تحميل رواية «قصر آل الزيني» PDF
بقلم Salma Khaled
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في هذا القصر لا شيء يحدث مصادفة..... ولا أحد يخرج بلا ندبة... ففي ليلة شتوية ابتلعت الامطار أحلامنا ، و في غمضة عين اختفت الآمال بين السحاب المغيم ويبقى الحب... ولكن سرعان ما يصعقه برق تلك الليلة، لتنتهي القصة قبلما تبدأ ويالها من ليلة.
قصر آل الزيني الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه؟
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الواحد و الأربعون[عرفت الحقيقة]
سلمى خالد احمد
*************
كانت تحتسي القهوة داخل منزل ابن عمها فها هي وصلت منذ فترة قليلة، وقال لها الشاب وهما يجلسان على الأريكة في الصالون:
_ لحد أما تيجي روني بقا، قوليلي
_ اقولك إيه.. اومال فين حلا يا معتصم؟
_ عند أمها، شوية وجاية.. قوليلي انتي بقا عاملة إيه مع جياد؟ عمي قالي انك المرادي رجعاله بمزاجك وتقريبا حبتيه، حبيتي جياد فعلا؟
هزت رأسها نافية، ثم تركت كوب القهوة وقالت:
_ لا محبتوش.. فيه فرق بين اني اديله فرصة واني أحبه
_ وبتعملي في نفسك كدا ليه؟ طالما عمي سابلك الحرية، ليه مطلقتيش؟
ليه تعيشي مع واحد مش بتحبيه؟
ليه تظلمي نفسك وتظلميه معاكي؟
اطرقت..... فتابع:
_ سكوتك مش مطمني... انتي لسه بتحبي شهاب؟
لم ترد أيضًا، فتنهد وتابع:
_ يا هانيا بطلي سكوت وجاوبي.. لسه بتحبي شهاب؟
اغمضت عيناه لحظة ثم فتحتمها سريعًا وردت:
_ منستوش
هز رأسه بالايجاب ثم علق سريعًا وفي جدية:
_ اطلقي واتجوزي شهاب
_ مش نافع خلاص الموضوع دا
_ ليه؟ اعتقد ان هو كمان مش مرتاح في جوازه!
_ شهاب مراته حامل، هو مبقاش نفس شهاب اللي كان يخصني زمان، مبقاش شهاب بتاعي.. بقا شهاب جوز ماهي وابو ابنها اللي جاي.. مش انا اللي ممكن اسرق واحد من بيته ومراته وابنه.. هو كدب عليا، أما خطفني ساعة ما حكيتلك في التليفون اللي عمله مع بابا، قالي اطلقي ويلا مع بعض وقرري وكله بمزاجك انتي، وانا فعلا فكرت في كلامه وكنت بخرب بيتي وانا وجياد كانت علاقتنا بتفتش تقريبا، في حين البيه كان متمم جوازه منها حقيقي من قبل ما يخطفني اصلا، لان مفيش يومين وقالتلي انها حامل، طب كان بيخطفني ليه طيب؟
ابتسم كناية عن تعحبه ورد في استغراب:
_ يعني انتي مكملة مع جياد، علشان شهاب بقا مش متاح؟
هزت رأسها نافية، ثم ردت:
_ لا، انا كان ممكن اطلق واقابل فيما بعد شخص تالت خالص، انما انا قررت ادي فرصة تانية لجياد علشان ماكنش خسرت شخص بيحبني كل دا... انا عارفة انه بيحبني بس الظروف ماكنتش احسن حاجة، فاهمة حتى ليه كان بيضغط عليا و ليه كان أناني معايا وليه كان عصبي و بيجبرني احيانا.. فاهمة انه عمل كل دا لانه راجل عارف ان اللي معاه مش بتحبه والراجل اللي بتحبه عايش معها في نفس البيت فكان لازم يكون مضغوط وطالما هو مضغوط هيضغط عليا.. انما دلوقتي شهاب مشي ووعدني انه هيبعد وهيديني مساحتي وهي دي بقا الفرصة اللي هقدر اشوف فيها شخصية جياد الحقيقية، لو طلع في الحقيقة أناني ومتسلط كدا، هنفصل، انما لو طلع دا كله كان نتيجة ضغط، هكمل، لان بصراحة انا مش هعرف اعيش مع واحد أناني ومتسلط بطبعه.
هز رأسه متفقًا، ثم قال:
_ جياد شخص كويس فعلا وعامة اولاد الشيخ كلهم ناس محترمة، هو فعلا يستاهل فرصة تانية
ردت في استغراب مع ابتسامة صغيرة:
_ غريبة! فكرتك هتشوفه همجي بعد اللي عمله معاك في المستشفى!
_ لا لا، هو كان عمل إيه يعني!
هو بيغير عليكي وانا علشان راجل زيه متفهم شعوره جدا.. الراجل أما بيحب خلاص، بيشوف اللي معاه بتاعته هو وتخصه هو بس، وبيغير عليها من الهوا الطاير جمبها، هو لو معملش كدا كنت استغربت اصلا وقلت انه مش بيحبك.
سكتت برهة.... وساد صمت للحظات... ثم قالت وهي تشبك اصابع يديها في بعضهما البعض:
_ كل حاجة صعبة عليا انا قدرت اتجاوزها، كل مُر، كل ضغط، كل وحش... إلا حاجتين مش عارفة اتخطاهم
_ ايه هما؟
ابتلعت ريقها ثم تنهدت وردت:
_ الأولى، الحركة اللي عملها معايا جياد بالاتفاق مع روني.. وقتها انا حسيت بطعنة في قلبي، كأن.. كأن قلبي وقف لحظات وبعدها رجع يدق بصوت عالي.. صوت مليان قهر وخوف ووجع.. مش بس لاني مبقتش مع شهاب، لا.. علشان اللي طعنوني دول، اخواتي...
توقفت تستجمع نفسها، تعمل جاهدة لمنع سقوط دموعها، ثم تابعت:
_ طول عمري كنت بعتبر جياد اخويا وصاحبي، وروني كمان اختي وصاحبتي واقرب حد ليا.. فاني اكتشف فجأة انهم اتحدوا ومنعوني اعيش حياة فضلت سنتين ونص احلم بيها، احس بنغزة في قلبي جامدة... اثر الطعنة اللي مش عايزة تروح..
هو فكر في نفسه وهي فكرت في مصالح وأمور عقيلة بحتة وفي النهاية هي مع جوزها سعيدة وهو اتجوز البنت اللي بيحبها وحاليا بياخد معاها فرصة تانية اهو، ومحدش خسر ولا دفع التمن غيري.. ويارتني دفعته مرة واحدة، لا انا كل يوم بدفعه.
سكتت نتيجة لنزول دموعها وفي هدوء وصمت يشبهها، أخذت تزيلهم كعادتها.
كان صامتًا شاعرًا بذلك الوجع وتلك الكسرة وذلك القهر الذي يسكن ملامحها منذ وقت طويل... قال في شفقة:
_ انتي بقالك ٦ شهور بتعيطي.. ناوية توقفي عياط امتى؟
ردت في ابتسامة وهي تهز رأسها بالسلب:
_ مش بعيط، حساسة انا بس شوية مش اكتر.. اعتقد القناة الدمعية عندي خلصت في الست شهور دول
ابتسم الشاب ابتسامة تحمل الحزن، فهو يعلم انها تبتسم ابتسامة بها اليأس و الأسى واضحًا، تبتسم كناية عن وجع هلكها واتعب فؤادها منذ وقت طويل.
وبينما هي تضحك وهو يشاركها التبسم، بكت... بلا مقدمات بكت وتحولت البسمة إلى عبس و الضحكة إلى بكاء بصوت واضح، وبيديها خبأت وجهها منه، كانت تكره أن يبان ضعفها أمام الجميع هكذا.
حينها شعر الشاب بالحزن الشديد عليها ولم يعرف كيف يواسيها او ماذا يمكنه ان يقدم لها.. لهذا فضل أن يتركها تبكي قليلًا حتى تهدأ.
وبالفعل شيئًا فشيئًا بدأت تمسح بالمناديل الورقية دموعها المتناثرة على ملامح وجهها، ثم مسحت أنفها.
قال لها:
_ بقيتي أحسن؟
اهدي.. اهدي يا هانيا اهدي
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت:
_ بقيت أحسن اه، انا تمام دلوقتي
تنهد وقال:
_ طب الحمدلله.. مش عارف اللي هقولهولك دلوقتي ممكن يريحك شوية على الاقل ولا لا، بس... طول ما انتي مقتنعة ان جياد اللي اجبرك على الجواز منه.. طول ما انتي مقتنعة انه السبب في انه يفرق بينك وبين حبيبك، هتتعبي نفسيا وهتفشلي تصلحي علاقتك بيه حتى لو ادتيله ميت فرصة مش فرصة تانية.
حاولي تدركي وجهة النظر التانية هتخفف على قلبك لو صدقتيها وهتخليكي تعيشي معاه وانتي راضية
_ إيه هي؟
_ لو ادركتي ان الحب يا هانيا ليه كذا نوع وكذا شكل، وكل واحد بيحب بطريقته واسلوبه.
انا بحب بطريقة وغيري بيحب بطريقة، انا ممكن أقبل حاجة تحت مسمى الحب، غيري ميقبلهاش تحت مسمى الحب وهكذا....
جياد بيحبك، بس بيحبك بطريقته.. هو فضل يحاول يقرب وأما لاقاكي خلاص بضيعي منه، قال أتقدم وزي ما تيجي تيجي، يمكن هي تشوفني افضل منه كفرصة ليها، يمكن أهلها يشوفوني افضل لبنتهم واهو اكون عملت اللي عليا
_ ليه جيه في نفس وقت شهاب، كان ممكن يجي في اي وقت تاني، كان ممكن يسألني الأول انا جاي وعايز أتقدم وانا كنت هرفض فورا.. ليه يستخدم الأسلوب الرخيص دا، وهو عارف ان بابا لو أدى موافقة للشيخ مش هيقدر يرجع فيها بسهولة؟
ليه يلعب في نقطة صلة القرابة اللي بينا وصلة بابا بالشيخ؟
_ ماشي ماشي هو غلط وغلط كبير كمان، بس هو دماغه سحوته لهنا.. هو بيحبك وفكر بأنانية متفقين على دا، بس اللي انا عايز أكد ليكي، ان لو انتي كنتي رفضتي وصممتي على رفضك رغم ضغط عمي والدنيا كلها عليكي، كانت خطة جياد كلها باظت... هو كله اللي عمله خد وقت ومعاد شهاب، لو كان عمي مأجبركيش لو انتي رفضتي بكل الطرق، ماكنتش خطته دي هيكون ليها اي لازمة.
ردت في عصبية وصوت عالي نسبيًا:
_ كنت عايزني اجيب لكم العار؟
انا وشهاب كانت علاقتنا ببعض بيحصل فيها تمادى و كان لازم نتجوز اصلا، لان لو كنا سبينا نفسنا لشيطانا اكتر كان زمان كل حاجة باظت.
بابا رفضه رفض قطعي، قالي هو دا بالذات دا، كان هياخد باله من تصرفاتي وهيراقبني دايما، بالأخص انه عرف ان انا وهو الشركة كلها عارفة قصتنا مع بعض، هو حلف بالطلاق من ماما انه مش هيجوزني شهاب، وانا بضعف قصاد شهاب ولو قالي تعالي نهرب علشان نضغط على اهلك.. لو قالي اي حاجة هعملها... حتى لو مجاش جمبي، انا كنت هدور عليه واشوفه فين واروح له والشيطان شاطر وياما بنات وقعت وضعفت... انا هربت منه ومن ضعفي لما خفت وحسيت بالخطر... انا قبلت جياد علشان ماكنتش اعرف انه السبب في كل دا، كنت فكراه جاي يتقدم من قبيل الصدفة، لكن اقسم بالله وقتها لو كنت اعرف انه سبب كنت رفضته تماما وكنت حبست نفسي في البيت لحد أما يجي لي شخص تالت خالص، بس هما كلهم ضغطوا عليا وقالولي طالما ابوكي ضغط عليكي وحلف بالطلاق انك مش هتتجوزي شهاب، وافقي على جياد، بيحبك وشاري وهيبسطك وكل يوم كانت واحدة منهم عندي شكل تضغط عليا وتزين لي جياد في عيوني.
قلت لنفسي طالما شهاب بقا مستحيل، طالما ماخدتش اللي بحبه، خلاص خليني اخد اللي بيحبني وافتكرت الموضوع بسيط وسهل وهعرف اموف اون وكدا كدا جياد كويس وانا عارفاه بس اما اتجوزته، لا خالص.. كنت شايفة وشه شهاب ٢٤ ساعة، حسيت اني اتجننت، ازاي الموضوع صعب كدا؟
ازاي مش عارفة اتخطى كدا!
_ فاهمك، بس هو بقا جياد ميعرفش كل معاناتك دي، هو واحد أتقدم وعمل اللي عمله وخلاص، ساب الباقي عليكم، يا توافقوا يا ترفضوا، مهم تعرفي انه...
قاطع تحدثه، صوت رنات هاتفها، فقالت له:
_ استنى معلش هقاطعك، هشوف مين
أخرجت الهاتف من الحقيبة فوجدت المتصل زوجها، فتابعت:
_ جياد، استنى هرد
استقبلت المكالمة قائلة:
_ الو
_ هانيا تعاليلي حالا
_ في إيه خير؟
_ تعالي بس، انا طالع على مستشفى yang look
ردت في خضة:
_ ليه مستشفى ليه؟ خير خوفتني!
_ متخافيش لا، تعالي بس وهفهمك بس متخافيش مفيش حاجة تقلق والله.. الموضوع يخص ابننا اللي مات مش اكتر
_ طيب طيب، انا جيالك اهو، باي
انهت المكالمة معه وبدأت تلم اشيائها وتعدل ملابسها وشعرها قبل الذهاب، وسألها الشاب:
_ خير؟
_ مفيش حاجة، خير ان شاء الله، جياد بس عايزني في موضوع يخص موت ابننا، شكله وصل لحاجة
_ هاجي معاكي
_ لا لا بلاش، هو بيدايق من وجودك شوية.. انا بقوله اصلا اني رايحة لحلا وكدا علشان ميغيرش ويزهقني، متقلقش عليا، المستشفى كدا كدا قريبة من القصر
_ ماشي اللي يريحك، طب وروني؟
_ هكلمها اقولها، يلا باي
_ باي، خلي بالك من نفسك.
**********
اتجهت فاطيمة نحو فرد الأمن الذي أعطى لجياد التحليل، وقالت له:
_ جياد بيه كان عايز منك إيه؟
_ جاله تحاليل من المعمل بس وانا ادتهاله، هو ماكنش عايز مني حاجة
_ راح فين طيب، انا شفته ماشي؟
_ مقالش والله يا هانم
_ طيب روح على شغلك
وبعدما انصرف الرجل، تمتمت :
" كدا انا عرفت انت روحت فين يا جياد "
ثم اجرت مكالمة هاتفية مع شخص ما، قائلة بمجرد استجابته:
_ الو، أسمع هقولك ايه.. جيه دورك اهو، بس بسرعة.
*********
توقفت سيارة جياد أمام المشفى، ثم خرج وترجل في خطوات سريعة.
وأثناء سيره، وجد طيب توهه خارجًا من باب المشفى وها هو ينزل السلم وبمجرد أن لمحه ابتسم وقال:
_ جياد بيه
توقف جياد وابتسم له وقال:
_ اهلا وسهلا، هو حضرتك تعرفني؟
_ هو فيه حد في مصر ميعرفكش يا راجل!
انا بحبك جدا انت واخواتك ووالدك الشيخ عبدالله الزيني المحترم
ابتسم الشاب وقال له:
_ ربنا يعز مقدارك يارب
رد عليه الطبيب:
_ الله يكرمك، انا دكتور رمضان بالمناسبة، شغال في المستشفى دي، لاحظت انك داخل المستشفى وشكلك كان مستعجل خير؟ ان شاء الله الأسرة الكريمة كلها بخير؟
_ اتشرفت بحضرتك يا دكتور، خير ان شاء الله، انا بس كنت عملت تحاليل للحصانة بتاعتي وجاتلي على البيت وكان مكتوب في ورقة مفصلة الحالة كلها، اللي اتعرضت ليه حصانتي، بس انا بردو كنت حابب اسأل دكتور بنفسي واستفسر منه أكتر واكتر
_ اقدر اساعدك، وريني التحاليل دي
أعطاها الشاب له ووقف ينتظر رده... بدأ الطبيب يقرأ ويقرأ حتى انتهى وقال له:
_ شوف مستر جياد، الحصانة بتاعتك اتعرضت لجرعات من الحشيش في الأكل بتاعها
_ الحشيش يجننها لدرجة توقع مراتي من فوقه؟
_ اه طبعا ويعمل اكتر من كدا...
الحشيش فيه مادة اسمها THC بتأثر على الجهاز العصبي.
الحيوانات عمومًا (ومنهم الحصان طبعا ) أكتر حساسية للمادة دي من الإنسان.
والأعراض اللي ممكن تظهر:
ترنّح أو فقدان توازن
خمول شديد أو العكس: توتر وهيجان
تسارع ضربات القلب
ارتباك وعدم استجابة طبيعية
في حالات كبيرة: ممكن يحصل تسمم خطير ليه أصلا لو كانت الجرعات دي زيادة، خير مراتك بخير؟
_ هي بخير الحمدلله، بس ابننا هو اللي سقط علشان كدا انا مهتم افهم الحصان ليه اتجنن فجأة وعمل كل دا لانها قالت انه رماها فعلا
رد عليه الطبيب فورًا:
_ دي شبهة جنائية طبعا، لازم تبلغ البوليس، أكيد حد من أهل بيتك او الحرس او غيره، بيتنالوا الحشيش دا او مدخلينه بيتك بشكل من الأشكال، لو انت مبلغتش والبوليس شم خبر ان في بيتكم حشيش هتروحوا في داهية وكمان لازم تفهم هو ازاي الحشيش وصل للحصان... هو أكل الحصان بيتحط فين؟
_ مش عارف.. بس تقريبا عند البواب يعني
_ حلو، زي ما قولتلك بقا بلغ البوليس بسرعة لان دي شبهة جنائية وفي مصيبة في بيتك زي الحشيش دا
هز رأسه بالايجاب ثم قال:
_ حاضر، حاضر هبلغ حالا.. على كل حال اشكرك يا دكتور
_ العفو
وأثناء سيره، قال الطبيب له:
_ ابقى طمني بالتليفون ولو احتاجت أي حاجة كلمني، هكون برا القاهرة لفترة
استدار الشاب له وقال:
_ تمام، خد رقمي اهو
وبعدما اعطاه الرقم، تابع طريقه للذهاب وحينها وجد زوجته تقبل نحوه في سرعة وهي تقول:
_ ايه يا جياد اللي حصل، طمني
أمسكها من يدها وقال:
_ متخافيش، تعالي، تعالي نركب العربية وهفهمك كل حاجة.
ظل ذاك الطبيب، أو الشاب الذي تصنع انه طبيب واقفًا يراقبهما حتى ذهبا، ثم اتصل على شخص ما وقال له:
"الو يا باشا، عملت كل اللي أمرت بيه، الفلوس امتى؟... تمام مستني سلام "
************
حينما ادركت أن ذلك السافل يجلس أمامها ويبتسم هكذا مثل المجرمين، استدارت كي ترحل في صمت، ولكنه هم بالنهوض وأسرع خلفها، ثم عرقل طريقها وقال:
_ لا لا، انا خلصت كلامي خلاص وماشي اصلا، تقدري تقعدي مع صاحبتك زي ما انتي عايزة، متخافيش كدا
كانت لا تنظر إليه بل تلقي بصرها بعيدًا عنه وملامح وجهها تحولت جميعها إلى ملامح تحمل الضيق والقرف.
ابتسم لذلك ثم خطى بخطوات مستقيمة نحو الباب كي يخرج، وبمجرد أن خرج، اتصل صفوت عليه عبر تطبيق ماسنحر وقال له بمجرد أن استجاب:
_ كل اللي طلبته اتنفذ بالحرف
ابتسم ورد:
_ جدع، اقفل يلا
انهى المكالمة معه، وبدأ يسير نحو سيارته وهو يطلب رقم أحدهم، فتح باب السيارة ودخل، وقبلما ينطلق، يعني اثناء ارتدائه حزام الأمان واستعداده وهكذا، استجاب الشخص له، فقال له على الفور:
_ كدا يا ماما اللي انتي عايزاه اتنفذ.. دورك بقا تعمليلي اللي انا عايزه.
وفي الداخل، وقفت نيرة وقالت في ابتسامة:
_ روني ازيك، تعالي اقعدي
ردت عليها في ايجاز:
_ كان عايز إيه؟
_ طب اقعدي طيب
_ قولي لو سمحتي بسرعة، كان عايز إيه دا؟
عقدت حاجبيها في استغراب وردت:
_ روني، هو دا مش تقريبا ابن خال جوزك؟
تنهدت تنهيدة طويلة فهي تكره سيرته وتكره رؤيته وتكره كل ما يخصه، وأثناء صمتها، سمعت صوت هاتفهما يصدح، اخرجته من الحقيبة واستجابت قائلة:
_ ايه يا هانيا؟
_ انا مش عند معتصم، حبيت بس اعرفك علشان لو جاية علينا
_ اومال انتي فين؟
_ رايحة القصر مع جياد، قضية قتل ابني هتتفتح النهاردة، بلغنا البوليس وهو في طريقه لينا
_ طب انا جيالكم حالا، سلام
قالت لها نيرة في استغراب:
_ معقولة ماشية؟
كنتي جاية في إيه وماشية في إيه؟
_ بعدين يا نيرة بعدين
ردت في ايجاز وهي تسرع جهة الباب.
**********
كانت ماهي تقف أمام المرآة تضع الميك اب خاصتها بعدما ارتدت فستانها الأحمر الجذاب الجرئ، وانتهت من تسريحة شعرها الأنيقة، ها هو لم يبق سوى الميك اب.
دخل شهاب من باب الشقة وهو ينادي في صوت عالي وعصبية واضحة:
_ ماهي، ماهي.. ماهي
كرر اسمها حتى دخل الغرفة عليها واختضت الفتاة من صراخه بذلك الشكل، وبمجرد ان دخل قالت في خوف:
_ نعم؟
اقترب منها في خطوات سريعة والغضب يكسو ملامح وجهه، ثم قال في صوت عالي اجش:
_ انتي روحتي قولتي لجياد ان اختي هربت او اتخطفت؟
بدأ التوتر يظهر عليها ولم ترد.. فتابع في نفس النبرة:
_ هو انتي كل تفة هتفها في البيت هتروحي تقوليها لاخوكي ولا إيه؟
لا ودا بالذات، وانتي عارفة احنا نحب بعض قد إيه طبعا!
ابتلعت ريقها وردت في نبرة صوت منخفضة بها الخوف:
_ هو...هو أيه اللي حصل؟
رد في صراخ:
_ اخوكي الوسخ دا عارف اني بكرهه وبتعقد اما بشوف خلقته وقلت ميت مرة مش عايز اتجمع في شغل معاه واصلا مليش انا اي شغل معاه والشكر لله.. يجي هو بالعافية عايز يمارس دور المدير عليا وعمال يقولي يلا على المكتب يلا على المكتب وانا رفضت وقولتله مش رايح المكتب يعني مش رايح وفكك مني السعادي وسبته ومشيت..
تابع في نبرة أعلى وأكثر عصبية وحدة:
_ يقوم يجي ورايا زي الشيطان الرجيم، ويقولي بردو روح المكتب كأن كم الرفض دا مأقنعهوش، كالعادة رفضت وانا بقول يارب نخلص بقا، وكله كان شغل في شغل، بس اخوكي قرر يتقمص دور خالتي ويفرش على المصطبة ويتكلم عن النسوان بقا والشرف و الحق والفضيلة وادعى الحكمة وقعد يقولي كما تدين تدان واللي بيحصل في اختك دا علشان اللي انت عملته في اختي وفي مراتي وهو كأس وهيمر على الكل و كل الكلام اللي بتنقله خالتي من بيت لبيت دا.
لا كلام مدير ولا كلام شغل ولا كلام رجالة اصلا، وطبعا انا على أخري كله الا الموضوع دا، انا خلقي في مناخيري اليومين دول وانتي عارفة، خلاني اتفتحت عليه وسمعته من المنقي واللي مش منقي واي حاجه خطرت على بالي قولتها، ليه بقا؟ ها؟ ليه؟ ليه اخوكي يوصل الإنسان انه يغلط ويتعصب ويقعد يسب ويلعن فيه وفي العيشة؟
ليه يخليني اقول كلام ماكنتش احب اقوله؟
مالها اختي بالموضوع؟ مالها اختي بأني اقبل اروح المكتب ولا لا؟
هو خلاص مبقاش عارف يجازيني ازاي كمدير فقال أما أحرق دمه باخته؟
طب هو ميعرفش ان الرجالة مينفعش تجيب سيرة النسوان في مشاكلهم؟
طب هو اخوكي دا امتى هيبقى راجل؟
كانت صامتة خائفة، لم تراه بمثل تلك الحالة من قبل ولم تسمعه يصرخ بذلك الشكل من قبل أيضًا، فردت في نبرة صوت منخفضة وضعيفة:
_ انا أسفة، انا أسفة والله
هدأ قليلًا وبدأ صوته ينخفض شيئًا فشيئًا، ثم رد في نبرة صارمة واضحة بها شدة:
_ اسمعي، اقسم بالله دي آخر مرة تنقلي اي حاجة بتحصل هنا في الشقة دي تخصني او تخصنا، لأي حد من أهلك.. ليكي تتكلمي مع أهلك في اللي يخصك بس، انما انا لا، اي حاجة تخصني بعيدة تماما عن أهلك، والا هتشوفي مني وش وتصرف مش هيعجبوكي ابدا، سامعة؟
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت:
_ سامعة
تنهد ثم اتجه نحو الخزانة وبدأ يخرج ملابس البقاء في المنزل.
كانت تقف صامتة تترقب فعله وانتظرته حتى انتهى من تبديل ملابسه وجلس على السرير وهو يسحب الحاسوب الخاص به من فوق الكومودينو.
قالت في شئ من التوتر كي لا يرفع صوته عليها مرة أخرى:
_ اقدر امشي؟ انا اتأخرت على العيد ميلاد
رفع رأسه نحوها، ثم رد في ضيق:
_ هو إيه القرف اللي انتي لبساه دا؟
_ إيه؟
_ إيه إيه؟ إيه انتي؟
شايفك ما شاء الله لابسة فستان أحمر يعني لون ملفت ومفتوح من كل حتة و ضيق عليكي كدا ليه، قالولك انك متجوزة قرني؟
_ شهاب ما دا استايل لبسي من زمان وبعدين..
قاطعها قائلًا في ايجاز واضح:
_ بلا من زمان بلا بطيخ، غيري يلا القرف دا والا اقعدي مفيش مرواح في حتة
بدأت تتضايق وتعقد حاجبيها في اعتراض واضح، ثم قالت:
_ على فكرة طول عمر دا استايل لبسي وانت ماكنتش بتتكلم!
_ وبقيت اتكلم، ايه معترضة ليه؟ ولا انتي اللبس المقفل هيقرّصك؟
_ لا بس حاسة ان دا تحكم وخلاص علشان مدايق مني، لان دي ماكنتش طريقتك
_ ماهي، انا قبل كدا، انتي كلك على بعضك ماكنتيش فارقة معايا، انتي عارفة اللي فيها زمان كان إيه، ماكنتش بركز اصلا لا معاكي ولا مع لبسك، انما دلوقتي انتي بقيتي مراتي قولا وفعلا وملزمة مني وهتحاسب عليكي، فهمتي ولا لسه؟
ردت في ضيق:
_ شهاب هو ممكن تهدى وتبطل تكلمني بالاسلوب دا؟
_ استغفر الله العظيم يارب.. يلا يا ماهي غيري الفستان دا يلا وخلي الليلة دي تعدي علشان انا اقسم بالله على أخري.
_ يا شهاب والله كل الفساتين عندي مفتحة
نظر إليها نظرة من شدتها وحدتها كانت كافية لتجعلها تصمت وتتحرك نحو الخزانة وتبدأ بالتقلب بين الفساتين لتختار آخر.
كانت تهمهم في اعتراض وهي تقلب:
" مش عارفة انا إيه دا.. كل الناس عارفة كويس اوي ماهي الزيني بتلبس ايه ولازم تكون طلتها عاملة ازاي فكل مناسبة، بقا على آخر الزمن البس اي حاجة كدا وخلاص؟"
قال لها في صوت عالي كي تسمع:
_ انتي ماهي مظهر دلوقتي مش ماهي الزيني، واضح؟
نظرت إليه ثم هزت رأسها موافقة وقالت:
_ واضح.. على فكرة انا مش معترضة، انا بس كنت عايزاك تعرفني من قبلها علشان كنت جهزت فستان تاني مناسب يعني مش أكتر!
سحبت فستان ثم عرضته له وهي تقول:
_ دا كويس؟
أخذ يتطلع جيدًا وهو يتخيله عليها كيف سيبدو ثم حرك اصبعه بالسلب.
تضايقت وزفرت في غيظ، ثم بدأت تبحث عن آخر... حتى وجدت واحدًا وسألته:
_ طب دا؟ اهو طويل وبكم ومقفل!
هز رأسه رافضًا، فقالت في عصبية:
_ ليه بقا؟
_ مفتوح من عند الصدر اهو، فاتحة باينة للأعمى!
_ يا شهاب انا تعبت، انا مش لاقية واحد مقفل كله مش لاقية!
ينفع طيب يبقى مقفول كله بس دراعي باين باكتافي؟
_ ورهولي كدا
عرضته له، فقال:
_ لا بردو، مبين درعاتك كلها و ماسك من ورا اوي والله
رمته من يدها ووقفت يائسة وهي تضرب الأرض بقدمها.. فقال:
_ خلاص البسي بدلة فورمال
_ لا يا شهاب انا مش هلبس بدل أنا هو انا في شغل!
لكل مقال مقام، ودا عيد ميلاد بيستي لازم البس فستان!
_ خلاص يا ماهي متروحيش!
_ يا شهاب بقا بجد حرام والله!
قام من مكانه واتجه نحو الخزانة أخرج منها جاكيت فورمال طويل وبنطلون واسع قليلًا وتيشرت اسود ثم وضعهم على السرير وقال:
_ هو دا اللي هتلبسيه عامة لو ناوية تلبسي بدل يعني او لو ناوية تلحقي العيد ميلاد اصلا
صاحت في ضيق:
_ كمان! كمان جايب البليزر الطويل على البنطلون الواسع!
دا مش بتاع دا!
_ هو دا اللي هيتلبس
_ شهاب بجد، مش هينفع هو...
رد بشكل قطعي :
_ المناقشة خلصت، خلصنا خلاص.. يا التقم دا، يا فستان طويل وواسع ومقفل، غير كدا معنديش ومتروحيش
ثم تركها ودخل المرحاض.. تتبعت اثره ثم تمتمت في ضيق:
" منك لله يا جياد، عملت في إيه بس، جننتهولي بالشكل دا! "
وفي النهاية قررت أن ترتدي البدلة نظرًا إلى تأخرها على الموعد وعدم توافر فستان يتوافر به شروط زوجها.
*******
يقف جياد بجانب زوجته جهة اليمين بينما تقف روني بجانبها جهة اليسار وأمامهم يقف الشرطي والعساكر قد انتشروا في كل ارجاء الحديقة، بالأخص تلك الأماكن التي كانت تتردد عليها الفرس أو أكلها.
وبعيدًا عنهم قليلًا كانت تقف كلًا من حليمة وفاطيمة تترقبا ما يحدث وهما تتصنعا الخوف والتوتر.
وقال الشرطي لجياد وهو ينظر إلى التحاليل التي في يده والتي كان يقرأها:
_ انت عملت التحاليل دي فين؟
_ في معمل جوا مستشفى yang look القريبة هنا من الكومباوند
_ كدا كدا لازم نتأكد من صحتها بطريقتنا بردو
_ اعملوا اللي تشوفوه مناسب أكيد.. كل اللي يهمني ان المجرم اللي مدخل حشيش في بيتي وأذى بيه حصانتي ومراتي واتسبب في موت ابني، يتمسك ويتعمل معاه اللازم
_ أكيد طبعا
وفي تلك الأثناء، خرج أثنان من العساكر ومعهما الكلب وقال أحدهما:
_ يا فندم، لقينا حشيش في دولاب الحارس دا، والدولاب تحته العلف بتاع الحصانة علطول.. وكمان لقينا في السجاير اللي بيشربها ملفوفة حشيش، اتفضل شوف
أخذ منه ما وجدوه وأخذ يتطلع عليه، واخرون خرجوا بالحارس قابضين عليه و الكلبش يقيد يداه.
كان الحارس يصرخ :
_ انا برئ يا بيه انا برئ، انا معملتش حاجة
وسأل جياد الشرطي:
_ طب هو ليه يعمل كدا في حصانتي؟
_ هيظهر في التحقيقات أكيد.. بس هو الواضح حاليا انه وهو بيطلع ممكن وقع منه في العلف بدون قصد او وهو بيلفه وقع منه أجزاء في أكلها، لان انت قلت ان الجرعات ماكنتش كبيرة صح؟
_ اه
_ وهي فين الحصانة؟
_ هي عند الدكتور طبعا، ودتها اطمن عليها
_ عايز عنوان الدكتور دا
اعطاه ما طلب، ثم نظر إلى الحارس نظرة بغيضة مليئة بالكره والغضب.
وصاح موجهًا حديثه له:
_ هي دي الأمانة يا سافل يا حقير، بدخل قذرات زي دي في بيتنا، في بيت الراجل اللي أئتمنك على حراسة بيته؟
كلب
تحدث الشرطي:
_ خلاص يا مستر يا جياد، بلاش توجه له اي كلام، هو بقا معانا خلاص واحنا هنقوم بالواجب
أتى الباقون من كل مكان قد انتشروا فيه وقالوا للشرطي:
_ مفيش حاجة يا فندم
التفت إلى جياد وقال:
_ كدا القصر مفيهوش حاجة، والدليل الوحيد على الحارس لانه خرج من اوضته وعلبة سجايره
ثم نظر إلى العساكر وتابع:
_ خدوه يلا على البوكس وانا جاي وراكم
سحبوه وهو يصرخ بالبراءة وجياد يسبه ويلعنه.
وبعدما اخذوه وذهبوا به، ابتسمت هانيا وقالت في راحة:
_ الحمدلله يارب، كدا اللي آذاني واذى ابني وحصانتي هياخد جزاته
بينما روني كانت تقف بجانبها لا تصدق تلك المسرحية التي حدثت وان كانت واقعية كفاية ولكنها تعرفهم جيدًا وأكثر من أي شخص آخر، فمن منهم تأذى بسببهم، غيرها؟
كانت تنظر إليهما في شك وقرف بينما هما كانتا يتحدثان معًا، فقالت حليمة لها:
_ زي ما كنا عايزين يا فاطيمة.. ادي الحارس اللي لبسها زي ما خطتنا بالظبط
_ الحمدلله
_ هو الولا اللي قابل جياد وعمل نفسه دكتور دا، قاله اللي في التحاليل بالظبط؟
_ ايوا طبعا لان مصير جياد هيتأكد ماكنش ينفع نكدب ولا مضطرين، هو بس كل دوره زي ما قولتلك انه يحط في دماغ جياد فكرة انه يبلغ البوليس، علشان البوليس ببساطة هيعرف الحشيش فين
_ ايوا بدل ما كان الشيخ هو اللي يقعد يحقق معانا
_ بالظبط وكدا اهو اتسجن وفيه دليل مادي ملموس عليه وخلصنا منه ومن القضية دي خالص
انهتا كلامهما وقالت فاطيمة في ايجاز بصوت عالي لجياد كي يسمعها:
_ مبروك يا ابن اخويا، لولا بس اني واخدة على خاطري منك بسبب اللي عملته معايا انا و عمتك وبنتي كنت جيت حضنتك
انهت كلامها ثم انصرفت هي واختها متجهتان نحو داخل القصر.
زفر جياد في ضيق، ثم قال لزوجته:
_ هروح اشوف عمته، وبعدها هسبقك على الاوضة
تحرك وبمجرد تحركه، قالت روني لأختها:
_ هما اللي قتلوا ابنك
انتبهت لها وعلقت في استغراب:
_ إيه؟
_ حليمة وفاطيمة هما اللي عملوا كدا وهما اللي لبسوا الحارس فيها
_ ازاي؟ دا جياد هو اللي سأل الدكتور وهو اللي بلغ الشرطه!
_ بشكل او بآخر بس اقسم لك بالله هما اللي وراها
_ وجابوا الحشيش منين يعني؟
ردت في ابتسامة ساخرة:
_ ماهم عندهم باسم بسم الله ماشاء الله أكبر تاجر حشيش وممنوعات في مصر، هيغلبوا يعني!
دول شياطين، شياطين والشياطين دايما بيلاقوا حلول علشان تنفذ الفاحشة كاملة مهما كانت صعوبتها.
قلقت الفتاة حيال ذلك ثم ردت:
_ وهنعمل إيه؟
_ هنركز بقا، دورنا بقا نرد.. كفاية لحد هنا، عمالين ناخد على دماغنا وبس.. معايا ننتقم من الحربايتين دول ونكشف وشهم الحقيقي للشيخ والكل؟
_ معاكي طبعا، هي دي محتاجة كلام؟
بس هنبدأ منين وازاي؟
_ هقولك...
**************
كان كل شئ قد تم تجهيزه بشكل يناسب حفلة عيد الميلاد الخاصة بمنى. حيث جهزت حديقة فيلتها بالزينة الكاملة والاغاني وغيرها.
دخلت ماهي وبدأت تتلفت حولها على منى، فوجدتها تقف هناك وسط زملائها تبتسم وتضحك معهم، وبمجرد ان لمحت ماهي تركت الجميع واسرعت جهتها وهي تقول في فرحة:
_ ماهي، اتأخرتي فكرتك مش جاية
_ وانا اقدر بردو!
طالعتها من أعلى إلى أسفل ثم قالت في استغراب:
_ ايه دا اومال فين الفستان الأحمر؟
مش قولتيلي انك جبتي فستان أحمر تحفة لعيد ميلادي؟
ردت في أسف:
_ اصل.. شهاب مرضيش
_ طظ فيه إيه شهاب دا! كلح بأمانة جوزك دا، كنتي ألبسيه غضب عنه
_ اه انتي عايزاني أطلق بقا!
_ ما تطلقي بجد، مش عارفة متمسكة بجوزك التنح دا ليه!
_ احترمي نفسك يا منى شوية، انا مش عايزة اطلق انا، انا بعشقه يا ستي، الله!
_ ما علينا، اشبعي بيه.. جياد فين؟ هو جياد مجاش؟
انا أما ملقتهوش مع عايلتك قلت أكيد هيجي معاكي
_ لا مجاش معايا ومعرفش مجاش ليه.. فكك منه، هتعوزي منه إيه!
نظرت إليها في ضيق، فهي كانت تود مجيئه وبشدة، ولكنها سحبتها وذهبتا معًا جهة باقي الأصدقاء.
وفي الجانب الآخر، رحبت والدتها بعبير هانم والتي اتت مخصوص لحضور عيد ميلاد منى.
وقالت لها:
_ العيد ميلاد نور والله يا عبير هانم
_ المكان منور باصحابه يا مدام سناء.
وكل سنة ومنى طيبة وعقبال ما تفرحي بيها يارب
_ يارب يا حبيبتي يارب
جلست عبير بجانب السيدة وعيناها مسلطة على منى وحركاتها وطريقتها، فهي تخطط كي تزوجها من ابنها لذا كانت مهتمة بمعرفة كل تفاصيلها.
كانت الفتاة تقف على المسرح وحولها أصدقائها، حتى حانت الفقرة الخاصة بها وبماهي، وجاء الفنان [ أحمد سعد] وحييوه في صوت عالي وحرارة مبالغ بها وبدأ يغني [ بحبك يا صاحبي ]
وفي المنتصف اثناء غناءه، كانت منى تقف قبالة ماهي ترقصا معًا وحولهما على شكل دائرة يقف باقي الأصدقاء يصفقون ويغنون ويتفاعلون مع المغني.
كانتا ترقصا و تغنيا وتحتضنا بعضهما البعض والابتسامة لا تفارق شفتيهما، فإن كلمات الاغنية كانت مفصلة عليهما وعلى طبيعة العلاقة بينهما لذا كانت الفرحة تغمرهما والحرارة تشتعل بينهما فاندمجتا سويًا بشكل رائع ولفت الانتباه بشكل كبير.
وكانت عبير تشاهد رقصة ابنتها مع الفتاة وهي تبتسم ابتسامة عريضة وقالت محدثة نفسها:
" لا ماشاء الله عليها نغشة، مش زي البومات اللي عندنا في القصر "
وسمعتها مايا الواقفة بجانب كاميليا على الجانب الآخر من جلوس عبير، وكالعادة اسرتها في نفسها.
كانت ترمي منى بنظرات مليئة بالغيرة والضيق وبدون مقدمات التفتت حولها تبحث عن زوجها فوجدته يجلس هناك مع اخو منى ووالدها يتحدث معهما وبجانبه يجلس حسان.
شعرت بالغيرة بشكل أكبر والخوف تملك منها وبقت عيناها مسلطة عليه لا تتخيل إلا السوء، تتخيل انه يطلب من الوالد الزواج من منى، لم يصدر منه ما يجعلها تتخيل ذلك حتى ولكن عقلها صوّر لها هذا المشهد وحسب.
وعلى المسرح، انتهت فقرة الفنان وصافح الفتاة ثم انصرف، وفجأة اشتعلت أغاني المهرجانات في الارجاء وحينها أقبل كل شاب صديق لمنى والتفوا حولها هي وماهي التي كانت في المنتصف حينها، وبدأوا يقفزون ويرقصون الرقص الخاص بالشباب، حينها خافت ماهي وتركت يد منى وبدأت تتسلل من بين هولاء الشباب حتى خرجت من تلك الدائرة ووقفت بعيد، واكتفت بالتصفيق وحسب.
كانت منى وحدها وسط عدد هائل من الشباب أصدقائها، كانوا يرقصون حولها واحدهم كان يرقص قبالتها.
كانوا يمسكون في يدهم الشموع التي بها شرارة كبيرة ويطوفون بها حول الفتاة وصوتهم الرجولي كان صاخبًا للغاية.
وكانت هي في المنتصف تمسك بواحدة مثلهم، ترفع يدها بها للأعلى وتقفز مرات متتالية مع الرقصة وضحكاتها عالية.
وعندها لمحت وقوف ماهي بعيدًا، فأشارت لها بأن تنضم لهم، ولكن الفتاة حركت اصبعها بالسلب رافضة ثم رفعت يدها اليسرى واشارت لها نحو خاتم الزواج.
لاحظت مايا، التفاف كل هؤلاء الشباب حول منى ومنهم من شاركها الرقص بذلك الشكل الجنوني، رقص عبارة عن قفزات وصراخ.
ثم التفتت إلى عبير وقالت:
_ بقا هي دي اللي هتناسب عايلة الزيني بردو؟
ما شاء الله، مش ظاهرة في الشاشات لينا من كتر ماهي غرقانة وسط كوم شباب، عمالة ترقص وتتنطط وكل شوية واحد مختلف ينزل يرقص قصادها وقمة قلة الأدب وعدم الحياء، هي دي اللي بتفضليها عليا؟
عموما عمرها ما هتلفت انظار فاتح
رفعت السيدة أحد حاجبيها وردت في ايجاز رغم الضيق الذي بها:
_ بكرة أما تتجوز، ربنا هيهديها، أصلها عيلة بردو!
رمقتها مايا في قرف... ثم التفتت نحو زوجها الجالس هناك مع الرجال تارة أخرى ولازالت الغيرة تسري في دمها.
وعند ماهي، أقبل نحوها شاب من أصدقائهم وقال لها في ابتسامة:
_ إيه يا ماهي بلاش كآبة تعالي ارقصي معانا يلا
ردت في ابتسامة:
_ لا معلش يا تامر مش هينفع والله
_ ليه بس؟
_ شهاب هيزعل والله
_ آه، جوزك فلاح يا ماهي.. بجد إيه المشكلة يعني؟ كلنا صحاب وبنرقص وبنفرح!
_ معلش يا تامر بقا، قولتلك جوزي هيدايق، مش هقدر والله
_ هو فين طيب؟
_ مجاش
_ طب وعاملة حوار ليه طالما مجاش، هيعرف منين هو!
وقبلما ترد، رد أمجد والذي جاء من خلفها وقال له:
_ ما خلاص بقا يا عسل، قالتلك لا هو الكلام مش مفهوم!
التفتت ماهي نحو الصوت فعلمت أنه أمجد، بينما رد الشاب عليه:
_ ومين حضرتك؟
_ أمجد الكبير، ابن عمتها حضرتك
_ طب ماشي روق كدا!
_ بقولك إيه...
وقبلما يكمل، قاطعته ماهي قائلة:
_ خلاص يا أمجد..
ثم التفتت إلى الشاب وتابعت:
_ خلاص يا تامر، انا مش هرقص خلاص بعد اذنك، روح يلا ارقص مع الباقي.
انصرف الشاب، بينما قال لها أمجد:
_ عاملة إيه؟
_ تمام
احادت بصرها بعيدًا عنه وبقت تنظر نحو منى وباقي الأصدقاء.
فقال هو:
_ على فكرة شكلك حلو اوي في البدل الفورمال كمان
نظرت إليه وردت في نبرة حادة جدية:
_ احترم نفسك يا أمجد، اظن قولتلك قبل كدا الموضوع دا ميت مرة!
_ ماهي هو فيه إيه؟
انا اللي مربيكي، وانتي بنت خالي وصاحبتي، ليه مش عايزاني اتكلم معاكي شوية حتى، ليه مش طيقالي كلمة!
زفرت في ضيق وقررت أن تتركه وتذهب، ولكن أثناء تحركها، أمسكها من ذراعها يمنعها من متابعة السير وهو يقول:
_ استني هنا انا بكلمك!
حدقت به، ثم سحبت ذراعها بقوة من يده وصاحت في ضيق:
_ اوعى تتجرأ وتلمسني تاني، فاهم!
انا حدودي واضحة جدا وبابي مقفول مش موارب، انا مش ماهي الزيني بتاعت زمان انسى، انا دلوقتي ماهي مظهر وانت تبقى جوز اختي كاميليا الكبير، فجو الصحاب اللي كان بينا دا انساه تماما، وفوق وركز انت جوز اختي، فاهم؟
هكذا انهت كلامها وتركته وذهبت دون ان تترك له مساحة أن يتكلم.. وكانت كاميليا تقف هناك وقد رأت كل ما حدث بينهما... وحتى لا تنهار أمام الجميع، سارت في خطوات سريعة جهة المرحاض، وأثناء ذهابها فكرت.. هو يعلم أنها هنا ولكنه لم يفكر في الكلام معها حتى وكل ما شغله هو التحدث مع ماهي والاهتمام بها وبوجودها، مما أكد لها قرارها وأكد لها انها كانت على صواب وقتما فكرت في الانفصال.
تمنت الفتاة أمنية وقطعت الكعكة وغنوا لها.. وحينها قام فاتح واتجه إلى أمه وقال لها:
_ يلا يا ماما نروح؟
عندي شغل بكرة بدري
_ يلا، يلا نروح نسلم عليها ونمشي
حينها، سحبت مايا يد فاتح وقالت:
_ هنستناكي انا وفاتح برا يا ماما لحد ما تبقي تسلمي عليها
أمسكت السيدة يده الثانية وقالت:
_ لا، فاتح هيجي يسلم عليها معايا
نظر إليها فاتح وقال:
_ خلاص يا ماما سلّمي انتي، انا كدا كدا باركت لها أما جينا مش لازم تاني، هستناكي اهو
نظرت إليه في قرف ثم إلى زوجته ثم ذهبت.
وفي نفس الوقت، خرجت كاميليا من المرحاض بعدما هدأت وعدلت الميك اب وغيره وسألها فاتح:
_ في إيه بينك وبين أمجد؟
_ بعدين هقولك
_ بعدين امتى؟
_ فاتح ارجوك متتغطش عليا، بعدين هقولك والله، وارجوك متسألهوش هو.. انا كدا كدا هقولك كل حاجة انت عارف اني مس بخبي عنك حاجة يعني
أقبلت نحوهم ماهي وضمها فاتح إلى صدره وهو يقول:
_ وحشتينا يا بنتي بجد، عاملة إيه؟
_ كويسة يا حبيبي والله وانتوا كمان وحشتوني
ثم ضمت حسان إلى صدرها ذلك الذي بدأ يربت في حنان على ظهرها وهو يقول:
_ شعنونة البيت، القصر من غيرك ضلمة، ارجعي اقعدي معانا تاني
_ شهاب مش هيرضى انت عارف.. بس قريب هنجيلكم زيارة حلوة.
ثم تابعت في ابتسامة أكبر:
_ كوكي، وحشتيني موت
ابتسمت لها الفتاة ابتسامة عريضة وضمتها إليها في حب.. نعم هي أختها وحبيبتها وصغيرتها، كيف لها أن تكرهها؟ كيف لها أن تغير منها؟
وعند ضمها إليها، علمت ان ذلك الحضن لا يساوي الدنيا وما بها، فأختها أغلى عندها من كل شئ ولاجل الحفاظ على علاقتهما، تضحي في المقابل بألف أمجد، لا أمجد واحدًا....
************
كان يجلس على السرير يفكر في ذلك الذي حدث، بينما هي كانت تقف أمام الخزانة تخرج ملابس لها.
قال لها:
_ حاسس اني مش مرتاح كتير اما الحيوان دا اتمسك، كان نفسي أمسكه اخنقه بأيدي بسبب اللي عمله، وبسبب الخيانة اللي اتسبب فيها
ردت وهي تخرج ملابس:
_ المهم إننا عرفنا مين اللي قتل ابننا واديه اهو بياخد جزاته.
انا هدخل آخد شاور
وبالفعل دخلت المرحاض وغلقت الباب خلفها..
أما هو فكان يتحرك ذهابًا وايابًا يفكر في الأمر وقرر أن يفاتحها في أمر سفرهما عقب خروجها.
فتح الخزانة وبدأ يختار لنفسه بيجامة انيقة ومغرية تبرز عضلاته واناقة جسده واعتداله.
اختار واحدة ثم وضعها على السرير.
ذهب نحو المرحاض وبدأ يتحرك حوله وهو يفكر.. وفجأة أمسك المقبض يحاول فتح الباب، ولكنه وجده مغلقًا من الداخل.
اغتاظ وضرب الباب بيده في ضيق، بينما جاء له صوتها وهي تتساءل:
_ عايز حاجة؟
_ عايز سلامتك يا عنيا، هعوز إيه يعني!
ثم انصرف من أمام المرحاض وارتدى بيجامته تلك الجذابة وبدأ يمشط شعره ويضع عطره الخاص.
وعقب مرور وقت، خرجت وهي ترتدي بيجامتها الشتوية وتضع المنشفة على رأسها.
فقال حانكًا بمجرد ان رآها:
_ توب علينا يارب من البيجامات.
ثم تابع:
_ هانيا، عايزين نسافر، هنروح شرم هنقعد أسبوع
بدأت تجفف شعرها وردت اثناء فعلها ذلك:
_ ليه؟ دا مش وقته إجازات أصلا، دا احنا في عز الشغل ليه نسافر؟
سكت... في الحقيقة صدمته بردها، أتفضل العمل والجلوس على المكتب بالساعات على أن تسافر معه؟
تذكر حينها كلام شهاب له، صباح اليوم، تذكر كيف آلمه وكيف ضايقه للغاية.. ثم فكر في أن يخبرها عما قاله له في حقها، وكيف خان أمانتهما وافشى سرهما له، لزوجها.
ولكنه قبل أن ينطق، فكر قليلًا في الأمر وعليه تراجع.. خاف في أن يظل عقلها مشغولًا بذلك او أن تواجه شهاب بما قاله في حقها ويصبح بينهما حديث يحاكى فيه.
نظر إلى نظيره في المرآة وقال لنفسه في صوت لا يُسمع:
" هو بيكدب عليك.. هو بيستفزك.. هو لا واعدها ولا كلمها ولا قابلها حتى، بس قالك كدا علشان يقولك انهم اتقابلوا ويخليك تتخانق معاها ويخليها تكرهك.. اهدى هو بيكذب عليك صدقني.. هانيا رجعالك بمزاجها.. هي فعلا قالتلك انا عايزة تجربة جديدة معاك، مش مجبورة، مش مغصوبة، هو كداب، واوعى تسيبوا بكدبه وتزويره يخرب حياتك انت ومراتك"
ثم استدار لها وقال:
_ انتي نفسيتك تعبانة ومحتاجة تسافري، وانا كمان قلت اسافر ونغير جو مع بعض، مش مخطوبين بقا؟
ردت وهي تمشط شعرها:
_ ايوا بس دا مش وقته سفر!
احنا عندنا ضغط شغل، والدنيا مش متظبطة في الشركة، وانا غبت كتير اوي، مش كل شوية هغيب كدا، انا مبقتش عارفة حاجة في الشغل وعمري ما هتطور كدا.. ساعة البرد غبت أسبوع واول الحمل غبت اسبوع وبعد ما سقطت غبت أسبوع وكل شوية اغيب أسبوع، مديرة أعمال ايه دي بقا اللي مش شايفين لها أعمال دي؟!
الاجازة في وقت الاجازة والسفر في وقت السفر
اطرق وتحسس منها للغاية وفسر الرفض على انه رفض له ولوجوده بجانبها وحدهما في مكان لا يوجد فيه سواهما.
وسريعًا أعاد له عقله ذلك الكلام الذي لم ينساه أبدًا ولن..
كلمات شهاب له والتي ظلت عالقة في ذهنه لا تذهب:
" بقالك ٦ شهور متجوزها، وعمرها ما عملت لك مفاجأة، عمرها ما بادرت بحاجة، عمرها ما عبرت عن حبها ليك، عمرها ما كانت طفلة معاك بتجري وبتلعب، ولا عمرها قالت لك كلمة حلوة حتى.. "
تنهد في صوت عالي وقد شعر أن ثباته ينهار، في الحقيقة كل ما قاله حقيقة، حقيقة مرة للغاية ولكنها حقيقة.. هي لم تقدم له أي شيء وفي المقابل إذ قدم هو، رفضت عرضه واستخدمت جميع الحجج للتتخلص منه ومن طلبه..
نظر إليها في بطء وكانت تلم شعرها استعدادًا للنوم، وبينما عيناه مسلطة عليها، تذكر...:
"مستحيل مش بتحبك افهمها بقا افهم، هي معاك عايشة جسد بلا روح، متقبلة الأمر الواقع وبتمشي حياتها، انما هانيا منطفية، هانيا فاقدة الشغف في الحياة من ساعة ما اتجوزتك دمعتها حتى مانشفتش من على خدها "
شعر حينها أن الهواء يضيق من حوله وأنه يختنق لا يحتمل هذا الضيق كله وكأن الأكسجين سحب من الغرفة فجأة، لذا أسرع جهة البلكون كي يلتقط أنفاسه...
**********
كان المكان أشبه بصالةٍ واسعة تضجّ بالحياة، تتوزّع فيها طاولات البلياردو في صفوفٍ منتظمة، يعلو كلّ واحدةٍ منها مصباحٌ يسلّط ضوءه مباشرةً على سطحها الأخضر، فيبرز لونها وسط الإضاءة الخافتة التي تغمر بقية الأرجاء. تتداخل الأصوات في فضاء القاعة؛ ضحكاتٌ متقطّعة، وأحاديثٌ جانبية، ونداءاتٌ عابرة، تختلط جميعها بصوت ارتطام الكرات ببعضها، ذلك الصوت الحادّ المنتظم الذي يتردّد كإيقاعٍ مألوف في المكان.
على الجدران، تنتشر عصيّ اللعب مصطفّةً، وبالقرب منها يقف بعض اللاعبين يتأمّلون الطاولات أو ينتظرون دورهم، بينما ينهمك آخرون في اللعب بتركيزٍ واضح، تتبدّل ملامحهم بين الحماس والانتصار أو الضيق عند الخطأ. وفي الزوايا، يجلس روّاد المكان على مقاعد متفرّقة، يتابعون المباريات بنظراتٍ متفحّصة أو يتبادلون الأحاديث بصوتٍ منخفض، في حين تظلّ الأجواء مشبعةً بحركةٍ دائمة، لا تهدأ إلا لتعود وتتصاعد من جديد.
وعلى مقربةٍ من الطاولة، يقف يزيد وصاحبه، يتبادلان النظرات والتحدّي، تتبدّل ملامحهما بين التركيز والابتسام، فيما تتحرّك أيديهما بثقةٍ فوق العصيّ، وكأنهما يخوضان لعبةً تتجاوز مجرد التسلية، لتصبح صراعًا صامتًا من الدقة والمهارة، وابتسم يزيد وهو يضرب الكرة بالعصا، ثم صاح فرحًا:
_ yes
ايوا كدا
قولتلك هقطعك
ليرد صاحبه:
_ لسه اللعبة بتبدأ
_ يا عم اتنيل وعمال بس تقولي انا حريف بلياردوا حريف بلياردوا!
وفي تلك الأثناء، صدح صوت هاتفه، اخرجه من جيبه فوجد المتصل، شهاب، استغرب من ذلك ولكنه استجاب له على أية حال:
_ الو
وبمجرد استجابته لاحظ شهاب الاصوات الصاخبة التي تضج من حوله فما إن تكلمه، لا يسمعه يزيد، حتى طلب منه أن يبقى في مكان هادئ، وبالفعل تحرك خارج المكان كله حتى وقف في الشارع أمام المكان من الخارج وقال له:
_ قولي يا شهاب؟
ماهي كويسة؟
_ ماهي كويسة وبتجهز العشا في المطبخ ومفيش حاجة.. انا متصل بيك بخصوص اللي حصل الصبح.
حبيت بس اوضح لك وجهة نظري، انا مش عايزاكم تكونوا مدايقين مني، في كل الأحوال احنا هنبقى عايلة واحدة وانتم خلان ابني، لو انا بكره جياد وكرهي ليه واضح وهو كرهه ليا واضح، فأنا مش عايز اعمل عداء لا معاك انت ولا فاتح ولا حسان.
حبيت اوضح لك اني فعلا تعبان جدا، تعبان اوي واعصابي بايظة بسبب التفكير المفرط.. مش مركز ومش بنام حرفيا الا ساعتين في اليوم وكل دا بسبب اختفاء اختي ومحدش حاسس بيا وانا شايل المسؤولية لوحدي، وغيره وغيره انا مسؤولياتي مش بتنتهي.. اخوك هو اللي بدأ هو اللي جاب سيرة اختي الأول ونسب دا لانتقام ربنا مني وطلع نفسه مظلوم في الحكاية وشمت فيا لمجرد اني رفضت استقبل منه شغل.. ايه دخل الشغل بأختي؟ ليه يدخل عندي في منطقة حساسة زي دي انا متحسس منها جدا؟
انا غلطت اه، في كلام ماكنش ينفع اقوله خوفا على هانيا منه حتى... بس في النهاية انا قلت كل دا وانا في قمة غضبي وضيقي منه وضيف على كدا اني بكرهه فالكلمة منه بتنزل على قلبي زي السم اللي بيهري في الجسم كدا، خلقته لوحدها بتعصبني والله يا يزيد.. عايز اوضح لك انك غالي عليا والله وانا بعزك انت وفاتح جدا، ومش عايز مشاكل معاه، خليه يبعد عني ويتقي شري ويبطل يأذيني حتى لو بكلمة وكفاية اوي اللي عمله معايا لحد هنا
انتظر يزيد حتى انهى الشاب كلامه تمامًا ثم رد:
_ المهم انك عرفت غلطك.. ابعد عن جياد وهانيا تماما واي حاجه تخصها وصدقني يا شهاب، مش لان ماهي اختي، بس انت فعلا معاك جوهرة، وانت اللي اختارت تتجوزها.. ماهي برا لعبتك مع جياد اختي لو اتأذت منك بأي شكل، هنزعلك، فعلا نكون حبايب افضل، انت تخرّج ماهي برا اللعبة واحنا مناخدش صف جياد ونفضل كارهينك وخلاص.
_ موافق، وهو دا اللي انا عايزه اصلا وقلت عليه من زمان
_ تمام يا شهاب، سلام
_ سلام
بمجرد أن انهى المكالمة معه، صدح صوت هاتفه مرة أخرى ولكن المتصل تلك المرة كانت زوجته، فرد قائلًا:
_ اؤمري يا نفرتيتي
_ انت فين يا يزيد؟ قلت لي رايح عيد ميلاد منى وكل اللي كانوا في العيد ميلاد رجعوا، انت فين بقا؟
_ مرحتش العيد ميلاد، فقدت الشغف على آخر لحظة وروحت ألعب بلياردوا أحسن مع صحابي
_ راجع امتى؟
_ يعني نصاية كدا
_ متتأخرش عن كدا بعد اذنك الساعة بقت واحدة!
_ حاضر يا ستي حاضر
سكتت برهة ثم ردت:
_ يزيد هو باسم معاكم؟
_ لا، اشمعنى؟
_ اصلك بتاخده في اي حتة يعني علشان كدا سألت... عارف
_ إيه؟
_ لقيته النهاردة عند نيرة في البيت
_ بتهزري!
_ والله
_ كان بيعمل ايه؟
_ مهتمتش اعرف، وملحقتش اعرف منها، هانيا اتصلت بيا وروحت لها
سكت برهة... ثم قال:
_ هبقى اسأله.. يلا باي خليني اروح أكمل الجيم
_ ماشي وتاني متتأخرش
_ ماشي وتاني حاضر، باي
************
كان داخل البلكون من وقتها يشعر بالاختناق والضيق، غارقًا في تفكيره وفي تلك المعاناة التي يعيشها.
ثم ابتسم ساخرًا من نفسه وتحدث صوته الداخلي:
" بقالك نص ساعة واقف في البلكونة ومجاتش سألتك بتعمل إيه كل دا ... طب رجعت لي ليه وقالت لي ناخد فرصة تانية؟
معقولة؟
معقولة ابوها او أمها اجبروها تاني؟
ثم تذكر تلك الجملة من بعض الجمل التي ألقاها عليه شهاب والتي ترن في أذنه لا تذهب ولا تنتهي:
" مستحيل مش بتحبك افهمها بقا افهم"
أخذ يتنفس في عمق وهو مغمض العينين.. ثم استدار خلفه لينظر ماذا تفعل في الخارج، فوجدها تجلس على السرير وتقلب في هاتفها وهي تضع الغطاء على ساقيها.
احاد بصره بعيدًا عنها وعلقه في الفضاء... ينظر إلى السماء.. إلى القمر.. إلى النجوم.. اي شيء مضيء يعيد له الأمل بدلًا من عتمة حياته.
وفي نفس الوقت، سمع صوت هاتفه يرن في الخارج، خرج من البلكون والتقطه فوجد المتصل، يزيد، ثم دخل البلكون تارة أخرى واستجاب له قائلًا:
_ إيه يا يزيد
_ إيه يا جياد، عامل إيه؟
_ كويس
_ جياد، انا متصل بيك علشان اقولك ابعد عن شهاب وعن سكته تماما
_ هو انا يعني كنت جيت جمبه؟ دا هو اللي...
_ جياد، الراجل كلمني وقالي انك انت اللي بدأت وجبت سيرة اخته وشمت فيه
_ ايوا بس أكيد مقالكش هو اتوسخ ازاي وهو بيكلمني، وهو بيجيب سيرة مراتي على لسانه بمنتهى الوقاحة وقلة الأدب!
_ ايا كان قال ايه، انا ليا البداية كانت فين؟
مش كل شويه تبدأ معاه وتزعل من ردة فعله؟
الراجل بينزف بسببك، انت جرحته جامد وخدت منه البنت اللي بيحبها، وهو عمل اللي عمله بس في النهاية ماهي متقبلة وكلمتني وهي فرحانة وقالتلي اتغير معايا وفعلا بيديني فرصة، يعني الراجل بيضمد جروحه اهو وعايز يلتئم، رايح تعوره تاني ليه وهو بينزف؟
وفاكر انك أما تيجي تعوره هيسكت؟ هيشحورك هيقولك كل ما يخطر على بالك وما لا يخطر على بالك، لان دا واحد مجروح.. ملكش دعوة بيه تاني لا في خير ولا في شر ولا تديله نصايح ولا تشتغل معاه، سيبك منه خالص اعتبره مش موجود وبس.
رد في غيظ شديد فوق غيظه وكيده:
_ يعني دلوقتي بقيت انا اللي غلطان؟
اقفل يا يزيد
ثم انهى المكالمة والقى الهاتف بعيدًا عنه على الكرسي المقابل وبدأ يضرب سور البلكون بيده، من شدة غضبه، فكر في أن يلقي بنفسه من فوق البلكون تلك كي يتخلص من كل تلك الالآم التي يشعر بها بسبب عشقه اللعين لهانيا، حبه لها اللامحدود، والذي لا يعرف سببه.
*********
وصل باسم في منتصف الليل، إلى المكان الذي تقبع فيه هيام، وكان مكان وسط اراضي زراعية وسكون تام، لا يوجد بشر ولا أحد حوله.
فتح له راجله والذي كان عندها مختص بحمايتها و راعيتها كي لا تهرب وغيره.
قال له في ايجاز:
_ فين؟
_ في الاوضة الخاصة بتاعتك يا بيه
خلع الجاكيت الخاص به ثم أعطاه له وبدأ يرفع أكمام قميصه حتى ساعديه وهو يسير نحو الغرفة.
فتح الباب ودخل.
كانت الغرفة معزولة عن العالم الخارجي عزلًا شبه تام، جدرانها مغطّاة بطبقاتٍ سميكة من مواد تمتصّ الصوت، فلا يتسرّب منها همسٌ ولا صرخة. الإضاءة خافتة، مائلة إلى الاصفرار، تتدلّى من مصباحٍ وحيد في السقف، فيلقي ظلالًا ثقيلة تُشعر الداخل بالاختناق.
في أحد الأركان، وُضعت طاولة صغيرة تعلوها زجاجاتٌ مفتوحة، تفوح منها رائحة نفّاذة، رائحة خمور فتزيد الجو ثقلاً واضطرابًا. وعلى الجدران، عُلّقت أدواتٌ متفرّقة، لم يكن ترتيبها عشوائيًا، عصا... سوط.. وغيرها من أدوات الضرب و التعنيف والتعذيب، مما يبعث في النفس شعورًا قاسيًا بالتهديد.
الأرضية باردة، صلبة، خالية من أي مظهرٍ للراحة، وكأن المكان لم يُعدّ لراحة أحد، بل لفرض السيطرة وإشعار من يدخله بالضعف والعجز.
لم يكن بها أثاث سوى ذلك السرير وكرسي أمامه وحسب
كل تفصيلة فيها كانت توحي بأن هذه الغرفة لم تُنشأ للعيش، بل لإخفاء ما لا ينبغي أن يُرى أو يُسمع.
كانت جالسة على الكرسي وجسدها كله مقيد بتلك الاحبال السميكة والتي اتعبته للغاية.
بمجرد أن رأته بدأت تصرخ، انتابتها حالة من الصراخ المصحوب بالهلع، فصاح في وجهها بشكل صارم وبنبرة قوية حادة:
_ بس اخرسي، انا لسه مجتش جمبك علشان توّرمي دماغي بصويتك دا!
بدأت تخفض صوتها ولكن حالة الذعر التي كانت بها لا تنتهي ولا تهدأ وشهقاتها تتلاحق، وقالت له في ترجي وتوسل ودموعها تنهمر:
_ ارجوك متقتلنيش، ابوس ايدك سبني أعيش، ارجوك ارجوك، ايدك ابوسها، رجلك ابوسها بس سبني أعيش، عارفة عارفة اني غلطت يوم ما فكرت اهرب منك، بس..بس..بس والله خوفت، خوفت اوي، خوفت جدا، خوفت خوفت
بدأ يتحرك أمامها ذهابًا وايابًا، يفكر.. ثم قال لها:
_ امممم... طبعا انتي عارفة انك خونتيني، وعارفة كويس ان الخيانة عندي تمنها عمرك كله، ولكن بما انك عايزاني اسامحك وانا اصلا السماح مش في قاموسي... يبقى هتوافقي على طلبي وساعتها بس مش هقتلك ولا هدفنك مكانك
هزت رأسها موافقة مرات متتالية وهي تقول:
_ موافقة موافقة... اي حاجة هتقولها موافقة عليها
فرك باصبعه أسفل ذقنه... ثم هز رأسه بالايجاب وصوب عيناه نحو السوط المعلق، ثم إلى العصا التي كانت معلقة بجانبه.
كانت تحملق تنظر إلى ما ينظر في رعب، لا تصدق ما خطر على باله توًا..
ابتسم وقال لها:
_ ايوا هو اللي جيه في بالك دا دلوقتي... الطلب اللي طلبته منك قبل كدا ورفضتي وقولتيلي مش بحب العنف بالشكل دا، وانا عايز اعمله.. بس انا راجل ديمقراطي ومش بحب اعمل حاجة غضب عن حد.. فكنت مستني الظروف تتهيأ والأمور تلف تلف لحد ما توافقي بارادتك وتسلميلي نفسك من غير ما تقرفيني، ها قلتي ايه موافقة؟
كانت الفتاة في صدمة، تنظر إليه في رعب وذهول، وقد ايقنت انه لا هروب ولا مفر، آلام ووجع مقابل حياتها، فقالت في بكاء ونحيب:
_ ارجوك ارجوك، والله، والله السوط دا هيلسعني جامد اوي اوي والله مش هستحمله
_ مش هضربك جامد اوي، وبعدين انتي احسن من الحيوانات في إيه؟
كل يوم آلاف من الحمير والاحصنة بتتضرب بيه وعادي عايشين!
ثم اضاف في نبرة أكثر حدة:
_ اخلصي انا معنديش وقت، ورايا شغل الصبح!
موافقة ولا لا؟
ردت وهي مغلوب على أمرها.. بنبرة منخفضة وضعيفة ومهزوزة:
_ بس..بس براحة ها، والنبي براحة
_ لو مشيت مش هتعرفي ترجعيني تاني وهقولهم يخلصوا عليكي
هزت رأسها بالايجاب:
_ خلاص خلاص موافقة.
ابتسم ورد:
_ حلو...
ثم تحرك وخرج من الغرفة ودخل الغرفة التي بجانبها واحضر منها ملابس مكشوفة وقصيرة وجريئة لها ثم دخل عندها مرة أخرى وغلق الباب.
ألقى الملابس على السرير، واقترب منها وبدأ يفك الاحبال عنها، كانت تتأوه وهي تنظر إلى يديها الحمراواتين بشدة وإلى ذراعها المخطط باللون الأزرق.
قال لها في ايجاز:
_ يلا البسي البتاع دا وبسرعة انجزي نفسك مش بحب المياعة...
*********
هرب النوم من جفونه، فها هو يتقلب على السرير ذات اليمين وذات اليسار، فقط يتمنى أن تغفل عيناه، ولكن عقله كان يأبى، فقد يذكره بالمعاناة التي يعيشها وبالحقيقة التي يرفض تصديقها.
نظر صوبها فوجدها تولي له ظهرها، غارقة في نومها.
فحينها سريعًا، تذكر جملت عدوه تلك :
" هيفيد بإيه سريرها، سريرك دا، وهي بتديك ضهرها ومنعاك عنها؟ "
لم يستطع أن يتحمل أكثر فبدأت أنفاسه تقل للغاية لدرجة انه شعر بأنه يختنق لا محالة، كان يحاول بكل الطرق أن يلتقط أنفاسه قبلما يموت، لكنه كان يفشل، فقد تعرض لازمة تنفس واضحة من شدة الضغط والتوتر الذي يتعايش معهما منذ مدة طويلة.
وبيده وفي صعوبة أخذ يهزها كي تستيقظ وتلحقه، هزة والثانية، فتحت عيناها واستدارت كي تفهم ماذا يريد، فوجدته في تلك الحالة، يلتقط نفسه في صعوبة وملامح وجهه بهتت للغاية وبدأت تظهر علامات زرقاء عليها... وبمجرد ان رأته هكذا، صرخت في خضة ثم ركضت سريعًا وخرجت من الغرفة... دقيقة لا أكثر وعادت إليه هي ويزيد وهما يركضان.
انكب يزيد عليه ثم
وسريعًا جعله يقعد في وضع مريح
قعدة مستقيمة أو مائل للأمام قليلًا.. ثم فك ازرار قميصه في سرعة رهيبة وبدأ يتفوه بتلك الكلمات:
_ بس بس اهدى يا حبيبي اهدى، مفيش حاجة مستاهلة..
ثم قال لهانيا:
_ بسرعة يا هانيا، اجري هاتي انبوبة الأكسجين من تحت، هتلاقيها جمب المطبخ متعلقة
ركضت سريعًا ودون تفكير.
فعاد إليه قائلًا في حنان:
“خد نفس ببطء… أنا معاك، اتنفس براحة، واحدة واحدة براحة.. اسحب نفس وطلعه جامد.. اسحب نفس وطلعه يلا معايا واحدة واحدة، ست مرات يلا "
بدأ الشاب يسمع له ويفعل ما يطلبه منه وكان يزيد معه خطوة بخطوة يطمنه ويعمل على تهدئته ويطلب منه تلك الخطوات حتى يستعيد نفسه بشكل طبيعي ومتوازن..
فقال له:
" دلوقتي خد نفس ببطء من مناخيرك وطلعه من بؤك بهدوء يلا وكرر معايا..
كان يزيد يفعل التمارين أمامه والآخر يقلده في تلقائية.
وفي تلك الأثناء، دخلت هانيا ومدت يدها ليزيد بأنبوب الأكسجين.
أخذه منها وقال له:
_ محتاجه؟
عارف تتنفس طيب؟
جلست هانيا جواره من الناحية الأخرى وقالت له في نبرة صوت مليئة بالحنان:
_ بقيت كويس؟ رد عليا.. نحطلك الأكسجين؟
نطلب الإسعاف؟
التفت إليها ونظر إليها قليلًا.. ثم قال:
_ خايفة عليا؟
وفي تلقائية ضمته إلى صدرها في فرحة وهي تشكر الله:
" الحمدلله الحمدلله، عرفت تتنفس تاني اهو، الحمدلله.."
وبينما هو داخل حضنها، ابتسم، فابتسم له يزيد وقال مازحًا:
_ ايوا يا عم... ما انت في حضنها بقا، ترد عليها هي وبس، طب ما انا بقالي ساعة بقولك رد عليا، ولا علشان انا مش هانيا!
_ بس يالا
قبلما يذهب قال لهانيا:
_ ممكن بس قبل ما اسيبكم، اتكلم مع جياد شوية لوحدنا؟
هزت رأسها موافقة ثم ابتعدت عنهما.
قال له أخيه:
_ متزعلش مني لو كنت كلمتك بشكل يضايقك او قسيت عليك في الكلام، يتحرق شهاب انت اهم حاجة عندي يا ولد، دا انت الرفيق والاخ والصديق.. انا بس يمكن قلت لك علشان عايزك بقا تنتبه لنفسك ولحياتك، ها؟
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ ماشي يا يزيد فاهمك، وعامة حصل خير
قام الشاب وقال له:
_ تصبح على خير
ثم قال لهانيا:
_ خلي بالك لايتعب تاني
_ حاضر
ذهب يزيد ووجد حينها زوجته على الباب تسأله ماذا حدث للشاب، فقال لها:
_ تعالي ندخل اوضتنا وهفهمك
ثم غلق الباب خلفه.
اقتربت هانيا من مكان جلوس جياد وقالت له في قلق:
_ بقيت أحسن دلوقتي صح؟
_ الحمدلله
_ بتجيلك الازمة دي من وقت لوقت؟
هز رأسه نافيًا ثم اجاب:
_ الحقيقة اني عمري ما اتعرضت لازمة تنفسية في حياتي.. جديدة عليا، كل الامراض زي الضغط والعصبي والارق والتعب والزهق والحزن، كلهم جداد عليا، جولي مع بعض حزمة واحدة زي حزمة الجرجير كدا من ساعة ما اتجوزتك.
ابتلعت ريقها وردت في خجل:
_ والله يعني بقيت انا سبب امراضك كلها؟
نظر إليها ولم يرد... فتابعت:
_ للدرجادي؟ طب إيه مخليك مكمل مع واحدة جيبالك الامراض كلها حزمة واحدة؟
رد في تلقائية:
_ مش بأوفر فعلا بس انتي سبب مرضي وانتي دوايا بردو.. لو بطلتك أموت.
اي مريض في الدنيا، محتاج دوا وللأسف انتي الدوا دا.
أعمل فيكي ايه بس اعمل إيه.
ردت في سرعة:
_ تمام تمام، داري على الغلط اللي قولته.
ابتسم ورد:
_ مدايق بصراحة
_ مني؟
_ من يزيد
_ اشمعنى؟
_ علشان عملي الاسعافات الأولية وانا ماكنتش محتاج كدا..
ابتسم وتابع في خبث:
_ انا بس كنت محتاج قُبلة الحياة مش أكتر.. بدل ما كنتي تنادي يزيد الغتت دا، كنتي بوسيني علطول هتلاقيني اتنفست وكله تمام!
ابتسمت وردت ساخرة:
_ يعني حتى وانت كنت بتموت قليل الأدب!
_ مدخلنيش في تفاصيل بقا يا ستي!
انا عارف انا كنت محتاج إيه، هي قُبلة الحياة صدقيني..
ثم اضاف في تصنع الصعبانية:
_ وحاسس كدا اني يعني لو مخدتهاش، ممكن يجيلي ضيق تنفس تاني لقدر الله وانا نايم!
تنهدت ثم ردت:
_ محن في المرض مش عايزة
_ يا قاسية، يا قاسية، لو جالي ضيق تنفس تاني هتبقي انتي السبب بس كدا
_ عامة موافقة
رد دون تفكير:
_ طب يلا بوسي يلا
_ مش قصدي موافقة على قلة الأدب دي... قصدي موافقة نسافر مع بعض.. شكلك مضغوط جامد ومحتاج تفصل.. هسافر معاك
_ يعني كان لازم اموت قدامك يعني!
_ معرفش انك مضغوط اوي كدا لدرجة هتفطس مننا، فقلت لنفسي حرام غلبان، هاخده افسحه وخلاص
_ كتر الف خيرك والله، مش عارفين نودي كرم أخلاقك دي كلها فين.. على العموم متشكرين...
_ اي خدمة
_ طب وقبلة الحياة يا حجر!
تنهدت ثم قالت له:
_ هتكون صغنونة ماشي؟
رد في ابتسامة:
_ ماشي
اقتربت منه في حذر وهو كان متأهب ينتظر كمن ينتظر فريسته.. كانت تضحك من طريقته ونظراته لها المليئة بالترقب وقالت له مازحة:
_ احترم نفسك شوية احنا مخطوبين بس الله!
_ ما انا واخد بالي، انجزي
بمجرد أن لامست شفتاه.. تشبث بها ولم يتركها، كان يضمها إليه في قوة ويقبلها في فرحة مغمورة بالحب والحنان، ولم يكتف بواحدة وحسب.... وبينما وجدته اندمج للغاية.. قالت له في محاولة لتوقفه:
_ جياد، جياد انا لسه عندي عذر
لم يرد عليها بل تابع ما يفعل، فعادت كلامها:
_ جياد مش هينفع!
همس جانب أذنها بكلمات معينة.. فسكتت.. ولكنه عقب وقت فهم ما كانت تقصده، فابتعد عنها في صعوبة وهو يتنفس في صوت عالي وصدره يعلو ويهبط، وقال في ايجاز:
" آسف "
ثم ارتمى على السرير كي ينام .. تقلب قليلًا ثم قام من جوارها تمامًا واتجه نحو المرحاض.
تابعت أثره وتمتمت:
" ولا شكله موضوع الخطوبة دا هينفع"
*********
كان نائمًا على ظهره والسوط لا يزال في يده، وشرد يتذكر.....
عندما كان في عمر الرابعة عشر [ ١٤] كان حينها في الصف الثاني الاعدادي.
كان يركب مع والده السيارة يقول في فرحة:
_ اخيرا، اخيرا فضيت لي يوم وفكرت هتخرجني يا بابا؟
بس ليه مأخدناش تالية معانا؟ كانت هتفرح جدا، كان نفسها تخرج معاك زيي
رد الوالد في ابتسامة:
_ بس المشوار دا للرجالة بس.. تالية هبقى اخدها في يوم تاني واخرجها خروجة تناسب البنات
فرح الصبي للغاية وقال لوالده في ابتسامة عريضة:
_ انا بقيت راجل خلاص صح؟
_ اه بقيت راجل وسيد الرجالة، انت تميت ١٤ سنة يعني بلغت خلاص وبقيت راجل زيك زيي يا عم
وكانت الساعة الثانية عشر منتصف الليل حينها، وقف الوالد أمام مقهى ليلي وطلب من ابنه أن ينزل، نزل الصبي من السيارة وهو ينظر بابنبهار إلى تلك البناية من الخارج وقال لوالده:
_ night club?
_ إيه رأيك؟
_بس ماما لو عرفت، ها..
_ ما احنا مش هنقول لماما بقا، فيه راجل يخبث لأمه بردو!
يلا معايا ندخل
دخل الصبي مع والده وبمجرد دخوله، اقبلت نحوه سيدة وضمته إليها وقالت متسائلة:
_ ابنك؟
_ ايه رأيك؟
_ مز زيك طبعا
ابتسم وقال لها:
_ شوية وجايلك روحي دلوقتي
غمزت للفتى ثم ذهبت، بينما هو كان ينظر إليها في استغراب، قال له والده في ابتسامة:
_ ايه هو اللي انت تعرفه عن الحياة؟
_ بذاكر وبنجح وبخرج مع صحابي.. بتفسح.. بلعب كونغ فو والبوكسينك، و football كدا بس
تنهد والده ورد:
_ بص يا باسم انا مش عايزك تفضل عيل عبيط كدا.. انت لازم تبقى فاهم كل حاجة، انت خلاص كبرت وبقيت راجل.
كان الصبي لا يفهم مقصده بشكل واضح، وذلك لان فاطيمة كانت تبعده كل البعد عن الهاتف وعن كل المواقع وغيرها كي لا يهتم إلا بمذاكرته.
كان لا يعرف في سنه هذا بسبب تربية أمه له، سوى الدراسة والنادي.
كانت أيضًا تشغل وقته في الكونخ فو والبوكسينك، لذا كان متفوقًا وذكيًا للغاية منذ نعومة اظافره.
ابتسم لوالده وسكت.. لحظات واقبلت سيدة في الثلاثون من عمرها وقالت له في دلال وهي تمضغ العلكة بشكل مستفز:
_ خير، هتدفع كام المرادي؟
_ هدفع اللي انتي عايزاه، بس المرادي مش انا، انا عايزك تاخدي ابني باسم و...
ثم اقترب من أذنها وأوضح مقصده بشكل أكبر....
نظرت إلى الصبي وقالت له:
_ مش صغير شوية!
_ بلغ خلاص
_ ماشي..
ثم قالت للصبي:
_ يلا معايا
نظر إلى والده وقال في قلق:
_ مين دي وهتاخدني على فين يا بابا؟
_ روح بس معاها متخافش، هيعلموك الجانب الآخر من الحياة
جذبته السيدة من يده وكان هو يتحرك معها وهو ينظر إلى والده نظرة مليئة بالتساؤل و الاستنكار.
دخلت به عند سيدة في اواخر الثلاثين من عمرها ثم همست جانب اذنها، والصبي ينظر إليهما في ترقب وحذر.
قامت السيدة ثم سحبته من ذراعه وبدأت تتجه به نحو الغرفة، كان يصرخ فقد خاف منها، فبدأ يصرخ وهو ينادي على والده:
_ يا بابا تعالى خدني يا بابا
فنهرته في صوت عال ثم هدأت قليلًا وقالت:
_ يا حبيبي برا في أوروبا والدول المتقدمة بيعملوا كدا، وانت كبرت خلاص، متخافش.. تعالى معايا، مش هأذيك ومتبقاش عيل كدا، انت كبرت المفروض!
لم يفهم مقصدها حينها ولكنه هدأ قليلًا وبدأ يسير معها ليفهم عم تتحدث، وما اسكته أكثر هو فضوله فإن المراهقين غالبًا ما يحركهم، الفضول للتعرف على الاشياء...
خرج عن شروده بعدما تذكر تلك الذكرى البائسة والتي كان يكرهها وتفوه:
" بكرهكم... بكرهكم كلكم، بكرهكم.."
ثم ترك السوط جانبًا وارتدى ملابسه في صمت.
بينما الفتاة كانت ملقية على الأرض تتألم وتتأوه والكدمات تملأ جسدها.
نظر إليها في قرف، ثم قال لها:
_ أخر مرة تتجرأي تفكري تهربي فيها مني، واحمدي ربنا انه كتب لك عمر جديد وسبتك عايشة، علشان تعرفي بس مدى غلاوتك عندي
ثم فتح الدرج واخرج منه انبوب مرهم والقاه بجانبها وقال:
_ حطي من المرهم دا
ثم تركها وخرج وغلق الباب خلفه بالمفتاح وقال لراجله:
_ سيبها النهاردة ترتاح من الربط وبكرة ابقى قيدها
_ اوامرك
أخرج المحفظة الخاصة به ثم سحب عدد من المال واعطاه له، فشكره الرجل في ابتسامة فقال له باسم:
_ لو فضلت كويس كدا ومطيع هزودك الشهر الجاي ضعفهم
_بس كدا، اوامرك يا بيه، اوامرك ربنا يخليك للغلابة يا بيه
ابتسم له وقال:
_ مش هقدر اقول آمين على دعاء زي دا..
يلا Au revoir يا مرعي
_ اورتوكار يا بيه
نظر إليه لحظات.. ثم رد في ابتسامة:
_ اورتوكار يا مرعي..
********
وفي صباح اليوم التالي، وعلى سفرة الطعام داخل قصر آل الزيني، جلست عبير مع حليمة وفاطيمة على سفرة أخرى منفصلة عن سفرتهم، فمنذ ما حدث وهي لا تريد أن تأكل مع أولادها مثل سابقًا.
أشار فاتح لاخويه بعينه صوب والدتهم يقصد بتلك الحركة أن يتحدثا معها كي تعود مرة أخرى لتأكل معهم وبالفعل تحرك الشابان نحو السفرة التي تجلس عليها ووقف كل منهما جانبها من جهة، وقال يزيد مفتتحًا الحديث:
_ يلا يا ماما ارجعي كلي معانا يلا متقعديش لوحدك تاكلي
ردت عليه بنبرة حادة:
_ وانت عايز مني إيه ان شاء الله، يكفي مراتك الزرافة قاعدة جمبك
كانت دائمًا ما تلقّب روني بالزرافة نظرًا لطولها، فكان طولها يبلغ ١٧٣سم.
تنهد الشاب وقال:
_ لا طبعا انتي مهمة عندي بردو، انتي امي ومقدرش على زعلك
فأضاف جياد:
_ يا ماما انتي غلطتي واعتذرتي عادي، ليه زعلانة دلوقتي؟
_ طبعا ما انت مش فارق معاك حاجة انت كمان في الدنيا، غير ام بوز لازم تنول رضاها علشان تفرد بوزها في وشك بدل ما هي شبه البومة كدا، فتيجي عليا انا بقا امك وتقل مني وتخليني اعتذر لعيله في سن بنتي والا تمشي وتسبني.. تهددني بانك تسبني، كل دا علشان مين؟ مراتك!
طب خليها تنفعك
تنهد ثم قبّل رأسها وأخذ يقول في حنان:
_ معلش يا ماما حقك عليا، مقدرش استغنى عنك بردو، دا انتي امي وأغلى حد في حياتي طبعا
وكذلك يزيد، قبّل يدها وتابع على نفس منوال أخيه:
_ انتي البركة اللي في حياتنا يا أمي، متزعليش بقا ويلا تعالي كلي معانا يلا، ارجعي مكانك يلا
وفي نفس الوقت قال فاتح في صوت مسموع وهو هناك يجلس على السفرة:
_ يلا بقا يا ماما تعالي بقا، السفرة مضلمة من غيرك
حينها التفت حسان إلى أسيل وسألها:
_ هو في إيه؟
ردت في تلقائية بضيق:
_ فيه بلح الشام مرشوش عليه شانتيه
_ يعني إيه؟
_ يعني حمد لله على السلامة يا حسان، لسه فاكر تسأل في إيه؟
_ ما تنجزي علطول يا أسيل وتقولي في إيه!
_ اخواتك بيصالحوا امك لان بقالها ٣ تيام غضبانه ومش بتقعد معانا على السفرة
_ ايوا ما انا لاحظت دا بس مش فاهم ليه.. يعني إيه السبب؟
_ نسوان اخواتك، اللي ممشينهم على عجين ميلغبتهوش، أمروهم، يخلوا امك تعتذر لهم والا هيسيبوا القصر ويحرمونا من طلتهم البهية
وعبير هانم اعتذرت غضب عنها أما ضغطوها وعلشان كدا زعلانة.. فهمت بقا انا قولتلك ليه اتمسك بشغلك في الشركة وسيبك من المشتل دا خالص؟
نسوان اخواتك بنات السلاب دول، نسوان قُدّر، واخواتك ملهمش كلمة قصادهم.. اديك شايف اهو مخليين امهم بنفسها تعتذر منهم، يبقا انا حقي اخاف على مستقبلي معاك ومستقبل ابننا بعد كدا ولا لا؟
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ غريبة!
طب ليه اصلا؟ ماما عملت إيه علشان البنات تطلب اعتذار؟
_ ولا عملت اي حاجة.. كل الموضوع قالت لهانيا روحي بيت اهلك لان ابني قال انك متلزميهوش.. هو مش قال كدا فعلا في المستشفى؟
سكت الشاب برهة يتذكر... ثم قال:
_ اه قال
_ طب شفت؟ شفت اخواتك عدماء الشخصية ازاي مع مرتاتهم؟
تنهد ورد:
_ على العموم خلاص، هكلم فاتح النهاردة واقوله خلاص مش متفاتحش بابا في حوار المشتل دا وانا هفضل في الشركة زي ما انا معاكم زي ما اتفقنا
ابتسمت وردت:
_ ايوا.. ايوا كدا تعجبني..
وعقب تحايلات ومحاولات، قامت عبير موافقة أن تجلس معهم على السفرة الرئيسية رفقة حليمة وفاطيمة بعدما اعتذرا لهما الشابان أيضًا حتى لا تزداد الأمور تعقيدًا
وقبلما تجلس على السفرة قالت لولديها:
_ جياد، يزيد، تعالوا اقعدوا جمبي وانا بفطر
نفذا ما طلبت، وجلب كلًا منهما الكرسي الخاص به ووضعه بجانب أمه، يزيد في جهة اليمين وجياد في جهة اليسار.
تضايقت روني وكذلك هانيا، فإن الحرب النسائية لازالت تبدأ ولم تنته بعد.
تركت هانيا الملعقة وظلت هكذا تنظر إلى الطبق في صمت.
حتى لاحظ جياد فقال لها:
_ ايه يا روحي، ما تاكلي!
ردت وهي تهز رأسها بالرفض، فأضاف:
_ ليه مش عايزة تاكلي؟
اجابت في دلال أنثوي:
_ مليش نفس.. عايزاك انت تأكلني بأيدك
لم يكد يصدق أذنه حتى أنه ظل ينظر إليها لحظات ليرى هل هي حقيقية أم خيال... ثم قال في عدم تصديق وهو يشير إلى نفسه:
_ أنا؟
_ ايوا انت، هو انا متجوزة حد غيرك ولا إيه!
تنحنح ثم قال لأمه:
_ ماما، الفرصة مش بتيجي الا مرة واحدة
_ نعم؟
تنحنح تارة أخرى ثم ابتلع ريقه وقال:
_ ماما.. هانيا مسقطة انتي عارفة، ونفسيتها وحشة جدا جدا من وقتها.. و..و مش بتاكل ورافضة الأكل ولازم انا اللي أكلها علشان تاكل
_ يا سلام!
ردت ساخرة، فتابع:
_ ايوا زي ما بقولك كدا.. وانا بقا لو مأكلتهاش دلوقتي.. هتقوم ومش هتاكل وهتفضل على لحم بطنها لحد المغرب، يرضيكي؟
حرام.. حرام دي بتنزف يا ماما، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء يا ماما يا ام قلب كبير انتي
_ والله! أما قصة عِبرة بصحيح!
هز رأسه كأنه مضطر لفعل ذلك ثم قبل رأس والدته وقال:
_ استودعكم الله يا أمي.. هروح أأكل زوجتي المريضة ولا حول ولا قوة إلا بالله
_ انت عبيط يا ابني ولا إيه!
قام من مكانه سريعًا ثم حمل الكرسي وبدأ يتجه نحو جانب زوجته اي مكانه الأول وهو يقول لوالدته الناظرة له في ذهول:
_ معلش مريضة، تعبانة بس
وضع الكرسي جانبها ثم جلس وقال في ابتسامة:
_ جيتلك اهو علشان أأكلك يا بيبي
بدأ يسحب خبز التوست ثم يضع فيه الجبن الذي تحبه ثم يقسمه ويضعه في فمها وهو يقول:
_بالهنا
كانت الفتاة تأكل من يده، في ابتسامة وهي تنظر بعينيها نحو عمتيه وأمه تكيدهن.
ضحكت روني على فعل أختها، بينما أسيل حمدت الله أن تالية ليست هنا.
وعلى طريقة جياد، بدأ فاتح يتهامس هو ويزيد وهما ينظران إليه في ابتسامة، أما حسان فكان متعجبًا من جراءة أخيه على الطعام، بينما العمتان كانتا تشعلان النيران من أذنيهم اثر الغيظ مما فعلته ومن تصرفاتها ونظرتها لهما.
لم تهتم عبير حينها كثيرًا كي لا تسحبها من شعرها.
قالت لزوجها في ابتسامة وصوت رقيق:
_ شبعت، هروح اغسل ايدي علشان منتأخرش على الشغل
_ ما يولع الشغل، خلينا شوية، ما انا بأكلك اهو
_ ما انا شبعت يا حبيبي
_ حبيبك؟
وضع يده على جبينها وهو يقول:
_ انتي سخنة؟
حدقت به وقالت في همس اقرب إلى تهديد:
_ شيل ايدك وخليك رومانسي، عايز تبيني مجنونة قصاد الناس؟
ابعد يده فورًا وهو يقول:
_ حاضر اهو شلتها.. شكلك اتجننتي يارب تفضلي مجنونة كدا علطول، عايز كمان ابقى أأكلك على الغدا
ابتسمت ثم قامت وذهبت.. وعقب ذهابها، قال لعمتيه مبتسمًا في نبرة صوت منخفضة واضحة لهما فقط:
_ كيدوا بعض علطول، انا المستفاد، شكرا
ثم قام هو الآخر حتى يغسل يده.
فقالت حليمة لأختها:
_ هو الواد دا اهبل ولا إيه؟
_ مش عارفة، شكله كدا.
***********
ركبت كاميليا مع أخيها فاتح السيارة كي يذهبا إلى العمل، وأثناء القيادة قال لها:
_ قوليلي يا ستي بقا، ايه المشكلة بينك وبين أمجد؟
سكتت برهة.... ثم نظرت من النافذة وردت في نبرة عادية ولكن الحزن يختلط بها قليلًا:
_ انا وامجد هنتطلق
اندهش الشاب من كلامها ورد:
_ إيه!
ليه هبب إيه الحيوان دا؟
كاميليا حبيبتي انتي ملحقتيش!
_ هو انا يعني كنت عايزة اطلق يا فاتح؟
ليا أسبابي أكيد!
_ يا حبيبتي ما انا عارف طبعا، اقصده هو من كلامي.. ملحقتوش علشان يزعلك الحيوان دا!
عمل إيه؟
اجابت وهي لا تزال تحيد عيناها عن اخيها، خشية هبوط دموعها أمامه:
_ هو كان متعلق بالاكس بتاعته زمان، وطلب مني استمر معاه لحد أما ينسى وقالي انه حاول ينساها كتير بس مش عارف.. انا رفضت قولتله مش هقدر اعيش معاك ولا اكمل معاك الرحلة دي وانا غيري في قلبك حتى لو بتفكر تنساها
رد الآخر في عصبية من فعل الشاب:
_ وهو بيتجوز ليه من قبل ما بعمل موف اون؟ وبعدين طالما ميت فيها كدا، كان اتجوزها!
_ يا حبيبي ما هي اصلا اتجوزت وسابته من زمان.. بس هو اللي لسه بيموف اون وانا مقدرتش اكمل يعني، معنديش طاقة اعيش معاه ظروف زي دي
هز رأسه متفقًا ثم قال:
_ معاكي حق فعلا انتي مش مضطرة تعيشي مع واحد دماغه تعبانة ومش قادر ينسى ست متجوزة.. خانك؟ كلمها؟
ردت في سرعة نافية:
_ لا لا معملش اي حاجة من دي، كل الموضوع سمعته بيتكلم عنها مع واحد صاحبه في التليفون وبيقول انه مش قادر ينسى وكدا وبيحاول واني كويسة معاه جدا ومش عايز يضيعني من ايده وبتاع، فواجهته وفهمني وطلب فرصة وقالي هنسى بس انا اللي رفضت.. ارجوك يا فاتح اقفل على الموضوع دا بقا خلاص، لا تكلمه ولا تقوله حاجة ولا تجيب له سيرة اصلا، انا مستنية بابا يرجع علشان ننفصل في هدوء، مش عايزة اي محاولات صلح ولا اي محاولات للرجوع ولا محاولات عتاب حتى.
_ لا لا متخافيش مش هتكلم معاه.. وليه اتكلم معاه اصلا، بلاش وجع دماغ!
مادام انتي قررتي خلاص، انا واثق في قرارك وعارف انك دايما بتختاري القرارات الصح.
والحمدلله انك محملتيش في طفله ولا لحقتي تعيشي معاه وتتعلقي بيه وان فترة جوازكم كانت صغيره أصلا.
التفتت إليه ثم وضعت يدها على بطنها في صمت ولم تتكلم...
**********
ومع الساعة الثالثة عصرًا، كان جياد يسير في طرقات الشركة متجهًا صوب غرفة الاجتماعات حيث استدعاه مجدي.
وأثناء سيره، قابل تالية كانت تسير هي الأخرى، فتوقف أمامها فوقفت، فقال لها في ايجاز:
_ تقدري ترجعي القصر تاني.. عمتو زعلت للي حصلك، وفي الأول وفي الآخر دا بيت خالك وهو اللي طلب منكم تيجوا تعيشوا معاه.
ثم انصرف على الفور، تابعت أثره وانتظرت حتى تعرف اين سيذهب وبمجرد أن دخل حجرة الاجتماعات، استقبلت مكالمة نزار لها وقالت:
" تمام موافقة، نتقابل النهاردة على الساعة ٩ في نفس الكافيه "
وبمجرد أن دخل جياد، وجد مجدي يجلس في مقدمة الطاولة ويجلس معه على نفس الطاولة كل من، شهاب وهانيا وماهي.
سار نحوهم، ثم سحب الكرسي الذي كان بجانب هانيا وجلس عليه، وقال لمجدي:
_ دلوقتي عددنا كمل يا عمي، تقدر تقول طلباتك
تنحنح مجدي ثم قال في جدية واضحة:
_ الاجتماع النهاردة بخصوص حاجتين، الحاجة الأولى ان جياد وهانيا مسافرين النهاردة الفجر، يعني كدا شغلهم لمدة أسبوع، هتساعدوا فيه انت كماهي وشهاب لحد أما يرجعوا، وكدا كدا جياد هيشتغل اونلاين ومش هيقصر
علقت ماهي قائلة:
_ ويا ترى مسافرين ليه؟ خير؟
ليرد جياد:
_ بعدين هفهمك يا ماهي، بس سفرنا ضروري والله
سكتت، فتابع مجدي:
_ الحاجة التانية.. ان بداية من الأسبوع اللي بعد الجاي، كل التاسكات اللي بين هانيا وشهاب هتنتهي، وكل تاسكات شهاب هتتحول تلقائيًا لجياد و...
قاطعه شهاب قائلًا في اعتراض:
_ و ايه انت لسه هتكمل!
دا مش قانوني، انا مليش شغل مع جياد، قواعد شغلي ونظامه برا نظام شغل جياد تماما، ولا هو اي حاجة؟
_ اولا، جياد مدير القسم ويقدر يقوم بمهامه ومهام هانيا ومهامك ومهام ماهي عادي جدا، بس احنا بنجيب له مساعدين نظرا لكثرة الشغل وضيق الوقت.. بس هو قال انه هيقدر عادي على شغله وعلى شغل هانيا في الجزء اللي يخصك.
دلوقتي بقا كل اللي انا محتاجه منك، تمضي هنا بعدم تسلم اي تاسكات تانيه مع هانيا الزيني بداية من الأسبوع اللي بعد الجاي، علشان الامضا دي توصل لرئيس مجلس الإدارة اما يرجع من قطر.
تابع وهو يزيح الورق نحو شهاب:
_ اتفضل، الامضا تحت على الشمال
سحب شهاب الورق و تطلع فيه لدقيقة ثم قال:
_ مش همضي على حاجة، ولو عايزين تمنعوا شغلي مع هانيا للابد، هاتلي تصريح قانوني مش مطبّخ منكم، من رئيس مجلس الإدارة الشيخ عبدالله الزيني، بيمنع فيه عملي مع مدام هانيا ووقتها بس همضي.
انهى كلامه ثم ازاح الورق بيده نحو مجدي تارة أخرى، فعلق الرجل في ضيق:
_ ليه مش هتمضي واحنا ممكن نمشيها ودي؟
كانت ماهي حينها تجلس بجانبه تشعر بالحرج والضيق، ترميه بنظرات مليئة بالغيظ.
فرد على مجدي:
_ إيه اللي يمنع شغلي مع مدام هانيا؟ ايه صدر مننا غلط؟
تنهد الرجل ورد عليه:
_ انت وهي كانت بتجمعكم علاقة عاطفية في الماضي ممكن تؤثر على جودة العمل
_ لا لا متقدمش البلا قبل وقوعه بس انت، مفيش حاجة هتؤثر ولا حاجة ان شاء الله..
بقالي كتير بشتغل معاها وجودة العمل ممتازة ومفيش شكوى واحدة مننا ولا من شغلنا.. لازم تكون حيادي يا مستر مجدي وتقول كلمة حق بردو... الشغل بيني وبين مدام هانيا، بيؤثر على كبرياء وغرور وغيرة المدير مش على العمل!
تضايق جياد وقام من مكانه واقترب من شهاب وقال له في صرامة:
_ هتمضي وهتخلصني من الموضوع دا لان وقتي ضيق
رد في برود:
_ دا مش منظر واحد وقته ضيق، دا منظر واحد فاضي، دي تصرفات فاضي عامل فيها قاضي.. مش همضي
أخذ شهيقًا ثم زفره على مهل يتحكم في اعصابه وقال:
_ هوديك ورا الشمس لو ممضتش
رد الآخر في ابتسامة:
_ مش قولتلك انت مريض!
هي الفلوس فعلا بتعمل كدا، بتحدف علينا مرضى مهووسين ومتسلطين ومختلين وعدماء كرامة وفاكرين نفسهم محور الكون زيك
_ والفقر بردو كدا، بيحدف علينا بلاوي جاعنين، وطماعين وانتهزاين وعدماء الرباية والأخلاق وريحتهم وحشة زيك
تحدثت هانيا في صوت مسموع:
_ جياد، جياد هو ممكن تيجي هنا وتتكلم هنا بردو من مكانك ومتوجهش ليه كلام بشكل مباشر بالطريقة دي كدا؟
تحرك حتى يعود إلى مكانه مستجيبًا لها وهو يقول اثناء سيره:
_ بردو هتمضي
ثم سحب الكرسي وجلس عليه.
قال شهاب لمجدي:
_ لو هنفضل في نفس الكوبليه بتاع بردو هتمضي وانا اقول بردو لا، فأنا استأذن علشان ورايا شغل
كانت ماهي تضرب الأرض بقدمها وتهز ساقها وتطرق بالقلم الذي كان في يدها على الطاولة من شدة الغيظ والضيق منه.
زفر مجدي في ضيق ثم قال له:
_ بص يا شهاب، احنا مش عايزين شوشرة، اهم حاجة هنا هو الاحترام المتبادل، شغلك مع هانيا جايب مشاكل، امضي في سكات افضل، ليه...
_ معلش يعني، ما تقول الكلام دا لجياد؟
قوله مش عايزين شوشرة ولا مشاكل وسيب الناس تشتغل تاسكتها زي ما رئيس مجلس الإدارة موزعها، وتفعل وضعية الغيرة في اي مكان الا الشغل!
ليه انا اللي عامل مشاكل يعني؟
بالعكس شغلي سليم ١٠٠%
سكت مجدي برهة يفكر.. ثم قال له:
_ طب انت ليه تحب تشتغل مع حد مش حابب يشتغل معاك؟
انا ودي كنت هقدم امضائكم للشيخ واقوله هما الاتنين مش مرتاحين للشغل مع بعض وادي امضتهم وخلاص، ليه نضطر نقدم موافقة حد والتاني يتجبر؟
رد عليه ساخرًا:
_ شوف بقا اسلوب الضغط اللي انتوا متعودين عليه، هتبطلوه امتى؟
تحدث مجدي إلى هانيا:
_ خدي امضي انتي، وكدا كدا هو هيمضي هيمضي
نظرت إلى الورق.. ثم إلى والدها و زوجها، وقالت في جدية وثبات:
_ مش همضي على حاجة إلا في وجود استناد قوي اقدر أقدمه لرئيس مجلس الإدارة والا كدا احنا بنلعب مش بنشتغل
ضحك شهاب ضحكة قصيرة بها السخرية... ثم قال:
_ اعتقد لازم اقوم امشي انا بقا واسيبكم في قاعدة عائلية مع بعض علشان تضغطوا عليها براحتكم بدون ازعاج.
وقبل ذهابه قال لجياد اثناء سيره صوب باب الخروج:
_ وبالمناسبة يا جياد، انا لا همضي ولا هستناك في مكتبك.
ثم فتح الباب وخرج.
كانت عيني جياد مازالت متسلطه عليها، يرميها بنظرات مليئة بالغضب على ردها.. نظرت إليه وقالت:
_ إيه؟
فتحدثت ماهي في صوت عالي نسبيًا به الغيظ:
_ عاجبك انتي الشغل معاه اوي صح؟
ردت عليها الأخرى في نفس النبرة:
_ كان بقاله ساعة قاعد بيرفض انه يمضي، واول ما مشي، افتكرتي تتكلمي!
رمتها بنظرات مليئة بالازدراء ثم سحبت حقيبتها وبدأت تسير في خطوات سريعة مغاضبة.
وبمجرد خروج ماهي هي الأخرى، صاح جياد في ضيق:
_ ليه؟
فردت عليه في صوت عالي نسبيًا تدافع بها عن نفسها:
_ قبل بس ما تزعق وصوتك يعلى عليا، افهمني.. اني امضي بأني مش عايزة اشتغل تاني مع شهاب وهو مش راضي يمضي، يبقى معناها اني لازم اقدم سبب قوي للشيخ أقنعه بيه ليه فجأة كدا بقيت رافضة اشتغل مع مدير اعمال ماهي، عملي إيه يعني.. واكيد احنا مش هنقول اصل كان فيه علاقة عاطفية زمان كانت بتجمع بينا!
لو الشيخ شاف اني مقدمة طلب رفض العمل مع شهاب وهو مش رافض، هيجيبه يسأله ليه هيقوله مش عارف، اسألها ووقتها انا مش هلاقي كلام اقوله للشيخ ولو قلت لان شغله وحش او جودة عمله سيئة هكون بتبلى عليه وكدا كدا الشيخ هيتأكد من كلامي وهيعرف انه كدب، يبقى علشان تمنع الشغل بيني وبين شهاب ودي زي ما انتوا عايزين وعاملين الاجتماع دا علشان كدا، يبقى لازم احنا الاتنين نوافق مش طرف واحد، والا وقتها ميكونش ودي، يكون اتفاق بالاجبار والضغط.
انهت كلامها ثم سارت مغاضبة هي الأخرى خارجة من تلك الغرفة.
وبمجرد خروجها، ضرب جياد الطاولة بقبضة يده غاضبًا، ثم صاح:
_ شايف يا عمي شايف!
_ هانيا معاها حق يا جياد، هي طبيعي مش عايزة شوشرة تتقال عليها هي وشهاب قصاد الشيخ لانه لو دور وسأل هيعرف بالعلاقة اللي كانت بينهم، الشركة كلها عارفة أصلا.
علشان كدا انا قلت نتفق، بس هو متفقش، الحق مش عليها.
_ وديني ما هسكت، هلاقي طريقة يعني هلاقي طريقة ومش هشغله معاها يعني مش هشغله معاها، خليه يتحداني كويس اوي ال ******* دا
_ كدا كدا معاك أسبوع تفكر وهي معاك، طول ما انت مسافر فكر في طريقة بس تكون طريقة شرعية ومفيهاش غش ولا تزوير، الشيخ بيشم الكلام دا وساعتها هيطين عيشتنا كلنا
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ هفكر... هفكر وهلاقي حل وهوريه.. خليه فرحان بنفسه شوية
**********
ذهبت مايا إلى الشيخ عطاالله وهذه المرة لم تكن خائفة كالمرات السابقة وأكدت لنفسها أنها آخر زيارة عند ذلك الشيخ واذ لم يعطيها حل في الحال مثلما وعدها، لن تأتيه ثانية.
وبمجرد دخولها، ابتسم لها الشيخ وقال:
_ تعالي يا مدام مايا اتفضلي... جبتي اللي طلبته منك علشان افك لك العمل؟
_ جبته... بس وعد فعلا هيتفك العمل وهحمل صح؟
_ وعد، ووعد الرجال دين، ما بالك بقا براجل وشيخ في نفس الوقت!
*********
وبعد الانتهاء من ساعات العمل، نزل شهاب باستخدام المصعد الكهربائي إلى الدور الأرضي متجه نحو مكان الاستقبال، وقال للفتاة الواقفة في ابتسامة:
_ مساء الخير
فردت في ابتسامة:
_ مساء الخير مستر شهاب، اؤمر
_ كنت عايزك بس تفرّغيلي الكاميرات اللي في قسم السيلز، واللي قدام الشركة علطول، بتاريخ ١٧ من الشهر دا
_ بس....
_ معايا أمر من مديرة القسم، ماهي الزيني متقلقيش.. وبعدين الأمر يخص اختفاء اختي من بعد خروجها من الشركة يعني مهم اشوف اتحركت ازاي يومها
_ تمام
بدأت تفتح الحاسوب وتقلب فيه حتى حصلت على اليوم نفسه.. قال لها سريعًا وهو يبعد يدها عن الفارة [ الماوس] :
_ بعد اذنك بس، خليني اشوف انا، ايوا هي دي، عايز اشوف بنفسي بعد اذنك
تحركت تاركة له المكان كله ووقفت بعيدًا قليلًا حتى ينتهي.
بدأ يسرع في الفيديو منذ ان جاءت فوجدها تحدثت مع فريقها ثم عملت بشكل طبيعي، ثم تحدثت مع عز لمدة دقائق معدودة.. ثم عادت إلى العمل مرة أخرى... بدأ يسرع أكثر حتى انتهاء اليوم، فوجدها تخرج من المصعد الكهربائي رفقة عز، تسير بجانبه وهي تضحك وهو يبتسم... راقب خطواتهما حتى خرجا من الشركة، ثم فرغ الكاميرات التي أمام الشركة، فوجدها تركب معه سيارة غريبة سوداء كبيرة بكامل ارادتها... ومن شدة ذهوله وصدمته فقد الاستيعاب وقتها وظل بصره معلقًا بما يرى، معلقًا بشاشة الحاسوب، معلقًا على شرفه وسمعته...
***********
ومع دقات الساعة السابعة، كانت كلًا من حليمة وفاطيمة تجلسان معًا في زاوية نائية وبعيدة عن الجميع في حديقة القصر، بالقرب من حمام السباحة الخاص بالنساء، تحتسيان القهوة.
من ضمن ما قيل في حديثهما، ان حليمة قالت:
_ بس كدا.. كدا فل.. يبقى الفيديو بتاع شهاب أما خد هانيا وخرج بيها من بيت مجدي، وراح بيها شقة، هيوصل للشيخ وعبير وجياد من جارهم، اللي شاف الواقعة وسمع صوت صويتهم، وبكدا احنا نكون بعيد تماما وهما عرفوا كل حاجة من برا وجياد يطلقها بقا ونخلص منها
فردت فاطيمة:
_ بالظبط، وانا هعمل نفسي زي ما قولتلك ان السلسلة بتاعتي اختفت وهطلب من عبير تفرغ الكاميرات علشان اشوف مين سرقها وهعمل نفسي بالصدفة كدا، اني بقلب وهخليها تشوف اما شهاب دخل لهانيا وهرب من البلكونة بتاعتها وخرج من اوضة روني.
ابتسمت حليمة واضافت:
_ وباسم يبعت الصورة اللي كان مصورها لشهاب وهو خارج من اوضة هانيا في الجزيرة للشيخ.. على انه فرد أمن من الجزيزة وبعتها فورا اما لاحظ حاجة غير شرعية بتحصل خوفا على سمعة المكان.
تعالت ضحكاتهما.. وسكتتا برهة.. ثم قالت فاطيمة:
_ خلاص كدا، البت دي هتطلق بمجرد ما نبعت كل دا وبكدا نكون خلصنا منها
فردت حليمة:
_ ايوا زي ما خلصنا من ابنها، الحمدلله ربنا ميسر معانا كل حاجة
_ جدا، واهو الحارس لبسها والموضوع خلص ومحدش هيدور ورانا
_ للحق هي فكرة جامدة.. فكرة اننا نحط حشيش للحصانة والعلف في اوضة الحارس، فكرة تحفة يا حليمة، تسلم دماغك اللي فكرت، واحنا بعاد عن كل حاجة
_ ايوا في السليم
وقد سمعت مايا كل ما قد قيل بينهما من أول المحادثة حتى آخرها وكذلك عرفت الحقيقة.. كانت في صدمة مما سمعته، تقف في ذهول وخوف وفي يدها تمسك بالهاتف والذي سجل كل ما قد قيل بصوتهما...
************
مش هفكركم بالفوت والكومنت متنسوش الفوت والكومنتس دول اللي بيشجعوني استمر وبس، مفيش مقابل لتعبي في كتابة كل دا غيرهم
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الاتنين
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
بصوا مهم جدا وركزوا معايا قبل قراءة البارت.
انا منزلتش يوم الاتنين اللي فات بسبب فقدان الشغف وضغط حياة عادي والسبب الرئيسي قلة التفاعل ووضحت دا في بوست طويل عريض على جروب الفيس بوك.
اي الغاء او تأجيل، هقولها تاني للمرة الالف، مش هينزل هنا على واتباد، بينزل على الفيس بوك والسبب اني مش عايزه اعمل زحمة عدد بارتس وخلاص لان الرواية طويلة أساسا.
فلو سمحتوا الفيس هو اللي بينزل عليه اسباب الإلغاء و التأجيل لو فيه
واللينك برا في البايو
_ طب فقدان الشغف نعمل فيه إيه؟
ناس منكم على جروب الواتس اقترحوا اني اطلب بنفسي زي ما معظم الكاتبات ما بتعمل، واقولكم وصلوا البارت لكام فوت
فوصلوا دا ل ٥٠٠ فوت بعد اذنكم، و ٥٠٠ تعليق.
ماينفعش الرواية يبقى بيشوفها ٤ الاف حد وبتعدي ال ٥ تلاف للبارت الواحد وفي الآخر الاقي عدد الفوتس لا يذكر!
انتوا بتحبوا الرواية وبتستنوها، اتفاعلوا بقا معايا وبلاش قراءة في صمت علشان محبطة جدا زي ما قلت ميت مرة قبل كدا.
جاهزين ؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثاني و الأربعون[ انتهاك خصوصية]
سلمى خالد احمد
****************
انتهت من تسجيل كلامهما، وأثناء تحركها لتذهب، لمحت حليمة ظلّها الذي تحرك خلفها، فقالت في خضة لأختها:
_ حد كان بيسمعنا، قومي بسرعة
وبالفعل اسرعتا، فرآتها وهي تسير على أطراف أصابعها حتى لا تشعرا بها.
ركضتا خلفها وبمجرد أن انتبهت لهما، ركضت هي الأخرى ولكن فاطيمة لحقتها سريعًا وكممت فمها كي لا تصرخ بينما اقتربت حليمة وأخذت تجرها للخلف بمساعدة اختها التي تكتم صوتها، وهي تقول لها في نبرة جامدة بها التهديد والوعيد:
_ امشي يا بنت حورية معانا وتعالي نقولك المفاجأة اللي مخبينهالك إيه
جراها للخلف واستقوتا عليها، فإن قوة جسدها لم يكن كجسدهما ابدًا.
عادتا بها إلى نفس المكان النائي الذي كانتا تجلسان فيه.
ثم ألقتها فاطيمة بقوة على الكرسي، وكتفتها بيد والأخرى كممت بها فمها والفتاة تحاول المقاومة ولكنها تفشل في كل مرة.
بينما نتشت حليمة الهاتف منها وقالت لها بلهجة حادة وسبتها بألفاظ بذيئة:
_ بقا انتي يا بنت ال****** بتسجلينا احنا واحنا اللي معانا غسيلك الوسخ كله؟
ولم ترد عليها الفتاة بالطبع لن ترد، ويد فاطيمة تكد تقطع أنفاسها لا تكتم صوتها وحسب.
أمسكت يدها وبدأت تحاول بالقوة والشد بكل أصبع حتى فتحت الهاتف وبدأت تقلب فيه حتى وجدت التسجيل وتأكدت من انه هو ثم حذفته من الهاتف كله.
كانت حينها مايا تشعر أنها ستموت بين أيديهن، نفسها ينقطع وجسدها ثابت لا تستطيع التحرك او المقاومة او حتى رفع اصبعها.
بعدما حذفت حليمة التسجيل، ألقت بالهاتف بعيدًا ثم قالت للفتاة ساخرة:
_ ضاع.. ودا عقاب اللي يتطاول علينا
ثم أخرجت هاتفها هي من جيبها وبدأت تقلب فيه ثم تابعت في ابتسامة:
_ تعالي بقا أما اوريكي المفاجأة اللي أنا عملهالك يا مايّوية
ثم نظرت إلى فاطيمة وتابعت:
_ خلاص يا فاطيمة شيلي ايدك من على بؤها لتفطس، هي كدا كدا عارفة مصلحتها ومش هتصوت لان أكيد عندها فضول تعرف انا معايا إيه على التليفون يخصها.
نفذت فاطيمة ما طلبته أختها وعلقت في ابتسامة:
_ صحيح يا حليمة وريها بسرعة أكيد المفاجأة هتعجبها
كانت الفتاة جالسة على الكرسي بعدما أرغمتها فاطيمة على الجلوس هكذا وحسب، تنظر إليهما في خوف وهما واقفتان أمامهما مثل نساء أبليس.
عرضت حليمة عليها الفيديو وهي تبتسم، بينما الأخرى حدقت فيما ترى وبدأت دقات قلبها تتسارع اثر الخوف الشديد مما رأته على شاشة الهاتف، وما رأته كان فيديو لها مع الشيخ عطاالله وهي تجلس هكذا على الكرسي نصف جلسة وهو يقرأ عليها مثل هذه الكلمات:
"بسمِ النورِ والسرِّ المكنون، انصرف أيها العارضُ الملعون.
أُقسمُ بالعهدِ القديم، وبالروحِ الحاكم، أن يزول ما بكِ من سقم.
يا خفيَّ الأذى، اخرُج بإذنِ القاهر، ولا تعُد لجسدٍ طاهر.
بما تلا من أثرٍ وبما خُفي من قدر، أبطلتُ كلَّ سحرٍ مستتر.
اللهمّ اجعل بيننا وبين الشرِّ حجابًا، واصرف عنها ما استطار من عذاب.
أمرٌ قُضي، وسرٌّ انقضى، فلا بقاءَ لما حلَّ بها من أذى.
باسم الطهرِ واليقين، تنفكّ العقد وتزول العيون.
يا روحَ الشر، قد ضاق بك المقام، فاخرج صاغرًا من هذا الجسد."
كان يتلفّع بعباءة الوقار الزائف، ويُخفي خلف لحيته المصطنعة عيونًا تتلوّن بالمكر. وهو يجلس أمامها متصنّعًا الخشوع، يحرّك شفتيه بكلماتٍ مبعثرة، يخلط فيها بين آياتٍ مبتورة وألفاظٍ لا أصل لها، موهمًا إيّاها أنّها من القرآن، وما هي إلا دجلٌ مُغلفٌ بقداسةٍ كاذبة.
مدّ يده ببطءٍ متعمّد، يتمتم بعباراتٍ غامضة، ثم أخذ يضع كفّه على جسدها بحجّة “العلاج” و“إخراج الأذى”، متنقّلًا بين مواضع لا يليق لمسها، متذرّعًا بأنّها مواضع الألم أو مسّ الجن. كانت حركاته محسوبة، ونبرته مزيجًا من الترهيب والتزييف، كأنّه يستند إلى سلطةٍ روحية لا يملك منها شيئًا.
وفي كلّ مرّة كانت تتردّد أو تنكمش، كان يُسرع بإغراقها بسيلٍ من الكلمات الملتبسة، يكسو بها فعلته بثوب الدين، ليُسكت شكّها ويُبقيها أسيرة خوفها وتصديقه. هكذا كان الدجّال ينسج خيوط خدعته، مستغلًا جهل الضحية وثقتها، ليحوّل لحظات الضعف إلى ساحةٍ لانتهاكٍ مُقنّع.
ابتلعت ريقها وقالت في نبرة ضعيفة بعدما رأت الفيديو:
_ دا.. دا الشيخ عطاالله!
ثم نظرت إلى فاطيمة واضافت:
_ انتي اللي مودياني عنده!
انتي اللي قولتيلي انه شيخ ومبروك وهيخليني أحمل!
ردت ساخرة منها:
_ مبروك آه... مبروك عليكي انتي الفخ يا ساذجة يا خايبة.. دا دجال مشهور ومعروف والبوليس لو لقاه هيعدمه وانا يا حبيبتي لا روحت عنده ولا جيت ولا هو يعرفني أساسا.. كل الموضوع انه عارفك انتي وبس
هزت رأسها رافضة ثم ردت في عدم تصديق:
_ لا لا مستحيل لا.. انتي اللي ودتيني، انتي اللي قولتيلي انه..
_ انا يا حبيبتي لا قلت ولا عدت ومفيش دليل على الكلام دا.. كدا كدا عبير هانم عارفة انك بتعملي أعمال انتي واخواتك علشان الشباب ميطلقكمش و تكوشوا على كل حاجة
_ سحر؟ سحر إيه وهبل ايه لا لا، انا مستحيل اعمل أسحار اصلا.. دا كان بيقرأ عليا علشان العمل اللي معمولي في ديل كلب، هو..هو اللي قالي كدا وقالي بالشكل دا هيتفك و...
قاطعتها حليمة قائلة:
_ بقولك ايه احنا مش ناقصين هبل على المسا!
انتي بتعملي أسحار والدجال هيشهد انه شافك أنتي وبس وتيشرت فاتح بالمناسبة هناك والفيديو اهو قدامهم، الدليل، الراجل منيمك قدامه على الكرسي وعمال يقول طلاسم وحط ايده تحت بطنك وقرب صدرك وانتي مفكرة انه معالج بالقرآن!
يا حبيبتي دا لو معالج بالصدمة الكهربائية مش هيلمس جسمك كدا. الناس الساذجة الغبية بس اللي سهل تصدق اي حاجة
اضافت فاطيمة في نبرة بها التحذير:
_ حسك عينك يا بنت مجدي و حورية تجيبي سيرة لأي حد باللي انتي شفتيه النهاردة، والا انتي عارفاني هفضحك.
انا معايا كل الفيديوهات اللي مصوراكي وانتي عند الراجل دا من اول يوم، لحد المرة بتاعت النهاردة الصبح، يعني لو عملتي شوشرة واتوجه لنا اي اتهام هنعرف نطلع منه زي الشعرة من العجينة، وساعتها مش بس فاتح هيتجوز عليكي، لا دا هيطلقك خالص، لانه ميشرفوش مراته تبقى بتاعت اسحار ودجل وشعوذة.
ثم أشارت نحو فمها بشكل صارم تقصد بتلك الحركة " أي اخرسي ولا تفتحي فمك بأي كلمة "
ثم تركتها وذهبت هي واختها.
وعقب رحليهما، كانت مايا لا تزال تجلس في مكانها لا تصدق ما حدث ولا تستوعب ما فعلته بنفسها ، لا تدرك كيف وقعت في ذلك الفخ بسهولة وكيف تركت نفسها لهما؟
وما إن استوعبت حتى صرخت وهي تصك وجهها [ تلطم] :
" يالهوي يا مايا يالهوي يالهوي عليكي وعلى غبائك يا مايا، هتطلقي يا مايا، خليتهم يعملوا اللي هما عايزينه يا مايا "
ظلت هكذا تفعل حتى أحمر وجهها اثر الضرب عليه.
وعلى جنب كانتا السيدتان تقفا وهما تشاهدان رد فعل عن بعد.
علقت حليمة في ابتسامة شيطانية:
_ كدا أول بنات السلاب اتكسرت وبقت تحت ايدينا، باقي اتنين
لترد الأخرى عليها في نفس الابتسامة:
_ نبدأ بهانيا ونخلي روني في الآخر تنهار بانهيار اخواتها
_ وكمان علشان هانيا ليها ثغرات زي مايا، انما روني دي متعبة شوية، فخلينا نخلص من هانيا فعلا الأول...
_ بالظبط، اللي احنا عايزين نعمله في هانيا بتاع فاعل الخير اللي هيبعت كل فيديوهاتها لجوزها والشيخ دا، هنعلمه زي ماهو، كدا كدا مايا هتتخرس ومش هتقول حاجة من اللي سمعته...
*********
كانت هانيا تجلس على السرير تقلب في هاتفها ترتاح قليلًا بعد مشقة العمل.
خرج جياد من المرحاض بعدما تحمم وهو يرتدي بنطلون وحسب وكان عاريًا فيما يخص الحزء العلوي من جسده.
بدأ يجفف شعره أمام المرآة ويهتم بتسريحة شعره وغيرها من الأمور.
وفي تلك الأثناء، ضحكت في صوت عالي يبدو أن فيديو ما أو شيئًا ما اضحكها للغاية.
فقال لها وهو ينظر إلى انعاكسها في المرآة:
_ جهزتي الشنط علشان هنسافر الفجر؟
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ هقوم بس شوية كدا ارتاح بس
انتهى مما كان يفعل ثم اتجه صوبها وجلس قبالتها وقال:
_ سيبي التليفون شوية عايز اتكلم معاكي
تركت الهاتف جانبًا ثم التفتت إليه وقالت:
_ نعم؟
_ انا زعلت منك النهاردة جدا، ماكنش ينفع تنصري عليا شهاب بالشكل دا حتى لو انتي رافضة تصرفي او شايفة انه غلط، كان لازم تعبري بشكل أفضل... كان ممكن مثلا تقولي هو يمضي الاول علشان المسألة تمشي ودي فعلا.. أو انا موافقة بس مستنية موافقته، كان هيشوف انك فعلا رافضة الشغل معاه ويمكن كان يحس على دمه ويمضي، صح ولا غلطان؟
سكتت برهة تفكر... ثم ردت:
_ مجاش في بالي أرد رد زي دا، مفكرتش وقتها، قلت اللي جيه في بالي، انا معرفش الأفضل فين بس حسيت ان فيه نوع من انواع الاجبار والضغط
بدأت نبرة صوته تتعالى، وقال وهو يحاول أن يسيطر على غضبه:
_ هانيا متعصبنيش وتقوليلي بتتعصب عليا ليه في الآخر، ماشي!
نظرت إليه ولم ترد... فتابع:
_ اسمعي كلامي كويس، الراجل دا انتي ملكيش شغل معاه تاني نهائي تمام؟
واضح بالعربي؟ اقوله بلغة تانيه؟
So far, so good?
هزت رأسها موافقة.
وضع اصبعه تحت ذقنها ليجعل وجهها قبالة وجهه هو، وتابع وهو ينظر إلى عينيها:
_ مش هسمح لأي حد ياخدك مني، انتي مراتي انا، انتي بتاعتي انا وبس
قامت هاربة منه تتجه صوب الخزانة، تتبع أثرها، فوجدها تفتحها وبدأت تسحب الملابس لتضعها داخل الحقائب الموضوعة على اخر السرير من ناحيتها هي، تجهز للسفر.
وضعت الفستان، ثم نظرت إليه وقالت:
_ ساعات بخاف منك جدا
ثم التفتت تارة أخرى نحو الخزانة تتابع ما كانت تفعل وهكذا.
تحرك نحوها ثم وقف قبالتها، كانت تمسك في يدها التيشيرت وعندما استدارت بجانبها وجدته، فقال:
_ الخوف الصحي حلو، انك تخافي مني مهم، علشان تقدري تحترميني وتقدريني لاني جوزك، بس اللي مش حلو بقا انك تبقي خايفة مني بشكل غير صحي.. قوليلي بقا خايفة مني ليه؟
_ خايفة من حبك ليا.. هو حلو بس مخيف، حلو انك تحبني اوي بس مش حلو إنك تبقى مهووس بيا، مش حلو انك تشوفني مِلكك او بتاعتك، علشان انا مش مِلك حد، انا انسانة حرة.. خايفة حُبك يأذيني في يوم جسديا، يكفي انك آذتني به نفسيا.. حُبك ليا مش صحي عامة علشان كدا بخاف منك او بدأت اخاف فعلا
ابتسم ابتسامة جانبية صغيرة ثم رد:
_ يا هانيا آذيكي جسديا ايه بس!
يا هانيا انا لو آذيتك أذى صغير قد كدا ولقيتك زعلانة او دموعك نزلت، مش بعرف انام الليل كله وبحس اني كأني آذيت نفسي اوي، انتي جزء مني لو..
ردت في سرعة:
_ الكلام دا مخيف!
_ ليه بس!
_ علشان انا مش جزء منك، انا وانت اتنين، احنا أشخاص مختلفين وكل واحد فينا حر ويقدر يمشي لو حس انه مش قادر يكمل او حس إنه مأذي في العلاقة دي.
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ هو دا الحب بالنسبالك؟ هو دا تعريفك للحب؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها وردت:
_ ايوا يا جياد هو دا تعريفي للحب.
انا بشوف ان الحب قرار واختيار
_ يعني إيه قرار واختيار مش فاهم!
يعني قصدك انتي اللي بتقرري امتى تحبي اللي قدامك؟
اشطا، طب يلا حبيني!
قرري قولي لقلبك حٍب جياد، ولا انتي بقا اللي مأجلة القرار دا؟
_ جياد ارجوك افهمني شوية وسبني اوضح وجهة نظري.
الحب قرار و اختيار، قصدي بيه أما اكون حبيت فعلا.
مثلا انا قابلتك في ظروف أحسن من كدا ولقيت انك my type، فهبدأ اتقبلك واديك اهتمام ثم مشاعر ثم حب.
انا هنا اختارتك وقررت اكون معاك وواحدة واحدة اديتك من مشاعري لحد ما حبيتك، لكن دا مش معناه انك تأذيني وانا افضل مكملة تحت مسمى الحب، مش معناه اني اكون في علاقة توكسيك وافضل تحت مسمى الحب، مش معناه انك تهني او تهمشني وانا افضل معاك تحت مسمى الحب، ولا معناه انك تقسي عليا وتختفي وترجع بمزاجك وانا مشاعري تستنزف تحت مسمى الحب.
وقتها زي ما اختارتك وقررت اكون معاك، هختار واقرر اني ابعد عنك علشان نفسي ومشاعري حتى لو بموت فيك، حتى لو هموت عليك، حتى لو مش عارفة اتعافى منك، هقرر اسيبك بردو حفاظا على نفسي وسلامة صحتي النفسية.
فا في منطلق الحب بتاعي وتعريفه، انا بشوف إننا شخصين عايشين مع بعض بينا تفاهم وحب وقبول واحترام، مش مسموح لأي طرف يأذي التاني بأي شكل ومسموح بردو لأي طرف انه ينسحب لو مش قادر يكمل.
كل حاجة بقرارنا احنا واختيارنا احنا حتى لو بنحب، مفيش طرف جزء من التاني ومفيش طرف هيموت من غير التاني ولا حاجة.
الجواز سُنّة والطلاق سُنّة والحياة مش بتوقف على حد، فهمت المقصود بمصطلح الحب قرار و اختيار، سواء قررت تكون مع شخص معين او اختارت تسيبه علشان سلامك النفسي؟
ابتسم ابتسامة عريضة ثم فرك جانب لحيته وتحرك نحو السرير واثناء سيره قال:
_ لا لا دا احنا كدا بُعاد اوي.. انا مش بشوف الحب كدا نهائي واول مرة اعرف نوع الحب الغريب دا منك، ازاي اسيب شخص بحبه عادي كدا؟
جلس على طرف السرير ثم أسند ذراعه على فخذه ووضع قبضة يده تحت ذقنه وتابع:
_ أنا الحب بالنسبالي.... اقدر اقول أو ألخصه في الكلمتين دول " تعلق و تضحية"
انا كدا ربنا خلقني كدا، بتعلق بالحاجات اللي بحبها جدا ولو كانت ناقصة في يومي بيتقفل، مش هعرف اقعد، مش هعرف اركز، مش هعرف اعمل أي حاجة.
انا لما بحب، مش بعرف أمشي بخطوات كدا زيك، وادي مشاعر على القد وبمزاجي، لا... انا أما بحب بغرق اللي قدامي حب وحنان وعطاء..
أشار بيديه إلى الفارع وأضاف:
_ كل الدنيا دي مش هتسع عطائي لشخص بحبه.
تنهد وتابع وهو ينظر إليها في ابتسامة صغيرة:
_ انا حبيتك يعني اتعلقت بيكي، يعني مش سهل تخرجي من حياتي والا هتكوني جرحتيني اوي اوي، كأنك جبتي سكينة تلمة ودبحتيني بيها، كل يوم بنفس السكينة تقطعي حتة مني ويا عالم هموت امتى.
لاني عمري ما هقتنع اني قصرت معاكي علشان تمشي، اديني بقولك اهو الدنيا دي كلها مش هتسع حبي وعطائي ليكي، يبقى ليه تسبيني مادام اختارتي تبقي معايا؟
مش هغلط، مش هخون مش هضرب مش ههين مش هقسي، مش هعمل أي حاجة ممكن تبعدك عني لاني مقدرش على دا، فطالما الاحترام بينا والتقدير والحب، ليه بتفترضي سوء الظن؟ ليه بتقولي ممكن أمشي؟
معلش يعني لاموأخذة هي الست ممكن تكون عايزة ايه تاني غير اللي انا بعمله؟
انا مستعد اديكي حب وحنان وفلوس وخروج وسفر ورومانسيه تغرقك وتكفيكي عمر كامل، مستعد ابسطك واكون راجل معاكي وسند ليكي، مستعد افضل في ضهرك علشان متوقعيش في يوم، مستعد اكون الخيار الصح اللي اختارتيه في حياتك، مستعد أكون زوج واب لعيالك.... كل دي مميزات، العيب الوحيد بالنسبالك إني هكون عايز إيه منك في المقابل
احترام وتقدير؟ انك تشوفيني زوج حقيقي ليكي وابقى انا وبس اللي في قلبك؟
اهتمام شويتين تلاته بيا؟
تبادليني بلو جزء من الحب اللي هديهولك؟
انك بس مترفضنيش وتسبيني آخد حقوقي الشرعية بشكل طبيعي؟
هي دي السلبيات اللي عندي اللي ممكن تخليكي تضحي في المقابل بكل الإيجابيات اللي قولتها وتسبيني وتمشي؟
قام من مكانه وتابع وهو يسير صوبها:
_ والتضحية، انا ممكن اضحي بأي حاجة في سبيل حبي ليكي.. ممكن اضحي بعمري وسنيني ووقتي وفلوسي ومشاعري وكل ما أملُك علشان بس أملُك قلبك انتي.
وصل عندها فوقف قبالتها وكانت هي حينها تسند جسدها إلى الحائط بعدما أحست بتعب من الوقفة، وأضاف وهو يحيطها بذراعيه بعدما اسندهما إلى الحائط الواقفة أمامه:
_ إيه اللي ممكن يخليكي تمشي؟
هحاول اعدّله علشان متمشيش.
تنهدت وردت:
_ جياد انا مقولتش اني ماشية اصلا، كل الموضوع اني بقولك الحب بالنسبالي تعريفه إيه و..
قاطعها قائلًا وهو يقرب وجهه من وجهها أكثر:
_ انا اقولك إيه اللي ممكن يخليكي تمشي
أمال برأسه إلى الأسفل قليلًا و نظر نحو صدره ثم نظر إليها تارة أخرى وتابع:
_ انتي قاعده جوا قلبي، مش ببالغ بس هو كدا دي الحقيقة.
انتي النبض اللي عند رقبتي دا، لو عايزة تمشي قدامك حل من اتنين، يا تخليني اكرهك وقلبي يطردك منه واطلقك يا تقتليني وتقفي النبض دا خالص وترتاحي.
بس ساعتها بقا لو كرهتك هتتمني وقتها الف مرة بس لو يرجع الزمن واحبك ولو بنسبة صغيرة حتى واحد في المية من حبي الحالي، لان وقتها هتشوفي وهتعرفي يعني إيه أذى نفسي بجد... سوري دي سنة الحياة، على قد الحب على قد الكره.
اعتبريني زي النيل كدا، بتشربي من خيره ومكفي البلد والبلاد المجاورة ومحدش فينا طبعا يقدر يعيش من غير نهر النيل.. بس أما كان بيفيض كان بيغرق الكل ومحدش بيقدر يقرب منه والا هينجرف في مايته
الحياة معايا كدا... هديكي كل حاجة في الدنيا.. بس اتقي على قد ما تقدري فيضاني، والموضوع مش صعب على فكرة، كل اللي عايزه منك تديني الفرصة وتسمعي كلامي وتبعدي بالطريقة اللي بقولك عليها بالظبط عن الكلب دا، واحنا هنعيش في جنة
وضع وجهها بين كفيه وتابع في ابتسامة صغيرة:
_ so far, so good?
لقيتك فهمتيها اكتر من تمام وماشي، فقلت استخدمها
هزت رأسها موافقة، فابتسم وقبّل رأسها وتابع:
_ ربنا يهديكي وما يجيب بينا زعل ولا انفصال ولا أي مشاكل ابدا ونعيش متفاهمين وراضيين وبنحب بعض طول العمر
تنهد وابتعد عنها متجه نحو الكرسي فقالت اثناء سيره وما جعله يتوقف:
_ طب والفرصة اللي اتفقنا عليها؟
يعني لو بردو محصلش قبول من طرفي او حسيت اني مش مرتاحة في العلاقة.. اعتقد اتفقنا إننا نقدر ننفصل بهدوء لو حد .. او لو انا مرتحتش أو...
استدار لها بكامل جسده وقال في نبرة مليئة بالغيظ ولكنها بدت باردة:
_ هو انتي بتسألي عن الانفصال كتير ليه؟
يعني عمالة تتكلمي عن الانفصال والطلاق والمشي والاختيار والقرار وكل دا ليه؟
انتي مقررة حاجة؟
ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها بالسلب ثم ردت في نبرة منخفضة:
_ لا، أنا.. أنا بسأل بس، لان.. لان دا كان اتفاق!
_ من الأولى تسألي أسئلة زي كدا.. أسألي مثلا، لو استمرينا حياتنا هتمشي ازاي؟ هنخلف كام عيل؟ هنسميهم إيه؟
أو حتى أسألي عن حاجة قريبة الحدوث، زي مثلا سفرنا هيمشي ازاي، ايه ال program اللي انت منظمه لينا.
كل دي أسئلة متسدعيش إنك تسألي عليها؟
بلاش تحطي السيناريو الأسوأ، تفائلوا بالخير تجدوه!
عاد إليها ثم وقف قبالتها للمرة الثالثة ونظر إلى داخل عينيها، وبدأ يمعن النظر والتركيز في نظراتها إليه، يحاول أن يقرأ مبتغاها وما تفكر به من خلال عينيها، وأضاف أثناء ذلك:
_ ولا انتي عايزة تمشي؟
هزت رأسها هزة واحدة قصيرة ثم ردت وهي تبعد نظرها عنه:
_ مقولتش كدا
ابتسم ابتسامة صغيرة مختصرة لكلام كثير، ثم غلغل أصابع يده بين خصلات شعرها وضمها إلى صدره العاري بذراعه الأيمن، بينما ظلت اصابع يده اليسرى تتحرك بين خصلات شعرها كما هو.. قال وهو يشدد في ضمها له:
_ بحتاج لحضنك كل شوية.. المكان الآمن والمريح بالنسبالي
كان يضمها إليه أكثر فأكثر وأضاف:
_ تعالي، قربي في حضني اكتر، نفسيتي بتبقى أحسن واعصابي بتهدى وجسمي كله بيكون مرتاح وانتي قريبة اوي كدا.
كانت داخل حضنه، صامتة، تشعر بشيء غريب..شعور متناقض لم تعرفه ولم تستطع أن تفسره، ولكنها كانت مستسلمة وحسب.
***********
فتح شهاب باب شقته واشار لماهي كي تدخل، ثم دخل خلفها وغلق الباب.
وفي صمت دخل وفي صمت ارتمى على الكرسي والحزن يظهر جليًا على ملامح وجهه.
ألقت الحقيية من يدها ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت في ضيق:
_ هو انت ليه مرضتش تمضي وتبطل تشتغل مع هانيا تاني؟
اصل بصراحة يعني انت قلت هديكي فرصة وانا مش لاقية اي فرصة.. احنا بنيجي من الشغل وانت بتغير هدومك وتنام لا بتقعد معايا ولا بتعمل جديد، طب بالله عليك فين الفرصة دي؟
انت اقل حاجه مش بتعملها وهي انك تقعد معايا بس!
مط شفتيه للأمام في اعتراض ورد:
_ وعد طلعت هربت مش اتخطفت.. مش عارف ليه عملت كدا
_ عرفت ازاي؟
_ فرّغت الكاميرات ولقتها خارجة معاه عادي بمزاجها وركبت معاه عربية عادي بردو.. بس الفكرة انها لو بتضغط علينا، كل دا بتضغط لسه؟
مش تظهر بقا وتقول انا اهو!
اقتربت منه ثم وضعت يدها على كتفه وقالت في نبرة بها المواساة:
_ خلاص، انت عملت اللي عليك وهي اختارت طريقها
رد في غيظ:
_ ايه عملت اللي عليا دي!
هي واحدة من الشارع؟
دي اختي!
_ فاهمة يا حبيبي فاهمة.. انا يعني اقصد انك عملت اللي عليك واتأكدت انها راحت بمزاجها مش مخطوفة ولا متهانة، ودا مش معناه انك تبطل تدور عليها، دور زي ما انت عايز بس بدون ما تضغط على نفسك قوي زي ما انت عامل كدا
وأثناء كلامها، سمع صوت رسالة قد أرسلت إلى هاتفه، التقطه ونظر لحظات إلى الهاتف ثم جلس وفتح الحاسوب الخاص به وبدأ يضغط على ازراره يكتب...
زفرت في ضيق وبدأت تبدل ملابسها، فقال لها دون أن ينظر إليها فكان مشغول بما يكتب:
_ منستش سؤالك ومش متجاهل، الفكرة كلها اني مش عايز اشتغل مع جياد نهائي ومش عايز اريحه، أصله مش كل حاجة بكيفه.. هو يقدر يمشي مراته على كيفه بس ميقدرش يمشيني انا على كيفه.
لو هتضمني إني شغلي كله هيكون معاكي انتي بس وانتي بقا منك ليه، موافق مشتغلش معاها
ردت وهي ترتدي ملابس قصيرة وكاشفة:
_ اعمل اللي تشوفه، كدا كدا مش هينفع انا اشيل الشغل كله، أكيد مش هنخرب الشغل والشركة علشان العِند.. انا واثقة فيك، واثقة وعارفة انك مش هتتخطى حدودك وانك هتشتغل معاها وبس.
انا مش هنكر وجود هانيا، هانيا موجودة وهتفضل موجودة، ولا هعرف اخفيها عن وشك ولا اشيلها من قلبك.. انت بس اللي تقدر تعمل كدا، انت بس اللي تقدر تكون رقيب على نفسك وانت اللي في ايدك تحافظ على بيتنا وانت بردو اللي في ايدك تخربه.
رفع رأسه ونظر نحوها ثم رد في ابتسامة وباختصار:
_ شكرا لتفهمك
ثم عاد سريعًا يتابع العمل.
انتهت من تحضير نفسها ثم وقفت تنظر إليه لحظات... ولما رأته لا يزال غير مركز معها، زفرت في ضيق ثم ارتمت على الكرسي تهز ساقها في غضب وقالت في صوت عالي:
_ طب على فكرة بكرة الجمعة يعني، مش فاهمة انا شغل ايه دا!
هو انت مش بتسيب الشغل دا خالص؟
كان حينها يدقق فيما يرى ولا يرد عليها... فبدأت تغتاظ أكثر وحركات ساقها تزداد اثر الغيظ والضيق.
لاحظ ذلك فقال لها:
_ قربي هفهمك
_ هتفهمني إيه ان شاء الله؟
_ قربي بس قربي
قامت من مكانها وتحركت نحوه حتى وقفت قباله وردت:
_ نعم؟
ترك الحاسوب جانبًا، ثم سحبها من يدها وجعلها تجلس امامه على السرير وقال:
_ عايزة تعرفي انا ببقا مشغول في ايه طول الوقت؟
_ اتمنى والله، لان انا مديرتك شخصيا ومش بكون مشغولة كدا!
نفسي افهم ايه اللي شغلك كدا لدرجة تيجي من شغل تقولي شغل وتقعد تشتغل حتى بلبسك!
تنهد ثم رد:
_ بشتغل على ال personal brand بتاعي.
انا بزود دخلي علشان أأمن مستقبلك انتي وابني اللي جاي، انا مش عايزه يتبهدل ولا يشوف شقا في حياته وعايزه يتمتع بفلوس ابوه ويفتخر انه ابني وميحسش بأي نقص من أي اتجاه.
ولاد اخواله مش هيكونوا أحسن منه... اخوكي مش هيعرف يرميني في الشارع لو اي حاجة حصلت، لازم أأمن نفسي ومستقبلي انا كمان
هزت رأسها متفقة مع كلامه.. ثم ردت:
_ وايه هو بقا يا ترى؟
أخذ شهيقًا ثم زفره ورد:
عملت براند ملابس باسمي
بما إني يعني اشتغلت كموديل وفاهم السوق
هو عامة أونلاين في الأول.
_ بدل بردو؟
_ لا لا، انا لسه مدخلتش هنا بس ناوي.. عامة اللي عملته، تيشيرت رجالي عملي جدا، ينفع خروج، جيم، قعدة مع صحاب، يخرج بيه مع حبيبته او خطيبته، لانه حاجة شيك جدا ومحترمة
ينفع كتيشرت سريع ينتقذه في المواقف، وشكله اوي وقماشته خطيرة.
لبسته بقا ونزلت بيه صوري وناس كتير حجزته، ولان دا البزنس بتاعي وانا اللي لسه شغال عليه وببدأ بيه، فأنا وقتي كله ضايع حرفيا عليه، هو وشغل الشركة الصبح.
انا حرفيا المدير و اللي بيرد على الرسايل و الموديل وكل حاجة بالنسبة للبزنس بتاعي.
كمان شغال حاجة تانية جانبه، بعمل حملات تسويقية باسمي ل influencers، كلها حاجات ليها علاقة بشغلي في الشركة بس دي حاجات باسمي وخاصة بيا انا
وقريب بقا هعمل كورسات تسويق على اليوتيوب للي حابب يتعلم.
بس يا ستي هو دا اللي شاغلني عنك، شغلي الخاص اللي لسه ببنيه
ابتسمت ابتسامة عريضة وبدأت تقترب منه حتى وضعت وجهه بين كفيها وقالت بنبرة مليئة بالفخر:
_ انا حقيقي فخورة بيك جدا فوق ما تتخيل.. انت حبيبي الشهم الطموح واللي انا مؤمنة انك هتكون حاجة كبيرة اوي في المستقبل.. النهاردة بتعمل حاجه صغيرة وبكرة تفتح شركة باسمك.
فخورة بيك لانك راجل كامل متكامل، مش مقصر في شغلك ولا عايز تقصر في مستقبلي ولا مستقبل طفلنا ووسط مشاكلك مع جياد ومشاكلك اللي عملتها اختك وكل الحوارات اللي انت فيها دي، عايز تنجح وبدأت وهتكسر الدنيا
حاوط خصرها بذراعيه ثم أجلسها على حجره وبدأ يمرر يده على شعرها وقال:
_ حبيبتي تسلميلي.. طول ما انتي مأمنة بيا وبتدعميني هوصل
_ هدعمك وهفضل جمبك علطول يا روح قلبي.
أسندت رأسها إلى صدره وبدأت تلمس عضلات كتفه وهي تبتسم وعلقت في اعجاب:
_ عملت العضلات الخطيرة دي في انهي جيم؟
ابتسم ابتسامة صغيرة ورد مازحًا:
_ الشقا هو اللي عمل العضلات دي يا روحي، جيم إيه!
ردت في استغراب:
_ شقا؟ مش فاهمة؟ ازاي؟
_ اقولك يا ستي ازاي.. وانا عندي ١٦ سنة كدا ووالدي عمل حادثة ومات، ماما قالتلي انزل اشتغل في اي حاجة واصرف علينا.
نزلت دورت كتير وملقتش.
لحد ما اخيرا لقيت شغل في مصنع حديد
_ واشتغلت فيه إيه؟
_ اشتغلت فيه شيّال، كنت بشيل أوزان واحجام من الحديد وانقلها من مكان لمكان
_ كانت صعبة الشغلانة؟
_ جدا جدا، في الأول كنت بحس ان اكتافي بتتخلع من مكانها، وكنت احيانا بقعد على السلم اعيط من وجع كتافي وانا كنت بشيل أحجام تقيلة جدا وفي قت قصير لان لازم لحد ما شيفتي يخلص أكون شلت عدد معين من الحديد ونقلته وكدا.
بس كنت بعيط وبكمل بردو وبتكسف حد يشوفني، بس انا اصلا كنت ضعيف، كنت طول وبس من غير عرض خالص.
مع الوقت بقا اتعودت وبقيت اربي عضلات بقا وخلاص
وضعت يدها على خده الأيمن شاعرة بالشفقة عليه وعلقت:
_ يا حبيبي، كل دا!
كل دا تعب انت شفته؟
_ لا لا دا مش التعب الوحيد، انا اشتغلت كل حاجة في الدنيا، اشتغلت في مطاعم واشتغلت شيال اسمنت ومواد بُنا واشتغلت دليفري.. مفيش حاجة مشتغلتهاش علشان اخواتي البنات وامي يعيشوا حياة مرتاحة او على الاقل كريمة بدون ما نمد ايدينا لحد.
وضعت قبلة صغيرة على خده وردت:
_ ربنا عوضك يا حبيبي، بعد كل البهدلة دي اشتغلت في شركتنا اهو وبقيت مدير اعمال قد الدنيا واهو بتعمل البزنس الخاص بيك
_ الحمدلله على كل حال
بدأت تتدلل عليه، تمرر يدها على صدره وتقول بنبرة انثوية جذابة:
_ بكرة الجمعة، هتخرجني فين بقا؟
_ شوفي حابة تروحي فين ونروح
_ امممم، لا انا عايزاك تعملهالي مفاجأة، اختار انت مكان ووديني وانا كدا كدا هكون مبسوطة ايا كان المكان إيه
هز رأسه موافقًا، ثم نظر صوب الحاسوب، فعلقت:
_ ايه مش عايز ترتاح شوية من الشغل؟
رد في ابتسامة:
_ اه عايز دا كدا كدا، بس هخلص حاجة واحدة بس.. خليكي زي ما انتي قاعدة على حجري وشوفي وانا بشتغل
سحب بيده الحاسوب ووضعها هي على ساقه اليسرى و الحاسوب على ساقه اليمنى.
قالت له اثناء عمله وهي تنظر إلى الشاشة معه:
_ شهاب
_ نعم؟
_ إيه اكتر حاجة بتحبها في شكلي؟
_ شفايفك
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت في دلال:
_ اشمعنى؟
_ علشان طبيعية وحلوة مش عاملة فيلر ومخليها شبه الضب.
انا مش بحب الشفايف الرفيعة اوي ولا مليانة اوي وساعات بنات كتير بتلجأ للفيلر علشان تظبط شفايفها بالأخص لو رفيعة. فانتي شفايفك رباني كدا علشان كدا بحبها
ردت في فرحة عارمة:
_ طول عمري كنت بحب شفايفي بس دلوقتي هحبها extra علشان انت كمان بتحبها.. شكرا لانك بدأت ترجع لي ثقتي في نفسي اللي سحبتها و...
التفت إليها وقال مقاطعًا وهو ينظر إلى ملامح وجهها ويدقق بها:
_ ماهي انتي بنت هايلة ومحصلتش اصلا.. انتي شيك ونضيفة وجميلة وعندك أسلوب راقي وقلب نقي، شكلك جميل جدا وجذابة اوي انتي حرفيا ملكة جمال، وعندك شخصية جميلة جدا.. آسف لو ماكنتش مقدر اي منهم زمان
ردت في عدم تصديق يشوبه فرحة عارمة:
_ ايه دا؟ انت رجعت؟ انت بدأت تشوفني صح؟ انت.. انت.. انا مش مصدقة
شدته إلى صدرها تضمه إليها في قوة، لحظات.. وعادت تنظر إليه مرة أخرى وتابعت:
_ اوعدك ان كل حاجة هتتغير.. بص، حياتنا هتبقى افضل، هنعيش أجمل قصة حب
_ دا كدا كدا
بعدما كانت تبتسم ابتسامة واسعة، عبست تارة أخرى واختفى اثر الابتسامة تمامًا وقالت في نبرة مليئة بالخوف والذي انتشر على معالم وجهها:
_ اوعى تكون بتخدعني.. اوعى تكون بتكدب عليا وناوي تسبني، متعملش فيا كدا، متخلنيش أعيش الوهم ارجوك
هز رأسه نافيًا ثم اجاب:
_ متخافيش طبعا.. انا وانتي هنكمل مع بعض للنهاية وعد
ضمته إلى صدرها تارة أخرى وبدأت تفرح للغاية مجددًا.. اضاف في ابتسامة بينما هي في حضنه:
_ مقولتليش انتي بقا، ايه اكتر حاجة حبتيها فيا؟
ابتعدت عن حضنه ونظرت إلى عيناه وسكتت تفكر وهي تبتسم... ثم ردت:
_ متكسفنيش بقا
ليرد في تلقائية:
_ وانتي وش كسوف اوي ما شاء الله!
ردت في جدية يشوبها قلق:
_ لا لا استنى، قصدك إيه؟
انت شايف اني بنت جريئة ومش بتكسف؟
_ آه، بس دي عامة حاجة مش مديقاني خالص يعني، خليكي جريئة معايا واعملي اللي نفسك فيه واللي يخطر على بالك، اصلك لو معملتيهوش معايا، هتعمليه مع مين؟
_ يعني انت بتفضل البنت الجريئة بقا كدا صح؟
_ لا مش بفضل البنت الجريئة بصفة عامة، بس بفضل ان مراتي انا تبقى معايا جريئة.
لكن المواضيع دي بيقسها الوضع، انتي وضعك ايه بالنسبالي؟
خطيبتي؟
لا محبكيش تبقي جريئة طبعا، لازم تتكسفي وتتمنعي ويبقى ليكي حدود واضحة وكذلك حبيبتي، احبها تقيلة و خجولة وترفض وتوقفني عند حدي دايما.
مراتي؟
لا محبش مراتي تبقى خجولة، تبقى خجولة ليه اصلا؟ آخرها في الأول بس انما بعد كدا خلاص، الواحد عايز يدّلع، هو العمر فيه قد إيه علشان نقعد نضيّعه في الكسوف؟
انا احب الست اللي تبقى فهماني ومريحاني ومشبعاني من كل حاجة ومحتاجش اي حاجة من برا تاني خلاص، هي تبقى عندي بالدنيا
سكتت برهة تفكر في كلامه.. ثم علقت:
_ تعرف ان واحدة صاحبتي جوزها اتجوز عليها علشان كدا
_ علشان إيه؟
_ علشان كانت بتتكسف منه، وكان مش حاسس نفسه معاها، كان بيحس نفسه مش على راحته ومش بيصرف زي ما بيخطر على باله، دايما شايل هم كسوفها وانها ام العيال وكدا وليها احترامها
_ رجالة كتير بتلجأ لكدا فعلا للأسف لانه مع الوقت بيحس بملل، الموضوع دا لازم يكون فيه تغيير من الطرفين كل فترة علشان الروتين بس حتى
_ المهم يا حبيبي ان انا طريقتي عجباك ومتماشية معاك وخلاص مش مهتمة بأي حاجة تانية
ابتسم ورد وهو يمرر يده على شعرها:
_ طب قومي يلا جهزيلنا لزوم السهرة وخلينا نسهر مع بعض النهاردة، نشوف فيلم على كيفك انتي و البيبي يكون كوميدي خفيف
_ من عنيا يا حبيب عنيا
نهضت من على حجره في سرعة كي تجهز كل شيء.
وبعدما خرجت، عبس وجهه وعاد الحزن إليه كأنه لم يفرح أبدًا، كأنه لم يكن يبتسم قبل قليل، وذلك عندما تذكر ما فعلته أخته به.
***********
كانت روني تجلس على الكرسي تقلب في هاتفها، بينما يزيد كان يمارس بعض التمارين مثل الضغط والقفز.
قالت له في صوت مسموع:
_ يزيد، انا كدا عرفت هنخرج فين بكرة في ال weekend بتاعنا
رد وجسده يعلو ويهبط نتيجة ممارسة تمرين الضغط:
_ فين؟
_ ف...
وقبلما تتابع كلامها، طرق أحدهم الباب، فقام يزيد كي يحيب، فسار وهو يقول:
_ مين؟
_ انا مايا يا يزيد
فتح لها الباب وابتسم ثم قال:
_ ازيك يا مايا
_ الحمدلله وانت ايه اخبارك؟
_ كله حلو
_ يارب دايما، روني موجودة ولا نايمة ولا ايه؟
_ اه اه موجودة اتفضلي
افسح لها الطريق ثم قال لزوجته:
_ هخرج انا واسيبك مع اختك شوية
_ ماشي يا حبيبي
خرج وغلق الباب، تركت روني الهاتف واعطت كامل انتباها لأختها وقالت:
_ إيه يا مايا، في إيه يا حبيبتي؟
تنهدت الفتاة وردت:
_ انا هقولك كل حاجة من الأول خالص بس توعديني كلامي دا ميتقالش لحد ابدا وخاصة هانيا، والا هقول اني مقولتلكيش اي حاجة ولا اعرفك حتى، لان الموضوع دا فيه طلاقي، فاهمة؟
قامت الفتاة و في خوف شديد سارت حتى اقتربت من اختها وقالت في نبرة ضعيفة اثر الخوف:
_ في إيه يا مايا خضتيني؟
_ اوعديني الأول انك مش هتقولي لحد وخاصة هانيا
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت:
_ اوعدك مش هقول لحد ماشي.. في إيه بقا؟
قصت عليها القصة كاملة، من أول يوم اتت لها فاطيمة وأخبرتها بذلك الشيخ حتى ما حدث قبل قليل، بالإضافة إلى أنها اخبرتها بما سمعت وبما رأت وبما حدث معها وكيف تم تقييدها وكيف تعاملتا معها بعنف وكانت تبكي أثناء حكيها ما إن شعرت بالشفقة على نفسها واختتمت حديثها بعدما هدأت قليلًا وسكتت عنها الدموع:
_والله العظيم ضحكت عليا والله العظيم أنا اتخدعت، انا مش عارفة ازاي اتخدعت بس انا خفت، خفت فاتح يضيع مني.. انا بقالي سنتين متجوزة ومحملتش اهو، ماما قالتلي ان خالتو اطلقت انا خايفة اوي مخلفش أنا.. أنا..أنا
شدتها روني من يدها وضمتها إليها وأخذت تربت على ظهرها وقالت:
_ اهدي طيب اهدي خلاص.. تمام...تمام هحاول نتصرف والله ما تخافي.
بس انتي ليه مش عايزة هانيا تعرف؟
ابتعدت الأخرى عن حضنها وقالت لها:
_ لا، اوعي تتكلمي بحاجة، هانيا مستحيل تعرف وتتأكد مني بأنهم قتلوا ابنها ومتقولش لجياد، وجياد مش هيسكت محدش بيعرف يسكته اصلا، وهينزل يواجههم وهما هيقولوا كدابة ومفيش دليل على كلامها ولاننا عرفنا انها بتروح لدجال وقولنلها هنعرف الشيخ وفاتح، اتبلت علينا وادي الدليل اهو، وكمان معاهم دليل ضد هانيا وعايزين فاعل خير يعترف بكل حاجة وقال فاطيمة تعمل نفسها بتدور على سلسلتها وتطلب من عبير تفتح لها الكاميرات ويشوفوا شهاب وهو بيدخل عند هانيا وبيخرج من عندك ، من اوضتك انت
كانت الأخرى ستجن مما تسمعه ومما تفعلانه بها وبأختيها وقالت في نبرة حادة قوية:
_ يا ولاد ال****** يا ولاد ال*******
كانت تسب وتلعنهما وبدأت تتحرك ذهابًا وايابًا في خطوات سريعة تفكر في ذلك.... ثم توقفت لحظات وقالت:
_ بس هانيا لازم تعرف، على الأقل خالص تعرف انهم عايزين يفضحوها هي وشهاب.
موضوع ابنها دا انا كدا كدا كنت متأكدة ١٠٠% انهم هما اللي عملوا كدا بس مش معايا دليل إدانة وانتي نفس الحاجة متأكدة بس مش معاكي دليل، وانا وعدتها اننا لازم نلاقي دليل
ردت ساخرة:
_ هما بس اللي بيلاقوا الادلة وهما اللي كدابين
ردت الأخرى في غيظ:
_ مش كل حاجة معاهم كدب، فيه حاجات كتير حقيقة فعلا، يعني انتي مروحتيش لدجال؟
الابلة التانية دي، مش كان شهاب بيدخلها الاوضة فعلا وهي ماكنتش بتعرف تاخد موقف حاسم معاه لدرجة كان بيدخلها تاني وتالت؟
وانا دلوقتي متورتة معاها، ما انا عارفة المفروض كل عمايلها ومغطية عليها، يبقى داخلين نعمل عصابة بقا ونخطط زي ماهما شايفين وبيقولوا!
سكتت برهة تفكر... ثم قالت:
_ روني انتي بتاخدي موانع حمل؟
تعجبت الفتاة من حديثها ذلك وعليه تساءلت:
_ ليه السؤال دا؟
_ انتي بقالك ٧ شهور متجوزة، ومحملتيش لو مش بتاخدي موانع لازم ايه السبب ليكون شوية الزبالة دي بيأذوكي و عامليلنك سحر ولا حاجة، لانه زي ما قولتلك كدا، كان بيودوني عند دجال، ومش بعيد يكون هو اللي عاملي عمل مخلفش بيه
_ لو كان عمل ماكنش الطب هيلاقيلك سبب
_ يمكن الاتنين مع بعض!
هما ايش عرفهم اني هورث خالتو يعني!
سكتت روني تفكر في الأمر وبدا الخوف عليها للغاية وقالت في عدم تصديق:
_ انا مش عارفة آلاحق عليهم وعلى عمايلهم السودا، سحر! سحر مرة واحدة!
سكتت لحظة.. ثم اضافت:
_ بس مش حاسة لا... اصل لو كانوا بيعملوا اسحار واعمال كانوا خلوا يزيد وجياد وفاتح يطلقونا ويخلصوا مننا.. هما على قد وساختهم ملهمش في الطريق دا، هيخافوا منه، بس هما كانوا عايزين يثبتوا انك ليكي رِجل هناك وخلاص.
_ يعني بتاخدي موانع؟
سكتت مصدومة... ثم هزت رأسها نافية .... وقالت بنبرة منخفضة للغاية:
_ لا..
اختضت مايا وعلقت:
_ الحقي نفسك روني وروحي اطمني انك كويسة وان معندكيش عيب خلقي ولا حاجة، سبع شهور وداخلة على التامن اهو بدون حمل في بيئة زي اللي احنا فيها دي شيء مُقلق
_ صح..صح معاكي حق، هروح بكرة ان شاء الله اطمن، كدا كدا انا مش عايزة خلفة دلوقتي بس لازم افهم اني كويسة ومعنديش مشاكل تمنعني في المستقبل.
_ بالظبط اعملي كدا... هنعمل ايه دلوقتي مع الحرابيق؟
_ خليني اكلم هانيا لازم تبقى معانا ومتخافيش مش هجيب سيرة ابنها واللي انتي سمعتيه علشان مشاعرها حتى، انها تبقى عارفة مين اللي قتل ابنها ومش عارفة تتصرف دي حاجة كفيلة تموتها من جوا...ومش هتستفاد حاجة لو عرفت غير حرقة الدم، كدا كدا مش معانا دليل واحد ضدهم حتى!
_ ماشي كلميها، ولازم نعمل حاجة تنقذنا منهم.. انا مش متخيلة ان علاقتي الزوجية بقت لعبة في ايديهم هيحركوها كل شوية زي ماهما عايزين!
تحركت روني والتقتت هاتفها وردت على أختها اثناء طلب رقم أختها الأخرى:
_ صح واوعي تستسلمي لبتزازهم، ارجعي لي، كلنا هنرجع لبعض بعد كدا.. انا مش مصدقة، انا دمي محروق منهم اوي ومش متخيلة كم الأذى اللي عاملين يأذونا بيه وكم التهديدات واحنا معملناش حاجة لأي حد فيهم بجد!
استقبلت هانيا المكالمة قائلة:
_ ايه يا روني؟
_ تعالي شوية يا هانيا عايزاكي ومايا عندي، تعالي على اوضتي دلوقتي ماشي؟
_ ماشي جاية
********
وبينما خرجت هانيا من غرفتها وغلقت الباب، وخطت خطوات قليلة صوب غرفة أختها، عرقلت طريقها، تالية والتي جاءت من الأسفل ورأتها اثناء صعودها السلم.
عقدت هانيا ذراعيها أمام صدرها وقالت في برود:
_ نعم؟ واقفة في طريقي ليه؟
فردت الأخرى في نبرة قوية جامدة:
_ كفاية عليكي اوي يا بت انتي لحد كدا.. اطلقي وامشي بكرامتك أحسن لك بدل ما تخرجي منه بفضيحة
تجاهلتها وارادت ان تتابع طريقها فمنعتها مرة أخرى وتابعت:
_ جياد دا بتاعي وكدا كدا هيرجع لي يعني هيرجع لي، وهو بس فرحان بروح التحدي اللي شايفه في عينك ومبسوط انه كسب اللعية ضد شهاب وحاسس بالنصر، هنعمل ايه هو دا طبعه!
لعبي من زمان ويحب يلعب بالنسوان وأما يزهق بيرمي علطول ويرجع لحضني تاني.. مش هيلاقي حد حافظه قدي
ابتسمت الفتاة ابتسامة صغيرة وردت في هدوء:
_ انتي شكلك مجربة بقا... اترميتي كام مرة قبل كدا؟
_ انتي غبية ولا مبتفهميش؟
بقولك كان بيرميهم هما ويرجع لحضني
ردت الأخرى في هدوء أكثر ونفس الابتسامة:
_ وفي النهاية رماكي زيك زيهم وراح لحضني أنا!
انتي مصدقة نفسك يا تالية؟
جياد مش بيحبك اصلا، لا زمان ولا دلوقتي، انتي عُمر حضنك دا ما كان مكان بالنسباله أساسا
ابتسمت ابتسامة صغيرة مليئة بالألم فهي تعلم أن كلامها حقيقي.. ثم قالت لها:
_ انا عايزة أسألك سؤال واحد بس.. ليه مكملة مع واحد مش بتحبيه!
انتي سقطتي اطلقي وروحي خدي حبييك دا واتجوزوا وسيبي جياد ليا، لواحدة بتحبه بجد وهتاخد بالها منه وهتديله كل حاجة عندها
_ تالية انتي صعبانه عليا لانك مفكرة اني العقبة.. انا لو مشيت هو بردو مش هيشوفك لانه هيكون وقتها مشغول بملاحقتي علشان ارجع له
وبنظرات مليئة بالغل ونبرة كذلك قالت:
_ انتي فيكي ايه اصلا علشان اتنين زي شهاب وجياد يتخانقوا عليكي!
واحدة معصعصة وغبية ونكدية وشكلك اقل من العادي كمان، لا جسم ولا شكل
ضحكت ضحكة قصيرة مقصدها السخرية منها، وردت في ثقة:
_ بس عارفة قيمة نفسي وعندي كرامة على عكسك..
أرادت ان تمشي، لكنها منعتها للمرة الثالثة، فإن هدوئها وثباتها وثقتها كادوا يقتلونها، وقالت لها بعيني مليئة بالكره والحقد:
_ انتي واحدة سافلة اصلا وتجاوزت حدودها مع حبيبها وبكرة هعرف اثبت لجياد دا، بكرة هعرف اثبت له انك بلا شرف وناقصة وغيره لمسك واستباح جسمك و...
قاطعتها بصفعة قوية على وجهها، فصرخت ثم نظرت إليها في عدم تصديق، لتقول هانيا في ثبات وهدوء وبرود أيضًا بعدما صفعتها:
_ watch your language
[ انتبهي لكلامك]
كانت ترميها بنظرات مليئة بالغضب وقالت:
_ بتضربيني أنا بالقلم
ثم اقتربت منها كي تنقض عليها وتضربها وهي تقول:
_ طب والله لاوريكي
وقبلما تقترب منها أو تلمس شعرة واحدة منها، صاح جياد بها:
_ إيه إيه إيه هتعملي إيه؟ انتي اتجننتي ولا إيه؟
قالها وهو يقف على باب الغرفة فقد خرج على صرخة تالية، ثم خطى بخطوات سريعة صوبهما ووقف قبالة تالية يحول بينها وبين زوجته وتابع:
_ عايزة تضربيها ولا إيه؟
دا انا اكسّر دراعك فيها
صاحت في غضب وهي تشير نحوها:
_ ضربتني، ضربتني على وشي بالقلم، مراتك دي مدت ايديها عليا
حرك وجهه قليلًا نحو زوجته وسألها:
_ انتي ضربتيها؟
_ اه
_ ليه؟
_ شتمتني وقلت ادبها عليا وغلطت فيا وفي شرفي
التفت إلى تالية مرة أخرى وقال لها في ضيق:
_ لو مكونتيش بنت وبنت عمتي كمان، كان زماني كملت عليكي
صاحت في وجهه:
_ بقولك ضربتني وهي اصلا بتكدب و...
رد في نبرة مليئة بالتحذير:
_ احترمي نفسك وصوتك ميعلاش علشان لو عليت صوتي عليكي هوقع شعرك من الخضة
هدأت قليلًا وردت والغيظ يشكل ملامح وجهها:
_ طب ضربتني، مراتك ضربتني اتصرف
_ مراتي تعمل اللي هي عايزاه، طالما هنتيها وغلطتي فيها
_ ما هي كمان هانتني وغلطت فيا وضربتني!
_ يا شيخة اتقي الله، هانتك ايه بس دي قالتلك " watch your language " بذمتك عمرك شفتي رقة كدا في الإهانات والخناقات؟!
دي بسكوتة نواعم دي، لا بتغلط في حد ولا بتنطق أساسا!
هزت رأسها بالايجاب في توعد للفتاة ثم ردت في نبرة مليئة بالغضب الشديد:
_ وانت افضل دافع بس بكل قوتك عن الشيطانة المتنكرة بقناع الفضيلة ومدعية انها رقيقة وملهاش في المشاكل.
بس بكرة تخونك زي ما خانتك قبل كدا وتسيبك مرمي بعد كل اللي عملته علشانها وترجع للواد بتاعها
من شدة غيظه خنقها بكلتا يداه، وتحرك بها وهو قابضًا على رقبتها حتى لصقت بسور السلم.
كانت تحاول ان تبعد يداه عنها، وهي تنظر إليه في خوف شديد، فقال بنبرة قوية ومرعبة وعيناه تحدق بها بشكل مخيف:
_ اسمعي يا تالية، لو هتفضلي تقولي الكلام اللي ملوش لازمة دا كل شوية هخنقك بأيديا.. مراتي بتحبني انا وملهاش حبيب غيري..
تدخلت هانيا وهي تقول في خوف وتحاول أن تبعد يداه عن رقبة الفتاة:
_ سيبها يا جياد بالله عليك سيبها، هتموت في ايدك سيبها
تابع كلامه لتالية غير آبه لكلام هانيا:
_ انا بس اللي حبيبها وانا بس اللي في حياتها وهي مش بتفكر في غيري ومش هتسبني وتروح لحد..
ازداد خوف هانيا حتى أنها كادت تبكي من شدة الخوف وهي تراه يخنق الفتاة بيديه فصاحت:
_ سيبها بقا سبيها، علشان خاطري سيبها سيبها
كان الآخر لا يزال يرمي تالية بنظرات مرعبة أكثر فأكثر، نظرات حادة ومخيفة، وأضاف:
_ لو سمعت اي كلام ولا همس حتى في القصر دا على اي لسان حد فيكم مهما كان مين، بيتكلم عن مراتي نص كلمة وبيقول في حقها الكلام الوسخ دا، هجلده..هعتبره رمي وقذف محصنة وهلقي عليه الحد بنفسي.
او مش بعيد اقتله خالص.
تركها أخيرًا فبدأت تكح مرارًا وتكرارًا... ثم نظرت إليه في خوف وبدأت تمشي في خطوات سريعة مبتعدة عنه هاربة بنفسها منه.
حينها وضعت هانيا يداها على وجهها وبدأت تبكي خائفة.
ضمها إلى صدره وقال في نبرة صوت مليئة بالحنان:
_ بتعيطي ليه؟
بعدته عنها هاربة من حضنه وردت في بكاء:
_ انت كنت هتموتها.. انا خفت، دي كنت هتموت في ايدك
تنهد ثم رد في هدوء:
_ هانيا متبقيش حساسة كدا!
انا ماكنتش هموتها ولا حاجة يا روحي، انا عارف انا ماسكها ازاي بردو.
انا فاهم كويس في الفنون القتالية وعارف ان المسكة اللي انا كنت ماسكها بيها، مستحيل تموتها، ماكنتش بخنقها اصلا، دا مجرد تهديد.
لو كنت بخنقها بجد كان زمانها ماتت، انا متجننتش لسه علشان اقتلها، بس لازم اخوفها اوي مني علشان تبعد عننا وعن حياتنا وعلشان مش كل أما امشي في أم القصر دا، أسمع كلام فارغ من اللي يسوى واللي ميسواش، لازم اخرسهم كلهم.
وفي نفس الوقت، لاحظا خروج مايا من غرفة روني والتي ما إن لمحت وقوف هانيا حتى اسرعت نحوها وقالت في قلق:
_ هانيا!
هانيا مالك انتي بتعيطي؟
رد جياد عليها وهو يضع ذراعه على كتفي زوجته:
_ لا لا مش بتعيط ولا حاجة
_ اومال إيه الدموع دي!
_ دي دموع الفرحة، فرحانة بجوزها علشان بيجيب لها حقها
ردت في نبرة جدية:
_ جياد، اوعى تكون زعلتها؟
_ والله ما زعلتها ولا حاجة، هو أنا أقدر أصلا ازعلها؟
عادت تسأل أختها مرة أخرى:
_ هانيا انتي كويسة؟
أزالت دموعها وردت وهي تهز رأسها بالايجاب:
_ اه يا مايا انا كويسة متقلقيش انتي
_ طب الحمدلله
_ يلا تعالي مش كنتوا عايزني؟
_ ايوا بس استنيتاكي كتير وانتي مجتيش، وفاتح كلمني وقالي تعالي ويزيد اصلا كلم روني بردو وعايز يرجع اوضته لان الوقت اتأخر جدا
علق جياد على كلامها:
_ انا نفسي اصلا كنت هناديلها علشان الشنط لسه مكملتش واحنا كلها ساعة وهنتحرك
_ انتوا مسافرين؟
_ ايوا مسافرين، هي هانيا مقالتلكمش؟
_ انا معرفش حاجه، بس على العموم enjoy
_ Thank you
ثم نظر إلى زوجته وتابع:
_ يلا يا روحي ندخل اوضتنا علشان نكمل الشنط؟
وافقت ولكن قبلما تتحرك معه، اوقفتهما مايا وذلك عندما قالت في أدب:
_ معلش.. د..دقيقة واحدة بس يا جياد من فضلك عايزة هانيا، هي دقيقة واحدة بس، ممكن؟
هز رأسه موافقًا ثم تحرك هو نحو الغرفة.
وبمجرد أن دخل، سألتها أختها في قلق:
_ انتي متأكدة انك كويسة؟
_ اه والله يا مايا كويسة
_ اومال كنتي بتعيطي ليه؟
تنهدت وردت:
_ اتخضيت بس
_ من إيه؟
_ تالية غلطت فيا وانا ضربتها على وشها بالقلم وجياد خرج على صوتها أما ضربتها راحت غلطت فيه وغاظته ولعبت على كرامته ورجولته، راح خنقها وفضل يخنقها وانا بقا خفت أما شفت المنظر دا
خافت مايا كثيرًا على أختها ثم ردت في ترقب:
_ قالت له إيه يعني؟
_ فضلت تقوله هانيا خانتك وهتخونك وهتسيبك وهترجع لشهاب.. يعني كلام مستفز زي دا
وهنا ارتعبت الفتاة على أختها ما إن سمعت منها ذلك.. ماذا لو ارسلوا لجياد ما يريدون ارساله وهي معه وحدها؟
ماذا سيفعل بها؟
ماذا إن شك ان شيئًا ما حدث بينها وبينه وهو داخل غرفتها او عندما اصطحبها للشقة؟
ومن شدة خوفها، هزت رأسها بالسلب ثم تمسكت بيدي أختها وقبلما تحذرها او تخبرها بما عرفت، فتح فاتح باب غرفته وقال في نبرة بها الضيق:
_ ما تيلا يا مايا هو في إيه!
الساعة بقت ٢ عايزين ننام!
استدارت له وردت في ترجي:
_ دقيقة واحدة بس يا فاتح وجاية
وفي نفس الوقت، فتح جياد هو الآخر باب الغرفة ونادى زوجته:
_ يلا يا هانيا بقا هنتأخر على الطيارة يلا، هتفوتنا أصلا!
فقالت لأختها:
_ خلاص يا مايا انا طمنتك عليا متخافيش انا كويسة والله هو اصلا ماكنش بيخنقها، كان بيعمل حركة كدا تخوفها بس، وانتي عارفة اصلا اني جبانة يعني وبخاف بسرعة
انهت كلامها ثم ابتسمت لأختها واتجهت صوب غرفتها، ابتلعت مايا ريقها وذهبت هي الأخرى صوب غرفتها وبمجرد أن دخلت، قال لها فاتح وهو يغلق الباب خلفها:
_ كل دا؟
ضيعتي الوقت كله، كنت عايز اسهر معاكي والساعة بقت ٢ هنسهر امتى وننام امتى؟
تنهدت وردت:
_ معلش حقك عليا، كانت روني عايزاني في حاجة مهمة اوي بس
اقترب منها ورد في ابتسامة:
_ طيب...خلينا نلحق آخر حاجة في السهرة بقا قبل ننام
ابتسمت وهزت رأسها موافقة وقالت:
_ من عيوني حاضر، اديني دقايق بس اجهز نفسي
_ بس متتأخريش علشان بنعس
_ لا لا مش هتأخر
اتجهت نحو الخزانة والخوف يطرق باب قلبها عليها وعلى أختها وعلى تلك المصائب التي تحل على رؤوسهن بالتساوي.
************
كانت روني تجلس أمام المرآة تضع أحمر الشفاة... وبينما هي تضعه، تتوقف لحظات تشرد.. تشرد فيما حدث وتفكر فيما سيحدث، حقًا بدأت تدرك ان الموضوع أصعب مما تتخيل، أصعب بكثير.. ماذا تفعل؟
أننتقم من باسم على تلك الجريمة التي ارتكبها في حقها، أم من أمه و خالته فيما فعلتا بها وبأختيها؟ أم تنتقم من أسيل وما تفعله معها داخل حدود العمل.
لقد أصبح الوضع شاق عليها للغاية، أصبحت تدرك بحجم الكارثة..
" إيه "
كلمة لفظها يزيد الجالس على سريرهما، ينتظرها.
التفتت إليه وقالت:
_ إيه يا حبيبي؟
_ ايه يا حبيبتي، سرحانة في إيه؟ كل دا بتحطي روج؟
شايفك بقالك ساعة مسكاه في ايدك، تحطي شوية وتسرحي شوية وتحطي شوية وتسرحي شوية، في إيه؟
_ لا لا عادي، اهو خلصت
تركته من يدها وبدأت تعدل شعرها.
كان يرميها بنظرات مليئة بالحب و الاشتياق وقال في ابتسامة:
_ طب لو خلصتي تعالي يلا
قامت من مكانها وبدأت تتحرك صوبه ثم جلست أمامه ولكن يبدو أن عقلها ليس هنا.. بالها مشغول للغاية.
_ روني انتي كويسة؟
قالها ثم أمسك يديها وهو ينظر إلى عينيها الشاردتين.
احادت بصرها نحوه وردت في ابتسامة:
_ اه يا حبيبي كويسة متقلقش
_ لا حاسك سرحانه في حاجة او بتفكري في حاجة
_ لا لا انا تمام
_ طيب ممكن اطلب منك طلب؟
_ أكيد
تنهد واعتدل في جلوسه يقترب من موضع جلوسها أكثر ووضع وجهها بين كفيه وقال في ابتسامة ونبرة هادئة:
_ بستأذنك بس متاخديش موانع.. وقفيها بقا.. يعني.. انا عارف انك ماكنتيش عايزة خلفة قريب.. بس يا حبيبتي احنا بقالنا ٧ شهور متجوزين وماشين اهو في ال٨.. عايز يبقالي طفل منك بقا.. واحد بس على الاقل.. طفل واحد بالنسبالي كفاية.. انا مش عايز اتعبك ولا عايز جسمك يبوظ ولا أي حاجة.. انا مقدر انك مش عايزة حمل لانك خايفة على جسمك و... انا فاهم دا.. بس دا طفل واحد بس، عايز يكون ليا في الدنيا حتة منك و...
قاطعته قائلة في استغراب شديد:
_ ثواني بس... انت بتقول إيه؟
هو مين قالك الكلام دا؟
مين قالك اني مش عايزة اخلف علشان خايفة على جسمي يبوظ وكل الكلام دا؟
_ انتي
_ أنا!
_ اه انتي
_ لا لا معلش فكرني، امتى انا قلت كدا؟
_ أما ماما كلمتك كتير في موضوع الحمل دا وانتي قولتي محدش يدخل وبعدين قولتيلي انا في نص كلامك وانتي بتشتكي منها ليا... انا لسه عروسة ومش عايزة خلفة دلوقتي ومش قد مسؤولية زي دي ومش قادرة آخد الخطوة.. فأنا سألتك وقولتلك ليه؟ دا هيكون معاه ناني أو babysitter وانتي مش مضطرة ابدا تتعبي معاه لاني مقدر انك عندك شغلك وبيتك وانا وكل دي مسؤوليات، بردو قولتيلي لا، فأنا وقتها قولتلك خلاص عامة مش هضغط عليكي ودا جسمك وانتي حرة فيه..
تنهد وتابع في قليل من الضيق:
_ صراحة استنيت طول المدة دي تقوليلي خلاص موافقة يكون عندنا اول بيبي ومرضتش افتح انا معاكي الموضوع علشان متقوليش إني بضغط عليكي، بس انتي بردو متكلمتيش، فأنا ادركت بقا انك خايفة على جسمك واللي الحمل والولادة هيعملوه فيه، وكنت ناوي متكلمش.
سكت لحظة وهو يلمس شعرها بطرف أصابعه:
_ بس بصراحة بردو حستني مش قادر اسكت لاني عايز أخلف منك، فقلت أمسك العصاية من النص واقترح عليكي واستأذنك توافقي بأوبشن عيل واحد بس دا وبعدها خلاص مش عايزين تاني وان شاء الله جسمك مش هيبوظ ولا حاجة وانا والله هساعدك ومش هخليكي تشيلي همه لوحدك و..
قاطعته قائلة في ابتسامة صغيرة:
_ إيه يا حبيبي اللي انت بتقوله دا؟
لا طبعا انت جايز فهمت غلط.
انا قلت مش مستعجلة علشان كنت عايزة نبقى براحتنا في أول جوازنا وندلع وميبقاش ورايا بيبي ادلعه غيرك يا روحي.
لكن انا مش خايفة على جسمي ولا بفكر فيها بالشكل دا اطلاقا.. قبل ما انت تبقى عايز تخلف مني، انا مستنية بفارغ الصبر لحظة ما أشيل حتة منك جوايا.
وأكيد هبقى عايزة اجبلك عيل والتاني عادي ونعمل أسرة جميلة يكفي انك هتكون اب ليهم، بقا في احلى كدا؟
يوم ما تبقى انت يا روح قلبي أب لابني وبنتي؟
ابتسم ابتسامة عريضة ثم جذبها إلى صدره يضمها إليه وقال:
_ اوكيه خلاص يبقى انا فهمت غلط... ميرسي يا روحي على أحلى هدية في الدنيا انتي هتقدمهالي، شكرا من كل قلبي ليكي ولتقديرك ليا وانك شيفاني زوج كويس ليكي وأب مثالي لأولادك.
أستأذنك بقا متاخديش موانع، ممكن؟
يعني وقفي انتي وربنا أما يريد، هيمن علينا ان شاء الله
كانت داخل حضنه خائفة من كلامه ذلك.. هي حقًا لم تأخذ موانع قط، فلما يظن بها ذلك؟
أرادت أن تسأله ولكنها تراجعت وفضلت أن تناقشه في ذلك بعدما تنهي زيارتها والتي نوت زيارتها غدًا لطبيبة النساء والتوليد، لتفهم اولًا ماذا بها، ثم تواجهه.
***********
كانت تتقلب في سريرها فإن صوت رنين الهاتف بدأ يزعجها للغاية، تقلبت مرة والتالية لعله يسكت، لعل المتصل يتوقف عن الاتصال ولكن بلا جدوى.
ألقت الغطاء بعيدًا عنها وهي تزفر في ضيق شديد والتقطت الهاتف وردت في ضجر:
_ إيه يا تالية بجد صحتيني من احلاها نومة!
ولكنها ما إن سمعتها تبكي في انهيار، حتى انتفضت جالسة مكانها وتابعت في خوف:
_ ايه يا تالية إيه، بتعيطي ليه كدا؟
_ تعالي لي يا أسيل معلش بسرعة عايزة حد معايا أنا مش عارفة اهدى خالص
_ طيب طيب جيالك انتي فين، في اوضتك؟
_ ايوا تعالي يلا
_ ماشي جيالك
انهت المكالمة معها ثم ألقت نظرة صوب زوجها الغارق في نومه وتمتمت وهي ترتدي الجاكيت خاصتها وتعدل شعرها:
_ خليك انت كدا، يارب تفضل في غيبوبة دايما عني وتسمع كلامي بقا وتبقى مدير قسم زيك زيهم وتخليني اعرف ارفع راسي في وسطهم وعيني في وشهم.
ثم خرجت من غرفتها وبدأت تسير صوب غرفة تالية.
طرقت الباب ثم دخلت وبمجرد أن دخلت، رأتها تجلس على الكرسي غارقة في دموعها.
اسرعت نحوها وهي تقول في قلق:
_ ايه ايه يا تالية إيه؟
ردت في نبرة مليئة بالبكاء:
_ جياد..جياد كان هيموتني النهاردة يا اسيل، كان هيموتني في ايده علشانها
_ هو اتجنن دا ولا إيه، إيه اللي حصل؟
_ كان بيدافع عن هانيا وانا قولتله الحقيقة، قولتله بتخونك وهتخونك، لأنهم غاظوني، هي ضربتني على وشي بالقلم وهو كان سلبي ومجابش حقي، فغظته بالكلمتين دول، راح ماسكني خانقني بايده الاتنين وبصيلي بصات مخيفة اوي... بصات كنت اتمنى اموت قبل ما اشوفها في عينه... معقولة بيكرهني كدا!
معقولة عمره ما حبني حتى!
طب والعشرة؟
دا احنا كنا صحاب وقرايب وكنت بلازمه دايما وبعمل اللي هو عايزه وبحلل له مشاكله مع صحابه ومع الشيخ اما كان بيختلف معاه ويتخانقوا... دلوقتي نسي كل دا؟
مش فاكرلي اي حاجة حلوة عملتها معاه؟ موقف طيب، موقف واحد بس!
أرادت ان تهون عليها ولو قليلًا، فقالت لها في مواساة:
_ معلش، هي سحراله و...
صاحت في غضب مقاطعة لها:
_ بطلي بقا تقولي سحراله، هو احنا هنكدب الكدبة ونصدقها!
انا وانتي وماما ومامتك، عارفين كويس ان بنات السلاب مش ساحرين لحد، وهانيا ابعد ما تكون سحراله اساسا، هانيا لو الظروف تتحسن قدمها هتطلق وتجري على شهاب.
هدأت قليلًا عن صياحها بذلك الشكل.. ثم اضافت في نبرة مليئة بالألم:
_ شكلهم احنا اللي مسحور لنا... شكله السحر اتقلب على الساحر... مش عارفة اكرهه يا أسيل ليه؟
ليه انا مش عارفة اكره جياد الزيني ليه؟
عمل معايا كل حاجة ممكن تخليني اكرهه لا مكرهتوش ليه؟
اقتربت أسيل وجلست على ذراع الكرسي الذي تجلس عليه تالية، ثم وضعت يدها على كتفها وردت:
_ هتنسي يا تالية.. وعد مني هتنسي وهتعيشي حياة كويسة وهتعيشي قصة حب مع نزار و...
قاطعتها قائلة:
_ نزار جدع وراجل بجد ومستعد يعمل اي حاجة ترضيني.. قابلته النهاردة الساعة ٩ وكان لطيف جدا وحدد معايا وقت نخرج فيه مع بعض بكرة النادي بما انه يوم اجازتي وقالي نتكلم ونفهم بعض وادي لنفسك فرصة وكدا... بس أنا انا مش عارفة احبه، مش عارفة اديله مشاعر مش عارفة.. مش عارفة اعيش مش عارفة اتنفس..
هنا لم تستطع أن تتمالك أكثر فبدأت تبكي بشكل أكبر واصوات شهقاتها تتعالى أكثر فأكثر.
كانت الأخرى تربت على كتفها وظهرها وهي لا تملك مواستها فقد ذكّرتها بكل معاناتها مع يزيد و
فتذكرت كيف خسرته وكيف أصبح في ليلة وضحاها ملكًا لغيرها بعدما انتظرته لسنوات كي يطلبها.
تابعت تالية بعدما رأت أنها تمالكت قليلًا وأصبح بإمكانها أن تتكلم:
_ بحبه من وانا عندي ١٦ سنة... من وانا لسه مراهقة في أولى ثانوي عاملة ضفاير.
ماما قالتلي جياد الزيني هيبقى جوزك في المستقبل ركزي معاه ومتركزيش مع غيره واعملي كل حاجة والفتي انتباهه ليكي.
كنت بشوفها مرخصاني وقلت إيه الهبل دا أكيد مش هعمل كدا.
بس هو، هو كلامه كان معسول اوي وكان بيطمن عليا كل شوية وكان بياخد باله مني لحد يضايقني في المدرسة او كدا.
ماكنش عندي صحاب، ماكنتش بعرف اعمل صحاب زيه، هو كان اجتماعي بشكل مرعب وكان مصاحب المدرسة كلها، كان يجبني ويقولهم تالية بنت عمتي ويعرفهم عليا ويعرفني عليهم.
ابتلعت ريقها ثم تابعت:
_ كان حنين اوي معايا... بيديني من أكله... من مصروفه.. من أي حاجة حلوة معاه.
لو معملتش homework كان يساعدني او يقولي انقلي مني.
وقتها اتعلقت بيه جدا وبوجوده ولو غاب يوم واحد عن المدرسة كان ممكن يجرالي حاجة وبفضل منكدة طول اليوم.
فضلت ٣ سنين ثانوي احبه واستغنيت عن حلمي، انتي عارفة اني كان نفسي ادخل طب، بس اما عرفت ان هو عايز يدخل business administration دخلت زيه علشان اكون معاه في نفس الكلية ومفترقش عنه.
واحدة واحدة هو لاحظ تعلقي بيه الزايد دا ولاحظ اني شيفاه أكتر من أخ وصديق، كان عنده صحاب بنات كتير وانا كنت بتخانق معاه وبقوله يوقف ويخف هزار معاهم شوية وكدا فوقتها هو قالي جملة عمري ما نستها ولا هنساها، بصلي كدا وقالي " تالية انتي بتغيري عليا ليه؟ مين قالك اننا مرتبطين.. we're just friends. "
طبعا انا الزمن وقف عندي بعد الجملة دي.
والله!
بعد كل الحب دا احنا فعلا مجرد صحاب؟
بعد كل مشاعري دي ببساطة قدر يقولها كدا!
علقت أسيل مستفسرة:
_ طب ليه موقفتيش بعدها؟
_ علشان معرفتش ابطل ألاحقه.. قلت طيب صحاب صحاب جايز نبقى حاجة تانية بعدين.
فضلت أحبه اكتر وكنت مبسوطة انه مش بيترتبط وان مفيش ولا واحدة عرفت تلفت انتباهه، هو كان بيقولي اما بسأله ان مفيش ولا واحدة عجباه وكلهم صحابه زيي بالظبط.
واتخرجنا واشتغلنا وهو بردو مرتبطش ومفيش ولا واحدة كانت داخلة دماغه، ماما قالتلي هو كدا هيزهق وهيقول لأمه تطلب له ومتخافيش هيرشحوكي انتي وخالك عايزك لابنه وعبير هانم عايزاكي وبتحبك...
وفجأة تطلع لي اللي اسمها هانيا دي من تحت الارض، بت مفيهاش ريحة الانوثة اساسا.. دا قابل أحلى منها بمراحل، دي واحدة معصعصة وشعرها قصير زي الرجالة وتنحة وباردة.. كنت بلاحظ اهتمامه بيها بس أما سألت وعرفت انها مرتبطة ارتاحت قلت الحمدلله مش هيرتبط بردو.. بس هو، هو عمل كل حاجة علشان ياخدها، سواء صح أو غلط.. اشمعنى؟
اشمعنى معايا انا مقدّرتش مشاعري وقولتلي احنا صحاب وبس وكل أما كنت اغير عليه يقولي يا تحترمي الصداقة اللي بينا يا نقطع العلاقة دي خالص!
ليه محترمتش انها مرتبطة وسمحت لنفسك تبقى طرف تالت في العلاقة دي؟
سكتت لحظات... ثم ابتسمت ابتسامة جانبية صغيرة كناية عن الألم والوجع الذي تحمله داخل قلبها واضافت:
_ ياريت كل دا ما كان... ياريت ما كان قلبنا اتكسر ابدا.. ياريت ما كنا عيشنا كل دا.. ياريت ما كانت ظهرت هانيا ابدا قدامه... ياريت كنت قدرت اكسب قلبه.. ياريت كنت بقيت مراته وانا كنت هعيشه أحلى واسعد أيام حياته.. وياريت هانيا كانت فرحت واتجوزت شهاب وعاشت سعيدة... وانتي ياريتك كنتي اتجوزتي يزيد وعشتي سعيدة.. ياريت ما كان اتكتب علينا وجع قلب ابدا...
تنهدت ودموعها تهبط كالامطار.. واضافت في نبرة بها القهر واضحًا:
_ يارتني ما كنت حبيته ابدا...
ضمتها أسيل إلى صدرها وبدأت تعمل على تهدئتها، والأخرى بين ذراعيها تبكي في صوت عالي وشهقات تتلاحق...
*********
جلست مايا على حافة فراشها، والساعة تقترب من الرابعة فجرًا، بينما الليل من حولها يزداد صمتًا وثقلًا. لم تذق للنوم طعمًا، وكأن جفونها فقدت القدرة على الانطباق، وعيناها معلّقتان بسقف الغرفة، تفرّان من فكرة إلى أخرى دون رحمة.
كان التهديد يتردد في رأسها كصدى مزعج لا ينقطع، يقتحم سكونها كلما حاولت أن تهدأ، فيعيد إليها ذلك الشعور الخانق بالعجز والخوف. ضمّت يديها إلى صدرها، كأنها تحاول أن تحتوي ارتجاف قلبها المتسارع، لكن القلق كان أقوى من أي محاولة للثبات.
لم يكن خوفها على نفسها فقط، بل على أختها أيضًا. تخيّلت نظرات الناس القاسية، وهمساتهم التي لا ترحم، وكلمات الإهانة التي قد تُلقى عليها إن انكشف السر. ازداد اضطراب أنفاسها، وشعرت بأن الجدران تضيق من حولها، كأنها تشاركها الاختناق ذاته.
نهضت تسير في الغرفة بخطوات مترددة، ثم تعود فتجلس، غير قادرة على الاستقرار. عقلها يرفض السكون، وقلبها يرفض الطمأنينة. كانت عالقة بين رغبة في الهروب من كل شيء، وخوف أشد من أن تفقد السيطرة على ما قد يحدث.
وفي ذلك الفجر البارد، أدركت مايا أن الخوف حين يتسلل إلى القلب، لا يترك فيه مساحة للراحة… بل يحوّل كل دقيقة إلى عبءٍ ثقيل، وكل فكرة إلى معركة لا تنتهي... اختطفت نظرات من زوجها الغارق في نومه وتمتمت:
" يارتني اعرف انام زيك كدا، نوم عميق من غير قلق "
ثم فكرت في شيء ما كان يراودها في عقلها من وقت لآخر وعليه، ألتقطت هاتفها وطلبت الرقم...
كان حينها ينام في حضن زوجته والتي كانت تحتويه بذراعيها وتضع ساقها فوق ساقيه، كأنها تخشى أن يختطفه أحدًا منها.
سمع الهاتف يرن.. ولكنه لم يكن قادرًا على الاستيقاظ. وظل هكذا بين النوم واليقظة حتى فتح عين ومغمض الأخرى والتقط الهاتف من فوق الكومودينو، ونظر إلى الشاشة فوجد رقمًا غريبًا يتصل به.. في البداية فكر أن يتجاهل ولكنه ما إن تذكر أمر أخته حتى قرر أن يرد فقال في صوت مليئ بالنعاس:
_ ألو؟
حينها استيقظت زوجته قلقة وبدأت تسأله بنبرة نعسة:
_ مين بيتصل دلوقتي، في حاجة ولا ايه؟
ردت مايا عليه حينها:
_ انا مايا يا شهاب
_ مين بردو؟
رد وهو ينام على نفسه أثناء رده، فقالت:
_ مايا الزيني.. عايزاك في موضوع مهم اوي، وارجوك تسمعني وياريت بلاش ماهي تبقى جمبك.. الموضوع بخصوص هانيا
بدأ يستعيد تركيزه وهو يغمض ويفتح مرات متتالية كي يفيق
حينها لاحظت ماهي فقامت وجلست وبدأت تسأله في قلق:
_ مين يا حبيبي خير؟
نظر إليها ثم رد على مايا:
_ لا لا الرقم غلط...
قبلما ترد، تابع:
_ مفيش اعتذار ولا حاجة حصل خير.. يلا سلام عليكم
ألقى الهاتف من يده وقال لها:
_ رقم غلط يا حبيبتي مفيش حاجة، نامي نامي
جاءت كي تختبئ داخل حضنه لتنام، فقال لها:
_ استني هدخل الحمام بس وجايلك
_ متتأخرش علشان انا مش بعرف انام غير في حضنك
رد في ابتسامة:
_ حاضر
التقط الهاتف دون أن تلاحظ، ثم دخل المرحاض وغلق الباب بشكل جيد وراح حتى وقف بعيدًا عن الباب واعاد الاتصال بمايا... استجابت سريعًا وردت وهي داخل بلكون غرفتها:
_ اولا بعتذر اني رنيت في وقت زي دا، بس انا كنت عايزة وقت تبقى ماهي نايمة فيه، ثانيا شكرا انك رجعت ورنيت علشان تسمعني
_ سامعك يا مايا
_ شهاب أنا لجأت لك لاني عارفة انك الوحيد اللي ممكن تعرف تعمل حاجه في الموضوع دا و..
رد في نبرة منخفضة للغاية اقرب للهمس:
_ بدون مقدمات، ادخلي في الموضوع علطول
ثم فتح صنبور المياة حتى يصدر صوتًا فوق صوته، ردت:
_ حليمة وفاطيمة، عايزين يفضحوك انت وهانيا.. هما معاهم فيديو ليك وانت بتخطف هانيا او ماشي بيها من بيتنا لحد ما روحت شقة فيصل.
عايزين يعملوا حركة كدا ان فاعل خير هو اللي بعت الفيديو دا للشيخ وعايزين كمان يعرضوا على الكل، الفيديو بتاعك وانت بتدخل لهانيا الاوضة وبتخرج من اوضة روني، وكأن فاطيمة بدور على حاجة ضايعة منها علشان يفرغوا الكاميرات ويتفرجوا.
تنهدت وتابعت:
_ لو انت مش فارق معاك نفسك وعادي عندك تتفضح، أكيد متقبلش دا على هانيا.. انت لو حبتها فعلا بجد زي ما بتقول، مش هتحب انها تتأذي وتتفضح قصاد الكل بالشكل دا بسببك وبسبب ملاحقتك ليها وهي ياما قالت لك لا وابعد.. انت فاهم ومقدر يعني إيه سمعة بنت وتخيل بقا لو كانت متجوزة كمان، مش بس هتطلع زبالة لا دي كمان هتطلع خاينة.
معرفش انت ممكن تعمل ايه علشان توقفهم ومعرفش انا ليه وثقت فيك وقولتلك... بس على الاقل علشان لو لسه عندك شوية ضمير صاحي، تعرف انك أذيت هانيا اوي وخليت القصر كله بسببك بيهددها تقريبا وانت عارف ومتأكد ان جياد عصبي جدا ومندفع.
خليك راجل ومتخليهاش هي تواجهه وتواجه كل دا بدون ما يبقى ليها ذنب، واعمل حاجة.
بس كدا انا خلصت اللي عندي وحقيقي مش عارفة اقولك ايه، غير ان هانيا هتتأذي اوي لو سر زي دا اتعرف.
سلام
انهت المكالمة معه بعدما قالت كل ما بداخلها علها ترتاح.
كان يقف مكانه بعدما انهى المكالمة معها يفكر في كلامها... ثم هز رأسه بالسلب وقال لنفسه:
" انت متبقاش راجل لو سبتهم يهينوا هانيا ويقللوا منها.. يبقى عيب الشنب يفضل في وشك وهي بتتفضح بسببك.. اقسم بالله ما هخليكم تأذوها يا شوية كلاب...."
وفي نفس اللحظة، سمع طرقات الباب وزوجته تسأله في الخارج:
_ شهاب.. شهاب انت كويس؟
وضع الهاتف في جيبه وغلق الصنبور ثم رد وهو يتجه صوب الباب:
_ اه يا روحي كويس وجاي اهو
فتح الباب لها وتابع:
_ سوري لو قلقت منامك
_ عادي، هرجع انام بسهولة طالما في حضنك
ابتسم وعادا معًا إلى السرير كي يناما.
**********
ومع اشراق شمس اليوم التالي وكانت الساعة السابعة صباحًا تقريبًا، وصل جياد و زوجته مدينة شرم الشيخ وبالأخص تلك القرية الساحلية المقصود المكوث بها.
دخل الشالية خاصته ثم اتجه بها صوب غرفة النوم الخاصة بهما،
وما إن فتح باب الغرفة، حتى انكشفت أمامهما غرفة مُزيّنة بعناية تُشبه مشهدًا من مقطع رومانسي دافئ.
السقف مُغطّى بسلاسل من الأضواء الذهبية الصغيرة التي تُشعّ بنورٍ هادئ، تتدلّى بينها بالونات حمراء على شكل قلوب، تتمايل بخفة في الهواء وكأنها تنبض بالمشاعر.
في منتصف الغرفة، يوجد السرير وكان مُرتّبًا بعناية، تعلوه أغطية ناعمة بألوان دافئة، وتحيط به شموع موزّعة بشكل جميل على الأرض وعلى الطاولات الجانبية، تُضفي جوًا من السكينة والحميمية. وعلى الأرض، أمام السرير مباشرة، رُصّت بتلات الورد الأحمر لتُشكّل قلبًا كبيرًا، وكأنها رسالة حب مرسومة بعناية.
الجدران مُزيّنة بستائر حمراء فاخرة، تتماشى مع ألوان الغرفة،
وعلى الحائط الوجهة فوق السرير مباشرة تظهر عبارة مضيئة مكتوبة باللغةالإنجليزية
"WILL YOU BE MINE?"
وكأنها سؤال يحمل بين حروفه وعدًا بحبٍ عميق.
وعلى الحائط في الجانب الأيمن كتب لها بالبالونات الحمراء
"I LOVE YOU HANYA "
وفي الجانب الايسر من حائط الغرفة كتب لها بالورود:
" YOU'RE MY EVERYTHING"
كل تفصيلة في المكان كانت تُعبّر عن اهتمامٍ كبير ورغبة في خلق لحظة لا تُنسى.
توقّفت هانيا عند عتبة الباب، وعيناها تتسعان بذهولٍ واضح، وكأنها غير مُصدّقة لما تراه. رفعت يدها ببطء إلى فمها، وقد انعقدت الكلمات على شفتيها من شدّة التأثر.
تحركت خطوة للأمام، تنظر حولها في كل زاوية، تلتقط التفاصيل بعينيها وكأنها تخشى أن يختفي المشهد فجأة.
لمعت عيناها بدموعٍ خفيفة، فهي تعلم كم يحبها وكيف يحرص على سعادتها وارتسمت في نفس الوقت على وجهها ابتسامة دافئة ممتلئة بالمشاعر.
التفتت نحوه بنظرة امتنان عميقة، وكأنها تقول كل شيء دون أن تنطق بكلمة.
اقتربت منه ببطء، وقلبها يفيض بالفرح، ثم همست بصوتٍ مرتجف:
_ Thank you,
بجد بجد شكرا، جميلة اوي حبيت جدا.
ابتسم ورد:
_ عجبتك؟
_ اوي اوي بجد، عارفة انها أكيد خدت من وقتك كتير جدا
_ اه صراحة، انا اللي اخترتها وانا اللي قولتلهم يصمموا الشكل دا بالظبط وفضلت بقا متابع معاهم واعدل وكدا لحد أما طلعت بالشكل دا ، علشان هدفي كله من كل الهيلمان دا، إني اشوف الابتسامة الجميلة دي على وشك.
ضمته إليها وهي تبتسم ثم قالت بعد ذلك وهي تنظر إليه:
_ ايه الحاجة اللي ممكن تفرحك اوي لو عملتها في المقابل؟
_ عايزة تفرحيني؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ ايوا، انت فرحتني وانا عايزة افرحك
اقترب منها وحاوط جسدها بذراعيه وقال بنبرة خبيثة وعيناه تتجول على جسدها:
_ تعتبريني البيبي بتاعك.. أما أجوع، تأكليني..
أخذت تفكر في كلامه لحظات... ثم ردت في ابتسامة:
_ بس كدا!
بسيطة، نرتاح ونغير هدومنا وننزل وانا اعزمك على أحلى أكل وتاكل لحد ما تشبع... ومتخافش انا اللي هدفع
رد في تلقائية:
_ مؤسسة النوايا الحسنة... شكل ذكائك الخارق دا هيخلينا نتقابل قريب في المسامح كريم.
ثم ابتعد عنها وبدأ يسير نحو السرير وهو ينظر إلى الورود والشموع الموضوعة حتى الوصول إليه.
جلس على طرفه وقال لها في ابتسامة:
_ قولي لي يا بطاطا
علقت في استغراب:
_ بطاطا؟!
يا ابني هو في إيه!
انت ليه دايما بتشوفني كأكل!
مرة تقولي يا قطايف ودلوقتي يا بطاطا، إيه!
_ اعمل إيه طيب، ما أنا بشوفك بأكتر حاجة بحبها!
انا بموت في الأكل وخاصة بقا البطاطا والقطايف كحلويات، يا حلويات انتي.
_ حلويات!
_ اه.
المهم يا بطاطا متقاطعنيش وقوليلي، إيه أكتر حاجة تحبي ان شريكك " اللي هو انا يعني " يوفرهالك؟
ردت على الفور:
_ الأمان
_ الأمان؟
_ آه
_ طيب ااااا، انا اعتقد اني وفرته.
_ لا لسه، محتاجة مواقف اكتر تبين لي دا، تبين لي اني مش خايفة وانك بتحميني من أي حاجة ممكن تخوفني.. أثبت لي بالمواقف مش بالكلام.
سكت يفكر في كلامها.
تحركت داخل الغرفة ثم بدأت تُخرج بيجامة لها وقالت له:
_ شوف بقا يومنا هيمشي ازاي النهاردة، انا هدخل آخد شاور وبعدها هطلع نفطر حاجة خفيفة كدا وننام ساعتين وبعدها هنخرج علشان نتغدا وانا اللي عزماك زي ما وعدتك، علشان عايزة اتكلم معاك كتير
_ داخلة دلوقتي تستحمي؟
_ ايوا
سكت يفكر... ثم حدث نفسه في مكر:
" نثبت لك بقا بالمواقف إني موفرلك الأمان.. أكيد هتخافي منه.. كل البنات بتخاف منه أساسا "
ثم قال لها:
_ طب استني هدخل انا التوليت الأول علشان انتي أكيد هتتأخري
_ اوكيه بسرعة بس
دخل بالفعل ثم دقائق وعاد مرة ثانية وقال لها:
_ اتفضلي
دخلت هي وغلقت الباب.. اتجه نحو السرير وأمسك به وهو يضحك بصوت منخفض.
دقائق قليلة وسمعها تصرخ، فتحت الباب على مصرعه فجأة ثم انطلقت كالسهم وهي تضع المنشفة وحسب حول جسدها وتردد في خوف:
_ فار، فار، فار
ركض كي يستقبلها وهو يتساءل:
_ إيه إيه!
فقفزت عليه، تحاوط خصره بساقيها وعنقه بذراعيها، وتقول في خوف شديد:
_ فار يا جياد فار فار
حاوطها بذراعيه وبدأ يردد في نبرة مليئة بالحنان:
_ إيه يا روحي بس بس اهدي اهدي متخافيش خلاص انتي في حضني متخافيش.
ثم تحرك بها وهو يحملها بنفس الشكل الذي تعلقت به فيه حتى جلس على السرير وقال في نبرة صوت تشبه نفس النبرة التي نحدث بها الأطفال وهو يعمل على تهدئتها، يمرر يده على شعرها وظهرها:
_ بس يا روحي بس بس يا قلبي انتي متخافيش كدا
ردت وهي تمسك به أكثر:
_ فار يا جياد، فار
_ خلاص يا قلب جياد..
ثم تحولت نبرة صوته إلى نبرة قوية وحادة:
_دا انا هبهدل الدنيا، هفضحهم كلهم، ازاي يعني يبقى فيه فار كدا في قرية سياحية محترمة زي دي!
ثم عاد إلى نفس النبرة الطفولية وقال:
_ ولا يهمك يا بيبي يا روح قلبي
تحدثت في نبرة أنثوية رقيقة للغاية:
_ موّته يا جياد بليز
_ بس كدا!
دا انا هسلخهولك ابن الكلب دا، بقا يخوفك كدا!
الحيوان النجس، ابن الفارة الصايعة
ابتلعت ريقها وقالت:
_ عارف يا جياد
_ قولي يا روح قلبه
تنهدت ثم تابعت في نفس الرقة:
_ كان كبير اوي، و...و... و كان عنده ديل طويل كدا
رد في صوت عالي به الضيق:
_ هي حصّلت؟
كمان؟
كمان كان كبير وعنده ديل طويل كدا!
مترباش، انا هسلخهولك، علشان يبقى يخلّي ديله طويل حلو اوي ويخوفك بالشكل دا.
أخ بس لو كان ديله قصير شوية، ماكنش زمانك خفتي كدا يا روحي!
_ عارف يا جياد كمان
_ قولي يا قلبي، الخسيس دا عمل إيه تاني؟
ردت في هدوء ونبرة ناعمة للغاية وهي تشير بيدها في الهواء تتخيل شكله لتخبره:
_ كان بيتحرك كدا كدا ويجري كدا كدا جمب البانيو
تصنع الغضب وقال وهو يهز رأسه بالسلب:
_ الحقير السافل!
_ يلا يا جياد، روح اقتله بليز بليز
رد وهو يتصنع الأسف:
_ حاضر يا روحي، بس... بس دا مش أي فار، دا فار سافل وحقير وانا محتاج حافز علشان أعرف اقتله!
أخذت تفكر في الأمر... ثم قالت له:
_ you can do it, my hero
[ يمكنك ان تفعل ذلك، بطلي]
ابتسم ابتسامة عريضة وهو يقول في همس:
" انا ال hero بتاعها واو، الخطة نجحت "
ثم تنحنح واوقف تبسم وقال لها:
_ ايوا يا روحي هو حافز حلو وكل حاجة، بس فيه احلى!
_ جياد، انت عارف انك لو قتلت الفار، انا هكون مبسوطة اوي اوي، مش انت اهم حاجة عندك تشوف الابتسامة على وشي!
وبعدين الراجل الشجاع النبيل، هو اللي يقتل الفار اللي يخوف مراته بالشكل دا
يلا روح موته قبل ما يهرب بليز او يخلف ويقعد في التوليت هو وأسرته!
_ يخلف إيه ويقعد إيه هو وأسرته!
هو انا مأجرله الحمام؟
وبعدين يا روحي مش هيلحق يحمل ويخلف ويكوّن أسرة في الشوية دول يعني.. إذا كنت أنا بقالي سبع شهور نفسي اكوّن أسرة، يجي الفار يعملها في الكام دقيقة دول!
طب والله تبقى عيبة في حقي.
ردت في ضيق:
_ اوف بقا، يعني انت عايز إيه دلوقتي، روح موته قبل ما يهرب بقا او ينادي أصحابه
رد في استغراب من كلامها:
_ مش فاهم أنا إيه الفار العٍشري دا!
فار فيه الخير في أهله صح!
ثم ابتسم ابتسامة واسعة وضمها إليه بقوة بينما هي تجلس على حجره، وأخذ يمرر يده على ظهرها وكتفها وقال:
_ بعدين سبيني انا مرتاح كدا.. اول مرة احضنك وانتي لابسة فوطة عسولة كدا.. اول مرة احضنك عامة وانتي مش لابسة بيجامة لعينة.. فسبيني شوية بس انا مبسوط كدا والله ومرتاح
رفعت أحد حاجبيها وردت في غيظ:
_ والله!
للدرجادي يعني!
ليرد الآخر في نبرة مليئة بالغيظ:
_ واكتر واكتر والله.. اصل انتي متعرفيش بيجاماتك دي بتعمل فيا إيه اما بشوفهم بس.
والله حقيقي، نفسي أمسك صف البيجامات بتوعك دول، وبعود كبريت قذر ومعفن من ابو العلبة بجنية دا، اروح حارق سطر البيجامات دا كله بيه، واقعد بقا ابص عليهم وهما بيتحرقوا وافضل اقولهم بتشفّي، موتوا يا بيجامات هانيا موتوا، اذهبوا إلى الجحيم.
ضحكت من طريقة سرده للموقف، فكان يحكي بطريقة بها الضيق والتأثر وكأنه يمسك بالبيجامات بالفعل وينال منهم وينتهي من ذلك.
ثم قالت له:
_ طب خلاص خلاص... بص خلينا نعمل deal مع بعض.
ايه رأيك، انت تموت لي الفار وفي المقابل أنا مش هلبس بيجامة النهاردة وهلبس top crop عسول وهيعجبك؟
بس توعدني متتحرّش بيا
ضحك على كلامها ذلك وقال:
_ ارحميني يا هانيا انا جوزك!
_ ماشي بس انت عارف الاتفاق بقا!
سكت يفكر في كلامها... ثم رد:
_ اممممم، ماشي، موافق...وتخليه يوم عسول ومتتخانقيش فيا والا ساعتها هروح اجمع قبيلة الفار كله واخليهم يجبولي حقي منك
_ اتفقنا، يلا روح موته بقا
تجول بعينيه على جسدها ثم أمسك بالمنشفة وقال وهو مستعد لنزعها:
_ يعني مش هتفرجيني طيب!
امسكت يده في سرعة تمنعه وهي تقول:
_ وبعدين.. قلنا إيه؟
احترم نفسك شوية، مفيش خطيب بيعمل مع خطيبته كدا!
رد في غيظ:
_ مفيش خطيب بيعمل مع خطيبته كدا آه..
دا أقل خطيب في سوق العبيد اللي انتي جيباني منه دا، لو خطيبته اتعلقت فيه كدا وخرجت له بالمنظر دا، كان زمانه جاب منها عشر عيال تؤام واراهنك، اوعي اوعي، خليني أروح اشوف الفار زمانه جاب ال girlfriend بتاعته ومقضينها في حمامي.
انزلها من على حجره بالتوازي مع كلامه ذلك ثم اتجه بالفعل نحو المرحاض.
وقفت في ترقب قلقة وقالت له في نبرة بها القلق أيضًا قبلما يدخل المرحاض:
_ خلي بالك من نفسك
التفت إليها ورد ساخرًا:
_ اخلي بالي من نفسي إيه، هو انا طالع غزوة!
روحي يا هانيا الله يهديكي يلا البسي حاجة لحد ما اطلع.
تنهدت ثم غلقت الباب خلفه بعدما دخل وقالت له:
_ قفلته علشان ميخرجش برا، اقتله يا حبيبي بإتقان
ثم اتجهت نحو الحقيبة واخرجت ملابس غير البيجامة احضرت top crop وبنطلون جينز.
ثم ارتدتهما وبعدها اتجهت نحو السرير وبدأت تلمس الغطاء في ابتسامة منبهرة بجمال الترتيبات التي جهزها لأجلها.. واذ بها فجأة، تلاحظ شيئًا ما موضوع تحت الوسادة، مدت يدها لتخرجه، فوجدته جهاز التحكم عن بعد للفار، فأدركت سريعًا أنه جهاز تحكم للعبة الفار ووقتها فهمت المشهد كله.
خرج حينئذ وهو يضرب يده اليمنى باليسرى، يقول:
_ بس كدا، خلصنا منه، قتلته
قامت من مكانها واتجهت صوبه ثم وجّهت يدها التي تحمل الجهاز، أمام وجهه.
نظر إلى ما تحمله، ثم رد:
_ اوعي تسيئ الظن ازعل منك، إن بعض الظن إثم
_ لعبة ها؟
جايبلي فار لعبة وحاطه علشان تخوفني بيه؟
سكت يفكر... ثم رد في ابتسامة:
_ بلعب معاكي إيه، هو انتي مفيش حد يعرف يهزر معاكي خالص!
_ والله!
طيب انسى بقا، لا فيه خروج ولا فيه غدا ولا في عزومات وهنام لحد بليل ها.
واوعى تصحيني
انهت كلامها ثم اتجهت نحو السرير في خطوات سريعة.
زفر في ضيق ثم حدث نفسه:
" اصلا كدا كدا انا كنت عايز انام كتير انا كمان "
ثم اتجه نحو السرير ونام جوارها، كانت حينها تولي له ظهرها، فقال في ابتسامة وهو يداعب خدها:
_ هانيا..هانيا..هانيا
_ بطل زن وشيل ايدك دي
قالتها وهي تبعد يده عنها ثم تابعت:
_ وياريت space لو سمحت متلزقش فيا كدا
_ هانيا بقا relax دا حتة فار، اومال لو كان تِعبان كنتي هتعملي إيه؟!
_ بس يا جياد بقا ونام علشان انا فعلا تعبانة ومانمتش طول امبارح
_ ماشي موافق وانا كمان هنام علشان نفس السبب، بس متقلقيش اول ما اصحى هناقر فيكي مليش غيرك اعمل إيه!
ابتعد عنها ونام على ظهره وهو يسند ذراعه على جبينه وظل ينظر إلى السقف لدقائق.. وفجأة ضحك في صوت عالي
تعجبت الفتاة وقالت دون أن تلتفت له:
_ بتضحك على إيه انت!
انفجر من الضحك بشكل أكبر وقال وهو لا يستطيع أن يتوقف عن الضحك:
_ اصل.. اصل.. اصل شكلك كان يموت من الضحك وانتي خارجة بتجري من الحمام وبتصرخي وتقولي فار فار فار، كان شكلك زي الكتكوت المبلول و...و..
كان لا يستطيع متابعة كلامه الذي يقطعه الضحك، مما أجبرها على المشاركة فضحكت هي الأخرى ما إن تخيلت شكلها حينها، ولكنها لم تحب أن تبديها له فكانت تضحك في صمت وهي تكتم الصوت...
**********
ومع الساعة العاشرة صباحًا، وصل الشيخ عبدالله، القصر وقد استقبله في المطار كل من مجدي وفاتح و يزيد.
ولكن مجدي لم يأت معهم القصر فقد استقبله في المطار.
وبمجرد أن دخل، لاحظ وجود الجميع في استقباله بمجرد أن خطت قدماه نحو الداخل، فوجد زوجته واختيه و أولاده جميعهم رفقة ازواجهم عدا جياد و زوجته بالطبع.
انتهى من الترحيب بالجميع وانتهت فترة الترحيب والمصافحة كلها وجلسوا جميعًا في بهو القصر، على الكراسي والارائك.
وبعدما جلس الجميع وهكذا، تساءل الشيخ:
_ اومال فين جياد يا شباب؟
ليرد فاتح:
_ جياد خد اجازة هو وهانيا من بعد موضوع سقوط البيبي دا وكدا
هز رأسه موافقًا ثم علق في ابتسامة:
_ وانا اقول البيت هادي ليه!
ضحكوا جميعًا، بينما علقت عبير في ضيق:
_ والله القصر وحش من غيره، دا هو اللي بيفرح قلبي كدا بوجوده، ليه كدا يا شيخ بقا فرحان انه مش هنا؟
محدش يتكلم عن ابني كدا
ضحك منها ثم رد مازحًا:
_ وحياة جياد، عبير بتحبكم كلكم قد بعض
ضحك الأولاد، وكذلك عبير ثم ردت:
_ لا والله، دول هما الستة نور عيني وبحبهم قد بعض، واما يبقى واحد فيهم مش موجود، ببقا مش عارفة اقعد على بعضي كدا، لازم يبقوا حواليا، ربنا ما يحرمني منهم ابدا
_ امين يارب، ربنا يبارك لنا فيهم ويحفظهم.
ثم التفت إلى ماهي وقال في ابتسامة:
_ إيه يا بابا، تعالي في حضني، البيبي بتاعي شايلة بيبي، معقولة!
قامت من مكانها في فرحة وهي تفتح ذراعيها على مصرعهما تتجه صوبه ثم انكبت داخل حضنه وهي تقول:
_ كنت واحشني اوي اوي بجد، اول مرة تغيب عننا كدا على فكرة، ومتعملهاش تاني بقا!
_ هحاول حاضر.. الف مبروك مرة تانيه على الحمل وربنا يتمم لك على خير يا روح قلبي
وضعت قبلة صغيرة على خده ثم ابتسمت ابتسامة عريضة.
صوب حينها وجهه نحو شهاب وقال:
_ مبروك يا شهاب
_ الله يبارك فيك يا شيخ، تسلم
تحدث وهو ينظر نحو كاميليا:
_ عقبال ما كوكي وأمجد يفرحونا
ابتلعت كاميليا حينها، ريقها وردت بابتسامة صغيرة.
التفت الشيخ إلى شهاب مرة أخرى وقال:
_ على فكرة انا واخد بالي من مشروعك اللي عملته على السوشيال ميديا وحابب اقولك مبروك وموفقة
رد الشاب في ابتسامة:
_ الله يبارك فيك، بنتعلم منك
فعلقت ماهي تقول لوالدها:
_ شهاب شاطر اوي اوي يا بابا وطموح جدا ماشاء الله عليه، بدأ المشروع بتاعه في صمت وقادر يوفق بين بيته وشغله الكتير دا
هز رأسه بالايجاب ثم علق:
_ انا قلت زمان اني شايف فيه نفسي، ربنا يوفقك، وعقبال ما تبني شركة باسمك بقا ومستنيك تنافسني في السوق
رد الشاب:
_ ودا ينفع بردو!
انت الإصل يا شيخ
حينها كان أمجد يرميه بنظرات مليئة بالاشمئزاز و الازدراء وعلق ساخرًا ليسمعه باسم:
_ مش فاهم انا الواد المصدّي عاجبهم كلهم كدا على إيه!
بنتين زي الفل، زي ماهي وهانيا يقعوا في حبه
والشيخ رايح جاي يفخر بيه هو بس،كأن هو الوحيد اللي جوز بنته يعني!
ليرد عليه باسم:
_ مش عمل مشروع جديد بقا وخلى مراته حامل!
انت إيه انجازاتك؟ إيه اللي انت عملته جديد؟
زي ما سابك، زي ما رجع لقاك
رد عليه الآخر في عدم استيعاب:
_ هي مين دي اللي حامل؟
_ ماهي، هو متجوز ميت واحدة يعني!
_ متهزرش معايا يا باسم
_ والله ما بهزر، هي لسه قايلة دلوقتي وخالي بارك وهنى، انت كنت سرحان فين؟
_ لا لا مخدتش بالي خالص.
ثم بدأ يستوعب وهو يفتح فمه في عدم تصديق... وحدث نفسه:
" بقا هو دا اللي مش بيحبها ومصيره يطلقها؟؟ حامل منه!!
حامل مرة واحدة! "
ثم التفت إليه تارة أخرى وهو يرميه بنظرات مليئة بالاحتقار وتمتم:
" حقير.. منك لله ربنا ياخدك... انا هوريك ازاي تمد ايدك على حاجة مش بتاعتك يا معفن يا رخيص انت "
ثم قام كي يذهب، فأوقفته كلمات خاله وهو يقول:
_ على فين يا أمجد؟
التفت إليه ورد:
_ ولا حاجة يا خالو، طالع اشم هوا شوية في الجنينة مش اكتر
هز رأسه موافقًا وبعدما خرج، سأل الشيخ كاميليا:
_ انتي مبسوطة انتي وامجد صح؟
وشك مش مريحني مش عارف!
لترد حليمة بدلًا منها:
_ ايوا يا شيخ، مبسوطين وميت فل و ال١٤ إيه اللي مش هيبسطهم يعني؟
كانت نظرات ابنته له، لم تريحه ابدًا لذا قرر أن يتحدث معها فيما بعد عندما يكونا وحدهما.
وسأله باسم في استفسار:
_ طمنا يا شيخ، إيه أسباب الزيارة الطويلة دي كلها؟
في جديد معاك؟
رد في هدوء:
_ خير يارب ان شاء الله
لم يفهم حينها باسم معنى تلك الإجابة على سؤاله ولكنه لم يعلق لانه فهم أنه لا يود أن يجيب، لذا لم يتطفل وسكت.
نظر الشيخ إلى أولاده، فاتح ويزيد وحسان وقال:
_ النهاردة الساعة ٦ المغرب، ضروري انتوا التلاته تبقوا موجودين، عايزكم في موضوع ضروري جدا وهنفتخ فيديو كول مع جياد علشان لازم يبقى معانا
ردوا معًا:
_ اعتبره حصل يا شيخ
حدث باسم نفسه:
" أكيد عايزهم علشان المشروع الجديد بتاع تشيلي "
قال الشيخ وهو ينظر إلى زوجته وأختيه:
_ وانتوا التلاتة تعالوا معايا عايزكم شوية لوحدنا
قمن في استغراب ولكنهن ذهبن خلفه في صمت حتى دخل بهن غرفة مكتبه.
وبمجرد أن دخل، قالت روني لزوجها:
_ يزيد أنا هروح انا دلوقتي اعمل check عند الدكتور واشوف معاها موضوع الحمل دا
قال سريعًا:
_ هاجي معاكي
_ لا لا مفيش داعي.. الشيخ هنا وممكن يحتاجك وبعدين دا مجرد check بس مش اكتر يعني
_ طب ليه رايحة بدري اصلا كدا، الساعة يدوب بقت ١٠!
_ ما هي الدكتور دي يوم الجمعة مواعيدها بتبقى بدري، بتبقى الصبح قبل الصلاة علشان باقي اليوم يكون بتاعها هي وأهلها وكدا
_ حد جاي معاكي؟
_ لا
_ خدي مايا طيب
_ ماشي هشوفها دلوقتي ولو نفع أكيد هاخدها
_ حاولي علشان متبقيش لوحدك..
ثم ابتسم واضاف:
_ وان شاء الله خير يا روح قلبي ونفرح بالخبر قريب
******
وداخل مكتب الشيخ، كان يجلس على الكرسي المتمركز وهن يجلسن قبالته.
قال لهن:
_ اللي حصل في غيابي دا، انا عرفته كله، اوعوا تفتكروا إني علشان برا، فكدا انا مش عارف إيه اللي بيدور جوا قصري، لا.
انا ليا عيون في كل حتة، وعرفت ان هانيا سقطت وانكم طردتوها هي وأمها وعرفت ان السبب هو الحشيش اللي كان في اوضة الحارس وان الشرطة قبضت عليه وبتحقق معاه... كل دا انا عرفته، بس للأسف أنا ماكنتش فاضي حتى ابص ورايا وقتها.
ودلوقتي بقا قولولي، انتوا ايه مشكلتكم مع بنات مجدي؟
ردت عبير:
_ متربوش، التلاتة حرابيق وبتوع مشاكل لابعد حد، وانا اما طردت هانيا دا كان بناء على كلام جياد، هو اللي قال انها متلزموش وأنا..
رد في نبرة حادة جامدة:
_ أعقلي بقا يا عبير أعقلي..
ثم نظر إليهن جميعًا وتابع:
_ القصر دا بيتي وبيت ولادي وبيت مرتاتهم وعيالهم فيما بعد، يعني هو مش بيتك لوحدك علشان تطردي منه البت، هو دا اصلا بمثابة بيتها وبيت جوزها.
احنا كنا نقدر نجيب لكل واحد فيهم بيت لوحده، بس علشان احنا عايزنهم حوالينا ومعانا، سكناهم في القصر، انما بطريقتك دي اوعدك قريب هيطفشوا.
تنهد ثم نظر إلى اختيه وقال:
_ معلش سبوني معاها شوية لوحدنا وبعد كدا هندهلكم انتوا
قامتا وبدأتا تسير حتى خرجتا.
وقد أراد أن يفعل ذلك عندما رأى أنه من الممكن أن يوبخها أمامهما لذا قرر أن يكون معها بمفردها.
*********
وبمجرد أن خرجت كلًا من حليمة وفاطيمة، قابلتا شهاب في وجههما والذي قال لهما:
_ عايزاكم انتوا الاتنين شوية يعني
علقت فاطيمة ساخرة:
_ هو فيه إيه، الكل بقا عايزنا مرة واحدة كدا يعني!
ثم ذهبتا معه حتى وقفوا معًا في ركن داخل بهو القصر.
وقال لهما:
_ انا عرفت وتأكدت انكم مش عايزين تهدوا ولا تسكتوا ومصرين تزعلوني منكم بردو.
سبق وكلمتك انتي بالذات
أشار حينها نحو فاطيمة، ثم تابع:
_ وقولتلك هانيا لا وملكيش دعوة بيها، بس انتوا مصرين تعملوا مشاكل معايا وحوارات
علقت حليمة:
_ احنا مش فاهمين حاجة!
_ بصي يا أم أمجد، على الدغري كدا، فاعل خير، هيقول انه شاف حاجة تخص هانيا، فاعل شر، ضمير مستتر حتى، هعرف انه هو انتوا اللي وراها وساعتها بقا يا ام باسم هعمل إيه؟
قالها وهو ينظر نحو فاطيمة.. وتابع:
_ اول ما تفضحوا هانيا وتفشوا سرنا، بأي طريقة كانت، هروح قايل للشيخ بكل بساطة، أنا اللي عملت كل حاجه وهي ست محترمة ومناعتي الف مرة واشتكت عليا جوزها وعلشان كدا مرة ضربني وأما كنت بدخلها كانت بتشتمني وهي ملهاش دعوة بأي حاجة من دي، واشيل المسؤولية أنا كلها.
ابتسمت فاطيمة وردت ساخرة:
_ طب ما تشيلها، هتصعب علينا يعني!
_ عيب الكلام دا، هو فيه حرابيق بتحس؟
انا بس علشان اوصلك ان هانيا مش هتطلق بردو ساعتها لاني انا برأتها تماما، بس.. وانا بعترف كدا على نفسي، هسلمكم معايا وبالادلة بردو متخافوش.
نظر إلى حليمة وأضاف:
_ هقول إيه بقا يا أم أسيل... هقوله يا شيخ تالية جات لي الشركة وقالت لي هانيا مجبورة على جياد والدليل كاميرات الشركة اللي بتثبت انها جاتلي كذا مرة.
ثانيا، طلبت تقابلني يوم فرحي والدليل المسدجات الممسوحة اللي على موبايلي في نفس الوقت واليوم وكمان نفس الكاميرات بتاعت القصر، اللي هتعملوا نفسكم ان حاجة دهب ضاعت منكم علشان توروا لعبير هانم دخولي وخروجي لهانيا، هوريهم كلهم كلام بنتك معايا يوم فرحي في البسين وانا نازل وانا طالع وهي نازلة وهي طالعة.
دا غير أسيل يا أم أسيل اللي لسه مكلماني من قريب وقالتلي هقولك حاجه بخصوص هانيا وانا قفلت في وشها وشتمتها.
بعيد عنكم تليفوني بيسجل المكالمات تلقائي.
بدأ يبدل النظر فيما بينهما وتابع:
_ وبعد بقا ما اسردله كل الحاجات دي ولسه حاجات تانية سايبها علشان عاملهلكم مفاجأة، هقوله اخواتك المصونين، كانوا عايزين يخربوا بيت جياد بالشكل دا واستغلوا اني كنت بحبها، علشان يجوزوه تالية، لأنهم طمعانين فيك وادي الدليل قدامك وانت مش غبي يا شيخ
طبعا انتي فاهمة بقا، هيمسك الموضوع كله ومش هيسيب إلا أما يتأكد من كلامي حرف حرف وساعتها عقابكم مش هيقل عن عقابي، بل بالعكس هيكون أشد.
واضح كلامي ولا مش واصل؟
اغتاظتا منه بشدة، وكانت حليمة وقتها تود أن تصفعه كي تنتقم منه على هذا الاستفزاز، ولكنها علقت في نبرة هادئة مصطعنة لا تعكس ما بداخلها أبدًا:
_ هو انت بتعمل كدا ليه؟
يعني بجد طلاق هانيا هيكون في مصلحتك جدا، هو انت مش بتحبها؟
_ انا عمري ما هأذي هانيا بأي شكل، لان دا بالنسبالي الحب أصلا.
انا اتكلمت معاها أما فضلتوا تقولوا مجبورة مجبورة وبنتك سجلت لهم وهما في اوضتهم وجت قالتلي ملمسهاش، وهي قالتلي جملة واحدة بس.. " اوعدني انك تسبني في حالي ومتبقاش مصدر ضغط عليا" وانا وعدتها وانا وعدي سيف على رقبتي، وطالما هي عايزة تفضل معاه، تفضل انا مش هقف في وشها ولا هسمح لحد يفضحها ويتكلم عن سمعتها او يخوض في شرفها بأي شكل من الأشكال.
هانيا اشرف من الشرف، هانيا خط أحمر واياك واحدة فيكم تحاول تضايقها او تضيق عليها الهوا اللي بتتنفسه، لاني لو شفت دمعة واحدة بس نازلة من عيونها بسببكم، هدمر نفسي وادمركم معايا وعليا وعلى أعدائي.
تحذير أخير، ملكمش دعوة بهانيا وافتكروا ان اي أذى هيمسها، هعرف انه منكم، وانكم وراه، وساعتها هطربق السما على الأرض فوق نفوخكم.
تابع في نبرة أكثر حدة:
_ عمري ما هسمح لحد، يشوفها رأسها مذلولة او محطوطة في الأرض.
هانيا هتفضل هنا في القصر ست الكل وهترفع عينيها في عين الكل ومحدش هيقدر يتكلم عليها نص كلمة.
ياريت تفضلوا فاكرين الكلام دا كويس، لان والمصحف معايا الادلة اللي هتوديكم ورا الشمس وحالا وفي جيبي.
تنهد وهو ينظر إليهما بالتناوب ثم اختتم حديثه:
_ كله إلا هانيا وسمعتها وكرامتها.
ثم ذهب في خطوات سريعة.
هزت حليمة رأسها بالايجاب ثم علقت في نبرة مليئة بالغضب:
_ مايا بنت الكلب قالت له
لتعلق فاطيمة في نفس النبرة:
_ كانت فكرة هباب يوم ما أمنا لشهاب ابن الكلاب دا وعرفناه سرنا
_ أصلها كانت نقصاه، ابو شخة دا كمان
سكتتا قليلًا تفكرا... ثم قالت حليمة:
_ يبقى لازم نخلص منه هو الأول قبل ما نخلص من هانيا اللي اشرف من الشرف زيه...
***********
كانت روني تجلس أمام الطبيبة والتي قالت لها في ابتسامة:
_ قوليلي بقا يا مدام روني، انتي بتشتكي من إيه؟
ردت الفتاة:
_ بصي يا دكتور انا متجوزة من ٧ شهور ومحملتش وكنت عايزة افهم لو فيه مشكلة او كدا، عايزة اطمن يعني إن التأخير طبيعي، علشان عندنا في العايلة في جينات فيها مشاكل مع الخلفة وكدا.
_ اوكيه، خلينا نفحصك
قامت روني ثم تمددت على السرير كي تفحصها الطبيبة.
كانت الطبيبة حينها تعقد حاجبيها في استغراب مما ترى ولكنها كانت تتابع الفحص في صمت.
مما أثار تعجب روني من تلك النظرات ولكنها تركتها حتى انتهت تمامًا وتحركت حتى تجلس على كرسيها، فسألتها:
_ خير يا دكتور طمنيني؟
بدأت تخلع القفازات وردت:
_ طبيعي ميبقاش فيه حمل يعني، بما إنك مركبة لولب!
صرخت في خضة:
_ ايه!
لولب ايه دا؟
انا مركبتش حاجة!
انتي متأكدة طيب؟
_ اه طبعا متأكدة، انتي مركبة لولب وهو دا اللي مانع الحمل!
بقت الفتاة تنظر إليها في صدمة لا تصدق ما سمعته، تتذكر متى، وكيف تم انتهاك خصوصيتها إلى هذا الحد؟
*************
متنسوش الفوت يصل ل ٥٠٠ زي ما اتفقنا فوق
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الاتنين
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
حاجتين مهمين لازم تعرفوهم
١_ أي معلومات دينية، قانوية، طبية، علمية، بكون سألة وباحثة عنها كويس اوي قبل ما اكتبها، مبتكتبش انا اي حاجة وخلاص
بالنسبة لروني، فيه نوعين من اللولب، لولب هرموني ولولب نحاسي، الاول، بيخفف البريود او يكاد يمنعها اما التاني واللي هي اوريدي لبساه، بيزود دم البريود وبيعمل ألم أسفل البطن وهكذا خاصة اول شهور ليه وبعد كدا الوجع دا بيختفي وهي اوريدي كانت بتحس بتعب وكانت فاكرة البريود هي السبب.
٢_ مش بحب اسلوب بتاع، وصلوا البارت لعدد فوتس معين كشرط لنزول التاني، بس انتوا مش قليلين.
اقول البارت يوصل ل ٥٠٠ الاقيه موصلش حتى ل ٤٠٠! دي حاجة تدايق، بالأخص انكم مستنين معاد اللي بعده، فياريت توصلوا البارت للعدد المطلوب واكتر عادي كتشجيع ليا ❤️
وصلوا دا ل ٥٠٠ فوت بردو و ٦٠٠ كومنت على الفقرات عادي مش عايزة كومنت عشوائية وخلاص.
وبالمناسبة اما البارت اتأجل، نزلت على الفيس بوك انه اتأجل
اللينك برا في البايو
بس كدا
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثالث و الأربعون [ قررت الرحيل ]
سلمى خالد احمد
************
لم تتوقع أن يومًا ما سيأتي وتنهار بذلك الشكل أمام الغرباء أيضًا.
كانت تبكي في انهيار لا تصدق ما فعلوه بها وما ذنبها، أكل ذنبها أنها أحبت يزيد؟
وكانت الطبيبة تنظر إليها بنظرات مليئة بالشفقة وهي تراها في تلك الحالة، وبشكل إنساني قررت أن تهون عليها، لذا قالت لها:
_ انتي عايشة في بيت عايلة؟
هزت رأسها مؤكدة وهي تزيل دموعها وتحاول أن تسيطر على نفسها، فأضافت الطبيبة:
_ طيب علشان كدا... عارفة قولي الحمدلله والله بجد احمدي ربنا... أنا كنت عايشة في بيت عايلة زيك كدا من كام سنة وأهل جوزي كانوا بيحطولي سم وستر ربنا وحده اللي منعني آكل من الاكل دا كذا مرة والكلب هو اللي أكل من أكلي، ومات وعرفت انه مات مسموم وحماتي كانت السبب.
سكتت قليلًا تراقب ملامح الفتاة والتي بدأت تشكل الشفقة والقلق عما كان سيصيب الطبيبة، فتابعت الطبيبة مرتاحة لها:
_ عارفة كمان إيه.. واحدة صاحبتي قريبة مني جدا، أم جوزها ماكنتش راضية عن الجوازة دي، وعلشان تطلع لها مش بتخلف علشان ابنها يطلقها، حطت لها موانع حمل في أكلها اتسببت لها في عقم وعملت لها مشاكل كتير جدا في الرحم وبهدلت لها الدنيا... طبعا بيحطوا أي كمية وفي اي وقت ومش اشراف طبي ولا نيلة والبنت ادمرت، آه اطلقت بس ادمرت.
تنهدت وتابعت:
_ قولي الحمدلله انها جت على قد اللولب، على الأقل اللي ركبه ليكي دكتور وهتقدري تشليه وتحملي زي ما انتي عايزة.
اعتبري نفسك كنتي حطاه وشلتيه وخلاص ونصيحة ليكي، اطلعي برا البيت دا، اهربي والحقي نفسك زي ما انا ما عملت واختاري سلامك النفسي.
كانت صامتة تستمع لها وحسب وتفكر في كلامها.
اضافت الطبيبة:
_ قوليلي، عمرك ما حسيتي بيه؟
أخذت شهيقًا طويلًا ثم زفرته وردت:
_ كنت بحس... كنت بحس بوجع في بطني من تحت.
البريود كانت أطول وأتعب شوية وكان فيه نزيف و...
_ ودا كان بيحصل في أول شهور ليه وبس صح؟
_ ايوا، فأنا افتكرت ان دي البريود، مجاش في دماغي ابدا ابدا ان فيه حاجة محطوطالي، فكرت كتير اكشف اصلا لاني كنت حاسة بحاجة غريبة، بس كان عندي ضغط شغل وكنت محتاجة اثبت نفسي وكنت في فترة تدريب وحاجات كدا كتيرة ومتلغبطة، فكسلت واعتمدت على المسكن وخلاص وواحدة واحدة كان الوجع بيقل والأمور كانت بتمشي... صدقيني يا دكتور انا من كتر اللي بيعملوه فيا، مبقتش ملاحقة عليهم.
_ معلش يا حبيبتي، حسبي الله فيهم وفي كل ظالم زيهم.. انتي اطلعي برا البيت دا وروحي اقعدي في اي مكان حتى لو سكن، يغور بيت العايلة ومشاكله وقرفه.
تحبي تشيلي اللولب؟
هزت رأسها مؤكدة.
بدأت الطبيبة حينها تستعد مرة أخرى لازالته، بينما شردت روني تفكر كيف وضعوه لها.. حتى تذكرت حادث السخان.. وتذكرت تلك المحادثة أيضًا:
قبل عدة أشهر
فاقت وهي تتساءل:
_هو...هو ايه اللي حصل؟
ردت عبير والتي لم يكن غيرها في الغرفة:
_ الدكتور قال إنك اتعرضتي لاختناق وانتي بتاخدي الشاور، ماكنتيش فاتحة الشباك سنة حتى؟
_ كنت فاتحاه والله
_ حصل خير، المهم انك كويسة
انهت جملتها واستدارت كي ترحل، فأوقفتها روني والتي امسكتها من ذراعها وهي تقول:
_ حضرتك عرفتي اللي حصلي ازاي؟
_ لقيت الدكتور طالع وبعدها فاطيمة نادت لي، قالتلي روني تعبانة يدوب طلعت لقيته بيلم حاجاته وماشي سألته عن السبب وقالي
ابتعلت الفتاة ريقها وردت:
_ وأنا...وأنا اتعرضت للاختناق دا ازاي؟
_ عادي يا روني، ياما ناس حصلها اختناق وهي بتستحمى، مدققيش كدا، المهم اهو انك كويسة دلوقتي
انهت كلامها وذهبت، بينما روني لا تصدق أن الأمور انتهت إلى هذا الحد، تكاد تجزم أن هناك شيء ما يُحاكى دون علمها..
وعندما أدركت اللعبة، تمتمت في غضب:
" يا ولاد ال......"
*************
كانت ماهي تجلس على الكرسي في بهو القصر، بجانب أختها، وقالت لها وهي تتأوه:
_ آه يا كوكي مش قادرة
لترد أختها في قلق إلى حد ما:
_ إيه يا روحي مالك؟
_ الحمل تاعبني، حاسة اني بقيت كسولة وعايزة انام علطول وقرفانة ومقريفة وزهقانة...
سكتت قليلًا وهي تنظر إلى جسدها.. وتابعت في نبرة أقرب للبكاء:
_ بصي بصي، تخنت.. بقا عندي افخاد كتير.. بصي الكرش دا.. بصي مناخيري كبرت!
انا زعلانة اوي يا كوكي زعلانة
ابتسمت كاميليا وردت:
_ يا روحي، الكرش دا هو البيبي!
وبعدين عادي كل دا هيختفي أما تولدي ان شاء الله، بقيتي في الكام كدا؟
_ انا في أول الرابع
_ يا روحي الف مبروك، طب مقولتيش من بدري ليه لينا انك حامل!
_ مجتش فرصة، ماكنتش فرحانة بالحمل اصلا.. كان عندي مشاكل مع شهاب.. تقريبا علاقتنا كانت بتنهار وانا وقتها اكتشفت إني حامل
_ طيب ااااا .. مش حابة تعرفي ولد ولا بنت؟
_ لا لا لا، انا عايزة اتفاجئ في الحفلة اللي هعملها ونخمن هو ولد ولا بنت.. هاخد منى عند الدكتور وهي الوحيدة اللي هتعرف هو ولد ولا بنت وفي الحفلة كلكم هتخمنوا وبعدها نشوف هو إيه... انا وشهاب عايزين نتفاجئ بردو
_ طب انتي نفسك البيبي يبقى إيه؟
تنهدت وراحت تفكر... ثم ردت:
_ اممم.. عايزاه ولد، علشان يبقى الكبير ويبقى المسؤول عن أخته ويخلي باله منها، زي ما شهاب حبيبي عامل مع اخواته البنات، وزي ما فاتح روح قلبي كان بياخد باله مننا كلنا.
كمان عايزاه يكون شكل شهاب نسخة منه.
بس انا حاسة إنها بنت.. قلبي بيقول كدا
ربتت على كتفها في حنان وقالت في ابتسامة صغيرة:
_ ربنا يكملك على خير ويقومك بالسلامة يا روح قلبي، ويديكي النهاردة الولد وبكرة البنت
ردت في ابتسامة عريضة:
_ آمين يا كوكي وعقبالك... هقوم انا اشوف بابا فين، جاي على بالي اقعد معاه كتير اوي علشان وحشني موت والله.
أنهت كلامها معها وقامت بالفعل كي تبحث عن والدها.
ابتسمت كاميليا ووضعت في تلقائية يدها على بطنها وحدثت نفسها:
" ويا ترى يا روح قلبي انت كمان، ولد ولا بنت؟ "...
ثم اختفت الابتسامة تدريجيًا.. وظلت تمرر يدها على بطنها وحسب... حتى قالت له، كأنه يسمعها:
" متزعلش مني... حقك عليا.. حقك عليا لاني هجيبك الدنيا وهتلاقي مامتك وباباك منفصلين.. اوعدك هعوضك وهكون ليك كل حاجة في الدنيا.. بس لازم تعرف اني مقدرش افضل مع باباك، صعب جدا نكمل، يكاد يكون مستحيل.. ارجوك اعذرني وسامحني.. غصب عني دا، بس لاني بحبك وعايزاك تتولد في بيئة نفسية سوية وسليمة، هعمل كدا.. "
ثم تنهدت وتابعت تمرير يدها على بطنها..
**********
كان باسم يجلس على الارجوحة في حديقة القصر، يتحرك بها للأمام و للخلف مرات متتالية وهو يزفر دخان سيجارته.
وفي تلك الأثناء، أقبلت نحوه، رهف ثم جلست جواره وقالت في ابتسامة:
_ هتخرجني فين النهارده؟
اختض من تواجدها بشكل مفاجئ بجانبه، فقد كان شاردًا وهي تحدثت فجأة وقاطعته، مما جعله يختض، وعليه زفر في ضيق وقال لها:
_ على فكرة خضتيني!
_ ليه؟
_ قاعد سرحان في أمان الله، لقيتك بتتكلمي فجأة!
_ سوري سوري... قولي بقا بما انه ال weekend بتاعك، هتخرجني فين؟
_ خلينا نخرج بكرة، مش فاضي النهارده
_ ليه مش فاضي النهارده؟
_ كدا، عندي حاجات وعايز اعملها الأول
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ اوكيه، هخرج انا مع صحابي النهاردة، باي
قامت من مكانها وبدأت تتخرج نحو بوابة القصر الخارجية.
كان يتبع أثرها وهو شاردًا يفكر.. حتى لمح، خروج أمه وخالته، كانتا تسيران خلف رهف مباشرة، مما جعله يقوم على الفور ويبدأ في السير كي يتبعهما ويفهم ماذا تفعلان.
**********
كان جياد حينها، يتحدث مع هانيا في أمور متباينة ومختلفة.
وفي الوقت ذاته، سمع أحدهم يطرق باب غرفته، فهم وفتح الباب، فوجده شهاب، ذلك الذي يقف والغضب.
قال له جياد في قرف:
_ عايز إيه انت؟
_ أنا طلقت اختك ماهي وكل اللي بينا انتهى.. وجاي علشان ارجع هانيا ليا
ضحك جياد ضحكة عالية ورد عليه:
_ مستحيل، هانيا بتحبني انا وعايزاني أنا
تدخلت هي قائلة وهي تقدم نحوهما:
_ لا.. أنا عايزة شهاب وهرجع له.. طلقني انت وسبني في حالي وابعد عني
ثم أمسكت في يد شهاب وقالت له وهي تبتسم:
_ يلا يا شهاب، آسفة اني سبتك زمان
ليصرخ جياد:
_ اوعي سيبي ايده، انتي مستحيل تمشي وتسبيني، مستحيل، اوعي سيبي ايده، سيبي سيبي
ليقول له شهاب في شماتة:
_ كان زمان الكلام دا يا عسول، عمري ما هسيب ايدها ولا هي هتسيب ايدي تاني
ثم سحبها وخرج بها، والآخر يصرخ في الخلفية:
_ هانيا لا متسبنيش يا هانيا لا متسبنيش ارجوكي لا لا
يحرك رأسه في سرعة، حتى أن شعره احتك بالوسادة بشكل كبير، وهو يود أن يستيقظ من ذلك الكابوس وبالفعل فتح عيناه وصدره يعلو ويهبط، وهو يلتقط أنفاسه في سرعة... بدأ يجلس حتى يهدأ ما إن استوعب أنه مجرد حُلم وحسب.
نظر جانبه فوجدها نائمة كما هي.
ابتسم واطمأن قلبه وبدأ يلمس شعرها بأطراف أصابعه، وقال في همس:
" انتي مش فاهمة الحرب اللي جوايا عاملة فيا إيه، انتي مش متخيلة كم الرعب اللي انا عايش فيه لاني بس خايف افقدك.. خايف متحبنيش.. اوعي تعملي فيا كدا يا هانيا اوعي.."
ثم قام من مكانه وبدأ يسير نحو المرحاض.. دقائق وخرج منه ثم وقعت عيناه على الحقيبة التي بها اواعيها فهي لم تُخرج كل ما بها.
اتجه صوبها وبدأ يخرج ما بها حتى يعلق الملابس و يرتب الأغراض خاصتها.
وبينما هو يقلب، لمح الصندوق الخاص بالمجوهرات تبعها، سحبه وشعر بفضول في فتحه وبالفعل فتحه وبدأ يتطلع إلى أشيائها، فمنهم ما جلبه لها ومنهم ما كان لها من والدها او من مصروفها وغيره... حتى وقعت عيناه على سلسلة ذهب على شكل قلب يتوسطه حرفي ال SH.
سحبها سريعًا وفردها على باطن يده وبدأ يتطلع بها وفهم على الفور أنها له، لشهاب فإن ذاك الحرفين هما بداية حروف اسمه.
قبض يده بشكل شديد على السلسلة، ثم بدأ يُفتش مرة أخرى حتى لاحظ وجود خاتم زواج خاص بالخطبة، وكان ذلك الخاتم الذي قدمه شهاب لهانيا عندما طلبها للزواج ووافقت.
غضب للغاية وبدأ يُفتش بشكل أسرع واقوى وهو يقلب فيهم.. ولكنه لم يجد ما يثير شكه مرة أخرى.
وعليه غلق الصندوق ثم ألقاه بعيدًا وتحدث صوته الداخلي والغضب يشكل ملامح وجهه:
" محتفظة بالحاجات دي ليه يا هانيا؟ "
ثم استقام وهو يحملهما، واتجه نحو الحذاء خاصته المركون جانبًا منذ أن بدل ملابسه منذ ساعتين تقريبًا وارتدى واحدًا منهم وفي غيظ ألقى الخاتم والسلسلة وفي غضب داس عليهما بحذائه وظل يفرك بالخذاء فيهما كأنه ينتقم وحسب من تلك القطع المعدنية.
حينها استيقظت هي وبدأت تتماطى، وتعجبت كثيرًا عندما وجدته يقف هكذا وحسب أمام باب الغرفة وخافت أكثر عندما رأت معالم الغضب تشكل ملامح وجهه بذلك الشكل.
فقالت في استغراب:
_ هو في إيه؟ انت واقف كدا ليه قدام الباب؟
مالك؟
لم يرد عليها بل كان يرفع أحد حاجبيه في غيظ وعروق رقبته برزت للغاية اثر الغيرة الشديدة التي طرقت باب قلبه.
قامت من مكانها في قلق وتحركت صوبه وقالت له:
_ في إيه؟
إيه اللي حصل؟
واذ بها تلاحظ أنه يرتدي فردًا واحدًا من الحذاء وحسب ويضغط بتلك القدم التي يرتدي بها الحذاء على الأرض بقوة وغيظ.
لم تفهم حينها ما به ولكنها خافت قليلًا وسألته في توتر:
_ إيه طيب؟
رفع قدمه عن الأرض كي يوريها، فلاحظت سريعًا وجود السلسلة والخاتم خاصتها.. ابتلعت ريقها وبدأت تتوتر وعليه ردت:
_ دا...دا..دول.. أنا..أنا كنت نسياهم بس والله.. لكن انا مش بستخدمهم يعني.. انا حطيتهم هنا من زمان ونسيتهم وبس مش أكتر.. الفكرة إني...
سحبها من ذراعها لتجد نفسها في حضنه ثم حاوطها بذراعيه واقترب برأسه من أذنها وقال:
_ انتي عارفة كويس انا مستحمل قد إيه وإيه صح؟
عارفة إني ليا طاقة أكيد.. وعارفة بردو اني مش بحب ازعلك.. بس دا مش معناه انك تسوقي فيها وتبدأي تزعليني انتي وتحرقي في دمي.
ثم وضع قُبلة على عنقها.. وتابع في نفس النبرة:
_ اقسم بالله لو فضلتي تستغلي حبي ليكي بالشكل دا وتحرقي في دمي بالطريقة دي ما هسكت.. انا عمال اشيل واعدي علشان الأمور تعدي وعلشان متكرهنيش وتدايقي مني...
سكت برهة.. وبدأ يحرك انفه على عنقها مما جعلها تشعر برجفة خفيفة اثر الخوف، ثم وضع قُبلة والثانية ثم رفع رأسه مرة أخرى نحو أذنها وتابع كلامه:
_ مليش دعوة بكل اللي حصل.. مليش دعوة انك اتجبرتي، مليش دعوة انك اضربتي.. مليش دعوة انك سمعتي كلامهم ووافقتي بيا، ولا ليا كان ليا إني أطلقك بدون ما ألمسك ولا ليا إني استر عليكي قصاد أهلي وأهلك، ومتكلمش عن عمايلك لو كنتي اختارتي الانفصال.. كل اللي ليا انك وافقتي وانا جوزك وانتي مراتي... كل اللي ليا اني خيّرتك وانتي اختارتي تفضلي ومتنفصليش بمشاكل لانك عارفة انك غلطانة.. كل اللي ليا إنك ادتيني فرصة تانية وانا مش شايف أي تغيير.. اقسم بالله، اقسم بالله مرة تانية، واحد غيري وفي مكاني كان وراكي يعني إيه راجل يتمنع عن حقه ويعني إيه راجل يتعمل معاه كل اللي انتي عملتيه معايا دا... بس ارجع واقول اني بعمله ومستحمل علشان بحبك، كونك مش شايفة الحب دا ولا اللي بعمله علشانك، فدي مصيبة.
ابتعدت عنه وقد اتاح هو لها فرصة الابتعاد وقالت له:
_ كل دا... علشان نسيت السلسلة والخاتم مع ال accessories بتاعتي!
اومال لو كنت لبساهم!
رد في نبرة بها التحذير واضحًا:
_ بعد اذنك، متقلليش من غضبي وغيرتي والاحساس اللي أنا حاسه
_ مش بقلل بس انا قولتلك نسيت!
حاضر، هبعدهم و...
قالتها وهي تميل للاسفل كي تلتقطتهما وتتخلص منهما ولكنه وضع قدمه عليهما مرة أخرى وقال:
_ لا.. أنا اللي هتخلص منهم بنفسي، متلمسيش بايدك زبالة زي دي، انا حطيتها تحت رجلي وفعستها بجذمتي
ظلت مكانها لحظات وهي بنفس الوضعية المائلة للاسفل في استعداد لالتقاط اشيائها ولكنه لم يبعد قدمه، مما جعلها تستقيم مرة أخرى وقالت له:
_ عامة اجهز علشان ننزل ناكل برا ونتكلم في كام حاجة زي ما اتفقنا
بدأ يتطلع إليها وإلى جسدها بشيء من التملك، فهي خاصته وزوجته فكيف لها أن تبعده عنها كل ذلك الوقت!
كان حانقًا من ذلك الرفض وذلك البُعد متوجعًا ومتألمًا كل دقيقة وثانية تمر وهي بجانبه وكأنها ليست بجانبه وكأنه غريبًا عنها.
أما هي فنظراته لم تريحها، وعليه تحركت نحو المرحاض فقال لها:
_ أجلي الكلام اللي عايزة تقوليه للعشا.. يعني في سهرة حلوة هننزل ونتكلم النهاردة بليل، الوقت دا يدوب نتغدا ونقعد مع بعض شوية والساعة ٦ في اجتماع، هدخل اونلاين
هزت رأسها موافقة وقبلما تتابع سيرها، وجدته هو يُقبل نحوها فقالت سريعًا:
_ متفقة معاك في اللي انت قولته كله عامة.. نتغدا على الشط ونقعد مع بعض شوية قدام البحر، وحشني اشوف البحر
أخذ شهيقًا طويلًا ثم زفره على مهل ورد:
_ بردو بتهربي مني؟
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا لا خالص.. أنا بس بقول بلاش نفضل في الاوضة ونضيع الاجازة كلها في الاوضة، احنا أكيد جايين علشان ننبسط و نخرج ونتكلم وكدا يعني
هز رأسه موافقًا في ضيق وعلى مضض ثم أشار لها جهة المرحاض وقال في تقبل الأمر الواقع:
_ اتفضلي ادخلي التويلت واجهزي خلينا نطلع على الشط ماشي
هزت رأسها موافقة وهي تبتسم ثم ذهبت بالفعل، بينما هو تتبع أثرها وقال في نفاد صبر:
" الصبر من عندك يارب.. الصبر.. الصبر.."
***********
خرجت روني من عند الطبيبة بعدما هدأت قليلًا وزالت اللولب وبمجرد خروجها، اتجهت نحوها مايا في خطوات سريعة وقالت:
_ عملتي ايه طمنيني، الدكتور قالت لك إيه؟
قالت لها ساخرة:
_ الانجاس، الكفار اللي من نسل الصهاينة دول، طلعوا مركبين لي لولب
شهقت مايا ضاربة صدرها في عدم تصديق، فتابعت روني:
_ على العموم، بقول الحمدالله انهم حطولي أأمن حاجة، بدل ما كانوا شربوني حاجة تبهدل هرموناتي او تمنع عني الحمل طول العمر.. شياطين زي دول ممكن يجي في دماغهم أي حاجة
_طب..طب ازاي دا حصل؟
بدأت تسرد لها الحادث من أوله
(لمن يريد التأكد أو التذكر يمكنه العودة إلى الفصل ١٧)، وبعدما انتهت كانتا قد خرجتا من المشفى واتجهتا نحو السيارة، فردت مايا وهي تفتح الباب لتركب:
_ هتعملي إيه يا روني طيب؟
_ اركبي بس اركبي، انا هروح القصر وهطين عشيتهم
وقبلما تركبا، لاحظتا مجئ سيارة بشكل سريع ثم توقفت أمام سيارة روني تمنعها من متابعة السير، وفي الحال خرجت حليمة فكانت هي من تسوق، ثم فاطيمة وكانت تجلس في الكرسي الأمامي جانبها.
اتجهتا في الحال نحو الفتاتين وقالت حليمة بمجرد وقوفهما قبالتهما:
_ طبعا احنا عرفنا انتي عرفتي إيه عند دكتورة النسا، يعني جوزك قال انك رايحة تعملي check حمل فجينا نقوم بالواجب..
وتابعت فاطيمة على سير كلامها:
_ وبما ان اختك مسترتش وراحت قالت لشهاب يدخل علشان فاكرة انه هو هيقدر ينقذ مننا هانيا، فألاكيد أنها قالتك انها راحت لدجال واننا مهددنها.
لتضيف حليمة:
_ طبعا لو اتكلمتي وقلتي نص كلمة علينا وانتي اصلا مش عندك دليل إننا عملنا كدا، بل بالعكس طول الوقت بنقولك امتى هنفرح بيكي وفي قلب السفرة وانتي كنتي بتقولي من الأولى تسألوا السؤال دا لبنتي أسيل.
لتكمل فاطيمة:
_ هنفضح اخواتك الاتنين وبالاخص الكبيرة الشايخة اللي راحت لدجال علشان تعملوا سحر لاولادنا وطبعا معروفة اخترعتي فكرة اللولب دي واتهمتينا بيها علشان عرفنا سر عن اخواتك الاتنين.
انتي حرة بس نصيحتي متقفيش قدامنا تاني و...
قاطعتها قائلة:
_ اخرسي، انا مش خايفة منكم ولا من امثالكم، ولو فاكرين ان حركة وسخة زي دي أثرت فيا ولا خوفتني تبقوا غلطانين، انا لسه بقوتي ولسه هقف لكم ولسه هكشفكم ولسه هفضل اخوفكم وارعبكم وبكرة تشوفوا وتتأكدوا بنفسكم من اللي هعمله فيكم
ضحكت فاطيمة وقالت ساخرة:
_ جرعة شجاعة حلوة.. بس صدقيني لو هتطربق، هتطربق على دماغ الكل وانتوا بنات السلاب اولنا وصدقيني بردو، خفتي وبتخافي وهتخافي وهتطلقي والا دا مش هيكون كفاية عليكي، تقريبا هتضطري تخلينا نستخدم الدم.
انهت كلامها ثم انصرفت وكذلك لحقت بها أختها.
تتبع روني أثرهما في غيظ وغضب ثم ركبت سيارتها سريعًا وكذلك ركبت مايا.
وفي سرعة شدت حزام الأمان وفي عصبية ارتدته وكانت مايا تلاحظ ذلك وهي تنظر إلى أختها في خجل فها هي تتحمل كل ذلك لأجل ألا ينكشف سرها، وقالت لها في نبرة بها الأسف:
_ روني...روني انتي كويسة؟
كانت الأخرى لا ترد عليها بل أخذت تعد السيارة لتنطلق والغضب يكسو ملامح وجهها، ثم أمسكت عجلة القيادة وفجأة صرخت وهي تضرب على العجلة بكلتا يديها في قوة وسرعة وغضب وكأنها تخرج كل تلك الطاقة السلبية التي بها.
وحينها شعرت مايا بالاسف والشفقة على أختها وكرهت ما فعلته معها.
بدأت الفتاة تهدأ شيئًا فشيئًا بعدما صرخت بما فيه الكفاية وبعدما أحست بتحسن وكأن طاقة الغضب كلها قد خرجت وذهبت.
بدأت تتنفس في هدوء تأخذ شهيقًا طويلًا.... ثم تزفره على مهل وهكذا وهي ترجع للوراء حتى سندت برأسها على مقدمة الكرسي واغمضت عينيها.
سقطت دموع مايا بلا مقدمات ما إن رأت أختها في تلك الحالة وبدأت تشعر بحجم الكارثة التي فعلتها بنفسها وبأختيها لذا اقتربت منها ووضعت قبلة صغيرة على جبينها وقالت:
_ أنا آسفة، أنا آسفة حقك عليا أنا آسفة
وبعيدًا أمام إحدى السيارات المصطفة، كان باسم يقف هناك وقد رأى كل شئ وعليه تمتم:
" في إيه بقا يا ماما، انتي واختك بينكم إيه وبين روني؟
وعليه اتصل بأمه وأخذ ينتظر الرد... وبمجرد أن استجابت، قالت:
_ ايه يا باسم؟
_ ايه يا ماما.. فينك؟
_ كنت في مشوار كدا مع خالتك وراجعين القصر اهو
_ مشوار إيه يا ترى؟
_ مشوار عادي يا حبيبي، زيه زي أي مشوار
رد في نبرة حادة:
_ ماما.. انا بساعدكم وعملت قبل كدا اللي انتوا عايزينه، فعيب اوي انك تخبي عليا يعني!
لاني انا شفتك انتي واختك وانتوا واقفين مع روني قدام المستشفى، وكمان واقف اهو وشايف البت عطلانة مكانها وعمالة تتشال وتتهبد، فقوليلي بقا عملتوا فيها إيه؟
وياريت الحقيقة علشان انتي عارفة اني بشم ريحة الكدب يعني
نظرت إلى أختها تنتظر الأمر منها، فهزت رأسها بالقبول وعليه ردت على ابنها:
_ ماشي هقولك بس سر، اوعى يا باسم ها
_ انا مش عيل يا ماما اخلصي!
_ كنا مركبين لروني لولب علشان متحملش من يزيد وهي عرفت فكنا بنهددها علشان متتكلمش
كان صامتًا يستوعب... ثم رد:
_ طب ليه تعملوا كدا؟
ليه مكتفتوش بأي زفت في أكلها؟
_ علشان هي عارفة ألاعيبنا من بدري ومش بتاكل غير من أكل يزيد تقريبا، وكمان علشان لو اكتشفت بعد كدا هتقول حد كان بيحط لي حاجة في الأكل وهنبان اوي.. انما اللولب هيبان كأنها هي اللي حطاه وهي اصلا اللي كانت بتقول مش هخلف دلوقتي وهي كمان اللي كان كل أما عبير تسألها عن الحمل تقول محدش ليه دعوة وانا مش عايزة، يبقى واضح اهي انها مانعة الحمل!
يبقى اما تقول احنا يبقى اتهام لينا علشان منفشيش سر اختها هانيا والحمدالله بالصدفة طلع لنا سر أختها التانية.. انما لو حطينا حاجة في أكلها هيبان انه هو احنا جدا.. لكن دلوقتي مفيش اي دليل علينا وهنقول بكل بساطة زي ما انت قلت دلوقتي.. كنا حطينالها مانع في الأكل مش عملنا الهبل دا! ونبين إنها بتكدب
سكت شاردًا في تفكيره..:
" يا نهار مش فايت.. البت دي شايلة مننا كتير اوي واتعمل فيها كتير واتعدينا على خصوصيتها اكتر وشكلها مش هتسكت..."
***********
يجلس شهاب منتظر أحدهم وهو داخل أحد المقاهي ينظر من آن لآخر نحو ساعة يده..
وأخيرًا قد ظهر الرجل، إنه عمه والذي أقبل نحوه في ابتسامة حتى وصل إلى الطاولة التي يجلس عليها وسحب الكرسي الموازي لكرسي شهاب وجلس عليه وهو يقول:
_ معلش لو اتأخرت عليك
_ لا عادي يا عمي، قولي تشرب إيه؟
_ قهوة فرنساوي
طلب له ولنفسه ثم قال حتى تأتي المشروبات:
_ ازيك يا عمي عامل إيه؟
_ الحمدلله يا شهاب، وانت إيه الاخبار؟
كويس ولا لسه بتطارد هانيا الزيني؟
زفر الشاب في ضيق وتجاهل ذلك السؤال والرد عليه... ثم قال له:
_ عمي، انت عارف كويس ان قبل ما بابا الله يرحمه ما يموت، انه خلصك وخلص حقك كله مظبوط؟
هز رأسه نافيًا ثم رد في نبرة عالية نوعًا ما:
_ لا، لا مش مظبوط.. ابوك مخلصش حقي وانا ليا حق في البيت دا، لانه بيت ابويا ومش معنى اني خرجت منه وجبت بيت برا يبقى اني هسيب شقتي والبيت كله ليكم!
انت قولتلي لا يا عمي البيت ليه حرمة وخد شقتي المنفصلة وخلي البيت بالدورين ليا انا وامي واخواتي البنات، صح؟
_ اولا يا عمي متزعقش احنا بنتكلم اهو براحة!
ثانيا ماشي صح، انا فعلا قلت كدا.. بس ماما عمالة تأكد لي ان بابا مخلص حقك وان هو قالها هوريكم العقد والدليل بس ملحقش وعمل الحادثة ومات بعدها بمفيش!
_ وانا بقولك مخلصنيش، هو اصلا ابوك هيخلصني منين، هو كان حيلته إيه أصلا!
_ لا كان حليته وكان شغله كويس وكان مكفينا وزيادة، احنا انهارنا بعد موته بس مش اكتر و...
رد عمه في نبرة حادة:
_ ماشي خلاص أنا حرامي، عايز يعني توصل للمرحلة دي معايا؟ ماشي سهلة
رد الشاب في غيظ:
_ يا عمي الله يكرمك أنا..
وقاطعه، مجئ النادل والذي بدأ بوضع المشروبات على الطاولة وعقب انصرافه، قال العم:
_ وبعدين انت باصص لي في شقة معفنة اوضتين وصالة وانت ما شاء الله عايش في شقة أكبر واوسع واحلى ومراتك مليونيرة؟
رد الشاب في نبرة مليئة بالغيظ:
_ وانا مالي ومال مراتي دلوقتي يا عمي، لا حول ولا قوة إلا بالله!
رد عمه بنبرة بها المكر:
_ والله!
عليا يا ابن يحيي!
قرب جسده نحو الطاولة ليكون منه اقرب وتابع في ابتسامة صغيرة:
_ يا عبيط، انا عايز مصلحتك.. أنا سمعت كدا ان مراتك ماهي الزيني دي بتحبك اوي ومستعدة تعمل اي حاجة علشان خاطرك.. فليه ياض متقعدش معاها في قعدة صفا كدا وتقولها اكتبي الشقة باسمي يا روحي انا الراجل ومينفعش اكون قاعد في شقة مراتي وواحدة واحدة هديكي تمنها وهقسطه.
هي بقا هتقولك خدها ومن غير أي حاجة المهم تفضل معايا يا حبيبي و....
قاطعه الشاب في نبرة جامدة وهو يعمل على السيطرة على نفسه كي لا يرتفع صوته:
_ كويس انك فاكر لسه اني ابن يحيي، وعارف كويس اوي يحيي مظهر كان مربي ولاده ازاي، وعارف ان شغل النطاعة دا انا متعلمتوش ومراتي فلوسها وثروتها لنفسها، هي حرة فيهم وانا مليش الحق اني أخذ منها أي حاجة و...
قاطعه عمه قائلًا في سخرية:
_ ياخويا قول كلام غير دا، ايش حال انك اتجوزت في قصرها وخونتها في قصرها وطادرت مرات اخوها في قصرها!
جت على الشقة وهتعملي فيها راجل!
_ ماهو لانك حرامي وسرقت مني شقتي وتعبي وشقايا، اضطريت اقعد عندها، هي كانت موافقة نتجوز علطول وانا عرفتها انك واخد شقتي وهي اقترحت نقعد في شقة لحد ما...
وقف عمه وقال في اعتراض واضح وعصبية شديدة:
_ انت واحد قليل الادب وبتتهمني بالسرقة وانا مش هكمل معاك الحديث دا
ليقوم الآخر ويقول في نفس النبرة:
_ مفيش فايدة يا عمي، هتخليني اضطر أدخلك المحاكم وانا ماكنتش عايز كدا، هما يتأكدوا بنفسهم ويفتشوا ويدوروا و...
قاطعه قائلًا في تحدي:
_ لو دخلتني المحكمة، هدخلك القبر وهخرب بيتك.. هروح اقول لجوز المحروسة اللي انت خطفتها بموضوع عدم التعرض اللي احنا حضرناه مع ابو البت، وهقول انك نمت معاها وانا لان ضميري أنبني كتير، اضطريت اقوله باللي حصل بينك وبين مراته في الشقة وساعتها هيقتلك ومش هياخد فيك سنة سجن، أصلها هتبقى قضية شرف بعيد عنك، هيقول قتلته دفاعا عن شرفي وعمه الدليل وانا هشهد انك قولتلي فعلا ان دا حصل وكنت عايزني استر عليك، بس انا راجل تقي بقا وخاف ربنا وضميره أنبه وخلاه قال بقا كل حاجة.
واه كاميرات الشارع هتثبت انك خدت مراته الشقة، وانك خطفتها وانك اتهجمت على بيت الراجل وخدت البت من قلب البيت
كان الشاب يقف والصدمة لا يصدق ما يقوله له عمه... فتابع عمه في ابتسامة ونبرة استفزازية:
_ لو كنت عايز الدولي يُستر، سيبك من موضوع الشقة دا خالص وبص على النعم اللي في ايدك، عايش مع بنت حلوة وغنية وبتجبلك اللي نفسك فيه.
أنهى كلامه هكذا ثم انصرف تاركًا الشاب يقف وصدمته... حقًا كل الأدلة تدينه هو وهي، كان حبيبها ثم زوج أخت زوجها كي يصل لها، ثم تتبعها ثم أختطفها وهي لم تمانع وفي النهاية وقعت الفاحشة بينهما وقتله زوجها لأجل ذلك..
وبينما هو شاردًا يفكر في الأمر... سمع صوت هاتفه يرن، أخرجه من جيبه ثم نظر إلى شاشة الهاتف فوجدها زوجته، رد قائلًا في نبرة باردة:
_ الو
ردت في ضيق:
_ هو انت فين يا شهاب؟
زفر في ضيق ورد:
_ في مشوار كدا وجاي
_ مشوار إيه؟
هو انت بتختفي فجأة؟
معقولة؟
كنا قاعدين وبنتكلم وبابا كان بيتكلم ومخططين نخرج وانت فجأة تختفي؟!
رد في غضب:
_ ماهي، انا راسي مشغولة بألف حاجة ومش رايق خالص، تمام؟ فكك مني بقا دلوقتي علشان أنا على أخري.
انهى كلامه وأنهى المكالمة أيضًا فحينها لم يكن يطيق أن يسمع صوتًا أو همسًا حتى.
اخرح مالًا من جيبه وحاسب على المشروبات وانصرف في خطوات سريعة وبينما هو يمشي، كان يهمهم:
" هي حصلت، حتى انت كمان هتهددني!
مش بعيد تمسكها عليا ذلة وتطلب مني اكتر وتستغل ان مراتي غنية وتقولي يا أما هقول لجياد! "
خرج حتى مكان الموتوسيكل خاصته وفي عصبية سحبه واخرج المفتاح وقبلما يركب... لاحظ وجود بقعة زيت سوداء تحت عجلات الموتوسيكل.
شك في الأمر وقلق للغاية وعليه ضغط على الفرامل فوجدها هشة مما جعله يخاف أكثر وفي سرعة بدأ يفحص سلك الفرامل حتى وجده مقطوعًا ومن هنا ادرك الفخ وعليه قال في صدمة:
" يا ولاد ******** بقا عايزين تموتوني؟!
على آخر الزمن هموت بحادثة موتوسيكل على الدائري زي ما جياد كان نفسه؟
عايزين تخلوه يشمت فيا؟! "
وقف بجانب دراجته النارية يفكر في تلك المصائب أجمع... ثم تذكر سؤال الشيخ عن جياد واجابة فاتح بأنه سافر هو زوجته وعليه خاف كثيرًا على هانيا، خاف أن يتهور عمه ويتصل بجياد ويخبره، او أي من العقربتين، تحيك أي أمر والفتاة مع ذلك المجنون وحدها هناك لا أحد سينقذها منه، لذا فكر في الاتصال على أختها كي تخبرها ما يود أخبارها به...
**********
كانت كاميليا تمر في بهو القصر تتجه نحو مكتب والدها كي تتحدث معه، وحينها لاحظت أن ماهي تجلس على أحد الارائك البعيدة عن المارة، تبكي وصوتها ظاهرًا لمن يعبر من هنا خصيصًا.
بمجرد أن سمعت صوتها، علمت انه صوت أختها وعليه قالت في قلق وهي تتجه نحوها:
_ ماهي!
مالك يا قلبي بس مالك؟
ثم جلست جوارها وضمتها إلى صدرها وتابعت وهي تربت على ظهرها:
_ ايه يا روحي، بتعيطي ليه في إيه؟
ردت واصوات شهقاتها تتلاحق:
_ ششش شهاب
ثم تابعت بكائها، لتتساءل كاميليا:
_ ماله شهاب؟
بدأت تزيل دموعها وتهدأ شيئًا فشيئًا وردت:
_ وعدني إننا هنخرج النهاردة لأول مرة اصلا نخرج مع بعض وقالي هعملك مفاجأة يعني انا قولتله اختار انت المكان واعملهولي مفاجأة وخرجني فيه.. اي مكان انا راضية، راح اختفى وفي الآخر يقولي في مشوار كدا واما بقوله طب ووقتنا وخروجنا راح قالي بعصبية وكأنه مش طايقني ابدا وكأني تقيلة على قلبه، فكك مني مش فاضي وراسي مشغولة بألف حاجة وقفل في وشي السكة
تابعت في بكاء شديد بعدما شعرت بالشفقة على نفسها:
_ هو ليه بيعاملني كدا؟ هو مش بيحبني صح؟
انا اصلا مش في اولوياته اصلا، انا اصلا ولا فارقة معاه، أنا...
قاطعتها أختها وهي تربت على كتفها وتقول:
_ اهدي يا ماهي اهدي يا حبيبتي.. انتي لسه من شوية كنتي بتشكري فيه وبتقولي هو قد إيه شاطر وعنده كذا شغل و بيحاول يوفق بين بيته وبين كل الشغل اللي دخل فيه دا، صح؟
هو تلقاه مخنوق بس، شعور المسؤولية خنيق.. جايله طفل قريب ومحتاج حاجات كتير، محتاج يأمن مستقبله، أخته اللي هربت دي كوم تاني خالص، أكيد شاغلة عقله وتفكيره، جايز جاله امر طارئ فاضطر يقوم يشوف في إيه، أمه واخته التانيه مربوطين في رقبته وعايز يشوفهم ويصرف عليهم وووو.. الراجل صراحة التزاماته كتيرة ومسؤولياته اكتر.. اهدي عليه ومتكرهيهوش في حياته.. علشان ميزهقش منك ويحس نفسه متجوز عيلة صغيرة!
راعي وقدّري، ولو النهاردة مخرجكيش بكرا اهو اجازة وهيخرجك.. ارميهاله كدا، اللي هو شوف سبتك النهاردة براحتك اهو، بكرة بقا بتاعي فيحس انه مقصر ويقولك ماشي ويخرجك، تمام؟
_ انا اصلا مش متظبطة حاسة نفسي مخنوقة يا كاميليا
_ مقدرة دا جدا.. انتي حامل وهرموناتك متقلبة وعايزة منه هو اهتمام كبير و...
قاطعتها قائلة:
_ إيه علاقة اللي بقوله بالحمل؟
_ اه طبعا ليه علاقة جدا، انتي عارفة كويس ان الحمل بيزود هرمون الإستروجين والبروجسترون، وده ممكن يسبب، حساسية عاطفية أعلى، واحتياج أكبر للأمان والاهتمام ورغبة في انك تحسي إنك مرغوبة ومحبوبة
تقلبات مزاج، مرة محتاجة قرب جدًا، ومرة عايزة تبعدي جدا
يا حبيبتي انتي عايزاه جمبك طول الوقت
بتضايقي لو حسّتي إنه مش مهتم.. كل دي أمور طبيعية وانتي اصلا بطبعك واحدة بتحب الاهتمام جدا من كل اللي حواليها ودايما لازم تسحبي الاهتمام دا، وحساسة في النقطة
صاحت في ضجر وبنبرة اقرب للبكاء:
_ طب هو ليه مش مقدر؟
مش دارس يعني؟
مش مثقف؟
ما انتي عارفة اهو!
تنهدت وردت:
_ انا قولتلك، باين عليه مضغوط
_ يا كوكي انا من زمان اصلا وانا مش لاقية شهاب.. شهاب بيجنني بتقله وقلة كلامه واهتمامه... علطول بيبقى قاعد سرحان وساكت ومشغول وانا بقيت حاسة اني بشحت منه الاهتمام، تعبت، افهمه ازاي اني بحبه وعايزاه دايما جمبي وقريب مني؟
التقل دا هيجنني، انا عمر ما حد تقل عليا كدا قبل كدا.. أطلق يعني؟
_ لا لا، طلاق إيه بعد الشر!
متقوليش أي كلام وقت غضب واهدي كدا واتكلمي معاه بالعقل وبراحة أما يجي وفهميه انك ليكي حق عليه وعايزة من وقته انتي وابنك ودا حقكم الطبيعي منه
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت في نبرة حاسمة:
_ انا لازم فعلا اتكلم في الموضوع دا واشوف له حل وحد علشان انا خلاص بجيب أخري من العلاقة دي
**********
وعندما جاءت كلًا من حليمة وفاطيمة، وجدتا عبير تجلس على أحد الطاولات تحتسي القهوة خاصتها ويبدو أن الغضب يكسو ملامحها.
اقتربتا منها ثم سحبت كلًا منهما كرسي وجلست عليه، ثم افتتحت حليمة الحديث، قائلة:
_ ايه؟ مالك يا عبير هانم؟ الشيخ كان عايز إيه؟
سكتت ثم شردت في الحديث الذي دار بينهما قبل ساعتين على الأقل، تتذكره.. حيث قال لها الشيخ عقب خروجهما:
_ أنا ورايا شغل في مصر وفي قطر وقريب هيكون في تشيلي ولسه كمان ناوي اعمل في كذا مكان وكذا دولة تانية، فأنا حقيقي مش فاضي ابدا لكل حوارات القصر الفارغة دي، الأمور بسيطة وابسط مما تتخيلي، متعقديهاش ومتصعبيهاش انا على أخري وقرفان.
_ ما انا قولتلك يا شيخ، البنات دي طمعانين في ولادي و...
رد عليها مقاطعًا أياها في سرعة:
_ عبير انا قرفت من الاسطوانة المشروخة دي واللي مش بتعني لي اي أساس اصلا، البنت منهم طمعانة في ابنك ازاي؟
بتقوله هات لي عربية؟ هات لي دهب؟ هات سوليتير؟ هات لي أي زفت مزفت؟
مراته وحقها وتطلب وعادي جدا طالما جوزها متيسر ويقدر يجيب، دي فلوسه وهو حر يوديها فين، هما بيشتغلوا وبيتعبوا علشان يريحوا مراتتهم يا ستي انتي إيه يزعلك؟
ايه يدايقك؟ خدوا ايه منك؟ خدوا ايه من جيبك؟
كانت تنظر إليه في ضيق فإن طريقته ضايقتها للغاية، فتابع متجاهلًا ذلك:
_ تاني يا عبير اهو بحذرك، اقفلي السهراية دي خالص، مايا روني هانيا وحتى أسيل، كل واحدة مسؤولة من جوزها، وهو حر معاها في موضوع الفلوس والمصاريف وفي النهاية الفلوس دي هتكون ليهم ولعيالهم، احنا مش هناخد معانا حاجة في اخرتنا.
ثم اضاف محذرًا:
_ اياك بقا تهدي وتبقي رزينة كدا وعاقلة وتبطلي شغل الحموات دا، البنات متربيين احسن تربية ومفراحين عيالنا وبيحبوهم، متخربيش عليهم بقا، لو سمعت انك مش عارفة تديري البيت ولا تتحملي مسؤولية ولا تحلي مشكلة مرة تانية، هسحب سلطتك كلها من القصر، هقول للخدم وللحراس ان الكلمة بعد كدا، كلمتي انا وبس، مفهوم؟
هزت رأسها موافقة على مضض، ثم ردت:
_ مفهوم يا شيخ.. بس بكرة تدرك وتفهم انا كنت اقصد ايه بالظبط، اما تشوف بعينك العمايل السودا اللي بيعملوها بنات صحابك في عيالك، والعيال ساكتة علشان تمشي الحياة، وواحد زي جياد دا الحزن شوية وهيخرج من نفوخه وانت ولا على بالك، عن إذنك...
خرجت عن شرودها على سؤال فاطيمة وهي تقول:
_ روحتي فين يا عبير هانم؟
ردت عليها:
_ ها!
معاكي، معاكي قولي
_ حليمة كانت بتسألك، الشيخ كان عايز منك إيه؟
ردت عليهما:
_ ولا حاجة عادي...
سيبكم منه دلوقتي ركزوا معايا.. لازم أخطاء البنات دي تظهر كلها قصاد الشيخ، هو شايفهم ملايكة، انما انا وانتوا عندنا الحقيقة ولازم نبينها..
نظرت كل منهما إلى الأخرى ثم نظرتا إليه تارة أخرى..
وردت حليمة:
_ طبعا.. طبعا لازم
************
وفي بهو القصر في أحد الأركان، كان يجلس يزيد وهو يضع الحاسوب أمامه على الطاولة يضغط على الازرار ويبدو أنه مشغولًا للغاية.
أقبل فاتح نحوه وقال له:
_ هو كل دا وروني و مايا فين؟
رفع رأسه إليه وقال:
_ روني راحت تعمل check حمل النهاردة وخدت مايا معاها
_ ما انا عارف، مايا قالت لي، بس قصدي انهم اتأخروا!
_ طب كلم مايا كدا شوف، موبايلي مش جنبي مش عارف راح فين!
وبالفعل اتصل عليها فاتح.. وردت عليه قائلة:
_ إيه يا فاتح؟
_ ايه يا مايا فينكم؟
_ روحنا نشم هوا شوية، طلعنا على كافيه وقاعدين انا وهي هناك
_ طب مش تقولوا!
_ لسه يدوب واصلين يا فاتح من شوية، كنا عند الدكتور وهي اخرتنا شوية، أكيد كنا هنتصل ونقول
_ طيب حاولي متتأخريش بقا لان انتي عارفة اننا خارجين
ليضيف يزيد:
_ قولها واحنا كمان خارجين علشان روني متتأخرش
فقال بالفعل:
_ ويزيد بيقول انه هما كمان خارجين، فمتتأخروش بقا
_ حاضر
انهى المكالمة معها، وقال لأخيه:
_ خلصوا كشف وراحوا مع بعض كافيه قال!
_ ماشي مفيش مشكلة، خليهم مع بعض شوية، جايز عايزين يتكلموا مع بعض في موضوع ولا حاجة
_ ماشي.. هروح اشوف بابا عايز افهم عايزنا في ايه الساعة ٦
_ أكيد هيكلمنا بخصوص سفره وايه اللي حصل معاه وكدا..
_ ماشي، هروح اشوف حسان بقا
********
وفي الحديقة، مكان القطط، كان حسان يقف وسط قططه والطبيب يقف معه ويتحدثان
اقترب فاتح من مكانهما وقال في قليل من القلق:
_ خير ان شاء الله؟
التفت إليه حسان واجاب:
_ خير يا فاتح خير.. ساشا تعب شوية بس وجبت الدكتور علشان يطمني عليه
_ ساشا قطك؟
_ ايوا القط بتاعي
اعطاه الطبيب الدواء المطلوب ثم انصرف وبعدما ذهب قال حسان في حزن:
_ زعلان عليه اوي، طول الليل بيرجع وانا فضلت قاعد جمبه الليل كله اول مرة يتعب كدا
_ خير ان شاء الله، ان شاء الله يخف، هو فين؟
_ منيمه جوا ومغطيه لانه واخد دور برد
_ طيب بالشفا ان شاء الله يا حبيبي
ثم اضاف:
_ مش عايز بقا تروح تطمن على نفسك انت كمان؟
زفر في ضيق ورد:
_ ليه، اكشف على إيه؟
_ يعني.. علشان يجيلك عيل.. تعرف روني النهاردة راحت هي ومراتي يعملوا check حمل و يزيد هيروح لو طلعت روني كويسة علشان يشوف ايه مأخر الحمل، انت واسيل مش هتعملوا كدا؟
مش عايز تبقى اب؟
مش عايز يبقى عندك اطفال صغيرة؟
أكيد مش هتعيش بس للقطط يعني يا حسان!
و..
قاطعه قائلًا بعدما زفر في ضيق:
_ فاتح، هقولك على حاجة واوعى تقول لحد، اوعى
عقد الشاب حاجبيه في قلق ورد:
_ إيه في إيه خير؟
_ مش هتقول صح؟ مش هتتكلم؟
_ مش هقول يا حسان ولا هتكلم، قول
سكت مترددًا... ثم رد بعد حين:
_ انا مدخلتش على أسيل اصلا لحد دلوقتي علشان اشوف أمور الخلفة دي..
_ إيه!
رد في عدم استيعاب.. فتابع حسان:
_ زي ما بقولك كدا.. دا اللي حصل
_ طب ليه؟ ليه كدا؟
سكت يفكر لحظات... ثم رد:
_ اهو عادي يعني... دا اللي حصل.. دا بالاتفاق بينا يعني.. احنا اتفقنا على كدا
_ ايوا وانتوا ليه تتفقوا على حاجة زي كدا مش فاهم؟
هو انتوا متجوزين ليه؟
تنحنح ثم رد:
_ الموضوع دا شخصي جدا ومش حابب اتكلم فيه، هو كدا وخلاص.. هروح اشوف ساشا علشان الدوا
تركه وذهب للقط خاصته بينما فاتح كان يقف وهو لا يصدق ما قاله أخيه له...
*********
_ انتي عارفة اني اكره ما عليا هو الطلاق، واني عمري ما اشوفه حل، لانه خراب بيوت مستعجل، فاتني اقنعيني، يعني ايه يعني عايزة تطلقي من واحد كنتي فرحانة بيه وعايزة تتجوزيه، ولسه مكملتوش شهرين على بعض!
خانك مثلا؟
تحدث الشيخ إلى كاميليا وهما داخل مكتبه وكان ذلك اول تعليق له بعدما أخبرته بقرار طلاقها من أمجد.
فكرت كي تعطي له جواب، فالحقيقة هي قد اخترعت جوابًا وأعددته ولكنها كانت مترددة قليلًا في قوله لوالدها.
ولكن ما إن ضغط عليها حتى يسمع إجابة، قالت مضطرة:
_ بصراحة يعني... هو.. هو مش نضيف في نفسه
علق غير متفهمًا:
_ يعني إيه؟
_ يعني... مش نضيف يا بابا، شخص مش نضيف، نضافته الشخصية مهمل فيها، نضافته عامة مهمل فيها، نضافة المكان اللي قاعد فيه مهمل فيها، وانا مش بحب قلة النضافة دي.
_ عايز افهم اكتر، عادي يعني، يمكن نسي يمكن مش واخد باله يمكن..
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا لا يا بابا، ينسى دا إيه!
بيتنفس في وشي الصبح قبل ما يكون غاسل سنانه وريحة بؤه مش حلوة، بعد الشغل يقعد بلبسه ومياخدش دوش وريحته تبقى ظاهرة ، طبيعي شخص جاي بعد يوم طويل لازم على الاقل ياخد شاور.. كمان بعد استخدام التويلت، بينسى يشد السيفون ويبهدل مكان القعدة كدا و...
قاطعها قائلًا وقد ارتسم القرف والاشمئزاز على ملامحه:
_ خلاص خلاص كفاية قرف، قرفت إيه القرف دا!
اتكلمتي معاه طيب في النقاط دي؟
_ للأسف اتكلمنا اكتر من ميت مرة بس هو ولا على باله
_ مش عارف ازاي طلع بالقرف دا، مع انه ميبانش عليه!
دايما ريحته حلوة وشكله حلو ومنهدم ومنظم لبسه وشعره ودقنه، منين طلع كل القرف دا، كان مخبيه لينا وللزمن ولا إيه!
ثم تنهد وتابع:
_ مقدرش يا بنتي اجبرك تفضلي مع معفن زي دا، انا كله عندي يهون وليه حل الا القرف دا، فعلا عدم النضافة دا داء وللأسف ملوش دوا، المعفن هيفضل معفن
سكتت لحظات بعدما افترت على زوجها شعرت بالضيق قليلًا ولكنها كانت على يقين ان والدها لن يقبل بقرار طلاقها إلا في وجود سبب ضروري للغاية، واذا أخبرته بنفس السبب الذي قالته لفاتح، لن يقتنع وسيقول لها تحملي وان ذلك قد حدث في الماضي واعطيه فرصة أخرى وان تلك الفتاة قد تزوجت ولا مجال للرجوع مرة أخرى إليها، وهي لن تستطيع أن تخبره بالحقيقة، لانها وعدت أمجد بألا تخبر أحدًا عن سره وايضًا كي لا تخرب العلاقات وتدمر بين الأقارب وهكذا واضطرت إلى تقديم ذلك السبب خصيصًا لانها كانت تعلم ان والدها لديه حساسية مفرطة من عدم النظافة عامة ولا يحب سوى الجمال ودائمًا ما يقول لها، " إن الله جميل ويحب الجمال "
لذا اضطرت لتقديم ذلك السبب.
قالت له طالبة:
_ هطلب من حضرتك حاجة أخيرة
_ قولي يا حبيبتي
_ متجبش سيرة الموضوع دا لامجد، حضرتك عارف انه موضوع حساس جدا، وانا وعدته اني مش هقول لحد، ولكن حضرتك ضغط عليا علشان اقول، فبلاش احراج ليه يعني وكدا كدا احنا متفقين على الطلاق انا وهو بالتراضي فمش محتاجة واسطة ولا نصايح، لان صدقني انا نصحت كتير ومفيش فايدة وخلاص زهقت وقرفت وبكدا ممكن أفتتن براجل نضيف غيره لا سمح الله أو...
قاطعها قائلًا:
_ لا، لا، لحد هنا واستوب، تغضبي ربنا لا، اطلقي احسن واتجوزي شخص يملى عينك وتشمي منه كل الروايح الزكية، قلبتي معدتي اساسا بالقرف اللي اتقال دا
ثم اضاف:
_ والحمدلله إننا على البر وان مفيش لسه اطفال تربطكم ببعض
ابتلعت ريقها وبدأت تتوتر قليلًا ولكنها حاولت أن تسيطر على ذلك.. ثم ردت:
_ المهم يا شيخ، ان دا قراري ومش هرجع فيه نهائي، ومش حابة اتكلم مع عمتو بنفسي علشان هتضغط عليا وممكن يحصل مشاكل، فلو سمحت اتكلم معاها انت
هز رأسه موافقًا وسكت.. حقًا فإنه قرار صعب عليه للغاية، فهو لا يود طلاقها ولا هدم عشها الصغير وكان قد فرح لانها تجوزت اخيرًا وبعد مدة طويلة وعمر أطول لذا كان حزينًا عليها..
**********
_ خلاص يا روني حقك عليا انا طيب!
_ سبيني يا مايا علشان بفكر اعمل إيه.. لازم اتصرف صح، انا مش قاعدة ملطشة عندهم، كل شوية حد يعمل لي حاجة بشكل وطريقة!
_ ماشي بس احنا كدا بنتأخر وهما عمالين يرنوا!
_ اللي يرن، يرن مش فارقة معايا ولو عايزة تروحي، روّحي
_ اوف يا روني مش قصدي والله حاجة...
سكتت قليلًا وروني كانت تحتسي القهوة شاردة في النيل، لقد كان مقهى على النيل.
قالت مايا وهي تقوم:
_ هقوم اروح التويلت
قامت مايا وبعدما قامت، رن هاتفها.. نظرت روني إلى الهاتف فوجدت رقمًا غريبًا يتصل.. تجاهلت الأمر ولم ترد وأخذت تزفر في ضيق كما هي تفكر فيماذا ستفعل؟!
********
وعلى الجانب الآخر، كان شهاب هو من يحاول الاتصال بمايا وهو داخل سيارة الأجرة بعدما خربت دراجته النارية وسحبها للتصليح.
زفر في ضيق وقال لنفسه:
" ما تردي بقا يا شيخة، دا ايه القرف دا! "
ثم فكر قليلًا... وقرر أن يتصل عليها هي.. هانيا وبالفعل اتصل عليها من رقم غير الذي تحظره..
*******
وكان حينها هاتفها يرن وهو موضوع فوق سريرها وهي ليست هنا، لا هي ولا زوجها.
مما جعل شهاب يتضايق أكثر وأرسل لها رسالة نصية:
" موضوع مهم اوي انا عايزك فيه، بخصوص حليمة وفاطيمة عامة واللي ناوين يعملوه، شوفي الطريقه اللي حابة تعرفي بيها الموضوع دا وبلغيني.. "
**********
وعلى الشاطئ الخاص عصرًا،
جلسَ جياد على الشازلونج المواجه للبحر، يرتدي نظارته الشمسية وقد أسندَ ظهره إلى الخلف قليلًا، وعيناه غارقتان في امتداد الأفق حيث تعانق زرقة الماء مع السماء. كان السكون يعم المكان إلا من همسات الموج المتتابعة، التي تنكسر برفق عند الشاطئ ثم تنسحب كأنها زفرةٌ طويلة.
بدا وكأنه منفصل عمّا حوله، غارق في أفكاره، لا يلتفت يمينًا ولا يسارًا، كأن البحر وحده وجهته وملاذه.
وعلى امتداد الشاطئ، ظهرت هانيا ممتطيةً حصانًا، والذي كان يسير بخطًى هادئة موازية لخط الماء. كانت الرمال تنطبع تحت حوافر الحصان، وصوتها الخافت ينسجم مع إيقاع الموج، بينما يتراقص شعرها مع نسمات البحر.
لمحها جياد فابتسم.. فابتسمت له وبدأت تحرك الحصان حتى يسير بها بشكل أسرع.. وعندما تلاقت عينيها بعيني زوجها، غمزت له وهي تبتسم، مما جعله ينتفض معتدلًا في جلوسه فورًا وهو يخلع النظارة ويفتح فمه فإن عيناه لا تصدق المشهد حتى.
فابتسمت وبدأت حركة الحصان تسرع وجسدها يعلو ويهبط وشعرها يتطاير خلفها.. مرت هكذا من أمامه مما جعله يقوم على الفور ويبدأ بالركض خلف الحصان ليلحق بها.
وبمجرد أن لاحظت أنه يركض خلفها، حتى أخذت تسرع من حركة الخيل أكثر فأكثر وهي تنظر خلفها تقول له في صوت عالي كي يصل إليه:
" مش هتوصلي "
مما جعله يركض أكثر فأكثر وسرعته تزداد وهي لا تبالي بل تضحك ضحكات عالية تقول له:
" متحلمش يا جياد يا زيني "
ثم تُحرّك رباط الخيل ليزيد سرعته، وما إن نظرت خلفها ثانية، حتى وجدت الشاب لا يزال يلحق بها ويركض في أعلى سرعة ومياة البحر تتضارب تضامنًا منه، الأمر الذي جعلها تشعر بالخوف، ألا ينقطع نَفَسه ويتراجع؟
حتى أنها خافت من أن تزيد من سرعة الخيل أكثر والسبب انها خافت أن تقع من فوقه فهي ليست ماهرة حتى الآن.
ظلت هكذا تجري بالخيل وهي تلتفت خلفها حتى لاحظت اقترابه من الخيل بشكل كبير وملحوظ.
ومن سمى بدأ يجري بالتوازي مع خيلها وقال لها:
_ اطلعي للقدام شوية علشان هركب
_ وهو بيجري؟
_ عيب، انا قديم في الشغلانة
تقدمت للأمام بالفعل تاركة له مسافة واسعة، فأسند الشاب ذراعه على ظهر الخيل اولًا، واحدًا تلو الآخر، ثم حمّل جسده على ذراعيه وقفز قفزة صريحة وقوية فأصبح في ثواني على ظهر الخيل وبمجرد ركوبه أمسك بالرباط بجانب يديها الممسكة بنفس الرباط وبدأ يهدئ سرعة الخيل حتى بدأ يسير لا يجري.. ثم أخذ يلتقط أنفاسه.. وبينما هو يتنفس في صوت عالي قال لها وهو يكح:
_ مش هتعرفي تهربي مني ابدا، ولا حتى بطيارة.. هطير وراها واجيلك
عقدت حاجبيها في تعجب من أمره... ثم علقت في استغراب:
_ ماكنتش خايف تقع طيب وانت بتركب على الحصان وهو بيجري؟
ابتسم ورد في ثقة:
_ يا بنتي أخاف إيه بس!
يا بنتي أنا الخيل والبغال و.ال...وااا..و.. والحاجات دي يعني، تعرِفُني
ردت ساخرة منه وهو تهز رأسها بالايجاب:
_ الخيل والبغال آه.. وهو انت البغال فعلا هي اللي تعرِفُك
_ بس ايه رأيك؟
_ يا جياد، يا جياد متعملش نفسك مثقف!
انا مقدرة انك عايز تبين لي اننا مشتركين في نقطة واحدة وهي القراءة والادب وكدا، بس سوري انت فاشل!
انت مش قارئ ومش عارف، عادي قول!
هز رأسه نافيًا وهو يقول في جدية:
_ لا لا لا، انا قارئ ومثقف ولسه اهو قايلك بيت الشعر!
_ بيت شعر إيه يا جياد، اللي بيقول الخيل والبغال والحاجات دي تعرفني؟
_ الله! نسيت عادي، ما الإنسان وارد ينسى يعني!
انا مش فاكر هو كان بيقول ايه الشاعر في الحتة دي بالذات، مش فاكر قال إيه بعد الخيل والبغال يعني!
مش فاكر الحيوان اللي بعدهم!
_ حيوان إيه بس يا جياد بجد!
طب انت عارف اصلا مين الشاعر اللي قال الأبيات دي؟
تنحنح ثم رد في ثقة:
_ ايوا طبعا عارف، انا مش بقرأ غير ليه أساسا!
_ طب اوكيه اسمه إيه؟
_ اسمه محمود نجيب
سكتت تستوعب كلامه.. ثم ردت في استغراب:
_ والله! ومين محمود نجيب دا ان شاء الله؟
_ دا يا ستي يبقى.. حفيد نجيب محفوظ
_ والله العظيم!
بقا هو نجيب محفوظ بقا عنده حفيد اسمه محمود نجيب؟
رد في ثقة:
_ ايوا ايش عرفك انتي!
انا متابع العايلة دي وعارف تطوراتهم وحافظ على اشعارهم و اناشيدهم
_ ما شاء الله وعايلة نجيب محفوظ بقا بيعملوا اناشيد كمان.. ليه فاكر نفسك في إذاعة مدرسية في ستة تالت؟
_ يوه بقا يا هانيا متدققيش!
_ لا هدقق، ما انت بوظت الدنيا! اولا البيت الشعري بيقول
" الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم"
مش الخيل والبغال والحاجات؟
بغال إيه دي اللي تعرفك بجد!
والكلام دا قاله المُتنبي، مش محمود نجيب حفيد نجيب محفوظ ولا حاجة!
عرفت بقا إنك هرّاي؟
لو سمحت متفتيش في الأدب تاني!
رد في ثقة:
_ رجعي معلوماتك الادبية علشان شكلك بتجبيها من مصدر غير موثوق
_ دا انا بردو!
عمرك ما هتعترف انك غلط ابدا بجد!
رد في ضيق قليل:
_ خلاص بقا هانيا ماكنش بيت شعر دا!
يخربيت الخيل على البيداء على القرطاس يا شيخة!
ثم ابتسم وتابع وهو يسند أسفل ذقنه على كتفها:
_ تحبي نخلي الخيل يجري بينا؟
_ اوي؟
_ اوي اوي اوي
_ بس انا بخاف، ممكن أقع، لسه مش مدربة كويس عليه و
_ عيب الكلام دا، بقا مسموح اصلا ليكي انك تقعي وانا وراكي؟
متخافيش انا قاعد وراكي اهو وانا اللي في ايدي اللجام وسبيني اجري بيه وانتي اضحكي وبس
هزت رأسها موافقة في ابتسامة عريضة
تنهد ثم شدد اللجام وبدأ يجري بشكل أسرع ثم أسرع.. وهي تضحك أعلى ثم أعلى.. وشعرها يتطاير خلفها حتى ان بعضه قد دخل في عيني الشاب وفمه ولكنه لم يهتم بأي شيء سوى أن يستمع إلى تلك الضحكات ويسرق من الدنيا دقائق معدودة وهي قريبة منه لهذا الحد فرحة لا تعترض ولا تبتعد..
ثم صرخت في صوت عالي فرحة:
_ واو.. جياد I'm so happy
ليضحك هو الآخر ويصرخ في نفس الفرحة:
_ me too baby
ثم هدأت حركة الخيل شيئًا فشيئًا وبدأ يسير بهما وحسب.. وحينها قال لها:
_ مبسوطة يا روح قلبي؟
هزت رأسها مؤكدة فقال لها:
_ مش متخيلة انا فرحان قد ايه دلوقتي لانك مبسوطة كدا.. بموت فيكي
نزل من فوق الخيل، ومد لها يداه كي يساعدها لتنزل وبالفعل نزلت بمساعدته وسارا بجانب بعضهما البعض على الشاطئ وهو يضع ذراعه على كتفها، وهي تضع ذراعها على خصره.
بدأ البحر يلقي عليهما بعض من مياهه أثناء سيرهما، حتى يذهبا لتناول الغداء وهما يضحكان معًا.
**********
وكانت الساعة الخامسة عصرًا وقتما وصل شهاب شقته وبمجرد أن دخل وغلق الباب، وجدها تجلس في الانتظار على الكرسي في الصالة وقامت عندما لمحته، ثم قالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها ونبرة بها الضيق:
_ يا ترى الباشا كان فين لحد دلوقتي؟
زفر في ضيق ثم تمتم:
" اهو ابتدينا "
ثم قال في صوت مسموع لها:
_ كنت في مشوار يعني هكون فين!
أنهى جملته ثم دخل غرفة النوم كي يبدل ملابسه، فدخلت خلفه وهي تسير في خطوات سريعة مليئة بالضيق، وقالت:
_ يعني هو دا، يرضي ربنا؟
اللي انا فيه دا يرضي ربنا يعني؟
فتح باب الخزانة وبدأ ينظر إلى الملابس كي يخرج منها ما سيرتديه، فتابعت في صوت عالي:
_ تقولي النهاردة يومك و هننزل مع بعض وفجأة تختفي وتسيب القعدة كلها وبابا واما اكلمك كمان بتقفل في وشي، ايه هو دا بقا؟
أخرج ما سيرتديه، ثم غلق درف الخزانة في عصبية فأصدرت صوتًا عاليًا ورد في صوت عالي:
_ اعمل إيه يا ماهي، اولويات ومشغولات، ماكنتش بتفسح يعني!
_ لا بجد!
وانا وابنك وبيتك مش اولويات؟
ملناش حقوق عندك يعني ولا إيه!
زفر في ضيق شديد ورد في نبرة بها الغيظ:
_ يا ماهي خلاص، مخرجناش النهاردة، نخرج بكرة عادي يعني محصلش حاجة!
ردت في صوت عالي تصرخ به:
_ تصدق ان انت معندكش دم!
يعني انا بقيت حاسة اني بشحت منك الاهتمام بجد، وكأنه مش حقي، حامل وتعبانة وطول الوقت مصدعة وهرموناتي بايظة ومزاجي متنيل بنيلة وانت ولا على بالك، عايش لنفسك ولشغلك وبس وكأن اللي في بطني دا مش ابنك!
صاح في غضب يحاول أن يصبر عليها:
_ يا الله، يا الله
ثم هدأ قليلًا ولكن لازال صوته عالي واضاف:
_ عمي النهاردة بس يوم اجازته وماكنتش هعرف اشوفه في اي يوم تاني غير النهاردة يا أما هستنى الجمعة بتاعت الاسبوع الجاي وانا كنت عايزه علشان حوار شقتي دا وانتي عارفة الموضوع دا كويس
_ يبقى تقولي.. تعرفني، مش تقفل في وشي السكة وانا بتكلم!
_ كنت بتخانق معاه ومخنوق وشدينا مع بعض وانتي رنيتي في وقت مش مناسب، وانا مضغوط الفترة دي مضغوط، مضغوط واهدي عليا شوية، اهدي
ردت في غضب وصوت عالي:
_ كان ممكن كل دا يخلص لو اعتذرت مني أول ما دخلت وقولتلي البسي هنخرج، انما ازاي، ما انت لازم تطلع مبتغلطش وماهي دايما الغلط والحق عليها!
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله
_ اه معلش حقك عليا، اصلك بتكلم مجنونة بقا هنعمل ايه، لازم كل شوية تحولق وتستغفر وتهلل
رمى الملابس من يده في قوة وقال لها في محاولة صعبة من هدوء نبرة صوته:
_ انتي عايزة إيه يا ماهي دلوقتي؟
ردت في صوت عالي:
_ عايزاك تحس، حس بيا.. انا حامل وتعبانة ومحتاجة اغير مود، اخرج، محتاجة اهتمام، محتاجة طبطبة مش الصوت العالي دا ولا الأسلوب دا اللي المفروض تستخدمه معايا، وقتك دا المفروض يبقى ليا
رد ساخرًا في صوت عالي:
_ اه وانا المفروض عليا اسيب الشغل والمسؤوليات والمصايب اللي نازلة ترف على نفوخي زي الأمطار في الغابات الاستوائية، وابقالك نانسي واطبطب وادلع، صح؟
نظرت إليه في ضيق، ثم تحركت في خطوات سريعة نحو الخزنة الخاصة بها وفتحتها ومن ثم أخرجت كل المال الذي كانت تدخره ثم، أخرجت صندوق المجوهرات الخاص بها وتحركت وهي تحمل الحقيبة التي بها المال اولًا ووضعتها أمامه على الكرسي، ثم تحركت وحملت الصندوق ثم وضعته بجانب حقيبة المال وقالت وهي تشير إليهما:
_ خد، دي فلوسي الكاش، ودا صندوق ال accessories بتاعتي، بيعه وخد الفلوس دي ودي واعمل المشروع بسرعة وأجر ناس تدور على اختك وحل كل مسؤولياتك واشغالك اللي شغلاك عني دي بالفلوس دي ولو احتاجت تاني قولي وانا اديك، بس المهم عندي نخلص بقا من الهم دا وتهتم بيا انا والبيبي وبس.
نظر إليها ثم إلى ما قدمته له، فتابعت:
_ متترددش وخدهم، انا عارفة ان الفلوس هي اللي بتحل كل المشاكل، وعارفة ان اي اتنين متجوزين لو اتخانقوا، هيكونوا بيتخانقوا بسبب الفلوس، وانا مش هكنزها ولا هعمل اي حاجة بالفلوس دي كلها، انا عايزة ابقى سعيدة وسعادتي معاك، فخد الفلوس حل مشاكلك واما مشاكلك تتحل، مش هتبقى مضغوط فهتقدر تفرحني وتسعدني وتكون ليا
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا.. شيلي فلوسك لنفسك، انا مش هاخد منك مليم واحد
صاحت في عدم رضا:
_ ليه؟ ليه يعني ليه؟
_ كدا، علشان انا عايز أكبر بمجهودي واوصل بنفسي، ميجيش في يوم حد من أهلك ولا حتى انتي، تقولولي لولا فلوسنا، ماكنش زمانك هنا.. اخوكي اللي اسمه جياد دا هيفضل يقولي اختي اللي عملتك وفلوسها اللي وقفتك على رجليك، وامك تقولي انت اتجوزت بنتي علشان تستغلها وتاخد منها فلوسها وعماتك يشتموني وابوكي يقولي كنت فاكرك راجل وهتعتمد على نفسك ولو قعدت من هنا للسنة الجاية، افهمهم انك انتي اللي عملتي كدا بارادتك، هيقولولي انت اللي وصلت لها لهنا علشان تاخد كل ما تملك وانت عارف ان دا هيحصل و..
قاطعته قائلة:
_ لا، مش هنقول لحد اصلا، محدش هيقول حاجة، اللي هتكلم نص كلمة انا اللي هقف له و..
قاطعها قائلًا هو الآخر:
_ لا، يعني لا، مش هاخد منك حاجة، شيلي فلوسك يلا
قالها وحمل ملابسه وصوب جسده نحو المرحاض حتى يدخله، ولكنها قبلما يخطو خطوة واحدة وحسب، صرخت في صوت عالي وعصبية:
_ شوف انت بقا اللي بتحط لي العقدة في المنشار ازاي، شوف انت اللي مش عايز تبقى معايا ازاي وبتهرب مني و...
توقفت رغمًا عنها عن متابعة الصراخ وفجأة تأوهت وهي تضع يدها على بطنها، فأسرع جهتها وهو يقول في خوف:
_ ماهي، ماهي انتي كويسة؟ حاسة بإيه؟
ظلت كما هي تضع يدها على بطنها وتتألم:
_ آه بطني آه
_ طب تعالي، تعالي
أخدها واتجه بها نحو السرير كي ترتاح وبمجرد أن جلست على السرير بدأت تبكي، تبكي في صوت عالي وهي تتألم وتتوجع
_ طب تعالي
قالها وهو يقربها منه كي يضمها إلى صدره، ولكنها دفعته بكل قوتها قائلة:
_ اوعى اوعى ابعد عني ابعد
ثم تحركت نحو آخر السرير ونامت وهي تولي له ظهرها ولا تتوقف عن البكاء، كانت تبكي بكاء جمًا لدرجة أن جسدها كان يعلو ويهبط من شدته.
وضع يده على كتفها وقال في نبرة بها الحنان:
_ ماهي حبيبتي، خلاص حقك عليا، قومي البسي يلا وهخرجك يلا
رفعت رأسها وشدت الوسادة الصغيرة والتي كانت موضوعة على السادة الطويلة ووضعتها على رأسها ولا تزال وصلة البكاء مفتوحة.
فتابع وهو يربت على كتفها بحنان:
_ يلا يا حبيبي بقا يلا، يلا ننزل انا وانتي يلا
صرخت به دون أن تستدير له حتى:
_ ابعد عني، ابعد عني وشيل ايدك دي عني يلا
ابعد يده عنها بالفعل وهو يقول:
_ اهو اهو خلاص بطلي عياط وصويت بقا علشان خاطري، علشان خاطر البيبي طيب!
ردت وشهقاتها تتعالى:
_ مش عايزة منك حاجة، روح لشغلك يلا، أنا بكرهك اصلا بكرهك ومش عايزاك جمبي ولا حاجة امشي يلا امشي
تنهد ورد في هدوء:
_ ماشي مقبولة منك.. اهدي بقا وكفاية عياط اهدي
صاحت في ضيق:
_ امشي يلا برا، متعقدش معايا في الاوضة ولا تنام على سريري..
_ يا ماهي بس...
_ يلا اخرج حالا يلا حالا، مش عايزة اشوف وشك ولا طايقة اسمع صوتك حتى يلا
زفر في ضيق ثم رد:
_ حاضر يا ستي، بس المهم عندي انك تهدي..
انهى كلامه وبالفعل تحرك كي يخرج من الغرفة مثلما طلبت منه علها تهدأ وتكف عن البكاء ولكنها بمجرد أن سمعت صوت الباب يُفتح، حتى قامت وجلست نصف جلسة على السرير وصاحت في بكاء شديد:
_ انت هتمشي بجد!
طبعا ما انت ما صدقت تخلص مني
ليصرخ الشاب في عدم استيعاب، يكاد يفقد صوابه منها:
_ اعمل إيه يا ماهي اعمل إيه، عايزاني اعمل إيه يا ماهي، حسبي الله ونعم الوكيل فيا يا ماهي
ارتمت على السرير مرة أخرى وتابعت بكائها بشكل أشد لدرجة أنها لم تستطع أن تلتقط أنفاسها من شدة البكاء.
غلق الباب وذهب لها على الفور ورغمًا عنها ورغم أنها كانت تضربه وتبعده، ضمها إلى صدره وقال وهو يحاوطها بذراعيه:
_ بس يا بابا خلاص، خلاص كفاية عياط كفاية بس اهدي، اهدي، مني لله علشان زعلتك كدا وعيطتك..
وبالفعل بدأت شيئًا فشيئًا تهدأ بعدما بللت قميصه بدموعها الساخنة.
بدأ يمسح بأصابعه دموعها في حنان، دموعها الساقطة على بشرتها والعالقة داخل جفونها.. ثم قبّل رأسها وأخذ يربت على ظهرها في هدوء، وهو يردد:
_ بس بس ششش خلاص اهدي اهدي
كانت داخل حضنه تغمض عينيها تمسح وجهها ودموعها في قميصه ومن بين الحين والآخر ينتفض جسدها بسبب تلك الشهقة التي تعقب البكاء.
وبعدما هدأت تمامًا وسكت البكاء عنها، قالت له في نبرة ضعيفة متحشرجة اثر البكاء والصراخ:
_ شهاب
_ نعم يا حبيبي؟
_ أنا بكرهك
تنهد ولم يعرف حينها بماذا يرد عليها، ولكنه قال:
_ ماشي يا حبيبي اللي تشوفيه
سكتت قليلًا وهي تتنفس في صوت عالي.. ثم قالت بعد حين:
_ شهاب
ليتمتم الشاب:
" يارتني كنت خرجتها، مني لله اقسم بالله"
ثم رد على أي حال وفي نبرة مليئة بالحنان:
_ نعم يا روحي؟
_ نفسك البيبي يجي ولد ولا بنت؟
رد في تلقائية:
_ طول عمري كان نفسي أول خلفة ليا تبقى بنت، بس بعد اللي انا بشوفه دا، انا بتمنى من كل قلبي يبقى ولد، على الأقل هعرف اديله بالشبشب على بؤه!
_ في أمل يتغير؟
_ هو ايه يا حبيبي؟
_ اسلوبك الزبالة دا
تمتم في محاولة للسيطرة على اعصابه:
" يارب صبرني.."
ثم رد عليها في هدوء:
_ ان شاء الله يا حبيبي، ادعيله
قالت في نبرة أقرب للبكاء:
_ شهاب انت عارف انا ليه بكرهك؟
_ ليه ؟
_ علشان بحبك
هنا عجز عقله عن فهم تلك المعادلة لذا سكت وهو يحاول أن يستوعب وتمتم:
" اقسم بالله كلامها يصعب فهمه عن مسائل الفزيا"
ولكنه رد على أي حال:
_ ماشي يا حبيبي حاضر اللي تشوفيه طبعا، خير خير
أغمضت عينيها ولم تتكلم مرة أخرى... وعقب مرور عشر دقائق على الأقل من صمتها، تأكد من أنها قد نامت بين ذراعيه وعليه نظر إلى ملامحها وقال:
" نامي، نوم الظالم عبادة.. كان مالي انا ومال الجواز والخلفة والموال دا! "
ثم التقط هاتفه وبدأ يرد على رسائل الناس، يعمل و زوجته تنام داخل حضنه في نفس الوقت.. واثناء عمله شرد في ذلك الذي تعرض له اليوم.. أوصل إليهم الأمر بأن يحاولون قتله؟؟
**********
وكانت الساعة السادسة عندما بدأ الشباب ووالدهم يستعدون للاجتماع وها هما في انتظار انضمام جياد لهم.
وحينها عادت كل من روني ومايا وبمجرد أن دخلتا، عرف يزيد وخرج من المكتب مستأذنًا والده بقليل من الوقت حتى دخول جياد الاجتماع وبالفعل انتظرها حتى صعدت ودخلت الغرفة فلحق بها ودخل بعدها وغلق الباب وقال في ضيق:
_ كل دا؟ بقا تطلعي من الساعة ١٠ الصبح وترجعي ٦؟
ردت في برود:
_ طب ما انت عارف انا كنت فين!
_ ماشي بس اتأخرتي ليه؟
كل دا قاعدة مع اختك؟ على أساس محرومين من بعض يعني؟
ما هي قاعدة معاكي ٢٤ ساعة؟
_ يزيد من فضلك انا مصدعة وعايزة انام شوية
رد في استغراب شديد:
_ هو فيه ايه بجد؟ فيه ايه مالك؟
ردت وهي تتجه نحو السرير:
_ بعدين نتكلم
رد في صوت عالي وعصبية:
_ اسلوبك الغريب بقاله مدة دا لازم يتغير، انا زهقت من ام الطريقة دي، ومش كل شوية هقعد اقولك مالك مالك!
ثم تركها وذهب وغلق الباب خلفه في قوة بينما هي سقطت دموعها دون مقدمات وجلست على آخر السرير تضم ركبتيها إلى صدرها في وضعية كئيبة...
*********
وفي الأسفل انضم جياد إليهم وبدأ الشيخ يتحدث والشاب يفتح الكاميرا والميكروفون كي يروه ويسمعوه.
وكانت هانيا حينها تجلس على السرير وتقلب في هاتفها.. وإذ بها تقرأ رسالة شهاب لها فتتعجب وتقلق في آن واحد وحدثت نفسها:
" عملوا إيه تاني بس شوية الحرابيق دول؟ "
وعليه قامت ثم قالت لزوجها:
_ جياد
كان حينها مشغولًا بالتحدث مع والده، ولكنه رد عليها:
_ ايه؟
_ هخرج اقعد على الشط شوية
فعّل وضعية كتم الصوت وقال لها:
_ بليل كدا وفي السقعة دي!
اقعدي
_ شوية بس صغيرة، انا مش عايزة اضيع الاجازة في الاوضة، مش من اوضة لاوضة!
هطلع اقعد الشط شوية، وبعدين متخافش، دا شط خاص يعني أمان
هز رأسه موافقًا، ابتسمت له وسحبت المعطف الخاص بها وارتدته ثم خرجت...
حينها لم يطمئن قلبه، لا شئ يستدعي للقلق ولكنه قلق وحسب وعليه فتح النافذة وجلس جوارها حتى تبقى عيناه عليها وهي في الخارج.
وقفت أمام البحر وبدأت تفكر قليلًا... ثم اتصلت عليه بيد مرتجفة وبدأت تلتفت حولها وإذ بها تلاحظ وجود زوجها الجالس عند النافذة وما إن وقعت عيناها في عينيه، حتى قلقت ولكنها ابتسمت له كي لا يلاحظ توترها وهو أيضًا ابتسم لها ثم نظر إلى شاشة الحاسوب لانه في اجتماع طارئ الآن.
أما شهاب كان حينها، قد ترك ماهي في الغرفة نائمة وخرج إلى الصالة هو وحاسوبه كي يعمل.. وبمجرد أن لمح رقمها يعلو شاشة هاتفه، حتى شعر بخفقان في قلبه، وابتسم فجأة ثم استقبل المكالمة قائلًا:
_ ألو
ردت في نبرة مهزوزة وبها الارتباك واضحًا:
_ أأأأ الو... كلمتني وبعت لي رسالة إيه الموضوع؟
_ آه.. بصي انا اولا كلمت اخواتك اكتر من مرة والله بس هما مردوش فملقتش أي حل تاني غير اني ارن عليكي انتي
_ بسرعة من فضلك
_ عمي طلع حرامي زي ما كنت شاكك، هددني النهاردة علشان اسيب الشقة، وانا سكت وقلت هسيبها علشان يسبني في حالي، بس بعدها فكرت، هو طماع ومش بعيد طمعه يخليه يستغلك انتي كمان علشان ياخد منك اي مبلغ والا هيقولك هقول لجوزك
وفي ذلك كان جياد ينظر إليها من آن لآخر، لذا كان لابد من ألا ترتبك او توتر وفي نفس الوقت خافت من أن تولي له ظهرها، حتى لا يأتي في اي وقت دون ان تراه ويقف خلفها، لذا كانت تبقيه تحت عينيها وكان هو يشك في أمرها وبالاخص عندما رآها تتكلم عبر الهاتف، وردت على الشاب:
_ عمك هددك قال إيه؟
_ قالي لو دخلتني المحكمة، بسبب شقتك، هدخلك القبر.. هقول انك خدت البت وروحت بيها شقة و..و..و
_ و إيه انجز!
_ وان فيه غلط حصل بينا وانا قولت له وقولت له استر عليا بس هو بقا ضميره أنبه وخلاه يقول لجياد
ردت في خضة ولكنها كانت تعمل جاهدة على ضبط نفسها وملامح وجهها كي لا يشك بها زوجها الناظر إليها من حين لآخر:
_ يالهوي عليا وعلى المصايب اللي نازلة تخر على دماغي
_ متخافيش يا هانيا، انتي مش هتتأذي، انا اللي خطفك، ساعتها قولي هو اللي اعتدى عليا لو خلاص يعني اتزنقتي اوي
_ انت عبيط يعني ولا إيه!
لا طبعا انا مستحيل اقول اي حاجة زي كدا، الموضوع دا محلصش اصلا
_ بقولك لو اتزنقتي وخلاص يعني.. غير كدا انا عايزك متخافيش لو كلمك قوليله بابا عارف الحقيقة كلها وجياد عنده علم واتأكد إني بخير من أول ما رجعت له، جوزي عارف كل حاجة واعمل اللي تعمله.. ثقتك هي اللي هتخوفه وهتخليه تهديده في الهواء.
كمان الحرابيق، حليمة وفاطيمة انا وقفتهم عند حدهم ولو جم يخوفوكي او يهددوكي بأي حاجة، اقفي ثابتة ومتخافيش وقوليلهم جياد عنده علم وسامحني وضرب شهاب أما اكتشف والموضوع خلص، أما لو قولتوا للشيخ فشهاب بس اللي هيتأذي لانه هو اللي كان بيدخل وجوزي شاف شغله معاه لاني قلت له فعلا، وانا مش فارقة معايا شهاب أكيد.
اهم حاجة متخافيش وتكوني ثابتة وانتي بتتكلمي وبعيني وسلميني والزقي الموضوع كله فيا ومتخافيش
ابتسمت في تلقائية من كلامه لها وطريقه حمايته لها، ولكنها فجأة عبست وخافت كثيرًا وذلك عندما رأت جياد وهو يقوم ويبدو انه قادم لها.
فقالت له:
_ شهاب شهاب اقفل، جياد جاي
_ بس بس اهدي اهدي خالص، لو اتوترتي، لو قفلتي هيتأكد ١٠٠% من انه أنا او انك كنتي بتعملي حاجه من وراه.
وطي الصوت على الآخر، صوت المكالمة وطيه واتكلمي عادي واتعاملي، انا صاحبتك رشا ومتصلة اطمن عليكي.
كانت تسمعه وهي تنظر إلى جياد والذي خرج وها هو قادم نحوها، يتابع الشاب:
_ الخوف، التوتر، اللجلجة هتخليه يكتشف ويطين عشتك، اهدي خالص
وبالفعل خفضت الصوت للغاية كي لا يسمع من يُحدثها، وحاولت بكل الطرق أن تهدأ ولا تخاف وتابع شهاب:
_ المهم حاولي ترجعي أسرع علشان انا خايف عليكي الحرابيق دول يعملوا أي حاجة ليكي و انتي هناك لوحدك معاه
وهنا قد وصل الشاب إلى عندها وقال لها:
_ بتكلمي مين؟
تنهدت وردت في ثقة دون ارتباك:
_ صاحبتي
ثم ولت له ظهرها وتابعت محدثة شهاب:
_ اوكيه يا رشا تمام، هحاول اجي أكيد.. يلا باي.
وبعدما انهت المكالمة استدارت لزوجها فسألها:
_ في حاجة ولا إيه؟
_ لا خالص
_ يعني، حسيت انك خايفة ومتوترة وانتي بتتكلمي علشان كدا استأذنت منهم شوية وقلت اجي اشوفك
سكتت تفكر حتى لا تتلعثم.. وردت في ثبات:
_ نهائي.. هي بس كانت حامل وسقطت وكانت بتحكيلي معاناتها وفكرتني باللي حصل معايا علشان كدا جايز كنت مخضوضة وخايفة.. تجربة مش أحسن حاجة
ابتسم ابتسامة صغيرة ثم اقترب منها ووضع قبلة على رأسها وقال في حنان:
_ ان شاء الله ربنا هيعوضنا يا روح قلبي ونجيب بداله اتنين وتلاتة
_ الاجتماع بتاعك قرب يخلص؟
_ اه قرب
_ طيب، هلبس أنا بقا علشان العشا بتاعنا، عندي كلام كتير اوي عايزة اتكلم معاك فيه
_ وانا تحت أمرك
ابتسمت له ثم سارت متجهة نحو الشالية وحينها تنفست في راحة وهي تتمتم:
" ان شاء الله مشكش في حاجة "
وبالفعل دخلت وبدأت ترتدي وتتجهز حتى انتهت، كانت أطلالتها
تشبه الاطلالات الملكية التي تفيض بالأنوثة والرقي، حيث ارتدت فستاناً مخمليًا فاخرًا بلون الأخضر الزمردي العميق.
اما بالنسبة لتفاصيل التصميم
القَصّة (الصدر والكتفين)، تميز الفستان بتصميم "أوف شولدر" يبرز جمال الكتفين بنعومة، مع فتحة صدر على شكل حرف (V) مُصممة بأسلوب "الدرابيه" (طيات القماش المتداخلة) التي تضفي حيوية على القوام.
اما بالنسبة للخصر، فقد جاء بتطريز يدوي دقيق من الدانتيل المفرغ والمرصع بحبيبات الكريستال الصغيرة، مما يبرز نحافته ويمنح التصميم لمسة "الهوت كوتور".
انساب الفستان بأسلوب "حورية البحر" بشكل ناعم ليحدد تفاصيل الجسم، ثم يتسع قليلًا عند الحواف ليلامس الأرض بخيلاء، مما يعطي طولًا فارعًا وقوامًا ممشوقًا.
بالنسبة للمجوهرات، فقد زُيّن العنق بعقد من الألماس الأبيض المتلألئ، مع أساور وخاتم متناسقين، مما كسر حدة اللون الأخضر وأضاف بريقًا خاطفًا للأنظار.
والحقيبة يدها، كانت حقيبة سهرة صغيرة (Clutch) من نفس لون وخامة الفستان، لتكتمل وحدة المظهر.
اعتمدت تسريحة شعر مرفوعة بأسلوب كلاسيكي مع خصلات بسيطة منسدلة، وماكياجًا دافئًا يركز على أحمر شفاه بلون التوت البري، مما جعل وجهها يشرق تحت أضواء المدينة الخافتة.
كانت إطلالة تجسد الأناقة الكلاسيكية التي لا تنتهي موضتها أبداً، مثالية لعشاء رومانسي في ليلة هادئة.
وبمجرد أن لمحها جياد، ظل هكذا ينظر إليها وحسب... وفي هدوء اقترب منها ثم التقط يدها وقبل باطنها ببطء وقال لها وهو يتطلع إليها في اعجاب شديد:
_ تعرفي إنك دلوقتي مش محتاجة تتكلمي؟
انتي واقفة بس… وأنا خلاص ضعت فيكي..
كل يوم بتأكد إني لازم اخبيكي عن الدنيا كلها، محدش غيري من حقه يشوف كل الجمال دا
ابتسم وتابع:
_ انتي شايفة ان جوازنا كان غلطة وانا شايف إنها أجمل واعظم غلطة حصلت في حياتي..
التقط يديها ثم قبّل اليمنى وتلتها اليسرى ثم اضاف:
_ اعذريني، هتلبسي فوق الفستان دا الشال الفرو دا، محدش مسموح له يشوف كتافك ودرعاتك وفتحة صدرك دي، غيري
هزت رأسها موافقة..
وبالفعل حمل الشال ثم وقف خلفها ووضعه بشكل رومانسي على كتفيها، ثم وضع قُبلة على عنقها وقال في ابتسامة:
_ ازاي هقدر اقاوم كل دا ازاي.. انا أضعف من كدا بكتير والله
ابتسمت في خجل.. ثم ردت:
_ يلا مش عايزين نتأخر، انا جوعت!
_ وانا هفضل طول عمري جعان وعمري ما هشبع منك ابدا
نظرت إلى الأرض في خجل، فقال في ابتسامة:
_ يا خرابي على الخجلان انا.. اموت في عيونك المكسوفة وخدودك الحمرة دي
ردت في ابتسامة صغيرة بها القليل من الخجل:
_ يلا يا جياد بقا يلا
_ ماشي يلا يا روح قلب جياد، يا عيونه و عمره وحياته وكله على بعضه.
التقط يدها ووضعها بين ذراعه وقلبه [ أنجها]
ثم تابع اثناء خروجهما في نبرة بها رومانسية:
_ على مهلك يا بطاطا
You're so hot!
ردت في سرعة:
_ احترم نفسك!
_ الله!
انا بتكلم عن البطاطا
أصل مقولكيش بقا أما بتبقى سخنة بيكون طعمها عامل ازاي.. خطير، كأن طعمها في بؤي والله
ردت ساخرة منه:
_ خلاص نروح ناكل بطاطا طالما نفسك فيها اوي كدا!
_ دا كدا كدا.. بعد العشا بقا
ثم غمز لها وخرجا معًا وسارا حتى ركبا السيارة
*********
وعقب الانتهاء من الاجتماع، دخل يزيد غرفته فوجد زوجته تقف وكأنها كانت تنتظره، وبالفعل قالت له:
_ انا هطلع برا القصر دا وكلامي مفيهوش رجعة
نظر إليها في استغراب ورد:
_ ليه يعني؟ إيه اللي حصل علشان تقولي كلام زي دا؟
ليه عايزة تمشي..
سكتت قليلًا وهي تنظر إليه وحسب... ثم ردت في ثبات:
_ هقولك.. هقولك اللي اتعرضت له علشان تتأكد بنفسك إني لازم نمشي من هنا...
********
متنسوش الفوت زي ما قلنا
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟
يلا نبدأ
الفصل الرابع و الأربعون[ تغيير ملحوظ]
سلمى خالد احمد
*****************
وحينها طرقت مايا باب غرفتهما، فاتجه يزيد ليفتح وهو يقول:
_ مين؟
_ مايا
فتح لها وقال في ضيق:
_ إيه يا مايا؟
_ ممكن روني شوية؟
_ ماهو يا مايا مش كل شوية تقولولي روني وممكن شوية وبعدها بتخرجي من عندها وبلاقيها راكبها ميت عفريت!
ابتلعت ريقها شاعرة بالاحراج، فزفر في ضيق ما إن شعر أنه حدثها بلهجة حادة، ثم قال:
_ اتفضلي يا مايا
وخرج في لحظتها في ضيق.
دخلت مايا حينها وغلقت الباب خلفها وقالت لروني وهي تعطيها الهاتف:
_ خدي، هانيا على الموبايل
زفرت في ضيق منها وردت:
_ انتي لحقتي قولتلها؟
_ علشان انتي عايزة تخربي كل حاجة، كان لازم اقول لهانيا
وكانت حينها الفتاة تكلم نفسها:
" ألو...ألو... روني ألو؟ "
لتضع روني الهاتف على أذنها وترد:
_ ألو يا هانيا معاكي
لترد الفتاة وهي داخل المرحاض الخاص بالمطعم الذي جاءت إليه هي وزوجها:
_ روني، هو اللي مايا قالته دا بجد؟
انتي فعلا عايزة تقولي ليزيد كل حاجة؟
_ اه عايزة اقول ليزيد كل حاجة
_ انتي اتجننتي ولا إيه يا روني؟
لترد الأخرى في صوت عالي وعصبية:
_ لا متجننتش، بس هو اللي اتجننوا وافروا معايا اوي، انتي بنفسك عارفة اللي حصل لي من باسم ودلوقتي ركبولي لولب!
انتي متخيلة انا ماكنتش بحمل ليه؟
_ تمام يا حبيبتي، مايا قالتلي والله وانا عارفة ان اللي حصل معاكي مش سهل وعارفة انهم اتمادوا، انهم يدوا مايا لدجال وانهم يقتلوا ابني وانهم يعملوا كل اللي بيعملوه دا، اتمادوا بشكل وحش اوي بس اللي انتي عايزة تعمليه نتيجته مش هتكون مرضية ليا انا ومايا نهائي
زفرت في ضيق وردت في نفاد صبر:
_ هانيا حبيبتي، انا فاهمة ومقدرة بس انتي تقدري تقولي هو اللي كان بيدخل وانا عرفت جياد وجياد خلاه يلزم حده وضربه مرة وخلصنا!
لترد الأخرى في عصبية:
_ والله!
انتي عايزاني اسلم شهاب؟
مستحيل
الموضوع مش بالبساطة دي، اصلا جياد نفسه لو عرف ان شهاب خطفني مرة وكل دا، مش هيسكت وهيقلب الدنيا وانتي عارفة جياد كويس، ثم انه بابا نفسه ميعرفش ان شهاب وداني شقة، انا قولتله انه لف بيا بالعربية شوية وبعدها رجعني وبس، وهما معاهم الدليل وانا كنت داخلة معاه الشقة بدون جرجرة ولا استخدام اي عنف وكنت مستنياه يفتح.. كل دا لو اتشاف هيقولوا إيه؟
تنهدت روني وردت:
_ قولي انه خوفك وقالك امشي ساكتة وانتي علشان الصحافة مرضتيش تعملي اي شوشرة لانه يبقى جوز اختك، وانك تصرخي او تجري، دا شئ هيلفت الانتباه طبعا وممكن حد يصور ونتفضح، اللي عملتيه صح أصلا!
ردت في نبرة حاسمة:
_ قلت مش هسلم شهاب!
انتي مش عارفة ولا متخيلة الشيخ ممكن يعمل فيه إيه، دا غير بيته اللي هيتخرب اصلا و...
قاطعتها قائلة:
_ يقوله كان زمان الكلام دا يا شيخ وخلصنا!
يقوله خلاص بقيت بحب ماهي والأمور أتحسنت!
_ وانتي مقتنعة بالكلام دا؟
فاكرة الشيخ فعلا هيسامح في جريمة زي دي!
صاحت في غضب:
_ اعمل إيه يا هانيا، اعمل إيه، افضل اتأذي وبس؟
بقولك اتعدوا عليا وعلى خصوصيتي، مسحوا بخصوصيتي وكرامتي الأرض!
_ قولتلك هنتحد عليهم وهنجيب حقنا، ادينا احنا التلاتة فهمنا دماغهم واللعب بقا على المكشوف، وافتكري انهم لو انتهكوا خصوصيتك علشان متحمليش، انهم اوريدي قتلوا ابني وحطوا في السجن انسان برئ
صاحت روني:
_ علشان كدا لازم الشيخ يعرف ويوقفهم عند حدهم.
احنا مش كفاية، دول مجرمين، دول عصابة، خطر علينا، خطر
_ لتاني مرة هتفكري بشكل أناني!
لتاني مرة مش هتفكري غير في نفسك وبس؟
بقولك فيها فضيحتي وفضيحة اختك، وانتي مش هامك غير نفسك؟
ردت في نبرة بها الأسف والحزن:
_ انتي شايفة كدا يا هانيا بجد؟
ردت في ثقة وصوت عالي:
_ ايوا شايفة كدا يا روني.
ومش شايفة ان حد هيتأذي من كلامك دا كله غيرنا، محدش هيصدقك اصلا، هيقولوا بكل بساطة بتكدب واخترعت اي سبب أما مسكنا على اخواتها فضايح زي دي، واشمعنى جاية تفتكر الحمل دلوقتي وهي طول عمرها بتقول مش مستعجلة ومحدش ليه دعوة؟
مش هتاخدي اي حاجة من الموضوع دا غير، فضحيتنا و حرقة الدم ليكي اما يكدبوكي وحقك يضيع
_ ليه؟
ساعتها هقولكم فرّغوا الكاميرات وانتوا تشوفوا الدكتور وهو بيدخل اوضتي هو وفاطيمة ودا نفس الوقت اللي ركبت فيه اللولب أصلا!
_ اه وساعتها وهي الكاميرات بتتفرّغ، يشوفوا شهاب وهو داخل اوضتي وخارج من اوضتك وعبير بدور عليه هي وماهي وفاطيمة ووقتها عبير تفتح حسها قد كدا وتقول اهو، اللي كنت بقوله عليهم، طلع حقيقة.
والشيخ بعد ما يبهدلنا كلنا، يبهدل بابا ويفتكر فعلا انه خبى عليه الحقيقة وسابه يجوّز ماهي لشهاب علشان خاف يحصل طلاق بيني وبين جياد لانه طمعان في الراجل وفلوسه زي ما دايما عبير بتقول واخواته!
ثم انه اوضتك مفيهاش كاميرات، هتقول لا كدابة، هو دي آخرة اللي يساعدها؟
مفيش معانا دليل، الدليل معاهم هما وبس، استني نجيب دليل ونواجه يا ماما.
روني انتي هتفتحي علينا فاتحة وحشة، اسكتي أحسن
_ ولحد امتى هفضل ساكتة ها؟ لحد امتى؟
لحد أما يعملوا فينا إيه تاني؟
_ لحد اما نمسك دليل
_ هنجيبه منين؟
_ هنجيبه وهما هيغلطوا تاني وتالت، بس المرادي احنا مركزين لهم كلنا، ولازم شهاب يبقى معانا، انتي ومايا اللي هتتواصلوا معاه في اي حاجة تخص الخطة وتخص توجهنا الفترة الجاية.
لازم نجيب اللي يدينهم بشكل يخلي ادانتنا واللي ماسكينه علينا، يبقى ولا حاجة جمب اللي احنا هنمسكه عليهم.
لازم اقفل دلوقتي علشان جياد بدأ يرن لاني اتأخرت عليه، هحاول انزل القاهرة قريب ومش هستنى أسبوع، وانتي يا روني اياكي تجيبي سيرة ليزيد، لان لا انتي هتجيبي حقك ولا احنا هنسلم وشكلنا هيبقى زي القرف قصاد الكل كلنا.
سلام
انهت المكالمة معها، وبمجرد أن غلقت، ألقت روني الهاتف بعيدًا ونظرت إلى مايا في ضيق وقالت:
_ ليه؟
_ علشان انا قولتلك لا، بس انتي كنتي مصرة وانتي كدا بتأذيني انا وهانيا وشهاب وياريته بفايدة، لا انتي فعلا مش هتاخدي معاهم لا حق ولا باطل، لاننا اللي علينا الغلط الأكبر، لأنهم قدروا يوقعونا ويترصدوا لنا.
ليه تهدمي حياة هانيا تاني؟
احنا مصدقنا ان حياتها إلى حد ما بقت شبه مستقرة مع جياد، كلامك دا هيخلي في توتر بينه وبينها ومش بعيد الشيخ يقوله يطلقها وخليها تمشي من هنا ويزعل من بابا ويطلق ماهي وشهاب وتخربي على البنت وهي حامل، كل دا ليه؟ كل الخراب دا ليه؟
مصدقنا شهاب سكت وبعد عن هانيا وربنا هداه مع مراته، ليه تخربي حياته تاني؟
يعني كنتي سبب في خراب علاقته بهانيا ودلوقتي علاقته بماهي؟
وتاني ياريت بعد كل الخراب والفضايح والخسارة دي، حد هيصدقك!
بالعكس هيقولوا خلاص واحدة اخواتها كدا، يبقى هي زيهم وكدابة وواحدة زيي راحت لدجال وبتسحر بقا لفاتح علشان ميتجوزش غيرها.. هي فاطيمة قالت لي، تيشرت فاتح هناك.. عايزة تخربي عليا انا كمان؟
سكتت وهي تشعر بنيران الغضب تأكل خلايا قلبها، لتتابع مايا:
_ اهدي يا روني، كلنا عايزين ننتقم منهم اشد انتقام، فكرك اني مش زعلانة على اللي حصلك؟ ولا زعلانة على اللي سمعته بودني حصل لاختي؟
والله انا مقهورة عليكم اكتر ما مقهورة على نفسي، بس اخد الحق حرفة، ولازم ناخد حقنا بأقل خساير.
انتي مش قولتيلي الصبح واحنا في الكافية، انك هتكلمي جياد وهتفهميه بالطريقة اللي اتفقنا عليها علشان تضميه لصفنا؟
هزت رأسها مؤكدة، فتابعت مايا:
_ اعملي كدا، بس اوعي تغلطي، خلي بالك وصدقيني جياد هو الوحيد اللي هيقدر يساعدنا، انا اما فكرت في كلامك لقيت انه صح، هو جياد اللي هيخوفهم وهو اللي هيساعدنا لان جزء كبير من الحقيقة عنده وعلشان خوفه من انه يفقد هانيا كبير جدا ، فهيتحرك في نفس اتجاهنا... صدقيني لازم واحد منهم اللي يحاربهم بنفس الاعيبهم
سكت.... ثم هزت رأسها مؤكدة وقالت:
_ جياد هو آخر كارت بالنسبالي ولو فشل.... أنا هخرج من القصر يعني هخرج من القصر بس مش قبل ما اولع فيهم، عيني عينك وحتى ان كان فيها طلاقي
_ تمام، اعملي كدا وانا متفقة معاكي، لو معرفناش ناخد حقنا بالطريقة اللي فكرنا فيها انا وانتي، نجرب الأسلوب التاني..خلينا نجرب آخر كارت...
*********
ترك شهاب، الحاسوب واتجه نحو المرحاض... دخله وما إن وقعت عيناه على نفسه في المرآة، قال:
" دقني كترت، لازم أحلق"
وبالفعل أحضر موس الحلاقة واعده بشكل جيد، وبدأ يمرره على الشعر الزائد أسفل خده في حرص.
حينها جاءت ماهي ودخلت عليه وهي تقول في خضة:
_ لا لا انت بتعمل إيه؟
رد في خضة هو الآخر:
_ إيه في إيه؟
_ انت هتحلق دقنك ليه؟
ثم شدت منه الموس وهي تقول:
_ اوعى متحلقش دقنك انا بحبها!
تنهد ورد:
_ ماهي انا مش هحلقها، انا هشيل الشعر الزايد دا، مدايقني
_ لا مش واثقة فيك، اومال ليه حاطط الكريم هنا؟
يبقى هتشيل الحتت دي كمان صح!
_ ماهي هي دقني ولا دقنك!
رفعت أحد حاجبيها في اعتراض وردت:
_ ايه دقنك ولا دقني دي!
انا بحب دقنك ليه تشيلها؟ هو مش مهم عندك انا بحبك ازاي ولا ايه؟
ثم اقتربت منه وفي يدها الموس وقالت في ابتسامة:
_ سبني أحلقلك أنا
_ بس تعوريني، هاتي عنك
_ لا لا متخافش خالص انا بعرف والله مش هعورك ولا حاجة
_ ماهي انتي صحيتي امتى من النوم؟
_ منمتش اصلا، كنت مغمضة كدا بس، المهم، استنى وشوف وانا بحلقلك
_ طب هاتي الموس انا مش عايزك اتعبك معايا، أنا هحلق لنفسي!
قربت يدها وبها الموس من رقبته وبدأت تمرره لتزيل الشعر من تلك المنطقة وهي تقول:
_ هشيل الشعر الزايد دا من عند رقبتك من تحت، وشوية صغننين من عند خدك من السوالف وبس كدا مش هشيل تاني خلاص، دقنك بحبها ومش هشيلها.
كان حذرًا خائفًا مترقبًا ورقبته بين يديها تقريبًا.
قالت وهي تزيل الشعر الزائد أسفل الذقن أولًا:
_ عارف انا ليه وقعت في حبك أصلا؟
_ ليه؟
_ بسبب ال Masculine features بتاعتك [ ملامح رجولية ]
عندك
Sharp masculine features
[ ملامح رجولية حادة]
يعني.. Strong jawline [ فك بارز] و Thick eyebrows [ حواجب كثيفة] beard [ لحية] من اللي انا بحبها جدا، اللي لا هي طويلة وكتيرة ولا ممسوحة كدا... شعرك التقيل والطويل.. جسمك.. طولك وعرضك لاني انا اصلا طويلة وموضوع الطول دا كان عاملي عقدة.
You're my type.
من اول مرة شوفتك فيها، أعجبت بيك جدا، وقلت هو دا خلاص.
سكتت قليلًا وبدأت تركز فيما تفعل، فعلق:
_ عمرك ما قابلتي حد قبلي ملامحه رجولية يعني!
_ لا بصراحة، ولو قابلت لازم يكون فيه عيب، يكون عيل فافي، يكون قصير، يكون رفيع.. تحس ان ملامحه مش مناسبة شخصيته كدا!
وبعدين كل اللي قابلتهم، شباب غنية ومدلعة كدا وتحسه شوية وهيقلب انثى.
شعره يعمله بشكل حلقات كدا تحسه خواتم او يكون محدد حواجبه ودقنه بشكل مستفز كدا او استايل لبسه يبقى غريب اوي.. من الآخر لا محدش منهم ملى عيني ابدا زيك
ابتسمت وتابعت وهي تقترب منه أكتر ولا تزال تزيل الشعر بعناية وحذر كي لا تزيل شعر من مكان لا تبغاه:
_ كمان كنت مركزة مع حركاتك.. نظراتك.. كنت بتبص لي باحترام جدا وفي عيني.. عمرك ما تخطيت حدودك.. بعد اي ميتنج، كنت بتحضره ليا، كنت تستناني اخرج الأول وتفتح لي الباب.. عايز ايه اكتر من كدا علشان توقعني فيك؟
دي كلها حركات مطلعتش الا من gentleman زيك
وأثناء تحدثها، تاهت في نظراته لها، بينما هو ينظر إليها يسمعها، ومن ثم اقتربت منه برأسها وهي ترفعها لمستوى رأسه وقبّلته.. وبينما تقبله، جرحته دون قصد بالموس الذي كان في يدها، فابتعد عنها على الفور وهو يتأوه ومن ثم وضع يده مكان الجرح:
_ آه عورتيني!
ردت في قلق وخوف عليه:
_ أنا آسفة انا أسفة، وريني وريني اتعورت جامد؟
_ مش عارف استني
رفع رأسه قليلًا وبدأ يرى الجرح، فوجده ماهو إلا مجرد خربوش صغير أسفل ذقنه بالقرب من رقبته.
وكانت هي حينها قد جلبت أدوات تطهير الجروح وقالت له وهي تمسك بالقطن:
_ وريني وريني، خليني اطهره قبل ما يتلوث
وبالفعل بدأت تمسح بالمطهر والدقن مكان الجرح وهي تقول:
_ انا أسفة يا حبيبي انا أسفة حقك عليا، ماخدتش بالي والله اني ايدي قريبة من رقبتك كدا
هز رأسه موافقًا ثم رد:
_ خلاص حصل خير، هاتي بقا عنك انتي الموس، انا هكمل حلاقة
هزت رأسها رافضة، ثم شدت المنشفة وفي ثوان، مسحت الكريم المتواجد على ذقنه وهي تقول:
_ خلاص كدا حلقت وخلصت، مش هتشيل شعرة زيادة تاني، انت كدا شكلك قمور وبس
أخذ شهيقًا طويلًا ثم زفره على مهل.. ورد:
_ ماشي يا ماهي اللي تشوفيه، ممكن تطلعي برا بقا علشان آخد شاور؟
سكتت قليلًا وبدى الضيق يشكل ملامح وجهها.. ولكنها هزت رأسها بالايجاب على أية حال ومن ثَم خرجت وعقب خروجها، سمعت صوت هاتفه يصدح.. اتجهت نحوه والتقطته فوجدت المتصل رقم غريب، استقبلت المكالمة قائلة:
_ ألو؟
وبمجرد أن سمعت صوتها، مايا، خافت ومن ثم انهت المكالمة في الحال، مما أشعل الشك داخل قلب الفتاة وبدأت تنظر إلى الهاتف ثم صوب المرحاض الذي بداخله زوجها في نظرات تحمل الشك والخوف والصدمة معًا.
حاولت أن تفتح الهاتف ولكنها فشلت في معرفة كتابة الرقم السري وعليه تمتمت في عدم استيعاب لما يحدث:
" هانيا؟
انتي اللي بترني عليه ولما سمعتي صوتي، قفلتي؟! "
*********
وفي الخارج، على أحد الطاولات بالمطعم، كان يجلس جياد منتظرًا زوجته والتي تأخرت في المرحاض مما جعله يتساءل عن سبب تأخرها.. وبينما هو ينظر في ساعة يده، لمحها قادمة فابتسم ثم قام من مكانه.. وبمجرد أن اقتربت، أسرع جهة الكرسي الذي كانت ستجلس عليه وسحبه هو لها ثم اشار بيده وهو يقول:
_ Have a seat مدامي
[تفضلي بالجلوس مدامي]
ابتسمت ثم ردت وهي تجلس:
_ Thank you
ثم عاد مرة أخرى وجلس على كرسيه وقال لها:
_ اتأخرتي، في حاجة ولا إيه؟
_ لا لا كله تمام، بس مايا رنت عليا وكنت بكلمها يعني وبس
_ مايا عايزة حاجة.. في حاجة؟
_ لا، كانت بتطمن عليا بس
_ طيب خير.. انا عامة طلبت الأكل اللي اختارناه، اتكلمي لحد اما يجهز.. كنتي عايزة تقولي إيه؟
ردت في قليل من الجدية:
_ بص، كنت عايزة اتكلم معاك عن نفسك.. عايزة اتعرف عليك، عندي أسئلة كتير اوي وحابة أسألهالك واعرف رأيك فيها
_ تمام انا جاهز، أسألي
_ أول حاجة حابة اعرفها منك.. مين هو جياد الزيني؟ باختصار يعني
ابتسم وسكت يفكر لحظات..... ثم رد:
_ جياد الزيني يا ستي دا واحد اجتماعي جدا، يعني إلى حد ما عصبي... بيغير جدا على الناس اللي بيحبهم، بيحب بجد وبيتعلق من قلبه ومش بيعرف يفرط في حاجة بيحبها.
عنيد شوية صغننين قد كدا، وبيقولوا انه ذكي ولماح، وبيلقطها وهي طايرة ومش بيضّحك عليه.. وأهم حاجه لازم تعرفيها عنه، انه بيعشق هانيا، وهو اول مرة في حياته اصلا يشوف نفسه عاشق بالشكل دا.
تنحنحت ثم قالت:
_ ايه اكتر اوقات بتحس فيها انك مش كويس؟
_ الأوقات اللي انتي بتبقي بعيدة عني فيها كلها
ردت في ابتسامة:
_ نسيت تقول انك sweet talker موت
ابتسم ورد مغازلًا:
_ بس مش مع اي حد، مع ال sweet بتاعتي وبس.
معاكي طبعا لازم اسمعك كل الكلام الحلو واشبعك بيه، عايزة تسمعيه من مين يعني غيري!
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ ماشي، دلوقتي مجهزة فقرة اسئلة سريعة، هسألك سؤال وعايزاك ترد بسرعة جدا بدون تفكير وانت باصص في عيني بدون لجلجة.
قول اول حاجة بتحطر على بالك، لو مجاوبتش بسرعة هتجاهل السؤال وهعتبر انك معندكش إجابة
_ موافق يلا
أخرجت الورقة التي جهزت بها الأسئلة التي قررت أن تطرحها عليه وبدأت تقرأ وهي تنظر إليه:
_ بتحب تبدأ يومك إزاي؟
_ على ابتسامة منك، على وشك عموما.
_ أكتر حاجة بتخبها في شغلك؟
_ انك مديرة أعمالي ومعايا فيه
_ بتحب تخرج فين؟
_ أي مكان تكوني معايا فيه... المكان نفسه ملوش قيمة لو انتي مش موجودة فيه.
_ إيه أكتر حاجة ممكن تعصبك؟
_ فكرة إنك تبعدي عني.. مجرد الفكرة بس
_ بتحب الهدوء ولا الزحمة؟
_ الهدوء في قاعدة معاكي و الزحمة لو مش هسمع فيها غير صوتك ...
ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغرها رغمًا عنها، فقد تأثرت بكلماته والتي بدت حقيقية إلى حد ما، فكلها كانت إجابات تلقائية، لا تدل إلا على عاشق ذائبًا في عشقها حتى غرق.. ولكنها تابعت متجاهلة ذلك:
_بتفكر في إيه قبل ما تنام؟
_ في اليوم اللي هتحبيني فيه.. وامتى هتتقبليني كزوج ليكي بشكل طبيعي
_ لو عندك وقت فاضي تحب تعمل فيه إيه؟
_ أقضيه معاكي
_ إيه أكتر حاجة بتخوفك؟
سكت لحظة واحدة، ثم ابتلع ريقه ورد:
_ إنك في يوم تختاري تبعدي عني بإرادتك
تنهدت ثم تابعت:
_ بتحب الشغل ولا البيت أكتر؟
_ البيت علشان هكون واخد راحتي معاكي أكتر
_إيه اللي ممكن يفرحك في يومك؟
_ نظرة واحدة بس منك
_ حاجة نفسك تحققها في المستقبل؟
_ ابني بيتي معاكي واجيب منك عيال شبهك، واكمل حياتي جمبك
تنهدت تنهيدة طويلة ثم ردت:
_ كأنه الإجابات كلها أنا! إيه مفيش حاجة تاني في حياتك؟
ابتسم ورد في تأكيد:
_ بالظبط، لانك كل حياتي.. انتي حياتي اصلا فأكيد كل الإجابات هتكون عنك.. معنديش حياة غيرك
ابتسمت ابتسامة عريضة فشيئًا ما قد تحرك بداخلها بسبب صدق نواياه وحديثه.. ثم ردت:
_ ايوا بس يعني.. أكيد في جوانب تانية بردو صح؟
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ انتي محور الكون يا ستي بالنسبالي ومفيش غيرك..
أمسك يديها وبدأ يقبلهما في حب وتابع وهو ينظر إلى عينيها:
_ انتي شمسي وانا بلف وبدور حواليكي في مدارك ولو خرجت منه، هضيع ومعنديش مكان تاني ممكن اروحه غير إني ارجع لك تاني.
ابتسمت وهي تنظر إلى الأرض خجلًا.. وقد أحمر خديها من الكسوف والفرح في نفس الوقت.
وفي اللحظة نفسها، جاء النادل وبدأ يضع الطعام بشكل منظم وانيق على الطاولة امامهما، مما جعل جياد يترك يديها ويجلس بشكل أفضل وملائم.
وبعدما ذهب الرجل، شكره ثم قال لها:
_ يلا ناكل بقا لاني واقع من الجوع
_ هو عامة انا اسئلتي خلصت، بس لسه عندي مواقف عايزة اعرف لو اتحطيت فيها، هتعمل إيه ولسه عندي كام سؤال بخصوص شريكك وطريقة تعاملك معاه
_ طب يلا اسألي، هجاوب وانا باكل
هزت رأسها موافقة وبدأت تمسك الشوكة والسكين لتقطع الطعام وتأكل وقالت أثناء فعلها ذلك:
_ لو في مرة نسيت عيد جوازنا، هتعمل إيه؟
_ مقدرش أنساه يا روحي اصلا... ولو حصل، هعوضه بليلة تبقى كلها ليكي أنتي بس، من غير أي حاجة تانية.
_ لو شفتني مضايقة ومش عايزة أتكلم، هتسيبني ولا هتضغط عليا؟
_ مش هسيبك، ومش هضغط... هفضل قاعد قريب منك لحد ما انتي تختاري تتكلمي لوحدك.
بدأت تمضغ الطعام وهي تنظر إليه لا تصدق أجاباته تلك والتي كانت بالنسبه لها اشبه بالاجابات النموذجية التي تخترق قلبها وكأنها كانت تنتظرها وكأنه يفهمها ويعرف اي إجابات بالضبط تود سمعاها.
وبعدما ابتلعت، تابعت:
_ لو حد دايقني في الشغل؟
_ هقطع خبره
_ لو سافرت فجأة من غير ما اقولك؟
_ مش هتعملي كدا لانك واحدة خارجة من بيت محترم وعارفة انه ميصحش تعملي كدا
_ تعبت نفسيا منك زي ما حصل قبل كدا مثلا؟
_ مش مقبول انك تعملي كدا تاني، تعبتي مني، تقدري تعبري عن تعبك و زعلك بأي شكل من الأشكال، إلا الطريقة دي
أخذت شهيقًا طويلًا ثم زفرته على مهل وتابعت:
_ لو اتخانقنا جامد ومحدش فينا عايز يكلم التاني، ممكن تعمل ايه وقتها؟
_ هفضل قريب منك، حتى لو هفضل ساكت... بس على الأقل عارف اني ههدى، وهتكلم معاكي في كل اللي مزعلني.. لكن لو انا اتعصبت اوي وقتها، فالاحتمال الأكبر اني هبقى عايز إجابة سريعة ومش هعرف اسكت اصلا.. بس في كل الأحوال، بعد اي خناقة لازم اتكلم فيها ووضح زعلي من انهي نقاط بالظبط وانهيها حتى لو من جوايا انا وخلاص كدا، انا يعتبر اتصافيت ومش هفضل ساكت طالما عاتبت وقلت اللي في قلبي.
هزت رأسها موافقة.. ثم اضافت:
_ لو حسيت إني بتغير وببعد عنك؟
_ هقرب أكتر... لحد ما أرجعك زي الأول، أو أفهم إيه اللي خلى المسافة تحصل.
_ لو طلبت منك مساحة شخصية؟
_ هديكي المساحة... بس هفضل دايمًا قريب كفاية إني أعرف إنك بخير.
_ لو قلتلك إني مش محتاجاك في يوم؟
_ مش هصدق... وهفضل شايف إنك محتاجاني حتى لو إنتي مش حاسة بكده.
ردت في استغراب:
_ مش معقول كدا! معقولة كل دا هتعمله؟
حساك بتكذب!
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ اقسم بالله ما بكذب، والأيام كفيلة تثبت لك صحة كلامي
_ تمام، بس انا عشت معاك ٧ شهور ولقيت في الخناق، ضغط نفسي وملقتش مساحة ولقيتك بتفتش في موبايلي، علشان كدا مش مصدقة!
تنهد ورد على الفور:
_ علشان أنا خايف...
انا حاسس بالخطر علشان كدا بدافع فبضغط عليكي غضب عني، انا مش بتصرف على طبيعتي أصلا.. انتي مش مدياني فرصة، دايما مخوفاني ودايما مخلياني شاكك وحاسس انك عايزة تخلصي مني، فبطبيعة الحال، بضغط عليكي وببقى عايز تأكيد منك طول الوقت وببقى عايزك تطمنيني... جربي تطمنيني وتختاريني فعلا وانتي هتشوفي فرق المعاملة وهتتأكدي من كل اجاباتي دي.
تنهد ثم تابع:
_ يا هانيا انا طول الوقت حاسس، انك عايزة تهربي، عايزة تخونيني.. مش عارف، بس.. بس دماغي دايما بتجيب لي الأسوأ... بسبب انك مش متقبلاني، مخلياني عندي طول الوقت overthinking وشايف اني في وضع دفاع عن نفسي وعن رجولتي وعن كرامتي، فمش عارف اهدى.. مش عارف اتصرف على طبيعتي.. مش عارف اكون انا اصلا.
جربي تطمنيني وانتي هتلاقيني غير صدقيني، جربي، مش هتخسري حاجة.
سكت برهة ثم تابع وهو ينظر إلى الطعام:
_ دلوقتي وقفي أسئلة علشان اركز في الأكل جعان اوي وخلينا بعد الأكل نكمل فقرة الأسئلة بتاعتك الجامدة، اوكيه؟
هزت رأسها موافقة...
**********
وبالتوازي مع حديث جياد وهانيا، كان يزيد قد دخل غرفته عقب رحيل مايا.
حينها كانت روني تجلس على السرير شاردة في نقطة واحدة.
فاقترب منها حتى جلس جوارها وقال:
_ قوليلي بقا، كنتي عايزة تمشي ليه؟
في إيه حاصل معاكي يا روني، قوليلي وطمني قلبي
نظرت إليه مطولًا وبنظراتها، الخزي والخوف والقلق.. نظرات مختلطة، تود أن تبوح له عم يلوج في عقلها، تود أن تخبره بما أهلك قلبها وآلم روحها.. ولكن الواقع كان اقسى والحقيقة ذات مذاق مر، لذا ابتلعته ولم تتحدث...
فتابع وهو يلاحظ تلك النظرات:
_ إيه يا روني يا حبيبتي، اتكلمي مالك؟
أظهرت ابتسامة صغيرة على ثغرها وردت:
_ لا يا حبيبي مفيش حاجة صدقني.. انا تمام.. كل الموضوع بس إني كنت مخنوقة شوية وشديت مع مامتك وعماتك وعلشان كدا كنت عايزة امشي من القصر، بس مايا هدتني وكدا وقلت خلاص هدي لنفسي فرصة تانية معاهم يمكن الأمور تتحسن، لو لا وفضلوا كدا يدايقوا فيا، همشي
_ عملوا إيه طيب؟
_ خلاص انا سامحت وحصل خير، بلاش ادوشك بكلام الستات دا
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ عملتي إيه عند الدكتور طيب؟
سكتت ولم ترد.. فتابع:
_ إيه؟
قلقتك ولا إيه؟
قامت من مكانها واتجهت صوب الخزانة هاربة منه.. وردت وهي تولي له ظهرها:
_ ما..ما.. مفيش.. عادي
_ عادي ازاي يعني؟
معندكيش مشاكل يعني؟
اغمضت عينيها وروحها تتألم كلما تذكرت ما فعلوه بها، جاهدت في ألا تدمع.. وردت:
_ اه
ثم غيرت اتجاهها صوب المرحاض وبمجرد أن دخلته وغلقت الباب، بدأت تبكي على حالها وعلى نفسها وعلى عجزها وصمتها على ما يحدث بها... وفجأة توقفت عن البكاء وتحولت ملامحها كلها إلى ملامح حادة قوية تشكل انتقامًا وأخذ بالثأر رغم أن دموعها لم تجف على خديها، ثم نظرت إلى المرآة وتوعدت في نبرة بها القوة :
" وحياة كل دمعة نزلت مني، وحياة كل قهر عيشته وكل خوف شفته وكل لحظة سودا حصلت لي بسببكم، لهردوا، هردوا وأصعب كمان وبكرة تشوفوا هعمل فيكم إيه يا ولاد ال ****** "
**************
كانت تجلس على السرير تنتظره حتى ينتهي من الاستحمام، لأنها كانت تعرف انه سيعود ويُحدثها وبالفعل بمجرد أن لمحته، يفتح باب المرحاض، تظاهرت بأنها قد نامت.
دخل الغرفة وجفف شعره وهكذا.. ومن تحت الغطاء أخذت تراقبه.. حتى انتهى ثم نظر نحوها، فاغمضت عينيها سريعًا لتبين له أنها نائمة منذ وقت طويل.
خرج من الغرفة وبدأ يسير في الطرقات حتى وصل إلى الصالة واتجه نحو الكرسي الموضوع عليه هاتفه، والتقطه ثم فتحه فقرأ رسالة مايا على الفور والتي كان مكتوب بها:
" عايزة اتكلم معاك.. بس خلي بالك انا عملت حركة غبية، ماهي ردت عليا اما رنيت عليك من شوية وانا اتخضيت أما سمعت صوتها وقفلت بسرعة في وشها"
في تلقائية استدار لينظر نحو باب الغرفة التي هي بها، ثم تمتم:
" غبية، أكيد هتفتكر اني بخونها دلوقتي ويا نهار نكد بقا! "
كتب لها:
" مايا مش هعرف اكلمك دلوقتي، ماهي عاملة نفسها نايمة وأكيد هتخرج في اي وقت علشان تشوفني بكلم مين.. "
وعقب مرور دقيقتين، كتبت له:
" بس اللي انا عايزاه مهم ومينفعش في شات كدا "
تنهد ثم أخذ يفكر....
كانت ماهي حينها تلصق أذنها على باب الغرفة، علها تسمع ما يفعله في الخارج.. وظلت هكذا حتى سمعته يتحدث عبر الهاتف ولم تفهم ماذا كان يقول بالضبط، هي فقط سمعته يتحدث وحسب..
لذا فتحت الباب وأسرعت نحوه وهي تقول:
_ بتكلم مين؟
فقال على محدثه وهو يجلس على الكرسي:
_ ثواني يا هاني، هشوف ماهي
ثم فعل وضعية كتم الصوت والتفت لها وقال:
_ إيه يا ماهي؟
_ بتكلم مين؟
_ دا هاني صاحبي!
_ افتح الاسبيكر
_ ماهي قلت لك دا هاني!
_ وانا قولتلك افتح الاسبيكر بعد اذنك افتحه يلا
تنهد وهو يتمتم:
" لا حول ولا قوة إلا بالله "
ثم فتحه بالفعل والغى وضعية كتم الصوت وقال لها:
_ كمل يا هاني كلامك
فقال الشاب وماهي تسمع:
_ بس، فهو دا الجديد اللي قدرنا نوصله.. وتعالى بردو بكرة مستنيك زي ما اتفقنا
_ ماشي يا هاني، كدا كدا انا رايح المكتب علشان في اوردرات طالعة وعايز اعملها check بنفسي وبعدها هعدي عليك
_ ماشي يا صاحبي هستناك
_ سلام
_ سلام
وبعدما انهى معه المكالمة، قال لزوجته:
_ إيه بقا مشكلتك؟
زفرت في ضيق ولم ترد، بل عادت مرة أخرى إلى غرفتها وغلقت الباب وتمتمت في غيظ:
" دايما سابقني بخطوة.. انا متأكدة ان هانيا اللي اتصلت وأما سمعت صوتي، قفلت "
ظلت تتحرك في الغرفة تفكر ماذا تصنع.. حتى التقطت هاتفها واتصلت على أخيها جياد...
كان حينها الشاب توه قد عاد هو و زوجته إلى المنزل، قبلما يصل إلى غرفة نومه حتى، سمع هاتفه يرن، أخرجه من جيبه واستقبل المكالمة قائلًا:
_ إيه يا ماهي ازيك؟
_ إيه يا جياد، انا الحمدلله، اخبارك ايه؟
_ كله حلو، قوليلي في إيه؟
_ هانيا فين يا جياد؟
تعجب من السؤال ثم نظر في تلقائية نحو زوجته والتي كانت تفتح باب الغرفة لتدخل، ورد:
_ معايا اهي، ليه في إيه؟
كانت ستخبره بما تشك، ولكنها خافت على زوجها منه، وهي تعلم جيدًا أن جياد لا يجب أن يتم العبث معه في ذلك الجانب خصيصًا.. وهي لم تتأكد بعد لذا قالت له:
_ لا عادي، كنت متصلة اطمن عليها وكدا، أخبارها ايه واخبار حملها إيه؟
_ والله!
ومن امتى يعني وانتي بتسألي عن هانيا؟
وبعدين حمل إيه دا!
ما حملها سقط من زمان!
شهقت في خضة وقالت:
_ بتهزر!
انت بتتكلم جد؟
جياد انت فعلا بتتكلم بجد؟
هانيا سقطت!
_ ايوا هو في اصلا هزار في الموضوع دا!
ردت في نبرة بها الخوف ظاهرًا للغاية:
_ يالهوي عليا، يالهوي عليا
_ ايه في إيه بس!
_ خفت يا جياد خفت
_ من إيه خفتي؟
_ يعني خفت هانيا تطلق منك وترجع لشهاب، ما خلاص مفيش بينكم رابط.
رد في ضيق:
_ انتي عبيطة ولا إيه، هو انا ماشي معاها!
انا جوزها وفي بينا رابط قوي جدا وهو الجواز، الجواز ميثاق وعهد مش لعبة هو!
_ ماشي ما هي هتطلق، هو انا قولتلك هتخونك!
_ مستحيل، هي عايزاني وقالت لي هديك فرصة
ابتلعت ريقها وردت في قلق:
_ ممكن تقولك الفرصة خلصت ومرتحتش و عايزة أطلق!
رد في عصبية وصوت عالي نسبيًا:
_ هو انتي بتقلقيني ليه انا مش فاهمك!
_ لاني قلقانة ومرعوبة كمان.. خايفة شهاب يرجع يفكر فيها ويقول لنفسه هي اطلقت و...
قاطعها قائلًا في نبرة حاسمة قوية:
_ اقسم بالله لو الحيوان دا قرب من مراتي تاني وحاول يعمل أي حاجة وانا عرفت، وهعرف، لقتله يا ماهي وصدقيني مش هاخد فيه ٣ تيام سجن، لاني هكون عملت كدا دفاع عن شرفي ومراتي وبيتي اللي عايز يخربه وهعرف اثبت كتير انه اتعدى حدوده
_ جياد انت بترعبني ليه؟
_ علشان لازم تعرفي، اني لو ساكت للواد دا لحد دلوقتي وما ارتكبتش فيه جناية بعد كل اللي عمله وبيعمله، فأنا ساكت علشان جوزك وابو طفلك، لكن هيستعبط فيها ويحاول يقرب من مراتي لأي سبب كان، اقسم برب العزة ما هسكت له ولا هسمح له، هو مفكرها زريبة يعني ولا إيه!
مفكر نفسه هيدخل القصر ويطلق مراتي مني ويطلقك ويجرحك وفي الآخر يتجوزها ويعيش في تبات ونبات!
دا عشم ابليس بالجنة.
_ جياد طب ما نتجنب كل دا يعني وتحمّلها تاني!
_ أحمل إيه هي ابلكيشن!
ثم اهدي على نفسك كدا ومتبقيش خايبة، شهاب إيه دا اصلا اللي يبقى جوزك، جوز ماهي الزيني، هو كان يحلم!
انتي نعمة هو عمره ما كان يحلم بيها، أقصى طموحات الجّعر دا، انه كان بس يشتغل في شركتنا، مش يتجوز مديرته مرة واحدة!
تنهد ثم تابع ما إن أحس أنها ستبكي ونبرة صوتها خائفة:
_ انتي ليه خايفة طيب، مش قلتي انه بدأ يتعدل معاكي وطلب فرصة تانية وبتاع وان علاقتكم بقت احسن؟
ردت في نبرة مليئة بخيبة الأمل:
_ بس انا حاسة انه مش بيحبني... حاسة انه بيمشي حياته معايا كدا وخلاص.. مش اللي بيحب حد بيديله من وقته!
_ ماهي، انتي ذكية وجميلة واصلا ان ست توقع راجل في حبها وتخليه متعلق بيها، أسهل كتير من راجل بيحاول يوقع ست في حبه، ركزي وانتي هتخليه خاتم في صباعك ومش هتخليه يشوف غيرك اصلا، وانتي عندك كل المقومات بس بتتعاملي بشكل غلط معاه
ردت في عصبية:
_ يعني المفروض اعمل إيه يعني؟
_ المفروض تفهمي مداخله كويس وتدخليله منها.. كل راجل فينا عنده مداخل ولو الست بتاعته عرفت المداخل دي كويس، هتكسبه وهتوقعه فيها و..
قاطعته وهي تزفر في ضيق:
_ هيعوز إيه تاني اكتر من اللي بعمله وعملته؟
انا عملت كل حاجة.. اديته حب واهتمام ودلع وكل حاجة، اديته كل حاجة، اعمل إيه تاني يعني؟
_ تهدي، وتوقفي دلدقة موجة الحنان والحب دي شوية وتتقلي.. سبيه اتقلي عليه، انشغلي انتي كمان واهتمي بنفسك وبشغلك، غيري طريقتك معاه، اسحبي اهتمامك منه واحدة واحدة وخليه يلاحظ ان في حاجة غلط، وصدقيني حتى لو مش بيحبك، هيزعل جدا انك بطلتي تهتمي بيه زي الاول، وبطلتي تخليه محور الكون زي الأول.. هو الانسان كدا
هتلاقيه تلقائي بقا هو اللي بيقرب وهو اللي بيسأل وهو اللي بيهتم.
متاخديش دوره في العلاقة.. البداية دايما للراجل، بطلي تبدأي انتي وجربي تسبيه يبدأ وشوفي هيعمل ايه!
_ ماهو كدا هيفتكر اني زعلانة وهيسألني مالك، المفروض اقول إيه؟
_ فهمتيني غلط..
انا مش قصدي انك تلوي وشك في وشه وتفضلي قاعدة مقموصة وبتكلميه من تحت ضرسك لا، انا قصدي اتعاملي عادي جدا، اهتمي بنفسك، واتكلمي معاه عادي جدا، بس بطلي انتي اللي تلاحقيه، وانتي اللي تبدأي كلام معاه وانتي اللي تطلبي اهتمام منه وانتي اللي تبدأي بكل حاجة، فهمتي؟
على الهادي يا ماهي على الهادي
_ طب ولو مهتمش ولا سأل ولا ركز ولا بدأ بحاجة، يبقى إيه؟
_ يبقى انتي مش في دماغه بربع جنيه يا بيبي، وساعتها المفروض تطلقي وتسبيني اخلص عليه علشان حواراته كترت معايا
تضايقت بشدة من كلامه.. وعلقت ساخرة:
_ على أساس هانيا يعني أتحسنت معاك وبقت بتحبك!
_ متقارنيش هانيا بشهاب علشان مفيش وجه مقارنة.
اول حاجة، انا الراجل هنا وانا اللي بقود علاقتي بيها مش هي، وانا اللي ببدأ وانا اللي ببذل مجهود علشان اوصل لقلبها لان دا دوري اصلا، الراجل كدا Hunter بطبعه، يحب يصطاد فريسته ويوقعها فيه وهي تفضل معززة مكرمة، وهو دا اللي انا اعرفه.. اي علاقة ناجحة، الراجل هو اللي بيبذل فيها مجهود أكتر
دي أول حاجة.
تاني حاجة، علاقتي بهانيا معقدة جدا، أهلها اجبروها عليا.. الحركة اللي انا عملتها معاها انا واختها.. كل دي حاجات مزعلاها مني وعلشان كدا انا صابر عليها وعندي أمل كبير ان الامور هتتحسن مع الوقت.
انما شهاب، مين كان أجبره عليكي؟
أمه يعني غضبته على الجواز منك؟
انتي يعني اللي فرقتي بينه وبين حاجه كان عايزها؟
لا خالص، بالعكس هو اللي غلطان في حقك 100% ومع ذلك هو اللي مش طايق وهو اللي مقموص وهو اللي مستني منك تبدأي بروح أمه؟
علشان كدا المقارنة مش عادلة ومينفعش يتقارنوا ببعض اصلا، هنا انا اللي طلبت فرصة تانية من هانيا يبقى أنا اللي اعدل وابدأ واحترم نفسي معاها وهناك هو اللي طلب فرصة تانيه منك، يبقى لازم يحترم نفسه معاكي ويبدأ هو ويقود علاقته ويبقى راجل بقا و مسؤول ويبطل شغل العيال الصغيرة دا.
سكت قليلًا وهي الأخرى لم تعلق، فقد رأت أنه محقًا فيما يقوله لذا لم تتكلم، فاختتم هو الحديث قائلًا وذلك عندما رأى هانيا قد خرجت من الغرفة ودخلت المطبخ:
_ على العموم انا نصحتك وخلاص وانتي حرة، بس لازم تعززي نفسك وضروري هو اللي يبذل مجهود علشانك والا كدا كدا مهما حصل، علاقتكم هتفشل يعني هتفشل، عاجلًا ام آجلًا، يلا هقفل انا دلوقتي وبعدين هبقى أكلمك.
انهى المكالمة معها، ثم اتجه نحو المطبخ عند زوجته، وكانت هي حينها تقف أمام البوتاجاز تغلي الشكولاتة، فسحبها من خصرها، فجأة فشهقت في خضة، ثم لصقها في الحائط وقال وهو قريب منها للغاية:
_ بتعملي إيه في المطبخ يا بطاطا؟
_ جياد اوعى التشوكليت هتتحرق!
رد وهو يتجول بعينيه على ملامح وجهها:
_ دا أنا اللي بتحرق.. خلاص مبقتش قادر اقاوم أكتر.. اعذريني شايفك قدامي رايحة جاية طول الوقت
_ انت عارف اللي فيها
زفر في ضيق.. ثم ضمها إليه وبدأ يمرر يده على ظهرها في حركات دائرية وقال:
_ غمضي عينك وانتي في حضني كدا
_ ليه؟
_ غمضي بس وانا كمان هغمض
فعلت ما طلب منها، فتابع وهو يغمض عيناه هو الآخر:
_ عارفة انا شايف إيه دلوقتي؟
تخيلي معايا كدا.. انا وانتي واولادنا بن camping والدنيا فاضية من حوالينا ومفيش غيرنا وبس.. الولاد بيلعبوا حوالينا، وانا عيني عليهم وعلى حركتهم وانتي قاعدة بتجهزيلنا السندوتشات، وبتقوليلهم كل شوية، استنوا تاكلوا الأول علشان متتعبوش من الجري والتنطيط دا.
وانا بقولهم اسمعوا كلام مامي وتعالوا هنا ناكل الأول.
تنهد تنهيدة طويلة وزاد من ضمها له وتابع في تخيله:
_ وبعد الأكل نلعب كلنا.. انا وانتي وهما... نجري نتنطط وصوت ضحكنا يوصل للسما
وبفضل سرده لتلك القصة، بدأت تتخيل معه ما يقوله.. لذا ابتسمت في تلقائية ولا تزال تغمض عينيها لا تفتحهما حتى لا يخرب التخيل الذي صنعته.
تابع وهو يمرر يده على ظهرها:
_ الصغننة تبهدل ايديها وتيجي جري عليكي تقولك مامي ايدي، وانتي تزعلي منها وتقوليلها كدا غلط يا نوتي، وتبدأي تقوليلي بغيظ كدا وبفطرة ام، ماهو دلعك ليها هو اللي وصلنا لهنا، لان انا هكون مدلع بنوتي جدا فعلا، انا احضنها واقولها خلاص مش هنعمل كدا تاني، قولي لمامي سوري واخوها يجي جري يقولك مش هنزعلك تاني يا مامي.. بس بليز forget it
ردت متجاوبة معه وهي تبتسم:
_ وانا هسامحها وهغسل لها ايديها وهقولها مينفعش نلعب في الرمل بأيدينا.. وهقول لاخوها..
ثم توقفت تستوعب ما تفعله.. وعليه خرجت من بين ذراعيه وقالت في استغراب وهي تنظر له:
_ انت بتعمل إيه؟
_ شفتي؟ شفتي عيشتي الموقف ازاي!
يلا بقا يا هانيا، متحرميناش من عيشة لحظة زي دي.. الموضوع مش صعب، بس انا حبيت اوريكي ولو جزء من خيالي ومخططاتي وتفكيري في المستقبل.
مستقبلي كله عبارة عنك انتي وأولادنا
ودا بالمناسبة بيأكدلك اجاباتي في المطعم، صدقتي بقا انك محور حياتي فعلا؟
شهقت وهي تنظر جهة البوتاجاز وقالت في ضيق:
_ التشوكليت اتحرقت!
ثم اسرعت نحوها وبدأت تغلق الشعلة، فقال في استغراب:
_ كنتي هتعملي إيه بيها يعني؟
_ كنت عايزة أجرب حاجة كدا شفتها
_ قوليلي عليها وانا اطلبهالك!
_ لا انا عايزة اجربها بنفسي
سكت قليلًا.. ثم قال:
_ بقالنا اهو بتاع اسبوعين من بعد ما وافقتي ناخد فرصة تانية مع بعض، إيه ال feedback بتاعتك!
التفتت له وردت:
_ لسه
_ لسه إيه؟
_ لسه بشوف
رفع أحد حاجبيه ورد في غيظ:
_ بجد!
_ بجد الجد
_ لا انتي مع نفسك بقا، اصلا مفيش قوى تقدر تفرقنا عن بعض، انسي
ابتسمت وردت:
_ قلبت وشك ليه؟
_ علشان انتي مستفزة!
رفعت كتفها في دلال انثوي وردت في ابتسامة:
_ إيه تعبت ولا إيه، جبت اخرك؟
_ انا مليش آخر يا مزة ولا متعبتش ومش هتعب، ومتحلميش انتي اني هتعب.. انتي بتاعتي وفكك بقا
_ قولتلك بطل تبقى متملك!
_ انا متملك!
وملكتك ودا عادي جدا وطبيعي، انتي مراتي
بدأ يقترب منها شيئًا فشيئًا حتى وقف قبالتها تمامًا وتابع وهو ينظر داخل عينيها:
_ الحاجة الوحيدة اللي قادرة تفرق بينا وانا للأسف مش هقدر اعمل حاجه فيها، هو الموت، اللي يفرقنا بس هو الموت
ردت مازحة كي تغيظه:
_ طب الشكر لله اننا في قوة أكبر منك!
_ ايوا بس انا اقدر ادعي ربنا انه يطول في عمرنا ويبارك في صحتنا علشان اكون معاكي اطول وقت ممكن!
وكمان هدعي انك انتي اللي تموتي الأول
ردت في عصبية:
_ ليه ليه كدا يعني!
_ علشان انا عارف نفسي، لو روحتي مني، مفيش يومين وهحصلك من كتر الزعل والقهر، انما انتي، هتروحي تتجوزي بعدي عادي وانا بغيير.
ثم انه هيبقى هو جوزك في الجنة مش أنا، عرفتي!
_ لا بردو، متدعيش عليا دعوة زي دي، حرام عليك بجد!
تنهد ثم رد:
_ خلاص يا ستي متزعليش، هدعي ربنا انه لو انا اللي هموت قبلك، يكون بعد عمر طويل اوي ان شاء الله وتكوني انتي وصلتي وقتها لسن اليأس وبقيتي خلاص عجوزة ماشية في السبعين سنة كركوبة وشعرك وقع وسنانك وقعت كلها بردو، وميتبصش في خلقتك اساسا ومتبقيش نافعة وعندك زهايمر
_ ايه دا ايه دا، ليه كدا؟
انا عايزة افضل جميلة لحد أما أكبر وانت مالك، انا ههتم بنفسي!
رد في ضيق:
_ بقولك ايه، هي دي الدعوة اللي هدعيها وإلا هدعي ربنا يسخطك قرد، انا حذرتك اهو
_ لا لا خلاص.. قرد!
دا انت قلبك أسود
_ ايوا قلبي اسود ومش عايز راجل يشوفك حلوة غيري انا حر، وعايزك تبقي مراتي بردو في الآخرة، انتي هتبقي معايا دنيا وآخرة
_ هيبقى عندك حور عين على فكرة يعني!
_ ماشي بس انتي الأصل بردو، انتي هتبقي الملكة بتاعتهم، شفتي بقا!
ردت في ابتسامة غرضها أن تغيظه:
_ لا بردو، هتجوز غيرك وهبقى معاه هو في الجنة ان شاء الله
رد في نبرة بها ثقة منتناهية:
_ طيب، شوفي مين اللي أمه داعية عليه بقا وقلبها وربه غضبانين عليه، علشان بس يفكر، مجرد التفكير بس كدا، انه ياخدك مني
_ اقول ايه بس!
مجنون
_ وانا قولتهالك وهقولهالك كل شوية يا هانيا، متتحديش حد مجنون، المجنون بناخده على قد عقله يا مدامي
ضحكت ضحكة رقيقة ثم بدأت تخرج من المطبخ وقالت له اثناء سيرها:
_ المجنون بيتعالج
_ سوري يا روحي متأخرة، وصل لآخر مرحلة في الجنان خلاص وحالته بقت ميؤوس منها، العلاج بقى مستحيل.
*********
وفي صباح اليوم التالي، وعقب تناول طعام الإفطار داخل قصر آل الزيني.
يجلس الشيخ داخل مكتبه مع كل من حليمة وامجد وذلك بعدما اخبرهما بقرار ابنته، لتعلق حليمة في ضيق شديد:
_ ليه ليه كدا بس يا شيخ ليه؟ طلاق ليه بس؟
انا مش مصدقة والله اللي انت بتقوله دا!
كان الشيخ وقتها، ينظر إلى أمجد في قرف وكأنه يشم رائحته من على بُعد، ورد على أخته:
_ دا قرارها زي ما قولتلك يا حليمة
_ ماشي يا شيخ فهمنا انه قرارها، بس ليه يعني كدا!
أمجد عمل إيه بس يعني لدرجة تستدعي الطلاق؟
تمتم الشيخ في قرف:
" مبيستحماش "
علق أمجد قائلًا لأمه:
_ خلاص يا ماما، كاميليا اصلا سبق وكلمتني في الموضوع دا وانا موافق
صاحت في وجهه:
_ ليه طيب ليه؟ ايه اللي حصل بينك وبين مراتك علشان الأمور توصل للطلاق!
ما تنطق يا ابني بقا
_ مش مرتاحين وخلاص يا ماما
_ لا الموضوع مش بالبساطة دي يا أمجد ولا إيه يا شيخ؟
اتكلم
حرك رأسه لليسار واليمين في يأس ثم قال:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.
خلاص يا حليمة بقا، دا اختيار العيال وخلاص بقا
_ أول مرة يعني!
مش كنت انت دايما بتاع لا مفيش طلاق ولا مفيش خراب بيوت ولا علشان دا بيت ابني عادي!
انما لو واحدة من بنات السلاب كان زمانك بهدلت ابنك عليها و...
قاطعها قائلًا:
_ بس يا حليمة كفاية افترا عليا بالباطل كدا متكمليش..
اولا انا فعلا عمري ما فضلت الطلاق ولا حطيته كاختيار ابدا، ثانيا لو انا بحافظ على بيت ابني قيراط فألاكيد اني هحافظ على بيت بنتي ال ٢٤، بس كل الفكرة ان كاميليا عندها سببها وسببها مقنع جدا وشكله هو كمان مقتنع ومتفق لانه حتى مجادلش ولا قال هحاول ولا عمل اي حاجة، وانا بالنسبالي اما الراجل يتنازل عن علاقة ويبطل يدافع ويبطل يبذل مجهود علشان مراته وعلاقته بيها، يبقى العلاقة دي هتفشل يعني هتفشل، وانا ملقتش ابنك متمسك درجة واحدة حتى، بالعكس اللي ظهر قدامي انه كأنه ما صدق أصلا، يبقى أكيد حاولوا وخلاص وصلوا مع بعض للنقطة الحتمية دي.
تنهد ثم تابع:
_ خلاص يا حليمة، الطلاق قرار ليهم هما الاتنين وبس وهما عايزينه وهما مش صغيارين.
_ انا هتكلم مع ابني
قالتها في حسم ثم خرجت من المكتب وهي تسير في خطوات سريعة مليئة بالغضب.
وحينها وجدت يزيد يقف بجانب زوجته يتحدث مع والدته الجالسة بجوار فاطيمة:
_ ماما، انا وروني خارجين دلوقتي مع بعض ومش هنرجع على القصر
_ ليه؟ رايحين فين؟
_ هنقضي اليوم مع بعض وبعدها هنروح على الشقة بتاعتي نقعد فيها شوية
_ جاية بكرة يعني؟
_ ايوا، هنرجع القصر بكرة بعد الشغل
وقتها، التقت عيني روني بعيني حليمة الواقفة بالقرب منهم إلى حد كبير، ثم ابتسمت لها ابتسامة مليئة بالثقة والقوة وكأنها لا تُقهر أبدًا وبعدها تحركت بجوار زوجها.
تمتمت حليمة وهي تتبع أثرها:
" ربنا يهدك، انتي إيه مبتتهديش ابدا؟
نفسي تقعدي تعيطي كدا وتخافي وتبطلي تبصيلنا البصات دي! "
ثم أخذت تبحث عن ابنها ولكنها لم تجده، فسألت عنه أحد أفراد الأمن في الخارج، فقال لها:
_ مستر أمجد خرج من كام دقيقة بالظبط
زفرت في ضيق وتمتمت:
" هتهرب مني على فين يعني! "
*********
وداخل غرفة حسان واسيل.
كان هو يجلس صامتًا على السرير، يمسك وحسب ذلك الكتاب ويقرأ كلماته بعينيه دون أن تتحرك شفتيه.
أما هي، فكانت تمشط شعرها أمام المرآة وقد لاحظت صمته وفي الحقيقة فإن صمته قد طال، فمنذ وقت طويل وهو صامتًا لا يتكلم معها ولا يحاول أن يلفت انتباهها حتى.
لذا قالت له:
_ مالك يا حسان؟ في حاجة ولا إيه؟
تجاهلها وكأنها لا تتكلم.. وعليه شعرت بالضيق فتركت الفرشاة وتحركت صوبه وقالت له:
_ هو انت مش بترد عليا ليه؟
تنهد ثم رفع رأسه لها وقال في برود:
_ عايزة إيه يا أسيل؟
_ مش بترد عليا ليه؟ سألتك ساكت ليه بقالك كتير، وانت مردتش!
_ وعايزاني اتكلم اقول إيه يعني!
اتعودت على السكوت خلاص.. وجودك من عدمه قريب مش هيبقى فارق معايا، مبقتش بلاحظك اصلا والعلاقة دي بقت ماسخة ودمها سم
_ حسان ما انا قولتلك!
قولتلك اول ما تبقى مدير قسم ها..
قاطعها قائلًا في صوت عالي نسبيًا به العصبية:
_ مش عايز حاجة ومش مستني منك حاجة لا دلوقتي ولا لو بقيت مدير قسم
_ ليه؟ مش دا كان اتفقنا؟
رمى الكتاب من يده بعيدًا، ثم وقف في سرعة وصاح في عصبية:
_ بقالنا ٨ شهور متجوزين وانتي مش عايزاني اقرب منك خالص وبأي شكل،وفي حين الناس عمالة تسأل عن امتى هنشوف لكم عيل وروحوا شوفوا في مشاكل عندكم ولا لا، انا مدخلتش عليكي اصلا.
انتي متخيلة كم العار اللي انا فيه!
كل دا بسببك وبسبب حججك الغريبة واسلوبك الاغرب، تعبت منك ومن الانتظار ومن كل حاجة، لحد ما بقيت بارد وهادي واتفقلت من الستات كلها وعادي عندي اني اعيش عمري كله مع القطط بتاعتي وكتبي وخلاص، فكرت فيها، ايه اللي مخوفك؟
هي لو سبتك محدش غيرها هيكون معاك؟
طب هل انتي دلوقتي معايا اصلا؟
يا شيخة دا حتى الحضن مش عايزة تديهولي
ثم صاح بشكل أكبر:
_ في إيه بقا في إيه؟!
ردت في هدوء حتى لا تصعد الأمر:
_ انا قولتلك في إيه، قولتلك عايزة اسلم نفسي لراجل ضامنة انه هيعرف يضمن لي حقي وحق ولادي بعد كدا في المستقبل و...
صرخ في وجهها وعروق رقبته قد برزت:
_ طب انتي عارفة كويس طبعي من زمان، ما احنا قرايب ويعتبر اتربينا مع بعض، وعارفة اني مش مدير قسم ولا شغال في الشركة كلها اصلا
ليه وافقتي تتجوزيني يعني!
علشان تفضلي تتعاملي معايا كدا لحد أما ابقى مدير بقا يعني ولا إيه!
_ حسان..
هدأ قليلًا ثم قاطعها قائلًا:
_ احنا كدا هنطلق يا أسيل.. مش عارف اعمل إيه.. انا بحبك وعايزك بس انتي لا، وانا مقدرش اجبرك عليا.. روحي اتجوزي مدير القسم اللي انتي عايزاه.. انا مش.. مش..
سكت فقاطعته دموع عيناه والتي هبطت رغمًا عنه، فقد كان مرهف الحس للغاية.
ولى لها ظهره في الحال كي لا ترى ضعفه، كي لا يبكي أمامها، كي لا ترى دموعه وتحرق قلبه وهي تسخر منه.
بدأ يزيل تلك القطرات الساقطة على خديه، وحينها وضعت هي يدها على كتفه وقالت:
_ حسان، خلاص اهدى.. ااااا..
ابعد يدها عن كتفه ثم تحرك صوب الباب كي يخرج، فقالت له بسرعة ودون تفكير:
_ خلاص موافقة
توقف ولم يكن بينه وبين الباب ثم ان يفتحه، فتابعت:
_ النهاردة بليل خلينا علشان أكون استعديت
استدار لها وقال:
_ انا مش عايز بجبرك على حاجة، أنا..
_ مفيش إجبار ولا حاجة... انا حسيت بغلطتي وموافقة عادي.. معاك حق.. المفروض معملش كدا
هز رأسه موافقًا في ابتسامة عريضة وقال في فرحة:
_ وصدقيني قريب هكون زي ما انتي عايزة اوعدك
هزت رأسها في ابتسامة صغيرة ولم تعلق، بينما هو فتح باب الغرفة وتابع قبلما يرحل:
_ هروح اطمن على ساشا، واسيبك تجهزي بقا يا حبيبتي
_ ماشي
خرج وبعدما خرج، انكمشت ملامح وجهها وتحولت كلها إلى ملامح تحمل الضيق والغضب والشعور بالقرف و الاشمئزاز أيضًا وتمتمت:
" مش عارفة هعمل كدا ازاي بجد.. مش عارفة "
************
وداخل مكتب الشيخ مرة أخرى، كان فاتح يتحدث معه هذه المرة، فقال له الشيخ معلقًا على حديثه:
_ ما انا عارف يا فاتح اصلا ان حسان مقربش من أسيل.. هي قالت انه مش بيعرف وعنده مشاكل، بس انا جبتها في موضوع الحمل دا علشان منحرجهوش ولا نحطه في وضع وحش مع مراته!
بس...
_ يا بابا ما انا عارف، بس لدرجة يقعد ٨ شهور كدا عادي!
دا كدا الدنيا بايظة خالص!
_ مش عارف اعمل ايه معاه بجد يا ابني..
_ على كدا كتر خيرها أسيل انها مستحملة دا كله وساكتة بجد!
_ اه بنت اصول وصيناه وصاينة سره، بس لازم نتصرف مينفعش كدا!
أخذه اجرجره يعني عند الدكتور؟
_ لا يا بابا، الحل مع أسيل نفسها
_ يعني إيه؟
_ مش هي أسيل مش عايزة حد فينا يكلمه لأنها خايفة تحرجه معانا علشان هيقول انها طلعت سره برا؟
_ايوا
_ خلاص، ماما تكلمها وتعرض عليها هي تقوله نروح لدكتور ونشوف مالك... بس الفكرة عارف يا بابا في إيه؟
_ في إيه؟
_ في اني حاسس أن حسان وانا بتكلم كأنه مجبور او مضغوط او ساكت لسبب معين.. اصل دي مش ردود ولا تصرفات واحد عنده مشاكل، كان هيجي عادي يقولي وانا اشوف له حل او اما عرضت عليه الدكتور كان هيوافق ليه يرفض؟
حد اصلا هيبقى عايز يفضل قاعد كدا مع مراته زي أختها!
بدأ الشيخ يفكر في كلامه... ثم علق:
_ تقصد إيه يعني؟
_ مش عارف احدد بالظبط، بس حاسس انه معندوش مشاكل ولا حاجة.. حاسس ان الأمر فيه أمر تاني بس انا مش عارف إيه هو، ودا مجرد إحساس يعني
سكت الشيخ يفكر وهو يشكك في الأمور....
************
استيقظت ماهي من نومها وبدأت تتقلب في السرير، نظرت بجانبها فلم تجد زوجها، وعليه قامت وخرجت من الغرفة وبدأت تتلفت حولها تبحث عنه، حتى وجدته يخرج من المرحاض وهو يضع المنشفة على كتفه، وقال بمجرد أن رآها:
_ صباح الخير
_ صباح النور
ثم دخلت هي.. تهيأت وعدلت شعرها ونفسها وارتدت ملابس قصيرة للغاية وكاشفة لكل تفاصيل جسدها ثم تمتمت:
" اما نشوف يا مستر شهاب، هتبدأ ولا مش هتبدأ "
وضعت اللون الأحمر الجرئ على شفتيها وكان ذات نكهة ثم وضعت من المعطر الخاص بها والذي كان ذات رائحة قوية وجذابة.
ثم خرجت وبدأت تبحث بعينيها عنه في الصالة فلم تجده، لذا توقعت انه دخل الغرفة.
اتجهت صوب المطبخ كي تعد الإفطار.
خرج من الغرفة عقب دقائق وهو يرتدي ملابس استعداد للخروج وقد تهيأ لذلك بالفعل، وبمجرد أن لاحظته بتلك الملابس، حتى سبته في سرها وقالت له في صوت عالي به الغيظ:
_ هو انت خارج ولا إيه!
رد وهو يجلس على الكرسي:
_ اه يا حبيبتي، هفطر وانزل
بدأت تهز ساقها في ضيق شديد وأخذت ترمي الأشياء من يدها وتتأفف، ولما لاحظ ذلك السلوك قال:
_ عامة والله ما ناسي، مش ناسي اني المفروض اخرجك النهاردة، خليكي جاهزة، انا بس هروح المكتب ضروري اشوف الاوردرات طلعت ولا لا وهعدي على هاني علشان اشوف وصلوا لايه في موضوع اختي، فانتي خليكي جاهزة مش هتأخر عليكي
حملت الصنية التي فوقها الطعام وبدأت تتحرك صوب السفرة وهي تقول:
_ ما طبعا انا اللي المفروض استنى أكيد!
ثم بدأت بوضع الأطباق على السفرة وهي تتابع:
_ يعني بدل ما تكلم هاني وتطمن منه وبدل ما تكلم الولد اللي انت مشغله دا تشوف اخبار المكتب ايه، لا تروح بنفسك وتاخد من اليوم بتاعي لحد ما تبقيلي فيه ساعة كدا يدوب خروج وبعدها يدوب بردو نرجع علشان ننام لاننا هنصحى بدري صح؟
كان حينها يتجول فوق جسمها في اعجاب بها لذا لم يرد، ولاحظت هي تلك النظرات ولكنها تجاهلتها وقالت:
_ يلا الأكل وبعدها اعمل اللي انت عايزه، انت متعب اصلا
قام من مكانه وبدأ يقترب منها، وعندما وصل عندها، سحب الكرسي الذي تجلس فوقه ثم حركه بها ليجعله صوبه هو لا صوب السفرة، ثم حاوط الكرسي بذراعيه ليبقيها جالسة بينهما وامال بجسده ورأسه حتى مستوى جلوسها وقرب وجهه من وجهها وقال في ابتسامة:
_ عارفة انا نفسي في إيه دلوقتي؟
أحمر خديها اثر التوتر فدائمًا ما يربكها قربه منها لهذه الدرجة، ترتبك عندما ينظر إليها هكذا، عندما تكون ملامحه قريبة منها بذلك الشكل ولكنها ابتلعت ريقها وردت في نبرة صوت منخفضة بها الخجل:
_ نفسك في إيه؟
_ نفسي في شاورما
اختفت الابتسامة من على وجهها ونظرت إليه وقالت في عدم تصديق لما سمعته:
_ إيه!
_ اه والله، جاي على بالي آكل شاورما اوي، من رأيك استنى على الغدا ولا اطلب دلوقتي وافطر فيها؟
كانت نظراتها له مليئة بعدم الاستيعاب فتابع:
_ هتقلب بطني صح؟
بس انا شايف ان الدنيا مش بدري اوي، الساعة ١١ الضهر!
ردت في نبرة مليئة بخيبة الأمل:
_ شوف انت عايز ايه واعمله، لو نفسك في الشاورما اوي كدا، اطلبها عادي
_ امممم، بفكر اخليها للغدا
_ اللي يعجبك يعني!
ابتسم ثم اقترب منها أكثر حتى قبّلها.... وبيديه سحبها من خصرها كي تقف، فقامت .. وعقب مرور دقيقتين على الأقل على ذلك الوضع، بدأ يسحبها معه صوب غرفة النوم ولكنها أجمعت قواها تلك المرة ولم تتحرك معه وقالت في اعتراض واضح:
_ لا
التفت إليها ورد في استغراب من كلامها وعلق:
_ لا!
_ ايوا لا.. مش قادرة.. انا حامل وتعبانة وجعانة ومعنديش طاقة، استنى لبعد الفطار بقا
اغتاظ منها بشدة وبدأ يحرك لسانه داخل فمه، متعجبًا من رفضها لأول مرة منذ أن تزوجها ولكنه رد وهو يحرك رأسه بالايجاب:
_ تمام.. مفيش أي مشكلة.
واتجه نحو كرسيه، وسحبه كي يجلس ولكنه وقف قليلًا يفكر قبلما يجلس... ثم قال:
_ مش هاكل الأكل دا، هروح المكتب وهطلب من هناك شاورما
علقت في سرعة بها توتر:
_ طب استنى متنزلش وانت..
قاطعها قائلًا وهو يفتح باب الشقة:
_ مش عايز منك حاجة خلاص، فقدت الشغف
ثم خرج وغلق الباب خلفه.. زفرت في ضيق شديد وحدثت نفسها في بنبرة اقرب للبكاء:
" إيه الغباء اللي انا عملته دا بقا!
منك لله يا جياد انت ونصايحك، هتخربلي بيتي"
*********
انتهت محاضرة رهف ومن ثم بدأت تنزل الدرج هي وزملائها، واثناء نزولهم، تحدثت إحدى الفتيات:
_ إيه يا رهف خارجة معانا النهاردة ولا إيه؟
_ لا، خارجة مع باسم النهاردة
_ ايوا يا عم بقا، الله يسهله
ظلتا تتحدثان عن خطيبها وهكذا حتى خرجوا جميعهم من المبنى وبقوا في الخارج أمام مبنى الكلية بالضبط.
وبينما رهف تتحدث تارة وتضحك تارة أخرى مع الفتيات، أقبل نحوهن، شاب زميل لهن وقال لرهف في ابتسامة:
_ رهف، عايز اتكلم معاكي شوية بعد اذنك
هزت رأسها موافقة ثم ذهبت معه.. وقفا جانبًا فقال لها:
_ مش عارف الم حاجة في المادة دي خالص، وانتي ما شاء الله كنتي بتجاوبي حلو النهاردة مع الدكتور، ممكن اجي البيت عندك نذاكر مع بعض؟
ترددت وبقت ساكتة لحظات.. ثم قالت له:
_ مش عارفة بصراحة بس... أهلي ممكن يتكلموا و..
_ ليه؟ ما احنا كنا بنذاكر زمان كلنا!
_ ايوا بس.. بس دا كنا كلنا، وكمان ماكنتش انا لسه مخطوبة يعني.. خطيبي ممكن يضايق
وأثناء حديثها معه، لمحها باسم والذي دخل لها حرم الجامعة نفسه.. وعندما لاحظ أنها تقف مع ذلك الشاب، اخرج الهاتف واتصل عليها وعينيه مسلطة عليها.. أخرجت الهاتف من الحقيبة وقالت لزميلها:
_ دا باسم خطيبي.. ثواني هرد
استدارت وبدأت تسير بعيدًا عنه قليلًا.. وأثناء سيرها، تطلع الشاب عليها في ابتسامة واعجاب وتمتم:
" جامدة "
وقد رآه باسم حينها، لذا ركض في غضب نحو الشاب..
لم تكد تستقبل المكالمة، حتى سمعت صوت صراخ يأتي من خلفها، فاستدارت سريعًا في خضة فوجدت زميلها مسطحًا على الأرض وخطيبها يجلس فوقه يلكمه ويصفعه ويسبه ويضربه ضربًا مبرحًا في وجهه:
" جرا إيه يا ابن ******** بتتفرج على إيه يا ابن ***** "
هنالِك، التف الجميع حوله وهم ينظرون إلى ما يحدث في خوف، بينما رهف لم تكد تصدق عينيها، هي لم ترَ خطيبها في مثل تلك الحالة من قبل قط، وعليه ركضت نحوهما وبدأت تتوسل له:
_ باسم ارجوك سيبه، باسم سيبه كفاية يا باسم كفاية
ولكن الشاب لم يتوقف ولم يكف عن ضرب الفتى وسبه ولعنه.
حتى جاء أمن الكلية وبدأوا يتدخلون، واستطاعوا شد باسم عن الشاب الذي كاد أن يموت بين يديه.
وعقب فض الاشتباك، صاح باسم في وجه الجميع:
_ انا هوريكم كلكم، انا هعرفكم مين هو باسم عواد
وكان هذا بسبب ان الأمن قد قاموا بطرده من الجامعة فكان يهددهم ويسبهم هم أيضًا.
كان يسير وعروق رقبته بارزة والغضب يكسو ملامح وجهه وخطوته سريعة للغاية، وهو يجرها بجانبه متجهين نحو الخروج من الجامعة.
وأثناء السير، قالت في خوف وهي تحاول أن تساوي خطوته:
_ في إيه بس؟
ضربته كدا ليه يا باسم، هو كان عمل إيه؟
صاح في وجهها في غضب شديد:
_ الحيوان المجرم القذر ال**** وانتي ماشية قاعد بيتفرج عليكي و**** بؤه ومستمتع اوي وهو بيتفرج ابن ال****
خرجا من بوابة الجامعة وبدآ يتجهان نحو السيارة الخاصة به.
ركبت بجانبه وبدأ يقود وهو لا يزال غاضبًا، فقالت له:
_ خلاص يا باسم، علشان خاطري اهدى بقا بالله عليك، اديك ضربته وخلاص بقا، متفضلش زعلان كدا
_ وانتي كنتي واقفة معاه بتعملي إيه؟
_ ولا اي حاجه يا باسم بجد، ولا اي حاجة
دا زميلي وبس مش أكتر والله
صاح في غضب:
_ اقطعي معاه نهائي بقا، اياك ألمحك مع الواد دا تاني ولا مع اي واد غيره، سامعة؟
_ يا باسم بس دول زمايلي في الكلية و....
قاطعها في نبرة حادة للغاية وهو يحدق بها بشكل مرعب:
_ سامعة؟
شعرت بالخوف منه ومن نظراته ونبرة صوته وعليه هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ حاضر سامعة
التفت إلى الطريق حيث يقود وقال ساخرًا:
_ بلا زمايلي بلا سفالة، عايزة قطم رقبتك
كانت تستمع إلى ما يقوله عنها ولم ترد، فقط صمتت كي لا يسوء الوضع.. وعقب مرور وقت قالت له:
_ هنخرج فين؟
_ لا مفيش خروج، انا مروّحك لابوكي
_ باسم متهزرش بقا!
انت واعدني بالخروجة دي من اسبوع فات!
_ وانا مش رايق، عكننتيني!
_ طب ماهو..
_ بليل بقا بليل.. ههدى وانسى الهبل والعبط اللي حصل النهاردة دا وبعدها هبقى اعدي عليكي نخرج
_ طب هتيجي على الساعه كام؟
رد في نبرة حادة وهو يخرج الحروف بشكل غليظ:
_ قلت ههدى
زفرت في ضيق وأخذت تتمتم:
" أوف بقا اوف.."
***********
وداخل أحد السنيمات، كانت تجلس روني بجانب زوجها في أول الصف، وهما يشاهدان فيلمًا أجنبيًا، كان يضع يده على كتفها وهي تسند رأسها إلى صدره وهما يأكلان الفشار.
وبينما هي تشاهد، شردت في ذلك الذي تعرضت له كله منذ أن دخلت القصر.. لم تستطع أن تتجاهل.. كانت تحاول بكل الطرق، ولكنها لم تعد قادرة على تحمل كل ذلك وحدها، لم تعد تحتمل على أبقاء كل ذلك في قلبها دون أن تبوح به، دون أن تخرج ما عندها.
كانت تشعر بالاختناق، فهذه ليست هي، هي لم تكن ضعيفة ولا مستسلمة لذلك الحد، تشعر أنها لم تعد هي وان الزواج لم يكن كما تخيلت دائمًا.
كانت تحسب أن الزواج من حبيبها الغني، يعني عيشة هنية خالية من المشاكل والضغوطات.. ولكن ظنها قد خاب تمامًا
لاحظ شرودها للحظة، فمال برأسه قليلًا نحوها وهمس بخفوت:
_ مالك يا روني؟
هزّت رأسها سريعًا وهي تحاول الابتسام، ثم ردت:
_ مفيش... الفيلم بس غريب شوية.
لم يقتنع، لكنه لم يضغط عليها.
اكتفى بأن سحبها أكثر إليه بهدوء، حتى أصبحت رأسها مستقرة فوق صدره تمامًا، ثم رفع المعطف الخاص به والذي كان موضوعًا فوق ساقيه وغطّاها به وغطى به نفسه أيضًا وكأنها صغيرته التي تحتاج للاحتواء أكثر من الكلام.
كانت تسمع نبضات قلبه بوضوح، نبضات منتظمة... هادئة... بعيدة تمامًا عن الفوضى التي تحدث داخلها.
وبينما هي تحاول أن تمنع نفسها من الانهيار، شعرت بأصابعه تمر ببطء فوق ذراعها في لمسات ناعمة مطمئنة دون وعي منه، فقط يحاول أن يجعلها مطمئنة، يحاول أن يخبرها بلغة الجسد انه هنا دائمًا.
ثم التقط قطعة فشار وقرّبها من فمها وهو يقول بخفة:
_ كلي... انتي بتزعلي وحالك بيتغير كدا لما بتجوعي.
ضحكت رغمًا عنها، ضحكة صغيرة باهتة، لكنها حقيقية.
التفت ينظر إليها فور سماعه ضحكتها، وكأن كل انتباهه انصب عليها وحدها، ثم ابتسم بحنان وهو يهمس:
_ ايوا كدا، الضحكة اللي بترشق في قلبي اهي، بقالك كتير حرماني منها يا مفترية!
مش متعود عليكي وانتي ساكتة، ولا متعود عليكي وانتي فاقدة الشعف كدا.. مش عارف إيه اللي مزعلك كدا ولا فيكي إيه بالظبط.. بس عايز اطمنك بأني جمبك دايما وهسمعك في اي وقت ومستعد اخرب الأرض علشان بس ترضي وترجعي تضحكي
ارتجف قلبها أكثر عند كلماته.
هو لا يعرف شيئًا، لا يعرف سبب خوفها، ولا السبب الذي يجعل صدرها يضيق كل ليلة... لكنه رغم ذلك كان يرممها بطريقته الخاصة، دون أن يدرك.
وبينما الشاشة تضيء ملامحه كل عدة ثوانٍ، رفعت عينيها إليه للحظة، فوجدته منشغلًا فقط بتعديل خصلة شعر تمردت فسقطت على وجهها، ثم قبّل أعلى رأسها تلقائيًا وقال:
_ انتي بس قوليلي إيه اللي يرضيكي وانا اشقلب الدنيا لحد ما ترضي.
عايزك متخافيش من أي حاجة طول ما انا معاكي وثقي فيا دايما وملكيش دعوة بالباقي
تجمدت أنفاسها للحظة.
لأنه قالها ببساطةو بعفوية، دون أن يعلم أن تلك كانت بالضبط الجمل التي كانت تحتاج سماعها كي لا تنهار.
ابتلعت ريقها وسألته:
_ يزيد.. انت هتصدقني دايما صح؟
_ ايوا طبعا.. انتي بس افتحي قلبك ليا ومتقلقيش
_ انت عارف انا قد إيه بحبك مش كدا؟
_ ايوا طبعا عارف ومتأكد ومجرب كمان.. عمري ما هنسى صريخك وجريك عليا في نص العربيات اما حسيتي اني بس في خطر.. عمري ما هنسى انك دايما بتصدقيني في اي اتهام بتعرض له بدون ما تشوفي اي دليل حتى..
التقط يدها وفي بطء قبّلها وقال لها:
_ من بعد تجربتي الأولى وانا عمري ما كنت بثق في الستات ومتجنبهم تماما، بس انتي غير.. انتي اللي نورتي حياتي وضيفتي لها جمال وحب وود... انا اكتفيت مش عايز حاجة تاني من الدنيا خلاص..يكفي انك معايا
ثم قرب شفتيه من جبينها مرة أخرى وطبع قُبلة حنونة عليه
ازدادت ضربات قلبها ببطء وهي تشعر بدفء شفتيه فوق رأسها، وبقيت ثابتة مكانها للحظات، كأنها تخشى أن تتحرك فيختفي ذلك الأمان القليل الذي تشعر به بين ذراعيه.
أما هو، فكان يظن أنها فقط مرهقة... لا يعلم أن قربه بهذا الشكل هو الشيء الوحيد الذي يمنعها من الانهيار تمامًا.
أنزل عينيه إليها مجددًا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يلاحظها متعلقة بقميصه بأصابعها دون وعي.
_إيه؟
قالها بخفوتٍ ضاحك، ثم تابع:
_ ماسكة فيا اوي كدا ليه.. الفيلم بدأ يخوفك؟
معلش بس انتي عارفة اني بحب الأفلام الرعب!
انتبهت لنفسها سريعًا، فارتبكت قليلًا وحاولت إبعاد يدها، لكنه أمسكها فورًا ومنعها، ثم شبّك أصابعه بأصابعها ووضع يدها فوق قلبه مباشرة، وأضاف في حنان:
_ لا... خليكي كدا.
رفعت عينيها إليه ببطء، فوجدته ينظر لها بنظرة هادئة دافئة جعلت معدتها تنقبض بتوتر.
ثم مال أكثر حتى أصبحت أنفاسه قريبة من وجهها وهو يهمس:
_بتحبي تحسي إني جنبك للدرجة دي؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول الهروب بعينيها، لكنه رفع يده الأخرى ومرر إبهامه أسفل عينها برقة، ثم قال بنبرة أهدأ:
_ بصّيلي يا روني.
نظرت له أخيرًا وهنا شعر فورًا بذلك الخوف المختبئ داخلها، حتى وإن لم يفهم سببه.
تغيّرت ملامحه للحظة، ثم قرّبها أكثر حتى كادت تجلس فوقه بالكامل، ولف ذراعيه حول خصرها بطريقة امتلاكية حنونة، كأنه يريد أن يخفيها داخل صدره، وسألها:
- انتي بردانة طيب؟
هزّت رأسها بالنفي.
فقال متعجبًا:
_ أومال بتترعشي كدا ليه؟
لم تعرف ماذا تقول... فقط ظلت تنظر إليه بعينين مرهقتين، وكأنها تطلب منه النجدة دون كلام.
تنهد بهدوء، ثم أسند جبهته على جبهتها وسط الظلام، ولم يهتم بالفيلم الذي يعمل أمامهما ولا بالناس حولهما، كل اهتمامه انصب عليها وحدها.
_ اسمعيني كويس...
قالها بصوت خافت جدًا.
وتابع:
_مهما حصل... ومهما في إيه مخوفك... انتي مش لوحدك، فاهمة؟
انا موجود.. والله موجود
شعرت بحرارة عينيها تزداد، فاقتربت منه تلقائيًا أكثر، حتى اختبأ وجهها في عنقه.
ابتسم فورًا، وكأنه كان ينتظر منها تلك الحركة بالذات، ثم شد ذراعيه حولها أكثر وهمس بجانب أذنها:
_ أهو... تعالى هنا.
ارمي كل حاجة برا ... وخليكي في حضني وبس.
أغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بأصابعه تتحرك ببطء فوق ظهرها، لمسات هادئة دافئة جعلت جسدها كله يلين دون مقاومة.
وبعد لحظات، أبعد وجهه قليلًا لينظر لها، ثم قال بخبث حنون:
_ تعرفي إنك لما بتبصيلي كدا... بيبقى نفسي اشيلك واجري على البيت ؟
ضحكت بخفوت أخيرًا، فابتسم بانتصار وكأنه حقق شيئًا مهمًا، ثم مال يطبع قبلة طويلة بطيئة على جبينها، قبل أن يهمس:
_ بس بسكت بقا و بستحمل علشان متفضليش تقولي هو كل حاجة كدا، هو انت مش بتفكر فيا غير كدا؟
ابتسمت تلك المرة ابتسامة أوسع وقالت مازحة:
_ ما انت سافل، وانت عارف وانا عارفة
ابتسم ورد:
_ والدنيا كلها عارفة اساسا
ردت مازحة:
_ هما عارفين وبس، انما انا مجربة!
ضحك بصوت عالي نسبيًا ثم غمز لها وهمس:
_ نروح بس..
************
وعقب الانتهاء من عمله في المكتب وبعدما اطمأن أن كل الأمور تسير بسلاسة ولا خطأ يحدث، ذهب إلى منزل صديقه والذي استقبله أحسن استقبال.. وما إن تهيأ الأمر، سأله شهاب وهو يحتسي الشاي داخل غرفة استقبال الضيوف في شقة هاني:
_ ها يا هاني قولي، ايه الجديد عن وعد؟
قولتلي انك مشغل الدنيا انت والشباب، ها وصلتوا لايه؟
رد الشاب في نبرة مليئة بخيبة الأمل:
_ بص يا شهاب هو..هو بصراحة كدا يعني... الشباب عملوا اللي عليهم وزيادة والله..
سألنا معارفه واصحابه وأهله وكل الناس اللي كان بيتردد عليهم.. بس للأسف محدش شافه ولا شافها.. محدش فادنا بأي حاجة
ضرب بيده على الطاولة في غضب كرد فعل أول تلقائي ينوب عن ما يشعر به من خذلان واسف.. ثم وضع كوب الشاي محله.. وقال في نبرة ضعيفة:
_ ليه يا وعد ليه.. روحتي فين يا وعد، ليه كدا ليه؟
_ شهاب انا.. انا مش عارف بصراحة..بس.. بس مفيش حاجة تاني في ايدينا نعملها والله و...
اشار له بيده كي يسكت.. ثم هز رأسه بالسلب وهو يكد يجن من كل ما يحدث معه... وقال في عدم تصديق:
_ ازاي قدروا يعملوا فيا كدا... انا مقدمتش غير كل حلو معاهم.. انا قدمت حب واحتواء ومشاعر و...و..و كل حاجة.. انا قدمت كل حاجة.. ازاي جالهم قلب يهربوا مني بعد دا كله؟
سكت لحظة ونظر إلى صديقه وتابع في نفس النبرة التي يغلبها الدهشة والشفقة على نفسه:
_ليه ولا واحدة منهم فكرت فيا وفي احساسي قبل ما تعمل فيا كدا؟
ليه كل واحدة فيهم فكرت في مصلحتها هي وبس ومفرقش معاهم انا هكون حاسس بإيه او هكمل ازاي؟
ثم احاد بصره عن صديقه وبدأ يتطلع إلى الفراغ الذي أضحى يشبهه.. واضاف في نبرة ضعيفة أقرب للبكاء:
_ أنا تعبان اوي يا هاني.. تعبان اوي .. انت مش متخيل النار اللي قايدة في جسمي كله.. قلبي بيتقطع.. قلبي بيتقطع والله.. ليه هربت؟ ليه هربت؟
ليه هربت مني يا هاني؟
هو انا بخوّف للدرجادي!
بدأت دموعه تسقط دون وعي على خديه وفي حالة ذهول.. وتابع متجاهلًا تلك الدموع ودون أن يرمش حتى:
_ انا هتجنن على اختي يا هاني.. انا عايز وعد.. انا مش عارف اطمن ومش عارف اعيش.. انا بتعايش وبس يا هاني...
ثم ازدادت دموعه وبدأ يبكي في صوت عالي وهو يقول:
_ انا عايز هانيا يا هاني.. ليه هانيا سبتني ليه.. ليه كل دا حصل ليه بس ليه، ليه..
هانيا ووعد سابوني يا هاني.. سابوني ودمروني ومبسوش وراهم عليا ولا اهتموا بحالي من بعدها.. الاتنين هربوا مني بدون ما أعملهم حاجة... صدموني، حرقوا قلبي وحرقوني... ليه كل الأذى دا يا هاني ليه؟
شعر صديقه بالشفقة عليه حينها لذا قام من مكانه واتجه صوبه ثم ضمه إلى صدره وبدأ يضربه على ظهره بحدة قليلًا، يقول له في نبرة قوية:
_ بس بس متعيطش انت أقوى من كدا.. بس ياض.. شهاب مظهر مفيش قوى تقدر عليه.. انت استحملت كتير وعديت بحاجات كتير، مفيش وقت للانهيار، انت لازم تقف ثابت وتكمل.. الحياة مش بتقف للي بيوقعوا ولا بتستنى اللي بينهاروا.. الحياة بتكمل بيهم او بدونهم.. انا فخور بيك وفخور باللي وصلت له لوحدك في عز دا كله يا صاحبي
خرج عن حضنه وبدأ يجفف عيناه من اثر الدموع وقال:
_ لو هانيا كانت جنبي و..
قاطعه الشاب قائلًا:
_ هانيا مش جمبك، بس ماهي جمبك.. ماهي بتحبك.. اقسم بالله البت واقعة فيك، تتمنى رضاك ترضى.. مضيعهاش من ايدك هي كمان يا شهاب علشان واحدة هربت وسبتك!
شهاب ركز، هانيا ست متجوزة دلوقتي، ومتجوزة راجل مختل، كلنا عارفين جياد الزيني.. مش بس المشكله في جوزها، أهلها كمان واللي انت عملته مع ابوها، كل دي حاجات مستحيل تخليكم تتجمعوا تاني، ولازم تعرف كويس ان هانيا هي اللي عملت فيك كدا، هي اللي سابت وهي اللي خافت وهي اللي بعدت، مهما كانت الظروف، هي استسلمت، سواء راعيت ظروفها او لا، بس الأمر الواقع انها زوجة لشخص تاني حاليا والظروف كلها ضد انكم تتجمعوا، الصح اني افضل افكر في شخص باعني واتخلى عني لأي سبب، ولا اتمسك بشخص عايزني ويتمنالي الرضا؟
سكت لحظة يفكر في كلامه.. ثم رد:
_ معاك حق.. ماهي بتحبني وحامل في ابني.. بس في نفس الوقت، ماهي مش فهماني.. ماهي مش قادرة تفهم مين شهاب وعايز ايه.. ماهي مش بتفكر غير في نفسها حتى لو مش واخدة بالها.. مشكلة اختي هي متجاهلاها تماما.. بقولها النهاردة رايح اشوف الشباب علشان افهم وصلوا لايه في موضوع وعد، تقوم تقولي كلمهم تليفون، اليوم دا بتاعي!
غصب عني عقلي بيعمل مقارنة بينها وبين هانيا... انا افتكر مرة حكيت لهانيا مشكلة بيني وبين حمادة، انت عارفه اللي كان صحابي اوي دا قبل ما يسافر الكويت
_ اه اه فاكره، ماله؟
_ المهم، انها عارفة اني انا وحمادة بنحب بعض وصحاب اوي وكدا.. حكيت لها مشكلة كانت بتنهي علاقتنا اصلا انا وهو، ونمت عادي بقا، انا قولتلها في التلفون اما كلمتها ونمت عادي جدا.. صحيت تاني يوم روحت الشغل لقتها قاعدة عمالة تتاوب وتعبانة بسألها مالك شكلك مش نايمة كويس، قالتلي اه، معرفتش انام وانا عارفة انك زعلان، فضلت قاعدة بفكر في حل للموضوع لحد ما توصلت لحل وقالتلي عليه وحلت المشكلة وجابت حمادة وخلتنا نتواجه وظبطت الدنيا وجابت لي الشكولاتة اللي بحبها وقالتلي " خلاص مش زعلان صح، هعرف انام بقا؟ "
انت متخيل؟
انا قصاد حنينها عليا واهتمامها بيا، كنت بخجل من نفسي وبحس اني مهما اقدم مش هوصل للي هي بتعمله معايا.
ساعة مشكلة وعد، اول ما سمعتها اضايقت واتوترت وفضلت تفكر وتسأل وتهتم لحد ما قالتلي فرّغ الكاميرات وشافتني في الشركة مرة وسألتني لقيت اختك ولا عملت إيه!
اما ماهي، ماهي عايشة في عالم موازي، عايزة تاخد بس.. تاخد دعم وحب وخروج ووقت وكل حاجة بدون ما تراعي انا فيا ايه ولا ساكت ليه..
خليك جمبي، خرجني، اهتم بيا، دلعني، اعملي.. ماشي متفق ان دا كله دوري وحقها عليا، بس انا في أصعب حالاتي النفسية دلوقتي، فالمفروض تقفي جمبي ولا تضغطي عليا؟
طريقتها هي اللي مخلياني مش عارف انسى هانيا.. اصل واحدة كانت بتديني كل حاجة والتانية عايزة تاخد كل حاجة!
تنهد صديقه ورد:
_ يمكن معاك حق، بس... لازم تاخد بالك من جزئية صغيرة.. هانيا كانت حبيبتك، انما ماهي مراتك وفي فرق كبير بينهم.
انت وهانيا متقفلش عليكم باب واحد ولا شفتها وقت ما تكون هاملها هتعمل إيه!
هانيا بتفكر وبتديك حلول وبتروح تضحك مع أختها تهزر مع صحابها، وعادي، هي مش مراتك ومش في وشك.
انما التانيه، انتوا الاتنين وشكم في وش بعض، طلبات ماهي واحتياجاتها واحتياجها ليك، أكبر بكتير من احتياج هانيا وقتها.
لو هانيا كانت مستنية منك، تبعت لها رسالة تقولها فيها صباح الخير وكدا هتحس بالاهتمام وهتبقى مبسوطة، فماهي مستنية حضن وبوسة حلوة وكلام رومانسي.
لو هانيا كانت مستنية منك مكالمة بليل قبل ما تناموا ساعة ولا اتنين، فماهي مستنية منك قاعدة حلوة ولمسات وقرب.
حبيبتك عمرها ما هتبقى زي مراتك، وصدقني لو كانت ماهي حبيبتك او لسه خطيبتك، كنت هتلاقيها كل ما تكلمك، تجيب لك سيرة موضوع اختك وكانت هتهتم جدا لان مفيش اصلا محتوى بينكم تاني غير الرغي. اما الجواز فهو أعمق واكبر واعقد
هز رأسه غير مقتنعًا بكلامه ورد:
_ لا، مش متفق معاك ومعايا دليل، ماهي أنانية شبه أخوها وعايزة تاخد كل حاجة مقابل بس انها بتحبني، انا بحبك وميتة فيك، اعبدني بقا وميبقاش وراك غيري.. زي المختل اخوها بالظبط اللي مفكرش غير في نفسه وقبل على نفسه يتجوز واحدة مش بتحبه وبتحب غيره بس لمجرد انه بيحبها وعايزها يعني عايزها..
قام من مكانه وتابع:
_ انا همشي انا يا هاني
_ ليه ما انت قاعد!
_ الهانم عايزاني اخرجها ولو معملتش كدا، هتسود ليلتي بنكدها وهرموناتها وهتبقى ليلة كلها عياط وحزن، فأنا هتقي الشر أحسن.
_ طيب ماشي.. واهدى عليها وحاول تحبها وتفتح لها قلبك، هو حد لاقي الحب اليومين دول!
_ ان شاء الله، يلا سلام
*********
كانت أسيل جالسة عند طرف الفراش، تضم ساقيها إلى صدرها، بينما يغرق نصف الغرفة في ظلامٍ باهت لا يقطعه سوى ضوء الأباجورة الخافت.
ومنذ ساعة كاملة وهي تبكي بصمت.
لا تنتحب، لا تصرخ، فقط دموع تنساب فوق وجهها بإرهاقٍ ثقيل، كأنها فقدت حتى قدرتها على الألم.
ثمانية أشهر كاملة وهي تدفع حسّان بعيدًا عنها.
ثمانية أشهر وهو يحاول الاقتراب برفقٍ وصبرٍ لم تكن تستحقه منه أساسًا، بينما قلبها ظل عالقًا عند أخيه.
«يزيد».
حتى اسمه كان يؤلمها.
أغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بالاختناق يشتد داخل صدرها.
كيف وصلت إلى هنا؟
كيف انتهى بها الأمر زوجةً لرجل، بينما قلبها لا يزال متعلقًا بآخر، كيف لها ألا تنساه؟
كيف لها ألا تتعلق بحسان أو تتقبله حتى؟
عامًا إلا شهرين وهي تنام بجانبه على نفس السرير، ولكنها لم تتقبله قط.
كانت تعلم أن حسّان لم يؤذها يومًا، بل كان أحنّ مما ينبغي، أكثر تفهّمًا مما تستحق... تعلم أنه رجل جيد، بينما هي عاجزة حتى عن منحه حقه الطبيعي.
لكن الليلة، الليلة وافقت أخيرًا أن تكفّ عن الهرب.
وافقت، فقط كي تظل في القصر ولا تطلق وتخرج.
ويوم تذكرت، يوم زفافها، ارتجف فمها وهي تتذكر لحظة رأت يزيد واقفًا بجوارها، بجوار روني
ينظر إليها بتلك النظرة التي كانت تتمنى يومًا أن تكون لها.
مسحت دموعها بعنف، ثم نهضت فجأة وكأن الجلوس يطبق على صدرها أكثر.
اتجهت نحو الخزانة بخطوات بطيئة مرتجفة، وما إن فتحتها حتى وقعت عيناها على ذلك القميص الأسود المعلّق في الداخل.
وكان القميص ليزيد حبيبها
كانت قد أخذته منذ أشهر طويلة، يوم نسيه في على الكرسي في بهو القصر مرة ولم تستطع يومها أن تعيده ولم تفكر في أن تعيده حتى.
مدّت يدها نحوه ببطءٍ شديد، ثم سحبته أخيرًا وضغطته إلى صدرها بقوة.
وفور أن وصلتها رائحته... انهارت.
أغمضت عينيها وهي تدفن وجهها داخل القماش، تستنشق بلهفةٍ الرائحة التي كانت يومًا أقرب شيء إلى قلبها.
رائحته...
يا الله... حتى رائحته لم تستطع نسيانها.
شهقة مخنوقة خرجت منها وهي تهبط جالسة على الأرض أمام الخزانة، تضم القميص إليها كأنها تضمّه هو نفسه..:
" ليه القدر مخترناش لبعض، ليه ليه مش انا ليه؟! "
همست بها بصوتٍ مكسور، قبل أن تنفجر دموعها من جديد.
كانت تعلم أنها خسِرته.
تعلم أن كل شيء انتهى منذ زمن، وأنه أصبح لامرأة أخرى... امرأة أحبها واختارها بكامل إرادته.
لكن قلبه، ذلك القلب اللعين، لم يتوقف يومًا عن انتظار المستحيل.
رفعت القميص إلى وجهها مرة أخرى، ثم أغمضت عينيها وهمست بحرقة:
" ازاي هسمح لراجل غيرك يلمسني النهاردة.. ازاي وهو اخوك... ازاي وانا لسه بحبك أنت؟!"
دفنت وجهها في ذلك القماش ذا الرائحة وتابعت في نفس الألم:
" ليه عملت فيا كدا يا يزيد ليه، ليه حرام عليك ليه "
شهقت بخفوت وهي تضم القميص أكثر إلى صدرها، ثم أغلقت عينيها بإرهاق، وكأن رائحته سحبتها رغمًا عنها إلى سنوات بعيدة... بعيدة جدًا، حين كان كل شيء أبسط، وأخف، ولم يكن قلبها يعرف هذا القدر من الوجع.
تسللت الذكرى إلى عقلها ببطء عندما كانوا صغار...
كانت تركض خلف يزيد في حديقة القصر الواسعة، تضحك بصوتٍ عالٍ بينما هو يسبقها بخطوات، ثم يلتفت إليها بين الحين والآخر بمشاكسة:
_ مش هتعرفي تلحقيني يا قصيرة!
صرخت غاضبة وهي تسرع خلفه أكثر:
_ يزيد، اجري براحة شوية شوية!
لكنها لم تنتبه للحجر الصغير أمامها، فتعثرت وسقطت بقوة على الأرض.
وفي اللحظة التالية، انفجرت باكية.
كانت صغيرة، حساسة، تبكي من أقل ألم، وقد انفتح جلد ركبتها قليلًا وبدأ الدم يظهر، فشعرت يومها وكأن كارثة حلّت بها.
لكن ما زالت تتذكر كيف عاد يزيد إليها فورًا.
ركض نحوها بخوفٍ حقيقي، ثم هبط جالسًا أمامها بسرعة وقال في خوف:
_ أسيل!
انتي اتعورتي؟
وريني
لم تستطع الرد من شدّة بكائها، فاكتفى بأن ضمّ وجهها الصغير بين يديه وهو يقول مرتبكًا:
_ خلاص... خلاص، متعيطيش
ثم جذبها إلى حضنه الصغير بحمايةٍ عفوية، وجعل رأسها فوق صدره بينما يربت على شعرها محاولًا تهدئتها.
تتذكر جيدًا كيف كانت شهقاتها تهدأ شيئًا فشيئًا فقط لأنه كان يحتضنها.
ثم أبعدها قليلًا لينظر إلى جرحها، قبل أن يقرّب فمه منه ويبدأ ينفخ عليه برفق ويقول:
_ شايفة؟
خلاص، هيروح دلوقتي، هيخف دلوقتي متخافيش
ضحكت وسط بكائها يومها، بينما هو استمر ينفخ على جرحها بتركيزٍ طفولي وكأنه يعالج أخطر إصابة في العالم، واضاف:
_ لسه بيوجعك؟
هزّت رأسها بالنفي أخيرًا، فابتسم بانتصار واسع، ثم قال وهو يمسك يدها:
_ قلت لك انا اخوكي الأكبر بسنة واحدة ودايما هحميكي
ارتعش جسدها فجأة مع الذكرى.
فتحت عينيها ببطء، لتعود إلى غرفتها المظلمة... إلى وحدتها... إلى الحقيقة القاسية التي تفصل بين الأمس واليوم.
يزيد لم يعد ذلك الصبي الذي يحتضنها كلما بكت.
بل أصبح رجلًا يحتضن امرأةً أخرى الآن.
وانهارت دموعها من جديد وهي تضم قميصه إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول التمسك بآخر بقايا ذلك الماضي الذي لم يعد موجودًا إلا داخل قلبها...
*********
اتصلت ماهي على منى، وحكت لها كل ما حدث بينها وبين شهاب واخبرتها أيضًا بنصائح جياد لها، فقالت لها الفتاة:
_ بصي يا ماهي، هي نصايح جياد تحفة ومعاه حق جدا جدا، هو عايزك تعززي نفسك ومش عايزك تفضلي انتي وبس اللي تدفعي في العلاقة دي، وانا برغم اني مش بطيق جوزك دا وانتي عارفة كدا كويس، بس انا عارفة انتي بتحبيه ازاي للأسف ومتقدريش تكملي من غيره، علشان كدا خليني اقولك وجهة نظري، جياد معاه حق، بس شهاب مش زي جياد ولا جياد زي شهاب ولا انتي زي هانيا ولا العلاقات نسخ متكررة فاهمة!
اللي انتي تقبليه، انا مقبلهوش، هو يقبله، هو لا وهكذا..
كمان طبيعة علاقتك بشهاب مختلفة totally عن طبيعة علاقة جياد بهانيا.
انتي عودتي شهاب على الاهتمام، لو هو حس انك سحبتيه، هيبرد، هيبقى بارد ومستنيكي تعملي حاجة وهو اصلا بطبعه بارد وتقيل، فيحس انك بتتغيري علشان فيه حاجة ولو مهتمش، انتي اللي هتتعبي وهتحسي انك مش فارقة معاه وكل دا، وهتبدأي تعيطي وتكتئبي وهو تنح، لان انتي الطرف الاكتر حماسا وانتي الطرف الاكتر تعلقا، يبقى البرود في العلاقة هيتعبك انتي اكتر منه وانتي ست حامل واحنا مش ناقصين!
فأنا من رأيي لا، اللي انتي عملتيه غلط، وتقريبا انتي فهمتي نصيحة جياد غلط بردو.
طالما الراجل بادر هو وعمل كل حاجة، وافقي ومتمنعيش نفسك.
احنا قصدنا، بطلي تبادري انتي، مش ترفضيه أصلا اما هو يبادر!
_ يا بنتي انا عملت كدا، علشان يقولي طيب ويقعد ياكل وهو بيبص لي ويقولي كلام رومانسي ويفضل يدلع فيا طول ما احنا ما بناكل وبعدها يبقى مش قادر بقا وعايزني...
أما دا، راح سايب الأكل كله ومشي أساسا وقالي خلاص فقدت الشغف!
هو في كدا!
ابتسمت منى وردت:
_ طب ما دليل انه ادايق، لو ماكنش ادايق، كان زمانه فضل قاعد وبياكل بكل برود ومش فارق معاه كلامك أصلا..
بس عامة جايز رفضك كان بطريقة جت aggressive شوية، علشان كدا ضربت في صدره وحسسته بالرفض مش بالدلع، فاهمة؟
_ اه يمكن لانه كان حارق دمي.. بيحب يشوفني مرتبكة قدامه ويفضل يغتت.. في واحد يكون باصص لمراته ولحظة رومانسية بينهم، وخلاص بقا كنت دوبت فيه، يقوم يقولي نفسي في شاورما!
ضحكت منى عليها، لتتابع ماهي في ضيق:
_ فاتعصبت وقولتله لا استنى لبعد الأكل علشان اعرّفه اني مش واقعة كدا وما بصدق يعني زي ماهو فاكر.. راح سايب لي البيت كله وطفش يا منى
_ خلاص بقا يا ماهي دلوقتي يرجع!
وفي الوقت نفسه، سمعت صوت جرس الباب، فقالت لها:
_ اهو شكله جيه على السيرة ورجع، هروح افتح له، شكله نسي المفاتيح بسبب جريه مني
_ طيب هقفل انا واسيبك معاه بقا وهبقى اكلمك بعدين
_ اوكيه باي
انهت المكالمة معها، ثم اتجهت نحو الباب لتجيب وهي تقول:
_ مين؟
_ أنا أمجد يا ماهي
توقفت لحظة ولم تفتح الباب ثم قالت له:
_ حاضر ثواني يا أمجد
دخلت الغرفة وسترت جسدها بالكامل ثم خرجت مرة أخرى كي تفتح له.. وبمجرد أن فتحت، وجدته يقف وهو يحمل هدية مغلفة وباقة ورود ويبتسم.. قالت له في ابتسامة:
_ ازيك
_ الحمدلله يا ماهي، وانتي إيه اخبارك؟
_ كله حلو
ثم نظرت إليه تنتظر منه أن يقول ماذا يريد، بينما الآخر كان ينتظر منها أن تسمح له بالدخول.. ثم تنحنح وقال:
_ يعني... انا كنت جاي اباركلك بخصوص الحمل و.. ودي هدية بسيطة مني ليكي يعني
عقدت حاجبيها في تعجب وتساءلت:
_ وكاميليا مجتش معاك ليه؟
سكت برهة ولم يرد... فتابعت:
_ وليه متصلتش وخدت معاد؟
_ ماهي اصل..اصل، انا كنت جاي مدينة نصر بالصدفة وماكنتش مرتب للزيارة دي، فقلت بالمرة اعدي عليكم وابارك يعني بس مش أكتر!
ابتلعت ريقها وردت في قليل من الإحراج:
_ هو..هو.. أنا آسفة جدا ليك، مش هقدر ادخلك، شهاب مش هنا وهو..
تحدث في صوت عالي به الضيق:
_ شهاب إيه وزفت ايه دلوقتي؟
انا ابن عمتك ومتربين مع بعض وجوز اختك، وانتي بعد كل دا مش هتستقبليني في بيتك علشان الجربوع جوزك دا مش هنا!
_ أمجد من غير غلط قلت ميت مرة .. وبعدين انا قلتلك قبل كدا، شهاب شوية مختلف عننا وهو مش هيتقبل الكلام دا وانا مش عايزة مشاكل معاه وانت المفروض كنت تدي معاد قبل ما تيجي!
_ انتي شكلك بتستعبطي اصلا
قالها في غضب وهو يحاول أن يدخل دون أن تسمح، ومن خوفها من غضب زوجها ورد فعله، غلقت الباب في وجهه قبلما يدخل او تخطو قدمه داخل الشقة.
فوقف مصدومًا مما فعلته.. أخذت أنفاسها تتعالى وصدرها يعلو ويهبط اثر الخوف والتوتر مما فعلت.
وقالت له في صوت مرتبك:
_ أنا أسفة يا أمجد أنا آسفة والله انا أسفة، بس انا مش هقدر ادخلك.. انا عملت كدا غصب عني.. متزعلش، بس فعلا شهاب هيقلب الدنيا وهتحصل مشكلة كبيرة بينا
ركل الباب بقدمه في غضب ثم قال لها:
_ عامة هديتك هرميهالك قصاد باب الشقة
وبالفعل ألقى ما في يده، الهدية وباقة الورود، ثم أخذ ينزل الدرج بالثلاث درجات اثر الغضب.
نظرت من العين السحرية فعلمت انه قد ذهب، لذا فتحت الباب وحملت ما جلب وكان الحزن ظاهرًا على ملامح وجهها مما فعلته في حقه ولكنها خافت كثيرًا من شهاب.
وعندما نزل الشاب وخرج من باب العمارة، لمح شهاب وهو ينزل من فوق دراجته النارية ويخلع المفتاح.
وعندما توجه شهاب نحو العمارة كي يدخل، لاحظ هو الآخر وجود أمجد، فأخذ يقترب من مكانه والآخر توقف وهو يرميه بنظرات مليئة بالغضب والقرف.
وعندما وقف قبالته سأله:
_ إيه يا أمجد، في حاجة ولا إيه؟
ليرد عليه الآخر في ابتسامة:
_ هيكون في إيه يعني!
كنت بزور بنت خالي عادي جدا وبطمن عليها!
_ والله!
_ اه والله
ايه ادايقت؟
عامة متغيرش مني اوي، احنا قرايب بس ومتربين مع بعض يعني مش اكتر
ابتسم الشاب ورد ساخرًا:
_ انا اغير منك انت يا أمجد!
هي الدنيا جرا فيها إيه؟
دي الاقلاب نامت والانصاص قامت صحيح!
ثم تركه وذهب متجه نحو الدخول إلى العمارة.. ليتبع أثره أمجد وتمتم في غضب حارق:
" نهايتك هتبقى على ايدي انا يا شهاب يا مظهر.. مش هتبقى على ايد جياد الزيني.. انا هعرفك ازاي تلمس حاجة مش بتاعتك.. هعرفك ازاي تسرق مني قلب ماهي.."
وعندما صعد الشاب شقته، فتح بابها ودخل فلاحظ وجود باقة الورد على الطاولة، ألقى المفتاح على الكرسي وقال في غضب:
_ ممكن اعرف أمجد كان بيعمل ايه هنا؟
ردت الفتاة في توتر:
_ اقسم بالله ما دخل، اقسم بالله ما عتب باب الشقة حتى
_ والله؟
_ والله، والله العظيم ما دخل الشقة، انا عمالة احلفلك اهو
_ ايوا يعني كان جاي ليه؟
_ قال كان جاي يبارك لي علشان الحمل وانا قولتله كان لازم تاخد معاد وشهاب مش موجود ومسمحتلوش يدخل اصلا والله
_ انسان معندوش دم ولا بيفهم في الأصول.. جاي يبارك من غير ما ياخد معاد ولا حتى يجيب مراته معاه.. مفترضش اني ممكن ماكنش موجود مثلا؟
_ معرفش، بس هو كان هنا عندنا وقال يعدي علينا يعني.. الموضوع كان صدفة
_ بس هو دخل؟
_ وحياة ابني اللي في بطني ما دخل، احلف لك بإيه تاني طيب!
اشار بعينيه نحو الورد وقال:
_ امال الورد دا جيه منين يعني؟
_ هو اللي جابه، اما انا رفضت ادخله، رمى الهدية قدام الباب وقالي هديتك اهي ومشي، لانه اتقمص علشان انا قفلت في وشه الباب .
صدقني بقا والله دا اللي حصل انا عمالة احلف اهو
هز رأسه موافقًا ثم اتجه نحو الكرسي وجلس عليه وقال لها:
_ البسي يلا خلينا نخرج
_ ماشي..
ثم اقتربت منه حتى وقفت أمام الكرسي الجالس عليه وسألته:
_ انت زعلان مني؟
رفع عينيه لها ورد:
_ هزعل منك ليه؟
هو انتي عملتي حاجة تزعل؟
ابتلعت ريقها وردت في قليل من الارتباك:
_ يعني... قلت اااا.. يعني.. بخصوص موقف الصبح وكدا و...
قاطعها قائلًا في أمر حاسم:
_ لا لا دا موقف تافه اصلا بتاع الصبح دا، انا نسيته أساسا، فكك ولا كأن حاجة حصلت
عقدت حاجبيها في استغراب وعلقت:
_ موقف تافه؟
_ اه موقف تافه، عادي من حقك ترفضي انتي تعبانة يعني.. وانا كمان من حقي ارفض وقت ما اكون تعبان!
_ بس انا مرفضتش، أنا أجلت.. وفي فرق بين الاتنين.. جايز ااا.
_ انتي بتبرري ليه يا ماهي؟
مش موقف عدى و خلاص!
انسي بقا وروحي البسي خلينا نلحق.
_ انا مش ببرر، انا بوضح سوء التفاهم دا و..
_ ايا كان، ايا كان..خلاص الموقف خلص وخلصنا
ردت في ضيق:
_ ماهو يارب نكون خلصنا فعلا، ومتفضلش مقموص مني ومتجاهلني!
_ متجاهلك إيه يا بنتي، ايش حال اني بقالي ساعة بقولك روحي البسي علشان أخرجك!
_ ماشي يا شهاب ماشي، تمام هروح البس
وبالفعل اتجهت نحو الغرفة وهي غاضبة.
فتح هاتفه يقلب فيه ينتظرها حتى تعود.. واثناء تقليبه، دخل في محرك البحث على صفحة فيس بوك عند جياد فلاحظ انه قد غير صورة الغلاف الشخصي تبعه، لتصبح صورته هو وهانيا أمام البحر.
كانت الصورة عبارة عن جياد وهو يقف بجانب هانيا يحاوط خصرها بذراعه وكلًا منهما يرتدي نظارة شمسية ويبتسما.
تمتم في غضب:
" مصيرك تطلقها وتترمي في مكانك الطبيعي، مستشفى المجانين يا مختل يا حقير "
***********
دخلت هانيا غرفة النوم، عقب طويل قضته مع زوجها بين التجول والتسوق وحضور أحد الحفلات.
وبمجرد أن دخلت، لاحظت وجود باقة ورد على الكومودينو بجانب السرير، مما جعلها تذهب إلى عنده.. حملته وبدأت تستنشق الورود ثم لاحظت وجود ظرف مزين ومزخرف شكله جذاب وانيق، يوجد على الكومودينو أيضًا فقد كان أسفل الورود
التقطته فلاحظت انه مكتوب في المقدمة " إلى خطيبتي و زوجتي"
بدأت تفتحه، ثم ابتسمت وعيناها تقرأ ما به، وكا كان بداخله:
" أنتِ لستِ امرأةً مرّت بقلبي صدفةً، إنما أنتِ المدينةُ الوحيدةُ التي كلّما حاولتُ الهربَ منها، عدتُ إليها أكثرَ ضياعًا.
أحببتُكِ بطريقةٍ تُرهقُ رجلًا مثلي،
فأنا الذي لم أعتدِ الانتظار،
أصبحتُ أنتظرُ نظرةً منكِ وكأنّها نجاة.
وحينُ تغضبين...
أشعرُ أنّ قلبي يفقدُ توازنه، وروحي تفقد خفتها والعالمَ يصبحُ واسعًا بشكلٍ مخيف.
وحين أنول رضاكِ، تبتسم لي الحياة وكأنها لم تبتسم لي من قبل.
قلبي أصبح وطن لكِ، وعقلي أصبح عالم ليس به بشر، سواكِ
فإن سألوكِ يومًا:
كيفَ أحبّكِ جياد؟
قولي لهم:
أحبّني كرجلٍ يحاربُ العالم كلّه بثبات...
ثمّ يرتجفُ أمامَ دمعةٍ واحدة تهبط من عينيّ... "
وعندما انتهت من قراءة الخطاب، ابتسمت ابتسامة عريضة وتمتمت:
" مجنوني"
ثم غلقت الجواب واحتفظت به هو والورود معًا.
دخل وقتها، وقال في ابتسامة:
_ قرأتي الجواب؟
هزت رأسها مؤكدة.. ثم سألته في ابتسامة:
_ اتعلمت تكتب عربي اهو!
_ يا بنتي انا مش فاشل فيه اوي كدا!
بعرف اكتب عربي عادي
_ فكرة الجواب جاتلك منين؟
تنهد ورد:
_ يعني.. قلت اقوم بدور الواد الفتك اللي في الجامعة دا وعايز ينول رضا خطيبته وبيكتب لها جوابات عشق وغرام
_ عامة... تسلم ايدك عجبني والله، طلع عندك إحساس حلو في الكتابة
_ بس لغتي العربية على قدها صح؟
يعني مستخدمش تعبيرات صعبة او معقدة وكدا.. معرفتش يعني و..
_ لا لا بجد، كانت كلمات جميلة وبسيطة وتدخل القلب وعجبتني جدا
ابتسم ابتسامة عريضة كان يشعر وكأنه سيطير من شدة الفرح والسعادة، وقال لها:
_ انا هدخل آخد شاور، يومنا كان طويل وجايلك يا بطاطا
فتح الخزانة وأخذ ملابسه والمنشفة الخاصة به وغمز لها وهو يبتسم ثم دخل المرحاض..
تبعت أثره حتى دخل.. ثم فتحت الخطاب مرة أخرى وبدأت تقرأه للمرة الثانية وهي تبتسم أكثر فأكثر، ويبدو ان تغيير ما ملحوظ قد ظهر.
وقد لاحظت صوت ما في الخارج.. ففتحت النافذة وبدأت تنظر نحو هؤلاء الواقفين أمام البحر...
مرت ربع ساعة او تلت ساعة على الأقل.. وخرج جياد حينها وبدأ يتلفت حوله فلم يجدها.. ارتدى الروب الخاص به ثم خرج من الغرفة فلم يجدها أيضًا، لذا اختض وبدأ يخرج من الشالية كله وبدأ يلتفت حوله يبحث عنها على الشاطئ والخوف بدأ يتملكه.. اقترب أحد الرجال منه وقال له:
_ بدور على حد؟
_ ايوا، مراتي
_ شعرها قصير كدا ورفيعة شوية؟
_ ايوا ايوا هي، فين؟ شفتها؟
رد في أسف للغاية:
_ لسه مطلعينها من البحر من شوية.. غرقت
صرخ في فزع:
_ إيه!
************
كانت أسيل جالسة عند طرف السرير، ظهرها مستقيم بصورة متوترة، بينما أصابعها ترتجف فوق القماش الحريري الذي كانت ترتديه.
لم تعتد يومًا ارتداء شيء كهذا.
كان الفستان ناعمًا، فاتح اللون، يكشف عن كتفيها وعن جزءٍ من عنقها، وساقيها وقد تهيأت له فإن الليلة هي أول ليلة لهما
لكن قلبها لم يكن مستعدًا.
كانت تشعر وكأنها تُساق إلى شيءٍ لا تستطيع احتماله، شيء يجعل أنفاسها تضيق كلما فكرت فيه.
ضمّت يديها إلى بعضها بقوة وهي تنظر نحو الباب المغلق بعينين مضطربتين، تسمع دقات قلبها بعنف داخل صدرها.
هي لا تكرهه...
وهذا ما كان يزيد الأمر سوءًا.
حسان لم يكن سيئًا معها يومًا، لم يجبرها، لم يرفع صوته عليها حتى، بل كان يعاملها بحنانٍ أربكها كثيرًا.
لكنها لم تستطع أن تمنحه قلبًا لا يزال مليئًا برجلٍ آخر.
ارتجفت شفتيها وهي تحاول تهدئة نفسها، إلا أن صوت الباب وهو يُفتح جعل جسدها يتشنج بالكامل.
دخل حسّان أخيرًا.
كان يبدو هادئًا مبتسمًا ابتسامة خفيفة صادقة، فقد كان سعيدًا للغاية فقط لأنها سمحت له أخيرًا بالاقتراب منها بعد كل تلك الشهور.
أغلق الباب خلفه ببطء، ثم استدار إليها.
وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها توقفت خطواته...تأملها لثوانٍ بصمت.
كانت جالسة متيبسة فوق السرير، كتفاها عاريان قليلًا، وعيناها ممتلئتان بذلك القلق الذي حاولت عبثًا إخفاءه.
زادت ابتسامته تدريجيًا ثم اقترب منها بخطوات هادئة جدًا، حتى لا يفزعها أكثر، بينما هي كانت تزداد ارتجافًا مع كل خطوة يقتربها.
جلس أمامها على حافة السرير، تاركًا مسافة صغيرة بينهما، وقال بخفوت:
_ أسيل... بصي لي
رفعت عينيها إليه بصعوبة، فشعر فورًا بذلك الخوف العالق داخلهما.
تنهّد بهدوء، ثم مدّ يده ببطء شديد نحوها، كأنه يمنحها فرصة للابتعاد إن أرادت، قبل أن يلامس أطراف أصابعها المرتجفة وتابع:
انتي متوترة اوي للدرجادي؟
هزّت رأسها بسرعة بالسلب، وخرج صوتها ضعيفًا متقطعًا:
_ لا... أنا بس...بس..
لكن الكلمات اختنقت داخل حلقها.
ظل ينظر إليها للحظات طويلة، ثم وقعت عيناه على يديها المرتعشتين، وعلى الطريقة التي تضم بها ساقيها بتوتر، وكأنها تحاول حماية نفسها.
وهنا فقط فهم، فهم أنها لم تكن متهيئة كما ظن.
مرّر يده على وجهها ببطء، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة، قبل أن يقترب أكثر قليلًا، لا ليأخذها بين ذراعيه، بل ليشد البطانية فوق كتفيها العاريتين برفق، ثم قال بصوت هادئ دافئ:
_ خلاص.. لو خايفة كدا ومتوترة بالشكل دا، بلاها خالص
اتسعت عيناها نحوه بدهشة مرتبكة.
أما هو، فاكتفى بأن رفع يده يمسح دمعة كانت قد تجمعت دون أن تشعر بها، ثم همس:
_انا عايزك وانتي مرتاحة وراضية يا أسيل.. وانتي مستعدة.. وانتي مبسوطة.. غير كدا انا مش عايزك.. انا مش مقرف يا أسيل.. ولا انا مأجبرك على حاجة خالص!
شعرت حينها بشيء ينهار داخل صدرها عند كلماته.
ولكنها ردت في تقبل الأمر الواقع:
_ انا مش مجبورة، ولا خايفة ولا تعيسة يا حسان.. انا موافقة عادي.. بس طبيعي أول يوم لينا وانا مكسوفة مش اكتر.. لو سمحت يلا وبلاش تأجيل، انا تمام وموافقة.
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ متأكدة؟
هزت رأسها مؤكدة ومع بداية قربه منها اغمضت عينيها بقوة وقد استسلمت للحظة الحاسمة والأمر الذي لابد منه ليحدث فيما بعد تغيير ملحوظ في علاقتها به..
*********
متنسوش الفوت ورأيكم
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
بهدي الفصل دا، لمنة سلامة [ منوش]
على تصاميمها الجميلة للرواية ومساعدتها في نشرها على الجروبات الخاصة بالروايات ودعمها المستمر لي
وبردو بهديه من كل قلبي ل آلاء عماد[ لولي ]
على مساعدتها الدائمة ودعمها الثابت ليا ومساعدتها ليا بشكل شخصي وللرواية.
وبشكر من كل قلبي جنى حسين على دعمها المستمر ومكالماتها ليا طول الوقت علشان تكلمني عن الرواية ودفاعها عنها وحبها ليها.
وبشكر كل أسرتي التانية الجميلة على واتساب، على تشجيعهم ودعهم ليا واخص بالذكر منهم [ مدام هنا هشام، "هنونا"، وآية أحمد " اختي الاردنية" ، رحمة عبدالوهاب، جنة محمد، هانيا تمّام، مدام سماح انور]
حابة اشكركم بشكل شخصي على تواجدكم المستمر رغم الظروف
[ مدام راندا حسين، فاطمة " Boba "، ميرو، كارولين " كاروزا " و مدام نورا عبد السميع ، مدام أمنية ومدام ولاء سعيد و سارة سند و ميرنا محمود و هالة احمد ]
شكرا لتواجدكم
وغيرهم كتير من اللي كانوا متواجدين معانا بس انشغلوا بسبب امتحاناتهم وكدا ودايما هفضل فكراكم،
[ندى وليد، هاجر عادل] ثانوية عامة ادعولهم بالنجاح والتوفيق
[ رودينا سند ومنة ] امتحانات البكالوريا بقا ادعولهم بردو ٢ ث
واخيرا امتحانات الجامعات واللي كانوا منهم حبايبي [ نهال الشربيني و دنيا هاني و ندى راف الله و ملك " ملوكة" و ميمو، حفصة، مروة وملك تانية بتحب شهاب هي عارفة نفسها 😂 ]
ويارب ما اكون نسيت حد من اللي كان ليهم دور ودعم ليا حتى ولو بكلمة
ومقدرش انسى الأخصائية النفسية الجميلة اللي دايما بتبهرني بتحليلها في شخصيات الرواية [ مدام إيمان أحمد رضا]
والجميلة اللي ليها فقرة خاصة على الجروب بتحلل فيها كل الشخصيات وداوفعهم النفسية
والاجتماعية وغيرها [ شذى فوده ]
وتواجد الناس دي دايما معايا على الفيس ودي اسماء الاكونتات بتاعتهم
[Lucas agha, asma soma, seham Mohamed, Mohammed Ag Ag , salma switch]
واخيرا بشكر كل الجُمال اللي على واتباد واللي بيسيبوا فوت او كومنت يشجعوني بيه ويفكروني دايما بتواجدهم اللطيف، واخدة بالي منكم كلكم وعارفة مين بيكتب وعارفة بكون مستنية مين يعلق لانه بيفرحني بوجده، وقريب ههدي ليهم بارت تاني بأسمائهم، يعني قريب هعمل بارت هدية اهداء مني لكل اللي بيكتبولي كومنتس على واتباد سواء من زمان او من فترة بدأوا معايا وعلشان كدا قررت أعملهم بارت اهداء خاص مني ليهم ♥️
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الخامس و الأربعون [ بداية التوتر]
سلمى خالد احمد
************
كان يصرخ كالمجنون، وقد أصابه الهلع والذي بدا عليه بشكل واضح، يركض ويصرخ جهة البحر ويكرر اسمها " هانيا...هانيا...هانيا "...
وقف أمام البحر بالضبط وبدأ يتلفت حوله، يسأل الرجل في ذعر:
_ فين الناس؟ فين.. ف..هي.. ف..
وفي تلك الأثناء، جاءت وهي تجري من على بُعد جهته تقول في ابتسامة عريضة:
_ جياد.. إيه كنت بلعب معاك!
وبمجرد أن رآها وسمعها تقول ذلك.. استدار موليًا لها ظهره وهو يداه على مقدمة رأسه.
اقتربت منه حتى وقفت خلفه وقالت في استغراب:
_ جياد.. جياد..
سحبته من كتفه كي ينظر إليها، وما إن استدار لها، حتى رأت دموعه تنساب على خديه بلا توقف، مما جعلها تختض وقالت له في خوف:
_ جياد، مالك!
انت بتعيط لي؟
رد في نبرة صوت مختنقة مليئة بالدموع:
_ خفت اوي.. خفت اوي اوي
ضمته إلى صدرها وبدأت تحتضنه بشكل به احتواء واضح، وقالت في نبرة مرتاحة كي يطمئن:
_ متخافش، متخافش انا مغرقتش ولا حاجة.. أنا.. انا كنت بلعب معاك، دا مقلب، كنت عايزة اشوف رد فعلك.. اتفقت مع فرد الأمن دا انه يقولك كدا بس من باب الهزار، اسفة ماكنتش اعرف انك هتخاف بالشكل دا.
بدأ يضمها إليه أكثر فأكثر وهو يتحسس ليتأكد أنها معه وداخل حضنه ولم تسرقها المنية منه... وقال بدأ هدأ قليلًا:
_ ممكن متلعبيش معايا لعب زي دا تاني؟
انا اترعبت، عمري ما خفت كدا في حياتي اقسم بالله
_ حاضر والله مش هعمل كدا تاني.. اساسا صوت الصريخ دا هو اللي خلاني مكملش لعب، انت صحيت الناس كلها!
_ عايزة واحد يقولي انك غرقتي ومستنياني أعمل إيه؟
اروح بقا اشوفك وانتي ميتة!
هو انتي مفكرة ان قلبي هيستحمل يعني!
كانت بالفعل تستمع إلى دقات قلبه العالية والمتسارعة وكأن قلبه سيخرج من بين ضلوعه اثر الخوف بينما كان داخل حضنها.
وفي حنان، ربتت على ظهره ثم ابتسمت وقالت له وهي تبعده قليلًا لتنظر إلى عينيه:
_ مش انت عملت فيا مقلب الفار؟
حبيت انا كمان اعمل فيك مقلب
رد وهو يزيل دموعه من على خديه:
_ مقلب غبي وياريت ميتكررش بأي حال من الأحوال.
انا لعبت معاكي بفار لعبة، يعني لعبت على خوفك وتوترك علشان تجري تستخبي فيا، انما انتي لعبتي في عدّاد عمري بجد.. لو مت من الخضة كنتي هتسامحي نفسك عادي؟
ردت في ابتسامة صغيرة:
_ للدرجادي!
رد في نبرة بها تأكيد واضح:
_ بقولك انتي روحي!
_ طب يلا يا مجنوني خلينا ندخل جوا، حاسة اني بردت
رد في ابتسامة:
_ مجنونك!
_ عندك اعتراض!
_ لا خالص، أنا مبسوط بياء الملكية عامة، مهما كنت ايه، بس المهم اني بتاعك ومِلكك
دخلا الشالية ثم عرفتهما، وبمجرد ان خطت قدمه الغرفة، ارتمى على السرير وهو يتنفس في صوت عالي يهدأ... فقالت له:
_ لسه خايف؟
_ بهدى بس بهدى.. مش مصدق اللي حصل، مش عارف اتلم على أعصابي
بدأ يغمض عيناه ويأخذ شهيقًا طويلًا ثم يزفره على مهل في محاولة منه للهدوء و الاسترخاء.
جلست على السرير مكانها ثم التقطت هاتفها وبدأت تقلب فيه، تاركة له مساحته الخاصة حتى يرتاح ويستجمع قواه ونفسه.
اقترب منها حينها، وأفسح مكانًا له بين ساقيها ثم نام على بطنه ووضع رأسه على بطنها.
بدأ يغمض عيناه كي ينام بعدما شعر بالراحة وهو قريب منها بذلك الشكل، جاعلًا من بطنها وسادة له ومن ساقيها مسندًا ليريح عليهما ذراعيه.
ألقت إليه نظرة وهو نائمًا هكذا، و
كأنه طفل صغير أرهقته الحياة فجاء ليختبئ بوالدته.
وفي تلقائية منها، حركت يدها ببطء حتى مستوى رأسه وترددت قليلًا... بقت يدها في الهواء لثوان.. حتى استقرت على شعره وبدأت تمرر يدها عليه.. وكلما شعر بأصابع بيدها التي تلمس شعره، كلما شعر باسترخاء وراحة ورغب في النوم أكثر.
وبالفعل استرخى ومرت دقائق قليلة حتى نام نومًا عميقًا.
كانت لا تزال تلمس خصلات شعره في حنان حتى تأكدت انه نام لذا ابتسمت وتمتمت في استغراب:
" مبقتش عارفة احدد شعوري تجاهك عامل ازاي يا جياد بجد.. ولا حتى بقيت عارفة انت مُتملك ولا مُحب بشكل كبير ولا هدفك تسيطر عليا وبس!
ولا قادرة افهم شخصيتك.. انت راجل قوي بيخوّف ولا بيبي محتاج اهتمام وحب؟ "
***********
وداخل سيارة ماهي، كان شهاب يقود هو وهي تجلس بجانبه وقالت له بعدما تحرك بدقيقة على الاقل:
_ شهاب، خلينا نروح للدكتور الأول علشان نعرف انا حامل في إيه علشان الحفلة بقا.. هكلم منى دلوقتي لانها هي الوحيدة اللي هتعرف نوع البيبي وهترتب الحفلة على الأساس دا و...
قاطعها وهو يزفر في ضيق:
_ يا ماهي حفلة إيه!
يا ماهي اتقي الله فيا يا ماهي هتجلطيني!
_ ليه بس يا شهاب؟
_ هو انتي في عالم تاني موازي غير العالم اللي انا عايش فيه؟
بقولك اختي مختفية وحالتي كرب عليها وانتي ولا هنا، انتي حرفيا في اللابوريا!
زفرت في ضيق.. ثم قالت:
_ على فكرة يا شهاب انا واخدة بالي بس عايزني اعمل إيه يعني بجد!
أوقف حالي يعني وحياتي وافضل ربطاهم بمصير أختك؟
هي اللي هربت يا حبيبي، هي اللي اختارت تهرب وتمشي.. فمتبقاش هي اللي مقررة وقاعدة مبسوطة مع حبييها واحنا هنا عيشتنا كرب عليها!
لو كانت مخطوفة، لو كانت في مشكلة، أكيد كانت ردود افعالي اختلفت وكنت زعلت عليها جدا ورعيت دا.
انما هي واحدة ماشية بمزاجها وسايبة الدنيا كلها تضرب تقلب واحنا اللي هنقعد ندور ونعيط ونوقف حياتنا عليها!
رمقها في ضيق، ثم رد:
_ عمرك ما هتفهيني عامة
_ طب فهمني انت!
_ ماهي انتي متعرفيش اختي بالنسبالي إيه
دي بنتي اللي مربيها وكبرت قدام عيني.. تخيلي صحيتي فجأة من النوم، لقيتي بنتك مش موجودة في البيت، هتعيشي حياتك عادي وتقولي ما هي اللي اختارت تمشي!
بالبساطة دي!
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ أكيد لا، بس اللي في ايدينا عملناه!
فرغنا كاميرات، صحابك بيدوروا، انت دورت وبدور، انا عرضت عليك أأجر رجالة يدوروا عليها.. خلاص بقا هنعمل إيه اكتر؟
تنهدت ثم تابعت:
_ اللي انا بقوله طبيعي، مش صح انك تأثر في حقي وتهملني وتهجرني علشان اختك مش هربت، لان دا مش ذنبي!
الحداد على الميت نفسه، ٣ تيام بس وبعد كدا المفروض الناس كلها ترجع لحياتها وتتصرف بشكل طبيعي.. ماهو مينفعش زوجة تفضل مانعة زوجها عنها سنة مثلا لانها في حداد!
وانت بردو مينفعش تربط فرحتي ومصيري بظهور أختك اللي اختفت بمزاجها!
تضايق من كلامها وأحس انه مستفزًا، لذا قال لها:
_ طب يا ماهي، وانتي متقدريش بردو تسحبي اهتمامي كله ليكي ولا تربطي تفكيري كله بيكي طول ما اختي مختفية!
وعمرك ما هتعرفي تسعديني ولا تخليني مبسوط وبضحك طول ما هي شاغلة بالي وساحبة تفكيري كله علشان انا هتجنن والاقيها، ودا بقا طبيعي، غصب عني للاسف مش زرار هو هدوس عليه وكل دا يختفي.
واللي في ايدك تعمليه بس هو انك تهوني عليا مصيبتي لحد ما ألاقيها وتخففي عني زعلي وضيقي
ردت في غيظ:
_ وانا مين يخفف عليا يعني؟
مين المفروض يهتم بيا وبحملي؟
مين المفروض يهون عليا الفترة دي بتقلباتها المزاجية و الهرمونية؟
تنهد ثم اجاب:
_ أنا.. بس متحمّليش عليا.. مش كل شوية افضل معايا، خليك جمبي، وقتك كله يبقى ليا.. انا هفضل موجود وهدعمك لحد ما الفترة دي تعدي على خير بس مش عايز بقا ضغط منك، كفاية اللي انا فيه.
لو قصرت شوية لو اهملت شوية، راعي، انتي عارفة اني عندي بدل الشغل تلاتة وعندي مصايب تهد جبال نازلة على نفوخي، فمتتغطيش عليا انتي كمان الله يسترك انا مش ناقص!
علقت في ضيق:
_ المشكلة ان احنا مش مضطرين للبهدلة دي!
قال في نبرة حادة بعض الشئ:
_ ماهي، وبعدين!
انتي متجوزاني وانتي عارفة انا إيه وعندي إيه ومعنديش إيه ورضيتي، بلاش بقا السيرة دي كل شوية!
قلت مش هاخد منك حاجة، فلوسك لنفسك يا بنت الناس ومتعصبنيش بقا!
توقف بالسيارة وهو يقول:
_ يلا وصلنا، انزلي
نزلا معًا، ثم ترجلا وقد أرسلت هي لصديقتها كي تأتي، حتى دخلا العيادة الخاصة بالطبيبة التي تتابع عندها ماهي.
اخبرتها ماهي ما جاءت لأجله ثم استلقت على السرير وبدأت الطبيبة تفحصها وقالت لشهاب في ابتسامة وهي تشير نحو الجهاز:
_ بص.. شايف البيبي..
لتؤكد عليها ماهي قائلة:
_ اوعي تغلطي يا دكتور بليز وتقولي نوعه، انا عايزاها مفاجأة
_ لا لا متقلقيش
بدأ الشاب يبتسم وهو يتطلع إلى ما تشير الطبيبة، فتابعت وهي تشرح له على الجهاز:
_ بص يا مستر شهاب، مدام ماهي حامل في اربع شهور ونص وبكدا انت تقدر تشوف بشكل كبير
شكل الجنين كامل تقريبًا
دي الرأس...
دي الايدين.. دي الرجلين
.. دا العمود الفقري.
بدأ الشاب يبتسم أكتر فأكثر وهو يتطلع إلى جنينه في فرحة وتابعت الطبيبة:
_ هنا اهو بيحرّك إيده..
وشوية وهسمعك نبض القلب
دي اهي ملامح وشه بشكل مبدئي يعني
دي الأنف، دا الفم ودي العينين.
قال الشاب في فرحة:
_ يعني.. هو بخير يا دكتور صح؟
هيتولد بألف سلامة يعني؟
هزت رأسها مؤكدة:
_ اه هو الحمدلله بخير
القياسات الخاصة بالجنين لمعرفة هل نموه مناسب لعمر الحمل، اتعملت كلها
عرفنا المشيمة ومكانها.
كمية السائل الأمنيوسي.
و اطمنا على أعضائه الداخلية زي المخ، القلب وغرفه الأساسية.. الكليتين والمعدة و المثانة.. كل دا عملناه واطمنا انه الحمدلله بخير ومفيهوش اي تشوهات او عيوب خلقية لا قدر الله، اطمن
ابتسم ورد:
_ طب الحمدلله، شكرا طمنتيني
بدأت تنزع القفازات ثم ألقتها في صندوق القمامة واتجهت كي تجلس على مكتبها بينما ماهي بدأت تقوم وتغطي بطنها وهي تبتسم في فرحة بمجرد أن لاحظت فرحة زوجها تلك بجنينها.
قالت الطبيبة له:
_ خد بالك منها انت ومتزعلهاش بس وان شاء الله طفلكم هيتولد بخير.
ثم بدأت تكتب وهي تقول لماهي:
_ هكتب لك شوية مقويات وفيتامين، ارجوكي اتغذي مش هينفع كدا!
_ والله يا دكتور باكل، بس احيانا كتير بحس ان نفسي مسدوده و..
_ لا مش هينفع كلي واتغذي كويس علشان الطفل ميقعدش في الحضانة لانه ضعيف!
وانت خلي بالك منها ومن أكلها واجبرها تأكل
هز رأسه مؤكدًا ثم قال:
_ حاضر يا دكتور، شكرا
ثم خرج هو و زوجته وحينها وصلت منى ودخلت سريعًا إلى عند الطبيبة كي تعرف نوع الجنين وكانت ماهي وزوجها يتنظران في الخارج.
قالت له في ابتسامة:
_ شفت البيبي؟
رد في ابتسامة:
_ ايوا، يا روحي عليه، عسول وصغنون خالص
_ هنسميها كادي
_ هي بنت!
_ مش عارفة بس حاسة، المهم إيه رأيك في الاسم؟
_ خلينا بس نعرف نوعه الأول وبعدها نفكر في الاسم
هزت رأسها موافقة، وقالت له:
_ هتخرجني ولا فاكس؟
_ لا لا مش فاكس ولا حاجة، هخرجك طبعا يا ام كادي
ضحكت بشكل لطيف ولم تعلق.. حتى خرجت منى وهي تبتسم ابتسامة عريضة وقالت في فرحة عارمة وهي تضم ماهي إليها في قوة:
_ مبروك يا أحلى مامي في الدنيا.. يا روحي عليكي، يا روحي بجد
ردت ماهي في فرحة:
_ اوعي تقولي، عايزة اتفاجئ
_ لا لا متخافيش، انا بس فرحانة اوي لاني خلاص عرفت انتي حامل في إيه وهتبقي مامي لمين اول حاجة فحاسة اني proud of you اوي مش عارفة ليه
_ هبقى مامي حلوة؟
_ هتبقي مامي سكرة مش حلوة وبس
ثم التفتت نحو شهاب وقالت في ابتسامة صغيرة:
_ مبروك يا شهاب
_ الله يبارك فيكي يا منى، شكرا..
ثم وجه حديثه إلى زوجته فقال:
_ ماهي انا هروح استناكي في العربية، خلصي براحتك مع صاحبتك وتعالي
وبعدما ذهب، سألتها منى:
_ ماله دا؟
_ تقريبا حاسس انك مش بطقيه
_ حاسس؟ يعني مش متأكد؟
_ يا منى اسكتي بقا!
يلا روحي انتي، انا هروح علشان هيخرجني
_ طيب يا ستي، على الله تفرحي بقا شوية، بدأ يحس على دمه اهو
_ ايوا، يلا هروح انا، باي
وبعدما ذهبت، تبعت أثرها وهي تتمتم:
" يا ترى جياد مختفي فين بقاله أسبوع ومش بيجي الشركة؟ "
**********
تجلس روني على حجر زوجها تأكل من يده قطع الفواكه وهي تتدلل عليه، وهما داخل شقته الخاصة حيث قررا أن يقيما هنا الليلة.
وقالت في دلال أنثوي:
_ يزيد حبيبي
أجاب وهو يضع قطعة التفاح داخل فمها:
_ نعم يا روحي؟
_ شايف؟
شايف واحنا قاعدين مع بعض لوحدنا الدنيا احسن ازاي؟
يعني انا لبسة براحتي وبتحرك في الشقة براحتي وانت كمان زيي.. لعبنا وجرينا ورا بعض واتنططنا على الكنب والمرتبة وقضينا ليلة مميزة.
بصراحة بشوف الشقة دي، احسن كتير من القصر، على الأقل نسبة ال privacy فيها عالية موت، شقة بتحرك فيها براحتي احسن كتير من اوضة وبفضل متكتفة بقا ومش قاعدة براحتي ولا لبسة على كيفي.. انت إيه رأيك؟
مش خدت راحتك معايا هنا اكتر؟
هز رأسه مؤكدًا ثم قال:
_ ايوا صراحة.. وعلشان كدا قررت كل جمعة وسبت نيجي نقضيهم هنا مع بعض في روقان يا غزالتي
_ طب ما نقعد هنا علطول إيه رأيك؟
ترك قطع الفواكه من يده ووضعها على الطاولة التي كانت أمامه، ثم تنهد وقال لها:
_ روني حبيبتي، انتي عارفة ومتأكدة كمان من اني مقدرش ارفضلك طلب، بس فكرة اننا نسيب القصر دي صعبة اوي، ماما هتعمل عليها تلاتين مشكلة وهتكرهك وهتكرهنا في حياتنا، طب لي؟
ادينا اهو قاعدين زي اللي قاعدين وخلاص!
وكدا كدا طول الاسبوع بنكون بنشتغل وتعبانين ويدوب بنيجي على النوم، فعادي الاوضة كافية للنوم والراحة مع بعض، انما في الإجازات نيجي هنا عادي علشان اعرف استفرد بيكي طبعا
هزت رأسها موافقة في قليل من الضيق.
وعقب مرور ثوان قليلة، لمست باطرافها لحيته وقالت في ابتسامة صغيرة وهي تنظر إلى عيناه:
_ لو حصل وعرفت ان حد من أهلك زعلني، هتعمل إيه؟
_ على حسب نوع الزعل اللي زعلوكي بيه، هتصرف.. انتي كدا كدا مجرّباني وعارفة ان أما حد منهم كان بيزعلك، انا بعمل إيه وخاصة ماما، صح؟
سكتت قليلًا تفكر... ثم اضافت:
_ طب لو حد مثلا من الشباب دايقني هتعمل إيه؟
_ شباب مين؟
_ يعني.. جياد.. أمجد.. باسم.. فاتح.. كدا يعني
عقد حاجبيه في استغراب وعلق في تعجب:
_ حد منهم زعلك؟ حد منهم استجرى؟
دا انا كنت قسمته نصين!
وبعدين يا حبيبتي، لا لا، اخواتي مستحيل يزعلوكي او يدايقوكي.. مش مسموح حاجة زي كدا أصلا، بلاش تفترضي حاجات صعبة الحدوث كدا
_ انت بتعتبر أمجد وباسم اخواتك؟
_ اه طبعا، دا كلام بابا من زمان.. طول عمري بعتبر عماتو في مقام ماما و أولادهم في مقام اخواتي.
وان يعني حصل وعماتو دايقوكي، فدا طبيعي بيحصل في بيوت العايلة، بكرة ربنا يهديهم هما وامي علينا.
تنهدت ثم اسندت رأسها إلى صدره تفكر... ثم طرحت سؤالًا آخر:
_ مين أقرب لك، أمجد ولا باسم؟
_ باسم
شعرت بالقرف بمجرد أن سمعت اسم ذلك الشخص يُلفظ على لسان زوجها واشمأزت من قربه منه وما يفعله هو في حقه من أفعال دنيئة وغير شرعية.
ولكنها حاولت ان تخفي ذلك كله وسألته:
_ اشمعنى؟
_ لان باسم في سني يعني، ومن زمان وهو بيفهمني وتقريبا متفق معايا في أفكار كتير، ومشتركين في حب بعض الهوايات يعني.
باسم بيحب المغامرات و الاستكشاف زيي فكنا قريبين جدا طول فترة الجامعة والشباب دي ومازلنا يعني، بيكلمني علطول وبكلمه علطول وكدا
ابتسمت ابتسامة كناية عن خيبة الأمل وقالت:
_ بتثق فيه؟
_ اه وليه لا؟
هو كمان كان بيثق فيا جدا واما ارتبط بأول حب ليه وكدا، خلاني انا الوسيط بينهم علشان لو حصل اي خلاف، أصلح.. لو كان مش بيثق فيا، ماكنش استأمني على حبه يعني!
تنهد وتابع:
_ انما انتي ليه بتسألي عن باسم يعني؟
_ ولا حاجة.. انا بس قلت اعرف اكتر عن اكتر صاحب قريب ليك، يزعلك؟
_ لا يا حبيبتي ميزعلنيش، أسألي براحتك
أخذت تفكر.. ثم سألت:
_ طب ليه ساب البنت اللي كان بيحبها دي؟
_ لان هما كانوا بيتخانقوا مع بعض اكتر ما بيتنفسوا، وفي يوم بقا لقيته هو جاي بيقولي احذف رقمها ومتتعاملش معاها تاني احنا خلاص فركشنا، قلت له ماشي وعملت زي ما طلب.
_ امممم... طيب البنت دي محاولتش معاك علشان تصلح لها علاقتها بيه ولا خلاص مصدقت فركشت؟
تنهد وقال:
_ هقولك بس اوعي توقعي بلسانك قصاد باسم او غيره لانه ممكن يزعل كدا
_ لا لا متخافش قول
_ هو يا ستي... هي محاولتش تصلح لا.. بس حاولت معايا انا شخصيا، كانت عايزاني ارتبط بيها وانا وقتها ماكنتش لسه ارتبطت بس انا رفضت نهائي وكشّمت لها واي محاولات منها كنت بصدها بغتاتة وبرد بأسلوب بارد وبتهرب منها طول الوقت لحد ما فقدت الأمل نهائي واختفت تدريجيًا.. اصل مش انا اللي ممكن ابص لواحدة كانت حتى تخص اخويا في يوم من الأيام، هو كان عينه فيها، ازاي انا ارتبط بيها يعني!
ردت في ابتسامة صغيرة:
_ كنت شايف انها ال type بتاعك؟
_ لا لا خالص، انا عمري ما فكرت فيها حتى علشان اعرف هي كانت مناسبة ليا ولا لا، هي كانت بالنسبالي زي كاميليا وماهي كدا بالظبط، كنت مسجلها مرات اخويا اساسا، يعني محذورة
سكتت شاردة في هذا.. كيف سيصدق فعلة أخيه وصديقه بها، بزوجة أخيه يعتبر؟
كيف سيستقبل تلك الصدمة؟
ماذا سيفعل حينها؟
في الحقيقة كان هذا يشغل بالها وتفكيرها لمدة طويلة من الوقت، ان لم يكن طوال الوقت.
كانت تخاف عليه من الصدمة وتخشى عليه من بطش باسم وما هددها به في نفس الوقت، ولكنها رغم كل ذلك، تشبثت به وتحدث صوتها الداخلي:
" هتعمل ايه لو عرفت اللي عمله الشخص اللي بتعتبره اخوك، في مراتك؟
عارفة انك مش هتستوعب وعارفة انك مش هضيع حقي وأكيد هتصدقني، بس مرعوبة عليك.. مرعوبة يقتلك فعلا وياخدك مني.. دا مجرم خطير و اللي بيشتغلوا لحسابه ناس برا البلد اصلا ومش عارفينهم.. يارب..يارب الهمني الصح يارب "
*************
وفي صباح اليوم التالي، وعندما كانت الساعة السادسة صباحًا، كانت هانيا تنتهي من تجهيز الحقائب وتتأكد من أن كل شئ جاهز ولم تنس شئ قبل العودة إلى القاهرة.
وقال لها زوجها:
_ في حاجة كدا نسينها ولا خلاص؟
_ لا لا أعتقد كدا كله تمام، بس انا مش لاقية موبايلي، شفته؟
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ خدي موبايلي رني عليه
التقطت هاتفه من على الكومودينو والذي كان بجانبها ثم مدت يدها له كي يفتحه وهي تقول:
_ خد، اكتب الباسورد
ابتسم وقال:
_ تاريخ عيد ميلادك
ابتسمت وبدأت تكتب هي التاريخ كي تفتح الهاتف ثم بدأت تبحث عن اسمها في قائمة البحث في المكالمات فكتبت " hanya " ولكنها لم تجد أي رقم مسجل بهذا الاسم وعليه سألته:
_ مش لاقياني!
انت مسجلني إيه؟
ابتسم وأخذ يقترب منها ثم قال وهو يسحب الهاتف من يدها:
_ اوعي اوعي، انتي بدوري على إيه!
كاتبة هانيا وعايزة تلاقي رقمك عادي كدا!
ناقص اسجلك الجماعة، ايه القرف دا!
_ اومال انت مسجلني إيه
بحث عن الاسم هو ثم أعطاها الهاتف وهو يقول:
_ خدي رني
نظرت في شاشة الهاتف لتجده يسجل رقمها باسم " my boo " وتلك الكلمة تعني حبيبي/تي في العامية الإنجليزية.
ابتسمت وعلقت:
_ my boo!
_ اه، ايه المشكلة يعني؟
شكلك مسجلاني، جياد الزيني ٢ ولا حاجة!
ضحكت في صوت عالي ثم علقت:
_ لا مش للدرجادي.. مسجلاك جياد بس
_ ماشي ياختي، ما هي دي الرومانسية اللي باخدها منك، اتعودت خلاص
ردت في ابتسامة مقصدها أن تستفزه:
_ يعني.. ممكن في المستقبل اغيّر الاسم ولا حاجة واسجلك بحاجة تانية، ممكن يعني.. وممكن لا بردو.. ممكن تفضل متسجل جياد طول العمر مثلا!
ترك ما في يده، مما كان يعده قبل الرحيل، ثم اقترب منها وقال بمجرد ان وقف قبالتها تمامًا:
_ مفيهوش ممكن دا، فيه هيحصل، هتسجليني my soul كمان، لان انا هكون روحك اللي متقدريش تعيشي من غيرها، زيي بالظبط
So far, so good?
_ طموح
رد في ثقة وابتسامة صغيرة:
_ ومشكلتي الأزلية، إني لازم أحقق ما أطمح له
_ قولتلك ميت مرة، في فرق بين الأشياء والبني آدمين!
_ وإيه المشكلة يعني؟
ايه المشكلة لو كنت بطمح وبتعب علشان اوصل لقلبك ولا انتي خايفة تخسري؟
خايفة يجي اليوم اللي تقعي فيه في حبي ومتبقيش قادرة تقومي صح؟
قالت لتغيظه وهي تضع هاتفه في يده في نفس الوقت:
_ لا، لان اليوم دا في أحلامك وبس
ثم ابتعدت كي تكمل باقي التجهيزات الأخيرة.
سكت قليلًا يفكر في كلامها... ثم علق:
_ عامة مش هتعرفي تحبطيني، انا مؤمن بنفسي وبقدراتي وشايف أن فيه تطور حتى لو بسيط، حتى لو إنتي بتنكريه، حتى لو شيفاه ومش عايزة تعترفي، يكفي إن أنا واخد بالي منه كويس أوي.
ثم غمز لها وتابع وهو يعود لمتابعة ما كان يفعل:
_ هتوقعي يا بطاطا، مصير نار الحب تشويكي، زي ما هي شوياني كدا بالظبط
_ بعد الشر عليا من الشوي يا مجنون
ضحك بصوت عالي نسبيًا ثم رد:
_ مش هقول آمين.. للعلم احنا هنرجع من السفر على الشغل علطول، بابا جايب آخره مننا
_ ما انا علشان كدا قولتلك بلاش نسافر من الأول!
_ عادي بقا، سافرنا وانبسطنا وخلاص، بس هنرجع على الشغل، بقول علشان متلبسيش كاجوال.
يلا انا كدا خلصت، وانتي؟
_ انا كمان خلصت يلا
************
بدأت أسيل تتقلب في سريرها، معلنة استيقاظها من النوم.
وحينها خرج حسان من المرحاض وقال لها في ابتسامة عريضة بمجرد أن لمحها وهي تستيقظ:
_ صباح الخير يا روح قلبي
هزت رأسها بابتسامة صغيرة ثم ردت:
_ صباح النور
ثم قامت وبدأت تتجه نحو المرحاض.
تبع أثرها وهو لا يزال يبتسم.. وعقب مرور دقيقتين على الأقل، سمع صوت الباب يُطرق من قِبل أحدهم وعليه فتحه وأخذ منها صنية الطعام وشكرها، ثم غلق الباب ووضع الصنية على الطاولة ثم حمل الطاولة ووضعها أمام السرير.
وعندما خرجت قال لها:
_ يلا يا جميلتي، تعالي الفطار جاهز اهو، طلبت منهم يجبولي الفطار هنا على الاوضة النهاردة.. قلت نفطر مع بعض
هزت رأسها موافقة وبدأت تتحرك حتى جلست على السرير فجاورها وبدأ يأخذ الطعام ويضعه في فمها.. في الأول ترددت ثم بعدها تناولت من يده في صمت.
قالت له عقب قليل:
_ كل انت بقا، انا هاكل لوحدي، انت كدا ماكلتش وكدا هنتأخر على الشغل
هز رأسه موافقًا وبدأ يتناول هو وهي الأخرى بدأت تطعم نفسها.
قال لها أثناء الطعام:
_ انتي مش متخيلة انا مبسوط ازاي والله، مش قادر أصدق حتى.. دا بعد الصبر جبر بصحيح!
كانت تمضغ الطعام في ضيق وكأنها ترغب في بصقه وقالت بعدما ابتلعت:
_ اجبر بخاطري انت بقا، واشتغل حلو واسمع كلامي علشان يبقى لينا قيمة في القصر دا، انت يبقى زيك زي اخواتك وانا اتساوى ببنات السلاب وأكتر
_ أكيد يا روحي انتي تؤمري.. انا مركز والله وبعمل اللي انتي عايزاه
_ سمعت كلام بس لسه مش متأكدة، سمعت انهم هيفتحوا قسم جديد في الشركة، لازم لازم تبقى انت مديره بقا!
_ هيكون قسم إيه؟
_ لسه معنديش معلومات صدقني، بس ايا كان يعني، لازم تبقى انت مديره وفهم ابوك كدا
تنهدت ثم وضعت يدها على خده تلمس بأصابعها لحيته، وكان هو ينظر إليها في عدم تصديق.. لا يصدق انها تفعل ذلك وعلاوة على ذلك، كان فرِحًا للغاية، وقالت في ابتسامة:
_ اسمع، لو سمعت كلامي وعملت لي اللي انا نفسي فيه ونصرتني على الكل وعلى اي حد يجي عليا، زي ما جياد اخوك بيعمل مع هانيا ويزيد بيعمل مع روني، اوعدك ما هتشوف مني إلا الدلع والهشتكة، وهتكون حياتنا كلها، عبارة عن أكل ومرعى وقلة صانعة، ودلع وحب وهنودع النكد وننسى الشهور العجاف اللي عيشتهملك.. أما لو دايقتني وعصبتني ها...
قاطعها قائلًا:
_ لا لا ولزمته إيه التهديد دا!
احنا زي الفل كدا، طلباتك أوامر من هنا ورايح يا ملكة
ابتسمت بشكل أوسع وربتت مرات على خده في حنان وقالت:
_ شاطر يا حسان.. اهو كدا هنعمّر وهنجيب أولاد وهتبقى اب زي ما نفسك... اعملي اللي نفسي فيه، وانا اعملك اللي نفسك فيه، وهي الحياة كدا، خد وهات
هز رأسه موافقًا وهو يبتسم بشكل واسع، ثم التقط يدها الموضوعة على خده وبدأ يُقبل باطنها ورد:
_ حاضر، اللي تشوفيه.. كل اللي انتي عايزاه هيحصل وزيادة يا روح قلبي.. هعمل كل حاجة علشان تثقي فيا وتسمحيلي أكون أب لأولادك
ابتسمت ثم شدته إلى صدرها لتضمه، وحينها كان يشعر بالفرحة والسعادة المبالغ فيها وهو داخل حضنها.
وتوعدت أثناء ضمتها له:
" ولسه.. ولسه انتوا مشفتوش حاجة مني يا بنات السلاب.. وبالذات انتي يا روني يا حيوانة انتي "
***********
كان الشيخ يجلس على مائدة الفطار، وقد لاحظ الفراغ الذي تركوه أولاده، فقال في استغراب:
_ الله!
اومال فين يزيد و روني و حسان واسيل؟
ردت عبير قائلة:
_ يزيد قال هيبات هو ومراته برا القصر وهيجوا النهاردة بليل، وحسان طلب يفطر النهاردة مع مراته في اوضتهم، وجياد لسه مرجعش زي ما انت عارف، وفضّوا البيت من عليا
_ ربنا يجمعنا ببعض قريب..
ثم نظر إلى فاطيمة وسألها:
_ هو باسم بقالي كتير مش بشوفه معانا على الأكل ليه؟
_ قاعد في شقته، مرتاح لوحده اكتر
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ انا شبعت، سفرة دايمة
التفتت فاطيمة نحو كاميليا والتي كانت تتناول الطعام وقالت لها:
_ مفيش فايدة يا كوكي؟
مش هتتنازلي عن موضوع الطلاق دا خالص؟
لتعلق عبير متفقة:
_ قوليلها، عايزة تشلّني هي وابوها.. بقا اللي متجوزة أمجد ابن عبدالعزيز باشا الكبير صاحب الحسب والنسب، عايزة تطلق، واللي متجوزة شهاب ابن سحر، الشحات متعلقة بيه وحامل منه وقاعدة بتنظم لي حفلة لتحديد نوع الجنين والخيبة!
بناتي دول، عايزين يجلطوني
لم ترد كاميليا عليهما سوى بحركة واحدة وهي انها قامت وقالت:
_ شبعت، لازم امشي علشان متأخرش على الشغل، عن اذنكم
وبعدما ذهبت، قالت عبير لفاطيمة:
_ شايفة.. شايفة اللي انا فيه يا فاطيمة؟
وبسألهم في ايه وطلاق ليه، ساكتة هي وابوها ولا عايزين يقولوا، هو يقولي أسألي بنتك وهي تقوم وتسبنا وتهرب كل ما أسألها في إيه
_ معلش، هو شيطان ودخل بينهم.. حليمة رجعت الفيلا وهتتكلم مع أمجد وأكيد هتفهم في إيه وربنا يصلح الأمور بينهم من عنده ولا يحصل طلاق ولا حاجة ان شاء الله
_ يارب يا فاطيمة يارب.. انا مصدقت انها اتجوزت، دي فضلت سنين مانعة نفسها عن الجواز والرجالة كلها ومصدقنا عقدتها اتفكت، وقاعدة مستنية طفلها، علشان اطمن عليها وعلى مستقبلها، في الآخر تقول هتطلق؟
_ ربنا هيهديها ان شاء الله وهيهدي النفوس بينهم، هي حليمة هتتكلم مع ابنها ومش هتسمح له، اختي وانا عرفاها، حليمة عارفة كويس ومتأكدة كمان، ان أمجد مهما لف ودار وراح وجيه، ما هيلاقي زي كاميليا، وكمان كاميليا لازم تعرف حاجة زي كدا، هو أمجد دا شوية؟
دا على رأيك ابن حسب ونسب، وابن عمتها، وشاب وسيم وطول وعرض، ناقصه إيه أمجد يعني؟
_ ما انا علشان كدا هتجنن يا فاطيمة هتجنن وافهم ليه كدا
ردت الأخرى في خبث:
_ حاجات غريبة بصراحة كدا عمالة تحصل يا عبير هانم.. خير ان شاء الله، يارب متبقاش تتبعات السحر والاعمال السودا اللي بيعملوها بنات السلاب، اللهم احفظنا، شغلي دايما الرقية الشرعية في القصر وسورة البقرة، تتبعات الأعمال دي مأثرة على الكل ومخلية الجو العام للقصر مش ألطف حاجة، الكل بقا مخنوق ومأريف، استرها علينا يارب
ردت الأخرى في خضة:
_ تفتكري يا فاطيمة؟
_ ايوا افتكر ونص.. احنا من امتى واحنا الجو العام عندنا مقرف كدا؟ من امتى وكل المشاكل دي والضيق دا بقا مستحوذ علينا بالطريقة دي؟
كله من بنات السلاب.. من ساعة ما رجليهم داست عتبة القصر، واحنا المشاكل مش عايزة تسيبنا في حالنا، يا حفيظ منهم ومن اللي بيعملوه، ما انتي عارفة امهم كويس، والمثل يقولك ادي الاربة على فمّها، تطلع البت لأمها
_ متفكرنيش بحورية وطمع حورية وقرف حورية... دي الولية كانت بتطمع فينا عيني عينك كدا وتقعد تعد علينا النعم، قُطعها وقطع سيرتها، كانت جيرة زبالة، الحمدلله ان ربنا خلصنا منها ونقلنا وبعدنا عنها وعن جوزها وش الفقر دا.. مش عارفة بجد، الشيخ طول عمره ذكي وقاري الناس، مش عارفة ماله خاب كدا ليه في مجدي ومراته ومقدرش يقرأ الطمع والجشع والحسد اللي في عيونهم تجاهه، لا وكمان ايه رايح يناسبه ويديله ٣ من ولادنا لبناته اللي ما يتسموا!
_ معلش يا عبير ياختي، بكرة السحر يتفك والغشاوة اللي على عينه تختفي ويدرك الحقيقة
_ هستنى قد ايه؟
اما البنات دي تنهب مننا كل حاجة؟
ولا لما مجدي يسرق شقا وتعب جوزي؟
_ لا دا ولا دا.. الحل عندنا دايما، زي ما عودناكي، اوعي تخافي لا انا ولا حليمة ولا أولادنا حتى، هنسيبكم تضيعوا كدا واللي يسوى واللي ميسواش يستغل فيكم!
مهما كان دا اخونا، ومحدش هيخاف على اخونا وحاله وماله، قدنا.
_ ايوا يا فاطيمة يا حبيبتي، دا العشم بردو، احنا في الأول وفي الآخر عايلة
ردت في ابتسامة وكذلك اكتفت فاطيمة بالرد بنفس الابتسامة..
**********
وفي فيلا عبدالعزيز باشا الكبير، وداخل غرفته خصيصًا، كان ممددًا على السرير كالعادة، وحوله يجلس كلًا من حليمة زوجته وولديه[ أمجد ورهف ]
قال السيد يسأل ابنه، بعدما أخبرته حليمة بما يريد فعله:
_ ليه يا ابني يا حبيبي عايز تطلق مراتك؟
عملت إيه يعني؟
زفر الشاب في ملل، ثم رد:
_ بابا انا فعلا تعبت من السيرة دي!
قلت ميت مرة، هي اللي طالبة الطلاق مش أنا!
_ طب ماهو يا ابني أكيد لسبب، هو في واحدة عاقلة في الدنيا وبالذات بعقل ورزانة كاميليا، هتطلب الطلاق كدا من باب للطاق؟
_ ماشي هي عندها أسبابها وخلاص مفيش داعي اني اقولها
علقت أمه قائلة في غضب:
_ لا فيه داعي انك تقولها، قولنا يلا مراتك عايزة تطلق لي؟
_ مش هقول وانتي مش هتقدري تجبريني ولا هتعرفي تطلعي الكلام من بؤي بالعافية، ماشي؟
قال الوالد بنبرة حاسمة جامدة:
_ أمجد!
احترم نفسك، دي والدتك يا ولد!
وقف الشاب وقال في نبرة حادة:
_ اولا انا مش ولد، انا راجل، ثانيا بقا سواء والدتي.. والدي، ايا كان ايه، محدش له حق يدخل في حياتي، انا حر، انا مش في كجي علشان تقولي اعمل ايه ومتعملش ايه، خلاص انا ومراتي اختلفنا ومش عارفين نتفق تاني وعايزين نخرج بالمعروف زي ما دخلنا بالمعروف، في إيه بقا مالكم؟
رد والده في أسف عليه:
_ يا خسارة يا أمجد، يا خسارة تربيتي فيك.. احنا لو بنكلمك دلوقتي، فاحنا بنوّعيك علشان متخربش بيتك بايدك وتسيب كاميليا بنت الاصول والحسب والنسب وبعدها ترجع تندم عليها بعد فوات الأوان.
مراتك دي يا ابني، مجاش ولا هيجي زيها، حرام عليك والله كدا و...
قاطعه قائلًا:
_ ثواني يا بابا معلش، باسم بيرن عليا هرد عليه.. اصلا دا وقت شغل والمفروض امشي، مش وقت كاميليا دا خالص يعني
استقبل المكالمة قائلًا:
_ إيه يا باسم؟
انت تحت؟
طيب انا جاي اهو
ابتسمت رهف وقالت:
_ هو تحت؟
هنزل اشوفه
ليقول والدها في سرعة:
_ لا يا رهف، استني عايز اتكلم معاكي متمشيش
_ هسلم على خطيبي بس
_ مش وقته سلام، هما متأخرين على الشغل، سبيهم وخليكي عايز اتكلم معاكي
هزت رأسها موافقة في ضيق ولم تذهب، بينما أمجد خرج من الغرفة وتبعته والدته والتي بدأت تتحدث في صوت عالي وهي تنزل خلفه من على السلم:
_ بردو مش هطلق كاميليا يا أمجد.. ولينا قاعدة تانية، وهفهم هو في إيه وإيه اللي وصل الأمور لهنا
رد الشاب وهو ينزل الدرج بسرعة:
_ ملكيش دعوة، أما يكون الأمر يخصك ابقي اتكلمي فيه.
_ والله لهوريك، علشان تبقى تتكلم بالأسلوب القذر دا معايا تاني يا حيوان انت، وبردو مش هطلق مراتك
اجاب بعدما انتهى من نزول الدرج وبدأ يسير حتى الخروج:
_ مع نفسك يا ماما، سبق وقولتلك انا مش أسيل، مش هتعرفي تمشيني على كيفك، انا مش عيل معاكي، هعمل اللي انا عايزه وانا حر
توقفت عن الركض خلفه وصاحت في صوت عالي بينما تراه يخرج من باب الفيلا:
_ لا مش حر، أما تخربلي كل حاجة خططتها تبقى مش حر، ومش هطلق كاميليا يا أمجد يعني مش هطلقها والا لا هبقى امك ولا اعرفك
توقف عند الباب لحظة بعدما سمعها تلفظ تلك الجملة.. ثم استدار نحوها، نظر إليها نظرة مليئة بالبرود، خالية من أي مشاعر وقال في هدوء:
_ من ساعة ما خسرت ماهي، وانا مبقتش اتأثر
ثم خرج في الحال، ليتركها غاضبة حانقة في الخلفية عاجزة عن فعل أي شيء.
خرج لصاحبه ولاحظ باسم ذلك الضيق الذي على ملامح وجهه وعليه سأله:
_ في إيه يا أمجد مالك؟
_ مفيش فكك، دي عايلة تجيب النكد
_ علشان موضوع كاميليا بردو؟
_ ايوا علشان نفس الموضوع، مش فاهم انا مالهم ومالي بجد!
خلاص بقا انا كبير كفاية اقرر وهي كمان قررت وخلصنا!
ابتسم باسم وقال ساخرًا:
_ هو علشان كاميليا يعني؟
أكيد لا
دا كله علشان خاطر، ابو كاميليا وفلوس كاميليا وفلوس ابو كاميليا.. دي لو واحدة غيرها ماكنوش اهتموا اوي كدا بيها اساسا
_ سيبك منهم، كدا كدا هطلقها يعني هطلقها
_ مش عارف اصرارك الرهيب دا، انت ليه محسسني انك هتعرف تتجوز ماهي؟
رد في ضيق:
_ انت بتحبطني ليه يا باسم بجد!
انا بحب ماهي يا أخي جدا ومش عارف اتأقلم بدونها!
_ والله!
يعني انت عندك فكر كدا في دماغك، بيقول انك في يوم هتتجوز ماهي صح؟
تنهد الشاب ورد:
_ انت لو بتحب زيي ونفس الدرجة دي، كان زمانك فاهم كلامي، انما انت معندكش دم ولا بتحس اساسا، انت جامد زي الحجر، سوري يعني لو جرحتك في مشاعرك، بس دي الحقيقة يا باسم!
ابتسم باسم ابتسامة غرضها السخرية ثم رد:
_ مشاعري؟!
يا راجل قول كلام غير دا.
من ١٤ سنة فاتوا، حطيت مشاعري في مكان كدا مش فاكره، ومن ساعتها وانا مش لاقيها
ثم تابع وهو يضع يده على كتفه من الخلف:
_ يلا يلا يا أمجد خلينا نلحق الشغل، اتأخرنا اوي
ثم ركبا السيارة وانطلق باسم حيث كان هو من يقود.
وفي الأعلى عند عبدالعزيز باشا، داخل غرفته، سألته ابنته قائلة:
_ نعم يا بابا، حضرتك كنت عايزني في إيه؟
رد وهو يشير باصبعه:
_ تعالي يا رهف، اقعدي على السرير قصادي هنا يا حبيبتي
سمعت له الفتاة وبالفعل جلست بالشكل الذي أراده، فقال:
_ عاملة إيه مع خطيبك؟
_ يعني الحمدلله، علاقتنا كويسة ومستنيين اتخرج علشان نتجوز ان شاء الله
تنهد ورد:
_ عارفة اللي خلاني أوافق على باسم إيه؟
_ إيه؟
_ لهفتك عليه.. قلت اسيبك تكتشفي جوهره وبعدها انتي اللي هتسبيه بنفسك، بس يظهر ان باسم عمال يلمّع في نفسه قصادك ومخبي بلاويه على قد ما ربنا يقدره
ردت في استغراب:
_ بابا انا مش فاهمة حاجة، من فضلك وضح لي
_ زمان، قبل ما انام النومة دي، كنت عارف كويس اوي كل واحد من عيال قرايبك، سواء خالك او خالتك، هيبقوا عاملين ازاي بعد كدا.. اصلها بذرة والأهل هما اللي بيزرعوها وفي النهاية هما اللي بيحصدوها، بس للأسف لو كانت بذرة فاسدة، مش بس بضر الاهل لوحدهم، بضر مجتمع كامل.
تنهد وتابع:
_ خليني اوضح لك أكتر.. وعلشان تتأكدي بنفسك، ما انتي اللي عرفاهم، خليني اعرفك على ولاد خالك، الشيخ عبدالله وقوليلي صح كلامي ولا غلط.
فاتح، دا هتلاقيه الهدوء و الرزانة والعقل والحكمة، وارث كل حاجة حلوة من الشيخ سواء جينات او الشيخ نفسه اكتسبها مع الوقت لانه علمها لفاتح بكل حب وتعب عليه جدا لانه ابنه الكبير وكان ولا زال دراعه اليمين في كل حاجة.
حسان، دا أطيب واحد في عياله كلهم، على نياته ويضحك عليه بسرعة وعنده صفات طفولية كدا نقية لسه متلوستش، شاب في حاله وماشي جمب الحيط ويتحب جدا لانه انسان ابيض ونقي زي المياة المفلترة.
كاميليا، ودي نسخة فاتح الانثوية، عقل وحكمة واخلاص وذكاء واحتواء.. عندها كل المقومات اللي تخليها ست أصيلة وتبني بيت وتأسس أسرة
يزيد، ودا اللي انا بشوفه الشيء ونقيضه، يزيد طيب بس مش على نياته، لا مدقق، هادي جدا وعصبي جدا، ذكي جدا، واحيانا بيبقى غبي جدا، مخلص اوي ووفي لابعد حد وعلشان كدا بيثق في اللي بيحبهم بسرعة، لان اللي في طبعه الاخلاص والوفاء للي بيحبهم، صعب يشك فيهم اصلا.
اجتماعي وانطوائي، حرفيا الولد دا اكتر واحد فيه الصفة والنقيض علطول، بس اللي بيميزه أكتر حاجة، انه محبوب، بيتحب بسرعة من اللي حواليه وبيثقوا فيه بسرعة بردو.
جياد، دا بقا كارثة الشيخ الحقيقية، هو نسخة مصغرة منه، بس اما الشيخ كبر ربنا هداه، بس جياد لا.
يعني عبدالله زمان كان عصبي جدا ومتسلط ومسيطر وكلامه هو اللي لازم يمشي واقل حاجة يزعق، بس مع الوقت كبر وبقا كبير سنا ومقاما وبدأت صفاته دي تختفي وبدأ يحاول انه يسيطر عليها بكل الطرق بس لسه أثرها موجود.
جياد هو الشيخ عبدالله بالظبط في الشباب، ذكي اجتماعيا جدا وعاطفيا كمان، شاطر و طموح جدا وعصبي اوي واحيانا مخيف.. قلبه أبيض واضح
ماهي، خليني اقول ان دي نسخة جياد الانثوية في كل حاجة، وضيفي عليهم الدلع والرقة.. هي انثى اوي بس طايشة وطقة ومجنونة ويطلع منها اي حاجة في اي وقت، وعلشان كدا لفتت انتباه اخوكي.. تقريبا هي نوعه، انما عقل ورزانة كاميليا مش جوه.
ها؟ قولتلك صح مش كدا؟ ولا حد فيهم اتغير؟
سكتت قليلًا... ثم ردت:
_ لا مظبوط بنسبة كبيرة هما زي ما هما
_ طب كويس، نيجي لخطيبك بقا.. باسم شاطر اوي وذكي جدا وطموح لابعد حد وحقيقي حقيقي عنده كل المقومات اللي تخليه شاب جذاب لأي بنت، بس جواه مش زي اللي برا
_ ليه يا بابا بس بتقول عليه كدا؟
هو عصبي شوية بس، انما اما بيهدى بيكون كويس والله
_ باسم اتربى بطريقة مختلفة عننا كلنا.
انتي خلاص بقيتي كبيرة ولازم تفهمي كل حاجة
_ افهم ايه؟
_ تفهمي ان عواد الشمري ابو باسم، اتربى في اوروبا وعاش حياته كلها هناك واما أتقدم لخالتك، امها، جدتك يعني، رفضت وحتى اخوها رفض، بس هي أصرت وقالت انه وسيم وعنده فلوس وهي دي أهم حاجه عندها، واتجوزته فعلا.. محدش عارف كام مرة الراجل دا خانها من كترهم.
كنت بسمعه بنفسي وبشوفه بعنيا وهو بيفهم ابنه حاجات غلط، مش مقبولة اجتماعيا بالنسبالنا، واما كنت بقوله بلاش كدا، كان يقولي انتوا اللي شوية متخلفين، دول عالم تالت مش فاهمين حاجة، سبني اربي ابني زي الغرب، هما اللي بيفهموا وهما بلاد التحضر والرقي.
وياما خالتك شكت انه بيخونها وياما كان بينها وبين انها تعرف الحقيقة، مفيش، بس هي اللي كانت بتتجاهل وبطنش علشان متطلبش الطلاق وتعيش في نعيمه وتفضل غرقانة في فلوسه.
_ ايوا وباسم ماله يا بابا بدا كله؟
_ يا بنتي، باسم زرعة ابوه وامه، هيطلع إيه يعني؟
_ تقصد انه هيخوني بعد الجواز؟
_ بنسبة كبيرة لانه مترباش على ان دي خيانة اصلا، بيشوفها نزوة عادي زي ما ابوه كان بيقول
هزت رأسها رافضة ثم ردت في دفاع:
_ لا يا بابا لا، باسم مش كدا، انت مش عارفه كويس، هو بيحبني ومستحيل يعمل فيا كدا.
اصلا مش بيحب باباه ودايما بيغلط فيه، أكيد مش هيقلد واحد بيكرهه وبيكره تصرفاته يعني!
_ غصب عنه بشكل لاواعي
_ لا لا بردو لا
_ وبعدين معاكي؟
هو انا مش قعدت حللت لك صفات ولاد الشيخ كلهم وقولتيلي صح يا بابا؟
اشمعنى دا يعني؟
_ علشان باسم مش كدا، حرام عليك بلاش تظلمه.
ماشي هو بيتعصب شوية، بيزعق، بيزعل مني.. احيانا بيتقمص ويفضل كتير مش بيكلمني، بس عمره ما يخوني ابدا عمره، هو بيحبني ومش هيعمل فيا كدا
زفر في ضيق وقال:
_ رهف، ركزي بقا، قولتلك، الشاب دا صفاته مش كويسة وكنت بحس كتير انه حقود ومغلول و...
قاطعته قائلة في نبرة اقرب للبكاء:
_ بابا ارجوك متتكلمش عنه كدا، ارجوك، هو باباه اللي ماكنش كويس انما باسم لا، باسم كويس وبيحبني وهنتجوز ومش هتجوز غيره لاني بموت فيه أساسا
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا بنتي، يا بنتي اسمعي مني، انا ابوكي وخايف عليكي
_ لا، لا بردو مش هسيبه ومش هصدق حاجة من الكلام دا
_ ماشي، بس على الأقل متتجاهليش كلامي وركزي معاه، ركزي معاه اوي وبلاش الثقة دي وصدقيني هتكتشفي بلاوي وهتنقذي نفسك من جنازة على شكل جوازة
_ اركز معاه ازاي؟
اعمل إيه يعني؟
_ هقولك انا تعملي ايه، من غير ما يلاحظ ولا ياخد باله، بس قبل اي حاجه افتكري اني معاكي وخايف عليكي، وبلاش ترمي نفسك للتهلكة بايدك
**************
هبطت الطائرة التي بها جياد وزوجته مطار القاهرة، وركبا السيارة منذ وقت وها هما بالقرب من الشركة، على وشك أن يصلا، كان جياد يقود والصمت يعم المكان، حتى قالت هانيا له:
_ جياد ممكن اطلب منك طلب؟
_ اه ممكن طبعا
_ ممكن تدي السلسلة والخاتم بتوعي لشهاب؟
التفت إليها سريعًا ينظر لها في غيظ، فتابعت:
_ يعني هما دهب وهو أولى بسعرهم، بعد اذنك، دي هديته وهو أحق بيها.. هو مش زيك المبلغ دا مش هيكون فارق له مثلا، بالعكس كان مشتريهم من ٣ سنين تقريبا، فأكيد سعرهم هيعلى دلوقتي وهيستفاد بيه.
زفر على مهل، ثم هز رأسه موافقًا ولم يعلق بأي كلمة، فهو لم يكن يريد أن يفعل ذلك، كان يود أن يحرقهما ليتخلص منهما وحسب.
وصلا الشركة، وصف سيارته وخرج هو وزوجته وترجلا معًا حتى دخلا الشركة.
وبينما هما في الممر يسيران، قابلتهما السكرتيرة الخاصة بجياد وقالت له:
_ مستر جياد، كويس اني لقيتك، مستر مجدي السلاب قالي اول ما اشوف حضرتك، أبلغك بان فيه اجتماع معاه في ال meeting room
_ دلوقتي؟
_ اه اه هو كان عنده علم ان حضرتك على وصول
هز رأسه موافقًا ثم قال لزوجته:
_ روحي انتي يا هانيا استنيني في الروم وانا جاي
كان قد أرسل ملابسهم واشيائهم إلى القصر، واستثنى منهم السلسلة والخاتم واللذان كان يضعهما داخل حقيبة بلاستيك.
اتجه صوب مكتب شهاب ودخل دون أن يطرق الباب واقترب منه حتى وصل أمام الطاولة وفي صمت وضع الحقيبة البلاستيكية فوقها وقال:
_ زبالتك
ثم انصرف.
كان شهاب حانقًا منه ومن طريقته.
فتح الحقيبة ليرى ما بها، فوجد السلسلة والخاتم خاصته وهنالِك تذكر اليوم الذي أعطى لها السلسلة فيه..
قبل ثلاث سنوات
قال لها وهما معًا في شرم الشيخ، أمام البحر عند الغروب:
_ غمضي عينك
_ اشمعنى؟
_ غمضي بس يلا
اغمضت بالفعل وعقب دقيقة قال لها:
_ بس فتحي
وبمجرد أن فتحت عيناها، وجدت تلك السلسلة موضوعة على باطن يده، وفي يده الأخرى العلبة الخاصة بها، أخذت تقفز في فرحة وهي تقول في ضحكات عالية:
_ يالهوي على التحفة يا شهاب بجد يالهوي يالهوي، ايه الجمال دا كله
ضحك من طريقتها الطفولية تلك والتي دائمًا ما تعبر بها عن حبها له وسعادتها معه، وقال:
_ بجد عجبتك؟
مدت يدها لتأخذها منه وهي تقول:
_ يا حبيب قلبي انت اي حاجة منك عندي بالدنيا اقسم بالله
رد في ابتسامة:
_ بموت فيكي.. خليني ألبسهالك بقا
اعطتها له ووقف هو خلفها وبدأ بوضع السلسلة حول رقبتها وقال وهو يغلقها:
_ متتقلعش بقا، دهب اهي مش هتبوظ رقبتك، وكمان عليها اول حرفين من اسمي، مما يدل على انك بتاعتي، انتي بتاعة شهاب وبس
غلقها وبدأت هي بفتح هاتفها لتراها وهي على رقبتها وقالت وهي تنظر إلى نفسها بكاميرا الهاتف الأمامية:
_ خطيرة بجد يا حبيبي، خلي ال sh ظاهرين كدا للكل، انا بتاعتك وبس ومحدش يقدر ياخدني منك....
ولم يعكر صفو اللحظة، سوى دخول ماهي والتي لاحظت ما في يده، خرج عن شروده، وهو ينظر لها وقالت هي سريعًا في ابتسامة وهي تقترب منه:
_ إيه دا يا روحي؟
ثم سحبت السلسة من يده وقالت وهي تتطلع إليها:
_ الله يا شهاب، دي جميلة اوي يا حبيبي، انت جايبهالي وعملهالي مفاجأة؟
انا حرقت لك المفاجأة صح؟
رد في ابتسامة بها القليل من التوتر:
_ اه يا حبيبتي، إيه رأيك فيها؟
_ دي تحفة.. وكمان عليها اول حرفين من اسمك.. خلي العالم كله يعرف اني مراتك واخصك انت وبس
بدأت معالم التبسم تختفي تدريجيًا من على شفتيه، فإن جملتها كانت أقرب لجملة هانيا وقتها.
اعطتها له ثم استدارت وهي تقول:
_ يلا لبسهالي بقا
_ هتلبسيها دلوقتي؟
_ اه ومش هقلعها من رقبتي ابدا، دا يكفي انها منك وعلى حروف اسمك
وبالفعل أمسك بالسلسلة وبدأ يضعها حول عنقها ثم غلقها، التفتت له وهي تبتسم ثم وضعت قبلة صغيرة على خده وقالت في فرحة:
_ Thank you يا روحي
ثم نظرت إلى طاولة المكتب فلاحظت سريعًا وجود الحقيبة البلاستيكية فقالت وهي تمد يدها لتأخذها:
_ في إيه هنا؟
منعها سريعًا من أخذها فأخذها هو الأول وقال:
_ ولا أي حاجة هنا، دي زبالة يا روحي
ثم حملها والقاها في صندوق القمامة الذي كان بجوار كرسيه بقليل.
وما منعه من أن يعطيها الخاتم، هو أنه كان خاتمًا خاصًا بالخطبة فإن رأته ستشك بالأمر، وستتأكد أنه لم يكن لها وان السلسلة أيضًا ليست لها، لذا ألقاه بعيدًا كي لا تحزن إذا علمت الحقيقة.
قالت له في ابتسامة:
_ ايه رأيك؟
السلسلة حلوة على رقبتي؟
_ تحفة يا روحي والله
_ تسلم إيدك يا حبيبي، بجد فرحتني جدا بيها
_ المهم انها عجبتك
_ اه عجبتني جدا، لانك اللي جايبهالي بس.
المهم قبل ما أنسى، كنت عايزة اقولك انه في دلوقتي meeting يلا على الروم
_ مع الشيخ؟
_ لا مع مجدي السلاب
_ يوه بقا، تاني الراجل دا؟
_ معلش يا حبيبي تاني وتالت وعاشر، دا مساعد رئيس مجلس الإدارة يعني!
هز رأسه موافقًا وقال:
_ طب اسبقيني انتي، وانا جاي وراكي
وافقت ثم خرجت، وعقب خروجها بالضبط، اخرج الحقيبة البلاستيكية التي بها الخاتم من صندوق القمامة ثم خبأه في الدرج الخاص به وغلقه بالمفتاح.
ثم تحرك نحو الخارج.
فتحت ماهي باب غرفة الاجتماعات ودخلت وكانت هانيا تجلس هناك بالفعل هي وزوجها.
وبمجرد أن دخلت، لاحظت هانيا وجود السلسلة حول رقبتها وعليه تضايقت للغاية وشعرت بالغيرة المباغتة، فهي سلسلتها الخاصة بها.
وحينها لاحظ جياد السلسلة أيضًا وعليه ألقى نظرة سريعة نحو زوجته ليفهم من ملامح وجهها، أرأت السلسلة على رقبة أخته أم ماذا، ولكنها بمجرد أن نظر إليها، تصنعت أنها مشغولة في ترتيب الأوراق والأشياء أمامها استعدادًا للاجتماع.
دخل شهاب أيضًا وبدأ يتحرك حتى سحب الكرسي وجلس بجوار زوجته.
ومن بين الحين والآخر، كانت هانيا ترمي رقبة ماهي بنظرات مليئة بالغيظ، تود أن تقتلع السلسلة من رقبتها بيدها الآن.. فإن تلك السلسلة هي سلسلتها.
ولاحظت ماهي نظرات هانيا تلك فقالت لها في ابتسامة:
_ عجبتك السلسلة بتاعتي؟
حينها نظر جياد إلى هانيا، نظرة مليئة بالغيظ، أما شهاب فابتسم ابتسامة صغيرة هادئة وهو ينظر إلى الأوراق الموضوعة أمامه، وردت هانيا في ابتسامة مصطعنة للغاية:
_ اه حلوة بصراحة.. جميلة
ردت الأخرى في ابتسامة:
_ كنت عارفة اساسا، ذوق جوزي حبيبي دايما جميل
ثم قالت لاخيها:
_ جياد، ابقى هات لهانيا سلسلة مكتوب عليها حرف ال " j "
تمتم الشاب في هدوء:
_ ألهمني الصبر يارب، بدل ما اقوم ادوّر الضرب فيهم كلهم
وحينها، دخل مجدي وهو يقول :
_ good evening
ليردوا عليه:
_ good evening
تقدم بخطوات ثابتة نحو الكرسي الخاص به التمركز وجلس عليه، وقال بمجرد أن جلس:
_ طيب علشان مضيعش وقتكم، خليني اقول المختصر المفيد للكل.. وقبل ما ابدأ، دي قرارات صادرة من رئيس مجلس الإدارة بنفسه ومتفق عليها وموقع كمان، يعني تنفيذها واجب والزامي
ثم تابع وهو يتطلع إلى الأوراق الموضوعة أمامه:
_ طبعا احنا عارفين ان شركتنا بتتوسع وفرعنا الجديد هيكون في تشيلي قريب ولسه ان شاء الله مكملين.
ولذلك الشغل الفترة دي زاد والضغط زاد وبقينا محتاجين سرعة وإنجاز.
كمان في قسم هنفتحه جديد ليه علاقة بالتسويق وكنا عايزين مكتب فاضي واسع للغرض دا..
نظر إلى ابنته وتابع:
_ فقررنا احنا الإدارة العليا للشركة، باننا نمنح مكتبك يا هانيا للقسم الجديد، وان مكانك يكون داخل مكتب مستر جياد الزيني، وبعد دراسة وتطلعات، لقينا ان مكتبه واسع جدا ونقدر نخليكي معاه وكمان دا هيفيد في سرعة انجاز العمل و هيقوي ويعزز ال creativity، فكونك مديرة أعماله، لقينا ان الفترة دي في عز الضغط اللي احنا فيه دا، انسب مكان لمكتبك هو داخل مكتب مستر جياد الزيني
تضايق شهاب وفي تلقائية رفع بصره نحو جياد والذي كان ينظر إليه أيضًا مبتسمًا، كأنه ينتظر نظرته تلك.
اغتاظت هانيا وعلقت في ضيق:
_ ايوا معلش بس ليه مكتبي انا؟
ليه مثلا مش مكتب شهاب؟
مش مكتب أسيل؟
مش مكتب روني؟
_ روني واسيل في قسم تاني غير قسمكم اصلا
_ تمام، ليه مش مكتب شهاب؟
_ قرار
_ قرار؟
قالتها في غيظ وهي تنظر إلى زوجها الجالس جوارها والذي تصنع أنه متفاجئًا بما يُقال، وقال بمجرد أن لاحظ أنها مسلطة بصرها عليه بطريقة غاضبة:
_ ودا يعني قرار من الشيخ صح؟
_ بالظبط ولو عايزين تبصوا وتطلعوا، اتفضلوا، الأوراق اهي
حينها نظر إلى زوجته الناظرة إليه وقال في نبرة بها اليأس المتصنع:
_ قرار من الشيخ!
قالت موجهة حديثها إلى والدها:
_ يعني انا مبقاش ليا مكتب اصلا؟
_ مكتب خاص منفصل لا، مكتبك جوا مكتب جياد، وعلى فكرة هو دا المكان الطبيعي لمكتب مدير الأعمال اصلا في شركتنا من زمان، لازم تبقي جنبه ومعاه وحاضرة كل اجتماعاته وعارفة قراراته وبتتناقشوا فيها طول الوقت، ولسه جاري المناقشة وممكن يتم سحب مكتب شهاب كمان ويبقى مع ماهي
نظر إليه شهاب في ضيق ثم قال:
_ متفضلش بس تقول قرار الشيخ، قرار الشيخ وانت تلقاك اللي اقنعته بعد ما جياد اداك الاوردر.
ملكوش دعوة بمكتبي احسنلكم
رد مجدي عليه بنبرة حاسمة:
_ طريقتك واسلوبك دول لو متغيروش معايا، هتزعل مني، احترم نفسك واحترم فرق السن بينا اولا ثم المنصب ثانيا، كل واحد في الشركة دي عبارة عن attitude لو معدلتهوش، موعدكش انك هتستمر في منصبك كتير
انهى كلامه ثم قام وقال:
_ القرار تنفيذه من النهاردة، حاجاتك هتبدأ تتحرك وتتنقل كلها لمكتب جياد ومكتبك هيتقفل.
عايزين سرعة في الأداء وانجاز ولازم تركزوا، انتوا التيم اللي مسؤول ان يوري تعب الشركة للعالم، فلازم كدا كدا creativity
حبيت بس اعرفكم المعلومات دي سريعا وباقي التفاصيل هتتبعت على الميل.
انهى كلامه ثم بدأ يتحرك ليخرج
قامت هانيا في غيظ ثم انصرفت في غضب بخطوات سريعة وفي سرعة خرجت ماهي أيضًا لتواكب عملها الكثير وكذلك قام جياد وسار من جانب كرسي شهاب وكان الشاب قد وقف ليخرج، فقال له في ابتسامة استفزازية:
_ مستنيك في مكتبي.. انا ومديرة أعمالي بقينا في مكتب واحد، قرار من رئيس مجلس الإدارة اهو.. لو مش عاجبك بقا، اشتكي علينا للأمم المتحدة، قولهم واء خدوا مكتب هانيا
رد عليه الشاب في قرف:
_ انت بني آدم سئيل وتقيل، ايه يا عم، خدت كل الصفات المقرفة اللي في العالم لوحدك؟
مسبتش صفة واحدة زبالة لغيرك؟
_ لا اصلي أناني بقا، بحب اخد كل حاجة لوحدي، بس متخافش المرادي سبتلك صفة.. الجربعة، انت جربوع وجعان، سبتلك دول اهو متزعلش
وأثناء سيره، قال له شهاب:
_ بكرة تشوف بعينك، الجربوع دا، هيقهرك ازاي
التفت له وقال في ابتسامة ونبرة هادئة:
_ مفيش جرابيع تقدر تقهر حد، لو كان عليك القيمة شوية صغيرين حتى قد كدا هو، كنت صدقت
ضحك شهاب عاليًا ثم رد:
_ وانت بقا مفكر إن أصحاب القيمة دول إيه؟
اللي بيهددوا وصوتهم دايما عالي وقال كدا فاكرين انهم بيخوفوا الناس؟
انت متعود إنك تكسب بالسلطة والفلوس والصوت العالي
إنما أنا..
أنا لما باخد حاجة... باخدها علشان صاحبها بنفسه بيبقى عايز يدهالي، ولو اخترت أكون مع حد، بيختارني هو كمان، مش بجبره عليا زيك وبقول إني كدا قيمة!
حاول جياد ألا يُستفز من كلامه بكل القوى وقال في هدوء:
_ بص يا شهاب... اللي زيك آخره يعمل دوشة، يتكلم وبس يعني، يقعد يقول هقهر وهعمل وهعمل.. انما انا مش بتكلم، انا بنفذ ..أنا بسيب اللي زيك يشوف بنفسه الفرق بيني وبينه، وانا بوصل لحاجات كان بيتمناها وعمره ما عرف يوصلها..
ثم أكمل بنبرة مستفزة هادئة:
_ فمتتعبش نفسك في الأحلام الكبيرة دي...
علشان أكبر إنجاز ممكن تعمله في حياتك، إنك تفضل واقف تبصلي من بعيد وتحاول تقنع نفسك إنك بتمثل عليا تهديد.
هنا تضايق شهاب لأنه ذكره بما فعله معه وكيف أخذ منه هانيا ولكنه حاول أن يضبط نفسه كي لا يظهرها له ثم نظر له من أعلى لأسفل باحتقار وقال:
_ وانت عامل زي واحد قاعد فوق جبل ومن الغرور، فاكر نفسه قوي...
ومش واخد باله إن أول هزة صغيرة كفاية اوي علشان توقعه وتدفنه تحت كل اللي بناه، لانك هش من جوا وعارف انك مش صاحب حق فعمال تبني في قلاع وحصون، لكن مع أول قرار حقيقي من صاحب الحق، هتنهار وهتبقى شبه عيل صغير تايه وسط الزحمة بيعيط ومش عارف يعمل إيه
اقترب أكثر وأكمل بنبرة منخفضة مستفزة:
_ فخليك ماسك في مكتب هانيا وقرارات مجلس الإدارة وفرحتك الصغيرة دي...
أصل اللي بيخاف يخسر، بيتعلق بأي هبل.
ثم ابتسم ابتسامة خبيثة واضاف:
_ وأنا وعد مني ليك...
هوريك اللي بتضحك عليه دا، ازاي هيخليك كل يوم تبص وراك مرعوب... مستني اللحظة اللي كل حاجة هتفلت من إيدك فيها.
رد جياد في ابتسامة:
_ صدقني معنديش وقت اكتر اضيعه في الكلام العبيط دا.. عندك فعل وريني وسيبك بقا من كلام أمك واخواتك البنات دا، لان شكل قعدتك معاهم، علمتك اللت والعجن، سيبك منهم بقا وشوف الرجالة بتعمل إيه..
سار بضع خطوات نحو الباب ثم أمسك بالمقبض والتفت إلى الشاب واضاف في نبرة وابتسامة مستفزة:
_ باستثناء الهربانة طبعا.
ثم خرج.
كان الشاب يقف مكانه مغتاظًا من ذلك القرار فهو لا يود أن يعمل داخل مكتبه ولا أن يرى وجهه اطلاقًا، وفي نفس الوقت استفزه للغاية عندما ذكر أخته وما حدث، فقد سخر منه وضربه في مقتل عند ذكر ذلك لذا ضرب الأرض بقدمه في غضب..
************
كانت روني تجلس على مكتبها تمسك بالهاتف واتصلت على اختها مايا حينها، ولما ردت عليها الفتاة قالت لها:
_ ازيك يا مايا
_ ايه روني يا حبيبتي ازيك
_ الحمدلله، بقولك
_ قوليلي
_ انا جبت عنوان بيت أهل ياسمين، هروح النهاردة بليل بعد الشغل، تيجي معايا؟
_ براحة بس علشان نسيت، مين ياسمين؟
_ ياسمين المحمدي، اللي سبق واتهمت يزيد بإنه اعتدى عليها وطلعت اتكلمت لايف وهربانة برا مصر
_ ايوا افتكرتها.. بس ليه؟
يعني ماخلاص، البوليس برأ يزيد لانها مرجعتش والناس كلها عرفت ان يزيد مظلوم، ليه عايزة تدوري وراها؟
_ علشان اعرف الجزء المفقود يا مايا.. ليه عملت كدا؟ ومين قالها؟ وايه علاقتها بأهلها وليه مش بيسألوا عليها، كل دي حاجات هتساعدنا نمسك ادلة على الحرابيق واولادهم العقارب
_ اتكلمتي مع جياد؟
_ لا لسه، ناوية اتكلم معاه بعد الحفلة، لان اساسا جياد وهانيا جم من السفر على هنا علطول
_ هتقولي ليزيد؟
_ لا، مش عايزة يزيد يعرف اي حاجة تخص باسم دلوقتي لانه مندفع وهيروح يواجهه ويزعق معاه وممكن التاني يكذب ويخرج من الموضوع بأي شكل ويهرب مننا بقا على برا البلد وحقي انا يضيع للأبد واموت مقهورة.. عايزة اما اعرّف يزيد، تبقى كل الأدلة والبراهين قدامه علشان يصدق ويسمع كلامي وميروحش يواجهه ويضيع حقي ونفسه قصاد مجرم زي دا
_ فهمتك، طيب هاجي معاكي، كدا كدا اتفقنا إننا هنكون مع بعض في أى حاجة... هتقولي ليزيد ايه وعايزاني اقول لفاتح إيه؟
تنهدت وردت:
_ هقوله اني رايحة متابعة معاكي عند الدكتور بخصوص الحمل وممكن نعمل كدا فعلا في الأول وبعدها نروح وانتي قولي لجوزك انك رايحة تعملي check تاني وكدا
_ طيب اتفقنا.. هكون جاهزة ومستنياكي
************
دخل جياد مكتبه، وبمجرد أن دخل، لاحظ وقوف هانيا في أحد الزوايا وهي ترتب أشيائها على المكتب الجديد والذي أصبح داخل مكتبه.. وبينما هي تحمل الاوراق و تلقيها بغيظ شديد على المكتب وتكرر تلك العملية، قال في ابتسامة لها:
_ ألا هُبّي بصحنِكِ فأصبِحينا
ولا تُبقي خُمورَ الأندرينا
توقفت عم كانت تفعل لثوان وردت في غيظ:
_ والله، وليك عين تتريق كمان
وبقوة ألقت الكتاب على المكتب.
فقال لها وهو يقترب:
_ لا، انا مش بتريق، انا بحاول اخفف الجو يعني لانك شكلك متعصبة وفيه فرق طبعا.. ثم إني حفظت المقطع دا بالعافية، بقالي بتاع اسبوع بحاول احفظه وانطقه صح زي ماهو بالتشكيل، علشان كل ما تتعصبي، أقولك إيه يا عم هاتي لنا الهدوء واهدي كدا وروّقي علينا وصب لنا كاسين بس باللغة العربية الفصحى طبعا.. مش بتحبي الشعر!
جلست على الكرسي وقالت له:
_ لا، انا مش طالبة معايا استفزاز خالص دلوقتي ورايا شغل، روح يلا على مكتبك بعد اذنك خليني اشتغل واركز
_ طب وانتي متعصبة عليا لي؟
انا مالي اصلا!
_ وانت مالك اصلا!
على أساس ان مش انت اللي عامل كل دا ومكلم بابا وموصيه ياخد ال permission من الشيخ علشان تمنع شهاب يدخلي مكتبي!
فضلتوا تعندوا قصاد بعض وفي الآخر انا اللي مكتبي راح.
رد في هدوء:
_ محصلش، معاكي دليل على الكلام دا؟
لم ترد عليه وهو الآخر لم يضف كلمة أخرى بل اتجه نحو مكتبه حتى جلس على الكرسي وبدأ يتطلع إلى عمله ويركز به.
وعقب مرور دقائق معدودة، دخل شهاب ومعه الأوراق التي لابد من أن ينجزها مع هانيا وبمجرد ان دخل قال جياد في صوت مسموع:
_ نوّرت مكتبي يا شهاب يا مظهر، رغم انه منوّر بأصحابه كدا كدا يعني!
تجاهله الشاب وبدأ يتجه نحو مكتب هانيا والذي كان يقع على اليسار من المكتب كله.
سحب الكرسي وقال لها:
_ بصي، شوفي كدا، دا شكل الإعلان ودا الكابشن ودي كل التفاصيل
أخذت تنظر إلى ما معه وبدأت تعطي رأيها.
وفي نفس الوقت، أقبل جياد وهو يحمل حاسوبه وسحب الكرسي الموازي لكرسي شهاب وجلس عليه وبدأ يكمل عمله في الحاسوب.. فعلق شهاب:
_ نعم؟
قاعد لنا كدا ليه؟
_ لتحقيق السرعة و الإنجاز مش اكتر
_ والله؟
_ اه والله.. بفكرك اني مدير القسم وان الإعلان مهما كان بيرفكت وانا مقبلتوش مش هيتنفذ، بضيع وقت حقيقي يا شهاب واحنا مضغوطين.
وضعه حاسوبه جانبًا سحب الحاسوب الخاص بشهاب من يد هانيا والتي كانت تنظر إلى العمل لتقيمه، وبدأ هو يتطلع إلى عمل شهاب وقال في هدوء:
_ rejected [ مرفوض]
عقد شهاب ذراعيه أمام صدره وقال:
_ ليه بقا ان شاء الله؟
_ كدا، اعلان خالي من اي creativity، واحد مطلصق شغله وجاي يقنعني بيه.
دلوقتي الناس بقت بتسكرول محدش عنده صبر، لازم الإعلان يكون بيشد ومتعوب عليه علشان يتشاف بجد، انما نظام الإعلانات المحفوظة دي واللي بقت كلها شبه بعض، مرفوضة طبعا لانها هتخسرنا وبس
_ ايوا وانت عايزني اعملك ايه يعني؟
_ ابتكر، معرفش دا شغلك انت، ابتكر وابهرني وانا هقبله.. صدقني انت خيالك واسع اوي وهتوصل مرة، بس ركز.. ركز في شغلك وبس وان شاء الله هتعرف تبتكر وتعمل اعلان يكسر الدنيا وانا اقبله بدون تردد
علقت هانيا قائلة:
_ وماله الإعلان دا؟
شيفاه كويس وسبق وعملنا حاجة شبهه كدا وجابت كتير!
_ حصل، بس محتاجين بقا نجدد ونشتغل على نفسنا علشان نفضل مميزين ... احنا جايين نشتغل مش نلعب يا هانيا!
ولو عملنا أي اعلان كدا وخلاص بدون ما يكون متعوب عليه، هنبقى كدا جاين نلعب مش نشتغل!
[ كان قصده ان يعيد عليها ما قالته له عندما رفضت أن تمضي بعدم العمل مع شهاب]
وتابع :
_ ابتكري انتي كمان وركزي.. أكيد هطلعي حاجة كويسة وترضيني
علق شهاب:
_ بس ماهي قالت..
قاطعه قائلًا:
_ ماهي تقول اللي هي عايزاه، انا كدا كدا بعت لها على الميل ان الإعلان دا rejected وعلشان كدا جيت وقطعت عليكم الكلام علشان متفضلش بس تتعب نفسك في حاجة مرفوضة يعني!
يلا يا شهاب خد اللاب توب بتاعك واتكل على الله، على مكتبك، ركز في شغلك وظبطه مع مديرتك وفي الآخر وصله لهانيا، انما شغل كل شوية جاي ورايح على مكتبها دا وفي الآخر الشغل زفت وردئ و no quality، مش هياكل معايا.
أنهى كلامه ثم قام بعدما حمل حاسوبه واتجه نحو مكتبه ليتابع عمله.
وكذلك فعل شهاب، حمل حاسوبه ورمق جياد في قرف ثم ذهب، فتبع جياد أثره وتمتم:
" انا هشتغلك في الأزرق هنا، علشان تبقى تتحدى مديرك كويس.. اشتغل بقا وموت نفسك في الشغل علشان توصل لحاجة ترضيني.. "
***********
وفي المساء، استأذنت روني من يزيد لبعض الوقت حتى تذهب مع أختها ووافق، وكذلك وافق فاتح.
وذهبت الأختان معًا بسيارة روني وذلك بعدما جاءت لها مايا وانتظرتها أمام الشركة عقب الانتهاء من موعد العمل.
سارت بالسيارة حتى منزل والد ياسمين وقالت لأختها:
_ يلا دا اهو البيت
_ انا من رأيي تروحي انتي وانا هستناكي في العربية اراقب الجو
_ فكرة كويسة بردو، اي حاجة غريبة تلحظيها، رني عليا علطول
_ ماشي
فتحت روني باب السيارة وخرجت وبدأت تتجه نحو المنزل والذي كان في قرية داخل منطقة عشوائية نائية.
وكان منزلًا بسيطًا للغاية.
بينما مايا ظلت داخل السيارة تراقب الوضع من على بُعد وتتبع اثر أختها.
طرقت روني الباب، ففتحت لها سيدة في الستين من عمرها وقالت لها:
_ مين انتي؟
_ انا روني يا طنط، صديقة ياسمين من زمان، ممكن ادخل واخد من وقتكم شوية؟
_ بلا ياسمين بلا زفت، قطعها وقطع سيرتها، اتفو عليها وعلى اللي رباها.
اعتقد انتي وامثالك اللي ضيعتوها، منكم لله، الصاحب ساحب
وفي نفس الوقت، أقبل الوالد وكان رجلًا طيبًا، شيخًا كبيرًا بلغ من العمر ارزله، قال لزوجته:
_ مش اسلوبنا دا، دخلي البنية وسبيني اتكلم معاها، عيب دي ضيفة في بيتنا
رمقتها من أعلى إلى أسفل ودخلت.
بينما قال الرجل للفتاة:
_ اتفضلي ادخلي
دخلت الفتاة وبدأت تسير وهي تشعر بالخوف قليلًا، خافت من طريقتهما و طريقة تحدثهما وهكذا.
جلست على الكرسي حيث اشار لها الرجل وجلس هو الآخر وقال:
_ تشربي إيه؟
_ لا شكرا، مش جاية اضايف.. عايزة اتكلم في موضوع مهم
_ انتي مين الاول؟ صاحبة ياسمين جد؟
هزت رأسها نافية، ثم قالت:
_ انا مرات الراجل اللي هي اتهمته وقالت انه اعتدى عليها قبل ما تهرب برا البلد واتهمته بدا في لايف قصاد العلن، حضرتك سمعت كلامها؟
_ لا مسمعتوش، بس البوليس جيه هنا وخدوا الرد وخلاص
_ طب ممكن بعد اذنك اعرفه؟
_ تعرفي إيه؟
_ اعرف إيه اللي حصل بالظبط؟ ليه هي عملت كدا؟
ليه اتهمت جوزي بكدا؟
بص انا مش بضغط عليك، انا عايزة اي حاجة انت تعرفها وتقدر تساعدني بيها، تقولهالي.. تفتكر ليه بنتك تطلع في فيديو زي دا وتتكلم كدا؟
راح يتذكر ما حدث....
قبل عدة أشهر
تذكر أنها عادت يومًا ما إلى المنزل وهي تبكي بكاء جمًا وتذكر أيضًا أنه سألها:
_ مالك؟ ياسمين يا بتي، مالك بتبكي كدا ليه؟
_ مفيش حاجة يا بابا، راجعة من برا تعبانة شوية وبس، بطني وجعاني اوي وعايزة ارتاح في اوضتي ومحدش يدخل عليها
حينها لم يرتاح الوالد وأحس ان شيئًا ما يحدث مع ابنته.. مرت أيام حتى جاء اليوم الذي اكتشف فيه الحقيقة كاملة بأسوأ طريقة ممكنة.
طرق أحدهم باب منزله، وفتح له فقال:
_ انت ابو ياسمين المحمدي؟
_ ايوا يا أستاذ، مين حضرتك؟
_دخلني الأول
يتذكر انه بمجرد ان دخله، قال له:
_ انا جاي أبلغك ان بنتك فقدت عذريتها معايا وقرفاني في عيشتي وعمالة تنط لي كل شوية علشان اتجوزها وانا رافض، ارجوك لم بنتك بقا علشان قرفت ومش هتجوزها انا بردو
يتذكر كيف انصدم وكيف انهار وكيف شعر بالخنجر الذي طُعن في قلبه، ويتذكر كيف كذّبه وكيف طرده وكيف دافع عن ابنته، حتى انه انتظر حتى قدومها وسألها عن هذا وكل ما تذكره أنها انهارت من البكاء وصدقت على الكلام وصرخت بكلمات كثيرة من ضمنها:
" سامحني يا والدي، سامحني انا ضعفت والله ضعفت.. هو ضحك عليا هو غني و عنده فلوس وانا قلت هينتشلني من الفقر و... "
تذكر انه لم يتركها تكمل، بل أنهال عليها بالضرب والسب والشتم وبين ضربه وشتمه وصريخها وصريخ والدتها واختها الصغرى، تذكر انها تفوهت بتلك الجملة:
" سامحني يابويا سامحني انا حطيت رأسك في الطين سامحني.. بس انت متعرفش " باسم عواد "، دا شيطان ماكنتش اقدر اقول لا ماكنتش أقدر، دا واصل وليه ناس في كل حتة... "
لم يهتم حينها بأي من تلك الكلمات غير أنه سبها وسب باسم بأقذع الألفاظ...
خرج عن شروده على صوت روني وهي تقول:
_ يا عم فرج؟
انت معايا؟
_ أنا عارف اسم الراجل اللي عمل في بنتي كدا
_ عمل إيه؟
_ ياسمين قالت انها ضعفت بفضله، جايز هربت عنده، قالت انه واصل اوي وبما انها برا البلد تبقى راحت له
ابتسمت روني وعلقت في فرحة:
_ حضرتك قلت على اسمه دا للشرطة؟
هز رأسه نافيًا فسألته:
_ ليه طيب؟
_ لان انا مهتمش، وهما مسألوش على أي حاجة تخص النقطة دي... هما قالولي فين بنتك وفتشوا البيت وبعد كدا قالولي هي متهمة في واحد اتنين تلاته ولو وصلت لها او عرفت لها طريق بلغنا، وانا قولتلهم انا معرفش عنها حاجه ومش عايز اعرف عنها حاجه ومتبري منها أساسا
_ حضرتك اتبريت منها؟
_ ايوا لانها حطت راسي في الطين وضيعت شرفي وشرفها
بدأت روني تجمع وتربط الخيوط بعضها ببعض.. فهمت أولًا أن ياسمين قد افتعلت الفاحشة مع باسم لذلك نفذت أمره واتهمت يزيد بشيء كذلك.. ثم سألت الرجل لتجمع ما تبقى:
_ طب حضرتك عرفت ازاي انها حطت راسك في الطين؟
_ الافندي اللي عمل كدا معاها هو اللي جيه وقالي لانه ماكنش عايز يتجوزها
بدأت تفهم، أن باسم افشى سرها لدى والدها كي يطردها ويتبرأ منها كي يستفرد هو بها ويجعلها تفعل ما يريده وما يطلبه، فليس لها أحد.
ثم قالت للرجل:
_ تقدر تقول اسم الشخص دا للشرطة؟
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ وافضحني؟ لا طبعا
أكيد البوليس هيفتح تحقيق وموال كبير وانا راجل على قدي وكل همي سمعتي، هي تغور وغارت فعلا، انا عندي بنات غيرها ومحتاج احافظ على سمعتهم.
هي قالت ضعفت، يعني كان بمزاجها، فملهاش حقوق خلاص
تنهدت ثم قالت:
_ طب تقدر تقولي انا اسمه؟
في تلك الأثناء، صدح صوت هاتفها ليقطع حديثها مع الرجل فقالت آسفة:
_ بعد اذنك بس هرد على الموبايل
_ ماشي
استقبلت المكالمة فقالت مايا بسرعة:
_ روني الحقي باسم ركن عربيته وجاي عليكم، اخرجي بسرعة يلا
_ طب تمام اهدي
قامت وقالت وهي على عجلة من أمرها:
_ همشي دلوقتي وهبقى اجي لحضرتك بعدين شكرا
حملت حقيبتها وبدأت تسرع نحو الباب، وبمجرد أن فتحت، وجدته في وجهها كأنها فتحت له، نظرت إليه لثوان.. ثم خرجت، سار خلفها وقال مهددًا:
_ اقفي بقولك
لم ترد عليه بل تابعت سيرها في خطوات سريعة للغاية، بينما هو خطى خلفها بنفس السرعة كي يلحق بها.
وحينها خرج العجوز، ونظر بعينيه إلى ما يحدث، الفتاة تكاد تجري والشاب يلحق بها، ولكنه خاف على نفسه وعلى أهل بيته ودخل وغلق الباب، فهو ضئيل للغاية وقوته لا تكفي أمام هؤلاء القوم.
سحبها باسم من ذراعها لتقف وبالفعل وقفت رغمًا عنها وهي تتأوه وصاحت:
_ اوعى سيب دراعي يا حيوان سيب
_ بلاش غلط، انا بحذرك اهو
وعندما رأت مايا ما يحدث بينهما، فتحت باب السيارة في سرعة وبدأت تتجه نحوهما لتنقذ منه أختها ولكن أحدهم اعترض طريقها وهو يمسك عليها سكينة صغيرة [ مطوة] ويقول:
_ مكانك يا حلوة، ولا حركة
وبالفعل توقفت بلا حركة وهي ترتجف خوفًا على نفسها وعلى أختها.
صرخت روني في وجهه:
_ انت عايز مني إيه ها؟
رد في نبرة حادة قوية:
_ انتي اللي عايزة مني إيه؟ بدوري ورايا ليه؟ مش حذرتك؟
مش قولتلك لا؟
ايه فاكرة نفسك هتقدري عليا؟
بلاش أحسّرك على نفسك وعلى اللي منك، انا راجل مؤذي واذايا وحش، تجنبيني
_ وانا عملت لك إيه؟
انا جيت هنا زيارة لأهل ياسمين اللي سبق واتهمت يزيد بالتعدي عليها، جيت افهم إيه اللي حصل من ابوها، مالك انت بالقصة دي؟
واصلا الراجل مقالش حاجة ومعندوش معلومات وكان خايف.. بس بردو محتاجة افهم انت مالك ومال القصة دي؟
سحبها من يدها وهو يقول:
_ تعالي معايا العربية بتاعتي، عايز اتكلم معاكي
بدأت تسحب نفسها منه بصعوبة وهي تصيح:
_ سيب لا اوعى سبني
_ لو صرختي لو صوتك بدأ يعلى، اختك اللي هناك دي هتتأذي
نظرت إلى ما يشير، لترى مايا تقف على بعد بجانب السيارة واحدهم يرفع عليها السكين، ثم نظرت إليه مرة أخرى وقالت في نبرة حاسمة:
_ مش هركب معاك العربية مش هاجي معاك
_ بقولك تعالي يلا، هتكلم معاكي
_ وانا مش هتكلم مع متحرش زيك، يكفي اني مقولتش لحد على عملتك دي، سبني في حالي بقا
_ بقولك يلا هنتكلم بس
سحبت يدها منه بصعوبة وتراجعت عدة خطوات للخلف ثم أخرجت القطر من حقيبتها وقالت وهي ترفعه بيدها:
_ لو قربت مني، هشرحك بالقطر دا.. أكيد انت فاكره
كان ينظر إليها وإلى قوتها وثباتها الوهميين، فإن يدها كانت ترتعش وهي تمسك بالقطر ولكنها تصنعت الثبات وعدم الخوف.. كان صدرها يعلو ويهبط في رعب ولكنها قوية تقف ولا تهاب شيئًا.
أخرج من جيبه مسدسًا وقال وهو يسلطه عليها:
_ ودا مسدس، فيه ست طُلق ومُرخص خلي بالك... لو مركبتيش معايا دلوقتي ومشيتي بسكات، هقتلك
وعندما رأت مايا ما يحدث على بعد مع أختها، صاحت في خوف:
_ روني، خلي بالك
ليقول لها الرجل:
_ بس اخرسي يا بت انتي
نظرت إليه روني وإلى ذلك السلاح الذي يحمله وقالت له في ثبات ونبرة قوية:
_ مش هاجي معاك بردو، حتى ان كنت هتقتلني .... شرفي أغلى من حياتي
ثم استدرات مولية له ظهرها وبدأت تسير نحو السيارة وجسدها يرتجف، تتخيل أن الرصاص سيدخل جسدها يخترقه الآن وينتهي أمرها.
أما هو، بدأ ينزل المسدس من يده تدريجيًا وهو مذهولًا من قوتها وثباتها رغم رعبها منه.. واشار بعينيه للرجل الذي يثبت مايا كي يتركها وشأنها، وبمجرد أن ابتعد عنها، ركضت نحو أختها تضمها إليها في قوة وهي تبكي في انهيار نتيجة الخوف عليها وكذلك روني تشبثت بحضنها وبدأت تستقوى بوجودها معها وكانت تضمها أكثر فأكثر.
وفي الخلفية، كان باسم يقف وهو ينظر إلى المشهد الدرامي بين الاختين وهما تحتضنان بعضهما البعض وتبكيان خوفًا ثم قال بصوت مسموع كي يصل لها، لروني:
_ سبتك بمزاجي، خليكي فكراها.. اياك الاقيكي في طريقي تاني، واياك تحاولي تأذيني بأي شكل والا هتخسري كل حاجة في حياتك لو بس جربتي تقفي في وشي.
لم ترد عليه ولم تلتفت له حتى، بل سحبت أختها من يدها وبدأت تسير معها حتى السيارة وركبتا في سرعة حتى انطلقت..
تتبع هو اثر السيارة وهي تسير في سرعة، وتحدث صوته الداخلي في اعجاب شديد بها:
" يخربيتك، كل مدى بتمسك بيكي اكتر من الأول، كل مدى بتبهريني وبتخليني افكر فيكي أكتر وأكتر.. انتي ازاي كدا.. ازاي شداني كدا... مصيري هخلص عليه واخدك منه.. انتي متستاهليش تكوني زوجة لواحد ضعيف وغبي زيه، انتي تستاهلي الأحسن منه، والأذكى والاقوى، اللي هيقدر يحميكي.. انا الأولى بيكي منه... هو لازم يموت.. لازم..."
************
توشّح القصر بحُلّةٍ حالمة أنيقة فتدلّت الأشرطة الحريرية البيضاء والوردية والزرقاء من الشرفات في تناسقٍ رائع، بينما اصطفّت الورود الطبيعية على جانبي الممر الطويل تفوح بعطرٍ رقيق يملأ الأجواء بهجةً وطمأنينة.
أما الحديقة الواسعة، فقد زوّدت بآلاف الأضواء الصغيرة التي لمعَت كنجومٍ هبطت لتشاركهم تلك الليلة الاستثنائية، وتراقص ضياؤها فوق النوافير البلورية في مشهدٍ ساحر يخطف الأنظار.
وفي قلب القصر، تهيأت الطاولات بعنايةٍ مترفة؛ غُطّيت بالأقمشة المخملية الناعمة، وتوسّطتها تنسيقات زهرية تجمع بين اللونين الوردي والأزرق في إشارةٍ لطيفة إلى السر الذي ينتظر الجميع اكتشافه. وعلى أحد الجوانب، ارتفع مجسّمٌ ضخم لكلمة
"Boy or Girl?"
تحيط به البالونات اللامعة والشموع المعطّرة، بينما تعالت ضحكات المدعوّين وهم يتبادلون التخمينات بفضولٍ وحماس.
وكان القصر بأسره ينبض بفرحةٍ مختلفة؛ فرحةٍ دافئة تحمل شوق عائلةٍ كاملة لمعرفة هوية ذلك الصغير الذي لم يأتِ بعد.
وفي حديقة القصر، _وكانت الساعة حينها الرابعة عصرًا_ وقفت ماهي وهي ترتدي فستانًا أبيضًا طويلًا له ذيل متوسط الطول وكان بسيطًا وانقيًا للغاية، وعلى رأسها ارتدت طوقًا صُنع من الورد الازرق و البينك، جعلها كملكة مميزة في ذلك اليوم بينما شعرها ينساب على ظهرها بشكل جميل ومرتب، وبجانبها كان يقف شهاب وهو يرتدي بدلة بيضاء أنيقة.
وبينما العائلة كلها والأصدقاء يقفون في الحديقة، التقطت منى هاتفها وبدأت تفتح الكاميرا وشغلت الفيديو وبدأت تتحرك حول الجميع وبدأت بالشيخ، اقتربت منه وهي تسلط كاميرا الفيديو عليه وقالت له:
_ يا شيخ، دا فيديو هنعمله للبيبي، هتكون ذكرى حلوة ليه اما يكبر ويشوفه، خمن البيبي ايه وقوله انت مين ومتوقع انه هو إيه؟
ابتسم الرجل وقال في سعادة:
_ ماشي فكرة حلوة،
ثم لوّح بيده في الكاميرا وقال كأنه يخاطب الطفل:
_ يا حبيب قلب جدو.. انا جدك ابو مامتك، وبعتقد إنك ولد
_ ليه يا جدو بتعتقد انه ولد؟
_ مش عارف حاسس بكده يعني
ذهبت إلى عند عبير وكانت حينها السيدة تقف وتضحك مع حليمة وفاطيمة وبعض من صديقتها، وطلبت منها بأن تقوم بنفس الشئ فقالت:
_ انا تيتا ام ماما، وبعتقد إنك ولد يا روح قلبي
ثم ذهبت إلى ماهي وشهاب وكانا يرقصان معًا وقالت لهما في ابتسامة:
_ يلا عرفوا نفسكم للبيبي وقولوا متوقعينه إيه
قالت ماهي في ابتسامة عريضة:
_ انا مامي يا روح قلب المامي، ومتوقعة إنك بنوتة
وقال شهاب في نفس الابتسامة:
_ انا بابا يا روحي وبتوقع إنك بنوتة بردو
وبينما منى تلف حول الأسرة والأصدقاء وتأخذ منهم التوقعات، كانت هانيا تقف جانبًا تشعر بالحزن والضيق المباغت وهي تلتفت حولها تنظر إلى التنظيمات والترتيبات وقلبها ينقبض بلا توقف وكأنه سيخرج من بين ضلوعها، وسمعت زوجها هناك وهو يجاوب في ابتسامة:
_ انا خالو جياد حبيب قلب مامتك، وبعتقد انك بنوتة يا قلبي
وبدأ يلتفت حوله يبحث عن زوجته كي تتوقع هي الأخرى ولكنها عندما لاحظت ذلك، أسرعت تهرب من أمام الجميع، لا تريد أن تشارك ولا تحب أن تسمع ولا ترى أي من هذا.. كل ذلك كان يومًا سيكون لها.
صعدت على السلالم وهي تجري درجتين درجتين وهي تحبس دموعها... حتى فتحت باب غرفتها ودخلت وغلقت الباب خلفها بالمفتاح.
بدأت تشعر بالاختناق وصدرها يعلو ويهبط ودموعها تنساب بلا توقف.
أسرعت جهة البلكون كي تستنشق الهواء ولكنها تفاجأت بوجودهم ووجود التنظيمات في الأسفل، وعندما فتحت، كانت اللحظة الحاسمة قد اقتربت والجميع في الانتظار كي يعرفون نوع الجنين.
ارتفعت أصوات الجميع فجأة حين مرّت الطائرة الصغيرة فوق القصر، تشقّ السماء الزرقاء بخطٍ طويل من الدخان الأبيض، قبل أن تبدأ ببطءٍ في رسم الكلمات المنتظرة.
حبست الأنفاس، وتعلّقت الأعين بالسماء في ترقّبٍ مشحون بالفرح، وبدأوا يعدون في صوت عالي
One.....
علقت الفتاة عيناها على السماء في ترقب ومع كل عد يصرخون به في الأسفل، تذكرت كلامه لها
" مش عارف... بس حاسس اني عايز طفلنا الأول ولد "
Two.....
" عامة أي حاجة منك حلوة، انا مادام عندي طفل منك هو دا اللي انا بتمناه طول عمري مهما كان نوعه ايه.... "
Three
" ان شاء الله يكون طفلنا الأول ولد ونسميه سيف.... "
ظهرت العبارة أخيرًا وسط الغيوم الرقيقة:
It's a Boy!
ومع تذكرها كلماتها له والعد الثالث وعيناها معلقة... وفي اللحظة نفسها، انفجرت الصيحات والضحكات، بينما تناثرت الدموع السعيدة من شدّة التأثر، وكأن السماء نفسها تشاركهم تلك اللحظة الاستثنائية..
" ولد...ولد..ولد"
حينها، انهمرت الأدمع من عينيها وهي تلفظ في قهر:
" سيف، سيف، هيجيب سيف.. بتحقق أحلامي كلها... "
وفي الأسفل كان الجميع يبارك لماهي وشهاب على معرفة نوع مولودهما، وكانت هي تحتضن شهاب من بين الحين و الآخر في فرحة عارمة.
لمحت هانيا، جياد من بينهما، يلتفت حوله يبحث عنها وذلك بعدما بارك لأخته ولكن كل ما كان يشغله أن زوجته ليست معهم.
فدخلت سريعًا الغرفة وغلقت البلكون وتأكدت أن الباب مغلقًا بالمفتاح مرة أخرى، ثم ارتمت على السرير بعرضه وأخذت تبكي بلا توقف وبلا رحمة وشهقاتها تتعالى، وكأنها تتخلص من طاقة مكبوتة و قهر مكتوم، تريد أن تبكي بصوت عالي، صوت خرج مبحوحًا مقهورًا متلاحقًا.
طرق جياد الباب بعدما حاول أن يفتح ولكنه لاحظ أنه مغلقًا لا يفتح لذا أخذ يطرق عليه وهو يقول:
" هانيا.. هانيا افتحي يا هانيا.. افتحي الباب دا، انتي قافلة ليه... هانيا، انتي كويسة؟
هانيا ردي عليا يا هانيا... "
ولكن بلا جدوى، كانت منهمكة في البكاء لدرجة أنها أحست برجفة جسدها من الخارج وقلبها من الداخل، ولكن زوجها لم يتوقف بل بدأ يطرق الباب بشكل أسرع واقوى وصوته بدأ يتعالى فقد خاف عليها لذا بدأ يطرق بلا صبر وبلا توقف يصيح:
" هانيا، هانيا افتحي، افتحي يا هانيا، هانيا انتي كويسة، افتحي لي يا هانيا افتحي بقا افتحي "
قامت من مكانها بعدما خافت من رد فعله وبدأت تمسح دموعها في سرعة وتتنهد كي تهدأ ثم التقطت هاتفها واتصلت عليه... استجاب سريعًا وقال في نبرة عالية:
_ انتي فين؟
ردت في نبرة صوت خفيض:
_ كنت في التويلت علشان كدا معرفتش افتح لك
_ مال صوتك؟
_ ولا اي حاجة.. تغيير الفصول بيعمل معايا كدا بس مش أكتر، كأنه داخلي برد مش اكتر
_ برد؟
برد تاني يا هانيا؟
طب افتحي يلا
_ بغير فستاني بس وهنزل انا بنفسي
_ ماله فستانك طيب؟
_ مش عارفة فجأة لقيت عليه بقع تشوكليت.. انزل انت وخليك مع اختك واهلك في لحظة زي دي وانا هغير فستاني واظبط الميك اب بتاعي ونازلة
رغم أنه يشك بالأمر.. يشعر أن هناك شيء ما يحدث.. فهو لم يجهل ملامحها الخافتة و بسمتها المختفية منذ أن بدأ الحفل ولكنه قرر أن يتجاهل بإرادته كي لا يُحدث مشكلة معها وكي لا يضايق نفسه، لذا قال:
_ تمام، على راحتك
انهت المكالمة معه... وبدأت تتنفس في قوة.. قامت من مكانها وبدأت تنظر إلى نفسها في المرآة.. الميك قد خرب والاحمرار الشديد ينبسق من عينيها، حتى تسريحة شعرها لم تبق على حالها بسبب احتكاكها بالوسادة بشكل متكرر أثناء الانهيار.
وقالت لنظيرتها في نبرة صوت متحشرج:
" امتى الكابوس دا هيخلص؟
امتى هنسى؟ امتى هتخطى.. امتى يارب امتى "
وفي الأسفل، كانت حماة ماهي تضمها إلى صدرها وتقول في ابتسامة تغمرها الفرحة:
_ الف مبروك يا قلبي، ربنا يكمل حملك على خير، خلي بالك من ابننا
_ ابنكم في عنيا يا ماما سحر..
ثم نظرت إلى زوجها الجالس على الكرسي المجاور لهما وقالت له:
_ يا شهاب بعد اذنك ممكن اسميه انا؟
هز رأسه موافقًا ثم قال في ابتسامة:
_ اه يا حبيبتي ممكن تسميه انتي
لتسألها شاهندا في ابتسامة:
_ وعايزة تسميه إيه يا ماهي؟
_ زين.. هسميه زين ان شاء الله
زين شهاب مظهر
أعجب الجميع بالاسم الذي اختارته حتى أهلها.
وفي أحد الزوايا كان جياد يجلس شاردًا لا يتحدث مع احد ولا ينظر إلى أحد، فقد كان غاضبًا وحزينًا، لا يصدق أنها انسحبت من الحفل لذلك السبب التفاهة الذي قدمته.
اقبلت نحوه روني وقالت له:
_ مالك؟ قاعد لوحدك كدا ليه؟
_ لا عادي، دماغي بس صدعت شوية من الأغاني اللي كانت شغالة
_ طيب... ممكن اتكلم معاك شوية؟
_ ممكن طبعا، قولي
_ لا، عايزة نكون لوحدنا.. تعالى ندخل اوضة المضيفة
_ ليه ندخل اوض اصلا؟
ما ممكن نتكلم في الجنينة!
_ معلش، مش عايزة حد يشوف اننا بنتكلم ودي انسب الفرصة.. الكل مشغول بماهي دلوقتي.. قلت إيه؟
عقد حاجبيه في استغراب من طلبها وقال:
_ ماشي... بس.. بس يزيد يعني..
_ انا قلت ليزيد، قولتله اني هدخل اتكلم معاك في المضيفة علشان الدوشة وهو وافق علطول، انت اخوه يعني وانا أختك!
_ انا عارف والله، خفت بس يدايق او حاجة بس طالما قولتيله خلاص، يلا بينا
قام وبدأ يدخل معها تلك الغرفة.
وفي الوقت نفسه، كانت ماهي تشاهد الفيديو الذي صورته منى عندما سألت العائلة كلها عن نوع الجنين وكان شهاب يقف بجانبها يشاهد هو أيضًا.. كانت تضحك وتقول لاختها:
_ انتي خمنتي غلط يا كوكي قلتي بنت، انتي و جياد و فاتح خمنتوا غلط
لترد كاميليا في ابتسامة:
_ انتي وباباه شخصيا خمنتوا غلط!
ليقول الشيخ:
_ انا خمنت صح
_ ايوا يا بابا يا حبيبي طول عمرك صح...
واثناء تلك المناقشات العائلية اللطيفة، لاحظ شهاب عدم وجود هانيا نهائيًا بالفيديو.. لم تظهر ابدًا ولم تسجل ولم تشارك في أي لحظة وعليه تعجب قليلًا.. وفي تلقائية رفع رأسه نحو غرفتها فوجد الباب مغلقًا فخمن انها بالداخل وذلك بعدما أدرك أنها ليست بينهم... حتى سمع الشيخ يسأل عنها:
_ فين هانيا يا جماعة؟
لترد مايا :
_ هانيا فستانها جاله بقعة تشوكليت وطلعت تغيره
_ طيب.. انا بس حاسس اني ملاحظتهاش بقالي كتير
كمشت ماهي ملامحها وتمتمت في غيرة:
" طبعا مشيت، ما هي عايزة تبوظ لي اللحظة وتضيع عليا فرحتي"
ثم تركت الهاتف لهم، وبدأت تقوم وتسير حتى جاورت زوجها وقالت له في ابتسامة:
_ حبيب قلبي، ابو ابني زين روحي
ابتسم لها ولم يعلق...
وفي الداخل،
قالت روني لجياد:
_ انت بتثق فيا قد ايه؟
رد الشاب في تأكيد:
_ دا مش سؤال أصلا يا روني... انا عمري ما انسى انتي ازاي وقفتي جمبي وجوزتيني هانيا وادتيني الفرصة دي، انتي اختي وانا بثق فيكي لدرجة كبيرة جدا
ردت في ابتسامة:
_ طب حلو... شايف عماتك سالكين موت بقا؟
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ لا، بيطلع منهم حركات بردو عادي هما وبناتهم
_ حلو اوي.. كدا اقدر اقولك وانا مطمنة...
***********
كان شهاب يقود السيارة ومعه زوجته وأمه واخته متجه نحو منزل والدته اولًا كي يوصلهما ثم يذهب إلى شقته هو.
توقف أمام المنزل وقال لهما:
_ يلا يا ماما انتي وشاهندا انزلوا
قالت له امه:
_ انزل انت ومراتك اتعشوا الأول
_ مفيش داعي يا ماما
_ لا والله لتنزلوا تتعشوا معانا الاول، البت شايلة ابننا وتعبانة خليني اغذيها، يلا انزلوا
قالت له ماهي في ابتسامة:
_ يلا يا حبيبي ننزل معاهم، متردش كلام ماما سحر
_ حبيبة قلب ماما سحر يا أم حفيدي يا روح قلبي
اضطر الشاب للموافقة رغم انه كان يود أن يعود إلى شقته ليرتاح.
نزلوا جميعهم ودخلوا المنزل وقال بمجرد ان دخل:
_ هدخل الحمام
وبالفعل ذهب، وقالت الفتاة:
_ ماما سحر، انا عايزة اعدل هدومي بس ممكن؟
_ اه يا حبيبتي، ادخلي بقا اوضة شهاب اعدلي هدومك لانه هو دخل الحمام
_ تمام
دخلت غرفته وغلقت الباب عليها، عدّلت ملابسها وشعرها... ثم اتجهت نحو خزانته وفتحتها.. بدأت تنظر إلى ملابسه في ابتسامة.. سحبت تيشرت والتالي وسحبت بنطلون له.. بدأت تتطلع إليهم في ابتسامة تتذكر تلك الملابس التي كان يرتديها عندما نال أعجابها، قبلما تتزوج به...ثم جاءت لتعيدهم مرة أخرى، فلاحظت وجود حقيبة صغيرة لفتت انتباهها.. وبسبب فضولها سحبتها وبدأت تنظر لها قليلًا... ثم حملتها ووضعتها على السرير وبدأت تفتحها وبمجرد أن فتحتها، لاحظت وجود ألبوم صور كبير موضوع جانبًا.. سحبته وبدأت تتطلع فيه.. وجدت كل ما به صور لزوجها وهانيا.. صور لهما في أماكن مختلفة ووضعيات مختلفة.. مرة وهو يحتضنها، مرة وهي تحتضنه مرة وهما يضحكان، مرة وهما يأكلان داخل أحد المطاعم وغيرها في النادي و الشركة وحتى الشارع و صور لهما أمام البحر وغيره...
بدأت تشعر بنيران الغيرة تطرق قلبها وهي تشاهد وفمها مفتوح قليلًا اثر الصدمة.
لم تتحمل أن تكمل مشاهدة لذا القته من يدها.. وفي لحظتها نظرت إلى الحقيبة مرة أخرى، فوجدت مذكرات ورقية.. سحبتها وفتحتها وقرأت في المقدمة:
" عزيزتي هانيا... تعلمين أنني أحب الكتابة بينما أنتِ تحبين القراءة لذا قررت أن أكتب وأدون كل لحظاتنا السعيدة حتى عندما نجتمع، تقرأينها بكل حب وتبتسمين هكذا.
تعلمين أن لا شيء يمثل لي أهمية كبرى في هذا الكون، سوى ابتسامتك الجميلة..
من حبيب قلبك وتؤام روحك
" شهاب"
بدأت تقلب بين الصفحات لتأخذ نظرة.. فوجدته يدون ذكريات ويحكيها بالتفاصيل مثلما حدثت.. يحكي لها موقفًا وآخر وكيف تأثر به وكيف كان يشعر وماذا أراد أن يقول حينها وهكذا
ومن ضمن ما ركزت به وقرأته بالتفاصيل:
" لحظة ما وضعت السلسلة حول عنقك لا أظن أنني سأتمكن يومًا من وصفها كما شعرتُ بها حقًا.
كنتِ تقفين أمامي بعينيكِ اللامعتين وابتسامتكِ الصغيرة المرتبكة، بينما كانت أصابعي ترتجف بخفةٍ وأنا أحاول إغلاق القفل خلف عنقكِ، وكأن الأمر أكبر بكثير من مجرد سلسلة... وكأنني أضع شيئًا من قلبي عليكِ.
الغريب أنني كنتُ أراقب ملامحكِ أكثر من السلسلة نفسها؛ أراقب تلك الفرحة الصادقة التي ظهرت في عينيكِ فور أن لمستِها بيدكِ، والطريقة التي نظرتِ بها إليها كأنها شيء ثمين للغاية... رغم أنها، في الحقيقة، لم تكن تساوي شيئًا مقارنةً بتلك النظرة.
في تلك اللحظة شعرتُ بسعادةٍ غريبة، هادئة وعميقة، كأنني حققتُ أمرًا كنتُ أتمناه منذ زمن دون أن أدرك.
مجرد رؤيتكِ سعيدة بشيءٍ أعطيته لكِ جعلتني أشعر بأن الدنيا أصبحت أخف، وأنني قادر على فعل أي شيء مقابل أن أرى تلك الابتسامة تتكرر مرةً أخرى.
وأقسم أن أكثر ما أربكني حينها... أنني لم أكن أريد اللحظة أن تنتهي.
كنتُ أريد أن أبقى قريبًا منكِ هكذا، أراقبكِ وأنتِ تلمسين السلسلة بين حينٍ وآخر بابتسامةٍ خافتة، وكأنكِ تخبرين العالم كله أنكِ أحببتِها... بينما كنتُ أنا أحب رؤيتكِ بها أكثر من أي شيء... تلك السلسلة المرفقة بحروف اسمي، أصبحت الان حول عنقك، لتخبر للعالم كله إنك لي"
وفي تلقائية منها، وضعت يدها على السلسلة وهي مصدومة ولا تصدق ما تقرأه، أهذه السلسلة لها؟
هذه السلسلة التي ظنت أنه أخيرًا فكر بها وفكر أن يهاديها، كانت لهانيا؟
أيعقل؟
انتفض جسدها، اصابتها رعشة مباغتة وهي تحدّق في الكلمات بعينين متسعتين، كأن الحروف تحوّلت فجأة إلى شيءٍ حيّ يطعنها ببطء.
توقفت أنفاسها للحظات، وشعرت بحرارةٍ غريبة تزحف إلى صدرها بينما أصابعها تشدّ أطراف الصفحة بقوةٍ لا إرادية.
لم تكن تقرأ مجرد ذكريات...
بل كانت تتلصص على قلبٍ أحبّ امرأةً أخرى يومًا بكل هذا الصدق.
ارتجف حلقها، وانخفض بصرها إلى السطور مرةً أخرى رغم الألم الذي بدأ يتسلل إليها مع كل كلمة. كان يصفها بعناية، يتذكر ابتسامتها، ارتباكها، الطريقة التي فرح بها لأجل فرحتها وكأن تلك اللحظة ما زالت تسكنه حتى الآن.
شعرت بوخزةٍ حادة داخلها، موجعة بصورةٍ لم تتوقعها.
فهي لم تعتد رؤيته بهذا الشكل من قبل، لم تتخيله يومًا رجلًا يكتب مشاعره بهذا العمق، أو يحتفظ بتفاصيل امرأةٍ بهذا الاهتمام.
وفي لحظة غضب وغيرة حادة، شدت أوراق المذكرة من المنتصف، فتقطعت وبقت الاوراق في قبضتها، ثم ألقتها بقوة على الأرض وبدأت تقطع الصور التي كانت داخل الالبوم.
وحينها كان الشاب يمر أمام الغرفة، فسمع ذلك الشيء الذي ألقي على الأرض فأحدث صوتًا، لذا فتح الباب ليتفاجأ بها تقف أمام خزانته وذكرياته مبعثرة ومتقطعة وملقية أسفل قدميها.
صرخ في صدمة:
_ انتي عملتي إيه؟
عملتي ايه انتي، عملتي إيه؟
ثم أسرع ناحيتها ودفعها بعيدًا وبدأ ينظر في صدمة إلى ما فعلته في حق ذكرياته فصرخ بها مرة أخرى:
_ انتي ازاي تعملي فيهم كدا؟
انتي ازاي.. ازاي تعملي كدا؟
مين أذنلك تدخلي الاوضة، مين أذنلك تفتشي في حاجاتي وتعملي فيها كدا بالشكل دا!
وعلى صراخه دخلت أمه وهي تقول في خضة:
_ في ايه يا شهاب في إيه يا ابني؟
كان حينها قد جثا على ركبتيه وهو ينظر في صدمه وعدم استيعاب إلى أشيائه، يلتقطها بيده، ولكن للأسف لم تعد ذكريات، انما أصبحت مجرد أوراق عديمة الفائدة وحسب.
بدأ يقول بنبرة مليئة بالصدمة:
_ انتي ازاي.. ازاي.. ازاي...
ثم نظر إليها وصرخ في نبرة صارمة وهو يحدق بها:
_ امشي من وشي.. اقولك امشي على ابوكي يلا، يلا امشي مش عايزك...
كانت تنظر إليه في صدمة... تستوعب ما قاله... وهكذا كانت بداية التوتر الحقيقي في علاقتهما...
**********
العيد قرب كل سنة وانتوا طيبين واحنا في ضغط، نشيل بعض الفترة دي بس
فوتس كتير تعدي ال ٥٠٠ وكومنتس كتشجيع ليا، واحتمال اقدر انزل قريب تاني بسبب التشجيع الحلو دا
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
بعتذر عن التأخير بس جدتي توفت يوم السبت وكل حاجة حرفيا وقفت، ادعولها بالرحمة والمغفرة
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل السادس و الأربعون
[خيط مهم ]
سلمى خالد احمد
************
كانت تنظر إليه في عدم استيعاب لما قاله لها والدموع تنساب بلا توقف.
صاحت أمه في ضيق منه وما قاله:
_ هي مين دي اللي تمشي ولا تروح لأبوها؟
دا انت اللي هتمشي وهي لا، انت اتجننت ولا إيه؟!
نظرت إليهما نظرة بها الإحراج ثم خرجت على الفور، تبعتها السيدة وهي تقول لها:
_ استني يا ماهي انا بكلمك
توقفت الفتاة وهي تقول:
_ ارجوكي يا ماما سحر، متتغطيش عليا وخليني أمشي اروح لبابا زي ما جوزي طردني
_ وهو دا كان بيته؟
ملوش بيوت عندنا، هو اللي يمشي وانتي لا، ميصحش ابدا تروحي لابوكي في وقت زي دا، استهدي بالله يا بنتي
_ ارجوكي خليني امشي، انا جيت على نفسي وعلى كرامتي كتير اوي بسببه كفاية كدا بقا
_ مفيش مشي، ادخلي اقعدي في اوضة وعد وانا جيالك
_ لا، انا همشي معلش
_ لا يا ماهي متزعلنيش منك بقا!
هو دا مش بيتك يا حبيبتي بردو ولا إيه؟
روحي ادخلي الاوضة وانا جيالك
تنهدت تنهيدة طويلة ثم ردت ولازالت دموعها تنساب على خديها:
_ انا مش عايزة اشوف وشه ولا عايزة اتكلم معاه خالص
_ لا لا مش هخليكي تشوفي وشه متقلقيش، هو هيمشي خالص دلوقتي وانتي هتفضلي قاعدة معانا، بيتك ومطرحك يا حبيبتي
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ هفضل الليلة عندك علشان مزعلكيش، بس اول ما الصبح يطلع، هروح لبابا
انهت جملتها ثم اتجهت في سرعة الغرفة التي طلبت منها ان تدخلها، ودموعها لا تتوقف واصوات شهقاتها تتلاحق.
بينما عادت السيدة إلى ابنها والذي كان يلملم أشيائه ويحاول أن يعدها إلى سيرتها الأولى بشتى الطرق.
صاحت والدته في غضب:
_ هو إيه الهبل والعبط اللي انت عملته دا؟
انت اتهبلت في نفوخك ولا إيه!
في حد عاقل يطرد مراته أم ابنه بالشكل دا، علشان شوية ورق!
رد في ضيق شديد:
_ ماما، ابعدي عني دلوقتي
لترد في صوت عالي:
_ لا مش هبعد وهتكلمني زي ما بكلمك كدا، والا تعالى خدني قلمين ياخويا!
صاح غاضبًا:
_ بتقطع حاجاتي هي ليه دلوقتي؟
بتدخل اوضتي وتفتح دولابي وشنطتي وتمسك خصوصياتي تقطعها بالشكل دا ليه؟
هي علشان مراتي فاكرة نفسها من حقها تعمل اي حاجة في حاجات تخصني؟
_ أكيد ماكنش قصدها و..
_ لا قصدها، وهي علطول بتفتش وانا قولتلها ميت مرة بكره ام الحركات دي، لا دين يقبلها ولا منطق ولا اي زفت في الدنيا بيقبل الكلام دا.
دي حاجات مركونة في اوضتي القديمة في بيتي القديم، لا بفتحها ولا باجي جمبها، ولا مثلا لقتها في شقتنا، علشان تمسكها تعمل فيها كدا
_ غارت.
غارت عليك يا ابني، بتحبك، حس بيها بقا، أكيد مش هتكسرها هي ومشاعرها علشان شوية ذكريات!
صرخ في غضب:
_ محدش يستهون بأم أحاسيسي، دا ماضيا وذكرياتي وانا شاب وانا عايزهم يفضلوا كدا، مين ادها حق تعمل فيهم كدا؟
ماهو مش اخوها ياخد مني البت اللي حبتها، وهي تيجي تقطع أي حاجة ليا معاها!
مش بمزاجها، دا تطفل، دا انتهاك لخصوصيتي
_ عايزها تعمل إيه يعني؟
أكيد انت لسه محسسها ان دا مش ماضي وانه كمان حاضر علشان كدا قطعته كدا
_ ماما، متبرريش، انتي عارفة انه غلط وعارفة اني مبحبش حد يفتش في حاجاتي نهائي، هي بقا انا زهقت منها، مش فاهم المفروض اعملها ايه تاني علشان ابين لها اني بتنيل بعمل بالفرصة اللي قولتلها عليها.. حفلة وعملت لها بعد ما كنت رافض، خروج وبخرجها وانا مش في المود، دلع وبدلع، كلام حب وبقول، بس خلاص بقا قرفت ماهو مش طول الوقت، مش هتبقى محتوايا يعني!
_ ماشي هي متحسسة شوية وكمان...
قاطعها قائلًا في غضب:
_ بلا متحسسة بقا، انا دماغي وجعاني وورايا الف مسؤولية، دي لو فضلت قاعد بشتغل كذا ساعة، تقعد تعيط لي وتقولي انت مش بتحبني وبتكرهني ولسه دماغك مش معايا، قرفت، اعمل ايه يعني، مكفي على اللابتوب بشتغل وبذاكر لكورس التسويق وبفرغ كاميرات بدور على وعد، وهي محور الكون فاكراني بلعب ومش مهتم بيها، واقول مهما اقول، لا انت مبقتش مهتم انت مش عايزني، انت مش بتحبني ونكد وعياط وحاجة تقرف، قرفت.
وكل اللي ربنا مقدرها عليه، تقولي خد فلوس حل مشاكلك وخليك معايا، بتحسسني انها مأجراني مثلا، بتشتري وقتي بالفلوس، فين بقا تقديرها لظروفي واللي بتعرض له؟
فين بقا أم المشاركة الزوجية والحزن المغلي؟
زفرت السيدة في ضيق من كلامه ثم ردت:
_ معلش، مراتك وحامل وتعبانة وهرموناتها مش ثابتة، واللي انت عملته معاها ماكنش هين، يلا روح صالحها ويا دار ما دخلك شر
_ لا مش هصالح
_ يلا بطل عِند، انت ماكنش ينفع تطردها ابدا علشان هانيا
رد في عصبية:
_ انا معملتش كدا علشان زفتة، عملت كدا علشان دي ذكرياتي وخصوصيتي وهي فتشت فيها وانتهاكتها بدون إذني، واصلا انا محمل منها من بدري وعلى أخري منها ومن العلاقة دي
ردت أمه سريعًا:
_ لا لا لا، استهدى بالله كدا وارجع لوعيك يا حبة عين أمك، علاقة إيه اللي جبت اخرك منها؟
انت فاكر ان فيه طلاق عندنا؟
رد في استغراب ساخرًا:
_ ايه يا ماما، بقينا تبع الأقباط الأرثوذكس من امتى؟
_ اتريق اتريق...هو اه ربنا حلل لنا ااطلاق، بس صدقني في حالتك مش هينفع خالص.
اولا البت حامل في ابننا ومش عايزين تفكك أسري احنا بسبب شوية ورق اتقطع.
ثانيا، انت يا حسرة قلب امك عليك، هتتسجن تقريبا.. لان خد عندك هيطلب منك ايه بعد الطلاق
نفقة العدة، نفقة الحمل والولادة، نفقة الطفل بعد الولادة، اجر الرضاعة والحضانة، مؤخر الصداق، قائمة المنقولات، متعة الطلاق، دا غير المسكن اللي المفروض توفره و...
قاطعها قائلًا في غيظ:
_ ما خلاص يا ماما، هو انتي كنتي شغالة في محكمة الأسرة وأنا معرفش ولا إيه!
شكلك كنتي مستشارة قانونية للمطلقين قبل كدا
_ياريت على الاقل كنت هترافعلك أما تتبهدل في المحاكم..
احنا يا حبيبي لا قدها، ولا قد أهلها، اهدى كدا واستهدى بالله وشيل الفكرة الهباب دي من راسك وروح صالح مراتك
_ لا، وعلى فكرة كل دا مش فارق معايا، عادي حقوقها هتاخدها، انا مش هاكل عليها ولا هي ولا ابنها حاجة
صرخت في وجهه:
_ انت عبيط ياض ولا إيه!
انت عايز تطلقها بجد؟
_ بتكلم بناء على كلامك بس
_ طيب يلا، روح صالحها، حرام عليك، علشان ابنك طيب، تلقاها هارية نفسها عياط وانت عارف ان العياط غلط على الحامل
_ اصالحها على إيه وليه اصلا؟
هي اللي غلطت في حقي، هي اللي دخلت اوضتي فتشت في حاجتي، وادت لنفسها الحق، وقرأتها وقطعتها، وفي الآخر أنا اللي اصالح!
_ معلش انت الراجل، وانت المسؤول، وانت اللي قولتلها روحي لابوكي، ادخل طيب خاطرها بكلمتين علشان على الاقل متمشيش وبعدها ابقوا اقعدوا اتعاتبوا، يلا بقا بطل تناحة يلا
زفر في ضيق وخرج من الغرفة رغمًا عنه وهو يتلفت حوله وقال في عصبية:
_ فين هي الهانم!
_ في اوضة وعد، اهدى بقا كدا ومتتزربنش عليها!
تنهد ثم تحرك جهة الغرفة وفتحها وكانت هي حينها تجلس على السرير تبكي بكاء جمًا وتمسح أنفها بالمناديل الورقية واصوات شهقاتها عالية.
دخل وغلق الباب خلفه وبمجرد أن لاحظت وجوده، حتى أخذت تزيل دموعها بالمناديل وتتصنع القوة والثبات وكأنها لا تبالي.
قال لها:
_ متزعليش حقك عليا، أنا...
قاطعته قائلة في نبرة حادة:
_ أطلع برا، انا مش عايزة اشوف وشك
تنهد تنهيدة طويلة ثم قال:
_ ماشي انا خلاص فهمت، طالما بتطلبي مني امشي يبقى دا اكتر وقت انتي عايزاني فيه، فأنا اهو جيت و....
قاطعته قائلة في نفس النبرة الحادة الجدية:
_ لا، المرادي فعلا انا بطردك بجد ومش عايزة اشوف وشك ولا اسمع صوتك، ولو كنت قاعدة لسه بعد ما طردتني انت، فدا لأني عملت احترام للست اللي بتفهم في الاصول وطلبت مني اقعد للصبح حتى، وقالتلي خليكي، مينفعش تروحي لباباكي في وقت زي دا متأخر، لاني ست بفهم في الأصول، كونه هو بقا مش بيفهم في الاصول، دي حاجه متخصنيش.
أخذ يهدأ حتى لا يغضب او يصرخ بها وقال في هدوء:
_ قصدك ان أنا مش بفهم في الأصول صح؟
_ آه، ومبتفهمش في أي حاجة خالص، مش الأصول بس
فرك جانب لحيته ثم نظر لها نظرة باردة خالية من أي مشاعر ورد فعل، وفي هدوء استدار ثم تحرك صوب خارج الغرفة.
وبمجرد أن خرج وغلق الباب، حتى انفجرت بالبكاء وكأنها لم تتكلم بثبات منذ قليل.
بدأ يتحرك نحو الخروج من المنزل كله، وأثناء تحركه، عرقلت أمه طريقه وقالت له:
_ رايح فين؟
صالحت مراتك؟
_ لا، ومش هصالحها وادي البيت اهو كله سايبهلكم...
تركها وتحرك نحو الباب واثناء سيره، تابع في صوت مسموع لوالدته:
_ اقعدوا بقا انتوا الاتنين طبلوا لبعض للصبح، هي تقول عليا دا راجل وسخ، وانتي تردي عليها ايوا ومترباش ومش بيفهم في الأصول وهي تقولك بكرهه وانتي تقوليها حقك يا حبيبتي وهكذا بقا، خدوا راحتكم، ربنا معاكم
ثم فتح الباب وغلقه خلفه بقوة.
تمتمت السيدة في ضيق:
" بتخرب بيتك بايدك ليه بس يا ابني؟ "
ثم اتجهت نحو الغرفة التي بها الفتاة وبمجرد أن فتحت وجدتها منهارة، فأسرعت جهتها، ضمتها إلى صدرها وبحنان أم، أخذت تربت على ظهرها في هدوء ومواساة، تقول لها:
_ بس يا قلبي، اهدي يا حبيبتي اهدي
حتى شيئًا فشيئًا هدأت ثم نامت داخل حضنها....
************
تجهز الشيخ حتى يخرج، وأثناء سيره نحو الخروج، نادت عليه هانيا وهي تنزل الدرج:
_ يا شيخ استنى
توقف الرجل واستدار لها.. بدأت تسرع من خطواتها حتى ذهبت عنده وقالت له:
_ عايزة اجي معاك، دا بعد اذنك طبعا
نظر إليها فوجدها متهيئة ومرتدية ملابس الخروج، فقال متعجبًا:
_ تيجي معايا فين؟
انتي عارفة انا رايح فين الأول؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ اه عارفة، حضرتك رايح الصالون الأدبي.. كنت بشوف بابا كل يوم حد بليل بيجهز وبيقول انه رايحه وكنت بطلب منه كتير يوديني بس هو كان بيرفض ويقولي مكان معظمه رجالة وكدا، بس انا بجد نفسي اروحه اوي، ينفع اجي معاك؟
هز رأسه موافقًا في ابتسامة وقال:
_ بتحبي الادب؟
_ جدا جدا، وكمان عرفت انكم هناك بتعزفوا وبتغنوا قصائد لكتاب مشهورين وانا بحبهم.. الأجواء دي جوي جدا، حاسة اني زهقانه اوي بليز وافق وخدني معاك
_ معنديش مشكلة تعالي معايا، بس قولي لجياد الأول ولا هو عارف؟
_ ها؟
لا مش عارف... حاضر هروح اقوله وجاية علطول
ذهبت لتبحث عن زوجها لتخبره، بينما باسم كان يجلس على الكرسي وقد سمع حديثها مع خاله وعليه قام واتجه نحوه ثم قال له:
_ وانا كمان عايز اجي معاكم يا خالو
رد الشيخ متعجبًا:
_ حتى انت كمان يا باسم!
_ وايه المشكلة يعني يا خالو، ما القراءة للجميع!
ثم تنهد وتابع:
_ بعدين مكان جديد بالنسبالي خالص، صالون الحلاقة دا، عايز افهم بتعملوا فيه إيه هناك وكدا
_ صالون حلاقة!
_ أأأه، لا اقصد أأأ.. الصالون بتاع الأدب دا، معلش اصلي عايز أحلق فهتلاقيني خلطت الأمور ببعض بس مش أكتر
_ ماشي تعالى يا عم معانا
فتحت هانيا باب الغرفة التي بها زوجها واختها وقالت له في عجلة من أمرها:
_ جياد، انا رايحة مع الشيخ
_ رايحة معاه فين؟
_ رايحين الصالون الأدبي، بليز وافق بقا وافق يلا
نظر إليها في ضيق ثم إلى روني، فهو كان يبغى أن يذهب معها إلى ذلك المكان ولكنه لم يستطع بسبب طلب روني لتحدث معه وعلى أية حال قال:
_ ماشي روحي، وانا شوية وهحصلكم
_ تمام، شكرا
ثم غلقت الباب وذهبت.
تعجب الشاب وقال لأختها:
_ هي معندهاش فضول حتى تعرف احنا بنتكلم في إيه ولا انتي قولتيلها؟
_ لا انا مقولتلهاش حاجة لسه، بس في حاجتين لازم تعرفهم عن هانيا.. اولا هي مش فضوليه خالص، مش بتحب تعرف تفاصيل ومش بتهتم بالحوارات دي، طالما الأمور ماشية ومفيش حاجة تستدعي للقلق او الشك، مش بتهتم تعرف حاجة، ثانيا بقا ودا الاهم، هانيا بتعشق الادب والقعدات الثقافية والغزف والغنا باللغة العربية، كل الحاجات دي هي بتموت فيها، فطالما فيه خروجة للمكان دا، هتلاقيها بتجري وبس
ابتسم ورد:
_ للدرجادي؟
_ وأكتر.. جرب مرة تجيب لها جيتار هدية او كتاب عن عباس العقاد، او امرؤ القيس، وشوف هتفرح ازاي
_ انتي مقولتليش ليه المعلومات دي من بدري؟
_ مجتش مناسبة، بس اوعدك هديك معلومات عن هانيا، تخليك تكسب قلبها بسهولة
رد في حماس:
_ قولي دلوقتي قولي، دا انا شوية وهقوم البس لبس العباس دا واحفظ كل قصايده واسمعهم لها
_ العباس إيه يا جياد!
العقاد يا ابني، عباس محمود
العقاد
_ معاكي قصايده؟
_ معايا فين يعني؟
_ محملاهم او حاجة
_ لا، بس فاكرة قصيدة هي كانت بتحبها اوي وكل ما تسمعها تقعد تعيط عليها من التأثر
_ ايه قولي بسرعة ايه هي؟
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا مش هقولك دلوقتي.. في آخر الحوار هقولك
_ متهزريش يا روني، قولي بسرعة يلا
_ اما اخلص اللي كنت عايزة اقولك عليه بقا
_ لا مليش دعوة انا عايز اعرف دلوقتي حالا، وهكتب في نوت كمان علشان منساش.
انا مش عارف الناس دي ولا بفهم كلامهم، انا قصايدهم بقرأها فرانكو وباخد وقت رهيب علشان اعرف اقرأ الكلام بتاعهم دا، فاخلصي قوليلي انهي قصيدة ويارب يطلع اسمها عدل مش تعويذة
نظرت إليه مطولًا في غيظ... فتابع:
_ معلش خديني على قد عقلي، لو قولتيلي، هرتاح وهسمعك حلو وبكل تركيز
_ اسمها " أشرقت من جوانب القصر كالزهرة "
_ كل دا اسم!
اومال المضمون هيبقى قد إيه، اما دا العنوان بس!
ما علينا استني هكتبه عندي في نوت الموبايل
وبعدما كتبه، قالت له:
_ اقدر اقول اللي كنت عايزة اكلمك فيه بقا؟
_ اه قولي يلا انا معاكي اهو
تنهدت وأخذت تفكر قليلًا تستجمع أفكارها.. ثم قالت:
_ مين اكتر حد بتكرهه في حياتك؟
_ روني، انا مش فاهم حاجة بجد!
الأول قولتيلي بتثق فيا ولا لا، وبعدها ايه رأيك في عماتك وبعدها مين أكتر حد بتكرهه.
انتي عايزاني في موضوع ولا في فقرة اسئلة واجابة؟
_ معلش، جاوب بس وهتفهم دلوقتي
_ شهاب، هو دا اكتر واحد بكرهه في الدنيا كلها
_ ليه؟
_ هو انا يا بنتي في جلسة نفسية، ولا انتي ضيفة شرف في حياتنا؟
ما انتي عارفة ليه، دا إحنا طبخينه سوا!
_ لا معلش محتاجة افهم لي بتكرهه كدا، علشان مثلا عندك شك انه لسه هانيا بتحبه ولا لانه في يوم هي اختارته؟
_ علشان حاجات كتير واهمهم انه اتجوز اختي علشان يستغلها ويدخل من خلالها من القصر ويفضل قريب من هانيا و...
قاطعته قائلة في ابتسامة:
_ حلو اوي، ايوا هو دا بالظبط كدا، انت جاوبت حلو جدا... عارف بقا إيه اللي خلى شهاب يعمل كدا؟
ايه اللي خلاه يرجع ينتقم ويفكر في ماهي وعايز يبقى قريب من هانيا وكل دا؟
_ هو راجل حقير عادي يعني
_ لا، شهاب اصلا كان فاكر ان هانيا بدلته واختارتك انت عليه علشان الفلوس وماكنش هيعمل اي حاجة لانه ماكنش يعرف اصلا ان هانيا اتجبرت عليك
عقد حاجبيه في استغراب ورد في محاولة للفهم:
_ يعني إيه؟
اومال إيه اللي حصل؟
_ اللي حصل إن تالية هي اللي راحت لشهاب في الشغل وقالت له هانيا اتجبرت وجياد دا راجل ظالم وبيقهرها جوا، تالية هي اللي قالت له ادخل القصر ورجع هانيا ليك، علشان تالية بتحبك يا جياد وعايزاك واعتقد دا كان واضح جدا ليك، خاصة أما بنفسك شفتها بتتخانق في هانيا أكتر من مرة
تذكر أيضًا أثناء تكلمها، عندما وجد تالية في غرفته نائمة على سريره.. والفتاة لا تزال تتابع كلامها:
_ عماتك اقنعوا ابوك يوافق على شهاب واما الجوازة تمت، فضلوا يقولوله احنا بنساعدك وخد هانيا وامشي.. شهاب هددهم لو فضحوا هانيا هيفضحهم، على أساس معاه ادلة بس انا مش عارفة إيه هي، ودا لانه في الأول كان في صفهم قبل ما يقلب عليهم ويقول انه عايز يدي ماهي وابنه فرصة تانية.
هانيا حاليا شايفة ان اللي بيساعدها شهاب من عماتك، هي مش لاقية منك دعم في النقطة دي.. هما ياما هددوها وخوفوها، بس هي كانت بتخاف تقولك ومتصدقهاش وصدمتها تبقى فيك كبيرة.
نهض غاضبًا وقال لها في غضب شديد:
_ شهاب مين دا اللي يحميها وانا موجود وبتنفس، وديني لاطلع اوريهم كلهم ازاي يعملوا كدا مع مراتي
قامت في سرعة معترضة طريقه تقول:
_ استنى عندك رايح فين!
تفتكر احنا مكناش قادرين نقول للشيخ الكلمتين دول يعني؟
_ يعني ايه يعني؟
_ يعني اقعد يا جياد وافهمني للآخر... اقعد
زفر في نفاد صبر، ثم جلس مرة أخرى وقال لها:
_ اهو قعدت، اتفضلي كملي حرق في دمي
_ لازم تفهم، ان دي حقيقة بدون ادلة واللي يخلينا منتكلمش فيها كتير، بس على الأقل انت مصدق من غير دليل، لانك كنت معانا من أول اللعب وعارف كل حاجة.
المهم اكمل لك.
عماتك هددوا شهاب وهددوني، فاطيمة دخلت لي وقالت لي دي حرب واحنا يعتبر في غابة ومتقسمين تيمين، وانتي وهانيا هتطلقوا وهتخرجوا من القصر دا ومش هنهدى إلا أما ناخد هانيا من جياد و ..
قاطعها قائلًا في غضب شديد:
_ دا أنا آخد روحهم قبل ما ياخدوها مني، هما اتجننوا دول ولا إيه!
اديني سبب واحد يخليني مروحش اولع فيهم دلوقتي بسببه
ردت بعدما تنحنحت:
_ مهددنا، احنا معناش دليل، هما معاهم أدلة
عقد حاجبيه في استغراب وعلق:
_ ايوا مهددنكم بإيه يعني؟
ابتلعت ريقها شاعرة بتعصر موقفها، ولكنها أيقنت من أنه لابد أن يعرف الحقيقة، لذا قالت له:
_ جياد هو انت ممكن في يوم من الأيام تتخيل ان هانيا عملالك سحر علشان تحبها وتتجوزها؟
_ يا شيخة ياريتها كانت عملالي سحر، اهو على الاقل كانت هتبقى بتحبني وعايزاني احبها ومتعلق بيها، بدل ما انا متعلق كدا على الفاضي من غير سحر ولا حاجة
_ طيب انت مقتنع اهو، ولا انا كمان هكون عاملة سحر ليزيد ولا مايا
_ ايوا مقتنع طبعا، إيه بقا الحوار؟
ردت في هدوء:
_ انت عارف ان مايا مش راضية تحمل وعدى على جوازها هي وفاتح سنتين ونص يعتبر، فاطيمة خوفتها، قالت لها عبير عايزة تجوز فاتح عليكي ودي كانت حقيقة لان امك فكرت كتير تجوز فاتح لمنى صاحبة ماهي ولمحت بدا اكتر من مرة، مايا خايبة وخافت وعمتك قالت لها روحي عند شيخ، يقرأ عليكي ويعالجك بالقرآن.. اختي ماكنتش مقتنعة في الأول بس في النهاية وافقت وراحت فعلا، بس للأسف بعد ما راحت اكتر من مرة، اكتشفت انه دجال وفاطيمة وحليمة قالولها إحنا منعرفش حاجة، وادي الدليل انك روحتي معانا وكمان...كمان.. الراجل دا فضل يقرأ على اختي ويحط ايده في أماكن معينة غير رأسها مثلا وهي اما جت تعترض، خوفها وقالها كدا الجن ممكن يأذيكي لانه حضر واسكتي، ففضلت متسمّرة مكانها ومش عارفة تعمل إيه، هما عايزين يقولوا انها بتعمل سحر لفاتح علشان يفضل معاها وان هانيا بتعملك سحر وانا بعمل ليزيد سحر، لنفس السبب وخلاص مامتك متبرمجة على كلام زي دا واحنا مش معانا دليل، الشيخ مش هيصدقنا بسهولة، فهمت؟
راح يفكر في كلامها والغضب يكسو ملامح وجهه من أفعال عمتيه.
تابعت في راحة أكثر فقد عدت بالصعب وقالته:
_ لو عرفت تجيب لنا أدلة ضدهم، يبقى كدا هنقدر بكل سهولة نوقفهم عند حدهم
_ عايزاني اعمل إيه؟
مش عايز اتصرف، تصرف انتي مش عايزاه، انما لو قولتيلي اتصرف انت، هتصرف
_ عايزاك تساعدني نطلع برائتنا بأدلة وبدون ما تواجهم ولا تعرفهم ولا تحسسهم حتى بانك عندك علم بأي حاجة... دور يا جياد فيه حقايق كتير اوي اوي مستخبية، مش هقدر حاليا اتكلم عنها، بس هقدر اساعدك توصلها وتكتشفها بنفسك.
دور ورا باسم كتير، بس بذكاء وانا هوجهك تدور وراه ازاي وخلي بالك هيراقبوك وهيعرفوا انت بتعمل ايه، فلازم تدور في السر.
دور ورا عماتك اكتر، هتلاقي بلاوي وانا بردو هساعدك باللي يوصلك.. صدقني انت كدا هتنقذ جوازك منهم، عايزين ياخدوا منك هانيا
كمان دور ورا صفوت، اللي بيعمل كوارث من امريكا دا، وانت هتفهم بيلعب لحساب مين
_ ما بدل ما ادور كتير واتعب نفسي، قولي اللي تعرفيه وانا هصدقك وهساعدك
_ ما انا هوجهك، هقولك تدور ازاي
_ اشمعنى يعني؟
_ كدا افضل، اكتشف الحقايق بنفسك.. في حاجات قبل ما اقولها وقبل ما تعرفها، لازم تكون فاهم قبلها كل حاجة وماشي على الخط، علشان ممكن من الصدمة متصدقش، او تنفعل زيادة جدا وتبوظ كل حاجة، في النهاية انت راجل وأكيد عندك غيرة على اللي منك
نظر إليها نظرة مليئة بعدم الطمأنينة وقال بشك في الأمر:
_ يعني إيه مش فاهم!
انتي اتعرضتي لموقف لو انا عرفته، مش هقدر اهدى ولا استنى وعلشان كدا مقولتيش لاخويا وقولتيلي انا وطلبتي مني انا المساعدة؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ حاجة زي كدا... لو مشيت على خطايا ونفذت اللي بقولك عليه، هتوصل وهتعرف كل حاجة.. انا كان نفسي اعمل دا بنفسي، بس للأسف انا مش قدهم وكمان هما مراقبني طول الوقت بجد.. انما انت، العين مش عليك قدي، علشان كدا بقولك اوعى تواجهم ولا تحسسهم انك شكيت فيهم، هيحذروا منك جدا
_ متخافيش.. هعمل اللي هتقولي عليه بس، وساعتها اما الحقايق تظهر، هولع فيهم، الخونة السفلة اللي قاعدين في بيتنا وحوالينا وبيعملوا فينا كل دا
ثم تنهد وتابع:
_ دلوقتي انا عايز عنوان الدجال اللي راحت له مايا
_ هتعمل إيه؟
_ علقة موت مظبوطة، هتخليه يعترف انه هو اللي قتل سعاد حسني.
ابتسمت وردت:
_ كدا تعجبني.. اهو فعلا الكلب دا تحت التهديد، هيقول الحقيقة
_ عيب عليكي، انتي لجأتي ليا، وانا عمري ما هخيب ظنك.
انا هوريهم، هعرّفهم ازاي يخوفوا هانيا ويخططوا علشان ياخدوها مني وقال ايه يرجعوها لشهاب خرا الكلاب...
وهثبت لهانيا، ان انا اللي بحميها مش غيري...
**********
وبالتوازي مع حديث جياد وروني، كان الشيخ وهانيا وباسم قد وصلوا بالفعل إلى الصالون الأدبي الذي يضم النخبة من القراء.
هناك.
كان الصالون الأدبي يختبئ خلف بابٍ خشبيّ عتيق، كأنّه عالمٌ منفصل عن ضجيج المدينة وصخبها. وما إن تطأه الأقدام حتى تستقبلها رائحة الورق العتيق ممزوجةً بعبق القهوة العربية، فتنساب الطمأنينة إلى الأرواح انسياب الماء في النهر الهادئ.
تدلّت المصابيح الصفراء الخافتة من السقف، تنثر ضوءًا دافئًا فوق رفوفٍ مكتظّة بالكتب والدواوين، بينما استقرّت الأرائك المخملية في زوايا المكان كأنها تدعو الجالسين إلى حديثٍ طويلٍ عن الشعر والحياة.
في أحد الأركان، كان شاب يعزف على العود ألحانًا هادئة، تتهادى بين الحاضرين برقةٍ آسرة، فيما وقف آخر يلقي قصيدةً بالفصحى بصوتٍ رخيم، فتعلّقت به الأبصار وساد الصمت، وكأن الكلمات امتلكت القلوب لوهلة.
أخذت هانيا تلتفت حولها لتنبهر بجمال التفاصيل والمكان، بينما باسم كان ينظر حوله بنظرات مليئة بخيبة الأمل نادمًا أنه جاء إلى هنا.
وهناك على الأريكة، كان مجدي يجلس في انتظار صديقه، وتفاجأ عند لمح وجود هانيا معه تلك التي أسرعت وجلست بجانب والدها وأخذت تستمع في اهتمام شديد لذلك الذي يلقى القصيدة، مندهشة بجمال صوته وجمال العزف.
أما باسم فقد تمتم وهو يتطلع إلى ملامح وجهها المنبهرة:
" نفسي اندهش زيك"
ثم زفر في ضيق وفرك جانب لحيته وأخذ يرمي الشاعر بنظرات مليئة بالقرف والملل وهو يعقد ذراعيه أمام صدره.
وفجأة جال في خاطره فكرة لذا ابتسم وتمتم وهو يخرج الهاتف من جيبه:
" والله فكرة، بدل الزهق اللي الواحد فيه دا "
ثم اتصل على شهاب.... وكان حينها الشاب يركب على دراجته النارية يقودها ويسير في أماكن عشوائية اثر الضيق.. وبمجرد أن سمع الهاتف يرن، حتى وقف جانبًا وأخرجه من جيبه ليجده رقمًا غريبًا، استقبله على اي حال قائلًا:
_ الو؟
_ الو ازيك يا شهاب
_ مين معايا؟
_ باسم عواد
_ خير؟
_ ولا حاجة، الشيخ كان قالي ارن عليك علشان تيجي تقعد معاه شوية في الصالون الجاهلية الأولى دا
_ ايه هو دا؟
_ مكان كدا للمثقفين ومرهفي الحس زيك، ها هتيجي؟
فكر قليلًا في الأمر... ثم وافق فهو حقًا لا يعرف أين يذهب لا يطيق الشقة لانها ملكها ولا بإمكانه ان يعود لمنزل والدته، لانها هناك.. لذا قال له:
_ موافق.. ابعت لي لوكيشن
_ حالا
انهى المكالمة معه وارسل له الموقع وتمتم في ابتسامة:
" اهو اي حاجة تشعلل لنا القعدة دي بدل أحفاد عنترة دول "
انتهى الشاب من إلقاء القصيدة وصاح الجميع في تشجيع له:
" الله "
وصعد آخر على المسرح وبدأ يغني...
وعقب مرور وقت ليس بطويل، وصل شهاب وأخذ يبحث بعينيه عن باسم او الشيخ، حتى رآه باسم فذهب لاستقباله قائلًا:
_ اهلا يا عم، تعالى انضم لدار الندوة دا
[ دار الندوة، كان مكان لتجمع كفار قريش سرًا، للتخطيط ضد المسلمين ]
سار معه شهاب حتى لمح جلوس الشيخ فابتسم ولكنه تفاجأ بوجود هانيا بجانبه ومجدي أيضًا.
لمحه الشيخ فقال في ابتسامة:
_ شهاب!
تعالى يا حبيبي اقعد جمب عمك مجدي هنا
ليتمتم باسم:
" هتولع"
اقترب منه شهاب وقال في ابتسامة:
_ لا لا انا مش عايز اقعد، عايز افضل واقف كدا، لو حبيت اقعد، هقعد
رفعت هانيا بصرها نحوه في استغراب من مجيئه إليهم في هذا التوقيت وتلك الساعة.
ظل الشاب واقفًا وهو يعقد ذراعيه أمام صدره، يدعي أنه منصتًا باهتمام لكلمات المؤدي الذي كان يقف على المسرح.
بدأ الشيخ يلتفت حوله وهو يقول:
_ عايز حد يغني لي، يا من هواه أعزه، وأذلني يا مجدي
ليسمعه باسم ويقول له على الفور:
_ شهاب يا شيخ، اي نعم انا معرفش اي الاغنية دي، بس هو صوته جميل وشاعر و فيلسوف عصره وزمانه
_ بجد!
ثم نادى على الشاب والذي بمجرد أن استدار له، قال:
_ اطلع على المسرح غني لنا، يامن هواه اعزه، وأذلني.. باسم قال ان صوتك حلو وعارف اغاني باللغة العربية
نظر إليه شهاب، ثم إلى باسم فوجده يبتسم له فهو قصده أن يقلل منه ويضعه في مأزق دائمًا، ولكن شهاب ابتسم ورد:
_ وماله يا شيخ، انت تؤمر
هنالك، ابتلعت هانيا ريقها وبدأت دقات قلبها تتسارع.
صعد شهاب على المسرح عقب انتهاء الأخير من فقرته واخبر الفريق الموسيقي بالاغنية كي يستعدوا بالعزف.
وبينما هم يستعدوا، قال الشيخ لمجدي:
_ اطلع اعزف له على الجيتار يا مجدي، انا بحب عزفك جدا، وبالذات مع الأغنية دي
تنحنح الرجل وقال له:
_ ما بلاش يا شيخ
_ ليه بلاش؟
لم يعرف بما يجيب، لذلك قام في صمت وصعد المسرح وجلس على الكرسي الموضوع فوق المسرح وأخذ جيتارًا كي يعزف عليه.
وبينما الفريق يتجهز والشاب يعد نفسه للغناء، اتصل باسم على ماهي مكالمة فيديو.. وكانت الفتاة حينها نائمة ولكنها استيقظت بمجرد أن سمعت الهاتف، واستغربت لانه يتصل بها فيديو.
اعدت نفسها وشعرها ثم فتحت الفيديو وهي تقول بصوت ملئ بالنعاس:
_ إيه يا باسم بتتصل عليا فيديو ليه؟
في حاجة حصلت في القصر ولا إيه؟
_ لا ولا حاجة، اتصلت بس علشان اوريكي جوزك الفنان، وهو بيغني لنا، علشان تشوفي مواهبه المتعددة وتفخري بيه
ثم وجه كاميرا الهاتف نحو المسرح كي تراه، وبالفعل وجدته وهو يقف ويمسك بالميكرفون ويستعد.. استفتح بنبرة هادئة أولًا والعزف هادئًا أيضًا، يأتي على مهل:
_ يامَن هواه.. أعـزّهُ و أذلني.... كيفَ السّبيلُ.. إلى وِصآلِكَ دُلّنِي...
ليبدأ العزف برتم أسرع وهو يغني:
_يامَن هواهُ أعـزّهُ و أذلني.....
كيفَ السّبيلُ إلى وِصالِكَ دُلّنِي.... أنتَ الذي حلّفتَني وحَلفتَ لي....
ثم وقعت نظراته نحو هانيا وتابع غناء باحساس أعلى:
_ وحَلفتَ أنكَ لا تخون فَخُنتَني....
وحلفتَ أنّكَ لاتميل مع الهوى.....
أينَ اليمينَ وأينَ ماعاهَدتَني...
تركتني حيرانَ صبًا نائِمًا...
أرعى النّجومَ وأنتَ في عَيشٍ هَنِي..
بدأت فقرة العزف وحدها بدون غناء الشاب حينها والذي اكتفى بأن يردد بصوت عذب:
_ تيرا ريرا رارا تيرارا راراره
وحينها تجمعت دموع هانيا في عينيها وتجمدت داخلهما، تحبسهما وهي تنظر إليه بنظرات مليئة بالخذلان والانكسار دون أن يرمش لها جفن، بينما هو كان ينظر إليها من بين الحين والآخر أثناء تلك الدندنة حتى تنتهي فقرة العزف، بنظرات باردة.
الشيخ يبتسم فرحًا وفخرًا بزوج ابنته، بينما ماهي كانت تبكي في قهر وهي تسمعه يغني لانها تعلم لمن تلك الأغنية جيدًا..
تابع الشاب غناء بنبرة قوية وهو ينظر نحو مجدي تلك المرة، الجالس أمامه يعزف على الجيتار وكان الرجل ينظر إليه أيضًا:
_ لأقعُدنّ على الطَريقِ وأشْتَكي... وأقولُ مَظلُومٌ وأنتَ ظلمتَني...
لأقعُدنّ على الطَريقِ وأشْتَكيٓ...
وأقولُ مَظلُومٌ وأنتَ ظلمتَني....
ثم باحساس أعلى ونبرة أقوة:
_ ولأدعون عليك في غسق الدجىٰ..
يبليك ربي مثلما أبليتنـي..
حينها سقطت الدمعة على خد هانيا فلم تحتمل أن تحبسها أكثر، ولاحظها والدها وهو يعزف في تأثر على حالها.
بدأت ملامح وجهها تكسوها الشفقة و الصعبانية على ما حدث لهما...
وبنبرة أقوى من السابقة غنى، ومع ذلك المقطع، ازداد بكاء زوجته:
_ يامَن هواهُ أعـزّهُ و أذلني.. كيفَ السّبيلُ إلى وِصالِكَ دُلّنِي..
أنتَ الذي حلّفتَني وحَلفتَ ليٓ..
وحَلفتَ أنكَ لا تخون فَخُنتَنيٓ
ومع فقرة العزف وفقط للمرة الثانية.. كان الشاب يحرك قدمه ببطء على المسرح حيثما يقف.. بينما زوجته وضعت يدها على قلبها تشعر به يقتلع من بين ضلوعها، تختنق وتتنفس في صعوبة وهي تراه يغني بكل ذلك الإحساس يلوم حبيبته ووالدها على ما فعلوه به.
الشيخ سعيدًا للغاية وكذلك باسم كان يشمت بهما وهو يرى نظرات هانيا تلك له، ويسمع بكاء ماهي، فكان يحب أن يرى الآخرين تعساء مثله.
أزالت هانيا دمعتها في هدوء ولازالت عيناها مسلطة على الشاب الذي ذكرها بكل ما حدث ثانية يلومها ويلوم والدها بتلك الكلمات بشكل غير مباشر.
وفجأة بنبرة صوت قوي وعذب، غنى المقطع الأخير لينهي وكان أكثر تأثرًا:
_ آآآآه... يامَن هواه أعـزّهُ و أذلني
كيفَ السّبيلُ الى وِصالِكَ دُلّنِي
أنتَ الذي حلّفتَني وحَلفتَ لي
وحَلفتَ أنكَ لا تخون فَخُنتَي.....
يامن هوآآه....
صاح الشيخ في انبهار بتلك الطبقة من صوته وتأثره بالكلمات حتى جعلها تسكن قلوبهم:
" الله "
_كيف السبيل إلى وصآلك، أنتَ الذي حلّفتَني وحَلفتَ لي
وحَلفتَ أنكَ لا تخون فَخُنتَنيٓ
بدأت الألحان تهدأ شيئًا فشيئًا والشاب يمد في حرف الياء ينهي معهم الألحان محافظًا على الإيقاع وقوة الصوت...
حتى انتهوا، فصفق الجميع تصفيقًا حارًا ومنهم من اطلق صفيرًا عاليًا حتى صاح الشيخ مازحًا في ضحك:
_ إيه يا عم جمال الصوت والاحساس دا كله!
انت اتخنت قبل كدا ولا إيه يا شهاب؟
ليضحك الجميع، ويبتسم الشاب ابتسامة هادئة للغاية ولم يعلق.
حينها وقفت هانيا واتجهت تبحث عن المرحاض هاربة من الجميع وضربات قلبها تتسارع بشكل أكبر واقسى، لا تتحمل.
أما ماهي فقد انهت المكالمة من عندها ثم خسفت بوجهها داخل الوسادة لتموت بقهرها من شدة البكاء.. وفي المرحاض، تبكي هانيا أمام الحوض ومياة الصنبور جارية، تملأ يدها ثم تسكبها على وجهها مرات عديدة متلاحقة، يداها ترتجفان وشفتيها أيضًا...
اسندت جسدها إلى الحائط وتمتمت:
" لا... لا كدا مش هينفع لا... اللي انا فيه دا مش هينفع.. لازم حل... لازم حل والا هموت بقهرتي وحسرتي"
كانت تحدث نفسها والدموع لا تتوقف كأنها شلال...
********
كان جياد داخل غرفته، يتحدث عبر الهاتف مع مايا والتي أخبرته بكل التفاصيل التي سيحتاجها للانتقام من الدجال وإظهار برائتها.
وفي ذلك الوقت، فتحت هانيا الباب ودخلت، وعندما رآها ابتسم ثم أنهى المكالمة مع مايا بعدما سمع منها ما يريده.
قال لزوجته في ابتسامة:
_ ان شالله انبسطي؟
هزت رأسها مؤكدة وتحركت صوب الخزانة، أخرجت منها ملابس لها وبدأت تبدل ثيابها.
تابع في نفس الابتسامة:
_ تعرفي كنت بكلم مين؟
ردت وهي ترتدي المنامة:
_ مايا، صح؟
روني كلمتني في التليفون وقالتلي اللي المفروض اتفقتوا تعملوه مع الدجال دا
_ ايوا صح.. بس انا مستغرب حقيقي، ليه مقولتليش انتي!
لسه مش بتثقي فيا؟
ردت وهي تغلق درفة الخزانة:
_ لا مش كدا، بس الموضوع ميخصنيش علشان كدا محبتش اتكلم فيه يعني، قلت لو هي حابة تتكلم
اتجه نحو السرير ثم جلس على طرفه وكان يرميها بنظرات مليئة بالاعجاب والحب بينما كانت تتحرك وتعلق ملابسها وتفك شعرها وهكذا..
رفعت شعرها للأعلى ثم ربطته برباط الشعر وتحركت نحو الكوميدو بعدما رأت فوقه زجاجة مياة، كي تشرب، وأثناء سيرها أمامه من ناحية السرير، سحبها من يدها فتوقفت وهي تنظر له لتفهم ماذا يريد، فسحبها أكثر إليه كي تجلس على السرير أمامه وبالفعل جلست وهي لا تزال تتساءل ماذا يريد.
قال لها في ابتسامة صغيرة:
_ هو أنا موحشتكيش خالص؟
سكتت تفكر قبلما ترد، وفي الحقيقة قد فهمت مقصده وقررت أن تعطي لنفسها فرصة معه، فهي قد منحته فرصة ولم تعطها له، فكرت في الأمر، لقد أصبح شهاب أمرًا مستحيلًا، أيعقل أن تظل هكذا مع زوجها، جسد بلا روح؟
هل تنتظر أن تتحسن علاقتها بزوجها وهي لم تمنحه أي فرصة للقرب منها إلا بالحد المسموح وكأنه غريبًا؟
هاهو شهاب هناك يعيش سعيدًا مع زوجته التي تحمل ابنه، بينما هي تبكيه كل ليلة وكأن بكائها سيعيده إليها!
قررت أن تستسلم للأمر الواقع وان تحاول أن تتقبل حياتها وتتحمل نتيجة اختيارها عندما منحته تلك الفرصة لذا قالت له في ابتسامة:
_ لا وحشتني يا جياد، الليلة بتاعتنا
ابتسم ابتسامة عريضة وهو يكد أن يكذب سمعه وقال ودقات قلبه تتسارع:
_ بتهزري!
ولا بتتكلمي جد؟
وضعت يدها على يده وردت:
_ لا، بتكلم جد
_ يعني...يعني... يعني مسموح أقرب منك؟
هزت رأسها مؤكدة وقالت:
_ اه، وبالشكل اللي يرضيك
رد في عدم تصديق:
_ هو الشيخ عطاالله سحرلك ولا إيه!
ضحكت ولم ترد.. فتابع في صوت عالي ممزوج بالفرحة:
_ بركاتك يا شيخ عبدالله يا زيني، انت و الصالون الأدبي وعباس الصياد
_ مين عباس الصياد دا؟
تنحنح ثم رد:
_ دا.. دا الشاعر المفضل بتاعك صح؟
تنهدت ثم ردت وهي تحاول أن تسيطر على اعصابها:
_ طب اسكت، اسكت احسن اسكت بدل ما اتقفل واغير رأيي
رد بسرعة وفي تلقائية حتى انه وضع يده على فمه:
_ لا لا خلاص، اهو سكت خالص
ابتسمت ثم قامت وقالت له:
_ يلا، عايزين نجهز ليلة حلوة
ثم تحركت نحو الخزانة، وأثناء تحركها كان يرميها بنظرات مليئة بالتعجب لا يستوعب ذلك التحول السريع والمفاجئ والغريب بالنسبة له، فحدث نفسه في همس:
" هي خانتني ولا إيه! "
أعد لها لزوم تجهيزات ليلة رومانسية، كما أنها تهيأت له وابتدآ برقصة رومانسية جميلة ثم حدث بينهما ما حدث...
**************
وبينما شهاب يسير بدراجته النارية في الشوارع بشكل عشوائي حتى تشرق الشمس، اتصل عليه صديقه هاني.
توقف جانبًا، ثم أخرج هاتفه واستقبل المكالمة قائلًا:
_ إيه يا هاني؟
_ ايه يا شهاب بقولك، كدا انا بعت لك كل الفيديوهات المسجلة في كاميرات الشركة الفترة الأخيرة علشان تشوفهم زي ما طلبت مني
_ ماشي، تسلملي يا هاني يا حبيبي، نردهالك في الأفراح ان شاء الله
ثم انهى المكالمة معه وسار بالموتوسيكل مرة أخرى متجه نحو الشقة التي يعيش بها هو وماهي كي يرى تلك الفيديوهات عبر حاسوبه.
دقائق ووصل، ثم دخل الشقة وسار حتى غرفة النوم ودخلها، أشعل الأضواء ثم تحرك حتى مكتبه وحمل الحاسوب وبدأ يفتحه ويقلب فيه....
وعقب مرور وقت طويل، حدق بعينيه فيما يرى، فجحظت عيناه تكاد تخرج من محجريها بعدما رأى ما رآه ذلك.. دقائق وربط الأمور ببعضها وهو يحدق بالفراغ بعدما تذكر... ثم تمتم:
" يا ابن ال***** "
التقط هاتفه على الفور، ثم اتصل على هانيا.
وكانت الساعة حينها الثالثة فجرًا والفتاة كانت تنام داخل حضن زوجها الغارق في نومه عقب راحة وسعادة.
قلقت من نومها على صوت الهاتف، وبدأت أولًا تحرك رأسها يمينًا و يسارًا لا تود أن تستيقظ، ثم زفرت في ضيق والتقطت الهاتف من فوق الكومودينو لترى رقمًا غريبًا يتصل بها.
خافت قليلًا لذا قررت أن ترد وبالفعل استجابت في نبرة صوت بها القلق:
_ ألو؟
_ ألو هانيا، معلش لو صحيتك بس انا عايزك في موضوع مهم جدا
وبعدما علمت أنه شهاب من صوته، اغتاظت بشدة وعليه قامت من على السرير في الضيق ولانها كانت تنام بملابس خفيفة للغاية، ارتدت فوقها الروب، ثم دخلت البلكون بعدما تأكدت أن زوجها لايزال نائمًا.
غلقت باب البلكون وصاحت في غيظ:
_ انت عايز مني إيه بقا ها؟
مش خلاص يعني؟
خلاص بقا سبني في حالي عايزة اعيش حياتي مع جوزي، انت كمان عايش حياتك مع مراتك براحتك وحامل كمان وكنت مخبي وعايز بس تخرب بيتي وعمال...
قاطعها قائلًا في نبرة أعلى لتتوقف عن الحديث:
_ هانيا، هانيا، اهدي بس شوية بعد اذنك، جوزك إيه ومراتي إيه دلوقتي، انا متصل عليكي في حاجة اهم بكتير من الكلام دا، انا كدا كدا قولتلك خلاص مش هعملك حاجة تاني
_ اومال انت عايز إيه؟
متصل ليه بيا في وقت متأخر زي دا؟
انت عايز جياد يمسكك يقتلك يعني ولا إيه!
_ انا عايز منك خدمة إنسانية، هي بجد كدا مش بأفور
عقدت حاجبيها في تعجب وتساءلت:
_ خدمة إيه دي بقا ان شاء الله؟
_ انزلي الجنينة لو سمحتي دلوقتي
_ ليه؟
_ معلش بس انزلي
_ ليه ليه؟
_ يا هانيا اخلصي انزلي الجنينة يلا هفهمك، بس انزلي يلا
زفرت في ضيق وقالت في غيظ:
_ انا عارفة انت مش هتسكت إلا أما تصور قتيل
_ انزلي بس يلا معلش، والبسي ال اير بودز وحطي الموبايل في جيبك علشان لو حد شافك ميعرفش انك بتتكلمي في التليفون يلا بقا بسرعة
تحركت كي تدخل الغرفة وهي تقول له في ضيق:
_ انا عارفة انا عارفة انك عايز مصيبة، نفسي افهم هعيش بسلام امتى!
وبالفعل ارتدت ملابسها، تيشيرت وبنطلون جينز ثم وضعت الهاتف في جيبها وارتدت سماعة الأذن وتأكدت من أن زوجها لا يزال غارقًا في نومه، ثم سارت على أطراف أصابعها وظلت هكذا تسير، حتى خرجت من الغرفة.
التفتت حولها، فتأكدت ان الجميع في غرفه، لذا بدأت تنزل الدرج في نفس الهدوء حتى لا يشعر بها أحد.
نزلت الحديقة وبدأت تسير بها حتى ابتعدت عن المنزل نفسه وقالت له:
_ اهو يا زفت بقيت تحت، قولي في ايه بقا؟
_ مقبولة منك عامة.. روحي عند الجراج
_ يا شهاب ليه يا شهاب كل دا ليه؟
_ اخلصي يا هانيا اخلصي علشان بجد الموضوع مهم، روحي عند الجراج
زفرت على مهل ثم تحركت نحوه... وعندما وصلت قالت له:
_ بقيت هناك اهو، وبعدين؟
_ أسألي أي حد من الأمن، فين عربيات جياد
_ عربيات!
_ ايوا، هو عنده أكتر من واحدة، بتاع ٣ او ٤ مش فاكر، يلا
ردت في عصبية دون أن ترفع صوتها:
_ لا مش هسأل، انت عايز ايه؟
فرضنا قاله يعني الصبح!
شكلي ايه وانا قاعدة بسأل على عربياته!
_ حبيبتي انتي مراته متعصبنيش!
ايه المشكلة انك بتسألي عن عربيات جوزك؟
_ الساعة ٣ الفجر!
هو دا المعاد الصح فعلا
زفر في ضيق ورد:
_ لو سألك ابقي قوليله قلقت ونزلت الجنينة شوية وانا بتمشى جمب الجراج سألت عن عربياتك
_ هو انت فاكره عبيط!
_ هانيا، انتي بجد لو معملتيش كدا، هاجي أنا وهصور قتيل بجد بقا
_ مجنون وغبي
ثم تحركت نحو فرد الأمن وسألته في ابتسامة:
_ انهي في دول عربيات مستر جياد جوزي يا ترى؟
رد وهو يشير:
_ بصي يا مدام، التلاته دول، هو دايما سايبهم هنا للمناسبات المهمة واللي محتاجة فشخرة، انما دي عربيته اللي بيروح بيها الشغل بس والاستهلاك يعني زي ما انتي عارفة
_ تمام شكرا
شكرته ثم ابتعدت وأخبرت شهاب بما قاله، فقال لها:
_ صوّريلي بقا العربيات دي، التلاته دول يعني
ردت في نفاد صبر:
_ هو ليه يا شهاب كل دا بجد!
عايز إيه يعني؟؟
_ يلا بس، وهفهمك حالا اهو كل حاجة
_ شهاب انت ناوي تأذيه؟
_ أذي إيه انتي عبيطة!
لو عايز أأذيه، هأذيه في عربياته المركونة!
_ طب عايز إيه؟
_ صوري بقا وبس، تعبتيني، بقولك خدمة ليا خدمة يلا بقا
_ والله اياك يا شهاب تعملي مشكلة بسبب الصورة دي
_ من امتى يعني ها؟ صوري بقا وابعتي اخلصي
أخرجت الهاتف من جيبها وبالفعل التقطت صورة للسيارت وارسلتها له وهي قلقة، وبمجرد أن أرسلت له الصورة، حل الصمت... ثم فجأة صرخ:
" يا ابن ال**** يا ابن ال****
لترد في خضة:
_ ايه في إيه؟
_ جوزك المجرم دا، هو اللي خطف اختي، انتي متجوزة مجرم يا هانيا، مجرم، وديني لاوريه
ثم انهى المكالمة معها في الحال.. كانت الفتاة في صدمة لا تصدق ما سمعته منه... ابتلعت ريقها وهي لا تزال في صدمتها.. وحاولت الاتصال بشهاب تارة أخرى ولكنه لم يرد عليها ابدًا، تمتمت في خوف:
" استر يارب، استرها يارب... ازاي جياد بس، ازاي!
أكيد لا.. أكيد في حاجة غلط أكيد "
صعدت الغرفة وغلقت الباب وبدأت تتطلع إلى ملامح وجه زوجها النائم في سلام وهمست:
" لو اتأكدت انك فعلا عملت كدا مع أخته، انت كدا بتحكم على علاقتنا بنهايتها يا جياد.. مهما عملت وهددت بعدها مش هيفيد...
ثم هزت رأسها رافضة تصديق ذلك:
"لا لا، ان شاء الله لا.. لا يا جياد لا"
بدأت تتحرك في الغرفة قلقة، تفكر.. ثم التقطت هاتفه وفتحته فهو من أخبرها بالرقم السري من قبل.
بدأت تفتش في هاتفه وعيناها عليه حتى إذا استيقظ، تلحقي نفسها.. لكنها لم تجد ابدًا ما يثير شكها أو يدينه بأي شكل لذا وضعت الهاتف مرة أخرى محله وارتمت على السرير تفكر في تلك المصيبة وقد هرب النوم من عينيها بالفعل...
********
وفي صباح اليوم التالي، كان يزيد يتجهز لأجل عمله قبلما ينطلق، يقف أمام المرآة يهندم نفسه وشكله وفي الوقت نفسه كانت روني ترتدي الملابس الخاصة بالعمل، فقال لها وهو ينظر إلى نظيرتها في المرآة:
_ هو صحيح، انتي كنتي عايزة جياد في إيه؟
يعني لاحظت انكم اتكلمتوا كتير مع بعض، وبعدها اتكلمتوا مع مايا.. هو في حاجة ولا إيه؟
تنحنحت وردت عليه وهي ترتدي البليزر:
_ ها!
لا ولا حاجة.. كان في مشكلة بينه وبين هانيا وكان بياخد رأيي فيها وكدا مش أكتر
استدار لها ورد في تعجب:
_ هو لسه هو وهانيا مشكلتهم موجودة؟
_ بس يعتبر قربت تنتهي الحمدلله، بدأوا شوية يتفاهموا يعني وربنا يسهل
ترك الفرشاة على التسريحة، ثم تحرك نحوها وقال بعدما وقف جهتها بالضبط:
_ قلبي بيقولي ان فيه حاجة وانتي مخبياها عليا.. الاحساس دا بقاله فترة ملازمني، واتمنى يطلع مجرد إحساس
لم تستطع أن ترد، بل اكتفت بالنظر إليه ونظراتها كلها خوف وقلق.
تابع في نفس الهدوء:
_ اهو شايفة!
عامة عادي.
ثم تحرك من أمامها ليجهز باقي الأشياء قبل الانطلاق، وقال بينما هو يجهز حقيبته:
_ انا بعد الشغل رايح مشوار، مش هرجع معاكي
خرجت عن شردوها، فقد شردت منذ قليل في كلامه، وردت:
_ هتروح فين؟
_ عرفت طريق وصال، اللي هرّبت مديحة وهربت.. وطبعا لازم اتكلم معاها علشان افهم لي عملت كدا
_ هاجي معاك
نظر إليها نظرة غير مرتاحة وكأنه لا يرتاح لها ابدًا فهو يشعر أنها تحيك امرًا ما من ورائه ولكنه رد بعدما هز رأسه بالايجاب:
_ تمام تعالي، بعد الشغل علطول هنروح
هزت رأسها موافقة وهي تتهرب بنظرات عينيها منه.
************
تورمت عيناها من كثرة البكاء وشدته ليلة أمس، كانت تترنح ذات اليمين تارة وذات اليسار تارة أخرى تشعر بوجع أسفل بطنها وصداع ودوخة، تحاملت على نفسها حتى خرجت من الغرفة وبمجرد أن بقت في صالة المنزل، حتى لمحتها حماتها والتي سرعان ما أسرعت جهتها بعدما لاحظت تدهور حالتها وشكلها بتلك الطريقة.
قالت لها وهي تسندها عليها:
_ ايه يا حبيبتي مالك بس!
تعالي معايا تعالي
ظلتا تسيران حتى الاريكة، ساعدتها في الجلوس عليها ثم جلست جوارها وتابعت:
_ إيه يا ماما، مال وشك يا حبيبتي، مال عينك، انتي فضلتي تعيطي بردو طول الليل يا ماهي؟!
يا ماهي انتي حامل يا حبيبتي، لو مش خايفة على نفسك، خافي على زين يا حبيبتي!
ردت الفتاة في نبرة صوت جاهدت في اخراجه، نبرة صوت متحشرج اثر البكاء:
_ والله من امبارح وهو عمال يرفس في بطني وتعبني فوق تعبي يا ماما سحر، وحقيقي كنت حاسة اني كنت بموت
_ طب ليه يا حبيبتي كدا بس ليه؟
سيبك من ابني دا خالص، صحتك وصحة ابنك بالدنيا يا بنتي، محدش هيفيدك لو انتي او هو جرالكم حاجة!
نظرت إليها بعينين متورمتين وردت في نفس نبرة الصوت:
_ مشكلتي إني حبيت ابنك من أعماق قلبي، يمكن علشان كدا بقيت بحس ان قلبي هو اللي بيتقطع من القهر كل شوية....كل شوية بحس كأن حد ماسكه وعمال يعصر فيه بدون رحمة، والحد دا مش أي حد... دا حبيبه..
سحبت رأسها إلى صدرها وبدأت تلمس خصلات شعرها وقالت في نبرة صوت به حنان الأم:
_ معلش يا حبيبة قلبي انتي، حقك عليا، انتوا بس لسه متجوزين جديد وبتاخدوا على طباع بعض، لسه انتوا الاتنين بتكتشفوا بعض، لسه كل واحد منكم عايز يتعود على طباع التاني اكتر
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا يا ماما سحر، الحقيقة المُرة ان ابنك عمره ما حبني وعمره ما هيحبني.
هو معايا بس علشان ابننا وعلشان مش هيكون معاه يديني حقوقي كاملة بعد الطلاق و..
قاطعتها السيدة قائلة في نبرة صوت جادة:
_ تفي من بؤك، طلاق إيه وخراب بيوت إيه!
ياما ناس عاشت أوضاع أصعب منكم ومروا بمشاكل أكبر وأعقد، وعادي مكملين و حياتهم كويسة وبيربوا عيالهم.
هو كل ما واحدة هتتخانق مع جوزها ولا تختلف معاه شوية تقول هطلق، كان زمان كل البلد مطلقين دلوقتي.
معنى البيت والأسرة أقوى بكتير من تفكيركم المحدود دا
رفعت الفتاة رأسها عن صدر السيدة وردت وهي تنظر إلى عينيها:
_ طب قوليلي انتي، ايه رأيك في اللي حصل؟
ابنك طردني علشانها، علشان شوية ورق يخصوها، وطردني وبهدلني وكذب عليا وكل دا شايفة إني مش من حقي اخد أي موقف؟
_ عايزة الحق؟
انتي كمان غلطتي في بعض النقاط اه، الحق يتقال
_ غلطت في إيه طيب؟
اعتدلت السيدة في جلوسها كي تعطيها كامل الانتباه وردت:
_ يعني مش من حقك تعتدي على خصوصيته وتقطعيها بالشكل دا!
أيا كان دي ذكرياته، كان ممكن تقوليله إيه دا وليه محتفظ بيه ولو سمحت اتخلص منه، وساعتها كان هيكون معاكي كل الحق، انما تقطعي وترمي تحت رجلك، ذكريات تخصه، لازم كنتي تلاقي رد ميعجبكيش، خاصة انها مش في شقتك، دي شنطة محطوطة في دولابه في شقة حماتك، وهو مش بيجي هنا اصلا، فلما قطعتيها، شيلتي نفسك غلط رغم ان كان ممكن تاخدي موقف ويبقى معاكي كل الحق وتخليه هو بنفسه اللي يتخلص منهم
ردت في نبرة بها السخرية:
_ اه، يعني دلوقتي بقيت انا اللي غلطانة كمان صح؟
_ انتوا الاتنين غلطانين.
وبعدين انتي مش مرعية ليه اختفاء أخته؟
قالي عملت حفلة وانا مش عايز وعملت حاجات كتير وانا مش عايز بس عملتها علشان خاطرها وهي في الاخر تعمل في حاجاتي كدا!
فكان على آخره منك علشان كدا هلفط بالكلام.
وبعدين دخل يصالحك امبارح، إيه اللي حصل
ردت الفتاة في ثقة:
_ هزقته وطردته
_ طيب جدعة، المهم تبقي خدتي حقك ومرضية
ردت عليها في عصبية:
_ حضرتك بدأتي تدافعي عنه علشان هو ابنك صح؟
_ ابدا يا بنتي، انا بس بقيت اسمع حاجات غريبة معرفش جت ولا ظهرت امتى، انا عمري ما هزقت جوزي ولا غلطت فيه مهما حصل ومهما حصل، وعلشان كدا لو غلطت فيا او زعلني كان دايما هو اللي يصالحني بكل الطرق وانا ميبقاش عليا غلطة واحدة ودا اللي اتعلمته وعملت بيه.. انما جديد عليا موضوع ان واحدة تهزق جوزها وتطرده وقبلها تقطع حاجته وفي الآخر لسه زعلانة!
_ علشان جوزك مهما كان غلط عمره ما هيكون غلط زي شهاب... على الاقل جوزك الله يرحمه، ماكنش بيحب واحدة غيرك، ولا كان متجوزك كدا وخلاص علشان جيتي في طريقه في لعبته هو واخويا، ولا كان مثلا بيتعامل معاكي من باب الواجب، كأنه دا واجب عليا ولازم اخلصه، فطبيعي كان بيديكي جب، اهتمام، عطف، اي حاجة كنتي بتاخديها منه، فأكيد أما يغلط هو، هتسكتي انتي لانك عارفة انه متعصب او زعلان او مش رايق وكدا كدا هيجي وهيصالحك، على عكسي تماما اصلا، انا بشحت منه كل حاجة، كل حاجة بشحتها منه علشان كدا مش لاقية رصيد ليه عندي علشان احترمه واقدره واحافظ عليه.
تنهدت وتابعت في نبرة مليئة بالاسى والحزن:
_ يا ماما سحر، انا متربية والله وبنت ناس محترمة، والبيت اللي انا خارجة منه، كان فيه كلمة واحدة لبابا وماما عمرها ما قللت منه ولا من احترامه بل بالعكس ماما رغم شدتها و قوة شخصيتها، عمرها ما قدرت تقلل منه ولا تهينه ولا تتني كلمته.. بس دا ليه، لان بابا في المقابل أداها كتير، كان بيساعدها في تربيتنا، وكان بيعمل كل حاجة في الدنيا علشانها وعلشانا.. من الآخر كان دايما ليها زوج وسند وضهر، علشان كدا عمرها ما غلطت فيه بنظرة حتى.
وانا والله ويعلم ربنا، اني كنت ناوية اسمع كلامه واحطه تاج على راسي، اما قالي غيري طريقة لبسك، سمعت الكلام من غير جدال اصلا واشتريت لبس جديد وغيرت استايلي كامل علشان خاطره بكل حب ورضا، بس هو كل مدى بيخليني افقد احترامي ليه وتقديري
حكت السيدة في جانب فروة رأسها، غير مقتنعة بمعظم كلامها ثم ردت:
_ بصي يا ماهي، انا اللي اعرفه ان الزوج ليه احترامه وتقديره طول الوقت، وخاصة في حالتك اصلا، انتوا علاقتكم متدمرة و خربانة اساسا، فلما تقلي منه وتهنيه، العلاقة هتخرب اكتر وأكتر، لان الراجل اللي عنده كبرياء ميحبش ابدا حد يكسره، وخاصة مراته الست اللي المفروض ستره وعرضه.
عامة يا حبيبتي انا مش هتكلم في اللي فات، بس نصيحتي ليكي، كفاية كدا، ارجعي بيتك ومع الوقت هتتصالحوا واتكلمي معاه عادي وتاني وتالت وعاشر يا ماهي، انتي مش زي هانيا دي عنده، انتي أغلى ومكانتك أعلى، انتي مراته ام ابنه، بس اكسبيه، اكسبيه دا عيل عبيط، والله ابني مافيه أطيب ولا احن من قلبه، افهميه صح وهو هيكون خاتم في صباعك، انتي راحته وبيته ومتعته... كل دا مفيش غيرك ينفع تعمله أصلا، بس انتي مش عارفة تستغلي دا عنده مش عارفة تخليه يتعلق بيكي وبوجودك وبراحته معاكي
ردت في نبرة يائسة، بعدما تجمعت بعض من قطرات الدموع داخل جفنيها:
_ عملت كل حاجة وفشلت... حبه ليها أقوى مني ومن عمايلي ومن ابني ومن الدنيا كلها...
أزالت تلك القطرات بعدما تمردت وبدأت تخرج عن حدود جفنيها وهي تتابع:
_ كان نفسي يحبني نص حبه ليها.. تلته حتى أو ربعه...
ثم نظرت إلى تلك القطرات التي بقت عالقة على أطراف اصابعها بعدما ازالتهم من جفنيها وتابعت:
_ انتي مشفتيش الإحساس اللي كان كاتبه كان قوي ازاي.. انا مقرأتش مجرد كلمات، انا شفت بعيني إحساس واحد بيعشق واحدة وتفاصيلها.. الكلام خارج من قلبه، كأن خلايا قلبه اللي كانت بتكتب، الكلام مش مجرد حروف.. دا إحساس، إحساس قوي فوق ما تتخيلي، علشان كدا قطعته مستحملتش.. بقا الراجل اللي كتب الكلام دا بالاحساس دا، هو نفسه الراجل البارد اللي عبارة عن كتلة تلج عايشة معايا، ومش بيقولي كلمة واحدة حلوة تبل ريقي غير كل سنة مرة!
إحساس بشع عامة..
قبلما ترد عليها السيدة، تابعت مقاطعة أياها:
_ على العموم انا لازم انزل الشغل، يكفي إني اتأخرت، بس فعلا في ميتينج ولازم احضره
_ غيبي النهاردة يا بنتي، انتي مش شايفة نفسك تعبانة ازاي وعينك وارمة!
هزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ مضطرة والله، لازم انزل، هحاول امشي في نص اليوم كدا بس مينفعش مروحش خالص، يكفي هغيب سنة بعد الولادة.
ثم وقفت وتابعت:
_ هروح البس وامشي يا ماما سحر، بعدين نكمل كلامنا
_ عقبال ما تلبسي، اكون جهزت لك الأكل، لازم تاكلي، هتفطري قبل ما تمشي واوعي تقولي لا
هزت رأسها موافقة ثم ذهبت كي تتجهز للذهاب إلى العمل.
**********
وداخل مكتب العمل الخاص بجياد وهانيا، كانت هي تجلس على مكتبها جانبًا، شاردة في شاشة الحاسوب تنظر لها وفقط ولكنها تفكر.. تفكر كثيرًا فيما قيل لها وفيما يجب عليها فعله، وفي الوقت نفسه، دخلت منى المكتب بعدما سمح لها جياد، سارت إلى مكتبه وهي تبتسم ابتسامة عريضة ثم صافحته وجلست على الكرسي، ليقول الشاب لها في ابتسامة:
_ عاملة إيه يا منى؟
_ الحمدلله يا جياد بخير، وانت عامل إيه؟
_ انا كمان بخير الحمدلله.
ومن هنا، استغلت هانيا وجودها وعليه وقفت ثم تحركت إلى خارج المكتب، فلما لاحظ الشاب ذلك، قال في صوت مسموع:
_ على فين يا هانيا؟
ردت وهي على عجلة من أمرها:
_ جاية
ثم خرجت في الحال، ظل معلقًا بصره قليلًا نحو الباب عقب رحيلها، يشك بالأمر، حتى تنحنحت منى لتلفت انتباهه، وبالفعل التفت لها وقال في ابتسامة صغيرة:
_ تشربي إيه؟
_ اوكيه ممكن أيس كوفي
_ تمام
طلب لها عبر الهاتف، ثم قال لها:
_ انا معاكي، قوليلي
كانت تنظر إليه بنظرات مليئة بالاعجاب، فقد ظهرت لمعة الاعجاب داخل جفنيها، شاردة في ملامح وجهه التي تعجبها وتحبها.. ولكنها تمالكت وبدأت ثابتة أمامه بعض الشئ وقالت:
_ زعلانة منك شوية
رد في استغراب:
_ ليه؟
_ يعني.. عزمتك على عيد ميلادي الشهر اللي فات وانت مجتش
رد في نبرة صوت هادئة وابتسامة واثقة:
_ معلش كنت مشغول شوية.. على العموم عارف انها متأخرة بس..كل سنة وانتي طيبة وبخير دايما
نظرت نحو مكتب هانيا وسألته متعحبة:
_ هو، مكتب هانيا بقا هنا؟
_ اه
_ ليه يعني؟
رد في ابتسامة هادئة:
_ يعني.. بحب اشوفها طول الوقت جمبي، فجبت مكتبها هنا علشان تفضل معايا وقدام عيوني دايما وعلطول
بدأت تتضايق من كلامه ونبرة تحدثه عنها بتلك الطريقة وقالت في نبرة مليئة بخيبة الأمل:
_ للدرجادي بتحبها؟
_ وأكتر بكتير.. دي مراتي وروحي فيها طبعا
بدأت تشعر بالاختناق وكأن هواء المكتب كله لم يعد كافيًا، ثم ردت:
_ يعني.. سمعت انكم كنتوا هتتطلقوا من فترة، بعد الشر أكيد، بس استغربت يعني، اتصالحتوا؟
_ نتطلق!
لا لا مفيش الكلام دا خالص، انا وهانيا مبسوطين وبنحب بعض جدا ومستحيل نتطلق، ربنا ما يكتب علينا فراق ابدا يعني، مين قال الكلام دا؟
هزت رأسها بالسلب ثم ردت في نبرة مخنوقة:
_ لا عادي طراطيش كلام كدا، فكك يعني.. خلاص طالما انت قلت عكس كدا، يبقى هو كدا..
ثم وقفت وتابعت:
_ انا همشي ورايا مشوار مهم لازم اروحه
_ طب والايس كوفي؟
_ مرة ثانية، شكرا
ابتسم لها وقال:
_ تمام، مع السلامة
لم تصافحه تلك المرة بل أخذت نفسها وما تبقى لها من كرامة وخرجت من هنا في الحال، فكانت تود أن تختفي من أمامه وحسب
**********
وبالتوازي مع حديث جياد ومنى، دخلت هانيا مكتب شهاب لتفهم منه ما حدث ليلة أمس، وعندما رآها الشاب قال ساخرًا:
_ جاية فاكرة انك هتقدري توقفيني مثلا!
انسي يا هانيا، انا تاري مع جياد تقل على الآخر وشكل النهاية بتقرب
اقتربت من موضع جلوسه ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت في نبرة صوت جادية:
_ انا من حقي افهم في إيه زي ما بعتلك الصورة اللي طلبتها بالظبط.. بعد اذنك قولي في إيه
وقف ثم تحرك نحوها حتى وقف قبالتها ورد بعدما وضع يداه في جيبه:
_ جوزك المجرم جياد الزيني، هو اللي خطف اختي وعد
_ ايه الدليل على الكلام دا؟
ابتسم ابتسامة جانبية ثم رد:
_ حقك طبعا ما انتي المدام بتاعته ومش هتصدقي واحد زيي بسهولة يعني!
تنهدت تنهيدة قصيرة ثم ردت:
_ شهاب بعد اذنك من غير تريقة، فين الدليل؟
نظر إليها نظرة باردة، ثم تحرك نحو المكتب وبدأ يضغط على ازرار حاسوبه الموضوع فوق طاولة المكتب ثم وجه شاشة الحاسوب ناحيتها وهو يقول:
_ تعالي قربي واتفرجي
وبالفعل اقتربت ومالت برأسها قليلًا نحو شاشة الحاسوب لترى ما يوريها فقال وهو يقف بجانبها يشير باصبعه:
_ اتفرجي، دي العربية اهي اللي ركبتها وعد مع عز بعد ما نزلت من الشركة وفي اليوم اللي اختفت فيه ودا التاريخ اهو فوق... ثم فتح هاتفه والذي كان في يده وقرب لها شاشته وقال وهو يشير:
_ ودي العربية اهي اللي انتي صورتيها من ضمن عربياته ال ٣، ها.. هي هي العربية ولا لا؟
أخذت منه يده الهاتف وبدأت تنظر إلى شاشة الحاسوب وشاشة الهاتف بالتناوب لتقارن بين سيارة زوجها والسيارة التي ركبت فيها الفتاة في اليوم الذي اختفت فيه، تابع اثناء تفحصها:
_ انا كدا كدا كنت عارف شكل العربية اللي ركبت فيها اختي من زمان، بس ماكنتش اعرف عربية الباشا طبعا دي لانه راكنها، بس أما هاني جاب لي كل الكاميرات وبالصدفة كنت بفرّغهم امبارح يمكن اوصل لحاجة، لقيت جياد جيه بنفس العربية اللي ركبت فيها اختي، في يوم الاحتفال والبهرجة والمظاهر اللي حصلت في الشركة من مدة لو تفتكري، اول ما شفته راكب العربية دي، افتكرت العربية اللي ركبت فيها وعد فورا وعلشان اتأكد، طلبت منك تصوريلي العربيات بتاعته وفعلا اهو لقتها من ضمنهم
كانت تهز رأسها بالسلب لا تصدق ما تراه وما تسمعه وقالت في استغراب شديد:
_ يعني إيه؟
يعني انا عايشة مع مجرم؟
رد في نبرة صوت بها الغضب:
_ هو انتي أول مرة تاخدي بالك؟
مستنية إيه من واحد، خطط وتكتك علشان ياخدك مني في يوم قراية فاتحتنا؟
مستنية إيه من واحد مفرقتش معاه أخته وسابها عادي ليا علشان بس ميطلقكيش رغم انه كان عارف اني مش بحبها ومع ذلك سبها تتجوزني، مستنية ايه من واحد أناني ومختل ومهووس ومجنون زي دا؟
وفي نفس الوقت، خرجت ماهي من المصعد الكهربائي وتحركت نحو مكتب شهاب وقبلما تدخل، سألت السكرتيرة الخاصة به:
_ مستر شهاب جوا؟
_ ايوا يا مدام
_ معاه حد؟
قالتها وهي تسير كي تفتح الباب، لترد عليها الفتاة:
_ ايوا معاه، مدام هانيا
توقفت مكانها وتراجعت عن فتح الباب، ثم تحركت نحو الطرقة وبدأت تسير في خطوات سريعة كي تصل إلى النافذة الخاصة بمكتبه وبمجرد أن وصلت ونظرت بعينيها من فتحات النافذة، وجدته يقف ويتحدث مع هانيا ويبدو أنه منفعلًا قليلًا، لم تسمع ماذا يقول ولكنها فقط رأته غاضبًا والفتاة يبدو عليها القلق وهي تستمع له.
غضبت للغاية وتمتمت:
" بقا هو دا الشغل اللي بتتكلموا فيه؟
أكيد بتتكلموا في اللي فات، في الماضي، في الاغنية اللي غنهالك في الصالون الأدبي.. مفيش فايدة يا شهاب، مفيش فايدة"
ثم تحركت في نفس الغضب والسرعة ولكن متجهة إلى مكتبها لا مكتبه وتمنع دموع عيناه من السيلان..
وفي الداخل، سألته هانيا وهي تكد تجن مما عرفت:
_ طب.. طب تفتكر هو ليه عمل كدا؟
يعني كان عايزني وأخدني، ليه يخطف اختك مثلا؟
_ واضحة زي الشمس، فيه طبعا أسباب
_ زي إيه؟
_ هما سببين مهمين جدا، الأول انه عارف كويس اوي ان أخته بتحب الاهتمام وعايزة تتعامل كأنها محور الكون، فطبعا اما يعمل كدا في اختي، انا هنشغل عنها وهفضل مشتت وبفكر وبكدا ههمل ماهي وعلاقتنا بتوظ ونتطلق، لان هو مش عايزني ابقى معاه علشان يعرف يعمل اللي هو عايزه فيا كويس اوي، وكمان يشغلني عن البزنس بتاعي ويفضل عقلي علطول مشغول ومشتت وتعبان وبفكر
السبب التاني والاهم، هو انتي.. علشان ابعد عنك خالص بقا وابدأ انشغل بحالي وبمشاكلي وباختي ومفضلش اقولك نتقابل او احرضك ضده مثلا، زي ما خياله المريض مصور له...
سكت قليلًا يفكر في الأمر ثم تابع في نبرة حادة:
_ ابن ال****
وكل شوية يعايرني بفقري وباختي ويفكرني بيها وهو اللي واخدها
_ شهاب، انا بجد حاسة ان فيه حاجة غلط..
صاح في وجهها:
_ لسه هتقوليلي حاجة غلط!
لسه بتدافعي عنه؟
سحرلك ولا إيه، ايش حال انك عارفة كويس اوي اللي عمله فيكي قبل كدا!
_ لا مش كدا يا شهاب ووطي صوتك.. على العموم انا قلت كدا لاني عارفة انه صعب يعمل كدا، مش علشان هو خلوق ولا مستحرم مثلا ولا مش قادر، لا علشان هو هيخاف يعمل كدا، لو انا اكتشفت مثلا، هعديها يعني؟
رد في نبرة قاسية:
_ انتي اساسا أقل من انه يخاف منك، لو كان بيخاف منك ولا بيعملك اعتبار، ماكنش عمل نص الحاجات اللي عملها معايا دي كلها.. هو خلاص خد على انه بيعرف يضحك عليكي بكلمتين وكدا كدا مش بمزاجك انك تسبيه يا ماما، هو فلوسه وسلطته مقويين قلبه، فعادي هيعمل ما بداله.
تنهد ثم تابع:
_ على العموم انا معايا دليل، كلامك مش هيجيب نتيجة معايا، انا حقي المرادي مش هتنازل عنه.. والواد دا هيرجع اختي يعني هيرجعها وإلا هتبقى دم وبعد ما ترجع مش هسكت له بردو، هكون دافعت عن شرفي وقتها
ردت الفتاة في خوف شديد:
_ شهاب، شهاب ارجوك متخوفنيش، كلامك دا بيخوفني جدا والله.. اسكت انت وانا هتصرف ليك عليا لو معاه اني ارجعهالك والله ل...
قاطعها قائلًا في نبرة جامدة:
_ لا مش هسكت ومتدخليش انتي خالص، انا مرقد له وعارف هعمل إيه
ردت في نبرة اقرب للبكاء:
_ شهاب بس بقا اسكت اسكت، انا هتصرف ارجوك متعملش حاجة وانا هتصرف انا مش عايزة دم ولا الكلام دا ارجوك، علشان خاطري علشان خاطري انا
نظر إليها قليلًا.. نظرة باهتة باردة ثم رد:
_ مبقاش ليكي خاطر عندي.. انا وخاطري هونا عليكي كتير وانا عملت علشانك كتير.. بس انتي انانية وبقيتي شبههم وانا حقي هاخده وانتي مش هتعرفي تمنعيني ويلا بقا اخرجي من هنا قبل ما يجي يدور عليكي زي العيال الصغيرة واقتله هنا
انهى كلامه ثم اتجه نحو مكتبه وجلس على كرسيه ليتابع عمله.. كانت تقف مصدومة من كلامه لا تصدق ما سمعته يلفظه، وقالت في عدم تصديق وهي تشير إلى نفسها:
_ انا انانية يا شهاب؟
أنا؟
انا بجد؟
صاح مرة واحدة:
_ خلاص بقا قرفت، الأول خدك مني وبعدها ذلني وكرهني في عيشتي وقهرني ودلوقتي خد اختي وانتي بدل ما تقفي جمبي ومعايا، رايحة تتصدمي وتقوليلي معملش كدا وفي الآخر تقوليلي متعملوش حاجة؟
للدرجادي يعني خايفة عليه؟
طب يا ستي ماهو جوزك اشبعوا ببعض بقا وفكك مني
صاحت في غضب هي الأخرى:
_ وليه ماكنش خايفة عليك مثلا!
انت مش قده تمام!
استوعب دا بقا وفوق من الوهم، ولازم تخاف على نفسك انت هتبقى أب قريب وعندك امك واخواتك مسؤولين منك ليه ترمي نفسك في التهلكة بدون ما تتأكد؟
قولتلك سيب لي الموضوع دا ويا عم لو اتأكدت من انه اللي عمل كدا، ابقا اعمل معاه اللي انت عايزه وقتها واللي اقصده انك تبلغ البوليس مثلا عليه، مش تقولي النهاية وهتبقى دم وعايزني اقف اشجع!
فوق لنفسك يا شهاب فوق بقا فوق، علشان اقسم بالله ما هتلاقي غيري يوقف لك ويمنعك، انا مش هفرح اما حد فيكم يقتل التاني، تمام؟
بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا وصدرها يعلو ويهبط اثر الصراخ ولكن اثر الغضب لم يختف من ملامح وجهها واحمرار خديها كانت العلامة الأكبر، رد في هدوء بعدما سكت عنه الغضب قليلًا:
_ تمام وانا معايا الدليل!
انا مش محتاج دليل، انا معايا واحد وورتهولك واظن اثبتلك
ردت في نبرة جادية:
_ ماشي، وانا شفته، ممكن تسيبني اتصرف بقا؟
هجيب لك اعتراف منه ودا وعد لو هو اللي عمل كدا اقسم لك بالله لاخليه يعترف ولو اعترف هاجي واقولك بلغ البوليس والشاهد انا، مراته، في اكتر من كدا؟
احنا مش عايشين في زريبة، في حاجة اسمها قانون في البلد، اهدى بقا ولا ترقد ولا تعمل ولا تقولي نهاية ودم وعبط، وانا وعدتك اني هدخله السجن بنفسي لو عمل كدا فعلا، خلاص؟
_ هانيا انتي مش قده، انتي..
قاطعته في نبرة أقوى:
_ خلاص؟
_ يا هانيا بجد مش هتقدري عليه، لو عرف انك عرفتي مش هيحلك، متجبيهوش لنفسك بدل ما يخفيكي انتي كمان
بدأت تقطع له حروف الكلمة وهي تضغط عليهم أثناء النطق:
_ خ..لاص؟
هز رأسه بالايجاب ثم قال:
_ ماشي خلاص.. بس اقسم بالله لو ماعرفتي تتصرفي وعمل فيكي حاجه لهتكوني طينتي الدنيا اكتر
_ متخافش
_ ماشي، بس متعرفيهوش بقا انك عارفة مني حاجة ولا تجبيله سيرة الدليل بالله عليكي، اوعي تقوليله معايا دليل إدانة بأي شكل، لاعبيه بالألفاظ وخلي بالك لانه ذكي جدا
هزت رأسها موافقة ثم تحركت نحو الخارج وحينها بينما هي تسير في الطرقات، اتصل هو عليها، استجابت له قائلة:
_ نعم؟
_ انتي فين؟
_ جاية اهو
انهت معه المكالمة ثم سارت قليلًا حتى دخلت المكتب عنده، فقال لها:
_ في ايه؟
كل دا؟
_ متشغلش بالك انت وقولي، منى كانت عايزة إيه؟
_ ولا حاجة، عادي كانت بتتكلم معايا عادي، لو كنتي قعدتي كنتي سمعتي.. بس يظهر ان كان عندك حاجة أهم يعني
ردت في ابتسامة هادئة:
_ انا اصلا معنديش اهم منك
نظر إليها مرة واحدة كأنه انتبه إلى شيئًا ما بكل حواسه وكيانه وبدأ يقلق.
اقتربت منه حتى وقفت أمام الكرسي الجالس عليه وتابعت:
_ قوم
استجاب لها وقام بالفعل فبدأت بوضع ذراعيها حول عنقه فأخذ يلاحظ ما تفعله في صمت، ثم تابعت ووجها قريب من وجهه:
_ النهاردة بعد الشغل، عملالك مفاجأة
عقد حاجبيه في استغراب ورد في ابتسامة صغيرة:
_ دا من امتى كل الحاجات الحلوة دي!
كل دا بسبب القاعدة في الصالون الأدبي!
ابتسمت ثم ردت:
_ لا خالص، بس بسبب اللي سمعته من اخواتي وعرفت انت ازاي عايز تساعدنا ومستعد تعمل إيه علشانا.. ولا انت بقا مدايقك التغيير دا؟
وضع قُبلة صغيرة على جبينها ورد في ابتسامة:
_ لا خالص يا روحي، بالعكس انا مبسوط اوي باللي وصلناله مع بعض، ومبسوط انك بدأتي تشوفي اللي بعمله ومستعد اعمله علشان خاطرك وبس
_ حساك مش فرحان اوي؟
فرك جانب لحيته ثم رد في ابتسامة:
_ خايف شوية بس
_ من إيه خايف؟
شرد في عينيها البنية التي دائمًا ما تسحره، وأجاب:
_ خايف اكون بحلم حلم جميل وتصحيني منه.. خايف افرح اوي وتجبيني على جدور رقبتي.. اوعي تقوليلى ان كلامك دا ولا احساسك دا مؤقت. او انك بتلعبي بيا وبمشاعري
_ ليه حسيت كدا؟
شرد في عينيها مرة أخرى ولم يرد... ثم قال بعد حين:
_ فكك، انا فرحان والله، بس تقريبا من كتر ما انا مش مصدق، مش مستوعب مش عارف.
ثم ضمها إلى صدره وتابع وهو يمرر يده على شعرها في حنان:
_ على العموم يا روحي انا كمان عاملك مفاجأة
_ بجد!
مفاجأة إيه؟
_ لو قولتلك مش هتبقى مفاجأة
ابتعد عن حضنه وقالت وهي تنظر إلى عينيه:
_ اتحمست عايزة اعرف!
رد في ابتسامة صغيرة:
_ بعد الشغل هتعرفي كل حاجة.. خليكي جاهزة بعد الشغل علطول علشان هتيجي معايا وتشوفيها
ردت في خضة:
_ هي إيه دي اللي هشوفها!
رد في ابتسامة هادئة:
_ المفاجأة يا بطاطا اومال هتكون إيه يعني!
ثم أمسك كف يدها وبدأ يُقبل باطنه في حب، ووضعه على خده وقال لها:
_ بحبك اوي ومستعد اعمل أي حاجة في الدنيا علشان خاطرك
ابتسمت محاولة أن تخبئ قلقها وخوفها خلف تلك الابتسامة وبدأت تلمس بيدها على خده في حنان، ثم قالت له:
_ هروح اشتغل بقا، عندنا شغل كتير اصلا، نتقابل في البريك
انهت كلامها ثم اتجهت نحو مكتبها وبينما هي تقعد، جلس هو الآخر وقال لها في صوت مسموع وهو يبتسم:
_ يارب المفاجأة اللي انتي عملهالي، تطلع ليلة حلوة اوي زي بتاعت امبارح كدا، مش قادر انساها فعلا
ابتسمت له ولم تعلق بل نظرت إلى شاشة الحاسوب تفكر...
**********
قبل يومين، قدمت على طلب أجازة وتمت الموافقة عليه، وها هي في قطر منذ يوم.
ومع الساعة الرابعة عصرًا، كانت تركب السيارة بجانبه، بينما هو كان يقود وقال لها:
_ إيه رأيك بقا يا ستي في الشركة بتاعتنا؟
كانت حينها تتابع الطريق لترى الشوارع والمباني وتتذكرها وهكذا، تراقب من تحت نظارتها الشمسية، وردت:
_ لا حلوة فعلا
_ واضح المجهود المبذول يعني؟
ردت وهي تنظر من زجاج نافذة السيارة جانبها:
_ اه اه جدا، نزار صح، هما غيروا في شكل المباني دي مش كدا؟
نظر إلى ما تشير ورد:
_ اه، بس كدا أحلى وشكلها مودرن أكتر
_ ياه.. دا إحنا شكلنا بقالنا كتير سايبين قطر، لدرجة اتغيرت كدا!
_ اومال انتي فاكرة إيه يا تالية!
دا اصلا شارع كله شركات مهمة زي ما انتي شايفة.. حاجة كدا luxury لازم يهتموا طبعا.
المهم بما إننا شفنا الشركة، تعالي بقا أما اعرفك على بابا وماما
نظرت إليه وردت في ابتسامة بها مراوغة:
_ بمناسبة؟
رد في نفس الابتسامة:
_ my friend عادي جدا يعني
_ اوكيه اتفقنا
صمتا، حتى وصلا الفيلا الخاصة بوالديه حيث يسكن وانطلق إلى عندها سريعًا وفتح لها الباب.
خرجت من السيارة وبعينيها من تحت النظارة الشمسية بدأت تدور بها على شكل المبنى الخاص بالفيلا من الخارج لتقيمه.
غلق باب السيارة ثم قال لها:
_ إيه رأيك؟
دي فيلتنا، اي رأيك بقا في شكل ال building و ال garden ؟
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ nice
يعني قريبة كتير من الفيلا بتاعتنا بردو، اصل بابي كان كدا طول عمره، متربي في اوروبا بقا ولازم يختار المكان اللي هيعيش فيه، وكان دايما يقولي يا تالية، قيمتك هتيجي من اهتمامك بشكلك ومظهرك وكاريرك و البيئة والمكان اللي انتي عايشة فيه، من هنا هتبدأ نظرة الناس ليكي تتبني، فأنا بهتم اوي بالتفاصيل دي بقا
رد في ابتسامة:
_ كلامه صح جدا، لو كان عايش دلوقتي وبينا وشاف الفيلا بتاعتنا دي، كان هيكون رأيه إيه تفتكري؟
سكتت تفكر قليلًا... ثم اجابت:
_ I think كانت هتعجبه
_ طب يلا، يدوب نلحق ماما قبل ما تنزل هنا ولا هنا
سارت بجانبه وهي لاتزال تتلفت حولها لتقيم من مكان معيشته، البيئة الخاصة به ومستواه المادي.
وحتى عندما دخلت الفيلا كانت لا تزال تلفت وتتفحص الأثاث واللوح و الديكورات و حتى الانتيكات لتخمن سعرها وتعلم إلى أي مدى هم أغنياء.
قال لها الشاب:
_ تعالي اتفضلي اقعدي هنا لحد ما ماما تنزل
وعقب دقائق، نزلت السيدة وهي ترتدي ملابس يبدو عليها الثراء، وكانت في أواخر الخمسين من عمرها، شعرها مهندم وشكلها وكأنها لا تزال صبية لا يبدو عليها الكبر ولا التعب ولا الشقاء.
صافحتها تالية في ابتسامة وقال الشاب:
_ ماما دي تالية اللي كنت كلمتك عنها.. تالية دي ماما، مدام رويدا الرئيس
رحبت كل منهما بالأخرى ثم جلستا، وطلبت السيدة من ابنها بأن يتركهما وحدهما قليلًا وبالفعل ذهب.
قالت لها السيدة:
_ تشربي إيه يا تالية؟
_ شكرا يا طنط مش عايزة اشرب حاجة شربت كتير
_ بلاش طنط دي مش بحبها خالص، قوليلي يا رودي
ابتسمت وردت:
_ ماشي يا رودي اتفقنا
_ انت بنت عواد الشمري و فاطيمة الزيني صح؟
هزت رأسها مؤكدة ثم اضافت:
_ واخويا يبقى باسم عواد و خالو يبقى الشيخ عبدالله الزيني وخالتو تبقى حليمة الزيني مرات عبدالعزيز باشا الكبير
هزت رأسها في ابتسامة فقد لاحظت ان الفتاة تفخر بنسبها وبعائلتها وقالت لها:
_ الشيخ عبدالله الزيني، كان ولازال صديق مقرب من علاء الرئيس والد نزار.. أصحاب بزنس بقا وشركات مع بعض..
كمان أنا عارفة كويس اوي عبير هانم الزيني وقابلت مامتك فاطيمة الشمري مرة تقريبا او كدا.. انتي ناسية ان جياد ابن خالك، هو ال best friend لنزار ابني؟
_ لا عارفة، وعارفة كويس اوي ان العلاقة بينكم وبين الشيخ وعياله كانت قوية طول ماهو كان في قطر
_ صدقيني وحتى بعد ما مشي، مازال بينا علاقات قوية، الشيخ ميقدرش يستغنى عن علاء جوزي ابدا في أمور البزنس.
_ ربنا يديم المحبة.. انا فاكرة جدا بردو ان نازلي [ ابنتها الصغرى واخت نزار] كانت تقريبا معجبة بيزيد بردو صح؟
يعني سمعت مش متأكدة!
تضايقت السيدة قليلًا وردت في غيظ:
_ بلاش نفتش في الماضي، نازلي مخطوبة حاليا والموضوع كان مجرد اعجاب مؤقت جدا جدا ولما لاحظت معجب من بدري ب أثيتانا بعدت عنه فورا.
سكتت قليلًا ثم تابعت في ابتسامة صغيرة:
_ وفي النهاية لا اتجوز نازلي ولا اثيتانا ولا حتى أسيل.. اتجوز روني مجدي السلاب
كان الغرض من كلامها أن تكيدها وتوضح لها انها على علم بأعجاب أسيل به ماضيًا مثل ابنتها بالضبط
سكتت تالية قليلًا.. ثم قالت لها:
_ مش بتفكري تنزلي زيارة لمصر؟
_ لا، حاليا مش في مخططاتي... بس ممكن قريب ننزل كلنا لو بقا في حاجة كدا ولا كدا
تنحنحت تالية وتساءلت في هدوء:
_ حاجة كدا ولا كدا ازاي يعني؟
_ يعني.. لو حبيتي انني و نزار ترتبطوا بشكل علني، أكيد وقتها هننزل طبعا علشان نطلبك
نزعت النظارة من على شعرها وبدأت تقلبها في يدها ولم ترد... فتابعت السيدة:
_ إيه يا تالية؟
مالك سكتي يعني؟
_ يعني.. شايفة ان لسه بدري شوية على خطوة زي دي.. انا ونزار لسه بنتعرف يعني و. .
قاطعتها قائلة في سرعة:
_ مفهوم مفهوم طبعا، انتي وهو براحتكم خالص take your time لحد ما تبقوا جاهزين اقصد
وعقب مرور وقت على المحادثة بينهما، جاء نزار معتقدًا أن الكلام بينها وبين أمه قد انتهى، قامت السيدة وكانت بالفعل حينها قد انتهت من كلامها معها واتجهت نحو ابنها الواقف هناك يتابع الأجواء وقالت له:
_ خلصنا، تقدر تروح تقعد معاها
رد في ابتسامة:
_ طب إيه رأيك فيها؟
_ من حيث؟
_ قيميها كلها، عايز رأيك
_ يعني، شكلا وجسما، حلوة مناسبة، ال attitude بتاعها ماشي حاله يعني، مثقفة ومناسبة لعيلتنا، هتليق بينا عادي بس هي كيادة وشايفة نفسها اوي واحيانا حستها قليلة الذوق بس
Overall عجبتني يعني
_ طب المهم انها عجبتك
_ اه، نسب وشكل مناسبة جدا، اما السلوك زي ما قولتلك انت اللي هتعيش مع سلوكها وتصرفاتها، لو متقبلهم بالشكل دا تمام، انا اللي يخصني ويخص عايلتي من حيث شكلها ولبسها وطريقة كلامها ونسبها تمام معايا، انما الروح والشخصية نفسها، انت اللي لازم تقيمه مش انا لان انت اللي هتعيش معاها
ثم تركته وذهبت بعدما انهت كلامها معه بتلك الطريقة.
ابتسم وهو ينظر نحو تالية وحدث نفسه:
" ايوا عجباني وعجباني اوي كمان وحاسس ان هي دي اللي كنت بدور عليها من زمان.."
**********
دخل شهاب مكتب ماهي بملامح جادية وسار حتى مكتبها بخطوات رسمية وقال بنبرة رسمية أيضًا بعدما وضع أوراق أمامها:
_ اتفضلي، نظمت مواعيد الإجتماعات بتاعتك كلها على مدار الأسبوع الجاي ومتابع الاعلان والاتفاقات ومفيش جديد عامة والورق اهو قدامك تقدري تشوفيه، في اي حاجة تانية مطلوبة مني اعملها ولا تمام كدا؟
رفعت بصرها إليه لحظة.. ثم نظرت بعدها إلى الأوراق وبدأت تتطلع فيهم وتقلبهم وقالت له في نبرة صوت مخنوقة:
_ نسقت مع ال clients ورفعت دا على الميل؟
_ آه
_ تابعت الموظفين النهاردة؟
_ لا دا لسه بعد البريك هعمله
كانت تشعر بأنها لا تريد أن تتكلم، فهي موجوعة ومقهورة، لا تريد أن تعمل ولا تريد تلك المعاملة الرسمية الجافة وكأنهما غرباء، كل ما كانت تريده، هو حضنه.. كانت تنتظر منه أن يضمها إلى صدره ويحتويها ويرحمها من كل ذلك العذاب والبكاء المتواصل.
كانت تتخيل نفسها تقوم من مكانها وتفتح ذراعيه وتدخل إلى صدره هاربة من كل ذلك ولكن كبريائها منعها من فعل ذلك بشدة.
قال لها بعدما لاحظ شرودها:
_ حاجة تانية مطلوبة مني النهاردة؟
رفعت بصرها نحوه مرة أخرى وقد تجمعت الأدمع في جفنيها ولمعتها أصبحت واضحة للغاية ولكنه لم يكن ينظر إلى وجهها ليلاحظ ذلك، كان ينظر بعيدًا جاهدًا في ألا يجعل أعينهم تلتقي ببعضها.
همست في نبرة ضعيفة وهي تنظر إلى ملامح وجهه الغاضبة والمتجاهلة:
" بتعاقبني يا شهاب!
بتعاقبني علشان عارف ان روحي فيك! "
ولكنها رغم ذلك، هزت رأسها نافية ثم ردت بعدما تنهدت وحاولت أن تتماسك:
_ لا، مش عايزة حاليا، يكفي شغل النهاردة
هز رأسه موافقًا ثم ذهب، كانت تتبع أثره أثناء رحيله والدموع تنساب على خديها بعدما جاهدت في اخفائهم، وبمجرد أن غلق الباب شعرت بوجع شديد أسفل بطنها سببه طفلها المجهد نتيجة أفعالها ونفسيتها المستهلكة.
في تلقائية وضعت يدها مكان الألم وقالت:
" بس يا زين بقا بس ابوس ايدك انا مش نقصاك، كفاية عليا باباك يا زين ارحموني"
ثم قامت من مكانها وبدأت تسير في خطوات هادئة وبطيئة ذهابًا وايابًا لعل الألم يختفي.
وبعدما قل الألم تدريجيًا، أي لم يختف تمامًا، خرجت من مكتبها واتجهت نحو مكتب جياد.. دخلته بعدما أذن لها وحين دخولها لمحت جلوس هانيا فتجاهلتها واتجهت نحو أخيها وقالت له على عجلة من أمرها دون أن تجلس حتى:
_ انا هروح مش قادرة اكمل
قام من مكانه في الحال وقال في قلق:
_ ليه ليه مالك؟
انتي كويسة؟
ثم اتجه صوبها وأمسكها من كتفيها وتابع:
_ ماهي بصيلي انتي كويسة؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ اه، بس عادي دا تعب الحمل عامة، انا خلصت كل الشغل المهم، مش قادرة اقعد اكتر، لو حصل حاجة شيلها انت بقا
_ متشليش هم يا حبيبة قلبي، المهم انتي تبقي كويسة...
ثم رفع وجهها بعدما وضع اصبعه أسفل ذقنها وتابع:
_ ماهي؟
ماهي انتي بتعيطي؟؟
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا، يمكن اما تعبت كدا نزلت شوية دموع يعني، مش قادرة يمكن استحمل تعب الحمل
_ ربنا يقويكي يا حبيبتي ويقومك بالسلامة ان شاء الله
ثم مسح دموعها بأصابعه ووضع قبلة صغيرة على جبينها وأضاف:
_ تقدري تروحي ومتشليش هم الشغل خالص، ارتاحي يا روحي
هزت رأسها موافقة في ابتسامة صغيرة متصنعة ثم شكرته وذهبت... واثناء سيرها كي تخرج من هنا، نظرت إلى هانيا والتي كانت تنظر إليها بنظرات مليئة بالقلق، لترميها هي بنظرات مليئة بالحسرة وتابعت سير في الحال.
وعقب خروجها، قالت هانيا لزوجها:
_ هروح لروني شوية، كدا كدا احنا في البريك
هز رأسه موافقًا وبدأ يفكر في تصرفاتها الحالية ويقارنها بصرفاتها الماضية...
وفي تلك الأثناء، صدح صوت هاتفه، فالتقطه من على الطاولة واستجاب للمتصل _وكان راجله_ قائلًا:
_ إيه يا عوض؟
_ جياد باشا، انا قدام بيت الدجال دا اهو
_ طب حلو اوي، افتح الكاميرا والمسجل اللي حطتهولك في الهدوم بتاعتك، خليني احضر معاك صوت وصورة
_ حاضر
وبالفعل نفذ ما طلبه منه، ليفتح جياد الحاسوب ويسمع ويرى ما يحدث مع راجله.
والجدير بالذكر أنه طلب منه ان يفعل ذلك دونه، حتى إذا كان يراقبه أحدهم، لا يعرف تحركاته ولا يستعد له.
فلا أحد منهم يعرف عوضًا، سوى زوجته.
طرق عوض باب منزل الشيخ الدجال، لتفتح له سيدة في اوائل الأربعين من عمرها، ترتدي حجاب و عباءة سوداء وجسدها ممتلئ كثيرًا.
قالت له:
_ مين انت؟
رد الشاب:
_ انا محسن مختار
_ وعايز إيه يعني؟
_ عايز أقابل مولانا وبركتنا الشيخ عطاالله
_ ايه مشكلتك ؟
_ ناس كتير قالتلي إني معمولي سحر وجاي اشوف، اصل انا غني جدا وعندي اراضي واطيان وجماعة الخير قالولي ان اهل بيتك طمعانين فيك وعملولك السحر علشان يخلصوا منك
كانت مترددة في إدخاله فهم لا يستقبلون أي أحد إلا من طرفهم أو من يثقون به حتى لا تصل أخبارهم إلى الشرطة.
وعندما لاحظ جياد عبر الكاميرا، ترددها في إدخاله، قال له:
_ عوض، دول كلاب فلوس، طلع الفلوس وهوّي بيها، الجو حر فاهم
وكان الآخر قد سمعه عبر سماعة الأذن التي يضعها في أذنه، وبالفعل أخرج حزمة من المال والتي كانت في جيبه وقد أعطاها له جياد، ثم أخذ يحركها مرارًا و تكرارًا جهة وجهه قائلًا بعدما زفر في ضيق:
_ الجو صعب صعب النهاردة بجد، اكتر حاجه مش بحبها، هو فترة دخول الصيف علينا
رأت المال الذي يستخدمه ليرطب الجو على نفسه، فأعماها لذا قالت له:
_ ثواني ياخويا، جيالك تاني
ثم جعلت الباب مواربًا ودخلت لتتكلم مع ذلك الدجال والذي كان يجلس في غرفته الخاصة، فقالت:
_ يا شيخ، في واحد برا شكله فلاح كدا، لابس جلابية وحاطط عمّة على دماغه، وشكله كدا عبيط او مدهول، بس عنده اراضي وأطيان وطلع رزمة فلوس وقعد يهوّي بيها علشان الحر، ادخله؟
أخذ يفكر قليلًا... ثم رد:
_ هو فاكر انه مسحور؟
_ ايوا، قالي إن جماعة قالوله انه مسحور من أهل بيته بسبب الطمع، زي قصة محمود علام اللي جالنا من كام شهر دا لو تفتكر.
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ اديله معاد الاسبوع الجاي وقوليله هنحدد اليوم والساعة مع بعض، وخلي زلطة يراقبه ويتأكد ليكون مُخبر ونروح في داهية، انتي عارفة احنا شغلنا في السر الحكومة مش معترفة بالخير اللي بنقدمه للناس
_ ايوا يا شيخ فاهمة طبعا، حاضر هقوله الاسبوع الجاي معادنا وهنراقبه علشان نتأكد انه مش بيكدب.
خرجت له واخبرته بما قال لها فوافق ثم انصرف واخبر جياد والذي سمع بالفعل، بما قالته، فقال له جياد:
_ خلي بالك بقا، ممكن يراقبوك، شكلهم ناس مش سهلة، توّه اي عربية هتمشي وراك، انا مش هعلمك ازاي تعمل كدا، بس اوعى تبين للي بيراقبك انك بتهرب منه، توّه بشكل طبيعي، اركب كذا مواصلة، من عربية لباص لعربية لمترو وكدا، كأنك مش من المكان وراجع بلدك، وخلي بالك ليعرف لك طريق انا اهو عمال أحذرك
_ متقلقش يا باشا عيب، دا انا هتوهه وهتوه ابوه ولا يهمك انت، دا انا خبرة في المواضيع دي
_ جدع يا عوض، يلا موفق يا عم وصدقني لو نجحت في المهمة دي، ليك عندي جايزة مالية تليق بيك
رد الآخر في فرحة:
_ افضالك مغرقاني والله يا باشا، هتنجح ان شاء الله
انهى معه التواصل كي يعود لعمله وتمتم:
" اما نشوف يا عمتو مين هيفوز في اللعبة القذرة دي"
*********
وفي المساء، وصل باسم الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة الولاية التي بها ياسمين، فقد سافر فجر اليوم وها هو توه وصل.
صافح صفوت وعلم منه محاولات ياسمين المتعددة للهروب واخبره بشأن كل الخطط التي وضعها للأيام القادمة.
طلب منه باسم أن يستريح قليلًا أولًا ثم يستكملا حديثهما فيما بعد.
وكانت ياسمين تجلس في الغرفة ويديها مقيدة في الكرسي الذي تجلس عليه وبدأت تخاف ما إن سمعت صوته... وفجأة سمعت صوت موسيقى في الخلفية فقط موسيقى لا كلمات اغنية فقط الموسيقى الخاصة بها، ثم وجدت الباب يُفتح، وباسم يدخل لها وهو يرتدي ملابس مثل ملابس مايكل جاكسون، القبعة السوداء و البليزر الأسود وهكذا.
وبمجرد أن لمحها، ابتسم ابتسامة جانبية، خطى خطوات نحو الداخل وفي يده السوط والذي بمجرد أن رأته اختضت.
بدأ يرقص بقدميه مثل الحركات التي يقوم بها مايكل جاكسون ويرقص وبعد المقدمة والرقص عليها، بدأ يغني بصوته بنفس طريقة المغني وهو لايزال يرقص:
As he came into the window
It was a sound of a crescendo
He came into her apartment
He left the bloodstains on the carpet
She ran underneath the table
He could see she was unable
So she ran into the bedroom
She was struck down, it was her doom
أثناء دخوله إلى النافذة
كان الضجيج يتزايد
دخل شقّتها
ترك بقع الدم على السجادة
ركضت ليختبئ تحت الطاولة
فرأى أنها عاجزة
ثم ركضت إلى غرفة النوم
تلقت ضربة قاتلة، كانت تلك نهايتها
Annie, are you okay?
So, Annie, are you okay? Are you okay, Annie?
Annie, are you okay? Annie, are you okay?
Are you okay, Annie?
Annie, are you okay?
Annie, are you okay?
Are you okay, Annie?
Annie, are you okay?
So, Annie, are you okay? Are you okay, Annie?
آني، هل أنتِ بخير؟
هل أنتِ بخير آني؟
ثم ضرب بالسوط بيده على الأرض بقوة ليحدث صوتًا عاليًا مخيفًا، وهو يغني بالتزامن:
_ You've been hit by
, you've been struck by,
a smooth criminal
لقد أوذيتي من، لقد تعرضتِ للضرب بواسطة مجرم بارع
ثم تقف عن الغناء وتوقفت الموسيقى في الخلفية وسحب السوط واتجه نحوها وجلس على الكرسي الموازي لها وقال وهو ينزع القبعة من على رأسه والفتاة تنظر إليه برعب:
_ عاملة إيه؟
وحشتيني موت بجد، حياتي كانت وحشة من غيرك جدا، قلت لازم اسافرلك مخصوص، فقلت لخالي بقا إني محتاج اسافر امريكا في شغل وكدا علشان اجيلك طبعا.. بقولك مميزة مميزة يعني مفيش كلام
ردت الفتاة عليه بنفس النبرة المليئة بالرعب:
_ انت.. انت عايز إيه؟
وليه غنيت لي الاغنية دي!
_ ايه معجبتكيش؟
دا عمك مايكل جاكسون يا بت!
ابتلعت ريقها وردت:
_ لا.. بس..بس دي اغنية عن جريمة يعني و...
اقترب منها فجأة وهو يضرب بيداه على ذراعي الكرسي الجالسة عليه، وقال وهو يقرب وجهه منها للغاية وعيناه تحدق بعينيها:
_ تلاشيني.. سمعت انك عاملة قلق وانا مبحبش القلق ولا الحركات القرعة المكشوفة دي، أحب اللي يلاعبني بذكاء، هتبطلي غباء امتى؟
ردت في توتر وخوف شديد:
_ طب.. ااا طب انت عايز ايه طيب!
_ ايوا، نيجي بقا للأسئلة المهمة.. هقولك هتعملي ايه وهتنفذيه بالحرف، دا إذا كنتي عايزة ربنا يكتب لك عمر جديد...
**************
كان شهاب يتحرك في شقته في قلق بعدما علم أن جياد قد ذهب بهانيا، فقلق كثيرًا عليها لربما يخفيها هي الأخرى مثلما أخفى أخته وعليه أمسك بالهاتف وبدأ يفكر أيتصل بها أم لا؟
وكان يدعو الله بأن تنجح او تصل إلى أي خيط مهم في تلك القضية التي ارقته وارهقته منذ شهور.
وبينما هو في حيرته، سمع أحدهم يطرق الباب بشدة وصوت ينادي عليه يطلب منه بأن يفتح، ركض نحو الباب وفتح ليجدها منى وبجانبها زوجته، تستند عليها ولا تستطيع أن تقف على رجليها، ساعدها في الدخول في سرعة وهو يتساءل:
_ ماهي مالك؟ مالك
وبمجرد أن دخلت الفتاة، سقطت مغشيًا عليها [ اغمى عليها] ليختض الشاب من شكل زوجته ويحملها في سرعة ثم يدخل بها غرفة النوم ووضعها في سرعة على السرير، اسرعت منى نحو التسريحة وجلبت العطر كي تشممه للماهي كي تفيق، واثناء فعلها ذلك، قال لها شهاب في صوت عالي قلق:
_ مالها يا منى؟
مراتي جرالها إيه؟
شكلها عامل كدا ليه؟
انطقي مالها؟
ابتلعت ريقها وبدأت تتوتر وقالت له في نبرة متلعثمة:
_ ما...ما..مش عارفة انا.. ماما، معرفش
شك بها وبدأ ينظر إليها وإلى زوجته بالتناوب بعدما شعر أن شيئًا ما قد حدث...
************
متنسوش الفوت والكومنتس
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم Salma Khaled
نزلت بدري ساعتين اهو تتحسب لي
ازيكم عاملين ايه
عايزة منكم تفاعل كتيررر وهدوء كبيررر علشان بنخلص الجزء الأول اهووو
الجزء الأول كلها كام فصل وهيخلص، علشان كدا بقت الرواية مرة واحدة في الأسبوع لاني محتاجة تركيز وتقفيل والبارت كمان بقا كبير اوي على غير المعتاد علشان كدا بحتاج وقت كتير
مع بداية الجزء الثاني ان شاء الله هنرجع ننزل يومين في الأسبوع
جاهزين؟؟؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل السابع و الأربعون[ حدث عن طريق الخطأ]
سلمى خالد احمد
*************
لم ينتظر كثيرًا، فقد مال بجسده نحو تلك الموضوعة على السرير كي يحملها فمنعته منى على الفور وهي تقول:
_ هتشليها وتروح بيها على فين، سبني افوقها!
_ على المستشفى، انتي مش شايفة شكلها عامل ازاي؟
_ لا، انا لسه جيباها من المستشفى اصلا وقالولي مفيهاش أي حاجة، وطول الطريق واحنا جايين اصلا كانت عمالة تشتكي لي منك واول ما شافتك اغمى عليها، انت بجد ازاي!
ازاي تعمل فيها كل دا؟
عقد حاجبيه في استغراب وعلق:
_ وهي كانت فين وهي قابلتك فين وايه اللي حصل طيب؟
ردت ساخرة منه:
_ وانت حقيقي بتسأل سؤال زي دا عادي كدا؟
بقا مراتك كل دا كانت برا وانت متعرفش هي كانت فين اصلا؟
صاح غاضبًا:
_ ما هي مقالتش حاجة يا بني آدمة وانا كنت في الشغل اصلا ولسه راجع
تجاهلته منى وامالت على صديقتها وفي يدها زجاجة العطر وأخذت تضعه نحو انفها، بينما الشاب كان يضغط بأصبعه على جبينها كي تفيق وهكذا كانا يقومان بالاسعافات الأولية لها ولكنها لم تستجب إلى أيًا من هذا، مما جعل الشاب يستعجب وتساءل:
_ انتي متأكدة انك ودتيها لدكتور؟
_ اه والله ودتها
_ وقالك إيه طيب؟
_ قالي ان الحمل بتعها بقا صعب وممكن يحصل خطورة عليها وعلى البيبي لانها نفسيا مدمرة، وكمان قالي هي مش بتعاني من أي مشاكل جسدية بس المشاكل النفسية اللي عندها هي اللي ممكن تخليها تفقد جنينها لانها مش بتبطل عياط، ماهي كانت داخلة للدكتور وهي بتعيط اساسا وماكنش عارف يسكتها، انت متخيل انت وصلتها لايه ولفين؟
بدأ يقلق عليها للغاية ثم أخذ يتحرك قليلًا يفكر.. لا يعرف ماذا يصنع وماذا يفعل.. كل ما كان يفعله أنه يتحرك ذهابًا وايابًا يفكر ويود أن يحصل على فكرة مثالية مناسبة في اقرب وقت وفي الوقت الذي عقله فيه مشوش، فقال لها في حيرة:
_ اعمل إيه طيب؟
تعرفي ثيرابي كويس؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ ايوا، صاحبي حسن وسبق وروحت عنده وكلمته عن ماهي قبل كدا أما كانت مدشملة بردو بسببك
_ طيب، نحاول نفوقها و ناخدها ونروح له
بدأت أهداب تلك الغائبة عن الوعي ترتجف ارتجافًا خافتًا قبل أن تفتح عينيها ببطء شديد، مما جذب انتباههما لها بسرعة.
ظلّ بصرها معلّقًا في السقف لثوانٍ طويلة دون أن ترمش، كأنها لا تدرك أين هي أو كيف وصلت إلى هنا.
انحنى شهاب نحوها بسرعة وقال بقلق:
_ ماهي... ماهي، سامعاني؟
تحركت عيناها نحوه ببطء، ثم عبرت فوق وجهه دون أن تستقر عليه، كأنها تنظر إلى شخص غريب لا تعرفه.
تبادلا منى وشهاب النظرات في قلق، بينما همست منى:
_ ماهي حبيبتي، ردي عليا
رمشت الفتاة مرة واحدة، ثم مرة أخرى، كانت ملامحها شاحبة بصورة مخيفة، وعيناها متورمتين من كثرة البكاء حتى بدا وكأن الدموع قد جفّت تمامًا ولم يعد لديها ما تبكيه.
رفعت يدها ببطء شديد نحو عنقها، ثم إلى كتفها، وكأنها تتحسس جسدها لتتأكد أنه ما زال موجودًا.. ارتعشت أصابعها فجأة وانقبض صدرها بقوة، وأخذت أنفاسها تتسارع شيئًا فشيئًا، ليقلق زوجها بشدة فهو لا يفهم ما بها فقال في نبرة مليئة بالحنان وهو يضع وجهها بين كفيها:
_ ماهي، مالك.. ردي عليا يا حبيبتي فيكي إيه؟
لم تجب.. كانت تحدق في نقطةٍ مجهولة أمامها بعينين متسعتين، وكأنها ترى شيئًا لا يراه أحد سواها.
ثم فجأة سحبت ذراعيها إلى صدرها واحتضنت نفسها بقوة.. بقوةٍ مؤلمة، كأنها تحاول أن تحتمي من شيء يطاردها، ليتابع الشاب في قلق أكبر:
_ حبيبتي، فيكي إيه؟
انتي ايه وجعك طيب وفين؟
قوليلي حاسة بإيه؟
ظلّت صامتة....مرّت عدة ثوانٍ قبل أن تغمض عينيها مرة أخرى، لا لأنها تريد النوم فعلًا، بل لأنها لم تعد تملك القدرة على مواجهة العالم أو النظر إلى أي وجه حولها.
وفي تلك اللحظة شعر شهاب بشيءٍ غريب يعتصر قلبه، لأول مرة لم يرَ ماهي غاضبة، ولا باكية، ولا متذمرة بذلك الشكل، بل رآها فارغة...فارغة تمامًا..
قالت منى في عجلة من أمرها:
_ يلا انا كلمت حسن اهو وهو قالي هتيها يلا نروح نشوفها بسرعة
حملها الشاب في عدم تردد لثانية واحدة وأسرع بها وبجواره كانت تسير صديقتها على نفس خطاه..
**********
توقفت سيارة جياد أمام شقة داخل كومباوند رائع في حدود زايد.
خرج من السيارة وأسرع كي يفتح باب السيارة لزوجته تلك التي خرجت من السيارة وهي تبتسم له.
أمسكها من يدها وسار بها نحو الشقة، كانت في تعجب فهي لا تفهم لماذا قد أتى بها إلى هذه الشقة خصيصًا.
فتح باب الشقة وقال لها:
_ تعالي ادخلي
دخلت الفتاة فوجدتها شقة جديدة في منتهى الجمال و الأناقة.. بدأت تشاهد في انبهار.. تدخل الغرف، المطبخ، الخلاء.. كل تفاصيل الشقة قد راقت لها وبشدة، احبتها للغاية
قال لها زوجها والذي كان يتجول خلفها ويدخل المكان الذي تدخله كي يرى انبهار عينيها وفرحتها:
_ إيه رأيك يا ستي؟
باقي لها العفش والفرش وبس وتبقى جاهزة تماما
ردت في نبرة بها الانبهار:
_ تحفة يا جياد.. حقيقي تحفة
أخرج من جيبه المفتاح وبدأ يهزه بيده وقال في ابتسامة عريضة:
_ مفتاحها اهو.. شقتك يا ستي، باقي تمضي العقد
اقترب منها ثم وضع مفتاح الشقة بين يديها وتابع:
_ انا اشتريتها ليكي، ولعلمك الشقة دي في كومباوند casa التابعة ل palm hills ياسين منصور.. مش كان حلمك تشتري شقة في زايد وتكون من مشاريع بالم هيلز ياسين منصور؟
كانت الفتاة في اندهاش مما يقوله لها.. نظرت إلى المفتاح الذي وضعه بين يديها وقالت له في استغراب:
_ بس... بس انت عرفت ازاي إني بحب بالم هيلز وشغل ياسين منصور؟
رد في ابتسامة ونبرة مليئة بالحب:
_ انا عارف عنك كل حاجة، كل صغيرة وكبيرة انا عارفها عنك.. عارف بتحبي أكل إيه وشرب إيه، بقلب في صفحتك على الفيس والانستا وتيك توك وعارف بتعملي شير لايه ونفسك في إيه وبدور وراكي علشان افهم بس بتتمني ايه واحققه.
عارف الألوان اللي بتحبيها من ألوان لبسك وعارف انواع الميك اب بتاعتك بدور فيها وبعرف اسمها وبحفظه عندي... قلّبت على الفيس بوك بتاعك لحد ما وصلت لاخره وشفت بوست انتي مشيراه من سنة ونص تقريبا لياسين منصور ففهمت انك بتحبي شغل الراجل دا في العقارات.. انا مش ورايا لا شغل ولا شاغل غيرك انتي والحاجات اللي بتحبيها واحلامك اللي نفسك فيها علشان أحققها.. بركز في لون المانيكر بتاعك، بركز في كل تفاصيلك.. تفاصيلك اللي توصلني ليكي ولقلبك.. التفاصيل بتفرق وانتي تفاصيلك كلها عندي.
اقترب منها ووضع أصبعه تحت ذقنها وتابع وهي ينظر إلى عينيها الجميلة:
_ انا خاتم بوستاتك وحافظ كلماتك ومركز في تفاصيلك وعارف ازاي اقدر ابسطك.. أنا بعشقك، فاهمة يعني إيه بعشقك؟
واصل لاقصى مرحلة من مراحل الحب، حب إيه دا إدمان..
ابتسم وتابع ساخرًا من نفسه:
_ كنت فاكر إني أما احافظ على نفسي من أصحاب السوء، ومشربش سجاير ولا خمرة ولا امشي في طريق المخدرات، إني بحافظ على نفسي من أي طيش شباب.. بس للأسف أبتليت بإدمان من نوع تاني خالص...
وبينما هو ينظر إلى عينيها، لاحظ الدموع المتجمعة هناك، مما جعله يتعجب وقبلما يسألها، بكت..بكت وانسابت دموعها على خدها وقالت له بنبرة بها خيبة أمل:
_ خد المفتاح دا يا جياد... انا مستاهلش كل دا صدقني.. مستاهلش كل الحب دا منك
ثم ابتعدت عنه على الفور وهي تمسح دموعها بأصابعها..
لحق بها الشاب والذي تعجب من رد فعلها وقال وهو يعرقل طريقها:
_ استني هنا بس، رايحة فين؟
ليه بتقولي انك متستاهليش الحب دا مني؟
لا انتي تستاهلي وتستاهلي اكتر من كدا كمان
ردت في نبرة منكسرة:
_ جياد..جياد صدقني انا مش هعرف اسدد كل دا أنا..
وضع اصبعه على شفتيها كي يمنعها من الكلام وهو يقول:
_ بس.. بس متقوليش كدا.. انا مش مستني منك تسددي ولا مثلا بجبلك حاجة غالية زي دي ومنتظر منك انك تجيبي لي حاجة أعلى منها، لا بالعكس والله عمر دا ما كان اللي في دماغي.
انا راجل متيسر وربنا اداني، فأنا هديكي وقولتلك وهقولهالك تاني، حالي وفلوسي وانا كلي، ليكي انتي..
ثم اقترب منها ووضع وجهها بين كفيه وقال في ابتسامة صغيرة وهو يتأمل جمال ملامحها:
_ ركزي يا بت يا بت دا واللي خلق السما و الأرض، مافيه غيرك في ال heart .
ضحكت بشكل تلقائي من طريقة كلامه ونظراته لها فتابع في ابتسامة أكبر:
_ ايوا كدا، انا هو دا بس اللي عايزك تقدميهولي وبس، ضحكة حلوة زيك كدا ودلع وفرفشة وحب ومرقعة وقلة أدب وبس كدا، انا هكون راضي وميت فل و ١٤، مش مستني منك حاجة أكبر ولا عايز مفاجآت بسعر.. عايزك انتي وبس، انا قولتلك ازاي تسعديني، دلعيني وبس، دلعيني واقعدي حبي فيا واحب فيكي والتلزيق المقرف دا انا بموت فيه عامة
نظرت إليه نظرات بها الضيق من نفسها على ما تقدمه له مقابل ما يقدمه لها، ثم قالت له بعدما توقفت الدموع تمامًا:
_ قولي بصراحة.. انت فيه حاجة مخبيها عليا؟
عقد حاجبيه في استغراب ورد في نفس الاستغراب:
_ حاجة؟
حاجة زي إيه؟
_ أي حاجة عامة، حاجة ممكن تعمل مشاكل مثلا بينا بعدين وكدا؟
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ليه بتقولي كدا؟
هو في حاجة ولا إيه؟
سكتت قليلًا... تحرك عينيها يمينًا و يسارًا في سرعة تفكر... ثم ردت:
_ لا، على العموم المفاجأة عجبتني اوي وحبيتها جدا، وربنا يقدرني واقدر افرحك زي ما بتفرحني دايما.. بس خلينا نروح دلوقتي وبلاش نمضي اي عقود حاليا، بس هنيجي تاني عامة ونعمل كدا.. حاليا يلا نروح
_ ليه يعني؟
هو في إيه؟
ليه نروح ونيجي ونروح ونيجي؟
ما نخلص علطول!
_ معلش ريحني وبس، مش كدا كدا اشتريت الشقة وبقت لينا؟
ريحني وانا كدا كدا هقبلها منك وهي مقبولة كدا كدا بس بلاش دلوقتي ممكن؟
رغم انه شك في الأمر وأحس بشئ ما يحدث معها بداية ما بكت حتى ذلك الكلام الذي قالته، ولكنه قال لها رغم ذلك:
_ تمام، اللي تشوفيه.. يلا نمشي...
********
كان يزيد يقف أمام الشقة التي علم ان بداخلها وصال وأخذ يطرق الباب مرارًا وتكرارًا ولكن لا استجابة وعليه سألته روني:
_ مش انت قولتلي انك متأكد أنها هنا في الشقة دي؟
_ ايوا، بس مش عارف مش بترد ليه بنت ال**** دي
_ يمكن مش هنا، او يمكن مش عايزة تفتح لنا
رد في عصبية:
_ لا ما هي هتفتح يعني هتفتح
ثم أخذ يطرق الباب بشكل أقوى وهو ينادي عليها في نبرة صوت حادة:
_ افتحي بقولك، افتحي افتحي
لتقول له روني وهي تمنعه:
_ خلاص يا يزيد بجد خلاص، هي مش هتفتح أهدى يا حبيبي بدل ما حد من السكان يجيب لنا البوليس، يفتكروا إننا بنتعدى عليها ولا حاجة
نظر إليها ثم استجاب لها على مضض بعدما قرر أن يضع شقة السيدة والسيدة نفسها تحت المراقبة عن بُعد، وبالفعل قرر أن يذهب مع زوجته ليعودا إلى منزلهما بعدما فكر في ذلك ويأس من عدم استجابة الأخرى.
وبعدما رحلا، أطلت السيدة بعينيها من النافذة، فعرفت وعليه اتصلت بفاطيمة على الفور واخبرتها بما حدث، فقالت:
_ يا ست فاطيمة، يزيد ومراته كانوا هنا ومعرفش عرفوا طريقي ازاي.. لا لا متخافيش مفتحتش لأي حد فيهم لا...
************
كانت أسيل تجلس على الارجوحة تتأرجح من فوق إلى أسفل وحسان هو من كان يقف خلفها يحرك الارجوحة بها وهو يضحك والسعادة تبدو على ملامح وجهه بشكل كبير.
وقال لها في تلك النبرة فرِحًا:
_ مبسوطة يا روحي؟
ردت عليه في ابتسامة:
_ ايوا مبسوطة اوي، زق اكتر بقا عايزة اتمرجح حلو بلاش تزق براحة كدا
فعل ما طلبت وهو يقول:
_ حاضر، بس كنت خايف الأول تزعلي إني بزق جامد ولتكوني بتخافي من المراجيح ولا حاجة!
زفرت في ضيق وردت:
_ حسان انا مش عيلة يا ابني!
ومش قاعدة في دريم بارك انا علشان تقولي خايف عليكي!
_ خلاص خلاص متتعصبيش كدا، يخربيت اللي يزعلك، اهو هزق جامد خلاص
وفي تلك الأثناء، دخلت يزيد من بوابة القصر، وسارت في الممر بالحديقة حتى صفها وبدأ ينزل هو وزوجته وعيني أسيل معلقة عليهما منذ أن دخلت السيارة.
رأته يضع ذراعه على كتف زوجته وسير بها إلى داخل القصر.
قالت أسيل بنبرة بها الغيرة:
_ وقف يا حسان، خلاص مش عايزة اتمرجح، يلا ندخل جوا
_ ليه بس؟
ما إحنا بنتمرجح اهو ومفيش حاجة وكنا مبسوطين، إيه حصل فجأة بس؟
_ يلا يا حسان بقا يلا
انهت جملتها ونزلت من على الارجوحة وبدأت تسير في خطوات سريعة.
دخل يزيد وجلس على الكرسي في بهو القصر يستريح، بينما روني قالت له:
_ هطلع أنا أغير هدومي
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ وانا هستنى ماما تيجي علشان اقولها تصبحي على خير وجاي
_ هي فين اصلا؟
_ خرجت مع بابا النهاردة..
تابع في ابتسامة:
_ راحوا يتفسحوا
ابتسمت وردت:
_ ربنا يهديها علينا بقا
ثم تحركت إلى الأعلى وفي الوقت نفسه كانت أسيل قد دخلت ورأت ذلك الوضع لذا أسرعت نحو روني والتي كانت تدوس بقدمها على أولى درجات السلم كي تصعد، فنادت عليها اسيل وهي تقف خلفها وتعقد ذراعيها أمام صدرها، التفتت إليها روني وقالت لها في نبرة بها القرف:
_ عايزة إيه يا أسيل على المسا؟
اقتربت منها أسيل بشكل أكثر وقالت لها في نبرة مليئة بالحقد:
_ انتي واحدة حقيرة وزبالة ورخيصة...
ثم فاجأتها بصفعة قوية على وجهها وركضت سريعًا نحو زوجها تختبئ خلف ظهره، تصرخ باسمه:
_ حسان، إلحقني، روني عايزة تضربني إلحقني
حال حسان بينها وبين زوجة أخيه والتي كانت تصرخ:
_ وربنا ما هسيبك الا اما ارجعلك القلم قلمين يا شرشوحة يا حيوانة انتي، اوعى يا حسان
رد الشاب وهو يدافع بكل قوته عن تلك التي تختبئ خلف ظهره:
_ بس لا لا، هو إيه اللي تضربيها، في إيه في إيه
ردت وهي تصرخ وتحاول أن تمسك بها، بشعرها بأي شيء لتصفعها نفس الصغعة ولكنها فشلت بسبب حسان والذي كان يصيح:
_ بس يا روني نفهم طيب في إيه
_ ضربتني يا حسان ضربتني، اوعى بعد اذنك اوعى
وعلى صراخها، أقبل يزيد في سرعة وهو يتساءل:
_ في إيه يا روني في إيه؟
قالت له وهي تصرخ وتشير باصبعها نحو أسيل:
_ ضربتني يا يزيد، مدت ايديها عليا بدون ما اعملها حاجة والله ما عملت حاجه
لتصرخ أسيل تدافع عن نفسها:
_ كدابة، غلطت فيا يا حسان وهانتني وقالت لي يا خطافة الرجالة وياللي بتبصي لجوزي و...
قاطعها يزيد وهو يصرخ:
_ ايه دا ايه دا ايه دا، بس بس اسكتي متعبطيش هي مستحيل تقولك كدا اصلا متعمليش فتن
_ قالت وانا مش بكدب، اومال هضربها كدا من الباب للطاق!
حاولت روني أن تنقض عليها متجاهلة زوجها الذي يحول بينها وبين تلك الفتاة، ولكن يزيد منعها وهو يصيح بها:
_ بس يا روني، انتي مش شيفاه واقف!
خلاص اسكتي انا هتصرف
ثم قال لأخيه في ضيق:
_ حسان، مراتك كدا ضربت مراتي بدون سبب ودا تطاول وغلط، الموضوع دا لازم يخلص ودلوقتي قبل ما بابا وماما يجوا، احنا مش صغيارين
التفت حسان إلى زوجته وسألها:
_ انتي ضربتيها ليه؟
_ بقولك غلطت فيا وفي شرفي، من كام يوم بردو تالية غلطت في هانيا على كلام هانيا طبعا ومحدش اصلا يصدق ان تالية تعمل كدا، وراحت هانيا ضربتها بالقلم ومحدش اتكلم يعني!
وجياد قال كله الا مراتي وصدقها علطول، انت مش مصدقني يا حسان؟
نظر الشاب إلى أخيه وقال:
_ طب ما هي مراتك كدا غلطت في مراتي الأول يا يزيد!
لتصرخ روني تدافع عن نفسها:
_ انا اقسم بالله ما غلطت فيها ولا اتكلمت معاها حتى، انا طالعة في حالي يا يزيد زي ما قولتلك لقتها جت ونادت عليا وشتمتني وضربتني
ليرد حسان ساخرًا:
_ يا سلام!
ليه مجنونة هي علشان تعملك كل دا بدون سبب كدا!
لترد أسيل:
_ مثلا
وفي تلك الأثناء، نزلت تالية على صوت صراخهم فقد وصلت مصر منذ ساعات قليلة ودون أن ترتاح حتى، ذهبت لتفهم ماذا يحدث.
ومع نزول تالية، قد دخلت هانيا رفقة زوجها من باب القصر فتوهما قد وصلا، وبدأت على الفور تسمع صراخ أختها وهي تدافع عن نفسها وتقول لزوجها أن أسيل ضربتها دون سبب.
شعرت بنيران تسري في كيانها كله ودقات قلبها تسارعت للغاية بمجرد أن علمت ما فعلت تلك الفتاة في حق أختها لذا، انطلقت كالسهم، اختفت فجأة لم يعلم جياد متى ركضت ومتى وصلت إلى هناك من قوة السرعة التي انطلقت بها، ومن وراء أسيل جاءت وسحبتها من شعرها على فجأة وهي تصرخ بها:
_ انتي اتجننتي ولا إيه ازاي تضربي اختي!
صرخت أسيل ليستدير حسان بسرعة فيرى شعر زوجته في قبضة زوجة أخيه الصغير.
وبمجرد أن رأت ذلك تالية، حتى أسرعت جهة هانيا لتدافع عن ابنة خالتها ولكن روني قد افتلتت من يد زوجها وطارت مثل الطير وانقضت على تالية تمنعها من ضرب أختها.
وجاءت مايا فلمحت اختيها في تلك المشادة لذا جاءت وباتت تضرب بكلتا يديها أسيل تارة وتالية تارة أخرى.
واشتد الاشتباك بين الفتيات وتدخل الازواج، فأخذ يزيد يصيح وهو يحاول جاهدًا أن يبعد يد روني واصابعها المتشابكة داخل شعر أسيل، بينما حسان كان يقف خلف أسيل يشدها من خصرها إلى الخلف كي تدع هي الأخرى خصلات شعر روني والصراخ ملأ القصر.
أما جياد فقد حال بين تالية وهانيا بأعجوبة بعدما منعهما عن بعضهما بالقوة وهو يصرخ بتالية:
_ اوعي ابعدي هنا، انتي اتجننتي ولا إيه، عايزة تضربيها!
حاولت تالية أن تمسك بشعر هانيا الواقفة خلف زوجها وهي تسبها فدفعها جياد بقوة فوقعت على الكرسي، ثم استدار لزوجته ورفعها بذراعيه عن الارض من خصرها وتحرك بها في سرعة نحو السلم وبينما هو يحملها ويسير بها، كانت تضربه على كتفيه كي يدعها وشأنها لتكمل الاشتباك وهي تصرخ وتتوعد لهما:
_ والله لو اوريكي انتي وهي، انا هعرفكم ازاي تتجرأوا علينا كدا، احنا هنوريكم مين هما بنات السلاب يا شوية كلاب صعرانة
ولكن جياد لم يمنحها فرصة للافلات لذا اكتفت بالصراخ بمثل تلك الكلمات وهو يصعد بها على السلم بسرعة.
وفي ساحة القتال، ابعد يزيد زوجته بالقوة عن أسيل وكذلك جذب حسان أسيل عن روني، أما فاتح فقد تصدر لمايا والتي كانت تنوي على إكمال الضرب على جسد تالية بعدما دفعها جياد ووقعت على الكرسي، والجدير بالذكر ان فاتح قد خرج من غرفته بروب الاستحمام فكان يستحم وقت حدوث الاشتباك وخرج على صراخهم فورًا ولم يرتدي سوى هذا الروب الابيض وشعره مبلل وحافي القدمين، فوقف بينها وبين تالية وهو يصيح:
_ خلاص بقا، اسكتي يلا واطلعي معايا على فوق، إيه اللي نزلك اصلا؟
لتصيح الأخرى:
_ ضربوا اخواتي يعني، بيضربوا اخواتي ليه؟
صاحت تالية في نبرة صوت حادة:
_ والله العظيم لوريكم كلكم بس الصبر
ليصرخ بها فاتح:
_ خلاص يا تالية اسكتي بقا فضيناها خلاص خلصنا
ثم اشار لزوجته نحو الأعلى وصاح:
_ اتفضلي اطلعي على فوق يلا
نظرت إليه في ضيق ثم إلى تالية وبالفعل تحركت في حركات سريعة نحو الدرج لتصعد إلى غرفتها وكذلك فعل هو.
سحب يزيد، روني من ذراعها بقوة نحو السلم وكانت هي لا تتوقف عن سب ولعن أسيل حتى وهو يسحبها:
_ اهو انتي، اهو انتي اللي ***** و **** وحيوانه وبنت...
قبلما تتابع سبها، كمم فمها كأنه لص وقد اختطف ضحيته، فقال:
_ بس بقا اسكتي، اقفلي بؤك دا اسكتي
وبدأ يسحبها وهو لا يزال يضع يده على فمها كي لا تتكلم ولا تشتم، بينما هي كانت تحاول بكل قوة ان تبعد يده عن فمها كي ترد على أسيل تلك التي لم تتوقف عن سبها وقذفها ولكنه لم يبعد يده وحملها من بطنها بذراعه الأيمن بينما يده اليسرى كانت لا تزال على فمها وهو يصعد السلم.
وفي الأسفل صرخت أسيل وهي تتصنع البكاء:
_ شايف!
شايف هي وأخواتها عملوا فيا إيه؟
شايف ازاي ضربونا انا وتالية؟
هماجيين وسفلة وجايين من بيئة زبالة زيهم
ثم قالت لتالية الواقفة تنظر نحو الأعلى، نحو غرفة جياد:
_ تعالي يا تالية عايزة اتكلم معاكي في اوضتك يلا
قال حسان لها في ضيق:
_ ما خلاص بقا يا أسيل، كلكم ضربتوا بعض!
صرخت في وجهه:
_ ملكش دعوة يا حسان انت خالص، طالما معرفتش تحميني من ضربهم ليا، يبقى اسكت خالص، دول اتكتروا علينا زي حيوانات الغابة وكانوا هيموتونا وانت عامل كأنك ماكنتش واقف
ثم تركته وذهبت في خطوات سريعة وتبعتها تالية مثلما طلبت منها.
أما الشاب فكان لا يزال يقف مكانه وتمتم في ضيق:
" يوه بقا، يا ترى بابا هيعمل ايه لو عرف بالمسخرة اللي حصلت دي! "
**********
توقفت السيارة أمام العيادة، وما إن أطفأ شهاب المحرك حتى التفت نحو المقعد الخلفي حيث كانت ماهي تجلس بجوار منى، كانت تضم ذراعيها إلى صدرها وتغمض عينيها وتفتحها في هدوء وكلما فتحت عيناها كانت تحدق بالفراغ بشرودٍ كامل، وكأنها لا ترى شيئًا مما يحيط بها.
التفتت إليها منى وقالت بلطف:
_ يلا يا ماهي، وصلنا، احنا دلوقتي قدام عيادة دكتور حسن، هيساعدك وهيتكلم معاكي شوية علشان يفهم مالك، تمام؟
يلا يا حبيبتي
لم ترد، فتابعت منى:
_ ماهي؟
ظلت على حالها تحدق في الفراغ في نقطة واحدة.
تنهد شهاب ثم فتح باب السيارة ونزل، قبل أن يفتح الباب المجاور لها، انحنى قليلًا وقال:
_ يلا انزلي.
هزت رأسها نافية دون أن تنظر إليه.
قال في نبرة هادئة بها الحنان:
_ طب انزلي بس نتكلم جوا.
هزت رأسها رافضة مرة أخرى
_ ماهي...
لتتدخل منى قائلة:
_ يلا يا ماهي يا حبيبتي، احنا عايزين نطمن عليكي، علشان خاطر زين ما تعملي معانا كدا، علشان خاطره انزلي معانا كفاية عياط وكفاية اللي انتي فيه دا علشان خاطر أغلى حد عندك يا ماهي يلا
هزت رأسها بالرفض القطعي هذه المرة فيما تبادلا منى وشهاب النظرات في قلق.
ثم تابعت منى وهي تحاول أن تبدو مرحة:
_ يا ستي مش هياكلك يعني، دا دكتور نفسي مش لجنة امتحان، هيطمن عليكي بس بليز يلا بقا
ردت اخيرًا بصوتٍ خافت متعب جاهدت في اخراجه:
_ مش عايزة أشوف حد.
_ طب علشاني انا طيب!
هزت رأسها بالرفض وبدأ الغضب يكسو ملامح وجهها ما إن أحست بالضغط من قبلهما
ساد الصمت للحظات.
ثم فاجأتهم بفتح الباب من الجهة الأخرى ونزلت من السيارة.
تنفسا الصعداء للحظة.
لكنها لم تتجه نحو باب العيادة، بل بدأت تسير مبتعدة، هاربة منهما
أسرعت منى خلفها وهي تنادي:
_ ماهي!
لم تلتفت، فتابعت الفتاة وهي تسرع في خطواتها:
_ استني بس.
واصلت السير في سرعة، حتى لحق بها شهاب وأمسك ذراعها برفق، فانتفضت بقوة وسحبت ذراعها منه فورًا كأن لمسته أرعبتها.
توقف مكانه مصدومًا، أما هي فأخذت تتراجع خطوة إلى الخلف وقالت بصوت مرتجف:
_ متلمسنيش، ابعد عني
نظر إليها في ذهول، بينما شعرت منى بأن شيئًا ما ليس طبيعيًا أبدًا.
اقتربت منها بحذر وقالت:
_ طيب يا حبيبتي، محدش هيلمسك، بس تعالي ندخل خمس دقايق بس حتى
بدأت الدموع تتجمع في عيني ماهي مجددًا وقالت في نبرة أقرب للبكاء:
_ مش عايزة.
_ ليه؟
_ علشان مش عايزة.
_ يا بنتي إحنا قلقانين عليكي.
هزت رأسها بعنف رافضة تمامًا ثم قالت في توسل وترجي:
_ سيبوني أرجوكم.
ثم أضافت بصوت مكسور:
_ أنا تعبانة.... تعبانة ومش قادرة.
كانت تتحدث وكأن الوقوف نفسه صار مجهودًا يفوق قدرتها.
اقترب شهاب خطوة أخرى، ولكن هذه المرة جعل صوته هادئًا قدر الإمكان وقال لها في حنان:
_ بصيلي يا ماهي.
رفعت عينيها نحوه ببطء، فرأى شيئًا أخافه، لم يكن غضبًا، ولا عنادًا حتى، بل انطفاءً كاملًا.
كأن الروح التي يعرفها لم تعد موجودة، كأن من يقف أمامه جسدًا بلا روح
قال بصوت منخفض:
_ لو مش علشان نفسك، ادخلي علشان البيبي، علشان ابننا
ارتعشت شفتاها فور سماع الكلمة وأخفضت رأسها ثم بدأت دموع جديدة تنساب فوق خديها.
أسرعت منى تحتضن كتفيها قائلة:
_ خلاص... خلاص يا حبيبتي، مش هنتضغط عليكي.
بقت واقفة للحظات طويلة وهما يقفان معها والصمت سيد الموقف حتى استسلم جسدها المتعب أخيرًا واسندته على كتف صديقتها التي سندتها بكل ما أوتيت من قوة وقد لاحظ شهاب عدم اتزانها ومحاولتها في الوقوف ولكن يبدو أنها لا تحتمل وربما ستقع على الأرض وكي ترتاح أومأت برأسها موافقة، لذا أخذت منى بيدها برفق
وسارت بجوارها نحو باب العيادة.
أما شهاب فظل يراقبها من الخلف،
يشعر بعجزٍ لم يشعر به من قبل، لأول مرة لم يكن يعرف كيف يساعدها ولا حتى ما الذي كسرها بذلك الشكل.
ثم تحرك بعدهما كي يلحق بهما.
خرجتا من المصعد الكهربائي حتى وصلتا عيادة الطبيب في الدور الرابع، وقفت منى وهي تسند صديقتها بقوة مبالغ فيها، وضغطت على الجرس، فتحت لها المساعدة الخاصة به، وبمجرد أن رأت الوضع، ساعدتها في مساندة الفتاة واخذتا تسناداها معًا حتى دخلا بها إلى مكتب الطبيب، الذي بمجرد ان رآها وقف وقال:
_ هاتوها، هاتوها بسرعة وخلوها تستريح على الشازلونج
استقلت الفتاة على الشازلونج، وأخذت منى حسن من ذراعه كي تحكي له ما يمكن أن يعرفه ليساعد صديقتها.
اما شهاب فأخذ يتجول بعينيه في العيادة كي يتعرف على المكان وسار نحو مكتب الطبيب فوجد منى تقف وتتحدث معه، تجاهل الأمر في لحظتها، وأطل بعينيه من الغرفة على زوجته الممدة على الشازلونج، ثم قال لحسن:
_ مراتي مالها يا دكتور؟
_ حضرتك مستر شهاب؟
_ ايوا
_ انا مش عارف، انا لسه هتكلم معاها، بس من شكلها كدا وملامح وشها، باين انها اتعرضت لصدمة نفسية، أكيد هنتكلم انا وانت بس خليني معاها دلوقتي لوحدنا، ممكن؟
هز رأسه موافقًا ثم خرج بعدما نظر نظرة أخيرة إلى زوجته ولحقت به منى، غلق حسن الباب، ثم اتجه نحو ماهي وسحب كرسيه وجلس أمامها بينما هي كانت متمددة و عيناها مثبتتان في السقف، شاردة في الفراغ، وبمجرد أن شعرت به يجلس أمامها، حتى بدأت تشبك أصابعها بقوة حتى ابيضّت مفاصلها، بينما بقي بصرها معلقًا بالسقف.
ساد الصمت لعدة ثوانٍ.
ثم قال بلطف:
_ تحبي أشربك حاجة الأول؟
هزت رأسها نافية، فأضاف:
_ تمام.
عاد الصمت مجددًا، لم يحاول كسره سريعًا، بل ترك لها المساحة التي تحتاجها.
ثم قال بهدوء:
_ منى قالتلي إنك بتمرّي بفترة صعبة، كفاية اصلا إنك حامل.. صدقيني هساعدك مهما كانت مشكلتك
لم ترد.
فأضاف في محاولة لبدء كلام معها:
_ دي أول مرة تيجي فيها لثيرابي؟
هزت رأسها بالإيجاب، فتابع:
_ حاسة بإيه؟
متوترة؟
هزت رأسها بالايجاب
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال:
_ طبيعي..
سكت قليلًا ثم أردف:
_ بصي يا ماهي، أنا مش محقق نيابة، ومش دوري أعرف أسرارك غصب عنك.
انتي مش مطالبة تقولي أي حاجة مش حابة تقوليها، انا بس عايزك ترتاحي خالص
صوبت عينيها نحوه لأول مرة.
تابع في هدوء:
_ أنا بس عايز أعرف انتي تعبانة من إيه، إيه اللي مزعلك طيب، اعتبريني حد مش هتشوفيه تاني في حياتك وفضفضي، او اعتبري نفسك قاعدة مع نفسك وبتتكلمي، إيه تعبك؟
ارتجفت شفتاها قليلًا، ثم نطقت أخيرًا في همس:
_ مش عارفة.
_ يعني إيه مش عارفة؟
_ يعني مش عارفة.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
_ طيب، بتنامي؟
هزت رأسها بالنفي.
_ بتاكلي؟
صمتت ولم تجبه لا بكلمة ولا ايماءة
فعرف الإجابة وحده وتابع:
_ بتعيطي كتير؟
أخفضت رأسها أكثر، وبدأت دموع صامتة تنساب فوق خديها.
تنهد حسن في هدوء، وسألها:
_ شهاب زعلك؟
ازدادت شهقاتها قليلًا، لكنها لم تتكلم فتابع:
_ حد أذاكي؟
تجمد جسدها بالكامل، وكأن السؤال أصاب شيئًا دفينًا بداخلها.
لاحظ هو ذلك فورًا فلم يكرر السؤال ولم يضغط عليها
بل قال بهدوء:
_ تمام مش لازم تجاوبي.
أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم همست:
_ انا عايزة أموت
ثم أكملت بصعوبة:
_ ممكن تقولي على فكرة انتحار بدون ما أأذي ابني؟
ظل حسن ينظر إليها للحظات يستوعب ما قالته، لم تبدُ على وجهه الصدمة أو الذعر، بل ساد هدوءٌ ثقيل، ثم قال ببطء:
_ لا.
ارتعشت شفتاها وأخفضت بصرها إلى الأرض.
فأكمل بهدوء:
_ ومش هقولك، مش هتعملي كدا
انهمرت دمعة جديدة فوق خدها،
وقالت بصوتٍ مبحوح:
_ أنا تعبت.
_ مصدقك.
_ تعبت أوي.
_ ومصدقك في دي كمان.
بدأت شهقاتها تتصاعد شيئًا فشيئًا:
_ مش قادرة أكمل.
_ دلوقتي حاسة بكده لكن الإحساس ده مش معناه إن مفيش طريق تاني.
هزت رأسها بعنف وهي تقول:
_ لا مفيش خلاص...
سكت قليلًا قبل أن يسأل:
_ إيه اللي مخليكي متأكدة إن خلاص؟
لم تجبه، بل أخذت تبكي أكثر.
ضمّت ذراعيها إلى صدرها وكأنها تحاول أن تحتمي من العالم كله.
وقال بصوتٍ أكثر لينًا:
_ ماهي، أنا مش هضغط عليكي تحكي حاجة مش عايزة تحكيها
لكن اللي أنا شايفه قدامي دلوقتي إنك موجوعة جدًا، موجوعة للدرجة اللي خلتك تفتكري إن الموت أهون من الوجع.
رفعت عينيها إليه مرة أخرى وكانت نظراتها مليئة بالانكسار وسألته في يأس كطفلة ضائعة
_ أعمل إيه؟
كأنها لا تنتظر إجابة فعلًا.
فقال:
_ أول حاجة... مناخدش قرارات كبيرة وإحنا في أقصى لحظات الألم،
وثاني حاجة..
مش هتفضلي لوحدك وكل دا هيعدي
صمتت غير مقتنعة
فأكمل:
_ مهما كان اللي حصل، ومهما كان حجمه، هنتعامل معاه خطوة خطوة.
النهارده مش يوم أحكام ولا يوم عقاب ولا يوم نهاية..النهارده بس يوم بنتكلم فيه مع بعض علشان نخليكي تعدّي الساعة الجاية
ثم اللي بعدها.
ثم اللي بعدها.
وبينما كانت تنظر إليه بصمت... شعرت أن لا فائدة من الحديث معه فهو لن يساعدها بالشكل الذي تبغاه وعليه قامت من مكانها وقالت له:
_ شكرا مش عايزة مساعدة
ثم تحركت بصعوبة وقام من مكانه هو الآخر يقول لها:
_ ماهي استني بس
فتحت الباب وبينما هي تمسك بالمقبض، حتى وقعت مغشيًا عليها أمام زوجها وصديقتها التي صرخت باسمها في خضة وركضت نحوها هي وشهاب، ذلك الذي انكب على الأرض وحملها في سرعة ونظر إلى حسن، نظرة بها العديد من الأسئلة فقال له الشاب:
_ انزل بيها على المستشفى، جايز ضغطها وطي ولا حاجة، لانها مش بتاكل
تحرك بها في سرعة وبينما منى سألت حسن:
_ ايه يا حسن مالها؟
بصراحة أنا قلقان عليها جدًا.
_ من إيه؟ حصل إيه؟
تنهد حسن ثم قال:
_ من كل حاجة تقريبا.
البنت منهكة نفسيًا بشكل مش طبيعي، وواضح إنها بقالها فترة مش نايمة كويس ومش بتاكل كويس، ودا لوحده كفاية يخلي الجسم ينهار طبعا
_ يعني الإغماء بسبب حالتها النفسية؟
_ مقدرش أجزم. علشان كدا بقول لازم مستشفى الأول. يتطمنوا على الضغط والسكر والهيموجلوبين والحمل وكل حاجة عضوية.
سكت لحظة ثم تابع:
_ لكن اللي أقدر أقوله إن حالتها النفسية خطيرة ومش مجرد زعل عادي.
قلقت من كلامه وسألته:
_ خطيرة إزاي؟
أجاب سريعًا:
_ هي مش منهارة بسبب خناقة بينها وبين جوزها وخلاص. فيه حاجة أكبر من كدا جواها.
حاجة تقيلة جدًا، أنا سألتها كام سؤال ولاحظت ردود أفعال مش طبيعية.
_ يعني إيه؟
_ يعني كل ما أقرب من نقطة معينة كانت بتقفل على نفسها فورًا. وكأن فيه حاجة مش قادرة تقولها أو حتى تواجهها.
ثم نظر ناحية الباب الذي خرجت منه ماهي ويقول:
_ والأهم من دا كله...
_ إيه؟
_ إنها قالتلي إنها عايزة تموت.
هنا انصدمت منى
فأكمل حسن بجدية:
_ فلو سألتيني رأيي المهني، فبعد ما يطمنوا عليها طبيًا، مينفعش تتساب لوحدها الفترة الجاية. محتاجة متابعة حقيقية، ومحتاجة حد يراقب حالتها النفسية كويس جدا ولازم جلسة واتنين وتلاتة كمان معاها.. منى هو في حاجة انتي مخبياها مش واضحة ليا؟
عرفيني انا عايز اساعدها
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ هي قالت لي كدا بالظبط، انها اتخانقت مع شهاب جامد وشافت منه موقف والتاني لحد ما اتأكدت انه عمره ما هيحبها، كلمتني في التليفون وقالتلي كدا وهي منهارة وانا عرفت مكانها وروحت لها وبس كدا.. اتكلم مع شهاب هو هيفيدك اكتر، اصلا هو بيأثر على حالتها النفسية بشكل انت مش هتتخيله، شايفة انه عادي تفكر في الموت طالما يئست او حست انه خلاص عمره ما هيحبها صح؟
او يمكن هرمونات الحمل مع اللي هي فيه عملوا كدا، اصلا ماهي مش متعودة على التجاهل دا ولا البعد دا ولا المعاملة دي
_ مش عارف، المهم اني لازم اقعد معاها تاني، وهو كمان مهم اسمع منه وانتوا مهم تبقوا جمبها، لتفكر تأذي نفسها بأي شكل
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ هروح الحقهم واطمن عليها وبعدين أكيد هرجعلك
هز رأسه موافقًا وراقبها حتى انصرفت وتمتم في غيظ:
" حسبي الله ونعم الوكيل في اللي يعمل في بنات الناس كدا "
************
وبالتزامن مع ما يحدث مع شهاب وماهي، دخلت تالية غرفتها رفقة أسيل مثلما طلبت منها، وقالت أسيل بمجرد أن غلقت تالية الباب:
_ شفتي يا تالية؟ شفتي الوسخة الزبالة اللي امها رقاصة عملت فيا ايه هي واخواتها؟
زفرت الأخرى في غيظ وردت في غضب:
_ اومال لو شفتي جياد انتي بقا عمل فيا إيه هتعملي إيه؟
على الاقل انتي وروني ضربتوا بعض وشديتوا شعور بعض، انما انا يدوب لسه جاية اضرب هانيا بعد ما شدتها بعيد عنك، لقيت روني بتضربني فضلت اضرب فيها او احاول ابعدها عني، لقيتك انتي يدوب عرفتي تفلتي من هانيا وجيتي تمسكي في روني معايا، سبتلك روني وروحت علشان اربي الحيوانة اللي اسمها هانيا دي، لقيتلك جياد واقف زي الباب بالظبط قدامي وعمال يبعدني عنها ويشتم فيا واما جيت احاول بس اقرب علشان اضربها راح رميني على الكرسي اللي كان ورايا وفعلا زقني جامد، لدرجة ايدي اتخبطت في ايد الكرسي، دا غير مايا اللي دخلت في الزيطة وفضلت تضرب فينا وكانت عايزة تكمل عليا... حقيقي جياد بقا حيوان اوي بجد، ومبقاش شايف غير الزفتة بتاعته دي وبس ومش مركز حتى ولا فارق معاه بيعمل إيه، المهم محدش يلمس شعرة منها وهي اصلا اللي بدأت الخناقة دي كلها، وفي الآخر قال راح شايلها وماشي طالع على السلم جري بيها
ردت أسيل في غيظ:
_ كنتي اديه على وشه الحيوان دا كمان
_ اه انتي عايزاه يموتني بقا صح؟
دا كان نفسه يضرب ابوه اما ضربه، ما بالك انا بقا؟
والله نفسي امسك له البت اللي اسمها هانيا دي، اموتها ضرب قدام عينه علشان هو معصبني ومدايقني
_ ومامتك كانت فين من دا كله يا تالية بجد؟
_ معرفش، تلقاها راحت لمامتك الفيلا، كانت بتقول عايزين يظبطوا الأمور علشان حاسين بحركة غريبة، باسم قال ان روني بتعمل حركة ويزيد لقى وصال فهما مش مرتاحين، بس أكيد ماكنتش موجوده، بقا هي لو موجودة كانت هتسيبهم يضربونا كدا؟
وانتي جوزك واقف زي اللطخ سايب روني تضرب وتشد في شعرك؟
_ ماهو طول عمره لطخ، إيه الجديد؟
بس عامة ماشي، لسه اللعب بيبدأ يا بنات السلاب، ياللي سلبتوا أحلامنا ودمرتوا حياتنا، نعمل حوار ونقول للشيخ؟
_ لا، كدا كدا هيهزقنا كلنا، احنا مش هنقول حاجة الا لو هما قالوا او عرف عن طريق نادية الخباصة مثلا، وحقنا هناخده، وليهم علقة في مرة وتكون بحضور امهاتنا احنا الاتنين وعبير علشان تشوف بعنيها قلة ادبهم
هزت رأسها مؤكدة ثم اضافت:
_ وانا هنزل اقوم حسان عليهم كلهم واقوله يجيب لي حقي ومايسكتش..
*********
وداخل غرفة مايا وفاتح، قال لها وهو يرتدي ملابسه:
_ إيه اللي حصل تحت دا بجد؟
غلط كدا جدا، انتي المفروض الكبيرة والعاقلة، اما تلاقي خناقة زي دي، تحوشي مش تضربي وخلاص!
_ يعني عايزني اشوفهم بيضربوا اخواتي واسكت!
_ انتي مالك، انتي مالك بجد، وايه اخواتي دا، هما يعني ضربوهم بالنار ولا انتوا هتتكاتروا عليهم بقا؟
انتي يا حبيبتي المفروض العاقلة اللي فيهم، تحوشي مش تزودي الطين بلة!
وبعدين ما شاء الله ما كل واحدة جوزها كان واقف جمبها، ماكنش لازم تدخلي انتي
_ فاتح، أنا..
قاطعها قائلًا:
_ مايا، آخر كلام في الموضوع دا هقوله، انا مش عايز مشاكل ولا خناق مع حد، دول اهلي ودول اخواتي وكلنا قرايب في بعض، اللي بيحصل دا هيزعلنا كلنا من بعض، وانا مش هحب بابا يوقفك زي العيال الصغيرة ويقعد يقولك كدا غلط ومينفعش ويعدل عليكي وعلى تصرفاتي وانا موجود تمام؟
احترمي نفسك واحترمي البيت اللي انتي قاعدة فيه والناس اللي عايشة معاكي حتى لو مش بتحبيهم، واجب عليكي تحترميهم ولو حصل مشكلة تخصك، تيجي تقوليلي انا وانا هتصرف، انما الهبل والعشوائية والفوضى اللي حصلت دي انا مش عايز اشوفهم تاني، وصلت؟
هزت رأسها موافقة على مضض ثم قالت:
_ حاضر وصلت
_ مقامك من مقامي، وانا الكبير فيهم وواجب عليا اخليهم يلزموا حدهم ويحترموا نفسهم ولو شفت خناق بينهم اصلح وانصح، وانتي زيي بالظبط الكبيرة فيهم مرات الكبير يبقى لازم تبقي عاقلة وراسية.
انهى كلامه ثم اتجه نحو السرير وتمدد عليه وأضاف:
_ اقفلي النور وتعالي يلا نامي جمبي
هزت رأسها موافقة وفعلت ما طلبه منها ثم تمددت بجانبه وبمجرد أن تمددت، حتى ضمها إلى صدره ووضع قبلة صغيرة على جبينها وقال في نبرة بها الحنان:
_ متزعليش لو شديت عليكي بالكلام ها، بس لازم تفهمي اني مش هحب حد يتكلم معاكي نص كلمة وانتي عارفة دا كويس
هزت رأسها موافقة في ابتسامة ووضعت يدها على خده وقالت:
_ عارفة يا حبيب قلبي عارفة.. ربنا يخليك ليا يارب وميحرمنيش منك ابدا
ابتسم لها ثم ضمها إليه أكثر...
***********
كانت روني تتحرك داخل غرفتها ذهابًا وايابًا في غضب شديد تشعر بنيران تسري في قلبها، وكان يزيد يجلس على السرير يراقب ما تفعله وقال لها في استغراب شديد:
_ حقيقي مش فاهمك بجد، ولسه انتي اللي زعلانة؟
فعلا؟
طب ما انتي ضربتيها، واختك ضربتها واختك التانيه نزلت مخصوص وكملت عليها!
ردت في غيظ:
_ يزيد بعد اذنك اسكت، اسكت علشان انت مش حاسس بالنار اللي جوايا دلوقتي
ثم تحدثت في نبرة أعلى بها العصبية:
_ لان انا اقسم بالله ولا جيت جمبها ولا عملت لها حاجة، انا طالعة عادي جدا، لقتها بتقف لي وبتعترض طريقي وبعدها شتمتني وضربتني، والله العظيم زي ما قولتلك كدا بالظبط هو دا اللي حصل، انما الوسخة مش ساكتة، وعمالة تفهم حسان كلام العبيط والمشكلة انه بيصدقها بجد
زفر في ضيق ورد:
_ عايزاني اعمل إيه؟
انا كنت ممكن اتكلم مع بابا على النقط دي، انا كنت بجيبلك حقك بس انتي واخواتك اللي ضيعتوه.. كنت بتكلم مع حسان ولو كنت ملقتش فايدة كنت هستنى بابا واقوله على اللي عملته كله واقوله يفتح الكاميرا يتأكد وكان هو هيديها اللي فيه النصيب وبعدها ماكنتش هتتجرأ عليكي تاني، انما انتي محترمتنيش ولا احترمتي اني واقف وروحتي ضربتيها، اشتكي اقول إيه بقا؟
هيقولي مراتك اضربت وضربت، عايز ايه انت بقا؟
نفت بسبابتها وهي تقول له:
_ لا لا لا، ركز لو سمحت في كلامك، انا احترمتك فعلا وفضلت واقفة وسبحان من وقفني، بس لقيت تالية كمان عايزة تروح تضرب اختي اللي دافعت عني، كنت عايزني اتفرج؟
ثم انه هي اللي سابت هانيا وجت تمسك فيا، انا اصلا كنت ببعد تالية عن هانيا وهي أسيل اللي هجمت عليا، يعني هانيا اللي شدتها من شعرها بس هي بردو جت علشان تضربني أنا!
_ ماشي خلاص، ضربتوا واضربتوا اعملك إيه؟
استني بقا بابا وهو موقفكم جمب بعض زي الأطفال ونازل تهزيق فيكم كلكم علشان اللي حصل دا غلط وماكنش ينفع يحصل، واخر مرة يا روني هقولهالك، اياكي تتخانقي في حد تاني ولا تمدي ايدك على حد
ثم تمدد على الفراش وبدأ يغمض عيناه لينام وقال لها:
_ يلا تعالي نامي
ردت في نبرة حادة:
_ مش عايزة اتخمد
زفر في ضيق وقال لها:
_ يلا يا روني تعالي انا عايزك
ردت في غيظ:
_ لا
ثم تحركت بغضب نحو المرحاض ودخلته وغلقت الباب خلفها بقوة، فتأفف الشاب وقال في غيظ:
" منك لله يا أسيل ضربتيلي الليلة، إلهي تنشكي يا بعيدة "
**********
بينما في غرفة جياد و هانيا، تحدثت هي في صوت عالي:
_ هو انت مش كنت شايفني بتخانق؟
ليه تمسكني وتمنعني وفي الآخر تشيلني ومتخلنيش اشرب من دمهم العقارب دول؟
رد في ابتسامة:
_ ما خلاص يا معلم، ضربناهم احنا الاتنين، عايزة إيه تاني بقا؟
ثم تابع في فرحة:
_ اقسم بالله ما كنت مصدق نفسي، عاش يا باشا عاش، ايه دا، هي دي هانيا؟ هي دي الملاك البرئ؟
مسكتي البت من شعرها شوية وكنا هنشوف كلنا فروة رأسها يا مفترية يا بطاطا.
ثم تابع وهو يضحك:
_ وفي الآخر عمالة تزعقي وتضربي فيا، اوعى يا جياد نزلني خليني اروح اربي الكلاب الصعرانة دي، من امتى يا بسكوت نواعم من امتى؟
وضعت يدها على خصرها وردت وهي تهز ساقها:
_ من النهاردة، اصلهم متربوش وطلعوا حاجات مني اول مرة اعملها أصلا.. كتير بجد، أفعالهم القذرة كترت معانا واخرتها يضربوا اختي؟
_ خلاص يا معلم ضربتهم كلهم
ثم أخذ يضحك في صوت عالي ما إن تذكر الاشتباك، فسألته هي في استغراب:
_ بتضحك على إيه يعني؟
_ مش قادر والله بطني وجعتني من كتر الضحك.. اول مرة احضر خناقة بنات مع بعض لايف.. صوتكم وانتوا بتصرخوا كان شبه العرسة اما حد بيدوس على ديلها..
ومن بين ضحكاته بدأ يقلد أصواتهم في سخرية:
_ اوعي سيبي شعري بقولك، يا حيوانة انتي.. بجد بجد كانت خناقة كيوت.
تنهد ثم تابع:
_ بالذات انتي يا روح قلبي، كنتي أكيت واحدة فيهم وأكيت واحدة عموما ممكن اشوفها بتتخانق.. كان نفسي اشدك من وسط الخناقة وابوسك واقولك الله عليكي يا روحي، تربيتي طمرت.. ايوا يا بت اللي يضربك اضربيه واكسري أمه ومتخافيش، أنا هصلح وهجبّس وراكي
ردت في ابتسامة كناية عن اندهاشها منه:
_ مجنون، انت مجنون
_ لا لا لو سمحتي، انا مجنونك.. في فرق، انا عاقل مع الكل، مجنون معاكي انتي بس...
ثم تحرك نحوها حتى وقف امامها بالظبط، وسحبها من خصرها بذراعه وقال لها في ابتسامة صغيرة:
_ ما تيجي
سكتت شاردة فهي لم تعد قادرة على التعامل معه بذلك النفاق وبتلك الطريقة وعليه قالت له:
_ جياد
رد في نبرة اقرب للهمس وهو يتجول بعينيه على جسدها:
_ عيونه، وروحه وكل ما فيه..
_ انت بجد ممكن تكدب عليا في حاجة كبيرة؟
ممكن تخبي عني سر كبير لو انا عرفته ممكن ننفصل مثلا فيها؟
بدأ يستغرب من كلامها ورد في تعجب:
_ إيه اللي انتي بتقوليه دا؟
هو في إيه يا هانيا؟ لزمته إيه الكلام دا كل شوية؟
قوليلي في إيه؟
تنحنحت ثم ردت:
_ يعني... اصل... بص، هو انت تعرف وعد اخت شهاب صح؟
هز رأسه نافيًا ثم قال:
_ اعرفها منين يعني؟
انا عارف انه عنده اختين بنات، وفيه واحدة تقريبا هربت منهم او مش عارف راحت فين، انما هما، شكلهم حتى معرفش لا
ليه بتسألي؟
في إيه؟
_ يعني انت طبعا ملكش اي يد في موضوع اختفاء وعد دي صح؟
سكت قليلًا وهو يحدق بها ويربط كلامها ببعضه ويربط الخيوط المتنافرة وقال في نبرة بها الغضب:
_ آه قولي كدا بقا، انا قلت بردو، قلت بردو نص ساعة في مكتب شهاب لا يمكن تكون مجرد شغل وبس، لازم يقعد يستخدم اسلوب النسوان ويقع بينا ويقول عليا كلام غريب علشان يخليكي تكرهيني وتفضلي مش طيقاني ويهد كل اللي بنيته، قاعد بيخترغ ويبتكر على قفايا، شكله هيطلع هو واخته اللي في الآخر عاملين كل الفيلم دا علشان يفضل مقصر من ناحية اختي ويطهقها في عيشتها ويطلقها ويلزق فيا التهمة ويخلينا نطلق إحنا كمان..
كانت الفتاة تحاول مرارًا وهي تهز رأسها بالنفي كي يتوقف عن الكلام او حتى يسمعها ولكنه كان يتحدث بشكل متواصل وقوي لا يتوقف ولا يسمع، فانهى كلامه:
_ انا رايح له
تحرك نحو الباب، فركضت خلفه وهي تقول:
_ لا لا، بلاش بلاش بالله عليك علشان خاطري هو مقالش حاجة انا...
أفلت ذراعه من يدها بالقوة وقال في عصبية:
_ اوعي والله لاروح علشان اواجهه أعلمه ازاي يواجه ويبطل حركات النسوان دي، وانتي ليا تصرف تاني معاكي علشان استغليتي إني بتكلم مع الست ومشغول ورايحة تسمعي من البيه تفاهات وافترا عليا، حرام بقا انا مش كل شوية هقعد اعيد اللي بنيته حرام عليكي حرام، بالصدفة اسأل كنتي فين يقولولي عند شهاب؟
بلعتها وقلت شغل، يا واد فكك دا شغل، ورّيها المفاجأة ومتلويش بوزك في وشها وعدي وطنش وفي الآخر هو دا اللي كنتوا بتتكلموا فيه؟
انهى كلامه ثم فتح الباب وخرج بسرعة بعد محاولات باءت جميعها بالفشل منها لتمنعه..
ولكنها فكرت قليلًا ثم حملت حقيبتها ولحقت به وهي تنادي اسمه مرارًا وتكرارًا..
**********
خرج الطبيب من غرفة ماهي وعلى وجهه الضيق والغضب وقال للشاب الذي كان ينتظر في الخارج بنبرة حادة:
_ هو حضرتك تقرب إيه للست اللي جوا دي؟
رد في هدوء:
_ مراتي
_ مراتك!
مستحيل تبقى مراتك، قول موظفة عندك، قول خدامة عندك، إنما مراتي دي لا.. دا منظر واحدة حامل يا جدع انت؟
انت ازاي وصلتها لهنا؟
البنت منهارة وعنيها وارمة من كتر العياط، ومش بتاكل وضغطها واطي جدا ونفسيتها في الأرض، كل دا وهي حامل، حامل يا ناس.. انتوا أكيد مش بني آدمين لا
هز رأسه شاعرًا بالخجل ولم يرد.. ليتابع الطبيب وذلك بعدما هدأ قليلًا:
_ على العموم، انا كتبت لها فيتامينز كتير و كتبت لها مقويات وياريت تلتزم بالعلاج وتاكل كويس وتبعدوا عنها أي زعل في الدنيا او ضغط لانها فعلا مش مستحملة
هز رأسه موافقًا ثم أخذ منه الروشتة وعقب وقت سمح لزوجته بالخروج فأخذها معه.
وصل أخيرًا الشقة ودخل بها وهو يحملها لأنها غير قادرة على الوقوف أو السير.
دخل غرفة النوم الخاصة بهما ووضعها على السرير وجلب لها منامة من الخزانة واقترب منها وبدأ في نزع التيشيرت الخاص بها وبمجرد أن أحست به يفعل ذلك، انتفض جسدها وابعدت يده في سرعة وهي تقول في صوت عالي مليئ بالخوف:
_ ابعد عني، ابعد عني متقربش مني خالص، ابعد ابعد امشي امشي
وبدأت تبكي فقال لها في هدوء بعدما ابتعد قليلًا وحافظ على بعض المسافة بينهما:
_ اهدي يا حبيبتي، اهدي انا بس كنت بساعدك تغيري هدومك علشان تنامي براحة اكتر مش اكتر والله
هزت رأسها رافضة ثم قالت له نبرة مليئة بالبكاء:
_ لا لا، امشي امشي أنا مش عايزاك امشي
قال في نفس النبرة:
_ ماهي يا حبيبتي، انا شهاب حبيبك، جوزك، انا اسف حقك عليا لو زعلتك والله ما...
صرخت عاليًا:
_ امشي امشي امشي
ثم حملت الكوب الموضوع على الكومودينو وألقته بجانبه في قوة وهي تصرخ:
_ امشي
فتحطم الكوب إلى قطع صغيرة متناثرة حوله
تراجع إلى الخلف وهو يقول لها في هدوء:
_ حاضر حاضر همشي خلاص، بس اهدي اهدي علشان خاطر زين اهدي، بطلي عياط وصويت طيب
كانت تنظر إليه بعينين متورمتين ممتلئتين بالغضب الشديد وصدرها يعلو ويهبط وانفاسها عالية متلاحقة.
بينما هو بدأ يخرج في سرعة وبمجرد أن خرج من الغرفة، اتصل على منى والتي بمجرد أن استجابت له، قال:
_ انتي فين؟
_ طالعة في الاسانسير اهو، افتح
انهى المكالمة معها واتجه نحو الباب وفتح لها وانتظرها قليلًا حتى ظهرت، افسح لها الطريق فدخلت وهي تقول له:
_ فين هي؟
_ في اوضة النوم، حاولي تخليها تاكل بكل الطرق
هزت رأسها موافقة ثم دخلت لها وتركت الباب مواربًا، فوقف ينظر ويراقب بعينيه ما تفعله منى معها.
اقتربت منها منى وضمتها إلى صدرها وهي تقول في نبرة بها الحنان:
_ بس يا قلبي بس، خلاص اهدي خلاص يا ماهي كفاية عياط يا ماهي خلصتي العياط اللي في الدنيا كلها يا ماهي!
كانت الأخرى بين ذراعيها تبكي وتقول في نبرة بها الألم:
_ انا مش عايزة اعيش يا منى مش عايزة اعيش
_ بس يا ماهي يا حبيبتي متقوليش كدا بالله عليكي بتقطعي قلبي عليكي ليه بس!
انتي هتعيشي وهتولدي وهتربي ابنك وكل اللي مزعلك دا هيختفي يا روحي متخافيش، كل الوجع دا هيروح وايامك الحلوة جاية قريب يا قلبي
كانت تهز رأسها بالنفي غير مقتنعة بذلك كله، فقد وصلت إلى نقطة يأس صعبة للغاية واكتئاب حاد يكد يفتك بها.
وعقب مرور وقت، وعقب توسل وترجي، قبلت أن تأكل من يد صديقتها وتتناول العلاج الخاص بها واخيرًا تمددت على السرير كي تنام قليلًا او تغفو حتى، ومنى بجانبها تمسح على شعرها.
مر وقت ليس بطويل على هذا الحال، وسمع حينها شهاب، جرس الباب لذا راح كي يفتح وبمجرد أن فتح، وجده جياد ذلك الذي دفعه ودخل وقبلما يغلق الباب وجد زوجته تدفعه تود الدخول هي الأخرى وبالفعل دخلت ثم قالت له وهي تمسكه من ذراعه:
_ يلا يا جياد بلاش مشاكل بالله عليك يلا
تجاهلها وقال لشهاب:
_ انت عايز إيه؟
عايز توصل لايه؟
فهمني، عرفني بس، انا كام مرة اتكلمت معاك بهدوء و باحترام؟
كام مرة قولتلك ملكش دعوة بيا ولا بمراتي؟
ايه مش عايز تحترم مراتك ولا نفسك حتى؟
تنهد شهاب ورد في ايجاز:
_ أطلع برا يا جياد أنا مش ناقصك
رد الآخر ساخرًا:
_ ياريته بيتك حتى علشان على الاقل كنت اتأثرت شوية ومشيت فعلا.. دي شقة اختي وانا متأكد انها كذبت على بابا وقالت انها شقتك علشان بس يوافق يجوزها ليك، انما جربوع زيك مستحيل يجيب شقة زي دي اساسا
رد في عصبية:
_ طب غور في داهية يا جياد، علشان انا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي دلوقتي
_ خفت انا بقا كدا؟
ووقتها، تقدمت منى وفتحت الباب وأخذت تنظر إلى ما يحدث وتسمع ما يقال دون أن تخرج من الغرفة.
تابع جياد في نبرة حادة:
_ قولتلك ميت مرة يا شهاب، متنساش أسس الرجولة بس انت مصر تبقى ولية، أما انت شايف ان انا اللي خطفت اختك ولا ليا يد في دا، مجتش واجهتني ليه؟
مجتش اتكلمت معايا ليه؟
ولا انت بتخاف تتعامل مع الرجالة ومعاملاتك مع الستات بس!
تدخلت هانيا قائلة بقلق:
_ يلا يا جياد، يلا لو سمحت
_ استني انتي بعد إذنك...
ثم التفت إلى شهاب وتابع:
_ رد، عايز توصل من دا لايه؟
عايز تقع بيني وبين مراتي؟
عايز تخرب بيتي؟
عمال شغال ادعاءات عليا ليه؟
مش تحمد ربنا انك متجوز واحدة زي ماهي الزيني وحامل منك!
رد عليه الشاب في برود:
_ طيب اعتبر اني واجهتك، يلا فين اختي؟
هتقولي معرفش طبعا، ومخطفتش حد وتروح تخفيها أكتر، عرفت بقا كنت هجيبها بطريقتي ليه؟
رد جياد في نبرة حادة:
_ علشان انا فعلا مخطفطهاش اصلا، انا لو عملت كدا هقول عادي مش هخاف منك مثلا!
ثم إني اصلا مش انا بتاع الحركات دي، الحركات والخطط والتكتيك والضرب في الضهر دا بتاعك انت، انا لو عايز حاجة هديك في وشك عادي مش هخاف
ابتسم شهاب ورد ساخرًا:
_ قول غير دا بس.. أنا أساسا اتعلمت التخطيط والتكتيك منك انت، واتعلمت الضرب في الضهر بردو منك.. ولا تكون ناسي انت عملت ايه وخططت لايه وازاي خدت المعاد بتاعي واستغليتني وروحت بدالي وخدت منها الموافقة على انك أنا، لو نسيت حبيت افكرك، ولا انت مش شايف ان دا طعن في الضهر؟
سريعًا التفت إلى زوجته فوجدها تضايقت قليلًا ما إن سمعت ذلك وقالت له:
_ يلا يا جياد نمشي بجد يلا
لم يعد قادرًا على التحمل أكثر من ذلك. اشتعل الغضب في عينيه، وفقد ما تبقى لديه من صبر. في لحظة خاطفة اندفع نحوه بسرعة، ثم رفع ركبته بعنف موجّهًا ضربة قوية أسفل الحزام.
انحنى الآخر فورًا، على صرخة هانيا وخضة منى، وهو يطلق شهقة ألم مكتومة، وتراجع عدة خطوات مترنحًا قبل أن يهوى على ركبتيه، بينما كان يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة. أما جياد فظل واقفًا في مكانه، وصدره يعلو ويهبط من شدة انفعاله، وعيناه لا تفارقانه.
أخذت هانيا تصرخ في وجهه:
_ ليه؟ ليه كدا بجد ليه؟ حرام عليك، ليه ضربته كدا ليه
تجاهلها وصاح يحدث شهاب الجاثي على ركبتيه يتألم:
_ اقسم بالله، اقسم بالله لو ما بطلت اللي بتعمله دا والكلام اللي بترميه زي نسوان الحارات علشان تقوم الدنيا حريقة وتهدم كل حاجة بنتها، لهخليك أختها المرة الجاية، انت لا محترمني ولا محترم اختي اللي انت متجوزها ولا محترم حد خالص، كلب ولا تسوى، اخرتك الرمية دي يا حقير
ثم سحب زوجته من ذراعها بعصبية ليخرج بها من هنا وهو يقول في غضب:
_ يلا امشي معايا انتي كمان
_ براحة يا جياد عليا، جياد براحة دراعي
حتى خرجا من الشقة، وبمجرد أن غُلق الباب، أسرعت منى جهة الشاب الذي يتألم في صمت فقد تلقى ضربة في منطقة حساسة، جلست أمامه على ركبتيها وقالت له:
_ انت كويس؟
تعالى قوم اتسند عليا وقوم يلا
سحبت ذراعه الأيمن ووضعته على كتفها وتابعت:
_ يلا قوم معايا هسندك
هز رأسه رافضًا وهو يسحب ذراعه من عليها ورد في صعوبة:
_ هقوم انا
بدأ يضرب الأرض بقبضة يده من قوة الألم وشيئًا فشيئًا بدأ يسند على الكرسي الذي وقع أمامه ليقوم حركة ثم أخرى، استطاع أن يقف على قدميه وأسرع جهة المرحاض في الحال، وبمجرد أن دخل وغلق الباب، اتجهت منى نحو ماهي فوجدتها لاتزال نائمة لذا غلقت باب الغرفة مرة أخرى واتجهت نحو المطبخ، دخلته وفتحت الثلاجة وبدأت تُخرج طعامًا منها يناسب العشاء.
وفي تلك الأثناء، خرج الشاب من المرحاض بعدما تحسن قليلًا وجلس على الكرسي يرتاح، وقال لها بينما هي تقف في المطبخ المفتوح على الصالة:
_ ماهي عاملة إيه؟
كلت؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ كلت بالعافية وخدت الدوا ويدوب نامت.. انا عامة بجهز اهو العشا لينا، احنا اليوم كله تعبانين ومأكلناش حاجة
بدأت برص الطعام على السفرة ووضعت المشاريب وقالت له:
_ يلا تعالى علشان تاكل
نظر إليها ثم إلى الغرفة التي بها زوجته وقال:
_ لا مش جعان أنا هنام، كلي انتي بالهنا والشفا
قام من مكانه وتحرك نحو الغرفة المجاورة لغرفة النوم كي ينام هو بها وتابع:
_معلش هتعبك معايا، نامي انتي جمبها، هي اما بتشوف وشي بتقعد تصرخ وتبعد نفسها، فروح انا انام في الاوضة اللي جمبكم دي ولو حصل اي حاجة صحيني
_ متربسش الباب
توقف واستدار ينظر إليها في استغراب من ذلك الطلب، فتابعت:
_ يعني علشان لو حصل اي حاجة كدا ولا كدا، ادخل واصحيك علطول
هز رأسه موافقًا وقبلما يدخل الغرفة، عرقلت طريقه قائلة:
_ تعالى كل لقمة صغيرة حتى، متنامش وانت جعان وتعبان طول اليوم، يلا
ثم سحبته من يده وظلت تسير به حتى السفرة وهو لا يستوعب ما تفعله فقد بدأ يتعجب من أفعالها وسلوكها
وبمجرد أن جلس على كرسي السفرة، سمعا صوت ماهي تنادي عليها:
_ منى.. منى..
نظرت إليه وقالت:
_ كُل انت انا هروح اشوفها
هز رأسه بالايجاب وهو يتوعد لجياد:
" ماشي يا جياد، أنا هعرفك ازاي تضربني كدا، وبردو هتجيب اختي يعني هتجيبها "
دخلت إليها منى وقالت لها:
_ إيه يا روحي؟
_ حاسة اني تعبانة اوي يا منى، خليكي جمبي متسبنيش
جلست جوارها على السرير وبدأت تضمها إلى صدرها وهي تقول في حنان وتلمس شعرها:
_ انا معاكي يا روحي، نامي وارتاحي.
آه بس لو افهم مالك يا ماهي!
كانت الأخرى بين ذراعيها شاردة في نقطة واحدة سوداء وعقب تردد طويل، سألتها:
_ هو فين شهاب؟
_ مش عارفة، كان برا، ممكن نام او ممكن قاعد في الصالة مش عارفة.. تحبي اناديهولك؟
هزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ لا محبش، خلي انتي جمبي وبس
_ حاضر انا جمبك اهو وهبات معاكي النهاردة وهنام جمبك كمان يا ستي ولا يهمك بس المهم عندي انك تبقي بخير
_ شهاب قلقان عليا؟
قالتها وهي تنظر إلى عينيها فرددت الأخرى عقب تردد:
_ مش عارفة.. انا مش مركزة معاه مش عارفة اذا كان قلقان ولا لا، بس أكيد يعني، مش انتي مراته!
سكتت الفتاة ولم تسأل مرة أخرى وكذلك الأخرى لم تتكلم..
***********
دخل جياد بزوجته غرفتهما وغلق الباب خلفه بقوة وصاح في عصبية شديدة:
_ يعني انتي روحتي لعنده وصدقتيه!
انتي فعلا مصدقة اني ممكن اكون عملت حاجه زي كدا؟
وياترى كنتي بتقربي مني وكويسة معايا علشان تاخدي مني اعترافات وبس صح؟
حرام عليكي، انا عملت لك إيه علشان تعملي فيا كل دا
ردت محاولة أن تجعله يهدأ:
_ جياد اهدى
_ كل حاجة عملتها عايزة تهديها على دماغي ليه مش فاهمك!
_ لا لا انت فاهم غلط، و...
_ انتي بتتفقي معاه ضدي؟
انتي بتقفي مع عدوي عليا؟
بدل ما كنتي تديله على وشه بالقلم وتقوليله جوزي عمره ما يعمل كدا!
_ انت فاهم غلط انت...
_ دا بدل ما ترجعيلي وتقوليلي بيرقد لك او بيفكر يعمل فيك حاجة رايحة تشكي فيا!
_ جياد اسمعني...
كان لا يتوقف عن الكلام بنفس العصبية والصوت العالي لا يمهلها اي فرصة للحديث:
_ انتي بتساعديه، بتساعديه علشان يخرب بينا ويوقع اكتر، انتي مش بتفضليني ولا شيفاني ولا..
لم يكد يكمل كلامه، حتى وجد نفسه داخل حضنها وذلك بعدما ضمته إليها قررت أن تحتويه بتلك الطريقة بدلًا من الدفاع بالكلام..
أخذت تربت على ضهره وهي تقول:
_ بس، خلاص اهدى اهدى وبطل زعيق، أعصابك اهدى
كان صامتًا داخل حضنها ولكنه شاردًا تائهًا خائفًا.. وقال لها في نبرة مليئة بالخوف:
_ الحضن دا حقيقي؟
بتحضنيني بجد ولا خطة!
_ افهمني، يا حبيبي افهمني واديني فرصتي اوضح لك... هو قال انه شاكك فيك ومعاه دليل ومش هيسكت
_ دليل إيه؟
_ سبني أكمل الأول
_ انا روحت المكتب علشان اعرف دليل إيه اللي معاه وليه بيقول كدا.. قولتله اسكت انت وانا هتصرف و...
خرج عن حدود حضنها وقال لها وهو ينظر إليها:
_ وليه قولتيله كدا؟
صاحت في ضيق:
_ علشان خفت.. خفت يا جياد خفت تقوم حرب بينكم.. جياد انا مش عايزة كدا، انا عايزة اعيش في سلام مش عايزة مشاكل مع حد ومش عايزاك تأذيه ولا عايزاه يأذيك و...
_ إيه الدليل اللي معاه ان شاء الله؟
ابتلعت ريقها شاعرة بتعصر موقفها ثم ردت:
_ ها!
لا مش عارفة، مقاليش بالظبط معاه أيه، بس هو قالي انه معاه حاجة تدينك وانا كنت بقوله اسكت وانا هتصرف لاني مش عايزاه يجي جمبك ولا تتخانقوا ولا تعملوا حاجة في بعض يا جياد
_ الكلام مش راكب على بعضه
_ هو دا اللي حصل، بس والله العظيم والله انا أما سبتك تقرب مني ما كنت لسه اعرف موضوع أخته وانك ليك علاقة بيه دا خالص، انا سبتك تعمل كدا لاني وقتها كنت عايزة كدا، واما طلبت تقرب مني النهاردة انا رفضت لاني كنت عايزة اتكلم معاك في النقطة دي قبلها، فأنا مش منافقة.
تنهدت ثم وضعت وجهه بين كفيها وتابعت في نبرة أكثر حنانًا:
_ جياد، انا فعلا عايزاك، قاعدة معاك علشان عايزاك.. مفيش حاجة تجبرني تاني، لو جالي انتكاسة لو عملت تصرف مش عاجبك لو حصل اي حاجة من دي، اعرف انه مؤقت جدا، بدافع خوف او توتر او اي حاجة بس انا جديًا مش بفكر ارجع لشهاب ولا عايزاه ولا بفكر اسيبك ولا كل الأفكار اللي في دماغك دي، انا فعلا مختاراك المرادي فاهدى، اهدى ومفيش داعي لكل دا
تجمّد في مكانه لوهلة، وكأن الكلمات قد أصابته في أكثر بقعة هشاشةً داخله، تلك البقعة التي ظلّ يخفيها خلف عناده وحدّته لسنوات.
انعقدت الكلمات على طرف لسانه، ولم يعرف بماذا يجيبها. كان يحدّق في عينيها فقط، وكأنه يحاول أن يتأكد أن ما سمعه حقيقي، وأنه لم يخطئ الفهم هذه المرة أيضًا.
لطالما امتلكها على الورق، وحصل عليها أمام الجميع، وعاشت تحت سقفه وحملت اسمه، لكنّه لم يشعر يومًا أنه امتلك الشيء الوحيد الذي كان يريده حقًا... اختيارها.
كان يعلم أنها بقيت معه مراتٍ كثيرة لأسباب مختلفة؛ خوفًا، أو استسلامًا للواقع، أو عجزًا عن تغييره، أما الآن فهي تقولها بوضوح لم تعهده منها من قبل:
"أنا مختاراك."
كلمتان بسيطتان، لكن وقعهما عليه كان أشبه بالمطر الذي يهطل أخيرًا على أرضٍ أنهكها الجفاف.
شعر بشيء ثقيل ينزاح عن صدره ببطء، وكأن سنواتٍ من القلق والترقّب والغيرة والخوف كانت تستقر فوق قلبه ثم بدأت تتهاوى واحدةً تلو الأخرى.
ارتجفت أنفاسه رغمًا عنه، ولمعت عيناه بلون خافت حاول عبثًا أن يخفيه، فقد كان الرجل الذي اعتاد أن يواجه الجميع بقوةٍ وصلابة، يجد نفسه الآن عاجزًا أمام جملة واحدة قالتها هي.
ولأول مرة منذ زمنٍ طويل، لم يكن يشعر برغبةٍ في الجدال أو الدفاع عن نفسه أو إثبات شيء لأحد.
كل ما كان يشعر به، هو راحةٌ غريبة ومؤلمة في آنٍ واحد.
راحة لأنه سمع أخيرًا ما انتظر سماعه طويلًا.
وألم لأنّه أدرك كم كان جائعًا لهذه الكلمات وينتظرها أن تنطق بها منذ وقت طويل...
فلو فُتِّش قلبه في تلك اللحظة، لوجدوا بداخله رجلًا أنهكته الحرب، ثم سمع أخيرًا أن المعركة التي خاضها طويلًا قد انتهت، وأن المرأة التي خاف فقدانها أكثر من أي شيء آخر، اختارته بإرادتها هذه المرة.
حرك رأسه نحو يدها الموضوعة على خده، وقبّل باطنها ثم التقط كف يدها ووضعه عند قلبه حيث نبضه وقال لها:
_ سامعة؟
سامعة ارتاح ازاي دلوقتي بكلمتين وبس!
ثم ضغط بيده على يدها الموضوعة حيث قلبه وتابع:
_ اقسم بالله، اقسم بالله كمان مرة ما اعرف اي حاجة عن موضوع اخته دا ولا جيت جمبها ولا خطفتها ولا اعرف شكلها حتى، وحياتك عندي ما عملت اي حاجة ممكن تضيعك مني او تخليكي تكرهيني او تبعدي عني، والله ما عملت حاجة، ومستعد اثبتلك، مستعد اعمل أي حاجة، معرفش ايه دليله ومعرفش ليه بيتهمني بكدا، بس انا فعلا معملتش حاجه ولا ليا علاقة بالموضوع دا خالص لا من بعيد ولا من قريب... مصدقاني؟
مصدقاني ولا لسه هتروحي تتكلمي معاه تاني وتشوفي الأمور وتسلمي ودنك ليه وتخليه يلعب في دماغك ويكرهك فيا؟
هزت رأسها بالايجاب في ابتسامة صغيرة وردت:
_ مصدقاك.. خلاص انت حلفت وانا مصدقاك...
تنهدت وقبلما تتابع، قرب وجهه منها أكثر وقال في ابتسامة جريئة ونبرة بها الخبث:
_ انا بصدق عملي، لو مصدقاني سبيلي نفسك
_ قليل الادب حتى في اكتر وقت جد بنتكلم فيه!
_ مبحبش اعيش في أجواء الدراما كتير، بتخنق، بحب الفرفشة والمرقعة وقلة الادب اكتر قولتلك دا ميت مرة بس انتي بتنسي.
تنهدت وردت:
_ جياد انت فعلا هتخاف مني لو عملت حاجة زي كدا لو انا عرفت يعني؟
يعني خوفك مني ومن رد فعلي هو اللي هيخليك متخطفش وعد مثلا صح؟
حاوط جسدها بذراعيه يقربها منه اكثر ورد:
_ اه طبعا، لازم اخاف من زعلك لو عملت حاجة زي كدا، لازم اخاف من اني اخسر ثقتك مثلا، لازم اخاف من بُعدك عني، مش بس اخاف لا انا بترعب، بترعب من فكرة بُعدك، فبالعقل كدا، هروح اعمل عبط زي دا!
تنهد ثم تابع:
_ هو لو يقولي ايه الدليل اللي معاه، ممكن اساعده لاني هفهم بسرعة مين اللي عايز يدخلنا في بعض انا وهو ويعمل فتن، انما هو غبي وبراس حمار، خليه بقا كدا بيصدق اي عبط
فكرت في أن تقول له ما تعرفه ولكنها تراجعت وفضلت ألا تتدخل في مثل هذه الأمور ثانية، فكرت في أن تقول له بأن يوعدها بألا يفتعل اي مشكلة أخرى مع شهاب وأنها ستتكلم معه حتى يثق في جياد ويحكي له لربما يصلون إلى المجرم الحقيقي ولكنه لم يمهلها اي فرصة أخرى للكلام فاقترب منها وفعل ما فعل...
**********
وبالتوازي مع كل تلك الاحداث، خرج صفوت من الغرفة التي كانت بها ياسمين وقال له بنبرة بها القلق قليلًا:
_ تم
كان الآخر يجلس على الكرسي عاري الصدر وهز رأسه بالايجاب دون النظر إلى صفوت، هو فقط كان ينظر بعيدًا في نقطة واحدة في الفراغ.
تنهد صفوت ثم تحرك حتى جلس قباله على الكرسي الموازي لكرسيه وقال:
_ ناوي على إيه دلوقتي؟
احاد بصره نحوه ورد بعد صمت لثوان من طرح السؤال:
_ ولا حاجة، لا من شاف ولا من دري.
انا هقوم اجهز وانزل مصر عندي شغل مهم والباقي انت عارفه
قال له الرجل في توتر:
_ يعني إيه هتنزل مصر؟
وهتسبني هنا معاها؟
افرض البوليس شم خبر او..
قام فجأة وصاح في وجهه:
_ بس بقا متقرفنيش خلاص انا قلت كلمتي، وانت هتخيب ولا إيه يا صفوت؟!
انا كنت بعتمد على الشخص الغلط شكلي ولا إيه؟
من امتى واحنا بنخاف؟
من امتى واحنا بنسيب ورانا غلطة واحدة حتى علينا، ها؟
من امتى يا صفوت من امتى
تنهد ثم رد في نبرة بها الندم:
_ اسف يا كبير، خلاص مش هتتكرر، تقدر تنزل مصر وانا هتصرف
اقترب منه وضرب على كتفه بخفة مرة والثانية ثم قال:
_ هو دا صفوت اللي أعرفه.. هزودلك المرتب بتاعك قريب
ثم تركه وانصرف، وبعدما ذهب، استدار صفوت ينظر إلى نحو الغرفة التي بها الفتاة وحدث نفسه:
" لازم الاقي حل "
************
كانت هانيا نائمة بجانب زوجها على السرير فالحقيقة لم تكن نائمة بل مغمضة العينين لا أكثر، أما هو فكان بجانبها يتطلع إلى ملامح وجهها التي يحبها وبشدة، كم يحب النظر هكذا إلى ملامحها طوال الوقت وكأن وجهها لوحة فنية يجب التأمل والتركيز به قدر المستطاع فكان مستلقيًا على جانبه، يواجهها بالكامل، بينما تتكئ رأسه على كفه، وعيناه لا تفارقان وجهها لحظة واحدة.
تجوّلت نظراته بين ملامحها ببطءٍ شديد، وكأنّه يحفظها من جديد رغم أنه يعرفها عن ظهر قلب.
تأمّل حاجبيها، ثم أهدابها الساكنة فوق وجنتيها، ثم شفتيها اللتين لطالما أربكته أكثر مما يعترف.
ابتسم دون أن يشعر كم بدا له الأمر غريبًا، فهو الرجل الذي لا يطيق الجلوس بلا عمل أو حركة، يستطيع أن يقضي ساعاتٍ كاملة وهو ينظر إليها فقط دون أن يشعر بالملل.
مدّ يده ببطءٍ شديد، وأزاح خصلةً صغيرة من شعرها كانت قد انسدلت على جانب وجهها، ثم تنهد في هدوء وهمس بصوتٍ خافت:
_ يا بنتي إنتِ إزاي حلوة كده؟
صمت قليلًا ثم هز رأسه بأسى مصطنع.
_ لا بجد... لازم يبقى فيه تحقيق في الموضوع ده.
اقترب أكثر وهو يبتسم وتابع:
_ أنا مقتنع إن الجمال ده فيه حاجة مش طبيعية... أكيد فيه مخالفة قانونية ولا حاجة بجد لازم تتحاسبي عليها، لازم القانون يشوف له حل معاكي بقا انتي وجمالك اللي مجنن أهلي دا!
ابتسمت ابتسامة صغيرة جميلة دون أن تفتح عيناها
_بتضحكي؟
حقك عامة، انتي من حقك تعملي اي حاجة في الدنيا.. انتي موقعاني فيكي من الدور المليون.
براحتك طالما محدش بيحاسبك، يبقى براحتك طالما هي سايبة وقلبي سداح مداح بالنسبالك بقا!
ظلّ يتأملها لثوانٍ أخرى، ثم همس وهو ينظر إلى شفتيها:
_ الواحد بقى له سنة تقريبا متجوزك ولسه كل ما أبصلك أحس إني عيل صغير دخل محل حلويات ومش عارف يبدأ منين ولا يعمل ايه وهو قدامه كل دا!
زفر ضاحكًا بينه وبين نفسه ثم تابع ساخرًا:
_ والمصيبة اني أما بسألك، انتي فاكرة نفسك عادية!
هز رأسه رافضًا الفكرة تمامًا وتابع:
_ عادية إيه بس... ده أنا لو قعدت أوصفك من هنا لبكرة مش هخلص.
مال قليلًا نحوها، ثم قال بصوتٍ أكثر خفوتًا:
_ تعرفي أكتر حاجة قهراني وغيظاني منك إيه؟
توقف لحظة كأنه ينتظر إجابة لن تأتي وأجاب هو:
_ إنك مش شايفة نفسك بعيني.
ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة وهو يتابع النظر إليها ليضيف:
_ لو شوفتي نفسك بعيني والله ما كنتي عرفتي تمشي في الأرض زينا كدا من كتر الغرور.
سكت برهة، ثم ضحك بخفة وهو يمرر إصبعه قرب وجنتها دون أن يلمسها.
_ بطلي تقل وفتحي عينك.. عايز افضل ابص لهم، متحرمنيش منهم
ثم تنهد مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان في تنهده قدرٌ كبير من الراحة.
راحة رجلٍ أحب طويلًا، وانتظر وحصل على مراده.
فتحت عيناها وابتسامتها تتسع شيئًا فشيئًا وقالت له مازحة:
_ إيه!
عامل دوشة ليه؟
_ ايه انتي، انا بدوب هنا!
وقبلما يتابع كلامه، سمع صوت هاتفه يرن، تعجب فإنها الثانية بعد منتصف الليل!
ولكنه استدار والتقط الهاتف فوجده توقف عن الرن، فتح ليرى من كان يتصل به، فوجدها روني من اتصلت ولكنها لم تكمل الرنة وانهتها.
تنهد ثم اعاد الاتصال عليها، فردت عليه قائلة:
_ اسفة لو صحيتك من النوم، بس انا مصدقت إن يزيد نام علشان اتكلم معاك في موضوع مهم، مش حابة كل شوية اقوله هتكلم مع جياد، هيشك ان فيه حاجة وهو كدا كدا شاكك
_ ايوا فهمك، انا عامة ماكنتش نايم
_ ايوا بس انا بعتلك على الواتس وانت مردتش، علشان كدا قلت هرن رنة صغيرة لو صاحي تاخد بالك وترد ولو نايم خلاص بقا، فاهم؟
_ اه، تعالي عامة انا وهانيا صاحيين، عشر دقايق كدا وتعالي نكون جاهزين
_ ماشي
انهى المكالمة معها ثم قال لزوجته:
_ قومي البسي، روني جاية
_ ليه؟
_ مش عارف، أكيد حاجة تخص عماتي... على العموم هي مش عايزة تتكلم الصبح علشان يزيد هياخد باله ان فيه حاجة.. يلا انا هقوم اظبط نفسي وشكلي كدا والبس وانتي كمان قومي يلا
هزت رأسها موافقة.
جاءت إليهما روني وقد فتح لها الباب ودخلت.. جلست على الكرسي أمامه بينما هانيا كانت تجلس على السرير تستمع لهما، فقالت روني له:
_ جاية اوجهك النهاردة في موضوعين مختلفين خالص، عن موضوع الدجال دا، زي ما اتفقت معاك
_ قولي انا سامعك
أخرجت له من جيبها صورة لهيام كانت قد طبعتها ومدت يدها له بها، أخذها منها وهو يتساءل:
_ مين دي؟
_ دي اللي راحت لنيرة بيتها بعد حادثة رضا وقالت لها ان يزيد حيوان ومتحرش وانها كانت الاكس بتاعته وان يزيد كان قصده يقتل رضا علشان يحمي نفسه
أخذ يدقق النظر في الصورة وقال لها:
_ يزيد ماكنش عنده إكس بالشكل دا!
دي مش أثيتانا، أثيتانا هي إكس يزيد الوحيدة
_ علشان كدا عرفت انها بتكدب... طلبت من نيرة تفرغ كاميرات الشارع بتاعهم وهي فعلا قدرت تعمل كدا، وورتني صورة البنت دي وقالت لي ان هي اللي جت لها وملت دماغها بالكلام دا، فخلتها تتبلى على يزيد وتقول انه حاول يعتدي عليها، ساعة ما يزيد راح القسم واضرب على دماغه وفضل فترة تعبان وكدا لو تفتكر
هز رأسه بالايجاب ثم رد:
_ ايوا ايوا فاكر طبعا
_ بس، فأنا فهمت نيرة انها غلطانة وهي صدقت ووافقت ساعتها تساعدني وقالت لي ان اسم البنت دي أميرة فؤاد وبعتت لي صورتها أما فرغت الكاميرات وانا طبعتها واهي في إيدك
_ والمطلوب؟
_ انا شاكة انها بتكدب وان دا مش اسمها، كنت اتفقت انا ونيرة اننا نبلغ عنها وانها دخلت بيت نيرة وسرقت علشان البوليس يجبها بس حصل حاجتين
_ ايه هما؟
_ الاولى، ان نيرة تعبت علشان كانت قربت تولد ساعتها والتانيه والاهم، لقيت باسم هناك عندها فخفت اعمل اي خطوة لانه متابعني جدا وكل مكان بروحه بشوفه هناك
عقد حاجبيه في استغراب شديد وعلق:
_ وايه اللي يودي باسم عند نيرة؟
ويا ترى ليه علاقة بالبنت اللي قالت ان اسمها أميره فؤاد دي؟
أخرجت من جيبها صورة أخرى ومدت يدها له كي يأخذها وهي تقول:
_ مش عارفة بس أكيد في علاقة بينهم يعني
نظر إلى الصورة فوجد بالفعل باسم وهو داخل منزل نيرة فقد ارسلت نيرة الصورة تلك لروني أيضًا مثلما أرسلت لها صورة هيام
تابعت بعدما وجدته شاردًا يفكر في ذلك:
_ تقريبا حل اللغز كله عند البنت دي
_ طب وهو باسم قال إيه لنيرة أما راح لها؟
_ قالت لي قالي كلام عادي، اطمن عليها وقالها لو احتاجتي حاجة انا موجود في اي وقت، بصفته صديق لجوزها اللي اتقتل في قلب اللعبة.
والبوليس قال ان اللي ورا تنفيذ الخطة وتعطيل عربية رضا واتسبب في موته، واحد من امريكا وهو اللي أجر المصري المجرم دا يعمل كدا... اعتقد انت شفت بنفسك وقتها وكلنا شفنا التحويلات البنكية... وبردو صفوت اللي عمل الكارثة الإدارية في الشغل، برا البلد هربان وهو اللي كان بيهدد الشيخ وكمان علاقته كانت كويسة جدا بباسم
سكت يفكر ويربط كلامها ببعضه ثم علق وكأنه فهم القصة كلها:
_ انتي قصدك ان الاذى دا كله من ورا باسم!
صح كلامك جدا.. مين ممكن يكرهنا وهربان لأمريكا غير صفوت؟
وإيه اللي خلى صفوت اصلا يقلب علينا كلنا فجأة من دون ما نعمله حاجة!
تنهدت ثم ردت:
_ انا مش قصدي حاجة.. دور انت بنفسك وهتوصل، دور من عند البنت دي اللي اسمها اميرة فؤاد.. لو ليها علاقة بباسم الأمور كلها هتوضح.. اصل إيه اللي يخلي واحدة ليها علاقة بباسم، تروح تتبلى على يزيد وتقول انه كان الاكس بتاعها وكل دا!
يبقى أكيد هو اللي ورا كل دا يعني.
هز رأسه بالايجاب متفقًا مع كلامها.. ثم نظر إلى صورة الفتاة التي في قبضته وقال:
_ شكلها بت شمال اصلا، وشها بيقول انها مش تمام
علقت هانيا متدخلة في المحادثة:
_ يبقى تسأل في ال night club اللي بيروح فيه باسم، على ما اعتقد انه بيروح الأماكن دي او على الاقل كان بيروحها زمان، وشوف اذا كانت بتكون معاه ولا لا، يعني يبقى دا اول مكان تدوّر فيه
هزت روني رأسها متفقة مع أختها فقالت:
_ بالظبط زي ما هانيا قالت كدا، ابدأ بال night club، أكيد معارفه كلهم جوا اساسا
هز رأسه موافقًا، فتابعت روني:
_ الموضوع التاني بقا... هو بخصوص موت ابنك انت وهانيا... انا وهانيا شاكين انه ماكنش مجرد حادثة.. مدخلتش في دماغنا فكرة ان الحارس هو السبب والكلام دا
بادل النظرات بين الاختين وعلق في خضة:
_ إيه!
حتى دا كمان!
بتهزري، دا انا اجيب رقبتهم فيها دي اقسم بالله.
ثم سكت قليلًا يهدأ فهو قد وعدهما بعدم التهور او التصرف بشكل عشوائي، وتابع:
_ تمام ههدى اهو.. من الأول بقا احكولي، لي شاكين ان موت ابني مدبر منهم بردو مش مجرد حادثة سببها الحارس اللي كان بيحشش!
تنهدت روني تنهيدة طويلة وردت:
_ انا أقولك يا عم.....
*************
وفي صباح اليوم التالي، وعقب تناول الأسرة وجبة الفطار، قال لهم الشيخ جميعًا بنبرة حاسمة جامدة:
_ كلكم بلا استثناء، عندكم اجتماع معايا النهارده بعد الشغل الساعة ٨ بالظبط بعد الغدا، ضروري كله يحضر، علشان اللي حصل في القصر امبارح دا لازم نتكلم فيه ونقف عنده شوية كمان.
ثم قام وتحرك ليخرج، فوقفت أمامه كاميليا وقالت له:
_ بابا، النهاردة في البريك الساعة ٤ تقريبا، انا وأمجد هنطلق.. يعني خلاص حطينا المعاد دا وكلمنا المأذون.. حضرتك هتكون موجود؟
هز رأسه بالايجاب ثم رد:
_ اه هكون موجود
ثم وضع وجهها بين كفيه وتابع:
_ لازم تفهمي كويس اوي، انك قوية، قوية اوي كمان وفوق ما تتخيلي.. انا فخور بيكي
ثم وضع قبلة صغيرة على جبينها وانصرف، بينما هي تنهدت تنهيدة عميقة وهي تتبع أثره وتمتمت:
" ويارب افضل قوية علطول ومضعفش في مرة"
ثم وضعت يدها على بطنها وتابعت:
" آسفة.. آسفة ليك آسفة.. من كل قلبي آسفة "
***********
ومع الرابعة عصرًا، استعد أمجد فكان ينتظر في الفيلا التي كانت مقر سكنهم أثناء الزواج.
وصلت هي ونظرت إليه نظرة باردة ثم جلست على الكرسي في صمت وكذلك هو لم يتكلم ولم ينظر ناحيتها حتى.
وعقب قليل وصل الشيخ ودخل ثم جلس جوار ابنته ووضع يده على كتفها وقال في ابتسامة:
_ فخور بيكي، متزعليش.. ربنا يعوضك خير يارب يا بنتي
هزت رأسها في ابتسامة ولم تعلق.
دقائق ووصل المأذون.
ساد الصمت أرجاء المكان فور دخول المأذون، صمت ثقيل خانق، كأن جدران الفيلا نفسها تدرك أن لحظة النهاية قد حانت أخيرًا.
أخذت كاميليا في مكانها تحاول التماسك، إلا أن أصابعها المتشابكة فوق حجرها كانت تفضح اضطرابها. شعرت بوخزة مؤلمة تعتصر صدرها كلما وقع بصرها على أمجد الجالس قبالتها.
كم تمنت لو رفع رأسه ونظر إليها مرة واحدة فقط...
لو أظهر أي انفعال، أي غضب، أي حزن، أي شيء يدل على أن ما بينهما كان يعني له شيئًا.
لكنه بدا باردًا على نحو أوجعها أكثر من ألف كلمة.
كان يجلس مستقيم الظهر، ملامحه جامدة، عيناه معلقتان في نقطة بعيدة وكأنها غير موجودة من الأساس.
ابتلعت غصتها بصعوبة وأجبرت نفسها على الثبات.
بدأ المأذون في ترتيب أوراقه ثم قال بصوته العملي:
_ يلا يا جماعة، نتوكل على الله.
تنهد الشيخ في حزن وربت على يد ابنته بحنان وهو لايزال يبتسم، أما هي فشعرت للحظة أن الأرض تهتز أسفل قدميها، لما كل ذلك التردد!
هي من أرادت ذلك وبشدة، كيف لها أن تشعر بكل ذلك الوجع الآن!
ها هو الأمر الذي كانت تخشاه يحدث أمام عينيها، سنوات كاملة من الحب والذكريات والوعود تختصر الآن في بضع أوراق وكلمات معدودة.
رفعت عينيها نحوه مرة أخرى علّه ينظر إليها، علّه يتراجع، علّه يقول إنه لا يريد ذلك...
لكن أمجد ظل على حاله، باردًا، صامتًا...
وكأن قلبه غادر المكان قبل أن يجلس فيه.
شعرت بحرقة تلسع عينيها، فخفضت رأسها سريعًا قبل أن يراها أحد. لم تكن تريد البكاء هنا، أمام الجميع، رغم أن قلبها كان يصرخ من الداخل.
قال المأذون بعد أن انتهى من بعض الإجراءات:
_ يا أستاذ أمجد، حضرتك جاهز؟
رفع أمجد رأسه أخيرًا وأجاب بصوت هادئ خالٍ من المشاعر:
_ أيوه.
كلمة واحدة فقط، لكنها سقطت على قلب كاميليا كالحجر.
عندها أدركت أن كل أمل كانت تتشبث به طوال الأيام الماضية كان يحتضر الآن أمامها، وأن النهاية التي رفضت تصديقها أصبحت واقعًا لا مفر منه، وانها بالفعل لا تمثل له أي شيء ولا تعني له أي أهمية.
نظر المأذون إلى الاثنين قبل أن يبدأ، فقد اعتاد رؤية الكثير من حالات الطلاق، وكان يعرف أن بعض النهايات يمكن إنقاذها أحيانًا في اللحظة الأخيرة لذا قرر أن يحاول حتى فقال بنبرة هادئة:
_ بصراحة يا جماعة، قبل ما نبدأ... راجعوا نفسكم كويس. الطلاق مش سهل، والبيت بيتبني في سنين وبيتهد في دقيقة.
لم ترفع كاميليا رأسها، بينما ظل أمجد صامتًا.
أكمل المأذون:
_ أنا مش بتدخل، بس دي أمانة. لو فيه فرصة للإصلاح، حتى واحد في المية، يبقى فكروا تاني.
تنهد الشيخ وقال كي يرفع الحرج عن ابنته عقب صمت أمجد:
_ والله يا شيخنا إحنا حاولنا كتير.
هز المأذون رأسه ثم نظر إلى أمجد مباشرة:
_ وأنت يا ابني؟ لسه مصمم؟
رفع أمجد عينيه نحوه وقال بهدوء:
_ أيوه.
_ مفيش مجال تقعدوا مع بعض شوية؟ تتكلموا؟
أجاب ببرود:
_ لا.
_ حتى آخر محاولة؟
أطرق أمجد لحظة ثم قال:
_ يا شيخنا، مع كامل احترامي... شوف شغلك.
ساد الصمت لثوانٍ.
التفت المأذون إلى كاميليا وقال بلطف:
_ وأنتِ يا بنتي؟ لو فيه حاجة حابة تقوليها قبل ما نكمل قولي.
رفعت رأسها ببطء، وكانت عيناها تلمعان بدموع حاولت السيطرة عليها.
نظرت إلى أمجد مباشرة وقالت بصوت منخفض:
_ لا مفيش، شوف شغلك يا شيخنا زي ما قال ...
لم يعلق أمجد وكأنه يثبت لها طوال الجلسة أنها لا تعني له أي شيء
انتظرت ثانية...اثنتين..ثلاثة عله ينطق، عله يفعل أي شيء، لكنه ظل صامتًا.
فضحكت ضحكة قصيرة مكسورة ثم هزت رأسها.
فقال المأذون مترددًا:
_ يعني نبدأ؟
رد أمجد فورًا:
_ ابدأ.
تشنج فك كاميليا وهي تسمع الكلمة فقد طعنها للمرة الألف
إذ كانت إجابته جاءت حاسمة بشكل مؤلم.
نظر المأذون بينهما للمرة الأخيرة ثم قال:
_ على بركة الله.
وبدأ الإجراءات وهكذا انتهت علاقة أمجد وكاميليا قبلما تبدأ...
*********
كان جياد يعمل وهو يدقق النظر في شاشة حاسوبه يعمل بجد واجتهاد ولكن هذا لم يمنعه من معرفة أن هانيا بها شيئًا ما، هو يعرفه، يعلم سبب ارتباكها وضيقها هذا، وعليه قال لها:
_ انا عارف انك بتسألي نفسك انا ليه متكلمتش مع شهاب زي ما وعدتك الصبح.
انا والله ما ناسي، وفعلا عايز اساعده وافهم منه ايه الدليل دا عشان اعرف مين عايز يوقعنا في بعض، بس انا اتفاجئت من شوية انه رافع طلب على الميل انه خد أجازة النهاردة بسبب تعب ماهي والحمل وهو قاعد معاها وبابا اداله الموافقة طبعا لانها ماهي يعني وانا صراحة قبلت اشيل الشغل، آخر مرة كان شكلها تعبان اوي فعلا، حبيت بس اوضح لك لا تقولي نسيت ولا حاجة
ابتسمت أخيرًا بعدما فهمت الأمر وردت:
_ ايوا هو دا اللي انا عايزاه فعلا، انا مش عايزة مشاكل بينكم ومش عايزاه يرقد لك وانت ترقد له وتفضلوا تضربوا في بعض كدا كل شوية!
_ هيحصل، المهم انا بعد الشغل رايح ال night club, وبعدها هروح علشان اتكلم مع الحارس، خدت معاد وسمحولي بزيارته وخلينا نشوف، آخرة عماتي وآلاعبيهم هتظهر قريب.
ردت على الفور:
_ هاجي معاك
_ لا، مش هتدخلي انتي أماكن زي ال night club والاقسام دي!
_ خلاص هاجي معاك بس هستنى في العربية، علشان خاطري خدني معاك بقا وبطل رخامة، بالذات مشوار الحارس دا، عايزة اكون معاك فيه بليز بليز
تنهد ثم رد:
_ يخرابي عليكي، مش بعرف ارفضلك طلب طيب اعمل إيه!
ماشي يا ستي، تعالي معايا ويارب نخلص كل المشاوير دي قبل الساعة ٨ علشان اجتماع بابا
ردت في قليل من القلق:
_ تفتكر هيزعق لي؟
رفع بصره جهتها ورد في ثقة:
_ محدش يقدر يتكلم معاكي بنص كلمة وانا موجود فكك
ابتسمت وتابعت عملها في فرحة قد لاحظها لذا ابتسم هو الآخر.
وبالفعل عقب الانتهاء من العمل ذهب هو وهي إلى ذلك الملهى الليلي الذي دائمًا ما يذهب إليه باسم.
توقفت السيارة أمام ذلك المكان على بعد قليل وقد تأكد الشاب بكل الطرق أن لا سيارة تلاحقه ولا أحد يراقبه، وعليه قال لها:
_ خليكي هنا يا هانيا واوعي تنزلي من العربية ابدا إلا أما اجي واقفلي عليكي العربية اساسا
هزت رأسها مؤكدة ثم فك حزام الأمان ونزل هو، ترجل حتى دخل المكان والموسيقى صاخبة والجدير بالذكر ان لا حد يستطيع دخول ذلك المكان بتلك السهولة ولكنه جياد الزيني ابن رجل الأعمال الشهير عبدالله الزيني لذا سمحوا بإدخاله.
دخل عند موظف الاستقبال والذي كان يعرفه من قبل وبمجرد أن رآه الرجل حتى ابتسم ابتسامة عريضة وهو يقول:
_ جياد الزيني، عاش مين شافك يا راجل!
هز الشاب رأسه بالايجاب ورد:
_ ازيك يا دودّا عامل إيه؟
_ كله حلو وانت يا عم فينك مختفي كدا!
_ تبت بقا والله عن القعدة في الأماكن دي خلاص
ابتسم له الرجل وعلق ساخرًا:
_ يبقى أكيد اتجوزت
_ ايوا هو دا، ربنا رزقنا بالحلال بقا خلاص
_ هو انت يعني كنت بتعمل حاجة!
انت كنت بتيجي تتفرج بس تقريبا
ابتسم ورد:
_ على رأيك، قلت كفاية ذنوب كدا بقا وربنا تاب عليا الحمدلله.. المهم مش حابب تعمل لصاحبك خدمة كدا حلوة زيك!
_ اؤمر، انا عنيا ليك
أخرج له صورة هيام ثم وضعها على الطاولة امامه وقال:
_ تعرفها؟
نظر الشاب إلى الصورة جيدًا ثم رد:
_ ايوا دي نالا
_ اسمها نالا؟
_ دا اللي اعرفه عنها
سكت قليلًا.. ثم رد:
_ فين هي، تعرف؟
رد الشاب ساخرًا في ابتسامة:
_ يا مان دي Bitch [ عاهرة]
عايز ايه يعني من واحدة زي دي مش قلت انك تبت!
فرك جانب لحيته يفكر لثوان ثم رد:
_ دي لواحد صاحبي، هو اللي قالي عليها وقالي انه عايزها لانه كان معاها قبل كدا وارتاح يعني، بس هو مش لاقيها وقالي هتبقى عملت لي خدمة لو لقتها ليا وانا عايز اوجب معاه، ياما وجب معايا الصراحة يا دودّا، فكنت معدي بالصدفة من قدام المكان فنزلت أسأل عنها بقا، قلت هو دودّا اللي هجيب لي قرارها
ثم أخرج من جيبه مبلغ في استيك ملفوف حوله ووضعه بين قبضتيه وهو يتابع:
_ ها، هتقولي ولا إيه!
نظر الشاب إلى المال الذي في قبضته ورد:
_ والله صاحبك معاه حق، هي مختفية فعلا ومش بتيجي بقالها كتير جدا
_ يا واد يا دودّا يا لئيم
_ زي ما بقولك والله، حتى لو مش مصدقني أسأل باسم ابن عمتك يا عم وهو يأكدلك، أكيد هو كمان مش لاقيها او يعرف لها طريق الله اعلم يعني
هنالك ابتسم جياد ابتسامة نصر وقال له في نبرة بها الحماس:
_ هي تخص باسم بقا ها؟
_ طبعا، دي الحتة الطرية بتاعته وكان دايما يقولي ظبط لي الجو اما هي بتيجي، بس هو كمان بقاله كتير مش بيجي بردو
رد ساخرًا:
_ طب مش تقولي يا دودّا إنها مع باسم!
كدا باسم يزعل لو عرف اني ودتها لصاحبي
_ ايوا هيزعل وهيزعلنا كلنا، هو بيحب ان اللي يقرب منها ميقربش منها غيره، تبقى تخصه هو وبس
رد جياد ساخرًا:
_ طبعا، باسم شهم طول عمره، الشهامة يا ابني هي رمز عايلتنا
_ ايوا، فبما انه هو مش بيجي، يبقى هي كمان مش هتيجي لانها دايما بتكون معاه هو
سكت جياد لحظة... ثم علق:
_ طب ازاي!
مش هنا شغلها وأكيد ماضية عقد او فيه بينها وبين المكان اي توثيق؟
ازاي تسيب الشغل كدا وتيجي وقت ما تحب!
سكت الشاب برهة ولم يرد وبدا عليه التردد ولما لاحظ جياد ذلك، أخرج مبلغًا من المال مرة أخرى ووضعه في قبضته فقال على الفور:
_ باسم هو اللي دفع لها الشرط الجزائي وفسخ العقد بينها وبين المكان ومن وقتها بقت بتيجي ليه هو وبقت لمزاجه بس
هز رأسه بالايجاب ثم رد:
_ متشكرين يا دودّا اومال كنت عامل فيها سايلنت وحافظ للاسرار ليه في الأول!
_ أكل العيش مر بقا يا مستر جياد زي ما انت عارف
_ طبعا طبعا، ماشي يا دودّا، عامة خلاص طالما طلعت تخص ابن عمتي الغالي خلاص، هقول لصاحبي hard luck.
ثم استدار كي يمشي وأثناء سيره، عرقلت فتاة سكرانة بشدة لدرجة أنها لا ترى أمامها وقالت له في مياعة:
_ تحب؟
دفعها عن طريقه بيده فسقطت على الأرض لانها لا تستطيع موازنة نفسها وجسدها فقال:
_ انا ناقص قرف!
خرج على الفور وأسرع جهة سيارته وفتح الباب وركب وقال لزوجته المنتظرة على أحر من الجمر:
_ طلع ابن ال**** يعرف البت دي لا وكمان خاصة بيه هو بس مش مجرد اي Bitch، حنية قلبه خلته يخصصها ليه ويدفع لها الشرط الجزائي
_ بتهزر!
_ والله
_ طب من الأول بقا، احكيلي من الأول
_ ماشي هقولك من الأول خالص، لحد ما نوصل القسم، شكلها هتبقى ليلة عنب على الكل، اختك كانت شايله كل دا في قلبها وساكتة!
_ هي بتقولك كدا وبترشدك علشان تدور وتشوف بنفسك حقيقتهم وبعد ما تعرف كل دا وتكتشف، هي هتقولك الباقي كله، هي بس عايزاك تشوف بعينك علشان اي حاجة تقولهالك بعد كدا تصدقها علطول من غير استغراب او ذرة شك
نظر إليها في قلق ثم تابع قيادة وهو يحكي لها ما حدث بينه وبين ذلك الرجل.
********
وعقب قليل وصل قسم الشرطة المراد الوصول إليه ولكنه لم يجد ركنة او جراج أمام المركز صف سيارته بعيدًا عن المكان وفك حزام الأمان وقال لزوجته:
_ افضلي في العربية، هو القسم قدام شوية بس اديكي شفتي مفيش ركنة ومش مسموح اركن قدام القسم، خليكي هنا لحد ما اجي مش هتأخر
وبالفعل نزل وبدأ يمشي سيرًا على الأقدام وكانت هي تتبع أثره حتى اختفى...
ظلت تنتظره في السيارة قلقة ومتشوقة لما سيحدث معه وقالت لنفسها:
" خير ان شاء الله، يارب يتأكد من الحقيقة.. بس انا خايفة بردو، اصله لو اتأكدنا انهم هما، يا ترى جياد هيسكت!
وياترى هما هيعملوا في إيه!
استر يارب استر اللي جاي صعب قلبي بيقولي
وهكذا ظلت مرتبكة والانتظار بدأ يرهقها حتى رأته قادمًا من على بعد، ووجهه متهجم ومشيته سريعة للغاية بها الغضب كأنه لا يرى أمامه إلا نيران الغضب.
فتحت باب السيارة سريعًا وركضت جهته تقابله وقالت في خوف:
_ ايه وشك عامل كدا ليه؟
حصل إيه؟
بدأ يتحرك كما هو صوب السيارة وهي تجري بالتوازي مع خطواته تطرح عليه اسئلتها، قال في غضب شديد:
_ ولاد ال***** ال***** الأجناس دول طلعوا بنسبة كبيرة ورا كل حاجة اقسم بالله لوريهم والله ما هطلع عليهم شمس طول مافيا الروح
وبينما هو يكلمها، فجأة من ورائه ضربه أحدهم بقوة بعصا على ظهره، تأوه فجأة وهو يصيح وانحنى بجسده لتصرخ زوجته وتجد صاحب الضربة شهاب، ذلك الذي أتاه من الخلف وفاجأه بتلك الضربة ولم يكد يستوعب الضربة الأولى حتى سحبه في ثوان من كتفيه بقوة وضربه بركبته أسفل الحزام مثلما ضربه بالضبط
" سيبه يا شهاب سيبه سيبه"
كانت تلك صرخات الفتاة وهي تراه يضرب زوجها أسفل الحزام ولكنه لم يستمع لها بل ركله في بطنه بكل ما اوتي من قوة ليسقط الشاب على الارض فورًا، واقترب ليكمل عليه ولكن هانيا وقفت أمامه تمنعه من مواصلة ضرب زوجها وهي تصرخ:
_ انت اتجننت، سيبه يلا امشي يلا امشي
قال في غضب:
_ اوعي من وشي، انا هاخده معايا علشان هيقولي فين اختي يعني فين اختي اوعي
_ لا مش هوعها و..
لم يتركها تتابع كلامها بل بعدها عن طريقه وانحنى نحو الشاب والذي يبدو أنه غاب عن الوعي قال وهو يسحبه من ملابسه:
_ تعالى، دا انا هربيك يا ابن ال****
انحت هانيا هي الأخرى وأخذت تحاول تبعد يده عن زوجها وهي تصرخ:
_ سيبه يا شهاب سيبه سيبه مش هتاخده
_ لا هاخده معايا، اوعي لازم يقولي عمل ايه في وعد ووداها فين
_ ماخدهاش والله والله هو ما اخدها
وبين صراخهما والشد بينهما هو يود أن يسحبه وهي تعمل جاهدة في ألا تتركه له، رأت هانيا دماء على درجة السلم وذلك لأن زوجها أثناء سقوطه على الارض، ارتطم رأسه بسراميك أحد درجات السلم الخاصة بالمكان الذي كانوا فيه، لذا صرخت صرخة مصطحبة بشهقة عالية ووضعت يدها على فمها اثر الخضة، لينتبه شهاب لذلك ويرفع رأس الشاب عن السلم فيجد رأسه ينزف وبقع الدماء بجانب بعضهم البعض، فهو لم يقصد ذلك كلما قصده أن يضربه ويأخذه معه ليعترف بما فعل وما قد حدث الآن فهو حدث عن طريق الخطأ.
اختضت الفتاة أكثر وصرخت ما ان رأت دمائه:
_ انت قتلته؟
قتلته يا شهاب، قتلته....
*********
الحدث الأخير دا حصل في نفس احداث القصة الحقيقية باختلاف بسيط في الأسباب
متنسوش رأيكم والفوت علشان الشغف بينهاااار مني
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الثامن وأربعون 48 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه؟؟؟
فوتس وكومنتس لا تنسوا التشجيع 😍🔥
جاهزين؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثامن و الأربعون[ اللعب على المكشوف ]
سلمى خالد احمد
**************
وما كان لها إلا أن ضمت رأس زوجها إلى صدرها وهي تبكي بكاء جمًا في انهيار، وقد امتلأت ملابسها بدمائه ويديها أيضًا، تقول له في ترجي مصحوب ببكاء:
_ جياد، اصحى، رد عليا يا حبيبي رد عليا بليز يا جياد، انا هانيا، انا هانيا حبيبتك، رد عليا ارجوك رد، فتح عينك يا حبيبي، فتحها ارجوك فتح
أما شهاب فكان يقف أمامها يرى بعينيه ما فعله بالشاب ويسمع بكاء وتوسل زوجته، فانحنى نحوه في سرعة يضع يده على مكان نبضه عند الرقبة و اليد ليعرف هل مات ام مازال على قيد الحياة... ثم قال لها سريعًا:
_ لسه عايش، الحمدلله فيه الروح، متخافيش، انا هطلب له الإسعاف حالا اهو
وبالفعل استقام مرة أخرى واتصل بالاسعاف.
قال لها مواسيًا:
_ اهدي يا هانيا ممتش، ممتش متخافيش
صرخت في عصبية مفرطة مصحوبة ببكاء ودموع لا تتوقف:
_ ليه تعمل فيه كدا ها؟
انت عايز إيه يعني؟
عايز توصل لايه بالظبط!
ارحمني بقا ارحمني
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ هانيا انا.. انا ماكنش قصدي اعوره كدا، كل الموضوع إني كنت عايز اخده معايا علشان يقولي فين اختي و...
قاطعته صارخة في نفس النبرة الأولى:
_ يا اخي فلقتنا بأختك بقا، ماخدش اختك مأخدهاش، تمام!
ثم تنهدت قليلًا وصدرها يعلو ويهبط:
_ ابعد عننا بقا، سبنا في حالنا وكفاية كدا كفاية كفاية
وفي تلك الأثناء، التفت الناس حولها ما إن تجمعوا على صوتها وأخذوا يسألون عمَّ حدث ومنهم من أخذ يقوم ببعض الاسعافات الأولية للشاب حتى مجئ الإسعاف
أما شهاب فقد وقف بعيدًا قليلًا يراقب ما يحدث مع الشاب في قليل من القلق إذا مات أو أصيب بجرح بليغ وهو لم يقصد ذلك.
وصلت سيارة الاسعاف، وخرج الفريق الطبي بالسرير المتحرك ثم حملوا الشاب ووضعوه عليه برفق على صراخ وخوف زوجته التي لازالت تمسك بيده حتى وضعوه داخل السيارة وركبت معه، وبمجرد أن ركبت، ألقت نظرة نحو شهاب بها الضيق والغضب قبلما يتم غلق بابي السيارة ثم اشاحت وجها بعيدًا وتحركت السيارة بعدها..
وهناك في القصر كانوا قد تجمعوا لأجل الاجتماع الذي طلبه الشيخ منهم، ولكن كل شيء قد توقف بعدما وصل لهم خبر الشاب فهرعوا جميعهم حتى السيارات متجهين إلى المشفى التي هو بها.
***********
جلس باسم في ركنٍ قصيٍّ من الملهى الليلي، متكئًا إلى المقعد الجلدي، بينما استقرت بين أصابعه كأسٌ لم يرفعها إلى شفتيه إلا نادرًا. كانت الأضواء الملوّنة تتراقص من حوله، والموسيقى الصاخبة تملأ الأرجاء، إلا أنها بدت بعيدةً عنه كأنها تنتمي إلى عالمٍ آخر لا يخصّه. لم يلتفت إلى الضحكات المتعالية ولا إلى الوجوه العابرة من حوله، فقد كان ذهنه أسيرًا لفكرةٍ واحدةٍ لا تكف عن مطاردته.
ثبت بصره على السائل المتماوج داخل الكأس، وعقد حاجبيه في عبوسٍ ثقيل، بينما راحت الأفكار تتزاحم في رأسه بلا رحمة. كان يستعيد ما حدث مرارًا، يقلبه من كل زاوية، باحثًا عن الخطوة التالية. وبين حينٍ وآخر، اشتدت قبضته على الكأس حتى كادت أصابعه تطبع أثرها على زجاجها، في إشارةٍ صامتة إلى الغضب المتأجج خلف ملامحه الجامدة. بدا كأن الضجيج كله قد انطفأ من حوله، ولم يبقَ في عالمه سوى أفكاره المضطربة، وسؤالٍ واحدٍ يلحّ عليه بإصرار: ماذا سيفعل الآن؟
حدث نفسه في خفوت:
" بس هي اللي مستحملتش.. انت ماكنش قصدك تموتها أكيد.."
_ تؤمر بأي حاجة تانية يا باسم باشا؟
خرج عن شروده على تلك الجملة مما جعله يرفع رأسه سريعًا نحو المتحدث، ينظر إليه.. ثم تنهد وقال:
_ إيه يا دودّا؟
_ ايه يا باشا فينك؟
بقالي كتير مش بشوفك مش بتيجي ليه؟
_ انت هتحقق معايا يا دودّا؟!
_ لا يا باشا ولو.. بس انا كنت مستغرب غيابك عن المكان طول المدة دي
زفر الشاب على مهل، ثم أخرج من جيبه مالًا ووضعه في قبضته وقال:
_ خد يا دودّا، روق على نفسك بدول وفكك مني، انا دماغي مشغولة بألف حاجة
_ تحب اشوف لك مُزة تروق عليك، استعمال خفيف؟
_ هديك على وشك
ضحك الشاب ورد:
_ اعملك ايه، دا حتى نالا مبقتش تيجي هي كمان زيك
سكت برهة ثم أمال برأسه نحو باسم وقال في نبرة صوت منخفضة:
_ بالمناسبة، فيه بنت جت سألت عنك
رفع إليه رأسه باهتمام وسأله:
_ بنت؟ بنت مين؟
اللي انا اديتك صورتها وقولتلك لو جت تبلغني فورا؟
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ لا مش هي، واحدة تانيه بس انا حسيت انها بتوقعني بالكلام وعايزة تعرف انت بتيجي هنا ومصاحب ولا لا، علشان كدا خمنت انها تبع خطيبتك
_ هشوفها في الكاميرات دي كمان.. حد تاني سأل عني او عن حاجة تخصني غيرها؟
سكت الشاب وهو ينظر إليه في خوف، ليقول له باسم في نبرة صوت حادة:
_ دودّا!
_ لا مفيش يا باشا صدقني.. هو ابن خالك بس واعتقد دي مش هتفرق معاك كتير، انت محذرتنيش منه!
وقف فجأة وسأله وهو يحدق به:
_ ابن خالي مين؟
يزيد؟
هز رأسه نافيًا ثم قال:
_ جياد.. جياد الزيني
شده من ياقة ملابسه في عنف وقال له بنبرة بها الغضب الشديد:
_ جياد الزيني سأل عني في ايه بالظبط وانت قولتله إيه بالحرف؟
كان الشاب بين قبضته خائفًا منه ومن نظراته له تلك المرعبة وملامح وجهه التي تغيرت في لحظة وقال في توتر:
_ هو..هو سأل عن نالا وانا..وانا والله مش عارف اني المفروض مقولش، انا قلت انتوا قرايب في بعض، انا قولتله انها تبعك وبس
حدق به أكثر فأكثر وقال في نبرة يجاهد في ألا يجعلها عالية:
_ هخنقك، هخنقك بإيديا يا غبي يا متخلف انت.
قولي قالك إيه بالظبط من أول ما دخل
_ ما. ما .هو..هو، حط لي صورة نالا وقال عايزها لصاحبي وفين ألاقيها هنا ولا لا، وانا قولتله بقالها كتير مش بتيجي ومش هتنفع صاحبك لانها خاصة بابن عمتك باسم بس كدا مقولتش كلمة لا زيادة والله يا باشا
صاح في وجهه في غيظ شديد:
_ غبي انت غبي غبي وحيوان
ثم دفعه بعيدًا حتى وقع على الأرض وقد لاحظ البعض ما حدث.
ثم سكت يفكر قليلًا:
" بتدور ورايا ليه يا جياد... مفيش غيرها روني.. روني بدأت تحرك جياد علشان خافت على يزيد.. كنت عارف، والله كنت عارف انها مش هتسكت إلا أما تسيح دم "
ثم تحرك نحو الخارج في خطوات سريعة بعدما رمى دودّا بنظرات مخيفة.
***********
أمام الغرفة التي بها الشاب، في المشفى الخاصة أحد أكبر واهم المشافي الخاصة بزايد، كانت العائلة تقف في ترقب مصحوبًا برعب وبكاء على ولدهم الذي يرقد في الداخل.
وسأل الشيخ، هانيا والتي كانت تبكي داخل حضن أختها روني:
_ إيه اللي حصل له يا هانيا؟ ابني جراله إيه؟
لتضيف عبير والتي كانت تجلس على الكرسي فلم تستطع قدماها على حملها، تبكي بكاء هيستيريًا:
_ ابني عنده ٢٤ سنة بس، كل شوية نجيله في حادثة، كل شوية الاقيه نايم قدامي على السرير بوضع يقطع قلبي لا حول ليه ولا قوة.. جوازة الشوم والندامة، هتموت لي ابني، هتموت لي ابني..
ثم صرخت في نبرة بها القهر موجهة حديثها إلى هانيا:
_ أنا بكرهك، بكرهك
أما فاطيمة فكانت تجلس جوارها تربت على كتفيها تواسيها:
_ خلاص يا عبير هانم اهدي يا حبيبتي اهدي ان شاء الله نطمن عليه قريب يا حبيبتي ويكون زي الفل ويقوم يروح معانا كمان
كان الشيخ لايزال ينظر إلى هانيا منتظرًا منها أي إجابة ولكن الفتاة لم تخرج عن حدود حضن أختها، تبكي ويزداد أصوات بكائها.
وفي تلك الأثناء، وصل مجدي رفقة حورية وهما يسرعان نحو العائلة المنتظرة أمام باب الغرفة، أسرع مجدي نحو الشيخ وهو يقول:
_ خير يا شيخ ان شاء الله خير، ربنا يقوم لنا جياد على خير
_ انا مش فاهم ابني ماله يا مجدي بجد، انا هتجنن!
الواد كل شوية ننقذه من حادثة هو في ايه!
_ معلش يا شيخ معلش، قدره كدا ربنا يقومه بالسلامة يارب
بينما حورية اتجهت نحو مايا الواقفة بجوار الكرسي الذي تجلس عليه هانيا في حضن روني وقالت لها في خفوت:
_ هو فيه إيه؟
إيه اللي حصل للواد، اختك ليها يد المرادي؟
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ مش عارفة يا ماما والله، احنا لسه واصلين من شوية اصلا ومن ساعة ما جينا وهي بتعيط ومقالتش حاجة خالص
_ تبقى عارفة كل حاجة.. ربنا يستر، عبير عايزة تقوم تجيبها من شعرها.. شايفة بتبص لها ازاي!
وفي الوقت نفسه، سمعت فاطيمة صوت هاتفها يرن، اخرجته من الحقيبة ونظرت إلى الشاشة.. ثم قالت لعبير:
_ بعد اذنك يا عبير هانم، هروح ارد
وبالفعل تحركت حتى وقفت بعيدًا عنهم ثم استجابت قائلة:
_ إيه يا باسم؟
ليرد الشاب في نبرة بها الاستعجال:
_ ماما بسرعة بس الله يكرمك، جياد فين؟
وصل القصر؟
_ جياد عمل حادثة، احنا هنا كلنا في المستشفى اهو
تنهد تنهيدة طويلة وهو يضع يداه على صدره في راحة ورد:
_ الحمدلله.. الحمدلله بجد طمنتيني.. عمل حادثة ازاي؟
_ محدش عارف لسه، ادينا مستنين الدكتور يخرج ونشوف هيقول إيه
ركب سيارته ورد وهو يغلق بابها:
_ ايوا تابعي كلام الدكتور، كدا كدا في مصلحتنا كله..
بدأ يضغط على الفرامل وتابع:
_ جياد لازم يموت، مينفعش يخرج من المستشفى خلاص
حدقت السيدة في الفراغ من هول الخضة وردت:
_ إيه!
انت أكيد اتجننت.. عايز تقتل جياد لي؟
في إيه؟ إيه اللي حصل؟
تنهد ثم رد وهو يقود السيارة:
_ جياد عرف كل حاجة تقريبا.. عرف ان ليا علاقة بهيام وشاف صورتها وأكيد روني حكت له قصة رضا وصفوت والكارثة اللي حصلت في الشركة، ومش بعيد تكون قايلاله كل حاجة حصلت.. موضوع الدجال، موت ابنه والحشيش اللي انا دخلته القصر، كل دا جياد مش بعيد يكون عرفه او بينه وبين انه يعرفه تكة، ووقتها كلنا كدا بلا استثناء نقول على نفسنا يا رحمان يا رحيم وانا يا حبيبتي مش عايز اقول على نفسي يا رحمان يا رحيم واللعب بقا على المكشوف ولو انا متغدتش بيه هو هيتعشا بيا.
رفع صوت الأغاني الإنجليزية الصاخبة بكاست السيارة واضاف:
_ مينفعش يخرج ويتكلم ويقول للشيخ كل حاجة.. انا عامة مش متضرر، انا بعرف اهرب كويس واحمي نفسي، الدور والباقي عليكم انتوا، انتوا اللي خالي هيوديكم ورا الشمس
سكتت تفكر في تلك المصيبة التي حلت فوق روؤسهم جميعًا... ثم ابتلعت ريقها وردت:
_ انت شايف كدا؟
_ انتي شايفة غير كدا؟
لو شايفة انك هتقدري تواجهي اخوكي بكل عمايلك دي انتي واختك، تمام سبيه عايش وخليه يتكلم ويحكي.. جياد ذكي جدا وهيتكلم بأدلة وهيخلي الشيخ يصدقه ووقتها مش عارف الشيخ ممكن يعمل فيكم إيه
_ طيب آآآآه.. يعني.. هنخلص منه ازاي؟
يعني لو طلعت حالته مستقره وكدا، هنعمل إيه؟
_ انتي بس اسمعي حالته من الدكتور ووقتها نقيم، لو قال خطر ومفيش أمل وان شاء الله هيكون كدا يعني، خلاص ربنا ريحنا خالص، إنما لو قال هيطلع وهيتحسن وكدا، يبقى هنا لازم ندخل وننهي أمره في المستشفى كأنها انتكاسة، قبل ما يطلع هو ويخلص مننا.
_ ماشي، هروح اهو اقعد معاهم علشان اشوف الدكتور هيقول ايه وبعدها هكلمك علشان نشوف هنعمل إيه.. بس انا خايفة يا باسم، الموضوع دا مش سهل، هنروح في داهية!
رد في نبرة عادية باردة:
_ كدا كدا هنروح في داهية فعادي بقا كله محصل بعضه
انهى معها المكالمة، وعادت هي إليهم مرة أخرى وحينها كان الطبيب قد خرج من الغرفة وقال لهم:
_ المريض اتعرّض لارتجاج شديد في المخ نتيجة الارتطام بالرأس، مع جرح في فروة الرأس تسبب في النزيف. هنحتاج نراقبه خلال الساعات الجاية ونعمل أشعة علشان نتأكد من عدم وجود نزيف أو تورم داخل الجمجمة."
بدأت الأصوات تتعالى والخوف ملأ أركان المشفى أما الشيخ فقد سأله في لهفة بها رعب على ابنه:
_ حالته مستقرة صح يا دكتور؟
هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ اه الحمدلله، هو حالته مستقرة مش حرجة ولا خطيرة، النبض موجود ومستقر.
التنفس مستقر أو تحت السيطرة.
ضغط الدم مقبول.
ومفيش تدهور سريع أو توقف لأعضاء حيوية مثلا.
يعني هو حالته مستقرة حاليًا، لكن ما زال فاقد الوعي نتيجة إصابة الرأس طبعا.
زي ما قلت لحضراتكم هنستمر في الملاحظة ونتابع نتائج الأشعة خلال الساعات الجاية ان شاء الله.
وبعدما ذهب الطبيب، اطمأنوا قليلًا وبدأوا يحمدون الله جميعًا، عدا فاطيمة التي بدأت تقلق من فوقته وفور شفائه وخروجه...
**********
وبالتزامن مع ذلك، دخل شهاب شقته متجهًا نحو غرفة نومه، وبمجرد أن فتح الباب، وجد ماهي تجلس على السرير وفي يدها قلم واوراق تكتب عليها.. ولكنها ما إن لاحظت وجوده حتى دست تلك الأوراق تحت الوسادة وبدأت تزيل دموعها التي تنساب بلا توقف على خديها.
تنهد الشاب واتجه في خطوات محسوبة نحوها حتى لا تصرخ أو تغضب من مجيئه، وبعينيه أخذ يبحث عن هاتفها والذي بمجرد أن وجده حتى التقطته وجعله صامتًا حتى إذا اتصل بها أحد من أهلها، لا تسمعه وذلك خوفًا عليها من الحزن بسبب ما حدث لأخيها على يده.
وضع الهاتف في جيبه ثم لاحظ وجود سكينة على الكومودينو، حدق بها ونظر إلى زوجته سريعًا والتي كانت تحيد ببصرها بعيدًا عنه تتجاهل وجوده منذ أن دخل.
وفي سرعة جلس جوارها بعدما قلق للغاية، سحبها إلى حضنه يضمها إليه بقوة بينما هي كانت تحاول مرارًا أن تبعده عنها وهي تقول في ضيق:
_ اوعى ابعد عني، اوعى متحضنيش اوعى اوعى
بينما الشاب لم يستمع لها بل كان يزيد من ضمها له وهو يقول في نبرة هادئة:
_ بس، بس يا قلبي بس اهدي يا حبيبتي اهدي...
وفي الوقت نفسه، فتحت منى باب الغرفة كي تدخل وهي تحمل صنية الطعام ولكنها تفاجأت بوجوده مع زوجته، لذا ظلت واقفة مكانها تنظر إلى ما يفعل وتسمع ما يقول.
تابع الشاب كلامه وهو يُقبّل يد زوجته:
_ سامحيني يا روحي خلاص حقك عليا، حقك عليا والله انا أسف اسف على كل حاجة عملتها معاكي
ثم ملأ خديها وجبينها بالقبلات وهو لايزال يعتذر منها:
_ انا مش عايز حاجة خلاص من الدنيا غيرك انتي وابني، ارجوكي ارجعيلي وكفاية الضياع اللي انتي فيه دا يا ماهي، كفاية الانطفاء كدا، كفاية الزعل دا بقا، وانا اوعدك اني مش هزعلك تاني ابدا، وهكون رهن اشارتك
وبينما منى تقف هناك تراقب الشاب وما يفعل، حزنت على نفسها وتذكرت كيف كان يعاملها زوجها قبل مقتله في قضية وطنية كُلف بها.
كان عاديًا كأي رجل روتيني لا يقدرها بذلك القدر ولا يعتذر إذا أخطأ ولا يأتي إلى المنزل إلا قليلًا بسبب انشغاله وسفره بين المحافظات طوال الوقت نتيجة لطبيعة عمله فقد كان شرطيًا.
لذا أحست بالغيرة قليلًا لا من ماهي وزوجها بل على نفسها لأنها لم تحصل على ذلك الاهتمام يومًا
دققت النظر عليهما، فإذ بالشاب يمسك يدي زوجته يبادل القُبل بينهما يُغرقها بنظرات بها التوسل والترجي كي تسامحه على ما ارتكبه في حقها من ذنب.
أما ماهي فكانت لا تتوقف عن البكاء حسرة وقهر وصدرها يعلو ويهبط في سرعة عالية، وبين بكائها وتوسل الشاب، تقدمت منى بخطوات سريعة نحوهما ثم قالت:
_ شهاب بعد اذنك بلاش تعيطها تاني إحنا ماصدقنا!
ثم وضعت الطعام على الطاولة الصغيرة التي كانت بجانب السرير ثم اقتربت منهما حتى وقفت قبالهما وابعدت يدي الشاب عن زوجته وهي تضيف:
_ اطلع برا، انت بتزعلها وانا مبصدق اسكتها، دا وقت الأكل يلا بعد اذنك اخرج
بادل شهاب النظر بينها وبين يديه التي ابعدتهما في استغراب ولكنه رد:
_ انا هأكلها
لتقول ماهي في نبرة حاسمة جاهدت في اخراجها:
_ لا، انا عايزة منى هي اللي تأكلني، اطلع برا فعلا ومتجيش الاوضة دي تاني
رمته منى بنظرة مليئة بالانتصار أما هو فقد شعر بالحرج قليلًا.. ولكنه تجاهل ذلك ورد في هدوء:
_ حبيبتي، خليني جمبك انتي وزين، أنا عايز اكون جمبكم، و..
قاطعته قائلة دون أن تتوقف دموعها:
_ قولتلك اطلع برا.. مش عايزة غير منى معايا
في لحظتها، رمى منى بنظرات مليئة بالشك فهو على يقين أن هناك شيئًا ما هو لا يفهمه وتلك الفتاة وحدها تعرفه.
كيف انقلبت عليه ماهي بتلك الطريقة وبتلك السرعة؟
ولكنه هز رأسه موافقًا احترامًا لها ولقرارها ثم تحرك كي يخرج من الغرفة.
وبمجرد أن خرج وغلق الباب خلفه، ارتمت الفتاة داخل حضن صديقتها تقول في نبرة عالية مختنقة مع بكاء شديد:
_ بحبه يا منى مش قادرة
وقد سمعها الشاب لذا لصق أذنه بالباب علّه يسمع أي شيء وبالفعل سمعها تقول لها:
_ اهدي يا ماهي مش كدا يا حبيبتي، كفاية عياط بقا لازم فعلا تاكلي علشان الدوا
ومن بعد ذلك لم يسمع أي شيء آخر بسبب اصوات شهقات ماهي العالية وبكائها المتواصل.
***********
اقتربت فاطيمة من أخيها والذي كان يتحرك في خطوات بها القلق أمام غرفة ولده وقالت له:
_ كدا انتوا ناويين على إيه يا شيخ ان شاء الله، في جديد؟
جياد هيطلع قريب صح؟
رد في نبرة هادئة بها الحزن:
_ مش عارف يا فاطيمة.. ادينا مستنيين
سكتت ولم تسأل ثانية بل ظلت تقف بجانبه تراقب تحركاته.
أما هانيا فمبجرد أن لمحت إحدى الممرضات تسير في الطرقات، حتى أسرعت جهتها معترضة طريقها وسألتها:
_ لو سمحتي.. هو جياد الزيني أخباره إيه دلوقتي أتحسن؟
اقدر اتكلم معاه او ادخل له؟
هزت رأسها رافضة ثم ردت:
_ لا، دلوقتي هو تحت رعايتنا ولسه بيعمل كذا أشعة علشان رأسه طبعا لازم نطمن عليه، لو فاق أكيد هنديكم خبر بس متقلقيش هو حالته مستقرة
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ تمام شكرا
أقبلت نحوها روني ثم ضمتها من كتفيها وقالت:
_ طمنتك عليه يا روحي؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ خايفة عليه اوي يا روني خايفة اوي
ردت في ابتسامة:
_ ياه لو يسمعك دلوقتي، كان زمانه قام نط زي الحصان
لتتجاوب معها الأخرى في ابتسامة:
_ كان هيقولي، قلقتي عليا يا بطاطا!
كان لازم ابقى بموت قدامك يعني علشان تخافي عليا!
ضحكت روني، لتتابع هانيا في تأكيد:
_ مجنون، مجنون
وعقب مرور وقت.. لمحت هانيا وقوف الطبيب مع الشيخ لذا أسرعت هي الأخرى كي تعرف ماذا يقول، فقال له الطبيب:
_ بس كدا زي ما قولتلك بس احنا عامة مطمنين
انهى كلامه وذهب.. وقف الشيخ يفكر قليلًا في كلامه.. ثم نادى عليه:
" يا دكتور"
توقف الطبيب، فأسرع نحوه الشيخ لذا لم تستطع فاطيمة أن تسمع ولم تستطع أن تلحق به وعليه ظلت واقفة مكانها في ضيق فقد كانت تود أن تسمع ما سيقوله الشيخ للطبيب
قال الشيخ له بمجرد أن وقف قبالته:
_ أنا عايز أكبر استشاريين يشوفوه.
انا محتاج أسفره برا مصر دلوقتي، اسفره ازاي؟
عندي صديق استشاري كبير جدا في ألمانيا وفريق طبي على أعلى مستوى، امتى ممكن تسمحوا لجياد يسافر؟
رد الطبيب في ابتسامة صغيرة:
_ انا شايف انه مش محتاج سفر يا شيخ عبدالله!
_ لا، دي خبطة في دماغه وانا مش بهزر في صحة عيالي، لازم اطمن في كل حتة وفي احسن مكان ان دماغه كويسة وان مفيش اي مشاكل ممكن تظهر عليه مستقبلا... انا عندي هاجس ومخي مش هيرتاح من كتر التفكير.. انا عايز اعرضه على أحسن وافضل مستشفى في ألمانيا وصديقي هيقوم بالواجب معاه، اعمل ايه علشان يسافر إيه المطلوب؟
انا معاكم من جنيه لتريليون اهم حاجه عندي ابني
هز الطبيب رأسه موافقًا ثم قال:
_ تمام، بس اعذرني يا شيخ لو هيتنقل، هيكون بعد استقرار حالته أكتر وتقييم المخاطر، ومش قبل كده، هو عنده إصابة في رأسه ماينفعش نتجاهل حاجة زي كدا، مع السفر وضغط الهوا، لا
_ اوكيه، قيموا المخاطر واعملوا اللي تعملوه بس انا لازم اسفره يكمل باقي علاجه ومتابعته برا علشان اطمن اكتر
_ تمام، عن اذنك
_ اتفضل
عاد الشيخ إلى أسرته وقال لهم:
_ يلا روّحوا كلكم ماينفعش كم العدد دا في المستشفى، يلا يا فاتح خد ماما روحها
ردت عليه عبير:
_ هفضل قاعدة لحد ما اطمن على ابني
_ لا يا عبير هو كويس ومينفعش قعدتك دي، هنيجي برا في مواعيد الزيارة
رد عليه يزيد:
_ انا هفضل معاه يا بابا مش هروح
_ ايوا انت هتفضل جمبه وتطمنا عليه
تدخلت هانيا قائلة:
_ انا كمان عايزة افضل معاه يا شيخ بعد اذنك
_ لا مينفعش، مسموح بمرافق واحد أما يكون راجل افضل طبعا، انتي روحي ارتاحي وبكرة تعالي
ثم نظر إلى فاتح وتابع:
_ يلا يا فاتح خد أمك وعماتك واخواتك وكلهم يلا وروحوا
بدأ فاتح يقول لهم:
_ يلا يا جماعة يلا، جياد بقا بخير
سألته حليمة في استغراب:
_ وانت مش هتروح يا عبدالله؟
_ هروح بس هقعد شوية هنا وجاي وراكم، كدا كدا يزيد بس اللي هيفضل معاه
بدأوا يتحركون جميعًا حتى ذهبوا تاركين الشيخ ويزيد فقط.
**********
خرجت منى من غرفة ماهي ثم غلقت الباب خلفها وبدأت تبحث بعينيها عن شهاب.
كان الشاب حينها يجلس على الأريكة يضع الحاسوب على فخذيه يعمل بسبب تراكم العمل عليه.
اقتربت منه ثم جلست جواره وقالت له في ابتسامة:
_ متزعلش مني
لم يعطها اهتمام كافي بل كان لايزال ينظر إلى شاشة حاسوبه وأصابعه تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة يكتب..
وقال لها:
_ ليه يعني؟
_ يعني.. علشان يمكن شديت معاك شوية جوا بس دا والله من خوفي على ماهي.. انت عارف انها مرضيتش تاكل!
بعد كل الوقت دا وكل التأخير دا مأكلتش مني غير معلقة رز واحدة وخدت العلاج ونامت
حرك الحاسوب بعيدًا عنه قليلًا ثم التفت لها وقال:
_ مين اللي حط لماهي سكينة على الكومودينو؟
ازاي الاقي سكينة في اوضتها؟
فرضنا فكرت تعمل في نفسها أي حاجة؟
ردت في قلق:
_ معرفش والله، أكيد مش هسيب لها حاجة زي كدا في اوضتها
نظر نحو باب الغرفة وقال:
_ متقفليش عليها الباب، افتحيه خليها تحت عيني علشان اشوفها بتعمل إيه
_ ماشي، بس انا فعلا معرفش السكينة دي جت في اوضتها ازاي والله
نظر إليها نظرة باردة ثم التفت إلى شاشة الحاسوب مرة أخرى.
بدأت عيناها تتجول فوق جسده.. صدره.. عضلاته.. كتفيه... وحتى شعره.
كان يبدو جذابًا لها بشكل كبير رغم أنها تكره بعض من صفاته وتصرفاته مع ماهي ولكنها كانت تسمعها منها فقط لا منه فربما بالغت ماهي قليلًا أثناء سردها ما يحدث معه، حسنًا إن ماهي حساسة للغاية ويبدو أنها تتحسس منه ومن أي كلمة يقولها لها، فها هي منى تراه زوجًا مثاليًا، يقف مع زوجته ولم يتركها في محنتها، فكان من الممكن أن يرسلها إلى أهلها ليتكفلوا برعايتها هم على سبيل المثال!
وتمتمت:
" نفسي اعرف ماهي عاملة دا كله ليه؟
ما يحب هانيا ولا يتنيل. انا لو منها كنت نسيته هانيا وابوها وامها كمان "
ثم قالت له في نبرة صوت انثوية هادئة:
_ تحب أحطلك تاكل؟
نظر إليها في انتباه هذه المرة فإن عيناه لم تُكَذّب ما فهمه، لماذا تنظر إليه هكذا!
لذا حمل الحاسوب وقام.. بدأ يتحرك نحو غرفة النوم والتي بها زوجته ولكنها اعترضت طريقه قائلة:
_ على فين؟
رد في غيظ منها:
_ اوعي انتي هتحاسبيني!
_ ايوا لانك مش مسموح لك تدخل عند ماهي انت عارف دا كويس.. ماهي حالتها بتنتكس كل ما بتشوفك
_ اوعي من وشي يا منى
_ مش هسمح لك تدخل عندها وتبوظ كل حاجة، ماهي حاليا كرهاك ومش طايقة تشوف وشك، لو مش خايف عليها هي، خاف على ابنك!
رد في نبرة بها الضيق:
_ مش هتفضل كرهاني علطول، سبيني اصلح علاقتي بيها!
_ ماشي هتعمل كدا بس مش دلوقتي، هي دلوقتي مش متقبلاك ولا متقبلة أي حاجة منك، استنى حسن جاي بكرة زيارة ليها وليك وهيقعد معاك وهو هيفهمك كل حاجة، بلاش ارجوك دلوقتي علشان خاطر ماهي قبل أي حاجة
_ أنا مش فاهم أنا هتجنن، ازاي قلبت عليا كدا مرة واحدة!!
_ ممكن جابت آخرها مثلا!
ولا انت فاكر انها علشان بتحبك هتفضل تقبل على نفسها كتير؟
البنت مننا ليها آخر وأما بتقفل من راجل خلاص، مفيش محاولات تاني ممكن تنفع، يكون في علمك
بدأت تتقدم نحوه بخطوات محسوبة مما ارغمه إلى التراجع للخلف خطوات سريعة وهو ينظر إليها في استغراب شديد، حتى صاح بها وهو يشيح بيده:
_ ايه!
لترد في برود:
_ إيه!
برجعك لورا علشان مش مسموح تدخل لماهي أنا عرفتك
رماها بنظرات بها القرف ثم اتجه نحو الغرفة الأخرى التي ينام بها وبعدما ذهب، تمتمت:
" يخربيتك، دا انت طلعت كاريزماتك موت، فهمت ماهي كانت هتتجنن عليك ليه! "
ثم هزت رأسها بالسلب وهي تتابع:
" اتعدلي يا منى انتي اتجننتي ولا إيه!
دا جوز صاحبتك! "
بينما هو كان في الغرفة يتحرك سريعًا وهو يفكر في ذلك يحاول أن يربط الخيوط ببعضها ليفهم شيئًا وفي الوقت نفسه، صدح صوت هاتفه، أخرجه من جيبه فوجد الشيخ هو من يتصل به..
استقبل المكالمة قائلًا في بعض التوتر:
_ ألو؟
_ إيه يا شهاب، فينك انت وماهي عمالين نرن من الصبح، إيه نايمين على ودانكم!
تنحنح الشاب ورد:
_ أكيد مسمعناش.. هو في حاجة؟
_ جياد في المستشفى بقاله خمس ساعات وانت ولا هنا!
مش المفروض تكون معانا وجمبنا انت واخته؟
سكت فقد خضه بذلك الكلام ولم يرد... ليتابع الشيخ:
_ على العموم عادي، المهم اتصلت بيك علشان اقولك انك انت وهانيا اللي هتشيلوا شغل بكرة واجتماعات بكرة لانها مهمة جدا ومينفعش تتأجل وبما ان جياد مش هيبقى موجود، عايزك تسد مكانه كونك راجل لان بكرة في رجالة مهمة كتير واتمنى ماكنش فاجئتك، ذاكر كويس قبل ما تقابلهم
_ حاضر يا شيخ متقلقش الشغل كله في ايد أمينة لحد ما جياد يبقى كويس
رد الشيخ متعجبًا:
_ غريبة، دا انت مسألتنيش جياد ماله ودخل المستشفى ليه!
ابتلع الشاب ريقه ورد:
_ اعذرني يا شيخ، ماهي بس هرمونات الحمل زايدة معاها وبقينا نتخانق كتير الفترة دي علشان كدا يمكن متشتت شوية
_ لا لا لا، كله إلا ماهي، متزعلهاش ابدا وراعيها واسعدها انا مديهالك علشان كدا وبس أساسا.
انا أما عرفت انها مخنوقة وهرموناتها مش مستقرة وافقت على الإجازة بس معلش استحملها وخدها على قد عقلها الفترة دي، الستات الحوامل بيكونوا كدا، انا نفسي عافيتها من الشغل عندي علشان ترتاح، وياكشي نضغط كلنا بس المهم عندي أنها تكون مرتاحة.. كدا كدا قريب هاجي ازورها بس اشوف اخوها الأول، خلي بالك من ماهي يا شهاب، ماهي أمانة عندك
_ حاضر يا شيخ متقلقش... انا كدا كدا مركز معاها وهحضر اهو لاجتماع بكرة وهشرفك بإذن الله
_ دا العشم بردو، يلا سلام عليكم
_ وعليكم السلام
انهى معه المكالمة ثم تمتم في سخرية مما يحدث معه:
" كِمْلِت.. كملت من كله والحمدلله "
*********
دخلت هانيا الغرفة ببطءٍ شديد، وما إن غلقت الباب خلفها حتى خيّم عليها ذلك الصمت الثقيل الذي لم تعتده من قبل.
لأول مرة منذ زمن، بدت الغرفة واسعة أكثر مما ينبغي، هادئة أكثر مما تحتمل.
وقفت مكانها لثوانٍ طويلة، تتطلع حولها بصمت، وكأنها تبحث بعينيها عن شيءٍ تعرف مسبقًا أنه غير موجود.
لم يكن هناك أحد...
لا صوت ضحكته المستفزة التي كانت تملأ المكان. لا تعليقاته التي لا تتوقف. لا ذلك الرجل الذي اعتاد أن يستقبلها بعشرات الكلمات قبل أن تخلع حذاءها حتى.
فقط فراغ...
تنهدت ببطء، ثم تحركت نحو السرير.
كانت عينها تقع على الأشياء الصغيرة التي لم تكن تنتبه إليها من قبل.
ساعة يده الموضوعة فوق الطاولة الجانبية.
شاحنه وحاسوبه
الكتاب الذي بدأ قراءته ولم يكمله ولم يفهمه حتى.
كل شيءٍ ما زال في مكانه
إلا هو.
شعرت بشيءٍ ينقبض داخل صدرها فجأة.
تحركت حتى جلست على طرف السرير ومدت يدها ببطء نحو الجهة التي اعتاد النوم فيها.
لامست الملاءة بأطراف أصابعها.
باردة، خالية، لا أثر لذلك الدفء الذي كان يتركه خلفه دائمًا.
أغمضت عينيها للحظة، وفجأة تدفقت الذكريات إلى رأسها دون استئذان.
"يا بنتي إنتي إزاي حلوة كده؟"
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها رغمًا عنها.
ثم سمعته مجددًا داخل رأسها:
"بطلي تقل وفتحي عينك... عايز أفضل أبص لهم."
خفضت رأسها قليلًا وهي تشعر بوخزة غريبة في قلبها.
كم كان كثير الكلام وكم كان وجوده يملأ المكان بطريقة لم تلاحظها إلا الآن.
سحبت وسادته من مكانها وأخذتها بين ذراعيها، بقيت تنظر إليها لثوانٍ طويلة، قبل أن تقربها منها ببطء.
وصلت إليها رائحة عطره.
تلك الرائحة المألوفة التي كانت تلتصق بملابسه ووسادته وحتى مقاعد سيارته.
أغمضت عينيها تلقائيًا وفجأة عاد إلى ذهنها صوته وهو يقول:
"أنا مش ورايا لا شغل ولا شاغل غيرك."
"أنا عارف عنك كل حاجة."
"تفاصيلك كلها عندي."
شعرت بغصةٍ صغيرة تعلو حلقها.
فمدّت يدها نحو أحد القمصان الخاصة به المعلقة على المقعد القريب، ثم التقطته وضمته إلى صدرها دون وعي فكانت رائحته لا تزال عالقة فيه.
رائحته هو، وجوده هو، أثره الذي بقي هنا رغم غيابه.
جلست تحتضن القميص بصمت، بينما كانت عيناها تجولان في الغرفة، كم بدا كل شيءٍ مختلفًا الآن.
السرير نفسه، الوسادة وحتى الهواء.. كل شيءٍ كان يصرخ بغيابه.
وكل ركنٍ في الغرفة كان يحمل ذكرى صغيرة منه.
هنا كان يجلس يتحدث بلا توقف.
وهنا كان يضحك على مزحة لا تضحك أحدًا سواه.
وهنا كان يمد يده فجأة ليسحبها إليه بلا مقدمات.
وهنا كان ينام مطمئنًا وكأن العالم كله بخير ما دامت بجواره.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمددت ببطء على السرير في مكانه تحديدًا ووضعت رأسها فوق وسادته وأغمضت عينيها للحظةٍ قصيرة شعرت وكأنها تستطيع أن تتخيل وجوده بجوارها.
أن تسمع صوته مرة أخرى.
أن يلتفت نحوها ويقول كعادته:
"تعالي هنا... متبعديش."
ارتجفت أنفاسها قليلًا وحينها فقط أدركت شيئًا لم تكن تريد الاعتراف به من قبل...
أنها اعتادت وجوده أكثر مما كانت تظن.
وأن غيابه لليلةٍ واحدة فقط
ترك داخل الغرفة فراغًا أكبر بكثير مما كانت تتخيل....
تمتمت في ابتسامة وهي تلمس وسادته:
" هترجع امتى يا مجنوني!
عمري ما سمعت صوت الهدوء دا في الاوضة.. وحشتني.."
**********
صف باسم سيارته أمام العمارة التي بها شقته التي يقيم فيها، ولكنه لم يخرج من السيارة بل ظل في الداخل يجري مكالمة هاتفية مع صفوت عبر تطبيق ماسنجر، يقول له:
_ اسمع يا صفوت، انا مش عايز اعيد كلامي كتير انت عارف اني بتخنق بسرعة من أقل حاجة وخلقي في طرف مناخيري.. كلامي واضح، عايز قاتل مأجور محترف قلبه ميت ومش بيخاف، انت اللي هتتواصل معاه وهتلاقيه وهتتفق معاه من عندك على كل حاجة.. هاته من اي داهية بقا وياريت لو يخلص العملية ويهرب بسرعة برا البلد هو كمان.. شوف الدراك ويب لو خلاص يعني ضاقت بيك بس انا عارف انك قدها.. انا بعيد تماما وعندي فرح بكرة ورايحه، انت اللي هتخليه ينفذ العملية دي بسرعة وباحتراف وانا في الفرح علشان العين وكدا انت فاهم
هز الآخر رأسه بالقبول ثم سأله:
_ عايز تموته ازاي؟
_ حقنة هوا، يدخله القاتل دا على انه ممرض يديله الحقنة ويقول بالشفا وعلى مطار القاهرة علطول تحافظ عليه بقا علشان لو احتجناه تاني
_ ماشي بس المداخل والمخارج مين هيأمنها؟
المستشفى مش اي كلام بردو!
_ سيب عليا كل دا، انا هعرّفك تعرفه يدخل ازاي ويعمل إيه والاوضة رقم كام وكل التفاصيل دي، اوعا يعرفني ولا يعرفك، اتعامل بنيك نيم معاه.
المهم تلاقيه في أسرع ما يمكن وتفهمه انا معنديش وقت جياد بيتحسن وهيخرج يودينا في ستين داهية كلنا، فهمت؟
_ فهمت يا باشا فهمت، بكرة بليل بالكتير اوي وانت في الفرح، العملية هتتفذ.. ثق فيا
_ العشم بردو، يلا معطلكش روح شوف هتعمل إيه وهتجيب قاتل منين
_ اوكيه copy[ عُلِم.. فهمت الأمر]
انهى معه المكالمة ثم حدث نفسه:
" ماكنتش احب ابدا اوصل معاك لنقطة زي دي يا جياد، بس انت مش هتسبني وهتبلغ فيا وهتسجني، وانا محبش اتسجن ولا اتقيد ابدا.. سامحني سامحني يا ابن خالو العزيز "
**************
وفي طلوع شمس يوم جديد، كان يزيد يجلس على المقعد الموازي للسرير الذي ينام عليه أخيه، وأثناء جلوسه بدأ يغفو فهو لم ينم ليلة البارحة كلها.
وبينما هو يغفو، بدأ جياد يهذي ببعض الكلمات مما لفت انتباه يزيد وجعله يفوق في سرعة وينكب على السرير يقول في فرحة:
_ جياد.. جياد حبيبي انت بتتكلم؟
انا جمبك يا حبيبي انا يزيد
ثم قرب أذنه نحو فم الشاب ليسمع ماذا يقول، فهذا ما فهمه من كلامه الغير متفهوم:
" خد هانيا مني.. خدها، خد هانيا "
هذا ما استطاع أن يفهمه يزيد من كلامه وعليه رد في سرعة:
_ لا لا يا حبيبي متخافش محدش خد هانيا منك ولا حاجة، هانيا برا ومستنية بس تفوق وتدخلك، هي كانت جمبك طول اليوم امبارح، وكانت زعلانة جدا عليك وعمالة تعيط وتقول امتى هيفوق، قوم بقا يا جياد، قوم يا حبيبي هانيا مستنياك وكلنا هنموت وترجع لنا
وفي الوقت نفسه، دخلت الممرضة وهي تقول:
_ صباح الخير
_ صباح النور، جياد بدأ يتكلم انا فهمت قال إيه
ردت وهي تقترب من جياد:
_ طب دي حاجة كويسة جدا، على العموم هو مطمنا على الآخر وحتى الاشاعات بتاعته كويسة، اعتقد هيقدر يسافر زي ما الشيخ طلب
عقد يزيد حاجبيه في استغراب ورد:
_ يسافر!
ليه يسافر طالما بقا كويس؟
_ لا هو مبقاش كويس لسه بنسبة ١٠٠%، وبعدين دي رغبة والده، تقدر تفهم أكتر من الدكتور
انتهت من عملها واطمأنت على الشاب وعليه اختتمت حديثها:
_ انا عامة شيفاه حاليا كويس لو في اي حاجة حصلت بلغنا وهتلاقينا عندك فورا
_ تمام شكرا لذوقك
_ بالشفا ان شاء الله
خرجت السيدة، وعاد يزيد مرة أخرى ينظر إلى وجه أخيه يلمس شعره في حنان، ويقول:
_ فتح عينك بقا يا جياد، فتح ارجع لنا بقا والله ما طايق أشوفك نايم كدا!
وفي تلك اللحظة، دخلت تالية عليهما الغرفة ولكن قبل ان تخطو خطوة واحدة للداخل، قالت:
_ صباح الخير يا يزيد، اقدر ادخل اطمن على جياد؟
التفت إليها وقال:
_ صباح النور، بس دا مش وقت الزيارات أصلا!
_ فاهمة بس انا مجاليش نوم طول الليل، قلقانة عليه اوي مصدقت الصبح طلع علشان اجي اطمن عليه، هبص عليه بصة واحدة حتى، ممكن؟
هز رأسه موافقًا، وعليه بدأت تتحرك نحو سرير الشاب حتى جلست جواره وأخذت تنظر إلى ملامح وجهه لحظات.. وفي بطء حركت يدها حتى استقرت فوق يده وقالت:
_ قوم يا جياد بقا، قلبي واكلني عليك، انت مش متخيل انا معرفتش أنام طول الليل من ساعة ما عرفت الخبر وانا تعبانة وقلقانة، فتح عينك وطمني يلا
كان يزيد حينها يرميها بنظرات بها الاستغراب ولكنه لم يعلق، حتى لاحظ أن جياد حرك يده يسحبها بعيدًا فهو لا يود يد تالية أن تضع فوق يده، فبمجرد أن لاحظ ذلك قال:
_ خلاص يا تالية، سيبيه يرتاح الحمدلله بدأ يستجيب بحركات وشوية كلام، بقا كويس يعني مفيش داعي تقلقي، يلا روحي الشغل بقا علشان كدا هتتأخري
هزت رأسها موافقة وهي تشعر بالحرج مما فعله الشاب وفي صمت حملت حقيبتها ثم تحركت نحو الخارج.
وبمجرد أن غلقت الباب، لاحظت مجيئ هانيا من على بعد وكانت تأتي وهي تخطو خطوات سريعة للغاية.
رمتها تالية بنظرات تحمل البغضاء والاشمئزاز ولكن الأخرى تجاهلتها وكأنها لا شيء وفتحت الباب ودخلت، فتمتمت تالية في غضب:
" يارب تموتي بقا يا هانيا يارب"
أخذت هانيا تقترب نحو سرير زوجها وهي تقول ليزيد:
_ في جديد؟
_ بدأ يقول كلام كدا وحرك ايده من شوية، عامة الممرضة طمنتني
جلست على المقعد وقالت:
_ طب كويس، انا جاية بالعافية أساسا، عندي اجتماع النهاردة مهم ومتوترة، اول مرة جياد ميبقاش معايا في اجتماع مهم زي دا
_ متخافيش شهاب هيسبورت معاكي
وبمجرد أن لفظ اسمه بدأت ملامح الشاب تنكمش في ضيق لتلاحظها هانيا سريعًا وعليه تنظر إلى يزيد كي يصمت ولا يذكر اسم شهاب مرة أخرى فانتبه الشاب لذلك وبالفعل سكت.
وضعت الفتاة يدها فوق يد زوجها وهي تقول في ابتسامة:
_ قوم بقا خلاص كدا كفاية دلع، عايز تدلع علينا يعني!
حقك يا عم، من حق الجميل يدلع.
انت بقيت كويس اصلا بس شكلك حبيت الاهتمام دا صح؟
حرك أصابعه فلامست باطن يدها وكأنه يخبرها أنه هنا وبالفعل يود القيام والذهاب معها.
قالت في فرحة ليزيد:
_ يزيد، جياد بيحرك صوابعه، كدا معناها انه فاق صح؟
باقي بس يفتح عينه صح؟
_ سحر!
دانا عمال ازن جمبه من امبارح ولا رمش حتى!
ردت مازحة:
_ هو انت بطاطته ولا إيه!
مجنوني هيصحى دلوقتي انا واثقة
ثم نظرت إلى الشاب وتابعت:
_ صح يا مجنوني؟
قوم يلا وقول صح
ثم نظرت في ساعة يدها وقالت:
_ انا لازم امشي كدا هتأخر، قلت بس اجي اطمن عليه، لو حصل اي جديد بلغني فورا
_ تمام اكيد
نظرت إلى وجه زوجها النظرة الأخيرة وقالت له في ابتسامة صغيرة:
_ باي يا مجنوني مضطرة امشي علشان الشغل ها
لامست بأصابعها خده في بطء وحركات محسوبة ثم قامت كي ترحل.
ومع رحيلها، جاء الطبيب ودخل الغرفة وهو يقول:
_ سمعت اخبار حلوة، اتحرك؟
_ اه الحمدلله حرك ايده بس
_ طب كويس
سأله يزيد:
_ صحيح يا دكتور، ايه موضوع ان جياد هيسافر برا دا مفهمتش، هو محتاج يسافر برا؟
تنهد ورد:
_ أخوك الحمد لله العلامات الحيوية عنده مستقرة، واستجابته العصبية بدأت ترجع، لكنه ما زال بيعاني من إصابة ارتجاج قوية بالمخ مع كدمة دماغية بسيطة أو تجمع دموي تحت الملاحظة.
إحنا مطمئنين حاليا طبعا، لكن محتاج متابعة دقيقة وفحوصات متكررة خلال الفترة الجاية، علشان كدا والدك قرر يسفره لانه عايز رأي طبي تاني يعني كSecond Opinion).
عايز مركز متخصص في إصابات المخ والأعصاب زي اللي في ألمانيا وقال ان استشاري صديق ليه هناك هيهتم.
عايز يطمئن 100% هنا وبرا
_ مسموح بسفره او نقله يعني؟
_ هو الضغط مستقر.
التنفس طبيعي.
مفيش نزيف نشط.
مش محتاج أجهزة إنعاش، بس طبعا مسموح يسافر بطايرة إسعاف طبي أو طائرة خاصة مجهزة وتحت إشراف طبي بردو.
سأله يزيد كي يطمئن قلبه أكثر:
_ يعني مش خطر عليه السفر ابدا صح؟
_ هو بدأ يتكلم، بدأ يحرك إيده.
ويستجيب للي حواليه.
فده معناه غالبا أنه في مرحلة التعافي، مش في مرحلة الخطر الشديد.
علشان كدا، سبب السفر مش علشان "إنقاذ حياته" قد ماهو علشان"الاطمئنان عليه ومنع أي مضاعفات مستقبلية."
وده مناسب جدا مع شخصية زي والدك اللي بيفكر كدا
"أنا مش مستني لما يبقى فيه مشكلة، ابني هيتشاف في أحسن مكان في العالم من الأول"
وبس هي دي كل الفكرة وهي دي وجهة نظر والدك
هز الشاب رأسه في تفهم ثم سأله:
_ امتى هيسافر طيب؟
_ هنبلغكم قريب.. على العموم حمدلله على سلامته مرة تانية..
************
كانت منى تقف أمام غرفة ماهي تطل بعينيها من بين الحين والآخر نحو غرفة شهاب حتى إذا خرج تلمحه.
وبالفعل عندما لمحته وهو يخرج من الغرفة، يرتدى ملابس العمل، ويغلق الباب خلفه، أسرعت نحوه وهي تقول:
_ احط لك الفطار؟
توقف أثناء سيره والتفت إليها وقال في نبرة جدية:
_ منى فيه حاجة انتي مش واخدة بالك منها خالص أحب افكرك بيها.. انتي هنا علشان صاحبتك، علشان ماهي، علشان تراعيها هي تشوفيها هي أكلت ولا لا، خدت دواها ولا لا، مش انا خالص اللي المفروض تعملي كدا معاه، انا بعرف آكل لوحدي وامشي لوحدي وادخل الحمام لوحدي كمان، اتفطمت أصلي، ركزتي كدا؟
يبقى انتي هنا ليه؟
علشان ماهي، ماهي وبس
اغتاظت من كلامه للغاية وردت في ضيق:
_ هو انت فهمت ايه؟
انا عملت إيه يعني؟
كل الموضوع إني بشوفك كلت ولا لا بتعمل إيه من باب إني عارفة حالتك ممكن تنسى نفسك ومتاكلش من الزعل مثلا، فدلوقتي بقا الحق عليا اني بجهزلك أكلك؟
_ يا ستي الحق مش عليكي ولا حاجة، انا مش عايز اتعبك معايا، كفاية عليكي ماهي، انا لو احتاجت أكل هفتح التلاجة وآكل عادي انا بعرف
_ انا عارفة انك بتعرف، بس قلت بتنسى من كتر اشغالك وهمومك، ما ماهي لو كانت كويسة كان زمانها قامت وحطلك هي الأكل، طب ليه تعمل كدا ما انت بتعرف!
تعجب من كلامها للغاية لدرجة أحس لوهلة أنه لا يستطيع الرد ولكنه رد في استغراب:
_ انتي هتساوي نفسك عندي بماهي؟
بمراتي!
منى انا مبحبش العك.
تجاهلها ثم دخل على زوجته وكانت هي حينها تكتب في نفس الأوراق التي رآها تكتب فيها من قبل وكالعادة بمجرد أن لاحظت وجوده، دست تلك الأوراق تحت الوسادة واشاحت بوجهها بعيدًا عنه.
اقترب منها وقال في ابتسامة:
_ عاملة إيه دلوقتي يا قلبي؟
دخلت منى ووقفت عند الباب، فقال لها شهاب بمجرد أن لاحظ دخولها:
_ منى سبينا لوحدنا شوية بعد اذنك
لتقول ماهي في سرعة:
_ لا، هي هتفضل موجودة، اخرج انت قولتلك ميت مرة متجيش هنا
ابتسمت منى وقالت:
_ اهي قالتلك!
نظر إليها في ضيق، ثم التفت إلى ماهي ووضع قبلة صغيرة فوق رأسها وقال:
_ في إيه بس يا حبيبتي في إيه؟
انا عملت إيه لدا كله بس، ممكن نتكلم؟
ممكن توضحيلي انا عملت إيه؟
هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ كدا كدا هتعرف وكدا كدا هتعرف قراري بردو، بس أما ترجع من الشغل، ماعتقدش ان الوقت مناسب دلوقتي
كانت تتكلم في نبرة باردة دون أن تنظر إليه مرة حتى.
هز رأسه موافقًا ثم وضع يده على بطنها وقال في ابتسامة:
_ خلي بالك منه
ثم تحرك نحو الخارج وبمجرد أن خرج، لحقت به منى وقالت له بينما هو كان يرتدي الحذاء:
_ متنساش تيجي بدري النهاردة، يعني تخلص شغل وتيجي على هنا علطول، لا تروح هنا ولا هنا
ابتسم ابتسامة بها السخرية ولم يرد بل تابع في ارتداء الحذاء في قدمه الثانية، فتابعت:
_ علشان حسن جاي وهو عايز يتكلم معاك
استقام بعدما انتهى من ارتداء الحذاء ووضع يده على المقبض ثم قال في ابتسامة باردة قبلما يفتح باب الشقة:
_ أي أوامر تانية يا ميس منى؟
ابتسمت ثم هزت رأسها نافية وقالت:
_ لا، مفيش أوامر تانية يا مستر شهاب
_ خلي بالك من ماهي، متخليش أي حاجة خطر قدامها انا خايف عليها
ردت ساخرة:
_ انت اخطر حاجة ممكن تبقى قدامها.. وبعدين متوصنيش على my best friend اوكيه؟
_ متأكدة؟
_ اه طبعا، مفيش حد في الدنيا ممكن يخاف على ماهي قدي
_ لا، متأكدة إنها your best friend ؟
_ وبلا شك
_ طيب.. انتي ادرى بردو
فتح الباب فقالت له:
_ على فكرة، لو كان القميص أسود كان هيبقى أحلى على البدلة دي
رماها بنظرة باردة صامتة ثم خرج وغلق الباب خلفه.
ابتسمت ابتسامة جانبية ثم تحركت نحو الغرفة التي بها ماهي وبمجرد أن دخلت، وجدتها تبكي بكاء جمًا، لذا اختضت وأسرعت نحوها تقول في قلق:
_ ماهي!
ماهي حبيبتي مالك، بتعيطي كدا ليه؟
ايه اللي حصل بس يا حبيبتي
ثم ضمتها إلى صدرها وتابعت:
_ بس يا روحي بقا، هو كل ما الحيوان دا يدخلك، هتفضلي تعيطي كدا!
خرجت منها تلك الكلمات ما بين شهقاتها العالية وبكائها الغير عادي:
_ أنا مش عايزة اطلق من شهاب يا منى، انا عايزاه، انا حاسة إني بموت انا بموت يا منى بموت...
***********
فتحت الخادمة الخاصة بفيلا عبدالعزيز باشا الكبير لمن رن الجرس، وكانت فاطيمة تلك التي قالت لها في عجلة:
_ الهانم فين يا فتحية؟
_ فوق، هناديها لحضرتك
_ بسرعة بس
دخلت فاطيمة ثم تحركت حتى الأريكة وجلست عليها وبدأت تهز ساقها في توتر.
دقائق وظهرت حليمة وهي تنزل الدرج في خطوات محسوبة فقالت فاطيمة لما رأت ذلك:
_ انجزي شوية يا حليمة، لسه هتنزلي ببرود!
وبالفعل تحركت أسرع حتى وصلت عندها وقالت في استغراب:
_ في إيه يا فاطيمة قلقتيني!
_ اقعدي اقعدي بس
جاورتها السيدة وهي لا تزال تسألها:
_ في إيه يا بت؟
_ في مصيبة يا حليمة، مصيبة، معرفتش اتكلم معاكي امبارح لاننا كنا في المستشفى، وطول الليل قاعدة في الأوضة بتاعتي بَعِد الساعات علشان النهار يطلع واجيلك
_ خير يا بنتي قلقتيني!
_ جياد يا حليمة
_ جراله حاجة ولا إيه؟
_ استني بس خليني اكمل.. جياد بيدور ورانا ودور بالفعل وفي حاجات كتير وصلها، البنات ساعدوه وقالوله
ضربت السيدة صدرها في خضة وقالت:
_ يالهوي!
مين قالك الكلام دا؟
_ باسم، باسم عرف ان جياد دور وراها في الديسكو اللي كان بيروحوه وقالي أكيد جياد عرف منهم باقي المواضيع، روحت انا فعلا اتصلت على عطاالله اسأله قال اه حد جاله وطلب منه معاد وهو حدد معاد معاه كمان اسبوع وياخوفي لو طلع الحد دا تبع جياد وعايز يقرّره
_ يالهوي علينا يا فاطيمة يالهوي.. هي الوسخة اللي اسمها روني دي، كل دا هي السبب فيه..
سكتت قليلًا تفكر في تلك الكارثة ثم تابعت:
_هنعمل إيه؟
دا انا لسه مكلمة عبدالله من شوية وقالي ان جياد كويس والدكاترة طمنوه.
الواد هيطلع لنا ويفضحنا قصاد أبوه ويخلي اللي مايشتري يتفرج علينا!
ترددت قليلًا في قول ذلك ... ولكنها نطقت على أي حال:
_ باسم قالي فكرة..
_ فكرة إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة والمرارة في حلقها وردت:
_ قالي هنقتل جياد
ضربت صدرها تارة أخرى وصاحت في صدمة:
_ يا مصيبتي!
أخذت تستوعب قليلًا ثم اضافت:
_ انتي اتجننتي انتي وابنك يا فاطيمة!
دي فكرة وحشة جدا طبعا، افرضي اتكشفنا، هتجيبولنا الاعدام لحد رجلينا ولا إيه؟
بعدين قتل!
قتل كدا مرة واحدة!
لا يا فاطيمة لا.. جياد مهما كان ابن اخونا بردو.
من الأولى نقتل روني بقا بما انها هي اللي عارفة الحقايق كلها وهي سبب البلاوي دي، مش جياد!
_ ماهو جياد مش هيسبنا يا حليمة، صدقيني الموضوع صعب عليا جدا جدا، فوق ما تتخيلي دا كفاية اني كنت عايزاه لبنتي ولسه لحد دلوقتي كنت بخطط معاكي وبتكتك علشان يطلق اللي اسمها هانيا دي ويتجوز بنتي، بس بالعقل دا، دا اكتشف الحقايق كلها، ولو مش كلها مصيره هيكتشفها، هينخرب وهيعرف وموضوع موت ابنه دا بالذات، هيخرج الحارس ويحطنا احنا في السجن بداله، الموضوع مش موضوع اننا هنخسر عبدالله وبس وفلوسه ونفوذه، لا احنا هنتسجن وهنخسر نفسنا احنا
ردت ساخرة منها:
_ واما نقتله يعني مش هنتسجن؟
_ مين هيعرف؟
باسم قالي انه عنده خطة بعيدة كل البعد عننا، وكمان مع موته، البنات هتترعب وواحدة زي روني دي هتخرس خالص على اي حاجة تعرفها بعد كدا، لانها هتخاف على جوزها اما تشوف اننا بتوع تنفيذ، اصل معلش يعني لو قتلنا روني، جياد هيسبنا؟
خلاص هي قالت له الحقيقة واخواتها أكيد عارفين الحقيقة فمش حل صح ابدا إننا نقتلها هي
راحت تفكر في كلامها والذي بدا منطقيًا بالنسبة لها، ثم ردت بعد حين:
_ طالما اللعب بقا على المكشوف، فخلينا نكشف المستخبي احنا وناخد بوينت على قفا البنات علشان اي كلام يقولوه بعد كدا ميتصدقش
_ مش فاهمة تقصدي إيه؟
وبعدين هتعملي ايه مع جياد بردو، معانا ولا إيه؟
_ هقولك هنعمل إيه...
************
دخلت هانيا على شهاب مكتبه، فرفع رأسه جهتها وقال:
_ تعالي يا هانيا
تحركت نحوه ثم جلست على الكرسي أمامه وقالت عقب صمت لثوان:
_ انا مش جاهزة ١٠٠% لميتنج الساعة ٩ دا.
يعني انا مش متعودة اتكلم قصاد ناس كتير كدا ولا متعودة على اجتماع اكون فيه لوحدي، ولا كنت مجهزة كل اللي المفروض يتقال، لانه كان دور جياد اصلا، فدورت على ماهي علشان تدخل معايا الميتينج بس ملقتهاش هي كمان، مش عارفة اعمل ايه ومش عايزة ابوظ الدنيا، ملحقتش استعد طبعا
رد عليها في هدوء:
_ انا موجود وهكون معاكي في الميتينج، ماهي اجازة.
اصلا الشيخ كلمني امبارح وقالي اجهز وانا فهمت الموضوع ماشي ازاي وعرفت هتكلم في إيه، فمتقلقيش، انتي هتقولي كل الكلام اللي المفروض كنتي مجهزاه وعارفاه من الأول مش محتاجة تعرفي اكتر
هزت رأسها موافقة ثم سألته:
_ هي ماهي كويسه؟
بقالها كتير أجازة يعني!
_ عادي تعبانة من الحمل مش أكتر.. جياد عامل ايه دلوقتي؟
_ متعملش نفسك قلقان عليه، انت نفسك يموت اصلا فبلاش نفاق
رد في ابتسامة:
_ دي حقيقة، بس انا هيبقى عندي طفل وعايز اربيه، ثم إني مقصدتش اموته اصلا، لو كانت نيتي من الأول ماكنش فرق معايا ولا كنت سألت حتى
ردت في غيظ:
_ بالظبط، ربي ابنك بقا وفكك مننا، عمال تعمل عمايلك دي كلها ليه؟
عمال تقومني عليه وتشككني فيه ليه؟
عمال تتهم فيه ليه؟
واخرتها فتحت رأسه، عايز توصل لايه؟
عايز تخرب بيتي يعني؟
هز رأسه نافيًا ثم رد في برود:
_ انتي لا تعني لي شئ اصلا حاليا علشان أكون عايز أخرب بيتك!
انا خلاص طلعتك من دماغي ورميت، لو جيتي في بالي مرات بتكون مجرد ذكرى حلوة عيشتها، إنما أنا حاليا كل همي مراتي وابني، انتي وجوزك وبيتك لا تعنولي شيء، احفظي الكلام دا كويس وحفظيه لجياد، قوليهوله مرة الصبح ومرة بليل علشان يفضل فاكر كويس اني مش عايزك ومش بسعى اعملك حاجة ومن وقت ما وعدتك وانا فعلا خلاص، لو كنت كلمتك بعدها فدا لمصلحة او كدا مش أكتر.
مرة علشان تنتبهي للخطر بتاع العقارب اللي في القصر دول، ومرة علشان انا فعلا كنت محتاج الصور ودي كانت مجرد مساعدة، مش بقولك سبيه بقا ولا الهبل دا.
تنهد ثم تابع في نبرة أكثر هدوءًا:
_ هانيا، انا هفضل طول عمري بكره جياد، هفضل طول عمري اتمناله الشر، هفضل طول عمري فاكر هو عمل معايا إيه، واي فرصة هتجيلي علشان احرق دمه، هستغلها، ودا مش علشانك ولا إني عايزك ولا إيا من دا كله، دا علشان ببقى فرحان وهو دمه محروق، ببقا مبسوط وهو مولع مش أكتر ولا أقل إنما أنا هكمل مع ماهي وعايز ماهي وعايز ابني وبيتي وهسعى لدا، فكفاية كلام فاضي ومتفضليش ترددي زي البغبغان أي حاجة هو بيقولهالك.. خدي مني أنا الكلام صريح، أنا مبقتش عايزك ولا هعوزك ولا بفكر ابعدك عنه.
ولو بتقولي كدا علشان طلعته وحش قدامك، فدي حقيقة أساسا هو راجل وسخ وحقير لكن دا مش معناه إني عايزك ولا بعمل دا علشان نرجع، جربي تطلقي مثلا وشوفي بنفسك.. مش هرجع لك ولا هفكر فيكي، واضح؟
سكتت... ثم وقفت وقالت له في ايجاز:
_ هستناك في ال meeting room على الساعة ٩، ياريت تبقى هناك ٩ إلا خمسة مثلا.
ثم تحركت نحو الخروج، وأثناء سيرها كان يرميها بنظرات بها الضيق ثم انتبه لعمله مرة أخرى.
*********
دخل حسان، مكتب أسيل بينما هي كانت تنظر في الأعمال التي تركها يزيد فهي النائبة عنه.
رفعت وجهها نحو زوجها، فوجدت على ملامح وجهه الضيق والحزن فسألته:
_ مالك يا حسان في إيه؟
_ مفيش، كنت جاي اشوفك هتطلبي أكل ولا لا؟
_لا هاكل في البيت أما نرجع، قولي بقا انت مالك؟
اقترب من مكتبها قليلًا وقال في غيظ منها:
_ عمالة في أي خناقة بتحصل في القصر، تقولي قالت لي يلي عينك من جوزي، يلي عينك من جوزي، هو في إيه يا أسيل بجد!
ليه روني هتفضل تقول كدا يعني؟
مش عيب كدا!
زفرت في ضيق ثم ردت:
_ يا بني ادم انت، المفروض تكون مدايق مني انا ولا منها هي؟
هي اللي قالت كدا، ولا انت شايف اني بكذب؟
_ وهي ليه تقول كدا يعني؟
_ أسألها، هي دايما شايفة اني بصالها هي وجوزها وبيتها، انا مالي!
رد في نبرة جدية:
_ الكلام دا لازم بابا يدخل فيه، انا مش هسكت على الاسفاف دا
انهى كلامه بتلك الطريقة ثم ذهب في الحال، كانت تتبع أثره وتمتمت:
" اسفاف؟
هي حصلت!
والله وطلع لك صوت يا حسان، والله والقط كبر وبقا يخربش! "
********
دخلت كاميليا على والدها المكتب الخاص به بعدما سمح لها، فقال في ابتسامة:
_ حبيبة قلب بابا، المكتب نوّر والله
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأخذت تقترب حتى جلست أمامه على الكرسي فتابع:
_ قولي يا روحي، انا سامعك
جاءت لتتكلم، فقاطعها قائلًا:
_ إلا قوليلي يا بابا، الطلاق بينوّر الست ويخليها جميلة اوي كدا؟
ابتسمت ابتسامة أكبر وردت:
_ بس إيه رأيك؟
_ هي دي بنتي فعلا، كاميليا عبدالله تمّام الزيني
أخفضت رأسها قليلًا.. ثم رفعتها تارة أخرى وقالت:
_ انا هقدم على اجازة لمدة أسبوعين بالظبط تقريبا، تقدر تحسبها من ضمن الإجازات بتاعتي السنوية، عارفة إننا يمكن الفترة دي في ضغط، بس انا مش قادرة.. مش قادرة ادي شغلي وقت ولا مجهود وبقيت سرحانة ومدايقة وبالي مشغول وبفكر كتير.. لو سمحت أقبل اجازتي، هروح اطمن على جياد لآخر مرة ومن بكرة الفجر هسافر، محتاجة افصل، محتاجة أغير جو، محتاجة ادي لمشاعري حقها، مش عايزة اكبتها أكتر لانها بدأت تطلع عليا جسديا كمان.
اللي انا مريت بيه مش سهل، لازم اعترف بدا علشان نفسيتي حتى.. اتجوزت واطلقت في اقل من شهور حرفيا لدرجة اني ملحقتش استوعب دا كله حصل امتى أصلا، وللأسف كنت بحبه وكنت مستنية اليوم اللي نتجوز فيه، كنت راسمة لينا حياة تانية خالص، كنت شايفة حياة مختلفة معاه، حياة كلها حب وسعادة وفرح.. بس هو دشمل خيالي كله وبوظ مخططاتي كلها ورجعني لنقطة الصفر تاني وكنت ماصدقت اتحركت منها.
سكتت وهي تشبك أصابعها في بعضهم البعض تخفي آلامها بتلك الحركات.
قام الشيخ من مكانه وجذبها من يدها لتقف وبمجرد أن وقفت، وضع وجهها بين كفيه وطبع قُبلة صغيرة بها الحنان أعلى جبينها ثم ضمها إلى صدره وأخذ يلمس بأطرافه شعرها وقال:
_ انا مقدر يا بابا كل اللي انتي فيه وكل اللي مريتي بيه... انا فخور بيكي لابعد حد انتي أكيد عارفة كدا كويس..
بس ثقي في كلامي دا يا بنتي، ربنا هيعوضك عوض، يجبر بخاطرك وينسيكي أي تعب عشتيه قبل كدا. انا عندي ثقة فيه وفي عدله، وبدعيله كل يوم يطمن قلبك ويريحك.
خرج عن حضنها ثم تابع وهو ينظر إلى عينيها اللاتي جمعتا الدموع في محيطهما:
_ هيعوضك عوض انتي نفسك مش هتتخيليه واديني اهو بقولك وبكرة تشوفي، هيعوضك عن طيبة قلبك وحنانك وحبك للغير وهيرزقك براجل.. ،شايفة بقولك ايه راجل، مش ذكر، يشيلك جوا عينيه ويعاملك بما يرضيه
هزت رأسها واثقة وهي تبتسم وردت:
_ ان شاء الله يا حبيبي ان شاء الله
_ هتسافري فين؟
_ أمريكا، ليا زميلة هناك بفكر اشوفها
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ وانا موافق، اهم حاجه عندي انتي تبقي كويسه ومبسوطه وبس غير كدا تولع الدنيا كلها
ابتسمت وراحت لحضنه مرة أخرى وهي تقول:
_ ياريت الرجالة كلها كانت زيك يا بابا، ياريت أمجد كان طلع لك..
********
وعلى الصعيد الآخر، كان شهاب يجلس في مكتبه يعمل.. ثم ترك العمل لحظات والتقط هاتفه واتصل على زوجته كي يطمئن عليها.. وبمجرد أن استجابت مكالمته، قال:
_ إيه يا ماهي
ليأتيه صوت منى فهي من استجابت:
_ انا منى مش ماهي!
زفر على مهل يُهدئ من نفسه حتى لا يغضب، ورد:
_ اعتقد إني طلبت مراتي على تليفونها!
_ ماشي، بس مراتك بتاخد شاور وانا لقيت تليفونها بيرن ورديت، إيه الجريمة في كدا!
تمتم في محاولة للهدوء:
" استغفر الله العظيم واتوب إليه "
ثم قال لها:
_ كَلِت؟
_ أه كلت
_ خدت الأدوية بتاعتها؟
_ ايوا خدتها وكله تمام.. قولتلك طول ما انت بعيد عنها هي تمام والأمور معاها بتبقى تمام
انهى المكالمة معها ثم تمتم في غيظ:
" غبية ومستفزة "
وفي ذلك الوقت، دخل عليه الشيخ فابتسم الشاب ما إن رآه وقال:
_ الشيخ عبدالله بنفسه!
المكتب نوّر
ابتسم الرجل وتقدم حتى جلس على الكرسي ووضع ساق فوق الأخرى فقال له شهاب:
_ تشرب إيه؟
_ لا ولا حاجة شربت كتير، انا بس كنت جي اتكلم معاك شوية في موضوع كدا
_ اتفضل يا شيخ سامعك
تنهد الرجل ورد:
_ أنا عارف إنك مش بتحب جياد وهو كمان مش بيحبك.. مش عارف الأسباب بصراحة بس عادي مش فارقة طالما الاحترام ما بينكم موجود لان الحب والقبول دا بتاع ربنا، بس متوقعتش ابدا انه حتى أما يعمل حادثة ويدخل المستشفى، إننا منشوفكش لا انت ولا مراتك معانا!
دي اخته مينفعش تمنعها تشوف اخوها لان مستغرب جدا من عدم مجيئ ماهي ولا حتى سؤالها عن اخوها!
منعتها؟
انت اللي طلبت منها كدا؟
هز رأسه نافيًا ثم رد في سرعة:
_ لا لا يا شيخ طبعا إيه اللي حضرتك بتقوله دا بس!
الموضوع كله ان ماهي نفسيتها مش أحسن حاجة والحمل تاعبها شوية وهي لازمة السرير ودا كلام الدكتور مش كلامي وهو كمان قالي بلاش اي اخبار وحشة ولا اي حاجة تدايق لانها نفسيا مش جاهزة لاي حاجه وحملها صعب شوية، فأنا خفت اجيب لها سيرة تزعل وتتأثر ودا يأثر عليها وعلى البيبي مش اكتر والله، انما لو حضرتك مُصر، أنا هجيبها بنفسي لحد اوضة جياد
_ لا لا خلاص، طالما بتقول ان دا كلام الدكتور وتوصياته خلاص. انا اهم حاجه عندي صحتها النفسية والجسدية أكيد، وانا عارف ماهي اصلا طول عمرها دلوعة ومستحملش، دا كتر خيرها ان بقالها ٦ شهور حامل
ابتسم شهاب ورد:
_ ٦ شهور ونص.. بالظبط كدا هو دا اللي منعني اجيبها والله مش اكتر، وانا مجتش ليه زيارة اديك شايف انا شايل شغله وشغل ماهي وشغلي مفيش عندي وقت خالص بس عرفت انه كويس يعني الحمدلله
هز الشيخ رأسه متفهمًا ثم رد:
_ تمام، وانا هكلم أكبر استشاري نسا وتوليد في مصر يشوف ماهي ويطمنا عليها، بس افوق من جياد الأول والضغط دا، طلبوني في المستشفى بتاعته واديني رايح اهو، وربنا يعدي الأيام دي على خير.
وقف ثم اختتم حديثه قبلما يرحل:
_ للمرة المليون بقولك، خلي بالك من ماهي وأي حاجة تحتاجها اعملها فورا، اي دكتور يقول حاجة، نفذها، ولو شفت انها محتاجة تتعرض لدكتور أكبر بلغني بسرعة وميهمكش فلوس ولا غيره، اهم حاجه بنتي وصحتها، بنتي شايلة ابنك وهما الاتنين أمانة عندك
ابتلع ريقه ما إن شعر بكبر وحجم المسؤولية ثم رد:
_ متقلقش ماهي في عنيا وصاحبتها منى معاها وملزماها علشان لو احتاجت حاجة طول ما انا برا
_ وهي صاحبتها ملزمة؟
_ لا، هو تطوع منها لان ماهي هي اللي ماسكة فيها بصراحة
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ منى بنت حلال وبتحب ماهي من زمان، كتر خيرها والله إنها واقفة جمبها كدا ومعاها
اكتفى شهاب بالنظر إليه نظرة صامتة ولم يرد، فتابع الشيخ:
_ يلا همشي انا بقا علشان ورايا لسه كذا حاجة، وهكلم دكتور معرفة كدا بشكل مؤقت يروح يزور ماهي لحد عندها ويكشف عليها ويطمني
_ خليه يجي بكرة، مرتبطين بمواعيد النهاردة بعد الشغل
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ تمام، هخليه يروح لعندكم بكرة بليل بعد ما تخلص انت شغل علشان يكشف على مراتك في وجودك
_ اتفقنا يا شيخ
وعقب ذهابه، تمتم شهاب:
" هي باين لها أيام ما يعلم بيها إلا ربنا.. بكرة جياد يفوق ويقول على اللي حصله بسببي وتبقى كملت"
**********
كانت الغرفة هادئة على نحوٍ كبير، لا يُسمع فيها سوى صوت الأجهزة الطبية ورنينها المنتظم.
جلست هانيا على المقعد المجاور للسرير منذ وقتٍ طويل، تحدق في وجه زوجها الشاحب بصمت.
لم تكن تتخيل يومًا أنها ستشتاق إلى صوته بهذا الشكل، إلى مشاجراته السخيفة، إلى غيرته المبالغ فيها، إلى طريقته المستفزة في مقاطعة أي حديث جاد يحاول أن يحوله إلى لحظة رومانسية.
مدّت يدها ببطءٍ نحو يده الموضوعة فوق الغطاء الأبيض وأمسكتها بين كفيها.
كانت يده دافئة، لكن ساكنة.
تنهدت وهي تنظر إلى وجهه ثم قالت بصوتٍ خافت:
_ إنت عامل فيها نايم بقالك كتير بجد! ... قوم بقى.
ابتسمت رغمًا عنها ثم تابعت:
_ والله لو صحيت دلوقتي وكلت دماغي من كتر الرغي اللي كنت بترغيه كل يوم دا، لهكون فرحانة جدا صدقني.
لم يأتها رد.
فانخفض بصرها نحو يده أكثر.
_ بجد يا جياد كفاية كده بقا
ارتجف صوتها قليلًا:
_ أنا تعبت.
سكتت لحظة ثم أكملت:
_ امبارح كانت أول مرة أدخل أوضتنا ومتبقاش موجود فيها أول مرة أصحى الصبح وألاقي الاوضة هدوء من غير ألف كلمة على الصبح التليفون
ابتسمت ابتسامة صغيرة للغاية وتابعت:
_ كمان أول مرة أحضر اجتماع وأنت مش واقف جنبي بتبص للناس كلها كأنك عايز تتخانق معاهم.
ابتسمت مرة أخرى لكن هذه المرة وسط دموعها التي بدأت تنساب على خديها وتابعت:
_ حتى صداعك وحشني.
مررت أصابعها فوق ظهر يده برفق.
_ قوم بقى يا مجنوني، قوم علشان أنا مش متعودة عليك كده.
وفي تلك اللحظة...
تحركت أصابعه حركة خفيفة جدًا.
تجمدت في مكانها ورفعت رأسها نحوه بسرعة وقالت في لهفة:
_ جياد، يلا حرك صوابعك تاني يلا انا حاسة بيك
تحركت أصابعه مرة أخرى.
قفز قلبها داخل صدرها وقالت في فرحة:
_ جياد يا حبيبي، انت حاسس بيا صح؟
بدأت جفونه ترتعش ببطءٍ شديد.
ببطءٍ مؤلم ثم فتح عيناه قليلًا..
كانت الرؤية أمامه ضبابية تمامًا،
لكن أول شيء استطاع تمييزه وسط ذلك الضباب كان وجهها...
وجهها هي.
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة وكأنه يحاول التأكد أنها حقيقية وأنه لا يحلم أما هي فكانت تبكي وتضحك في الوقت نفسه وتقول:
_ الحمد لله... الحمد لله يا رب.
حاول أن يتكلم، لكن صوته خرج ضعيفًا ومتقطعًا:
_ ها... نيا...
شهقت في فرحة وهي تقترب أكثر.
_ أيوة يا حبيبي... أنا هنا.
أغلق عينيه ثانية من الإرهاق ثم فتحهما ونظر إليها مطولًا...
ثم همس بصعوبة:
_ متمشيش..
ضحكت وسط دموعها.
_ أمشي وأسيبك في الحالة دي، مقدرش طبعا!
ارتسمت ابتسامة ضعيفة جدًا على شفتيه، ابتسامة بالكاد ظهرت.
ثم تمتم:
_ كنت... فاكر...
ابتلع أنفاسه بصعوبة:
_ هتزهقي
انكسرت ملامحها فورًا.
وأحنت رأسها نحوه أكثر وقالت:
_ يا غبي.
ثم رفعت يده وقبلت ظاهرها وتلك كانت المرة الأولى التي تُقبل فيها يده.. لذا ابتسم بصعوبة رغم الألم الذي يشعر به، فأضافت:
_ أنا اللي بموت من الخوف عليك دلوقتي
ظل يحدق فيها للحظات وكأن عقله المتعب لا يزال يحاول استيعاب وجودها.
ثم قال بصوتٍ خافت للغاية:
_ لسه... مختاراني؟
اتسعت عيناها فورًا فهمت من أين جاءت تلك الجملة حتى وهو بين الغياب والوعي، ما زال ذلك الخوف يسكنه.
ابتسمت له وسط دموعها وهزت رأسها بالإيجاب:
_ مختاراك.
ساد الصمت للحظة.
ثم أضافت وهي تضع وجهه بين كفيها:
_ ومش هختار غيرك.
أغمض عينيه للحظة طويلة، كأن جسده كله ارتاح فجأة، وكأن تلك الكلمات كانت الدواء الذي انتظره أكثر من أي شيء آخر.
وبعد ثوانٍ...
فتح عينيه مرة أخرى بصعوبة وهمس:
_ طب...
_ نعم؟
_ متعيطيش بقى...
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة ضعيفة متعبة وتابع:
_ وشك بيبقى وحش أوي وانتي بتعيطي.
ضحكت رغم دموعها وصفعته صفعة خفيفة على كتفه:
_ حيوان
خرج صوت ضحكٍ ضعيف جدًا منه، ثم همس وهو ينظر إليها للمرة الأخيرة قبل أن يغلبه الإرهاق:
_ وحشتيني.
ارتجفت شفتيها وانحنت تقبل جبينه بحنان شديد وقالت:
_ وأنت أكتر يا جياد.
وبينما كانت أصابعها تمر بين خصلات شعره...استسلم للنوم مرة أخرى.
لكن هذه المرة، كان نائمًا وهو مطمئن أن أول شيء رآه عندما عاد إلى الدنيا، كانت هي...
قررت أن تتركه يرتاح قليلًا بعدما اطمأنت عليه لذا خرجت من الغرفة وبمجرد أن خرجت وغلقت الباب خلفها، وجدت الشيخ في انتظارها والذي قال:
_ اطمنتي عليه؟
ردت في ابتسامة عريضة:
_ ايوا، وكلمني وابتسم وكان مستوعب شوية وبيرد عليا
_ طب الحمدلله.. كنت عارف عامة انك اللي هتعرفي تخليه يتكلم، اي حد غيرك جيه يكلمه النهارده، مردش عليه حتى أمه، آخره بيستجيب بايده بصوابعه وخلاص
_ طب الحمدلله
_ المهم، خليني اعرفك بردو.. جياد هيسافر ألمانيا ممكن تبقى دي آخر زيارة ليكي عنده
عقدت حاجبيها في تعجب وتساءلت:
_ ليه يسافر مش بقا كويس؟
_ زيادة اطمئنان، الموضوع يخص دماغه يعني تفكيره يعني مخه المسؤول عن كل الوظايف لازم اطمن انه مستقبلا، الخبطة دي مش هتأثر عليه بأي شكل من الأشكال
_ هروح معاه
_ لا، ماينفعش تروحي
_ ليه؟
_ علشان الشغل دا اولا وعلشان اديكي شايفة هو بين الصحيان والنوم يعني وجودك تضييع وقت، وهو حاليا محتاج يزيد علشان يزيد بينجز اي حاجة بتطلبها المستشفى وكونه راجل، لازم يبقى معاه راجل في الغربة.. اول ما يفوق تماما ويبدأ يتكلم حلو، هسفرك ليه طبعا، لانه اصلا هيطلبك بس حاليا وجودك هيبقى زي عدمه.
هو هيتعرض لاشاعات وحاجات مش هيكون طول الوقت في الاوضة بردو، اهتمي بشغله انتي كفاية ماهي وهو غايبين
هزت رأسها موافقة ثم سألته:
_ بس هسافرله علطول صح؟
_ ايوا، يومين بالكتير يفوق بس حتى
_ اوكيه... هيسافر امتى؟
_ النهارده الفجر احتمال كبير جدا، لازم بنسق اهو مع الدكتور بتاعه وبنظم الأمور وكدا
هزت رأسها موافقة ثم ألقت نظرة أخيرة نحو الغرفة التي بها زوجها..
*********
كانت روني تنام على السرير داخل عيادة الطبيبة التي قد جاءت إليها من قبل، واكتشفت موضوع اللولب، ابتسمت الطبيبة وقالت لها مازحة:
_ قوليلي بقا، اتخلصتي من بيت العايلة الحرابيق دول ولا لسه؟
_ لسه بس هانت، ادعي لنا
_ ربنا يخلصك على خير.. قوليلي يا ستي، بتشتكي من إيه المرادي؟
_ لا الحمدلله مفيش شكوى المرادي، انا بس كنت شاكة إني حامل لان البريود اتأخرت فكرت أعمل اختبار بس قلت لا اكشف احسن علشان لو حامل وكدا اعرف اخد انهي دوا واهتم بإيه وكدا، وطبعا بدون تفكير فكرت اجي أكشف عندك انتي
ارتدت الطبيبة القفازات وقالت في ابتسامة وهي تقترب منها:
_ يارب يفرح قلبك وتطلعي حامل
ثم بدأت تفحصها... دقائق وانتهت ثم قالت لها في ابتسامة عريضة:
_ مبروك يا ستي، انتي حامل
ردت في فرحة شديدة:
_ قولي والله يا دكتور!
_ والله
ثم عادت لتجلس مكانها بينما روني قامت وعدلت ملابسها وقالت في ابتسامة عريضة:
_ اخيرا.. اخيرا بقيت حامل من حبيبي وروح قلبي، اخيرا بقت حتة منه جوايا، الحمدلله يارب، الحمدلله
ردت الطبيبة:
_ خلي بالك من نفسك بقا لان الحمل في الأول بيبقى محتاج راحة واهتمام لانه لسه بيثبت والجنين بيتكون، فبراحتك وعلى مهلك وبلاش حاجة تزعلك لان انا عارفة ظروف البيت اللي انتي فيه، حاولي تبعدي عن اي ضغط او زعل علشان نفسك والبيبي
هزت رأسها موافقة في سرعة يشوبها فرحة وقالت:
_ انا هخلي بالي منه وهحطه أولوية في كل حاجة بجد، ربنا يحفظه ويتولد على خير
_ كتبت لك، شوية أدوية ومقويات وفيتامين
اخدتها منها وشكرتها ولاتزال الفرحة تسكن قلبها وملامح وجهها..
**********
دخل شهاب شقته، فوجد منى تشير له نحو الغرفة الخاصة بالضيوف وقالت:
_ حسن جوا، لسه واصل من شوية، قولتله شهاب في الطريق استناه وقدمت له قهوة وهو حاليا مستنيك في الاوضة
هز رأسه موافقًا ثم سألها:
_ وماهي؟
_ ماهي نايمة، اصلا هو كان عايز يتكلم معاك انت الأول قبل ما يرجع ويتكلم معاها تاني
تركها واتجه نحو الغرفة التي بها حسن وفتحها، وبمجرد أن رآه الشاب يدخل، حتى وقف ومد له يده ليصافحه، صافحه الآخر وقال في ابتسامة:
_ اهلا وسهلا دكتور حسن نورت
_ بنورك مستر شهاب
_ اتفضل اقعد
جلس الشاب ثم جلس شهاب وسأله:
_ تحب تشرب حاجة؟
_ لا لا، منى قدمت لي، خليني ادخل في المهم علطول.. مستر شهاب انا عايز اساعد ماهي، فياريت تجاوبني بمنتهى الصراحة وانا كدا كدا مستحيل اطلع أي كلام قلته لأي حد، فاطمن انا بس لازم افهم الحقيقة كاملة منك علشان اقدر استنتج هي بتعاني من إيه
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ تمام، هحاول ارد عليك بكل صراحة
سكت حسن لحظات كثيرة، ممسكًا بقلم بين أصابعه، يراقبه دون أن يتحدث.
كان يعلم أن الصمت أحيانًا يجعل الناس تتكلم أكثر من الأسئلة.
تنهد شهاب أخيرًا وقال:
_ اما كانت عندك، تفتكر كان مالها؟
أجاب حسن بهدوء:
_ منهارة.. بتفكر في الموت.. خايفة.. مصدومة
هز رأسه في عدم ارتياح ثم عاد الصمت بينهما.
رفع حسن بصره إليه وقال:
_ قولي يا شهاب... علاقتك بماهي عاملة إزاي؟
عقد حاجبيه باستغراب وسأل:
_ يعني إيه؟
_ يعني إيه علاقتكم كزوجين؟
زفر شهاب وأراح ظهره إلى المقعد ورد:
_ عادية.
ابتسم حسن ابتسامة خفيفة وعلق:
_ مفيش علاقة في الدنيا اسمها عادية.
نظر إليه شهاب في استغراب وقال: _ متجوزين بقالنا فترة وخلاص، زي أي اتنين، انت قولتلي اكون صريح
أومأ حسن برأسه ثم قال:
_ بتحبها؟
ساد الصمت لثوانٍ.
نظر شهاب بعيدًا قبل أن يجيب.. ثم لفظ:
_ بحترمها.
_ سألتك بتحبها؟
تنهد شهاب ورد:
_ أكيد بحبها.
راقبه حسن للحظات..
ثم سأله:
_ بتحبها حب راجل لمراته؟ ولا حب مسؤولية؟
لم يجب هذه المرة اكتفى بالنظر إلى الأرض، لاحظ حسن ذلك فورًا.
فسأله بهدوء:
_ مازلت بتفكر في هانيا؟
رفع شهاب رأسه نحوه بسرعة وسأله:
_ إيه علاقة هانيا بالموضوع؟
_ جاوبني.
صمت طويلًا قبل أن يقول:
_ هانيا كانت جزء مهم من حياتي.
_ ولسه؟
زفر بضيق ورد:
_ مش عارف، بس صدقني بحاول كتير انساها وانسى اللي حصل
أومأ حسن وكأنه توقع الإجابة،
ثم قال:
_ وماهي تعرف دا؟
_ مش بتصدق
_ لانها بتحس
سكت شهاب مرة أخرى.
فأردف حسن:
_ الستات غالبا مبتحتاجش دليل على الحاجات دي، قلبها بيكون دليلها وبس
أشاح شهاب بوجهه بعيدًا.
بينما تابع حسن:
_ ماهي شخصية حساسة أصلًا من اللي فهمته.
التفت إليه وأكد:
_ حساسة جدا.
_ وحساسة تجاهك أكتر من أي حاجة تانية.
تنهد شهاب وأخذ يمرر يده فوق وجهه بإرهاق.
فقال حسن:
_ آخر فترة كانت علاقتكم عاملة إزاي؟
_ خناقات كتير.
_ بسبب؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح.
_ بسبب كل حاجة تقريبا، بسبب ومن غير سبب اصلا
_ زي؟
_ بتقول إني مش مهتم بيها.
بتقول إني بعيد... بتقول إني مش بحبها.
رفع حسن حاجبه.
_ وبتحبها؟
رد بعصبية:
_ ما أنا قولتلك بحبها.
_ وبتقولّها؟
_ أوقات.
_ وبتحسسها بده؟
لم يجب.
فابتسم حسن ابتسامة صغيرة وقال:
_ تمام.
شعر شهاب بالضيق من طريقة الأسئلة.
فسأله:
_ انت شاكك في إيه بالضبط؟
وضع حسن القلم على الطاولة
ثم مال قليلًا للأمام وقال:
_ شاكك إن مراتك بتمر بحاجة أكبر بكتير من مجرد خناقة زوجية.
تجمد شهاب مكانه.
تابع حسن:
_ اللي شوفته منها مش رد فعل واحدة زعلانة من جوزها وخلاص.
_ قصدك إيه؟
_ قصدي انهيارها النفسي أكبر من سبب ظاهر قدامي.
شعر شهاب بانقباض في صدره وسأله:
_ يعني؟
_ يعني في حاجة مش عايزة تقولها
_ زي إيه؟
هز حسن رأسه وقال:
_ لسه معرفش.
ثم أضاف بجدية:
_ بس اللي أعرفه إن فيه خوف شديد جدا جواها. ..أو ذنب.. وحالة هلع واضحة كل ما الكلام يقرب في نقطة معينة.
ابتلع شهاب ريقه وسأل:
_ يعني هي مخبية حاجة؟
أجاب حسن بعد لحظة تفكير:
_ كل الناس مخبية حاجات يا شهاب.
ثم ثبت عينيه عليه وأردف:
_ السؤال الحقيقي... هي خايفة من إيه للدرجة دي؟
ساد الصمت بينهما، كل منهما يفكر.. كان حسن صامتًا لثوانٍ وهو يراقب ملامح شهاب بعناية، ثم شبك أصابعه فوق الطاولة وقال بهدوء مهني:
_ اسمحلي أسألك كام سؤال ممكن يكونوا مباشرين شوية.
رد شهاب :
_ اتفضل
_ حصل وخُنت ماهي وانت فاكر انها متعرفش؟
رفع شهاب رأسه نحوه فجأة:
_ نعم؟
_ سألتك سؤال واضح.
_ لا طبعا
ظل حسن ينظر إليه للحظات وكأنه يزن إجابته، ثم قال:
_ متأكد؟
_ أيوة متأكد، انا مش خاين يا دكتور
_ طيب، هي شافت حاجة ممكن تكون فهمتها خيانة؟
تنهد شهاب بعصبية ورد:
_ بردو لا، انا معملتش حاجة أصلا
_ رسالة؟ مكالمة؟ نظرة؟ مقارنة بينها وبين واحدة تانية؟
هز رأسه نافيًا.
فسأله حسن:
_ جرحتها بالكلام؟
ضحك شهاب ضحكة قصيرة متوترة واجاب:
_ دي أسهل حاجة في الدنيا ممكن تحصل
_ يعني؟
_ يعني أكيد اتخانقنا واتقال كلام يدايق سواء مني أو منها
أومأ حسن وسأله:
_ كلام من نوع إيه؟
أشاح شهاب بوجهه قليلًا ورد:
_ كلام زي أي كلام بين اتنين متجوزين واتخانقوا
لم يقتنع حسن بالإجابة.
وقال بهدوء:
_ لا يا شهاب. في فرق بين "اتخانقنا" وبين "كسرت شخص".
ساد الصمت.
ثم أكمل حسن:
_ سألتك لأن فيه فرق كبير بين واحدة منهارة بسبب ضغوط الحياة... وواحدة منهارة لأنها فقدت إحساسها بالأمان مع أقرب شخص ليها.
انعقد حاجبا شهاب وسأله:
_ انت شايف إن أنا السبب؟
_ أنا مش بشوف. أنا بجمع معلومات.
ثم أردف:
_ بس طبيعي أسأل عن الزوج الأول بالأخص أما اعرف إنها بتحبك جدا ومتعلقة بيك وان كان عندك إكس وكنت لسه متعلق بيها ومعملتش موف اون واتجوزت ماهي!
زفر شهاب بقوة.
فأكمل حسن:
_ قولي... آخر مرة انهارت بالشكل ده كانت بعد إيه؟
ظل شهاب صامتًا لثوانٍ،
ثم قال:
_ اتخانقنا، وانا زعلت منها وتجاهلتها
_ كانت خناقة عادية؟
_ لا.
_ حصل فيها إيه بالظبط؟
تردد قليلًا قبل أن يقول:
_ طردتها.
رفع حسن حاجبيه وقال:
_ طردتها؟
_ كنت متعصب.
_ وهي حامل؟
أخفض شهاب بصره للحظة ورد:
_ أيوة.
ساد الصمت.
ثم قال حسن:
_ فهمت.
بدأ شهاب يشعر أن النظرات الموجهة إليه ليست مريحة.
فسأله:
_ فهمت إيه؟
أجاب حسن بهدوء:
_ فهمت إن عندنا سبب كافي يخليني أسأل أكتر.
ضيق شهاب عينيه وسأله:
_ انت مقتنع إني أنا اللي وصلتها لكده؟
أخذ حسن نفسًا هادئًا ورد:
_ مقتنع إنك جزء من الصورة على الأقل
ثم مال للأمام قليلًا واردف:
_ اسمعني كويس... لو كانت المشكلة زوجية بس، كنت هقولك اتكلموا وحلوا خلافاتكم.
لكن اللي شوفته حسسني فيه حاجة أعمق، فيه خوف، فيه ذنب.
فيه رعب من حاجة معينة.
حاجة هي مش قادرة حتى تنطقها.
شعر شهاب بانقباض في صدره.
وقال:
_ يعني إيه؟
انت ليه عمال بس تقلقني!
_ يعني مراتك مش بس زعلانة.
ثم أردف ببطء:
_ مراتك عاملة زي شخص شايل حمل تقيل جدًا لوحده.
صمت شهاب للحظات
ثم قال:
_ ولو كانت مخبية حاجة فعلا المفروض نتصرف ازاي؟
أجاب حسن:
_ لو فيها حاجة فعلا يبقى الضغط عليها دلوقتي هيكسرها أكتر.
ثم أضاف بجدية:
_ الفترة الجاية متحققش معاها. متزنقهاش ومتجبرهاش تحكي
لو فيه حاجة مخبياها، هي اللي لازم توصل للحظة الأمان اللي تخليها تتكلم بنفسها.
ثم ثبت عينيه عليه وسأله:
_ سؤال أخير.
_ اتفضل.
_ لو ماهي قالتلك إنها مش عايزاك تاني وعايزة تطلق، هتوافق تطلقها؟
_ لا
_ لانك بتحبها ولا لانك حاسس بالذنب تجاهها؟
_ الاتنين، انا عايزها انا فعلا عايزها
تنهد حسن ثم سكت قليلًا وبدأ يدون بعض الملاحظات بينما شهاب شرد بعيدًا يفكر....
************
اندفع باسم إلى داخل القاعة بخطوات واثقة، وما إن عبر البوابة المزينة بالأضواء الذهبية حتى استقبلته موجة من الموسيقى الشعبية الصاخبة التي كانت تهز المكان بأكمله. ارتفعت أصوات الزغاريد والضحكات، واختلطت برائحة العطور والطعام في أجواء احتفالية صاخبة.
ما إن لمح صديقه العريس حتى شق طريقه بين الحضور، ثم جذبه إلى عناق سريع وربت على كتفه بابتسامة واسعة وقال:
_مبروك يا نجم.
_الله يبارك فيك يا باسم، نورت الفرح.
ابتسم له باسم وربت على كتفه مرة أخرى قبل أن يتركه لاستقبال باقي الضيوف.
لم يكن من النوع الذي يقف متفرجًا طويلًا.
وما إن ارتفع إيقاع الأغنية التالية حتى اتجه مباشرة نحو ساحة الرقص.
في البداية اكتفى بخطوات بسيطة، لكن سرعان ما بدأ جسده ينسجم مع الإيقاع كأنه جزء منه. تحرك بخفة لافتة، يدور بين الحاضرين بخطوات محسوبة، يضرب الأرض بكعب حذائه مع النغمات القوية، ثم ينحني قليلًا ويعود منتصبًا بحركة سلسة. كان يهز كتفيه بثقة، بينما تتحرك يداه بانسجام مع الموسيقى الشعبية، فيجمع بين الحركات الشعبية المعتادة ولمساته الخاصة التي جعلت رقصه يبدو احترافيًا أكثر منه مجرد استعراض عابر، ثم التقط العصا وبدأ يرقص بها يرفعها للأعلى وينزلها إلى قدمه يضربها به لترتفع عاليًا مرة أخرى وهكذا..
بدأت دائرة صغيرة من الحضور تتشكل حوله، بعضهم يصفق، وبعضهم يشجعه بصيحات حماسية كلما نفذ حركة جديدة.
وفي وسط الحماس، شعر باهتزاز هاتفه داخل جيبه أخرجه دون اهتمام كبير، وعيناه ما زالتا على الساحة وفتحه، فوجد رسالة قصيرة فتحها ليقرأ:
"الأمور تمام."
توقفت عيناه على الكلمات لثانية واحدة فقط لا أكثر، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه وأغلق الموضوع بالكامل، وكأن الرسالة كانت آخر قطعة ناقصة في مخطط انتهى بالفعل.
رفع رأسه من جديد وعندها لمحها، فتاة كانت تقف على طرف الساحة تراقبه منذ فترة، تبتسم كلما تحرك بخفة بين الحضور. وحين التقت عيناه بعينيها لم تتراجع أو تشيح بنظرها، بل تقدمت بخطوات واثقة نحو الدائرة المحيطة به.
انفرجت شفاهه بابتسامة جانبية، ففهمت الدعوة غير المعلنة.
وبدون كلمة واحدة انضمت إليه.
بدأت تتحرك على إيقاع الأغنية بجواره، بينما اتسعت الدائرة أكثر حولهما. تبادلا بعض الحركات المرحة، فتقدم خطوة فتراجعت خطوة، ثم دار حولها نصف دورة قبل أن يعود إلى مكانه وسط تصفيق الحضور وصيحاتهم.
ارتفعت الموسيقى أكثر، وارتفع معها الحماس....
***********
خرج فاتح من السيارة وكذلك خرجت هانيا فقد اتت معه وقالت وهما يسيرا نحو الدخول:
_ فاتح هو انا ممكن اعمل زيارة للحارس اللي مسجون دا، اللي اتهموه بانه قتل ابني؟
_ ليه؟
_ يعني، عايزة اسأله على بعض الحاجات
قبلما يجيب، سمع صوت صراخ مصدره داخل القصر، فقال لها في خضة:
_ هو إيه صوت الصريخ دا انتي سامعة؟
_ اه سامعة، دا جاي من جوا، في إيه
ركض يسبقها نحو الداخل وهو يردد:
" استر يارب، استر يارب "
وبمجرد أن دخل، وجد خصلات شعر زوجته تتشابك بين أصابع والدته التي كانت لا تتوقف عن سبها ولعنها وشد شعرها، فصرخ:
_ ماما!
وفي نفس الوقت، دخلت روني فتجمدت مكانها ما رأت ذلك هي وهانيا، أما عبير فصرخت في غضب، صراخ جنوني:
_ تعالى، تعالى شوف مراتك، مراتك بنت مجدي وحورية، مراتك اللي عملت لك سحر عند دجال، الست المحترمة الشريفة العفيفة اللي بتقولوا انها جاية من بيت محترم، واتفرج على الدليل بنفسك.....
سكت يستوعب ما تقوله...
وفي نفس اللحظة التفتت روني في صدمة نحو كلًا من حليمة وفاطيمة فابتسمتا لها في انتصار، لطالما أصبح اللعب على المكشوف، الجميع سيحرق أوراقه...
***********
باقي بارتين ونخلص الجزء الأول
تشجيع وفوتس بعد اذنكم علشان عندي ضغط حياة وعايزة استمر وملغيش تاني، يكون فيه حاجة تشجعني اكمل يعني♥️
حاولوا توصلوا الفوتس ل ٥٠٠ وكومنتس كتير بقا، بحبكم
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل التاسع وأربعون 49 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه
البارت الجاي هو آخر بارت في الجزء الأول كومنتس بقا بتوقعاتكم الجاية ايه اللي هيحصل في آخر البارت و فوتس، كل واحد يحط فوت و ترقبوا البارت الجاي هحط فيه كل اسماء القراء الغاليين الخاصين بوتباد فقط
جاهزين؟؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل التاسع و الأربعون [شد أعصاب]
سلمى خالد احمد
***************
وبعدما عرضت له كل الأدلة التي تدين زوجته، وذلك لأن حليمة وفاطيمة قد قدمتا كل ما لديهما من أدلة ضد الفتاة، اقترب من زوجته وسألها بنبرة مليئة بالغضب:
_ انتي عملتي كدا فعلا؟
انتي روحتي لدجال فعلا؟
انتي مشيتي في طريق الدجل والشعوذة دا وأشركتي بالله وسلمتي نفسك وجسمك وجوزك لشيطان؟
تكلمت عبير في صوت عالي:
_ ما تنطقي ولا بلعتي لسانك؟
كانت دموع الفتاة تنهمر على خديها كالامطار، فسحبها فاتح من يدها وبدأ يتجه بها نحو السلم متجه إلى غرفته، لتقول أمه في اعتراض واضح:
_ رايح بيها على فين؟
اقف هنا عايزين نسمع كلنا
لم يرد عليها بل تابع في سحب زوجته والسير بها في خطوات سريعة مليئة بالغضب.
كادت روني أن تتدخل، ولكن هانيا منعتها قائلة:
_ لا عندك استني، خليها هي وجوزها يتفاهموا الأول بلاش احنا ندخل، يزيد و جياد مش هنا ولا حتى الشيخ، كلهم سافروا على ألمانيا خلاص، انا لسه راجعة انا وفاتح بعد ما وصلناهم
سمعت لها روني فهي لم تود أن تُحدث أي مشاكل من أي نوع معهم خوفًا منهم على نفسها وعلى طفلها وخاصة أن زوجها ليس هنا.
وفي الأعلى خاصة داخل غرفة فاتح و مايا، قالت له بصوت متحشرج ودموع تنساب بلا توقف:
_ آه... آه انا فعلا روحت لدجال، اقسم بالله هقول الحقيقة كلها اوعدك والله ما هكذب بس.. بس انت تديني فرصة وتصدقني، تديني فرصة وتسمعني، أنا.. أنا اقسم بالله ما عملت سحر ولا كنت رايحة له على انه دجال، اقسم بالله كنت فكراه شيخ والله العظيم كنت فكراه شيخ، شيخ بيفك الاسحار والأعمال، أنا.. أنا... أنا يا فاتح بنت ناس محترمة وخارجة من بيت محترم وواحدة عندها دين وأخلاق وعارفة الصح من الغلط.. انا عمري ما اروح لدجال ولا أشرك بالله ولا اعمل سحر ولا كل كلام الجهلة دا، أنا..
صرخ في وجهها مقاطعًا:
_ اومال اللي انا شفته بعيني دا كان إيه؟
الراجل قاعد بيقول تعاويذ وبيحط ايده على جسمك وانتي زي الجاموسة بالظبط قاعدة ساكتة كأنه مش بيعمل حاجة، التيشيرت بتاعي بيعمل إيه هناك؟
دخولك وخروجك اكتر من مرة لبيت الراجل دا معناه إيه؟
ردت والدموع تزداد وصوتها بات مختنقًا:
_ والله العظيم عمتك اللي قالت لي عليه، اقسم بالله دا حصل، كنت قاعدة بعيط ومنهارة قدام البسين والله كان دا المكان راحت قالت لي مالك، قولتلها زعلانة لاني لسه مش حامل انت عارف اني عندي هاجس الحمل دا ونفسي من زمان ربنا يرزقني بطفل منك...عارف، عارف كويس انا بحبك قد إيه وازاي بحترمك انت عارف، قالت لي دا حسد او عمل معملولك علشان متخلفيش، تعالي معايا عند شيخ كويس يشوفك وهو قالي كل المعلومات بالظبط وانا صدقته ووثقت فيه وبقيت أروح له جلسة ورا التانية وهو في الأول كان يديني بمية بقرآن وحاجات من دي وبعد كدا بقا يكنسل او انا اكنسل واخر مرة دي بقا اللي قاعد يلمس فيا قالي لو اتحركتي حركة واحدة بس الجن اللي عليكي دا هيبهدل الدنيا، هو...
قاطعها ساخرًا:
_ والله!
وانتي صدقتي الهبل دا صح؟ بسرعة اقتنعتي؟
_ هو، هو، هو استغل جهلي، انا أسفة حقك عليا والله ماكنت اعرف انا أسفة، بس هي عمتك السبب هي...
قاطعها صارخًا بشكل قوي:
_ بس اخرسي ومتقوليش عمتك، عمتي عمرها ما تعرف دجالين ولا مشعوذين، مش معنى انك غلطتي انك تلزقي الموضوع في اي حد، وليه اصلا عمتي تعمل معاكي كدا؟
انتي من زمان اللي مجنونة وعمالة تتنططي عايزة عيل عايزة عيل ومش عايزة تستني ولا تصبري، فمتحمليش اخطاءك على حد
كانت تهز رأسها بالنفي مرات متتالية سريعة وهي تحدق به في صدمة والدموع تملأ جفناها وصرخت وسط بكائها:
_ والله هي اللي ودتني اقسم بالله هي، هي عايزة تخلينا نطلق كلنا انا واخواتي، هي وحليمة عايزين كدا، هي اللي قالت لامك ازاي عرفت طيب، صدقني بالله عليك صدقني
_ والتيشيرت بتاعي بيعمل ايه عنده؟
يا ترى بيفك السحر بيه؟
_ مودتش حاجة هناك والله ما وديت حاجة، مش عارفة ازاي راح عنده بس أكيد عمتك اللي ودته بردو، هما طلعوا تبع الدجال دا، حتى أسأل جياد، أسأل جياد لو مش مصدقني أسأل جياد، انت بتثق في جياد صح؟
هو عارف بكل دا وكان بيدور ورا كل دا وهو بعت راجل ليه يروح عند الدجال دا، انا قلت لجياد كل الحقيقة هما كانوا بيهددوني، انا خفت، انا خفت منك خفت اقول، هما استغلوني هما استغلوا خوفي هما...
قاطعها قائلًا في تحذير وهو يصدر في وجهها سبابته ويحدق بها:
_ اسكتي، اسكتي خالص، إيه عايزة تطلعي عماتي شياطين؟
وحتى وان كان هما السبب، انتي عيلة يعني؟
ازاي تسلّمي ودانك وتسمحي لنفسك تروحي هناك من ورايا، ازاي تسمحي لنفسك بأنك تغفليني وتخرجي من ورايا او تكذبي عليا وتقولي رايحة مكان معين ومتروحيش وتروحي عند المجرم دا؟
حتى لو هما اللي دلوكي، انتي مش بريئة قدامي نهائي ولا معصومة، انتي واحدة كدابة ومخادعة، مصنتنيش وخرجت من بيتي بدون علمي وراحت لمكان قذر زي دا، واحدة خبت عليا الحقيقة واستغفلتني وقال رايحة تقولي لاخويا الصغير، بدالي!
واحدة حتى وقت الشدة مشفتنيش الملجأ ليها وخبت عليا كل حاجة، ازاي عايزاني اثق فيكي بعد كل دا ها؟
ازاي عايزاني اصدقك تاني اصلا!
صاح في نبرة أقوى وأكثر حدة:
_ كام مرة قولتلك مش عايز زفت عيال ومش مستعجل؟
كام مرة قولتلك بطلي نكد وغباء بقا، كام مرة قولتلك اهدي وكله بأمر الله؟
كام مرة كام مرة فهمتك كام مرة ها كام مرة!
كان جسدها يرتعد وصدرها يعلو ويهبط وانفاسها عالية متلاحقة والدموع لا تتوقف.
هز رأسه بالسلب وتابع:
_ للأسف دموعك المرادي مش هتشفع لك حتى، انتي اللي زيك ماينفعش اخليها على ذمتي بعد النهاردة
صرخت وهي تنكب على يديه تقبلهما تصرخ في قهر:
_ لا لا ابوس ايدك ابوس ايدك يا فاتح متطلقنيش ابوس ايدك، انا مقدرش اعيش من غيرك يا فاتح والله اموت فيها اقسم بالله اموت فيها
أفلت يديه عنها وهو يبتعد، يعود إلى الخلف بضع خطوات وهو يحدق بها وحسب بنظرات مليئة بالغضب الشديد، كانت تبتلع ريقها، تلتقط أنفاسها في صعوبة ولفظت في صعوبة أيضًا:
_ متعملش فيا كدا يا فاتح، ارجوك متعمل فيا كدا، اعمل فيا اي حاجة خد حقك بأي شكل رد كرامتك بالطريقة اللي تعجبك بس ارجوك متطلقنيش، كله إلا دا يا فاتح ارجوك لا يا فاتح ارجوك لا ارجوك..ارجوك
كان يرميها بنظرات جامدة ورد:
_ الزمي الاوضة دي، مش عايز اشوف خلقتك تحت في القصر، سامعة؟
هزت رأسها مؤكدة بسرعة وردت:
_ سامعة سامعة واوعدك عمري ما هعمل أي حاجة تانية غير بإذنك غير ما يكون عندك علم بيها اوعدك والله
تقدم نحو باب الغرفة في خطوات سريعة ثم خرج وغلق الباب خلفه ونزل على السلم في سرعة درجتين درجتين.
وفي الأسفل كان الجميع في انتظاره وبمجرد أن نزل، السيدات وقفن وسألته والدته:
_ عملت إيه؟
طلقتها؟
يلا طلقها وخليها تغور في داهية من هنا
فقالت روني:
_ لا يا فاتح اوعى تعمل كدا، مايا بتحبك واقسم بالله متورطة، متورطة في الموضوع دا كله وأكيد هي حكت لك
التفت إلى عمتيه وسألهما:
_ انتوا السبب؟
انتوا اللي وديتوا مايا هناك؟
لتصيح فاطيمة:
_ والله!
هي قوام لحقت تعلق نتيجة أخطائها علينا ولا إيه؟
لتتابع حليمة:
_ انت اتجننت يا فاتح؟
بقا بعد العمر دا كله جاي تتهمنا احنا بحاجة زي دي؟
لتتجاوب والدته معهما على نفس الخط:
_ اه طبعا شافت نفسها رايحة في داهية راحت قالت أما ادخل الكل فيها، بقا بسهولة تخليك تشكك في عماتك اللي في مقام امك وانت كدا عادي تصدق؟
دا ناقص تقولك امك كانت معاهم كمان وانت عادي تصدق؟
لتضيف حليمة:
_ والله دا اللي كان ناقص، تخليك تشك فينا وتفتكر إننا نعمل الفعل القذر دا!
لتختتم فاطيمة:
_ واحنا يا ابني بتوع الكلام دا ولا السكك دي؟
من امتى يعني؟
جاي تتعرف علينا اليومين دول ولا ايه؟
ايش حال اننا اللي مربينكم وكلنا متربين مع بعض اساسا وعيلة من زمان!
لتؤكد عبير:
_ ايوا، آثار السحر بقا، جاي بعد العمر دا كله يشكك في اهله لحساب مراته الدجالة الكدابة، بدل ما يطلقها ويرميها لأهلها ويخلصنا منها!
ثم قالت له:
_ طلقها يلا وارميها برا القصر دا يلا
رد في نبرة محملة بالغضب:
_ محدش ليه دعوة ومحدش يدخل فيا ولا في حياتي ولا يقولي اعمل ايه ومتعملش إيه، تمام؟
انا كدا كدا هتأكد بمعرفتي
انهى كلامه ثم خطى بخطوات سريعة نحو الخروج من القصر، لتتحرك هانيا تود أن تلحق به، ولكن عبير تمنعها قائلة:
_ استني عندك يا بنت حورية يا أم بوز، ملكيش دعوة بابني يا حرباية انتي كمان، ولا عايزة تأثري عليه وعلى قراره؟
ابني هيهدى وهيجي يرمي اختك برا القصر وهيرمي عليها اليمين، والدور الجاي عليكي انتي والزرافة اللي واقفة جمبك دي، عقبال ما اخلص منكم انتوا التلاته يارب قريب
نظرت إليها هانيا في ضيق وقالت في صوت عالي ومسموع:
_ هو انتي بتعملي معانا كدا ليه؟
احنا عملنالك إيه من وقت ما دخلنا القصر دا؟
_ انتي بالذات متتكلميش، انتي عملتي فابني كتير وآخرهم موّتي ابنه بغبائك.
خطتكم هتفشل يا بنات السلاب انتوا وابوكم اللي دخلكم هنا علشان تكوّشوا على كل حاجة.. مش هتاخدوا حاجة لا الفلوس ولا عيالي حتى هسمح لكم تاخدوهم مني
ابتسمت هانيا وردت ساخرة:
_ تفتكري؟
انتي شايفة فعلا إننا واخدين عيالك منك؟
تنهدت واضافت:
_ انا لو منك كنت كسبت مرتات عيالي الجامدين دول اللي واخدين مني عيالي، لصفي واخليهم يحبوني واحبهم علشان أأمن شرهم المفروض.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وتابعت:
_ عبير هانم، صدقيني انا لسه مأخدتش منك ابنك، بس لو عايزة فعلا هعمل كدا، هوريكي يعني إيه بنت بتخطف راجل من اهله بجد.. هخلي ابنك دا يبنيلي فيلا برا حدود زايد خالص وامنعه من زيارتك حتى وصدقيني انا قادرة أعمل كدا بالطريقة، بس انا اللي مش بعمل دا ويشهد ربنا اني عمري ما وقعته فيكي ولا عمري كلمته باسلوب وحش عنك واني دايما بطنشك وبطنش أفعالك بس...
تكلمت في نبرة أكثر جدية:
_ لو فضلتي تتحديني وتدايقني وتبطلي تحترميني لهوريكي مين هي بنت حورية ام بوز بجد اما تقلب بوزها بتبقا عاملة ازاي.
وساعتها ابقي خلي اللي جنبك دول اللي بتسمعي لهم ينفعوكي.
ردت في غضب تصيح:
_ انتي بتهدديني يا جربوعة؟
_ اه بهددك انتي لسه بتسألي؟
جياد يرجع بالسلامة والقصر دا كله لا يعنيلي، هروح اعيش في بيت ليا مخصوص وابقى هانم فيه معززة مكرمة، هاخد ابنك منك بجد بقا علشان تعرفي الفرق..
سكتت قليلًا... ثم ردت في نبرة أكثر استفزازًا:
_ او ممكن اخده واروح اعيش في شقتي اللي جبهالي من بالم هيلز مخصوص ليا وكتبها باسمي.. ابنك وفلوسه و كله على بعضه، ليا ومعايا، هوريكي يعني ايه حربقة بقا من اللي قلبك يحبه واشبعي بالقصر دا كله انتي والعقارب اللي واقفين جمبك دول
كانت تحدق بها في عدم تصديق حتى أن حليمة وفاطيمة لم تصدقا أن ذلك الكلام صادرًا على لسان هانيا، هانيا خصيصًا!
اما روني فكانت تبتسم بشكل واسع فخورة بأختها وبما تقوله.
اختتمت حديثها قائلة:
_ براحتك.. كدا كدا أخري في القصر دا أيام معدودة واول ما جوزي يرجع بالسلامة لا هتشوفي وشي ولا وشه تاني، انا عارفة ازاي ممكن اكرّهه فيكم كلكم وصدقيني جياد رهن اشارتي وعمره ما هيرفض لي طلب وانتي عارفة كدا كويس.
وساعتها كلنا هنشوف، هيختارك انتي ولا أنا!
وكدا كدا الإجابة محسومة، وانتي عارفاها.
انضمت إليها روني أي وقفت بجانبها وقالت:
_ ومش بس هانيا وجياد اللي هيمشوا، لا، انا ويزيد هنخرج بردو، خلي القصر يفضا عليكي انتي وشوية الحرابيق دول، مبروك عليكي القصر، خسرتي ولادك بسبب طريقتك والجفا والمعاملة القذرة اللي بتعاملينا بيها، وزي ما هانيا قالت لك بالظبط، هنوريكي مين هما بنات السلاب وحورية، حورية اللي زمان خدت جوزها من حماتها بردو أما كانت بتحربق عليها هي وعماته.
ثم مسكت في يد أختها وذهبتا معًا في خطوات مليئة بالثقة.
أما عبير فلم تصدق ما قيل لها فأخذت تهز رأسها بالسلب تقول:
_ لا، لا عيالي لا، هياخدوا مني عيالي، بنات حورية هياخدوا مني عيالي
لتقول لها فاطيمة:
_ اياكي تخافي ميقدروش يعملوا كدا وبكرة تشوفي احنا ازاي هنربيهم...
*********
دخل شهاب غرفة زوجته النائمة وأخذ يقترب منها ثم قال في نبرة بها الهدوء:
_ قومي يا ماهي.. حسن برا وعايز يتكلم معاكي شوية، ارجوكي مترفضيش هو عايز يساعدك مش أكتر ياريت تقومي بقا، دا ليكي علشان تبقي افضل انتي وزين يا حبيبتي
التفتت إليه وكالعادة منذ مدة قصيرة، وجهها شاحب وعينيها متورمتين وقالت له:
_ مش عايزة اتكلم مع حد، لو عايزني ابقى افضل، مشّي الدكتور دا وتعالى اقولك انا هبقى افضل ازاي.. لازم نتكلم، وصدقني اللي هقولك عليه دا لو عملته زي ماهو كدا هبقى افضل
هز رأسه موافقًا وخرج للطبيب أخبره بأن يأجل معاد جلستها بسبب سوء حالتها ورفضها القطعي اليوم ثم دخل لها بعدما غلق الباب بالمفتاح حتى لا تدخل منى عليهما، واقترب حتى جلس على السرير جوارها وقال:
_ قوليلي يا روحي ايه الموضوع؟
أطرقت.... ثم ردت بعد حين:
_ طلقني....
صدمته كلمتها وبدت علامات الاستغراب على وجهه وتابعت:
_ لو بتسأل إيه الحاجه اللي هتخليني افضل فهو انك تطلقني وتبعد عني نهائي وانا هبقى كويسة بدون طب نفسي ولا حوارات كتير
رد في هدوء نسبي:
_ طب اهدي بس، أكيد الأمور مش بتتاخد كدا.. احنا فيه بينا طفل و..
_ شهاب انا مش بقولك قرار قابل للنقاش اصلا، لا، انا بقولك انت هتعمل كدا اصلا، انت هتطلقني يعني هتطلقني!
_ ليه يا ماهي بس ليه؟
انا مش فاهم انا عملت إيه بجد، كل الموضوع إني
قاطعته في نبرة صوت عالية:
_ شهاب انا مش عايزة اسمع ولا كلمة، ولا عايزة تبرير ولا عتاب انا بقولك طلقني يبقى طلقني وبس كدا.
وبالنسبة لحقوقي عايز تدفعها، ادفعها مش عايز براحتك انا مش عايزة اي حاجة غير سلامي النفسي وراحتي كفاية اوي اللي حصلي دا
_ وانا عايزك يا ماهي، عايزك انتي وابني وعايز نك...
_ وانا مش عايزاك يا شهاب ولا عايزة أكمل معاك، إيه هتعيشني معاك بالعافية؟
رد في غيظ:
_ في حاجة حصلت وانا لازم افهمها، لازم تقوليلي مالك وإيه اللي غيرك كدا وفي إيه و..
صاحت في غضب:
_ مفيش حاجة ومش عايزة أي حاجة غير طلاقي منك.. انت مش كنت بتسأل عن حالتي النفسية وقلت لي اهم حاجة عندي انك تبقي كويسة؟
انا اهو بقولك انا هبقى كويسة امتى، هبقى كويسة لو طلقتني، خلصني بقا وطلقني
ابتلع ريقه شاعرًا بتعسر موقفه مصدومًا من تغيرها المفاجئ وقرارها ذلك ...ولكنه رد:
_ وانا مش هطلقك يا ماهي، اللي بينا هيتحل
صاحت في ضيق:
_ وانا هطلق يا شهاب يعني هطلق والا هرفع خلع، بلاش تخليها توصل لمحاكم بينا.
وقف وقال لها في ضيق:
_ ارفعي قواضي يا ماهي واعملي اللي تعمليه بس انا مش هطلقك.. انا عايزك انتي وابني ومش هسيبكم
انهى كلامه وبدأ يتجه نحو الخروج وهي لا تزال تصيح:
_ هتطلقني ورجلك فوق رقبتك
وبمجرد ان فتح الباب، وجد منى في وجهه تقول:
_ طلقها وخلّصها ومتبقاش كلح
صرخ فيها بحدة:
_ انتي السبب في كل دا اصلا، عملتي إيه؟
قولتلها إيه؟
امشي اطلعي برا غوري يلا
لتصرخ ماهي بمجرد أن سمعت ذلك:
_ انت اللي تمشي مش هي، ولا نسيت ان الشقة بتاعتي!
تجمد مكانه ما إن سمعها تقول ذلك وهو يرى الابتسامة على ثغر منى.. وفي هدوء استدار إلى زوجته وظل ينظر إليها وحسب دون أن ينطق... فأشاحت بوجهها بعيدًا عنه حتى لا تلتقي أعينهم فهز رأسه موافقًا ثم قال في هدوء:
_ معاكي حق، انا اللي المفروض امشي فعلا، الشقة بتاعتك صح، الحمدلله إني ماخدتش منك جنيه قبل كدا أما عرضتي والا كان زمانك بتعايريني.
ثم تحرك صوبها وتابع وهو يقف أمام موضع جلوسها بالضبط:
_ تمام، اهم حاجة عندي انك تكوني مرتاحة فعلا ولو طلاقنا هيريحك، فأنا عنيا ليكي.
ثم قام بخلع خاتم الزواج من أصبعه ووضعه على الكومودينو الذي يقع جانب السرير.
تحرك حتى الخزانة وفتحها، أخرج الحقيبة وبدأ يضع ملابسه فيها وأشيائه.
كانت منى تعقد ذراعيها أمام صدرها وتهز ساقها.
بينما ماهي ألقت نظرة باهتة من عينيها المتورمتين نحو خاتمه الذي تركه بجانبها، ثم نظرت إليه ،وهو يولي لها ظهره يجمع ملابسه، بنظرة يائسة لا أمل فيها ولا رجا، أجمعت قوة وهمية ووقفت قليلًا تنظر نحو زوجها وهو يلملم أشيائه ولا يراها، وفجأة ركضت، وليس كأي ركض بل انطلقت كالسهم، دفعت باب البلكون بكلتا يديها وقفزت سريعًا فوق الكرسي ثم وضعت رجلها اليمنى على السور وتحاملت على رجلها تلك لرفع باقي جسدها ...ولكن شهاب سحبها من خصرها بكلا ذراعيه في سرعة رهيبة وعاد بها إلى الوراء، ومن هول الصدمة التي هو بها لم يستطع أن يقف على رجليه، لذا سقط على ركبتيه بها وهو يهمس في خفوت ويلتقط أنفاسه في صعوبة:
" أعصابي... أعصابي.. أعصابي حرام عليكي "
أما منى فقد وقعت على السرير بعدما رأت المشهد ومن الرعب الذي انتاب عليها بدأت تبكي وجسدها يرتعش ما إن شعرت أن ما كان بينها وبين أن تفقد صديقتها، ثوان..
صرخت وهي بين يديه تجلس على الارض:
_ ليه أنقذت حياتي ليه، ليه ليه انت مالك انت مالك انا عايزة أموت انت مالك، سبني في حالي بقا سبني سبني
سقطت الكلمات من فمها كالسكاكين، وهي تضرب ذراعيه القابضين عليها بقبضتيها في ضعف ويأس، بينما كان لا يزال يحتضنها بقوة من ظهرها، وكأنه يخشى أن تفلت منه للحظة واحدة.
ارتجفت يداه حول خصرها.
لم يكن قد استوعب بعد ما حدث.
ثانية واحدة...
ثانية واحدة فقط وكان سيصل متأخرًا.
وكان سيحمل جثمانها بدلًا من أن يحملها بين ذراعيه الآن.
أغلق عينيه بقوة وأخذ يلتقط أنفاسه المتقطعة بصعوبة، بينما قلبه يضرب داخل صدره بعنف حتى شعر أنه يؤلمه.
ثم رفع يديه المرتجفين و أدارها إليه على عجل، كأن قلبه لم يعد يحتمل أن يراها منهارة دون أن يرى وجهها، بعدما كان يحتويها من ظهرها، ثم احتوى وجنتيها بين كفيه لثوان ينظر إليها وإلى كل ذلك القهر والانكسار الظاهر على ملامح وجهها.
وبرفق ووضع يده خلف رأسها، وجذبها أكثر إلى صدره وقال بصوت مبحوح بالكاد خرج:
_ بس... بس يا ماهي... بس...
كانت تبكي وتصرخ في حضنه:
_ سيبني... سيبني أموت... سيبني...
أخذ يهز رأسه رافضًا بعنف:
_ لا... لا... لا...
ثم أمسك وجهها بين كفيه وأجبرها برفق أن تنظر إليه كانت دموعها تغطي وجهها بالكامل.
أما هو فكان شاحبًا بصورة مخيفة.
عيناه محمرتان، وأنفاسه مضطربة، وملامحه فقدت كل لون.
حدق فيها للحظات طويلة تلك المرة وكأنه يتأكد أنها ما زالت أمامه، ما زالت تتنفس ما زالت حيّة ثم بدأ يمرر يديه على وجنتيها يمسح دموعها المرتجفة وهو يردد:
_ بس يا حبيبتي... بس... أنا هنا... أنا جمبك... بس... اعملي فيا مهما تعملي يا ماهي مش هسيبك يا قلبي بس..
ارتعشت شفتاها بقوة وقالت في انهيار:
_ أنا تعبت، تعبت مش قادرة...
انقبض قلبه أكثر فأعادها إلى صدره مرة أخرى ولف ذراعيه حولها بقوة، قوة رجل يحاول أن يمنع العالم كله من خطفها منه
وقال بصوت مختنق:
_ انا جمبك متسيبينيش، متعمليش فيا كدا...
بدأ جسدها كله يهتز من شدة البكاء، بينما كان يربت على ظهرها بحركات متواصلة وكأنه يهدئ طفلًا مذعورًا:
_ اهدي... اهدي يا روح قلبي... بس...
وفجأة...ارتفع رأسها عن صدره قليلًا وتوقفت أنفاسها للحظة.
ثم خرجت منها صرخة.
صرخة لم تكن عالية بقدر ما كانت موجعة.
صرخة خرجت من أعماقها..
ففي سرعة ضمها إلى صدره فأصبحت صرخة شبه مكتومة داخل صدره، لكنها كانت تحمل من الألم ما جعل منى تنتفض مكانها.
دفنت وجهها داخل عنقه أكثر وهي تصرخ ووتأوه:
_ آآآآه...
صرخة طويلة، ممزقة كأنها كانت تحاول أن تخرج كل ما بداخلها من قهر دفعة واحدة.. كل الخوف، كل الذنب، كل الانكسار.
كل ما حملته وحدها طوال الأيام الماضية.
ارتجف جسدها بعنف بين ذراعيه بعد الصرخة، ثم انهارت تبكي بصورة هستيرية.
أما شهاب فقد أغلق عينيه بقوة وهو يضمها إليه أكثر وكانت يداه ترتجفان دون إرادة لا يفهم ماذا يحدث ولا لماذا وصلت إلى هذا الحد ولا أي وجع تحمله داخلها.
لكنه كان يشعر بشيء واحد فقط أنه لو فقدها الآن، فلن يسامح نفسه ما بقي له من عمر...
لم يتوقف عن ضمها إليه أكثر فأكثر ولم يتوقف عن محاولة تهدئتها، يمرر يده على شعرها، يربت على ظهرها يتفوه بكلمات كثيرة لجعلها مطمئنة.
وعقب وقت، هدأت.. سكت عنها الصراخ وتوقفت الدموع وباتت كدمية في يده بلا حركة.
حاول النهوض بها وبالفعل نجح.
حملها وتحرك بها إلى الداخل، إلى السرير ثم وضعها عليه برفق بعدما تأكد أنها نامت.
استلقى جوارها وضمها إلى صدرها وبدأ يربت على ظهرها يهمس جانب أذنها:
_ متخافيش يا قلبي انا معاكي ومش هسيبك ابدا مهما حصل ومهما عملتي، انا هنا... انا معاكي..
وفي تلقائية منها، قبضت على قميصه ناحية صدره في قوة، كأنها تخشى رحيله او بعده، فهي به مطمئنة.
أما منى فمازال صدرها يعلو ويهبط في خوف تحاول رويدًا أن تطمئن وكلما تذكرت الموقف، ينقبض قلبها أكثر.
ظلت واقفة تراقب ماهي وهي داخل حضن زوجها الذي كان يحتويها بكل جسده، تُتَمتم:
" وقعتي قلبي يا ماهي، حرام عليكي يا ماهي وقعتي قلبي وسيبتي أعصابي كلها.."
وبعدما نامت وتأكد شهاب من ذلك بدأ يبتعد عنها شيئًا فشيئًا في هدوء، حتى تأكد أنها لم تشعر به ولا بذهابه وعليه، جرّ منى من ذراعها في قليل من العنف وخرج بها من الغرفة.
وبمجرد أن خرج، غلق الباب وابتعد بها عن الغرفة وقال لها في نبرة صوت حادة:
_ انتي هتقوليلي مراتي مالها ولا اقتلك وادفنك مكانك دلوقتي؟
حاولت افلات ذراعها منه وهي تقول:
_ اوعى سيب دراعي، انا معرفش هي مالها معرفش
_ لا انتي عارفة، فيه حاجة انتي مخبياها عليا وفيه تصرفات صادرة منك غريبة بقالها فترة، فانطقي أحسن لك
_ قولتلك معرفش حاجة انت ايه غبي؟
سيب دراعي كدا ولا انت علشان مش عايز تحمل نفسك مسؤولية اللي هي فيه، جاي تطلعه عليا؟
ردت في ضيق منه:
_ انت السبب يا شهاب في اللي ماهي فيه محدش غيرك، انا بس نفسي تطلق منك لانها طول الوقت مأذية بسببك.
اديك شفت بنفسك، اول ما خلعت الخاتم من ايدك وبدأت تلم هدومك، كانت هترمي نفسها من البلكونة، كل دا ومش شايف انك السبب وانك اللي بتأثر فيها وعليها؟
رد في نبرة بها الغضب دون أن يرتفع صوته:
_ وهي عايزة تطلق مني ليه يعني، ليه فجأة اتغيرت كدا ليه؟
_ لأنها تعبت، تعبت منك طبعا ومن اسلوبك وطريقتك وتحكمك فيها، فكرت تاخد قرار ومع أول قرار، كانت هتنتحر.
افلتت يدها منه وتابعت:
_ كل اللي ماهي فيه دا، بسببك انت، انت وبس، حطها حلقة في ودانك
تركته وتحركت وما إن رآها تتجه نحو غرفة زوجته، حتى اعترض طريقها قائلًا:
_ مش هتدخلي اوضتها تاني ولا هتباتي معاها تاني، انا اللي هنام عندها في مكاني وعلى سريري ولو اصريتي، همسكك ارميكي برا الشقة ومش هيفرق معايا حاجة، اوكيه؟
ثم تحرك بالفعل نحو الغرفة ودخلها.
نظر إلى منى بقرف قبلما يغلق الباب ثم غلقه في وجهها.
زفرت في غيظ وتمتمت:
" غبي "
************
كان يسير بجانب الفتاة بعدما انتهى الفرح، وبدأ الكل يغادر، قال لها في ابتسامة:
_ رقصك كان جامد الصراحة
اطلقت ضحكة رنانة، استقرت في قلبه وردت:
_ وانت رقصك كان اجمد
_ اسمك إيه بقا؟
_ مِيسا
ابتسم ورد:
_ تؤ، الحقيقي
_ لميس، بس انت تقدر تقولي يا ميسا، يا...
_ باسم.. باسم عواد الشمري، مدير تصميم في شركة الزيني بتاعت خالو، الشيخ عبدالله الزيني
ردت في اعجاب:
_ انت اللي يليق عليك تبقى مدير فعلا.
شعر بالفخر بنفسه ورد:
_ Thank you ,misa.
حاليا همشي لاني بس مستعجل ورايا كام حاجة كدا ولازم يخلصوا..
مد لها هاتفه المجهز على شاشة الاتصال وتابع:
_ بس ممكن النمبر؟
أخذته منه وبدأت تكتب رقمها وسجلته أيضًا ثم أعطته له وقالت:
_ هستنى مكالمتك على نار
رد وهو يتجول بعينيه فوق جسدها:
_ متقلقيش... انتي نار ومش هخليكي تستني كتير ولا تبقي على نار، ميلقش بيكي الانتظار اساسا!
اطلقت ضحكة رنّانة مرة أخرى ثم لوّحت له بيدها وهي تقول:
_ باي يا جامد
_ باي يا بنت الجامدة
وبعدما ذهبت، أسرع نحو سيارته وفتح الباب ودخل، ثم فتح هاتفه واتصل على صفوت.. دقائق واستجاب الرجل وهو يقول في خيبة أمل:
_ إيه يا باشا؟
_ اقول مبروك؟
تنهد ثم رد:
_ لا للأسف.. العملية متمتش... جياد ماكنش في الاوضة، الراجل راح ودخل وملقيش حد
ضرب بيده على عجلة القيادة وهو يصيح:
_ ازاي يعني ازاي!
ازاي ملقيش حد؟
راح فين يعني؟
_ معرفش يا باشا راح فين، انت قلت رقم اوضة معينة وهو دخل وملقيش حد وكويس انه عرف يهرب، كان هيتمسك اكتر من مرة أصلا
صاح في ضيق:
_ مش قلتلي ان كل شيء تمام؟
_ اه، كنت اقصد انه عرف يدخل المستشفى يعني والأمور تمام معاه مفيش مشكلة حصلت، مش ان المهمة تمت.
صاح في غضب أكبر:
_ فشلة، انتوا فشلة
ثم انهى المكالمة معه واتصل على أمه والتي استجابت وهي تهيئ فرشتها كي تنام:
_ ايه يا باسم؟
صاح:
_ فين زفت الطين جياد؟
خرج من المستشفى؟
لحق؟
_ سافر
_ سافر؟ سافر على فين؟
_ معرفش فين، بس الشيخ سفره علشان يكمل علاجه برا على كلام عبير يعني
_ ومعرفتيش منها سافر فين؟
_ اما جيت أسألها مش عارفة مين نادى عليها ومشيت وبعدها نسيت افتح معاها الموضوع تاني بس انا اصلا عرفت انه سافر متأخر جدا جدا وانت خلاص قلت لي ان الواد اتلاقى ورايح لعنده.
_ اعرفي سافر فين، ما انا هخلص عليه يعني هخلص عليه قبل ما يرجع لي
_ فكك بقا، اصلا اهو بنحاول نوقع الدنيا في بعضها معاهم ونعمل حاجة في البنات قبل رجوعهم
_ مين معاه؟
_ الشيخ ويزيد
هز رأسه موافقًا.. ثم رد:
_ تفتكري الشيخ وداه هناك يكمل علاجه بس ولا شك في حاجة وبيرقد؟
قلقت كثيرًا وردت في توتر:
_ يعني إيه يعني؟
تقصد ايه؟
_ اقصد روني الحلوة تكون قالت له حاجة كدا ولا كدا خوفته وخلى جياد يسافر!
_ معرفش، بس جايز، اصلا الشيطانة الصغيرة دي يطلع منها كل حاجة
_ وديني لاوريها، انا هفكرها بيا.
ثم انهى المكالمة مع والدته وقاد السيارة في سرعة عالية اثر الضيق والغضب.
وصل العمارة التي بها شقته، وخرج من السيارة.
دخل من بوابة العمارة وركب المصعد الكهربائي... دقيقة ووصل وخرج منه وبدأ يتجه نحو شقته. وأمام باب الشقة، وجد رهف تقف في انتظاره وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها في ملل.
اختض من تواجدها وزفر... ثم قال لها:
_ خضتيني!
ثم نظر إلى ساعة يده وتابع:
_ الساعة واحدة، انتي ازاي برا البيت لحد وقت متأخر زي دا؟
_ انا مستنياك هنا بقالي ساعتين تقريبا
_ ليه يعني؟
اخرج المفاتيح من جيبه وبدأ يفتح الباب، ثم تابع وهو يشير لها بعدما فتحه:
_ اتفضلي ادخلي
دخلت ودخل هو الآخر وغلق الباب.
تحرك حتى جلس على الأريكة ووضع ساق فوق الأخرى وبسط ذراعيه أعلى خشب الأريكة وقال:
_ إيه بقا، عايزاني في إيه؟
ردت في نبرة بها الضيق:
_ هو انت خاطبني ليه؟
انا فعلا محتاجة افهم انت خطبتني ليه؟
رد في برود:
_ علشان بعد الخطوبة، اتجوزك مثلا!
_ والله؟
دا بس؟
تقدر تقولي انا فين في حياتك؟
رد ساخرًا:
_ انتي في الديسكوهات، راحة جاية تدوري ورايا، وتخلي البنات تبعك يسألوا عني وفكراني مش هعرف!
ردت في نبرة عالية نسبيًا:
_ يعني اهو بتروح ديسكوهات!
_ كنت بروح...كنت، حاليا لا وأعتقد اللي سألت عني قالتلك..
تنهد وتابع:
_ هو معلش لو انتي شاكة فيا اوي كدا وشيفاني راجل وسخ، مكملة معايا ليه؟
فين الثقة يا هانم!
دا انا اللي عمري ما وثقت في حد، بثق فيكي ومش بسأل ولا بدور وراكي وبصدق اللي بتقوليه، وانتي اتفرجي وشوفي بتعملي معايا إيه!
سكتت قليلًا وهي تهز ساقها في غيظ منه، فهو دائمًا ما يغلبها في المناقشات والجدال بينهما.
وسألته في محاولة منها للهدوء:
_ ممكن اعرف مش بترد على رسايلي ومكالماتي ليه؟
ليه علطول متجاهلني ومش بتسأل عني؟
زفر في ضيق وهو يمرر يده على وجهه في ملل واجاب:
_ رهف حقيقي يعني عيب أما تسألي سؤال زي دا!
انا رجل أعمال يا ماما وورايا بزنس هنا وبزنس في قطر وفي امريكا.. عمال اسافر من هنا لهنا ويدوب لسه راجع النهاردة من امريكا وكان عندي اصلا مشاكل في الشغل ومصدقت انها اتحلت وحوارات كتير ورايا اساسا.
اسيب انا بقا كل الناس المهمة دي اللي بتكلمني ولا بتبعت لي رسايل علشان نشوف الجديد في الشغل، وارد على اسئلتك المستفزة الغريبة.. تيجي الصبح الساعة ٨ تقوليلي صحيت؟
ما أكيد صحيت يعني، ماهو معاد شغلي اساسا يعني، فأكيد صحيت من قبلها يعني مش سؤالك هو اللي هيصحيني مش منبه هو!
وبعدها اخلص من السؤال دا، الاقيكي بعتالي الساعة ١١ الضهر، فطرت؟
ما أكيد فطرت، أكيد فطرت يعني، هقعد على لحم بطني ليه يعني، طظ في اي حاجة اهم حاجة عندي الأكل أساسا.
مردش، تسكتي بقا، لا، تقومي تبعتيلي الساعة ٤، اتغديت؟
يا ستي والمصحف، باكل وبشرب وبصحى عادي أنا مش إنسان مبتدئ!
فأكيد شاتك بينزل لتحت وبرد على الأسئلة المهمة مش الأسئلة اللي تفوّر الدم دي!
ردت في صوت عالي به الضيق:
_ وانت عايزني أسألك ايه يعني؟
اقولك ايه يعني؟
ما انت مش سايب معايا اي مجال للحوار ولا الكلام اصلا!
زفر في ضيق شديد ثم رد:
_ رهف، رهف بالله عليكي، سيبك بقا من كلت وشربت وصحيت ونمت وجو الحب في زمن الكوليرا دا علشان انا خلقي ضيق!
انا راجل عندي ٢٨ سنة وعندي أشغال كتيرة جدا، مش فاضي لحب المراهقين دا، لا عندي طاقة ولا وقت.
هزت رأسها موافقة ثم قالت بغيظ:
_ طب ماشي حلو اوي، عايزني اتكلم في ايه؟
يعني غششني كدا، قولي ايه المواضيع اللي لو اتكلمت فيها، هتتكلم معايا عادي زي البني ادمين، زي اي اتنين مخطوبين وبيحبوا بعض؟
استقام ثم بدأ يقترب منها في خطوات بطيئة نسبيًا حتى وقف قبالتها تمامًا وقال بنبرة هادئة:
_ يعني.. تلبسي حاجة حلوة كدا زيك وتقوليلي إيه رأيك فيها؟
تبعتي لي فيديو وانتي بترقصي وتقوليلي اتفرج.
تبعتي فيديو وانتي بتدلعي وانتي فيه انثى كاملة متكالمة.. انتي وشطارتك بقا مش هقولك المفروض تعملي ايه، كل بنت قادرة كويس بطريقتها، تجذب الراجل بتاعها ليها وتخليه وسط أشغاله ومسؤولياته، ميركزش غير معاها.
بدأت تشعر بالخجل وألقت بصرها نحو الأرض وقالت في ابتسامة:
_ طب...طب ما نتجوز!
أطلق زفيرًا طويلًا ثم رد:
_ ما إحنا كدا كدا قلنا هنتجوز امتى، بعد امتحاناتك، انا يعني كنت بقترح عليكي مواضيع في فترة الخطوبة، عجبتك، عجبتك، معجبتكيش خلاص
As you like!
اقترب منها ووضع أصبعه على شفتيها وقال في ابتسامة:
_ الروج دا حلو اوي على شفايفك، نوعه إيه؟
بدأت ترتبك كثيرًا وتتوتر وعلقت الأحرف بين شفتيها، فاقترب كي يُقبّلها ولكنها منعته عندما عادت خطوات إلى الخلف وهي تقول في خوف شديد:
_ باسم احنا لوحدنا لا، ممكن يحصل حاجة أكبر من البوسة
_ انتي مش واثقة فيا؟
هي بوسة بس
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا واثقة، واثقة بس خايفة.. يعني.. يعني بيقولوا الشيطان شاطر وكدا، انا كمان مكسوفة و..
ولى له ظهره ثم قال:
_ اطلعي برا يا رهف، ومتجيش الشقة بتاعتي دي تاني طالما خايفة من الشيطان وعارفة إنه شاطر، متجيش هنا تاني
_ باسم، باسم متزعلش بجد... انا مش قصدي أنا..
_ خلاص، يلا امشي بقا عايز انام ورايا بكرة شغل متلتل
ابتلعت ريقها وردت في خوف:
_ طب خلاص.. خلاص بوسني، بس وعد هي بوسة بس ماشي؟
استدار لها وقال في نبرة حادة نسبيًا:
_ خلاص مش عايز حاجة اتقفلت، امشي بقا عايز اتخمد!
بدأت الدموع تتجمع داخل جفنيها وردت:
_ يا باسم متعاملنيش كدا، انا بحبك والله!
ليه المعاملة دي طيب يعني؟
_ يا رهف يا حبيبتي متتعبنيش معاكي بقولك عايز انام، عايز انام الساعة ١ وعندي شغل بدري، إيه هتنامي جمبي يعني!
_بس انت مش زعلان مني؟
_ لا مش زعلان.. واه صح، مينفعش تنزلي في وقت متأخر زي دا لوحدك، خليني اوصلك يلا
_ وديني القصر، قولتلهم في البيت اني رايحة ابات هناك علشان اسهر مع تالية
_ اه ما انتي أكيد مش هتقولي لابوكي انك رايحة لخطيبك الساعة ١ الفجر!
هيجراله إيه اكتر من كدا، هو كدا كدا مشلول!
يلا يلا خليني اوصلك للقصر بسرعة...
*********
وفي صباح اليوم التالي، كانت روني تجلس داخل مكتبها ترتدي بدلتها الرسمية الانيقة فها هي ستبدأ العمل.
أجرت مكالمة هاتفية مع أختها مايا وقالت لها:
_ عاملة إيه يا حبيبتي دلوقتي، أحسن؟
ردت الأخرى وهي تمسح أنفها بالمناديل الورقية:
_ أحسن إيه بس يا روني، انا مش مبطلة عياط من امبارح اصلا لحد ما عيني ورمت
_ حقك عليا انا يا حبيبتي.. انا هحاول الاقي وقت واتكلم مع فاتح وأفهمه الموضوع كله.
هو اما رجع امبارح، اتكلمتوا في إيه؟
_ مرجعش اصلا من امبارح يا روني، معرفش بات فين، ممكن راح على شقة العايلة ونام هناك.. انا مرعوبة يا روني، مرعوبة يطلقني، لو طلقني، هروح فيها، انا روحي فيه ومقدرش اعيش من غيره مقدرش
_ متخافيش مش هيعمل كدا ان شاء الله، هو كمان روحه فيكي وقبل ما يعمل كدا هيفكر الف مرة.. فاتح عاقل ومش بتاع تسرّع بالذات في مواضيع زي دي
_ ياريت بجد ياريت.. حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، ربنا ينتقم منهم اشد انتقام حليمة وفاطيمة ولاد تمّام الزيني
_ امين يارب، صلي وادعي عليهم لحد الصبح.. يلا هقفل انا دلوقتي علشان معايا شغل كتير اوي، يزيد سافر وسايب شغل قد كدا على دماغنا
_ تمام
وبمجرد أن أنهت المكالمة مع أختها، حتى فوجئت، بأحدهم يركل باب المكتب بقدمه، هكذا دخل عليها، فوقفت فزعة خاصة عندما رأته، إنه باسم.
دخل وغلق الباب خلفه وسار نحوها في غضب، بينما هي ابتلعت ريقها وقالت له في توتر:
_ لو حاولت تيجي جمبي، هصرخ وهلم عليك الشركة كلها
ضرب بيديه على الطاولة مما أدى إلى اهتزاز الأقلام والحاسوب والأوراق وكل ما فوقها، فاختضت الفتاة فقال لها:
_ انا تعملي معايا كدا؟
مش قولتلك اقفلي بؤك؟
بردو روحتي واتكلمتي وعملتي شوشرة؟
يعني مش بتخافي خالص صح؟
يعني مش فارق معاكي حد صح؟
يعني قلبك ميت صح؟
هزت رأسها نافية ثم قالت في نبرة صوت بها التلعثم:
_ ه..هو..هو انا عملت إيه؟
ها، هو ف،، هو في ايه؟
ليه بتقول كدا؟
_ استعبطي استعبطي، كدا كدا كنت عارف انك مش هتهدي بس كنت بوريكي انك قد إيه غدارة وملكيش كلمة، لاني فعلا من بعدها بعدت، بس نكشك ولا مرة هِدي.
تنهد ثم تابع في نبرة أكثر حدة وخشونة:
_ انا هوريكي، أنا هعيطك قريب على أغلى حد عندك، انا هخلي عيشتك سواد هوريكي مين هو باسم عواد الشمري في اوسخ واقذر نسخة ليه
ثم رماها بنظرات مليئة بالغضب من أعلى إلى أسفل وذهب مغاضبًا
وعقب رحيله، وضعت يدها على بطنها في تلقائية بعدما شعرت بالخوف الشديد.. ثم صاحت فجأة:
" يزيد "
وعليه ركضت في سرعة حتى خرجت من المكتب ثم توقفت عن الركض وبدأت تسير في خطوات سريعة.
دخلت مكتب هانيا وهي تجري عليها تقول في نبرة بها رعب:
_ يزيد يا هانيا يزيد، باسم عايز يقتل يزيد يا هانيا الحقيني
استقامت الفتاة مرة واحدة في خضة ثم ركضت إلى عندها، تسندها من كتفيها وهي تقول:
_ اهدي يا روني اهدي في ايه مالك خايفة كدا ليه، ايه اللي حصل بس
_ بقولك باسم عايز يقتل يزيد
اختضت الفتاة وعلقت:
_ إيه!
يقتله ليه؟
تعالي بس اقعدي واهدي انتي مش قادرة تقفي اساسا على رجلك
سارت مع أختها حتى جلست على الكرسي وهي لا تزال تضع يدها على بطنها ثم حكت لها ما حدث.. لتعلق هانيا:
_ يا نهار مش فايت!
دا كدا معناه انه عرف انك بتحركي جياد؟
عرف ان جياد بيدور وراه؟
_ باين كدا
_ باين كدا ايه يا روني، احنا كدا محتاجين نصوت على جياد مش يزيد!
سكتت قليلًا تفكر... ثم ردت:
_ بس هو قالي هعيطك على اللي منك، وهو اصلا سبق وهددني بقتل يزيد قبل كدا
قالت لها هانيا والتي كانت تتحرك ذهابًا وايابًا في المكتب، قلقة:
_ وليه متقوليش انه بيخطط يقتل الاتنين؟
الاتنين في غربة اساسا واحد راقد والتاني مش فاهم حاجة وبيثق في باسم جدا وهو ممكن يستغل دا ويقتلهم هما الاتنين ويلا اهو ماتوا في ألمانيا وشوفي بقا مين هيجيب حقهم
صاحت روني في رعب:
_ هو انتي بتهديني ولا بترعبيني!
لتصيح الأخرى أيضًا:
_ ما انا كمان مرعوبة، ما جوزي هناك ومستهدف اكتر من يزيد اصلا انتي متخيلة اللي انا فيه ولا لا!
جياد اللي راح الديسكو وجياد اللي سأل على البت بتاعته وجياد اللي راح للحارس في السجن يبقى مين اللي مستهدف؟
وبعدين ماهو جياد يعتبر منك بردو، اكيد هتزعلي جدا أما يقتله وتحسي مثلا انك السبب، يعيشك بتأنيب الضمير بقا والشعور بالذنب باقي عمرك، هو الانسان السادي المجرم اللي شبه باسم دا، يحب كدا جدا
ردت الأخرى في توتر رهيب:
_ والعمل، ايه العمل دلوقتي؟
انا مش عارفة اهدى ولا عارفة أفكر، انا هموت من الرعب عامة وبطني بدأت توجعني وحاسة إني هسقط دلوقتي
عقدت هانيا حاجبيها في استغراب وسألتها:
_ هو انتي حامل اصلا؟
_ ايوا حامل
_ من امتى؟
_ لسه يدوب عارفة امبارح اساسا بس ملحقتش اقولك اديكي شايفة اللي احنا فيه... متقوليش لجنس مخلوق بس، لا ماما ولا بابا ولا حتى يزيد نفسه
_ مش هقول حاجة.. بس عايزة افكر في حاجة بسرعة تحمي جياد و يزيد من الكلب دا
أخذت تفكر قليلًا... ثم اخرجت الهاتف خاصتها من الحقيبة واتصلت على يزيد... وبعدما استجاب قالت:
_ إيه يا يزيد ازيك؟
_ الحمدلله يا هانيا، بخير وانتوا ايه الاخبار عندكم في القصر؟
قامت روني وسارت نحو أختها حتى وقفت جوارها وبدأت تسمع ما تقوله لزوجها إذ طلبت منها بأن تفتح مكبر الصوت.
ردت هانيا عليه:
_ جياد عامل إيه دلوقتي يا يزيد؟
_ جياد كويس جدا الحمدلله، كلهم هنا طمنونا عليه... من بكرة تقريبا هيبدأ يقعد شوية ويتكلم عادي، كدا كدا كنت هبعتلك علشان بابا قالي ابعت لها، علشان جياد لو فاق وملقهاش هيزعل، جهزي نفسك بقا
_ طب الحمدلله انه بخير.. تمام هجهز، هو الشيخ عندك؟
_ لا، تلقاه وصل المطار دلوقتي
_ راجع مصر؟
_ لا، رايح تشيلي فيه شغل مهم هناك وطلبوه ولازم يروح بنفسه
لوت فمها في خيبة أمل وردت:
_ طب اسمع يا يزيد، خلي بالك من نفسك ومن جياد كويس جدا جدا، خد بالك من طقم الممرضين بتوعه، خد بالك مين بيدخل عليه ومين بيخرج، خد بالك من كل التفاصيل، اصغرها واكبرها وخد بالك من نفسك جدا انت كمان
_ ليه يا هانيا قلقتيني خير؟
حملقت لها روني وهي تهز رأسها واصبعها بالسلب وتهمس:
" لا لا اوعي تجيبي سيرة باسم دلوقتي مش بعيد يكلمه"
هزت لها هانيا رأسها بالايجاب ثم قالت ليزيد:
_ يعني.. جياد كان عامل مشكلة كبيرة كدا مع حد واصل في الديسكو وتقريبا هو اللي سلط عليه حد يضربه على دماغه، المهم اللي ضربه دا حاول يخطفني اما هو اغمى عليه على اساس يهددني بيه، بس انا صرخت والناس اتلمت فهو مشي.. المهم جات لي رسالة تهديد من شوية على التليفون انهم هيخلصوا عليه.. مش عارفة ليه وهو كان عامل معاهم ايه او مين دول اصلا وايه اللي وصلهم معاه للمرحلة دي بس هما عايزين يخلصوا منه وانا مرعوبة طبعا.. هو مش معانا ولا في بلده علشان كدا بوصيك عليه، وارجوك متسألنيش على اي حاجة انا مش عارفة حاجة ولا عارفة مين الناس دي اصلا ولا هو عملهم ايه، بس خلي بالك منه وبس وخلي بالك من نفسك كمان علشان ممكن يحاولوا ياخدوك رهينة ولا حاجة
صاح في ضيق:
_ مفيش غيره، صفوت ابن ال**** هو اللي مش عايز يهدى، زمان آذاني ودلوقتي بيأذي اخويا لا وكمان عايز يخلص عليه!
كان لازم تقولي لبابا اما سألك في المستشفى يا هانيا، لانه قالك إيه اللي حصل لجياد
_ ما انا.. ما انا ماكنتش اعرف وبعدين كنت في إيه ولا إيه وخفت اقوله لان جياد دخل الديسكو، خفت الشيخ يغضب منه انت عارف.
ممكن كان يقول يستاهل هو ايه وداه هناك مثلا!
_ ماشي يا هانيا تمام، اما نرجع بس نبقى نشوف حوار صفوت دا هيرسى عليه، وعامة متخافيش على جياد انا صاحي اوي ومركز جدا وهتصرف، متخافيش مفيش حاجة هتحصله ابدا طول ما انا معاه ولا حاجة هتحصلي انا كمان.. بلاش تقلقي روني احنا تمام، اوكيه؟
يلا اجهزي علشان تتحركي من عندك الفجر كدا هقولك بعدين المعاد بالظبط
_ تمام، ربنا معاكم ويحفظكم.
وبعدما انتهت من حديثها معه، هدأت روني قليلًا وذهب روعها نسبيًا وبدأت تتوسل في نبرة اقرب للبكاء:
" يارب..يارب احميهم يارب، يارب خليك معاهم واحفظهم يارب"
أما هانيا فكانت شاردة في شيء ما... وقالت وهي لا تزال تفكر:
_ روني..
_ إيه!
_ هو ليه باسم قالك حاجة زي كدا؟
تفتكري مجاش في باله مثلا إننا ممكن نحذر يزيد او نعمل اي حاجة؟
سكتت قليلًا.. ثم عقدت حاجبيها في استغراب وسألتها:
_ تقصدي ايه؟
_ اقصد ليه قالك هو هيعمل ايه؟ ليه هددك؟
ليه منفذش علطول؟
ردت في توتر:
_ مش عارفة... تفتكري ليه؟
_ حاسة انه بيلفت نظرنا في حتة معينة علشان يلعب هو من حتة تانية غير متوقعة بالنسبالنا ولا واخدين حذرنا فيها.
_ زي إيه مثلا؟
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ مش عارفة يا روني مش عارفة بس مش مطمنة.
ثم سكتت قليلًا تجمع وتفكر.. وقالت فجأة:
_ يبقى هو اللي خطف وعد اخت شهاب.. هو اللي خرج عربية جياد او على الاقل اشترى واحدة شبهها علشان يخلي شهاب يخلص على جياد او جياد يخلص على شهاب ويكون خلص من الاتنين
_ وهو مستفاد إيه؟
_ ما انا مش هعرف اقولك كمان هو مستفاد إيه، بس مجرم زي دا اكيد بيحط plan A , plan b لحد plan z كمان
لازم احذر شهاب بردو، ليكون اللعب هيبدأ من عندي وعنده ويفشوا سرنا زي ما عملوا مع مايا
_ ماشي اعملي كدا، وقوليله يخلي باله من باسم وميصدقش اي حاجة يقولها وانا هحاول اجمع اكتر هو ممكن يكون بيفكر في ايه وهقولك علشان نحلله مع بعض. .
سكتت قليلًا وبدا الخوف يظهر مرة أخرى على ملامح وجهها وسألتها:
_ هو صحيح اما انتي تسافري، انا هفضل مع الكائن دا لوحدي؟؟
**********
دخل باسم مكتب مجدي السلاب بطريقة غير مهنية، أي لم يطرق الباب.
وبمجرد أن لاحظ الرجل دخوله، حتى قال:
_ في إيه يا باسم؟
انت ازاي تدخل كدا؟
مش تستأذن؟
تجاهله وسار حتى جلس على الكرسي، ونظر لثوان إلى مجدي.. ثم ألقى ملفًا على الطاولة أمامه، ألقى الرجل نظرة قصيرة إلى ما وضع، ثم سأله:
_ ايه دا؟
_ استقالتي.. انا قدمت استقالتي
عقد الرجل حاجبيه في استغراب شديد وسأله:
_ ليه دا؟
فجأة كدا؟
إيه اللي حصل؟
_ ولا أي حاجة حصلت هو كدا من الباب للطاق، انا مبقتش طايقكم خلاص ولا طايق الشغل ولا عايزه، إيه عافية؟
وافق على الاستقالة يلا بما انك نائب عن الشيخ و خليني امشي ورايا أشغال
رد مجدي في نبرة حادة:
_ باسم، احترم نفسك ومتتجننش
_ واتجننت، هتعملي إيه يعني؟
_ باسم فيه بينا شغل مينفعش تمشي كدا في نص السيزون فجأة، على الأقل كنت مهد لنا!
_ وهمشي فجأة هتعمل إيه يعني؟
تنهد الرجل في محاولة منه للصبر، فهو يعرف كم كان باسم مجتهدًا وذكيًا وناجحًا وكم تحتاجه الشركة لذا تنازل وقرر أن يهدئ الوضع فقال:
_ مين زعلك طيب؟
مين ضايقك في الشركة؟
_ محدش يقدر اساسا يعمل كدا
_ طب ليه تمشي؟
يا باسم انت شاطر ومدير مجتهد ودي شركة خالك ليه تمشي كدا وبعدين ماينفعش تمشي كدا فجأة خلي فيه شوية مهنية وضمير ومسؤولية!
_ انا لا عندي مهنية ولا ضمير ولا مسؤولية وهمشي يعني همشي والنهاردة، خلاص انا مش طايق حد فيكم وبكرهكم كلكم وقرفت منكم ومن الشغل معاكم
صاح مجدي في غضب:
_ لا انت زودتها اوي كدا بصراحة كفاية غلط وقلة أدب
صاح الشاب:
_ انا خلقي في طرف مناخيري يا مجدي يا سلاب.. اقولك خلي ورق الاستقالة عندك مش عايزك تمضيه، يلا انا سايبهلكم كلها مخضرة يا عالم قذرة يا شوية حرامية
كان مجدي يحدق به لا يستوعب ما يقوله ولا يستوعب ما يحدث من الأساس ولكن باسم لم يتركه في حيرته كثيرًا، بل خرج في الحال من المكتب تاركًا الجمل بما حمل لا يهتم بأي شيء ولا يشعر بأي مسؤولية.
أما مجدي فقد تمتم في تعجب واستغراب:
" دا أكيد اتجنن خالص دا.. يخربيتك هتبوظ لنا الشغل روح منك لله.. لازم الشيخ يبقى عنده علم بالهبل دا"
***********
واثناء الاستراحة، جلس شهاب في الأسفل وبدأ يتناول الغداء مع كوب الشاي خاصته، يحدث والدته في الهاتف بينما يأكل، وقال:
_ بصي يا ماما، ركزي معايا اللي انا عايزه مش صعب، كل اللي عايزه منك إنك تاخدي كام حاجة تخصك لبس وغيره يعني انتي وشاهندا، وتروحوا تقعدوا مع ماهي، خلاص هتفضلوا معانا فترة مش هتمشوا
_ ليه يعني؟
_ ماهي تعبانة من الحمل وعايزة رعاية واديكي شايفة اهو انا مش فاضي نهائي
_ ماشي يا حبيبي المهم هي تبقى مرتاحة وربنا يقومها بالسلامة هي وزين
_ يارب... وحاجة كمان يا ماما
_ قول
_ طول ما انتي هناك عايزك تفضلي مركزة مع اللي اسمها منى صاحبتها دي جدا، بس من غير ما هي ما تاخد بالها منك، تابعيها في السر كدا
_ وهي صاحبتها معاها ليه ان شاء الله؟
_ قال بتراعيها وماهي عايزاها
_ خلاص، احنا اهو جايين هي المفروض تمشي بقا
_ لا، ماهي عايزاها وبتعيط وبتزعل لو ملقتهاش جمبها، بس انا مش مطمن لها علشان كدا بقولك ركزي معاها، قومي بتشغيل وضعية تلميع الاوكر و ركزي مع البت دي جدا وخاصة لو قالت هقعد مع ماهي لوحدنا، متسبيهاش اصلا تقعد مع ماهي لوحدهم
وأثناء حديثه مع والدته، لاحظ مجئ هانيا نحوه.
سحبت الفتاة الكرسي الذي كان يقع قبالته وجلست عليه ولم تتحدث حتى ينتهي من مكالمته، فقال الشاب لأمه:
_ ايوا، ايوا بالظبط هو دا اللي انا عايزك تعمليه يا ماما... بس ياريت بسرعة مش عايزها تقعد معاها اكتر، خدي شاهندا وروحوا دلوقتي ياريت، معلش هتعبك معايا بس انا خايف عليها وهي مع البت دي لوحدها لاني مش مطمن لها... ماشي يا ماما.. ماشي يا حبيبتي تسلميلي، سلام..سلام..
أنهى المكالمة ثم وضع الهاتف في جيبه وقال للفتاة:
_ ازيك
_ بخير
_ أطلب لك حاجة؟
هزت رأسها نافية فتابع:
_ كلتي؟
_ كلت.. عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم
_ قولي انا سامع
_ بنسبة كبيرة جدا، وعد مهربتش يا شهاب، وعد اتخطفت
_ طبعا، وجياد هو اللي خطفها
ردت في ضيق:
_ شهاب بطل غباء وركز معايا، سيبك من اللي بينك وبين جياد دلوقتي وركز في المصلحة
_ انا شفت عربية جياد وهي ماشية باختي!
_ شفت رقم العربية؟
أخذ يتذكر لثوان... ثم هز رأسه نافيًا وقال:
_ لا.. زاوية الكاميرات مجابتش رقم العربية
_ وايه اللي اكدلك انها بتاعت جياد؟
يعني اللي صنع عربية جياد، مش هيعرف يصنع عربية تشبهها؟
_ وانا اروح بعيد ليه وعدوي قدامي والدليل شفته عليه؟
تنهدت وردت:
_ صح معاك حق، بس اقسم لك بالله مش جياد اللي عمل كدا، انا مش هحلف كدب
_ ايه دليلك يعني ولا علشان هو عيطلك؟
عادت بظهرها للخلف تريح ظهرها على المقعد وردت:
_ قبل ما تضرب جياد ويقع على رأسه وكل دا يحصل، هو كان وصل لخطوط كتيرة مهمة واهمها ان باسم يعتبر هو اللي ورا كل المصايب اللي حصلت لنا واللي لسه بتحصل لنا.
باسم هو اللي حاول يقتل يزيد وهو اللي عمل الكارثة الإدارية للشركة وخسرها ملايين ويعتبر هو السبب في قتل ابني هو والعقارب، أمه وخالته، هو كمان هددنا النهاردة و...
قاطعها قائلًا في بعض من الملل:
_ قصره؟
شعرت بالخجل الشديد من طريقة معاملته لها وكأنه لا يرغب في سماعها ابدًا ثم تنحنحت وقالت:
_ انا ممكن مكملش عادي.. اسفة لو ضيعت وقتك
قبلما تقوم، قال:
_ هانيا..
نظرت إليه ومازالت علامات الإحراج على ملامح وجهها، فتابع:
_ انا أسف، تقدري تتكلمي براحتك طبعا... معلش انا بس الفترة دي أعصابي مشدودة جدا جدا وكل ما اروح في حتة الاقي مشاكل وانا بصراحة تعبت.. تعبت من المشاكل والحوارات و المؤامرات... كل دا بسبب عايلة الزيني وحواراتهم اللي مش بتخلص بسبب طمع وجشع.
نفوس مش سلسة.. نفوس مليانة حقد وغيرة وكراهية، ناس مش هاممها غير الفلوس والجاه.
في البيت عندي فيه مشاكل كتير وقرف من كل حتة، كل دا انا مش عايزه وتعبت منه.. انا كنت بدور على حياة بسيطة جدا جدا، حياة ابسط من كل التعقيدات دي، علشان كدا يمكن بقيت مشدود وعلى أخري.. انا بعتذر تاني منك، انا سامعك، اتفضلي
سكتت قليلًا شاردة، فهذا ما كانت ترغبه هي الأخرى، حياة هادئة وبسيطة للغاية معه، حياة خالية من ذلك القصر وكل ما يحمله من نفوس شريرة ومصائب لا تعد ولا تحصى لذا فهمت مقصده وفهمت لماذا قاطعها بتلك الطريقة، ربما يلومها لانها من فعلت بنفسها وبه ذلك، ربما هي من ألقت به وبها في تلك التهلكة.
فقالت في ايجاز:
_ ربنا يعينك عامة.. بس قُصر الكلام فعلا، بلغ البوليس، بلغ البوليس يا شهاب وقول اختي مخطوفة واديهم الأدلة اللي عندك وايا كان مين عمل كدا، فهو هيتحاسب.
خلي بالك من نفسك من باسم، باسم ممكن يأذيك او يجرك لأي مشكلة بأي شكل.. واه مش بعيد العقارب يستنوا الشيخ علشان يفشوا سرنا قدامه، بقولك علشان تبقى مستعد لأي حاجة.
انهت كلامها ثم وقامت وبدأت تسير مبتعدة عنه.
كان يتبع اثرها ثم حرك اصابع يده على وجهه في ارهاق وحدث نفسه:
" هلاقيها منين ولا منين بس ياربي!
يارب خد باسم وجياد وفاطيمة وحليمة و أسيل وتالية في يوم واحد.
حادثة عربية تلمهم كلهم وتتقلب بيهم في اقرب ترعة يارب، انا مبقتش بنام يارب"
**********
لم يشارك في الطعام ولم يخرج إلى الاستراحة بل كان ولازال داخل مكتبه يفكر وقد أرقه التفكير حتى أنه لم يعد يستطيع العمل أو التفكير به.
اتصل عليها عقب تفكير واستجابت هي سريعًا تقول في لهفة:
_ إيه يا فاتح؟
تنهد ثم رد في نبرة خشنة بها الضيق:
_ ابعتيلي عنوان الدجال دا بالظبط، ياريت لو لوكيشن يعني
_ حاضر يا فاتح هبعتلك
انهى المكالمة معها دون أن ينطق كلمة أخرى ودون أن يسمع منها كلام آخر وأخذ ينتظرها حتى ارسلت له العنوان، وكتبت له أسفل العنوان :
" سامحني ارجوك يا فاتح، انت عارف انا بحبك قد إيه، انا مايا مراتك حبيبتك ارجوك متتخلاش عني"
تجاهل ما أرسلت وتضايق اكثر، فهناك شيئًا ما بداخله يطلب منه أن يسامحها ويتغاضى عن ما فعلت، لطالما كانت شريكة عمره ورفيقة دربه ونبض قلبه، فلا مهرب من ذلك الإحساس الغربب والمتناقض الذي بدا ينتاب عليه كل لحظة.
اتصل على عمته فاطيمة والتي قالت له بمجرد أن استجابت:
_ ايه يا فاتح ازيك؟
تجاهل ذلك ثم قال:
_ ممكن تبعتيلي الفيديوهات اللي معاكي اللي فيها مراتي رايحة للدجال دا؟
كل الفيديوهات عامة اللي شفتها معاكم امبارح ياريت تبعتيها لي دلوقتي بليز
ترددت قليلًا... ولكنها ردت:
_ اه حاضر هبعت
_ مستني
انهى المكالمة وبدأ يهز ساقه في ضيق وتفكير... ثم اتصل للمرة الثالثة على أحد أصدقائه ومعارفه وكان شرطيًا وبمجرد أن استجاب الرجل قال لفاتح:
_ ايه يا عم، اخيرا اسمك لعلع على الشاشات؟
ضحك فاتح ورد:
_ عامل إيه يا معلم؟
_ كله زي الفل يا برنس، طمني عليك؟
_ الحمدلله بخير.. اخبار الشغل؟
_ ماشي الحال هنعمل إيه!
وانت اخبار شغل المكاتب والشركات والتكيفات إيه؟
ابتسم الرجل ورد:
_ يرزقك يا عم بشغل التكيفات دا علشان تشوف اللي احنا فيه، دا انا قربت انسى الحياة وشكل الشوارع والعالم من كتر ما انا محبوس هنا في ام المكتب دا، بتحسدني على إيه بلا نيلة!
_ اهو على الاقل بتشتغل في تكيف طول الوقت، مش احنا طالع عنينا في مهمات و قرف البني ادمين مع الحر اللي بقينا فيه دا، حاجة تخنق!
_ ربنا يجازيك خير، انتم حماة الوطن بردو يا " شاكر "
_ يلا ربنا يصبرنا على ما ابتلانا بقا هقول إيه!
ضحكا ... ثم قال فاتح:
_ بقولك يا شاكر
_ قول ياخويا
_ فيه خدمة كدا كنت عايزك تعملهالي بس بدون شوشرة يعني
_ يا سلام يا فاتح!
دا إحنا عنينا، اؤمر
تنهد ثم رد وهو يحرك القلم بين أصابعه:
_ مراتي من فترة كدا واحدة فضلت تلعب في دماغها وتقولها انتي محسودة محسودة وكلام جهل كدا، مراتي طبعا لان ربنا لسه مرزقناش بالخلفة، صدقتها وهي الست دي قالت لها على اسم وعنوان شيخ على أساس أنه عارف ربنا وهيقرأ عليها ويزول الحسد دا.
المهم مراتي اما راحت مرة والتانيه لقت طلباته غريبة واما سألت عرفت انه دجال ومشعوذ وكذب عليها واستغل حاجتها وجهلها.
انا معايا عنوانه وعارف اسمه ومعايا ادلة تدينه
رد الضابط بنبرة بها الاسى:
_ لا لا لا يا فاتح، زعلتني بجد.. ازاي اصلا مراتك تثق في حد زي كدا، هي مش متعلمة وفاهمة؟
_ هي للأسف متعلمة وفاهمة، مراتي خريجة طب بيطري أساسا وكان عندها عيادتها بتكشف فيها على الحيوانات وكدا بس انا قولتلها مفيش داعي تكملي وارتاحي في البيت وخليكي هانم وانا عليا كل استلزماتك وبالاتفاق والرضا كدا بينا طبعا، هي وافقت وبقت بتشتغل لمعارفنا واصحابنا بس، يعني لو حيوان عندهم تعب، بيتصلوا بيها وكدا.
بس الحقير القذر دا استغل جهلها في نقطة معينة، مش جهلها عموما، وهي اصلا كانت فكراه شيخ والموضوع كله طلع نصب، انا دلوقتي عايزك بس تقبض على الكلب دا واول ما تمسكه تبلغني يا شاكر
_ فهمتك... ماشي يا فاتح، علشان خاطرك انت بس، هدّي القضية دي جزء من وقتي المعدوم أساسا
_ معلش لو بحمل عليك بس زي ما انت عارف كدا انا مليش غيرك طبعا يعني
ابتسم الرجل ورد:
_ ولا انا ليا غيرك يا عم، انت تؤمر، اعتبره حصل
_ هو دا العشم بردو يا شاكر... مع السلامة، مع الف سلامة.
انهى معه المكالمة وشرد مرة أخرى في أمر عمتيه وما اتهمتهما به زوجته...
***********
تركت ماهي الجميع يعد الطعام في الصالة، صديقتها وحماتها واخت زوجها، ودخلت الغرفة الخاصة بها وغلقت الباب.
اتصلت على والدها وأخذت تنتظر الرد... لم يرد في الأولى ولكنه استجاب في الثانية وقال:
_ إيه يا روحي؟
_ بابا ازيك
_ بخير انا، المهم انتي، ازيك عاملة ايه واخبار زين إيه؟
سكتت قليلًا كأن الإجابة ثقيلة للغاية على لسانها.. ولكنها ردت:
_ بخير بردو الحمدلله.. بابا هو انا ينفع اقابلك؟
عايزة اتكلم معاك
_ يا روحي انا تحت أمرك بس حاليا مش هعرف اقابلك، يعني انا في تشيلي أساسا، ومشغول فوق ما تتخيلي، يعني انتي عارفة إننا بنفتتح فرع جديد والضغط علينا عالي.
بس عامة يغور كل دا، قولي انا سامعك، في إيه؟
_ لا، انا كنت عايزة اتكلم معاك مش تليفون لا... مينفعش تليفون
عقد حاجبيه في استغراب به قلق ورد:
_ خير؟
شهاب زعلك؟
_ لا، الموضوع ملوش علاقة بشهاب خالص
_ ماهي معلش قولي دلوقتي انا مش في مصر يا حبيبتي مش هعرف اقابلك حاليا، يلا انا سامعك يا بابا قولي
أطرقت... ثم ردت بعد حين:
_ خلاص مش مستعجلة... أما حضرتك ترجع بقا
_ ماشي اللي تشوفيه، انا عامة اسبوعين بالكتير اوي وهرجع
شعرت بالحزن ولكنها لم تبديها له... فتابع:
_ تمام ولا اكلمك فيديو كول؟
_ لا لا تمام خلاص هستنى
_ اوكيه يا بابا، يلا سلام عليكم
_ وعليكم السلام
وبمجرد أن انتهت من المكالمة، وجدت زوجها يفتح الباب فجأة في خضة وهو يقول:
" ماهي "
ولكنه تتفس وارتاح عندما وجدها واقفة أمامه.. فقالت له في ابتسامة صغيرة:
_ كنت خايف اكون بعمل في نفسي حاجة؟
_ طبعا ما انتي مجنونة، انتي سيّبتي أعصابي كلها امبارح.. دا انا لحقتك وانتي على السور!
دخل وغلق الباب وبدأ يقترب منها ثم وضع وجهها بين كفيه وقال في نبرة بها الحنان:
_ عاملة إيه دلوقتي يا روح قلبي؟
_ يعني أحسن
_ ماهي، ماهي اوعديني انك مش هتعملي في نفسك كدا تاني، اوعديني انها آخر مرة
سكتت قليلًا وهي تنظر إلى عينيه اللاتي بداخلهما الخوف الحقيقي وردت:
_ وانت اوعدني انك عمرك ما هتسبني، مهما حصل ومهما كان
ضمها إلى صدره في قوة وهو يقول:
_ اوعدك يا روح قلبي إني هفضل معاكي طول العمر، انتي و زين، اوعدك اني هفضل جمبك
ردت وهي ترتجف قليلًا:
_ مهما حصل
_ مهما حصل يا ماهي، مهما حصل
ابتعدت عن حضنه وبدأت تنظر إلى عينيه وقالت:
_ شهاب، شهاب انا بحبك، بحبك اوي كمان انت عارف كدا صح؟
هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ عارف يا روحي وحقك عليا على أي تصرف وحش عملته في حقك، انا خلاص تبت عن كل دا وهديكي الوقت والمجهود اللي انتي عايزاه بس متعمليش فيا كدا تاني، تمام؟
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ افتكر انك وعدتني.... افتكر انك وعدتني إنك مش هتسبني مهما حصل، افتكر دا كويس..
بدأ يستغرب قليلًا من اصرارها على تكرار نفس النقطة ونفس الحديث ولكنه قال:
_ حاضر هفتكر، اجهزي يلا
_ ليه؟
_ الدكتور في الطريق جاي يشوفك علشان يطمني عليكي وعلى زين، هو عامة معرفة لوالدك يعني وهو كان قالي انه لازم يعدي يطمن عليكي
_ انت اتغديت؟
_ هاكل معاكي بس بعد ما يفحصك ويمشي
بدأت تمرر أصابعها على لحيته في هدوء وهي تبتسم ولكنه شعر بالخوف قليلًا من تصرفاتها الغريبة والمتناقضة في الآونة الأخيرة، بدأ يشعر أنها فقدت صوابها او ربما فقدت توازنها أو فقدت كلاهما.
قالت له في نبرة صوت خفيضة:
_ وحشتني اوي
ابتلع ريقه والتقط يدها الموضوعة على لحيته وقبّلها ثم قال في ابتسامة:
_ انتي كمان وحشتيني اوي بجد، كنت مفتقدك جدا ومعتقدتش إني هعمل حاجة تانية تخليني افتقدك
اقتربت منه وقبّلته، قُبلة بها اشتياق وشعور بالأمان والتحسن قليلًا...
طرقت والدته الباب، لذا انقطعت لحظتهما معًا ورد الشاب عليها في صوت عالي:
_ إيه يا ماما؟
_ في واحد جيه برا بيقول انه دكتور وانه واخد منك معاد؟
_ طب دخليه يا ماما
_ ماهو دخل، قاعد في اوضة الضيوف
_ طب انا جاي
ثم قال لزوجته:
_ اجهزي يلا علشان الدكتور يشوفك يا حبيبتي ها؟
هزت رأسها موافقة، ابتسم لها وخرج كي يقابل ضيفه.
بينما شاهندا كانت تنظم الطعام فوق السفرة كي يتناولون الغداء.
أما منى فكانت تجلس على الكرسي في الصالة وهي تضع يدها على خدها في ضيق من وجود أسرة شهاب هنا.
وبعد قليل، دخل الطبيب كي يفحص ماهي رفقة شهاب الذي كان يقف بجانبه ويلزمه مثل ظله.
وبعدما انتهى قال لها في ابتسامة:
_ بالشفا ان شاء الله
ثم خرج مع الشاب والذي سأله:
_ هي كويسة هي والبيبي صح يا دكتور؟
_أنا مش عاجبني وضع الحمل، الوضع مقلق ومحتاج متابعة دقيقة جدًا، وفيه احتمال ولادة مبكرة لو فضل الوضع كدا
رد الشاب في خوف:
_ يعني إيه يا دكتور؟
_ المدام بتعاني من ضغط نفسي شديد جدًا وانهيارات عصبية متكررة.
لاحظت كمان إن فيه فقدان وزن وسوء تغذية.
مع ارتفاع ضغط الحمل طبعا
وضعف في نمو الجنين.
_ طب والعمل إيه؟
_ لازمها راحة تامة بدون اي مجهود يذكر وغذا ونبعد عنها أي زعل ولحد ما تدخل في السابع لو الوضع مستقرش هنضطر للولادة المبكرة
_ لازم؟
_ لازم وضروري، بتمنى بس توصل للسابع بدون مضاعفات.
_ بس كدا الطفل هيتولد عنده مشاكل ونقص صح؟
_ متقلقش الطب تحدّث جدا، هيقعد في الحضّانة وكل دا هيتعمل له، هيتقدم له كل الرعاية اللازمة.
حافظ عليها ياريت يمكن منضطرش للولادة المبكرة
وبعدما ذهب الطبيب، عاد إلى زوجته والتي سألته:
_ في إيه يا شهاب الدكتور قالك ايه؟
_ قالي انك لازم ترتاحي على الآخر وتبطلي عياط بقا وكل دا علشان خاطر زين يا روحي ماشي؟
وضعت يدها على بطنها وبدأت تمررها عليها وهي تقول في قلق:
_ يعني ايه؟
ابني كويس صح؟
زين بخير صح؟
_ هو كويس بس لازم انتي كمان تفضلي كويسة علشان هو كمان يفضل كويس، تمام؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت له:
_ انا عايزاك
اقترب منها وجاورها بينما هي كانت تجلس على السرير وقال:
_ إيه يا روحي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة بها القليل من الدلال وقالت:
_ مسموح انك تقرب مني على فكرة
ابتسم ابتسامة عريضة فكم اشتاق لها وللقرب منها!
ولكنه سرعان ما قال:
_ بس، بس انتي تعبانة ولازمك راحة!
_ راحتي في قربك مني أساسا
ابتسم ورد وهو يداعب أنفها باصبعه:
_ إذا كان كدا ماشي...
******
وعقب مرور وقت.... استلقى على ظهره ونظر إلى السقف قليلًا ثم اغمض عيناه..
كانت تمرر يدها على صدره في بطء تتحسس وجوده وتتأكد من أنه هنا، ينام بجوارها، لم يتركها ولن يتخلى عنها.
وقالت له في نبرة اقرب للهمس:
_ شهاب
_ اممم
_ حط ايدك على بطني وطمن زين، حسس عليه وقوله إنك هنا دايما معانا علشان هو خايف
تنهد وهو يفتح عيناه والتفت نحوها وفعل ما طلبت وهو يقول:
_ زين حبيبي، باباك هنا وهيفضل معاك انت ومامتك علطول
ردت في ابتسامة:
_ حاسس بيه؟ حاسس بحركاته؟
_ مش اوي
_ هات ايدك، حطها هنا، هنا بالظبط وهتبدأ تحس بيه اكتر
التقطت يده ووضعتها موضع حركة الجنين التي تشعر بها فأحس بذلك لذا ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
_ ايوا ايوا اهو حسيت بيه، حبيب قلب بابا
وضعت يدها فوق يده الموضوعة على بطنها وقالت له:
_ مليش غيركم.. انت وهو عندي بالدنيا كلها
رد في ابتسامة صغيرة:
_ وانا كمان يا روحي مليش غيركم
ثم اغمض عيناه رغمًا عنه وغرق في نوم عميق في لحظة واحدة.
نام بعدما اطمأن قلبه، بعدما تخطى تلك الصعاب وتلك الصراعات التي كان بها.
ولما رأته قد راح في نوم عميق، ابتسمت وهي تقول:
_ حبيبي، انت كنت تعبان اوي كدا!
نام، نام انا عارفة اني بقالي اسابيع تعباك معايا.
وضعت قبلة صغيرة فوق جبينه ثم قامت من مكانها.
ثم نظرت في شاشة هاتفها فوجدت الساعة العاشرة مساء
ارتدت ملابسها ونظمت شكلها ورتبت شعرها ثم خرجت... وبمجرد أن خرجت لاحظت جلوس منى على الكرسي تلعب بالهاتف تقلب فيه بملل.
اتجهت نحوها وقالت لها:
_ اومال فين حماتي و شاهندا؟
تنهدت ثم ردت:
_ ناموا، شاهندا وراها امتحانات وحماتك دي صلت العشا ونامت تقريبا.
سكتت لحظة ثم سألتها:
_ غريبة يعني، فضلنا مستنيينك على الغدا ومجتيش لا انتي ولا هو!
جلست جوارها وردت في ابتسامة:
_ كنت مع حبيبي بقا، غدا إيه اللي هفكر فيه!
_ كنتي مع حبيبك ازاي؟
ماهي انتي خليتي شهاب يقرب منك؟
هزت رأسها مؤكدة في ابتسامة ثم قالت:
_ عايزة اقولك انه المرادي أحلى واجمل مرة نكون فيها مع بعض.
كان رومانسي جدا وكان عايزني فعلا، لا لا احساسي مش بيكدب هو كان معايا فعلا، عايش معايا انا كل لحظة.. حسيت انه اتغير فعلا أول مرة احس منه اوي كدا إني الست بتاعته وهو الراجل بتاعي من غير أي تكلف!
تضايقت منى وزفرت في ضيق أيضًا لتقول ماهي:
_ إيه يا منى بس!
_ ماهي هو انا قولتلك ايه؟
انتي نسيتي اللي حصل؟
بتعشمي نفسك ليه؟
يا ماهي انا فعلا خايفة عليكي بقا يا ماهي افهمي
ردت في نبرة بها الحزن:
_ اعمل ايه يعني وحشني، وبعدين دا جوزي يعني مش حد غريب!
ثم انه لحقتي تنسي كلامك ليا؟
دا انتي اللي عرفتيني وطمنتيني ومن خلاك فهمت!
_ ماشي يا ماهي ماشي بس احنا بردو مش متوقعين لسه رد فعله هتكون ايه لو عرف.. علشان كدا مش عايزين نعشم نفسنا، فهمتي؟
شعرت الفتاة بالحزن المباغت وسكتت لحظة... ثم ردت في أسى:
_ وعدني إنه مش هيسبني مهما حصل
_ متثقيش فيه اوي كدا.. اصلا هو...
وقاطع كلامها، خروج والدة الشاب من الغرفة فقد كانت تتجه نحو المرحاض ولكنها بمجرد أن رأت ماهي حتى قالت:
_ ايه دا حبيبتي، شكلك نمتي من غير ما تاكلي
_ شوية اه
_ طب يلا قومي معايا بسرعة علشان تاكلي انتي حامل وفيه طفل عايز غذا، يلا واوعي تقولي لا
ابتسمت وهزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ حاضر يا ماما سحر هقوم اكل اهو
_ يلا معايا لازم أتأكد بنفسي إنك كلتي
_ حاضر، جاية اهو
نظرت إلى صديقتها وقالت بنبرة بها المزح قليلًا:
_ خلاص بقا يا منى متفضليش مكشّرة كدا، بحبه الله!
متخافيش مش هيسبني ابدا
ثم تحركت جهة السفرة إلى عند حماتها وهي تقول في ابتسامة عريضة:
_ جتلك اهو، أكليني بقا يلا....
**********
وفي صباح اليوم التالي، تحسن جياد قليلًا واستطاع أن يجلس نصف جلسة مسندًا ظهره إلى خشبة السرير، دخل عليه يزيد وهو يقول في ابتسامة:
_ بقينا فل الفل وعشرة على الكل اهو يا معلم
هز رأسه في ابتسامة صغيرة وسأله في قليل من الضيق:
_ فين هانيا بقا؟
_ خلاص شوية صغيارين قد كدا وهتبقى عندك، قرّبت
تنهد ثم سكت، دخلت الممرضة وكانت ممرضة مصرية وقالت له في ابتسامة:
_ بقينا أحسن اهو يا مستر جياد و..
قاطعها قائلًا:
_ إيه!
قلتي إيه؟
_ قلت بقينا أحسن اهو يا مستر جياد
ابتسم يزيد فقد فهم، بينما علق جياد:
_ وبتعيديها تاني عادي كدا!
كانت قد نطقت اسمه بطريقة خاطئة لذا علق، فتعحبت الفتاة فاضاف هو مصححًا:
_ اسمي چِيَادْ، عطّشي الجيم على قد ما ربنا يقدرك، مفيش جياد بالجيم العادية دي!
ابتسمت وردت:
_ حاضر يا فندم
_ ماشي يا..، اسمك ايه؟
_ چومانة
_ ماشي يا جومانة
نطقها بالجيم العادية الغير معطشة لذا ضحكت وخرجت.
بينما قال له أخيه وهو يقرب منه الهاتف:
_ خد يا جياد، نزار بيتصل، بقاله كتير بصراحة بيرن عليا وعليك وقولتله اول ما يفوق، هبعتلك تكلمه
أخذ منه الهاتف ورد على صديقه:
_ إيه يا أقرع ازيك؟
ضحك نزار ورد عليه:
_ كدا انا اطمنت عليك عامة، كدا رجعت جياد الوسخ اللي نعرفه
_حبيبي تسلم، من ذوقك الحقير
_ قلقتنا عليك يا صايع
_ متخافش يا نزار، صاحبك جامد اوي مش أي حاجة تأثر فيه، صاحبك أسد يالا
_ يا عم عارف كدا كدا.. المهم انك اتحسنت اهو وقمت من الغيبوبة اللي كنت فيها، قلقتني عليك جدا يا حيوان انت، ايه كمية الحوادث دي، اتهد بقا!
_ ربنا يجعلها آخر حادثة ان شاء الله
_ نجمك خفيف يالا
_ اه محسود، هبقى اخلي أمي تِرْقِيني
_المهم اني اطمنت عليك يا صاحبي، أما ترجع مصر هجيلك ان شاء الله
_ لا متجيش مش فاضيلك أنا!
_ هاجي مش بمزاجك، عيل غتت ورخم، يلا غور بالسلامة
_ الله يسلمك يا زفت، سلام
انهى المكالمة معه، فابتسم يزيد وسأله:
_ انتوا بتشتموا بعض طول الكول هو دا العادي ولا إيه؟
_ لا لا احنا كدا معملناش حاجة، انا ونزار لغة حبنا لبعض مختلفة عن أي صحاب في الدنيا
وفي تلك الأثناء، دخلت هانيا عليهما الغرفة وهي تحمل صنية بطاطا فوقها شمعة، وتقول وهي تغني:
_ happy birthday to you,
Happy birthday to you
Happy birthday to you مجنوني
Happy birthday to you
ابتسم ابتسامة واسعة وأخذ يصفق ويهز كتفيه في خفة ويحرك رأسه في فرحة كطفل صغير يفرح بالاحتفال بعيد ميلاده.
اقتربت منه وبدأت تمد له الصنية وقالت:
_ كل سنة وانت طيب يا مجنون، أحلى من يتم ال ٢٥ سنة، العمر كله ليك
أخذ منها الصنية ثم نفخ ليطفئ الشمعة وابتسم ما إن علم أنها صنية بطاطا.
وضع الصنية سريعًا جانبًا، ثم جذب هانيا إليه يحتضنها بقوة، يمرر يده على شعرها وظهرها في اشتياق كبير، وقال:
_ وحشتيني اوي، وحشتيني اوي اوي، فوق ما تتخيلي، كنت بحلم بيكي كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة وكل ثانية
كنت داخل حضنه تبتسم وردت:
_ حمدلله على السلامة، وكل سنة وانت طيب
_ انا طيب وبخير وكل سنة هبقى كدا، علشان انتي معايا بس.. كل يوم بتكوني معايا فيه بكون دايما بخير، مش محتاج سنة كاملة.
مبسوط إني تميت ٢٥ سنة وانا زوج ليكي، وانتي في حضني اخيرا، وبتمنى سنيني الجاية كلها تبقى معاكي
ابتسم يزيد وعلق مازحًا:
_ يا سيدي يا سيدي، كانت فين كل الرومانسية دي!
هانيا خلي بالك انا اول مرة في حياتي كلها اشوف جياد رومانسي وبيقول كلام حلو وعاشق بالشكل دا.. كان دايما مستهتر ومش مهتم ومش عاجبه حاجة.
تنهد ثم تابع:
_ هخرج انا بقا شوية، اسيبكم مع بعض لاني حاسس إني بقيت شبه الاباجورة بينكم يعني
رد عليه جياد:
_ بالسلامة يا يزيد، ياريت مشفش وشك تاني
_ حيوان اقسم بالله
قالها ثم خرج حتى يتركهما معًا.
ابتعدت عن حضنه وقالت له في ابتسامة:
_ عامل إيه دلوقتي؟
_ زي الفل طالما شفتك
_ دماغك وجعاك لسه؟
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ يعني حاسس بتحسن والدكتور طمني.. انا بس حاسس بوجع في قلبي
اختضت قليلًا وعلقت:
_ طب ليه ساكت!
ما تخلينا نسأل الدكتور علشان
نطمن طيب!
رد في نبرة هادئة:
_ اقوله ايه؟
اقوله يا دكتور قلبي وجعني علشان هانيا كانت نايمة بعيد عن حضني لمدة ٤ أيام!
هيقول بدلع
ابتسمت وعلقت:
_ طب ما انت بتدلع فعلا، اومال انت إيه؟
_ تؤ، انا مش بدلع.. انا مولع، مولع بسبب بُعدك عني كل الايام دي، كنت هتجنن
_ انت كنت تعبان!
_ حتى إن، انا من غيرك دايما تعبان يا بطاطا
ضحكت وعلقت:
_ مقولتليش صح، إيه رأيك في البطاطا اللي جبتها؟
_ لا لا حاجة كرييتف الصراحة.. بطاطا بدل الكيك.
_ علشان عارفة انك بتحبها ولو جبتها هتفرح
اقترب بوجهه من وجهها ورد وهو ينظر إلى عينيها:
_ بس بحبك انتي اكتر، وكنت محتاج وجودك اكتر، هو دا اللي بيفرحني بجد، يا معسلة يا بطاطا
ضحكت ضحكة هادئة وانثوية رقيقة ثم ردت:
_ انت زي ما انت، هتفضل جياد الزيني المجنون
_ وانتي زي ما انتي، هتفضلي هانيا السلاب اللي بتجنني
ابتسمت والقت بصرها نحو الأرض لثوان.. ثم قالت:
_ هتخرج امتى من هنا؟
_ مش عارف، اما الدكتور يدخل دلوقتي هسأله.. شهاب العرة عمل إيه بعد اللي عمله فيا؟
ماهي عملت إيه معاه، خدت موقف؟
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ لا معرفش حاجة.. انا مليش علاقة بيه ولا بيها.
_ يعني مش كانت واقفة معاكم في المستشفى اما كنت في مصر؟
سكتت قليلًا.. ثم هزت رأسها بالسلب.
تضايق قليلًا ثم حدث نفسه بصوت يصل إليها:
_ للدرجادي!
_ مش عارفين ظروفها إيه!
المهم قبل ما انسى، يلا نتصور مع بعض بالمناسبة دي وبشكلك دا
ابتسم ورد:
_ عايزة تمسكي عليا صور ولا ايه؟
_ خايف!
_ لا، مش أنا اللي أخاف يا حلاوة تتاكل حاف
ابتسمت وعلقت مازحة:
_ سُوقي موت!
ضحك بخفة ثم رد:
_ انا ابن بلد على فكرة، ولافف، ميغركيش إني من سكان زايد يعني، مليش في جو شباب Egypt المايعين دول!
_ واضح واضح مش محتاج تثبت
_ طب يلا طلعي التليفون وصورينا ولا غيرتي رأيك؟
_ لا مغيرتش
وبالفعل أخرجت هاتفها وبدأت تلتقط لهما بعض الصور العشوائية معًا.
تنهد جياد واعتدل في جلوسه.
كان لا يزال يرتدي ثوب المستشفى الأزرق الفاتح، وشعره مبعثر قليلًا، بينما ظهر الشحوب الخفيف على ملامحه نتيجة الأيام الماضية.
أما هي فاقتربت منه أكثر ورفعت الهاتف.
التُقطت الصورة الأولى بشكلٍ عشوائي تمامًا.
كانت هي تبتسم للكاميرا بينما كان هو ينظر إليها بدلًا من النظر للعدسة، وكأن الكاميرا نفسها لم تكن مهمة بقدر أهميتها
ضحكت عندما رأت الصورة وقالت:
_ يا ابني بص هنا.
_ ما أنا باصص.
_ لا... انت باصصلي أنا.
_ ما هو ده المطلوب.
_ بكاش
قلبت عينيها في استنكار مصطنع ثم التقطت صورة ثانية.
وفي الثانية كانت تضحك هي، بينما أغلق هو عينيه للحظةٍ بسبب وميض الشاشة، فخرجت الصورة مضحكة أكثر مما توقعت.
ثم التقطت ثالثة ورابعة وخامسة.
صورٌ بلا ترتيب ولا استعداد.
في إحداها كانت ترفع إصبعين بعلامة النصر، بينما كان هو يُخرج لسانه ويبتسم ابتسامة سخيفة
وفي أخرى كانت تقترب برأسها من كتفه، بينما هو أسند رأسه إلى رأسها وقد رفع أحد حاجبيه.
بينما في صورة أخرى قربت عدسة الكاميرا من وجههما، فلصق خده في خدها وابتسما ابتسامة عريضة فبدت الصورة مضحكة وعشوائية للغاية.
وفي صورة أخرى، كانت تنظر إلى الشاشة لتراجع الصور، بينما كان هو ينظر إليها هي، دائمًا إليها،
أكثر مما ينظر لأي شيء آخر.
أنزلت الهاتف قليلًا وهي تضحك على إحدى الصور وقالت:
_ دي وحشة أوي.
مد يده نحو الهاتف وقال:
_ وريني.
اقتربت منه حتى التصقت بكتفه تقريبًا كي يريا الشاشة معًا.
أخذ يقلب الصور ببطء صورة وراء أخرى، صورٌ لا تحمل أي جمالٍ احترافي لا زوايا مثالية لا إضاءة مدروسة ولا استعداد مسبق.
مجرد شاب خرج لتوه من غيبوبة، وفتاة كانت تخشى ألا يفتح عينيه مجددًا.
لكن رغم ذلك...
بدت تلك الصور بالنسبة لهما أجمل من أي صورة التُقطت في ظروفٍ أفضل.
لأنها لم تكن توثق شكليهما، بل كانت توثق نجاتهما من الخوف، وتوثق لحظة ايفاقته.
*************
كانت كاميليا تسير مع صديقتها التي تقيم في ولاية نيويورك بأمريكا، داخل أحد أكبر وأشهر المولات، حتى تشتريا ما تحتاجان.
وأثناء تسوقهما، لمحها " رياض الجوهري " ذلك الشاب الذي دافعت عنه من قبل في شركتهم ونصفته واتاحت له فرصة للعمل عندهم بعدما رفضته من أدت معه المقابلة.
خلع النظارة الشمسية ووضعها على شعره فقد تذكرها جيدًا، ثم تحرك إلى عندها، دقيقة ووقف قبالتها يقول في ابتسامة:
_ ميس كاميليا اخبار حضرتك إيه؟
عقدت حاجبيها وهي تدقق النظر في ملامحه.. ثم قالت:
_ بص.. انا فكراك والله، وشك بالنسبالي مألوف، بس...
_ مقدر عادي، انا عامة رياض الجوهري، اللي سبق وقبلتيه بعد ما البنت ال HR رفضتني وقولتيلي وقتها ان شركتكم فيها عدل وانصاف.
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ ايوا ايوا، افتكرت صح
ثم مدت له يدها تصافحه وهي تقول:
_ اهلا وسهلا اتشرفت بيك
مد يده وصافحها وهو يقول:
_ انا أكتر والله
ابتسمت وبدأت تقدم كل منهما للآخر:
_ مستر رياض، دي صاحبتي مدام نهلة، نهلة دا مستر رياض الجوهري كان تيم ليدر في قسم السيلز عندنا في الشركة.
ابتسمت له نهلة وقالت:
_ تشرفنا
_ انا أكتر يا مدام نهلة والله
قالت نهلة لكاميليا:
_ طب يا كامي، أنا هروح اكلم سونا اشوفها فين
ذهبت الفتاة، بينما التفتت كاميليا إلى رياض وقالت:
_ عامل إيه؟
_ انا الحمدلله بخير، وانتي؟
_ بخير الحمدلله.. بتعمل ايه هنا كدا؟
رد في ابتسامة:
_ بتعالج نفسيا والله
عقدت حاجبيها في استغراب وسألته:
_ مش فاهمة؟
_ طب ما تيجي نقعد في مكان ونشرب حاجة ونتكلم، ولا انتي مستعجلة؟
_ اوكيه، يلا
ذهبت معه حتى دخلا أحد الكافيهات داخل المول وطلب لها وله.
ثم قال لها بعدما تهيأ الأمر:
_ بصي يا ستي.. انا كنت متجوز وشغال عندكم عادي جدا، جالي فرصة شغل هنا في أمريكا، يعني حد من صحابي عملي recommended لشركة حلوة هنا وانا قدمت اونلاين والحمدلله اتقبلت.
قدمت استقالتي في شركتكم وخدت مراتي وبنتي وسافرنا أمريكا وجينا هنا.
هي بدأت تتغير كتير معايا وكنت الأول بقول عادي يمكن ضغط الشغل عليا وعليها وفجأة اكتشفت انها على علاقة بالاكس بتاعها.. مش خيانة جسدية علشان مخك ميروحش بعيد، بس بتتكلم معاه شات وتليفون ونزلت مرة قابلته وانا طبعا اعتبرتها خيانة وانفصلنا ومن ساعتها وانا بتعالج نفسيا.. كنت بحبها اوي الصراحة.. بس في النهاية هي اللي اختارت.
سكتت...فقد شردت في قصتها ربما كانت تشبهه كثيرًا في نفس المعاناة.
وسألته في نبرة بها الأسى:
_ معرفتش تسامحها؟
_ لا، خلاص مفيهاش إني اسامحها، الشات كله كلام فيه مرقعة.. كلام عاطفي إلى حد كبير، قاعدين بيسترجعوا الماضي مع بعض.
بس هو السؤال اللي كفيل يخليكي تروحي لثيرابي وتتعالجي نفسيا، هو ليه؟
ليه تعمل كدا؟
ليه تخوني؟
ليه تفكر في غيري؟
أطرقت.. وهي تحاول بكل الطرق أن تمنع هبوط دموع عينيها فما مرت به كان صعبًا للغاية وقد رحلت تاركة نفس السؤال * لماذا* دون إجابة هي أيضًا.
فأضاف في نبرة أكثر حزنًا:
_ اللي زاد وغطى اني من ساعة طلقتها، مشفتش بنتي.. ما صدقت العدة خلصت وراحت اتجوزته وخدت مني بنتي وسابت أمريكا كلها ومعرفش راحت فين...كلمتها اكتر من مرة تليفونها مقفول
_ بنتك عندها كام سنة؟
_ عندها سنة، كانت معاها وكنت بروح اشوفها واحيانا باخدها تبات معايا.. لكن من ساعة ما العدة خلصت وسمعت انها اتجوزت وهي مشيت وخدت بنتي معاها بدون علمي
_ يمكن راحت مصر؟
_ لا، كلمت أهلها سألتهم وقالوا لا مجتش، هي اصلا ماكنتش عايزة تفضل في مصر وكانت دايما بتقولي شوف فرصة عمل برا وخدنا، الحياة في مصر بقت صعبة ودا اللي خلاني اجي هنا اساسا.
ردت في نبرة بها الشفقة:
_ حرام عليها بجد.. ليه تحرم اب من بنته؟
طب بتفكر تعمل إيه؟
_ مش عارف.. انا اهو بدور لحد أما اعرف لها طريق علشان اقدر ارفع قضية واشوف بنتي
ابتلعت ريقها ووضعت يدها أسفل بطنها خلسة.. وردت:
_ ان شاء الله، هتلاقيها وربنا هيجمعك ببنتك قريب... انت صحيح بتتعالج نفسيا عند مين؟
كويس يعني الثيرابي دا؟
هز رأسه مؤكدًا ورد:
_ هو شاطر جدا، ومن مصر كمان بس عايش ومتجوز واحدة من هنا.. بقالي فترة بروح اتكلم معاه لاني في غربة ووحيد واتخانت وبنتي مبقتش معايا وعندي مشاكل في الشغل.. كل دا حصلي مرة واحدة بعد ما كانت حياتي مستقرة وعندي مراتي وبنتي وبيتي.. كل دا راح مرة واحدة.. احيانا مببقاش مصدق، بحس انه مجرد حلم وهصحى منه، مش عارف ازاي كل دا حصل وامتى!
كل ما كان يقّصه عليها، كان يذكرها بنفسها تمامًا، فقد سُلبت منها حياتها فجأة مثله، وانهدم عشها مرة واحدة دون مقدمات.
سكت برهة.. ثم سألها:
_ وانتي، اخبارك إيه مع مستر أمجد؟
هو جيه معاكي هنا، ولا انتي جاية رحلة لوحدك؟
ابتسمت ابتسامة بها السخرية من ذلك الرجل المدعو أمجد.. ثم ردت عليه:
_ انا وامجد اطلقنا.. بقالي بتاع أسبوعين اهو مطلقة
_ بتهزري!
ليه كدا؟
ألقت بصرها نحو الأرض وسكتت.. فتابع:
_ خلاص، لو مش عايزة تتكلمي براحتك طبعا
نظرت إليه وردت في نبرة صوت تجاهد في أن تجعلها ثابتة:
_تقريبا نفس قصتك.. عرفت انه لسه متعلق بال..بال... بالاكس بتاعته
كان من الصعب عليها نطق ذلك خاصة أنها تعرف جيدًا من تكون حبيبته تلك..
رد في غيظ:
_ هما مجانين بجد!
طالما متنيلوش واتخطوا بيقرفونا معاهم ليه؟
طالما هما شوية متخلفين كدا وعايشين على انقاض الماضي، بيتجوزوا ويظلموا معاهم الناس ليه؟
سكتت قليلًا... ثم ردت بعد تنهيدة طويلة:
_ اديك قلت، مرضى نفسيين.
المهم أنا كنت عايزة عنوان ورقم الثيرابي اللي روحت له دا.. عايزة اتكلم معاه انا كمان شويه.. حاسة اني تعبانه، تعبانة اوي ومستنزفة وجيت هنا هربانة اساسا من نفسي ومن الدنيا كلها هناك.
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ اهدي..اهدي والله مفيش حاجة مستاهلة، انتي تستاهلي حد احسن منه ميت مرة، ربنا يخلصنا منه هو وأمثاله....
***********
مرت الأيام، حتى تعافى جياد تمامًا وبدأ يبدل ملابسه حتى يخرج من المستشفى بعدما وافق الطبيب.
دخل عليه يزيد فوجده يرتدي الجاكت خاصته ويهيئ نفسه فسأله:
_ انت شعرك مبلول ليه يا جياد؟
_ خدت شاور، قرفت بقالي كتير مرمي على السرير لحد ما زهقت وعضمي وجعني..
انتهى من اعداد نفسه فأصبح مستعدًا للرحيل، فقال لأخيه:
_ المهم، فين هانيا؟
مستنية برا؟
_ تعالى معايا اقولك هي فين؟
_ يعني ايه؟ هي فين؟
_ اخلص بقا تعالى معايا دا انت زنان!
خرج معه ونزلا في المصعد الكهربائي ثم خرجا من المستشفى وركبا السيارة كل ذلك دون هانيا.
قاد يزيد السيارة... حتى وقف أمام أحد الفنادق وقال لأخيه:
_ هانيا هنا في الفندق دا.. روم رقم ٦
_ وهي بتعمل إيه هنا؟
احنا مش كنا خلاص راجعين مصر؟
_ انزل يا جياد وخلصني، دا انت كلت دماغ امي طول الطريق مش كدا!
_ طب براحة على نفسك يا حبيبي!
ثم فتح باب السيارة خرج وغلق الباب بقوة ليصرخ يزيد، بينما يقول جياد:
_ علشان تبقى تكلمني باسلوب مستفز زيك تاني
_ غبي، شكل الحادثة أثرت على مخك وخلتك من غير تفكير!
صاح بها يزيد وهو داخل السيارة متأثرًا بطريقة غلقه لباب سيارته بقوة.
ابتسم جياد وتجاهله، ثم دخل الفندق ثم المصعد الكهربائي حتى وصل أمام باب الغرفة.
كانت حينها الغرفة شبه مظلمة، لا يضيئها سوى ضوء خافت قادم من الأباجورة الموضوعة بجانب السرير، بينما تسللت أشعة المدينة الليلية عبر الواجهة الزجاجية الكبيرة.
دخل جياد وسمع صوت موسيقى الاغنية الأنجليزية الصاخبة في ارجاء الغرفة ثم فجأة وقف عند باب الغرفة.. تجمد مكانه وهو يحملق فيما يرى أمامه.. بينما في منتصف الغرفة كانت هانيا ترتدي فستانًا بيج طويلًا ينسدل بانسيابية فوق جسدها، يبزر تفاصيله بشكل ملفت للغاية.
كان مصنوعًا من قماش خفيف يلتقط الحركة مع كل خطوة وكأنه موجة سوداء ناعمة تتحرك حولها.
أما الجزء العلوي منه فكان بسيطًا وأنيقًا، وما كان يلفت الانتباه أكثر كانت تلك الفتحة الكبيرة عند الصدر، بينما ترك كتفيها ظاهرين. انسكب شعرها في خصلات متموجة مرسومة بعناية وكانت ترقص.
لا ترقص بطريقة استعراضية بل بطريقة من ينسى نفسه مع الموسيقى، تتحرك بخفة.
ترقص على أنغام الموسيقى الأجنبية رقصًا أجنبيًا يشبه الرقص داخل الملاهي الليلة على سبيل المثال.
كان جسدها يرتفع ويهبط برفق مع النغمات، ذراعاها مرفوعان للأعلى، تحركهما في الهواء، يتراقصا يمينًا ويسارًا، ومن أعلى إلى أسفل... تُحَرِك كتفاها بانسيابيةٍ متناغمة، حتى بدت حركات ذراعيها وكتفيها كغصنين رقيقين يتمايلان مع نسيمٍ خفي.
أما شعرها،فكان له رقصة أخرى خاصة به.
كلما حركت رأسها يمينًا ويسارًا بسرعة متناقسة مع الموسيقي، تحرك معها، يتطاير بخفة ومرح، وكأن خصلاته تشاركها الإيقاع هي الأخرى.
أما عن جياد، فلم يتحرك ظل واقفًا مكانه ينظر فقط.
كانت عيناه تتحركان معها أينما تحركت، مع حركات جسدها، وايماءاته، مع تطاير شعرها، مع تراقص ذراعيها وكتفيها،كأنه يشاهد شيئًا لم يتوقع رؤيته يومًا.
رفعت ذراعيها قليلًا مع الموسيقى واستدارت بخفة، فدار الفستان حولها نصف دائرة كاملة.
عندها أطلق جياد زفرة طويلة يلفظ " اوف" وهو يهز رأسه بعدم تصديق.
وقال لنفسه بصوتٍ منخفض:
_ جامدة
أكملت رقصها دون أن تنظر إليه تعرف أنه يراقبها وتعمدت ألا تنظر.
تقدّم خطوة ثم أخرى وعيناه لم تفارقاها.
كانت تتحرك مع اللحن وكأنها تسمعه بجسدها كله تتمايل بخفة مع الإيقاع ثم تستدير وهي تبتسم لنفسها واثقة ثم تعود للحركة من جديد.
وصل إلى مسافة قريبة منها، قريبة جدًا، لكنها ظلت تتجاهله كأنه غير موجود.
عندها ضحك ضحكة قصيرة خرجت منه رغمًا عنه.
ثم وقف خلفها والتف ذراعه الأيمن حول خصرها وبدأ يتمايل بجسده فيما يتناسب مع حركاتها يشاركها الرقصة، كلما تحركت يمينًا، تحرك، كلما تمايلت بجسدها للاسفل شيئًا فشيئًا مع إيقاع الموسيقى، تمايل معها بنفس التدريج وجسده يتراقص.
بدأت أصابعه تتحرك على خصرها في هدوء بينما أنفه التصقت بعنقها أثناء الرقص... أغمض عينيه لثانية قصيرة وهو يستنشق عطرها الذي اعتاده، ذلك العطر الذي كان كفيلًا دائمًا بإفساد أي محاولة منه للصمود.
أمال برأسه قليلًا نحو اذنها وهمس بصوتٍ خافت لا يكاد يُسمع وسط الموسيقى:
_ زي الطلقة الروسية، لو ما قتلتي، بتشلّي.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، لكنها أصرت على تجاهله تتابع رقصتها، تتمايل في دلال وحركات أنثوية مثيرة.
فهز رأسه ضاحكًا، ثم شدد المسكة على خصرها يقربها منه أكثر.
استمرت في الرقص، ترفع ذراعيها مع النغمات، بينما كانت خصلات شعرها تتحرك حولها في فوضى جميلة تضرب وجهه تارةً وتمر أمامه تارةً وتبتعد تارة أخرى، مما ارغمه على ترك خصرها، فقد وجد نفسه يتابعها، يشاهد ايماءات جسدها، يقف خلفها مأخوذًا بها بالكامل لذا لم يستطع أن يشاركها الرقصة بقدر ما كان يستمتع بمشاهدتها.
أطلق صفيرًا عاليًا ثم قال في صوت مسموع:
_لا... واضح إن في خطة لشد أعصابي النهارده.
فأطلقت ضحكة رنّانة، ومع ضحكتها شعر أن الغرفة كلها أضاءت أكثر من أي مصباح فيها، وقال في عدم تصديق لما يحدث:
_ هيغمى عليا، يخرابي على الضحكة، عقلي هيطير مش مصدق عنيا ولا وداني!
هتجنن يا ماما هتجنن براحة عليا وعلى قلبي انا لسه يدوب خارج من المستشفى!
التفتت إليه أخيرًا بنظرة بريئة متعمدة وقالت في ابتسامة بعدما توقفت عن الرقص:
_ في إيه مالك؟
أشار نحوها كلها واجاب:
_ مالك؟
يا بجاحتك انتي لسه بتسألي!
الفستان... الشعر.. الرقصة.. الضحكة ولسه بتسألي مالك؟
ما خلاص يا فتّاكة يا هلاّكة، هَلَكْت!
ضحكت ثم ردت وهي ترفع كتفها في لامبالاة:
_ وانا مالي، انا برقص في حالي انا جيت جمبك!
_ والله! بقا هي بقت كدا؟
استدارت مرة أخرى مع الموسيقى.
لكن هذه المرة، رفع يده وأمسك كفها قبل أن تبتعد فاستدارت نحوه تلقائيًا توقفت للحظة وتقابلت أعينهما لحظة قصيرة جدًا لكنها كانت كافية، كافية لأن ينسى الأغنية وينسى الوقت وينسى الكلام حتى.. ظل ينظر إليها.. إلى عينيها إلى شفتيها وإلى تلك الابتسامة إلى تلك الثقة الجديدة التي ظهرت عليها مؤخرًا.
ثم قال بصوت أقرب للهمس بعيني قد ذابتا في جمالها:
_ هو انتي كنتي مخبية كل ده ليه؟
ابتسمت دون أن تجيب.
فأكمل وهو يهز رأسه بإعجاب حقيقي:
_ لا بجد...أنا متأكد إنك بتتعمدي تضيعيلي عمرى
ضحكت فاتسعت ابتسامته فور رؤيتها تضحك كعادته فكانت ضحكتها ما زالت تملك القدرة على إسقاط كل دفاعاته مهما حاول التظاهر بعكس ذلك.
وضعت أصبعها تحت ذقنه وقالت في نبرة مليئة بالدلال الانثوي:
_ هطلب منك طلب
_ انتي تؤمري، أي حاجة هتطلبيها دلوقتي هتتنفذ حالا، شالله تقوليلي ولع في نفسك اكتر ما انا والع كدا
ابتسمت وقالت:
_ لا مش للدرجادي.. كنت عايزاك توصفني وتوصف مدى اعجابك بيا وبشكلي النهاردة بس بكلمة واحدة بس دا الشرط، تعرف؟
تعرف تقول كلمة واحدة بس تديني حقي وتوصفني بشكل واضح من غير كلام كتير؟
رد في ثقة:
_ دا انا اللي اعرف مش حد غيري...
سكت قليلًا يفكر.. ثم تابع:
_ " mamacita "
عقدت حاجبيها في استغراب وسألته:
_ ومعناها ايه دي؟
_ يعني مُزّة جامدة فحت من فوق لتحت بالعامية الإسبانية، بتتقال كغزل صريح ل ليدي طلقة كدا زيك
_ ماماسيتا؟
_ بالظبط كدا ومن هنا ورايح انتي ال الماماسيتا بتاعتي، لان مفيش في جمالك ولا جمدانك، يلا قوليلي كدا سمعيني الأسماء بتاعتك
ابتسمت بشكل جميل ثم ردت:
_ بطاطا وقطايف ولأول مرة دلع لا يعبر عن أكل، ماماسيتا
رد وهو يقترب منها:
_ ماهو علشان انتي اللي هتتأكلي أكل دلوقتي....
منعته بيديها قائلة:
_ استنى بس.... مش تعرف إحنا بنحتفل بإيه؟
_ بإيه؟
_ بعيد ميلادك طبعا، التورتة في الطريق علشان نقطعها مع بعض
_ تيجي بالسلامة، عقبال ما تيجي أكون احتفلت انا بطريقتي، هو دا اللي بيفرحني يا ستي!
_ يعني انت قادر؟
_ الله أكبر، خمسة في وشك.. انتي هتقري عليا ولا إيه؟
انا بعون الله قادر على أي حاجة، هو انتي متجوزة اي حد ولا إيه.. دا انا جياد الزيني يا بت فوقي.
يلا بقا بلاش تضييع وقت!
********
وبعدما انتهى، ونال منها ما نال، أخذآ يحتفلان معًا.
كان يقطعان الكيكة معًا وهما يتشاركان في الضحك والمرح.
وفي تلك الأثناء، سمعا صوت جرس الباب، فقال لها:
_ دا شكله يزيد الرخم، عايز حتة تورتة ولا حاجة
ضحكت.
فاتجه هو نحو الباب، وفتحه وبمجرد أن فتحه وجد باسم يقول له في ابتسامة عريضة:
_ حمدلله على السلامة
بينما هانيا شعرت بتوتر شديد وشد أعصاب قوي بمجرد أن سمعت صوته....
*********
فوت يا جماعة الفوت متنسوش
وتعليقاتكم خلينا نخلص
باقي بارت
نلتقي على خير
سلمى خالد احمد
قصر آل الزيني الفصل الخمسون 50 - بقلم Salma Khaled
ازيكم عاملين ايه؟؟
في كام نقطة لازم نتكلم فيهم، بلاش تتجاهلوا كلامي دا علشان هرد فيه على معظم اسئلتكم علشان مرجعش الاقي أسئلة انا المفروض جاوبتها.
١_ القصص دي حقيقية، معظمها قصتين او اكتر لنفس الشخص او قصة واحدة لشخصية واحدة على حسب، معظمها اشتهر وبعضها لا نظرا لانها حصلت مع ناس اعرفها.
في النهاية لو فيه هكتب لكم اسماء القواضي كلها دا لو محدش خمنها طول الأحداث الجاية يعني.
٢_ هرجع امتى للجزء التاني مش عارفة، بس احتمال اغيب اسبوعين ودا هيتحدد على حسبكم انتوا، لو لقيت تشجيع منكم هرجع أسرع بجد لان حماس الكاتب بيجي من القارئ اللي مستني روايته.
من حقي حاليا بقا اشوف ريفيوهاتكم على الجزء الأول مش بس في كومنت لا، كمان على الجروبات بتاعت الرواية زي حكاية ورواية ورشحلي رواية، معظمكم هناك.
نزلوا ريفيو عن الرواية وقولوا رأيكم واعملولي منشن علشان اشوف كلامك عن العمل ♥️
كل ما زاد التشجيع، كل ما زاد نسبة إننا نرجع أسرع بجد
وعايزة ناس مختلفة حتى لو مش بتعرفوا تعملوا ربفيو، يكفي اي كلمتين في حقي وفي حق الرواية مع منشن وبس كدا
طب الناس اللي بتتكسف؟
اعملوا البوست مجهول الهوية او باسم مستعار.
المهم عايزة اشوف همتكم معايا، صورة الرواية مع اي كلمتين وخلاص مش محتاجة تحليل أدبي يعني.
دا هيشجعني ارجع اما اشوف تعبي اترجم لشكر عسول منكم.
٣_ الرجوع هقول امتى على صفحتي على فيس بوك او على الجروب الخاص بيا مش هنا على الواتباد.
٤_ في عندنا جروبات واتس وفيس وصفحة تيك توك كل دي حاجات خاصة بالرواية، تقدروا تنضموا وتابعوا معانا واللينك برا بتاع صفحتي ومن صفحتي تقدروا توصلوا لباقي الصفح والجروبات.
٥_ محتاجة منكم صبر وهدوء عليا علشان اللي جاي مختلف خالص عن اللي راح، احنا دخلنا في الجد وانتوا بنفسكم هتقدروا تشوفوا ايه اللي حصل للشخصيات دي وهينفع تتعاطفوا معاها ولا لا زي ما حصل في الحقيقة.
في تغيرات كتيرة انا عملتها علشان منوهش بشكل مباشر عن الشخصيات الحقيقية.
٦_ مش عايزة استعجال مش عايزة استعجال مش عايزة استعجال في مفاجآت كتيرة موت جاية.
عايزاكم بس تفكروا وترتبوا الاحداث وتربطوا الخيوط ببعض وكل واحد يبقى محقق في نفسه ويحاول يوصل لوحده للي مستخبي قبل ما اقوله.
٧_ اكيد في آخر البارت هبقى حابة اشوف رأيكم والفوتس بتاعتكم بس دا ميمنعش إني هستنى الآراء دي على الجروبات الخاصة بالروايات.
٨_ اخيرا وليس اخرا، رسالة شكر خاصة من كل قلبي، لجميع القراء الغاليين على قلبي اللي كانوا معايا من اول الرحلة لحد دلوقتي، دايما كومنتس وفوتس وتشجيع.
كنت كتبت عن الناس القريبة مني جدا الداعمين الاولين على جروبات الفيس والواتس وغيره والنهاردة هخص بالذكر بس، قراء الواتباد.
كل الشكر والامتنان لحبايب قلبي
[ fofo, naira Ahmed, ranon Yasser, roro " areej asad, walaa elnasser, asmaa, monaa mokhtar, Fatma boba, ام خالد الخطيب، roon, asmaa abdo, marwa, rony Mohammed, آية الشرقاوي، seham Ahmed, hend Abdelhamid, Ghada, غدير وليد، zainab Ibrahim, nossa Mustafa, زينب حسن، basmala Yasser, Mahmoud Mohammed, Jana khader, Fatma gaming, sujuod wredat, mena Ayman, mayada Mohammed, سجاد وسام، rawan Mohammed, gehad Ahmed, سهام محمد، fozzta " foz", princess ghaza, " ghazal" , roqii " roquia mabrouk, Lucas agha, Jana Mahmoud, sanar hfff, أمنية " vetvet", Jana taher, rerry " ranon " , suo eljitany, jenna tharwat, miritta miro, bassant Mohamedd, Alabd AlAa, asma souma, loma eltantawy, shemo hema, BOo, إيمان التكريتي، strong soul " mariam" , zeina Waleed, aml yousef, hamed silam , أحمد طه، walaa fathy, آية حمدي، shahd ashraf, doaa Mahmoud, الرميساء، naira, reham Ahmed, Elsaid fouda, Yasmeen hosam, Sara elbaz, Eman Ahmed, nour Moustafa, nourhan elsisy, hawaa , merna, nada alksas, doaa Amer, روضة المحبين، alaa khalifa, Asd Asd, sahar khamis, hayam nabil ]
بصوا انا مش عارفة فيه اسماء صح ولا غلط بس انا نقلت أسماء الاكونتات اللي عيني حفظتهم من اول يوم كل واحد يتأكد من اكونته بقا بجد شكرا ليكم كلكم♥️
عارفة ان فيه اكتر بس جايز لسه بس محتاجة شوية واحفظهم هما كمان، افضلوا سيبوا كومنتس علطول علشان عيني تفضل فاكرة والمرة الجاية هيكون فيه اهداء ليكم ♥️
اخيرا بقا، جاهزين؟؟
يلا نبدأ
الفصل الخمسون " الأخير من الجزء الأول " [ الصدمة]
سلمى خالد احمد
***************
نظر إليه جياد وتصنع اللامبالاة ولما أراد الآخر أن يدخل، منعه على الفور قائلًا:
_ إيه يا باشا، هي زريبة ولا إيه، فيه ست جوا!
توقف باسم حينها ورد:
_ مقصدتش أكيد...
ثم أشار بيده نحو الداخل وتابع:
_ اتفضل خدلي طريق
تنهد جياد ثم دخل وقال لزوجته:
_ روحي ادخلي التويلت، اما اشوف الحيوان دا عايز ايه وسافر ورايا ليه
ردت في سرعة:
_ جياد بالله عليك ما تتخانق معاه ولا تبين له ان فيه اي حاجة خالص، تمام؟
هز رأسه موافقًا، ثم اتجه نحو باب الغرفة، بينما هي سحبت فستانًا يناسب الخروج ودخلت سريعًا المرحاض كي تبدل ملابسها وتستطيع الخروج وسماع ما سيقال بينهما.
دخل باسم والتفت حوله ثم ابتسم.
بينما جياد عقد ذراعيه أمام صدره وسأله:
_ إيه يا باسم سامعك
التفت إليه الشاب وعلق:
_ هو ايه النبرة اللي انت بتكلمني بيها دي يا جياد، هو انت زعلان مني ولا إيه؟
سكت الشاب قليلًا... ثم رد في نبرة عتاب:
_ آه الصراحة شوية
_ ليه؟
_ يعني، اما فوقت سألت يزيد عن مين اللي سأل عني وكدا وقالي الكل تقريبا بس ماعدا انت.. توقعت إني هلاقيك أول واحد واقف جمبي
عقد حاجبيه في حزن مصطنع ورد:
_ لا لا لا انا مقدرش على زعلك يا جياد طبعا... انا كنت مسافر برا مصر أساسا واول ما سمعت انك فوقت، جتلك حالا اهو لحد عندك مستنتش حتى أما ترجع.
وداخل المرحاض كانت هانيا قد اتصلت على روني واخبرتها بأن باسم هنا وأنها خائفة من وجوده، وطلبت منها روني أن تخرج لهما في الحال وتسمع ما يقال وتبقيها معهم على الاتصال حتى تسمع هي الأخرى.
وافقت وبالفعل خرجت وهي تمسك الهاتف بيدها تاركة أختها معها في المكالمة، ولما رآها باسم ابتسم وقال لها:
_ عاملة إيه يا هانيا؟
هزت رأسها بالايجاب ثم التفتت إلى زوجها لتحدثه ولكنها تفاجأت به يترنّح لا يستطيع أن يتوازن.
يفتح عيناه ويغلقهما بصعوبة ثم سقط على الأرض فجأة مغشيًا عليه.
التفتت إلى باسم في خضة ولكنها سرعان ما شعرت بنفس الأعراض.. أصبحت الرؤية مشوشة أمامها، لا تراه بوضوح تحاول أن تتوازن ولكنها باتت تترنح، تحاول أن تصمد وهي تراه يبتسم وكأنه ينتظر سقوطها.
اقترب منها بينما تراجعت للخلف حتى التصقت بالحائط وأخذت تستند عليه تأبى السقوط.
اقترب منها حتى حاصرها هناك وقال لها في ابتسامة:
_ طبعا انتي مش فاهمة هو فيه إيه!
احب اقولك ان السبب ببساطة هي التورتة اللي أكلتوها.
اول ما دخلت لاحظت ان فيه طبق خلصان وطبق فيه نصه، ودلوقتي أدركت ان جياد هو اللي أكل الكمية الأكبر علشان كدا وقع بسرعة على عكسك.
الموضوع كلفني شوية وقت بس.. حد راقبك من ساعة ما وصلتي ألمانيا، قالي إنك دخلتي محل حلويات فضلت افكر شوية ليه يا ترى، لحد ما افتكرت عيد ميلاد جياد.
الراجل دخل وراكي استنى لحد ما طلبتي، شاف طلبتي ايه وطلب زيك.
واما الدليفري اتحرك، عطلناه وجالك دليفري تبعنا إحنا بنفس التورتة اللي طلبتيها.
تنهد في ارياحية وتابع:
_زمان بتاع الدليفري الحقيقي في الطريق.
كانت تحاول الصمود بكل ما أوتيت من قوة ولكنها سقطت في النهاية.
نظر إليها ثم ابتسم ابتسامة النصر.
بينما روني قد شعرت ان هناك شيئًا ما يحدث وأن الأمور ليست على ما يرام عند أختها، وذلك بعدما سمعت باسم يتحدث مع هانيا بكلمات لم تفهمها وخاصة عندما سمعت صوت سقوط جياد ثم سقوط اختها، لذا انهت المكالمة من جانبها حتى لا يلاحظ باسم ثم اتصلت على زوجها في الحال والذي بمجرد أن استجاب قالت له في سرعة ونبرة بها الخوف:
_ انت فين
اختض الشاب من طريقة تحدثها ورد:
_ أنا.. أنا في العربية بتاعتي يعني..
قاطعته في سرعة مليئة بالخوف والقلق:
_ جياد وهانيا في خطر، يتلحقهم يا متلحقهمش
_ في إيه بس!
_ بسرعة يا يزيد بسرعة، وخد معاك امن الفندق متتطلعش لوحدك، ارجوك اتحرك يلا يلا حالا
اختض الشاب للغاية وقذف الرعب في قلبه وعليه تحرك بالسيارة صوب الفندق وكان يقود بسرعة عالية للغاية وهو لا يفهم شيئًا سوى أن أخاه وزوجته في خطر وهو وحده من يمكنه إنقاذهما.
قال لزوجته أثناء القيادة:
_ في إيه ها؟
صفوت؟
_ هتروح الفندق وهتفهم هناك، بسرعة بس، اما توصل كلمني خليني معاك على اتصال.
****
وهناك، انحنى باسم نحو الأرض ثم حمل هانيا الغائبة عن الوعي.. نظر إلى ملامح وجهها قليلًا.. ثم قال لها في نبرة بها الضيق:
_ انتي اللي منعتيني احط سم في التورتة.
كان نفسي اسمم جياد بس لولا عارف إنك هتاكلي معاه، كنت مترددتش.
لسه مش عايز احرق قلب اختك بالجامد اوي كدا.. لسه عايز اسويها على كل الجوانب ومش انتي البداية لا.
دلوقتي هاخدك معايا علشان انتي اللي هتجبيلي روني وجياد راكعيين قدامي، ووقتها هاخد حقي من كل واحد فيهم بطريقتي.
اتجه بها نحو السرير ثم وضعها فوقه.
بدأ يلتفت حوله كأنه يبحث عن شيء ما، حتى وقع بصره على أقلام الروج خاصتها الموضوعة فوق التسريحة.
اقترب إلى هناك ثم التقط واحدًا، ثم تحرك حتى جياد الواقع أرضًا وانحنى نحوه وفتح قميصه ثم كتب على صدره بقلم الروج الأحمر:
" Don't mess with me "
[لا تعبث معي ]
ثم قال في ابتسامة:
" سوري بقا هاخد معايا روج المدام علشان عليه بصماتي بس يا جيدو يا اخويا. "
وبالفعل وضع قلم الروج في جيبه وتحرك نحو السرير الذي فوقه الفتاة.
اثناء اقترابه، صدح صوت هاتفه، أخرجه من جيبه ورد قائلًا:
_ إيه؟
_ على غير المخطط نهائي، يزيد الزيني دقيقتين وهيكون قدام الفندق
رد في ضيق شديد:
_ يعني إيه يعني؟
عرف منين؟
مش انت اتصلت بيه وقولتله احنا من المستشفى وفيه إجراءات تانية لازم تيجي حالا تخلصها؟
_ عملت كدا وقال جاي بس معرفش فجأة غير اتجاهه مش عارف ليه!
التفت حوله ليفهم ما الخطأ حتى لاحظ وقوع هاتف هانيا على الأرض.
سحبه سريعًا واستخدم اصبع يدها في فتحه، فوجد آخر مكالمة منذ دقائق مع أختها لذا غضب غضبًا شديدًا ومن شدة الغضب، ألقى الهاتف على الأرض في قوة فتحطمت الشاشة في الحال، وبدأ يضغط على أسنانه بقوة حتى كادت تنكسر من شدة الغيظ، وبرزت عروق رقبته بشكل كبير وأحمر وجهه للغاية وهو يلفظ اسمها:
" روني... روني..."
اتجه نحو هانيا سريعًا وحملها رافضًا الاستسلام ولكنه سمع صوت السيارة لذا اتجه بها وهو يحملها نحو نافذة الغرفة وأطل بعينيه من الزجاج دون أن يفتحه فلاحظ يزيد وهو يصف سيارته في سرعة فائقة ثم خرج منها.
تحرك باسم حينها بالفتاة ثم فتح باب الغرفة ولم يغلقه خلفه بل تركه مواربًا.
أخذ يلتفت حوله يفكر أيستخدم المصعد الكهربائي أم السلم؟
ولكنه سمع حينها صوت عالي يأتي من الأسفل.
نزل درجتين وأطل برأسه إلى الأسفل ليرى ماذا يحدث، ليسمع صوت يزيد وهو يصرخ في الأمن ويطلب منهم الحضور معه لوجود مشكلة مع أخيه.
لذا هز رأسه شاعرًا بفقدان الأمل وعليه صعد نفس الدرجتين في سرعة رهيبة ودفع الباب برجله ودخل.
ألقى الفتاة بجانب زوجها ثم عاد يركض مرة أخرى وصعد إلى الأعلى باستخدام السلم.
وبمجرد أن صعد، وصلوا هم في الحال وخرج بعضهم من المصعد وبعضهم من السلم ثم اقتحموا جميعهم الغرفة.
وبعدما رأى باسم انهم قد دخلوا، حتى استخدم المصعد الكهربائي ونزل في الحال.
وبمجرد أن وصل الدور الأرضي حتى اعتدل في مشيته وخطواته إلى أن خرج من الفندق وسريعًا وقف راجله بالسيارة أمامه ففتح الباب ودخل ثم قال له وهو يلتقط أنفاسه:
_ على Hamburg بسرعة يلا
واختار تلك المدينة بالذات لأنها تبتعد عن العاصمة برلين بحوالي ٣٠٠ كم، وذلك لوجود جياد وأخيه في العاصمة.
سأله الرجل بعدما قاد السيارة ليتحرك حيث طلب منه:
_ مجبتهاش معاك ليه؟
_ فيه شوشرة جامدة في الفندق بعد اللي يزيد عمله طبعا، خفت انزل بيها حد من الأمن يوقفني ويدخلني في سين وجيم.
_ يا باشا الكاميرات هتجيبك، احنا كدا محتاجين نسافر على برا ألمانيا مش نهرب على مدينة تانية!
هز رأسه متفقًا ثم قال:
_ متخافش.. مش هيبلغوا عني، انا متأكد من دا.
ثم أخرج هاتفه واتصل على صفوت وقال له بمجرد أن استجاب:
_ يلا الخطة اللي بعدها، لازم اضمن إني هرجع مصر بالسلامة وروني تحترم نفسها.. جاهز؟
_ كلنا جاهزين يا فندم..
*********
دخلت منى على ماهي الغرفة، فوجدتها لا تزال تبكي، تأففت ثم اتجهت نحوها في سرعة وقالت لها في ضيق على حالها:
_ هو في إيه يا ماهي بجد!
مش قلنا كفاية كدا يا حبيبتي؟
خلاص يا ماهي بقا ما انتي لقيتي الحل وقولتلك هتعملي إيه!
ردت وهي تنهج وتشهق اثر البكاء :
_ بردو يا منى بردو.. اللي حصل مش سهل
ضمت رأسها إلى بطنها حيث كانت تقف امام السرير بينما الفتاة كانت جالسة، وردت في نبرة بها الحنان:
_ عارفة يا حبيبتي عارفة، بس هنعمل إيه يعني!
عملنا كل اللي علينا بجد!
_ انا خايفة اوي يا منى خايفة
_ لا يا قلبي متخافيش..
لاحظت منى حينها وجود شريط برشام موضوع خلف الفتاة بين ظهرها والوسادة، فالتقطته سريعًا وأخذت تقلبه بين أصابعها وهي تقول:
_ ايه دا؟ برشام إيه دا؟
ابتلعت ماهي ريقها ولم ترد، لتقرأ منى فتدرك سريعًا خطر الموقف وتصرخ في صديقتها:
_ مهدئ!
تاني يا ماهي مهدئات؟
مش قلنا كفاية والدكتور حذرك آخر مرة روحنا فيها زيارة وقال لك خطر على البيبي؟
قلنا ولا لا؟
ردت في صوت مبحوح للغاية:
_ مش عارفة اهدى.. مش عارفة أنام غضب عني والله غصب عني.
_ لا لا، احنا كدا لازم نروح زيارة للدكتور تاني يطمنا، انتي أكيد مجنونة
وفي تلك الأثناء، دخلت عليهما سحر والدة شهاب ولما لاحظت دموع الفتاة، قالت في خضة وهي تقترب منها:
_ إيه يا ماهي يا حبيبتي بتعيطي ليه؟
نظرت الفتاة إلى منى كي تنجدها، لتقول منى:
_ ولا حاجة يا طنط، الحمل بس تاعبها، اصلا كنا رايحين دلوقتي انا وهي زيارة للدكتور بسبب موضوع الحمل اللي بقا يتعبها دا
تضايقت سحر للغاية وعليه ردت:
_ أنا بسأل مرات ابني وعايزاها هي اللي ترد عليا
نظرت إليها منى في ضيق ولكن ماهي تدخلت في الحال وقالت:
_ ماما سحر منى مش قصدها نهائي.. انا بس مش قادرة اتكلم وتعبانة فعشان كدا هي ردت
ردت السيدة على الفور:
_ لو رايحة زيارة لدكتور فأنا كمان هاجي معاكي، طالما مش هتستني شهاب أما يرجع من الشغل
هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ تمام يا ماما سحر، تعالي معانا
_ ماشي، هروح البس وهكلم جوزك اقوله إننا رايحين
وبعدما تحركت قليلًا نحو الخروج، لاحظت وقوف منى مكانها وعليه توقفت وعلقت متسائلة:
_ إيه يا منى يا حبيبتي هتفضلي واقفة عندك كتير؟
ولا يكونشي هتلبسي معاها في نفس الأوضة!
زفرت منى في ضيق وهي تتمتم:
" استغفر الله العظيم يارب"
ثم ردت على مضض:
_ لا يا طنط خارجة اهو وحالا
ثم نظرت إلى ماهي وقالت:
_ البسي بسرعة يلا انا رايحة ألبس وخلينا نمشي
ثم تحركت للخروج.
انتظرت سحر حتى خرجت وحتى دخلت الغرفة التي تقيم بها، ثم خرجت هي الأخرى وقد ولّت شاهندا مهمة المراقبة حتى تنتهي من تغيير ملابسها.
***********
خرج الطبيب ليزيد الذي ينتظر في الخارج وقال له بالالمانية:
_ يبدو أن المريضين تعرضا لتناول مادة مهدئة أو منومة دون علمهما، يُرجح أنها وُضعت في الطعام الذي تناولا منه. وقد أدى ذلك إلى دخولهما في حالة من الخمول الشديد وفقدان الوعي.
قلق يزيد للغاية وتمتم:
" منوم! مين حط لهم منوم!
افتكرت انهم اتعرضوا لحالة تسمم مثلا بسبب حاجة فاسدة من التورتة!
لكن مين نيمهم وازاي وفين وليه وامتى؟؟
وبين كل تلك التساؤلات التي كانت تدور في رأسه، قال للطبيب يسأله:
_ متى سيفيقان؟
_ من الصعب تحديد الوقت بدقة، لكن إذا لم تحدث أي مضاعفات، فمن المتوقع أن يستعيدا وعيهما خلال عدة ساعات
_ كم ساعة تتوقع؟
_ قد يفيقان خلال 6 إلى 12 ساعة، لكن من الممكن أن يظل أثر الدواء موجودًا لفترة أطول، فيشعران بالدوار والنعاس حتى بعد استعادة الوعي.
هز رأسه موافقًا ثم شكر الطبيب.
راح يجلس في ساحة الانتظار وهو لا يفهم أي شيء.
أخذ يفكر قليلًا.. ثم اتصل على زوجته والتي قالت له بمجرد أن استجاب:
_ إيه اللي حصلهم؟ طمني عليهم، هما كويسين دلوقتي؟
قاطعها في نبرة مليئة بالانفعال:
_ هو فيه إيه؟ في إيه عمال يدور حواليا وانا مش فاهمه؟
انتي لازم تفهميني، انا لازم افهم دلوقتي.
انتي وجياد وهانيا مخبيين إيه عليا؟
من بدري وانا حاسس ان في حاجة.. اصلا ليه صفوت يعمل كدا وليه كل اللي عمال يحصل مع جياد دا، وفيه إيه اتكلمي!
ابتلعت ريقها وسكتت قليلًا.. ثم قالت له:
_ يزيد ممكن تخليك معايا شوية هحطك ويتنج، بابا بقاله شوية بيرن ومش عايز يسكت، هشوفه
_ ماشي
وبالفعل وضعته على الانتظار، ثم استقبلت مكالمة والدها قائلة:
_ ألو
رد الرجل في نبرة بها القلق قليلًا ولكنه كان يخفيه:
_ روني، اوصلي للمحامي بتاعي وتعالي انتي وهو على القسم بسرعة لاني بكلمه مش بيرد
شهقت في خضة وسألته:
_ قسم
قسم ليه؟
ليه محامي ليه، إيه اللي حصل؟
تنهد ثم رد:
_ مش عارف حاجة.. انا كنت بشتغل في أمان الله، جم خدوني وقالولي في تحقيق.. متهمني في قضية مخدرات
ضربت الفتاة على صدرها في خضة وهي تصرخ:
_ يالهوي يالهوي، مخدرات إيه دي بس!
_ روني، اهدي انا قلت انتي العاقلة واللي بتعرفي تتصرفي علشان كدا كلمتك، أكيد فيه غلط ما هيوضح متخافيش، اعملي بس اللي قولتلك عليه وتعالي يلا أنا مستنيكم.
ابتلعت ريقها محاولة أن تهدأ وهي تنطق بصعوبة:
_ حاضر يا بابا حاضر
_ في هدوء ها، من غير شوشرة خالص، متقوليش لحد حاجة دلوقتي لسه هنشوف الموضوع رايح بينا على فين ها؟
_ حاضر، حاضر
ثم تمتمت في خوف:
" باسم.. هو الله يحرقه مفيش غيره"
ومن شدة توترها وخوفها وقلقها أنهت المكالمة مع والدها ومع زوجها المنتظر دون أن تنتبه، كل ما كان في خاطرها وقتها، هو أن تخرج سريعًا من هنا لتبحث عن ذلك المحامي وتأتي به أينما كان وتذهب به في الحال إلى والدها.
وبعدما لاحظ يزيد أنها أنهت المكالمة معه، تضايق للغاية وبدأ يهز ساقه من فرط العصبية والغيظ وعليه تمتم:
" ماشي.. انا هعرف لوحدي مش عايز مساعدة حد.."
فكر أن يذهب ليكتشف ولكنه خاف كثيرًا على أخيه وزوجته، خاف أن يتركهما وحدهما فيحدث لهما أي سوء أثناء غيابه وهما غائبان عن الوعي لذا قرر أن ينتظر حتى يفيق أحدهما على الأقل.
***********
وداخل القصر، استدعت عبير، حورية طالبة منها أن تأتي لتتحدث معها في أمر ما.
وقد جاءت السيدة بالفعل واستقبلتها عبير، استقبالًا عاديًا.
وعندما تهيأ الأمر سألتها حورية:
_ خير يا عبير هانم، طلبتيني ليه؟
وضعت السيدة ساق فوق الأخرى وردت وهي تعود بجسدها إلى الخلف لتستند على المقعد:
_ بقى انتي معندكيش علم، انتي هنا النهاردة ليه يا حورية؟
تعجبت السيدة قليلًا ثم هزت رأسها بالسلب وردت:
_ لا فعلا معرفش، ولو اعرف هخبي ليه؟
_ طول عمرك خبيثة زي بناتك يا حورية.. بقى بنتك مقالتلكيش؟
ردت السيدة في نبرة جدية:
_ بدون غلط يا عبير هانم.
انا معرفش حاجة وبنتي مقالتش حاجة، ولو سمحتي ادخلي في الموضوع علطول!
_ الموضوع يا حبيبتي بخصوص بنتك مايا، الدكتورة الكبيرة العاقلة..
ابتسمت ثم تابعت:
_ يظهر دلوقتي بس عرفت، ليه بقت دكتورة بهايم، لانها شبهم وزيهم طبعا.
ردت حورية في غيظ:
_ انا سبق وقولتلك بدون غلط، افتكري اني حذرتك
تعجبت عبير للغاية وردت في استغراب شديد:
_ ايه دا ايه دا ايه دا!
هو انتي وبنتك هانيا طلعلكم صوت مع بعض وفي نفس الوقت؟ سبحان الله!
_ انا عندي صوت من زمان يا عبير هانم، بس تقدري تقولي كنت بحاول بكل الطرق مصعدش الأمور معاكي على قد ما اقدر، لكن هتسوقي فيها مش هسكت طبعا
صاحت السيدة في غيظ:
_ طبعا وشك الحقيقي دا ظهر بعد ما بناتك ركبوا على عيالي ودلدلوا رجليهم، بعد ما سحرتلهم وخلتوهم خواتم في صوابعكم
ردت حورية في ثقة:
_ والله انا مليش دعوة متجمعميش معاهم، كل بنت من بتاني قدرت تكسب جوزها بطريقتها، ومش كل واحد حب مراته وخايف على زعلها يبقى اتسحرله يا عبير هانم والا انتي كمان ساحرة للشيخ لانه برغم من انه غني ومرتاح جدا، مفكرش مثلا انه يتجوز عليكي زي ما رجالة كتير ما بتعمل!
_ جوزي معملش كدا لانه راجل محترم وانا طول عمري مكفياه يا عقربة انتي، إنما لو غلطت في مرة بيغلطني عادي وبيحاسبني وبيكاتبني، إنما عيالي ماشين مع بناتك على أي حاجة وأي تصرف بدون عقل وبدون مناقشة، يبقى دا اسمه إيه؟
ردت في ابتسامة:
_ اسمه عشق!
_ تصدقي إنك مستفزة زيك زي بناتك التلاتة بالظبط!
المعيوبة والزرافة وام بوز، هما دول اللي خدناهم منكم وهما دول اللي عيالي عاملين عليهم كل دا
ردت الأخرى في نبرة حادة:
_ فشر، انا بناتي زينة البنات كلها، مفيش عيب فيهم واحد يُذكر، وعلى رأي المثل ملقوش في الورد عيب، قالوله يا أحمر الخدين!
هزت رأسها بالايجاب بطريقة ساخرة وردت:
_ طبعا طبعا ماهو واضح من غير ما تأكدي.
ونعم التربية فعلا، التربية اللي تخلي بنتك الاولى تروح لدجال والتانيه تكلمني باسلوب زي الزفت والتالتة اللي بقت في منتهى قلة الأدب، واضح التربية فعلا!
صاحت حورية في غيظ:
_ بنتي مين اللي تروح لدجال يا ولية يا خرفانة انتي!
يظهر إنك كبرتي وبقيتي تخرفي كتير
لتصرخ عبير في غضب:
_ لا لا احترم نفسك، انتي في قلب بيتي!
_ لا يا حبيبتي انا في بيت بناتي يا عسولتي، انتي وجودك هنا اللي مؤقت، كل القصر دا بتاع بناتي وعيالهم فيما بعد
_ ايوا.
ايوا يا حورية اظهري على حقيقتك كدا وباني، اتأخرتي علشان تباني وتظهري بوشك الحقيقي
_ انا بقولك الحقيقة، انتي اللي موهومة، والا بناتي هيخرجوا برا القصر دا وهيعيشوا لوحدهم كل واحدة تقعد في فيلا ملكها أقل حاجة
لتصيح الأخرى في غضب أكبر:
_ فيلة مين يا معفنة انتي، هو انتي كنتي تطولي فلل ولا زفت، انتي شحاتة احمدي ربنا يا شحاتة يا جربوعة انتي على جوازات بناتك دي!
وقفت حورية فجأة وقفة واحدة مليئة بالانفعال وردت في نبرة قوية:
_ لا انتي شكلك اتجننتي على الآخر، انا أكيد مش هقف واسمع اكتر
ثم تحركت تاركة إياها تصرخ وتسب وتشتم.
خرجت حورية من الغرفة وظلت تسير في عجلة وخطواتها مليئة بالغضب تنادي في صراخ وهي تنظر إلى الأعلى:
"مايا، مايا.. مايا"
ثم اتصلت عليها وصاحت في نفس النبرة:
_ انزليلي حالا
لتأتي عبير خلفها وتصيح هي الأخرى:
_ وطي صوتك ومتصرخيش في قلب بيتي، انتي فاهمة؟
هنا تقعدي باحترامك
وعلى صوتهما، نزلت فاطيمة من غرفتها وهي تركض نحو عبير وتتساءل:
_ ايه يا عبير هانم خير، حصل إيه؟
ردت في عصبية:
_ استني يا فاطيمة أما اشوف الحسالة دي.
بدأت مايا تنزل الدرج في سرعة مليئة بالتوتر بمجرد أن لمحت الغضب على وجه أمها و حماتها أثناء نزولها.
وفي سرعة اتجهت نحو أمها وقالت:
_ نعم؟
_ لمي هدومك ويلا معايا، ملكيش قُعاد في البيت دا، بعد الاتهام دا
نظرت إليها مايا ثم ردت في خجل وبنبرة صوت منخفضة:
_ مش همشي يا ماما.. انا مش هسيب بيت جوزي، مش هتحرك بدون إذن فاتح
_ ملكيش دعوة بفاتح، انا هقوله ان انا اللي خدتك.
ملكيش إنك تقعدي في بيت واحدة اتهمتك إنك روحتي لدجال
علقت عبير حينها بسخرية:
_ يا سلام!
صدقت انا بقا المسرحية دي!
لم تعيها أي اهتمام بل ظلت تنظر إلى ابنتها حتى صاحت في وجهها:
_ ما تيلا يا بنتي اتحركي!
لترد الأخرى في نبرة اصرار واضحة:
_ مش همشي يا ماما مش همشي مش همشي
_ يعني ايه؟ عايزة تفضلي في بيت زي دا؟
بقولك اتهمتك بأنك روحتي لدجال، وجاية تتكلم معايا في الموضوع بدون احترام وغلطت فيا وانتي لسه عايزة تقعدي!
ابتلعت ريقها ثم ردت في نبرة بها الخجل وهي تنظر إلى الأرض:
_ ماما.. ماما.. أنا فعلا روحت لدجال
حملقت السيدة بها في عدم تصديق، لتضيف مايا سريعًا:
_ بس انا والله العظيم ما كنت اعرف انه دجال والله كنت فكراه شيخ..
ثم اشارت بيدها نحو فاطيمة الواقفة بجانب عبير واضافت:
_ هي اللي ودتني، هي اللي دلتني، هي اللي قالت لي عليه وقالت لي انه شيخ وانه هيفك لي السحر اللي عليا وهيخليني أحمل وفي الآخر طلع دجال مش شيخ.
استدارت حورية نحو فاطيمة لتصيح السيدة تدافع عن نفسها:
_ بطلي كدب وافترا بقا، هتروحي من ربنا فين يا مفترية انتي!
بقا انا؟
انا اللي وديتك عند الدجال دا انا؟
حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة وفي كل الظلم دا.
ثم نظرت إلى عبير وتابعت في نبرة بها الصعبانية والتمسكن:
_ بقا أنا؟
أنا يا عبير هانم تصدقي عليا إني روحت هناك؟
انا ممكن يطلع مني حاجة زي كدا بعد كل العمر دا؟
ردت عليها الأخرى:
_ اهدي يا فاطيمة كدا كدا احنا عارفين انها كدابة وان هي وأمها الحرباية دي اللي ورا كل دا، وقاعدين بيُحْبُكوا القصة علينا
قالت لها حورية موجهة سؤالها:
_ إلا قوليلي يا عبير هانم، عرفتي ازاي ان بنتي راحت لدجال؟
_ بقى هو دا اللي هامك؟
_ ايوا هو دا اللي هاممني، قوليلي بقا معلش؟
_ فاطيمة قالتلي انها كانت بتلاحظ خروجها كتير برا القصر في اوقات غريبة، ومشت وراها واحد قبل كدا وقالها على المكان دا وبقا يصورها وهي داخلة وهي خارجة
تدخلت مايا قائلة:
_ ماشي يا عبير هانم بس فيه فيديوهات ليا وانا جوا عنده، تقدري تقوليلي راجل مدام فاطيمة ازاي وصلها؟
ردت فاطيمة في الحال:
_ اما راجلي قالي طبعا، انا كنت عايزة اعرف مين دا وبتعملي عنده إيه، فخليته يدفع للست المساعدة اللي هناك مبلغ كبير، وهي اللي حطت الكاميرا اللي قولتله عليها بنفسي في اوضة الدجال فأما بقيتي تدخلي بعد كدا، بقينا نشوف لان الكاميرا متوصلة علينا دغري
ثم نظرت إلى عبير وتابعت في نبرة بها البراءة:
_ انا طبعا قلت يا عبير هانم لازم افهم هي رايحة فين وجاية منين الأول وداخلة عند مين قبل ما اتهمها بحاجة.
قلت في الأول جايز صاحبتها ولا حاجة بس حقيقي اللي خلاني أشك هو المكان، المكان مشبوه اصلا لا يشبهنا ولا نشبهه.
فقبل ما اثير البلبلة قلت لازم اتأكد الأول كله إلا اعراض الناس، حرام انا عندي بنت بردو!
هزت عبير رأسها بالايجاب وقالت:
_ صادقة من غير حاجة طبعا
ثم نظرت إلى حورية وابنتها بالتناوب وتابعت:
_ عرفتوا؟
إيه اللي اتغير بقا؟
قالت لها مايا في نبرة اقرب للبكاء:
_ عبير هانم، انا اقسم بالله ما عملت سحر ولا أي حاجة من دي لفاتح.
كل الموضوع إني كنت فكراه شيخ، انا بس كان نفسي عقدتي تتحل وأحمل، بس فكرت هو دا الحل والله.
ردت عليها في نبرة قاسية:
_ كان ممكن اتعاطف معاكي وأصدق ان اضحك عليكي فعلا لولا انك اتهتمي فاطيمة علشان تورطيها معاكي، دا اللي خلاني اتأكد انك كدابة وانك شيطانة فعلا وانك كنتي عارفة كل حاجة بس بتكدبي.
روحتي لدجال علشان ابني يفضل يحبك وميتجوزش عليكي لانك معيوبة ومش بتخلفي، عمري ما هصدق دموعك دي يا بنت حورية، خلاص شوشكم كلها بانت على حقيقتها.
تنهدت حورية وردت:
_ الإهانة دي أنا مش هسكت عليها وهوريكي يا عبير هانم قريب ازاي تتكلمي معانا بالاسلوب دا، وبيتك دا هخربهولك بالطريقة لو فكرتي بس مجرد التفكير انك تخربي على واحدة من بناتي.
_ إيه هتخربيه بالسحر؟
ردت ساخرة منها في ابتسامة:
_ تؤ خالص.
بعيالك.. عيالك هما اللي هيخربوا بيتك يوم بس ما تفكري تاخدي واحدة من بناتي منهم، وخاصة.. جياد.
_ اتكلمي على قد ما تتكلمي يا حورية كل دا كدب وبكرة تقعدي جنب عيالك المطلقين تصوتوا مع بعض.
_ اقسم لك ما حد هيصوت غيرك
ثم تحركت صوب الخروج في خطوات سريعة، لتقول عبير في صوت عالي كي يصل إليها أثناء سيرها:
_ بعونك يا حورية بعونك، بكرة بناتك يطردوا واحدة ورا التانية وهتشوفي، والله لتشوفي...
لكنها تجاهلتها تمامًا ولم ترد عليها بل ظلت تسير في طريقها نحو الخروج دون حتى النظر خلفها.
أما عبير فقد شعرت بنيران الغضب تأكل خلايا قلبها، تضرب الارض بقدمها في غيظ.
وقالت لها مايا في نبرة صوت ضعيفة:
_ كان نفسي بس تحبينا
ثم صعدت على السلم متجهة إلى غرفتها، ليصل لها صوت حماتها تقول:
_ مستحيل، سامعة، مستحيل.
انتوا شياطين وعمر الملايكة ما هتحب الشياطين ابدا
حزنت مايا للغاية ما إن شبّهتها بالشيطان وتوقفت لحظة متأثرة.. ولكن سرعان ما تابعت طريقها مرة أخرى.
قالت فاطيمة لتهدئ عبير:
_ اهدي اهدي وفكك، كلها تهديدات فارغة، هما ملهمش إلا الكلام انتي عارفة، اوعي تخافي منهم
_ حورية دي شيطانة لازم يتخاف منها أساسا.
تنهدت ثم تابعت في نبرة بها التوتر:
_ وجياد.. جياد خلاص اتاخد مني، اترمى في حضن حورية وبنتها، عرفوا يضحكوا على الواد اكمنوا شاب صغير لسه وخلوه يكتب لبنتهم شقة من بالم هيلز تساوي ملايين.
انا مش مصدقة ابدا، مش مصدقة، جياد طول عمره حريص وعمره ما يفرط في فلوسه بالشكل دا ابدا، ازاي يعمل كدا؟ ازاي!
_ اديكي قلتي بنفسك ان ابنك حريص.. ما يمكن الحيوانة اللي اسمها هانيا دي قالت كدا وخلاص بتكدب عليكي يعني!
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا ما انا عرفت انه سحب فلوس ودفع المقدم فعلا
_ طب ما يمكن شقته! اشتراها لنفسه يعني!
هزت رأسها نافية مرة أخرى وردت:
_ جياد لو هيشتري، كان اشترى من إعمار.. هو بيشتري منهم دايما، عمره ما جاب من بالم هيلز ولا بالم هيلز تفضيلاته أساسا.
وبعدين هي هتكدب ليه، ما هي عارفة إني هسأله وهعرف، البت دي مش بتكدب، البت دي عاملة حاجة لابني كبيرة اوي.
سحر أسود بقا ومنيل بستين نيلة شكله.
ثم تابعت في عدم تصديق:
الواد طول ماهو في البنج، بيقول هانيا، يصحى يقول هانيا، يفتح عينه يقول هانيا، يغمض يقول هانيا، فيه حاجة غلط والله فيه حاجة مش طبيعية، مش دا ابني لا مش دا جياد لا.
سكتت فاطيمة قليلًا شاعرة بالغيرة الشديدة ما إن تأكدت أنه بالفعل قد اشترى تلك الشقة لهانيا، كانت تطمح بأن ماله يذهب لابنتها واحفادها فيما بعد ولكن وجود هانيا قد أفسد كل شيء مما كانت تخطط له طيلة عمرها.
وتمتمت في غيظ:
" منك لله يا جياد انت ويزيد، بوظتولي كل أحلامي.
ومنك لله يا شهاب انت كمان، معرفتش تاخد منه المصيبة اللي اسمها هانيا دي وتغورها في داهية!
البت هتكوّش على كل حاجة والواد عادي ولا فارق معاه وعمال يدفع ويصرف ويفرتك ملايين عليها بدم بارد.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم. "
****************
خرج الطبيب من الغرفة التي تستلقي بها ماهي إلى أهلها الواقفين في الممر. كانت منى وحماتها تنتظران بقلق ظاهر على وجهيهما.
وبمجرد أن لمحته منى، أسرعت نحوه قائلة:
_ ها يا دكتور، طمّنا.
تنهد الطبيب تنهيدة طويلة قبل أن يجيب:
_ هي مش بخير بصراحة.
تجمدت ملامحهما، بينما أكمل هو بجدية:
_ إحنا محتاجين تدخل طبي سريع، ولازم تتنقل لمستشفى أكبر فيها حضّانة أطفال مجهزة وإمكانيات أعلى.
شعرت منى أن قلبها هبط في قدميها وقالت بخوف:
_ ليه؟ مالها؟ حصل إيه؟
أجاب الطبيب:
_ ضغط الحمل عندها مرتفع بشكل مقلق، وفيه ضعف واضح في نمو الجنين مقارنة بعمر الحمل. غير كده هي فقدت وزن كتير في فترة قصيرة وحالتها النفسية سيئة جدًا.
شهقت السيدة سحر وقالت:
_ يعني هي والبيبي في خطر؟
أومأ الطبيب برأسه قائلًا:
_ لو استمرت الأمور بالشكل ده، أيوة. علشان كده لازم متابعة دقيقة جدًا من دلوقتي.
_ يعني هتولودها في السابع؟
_ لا، إحنا هنحاول نحافظ على الحمل أطول فترة ممكنة. كل يوم الطفل بيفضل فيه جوه بطن أمه بيفرق معانا طبعا.
إحنا حاليا بس هنحجزها في المستشفى للمراقبة وهنشوف ايه الأفضل ليها، الجنين يتولد ولا يفضل لان انا شايف ان فيه مؤاشرات بداية تسمم حمل
_ امتى ممكن تضطروا تولدوها؟
_ لو الضغط استمر يعلى، أو الجنين بطل ينمو بالشكل المطلوب، أو ظهرت أي مضاعفات جديدة... ساعتها هنبقى مضطرين نولد حتى لو لسه في السابع.
هي عامة كويس في الأسبوع ال ٣٠
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم عادت سحر تسأله في نبرة بها قلق أكبر:
_ بس مش كدا الطفل هيكون صغير وضعيف لو اضطرينا للولادة المبكرة؟
رد عليها:
_ آه، بس في نفس الوقت فرص نجاة الطفل في الطب الحديث جيدة جدًا.
تنهد ثم تابع:
_ على العموم إحنا هنحاول نحافظ على الحمل قدر الإمكان، لكن لو الاستمرار بقى خطر على الأم والجنين، لازم ننهي الحمل.
ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءًا:
_ من اللحظة دي ممنوع أي مجهود، ممنوع أي ضغط نفسي، ممنوع أي زعل. الحالة النفسية عندها بقت جزء أساسي من العلاج، مش رفاهية.
ونظر إليهما نظرة جادة وهو يضيف:
_ لو عايزين ننقذ الأم والطفل، لازم تتعاملوا معاها على إنها مريضة فعلًا، لأن اللي هي فيه مش بسيط
انهى كلامه وانصرف تاركهما والقلق معًا.
وفي الوقت نفسه، أقبل نحوهما شهاب في خطوات سريعة للغاية وما إن وصل حتى سأل أمه:
_ في إيه طمنيني عليها، الدكتور قال إيه؟
وبعدما أخبرته بنبرة يائسة، دخل على زوجته فوجدها ممددة على السرير وجهها شاحب ولونها أصفر كأن الروح ليست بها.
لا أثر لأي حيوية ولا دموية في ملامح وجهها.
اقترب في هدوء ثم جلس على الكرسي الذي يوازي سريرها وظل صامتًا... فقط شاردًا بها وبما تعاني.. شاردًا إلى ما وصلت له، إلى تلك الحالة وذلك المنظر.
كانت مغمضة العينين، ساكنة بصورة أخافته أكثر من أي انهيار أو بكاء رآه منها من قبل.
أطال النظر إليها حتى ظن أنها نائمة، لكن بعد لحظات تحرك جفناها ببطء ثم فتحت عينيها التقت نظراتهما ولم تقل شيئًا، فقط ظلت تنظر إليه، أما هو فبقي مكانه لا يعرف ماذا يقول، للمرة الأولى بدت الكلمات عاجزة تمامًا.
مرّت عدة ثوانٍ في صمت ثقيل قبل أن تحرك شفتيها أخيرًا وتقول بصوت خافت متعب:
_ طمّني على زين يا شهاب
ارتبك من السؤال ثم أجاب سريعًا:
_ زين كويس
هزت رأسها ببطء وهي تنظر إلى بطنها المنتفخة قليلًا أسفل الغطاء
ثم همست:
_ لا... مش حاسة
شعر بوخزة في قلبه فمال بجسده نحوها قليلًا وقال:
_ زين كويس يا حبيبتي... متقلقيش.
أغمضت عينيها للحظة ثم فتحتها مجددًا:
_قولتلك مش حاسة بكدا.
_ ماهي...
_ والله مش حاسة بكدا.
بدأت دموعها تتجمع داخل عينيها وهي تتابع:
_ مش مطمنة عليه.
_ الدكتور متابع حالته.
_ بس أنا حاسة إنه تعبان بسببي.
_ متقوليش كدا.
هزت رأسها بالسلب عدة مرات وهمست:
_ أنا خايفة أوي يا شهاب.
ظل صامتًا فأكملت بصوت مرتجف:
_ إحنا قاعدين هنا ليه؟ يلا نمشي أنا خلصت
ابتلع ريقه ثم قال بهدوء:
_ احنا هنا لسه علشان الدكتور عايز يطمن عليكي أكتر.
_ ليه؟
_ علشان الحمل بقى محتاج متابعة.
نظرت إليه بقلق واضح وتساءلت:
_ متابعة إزاي؟
تنهد طويلًا ثم قال بحذر:
_ ممكن يحصل ولادة بدري شوية لو وضع الحمل متحسنش.
اتسعت عيناها فجأة وردت في قلق:
_ يعني إيه بدري؟
_ يعني لو الدكتور شاف إن دا الأحسن ليكي وللبيبي هتولدي و..
أخذت تتنفس بسرعة وردت في خوف:
_ لا...
_ ماهي اهدي.
_ لا لا لا...
_ بصيلي.
لكنها كانت تهز رأسها بعنف تقول دون توقف:
_ لا... هو لسه صغير.
_ عارف، وأكيد الدكتور عارف حاجة زي كدا وهو طمنا عليه جدا وقال ان الطب اتحدث جدا وياما حالات من دي حصلت
_ هيعيش إزاي؟
_ هيعيش يا حبيبتي عادي ماهي ركزي معايا، اطلعي من التوهان اللي انتي فيه دا!
ابتلعت ريقها وقالت في خوف شديد:
_ وأنا.. أنا خايفة اوي يا شهاب، مش عايزة أولد انا خايفة
شعر وكأن أحدهم قبض على قلبه حينها فقال سريعًا:
_ متقوليش كدا يا روحي، ان شاء الله هتقومي منها انتي وهو بخير متخافيش
_ ولو مت؟
_ ماهي!
ماهي ماهي بصيلي يا روحي بصيلي
بدأت تلتفت له وهي تبتلع ريقها مرات متتالية حتى جفّ ريقها، فتابع:
_ مفيش موت، مفيش استسلام مفيش خوف.
انتي وزين هتقوموا بالسلامة وهتجولي، انتي وزين مش هيجرلكم حاجة حطيها حلقة في ودانك
_ أنا حاسة إني مش هقوم من اللي أنا فيه دا.
ازدادت دموعها وهي تتابع:
_ حاسة إني بتسحب مني واحدة واحدة.
في تلك اللحظة نهض من مكانه وجلس على حافة السرير ثم مد ذراعه حول كتفيها وسحبها نحوه برفق فاستقرت رأسها على صدره.
وأخذ يمرر يده بين خصلات شعرها في هدوء وقال:
_ بس... بس يا حبيبتي، بلاش الكلام دا خالص.
عادي جدا الدكتور طمني على الآخر وقالي حالات زي دي ياما والام بتطلع منها عادي جدا وهي شايلة ابنها في حضنها.
انفجرت دموعها أكثر وهي تقول:
_ خايفة أوي، مش عايزة أولد بدري لا
_ متخافيش يا روح قلبي متخافيش انا معاكي... ثم انه دا مش بدري يا حبيبتي ولا حاجة، انتي في الشهر السابع عادي جدا، ياما ناس ولدت في السابع ومن زمان كمان قبل ما الطب يتقدم كدا، وبيبقوا كويسين هما واولادهم، تخيلي بقا في العصر الحديث اللي احنا بقينا فيه!
وضعت يدها على قلبها وردت في رعب:
_ مش مطمنة، خايفة اوي حاسة ان فيه حاجة هتحصل قلبي مش مطمن خالص.
بدأ يضمها إليه أكثر فأكثر وهو يقول في نبرة هادئة مليئة بالطمأنينة:
_ وأنا هفضل أطمنك لحد ما تطمني، انا موجود طول الوقت معاكي، أنا جمبك وبأكدلك انك هتعدي دا بسهولة وهتولدي وهنعيش مع بعض وهنربي ابننا وهنفرح بيه، وهنشوفه وهو عريس وهتختاري معاه بدلة فرحه كمان يا ستي.
ثم أضاف مازحًا:
_ وكدا كدا هتملي عليا البيت عيال انا طماع وعايز اكتر من عيل
_ طب لو حصل حاجة؟
ضمها إليه أكثر وقال وهو يقبل أعلى رأسها:
_ مش هيحصل، مش احتمال اصلا مش وارد انه يحصل حاجة تمام؟
حطي دا في م
دماغك، انتي وزين هتقوموا منها عادي جدا
_ طب لو حصل؟
أغمض عينيه للحظة يهدأ لأنه في الحقيقة بدأ يقلق عليها من كلامها ذلك.. ثم همس:
_ تفائلي بالخير يا روحي وان شاء الله رب الخير لا يأتي إلا بالخير
شهقت باكية وهي تقبض على قميصه بكفيها.
أما هو فظل يربت على ظهرها في صمت، بينما قلبه يرتجف خوفًا مثلها تمامًا، لكنه كان يحاول أن يبدو أقوى منهما معًا..
********
_ هو أنا ممكن أفهم أنا بعمل إيه هنا يا فندم؟ يعني أنا راجل محترم وليّا سمعتي، وكنت قاعد بشتغل في أمان الله، وفجأة اتسحبت من وسط شغلي كده. ممكن أفهم في إيه؟
تحدث مجدي إلى الشرطي بعدما تم القبض عليه، وجاءت ابنته برفقة المحامي الذي كان حاضرًا معه داخل المكتب محاولًا فهم ما يحدث من الضابط حتى يتمكن من الدفاع عن موكله.
وحينها كانت روني تقف بجانب والدها تمسك كف يده تقول في همس:
_ اهدى يا بابا يا حبيبي ان شاء الله خير
فقال الضابط:
_ مستر مجدي، حضرتك متهم في قضية مخدرات.
هزّ مجدي رأسه قائلًا:
_تمام يا فندم، أنا فهمت دي. بس أنا راجل محترم، قضية مخدرات إيه اللي أنا متهم فيها؟ ممكن حضرتك تقولي الأدلة أو الكلام اللي عندك ويثبت الاتهام ده؟
تدخل المحامي قائلًا:
_أستاذ أيوب عبد الستار، محامي الأستاذ مجدي.
أومأ الضابط برأسه وقال:
_ ماشي يا أستاذ أيوب. الأستاذ مجدي متهم في قضية مخدرات، والأدلة كلها موجودة وواضحة.
_ ممكن أطلع عليها
_ حالا
ثم ضغط على الجرس، فدخل له العسكري فقال له:
_ هات المتهم يا ابني
تحرك العسكري في انضباط لينفذ الأمر.
دقيقة ودخل تارة أخرى وهو يصطحب رجل يبدو على ملامح وجهه السمعة السيئة وقال بمجرد أن دخل وهو يشير نحو مجدي:
_ اهو هو دا يا باشا، هو دا استاذ مجدي السلاب اللي كان المفروض يستلم مننا الشحنة
صاح مجدي وهو يشيح بيده:
_ هو مين دا يا حيوان انت، هو انا اعرفك اصلا ولا عمري شفتك!
ثم نظر إلى الشرطي وتابع:
_ يا باشا الراجل دا كداب، انا عمري في حياتي ما شفته أصلا والله
بدأت روني تتوتر قليلًا فقبضت على يد والدها رغمًا عنها.
سأل المحامي في هدوء:
_ هو ايه الموضوع يا فندم بالظبط؟
_ النهاردة، جالنا بلاغ على وجود الشحنة دي وروحنا وقبضنا على دا اللي كان سايق عربية نقل محملة أسماك وحاشي في بطن السمك أكياس المخدرات واما قبضنا عليه وحققنا معاه، رفض تماما في الأول يتكلم لكن بعد كدا قال على كل حاجة.
قال هو تبع مين وكان رايح يسلم الشحنة لمين
تساءل مجدي في استغراب شديد:
_ كان رايح يسلمهالي أنا؟
يا فندم انا في الشركة طول اليوم ونظرا لغياب الرئيس التنفيذي للشركة انا معنديش وقت أروح بيتي حتى!
هز الشرطي رأسه بالسلب ثم رد:
_ ماهو ماكنش رايح يسلمهالك انت، بل لناس تبعك ومعانا صورهم بس للأسف ملحقناش نقبض عليهم
_ ايه يا فندم الكلام دا؟
ثم نظر إلى محامية وتابع:
_ ما تقول حاجة يا متر!
سأله المحامي في ثبات:
_ ايه يا فندم اللي يثبت ان اللي في الصور دول اللي حضراتكم لسه مقبضتوش عليهم، تبع مستر مجدي السلاب؟
_ هقولك حالا
ثم ضغط على الجرس فدخل العسكري رفقة رجل آخر، وبمجرد أن رآه مجدي، اختض للغاية فقد كان موظفًا في الشركة في قسم الجودة.
تابع الشرطي وهو يشير إلى ذلك الرجل:
_ أكيد عارفينه، مستر ياسر معاكم في الشركة صح يا مستر مجدي؟
نظر مجدي إلى ياسر وسأله:
_ ايه الحكاية يا ياسر؟
لم يرد الشاب بل كان صامتًا ينظر بعيدًا فتابع الشرطي:
_ مستر ياسر هو اللي بلغ عن الشحنة، ودا أما كان في البريك بتاعه وشاف حركة غريبة لناس ملثمة حوالين الشركة.
لانه راجل شهم صورّهم وبلغ وبالتتبع قدرنا نتأكد انهم اللي كانوا في انتظار الشحنة و.. قول يا ياسر انت الباقي.
تنهد الشاب ورد في ثبات:
_ مستر مجدي طلبني الساعة ٢ ونص بالظبط لمكتبه وانا روحت وقولتله خير، كلمني بنبرة قوية جدا وقالي انت صورت ايه انت بضر نفسك اوعى تبعت حاجة زي كدا للبوليس وعرض عليا مبلغ علشان ولا من شاف ولا من دري بس انا ضميري مسمحليش وبلغت ومش خايف منه، انا في عرض الحكومة.
نظر الضابط إلى مجدي وسأله:
_ تفتكر لو فرّغنا كاميرات الشركة، هنلاقي ياسر جالك فعلا الساعة ٢ نص المكتب ولا هنلاقي الكاميرات متعطلة؟
بدأ الرجل يتصبب عرقًا ورد في توتر:
_ هو جيه يا فندم فعلا بس كان بيتكلم في شغل، قالي ان مفيش مشاكل، انا بس حاولت أحل معاه شوية وبعدها قولتله معنديش وقت وروح لمديرك وهو فعلا مشي هو دا كان محور الكلام
تدخل المحامي قائلًا:
_ يا فندم سؤال بس، هو دلوقتي موكلي هيشتري شحنة بالفعل زي ماهو متهم بالظبط، إيه اللي هيخليه يعمل شوشرة لنفسه ويخلي الناس اللي تبعه دول يكونوا حوالين الشركة يعني؟
_ حتى دي سألت فيها المتهم اللي اتمسك دا، وبما إنه قرر يتعاون في التحقيق معانا، قالي إن مستر مجدي رفض الشحنة بعد خروجها مباشرة لانه اختلف مع صاحبها شوية في السعر فهما عملوا كدا علشان يخوفوه وهو فعلا خاف وقال موافق فمشيوا و..
قاطعه المحامي قائلًا:
_ معلش يا فندم تعليق كمان، ايه الدليل ان موكلي خاف وقال موافق؟
تنهد الشرطي ورد:
_ الدليل ببساطة هو خروج عاملة النظافة من الشركة وهي شايلة الزبالة ورايحة تكبها في الصندوق المجاور للشركة وهما اول ما شافوها فهموا حاجة والدليل أول واحد فيهم جري على الصندوق وقلب فيه وبص في ورقه كدا وبعدها رماها تاني وبعدها مشيوا كلهم.
ولما احنا فتشنا لقينا الورقة دي فعلا.
مد الشرطي يده للمحامي وفي يده الورقة التالفة والمطوية بشكل عبثي، ليفتحها المحامي ويجدها ورقة مكتوب بها:
" تمت الموافقة "
سحبها مجدي من يده ونظر إلى ما هو مدّون بها وابنته بجانبه هلكها الذعر والرعب عليه.
صمت مصدومًا بمجرد أن تأكد أنه خطه، ليقول الشرطي بعدما شبك أصابعه في بعضهما البعض ووضع كفيه فوق المكتب:
_ ها يا مستر مجدي خطك دا ولا هنحتاج خبير خطوط؟
ابتلع الرجل جفاف حلق فمه وصمت لحظات... ثم رد في صعوبة شاعرًا بتعسر موقفه للغاية:
_ يا فندم اه خطي، بس انا بكتب في العادة رسايل زي دي عادي في الشركة، بوقع كدا دايما تحت على صفقة على اجازة على أي حاجة بتتقدم لي بحكم شغلي!
هز الشرطي رأسه ثم قال:
_ ليه كل حاجة ضدك كدا؟
المتهم والشاهد الوحيد والورقة، ليه الدنيا جاية عليك كدا؟
بدأت الفتاة تبكي على والدها في هدوء دون أن تصدر أي صوت اثر الخوف.
تنهد الشرطي وأضاف:
_ خد التقيلة بقا، وصل لحسابك صباح اليوم، مبلغ بقيمة ٦ مليون جنية من من جهة تجارية مشبوهة جاري فحصها
تقدر تقولي دا مرتبك يعني؟
ولا صدفة بردو إن يجيلك مبلغ كبير زي دا في الوقت دا بالذات من مكان مشبوه؟
نظر إلى المحامي وقال:
_ اعتقد كدا الأدلة بقت واضحة لحضرتك.
أول حاجة المتهم تاني حاجة التحويلات البنكية اللي دخلت حسابه. تالت حاجة شهادة شاهد عيان من داخل الشركة. وكل الأدلة اللي جمعناها حتى الآن بتشير إلى تورط الأستاذ مجدي في القضية وبالتالي هحوله للتحقيق.
وبمجرد أن سمعت الفتاة ذلك سقطت من هول الصدمة جالسة على الكرسي فلم تستطع أن تقف على قدميها أكثر...
**************
ذهبت حورية إلى الشقة التي يقيم فيها فاتح منذ أن تشاجر مع مايا وأضحى ينام بعيدًا عنها وعن القصر كله وذلك بعدما اتصلت عليه وسألته عن مكانه وهو من اعطاها عنوانه.
وبمجرد أن فتح لها الباب، قال:
_ اتفضلي يا مرات عمي.
دخلت على الفور، وما إن خطت بضع خطوات حتى قالت في غيظ:
_هو أنت مصدق كلام مامتك دا ؟ إيه يا فاتح، أنت فعلا صدقت ان مايا ممكن تكون عملالك سحر؟ بجد؟ إزاي تفكر كدا ؟ إزاي تسيب مايا بكل السهولة دي طول المدو دي من غير ما حتى تسأل فيها؟
بقا أكلمها أسألها عنك تقولي بقاله اسبوعين غايب عن البيت؟
دا من وقت ما كان جياد لسه تعبان دلوقتي جياد اتعافى وراجع وانت لسه سايبها كدا؟
أنت مصدق فعلًا إن مايا عملت لك سحر؟
تنهد الشاب وقال
_ تعالي بس يا مرات عمي، اقعدي واشربي حاجة ونتكلم.
هزت رأسها معترضة وقالت:
_ أنا مش عايزة أشرب حاجة يا فاتح. أنا دلوقتي بتكلم معاك بمنتهى الإنسانية والمنطقية. أنت تعرف عن بنتي الدكتورة مايا، الست المحترمة الخارجة من بيت محترم، كلام زي ده؟
رد فتح بهدوء:
_ بس في أدلة بتدينها فعلا يا مرات عمي، انا مش ظالمها وهي أكدت إنها راحت!
عقدت حاجبيها وقالت:
_ الأدلة اللي بتدينها دي، يا حبيبي، إنها راحت لواحد كانت فاكراه شيخ. هي كانت فاكرة إنه هيقرأ لها ويفك لها السحر أو العمل اللي كانت معتقدة إنه معمول لها، أو أيًا كان السبب اللي خلاها تروح له. لكن إنها تعمل سحر فعلًا وتتفق مع دجال علشان يأذيك... هل ده فعل ممكن يصدر من مايا يا فاتح؟
وبعدين انت ليه معلش يعني مكدب بنتي ومصدق عمتك اوي كدا؟
قبلما يرد، قاطعته متابعة:
_ بص يا فاتح انا كنت عندكم في القصر من شوية، مامتك استدعتني، ومقولكش بقا، شتيمة وقلة قيمة وقلة أدب وغلط فيا وفي بنتي عيني عينك واتهامات واضحة وصريحة.. لا يا فاتح لا، مش انا اللي أقبل ان دا يحصل مع بنت من بناتي.
انا زمان أما بنتي غلطت رجعتها بايدي لبيت جوزها وهي بتنزف ومفرقش معايا لانها كانت فعلا غلطانة وركبت حصان وهي حامل فحسيت انه معاه حق في زعله وغضبه وقتها، إنما انت قاعد بتفكر في إيه؟
بتحسبها لسه؟
لا متحسبهاش، طالما شايف ان بنتي دجالة ومشعوذة ومصدق دا من قلبك، رجعهالي، بنتا تلزمنا واحنا أهلها.
مايا قالت لك، عمتك اللي عملت كدا تبقى عمتك اللي عملت كدا، اصلها تكدب ليه؟
لو راحت لوحدها هتقولك روحت روحت لوحدي، ونفس السيناريو بس كنت فكراه شيخ وطلع دجال وسامحني، ايه لزمته تتهتم عمتك الا لو فعلا عمتك هي اللي دلتها؟
_ وعمتي تعمل كدا ليه؟
ماهو انا محتاج افهم بردو، ليه عمتي ممكن تعمل كدا؟
تنهدت وردت في هدوء نسبي:
_ بص يا حبيبي، لا أمك ولا عماتك بيحبوني لا انا ولا بناتي ودا من زمان اوي اوي من ساعة ما مجدي بدأ شغل مع ابوك وهما دايما مقتنعين إن إحنا طمعانين فيكم وان مجدي هيورط ابوك في مرة، الكلام دا اتقالي في وشي وفي ضهري واتقال في وش بناتي وضهرهم.
عايز تصدق، صدق مش عايز براحتك، بس كدا كدا الحقيقة مهما استخبت مصيرها تظهر، بس الفكرة كلها في حتة يا ترى هنكون خسرنا إيه وقد إيه لحد ما الحقيقة تظهر؟
امشي وراهم واخرب بيتك وسيب مراتك اللي بتموت فيك وتتمنى تبوس تراب رجليك.
فاتح اهلك مسميين بنتي المعيوبة انت متخيل!
مايا كانت بتجيلي كل زيارة معيطة وتشتيكيلي منهم واحد واحد واما عرفت انها ممكن تكون وراثة خالتها اللي حملت بصعوبة، جالها انهيار عصبي انت مش متخيل فكرة يعني ايه واحدة مش بتخلف والدنيا كلها ازاي بتبقى ضغط عليها، انت مش متخيل بنتي كانت بتمر بإيه كل شوية ولا أمك اللي كانت بتخوفها وتقولها هيتجوز عليكي منى جارتنا، كل الكلام دا ماكنش بينيم مايا ولا كان بيرحم عيونها من الدموع.
_ انا ياما طمنتها، ياما قولتلها لا، ياما قولتلها مش عايز غيرك ولا هخلف من غيرك، ليه الغباء بقا!
_ مهما إن كان، هي خايفة بردو مهما طمنتها، ممكن تخاف من فكرة الزن، ممكن تخاف من فكرة الزن وكبر سنك مثلا تفقد الأمل وتوافق زيك زي أي شاب مصري أصيل
تنهدت وتابعت:
_ انا عامة هتصل بالشيخ وهقوله كل حاجة
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ لا بالله عليكي مش دلوقتي بلاش بابا، بابا كان المفروض اصلا ينزل مصر من يومين بس عنده مشاكل في الشغل كتيرة جدا وراسه مشغول فوق طاقته، بلاش مشاكل ازيد، انا مش عيل صغير، انا هعرف أحل كل دا بإذن الله
وفي الوقت نفسه، سمع صوت هاتفه يرن، استقبل المكالمة:
_ إيه يا شاكر اخيرا!
_ إيه يا فاتح معلش والله، انا بقالي اسبوعين كل مرة بخلي ناس شكل تروح تهجم على البيت بتاعه مش لقيينه، واصلا مطلعش اسمه عطاالله ولا حاجة ودا اللي خلانا متلغبطين شوية بالأخص اما سألنا الجيران قالوا ان البيت دا لواحدة ست ارملة اسمها " روحية" وهما حتى ميعرفوش مين عطاالله دا.
بعد بحث وتفريغ كاميرات الشارع، قدرت اتعرف على ملامحه ومن صوره وصلت لاسمه وطلع اسمه " أسعد الصاوي " أكبر محتال ونصاب وكان مسجون وطلع من قريب اصلا
_ طب والست صاحبة البيت قالت ايه؟
_ مفيش ست في البيت، البيت كان فاضي تماما، الناس قالت هي صاحبة البيت وورونا صورتها انما ملقناش حد خالص في البيت وبقالي اهو اكتر من اسبوع حاطط البيت تحت المراقبة، ومحدش هوّب ناحيته.
عامة مستمرين في البحث عنه وعنها ولو فيه جديد هبلغك
_ تمام يا شاكر، تسلم لي
انهى المكالمة معه ثم نظر إلى حماته والتي سألته وأخبرها بكل شيء لتعلق ساخرة:
_ وهو بقا عرف منين ان البوليس بيدور عليه علشان كدا هرب؟؟
شغل دماغك بقا، هما يدوب كشفوا بنتي من هنا، وانت بلغت من هنا والراجل هرب من هنا.. صدفة يعني؟؟؟
************
بدأ وعي هانيا يعود إليها تدريجيًا، وكأنها تصعد من قاع بحرٍ عميق إلى السطح ببطء.
تحركت أصابعها أولًا حركة خفيفة بالكاد تُلاحظ، ثم عقدت حاجبيها في انزعاج وهي تشعر بثقل غريب يسيطر على جسدها كله.
تقلبت على الفراش بتعب، وحاولت أن تفتح عينيها، لكن الضوء الساطع المنبعث من مصابيح الغرفة جعلها تغمضهما مرة أخرى لثوانٍ. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تعاود المحاولة، لتتمكن هذه المرة من فتح عينيها ببطء.
رمشت عدة مرات وهي تحاول استيعاب ما حولها سقف أبيض، ورائحة مطهرات، وأجهزة طبية تصدر أصواتًا منتظمة لتدرك أخيرًا أنها داخل المستشفى.
في تلك اللحظة، انتبه يزيد إلى حركتها، فنهض من مقعده واتجه نحوها ودخل الغرفة سريعًا ثم سألها بقلق:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
نظرت إليه للحظات قبل أن تجيب بصوت متعب:
_الحمد لله.
تنهد براحة وقال:
_ كويس إنك فوقتي.
أومأت برأسها وردت:
_ أيوة، الحمد لله فوقت.
هز رأسه ثم قال:
_ طيب خلاص، أنا رايح مشوار صغير.
نظرت إليه باستغراب:
_مشوار إيه؟
سكت قليلًا ثم رد:
_ خليكي جنب جياد وخلي بالك منه.
التفتت هانيا إليه ثم سألته:
_ جياد فاق؟
أجابها:
_ لا، وعشان كده خليكي جنبه.
عادت تنظر إليه وقالت:
_ وإنت رايح فين مقولتليش بردو؟
ابتسم ابتسامة خفيفة محاولًا طمأنتها:
_ رايح مشوار صغير وجاي، مش هتأخر. بس خليكي جنب جياد بحيث ما يحصلوش حاجة.
أومأت برأسها موافقة:
_ تمام.
وما إن غادر يزيد الغرفة حتى ظلت هانيا جالسة لثوانٍ تحاول استيعاب ما حولها. كانت تشعر بثقل شديد في رأسها، وكأن جسدها بأكمله لا يزال تحت تأثير ذلك المهدئ اللعين.
وضعت كفها على حافة السرير وتحاملت على نفسها ببطء حتى وقفت. ترنحت خطواتها في البداية، فمدت يدها تستند إلى الحائط القريب. أغمضت عينيها لثوانٍ وهي تحاول استعادة توازنها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تتحرك بخطوات بطيئة نحو الغرفة المجاورة.
دفعت الباب برفق ودخلت.
كان جياد حينها مستلقيًا على السرير بلا حراك، إلا أن أصابعه بدأت تتحرك حركة طفيفة، ثم عقد حاجبيه وكأنه يصارع ثقلًا هائلًا يجذبه إلى النوم من جديد.
حرك رأسه ببطء فوق الوسادة، ثم فتح عينيه تدريجيًا. ظل يرمش عدة مرات محاولًا التركيز فيما يراه أمامه، حتى استقرت عيناه أخيرًا على هانيا الواقفة قربه.
ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة ممزوجة بالراحة وقالت:
_ الحمد لله على السلامة.
نظر إليها للحظات قبل أن يجيب بصوت متحشرج:
_ الله يسلمك.
اقتربت منه قليلًا وسألته:
_ فوقت؟
أومأ برأسه قائلًا:
_ آه... الحمد لله.
ثم وضع كفيه على السرير محاولًا الاعتدال. بدا الأمر صعبًا في البداية، لكنه أصر على الجلوس حتى استقام أخيرًا وهو يسند ظهره إلى رأس السرير.
مرر يده على وجهه بإرهاق ثم سأل:
_ هو إيه اللي حصل دا؟ انا مش فاهم حاجة؟ آخر مرة كنا واقفين مع باسم وفجأة لقتني غبت عن الوعي
_ انت فاكر إيه بالظبط؟
_ كل اللي فاكره انه دخل وبعدها قعد يتكلم شوية وبعدها انا حسيت بدوخة كبيرة جدا، روحت حاولت امشيه لاني ماكنتش عارف اتوازن خالص، بس هو كان زي الحيطة مش بيتحرك وبعدين فجأة وقعت!
تنهدت هانيا طويلًا قبل أن تجيب:
_ باسم كان حاطط لنا منوم في التورتة.
اتسعت عيناه بدهشة وقال في خضة:
_ إيه!
المجرم!
طب.. طب دا حصل إزاي؟
ازاي عرفتي؟
جلست على المقعد المجاور له وقالت:
_ قبل ما أفقد الوعي، باسم اعترف لي بكل حاجة. قالي إنه كان متابعني، وبعت حد ورايا للمحل. الراجل شاف أنا طلبت إيه بالضبط وطلب نفس الحاجة، وبعدها عطّلوا الديليفري الحقيقي، وبعتوا واحد من طرفهم وكأنه المندوب، وهو اللي سلمني التورتة.
صمت جياد للحظة وكأن كلامها لم يستوعبه بعد، ثم اشتعل الغضب في عينيه فجأة، وقال بانفعال:
_والله العظيم لأربيه! والله لأأدبه! ولأوريه إزاي يعمل كده الوسخ دا!
وحاول أن ينهض من فوق السرير، لكن هانيا أسرعت تقول:
_ لا يا جياد!
التفت إليها وهو يغلي من الغضب
فقالت بجدية:
_إنت بتتعامل مع مجرم. واحد خطف وهدد وحط مهدئ في الأكل من غير ما يرف له جفن.
متهزرش احنا مش هنعمله حاجة ولا هنيجي جمبه حتى
ظل ينظر إليها وهو يضغط على فكه بقوة، بينما كانت هي تحاول تهدئته قبل أن يفكر في أي خطوة متهورة وتابعت:
_ جياد انت هتوعدني حالا إنك مش هتيجي جمب باسم تاني ولا هتتعامل معاه ولا هتردله اللي عمله دا ولا كل دا
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا طبعا انتي بتهزري ولا إيه!
يعني أعرف كل البلاوي والكوارث اللي عملها في حقنا دي واقعد عادي كدا وعلى قلبي مراوح؟
كادت أن تتكلم ولكنها لاحظت شيئًا ما، لذا تحركت أكثر صوبه وهي تشير نحو صدره وقالت:
_ إيه دا؟
أخفض رأسه نحو صدره وقال:
_ إيه؟
_ ايه الأحمر دا، استنى
بدأت في فك ازرار قميصه واحدًا تلو الآخر ثم شهقت قائلة:
_ يا نهار ابيض!
_ إيه خضتيني!
_ كتب على صدرك don't mess with me
نهض في سرعة ثم دخل المرحاض الخاص بالغرفة والتفت نحو المرآة وأخذ يتطلع على ما هو مكتوب على صدره وعلق في غيظ:
_ الحيوان.. دا كتبه بروج ثابت، اوف.. همسحه أنا ازاي دلوقتي!
_ والله! هو دا اللي همك؟ هو دا اللي لفت انتباهك؟
_ ايوا طبعا، امسحه أنا ازاي دلوقتي يعني!
تركته وعادت إلى الغرفة مرة أخرى ولحق هو أيضًا بها وقال:
_ دا اللي ها mess وهحبس أمه بس الصبر
التفتت إليه وقالت في نبرة بها الجدية:
_ اسمع يا جياد، لو قررت تعاديه وتحاربه، فأنا هرجع من هنا على بيت بابا فورا ومع نفسك بقا انت وهو
عقد حاجبيه في عدم تصديق ثم اقترب منها أكثر في خطوات سريعة بها الغضب ورد:
_ هو ايه الهبل اللي انتي بتقوليه دا؟
انتي بتهدديني؟
بتهدديني إنك هتمشي صح؟
هانيا، هانيا انا قولتلك مبحبش كدا مبحبش الاسلوب دا يا هانيا، هانيا متجننيش، متعصبنيش ..
قاطعته قائلة في نبرة جدية:
_ جياد، جياد افهمني صح مرة واحدة لوجه الله بقا
هو الحيوان دا كان ساكت وبعيد عننا أما فضلنا ننكش حوليه رجع لنا واحنا مش قده
_ لا قده
_ لا مش قده لا، دا مجرم فاهم يعني إيه مجرم؟
يعني مش هيتعامل معاك بأخلاقيات، يعني مفيش حاجة عنده ممنوعة، مفيش وسيلة مثلا هيستحرمها، انما انت عندك اخلاق ودين وضمير، تبقى المعادلة مش متوازنة نهائي.
يعني سوري يعني هو راح خطفني واغتصبني علشان مثلا يحرق قلبه، انت هتروح تغتصب مثلا خطيبته لو ماكنتش قريبتك؟
رد في سرعة دون تفكير:
_ هقتله أساسا هو انتي مفكرة إني هسيبه عايش على الدنيا كدا عادي لو عمل فيكي كدا؟
_ اللي وراه هيقتلوك، استفادنا إيه بقا؟
_ عادي جدا، مت بدافع عن شرفي!
صاحت في غضب:
_ جياد انا مش عايزة كدا، مش عايزة صراع مش عايزة قلق مش عايزة مؤامرات مش عايزة خطط مش عايزة دم مش عايزة حرب مش عايزة مش عايزة..
بدأ يهدأ قليلًا عم كان فيه، ثم وضع وجهها بين كفيه وقال في نبرة هادئة:
_ اهدي يا حبيبتي اهدي.. إحنا مضطرين
_ لا مش مضطرين ولا حاجة، لو بطلت تدور وراه لو بطلت تحاول توقعه او تكشفه علشان توديه في داهية، هيسكت.
يكفي تطرد عمتك دي من البيت وتعرف كويس ألاعبهم وتحذر منهم وبس.
اكشف اللي يخص عمتك وخلي الشيخ يطردها وخلاص و..
_ يا حبيبتي، هو انتي مفكرة اننا لو طردناها وخلاص هتسكت؟
الناس دي عايزة واقفة، مش عايزين تخاذل ولا خوف!
_ ايوا بس انت بتتعامل مع واحد مش سايب وراه دليل واحد حتى، وكل حاجة بيعملها صفوت وهو برا كل حاجة.
بتتكلم عن واحد اللي بيساعدوه كلهم برا البلد، اللي بيساعدوه كلهم مجرمين لا عندهم ضمير ولا دين ولا أخلاق ولا أي حاجة خالص.
جياد، انا عايزة السلام، عايزة الأمان وانت وعدتني إنك دايما هتحقق لي صح؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم وضع قبلة صغيرة فوق جبينها ورد في نبرة بها الحنان:
_ فعلا وعدتك ومازلت عند وعدي... مش عايزك تخافي مش هعمل حاجة انتي مش عايزاها.
بصي فيما يخص باسم مش هعمل أي حاجة الا اما ارجعلك واقولك واخد رأيك انتي وروني.
كمان لأزم بقا اقول لاخواتي علشان كدا بقا كتير لازم يحذروا من باسم الكلب دا، خاصة يزيد...
سكت برهة ثم تابع في تساؤل:
_ هو صحيح يزيد فين؟
_ قال رايح مشوار مش عارفة راح فين... تفتكر راح فين؟
رد في خضة:
_ تبقى مصيبة لو راح الفندق وفرغ الكاميرات وشاف كل اللي حصل دا؟
_ يلا يلا بسرعة لازم نلحقه قبل ما يشوف حاجة.
تحركا عبر ممرات المستشفى بخطوات سريعة، يكادان يهرولان من شدة التوتر. كانت هانيا تضم هاتفها بين يديها وتلتفت بين الحين والآخر نحو الأمام، وكأنها تخشى أن يضيع منهما الوقت قبل الوصول إلى يزيد.
أما جياد، فكان لا يزال يحاول استيعاب كل ما حدث منذ اللحظة التي تناولا فيها التورتة وحتى استيقظا داخل المستشفى فسألها:
_ طب تفتكري باسم كان عايز إيه أصلًا؟ وليه يحط لنا منوم في التورتة؟ وإحنا كنا غايبين عن الوعي عمل إيه؟ وإزاي اتنقلنا للمستشفى؟ كل ده حصل إزاي؟
هزت هانيا رأسها في حيرة وهي تواصل السير بسرعة وردت:
_ مش عارفة... والله مش عارفة حاجة.
تنهدت بتوتر ثم أضافت:
_ بس روني كانت معايا على التليفون وقتها، فمش بعيد تكون سمعته وهو بيهددنا.
التفت إليها جياد سريعًا وقال:
_ تقصدي إنها هي اللي بلغت؟
أجابت وهي تسرع من خطواتها أكثر:
_ احتمال. يمكن كلمت يزيد، خصوصًا إنه كان جنبنا طول الوقت.
عقد جياد حاجبيه مفكرًا، بينما تابعت هانيا بقلق واضح:
_ وعلى العموم هنسأله. المهم دلوقتي نوصله وبس.
ثم أسرعت من خطواتها أكثر، ففعل جياد المثل، بينما كان القلق يزداد داخلهما مع كل خطوة يقتربان بها من وجهتهما.
ما إن وصلا إلى الفندق حتى توقفت السيارة أمام المدخل مباشرة.
فتح جياد الباب على عجل وخرج مسرعًا، يكاد يركض من شدة توتره، بينما كانت هانيا تسرع خلفه محاولة اللحاق به.
وبمجرد أن دخلا إلى بهو الفندق، لمحا يزيد واقفًا أمام مكتب الاستقبال يتحدث مع أحد الموظفين.
اتجه إليه جياد بسرعة وهو يناديه:
_ يا يزيد!
التفت يزيد نحوهما، وما إن رآه حتى قال:
_ جياد! الحمد لله على السلامة. كويس إنك فوقت.
أجابه وهو يقترب منه:
_ الله يسلمك. إنت بتعمل إيه هنا؟
رفع يزيد حاجبه وقال:
_ واقف.
قطب جياد جبينه في عدم فهم.
_ واقف بتعمل إيه؟
_ واقف يا جياد، عايز إيه يعني؟
تنهد جياد بضيق وقال:
_ أيوه واقف بتعمل إيه؟ ما تقول.
نظر إليه يزيد طويلًا قبل أن يرد بجدية:
_ واقف هنا عشان أعرف الحقيقة اللي إنتوا عايزين تخبوها عني. إنت وهانيا وروني كلكم عارفين حاجة ومش عايزين تقولوهالي. واللي حصل لكم أصلًا مش طبيعي.
تبادل جياد وهانيا نظرة سريعة، ثم قال جياد:
_ هو إيه اللي حصل بالظبط؟
ضحك يزيد بسخرية قصيرة وقال:
_ إنت بتسألني أنا إيه اللي حصل بالظبط؟ يعني إيه منوم في الأكل؟ ومين اللي جابه؟ وإيه اللي بيحصل؟ وإنتوا عارفين مين ورا كل ده ومش عايزين تقولوا؟
تنهد جياد وقال:
_ طيب وإنت بتعمل إيه هنا وهتعرف إزاي؟
أشار يزيد نحو موظف الاستقبال وقال:
_ أخدت إذن من الإدارة، ومستني يفرغوا لي الكاميرات عشان أشوف بنفسي إيه اللي حصل.
هز جياد رأسه بالسلب ثم رد:
_ يلا يا يزيد نمشي إحنا كدا هنتأخر على الطيارة ولازم نرجع مصر طولنا اوي
هز يزيد رأسه بحزم ورد:
_ لأ. أنا مش ماشي من هنا قبل ما أشوف كل حاجة.
اقترب منه جياد أكثر وقال برجاء:
_ علشان خاطري يا يزيد.
_ لأ يا جياد.
علشان إنتوا من ساعة ما صحيتوا وإنتوا بتلفوا وتدوروا ومش عايزين تقولوا الحقيقة.
من بدري اصلا وانتوا مخبيين عليا حاجة كلكم ومراتك كلمتني وقالتلي هو في خطر وخلي بالك منه ودلوقتي روني تقولي روحلهم هما في خطر!
إيه إيه هو في إيه!
مش عايزين تقولولي ليه؟
تنهد جياد بعمق ثم قال:
_ والله العظيم، أقسم بالله هقولك كل حاجة أول ما نرجع مصر. بس بلاش دلوقتي وبلاش شوشرة وفضايح.
عقد يزيد حاجبيه وقال:
_ فضايح؟
أومأ جياد برأسه ورد:
_ أيوه يا يزيد. فعشان خاطري يلا نمشي دلوقتي، وأنا أوعدك إني هقولك كل حاجة بنفسي.
ظل يزيد ينظر إليه لثوانٍ طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما خلف كلماته.
ثم زفر بضيق، وأدار وجهه إلى الجانب وهو يتمتم باستغفار خافت.
تبادلت هانيا وجياد نظرة مرتاحة، قبل أن يهز يزيد رأسه أخيرًا ويستدير متجهًا نحو الخارج بصمت، ليلحق به الاثنان.
**********
وقف مجدي بجوار المحامي خارج المكتب، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحه. كان يحاول التماسك، إلا أن القلق الذي ينهش صدره كان أكبر من أن يخفيه.
مرر يده فوق وجهه وهو يقول بضيق:
_ هعمل إيه يا أستاذ أيوب؟ هو كده القضية لبستني لبستني ولا إيه؟ ده باللي عامله عايز يوديني في داهية.
حاول المحامي طمأنته فقال:
_ متقلقش يا مستر مجدي. كده كده أنا هشتغل على القضية، وهحاول أبطل كل الأدلة دي واحدة واحدة. هحاول أظهر أدلة جديدة وأثبت إن في حد مدبر الموضوع من أوله لآخره.
تنهد مجدي في ضيق أكبر وقال:
_ بس أنا مينفعش أنام في السجن. ده لا من مقامي ولا من مستوايا. أنا لازم أرجع الشركة في أسرع وقت. إنت عارف إن الشركة محتاجاني وإن في مشاكل كتير في الشغل والشغل كتير بجد والشيخ مش موجود!
أومأ المحامي برأسه وقال:
_ عارف يا مستر مجدي، وعشان كده لازم نشتغل بسرعة. أنا هحاول أثبت إن التحويلات دي مفبركة، وإن الموضوع كله وراه حد عايز يوقعكم طبيعي انتوا ناس مشهورة وناجحة وممكن كل دا يحصل من قِبل منافسينكم في السوق.
بس أهم حاجة دلوقتي... مين؟ مين ممكن يفكر يأذيك بالشكل ده؟
صمت مجدي للحظات وهو يحاول التفكير، إلا أنه لم يجد إجابة واضحة.
وفي الجهة الأخرى كانت روني تقف على مسافة قصيرة منهما، شاردة الذهن تمامًا.
كانت تستعيد في رأسها كل كلمة قالها باسم كل تهديد، كل وعيد.
كل نظرة كل مرة حاول فيها تخويفها.
وفجأة شعرت أن الصورة اكتملت أمامها.
اتسعت عيناها قليلًا قبل أن تتجه نحوهما بسرعة.
_ بابا.
التفت إليها مجدي.
_ نعم يا حبيبتي؟
نظرت إلى المحامي ثم قالت:
_ بعد إذنك يا أستاذ أيوب... ممكن آخد بابا دقيقة؟
أومأ المحامي موافقًا، فاصطحبت روني والدها إلى مكان أبعد قليلًا عن الأنظار.
نظر إليها مجدي باستغراب وقال:
_ في إيه يا روني؟
رفعت عينيها إليه وقالت بحزم:
_ باسم.
قطب جبينه في عدم فهم وعلق:
_ باسم ماله؟
_ باسم هو اللي ورا كل اللي حصل ده.
اتسعت عينا مجدي في صدمة وقال:
_ إيه؟!
ثم أردف بعدم تصديق:
_ ليه؟ وأنا عملتله إيه أصلًا؟
هزت رأسها وقالت بسرعة:
_ لأنه مجرم يا بابا. هو اللي تسبب في الكارثة الإدارية اللي حصلت من فترة. وهو اللي كان بيهددني طول الوقت. وهو اللي كان بيقولي إنه هينتقم من الشيخ بطريقته. وهو اللي مشغل صفوت تبعه.
ازدادت ملامح مجدي توترًا كلما استمع إليها.
فتابعت:
_ من فترة قلت لجياد حقيقته وجياد بدأ يدور وراه ويدوب هيوصل راح المستشفى وباسم عرف وجالي المكتب وهددني بأنه هيعيطني على حد غالي عليا..
صمتت لحظة ثم قالت بثقة:
_ وبعدها علطول تحصل قضية زي دي وتتلفق لك بالشكل ده؟ مين غيره يقدر يعمل حاجة زي كده؟
ضغط مجدي على أسنانه بقوة وهو يتمتم:
_ الله يخرب بيته... هو علشان كدا قدم استقالته؟
ردت في خوف:
_ هو قدم استقالته؟؟
_ ايوا، معرفش قلب علينا ليه كدا!
ثم تنهد في ضيق وأكمل:
_ شكلي هطول شوية هنا لحد ما المحامي يعرف يتصرف ويشوف حل للمصيبة دي.
رفع عينيه إليها وقال بجدية:
_ اسمعيني كويس يا روني.
_ نعم.
_ لازم تروحي لفاتح وتفهميه كل اللي بيحصل. الشركة مينفعش تفضل من غير حد متابعها.
أومأت برأسها فورًا:
_ حاضر.
_ وقولي لفاتح بردو لو تعرف توصل للشيخ بلغه لو فيه إمكانية يعني.
ثم وضع يده على كتفها وقال:
_ ومتخافيش عليا، أنا هتصرف طمني ماما وبإذن الله أنا هطلع منها مش هطول هنا
رغم كلماته، كانت عيناه تحملان قلقًا لم يستطع إخفاءه، بينما شعرت روني لأول مرة أن الأزمة أكبر بكثير مما كانت تتخيل ولكنها هزت رأسها موافقة على أي حال.
***********
في صباح اليوم التالي، كان باسم يجلس في حديقة فيلا فاخرة داخل أحد التجمعات السكنية الراقية. جلس أمامه رجل تجاوز الخمسين من عمره، تبدو عليه ملامح النفوذ والسلطة. كان ممسكًا بسيجارته بين أصابعه، ينفث دخانها ببطء وهو يتأمل الجالس أمامه.
ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن يتحدث الرجل أخيرًا:
_ اتأخرت أوي عشان تاخد القرار ده يا باسم. من زمان وأنا بقولك سيبك من خالك وتعالى اشتغل معايا. الراجل ده عمره ما هيوديك لقدام، يا إما هيوقعك يا إما هيفقرك.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي باسم وهو يرد بهدوء:
_ مفيش حاجة بتيجي متأخرة يا باشا. كل حاجة بتيجي في معادها بالظبط.
ثم اعتدل في جلسته وأضاف:
_ وبعدين للتوضيح بس... أنا بشتغل معاك، مش عندك. إنت عارف إن باسم ما بيحبش يشتغل عند حد.
أطلق الرجل ضحكة مرتفعة قبل أن يهز رأسه ورد:
_ عارف يا باسم، وعارفها من زمان. وعشان كده أنا مقدر دماغك. إنت الوحيد اللي لو قلبت على عبد الله الزيني هنقدر نجيبه الأرض، ورغم رفضك كتير، الا إني كان عندي أمل إنك في مرة هتقبل وهتسيبه وهيجي تشتغل معايا أنا
أخذ نفسًا من سيجارته ثم أكمل بنبرة امتزج فيها الحقد بالسخرية:
_ الراجل كل شوية شركة جديدة، ومشروع جديد، وفرع هنا وفرع هناك. لسه سامع إنه بيفتح توسعات برة مصر كمان. وأنا آخر حاجة عايزها إنه ينجح أو يكبر أكتر من كده. أنا عايزه كل يوم يصحى على مشكلة جديدة تشغله وتستنزفه.
ظل باسم يستمع إليه بصمت، بينما كانت ابتسامة خافتة ترتسم على وجهه. كان يعلم جيدًا طبيعة العلاقة بين ذلك الرجل وعبد الله الزيني. لم تكن منافسة أعمال عادية، بل عداوة قديمة تجاوزت حدود السوق والتجارة منذ سنوات.
لذلك كان أول شخص فكر في اللجوء إليه بعد استقالته هو ذلك الرجل تحديدًا.
وأخيرًا قال باسم:
_ وأنا أصلًا جاي لك علشان الحماية. آخر مرة عملتلهم مصيبة كبيرة جدًا، وخسرتهم ملايين، فأكيد هيردوا يعني بالأخص إنهم اكتشفوا إنه كان أنا
لوح الرجل بيده في استهانة ورد:
_ متقلقش.
ثم أشار إلى أرجاء الفيلا من حوله وتابع:
_ طول ما إنت معايا محدش هيقدر يقرب منك. إحنا هنا في التجمع، والمكان ده كله يعتبر تحت عيني. الأمن هنا يعرفني كويس، والناس اللي شغالة معايا أكتر من كفاية.
أطفأ سيجارته في المنفضة الزجاجية ثم تابع بثقة:
_ ومن النهارده إنت مش هتمشي لوحدك. هيبقى معاك رجالة مخصوص للحراسة. رايح جاي معاهم، ومفيش خطوة هتتحركها إلا وهما وراك
ثم مال للأمام قليلًا ونظر إليه مباشرة واضاف:
_ وطول ما إنت تحت حمايتي عامة، اعرف إن مفيش حد في البلد دي هيقدر يزعلك بس.
رفع باسم حاجبه مبتسمًا في رضا، بينما عاد الرجل إلى مقعده وارتسمت على وجهه ابتسامة تحمل الكثير من المعاني، وكأن كلٌ منهما وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه لدى الآخر.
أعاد الرجل ظهره إلى المقعد وأشعل سيجارة جديدة، ثم نظر إلى باسم نظرة طويلة قبل أن يقول:
_ يا باسم، أعتقد إن خطة مجدي ماشية كويس، صح؟
ارتسمت ابتسامة رضا على وجه باسم وهو يجيب:
_ آه، تقريبًا. المفروض دلوقتي يكون بيتعرض للتحقيق. القضية فيها أدلة كتير، والخروج منها مش هيبقى سهل.
هز الرجل رأسه بإعجاب وقال:
_ حلو. أعتقد إنك بدأت تقرب مني وتفهم إن لما تطلب مني حاجة، هتلاقي عندي الحلول.
ابتسم باسم وقال:
_ هو ده العشم برضه يا توفيق باشا
ضحك الرجل بصوت مرتفع ورد:
_ أيوه طبعا، هو دا أي حد؟
دا مجدي السلاب حبيب قلبي، يكفي إنه الدراع اليمين لحبيب قلبي الأكبر عبدالله الزيني.
ثم أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته قبل أن يضيف بنبرة أكثر جدية:
_ بس الدور الجاي بقى عليك إنت.
رفع باسم حاجبه منتظرًا أن يكمل حديثه.
فقال الرجل:
_ إحنا لازم نهد عبد الله الزيني. الراجل ده بيتوسع أكتر من اللازم، وكل يوم نفوذه بيزيد وشركاته بتكبر. وأنا مش مستعد أسيبه يكبر أكتر من كده والباشا الكبير زعلان.
صمت لحظة قبل أن يتابع:
_ عايزه يفضل طول الوقت غرقان في المشاكل. كل ما يحاول يقف على رجله نوقعه تاني. كل ما يحاول يتوسع نرجعه خطوة لورا. لازم نرهقه لحد ما يبدأ يخسر بنفسه كل حاجة ويقعد في البيت كفاية اوي عليه لحد هنا
ظل باسم يستمع إليه باهتمام، بينما كانت ابتسامة خافتة ترتسم على شفتيه.
وأضاف الرجل:
_ وعشان كده الدور الجاي عليك. إنت دلوقتي عارف الشركة من جوه، وعارف أسرارها وعارف الناس اللي فيها، يعني تقدر تساعدني أكتر من أي حد تاني.
ابتسم باسم وهو يهز رأسه قائلًا:
_ ولا يهمك يا باشا. أنا تحت أمرك. ومعاك في أي حاجة.
ثم أضاف بثقة:
_ وعندي الذكاء والخطط والتكتيك وانت عارف دا كويس وعندي الناس اللي لسه شغالة تحت إيدي في الشركة وبرا الشركة وبرا البلد كلها كمان.
الموضوع محتاج شوية ترتيب بس.
اتسعت ابتسامة الرجل وهو يستمع إليه ورد:
_ كنت عارف إني مختارتش الشخص الغلط.
نهض من مقعده واتجه نحوه، ثم ربت على كتفه قائلًا:
_ إحنا هنعمل شغل حلو أوي مع بعض يا باسم.
وقف باسم بدوره، وبادل الرجل الابتسامة نفسها ورد:
_ أكيد يا باشا، دا كدا كدا...
**********
في صباح اليوم التالي، كان شهاب قد استعد للذهاب إلى الشركة بعدما قضى ليلته بين الذهاب والإياب على المستشفى للاطمئنان على ماهي.
وقبل أن يغادر نهائيًا، قرر أن يمر على الطبيب للمرة الأخيرة.
أوقفه الطبيب قبل أن يبتعد وقال بجدية:
_ مستر شهاب، محتاج أكلمك.
شعر شهاب بانقباض في صدره وهو يقترب منه ورد:
_ خير يا دكتور؟
تنهد الطبيب وقال:
_ للأسف إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه عشان نحافظ على الحمل لأطول فترة ممكنة، لكن الوضع مبقاش يسمح أكتر من كده والاستمرار بالشكل ده بقى فيه خطر على الأم وعلى الجنين.
شحب وجه شهاب قليلًا ورد:
_ يعني إيه؟
_ يعني هنضطر نعمل ولادة مبكرة خلال الساعات الجاية. إحنا دلوقتي بنجهزها وبنجهز كل الإجراءات اللازمة.
ابتلع شهاب ريقه بصعوبة قبل أن يسأل:
_ طيب... في خطر عليها؟ أو على البيبي؟
هز الطبيب رأسه قائلًا:
_ حاليًا لا، والحمد لله الأمور مستقرة، علشان كده لازم نتصرف بسرعة قبل ما تحصل أي مضاعفات.
أومأ شهاب برأسه في صمت، ثم شكر الطبيب واتجه نحو غرفة ماهي
دفع الباب بهدوء ودخل.
كانت ماهي حينها مستلقية على الفراش، بينما كانت منى تجلس بجوارها. وما إن رأته حتى ابتسمت ابتسامة هادئة.
اقترب منها وجلس إلى جوارها وقال:
_ عاملة إيه يا حبيبتي؟
ابتسمت وهي ترد:
_ الحمد لله... أحسن من امبارح بكتير.
ربت على يدها بحنان ثم قال:
_ الدكتور لسه مكلمني.
تلاشت ابتسامتها قليلًا وهي تنظر إليه بترقب سألته:
_ وقال إيه؟
تنهد بهدوء ورد:
_ غالبًا هتولدي النهاردة. في أي وقت خلال الساعات الجاية.
ظلّت صامتة لثوانٍ وهي تستوعب الخبر، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وعلى غير المتوقع، لم تبدُ خائفة كما كانت بالأمس.
بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وردت:
_ خلاص... الحمد لله.
نظر إليها شهاب باستغراب ورد في ابتسامة صغيرة:
_ يعني مش خايفة خلاص الحمدلله؟
هزت رأسها برفق نافية ثم قالت:
_ كنت خايفة أوي، لكن دلوقتي حاسة إني مستعدة.
ثم وضعت يدها فوق بطنها وقالت بابتسامة دافئة:
_ نفسي أشوف زين اوي، نفسي أخده في حضني وأطمن إنه بخير طالما وجوده في بطني خطر عليه، خلاص أنا مستعدة لأي حاجة علشانه.
ابتسم شهاب رغم القلق الذي يعتصر قلبه وقال:
_ هتاخديه في حضنك إن شاء الله وهنفرح بيه كلنا
رفعت عينيها إليه وقالت بثقة أكبر:
_ حاسة إني هبقى كويسة علشانه حتى.. حاسة إني هعيش وهرجع البيت أنا وهو وانت يا حبيبي
أمسك يدها بين يديه وضغط عليها برفق ورد:
_ أكيد هتبقي كويسة يا روحي، وهنرجع كلنا وهنربي ابننا مع بعض
ثم مال نحوها قليلًا وأضاف:
_ و مستنيكم تخرجولي بالسلامة كلكم
ابتسمت وهي تشعر أن الخوف الذي ظل يطاردها منذ الحادث بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا وكأنها أخيرًا استسلمت للأمر الواقع.
نعم ستلد اليوم، ولم يعد أمامها سوى أن تستقبل صغيرها بكل ما تملك من أمل.
ابتسم شهاب وهو يربت على يدها مجددًا وتابع:
_ أنا هكلم أهلك ييجوا يقعدوا معاكي شوية لحد ما تدخلي العمليات.
أومأت برأسها وردت:
_ ماشي.
ثم عادت تنظر إلى بطنها وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيها، بينما أخذت مخاوفها تتراجع تدريجيًا لتحل محلها رغبة واحدة فقط، أن ترى زين بين ذراعيها أخيرًا...
*********
كان فاتح جالسًا داخل مكتبه، يحدق في الأوراق الملقاة أمامه دون أن يقرأ منها حرفًا واحدًا.
منذ الصباح وهو يحاول استيعاب المصائب التي تتساقط فوق رأسه الواحدة تلو الأخرى.
مجدي محتجز وتحيط به قضية خطيرة قد تدمر سمعته وسمعة العائلة بأكملها. والشركة تعيش حالة من الارتباك بعدما فقدت أحد أهم مسؤوليها. والأسوأ أن الخبر لا يزال مكتومًا حتى الآن، ربما يصل إلى الصحافة في أي وقت، فهو كان يعلم جيدًا أن الأمر لن يظل سرًا طويلًا.
أرسل أكثر من محامٍ للاطمئنان على سير القضية، وحاول متابعة العمل قدر استطاعته، لكنه كان يشعر بأن كل شيء ينهار من حوله.
أما عبد الله الزيني والده، فلم يكن يريد إشغاله بما يحدث. كان الرجل غارقًا في مشكلات الفرع الجديد في تشيلي، ويكفيه ما يعانيه هناك.
مرر فاتح يده فوق وجهه بإرهاق.
ولم تكن أزمة مجدي وحدها ما يشغل باله.
فكلما حاول التركيز في العمل، عادت إلى رأسه مشكلة مايا وذلك الدجال اللعين، والأسئلة التي لم يجد لها إجابة حتى الآن.
زفر بضيق، ثم التقط هاتفه واتصل بجياد.
جاءه الرد بعد لحظات:
_ أيوه يا فاتح.
_ إنتوا فين؟
_ في المطار. خلاص بنخلص الإجراءات وراجعين مصر.
تنهد فاتح براحة بسيطة وقال:
_ كويس.
صمت لثوانٍ قبل أن يسأل:
_ إيه حكاية مايا والدجال؟ مايا قالت إنك عارف كل حاجة، وأنا محتاج أفهم.
ساد الصمت للحظة في الطرف الآخر.
ثم قال جياد:
_ لما أرجع هتكلم معاك في كل حاجة.
_ ياريت.
أنهى المكالمة وهو يشعر أن الأسئلة تزداد أكثر فأكثر، بينما الإجابات لا تأتي أبدًا.
ظل ممسكًا بالهاتف للحظات قبل أن ينظر إلى اسم مايا تردد كثيرًا
أسبوعان كاملان مرا دون أن يتحدث إليها.
أسبوعان من الغضب والشك والخذلان.
لكن قلبه كان أضعف من أن يستمر أكثر من ذلك.
ضغط على زر الاتصال وبعد ثوانٍ قليلة جاءه صوتها المرتجف ونبرتها المتلهفة:
_ ألو؟
أغمض عينيه للحظة بمجرد أن سمع صوتها وقال:
_ عاملة إيه؟
ساد الصمت بينهما لثوانٍ طويلة.
ثم أجابت بصوت خافت:
_ أكيد مش كويسة
تنهد وقال بهدوء:
_ وانا ميخلصنيش إنك تبقي مش كويسة...
_ لا هونت عليك عادي يا فاتح
هز رأسه رغم أنها لا تراه واجاب:
_ لا صدقيني والله...
ثم قال بهدوء:
_ سمعتي اللي حصل لأبوكي؟
ارتجف صوتها قليلًا وردت:
_ أيوه وحقيقي من ساعتها وانا بقيت أسوأ
_ متقلقيش، إن شاء الله هيبقى كويس وهيخرج من الموضوع ده قريب
لم تتمالك نفسها أكثر من ذلك، فانهمرت دموعها بصمت.
أما هو فأكمل:
_ وبالنسبة للي حصل بينا...
حبست أنفاسها وهي تنتظر ما سيقوله فقال:
_ أنا مصدقك يا مايا
أغلقت عينيها بقوة وكأن حملًا ثقيلًا سقط أخيرًا عن صدرها وردت في فرحة:
_ بجد؟
_ أيوه... مصدقك.
ثم أضاف بهدوء:
_ لكن في نفس الوقت لازم أوصل للحقيقة كاملة. لازم أعرف إيه اللي حصل بالظبط، علشان الحقيقة متضيعش وسط كل اللي بيحصل.
مسحت دموعها سريعًا وقالت:
_ وأنا مستعدة أساعدك تعرف أي حاجة.
ابتسم للمرة الأولى منذ أيام وعلق:
_ المهم دلوقتي تبقي قوية. اللي حصل لأبوكي مش سهل.
عارف إنك عايزاني جمبك دلوقتي ودا واجب عليا اصلا، بس اعذريني انا حرفيا بايت في الشركة من امبارح.
يزيد وجياد بس يجوا وهيحلوا أزمة كبيرة جدا
أومأت برأسها رغم أنه لا يراها وردت:
_ خير إن شاء الله
ساد الصمت بينهما للحظات.
ثم قالت بصوت ممتلئ بالشوق:
_ فاتح...
_ نعم؟
_ أنت وحشتني أوي.
أغمض عينيه وتنهد ببطء وقال:
_ وإنتي كمان.
ازدادت دموعها وهي تهمس:
_ أنا مبحبش حد في الدنيا قدك.
ابتسم رغم كل ما يحيط به من أزمات وقال:
_ وأنا كمان
_ ونفسي تيجي بسرعة، نفسي أحضنك وألاقيك جنبي، فاتح انا فعلا محتاجاك جمبي
أسند ظهره إلى المقعد وقال بحنان:
_ هاجي، وهبقى جمبك وكل حاجة هتتحل
ابتسمت وسط دموعها وردت:
_ بجد؟
_ أيوه يا مايا
ثم أكمل بنبرة دافئة:
_ وإحنا هنعدي كل ده. كل اللي حصل ده هيعدي وكل اللي غلط هيتحاسب..
تنهدت براحة وكأن قلبها بدأ يستعيد الطمأنينة المفقودة وردت:
_ يا رب.
ابتسم فاتح وقال:
_ طول ما إحنا مع بعض، الدنيا هتبقى أحسن من اللي إحنا متخيلينه.
أغلقت عينيها وهي تستمع إلى صوته، بينما بدأت مخاوفها تتراجع شيئًا فشيئًا، لتحل محلها راحة افتقدتها منذ وقت طويل وقالت:
_ طول ما انا معاك، انا مش خايفة ولا قلقانة من حاجة اصلا
ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ هضطر اقفل دلوقتي ورايا شغل كتير، بس الأكيد إني هجيلك قريب
_ وانا مستنية يا حبيب عمري..
***********
مع اقتراب موعد الولادة، بدأ التوتر يفرض نفسه على الجميع داخل المستشفى.
كانت عبير تجلس على أحد المقاعد القريبة من غرفة الانتظار، لا تكاد تستقر في مكانها.
تارة ترفع يديها بالدعاء، وتارة أخرى تنظر نحو باب القسم وكأنها تنتظر أن يخرج أحد ليطمئنها.
أما فاطيمة وحليمة، فكانتا تتحركان ذهابًا وايابًا في الممر دون توقف. لم تكونا تبدوان في حالة انهيار أو ذعر، لكن القلق المصطنع كان موجودًا وواضحًا في نظراتهما وكل حركة تصدر عنهما.
وفي الجهة الأخرى كانت سحر تقف بصمت، إلا أن ملامح التوتر كانت مرتسمة على وجهها بوضوح. كانت تحاول التماسك قدر الإمكان، لكن فكرة أن تكون زوجة ابنها داخل غرفة الولادة في ظروف كهذه لم تكن سهلة عليها أبدًا.
وكذلك منى كانت في حالة من الرعب والذعر على صديقتها التي بدأوا في تجهيزها لدخول غرفة العمليات
أما شهاب، فكان الأكثر اضطرابًا بينهم جميعًا.
لم يستطع الجلوس لأكثر من دقيقة واحدة.
كان يخرج من غرفة ماهي ثم يعود إليها يلقي نظرة على تلك التجهيزات ثم يخرج مرة أخرى، وكأنه يبحث عن أي شيء يبدد ذلك القلق الذي ينهش قلبه.
وفي كل مرة كان يقف أمام باب الغرفة يتمتم:
_ يا رب... يا رب تقوم بالسلامة هي والبيبي، يارب تعدي على خير
ثم يعود للمشي من جديد.
وفي أثناء ذلك لم تتوقف الهواتف عن الرنين.
أقارب وأصدقاء وأشخاص علموا بالأمر ويريدون الاطمئنان.
وكانت عبير ترد أحيانًا، بينما تتولى فاطيمة او حليمة الرد أحيانًا أخرى.
_ أيوه يا حبيبتي، الحمد لله بخير، ادعوا لها بس.
_ لسه بس بتجهز اهي، أول ما تخرج هنبلغكم ونطمنكم
_ إن شاء الله تقوم بالسلامة.
وبين كل مكالمة وأخرى، كانت الأنظار تعود من جديد إلى باب القسم المغلق.
وفي تلك الأثناء كانت كاميليا تتابع كل شيء من خلال مكالمات الفيديو.
ظهرت على شاشة الهاتف أكثر من مرة وهي تسأل بقلق:
_ طمنوني... ماهي عاملة إيه دلوقتي؟
فتجيبها والدتها:
_ الحمد لله يا بنتي، كويسة. ادعيلها بس.
وكانت كاميليا تحاول إخفاء توترها قدر الإمكان، لكنها لم تستطع منع نفسها من الاتصال مرة بعد أخرى للاطمئنان على شقيقتها.
وبين دعوات الأهل، وقلق شهاب، وانتظار الجميع للحظة الحاسمة، كانت الساعات تمر ببطء شديد وكأن الزمن نفسه قرر أن يتوقف أمام باب غرفة الولادة..
أما كاميليا فندمت أنها ليست في مصر وأن أختها ستلد في تلك الظروف دون أن تكون بجانبها، وبين قلقها وخوفها، قالت لها نهلة صديقتها:
_ اهدي يا كاميليا مش كدا!
عادي يا بنتي ستات كتير بتولد في السابع!
_ انا قلقانه عليها عامة يا نهلة بجد، حتى لو كانت هتولد في التاسع بردو كنت هكون قلقانة، كنت عايزة ابقى جمبها، خايفة عليها
_ متخافيش يا حبيبتي ان شاء الله هتكون كويسة وهتفرحوا بيها هي والبيبي
ساد الصمت للحظات، حتى تنهدت نهلة وقالت بجدية:
_ في حاجة عايزة أتكلم معاكي فيها.
رفعت كاميليا عينيها نحو الشاشة وقالت:
_ إيه هي يا نهلة؟
ترددت نهلة قليلًا قبل أن تقول:
_ موضوع الحمل.
صمتت كاميليا على الفور.
فأكملت نهلة:
_ لحد النهارده مقولتيش لأي حد إنك حامل. لا أبو البيبي نفسه يعرف، ولا حتى أهلك. وده غلط يا كاميليا.
تنهدت كاميليا وهي تنظر بعيدًا وردت:
_ أنا فاهمة.
هزت نهلة رأسها معترضة وقالت:
_ لا، واضح إنك مش فاهمة. إنتي داخلة في الشهر الرابع، وكمان شوية هتعرفي نوع الجنين. الموضوع مينفعش يفضل مستخبي أكتر من كده.
تنهدت كاميليا ببطء وقالت:
_ طب وإنتي عارفة إني مخبية ليه؟
_ ليه؟
أطرقت برأسها لثوانٍ قبل أن ترد:
_ لأني كنت عايزة أطلق.
تنهدت نهلة وقالت ببساطة:
_ ما إنتي خلاص اتطلقتي!
صمتت قليلًا ثم أضافت:
_ الموضوع انتهى. وبعدين العدة أصلًا لحد ما تولدي يعني كده كده أبو الطفل لازم يعرف.
ظلت كاميليا صامتة للحظات طويلة.
كانت تعلم أن نهلة محقة مهما حاولت الهروب من المواجهة، فلن تستطيع إخفاء الأمر إلى الأبد.
أخيرًا سألتها بتردد:
_ تفتكري أكلمه وأقوله؟
ابتسمت نهلة ابتسامة خفيفة وردت:
_ آه لازم تكلميه.
ظلت كاميليا تحدق في الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن تفتح قائمة الأسماء وتتوقف عند اسم أمجد.
شعرت بتوتر شديد وهي تضغط زر الاتصال.
رن الهاتف مرة ومرتين وثلاثة
لكن دون رد.
زفرت بضيق وكادت أن تنهي المكالمة، لكنه استجاب في آخر الثالثة.
تجمدت للحظة قبل أن ترد.
_ ألو؟
جاءها صوته هادئًا:
_ أيوا يا كاميليا.
ازدادت ضربات قلبها وقالت:
_ عامل إيه؟
ساد الصمت لثوانٍ ثم قال:
_ تمام.
ترددت قبل أن تسأله:
_ إنت كويس؟
_ الحمد لله.
ثم أضاف مباشرة:
_ قوليلي، في حاجة؟
ابتلعت ريقها وردت:
_ أيوه.
_ خير؟
أغمضت عينيها للحظة تجمع شجاعتها وأجابت:
_ أنا... كنت مخبية عليك حاجة.
قطب أمجد حاجبيه في الجهة الأخرى وسألها:
_ حاجة إيه؟
ترددت ثانية، ثم قالت دفعة واحدة:
_ أنا حامل.
ساد الصمت، صمت طويل لدرجة أنها ظنت أن الاتصال انقطع.
ثم جاءها صوته أخيرًا، ممتلئًا بالصدمة:
_ إيه؟
أغلقت عينيها بقوة وكررت:
_ أنا حامل يا أمجد.
وجاءها صوته هذه المرة أكثر ذهولًا:
_ يعني إيه حامل؟!
تنهدت كاميليا في توتر وهي تضم الهاتف إلى أذنها وردت:
_ يعني حامل يا أمجد... يعني حامل.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوته مصدومًا:
_ حامل إزاي؟! إحنا متطلقين بقالنا تلات شهور يعتبر!
أغمضت عينيها وقالت:
_ أيوه... بس أنا كنت حامل من قبل الطلاق.
_ والله؟
_ أيوه والله!
_ وإيه اللي خلاكي مقولتيش؟
تنهدت في إرهاق وأجابت:
_ علشان كنت خايفة.
خفت أتعرض لضغط من أي نوع، أو يحصل أي حاجة تخليني ماخدش قرار الطلاق.
ضحك بسخرية أزعجتها وقال:
_ والله؟ طب والمفروض أثبت الكلام ده إزاي؟
عقدت حاجبيها في عدم فهم وعلقت في خضة:
_ يعني إيه؟
جاءها صوته قاسيًا بصورة لم تعهدها منه:
_ يعني روحي شوفي الواد ده من مين، ومتجيش تلبسيهولي.
تجمدت في مكانها للحظات من هول ما سمعت، ثم انفجرت غاضبة:
_ اخرس يا قليل الأدب يا حيوان يا قذر
ارتفع صوتها أكثر:
_ أنا أشرف منك ومن اللي جابوك! إنت إزاي تفكر فيا بالطريقة دي أصلًا؟!
قال بحدة:
_ واحدة غايبة بقالها أسابيع في أمريكا، ومطلقة بقالها تلات شهور تقريبا وفجأة تتصل تقولي أنا حامل! عايزاني أفهمها إزاي يعني؟
_ أفهمها إنك راجل محترم ومتعرفش تشك في أعراض الناس!
_ لا، أفهمها إن في مصيبة وإنتي عايزة تلبسيني فيها.
شهقت من شدة الصدمة وردت:
_ مصيبة؟!
ثم صاحت بغضب:
_ مصيبة لما تاخدك يا حيوان
إنت تجننت يا أمجد؟! إنت بجد شايف إني ممكن أعمل حاجة زي دي؟!
أمجد انت بتقول إيه انا مش مصدقة وداني!
انت بتشكك فيا وفي شرفي؟
لكن أمجد بدا وكأنه لم يعد يسمع شيئًا وقال ببرود:
_ ماشي ماشي.
_ ماشي إيه؟
_ هو ابني تمام اتفقنا.
قطبت حاجبيها في عدم فهم.
فأكمل بنفس البرود المؤلم:
_ بس أنا مش عايزه.
شعرت وكأن أحدهم صفعها بقوة وتفوهت:
_ إيه؟
_ وأكيد مش هتجيبيه يشوف أبوه وأمه متطلقين ويكره حياته.
نزليه وريحينا كلنا.
اتسعت عيناها في ذهول ولم تستطع إخراج حرف واحد.
أما هو فأنهى المكالمة دون انتظار رد.
انخفض الهاتف من يدها ببطء.
ثم سقط على الأريكة بجوارها وظلت جالسة مكانها لا تتحرك لا تصرخ لا تبكي فقط تنظر أمامها بصدمة كاملة غير مصدقة أن الرجل الذي أحبته يومًا، والذي كان والد طفلها، قال لها للتو بكل بساطة، أن تقتل ابنهما....
***********
بعد ساعات طويلة من السفر، وصل جياد وهانيا ويزيد أخيرًا إلى القصر.
ترجلوا من السيارة واتجهوا إلى الداخل، لكن ما إن دخلوا حتى تبادلوا النظرات في استغراب.
كان المكان هادئًا على غير العادة
ولا أحد هنا من أفراد العائلة.
قطب جياد حاجبيه وهو يتلفت حوله وتساءل:
_ هو فين الناس كلها؟
في تلك اللحظة ظهرت نادية، رئيسة الخدم، فاقترب منها قائلًا:
_ يا نادية، فين الكل؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
_ الكل راح المستشفى.
اتسعت عينا هانيا وقالت:
_ مستشفى؟ ليه؟
_ ماهي هانم هتولد.
شهقت هانيا بينما ابتسم جياد فورًا وقال:
_ بجد؟!
ثم عاد الاستغراب إلى وجهه واضاف:
_ استني... هتولد إزاي؟ ماهي لسه مش في التاسع أعتقد!
تنهدت نادية وقالت:
_ ولادة مبكرة. الدكاترة قالوا لازم تولد النهارده.
تبادل جياد وهانيا النظرات بقلق.
وسألها يزيد هذه المرة:
_ طيب هي في أنهي مستشفى؟
هزت نادية رأسها بالسلب وردت:
_ والله ما أعرف.
أخرج يزيد هاتفه فورًا واتصل بوالدته.
وبعد لحظات جاءه الرد.
_ أيوه يا حبيبي.
_ ماما، إحنا وصلنا، بس عرفنا إن ماهي هتولد، هي عاملة إيه؟
_ الحمد لله، لسه جوه دخلت من شوية.
_ طب إحنا جايين لكم.
جاءه صوتها معترضًا:
_ لا يا يزيد.
_ ليه؟
_ مفيش داعي. إحنا عددنا كبير أصلًا، والدكاترة مش سامحين بحد يدخل، أول ما تولد هكلمكم وأطمنكم.
تنهد في استسلام ورد:
_ تمام، بس اوعي تنسي ها؟
أنهى المكالمة، بينما كانت هانيا تفكر في شيء آخر تمامًا.
أخرجت هاتفها سريعًا واتصلت بروني.
ردت الأخيرة بعد عدة رنات.
_ ألو؟
_ روني! طمنيني، ماهي عاملة إيه؟ هي كويسة؟ إيه اللي خلاها تولد بدري؟
ساد الصمت للحظة ثم قالت روني بصوت متردد:
_ والله يا هانيا مش عارفة.
عقدت هانيا حاجبيها في استغراب وعلقت:
_ يعني إيه مش عارفة؟
_ أصل أنا مش هناك.
ازداد استغرابها وقالت:
_ مش هناك؟!
ليه مش معاهم؟
ثم سألت بسرعة:
_ أمال إنتي فين؟
صمتت روني لثوانٍ وكأنها مترددة في الإجابة ثم قالت بصوت منخفض:
_ أنا مع بابا.
_ مع بابا؟
_ أيوه.
_ طب معاه فين؟
أغمضت روني عينيها قبل أن تخرج الكلمات أخيرًا:
_ بابا متهم في قضية مخدرات.
شعرت هانيا وكأنها لم تسمع جيدًا وردت في صدمة:
_ إيه؟!
_ قضية مخدرات.
اعتدلت واقفة من شدة الصدمة وصاحت في نبرة عالية لا تصدق ما سمعته:
_ إزاي يعني قضية مخدرات؟!
ثم تابعت بانفعال:
_ بابا ؟!
بابا ازاي يعني؟!
_ زي ما بقولك كدا... هو أكيد باسم الكلب.
_ مستحيل!
وضعت يدها فوق رأسها في ذهول وتساءلت:
_ إيه اللي حصل؟! وليه محدش قالي؟!
بدأ صوت روني يختنق بالبكاء وأجابت:
_ والله ما عارفة يا هانيا، كل حاجة حصلت فجأة.
شعرت هانيا بانقباض في قلبها، فمهما حاولت تصديق الأمر، كانت تعرف والدها جيدًا، ويصعب عليها تخيل تورطه في شيء كهذا
لذلك قالت بسرعة:
_ اهدي يا روني. اهدي بس.
ثم أضافت بحزم:
_ ومستحيل بابا اصلا يعمل حاجة زي دي، أكيد هنلاقي حل، أكيد هنتصرف.
أغمضت روني عينيها وهي تحاول منع دموعها
فأكملت هانيا:
_ أنا هاجي لك. ابعتيلي مكانك حالًا.
_ لا، مفيش داعي، انتي لسه راجعة اصلا وكفاية اللي كنتي فيه
_ روني، اخلصي
_ حاضر
تنهدت هانيا في قلق شديد، بينما كانت تشعر أن المصائب تتساقط فوق العائلة واحدة تلو الأخرى دون أن تمنحهم فرصة لالتقاط أنفاسهم.
وحينها اقترب منها جياد ما إن لاحظ توترها وخوفها وسألها في استغراب:
_ في إيه مالك؟
إيه اللي حصل؟
ألقت كلامها في وجهه دفعة واحدة:
_ بابا، بابا يا جياد، متهم في قضية مخدرات...
**********
مرت الدقائق ثقيلة على الجميع أمام غرفة العمليات.
كان شهاب يتحرك ذهابًا وايابًا في الممر للمرة التي لا يعلم عددها، بينما كانت عبير تجلس تدعو الله دون توقف، وإلى جوارها فاطيمة وحليمة ومنى، وكل واحدة منهن تحاول إخفاء قلقها بطريقتها الخاصة.
وفجأة انفتح باب غرفة العمليات.
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
خرجت الطبيبة وهي تخلع الكمامة عن وجهها.
أسرع شهاب نحوها قائلًا بلهفة:
_ خير يا دكتورة؟ طمنينا.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة مطمئنة وقالت:
_ الحمد لله، الولادة تمت على خير.
أغمض شهاب عينيه للحظة وهو يزفر أنفاسًا طويلة وكأن جبلًا كاملًا انزاح عن صدره.
أما عبير فرفعت يديها إلى السماء قائلة:
_ الحمد لله... الحمد لله يا رب.
تابعت الطبيبة:
_ ماهي بخير، والعملية عدت بسلام.
تنهد الجميع براحة واضحة.
ثم سألت عبير بسرعة:
_ والبيبي؟
ابتسمت الطبيبة مجددًا.
_ زين بخير الحمد لله.
كادت الدموع تفر من عيني شهاب من شدة فرحته.
لكن الطبيبة أكملت:
_ هو مولود مبكر، فهنحطه في الحضانة تحت الملاحظة والاحتياط بس. مفيش حاجة خطيرة إن شاء الله.
هز شهاب رأسه عدة مرات وهو يحاول استيعاب الخبر وردد:
_ الحمد لله... الحمد لله..
ثم سأل:
_ أقدر أشوف ماهي؟
_ دلوقتي لا، هي تعبانة ونايمة تحت تأثير الأدوية، أول ما تفوق وتستقر أكتر هنبقى نسمح لكم بالدخول.
شكرها الجميع، ثم غادرت الطبيبة.
وبمجرد أن ابتعدت، استدار شهاب نحو والدته كانت الدموع تلمع في عينيها.
فاندفع نحوها واحتضنها بقوة وهو يقول:
_ الحمد لله يا ماما.
ربتت سحر على ظهره وهي تبتسم من بين دموعها وقالت:
_ الحمد لله يا حبيبي، ربنا طمنا عليهم.
أما منى فوضعت يدها فوق فمها وهي تضحك باكية في الوقت نفسه تتفوه:
_ أخيرًا بقى عندنا زين، اخيرا بقيتي أحلى مامي في الدنيا يا ماهي يا روحي.
ضحكت فاطيمة وقالت:
_ الحمد لله إن كل حاجة عدت على خير.
وبدأت الأجواء تتغير تدريجيًا.
اختفى القلق الذي سيطر على المكان لساعات طويلة، وحلّت محله الراحة والفرحة.
أخرجت عبير هاتفها على الفور وهي تقول:
_ لازم أطمن الناس.
وبدأت تتصل واحدًا تلو الآخر.
_ أيوه... الحمد لله، ماهي كويسة.
_ الحمد لله، زين بخير.
_ العملية عدت على خير.
وفي كل مرة كانت تسمع دعوات وفرحة من الطرف الآخر.
وفي القصر، بدأ الخبر ينتشر بين أفراد العائلة.
"ماهي ولدت."
ومع كل شخص يعرف الخبر، كانت البهجة تكبر أكثر.
أما شهاب فوقف أمام زجاج الحضانة بعد قليل، ينظر إلى صغيره للمرة الأولى.
ابتسم رغم الإرهاق الذي يملأ وجهه ورفع يده يلامس الزجاج برفق ثم همس بصوت لم يسمعه أحد:
_ الحمد لله على سلامتك يا زين... نورت الدنيا يا بطل، نورت الدنيا يا قلب بابا
ولأول مرة منذ الحادث، شعر أن قلبه عاد ينبض بالطمأنينة من جديد.
وتابع:
_ يلا يا زين بقا، اتحسن أسرع عايز اخدك في حضني وانيمك جمبي، يلا ارجع معانا ونورلنا البيت وأملاه علينا سعادة وحب.
ثم تنهد في راحة وابتسامته تتسع شيئًا فشيئًا...
***********
وصلت هانيا وجياد إلى المكان الذي كان مجدي محتجزًا فيه، وما إن وقع بصر هانيا على والدها حتى أسرعت نحوه دون تفكير.
ألقت نفسها بين ذراعيه وهي تحتضنه بقوة وهي تقول:
_ بابا حبيبي..
أنت حصل لك كده إزاي يا بابا؟
ربت مجدي على ظهرها بحنان محاولًا تهدئتها ورد:
_ اهدي يا حبيبتي... أنا كويس.
رفعت رأسها تنظر إليه وعيناها ممتلئتان بالدموع وعلقت:
_ كويس إزاي بس؟
ابتسم لها ابتسامة مطمئنة رغم الإرهاق الواضح على وجهه ورد:
_ متخافيش، إن شاء الله خير.
اقترب جياد بدوره وقال بثقة:
_ متقلقش يا عمي. معاك أكتر من تلات محامين شغالين على القضية، وإن شاء الله الموضوع هيتحل.
هز مجدي رأسه قائلًا:
_ والمحامي طمني برضه. قال إن في احتمال كبير أخرج على ذمة القضية لو قدر يبطل جزء من الأدلة اللي ضدي وهو فعلا قرب يعمل كدا ويثبت ان المكان المشبوه دا هدفه تورطي مش أكتر
تنهد جياد براحة وعلق:
_ الحمد لله متقلقش
ثم أضاف:
_ يبقى خير إن شاء الله.
صمت للحظات قبل أن يقول:
_ أنا متأكد إن باسم هو اللي عمل كده.
ثم نظر إلى هانيا وتابع
بحزم:
_ هو الوحيد اللي عنده مصلحة. وآخر مرة جيه ورانا على ألمانيا، وهو اللي كان ورا موضوع التورته والمنوم، وكل دا اصلا حصل أما عرف أكيد اني كنت بدور وراه، ها لسه عايزاني ارحمه؟
ضغط مجدي على أسنانه بغضب ورد:
_ وأنا كمان مقتنع إنه هو، روني أكدتلي بأكتر من طريقة.
سألته هانيا في استغراب:
_ هي فين روني أصلا!
_ راحت تجيب لنا قهوة، دماغنا هتتفرتك من الصداع
ثم أضاف بانفعال:
_ الحيوان باسم دا، أخ منه أخ
ليرد عليه جياد في نفسه النبرة:
_ يا ويله مني يا عمي
تنهد مجدي محاولًا أن يهدأ بعدما شعر بالقلق حيال ذلك وقال:
_ حتى لو هو ، لازم نفكر بعقل.
ثم نظر إلى هانيا وتابع:
_ إنتي بالذات خدي بالك من نفسك.
أومأت برأسها فأكمل:
_ وبالنسبة لباسم، متفتكروش إنه شخص سهل. الراجل ده ذكي وخطير، وقدر يعمل كل ده من غير ما يسيب وراه دليل مباشر.
وقدم استقالته كمان ومبقاش في القصر فالموضوع بقى معقد أكتر
عقد جياد ذراعيه أمام صدره وقال في ضيق:
_ مش قادر أصدق إنه قدم استقالته في الوقت ده بالذات. الشركة كانت محتاجاه، وفجأة يختفي ويعمل كل المصايب دي.
ثم تمتم:
_ الكلب، ولا حرام اقول عليه كلب اصلا، هظلم الكلب معاه، على الأقل الكلب اوفى منه.
قدر كدا بكل بساطة يطعن في أهله وناسه ويعض الايد اللي اتمدت له.
نظر إليه مجدي بحزم وقال:
_ يا جياد.
فسكت الأخير.
فأكمل مجدي:
_ الغضب مش هيحل حاجة. لو فعلًا هنواجهه، يبقى لازم نواجهه بذكاء، مش هينفع نخسر قدامه ومفيش مجال اصلا
ثم أردف:
_ هو مش سهل، وعشان كده لازم نبقى إيد واحدة. أي حد يشتغل لوحده هيخسر.
هز جياد رأسه في صمت، وإن كان الغضب لا يزال واضحًا على ملامحه.
وفي تلك اللحظة بالذات، عادت روني وهي تحمل أكواب القهوة
اقتربت منهم وقالت لجياد:
_ حمدلله على السلامة
_ الله يسلمك
بحثت فيما بينهما ثم سألت:
_ اومال فين يزيد؟
_ كنت عارف إننا هنجيب سيرة باسم وانه اللي وراها وهو لسه معندوش علم فمقولتلوش، هو مش عارف اللي حصل لعمي.
هزت رأسها بالايجاب ثم احتضنت أختها في صمت.
ثواني وقالت:
_ جياد خلاص انا غيرت رأيي مدورش ورا باسم، ملكش دعوة بباسم خالص وسيبك من أي حاجة انا قولتها قبل كدا، كفاية اوي لحد كدا
نظر إليها ولم يرد في الحقيقة كان مصرًا على موقفه ولن يتنازل ولكنه سكت حتى لا يحدث مشاكل معهما، هي وأختها.
**********
بعد عدة أيام، تحسنت حالة ماهي بصورة ملحوظة، وسمح لها الأطباء أخيرًا بمغادرة المستشفى.
ورغم فرحتها بالخروج، إلا أن الجميع كان يتعامل معها وكأنها قطعة زجاج قابلة للكسر في أي لحظة.
أصرت عبير على أن تعود معها إلى القصر حتى تستريح هناك تحت أعين الجميع، خاصة أن زين ما زال داخل الحضانة ويحتاج إلى متابعة مستمرة.
وبمجرد وصول السيارة إلى القصر، نزل شهاب أولًا وساعد ماهي على النزول بحذر يقول:
_ بالراحة يا حبيبتي.
ابتسمت ماهي وهي تقول:
_ يا شهاب والله أنا بقيت كويسة.
_ وأنا مش مصدقك.
فعلقت عبير قائلة:
_ هو عنده حق، امشي بالراحة وعلى مهلك
دخلوا القصر، وساعدها شهاب على الجلوس فوق الأريكة لبعض الوقت قبل أن تصر عبير على نقلها إلى غرفتها.
وبعد دقائق كانت ماهي جالسة فوق الفراش مستندة إلى الوسائد، بينما التف أفراد العائلة حولها.
ابتسمت حليمة وهي تربت على يدها وقالت:
_ حمد لله على السلامة يا بنتي.
_ الله يسلمك يا عمتي.
وقالت فاطيمة:
_ خوفتينا عليكي والله.
ابتسمت ماهي وردت:
_ الحمد لله عدت على خير.
أما عبير فجلست إلى جوار ابنتها ولم تترك يدها للحظة واحدة.
كانت تنظر إليها كل دقيقة وكأنها تتأكد بنفسها أنها بخير فعلًا.
ودخل عندها أخواتها الشباب، فاتح وحسان ويزيد وجياد واطمأنوا عليها وعلى صحتها وشاركوها الضحك والمزح لبعض من الوقت بينما كانت روني ومايا تترددا عليها من وقت لآخر حتى تطمئنا عليها وتقدما المساعدة إذا احتاجت إلى ذلك.
أما هانيا فلم تأت إلا مرة واحدة واطمأنت عليها وعلى مولودها بابتسامة ولم تأت مرة أخرى من بعدها.
وفي أثناء ذلك كان شهاب يتردد على المستشفى أكثر من مرة يوميًا للاطمئنان على زين.
وفي كل مرة يعود فيها، كان يحمل معه أخبارًا جديدة.
" الدكتور بيقول إنه كويس وزنه بدأ يتحسن"
وكانت تلك الأخبار كافية لترسم الابتسامة على وجه ماهي في كل مرة.
وفي الجانب الآخر، كانت أزمة مجدي لا تزال مستمرة.
صحيح أن المحامي تمكن من إثبات وجود تلاعب في أحد الأدلة المقدمة ضده، وهو ما ساعد على خروجه على ذمة التحقيق، إلا أن القضية نفسها لم تُغلق بعد.
خرج مجدي من محبسه، لكنه لم يخرج من أزمته.
فما زالت التحقيقات مستمرة وما زال اسمه مرتبطًا بالقضية وما زال يبحث مع المحامين عن الشخص الذي دبر له كل ذلك.
ولهذا عاد إلى منزله وهو يحمل فوق كتفيه عبئًا ثقيلًا.
وبمجرد أن دخل، استقبلته زوجته العائلة بارتياح واضح.
فمهما كانت الأزمة قائمة، كان وجوده معها وفي بيته أفضل كثيرًا من بقائه خلف القضبان.
************
كانت تالية تجلس أمام نزار في أحد المقاهي الهادئة، بينما وضع النادل المشروبات التي طلبها لهما قبل أن يبتعد.
ساد بينهما صمت قصير.
كانت تالية تعبث بكوبها بين يديها، بينما كان نزار ينظر إليها وكأنه يحاول جمع شجاعته لقول شيء ظل يؤجله طويلًا.
وأخيرًا تنهد وقال:
_ تالية... أنا محتاج أتكلم معاكي بصراحة.
رفعت عينيها إليه وقالت:
_ اتفضل.
ابتسم ابتسامة متوترة قبل أن يهز رأسه ورد:
_ بصراحة أنا تعبت من إني مش فاهم إحنا إيه.
عقدت حاجبيها قليلًا.
فأكمل:
_ بقالنا شهور بنتكلم وبنتقابل وبنقضي وقت مع بعض، وأنا مبسوط جدًا معاكي يمكن أكتر مما تتخيلي.
صمت لحظة ثم تابع:
_ بس كل شوية بسأل نفسي سؤال ومش لاقيله إجابة.
_ سؤال إيه؟
نظر مباشرة إلى عينيها وقال:
_ أنا بالنسبالك إيه؟
شعرت تالية بالتوتر فجأة.
أما هو فأكمل قبل أن تقاطعه:
_ أنا مش هكدب عليكي. أنا بحبك يا تالية
اتسعت عيناها قليلًا.
فابتسم بحرج وأردف:
_ أهو قولتها.
ثم تنهد وتابع:
_ ولو إنتي مش شايفاني بالطريقة دي، أو مش قادرة تحبيني، قوليلي. والله هزعل شوية وخلاص، اهو أحسن ما أنا مش فاهم حاجة كدا.. حددي موقفي، قوليلي شيفاك مجرد friend أو ممكن يبقى فيه بينا علاقة رسمية مثلا.. حددي وضحي
ضحك بخفة محاولًا تلطيف الأجواء وتابع:
_ على الأقل أبقى فاهم أنا واقف فين وبعمل إيه!
ثم أضاف بجدية أكبر:
_ مش عايز أفضل متعلق بحاجة مش موجودة أو أوهام انا بس اللي عايش فيها واحلام انا بس اللي بحلمها.
ظلت تاليا صامتة.
وكانت تنظر إليه بينما يدور داخلها صراع كبير نزار رجل محترم وطيب ويعاملها بطريقة لم يسبق أن عاملها بها أحد.
لكن المشكلة لم تكن فيه، المشكلة أن جزءًا من قلبها ما زال عالقًا عند جياد.
ذلك الجزء الذي رفض حتى الآن أن يقتنع أن كل شيء انتهى وأن جياد اختار طريقه بالفعل.
أخفضت رأسها قليلًا وهي تفكر..ثم رفعت عينيها نحوه وجدته ينتظر ردها بقلق حقيقي فابتسمت ابتسامة صغيرة ابتسامة لم تكن كاملة، لكنها كانت صادقة.
وقالـت:
_ أنا مش هكدب عليك بردو يا نزار.
حبس أنفاسه منتظرًا فتابعت:
_ أنا محتاجة وقت.
هبطت عيناه قليلًا لكنها أكملت بسرعة:
_ وقت علشان أدي نفسي فرصة اشوفك زي ما انت شايفني
نظر إليها باستغراب فابتسمت أكثر هذه المرة واضافت:
_ بس معنديش مانع إننا ناخد الفرصة دي مع بعض.. معنديش مانع عامة مع مشاعرك ولا مضايقة منها.
عادي عايزة ابدأ أوجه مشاعري كلها ناحيتك وقريب هيحصل.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم استوعب كلماتها أخيرًا.
واتسعت ابتسامته بصورة واضحة وقال:
_ يعني افهم من كلامك، اننا دلوقتي بقينا في وضع المرتبطين مش صحاب بس صح؟
ضحكت بخفة وردت وهي تهز رأسها بالايجاب:
_ بالظبط
أطلق زفرة طويلة وكأنه تخلص من حمل ثقيل فوق صدره وقال:
_ والله كنت هتجنن من كتر التفكير يا شيخة
ضحكت تالية رغمًا عنها أما هو فكان يبدو سعيدًا بصورة لم يحاول إخفاءها.
بينما كانت هي تراقبه في صمت.
لم تكن تشعر بذلك الحب الكبير الذي شعرته يومًا تجاه جياد، لكنها كانت تشعر بالراحة والاطمئنان.
وربما للمرة الأولى بدأت تقتنع أن الحياة لا تتوقف عند فرصة ضاعت. وأن بعض الأشخاص يستحقون على الأقل أن تمنحهم فرصة حقيقية...
*************
كان يزيد يقضي معظم يومه داخل الشركة.
الملفات فوق مكتبه لا تنتهي، والاجتماعات تتوالى واحدة تلو الأخرى، والمشكلات تتساقط فوق رؤوسهم دون توقف.
غياب باسم ترك فراغًا كبيرًا داخل قسم التصميم.
وغياب مجدي _مساعد المدير التنفيذي_ بسبب القضية زاد الأمور تعقيدًا.
أما عبد الله الزيني فكان منشغلًا بمشكلاته في الفروع الخارجية.
ولهذا وجد يزيد نفسه يحمل مسؤوليات أكثر بكثير مما اعتاد.
وفي ذلك المساء، عاد إلى القصر متعبًا بصورة واضحة.
وما إن دخل غرفته حتى وجد روني جالسة تنتظره.
ابتسمت فور أن رأته.
أما هو فما كاد يغلق الباب حتى اقتربت منه في سرعة وارتمت بين ذراعيه.
احتضنها تلقائيًا وهو يزفر بتعب ثم دفن وجهه في شعرها للحظات.
همست روني:
_ وحشتني يا يزيد وحشتني اوي اوي ووحشني وجودك جمبي
ابتسم رغم إرهاقه وقال في نبرة بها اشتياق واضح:
_ وإنتي كمان وحشتيني فوق ما تتخيلي
رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه وقالت:
_ حاسة إني مبقتش بشوفك.
تنهد وهو يمرر يده على شعرها وقال:
_ غصب عني يا روحي
_ عارفة... والله عارفة الله يكون في عونا، بقيت بتفضل بعد مواعيد العمل بكتير، ربنا معاك، بس وحشتني فعلا
ثم عادت تستند إلى صدره من جديد وبقيت صامتة للحظات تستمتع فقط بوجوده أما هو فشدها إليه أكثر وكأنه هو الآخر كان يحتاج تلك اللحظة من الهدوء.
همست بعد فترة:
_ خليك معايا شوية.
ابتسم وقبّل أعلى رأسها.
_ أنا جنبك أهو ومعاكي يا نفرتيتي
تنهدت في راحة وقالت:
_ الله، اخيرا!
بقالك كتير مش بتقولهالي
أغمضت عينيها وتابعت بصوت خافت:
_ طمني.
فهم فورًا ما تقصده، تنهد ثم قال:
_ متخافيش يا روحي
رفعت رأسها تنظر إليه.
فأكمل بثقة:
_ عمي هيعدي من الأزمة دي على خير إن شاء الله، هو في بيته حاليا الحمدلله و المحامين مش راحمين نفسهم من الشغل على القضية
_ بجد؟
_ بجد.
ثم أمسك يدها بين يديه وأضاف:
_ وفي أدلة كمان بدأت تبان بالفعل.
تنهدت روني براحة بسيطة.
فابتسم يزيد وأردف:
_ وكل حاجة هتتحل، انا مش عايزك تخافي خالص ولا تقلقي ولا تشيلي هم
_ يارب.
_ أنا معاكي في كل خطوة وكل دقيقة وكل ثانية وطول الوقت وطول العمر
ابتسمت أخيرًا ابتسامة عريضة مطمئن فعاد يحتضنها من جديد.
وفي تلك اللحظة، وسط كل الأزمات والمشكلات التي تحاصر العائلة من كل اتجاه، لم تكن روني تحتاج أكثر من ذلك، فأن تشعر بوجوده معاها و بجوارها كان هذا ما يكفيها....
************
في ذلك المساء، استغلت عبير أخيرًا وجود أبنائها جميعًا داخل القصر.
فخلال الأيام الماضية كان فاتح بالكاد لا يعود إلى المنزل، إذ كان يقضي معظم وقته بين الشركة والمحامين ومتابعة أزمة مجدي.
أما جياد فكان منشغلًا هو الآخر في العمل لذلك ما إن رأتهما يدخلان إلى القصر حتى قالت بحزم:
_ تعالوا يا ولاد، عايزاكم في موضوع.
تبادل الشقيقان النظرات قبل أن يتجها نحوها وفي تلك اللحظة كانت مايا تنزل الدرج ببطء، لكنها توقفت في منتصفه حين سمعت الحوار وقررت الاستماع بصمت.
جلست عبير أمامهما ثم قالت:
_ دلوقتي الحمد لله الأمور بدأت تهدى شوية.
وأشارت بيدها وهي تكمل:
_ ماهي بقت أحسن، ومجدي خرج على ذمة التحقيق، والشغل بدأ يستقر. فعايزة أفهم بقى ناوي تعملوا إيه في المصيبة اللي فوق دي؟
عقد فاتح حاجبيه وتساءل:
_ مصيبة إيه يا ماما؟
_ مراتك طبعًا.
زفر فاتح ببطء وهو يعلم إلى أين يتجه الحديث أما عبير فأكملت بانفعال:
_ اللي راحت للدجالين والسحرة وعملت اللي عملته. أكيد السحر والقرف ده هو اللي وصلنا لكل اللي إحنا فيه، مصايب بالكوم نازلة ترخ!
ضحك جياد ساخرًا وساد الصمت لثوانٍ
ثم قال فاتح بهدوء:
_ يا ماما مفيش حاجة اسمها كدا
_ نعم؟!
_ مايا معملتش حاجة.
نهضت عبير من مكانها وهي تنظر إليه بعدم تصديق وقالت:
_ يعني إيه معملتش حاجة؟
رد فاتح بثبات:
_ مايا قالت بنفسها إنها كانت فاكرة الراجل شيخ. وهي راحت علشان كانت مصدقة إنه بيساعد الناس.
_ بيساعد الناس؟!
_ أيوا.
ثم أكمل:
_ ولو في حد غلط في الموضوع فهو حضرتك
نظرت إليه عبير بغضب واضح وأشارت إلى نفسها تقول في عدم تصديق:
_ أنا؟
أما فتح فأردف:
_ ايوا يا ماما، ماكانش ينفع حضرتك تروحي تهيني حماتي بالشكل ده وتقللي منها قدام الناس في قلب بيتك وتغلطي فيها هي وبنتها.
انا لولا ضيق الوقت بس والأزمات الأخيرة دي كلها، ماكنت هسكت كل دا لانها جت واشتكت لي من بدري
_ كمان؟
_ أيوه.
وأشار بيده نحو في الفراغ وتابع:
_ هي كمان كانت عايزة تقول لبابا من أول يوم.
عقدت عبير حاجبيها.
فأكمل:
_ وأنا اللي منعتها.
اتسعت عيناها دهشة
وتابع هو:
_ قولتلها اصبري ومتقوليش دلوقتي حاجة واهدي، لأن بابا أصلًا كان غرقان في مشاكل الشغل ومشاكل الفرع الجديد.
وصمت لحظة قبل أن يضيف:
_ ولو كان عرف وقتها كان هيشيل هم جديد فوق همومه كلها ومش بعيد كان رفع السماعة ورمى عليكي اليمين مثلا لانه ياما قالك بلاش غلط
ارتفع صوت عبير:
_ يعني إيه؟!
ثم أشارت إلى نفسها بانفعال وتابعت:
_ يعني دلوقتي بقينا إحنا اللي غلط؟!
_ أنا مقولتش كده.
_ لا قولتها!
ثم أضافت بغضب أكبر:
_ يعني عايز تفهمني إن إحنا بنكدب؟
تحرك فاتح من مكانه ورد وهو يقترب منها:
_ يا ماما...
لكنها قاطعته:
_ يبقى عمتك كمان كدابة؟
وأكملت وهي تشير بإصبعها نحوه:
_ مايا بنفسها قالت إن عمتك هي اللي ودتها هناك!
تنهد فاتح وهو يشعر أن الحوار بدأ يخرج عن السيطرة.
_ أنا مش بقول إن حد كداب.
_ أمال بتقول إيه؟
_ بقول إن في حاجة ناقصة في الموضوع كله.
ثم أضاف:
_ وإننا حكمنا على مايا قبل ما نفهم الحقيقة كاملة وندور في المستخبي
اشتعل الغضب أكثر داخل عبير وعلقت:
_ الحقيقة واضحة وضوح الشمس!
وفي تلك اللحظة تحديدًا، كانت مايا لا تزال تقف على السلم تستمع إلى كل كلمة وعيناها تمتلئان بالدموع لأنها للمرة الأولى منذ بداية الأزمة تسمعه يدافع عنها.
تابعت عبير في نفس الانفعال:
_ انت اللي مش عايز تصدق بس الحقيقة واضحة.
لو كان اتنصب عليها فعلا وكانت فاكرة انه شيخ زي ما قالت، ليه تتهم عمتك بحاجة زي كدا!
ليه تقول ان عمتك اللي ودتها ليه تكدب؟
ثم نظرت إلى جياد واضافت:
_ ما تقول حاجة، ما انا يعتبر مفهماك الموضوع كله امبارح!
تنهد ثم نظر إلى فاتح وقال:
_ فاتح انت تعرف عنوان الدجال دا؟
_ ايوا.. ليه؟
_ كنت عايزه
_ ليه بردو؟
_ كنت هروح له اخليه يعمل لهانيا سحر علشان تموت فيا ومتشفش غيري
ردت أمه في نبرة حادة:
_ دا وقته هزار دا؟
شوف احنا بنقول إيه وانت بتعمل ايه!
_ ماما ماما روّقي ها؟
انا بتريق، اصل انتوا بتصدقوا حاجات غريبة، ما يمكن عمتي فعلا كدابة وعايزة توقع، ولا هي فاطيمة القديسة مش بتغلط؟
وقفت فجأة وصاحت:
_ دا اللي كان ناقص كمان، تنصروا بنات السلاب على عماتكم وتتريقوا وتشككوا فيهم.
ثم تركتهما وذهبت في غضب
وبعدما ذهبت، اقترب منه فاتح وقال له:
_ انا عايز اعرف فيه انت تعرفه، قولتلي أما ارجع واديك رجعت اهو من بدري!
تنهد جياد ورد:
_ لا لا، فيه كلام كتير اوي واحداث اكتر محتاج اكلمكم فيها
_ تكلمنا؟
_ ايوا.. انت ويزيد عايز اتكلم معاكم وبشكل ضروري جدا
_ قول
_ لا مش دلوقتي
_ اشمعنى؟
_ لانه كلام كتير ومش هقوله في القصر دا... يوم الجمعة، كمان ٣ تيام يعني على الساعة ٤ العصر انا وانت ويزيد هنتجمع في شقتي اللي في المعادي وهنتكلم.. هنتكلم كتير اوي وهكشفلكم بلاوي كتيرة جدا.. خلي بس ايام الشغل والضغط دي تعدي على خير ونتقابل يوم الجمعة الساعة ٤ زي ما قولتلك.
انهى كلامه ثم ذهب تاركًا الشاب يفكر...
عاد إليه صوت أخيه يقول مازحًا:
_ ألحق مراتك واقفة على السلم اهي زي الحرامية
رفع فاتح رأسه سريعًا للأعلى ثم ابتسم ما إن رآها وفتح ذراعيه كي يستقبلها.
أسرعت نحوه تنزل السلم في ركض يشوبه فرحة، ثم ارتمت داخل حضنه.
كانت تضمه إليها في اشتياق واضح وكذلك فعل الآخر، كان يضمها إليه أكثر فأكثر وهو يمسح على رأسها في حنان وقال:
_ هانت.. قريب الحقيقة هتبان وهتكلم قصاد ماما والكل بدليل...
******
بعد انتهاء الحديث مع فاتح، خرج جياد من الممر متجهًا إلى غرفته وما إن لمحته عبير حتى نادته:
_ جياد... تعالى يا حبيبي، عايزة أكلمك شوية.
التفت إليها فورًا ثم اتجه نحوها. ابتسمت له ما إن اقترب، ثم فتحت ذراعيها تحتضنه بقوة تفاجأ قليلًا، لكنه بادلها العناق مبتسمًا وسألها:
_ مالك يا ماما؟
تنهدت وهي تربت على ظهره:
_ وحشتني.
ابتسم جياد ورد:
_ وإنتي كمان وحشتيني.
ثم أضاف بمزاح خفيف:
_ بس إحنا بقالنا كام يوم في نفس البيت!
ضحكت عبير رغم توترها وقالت:
_ أيوه، بس كل واحد فينا كان غرقان في ألف مشكلة.
ثم نظرت إليه بحنان واضافت:
_ أنا كنت قلقانة عليك يا جياد.
_ متقلقيش، الحمد لله بقيت أحسن.
_ راسك بتوجعك؟
_ لا يا حبيبتي، رأسي زي الفل وانا كمان بخير الحمدلله
_ طب الحمد لله..
ابتسمت وهي تمسك يده واضافت:
_ تعالى معايا.
أخذته إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفهما.
جلس جياد على الأريكة بينما جلست هي أمامه.
وبعد لحظات من التردد قالت:
_ في موضوع شاغلني.
_ خير؟
تنهدت وتابعت:
_ أنا سمعت إنك اشتريت شقة لهانيا صح؟
ابتسم جياد تلقائيًا ورد:
_ أيوا!
_ وشقة غالية جدًا كمان من بالم هيلز!
هز رأسه في رضا كامل واردف:
_ أيوا
سكتت عبير للحظات قبل أن تقول:
_ أنا خايفة عليك يا ابني.. جياد متعملش فيا كدا، انت عارف كويس اوي معزّتك عندي انت بالذات عاملة ازاي
اختفت الابتسامة من وجهه وسألها:
_ خايفة عليا من إيه؟
_ من هانيا.
عقد حاجبيه فورًا وعلق:
_ هانيا؟!
_ أيوه.
ثم أضافت بقلق:
_ خايفة تكون بتستغلك.. بتنهب، بتاخد فلوسك وانت مجرور ومعمي تحت مسمى الحب
اتسعت عيناه وهز رأسه رافضًا ورد:
_ مستحيل يا ماما
_ يا جياد، الدنيا مليانة ناس بتعرف تمثل وتاخد اللي هي عايزاه، والبت دي واضحة زي الشمس، بتتمسكن لحد ما تتمكن وتاخد اللي وراك واللي قدامك
ثم تابعت:
_ وأنا شايفة إنك بتصرف عليها كتير جدًا وبقلب ميت، كأن الملايين دي جبتها بالساهل كدا او لقتها في الشارع!
_ يا ماما...
_ اسمعني للأخر.
وأكملت:
_ الشقة دي تمنها كبير جدًا وأنا خايفة تكون مستغلة حبك ليها وبتخليك تعمل اللي هي عايزاه
هز جياد رأسه بقوة تلك المرة وقال:
_ مستحيل.
_ ليه مستحيل؟
_ لأن هانيا مش كده.
ثم اعتدل في جلسته وقال بثقة:
_ هانيا عمرها ما طلبت مني حاجة.
صمتت عبير.
فأكمل:
_ الشقة دي أنا اللي جبتها من نفسي.
_ بس...
قاطعها:
_ هانيا مش مادية يا ماما.
ثم ابتسم وهو يتذكرها وتابع:
_ بالعكس، دي أكتر واحدة شوفتها بسيطة ومش فارق معاها الفلوس أصلًا ولا كل المظاهر دي
تنهدت عبير.
أما هو فأردف:
_ لو كانت بتدور على فلوس كانت طلبت مني مليون حاجة قبل كده، انا نفسي تطلب مني حاجة اصلا!
_ وإنت ضامنها اوي كدا؟
_ أيوه.
ثم أضاف بحزم:
_ ضامن وابصم بالعشرة كمان
نظرت إليه عبير في صمت.
فأكمل بابتسامة خفيفة:
_ هانيا بنت جدعة ومحترمة وطيبة جدًا.
ثم نظر إلى والدته مباشرة وأكمل:
_ ومش زي ما إنتي متخيلة عنها خالص.
ظلت تنظر إليه غير مقتنعة بكلمة واحدة مما يقوله ثم هزت رأسها وقالت:
_ لا يا جياد، انت بس بتحبها، وعشان كده مش شايف الحقيقة.
تنهد جياد في إرهاق وقال:
_ يا ماما...
قاطعتْه وهي تشير بيدها:
_ أكيد البنت دي بتستغلك.
_ لا
_ أكيد.
_ لا يا ماما.
زفرت عبير بضيق وقالت:
_ ما هو دا نفس اللي حصل مع حورية وجوزها، اتمسكنوا لحد ما مجدي بقا دراعه اليمين وهما ماكنش حيلتهم حاجة!
هز جياد رأسه بقوة وقال:
_ ماما، انتي محتاجة تغيري نظرتك عن هانيا وعن أهلها.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بتحدٍ:
_ ليه يعني؟ ليه كل الثقة دي؟
ثم نظرت إليه مباشرة وقالت:
_ اثبتلي.. اثبتلي بما إنك واثق اوي كدا فيها هي وأهلها
_ أثبتلك إيه؟
_ اثبتلي إن ده كله مش خطة.
صمت للحظة.
فأكملت:
_ اثبتلي إن مايا متجوزتش فاتح علشان فلوسه وإن روني متجوزتش يزيد علشان فلوسه وإن هانيا متجوزتكش علشان فلوسك.
اثبتلي انها مش خطة من حورية وبناتها علشان يوقعوكم انتوا التلاتة.
معقول صدفة!
ساد الصمت داخل الغرفة وأطرق جياد برأسه يفكر للحظات ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوء:
_ هثبتلك.
نظرت إليه عبير في انتظار.
فقال:
_ بس بعدها عايزك تصدقي إن هانيا مش كده.
_ قول.
تنهد جياد طويلًا قبل أن يبدأ:
_ هانيا أصلًا ما كانتش بتحبني.
اتسعت عينا عبير وسألته:
_ نعم؟
ابتسم ابتسامة خافتة ورد:
_ زي ما سمعتي.
ثم أكمل:
_ هانيا كانت بتحب واحد تاني.
تجمدت عبير في مكانها فتابع:
_ وكانت هتتخطبله كمان.
حدقت فيه غير مصدقة أما هو فأردف:
_ واليوم اللي أنا روحت فيه بيتهم علشان اطلبها، هو نفس اليوم اللي المفروض الشاب التاني دا كان رايح فيه، بس عمي مجدي قبلني أنا وشافني فرصة لبنته.. عادي كأي أب بيفكر في مصلحة بناته
كانت في اندهاش مما تسمعه فضحك بخفة وهو يتذكر الموقف وتابع:
_ حتى أول ما دخلت وشافتني انا ارتبكت ورمت الصنية من إيدها... أكيد انتي فاكرة الموقف دا، انتي كنتي معانا.
ظلت عبير تنظر إليه بذهول.
فأكمل:
_ هانيا ما كانتش عايزاني أصلًا.
_ مستحيل.
_ دي الحقيقة.
ثم أضاف:
_ أنا تقريبًا اقتحمت حياتها.. هما وافقوا عليا لاني قريت فاتحتي عليها
ردت في عدم تصديق:
_ وانت كنت عارف إنها بتحب غيرك؟
هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ كنت عارف... بس كان عندي أمل إنها هتبقى ليا أنا، لاني من أول ما شفتها، وانا اتخطفت خطف بطريقة مش طبيعية.
هي انثى.. انثى كاملة متكالمة بكل مع تحمل الكلمة من معنى.
هي اللي كنت بدور عليها، فأكيد كنت هعمل أي حاجة علشان أوصلها
ضحك رغمًا عنه واردف:
_ وبعد الجواز بدأت المشاكل كلها، وبدأت تقولي إنها مش مرتاحة.
سكت برهة ثم نظر إلى والدته وأكمل:
_ انتي نفسك كنتي شايفاها.
سكتت عبير.
فأردف:
_ فاكرة لما كنتي دايمًا تقولي إن في حاجة غلط بينا؟
وانها نكدية وام بوز.. فاكرة اما قولتلك عايز اتجوز عليها؟
فاكرة شكلها في الفرح طيب كان عامل ازاي؟
هانيا فعلًا ماكنتش عايزاني.
شعرت عبير بالصدمة تتسلل إليها شيئًا فشيئًا.
أما جياد فأكمل:
_ أكتر من مرة طلبت الطلاق...
_ طلبت الطلاق؟!
_ أيوه.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة وتابع:
_ ولحد وقت قريب كانت عايزة تمشي وتسبني عادي جدا.
فلا تقوليلي عملالك سحر ولا زفت مش هصدق اصلا، أنا اللي خدتها وانا اللي خططت وانا اللي كنت حاططها في دماغي من زمان أوي، فلو تعرفي طريقة اعملها بيها سحر وأضمن انها تفضل معايا طول العمر، أكون شاكر جدا يعني.
خفضت عبير عينيها قليلًا وهي لا تزال لا تصدق
فقال عقب ثوان:
_ كل ده يثبت إيه؟
صمتت.
فأجاب بنفسه:
_ يثبت إنها لا كانت عايزاني ولا عايزة فلوسي ولا كانت شيفاني اصلا ولا كانت بتحاول تتقرب مني بأي شكل يُذكر
ثم أضاف بثقة:
_ هانيا كان كل اللي نفسها فيه إنها تبعد عني وقتها أو إني أحل عنها واسبها في حالها.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم ابتسم جياد وهو يتذكر الأيام الأخيرة وقال:
_ وأخيرًا...
رفع عينيه نحو والدته وتابع:
_ أخيرًا أقدر أقول إن علاقتنا بقت حقيقية وبقت أحسن
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة لم تستطع عبير تجاهلها وتابع:
_ لأول مرة أحس إنها معايا بإرادتها.
ثم أردف بصوت خافت:
_ مش كارهة مش عايزة تخلص مني ولا أي حاجة من دي
وضع يده فوق قلبه واضاف:
_ علشاني أنا، بقت بتحبني... بقت عايزاني وعشان كده مستحيل أصدق عنها أي حاجة وحشة.
تنهد بعدما انتهى من حديثه الطويل وظل ينظر إلى والدته لثوانٍ قبل أن يعود للحديث ويقول بهدوء:
_ أعتقد إني وضحتلك كل حاجة.
إحنا أخيرًا بقينا مستقرين يا ماما.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وتابع:
_ بالعافية وصلنا للي إحنا فيه دلوقتي.
وأردف:
_ وأنا مش هسمح لأي حاجة في الدنيا تبوظ علاقتي بهانيا تاني.
خفض عينيه قليلًا ثم قال:
_ أنا مصدقت إن هانيا بقت كويسة معايا، وان علاقتنا وصلت لهنا.
ثم نظر إليها مباشرة وقال:
_ وده لا عيب ولا حرام، دي مراتي وانا مبسوط وانا بضيع فلوسي عليها علشان ابسطها وأحقق لها كل اللي كان نفسها فيه
وأضاف بثبات:
_ أنا مرتاح كدا مرتاح وأنا بصرف عليها ومبسوط
وأنا راجع البيت مبسوط
وأنا شايف نفسي معاها مبسوط.
صمت لحظة ثم ابتسم بحنان.
_ وإنتي أكتر واحدة عارفة إني طول عمري بدور على واحدة أحس معاها بالراحة.
لم ترد عبير.
أما هو فأكمل:
_ وأنا عارف إنك بتحبيني وعارف انا إيه بالنسبالك.. أكيد بتتمنيلي السعادة، صح؟
نظرت إليه عبير دون أن تتكلم.
فقال:
_ لو بتحبيني فعلًا، حبي هانيا.
اتسعت عيناها قليلًا.
فأضاف:
_ حبيها عشان أنا بحبها وحبيها عشان أنا سعيد معاها.. حبيها علشان ابنك وسعادته واعتقد دا لوحده كفاية
ثم تابع بنبرة صادقة:
_ وطالما هتحبيها هتلاقيني أنا مبسوط وسعيد وساعتها كلنا هنكون مرتاحين.
انتي وأنا وهي.
تنهد ثم أكمل:
_ لكن طول ما إنتي شايفة فيها الوحش بس، وطول ما إنتي بتعامليها على إنها متهمة لحد ما يثبت العكس، أنا اللي هتضايق وأنا اللي هبقى مش مرتاح وأعتقد إنك مش عايزة تشوفيني بالشكل ده.
أطرقت عبير برأسها قليلًا.
فقال جياد بهدوء:
_ يا ماما أنا مش صغير.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأكمل:
_ أنا مش ساذج كمان.
رفع حاجبه وهو يتابع:
_ عندي من الذكاء والخبرة اللي يخلوني أعرف اللي قدامي عايز إيه مني بالظبط... بيحبني ولا طمعان فيا وأعرف إذا كان عايزني أنا ولا عايز اللي معايا
ثم أضاف بثقة كاملة:
_ وأنا فاهم هانيا كويس جدًا عارف هي بتفكر إزاي وعارف هي بتحب إيه وبتكره إيه وعارف إنها لا طمعانة في فلوسي ولا في اسمي ولا في أي حاجة أملكها.
ابتسم وهو يتذكرها واضاف:
_ كل اللي هانيا عايزاه إنها تعيش في سلام... تاكل وتفضل مع حصانتها وتبقى مرتاحة وتحس بالأمان وبس.
ثم نظر إلى والدته نظرة مليئة بالرجاء وقال:
_ علشان كده، أرجوكي حاولي تغيري نظرتك عنها حاولي تتعاملي معاها بطريقة أحسن حاولي تديها فرصة حقيقية.
وصمت لحظة قبل أن يبتسم ابتسامة دافئة وأكمل:
_ حاولي تحبيها... حاولي تحبيها عشان خاطري.. عشان خاطر ابنك اللي نفسه يشوف الناس اللي بيحبهم متفاهمين ومبسوطين مع بعض.
ثم مد يده وأمسك يد والدته برفق واضاف:
_ صدقيني يا ماما، لو فتحتي قلبك ليها، هتكتشفي إن هانيا أحسن بكتير من الصورة اللي رسمتيها عنها في دماغك.
تنهد ثم تابع في نبرة أكثر هدوءًا:
_ هتعملي كدا علشاني؟
هتعملي كدا علشان سعادة ابنك؟
علشان ابنك المجنون بيها؟ ها؟
ابتسمت فجأة وهي تهز رأسها بالايجاب ثم ضمته إلى صدرها في سرعة وقالت وهي تربت على ظهره:
_ آه يا حبيبي هعمل كدا... انا مستعدة اعمل أي حاجة في الدنيا علشان خاطرك وانت عارف كدا كويس يا جياد.
طالما دي البنت اللي بتريحك، طالما بتحس معاها بالراحة والسعادة طالما هي دي اللي خدتها غصب عن الدنيا، هتقبّلها، بس علشان خاطري أمسك ايدك شوية في المصاريف معاها، انتوا لسه مدخلتوش دنيا يعتبر ومحتاجين كل قرش علشان مستقبلكم ومستقبل ولادكم بعد كدا
ابتسم ابتسامة عريضة ثم قبل رأسها وقال:
_ تسلميلي.. تسلميلي يا احلى أم في الدنيا كلها...
**********
كانت ماهي جالسة فوق سريرها داخل غرفتها بالقصر، مستندة إلى الوسائد خلف ظهرها.
منذ عودتها من المستشفى وهي تشعر بتحسن ملحوظ، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى الراحة.
لكن أكثر ما كان يشغل تفكيرها في تلك اللحظات هو صغيرها " زين "
اشتاقت إليه بشدة رغم أنها رأته منذ وقت قصير ولكن هي تعرف جيدًا سبب اشتياقها له، ربما لأنهم لم يسمحوا لها بالدخول فقط رأته من خلف الزجاج وما جعلها متحمسة أكثر للذهاب أن الطبيب وعدها في المرة السابقة بأنها ستدخل له في الزيارة القادمة حتى تكون استقرت حالته أكثر وتحمله لدقائق من الوقت.
أخرجها من شرودها رنين هاتفها فالتقطته بسرعة، وما إن رأت اسم شهاب حتى ابتسمت وأجابت:
_ ألو.
جاءها صوته الدافئ:
_ عاملة إيه يا حبيبتي؟
ابتسمت أكثر وردت:
_ الحمد لله، أحسن بكتير.
ثم سألت:
_ انت فين، مجاتش ليه لحد دلوقتي؟
تنهد شهاب على الطرف الآخر من الخط ورد:
_ لسه في المكتب.
عقدت حاجبيها في ضيق وقالت:
_ لسه؟
_ أيوه.
_ ليه كدا؟
طب هترجع إمتى؟
_ غالبًا مش هرجع النهاردة.
اعتدلت في جلستها قليلًا وقالت في ضيق:
_ ليه؟
زفر شهاب بتعب ورد:
_ عندي شغل متراكم بشكل مش طبيعي.
ثم تابع:
_ الفترة اللي فاتت كلها كنت مركز مع الشركة ومشاكلها، وسايب شغلي الشخصي تقريبًا، فبقى عندي كم شغل مش طبيعي ومتأخر جدا عليه
_ ممم.
_ وعندي أوردرات كتير جدًا محتاجة تتسلم، فهبات هنا علشات أخلص أكبر قدر ممكن.
هزت رأسها بتفهم رغم أنه لا يراها وقالت:
_ تمام، ربنا يعينك يا حبيبي.
ابتسم تلقائيًا لسماع دعمها وقال:
_ تسلميلي.
_ وإن شاء الله تخلص كل حاجة بسرعة.
_ يارب.
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تقول ماهي بتردد:
_ شهاب؟
_ نعم يا قلبي؟
_ أنا بقيت أقدر أمشي شوية.
ابتسم وقال:
_ طب الحمد لله.
_ فكنت بفكر يعني...
تنهدت وقالت بحنين واضح:
_ عايزة أشوف زين.
أغمض شهاب عينيه مبتسمًا فقد كان يعلم أنها ستطلب ذلك عاجلًا أم آجلًا.
وأضافت بسرعة:
_ وحشني أوي، هتجنن واخده في حضني
_ عارف... أنا كمان هتجنن واخده في حضني
ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت:
_ ممكن نروحله؟
ضحك بخفة ورد:
_ أكيد
اتسعت ابتسامتها فورًا وعلقت:
_ بجد؟
امتى طيب؟ ياريت بكرة
_ بكرة الصبح بدري، قبل ما أنزل الشغل، هعدي عليكي ونروح المستشفى سوا
_ ونشوفه؟
_ ونشوفه ونطمن عليه كمان.
تنهدت براحة كبيرة وردت:
_ الحمد لله، طمنت قلبي، الدكتور وعدني إني هشيله المرادي حتى لو لدقايق قليلة بس
ابتسم شهاب وهو يستمع إلى سعادتها ثم قال:
_ أهم حاجة دلوقتي تريحي نفسك ومش عايزين زعل وعياط ووجع قلب تاني
_ حاضر.
_ ومتتعبيش نفسك في الحركة.
ضحكت بخفة وردت مازحة:
_ حاضر يا دكتور.
ضحك هو الآخر وقال:
_ شاطرة.
ثم أضاف بحنان:
_ يلا نامي شوية وارتاحي.
ابتسمت وهي تشعر للمرة الأولى منذ أيام أن قلبها اطمأن وقالت في ابتسامة:
_ حاضر.
_ تصبحي على خير يا ماهي.
_ وإنت من أهله يا نبض قلب ماهي
وأغلقت الهاتف وهي تحتضن الوسادة الصغيرة بجوارها.
تنتظر الصباح حتى ترى صغيرها أخيرًا..
*************
حلّ الليل، وكانت أسيل تتحرك داخل الغرفة في صمت وهي ترتب بعض الأشياء قبل النوم.
أما حسان فقد كان في الخارج مع قططه.
دخل الغرفة ثم جلس على السرير وبدأ ينظر إليها وهي ترتب نفسها ظل صامتًا لوقت...
كان يحاول منذ فترة أن يفتح أي حديث لطيف معها، لكنها كانت ترد باقتضاب أو تتجاهل الكلام تمامًا.
لذا كان مترددًا قليلًا في التحدث معها.
عقد حاجبيه وهو يراقبها، كان يشعر أن هناك شيئًا ما يضايقها منذ وقت
وأخيرًا قال:
_ أسيل مالك؟
لم تجبه بل واصلت تجهيز فراشها وكأنها لم تسمع شيئًا.
تنهد حسان واقترب منها قليلًا وقال:
_ بكلمك يا أسيل.
رفعت عينيها إليه للحظة ثم عادت إلى ما تفعله وردت:
_ مفيش.
_ لا فيه.
صمتت، فأضاف:
_ من بدري وانتي متغيرة وساكتة ومتجاهلاني من بدري اوي وانتي متجاهلاني ولا كأننا متجوزين!
وضعت الوسادة في مكانها ثم قالت ببرود:
_ عادي.
نظر إليها غير مقتنع وسألها:
_ عادي إزاي يعني؟
_ عادي يعني عادي
بدأ الضيق يتسلل إلى صوته فخرجت نبرته بها الضيق:
_ أسيل، أنا مش فاهمك.
_ ومش لازم تفهم.
اتسعت عيناه بدهشة وتساءل:
_ نعم؟
استدارت نحوه أخيرًا وردت:
_ قلت مش لازم تفهم.
حدق بها لثوانٍ غير مستوعب طريقتها ثم قال:
_ هو أنا عملت حاجة؟
_ اسأل نفسك.
_ والله ما فاهم.
هزت رأسها وهي تتجه نحو السرير
أما هو فاقترب أكثر وقال:
_ لا، استني. إحنا مش هنفضل كل شوية نوصل للمرحلة دي.
تنهدت أسيل بضيق واضح وقالت:
_ وأنا مش عايزة أتكلم.
_ بالعكس، لازم نتكلم.
ثم تابع بنبرة امتزج فيها الاستغراب بالضيق:
_ من ساعة ما جوازنا بقا رسمي وانتي بتتجنبي الكلام معايا وبتتعاملي معايا برسمية، في إيه بالضبط؟
أخيرًا التفتت إليه وقالت:
_ لما أكون جاهزة أتكلم، هتكلم.
ثم تنهدت وتابعت:
_ كمان الشغل وقرفه واللي اسمها روني دي خنقاني على الآخر.
جوزها يسافر رحلة مع اخوه وهي كل شوية بابا بابا وسيبالي أنا الشغل كله يضرب يقلب!
وكل ما اكلمها تقولي عندنا مشاكل وشيلي، وانا أقسمت بالله اني ما هشيل وخلي الشغل يولع بقا علشان انا مش شغالة عند اللي جابوها.
وانت لا بتحل ولا بتربط ولا بتعرف تتكلم مع اخوك ولا أبوك ولا بتجبلي حقي، فسبني بقا في حالي ولا تسألني مالك ولا زفت
ساد الصمت للحظات.
ثم مرر يده داخل خصلات شعره بإرهاق وقال:
_ طيب... انا متفهم كل دا بجد بس انتي شفتي بنفسك الفترة اللي فاتت دي كانت صعبة على الكل والكل شال فوق طاقته.
تنهد وتابع:
_ وبعدين انا مش بتكلم عن الفترة بتاعت الشغل والضغط اللي فات دا، انا بتكلم عن فترة قبل كدا بكتير.. حاسك مش طيقاني.. مش عايزة تبصي في وشي.. حاجة كدا..
ردي انا عملت إيه؟
متسيبنيش واقف محتار كده.
نظرت إليه للحظة، لكن ملامحها ظلت متحفظة بينما أدرك هو أن وراء هذا الصمت كلامًا كثيرًا لم تقله بعد.
فاقترب منها أكثر وقال في ابتسامة:
_ تعالي نامي في حضني النهاردة.. الحب والمودة هيدوّبوا أي نزاع بينا
_ والله!
دا الحب الافلاطوني دا ولا إيه!
تنهد ثم اقترب منها أكثر وقال في هدوء:
_ انا مقدر زعلك جدا.. في نفس الوقت مش عارف انا عملت ايه قبلها زعلك علشان حتى اعتذر عليه
_ قولتلك ولا حاجة
أنهت كلامها ثم تسطحت على السرير وتابعت:
_ انسى مفيش حاجة، ضغط شغل مش أكتر
اقترب منها ثم جلس على طرف السرير بالقرب من موضع نومها وانحنى برأسه قليلًا نحو وجهها وقال في ابتسامة:
_ وحشتيني اوي.. أنا عايزك
دفعته بكلتا يديها فجأة فاختض من رد فعلها وتفاجأ، فصاحت محذرة إياه:
_ اوعى تفكر تقرب مني تاني، سامع ولا لا؟
مش علشان مرة قربت مني تفتكر إنه دا العادي، هي كانت مرة وخلاص خلصنا متحلمش إني هسييك تقرب مني تاني إلا أما تبقى راجل مالي مركزك وهدومك وتملى عيني.
خليتك تقرب مني على أساس يكون ليك مركز ولّا أي زفت في الشغل أو على الاقل اشوف تطور لكن مفيش خالص، مفيش تحرك مفيش طموح مفيش أي جديد مفيش حاجة خالص.
نظر إليها بنظرة بها الخذلان وقلة الحيلة فقد عادت إلى طريقتها تلك مرة أخرى بعدما ظن أنها اختارته وأحبته، ها هي بدأت تهينه وتقلل منه ومن شأنه ورجولته مرة أخرى.
وقال لها في نبرة صوت ضعيفة :
_ انتي رجعتي تعملي معايا الحركات دي تاني؟
ردت في صوت عالي:
_ تاني وتالت وعاشر كمان.
فوق لنفسك يا حسان ها، فوق لنفسك علشان أنا صبري بدأ ينفد.
خليك راجل زي اخواتك وامسك قسم وابهرني وانا أقبل بيك زوج والا هنتطلق انا خلاص جبت أخري...
أنهت كلامها بتلك اللهجة الحادة شديدة القسوة ثم نامت واغمضت عيناها.
رماها بنظرة باردة ساكنة خالية من أي مشاعر و أحاسيس ثم قام من مكانه وقرر أن يخرج إلى الحديقة ليستنشق الهواء بعدما خنقته كلماتها...
************
جلست ماهي على طرف السرير ترتدي ملابسها ببطء شديد.
كانت قد انتهت من معظم ما تفعله، لكنها ظلت تنظر إلى الفراغ أمامها دون أن تشعر شاردة.. بعيدة.
وكأن عقلها في مكان آخر تمامًا.
منذ أن عرفت ذلك الأمر وهي عاجزة عن استيعابه تعيد التفكير فيه مرة تلو الأخرى تحاول أن تجمع الخيوط أن تفهم متى بدأ كل شيء وكيف مرت تلك التفاصيل دون أن تنتبه لها أحد؟
هل كان الأمر موجودًا منذ البداية؟
أم حدث لاحقًا؟
وهل كانت ساذجة لهذه الدرجة؟
أم أن هناك أشياء لم تكن تراها أصلًا؟
أغمضت عينيها للحظة.
ثم تنهدت ببطء:
لا...
لا بد أن هناك جزءًا ناقصًا شيء لا تعرفه بعد لأن ما اكتشفته وحده لم يكن كافيًا.
هبط بصرها إلى الأرض وهي تغرق أكثر في أفكارها حتى اهتز هاتفها فجأة انتفضت من شرودها ونظرت إلى الشاشة كانت رسالة من شهاب.
"أنا تحت."
رمشت عدة مرات وكأنها عادت إلى الواقع للتو ثم أغلقت الهاتف ونهضت من مكانها.
بعد دقائق قليلة كانت تجلس بجوار شهاب داخل السيارة.
التفت إليها مبتسمًا وقال:
_ صباح الخير.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وردت:
_ صباح النور.
نظر إليها للحظات ثم قال:
_ مالك؟
التفتت إليه سريعًا وردت:
_ مالي؟
_ سرحانة.
حاولت التهرب من السؤال قائلة:
_ عادي.
ابتسم وهو يهز رأسه وقال:
_ أنا عرفتك خلاص، كلمة عادي دي معناها إن في حاجة.
تنهدت وهي تنظر من نافذة السيارة وردت:
_ مجرد تفكير مش أكتر.. يعني ماكنتش متخيلة إني هبقى أم بالسرعة دي، او مش مصدقة إني بقيت أم.. مش عارفة
ابتسم ثم مد يده وربت على يدها برفق وقال:
_ متفكريش كتير وتتعبي نفسك، انتي بقيتي أم ومش أي أم، بل بقيتي أعظم أم لأجمل طفل في الدنيا.
نظرت إليه وقالت:
_ بجد؟ انت فعلا شايف إني هكون أم كويسة لزين؟
_ طبعا يا روح قلبي، دا كفاية حنية قلبك بس عليه وحبك ليه
ابتسم ابتسامة دافئة وتابع:
_ انسي أي حاجة تدايق بقا النهاردة لأن النهاردة عندنا مهمة أهم.
سألته في ابتسامة رغم أنها تعرف الإجابة:
_ إيه هي؟
_ هنروح نشوف ابننا.
ولأول مرة منذ استيقظت ذلك الصباح اختفت كل الأفكار من رأسها دفعة واحدة.
وارتسمت ابتسامة حقيقية على وجهها.
وردت:
_ حقيقي متحمسة اوي اوي.
تعرف ان بابا كلمني النهارده الصبح قبل ما ألبس علطول؟
_ بجد؟
_ اه، اطمن عليا وعلى زين وقالي انه قد ايه مشغول جدا وكان نفسه يقدر ينزل بس في الغالب لسه هينزل الأسبوع الجاي بسبب مشاكل في الشغل
_ اه هو كلمنا وقال، حقيقي ربنا يكون في عونه، الموضوع مش سهل.
هو اصلا شايل الهم من غير ما يعرف اللي حصل هنا تخيلي له عرف؟
_ محدش قاله؟
_ لا، فاتح رفض وقال احنا هنحل مشاكلنا بنفسنا، اصلا الشيخ مش ناقص هم فوق همه.
شردت قليلًا... ثم قالت في نبرة بها الحزن:
_ وحشني اوي... عايزة بابا يرجع بسرعة يا شهاب.
كنت مخبية عليه زعلي إنه مش جمبي طول المدة دي، طول الكول لاني عارفه هو في ايه، بس اعمل ايه غصب عني، محتاجاه جمبي!
رد عليها في اهتمام:
_ في إيه يا حبيبتي طيب؟
محتاجة إيه وانا اوفرهولك؟
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ عايزة بابا.. عايزاه جمبي وبس
_ انا مقصّر في حاجة؟
_ لا يا حبيبي خالص ربنا يخليك ليا.. كل الموضوع إني اشتقت لبابا مش أكتر
نظر إليها في استغراب فمنذ وقت طويل وهو يتعجب منها ومن ردود أفعالها ولكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر لذا سكت...
وبمجرد وصولهما إلى المستشفى، شعرت ماهي أن قلبها بدأ يخفق بسرعة سارت بجوار شهاب حتى وصلا إلى قسم الحضانة
اقتربت من الممرضة وقالت في شيء من التوتر:
_ صباح الخير... الدكتور كان قالي المرة اللي فاتت إن ممكن أشوف زين النهاردة.
ابتسمت الممرضة فورًا وردت:
_ أيوه يا مدام ماهي، وحالته الحمد لله مستقرة جدًا.
شعرت ماهي وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها.
ثم تابعت الممرضة:
_ اتفضلي معايا.
تبادلت النظرات مع شهاب قبل أن يدخل خلفها.
ما إن وقعت عيناها على زين حتى توقفت خطواتها.
كان صغيرًا للغاية أصغر مما تخيلته فشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع فورًا.
اقتربت أكثر وأكثر حتى وقفت أمامه تمامًا.
ابتسمت الممرضة وقالت:
_ تحبي تشيليه دلوقتي؟
التفتت إليها ماهي بسرعة وقالت:
_ أه أه جدا
ساعدتها الممرضة بحذر حتى حملته بين ذراعيها وفي اللحظة التي استقر فيها زين داخل حضنها، شعرت أن العالم كله اختفى لم تعد تسمع شيئًا ولا ترى أحدًا، كل ما كانت تشعر به هو دفء ذلك الجسد الصغير بين يديها.
انهمرت دموعها بصمت وضمته إلى صدرها بحنان شديد ثم أغمضت عينيها واستنشقت رائحته.
رائحة طفلها رائحة ابنها، رائحة صغيرها.
قبلت رأسه الصغيرة برفق ثم قبلته مرة أخرى.
وابتسمت وسط دموعها وتفوهت:
_ حبيبي... حبيب قلب ماما.. روح قلبي وحبيب عمري
رفعت رأسها نحو شهاب وقالت وعيناها قد امتلأت بالدموع:
_ بص يا شهاب؟
ابننا، ابننا أهو.. اخيرا بقيت شايلة حتة منك بإيديا.
أرته الصغير وهي تملي عيناها منه فهي لا تشبع من رؤيته ابدًا واضافت:
_ شوفه يا شهاب...
شوف زين.
اقترب شهاب منهما أكثر وقد بدت السعادة واضحة على وجهه ثم حمل زين بحذر شديد وذلك بعدما ساعدته الممرضةوظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة دون أن يتكلم، فقط يبتسم.
أما ماهي فكانت تراقبهما والدموع لا تزال تلمع في عينيها.
تشاهد زوجها يحمل ابنهما للمرة الأولى وتشعر أن تلك اللحظة وحدها تستحق كل ما مرت به.
لكن الوقت مر سريعًا فاقتربت الممرضة بلطف قائلة:
_ معلش... لازم يرجع الحضانة دلوقتي.
تعلقت عينا ماهي به فورًا وكأنها لا تريد تركه لكنها كانت تعرف أن ذلك لمصلحته لذلك سلمته للممرضة بهدوء وظلت تتابعه بعينيها حتى عاد إلى مكانه.
ثم وقفت خلف الزجاج تنظر إليه طويلًا.
قبل أن تهمس بابتسامة صغيرة:
_ استنى بس شوية يا زين، هانت يا حبيبي هانت وهتبقى في حضن ماما على طول...
***********
وعقب مرور ثلاث أيام، وكان يوم الجمعة المنتظر.
كانت هانيا تقف أمام المرآة تعدل شعرها بعدما تحممت للتو.
أما جياد فقد كان يتجهز ويرتدي ملابسه وهكذا حتى يخرج لمقابلة أخويه " فاتح ويزيد " ليتحدث معهما عم يحدث في القصر وعم صدر من أهلهم في شقته في المعادي مثلما قال لهم.
اقترب من زوجته حينها ثم ضمها من ظهرها وطبع قُبلة على عنقها وقال في ابتسامة:
_ انا خارج دلوقتي اهو يا بطاطتي يدوب جهزت
_ تمام.. بس متنساش، الكلام هيكون في حدود اللي اتفقنا عليه انا وانت وروني
_ حاضر متقلقيش
عدلها من كتفيها ليجعلها تنظر إليه واضاف في ابتسامة:
_ ساعة زمن بس بالكتير اوي وراجعلك هوا، علشان بتوحشيني كل ثانية ومقدرش افضل بعيد عنك كتير.
تنهد وتابع:
_ النهاردة اجازتي هقضيها معاكي كلها باستثناء الساعة دي، هفضل لازق فيكي اليوم كله.
ابتسمت وردت:
_ ماشي يا عم، يلا روح بقا مضيعش وقت
وضع قُبلة على خدها وقال:
_ يلا انا رايح، سلام
_ سلام
وبعدما ذهب علقت في ابتسامة:
" مجنون "
*************
دخل شهاب مكتب الشرطي بعدما سمح له والجدير بالذكر أنه قد جاء بناء على استدعاء الشرطي له.
جلس الشاب بأمر الشرطي وقال في قليل في التوتر:
_ نعم يا فندم؟
حضرتك طلبتني
_ مستر شهاب، انت من كام اسبوع كدا، كنت قدمت بلاغ إن أختك مخطوفة وقدمت صور العربية اللي اتخطفت فيها وقدمت صورها هي شخصيا، مظبوط؟
هز رأسه مؤكدًا فهو من فعل ذلك بالضبط بعدما نصحته هانيا بأن يقدم بلاغًا.
وقال:
_ ايوا يا فندم مظبوط
تنهد الضابط ورد:
_ رجال الأمن خلال بحثهم، عثروا على جثة بنفس المواصفات اللي انت قلت عليها بالظبط علشان كدا كنت حابب إنك حضرتك تبص عليها وتتعرف وتشوفها هل هي أختك الآنسة وعد يحيي مظهر ولا لا...
اختفت معالم ملامح الشاب وفقد النطق تقريبًا للحظات...
*************
كانت روني تصعد السلم واذ بها فجأة تسمع صوت صراخ مصدره من الخارج ثم ارتطام قوي بالأرض جعل قلبها ينتفض مكانه.
لم تتابع الصعود بل ركضت في سرعة مذعورة تتجه إلى الخارج، إلى خارج القصر حيث الصوت وبمجرد أن خرجت من الباب، وجدت ماهي مرمية على البسطة الرخامية العريضة أمام مدخل القصر، غارقة في دمائها.
شهقت شهقة طويلة، شهقة بها ذعر ورعب واضح.
التف جميع أفراد الأمن نحو الفتاة الملقية.
خرجت أسيل في عجلة هي الأخرى في خضة وبمجرد أن رأت الفتاة الملقية، صرخت صرخة عالية.
ثم صرخت صرخة أخرى:
_ يالهوي يالهوي، هانيا قتلت ماهي...
وفي لحظتها، رفعت روني رأسها إلى الأعلى، فوجدت أختها هانيا تقف على طرف سطح القصر، تنظر إلى الأسفل على ما حدث وقد شكّل الذعر ملامح وجهها واحتل الرعب جفونها.
توقف الزمن عند تلك اللحظة ولا تسمع منها أي همس أو حركة فقط صمت.. فقط تجمدت مكانها... ألتقت عيناها بعيني أختها الناظرة إليها في عدم تصديق.. بينما لم يسد في ذلك الوقت على الجميع إلا..... الصَّــــــدْمَــــــة.
************
البارت دا خد مني وقت ومجهود جبار بجد وكتبته رغم انعدام تام في الشغف، فلو وصلت لاخره سيب فوت و كومنت برأيك في البارت بصفة خاصة وفي الجزء الأول كله بصفة عامة.
للي هيعمل ريفيو زي ما اتفقنا فوق في التعليمات، ياريت بدون حرق للأحداث علشان الناس اللي مش بتحب الحرق وياريت يا جماعة متحرقوش الأحداث خالص لأي حد يتكلم عن الرواية ولا في الكومنتات خليهم يستمتعوا بالقراءة هما ويكتشفوا الأحداث.
بس كدا دمتم بخير
في لقاء قريب إن شاء الله
سلمى خالد احمد ♥️