
_ وحياة ربنا؟
_ والله، تالية قالتلي كدا
_ وفين تالية اصلا أنا مشفتهاش من أول ما جينا القاعة
_ قالتلي هنزل في آخر الفرح ابارك وامشي مش ناقصة حرقة دم
_ بجد فعلا البت دي بتحب غير جياد يا فاطيمة؟
_ اه والله تالية قالت كدا وقالت كمان ان بنتك أسيل عارفة
_ أسيل مقلتليش
_ يمكن مجاش في بالها، المهم قالتلي تالية أنها بتحب واحد في التيم معاهم وهما عارفين فواضح أوي إن الدموع دي و سكوتها كان تردد وخوف لان شكلها كدا يا مجبورة يا أما زنوا على ودنها كتير فضغطوا عليها زي ما انتي ما عملتي مع بنتك أسيل
_ وطبعا مش هتتفهم كدا، هتتفهم انها كانت بتهزر مع العريس وعملت حركة سخيفة زيها كأنها هترفض وبتاع وبعدها صرخت وهي فاتحة بؤها شبرين والضحكة من هنا لهنا تقول موافقة، و الدموع بتدل على إنها بنت رقيقة بتعيط في حضن أبوها وكيوت موت علشان هتتجوز بقا و هتسيبه وكدا وخطفوا الأضواء بنات مجدي وأنا بنتي قاعدة زي خبيتها.
_ طبعا، عرفت تنقذ الموقف في آخر لحظة
_ وماله الجيات اكتر يا بنات مجدي السَّلّاب و حورية
أنهت كلامها بنظرة إلى حورية و مجدي لخصت كل ما تحمله تجاههما من غل وحقد وهي تراهما في غاية سعادتهما بزواج بناتهم من أولاد الشيخ عبدالله الزيني.
اتجهوا حيث الرقص [ slow ]
حين بدأت لحظة الرقص السولو، امتلأت القاعة بأنغامٍ تتناغم مع نبض القلوب، وبدأ كل ثنائي في التعبير عن مشاعره عبر الحركة والنظرات.
كان حسان ثابت الخطى، خطواته محسوبة بعناية، ويداه تمسكان بأسيل برقة واهتمام.
نظراته كانت صافية، تنطق بالحب والحنان والطيبة التي يعرفها كل من حوله،
أما أسيل، فكانت تراقصه بعينين هادئتين، تحملان وقارها الطبيعي،
لكن داخلهما كان قلبان ينبضان بحزن داخلي وقهر صامت
كأن كل حركة منهما تقول: "أنا هنا ولكني لست هنا لأجلك."
أما روني ويزيد فكانا ثنائيًا كامل الانسجام، حيويتهما وبهجتهما تملأ المكان.
روني تمشي برشاقة، فستانها ينساب معها بانسيابية، وابتسامتها مشرقة لا تخفي فرحتها العارمة،
أما يزيد، فخطواته متزنة وواثقة، ينظر إليها بعينين تلمعان بالفخر والحب،
ونظراتهما تتبادل إشارات سرية من فرح وحماس،
كأنهما يحكيان قصة حب صغيرها المكبر في هذا المشهد الكبير.
واخيرًا هانيا وجياد فكانا أكثر وقارًا وثباتًا، خطواتهما محسوبة، لكنها تنطق بالرصانة والجمال.
جياد يمسك هانيا برفق، عينيه مركّزة على كل حركة منها،
أما هانيا، رغم الحزن الخفي خلف عينيها، فقد حاولت أن تُظهر توازنها،
نظراتهما كانت متبادلة بعمق، صامتة لكنها مليئة بالشعور، عيناه تخبرها
"حتى وسط كل هذا الزحام والفخامة، لا أرى غيرك."
بينما عيناها تخبره بالعكس تمامًا
" وسط كل الزحام و الفخامه فأنا لا أراك لأنك لا شيء بالنسبة لي"
كانت القاعة كلها تراقب كل ثنائي، كل نظرة، كل حركة،
وكل ثنائي يعكس توازنه الخاص
لتتحول لحظة الرقص إلى لوحة حية من المشاعر، تتحدث دون كلمات، وتترك أثرها في كل الحاضرين.
تحدثت كاميليا إلى ماهي متعجبة:
_ هو أنا بس اللي حاسة ان هانيا مش مبسوطة أو فيها حاجة غلط؟
_ هي هانيا بس؟ ما أسيل زي البومة هي كمان أهي مش عارفة مالهم!
حقيقي مفيش غير روني اللي عاملة بهجة فيهم.
تقدم منهما أمجد وكاد أن يطلب من ماهي رقصة ولكنه لاحظ وجود كاميليا بجانبها وتذكر جيدًا ما قالته له آخر مرة، فتوقف وهو يختلس النظرات نحو ماهي والتي يود أن يسرع جهتها يحتضنها و يغازلها من شدة جمالها.
تماسك وعاد إلى نقطة الصفر مرة أخرى فقد انطفأ بعدما كان في كامل شغفه لذلك الزفاف كي يراقصها ويتأمل جمالها لمدة طويلة من الوقت.
تنهد وحاول أن يطلب تلك الرقصة من كاميليا ولكنه شعر بالقرف فهي لا تمثل له أي شيء سوى أنها ابنة خاله وحسب وعليه تراجع وانصرف.
وكان باسم جالسًا في أحد أركان القاعة، لكنه لم يكن جالسًا على راحته أبدًا.
منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها روني، شعر بأن قلبه يتقلب، وعقله مشوش.
كل ضحكة منها، كل حركة خفيفة، كل قربها من يزيد، كان يزرع في داخله شعورًا بالغيظ والاضطراب، شعور يشبه النار تكوي أعصابه.
حاول أن يضبط نفسه، أن يجلس بهدوء، لكن جسده كله كان مشدودًا، كأن كل أليافه تتوتر مع كل ابتسامة منها.
عيناه تراقبانها بلا انقطاع، رغم أنه يعرف أنه لا يحق له التدخل، ولا حتى التعبير عن ما يشعر به.
كل مرة يقترب فيها يزيد منها، كان باسم يشعر بغصة غريبة، خليط من الغيظ والغيرة والعجز، فتزداد ضربات قلبه سرعة، ويصبح كل ما يراه أشبه بلسعة كهرباء.
حاول أن يسيطر على نفسه، حتى أنه أخذ نفسًا عميقًا مرات عدة،
لكن صوته الداخلي كان يصرخ:
"كيف تسمحين لنفسكِ بالضحك معه وقربه منكِ؟"
كان هادئًا في الظاهر، لكنه في داخله سيجن من مشاعر متناقضة، من حب لم يُترجم، ومن شعور بالغيرة لا يستطيع الإفصاح عنه.
كل ثانية تمر تزيد من توتره، وتجعله يزداد صراعًا بين العقل والوجدان.
اخرج علبة السجائر الخاصة به ولكنه تذكر أن هنا غير مسموح بالتدخين فتمتم ساخرًا:
" دلوقتي تطلع لي نادية من تحت الأرض تقولي ممنوع التدخين "
نهض من مكانه بعدما حاول كثيرًا السيطرة على نفسه ولكن كل محاولاته باءت بالفشل وعليه خرج من القاعة في سرعة قبل أن يجن جنونه.
اشتعلت الأغاني و بالأخص المهرجانات في الأرجاء، ونهضت السيدات كي يرقصن معًا والرجال أيضًا.
كانت روني تقف في منتصف دائرة مكونة من السيدات ترقص في فرحة و الضحكة لا تفارقها، تقفز في فرحة مرات متتالية وتشارك الجميع فرحتها
فحين نزلت روني إلى أرضية الرقص، كان حضورها يشع بالحياة والبهجة، وكأن كل خطوة منها تُضيف إشراقة للقاعة بأكملها.
فستانها، المصمم بلون دافئ يتماوج مع الإضاءة، انساب على حركتها بانسيابية مذهلة، يبرز رشاقتها ويعطي كل حركة انسيابًا وجاذبية.
شعرها كان يلمع تحت الأضواء، يتحرك بخفة مع كل دوران، وابتسامتها العريضة لم تفارق وجهها، تنطق بالفرح والحرية والبهجة الطاغية.
عيناها كانت تتلألأان بالحماس، تنقل مشاعرها مباشرة للحاضرين، وكأنها تقول:
"أنا هنا، أفرح، أعيش اللحظة، وأستمتع بما حولي."
كل حركة من حركات رقصها كانت متناغمة، متقنة، ومليئة بالحيوية،
أشعلت الطاقة في القاعة، وجعلت الجميع يلتفت إليها، يتابع كل خطوة، كل دوران، وكل ابتسامة.
كانت بحق النجمة المتألقة على أرضية الرقص، رمز الفرح والحرية، وجاذبية لا يمكن تجاهلها.
وما إن لاحظ يزيد أن الأجواء مسلطة على زوجته حتى تدخل وبدأ يطلب منها أن تكف عن ذلك ولكنها كانت ترقص مستمرة رغم كلامه فكان يطلب منها في هدوء مرة ومرة أخرى يأخذها من يدها ويجلسها في مكانها ولكنها كانت تصفق وترقص وهي جالسة حتى يمشي فتعود إلى الدائرة مرة أخرى
وكان هو مشغولًا بالرقص مع أصحابه و أحبابه، وبدأ شباب عائلة الزيني في الرقص معًا
فكان فاتح يمسك بيد كلًا من يزيد وحسان بينما يزيد يمسك بيد حسان وجياد وكذلك حسان يمسك بيد جياد ويزيد، يرقصون معًا في فرحة قد وصلت للجميع.
أما والدهم فكان يراهم أثناء جلوسه شامخًا في شاشات العرض فيضحك قلبه قبل شفتيه وهو يرى تلك الفرحة تشق طريق أولاده الأربعة.
وترك الجميع مسافة لفاتح الذي توسطهم هو و يزيد وأخذا يرقصان معًا رقص شبابي
فوقفت روني تطلع إليه في ابتسامة عريضة وتحدثت وهي تجذب يد أختها مايا:
_ بصي بصي يزيد وفاتح بيعقبوا واوبا بقا الوقار في ذمة الله
لتضحك مايا وترد عليها:
_ فاتح دا أصلا رقاصة.
وبعد قليل نزل جياد معهما وأخذ يرقص مثلهما، ثم تابعه أمجد ثم حسان والذي كان يبدو عليه بعض الخجل فلم يكن مثل أخواته.
أما باسم فقد كان يراقب الأجواء يمثل الضحكة و يصفق ولم يغفل عن يزيد و فرحته تلك التي كانت تصعقه في قلبه ولكنه رغم ذلك يبتسم حتى فاجأه يزيد وهو يسحبه من بين الجميع ليرقص معهم فلم يمانع وأمسك في يده يرقص معه يضحك في وجهه وداخله بركان.
اقتربت حليمة من أسيل وتحدثت في ضيق:
_ هتفضلي قاعدة زي البومة كدا و سايبة الحرباية دي واقفة عمالة ترقص! عايزة اي حركة بعد كدا تعمليها الكل يلاحظها ويقول ماهي كانت مبلمة طول الفرح وكأنها مخصوبة!
هتعملي زي هانيا؟ طب دي احنا هنولع الدنيا وهنقومها عليها ما هنقعدها عايزة الناس تقول ماهي كمان أسيل كانت مدايقة؟
زفرت في ضيق وردت:
_ عايزة إيه يا ماما؟ عايزاني أرقص؟
حاضر
نهضت الفتاة واسرعت نحو الدائرة الخاصة بالنساء وتصنعت الضحكات ودخلت كي ترقص فوجدت روني لازالت ترقص فقادها غرورها بأن ترقص أمامها فهي ماهرة في الرقص وبتلك الطريقة تكيدها وتخطف منها الأنظار.
وبدأت أسيل في الرقص بحركات جميلة متناسقة جعلت الناس تلتفت لها بينما روني ادهشتها عندما كانت ترقص هي الأخرى في ثقة وبشكل رائع وكانت المنافسة شديدة للغاية والسيدات يشاهدن.
أمالت عبير برأسها في تلك الأثناء نحو زوجها الشيخ عبدالله وتحدثت:
_ هي اللي اسمها هانيا دي مالها؟ قاعدة مبوزة ليه وكل اللي يجي يشدها تقوم ترقص ترفض بقرف وشايلة الحزن!
هي مش شايفة روني و أسيل عاملين ايه؟
تنهد ورد:
_ ماهو الفرحة مش بالرقص يا عبير جايز هي بتتكسف او مش بتعرف ترقص فمش عايزة تقوم وتكسف نفسها قصاد البنات!
_ وشها مبلم والله طاقة مقرفة جيالي منها
انتبه إلى ضيفه الذي أتى يبارك له منشغلًا عنها، بينما هي كانت ولا تزال معلقة بصرها على هانيا.
وكانت هانيا تجلس وعيناها معلقة على الشباب وهم يرقصون، وابتسمت فجأة ما إن تخيلت أن حبيبها وهو الذي يرقص بينهم بدلًا من جياد تتخيل أن ذلك رفافهما، زفاف[ شهاب و هانيا] لا [ جياد و هانيا] ولكن سرعان ما تفيق على الواقع.... إنه جياد لا شهاب، فتختفي البسمة.
" الف مبروك وربنا يتمم على خير "
التفتت إلى ذلك الصوت في سرعة لتجد تالية تقف أمامها وهي تمد لها يدها تنتظر مصافحتها.
واختارت تالية فستانًا متقنًا التصميم، ينساب بانسيابية على جسدها، لون غني يبرز جمالها دون مبالغة، مع لمسات دقيقة من التطريز أو اللمعان الخفيف عند الصدر والخصر، ليكمل شكلها المثالي.
شعرها مصفف بعناية، مكياجها متقن، يبرز ملامح وجهها ويعكس جاذبية طبيعية متوازنة، كأن كل تفاصيلها مصممة لتظهر في أفضل صورة أمام الجميع.
مع كل خطوة تخطوها، كان حضورها يملأ المكان بهدوء، يلفت الأنظار دون صخب، ويُبرز أنها مهيأة، مرتبة، ومستعدة لتكون جزءًا من الحدث الكبير.
كانت حقًا رمزًا للأناقة والرقي في هذا الزفاف، بجانب كل العائلات والحضور الفخم.
ابتسمت هانيا ابتسامة صغيرة ومدت يدها لها وردت:
_ شكرا
ابتسمت لها تالية ثم ولت لها ظهرها وسرعان ما اختفت الابتسامة ليظهر وجهها الحقيقي الغاضب الساخط.
واتجهت نحو السيدات اللاتي يرقصن فوجدت من بينهن كاميليا وماهي و روني ومايا و أسيل ورهف.
أغتلست بعض النظرات من جياد وهي تنظر إليه في حسرة وتمتمت:
" ازاي قدرت تفرط فيا! وفرحان وانت متجوز غيري وقاعد بترقص كمان؟!"
ولكن ما إن رأت الكاميرا و الأضواء مسلطة جهتها حتى تصنعت سريعًا البسمة وانضمت إلى الفتيات تشاركن الرقص.
********
" علشان خاطري كل لقمة، هيغمى عليك من قلة الأكل بقالك يومين مش بتاكل من ساعة ما عرفت إن المحروقة دي هتتجوز جياد... انساها يا ابني وارحم نفسك هو أيه اللي قطعها مقطعش غيرها؟"
كانت والدته تتحدث وهي تحمل الطعام ناظرة إليه وهو ملقي على السرير شاردًا في نقطة واحدة لا يرد ولا يحرك ساكنًا.
ومن ثم أخذت تبكي على تلك الحالة التي وصل لها ابنها واتجهت نحو الخروج وهي تنادي :
" يا وعد يا شاهندا انتوا فين "
كان شهاب مرميًا على سريره، جسده كأنه لم يعد ملكًا له، وقد فقد الرغبة في كل شيء، منذ يومين لم يلمس الطعام، ولم يهتم لأي شيء حوله.
أما اليوم، فكان الألم يشتد في قلبه، كأنه جمر يحرق صدره، فاليوم هو يوم زفاف هانيا و جياد، اليوم ستزف حبيبته و قطعة من قبله لغيره، اليوم استسلمت هانيا و باعته وباعت قلبه بثمن بخس جنيهات معدودة يملكها جياد استطاع بهم أن ينسيها أياه، المال قد أنساها أحلامهما وآمالهما التي تبخرت في لحظة بسببها.
عيناه كانت غارقة في فراغ الغرفة، لا ترى شيئًا، والدموع تتجمع على أطرافها، لكنه لا يستطيع أن يبكي كما يريد، فقد كان جرحه أكبر من أن يسمح للدموع بالخروج.
يده تتشابك مع الغطاء بعنف، يحاول أن يجد شيئًا يمسك به، شيئًا يعيد له شعور السيطرة، لكنه لا يجد سوى فراغ يزيد من وجعه وحنينه.
قلبه كان ينبض ببطء وثقل، كل خفقة مليئة بالأسى والحسرة، كأن الزمن قد توقف عند لحظة خسارته لحنانها،وفمه مشدود، لا كلمات تخرج، إلا صدى الألم الذي يملأ صمت الغرفة.
كل شيء حوله أصبح رمادًا، حتى الهواء الذي يتنفسه يبدو مشبعًا باللوعة، وكل شيء يذكره بأنها ليست له بعد الآن.
كان وحيدًا في صمته، يحدق في السقف بلا معنى، وكل نبضة قلب تتساقط مع الألم، تقطع روحه كما لو أن جزءًا منه مات مع فرحتها مع غيره.
دخلت أمه ومعها أختاه، اقتربت منه وعد في سرعة وتحدثت وهي تضع يدها على نبضه:
_ ماما، شهاب ضغطه واطي
_ ما لازم مش بياكل خالص، اعمل إيه بس ياربي اعمل إيه في المصيبة دي أنا دلوقتي
فردت الأخرى:
_ هروح انادي على دكتور أشرف جارنا يقيس له الضغط و يطمنا عليه أو حتى يقولنا نعمل معاه إيه
هزت لها رأسها بالقبول في سرعة وردت:
_ جري يا شاهندا متتأخريش
ركضت الفتاة بينما أمه واخته الأخرى وعد ظلتا بجانبه.
********
انهى الحفل وبدأ الجميع يباركون ثم ينصرفون.
وكانت السيارات الثلاثة التي بداخلهم العرائس تسير في الصفوف المتوسطة بينما تسبقهم سيارات و تسير خلفهم سيارات أخرى تحمل العائلة و الأصحاب و يسيرون في ضجة لزفاف سيكتب عنه العالم.
وبعد قليل وصلت السيارات القصر وخرج كل عريس قبل عروسته يفتح لها الباب و يساعدها في النزول.
وأصوات الزغاريد تملأ الأجواء، دخلوا بهو القصر وطلبت حليمة من الخادمات أن يطلقن زغاريد كثيرة متتالية حتى تدخل ابنتها غرفتها، ثم أخذت تجول في المكان ترى أي غرف لهاتين الفتاتين.
دخلت أسيل الغرفة وتبعها حسان والذي قام بإغلاق الباب في ابتسامة ثم أخذ يعدل نظارته.
وتحدث في ابتسامة عريضة:
_ ن...نورتي بيتك يا عروسة
لم تلتفت له بل ظلت كما هي تعطي له ظهرها.
اقترب منها في هدوء ثم وضع يده على أحد كتفيها وتابع:
_ أنا... أنا فرحان أوي يا أسيل مش قادر اتخيل إننا خلاص بقينا لوحدنا في اوضة واحدة... وانتي كمان صح؟
ابتلعت تلك الحقيقة مرة المذاق وهي تغمض عيناها تؤكد لنفسها أن هذا هو زوجها وهذا هو وضعها فلا مفر.
والتفتت إليه في ابتسامة جاهدت في أن تتصنعها وردت:
_ اليوم كان طويل اوي وكان ضغط علينا دا غير إن كمان بقالنا أسبوع مش بنام علشان بنجهز لليوم دا... فأنا حقيقي مجهدة يا حسان ومحتاجة أنام.
ولم تنتظر رده حتى فانهت كلامها معه بتلك الطريقة ثم اتجهت نحو المرآة، ونزعت تلك الطرحة البيضاء الشفافة ثم اتجهت نحو دولابها أخرجت منامة تشبه المنامات التي كانت ترتديها في منزل والدها
وما إن رأته متضايق ينظر إلى ما تفعله حتى ابتسمت ابتسامة باطنها السخرية و ظاهرها ابتسامة عادية بالنسبة لشخص طيب القلب مثله،ودخلت الخلاء وغلقت الباب
كان يقف لا يعرف ماذا عليه أن يفعل الآن ولكنه تمتم:
" ماشي... كان يوم طويل فعلا، وكانت أيام ورى بعض مرهقة، احنا فعلا محتاجين ننام هي معاها حق"
وفتح يزيد باب غرفته وأشار بيده لروني كي تدخل وهو يقول:
_ اتفضلي يا ملكة ادخلي مملكتك
ابتسمت واماءت له برأسها وهي تدخل وردت:
_ امرك جلالة الملك
وما إن دخلت حتى غلق الباب وأسرع جهتها دفعها بيده لتسقط على السرير واعتلاها بجسده، نظرت إليه في توتر وردت:
_ انت مستعجل ليه؟ طب اغير الفستان حتى؟
تحدث وهو يتمعن النظر إليها وإلى ملامحها وبالاخص عيناها:
_ بقالي سنة ونص نفسي اطولك بس كبريائي كان منعني... أنا صبرت كتير وجيت على نفسي، كنت صابر متحمل غباوتك و استفزازك ليا وطريقتك اللي كانت بتولع في قلبي حب و اشتياق، و دلوقتي قوليلي وانتي بين ايديا كدا لسه عندك طاقة تانية تشاغبي فيا و تستفزيني؟ خلاص الموضوع انتهى وبقيتي مراتي، فاهمة يعني ايه مراتي!
رفعت أحد حاجبيها وردت عليه:
_ أنا ملفتش انتباهي غير كلمة واحدة وهي وانت بتقولي فضلت مستحمل غباوتي! غباوتي! انا غبية يا يزيد؟
هز رأسه مؤكدًا و اضاف:
_ و مستفزة
_ والله؟ على أساس انت بقا كنت إيه؟ لو انت كنت مستحمل غباوتي وجاي على نفسك أوي كدا فأنا كمان كنت مستحملة رخامتك و رزالتك وتقلك اللي كان اوفر اوي بجد و مصطنع كدا، تحسه تقل منافقين بوشين، أما انت بتحب مش بتقول ليه؟ راجل غتت صح!
_ كل دا يا عيني كنتي مستحملاه وساكتة؟
_ أيوا زي ما طول عمري بستحمل وزي ما مستحملة تقلك دا كله عليا دلوقتي وأنا مش قادرة اخد نفسي، قوم كدا
تزامن مع نطقها تلك الجملة دفعه بعيدًا عنها، فابتعد وهو يبتسم وقال:
_ على فكرة مش زقتك دي اللي قومتني، أنا قمت بمزاجي
_ أقعد لنا في حتة بقا
_ كدا يعني!
هزت رأسها مؤكدة، ثم اتجهت نحو المرآة تفك تسريحة شعرها، فاقترب منها محتضًا إياها من ظهرها وتحدث وهو ينظر إليها في المرآة:
_ ودليل على إنك مستفزة اوي بقا النهاردة، عمال أقعد فيكي و ارميكي على الكوشة ويدوب أروح أرقص الاقيكي قمتي تاني، كان المفروض اعمل إيه بقا اربطك في الكرسي؟
رفعت كتفيها في لا مبالاة وردت:
_ طب ما أنا كمان عايزة أرقص اشمعنى أنت يعني؟ وبعدين دا فرحي لو ماكنتش هرقص وافرح في فرحي هعمل كدا امتى؟
ابتعد عنها ورد وهو يقترب نحو الخزانة:
_ جبت وجع الدماغ لحد عندي في الاوضة بجد مش عارف إيه الغباء دا! اهو كنت مستحمل الاستفزاز دا مرة ولا مرتين كل كام يوم في الشركة وقضيت!
التفتت إليه وردت:
_ لو ماكنتش بتحبني ماكنتش حفيت عليا يا حبيبي
رد ساخرًا:
_ حفيت إيه؟ دا هي وجبة غدا خلصت الموضوع، لسه بقولك إيه رأيك الفرح يكون يوم الجم، مكلمتهاش حتى لقيتك بتقولي والله فكرة حلوة أنا موافقة
ضحكت وردت:
_ قولت اريحك من الحرب النفسية الباردة اللي كنت داخلها طالما استسلمت ورفعت الراية البيضا وقولتلي بحبك و استنيت قبول مني إذا كنت هوافق تكون زوج ليا ولا لا، ولا نسيت؟
_ افتكرت اليوم دا... مش دا اليوم اللي وقعتي فيه من طولك علشان قولتلك بحبك؟
_ ماشي يا يزيد بكرة نشوف مين هيقع من طوله علشان التاني
اطرق برهة ثم رد:
_ لا توقعي من طولك ولا أقع من طولي كفاية بقا، انتي خلاص بقيتي في مملكتي، و استفزازك دا هيلاقيله آخر
_ في اليوم الآخر يا حبيبي ان شاء الله
_ مستفزة يا مستفزة
اتجهت نحوه ثم طبعت قبلة صغيرة على خده الأيمن وردت في ابتسامة:
_ روق
ابتسم واتجه نحو المرآة ينظر إلى مكان القُبلة على خده في فرحة ورد:
_ تصدقي الجواز دا حلو اوي، كانت فين البوسة دي من زمان! بوسة زي دي كانت ممكن تخليني استحمل ضغط يومين شغل متواصلين من غير صياح
_ كل دا وتقولي إن أنا اللي واقعة! دا انت ميت، انت مجتش يا حبيبي
استدار لها ورد:
_ طب تعالي اوريكي الميت دا اللي مجاش هيعمل فيكي إيه
ما إن قالها حتى ركض خلفها، كانت تضحك وهي تجري منه تلاعبه.
********
قبل دخول الطبيب إليه، كان نائمًا مثلما هو شاردًا وتذكر:
قبل يومين في شركة الزيني
دخل شهاب إلى مجدي وتحدث:
_ اسف إني جتلك من غير معاد، بس اللي أنا عايز اتكلم فيه مهم وحاولت كتير اجيلك علشان نتكلم بس للأسف دايما ماكنتش بلاقيك
_ انت بقا شهاب مظهر؟
هز رأسه مؤكدًا ثم جلس وتحدث:
_ ممكن افهم حضرتك رفضت تجوني هانيا ليه؟ أنا هجيب كل اللي تحتاجوه والله انت بس اؤمر وانا هنفذ و....
قاطعه قائلًا في تأكيد:
_ هانيا فرحها يوم الجمعة الجاية، يعني كلها يومين
ذُهل عقل الشاب لا يصدق ما يقوله ذلك الرجل، فهو يكذب عليه ورد:
_ مستحيل
_ لا مش مستحيل ولا حاجة، بنتي هانيا فعلا فرحها كمان يومين على جياد الزيني
كادت الصدمة أن تقتله من هولها وصاح في ضجر:
_ مستحيل انتوا أكيد غصبتوها على الجواز دا
ضرب السلاب بيده على الطاولة ونهض صارخًا:
_ صوتك ميعلاش في مكتبي انت سامع؟ والا هطردك برا.... جياد أتقدم لهانيا وهانيا وافقت بيه لأنها شافته أفضل منك ومعاه فلوس عنك و هيعيشها ملكة في قصره مع أخواتها مايا و روني وحسمت أمرها واختارت لنفسها زوج أفضل ودا من حقها ومش عايزة ترد عليك ولا تكلمك علشان نفسيتك ولأن معندهاش حاجة تقولهالك فلو سمحت بقا احفظ الباقي من كرامتك وابعد عن بنتي تماما وعن أي حاجة تخصها.
كان ينظر إليه بعينين أسرت دموعه بداخلهما، جسده يرتجف و قدماه لا تحمله من هول الصدمات المتتالية فوق رأسه ولكن رغم ذلك هز رأسه رافضًا وهو يتمتم:
" مستحيل.... مستحيل هانيا مستحيل..... مستحيل تعمل فيا كدا مستحيل"
وخرج عن شروده على صوت الطبيب وهو يقول:
_ انت معايا ولا فين؟
لازم تاكل يا شهاب ضغطك واطي جدا
فردت والدته:
_ مش راضي يا دكتور بقالنا يومين بنتحايل عليه كان الأول بياكل بسيط بس النهاردة اتمنّع خالص زي ما انت شايف وبقا هزيل ومرمي على السرير
_ كدا هضطر اعلق له محاليل
_ أي حاجة يا دكتور المهم يبقى كويس
********
كان يقف لا يعرف من أين يبدأ وكيف، فقط ينظر إليها وهي تنظر إلى نفسها في المرآة تحاول أن تصدق أن ذلك أصبح زوجها.
ابتسم قاطعًا ذلك الصمت وهو يقول:
_ أنا بقول تغيري الفستان ونتعشا مع بعض، اليوم كان طويل و مرهق
التفتت إليه واقتربت نحو السرير وردت:
_ أنا هنام تعبانة و نعسانة واديك قلت اليوم كان طويل و مرهق
رد في عدم تصديق:
_ هتنامي؟
_ آه
_ آه؟
_ ايوا مالك في إيه؟
_ مالي فيه إيه؟
_ مالك قلبت بغبغان كدا ليه؟
_ يعني مستغرب ازاي هتنامي يعني؟ النهاردة إيه؟
_ النهاردة الجمعة...إيه اجازة من النوم ولا إيه؟
_ مش قصدي النهاردة يوم إيه، اقصد النهاردة مناسبة إيه؟ النهاردة كان فرحنا ودي أول ليلة لينا وانتي بتقوليلي هنام؟
_ اه يا جياد هنام علشان تعبانة عندك مانع؟
كانت تلك آخر جملة نطقت بها قبل أن تلقي بنفسها فوق السرير تدعي أنها نامت، أخذ زفيرًا طويلًا ورد:
_ طب غيري الفستان الأول مش معقولة هتنامي بيه كمان يعني!
_ لا عاجبني وهنام بيه
ينظر إليها في غيظ مكتوم وضيق عارم وتمتم:
" نامي بيه يكش تفطسي وانتي نايمة "
أخذ يسير في أرجاء الغرفة لا يستطيع النوم واليوم هو أول يوم له مع حبيبته تلك التي نامت غير آبهة لأي شيء، كان من بين الحين و الآخر يفرك جانب ذقته تارة وتارة أخرى يفرك جبينه.
وعقب مرور وقت بدل ثيابه بمنامة وجلس على السرير ينظر إلى ملامح وجهها متبسمًا وفي هدوء مرر أنامله على خدها الأيمن فقد كانت نائمة على الجانب الأيسر لذا لم يكن أمامه سوى ذلك الخد.
أحست به لذا أبعدت يده عنها وذلك عندما ابتعدت قليلًا بوجهها ثم وضعت الوسادة عليه، مما ضايقه أكثر فأكثر ونهض في غضب مبتعدًا عنها.
ودقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فأبعدت هانيا الوسادة من على وجهها وأخذت تنظر بعينيها في أركان الغرفة فوجدته نائمًا جوارها وعليه ابتسمت ونهضت وأخذت تسير في هدوء على أطراف أناملها ثم فتحت باب الغرفة في هدوء أيضًا ونزلت السلم في سرعة حذرة وهي ترفع طرفي فستانها كي لا تقع.
وما إن نزلت حتى أخذت تنظر يمينًا و يسارًا تتأكد إذا أحد منهم يراها، ولما تأكدت أن الأمور جيدة، اتجهت نحو الخروج فسألها الحارس:
_ رايحة فين يا هانم؟ الساعة متأخرة جدا دلوقتي!
_ رايحة... رايحة لماما، ماما تعبت شوية
_ طب نوصلك؟
_ لا شكرا، معايا عربيتي
أنهت كلامها وخرجت ولكن الحارس لم يكن مطمئن لفعلها وعليه حسم أمره يجب أن يخبر زوجها.
ركبت سيارة الأجرة خائفة ولكن وجود جياد بجانبها كان يخوفها أكثر فهي لن تقبل آخر يلمسها.
ارتفعت أطراف الفستان حولها كغيمة ممزقة، والطرحة ملتوية على كتفها، كأنها شهدت معركتها الأخيرة قبل الهروب. كانت أنفاسها متلاحقة؛ يداها ترتجفان، ودموعٌ ساخنة تنزل بلا صوت على وجنتيها المصبوغتين ببقايا مكياج تلاشى تحت الضغط.
السائق كان يُلقي نظرات متقطعة في المرآة، بين صدمة وفضول، لكنه لم يجرؤ على سؤالها. هي ذاتها لم تكن قادرة على الكلام؛ كل ما استطاعت فعله هو أن تضغط على هاتفها، تبحث عن عنوان شهاب وكأن الأرقام نفسها تطمئنها بأنها تتجه نحو الشيء الوحيد الذي بقي مألوفًا في حياتها.
كان قلبها يخبط داخل صدرها كطائر محبوس.
هربت.
تركت كل شيء خلفها.
فستان زفافها يلتصق بجسدها كذكرى يجب أن تُنسى سريعًا.
المدينة حولها تبدو كأنها تراقبها بصمت…
أضواء الشوارع تمرّ على وجهها كشرائط ضوء تكشف ارتجافها مرة، وثباتها مرة أخرى.
وهي تمسح دموعها بطرف الطرحة، لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها عند باب شهاب، ولم تكن متأكدة إن كان سيستقبلها بصدْرٍ مفتوح… أم دهشة قاتلة.
لكن الشيء الوحيد الذي كانت تُقسم عليه في تلك اللحظة أنها لن تعود.
لن تُسلّم نفسها لقدرٍ لم تختره.
وأنها—مهما كلّف الأمر—ستذهب إليه… إلى شهاب،
الوحيد الذي شعرت معه أن قلبها لا يحتاج أن يختبئ.
كان غارقًا في نومه أثر التعب و الإرهاق وقلة الطعام، واستيقظ حينما رأى أقبح كابوس يمكن أن يراه في حياته، رجل آخر يقترب من حبيبته، رجل آخر سرق أحلامه، رجل آخر سيعيش أحلامه، رجل آخر سلب منه حياته، وعليه استيقظ صارخًا، فنهضت أمه في رعب قائلة:
" إيه بتصوت ليه اسم الله عليك "
أبعد عن يده ذلك المحلول وهو يصيح:
_ هانيا مفيش حد هيلمس هانيا غيري، مفيش حد يحق له يقرب من هانيا غيري، مش لازم ابقى نايم كدا لازم اعمل حاجة لازم
نهض وكاد أن يسقط مرة أخرى محله ولكن والدته كانت تسنده وهي تصرخ باسم اخواته.
دفعت للرجل ثم غلقت باب السيارة ورفعت طرفي فستانها وأخذت تجري ...تجري متحررة ..تجرى هاربة.. تجري تاركة كل شيء خلفها تجري بلا خوف بلا قيود وبلا مسؤولية أيضًا.
تجري بفستانها الأبيض وقد تقصدت ألا تبدله كي يراها حبيبها به لتقول له ها أنا بفستاني الابيض بليلتي لك أنت وحسب.
وعندما لامست قدماها أوّل البلاط البارد في ذلك الشارع الطويل، شعرت كأن العالم اتسع فجأة ليتحمّل ركضها. الهواء كان يصفع وجهها، لكن الصفعة جاءت حيّة… أعادت لها تنفّسها، كأنها أول شهيق حقيقي تأخذه منذ شهور.
كانت تركض والفستان يتطاير خلفها مثل جناحين انفكّا للتوّ من سجن.
طرحتها تضرب كتفها مع كل خطوة، وصوت حذائها الخفيف فوق الأرض يرنّ كنبض مسموع.
الشارع ضيّق، هادئ، مظلم في معظم أجزائه…
لكنها كانت ترى النهاية واضحة.
هناك في آخره… بيته.
ركضت وهي لا تلتفت.
لم تنظر خلفها ولو لحظة.
كانت تشعر أن كل مخاوفها تسقط من جسدها واحدًا تلو الآخر، كخطايا تُغسَل مع كل خطوة.
كأنها تفرّ من نسخة قديمة منها إلى نسخة أخرى لم تولد بعد.
نسائم الليل تُبرد عرقها، ودموعها تجف قبل أن تسقط،
والفستان—رغم ثقله—صار خفيفًا…
خفيفًا كأنها لم تعد ترتديه، بل ترتدي حريتها.
كلما اقتربت من آخر الشارع، تسارعت خطوتها أكثر.
قلبها يدقّ ليس خوفًا هذه المرة، بل توقًا…
توقًا للوصول، للنجاة، للفهم، لشيء يشبه الحياة.
الشارع بدا كأنه يفتح ذراعيه لها،
كأنه يقول لها: اركضي… بقي قليل. بقي خطوة. بقي باب واحد.
وهي تركض وكأنها ستصل إليه أخيرًا،
إليه…
إلى شهاب.
وقفت تلتقط أنفاسها أمام منزله ورفعت يدها كي تطرق بابه
وعلى الجانب الآخر قد وقفت سيارة جياد في منتصف الشارع نظرًا إلى ضيقه فلم يستطع أن يكمل بالسيارة أكثر، غلق الباب وركض سريعًا وداخل عيناه الغضب القاتم لو رآها لقتلها...
********
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت
لقاؤنا يوم الجمعه
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثامن 8 - بقلم Salma Khaled
بصوا الرواية دي وعد مني هتطلع اجمل و احسن مما تتوقعوا هي عبارة عن شوية احداث حصلت الفترة اللي فاتت وانا جمعتها في شكل رواية يعني هي قصص حقيقية واكتر قصة فيهم لسه حاصلة من قريب.
القصة جميلة و خاطفة للانفاس بس عايزة صبر حبة علشان تقدروا تفهموا الدنيا اكتر ودا لان شخصياتها كتير وكلهم ذو أهمية.
اللي قال رتمها سريع فقدام هيفهم ليه انا مسرعة حاليا في أحداث حصلت مش هتعرفوها دلوقتي
اللي قال جميلة و مستنيها وعايز اكتر من يومين صعب جدا لاني مرتبطة بشغل غير ترويج ليها
اخيرا بلاش تصدروا أحكام دلوقتي وتابعوا معايا واحدة واحدة واوعدكم بمفاجأت على البال ولا الخاطر.
الرواية تقيلة اوي اوي ومليانة صراعات و أحداث و اسرار المطلوب منك فقط احبس انفاسك و استمتع.
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثامن[ إلى أين ؟]
سلمي خالد احمد
********
طرق جياد في عنف وغضب باب منزل شهاب مرات متتالية كي يجيب، فتحت شاهندا في سرعة وهي تقول:
_ تعالى يا دكت...
ولم تكد تكمل الجملة حتى وجدته جياد، ذلك الذي ابعدها عن طريقه ودخل البيت يبحث عن زوجته في كل أرجاء المنزل فسمع صوت شهاب ووالدته في الغرفة، يقول لها:
_ اوعي بقولك لازم امنعه...
فتح الباب فوجده أمام عينيه وكانت والدته تقف في الخلف لا تصدق ما تراه بعينيها، وخرجت وعد وما إن رأته حتى قالت:
_ مستر جياد؟
ابتسم شهاب ساخرًا وتحدث في ثقة و كبرياء ناسيًا أمر تعبه:
_ بتعمل إيه هنا؟
ينظر إليه جياد دون كلام، ومن ثم أخذت عيناه تجول في المكان في صمت مما أثار تعجب شهاب والذي قال في صوت عالي:
_ جاي هنا ليه؟ جاي تسرق مني إيه تاني؟
نظر إليه الآخر في قرف ثم رد وهو يتجه نحو الخروج:
_ بكرة تعرف
ثم فتح الباب وخرج.
وبمجرد انصرافه، تحدثت [ سحر] والدة شهاب متعجبة:
" ماله دا؟ كان جاي في إيه ومشي في إيه؟"
فردت عليها شاهندا:
_ انا فتحت له الباب ذقني ودخل عمال يدور بعينه في كل حتة في الصالة ودخل المطبخ وبص هنا في الاوضة دي كأنه بيدور على حد
تعجب شهاب وأخذ يفرك جانب ذقنه شاردًا ثم تمتم:
" في حاجة غلط... أنا حاسس أصلا من بدري إنه في حاجة غلط "
ثم اتجه نحو غرفته ودخلها وأمسك هاتفه يقلب فيه وطلب رقمها وأخذ ينتظر الرد..... ولما يئس من عدم استجابتها صاح في غضب:
" ردي عليا مرة بقا ردي "
**********
عقب مرور نصف ساعة.
كانت هانيا تقف أمام والدتها تستمع إلى توبيخها لها والذي كان من ضمنه:
_ لا أنتي أكيد اتجننتي يا هانيا، جيالي هنا في يوم فرحك وسايبة جوزك و بفستانك؟؟ انتي عبيطة يا بنتي؟؟ دا الحمدلله ان باباكي نايم والا قام طربق الدنيا على نفوخك
_ يا ماما ارجوكي عايزة أطلق والله ما مستحملة
ردت في غيظ مكتوم ونبرة صوت ليست عالية:
_ يا بت متشلنيش ايه الهبل والعبط اللي انتي بتقوليه دا؟؟ انتي مجنونة! عايزة تطلقي ليلة دخلتك؟! عايزة الناس تقول عليكي إيه طيب؟ صبرني يارب على الجنان دا!
زفرت الفتاة في الضيق وقبلما ترد، سمعت صوت دقات الباب، نظرت إليها أمها وتحدثت:
_ هيكون مين؟
ثم اتجهت نحو الباب تنظر من العين السحرية وأضافت في نبرة صوت خفيض:
_ دا جياد جوزك
ثم فتحت له الباب و تابعت في ابتسامة:
_ اهلا يا حبيبي نورت البيت بوجودك
ابتسم ابتسامة صغيرة كناية عن ضيقه ودخل وهو ينظر إلى هانيا وتحدث في غضب:
_ ممكن افهم انتي بتعملي إيه هنا دلوقتي؟
فردت حورية:
_ انا تعبت اوي يا جياد فجأة وهي كانت بتتشات معايا وأما عرفت من خضتها عليا جت، أنا عارفة إنه غلط وأنا لومتها على حركة زي دي بس هو دا كان كل تفكيرها وقتها، أنها تكون جمبي وبس
_ حضرتك كويسه؟ محتاجة ننزل لأي مستشفى طيب؟ يلا بينا على المستشفى
_ لا يا حبيبي أنا كويسة دلوقتي جدا هي ازمة كدا بتروح وتيجي، تقدر تاخد عروستك وتمشي
نظر إلى زوجته في ضيق وتحدث:
_ يلا يا هانيا
نظرت إلى والدتها بعينين احترقا بنيران القهر واتجهت بجوار زوجها في صمت، ركبا السيارة وظلا في صمت تام إلى أن وصلا، خرجت قبله وغلقت باب السيارة في ضيق وظلت تمشي دونه داخل بهو القصر ثم اتجهت نحو الغرفة في سرعة تسبقه.
وما إن دخلت، حتى دخل هو الآخر وغلق الباب وتحدث في نبرة صوت عالي يملأها الضيق:
_ ممكن افهم إيه العبط اللي عملتيه دا؟
_ عبط إيه؟
_ ماكنش ينفع تخرجي طبعا لا في وقت زي دا ولا بالشكل دا ولا باللبس دا حتى!
ردت في غضب وصوتها عالي:
_ اومال كنت المفروض اسيب أمي تعبانة؟
_ لا، بس تغيري هدومك على الأقل وتصحيني انزل معاكي نروح مع بعض نعملها اللازم
_ مجاش في بالي، اهو اللي حصل!
_ هانيا، في إيه؟ في إيه بجد؟
نظرت إليه في ضيق وهي تقوم بشد حجاب الزفاف من على شعرها في عنف وردت:
_ هيكون في إيه يعني؟؟
ينظر إليها في عدم تصديق، وأشار وهو يتابع:
_ يعني حتى اعتقد الطرحة اللي مسكتيها شدتيها بكل غل دي دليل كفاية على إنه في حاجة غلط
اطرقت تهرب بعينيها منه، فأردف:
_ من ساعة ما روحتلك الكوافير وكنت مستنيكي، ووشك كان كأنه معيط، في الفرح ساكتة في كتب الكتاب شاردة في الرقص مش مشاركة حتى في السيشن مش عايزة تسمعي كلام الفوتوغرافر وتبصي في وشي أو تعملي اي حركات رومانسية يقولك عليها معايا، وانا عمال اتغاضى واقول مكسوفة، معلش تلقاها مكسوفة تلقاها متوترة تلقاها مش عارفة مش متعودة وعمال ادي في اعذار لكن في إيه بقا ها في إيه؟
اقتربت منه ونظرت إليه في غضب وردت في عصبية:
_ مش عارف في إيه؟ مش عارف إنك خطبت واحدة و اتجوزتها وكتبت عليها كل دا في أسبوع واحد؟؟ واحدة متعرفش عن حياتها أي حاجة وفجأة بقت مراتك دا مش مخليك مستغرب؟
_ ليه هستغرب هو أنا كنت غصبتك عليا؟ ولا غصبتك نتجوز في أسبوع؟
بابا اقترح على باباكي ولو باباكي ماكنش موافق او قال هانيا عايزة وقت ماكناش هنعترض بالعكس
ابتسمت ابتسامة تحمل في طياتها السخرية وردت:
_ لقيت إنه ملوش داعي
_ هو إيه دا؟
_ الانتظار... الانتظار ماكنش ليه داعي
_ خلاص اديكي انتي اللي قولتي اهو مبوزة ليه بقا؟
اطرقت...... فتابع في نبرة صوت أكثر هدوءً:
_ هانيا... أنا بحبك، والله العظيم بحبك ومن زمان اوي، بس انتي خلينا ناخد وقتنا، خلينا ناخد فرصة مع بعض وانسي أي حاجة تانية
ضحكت في صوت عالي كأنه حكى له نكتة وردت:
_ متأخرة اوي اوي بجد
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ هي إيه دي اللي متأخرة مش فاهم؟
اطرقت، ثم اتجهت نحو الخزانة وفتحتها و أخرجت لها منامة وقبلما تتجه نحو الخلاء، امسكها من ذراعها لتقف وتابع في ضيق:
_ آخر مرة تسبيني وانا بتكلم وتمشي
افلتت يدها عنه في عنف ردت:
_ ولو مبقتش آخر مرة يعني هتعمل ايه؟
كان يتنهد محاولًا أن يصبر واقترب منها للغاية ينظر إلى عينيها وتحدث في صوت أقرب إلى الهمس:
_ انتي بتعملي معايا كدا ليه؟
تنهد وهو يقترب منها أكثر:
_ ربنا وحده اللي يعلم أنا كنت مستني اليوم دا واللحظة دي قد إيه، لحظة وانا قريب منك اوي كدا، لحظة ما بقيتي حلالي علشان يحق لي اعمل اللي أنا عايزه
كانت تنظر إلى عينيه جيدًا تلك العينين النظرتين إليها بحب كبير وعشق مُولع وردت وهي تدفعه بعيدًا عنها في قوة:
_ وانا كمان ربنا يعلم اني كنت مستنية نفس اللحظة دي بس مش مع.....
لم تكمل جملتها بينما هو أخذ يستوعب تلك الطريقة العنيفة التي دفعته بها وذلك الأسلوب القذر الذي تكلمت به وتلك الجملة التي قطعتها ورد:
_ كملي... بس مش مع... كملي وبعدين؟
_ جياد، أنا حقيقي تعبانة وعايزة أنام فلو سمحت سبني اغير هدومي علشان انام
نظر إليها في ضيق ورد في غضب:
_ مفيش نوم أنا عريس
سكتت برهة تستوعب ما قاله وردت:
_ مش فاهمة؟
_ ايه الغريب في كلامي علشان يكون صعب يوصلك؟ بقولك مفيش نوم أنا عريس والباقي انتي فهماه أنا مش متجوز قاصر والله
_ ايوا بس انا تعبانة!
_ كدابة، انتي مش تعبانة انتي خلتيني نايم وفضلتي تتشاتي مع والدتك و خرجتي من البيت لعندها وخليتها تاخد عني الفكرة التمام، اني عيل نايم وسايب عروستي، وكل دا ليه، علشان احترمتك أما قلتي تعبانة و سمحتلك تنامي لكن اللي حصل منك واللي بيحصل منك حاليا بيقول ان فيه حاجة غلط وأنا عايز افهم
عقدت حاجبيها في محاولة ادراك لكلامه وردت:
_ قصدك إيه بفيه حاجة غلط؟
_ فيه حاجة غلط، وشك من أول اليوم غلط تصرفاتك غلط طريقتك واسلوبك معايا غلط كل دا ومش واضح بالنسبالك؟
_ جياد سبني أنام وعدي الليلة دي بقا
صاح في غضب :
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
_ وطي صوتك الناس نايمة وممكن يحسبوا ان فيه حاجة
_ ماهو فعلا فيه حاجة، ماهو مفيش إنسانة طبيعية ممكن تقول الكلام دا لجوزها ولا تعمل عمايلك دي في يوم فرحه؟؟
صرخت في غضب:
_ جياد أنا عايزة أنام انا تعبانة ارحموني بقا ارحموني هو أيه مفيش في قلوبكم رحمة!!
انهت جملتها واتجهت بكل ما لديها من طاقة وسرعة نحو الخلاء وهي تحمل منامتها ثم غلقت الباب في قوة وما إن دخلت حتى انهارت في صمت، أسندت ظهرها إلى الباب، وانزلقت ببطء إلى الأرض، حتى جلست على البلاط البارد. كانت ترتجف… ليس من البرد، بل من ثقل اللحظة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وغطّت فمها بيدها كي لا يسمع جياد شهقتها العالية.
كانت تعلم أنه شكّ فيها.
رأت النظرة في عينيه حين ابتعدت عنه في ليلة يفترض أن تكون ليلتهما الأولى، وشعرت بقلبها ينطفئ.
انفجرت دموعها فجأة…
دموع حارقة، موجعة، تخرج من عمقٍ حاولت طويلًا أن تخبّئه.
رفعت وجهها نحو المرآة المقابلة لها، فرأت امرأة لا تعرفها.
عيناها متورمتان، مكياجها سائح، و شعرها الظاهر بشكلٍ عبثي.
بدت كأنها عروس هاربة من نفسها.
وضعت يديها على رأسها وانحنت، تبكي كأنها تنهار للمرة الأولى منذ سنوات.
كل ما حدث في الغرفة منذ دقائق كان يصفعها.
لم تستطع أن تقترب منه…
لم تستطع أن تتركه يقترب منها…
جسدها تجمّد بالكامل، وفمها عجز عن قول أي شيء يبرّر خوفها.
ليس لأن جياد سيئ، ولا لأنها تكرهه…
لكن لأنها تحب شهاب.
تحبه بطريقة لا تعرف كيف تطفئها، ولا كيف تخونها لتعيش حياة أخرى.
كانت تبكي وتضغط بأصابعها على قلبها كأنها تريد انتزاع ذلك الحب منه.
كلما تذكرت شهاب، انسحق صدرها، وكلما فكرت في جياد ازداد ثقل الذنب عليها.
همست لنفسها بصوتٍ متقطع:
«أنا مش قادرة… مش قادرة… مش قادرة…»
كانت تعرف أن جياد يقف خلف الباب، يتساءل:
هل تكرهه؟
هل نافرة منه؟
هل أخطأ في حقها؟
هل هناك سر تخبئه؟
وهي في الداخل، تحاول أن تخنق الحقيقة بين يديها، ولا تستطيع.
رفعت رأسها وهي تلهث، ومسحت دموعها بكفّها المرتعش، لكن الدموع لم تتوقف.
كانت تشعر بأنها محاصرة…
محاصرة في زواج لم تختره، وفي حبّ لا تستطيع التخلص منه.
لم تكن تملك الشجاعة لتفتح الباب…
ولا القدرة على البقاء في الداخل.
بقيت هناك، جالسة على الأرض،
تكتم صوت بكائها،
وتحاول أن تفهم كيف يمكن لقلب واحد أن يحب شخصًا…
ويُعاقَب مع آخر.
كان جياد يقف عند باب الحمّام، يده ممدودة نحوه دون أن يلمسه، كأنه يخشى أن أي حركة قد تزيد المسافة بينه وبينها. كان يسمع صوت أنفاسها المتقطعة، ورغم محاولتها إخفاء بكائها… إلا أن كل شهقة كانت تخترق قلبه كطعنة.
شدّ على حافة الباب، يحاول أن يفهم ما الذي حدث.
لم يكن يتوقع منها حنانًا ولا لهفة… لكنه لم يتوقع هذا الخوف أيضًا.
لم يتوقع أن ترتجف حين اقترب منها.
لم يتوقع أن تهرب.
همس بصوتٍ منخفض يخشى أن يكسره:
"هانيا… افتحي الباب، أنا مش هعمل حاجة. بس… كلّميني"
لم يأتِه رد.
إلا صوت بكاء مكتوم،
وهو الصوت الوحيد الذي لم يستطع تحمّله.
أدار وجهه قليلًا، مسندًا جبينه على الباب كأن ثقله كله سقط عليه فجأة.
كان يحاول أن يقنع نفسه أنها خائفة… متوترة.....مضغوطة من يوم طويل.
لكن داخله كان يقاوم فكرة أخرى…
فكرة داهمته مثل ضوء قاسٍ:
" في حد غيري… في حد غيري في قبلها"
ابتلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج مكسورًا رغم محاولته تمليكه:
"لو مضايقة… لو خايفة… قولي. أنا مش هقرب منك غصب. ولا هطلب حاجة."
سكت لحظات، يسمعها تنتحب.
كل صوت منها كان يعريه أكثر.
جلس على الأرض مقابل الباب، ظهره للخشب البارد، ساقاه ممتدتان أمامه.
كان يشعر بالهزيمة… ليس لأنه لم يلمسها، بل لأنها لم تستطع حتى أن تطيق وجوده.
غمغم بكلمات لم يكن يقصد أن تسمعها، لكنها خرجت رغمًا عنه:
"أنا عملت إيه علشان تبكي كدا؟
هو أنا وحش قوي كدا؟"
هنا اهتز صوته لأول مرة، وهو يضغط قبضته على ركبته بشدة.
كان يشعر بالعجز — عجزًا لم يعرفه من قبل.
هو الرجل الذي لا يُهزم، لا يركع، لا يعتذر بسهولة…
أما الآن، فهو جالس أمام باب مغلق تبكي خلفه زوجته في ليلة زفافهما.
رفع رأسه قليلًا وقال بصوت أعمق، منكسِر لكنه صادق:
"هانيا… لو مش عايزاني أو حد أجبرك عليا، قولي.
بس لو مش ده السبب… أرجوكي، افتحي الباب خليني أفهم"
في الداخل، ظل الصمت يردّ عليه.
وصوت بكائها ينهار فوق قلبه مرة بعد مرة.
هو لا يعرف الحقيقة…
لكن قلبه بدأ يلمس أطرافها المؤلمة:
أنها تحب رجلًا آخر…
ولم تهرب منه في تلك الليلة…
بل هربت من نفسها.
********
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ يزيد على أصوات أغاني مشتعلة في الأرجاء، موسيقى رتمها سريع واغنية باللغة الإنجليزية، فرك عيناه يستوعب ما يحدث، واتسعت عيناه مما رآه
حيث رأى روني تقف فوق الطاولة ترقص ولم يكن رقصًا منظّمًا، بل طاقة منفلتة تنبض من أطرافها.
فبدأت بتحريك كتفيها بحركات سريعة، قصيرة، كأنها تُعدّ جسدها للإيقاع.
ثم انطلقت ساقاها بخفّة؛ قدمها اليمنى تضرب الخشب بخطوة صغيرة، تليها اليسرى، حركة متتابعة تشبه نبضًا مرتجفًا، لكنها مليئة بالحياة.
كان فستانها الأسود الحرير القصير والكاشف لمنطقة الصدر يتمايل مع كل قفزة صغيرة تقوم بها؛
يرتفع قليلًا حين تنحني، ويلتصق بجسدها حين تدور يدور معها، وكأنه يتعلّم الرقص منها.
لفّت جسدها بمرونة لافتة، حركة نصف دائرية، تبعتها حركة أعرض، فاندفع شعرها في الهواء يتطاير ويدور معها كشرارة سوداء.
يدها اليمنى ترتفع إلى أعلى، تحرك إصابعها كأنها تمسك بالموسيقى نفسها…
بينما يدها الأخرى وضعتها على جانبها
كانت لا ترقص… بل تتحرّر.
خطوات قصيرة، ثم قفزة، ثم دوران مفاجئ يَقطع الهواء من حولها.
لا تبتسم بل تنظر نظرات مليئة بالثقة و التحدي عينين لامعتين، متمرّدتين، حيّتين.
لم يكن هناك توازن واضح، لكن كان هناك اتّساق غريب.
نوع الرقص الذي يصنعه الجسد وحده حين يسمع الموسيقى قبل أن يسمعها العقل.
فنهض يزيد في سرعة وهو لا يزال يفرك عيناه ووقف في الأسفل ينظر إلى ما تفعله وحين التقت نظراتهما، لم تتوقف…
بل قامت بحركة صغيرة، هزّة كتف خفيفة، كأنها تقول له: إن كنت تجرؤ… اصعد.
ثم مدت له يدها كي يصعد و يراقصها
صعد.
ومع صعوده، اهتزّت الطاولة قليلًا، فابتسمت هي ابتسامة صغيرة لا تخلو من التحدّي.
وقف أمامها لحظة…
ثم بدأت هي أوّلًا:
حركة سريعة بقدمها، دوران قصير، ثم تقدّم نصف خطوة نحوه.
تلقّف يزيد الإيقاع بسهولة مفاجئة؛
رفع كتفيه معها، حرّك قدميه بخفّة غير معتادة، واقترب منها حتى صار بينهما مسافة بالكاد تُرى.
كانت ترقص، وهو يراقبها…
ثم صار هو الآخر جزءًا من الإيقاع.
تقدّمت نحوه بدوران شجاع، فارتفع شعرها ليمرّ عبر كتفه
ضحك، وتقدّم خطوة، فاضطرت للرجوع خطوة، لكنها لم تتوقف.
فأخذت تمرر يداها أمام وجهه وهي ترفع ذراعيها للأعلى تتراقص بهما، مرت كنسمة، ثم أنزلت يديها على كتفيه في لمسة خفيفة كأنها جزء من الرقصة.
تحرك كلاهما
خطوة له، خطوة لها…
قفزة صغيرة، ثم التفاف سريع، ثم تقارب مفاجئ يجعل الطاولة أضيق من أن تحتمل اللحظة.
كان ذلك ليس رقصًا فحسب…
بل لغة لا يستطيعان التوقف عن قولها.
أمسكها من يدها وأخذت هي تدور أكثر من مرة وشعرها في كل مرة يضرب وجهه في خفة وفي كل مرة تدور فيها يختلس ابتسامتها الواثقة قبلما تضربه خصلات شعرها.
ثم ثنت رجلها اليمنى واضعة ركبتها على بطنه و سريعًا التفت يده اليمنى حول جسدها يقربها منه أكثر فأكثر فابتسمت له ابتسامة صغيرة جانبية ثم أمالت برأسها إلى الوراء أكثر فأكثر في بطء فبدأ يسند جسدها بيده اليمنى و يمسك بيده الأخرى يدها اليسرى وهي رأسها تقترب أكثر من خشب الطاولة فأمال بجسده ناحيتها في هدوء حتى أصبحت أطراف شعرها تلامس خشب الطاولة ومن ثم تمدّدت على سطح الطاولة ببطء فتركها وقفز إلى الأسفل ينظر إليها
بدأ ظهرها يلامس الخشب الدافئ، وذراعاها يرتفعان إلى الأعلى فى حركات متتابعة تحركهما يمينًا و يسارًا في نفس الوقت…
كانت أصابعها تتمايل مع الإيقاع كما لو أنها ترسم في الهواء مسارًا لا يراه سواها.
ثبّتت قدميها على الحافة، بينما بقي الجزء الأعلى من جسدها يتحرك بإيقاعٍ ناعم
مرة تلفّ معصميها،
ثم تخفض ذراعيها بجانبها،
ثم تعود لترفعهما بانسياب يقترب من الاستسلام الجميل للموسيقى.
لم تكن رقصة… بل تنفّس راقص.
ثم، ببطء مُحسوب، بدأت تنهض.
يدها ترتكز بخفّة على الطاولة، كتفاها يلتفان أولاً، ثم ينهض الجزء العلوي من جسدها حركةً بعد أخرى…
كانت نهضتها تحمل شيئًا من الجاذبية الهادئة؛
النظرة قبل الخطوة،
والالتفاف قبل الوقوف.
وحين أصبحت جالسة، مرّت يدها على ساقها بحركة سريعة تنسّق الفستان، ثم وقفت دفعة واحدة، كأنها تعلن عودتها إلى الإيقاع.
يزيد كان واقفًا تحتها، يراقب كل خطوة وهي تتحول من نعومة الاستلقاء إلى جرأة الوقوف.
مدّت يدها نحوه بثقة، لا دعوة ولا مجاملة… بل إشارة صامتة تقول: أنزلني بنفسك.
أمسك يدها، قبض عليها بخفّة، وسحبها من فوق الطاولة حركة واحدة سلسة جعلتها تهبط بين ذراعيه دون أن تفقد توازنها.
وما إن لامست قدماها الأرض، حتى اكتملت اللحظة:
اقترب منها نصف خطوة، لتلتصق أنفاسهما بالموسيقى التي تغيّر إيقاعها.
أمسك بيدها من جديد، وأطلق ضحكة قصيرة، ثم جذبها معه إلى وسط الغرفة…
فانتقلت رقصة الطاولة إلى رقصة الأرض—
أكثر هدوءًا، أكثر قربًا، وأكثر حرارة في المسافة الضيّقة بينهما.
ولم يقطع صفو تلك اللحظة الجميلة الشاعرية سوى صوت دقات الباب، والذي يبدو أنه يدق من وقت طويل ولكنهما لم يسمعا بسبب صوت الأغنية العالي.
اقترب يزيد من الباب ورد:
_ مين؟
_ الفطار يا مستر يا يزيد
فتح الباب وابتسم شاكرًا إياها واخذ منها الطعام وغلق الباب ثم وضع الطعام على الطاولة وابتسم ناظرًا إلى زوجته وقال:
_ بس إيه المهارات التحفة دي؟
ردت وهي تنظر إلى نفسها في المرآة:
_ بس إيه رأيك؟
_ عامة يا بختي بيكي والله أمي دعيالي في ليلة مباركة
ضحكت ثم ردت:
_ طب يلا روح اغسل وشك انت صحيت على الرقص علطول، اغسل وشك كدا وتعالى علشان نفطر
ابتسم ابتسامة عريضة واقترب منها ثم همس جانب أذنها فضحكت فضحك الآخر واتجه نحو المرحاض
اتجهت نحو الطعام لترى ما الذي احضروه لهما، فكشفت عنه فلم تجد نوع الجبن الذي تحبه بالإضافة إلى كوب الحليب لم تجده أيضًا فتضايقت.
دقائق وخرج من المرحاض وما إن رآها في تلك الحالة حتى سألها:
_ مالك؟
_ بحب الجبنة الشيدر اوي ودايما بفطر فيها لازم تكون موجودة في الفطار وكمان اللبن وهما مجبوش منه
_ متدايقيش نفسك يا قلبي، هما ميعرفوش لسه انتي بتحبي إيه وبتكرهي إيه، أنا هنزل اقولهم بنفسي يجيبوا طلباتك حالا
ابتسمت وأخذت تداعب خصلات شعرها وردت:
_ بنفسك يا روحي؟!
_ آه بنفسي واعمل أي حاجة في نفسي علشان بس تكوني مبسوطة
ضحكت فاقترب نحو الباب وهو يضيف:
_ هنزل اهو أقولهم يجيبوا أحلى كوباية لبن و جنبة شيدر في الدنيا.... صحيح يا روني
_ قول يا عيوني
_ إيه اسم الرقصة اللي احنا رقصناها من شوية دي؟ حاسس اني اعرفها بس مش مجمع اسمها
_ Go_Go style
اطرق .... ثم رد:
_ اللي تشوفيه يا روحي
تزامن مع جملته، غلقه لباب الغرفة.
********
كانت عبير تجلس في بهو القصر تمسك بمجلة تتابع اخبار الفاشون وهي تحتسي قهوتها، فرأت أسيل تغلق باب غرفتها وتنزل، تعجبت قليلًا ولكنها سرعان ما رأت يزيد الآخر وهو ينزل
ابتسمت له وبدأت هي تقول ما إن رأته يقترب نحوها:
_ صباح الفل يا حبيبي
_ صباح الجمال يا ماما، اومال فين نادية؟
_ ليه؟
كانت أسيل قد نزلت ووقفت خلفه مباشرة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها تسمعه فتابع:
_ روني بتحب الجبنة الشيدر و اللبن وهما محطوش الاتنين في الفطار فأنا جاي اطلب من نادية تشوف مين المسؤول هنا ويجيولي طلبي
لوت فمها جانبًا ثم ردت:
_ وهي مش تأكل اللي اتحط لها وخلاص والمرة الجاية نبقى نضيف طلبها للفطار ولا لازم تقومك من على الأكل وتنزلك مخصوص تجيب لها طلبها كأنك الجرسون!
عقد حاجبيه في ضيق ورد:
_ إيه الكلام الغريب اللي انتي بتقوليه دا يا ماما من فضلك؟
تمتمت أسيل:
" نازل بنفسه يجيب لها السم الهاري كمان"
فتابع يزيد:
_ عن اذنك يا ماما
انهى كلامه ثم اتجه نحو المطبخ فتحدثت أمه في ضيق:
" ماشي يا يزيد أما نشوف اخرتها "
ثم التفتت إلى أسيل وتابعت:
_ وانتي إيه اللي خرجك من اوضتك و سايبة جوزك؟
_ ممكن اتكلم معاكي شوية
_ أكيد طبعا، اقعدي
_ لا خلينا في مكان لوحدنا أفضل
_ ماشي
نهضت وسارت بجانبها حتى دخلتا غرفة عبير وتحدثت وهي تشير إلى أسيل كي تدخل:
_ ادخلي يا أسيل خالك في الشغل ومفيش حد، نقدر نتكلم
دخلت الفتاة وتبعتها هي ثم غلقت الباب واضافت:
_ خير يا حبيبتي قولي
اقتربت منها وردت:
_ بصي يا مرات خالي بصراحة كدا أنا وحسان ما... ماحصلش بينا حاجة
_ ليه؟
ردت الأخرى عقب ثواني من الصمت تدعي الخجل:
_ اصل... اصل هو مش فاهم ومش عارف وأنا.. وأنا من ضيقي نمت
ابتلعت عبير ريقها تشعر بالخجل الشديد من تلك الفتاة التي وكأنها عرّت ابنها أمامها واطرقت في خجل كبير، فتابعت أسيل وهي تنظر إلى الأرض:
_ أنا أنا مش بقول كدا علشان معترضة لا خالص يا مرات خالي أنا بس..بس حبيت أوضح الأمر وكدا كدا أنا معاه ومش هسيبه و هحاول معاه بردو
ابتلعت السيدة تلك الغصة الواقفة في حلقها ثم اقتربت من أسيل ووضعت يدها على كتفها وردت:
_ ربنا يكرمك و يكملك بعلقك يا حبيبتي... أنا عارفة انك مستحملة حاجة مش سهل حد يتحملها بس ..بس دا ابن خالك واحنا.. واحنا والله ما نعرف لو كان عندنا شك حتى مكناش جوزناه، انا اه عارفة ان ابني طيب اوي وعلى نياته وملوش في حاجة بس معرفش ان الموضوع وصل لهنا فاهماني؟
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت:
_ فهماكي طبعا يا مرات خالي
ابتسمت السيدة وردت:
_ بس هطلب منك طلب
_ طبعا اتفضلي
_ دا سر بينا... يعني بلاش أمك و...
قاطعتها في سرعة قائلة:
_ عيب يا مرات خالي عيب، إلهي لساني يتشل قبل ما يقلل من جوزي او يقول عنه أي كلمه تسيء إليه أو تخلي رأسه في الأرض قدام حد... أنا يا مرات خالي ماما علمتني إن الست ستر وغطا على جوزها وأنا عارفة ومقدرة طبيعة حسان الخجولة و المتوحدة أو المنطوية على نفسها شوية لكن معلش بكرة الأمور تتحل و تتحسن
احتضنتها السيدة في قوة وهي تقول:
_ ربنا يكملك بعقلك يا بنتي يارب، وحقيقي ابني محظوظ علشان ربنا رزقه ببنت أصول زيك تحفظه و تصونه
كانت الأخرى تربت على ظهرها وهي تبتسم وردت:
_ ولو يا مرات خالو ولو.... بس أنا عندي منك طلب
ابتعدت عن حضنها وردت:
_ قولي يا أسيل اؤمري يا حبيبتي
_ بلاش تتكلمي مع حسان في الموضوع دا خالص يا مرات خالو علشان ميتحسسش ولا يدايق مني لاني قلت انا والله يعلم ربنا ما كنت هتكلم بس قلت لازم اعرفك علشان الأمور تكون واضحة لو اتأخرت في الحمل ولا في مرة كنت مدايقة او كدا
_ ولا يهمك يا حبيبتي أكيد مش هقوله، الموضوع دا بينكم وزي ما قلتي يا أسيل صح انك قلتي أنا عندي تقوليلي أنا أهون ميت مرة من أي حد تاني، اعتبريني يا حبيبتي أمك وقوليلي كل حاجة وانا هساعدك باللي اقدر عليه لحد أما انتي وحسان تبقوا في أفضل حال
واوعديني إنه الموضوع دا يفضل بينا ها؟
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت:
_ طبعا هيفضل بينا يا مرات خالو واللي قولتيه دا عين العقل
_ بلاش مرات خالو دي قوليلي يا ماما يا أسيل هو أنا يعني في مش مقام مامتك؟
ضحكت الفتاة وردت:
_ طبعا طبعا
ثم حضنتها وهي تتوعد للجميع.
فتح حسان عيناه وأخذتا تدور في كل أرجاء الغرفة يبحث عن زوجته تلك المتسللة التي خرجت من غرفته فأخذ ينادي:
" أسيل... أسيل.... يا أسيل "
أبعد عنه الغطاء وأخذ يبحث عنها في المرحاض و البلكون فلم يجدها فتعجب وعليه فتح باب الغرفة وما إن فتح الباب حتى وجدها تقف أمام الباب، ابتسم لها ابتسامة صافية عريضة وقال:
_ صباح الجَمال على الناس الجُمال
ابتسمت ابتسامة صغيرة ثم بدأت تخطو داخل الغرفة وهي تقول:
_ صباح الخير يا حسان
خطت نحو السرير ثم جلست عليه، فاقترب منها في ابتسامة عريضة وجلس جوارها وتحدث:
_ أنا حقيقي مش قادر أصدق جمالك دا كله، سبحان اللي خلقك بجد
_ شكرا
_ شكرا؟!
_ اه شكرا
اطرق برهة ثم رد:
_ ماشي... عفوا، عفوا يا حبيبتي
زفرت في ضيق فتعجب قليلًا وتابع:
_ هو في حاجة مزعلاكي؟
_ آه فيه
_ إيه هي طيب؟ أنا؟
_ آه
تعجب ورد يسألها في سرعة:
_ بجد؟ طب...طب أنا زعلتك في إيه؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها وردت في نبرة صوت جافة:
_ تقدر تقولي يا حسان مين بيصرف عليا؟
اطرق..... فتابعت في نبرة صوت حادة:
_ خالو.... الشيخ عبدالله الزيني هو اللي بيصرف عليا وأنا قاعدة في اوضة في قصره....
تمهلت لحظة ثم قامت من مكانها وتابعت وهي تعطيه ظهرها:
_ تقدر تقولي أنا متجوزاك انت ولا خالي؟
نهض ورد في نبرة صوت في باطنها التوتر:
_ ماهو...ماهو اخواتي بردو الباقيين متجوزين في نفس القصر وليهم اوض زيهم زيي، يعني مش لوحدك
التفتت إليه وردت في ضيق:
_ لا لوحدي، عارف ليه علشان اخواتك بيشتغلوا كلهم في شركة أبوك، أما انت قاعد مستنيهم يأكلوك في بؤك
فاتح ال general manager
يزيد ال finance manager
جياد ال marketing manager
يا اخي دا حتى ماهي وكاميليا البنات ماسكين مناصب هناك وانت قاعد زي السرير دا بالظبط مروق دماغك، عرفت بقا إني لوحدي؟
ينظر إليها ونفسه متألمة بسبب كلماتها تلك فهي تحمله فوق طاقته فهو لا يعمل لانه متكاسل أو لا يريد أو يفضل الرفاهية بالعكس تمامًا يشهد الله أنه حاول كثيرًا أن ينضم إليهم ليعمل معهم ولكنه دائمًا ما يخرب لهم كل المهمات مما جعل والده يغضب و يطلب منه بألا يأتي إلى الشركة مجددًا.
كظم غيظه وكتم دموعه وتركها متجهًا نحو البلكون لا يفهم ما هذا الذي تقوله له في أول ليلة لهما يعتبر!
أما هي رمقته في غضب وتمتمت:
" حيلة ونيلة .... يخربيته حظي "
ثم وضعت يدها أمام وجهها تسأم حظها [ خَمّست في وجهها]
ثم انصرفت في غيظ متجهة نحو المرحاض.
********
كان نائمًا و المحاليل توصل إلى جسده عن طريق وريده، ودخلت والدته عليه ما إن سمعت رنات الهاتف المتتالية والتي لا استجابة لها، دخلت وهي تلقي نظرة نحوه ثم استجابت للمتصل وهي تقول:
_ الو
_ الو، دا مش تليفون شهاب مظهر بعد اذنك؟
_ اه يا حبيبتي مين انتي؟
_ أنا ماهي الزيني يا طنط مديرة شهاب في الشغل
_ اهلا وسهلا يا حبيبتي اؤمري
_ شهاب بس اتأخر عن الشغل جدا فأنا كنت بتصل اشوفه فين وجاي ولا مش جاي علشان كدا رنيت عليه
_ كتر خيرك يا بنتي بس أنا عيزاكي تعذريه هو تعبان اوي النهاردة و ماصدقت إنه نام فمش هيقدر للأسف ينزل الشغل خالص
_ ليه ليه تعبان ماله بس في إيه؟
اطرقت السيدة برهة لا تعرف بماذا ترد عليها، فتابعت ماهي:
_ إيه دا؟ هو حضرتك ساكتة ليه؟ شهاب ماله؟ أنا اصلا كنت حاسة انه متغير بقاله فترة شغفه وقفته قصاد الكاميرا مش هي بجد، فممكن حضرتك تطمنيني عليه؟
_ والله يا بنتي ما أنا عارفة اقولك إيه هو بقا أما يصحى ولا يفوق من اللي هو فيه دا يبقى يقولك بنفسه
_ يصحى من اللي هو فيه؟
ممكن حضرتك تقوليلي العنوان بتاعكم
_ مفيش داعي يا بنتي تتعبي نفسك
_ معلش يا طنط بعد اذنك بس عايزة العنوان هخلص شغل ولازم اعدي ازوره و اطمن عليه بنفسي
_ اللي تشوفيه يا حبيبتي، هديكي العنوان هقولهولك اهو
********
خرجت هانيا من المرحاض بعدما تحممت وارتدت ملابس مناسبة للجلوس في المنزل، حيث بنطلون جينز و تيشرت أبيض بنصف أكمام
وقفت أمام المرآة وبيدها الاستشوار كي تجفف شعرها من الماء، ففتح جياد عيناه أثر تلك الضجة التي احدثتها ولكنه لم يبالي فوضع الوسادة على وجهه مقررًا أن يكمل نومه.
بينما هي تجفف شعرها رأته وهو ينظر إليها ثم رأته وهو لا يبالي واضعًا الوسادة على وجهه، فشردت تتذكر:
"ما حدث ليلة أمس "
رفعت يدها كي تدق على باب منزل شهاب ولكنها سرعان ما سمعت صوت سيارة تدخل الشارع فرأتها من على بعد فعلمت سريعًا أنها سيارة زوجها وعليه لم تطرق الباب وأخذت تنظر حولها في خضة تفكر فماذا ستفعل ولحسن حظها أن منزل شهاب كان موجودًا في آخر ذلك الشارع الطويل وعلى اليسار كان هناك شارع آخر وعلى اليمين أيضًا فانعطفت سريعًا نحو الشارع جهة اليمين واختبأت خلف الجدران تراقب بعينيها فأيقنت أنه هو وذلك عندما رأته يغلق باب السيارة ويركض في سرعة حاملًا التهديد الوعيد لها، ثم رأته يدق على منزل شهاب لذا لم تنتظر كثيرًا وركضت حتى أول ذلك الشارع الذي دخلته كي تخبيء فيه وطلبت سيارة أجرة وأخذت تنتظرها بضع دقائق وهي تتذكر أنها أخبرت الحارس بأنها ستذهب إلى والدتها لذا قررت أن تذهب إلى والدتها بالفعل وما إن جاءت سيارة الأجرة حتى ركبتها ثم بدأت تتنفس في راحة ودقات قلبها سريعة أثر الخوف الذي قذف داخله وأخذت تلوم نفسها طوال الطريق بذلك الذي فعلته وتلك المصيبة التي كانت ستلقي بنفسها فيها وسريعًا حمدت الله أنه سترها وفاقت قبل فوات الأوان و الفضيحة معًا لها و لأهلها، ربما ذلك الحب اللعين الذي كاد أن يقودها إلى التهلكة، ربما ذلك الحب اللعين الذي غيب عقلها وأتى بها إلى هنا.
خرجت عن شرودها على صوته وهو يقول:
" ممكن بعد اذنك تقفلي الاستشوار دا مش عارف أنام من صوته خالص "
هزت رأسها موافقة ثم غلقته وبدأت تسرح شعرها في صمت وما إن انتهت حتى فتحت باب الغرفة وغلقت الباب خلفها، مما جعله يتعجب وتمتم:
" غبية "
دخلت المطبخ فرأت العاملات يعملن بجد وهن يقمن بتحضير الغداء، ابتسمت لها احداهن ثم اقتربت منها وقالت:
_ تؤمري بحاجة يا مدام... مدام...
_ هانيا
_ يا مدام هانيا، معلش اعذريني بتلغبط لسه بينك وبين اختك التانيه
_ مش مشكلة، المهم دلوقتي أنا جعانة وعايزة افطر
اقتربت منها نادية وتحدثت في ابتسامة:
_ صباح الخير مدام هانيا
_ صباح النور
_ معاكي نادية مختار، رئيسة الخدم هنا و مسؤولة عن كل صغيرة وكبيرة في القصر، اؤمريني حضرتك
_ ولا اي حاجة يا نادية جعانة بس وجاية اشوف حاجة افطرها
تنحنحت السيدة وهي تنظر إلى ساعة يدها ثم ردت:
_ بس للأسف يا مدام معاد الفطار راح من بدري اوي، الغدا هو اللي قرب
_ ايه معاد الفطار راح دا؟ أنا لسه صاحية دلوقتي.... أنا عروسة!
هزت رأسها في تفهم ثم ردت:
_ فهماكي وممكن اقدر اعملك استثنا في الحالة دي، لكن بعد كدا اعذريني الأكل هنا بمواعيد، حد من العاملات طلعت وحضرت لحضرتك الفطار بس محدش رد عليها
_ طب فين الفطار دا بقا اتاكل يعني؟
_ مفيش حاجة في القصر بتقعد لبكرة ومحدش بياكل حاجة بايتة او باردة او فاضلة، الفطار بتاع النهاردة اكيد حد من العمال كله بس أنا هشوف لو حد فاضي يقدر بحضر فطار لحضرتك
_ حد فاضي؟ نادية هو انتي ليه مصعبة الموضوع عليا! أنا عايزة افطر يا نادية عادي مطلبتش المستحيل، شوفوا اي حاجة في التلاجة وهاتوها أو أقولك أنا هشوف بنفسي
انهت جملتها وسارت بين العاملات وهن يعملن واقتربت من الثلاحة وبدأت تخرج لها بعض من الجبن ونوع معين من العصائر وغيره
كانت عبير قد تجهزت لاستقبال الضيوف الذين سيأتون عقب قليل يباركون لبناتهم، ونادت على نادية والتي أتت سريعًا وهي تقول:
_ اوامرك يا عبير هانم
_ خلي واحدة من العاملات تدخل تنضف اوضة المضيفة كويس اوي مش تتلصقها، أنا عارفة انها نضيفة بس زيادة تأكيد انتي عارفة إني عندي هسهس من الموضوع النضافة الشكلي دا
_ حاضر يا هانم
ذهبت نادية وخرجت هانيا من المطبخ وهي تحمل صنية الطعام التي حضرته بنفسها، تفاجأت عبير بوجودها وعليه قالت:
_ هانيا؟
ابتسمت الفتاة وردت:
_ صباح الخير
_ صباح إيه؟ قولي مساء الخير... على عموم مساء النور، كنتي في المطبخ بتعملي إيه؟
_ بجهز الأكل لنفسي لأنه..
اقتربت منها عبير وردت:
_ ممنوع
_ هو أيه دا اللي ممنوع؟
_ أولا ممنوع انك تفطري في وقت زي دا، ثانيا و الأهم ممنوع انك تدخلي المطبخ وتجهزي الأكل بنفسك والكلام دا، ركزي انتي مرات جياد الزيني وانسي بقا نظام مجدي السَّلّاب اللي كنتي عايشة فيه دا، هنا معندناش واحدة من الهوانم سواء انا او بناتي او حتى مرتات عيالي تدخل المطبخ وتجهز حاجة بنفسها
_ هو انتوا ليه مصعبين الموضوع دا مجرد ال...
_ نفذي الكلام وخلاص.... وعلى العموم ليكي انتي واختك قاعدة مع نادية علشان تتعلموا قوانين القصر وتتعرفوا عليها.... واهو كمان تعلمكم الاتيكيت و طريقة التعامل هنا بتمشي ازاي سواء مع ضيوف أو زائر او غيره مش ناقصين فضايح قصاد العالم.
رمقتها من أعلى إلى اسفل في قرف وهي تمشي وتمتمت:
" مفيش طريق لصنع هانم، الهانم هانم بس عبدالله اللي مش راضي يستوعب دا"
عقدت هانيا حاجبيها في استغراب وتمتمت:
" هو فيه إيه؟ هو كل دا علشان عملت فطار لنفسي؟ اومال لو كنت عملت الغدا كانت هتعمل فيا إيه؟
وبعدين بجد إيه الأسلوب الزيالة دا؟
انا مش هقعد في القصر دا كتير اصلا كدا كدا مش لازم اهتم للعبط دا كتير"
*********
كانت تتنفس في ابتسامة تغمرها فرحة عارمة تنظر جيدًا إلى تلك الافتة الموجودة على باب مكتبه و مكتوب عليها [ sales manager ]
طرقت الباب، فرد في صوت عالي واضح:
" ادخل"
دخلت الفتاة وهي تبتسم وردت في هدوء:
_ مساء الخير مستر أمجد
_ مساء النور يا وعد، تعالي اقعدي
اقتربت الفتاة وجلست ثم ردت:
_ التيم ليدر عندي قالي إنك عايزاني
_ مظبوط
_ تمام قولي
_ انتي عارفة اننا في آخر q في السنة واما السنة بتقفل معانا بنبدأ نشوف مين اللي حقق أرقام ومبيعات عالية طول السنة.... وأنا لقيت إنك يا وعد اكتر سيلز حقق مبيعات السنادي حبيت بس اقولك مبروك وجهزي نفسك للترقية و التكريم
نهضت الفتاة صارخة في فرحة وصاحت:
_ بتتكلم جد صح؟
_ اه والله
وضعت يداها على وجهها وأخذت تردد في صوت خفيض:
" يا ما انت كريم يارب... ما انت كريم يارب... الحمدلله الحمدلله "
ابتسم أمجد ما إن رأى تلك الفرحة داخل عينيها وأضاف:
_ الف الف مبروك ومن نجاح لنجاح يا وعد و بالتوفيق دايما
_ أنا... أنا مش عارفة اقولك ايه والله... يعني... يعني شكرا شكرا بجد لكل حاجة
_ شكر على واجب يا وعد انتي كدا كدا شاطرة والشاطر دايما طريقه النجاح و التفوق، يلا بقا روحي شغلك بكل حماس و اشتغلي حلو مش علشان حققتي مبيعات كويسة وطلعتي الأولى تخيشي بقا تمام؟
هزت رأسها في سرعة مؤكدة وردت:
_ متقلقش طبعا هحاول بكل الطرق احافظ على النجاح دا و اطوره... ميرسي مستر أمجد جدا
نهضت من مكانها وانصرفت في فرحة عارمة، غلقت الباب خلفها وتوقفت لحظة قبلما تعاد إلى عملها وتمتمت:
" الحمدلله... الحمدلله... ربنا عالم بحالك وبحال أهلك يا وعد، بالمكافأة اللي هاخدها هحطها في جهازي و اهو بالمرة ارحم شهاب شوية من مصاريفي، وكمان ماما اساعدها هي وشاهندا في مصاريف البيت و الجامعة.... بس يارب بس تبقى مكافأة كبيرة"
*********
" غيري هدومك يا روني هننزل نتغدا تحت "
تحدث يزيد وهو يبدل ثيابه بالفعل، عقدت حاجبيها في استغراب وردت:
_ واحنا هننزل كدا من أول يوم؟ مش المفروض نتغدا في اوضتنا؟
_ آه، بس أهلك جايين علشان يصبحوا علينا وبابا قال لابوكي يجوا على الأكل علشان يكونوا خلصوا شغل ويجوا مع بعض، بس بقولك علشان تجهزي
تمتمت في خوف:
" مش عارفة هانيا عملت إيه مع جياد امبارح ولا يومها مشي ازاي، أنا خايفة عليها من بابا"
ما إن نطقت شفتاها بذلك حتى نهضت و أمسكت هاتفها كي تتصل باختها فلم ترد عليها، التفتت خلفها كي تستأذن من يزيد وتذهب لها فوجدته دخل المرحاض، لبست المعطف الخاص بها وخرجت من الغرفة متجهة نحو غرفة أختها فلمحت في الوقت نفسه صعود ذلك الرجل الذي تعرفه جيدًا.
باسم الذي كان يصعد درجات السلم وهو يطالعها بشر مكتوم محاولًا أن يظهر العكس، تلاقت أعينهما ولكنها سرعان ما أبعدت عينيها عنه ولكنها سرعان ما ألقت بصرها عليه مرة أخرى وذلك عندما لاحظت تلك العلامة والتي تشبه العاهة المستدامة في خده الأيمن توقفت لحظة تفكر في الأمر بينما هو قد وصل إليها واقترب منها وتحدث في ابتسامة:
_ صباحية مباركة يا عروسة
كانت شاردة في خده تمعن النظر إلى ذلك الجرح ولما لاحظ ذلك، أطلق زفيرًا طويلًا ثم قال:
_ براحتك مترديش، مش فاهم ليه دا يعني!
انهى جملته واتجه بعيدًا عنها يسير نحو غرفته، بينما هي تذكرت:
قبل ستة أشهر، في الشركة داخل القسم الخاص بباسم و بالأخص داخل مكتبه
" خير يا مستر باسم طلبت تتكلم معايا"
تحدثت وهي تجلس على الكرسي تنتظر رده، ابتسم هو ثم نهض من مكتبه وجلس على الكرسي الذي يوازي لكرسيها ورد:
_ روني، أنا مش عارف بصراحة انتي ملاحظة دا ولا لا، بس...بس انتي عجباني اوي من اول مرة شوفتك فيها في فرح مايا وفاتح وانتي من وقتها شاغلة بالي فضلت اربع شهور اهو من الفرح دايب لوحدي في أفكاري وعلمت خيال لينا... بصراحة انا دغري وعارف انك بنت مجدي السَّلّاب اكتر حد خالي بيثق فيه وعلشان كدا من غير لف ودوران حابب ادخل في الموضوع علطول
انهى كلامه ونهض ثم اخرج من جيبه علبة صغيرة صنعت من القطيفة ثم جثى على ركبتيه وفتح لها العبلة ليظهر ذلك الخاتم وهو يلمع.
تحدث في ابتسامة عريضة وهو يقدمه لها:
_ تقبلي تتجوزيني؟
شحب لون وجه الفتاة أثر التوتر وأخذت تبتلع ريقها مرات عدة فهي لم تكن تتمنى حدوث ذلك ابدًا وهي تحب ابن خاله يزيد، أيقنت من رفضها له لا محالة لم تكن تفكر في الأمر بتاتًا ولكن ما ضايقها لربما تحدث مشاكل فيما بعد نتيجة رفضه والقبول من ابن خاله وعليه ردت في ابتسامة صغيرة تحمل الخجل:
_ بص.... هو...هو أنا بصراحة مش بفكر في الجواز خالص دلوقتي مش قبل سنتين تلاته أما أفكر في الموضوع دا
اختفت معالم الفرحة من على ملامحه ومن ثم الابتسامة ورد:
_ ليه؟
_ يعني.... عندي....عندي اهتمامات تانية حاليا... معلش
نهض في ضيق واغلق العلبة و أطلق زفيرًا ينوه عن غيظه، بينما هي لم تنتظر في مكتبه أكثر فأضافت:
_ عن اذنك
همت بالخروج بينما هو لم يكن يصدق أن ترفضه أصلاقًا فهو شخص ذو منصب وخاله مدير الشركة والمال و الجمال عنده فما ينقصه كي ترفضه تلك التي صدمته من رفضها له؟!
فقد كان يظن أن القبول به أمر محتوم لذلك لم يتردد وطلب يدها ولكنها فاجأته.
خرجت عن شرودها وهي تمتم:
" يا زباله يا رخيص بقا انت اللي كنت عايز تعمل فيا؟ مفيش غيرك فعلا اللي أكيد نرجسيته وكبريائه مستحملش الرفض ليه و القبول بابن خاله..... دا شكل القصر دا مليان افاعي وتعابين كتير وصوت الفحيح بتاعهم بقا عالي يا روني، خلي بالك"
*********
توقفت سيارة كاميليا أمام قاعة كبيرة، وكانت تلك القاعة تأتي لها كاميليا مرتين في الأسبوع عقب الانتهاء من عملها.
خرجت من السيارة ودخلت تلك القاعة تسير في شموخ و ثقة وكانت القاعة متوسطة المساحة، مضاءة بإضاءة طبيعية من نوافذ واسعة، تضيف إلى المكان شعورًا بالراحة والطمأنينة.
الجدران مزينة بلوحات رقيقة تحمل شعارات عن الصحة والجمال والاهتمام بالمرأة، بينما طاولات خشبية صغيرة مرتبة على شكل نصف دائرة تتيح للمتواجدات رؤية كل التفاصيل دون عناء.
الجلسة كانت عامرة بالحضور… نساء من طبقات اجتماعية مختلفة: بعضهن ترتدي ملابس بسيطة تعكس بساطة حياتهن اليومية، وأخريات بألوان زاهية وقصات أنيقة تدل على رقيهن واهتمامهن بأناقة مظهرهن، وأقليات تظهر بصور أكثر احترافية في اختيار ملابس تجمع بين الراحة والأناقة.
الزحمة كانت معتدلة، لا تكتظ القاعة حتى تخنق الجو، لكنها كافية لتمنح المكان شعورًا بالحياة والاهتمام المشترك.
كانت الأصوات متداخلة أحيانًا بين همسات متعاطفة، وضحكات صغيرة، وأصوات قلم على ورق تكتب الملاحظات، لكنها كلها تنصهر في سكونٍ لحظي حين تبدأ كاميليا بالكلام.
دخلت كاميليا عليهن ثم اتجهت نحو المسرح ووقفت عليه وفي الخلفية تلك الشاشة التي شرح منها وخلف الشاشة تقبع تلك الافتة كبيرة الحجم و المكتوب عليها بخط كبير وواضح مبادرة[ أنتِ سيدتي أولًا]
اقتربت كاميليا من مكان وجود مكبرات الصوت تقف شامخة، مرتدية فستانًا متوسط الطول، أنيقًا، يعكس شخصيتها القوية والهادئة في الوقت ذاته.
شعرها مصفف بعناية، وعينها تنظر إلى كل امرأة في القاعة بثقة، وكأنها ترى كل واحدة على حدة، تشعر بحاجتها، وتوجهها بلطف.
وبدأت ترحب بهما في ابتسامة قائلة في صوت واضح:
" اهلا بكل سيدة منورانا هنا النهاردة، أهلا بكل سيدة ناسية نفسها وسط مشاكل أولادها او جوزها أو حتى بيتها و ترتيبه، كل سيدة مقصرتش في حق الجميع إلا نفسها.... هنا في مبادرة[ أنتِ سيدتي أولًا] هدفنا الأساسي هو انتي و صحتك و جمالك و رشاقتك و انوثتك، للي اول مرة يحضر معانا المبادرة، فأنا كاميليا عبدالله الزيني عندي ٢٨ سنة و مش متجوزة ولا مرتبطة ومع ذلك أنا حاسة بوجع كل واحدة فيكم قاعدة هنا بتسمعني وجاية مخصوص لعلها تستفيد مني.
لو بقول كدا علشان محدش يقول دي آنسة و مسؤوليتها اقل بكتير وبتتكلم وخلاص، لا بالعكس تمامًا أنا حاسة بيكي جدا وعلشان كدا تطوعت في المبادره دي وبدأت اشكلها بنفسي.
كانت ترفع يدها بين الحين والآخر لتؤكد نقطة معينة، أو تشير إلى لوحة على الحائط مرة ثم إلى الشاشة مرة آخرى تشرح عليها معلومة عن صحة المرأة أو جمالها، وحركاتها بسيطة لكنها قوية، تحمل كل ثقل الخبرة والحرص على إيصال الفكرة.
السيدات كان يقبعن أمامها بانتباه شديد، عيونهن شاخصة نحوها، ووجوههن تنبض بالاهتمام. بعضهن تمسحن شفاههن بتفكير، وأخريات يأومأن برؤوسهن تأكيدًا لما يسمعن.
كل حركة من كاميليا، كل كلمة تنطق بها، كانت تترك أثرًا: كأنها تهذب التفكير، تنقل تجربة، وتزرع فكرة مهمة في كل قلب من قلوب الحاضرات.
في هذا المكان، لم يكن الحديث مجرد نصائح أو تعليم…
بل كان طقسًا من الاهتمام بالنفس، بالمرأة، بجسدها، بروحها، وبجمالها.
وتابعت:
" النهاردة هيكون موضوعنا عن الخلفة الكتير و سلبياتها عليكي وعلى صحتك أولا ثم على المجتمع"
تمهلت لحظة وسألت وهي تنظر بينهن:
" حد فيكم شايف أي مميزات للخلفة الكتير؟"
بعضهن رفعن ايديهن، فاختارت منهن واحدة قائلة:
" اتفضلي امسكي المايك اللي على الترابيزة و اتكلمي بصوت عالي علشان اقدر اسمعك انا وهما"
بالفعل تحدثت السيدة في صوت عالي:
_ أنا سماح ٢٢ سنة اتجوزت وانا عندي ١٨ سنة وعندي ٥ عيال ورا بعض كلهم، شايفة مميزات دا بصراحة إنه عزوة ولادي اللي هيتبقوا ليا لاني مليش غير ربنا وهما ودا لان جوزي ربنا ياخده مش بيصرف و مقصر وأهلي متوفيين فانا شايفة مستقبلي في ولادي لولاهم ماكنتش هشوف أي لون ولا طعم للحياة"
_ انتي منين يا سماح؟
ردت كاميليا في ابتسامة
_ أنا من الفيوم بس عايشة في القاهرة من زمان لان جوزي من القاهرة
_ كملتي تعليمك؟
_ ايوا الحمدلله بفضل شغلي كنت بصرف على تعليمي
_ طب ليه جبتي خمس عيال من شخص زي دا لا يؤتمن يا سماح؟ ليه تغلطي غلطة زي دي في حقهم؟ يعني انتي من زمان اهو شايفة إنه مش بيصرف ومش مهتم كان الطلاق هو اللي تسعي ليه مش العيال!
_ ماهو حضرتك الكلام سهل، مفيش طلاق سهل مفيش واحدة بتعرف تاخد حاجة من راجل متجبر وظالم، وانا زي ما قولتلك خلفت كتير علشان يكونوا ولادي ليا في المستقبل سند وعون و ضهر
_ سيبك من ظلم جوزك و اهانته ليكي وكلميني بصراحة عن رحلتك القاسية مع ٥ أولاد و دراسة وشغل
_ صراحة كان تعب شديد اوي كنت حاسة إني في دوامة
_ طب ليه مفكرتيش تفصلي بين الأولاد؟ تسيبي بينهم سنين، سنتين ولا تلاته؟
_ قالوا أما تخلفي بدري هترتاحي
_ خطأ، أكبر إشاعة في الدنيا، اللي بتخلف عيل واحد بس بياخد صحتها بسبب السهر و التعب و الرضاعة والتعليم و المتابعة و التربية... دا انتحار يا سماح، سماح هوني على نفسك شوية انتي تستحقي راحة حقيقية، تستحقي إن جسمك يرتاح انتي مش
Baby machine يا سماح
شعرك اللي هيقع بسبب الخلفة الكتيرة جسمك اللي هيبوظ ومن ثم هيأثر على نفسيتك بعد كدا، أولادك اصلا اللي ورا بعض دول اللي ملحقوش ياخدوا من حنانك ولا اهتمامك ولا من وقتك هتتولد بينهم غيرة و مش هتعرفي تربيهم تربية سوية... وعلشان كدا بقينا بنشوف نماذج أقل ما يقال عنها أنها حقيرة بسبب الأهمال واللي اهم واول سبب ليه كثرة العيال اللي ورا بعض دول.
وعلشان كدا موضوعنا النهاردة باستفاضة عن كثرة الخلفة و تأثيرها على المرأة و المجتمع، هنفتح باب للنقاش كتير و هنشوف أمثلة كتير حقيقية من ارض الواقع نماذج فعلا نتغظ منها ونخلي بالنا بعد كدا ونحط صحتنا و جمالنا رقم واحد في حياتنا، علشان كدا عملنالك مبادرة [ أنتِ سيدتي أولًا]
********
" اتفضلي يا حبيبتي ادخلي "
هتفت سحر والدة شهاب في ترحيب حار ما إن رأت ماهي تبتسم لها بمجرد أن فتحت الباب، دخلت الفتاة وهي تقول:
_ مساء الخير
_ مساء النور يا حبيبتي، ادخلي اتفضلي
ادخلتها غرفة استقبال الضيوف وأضافت:
_ تشربي إيه؟
_ ولا اي حاجة متتعبيش نفسك
_ تعبك راحة ،قولي بس لأحسن ازعل والله دي اول مرة تزرينا في بيتنا ومش عايزة تشربي حاجة؟
_ ماشي ممكن قهوة على الريحة
_ حاضر
خرجت السيدة.
دقائق ودخل شهاب عليها وهو يرتدي منامة ووجهه شاحب، مجهد و الإرهاق و التعب يظهر جليًا على عينيه، تنظر إليه في شفقة وقد لمحت تلك الكانولا في يده.
ابتسم ومد يده يصافحها وهو يقول:
_ نورتيني في بيتي المتواضع
_ thank you
جلسا فتحدثت:
_ إيه يا شهاب مالك، إيه اللي حصلك دا؟ وشك شكله مُجهد و جسمك كمان، وايه الكانولا اللي انت معلقها دي؟
اطرق... فتابعت:
_ نزلت لدكتور طيب و اطمنت؟
تنفس في هدوء ورد:
_ آه.... حاليا أنا أحسن
_ طب دا كان من إيه؟ او الدكتور قال ان عندك إيه طيب؟
_ عادي.... إرهاق مش اكتر
_ طب دلوقتي إيه حاسس بتحسن؟
_ الحمدلله
_ لو عايز تقدم على إجازة علشان ترتاح قولي ومتقلقش أنا هظبط الموضوع دا
هز رأسه نافيًا ثم قال:
_ أنا بقيت أفضل، من بكرة هرجع الشغل إن شاء الله
_ طب الحمدلله طمنتني... خليني بقا اقولك على المفاجأة اللي مجهزهالك
_ مفاجأة؟
_ اه يا عم، اهو بالمرة افرحك بدل ما انت مدايق كدا
_ قولي
_ الإعلان الترويجي بتاعك كسر الدنيا ودخل مبيعات تحفة للشركة زي ما توقعت والحمدلله فوزت في التحدي بفضلك
ابتسم ابتسامة صغيرة فهو كان يتمنى أن يشارك تلك الفرحة مع هانيا ورغم أنه كان يتمنى أيضًا أن يسمع ذلك في مرة منذ أن قام بتصوير الإعلان ولكنه الآن يشعر بعدم الرغبة في الحياة اطلاقًا.
تعجبت أنه لم يفرح مثلما توقعت لذا قالت:
_ شهاب انت كويس؟ فيك إيه بجد؟
_ مفيش حاجة يا ماهي أنا بس تعبان شوية وحاسس بدوخة وعلشان كدا حاسس مش عارف افكر ولا اندمج في حاجة
_ تفتكر؟
هز رأسه مؤكدًا، فسكتت لمدة طويلة ساد الصمت بينهما ولكنها عادت إلى الحديث مرة أخرى:
_ طب عندي خبر تاني ليك جايز دا بقا يفرحك
_ إيه؟
دخلت والدته وهي تحمل واجب الضيافة ثم وضعته على الطاولة، ناولت ماهي الكوب الخاص بها فأخذته الأخرى وهي تشكرها، فتابعت ماهي:
_ اسمعي يا طنط المفاجأة اللي أنا جيباها لشهاب
ردت السيدة في ابتسامة عريضة:
_ قولي يا حبيبتي ربنا يفرح قلبك
تحدثت الفتاة وهي تنظر نحو شهاب:
_ بعد نجاح الإعلان الترويجي بتاعه و بجدارة أنا قلت لبابا وهو فرح اوي للنجاح دا ووثق فيا جدا وانا من هنا قدرت أقنعه في وقت قصير جدا إن شهاب يكون الموديل الخاص بشركتنا واللي هيمثلها في عرض الأزياء العربي
اتسعت عيناه في عدم تصديق، وعلقت سحر مستفسرة:
_ حاسة انها حاجة حلوة بس أنا مش فاهمة قصدك اوي اعذريني
_ ولا يهمك هوضح لك، كل سنة منظمة الرياض الخاصة بالفاشون و الأزياء بتعمل آخر السنة حلفة في الرياض بتنضم ليها شركات كبرى بأحلى منتج ليها نزلت بيه طول السنة و يبدأ كل موديل بيمثل شركة معينة يلبس المنتج المراد التسويق ليه بشكل أكبر وأكبر دوليا و يمشي بيه في عرض أزياء و الناس تشوفه وبيكون حاضر الحافلات اللي زي دي رجال أعمال كبيرة و فنانين و ممثلين و مشاهير من حول العالم، فأنا شفت إن دي فرصة لشهاب إنه يظهر و يكون ليه مستقبل لانه سبق وعرفني إنه فنان وبيحب الفن وكمان أنا واثقة فيه وواثقة إنه انسب حد يمثل شركتنا.
ورغم إن المنافسة شديدة جدا وكتير طالب يترشح إلا إني هرشحه هو و هتوسط له هو
أطلقت السيدة زغرودة عالية ثم ردت على الفتاة:
_ شكرا شكرا بجد على كدا وشكرا على...
قاطعها الشاب رادًا بشكل قطعي و مفاجئ:
_ لا
فردت أمه في سرعة:
_ هو إيه دا اللي لا؟
التفت إلى ماهي ورد:
_ شكرا طبعا انك بتحاولي تساعديني دايما أكيد أنا مش متجاهل حاجة زي دي، بس لا أنا مش موديل ولا عايز امثل شركة ولا اي حاجة من دي، أنا مجرد موظف في الشركة هناك بخلص التسكات اللي عليا وشكرا
عقدت الفتاة حاجبيها في استغراب وردت:
_ إيه اللي حصل يا شهاب؟ انت كنت في قمة حماسك! دا حماسك دا اللي خلاني ارشحك لبابا فورا، عينك كانت مليانة شغف وحماس وكنت مهتم جدا ونفسك تكمل في الطريق دا، اللي حصل فجأة!
_ اه والله يا بنتي كان متحمس وقالي مديرتي ماهي جيبالي شغل إضافي أنا حابه ومتقلقيش يا ماما هكون في حتة تانية وكان راسم أحلام من ورا الموضوع دا
_ اومال إيه اللي اتغير يا طنط؟
رد الشاب في حسم:
_ أنا قلت اللي عندي لا يعني لا، أنا لا بقا عندي شغف ولا بقيت طموح ولا عايز اوصل لأي حاجة، هيفيد بإيه نحلم أما في الآخر هنصحى على كابوس؟
_ إيه اللي انت بتقوله دا؟
نهض ورد في نبرة صوت حادة غاضبًا:
_ من فضلك يا ماهي أنا قلت اللي عندي
ولى لها ظهره وهو يعقد ذراعيه أمام صدره، تضايقت بشدة ثم حملت حقيبتها و أخذت تسير في سرعة وضيق، فأسرعت خلفها والدته وهي تردد اسمها، توقفت الفتاة وهي تمسك بمقبض الباب وردت:
_ نعم يا طنط؟
_ علشان خاطري متزعليش منه هو بس فيه امر ضاغط عليه جدا وتعبان الفترة دي شوية وفي مشاكل كدا في العايلة مع عمه علشان كدا هو ظاهر عصبي و مدايق، بكرة يروق ويقبل باللي قلتي عليه اوعدك
ابتسمت لها ابتسامة صغيرة ثم ردت:
_ ان شاء الله، عن اذن حضرتك
انصرفت الفتاة، بينما عادت أمه إليه وصاحت في وجهه:
_ انت عبيط يا ابني ولا شكلك كدا؟ انت ازاي ترفض فرصة زي دي؟ يعني هي اختارت الفلوس وفضلتها عنك وانت....
قبلما تكمل صرخ في غضب:
_ ماما بعد اذنك بلاش كلامك دا تمام، هي مش فارقة معايا والحياة دي كلها مش فارقة معايا ومفيش أي حاجة في الدنيا دي فارقة معايا وخلصت ومحدش يتكلم معايا خالص بقا خالص...
كان يصرخ وهو يحمل الأكواب الموضوعة على الطاولة، ثم يرميها على الأرض في قوة من شدة غضبه، وتابع صراخ:
_ فلوسي كلها اللي شلتها ليها ولجهازي خديها جهزي بيها وعد اصرفي بيها على تعليم شاهندا ولعي فيها أنا مش عايزها خلاص و سبيني في حالي ومتطلبيش مني حاجة تاني....
يمسك بالكوب الآخر ويرميه فيتحطم سريعًا ويتابع صريخه:
_ محدش يطلب مني حاجة محدش ليه دعوة بيا محدش يتكلم معايا....
وما إن شعر بالتعب من كثرة الصراخ حتى ارتمى على الأريكة، فركضت أمه تجاهه تضمه بين ذراعيها وهي تربت على كتفه وتردد:
" بس بس يا حبيب قلب امك بس، متقطعش قلبي عليك كدا انا مش عايزة غيرك في الدنيا "
كان يبكي بين ذراعيها في انهيار ورد في صوت متهدج أثر البكاء:
" فرتت فيا يا ماما، فرتت فيا وفي قلبي رمتني ومبصتش وراها وهربت... هربت بعد ما قضت عليا، هربت بعد ما دبحتني بسكينة تلمة هربت يا ماما هربت...هربت..."
*********
كان يزيد يقف بجوار زوجته في بهو القصر منتظرين حضور الجميع و تواجدهم على طاولة الطعام، وفي نفس الوقت كان باسم يقترب من الكرسي كي يجلس فرآه يديد فرفع يده يلوح له، ابتسم باسم ولوّح له هو الآخر ثم أخذ يقترب منه وتحدث:
_ عامل إيه يا عريس؟ كله تمام؟
_ اه الحمدلله انا زي الفل يا باسم عقبالك
ابتسم ابتسامة صغيرة جانبية ثم رد:
_ ان شاء الله قريب
_ هي موجوده؟
_ لا...بس اقصد ان شاء الله الاقيها قريب
_ ان شاء الله
صمت يزيد برهة ما إن لاحظ تلك الندبة في وجهه فأشار إليها وسأله في تعجب:
_ إيه يا باسم العلامة اللي في وشك دي؟ دي ولا كأنها علامة سكنية أو آله حادة
ما إن قال ذلك حتى سقط بصر باسم جهة روني والتي كانت ترميه بنظرات مليئة بالاشمئزاز ولكنه رد في توتر:
_ دي....دي.... ولا حاجة اصل وأنا بصيد طير من الطيور الجارحة عورني في خدي
تدخلت روني ساخرة:
_ بجد؟! يظهر عنيف اوي
_ جدا بس على مين دا انا الصياد وهو مجرد فريسة مصيره يقع
_ لا بس خلي بالك لا المرة الجاية بدل ما تكتفي بتعوريك وبس تقطع رقبتك وتروح فيها
_ لا لا متقلقيش عليا انتي انا عامل حسابي كويس، أنا خلاص عرفت نوع مخالبها وناوي اهد العشة على دماغها هي و اللي خلفها ومش بس اصيدها واقتلها واخلص منها، لا دا أنا هخلص عليها هي وكل عشيرتها علشان تندم في كل مرة اتجرأت فيها عليا
عقد يزيد حاجبيه في استغراب وقد لاحظ أن نبرة باسم وهو يحدث زوجته مليئة بالتهديد الوعيد نبرة جامدة حادة وعلق:
_ في إيه يا باسم محسسني إن روني تقرب لها! وبعدين مين هي اللي عملت فيك كدا و عايز تنتقم منها؟!
اطرق برهة ثم رد:
_ الطيور الجارحة
علقت روني ساخرة في ابتسامة:
_ وهي الطيور الجارحة كلها عورتك؟ يظهر النوع كله مش طايقك
واضاف يزيد:
_ ايوا صح يا باسم انتوا بيتكلموا كأنه على حد اعرفه... حاسس إني مش فاهم
_ دي...دي كانت نسرة
_ نسرة؟
_ اه مرات النسر انت متعرفهاش ولا إيه
_ يعني اول مرة اعرف في حياتي إن مؤنث نسر هو نسرة !
_ مؤنث البقر إيه؟
_ بقرة؟؟
_ بالظبط كده يبقى مؤنث نسر نسرة
أطلقت روني زفيرًا ثم علقت:
_ بقر دا جمع و ارجوكم كفاية كدا اللغة العربية تبكي في الزاوية
التفت إليها يزيد ورد:
_ بجد يا روني؟ بقر جمع! طب ونسرة مؤنث؟ أنا درست في الAUC يعني فاشل في العربي
_ اه يا حبيبي بجد ومش محتاجة يعني!
كان باسم يرمقها بشر أثناء تحدثها مع زوجها ثم قال وهو يشير جهة السفرة:
_ يلا الأكل بدأ يتحط
استقبل الشيخ عبدالله ضيوفه أحسن استقبال ثم أشار لهم جهة السفرة حييوا من هم جالسين و احتضنت حورية بناتها الثلاث ووعدتهم بأن يجلسن معن بعد الانتهاء من الطعام.
جلس الشيخ في الكرسي المتمركز وبجواره زوجته عبير وفي جهة اليمين جلس مجدي و حورية و فاتح و مايا و روني و يزيد و جياد ثم هانيا .جلسوا على نفس الترتيب
وفي جهة اليسار جلست حليمة و فاطيمة و أسيل و حسان و باسم و أمجد و رهف و تالية ثم ماهي. جلسوا على نفس الترتيب أيضًا وبدأوا في تناول الغداء _ لم تكن كاميليا معهم نظرًا إلى المبادرة الخاصة بها.
وأثناء الطعام، تحدث الشيخ مازحًا:
_ معرفتش يعني يا مجدي تجيب لنا ولد علشان اجوزه لبنتي
ضحك الرجل ورد:
_ هنعمل ايه بقا؟ ادي الله وادي حكمته
فتدخلت حليمة في ابتسامة:
_ الله! وعيالنا قصروا في إيه بس يا شيخ؟ أمجد و باسم شباب يعجبوك أخلاق و تربية إنما إيه
_ طبعا أكيد...
صمت برهة ثم تحدث إلى هانيا ما إن رآها شاردة:
_ قوليلي بس يا هانيا لو الولد جياد دا مزعلك في حاجة وأنا اوريه
ابتسمت الفتاة وردت:
_ لا خالص يا اونكل، أنا وجياد تمام مع بعض
_ الحمدلله يا بابا، أنا عايزكم تفضلوا كويسين مع بعض وربنا ما يجيب مشاكل بينكم ابدا
همست حورية جانب اذن زوجها:
" ومكانتش عايزة تتجوز جياد بنتك المجنونة!"
تدخلت عبير معلقة على حديث زوجها:
_ وهو اصلا فيه زي ابني جياد و تربيته و أخلاقه، دا يبختها إنه من بختها
همس لها عبدالله:
" عبير هدّي ها"
" ما انت اللي بتقول أي كلام عايزاها تتمرع على ابني؟"
تجاهلها والتفت إلى أسيل وتابع:
_ وانتي يا ايسولة حبيبة خالو قوليلي إيه اخبارك مع حسان؟
ابتلعت الفتاة الطعام وردت:
_ أنا وحسان تمام يا خالو متقلقش
فعلقت عبير في ابتسامة:
_ أسيل بنت الحسب و النسب طبعا دي الحسنة الوحيدة اللي حصلت لحد دلوقتي
نظر إليها كلًا من حورية و مجدي فإن ما تعنيه تلك السيدة أن بناتهما لسن بنات حسب ونسب!
ردت عليها حليمة في ابتسامة عريضة:
_ ربنا يخليكي يا عبير هانم دا من ذوقك... وولاد النسب و الأصل دايما بيناسبوا ولاد النسب و الأصل زيهم
_ واحنا بس كنا هنلاقي زي نسبكم فين يا حليمة؟
تدخل الشيخ مسرعًا:
_ طبعا طبعا نسب اخواتي يشرف وكمان نسب مجدي السَّلّاب ونعم النسب والله لو كنا لفينا العالم على رجلينا مكناش هنلاقي في ادب و أخلاق ورقة بناته
ابتسم الرجل ورد عليه:
_ والله نفس الحاجة يا شيخ عبدالله لو لفيت الدنيا كلها على شباب زي ولادك الشباب ماكنتش هلاقي ولو ربنا كان اداني ولد ماكنتش هعزه عليك والله
همست فاطيمة جانب اذن حليمة:
" اهو الطبلة اشتغلت"
" طبعا ماهو اخوكي كدا لازم يحط التاتش بتاعه في أي حاجة "
وبعد مرور دقائق معدودة من الصمت التام، تحدثت روني فجأة وكأن صوتها جاء من اللاشيء:
_ بس على فكرة يا شيخ انت مسألتنيش انا و يزيد عاملين إيه مع بعض!
ضحك الرجل وكذلك باقي الجالسين عدا حليمة و فاطيمة و باسم و تالية أسيل والتي تمتمت:
" يخربيتك دمك يطلش"
ورد الرجل:
_ معلش يا روني عندي أنا دي، قوليلي يا ستي عاملة إيه مع جوزك ؟
ردت وهي تنظر إلى يزيد:
_ اقول الحقيقة؟
ابتسم الشاب في تعجب ورد:
_ قولي يا ستي بابا عارف عني كل سيديهاتي
ضحكوا ورد الشيخ:
_ لا لا خلي بالك وقت الهزار خلص انت خلاص خبت و اتجوزت يبقى تستاهل وتتعدل
" خبت"
علقت روني ورد مجدي:
_ ايوا يا بنتي ماهو كل اللي ساب نعيم العزوبية وراح اتجوز خايب
_ لا لا يا بابا يزيد حابب الجواز اكتر صح يا يزيد؟
نظر إليها الشاب ورد:
_ شكرا على ثقتك الغالية فيا
_ العزوبية أحلى ولا الجواز يا يزيد رد؟
نظر إليهم ورد:
_ الجواز طبعا أحلى يكفي انك مراتي يا حبيبتي
ثم في هدوء رفع اربع اصابع تعني المساعدة فضحك والده وحماه وسألت روني:
_ فيه إيه؟
_ ولا أي حاجة يا حبيبتي كُلي احنا زي الفل
********
وفي صباح اليوم التالي في شركة الزيني داخل قسم التسويق جهة المكتب الذي يجلس عليه شهاب
بينما هو منهمك في عمله، جاورته تلك التي قالت في صوت مسموع:
_ تالية
رفع إليها رأسه في سرعة ما إن فاجأته بتواجدها وبنطق اسمها فجأة، ورد:
_ تالية؟
_ اه تالية بنت عمة جياد
عقد ذراعيه أمام صدره ورد:
_ خير؟
_ أنا بس كنت عايزة أفهم، انت ازاي تسيب حبيبتك لحد تاني غيرك بالبساطة دي؟ البنت مش بتنام من كتر القهر....
*********
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت
لقاؤنا يوم الأحد
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل التاسع 9 - بقلم Salma Khaled
اعملوا فوت قبل القراءة كتشجيع ليا مش اكتر
ازيكم عاملين ايه
كتير منكم دخلي خاص وشاغل بالهم اوي يعرفوا إيه القصص الحقيقية اللي انا بكتب عنهم وطلبوا اسهلها شوية، مش عارفة ليه بس ماشي هقولكم وهحاول اسهلها شوية عليكم
هي القصص دي حصلت مع ناس مشهورة اوي وفيه قصص منهم حصلت زمان مش في الوقت الحالي بس اللي حصل معاه حد مشهور ومعروف وسمعنا عنه وعن حياته كتير ومش شرط يكون شخصية عربية لا فيه شخصيات أجنبية معانا
مين بعينهم مقدرش اقول علشان الخصوصية بس لو انتوا خمنتم خلاص هقولكم وقتها صح ولا غلط
حاجة بردو حابة اوضحها اكتر
في شخصيات منهم بترمز لقصة حقيقية فعلا حصلت ولحد معروف وفيه شخصيات تانيه لا دورها انها تجسد حاجة بردو حصلت بس مع اكتر من شخص
مثال الفترة دي ظهر لنا إيه في المجتمع؟
زوج بيقتل زوجته، هل انا مثلا لو حابة اتكلم عن الظاهرة دي هجيب قصة واحدة بعينها؟ فتاة المنوفية بقا ولا فتاة القاهرة ولا لا؟ لا هجيب زوج بيقتل زوجته وخلاص مش هجيبلك قصة البنت دي لان الهدف مش اني اقعد احكي عن حياة شخصية ماتت بل الهدف اني أبرز الفكرة اللي ممكن تحصل مع غيرها.
فهمتوا؟
يبقى الرواية بتاعتنا فيها قصص رمزية وقصص تانية مقصود بيها شخص بعينه وكل شخصية انا مطلعاها في الرواية يا قصتها رمزية يا شخصية يعني حصلت مع حد بعينه وقصته اتعرفت.
وبمرور الفصول ممكن ناس كتير منكم تعرف مين الشخصية دي.
آخر حاجة بقا
انا مش هتكلم عن حياة الشخص دا بشكل واضح وصريح علشان الخصوصية فانا لعبت في الزمان و المكان والأحداث وغيرت فيهم كتير علشان زي ما قولتلكم الخصوصية و الحبكة بتاعتي، لاني رابطة شخصيات الرواية ببعض في حاجات معينة علشان كدا مش هتلاقوني بسردلكم حياة الأشخاص المراد سرد ما حدث معهم بشكل دقيق و كامل، اتفقنا؟
بس كدا
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل التاسع [ فضيحة]
سلمى خالد احمد
***********
_ مش فاهم انتي قصدك إيه؟
رد عليها مستفسرًا وهو يعقد حاجبيه في استغراب فردت الأخرى:
_ بص يا شهاب هانيا مش بتحب جياد واتجبرت عليه، مش لان جياد ابن خالو وحش لا إطلاقا بس لأنها بتحبك
_ إيه اللي انتي بتقوليه دا؟ مين اجبرها وازاي قدر يجبرها اصلا وازاي قريبك دا يقبل على نفسه وازاي الفرح يتم في أسبوع... أنا حاسس اني مش فاهم حاجة؟
_ مبدائيا، جياد ميعرفش هو أتقدم زيه زي اي حد وهي أبوها اجبرها، وبعدين انا سمعتها وهي بتتخانق معاه امبارح بليل، مفيش عروسة هتكون بتحب جوزها أو عايزاه و هتتخانق معاه في أول يوم ليهم الساعة ٣ الفجر! كمان طول الفرح كانت مسهمة و مش طايقة نفسها والكل كان ملاحظ، حبيبتك اتخطفت منك وهي مش قادرة عليهم لوحدها، وانا اللي اعرفه ان الحب تضحية ومسؤولية وتحدي، اتحدى العالم و رجع حبيتك ليك اللي حرفيا ما هتصدق انها تبقى معاك... هانيا كأنها عايزة إشارة منك او حركة أو أي حاجه تنقذها أي حاجه تحسسها انك جمبها، صدقني انا مش بقول الكلام دا من فراغ وبكرة تتأكد
كان شاردًا وهو يسمعها وتذكر وجود جياد عنده في أول ليلة يفترض فيها أن يكون بجانب زوجته، فهل حاولت هانيا الهروب منه وفشلت؟ هو تعجب من الأمر كثيرًا ولم ينم منذ البارحة بسبب التفكير في ذلك الأمر، بالإضافة إلى أنه كان في ريبة من هذا الأمر فهو يعلم هانيا جيدًا ويعلم مقدار حبها له فكيف لها بأن تقبل بغيره وفي وقت قصير كذلك؟ اذًا تم تأكيد شكوكه بواسطة تلك الفتاة التي أكدت له أن هانيا تم اجبراها على ذلك الزواج ولهذا تزوجت في وقت قصير.
خرج من شروده على صوتها وهي تقول:
_ انت معايا ولا روحت فين؟
_ معاكي، بس بفكر اعمل إيه
_ صح ودا محتاج تفكير بس مش كتير لان هي تعتبر ملهاش حد يخلصها ولو كنت بتحبها و متمسك بيها انقذها في أسرع وقت من الجواز دا
اطرق برهة.... ثم رد:
_ بس يظهر انك بتحبي ابن خالك اوي
_ مش كدا بس لو كان هيبقى سعيد معاها كنت هتمناله السعادة أكيد، لكن دي بتحب غيره وانا متفهمة حجم الكارثة....
توقفت برهة عن الكلام ثم اقتربت من وجهه وتحدثت في نبرة صوت خفيض:
_ مفيش بنت ممكن تخلي راجل مش بتحبه أو حتى مش متقبلاه يلمسها، خدها قاعدة... وأنا لاني خايفة عليه ومن الفضايح اللي هي ممكن تسببها بسبب حبها لغيره جيت لجأت لك لأن مفيش غيرك واكيد مش هلجأ لأبوها اللي اجبرها اصلا فاهم!
ياريت بقا تخلي الموضوع دا بينا ومتبقاش من النوع اللي بنرجع نقول عليهم اتقي شر من أحسنت إليه تمام؟
قدمتلك خدمة وممكن اساعدك باللي اقدر عليه علشان هانيا ترجعلك بس في المقابل مش عايزة اسمي يتلط في حوارات ملهاش عازة، محدش هيفهم إني عملت كدا ليه بدافع الخوف عليه وعليها والباقي انت عارفه بقا
نهضت وهي تحمل حقيبتها وتابعت:
_ سلام
_ لو احتاجت منك حاجة اوصلك ازاي؟
_ خد رقمي وبس رقمي اوعى تنط لي في القسم بتاعي كل شوية هعمل نفسي معرفكش تمام؟
هز رأسه موافقًا ثم قال وهو يخرج هاتفه:
_ قولي رقمك
*********
كانت روني تجلس في غرفتها تفكر في أمر أختها فهي دائمًا ما ينشغل بالها عليها وبالاخص عندما تذكرت حوارها معها أمس، فبعدما خرجت من شرودها أثناء تحدثها مع باسم ودخلت عندها ودار حينها بينهما الحوار التالي:
_محصلش حاجه بينا يا روني ومش هيحصل تمام؟
_ ليه يا هانيا ليه؟
_ لاني ببساطة مش بحبه وانتي لسه بتسألي ليه؟
_ طب حاولي...
_ روني، اسكتي ينفع؟ لانك لو حصل معاكي دا ماكتتيش هتسكتي.
مش فاهمة بجد، أنا بتكلم مع بنت زيها زيي يا روني انتي مش بس اختي و صاحبتي لا انتي كمان بنت زيي وفاهمة كويس اوي طبيعة البنت، البنت مستحيل تقبل أي حد يلمسها غير أما تكون بتحبه او عايزاه، دا قانون البنات في كل العالم، احنا بني آدمين عندنا مشاعر مش حيوانات يا روني، ازاي عايزاني اسيب نفسي لواحد وانا في قلبي واحد؟ عمرها ما تحصل دي دا قبل ما يكون ظلم ليا هيكون ظلم ليه وانا بتخيله غيره، انتوا بتفهموا ازاي ومنين؟؟
وفي تلك الاثناء دخل عليهما جياد الغرفة وما إن رأى روني حتى ابتسم وهو يقول:
_ ازيك يا روني
_ تمام يا جياد، وانت إيه الأخبار؟
ابتسم ابتسامة صغيرة جانبية ثم اتجه نحو الخزانة جلب ملابس ثم دخل المرحاض في صمت، التفتت إليها روني وردت:
_ نتكلم وقت تاني طالما جيه
خرجت عن شرودها على يد يزيد وهو يضعها على كتفها، يقول:
_ سرحانة في إيه في حبيبتي؟ فيا
ابتسمت وردت:
_ طبعا يا حبيبي ما انت اللي طول الوقت على البال و على الخاطر أكيد
نهضت من مكانها وتحدثت في فرحة:
_ يزيد تعالى نعمل فيديو مع بعض بالله عليك
_ فيديو إيه؟
_ اغنية هنغني مع بعض، هوريك
ركضت جهة هاتفها وأخذت تقلب فيه حتى فتحت الكاميرا وتحدثت وهي تقترب منه كي تقف جانبه:
_ يلا فتحت الكاميرا اهو وهنغني
_ هنغني إيه؟
_ ما انت أكيد هتكون حافظ الأغنية، كلنا عارفينها
جلس وهو يبتسم ورد:
_ ماشي يا ستي يلا نصور
_ تعالى هنا الإضاءة أحلى و الفيو اللي ورانا احسن
_ ماشي
جلس في المكان الذي اختارته وجلست هي جواره وفتحت الكاميرا وبدأت تغني في صوت لا هو حلو ولا سيء كأنها تتكلم لا تغني:
_ حميدو ولد شقي...
سكتت وهي تنظر إليه، بينما هو كان متعجبًا ورد:
_ نعم؟
_ حميدو ولد شقي يا يزيد
_ أيوا انا مالي؟
_ ايوا وانت مالك إيه ! قول حميدو
رد وهو مغلوب على أمره:
_ حميدو
_ شو بيحب الاذية
صمتت وهي تنظر إليه وكان الآخر ينظر إليها بملامح يشوبها الاستغراب، ماذا تنتظر منه تلك؟
_ ساكت ليه؟
_ اعمل إيه؟
_ قول يا ابني حميدو
_ تاني؟ ما انا قولت؟
_ لا قول تاني، معلش تعالى على نفسك
رد وهو يضرب يده اليمني باليسرى:
_ حميدو يا ستي
_ مرت من جمبه قطة، ما تقول يا ابني حميدو في إيه!
_ يخربيته، حميدو، أما نشوف اخرتها معاكي
_ يا يزيد بوظت لي الفيديو
_ اعمل إيه يا حبيبتي ما انا مش حافظ التتر!
تنهدت ثم تابعت:
_ بيضا عيونها عسلية
_ اقول حميدو بردو؟
_ ايوا يا يا زايد بقا
_ حاضر، حميدو
_ بعيونه فيها بحلق صار يجري وراها ويلحق، و بعيونه فيها بحلق صار يجري وراها ويلحق
نظرت إليه فرد في سرعة مبتسمًا:
_ حميدو
_ لا، يا يزيد لا، هنا بقا حط ايدك على وشك وقول نيو نيو الحقوني يا عالم انقذوني
_ نعم يا ختي؟
_ معلش يلا بصور بس الفيديو بس
زفر وهو يستغفر ربه وغنى:
_ نيو نيو الحقوني يا عالم انقذوني
_ فجأة وقف حميدو، حمل الحجر بايده وصار يرمي على القطة وهي تماوي.....
_ حميدو!!
_ لا يا يزيد لا، هي تماوي لا لا لا
_ طب ممكن احفظ الكوبليهات دي قبل التصوير؟ لان انا محفظتش إلا حميدو معلش
_ لا هي سهلة قول بقا كدا لا لا لا
_ لا لا لا
_ وتنط نطة ورا نطة...
قاطع اندماجها وهو يقول:
_ مخلاص يا روني فيه ايه مالك وايه الأغنية الغريبة دي؟ فكرتك هتتشغلي اغنية رومانسية لعمرو دياب ولا تامر حسني لاتنين متجوزين يغنوا و يحبوا في بعض ونصور اللحظة، لكن إيه حميدو حميدو والقطة اللي بتماوي لا لا دي! هو انا في كجي تو؟
_ دي أغنية طيور الجنة طفولتي، انت متربي على إيه انت!
_ لا أنا طفولتي كانت نتفليكس يا بنتي، طيور جنة إيه؟
_ بتهزر! انت قليل الادب بقا على كدا!
_ لا قليل الادب إيه بس يا بنتي، كنت بتفرج على افلام اجنبي بس كنت بختار اللي اتفرج عليه أكيد
_ وانت طفل؟
_ وانا طفل طفل يعني كنت بسمع كرتون بس بفضله اما اغاني الأطفال دي مليش فيها، وكمان كان اصلا فيه قنوات معينة بنشوفها كانوا مدرسينا بيختاروها لينا لتعليم اللغة الانجليزية وكدا بشكل أفضل فانا حقيقي مش فاهم الاغاني اللي انتي بتقوليها دي ولا عمري سمعتها
_ فاتك نص عمرك بس ولا يهمك انا حفظك
_ لا يا ستي شكرا متحفظنيش حاجة أنا مبسوط كدا، وسيبك بقا من حميدو و ميدو و سبيني اشغلك حاجة لتامر حسني هتعجبك
اطرقت.... ثم ردت عليه بينما هو يقلب في الهاتف كي يختار أغنية:
_ ممكن ننزله على التيك توك؟
_ هو أيه دا؟
_ الفيديو اللي هنصوره على أغنية تامر اللي هتجبها
_ برايفت يعني؟ ماشي نزليه شاركيه مع صحابك على تيك توك
_ لا مش صحابي صراحة أقصد public.
بص أنا عندي اكونت على تيك توك وفي عدد حلو بيتابعني، كنت بنزل صور ليا بأوت فيت معين أو وانا بحط ميك اب اعلم البنات ازاي يحطوا و...
_ لا لا أنا مبحبش كدا، حياتنا private تخصنا مش ملك للجميع هي! انا مبحبش اللي بيطلعوا هو و مراته ويقعدوا يهزروا و يعبطوا في الفيديو أو حتى لو مش بيعبطوا بس عمالين يعملوا اي حاجة علشان الشعب يتفرج و يضحك علشان شوية فلوس، فلا أنا لا محتاج اضحك حد عليا ولا محتاج ادخل حد في حياتي ولا محتاج اسمع رأي حد فيا ولا في مراتي ولا محتاج فلوس.
اللي بيطلع للعالم بيعرض نفسه لسخافة وتعليقات ملهاش لازمة على إيه؟ خلينا مع بعض نعمل اللي احنا عايزينه من غير ما حد يدخل ولا يتفرج
_ كنت عايزة اكون influencer
_وانا مش ممانع، بس اختاري المواضيع اللي هتتكلمي فيها، اطلعي علمي الناس انجلش اتكلمي في حاجة مهمة باحترام وشكل لبق وانا مش هقول لا، لكن نطلع نغني والكلام دا لا، و زي ما قولتلك قبل ما تختاري حاجة وتنزليها لازم تاخدي رأيي في ال content اللي هتتكلمي عنه، وبلاش تنزلي ميك اب ولبس و الكلام دا
_ ليه؟
_ اهو
تنهد وتابع:
_ روني أنا مش بقيدك بس للأسف احنا مشهورين و العين علينا والصحافة دايما متابعينا واي مشكلة او حوار علينا بيضع أسهم في البورصة فصورتنا قصاد الناس لازم تفضل حلوة ومش اختيار للأسف، الشهرة كدا ليها مميزات وعيوب
هتنزلي فيديو وانتي بتحطي ميك اب هتلاقي فئة بتشتمك بلا هدف وفئة تانية تقول محدش عارف يلمها وفئة تقول محتاجة الفلوس في إيه انتي وعالم رخيصة من الشباب تتغزل فيكي على إيه؟ احنا في غنى عن كل دا يا حبيبتي تمام؟
هزت رأسها في ابتسامة وردت:
_ تمام يا حبيبي اللي تشوفه
ابتسم وقبل جبينها ورد:
_ يا سلام عليكي وانتي مطيعة بتبقي زي القمر
_ متخدش على كدا كتير ها؟
_ليه بس؟
_ كدا اهو مرة من نفسك بعملك اللي انت عايزه وخليك فاكر
ابتسم ورد:
_ ماشي يا ستي هشيلهالك فوق فوق رأسي
_ يا روحي انت اللي فوق فوق رأسي يالهوي!
ضحك وضمها إلى صدره وتمتم:
" ضحكت عليها"
********
كانت أسيل تجلس داخل البلكون الخاصة بغرفتها تقلب في الهاتف وهي تحتسي القهوة بالحليب، كانت تشاهد بعض الفيديوهات الخاصة بروني على تطبيق TikTok وذلك بعدما فتحت الحساب الخاص بها، وبينما هي تقلب و تشاهد شردت تتذكر ما حدث في الأمس، وكيف ردت تلك الفتاة على الجميع بشجاعة
فبعدما انتهوا من الطعام، دخل الرجال جميعهم غرفة استقبال الضيوف ومن ثم ظلت السيدات في بهو القصر يجلسن على الارائك و الكراسي.
كانت عبير تجلس على الأريكة المتمركزة وبجوارها جهة اليمين تجلس ماهي و جهة اليسار تجلس كاميليا والتي ما إن رجعت البيت وعلمت أن الضيوف هنا ذهبت كي تجلس معهم على الفور.
أما حورية فقد جلست على الاريكة في جهة اليمين وبجانبها مايا و روني وبجانب روني هانيا
ومن ثم حليمة فقد جلست على الاريكة في جهة اليسار بجاورها فاطمية و أسيل
وفي الكرسيين الموازيين لأريكة عبير جلست تالية و رهف.
وتحدثت حليمة سريعًا كي تبدأ المشاكل مبكرًا:
_ يا عيني عليكي يا عبير خايفين ياختي ليكون داء عدم الخلفة دا كله في بنات مجدي السَّلّاب ومتعرفيش تفرحي باولادك
_ اعمل إيه بس يا حليمة في حظنا؟!
فتدخلت فاطيمة:
_ ربنا رزقك بأربع شباب زي الورد ومش عارفة تشوفي ضفر عيل؟ طب ماشي المتجوزين جداد دول معذورين شوية إنما اللي بقاله سنة متجوز دا يعمل إيه؟؟
ألقت مايا بصرها نحو الأرض تشعر بالتوتر الشديد، وردت روني في ثقة وصوت عالي:
_دي حاجة بتاعت ربنا يعني محدش عارف ولا بأيد حد دي، ولا ناويين تدخلوا في حكمة ربنا؟
ردت عليها حليمة:
_ لا يا حبيبتي ومدخليش المواضيع في بعضها انتي هتكفرينا واحنا قاعدين ولا إيه؟ كل اللي قصدناه إن ممكن تطلعوا كلكم شايلين جينات واحدة ومش بتخلفوا ولازم عبير هانم تخاف
ابتسمت الفتاة وردت:
_ ساعتها هنكون سبنالك بنتك تجيب لها الأحفاد كلهم ولا يهمك، بطلي انتي قلق بس بشأن الموضوع دا واوعدك انا واخواتي الاتنين هنخلف وهنملى القصر عيال
علقت فاطيمة ساخرة:
_ هو احنا نكره يا حبيبتي؟! ورينا همتك بما ان اختك فشلت في المهمة دي
_ انصحي بنت اختك وملكيش دعوة بينا احنا، احنا ناس مؤمنة بربنا وعارفين كويس اوي ان الأمور دي بأيده هو وبس
تدخلت عبير في غضب:
_ جرا إيه يا روني مالك داخلة بتنطحي في الكل كدا ليه يا حبيبتي اهدي على نفسك حبة
قبلما ترد روني ردت والدتها حيث قالت:
_ روني مبدائتش يا عبير هانم، انتم اللي من ساعة ما قعدنا وانتم عمالين تلقحوا وتقولوا كلام ملوش لازمه
_ ملوش لازمه؟ لا ليه ما انتي مجربتيش خلفة الولاد ومجربتيش يعني إيه تبقي قاعدة على نار مستنية حفيدك اللي هيشيل اسم العايلة
تدخلت حليمة تسير على نفس نسق حديث عبير:
_ ايوا صح يا عيني نسيت ان عندها ٣ بنات بس، ويا مخلف البنات يا شيل الحزن للممات
_ حزن؟ أنا عمر بناتي ما كانوا حزن بالنسبالي يا مدام حليمة، أنا بناتي دايما مشرفني ورافعين رأسي...
وقبلما تكمل قاطعتها روني تقول ساخرة:
_ يمكن بناتها بالنسبالها حزن يا ماما وموطيين رأسها دايما في الأرض علشان كدا مفكرة البنات كلهم زي بناتها ولا حاجة! شكلها نسيت طنط ان عندها بنتين، محسساني إن ما شاء الله عندها ٦ ولاد ولا حاجة!
تضايقت أسيل بشدة بينما ردت عبير في غيظ:
_ بنات مين دول اللي موطيين رأسها دا....
وقبلما تكمل، قاطعتها حليمة ترد في صوت عالي حاد:
_ ليه هو انتي مفكرة بناتي زي اختك اللي اتجوزت ابن اخويا وهي بتحب غيره ولا إيه؟ اقعدي ساكتة احسن انتوا كلكم معيوبين وجايين تتكلموا من فراغ
صاحت حورية في غضب:
_ لا انا مسمحكلكيش تتكلمي عن بنتي بالشكل دا انا بقولك اهو، كله إلا شرف وكرامة بنتي وإلا
قاطعتها أسيل صارخة:
_ لا بنقول الحقيقة وهي وجياد كانوا بيتخانقوا لنص الليل وعين بنتك كانت واضح عليها انها بتحبه موت، وبنتك التانيه اللي اسمها روني دي لو مفكرة لو محترمتش نفسها واتكلمت بأدب هاجي اعلمهولها لان يظهر انتي و اونكل مجدي نسيتوا تعلموهولها
ردت روني بعدما ضحكت ضحكة عالية :
_ شوف مين بيتكلم! أسيل اللي عينها مع جوزي؟
صاحت كاميليا في غضب بعدما نهضت:
_ بس كلكم وإلا أقسم بالله هنادي لبابا الشيخ عبدالله يجي يتكلم هو ويشوف صرفة
ثم نظرت إلى أمها و عماتها وتابعت:
_ إيه اللي انتوا بتقوله دا؟ عيب على فكرة مش مسموح تتكلموا عن هانيا كدا مش مسموح ان كل واحد يقعد يألف حوار على التاني بالشكل دا
ثم الفتت إلى حورية و روني وتابعت:
_ انتوا عيب بردو عيب، إيه اللي انتي بتقوليه دا يا روني؟
_ مش هما اللي بدأوا؟! الأول اتريقوا على اختي وبعدها خاضوا في شرف التانيه ومفكرين نفسهم بلا غلط؟
صاحت عبير في غضب و تزامن صراخها مع وقوفها:
_ بت انتي احترمي نفسك وإلا واقسم بالله اروحك مع أمك سامعة؟
قبلما ترد عليها وضعت حورية يدها على فمها كي تمنعها من الحديث وهي تهمس جانب أذنها:
_ بالله عليكي تمسكي نفسك و مترديش بالله عليكي مش عايزين مشاكل انتي عروسة لسه علشان خاطري
نهضت روني وتحدثت في صوت عالي بعدما ابعدت يد امها عنها:
_ انا مش هرد عليكي
ثم التفتت إلى أمها و اختيها وتابعت:
_ وانتوا تعالوا نقعد مع بعض بعيد عنهم
بالفعل نهضت حورية مع نهوضها نهضت ابنتاها و اتجهن جميعهن بعيدًا عنهن
وأثناء سيرهن تمتمت روني:
" حرابيق"
لترد عليها أسيل في صوت عالي:
" سمعتك يا محترمة "
فردت عبير :
_ كانت بتبرتم بتقول ايه البنت دي؟
_ بتقول حرابيق
فردت الأخرى في صوت عالي كي يصل إليهن وهن يسرن:
_ غوري انتي اللي حربوقة انتي واللي ربتك
تدخلت ماهي في ضيق:
_ غلط اوي كدا يا ماما غلط، بابا لو عرف باللي حصل دا هيقلب الدنيا
_ خليه يعرف علشان يشوف نتيجة القرف اللي لبسنا فيه وادي اخرتها نسب يعر وناس سليطة لسان وبنت متربتش
ردت عليها فاطيمة:
_ شفتي البنت ردت عليكي ازاي يا عبير هانم؟
_ شفت شفت يا فاطيمة وإلا ما اعلمها الأدب مبقاش أنا عبير هانم على سن و رمح
فأضافت حليمة:
_ هتجيبه منين، ماهي بنت الافعى الكبيرة حورية!
خرجت عن شرودها على صوت حسان وهو يقول:
_ أسيل يا أسيل
زفرت في ضيق والتفتت إليه ثم ردت:
_ نعم؟
جلس جوارها وابتسم ثم تحدث في نبرة صوت هادئة:
_ بقالنا يومين اهو... مش يلا بقا؟
_ يلا إيه؟
_ يلا و نجيب عبدالله
نظرت إليه في قرف، فاختفت ابتسامته ورد:
_ إيه؟ وحشة؟
_ جدا بقا جدا
_ أنا بس نفسي والله اسمي عبدالله حسان عبدالله وانا شايف ان اسم عبدالله يعني حلو ولا انتي في نيتك تسمي اسم تاني؟
أطلقت زفيرًا طويلًا وهي تستغفر ربها فتابع:
_ خلاص يا ستي، ابقي سمي اللي انتي عايزاه مش هعترض، بس دلوقتي بقا خلينا....
كان يتحدث وهو يقترب منها شيئًا فشيئًا، ولكنها نهضت سريعًا وهي تصرخ في وجهه:
_ عمرك ما هتلمسني الا أما تكون راجل الأول اتفقنا؟
رمت في وجهه تلك القنبلة وهربت سريعًا نحو المرحاض قبلما تسمع نتيجة انفجارها في ملامحه.
تجمدت ملامح وجهه بالإضافة إلى جسده وظل صامتًا وحسب يشعر وكأنها طعنته بسيف حاد داخل أعماق أعماق قلبه.
*******
_ شفتي يا هانيا اول حاجة قالوها علينا إيه؟ بالله عليكي متصغرينا لو ليا خاطر عندك متعمليش كدا، سيبك من شهاب دا خالص واوعي تتواصلي معاه ولا تحاولي تعرفي عنه أي حاجة تانية ولا اي حاجة بالله عليكي، شوية العقارب دول مستنين لكم على غلطة علشان يفضحونا و يحطوا رأسنا في الطين ويقلوا من ابوكي
صاحت الفتاة:
_ هو مش بابا اللي عمل فيا كدا و...
قاطعتها والدتها وأكملت:
_ بالله عليكي متصغرينا بالله عليكي يا شيخة
خرجت عن شرودها وذلك عندما سمعت صوت باب المرحاض يُفتح، فقد كانت تتذكر ما نصته عليها والدتها ليلة أمس بعدما بعدن عنهن،أزالت دموعها واتجهت نحو الكرسي تحمل ملابسها متجهة نحو المرحاض في صمت فأمسك ذراعها كي تقف وتحدث:
_ وبعدين يا هانيا؟ هنفضل كده لحد امتى؟ انتي تقريبا بقيتي بتباتي في الحمام، تقريبا بقى بيتك، كل اما تشوفي خلقتي الاقيكي دخلتي الحمام وتغيبي بالساعات، بتزهقيني يعني؟
_ أنا... أنا داخلة استحمى
_ طب وانا مش ممانع بس.... الموضوع دا هيفضل لحد امتى؟
_ موضوع إيه؟
صاح في ضيق:
_ هانيا أنا مش اخوكي، انا جوزك ركزي
_ جياد أنا...
قاطعها صوت دقات الباب، زفر في ضيق وصاح:
_ مين؟
_ أنا سمية يا مستر جياد
ترك ذراع زوجته واتجه نحو الباب فتحه ورد في ضيق وهو يعقد حاجبيه:
_ خير؟
_ عبير هانم طلبت انادي لمدام هانيا قالتلي عايزاها في موضوع مهم
_ موضوع إيه؟
_ لا معرفش الهانم مقالتش
_ ماشي روحي انتي
غلق الباب فابتسمت هانيا وقالت:
_ اهو شفت طلعت مامتك عايزاني، خليني اغير هدومي و انزلها بقا
دخلت المرحاض مسرعة وغلقت الباب بإحكام بينما هو أطلق زفيرًا طويلًا وهو يستغفر ربه وتمتم:
" يارب ألهمني الصبر بدل ما امسكها اخبطها في الحيطة اموتها واخد فيها إعدام "
ارتدى معطفه وذلك لان الطقس أصبح أكثر برودة واتجه نحو الباب كي يخرج، وضع يده على المقبض وقبلما يفتح، سمع صوت هاتف زوجته يرن..... ترك المقبض والتفت سريعًا نحوه ثم أقبل جهته، التقطته ليرى اسم ذلك الذي يكرهه يعلو شاشة الهاتف
Shehab my man
جملة واحدة قرأها كانت كفيلة في أن تجعله يشعر بالاخنتاق، قلبه يدق في سرعة يشعر أنه سيقوم بتحطيم الهاتف ممسكًا به من ياقته يضربه حتى الموت، كم صعب عليه تحمل هذا! تمنعه عنها لأنها ترى أن ذلك الحقير راجلها؟!
استجاب له وسكت يسمعه، فرد شهاب:
_ أخيرا رديتي يا هانيا!
_ أخيرا ردت؟ دا انت شكلك مزعج بقا!
ما إن سمع شهاب صوته، حتى أنهى المكالمة في الحال، وتمتم في ضيق:
" ماكنش المفروض هو اللي يرد، ماكنش المفروض يعرف إني أنا، كدا هيبدأ يشدد عليها، يخربيت الغباء، يخربيت الغباء..."
ما ان علم جياد أن ذلك الجبان قد أنهى المكالمة من طرفه، حتى وضع هاتفها في جيبه واتجه نحو الباب في سرعة يشوبها غضب وفتحه وأخذ ينزل الدرج في سرعة كأنه يخشى فوات معاد طائرته مثلًا.
بدلت هانيا ملابسها بأخرى مناسبة للنزول بها في بهو القصر ثم خرجت من المرحاض ولاحظت عدم وجوده فتمتت:
" أحسن انه مشي"
اتجهت نحو سريرها تبحث عن هاتفها وهي تردد:
" هو تليفوني راح فين؟ "
كانت قد بحثت عنه في كل مكان في الغرفة ولم تجده، وضعت يدها على خصرها وهي تقول:
" هيكون راح فين بس ياربي؟"
سمعت صوت دقات الباب، ففتحت لتجدها نفس الخادمة تقول:
_ ممكن بس يا مدام هانيا تنزلي حالا معلش لعبير هانم لأنها عمالة تقولي استعجلك؟
_ طب يلا جاية
خرجت معها وفي بالها تفكر في أمر هاتفها، أين وضعته إذًا؟
نزلت واتجهت نحو الغرفة الخاصة بعبير و صديقاتها، وما إن فتحت الباب حتى وجدت عبير تجلس هي و روني و نادية.
ابتسمت لهن ثم جلست وقالت:
_ نعم طلبتيني
نظرت إليها عبير وردت وهي تضع ساق فوق الأخرى:
_ أنا بعتلك انتي واختك دي علشان هتقعدوا مع نادية دلوقتي هتعرفكم على قوانين القصر، وبالمرة تعلمكم تاكلوا ازاي تقعدوا ازاي تمشوا ازاي وهكذا
علقت روني ساخرة:
_ ناكل ازاي ونقعد ازاي؟
_ آه وبعدين هو انتي لأزم تعترضي وخلاص ؟ مش مكفيكي اللي عملتيه امبارح؟ انا عديته علشان ابني وبس...
تنهدت وتابعت:
_ هتعلمكم الاتيكيت على أصوله، ازاي تتعاملوا بشكل كويس و لبق مع الزوار، ازاي تليقوا اصلا بكونكم كنات لعايلة الزيني و....
قاطعتها روني متحدثة في ضيق:
_ هو انتي لسه هتقولي و و و في كلام تاني؟
نهضت وتابعت:
_ أنا مش في حاجة للقعدة دي فقوانين القصر جوزي هيعرفهالي... أما بالنسبة بقا للاتيكيت و طريقة الأكل و المشي ووووو، فأنا اللي اعلمهم لنادية واللي علم نادية كمان
نهضت السيدة وردت وهي تضيق عيناها:
_ تقصدي إيه باللي علم نادية دا؟
_ والله كل الجمل اللي في الدنيا تحتمل معاني كتير، شوفي المعنى اللي يريحك وافهميه بيها.
انهت كلامها وانصرفت في غضب وسرعة.
كانت ترميها بشر وتحدثت في صوت عالي:
_ انتي بنت قليلة الأدب سامعة وأنا...
ردت هانيا بعدما نهضت هي الأخرى:
_ ما كفاية بقا حضرتك هو فيه إيه؟ من امبارح وانتي مستلمانا تقليل من شأننا وقلة قيمة وكرامة هو فيه إيه؟ أنا اعتقد ان حضرتك بتتعاملي مع خدمك احسن من كدا، احنا مرتات ولادك بردو، وانا اللي الكل متعود مني اني بسكت و بتحمل وبحط في نفسي ومش برد الإساءة بالاساءة وبطنش كتير، مش قادرة افضل مطنشة اللي انتي بتعمليه دا و....
قاطعتها وذلك بعدما اقتربت منها قائلة في تحذير:
_ عارفة انتي لو طلع اللي قالوه عليكي امبارح صح انا هعمل فيكي إيه؟ أنا هشردك و...
_ مسمحكلكيش، أنا و شهاب صفحة واتقفلت كون بقا بنت اخت جوزك عايزة تقول أي كلام عليا علشان تضايقني دي حاجة متخصنيش، واهو عندك اسأليه، عن اذنك
انصرفت الفتاة وهي لا تعرف كيف تجرأت وتحدثت بتلك النبرة، فهي الآن تشعر بالرعب إذ قامت عبير بالفعل وسألت ابنها وعلمت الحقيقة؟
ولكنها لم تشعر إلا وهي تدافع عن نفسها بشدة ما إن رأت حماتها تقلل منها وتحط من شرفها.
بينما عبير تتبع أثرها وتمتمت:
" شكلكم مش هتجبوها لبر نهائي يا بنات مجدي، بس انا وانتوا و الأيام"
*******
_ تعالي يا روني شوفي المفاجأة اللي أنا عاملهالك
تحدث يزيد ما إن رأى زوجته قد فتحت باب الغرفة بعدما انهت الحديث مع والدته، ولكنه سرعان ما عقد حاجبيه في استغراب ما إن رأى علامات الغضب تشكل ملامح وجهها وعليه قام وأخذ يقترب منها وهو يقول:
_ إيه يا روني مالك؟ إيه حصل؟
نظرت إليه وردت في صوت عالي أثر الغضب و الغيظ اللذان تسرهما في نفسها:
_ نفسي افهم والدتك بتتعامل معايا كدا يا يزيد أنا عملت لها ايه بجد؟
_ ليه عملت إيه؟
_ امبارح قللت من ماما ومننا جامد لدرجة قمنا وقعدنا بعيد و...
_ لحظة بس قللت منكم ازاي؟
_ فضلت تعايرنا هي وعماتك بحوار النسب دا وشوية يعايروا كلهم في اختي انها مخلفتش، ومايا منمتش امبارح من كتر العياط وبتمثل الضحكة والفرح قصاد فاتح علشان ميلاحظش حاجة وتعمل مشاكل وانا كمان كنت ساكتة علشان معملش حوار في أول أيام جوازنا، دا غير التلقيحات اللي ملهاش لازمة هدفها التقليل مننا وبس.
تيجي النهاردة....
قاطعتها دموع عيناها وتابعت في نبرة صوت متهدج:
_ تيجي النهاردة وتقولي اقعدي مع نادية تعلمك الاتيكيت تعلمك ازاي تأكلي وازاي تشربي ازاي تمشي ، على اساس إني من الشارع يعني؟ ليه الطريقة دي ليه؟
انتفض قلبه ما إن رأى دموعها ورد:
_ روني انتي بتعيطي؟
ازالت دموعها وركضت نحو المرحاض دخلت سريعًا ثم غلقت الباب وانهارت. قد وصلت أصوات شهقاتها له، فأسرع نحو الخلاء يدق على الباب وهو يردد:
" روني افتحي يا روني افتحي"
ولما يئس من عدم استجابتها، أسرع جهة باب الغرفة وخرج.
ينزل الدرج في ثورة عارمة حانقًا للغاية.
دخل على والدته الغرفة بعدما لاحظها قد دخلت قبل قليل، والتي ما إن رأته يدخل وعلى وجهه ذلك الغضب تعجبت ولكنه لم يعطها أي فرصة لتستفسر فصاح في غضب:
_ بصي يا ماما أنا عمري في حياتي يمكن ما كلمتك بالطريقة دي بس أنا كنت ملاحظ فعلا طريقتكم امبارح مع مراتي وأهلها واحنا على السفره وبابا حاول يهدي كتير بس حضرتك وعماتي كنتم مصريين، أنا مراتي خط أحمر مش خط واحد لا خطين حمر، محدش في القصر دا كله ليه الحق إنه يزعلها أو يضايقها أو حتى يهمس جمبها، مراتي مسؤوليتي أنا وبس، لكن طريقتك معاها لاني مش عارف انتي ليه مش بتحبيها من ساعة ما طلبتها لو متغيرتش وفضلتي تعامليها بالأسلوب دا لدرجة تعيطيها بالشكل دا وهي لسه عروسة أنا مش هسمح يحصل تاني وإلا بابا يشوفلي صرفة في الموضوع دا.
صمت برهة يتنفس ثم تابع :
_ ثم انه قوانين إيه و طريقة اكل ومشي إيه اللي عايزة تعلميهم ليها؟
انا مراتي مشيتها لوحدها أيقونة
قال نادية اللي هتعلمها تمشي قال!
أنهى كلامه معها بتلك الطريقة ثم انصرف غالقًا الباب خلفه في قوة.
ارتمت السيدة على سريرها وقد سقطت دمعة من عيناها تفتح فمها لا تصدق ان ذلك الذي كان يحاورها بتلك الطريقة هو ابنها يزيد!
وتمتمت:
" كدا يا يزيد بتزعق في وش أمك علشان واحدة لسه ملهاش يومين معاك؟ عرفت تقسي قلبك على أمك وتخليك لأول مرة في حياتك تزعق في وشي كدا؟ والله شاطرة عرفت تعمل اللي أنا معرفتش اعمله، عرفت تمشيه على عجين في كام يوم.
وفجأة تغيرت نبرة صوتها من الشفقة والحزن على نفسها من ابنها إلى نبرة صوت يملؤها التحدي:
_ ماشي يا عقربة يا اللي اسمك روني إلا ما خرجتك منه مطلقة واخلي ابني يلطشك ويرميكي زي الكلبة برا مبقاش أنا عبير هانم"
********
_ قولي يا حسان خير في حاجة حصلت في البيت ولا إيه؟
تحدث الشيخ عبدالله إلى ابنه الذي أتى إليه وطلب أن يتحدث معه، ورد الآخر:
_ عايز اشتغل يا بابا أنا سبق وقولتلكم كدا
_ بس يا حسان...
_ من غير بس يا بابا، أنا مراتي مش شيفاني راجل
اتسعت عيناه في دهشة وصاح:
_ إيه؟ مش شيفاك راجل ازاي يعني؟
_ بتقولي اللي بيصرف عليا خالي وهي مدايقة وعايزاني اشتغل
زفر الشيخ في ضيق ورد:
_ ماشي يا حسان، مش عارف ممكن تشتغل معانا إيه بس ماشي.... روح اقعد في الاستراحة لحين ما يجي مجدي السَّلّاب وهخليه يتكلم معاك و يشوفلك الوظيفة اللي تناسبك في الشركة
_ لا، أنا عايز امسك منصب زي اخواتي كلهم
ابتسم الشيخ وتمتم:
" ياه يا حسان أخيرا! يمكن الجواز يغيرك ويعمل معاك اللي احنا و الدكاترة فشلنا فيه"
ثم رد عليه:
_ ماشي، بردو استنى مجدي السَّلّاب علشان هو اللي هيقولك تمسك إيه وتعمل إيه، ماهو متنساش بردو ان المديرين كلهم موجودين وكل واحد في مكانه ومينفعش نمشي حد فجأة، علشان كدا استنى مجدي هيكون عارف لو حد هيمشي قريب أو إيه الأنسب ليك اكتر الفترة دي وهكذا، ماشي؟
_ هيجي امتى؟
_ بالكتير ساعة هو في اجتماع دلوقتي
هز رأسه موافقًا وخرج.
********
كانت ماهي تجلس وهي ترتب اوراقها استعدادًا لدخولها اجتماع عقب قليل، وتحدثت في صوت عالي ما إن سمعت صوت دقات الباب:
" ادخل"
دخل شهاب وهو يبتسم ولكنها ألقت بصرها نحو الأوراق مرة أخرى، ابتلع ريقه وأخذ يقترب من مكتبها ثم تحدث:
_ ماهي
رفعت رأسها وردت في ثبات:
_ نعم؟
_ أنا آسف، يمكن اتعاملت معاكي بأسلوب مش كويس امبارح بس انتي بنفسك كنتي شايفة أنا عامل ازاي.
ماهي ربنا وحده اللي يعلم أنا فعلا بمر بإيه، أنا فعلا عندي مشاكل كتير اوي والله ويمكن دا أثر عليا وخلاني اتكلمت كدا وكنت جامد في تصرفي معاكي
_ خلاص يا شهاب حصل خير، بالمناسبة مش هعرف اطول معاك في الحديث اكتر من كدا لان عندي ميتنج كمان دقايق ومينفعش اتأخر
_ اه طبعا اتفضلي
خرجا معًا من المكتب واختلف اتجاه كل منهما في الانصراف، وما إن عاد إلى مكتبه حتى وجد السكرتيرة الخاصة بجياد تقترب منه وقالت:
_ شهاب
_ نعم؟
_ مستر جياد عايزك في مكتبه حالا
ابتلع ريقه ورد:
_ مستر جياد؟
_ آه
_ هو هو مش في اجازة؟
_ المفروض بس جيه وطلبك
_ متعرفيش عايز إيه؟
_ لا، ويلا بقا روح علشان انت عارف هو بيكره التأخير
زفر في ضيق ونهض وسار متجهًا نحو مكتبه، وما إن دخل حتى وجده يقف مولي له ظهره، فتحدث الآخر:
_ طلبتني، نعم؟
التفت إليه الشاب ورد:
_ إيه يا شهاب كنت بتتصل على مراتي ليه؟ لا وشكلك كان بقالك فترة بترن وهي مش بترد عليك للأسف فقولي يعني محتاج إيه يمكن اقدر اساعدك؟
اطرق الشاب برهة محاولًا أن يكتم غيظه بدلًا من ارتكابه جريمة قتل في ذلك المكتب الآن، فحاول أن يتصنع البرود مؤكدًا لنفسه أنها لا تزال تحبه هو وتنتظره هو كما كان يشعر وكما أخبرته تالية، فتنفس في راحة ورد:
_ أنا كنت مجرد زميل لهانيا وأما هي تغيب عن الشغل كتير كنت بتصل اطمن، ومن وقت للتاني بتصل اطمن عليها كزملاء عمل مش اكتر
أخذ الآخر يفرك جانب ذقنه ورد وهو يهز رأسه:
_ قولتلي.... زملاء عمل... هتحترم كلامي؟
_ أكيد
_ انا محبش إن مراتي يكون ليها زملاء عمل رجالة ورقمك دا إياك ألمحه بيرن تاني عليها، اتفقنا؟
كان الآخر يرميه بنظرات مليئة بالشر يود أن ينقض عليه يخنقه حتى الموت وعليه لم يرد بل ظل صامتًا.
فتح جياد درجه الخاص وأخرج منه ملف ووضعه على الطاولة ثم تابع:
_ الملف دا فيه ال C.V بتاعك و الورق اللي قدمته للشركة وقت التوظيف، أنا بكل اسف بقولك انت مبقاش ليك شغل تاني في شركتنا هنا أو لأي فرع يخصنا، ولاني راجل جدع واكتر حاجة ممكن أكره إني اعملها هي إني أقطع عيش أو رزق حد، فأنا رشحتك لشركة كبيرة زينا بالظبط في السوق وبمرتب أعلى شوية، خلص الأوراق المطلوبة للاستقالة في قسم ال HR وانا هكلم الناس اللي وصتهم عليك دول علشان تروح وتستلم شغلك في مكانك الجديد.
كان الآخر عيناه تتسع أكثر فأكثر اندهاشًا بما يسمعه منه وسأله في استغراب:
_ هو انت ليه مشتني من الشركة؟ أنا عملت إيه غلط؟
_ ولا أي حاجة خالص الموضوع وما فيه إن الإدارة شايفة كدا
_ إدارة إيه اللي شايفة كدا؟
_ احنا بيكون لينا وجهات نظر معينة، وبعدين انا مرمتكش في الشارع! انا قدمتلك يعتبر بنفسي في شركة تانيه ووصيت عليك واديتهم feedback عنك كويس جدا وكمان طلبت مرتب أعلى ليك ودا لانك experience
ابتسم ابتسامة صغيرة تحمل السخرية ورد:
_ هو الإدارة بتشوف مين حقق نجاح كبير للشركة وتطرده؟ يعني آنسة ماهي لسه قيلالي ان اعلاني حقق نجاح ساحق وكمان كانت عايزة ترشحني أمثل الشركة في حفلة الرياض، وانت تقولي أمشي؟ هي دي المكافأة ؟ هي دي المكافأة اللي المفروض الإدارة بتكافئني بيها؟
رد الآخر في نبرة حادة:
_ شهاب خلاص الموضوع انتهى تمام؟ يلا خد ورقك وخلص امورك وخد أي فلوس لو ليك وارجع لي علشان تستلم شغلك الجديد في مكانك الجديد وبطل زن، و دلوقتي مع السلامة
رمقه الآخر بنظرات يملأها الضيق مع التحدي والغضب ومن شدة كتمه لغيطه برزت عروق رقبته وفك حلقه ورد عليه:
_ انت ظالم، جشع وانا هعرف ازاي أردلك كل القهر اللي خلتني احس بيه ورى بعضه
صاح الآخر في غضب:
_ اطلع برا، برا
التقط اوراقه الموضوعة من على المكتب في غضب كأنه نتشها كما يتنش الطائر الجارح فريسته، وسار في غضب جهة الباب، أمسك بمقبض الباب ثم التفت ينظر إليه من أعلى إلى اسفل في اشمئزاز حاملًا له في نظراته التهديد و الوعيد.
فتح الباب وغلقه بقوة وما إن خرج حتى وقف يلتقط أنفاسه حابسًا دموع عيناه بكل قوة لديه حاميًا نفسه من الانهيار، ينظر إلى ملفه ثم انصرف فجأة في غضب أكبر.
*********
_ عمالة ارنلك عليه اهو بيدي جرس بس مفيش رد خالص
تحدثت روني موجهة كلامها إلى هانيا والتي لا تزال تبحث عن هاتفها في كل مكان، تضايقت الفتاة في شدة وردت في ضيق:
_ يعني إيه، أنشقت الأرض وبلعته ولا إيه يعني؟ التليفون بجد اختفى خالص
_ طب افتكري كويس يا هانيا حطتيه فين؟
_ والله يا بنتي كان في اوضتي أنا اصلا مطلعتش من الأوضة بيه أنا فاكرة
_ طب ما تسألي جياد
_ أنا مش عارفة اصلا هو فين دا مختفي من بدري هو كمان وبعدين هيقولي مشفتوش
_ يمكن شافه ماهو اللي معاكي في الاوضة يا بنتي
_ مش عارفة مش عارفة
خرج يزيد من المرحاض، وما إن رأته هانيا حتى أضافت:
_ طب أنا همشي أنا هروح اشوفه فين
_ ماشي وابقي عرفيني عملتي ايه
_ ماشي
خرجت هانيا، بينما يزيد أقترب من زوجته وجلس جوارها ثم وضع ذراعه على كتفيها وتحدث:
_ لسه زعلانة؟
لم ترد عليه، فتابع:
_ حقك عليا انا طيب، أنا والله نزلت بهدلت الدنيا واتكلمت معاها بأسلوب مش حلو وقولتلها المرة الجاية بابا هيكون عنده علم
_ أنا ماكنتش حابة اصلا الأمور توصل لهنا يا يزيد بس أنا فعلا مش عارفة ليه هي بتتعامل معايا كدا!
_ بكرة الأمور تتحل وتتعامل معاكي بشكل أحسن هي بس مخضوضة فجأة كل ولادها اتجوزوا وكل واحد فينا بيعشق مراته فهي بقا مش قادرة تصدق بكرة تتقبل الوضع وتهدى
_ اتمنى
_ المهم أنا مش عايز اشوف دموعك دي تاني خالص اتفقنا؟ اوعي تعيطي تاني طول ما أنا جمبك، طول ما أنا على وش الأرض مش هسمح لحد يزعلك ولا ينفخ جمبك حتى
ضحكت واقتربت منه وهي تضع وجهه بين كفيها وقالت:
_ بتحبني قد إيه يا يزيد
قبّل باطن يدها اليمنى ثم رد وهو ينظر إلى عينيها:
_ دا سؤال؟
_ اديني مثال طيب
_ خليني أقولك لدرجة إنه، بحر من الخمر لن ينسيني ملامحك، ملامحك محفورة جوا قلبي يا روني
ضحكت في صوت عالي وردت:
_ طب ما انت طلعت شاطر في العربي اهو
_ يا بت لا انا شاطر فيه كنت بجيب دايما ٥٠
_ من ٥٠؟
_ لا من ١٠٠
_ ما شاء الله مقبول يعني
_ الحمدلله المهم اني كنت بنجح ومش بشيل
ابتسم ثم أشار إلى حجره وتابع:
_ تعالي تعالي اقعدي هنا على حجري
فعلت كما طلب ثم وضعت يداها حول عنقه فتابع:
_ بصي بقا المفاجأة اللي محضرلهالك
_ إيه هي؟
فتح هاتفه وأخذ يوريها، وما إن رأت ما يعرضه عليها، صاحت في فرحة وانهالت عليه بالقبلات من خديه تقول:
_ ربنا يخليك ليا يا روحي يارب، وميحرمنيش منك ابدا
_ شفتي بقا، عرفت إنك بتحبي المالديف قلت بس لازم احجز شهر العسل بتاعنا هناك واهو يا ستي حجزت، اي اوامر تانية روني هانم؟
_ مش عارفة هحبك تاني إيه اكتر من كدا بجد بجد مبسوطة اوي اوي
نهضت تركض جهة الخزانة فابتسم وقال:
_ بتعملي إيه؟
_ بجهز شنطتي يلا مفيش وقت
_ طب إيه رأيك نقول لجياد و هانيا و ناخدهم معانا؟
اختفت ابتسامتها وردت وهي تبلع ريقها:
_ ها؟!
*******
دخل جياد غرفته، وما إن رأته هانيا حتى أسرعت جهته تقول:
_ جياد شفت التليفون بتاعي؟
نظر إليها ولم يرد وأخذ يسير في صمت حتى جلس على السرير، عقدت حاجبيها في استغراب ولكنها لم تتحدث أيضًا تجاهلته وبدأت تبحث مرة أخرى فتحدث :
_ إيه علاقتك بشهاب
توقفت عما كانت تفعل في صدمة وأخذت تلتفت نحوهه في بطء شديد وردت وهي تبلع ريقها:
_ إيه؟
_ إيه علاقتك بشهاب؟
_ شهاب مين؟
ابتسم ابتسامة ساخرة ورد:
_ شهاب مظهر.... أو أقولك
Shehab my man
تزامن من قوله تلك الجملة، إخراجه لهاتفها من جيبه، وتابع:
_ لقيت التليفون بيرن و your man كان هو المتصل
تجمدت مكانها تنظر إليه وفقط.
ترك الهاتف جانبًا وأخذ يقترب منها وملامح وجهه شكلها الغضب، وتابع:
_ ردي انتي مش خارسة أما اكلمك ردي بعد اذنك يعني
_ شهاب كان حبيبي وكنا هنتخطب وانا نسيت امسح الاسم انا كنت مسجلاه كدا من قبل ما نتجوز، تمام همسح الاسم
_ متأكدة إنه الموضوع بينك وبينه خلص؟
_ آه
_ مش باين يعني!
_ لا خلص
ابتسم ورد ساخرًا:
_ وامتى أول ليلة لينا مع بعض؟
اطرقت تدور بأعينها بعيدًا عنه، فتابع:
_يبقى لسه مخلصش.... ممكن اسأل سؤال واحد؟
_ آه
_ أما انتي مش عايزاني اتجوزتيني ليه؟
_ مين قال إني مش عايز...
_ ردي عليا بعد اذنك، أما انتي مش عايزاني اتجوزتيني ليه؟
أطرقت وكذلك هو أيضًا لم يضف حرف آخر وظلت أعينهم من تتحدث فكل منهما يحمل نظرات لآخر تخبره عما يلوج في جوفه، وقاطعت هي ذلك الصمت الطويل قائلة:
_ اقدر اثق فيك واقول السبب؟ يعني توعدني انك متقولش لحد؟ تقريبا هتكون دي اول مرة اثق فيك وافتح لك قلبي هتكون قدها؟
هز رأسه مؤكدًا، فتابعت:
_ مجبورة
كان يستوعب ما قالته ورد في عدم تصديق:
_ مجبورة؟
_ آه.... رفضوا شهاب واجبروني أوافق عليك، أنا أنا حاولت كتير حاولت كتير ارفض بس هما وضغطهم عليا كان أقوى مني ومن عياطي و صريخي.....
أخذ يضحك في عدم تصديق مما يسمعه يضع يده على شعره يمسح عليه إلى الوراء في صدمة وتحدث كأنه يتحدث إلى الهواء:
_ طلعت مجبورة.... طلعت مجبورة
_ صدقني يا جياد أنا مش قصدي اجرحك أنا بس...
_ انتي لسه مجرحتنيش؟ هو المفروض عليا اني اسمع منك الكلام دا عادي واكون واقف سعيد و مبسوط ولا إيه؟
طب ليه معرفتنيش؟ قالولك إني معنديش كرامة! لو كنتي قولتليلي مش عايزاك وأنا مجبرة على الجواز دا كنت هوقف كل حاجة
_ فكرت في كدا، بس خفت تقول لبابا إنه الرفض من عندي وهو قالي لو دا حصل هحرمك من الشغل وهقعدك في البيت
تركها واتجه نحو السرير جلس عليه وهو يضع يداه على رأسه والتي سرعان ما نكسها شاعرًا بالخيبة والخزي، اضافت:
_ بس انت وعدتني انك مش هتقول لحد صح؟ ولا حتى بابا ولا حتى حد من أهلك
_ وانا المفروض افضل معاكي وانتي بتحبي غيري؟ وانتي منعاني عنك؟
_ هنطلق بس مش دلوقتي شوية وبعدها نقول اننا متفقناش و نتطلق
_ شوية؟ وتطلقي مني وانتي بنت بنوت؟ انتي عبيطة بقا ولا شكلك كدا؟
أطلقت زفيرًا طويلًا ثم ردت:
_ يعني إيه الحل؟
_ أنا معرفش إيه الحل إنما اللي متأكد منه إني عمري ما هطلق بعد مدة دي وانتي بنت بنوت، بسم الله ماشاء الله كنتي عايشة مع ابن اختك!
_ ومين اللي هيعرف الكلام الفاضي دا؟
_ كلام فاضي؟
_ ايوا كلام فاضي، اللي أنا هتجوزه جديد هقوله إنك أنت اللي بعدت عني بمزاجك أما عرفت إني مجبرة على الجواز منك وساعدتني ووقفت جمبي لحد أما اطقلنا، أنا هعرفه إني كنت مع شهم مش عيل وفعلا لو عملت معايا كدا عمري ما هنسهولك
نظر إليها في ضيق شديد ونهض في سرعة وأخذ يسير جهتها وتحدث في نبرة صوت حادة :
_ وانا مش هساعد ومش عايز الدور البطولي دا، لو اختارتي الطلاق هنطلق وحالا ومليش دعوة بقا بأي حاجة تانية
_ يعني إيه؟ هتقول لبابا؟ هو دا السر؟ هي دي الثقة؟
_ مش هقوله حاجة هقوله مرتحناش مع بعض وخلاص ومش هزود حرف زيادة
_ ماهو هيعرف إني السبب
صرخ في غضب عارم:
_ انتي بجحة؟ ها بجحة؟
كانت تنظر إلى عروقه التي برزت وإلى عيناه المتسعة بشدة و المليئة بنيران الغضب، ثم صرخت هي الأخرى في انهيار:
_ خلاص مش هطلق يا جياد، وعندك اهو اعمل فيا اللي انت عايزه يا جياد، ومتهمتش لأي حاجة تانية، ما انت جوزي وليك حقوقك طبعا
كانت تشهق من بين الحين والآخر أثر البكاء، ثم ركضت جهة المرحاض ودموعها تنهال على خديها، صرخ الآخر في غضب أكبر وهو يركل بقدمه الطاولة والتي سرعان ما انقلبت وسقط كل ما عليها.
اتجه نحو الباب وخرج وأخذ ينزل الدرج وبركان الغضب يصاحبه، فرأته تالية وعليه ابتسمت وتمتمت:
" يارب دايما كدا حزين وما تتهنى ابدا"
ركضت خلفه كي ترى إلى أين سيذهب فوجدته يركب سيارته و ينطلق كالسهم، وعليه أسرعت هي الأخرى جهة سيارتها وأخذت تسير خلفه.
وكل ذلك حدث على مرأى فاطيمة والتي كانت تبصرهما عن جنب وابتسمت لغضب الفتى واسرعت جهة عبير كي تبخ السم في أذنها.
وجدتها تجلس في غرفتها تقلب في الهاتف، فاقتحمت الغرفة فجأة تدعي البكاء تقول في صوت عالي يشوبه التوتر:
_ الحقي يا عبير هانم، جياد نازل من اوضته وعفاريت الدنيا بتتنطط في وشه وكان معيط وساق ومعرفش ماله، أنا قلت لتالية تجري تلحقه أما شفته في الحالة دي
ألقت السيدة الهاتف من يدها وصرخت في رعب:
_ ساق وهو بالشكل دا؟
_ واكتر بقولك الواد كان كأنه مش شايف من كتر العياط اللي كان معيطه
_ ليه ليه دا كله ليه، ابني... ابني
نجحت في فزعها بعدما وصلت لها أن ابنها سيصيبه مكروه عقب قليل من كثرة البكاء و الغضب.
ركضت السيدة جهة هانيا وخلفها فاطمية.
كانت لا تطرق الباب بل تكسره تقريبًا، تطرقه في قوة يصاحبها صراخها وهي تقول:
" افتحي.. عملتي في ابني إيه يا بنت مجدي السَّلّاب، افتحي"
*********
" اشتهرت اكتر ماهي مشهورة، كسرت الدنيا بالفيديو الاخير ليها، بس قبل ما اقولكم إيه الحكاية، اعملوا لاف و شير و كومنتات كتير للفيديو دا.
أولا مين هي رانيا، اللي فجأة ظهرت وخطفت الأجواء؟
هي رانيا مجدي السَّلّاب الشهيرة بروني بنت مساعد رجل الأعمال المشهور عبدالله الزيني.
الاول رانيا كانت بتظهر بفيديوهات بسيطة على تيك توك و الانستا بتاعتها وهي بتعمل تسريحة في شعرها او بتحط ميك اب بسيط وجميل وتعلم البنات ازاي يحطوا الميك اب اليومي، ولانها كانت مشهورة اوي بأناقتها فكانت بتظهر بلبس مختلف كل اوت فيت أروع من اللي قبله، وبسهوله قدرت تخطف عدد كبير من المتابعين ومعظهم كانوا بنات.
وبسرعة رانيا الشهيرة بروني تفاجئنا بزواجها من نجل الشيخ عبدالله الوسيم يزيد الزيني والكل بقا بيقولها يا بنت المحظوظة، وازداد عدد المتابعين عندها بشكل كبير.
طب إيه اللي حصل بقا؟
طعلت روني و فاجئت الجميع بعد ما شاركت متابعينها على حسابها على تطبيق تيك توك برقصة ليها هي وزوجها هزت السوشيال ميديا كلها، كانت لابسة فستان اسود حرير أنيق وخاطف للانظار، ظهرت لينا وهي بترقص بشكل حلو اوي مع جوزها يزيد الزيني في اوضة نومهم، والناس كلها علقت وفيه اللي قال رقصة جميلة و اتمنى ليهم السعادة وفيه اللي علق تعليقات سلبية وقالوا ماكناش نتوقع ان الوقاحة توصل بيهم لأنهم ينزلوا حاجة خاصة زي دي في اوضة نومهم، وانت قولنا إيه رأيك في اللي عملته روني وهل تؤيد ولا ترفض؟ "
كان ذلك الفيديو تشاهده روني في صدمة على منصة فيس بوك لسيدة تسرد قصة حياتها بالصور القديمة لها و صور زواجها و صور أخرى شاركتها روني من قبل على وسائل التواصل الاجتماعي.
كانت ترى بوضوح تلك الرقصة التي رقصتها مع يزيد قبل يومين في غرفتهما، كيف جاءت إلى هنا وكيف وصلت للعالم؟
جحظت عيناها تكاد تخرج من محجريها وهي تشاهد الفيديو والذي وصلت مشاهداته إلى مليون مشاهد في بضع ساعات
نزعت عن اذنها تلك السماعة التي كانت تضعها، ونهضت شاهقة تضع يدها على فمها لا تصدق ما تراه بعينيها، وهنا دخل يزيد وهو ينظر إليها وتكد عيناه تخرج من محجريها نتيجة لغضبه الشديد.
*******
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت
لقاؤنا يوم الجمعة الجاية
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل العاشر 10 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه؟؟
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل العاشر [ حادث ]
سلمى خالد أحمد
*************
كان جياد يقود سيارته بلا وجهة، يضغط على المقود كأنما يخشى أن يفلت منه كل شيء. الطريق يمتد أمامه طويلًا وباردًا، يشبه المسافة التي باتت تفصل بينه وبين قلب هانيا.
لم تكن تحبّه…
هذه الحقيقة كانت تطرق رأسه مع كل إشارة ضوئية، مع كل انعطافة. أحبّت غيره، واعترفت بذلك صامتةً تارة، وبعينيها ونفورها الخفيّ كلما اقترب تارةً أخرى، ثم أكّدتها اليوم بلسانها حين قالت إنها مجبورة.
انحرفت السيارة قليلًا، فتداركها سريعًا، قبل أن تفضحه دمعة انزلقت دون إذنه. مسح وجهه بعجلة، وكأن الطريق يراقبه، وكأن المدينة بأكملها تعلم أنه رجل حاول أن ينتزع حبًّا بالقوة… فخسر القلب والكرامة معًا.
كانت تالية تسير خلفه بالسرعة نفسها، تراقب قيادته الجنونية، حتى أخذ قلبها ينتفض خوفًا عليه. كانت تصرخ باسمه، ترجوه أن يتوقف، لكنه لم ينتبه لها، ولم يهتم.
ازدادت سرعة السيارة… وازدادت دموعه، حتى بات الطريق أمامه مشوشًا.
" جياد، أرجوك هدي شوية يا جياد!"
كانت تصرخ وهي تحاول الاقتراب بسيارتها بكل الطرق.
وفجأة، ومن العدم، ظهر أمامه شاب يقود دراجة نارية في الاتجاه المعاكس. وبسبب سرعة جياد التي تجاوزت كل حد، تجمّد الشاب في مكانه مصدومًا. حاول جياد، ما إن رآه، أن يتفادى الاصطدام، فتوقف فجأة، فاحتكّت إطارات السيارة بالأسفلت وهي تنحرف بعنف…
لكن ذلك لم يمنع الكارثة.
اصطدمت السيارة بالشاب، فسقط من فوق دراجته ملقىً على الرصيف، والدراجة فوقه.
أما سيارة جياد، فقد اندفعت جانبًا، تجرّ نفسها بعجز، حتى ارتطمت بشجرة كبيرة في الجانب الآخر من الطريق.
توقّفت سيارة تالية فجأة، كأن الزمن تعثّر معها.
اتّسعت عيناها حتى كاد الرعب ينسكب منهما، وظلّ بصرها معلّقًا بالمشهد أمامها، عاجزًا عن الاستيعاب.
السيارة المهشّمة…
الدراجة الملقاة…
وجياد.
صرخت باسمه، صرخة خرجت مكسورة، صرخة تكاد تُسْمِع الأصم من شدتها.
فتحت باب سيارتها بعنف، واندفعت خارجة منها، تركض نحوه منطلقة كالسهم، وكأن الأرض تُسحب من تحت قدميها.
كانت تركض، لكن الزمن من حولها كان يتحرّك ببطءٍ قاسٍ.
شَعرها يتطاير خلفها بلا نظام، وأنفاسها تتقطّع، وقلبها يخبط صدرها كأنه يحاول الهرب. كانت عيناها معلّقتين عليه وحده، مصدومتين، مرتجفتين، ترفضان تصديق ما تراهما.
" جياد… جياد!"
كانت تصرخ باسمه، واسمُه وحده يملأ رأسها، يعلو على ضجيج الطريق، على صرير الحديد، على كل شيء.
وصلت عنده وركضت جهة النافذة الخاصة بكرسيه وهي تصرخ:
" جياد...جياد....جياد رد عليا يا جياد..."
توقفت لحظة عن الصراخ وهي تبحث بعينها عنه في رعب لترى ما الذي أصابه
وكان هو محشورًا خلف المقود، رأسه مائل إلى الجانب، والدم قد انساب بخيطٍ رفيع من جبينه، يشقّ طريقه ببطء على بشرته الشاحبة. الزجاج الأمامي متشقق، والهواء من حوله مشبع برائحة حادّة لا تعرف لها اسمًا… خليطًا من المعدن والخوف.
كانت عيناه مغمضتين، وسكونه أفزعها أكثر من أي صرخة. صدره يرتفع بالكاد، وكأن كل نفسٍ معركة يخوضها وحده.
تراجعت خطوةً لا إراديًا، ثم تقدّمت ثانية، يداها ترتجفان، وركبتاها تكادان تخونانها. لم تبكِ فورًا… الصدمة سبقت الدموع.
شعرت بأن العالم قد انكمش فجأة، وأن كل ما فيه لم يعد موجودًا سوى جسده الساكن أمامها.
فتحت فمها لتناديه، لكن الصوت علق في حلقها. كانت عينها تتحرك فوقه بجنون، تبحث عن علامة حياة، أي حركة، أي دليل يُنقذ قلبها من الانهيار.
في تلك اللحظة، أدركت أن الرعب الحقيقي ليس في الحادث… بل في احتمال ألا يفتح عينيه أبدًا.
أخذت تحاول أن تفتح ذلك الباب ولكنها لم تستطع فأخذت تصرخ في انهيار وقد عادت تردد اسمه تارة أخرى:
" جياد... جياد ارجوك خليك مفتح ارجوك ارجوك يا جياد متخافش متخافش أنا أنا أنا هتصرف"
ثم صرخت وهي تنظر خلفها:
" اسعاف اسعاف بسرعة يا عالم يا ناس اسعاف، اتصلوا بالاسعاف"
*********
صرخت وهي تركض نحوه وفي يدها الهاتف وتحدثت في نبرة صوت يملؤها الرعب:
_ مين اللي عمل فينا كدا يا يزيد مين؟؟ بص بص منزلين إيه؟ وصلوا ازاي للفيديو دا يا يزيد ها؟
فصرخ في وجهها في غضب:
_ انتي اللي بتسألي مين دلوقتي؟ اسألي نفسك يا هانم، هيكون مين يعني؟ مين اللي هيدخل لحد الاوضة هنا عندنا وينزل فيديو من صفحتك ويعرف ان اهتماماتك تيك توك و كلام فارغ غيرك ها ردى؟؟
أشارت إلى نفسها وردت والدموع تنهمر على خديها:
_ يعني انت مش مصدقني؟؟ اقسم بالله العظيم ما أنا اقسم بالله العظيم ما نزلت حاجة، انت ازاي ممكن تصدق عليا حاجة زي كدا، بقا أنا هعمل عملة زي دي يا يزيد؟ يعني بالعقل كدا هتكون لسه قايلي لا على حاجة بسيطة وهي اني منزلش الميك اب اليومي ولا لبسي ولا صوري حتى هروح منزلة عادي كدا بكل بساطة رقصة لينا في اوضة النوم يا يزيد، أنا أنا اعمل كدا يا يزيد أنا؟؟؟
وقبلما يرد عليها، سمع صراخ ووالدته وعمته في الخارج، أسرع وفتح الباب فسمع أمه تصرخ:
_ ابني... ابني
وهي تركض فوق السلالم مهرولة تكاد تنكب على وجهها أثناء نزولها من هول الصدمة وخلفها تركض فاطيمة تولول و تنحب، فصرخ الشاب وهي يلحق بهما:
" في إيه يا ماما في إيه يا عمتي؟"
فردت عليه عمته:
" جياد عمل حادثة يا يزيد "
صرخ في فزع:
_ إيه حادثة، حادثة ازاي يعني؟؟
وركض بشكل جنوني سابقًا إياهما لا يعرف إلى أين سيذهب ولكن نيران الخوف على أخيه و صديقه اشتعلت في قلبه فجعلته يهرول كالمجنون.
وفي تلك الأثناء خرجت أسيل على ذلك الصريخ وما إن سمعت منهم ما يحدث ركضت جهة غرفتها تسحب معطفها ثم اندفعت خلفهم وكذلك فعلت روني.
أما هانيا فقد كانت في غرفتها مصدومة لا تصدق ما سمعته منهم يداها ترتجف وجسدها أيضًا ومن هول الصدمة سقطت جاثية على ركبتيها.
بمجرد خروج العائلة واتجاههم نحو السيارات، رأى عبدالله ما يحدث، أهل بيته يهرعون أمام عينه بذلك الشكل، فاندفع من سيارته وخلفه اندفع أيضًا كلًا من فاتح و حسان اللذان كانا معه في السيارة عائدون جميعهم من العمل.
وقف الرجل معترضًا طريق يزيد يصرخ:
_ في إيه يا يزيد في إيه؟
_ جياد عمل حادثة يا بابا
صرخ فاتح وهو يقول:
_ فين، فين هو فين؟
أما عبدالله فقد ظل مكانه مصدومًا وصراخ السيدات يصدح في كل أركان القصر.
كانت مايا ترتدي ملابسها في سرعة كي تلحقهم والسبب الذي منعها من الذهاب معهم هو أنها كانت تستحم وقتما اندلع الصراخ في القصر فحاولت أن تنتهي سريعًا كي تخرج لهم وتعرف ما حدث وبالفعل نزلت وقد علمت ما حدث وأخذت تسير في بهو القصر في خوف تضع الهاتف على أذنها تنتظر جواب زوجها كي يخبرها أين هم الآن لتلحق بهم.
وفي تلك الأثناء لمحت إحدى الخدمات فقالت لها:
_ هما كلهم خرجوا؟ فاتح مش بيرد، في حد ممكن اروح معاه؟
_ كلهم مشيوا ماعدا مدام هانيا هي اللي فوق
عقدت حاجبيها في استغراب ثم ركضت جهة غرفة تلك الفتاة وأخذت تدق الباب وهي تنادي عليها، وكانت هانيا تجلس على أرضية الغرفة تضم قدميها بذراعيها، وما إن سمعت صوت أختها، حتى نهضت سريعًا وفتحت لها ثم ارتمت بين ذراعيها وهي تبكي في صوت عالي تردد:
" مكانش قصدي...مكانش قصدي والله يا مايا ما كان قصدي"
كانت الفتاة لم تفهم ما تقصده بالظبط ولكنها ردت وهي تربت على ظهرها:
_ خلاص يا هانيا اهدي إن شاء الله هيكون بخير، ويلا تعالي معايا ماينفعش انتي بالذات متبقيش اول واحدة هناك، تمام؟ يلا بسرعة البسي عقبال ما حد يرد عليا ونعرف هما فين
ردت وهي ترتعش:
_ ماشي ماشي...
********
_ مش عارفة بجد يا منى، مش عارفة ابطل احبه ولا اعرف اسيطر على الشعور دا، وخايفة يكون مش بيحبني أو فيه واحدة غيري في دماغه
تحدثت ماهي إلى صديقتها منى وهما تجلسان في منزل منى حيث ذهبت إليها ماهي عقب الانتهاء من العمل ولم تعد إلى القصر.
وردت عليها الفتاة:
_ مش عارفة اقولك إيه يا ماهي موضوعك دا معقد جدا، انتي بتحبيه بس في نفس الوقت لازم تكوني مهنية اكتر لانك مديرته وكمان خايفة تفضلي معلقة قلبك في الهواء زي ما بيقولوا ووالدك الشيخ يرفضه
_ طب اعمل إيه يا منى؟
_ حاولي تتجاهليه بقا يا ماهي وخلاص
_ الموضوع مش بالبساطة دي يا منى
_ خلاص مشيه من الشركة علشان تبعديه عنك خالص وبالشكل دا هتبطلي تفكري فيه أعتقد دا افضل حل
_ مقدرش على خطوة زي دي، أنا بحلم بيه والله وبقيت بحب الشغل اكتر علشان عارفة اني هشوفه بكون متحمسة جدا أما اصحى وانزل الشغل علشان بس هشوفه هناك...فاهماني؟
_ للأسف فهماكي
أطرقت الفتاة برهة ثم عادت إلى الحديث قائلة:
_ حتى لو بابا رفض او فضل يقاوح معايا مش هسكت وهقنعه بكل الطرق و...
_ ماهي يا حبيبتي نحل بس مشكلة إنه هو مستر شهاب دا يعترف بس الأول او يتقدم ولا على الأقل يهتم!
سكتت الأخرى شاعرة بالخجل وردت في نبرة صوت خفيض:
_ عندك حق.... بس مش عارفة.. جايز فيه مشاعر منه تجاهي بس خايف يتكلم عنها أو كدا لاني مديرته؟ خايف ارفضه مثلا أو أقطع عيشه؟ او جاهز مش متوقع رد فعلي لو اعترف لي صح؟ صح يا منى؟ ما تنطقي يا منى!
_ جاهز يا ماهي كل شيء وارد
_ طب بردو اعمل إيه؟
اطرقت الأخرى تفكر ثم ردت :
_ جاتلي فكرة
_ الحقيني بيها
_ مش هو كان تعبان من فترة وانتي روحتي اطمنتي عليه في بيته؟
_ اه
_ حلو، وقولتي انك عرضتي عليه عرض ورفضه وكانت معاملته مش احسن حاجة وتاني يوم جيه واهتم يعتذرلك وقالك ان سبب ضيقه بعض المشاكل مع أهله وبتاع صح؟
_ ايوا اخلصي
_ اتصلي بيه دلوقتي واطلبي تقابليه و أما تتقابلوا اسأليه لو عايز تشاركني مشاكلك قولي يمكن اقدر اساعدك وارجعي اتكلمي معاه في عرضك تاني، ليه بقول كدا علشان يلاحظ انك مهتمة بيه لشخصه ولمشاكله ويبدأ لو متوتر من حتة رفضك يطمن واحدة واحدة ولو في دماغه حاجة ناحيتك يعترف أو على الأقل هتلاحظيها انتي عرفتي؟
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ فكرة تحفة يا منى، هتصل بيه حالا اقوله واشوف رد فعله
أخرجت الهاتف من الحقيبة واتصلت عليه فلم يرد في المرة الأولى فتوترت الفتاة وقالت لصديقتها:
_ مردش يا منى
_ رني آخر مرة جايز مش سامع او مشغول بحاجة
وبالفعل اتصلت مرة أخرى فاستجاب:
_ الو
_ إيه يا شهاب ازيك
_ كويس، خير
_ إيه النبرة اللي انت بتكلمني بيها دي؟
_ عايزين إيه مني تاني؟ ناقص إيه تاني يحصل لي من وراكم يا عايلة الزيني؟!
_ شهاب انت بتتكلم معايا كدا أنا مش فاهمة حاجة!
_ اخوكي، اخوكي طردني من الشركة وكل دا علشان...علشان... علشان لاحظ اهتمامك بيا و اهتمامي بيكي
_ إيه؟؟؟؟
********
كانت تجلس معه في المطعم والصمت سيد الموقف لا أحد منهما يتحدث، كل منهما كان ينتظر الحديث من الآخر، وعقب مرور دقائق قاطعت ذلك الصمت قائلة:
_ في إيه يا أمجد؟ هتفضل ساكت كتير؟
انتبه إليها ورد في ابتسامة صغيرة:
_ لا ابدا، أنا بس مش عارف اقول إيه الحقيقة
سكتت برهة ثم ردت عليه في استغراب:
_ يعني إيه؟ اومال انت ليه طلبت تتكلم معايا؟
_ عادي قلت نقعد نشرب كوفي مع بعض ونتغدا وخلاص مش في دماغي موضوع معين، هو انا معطلك عن حاجة؟
_ لا لا خالص، أنا بس مستغربة سكوتك
_ طب اتكلمي انتي
_ ماشي.... هتكلم أنا، هسألك سؤال صريح حبتين
_ يلا بينا
_ إيه اللي مانعك من الارتباط الفترة دي؟
كان يود أن يخبرها بأن قلبه المعلق بأختها تلك الصغيرة التي اختلست قلبه وهربت، يأبى أن ينظر إلى غيرها ولكنه رد في ابتسامة:
_ هانت
_ هي إيه دي اللي هانت؟
_ إني ارتبط
اطرقت برهة تفكر في الأمر فمنذ متى وقد أخبرها والدها بأنه سيأتي لخطبتها؟ والان صارحته هي وفتحت الموضوع معه كي يتحدث وقلبه مرتاح ولكنه لا يزال مصرًا على استخدام الألغاز.
تجاهلت ذلك وتابعت:
_ قولي طيب إيه هي مواصفات شريكة أحلامك؟
اطرق شاردًا يتذكر ملامحها جيدًا كأنه تائهًا في عينيها يتخيل أنها تجلس أمامه تنظر إليه وتطيل النظر وتخبره أحبك. ولكنه استيقظ على حقيقة مرة وهي أن تلك التي تجلس أمامه أختها وليست هي، كانت في تعجب من أمره تشعر أنه متيم، عاشق وشارد ولكن ليس لأجلها. أهو مجرد شعور؟ تتمنى ذلك وحسب.
وتابعت ما إن أطال هو السكوت:
_ إيه؟ مش عارف ملامحها ولا إيه؟
التفت إليها وسكت.... ثم رد عقب صمت:
_ تيجي نتمشى؟
********
" ابني....ابني....جياد....جياد"
كانت تلك الكلمات تنطق على ألسن ناس مختلفة، والدته، والده، اخواته...
وهم يسرعون نحو الغرفة التي هو بها كي يطمئنون عليه
اتجهوا جميعهم نحو تالية تلك التي كانت تقف أمام غرفته تبكي، فسألوها في خوف وتوتر واضح انه ساد المكان:
" إيه اللي حصل يا تالية...جياد عامل إيه دلوقتي؟.... الدكتور قال إيه؟؟... "
كلًا منهم قد طرح عليها سؤالًا مختلفًا ولكنها ردت:
_ الدكتور معاه جوا ولسه مخرجش
بكت عبير وارتمت بين ذراعي فاطيمة والتي كانت تربت على ظهرها، أما عبدالله فقد صرخ في وجه تالية قائلًا:
_ حصل إيه؟ عمل حادثة ازاي ردي عليا انطقي
قصت عليهم ما حدث في صوت متهدج أثر البكاء، لتنتفض سريعًا قلوب أهله من مكانها كأنها ستنزع في الحال من شدة الرعب على ابنهم.
وبينما الجميع مشغول بأمر جياد، كانت روني تتخذ من دونهم جانبًا تفكر في تلك المصيبة التي وقعت فوق رأسها تمسك الهاتف وتقرأ ردود أفعال الناس على الفيديو الخاص بها في ذهول يملأه صدمة.
وفي تلك الأثناء، وصلتا الأختان مايا و هانيا وهما تجريان في سرعة جهة الواقفون أمام غرفة الشاب، وصرخت عبير ما إن رأت وجه هانيا:
_ عملتي ايه في ابني يا بنت مجدي؟ عملتي فيه إيه لدرجة تخليه يجري منهار على السلالم ويعمل حادثة ؟ وديني لاشرب من دمك و....
صرخ عبدالله مقاطعًا إياها في نبرة صوت حادة:
_ عبير، مش وقته اسكتي
_ ابني يا شيخ ابن...
_ قلت خلاص اسكتي
سكتت وهي ترميها بنظرات تحمل الانتقام وتدعي عليها في سرها.
وقد هلت عليهم حليمة والتي ما إن جاءت حتى أخذت تقول:
_ خير خير حصله إيه الشاب دا لسه عريس؟ إيه اللي يخرجه بكل الغضب دا من اوضته بس لدرجة يعمل حادثة!!
تحدث فاتح في نبرة صوت مهذبة:
_ عمتو بعد اذنك احنا مش فارق معانا أي حاجه دلوقتي غير اننا نطمن على جياد الأجواء مش مساعدة ولا متحملة أي كلام معلش
_ مش قصدي يا حبيبي، أنا بس قلقانة على الولد و مستغربة ليه يحصل فيه كدا!! إيه يخرجه من اوضته بس إيه ينكد عليه وهو لسه عريس إيه....
_ خلاص يا عمتو بالله عليكي خلاص
_ ماشي يا فاتح خلاص خلاص
سكتت وهي تتمتم واتجهت نحو ابنتها وهمست:
_ إيه اللي حصل يا بت يا أسيل؟
_ معرفش فجأة لقيتهم بيصرخوا وبيجروا جريت وراهم وجينا هنا، تالية قالت إن جياد كان نازل مدايق وعلى وشه غضب ربنا وبيسوق جامد واما ظهر واحد قدامه فجأة عمل حادثة وهو بيحاول يفاديه.
_ هي بنت مجدي اللي عملت فيه كدا، ياما قلت لعبدالله.
خليه يشرب هو وعياله من كأس النسب العرة دا
كان يزيد يقف أمام الغرفة التي بها أخيه مترقبًا خروج الطبيب بفارغ الصبر وقد لاحظ اختفاء روني منذ وقت طويل فأخذ ينظر حوله يبحث عنها بعينه فوجدها و التوتر يقفان في تلك الزاوية، تنظر في الهاتف تمسكه بيد مرتجفة.
زفر في ضيق وتجاهلها.
أما هانيا فقد جلست وذلك بعدما احست أنها لم تعد قادرة على الوقوف، ما كل ذلك الذي يحدث معها؟ هي أحبت، أحبت وفقط!
اتجهت مايا نحو زوجها وأخذت تربت على كتفه وتحدثت:
_ متخافش يا فاتح إن شاء الله هيكون كويس يا حبيبي وهيطلع وهتطمنوا عليه
_ ان شاء الله يا مايا إن شاء الله
خرج الطبيب فأسرع الجميع نحوه ينتظرون كلامه على أحر من الجمر، وتحدث الشيخ:
_ أنا والده خير يا دكتور طمنا؟
_ هو عنده كسر في دراعه اليمين، وبعض الكدمات في جسمه و رأسه وشرخ في رجله الشمال، لكن أقدر اقول ان الحالة ككل الحمدلله كويس
فرح الجميع وأخذ كلًا منهم يشكر ربه، وتحدثت تالية في سرعة:
_ أقدر ادخل اطمن عليه يا دكتور؟
_ أكيد بس مش كل العدد دا، اتنين، اتنين ماشي وبعدين هو لسه في البنج
أسرعت عبير قائلة:
_ أنا أول واحدة هدخل اطمن على ابني
تقدم يزيد خطوة ليدخل معها لكن سبقته تالية والتي أسرعت تركض نحو الغرفة سابقة عبير نفسها.
تعجب ثم ألقى نظرة إلى تلك الجالسة دون أي رد فعل سوى الصدمة، أليس من المفترض أن تكون هي أول الداخلين؟
اتجهت عبير نحو غرفته، وما إن دخلت حتى توقّفت عند عتبة الغرفة، وكأن جسدها أبى أن يخطو خطوةً أخرى.
وقعت عيناها عليه، فارتعشتا، ولم تحتج إلى الاقتراب لتفهم.
كان ممدّدًا فوق السرير الأبيض، تحيط به رائحة المطهّرات وصمتٌ ثقيل. ساقه اليسرى ملفوفة بالجبس، تمتدّ مستقيمة كأنها لا تنتمي إليه، وذراعه اليمنى معلّقة ومثبّتة، لا حراك فيها. أمّا رأسه، فقد لفّته الضمادات بإحكام، تخفي ملامحه التي حفظتها أمًّا عن ظهر قلب.
الكدمات تنتشر على جسده بظلالٍ زرقاء وبنفسجية، كخرائط لألمٍ لم تشهده، ولم يكن يفترض أن تراه عليه أبدًا.
اتّسعت عيناها، ثم انكسرت.
مدّت يدها ببطء، متردّدة، كأنها تخشى أن توقظه من وجعه، أو أن يكون هذا السكون خدعةً قاسية. لامست أطراف أصابعها السرير قبل أن تلامس جلده، وخرج نفسها مرتجفًا، محمّلًا باسمٍ واحد:
"يا ضنايا...."
لم تبكِ بصوت.
سقطت دموعها في صمتٍ أشدّ قسوة، وهي تدرك أن الألم الذي تراه أمامها لا يُقاس بما تمزّق داخلها في تلك اللحظة.
ثم بدأت تلمس بأطراف اصابعها ملامح وجهه التي اخفتها الكدمات وتابعت:
" جياد... ابني حبيبي رد عليا "
اتجهت نحوه تالية من الجهة الأخرى وتحدثت في بكاء:
_ كدا؟ كدا تخوفني عليك يا جياد؟ حرام عليك أنا...أنا كنت هموت من كتر الرعب عليك قلبي كان كأنه هيقف أما شفتك بتتخبط بالعربية في الشجرة بالشكل دا
وضعت يدها فوق يده وأخذت تلمس أصابعه، فخرجت كلمة من بين شفتيه، كلمة واحدة من خمسة أحرف، لم تسمعها جيدًا في المرة الأولى ولكنه عادها مرة أخرى لتصل إلى مسمعها جيدًا:
" هانيا"
اغتاظت بشدة وتوقفت الدموع التي كانت تسري على خديها كأنها تجمدت فجأة وتحولت نظراتها إليه من نظرات الشفقة و الرحمة إلى نظرات مليئة بالغل والغيظ وتحدثت:
_ هانيا؟؟ بعد دا كله لسه هانيا؟ انت ايه معندكش لا دم ولا كرامة؟
عقدت عبير حاجبيها في استغراب من تلك الفتاة وطريقة تحدثها ولما لاحظت تالية تلك النظرات، أبعدت يدها عنه ثم ابتعدت هي نفسها عنه، ولت له ظهرها ثم اتجهت نحو الخروج وتمتمت أثناء سيرها للخروج:
" كلب"
خرجت من الغرفة وهي ترمي نظرات نحو هانيا _والتي كانت بين ذراعي أختها مايا_ مليئة بالانتقام
وتحدثت في سخرية وبصوت عالي:
_ هانيا، كلمي جياد
ابتسم يزيد ورد في سرعة:
_ هو هو جياد بدأ يتكلم؟
_ آه بدأ....
قالتها ثم ابتعدت عن الجميع تشعر بخيبة أمل كبيرة.
خرجت عبير بينما دخلا كلًا من يزيد و هانيا كي يطمئنون عليه.
سريعًا اقترب منه يزيد وقبل رأسه ثم أمسك يده وتحدث:
_ حبيب قلبي أنا جمبك، فتح عينك يلا و اتكلم معانا يا جياد، يا جياد متقلقناش عليك يا حبيب قلب أخوك
أما هانيا فقد وقفت عند باب الغرفة، لم تتقدّم ولم ترجع. كانت يدها معلّقة في الهواء، لا تدري أتمسك المقبض أم تتركه، وكأن الباب نفسه يحاكمها.
وقع بصرها عليه، ممدّدًا على السرير، مثقلًا بالجبس والضمادات، فشعرت بثقلٍ حادّ في صدرها. لم يكن ما تشعر به حبًّا… كان ذنبًا.
ذنبًا يزحف ببطء، يلتفّ حول قلبها، ويهمس لها بأنها، بطريقةٍ ما، شريكة فيما حدث.
خطت خطوةً واحدة، ثم توقّفت.
كانت خطواتها بطيئة، محسوبة، كأن الأرض قد صارت أثقل كلما اقتربت منه. عيناها لا تثبتان عليه طويلًا؛ تفرّان منه ثم تعودان، عاجزتين عن الهروب من صورته.
قالت لنفسها إنها لم تفعل شيئًا… لم تدفعه إلى الطريق، ولم تجبره على السرعة.
ومع ذلك، كان الشعور بالذنب حاضرًا، ثقيلًا، يضغط على صدرها، كأن اعترافها بعدم حبّها كان آخر ما دفعه إلى تلك الهاوية.
اقتربت أكثر، ووقفت عند طرف السرير، صامتة.
لا تملك كلمة، ولا تملك دمعة، فقط شعورٌ خانق بأنها تقف أمام ألمٍ لم ترده… لكنها كانت جزءًا منه، كان يزيد متعجبًا من صمتها، ألن تقل له أي شيء؟ أي شيء...
ابتلعت ريقها ثم جلست جواره وتحدثت:
"قوم...قوم يا جياد...."
نطق في نبرة أقرب إلى الهمس، نبرة مجهدة متعبة:
" هانيا.... متسبنيش يا هانيا... اوعي تمشي"
كأنه يهذي فهو لم يكن واعي بالكامل فقد تحدث عقله الباطن نيابة عنه، نيابة عم يلوج في قلبه من شعور جهة تلك عديمة الشعور والتي تأبى أن تشعر به.
عقد يزيد حاجبيه في استغراب ما إن سمع حديث أخيه ونظر سريعًا إليها تسألها نظراته، ولكنها لم تجب و سريعًا أبعدت عينيها عنه هاربة كعادتها وأخذت الدموع تسري على خديها في صمت.
********
كانت كاميليا تجري اتصالًا هاتفيًا مع شخصًا ما بعيدًا عن أمجد والذي اتخذ لنفسه جانبًا هو الآخر ليتحدث عبر الهاتف وقال لمحدثه والتي كانت والدته حليمة:
_ مش عارف يا ماما، صدقيني بحاول، نزلت معاها النهاردة واتكلمنا وكنا بنتمشى وعمال افتح معاها أي مواضيع مفيش فايدة مش عارف اتقبلها هو القبول مش بالعافية يعني!
_ أمجد، قولتلك لازم تتقبلها لان خالك اصلا مستني ردك وزي ما قولتلك مش هيديك ماهي
تمتم ساخرًا:
" على أساس هي اللي عايزة اوي؟، مش فاهم ليه بتعاملني زي اخوها يعني ليه!"
_ بتقول حاجة؟
_ لا يا ماما مش بقول، المهم اني...
وقبلما يتابع كلامه، قاطعته كاميليا والتي كانت تركض جهته تتفوه بكلمات لم يفهمها إلا عندما اقتربت منه وهي تقول:
" جياد جياد في المستشفى يا أمجد عمل حادثة "
عقد حاجبيه في استغراب، لم تخبره والدته! ألم تعلم؟! ورد عليها في خضة:
_ إيه!
ولكنها لم تنتظر منه أي رد فعل أكثر فقد حملت نفسها و ركضت جهة سيارتها كي تذهب إلى المستشفى، و لحق الآخر بها وهو لا يزال يحدث والدته يقول:
" إيه يا ماما متعرفيش ان جياد عمل حادثة؟ "
" لا عارفة أنا عنده اهو في المستشفى "
" اومال مقولتليش ليه؟ "
" نسيت"
تنهدت ثم اضافت:
" وبعدين هو بقا كويس"
تعجب الشاب من طريقتها فكيف تنسى أن تخبره بشيء كهذا؟ ألا يهمها سوى أن تعرف هل كل الأمور مع كاميليا تسير على ما يرام وحسب؟
ولكنه لم يعلق وقد رأى كاميليا قد دخلت السيارة وفي استعداد كي تقود، فانهى المكالمة مع والدته:
" طب يا ماما سلام احنا جايين لكم دلوقتي "
نادى عليها كي لا تقود من دونه، ثم أسرع وفتح الباب وركب معها وانطلقت السيارة.
**********
" ها يا شهاب قولي بقا إيه اللي حصل بالظبط؟"
تحدثت ماهي والتي طلبت من شهاب أن يأتي لها في أحد الكافيهات كي تتحدث معه حول ذلك الموضوع الذي حدثها عنه عبر الهاتف، رد الفتى وهو يحتسي قهوته:
_ زي ما قولتلك دا حصل وعلشان كدا قولتلك بلاش نتقابل مش عايز اضايقك
_ تضايقني ازاي يعني؟ انت ازاي أما جياد طردك مشيت من غير ما ترجع لي؟ وبعدين إيه السبب العبيط اللي طردك علشانه دا! أنا مش فاهمة حاجة؟
_ ولا أنا فاهم
_ طب قولي بالظبط جابك المكتب عنده وقالك إيه، اتكلم بتفاصيل
_ جابني وقالي امشي و الإدارة مش عايزاك خلاص، قولتله ليه أنا عملت إيه انا شاطر في شغلي ومفيش غلط صدر مني و حتى ميس ماهي كانت عايزة تختارني امثل الشركة في حفلة الرياض تقوم انت تقولي أمشي!
قالي ميس ماهي ميس ماهي انت إيه اللي بينك وبينها انت بتستغل ماهي علشان تفضل تكبر في الشركة وانا مش فاهم إيه اللي بينكم دا، العلاقة خرجت برا اطار العمل ودا ماينفعش والموضوع مبقاش مهني وهي دايما تختارك انت وفضل يقول كلام من دا وأنا أفهمه إنه فهم غلط بس مفيش فايدة رمى الورق في وشي واطلع برا انا خلاص جبتلك مكان تاني تشتغل فيه، أنا اكتر حاجة أكره اعملها هي قطع الأرزاق...
تبسم وتابع ساخرًا:
_ على أساس أما يمشيني من الشغل هو كدا قدم لي طبق بليلة!
بس لقيت نفسي باخد ملفي وبمشي
_ وليه مرجعتليش؟
_ أكيد مش هكون عايز اعمل مشاكل بينك وبين اخوكي بسببي وماكنتش ناوي اصلا اقولك حاجة بس أنا حاسس بالظلم و مقهور فماما أما عرفت فضلت تقولي لا قولها دي بنت أصول ومتقبلش بالظلم اللي حصلك
كانت تكتم غيظها وغضبها من تصرفات ذلك أخيها الأحمق الذي يفسد دائمًا القرب بينها وبين حبيبها وردت عليه:
_ أنت هترجع الشغل، مامتك معاها حق أنا فعلا مقبلش بالظلم اللي انت اتعرضت له ولا أقبل إن مجتهد زيك يسيب شركتي بسبب تفاهة
ابتسم ورد:
_ لا، أنا مش بقولك كدا علشان تقوليلي ارجع الشركة، انا مش هقدر اشتغل مع جياد تاني بعد اللي عمله ولا هسمح لنفسي اكون تحت ايده علشان أكيد هيبقى عايز ينتقم مني أما انتي ترجعيني بالعافية، أنا بس حبيت اعرفك علشان تبقي فاهمة أنا مشيت ليه، لأنه أكيد هيقولك هو اللي مستهتر ومشي او هيكدب بأي شكل ولانك اخته و بتثقي فيه أكيد هتصدقيه هو
ظهرت تلك اللمعة في عينيها وتحدثت وهي تنظر إلى عينيه:
_ بس أنا كمان بثق فيك جدا يا شهاب
_ أكيد مش اكتر منه
لم ترد عليه بل شردت في عينيه كأنها تخبره:
" كلا، أقسم لك فأنا لا أثق ولا اهتم ولا احب غيرك"
ولاحظ تلك النظرات، كان يعرفها جيدًا… يعرفها حدَّ اليقين.
نظرات العشق المولع، لا تُخطئها عين، ولا يجهلها قلب خبرها من قبل. وكيف يجهلها، وهو الذي اعتاد أن يختلس مثلها طويلًا من عيني حبيبة قلبه، هانيا؟
تنحنحت وتابعت وهي تبعد عينيها عنه بصعوبة:
_ لا يا شهاب الحق حق، ثم إنه متخافش لو رجعت الشغل مش هخليك تحت ايده
_ هتعملي إيه؟
_ ثواني هوريك حاجة
أخذت تفتح حقيبتها و أخرجت الهاتف وما إن فتحته حتى قالت:
_ إيه كمية ال notifications اللي على فيس بوك دي؟
فتحتها لتصطدم بذلك الخبر
" حادث سير تعرض له نجل الشيخ عبدالله الزيني، جياد الزيني، أثر قيادة سيارته بشكل سريع ومفاجئ محاولًا أن يتفادى صاحب الدراجة النارية والذي اصيب بجروح بالغة هو الآخر "
وصورة اخوها و الحادث تحت الخبر، و تعليقات المتابعين لهم و الإشارات إليها وإلى عائلتهم في التعليقات كانت كثيرة، يطلبون منهم أن يطمنونهم على الشاب.
شهقت صارخة وتزامن مع ذلك نهوضها وهي تضع يدها على قلبها تحدق بعينيها والتي كادت تخرج من محجريها أثر الصدمة، وعليه نهض الآخر يقول في خضة:
_ ايه إيه في إيه؟
_ جياد، جياد عمل حادثة
انهت جملتها وأخذت تسير في سرعة متجهة نحو السيارة.
ابتسم الشاب و تمتم:
"يارب يموت"
ثم لحق بها يسير خلفها ينادي عليها:
" استني يا ماهي استني لازم اوصلك أكيد مش هسيبك تمشي وانتي بالشكل دا"
ركبت السيارة فطلب منها أن تتركه يقود هو، لذا بدلت معه المكان و جلس هو مكان السائق وتحدث:
_ اروح فين؟
صرخت في خوف:
_ أنا مش عارفة أنا ازاي محدش يتصل بيا يقولي، بقا اعرف ان اخويا عمل حادثة من تعليقات الناس؟ من الفيس؟ كأني غريبة؟
_ اهدي يا ماهي يمكن انشغلوا ومجاتش الفرصة إن حد يقولك
_ انا هعرف شغلي معاهم بس أما اروح لهم
وضعت الهاتف على اذنها بعدما طلبت رقم يزيد تنتظر رده، وما إن رد حتى صرخت:
_ هو انتوا ازاي متقولوش إن جياد عمل حادثة؟ ها، ولا أنا غربية ومش ضروري اعرف؟
_ ماهي والله كلنا مشغولين هنا معاه ومحدش مركز اصلا مين جيه ومين مجاش وبع....
_ اخلص يا يزيد أنا مش عايزة اسمع تبريرات فارغة ابعت لي لوكيشن المستشفى بسرعة يلا
انهت المكالمة وأخذت تنتظر أن يرسل لها الموقع، وجسدها يرتعش وتبكي.
تحدث شهاب:
_ اهدي يا ماهي إن شاء الله هيكون بخير ومش هيجراله حاجة
كانت دموعها تسري على خديها وبدأت اصوات شهقاتها تتعالى، ففتح لها ذراعيه، فانكبت سريعًا بينهما تكتم اصوات شهقاتها داخل حضنه كان يربت على ظهرها صامتًا لا يشعر بالشفقة ولا الرحمة بل ابتسم متيقنًا إنما هي العدالة الإلهية.
************
كان الجميع يجلس في الانتظار في الخارج بعدما اطمأنوا عليه، ها هم ينتظرون أن يفيق من البنج.
وعقب مرور ساعة من الانتظار، خرج لهم الطبيب وهو يقول في ابتسامة:
_ الحمدلله فاق من البنج ويقدر يرد عليكم دلوقتي
فرح الجميع وأخذوا يشكرون الله ويحضنون بعضهم البعض في سعادة عارمة، وكانت روني تشاركهم السعادة ولكنها لم تكن سعادة كاملة والسبب تلك المصيبة التي تحملها فوق رأسها.
دخلوا جميعهم غرفته والجميع ينطق اسمه في فرحة وكان هو ينظر إليهم في ابتسامة صغيرة وكان يدور بعينه بينهم يبحث عنها، ألم تأتِ؟
ولكنه لاحظ دخولها عقب ثواني من تفكيره، فأبعد سريعًا عيناه عنها كأنه غير مهتم.
اتجهت والدته منه وتحدثت تلوم عليه:
_ كدا يا جياد، كدا تخوفنا عليك؟
نظر إليها ثم سكت، فتابعت وهي تلقي نظرات نحو هانيا مليئة بالشر:
_ هي لحقت تنكد عليك! لحقت تنزلك من الأوضة معيط و منهار لدرجة تعمل حادثة!!
زفر عبدالله في غيظ وتمتم:
" استغفر الله العظيم يارب مش هنخلص"
نكست هانيا رأسها تشعر بالخجل ولم ترد، فرد جياد على والدته:
_ لا يا ماما هانيا معملتش حاجة ملهاش دعوة اصلا باللي حصل لي
_ اومال كنت نازل وعفاريت الدنيا بتتنطط في وشك ليه؟
اطرق يفكر في كذبة ثم قال:
_ صاحبي اوي من قطر جالي خبر إنه اتوفى جالي حالة انهيار ونزلت وحصل اللي حصل
رد والده في غضب:
_ ماكنش المفروض تسوق وانت في الحالة دي أكيد، دا غلط كبير انت عملته، الحمدلله ان ربنا سترها عليك بس شوف اديك متجبس ازاي؟ وكمان الولد اللي خبطه اتأذى
تدخل فاتح في الحديث قائلًا:
_ طب هو عامل إيه دلوقتي صح يا بابا؟
_ بعت حد يطمنا عليه وقولت اني هتكفل بكل علاجه في أحسنها مستشفى
_ طب و جياد يا بابا مش هيدخل في سين وجيم؟
_ لا لان الولد كان ماشي معاكس اصلا بس الفكرة إن كتير بيعدوا بالشكل دا بس اخوك اللي كان بيسوق بشكل مجنون، وعامة انا متكفل وأهله مش مضايقين لان عرفوا ان ابنهم غلطان وكان ماشي معاكس.
تدخلت فاطيمة قائلة:
_ يا اخويا حمد لله على سلامته دي أهم حاجه متقعدش تبكت فيه المهم إنه بخير اهو قدامنا
وفي تلك الاثناء خرجت روني من الغرفة وهي تتنفس في ضيق تشعر ان نفسها أصبح ثقيلًا، جلست على الاستراحة في الخارج، تضع يدها على قلبها تتنفس بشكل متكرر كأن نفسها سينقطع.
لحقتها مايا والتي ما إن رأتها في تلك الحالة حتى ركضت في خضة وجلست جوارها وقالت:
_ مالك يا روني؟ انتي شكلك مش مريحني من بدري في إيه مالك؟
نظرت إليها ثم تحدثت:
_ مش عارفة يا مايا مش عارفة
_ مش عارفة ايه؟
_ مش عارفة اخد نفسي
_ من إيه بس يا حبيبتي؟
قبلما ترد، لمحتا ماهي والتي كانت تركض جهتهما، فحاولت روني أن تتماسك، وقفت ماهي أمامهما وتحدثت وهي تتنفس في صوت عالي أثر الركض:
_ جياد فين؟
أشارت لها مايا جهة الغرفة، فتابعت الفتاة ركضها، ومن ثم التفتت مايا إلى روني وتابعت:
_ مالك يا بنتي بس قولي!
ارتمت بين ذراعيها تبكي في انهيار، مما جعلتها تختض وتسألها في خوف:
" في إيه في إيه؟"
وفي غرفة جياد، اقتربت ماهي منه وكذلك كاميليا واخذتا تطمئنان عليه، وتحدثت ماهي تلوم الجميع:
_ كدا محدش يكلمني يقولي انه عمل حادثة؟
وكذلك اضافت كاميليا:
_ ولا انا كلموني متأخر بالصدفة كدا تقريبا
_ أكيد مكناش عايزين نقلقكم
تحدث الشيخ ثم تابع:
_ وبعدين الموضوع اهو بسيط زي ما انتوا شايفين
_ بردو يا بابا كان لازم يكون عندنا علم
تدخل جياد يتحدث في نبرة صوت متعبة:
_ خلاص يا ماهي انا دلوقتي كويس، حصل خير، يلا شوفوا هخرج امتى من هنا انا مش بحب جو المستشفيات دا
رد والده:
_ أكيد مش هتطلع ولا هتتحرك من مكانك إلا أما الدكتور يسمح بكدا.
تدخل فاتح:
_ بابا احنا عددنا كبير اوي و الوقت اتأخر جدا و الناس عمالين يطلبوا مننا نمشي و ميقعدش معاه اكتر من مرافق
أسرعت عبير قائلة:
_ أنا اللي هكون مرافق معاه
فرد عليها عبدالله:
_ أكيد لا، انتي هترجعي البيت، اللي هيكون مرافق معاه مراته
نظرت الفتاة إليهما فهي لا تبغى ذلك ولكنها سكتت، وعلق جياد:
_ لا يا بابا خلي هانيا تروح أنا مش عايز اتعبها معايا
نظر الجميع إلى الفتاة كأنها موضع اتهام فردت في توتر:
_ لا... لا لا يا جياد ولا تعب ولا حاجة أنا.. ايه....ايه.... هفضل جمبك أكيد لحد أما تبقى أحسن
فرد الشيخ:
_ خلاص خلوني أنا اروح اسأل الدكتور هيبات كام يوم و هيتحرك امتى واجي علشان نمشي
ثم نظر إلى فاتح وتابع:
_ حاسبت يا فاتح؟
_ اه يا بابا
هز رأسه موافقًا واتجه نحو الباب وقبلما يخرج اضاف:
_ انت كلمت مجدي السَّلّاب؟
_ لا يا بابا مكلمتوش
_ يبقى علشان كدا مجاش
_ ما أنا مجاش وقت مناسب اقول كلنا كنا قلقانين و مشغولين بجياد.
هز رأسه موافقًا وخرج، وبمجرد خروجه لمح روني والتي وكانت بين احضان أختها فاقترب منهما وتحدث في قلق:
_ في إيه يا بابا؟
لم تخرج روني من بين ذراعي أختها كي لا يرى انهيارها، ولكنها شددت المسكة على خصر مايا كي تنقذ الموقف، فتحدثت مايا:
_ هي دايخة بس شوية يا شيخ وعلشان كدا ساندة عليا و...
وقبلما تتابع نادت حليمة عليه في صوت عالي:
_ يا شيخ
التفت خلفه فوجد حليمة تلك التي نادت عليه و بجوارها فاطمية، فرد:
_ نعم؟
_ تعالى عايزينك شوية
نظر إلى مايا ثم روني واضاف:
_ هنادي لدكتور يشوف اسباب الدوخة دي إيه
_ مفيش داعي ا....
_ يعني إيه مفيش داعي؟ لا طبعا فيه أكيد مش هنسبها كدا
تركهما وذهب إلى اختيه وتحدث:
_ نعم؟
تنحنحت حليمة وقالت:
_ بص هو احنا يعني مكناش عايزين نزود عليك بس...
_ تزودوا عليا إيه مش فاهم حاجة؟
اضافت فاطيمة:
_ يعني احنا عارفين اللي انت فيه وعلشان كدا مكناش عايزين نقولك انت مش ناقص، بس...بس أما فكرنا فيها لقينا انك لازم تعرف لانه...
صاح في غضب:
_ اعرف إيه وماكنش لازم اعرف إيه، ما تنطقي انتي وهي!
كان حسان يقف بجانب السرير الذي يرقد عليه أخيه وبجواره تقف أسيل والتي كانت تضرب الأرض برجلها اليمنى وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها مغتاظة تشعر بالضيق الشديد، وتحدثت إليه في صوت خفيض:
_ هو انت هتفضل واقف كدا زي قرد قطع؟
_ يعني إيه؟
_ يعني ملكش لازمة في اي حاجة كدا؟ فاتح و يزيد هما اللي من الصبح عمالين يشيلو و يحطوا و ينزلوا و يطلعوا و يتصرفوا تصرفات رجالة وانت قاعد هنا جنبي؟ إيه بتحرسني!
_ طب انتي عايزاني اعمل إيه يا أسيل بس؟
_ ولا حاجة يا اخويا خليك كدا واقف جمب السرير بتحرسه
ثم خمست في وجهها وهي تقول:
_ يخربيته حظي
ثم خطت خطوات سريعة نحو الخروج من تلك الغرفة.
كانت هانيا تجلس على الاريكة في غرفة زوجها، ولما لاحظت ان الحوار بينه وبين اخواته لم ينته بعد، قررت أن تدخل البلكون تشم الهواء، وبالفعل فتحت الباب ودخلت ثم أسندت ذراعيها على السور وأخذت تنظر إلى المارة تارة وإلى السماء تارة أخرى وفي المرة التي كانت تنظر فيها إلى المارة لمحت وقوف شهاب بجانب سيارة ماهي، والذي كان يعقد ذراعيه أمام صدره ينظر بضيق شديد نحو مدخل المستشفى وما إن وقعت عيناها عليه حتى خانها قلبها، دقّ فجأة، دقّةً لم تطلبها ولم تستأذنها.
اشتياقٌ قديم اندفع إلى صدرها دون رحمة. شعرت به يملأها، يربك أنفاسها، ويعيد إليها إحساسًا حاولت دفنه منذ زمن. كان شهاب كما تركته… أو كما حفظه قلبها، لا فرق. ورغم المسافة، أحست بقربه أكثر من أي وقت مضى.
فرحت فرحة صغيرة، خاطفة، سرعان ما انكسرت.
تذكّرت أين تقف الآن… ولمَن تنتمي رسميًا. تذكّرت اسمًا آخر تحمله، ووضعًا لم تختره. فاختلط الفرح بالذنب، والاشتياق بالوجع، والحب بالخوف.
أدارت وجهها قليلًا، كأنها تخشى أن يفضحها النظر، وكأن قلبها لم يعد ملكها منذ أن أصبحت زوجة رجلٍ آخر. ومع ذلك، ظلّ ذلك الخفقان العنيد يذكّرها بحقيقة واحدة لم تستطع محوها، أن بعض القلوب، مهما أُجبرت، لا تنسى من أحبّت.
ولكنها لم تستطع فعادت تنظر إليه تارة أخرى ودقات قلبها تتسارع، وفي ذلك الوقت نفسه، لمحها.. رآها رفع رأسه جهتها.
اتجه عبدالله في سرعة يشوبها غضب شديد جهة روني والتي كانت تشرب الماء والذي احضرته لها أختها مايا، وما إن سمعته ينطق اسمها في نبرة صوت حادة جامدة، شرقت وأخذت تكح عدة مرات، واختها تربت على ظهرها، فتابع دون أن يأبى إلى ذلك:
_ ورايا على البيت
انصرف بمجرد ان لفظ بتلك الجملة يخطو خطوات سريعة، نهضت روني وجسدها يرتعش ولكنها حاولت الصمود و ادعاء القوة ثم ابتلعت ريقها واخذت تلحق به.
وفي تلك الأثناء، خرج يزيد وهو يحمل معطفة على ذراعه وأسرع خلفهما.
أما مايا فقد خافت كثيرًا على أختها بالأخص عندما لاحظت خروج فاطيمة و حليمة و اللاتي اصتحبتا عبير معهما واخذن يسرن خلف الشيخ و روني و يزيد لذا قررت أن تلحق بهم لتكون مع أختها.
*********
ياريت تتفعلوا معايا وتقولوا رأيكم في الأحداث في الشخصيات في أي حاجة متفضلوش صامتين كدا، انا عارفة ان كتير منكم بيدخل يكلمني ماسنجر و يعبر عن حبه للرواية بس ياريت بردو تتفعلوا هنا مع الأحداث سواء تعليق او فوت علشان محسش ان مع نفسي كدا
واوعدكم الرواية لسه أحدثها هتعجبكم و هتاخدوكم في حتة تانية
لقاؤنا يوم الاتنين ان شاء الله
دمتم بخير
سلمى خالد احمد